Advertisement

الأزمنة والأمكنة



الكتاب: الأزمنة والأمكنة
المؤلف: أبو على أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي الأصفهاني (المتوفى: 421هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت
الطبعة: الأولى، 1417
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
المرزوقي

أبو علي أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي الأصفهاني (ت 421 هـ)
كان من أهالي أصفهان. وكان خارق الذكاء عالي المواهب ومن أهل الاستدلال والبرهان، صاحب تآليف راقية.
قرأ كتاب سيبويه على يد أبي علي الفارسي وأخذ يتلقى العلوم حتى لمع في سماء العلم والمعرفة. يذكر الصاحب بن عباد بأن أصفهان تضم ثلاثة من أساطين العلم وهم: الحائك والحلاج وإسكاف والمراد بالحائك هو نفس المرزوقي.
وكان أستاذا لأولاد بني بوية في أصفهان.
آثاره
الكتب التي وصلت بأيدينا منه على ما يقوله ياقوت هي: شرح الحماسة، شرح المفضليات، شرح الفصيح، شرح أشعار هذيل، الأزمنة والأمكنة، شرح الموجز، شرح النحو.
(/)

الجزء الأول
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
نضع بين يدي قرائنا الكرام كتاب الأزمنة والأمكنة فهو كتاب جامع شامل الموضوعات لها من الأهمية شأن كبير في معرفة علوم زاد الاهتمام بها في الماضي كثيرا وما يزال الاهتمام بها في العصر الحاضر يأخذ مجالا واسعا لكونها تبحث في الطبيعة وفي حركة الكواكب وتسمياتها وقوانينها وهي قاعدة انطلاق أساسية في العصر الحاضر للتعرف على الفضاء وعلى معرفة جوانب منه ما زالت غامضة وتشغل الكثير من العلماء في العصر الحاضر ويعتبر الكشف عنها أو البحث فيها يخدم الإنسانية فهي مترابطة إلى حد بعيد مع بعضها فالعلوم جميعا تكمل بعضها البعض فإثبات صحة تجربة علمية أحيانا وللتأكد من نجاحها يتطلب إجراء اختبارات لها في الفضاء لهذا فإن أجدادنا العرب في الماضي اهتموا كثيرا بالعلوم التي كان لها علاقة مباشرة بحياتهم في حلّهم وترحالهم ومن أهم هذه العلوم علم الفلك الذي كان له دور كبير ومرتبطا ارتباطا وثيقا بهم لمعرفة أحوال الجو وللاهتداء بالنجوم والكواكب في السير ولمعرفة الزمن وأقسامه، وأدركوا مدى الارتباط بين الزمان والمكان وأهمية هذا الترابط الوثيق بينهما لدرجة أنه لا يمكن لأحدهما أن يكون بدون الآخر.
وقد قسّم الكتاب إلى أبواب وفصول اشتملت على مضمون الكتاب حسب تسلسل الحروف الأبجدية وقد بدأها في ذكر الآي المنهية من القرآن على نعم الله تعالى على خلقه في آناء الليل والنهار وفي ذكر أسماء الزمان والمكان ومتى تسمى ظروفا ومعنى قول النحويين الزمان ظرف الأفعال. المهم أن العناوين تجسدت فيها روح النصوص ولم تنفصل عن بعضها البعض فكلها أعطت للكتاب أهمية خاصة في جعله وحدة متكاملة مثل أسماء الشمس وأسماء القمر وختمها في ذكر مشاهير الكواكب التي تسمى الثابتة وغيرها المتحركة.
أما المؤلف فقد كان له باع طويل في رفد العلم بمؤلفاته الفريدة في فنون العلوم فقد
(1/3)

ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ج 17/475 فقال إمام النحو أبو علي أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي وذكره ياقوت الحموي في معجم الأدباء 5/34، 35 كما ذكره صاحب كتاب انباه الرواة وغيره وقد عاش أبو علي وعمر طويلا فقد قارب التسعين عاما وتوفي في ذي الحجة سنة إحدى وعشرين وأربع مائة وكان له أكبر الأثر في إتحاف المكتبة العربية بمؤلفاته العلمية والأدبية.
(1/4)

[مقدمة المصنف]
(الجزء الأول) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي لا تحصى آلاؤه بتحديد، ولا تعد نعماؤه بتعديد، خالق الظّلم والأنوار بعجائب صنعته، ومالك المدد والأقدار بغرائب حكمته، فله في كلّ ما أنشأ وابتدع، وفي جميع ما أوجب واخترع، عند تناسخ الأزمنة في أهاليها وتعاقب الملل والدّول بين مترفيها، آماد ورتب وآيات وعبر لا يجمع جملها إلّا إدراكه وعلمه، ولا ينوّع تفاصيلها إلّا إحصاؤه وحفظه، وإن كان كثير منها يحصله العيان ويصوّره الأذهان من الأفلاك وبروجها، ومنازل النّيرين فيها واستمرار مسيرها في حدي الاستقامة والرّجعة والبطر، والسّرعة، وتكوير اللّيل على النّهار، وتكوير النّهار على اللّيل وتبدّل رطوبتها وبردها وحرها ويبسها ولينها، وتغيّر أدوار النّجوم في طلوعها وأفولها، قال الله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
[سورة التكوير: الآيات 15- 18] وفي الاختفاء عن بعض الأمصار وظهورها وتساوي الجميع في الدّلالة على حكم الآثار، وله الخلق والأمر، وإليه المرجع والمستقر، تبارك الله أحسن الخالقين وصلاته على من اختاره للنّذارة، وتبليغ الرّسالة، فصدع بأمره وأدّى حقّ نعمته في خلقه محمد وآله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فإنّ الإنسان وإن كان ذا لدد وخصام، وجدال فيما يهوى وجذاب بتيقن الحوادث بوجه الثّبت، ويتسبّب إلى الازدياد، بحب التّوسع فيرى جلائل الأقدار كأنّها تواريه أو تلاعبه، ويحسب غوائل الأخطار كأنّها تساوفه أو تسابقه، ترشح بما رشح له عناصره عند الاختبار، وتجليه لما هيئ له مكاسره لدى الاعتبار، فهم فيما يتردّدون فيه طلعة خباءة، وعن صفايا غنائمهم غفلة نومه لا يردون مستنكرا، ولا يجدون عند الزّلة مستمسكا، نجدهم على تفاوت من أجسامهم، وأقدارهم، ومناشئهم، ومدارجهم، وأسماحهم، وإيابهم، ومآخذهم في استقراء مآربهم، وفي أداتهم، ولغاتهم، وصورهم وهيآتهم واقتراحاتهم وشهواتهم وأقواتهم، ومطاعمهم وحرفهم ومكاسبهم، وتباين ألسنتهم وألوانهم، وعلى تنافس بينهم شديد، وتحاسد في خلال أحوالهم عجيب، وتضاغن يلوح من مستكن سرائرهم، وتباغض يبوح به تداني جوارهم.
(1/5)

قد جبلوا على ما إليه سيقوا، وخلقوا لما عليه أدبروا، متوافقين في الانجذاب إلى مدى من حب الوطن والسّكن، والصّبر على مراري الزّمن، والاستظهار في تخليد الذّكر باتّخاذ المصانع المؤبّدة، والمباني المشيّدة، كالخورنق، والحضر، والأبق الفرد، وغمدان، والمشقر، والهرمين، ومنف، وهو مسكن فرعون وتدمر والشّعراء ذكروها في ذلك قوله:
اشرب هنيئا عليك التّاج مرتفعا ... في رأس غمدان دار أمنك محلالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فماذا بعد أبوالا
وقول الآخر: شعرا:
ماذا أؤمّل بعد آل محرّق ... تركوا منازلهم وبعد إياد
أهل الخورنق والسّدير وبارق ... والقصر ذي الشّرفات من سنداد
أرض تخيّرها الطّيب مقيلها ... كعب بن مامة وابن أمّ داود
وقول الآخر شعرا:
وأخو الحضر إذ بناه وإذ ... دجلة نحيى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلّله كلسا ... فللطّير في ذراه وكور
وقول النابغة:
وخيّس الجنّ إنّي قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصّفائح والعمد
وكإيوان كسرى أنوشيروان، وهي من الأبنية القديمة والتّهالك في مناصب القرون الخالية، والأرزاء بمناصبهم وطلب التقدّم عليهم فيما حمدوا فيه وإن كان كلّ منهم يذمّ زمانه ويحمد زمان غيره حتى روي قول لبيد شعرا:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
ومن قول عائشة رضي الله عنها فيه ما روي:
وسار متى قصروا عنه ذمّوا ... وإن ما هم استأنسوا فيه ملّوا
لا جرم أنهم ابترموا مما اختبر لهم فيجمعوا أيديهم عليه موثرين لقبوله، ومقتنعين بحصوله كمن اطّلع على ما أبدله في القسم فاغتنمه، وأوذن بما أعدله عند السّوم فاختصبه، فترى ذكر الزّمان في المكان في جميع ما يندرجون فيه شقيق أرواحهم ومشرع الرّوح لأفئدتهم ومستمد لذّاتهم، ومشتكى أحزانهم، به يكشف البلوى ويستنزل المطر، فليسوا
(1/6)

بشيء من حظوظهم أقنع منهم باجتماع الوطن والمطر، واستطلاع المستنجد من العين والأثر، لذلك قال شاعرهم:
وكنت فيه كممطور ببلدته ... فسر إن جمع الأوطان والمطرا
وقد قيل: ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم، فلولا ما منّ الله تعالى به على طوائف الأمم وعصائب الزّمر من الألطاف في تحبيب ما حب وتأنيس من أنس، والمنع من الاستيثار والاقتدار، والاجتهاد بنهمة الاقتار، لما رضيت المهج الكريمة بمجاورة البلاد والدّيار، ولا سكنت القلاع، في قلل الجبال والتّلاع، ولا عمرت المهاري والأرانب في مساكن الأسود والضّباع، ولا نبت حبال الألفة.
ونقطع نظام ما له فسبحان من جعل الاختلاف سببا للائتلاف، وبدل التنافر فصيّره داعيا إلى التّوافق، ولله الحمد على ما أمضى وقدر، ونسأله التّوفيق فيما أتى وغبر، وقل عن اشتمام الأبنية الرّفعة إلى غاية ما في نفوسهم، بل يدّعون منه شياحين يلزمهم اسم التمام والفراغ ليس للكلام نهاية، ولا لاختلافهم غاية، لأنّ عددهم كثير، والنّظر فيهم قديم وطبائعهم مختلفة، وقواهم متفاوتة وألسنتهم مرسلة، وخواطرهم مطلقة، ولو كان الفاسد يشعر فساده، والمنقوص يجد مسّ نقصه لكان الفاسد صالحا والنّاقص وافرا.
وروي عن النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: «من باع دارا أو عقارا، فلم يجعل ثمنها في مثلها كان كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف» .
وذكر أحمد بن أبي طاهر أنه سمع آذرباد المؤبد يقول: إنّه وجد في حكم الفرس تربة الصّبي تغرس في القلب حرمة كما تغرس الولادة في الكبد رقة، ومما قيل في الوطن:
عجبت لعطار أتانا يسومنا ... بدسكرة القيوم دهن البنفسج
فويحك يا عطار هلّا أتيتنا ... بضغث حزار أو بخوصة عرفج
وقالوا: خلق الله آدم من تراب فهمته في التّراب، وخلق حواء من ضلع من أضلاع آدم فهمتها في الرّجال، ومما يعرف به موقع الوطن والزّمن من ذوي البصائر السليمة والعقائد الصّحيحة قول جرير:
سقى الله البشام وكلّ أرض ... من الغورين أنبتت البشاما
فيا نعمى الزّمان به علينا ... ويا نعمى المقام به المقاما
فجمعهما في قول، وأنشدني أبو أحمد العسكري، قال أنشد الصّولي:
سقى الله دار الغاضريّة منزلا ... ترفّ عليه الرّوض خضر الرّفارف
(1/7)

وأيامنا والغاضريّون خضر ... وعيشي بهم يهتز لدن المعاطف
ورأينا الله تعالى قسم مصالح خلقه ولذائذهم بين المقام والطّعن فجعل أكثر مجاري الأرزاق مع الحركة والاضطراب، واغتنام الأرباب بعد التقادي في البلاد لذلك قال الشاعر:
فألقت عصاها واستقرّت بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر
وقال آخر:
سررت بجعفر والقرب منه ... كما سرّ المسافر بالإياب
وقد شهد أصحاب المعاني لابن الرومي، فقالوا: لم يبن أحد العلة في الحنين إلى الوطن إبانته حين قال:
وحبّب أوطان الرّجال إليهم ... مآرب قضّاها الشّباب هنالكا
وقد قال الأسدي أيضا شعرا:
أحبّ بلاد الله ما بين منعج ... إليّ ورضوى أن نصوب سحابها
بلاد بها نيطت عليّ تمائمي ... وأوّل أرض مسّ جلدي ترابها
وأخذه ابن ميّادة فقال:
بلاد بها نيطت عليّ تمائمي ... وقطّعن عنّي حين أدركني عقلي
وقال بعض أصحاب المعاني: العلّة التي من أجلها تساوت الطّباع المختلفة في الحنين إلى الألّاف، وحب ما مضى من الزّمان هي أنّ الذّوات فينا ومنا لما كانت لا تحصل إلّا في مكان وزمان صارت لتضمّنها لهما ولكونهما ناشئة حياتها وفاتحة شبيهتها، وطالعة نمائها، تشوقهما وتستنشىء على البعد أرواحهما حتى كأنّهما منها.
وفسّر بعضهم قول ابن الرومي، فقال: يريد بالمآرب المقضيّة للشبّاب ما أقامه الصبيّ من روادف الهوى، وقد ظفر بالمرتاد، أو كان على استقبال من العمر وقوة من الركن، واستعلام من الأمل، واستخبار من الأجل، وتماسك من الجوارح وتساعد من الأعضاء الحوامل، ورخاء من البال وأمن من عوارض الآفات.
والذي شرحه هذا المفسر الزائد فيه على مذهبهم كالواصل إليه لاجتماعهما في غواشي العشق والصّبر تحت بيان الحب رجاء الفوز بالمراد، وأظنّ جميعه في قول امرئ القيس:
وهل ينعمن إلا خليّ مخلّد ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال
(1/8)

وهذا في قضايا الأوقات كما اقتصّ الجاحظ من تعصّبه لمصره، فقال: من فضلة البصرة ما خصّت به من أرض الصّدقة إنه لا يسوغ تغيّرها ولا يتهيّأ تبديلها، ومن المد والجزر المبخر خصوصا لأهلها المجمول نوما بين قاطنها ومسافرها، ومصعدها، ومنحدرها على مقابلات من الأوقات ومقادير من السّاعات، وعلى منازل القمر في زيادة النّور وامتلائه، ونقصان ضوئه واستسراره، فلا يعرف مصر جاهلي، ولا إسلامي أفضل من البصرة، ولا أرض جرى عليها الآثار أشرف من أرض الصّدقة، ولا شجرة أفضل من النّخلة ولا بلد أقرب برا من البصرة، فهي واسطة أبجر، وخضراء من بداو، وريعاء من فلاة، وقانص وحش من صائد سمك، وملاحا من جمال من البصرة.
فهي وسطة الأرض وفرضة البحر ومضبض الأقطار، وقلب الدّنيا فساحله بعض المتقضية للغيث، وبلاده بأن قال: الكرمة أفضل الأشجار، والعنب سيّد الثمار، ناعمة الورق كأنّها سرقة ناضرة الخضرة بديعة الشكل، سلسة الأفنان، رقيقة الجلد عند المذاق يسرح في البدن نورها، وفي القلب سرورها، مع ذكاء العرق وصحّة الجوهر إن عرشت على عمد الخشب، وطبقات القصب تضاعف علتها، وتكامل حسنها ودخلها ورأفة جهارتها وأنق ينعها، وإن بسطت أغصانها على الدّار التي هي فيها أظلّت وإن مدّت على الجدران وقيدت إلى حدود الجيران سامحت قائدها وقلّ اعتياضها تغني عن الشارات والفساطيط، وتكفّ صيد الحر في حمارة القيظ، واحتدام الشمس أوان الحاجة إلى الرّوح وترّد عواصف الرّياح وقواصفها، بكثافة ورقها، وضفاقة ظلّها في كلام يتّصل بين الفريقين ولا ينقضي.
وليس من همتي ولا سدمي إنما أردت التّنبيه على أنّ كلّ ذي أرب همّته في نظرية بلدته طبعا لا تكلفا وكل ذي سبب نهمته في تزكية ممكنة عمدا لا سهوا، ثم حسن الشّيء وقبحه وفضله ونقصه لما عليه في نفسه لا لجوى راصد أو ألف جاذب. والحديث شجون، والفخر بالشيء فنون، لكنّ الله تعالى لمّا ذكر الدّيار فخبر عن موقعها من عباده حتّى سوّى بين قتل نفسهم والخروج من ديارهم في قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
[سورة النساء: 66] وفي موضع آخر: وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا
[سورة البقرة: 24] جعل لهم في الأرض بيتا نسبه إلى نفسه بإزاء البيت المعمور لملائكته، وصيّره حرما وأمنا، ومثابة للناس، ومطافا يلوذ به الخائف ولو كان من الوحش.
كما يأوي إليه الهارب من الأنس عظيما شأنه منيعا جاره لا يغشى أهله غضاضة الامتهان، ولا سأمة الابتذال، فهم على مر الأيام وكلة وحمس في أديانهم متمنعة، وقد كان من الفيل والحبشة ما أرّخ به الزّمن كما أرّخت الحوادث والنّحل، وكما قيدت أيام النّبوات
(1/9)

بما يكشفها من أنباء الفترات وأحوال الأنبياء والمعجزات، وذكر الله تعالى النعمة على قريش، فانبأ عن رحلة الشّتاء والصّيف بعد أن دعا إبراهيم عليه السلام لسكان مكّة فقال:
رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ
[سورة البقرة: 126] ، وقد كان قال:
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ
[سورة إبراهيم: 37] فاستجاب الله دعوته فهم يصيفون (الطائف) ، ويشتون (جدّة) وأنواع الخير منهم بمرصد وفعل مثل ذلك في الزّمان فعظّم ليلة القدر وجعلها خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
بما ضمّنها من تنزّل الملائكة بقضاياه إلى رأس الحول، ولأنّها ليلة السّلامة والأمن من كل داء وبلاء إلى مطلع الفجر.
فالحمد لله الذي بنوره اهتدينا وبفضله غنينا، حين أدب الأخلاف بما درج عليه الأسلاف، وقرن العبادة باعتبار ما أمضى عليه القرون الماضية في الدّهور الخالية فإنهم وإن مضوا سلفا فقد السّبيل عليهم، والنّاس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، وقد أكثرت، وظهر الفرض فيما أبدأت، وأعدت، والتّرفية عن المطبة أعون في إملاء قطع الدود أنّ من نكص عن المنهاج تاه في الفجاج، فإنمّا هذا الكلام وصلة إلى كتاب في الأزمنة والأمكنة، وما يتعلّق بهما من أسماء اللّيل والنّهار والبوارح «1» ، والأمطار، والمزالف، والمآلف، وما أخذ أخذها مما تعداده يطول وينطق به الحدود بعد هذا.
والفصول فقد قدّمت ذكرها، وقد غبرت مدة من الزّمان، وهذا الكتاب منّي ببال أتصفّح ورقه بأيدي فكري، وأتصوّر مضمونه في مطارح فهمي، فينيلني إذا صادفته جموحا، ويوليني إذا صافحته ازورارا، وشسوعا، كأنه يطلب لنفسه حظا زائدا على ما أوتيه، وسهما عاليا لما أجيله فأعطيه إلى أن تبوأ من علو الوكد، والاهتمام في أعلى الرّبى، ومن مرتقى التّوفر في الاعتناء في أسنى الذرى.
فحينئذ أطلع الله على ضميري نور الأستاذ النفيس أبي علي إسماعيل بن أحمد أدام الله رفعته، وبرهان سلفه قرنا بعد قرن، وكابرا عن كابر من كمال النبل، وجماع الفضل والجمال الظّاهر، والكرم الغامر، والنّهوض بأعباء الرّئاسة، والاستظهار في أنحاء السّياسة، وتدبير المسالك والمهالك، والمدائن والممالك، والميل إلى ذوي الأخطار، وأعلام الآداب.
فهم يكرعون من جداهم في أعذب المشارع، وأكرم الموارد.
هذا إلى ما حباه الله في خاص وعام قصده من محييات القلوب، ومزيات القبول. فإنّ العزيز الشريف والنّبت الرّفيع إذا أشر بالدّونة المعطف، وسهولة الملتقى، والمختبر ترجما عن الكمال، ووفرا ابهة الجلال. وهذا الثناء منّي ليس على طريقة المادحين فأتجوّز، ولا
(1/10)

قصدي فيه قصد المجتدير فأتسّمح، بل إملاء طول الصّحبة بلسان الخبرة، فعليه فيه حكم الحق والمعلوم مع تواطؤ الأخبار عنه وشهادة الإثار له، وتوارد الوسائل فأقبل بتغاير أبوابه، وانثال عليّ وتسابق أجزائه، وفصوله تنساق إليّ كأنه كان من رباط الشّد في عقال فأنشط، ومن حفاظ المنع في وثاق فأهمل، وبيد الله تعالى أمره تسهيل المراد وتعجيل الفراغ بحوله ومنه.
واعلم أنّ رؤساء الأمم أربعة بالاتفاق: العرب، وفارس، والهند، والروم وهم على طبقاتهم في الذكاء والكيس، والدّهاء، والكيد، والجمال، والعناد وتملك الممالك والبلاد، والسّياسة والإيالة، واستنباط العلوم وإثارة الحكم في جوامع الأمور ومعلوم شأنهم معروف أمرهم، وما في على طبقاتهم في الغباوة والعظاظة وسوء الفهم والدّراية والقسوة، والغذامة، والنّوك، والجهالة مراعون لما رهنوا به وقيضوا له، وقد صاروا إلى وجوه المعاش، وفنون الممارسات، والإغراب في أسرار الصناعات، والإبداع في أنواع التّركيبات، انفتح لهم من أبواب المعرفة، وحسن التّوفيق في الإصابة، ما لم ينفتح لهم في سواه وذلك ما لا يدرك غوره من غرائب حكمة الله تعالى فيما دبر، وامضى وإن كان للعرب خاصة طبع عجيب في الأخبار، والاستخبار، والمباحثة، والاستكشاف، وسرعة إدراك ما يسفر عن الأواخر عند النّظر في الأوائل، فحصل لهم بذلك أخلاق عادت مفاخر، وأفعال صارت مناقب، مع ثبات فيما يعز، وجلد، وبيان ولدد، وافتنان في الخطب والشّعر والرّجز على اختلاف أنواعها وتصاريف أساليبها، وعلى كثرة الأمثال الحكيمة، وطرائف الآداب الكريمة.
ثم لهم الفراسة الصّحيحة، والكهانة العجيبة، وصدق الفأل الحسن، والحسّ المصيب مع العلم بأثر القدم في الصّخر الأصم، والقاع العفراء، وقيافة الأثر مع قيافة البشر، ليست لغير العرب لأنّهم يرون المتفاوتين في الطّول والقصر، والمختلفين في الألوان والنّعم فيعلمون أنّ هذا الأسود ابن هذا الأبيض، وهذا القصير ابن أخ هذا الطّويل، مع الرّعاية لأنسابهم وأيّامهم، ومحاسن أسلافهم ومساوىء أكفائهم، للتّعاير بالقبيح والتّفاخر بالجميل، وليجعلوه مبعثة على اصطناع الخير، ومزجرة عن ادخار الشّر، ولهم تبين أحوال النّجوم سعدها ونحسها، والأنواء ومقتضياتها والأمطار ومواقيتها، وبوارح الرّياح في إبّانها وحينها، والزّجر المغني عن التّنجيم وحسن الاهتداء في المسالك المهلكة، والمرامي غير المسلوكة.
وهم على كلّ حال من عيشهم يخافون مأثور الحديث ويتجرّعون من غوارب البحار، ويحبّون المادحين وتقريظهم، ويؤثرون على أنفسهم الخيل، وعلى عيالهم الضّيفان أصحاب حياء وأنفة، وجود، وفروسية، وفخر، وهمة لا تطل دماؤهم ولا يعجز طوائلهم، ولا
(1/11)

ينسيهم طول الأيام دفائن أحقادهم، يراعون الذّمم، ويوفون بالمواثيق، ويوجبون الجوار باعلاق الدّلو بالدلو وشد الطّنب بالطّنب حتى قال زهير:
وجار سار معتمدا علينا ... أجابته المخافة والرّجاء
فجاور مكرما حتّى إذا ما ... دعاه الصّيف وانصرم الشّتاء
ضممنا ما له فغدا علينا ... جميعا نقصه وله النّماء
ثم لم يرضوا لأنفسهم بالاسم الواحد، والكنية الواحدة، والنّعت الشّريف والذّكر الرّفيع والمنصب المفخم، والفخر المقدّم حتى تنقلوا في أسامي وكنى كما اكتنى حمزة بن عبد المطّلب بأبي يعلى- وأبي عمارة، وعبد العزى بن عبد المطلب بأبي لهب- وأبي عتبة، وصخر بن حرب بأبي سفيان- وأبي حنظلة، وحسان بن ثابت بأبي الوليد وأبي الحسام، وعثمان بن عفان بأبي عبد الله وأبي عمرو، أو أبي ليلى وعبد الله بن الزّبير بأبي بكر، وأبي خبيب وأبي عبد الرّحمن.
والذين أسماؤهم كنى كثير في العرب يسمّي بعضهم بعضا بسمات تفيد التّفخيم والتّعظيم كقولهم: ملاعب الأسنة، وسم الفرسان وزيد الخيل، ومحكم الأقران وأشباه ذلك. فهذه الخصال تختصّ بهم إلى كثير ممّا إن شغلنا الكلام به خرجنا عن الغرض المنصوب ولله تعالى في خلقه أن يفعل ما شاء، ويصطفي بفضله من شاء، وهو الحكيم العليم، ولولا اهتزازي لتقديم ما يتعلق به همّة برّ أشاد النّفيس، وسرعة إجابتي إذا أهاب لما رهبته، وليحصل لي به الفأل الحسن والذّكر المؤبّد، والالتذاذ بالدّخول في جملة أهل الفضل والاستنان بسننهم في إذاعة ما تكسيهم الأيام ويفيدهم الاجتهاد لبقيت في حجر الفن بما أورده لما أرى في أهل الزّمان من اطراح العلم، واحتقار أهل الفضل، ولا أزيد على هذا مخافة الخروج إلى ما يعد سرفا، بل أنشد قول الأول شعرا:
إذا مجلس الأنصار حفّ من أهله ... وحلّت مغانيه غفار وأسلم
فما النّاس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدّهر بالدّهر الذي كنت أعلم
واعلم أنّ قرب الشيء في الوهم ليس بموجب حصوله، ولا بعده فيه يقتضي بطوله، وهذا الكتاب ليس اختياري لعلمه لغلبته، ولا اشتغالي به عن شبهه لكنّي حصنته تحصين الحزم، وصنته صون العرض المكرم، فهو مذخورة المتلهف، وعقد المعتال المحتكم، ثمره عند الينع لا يخلف، وماؤه على الميح لا يكدر.
وقد قيل لحاضنك عليك حق اللّبن، ولتربتك حبّ الوطن، ولنسلك حرمة السّكن، ولطربك خلع الرّسن، كما أنّ لما تخلد به ذكرك من نثر أو نظم عليك شرف التّحلية، وحسن
(1/12)

النّعت والتّسمية، وجمع الفوائد الزّكية، وهجر الهوى والعصبيّة، وبيد الله تبليغ المراد وتوطير المرتاد.
واعلم أنّ مدار الأدب على الطّلب، وعمدته البحث، ومصرفه الرّغبة، والحث وأزمة الجميع بيد القريحة فإذا سلمت القريحة من عوارض الآفات وتملست من شوائب الأقذار، والعاهات، وترقّت في مدارجها من دلائل الرّسوم إلى حقائق الحدود أقبلت تصنع في نيل المطلوب صنعة من طبّ لمن حبّ، وإني وإن أنشأت هذا الكتاب فما في نفسي ادعاء الفضل على الأسلاف؛ وكيف أستجيز ذلك ومن ذكرتهم ننفق، وبشهاداتهم نتوثّق، وبين المسلم والمنازع ما بينهما من برزخ التّضاد، ولكن لمن ضمّ النّشر، وسوّى في البناء النّضد وتأنق في الإثارة، ثم بلغ وتناهى إلى الغاية، فسدّد حقه من العمل. نسأل الله تعالى حسن التّوفيق فيما نأتي ونذر، وعليه المعوّل في إيزاعنا شكر نعمته، وإعانتنا على ما تعرب من رحمته، ونعم المولى ونعم النصير.
هذا كتاب الأزمنة والأمكنة، وبيان ما يختلف من أحوالها ويتّفق من أسمائها، وصفاتها، وأطرافها، وإقطاعها، ومتعلقات الكواكب منها في صعودها وهبوطها وطلوعها وغروبها، وجميع ما يأخذ أخذها، أو يعدّ معها، أو لا ينفكّ في الوقوع والاستمرار منها، أو متسبّب بضرب من ضروب التّشابه، أو قسم من أقسام التّشارك إلى الدّخول في أثنائها موشّحة بما يصححها من أشعارهم وأمثالهم، وأسجاعهم ومقامات وقوفهم ومنافراتهم جادّين وهازلين، ومن كلام روّادهم وورّادهم وكتّابهم في ظعنهم وإقامتهم وتتبّعهم مساقط الغيث وبوارح الرّيح، وعندما يقيمون من الجدب، والخصب والسلم والحرب، وقري الضّيف في الشّتاء والصّيف، وأعيادهم، وحجهم، ونسكهم، ووجوه معايشهم ومكاسبهم، وآدابهم.
وقد صدرته بجميع آي من كتاب الله تعالى بعض حقائقه لتردد المعاني إذا شافهت الالتباس، بين الوجوب والجواز والامتناع فيتّسع أمد القول ويمتد نفسه بحسب الحاجة وعلى قدر العناية، ومن أنكر في طلب الحق واجبا، أورد جائرا، أو جحد ممتنعا فقد صافح الخذلان. كما أنّ من قصر وكده على ما لا يرد من دينه فائتا ولا يعمر ثابتا، فقد جانب حسن التّوفيق. وعلى الله في الأحوال كلها المعوّل والتّكلان.
وبعد الفراغ من ذلك أتبعته بالكلام في حقيقة الزّمان والمكان، والرّد على من تكلّم بغير الحق فهما بعد تتبّع لما أصله شديد، وبحث عنه بليغ، وردّ للسّابق من دعاويهم على اللّاحق «1» على الوارد إذ كانا عندي كالأصل في إلحاد أكثر الملحدين من الأوائل
(1/13)

والمتأخرّين، وإذ كنت قد شيّدت من قبل فصول ما ذكرت، ووصوله بلمع من الكلام في المحكم والمتشابه والاستدلال بالشّاهد على الغائب، وبيان أسماء الله تعالى وصفاته، وما يجوز إطلاقه عليه أو يمتنع لأنّ أطراف هذه الأبواب متعلقة بموارد الآي التي تكلّفت الكلام فيها ومصادرها، ومستقية من العيون التي تحوم أطيارها حوله، وفي جوانبها ولأنّ الاشتغال به هو الغرض المرمي في تأليف حل هذا الكتاب وترتيبه، وتنسيقه هذا إلى غير ذلك مما خلا منه مؤلفات اللّغويين والنّحويين والباحثين عن طرائق العرب، وما يراعونه من معتقداتهم في الأنواء وغيرها، وإيمان من آمن منهم بالكواكب حتى عبدوها لما ألفوه من استمرار العادات بهم واطرادها على حد سالم من التبدّل والتحوّل.
ثم شرعت في الكتاب وتبويب معاطفه وتنويع أساليبه ومدارجه، وأستعين الله تعالى على بلوغ ما يزلف عنده، ويستحقّ به مزيد الإحسان وأصحاب التوفيق الكامل منه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1/14)

ذكر أبواب الأزمنة والأمكنة، وفصولها
هي ثلاثة وستّون بابا، ونيّف وتسعون فصلا:
أ: في ذكر الآي المنهية من القرآن على نعم الله تعالى على خلقه في آناء اللّيل والنّهار، وبيان النّسيء، وفي ذكر أخبار مروية، وفي ذكر الأنواء، وذكر معتقدات العرب فيها وفيما يجري مجراه، وذكر فصل في جواب مسائل للمشهد من الكتاب والسّنة، وفي بيان المحكم والمتشابه وغيرهما، وبيان أسماء الله تعالى وصفاته، وهو يحوي تسعة وعشرين فصلا.
ب: في ذكر أسماء الزّمان والمكان، ومتى تسمى ظروفا، ومعنى قول النّحويين الزّمان ظرف الأفعال، والرّد على من قال فهما بغير الحق من الأوائل والأواخر، ويحتوي على فصول أربعة.
ج: هو يشتمل على بيان اللّيل والنّهار، وعلى فصول من الإعراب تتعلق بظروف الأزمنة والأمكنة، وفصوله ثلاثة.
د: ذكر ابتداء الزّمان، وأقسامه، والتّنبيه على مبادئ السّنة في جميع المذاهب، وما يشاكل من تقسيمها على البروج.
هـ: في قسمة الأزمنة ودورانها واختلاف الأمم فيها.
و: في ذكر الأنواء واختلاف العرب فيها، ومنازل القمر مقسّمة الفصول على السّنة، وأعداد كواكبها، وتصوير مأخذها ضارة، ونافعة، وفصوله أربعة.
ز: في تحديد سنيّ العرب، والفرس، والرّوم، وأوقات فصول السّنة.
ح: في تقدير أوقات التّهجد التي ذكرها الله تعالى في كتابه عن نبيّه والصّحابة، وتبيين ما يتصل بها من ذكر حلول الشّمس في البروج الاثني عشر.
ط: في ذكر البوراح، والأمطار مقسمة على الفصول، والبروج، وفي ذكر المراقبة، وهو فصلان.
(1/15)

ي: في ذكر الأعياد والأشهر الحرم والأيّام المعلومات والأيام المعدودات، والصلوات الوسطى، وهو فصلان.
يا: في ذكر سحر، وغدوة، وبكرة، وما أشبهها والحين والقرن والآن وأيان، وأوان، والحقبة، والكلام في إذ، وإذا، وهما للزّمان وإبان، وافان، وهو فصلان.
يب: في لفظة أمس، وغد، والحول، والسّنة، والعام، وما يتلو تلوه، ولفظة حيث، وما يتّصل به، والغايات كقبل وبعد، وذكر أول وحينئذ، وقط، وإذ، وإذا المكانية، ومنذ، ومذ، ومن، وعلى وهو فصلان.
يج: فيما جاء مثنّى من أسماء الزّمان، واللّيل، والنهار، ومن أسماء الكواكب وترتيب الأوقات وتنزيلها، وهو أربعة فصول.
يد: في أسماء الأيام على اختلاف اللّغات وقياسات اشتقاقها وتثنيتها وجمعها.
يه: في أسماء الشّهور على اختلاف اللغات، وذكر اشتقاقاتها، وما يتّصل بذلك من تثنيتها وجمعها، وهو فصلان.
يو: في أسماء الدّهر واقطاعه، وما يتّصل بذلك، وهو فصلان.
يز: في اقطاع الدّهر، وأطراف اللّيل والنّهار، وطوائفهما وما يتّصل بذلك من ذكر الحوادث فيها، وهو ثلاثة فصول.
يج: في اشتقاق أسماء المنازل، والبروج، وصورها، وما يأخذ مأخذها، وهو فصلان.
يط: في اقطاع اللّيل، وطوائفه، وما يتّصل بذلك ويجري مجراه.
ك: في اقطاع النّهار، وطوائفه، وما يتّصل بذلك ويجري مجراه.
كا: في أسماء السّماء والكواكب، والفلك والبروج، وهو ثلاثة فصول.
كب: في برد الأزمنة، ووصف الأيّام واللّيالي به.
كج: في حرّ الأزمنة، ووصف الأيّام، واللّيالي به.
كد: في شدّة الأيّام ورخائها وخصبها وجدبها، وما يتّصل بذلك.
كه: في أسماء الشّمس وصفاتها، وما يتعلّق بها.
كو: في أسماء القمر وصفاته، وما يتصل بها من أحواله، وهو فصلان.
كز: في ذكر أسماء الهلال من أول الشهر إلى آخره، وما ورد عنهم فيها من الأسجاع، وغيرها.
(1/16)

كح: في أسماء الأوقات، والأفعال الواقعة في اللّيل والنّهار، وأسماء الأفعال المختصة بأوقات في الفصول والأزمان.
كط: في ذكر الرّياح الأربع، وتحديدها بها، وما عدل عنها، وهو فصلان.
ل: في أسماء المطر وصفاته وأجناسه، وهو فصلان.
لا: في السّحاب، وأسمائه وتحليه بالمطر، وهو فصلان.
لب: في الرّعد والبرق، والصّواعق وأسمائها وأحوالها، وهو فصلان.
لج: في قوس قزح وفي الدائرة حول القمر، وفي البرد من قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً
[سورة النور، الآية: 43] ، وهو ثلاثة فصول.
لد: في ذكر المياه والنبات ممّا يحسن وقوعه في هذا الباب، وهو ثلاثة فصول.
له: في ذكر المراتع الخصبة والمجدبة، والمحاضر، والمبادي، وهو فصلان.
لو: في ذكر أحوال البادين والحاضرين، وبيان تنقّلهم وتصرّف الزّمان بهم.
لز: في ذكر الرّواد وحكاياتهم، وهو فصلان.
لح: في ذكر الورّاد ومن جرى مجراهم من الوفود.
لط: في السّبر والنّعاس، والميح، والاستقاء، وورود المياه.
م: في ذكر أسواق العرب.
ما: في ذكر مواقيت الضّراب والتّاج.
مب: فيما روي من أسجاع العرب عند تجدّد الأنواء والفصول، وتفسيرها، وهو فصلان.
مج: في ذكر الصّيام، والقيافة، والكهانة، وهو ثلاثة فصول.
مد: في ذكر ما لهم من الأوقات حتى لا يبين للسّامع وما شرح منه.
مه: في الاهتداء بالنّجوم وجودة استدلال العرب بها وإصابتهم في أمهم.
مو: في صفة ظلام اللّيل واستحكامه، وامتزاجه.
مز: في صفة طول اللّيل والنّهار وقصرهما، وتشبيه النّجوم فيهما.
مح: في ذكر السرّاب، ولوامع البروق، ومتخيّلات المناظر، ووصف السّحاب.
مط: في تذكر طيب الزّمان، والتّلهف عليه والحنين إلى الألّاف، والأوطان.
(1/17)

ن: في ذكر أنواع الظلّ وأسمائه ونعوته.
نا: في ذكر التّاريخ وابتدائه، والسّبب الموجب له وما كانت العرب عليه لدى الحاجة إليه في ضبط آماد الحوادث والمواليد، وهو فصلان.
نب: فيما هو متمم لما عند العرب ومن داناهم وأدركوه بالتفقد وطول الدّربة، ولم يدخل في أسجاعهم.
نج: في انقلاب طبائع الأزمنة، وثباتها، وامتزاجها، والاستكمال والامتحاق، وأزمان مقاطع النّجوم في الفلك، ومعرفة ساعات اللّيل من رؤية الهلال، ومواقيت الزّوال على طريق الإجمال.
ند: في اشتداد الزّمان بعوارض الجدب، وامتداده بلواحق الخصب.
نه: ويشتمل من حدّها على ذكر ما في إعرابه نظر من حديث الزّمان.
نو: في ذكر الكواكب اليمانية، والشّمامية، وتمييز بعضها عن بعض، وذكر ما يجري مجراها من تفسير الألقاب.
نز: في ذكر الفجر، والشّفق، والزّوال، ومعرفة الاستدلال بالكواكب وتبين القبلة.
نح: في معرفة أيّام العرب في الجاهلية، وما كانوا يحرفونه ويتعايشون منه، وذكر ما انتقلوا إليه في الإسلام على اختلاف طبقاتهم.
نط: في ذكر أفعال الرّياح لواقحها، وحوائلها، وما جاء من خواصها في هبوبها وصنوفها.
س: في ذكر الأيام المحمودة للنوّء والمطر وسائر الأفعال، وذكر ما يتطيّر منه، أو يستدفع الشّربة.
سا: في ذكر الاستدلال بالبرق، والحمرة في الأفق وغيرهما على الغيث.
سب: في الكواكب الخنّس، وفي هلال شهر رمضان.
سج: في ذكر مشاهير الكواكب التي تسمّى الثابتة، وهذه التّسمية على الأغلب من أمرها إذ كانت حركة مسيرها خافية غير محسوسة.
(1/18)

الباب الأول [في تعظيم شأن القرآن وفصل بيانه بالنّظم العجيب والتّأليف الرّصيف]
اعلم أنّ الله تعالى عظّم شأن القرآن، وفصل بيانه بالنّظم العجيب والتّأليف الرّصيف على سائر الكلام، وإن وافقه في مبانيه، ومعانيه ثم أودعه من صنوف الحكم، وفنون الآداب والعذر، وجوامع الأحكام والسير، وطرائف الأمثال والعبر، ما لا يقف على كنهه ذوو القرائح الصّافية، ولا في بعد فوائده أو لو المعارف الوافية، وإن تلاحقت آلاتهم، وتوافقت أسباب التّفهم والافهام فيهم، فترى المشتغل به المتأمّل له، وقد صرف فكره إليه، وقصر ذكره عليه، قد يجد نفسه أحيانا فيه بصورة من لم يكن سمعه، أو كان بعد السّماع نسيه استغرابا لمراسمه، واستجلاء لمعالمه، وذلك أنه تعالى لما أنزله ليفتتح بتنزيله التّحدي به إلى الأبد، ويختتم بترتيله وآدابه البذارة إلى انقضاء السّند، على ألسن الرّسل، جعله من التّنبيهات الجليّة والخفيّة، والدّلالات الظّاهرة والباطنة ما قد استوى في إدراك الكثير منها العالم بالمقلد، والمتدبّر، والمهمل.
وإن كان في أثنائه أغلاق لا تنفتح الأشياء بعد شيء بأفهام ثاقبة، وفي أزمان متباينة، ليتّصل أمد الإعجاز به إلى الأجل المضروب لسقوط التّكليف، ولتجدّد في كل أوان بعوائده وفوائده ما يهيج له بواعث الأفكار، ونتائج الاعتبار، فيتبيّن ثناؤه الرّاسخ المتثبّت، والنّاظر المتدبّر عن قصور الزّائغ المتطرّف وتقصير الملول الطّرف. لذلك اختلفت الفرق، واستحدثت المذاهب والطّرق، فكلّ يطلب برهانه على صحة ما يراه منه، وإن ضلّ عن سواء السّبيل من ضلّ لسوء نظره وفساد تأنّيه، وعدو له عن منهاج الصّحابة والتّابعين وصالحي الأسلاف، فلما كان أمر القرآن الحكيم على ما وصفت، وكان الله تعالى فيما شرع من دينه وحدّ عليه من عبادته، ودعا إليه من تبيّن صنعه وتنبّه ما أقامه من أدلّته. قال: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ
[سورة العنكبوت، الآية: 44] مبيّنا أنه اخترعها بما يشتمل عليه حقا لا باطلا وحتمالا عبثا لتوفّر على طوائف خلقه منافعها، ومثبتها من يصدق بالرّسل، ويميز جوامع الكلم على بعد غورها في قضايا التّحصيل وتراجع الأفهام، والأوهام عن تقصي مأخذها بأوائل التّكليف.
(1/19)

ثم كرّر ذكرها في مواضع كثيرة في جملتها ما يقتضي الكشف عن نظومها وتصاريفها لما يكشفها من الغموض، وكان مبنى التأليف الذي هو مبني على كتب لا يتم من دون الكلام عليها بترتيبه، بأن جعلتها مقدّمة ثم تجاوزت إلى ما سواها والله المعين على تسهيل المراد منه بمنه.
فمن ذلك قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ
[سورة الأنعام، الآية: 73] الآية، وصف الله تعالى نفسه فيما بسط من كلامه هنا بفصول أربعة، كلّ فصل منها عند التأمّل جملة مكتفية بنفسها عن غيرها، ودالة على كثير من صفاته التي استبدّ بها.
فالفصل الأول قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ
، والمعنى في قوله: بالحق، أنّ الحكمة البالغة أوجبت ذلك، ففطرها ليدلّ على نفسه بها ويظهر من آثاره العجيبة فيها ما تحقّق إلهيته وتثبت قدمه، وربوبيته ويظهر أنّ ما سواه مدبر مخلوق ومسخّر مقهور، وأنه الحق تمّ له ما أحدثه، وأنشأه لا بباطل، ووجبت له العبادة من خليقته بقول فصل لا بهزل، فحجّته بينّة وآياته محكمة، لا تخفى على النّاظر، ولا تلتبس على المتأمّل المباحث إذ كانت الأبصار لا تدركه، والحواس لا تلحقه، فعرّف عباده قدرته، وألزمهم بما غمرهم من منافعه ونعمة عبادته، فلا مانع لما منح، ولا واهب لما ارتجع، أو حرم تسليما لأمره ورضى بحكمه.
والفصل الثاني قوله: وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُ
[سورة الأنعام، الآية: 73] قوله: ويوم نصب على الظّرف، والعامل فيه ما يدل عليه قوله الحق، ولا يجوز أن يكون العامل قوله: يقول لأنه قد أضيف اليوم إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. وقوله:
فيكون معطوف على يقول، وما بعد القول، وهو جملة تكون حكاية في كلامهم، وكن في موضع المفعول ليقول، وقد أبان الله هذا المعنى في قوله: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[سورة النّحل، الآية: 4] لأنّ معنى الحكاية ظاهر فيه ومفهوم منه، وإذا كان الأمر على هذا فقوله: كن، حكاية، والمعنى فيه إيجاب خروج الشّيء المراد من العدم إلى الوجود. وقوله: فيكون بيان حسن المطاوعة من المراد وتكوّنه، وليس ذلك على أنّه مخاطبة المعدوم، ولكنّ الله تعالى أراد أن يبين على عادة الآمرين إذا أمروا كيف يقرّب مراده إذا أراد أمرا، فأخرج اللّفظ على وجه يفهم منه ذلك، إذ كان لا لفظ في تصوير الاستعجال، وتقريب المراد أحضر من لفظة كن فاعلمه. وتلخيص الآية وإذا كان يوم البعث والنّشر والسّوق إلى الحشر يوجب وقوع المكون بقولنا: كن، فيقع بحسب الإرادة لا تأخير فيه ولا تدافع، لأن حكمنا فيه المحقوق الذي لا يبدّل، ولأنّ الملك فيه للملك الذي لا يغالب ولا
(1/20)

يمانع، فقوله في الفصل الأول: بالحق- أي بما وجب في الحكمة وحسن فيها. وقوله في الفصل الثّاني قوله الحق- أي المحقوق الذي لا يحول ولا يغيّر إذ كان البدء لا يجوز عليه، وأوائل الأمور في علمه كأواخرها.
والفصل الثالث قوله: وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ
[سورة الأنعام، الآية: 73] يريد به أنه في ذلك الوقت متفرّد بتدبير الفرق والأمم وتنزيلهم منازلهم من الطّاعة والمعصية، كما أبدأهم فكما كان تعالى الأوّل لقدمه يكون الآخر لبقائه، لا مشارك له، ولا مؤازر، وأبين منه قوله في موضع آخر: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[سورة غافر، الآية: 16] وهذا حال المعاد، والمعنى إذا أردنا سوقهم بعد الإماتة للنّشر لم يخف علينا شيء من أحوالهم لأنّا نملكهم، فأمرنا حتم لا تخيّر وفور لا تأخير، والإحصاء يجمعهم، والإدراك يعمهم. وقوله: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ
[سورة الأنعام، الآية: 73] لم يشر به إلى وقت محدود الطّرفين ولكن على عادة العرب في ذكر الزّمان الممتد الطويل باليوم، فهو كما يقال: فعل كذا في يوم فلان، وعلى عهد فلان.
الفصل الرابع: قوله: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ
[سورة الأنعام، الآية: 73] يريد أنّه لا يخفى عليه ما فيه لأنّه العالم لنفسه فلا يغرب عنه أمر، والغائب عنده كالحاضر والبعيد كالقريب وهو حكيم فيما يقضيه عليم فيما يقضيه. لا يذهب عليه شيء من أحوال عباده، ومن مواعيده فيحشرهم جميعا، ويوفّيهم مستحقّهم موفورا.
ومنه قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
[سورة يس، الآية: 37] إلى يسبحون، قوله: نسلخ منه النّهار أي نخرجه منه إخراجا لا يبقى معه شيء من ضوء النّهار، ألا ترى قوله في موضع آخر: آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها
[سورة الأعراف، الآية: 175] ، وفي هذا دلالة بيّنة على ما تذهب إليه العرب من أنّ اللّيل قبل النّهار لأنّ السّلخ والكشف بمعنى واحد يبين ذلك أنّه يقال: كشطت الإهاب، والجلد عن الشّيء، وسلخته أي كشفته، والسّلاخ الإهاب نفسه، وسلخت المرأة درعها نزعته، وسلخت الشّهر: صرت في آخر يوم منه، وسلاخ الحيّة جلدها، وإذا كان ذلك، وكان الله تعالى قال: اللّيل نسلخ منه النهار، والمسلوخ منه يكون قبل المسلوخ فيجب أن يكون اللّيل قبل النّهار، كما أنّ المغطّى قبل الغطاء قوله: فإذا هم مظلمون- أي داخلون في الظّلام يقال: أظلم اللّيل إذا تغطى بسواده، وأظلمنا دخلنا في ظلمات، وهذا كما يقول: أجنبنا وأشملنا- أي دخلنا في الجنوب والشّمال، وأنجدنا، وأتهمنا أي أتيناهم، ثم قال: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها
[سورة- يس، الآية: 38] وهذا يحتمل وجوها من التّأويل.
أ- أن يكون المراد جريها لاستقرار يحصل له إذا أراد الله وقوفها للأجل المضروب
(1/21)

لانقضاء وقت عادتها في الطلوع والأفول.
ب- أن يكون المراد بالمستقر وقوفها عنده تعالى يوم القيامة، والشّاهد لهذا قوله في آية أخرى: كَلَّا لا وَزَرَ، إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ
[سورة القيامة، الآية: 10، 11] فهو كقوله في غير موضع: ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ
، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ*
[سورة الحديد، الآية: 5] ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ*
[سورة البقرة، الآية: 245] .
ج- أن يكون المعنى أنها لا تزال جارية أبدا ما دامت الدّنيا تظهر وتغيب بحساب مقدر كأنها تطلب المستقر الذي علمها صانعها فلا قرار لها؛ ويشهد لهذا الوجه قراءة من قرأ والشّمس تجري لا مستقر لها، وذلك ظاهر بيّن يوضحه قوله تعالى بعقبه: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ*
[سورة يس، الآية: 38] ، أي تقدير من لا يغالب في سلطانه ولا يجاذب على حكمته، قوله: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ
[سورة يس، الآية: 39] ، الآية. برفع القمر على، وآية لهم اللّيل وإن شئت على الابتداء، وينصب على، وقدّرناه والعرجون) عود لعذق الذي تسمّى الكباسة تركبه الشمّاريخ مثله الأثكول والعثكول من العذق، فإذا جفّ وقدم دقّ وصغر وحينئذ يشبهه الهلال في أول الشهر وآخره.
وقال أبو إسحاق الزّجاج: وزنه فعلول لأنّه من الانعراج، وقال غيره: هو فعلول لأنه كالفثلول، ومعنى الآية وقدّرنا القمر في منازله الثمانية والعشرين، وفي مأخذه من ضوء الشّمس، فكان في أوّل مطلعه دقيقا ضئيلا، فلا يزال نوره يزيد حتى تكامل عند انتصاف الشّهر بدرا، وامتلائه من المقابلة نورا، ثم أخذ في النقصان بمخالفته لمحاذاة، وتجاوزه لها حتى عاد إلى مثل حاله الأولى من الدّقة والضؤلة وذلك كلّه في منازله الثمانية والعشرين لأنه ربّما استتر ليلة، وربما استتر ليلتين فمشابهة الهلال للعرجون في المستهل والمنسلخ صحيحة.
فأما قوله: حتى عاد فكأنه جعل تصوّره في الآخر بصورته الأولى في الدّقة مراجعة، ومعاودة. والقديم يراد به المتقادم كما قال في قصة يعقوب عليه السلام: إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ
[سورة يوسف، الآية: 95] . وقال الفرّاء القديم يقال لما أتى عليه حول. وقيل أيضا:
معنى عاد صار، ويشهد لذلك قول الشّاعر:
أطعت العرس في الشّهوات حتّى ... تعود لها عسيفا عبد عبد
ولم يكن عسيفا قط، وقال امرؤ القيس:
وماء كلون البول قد عاد آجنا ... قليل به الأقوات ذي كلأ مخل
أي صار، وقال الغنوي:
(1/22)

فإن تكن الأيام أحسن مرة ... إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب
قوله: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ
[سورة يس، الآية: 40] ، يعني ينبغي لها.
أي: لو كانت تطلب إدراك القمر لما حصلت لها بغيتها، ولا ساعدتها طلبتها يقال: بغيت الشيء، فانبغى لي. أي طلبته، فأطلبني، وإذا لم ينبغ لها لو طلبت، فيجب أن لا يحصل الفعل منها البتّة، لأنّ الإدراك معناه اللّحوق وسببه الذي هو البغاء ممنوع منه، فكيف يحصل للسّبب؟ وأيضا فإنّ سرعة سير القمر وزيادته على سير الشّمس ظاهر فهو أبدا سابق لها بسرعته، وتلك متأخرة لبطؤها، وقوله: وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ
[سورة يس، الآية: 40] محمول على وجهين.
الأول: أن يكون المعنى بالسّبق أوّل إقباله وآخر إدبار النّهار.
والثاني: أن يكون المعنى آخر إدبار النّهار وأول إقبال الصّبح، وسبق اللّيل النّهار بإقباله أن يقبل أول اللّيل قبل آخر إدبار النّهار وهذا ما لا يكون.
وأما سبقه إيّاه بإدباره، فإن سبق آخر إدبار اللّيل أوّل إقبال الصّبح قبل كونه، وهذا أيضا لا يكون، ولا يجوز كونه لأنهما ضدّان يتنافيان ويتعاقبان فلذلك لم يجر سبق اللّيل النّهار في شيء من أحواله.
وقيل معنى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ
أي ليس لها أن تطلع ليلا، ولا القمر له أن يطلع نهارا لأنّ لكلّ منهما شأنا قدّر له ووقتا أفرد به، فلا يقع بينهما زاجر فيدخل أحدهما في حد الآخر قوله: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
[سورة يس، الآية: 40] أي كلّ واحد منهما له فلك يدور فيه فلا يملك انصرافا عنه؛ ولا تأخّرا إلى غيره، ولفظ الفلك يقتضي الاستدارة أي وكلّ له مكان من مسبحه مستدير يسبح فيه أي يسير بانبساط، ومنه السّباحة، وقال تعالى لنبيّه: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا
[سورة المزمل، الآية: 7] ولا يمنع أن يكون يشير بقوله: في فلك إلى الذي هو فلك الأفلاك، وإذا جعل على هذا فهو أبهر في الآيات، وأدلّ على اقتدار صانعه وإنمّا قال: يسبحون لأنّه لمّا نسب إليها على المجاز والسعة أفعال العقلاء المميّزين جعل الاخبار عنها على ذلك الحد، ومثله: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ
[سورة يوسف، الآية: 4] وهذا كثير.
ومنه قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ
[سورة الإسراء، الآية: 12] الآية نبه بهذه الآية، وبقوله إنّ عدّة الشهور الآية على نعمه على خلقه فيما إن شاء حالا بعد حال لهم، وابتدعه وما عرف مصالحه وقتا بعد وقت، فيما قدّر لهم فكر وذكر ونصب للحاضرة والبادية من الأعلام والأدلة بالمنازل والأهلّة، ومطالع النّجوم السّيارة وغير السّيارة حتى جعلت
(1/23)

مواقيت وآجالا، ومواعيد، وآمادا، فعرفوا حلالها وحرامها ومسالمها ومعاديها وذا العاهة منها مما لا عاهة معها؛ وتبيّنوا بطول التّجارب أضرّها أنواء، وأعودها أمطارا، وأعزّها فقدانا، وأهونها أخلاقا، فأخذوا لكلّ أمر أهبته، ولكلّ وقت عدّته، إلى كثير من المنافع والمضار التي تتعلق باختلاف الأهواء وتفاوت الفصول والأوقات؛ ومن تدبّر قوله: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ
[سورة الإسراء، الآية: 12] . ثم فكّر في تميز أحدهما عن الآخر باختلاف حالهما في النّور، والظّلمة، والظّهور والغيبة، ولماذا صارا يتناوبان في أخذ كلّ واحد منهما من صاحبه، ويتعاقبان في إصلاح ما به مصالح عباده وبلاده؟ وكيف يكون نموّ القمر من استهلاله إلى استكماله ونقصه، وانمحاقه من ليالي شهره وأيامه؟ وأنّى يكون اجتماع الشّمس وللقمر، وافتراقهما، وتساويهما، وتباينهما، ظهر من حكمة الله تعالى له إذا تدبّره، وردّ آخره على أوّله، وولي كلّ فصل منه ما هو أولى به.
ثم سلك مدارجها، وتتبع بالنّظر معالمها ومناهجها أدّاه الحال إلى أن يصير من الرّاسخين في العلم به تعالى وبمواقع نعمه، وآثار ربوبيته، ألا ترى أنّه لو جعل اللّيل سرمدا، أو جعل النّهار أبدا لا نقطع نظام التّعايش، وانسدت أبواب النّمو والتزايد، وتأدّى انقلاب التّدبر إلى ما شرحه بتعذر فسبحانه من حكيم رؤوف بعباده رحيم.
وقد سئل النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عن نقصان القمر وزيادته، فأنزل الله تعالى أنّ ذلك لمواقيت حجكم، وعمرتكم، وحل ديونكم وانقضاء عدة نسائكم، وقوله تعالى:
آيَةَ اللَّيْلِ
، وآيَةَ النَّهارِ
إضافتهما على وجه التّبيين والشّيء، قد يضاف إلى الشيء لأدنى علاقة بينهما، قال تعالى: فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ
[سورة العنكبوت، الآية: 5] . ولما كان هو المؤجل، وقال في موضع آخر: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ*
[سورة الأعراف، الآية: 34] لما كان الأجل لهم، فكذلك قوله: آيَةَ اللَّيْلِ
، وآيَةَ النَّهارِ
، يعني الآية التي يختصّ بهما هذا في إضافة الغير إلى الغير.
فأما إضافة البعض إلى الكل فقولك: خاتم حديد، وثوب خز، فلا يمنع دخوله فيما نحن فيه، ويكون المعنى أنّ الآية الممحوة كانت بعض اللّيل، كما أنّ الخاتم، يكون بعض الحديد، كأنّ اللّيل ازداد بالمحو آيتها سوادا، ويقال؛ دمنة ممحّوة إذا درست آثارها وآياتها، ويقال: محوت الشيء، أمحوه، وأمحاه وفي لغة علي محيته، وحكى بعضهم: محا الشيء ومحاه غيره، وكتاب ماح، وممحو ومحوة، اسم لريح الشّمال لأنها تمحو السّحاب، والمحوة المطرة التي تمحو الجدب ومن كلامهم تركت الأرض محوة إذا جيدت كلها.
وقال بعضهم: يجوز أن يكون عنى بآية النّهار الشّمس، وبآية اللّيل القمر، وعنى بالمحو ما في ضوء القمر من النّقصان، وحكي عن السّلف أنّ المراد بالمحو الطّخاء الذي
(1/24)

في القمر قوله: وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً
[سورة الإسراء، الآية: 12] هو على طريق النّسبة أي ذات إبصار، وفي موضع آخر: وَالنَّهارَ مُبْصِراً*
[سورة يونس، الآية: 67] أي مضيئا وكما يقال هو ناصب أي ذو نصب، ويجوز أن يكون لما كان الإبصار فيها جعله لها، كما يقال رجل مخبت إذا صار أصحابه خبتا، ونهاره صائم، وليله قائم.
وقال أبو عبيد يريد قد أضاء للنّاس أبصارهم، ويجوز أن يكون كقولهم: أصرم النّخل أي أذن بالصّرام، وأحمق الرّجل إذا أتى بأولاد حمق وقوله: لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
[سورة الإسراء، الآية: 12] مثل قوله في موضع آخر: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً*
[سورة يونس، الآية: 67] ومثل قوله: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً
[سورة الفرقان، الآية: 47] وفي آخر: وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً
[سورة النبأ، الآية: 11] ومثل قوله: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
[سورة القصص، الآية: 73] وهذه الآي، وإن تشابهت في معانيها، فقد اختلفت تفاصيل نظومها، فقوله: جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً
أي يغشى كلّ شيء من الحيوان وغيره فيصير ذا دعة وسكون وانقطاع عما يعالجه في النّهار لابتغاء الفضل فيه، وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً
أي وقت معاش، والمعاش، والمعيش ما أعان على الحياة به ممّا الحياة به، وليس الحياة، قال أمية:
ما أرى من معيشي في حياتي غير نفسي
وقد قال أبو العباس محمد بن يزيد: ثم يرى تفسيرهما جملة ثقة بأنّ السّامع يرد كلّا إلى ماله يريد مثل قوله: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
، ثم قال: لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا
والسّكون في اللّيل، والابتغاء في النّهار، ومثله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ
[سورة الرحمن، الآية: 22] وإنّما هو من أحدهما، فإن قال قائل: ما تصنع على هذا بقول سيبويه:
لا يقول لقيته في شهري ربيع إذا كان اللقاء في آخره قال: وكذلك لا يجوز أن يقول لقيته في يومين، واللقاء في أحدهما. قلت: هذا الذي قال صحيح لأنّ ذكرك الشّهر الذي لم يكن فيه اللّقاء، فصل ولكن لو وصفت الشّهرين بما يكون في واحد منهما فجمعت الصّفة فيهما كان جيدا، وذلك قولك في الشتاء يكون المطر ويقعد في الشّمس أي هذا وهذا، وكذلك في شهري ربيع تأكل الرّطب والتمر أي هذا في أحدهما، وهذا في أحدهما كما يقول: لو لقيت زيدا وعمرا لوجدت عندهما نحوا أو خطّا، إن كان النّحو عند أحدهما، والخط عند الآخر فليس هذا بمنزلة الأوّل لأنّ اللقاء في أحد الشّهرين والآخر لا معنى لذكره البتّة.
قال أبو العبّاس: ومن ذلك قوله تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ
[سورة الرحمن، الآية: 19] بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ
[سورة الرحمن، الآية: 20] ثم خبر بفضائلهما فقال:
(1/25)

يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ
[سورة الرحمن، الآية: 22] وإنما خرج من الملح لا من العذب ولكنه ذكرهما ذكرا واحدا فخبر بما يتضمّنانه. وكذلك قوله: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
[سورة القصص، الآية: 73] ، فالسّكون في اللّيل والاكتساب في النّهار، ولكن كما جمعهما في الذّكر ابتداء جمعهما في الخبر انتهاء، افتنانا في النظم وتبحرا في السّبك وثقة بأنّ اللّبس عنه بعيد كيف رتب وفي قوله تعالى:
لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ*
[سورة الإسراء، الآية: 12] إشارة إلى التّواريخ وضبط مبالغ الدّيون والمعاملات وآمادها ومواقيتها، وما فيه معاشهم ورياثهم وعليه تبتنى منافعهم ومصالحهم، وقد دخل تحت ما ذكرنا ما أشار تعالى إليه بقوله: وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا
[سورة الإسراء، الآية: 12] وإن كانت هدايته أبلغ، ومجامع بيانه من اللّبس أبعد، فأما قوله تعالى من الآية الأخرى التي أوردتها مستشهدا بها جعل اللّيل لباسا أي للتّودع والسّكون يقال في فلان ملبس أي مستمتع.
قال امرؤ القيس شعرا:
ألا إنّ بعد العدم للمرء فنية ... وبعد المشيب طول عمر وملبسا
وقال ابن أحمر:
لبست أبي حتّى تملّيت عمره ... وملّيت أعمامي وملّيت خاليا
ويجوز أن يريد باللّباس السّتر لأنّ الليل عطاء كل شيء وستره كما قدّمنا، والأحسن الأول يدل على ذلك قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ، هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ
[سورة البقرة، الآية: 187] وجعل العلة فيما أحل منهنّ لهم من الرّفث إليهنّ كون الجميع لباسا أي مستمتعا وقوله: وَالنَّوْمَ سُباتاً
أي راحة وأمنا ويقال: رجل مسبوت إذا استرخى ونام وسبت فلان العمل بالفتح إذا ترك العمل واستراح وانسبتت البسرة، إذا لانت وقوله: وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً
[سورة الفرقان، الآية: 47] مثل قوله: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا
[سورة المزمّل، الآية: 7] أي ذهابا وتصرّفا في طلب الرّزق، ولمّا كان النّشور في النّهار جعله على المجاز نفسه، كقولك: فلان أكل وشرب على تقدير هو ذو أكل فحذف المضاف، أو لغلبة الفعل عليه، جعله كأنه الفعل على هذين الوجهين يحمل قوله شعرا:
ترتع ما رتعت حتّى إذا ادّكرت ... فإنّما هي إقبال وإدبار
وهو يصف وحشية. قال بعض أصحاب المعاني النّشور في الحقيقة الحياة بعد الموت بدلالة قوله شعرا:
حتى يقول النّاس مما رأوا ... يا عجبا للميت النّاشر
(1/26)

وهو في هذا الموضع الانتباه من النوم والاضطراب من الدّعة، وكما سمّى الله تعالى نوم الإنسان وفاة بقوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها
[سورة الزمر، الآية: 42] كذلك وفّق بين إبقاء من الموت في التّسمية بالنّشور.
ومنه قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ
[سورة الفرقان، الآية: 45] الآية قوله ألم تر لفظ استفهام وحقيقة البعث على النّظر والمعنى انظر حتى تتعجب إلى ما مدّه الله من الظّل وإنّما قلنا هذا لأنّ المد مدرك متبيّن وتبيّن كيفيته يبعد في الوهم فكيف في الإدراك فلا يعلمه إلا الله وهذا على عادتهم في التّفاهم بينهم يقولون: أرأيت كذا، والمراد أخبرني وأ رأيتك وأ لم ترك كذا وهل رأيت كذا، ولم تر إلى كذا، وأ لم تر كيف كذا؟ والفصل في أكثره أن تعق المخاطب على ما تجب منه من المدعو إليه، وقد استعمل هل رأيت معدولا به من حيث المعنى على ظاهره أيضا؟ وذلك كقول القائل: متى إذا جنّ الظلام، واختلط جاءوا بمذق؟ هل رأيت الذئب قط؟ ويسمّى مثل هذا التّصوير لأنّ المعنى جاؤوا بمذق أورق فصوّروا الورقة بلون الذئب، فأما قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ
[سورة البقرة، الآية: 258] فمعناه أرأيت كالذي حاجّه بين ذلك ما عطف عليه من بعد لأنه تعالى قال: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ
[سورة البقرة، الآية: 259] لأنّ المعنى على ذلك، والكلام جار على التعجب، ولفظة إلى تأتي إذا حملت أرأيت على النظر.
فأما قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ
[سورة الفيل، الآية: 1] فالمعنى ألم تعلم ولا يحتاج إلى ذكر إلى.
والمراد بالظّل عند بعضهم الذي يكون بعد طلوع الفجر في انبساط وقبل طلوع الشّمس وظهورها على الأرض، وقد قال أهل اللغة في الفرق بين الظّل والفيء إنّ الظّل يكون بالغداة والعشيّ، والفيء، لا يكون إلا بالعشي لأنه اسم للذي فاء من جانب إلى جانب. ومنه قولهم فيء المسلمين للغنائم والخراج الرّاجعة إليهم. وقد جاء ما يفيد فائدته في صفة الظّل في مواضع، منها أكلها دائم وظلّها. ومنها قوله: وظلّ ممدود، فجعل ما في الجنة ظلالا فيئا، وكان رؤبة يقول: الظل ما لم تنسخه الشّمس، وهو أول والفيء ما نسخته الشّمس، وهو آخر، وقالوا: الظل بالغداة والعشي، والفيء بالعشي، وقيل أيضا: الظل يكون ليلا ونهارا، والفيء لا يكون إلّا بالنّهار، وما نسخته الشمس ففيء وكان في أول النهار فلم تنسخه الشّمس، وقيل الظّل للّيل في كلام العرب قال:
وكم هجرت وما أطلقت عنها ... وكم ربحت وظلّ اللّيل دان
فجعل للّيل ظلا وقول الآخر وتفيئوا الفردوس ذات الظّلال، اتّساع أيضا لأنه جعل للأفياء ظلالا فأما قوله شعرا:
(1/27)

فلا الظّل من برد الضّحى نستطيعه ... ولا الفيء من برد العشي نذوق
فقد فصل بينهما قوله: وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً
[سورة الفرقان، الآية: 45] سئل عنه متى كان متحركا فقيل: معنى السكون ها هنا الدوام والثبات، ألا ترى أنك تقول للماء الساكن الواقف ماء دائم وراكد ويمكن أن يقال: إنّ السّاكن ها هنا من السّكنى لا من السكون أي لو شاء لجعله ثابتا لا يزول كما أنّ سكنى الرجل الدّار يكون إذا قام وثبت.
وقوله: ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا
[سورة الفرقان، الآية: 45] يراد به أنّه لولا الشّمس لما عرف الظل، فالله تعالى يقبضه ويبسطه في اللّيل والنّهار، وعلى هذا يكون الدّليل بمعنى.
الدّال.
وقال بعضهم المعنى دللنا الشّمس على الظّل حتى ذهبت به ونسخته أي أتبعناها إياه قال: ويدلّك على ذلك قوله: ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً
[سورة الفرقان، الآية: 46] أي شيئا بعد شيء فعلى طريقته يكون دليلا فعيلا في معنى مفعول لا في معنى الدّال، وروي عن الحسن أنه كان يقول: يا بن آدم أما ظلّك فسجد لله، وأما أنت فتكفر بالله.
وقال بعضهم: وقد أحسن ما قال: الظلّ من آيات الله العظام الدّالة بإلزامه الإنسان منه ما لا يستطيع انفكاكا عنه، فدلّ بذلك على لزوم القمر له ولسائر الخلق قال الله تعالى:
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ
[سورة النحل، الآية: 48] فظلال الأشياء تمتد عند طلوع الشّمس من المشرق طولا ثم على حسب ارتفاع الشّمس في كبد السّماء تقصر حتى ترجع إلى القليل الذي لا تكاد تحس، وحتى يصير عند انتصاف النّهار في بعض الزّمان بمنزلة النّعل للابسها، ثم يزيد في المغرب شيئا شيئا حتى تطول طولا مفرطا، قبيل غروب الشّمس وإلى غروبها. ثم يدوم اللّيل كلّه، ثم يعود في النّهار إلى حاله الأولى، فالشّمس دليل عليه لولا الشّمس ما عرف الظّل، فالله بقدرته القاهرة يقبضه ويبسطه في اللّيل والنّهار. وإنّما قال: قَبْضاً يَسِيراً
لأنّ الظّل بعد غروب الشّمس لا يذهب كلّه دفعة واحدة، ولا يقبل الظلام كلّه جملة واحدة، وإنّما يقبض الله تعالى ذلك الظّل قبضا خفيا وشيئا بعد شيء، ويعقب كل جزء منه بقبضه بجزء من سواد اللّيل حتى يذهب كلّه، فدلّ الله على لطفه في معاقبته بين الظّل والشّمس واللّيل، ومن كلامهم وردته والظّل عقال وطباق وحذاء. وقال:
ولو احقت أخفافها طبقا ... والظّلّ لم يفضل ولم يكر
أي لم ينقص، ويقولون: لم يزل الظّل طاردا أو مطرودا، ومحولا، وناسخا، ومنسوخا، وسارقا، ومسروقا، وكلّ الذي ذكرت عند التّحصيل بيان وتفصيل لما أجمل فيما قدّمته، وسيجيء من صفات الظّل وأسمائه في بابه ما تزداد به أنسا بما ذكرناه.
(1/28)

وأما قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
[سورة النحل، الآية: 48] الآية فقوله: من شيء من دخلت للتّبيين كدخولها مع المعرفة في قوله: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ
[سورة الحج، الآية: 30] والمعنى من شيء له ظّل كالشّخوص، ومن هذه قد تجيء مع النّكرة فتلزم ولا تحذف تقول: من ضربك من رجل وامرأة فاضربه. هذا في الجزاء كقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
وإنّما كرهوا حذف من لأنهم خافوا أن يلتبس الكلام بالحال إذا قلت إلى ما خلق الله شيئا، ومعنى الحال ها هنا بعيد فألزموه من ليعلم به أنه تفسير وتبيين لما قد وقع غير مؤقت يكشف هذا أنّك لو قلت: لله درّه من رجل، جاز أن يقول: لله دره رجلا، ومن رجال فإنك قد أمنت الالتباس بالحال إذا لم يكن ذلك موضعه.
فأما قولك: لله درك قائما، فإنّما جاز سقوط (من) لأنّ الذي قبله مؤقت فلم يبال التباسه بالحال، قوله تعالى: يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ
[سورة النحل، الآية: 48] معناه ما قدّمته في بيان قوله تعالى: كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً
[سورة الفرقان، الآية: 45] وكشفه أن جميع ما خلقه عزّ وجلّ ظلّه يدور معه ويمتدّ لا ينفك منه حتى لو رام انسلاله من دونه لما قدر عليه يصحبه مقبلا ومدبرا، وكيف مال زائدا عليه وناقصا منه ليذكره عجزه، ويصوّر له أنه على تصرفه المتين في لزام أضعف قرين وذلك تفيؤة أي ترجعه يمنة ويسرة ومتنعلا من تحت، ومعتليا من فوق على حسب اختلاف الأحوال، فيكون للأشخاص فيء عن اليمين والشمائل إذا كانت الشّمس على يمين الشخص، كان الفيء عن شماله، وإذا كانت على شماله كان الفيء عن يمينه، وقيل: أول النّهار عن يمين القبلة، وفي آخره عن شمال القبلة، ومعنى قوله: سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ
[سورة النحل، الآية: 48] انها بآثار الصّنعة فيها خاضعة لله تعالى، وذكر السّجود قد جاء في هذا المعنى في غير هذا الموضع قال: (غلب سواجد لم يدخل بها الحصر) ، وقال آخر:
بجمع تضلّ البلق في حجراته ... ترى الأكم فيها سجّدا للحوافر
والمراد الاستسلام بالتسخير والانقياد.
فأما قوله تعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ
[سورة الكهف، الآية: 17] بعد أن قال: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً
[سورة الكهف، الآية: 11] فمعنى ضربنا على آذانهم أي أمتناهم، ومنعناهم الإدراك، ويقال في الجارحة: إذا أبطلتها ضربت عليها، وفي الممنوع عن التصرف في شيء ضربت على يده، ومعنى تزاور، وتزور تنحرف عنهم، أي تطلع على كهفهم ذات اليمين ولا تصيبهم، والعرب تقول: قرضته ذات اليمين، وقرضته ذات الشمال، وقرضته قبلا وقرضته دبرا، وحذوته ذات اليمين وذات الشمال، أي كنت بحذائه من كلّ ناحية، وأصل القرض القطع- أي تعدل عنهم وتتركهم.
(1/29)

وقيل: إنّ باب الكهف كان بإزاء بنات نعش فلذلك لم يكن الشّمس تطلع عليه وإنما جعل الله تعالى ذلك آية فيهم، وهو أنّ الشّمس لا تقربهم في مطلعها ولا عند غروبها. وقال الله تعالى: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ
[سورة الرحمن، الآية: 6] وقد بيّن الله المراد بما ذكرنا في آية أخرى فقال تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
[سورة الرعد، الآية: 15] يريد الانقياد في الطاعة من الملائكة والمؤمنين في السّماوات والأرضين، وأنه يستسلم من في الأرض من الكافرين كرها وخوفا من القتل، وظلالهم بالغدوّ، والآصال يؤدّي ما أودع من آيات الحكم وغرائب الأثر فسبحانه من معبود حقّت له العبادة من كلّ وجه، وعلى كل حال فلا يتوجه إلا إليه وإن قصد بها غيره، ولا تليق إلا به دون من سواه والدّاخر: الصّاغر، ويقال: تفيّأت الشّجرة بظلها إذا تميلّت. فأما قوله شعرا:
تتبّع أفياء الظّلال عشيّة ... على طرق كأنّهن سبوب
فإنما أضاف الأفياء إلى الظّلال لأنه ليس كلّ ظل فيئا، وكل فيء ظل، وتحقيق الكلام تتبع ما كان فيئا من الظلال، ومثله في الاتساع قول الآخر:
لمّا نزلنا نصبنا ظلّ أخبية ... وفاز باللّحم للقوم المراجيل
لأن المنصوبة هي الأخبية، ويقال: أظلّ القوم عليهم أي أوقعوا عليهم ظلالهم، وإنما قال: وهم داخرون، لأن المنسوب إليها من أفعال العقلاء، فأعيرت عبارتهم، وقد مضى مثل هذا.
ومنه قوله تعالى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ
[سورة الروم، الآية: 17] إلى تظهرون.
اعلم أنّ قولك: سبحان مصدر كقولك: كفران، وغفران إلا أنّ فعله لم يستعمل، ولو استعمل لكان سبح مثل كفر وغفر، ومعناه التّبعيد من أن يكون له ولدا، ويجوز الكذب عليه والتّنزيه له، والبراءة من السّوء وكل ما ينفى عنه إلا أنه التزم موضعا ولم يجر مجرى سائر المصادر في التّصرف والاستعمال. وذلك أنّه لا يأتي إلا منصوبا مضافا وغير مضاف، لكنّه إذا لم يضف ترك صرفه فقيل: سبحان من زيد، قال الأعشى شعرا:
أقول لمّا جاءني فخر ... فسبحان من علقمة الفاخر
فلم يصرفه لأنّه معرفة في آخره ألف ونون زائدتان فهو كعثمان، وسفيان كأنّه أجرى مجرى الإعلام في هذا، وهم يحملون المعاني على الذّوات في تخصيصها بأشياء كالأعلام لها، وعلى ذلك أسماء الأفعال، فأمّا قولهم: سبّح تسبيحا، فهو فعل بني على سبحان، ومعنى سبّح الله، أي قال: سبحان الله فهو عروض قولهم: بسمل إذا قال بسم الله، وقد
(1/30)

أطلق سبّح في وجوه سوى هذا.
منها الصلاة النّافلة يشهد لهذا قوله تعالى: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ
[سورة الصافّات، الآية: 143] أي من المصلّين، وهو مستفيض أنّ السّبحة هي النافلة، وكان ابن عمر يصلي سبحته في موضعه الذي يصلي فيه المكتوبة.
ومنها الاستثناء كقوله تعالى: قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ
[سورة القلم، الآية: 28] أي لولا تستثنون. وقيل: هي لغة لبعض أهل اليمن وليس للكلام وجه غيره لأنّه تعالى قد قال: قبل ذلك: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ، وَلا يَسْتَثْنُونَ
[سورة القلم، الآية: 17- 18] ثم قال: قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ
[سورة القلم، الآية: 28] فأذكرهم تركهم الاستثناء، والمراد من الله تعالى أن يعرفنا عبادته ويعلمنا حمده وما يستحق به إذا أقمناه وكأنه قال: سبّحوا الله في هذه الأوقات وتذكّروا في كلّ طرف منها ما يجدد عندكم من أنعامه، ثم قابلوا عليه بمقدار وسعكم من الحمد والتّسبيح. قوله: حين تمسون وحين تصبحون- أي إذا أفضيتم إلى الصّباح والمساء وحق النّظم أن يكون حين تمسون وحين تصبحون وعشيا وحين تظهرون، لكنه اعترض بقوله تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[سورة الروم، الآية: 18] ومثل هذا الاعتراض إلا أنه أبين الفعل والفاعل قوله شعرا:
وقد أدركتني والحوادث جمّة ... أسنّة قوم لا ضعاف ولا نكل عزل
وفي القرآن: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
[سورة الواقعة، الآية: 75- 76- 77] ، ففصل بين اليمين وجوابها كما ترى، وحسن ذلك لأن المعترض يؤكّد المعترض في الأوّل، والحمد إذا اقترن بالتّنزيه والتّسبيح صار الأداء أوفر بهما وأبلغ، والصّبح، والصّباح، والإصباح كالمسي، والمساء، والإمساء، وهذا مما حمل فيه النّقيض على النّقيض، وعلى هذا المصبح والممسي، وجاء فالق الإصباح، ويعني به الصّبح وصبّحت القوم أتيتهم صباحا، أو ناولتهم الصّبوح، ويقولون: يا صباحاه إذا استغاثوا، والمصباح السّراج، واصطبحت بالزّيت، والصّباح قرط المصباح الذي في القنديل والعشي آخر النهار، فإذا قلت عشيّة: فهي ليوم واحد، والعشي السّحاب لأنه يغشى البحر بالظّلام الذي يتلخّص به الآية أن يعلم أنّ المساء منه ابتداء الظّلمة كما يكون من الصّبح ابتداء النّور، والظّهيرة نصف النّهار، وفلان يرد الماء ظاهرة إذا ورد كلّ يوم نصف النّهار يقول، فعلموا الله تعالى بما يدلّ عليه آياته في الصّباح والمساء، والغدو، والرّواح فإنّ في معنى كلّ لمحة من هذه الأوقات بما يحويه من غرائب صنع الله في تبديل الابدال، وتحويل الأحوال وإيلاج اللّيل في النهار والنّهار في اللّيل إيجاب شكره علينا معشر عبيده مؤتنف،
(1/31)

وإلزام حمده ببقاء الزّمان متّصل قوله تعالى: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[سورة الروم، الآية: 18] يريد به في أهل السّماوات والأرض، فهو على حذف المضاف كقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
والمراد أهلها، والمعنى أنه محمود في كلّ مكان وبكلّ لسان.
وذكر بعض المفسرين أنّ قوله: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ
[سورة الروم، الآية: 17] الآية دالّة على أوقات الصلاة، وهذا سائغ وإن كانت الفوائد فيما ذكرناه أعمّ وقد قال الله تعالى في موضع آخر: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
[سورة الإسراء، الآية: 78] الآية، منبها على أوقات الصلاة مجملا، وتاركا تفصيلها وبيانها للنبي صلى الله عليه وسلم، والدّلوك مختلف فيه فمنهم من يجعله الزّوال ومنهم من يجعله الغروب، وهذا كما اختلفوا في الآية الأخرى وهي:
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى
[سورة البقرة، الآية: 238] ، فمنهم من قال: أراد بالوسطى العصر، ومنهم من قال: أراد بها الفجر ويجوز أن يكون المفروض بقوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ
[سورة الإسراء، الآية: 78] أربع صلوات في النّهار صلاتان: الظهر والعصر، وفي اللّيل صلاتان: المغرب والعشاء الآخرة.
وقوله تعالى: كانَ مَشْهُوداً
[سورة الإسراء، الآية: 78] أي يشهده الملائكة، ويجوز أن يكون المراد حقه أن يشهد، والغسق الظّلمة. فأما اختصاص السّماوات والأرض بالذّكر من بين الأشياء كلّها فلشمولها لكل مخلوق، ومثله قوله تعالى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
[سورة الأنعام، الآية: 3] والمعنى وهو الذي يحق له العبادة، وإذا كان كذلك فكلّ مذكور معلوم داخل فيهما، ويكون قوله: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
[سورة الأنعام، الآية: 3] خبرا ثانيا أي هو إله في الأرض كما هو إله في السّماء لا يخفى عليه خافية.
ويحتمل أن يكون المراد وهو الله في السّماوات أي هو معبود فيها، وقد تم الكلام ويكون قوله: وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
[سورة الأنعام، الآية: 3] على أنه خبر ثان، والمراد أنه معبود في جميع ذلك عالم بالسر والجهر. وقيل في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ
[سورة الزخرف، الآية: 84] أنّ الخلق يؤلهون إليه- أي يفزعون في الشدائد إليه مستعينين به «1» وأهل الأرض متساوون في حاجتهم إلى رحمته وجميل تفضله. فأما قوله: فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ
[سورة الزخرف، الآية: 84] فإله مشترك غير مخصوص وجاز فيه الجمع كما جاء: اجشاء الآلهة إلها واحدا.
وكما قال: اجشاء لنا إلها كما لهم آلهة وهو يعمل عمل الفعل، ألا ترى أنّ قوله:
(1/32)

وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ
الظّرف فيه متعلق بما في الإله من معنى الفعل وفي تقديره وإعرابه عدة وجوه: منها أن يقال: إنّ العائد إلى الذي محذوف كأنّه قال: وهو الذي هو في السّماء إله وفي الأرض إله، وساغ حذف العائد بطول، وهي قوله في السّماء إله وفي الأرض إله، وهذا كما حكى عنهم ما أنا بالذي قائل لك شيئا، وقد قال الخليل: إني أستحسنه إذا طال الكلام فهذا وجه، ويجوز أن يقال: إنه مرتفع بالابتداء وخبره في السّماء وفي الأرض والعائد إلى الذي هو الذي يعود إلى إله لأنّ الذي هو في المعنى والحمل على المعنى مذهب أبي عثمان، وقال مع ذلك لولا كثرته لرددته، ومثله قول القائل: أنت الذي فعلت، وقوله:
(أنا الذي سمتني أمي حيدره) والقياس فعال، وسمته وقوله: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ
[سورة الأنعام، الآية: 3] الظّرف لا يتعلق بالاسم أعني لفظة الله على حد ما يتعلق بإله إلا على حد ما ذكره لك، وهو أنّ الاسم لما عرف منه معنى التّدبير للأشياء وإبقائها بحفظ صورها في نحو: أنّ الله يمسك السّماوات والأرض أن تزولا، ونحو:
ويمسك السّماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ونحو: أمن جعل الأرض قرارا، وجعل خلالها أنهارا، صار إذ ذكر كأنه ذكر المدبّر والحافظ فيجوز أن يتعلّق الظّرف بهذا الذي هو الاسم العالم بعد أن صار مخصوصا وفي حكم أسماء الأعلام التي لا معنى فعل فيها، فهذا بمعنى الاسم، وما كان يدل عليه من قبل من معنى الفعل.
وعلى هذا تقول: هو حاتم جوادا، وهو أبو حنيفة فقيها، وهو زهير شاعرا، فتعلق الحال مما دخل في هذه الأسماء من معنى الفعل لاشتهارها بهذه المعاني، فلا ترى أنك لا تقول: هو زيد جوادا ما لم يعرف بذلك وعلى هذا تقول: هو حاتم كلّ الجواد، وهو أبو حنيفة كل الفقيه.
ومنه قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ*
[سورة يونس، الآية: 3] الآية، لما كان الله تعالى خالق الأشياء ومبتدعها، ومدبّر الأفلاك ومسخّرها، وكانت الأبصار لا تدركه، والأقطار لا تحده، وأراد مع ذلك أن يعرف نفسه إلى من يتعبّده من خلقه لتسكن نفوسهم إلى مصطنعهم فيعتصموا به ويتمسكوا بدعائه أحالهم على مراده من ذلك بآثاره وآياته في أرضه وسمائه، إذ كان الطريق إلى معرفة الشيء أما أن يكون بما يؤدي إليه رواتب الحس، وهي الأجسام والأعراض، أو بما يبرهن عليه دلائل الصّنع، وهو ما يكشف عند الاستدلال، فأعلم المشركين فيما أنزله أنّ الذي يجب تعظيمه ويحق ربوبيته هو خالق السّماوات والأرض في ستة أيام، فتوصّلوا إلى معرفة ما نصبه من أدلّته، فسيشهد لكم من جلائل قوّته وعزّته ما يزيد في البيان على ما يصل إليه الواحد منكم بحاسّته ويصوّر لكم النّظر بما مهل في أوائل عقولكم ما تميّز الشّك من اليقين لكم وتخلّص الصفو من الكدر
(1/33)

في معتقدكم، فالآلة تامة، والعلّة منزاحة، وما كلف بما كلفتم إلّا بحكمة بينة، وطريقة في فنون الصّواب ثابتة، وإنما خلقهما في ستة أيام ليعرف عباده أن الرفق في الأمور، وترك التّعجل هو المرضى المختار في التّدبير لأنّه تعالى لو شاء أن يخلقهما في أدنى اللّمحات، وأوحى «1» الأوقات لما مسّه فيما يأتيه إعياء ولا لغوب، ولا أعجزه كلال ولا فتور.
وإنّما أراد أن يحدثه حالا بعد حال لتدرك ثمرات عبرهم شيئا بعد شيء، وليتأدّب أولو البصائر بآياته، وحمله قرنا بعد قرن، يبيّن هذا أنه تعالى نهى نبيّه عليه السلام فيما يتلقّاه من وحيه، ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
[سورة طه، الآية: 114] وقال أيضا: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ
[سورة الإنسان، الآية: 23- 24] ، ثم جعل فيما نزّله مجملا ومطلقا ولو شاء لجعل الكلّ مفسرا، ونعى على الكفار لما قالوا: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة. وقال: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
[سورة الفرقان، الآية: 32] وهذا أحسن.
وقال بعض مشايخ أهل النّظر: لو أراد الله تعالى أن يخلقها ويخلق أضعافا كثيرة معها لفعله، وهو عليها قادر لكنه جعلها في ستة أيام ليعتبر بذلك ملائكته الذين كانوا يشاهدونه، وهو يحدث شيئا بعد شيء في هذه الأيام الستّة عبرة مجددة، ويستدل بكل ما يحدث دلالة مستأنفة وليكون ذلك زيادة في بصائرهم، والحجة التي يقيمها عليهم، فقيل له في ذلك: إن كان ذلك حكمة فيجب أن يطرد في جميع ما خلقه وليس الأمر على هذا على أنّ ذلك ليس بسائغ لأنّ الملائكة لا يستغنون عن مكان يحويهم وإذا كان لا مكان في العالم إلّا السّماء والأرض فليس يعقل كون الملائكة قبل كونهما.
ويمكن أن يقال: في هذا والله أعلم أنه تعالى أعلمنا أنه أحدث شيئا بعد شيء حتى وجدت عن آخرها في ستّة أيام، وبيّن لنا بذكر الأيّام السّتة ما أراد أن يعلّمنا إياه من الحساب الذي لا سبيل لنا إلى معرفة شيء من أمور الدّنيا والدّين إلا به، كما قال: وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
[سورة يونس، الآية: 5] الآية. فأصل جميع الأعداد التّامة ستة، ومنها: يتفرع سائر الأعداد بالغا ذلك ما بلغ إذ كان ما عداها من الأعداد ناقصا، أو زايدا.
ألا ترى أنّ لهذا النّصف وهو ثلاثة والثّلث، وهو اثنان، والسّدس، وهو واحد، وإذا حسبت جميعها كانت ستة، وعند من يعتني بهذا الشأن أن نظير الستة من العشرات ثمانية وعشرون، وكذلك لها في كل من المئتين والألوف نظير واحد، فالسّتة أول الأعداد التامة
(1/34)

كما أنّ التسعة منتهى الأنواع كلها الآحاد والعشرات والمئات والألوف لاشتمالها على الفرد، وهو واحد والزّوج وهو اثنان والزّوج والفرد، وهو ثلاثة والزّوجين، وهو أربعة، وقد انتهى أنّ ما يجيء من بعد يكون مكررا، وإذا حسبت الجميع كان تسعة، فكأنه سبحانه من حكيم أراد أن يكون انتهاء خلقه للعالم بأسره إلى عدد تام فيما يحصى كما أنّه في نفسه تام لا بخس فيه ولا شطط فيما يروى ويتلى.
ونظير هذه الآية قوله تعالى في موضع آخر: وإن كان فيه زيادة بيان، وسنحكم القول في جميعه لأنّ ما فيه من زيادة بيان نقيضه إن شاء الله تعالى.
وقوله تعالى: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
[سورة فصّلت، الآية: 9] إلى فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ
[سورة فصلت، الآية: 10] يريد ما أضيف إليه لولا ذلك لما كان لقوله سواء للسائلين معنى فكأنه قال في تمام أربعة أيام سواء لمن يسأل عن ذلك، ثم قال: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ
[سورة فصّلت، الآية: 11] إلى فِي يَوْمَيْنِ
[سورة فصّلت، الآية: 12] .
واعترض بعض الملاحدة فقال: هذا باطل إنكم وفقتم بين التفصيل في هذه الآية وبين الإجمال في الآية المتقدّمة، بأن تقولوا: قوله في أربعة أيام، يريد مع اليومين الذين خلق الأرض فيهما، فما قولكم في قوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
الآية. فدلّت هذه الآيات على أنه خلق الأرض قبل السّماء.
وقال في موضع آخر: أَمِ السَّماءُ بَناها
إلى وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
[سورة النازعات، الآية: 27، 30] فدلت هذه الآية على أنه خلق السّماء قبل الأرض.
والجواب أنه إنما كان يحد الطّاعن متعلقا لو قال: والأرض بعد ذلك خلقها، أو أنشأها وإنّما قال: دحاها، فابتدأ الخلق في يومين، ثم خلق السّماوات وكانت دخانا في يومين، ثم دحا بعد ذلك الأرض أي بسطها ومدها وأرساها بالجبال وأنبت فيها الأقوات في يومين فتلك ستة أيام وليس أحد أنه تعالى لها في ستة أيام إلا كتكوينه إياها في غير مدة ولا زمان لكن الحكمة التي دللها عليها أوجبت تقسيمها والإتيان بها على ما ترى.
وقال في موضع آخر: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ*
[سورة يونس، الآية: 3] وكان عرشه على الماء، وهذا أبلغ في الأعجوبة أن يكون العرش هذا البناء العظيم على الماء وإنما يراعى في أسباب الأبنية ووضع قواعدها أن يكون على أحكم الأشياء فهو مثل ابتداع أعيانها وإقامتها بلا عهد ولا علاقة. وقوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
[سورة فصّلت، الآية: 11] أي قصد خلق السّماء كما خلق الأرض سواء، وعمد إليها بعقب خلقها من غير
(1/35)

حائل بينهما وذلك تكوينه لهما جميعا كما أراد. وهذا كما يقال: فعلنا كذا، ثم استوينا على طريقنا، أو استمررنا فيها سائرين ولم يشغلنا عن الامتداد شاغل. قال زهير في مصداق ذلك:
ثم استمرّوا وقالوا إنّ موعدكم ... ماء بشرقي سلمى فيداور كل
ويروى ثم استووا، وتنادوا، وقد كان الله تعالى قبل تسويته إياها على ما هي عليه خلقها دخانا، فكون بعد ذلك من الدّخان سماء وشمسا وقمرا وكواكب ومنازل وبروجا وقوله: اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ*
[سورة يونس، الآية: 3] يريد الاستيلاء، والملك يدل عليه قول بعيث:
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق
يعني بشر بن مروان لما ولي العراق، والعرش يحتمل أن يكنى به عن الملك وإن كان الأصل فيه ما يتخذه الملوك من الأسرّة، ولهذا قيل لقوّام أمر الرّجل العرش، وإذا اضطرب قيل ثلّ عرشه، ويحتمل أن يراد به السّماوات والأرض لأنّ كلها سقف عند العرب، ويقال:
عرشت الشيء، وسمكت، وسقفت، وسطحته بمعنى، ويكون مجيء ثمّ على هذا النّسق خبرا على خبر لا لترتيب وقت على وقت ومثل هذا قول الشاعر:
قل لمن ساد ثمّ ساد أبوه ... ثم قد ساد بعد ذلك جدّه
وذكر بعض شيوخ أهل النظر أنّ ثم إنما هو لأمر حادث، واستيلاء الله على العرش ليس بأمر حادث بل لم يزل مالكا لكل شيء، ومستوليا على كل شيء فيقول: إنّ ثم لرفع العرش إلى فوق السّماوات وهو مكانه الذي هو فيه فهو مستول عليه ومالك له فثمّ للرفع لا للإستيلاء، والرّفع محدث، قال ويشبه هذا قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ
[سورة يونس، الآية: 31] لأنّ حتّى يكون لأمر حادث وعلم الله ليس بحادث. وإنّما المعنى يجاهد المجاهدون ونحن نعلم ذلك وإنّما قال هذا لأنه لم يعرف ما ذكرناه من الوجه الثّاني في ثم، ومعنى يغشى اللّيل النّهار أي يغطي ضياءه ونوره، فهو كقوله: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ*
[سورة لقمان، الآية: 29] قوله: يطلبه حثيثا أي يطلب اللّيل النّهار، والحثيث السّريع، وذلك كما قال: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ
[سورة يس، الآية: 40] جعل التّعاقب كالطلّب وقد مرّ القول في ذلك مستقصى.
قوله تعالى: مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ*
[سورة النحل، الآية: 12] أي بإرادته وانتصب القمر وما بعده بالفعل، وهو خلق، ومسخّرات انتصبت على الحال أي سخّرت بالسير، والطّلوع والغروب. قوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
[سورة الأعراف، الآية: 54] المراد بالخلق
(1/36)

المخلوق وللأمر في اللغة وجوه تجيء ومعناه الإرادة والحال ومصدر أمرت، وتختص هنا بالإرادة على ذلك قوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
[سورة الروم، الآية: 54] .
والمعنى الأمر كله له لا شريك معه في شيء ولا معين، ولا وزير، ولا ظهير. وإنّ إرادته هي النافذة لا ترتد ولا تبوء، ولا تتوقّف، ولا تكبو، بل يحصل المراد على الوجه الذي يريده بلا تعب ولا نصب.
قوله تعالى: فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
[سورة غافر، الآية: 64] تمجيد وتجليل، وهذا تعليم من الله كيف يمجد كما أنّ قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[سورة الفاتحة، الآية: 2] ، تعليم كيف يحمد، والعالمين الخلائق. وقال بعضهم: هو من العلامة لأنه بآثار الصّنعة فيه يدل على الصّانع فهو كالعلامة له في الأشياء، وقيل هو من العلم كأنه علم الصانع جرى مجرى قولهم الخاتم والطّابع لأنه يختم بهما الشيء ويطبع، ثم اختير له جمع السلامة لغلبة العقلاء النّاطقين. وقوله تعالى من الآية الأخرى: ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ
[سورة فصّلت، الآية: 9] بعد قوله: لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
تبكيت للمخاطبين وإزراء بهم. وإنّ أمثال كيدهم لا يعبأ بها ولا تأثير لها مع خالق أصناف الأشياء كلّها على اختلاف فطرها. وتلخيص الكلام أتكفرون بمن هذه آثاره، وتجحدون نعمه عليكم، مع ادعاء شركاء له ذلك رب الأرباب وخالق الأرض والسّماوات، وهو لنا ولكم بمرصاد.
ومعنى قوله تعالى: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً
[سورة فصّلت، الآية: 11] بيان التكوين، وقوله تعالى: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
[سورة فصّلت، الآية: 11] بيان حسن الطاعة، وسرعة التكوّن لكنه لمّا جعل العبارة مبنية على الابتداء والجواب بالألفاظ المستعارة والأمثال المضروبة لتمكن في نفوسهم وتعشش في صدورهم جريا على عادتهم في أفانين الكلام، وأساليب التّصاريف في الاستفهام والأفهام، وإخراجهم ما لا نطق له البتّة في صورة النّاطق حتى صارت أجوبة أسند لهم إذا واجهوها، وإن كانت من عندهم كأنها من مخاطب، إذ كان اعتبارهم يغني عن الجواب والمجيب، حتّى قال بعضهم: إذا وقفت على المزارع المرفوضة والدّيار الدّارسة المتروكة فقل: أين من شقق أنهارك وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ أين من بنى دورك وأسّس ربوعك وعرّش سقوفك؟ فإنها إن لم تجبك جوارا أجابتك اعتبارا. فعلى هذا الذي رتّبنا الكلام صار ظاهر بناء الأمر بالإتيان طوعا أو كرها إيجابا لحصول الفعل حتى لا معدل عنه إذا كان وقوع الفعل من الفاعلين لا يقع إلّا على أحد هذين الوجهين، وهذا كاف لمن تدبّر.
فأمّا الطّوع والكره والطائع والمكره واستعمال النّاس لهما فيما يثقل أو يخف ويهون أو يشتد فظاهر، وقد قال الله تعالى في قصة ابني آدم: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ
[سورة
(1/37)

المائدة، الآية: 3] أي سهّلته عليه ودمثته. وأما التأنيث في قال لها وقالتا فللفظ السّماء والأرض وكونهما في لغتهم مؤنثين، وأما جمع السّلامة في طائعين فلما أجرى عليهما من خطاب المميزين، وقد مضى مثله. وروي في التّفسير أنّ ابتداء خلق الأرض كان في يوم الأحد، واستقام خلقها في الاثنين، وبارك فيها وجعل فيها رواسي في تتمة أربعة أيام مستويات تامّات للسائلين عنها ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
[سورة فصّلت، الآية: 11] أي عمد فقضاهن سبع سماوات في يومين أي أحكمهما وفرغ منهما قال الهذلي:
وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السّوابغ تبّع
وقيل: اللّام في للسائلين تعلق بقوله تعالى: وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها
[سورة فصّلت، الآية: 10] والمعنى قدر الأقوات لكلّ محتاج إليها سائل لها، والأول أحسن في النّظم وأجود، ويجوز أن يكون المراد بقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ
أي قصد لبنائها من غير فصل ولا زمان كما يقال لمن كان في عمل وأريد منه إتمامه وترك الانقطاع عنه استقم ما أنت عليه ومعنى: جَعَلَ فِيها رَواسِيَ
[سورة فصّلت، الآية: 10] أي جبالا ثوابت تمسكها، وهذا كما قال تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً
[سورة النبأ، الآية: 6، 7] وقوله: سَواءً
المنتصب على المصدر أي استوت سواء، واستواء، ويجوز الرفع على معنى وهي سواء أي مستويات. ويجوز الخفض على أن يكون صفة لقوله في: أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً
[سورة فصّلت، الآية: 10] والمعنى مستويات.
وقوله تعالى: وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها
[سورة فصّلت، الآية: 11] المراد بالوحي الإرادة والتكوين، والمعنى أخرج كل واحدة من السّماوات على اختلافها على ما أراد كونها عليه وقدّرها من مراده قال تعالى: وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً
[سورة الأحزاب، الآية: 38] وكما جعل السّماوات سبعا شدادا كذلك خلق الأرض سبعا طباقا بدلالة قوله تعالى: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ
[سورة الطلاق، الآية: 12] وقوله: وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً
[سورة فصلت، الآية: 12] يريد جعلنا الكواكب زينة للسماء وحفظناها من مسترقة السّمع، فالمصابيح يستضاء بها في الأرض ليلا ونهارا، وقال: وَحِفْظاً
لأنها باللّيل رجوم للشياطين، وانتصب بفعل مقدّر كأنه. قال: زيّنت بمصابيح، وحفظت بها حفظا، ثم ختم القصّة بأن قال: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
[سورة فصلت، الآية: 12] نبه على حكمته فيما فعل وقدرته وأنه العالم بعواقب الأشياء حتى تقع وفق إرادته.
ومنه قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً
[سورة الفرقان، الآية: 61] إلى شُكُوراً
أراد بالبروج الحمل، والثّور إلى الحوت، فالفلك مقسوم بها، وكل برج منها ثلاثون قسما، ويسمى الدّرج وإنما قسّم الفلك بهذه القسمة ليكون لكلّ شهر برج منها لأنّ
(1/38)

القمر يجتمع مع الشّمس في مدة هذه الأيام اثنتي عشرة مرة، فجعلت السّنة اثني عشر شهرا، وهي التي تسمّى الشهور القمرية، وجعل الفلك اثني عشر برجا لأنّ الشّمس تدور في هذا الفلك دورا طبيعيا فمتى انتقلت من نقطة واحدة بعينها عادت إلى تلك النقطة بعد ثلاث مائة وخمسة وستين يوما وقريب من ربع يوم ويستعد فيها فصول السّنة التي هي الرّبيع والصّيف والخريف والشّتاء. ولهذه العلة سميّت هذه الأيام سنة الشّمس.
فلّما كانت العرب تراعي القمر ومنازله، وهي ثمانية وعشرون منزلا في قسمة الأزمان والفصول والحكم على الأحداث الواقعة في الأحوال والشّهور مراعاة عجيبة. ولهم في ذلك من صدق التأمّل واستمرار الإصابة ما ليس لسائر الأمم حتى تستدل منها على الخصب والجدب، ويعتمد منها على ما تبنى أمورهم عليه في الظن والإقامة ذكّرهم الله تعالى بنعمته عليهم فيها، وعلى جميع الخلق ودعاهم إلى إقامة الشّكر عليها ليستحقّوا المزيد، فقال تعالى في موضع آخر: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً
[سورة نوح، الآية: 15] وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً
[سورة يونس، الآية: 5] فقوله: تَبارَكَ
تعليم منه أي قولوا تبارك، والمعنى دام ذكره وثبت بركته عليكم ويمنا واستدامة الخير ونفعا.
وأصل البروج في اللّغة الحصون، فاستعيرت على التّشبيه وقوله تعالى: جَعَلَ فِيها سِراجاً
[سورة الفرقان، الآية: 61] أي الشّمس وقد كرر ذكر الأنوار والظّلم في عدة مواضع؛ ولم يجعل لفظة السّراج من بينها إلّا للشّمس، وذلك لشيء حسن وهو أنّ الضّياء والنّور والمصباح وما أشبهها من أسماء ما يستضاء به لا يقتضي شيء منها أن يكون في الموصوف به اتقاد وحمى إلّا الشّمس، فنبّه تعالى على ذلك فيه بأنّ سماه سراجا، ولا تسمى سراجا حتى يكون محرقا، وكشف الله تعالى عن المراد بقوله في موضع آخر: وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً
[سورة النبأ، الآية: 13] . والوهج ضوء الجمر واتّقاده، فلهذا خصّ الشّمس بأن وصفت بالسّراج وهذا بيّن. قوله: جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً
[سورة الفرقان، الآية: 62] أي مختلفة يجيء هذا خلف هذا، وهذا خلف هذا، ويجوز أن يريد به أنها تجيء وبعضها يخلف بعضا لأنها لا تستقرأ إلا بهذا بل تتابع وتختلف في قصورها ويكون شاهد هذا الوجه قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ
[سورة آل عمران، الآية: 190] . وانتصاب خلفة يجوز أن يكون على الحال، وقوله: لِمَنْ أَرادَ
مفعولا ثانيا لجعل، والمعنى صير اللّيل والنّهار على اختلافهما لمن أراد تذكرا، أو تشكرا، واللّام في لمن تعلق بجعلنا، ويجوز أن ينتصب خلفة على أنه مفعول ثان لجعل، واللّام في لمن تعلق بها حينئذ أي صيّر خلفة لهم ومن أجلهم والوجه في تفسير خلفة حينئذ أن يكون من الخلافة لا من الاختلاف فاعلمه،
(1/39)

وقوله تعالى: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ
روي عن الحسن فيه أنه قال: من فاته «1» عمله من التّذكّر والتّشكر كان له في اللّيل مستعتب ومن فاته باللّيل كان له في النّهار مستعتب.
وتلخيص الآية من أراد الاستدلال على الله، فتفكر في آلائه التي لا تضبط وتذكر أنعمه التي لا تحصى كانت أوقات اللّيل والنّهار ميسرة له مهيأة، فليأت منها كيف شاء، والشّكر كل ما كان طاعة وثناء على الله، ويكون بالفعل والقول جميعا قال تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
[سورة سبأ، الآية: 13] قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ*
[سورة القمر، الآية: 17] ومن تأمّل هذا التّوسيع من الله عليه حتى لا وقت من أوقاته إلّا وله أن ينقطع فيه إلى الله من غير تضيق ولا مدافعة على أنّ الله تعالى شكور كريم يقبل الإنابة كيف اتفقت، فنعمته عند إنعام من شكره مثل نعمته حين يبتدئ من صنيعه، فسبحانه من منعم في كلّ حال.
ومنه قوله تعالى: انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
[سورة المرسلات، الآية: 29] إلى لِلْمُكَذِّبِينَ
قوله تعالى: انْطَلِقُوا
لم يرد به الأمر بالانطلاق وإنما هو مقدمة يأس من المأمور وبعث على الأخذ في غيره على هذا قوله تعالى: وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا
[سورة ص، الآية: 6] وهذا في المعنى كقولهم: طفق يفعل كذا، وأقبل يأمر بكذا، وقم بنا نفعل وإن لم يكن، ثم اقبال وقيام ويقولون: ذهب يقول في نفسه وإن لم يكن منه ذهاب لأنّ المراد ما كان مهيأ لذلك وفي صورته وعلى هذا قولهم: تعال نفعل كذا وهلم نأخذ في كذا قوله تعالى: إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
الذي كذّبوا به في الدّنيا هو البعث والنّشور وملائكة الله وكتبه ورسله وشيء من ذلك لم يوجهوا إليه إنّما المراد صيروا إلى ما كنتم تحذرونه وتخوفون له فلا تعبأون به ولا تنزجرون لمكانه وهذا تبكيت وتقريع.
قوله تعالى: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ
[سورة المرسلات، الآية: 30] ذكر أهل التّفسير أنه يخرج لسان من النّار فتحيط بهم كالسّرادق، ثم تنشعب منه ثلاث شعب من الدّخان فيظللهم حتى يفرغ من حسابهم ويساقون إلى النّار ولا يمنع أنّ يكون المراد انطلقوا إلى ما كنتم به تكذّبون من شدائد عقابه وأليم سخطه. ويكون انطلقوا الثّاني شرحا للأوّل، وكالتّفسير له والمراد انطلقوا من العذاب إلى ما يلزمكم لزوم الظّل ولا روح فيه ولا راحة من الحركة، كما كنتم ألفيتموه في الدّنيا عند الحرب من لفح الهاجرة ولهب الحرور إلى الظّلال الثابتة بل يرمي بشرر يتطاير، وكأنّها في عظمها جمالات صفر، والجمالات جمع جمالة، وزيدت التاء توكيد التأنيث الجمع. وهذا كما يقال: بحر وبحارة وذكر وذكارة، وقد قرأ ابن
(1/40)

مسعود جمالة، وقرىء جمالات وهو أكثر في القراءة وأقوى ولا تمنع في قراءة ابن مسعود أنّها الطائفة منها، ويراد بالجمالات الطّوائف، وهذا كما يقال: جمال، وجمالان، قال: عند التفرق في الهيجاء جمالان، ويكون جمالات، وجمال كحبال، وحبالات، وبيوت، وبيوتات للطّوائف، وقد قيل: رجال ورجالة كرجالات في كلامهم يريدون ما فسرت وبينت لأنّ رجال نهاية الجمع ورجالة إذا جعلتها للطّائفة فهي دونه، ومعنى صفر سود قال: هي صفر ألوانها كالزّغب.
وقد قيل: جعلها صفرا لأنّ لون النّار إلى الصّفرة قوله تعالى: بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ
[سورة المرسلات، الآية: 32] قيل فيه: واحد القصور والتّشبيه بها لعظمها، وقيل: القصر بسكون الصاد جمع قصرة، وهي الغليظ من الشّجر وقرىء كالقصر بفتح الصاد وهي أعناق الإبل.
فأما تكرير التّشبيه وجعلها أولا كالقصر وفي الثاني كالجمالات فكأنه أراد بالقصر الجنس فتحصل الموافقة لأنّ الجنس كالجمع في الدلالة على الكثرة؛ أو أراد تشبيه الشرّرة الواحدة بالقصر، فإذا توالت شررا كثيرا فهي كالجمالات، فعلى هذا حصل التّشبيه للواحد وللجمع والله أعلم.
وقوله تعالى: لا ظَلِيلٍ
فهو كقولهم: داهية دهياء، ونهار أنهر، وليل أليل، وليلة ليلاء يتبعون الشيء بصفة مبنية منه. والمراد المبالغة والتأكيد. وقال: ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ
[سورة المراسلات، الآية: 30] لأنها محيطة بأهلها من جميع الجوانب إلّا القفاء لأنها لا تقفى نفسها وعلى هذا كل ذي ظل إذا تأملته ويشهد للإحاطة قوله تعالى: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ
[سورة الزمر، الآية: 16] . وقال تعالى: يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
[سورة العنكبوت، الآية: 55] ، وقال بعض أصحاب المعاني: في (ثلاث شعب) المراد أنه غير ظليل، وأنه لا يغني من اللهب وأنّها ترمي بالشّرر كالقصر، وتحصيل هذا ذي ثلاث صفات.
ومنه قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ
[سورة الواقعة، الآية: 75] إلى الْعالَمِينَ
قوله: فَلا أُقْسِمُ
يجوز أن يكون قوله: فَلا
نفيا لشيء قد تقدّم، وتكون الفاء عاطفة عليه وابتداء اليمين من قوله: أُقْسِمُ
ويجوز أن تكون لا دخلت مؤكّدة نافية كما جاء في قوله تعالى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ
[سورة الحديد، الآية: 29] ، والمعنى لأن يعلم، وقال بعضهم: لا دخلت لنفي الأقسام، وقال لأنّ الإيمان يتكلّفها المتكلم تأكيدا للإخبار، وإزالة لما يعترض فيها من التّجوز والتّسمح؛ وإذا كان الأمر على هذا فقوله: فَلا أُقْسِمُ
يجوز أن يراد به أنّ المحلوف له في الظّهور وخلوصه من الشّك أبين وأوضح من أن
(1/41)

يتكلّف إثباته بالإيمان. وعلى هذا يكون قوله: وإنّه لقسم يراد به أنّ الحلف بمواقع النّجوم عظيم ممّن أقسم بها، وقوله: لَوْ تَعْلَمُونَ
بعث على الفكر في المحلوف فيه وبما يتضمّنه مما يعظم موقعه في الصّدور عند تأمّل الأحوال المبهجة للاستدلال؛ وقيل: أراد بالنّجوم الأنواء وما يتعلق بها من حاجات النّفوس ومن المآرب والهموم على اختلاف المعتقدات فيها. وقيل: بل المراد بها فرق القرآن لأنّ الله تعالى أنزله نجوما لما عرفه من مصالح المكلّفين والمدعوّين إلى الدّين، ويكون الشّاهد لهذا الوجه قوله: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
[سورة الواقعة، الآية: 77] ، ويكون الطّريق فيمن جعلها الأنواء التّنبيه على وجوه النّعم في الأنداء والغيوث، وما به قوام الخلق في متصرفاته. قوله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
جواب اليمين عند من أثبته يمينا وفِي كِتابٍ مَكْنُونٍ
[سورة الواقعة، الآية: 78] يجوز أن يريد به اللّوح المحفوظ لأنه أودع التّنزيل اللّوح، ثم فرّق منه نجوما ويشهد لهذا قوله تعالى: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا
[سورة الزخرف، الآية: 4] وذكر الأم كما قيل في المجرّة أم النّجوم، وكما قيل مكة أمّ القرى، ومعنى كريم أنّه خلص من جميع الأدناس، وطهرّ من الشّوائب، يشهد لهذا قوله تعالى في صفة المؤمنين: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
[سورة الفرقان، الآية: 72] .
وهذا كما يقال: في صفة الشيء العظيم الخطير هو مكرم علي أي يجلّ موقعه، والمراد بقوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
[سورة الواقعة، الآية: 79] الملائكة إذا جعلت الكتاب اللّوح المحفوظ، والمعنى لا يصل إليه ولا يقرّبه غيرهم وذلك على حسب ما يصرفون فيه عند تنزيله، وإن جعلت الكتاب المكنون ما حكم الله به من قضاياه وتعبّد به عباده من أصناف العبادات، وشاهد هذا قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
[سورة الحجر، الآية: 9] وإنّ حفظ الشيء وصيانته وكنه واحد، والشّاهد في أنّ الكتاب المكنون هو الحكم المفروض. قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
[سورة النساء، الآية: 66] ، وقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
[سورة البقرة، الآية: 183] ، فحينئذ يكون معنى لا يمسّه لا يطلبه كما قال:
مسسنا من الإباء شيئا وكلّنا ... إلى حسب في قومه غير واضح
وقد حكي أنّ اللمس والالتماس والمس متفقات، والحجة في أنّ اللمس مثل الالتماس قوله تعالى: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ
[سورة الجن، الآية: 8] . وقول الشاعر:
ألام على تبكّيه ... وألمسه فلا أجده
فقوله: لا أجده يشهد بأنّ المراد بالمس الطّلب لا غير، وقد أحكمت القول في هذا:
في (شرح الحماسة) ، وقال بعض النّظار: قوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
[سورة الواقعة، الآية: 79] ، لفظه لفظ الخبر، والمراد به النهي، والمعنى لا يتناولن المصاحف إلّا
(1/42)

المطهّرون، فليس يجوز للجنب والحائض مسّ المصاحف، تعظيما لها وإجلالا. قوله تعالى: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
[سورة الواقعة، الآية: 80] تصديق للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في جميع ما دعا إليه من الإيمان بالله تعالى أو في إبطاله دعاويهم وشهاداتهم في القرآن وسائر العبادات، وارتفع تَنْزِيلٌ
على أنّه صفة لقوله: لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ
، أو على أنّه خبر مبتدأ محذوف.
ومنه قوله تعالى: قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ
[سورة الإسراء، الآية: 42] ، كما يقولون إلى حَلِيماً غَفُوراً
ذكر الله تعالى فيما وعظ من قبل قوله: وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ
[سورة الإسراء، الآية: 39] ثم أتبعه بقوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا
[سورة الإسراء، الآية: 41] ، والإنذار بالتّبكيت الشّديد والوعيد الممض إلزاما للحجّة، وإظهارا للعناد منهم، وأنه هداهم فلم يهتدوا، وذكّرهم فلم يعبأوا إعجابا برأيهم، وذهابا عند التّدبّر، والنّظر ليومهم وغدهم ودنياهم وآخرتهم، ثم أخذ عزّ وجلّ يحاجهم على لسان نبيّهم فقال: قل لهؤلاء الذين ضلّوا عن الرّشاد، وعموا عن الصّواب، إنّ الله تعالى لو شركه في ملكه غيره كما تدّعون لفسدت الأحوال، وتقطّعت الوصل والأسباب. ولعلا بعضهم على بعض وكان يطلب كلّ الاقتسار، وتسليم الأمر له، كما قال هو: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[سورة الأنبياء، الآية: 22] . وكان لا ينفع الاستثناء فيما بينهم وترك الخلاف وإظهار الرّضاء، لأنّ الاستبداد، أو طلبه وإن لم يظهر فعلا من واحد منهم فلا مهرب من تجويزه عليهم؛ وجوازه لن يحصل إلّا عن تقدير استضعاف، ومن قدر فيه ضعف فإنه لا يكون إلها وهذا بيّن. قوله تعالى: إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا
[سورة الإسراء، الآية: 42] ، أي لطلبوا إلى أخصّهم بالملك، وأولاهم بالأمر منازعته ومجاذبته ومساواته ومسامته؛ قوله:
ذِي الْعَرْشِ
يجوز أن يريد به ذا السلطان والعزّ، ويجوز أن يريد به ذا السّرير الذي حمله في السّماء والملائكة يطوفون حوله. كما أنّ البيت المعمور في السّماء الرابعة. وقال بعضهم: أي العرش، وأنشد قول الشّماخ: (فأدمج دمج ذي شطن بعيد) . قال: يريد أدمج شطن، فزاد ذي، فكذلك قوله: إلى ذي العرش، يريد إلى العرش، والمعنى لطلبوا إلى الاستيلاء على العرش، والاستواء عليه طريقا، قال ومثله لفظ حي أنشد أبو زيد:
يا قرّ إنّ أباك حيّ خويلد ... قد كنت خائفه على الأحماق
يريد أنّ أباك خويلد، فزاد قوله: حي، وقوله تعالى: عَمَّا يَقُولُونَ
الظّالمون بمعنى علا، والمعنى جلّ، وارتفع عما يقول المشركون أكده بقوله: عُلُوًّا
، ووصف العلو بالكبر مبالغة في التّبعيد. قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
[سورة الإسراء، الآية: 44] . يريد ما من شيء إلّا وبما فيه من أثر الصّنعة يدلّ على قدرة الله تعالى ويشهد.
(1/43)

بإلهيته، ويدعو إلى عبادته وينفي عنه مشابهة لخلقه، وجميع ما لا يليق بحكمته. ومعنى يسبّح بحمده أي ينزهه، إما إعرابا باللّسان، أو دلالة بواضح البرهان، وفائدة قوله: يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
أي فيما يظهر من حكمته في خلق ما خلق. والأنعام على من أنعم حمدا له إذا لم يكن إعداد الشّكر في مقابلة النّعم أكثر من إضافة النّعم إلى المنعم، فإذا كان الحمد تولية النعمة ربّها وإشادة ذكره ونسبتها إليه، فآثار النعم حامدة شاكرة لمسديها. ألا ترى إلى قول القائل: (ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب) . فنسبة الثناء إلى الحقائب كنسبة التّسبيح بالحمد لله إلى الدّال عليه والمقيم له. وهذا حسن بالغ. قوله تعالى: وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
[سورة الإسراء، الآية: 22] أي تجحدونه، أو تعرضون عنه فعل من لا يفهم وهذا كقوله تعالى يصفهم: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها
[سورة الأعراف، الآية: 179] ، ثم قال: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ
[سورة الأعراف، الآية: 179] . قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً
[سورة الإسراء، الآية: 44] ، يريد هو حليم حين لم يعاجلهم فيما ادّعوه بالعقوبة ولكن تركهم إمهالا ورفقا، وهو غفور لمن أناب وإن ارتكب كلّ منكر قبيح رحمة منه لعباده وحسن تفضّل.
ومنه قوله تعالى: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ
[سورة الحديد، الآية: 2] إلى عَلِيمٌ
، أثبت الله لنفسه أنه القادر الغالب، فهو يملك وجميع ما تدركه الأبصار والأوهام من أصناف العالم جليلها ودقيقها، خيرها وشرّها، يتصرّف فيها كما شاء؛ واختار تصرّف الملاك، فهو ملك مالك يبدئ، ويعيد، ويحيي ويميت، وقد أقرّت له الصعاب.
وتذلّلت له الرّقاب. لا يمتنع عليه مراد وإن عزّ وشقّ. ولا يوجد عنه ذهاب فيما ثقل أو خفّ. إليه آماد الأعمار، والأرزاق، ومصارف البقاء والفناء فهو القادر الحكيم، والعالم الغني، لا يخفى عليه معلوم وإن دقّ، ولا يعزب عن الظّهور له مطلوب وإن رقّ، الأول في الوجود لقدمه لا عن ابتداء مدة، والآخر بعد فناء كل شيء خلقه في الدّنيا لبقائه لا إلى غاية، لم يزل ولا يزال على ما هو عليه من ديموميته، وحكمته، وصواب فعله وقدرته، يحيي الأموات إذا شاء، ويميت الأحياء إذا شاء، ويفني المخلوقات إذا شاء، ويعيدها إذا شاء. الظّاهر بما له من آياته التي لا تخفى، وعبره التي لا تفنى، والباطن لأنه لا تدركه الأبصار ولا تحصله الحواس، وهذا وجه في الآية. وقيل: أراد بالظّاهر أنّه غالب على كل شيء، بما دلّ به على نفسه، من أصناف صنعه كما قال تعالى: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ
[سورة الصف، الآية: 14] ، أي عالين غالبين، ويقال: ظهرت على الجلي الواضح الذي هو كالجمر. وقيل في الباطن التي هي في خفائها كالسّر فهو بما تجلّى منها ظاهر، وبما خفي منها باطن، وهذه آية لها جوانب تقتضي الكلام عليها وأنا إن شاء الله أبلغ الغاية بمقدار فهمي.
(1/44)

اعلم أنّ الله تعالى قال في موضع من كتابه: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
[سورة الرحمن، الآية: 26، 27] ما قال على الموت لأنّ الموت إنّما نعدم به الحياة، والله تعالى قال: كلّ من عليها، ولم يقل حياة من عليها، وقال بعده: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
، والميت جيفة تبقى، وإذا كان كذلك فلا فضيلة في البقاء مع الشركة فيه، وإذا سقطت الفضيلة فلا تمدّح لرب العالمين، وقال تعالى في موضع آخر: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[سورة العنكبوت، الآية: 88] . وذكر في صفات نفسه هو الأول، والآخر، والظّاهر، والباطن. وكلّ هذه الآي دالّة على أنّه تعالى يصير منفردا بالوجود، كما كان منفردا به من قبل أن يخلق الخلق وأنه تعالى يفني كل ما خلقه إفناء لا يبقى له أثر ولا رسم حتى يصير بالفناء في حكم ما لم يخلق ولم يوجد، وقال تعالى: هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
[سورة الروم، الآية: 27] وفي آخر: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ
[سورة الأعراف، الآية: 29] ، والمعاد هو وجود على صفة لا زيادة عليها، وهو أن يتقدّم الوجود للشيء فيبطل، ثم يعاد إلى الذي كان عليه من الوجود، وإذا كان السمع قد أثبت معادا، وحقيقة المعاد ما ذكرناه من أنّ ما سميّناه في الأول إحداثا ومحدثا سمّيناه، وقد بطل واستجد الجادة في الثاني معادا، ومستجدا فقد وضح معنى قوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
والآي التي معها.
فإن قيل الذي يعرفه أهل اللغة من معنى الفناء هو نفاد المركب قليلا قليلا كنفاد الزّاد والاضمحلال والهزال هو تحلّل الأجزاء؛ والاستحالة هو تغيّر مزاج الشيء. قلت: الفناء بطلان الشيء دفعة واحدة، وهو ضد الإنشاء والاختراع فإذا تجاوزت هذا الموضع فاستعماله على ضرب من التّشبيه به فقوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
[سورة الرحمن، الآية: 26] ، يريد أنّ جميع ما خلقه قبل الوقت الموعود للثّواب والعقاب يبطله بمعنى يخزعه، إذا حصل فنى به الأجسام، والأعراض كلّها. فناء الضّد بالضّد، وليس ذلك المعنى بمقدور للعباد. والبقاء لا يجوز عليه، فإذا أفناهم بعزته الغالبة بذلك المعنى أعادهم بقدرته الواسعة كما كانوا قبل الفناء، ولا يصح ما أجمع عليه المسلمون من أمر المعاد والفناء إلّا على ما ذكرناه، وهو اللغة والشّرع، والنّاظر فيما ذكرناه بيّن له معرفة الفناء مثل ما بين له من معرفة المعاد.
وحكمة وضع اللّغة لأنّ الذي ينقطع وجوده بالموت كالحي منّا ظاهر التميز عما لا ينقطع وجوده بالفناء، وما أشبهه من الأعراض. وإذا كان كذلك فإنّا نثبته بالسّمع كما ثبت جواز كونه وخلق الله له بالعقل ولكّل معرفة حقيقة إلى الله تعالى، كما قال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[سورة الإسراء، الآية: 85] . ويكون من جملة ما استأثر بعلمه، وإذا أعادهم حشرهم النّظر في أعمالهم في مواقف مختلفة، كما قال تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ
[سورة الغاشية، الآية: 25، 26] . وكما قال تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ
[سورة إبراهيم، الآية: 47] ، وكما قال تعالى: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ
(1/45)

مِيقاتاً
[سورة النبأ، الآية: 17] إلى سَراباً
فإن سأل سائل عن معنى قوله: فَكانَتْ أَبْواباً
[سورة النبأ، الآية: 19] . وعن وجه التشبيه بالسّراب قلت: معنى قوله: أبوابا يريد كانت ذات أبواب مفتّحة، وليس المعنى صارت كلّها أبوابا، كما أنّ قوله: كانت فراخا بيوضها صارت كلّها فراخا، لأنها إذا صارت كلّها أبوابا عادت فضاء، وخرجت من أن تكون أبوابا.
وأما التّشبيه بالسرّاب، فالمراد به بيان إلماعها، وتخلخلها في نفسها، والسّراب هو الذي يتخيّل للنّاظر نصف النّهار كأنه ماء يطرد، ويقال: سرب الماء يسرب، إذا سال، والمراد ما يتداخل النّفس من تغير المعهود، وقد أخرج الله تعالى صفة القيامة في معارض مختلفة لا ختلاف أحوال المسوفين، وكرر ذكرها، وحذّر منها، ونبّه من أمرها على كثير مما يكون فيها ليبين فظاعتها فقال تعالى: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ
[سورة المرسلات، الآية: 8] إلى لِيَوْمِ الْفَصْلِ
، وقال تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ
[سورة الحجر، الآية: 48] الآية، فتبديل الأرضين والسّماوات وإطفاء الضّوء وتفريج السّماء وتحليل عقدها حتى تصير أبوابا وطمس نجومها؛ وانتشار كواكبها، ونسف جبالها كلّ ذلك، أو أكثرها مما تؤكد حال الفناء، وإزالة معاقد الأرض والسّماء. وقد درج تعالى في هذه الصفات لأنه تعالى ردّدها متفننة في أوقاتها بين أوائلها، ووسائطها، وأواخرها فمن ذلك قوله تعالى: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ
[سورة النازعات، الآية: 6] إلى بِالسَّاهِرَةِ
. وقال تعالى: ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُ
أي الوعد به صدق، أو يراد به أنه يوم حق لا باطل معه إذا قام الأوّلون والآخرون، ويجتمع متفرّق الأسباب، ومتمزّق الأجلاد، ويعود غائب الأرواح، ويحشر الأفواج. وقد قال تعالى: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى
[سورة النازعات، الآية: 34] والطّامة هي العالية على ما قبلها.
وقال تعالى: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ
[سورة الانفطار، الآية: 1] إلى وَأَخَّرَتْ
، وقال تعالى: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ
[سورة الانشقاق، الآية: 1] إلى وَتَخَلَّتْ
وإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ
[سورة التكوير، الآية: 1] وإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ
، وإِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها
[سورة الزلزلة، الآية: 1] ، وقال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها
[سورة الأعراف، الآية: 187] إلى آخر السورة. وهذا السؤال، والجواب مثل سؤالهم عن الرّوح فقوله: فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها
[سورة النازعات، الآية: 44] مثل قوله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
وقال تعالى: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ
[سورة البروج، الآية: 12] والإبداء إبداعه الخلق كلّه لا من شيء والإعادة ما وعد به من الإحياء بعد الإماتة، والبعث، والحشر، وإعداد الثّواب والعقاب.
وحكي عن الأصمعي أنه قال: إذا قال الرجل: أول امرأة أتزوّجها فهي طالق لم يعلم هذا من قوله حتى يحدث بعدها أخرى، فإن ماتت لم تكن أول لكنه لا تشركها أخرى.
(1/46)

قال أبو العباس المبرّد: وهذا خطأ لأنّ قوله: أول هو موقع لما بعده وذلك أن تأتي بعده بما شئت، ولا يكون آخر إلّا لشيء قبله غيره، وإنّما هو مأخوذ من آخره. وقيل: لما كان لا أول له. قال المبرد: ولا يجوز هذا إلّا في صفة القديم تعالى، فهو الأوّل والآخر والظّاهر والباطن. وقال الفقهاء: إذا قال الرجل: أوّل عبد أملكه فهو حر، فملك عبدين جميعا معا لم يعتق واحد منهما، وإن ملك بعد ذلك عبدا آخر لم يعتق أيضا لأنه ليس بأول، ولو قال: أوّل عبد أملكه فهو حر، فملك عبدا ونصف عبد عتق العبد ولم يعتق النّصف لأنّ هذا أول عبد ملكه، والنّصف لا يسمّى عبدا واحدا، ولو قال آخر: امرأة أتزوّجها من النّساء فهي طالق، فتزوّج امرأة، ثم تزوّج أخرى، ثم طلّق الأولى، ثم تزوّجها، ثم مات فإنّ الطّلاق يقع على الثانية التي تزوّجها وما يقع على التي تزوّجها أول مرة وليست بآخر، والتزوج بها ثانيا لا يخرجها من كونها أول امرأة.
ألا ترى أنه لو نظر إلى امرأتين، فقال: آخر امرأة أتزوّجها منكما فهي طالق، فتزوّج إحداهما، ثم تزوّج الأخرى طلقت الثانية حين يتزوجها لأنها آخر امرأة تزوّجها منهما ولو تزوّج الأولى بعد الثانية لم تطلق، وكان المبرد إنما قال: لا يجوز هذا إلّا في صفة القديم لمكان الآخر لأنه لم يزل ولا يزال، أولا وآخرا، والواحد منّا ليس كذلك فاعلمه.
ومنه قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
[سورة طه، الآية: 14] وفي موضع آخر أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
[سورة الإسراء، الآية: 78] إلى مَقاماً مَحْمُوداً
، وقوله تعالى:
وَأَقِمِ الصَّلاةَ
يريد أدمها واثبت عليها فلان لا يقوم لكذا، وهذا يقوم علي بكذا، فله تصرّف في الأمر واسع. قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
يحتمل وجهين: أحدهما أقم الصّلاة لتذكرني بها أي الصّلاة ذكرى لقوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ
[سورة العنكبوت، الآية: 45] وقوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
أي إذا ذكرتني، فأقم الصّلاة كأنه يرجع النّسيان كالذّكر في الوجه الأول تسبيح الله وتمجيده بصفاته الكريمة، وفي الوجه الثاني الرّجوع إليه بعد ذهول يسبق ونسيان يلحق، واللّام من قوله:
لذكري أي عند ذكري، وكذلك قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
أي عنده ولام الإضافة يدخل في الكلام لوجوه.
أ- التمليك: كقوله تعالى: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ*
[سورة النجم، الآية: 31] وكقوله تعالى: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ
[سورة الجن، الآية: 18] .
ب- أن يكون الشيء سببا لغيره، وعلّة له مثل قوله تعالى: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ
[سورة الإنسان، الآية: 9] .
ج- أن يكون دخوله لمعنى الإرادة كقولك: قمت لأضرب زيدا أي قمت إرادة
(1/47)

لضربه، ولكي أضربه أي قمت من أجل هذه الإرادة، وقد يحذف اللام من هذا وأشباهه.
د- أن يكون بمعنى في كقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ
[سورة الحشر، الآية: 2] أي في أول الحشر.
هـ- أن يكون لمرور الوقت على الشيء كقول النابغة شعرا:
توهّمت آيات لها فعرفتها ... لستّة أعوام، وذا العام سابع
أي عرفتها وقد أتت عليها ستة أعوام، أو توهّمتها لذلك، ويقال أتى للصبّي سنتان عليه وكم سنة أتت لك؟
و أن يكون لمعنى بعد كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «صوموا لرؤيته» ، وقوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ
[سورة الطلاق، الآية: 1] والعدة ها هنا ظرف للطّلاق وبمنزلة وقت له لا علة ولا سبب، كما لم يكن الحشر علة لإخراج الذين كفروا إنما كان علة إخراجهم كفرهم، والدليل على ما قلنا أنه قال: لأول الحشر جعل له أولا.
ز- أنه يدخل لما ذكرناه أولا، وهو قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
وأَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
أي لا صفرارها عند غروبها دلكت فهي دالك وقال ابن عباس: لدلوك الشّمس لزوالها الظهر، والعصر وأنشد:
شادخة «1» الغرّة غراء الضّحك ... تبلج الزّهراء في جنح الدّلك
فجعل الدّلك غيبوبة الشّمس، وقال أبو حاتم: روي عن أبي عمرو أنّ دلوكها زوالها فعلى هذا يجوز أن يكون المفروض بالآية أربع صلوات الظّهر- والعصر، والمغرب، والعشاء- باللّيل. ويجوز أن يكون إلى غسق في موضع مع، فيدل على فرض صلاتين من اللّيل والنّهار، وثالثة يدل عليها: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً
[سورة الإسراء، الآية: 78] .
ثم سائر الصّلوات يدلّ عليها بغير هذه من الآيات وقوله: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ
[سورة الإسراء، الآية: 78] يريد، وأقم قرآن الفجر، والمعنى أقم الصلاة بالقراءة، وهذا يدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة، فالضمّير في به يرجع إلى القرآن، ومعنى كانَ مَشْهُوداً
أي حقّه أن يشهد أي يخرج له إلى المساجد، ويقام مع الجماعة فيشاهد وقيل أراد تشهده الملائكة، وقوله تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ
[سورة الإسراء، الآية: 17] معنى تهجد اسهر يريد استيقظ، ومعنى به أي بالقرآن ويقال هجدّ أيضا بمعنى نام.
(1/48)

قال:
هجدنا، فقد طال السّرى ... وقدرنا أنّ خنا الدّهر غفل
يريد يومنا ومثل هجد، وتهجّد قولهم حنث وتحنّث لأنّ معنى حنث لم يبر في اليمين، ومعنى تحنث ألقى الحنث عن نفسه.
وهذا الأمر اختص به النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم تفضيلا له على جميع الخلق.
ومعنى نافلة لك عطاء لك وتكرمة لذلك أتبعه بقوله تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
[سورة الإسراء، الآية: 79] أي افعل ذلك رجاء أن تثاب هذا الثواب العظيم.
وقيل في المقام المحمود إنّ المراد به الشفاعة للمذنبين، والذي عليه الناس أنّ الدّلوك مغيب الشّمس، ويذهب العرب لذلك إلى أنّ قول القائل:
هذا مقام قدمي رباح ... غدوة حتى دلكت براح
يدل على صحة قولهم وأصله أنّ السّاقي يكتري على أن يسقي إلى غيبوبة الشّمس، وهو في آخر النّهار يتبّصر هل غابت الشّمس. قوله: براح أي يضع كفه فوق عينه ويتبصر، قال: ويسلم للحديث ما جاء أنّ ابن عباس قال: إنّ غسق اللّيل ظلمته الأولى للعشاء والمغرب، فإذا زادت قليلا، فهي السّدفة، وقوله: (نافلة لك) ليست لأحد نافلة إلّا للنّبي صلّى الله عليه وآله وسلم لأنه ليس من أحد إلا يخاف ذنوبه غيره فإنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فعمله نافلة.
ومنه قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ
[سورة هود، الآية: 114] إلى الْمُحْسِنِينَ
، وقوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا
[سورة المزمل، الآية: 2] الآية طرفا النهار النهار الفجر والعصر وكما ثنى الطرف هنا جمع في قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ*
[سورة الحجر، الآية: 39] إلى وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى
[سورة طه، الآية: 130] لذلك اختلف النّاس فبعضهم جعله من أوقات الصلوات المفروضة، والقائل بهذا يكون عنده الفجر من النّهار محتجا بأنه ابتداء الصوم لقوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ
[سورة البقرة، الآية: 187] والذين يخالفونه يجعلونه من اللّيل، ويدعون أنّ ابتداء النّهار طلوع الشمس وانتهاءه غروبها، وإذا زالت الشّمس انتصف النّهار فأما قوله تعالى: وَأَطْرافَ النَّهارِ
[سورة الحجر، الآية: 39] فيجوز أن يجعل النهار للجنس حتى يصير له أطرافا، ويجوز أن يجعل الجميع مستعارا للتثنية لأنّ أرباب اللغة قد توسعوا في ذلك ألا ترى قوله: يا ناحة ودخيلا، ثم قال: طرفا فتلك لهما تنمى، وكقوله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما
[سورة التحريم، الآية: 4] وليس
(1/49)

بمستنكر أن تسمى الساعات أطرافا، كما قيل أصيلالة وعشيّات في آخر الأصيل، والعشية.
قال أبو العباس ثعلب أطراف النّهار قيل يعني صلاة الفجر، والظهر، والعصر، وهو وجه أن جعل الظهر، والعصر من طرف النّهار الآخر، ثم يضم الفجر إليهما فيكون أطرافا، وقال أبو العباس المبرد: معناه أطراف ساعات النّهار أي من اللّيل سبّحه وأطعه في أطراف ساعات النّهار (الأناء) الساعات واحدها أنى، ويكون من آنيت- أي أخرّت ومن قول الشّاعر:
وأنيت العشاء إلى سهيل ... أو الشّعرى فطال بي الإناء
وقال العجّاج: طال الإناء، وانتظر النّاس الغير من أمرهم على يديك، والتور طال الإناء وزايل الحق الأشر. وفي القرآن: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ
فأما قوله تعالى: وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ
[سورة هود، الآية: 114] ، فالزّلف السّاعات ومن أبيات الكتاب:
طيّ اللّيالي زلفا فزلفا ... سماوة الهلال حتّى احقوقفا
والزّلفة واحدة الزّلف، ويقال لفلان عندي زلفة، وزلفى، وهي القربة، وفي القرآن:
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ*
[سورة الشعراء، الآية: 90] أي قرّبت، وسميت المزدلفة لاقتراب النّاس إلى منى بعد الإفاضة من عرفات، وانتصب سماوة على المفعول من طي اللّيالي، والمعنى أنّ اللّيالي طوت شخص الهلال، ونقصته شيئا شيئا حتى ضمر ودقّ.
قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ
[سورة هود، الآية: 114] يجوز أن يريد أنّ الحسنات من أفعال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، والمؤمنين يبطلن سيئات الكفّار والمجرمين، وهذا بشارة من الله للمؤمنين بأنه سيعلي كعبهم، وينفذ كلمتهم كما قال: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ
[سورة الأنبياء، الآية: 18] ويجوز أن يكون مثل قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
[سورة النساء، الآية: 30] ويكون هذا مثل قوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ*
[سورة التوبة، الآية: 33] ، وقوله تعالى: ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ
[سورة هود، الآية: 114] أي أخبرناك بما أخبرنا من ضمان النصّرة، وقمع الباطل، وإعلاء كلمة الحق لكي تتذكر به فيزداد حرصا على الإدخار والإصلاح ولأنك إذا أقررت به والتزمته فتذكرته تيسّر لك المطلوب وقد قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
[سورة ق، الآية: 37] يريد أنّ المأمور بهذا، أو الموعوظ إذا قبله حصل لك بذلك ذكر في الذّاكرين، وهذا ترغيب لأنّ ما يبقى به الذّكر ليس كما يلغى وينسى. قال:
فقال له هل تذكرنّ مخبرا ... يدل على غنم ويقصر معملا
(1/50)

أي هل تعتد بهذا الخبر فتذكره به، فأما قوله تعالى: قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا
[سورة المزمل، الآية: 2] أي من النّصف، أو زد عليه، فانتصاب اللّيل إلّا قليلا أي قبله بقليل أو بعده بقليل لأنّ بيان أو انقص منه، أو زد عليه ذلك، والمعنى قم نصف اللّيل، أو انقص من نصفه حتى يرجع إلى الثلّث، أو زد على نصفه حتى يبلغ الثلثين، وفي هذه الأشياء منها أنّه جعل نصف اللّيل قليلا منه سواء جعلته بيانا للقليل المستثنى، أو جعلته بيانا للباقي الواجب لأنّ الكلام يقوم على الوجهين جميعا ومنها أنّ قوله: أو انقص منه قليلا بمعنى إلّا قليلا في التّحصيل ولكنّه ذكر مع الزيّادة، وكان كالمكرّر، وكثير من أهل النّظر يذهبون إلى أنّ القلة تقع على ما دون الثلّث لقوله عليه السلّام لسعد في الوصيّة:
«والثلّث كثير» ومنها أنّ هذا التّنويع يدل على أنّه تعالى لم يفرضها عليه لكنّه على سبيل التّرغيب لأنّ الفرائض التي يفرضها الله على عباده ليس يجعل الأمر فيها إليهم فينقصوا ما شاؤوا، ويزيدوا فيها ما شاؤوا، وقد قيل: إنّ الله تعالى كان فرض على رسوله وعلى المؤمنين قيام اللّيل، ثم نسخه إذ كان شقّ عليهم فقال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
[سورة المزمل، الآية: 20] أي يعلم مواقيتها ويعلم أنكم لن تحصوه أي لن تطيقوا معرفة حقائق ذاك والقيام فيه، فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسّر من القرآن، قالوا: وهذا في صدر الإسلام، ثم نسخ بالمكتوبات الخمس.
وقوله تعالى: أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ
يجوز أن يكون من دنا الشّيء إذا سفل، فنزل كما قال: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى
أي نزل، ومنه قوله تعالى: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَ
[سورة الأحزاب، الآية: 59] أي يرسلن، وقال بعضهم: معنى أدنى أدون، لكنّه قلب فقدّم اللّام وقوله تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
[سورة المزمل، الآية: 5] يجوز أن يكون المعنى قولا يثقل العمل به، ويجوز أن يريد به قولا له وزن، وخطر بين الكلام إذا ميّز أي ليس بالسّفّساف الدّون، ومعنى يلقي ينزل فيتلقنه. ومنه قولهم: ألقيت على فلان مسألة كذا، فأعييته. وقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ
[سورة السجدة، الآية: 23] فبعضهم يجعله من هذا أي لا تلك في شك من نزول هذا الكتاب قبلك، وكان شيخنا أبو علي ينكر أن يكون القيت من لقيت، ويقول: إن لقي يتعدّى إلى مفعول واحد يقول: لقيت زيدا فلو كان ألقيت من لقيت لوجب أن يتعدّى إلى مفعولين. كما أنه إذا دخل على ما لا يتعدى إلى المفعول عداه إلى واحد يقول: خرج زيد وأخرجته وذهب زيد، وأذهبته.
وتقول في المتعدي: قرأ كذا وأقرأته أنا كذا، وسمع زيد شرا، وأسمعته أنا خيرا. وإذا كان كذلك، ووجدنا لقى يتعدّى إلى مفعول واحد، وألقيت مثله يتعدّى إلى مفعول واحد
(1/51)

وعلمنا أنهما من أصلين فاعلمه. قوله تعالى: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ
[سورة المزمل، الآية: 6] يريد السّاعة منشأ الحدوث ويقال فلان ناشئ ونشأت السّحابة من قبل البحر، ويجوز أن يكون ناشئة يراد بها الحدث لا الفاعل فيكون كاللاغية في قوله تعالى: لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً
[سورة الغاشية، الآية: 11] أي لغوا وكالكاذبة في قوله تعالى: لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ
[سورة الواقعة، الآية: 2] أي كذب ومثل ذلك قم قائما أي قم قياما. قوله تعالى: هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا
[سورة المزمل، الآية: 6] أي أبلغ في القيام وأبين في القراءة لما في اللّيل من السكون والقرار، ويجوز أن يريد أنها أشد على الإنسان وأشقّ لأنّ اللّيل للتودّع والرّاحة.
وقرىء وطاء بالواو والمد والمعنى أشدّ مواطاة للقلب إذا نقله السّمع.
ومنه قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ
[سورة الانشقاق، الآية: 16] إلى لا يَسْجُدُونَ
أول السورة إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ
والانشقاق والانفطار، والانفتاح يتقارب في المعنى وذلك من أهوال القيامة، وما يتغيّر فيها من الأمور، ويتبدّل. وقيل: المراد انشقّت بالغمام كقوله تعالى في موضع آخر: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ
[سورة الفرقان، الآية: 25] . وجواب إذا محذوف لما يدل عليه ما عرف من أهوال القيامة وشدائدها وتخمر في النفوس وتقرّر.
والمراد إذا انشقت السّماء كان من أشراط القيامة فيكم ما عرفتموه، وتكرر عليكم وصفه، وقيل جوابه في قوله تعالى: إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ
[سورة الانشقاق، الآية: 6] وقيل جواب إذا مضمر مقدم، والمراد اذكر إذا حدثت هذه الحوادث. وقيل جوابه أذنت، والواو زائدة. والنّحويون على اختلافهم يردّون هذا وكأنّ قائله شبهه بقوله تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها
[سورة الزمر، الآية: 71] لأنّ المعنى عنده فتحت والأجود عندي أن يكون جواب إذا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ
[سورة الانشقاق، الآية: 6] أي في ذلك الوقت يكون ذلك حالك، ومعنى أذنت لربّها أطاعت، واستمعت، وأجابت، وحقّت أي وجب ذلك عليها، وكانت محقوقة بالانشقاق.
وقوله تعالى: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ
[سورة الانشقاق، الآية: 3] كأنّه بسط مجموعها وأخرج مضمونها وموعدها حتى تخلّت. قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ
[سورة الانشقاق، الآية: 6] عموم دخلت الكافة تحته، وقوله تعالى: إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ
[سورة الانشقاق، الآية: 6] يشير إلى ما قاساه مدة حياته واكتسبه في متصرّفاته ونيل فيه من سعادة وشقوة وحياة وإماتة، وما تزوّده من دنياه وأعدّه لأخراه، أي تسعى سعيا قد أتعبك وتلاقي له كل ما قدّمته من عملك وتصير من حميته إلى ما تستحقّه بفعلك. قال:
وما الدّهر إلّا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
وقوله: فَمُلاقِيهِ
من قولك: لاقيت من كذا جهدا وأذى، وقاسيت من كذا
(1/52)

مكروها. والضّمير في ملاقيه إن شئت جعلته للكدح والأجود أن تجعله للرّب، والمعنى تلاقي جزاءك منه فيكون على حذف المضاف. والشفق الحمرة تبقى من الشّمس في المغرب إلى وقت العشاء. وقال بعضهم: هو البياض الذي إذا ذهب صلّيت العشاء الآخرة لأنّ الحمرة تذهب عند الظّلام.
قال الفرّاء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ كأنه الشّفق وكأن أحمر.
قوله تعالى: وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ
[سورة الانشقاق، الآية: 17] أي جمع وأدرك من مقتضياته، وهوله ويجوز أن يكون وسق بمعنى، طرد يريد وما جاء به واحتمله، والوسيقة الطّريدة.
وقوله تعالى: وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ
[سورة الانشقاق، الآية: 18] يريد استتبّ، واستوسق لثلاث عشرة وأربع عشرة، ويجوز أن يريد باتّساقه استمراره في سيره وتناهيه في ازدياد ضيائه:
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ
[سورة الانشقاق، الآية: 19] كما قيل سادوك كابرا، عن كابر، والمعنى كبيرا عن كبير أي يتردّدون بعد أحوال مختلفة، ويخرجون من بعضها إلى بعض من نشر وحشر وفناء وإعادة؛ و (الطّبق) الشّدة قال: (قد طرقت ببكرها أم طبق) .
وقال:
فلو رآني أبو حسّان وانحسرت ... عنيّ الأمور إلى أمر له طبق
يقال: رغب، ورهب أنت بينهما حب الحياة، وهول الموت والشّفق وفائدة القسم تأكيد الوعيد على المخاطبين بهذا الكلام، وهو قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ
[سورة الانشقاق، الآية: 19] وقرىء لتركبنّ جعل الخطاب للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، والمراد لتركبنّ طبقا من طباق السّماء.
وقوله تعالى: فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
[سورة الانشقاق، الآية: 20] لفظة استفهام معناه الإنكار، والتبكيت يقول: ما الذي منعهم من الإيمان، وقد وضحت الدلائل والسّبل، وتكرّرت الآيات والنّذر، وضاقت المعذرة وحقّت الكلمة. قوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ
[سورة الانشقاق، الآية: 21] اكبارا وإعظاما وإيمانا، وإيقانا وهو من المعجزات الباهرة والإلزامات المسكتة. وهل ذهابهم عن تدبّره واشتغالهم إلّا عناد فبشّرهم بعذاب أليم. أصل البشارة من البشرة استبشر بشيء انبسط جلده، ونضر وجهه، وهذا وأمثاله إذا استعملت في غيره كقوله: تحية بينهم ضرب وجيع. أي يقيمون بدل التّحية عند اللّقاء ذلك، فأما قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ
[سورة القمر، الآية: 1] فإنما معناه سينشق القمر، ومن أثبت ذلك دليلا لا ختص به عبد الله بن مسعود، وإنّ سائر النّاس لم يروه لأنّ الله حال بينهم وبين رؤيته بغمامة، أو غير ذلك. ويجوز أن يكون غير عبد الله بن مسعود قد رأى ذلك، فاقتصر في نقله على رؤية عبد الله، وعلى ما نطق به القرآن من ذكر،
(1/53)

وكان الجاحظ ينفيه ويقول: لم يتواتر الخبر به ويقول أيضا: لو انشق حتى صار بعضه في جبل أبي قبيس لوجب أن يختلف التقويمات بالزيجات لأنه قد علم سيره في كلّ يوم وليلة فلو انشقّ لكان وقت انشقاقه لا يسير.
ومنه قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً
[سورة الملك، الآية: 3] إلى وَهُوَ حَسِيرٌ
أوّل السورة تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ
[سورة الملك، الآية: 1] وليس تفاعل هذا كتفاعل الذي يفيد التكلّف للشيء عن غير موجب له نحو تخازر، وتعارج، وتساموا، وتجاهلوا لكنّه بمعنى فعل وأصل البركة البقاء والزيّادة، وكذلك لفظة تعالى في صفة الله، فهي بمعنى علا ومثله لعلا وتكبّر بمعنى كبر وعلا، وهذا كما يقال: علا قرنه، واستعلاه وقال زهير: وكان أمرين كلّ أمرهما يعلو. ومثله قرّ واستقر، وهزأ، واستهزأ، ويشهد لما قلنا قول امرئ القيس: تجبر بعد الأكل فهو نميص. وإنّما يصف نبتا قد رعي ثم عاد منه شيء فتجبر بمعنى جبر من قوله: قد جبر الدّين الإله فجبر.
وقد كشف عن المراد بقوله: فهو نميص أي لقصوه كأنّه ينمص بالنّماص، وهو المنقاش، ومتى جعلت تجبر صار كالجبارة، وهي النّخلة التي فاتت اليد طولا وأوقع آخر الكلام أوّله لأنّ المنموص لا يتجبّر ولا يطول. وعلى هذا قوله تعلّى الندى في متنه وتحدّرا يريد علا وحدر، وأنشد أبو عبيدة: تخاطأت النّبل أحشاءه معناه أخطأت، فهذا شاهد تبارك وتعالى، ومثل هذا أجاب، واستجاب وقوله تعالى: بِيَدِهِ الْمُلْكُ
[سورة الملك، الآية: 1] أي يملك الملك الذي يمكّن عباده منه، ويصرفهم فيه، فالبقاء له والقدرة والتمكّن، والقمر بأمره وحكمه، وإضافة الفعل إلى اليد ضرب من التّوسع يقال: وفي يدي وملكي وفي قبضي، وهو قبضي. قال تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ
[سورة الزمر، الآية: 67] أي يحكم فيها حكما لا قصور فيه عن المراد، ولا تجاوز إلى أكثر من المرتاد، ففعله وفق إرادته ووفق قصده وإرادته، فخلق الحياة لمن يريد استبقاءه ليعبده، والموت إلى غير ما هو عليه إخبارا منه لطاعة المطيع منهم، فيشيبه ومعصية العاصي منهم فيعاقبه، وهو العزيز فلا يفوته الهارب، القدير فلا يعجزه المغالب. قوله تعالى: خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً
أي بعضها فوق بعض وعلى حدة، فيطابقه، ويشابهه، ولا يخالفه فيباينه وقال الشاعر شعرا:
إذا نزل الظلّ القصير بنحره ... فكان طباق الخف أو قل زائدا
ويقال: طابق فلان فلانا على كذا إذا وافقه عليه. ويقال: النّاس طبقات أي بعضهم فوق بعض. ومنه قولهم: طابق البعير إذا وضع خفيّ رجليه في موضع خفّي يديه. وقد قال تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ
[سورة فصلت، الآية: 12] فقوله الدّنيا يدل على أن
(1/54)

بين السّماوات تقاربا، وتباعدا، وأن التي هي فوق هذه ليست بالدّنيا منه، قوله تعالى: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ
[سورة الملك، الآية: 3] وقرىء من تفوت أي بنى ما خلقه على حكمه فلا يفوت بعضه بعضا ولكنه يتعادل، وفي هذا المعنى قالوا: وجه مقسم إذا كان الحسن مقسوما فيه فأعطى كل جزء نصيبه منه حتى لا استبداد فيه، وقالوا: ما أحسن قسمة وجهه وهذا بخلاف ما ذكرناه في تفسير المتفاوت لأنّ المتفاوت ما يزيد على الاعتدال، أو يخرج عن القدر الملائم بالانتقاص، وذلك ضد التقدير وقوله تعالى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ
[سورة الملك، الآية: 3] المراد به أيّها الإنسان قد أعطيت من الآلات، ورتّب في عقلك وتحصيلك من البيّنات ما تدرك به حينا، أو تقديرا تراكيب الأشياء وسلامتها مما يشينها إذ دخولها فيما يجتذب وجوه الفساد إليها، فتأمّل ما صنعه الله واخترعه في هذا الخلق العظيم واقتف آثاره فيها، وردّد طرفك وعقلك في ظواهرها وبواطنها ومفرداتها؛ ومركباتها وتأمّل بعد تقصّي وسمك واستفراغ جهدك، ورد المجمل على المفصّل والمشاع على المقسوم، هل تجد فيه خللا، أو هل تتبيّن فيه عيبا؟ وقوله تعالى: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً
[سورة الملك، الآية: 4] بعث على الكشف والبحث وتأكيد في المبالغة فيهما وإنّما قال هذا لما يعتقده العرب من أنّ النظرة الأولى حمقاء فينبغي أن لا يكتفى بها في المزاولات، والتتبّع في المستكشفات حتى أنّ بعضهم قال في صفة امرأة شعرا:
لها النظرة الأولى عليهم وبسطة ... وإن كرّت الأبصار كان لها العقب
يقول لهذه المرأة، على من يستقري محاسنها النّظرة الأولى، فإن لم يقنعهم ذلك، فأخذوا يستنبطون في المعاودة، ويحيلون الطّرف في العين والأثر كان لها البسطة أيضا، فإن أبوا إلّا أن يكرروا الأبصار، وردّدوا النّظر حالا بعد حال كان لها العقب، وهو ما يسلم على التّعاقب من أواخر البحث فقوله تعالى: كَرَّتَيْنِ
تأكيد على ما ذكرناه، وحكي لي عن بعض أهل النظر أنه قال: إنّ الله تعالى أمر بكر البصر ثلاث مرات لأنه قال: ارجع البصر، ثم ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ
، وهذا الذي ذكره وعوّل عليه من ذكر الكرّتين لا يحصل له المراد، بل يفسد عليه ما اعتمده لأنّه قال تعالى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ
[سورة الملك، الآية: 3] وهذا لا يقتضي إلّا مرة واحدة، وقال من بعد: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ
[سورة الملك، الآية: 4] ، ولو اقتصر الكلام على فارجع البصر، ولم يأت بذكر المرّتين لكان للسامع أن يتجاوز إلى ما فوقها من الكرّات لأنّ ثم لا يقتضي الحصر، ولا يوجب الوقوف.
فلما قال: كرّتين علم أنه أكّد به ما ذكر من الرّجعتين على أنّ قوله تعالى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ
ليس قبله فعل مذكور فيكون الرّجوع عن ذلك الفعل لأنه قال تعالى: ما تَرى فِي
(1/55)

خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ
[سورة الملك، الآية: 3] فكان المراد انظر، فارجع، ثم ارجع أي لا ترض بالنظرة الأولى ولكن راجع بعدها، ثم راجع، وإذا كان التكرار هو الرّجوع إلى الأول، والأول هنا النّظر المضمر فقوله تعالى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ
كرّر أوّل إلى النظر المستدل عليه، وقوله: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ
، وإذا كان الأمر على هذا لم تحصل ثلاث كرّات فلذا اتّبع الكلام بقوله كرّتين وهذا جيد بالغ، وقوله تعالى: هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ
أي من شقوق وصدوع.
وقوله تعالى: يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً
[سورة الملك، الآية: 4] المعنى إنك إن أدمت النّظر، واتبعت البصر تطلب العيب في حكمة الله والفطور في صنعه رجعت من مطلوبك خاسر الصفقة، صاغر الرجعة، خائب الطلبة بعيدا من البغية، والخاسيء من قولك خسأت الكلب إذا طردته وبعدته خسأ ولا تقل انخسأ، والحسير الكال المعي. ويقال: إبل حسرى لأنّ حسيرا فعيل بمعنى مفعول، فهو كجريح، وجرحى.
ومنه قوله تعالى: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ
[سورة الرحمن، الآية: 37] الآية، وقوله:
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا
[سورة الفرقان، الآية: 25] خضراء ملساء متّصلة الجوانب والأكناف مرتبة الوسائط، والأطراف محفوظة من مسترقة السّمع بما أعدّ لها من الارصاد.
وتلخيص هذا يبين إذا ضمّ إلى قوله تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ
وإلى قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ
[سورة البقرة، الآية: 210] لأنّ المعنى يأتيهم أمر الله، والسّماء كالوردة، وقد انفطرت بالغمام أي تنشق بها، والملائكة تنزل منها في الغمام فكأنها تنشق، وهم في تكاثفهم، وتراكمهم بما معهم كظل من الغمام وهذا كما يقال: رعف الباب بفلان- أي جاه من قبله، وسال الوادي ببني فلان إذا خرجوا منه، وكقول الشاعر:
وسالت بأعناق المطيّ الأباطح
وكما قال:
ألا صرمت حبائلنا الجنوب ... ففرّقنا ومال بنا قضيب
قضيب: واد باليمامة، والمعنى أنجدنا لما افترقنا، وانهمت هذه المرأة ويقال: نزل بقارعة الوادي- أي أعلاه، وقوله: مال بها، كقوله: سالت الأباطح بأعناق المطي قوله تعالى: فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ
[سورة الرحمن، الآية: 37] يريد تحوّلها عما كانت، والورد الأحمر وليس بمشبع قال:
(1/56)

فهو ورد اللّون في ازبئرار ... وكميت اللّون ما لم يزبئر
وقال الفراشية: تلوّن السّماء تلون الوردة من الخيل لأنّها تكون في الرّبيع إلى الصفرة، فإذا اشتدّ البرد كانت وردة حمراء، فإذا كانت بعد ذلك كانت وردة إلى الغبرة قال عبد بني الحسحاس شعرا:
فلو كنت وردا أحمرا لعشقتني ... ولكنّ ربّي شانني بسواديا
وقيل في الدّهان: إنها جلود حمر، وقيل: هي جمع دهن- أي تمور كالدّهن صافية، والشاهد لهذا قوله تعالى: يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً
[سورة الطور، الآية: 9] أي تتميع.
وقال تعالى: يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ
[سورة المعارج، الآية: 8] وهو الصفّر المذاب، وكان التّشبيه وقع بالذّوب، فيكون المور والذّوب على طريقة واحدة، وقوله تعالى: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ
[سورة الفرقان، الآية: 22] ، وقوله تعالى في سورة الرّحمن: عند ذكر وعيد الكفار، والإنذار من يوم الحشر، والمعاد وما يجري مجراه من الاقتصاص، والأمر بالعدل والإنصاف: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ*
[سورة الرحمن، الآية: 13] . سأل سائل: أي شيء في هذا من الآلاء حتى ذكره الله ممتنا به في جملة ما عدّده من صنوف النّعم، ووجوه القسم في الأولى والآخرة.
والجواب إن الله تعالى منعم في كل حال ومذكّر بما يزيد المتعبد استبصارا في الأمر الأولى ونفورا، وزهدا في الدّنيا، وواعظ بما يكون السّامع له أقرب إلى الطّاعة فيما يعمله من الاستطاعة، وإذا كان الأمر على هذا فنعمه على خلقه في الإنذار والإعذار مثل نعمه في التّبشير والتّحذير إذ كان الصّارف عن الشر بلطفه مثل الباعث على الخير بفضله، وقد توعّد الله جاحدي نعمه والمهملين لآياته ونذره بالخسف والرّجف والخزي الثّابت، والبعث المفاجئ، والمسخ المرصد والرّيح العاصف والزّلازل، والصّواعق بعد أن أمضى بها أو بأكثرها الحكم على من حقت عليه الكلمة فمن سعد ووعظ بغيره فأجاب حين دعي، وأدرك لما بصر ونفعته المهلة والإملاء، واستسعد بالإعادة، والإبداء ونبهه ضرب الأمثال والمبالغة في الإبلاغ.
ثم عرف حال أولئك المستمرين في الضّلالة والذّاهبين عن طريق الهداية ومصائر أحوالهم، فإنه إذا راجع نفسه درى عظم نعم الله عليه فيما وفقه، أو يسرّ أخذه به من العدول عن سلوك مناهجهم، وأوجب على نفسه شكرين (الأول) لاهتدائه، (والثّاني) لما زاده الله من الاستضاءة بنور الهدى وقربه من التقوى.، ألا ترى قوله تعالى: حاكيا عن أهل الجنة وقد استقروا في منازلهم منها: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ
[سورة الأعراف، الآية: 43] قوله تعالى: وَقُضِيَ الْأَمْرُ
[سورة البقرة، الآية: 210] نصف
(1/57)

عقبي حالهم وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[سورة يونس، الآية: 10] وقال تعالى بين أحوالهم قبل ذلك: فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ
[سورة مريم، الآية: 67] إلى وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا
[سورة مريم، الآية: 72] فعلى هذا الذي بنينا الكلام عليه قدر الله نعمه على الجن والإنس في دنياهم، وأخراهم، ثم قال: يأيها تكذبون وكل ما تتصرفون فيه من حياة وممات ونعمة ونقمة وتيسير وتعسير، وتقريب وتبعيد آثار إحساني فيها ناطقة وأعلام آلائي فيها سنة واضحة وهذا بمن الله ظاهر.
ومنه قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[سورة البقرة، الآية: 164] إلى لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
[سورة البقرة، الآية: 164] الخلق هو الاحداث على تقدير من غير احتذاء مثال ولذلك لا يجوز إطلاقه إلّا في صفة الله تعالى لأنه لا أحد جميع أفعاله على ترتيب من غير احتذاء أمثال إلّا الله وإنما جمع السّماوات، ووحّد الأرض لأنّ الأرضين لتشاكلها تشبه الجنس، والواحد كالرّجل، والماء الذي لا يجوز جمعه إلّا أن يراد الاختلاف، وليس يجري السّماوات مجرى الجنس المتفق لأنه دبّر في كل سماء أمرها بالتّدبير الذي هو حقّها قوله تعالى: وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
[سورة البقرة، الآية: 164] يجوز أن يكون من الخلاف كالسّواد والبياض لأنّ أحدهما لا يسدّ مسد الآخر في الأحوال.
ويجوز أن يكون من الخلف لأنّ كل واحد منهما يخلف صاحبه على طريق المعاقبة والنّهار في اللغة يفيد الاتساع أيضا، ويقال: انهرت العنق إذ أوسعته، وذكر الله تعالى هذه الآيات مجموعة معظما شأنها ليصرف بكريم عطفه وحسن نظره أوهام المخاطبين بها إليها، وإلى النظر في تراكيبها وابتداع خلقها مدرجا إلى الاستدلال بها على خالق لا يشبه الأشياء ولا يشبه من جهة أنه لا يقدر على خلق الأجسام إلا القديم الذي ليس بجسم ولا عرض، إذ جميع ذلك محدث ولا بدّ له من محدث لاستحالة التسلسل، فتقديم السماوات والأرضين في الذّكر لأنها المعظم في المشاهدات والأصل وما عداها تبع لها، ولتكون الحواس إلى تمييزها أسرع، والأذهان إلى تبحثها أميل، والنّفوس في الكشف عن سرائرها أرغب، والعقول عنها أفهم، واختلاف اللّيل والنّهار يدلّ على عالم مدبر لأنه متقن في الصنع محكم في التدبّر قريب التحوّل بعيد التأخر، فهو أبلغ أداء وأبين مأخذا، وأفصح برهانا، وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ
[سورة البقرة، الآية: 164] لأنه فعل منعم عالم بما يكون قبل أن يكون هيأ الله لمنافع الناس ومن جرى مجراهم لكي يفكروا، مع كثرة بلواهم بها، ومع تعذر فعل مثلها عليهم منها وليعلموا بمواقع حاجاتهم وتيسر مرافقهم بها أنّ الله لهو الحكيم الرؤوف المحدث لهم، والمنشئ والمصرف والمسخر.
فأما الماء المنزل من السّماء، فيدل على الرازق المنعم المبدع لما شاء لا يعجزه شيء
(1/58)

مروم، ولا يتكأده مطلوب، لا يخطئ تدبيره، ولا يقصر عن الحاجة تقديره آخر مراده وفق أوله لائق بآخره.
وأما إحياء الأرض بعد موتها فتمثيل للحشر والبعث، وتنبيه على أنه تعالى تتجدد منحه حالا بعد حال، ووقتا بعد وقت ليكون للعائشين بها أهنأ، وفي إظهار القدرة عليها أحكم، ويجوز أن يقال: وصفت الأرض بالحياة لينشأ النبات عنها كنشوء النتاج عن الحيوان فقيل: إذا كانت عامرة حيّة، وإذا كانت هامدة ميتة، ويجوز أن يقال: وصفت بذلك لأنّها تخرج ما تحيي به النّفوس من الثمار والزّروع. قوله: وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ
[سورة البقرة، الآية: 164] يريد من جهة السّماء ومن نحو السّماء، وفي موضع آخر: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً
[سورة الفرقان، الآية: 48] يجوز أن يكون بدلا من الماء، أو تبيينا له وتفسيرا، أو يكون كالفطور وأمثاله فلا يدل على الكثرة، وإذا جاز ذلك فيه فليس لأحد من الفقهاء أن يتعلق بظاهر الآية فيقول: إنّ طهورا فعول، وهو صفة للماء فيجب أن يدل على الكثرة والمبالغة في الحكم الذي يجب في فعول إذا كان صفة لأنّ فعولا قد يكون كالفطور فلا يدل على الكثرة، ولأنه قد يجوز أن لا يكون صفة للماء بل يكون بدلا وتفسيرا، ويسقط التعلّق بظاهر الآية.
وأما قوله تعالى: وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ
[سورة البقرة، الآية: 164] فيستدلّ به على الاقتدار على ما لا يتأتى للعباد إن ميسرها لأوان فقرهم إليها إن شاء جعلها السّبب في إهلاكهم بها، فهو مذكّر واعظ ومبشّر قادر، ومعنى تصرفها تحوّلها من حال إلى حال ومن جهة إلى جهة، وكذلك صرف الدّهر تقلبه، وقال الحسن: الصّرف النافلة، والعدل الفريضة.
قوله تعالى: وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ
[سورة البقرة، الآية: 164] أصل البث التفريق، ثم توسع فيه فقيل بث فيه الشّراب والسّم، ويريد بالفلك السّفن إذا أصعدوا في البحر للتجارات وما يجري مجراها، ويقع على الواحد، والجمع قال تعالى: فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ*
[سورة الشعراء، الآية: 119] وإذا أنث فلأنه أريد به الجمع، وأصله الدّوران، ومنه تفلّكت الجارية إذا استدار ثديها، وإنّما استوى الواحد، والجمع فيه لأنّ فعلا وفعلا يشتركان كثيرا كمثل قولهم: العرب العرب، والعجم، والعجم، والبخل، والبخل، فمن قال: في أسد أسد، قال: في فلك فلك، فجمعه على فعل، ومثل هذا قولهم: هجان لأن فعيلا وفعالا يشتركان في الجمع، كقولك: قضيب وقضب، وكتاب وكتب، فمن قال: كريم وكرام، وطويل، وطوال يلزمه أن يقول: هجين، وهجان. فإن قال قائل: لم جمعت اللّيل ولم يجمع النهار؟ قلت: النّهار بمنزلة المصدر، فهو كقولك: الضيّاء والظّلام، فوقع على القليل
(1/59)

والكثير، واللّيلة مخرجها مخرج الواحد من اللّيل على أنه قد جمع في الشذوذ على نهر قال:
لولا الثّريد إن هلكنا بالضّمر ... ثريد ليل وثريد بالنّهر
وأصل التّسخير: التّذليل، والمراد إنّ الله يمسكه، وتسكين الأجسام الثقال بغير دعامة ولا علاقة فعل من لا شبيه له ولا نظير، فهو القادر الذي لا يعجزه مراد قوله تعالى: لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
[سورة البقرة، الآية: 164] يريد أنّ هذه البراهين على التّوحيد، وبطلان التّشبيه يستدل بها العقلاء، فيصلون إلى العلم بما يلزمهم، ثم العمل بها ففيه مدح المفسرين المتأملين، وذمّ لمن سلك غير طريقهم، فأهملوا مع المهملين.
ومنه قوله تعالى في سورة النّمل: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
[سورة النّمل، الآية: 59] إلى قوله:
بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ
[سورة النمل، الآية: 66] .
اعلم أنّ هذه الآي تشتمل على فوائد كثيرة ومسائل جمة عجيبة. فمنها بيان الفائدة في قوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
، وكيف جعل قرآنا متلوا؟ والظاهر أنه من كلام جبرائيل مخاطبا للنبيّ صلى الله عليه وسلم عند أداء المنزل إليه، ومنها: كيف مورد قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ
[سورة النّمل، الآية: 59] والقصد إلى تبكيت المعاندين وإنذارهم وجمع الحجّة عليهم وقل إنكارهم بدلالة قوله: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ
[سورة النمل، الآية: 59] إلى غير ذلك مما سنبيّنه شيئا بعد شيء إن شاء الله تعالى، فنقول وبالله التوفيق.
أما لفظة قل: فحيث ما جاء في التّنزيل مبتدأ كان، أو متوسطا، فهو أمارة كونه من كلام الله خطابا للنّبي صلى الله عليه وسلم تبصيرا عند افتتاح القول، وتهذيبا، أو إسقاطا للسؤال، يوجهه المعاندون نحوه امتحانا، فكان النّبي صلى الله عليه وسلم ينتظر في مثل هذه الأحوال ما يلقنه من وحي فيدفع به مضرّتهم، أو يبطل به حجّتهم، أو يتوصّل به إلى تعجيزهم ورد كيدهم في نحورهم، أو يستظهر به داعيا عند طلب السّلامة عليهم ظهر الابتداء المعقب بقل والله يمده بما يعلو به أمره، ويشتد به أزره فلا يجيء لفظة قل في القرآن إلّا وهو تلقين للنّبي صلى الله عليه وسلم وكموعد ينتظر إنجازه على هذا قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[سورة الإسراء، الآية: 85] وقوله تعالى: ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ
[سورة الأحقاف، الآية: 9] ، وكقوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ
[سورة ص، الآية: 65] وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
[سورة الكافرون، الآية: 1] وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
[سورة الإخلاص، الآية: 1] وقُلْ أَعُوذُ*
[سورة الفلق، الآية: 1] وما أشبهها.
(1/60)

وأما قوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ
فإن القوم لما تقرر الكلام عليهم واستمرارهم في لزوم الجحد ومباينتهم لنهج الحق جعل الله ابتداء الكلام خطبة على عادة العرب في مقاماتهم وعند تصرّفهم في منافراتهم لأنهم يبدؤون في مقارضاتهم بحمد الله، والثّناء عليه والصّلاة على رسوله يأخذون في مآربهم ويستقرّون في وجه القول مدارجهم لتكون طرق البيان بها أوسع، وبراهين الموجبات فيها أثبت فقوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
أي ابتدأ بالثناء على الله فيما آتاك من فضله واختصك به من كرامته، ثم اتبعه بالتّسليم على إخوانك من الأنبياء الذين اصطفاهم الله كما اصطفاك، وحمّلهم من أعباء الرسالة مثل ما حمّلك، ثم سل هؤلاء الذين ينازعونك الأمر، ويرادونك فيما تدعو إليه القول، وقل الله خير أم ما تجعلونه شركاءه.
ومثل هذا من الكلام يستعمل مع من حقت عليه الشّماتة ولزمت الحجة وتبرأت منه المعذرة فيقرع لسوء اختياره به ويرى بعدما بين أمريه فيه، ثم أخذ تعالى في إحصاء نعم الله التي تفرد بإنشائها يقرّرهم على ما يضطرون إلى تسليمها ونقص يد المنازعة فيها من خلق السّماء والأرض وإنزال الغيث الذي تنبت به الحدائق، ويحيي به الموات، ويعيش منه الناس والأنعام كما قال تعالى في موضع آخر: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ
[سورة الزمر، الآية: 21] الآية. يقول: انظر كيف أنزل الغيث، وكيف أحيي به الأرض؟ ثم جعله فيها ينابيع إلى أن أخرج به المرعى فجعله غثآء أحوى.
ووجه التّقرير بهذا تأنيسهم بما كانوا لا ينكرونه لأنهم كانوا معترفين بأنّ ما يدعونه من الشّركاء لم ينبتوا شجرها، فكيف ما عداها، وأنّ مثل الشّركاء في العجز عنها مثلهم في أنفسهم لا تباين ولا تمايز لتساوي أحوالهم وتقارب آماد قواهم، فقال ذات بهجة، ولم يقل ذوات لأنه لمّا كانت الجموع مؤنثة اكتفى بالتأنيث عن الجمع ومثله القرون الأولى، والأسماء الحسنى قوله تعالى: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[سورة النمل، الآية: 60] أم فيه لتحوّل الكلام، عن حال إلى أخرى فهي أم المنقطعة لا المعادلة، وفي قوله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ
هي المعادلة والمفسرة بأي، وفي كلّ منهما تبكيت شديد وتعنيف بليغ وإن اختلف طريقاهما لأنّ قوله تعالى: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ
[سورة النمل، الآية: 60] ممتزج بوعيد وتعجيب. وقوله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ
[سورة النمل، الآية: 59] ممتزج بتسخير ولو قيل إلها بإضمار فعل جاز. ومثله:
أعبدا حلّ في شعبي غريبا ... ألؤما لا أبا لك واغترابا
وقوله تعالى: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ
[سورة النمل، الآية: 60] حكم بأنّ الكلمة حقّت عليهم لعبادتهم ألا ترى أنه تابع بين البراهين السّاطعة والإلزامات الدّامغة، فأخذ يسألهم عن
(1/61)

الأرض ومصيرها قرارا للخلق وما في خلالها من الأنهار، وما ثبت بها من الجبال، وعن البحرين والحاجز بينهما، وعن إجابة المضطر، وإغاثة الملهوف من يقيمها فيقول: من أنشأها وجعلها كذلك تكرّر التفريع، ومثل هذا من القول مع المصر الجاحد أبلغ من كل وعيد، وأوعظ من كلّ نكير. قوله تعالى: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ
[سورة النمل، الآية: 62] يجري مجرى الالتفات في كلام البلغاء لأنه تعالى بعد تعداد آلائه عليهم وعلى جميع الخلق معهم، وبعد إظهار الآيات البيّنة وذهابهم عن المناهج المستقيمة وأنّهم لا يرجون بالنّذر ولا يرعون للعبر.
قال: بلغت المقال في نكوصهم إليهم ويقبح فيما يؤثرونه من صوابهم لديهم: قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ
، وهو لا يثبت بالقليل شيئا وإنما هو نفي خالص فكأنه قال: لا تذكرون شيئا، ويجوز أن يكون انتصاب قليلا على الظّرف وعلى أن يكون صفة لمصدر محذوف قوله تعالى: أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
[سورة النمل، الآية: 63] يريد من يسيّركم ويرشدكم إلى القصد والسّمت في تلك الحال، وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
[سورة النمل، الآية: 63] أي أمام الغيث ناشرة، أو مبشرة، فقد قرىء نشرا بالنّون، وبشرا بالباء، ومعنى النّشر ضد الطي أي تفتح الأرض، وتعرج أطباقها للمطر والنّبات كما قال تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ
[سورة الحجر، الآية: 22] ، وختم الكلام بإعادة التّبكيت لأنّ هذه المسائل لا أجوبة لها تعالى الله عما يشركون، ثم قال تعالى: أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
[سورة النمل، الآية: 64] جعل الخطاب في هذا الفصل، وفي فصلين قبله وهما: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ
[سورة النمل، الآية: 62] وأَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
بلفظ المستقبل بعد أن ساق في أول الفصول الكلام على بناء الماضي فقال: أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[سورة النمل، الآية: 60] وأَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً
[سورة النمل، الآية: 61] لأنّ بعض أفعاله تعدم وحصل محصل المستكمل المفروغ منه، وفعل ما يساء في خلقه حالا بعد حال، فهو كالمتّصل الدائم لذلك خالف الآخر الأول، وقال بعد المسائل التي رتّبها معجزاتها: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ
[سورة النمل، الآية: 64] على مقالتكم، واستأنف تعليم النّبي صلى الله عليه وسلم بما يورده عليهم في إنكارهم البعث واستعجالهم من النّشور بعد الموت لما قالوا: أَإِذا كُنَّا تُراباً
[سورة النمل، الآية: 67] وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ
[سورة النمل، الآية: 67] لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
[سورة النمل، الآية: 68] فقال تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ
[سورة النمل، الآية: 65] فما غاب عنكم كيف تحكمون عليه بالبطلان والامتناع، وقد استوى المخلوقون في استبهام أمر الساعة عليهم فلا يشعرون متى يبعثون ألا تسمع قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ
[سورة الأعراف، الآية: 187] وإذا
(1/62)

كان القيامة من الغيب الذي استأثر الله بعلمه لما تعلق بخفائه من مصالح المكلفين، فالمتكلم فيه أمّن الكفار واقف من مطلوبه موقف الخزي والخيبة، والرّاجع من مرتاد القيامة يفوت السّلامة.
قوله تعالى: بل أدرك علمهم في الآخرة استهزاء بهم جعل علمهم كالثّمر المنتظر ينعه وتكامله، فإذا تم بلوغه قيل أدرك، وقرىء بل إدارك علمهم، والمعنى تدارك، وهو أبلغ في المعنى لأنّ تفاعل بناء لما يحصل شيئا بعد شيء على هذا قولهم: تداعى البناء وتلاحق القوم وما أشبهه، ثم قال مرزيا بهم ومبطلا لظاهر ما أعطاهم: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ
[سورة النمل، الآية: 66] فانظر كيف ارتجع منهم ما بذله وعلى أي ترتيب رتّبه لأنه قال: بل أدرك علمهم بلسان التّهكم والهزء، ثم حطّهم عن تلك الرّتبة فقال: بل هم في شك منها فضعف علمهم وإدراكهم بالشّبهة العارضة لهم إذ كان الشّك لا يحصل إلا لعارض شبهة، ثم قال: يجهلهم ويردّهم إلى أسوأ منازل الباحث، فقال: بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ
، وقال بعض أصحاب المعاني: بلغني عن ابن عبّاس أنه قرأ: بلى إدارك يستفهم، ويشدّد الدال، وهو وجه جيد لأنه أشبهه بالاستهزاء بأهل الجحد كقولك للرّجل بكذبه والعمى المذكور بإنما هو من الرّي دون البصر، وهذا بيّن والحمد لله.
ومنه قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[سورة النور، الآية: 35] إلى وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[سورة النور، الآية: 35] أراد بقوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أنّ الآيات الباهرة الدالة عليه وعلى أنه لا نظير له ولا شبيه، وأنّ العبادة لا تحق إلا له مبينة مضيقة لعذر من شبه بخلقه ظاهرة ظهور المصباح لذي وصفه في المشكاة التي بين أمرها إذا كان الله تعالى خالق الظلم والأنوار، ثم جعل المصباح في زجاجة صافية تشرق إشراق الكوكب المضيء الوقّاد، وقد استصبح ذلك السّراج بزيت من شجرة زيتون قد بورك فيها ثابتة على خط استواء لا شرقية، فيكون خطها منها العشيات فقط بل تستوفي قسطها مما ينمّيها ويربّيها كل وقت حتى إنّ عصيرها إذا اعتصر يقرب من أن يشرق وإن لم تمسه نار، ثم قال: نُورٌ عَلى نُورٍ
[سورة النور، الآية: 35] يعني نور المصباح، ونور الزّجاجة، ونور الزّيت يدل على أنّ أسبابه متعاونة في الإضاءة فكلّ موادها نور مفرد لو اكتفى به في الإشراق لأغنى عن غيره، فيقول: إنّ هذه الأنوار المجتمعة المترادفة مثل لآيّات الله في وضوحها، والدّلالة على وحدانيته، فلا شبهة تعرض لناظر ولا مرية يتسلط على خاطر فكلّ من ضل عمّا دعي إليه فإنما أتى من قبل نفسه وسوء تأنّيه، أو من هو يجذبها إلى الضّلال فيرديه. فإن قيل: هل تعرف في نظوم كلامهم مثل هذا التركيب، والتّلفيق؟ أو هل تعرف في الأمثال المضروبة لتأكيد القصص والأخبار ما أسس هذا التأسيس؟
(1/63)

قلت: هم يقولون مثل هذا إذا قصدوا التّنبيه على تناهي الشيء وبلوغه أقصى مأخذه حتى يستغرق أكثر أوصافه على ذلك قول الأعشى، وهو يهول أمره ويعظمه فيما قاساه في الغزل حتى بلي فيه بما لا مزيد على شأنه فقال:
علقتها عرضا وعلقت رجلا ... غيري وعلق أخرى غيرها الرّجل
وعلقته فتاة ما يخاف لها ... من قومها ميت يهذي بها وهل
وعلقتني فتاة ما تلا يمني ... فاجتمع الحبّ حبا كلّه تبل
فكلّنا هائم يهذي بصاحبه ... فآب ودان مخبول ومختبل
فهذا من الباب الذي نحن فيه، وقد فعل الله مثل ذلك فيما ضربه من المثل للكفر والضّلال فقال تعالى: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍ
الآية، فكما ضرب للهدى المثل بالنّور على ذلك الحدّ من التأكيد ضرب للكفر مثله وعلى حده.
فأما قوله: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ
[سورة النور، الآية: 35] فإنه يحتمل وجهين:
(أحدهما) أن يكون مثل قوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
[سورة الزمر، الآية: 22] وقوّى بصيرته ونوّر منهاجه وقصده، ويجوز أن يريد بالنّور الذي يهديه له ما يفعل الله بالمؤمنين من إرشادهم إلى طريق الجنة، كما قال في صفتهم: نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ
[سورة التحريم، الآية: 8] ، ومثل قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، قوله تعالى في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً*
[سورة الفتح، الآية: 8] الآية، وهذا واضح بيّن.
قوله تعالى: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ
إلى شِهاباً رَصَداً
[سورة الجن، الآية: 8] يقال لمس والتمس بمعنى طلب وحمل عليهما المس أيضا، فالحجة في الأول قوله الام على تبكيه فلا أجده يكشف ذلك قوله: فلا أجده، وفعل، وافتعل يتصاحبان كثيرا، وأما المس وخروجه إلى معنى اللمس فقد استشهد له بقوله:
مسسنا من الآباء شيئا وكلّنا ... إلى حسب في قومه غير واضع
فقيل المعنى طلبنا في نسب آبائنا هل فيه ما يقتضي ما أنكرناه من أخلاقهم لأنّ المس بالجارحة لا يتأتى في الأنساب، والأحساب، ثم حمل قوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
[سورة الواقعة، الآية: 79] ، وقيل معناه لا يطلب النّظر في أدلة الله المنصوبة في كتابه العزيز للاقتباس من آدابه وحكمه، والاعتبار بأمثاله، وحججه إلا المطهرون من دنس الشرك ودغل الكفر، ويكون على هذا التأويل الكلام خبرا.
(1/64)

وقيل فيه أيضا: إنّ المس هو التّناول باليد، ويكون على هذا اللّفظ لفظ الخبر، والمعنى معنى النّهي كأنه نهى الحائض والجنب، ومن جرى مجراهما من تناول المصاحف تنزيها لها، وتعظيما لشأنها، والوجهان قريبان، فأما الآية فهي إخبار عن الجن المسترقة للسّمع وأنهم كانوا قبل الإسلام يقعدون من السّماء مقاعد تقرب الاستماع إلى الملائكة وتسهله في السّماء الدّنيا، فكانوا يلتقطون من تجاورهم وتذاكرهم بما يوحى إليهم امتحانا لهم ما يلقونه على ألسن الكهنة حتى يتصوروا للنّاس بصورة من يعلم الغيب، فيؤمنوا بهم وذلك من الإضلال، وفساد الأدلة ما لا خفاء فيه، فقالوا: قد كان هذا فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم منعنا من ذلك بما أرصد لنا من ثواقب النّجوم.
وقد اعتقد قوم أنّ انقضاض الكواكب ظهر في الإسلام لأنها جعلت رجوما للشياطين فيه، وقد جاء في الشعر القديم تشبيه المسرع من الخيل وغيرها بمنقضّ الكواكب، فالأقرب في هذا أنه كثر في الإسلام، ومن قبل كان يتفق نادرا، أو يكون جعلها رجوما إسلاميا وفيما تقدم من الزّمان لم يكن لذلك من الشأن فإنه تعالى قال: وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
[سورة الملك، الآية: 5] وقوله تعالى لا يبدل ولا يدخل التسمح بل هو الوحي المحقق والخبر المصدق.
فإن قيل: من أين لك أنّ الملائكة كان يرد عليهم الوحي فيتدارسونه بينهم ويجاذبونه حتى توصّلت الشّياطين منه إلى الاستماع. قلت: يدل على مثل ذلك قوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
[سورة البقرة، الآية: 30] الآية، فتبيّن أنّه قدّم إلى الملائكة خبر ما أراده من آدم عليه السّلام وما كان من ذريته في الأرض امتحانا لهم. قوله تعالى: فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً
[سورة الجن، الآية: 8] يعني الملائكة فدعاهم حرسا لما كان منهم من منع الشّياطين من السّمع. والحرس جمع حارس، ومثله غائب، وغيب. والشهب جمع شهاب، وهو النّار ولولا فعل الله تعالى ذلك لكان الوحي إلى النّبي يتخلّله الفساد، بما يكون من الجن فله الحمد والشكر على نعمه في كل حال وسيجيء من الكلام من بعد فيه ما تزداد به هذه الجملة انشراحا إن شاء الله تعالى.
ومنه قوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ
[سورة التوبة، الآية: 36] الآية، نبّه الله تعالى على عدد الشّهور العربية، وهي التي تسمّى شهور القمر. وميزان السنة اثنا عشر شهرا لأنّ القمر يجتمع مع الشّمس في مدة هذه الأيام اثنتي عشرة مرة، ألا ترى قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً، وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
[سورة يونس، الآية: 5] وكذلك فعلت الفرس بقسمة أيام السنة باثني عشر قسما، وجعلوا أيام كل شهر ثلاثين يوما، وزادوا في آخر (ماه ابان) خمسة أيام سموها اللّواحق، والمسرقة،
(1/65)

وسمّوها الكبيسة وإنما زادوا ذلك لتتم سنة الشّمس.
وكذلك زادت الرّوم في أيام شهورهم ونقصت، وكبست ليكون أيام سنتهم موافقة لأيام سنة الشّمس، وهي ثلاث مائة وخمسة وستون يوما وربع يوم، وذكر بعضهم أنّ العرب كانت تعمل الكبيسة أيضا لئلا تتغير أحوال فصول سنتهم، وكان شتاؤهم أبدا في جمادي الأولى، وجمادي الآخرة، ويجمد الماء في هذين الشّهرين ولذلك سموهما بهذا الاسم، ويكون صيفهم في شهر رمضان، وشوال، وسموا رمضان بهذا الاسم لشدّة الحر فيه، ووجدوا أيام السّنة القمرية ثلاث مائة وأربعة وخمسين يوما، وتنقص عن أيام السّنة الشّمسية نحو أحد عشر يوما، وأحبوا أن تكون فصول سنتهم على حال واحدة لا تتغيّر، وكانوا يكبسون في كل ثلاث سنين شهرا، ويجعلون سنتهم ثلاثة عشر شهرا ويسمّونها النّسي إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله تعالى هذه الآية: إِنَّمَا النَّسِيءُ
[سورة التوبة، الآية: 37] الآية فلم يكبس بعد ذلك، فصار شهر رمضان يتقدم في كلّ سنة نحو أحد عشر يوما، ويدور على جميع فصول السنّة في نحو ثلاثين سنة، ولا يلزم نظاما واحدا، وهذا الذي حكاه هذا الإنسان يبطله ما ذكره الله تعالى، ورواته نقلة الأخبار، وسأبيّنه من بعد.
فقوله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ
[سورة التوبة، الآية: 36] فالكتاب ها هنا هو الحكم والإيجاب ألا ترى قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ*
[سورة البقرة، الآية: 216] وكَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
[سورة الأنعام، الآية: 12] ، والمعنى إنّ الواجب عند الله أنّ عدد الشهور على منازل القمر وأنّ أعياد المسلمين وحجّهم وصلواتهم في أعيادهم وغير ذلك تدور وأنه أجراها على هذا المنهاج: يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
، [سورة التوبة، الآية: 36] ثم قال تعالى: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ
يريد من الأشهر، أي جعل لها حرمة كما جعل البلد الحرام، والبيت الحرام ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ
[سورة التوبة، الآية: 36] يريد دين الإسلام قوله تعالى: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ
[سورة التوبة، الآية: 36] أي لا تدعوا مقاتلة عدوكم إذا قاتلوكم في هذه الأشهر، فتكونوا معينين على أنفسكم وظالمين لها بكشف هذا قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ
[سورة البقرة، الآية: 217] ، والمعنى عن قتال في الشهر قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ
[سورة البقرة، الآية: 217] وقد تم جواب السؤال لكن الله تعالى زاد في الكلام ما انشرحت به القصة وأتى من وراء القصة، فقال: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ
[سورة البقرة، الآية: 217] ، فقاتلوهم فإنكم معذورون، ومعنى قوله تعالى:
كَافَّةً
جميعا، ومحيطين بهم ومجتمعين. وانتصابه على الحال، ومثل كافة قولهم: قاموا معا لا يدخلها الألف واللام، وكذلك قاموا جميعا، وقال الزّجاج: اشتقت من كفة الشيء
(1/66)

وهي حرفه وكأنها مأخوذة من كف لأنّ الشيء إذا انتهى إلى ذلك كفّ عن الزّيادة ولا يثنّى ولا يجمع لأنّها مصدر في الأصل كالعاقبة، وقم قائما، وكقولهم: العامّة والخاصة.
ومن هذا قولهم: لقبته كفة كفة، والمعنى كفة ككفة، أو كفة إلى كفة، قوله تعالى:
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
[سورة التوبة، الآية: 36] ضمان منه يقال لنصرة المؤمنين قوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
[سورة التوبة، الآية: 37] النّساء، التأخير، وقال: نسأ الله في أجله، ومنه النّسيء في تأخير الدّين يقول: فالذي يفعله الكافرون في تقديم الأشهر الحرم على أوقاتها التي جعلها الله لها وتأخيرها زيادة في كفر الكافرين، واستمرار في ضلالهم وذهاب عن الواجب عليهم وإنّما كانوا يفعلون ذلك فيحلّون الشهر من هذه الشّهور في بعض الأعوام ويحرّمونه في العام الآخر ليوافقوا بالتّحليل تحريم الله تعالى فيحلّوا الحرام ويحرّموا الحلال.
قوله تعالى: زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ
[سورة التوبة، الآية: 37] أي استحسنوا من ذلك ما هو سيىء وأتى بلفظ الخبر، عن المفعول ولا فاعل، ثم ومثله قولهم: أعجب بنفسه، وعنى بكذا وهذا كان من عادتهم كما كانوا يفعلونه في البحيرة والسائبة، والوصيلة، والحامي حتى أبطلها الله تعالى بما أنزل فيه: (والبحيرة) كانت النّاقة إذا انتجت خمسة أبطن، وكان آخرها ذكرا شقّوا أذنها، وامتنعوا من ركوبها ونحرها، ولا تمنع عن ماء وكلاء ولا يركبها المعي إذا لقيها.
والسّائبة: كان الرّجل إذا نذر لقدوم من سفر، أو برء من علّة يقول: ناقتي سائبة، أو عبدي سائبة فلا يستعان بعد ذلك به ولا يحادث عما يريده.
والوصيلة: هي الغنم إذا وضعت أنثى كانت لهم وإن وضعت ذكرا جعل لآلهتهم، وإن ولدت ذكرا، وأنثى قالوا؛ وصلت أخاها فلم يذبحوا الذّكر لآلهتهم.
والحامي: كانوا إذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: حمى ظهره فلا يحملون عليه ولا يمنعونه من ماء ومرعى.
فصل في بيان النسيء
فيما قاله النّاس نقلة الأخبار والمفسرون ذكروا أنه كان قوم من بني كنانة يقال لهم بنو فقيم يتولّون ذلك إذا اضطروا إليه عند اتفاق حرب عظيمة وداعية خطب قوية يرى في الواجب عليهم الاشتغال في المحرّم به، فكان في ذي الحجة إذا اجتمعت العرب لموسمهم يقوم مناد فينادي: الآن استنسانا، واستفرضنا إلا أن المحرم صفر، وأنّ صفر هو المحرم
(1/67)

الأكبر، فكانوا يحلّون في المحرم ما كان فيه من قتال وسفك دم واستباحة حريم، ويحرمون في صفر ما كان مباحا عندهم وفي مذهبهم ليواطئوا العدة، ويبلغوا فيما رأوه من الإرادة، والمواطاة: الموافقة.
وحكى ثعلب أنّ الكناني كان يقال له: نعيم بن ثعلبة، وكان رئيس الموسم في الجاهلية فيقوم إذا أرادوا الصّدر عن منى فيقول: أنا الذي لا أعاب ولا أخاب، ولا يرد لي قضاء فيقولون: صدقت انسينا شهرا، ويريدون أخّر عنّا حرمة المحرم، واجعلها في صفر فيفعله، ولهذا ذكره أبو عبيدة معمر بن المثنى أنّ الأشهر الحرم كانت في الجاهلية عشرون.
من ذي الحجة، ثم المحرم، ثم صفر، وشهر ربيع الأول، وعشر من شهر ربيع الآخر، وفي الإسلام هي ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب ثلاثة متناسقة، وواحد منفرد، وكانت العرب تعظم رجبا، وتسميه منضل الأسنّة، ومنضل الآل لأنّهم كانوا ينزعون الأسنّة من الحراب والرّماح توطينا للنّفوس على الكف عن المحظور فيه في مذهبهم ويسمّونه أيضا شهر الله الأصم لأنه كان لا يسمع فيه تداعي القبائل ولا قعقعة السلاح.
قالوا: فلما قام الدّين لمحمد صلى الله عليه وسلم أنزل الله في النسيء ما أنزل ولتأكيد الأمر فيه ذكره صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع فقال: «إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السّماوات والأرض السّنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متوالية ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان» . ثم انتسب الناس بعد فراغه مما أراد تأكيدا للقول فيه فقال: في أي يوم يخطب؟ ومن أي شهر هو؟ حتى أجابوه فأشهد الله على ما فعل فقال: «ألا هل بلغت اللهم فاشهد» .
فهذا الأمر النسيء، ومعنى قوله عليه السلام: قد استدار كهيئته هو أنهم كانوا يحلون المحرم ويحرمون صفرا كما ذكرنا.
ثم كانوا يحتاجون في سنة أخرى إلى تأخير صفر إلى الشّهر الذي بعده كحاجتهم في المحرم فيؤخرون تحريمه إلى ربيع، ثم يمكثون بذلك دعة، ثم يحتاجون إلى مثله، ثم كذلك، وكان يتدافع شهرا شهرا حتى دار التّحريم على شهور السّنة كلّها. وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله به وذلك بعد دهر متطاول، فكان النبي صلى الله عليه وسلم أراد رجعة الأشهر إلى مواضعها وبطل النسىء.
وروي عن مجاهد أنه قال: كانت العرب في الجاهلية يحجّون عامين في ذي القعدة، وعامين في ذي الحجّة، فلمّا كانت السّنة التي حج فيها أبو بكر رضي الله عنه كان الحج في السنة الثانية من ذي القعدة، وهي حجة قراءة براءة قرأها علي كرّم الله وجهه على النّاس، ثم
(1/68)

حج النبيّ صلى الله عليه وسلم فلما كانت السّنة التي حجّ فيها النبيّ صلى الله عليه وسلم عاد الحج إلى ذي الحجة، فذلك قوله: «إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السّماوات والأرض» .
ثم قال لما فرغ من خطبته: «أيّ يوم هذا» ؟ قالوا: يوم حرام، قال: «أي شهر هذا» قالوا: شهر حرام. قال: «أي بلد هذا؟» قالوا: بلد حرام، فقال: «ألا إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا اللهم هل بلّغت» .
ومراد النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قد ثبت الحج في ذي الحجة على ما كان عليه في أيام إبراهيم عليه السّلام، فهذا أيضا طريقه، والأول أشبه وأشهر وجميع هذا، أو أكثره حكاه أبو عبيد القاسم بن سلام أيضا. وقيل: إنما قيل رجب مضر لأنّها كانت تعظّمه، وتحرّمه، ولم يكن يستحلّه العرب إلّا حيّان خثعم وطيء فإنهما كانا يستحلان الشهور، فكان الذين ينسؤن الشّهور أيام الموسم يقولون حرمنا عليكم القتال في هذه الشهور إلّا دماء المحلّين.
فصل في تأويل أخبار مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصّحابة وبيان ما يحمد ويذم من معتقدات العرب في الأنواء والبوارح
وهذا الفصل لائق بما قدّمناه من التّنزيل، فلذلك جعلناه من تمامه. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «ثلاث من أمر الجاهلية الطعن في الأنساب، والنّياحة، والاستسقاء بالأنواء» . فالإستسقاء بها منكر، كما قال صلى الله عليه وسلم إلّا أنّ العرب مختلفون فيما يراعونه من قسمة الأزمان والفصول والحكم على الأحداث الواقعة في الأحوال والشّهور، ولهم في ذلك من صدق التأمل، واستمرار الإصابة ما ليس لسائر الأمم، يدل على ذلك أنّ كل ما حكموا به قديما عند طلوع هذا المنازل من تحت شعاع الشّمس بالغدوات في ناحية المشرق وسقوط نظائرها في المغرب من أحوال فصول السّنة، وأوقات الحر، والبرد، ومجيء الأمطار والرّياح فإنّها تجري على ما حكمت به إلى أن لا يتغير ولا يتبدل إلّا على طريق الشذوذ، وعلى وجه لا يحصل به الاعتداد وعلى ذلك فهم مختلفون.
فمنهم من اعتقد أن تلك الحوادث من أفعال الكواكب، وأنها هي المدبرة لها والآتية بها حتى صارت كالعلل فيها والأسباب؛ وأنّ للأزمنة تأثيرا في أهلها كما أنّ للأمكنة تأثيرا في أهلها ولذلك أخذ قرن عن قرن النّاس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، قالوا: فتصاريف الأزمان تؤثّر في الخلق والأخلاق والصّور والألوان والمتاجر، والمكاسب والهمم والمآرب والدّواعي والطّبائع واللّسن؛ والبلاغات والحكم والآداب، فذّم الله تعالى طرائقهم ونعى عليهم عقائدهم، وقال حاكيا عنهم: ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ
[سورة الجاثية، الآية: 24] الآية، وهذا تجهيل من الله تعالى لهم، وذكر بعضهم أنّ
(1/69)

الذي يدلّ على أنّ شأنهم كان تعظيم الرّجال والاستسلام للمنشأ والذّهاب مع العصبيّة والهوى ما نجد من اعتقاد أكثر أهل البصرة وسوادهم لتقديم عثمان، واعتقاد أهل الكوفة لتعظيم علي، ومن اعتقاد أكثر الشاميين لدين بني أمية وحب بني مروان حتى غلط قوم فزعموا أنّ هذا لا يكون إلّا من قبل الطالع، أو من قبل التّربة، كما تجد لأهل كل ماء وهواء نوعا من المنظرة والرّأي والطّبيعة واللّون واللّغة، والنّشوء والبلدة ولو كان ذلك كما ظنّوا لما حسن الأمر والنّهي ولا كان لإرسال الرّسل معنى، ولما جاز الثّواب والعقاب بلى لإستمالة النّاس بالتّرغيب والتّرهيب والاصطناع والتّقريب؛ والذّهاب مع المألوف شأن عجيب.
وذكر بعض المفسرين وهو عبد الله بن عباس في قوله تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
[سورة الواقعة، الآية: 82] أنه القول بالأنواء وقرأ علي، وتجعلون شكركم أنكم تكذبون، فأما قوله تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ
[سورة البقرة، الآية: 78] فإنّ للالف والعادة سلطانا على النّفوس والقلوب قويا وأخذا بالبصائر، والعيون عزيزا. وكانوا إذا استهجنوا مستكرما، واستقبحوا مستحسنا، وعدلوا عن مألوف إلى متروك، وعن معمول إلى مرفوض وتنقلت بهم الأحوال وتبدّلت لهم الأبدال طلبوا المعاذير والعلل، وصرفوا الفكر في الأسباب والدّواعي من جوانب الالف والعادة لا من نواحي النّظر والتّدبر لطلب الإصابة، فرضوا بأن يعملوا الظّنون، والأوهام، وتحمّلوا تلك الأفاعيل على الأسماء فضلا عن الذّوات ثقة بما يشاهدون واغترارا بآرائهم فيما يحكمون لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الدّهر فإنّ الله هو الدّهر» لأنه رآهم يقولون لذلك الاعتقاد الفاسد: أباد بني فلان الدّهر، وأفناهم الليالي كقول بعضهم شعرا:
يا دهر قد أكثرت فجعتنا إذا ... بسراتنا ووقرت في العظم
وسهلتنا ما لست تعقبنا به ... يا دهر ما أنصفت في حكم
وكقول الآخر:
وإنّ أمير المؤمنين وفعله ... لكا لدّهر لا عار بما فعل الدّهر
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم لا تسبّوا الدّهر أي لا تسبّوا الذي يفعل هذه الأشياء فإنّكم إذا سببتم فاعلها فإنّما يقع السّب على الله تعالى. ومنهم من اعتقد أنّ تلك الحوادث من فعله تعالى لكنّه أجرى العادة بأن يفعلها عند طلوع تلك النّجوم، أو أفولها لأنّهم مختلفون في ذلك أيضا كأنهم يعدّون تلك التّغيرات أوقاتا لها، وأمارات وسمّوها الأنواء باتّفاق منهم لأنّ النوء يكون السّقوط والطّلوع، وهذا قريب في الدّين والعقل لا إنكار فيه، وعلى هذا يحمل قول عمر للعبّاس حين استسقى: يا عمّ رسول الله كم بقي من نوء الثّريا. فإنّ العلماء بها يزعمون أنها تعرض في الأفق سبعا لأنّ هذا أمر عيان على مجار قائمة ومسير مركب، وقد جعل الله
(1/70)

تعالى في علم هذا وما أشبه مما ضمّنه هذا الفلك عبرا كثيرة، وآية مبصرة، ودلالة صادقة عم بجليله أكثر هذا الخلق، وخصّ بلطيفه خصائص منهم مدحهم حين تبينوه وأقاموا الشّكر عليه فقال تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً
أي مضيئة: لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
[سورة الإسراء، الآية: 12] الآية، وقرأ بعضهم مبصرة فيكون مثل قول عنترة: والكفر مخبثة لنفس المنعم.
وإذا وضعت مفعلة في معنى فاعل كفت من الجمع والتأنيث يقولون: الولد مجبنة، وهذا العشب ملينة مسمنة فاعلمه.
وقال في آية أخرى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
[سورة الأنعام، الآية: 97] الآية، وقد علمنا أنّ خلقا كثيرا هلكوا بتفويض التّدبير إلى النّجوم ولإفراطهم في الأنواء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبحت طائفة منهم بها كافرين يقولون مطرنا بنوء كذا فأمّا من آمن بي وحمدني على سقياي فذلك الذي آمن بي وكفر بالكواكب» .
وروي عنه أيضا من وجه آخر: «لو أن الله عز وجل حبس المطر عن النّاس سبع سنين ثم أرسله لأصبحت طائفة بها كافرين يقولون مطرنا بنوء المجدح» ومما يدل على ذلك قول الشاعر شعرا:
يا سحم من نتج الذّراعين أنأقت ... مسائله حتّى بلغن المناجيا
المناجاة المكان المرتفع لا يبلغه السّيل.
وقال آخر شعرا:
وأخلف نوء المرزم الأرض قرّة ... لها شبم فيه شفيف وجالد
وقال آخر:
تربّع من جنبي قنا فعوارض ... نتاج الثّريا نوؤها غير مخدج «1»
ولو كان مرادهم بقوله: مطرنا بنوئه كذا: أي مطرنا في نوئه على التّشبيه بقول النّاس:
مطرنا في غرّة الشّهر لم يكن مكروها، وكذلك مذهبهم في تأمّل الغيث أن لو كان على نحو توقّع النّاس أياما للأوقات المعروفة بالمطر لم يكن به بأس، لأنّ النّاس جميعا يعلمون أنّ للحر والبرد والمطر والرّيح من السّنة وقتا جرت العادة بتقدير الله تعالى أن يكون فيه أكثر ما
(1/71)

يكون، وإن كان الله تعالى يأتي به إذا شاء لولا ذلك ما عرفوا وقت حرث ولا بذر ولا ركوب بحر ولا بر، ولا انتظر حين لمجيء شيء ولا لانصراف شيء، ولكانوا ومن يعاملهم كذلك في أجهل الجهل فمما هو ظاهر في زوال المكروه عنه قولهم: إذا طلعت الشّعرى سفرا ولم يروا مطرا فلا تعدون أمره ولا أمرا، لأنّهم وجدوا ذلك مستمرا في العادة ومنه قول الشّاعر شعرا:
إذا ما قارن القمر الثّريا ... لخامسة فقد ذهب الشّتاء
لأنّ مقارنة الثّريا في الليلة الخامسة من مهلّه لا يكون أبدا إلّا في قبل الدجفاء وكقول الآخر شعرا:
إذا كبد النّجم السّماء بشقوة ... على حين هرّ «1» الكلب والثّلج خاسف
لأنه موافاته كبد السّماء في أوّل اللّيل يكون في صبارة الشّتاء ومما يكون على العكس من هذا في موافقة المكروه قول الآخر شعرا:
هنأناهم حتّى أعان عليهم ... عوافي السّماك ذي السّجال السّواجم
قال أبو حنيفة الدينوري: هذا الشّعر لجاهلي واتبع أثره بعض الإسلاميين فقال:
هنأناهم حتّى أعان عليهم ... من الدّلو أوعو السّماك سجالها
قال وهنوء القوم أن يكفّهم مؤنة وقد يجيء من كلامهم ما يغمض، فيرد بالتّأويل إلى كل واحد من النّاس، وللقائلين بالأحكام في النّجوم مضاهاة للقوم في إثباتهم السّعد والنحس بمقتضيات الكواكب إلا من عصمه الله تعالى ولله الأمر والحكم يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد لا رادّ لأمره، ولا مناص من قضائه.
وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم: «من تعلّم بابا من النّجوم تعلّم بابا من السّحر ومن زاد استزاد» .
كما روي عنه صلى الله عليه وسلم في بعض خطبه أنه قال: «ما بال أقوام يقولون إنّ كسوف هذه الشّمس، وخسوف هذا القمر وزوال هذه النّجوم عن مطالعها لموت رجال قد كذبوا» . الزّوال، والزّولان بمعنى وهذا يمكن حمله على قوله: إنّ من البيان لسحرا، فيكون الكلام مدحا لهذا العلم، وللمشتغلين به إذا تبرءوا من الحول والقوة ومما يدخلهم في الإشراك بالله والتّسليم إلى الكواكب.
وقال ابن عباس لعكرمة مولاه اخرج فانظر كم مضى من اللّيل؟ فقال: إني لا أبصر النّجوم فقال له ابن عبّاس: نحن نتحدى بك فتيان العرب وأنت لا تعرف النّجوم، وقال:
(1/72)

وددت أني أعرف هفت، ودوازده يريد النّجوم السّبعة السيّارة، والبروج الاثني عشر، وقال معاوية لدغفل بن حنظلة العلّامة وقد ضمه إلى يزيد علّمه العربية والأنساب والنّجوم: أترى هؤلاء حضّوا على الضّلالة، ورغبوا في السّفاهة، فتأمّل ما ذكرته فإنه واضح.
فإن قيل: إذا كان القول في قضايا النّجوم على ما ذكرته فما وجه قول إبراهيم عليه السلام مخاطبا لقومه وهم يعبدون الأصنام ليقربهم إلى الله زلفى: فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ
[سورة الصافات، الآية: 87- 90] قلت: قد تكلم النّاس في هذا فقال بعضهم النّجوم جمع نجم، وهو ما نجم من كلامهم لما سألوه أن يخرج معهم إلى عيدهم، ونظر نظرة معناه تفكّر ليدّبر حجّة فقال: إني سقيم يريد سقيم من كفرهم وإيمانهم بغيره، وهذا كما يقال أنا مريض القلب من كذا وإنما تخلف عنهم لما أضمر من كيد أصنامهم لأنّ حجته عليهم في تعطيل عيدهم فلمّا غابت عيونهم جعلها جذاذا.
وسئل ابن الأعرابي عن معنى قوله تعالى: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ
[سورة الأنبياء، الآية: 60] معنى يذكرهم يعيبهم وأنشد:
لا تذكري فرسي وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب
قال أبو إسحاق الزّجاج: قال ذلك لقومه، وقد رأى نجما فقال: إني سقيم يوهمهم أنّ به الطّاعون، فتولّوا عنه مدبرين فرارا من أن يعذبهم الطّاعون، وإنّما قال: إني سقيم لأنّ كل أحد وإن كان معافى لا بدّ له من أن يسقم ويموت. قال تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
[سورة الزمر، الآية: 3] أي أنك ستموت فيما تستقبل فكذلك إني سقيم أي سأسقم لا محالة.
وروي في الحديث لم يكذب إبراهيم عليه السّلام قط إلا في ثلاث وإنّ هذه الثلاث وقعت فيها معارضة. وذلك قوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا
على معنى إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
[سورة الأنبياء، الآية: 63] فقد فعله كبيرهم، وقوله في سارة: هي أختي في الإسلام. وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ
[سورة الصافات، الآية: 89] على ما فسرناه، وقال أبو مسلم: عطف بالفاء هذا الكلام على ما تقدم من أمره في مخاطبة قومه بقوله: ماذا تعبدون، قال: ونظرة في النّجوم هو الذي أخبر الله تعالى به عنه إذ يقول الله: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ
[سورة الأنعام، الآية: 70] إلى وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[سورة الأنعام، الآية: 79] فكانت نظرته تلك للتبين.
فلما أراه الله الآيات في نفسه، وفي الآفاق كما قال الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
الآية، قال لقومه: أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ
[سورة الصافات، الآية: 86] وذلك حين قال: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[سورة
(1/73)

الأنعام، الآية: 79] الآية، وكان قوله: إِنِّي سَقِيمٌ
قبل التّبين، وأراد بالسّقيم أنه ليس على يقين ولا شفاء من العلم ويقول الرّجل إذا سأل عن شيء فصدّق عنه وبين له: شفاني فلان فلما كان العلم واليقين شفاء صلح تسمية الحال التي قبل كنه البيان سقما.
وقد قال الله تعالى في قوم لم يكونوا على إيمان محض: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ*
[سورة البقرة، الآية: 10] ، وهذه الحال التي انتسب فيها إبراهيم عليه السّلام إلى السّقم هي الحال التي فيها البلوغ، ووقوع التّكليف من الله عزّ وجلّ ولزوم أمره ونهيه، والفاء في قوله تعالى:
فَتَوَلَّوْا
فاء عطف أيضا ينعطف بها ما هي معه من الكلام على قوله: أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ
، فلما دعاهم إلى الله تعالى، وأنكر عليهم عبادة ما يعبدون دون الله تولوا عنه مدبرين.
وزعم قوم لا يعقلون أنّ إبراهيم عليه السّلام كذب ثلاث كذبات هي واحدة منها، وحاش للرّسول الذي اتّخذه الله خليلا أن يكذب، أو يأتي بالقبائح، والذي توجبه التلاوة وشهادة بعض القرآن لبعض، ويحسن في أوصاف أنبياء الله وصفوته من عباده هو ما ذكرناه، وتلخيص ما في هذه القصّة منذ ابتداء ذكر إبراهيم إلى حيث انتهينا أنّ الله تعالى أثنى على إبراهيم بأنّه وافق نوحا في الإيمان والإخلاص حتى توفّاه الله على ذلك سليم القلب لئلا يشرك به شيئا وأنه نظر فيما خلق الله من النّجوم فاستدلّ على خالقها بها وتبيّن له بالتأمل لها أنّ إلها وآلهة واحد ليس كمثله شيء وهو رب العالمين، وخالق الخلق أجمعين ودعا قومه إلى مثل ما أراد الله، وهداه له وزرى عليهم، وعاب اختيارهم في عبادة الأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنهم ولا عن أنفسها شيئا، فتولّى القوم عنه مدبرين عند ذكره ربّه كما قال تعالى في الكافرين من قوم النبي صلى الله عليه وسلم: وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً
[سورة الإسراء، الآية: 46] وقال تعالى: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ
[سورة المدثر، الآية: 49] الآية. وقال تعالى: وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ
[سورة الزمر، الآية: 45] الآية. وقال بعض أهل النّظر إنه عليه السّلام رآهم يعتمدون فيما يعن لهم ويحدث وفيما يستأنفون من مبادئ الأمور، ومفاتحها على النّظر في النّجوم وأحكامها، فاقتدى بهم تأنيسا لهم وأخذا بعادتهم ليسكنوا إليه بعض السّكون وإن لم يركنوا كلّ الرّكون.
وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ
، وإن قاله متأوّلا، ففيه استبناء، ورجاء رفق منهم إمّا لعلة، وإما للتّربص به حتى يأمنوا شرّه، ويشهد لهذا قوله: فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ
[سورة الصافات، الآية: 90] وهذا حسن قريب.
وقال بعضهم: قوله تعالى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ
[سورة الصافات، الآية: 88] يعني به ما ينجم من نبات الأرض كأنه كان يقلب الأدوية متخيرا منها ما يقرب الشّفاء عنده، وقيل
(1/74)

أيضا أراد نظر فيما كان ينزل عليه من نجوم الوحي كيف يتوصّل إلى ما يهم به في آلهتهم، وبماذا ابتدئ ومن أين مخلصه إذا أقدم ويكون قوله: إِنِّي سَقِيمٌ
اختداعا منه لهم وإيذانا منه بأنه مشغول بنفسه تارك لما كان لا يؤمن من مكائد، وهذا نهاية ما يقال. فأما قوله تعالى: فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ
[سورة الصافات، الآية: 93] يريد مال عليها بالضّرب، كما تقول: التقى الفريقان فراغ أحدهما: أي عزل عن الحرب يقال دار فلان رائغة عن الطّريق أي عدله، وقوله: باليمين قيل: بيده اليمنى، وقيل: هي يمين كان حلف بها، وهي قوله تعالى: تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ
[سورة الأنبياء، الآية: 57] وقيل بالقدرة كما قال:
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
وقيل: راغ معناه أقبل مستخفيا كروغان الثّعلب، وكذلك قوله: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ
أي لم يرد أن يشعروا به.
فصل آخر [في بيان معنى الرؤية لله تعالى الواردة في القرآن]
وذكر أبو علي الفارسي فيما سمعته منه أنّ قول النّبي صلى الله عليه وسلم: «ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته» [سورة الذاريات، الآية: 26] أنّ هذا ليس من الرؤية التي هي إدراك البصر بل هي بمعنى العلم وساغ حذف المفعول الثاني الذي تقضيه تلك لأنّ الكلام قد طال ما هو بمعنى المفعول الثاني لو أظهر، ألا ترى أنّ قوله: كما ترون القمر ليلة البدر تأكيد، وتشديد للتّيقن، وتبعيد من اعتراض الشّبه على العلم به تعالى، وإذا كان بمنزلة ما بمنزلة المفعول الثاني إذا جرى ذكره في الصّلات نحو: علمت أنّ زيدا منطلق، وأحسب النّاس أن يتركوا فلمّا سدّ ما جرى في الصّلتين مسد المفعولين، ومن قال: إنه يضمر في الموصولين مفعولا ثانيا كان قياس قوله: أن يضمر هنا مفعولا ثانيا كأنّه ترونه متيقنا، ونحو ذلك وأن يقال: إنّ ما ذكر سدّ مسد المفعول الثّاني أقيس.
ألا ترى أنّ ما جرى في صلة أن بعد لو في قولك: إنك لو جئتني قد سدّ مسدّ المفعول الذي يقع بعد لو حتى لم يظهر ذلك الفعل معه، واختزل فكذلك المفعول مع الموصولين في هذا الباب، ومثل هذا قوله: أعنده علم الغيب فهو يرى لأنّ القول في يرى أنها التي تتعدى إلى مفعولين لأنّ علم الغيب لا يوجب الحسن حتى إذا علمه أحسّ شيئا، وإنما المعنى عنده علم الغيب مثل ما يشهده لأنّ من حصل له علم الغيب يعلم ما يغيب كما يعلم ما يشاهد.
فإن قلت: فكيف حذف المفعولين جميعا؟ قيل: المعنى أعنده علم الغيب، فهو يرى الغيب مثل المشاهد والمبتدأ والخبر قبل دخول رأيت عليه كان الغيب فيهما مثل المشاهدة، ثم حذفا للدّلالة عليهما وقد قال الأعشى:
(1/75)

فأنبيت قيسا ولم أبله ... كما زعموا خير أهل اليمن
وقال الكميت: (ترى حبّهم عارا علي وتحسب) ، فالدّلالة من الفحوى والمعنى في الآية على المفعولين المحذوفين كالدلالة عليهما في البيتين لجري ذكرهما فيهما وإنما ذكرنا ما قاله لغرابته.
فصل آخر في جواب مسائل للمشبهة من الكتاب والسّنة مما تستدل به المشبهة
أنهم قالوا قال الله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
[سورة غافر، الآية: 7] وقال: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ
[سورة الزمر، الآية: 75] ثم قال: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[سورة طه، الآية: 5] وقال: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ*
[سورة يونس، الآية: 3] كما قال: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ
[سورة يونس، الآية: 100] ولا فصل بين الكلامين وقال أيضا: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[سورة البقرة، الآية: 255] والكرسي والعرش بمعنى ومما جاء في الخبر قول النبيّ صلى الله عليه وسلم حيث حكم في بني قريظة: «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سموات» (وعنه) حين قال: «فأقوم على يمين العرش» ولا يكون يمين إلا لما له يسار، قالوا فقول الله: وَمَنْ حَوْلَهُ
وحَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ
فيه دلالة على أنّ العرش مطاف يطاف به، ودوار يدار عليه وهذه المواضع وأشباهها عمدهم.
والجواب عنها أنّ للعرش مواضع عدة في كلام العرب منها الملك والعز وقوام أمر الرّجل وملاكه ويشهد له قولهم ثل عرش فلان إذا أزيل وحطّت رتبته ومنها سرير الملك ويشهد له قوله تعالى: وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ
[سورة النمل، الآية: 23] وقوله: أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ
[سورة النمل، الآية: 42] ويجمع على العرشة والاعراش. ومنها سقف البيت وما يستظل به والعرش كذلك، ومنه قيل عرش المكرم فهو عرش وقالوا عرش السّماك لكواكب أربعة تشبّها به لأنه على صورة النّعش. ومنها طي البير بالخشب بعد ما يطوى موضع الماء منها بالحجارة، ويقولون عرّشوا بيركم وإذا ثبتت هذه الوجوه حقيقة وتشبّها في لفظة العرش، فالواجب حملها حيث جاءت على الأليق بالمعنى مع قرائنه والأقرب في الاستعمال والأشبه في قضية السّمع والعقل وهذا الذي ذكرناه هو الميزان عند طلب الرّجحان حيث حصل الاشتراك في الألفاظ وغيرها.
فأما الخبر المروي وهو: «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سماوات» فقوله من فوق ظرف لقوله حكم الله ومتعلق به فهو كما يقال حكم الله العالي المكان الرّفيع المحل
(1/76)

والقدر وأنت تصف الحكم ولا يجوز أن يكون متعلقا بلفظة الله لأنه تعالى لا تحويه الأماكن ولا تحيط به الأقطار والجوانب والمعنى بحكم يشبه حكم الله الذي محلّه ومكانه من الإصابة والغلبة والعلو فوق سبع سموات وقوله تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ
[سورة غافر، الآية: 7] ومنهم من يطوف به وكلّهم يسبح لله بالحمد له والاعتراف بنعمه والإيمان بجميع ما تعبد الله به خلقه ويستغفرون لمن في الأرض إلى الشفاعة التي قال الله تعالى ما حالهم وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
وقوله تعالى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ
[سورة الحاقة، الآية: 17] يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ
[سورة الحاقة، الآية: 18] يريد أن جميع من خلق الله من البشر في ذلك اليوم يعرضون بأعمالهم وأقوالهم، وكلّ ما أعلنوه وأسرّوه أيام حياتهم فيحاسبون عليه، وذلك كما يستعرض السلطان جنده بأسلحتهم ودوابهم وآلاتهم، فأما العدد المذكور فهو مما استأثر الله به ومثله مما رأى الله تعالى إيهام الأمر فيه والكف عن بيانه كثير، وذلك لتعلّق المصلحة بأن يكون حازما وسائر ما سألوا عنه إذا أجملناه.
فإنّا نقول في جوابهم الشامل لمقالهم المسقط لكلامهم لمّا أن كان أسفل الأشياء الثّرى وكان أعلى الأشياء السّماء السّابعة ثم الكرسي ثم العرش فكان الله تعالى قد جعل للأعلى في القلوب من التّعظيم والقدر والشّرف ما لم يجعل للأسفل، كما عظّم بعض الشّهور وبعض الأيام وبعض اللّيالي وبعض السّاعات، وبعض البقاع وبعض المحال، وكان قد جعل للعرش ما لم يجعل للكرسي وجعل للكرسي ما لم يجعل للسّماء السّابعة ذكر العرش والكرسي والسّماء بما لم يذكر به شيئا من سائر خلقه فذكر مرة العرش والكرسي والسماء في جملة الخلق، وأنّه عال على جميعها بالسلطان والقدرة والقوّة حيث قال تعالى:
أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[سورة البقرة، الآية: 106] وحيث قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً
[سورة الكهف، الآية: 45] وقد يقول الرّجل فلان شديد الإشراف على عمّاله وليس يذهب إلى اشراف بدنه ورأسه، قد خبّر الله أنه على كلّ شيء قدير ومقتدر وحافظ وظاهر، وقد قال: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[سورة الحديد، الآية: 3] والعرش شيء هو عال عليه بالقدرة، والظّاهر عليه بالسّلطان وإنّما خصّه بالذكر إذ كان مخصوصا عندنا بالنّباهة وأنّه فوق جميع الخلق فذكر مرة في الجملة ومرة بالإبانة قال تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
[سورة البقرة، الآية: 255] فخبّر أنه عال عليه وحافظ له ومانع له من الزّوال وقوله كُرْسِيُّهُ
كقوله بيته ولو كان متى ذكر أنّ له كرسيا وعرشا فقد أوجب الجلوس عليهما كان متى ذكر بيته فقد أوجب أنّه ينزله ويسكنه وليس بين بيته وعرشه وكرسيه وسمائه فرق، ولو كنّا إذا قلنا: سماؤه فقد جعلناه فيها كنّا إذا قلنا أرضه فقد جعلناه فيها قال تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ
(1/77)

وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
[سورة البقرة، الآية: 98] فأدخلهما في جملة الملائكة ثم أبانهما إذ كانا بائنين من سائر الملائكة، وكذلك سبيل القول في العرش والكرسي والسّماء والأرض والحوت، والثّرى، لأنّ الكرسي إذا كان مثل السّماوات والأرض والعرش أعظم منه فمتى ذكر أنّه عال على العرش وظاهر عليه فقد خبّر أنّه على كل شيء قدير، وقد يكون العلوّ بالقدرة والاعتلاء، فمرة يذكر العرش، ومرة يذكر الكرسي دون العرش، ومرة يذكر السّماء دون الكرسي ومرة يقول: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ
[سورة الأنعام، الآية: 3] بعد أن قال: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ
وترك ذكر الأرض فلو كان إذا ذكر السّماء دون الأرض كان ذلك دليلا على أنه ليس في الأرض كان في ذكره أنه على العرش، دليل على أنه ليس في السّماء وقد قال: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ
[سورة الملك، الآية: 17] ومرة يذكر معاظم الأمور، وجلائل الخلق، وكبار الأجسام وأعالي الأجرام، ومرة كلّ شخص كيف كان وحيث ما كان كقوله تعالى: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ
[سورة المجادلة، الآية: 7] الآية. وقد قال أيضا على هذا المعنى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
وقال: نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ
[سورة الواقعة، الآية: 85] .
فإن زعم القوم أنّه إنما ذهب إلى معنى القدرة والعلم لأنّ قربه منهم كقربه من العرش قلنا: فقد صرتم إلى المجازات وتركتم قطع الشّهادة على ما عليه ظاهر الكلام، فكيف نعيتم ذلك علينا، حين زعمنا أنّ تأويل قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[سورة طه، الآية: 5] ليس على كون الملك على سريره بل هو على معنى العلو والقدرة والحفظ والإحاطة والظهور بالسلطان والقوّة وهذا بين والحمد لله.
فإن قالوا: ما تأويل استوى؟ وما فائدة على؟ قلنا: قد زعم أصحاب التفسير عن ابن عباس وهو صاحب التّأويل والنّاس عليه عيال، أنّ تأويل قوله: استوى استولى، وقد قال تعالى لنوح: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ
[سورة المؤمنون، الآية: 28] ولم يرد الله تعالى أنّهم كانوا مائلين فاعتدلوا، وإنما معناه فإذا صرتم في السّفينة فقل: كذا وكذا، وقد يقول الرّجل: قلت كذا وكذا ثمّ استويت على ظهر الدّابة بعد أن لم أكن عليها فقلت كذا وقال تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً
[سورة يوسف، الآية: 22] وإنما يريد: فلما انتهى وبلغ جعلناه حكيما، وكما يقال للغلام المقدود: هذا غلام مستو فإن قالوا: قد عرفنا هذه الوجوه ولكن ما معنى قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
[سورة فصلت، الآية: 11] قلنا معناه: ثم عمد إلى السّماء فخلقها كما قال ابن مقبل شعرا:
أقول وقد قطعن بنا شرورى ... عوامد واستوين من الضّجوع
(1/78)

أي خرجن، وقال الآخر:
استوت العير إلى مروان ... مسير شهر قبله شهران
ولفظة على تختلف مواقعها، فمنها قوله تعالى: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ
[سورة الغاشية، الآية: 25] ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ
[سورة الغاشية، الآية: 26] وقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
[سورة القيامة، الآية: 17] فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ
[سورة القيامة، الآية: 18- 19] وقوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ
والمراد في الجميع اللّزوم والوجوب ومنها قول الفرزدق شعرا:
ولو أني ملكت يدي ونفسي ... لكان عليّ للقدر الخيار
وإنّما قال هذا حين ندم على تطليق امرأته نوّار وأوّله:
ندمت ندامة الكسعيّ لمّا ... غدت منّي مطلّقة نوار
والمعنى لو ملكت أمري فكان عليّ أن أختار للقدر، ولم يكن على القدر أن يختار لي، ومنها قوله تعالى: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ
[سورة المؤمنون، الآية: 28] وقوله تعالى: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ
[سورة هود، الآية: 7] وهذا كما أنّ السّماوات بعضها على بعض، ويجوز أن يكون عليه على جهة الالتزاق. ومنها قوله تعالى:
وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ
[سورة البقرة، الآية: 233] وهذا من قولهم: على فلان نذر، وعليه حتم وعليه يمين. ومنها قوله:
سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطر السّلام
ومنها قول الآخر شعرا:
ولا الحيّ على الحدثان قومي ... على الحدثان ما تبني السّقوف
يقول: لا ألوم قومي أن يحنوا عليّ وأن يحدثوا الأحداث. فعليّ احتمال ذلك بنى بيت السّؤدد. ومنها قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
[سورة البقرة، الآية: 259] فمعنى مر على قرية مر بجنباتها، ولم يرد أنّه مر فوقها، وقوله: هي خاوية على عروشها: يريد وهي خالية على عروشها أي هي على ما بها من السّقوف خالية كما يقال: زيد على كثرة محاسنه متواضع. وقال بعضهم: أراد بقيت حيطانها لا سقوف لها وما قلناه أشبه. وقال أبو عبيدة، هي الخيام وبيوت الأعراب، ومنها قولهم: عليك الجادة والطريق الأعظم في الإغراء بها وفي القرآن: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
[سورة المائدة، الآية: 105] هذا ما حضر من مواضع علي.
(1/79)

فصل آخر وهو بيان قوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
[سورة الأنعام، الآية: 124]
وبيان قول القائل: الله أعلم بنفسه من خلقه والفصل بينهما.
أما قوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
[سورة الأنعام، الآية: 124] فلا يجوز أن يكون انتصاب حيث على حد انتصابه إذا كان ظرفا لأنّ علمه تعالى في جميع الأماكن على حدّ واحد لا يدخله التّزايد والتّناقص، وإذا لم يسقم حمل أفعل على زيادة علم في مكان فيجب أن يحمل على انتصابه انتصاب المفعول به، ويكون العامل فيه فعلا مضمرا يدلّ عليه قوله: (أعلم) ويحصل الاكتفاء بقوله: اللَّهُ أَعْلَمُ
ثم أعلم يدل على يعلم مضمر أو التّقدير الله أعلم العالمين يعلم حيث يجعل رسالاته فيختار لأدائها من يصطفيه ومثل هذا قول الشّماخ شعرا:
وجلاهما عن ذي الأراكة عامر ... أخو الحضر يرمي حيث تكوى النّواجر
فقوله: حيث مفعول لأنه هو المرمي إذ لم يجز أن يكون المعنى يرمي شيئا في ذلك المكان وهذا مثل قول الآخر:
أكروا حمى للحقيقة منهم ... واضرب منّا بالسيوف القوانسا
انتصب القوانس بفعل مضمر دلّ عليه قوله واضرب منا.
وأما قول القائل: الله أعلم بنفسه من خلقه حتى قيل: لم يزل معلوما لنفسه فاعلم أنّ هذا الكلام له منصرفات بعضها يجوز ويحسن في وصفه تعالى، وبعضها يمتنع، فإن أردت بقولك نفسه صفة لأنه به حسن، وجاز ويكون هذا كقوله في صفة قدرته وتدبيره وعظمته وإرادته وكرمه ورحمته: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
[سورة الرحمن، الآية: 29] وكذلك إن أردت أنّ علم العبد قد يعترض فيه الشّك ويتسلّط عليه النّسيان ويعتريه الآفات كالغشي والنّوم والموت فتعطله وعلم الله يدوم ويثبت على حد واحد كان صوابا وقائما وصحيحا (وإن أردت أنّ علمه بذاته متكامل فهو يسعها وعلم خلقه بها متناقص فيعزّ عن الإحاطة بها كان غير لائق به وممتنعا من تجويزه فيه، وكذلك إن أجريت مجرى قول القائل إنّ جبرائيل أعلم بالله من الإنسان، تريد أنّ علمه أعلق به وألزم له كما يزداد حبّا على حبّ، ويكون تعين أثبت من تعين امتنع أيضا وذكر النّفس ليس يثبت به شيء غير الذات وكذلك الوجه في قوله تعالى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ
[سورة الرحمن، الآية: 27] وليس ذلك على ما ينسب إلى المحدثين من الأعضاء وكذلك العين إذا قلت عين الشيء ويصح أن يقال:
الله أعلم بنفسه من خلقه ويراد أنه أذكر لوجوه القدرة وصنوف ما تدل عليه الحكمة والعظمة
(1/80)

ولجميع صفاته العلى وأسمائه الحسنى فلا أمد لعلمه، ولا نهاية ولا مدد ولا غاية. وشاهد هذا قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ
[سورة لقمان، الآية: 27] الآية، وهذا لأنّ العبد لا يكون ذاكرا من وجوه القدرة والحكمة كلّها إلّا ما علم منها والله تعالى ذاكر لها كلّها، ويكون هذا كما يقال فلان أعلم بالله من فلان، ويراد أنه قد عرف أنّ الدّنيا محدثة من وجوه عدة، وأنّ الآخر لا يعرف ذلك إلا من وجه واحد، وقد ظهر بما بيّناه الفصل بين ما يسأل عنه في الموضعين جميعا.
فصل في تبيين المحكم والمتشابه
من قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
والحكمة في إنزاله مقسما بين الوجهين المذكورين والكلام في المعارف والمعجز.
اعلم أنّ الله تعالى لمّا ابتلى العقلاء بتكاليف الدّين بعد إزاحة العلل وتسهيل السّبل وبعث الرّسل رتّب في مراسمه مراتب، وجعل لكلّ مرتبة قدرا من الجزاء والمثوبة ترغيبا في الاستكثار من طاعته، وحضّا على التّنافس في أشرف المنازل لديه ومن أجل تلك المراسم ما ندب إليه من تدبّر كتابه الحكيم الجامع للأوامر والنّواهي وأصول الحلال والحرام، والمندوب إليه والمباح، وقصص الأمم السّالفة، وأخبار الأنبياء معهم، والمواعظ والأمثال، والحكم والآيات والنّذر والمثلات، والعبر والامتنان بأنواع النّعم، والإخبار بالشيء، قبل كونه والتّنبيه على مغيبات الأمور وسرائر القلوب من دونه، هذا وقد أنزله علما لنبيّه يتحدى زمان الفصاحة، وأوان التّبلغ بالبلاغة جعل بعضه جليا واضحا وبعضه خفيّا متشابها، ليعمل من تسمو نفسه إلى أعلى الدرجات فكره، فيمتاز في العاجل بما يستنبطه ويثيره من جليل العلم ودقيقه عن غيره ممن لم يسع سعيه، وإن جاهد في ربه ويجتاز في الأجل عند الله من الزّلفة وجزيل المثوبة ما يقرب من غايات الأنبياء وذوي العزم والنّصيحة فلولا حكمة الله فيما ذكرته لبطل التّفاضل فيما هو أشرف وتدانت الأقدار فيما هو أفخم.
ألا ترى أنّ الصّبر في أعمال القلب وأعمال الفكر وكد الرّوح لنتائج النّظر ليس كالصبّر في إتعاب الجوارح وإنصاب الأراب والمفاصل، لذلك قال تعالى: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[سورة العنكبوت، الآية: 69] فأما ما روي من أن لكل آية ظهرا وبطنا ومطلعا فالمعنى لكلّها لفظ ومعنى، ومأتى أي طريق يؤتى منه فيتبيّن علمه من ذلك الطّريق وقيل أيضا فيه: الظّهر للإخبار عن مخالفة الأمم وهلاكها والبطن يكون تحذيرا أي لا تفعلوا فعلهم فتهلكوا هلاكهم.
(1/81)

وحكى عن النّظام أنه قال القرآن كلّه أو بعضه جاء على كلام العامّة في أمثالهم إياك أعني فاسمعي يا جارة. وقد ظهر وجه الحكمة بما بينّاه في تنزيله بعض الكتاب محكما وبعضه متشابها فأمّا التّنبيه على كلّ نوع منهما فإنّا نقول وبالله التّوفيق:
اعلم أنّ المحكم من الآي هو الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا فيوافق ظاهره باطنه إذا تأوّل كأنّه أحكم أمره ومنع متدبّره من تسليط الشّبهة عليه كما منع هو في نفسه من أن يتورده الاحتمال، وأصل الأحكام المنع. ومنه حكمة الدابة فإن قيل: إنّ الله تعالى قد وصف آيات القرآن كلّها بمثل هذه الصفة لأنه قال تعالى: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
[سورة هود، الآية: 1] وإذا كان كذلك فالمتشابه محكم أيضا ويؤدّي ظاهر الآيتين إلى تناقض قلت: إنّ قوله: أُحْكِمَتْ آياتُهُ
معناه أتقنت وأتي بها على حدّ من الوثاقة في النّظم والإصابة في المواضع لا يتخلّلها اختلال، وهذا كما يقال للبناء الوثيق محكم. وقد قال الله تعالى في موضع آخر: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ
[سورة يونس، الآية: 1] فجعل الكتاب حكيما بما تضمّنه من الحكمة وإذا وضح ذلك فقد سلم ما قلناه ولم يحصل بحمد الله تناقض، ويشهد لما تأوّلنا عليه المحكم أنّه جعل في مقابلة المتشابه.
وجوّز بعض المتأوّلين أن يكون معنى أحكمت آياته أجملت من حيث جاء بعده، ثم فصّلت إذ كان الإجمال والتّفصيل يتعاقبان، وهذا الذي قاله لا يعرف في اللغة، والمتشابه هو الذي دخل في شبه غيره فيعتوره تأويلات أو أكثر، ومن شرطه أن يرد إلى المحكم فيقضي به عليه، لهذا قال تعالى في صفة ثمر الجنة: وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً
[سورة البقرة، الآية: 25] فقيل المعنى يشبه بعضه بعضا في الجودة والحسن. وقال المفسرون: يشبه بعضه بعضا في الصّورة ومختلف الطعوم وقد وصف تعالى الكتاب كلّه بالمتشابه كما وصفه بالحكيم، وكما وصف آية بالإحكام فقال: كتابا متشابها والمعنى يصدّق بعضه بعضا فلا يختلف ولا يتناقض. وقل عليّ لابن عباس حين وجّه به إلى الشّراة «1» قبل القتال لا تناظروهم بالقرآن، فإنّ القرآن حمّال ذو وجوه، ولكن ناظروهم بالسّنة فإنّهم لا يكذبون عليها فقوله:
حمّال أي: يحمل عليه كل تأويل، وهذا يترجم عن معنى المتشابه ومثال المحكم نحو قوله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[سورة النحل، الآية: 145] وكقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ
[سورة النحل، الآية: 90] .
فأمّا وجوه المتشابه فمختلفة، (منها) اتّفاق اللّفظين مع تنافي المعنيين في ظاهر آيتين كقوله تعالى: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ
[سورة فاطر، الآية: 3] فهذا محكم لفظه استفهام
(1/82)

ومعناه نفي، والمراد لا منشئ إلا الله. ثم قال تعالى في موضع آخر: فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
[سورة المؤمنون، الآية: 14] فقلنا الخلق في كلامهم يكون الإنشاء ويكون التّقدير يقال: خلقت الأديم إذا قدّرته قال: ولأنت تعزي ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يعزى، والآية النّافية تقضي على المثبتة بأنّ الخلق يكون فيه التّقدير لا غير لأنّ الذي يخلص لله تعالى من معنى الخلق فلا يشارك فيه هو الإنشاء ومثله قوله تعالى: وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ
[سورة محمد، الآية: 11] مع قوله تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِ
[سورة يونس، الآية: 30] لأنّ المولى في اللغة يقع على السيّد والعبد والمعتق والولي والنّاصر وابن العم، فمعنى لا مولى لهم: لا ناصر، ولا ولي ومعنى مولاهم الحق الإله والسّيد الذي لا شك فيه يوم يكون الحكم والأمر له وهذا بيّن. (ومنها) : التّنافي بين المعنيين في ظاهر آيتين وإن لم يكن عن اتفاق لفظين مثل قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ
[سورة الزلزلة، الآية: 6] مع قوله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً
[سورة الكهف، الآية: 99] وهاتان حالتان إحداهما حالة الورود وهي عند البعث والنّشور، والأخرى حالة الصّدور والانسياق إلى المعد من الثّواب والعقاب، وهذا معنى ليروا أعمالهم فالمحكمة التي يرد إليها يصدر الناس أشتاتا قوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ
[سورة الروم، الآية: 14] فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ
[سورة الروم، الآية: 15- 16] وهذا واضح ومثله قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ
[سورة النمل، الآية: 83] أي يدفعون ويستعجلون مع قوله تعالى: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً
[سورة مريم، الآية: 95] ومعنى فردا لا عدد معه ولا عضد ولا عدّة ولا ذخيرة والمحكمة التي ترد إليه هذه قوله تعالى: وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً
[سورة مريم، الآية: 80] وإذا كان كذلك انتفى التّشابه.
ومنها استغلاق الآية في نفسها وبعدها باشتباهها عن وضوح المراد منها ومن جعل وجه التّشابه هذا وما يجري مجراه استدل بقوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ
[سورة آل عمران، الآية: 7] وجعل وجه الأحكام ظهور المعنى وتساوي السّامعين في إدراك فهمه ولذلك مثل كثير من أهل العلم المحكمات بالآي الثّلاث التي في آخر الأنعام وهي قوله تعالى:
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ
[سورة الأنعام، الآية: 151] إلى ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
[سورة الأنعام، الآية: 153] ، والمتشابهات بقوله تعالى: الم*
، والر*
، وكهيعص
، وطه
وما أشبهها. ومنها ألا يعلم السّبب الذي نزلت الآية فيه على كنهه وحقه لاختلاف قديم يحصل فيه بين الرّواة، وادّعاء بعضهم النّسخ فيه ولغرابة القصّة وقلّة البلوى بمثلها والصّواب عندي في مثل هذا أن يؤثر ما يكون لفظة الكتاب أشهد له وأدعى إليه،
(1/83)

ومثاله قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ
[سورة المائدة، الآية: 106] إلى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا
[سورة التغابن، الآية: 16] .
ومنها أن يروى في تفسير الآية عن طرق كثيرة وعن رجال ثقات عند نقّاد الآثار ورواتها، أخبار يختلف في أنفسها ولا يتّفق ولا يستجاز مخبرها أو يستبعد، ثم تجد إذا عرضتها على ظاهر الكتاب لا تلائمه من أكثر جوانبها ولا توافقه وذلك مثل قوله تعالى:
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها
[سورة الأعراف، الآية: 189] إلى فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
[سورة الأعراف، الآية: 190] ومثل قوله تعالى:
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
[سورة الأعراف، الآية: 172] إلى أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ
[سورة الأعراف، الآية: 173] والوجه في الآيتين وأشباههما عندي أن يراعى لفظ الكتاب بعد الإيمان به ويبدل المجهود في انتزاع ما يتفق فيه أكثر الرّواة من جهة الأخبار المروية وما هو أشبه بالقصة، وأقرب في الندين، ثم يفسر تفسيرا قصد لا يخرج فيه عن قصة الرّواية واللفظ ولا يترك الاستسلام بينهما للجواز والانقياد للاستبشار لما عرف من مصالحنا فيما يمنعنا علمه أو يقنعنا عليه ألا ترى قوله تعالى فيما استأثر بعلمه: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[سورة الإسراء، الآية: 85] وقوله: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا
[سورة الأعراف، الآية: 8] بعد قوله تعالى: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ
[سورة المدثر، الآية: 29] عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ
[سورة المدثر، الآية: 30] ومثل هذا الاستبشار ما فعل الله من الصّرفة بيعقوب وبنيه حين انطوى عليهم خبر يوسف وكان بينه وبينهم من المسافة ما كان بينهم. ويشبهه الصّرفة التي ذكرناها ما يفعل الله من سلب الانبساط من الكفّار فيكون ذلك سببا للتسلّي فيما يبتلون به من العقاب وذلك قوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ
[سورة الزخرف، الآية: 39] .
ومنها الالتباس حال التاريخ أو ما يجري مجراه في آيتين تتعارضان أو آية وخبر فتختلف في النّاسخة منهما والقاضية على الأخرى وذلك كما روي عن مجاهد في قوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
[سورة المائدة، الآية: 49] وهو أمر بالحكم فنسخت ما قبلها وهو: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ
[سورة المائدة، الآية: 42] وهو تخيّر. وروي السدّي عن عكرمة في قوله تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ
[سورة المائدة، الآية: 42] قال نسختها: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
[سورة المائدة، الآية: 49] وهذا قول أهل العراق ويرون النّظر في أحكامهم إذا اختصموا إلى قضاة المسلمين والأئمة، ولما روي من رجم النبيّ صلى الله عليه وسلم اليهودية واليهود، وأمّا أهل الحجاز فلا يرون إقامة الحدود عليهم يذهبون
(1/84)

إلى أنهم قد صولحوا على شركهم وهو من أعظم الحدود التي يأبون ويتأولون في رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين على أنّ ذلك كان قبل أن يؤخذ منهم الجزية والمقارة على شركهم وفي هذا القدر بلاغ للمتأمّل.
فأمّا الكلام في المعرفة بالله تعالى ووجوبها وبيان فساد قول القائلين بالإلهام فإنا نذكر طرفا منه ونقول: اختلف النّاس في ذلك فزعم قوم أنّ المعرفة لا يجب على العاقل القادر وأنّها تحدث بإلهام الله تعالى وكل من لم يلهمه الله المعرفة به فلا حجة عليه ولا يجب عليه وقالوا: إنّ الذين قتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا كفارا وإنّما قتلوا على سبيل المحنة، كما يقتل التّائب والطّفل ولا يجب عليهم عقاب لأنّ الله تعالى لا يجوز أن يغضب وعلى من لم يرد إغضابه.
وقال الجاحظ: إنّ المعرفة غير واجبة ولكنّها تحدث بالطبع عند النّظر، وقال: إنّ الذين قتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا عارفين بالله معاندين واحتج بقوله تعالى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
[سورة النمل، الآية: 14] وقال لا يأخذ الله الإنسان بما لم يعلم ولا بما أخطأ فيه ألا تراه يقول تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ
[سورة البقرة، الآية: 225] واستدلّوا على صحة مذهبهم بأن قالوا إن الاعتقاد لا يعلم أنه حسن أو قبيح حتى يعلم أنّه علم أو ليس بعلم فإذا علم أنّه علم فقد علم المعلوم لأنّ العلم بالعلم علما هو علم بالمعلوم فإذا علم المعلوم فقد استغنى عن اكتساب العلم به وإن كان لا يعلم أنه علم فإذا لا يجب على هذا الإنسان فعل ما لا يأمن أن يكون قبحا.
وقال أكثر أهل العلم إن المعرفة واجبة وهي من فعل الإنسان وإنّ أول المعرفة يقع متولدا عن النظر ولا يجوز أن يقع مباشرا ثم ما بعد ذلك لا يجوز أن يقع مباشرا وأنّ كلّ من أكمل الله عقله وعرّفه حسن الحسن وقبح القبيح فلا بدّ من أن يوجب عليه المعرفة به، وأن يكلفه فعل الحسن وترك القبيح وبعضهم يضيف إلى هذه الجملة وقد جعل شهوته فيما قبحه في عقله ونفور نفسه عما حسنه في عقله.
ويستدل على وجوب معرفة الله فإنه لا يخلو من أن يكون قد كلّفنا الله لحسنها وقبّح الذّهاب عنها أو لم يكلّفنا وتركنا مهملين، فإن كان قد كلّفنا فهو الذي يزيد، وإن كان تركنا سدى فإنّ الإهمال لا يجوز عليه. ويقال أيضا: نحن نرى على أنفسنا آثار نعم، ونعلم وجوب شكر المنعم، فإذا يجب أن نعرف المنعم لنشكره.
واعلم أنّ المعجز هو ما لا يقدر عليه في صفته أو في جنسه، فأمّا لا يقدر عليه في جنسه فهو مثل إحياء الموتى وأمّا ما لا يقدر عليه في صفته فهو فلق البحر. لأنّا نقدر على تفريق
(1/85)

الأجسام المؤتلفة، ولكن على تلك الصّفة وتلك الحالة لا نقدر عليه، فأمّا الخبر عن الغيوب فليس بمعجز ولا وقوع المخبر على ما أخبر به معجز إذ يجوز على الخبر عن الغيب أن يكون صدقا أو كذبا وإذ قد ثبت أن يخبر الإنسان عن الشيء أنه يكون فيكون وليس يعلم في حال الخبر أنّ المخبر به يقع على ما أخبر به عنه ولا يعلم أنه معجز وإنّما العلم بأنّ الشيء يكون قبل أن يكون يعجز بلى من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أنه سيكون كذا وكذا ويخبر عن الغيب ثم يبقى إلى الحالة يكون فيها ما ذكره فحينئذ يكون ذلك دلالة وحجة عليه، فأمّا من لم يبق إلى تلك الحالة فهو ليس تقوم عليه الحجّة في وقت الإخبار ولا يصح الاستدلال بذلك بل يجب أن يدلّه الله بدليل آخر.
فإن قال قائل: كيف يصحّ أن يكون انقضاض الكواكب رجما للشيّاطين ولا يخلو من أن يكون الذي يرمى به الشّيطان ليحرقه كوكب فيجب أن يفارق مكانه وينقص من عدد الكواكب وقد علمنا منذ عهدت الدنيا لم تنقص ولم تزد أو يكون الذي يرمى به شعاعا يحدث من احتكاك الكواكب واصطكاك بعضها ببعض فيفصل ذلك الشّعاع من الكواكب ويتّصل بالجنّي حتى يحرقه، إذ لو لم يتّصل به لم يحترق وهذا أيضا لا يجوز لأنّ الكواكب لا تحتك. قيل له: إنّ كل ما ذكرت غير ممتنع قد يجوز أن يكون هناك كواكب لا تلحقها العين لصغرها كما قال قوم في المجرة إنها كلّها كواكب ولا تبين، فيجوز أن يحتك بخاران عظيمان فيحدث الشّعاع ويحترق الجنّي، وكلّ ذلك ليس بمستنكر وعلى هذا جاء في القرآن.
وأما انشقاق القمر فإنّ الجاحظ كان ينفيه ويقول: لم يتواتر الخبر به ويقول أيضا لو انشقّ حتى صار بعضه في جبل أبي قبيس لوجب أن نختلف التّقويمات بالزيجات لأنه قد علم سيره في كلّ يوم وليلة، فلو انشقّ القمر لكان وقت انشقاقه لا يسير، فأمّا قوله تعالى:
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ
[سورة القمر، الآية: 1] فإنّما معناه سينشقّ ونحن نثبته ونقول:
يكون ذلك دليلا خصّ به عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأنّ سائر النّاس لم يرده لأنّ الله حال بينهم وبين رؤيته بغمامة أو غيرها ويجوز أن يكون غير عبد الله رآه، فاقتصر في نقله على رواية عبد الله وعلى ما نطق به القرآن من ذكره.
فصل الاستدلال بالشّاهد على الغائب
لأنّه الأصل في معرفة التّوحيد، وحدوث الأجسام وصدق الرّسل. قال الله تعالى:
الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
[سورة البقرة، الآية: 1- 3] قيل معناه يؤمنون بما غاب عنهم من أمر الآخرة وقيل: يؤمنون بما غاب من
(1/86)

البعث والنّشور، وأخبرهم به النبي. وقيل: المراد يؤمنون بالله ورسوله وما أنزل إليه، يظهر الغيب لا كالمنافقين الذين يقولون للمؤمنين إنا معكم، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنّا معكم، إنّما نحن مستهزءون، ومثله قوله تعالى: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
[سورة يوسف، الآية: 52] وقوله تعالى: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ*
[سورة الأنبياء، الآية: 49] .
واعلم أن من لا يفعل ذلك لم يجز له أن يعرف شيئا إلا من جهة المشاهدة أو ببداهة العقل، أو بخبر ممن شاهده ولو كان كذلك لسقط الاستدلال والنظر، ولما جاز أن يعرف الله ولا حدوث الأجسام، ولا صدق الرّسل فيما أتت به من عند الله، لأنه يجوز أن يعرف الله بالمشاهدة ولا ببداهة العقل لأنّه لا يشاهد، ولأنه لو عرف ببداهة العقل لاستوى العقلاء في معرفته، فوجب بهذا أن لا يعرف الله إلّا بدلالة المشاهدة، وكذلك حدوث الأجسام، ولسنا نريد باستشهاد الشاهد أن يستدلّ به على ما لم نشاهده إلا بأن نشاهد نظيره، ومثله ألا ترى أنّا لو شاهدنا في هذا البلد إنسانا لم نعرف بذلك أن في غير هذا البلد إنسانا آخر من غير أن نشاهده، ولكن هو أنا إذا وجدنا الجسم في الشّاهد إنّما كان متحركا لوجود حركته، ثم وجدنا حركته لا توجد إلا فيه، ومتى بطلت حركته لم يكن متحركا دلنا ذلك على أن كلّ جسم متحرّك فيما لم نشاهده لم يكن متحركا إلا لوجود حركته، ولا توجد حركته إلا فيه، ومتى بطلت حركته لم يكن متحركا؛ لأنّه لو جاز أن يكون متحركا في الغائب مع عدم حركته لجاز في الشاهد مثله، وكذلك إذا وجد الجسم في الشاهد إنّما كان جسما لأنّه طويل عريض عميق ومتى عدم طوله أو عرضه أو عمقه لم يكن جسما لزمه أن يعلم بدلالة الشّاهد أنّ الجسم الغائب إنمّا كان جسما لمثل ذلك.
وكذلك إذا وجد الجسم في الشّاهد لا يكون في مكانين في وقت واحد لأن وجوده في أحد المكانين ينافي وجوده في المكان الآخر كان علينا أن نجري القضية في الغائب على حده. وكذلك القول في امتناع اجتماع الضّدين، والحركة والسّكون والسّواد والبياض، والاجتماع والافتراق بحسب أن يراعى حالها في الشّاهد فيحمل الغائب عليها وإذا كان الأمر كذلك وجب أيضا أن يكون إذا وجدنا الفعل في الشّاهد لا يوجد إلّا من فاعل، ولا يحصل موجود إلا بفعله له، ثم وجدنا فعلا لم نشاهد له فاعلا أن نعلم بدلالة الشّاهد أنّ له فاعلا وإن كنّا لم نشاهده، ولا يجب إذا لم نجد إلا أجناسا من الأشياء أن لا يثبت في الغائب خلافا لما شاهدنا، لأنّ الأعمى الذي لم يشاهد الألوان قط لا يجوز له أن يثبت شيئا إلّا من جنس ما شاهده بسائر جوارحه، إذ قد ثبت الألوان التي هي خلاف جميع ما شاهده، وإن كان هو لم يشاهد وكذلك الحياة والقدرة والعلم لا يشاهد ولا شوهد نظائرها ولا يجب مع ذلك أن لا نثبتها مع وضوح الأدلّة عليها فلم يجب علينا لمن أراد منّا نفي القديم إذ كنا لم
(1/87)

نشاهد له مثلا ولا نظيرا أن ننفيه من أجل ذلك إذ كان يجوز أن نثبت بالأدلّة ما لا نظير له كما مثلّناه.
وإنّما يجب تكذيب من وصف الغائب لصفة الشّاهد ثم أزال عنه المعنى الذي استحقّ الشّاهد به تلك الصفة، فأمّا متى أثبت في الغائب شيئا مثبتا من غير أن يكون بصفة المشاهد الذي وجبت له هذه الصّفة لعلّة، وقال مع ذلك: إنه غير مثبت لما شوهد لم يجز أن نبطل قوله بما شاهدنا، إذ كان يجوز أن يكون ما ادّعاه خلافا لما شاهدناه، كما لم يكن للأعمى إنكار الألوان إذا أخبرناه بها من حيث كانت مخالفة لما شاهده بسائر جوارحه، ولم يكن لأحد أن ينكر الحياة والقدرة لأنهما خلاف ما شاهده، ولكن يجب أن يطالب بالدّلالة على صحّة الدّعوى، فإذا ثبتت ثبت مدلولهما، وإلا سقطت الدعوى، وهذا أصل القول في استشهاد الشّاهد على الغائب فاعلمه.
فصل في أسماء الله وصفاته وأحكامه (وبيان الأصوات كيف تكون حروفا، والحروف كيف تصير كلاما)
اعلم أنّ الأصوات جنس من الأعراض تحته أنواع تعلم، فإذا توالى حدوثها منقطعة بمخارج الفم وما يجري مجراها سمّيت حروفا، لذلك قيل: الكلام (مهمل) و (مستعمل) .
(فالمستعمل) ما تناولته المواضعة أو ما يجري مجراها من توقيف حكيم، فجعل عبارة عن الأعيان أنفسها وعنها بأحوالها. (والمهمل) ما خالف ذلك، وإنما قلنا هذا لأنّ جنس الصّوت لا يقتضي كونه حرفا ولا كلاما متى لم تطرأ المواضعة عليها، وما جرى مجراها، والمواضعة لا تصح إلا مع القصد إليها لذلك قيل: ما ينقسم إليه الكلام من الخبر والأمر والنّهي والاستخبار لا يكاد يحصل مفيد إلا بإرادة غير القصد إلى المواضعة، لهذا متى ورد الكلام من سفيه لم يفد السّامع شيئا، كما يفيده إذا ورد من الحكيم على المخاطب العارف بالمواضعات لمّا تعذرت معرفة قصده وصار الصّدق والكذب يستوي حالاتهما وتقام صور أنواع الكلام بعضها مقام الآخر حتى يوجب ذلك التّوقف عن قبول الأخبار وترك القطع على ما يسمع منها إلا مع البينة.
واعلم أن الحاجة إلى المواضعة بالأصوات هي البيان عن المراد لما كان الكلام المستعمل تنبها عليه، فلذلك يستغني الحكيم فيما عرف مراده عن الخطاب إلا عند كونه لطفا في فعل المراد ومتى أمكنه بالإشارة والإيماء بيان غرضه عدل عن الخطاب إلا أن يكون لطفا كما ذكرناه. ولما كان الأمر على ذلك اختلفت العبارات لاختلاف المراد واحتيج إلى التبين بعد ذلك، إذ كان الكلام بنفسه لا يدل على ما وضع له ولا بالمواضعة أو التوقيف.
(1/88)

فإن قيل: فما الفرق بين (المهمل) و (المستعمل) ؟ حينئذ قلت: الفرق بينهما أنّ الحكيم متى تكلّم بكلام مستعمل صحّ أن يعرف السّامع لكلامه مراده بما يقارنه من الدليل غير الكلام، ومتى تكلم بكلام مهمل لم يجز أن يعلم مراده وإن قارنه ما قارنه وكان وجوده وعدمه بمنزلة، ولو كان الكلام دليلا يجوز الاستطراق منه إلى ما وضع له قبلها، لأن الدلالة لا تحتاج في كونها دلالة يجوز الاستطراق منها إلى مدلولها إلى المواضعة وإنما يحتاج في تسميتها دلالة إلى المواضعة لأنهم يسمونها دلالة إذا أراد فاعلها عند فعلها الاستطراق منها إليه ولذلك لا يجوز أن يسمّى فعل اللص دلالة عليه، وكذلك فعل البهيمة، وإن جاز الاستطراق منها إليه، ولهذا جاز أن يعرف الله بدلائله من لا يعرف شيئا من المواضعات.
واعلم أنّ الكلام لمّا وضع للإبانة عن مراد المخاطب للمخاطب، لأنّ الغرض فيه إعلامه حدوث الشيء إذ إعلامه أنّه يريد منه إحداثه أو إعلامه أنه يكره منه إحداثه، والحدوث لا يكون إلا للذّوات ولم يكن بدّ من إعلامه العبارات عن ذوات الأشياء ليجوز منه أن يفرق الحدوث بها على وجه المراد انقسم الكلام أربعة أقسام:
الأول: عبارة عن الأعيان أنفسها وهي الأسماء.
الثّاني: عبارة عن حدوث الشيء وهو الخبر عنه.
الثالث: عبارة عن إرادة إحداثه وهي الأمر به.
الرّابع: عبارة عن كراهية إحداثه وهي النّهي عنه.
والأسماء على ضربين:
الضّرب الأول: اسم وضع لتعريف المسمّى به وليكون علما له دون غيره فيقوم مقام الإشارة إليه عند غيبته، أو لاشتمالها عليه، ويسمّى هذا الضّرب لقبا ولا يفيد في المسمّى به شيئا ولذلك لا يدخله الحقيقة والمجاز إذ كان لا يتعلّق بفعله ولا بحاله ولا بشيء، مما يحلّه أو يحلّ بعضه، ولا يوجب الاشتراك فيها اشتراكا في غيرها كما لا يوجب الاشتراك في غيرها اشتراكا فيها وقال بعضهم هذا القبيل ثلاثة أقسام:
القسم الأول: وضع تعريفا لآحاد الأشخاص كزيد وعمرو.
القسم الثاني: وضع تعريفا لآحاد أجمل الأشخاص وليقوم مقام تعداد ذكر جميعها كقولك: إنسان وأسد وحمار وطائر، ولذلك لا يتعلق بشيء من أوصافها ولا بما يحلّها، ويوجب الاشتراك فيها اشتراكا في الصورة دون غيرها وتسمية أهل اللّغة الجسم جسما من هذا لأنه وجب له هيئته وتركيبه ولذلك لم يجز إجراءه على الله تعالى.
(1/89)

القسم الثالث: وضع تعريفا لآحاد جمل الأجناس المختلفة المشتركة في باب التّعلق بغيرها على وجه واحد، ليقوم مقام ذكر جميع الأجناس الدّاخلة تحتها، وهذا كاللّون والكون والاعتقاد والسّهو وما يجرى مجراها، وهذا النّوع يسمّى جنس الفعل ويلزم الاشتراك فيها اشتراكا في نوعيتها.
الضرب الثّاني: على وجهين:
الوجه الأول: اسم على المسمّى به تعريفا لجنسه وللتميز بينه وبين ما خالفه وإن شاركه في التّسمية غيره من طريق القياس لاشتراكهما في الفائدة، ورسم بأنه اسم جنس لمّا كانت المسمّيات به أعدادا كثيرة مماثلة وهذا كالسّواد والبياض والحمرة والخضرة والحلاوة وما جرى مجراها، يوجب مماثلة الموصوفين بها فلذلك استحال اشتراك المختلفين بالذّوات في اشتقاق الوصف بها.
النوع الثاني: اسم جرى على المسمّى ليفيد فيه ما يفارق به غيره مما لم يشاركه فيه من غير أن يكون افتراقهم في الوصف موجبا لمخالفتهم كما لم يوجب اشتراكهم في ذلك مما يليهم في اللفظ بل في المعنى أوجب ذلك لكونه جواهر ورسم بأنه صفة، وإذا قصد به الإكرام في التعلق قيل: إنّها مدح كما إذا قصد بها الاستخفاف قيل إنها ذم، إذ كانت لا تخلو من الحسن أو القبح وهي على وجوه:
الوجه الأول: صفة تفيد في الموصوف معنى حالا فيه وذلك كقولك: متحرّك وساكن، وأسود وأبيض، وحلو وحامض، ورسمت هذه الصّفات بصفات المعاني لأنها علل في إجراء الوصف على محالها من طريق الاشتقاق، فلذلك أخذ الاسم من لفظها، والاشتراك في هذه الصفة يوجب الاشتراك فيما أفادته، ويقتضي مماثلة الموصوفين في المعنى لكونها جوهرا.
الوجه الثاني: صفة تفيد كون الموصوف فاعلا لمقدوره والاسم يجري عليه مشتقا من لفظ اسم فعله، وهذا كقولك: ضارب وشاتم ومتكلم، ورسمت هذه الصّفات لصفات الفعل ولا يوجب الاشتراك في هذه الصّفة تماثل الموصوفين لا بالمعنى ولا باللّفظ كما أوجب في الأولى.
الوجه الثالث: صفة تفيد الإضافة والنّسبة وذلك كقولك: هاشميّ وبصريّ ودار زيد، وغلام عمرو، فباتّصال الياء المشدّدة بالاسم صار صفة بعد أن كان علما أو غير صفة.
الوجه الرّابع: صفة تفيد وجود الموصوف بها يجري عليه هذه الصفة ويرجع إلى غيره وهذا كوصف الاعتقاد بأنه علم أو جهل، أو تقليد أو ظن. ووصف العلم بأنه غم أو سرور.
(1/90)

ووصف السّهو بأنه نسيان، وكوصف الكون بأنه حركة أو سكون، أو مجاورة أو مفارقة، وكوصف الحروف بأنّها كلام والكلام بأنه خبر أو أمر أو نهي. ووصف الإرادة بأنّها عزم أو قصد أو خلق وكذلك جميع ما يجري. والاشتراك في هذه الصّفات يوجب اشتراك الموصوفين بها فيما أفادته دون غيرها مما يجري مجرى تماثل ذواتها واختلافها.
الوجه الخامس: صفة تفيد كون الموصوف بها على حال من الأحوال وهذا كوصف الشّيء بأنه معدوم أو موجود، أو حي، أو قادر أو عاجز أو معتقد، أو عالم أو جاهل، أو ساه أو مريد، أو كاره أو سميع أو بصير. وعلى الأحوال التي إذا كان عليها إدراك المدركات يسمّى به الشّيء لتهيأ ذكره والإخبار عنه وهو قولهم شيء ونفس وعين وذات. وكذلك الأسماء المضمرة والمبهمة نحو هو وأنت، وذلك وهذا والهاء في ضربته والياء في ضربني.
وفرّقوا في بعضها بين المذكّر والمؤنّث والواحد والجمع. وهذه الصّفات والأسماء التي نوّعناها وأشرنا إليها مقتسمة بين الحقيقة والمجاز، وسنبيّن كيفية وضعها واستمرارها أو انقطاعها في البابين إن شاء الله تعالى.
فصل آخر [في أنّ اللغة لا يجوز أن يكون فيها غلط]
اعلم أنّ اللغة لا يجوز أن يكون فيها غلط وذلك أنه إن كان الله تعالى واضعها على ما يذهب إليه أكثر العلماء، وعلى ما أخبر به عند قوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
[سورة البقرة، الآية: 31] فلا يجوز أن يكون فيها غلط لأنّ الحكيم الذي بيّنها لعباده لا يجوز عليه الغلط وإن كان يجوز أن يكون قد ذهب عنهم بعض ما بينه لآدم عليه السلام وأحدثوا أبدالا منه، أو زادوا عليه على حسب الدّواعي والحاجة، ولو كانوا فعلوا ذلك لما جاز أن يعلم أحد تغيّرهم لذلك إلا بخبر من الله ينزله على نبي من أنبيائه لأن اللّغات لا تعرف إلا من جهة السّمع ولا تعرف بدلالة العقل، ولو كانوا غيّروها بأسرها لما أنزل الله القرآن بها على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان ابتداء اللّغة من كلام العباد وتواضعهم على ما يقوله بعضهم فلا يجوز أن يقع فيها أيضا غلط لأنّهم إنما سمّوا الأشياء بأسماء جعلوها علامات لها لتعرف بها وليكون التّباين والتّمايز منها، وإذا كان أصل كلامهم ولغتهم جروا فيه على ما بيّنا فلا يجوز أن يكون فيها غلط لأنّ الحكمة تلحقه ولا تفارقه في الحالتين جميعا، وإذا ثبت ما بيّناه من أمر اللغة ووجدنا انقسامها إلى الحقيقة والمجاز والحقيقة ما وضع من الأسماء للمسميّات على طريق اللّزوم لها، والاطراد فيها لأنّها يحق لها عند التعبير عنها وأمثلتها ما قدّمناه، والمجاز ما أجري على الشّيء وليس له في أصل الوضع، تجوزا على طريق الاستعارة، وتفاصحا منهم وافتنانا ويكون قاصرا عن الأصل وزائدا عليه ومماثلا له، وكيف اتّفق يكون
(1/91)

مستفاده أبلغ من مستفاد الحقيقة ولذلك عدل إليه نظرنا فوجدنا طريق استحقاق الموصوفين من وجوه أربعة:
الوجه الأوّل: طريق الاختصاص والاستبداد وهو المرسوم لصفات النّفس ليفيد في الموصوف أنه مستبد بها، ومستغن بكونه عليها عن غيره وأنه مختص بها من غير أن يجعل نفسه كالعلّة الموجبة للعلل، ولا قائمة مقامها وهذا كوصف المحدث بأنه موجود وحي وقادر وعالم وسميع وبصير وما جرى مجراها، ولذلك رسمت بصفات التّوحيد لمّا توحّد الله بطريق استحقاقها فلم يشاركه فيها غيره مع جواز وصفهم بها لاستحقاقهم لها من غير هذا الوجه.
الوجه الثاني: طريق المعاني الموجبة لها وهو المرسوم بصفات العلل ليفيد في الموصوف بها أنه مستحقّ لها بالعلّة الموجبة له عند تعلّقها به دون غيره وهذا كوصف المحدث بأنه عالم وقادر وحي وسميع وبصير ووصف كل موصوف بأنه مريد وكاره، وكقولهم مشته ونافر النّفس وما شاكل ذلك.
الوجه الثالث: من طريق القادرين وهو المرسوم بصفات الفعل ليفيد في الموصوف بها أنه مستحقّ لها بكون القادر قادرا عند فعله وإيجاده إيّاه دون غيره، وهذا كوصف المحدث بأنه موجود لما كان معدوما ومقدور القادر عليه وليس في الأحوال ما يتعلق بالقادر غير المعدوم الموجود.
الوجه الرّابع: من طريق استحالة ضدّها على الموصوف بها ورسمت بالصّفات اللّازمة ليفيد في الموصوف بها أنه مستحق لها على طريق اللّزوم له من غير أن يكون محتاجا في ذلك إلى غير ما يوجبها له، كالعلّة وما يجري مجراها ومن غير أن يكون مختصا به كصفات النّفس وهذا كوصف الشّيء بأنّه معدوم، ومعنى المعدوم أنه لا يجوز أن يحصل له من أحكامه التي تخصه وصفاته الجائزة عليه شيء، كما أنّ الموجود هو الذي يكون على حاله يلزمه جميع أحكامه به والموجبة له، فلذلك قلنا إنّه لا يكون معدوما بفاعل ولا بمعنى ولا بنفسه لمّا لم يكن له واسطة بين الوجود والعدم، فلذلك لزمه العدم عند استحالة الوجود عليه، فأمّا الأوصاف التي تتعلق بالأعيان ممّا لا يكون عبارة عن أحوالها بل هي إخبار عنها وعن غيرها لاختصاصها بها في باب الحلول أو التّعلق أو ما يجري مجراهما فليس لها علة ولا ما يجري مجراها ولا يجوز أن يكون شيء من ذلك بالفاعل.
واعلم أنّ أعمّ الأشياء قولنا شيء لأنّه يتعلّق بالمسمّى لكونه معلوما فقط ومستحيل أن يكون ذات غير معلومة أو ذات على حال غير معلومة عليها أو غير جائز أن يكونا معلومين، فإن كان العلم لا يحصل بالحال التي عليها لأن العلم بالذّات هو الّذي منه يصل إلى العلم
(1/92)

بالحال، ولذلك كان الذّات لا يخلو من الوجود والعدم معا إذ لو لم يكن الذّات معلومة في العدم للقديم تعالى لم يصح منه القصد إلى اختراعها وإيجادها وليس قولنا شيء مثل قولنا موجود، بدلالة أنّك تقول هذا شيء زيد، فتضيفه ويمتنع أن يقال: هذا موجود زيد، وكان يجوز أن يحدّ القديم بأنه الشيء لم يزل والمحدث بأنّه الشيء عن أول كما يقال هو الموجود لم يزل والموجود عن أوّل، وإذا كان قولنا معلوم غير متعلق بفائدة فيه وإنمّا تتعلّق فائدته بغيره فالواجب أن لا يكون قولنا شيء مفيدا من هذا الوجه.
ويمكن أن يقال: إنه يفيد الذّات فكلّ ذات يسمّى شيئا وكلّ شيء يسمّى بذات، ويمكن أن يقال أيضا إنه يفيد المعلوم، فصلا بينه وبين ما يسمّى محالا كاجتماع الضّدين لأنّ مثل ذلك لا يصحّ علمه، قال وليس يخرج الذّات من أن يكون على حال مع كونه عليها يجوز أن يستحقّ غيرها ولا يجوز، فإن كان يجوز عبّر عنها بأنها موجودة، وإن كان لا يجوز عبّر عنها بأنها معدومة، فلذلك يسمّى المعدوم بالشّيء كما يسمّى الموجود به لما كانا معلومين في الحالين جميعا لذلك قلنا: المراد بقولنا موجود إفادة حال من أحواله أيضا وحالة له أخرى وهي العدم. وفائدة قولنا معلوم أنّ عالما علمه لذلك جاز أن يقال معلوم زيد للشّيء الذي هو مجهول عمرو، والحال واحدة ويستحيل أن يقال للشيء إنه موجود زيد أو معدوم عمرو على الأحوال كلها.
واعلم أنّ الله تعالى لما أوجب في حكمته عند تكليف المكلّفين مداواة دائهم بالرّحمة لهم والعطف عليهم والحلم عنهم، وطلب صلاحهم من حيث لا يدرون ويؤلفهم من جانب لا يشعرون رسم لهم في تعبّدهم الرّجوع إليه في مهماتهم وسوغ لهم دعاءه في رفع مأربهم فقال: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها
[سورة الأعراف، الآية: 180] وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
[سورة البقرة، الآية: 186] الآية ثم أنزل في محكم كتابه من أسمائه ما بصّرنا وهدانا ومن صفاته ما قوّى إيماننا وإرشادنا، لولا ذلك والتأسّي بالنّبي صلى الله عليه وسلم في أفعاله وقبول أقواله التي بها إبطال الضّلال، وإذا كان كذلك فإنّ ما أثبتته التّلاوة يضاف إليه ما دوّنته الرّواية عن الصّحابة والتّابعين وما عدا ذلك مما لهج به ألسنة فصحاء الأمة والصّالحين من أهل اللغة.
فقد روي في التّفسير أنّ قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
[سورة الأعراف، الآية: 180] أنه تسعة وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة، وجاء في الحديث أنّ: «اسم الله الأعظم الله» وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لله مائة اسم غير واحد من أحصاها دخل الجنة» فيجب أن ينظر فيه فيما سبكه التّحصيل، وكما ذكرنا وينقى من درن الغباوة ويتلقّى بالقبول فيما يجوز إطلاقه على القديم تعالى، والباقي يتوقّف فيه والوصف والصّفة
(1/93)

جميعا لا يكونان إلا كلاما وقولا فهو كالوعد والعدة. وسمعت شيخنا أبا علي الفارسي يقول: أسماء الله تعالى كلّها صفات في الأصل إلّا قولنا الله والسّلام لأنّ السّلام مصدر، ولفظ الله بما أحدث من صفة ولزوم الألف واللّام له، يعدّ من الصفات فصار متبوعا لا تابعا كالألقاب يريد يتبعه الصفات ويقدم به، ومعناه الذي تحق له العبادة، فإذا قلنا لم يزل إلها الذي حقّت له العبادة من خلقه إذ أوجدهم. وقولنا إله نكرة ويجمع على الآلهة قال تعالى:
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً
[سورة القصص، الآية: 5] واشتقّ منه تألّه الرّجل إذا تنسّك، قال:
سبّحن واسترجعن من تألّه ... لله درّ الغانيات المبدره
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن عيسى عليه السّلام قال له رجل: ما الله؟ قال: الله إله الآلهة» . وروي عن ابن عباس أنه ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. وروي في قوله تعالى: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ
[سورة الأعراف، الآية: 127] أنّ معناه وعبادتك، فالأصل إله حذفت الهمزة منه وجعل الألف واللّام عوضا منه لازما وأدغم في اللّام التي هي عين الفعل، فصار الاسم بالتّعويض والإدغام مختصا بالقديم حتى كأنّه ليس من الإله في شيء، قال سيبويه: ومثله أناس والنّاس يريد في حذف الهمزة لا في التّعويض بدلالة قوله:
إنّ المنايا يطلعن على الأناس الآمنينا
فجمع بين الألف واللّام والهمزة، ولو كان عوضا لما جاز الجمع بينهما، وقد قيل في قوله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
[سورة مريم، الآية: 65] إنّ الاسم الذي لا سمّي له فيه هو قول القائل: الله بهذه البنية الصفية، وقولهم في صفات الفعل: يا غياث المستغيثين، ويا رجاء المرتجين، ويا دليل المتحيّرين، موضوع موضع الاسم وكلّ ذلك مجاز وتوسّع، وكذلك قولنا: قديم إنما وجب له هذا لتّقدمه لا إلى أول، فهو صفة لذاته وليس ثبت بهذا معنى يسمّى قدما. وقوله تعالى: كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
[سورة يس، الآية: 39] وفي آخر:
هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ
[سورة الأحقاف، الآية: 11] يراد به تقدّم له وإن كان القصد إلى المبالغة.
فإن قيل: فهل يوجب إجراء لفظ القديم على الله تعالى وعلى الواحد منّا كما ذكرت تشبّها به؟ قلت: لا وذلك لأنّ الله تعالى قدم وتقدّم لنفسه والمحدث يقدم بأن الفاعل فعله في الأوقات المتقدّمة، وإذا كان كذلك فقد اختلف موجب الصّفتين فلم يجب منهما تشبيه، وعلى هذا قولنا: عالم في القديم والمحدث وقادر وسميع وبصير وحي وقدير وعزيز وملك ومالك ومليك، على أنّه لو ساعدت العبارة لكان تفرد ما يستحق للذات بعبارة تلزمه، ويخالف بها غيره وكانت الحيطة في ذلك، لكنهم استطالوا ذلك وكان يكتفي بعلم الذات من لا يعلم حالها المختصة بها، فاقتصدوا في العبارة كما اقتصدوا في الأخبار في بابي التذكير
(1/94)

والتأنيث، فأجروا ما لا يصح وصفه بالتّذكير الحقيقي ولا التأنيث الحقيقي مجرى غيره في العبارة.
وكذلك في الاخبار عن الله تعالى وإضمار أسمائه في الاتصال والانفصال إذ قلت هو وأنت وإياك ورأيته ورأيتك ومثل ذلك اقتصادهم في صفات ما غاب عنّا من أمور الآخرة وأهوال القيامة وطي السّماوات وتبديل الأرض غير الأرض إلى غير ذلك مما أخفيت حقائقه عنّا فاقتصروا في بيانها على عبارات لا تستوفيها، وعلى كنهها لا يؤديها، وهي ما نستعمله إذ عبّرنا عمّا نشاهده.
فأمّا الفصل بين السّامع والسّميع حتّى قيل: لم يزل الله سميعا وامتنع لم يزل الله سامعا فهو أنّ السّميع لا يقتضي مسموعا فيعدى إليه والسّامع لا بدّ له من مسموع، والمسموع لا يكون مسموعا حتى يكون موجودا وذلك يدافع قوله: لم يزل وهذا كما يقول: هو عالم وعليم في كل حال ثم تمنع من أن يقول: لم يزل الله عالما بأنه خلق زيدا إذ كان ذلك يوجب وجود زيد في الأزل، وعلى ما ذكر من الاقتصاد والاقتصار تركوا العبارة عن أشياء وإن أدركها الفهم لقلّة البلوى بها وذلك تركهم وضع في الصناعات المستجدّة ما أحدث من الأسماء ووضع في الشّرع أو نقل ما وضع ونقل.
وأما الأسماء المشتقة من الأعراض التي ليست مهيات كقولهم: فاعل ومحدث وعادل وجابر وصادق وكاذب ومريد وكاره فإنها لا توجب تشبها وذلك أن الإنسان قد يكون فاعلا لفعل لا يحلى به، والفعل لا يختلف به هيئته عند أحد ممن يدركه، (ألا ترى) أنّ هيئته لا تختلف لما يفعل في غيره من الحركات والتأليف والافتراق والعدل والجور ولا الإرادة والكراهة ولا الأمر والنّهي فلم يجب أن تكون تسميتنا بهذه الأسماء للمسمّى بها إذا استحقها تشبها له، لأن التّشبه في الشاهد لا يعقل إلا من وجهين اثنين، أحدهما: اشتباه بالهيئة كالأسود والأسود والطويل، أو يشبهان بأنفسهما وأن يكونا من جنس واحد نحو البياض والبياض، والتقدم والتقدم، والتأخّر والتأخّر، وما جرى هذا المجرى من الأجناس المتفقة بأنفسها، فلما كانت تسميتنا بالفاعل لا توجب جنسيته ولا هيئته لم يوجب تشبها وهذا كقولهم آمر وناه وقائل ومعلوم ومذكور، فأما رحيم ورحمن فهما من الرّحمة وبناءان للمبالغة وحقيقة الرحمة النعمة إذا صادفت الحاجة.
وذكر بعضهم أنّ الرّحمن هو الاسم الذي لاسم القديم سبحانه فيه وليس كذلك لأنهم قالوا لمسيلمة رحمن، وقالوا أيضا فيه رحمن اليمامة، وذكر بعضهم أنه لمّا سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الرّحمن قالت قريش: أتدرون ما الرّحمن؟ هو الذي كان باليمامة، وإذا كان كذلك فما بقي إلا أن يكون لفظة الله هي التي لا سمّي فيها، فإن قيل: فقد نرى الفاعل هيئته يخالف
(1/95)

هيئة من ليس بفاعل والقائل منا له هيئته السّاكت، قيل له: لم تخالف هيئته هيئة السّاكت بالقول وإنما خالفت هيئاتهما بالسكون الذي في شفتي السّاكت وبالحركات التي في لسان المتحرك، لا بالكلام، فإذا كان الله يفعل الكلام والأمر والنهي من غير أن تحل فيه حركة صحّ أنه لا تكون تسميتنا إياه آمرا وناهيا أو متكلما تشبيها.
وعلى هذا قولنا: العالم والحي والقادر والسميع والبصير لأن شيئا من ذلك لا يوجب تجنيسا ولا تركيبا ولا هيئة، فإن قال: أليس العالم في الشاهد يحل العلم فيه أو في بعضه، وكذلك الحي فلم زعمتم أن الحيزين لا يشتبهان لحلول الحياة فيهما؟ قلت: إن الحياة ليست بهيئة لهما فيشتبهان بها عند حلولها فيهما، ولو كانا مشتبهين بسائر هيئاتهما، فإن قال: فيلزمكم أن لا يكون من وصف الله تعالى بأنه يحله العلم والحياة مشتبها بخلقه، قيل:
ليس هو بهذا القول مشبها، ولكن بتجويزه حلول الأعراض فيه يكون مشبها لأن ذلك يرجع إلى الهيئة.
واعلم أنّ الصفة قد تجري على الموصوف من وجهين في أحدهما: يجب له عن اختصاص واستبداد فيكون للذّات ويقترن بما لم يزل وفي الثاني: يقصر غايته فنقف دون موقف الأول، وذلك كقولنا: بصير ومبصر لأنهما للذات، إلّا أنّ مبصرا يتعدى إلى مبصر موجود، ولذلك لم يجز أن يقال لم يزل مبصرا، كما قيل: لم يزل بصيرا وعلى هذا قولك رأى يتصرف على وجهين.
فإن أريد أنه عالم قلت لم يزل الله رائيا وإن أريد أنه مبصر للمبصرات امتنع منه؛ لأنّ المرئي المدرك لا يكون إلا موجودا، وعلى هذا قولك الصّمد إن جعلته بمعنى السّيد قلت لم يزل الله صمدا، وإن قلت هو من الصّمد إليه من العباد والقصد امتنع أن يقال لم يزل صمدا.
ومثله كريم يراد به العز فيقال: لم يزل كريما وهو أكرم عليّ، ويراد به الإفضال فيكون من صفات الفعل، ومثله حكيم يكون بمعنى عالم فيقال لم يزل حكيما وإن أريد به أنه يحكم الفعل لحق بصفات الفعل، والصفات المستحقة من طريق اللغة الحقيقية والمجازية فإنها تجري عليه تعالى متى لم يمنع مانع من جهة العقول والشّرع، فإن التبس الحال يختار الأكرم فالأكرم والأبعد من التشبيه فالأبعد، وذلك لمجانبتنا لأنّ نصفه بأنه يعقل أو يحس أو يفقه ويستبصر ويتيقن أو يفطن أو يفهم أو يشعر لما تتضمنه هذه الألفاظ من الأحوال التي حصولها لا يليق بالله تعالى.
فإن قيل: هو شاهد وشاهد كل نجوى وقريب مجيب ومطّلع على الضّمائر قلت:
أجرينا عليه هذه الألفاظ مجازا وتوسعا ولأنها بكثرة دورانها في ألسنة السّلف الصالح، والإشارة بها إلى ما لا يخيل ولا يلتبس من القصود السّليمة انتفى عنها ما يلابس غيرها من
(1/96)

كل موهم، ولمثل هذا أجرى قوي في صفة مجرى القادر وامتنع في شديد ومتين وما أشبهه من أن يجري مجراه، فأما قوله تعالى: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
[سورة البقرة، الآية: 15] وسَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ
[سورة التوبة، الآية: 79] وما جرى مجراه فمثله في البلاغة يسمى المجانسة والمطابقة وهو ضرب من المجاز سمّي الثّاني فيه بالأول ليعلم أنه جزاؤه وقد أجرى إلى مثله، والمعنى يجازيهم جزاء الاستهزاء والسّخرية ونحو قوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
[سورة الشورى، الآية: 40] والثاني لا يكون سيئة.
فإن قيل: فهل يجري التهاتف والتّهكم مجرى السخرية فتجيزه عليه اتساعا؟ قلت: لا يجوز ذلك؛ لأن المجاز لا يقاس، ألا ترى أنّ أرباب اللغة مجمعون على أنه لا يجوز سل الجبل، وإن جاء سل القرية، ومثل هذا قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[سورة النور، الآية: 35] وامتناعنا من بعد من أن تقول الله سراج السماوات، أو شمسها أو قمرها إذ كانت المجازاة لها انتهاء تجاوزها إلى ما ورائها محظور، هذا مع توافق الصفات، فكيف إذا اختلفت؟ ويقارب هذا قولهم في الله لطيف ورحيم، والمراد به الإنعام، ثم امتنعوا فيه من رفيق ومشفق لرجوعهما إلى رقة القلب واستيلاء الخوف، فأما الغضب والسخط والإرادة والكراهة والحب والبغض والرضاء والطالب والمدرك والمهلك فمن صفات الفعل، والله يحدثها لا في مكان إذ كان جميعها لا يوجب تصويرا ولا تهيئة ولا تركيبا، وإنما تفيد عقابا للمكلفين أو إثابة أو إيجابا لإيقاع الفعل، أو نفيا له وإذا كانت كذلك انتفت عن المحال على أنه لو أحدثها في المحال لعادت المحال الموصوفة بها.
فإن قيل: فهل يجوز أن تقع منّا إرادة لا في محل؟ قلت: لا وذلك أنّ أفعالنا تقع مباشرة، أو متولدة عن مباشرة، فلا بدّ لها من محل وأفعال الله تعالى بخلافها. فإن قيل:
هل يجوز أن يوصف الله بأنه راع، وأنه خفير، وحارس كما وصف بأنه رقيب وحافظ؟
قلت: قد جاء رعاك الله وحرسك وحاطك في دعاء المسلمين ومعانيها صحيحة، لكن بناء اسم الفاعل منها في صفاته لم يجيء وهم يستغنون بالشيء عن شبهه في اللغة، فيذهب عن الاستعمال ومع ذلك فوصفه يجب أن يكون كريما، ولفظة الحارس والرّاعي والحائط ليس مما يستكرم فيقرن بيا للاختصاص، فيقال يا حارس أو يا راعي، أو يا حائط ومما ينفر منه فيترك قول القائل في الله يا معلم وإن كان قد جاء الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ
[سورة الرحمن، الآية: 1- 2] لاشتهاره في صفات المحترفين به، على أنّ الفرق بين ما يجعل إخبارا وبين ما يجعل خطابا ويصدر بحرف النّداء ظاهر. وإذا كان كذلك فلفظ الخطاب بيا كالمترجم عن تواضع وفاقة فيجب أن يختار معه من الصّفات ما يؤكّد الحال ويحرّر السؤال ويشبه ما نحن فيه أنّهم قالوا في صفاته علّام الغيوب.
(1/97)

ثم امتنعوا من علامة وإن كانت تاء التأنيث زائدة في المبالغة لما يحصل في اللّفظ من علامة التأنيث ولا تنحط رتبته عن رتبة التّذكير. ولأنهم جعلوا اللّفظ مؤنثا لاقتران علامة التأنيث فقالوا للبيضتين الاثنيان، ووصف بعضهم المنجنيق وهو مؤنث في اللّغة فقال وكل أنثى حملت أحجارا، فأمّا الخفير فمعناه لا يصح على الله لأنه من السّتر ومنه خفرت المرأة.
وقول القائل ثابت في صفة الله قليل الاستعمال ومعناه صحيح فيه وهو الكائن الذي ليس بمنتف، وقولهم: وتر، وفرد وفذ جميعه جائز عليه لأنّ معناه معنى التّوحيد، إلا الفذ، لأن معناه القلّة. وقولهم إبراهيم خليل الله فمعناه الاختصاص، ولا يقال الله خليل إبراهيم، لأنّه يخص الله بشيء ولا يقاس الصّديق ولا الوامق ولا العاشق على الخليل، ولا على المحب، ولا يوصف الله بالكامل، ولا الوافر لأنّ معناه الذي تمّت أبعاضه وتوفّرت خصاله ولا يوصف الله بالفرح، لأن الفرح إنما يجوز على من يجوز عليه الغم على أنه مع ذلك متناوله مذموم وليس كالسّرور. يدل على ذلك قوله تعالى: إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ
[سورة هود، الآية: 10] ومما يقلّ استعماله وصفه بالسّار والبار، وإن كان معناهما صحيحا إذا كان تعالى يسر أولياءه ويبرّهم سمعه وطوله.
فإن قيل: أفيجوز أن يقال في الله تعالى: إنه يمكنه أن يفعل، ويستطيع أن يفعل ويطيق أن يفعل؟ قلت: كلّ ذلك جائز إلا قولك: يطيق أن يفعل، لأن الطّاقة استفراغ الجهد فيما يقصده الإنسان وقوله تعالى: ذِي الطَّوْلِ
[سورة غافر، الآية: 3] حسن جائز لأن معنى ذو الطّول وله الطّول واحد فاعلمه.
واعلم أنّ قول القائل: ما زال زيد يفعل كذا من العبارات الدّاخلة على المبتدأ والخبر يفيد الزّمان دون الحدث، وإذا كان كذلك فزيد هو الذي كان مبتدأ وهو المخبر عنه، والخبر ما بعده، ولا يستقل بنفسه كما أنّ المبتدأ لا يستقلّ بنفسه وما زال مثل كان وأصبح وأمسى في أنه أفاد الزّمان، إلا أنه بدخول حرف النفي عليه عاد إلى الإثبات، لأن نفي النّفي إثبات، وممّا صدّر بحرف النفي من إخوانه ما برح وما فتىء، وما انفك، وقال سيبويه: تقول زايلته مزايلة وزيالا والتزايل تباين الشيء، وزيلت بينهم فرقت.
فإن قيل: فهل يجوز أن يقال: ما زال زيد يقطع الكلام به، والمراد ثبت زيد. قلت:
إن أخرجته من جملة العبارات الدّاخلة على المبتدأ والخبر وجعلته فعلا تاما يستغني بفاعله، ويفارق ما لا يتم إلا بخبره، لم يمتنع ذلك فيه، وحينئذ يصير مثل كان الذي يفسر يحدث وجاء في القرآن: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ
[سورة البقرة، الآية: 280] وعلى هذا قوله تعالى:
فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ
[سورة يوسف، الآية: 80] لأن تقديره لن أبرح من الأرض لأن برح لا يتعدى مثل زال، والأرض مخصوص لا يكون ظرفا، وهذا غير المستعمل في قولهم لم يزل
(1/98)

الله واحدا سميعا بصيرا، ومثله أصبح الذي يمثل باستيقظ، وأمسى الممثل بنام.
وقد فسّر سيبويه ما برح بما زال، ولم يجعله من البراح إيذانا بالفرق بين ما جعل عبارة وبين غيره، وقال تعالى: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى
[سورة طه، الآية: 91] وفي موضع آخر: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ
[سورة الكهف، الآية: 60] والمعنى لا أزال أسير حتى أبلغ، ولو جعل من البراح لدافع قوله حتى أبلغ، لأنّ الثّابت في موضعه لا يكون متبلغا، ومما يشرح هذا الذي قلناه امتناعهم من قول القائل: ما زال زيد إلا كذا حتى ردّوا على ذي الرّمة قوله:
حراجيح «1» ما تنفكّ إلا مناخة ... على الخف أو ترمي بها بلدا قفرا
وقالوا الاستثناء ممتنع هنا وإنّما هو حراجيح ما ينفك مناخة أي لا يزال شخوصا مجهودة، وحمل إلا على الكثرة والجنس، ومنهم من قال: ما تنفكّ من قولهم فككته فانفكّ كأنه يخرجه من أن يكون مما يدخل على المبتدأ والخبر، ويجعله مستقلا بفاعله مثل كان التامة، ويكون المعنى لا ينخل قواه إلا في هذه الحالة وعلى هذا ما فتىء وفي القرآن:
تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ
[سورة يوسف، الآية: 85] أي لا تفتؤ ولا تزال.
فإن قال قائل: فهل يجوز أن يوصف الله تعالى بأنه ذخر وسند؟ قلت: هذا لا يكون إلا مجازا وما لا يجب من جهة الحقيقة لا يجوز عندنا وصف القديم به إلّا إذا كثر في كلام أهل الدين وأخبار أرباب اللغة فيصير تبعا فيه لهم، وذلك أنّ الذّخر ما يذخره الإنسان ويحرزه لنفسه وليوم حاجته، ويكون في الوقت كالمستغني عنه فيقال: أذخر هذا لطوارق الزّمان ونوائب الدهر والأيام وعلى هذه الطريقة لا يجوز ذلك على الله لأنّ الحاجة إليه دائمة فهذا في الذّخر وكذلك السند في الحقيقة هو ما أسند الإنسان إليه ظهره والله متعال عن هذه الصفة. فإن قيل: فهل يجوز أن يوصف الله بأنه نجي وولي؟ قلت: النجيّ فعيل ويراد به الذي يناجي، ووصف به الجمع في قوله تعالى: خَلَصُوا نَجِيًّا
[سورة يوسف، الآية: 80] وإن كان على لفظ الواحد كما جاء فعول في قوله تعالى: عَدُوٌّ لِي*
[سورة طه، الآية: 39] وإذا كان كذلك فليس هو كالنكير والنّذير لأنهما مصدران، ولكنّه بمنزلة العلي والولي ونحوه مما يكون، والوالي والولي بمعنى واحد، قال تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا
[سورة البقرة، الآية: 257] وقال تعالى: ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ
[سورة الرّعد، الآية: 11] ، وكذلك النجيّ ومثله الصّديق والخليط في أنه بلفظ الواحد ووصف به الجمع، وقوله: إني إذا ما القوم كانوا أنجيه. فأنجيه كقولهم كثيب وأكثبة ورغيف وأرغفة شبه الصفة بالاسم فكسرت تكسيره
(1/99)

وقوله تعالى: وَإِذْ هُمْ نَجْوى
[سورة الإسراء، الآية: 47] وصف بالمصدر كما وصف بالعدل والرضى، وإذا كان الكلام بيانا عن المعاني فعلى المتكلم أن يبيّن المعاني التي يخبر عنها بكلامه وإلا كان بمنزلة من يلغز ويعمّي كلامه لئلا يفهم، وفاعل هذا مختار عابث فأما قولنا: وكيل علينا أي متول لأمورنا وقائم، بحفظنا ونصرتنا، ولا يجوز أن يقال: وكيل لنا لأنّ الوكيل لنا هو النائب عنّا وخليفتنا فيما يليه لنا فأما قولنا: توكلّنا على الله، فليس من الوكالة في شيء وإنما معنى يتوكل يلتجئ ويعتمد وإذا كان كذلك فإنّا نقول: الله وكيل علينا، ولا نقول: متوكّل علينا.
فإن قيل: كيف جاز مجيء تفعل وتفاعل في صفاته وممّا من أبنية التكلّف والتّكلف لا تجيزه على الله. قلت: قوله المتكبّر والكبير المتعالي في صفاته كالكبير والعالي والمباني كما يتفرد بالمعاني أو يكثر مجيئها لها فإنها قد تتداخل وتتشارك حتى لا تمايز ولا تباين، وإذا كان كذلك فقول القائل تعلى وتعالى وعلا بمعنى واحد قال: (تعلّى الذي في متنه وتحدّرا) بمعنى علا وحدر وقال شعرا:
ومستعجب مما يرى من إناتنا ... ولو زينة الحرب لم يترمرم
بمعنى عجب. وقال أوس:
وقد أكلت أظفاره الصّخر كلّما ... تعايا عليه طول مرقي توصّلا
بمعنى أعيى، وهذا كثير ظاهر فاعلمه. ومنه قوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ
[سورة الأعراف، الآية: 167] بمعنى آذن. واعلم وقد انتهى هذا الباب وكمل بما ضمّ إليه من أخبار الرّسول صلى الله عليه وسلم وغيرها، جامعا إلى الوفاء بما وعدته ومجيئه على المثال الذي خططته، أني لم آل جهدا في اختيار ما كانت الحاجة إلى بيانها أمس، والنّفس إلى تبينها أتوق، حتى بلغ حدا يمكن الاستعانة به، مع أدنى تأمّل على فتح كثير مما يستغلق من نظرائه، وكلّ ذلك بعون الله وحسن توفيقه، وأنا الآن مشتغل بالباب الثّاني والكلام في حقيقة الزّمان والمكان، والرّد على من تكلّم بغير الحق فيهما والله بحوله وقوّته يعين على بلوغ ما نعرب منه وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1/100)

الباب الثاني في ذكر أسماء ومعان للزّمان والمكان
ومتى تسمّى ظروفا، ومعنى قول النّحويين الزّمان ظرف للأفعال، والرّد على من قال في بيانهما بغير الحق من الأوائل والأواخر. وهذا الباب يشتمل على ما ذكر ماهية الزّمان والمكان وحكاية أقوال الأوائل فيهما، محقّهم ومبطلهم وإبطال الفاسد منها وما يتعلق بذلك وفصوله أربعة:
فصل [في أن أسماء الزّمان والمكان إنما تسمّى ظروفا إذا كانت محتوية لما هي ظروف لها]
اعلم أن أسماء الزّمان والمكان إنما تسمّى ظروفا إذا كانت محتوية لما هي ظروف لها فإن لم تكن محتوية فليست بظروف، بل هي أسماء تبيّن ما وقعت عليه من غيره كسائر الأسماء، كقولك: مكانكم طيب، وخلفك واسع، وأمامك الصحراء، ويوم الجمعة مبارك، وشهر رمضان شهر طاعة وإنابة، فإنما هذا كقولك: عبد الله كريم، وزيد مبارك، وموضع كونها ظروفا أن تقول: سرت يوم الجمعة وضربت زيدا يوم السبت، فاليوم مفعول فيه.
وسنذكر قطعة واسعة من الأزمنة تأتيا بأسمائها إلى أن نتمكن من شرح جملها وتفاصيلها، ونأتي على حقها وحقيقتها ويندس في أثنائها الكثير من مبهمات الأمكنة لأنها هي التي تكون ظروفا دون محدوداتها، واتّسع باب الأزمان، لأنّ الأحداث انقسمت بانقسامها فهي تتضمنها دون الجثث والأشخاص، ولذلك قال سيبويه: المكان أشبه بالأناسى فلها صور تثبت عليها وحدود تنتهي إليها وتتباين بها.
فمن أسماء الزّمان: اليوم واللّيلة والبارحة الأولى وأمس وأول من أمس، وأول من أول من أمس، وإذ مضافة إلى جملة كالفعل والفاعل والابتداء والخبر وقط وعصر وزمان ودهر ووقت في الزّمان والمكان، وأسبوع وشهر وعام وسنة فيما مضى وحقب، وغد وأبد في المستقبل، وإذ مضافة إلى فعل وفاعل، وذات مرة، وذات المرار، ولا يستعملان إلا ظرفا، وذات العويم وإبّان وإفان وقبل وبعد، ولا يرفعان، وبعيدات بين، وكذلك، وليس قبل وبعد ولا بعيد من أسماء الزّمان، ولا بعيدات بين، ولا من أسماء ساعاته.
(1/101)

وكذلك ذات مرّة لأن قبل وبعد يفيدان التقدّم والتأخر، وبعيدات جمع بعد مصغرا، ولذلك ضعفن، وذو صباح، وذو مساء وحرى دهر وابنا سمير والملوان والجديدان والأجدان، وملء من الدّهر، والمرّة، كقولك: ضربه وما كان اسما في الدهر للظمأ والرّعي وغير ذلك مما يعتاد كالوجبة والغب والرفة والثّلث والرّبع والخمس والسّدس ما كان ممرا في اليوم، واللّيلة نحو سحر وبكر وغدوة وهو علم، وبكرة وهو مجهول على عدد، وغداة وضحوة وضحى والضحاء ممدود، ونصف النهار وسواء النهار والهجير والهاجرة والظّهير والظّهيرة ودلوك الشمس، وغسق الليل، والعصر وقصر العشي والأصيل، واستعمالهم إيّاه مصغرا تقريبا للوقت، نحو أصيل وأصيلال وأصيلان، وكذلك المغرب في قولك مغيربان ومغيربانات والعتمة والغداة ومقصر وظلام ووهن وهدا وهداة وهدو وصباح ومساء وصباح مساء مبنيين، وسير عليه ذا صباح وشطر الليل ويومئذ وهذا مما حذف منه وصار التّنوين بدلا من المحذوف فيه وحينئذ وساعتئذ ويوم وحين مضافة إلى متمكن وإلى غيره، والسدف والسدفة وأي حين، ومذ ومنذ ومتى وأيان، ودخول كم على متى للعدد، ودخول حتّى وإلى للمنتهى على أسماء الزمن وقولك ربّما للتقليل، وربما بما في ذلك من اللغات، وقد التي بمعنى ربما، والساعات وألقاب أيام الأسبوع وتسمية العرب لها وذلك قولهم للأحد أول وللاثنين أهون، وللثلاثاء جبار للأربعاء دبار، وللخميس المونس وللجمعة العروبة، وللسبت شيار وقولهم الوهن والموهن، وتسميتهم سير اللّيل لا تعريس فيه إلا ساد، وسير النهار لا تعريج فيه التّأويب.
وقولهم: لا أكلمك السّمر والقمر، واختلاف الأزمنة كالصّيف والخريف والشّتاء والرّبيع وما ينسب إليها من نتاج أو عشب، وتسميتهم بالحر شهري ناجر، والشّهرين الموصوفين بالبرد شهري قماح وقماح، وما نفع من المصادحينا نحو: مقدم الحاج، وخقوق النّجم، وخلافة فلان، ووقعة فلان، والتواريخ، وتقديمهم اللّيلة على اليوم، وقولهم بعد فنك من اللّيل، وهزيع والأناء وما واحدها، وأيام الأسبوع والفصل بينها والأوان والآن.
وصفات الزّمان: كقولهم حول كريت وقميط ومجرم وفعله قليلا وكثيرا وطويلا وقصيرا، وقولهم النسيء في الأزمنة والنسيئة «1» في الدّين واليمين والشّمال وأعلى وأسفل وخلف وقدّام وأيام العجوز، وهذه تجري مجرى المقدمات وسيأتي التّفسير عليها منوعة.
(1/102)

فصل في ماهية الزّمان
ذكر بعض القدماء أن الزمان هو دوران الفلك، وقال أفلاطون: هو صورة العالم متحركة بعد صورة الفلك. وقال آخر: هو مسير الشّمس في البروج حكى جميع ذلك النّوبختي، ووجوه هذه الأقوال تتناسب. وحكى أبو القاسم عن أبي الهذيل أنّ للزمان مدى ما بين الأفعال، وأنّ اللّيل والنّهار هما الأوقات لا غيره. وزعم قوم أنه شيء غير اللّيل والنّهار، وغير دوران الفلك، وليس بجسم ولا عرض، ثم قالوا: لا يجوز أن يخلق الله شيئا إلّا في وقت، ولا يفنى الوقت فيقع أفعال لا في أوقات، لأنه لو فني الوقت لم يصح تقدم بعضها على بعض، ولا تأخّر بعضها عن بعض، ولم يبين ذلك فيها وهذا محال.
وقال بعض المتكلّمين: الزّمان تقدير الحوادث بعضها ببعض، ويجب أن يكون الوقت والموقت جميعا حادثين، لأن معتبرهما بالحدوث لا غير، ولذلك لم يصح التّوقيت بالقديم تعالى ثم مثل، فقال: ألا ترى أنك تقول: غرد الديك وقت طلوع الفجر، وتقول: طلع الفجر وقت تغريد الدّيك، فيصير كلّ واحد من طلوع الفجر وتغريد الدّيك وقتا للآخر ومبينا به للمخاطب حدوثه وهذا على حسب معرفته بأحدهما وجهله بالآخر، لأنّ ذلك في التوقيت لا بدّ منه. وقال المحصّل من النّحويين الزمان ظرف الأفعال وإنما قيل ذلك لأن شيئا من أفعالنا لا يقع إلا في مكان وإلا في زمان وهما الميقات.
قال الخليل: الوقت مقدار من الزّمان وكلّ شيء قدرت له حينا فهو موقت، وكذلك ما قدرت له غاية فهو موقت، قال تعالى: إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ*
[سورة الحجر، الآية: 38] والميقات مصير الوقت قال تعالى: فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً
[سورة الأعراف، الآية: 142] والآخرة ميقات الخلق ومواضع الإحرام مواقيت الحج وفي التّنزيل: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِ
[سورة البقرة، الآية: 189] والإهلال ميقات الشّهر وفي القرآن: وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ
[سورة المرسلات، الآية: 11- 12] وإنما هي وقّتت ويقال: وقت موقوت وموقت. والزّمان قد يعلم باسمه. وقد يبين بصفاته، فالأول كالسّبت والأحد ورمضان وشوّال، والثّاني كقولك الخميس الأدنى، والجمعة الآتية، وقد يبين بقرينة تضاف إليه كقولك: عام الفيل، ووقت ولاية فلان. وقد يقصد المتكلم بيان قدر الوقت أو صورته أو اتصاله أو انقطاعه بما يكون نكرة كقولك فعلته ليلا وثابرت عليه حولا، وأقمت عنده شهرا.
وفي الاتصال والانقطاع يقولون: فعلته ليلا ونهارا أو غدوا وعشيا وزرته ذات مرة وبعيدات بين. فأما قول من قال: هو الفلك بعينه فقد أخطأ، لأنّ الأفلاك كبيرة في الحال وليست الأزمنة كبيرة في الحال، لأنّ الزّمان ماض ومستقبل وحاضر، والفلك ليس كذلك،
(1/103)

وهذا ظاهر، وذلك قول من قال: حركات الفلك هي الزّمان لأن أجزاء الزّمان إذا توهّمت كانت زمانا، وأجزاء الحركة المستديرة إذا توهّمت لم تكن حركة مستديرة، ولأنّ الحركة في المتحرّك وفي المكان الذي يتحرّك إليه المتحرّك، والزّمان ليس هو في المتحرّك ولا في المكان الذي يتحرك إليه المتحرّك، بل هو في كل مكان ثم قد يكون حركة أسرع من حركة، ألا ترى أنّ حركة الفلك الأعلى أسرع من حركة زحل والبطء والسّرعة لا يكونان في الزّمان لأنّ الحركة السّريعة هي التي تكون في زمان يسير والبطيئة هي التي تكون في زمان كثير.
وحكى حنين بن اسحاق عن الاسكندر أنه قال في حد الزمان: إنه مدة بعدها حركة الفلك بالمتقدّم والمتأخر. قال والعدد على ضربين: عدد يعدّ غيره وهو ما في النفس، وعدد يعدّ بغيره، والزّمان مما يعد بغيره وهو الحركة لأنّه على حسبها وهيئتها وكثرتها وثباتها، وإنما صار عددا من أجل الأول والآخر الموجودين في الحركة، والعدد فيه أوّل وآخر فإذا توهّمنا الحركة توهّمنا الزّمان، وإذا توهّمنا الزّمان توهّمنا الحركة، وإنّما صار عدد حركة الفلك دون غيرها لأنه لا حركة أسرع منها، وإنما يعد الشيء ويذرع ويكال بما هو أصغر منه. قال: والزّمان عدد وإن كان واحدا لأنه بالتّوهم كثير فيكون أزمنة بالقوة والوهم لا بالوجود والعمل.
وهذا يقارب ما حكاه أبو القاسم عن أبي الهذيل في حدّ الزمان، لأن قوله: مدى ما بين الأفعال، وإن اللّيل والنّهار هما الأوقات إذا حصل يرجع إلى معنى قوله مدة بعدها حركة الفلك بالمتقدّم والمتأخّر، وإن كان لفظ أبي الهذيل أجزل وأغرب، ألا ترى أنّ الاسكندر قال: والبرهان على أن الزّمان ليس بذي كون ولا ابتداء ولا انتهاء والفرقة التي زعمت أن الزّمان شيء غير اللّيل والنّهار، وغير دوران الفلك، وليس بجسم ولا عرض إلى آخر الفصل، فإنّا سنتكلم به على الملاحدة والخارجين من التّوحيد إلى وراء التشبيه إن شاء الله تعالى.
اعلم أن العبارة عن الوقت قد حصلت من القديم تعالى ولا فلك يدور ولا شمس في البروج تسير، وعبر أيضا عن أوقات القيامة فمرة قال تعالى: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
[سورة المعارج، الآية: 4] ومرّة قال تعالى: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
[سورة السجدة، الآية: 5] وقال تعالى: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ*
[سورة الحديد، الآية: 4] وقال تعالى في صفة أهل الجنّة: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
[سورة مريم، الآية: 62] ولا بكرة ثم ولا عشية، فجميع ذلك أجري لأوقات مؤقتة لمعاني قدّرها الله تعالى على أحوال رتّبها ومراتب صورها فمنها ما هو أطول، ومنها ما هو أقصر، على حسب آماد الأمور المقدورة فيها، فمثّل كلّا بما تقرّر به النفوس غايته وأمده ومقداره وموقعه ممّا
(1/104)

كنّا نعرفه ونألفه ونشاهده ونتصرّف فيه، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا وحصل من الحكيم التّوقيت على ما بيّنا ظهر كثير من عاداتهم فيه وأنهم تخيّروا ما كان في الاستعمال أبين وفي العرف أمتن، وعلى المراد أدل، وفي التّمثيل أنبّه وأجل.
واعلم أنّ الحادث متى حصل فقد حصل في وقت، والمراد أنه يصحّ أن يقال فيه: إنه سابق لما تأخر عنه، وإنّ وقته قبل وقته، أو متأخر عما تقدّمه وإنّ وقته بعد وقته أو مصاحب لما حدث معه، وإنّ وقته هذا هو المراد فقط، ولسنا نريد أنه حدث معه شيء سمّي زمانا له، أو سبقه أو احتاج في الوجود إليه، فلو تصورنا أوّل الحوادث وقد اخترعه الله مقدّما على المحدثات كلّها لصلح أن يقال فيه: إنه سابق لها وإنه أول لها، وهذا توقيت، ولو تصوّرنا أنه بقي مفردا بعد حدوثه لم يتبع بغيره لكان يصح تقدير هذا القول فيه وتوهّمه، إذ كان الله تعالى قادرا على الإتيان بأمثاله وأغياره معه وقبله وبعده.
وهذا معنى قول النّحوي: الفعل ينقسم بانقسام الزّمان ماض ومستقبل وحاضر، وإذا كان الأمر على هذا فقد سقط مؤنة القول في أنّ الوقت حادث لا في وقت، وأنه لو احتاج الوقت إلى وقت لأدّى إلى إثبات حوادث لا نهاية لها. وأما من قال: إنّ الزّمان تقدير الحوادث بعضها ببعض وتمثيله بأن القائل يقول: غرد الديك وقت طلوع الفجر، وطلع الفجر وقت تغريد الديك فإنّ كل واحد من التّغريد صار وقتا للآخر، فإنّه جاء إلى فعلين وقعا في وقت واحد، فعرف الوقت مرة بالإضافة إلى هذا، وجعل ذلك الآخر موقتا به، ومرة بالإضافة إلى ذلك، وجعل هذا مؤقتا به، ولم يتعرّض للزّمان وكشف حده وضبطه وهذا كما يقال: حججت عام حج زيد وحج زيد عام حججت.
ومن الظاهر أن العام غير الحجين وأنهما إنما وقعا فيه، وهذا بيّن على أن ما أتى به واشتغل بتمثيله هو من قبيل ما يكون زمانا وهو ما يصلح أن يكون واقعا في جواب متى ولم يستوفه أيضا، وترك ما يخرج في جواب كم رأسا، وذلك كقولهم: يصوم زيد النّهار ويقوم اللّيل، وما فعلته قط، ولا أفعله أبدا، وأقمت بالبلد شهرا وهجرت زيدا يوما إلى كثير مما ستراه في أبواب هذا الكتاب وفصوله.
واعلم أنّ الزمان وإن كان حقيقة ما ذكرنا، فإنّ الأمم على اختلافها أولعوا في التّوقيت بذي اللّيالي والأيام، والشّهور والأعوام، لما يتعلّق به من وجوه المعاملات والآجال المضروبة في التجارات، ومن تقرير العدات، وإدراك الزّراعات، وآماد العمارات، ومن فعل أهل الوبر في المحاضر والمزالف والمناجع والمجامع، وإقامة الأسواق، وتوجيه المعاش، ومن اشتغال أرباب النّحل بما افترض عليه عندهم من تقرّب وعبادة، ودعوا إلى الأخذ به في دينهم من فرض ونافلة، وأمروا بالتوجه إليه من سمت وقبلة، ولما أجرى الله
(1/105)

تعالى العادة به فيه من حدوث حر وبرد، وجزر ومد، وتبدّل خصب وجدب، ورخاء عيش وبؤس، ومن ظهور نبات وأوان لقاح، أو ولاد وصبوب أمطار وهبوب أرواح لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعلّموا من النّجوم ما تعرفون به ساعات اللّيل والنّهار، وهداية الطّرق والسّبل» فقدّر أكثر الناس أنّ الزّمان لا يكون غيرها ولا يعدوها إلى ما سواها، ولهذا الّذي تبينته، أو أشرت إليه ذكر أبو الهذيل بعد تحديد الزّمان اللّيل والنّهار هما الأوقات لا غير.
واعلم أنّ الذين زعموا أن الزّمان شيء غير اللّيل والنّهار، وغير دوران الفلك وليس بجسم ولا عرض، ثم قالوا: لا يجوز أن يخلق الله شيئا إلّا في وقت ولا يفنى الوقت، فيقع أفعال لا في أوقات لأنه لو فني الوقت لم يصح تقدّم بعضها على بعض ولا تأخّر بعضها عن بعض، ولم يتبيّن ذلك فيها، وهذا محال قولهم داخل في أقوال الذين يقولون: إن الزّمان والمكان المطلقين، ويعرب عنهما عند التّحقيق بالدّهر والخلاء جوهران قائمان بأنفسهما، والكلام عليهم يجيء بعد تنويع فرقهم وبيان طرقهم فنقول: بالله الحول والقوة من زعم أنّ الأزلي أكثر من واحد أربع فرق:
الأولى: الذين يقولون هما اثنان الفاعل والمادة فقط ويعني بالمادة الهيولى.
الثانية: الذين يدّعون أنّ الأزلي ثلاثة الفاعل والمادّة والخلاء.
الثّالثة: الذين يدّعون أنه الفاعل والمادة والخلاء والمدّة.
الرّابعة: الفرقة التي زعيمهم محمد بن زكريا، المتطبب لأنه زاد عليهم النّفس الناطقة، فبلغ عدد الأزلي خمسة بهذيانه.
وشرح مذهبهم أنه لم يزل خمسة أشياء، اثنان منها حيّان فاعلان وهما: الباري والنفس، وواحد منفعل غير حي وهو الهيولى الذي منه كوّنت جميع الأجسام الموجودة، واثنان لا حيّان ولا فاعلان ولا منفعلان وهما الخلاء والمادة، إلى خرافات لا تطيق اليد بيانها بالخط، ولا اللّسان تحصيلها باللّفظ، ولا القلب تمثيلها بالوهم، فمما يزعمه أن الباري تام الحكمة لا يلحقه سهو ولا غفلة، وتفيض منه الحياة كفيض النّور عن قرصة الشّمس، وهو العقل التام المحض، والنفس تفيض منه الحياة كفيض النور، وهي مترجّحة بين الجهل والعقل كالرّجل يسهو تارة، ويصحو أخرى، وذلك لأنها إذا نظرت نحو الباري الذي هو عقل محض غفلت وأفقت، وإذا نظرت نحو الهيولى التي هي جهل محض غفلت وسهت، وأقول متعجبا لولا الكرى لم يحلم وهذا كما قال غيري، أليس من العجائب هذيانه في القدماء الخمسة، وما يعتقده من وجود العالم لحدوث العلّة وما يدّعيه من وجود الجوهرين الأزليين أعني الخلاء والمدّة لا فعل لهما ولا انفعال، فلولا خذلان الله إياه، وإلا
(1/106)

فماذا يعمل بجوهر لا فاعل ولا منفعل؟! ولم يضع الأرواح المقدّسة قبالة الأرواح الفاسدة، ولم يحدث العلة من غير نقص ولا آفة ولم يذكر شيئا ليس فيه جدوى ولا ثمرة وهذا الفصل إذا أعطي مستحقّه من التّأمل ظهر منه ما يسقط به سخيف كلامهم، وإن لم يكن مورده مورد الحجاج عليهم.
ألا ترى أنّ من لم يثبت القديم تعالى فيما لم يزل واحدا لا ثاني له، وعالما بالأشياء قبل كونها وبعده، وقادرا على كل ما يصح أن يكون مقدورا، وحيا لا آفة به، وغنيا لا حاجة به إلى غيره في شيء من إرادته، وحكيما لا يبدو له في كل ما يأتيه ويفعله، فننقل إلى ما هو أعلى منه، بل لا يفعل إلا ما هو حسن وواجب في الحكمة والصّواب، فقد جعله قاصرا ناقصا، تعالى الله وجلّ عن صفات المخلوقين، وهذا كما أنّ من الواجب أن يعلم أنّ القديم لو لم يبدع العالم أصلا لاستحال أن يتوقّف على وجوده، أو يتوصل إلى إثباته، لأن ذاته لم تكن ظاهرة للعيان، ولا مستدركا بالحواس، وأنّ الشيء قد يصح إثباته من طريق أفعاله كما يصح إثباته من جهة ذاته، والأسباب وإن كانت متقدمة لمسبباتها بالوجود فلا يمتنع أن يكون في العقول أسبق إلى الوضوح.
وإذا كان كذلك فالعالم بثبات هذا العالم المحسوس موصول إليه من طريق الإدراك والمشاهدة، والعلم بصانعه من طريق النّظر والمباحثة، وقد تكلّم الناس في المعرفة بالله تعالى واختلفوا فزعم قوم أن المعرفة لا تجب على القادر العاقل وأنها تحدث بإلهام الله، فكل من لم يلهمه الله المعرفة فلا حجة عليه، ولا يجب عليه عقاب، لأن عذر من ترك الشيء لأنه لم يعلم كعذر من ترك الشيء لأنه لا يقدر عليه، والذي يدل على أن المعرفة لا تكون ضرورة لأنا يمكننا التشكك فيه. ألا ترى أنه كلما اعتقدنا الشيء بدليل فاعترضت شبهة في أصل الدّليل يخرج من العلم بذلك الشيء حتى تثبت حجّة بمحل تلك الشّبهة، ولو كانت بالضّرورة لم يكن التّشكك، وكان العقلاء كلّهم شرعا واحدا في العلم، كما صاروا شرعا واحدا في أخبار البلدان المتواترة عليهم، فبان بذلك أنها ليست بضرورة، وأكثر الناس على أنها واجبة وهي من فعل الإنسان، وإنما يقع أوّلها متولّدا عن النّظر.
قال البغداديون مستدلين: لا يخلو من أن يكون قد كلّفنا الله معرفته أو لا يكون كلّفنا وتركنا مهملين، وتركنا سدى، وإهمالنا لا يجوز عليه ويقال لهم في ذلك: إنّ الإهمال هو تضييع ما يلزم حفظه، وترك مراعاة ما يجب مراعاته، ألا ترون أنّ من لم يحفظ مال غيره لا يقال أهمله، لما كان لا يلزمه حفظه فثبتوا أولا أن المعرفة بالله واجبة، ثم ادّعوا الإهمال إذا لم يكلفناها. وقالوا أيضا: نحن نرى على أنفسنا آثار نعم ونعلم وجوب شكر المنعم، فإذا يجب أن يعرف المنعم لشكره.
(1/107)

فإن قال قائل: فهل يجوز أن نعلم القديم تعالى من طريق الخبر؟ قلت: لا، لأنّ الخبر على قسمين: فمنه ما يضطر السّامع إلى العلم بالمخبر به كالخبر عن البلدان والأمصار، وقد علمنا أنه لا يجوز أن نعلم الله من هذه الجهة، لأنا وجدنا العقلاء يشكون من أنّ لهم صانعا مع إخبار المخبرين به، ولو كان يعلم من طريق الخبر لكان لا فرق بين خبر من زعم أنّ الصّانع واحد وبين من قال اثنان أو ثلاثة، على أنّ الخبر إنّما يضطر إذا كان المخبر يخبر عن مشاهدة، لأنه لا يجوز أن يكون حال المخبر يعلم ضرورة ومن الخبر ما يعلم من طريق الاستدلال، كخبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يعلم الله من هذه الجهة، لأنّ القائل بهذا القول أحد رجلين، إمّا أن يقول لا يعلم الله إلا من جهة الخبر، فيلزمه أن يكون النبي لا يعرف الله إلّا بنبي آخر وذلك يوجب التّسلسل إلى ما لا نهاية، وإمّا أن يقول: إنه يعلم من جهة النبي ومن جهة أخرى أيضا، وهذا فاسد لأنه ليس في النبيّ أكثر من إظهار المعجزات والمعجزات لا تدل على حكمة فاعلها، فكيف يكون خبر النبي طريقا إلى العلم بالله وإذ قد ذكرنا وجوب معرفة الله تعالى والطريق إليه هاهنا، وممّا تقدّم فإنّنا ننكر الكلام على الملحدة والمتحيرين.
فصل [في بيان أنواع الضّلال]
اعلم أنّ أنواع الضّلال ثلاثة: المعاندة والحيرة والجهالة.
فالمعاندة على الإطلاق ينبغي أن لا يحصل لأحد منّا علم حقيقي ولا معرفة تفضي إلى يقين، وإنما هي ظنون وخواطر لا تسكن النّفس إليها، وتسميتنا لها ولأمثالها بالعلوم توسع ومجاز. والوجه في مدافعتهم أن يقال لهم: أتقولون ما ذكرتم عن خلوص علم، أو تسلط ظن؟ فإن ادّعوا العلم فقد ناقضوا، وإلّا حصلوا على عناد، وقد ذكر أبو عثمان الجاحظ في الكفار الذين قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم أنّهم كانوا عارفين بالله معاندين.
واعترض عليه فقيل: إنّ العناد يجوز على العدد اليسير، فأمّا الجماعة الكثيرة فلا يصح عليها ذلك، ونحن نعلم من أنفسنا وقد كنا على مذاهب فتركناها لفسادها أنّا لم نكن في حال اعتقادنا معاندين ولا كاذبين لأنفسنا، وإنّما تركنا الاستدلال، فكذلك أولئك الكفار قد علموا فيما أظهره النبي صلى الله عليه وسلم أنها معجزات، لكنهم تركوا الاستدلال بها على ثبوته وصدقه.
والمتحيرون هم الذين يزعمون أنّ العلم بالمحسوسات قد يصح، ولكن ما عداها مما يحال فيه على العقل نحن شاكون فيه ومتوقفون، والكلام عليهم طريقه أن تقلب عليهم نفس ما أوردوه فيقال: تدفعون مقتضيات العقول بالمشاهدات أو بحجج العقول ولا فلاح لهم أي الطّريقين سلكوا.
(1/108)

والجاهلون الملاحدة والخارجون من نور التّوحيد والاستقامة إلى ظلمة الشّرك فرق، والضّلالة في عددهم في ازدياد ووفور، وإفسادهم وجوه وفنون وقد فسّرت فقيل: ربما كانت من الحضانة والتربية وقلة الخواطر وغباوة الخليط وجهد المجاورة، وربّما كان من تعظيم الأسلاف، أو من وجه الآلاف، أو من غباوة الدّاعية ونسل صاحب المقالة، وكونه صاحب سن وسمت وإخبات وطول صمت، ولله تعالى الحجّة البالغة عليهم، وعلى طوائف المبتدعة من أهل الصّلاة على اختلاف أهوائهم، وسيعلم الجافي على نفسه كيف ينقلب وقد فاته الأمر. ذكر بعضهم حاكيا عن قوم من الأوائل، أنّ الدّهر والخلاء قائمان في فطر العقول بلا استدلال، وذاك أنه ليس من عاقل إلا وهو يجد ويتصور في عقله وجود شيء للأجسام بمنزلة الوعاء والقراب، ووجود شيء يعلم التقدم والتأخّر، وأنّ وقتنا ليس هو وقتنا الذي مضى، ولا الذي يكون من بعد بل هو شيء بينهما، وأن هذا الشيء هو ذو بعد وامتداد.
وقال: قد توهم قوم أنّ الخلاء هو المكان، وأنّ الدّهر هو الزّمان، وليس الأمر كذلك بإطلاق، بل الخلاء هو البعد الذي خلا منه الجسم، ويمكن أن يكون فيه الجسم، وأمّا المكان فالسّطح المشترك بين الحاوي والمحوى، وأما الزّمان فهو ما قدرته الحركة من الزّمان الذي هو المدة غير المقدرة، فصرفوا معنى الزّمان والمكان المضافين إلى المطلقين، وظنوا أنهما هما والبون بينهما بعيد جدا، لأنّ المكان المضاف هو مكان هذا المتمكّن وإن لم يكن متمكنا لم يكن مكانا، والزّمان المقدّر بالحركة يبطل أيضا ببطلان المتحرك ويوجد بوجوده، إذ هو مقدر حركته، فأمّا المكان بإطلاق فهو المكان الذي يكون فيه الجسم وإن لم يكن، والزّمان المطلق هو المدة قدّرت أو لم تقدّر، وليس الحركة فاعلة المدة بل مقدرته، ولا المتمكّن فاعل المكان بل الحال فيه، قال: فقد بان أنهما ليسا عرضين بل جوهرين لأنّ الخلاء ليس قائما بالجسم لأنه لو كان قائما به لبطل ببطلانه، كما يبطل التّربيع ببطلان المربّع.
فإن قال قائل: إنّ المكان يبطل ببطلان المتمكن قيل له: أما المضاف فإنّه كذلك لأنّه إنما كان مكان هذا المتمكّن، فأمّا المطلق فلا، ألا ترى أنا لو توهّمنا الفلك معدوما لم يمكنا أن نتوهم المكان الذي هو فيه معدوما بعدمه، وكذلك لو أنّ مقدرا قدّر مدة سبت كان، ولم يقدر مدة يوم آخر، لم يكن في ترك التقدير بطلان مدة ذلك اليوم الذي لم يقدر، بل التّقدير نفسه، فكذلك ليس في بطلان الفلك أو في سكونه ما يبطل الزّمان الحقيقي الذي هو المدة والدّهر، فقد ينبغي أنهما جوهران لا عرضان، إذ كانا ليسا بمحتاجين إلى مكان ولا إلى حامل فليسا إذا بجسم ولا عرض، فبقي أن يكونا جوهرين.
وزاد على هذا الوجه الذي حكيناه بعضهم فقال: طبيعة الزّمان من تأكيد الوجود في
(1/109)

ذاتها وقوّة الثّبات في جوهرها، بحيث لا يجوز عدمها رأسا ولم تكن قط معدومة أصلا، فلا بدء لها، ولا انتهاء، بل هي قارة أزلية.
ألا ترى أنّ المتوهّم لعدم الزّمان لم يخلص له وهمه إلا إذا ثبت مدة لا زمان منها، والمدة هي الزّمان نفسه، فكيف يوهم عدم ما تأكّد لزوم جوهره؟ ويفني العقل الصّحيح تصور عدمه وتلاشيه؟ أو كيف يسوغ إلحاق عدمه بالممكنات؟! ووجوده من الواجبات الأزليات؟ فهذا ما حكي عن الأوائل. وابن زكريا المتطبّب يحوم في هذيانه عند حجاجه حول ما ذكرناه عنهم ولم يبين بيانهم ولا بلغ غايتهم، فلذلك جعل تابعا لهم وإذ قد أتينا على مآلهم بأتم استقصاد، فإنّا نشتغل بالكلام عليهم، وإن كان فيما قدّمناه قد صورنا خطأهم تصويرا يغني عن مقايستهم ومحاجّتهم.
ذكر بعض المنطقيين أنّ الزمان في الحقيقة معدوم الذّات، واحتج بأنّ الوجود للشيء إمّا أن يكون بعامة أجزائه كالخط والسّطح أو بجزء من أجزائه كالعدد والقول، وليس يخفى علينا أنّ الزّمان ليس يوجد بعامة أجزائه إذ الماضي منه قد تلاشى واضمحلّ، والغابر منه لم يتمّ حصوله بعد وليس يصح أيضا أن يكون وجوده بجزء من أجزائه إذ الآن في الحقيقة هو حدّ الزّمانين وليس بجزء من الزّمان، وكيف يجوز أن يعد جزءا ولسنا نشك أنّ حقيقة الجزء هو أن يكون مقدارا له نسبة إلى كلّه، كأن يكون جزءا من مائة جزء، أو أقل أو أكثر، فأما أن يتوهّم جزء على الإطلاق غير مناسب لكلّه فممتنع محال وليس الآن في ذاته بذي قدر مناسب لما يفوض من الزّمان الآتي والماضي، ولو وجد له قدر ما لصلح أن يجعل قدره عيارا يمسح به الكلّ حسب جواز ذلك على كافة ما يعد جزءا من الشّيء وإذا لم يكن الآن في جوهره ذا مقدار أصلا، والجزء من الشيء لا يجوز أن يعرى من المقدار، فليس الآن بجزء من الزّمان، وإذا كان الأمر على ذلك فالزّمان إذا ليس يصح وجوده لا بعامة أجزائه ولا ببعض أجزائه، وإن شيئا يكون طباعه بحيث لا يوجد بأجزائه كلّها ولا ببعض منها فمن المحال أن يلحق بجملة الموجودات، وإذا كان ذات الزّمان غير موجود أصلا فليس بجائز أن نعده في الكميات، فإنّ ما لا وجود له لا آنية له، والذي لا آنية له لا يوصف بوقوعه تحت شيء من المقولات.
وقولهم في الزّمان هو المدة التي تفهم قبل وبعد أجلها، فإن كان المراد أنّ قول القائل: قبل وبعد يفيد أنّ تقدّم المذكور وتأخره من غير أن ثبت بهما جوهران ليسا بجسم، ولا يفنيان ولا يجوز أن يخلق الله شيئا من دونهما فهو صحيح، ويكون سبيلهما سبيل لفظ مع إفادتهما معنى الصّحبة إذا قلت زيد مع عمرو، وكما تقول للأعيان أحوال ثم لا تصفها بأكثر من تميز بعضها عن بعض بها، وإن أريد بقبل وبعد غير ذلك فقد تقدّم القول في بطلانه
(1/110)

وبطلان ما قالوه في الخلاء والمكان، على أنا نقول معيدين عليهم إن أردتم أنّ المكان يكون المتمكّن وإن لم يوجد الجسم لم يوجد المكان لأنه قائم بالجسم، وليس بشيء ذي وجود في نفسه فهو صحيح، وإن أردتم للمكان جوهرا يبقى إذا ارتفع المتمكن، وأنّ الذي بطل بارتفاعه هو النّسبة إليه والإضافة، ويبقى المكان المطلق مكانا كما كان وهو الخلاء الفارغ وليس فيه جسم فهذا إحالة على شيء لا الإدراك يثبته ولا الوهم يتصوّره. فإن قالوا: المكان حينئذ يكون مكان ما يمكن أن يكون فيه كالزّق الخالي من الشّراب، فإنّه مكان الشّراب الذي يمكن أن يكون فيه.
قلنا: صور في وهمنا من الخلاء مثل ما نتصوّره إذا توهّمنا الزّق والشّراب وذلك مما لا يقدرون عليه، لأنّ كلامهم فارغ لا يفضي إلى معنى محصل، وأيضا فإنّ الأجسام لا يخلو من أن تكون ثقيلة فترسب، أو خفيفة فتطفو، والخلاء عندهم ليس بثقيل ولا خفيف، فيلزمهم أن يكون النقطة هي الخلاء لأنّها ليست بثقيلة ولا خفيفة، ويلزمهم على قولهم بأن المتحرك لا يتحرك إلا في الخلاء أن يتحرك أبدا ولا يستقر إذا لم يوجد شيء يضاده أو يسكن دائما فلا يتحرّك إذ لا سبب هناك يوجب تحركه، أو إذا تحرّك في الخلاء أن يتحرك إلى جميع الجهات ولا يختص بجهة دون جهة لأنّ الخلاء كذلك. فإن قالوا: إن الذي تسميه خلاء هو الهواء، أسقط قولهم بأن الهواء يقبل اللّون ويؤدي الصّوت والخلاء ليس كذلك وهذا بيّن.
وأعجب من هذا أن الباري مخترع لجميع ما خلقه وأنه لا يعجزه مطلوب ولا ينكاده معلوم، ثم أقاموا معه في الأزل الهيولى وهو المادة، ورتّبوا معه الصورة ليكون جميع ذلك كالنّجار والخشب والنّجارة والله تعالى يقول: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
[سورة فصلت، الآية: 9] إلى قوله: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
[سورة فصّلت، الآية: 12] ولم يقل ذلك إلا وأهل العلم إذا فكّروا فيه أدركوا منه الآية البيّنة والحجّة الواضحة، وبيّنوا أنه ليس في العالم شيء إلا وهو منتقص غير كامل، وذلك هو الدّليل على أنه مقهور لا يستغنى به، ولا بدّ له من قاهر لا يشبهه ولا يوصف بصفاته على حدّها، لأن ذلك آية الخلق وآية الخلق لا تكون في الخالق.
فصل آخر يزداد النّاظر فيه والعارف به استبصارا فيما وضع الباب له
اعلم أنّ الاستدلال بالشّاهد على الغائب هو الأصل في المعرفة بالتّوحيد وحدوث الأجسام لا يعرف ببداهة العقل ولا بالمشاهدة لأنّه لو عرف ذلك لاستوى العقلاء في معرفته كما استووا فيما شاهدوه، وإنما يتهيأ أن يعرف بما علم من تعاقب الأعراض المتضادّة عليها، وإنّما لا تنفك منها عل حدوثها إلا بمشاهدة الأجسام وإذا ثبت حدوث الأجسام فلا
(1/111)

بدّ لها من محدث لا يشبهها، وإذا ثبت ذلك صح أنّ الفاعل للأجسام لا تحلّه الحوادث وأنه سابق لها غير مشبه لها والحوادث غير مشبهة له.
ثم دلّ خلقه للأجسام أنه قادر حيّ كما دلّت أفعال الأجسام في الشّاهد أنّها حيّة قادرة عالمة وأنّها لو لم تكن كذلك لم تكن فاعلة فلما لم يدلّنا على أن الأجسام حية قادرة إلا أفعالها، إذ كانت حياتها وقدرتها لا تشاهد، دلّتنا أفعال الله تعالى أيضا على أنه حي قادر، ووجب أن يكون عالما لوجود أفعال محكمة، إذ كانت أفعال الأجسام في الشّاهد إذ كانت محكمة دلّت على أنّها عالمة ولا يدل على علمها غير أفعالها، إذ كان العلم لا يدرك ولا يشاهد.
ولما دلنا جواز الموت على الأجسام نفي الشّاهد والعجز والجهل دلّنا ذلك على أنهم إنما كانوا أحياء قادرين بحياة وقدرة، وعالمين بعلم، وهذه الأشياء هي غيرهم فلهذا جاز زوالها عنهم وحدوث أضدادها بدلا منها فيهم. ولما كان القديم تعالى لا يجوز شيء من ذلك عليه وجب بدلالة الشّاهد أنه حيّ بنفسه عالم ولما كان الجسم في الشّاهد بالتأليف يصير جسما، ونعلمه جسما لم يجز أن يكون جسما فصحّ بهذا أن التّوحيد لا يعرف إلا بدلالة الشّاهد، وكذلك طريق صدق الرّسل لأنه لا يعرف بالمشاهدة ولا ببداهة العقل، ولو عرف بذلك لاستوى النّاس جميعا فيه، وإذا كان كذلك فإنّما يعرف بالآيات المعجزات، ولا يعرف ذلك إلا باعتبار أمر الشّاهد وحمل الغائب عليه فاعلمه.
واستدلّ أبو القاسم البلخي على أنّ القديم واحد بأن قال: قد ثبت أنّ المحدثات لا بدّ لها من محدث، فمن هذا الطّريق قد بان أنّ هاهنا صانعا لا بدّ منه ولا أقل من واحد فلذلك نعلمه يقينا وأنّه واحد، وأمّا ما عداه مشكوك فيه فلا يتخطاه إلّا بدليل وهذا قريب صحيح.
انتهى الباب والله محمود على ما سهّله ووفقنا له من تحقيق ما أردنا تحقيقه من شرح فضائحهم وإثارة مقابحهم، والرّد عليهم في أصول دعاويهم وفروعها ومسئول إيزاعنا شكر نعمته وصلة سعينا بمرضاته.
(1/112)

الباب الثالث ويشتمل على بيان اللّيل والنّهار
على فصول من الأعراب يتعلّق بهما وهي ظروف
الفصل الأوّل [في بيان معنى الليل والنهار]
قال الأصمعي أتيته ليلا وقعلته نهارا. قال تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ
[سورة الصافات، الآية: 137] فقوله: باللّيل خلاف الإصباح. واعلم أنّ قوله:
وَبِاللَّيْلِ
موضعه نصب على الحال كأنه قال: تمرّون عليهم مصبحين ومظلمين أي داخلين في الظّلام، فأوقع اللّيل على الجزء الذي فيه الظّلام من اللّيل، وإن كان في الحقيقة للجنس. واليوم بإزاء اللّيلة يقال: جئتك اليوم وأجيئك اللّيلة ويقال: أتيته ظلاما أي ليلا ومع الظّلام. وقال يعقوب: الظّلام أول اللّيل وإن كان مقمرا. وحكى بعضهم أتيته ظلاما أي عند غيبوبة الشّمس إلى صلاة المغرب وهو دخول اللّيل، وهذا يؤيد ما حكاه يعقوب وكأنه جعله الوقت الذي من شأنه أن يظلم، ويقولون: عم ظلاما، كما يقولون: عم صباحا ويقال: نهار أنهر وليل أليل وليلة ليلاء وقال الفرزدق: واللّيل مختلط الغياطل أليل. وأنشد المفضل:
مروان مروان أخو اليوم اليمي
قال سيبويه: أراد اليوم فقلب وقدّم الميم وقيل: بل حذف العين تخفيفا وأطلق الميم إطلاقا.
وقال شيخنا أبو علي الفارسي: وقت قراءتي عليه هذا الموضع من الكتاب وفي حاشية نسختي: أخي اليوم اليوم، فاستغربه وقال: يريد أنه بطل يبارز أقرانه ويقول لهم: اليوم اليوم أو هو صاحب هذا اللّفظ في ذلك الوقت وفي هذا الوجه قلب أيضا وقولهم: يوم في أبنية الأسماء غريب نادر، لأن فاءه ياء وعينه واو ومثله في المباني يوح اسم للشّمس وباب اليون بالشام.
وقد ذكره ابن الرّقيات في قصيدة يمدح بها عبد العزيز بن مروان أعني ابن ليلى عبد
(1/113)

العزيز. بباب اليون تغدو جفانه ردما. وقال هميان بن قحافة: فصدقت تحسب ليلا لأيلا.
فقال لأيل وإنما يصفون بما يشتق من لفظ الموصوف بيانا للمبالغة وتنبها عليها على ذلك قولهم ظلّ ظليل، وداهية دهياء وما أشبهها. ويقال استأجرته مياومة وملايلة إذا قدر أجرته يوما يوما وليلة ليلة.
وحكى أبو عبيدة أنّ العرب لا تقول إلا مشاهرة، فأما معاوية ومياومة وما أشبههما فليست من كلام العرب، وإنما هي قياس على المسموع منهم، ويقال: يوم وأيام، والأصل أيوام لكن الواو والياء إذا اجتمعا فأيّهما سبق الآخر بالسّكون يقلب الواو ياء ويدغم الأوّل في الثاني، إلا أن يمنع مانع على ذلك قولهم سيّد وميّت لأنّهما فيعل من ساد ومات، والأصل سيود وميوت هذا فيما السّابق فيه ياء ومما السّابق فيه واو قالوا كويته كيا، ولويته ليا لأن الأصل كوى ولوى وكذلك قولهم أمنية وازبية وقولي إلا أن يمنع مانع احتراز من مثل قولهم: ديوان لأن أصله دووان، ففرّوا من التّضعيف وأبدلوا من إحدى الواوين ياء. فلو طلبوا الإدغام للواو لعادوا من التضعيف مثل ما فروا منه، ومثله سوير وبويع ومثله لوى ورويه إذا خفف همزتاهما، لأنّ الواو في جميعها لا يلزم، فلم يعتدوا بها واوا.
ألا ترى أنّها سوير، وبويع منقلبة عن الألف في سائر وبائع. وفي رويه ونوي مبدلتان من همزة وتلك الهمزة ثابتة في النّية، وإذا كان كذلك فحكم الواو فيها حكم الألف والهمزة، فأما ضيون وحيوة فشاذتان عن الاستعمال ومنبّهتان على أصل بالباب المرفوض على عادتهم في أمثالها والنّهار واللّيل لا يجمعان إلا أن يذهب إلى بياض كلّ يوم، وسواد كلّ ليلة، فتصورت بينها خلافا لأنّك حينئذ تجمع للاختلاف الدّاخل في الجنس فيقال: أليال وأليل وأنهر ونهر وعلى هذا قول الشاعر شعرا:
لولا الثريدان هلكنا بالضّمر ... ثريد «1» ليل وثريد بالنّهر
والذي يكشف لك أنّ اللّيل والنّهار لا يجمعان أنّ سيبويه قال: لا يجوز أن يقول القائل: إذا كان الليل فاتني ولا أن يقول: إذا كان النّهار فاتني لأنهما لا يكونان ظرفين إلا أن يعني بهما كلّ اللّيل والنّهار. وإذا كانا كذلك فسبيلهما سبيل الدهر فكما لا تقول: إذا كان الدّهر فاتني كذلك يمتنع في اللّيل والنّهار ويقال: رجل ليلي ورجل نهاري إذا نسبت، ونهري أيضا وهذا كما بنوا للّنسبة فاعل وفعال مثل تاجر ولابن وبزّاز وثمّار وأنشده:
لست بليلي ولكني نهر ... متى أتى الصّبح فإني منتشر
(1/114)

لا أدلج «1» اللّيل ولكن أبتكر ويقال: ليلة وليال فكأنها جمعت على ليلات وإن لم يستعمل ومثله أهال في جمع أهل وإنما هو في تقدير أهلي، وعلى هذا قالوا في التّصغير ليلة والقياس في جمع ليلة ليلاء ليال ليل والأصل لول لأنه فعل مثل حمراء وحمر، لكنّهم حاموا على الياء لئلا يلتبس بنات الياء ببنات الواو، ومثله قولهم بيض وعين في جمع بيضاء وعيناء وما أنشده الكسائي من قول الكميت:
ولدنك والبدر ابن عائشة التي ... أضاء ابنها مستحلكات اللّيايل
فإنه أراد اللّيالي، فقلب، وقدم الياء فلما وليت الألف همزت كما قيل: صحايف ومثله فيما قلبوه ترقوة وترائق والأصل تراقي.
واعلم أنّهم يتوسعّون في ذكرهم اليوم، واللّيلة ألا تراهم يقولون: فلان اليوم يعد من الرؤساء وكان في الدّهر الأول على كذا، واليوم هو خلافه، وإنما يعنون الزّمان وكما قال تعالى: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
[سورة السجدة، الآية: 5] يعني القيامة، وليس ما أشار إليه من صورة ما نعدّه في شيء وقال الشّاعر:
يومان يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الأعداء تأويب
فقسم دهره يومين، ويقال: الناس أغراض اللّيالي ويراد الأحداث ومثله من الذي يسلم على الليالي والأيام فأما قوله تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً
[سورة الأنفال، الآية: 16] فاليوم يعم أجزاء اللّيل والنّهار، والزّجر به حاصل في كل جزء من أجزاء الزّمان وعلى هذا قوله:
يا حبذا العرصات ... يوما في ليال مقمرات
يريد وقتا وزمانا في ليال وكذلك قوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ
[سورة آل عمران، الآية: 140] أي نجعل الدّول في الأزمان فتحول وتنقل بين الناس على حسب استحقاقهم أو سببا لامتحانهم. وقد سمّت العرب وقعاتها أياما فيقولون لنا: يوم كذا ويوم كذا، وساغ ذلك لوقوعها فيها.
فصل آخر [في بيان قوله اللّيلة لليلتك التي أنت فيها، والبارحة لليلة يومك الذي أنت فيه]
يقال: اللّيلة لليلتك التي أنت فيها، والبارحة لليلة يومك الذي أنت فيه، وقد مضت
(1/115)

وهي من برحت أي انقضت، ومنه ما برحت أفعل كذا، وأصله البراح، من المكان وقال الفراء: برحت بالفتح مضت ويقال: برح الخفاء أي زال ومنه البارحة وقال قطرب: لا يقال بارحة الأولى لأنّ الشيء لا يضاف إلى نفسه، ولا إلى نعته والجمع البوارح.
وذكر بعض شيوخنا أنّ قوله: لا أبرح بمعنى لا أنال ولا يجوز أن يكون أصله من البراح من المكان بدلالة قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ
[سورة الكهف، الآية: 60] ألا ترى أنّه محال أن يبلغ مجمع البحرين وهو لم يبرح من مكانه قال: وإذا لم يستعمل أبرح إلا على أحد هذين الوجهين وبطل أحدهما ثبت الآخر، ويمكن أن يقال في جوابه معنى لا أبرح حتى أبلغ أي لا أتجاوز هذا الطريق ولا أعدل عن سلوكه وسمته حتى أبلغ هذا المكان، فخذف الطريق وهذا كما يقال: لم أبرح بلد كذا حتّى فعلت كذا وإن كان ينقل في البلد لأنّ المعنى لم أتغيب ويشهد لهذا أنه لا يستعمل ما برح في الله تعالى لأنّه لا يقال: لم يبرح الله قادرا فلو كان لم يبرح بمعنى لم يزل حتى لا فرق بينهما لما امتنع مما دخله، وإذ قد امتنع فلأنه لا يجيء إلا وأصله البراح من المكان ذكر أو لم يذكر وذلك لا يجوز على القديم تعالى.
واعلم أنّ هذه الكلمة في اللغة مدارها الأكثر على التّجاوز، من ذلك قال الأعشى:
أبرحت ربا وأبرحت جارا أي جاوزت ما عليه أمثالك في الخلال المرضية، والبارحة الأولى التي قبل البارحة، وجمع البارحة البوارح، ولم يتجاوزوا ذلك. وأمّا الفائدة فما يستقبل بعد ليلتك التي أنت فيها وكأنها مأخوذة من الاستقبال ويقال: قبلت الوادي أقبله إذا استقبلته ويقال: آتيك القابلة والمقبلة كما يقال: عام قابل ومقبل وأنشد:
أقبلتها الخلّ من حوران مجتهدا ... إني لأزري عليها وهي تنطلق
ويقال فعلته ليلا ونهارا أي ضياء وظلاما، غير مخصوص بوقت معلوم، وفعلته يوما وليلة يريد أنّ من جملة الزّمان ما تنحصر بهذا القدر وربما جعل بعض أجزاء الليلة ليلا وجعل اللّيل لليلة واحدة قال:
وودّ الليل زيد إليه ليل ... ولم يخلق له أبد النّهار
ولم يرد الجنس لأنّ الجنس يستوعب الأوقات، فلا يزاد للأمثلة وكذلك قوله: إني إذا ما اللّيل كان ليلتين، أراد كل واحد من الشّاعرين ليلة واحدة وأنها في طولها كانت أوقاتها وساعاتها لتطاولها وامتدادها ومقاساة ما يعاني منها كليلتين. وغرض الشاعر أن يصف طول ليلته أي كأنها في طولها مضاعفة متزايدة، وإذا جعل اللّيل جنسا فسد المعنى أيضا؛ لأن اللّيل المستوعب لأجزاء جنس اللّيل إذا قيل فيه كان ليلتين وحصر بما يقع فيه التّنبيه من
(1/116)

أجزائه عاد نقصانا لا تضعيفا وقوله تعالى: وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا
[سورة الإنسان، الآية: 26] المراد به أجزاء ليلة طويلة من اللّيل لأنه لو أريد الجنس لما صحّ فيه ذكر الطّول وللزم التّسبيح ليلة طويلة دون ليلة قصيرة، وإذا أريد الجزء من اللّيل في كلّ ليلة فهو أمر بالتّسبيح جزءا طويلا وأجزاء طوالا.
وقال بعضهم في قوله تعالى: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ
[سورة إبراهيم، الآية: 5] أي بنعمه، والكوفيون رووا اللّيل ليلك، واليوم يومك، ويراد به الوقت وقتك، ويقال: الليل ليلك واليوم يومك، فيجعلون الأولى ظرفا للثانية، وجعلوا الثّاني جزءا منه لأنّ الظرف وعاء مستوعب، فيجب أن يكون أوسع من ذي الظرف ليوعبه ويشتمل عليه كما يحوي الوعاء ما ضمنه، وأما قوله تعالى: فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا
[سورة الدخان، الآية: 23] وقد علمنا أن السّرى لا يكون إلا ليلا، فالمراد في جوف اللّيل، ولو قال: فأسر بعبادي، ولم يقل ليلا لكان مطلقا في أول اللّيل وآخره وما بينهما، ألا ترى أنك تقول: جاءني فلان البارحة بليل، فيكون المعنى في استحكام اللّيل، وقد يجيء ما لا يحتاج فيه إلى تأكيد، تقول: أدلجت فيكون المعنى سرت في أول الليل، ولو قال: أدلجت في أوّل اللّيل لساغ فيكون تأكيدا كتكرير الاسم أو الفعل قال زهير شعرا:
بكرن بكورا واستحرن بسحرة ... فهّن لوادي الرّسّ كاليد للفم
فقوله بسحرة بكور على وجهين: أحدهما أن يكون الإدلاج لآخر اللّيل وبكرن للسّحر وغيره، فإذا قال بسحرة فقد بين أيّ الوقت من آخر الليل، ويكون توكيدا محضا قال تعالى:
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ*
[سورة هود، الآية: 81] على هذا والعرب يقول: أتيتك بقطع من اللّيل، وبعد وهن من اللّيل إذا دخلت في استحكامه، فأمّا قول ضمرة شعرا:
بكرت تلومك بعد وهن في النّدى ... سهل عليك ملامتي وعتابي
فقال: بكرت ثم قال بعد وهن، والوهن لا يكون إلا ليلا فالمعنى أول ذلك الوقت وقولهم: بكر عليه إذا لم يسمّ الوقت فإنّما يعني جاء في أوله ليلا كان أو نهارا، وبها سميّت الباكورة من الثمر وإن لم تذكر وقتا، وقلت أتانا بكرة فإنّما تأويل ذلك أوّل النّهار لا غير، هذا المستعمل بلا شرط، وما تقدم فإن تذكر ما يدل عليه وكذلك اليوم إذا كان مطلقا إنما تعني به النّهار دون اللّيل والألف واللام يدل على يومك، إلا أن تصله بغيره فتقول: رأيته اليوم الذي مضى.
فصل آخر [في بيان معنى البكرة والعشي]
قوله تعالى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
[سورة مريم، الآية: 62] يريد على ما
(1/117)

اعتادوا في الدّنيا والبكرة ما اتصل بما قبله من الليل، والعشي ما يتصل به اللّيل ولا ليل في الجنة ولكن على ما ألفوا في الدّنيا وتعودوه من الأوقات ومثله قوله تعالى: كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً
[سورة الإسراء، الآية: 97] ولا خبو لنار المعاد ولكن عندما علم من خبو نار الدنيا وانقضاء تصرّمها يجدد لأولئك العذاب، فأما قولهم المبكر فهو ما جاء في أوّل الوقت وليس هو من بكور الغداة. ومنه قوله عليه السلام: «بكروا بصلاة المغرب» والتبكير أول أوقات الصّلاة. ومنه قوله عليه السلام: «من بكّر وابتكر» فبكر يكون لأول ساعات النّهار ويكون لأول وقت من الزّوال وابتكر لا يكون لأوّل ساعات النهار.
قال أبو العباس ثعلب: يجوز في قوله: ابتكر أسرع إلى الخطبة حتى يكون أول دان وسامع، كما تقول ابتكرت الخطبة والقصيدة أي اقتضبتها وارتجلتها ابتداء لم أرد فيه وقول الفرزدق: إبكار كرم تقطف فالمراد حملت أول حملها وأنشدني شيخنا أبو علي، قال أنشدني أبو بكر السّراج لعنترة العبسي:
إن كنت أزمعت الفراق فإنما ... زمت جمالكم بليل مظلم
قال يقول: إنّك ابنة ملك فلا يرحل بك إلّا ليلا فلذلك خفي. قال: ويجوز أن يكون المعنى إن كنت أظهرت رحلتك الآن فإنما وقع العزم عليه ليلا، كما قال الحارث بن جلزة شعرا:
أجمعوا أمرهم بليل فلمّا ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
كان المراد أمرهم في الارتحال دبر بليل ولم يكن فلتة. وقول الشاعر عمرو ابن كلثوم شعرا:
وأيام لنا غرّ طوال ... عصينا الملك فيها أن ندينا
أراد الأوقات لأنّ معصيتهم للملك كانت في اللّيل والنّهار، فإن قلت: كيف تكون اللّيالي غرا إلا ما يذكر من ليالي الشّهر يقال ثلاث غرر وذلك لبياضها بدوام القمر فيها؟
قيل: لم يرد بالغر بياض الوقت ووضوحه بضياء شمس أو قمر إنما أراد إسفاره وإشراقه واشتهاره في مواطن الشّرف والمجد والسنّا والافتخار، وحميد البلاء، وحسن الآثار ولقاح الغرّة وامتناع الجانب على من يأتيهم وكذلك قول القائل شعرا:
وأيامنا مشهورة في عدّونا ... لها غرر معلومة وحجول
ويجوز أن يريد في الأوّل بالغر أيضا بياض المقاديم كغرّة الفرس، فأما قولهم: أيامنا طابت ببلد كذا والمراد لياليها، فهو من هذا ولذلك قيل: لو أن إنسانا قال: عبدي حر لوجه الله يوم يقدم علينا فلان أنه يعتق وإن قدم ليلا، وعلى هذا قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
(1/118)

دِينَكُمْ
[سورة المائدة، الآية: 3] قيل: أراد يوما بعينه وقيل: أراد زمنا ووقتا قال الدّريدي:
والعرب تقول: كيف أصبحت من نصف اللّيل الآخر إلى نصف النهار؟ وكيف أمسيت من الزّوال إلى نصف الليل؟ ويقولون: في يومك كان اللّيلة كذا إلى الزّوال، فإذا أزالت الشّمس قالوا كان البارحة. وحدّث الجمحي قال: تقول العرب: صبّحتك الأنعمة بطيبات الأطعمة.
وحدّث أبو العباس المبرّد قال: أنشدني المازني عن أبي زيد:
كيف أصبحت كيف أمسيت ممّا ... يثبت الودّ في وداد الكريم
قال: المعنى وكيف أمسيت قال: ويقول العرب في مثله: ضربت زيدا عمرا لا يريدون بدل الغلط ولكن يريدون الواو. قال: ولو طال الكلام لكان أحسن مثل ضربت زيدا وأحسنت في ذاك عمر، أو معنى البيت أن كلّ واحدة من هاتين اللفظتين والتّحيّتين تغرس الود للمحيّي بهما في قلب المحيّ، ومما استعمل من هذا الباب ظرفا ولم يستعمل اسما قولهم: إنه ليسار عليه صباح مساء معناه: صباحا ومساء وهذا عكس قولهم اللّيل إذا أرادوا به ليل ليلة، لأنّ اللّيل أوقع فيه اسم الجنس على الواحد منه، وهذا أوقع فيه الواحد موقع الجنس والكثرة.
(1/119)

الباب الرّابع في ذكر ابتداء الزّمان وأقسامه
والتّنبيه على مبادئ السّنة في المذاهب كلّها وما يشاكل ذلك من تقسيمها على البروج يقال: إن الله تعالى خلق الخلق كلّه والشّمس برأس الحمل والزّمان معتدل واللّيل والنّهار مستويان، فأوّل الأزمنة فصل الصيف، وهو الذي يدعوه النّاس الربيع ومنه ابتداء سنة الفرس فكلما حلّت الشّمس برأس الحمل فقد مضت للعالم سنة عندهم، قال ابن قتيبة:
ولذلك قال أبو نواس شعرا:
أما ترى الشّمس حلّت الحملا ... وقام وزن الزّمان فاعتدلا
وغنّت الطير بعد عجمتها ... واستوفت الخمر حولها كملا
لأن مراده استوفت الخمر حول الشّمس كملا فالهاء في قوله: حولها كناية عن الشّمس قد مضى ذكرها، قال ثعلب: حولها تقلبها من حال إلى حال.
وقال المبرد: من ابتداء إبراق الكرم إلى استحكام العنب ستة أشهر، ومن استحكام العنب إلى استحكام الخمر ستة أشهر، وذلك عند حلول الشّمس برأس الحمل فلذلك حول. وقال بعضهم: حول الخمر ستة أشهر والضّمير لها فهذا ما في هذا وقد قال أبو نواس في قصيدة أخرى أوّلها شعرا:
أعطتك ريحانها العفار ... وحان من ليلك السّفار
ثم قال:
تحيّرت والنّجوم وقف ... لم يتمكّن لها المدار
وفي هذا البيت معنى لطيف مليح وذلك أن أصحاب النّجوم والحساب يقولون: إنّ الله تعالى حين خلق النّجوم وجعلها واقعة في برج، ثم سيّرها من هناك، فيريد أنّ هذه الخمرة
(1/120)

تخيرت في وقت خلق الله تعالى الأفلاك، والرّوم تجعل ابتداء سنتها من الخريف، وهو زمان الاعتدال والاستواء أيضا، فكلّما حلّت الشّمس برأس الميزان فقد مضت سنة للعالم عندهم، والعرب تجعل السّنة نصفين شتاء وصيفا وتبدأ بالشّتاء فتقدمه على الصّيف كأنّها تعمد على أنّ مبادئ الأقوات فيه وأوائل النّماء في العالم منه، ثم أوّل الصّيف داخل عليه واصل وما بعده مزلق منه وفيه يستقبل الأمور ويفتح لأنواع الخلق التدبير ويزدوج الأسباب وتلقح السّحاب ويحيي الأرض بعد موتها وينشر النّبات غب اندفانها وإلى هذا أشار أبو تمام في قوله:
لو لم تكن غرس الشّتاء بكفّه ... لاقى المصيف هشايما لا تثمر
ويشهد لذلك تقديم الله تعالى الشّتاء على الصّيف حين ذكر رحلتي قريش للتّجارة وامتنّ عليهم بما مكن لهم في النّفوس من الإجلال والمهابة لكونهم قطان الحرم وأرباب الأشهر الحرم، حتى أمنوا الزّمان، وكانت العرب من غلب سلب فقال: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ
[سورة قريش، الآية: 1- 2] .
فابتداء الشّتاء وهو النّصف الأول من السنّة من حين ابتداء النّهار في الزيادة، وذلك لحلول الشّمس برأس الجدي وفي برجه إلى انتهائه في الطّول وذلك لحلول الشّمس في برج السّرطان، وابتداء الصّيف وهو النّصف الثّاني من السّنة من حين ابتداء النّهار في النّقصان، وذلك لحلول الشّمس في برج السرطان إلى حين انتهائه في القصر، وذلك لحلول الشّمس في برج الجدي ويقسمون الشّتاء نصفين.
والصّيف أيضا نصفين، ومنتصف كل واحد منهما استواء اللّيل والنّهار والاستواء الذي يكون في نصف الشّتاء يسمّى الاستواء الرّبيعي وهو لحلول الشّمس في برج الحمل، لأنّ الشتاء كله ربيع عندهم من أجل النّدى، ولذلك تسمية الرّبيعين الأول ربيع الماء والثّاني ربيع النّبات، والاستواء الذي يكون في نصف الصّيف يسمّى الاستواء الخريفي، وذلك لحلول الشّمس في الميزان فهذه أرباع السّنة وفصولها الشّتاء والرّبيع والصّيف والخريف، ولكلّ فصل من فصول السنة ثلاثة أبراج من البروج الاثني عشر لأنها ثلاثة أشهر.
فبروج الشّتاء الجدي والدلو والحوت، وبروج الربيع الحمل والثّور والجوزاء، وبروج الصّيف: السرطان والأسد والسّنبلة. وبروج الخريف: الميزان، والعقرب والقوس. وأوائل بروج هذه الفصول تسمّى منقلبة وهي الجدي والحمل والسرطان والميزان، لأنّ في أوائل هذه الفصول ينقلب الزّمان من طبيعة إلى طبيعة. وأوساطها وهي الدّلو والثّور- والأسد- والعقرب- تسمى ثابتة لأن في أوساط الفصول تثبت طبائع الزّمان على حدّها وأواخرها وهي
(1/121)

الحوت- والجوزاء- والسّنبلة- والقوس- تسمّى ذوات جسدين لامتزاج طبيعة كل فصل بطبيعة الفصل الذي يليه. وذكر بعضهم أنّ أهل الحجاز يجعل للسنّة ستة فصول وسميا وشتاء وربيعا فهذه أزمنة الشتاء وصيفا وحميما وخريفا فهذه أزمنة الصّيف.
واعلم أنهم يبدئون من الأوقات باللّيل كما يبتدئون من الزّمان بالشّتاء ولذلك صار التاريخ به من دون النّهار، وإنّما كان عندهم كذلك لأن الظّلمة الأول والضّياء داخل فيه وكل معتبرهم بمسير القمر فمستهلّه جنح العشاء وطلوعه تحت البيات. فلولا أنّ نوره ونور الشّمس يجلوان الهواء لكان الظّلام راكدا فهو أقدم ميلادا وأسبق أوانا، وألذّ استمتاعا، وأوثر مهادا وأغزر مطرا، وأروى سحابا، وأندى ظلا، وأهول جنانا، وأطيب نسيما، وأفضل أعمالا. ولذلك قدمه الله تعالى في رتبة الذّكر ورتبة الوصف فقال تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً
[سورة النّبأ، الآية: 10- 11] فرتبة الذّكر ظاهرة من التّلاوة كما ترى، ورتبة الوصف أن السّكن واللّباس مقدمان على السّبح والمعاش في متصرفات الأنام.
ثم بعد ذلك هما أخو الهدو والقرار اللّذين منهما يبتدئ النّشاء والنّماء. وقال تعالى عند الأقسام بالزمان: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى
[سورة الليل، الآيتان: 1- 2] وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً
[سورة الإسراء، الآية: 12] فلا موضع أجرى ذكرهما إلا واللّيل مقدّم، ثم فضل تبتيل المجتهد وترتيل القارئ، وابتهال المستغفر فيه على ما يكون منها في غيره فقال تعالى: وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ
[سورة آل عمران، الآية: 17] وفي موضع آخر: وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
[سورة الذاريات، الآية: 18] إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا
[سورة المزمل، الآية: 6] كلّ ذلك لأنه الأول المقدم، والأصل الموصل، والأوان الممهد للرّاحة والوقت الموجه للرّفاهية، وكذلك قالوا عند المدح: ما أمره عليه بغمة ولا ليله عليه بسرمد. وقال النابغة:
فإنّك كاللّيل الذي هو مدركي ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
فقال: كاللّيل ولم يقل كالصبّح وانكان المغر من كل لا يطاق وقال بعضهم: إنما قال كاللّيل لأنه كان عليه غضبان. وقد قيل اللّيل أخفى للويل وأخذ الفرزدق قول النّابغة هذا شعرا:
ولو حملتني الريح ثم طلبتني ... لكنت كشيء أدركته مقادره
جعل الرّيح بإزاء اللّيل واللّيل أعم، والمستحسن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالرّعب وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وليدخلّن هذا الدّين على ما دخل عليه اللّيل» يعني الإسلام،
(1/122)

وكما ندب المتعبد إلى التقرب فيه إليه. وقال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
[سورة الإسراء، الآية: 79] أنبأ عن نفسه تعالى بمثله فيما يبرمه، ويقضيه، فقال تعالى: فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
[سورة الدخان، الآية: 4] يعني في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
ثم قال الناس: هذا أمر دبّر بليل، وثبت الرأي، وهذا رأي مبيت وليس القصد تفضيل اللّيل على النّهار، وإنما المراد التّنبيه على سبقه وعلى إصابة العرب في تقديمه، وقد تكلّمنا في تصحيح طريقة العرب فيما قدّمناه من الآي التي شرحناها عند قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ
[سورة يس، الآية: 37] وما يقتضيه لفظة السّلخ بكلام بين، وذكر أبو حنيفة الدّينوري عن غير واحد من علماء الرّواية أن العرب تبدأ فتقسم السّنة نصفين شتاء وصيفا، وتقدم الشّتاء على الصّيف وتجعله أول القسمين وهذا ضد صنيع الجمهور من أهل القرار وعلماء الحساب، لأنهم يقدّمون الصّيف على الشّتاء.
وقد كان بين أهل العلم اختلاف قديما في أنه أي أرباع السّنة أولى بالتّقديم حتى رأوا أنّ ربع الربيع الذي أوله حلول الشّمس برأس برج الحمل أولى بالتّقديم فأطبقوا على تقديمه باتفاق، ولذلك أجمعوا في عد البروج على الابتداء ببرج الحمل. وفي عد المنازل على الابتداء بالشّرطين، حتى لا تجد في ذلك مخالفا. هذا صنيعهم في الأزمنة، فأما إذا صرت إلى سني الأمم وجدتهم فيها مختلفين. فمنهم من يفتتح السّنة في ربع الشّتاء، ومنهم من يفتتحها في ربع الخريف، ومنهم من يفتتحها في ربع الرّبيع كلّ ذلك قد فعلوا.
وممن افتتحها في الخريف أهل الشّام من السّريانيين، ألا ترى أوّل سنتهم تشرين الأول وأنه صدر الخريف وابتداء الوسمي، ولعل العرب أيضا كانت قد ابتدأت السّنة في بدء الأمر على مثل ذلك، فجعلوا مفتتحها في أول الوسمي كما أنه يقدمه في قسمة الأزمان والأنواء. فثبتوا على أمرهم الأول في تقديم الوسمي، وانتقل مدخل السّنة عن موضعه الأول ثمانين عدد أيام سنة القمر وسنة الشّمس من التّفاوت والفصول إنما تتفضّل بمسير الشّمس لا بمسير القمر.
وإنمّا توهّمت هذا من صنيع العرب من أجل أنّ كثيرا من علماء الرّواة يزعمون أنّ شهري ربيع إنما سميّا للربيع، وأن جماديين إنما سميتا للشّتاء ووجود الماء. وأن شعبان إنمّا سمي شعبان لاشتعاب الظّعن إياهم عن المرابع للمحاضر وأنّ شهر رمضان إنمّا سمّي رمضان لشدة الحر والرّمض وأنّ صفر أنسب إلى الزّمان الذي يسمّى الصّفري، وهذا الذي ذكروا أمر قريب لا يبعد في الوهم، لأنّا على هذا الترتيب نجد أزمان السّنة عندهم، ومما يقوي هذا القول ما حكي عن الغنوي الأعرابي وعن غيره فإنه قال: جمادى عند العرب
(1/123)

الشّتاء كلّه قال: ويقال للحر كلّه شهر ناجر، كما يقال للشّتاء كله جمادى، وكان ينشد بيت لبيد في الجزء شعرا:
حتى إذا سلخا جمادى ستة ... جزءا فطال صيامه وصيامها
بخفض ستة على إضافة جمادى إليها وقال أراد ستة أشهر الشّتاء، وهي أشهر النّدى والجزء، وكذلك كان ينشده أبو عمر والشّيباني خفضا ويقول: أراد جمادى ستة أشهر فعرف بجمادى. قال أبو حنيفة، ويشهد للغنوي كثرة ذكر العرب جمادى إما ببرد الزّمان وإما بكثرة الأنداء والأمطار، وهذا كلّه من أوصاف الشّتاء ولو كان قصدهم إلى ذكر الشّهر لما تطاول لسرعة انتقال الشّهر.
ألا ترى أنّه يكون مرة في صبارة الشّتاء ومرة في حمارة القيظ وإنما حاله في ذلك كحال سائر الشّهور، وأنت لا تجد جمادى موصوفة بالحر كما تجدها موصوفة بالبرد. قال الشاعر شعرا:
في ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب من ظلمائها الطّنبا
قال أبو حنيفة: وزعم بعضهم أنهم إنّما قدّموا الشّتاء على الصّيف لأنه ذكر. وأنّ الصّيف أنثى، ولم يذكروا علّة تذكير الشّتاء، وتأنيث الصّيف، ولا أظنه إلّا لقسوة الشّتاء وشدّته ولين الصّيف وهونه، ألا ترى أنّ من عادتهم أن يذكروا كلّ صعب من الأمور قاس شديد، حتى قالوا: داهية مذكار، وإن كانت أنثى فصعّبوها بأن تكون تنتج ذكورا وحتى قالوا أرض مذكار إذا كانت ذات مخاوف وأفزاع، وقالوا: يوم باسل ذكر في شره وشدته حتى قال الشّاعر شعرا:
فإنّك قد بعثت عليك نحسا ... شقيت به كواكبه ذكور
فجعلها مع نحوستها ذكورا ليكون شرّها أفظع وأصعب و (الصّيف) وإن تلظّى قيظه وحمى صلاه فهو هيّن عندهم إلى جنب الشّتاء، والشّتاء يبرح بالقوم ولذلك قالت بنت الحسن وقد سئلت عنهما: أيّهما أشدّ فقالت: وما جعل البئيس من الأدية تقول من يقيس البؤس والضر إلى أذى فقط أي الشّتاء أشد: (والبئيس والبؤس) واحد قال الفرزدق في نعت امرأة بيضاء من أهل المدينة (لم تذق بئيسا ولم تتبع حمولة مجحد) ولذلك لا تجدهم يشتكون الضّر وسوء الحال والهزال في الصّيف ولا يعدون أن يصفوا أواره وصخده وعطشه وإذا صاروا إلى الشّتاء عجّوا من وطئه ونوّهوا باسم من آسى فيه، واحتمل الكلّ وأطعم المصرور.
قال الشّيخ الذي قاله أبو حنيفة في تعليل تذكير الشّتاء حسن وأقرب منه أن يقال لما
(1/124)

كان إدراك الثمار في الربيعين ووضع الأحمال من الملاقيح ونتائج الخير في أصناف المعاش من الزرع والضّرع في الصيف، وإن كانت مبادئها في أوائل الشّتاء ثم تمت حالا بعد حال فكانت تنتظر في آجالها وقتا بعد وقت انتظار ما في بطون الحاملات، فجعلوا الشّتاء ذكرا والصّيف أنثى. وهذا شرح ما رماه الشّاعر في قوله:
لولا الذي غرس الشّتاء بكفه ... لاقى المصيف هشايما لا تثمر
وذكر أنّ منهم من يجعل الشّتاء نصفين الشّتاء أوّله والرّبيع آخره، وكذلك يجعل الصّيف نصفين الصّيف أوّله والقيظ آخره.
وذكر ابن كناسة أبو يحيى أن العرب تسمّي الشّتاء الرّبيع الأوّل والصّيف الرّبيع الآخر وأن أحدا منهم لم يذكر الخريف في الأزمنة لأنّ الخريف عند العرب اسم لأمطار آخر القيظ، وهذا إذا تؤمل أسفر عن أنهم يجعلون الرّبيع اسما للنّدى والجزء، لكنّهم فصلوه بالشّتاء لشدّة برده ثم اشتهر الرّبيع اسما لما لان من طرفي الوقت.
حكى ابن الأعرابي عن الغنوي أنه قال: يلقى الرّاعي صاحبه فيقول: أين تربّعت العام إذا سقطت الصرفة «1» ؟ وسقوطه عند انصرام نصف السّنة الشّتوية. وقال الفراء ربعية القوم ميرتهم في أول الشّتاء، وأبين من جميع ما ذكرنا أنّهم يسمّون الفرع المؤخر فرع الرّبيع وهو من الشّتاء. وقال النّابغة وقد جعل الحرب كالميرة:
وكانت لهم ربيعة يحذرونها ... إذا خضخضت ماء السّماء القنايل
(1/125)

الباب الخامس في قسمة الأزمنة ودورانها واختلاف الأمم فيها
اعلم أنّ الشّمس تدور في الفلك دورا طبيعيا، وهي لازمة له وعليها طريقها والقمر- والكواكب الخمسة، وهي: عطارد- والزّهرة، والمريخ، والمشتري، وزحل. ربما كانت على هذا الفلك، وربما مالت إلى الشّمال، والجنوب، ويسمّى هذا الميل عرض الكواكب، ويسمّى هذا الفلك فلك البروج، وهي اثنا عشر: (الحمل) ، و (الثور) ، و (الجوزاء) ، و (السرّطان) و (الأسد) ، و (السّنبلة) ، و (الميزان) ، و (العقرب) ، و (القوس) ، و (الجدي) ، و (الدلو) ، و (الحوت) ، وإنما انقسم هذا الانقسام لأنّ الشّمس متى انتقلت في دورانها من نقطة بعينها عادت إلى تلك النّقطة بعد ثلاث مائة وخمسة وستّين يوما وربع يوم.
وفي دورها تستوفي فصول السّنة التي هي الرّبيع، والصيف، والخريف، والشّتاء.
ولهذه العلّة سميّت هذه الأيام سنة الشّمس، والقمر يجتمع مع الشّمس في مدة هذه الأيام اثنتي عشرة مرة فجعلت الشّمس اثنتي عشر شهرا وسميت الشّهور القمرية، كما جعل الفلك اثني عشر برجا ليكون لكل شهر برج.
وأسماء شهور العرب: المحرم، وصفر، والرّبيع الأول، والرّبيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الأخرى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوّال، وذو القعدة، وذو الحجّة.
قال الشّيخ: اختلف الناس في أعداد أيام سنيهم، وهم متفقون في عدّة الشّهور واعتماد العرب فيها خاصة على الأهلّة، فكل اثني عشر هلالا عندهم سنة، فتكون عدد أيامها ثلاث مائة وأربعة وخمسين يوما.
قال أبو الحسن المعروف بالصّوفي: بين أصحاب الحساب من الرّوم، والهند خلاف يسير في مقدار هذا الكسر، فكان الأوائل من أهل الروم متفقين في القديم على ربع يوم فقط، ثم استدركوا فيه شيئا حقيرا.
(1/126)

وقال أبو حنيفة: ليس في الأمم أحفظ للفصول، وأوقات الأنواء والطّلوع من الروم، ولذلك من حلّ من العرب في شق الشّام أعلم بهذا من غيرهم، ثم أنشد لعدي بن الرقاع:
فلا هنّ بالبهمى وإيّاه مذ نشا ... جنوب لراش فاللها له، فالعجب
شباطا وكانونين حتى تعذّرت ... عليهن في نيسان باقية الشّرب
وإنما نصف عيرا وأتنا ... رعين البقل في إبّانه
وإنّما نصف عيرا وأتنا رعين البقل في إبانه إلى أن هاج، ونضبت المياه. وهم يبدؤون فيجعلون أوّل السّنة تشرين الأول، ويجعلونه أحدا وثلاثين يوما. ثم تشرين الثّاني ثلاثين يوما، ثم كانون الأوّل واحدا وثلاثين يوما، ثم كانون الثّاني واحدا وثلاثين يوما وربع، ثم شباطا ثمانية وعشرين يوما، غير أنهم يجعلونه ثلاث سنين كلّ سنة منها ثمانية وعشرين يوما وفي السنة الرابعة تسعة وعشرين يوما، وتلك السّنة تكون في عددهم ثلاث مائة وستة وستين يوما، ويسمونها الكبيسة.
وقال الخليل: يكون في شباط فيما تزعمه الرّوم تمام اليوم الذي كسوره في السّنين، فإذا تمّ ذلك اليوم في ذلك الشهر، سمّى أهل الشّام تلك السنة عام الكبيس، قال: وهو يتيمّن به إذا ولد في تلك السنة، أو قدم فيه إنسان. ثم آذار واحدا وثلاثين يوما، ثم نيسان ثلاثين يوما، ثم أيار واحدا وثلاثين يوما، ثم حزيران ثلاثين يوما، ثم تموز واحدا وثلاثين يوما، ثم آب واحدا وثلاثين يوما، ثم أيلول ثلاثين يوما، فتكون الزّيادات من الأيام خمسة أيام على ثلاث مائة وستين يوما.
ثم أحبّوا أن لا تغيّر أحوال فصول سنتهم على السّنين الكثيرة والدّهور المتابعة، فزادوا في آخر شباط ربع يوم لتصير أيام سنتهم موافقة لأيام سنة الشّمس، وهي ثلاث مائة وخمسة وستون يوما وربع يوم، ويكون ثلاث سنين متوالية كذلك فإذا تمّت الأرباع في أربع سنين تصير سنتهم في السنة الرابعة التي تليه ثلاث مائة وستة وستين يوما، ويصير شباط في تلك السّنة تسعة وعشرين يوما، وتسمى تلك السّنة الرّابعة سنة الكبيسة، فكرهت الفرس أن يزيد في سنتهم ربع اليوم لأنهم لو فعلوا ذلك لاضطروا إلى الكبيسة في كل أربع سنين ولم يمكنهم ذلك لأنهم سمّوا أيام الشّهر بأسام.
زعموا أنها أسامي الملائكة الذين يديرون أيام الشّهر وأسامي الأيام، هرمز، بهمن، ارديبهشت، شهرير، اسفندار، مذخر داد، مرداد، يبا، ذر، آذر، أبان، حوزماه، تير، جوش، ديبمهر، مهر، سروش، رشن، فروردين، لوهرام، رام باذ، دنيدين، دين ارد، اشتاذ، اسمان، زامياذ، ماراسفند، انيران.
(1/127)

وأسماء الشهور اعتقدوا فيها مثل ذلك وهي: فروردين ماه، ارد بهشت ماه «1» ، خرداد ماه، تير ماه، مرداد ماه، شهرير ماه، مهر ماه، ابان ماه، آذر ماه، دي ماه، بهمن ماه، اسفنديار مذماه.
وزعموا أنّ هرمز هو اسم الملك الذي يدبر أوّل يوم من الشّهر، وبهمن اسم الملك الذي يدبر اليوم الثّاني.
وكذلك الأسامي كلّها وسمّوا أيضا الأيام اللّواحق بأسماء الملائكة الذين زعموا أنهم يدبرونها وهي: خونو ذكاه، واستوذ كاه، واسفيذ كاه، ومشتحزكاه، وشتكاه. وقالوا إنّ كبسنا في كلّ أربع سنين يوما فجعلنا اللواحق ستة أيام في هذا اليوم بلا مدبر، وسقط أول يوم من آذر ماه واستوحش هرمزد وقدر أنهم يقصدونه ثم كانوا يكبسون في كلّ مائة وعشرين سنة شهرا واحدا ليسوّوا بين الملائكة، ولا يستوحش أحد منهم وتصير سنتهم في تلك السنة ثلاث مائة وخمسة وتسعين يوما وكانوا على ذلك إلى أن انقضت دولة الفرس ولم يكن فيهم من يمكنه فعل ذلك إلى أن كبس المعتضد مقدار ما كان قد مضى من سنة الكبيسة لكل أربع سنين يوما واحدا وجعل النيّروز اليوم الحادي عشر من حزيران وفيه يقول الشاعر مادحا له شعرا:
يوم نيروزك يوم ... واحد لا يتأخّر
من حزيران يوافي ... أبدا في أحد عشر
ووضع الكبيسة على رسم الرّوم ولا يعمل ذلك إلا ببغداد، فإنّهم يجعلون أوّل سنتهم في التقويم يوم النّيروز المعتضدي، ويستعمل في سائر البلدان النّيروز القديم.
وذكر هذا الإنسان وهو أبو الحسين الصّوفي أنّ العرب كانت تكبس أيضا. ثم ذكر النسيء من قول الله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
[سورة التوبة، الآية: 37] وقد تقدّم القول على ما قاله فيما مضى وبينّا من تفسير الآية والأخبار المرويّة ما أغنى.
واعلم أنّ العرب لا تذهب في تحديد أوقات الأزمنة إلى ما يذهب إليه سائر الأمم، وتجعل أوّل عدد الأزمنة في تحديد أوقاتها، إلى ما يعرف في أوطانها من إقبال الحرّ والبرد، وإدبارهما، وطلوع النّبات واكتهاله وهيج الكلاء ويبسه، ويذهب في عدد الأزمنة إلى الابتداء بفصل الخريف وتسمية الربيع لأنّ أول الرّبيع وهو المطر يكون فيه- ثم يكون بعده فصل الشّتاء- ثم يكون بعده فصل الصّيف- وهو الذي يسميه النّاس الرّبيع ويأتي فيه الأنوار. وإنما
(1/128)

سمّوه صيفا لأنّ المياه عندهم تغل فيه والكلأ يهيج، وقد يسمّيه بعضهم الرّبيع الثّاني، ثم يكون بعد فصل الصّيف فصل القيظ، وهو الذي يسمّيه النّاس الصّيف فأوّل وقت الرّبيع الأول عندهم وهو الخريف ثلاثة أيام تخلو من أيلول. وأول الشّتاء عندهم ثلاثة أيام تخلو من كانون الأوّل، وأوّل الصّيف عندهم وهو الرّبيع الثّاني خمسة أيام من آذار، وأوّل القيظ عندهم أربعة أيام تخلو من حزيران. والخريف المطر الذي يأتي في آخر القيظ ولا يكادون يجعلونه اسما للزّمان.
وقال عدي بن زيد فجعله اسما للزّمان في خريف:
سقاه نوء من الدّلو تدلّى ... ولم يولّيني العراقي
وسماه خريفا، لاختراف الثمار فيه والحطيئة ممن يجعله المطر وذكر امرأة فقال:
وتبدو مصاب الخريف الجيالا. يريد أنّها تنقل إلى البدو لمصاب هذه المطرة، فهذه حدود الأزمنة عندهم، ثم يجعلون لكل زمان صميما يخلص فيه طبعه فيذكرون منه شهرين ويدعون شهرا لأنّ نصف شهر من أوله مقارب لطبع الزّمان الذي قبله، ونصف شهر من آخره مقارب لطبع الزّمان الذي بعده، فالخالص منه شهران فيسمّون شهريّ الشّتاء بالخالص شهري قماح قال الهذلي:
فتى ما ابن الأغر إذا شتونا ... وحبّ الزّاد في شهري قماح
وسميا بذلك لأن الإبل فيهما ترفع رؤوسها عن الماء لشدة برده والإبل القماح هي التي ترفع رؤوسها. وقال بشر يصف سفينة:
ونحن على جوانبها قعود ... نغضّ الطّرف كالإبل القماح
والإبل إذا رفعت رؤوسها عن الماء غضّت أبصارها، ويدعون هذين الشّهرين ملحان وشيبان لبياض الأرض بالصّقيع والجليد. وقال الكميت:
إذا أمست الآفاق حمرا جلودها ... لملحان أو شيبان واليوم أشهب
فهذان شهر الشّتاء فشيبان من الشّيب وملحان من الملحة وهي البياض وقيل كبش أملح منه.
وقال قطرب: يقال لجمادى الأولى والآخرة شيبان وملحان من أجل بياض الثّلج، قال: وقولهم مات الجندب وقرب الأشيب أي الثّلج، ويسمّون شهري القيظ اللّذين يخلص فيهما حره شهري ناجر وسمّيا بذلك لأنّ الإبل تشرب فلا تكاد تروى لشدّة الحر، والنّجر والبغر متقاربان وهو أن يشرب فلا يروى من الماء يقال نجر من الماء إذا امتلأ منه فكظمه،
(1/129)

وهو على ذلك يشتهيه قال ذو الرمة يصف ماء شعرا:
صرى أجنّ يروي له المرّ وجهه ... ولو ذاقه ظمآن في شهر ناجر
وقال الشّماخ شعرا:
طوى ظمأها في بيضة القيظ بعدما ... جرت في عنان الشّعر بين الأماغر
فهذان شهرا القيظ ولا أعلم أنهم سمّوا شهري ربيع الثاني باسم، إلا أنّهم يقولون:
حللنا ببلد كذا في حدّ الربيع يريدون شهريه وقال أبو ذؤيب شعرا:
بها أبلت شهري ربيع كليهما ... فقد مار فيها نسؤها واقترارها
النّسو بدو السّمن والاقترار أن تحثر بولها وهو من علامات السّمن، قال رؤبة:
شهران مرعاها بقيعان الصّلق ... مرعى أنيق النّبت مجاجّ الغدق
وقال ابن مقبل شعرا:
أقامت به حدّ الرّبيع وحازها ... أخو سلوة مسّى به اللّيل أملح
يريد بأخي السّلوة النّدى لأنهم في رخاء وسكون ما دام النّدى عندهم وقولهم: مسّى به الليل: أي جاء عند مجيء الليل، والأملح الأبيض، ربما ذكروا استيفاءها شهور الرّبيع الثّاني كلّها. قال حميد شعرا:
رعين المراز الجون من كلّ مذنب ... شهورا جمادى كلّها والمحرّما
قال: شهورا جمادى كلّها وهما شهران كما قال تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ
[سورة النساء، الآية: 11] يريد أخوين فصاعدا ولم يفعلوا ذلك في زمن الخريف فيذكروا منه شهرين فيما علمت. ولا أحسب ذلك إلا لأنه لم يدعهم إلى ذكره شيء كما دعا إليه شدّة البرد في الشّتاء، وشدّة الحر في الصّيف والقيظ، ووقت الجزء في الرّبيع.
قال أبو حنيفة: النّاس مجمعون من تقديم البروج على برج الحمل. ومن تقديم المنازل على الشّرطين، وفي ذلك دلالة على تقديم فصل الرّبيع، وذكره قبل سائر الفصول وهو لحلول الشّمس برأس الحمل، قال: والفصل اسم جرى في كلام العرب وجاءت به أشعارهم، قال الشّاعر يصف حمير وحش شعرا:
نظائر جون يعتلجن بروضة ... لفصل الرّبيع إذ تولّت صبائنه
وسمّي فصلا لانفصال الحر من البرد، وانقلاب الزّمن الذي قبله، ويقال للفصول
(1/130)

أيضا: الفصيان والواحدة فصية، وهي الخروج من حر إلى برد، ومن برد إلى حر. والفصية تصلح في كل أوقات السّنة متى خرجت من أذى إلى رخاء فتلك فصية، ولا يستعمل الفصل إلّا في حينه، فأمّا الأصمعي فإنّه قال: الفصية: أن يخرج من برد إلى حر، ويقال: أفصى القوم وهم مفصون، ويقال: لو أفصينا لخرجت معك. والشّمس تحل برأس الحمل لعشرين ليلة تخلو من آذار وعند ذلك يعتدل اللّيل والنهار، ويسمّى الاستواء الرّبيعي.
ثم لا يزال النّهار زايدا، واللّيل ناقصا إلى أن يمضي من حزيران اثنتان وعشرون ليلة، وذلك أربع وتسعون ليلة، فعند ذلك ينتهي طول النّهار وقصر الليل، وينصرم ربع الرّبيع، ويدخل الرّبع الذي يليه، وهو الصّيف، وذلك لحلول الشّمس برأس السرّطان، ويبتدئ اللّيل بالزّيادة، والنّهار بالنقصان، إلى ثلاث وعشرين ليلة تخلو من أيلول، وذلك ثلاث وتسعون ليلة، وعند ذلك يعتدل اللّيل والنهار ثانية، ويسمّى الاستواء الخريفي، وينصرم ربع الصّيف ويدخل ربع الخريف، وذلك لحلول الشّمس برأس الميزان، ويأخذ اللّيل في الزيّادة والنّهار في النقصان، إلى أن يمضي من كانون الأول إحدى وعشرون ليلة، وذلك تسع وثمانون ليلة، وعند ذلك ينتهي طول اللّيل وقصر النّهار، وينصرم فصل الخريف، ويدخل فصل الشّتاء، ويبتدئ النّهار في الزيادة، وذلك لحلول الشّمس برأس الجدي إلى مصيرها إلى رأس الحمل، وذلك تسع وثمانون ليلة وربع فعندها ينصرم ربع الشّتاء، ويدخل فصل الرّبيع، فعلى هذا دور الزّمان فاعلمه.
(1/131)

الباب السّادس في ذكر الأنواء، واختلاف العرب فيها
ومنازل القمر، مقسمة الفصول على السنة، وأعداد كواكبها وتصوير مأخذها ضارة ونافعة اعلم أنا نذكر من أمر الأنواء ومذهب جهّال العرب فيها، ومن صفة المنازل والبروج ما يحتاج إليه هذا الكتاب، والدّاعي إليه أنهم كانوا ينسبون الأوقات إليها كثيرا، وكذلك ما نذكره من أحوال الشّمس والقمر، وكان في العرب من يسرف في الإيمان بها ونسبة الحوادث إليها، حتى أوهم كلامهم وإفراطهم أنّ السّقيا وجميع ما يحمد منها، أو يذم إلى جميع ما ينقل فيه الأيام من خير وشر، ونفع وضر، وكلّ ذلك من الأنواء وبها. وهذا كإضافتهم إلى الكواكب أفعال صانعها، وتطابقهم في التّيمن والتشاؤم بها، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من آمن بشيء من ذلك فقد كفر بما أنزل عليّ» .
وقد مرّ فيما تقدّم من الكتاب فصل كثير بيّن فيه فساد طريقتهم، وأنّ من عدل عنها وجعلها آيات يقيمها الله تعالى، تنبيها على حكمته فيها، ليعتبر المعتبرون بها ويشكروا نعمه فيها، فقد برئت من الذّم ساحته، وتباعد عن الإثم منهجه، على مثل ذلك يحمد قول عمر بن الخطاب حين خرج إلى الاستسقاء، فصعد المنبر ولم يزد على الاستغفار، ثم نزل فقيل: إنّك لم تستسق، فقال: لقد استسقيت بمجاديح السّماء. قال أبو عمر والمجاديح وأحدها مجدح، وهو نجم من النّجوم كانت العرب تقول: إنّه يمطر به لقولهم في الأنواء.
قال أبو عبيد فسألت عنه الأصمعي، فلم يقل فيه شيئا وكره أن يتأوّل على عمر مذهب الأنواء، وقال الأموي: يقال فيه أيضا: المجدح بالضّم وأنشد فيه قوله شعرا:
وأطعن بالقوم شطر الملو ... ك حتّى إذا خفق المجدح
قال أبو عبيد: والذي يراد من هذا الحديث أنه جعل الاستغفار استسقاء يتأوّل قوله تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً
[سورة نوح، الآية
(1/132)

: 10- 11] وإنما نرى أنّ عمر تكلّم بهذا على أنها كلمة جارية على ألسنة العرب ليس على تحقيق الأنواء، ولا التّصديق بها، وهذا شبيه بقول ابن عباس في رجل جعل أمر امرأته بيدها، فطلّقته ثلاثا، فقال خطّأ الله نوءها ألا طلّقت نفسها ثلاثا. ليس هذا منه دعاء عليها أن لا تمطر، إنّما هو على الكلام المنقول. ومما بيّن لك أنّ عمر أراد إبطال الأنواء والتكذيب بها بقوله: لقد استسقيت بمجاديح السّماء التي يستنزل بها الغيث. فجعل الاستغفار هو المجاديح لا الأنواء، وهذا القدر إذا ضمّ إليه ما تقدم في فصل يشتمل على تأويل الأخبار المروّية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان معتقدات العرب في الأنواء والبوارح، أغنى وكفى في عذر من يعذر، وذمّ من يذم منهم والسّلام.
قال أبو حنيفة يقال: ناء الكوكب ينوء نوأ ونوء، أول سقوط يدركه في الأفق بالغداة قبل انمحاق الكواكب بضوء الصّبح.
والكوكب إذا وافاه الصّبح وهو مرتفع عن أفق المغرب لا يزال الصّبح يوافيه كلّ غداة، وهو إلى الأفق أقرب، حتى يوافق موافاته الأفق انمحاق الكوكب لضوء الصّبح، ثم يكون سقوطه بعد ذلك، والكواكب ظاهرة فلا يزال سقوطه يتأخر كلّ ليلة إلى أن يكون في أول اللّيل، فتراه على الأفق غاربا مع ظهوره للأبصار، ثم يستسر فلا يرى مقدارا من الليالي ثم يكون أوّل رؤيته غامضا في ضياء الصّبح حين يبدو للأبصار. فالواجب أن يغرق ما بين الغروب الذي هو أوّل وبين الغروب الذي له النوء لأنّ الذي له النوء سقوط النجم بالغداة في المغرب بعد الفجر وقبل طلوع الشّمس وطلوع رقيبه في المشرق في ذلك الوقت، ولا يكون هذا إلا في غداة واحدة من السّنة للكوكب الواحد.
وأما السّقوط الذي هو أفول واستسرار، فإنّه يكون من أول الليل وذلك أنّ هذا النّجم السّاقط بالغداة في أفق السّماء يرى بعد اليوم الذي يسقط فيه متأخّر السّقوط عن ذلك الوقت، فيسقط قبله ولا يزال يتأخّر في كل يوم حتى يكون سقوطه في اللّيل، ثم يتأخّر في اللّيل إلى أن يسقط في أوّل اللّيل في المغرب، ثم يستسر بعد ذلك فلا يرى ليالي كثيرة ثم يرى بالغداة طالعا في المشرق خفيا، فهذا سقوط الأفول، وقد أحسن الشّاعر في تحديد ذلك حين قال شعرا:
وأبصر النّاظر الشّعرى مبيّنة ... لمّا دنا من صلوة الصّبح ينصرف
في حمرة لا بياض الصّبح أغرقها ... وقد علا اللّيل عنها فهو منكشف
تهلهل اللّيل لم يلحق بظلمته ... قوت النّهار قليلا فهي تزدلف
لا يبأس اللّيل منها حين تتبعه ... ولا النّهار بها لللّيل يعترف
(1/133)

فهذا وقت الطّلوع والسّقوط ومعنى قوله: تهلهل اللّيل أي تصير في مشرقه حيث امتزج سواده بياض الصّبح فهي فوت النّهار، لأنّه لم يطمسها بضوئه، ولم يلحق بظلمة اللّيل الخالصة، فهي بينهما، واللّيل لا يبأس منها، لأنّها في بقية منه، ولا النّهار يسلمها للّيل لأنّها في ابتداء منه، ومراد الشّاعر بهذا الوصف أنّ الأمر الذي وقته كان في حمارّة القيظ، لأن الشّعرى تطلع بالغداة في معمعان الحر.
قال الشيخ: أظنّ هذا الشّاعر سلك في تحديده للاستسرار طريقة زهير حين قال يصف شاهينا وحمامة شعرا:
دون السّماء وفوق الأرض قدرهما ... فيما تراه فلا فوت ولا درك
فقوله: لا فوت ولا درك، كقول ذاك لا يبأس اللّيل منها، ولا النّهار يعترف اللّيل بها، قال: وقال الكميت في تحديد وقت الطلوع شعرا:
حتّى إذا لهبان الصّيف هبّ له ... وأفغر الكالئين النّجم أو كربوا
وساقت الشّعريان الفجر بعضهما ... فيه وبعضهما باللّيل محتجب
فجعل طلوعها بين اللّيل والنّهار كما جعله الأوّل. ومعنى أفغر النّجم: يريد إذا صارت الثّريا في وسط السّماء، فمن نظر إليها فغر فاه، أي فتحه، ومعنى كربوا: قربوا وطعن قوم على الكميت في هذا البيت، وحسبوا أنه أراد أن إحداهما طلعت قبل الفجر، فهي في اللّيل، وأنّ الأخرى طلعت مع الفجر، فهي فيه، فقالوا: لا يجوز ذلك إلا في ثلاثة فصاعدا، قال أبو حنيفة: والذي قالوا كما قالوا، غير أنّهم ذهبوا إلى غير مذهب الكميت، ولو أراد الكميت ما توهّموا لكان قد أخطأ في المعنى أيضا مثل ما أخطأ في اللّفظ، وذلك أنّه قال: وساقت الشّعريان الفجر.
فاعلم أنّ الفجر طلع قبلهما، فكيف يعود فيجعل إحداهما طالعة قبله، هذا بتعجيل، وبعد فإنّ الشّعريين تطلعان معا. وإنّما أراد أنّ بعضهما كلتيهما في اللّيل وبعضهما كلتيهما في النّهار، إذا كانتا بين اللّيل والنّهار، قال الشيخ الأكشف في بصرة الكميت أن يقال أراد أنّ بعضيهما في اللّيل وبعضيهما في النّهار، فيخرج البعض بالثنية من أن يكون بمعنى أحد، ويستفاد منها أنّ الشّعريين تطلعان معا، وأنّ القصد في ذكرهما للتّحديد، إلى أن تكونا بين اللّيل والنّهار، ومع ذلك فقد ضيق على نفسه تضييقا شديدا، فأفرط في التّحديد إفراطا بعيدا، فإذا سمعتهم ينسبون إلى الطّلوع والسّقوط مرسلا غير مضاف إلى وقت، فاعلم أنّهم إنّما يريدون الطلوع والسّقوط للّذين يكونان بالغداة، وذلك مثل قولهم إذا طلعت العقرب:
(1/134)

حمس المذنب، ومثل قولهم إذا طلعت الشّعرى: جعل صاحب النّخل يرى، ومثل قول الشاعر شعرا:
فلّما مضى نوء الثّريا وأخلفت ... هواد من الجوزاء وانغمس الغضر
ومثل قوله:
هنا ناهم حتّى أعان عليهم ... عزالى السّحاب في اغتماسه كوكب
فهذه السّقوط وما أشبهه هو بالغداة، وإذا ذكر ذلك من نجوم الأخذ خاصة فهو النوء، ألا ترى أنّهم لمّا أرادوا الطّلوع بالغداة قالوا: إذا طلع النّجم فالحرّ في خدم، فجاء مرسلا غير مضاف. ولما أرادوا طلوعه لغير الغداة قالوا: إذا طلع النّجم عشاء ابتغى الرّاعي كساء، فجاء مضافا إلى الوقت. وأما قول القائل: حين البارحة حين غاب النّجم وذهبن ليلة كذا، حين طلع السّماك فإنّما المراد بذلك، وقت المجيء والذّهاب من تلك اللّيلة بعينها، وليس من الأوّل في شيء، ومنه قول الشاعر شعرا:
حتى إذا خفق السّماك وأسحرا ... ونبا لها في الشّدّ أيّ نبال
ومثل قول الآخر:
فعرسن والشّعرى تغور كأنّها ... شهاب غضا يرمى به الرّجوان
وإذا جاء ذكر المغيب مرسلا، فالمراد حينئذ الغيبوبة التي هي ابتداء الاستسرار وذلك قولهم: غرب الثّريا أعوه من شرفها، وكقولهم: مطر الثّريا صيف كلّه وهذا الغرب غير السّقوط الذي هو النوء، ومطر نوء الثّريّا وسمي ومن هذا الجنس قول الشاعر:
فيمّمت سيرا سريع الرّجا ... ء مائل من راجل يركب
مغيب سهيل صدور الرّكا ... ب سيرا يشقّ على المعتب
فهذا كلّه غيبوبة الاستسرار، ولا يكون إلا بالعشيّات على أثر مغيب الشّمس ثم لا تراه بعد ذلك حتى يتمّ استسراره، ثم يكون أوّل ظهوره بالغدوات وقد اختلف النّاس في معنى النّوء: فبعضهم يجعله النّهوض، قال: لأنه سمى نوى الطّلوع الرّقيب لا لسقوط السّاقط، وهذا ليس بمنكر في اللّغة، لأنّ هذه اللّفظة تعدّ في الأضداد، قال أبو حنيفة: هو النّهوض، ولكنّه نهوض الذي كأنه يميله شيء فيجد به إلى أسفل، وزعم الفراء أنّ النوء السّقوط والميلان، وأنّ أبا ثروان أنشده في صفة راع نزع في قوس:
حتّى إذا ما التأمت مفاصله ... وناء في شقّ الشّمال كاهله
قال: يريد أنه لما نزع مال إليها، وقوله: التأمت مفاصله فإنّه يعني أنّه لزم بعضه بعضا
(1/135)

لشدّة النّزع. قال: ونرى أنّ قول العرب ما ساءك وناءك من هذا، ومعناه أناءك فألقى الألف للاتباع كقولهم: هنّأني الطّعام ومرّأني، وكان ينبغي أن يكون أمرأني.
قال أبو حنيفة: فأمّا من ذهب إلى أنّ الكوكب ينوء ثم يسقط، وإذا سقط فقد تقضى نوؤه، ودخل نوء الكوكب الذي بعده، فتأويله أنّ الكوكب إذا سقط النّجم الذي بين يديه أطلّ هو على السّقوط، وكان أشبه شيء حالا بحال النّاهض ولا نهوض به، حتّى يسقط، لأنّ الفلك يجرّه الغور، فكأنّه متحامل عليه، يعني قد غلبه. ويجمع النوء أنواء ونوانا. قال حسّان بن ثابت رضي الله عنه شعرا:
ويثرب تعلم أنّابها ... إذا قحط القطر نواتها
وقال بعضهم: الحق في ذلك مذهب الخليل الذي حكاه عنه مورج، وهو أنّ النّوء اسم المطر الذي يكون مع سقوط النّجم، لأنّ المطر نهض مع سقوط الكوكب، واسم الكوكب السّاقط النّوء أيضا، فالشيء إذا مال في السّقوط يقال: ناء، وإذا نهض في تناقل يقال ناء به، قال ذو الرمة في وصف الرياك:
ينون ولم يكسين إلا قنازعا ... من الرّيش تنواء الفصال الهزائل
وينوء الحمل الثّقيل إذا مال بالبعير، ويقال: المرأة تنوء بها عجيزتها، قال الشاعر:
لها حضور وأعجاز تنوء بها ... إذا تقوم يكاد الخصر ينخزل
وفي القرآن: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ
[سورة القصص، الآية: 76] .
فصل في ذكر أسماء المنازل وصفاتها
وهي نجوم الأخذ، قال الله تعالى: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
[سورة يس، الآية: 39] .
وهي ثمانية وعشرون منزلا لا اختلاف في ذلك، وتسمّى نجوما، وإن كان منها ما هو كوكب واحد، وكان منها ما هو أكثر، وقد قيل للثّريا: النجم، وهو كالعلم لها وهي ستّة كواكب. والنّجم إن كان كالعلم، وقد شهرت به، فقد يقولون في النّسبة هذا النّجم الثّريا إذا جعلوه اسما لجماعة كواكبها، ويقولون: هذه نجوم الثّريا إذا جعلوا كلّ كوكب منها نجما، ثم جمعوها. قال ذو الرمة:
لعالية في الأدحى بيضا بقفرة ... كنجم الثّريا لاح بين السّحائب
(1/136)

وقال الأعشى فجعله جمعا:
يراقبن من جوع خلاء مخافة ... نجوم الثّريّا الطّالعات الشّواخصا «1»
وقال أبو عبيدة: يقال النجم، فيفرد اللفظ والمعنى للجمع، وأنشد قول الراعي:
فباتت تعدّ النّجم في مستجيرة ... سريع بأيدي الآكلين جمودها
يعني ضيفة قراها جفنة، قد استجار فيها الدّهم، فهي ترى نجوم اللّيل فيها. وأمّا الكوكب فلا نعلمه يقع إلا على واحد فقط، وقال الآخر في منازل القمر فسمّاها نجوما:
وأخوات نجوم الأخذ إلّا أنضة ... أنضة محل ليس قاطرها يثري
قال أبو عبيدة: نجوم الأخذ: منازل القمر، سمّيت نجوم الأخذ، لأخذه كلّ ليلة في منزل. وقال أبو عمرو الشّيباني: الأخذ: نزول القمر منازله، يقال: أخذ القمر نجم كذا إذا نزل به. وأنشد أبو عمرو شعرا:
وأمست نجوم الأخذ غبرا كأنّها ... مقطّرة من شدّة البرد كسف
وقال: مقطّرة من القطار، أراد تناسقها، ومراد الشّاعر كسوفها، لأنّها متناسقة في الخصب والجدب. وكان على كل حال، وكسوفها ذهاب نورها لشدّة الزّمان وذلك لما يعرض في الهواء من الكدر ولا يجلوه، قال أبو الطمحان القتبي: تذكر حميرا وردت عيونا.
وتراها نجوم الأخذ في حجراتها ... وتنهق في أعناقها بالجداول
وقال أبو حنيفة: أول ما تبتدئون به من المنازل الشّرطان، ولما كانت العرب تقدّم الشّتاء كان أول أنوائها مؤخّر الدلو، وهو الفرع المؤخر، ونوؤه محمود الوقت، عزيز الفقد، وهو أوّل الوسمي، ثم بطن الحوت وهو الذي يسمّيه الرّشاء ولا يذكر نوؤه لغلبة ما قبله عليه.
واعلم أنّ المنازل تبدو للعين منها في السّماء أبدا نصفها، وهو أربعة عشر، وكذا البروج يبدو نصفها، وهو ستة لأنه كلّما غاب واحد منها طلع من المشرق رقيبه وسقوط كلّ منزل فيه ثلاثة عشر يوما سوى الجبهة، فإنّ لها أربعة عشر يوما لأنّها خصّت باللّيلة الباقية من أيّام السّنة الثّلاث مائة والخمسة والستين، وفضلت بذلك على سائرها، لغزارة نوئها، وكثرة الانتفاع بها، ويكون انقضاء الثمانية والعشرين، وانقضاء الاثني عشر مع انقضاء السنة.
(1/137)

ولمّا كانت السّنة أربعة أجراء صار لكلّ ربع منها سبعة منازل، وهي الأنواء وأسماؤها: الشّرطان- البطين- الثّريا- الدّبران- الهقعة- الهنعة- الذّراع- النّئزة- الطّرف «1» - الجبهة- الزّبرة- الصّرفة- العوّاء- السّماك الأعزل- الغفر «2» - الزّباني- الإكليل- القلب- الشّولة- النّعايم- البلدة- سعد الذّابح- سعد بلع- سعد السّعود- سعد الأخبية- الفرغ الأوّل- الفرغ الثاني- الرّشا «3» - فهذه ثمانية وعشرون نجما هنّ أمهات المنازل.
قال أبو حنيفة: وقد يعدّون معها نجوما أخر إذا قصر القمر أحيانا عن هذه المنازل نزل ببعض تلك، وذلك لأنّ القمر لا يستوي سيره فيها، لأنّك تراه بالمنزل ثم تراه وقد حلّ به في الشّهر الآخر، فتجد مكانيه مختلفين فيه، إذا أنعمت حفظه وضبطه، ولهذه العلة يخلطونها بالمنازل، حتّى ربّما جعل لبعضها في الأنواء حظّا.
(1) أمّا الشّرطان فهما كوكبان على أثر الحوت مفترقان شمالي وجنوبي بينهما في رأي العين قدر ذراع، وإلى جانب الشّمالي منهما كوكب صغير ذكر أنّهما به سميّت الأشراط، والواحد منهما شرط متحرك، وقد ذكر عن العرب شرط بالإسكان قال كثيّر في جمعهما شعرا:
عواد من الأشراط وطف نقلها ... روائح أنواء الثّريّا الهواطل
وقال الكميت في الإفراد:
من شرطي مرتعن تجللّت ... عزال بها منه بتجاجة سحل
وليس يمنع تحريكه في النّسبة من أن يكون الواحد شرطا بإسكان وإذا نسبت إليها لم ينسب إلّا بالجمع أو الإفراد، فأمّا مثنّى فلم نجدهم قالوا شرطاي. قال العجّاج في الجمع:
من باكر الأشراط أشراطي
. وهذا قليل.
قال الشيخ: الجمع قد نسب إليه إذا جعل علما أو أجري مجرى العلم، فالعلم كقولهم: كلابي وأنماري ومدايني وما أجري مجرى العلم أشراطي، قال ويقولون: الشّرطان قرنا الحمل، ويسمّونها النّطح أو النّاطح، وبين يدي الشّرطين كوكبان شبيهان بالشّرطين، يقال لهما الأنثيان. قال أبو حنيفة: ذكر الرواة أنّ العرب تجعلهما مما يقصر القمر، فينزل به ويجعلون لهما في الأنواء حظا.
(1/138)

(2) وأمّا البطين فتلقبه كواكب خفيّة كأنها نقط الشاء، وهو على أثر الشّرطين بين يدي الثّريا، وقد يتكلمون به مكبرا، فيقولون: البطن، ويزعمون أنّه بطن الحمل.
(3) وأمّا الثريا فهي النّجم لا يتكلمون بها مكبرة، وهي تصغير ثروي، مشتقّا من الثّروة، وكأنه تأنيث ثروان، والنّجم كالعلم له يقال له: طلع النّجم، وغاب النّجم وأنشد للمرار شعرا:
ويوم من النّجم مستوقد ... يسوق إلى الموت نور الظّبا
وقال شعرا:
إن النّجم أمسى مغرب الشّمس طالعا ... ولم يك في الآفاق برق ينيرها
قال الشيخ: هذا كما اشتهر عبد الله بابن عباس وصار كالعلم له، وكان له إخوة، قثم وغيره، فلم يشتهروا به، ويقولون: الثريا إليه الحمل.
(4) وأما الدّبران فالكوكب الأحمر الذي على أثر الثّريا بين يديه كواكب كثيرة مجتمعة من أدناها إليه كوكبان صغيران يكادان يلتصقان، يقول الأعراب: هما كلباه، والبواقي غنمه، ويقولون: قلاصه، قال ذو الرمة شعرا:
وردت اغتشافا والثّريا كأنّها ... على قمّة الرّأس ابن ماء محملق
يدفّ على آثارها دبرانها ... فلا هو مسبوق ولا هو يلحق
لعشرين من صغرى النّجوم كأنّها ... وإيّاه في الخضراء لو كان ينطق
قلاص «1» حداها راكب متعمّم ... إلى الماء من قرن التّنوفة مطلق
قرن التنوفة أعلاها- والمطلق الذي يطلب ليلة الماء وبعده القرب للورد، ويسمّى دبرانا لدبوره الثّريّا، كما قيل: إيبان وصميان، وسمّى تالي النجم، وتابع النّجم. وقد يطلق فيقال: التابع، ويقال أيضا حادي النّجم، ومن أسمائه المجدح بالضمّ والكسر فالضمّ حكاه الشيباني، والكسر حكاه الأموي، والمنجّمون يسمّونه قلب الثّور وقولهم: الدّبران مما اختصّ وجرى مجرى العلم.
(5) وأمّا الهقعة فهي رأس الجوزاء ثلاثة كواكب صغار مثفاة، وتسمّى الأثافي تشبّها بها.
حكي عن ابن عباس أنّه قال لرجل: طلّق عدد نجوم السّماء يجزئك منها هقعة
(1/139)

الجوزاء، وقد يقال للدّابرة يكون الشّق الفرس الهقعة، وهي تكره، يقال فرس مهقوع.
(6) وأمّا الهنعة: فكوكبان بينهما قيد سوط، وهما على أثر الهقعة ولتقاصرها عنها سمّيت الهنعة. والذراع المبسوطة بينهما منحطة عنهما ويقال: أكمة هنعا إذا كانت قصيرة، وتهانع الطّائر إذا كان طويل العنق فقصرّها.
وقال ابن كناسة: يقال للهنعة الزّرق الميسان، فإنّما ينزل القمر بالتّخاي وهي كواكب ثلاثة بإزاء الهنعة والواحدة منها تخياة.
(7) وأمّا الذراع فهي ذراع الأسد المقبوضة، وللأسد ذراعان مقبوضة ومبسوطة، (فالمقبوضة) منهما هي اليسرى، وهي الجنوبية، وبها ينزل القمر وسمّيت (مقبوضة) لتقدّم الأخرى عليها، والمبسوطة منهما هي اليمنى وهي الشّمالية، وكلّ صورة من نظم الكواكب فميامنها مما يلي الشّمال ومياسرها مما يلي الجنوب، لأنّها تطلع بصدورها ناظرة إلى المغارب فالشّمال على أيمانها، والجنوب على أيسارها. وقد فهم ذلك القائل والنّجوم التي تتابع باللّيل وفيها ذات اليمين، أزورارها على أيمانها إطافة منها بالقطب.
وقال أبو حنيفة: أنت ترى الكوكب يدرأ من مطلعه من الأفق الشّرقي فلا يستقيم مضيئه إلى مقابل مطلعه من الأفق الغربي في المنظر، ولكن تراه يتجانف إلى القطب، ولذلك قال الشاعر شعرا:
وعاندت الثّريا بعد هدء ... معاندة لها العيّوق جار
لأنّها تركت القصد في المنظر، فذلك معاندتها، وعلّة ذلك ما بينّه الكميت في قوله:
مالت إليه طلانا «1» واستطيف به ... كما تطيف نجوم اللّيل بالقطب
وأحد كوكبي الذراع المقبوضة هي الشّعرى الغميصاء، وهي تقابل الشّعرى العبور، والمجرّة بينهما وقد تكبر يقال الغمصاء، قال أبو عمر وهي الغميصاء والغموص ويقال لكوكبها الأحمر الشّمالي المرزم، مرزم الذّراع وهما مرزمان هذا أحدهما، والآخر في الجوزاء قال:
ونائحة صوتها رابع ... بعثن إذ أخفق المرزم
ويروى إذا ارتفع المرزم فهذا المرزم هو الذي في الذّراع، لأنّ مرزم الجوزاء لا نوء له، وليست من المنازل، وقد ذكرا جميعا بالنّوء على ذكر الشّعريين والسّماكين. قال جدار:
(1/140)

أحتبك جد المرزمين متى ... ينجدا بنوال تغوّرا
وقال ابن كناسة: الذّراع المقبوضة بأسرها هي المرزم.
وحكي مثل ذلك عن الغنوي، ومن أحاديثهم: كان سهيل والشّعريان مجتمعة فانحدر سهيل فصار يمانيا، ونعته العبور عبرت إليه المجرة وأقامت الغميصاء فبكت لفقد سهيل، حتى غمصت، والغمص في العين ضعف ونقص، وقالوا: ربّما عدل القمر فزلّ بالذّراع المبسوطة.
(8) وأمّا النثرة فثلاثة كواكب متقاربة، أحدها كأنه لطحة، يقولون: هي نثرة الأسد، أي أنفه، قال ذو الرّمة شعرا:
مجلجل الرّعد عراصا إذا ارتجست ... نوء الثّريا به أو نثرة الأسد
أنث: فعل النوء وهو ذكر، لأنه أضافه إلى الثّريّا، وليس بمنفصل منها، ويسمّى اللّطحة اللهاة. وقال الآخر:
فهدّم ما قد بنته اليدان ... حولين والأنف والكاهل
وذكر الهدم والبناء هاهنا كقول الآخر:
على كلّ موّاز الملاط تهدّمت ... عريكته العلياء وانضمّ حالبه «1»
رعته الغيافي بعد ما كان حقبة ... رعاها وماء الرّوض ينهلّ ساكبه
فأضحى الغلاقد جدّ في برء قصبه ... وكان زمانا قبل ذاك يلاعبه
(9) وأمّا الطّرف: فكوكبان يبتدئان الجبهة بين يديها يقولون: هما عين الأسد.
(10) وأمّا الجبهة: فجبهة الأسد، قال: إذا رأيت انجما من الأسد جبهة أو الخراة والكتد، وهي أربعة كواكب خلف الطّرف معترضة من الجنوب إلى الشّمال، سطرا معوجا، وبين كلّ كوكبين منها قبس الذّراع، والجنوبي منها هو الذي يسمّيه المنجّمون: قلب الأسد.
(11) وأمّا زبرة الأسد: فهي كوكبان على أثر الجبهة، بينهما قيد سوط والزّبرة كاهله، وفروع كتفيه، ويسمّيان الخراتين الواحدة خراة.
(12) وأمّا الصّرفة فكوكب واحد نيّر على أثر الزّبرة، يقولون: هو قنب الأسد، والقنب وعاء القضيب، وسميّت صرفة لانصراف الحر عند طلوعه غدوة، وانصراف البرد عند سقوطه غدوة.
(1/141)

(13) وأمّا العوّاء فإنّ ابن كناسة جعلها أربعة أنجم، وهي خمسة لمن شاء ومن شاء ترك واحدا إلا أنّ خلقتها خلقة كتاب الكاف غير مشقوقة، وليست نيّرة وهي على أثر الصرفة، وزعم أبو يحيى أنها سميّت العوّاء بالكوكب الرّابع الشّمالي منها، وإذا عزلت عنها هذا الكوكب الرّابع كانت الباقية مثفاة الخلقة وهم يجعلون العوّاء وركي الأسد، وأحسب هؤلاء تأوّلوا اسمها، والمحاش حشوة البطن والعوّاء تمد وتقصر، قال الرّاعي:
ولم يسكنوها الجزء حتّى أظلّها ... سحاب من العوّا وثابت غيومها
ويقال لها عوّاء البرد، يزعمون أنّها إذا طلعت أو سقطت أتت ببرد.
(14) وأما السّماك فهما سماكا الأعزل، والقمر ينزل به ولا ينزل بالآخر وهو الرّامح وسمّي رامحا لكوكب صغير بين يديه يقال له: راية السّماك وبه سمّي رامحا، ويسمّى الآخر الأعزل، لأنه لا شيء بين يديه كأنه لا سلاح معه وقال كعب بن زهير شعرا:
فلمّا استدار الفرقدان زجرتها ... وهبّ سماك ذو سلاح وأعزل
وقال الطّرمّاح:
محاهن صيب نوء الرّبيع ... من الأنجم العزل والرّامحة
وهم يجعلون السّماكين ساقي الأسد، وأحد السّماكين جنوبي، وهو الأعزل والآخر وهو الرّامح شمالي، وقال ابن كناسة: ربما عدل القمر فنزل بعجز الأسد، وهي أربعة كواكب، بين يدي السّماك الأعزل، منحدرة عنه في الجنوب، وهي مربعة على صورة النّعش، ويقال لها: عرش السّماك، وتسمّى أيضا الأحمال، وتسمّى الجناء، وهم يجعلون لها حظا في الأنواء، قال ابن أحمر يصف ثورا:
باتت عليه ليلة عرشية ... شربت وبات إلى نعي متهدّدا
شربت لجت، والمتهدّد المتهدّم، لا تماسك لمحضره وكان المنجّمون يسمّون السّماك الأعزل السّنبلة لسموكه، سمّي سماكا وإن كان كلّ كوكب قد سمك فهو كقولهم الدّبران.
(15) وأمّا الغفر: فثلاثة كواكب بين زباني العقرب، وبين السّماك الأعزل خفية على خلفه العوّاء. قال ذو الرّمة:
فلمّا مضى نوء الثّريّا وأخلفت ... هواد من الجوزاء وانغمس الغفر
والعرب تقول خير منزلة في الأيد بين الزّباني والأسد، يعنون الغفر، لأنّ السّماك
(1/142)

عندهم من أعضاء الأسد، فقالوا: يليه من الأسد ما لا يضر الذّنب يدفع عنه الأظفار والأنياب، ويليه من العقرب ما لا يضر الذنابي يدفع عنه الحمة.
(16) وأمّا الزّباني وهما زبانيا العقرب: أي قرناه، وهما كوكبان مفترقان بينهما في المنظر أكثر من قامة الرجل، ويقال لهما: زباني الصّيف لأنّ سقوطهما في زمان الحر، قال ذو الرمة:
يا قد زفت للزّباني من بوارحها ... هيف أنست بها الأصناع والخبر
الأصناع محابس الماء والواحد صنع، والخبر جمع خبرة وهي أرض يكون بها السّدر، ويدوم فيها الماء يريد أن ريّاح الزّباني أنضبت المياه، وقيل: يسمّي أهل الشام زباني العقرب يديها.
(17) وأمّا إكليل العقرب رأسها، وهي ثلاثة كواكب معترضة بين كل كوكبين قيد ذراع، قال جران:
العود بمطرقين على مثنى أيامنهم ... راموا النّزول وقد غار الأكاليل
جعل كلّ كوكب منها إكليلا.
(18) وأمّا القلب، قلب العقرب والكوكب النّير الأحمر الذي وراء الإكليل سيرة كوكبان، وهم يستحسنونه. قال شعرا:
فسيروا بقلب العقرب اليوم إنّه ... سواء عليكم بالنّحوس وبالسّعد
(19) وأمّا الشّولة فإبرة العقرب، كذلك يسمّيها أهل الشّام، وهي كوكبان مضيئان صغيران متقاربان في طرف ذنب العقرب، وقالوا: ربما قصر القمر فنزل بالغفار فيما بين القلب والشّولة. والغفار أحد كواكب ذنب العقرب، يجعلون كلّ كوكب منها فقرة، وهي ستّ فقر، والسّابعة الإبرة. قال ابن كناسة: الشّولة التي ينزل بها القمر: حذاء القلب في حاشية المجرة، وليس هناك شولة، ولكنّ القمر إنّما ينزل بالشّولة على المحاذاة ولا ينحط إليها لأنّها منحدرة عن طريقته وهاهنا يقطع القمر المجرة إذا هو فارق العقرب، ومضى نحو السّعود لأنّ المجرة تسلك بين قلب العقرب وبين النّعايم، منقطع نظام المنازل في هذا الموضع.
وفي موضع آخر وهما بين الهقعة والهنعة، لأنها تسلك أيضا بينهما فيعترض نظام المنازل اعتراضا، وهاهنا أيضا يقطع القمر وسائر الكواكب المحاذية للمجرّة، وذلك حين ينحدر عن غاية تعاليها إلى ذروة القبة في الهبوط، فأمّا قطعها إياها عن السّعود فذلك حين
(1/143)

يبتدئ الصّعود بعد غاية الهبوط، ويسمّى الشّولة شولة الصّورة، وهي منغمسة في المجرة.
(20) وأمّا النّعايم فثمانية كواكب، أربعة في المجرة وهي النّعايم الواردة، وأربعة خارجة عن المجرة وهي النّعايم الصّادرة، وهي منحدرة، وكلّ أربعة منها على شبه بالتّربيع، وفوقها كوكب إذا تأملّته مع كوكبين من النّعايم الوارد شبهتها به قبة، وإنّما قيل: واردا لشرعه في المجرة، وقيل: الصّادر لمجيئه عنها.
(21) وأمّا البلدة فرقعة من السّماء لا كوكب بها بين النّعايم وبين سعد الذّابح، ينزلها القمر، ويقولون: ربّما عدل القمر أحيانا فنزل بالقلادة وهي ستة كواكب صغار، خفية فوق البلدة، مستديرة تشبه بالقوس، ويسمّيها العامة القوس ويسمّى موضع النّعايم الوصل.
(22) وأمّا سعد الذّابح: فكوكبان غير نيّرين، وكذلك السّعود كلّها وبينهما في رأي العين قيس الذّراع و (ذبحه) كوكب صغير قد كاد يلزق بالأعلى منها، تقول الأعراب: هو شاته التي تذبح. قال الطّرماح شعرا:
ظعائن شمن قريح الخريف ... من الفرغ والأنجم الذّابحة
قريحه: أوّله.
(23) وأمّا سعد بلع: فنجمان نحو من سعد الذّابح أحدهما خفي جدا، وهو الذي بلعه أي جعله بلعا كأنه مسترط «1» ، وذكر أنه سمّي بلعا لأنه طلع حين قيل: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ
[سورة هود، الآية: 44] وهذا لست أدري ما هو.
(24) وأمّا سعد السعود: فكوكبان أيضا نحو من سعد الذّابح، وسمّي سعد السّعود بالتّفضيل عليهما، ولأن الزّمان في السّعدين اللّذين قبله قسا، وطلوع سعد السّعود يوافق منه لينا في برده، قالوا: وربما قصر القمر، فينزل بسعد باثره، وهو أيضا كوكبان أسفل من سعد السّعود. قال الكميت شعرا:
ولكن بنجمك سعد السّعود ... طبقت أرضي غيثا درودا
(25) وأمّا سعد الأخبية: فثلاثة كواكب متحاذية، فوق الأوسط منها كوكب رابع، كأنها به في التمثيل رجل بطّة.
وقيل: إنّ السّعد منها واحد، وهو أنورها وإنّ الثلاثة أخبية، وقيل: سمّي بالأخبية لأنه
(1/144)

إذا طلع انتشرت فخرج منها ما كان مختبئا في البرد، لأنّ طلوعه في وقت الدّفاء، والسّعود متناسقة بعضها على إثر بعض.
(26) وأمّا الفرغ الأول: فهو فرغ الدّلو، والدّلو أربعة كواكب مربعة واسعة، بين كل كوكبين قدر قامة الرّجل، أو أكثر في رأي العين، فهم يجعلون هذه الكواكب الأربعة عراقي الدّلو. قال عدي بن زيد في خريف شعرا:
سقاه نوء من الدّلو تد ... لّى ولم يوار العراقي
وفرغ الدّلو: مصبّ الماء من بين العراقي وقد يقولون لهما العرقوة العليا والعرقوة السّفلى. قال: (قد طال ما حرمت نوء الفرغين) .
(27) وأمّا الفرغ الثاني: وهو العرقوة السّفلى فكمثل الفرغ الأول، وقد يقال للفرغ الأول: ناهزا الدّلو المقدمان وللفرغ الأسفل: ناهزا الدّلو المؤخّران. والنّاهز الذي يحرك الدّلو ليمتلئ، وقالوا: يقصر القمر أحيانا فينزل بالكرب، والكرب الذي وسط العراقي الأربع، والكرب من الدّلو ما شدّ به الحبل من العراقي. وقالوا: ربما نزل ببلدة الثّعلب، وهو بين الدّلو والسّمكة من عن يمين المرفق.
(28) وأمّا الرّشاء وهو السمكة: فكواكب في مثل حلقة السّمكة، وفي موضع البطن منها من الشّق الشّرقي نجم منير ينزل به القمر يسمّونه بطن السّمكة. والمنجّمون يسمّونه:
قلب الحوت. ويقال لما بين المنازل: الفرج. فإذا قصر القمر عن منزلة واقتحم التي قبلها فنزل بالفرجة، بينما استحبّوا ذلك إلّا الفرجة التي بين الثّريّا والدّبران، فإنّهم يكرهونها ويستخشونها، ويقال لها الضيّقة «1» . قال:
فهلّا زجرت الطيّر ليلة جئته ... تضيّقه بين النّجم والدّبران
وسميّت ضيقة لضيقها عندهم، فإنّهم يتواضعون قصر ما بين طلوع النّجم وطلوع الدّبران. ذكر عن يزيد بن قحيف الكلابي، أنّه قال: ما بينهما إلا سبعة أيام وإنّما هذا نحو نصف ما قدر لما بين المنزلين.
قال أبو حنيفة: فهذا ما حكي لنا، وأمّا نحن فلم نجدها أقصر المنازل كلّها مدة في الطّلوع، ولا فرجة في المنظر، وأنّ الذي نير الطّرف والجبهة لأقلّ من ذلك ولكن قد وجدناهما في الغروب عندهم متقاربين جدا، حتّى لا نكاد نثبت بينهما شيئا ما هو الآن إلا أن يسقط النّجم، فما يستقيم السّقوط حتّى يسقط الدّبران وأحسب الذي اشتهر أمرهما في
(1/145)

هذا الباب حتى يوصفا من بين المنازل كلّها شهرتهما وكثرة استعمالهم إيّاهما، ولا سيما النّجم، فإن تفقدهم له شديد، وذكرهم إيّاه كثير، وإذا لم يعدل القمر عن المنزل قيل: كالح مكالحة والمكالحة: مثل المكافحة كأنه إذا لاقاه دافعه من غير حاجز بينهما.
فصل في بيان الاختلاف الواقع بين العرب في أوقات الأنواء والكلام في الضّيقة
قال أبو الحسين الصّوفي هذا الذي يذكرونه في الضّيقة وأنّ القمر ربما قصر فنزل بها غلط، لأنّ كواكب الثّريّا في خمس عشرة درجة من الثّور، وهذان الكوكبان في أربع وعشرين درجة ونصف منه، وبين الثّريّا وبينهما نحو تسع درجات، وأبطأ ما يكون سير القمر في يوم وليلة، وأبعده نحو إحدى عشرة درجة، وإنّما سمّيت الفرجة التي بين الثّريّا والدّبران الضّيقة، لأنهم يستعملون طلوعها وسقوطها في المغرب بالغدوات عند طلوع رقبائها، وظهورها من تحت الشّعاع، ورقيب كلّ واحد منهما هو الخامس منه، ولا يستعملون طلوعهما. ووسط الثّريّا في خمس عشرة درجة من الثّور والدّبران في خمس وعشرين درجة منه وبينهما بدرجات البروج عشر درجات، لكنّ عرض الثّريّا في الشمال عن درجتها أربع درجات ودقائق. وعرض الدّبران في الجنوب خمس درجات.
ومن شأن الكواكب الشّمالية أن تطلع قبل طلوع درجتها وتغيب بعد مغيب درجتها، والجنوبيّة تطلع بعد طلوع درجتها، وتغيب قبل مغيب درجتها، فتطلع الثّريّا كذلك مع ثلاث عشرة درجة من الثّور بالتّقريب ويطلع الدّبران مع سبع وعشرين درجة منه، فيكون بين طلوع الثّريّا وطلوع الدّبران أربع عشرة درجة بالتّقريب، وتغيب الثّريا مع سبع عشرة درجة من الثّور لا تغيب بعد درجتها. ويغيب الدّبران مع ثلاث وعشرين درجة منه، لأنّه يغيب قبل درجة، فيكون بين مغيب الثّريّا ومغيب الدّبران ست درجات بدرجات البروج.
فلمّا وجدوا بين غروب الثّريّا وغروب الدّبران هذا القدر، سمّوا الفرجة بينهما بضيقة، واستخشوها واستخشوا الدّبران أيضا مفردا وتشاءموا به حتى قالوا: إنّ فلانا أشأم من حادي النّجوم، ويتشاءمون أيضا بالمطر الذي يكون بنوئه ويزعمون أنّهم لا يمطرون بنوء الدّبران إلّا وتكون سنتهم جدبة.
قال أبو زيد وقطرب جميعا: وهذه حكاية عن القشريين، قالوا: أوّل المطر الوسمي، وأنواؤه العرقوتان، المؤخّرتان من الدلو ثم الشّرط بتسكين الراء ثم الثّريّا وبين كلّ نجمين نحو من خمس عشرة ليلة ثم الشّتوي بعد الوسمي وأنواؤه الجوزاء ثم الذّراعان ونثرتهما ثم الجبهة وهو آخر الشّتوي وأوّل الدفيء، ثم الدفيء وأنواؤه آخر الجبهة، ثم الصّرفة وهي
(1/146)

فصل بين الدّفيء والصّيف وأنواؤه السّماكان الأوّل الأعزل والآخر الرّقيب، وما بين السّماكين صيف أربعين ليلة. ثم الحميم وهو نحو من خمس عشرة ليلة إلى عشرين عند طلوع الدّبران وهو بين الصّيف والخريف وليس له نوء. ثم الخريف وأنواؤه النّسران، ثم الأخضر ثم عرقوتا الدّلو الأوليان ولكل مطر من الوسمي إلى الدّفيء ربيع.
وإنّما هذه الأنواء في غيبوبة هذه النّجوم. قالوا: فأوّل القيظ طلوع الثّريّا وآخره طلوع سهيل. وأوّل الصفريّة طلوع؟ وآخره طلوع السّماك. وفي أول الصّفرية أربعون ليلة يختلف حرّها وبردها، وتسمّى المعتدلات. ثم أوّل الشّتاء طلوع السماك وآخره وقوع الجبهة، وأوّل الدفيء وقوع الجبهة وآخر الصّرفة، وأول الصّيف السّماك الأعزل وهو الأول وآخر الصّيف السّماك الآخر، الذي يقال له الرّقيب، وبينهما أربعون ليلة أو نحوها انتهت الحكاية.
قال ابن كناسة: أعلم العرب بالنّجوم بنو مارية من كلب، وبنو مرة بن همام من بني شيبان، وذكر عنهم أنّ أول الأنواء الدّلو، ونوؤه محمود، وهو أوّل الوسمي ثم بطن الحوت ولا يذكر نوؤه لغلبة ما قبله عليه، ثم الشّرط محرك الراء ويثنّى ويجمع عرفها يونس وغيره وقال:
ولا روضة غنّاء غضّ نباتها ... يجود بشتياها لها الشّرطان
وقال العجّاج في الجمع:
من باكر الأشراط أشراطي ... من الرّبيع انقضّ أودلوي
وقال ذو الرمة:
قرحاء حواء أشراطية وكفت ... فيها الرّباب وحفّتها البراعيم
قوله: حواء يريد هي من الخضرة سوداء، وجعلها قرحاء لأنوارها، جعلها كقرحة الفرس، ونوؤه محمود. ثم البطن وبعضهم يقول: البطين ونوؤه غير محمود، ولا مذكور، ثم الثّريّا ونوؤه مقدّم في الحمد، وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا طلعت الثّريّا ارتفعت العاهة» . ولذلك لا يقبل بالحجاز قول من ادّعى عاهة في ثمرة اشتراها بعد طلوع الثّريّا. ثم الدّبران وهو مكروه النّوء؛ ثم الهقعة ولا يذكر نوؤه منفردا، فهذه منازل كلّ الوسمي وهي خمسة فليس قبل الفرغ المؤخر وسمي، ولا بعد الثّريّا وسمي، وهي أوّل أنواء الخريف.
وسمّوا النّوئين الباقيين وليا، وهما الدّبران والهقعة.
ثم أوّل الرّبيع وأنواؤه سبعة: الأربعة الأولى شتية وهي الهنعة ونوؤه لا يذكر، والذّراع ونوؤه مقدم مذكور، والنثرة ونوؤه محمود، والطّرف ونوؤه لا يفرد بالذكر، والثّلاثة الباقية
(1/147)

دفيئة، ويقال الدثية وهما بمعنى كما يقال اللغام واللثام، وسميّت بذلك لأنها في دبر الشّتاء.
وابتداء الدفء وهي الجبهة ونوؤها من أذكر الأنواء وأشهرها وأحبّها إليهم وأعزّها فقدا.
والزّبوة وقلّما يفرد نوؤه، والصّرفة وغلبت أنواء الأسد عليها وإنما سمّيت صرفة لانصراف الشّتاء فهذه منازل كلّ الرّبيع.
ثم الصّيف وأنواؤه سبعة: فالخمسة الأولى منه صيف، والنوءان الآخران الباقيان حميم وسمّي حميما لأن أمطارها تجيء وقد تحرك الحر، فأوّلها العوّاء وبعض العرب يمدّه فيقول العواء، ونوؤها ليلة. ثم السّماك ونوؤه من الأنواء المذكورة المحمودة، ولذلك قال الشاعر: أجش سماكي كان ربابه، ثم الغفر ولا يذكر نوؤه وقيل لا يعدم نوؤه. ثم الزّباني، ثم الإكليل، ثم القلب، ثم الشّولة وأربعتها لا تذكر أنواؤها، وربما ذكرت العرب مجملة، فهذا كلّه الصّيف.
ثم الخريف: وهو فصل القيظ وأنواؤه سبعة والأربعة المتقدّمة رمضيّة وشمسيّة لشدّة الحر، والثّلاثة الباقية خريفية، وأول أمطاره في كلام أهل الحجاز وتميم الحميم، فأوّله النعايم- ثم البلدة- ثم سعد الذّابح- ثم سعد بلع- ثم سعد السّعود- ثم سعد الأخبية. وهذه الستّة لا ذكر لأنوائها ولا مبالاة لأخواتها. وسمّيت خريفيّة لأنّها تجيء والثّمار تخترف في أيّامها. ثم مقدم الدّلو ونوؤه من الأنواء المشهورة ويقال: الفرغ المقدّم أيضا لأنّها مقدّمة ما بين الوسمي وموطئ له وفرط، فهذه منازل كلّ الحميم.
وبعد هذه الأربعة ستة سعود متناسقة في جهة الدلّو، وليست هي من المنازل. أوّلها سعد ناشره وهو أسفل من سعد الأخبية ويطلع مع الشّرطين. ثم سعد الملك، ثم سعد الهمام، ثم سعد البارع، ثم سعد مطر، وكلّ سعد منها كوكبان في رأي العين قدر ذراع كنحو ما بين سعود المنازل.
فصل واعلم أنّ ما ذكرته من الطلوع والغروب يختلف فيهما أحوال البلدان
فربّما طلع النّجم ببلد في وقت وطلع في غير ذلك البلد، في وقت آخر، إمّا قبله وإمّا بعده بأيام، فهذان النّسران وهما النّسر الواقع، وقلب العقرب يطلعان معا بنجد، ويطلع النّسر الواقع على أهل الكوفة، قبل قلب العقرب بسبع. ويطلع قلب العقرب على أهل الدّبرة قبل النّسر بثلاث، وربما طلع النّجم ببلد ولم يطلع ببلد آخر كسهيل، فإنّه يظهر بأرض العرب وباليمن ولا يرى بأرمينية، وبين رؤيته بالحجاز ورؤيته بالعراق بضع عشرة ليلة، وبنات نعش تغرب بعدن ولا تغرب بأرمينية.
(1/148)

قال أبو محمد القتبي: بلغني أنّ كلّ بلد جنوبي فالكواكب اليمانية فيه تطلع قبل طلوعها في البلد الشّمالي. وكلّ بلد شمالي فالكواكب الشّامية فيه تطلع قبل طلوعها في البلد الجنوبي، وفي الكواكب الشّامية ما يكون في اللّيلة الواحدة غروب من أوّلها في المغرب، وطلوع من آخرها في المشرق كالعيّوق والسّماك الرّامح والكفّة والعوائذ والنّسر الواقع والغوارس والرّدف والكف الخضيب، ومددها في ذلك تختلف، فمنها ما يرى كذلك أيّاما ومنها ما يرى شهرا ومنها ما يرى أكثر من شهر.
وإذا نزل القمر في استوائه ليلة أربع عشرة، وثلاث عشرة بمنزل من المنازل فهو سقوط ذلك المنزل، لأنّ القمر يطلع من أوّل المشرق ليلة أربع عشرة مع غروب الشمس، ويغيب صبحا مع طلوع الشّمس، فيسقط ذلك النّجم الذي كان نازلا به. وقال ابن الأعرابي بين طلوع الثّريا مع الفجر وبين عوده إلى مثله ثلاث مائة وخمسة وستون يوما وربع يوم، فالقمر ينزل بها ثم بسائر المنازل يأخذ كلّ ليلة في منزل، فذلك ثمانية وعشرون منزلا ينزل بها القمر إذا كان كريتا، ويعود للنّجم الذي استهلّ به لتسع وعشرين، وإذا كان حثيثا تخطرف منزلة والكريت: التّام، والحثيث: الناقص، وينزل لثمان وعشرين ليلة بمستهله، فمن ثم صار ما بين حول الأهلّة وبين حول طلوع الثّريّا مع الفجر إلى مثله فصل أحد عشر يوما وربع يوم. قال والخطر فيه أن يجعل الخطوتين خطوة، والمنزلتين منزلة، فربما استسر ليلة، وربما استسر ليلتين أو نحوهما.
(1/149)

الباب السّابع في تحديد سنيّ العرب والفرس والرّوم وأوقات فصول السّنة
قد عرفتك فيما تقدم أنّ العرب تبدأ بالشّتاء بعد أن تجعل السّنة نصفين شتاء وصيفا ثم يقسم الشّتاء نصفين فتجعل الصّيف أوّله والقيظ آخره وأنّها تفارق سائر الأمم في تحديد الأوقات، فأوّل وقت الرّبيع الأوّل عندهم وهو الخريف ثلاثة أيام تخلو من أيلول، وأوّل الشّتاء عندهم ثلاثة أيام تخلو من كانون الأوّل، وأوّل الصّيف عندهم وهو الرّبيع الثّاني خمسة أيام، تخلو من حزيران، والخريف عندهم اسم للمطر الذي يأتي في آخر القيظ من دون الزّمان. وذكر المراد الفقعسي أنّه يكون حلول الشّمس بأعلى منازلها في شدة الحر، وذلك إذا حلّت بأول السّرطان فقال شعرا:
إذا طلعت شمس النّهار فإنّها ... تحلّ بأعلى منزل وتقوم
يريد أنّ الشّمس في منتهى صعودها في القيظ، فإذا طلعت حلّت بأوّل منها، وإذا انتصفت قامت على قمة الرأس. وهذا يدل على معرفتهم بحلول الشّمس رؤوس الأرباع، وإن كان حساب فصولهم على غير ذلك.
وأمّا أصحاب الحساب فيحدّون فصول السّنة بحلول الشّمس بنجم من هذه النّجوم الثمانية والعشرين، ويجعلون لكلّ زمان من الأزمنة الأربعة سبعة أنجم منها. ويبدؤون من الأزمنة بالفصل الذي تسمّيه العامة: الرّبيع وهو عند العرب الصّيف، ونجوم هذا الفصل الشّرطان والبطين والثّريّا والدّبران والهقعة والهنعة والذّراع، والشّمس تحل بالشّرطين بالغداة لعشرين ليلة تخلو من آذار فتسترهما وتستر المنزل قبلهما، فلا يزال الشّرطان مستورين بها إلى أن يطلعا بالغداة، لستّ عشرة ليلة تخلو من نيسان فيكون بين حلول الشّمس بها وطلوعها سبع وعشرون ليلة.
وإذا حلّت الشّمس برأس الحمل اعتدل اللّيل والنّهار، فصار كلّ واحد منهما اثنتي
(1/150)

عشرة ساعة يوما واحدا وليلة واحدة، ثم يزيد النّهار وينقص اللّيل إلى أن يمضي من حزيران اثنتان وعشرون ليلة، وذلك بعد أربع وتسعين ليلة من وقت اعتدالهما فينتهي طول النّهار، وينتهي قصر اللّيل، وينقضي فصل الرّبيع، ويدخل الفصل الذي يليه وهو الصّيف، ودخول الصّيف بحلول الشّمس برأس السّرطان ونجومه النّثرة والطّرف والجبهة والزّبرة والصّرفة والعوّاء والسّماك.
ثم يأخذ اللّيل في الزّيادة والنّهار في النّقصان إلى ثلاث وعشرين تخلو من أيلول، وذلك ثلاث وتسعون ليلة، وعند ذلك يعتدل اللّيل والنّهار ثانية ويكون كلّ واحد منهما اثنتي عشرة ساعة، يوما واحدا وليلة واحدة، وينقضي فصل القيظ ويدخل فصل الخريف، ودخول فصل الخريف بحلول الشّمس رأس الميزان ونجومه الغفر- والزّباني- والإكليل- والقلب- والشّولة- والنّعايم- والبلدة.
ثم يأخذ اللّيل في الزّيادة والنّهار في النّقصان، إلى أن يمضي من كانون الأول واحد وعشرون يوما، وذلك تسع وثمانون ليلة، وعند ذلك ينتهي طول اللّيل وينتهي قصر النّهار، وينقضي فصل الخريف، ودخول فصل الشّتاء بحلول الشّمس رأس الجدي ونجومه: سعد الذّابح- وسعد بلع- وسعد السّعود- وسعد الأخبية- والفرع المقدّم والفرع المؤخر- وبطن الحوت-. ويأخذ النّهار في الزّيادة واللّيل في النّقصان إلى أن تعود الشّمس إلى رأس الحمل ويعتدل اللّيل والنّهار، وينقضي فصل الشّتاء وذلك تسع وثمانون ليلة وربع، فجميع أيام السّنة على هذا العدد ثلاث مائة وخمسة وستون يوما وربع، لا يتغيّر ولا يزول على مرّ الدّهر.
وقد بيّنا فيما مضى أنّ السيارات سبعة وأخبرنا أنها هي التي تقطع البروج والمنازل فهي تنتقل فيها مقبلة ومدبرة، لازمة لطريق الشّمس أحيانا وناكبة عنها أحيانا، إمّا في الجنوب وإمّا في الشّمال، ولكلّ نجم منها في عدوله عن طريقة الشّمس مقدار إذا هو بلغه عاود في مسيره الرّجوع إلى طريقة الشّمس، وذلك المقدار من كلّ نجم منها مخالف لمقدار النّجم الآخر.
فإذا عزلت هذه النّجوم السّبعة عن نجوم السّماء سمّيت الباقية كلّها ثابتة، تسمية على الأغلب من الأمر لأنّها وإن كانت لها حركة مسير فإنّ ذلك خفي يفوت الحس، إلّا في المدّة الطّويلة، وذلك لأنّه في كلّ مائة عام درجة واحدة فلذلك سمّيت ثابتة.
واعلم أنّ الطّلوع والغروب، وتفصيل اللّيل والنّهار، والمشارق والمغارب قد قال الله تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ
[سورة الرّحمن، الآية: 17] و
(1/151)

بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ
[سورة المعارج، الآية: 40] والمشرقان مشرقا الشّتاء والصّيف، وكذلك المغربان مغرباهما، والمشارق مشارق الأيام، وهي جميعا بين المشرقين، وكذلك المغارب هي مغارب الأيّام وهي بين المغربين، فمشرق الصّيف مطلع الشّمس في أطول يوم من السّنة.
قال أبو حنيفة: وذلك قريب من مطلع السّماك الرّامح، بل مطلع السّماك الرّامح أشدّ ارتفاعا في الشّمال منه قليلا. وكذلك مغرب الصّيف هو على نحو ذلك من مغرب السّماك الرّامح، ومشرق الشّتاء مطلع الشّمس في أقصر يوم من السّنة، وهو قريب من مطلع قلب العقرب، بل هو أشدّ انحدارا في الجنوب من مطلع قلب العقرب قليلا، وكذلك مغرب الشّتاء على نحو ذلك من مغرب قلب العقرب. فمشارق الأيّام ومغاربها في جميع السّنة بين هذين المشرقين والمغربين.
فإذا طلعت الشّمس من أخفض مطالعها في أقصر يوم من السّنة لم تزل بعد ذلك ترتفع في المطالع، فتطلع كلّ يوم من مطلع فوق مطلعها بالأمس، طالبة مشرق الصّيف فلا تزال على ذلك حتى تتوسّط المشرقين، وذلك عند استواء اللّيل والنّهار في الرّبيع، فذلك مشرق الاستواء، وهو قريب من مطلع السّماك الأعزل، بل هو أميل منه قليلا إلى مشرق الصّيف من مطلع السمّاك الأعزل.
ثم تستمرّ على حالها من الارتفاع في المطالع إلى أن تبلغ مشرق الصّيف الذي هو منتهاه، فإذا بلغته كرّت راجعة في المطالع منحازة نحو مشرق الاستواء، حتّى إذا بلغته استوى اللّيل والنّهار في الخريف، ثم استمرّت منحدرة حتى تبلغ منتهى مشارق الشّتاء الذي هو منتهاه. فهذا دأبّها، وكذلك شأنها في المغارب على قياس ما بيّناه في المطالع.
فأمّا القمر فإنّه يتجاوز في مشرقيه ومغربيه مشرقي الشّمس ومغربيها، فيخرج عنهما في الجنوب والشّمال قليلا، فمشرقاه ومغرباه أوسع من مشرقي الشّمس ومغربيها، وإذا أهلّ الهلال في منزلة من المنازل أهلّ في الشّهر الثّاني في المنزلة الثّالثة، ثم لا يزال بعد مهلّه ينقل كلّ ليلة إلى منزلة، حتّى يستوفي منازله في ثمان وعشرين ليلة ثم يستسر، فلا يرى حتى يهلّ.
فربما كان حلوله المنازل بالمقارنة لها إمّا بالمجامعة، وإمّا بالمحاذاة من فوقها أو أسفل منها، وذلك المكالحة، يقال: كالح القمر وربّما قصر واقتحم فنزل بالفرج والفرجة ما بين المنزلين، ويقال له الوصل أيضا، وهو يغيب في ليلة مهلّه في أدنى مفارقته الشّمس لستّة أسباع تمضي من اللّيل.
ثم يتأخّر غروبه كلّ ليلة مقدار ستّة أسباع حتّى يكون غروبه في اللّيلة السّابعة نصف
(1/152)

اللّيل، وفي ليلة أربع عشرة مع طلوع الشّمس، ويكون طلوعه فيها مع غروب الشّمس، وقد يتقدم ذلك أحيانا ويتأخّر على قدر تمام الشّهر ونقصانه ثم يتأخّر طلوعه كلّ ليلة مقدار ستّة أسباع ساعة، حتّى يكون طلوعه ليلة إحدى وعشرين نصف اللّيل، ويكون طلوعه ليلة ثمان وعشرين مع الغداة.
قال أبو حنيفة: وكلّ هذا تقدير على مقارنة، ولا يكون أن يرى الهلال بالغداة في المشرق بين يدي الشّمس وبالعشي في المغرب خلف الشّمس في يوم واحد ولا يمكن ذلك، ولكن يمكن ذلك في يومين، فأما في ثلاثة فلا شك فيه، فإذا كان ذلك في يومين فهو حين يستسر ليلة واحدة وإذا كان في ثلاثة فهو حين يستسر ليلتين.
(1/153)

الباب الثّامن في تقدير أوقات التّهجّد التي ذكرها الله تعالى في كتابه عن نبيّه والصّحابة
ويبين ما يتصل بها من ذكر حلول الشّمس البروج الاثني عشر قال تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ
[سورة الإسراء، الآية: 78] وقال ثعلب: يذهب العرب بالدّلوك إلى غياب الشّمس وقول الشّاعر شعرا:
هذا مقام قدمي رباح ... غدوة حتّى ذهبت براح
يدل على هذا وأصله أنّ السّاقي يكتري على أن يستقي إلى غيبوبة الشّمس وهو في آخر النهار يتبصّر هل غابت الشّمس، وقوله براح أي تجعل راحته فوق عينيه ويتبصّر، قال: وما روي عن ابن عبّاس من أنه زوالها للشّمس يسلم للحديث، وغسق اللّيل ظلمته، فإذا زادت فهي السّدفة، وقال تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
[سورة الإسراء، الآية: 79] قال أبو العباس ثعلب: قوله نافلة لك: يريد ليس لأحد نافلة إلّا للنّبي صلى الله عليه وسلم لأنه ليس من أحد إلّا يخاف على نفسه، والنّبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، فعمله نافلة. فأمّا التّهجد فإنّه يجعل من الأضداد، يقال: هجد وهجد وتهجّد إذا صلّى بالنّهار، وهجد وهجد وتهجّد إذا صلّى باللّيل قائما وقاعدا وأنشد في النّوم قال:
هجدنا فقد طال السّرى ... وقدرنا أنّ خنا الدّهر غفل
أي نومنا، وأنشد ابن الأعرابي في النّوم:
ومنهل من القطا مورود ... وردت بين الهبّ والهجود
قال: الهجود: النّوم كأنه أتاه في السّحر وهو بين النّوم والانتباه. وقال تعالى: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ
[سورة المزّمل، الآية: 1- 3] وقال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ
[سورة المزّمل، الآية: 20] إلى قوله: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
[سورة المزمل، الآية: 20] .
(1/154)

اعلم أنّه قد مرّ القول في شرح جوانب هذه الآي بما تقدّم في الباب الأوّل من هذا الكتاب وبقي تحديد الأوقات.
1- الحمل: تحديد الأوقات وذكر البروج: فيقول: إذا حلّت الشّمس برأس الحمل فغربت، طلع السّماك الرّامح وزاغت الشّعرى العبور عن وسط السماء، وقارب أن يتوسّط الشّعرى الغميصاء فصار خطّ نصف النّهار بينهما، وخط نصف النّهار هو الآخذ من نقطة الجنوب إلى نقطة الشّمال، فعليه يكون زوال الشّمس وزوال جميع الكواكب مما صار بينه وبين الأفق الجنوبي، وبين سمت الرّأس، وعادتهم أن يسمّوه خط نصف النّهار.
وما كان منه في الحاشية بين سمت الرّأس وبين نقطة الشّمال التي من عادتهم أن يسمّوه خط نصف اللّيل، وعليه يكون زوال الكواكب الشّمالية. فإذا كان ثلث اللّيل طلع النّسر الواقع وقلب العقرب، وغرب النّاجذ وهو رجل الجوزاء وإذا كان نصف اللّيل طلع الرّدف وهو الكوكب الذي يسمّيه المنجمون ذنب الدجاجة، وطلع النّسر الطائر على أثره بقليل، وجنحت الشّعرى، وجنوحها أن تميل للغروب، وسقط العيّوق، وسقوطه غيبته، فإذا كان ثلث اللّيل قاربت الفكة أن تتوسّط السّماء وزاغ السّماك الرّامح عن وسط السّماء فأدبر، والإدبار أكثر من الزّيغان، وضجع الكوكب الفرد، فيصير على خط نصف اللّيل.
وإذا حلّت الشّمس بوسط الحمل فغابت طلعة الفكّة، وزاغت الشّعرى الغميصاء فأدبرت، فإذا كان ثلث اللّيل استقلّ قلب العقرب والنّسر الواقع. واستقلال الكوكب أن تراه قد ارتفع قدر القامة في رأي العين، وأكثر شيئا وغابت الشّعرى العبور قبل ذلك، وغاب المرزم، وهو يد الجوزاء، وجنح العيّوق، فإذا كان نصف اللّيل استقلّ النّسر الطّائر وسقطت الغميصاء، وسقط العيّوق قبل ذلك، وتوسّط السّماك الرّامح أو همّ بالتّوسّط، فإذا كان ثلثا اللّيل قلب العقرب بالتّوسّط ومنكب الفرس بالطّلوع، وزاغت الفكة وجنح قلب الأسد.
2- الثور: فإذا حلّت الشّمس برأس الثّور فغابت، توسّط قلب الأسد وجنح رأس الغول والنّاجذ والدّبران، وزاغ الفرد، فإذا كان ثلث اللّيل غاب العيّوق وقارب السّماك الرّامح أن يتوسط وقرب طلوع النّسر الطّائر، وطلع الرّدف، وإذا كان نصف اللّيل قاربت الفكّة أن تتوسّط، وزاغ السّماك الرّامح وجنح الفرد. فإذا كان ثلثا اللّيل طلعت الكفّ الخضيب، وهي الكوكب الشّمالي من كوكب الفرع الثّاني، وغاب قلب الأسد، وزاغ قلب العقرب فأدبر.
وإذا حلّت الشّمس بوسط الثّور فغربت طلع النّسر الواقع وقد غاب الدّبران قبيل ذلك، وطلع العيّوق وقلب العقرب، وزاغ قلب الأسد فأدبر. فإذا كان ثلث اللّيل توسّط السّماك
(1/155)

واستقلّ النّسر الطائر، فإذا كان نصف اللّيل طلع منكب الفرس وتوسّط قلب العقرب، وجنح قلب الأسد، وإذا كان ثلثا اللّيل استقلّت الكفّ الخضيب، وزاغ قلب العقرب فأدبر منصبّا وانصبابه: إمعانه في الزّيغان.
3- الجوزاء: فإذا حلّت الشّمس بأوّل الجوزاء فغربت استقلّ قلب العقرب والنّسر الواقع، وجنح العيّوق وغاب المرزم، فإذا كان ثلث اللّيل توسّطت الفكّة وهمت وهي إذا توسّطت السّماء، فصارت على خطّ نصف اللّيل ببلد الدّينور، كانت على قمة الرّأس، سواء أعني أنّها تكون فوق رأس القلم، وقارب قلب العقرب التّوسّط وغاب الفرد، وإذا كان نصف اللّيل طلع الكفّ الخضيب وسقط قلب الأسد، وزاغ قلب العقرب فأدبر، وإذا كان ثلث اللّيل طلع رأس الغول وتوسّط النّسر الواقع.
فإذا حلّت الشّمس بوسط الجوزاء فغرب، طلع الرّدف وجنحت الغميصاء وقارب طلوع النّسر الطائر، فإذا كان ثلث اللّيل زاغ قلب العقرب سقط قلب الأسد، وطلع منكب الفرس، فإذا كان نصف اللّيل قارب النّسر الطّائر التّوسّط وقارب قلب العقرب خطّ القبلة، فإذا كان ثلثا اللّيل زاغ النّسر الطّائر وأدبر النّسر الواقع، وإدباره أن يبعد عن خطّ نصف اللّيل، وطلع العيّوق وتبعته الثّريا وطلعت.
4- السّرطان: وإذا حلّت الشّمس بأوّل السّرطان فغربت توسّط السّماك الرّامح واستقلّ النّسر الطّائر، فإذا كان ثلث اللّيل استقلّت الكفّ الخضيب وزاغ قلب العقرب فأدبر، فإذا كان نصف اللّيل زاغ النّسر الواقع وهمّ النّسر الطّائر بالتّوسّط وطلع رأس الغول، وإذا كان ثلثا اللّيل طلع العيّوق وتبعته الثّريّا وهمّ الرّدف بالتّوسّط، وغوّر قلب العقرب وتغويره: أن يقع في الغور فلا يلبث أن يغيب. وضجع السّماك الرّامح، وضجوعه أن يميل للمغيب وهو قبل التّغوير، والجنوح قبل الضّجوع والانصباب قبل الجنوح.
فإذا حلّت الشّمس بوسط السّرطان فغربت همّت الفكة وقلب العقرب بالتّوسّط، وغوّر الفرد، وإذا كان ثلث اللّيل توسّط النّسر الطّائر وطلع رأس الغول، وإذا كان نصف اللّيل طلع العيّوق وطلعت الثّريا على أثره، وزاغ النّسر الطّائر، وجنح قلب العقرب، فإذا كان ثلثا اللّيل طلع الدّبران، وغاب السّماك الرّامح.
5- الأسد: وإذا حلّت الشّمس بأوّل الأسد فغربت، طلع منكب الأسد وتوسّط قلب العقرب، وضجع قلب الأسد فإذا كان ثلث اللّيل استقلّ رأس الغول، وتوسّط النّسر الطّائر، وزاغ النّسر الواقع فأدبر، وإذا كان نصف اللّيل توسّط الرّدف وضجع السّماك الرّامح، وغاب قلب العقرب، وإذا كان ثلثا اللّيل توسّط منكب الفرس وغوّرت الفكّة.
(1/156)

وإذا حلّت الشّمس بوسط الأسد فغربت، طلعت الكفّ الخضيب وزاغ قلب العقرب فأدبر، وغاب قلب الأسد، فإذا كان ثلث اللّيل طلع العيّوق والثّريّا، وضجع قلب العقرب، وقارب الرّدف التّوسّط، فإذا كان نصف اللّيل استقلّ الدّبران، وقارب منكب الفرس أن يتوسّط. وإذا كان ثلثا اللّيل طلع النّاجذ، وتوسّط الكفّ الخضيب واستقلّ المرزم.
6- السّنبلة: وإذا حلّت الشّمس بأوّل السّنبلة فغربت، استقلّ الكفّ الخضيب فإذا كان ثلث اللّيل طلع الدّبران وزاغ الرّدف، وغاب السّماك الرّامح، فإذا كان نصف اللّيل زاغ منكب الفرس، وغربت الفكّة وطلع المرزم، وإذا كان ثلثا اللّيل طلعت الشّعرى الغميصاء، وهمّت الشّعرى العبور بالطّلوع.
وإذا حلّت الشّمس بوسط السّنبلة فغربت، قارب أن يطلع رأس الغول وقرب توسّط نسر الواقع، فإذا كان ثلث اللّيل استقلّ الدّبران وقارب منكب الفرس التّوسّط، وجنحت الفكّة، فإذا كان نصف اللّيل استقل النّاجذ وزاغت الكفّ الخضيب، واستقل المرزم، وإذا كان ثلثا اللّيل غاب النّسر الطائر واستقلّت الشّعريان، وجنح النّسر الواقع.
7- الميزان: وإذا حلّت الشّمس برأس الميزان فغربت، طلع رأس الغول وزاغ النّسر الواقع، فإذا كان ثلث اللّيل قارب المرزم الطّلوع، وزاغ منكب الفرس، وغابت الفكّة، فإذا كان نصف اللّيل طلعت الشّعريان وانصبّ النّسران، وانصبابهما: تدلّيهما للغروب، فإذا كان ثلثا اللّيل طلع قلب الأسد والكوكب الفرد بأثره ورأس الغول وغاب النّسر الواقع.
وإذا حلّت الشّمس بوسط الميزان، وغربت همّ العيّوق بالطّلوع وتوسّط النّسر الطائر، فإذا كان ثلث اللّيل طلع النّاجذ واستقلّ المرزم، وزاغت الكفّ الخضيب، فإذا كان نصف اللّيل استقلّت الشّعريان، وغاب النّسر الطّائر، فإذا كان ثلثا اللّيل استقلّ قلب الأسد والكوكب الفرد، وتوسّط الدّبران.
8- العقرب: وإذا حلّت الشّمس بأوّل العقرب فغربت، طلع العيّوق وتبعته الثّريا وزاغ النّسر الطّائر، وانصبّ السّماك الرّامح، وإذا كان ثلث اللّيل استقلّ النّاجذ، وقرب طلوع الشّعريين، وانصبّ النّسر الطّائر، وإذا انتصف اللّيل طلع قلب الأسد، وزاغ رأس الغول، وغاب النّسر الواقع، وإذا كان ثلثا اللّيل توسّط النّاجذ وزاغ العيّوق، وضجع منكب الفرس وغاب الرّدف.
وإذا حلّت الشّمس بوسط العقرب، توسّط الرّدف وضجع السّماك الرّامح فإذا كان ثلث اللّيل اقتربت الشّعريان، واقترابهما دون الاستقلال، وضجع النّسر الطّائر، فإذا كان نصف اللّيل استقلّ قلب الأسد والكوكب الفرد، وهمّ الدّبران بالتّوسّط، فإذا كان ثلثا اللّيل همّت
(1/157)

الشّعرى العبور بالتّوسّط، وغاب الرّدف قبل ذلك، وزاغ المرزم، وانصبّت الكفّ الخضيب.
9- القوس: وإذا حلّت الشّمس بأوّل القوس فغربت، طلع الدّبران وغاب السّماك الرّامح اتفاقا، فإذا كان ثلث اللّيل توسّط رأس الغول، وهمّ قلب العقرب بالطّلوع، فإذا كان نصف اللّيل همّ النّاجذ بالتّوسّط، وزاغ العيّوق قليلا، وغوّر الرّدف، فإذا كان ثلثا اللّيل أشخص السّماك، وإشخاصه: إقرانه، وهو نهوضه في المطلع قليلا، وتوسّط الشّعرى الغميصاء، وزاغت العيّوق.
فإذا حلّت الشّمس بوسط القوس فغربت، توسّط منكب الفرس وغوّرت الفكّة، فإذا كان ثلث اللّيل استقلّ قلب الأسد، وقارب الدّبران التّوسّط، وطلع الفرد، فإذا كان نصف اللّيل زاغ المرزم، وغرب قبل ذلك منكب الفرس، وقاربت الشّعرى العبور التّوسّط، فإذا كان ثلثا اللّيل طلعت الفكّة.
10- الجدي: وإذا حلّت الشّمس بأوّل الجدي فغربت، طلع النّاجذ واستقلّ المرزم، وتوسّطت الكفّ الخضيب، فإذا كان ثلث اللّيل زاغ الدّبران، وهمّ النّاجذ بالتّوسّط، وضجع الرّدف، فإذا كان نصف اللّيل طلع السّماك الرّامح، وغابت الكفّ الخضيب، وهمّت الشّعرى الغميصاء بالتّوسّط، فإذا كان ثلثا اللّيل همّ قلب الأسد بالتّوسط، وجنح رأس الغول وتوسّط الفرد.
فإذا حلّت الشّمس بوسط الجدي، فغربت، طلعت الشّعريان، وجنح النّسر الطّائر، فإذا كان ثلث اللّيل زاغ المرزم، وغاب منكب الفرس، وغاب قبل ذلك الرّدف، فإذا كان نصف اللّيل طلعت الفكّة، وزاغت الشّعرى الغميصاء، فأدبرت فإذا كان ثلثا اللّيل همّ الهراران بالطّلوع وغاب النّاجذ والدّبران ورأس الغول.
11- الدّلو: فإذا حلّت الشّمس بأوّل الدّلو فغربت، قارب رأس الغول التّوسّط، واستقلّت الشّعريان فارتفعتا فإذا كان ثلث اللّيل طلع السّماك الرّامح وغابت الكفّ الخضيب وزاغت الشّعرى العبور، فإذا كان نصف اللّيل قارب قلب الأسد التّوسّط، فإذا كان ثلثا اللّيل طلع الهراران، وهما قلب العقرب والنّسر الواقع، وضجعت الشّعرى العبور والمرزم.
وإذا حلّت الشّمس بوسط الدّلو فغربت أشخص قلب الأسد، وطلع الفرد، وقارب الدّبران التّوسّط، فإذا كان ثلث اللّيل طلعت الفكّة وزاغت الشّعرى الغميصاء، فأدبرت بعيدا، فإذا كان نصف اللّيل غاب رأس الغول، ورجل الجوزاء، وزاغ قلب الأسد، فإذا كان ثلثا اللّيل طلع الرّدف وغوّر العيّوق.
(1/158)

12- الحوت: وإذا حلّت الشّمس بأوّل الحوت فغربت، زاغ الدّبران وتوسّط العيّوق، وغوّر الرّدف، وهمّ النّاجذ بالتّوسّط، فإذا كان ثلث اللّيل قارب الأسد التّوسّط، واستقلّت الفكة فارتفعت، فإذا كان نصف اللّيل طلع الهراران وجنحت الشّعرى اليمانية، فإذا كان ثلث اللّيل طلع النّسر الطّائر وغوّرت الشّعرى الغميصاء، وغاب العيّوق.
فإذا حلّت الشّمس بوسط الحوت فغربت، زاغ المرزم، وغاب منكب الفرس قبل ذلك، وهمّت الشّعرى العبور بالتّوسّط، فإذا كان ثلث اللّيل زاغ قلب الأسد، وغوّر رأس الغول، ورجل الجوزاء، فإذا كان نصف اللّيل غاب المرزم والشّعرى العبور قبيل ذلك، واستقلّ النّسر الواقع، وقارب طلوع الرّدف، فإذا كان ثلثا اللّيل توسّط السّماك الرّامح واستقلّ النّسر الطّائر.
(1/159)

الباب التّاسع في ذكر البوارح والأمطار مقسّمة على الفصول والبروج وفي ذكر المراقبة
اعلم أنّ جميع أمطار السّنة ثمانية أصناف، وهي الوسمي- والولي- والشّتيء- والدّفيء- والصّيف- والحميم- والرّمضي- والخريفي- ولكلّ صنف منها وقت عرفته العرب بمساقط منازل النّهار الثّمانية والعشرين التي ذكرها الله تعالى في كتابه فقال: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ
[سورة يس، الآية: 39] وبالبروج الاثني عشر لأن كلّ برج منزلان وثلث من هذه الثمانية والعشرين، وذلك حكم منهم على مناجعهم ومزالفهم بالتّجارات، وهو إلى الآن على ذلك، وإن كان كثير من أطراف الأرض وأوساطها يختلف، فقد قيل: إنّ أهل اليمن يمطرون في الشّتاء ويخصبون في الصّيف.
قال أبو حنيفة: إذا أحببت أن تستيقن ذلك فانظر إلى زمان مدّ النّيل، فإنّه في صميم القيظ، وإنّما يمدّ من أمطار البلاد التي منها يقبل، وقال بعض أصحاب الخليل، وقد صنّف أبواب الانتفاع بالمطر: إنّ من المغرب من مطره الذي يغيثه وينفعه الخريف، ويكون أكثر مطرهم وأغزره وأنفعه لهم.
وقال أكثرهم: إنّ مطر الرّبيع ضارّ، وهم أهل اليمن ومن يليهم من تهامة. ومنهم من يحسبه الوسميّ، وهو مطر الشّتاء، ومجيئه الرّبيع، ويكون الخريف ضارا يفسد كلأهم ويلبده، وهم أهل العراق ومن قاربهم من نجد، ومنهم من يصيبه مطر السّنة كلّها وهم أهل نجد الذين تاخموا نجدا، أي حاذوهم، وأهل العراق، ومن قاربهم من الشّام ونجد، وما بينهما وبين خراسان مطرهم الشّتوي والرّبعي، ومطر اليمن وما قاربها من تهامة الصّيفي، والخريفي. قال: ومن تهامة ونجد ما تعمّه هذه الأمطار كلّها، وكذلك طبرستان- والدّيلم- وأرمينية- وجبلان- وجبل القيق. والعرب تقول: إنّه ما اجتمع مطر الثّريا في الوسميّ ومطر الجبهة في الرّبيع إلّا كان تامّ الخصب ذلك العام، كثير الكلأ.
(1/160)

وهذا كما حكوا عن الحرم أنه إذا أصاب المطر الباب الذي من شقّ العراق كان الخصب في تلك السّنة بالعراق، وإذا أصاب شقّ الشّام كان الخصب والمطر في تلك السّنة بالشّام، وإذا عمّ جوانب البيت كان المطر والخصب عاما في البلدان.
واعلم أنّه كما أنّ لكلّ نجم نوء فله بارح أيضا وهي البوارح وهي الرّياح. والعرب تقول: فعلنا كذا أيام البوارح، وهي رياح النّجم- والدّبران- والجوزاء- والشّعرى- والعقرب- وأنشد الأصمعيّ:
أيا بارح الجوزاء مالك لا ترى ... عيالك قد أمسوا مراميك جوّعا
وقال آخر شعرا:
أيذهب بارح الجوزاء عنّي ... ولم أذعر هوامك بالسّنار
وقال آخر شعرا:
أيا بارح الجوزاء مالك لا تجي ... وقد فني مال الشّيخ غير قعود
وأحبّوا أن تهبّ رياح الجوزاء حتى إذا طردوا إبلا وسرقوها عفت الرّياح آثارها وآثارهم، فأمنوا أن يقتفى أثرهم، واسم ما يحدث من ريح أو حر بارح على التّشبيه بالبارح من الوحش، لأنه قد يطلع مما يلي شمال النّاظر، ويأخذ على يمينه كالوحش.
وقال أبو حنيفة: زعم قوم لا معرفة لهم باللغة، أنّ البارح ضدّ النوء، وأنّه طلوع الرّقيب فيقولون: برح الكوكب: إذا طلع، قالوا وذلك لأنه ييامن البيت الحرام إذا طلع ويياسره إذا غرب، وإن قال: خذ من يمينك إلى يسارك فهو بارح. والذي قالوه ليس بمدفوع، لكنا لم نجد العلماء يعرفون ما قالوه في الكوكب، ولا رووا ذلك عن العرب، قال أبو زيد: البارح: الشّمال الحارة يكون في الصّيف. وقال الفرّاء: البوارح: الرّياح الصّيفية، وسمّيت بذلك لأنّها هي السّموم التي تأتي من الشّمال، وأنشد لذي الرّمّة شعرا:
تلوث على معارفنا ونرمي ... محاجرنا شآمية سموم
وقال أبو عمرو: وهي ريح السّموم، وقال يزيد بن القحيف: البارح: شدّة الرّيح في الحرّ، وقال مرار في صحة ما قالوا شعرا:
تراها تدور لغيرانها ... ويهمجها بارح ذو عما
يهمجها: يرمي بها في كنسها، وهي غيرانها، وجعلها ذا عماء لعرئه والعماء أصله في السّحاب، وقال الأخطل شعرا:
(1/161)

شرقن إذ عصر العيدان بارحها ... وأيبست عن مجرى السّنة الخضر
يقول: جفّ كلّ شيء أخضر فلم يبق إلّا من درع يسقى. والسّنة سنة الحراث، ومجرى السّنة الحرث، وقال بعضهم: قيل له بارح: لأنه يبرح بالتّراب أي يذهب به، وقيل أيضا: البارح البين، كما يقال برح الخفاء إذا بان بما كان يخفى. ويجوز أن يكون من البرح، وهو الشّدة لما كان ينسب البرد والأمطار والسّموم والحرور إلى نوئه معه. ومنه البرح وبرحين وبنات برح وبنت برح. وقال أبو زيد: إذا هبّت الجنوب بعد دوام الشّمال في ذلك فرسخ أي راحة وفرجة. والرياح أربع بإجماع من الأمم. وإنّما اختلفت باختلاف مهابّها في أقطار الأرض الأربعة، وهي: مطلع الاستواء- ومغربه- وجهة القطب الجنوبي- وجهة القطب الشمالي، فالتي تهبّ من مغرب الاستواء هي الغربية وتسمّى الدّبور، وهي التي سمّاها الله عقيما.
وقال النّبي صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالصّبا وأهلكت العاد بالدّبور» والتي تهبّ من جهة القطب الجنوبي هي الجنوب وتسمّى الأزيب. والنّعامي وهي تهبّ من جهة القطب الشّمالي وتسمى الشّمال، وهي الجريباء، ومحوة لأنّها تبدّد السّحاب وتمحوه، ونسعا ومسعا وهي الشّامية.
وقال ابن الأعرابي: مهبّ الجنوب من مطلع سهيل إلى مطلع الثّريا، ومهبّ الصّبا من مطلع الثّريا إلى بنات نعش، ومهب الشّمال من بنات نعش إلى مسقط النّسر الطائر، ومهبّ الدّبور من مسقط النّسر الطائر إلى مطلع سهيل، والجنوب والدّبور لهما هيف وهو الرّياح الحارة الصّيفية، والصّبا والشّمال لا هيف لهما. والعرب تجعل أبواب بيوتها حذاء الصّبا ومطلع الشّمس.
وقال الأصمعي: ما بين سهيل إلى طرف بياض الفجر وما بإزائها ممّا يستقبلها شمال وما جاء من وراء بيت الله الحرام، دبور، وما كان قبالة ذلك فهو صبأ وقال غير الأصمعي وابن الأعرابي: الجنوب التي تهبّ عن يمين القبلة شتاء والصّبا بإزائها، وقالوا كلّهم كلّ ريح تهبّ بين مهبي ريحين فهي نكباء، لتنكّبها عن المهاب المعروفة، والجمع نكب، وتميل في طبعها إلى الرّيح التي في مهبها أقرب إليها.
وقال أبو زيد: النّكباء التي لا يختلف فيها: هي التي بين الصّبا والشّمال والنّكباء ذات ثمان، لأنّ بين كلّ ريح وأختها ريحين، وكلّ واحدة إلى جنب صاحبتها وهبوبها في أيام الشّتاء أكثر، ومن رياح الشّتاء الحرجف والبليل، ومن رياح الصّيف الهيف والسّموم والحرور، فإن هبّت ليلا في ابتداء الرّبيع فهي الخاسة. وسيجيء القول في أجناس الرّياح مستقصى في موضعه، واللّواقح تهبّ في الربيع لا غير، وهي الجنوب، والصّبا والشّمال وتسمّى المستثابات، ومعناه المستنقعات من الثّواب، ويجوز أن يكون المسؤولات النؤب
(1/162)

أي الرّجوع. وروى ابن الأعرابي أنه قلّ ما تهبّ الشّمال إلا وإذا جاء اللّيل ضعفت أو سقطت ولذلك قالوا في أحاديثهم: إنّ الجنوب قالت للشّمال إنّ لي عليك فضلا أنا أسري وأنت لا تسرين، فقالت الشّمال: إنّ الحرة لا تسري باللّيل وهذا كما ترى.
وقال أبو زيد: إنّ أكثر هبوب الشّمال باللّيل، وأنه قلّما ينتفج من الرّياح باللّيل إلا الشّمال، وربما انتفجت على النّاس بعد نومهم، فتكاد تهلكهم بالقرّ من آخر ليلهم وقد كان أوّل ليلهم دفيئا، وهذا الخلاف فيما أتين لاختلاف البقاع، وتفاوت الأزمان والله أعلم.
وأنشد الأصمعي يصف النّساء:
تصيّفن حتّى أوجف البارح السّفا ... ونشّت جراميد اللّوا والمصانع
فالمصانع وإيجاف البارح السّفا: مرّ به على وجه الأرض، وهو من الوجيف وهو السّرعة، والسّفا ما تساقط من يبيس البقل، وقال أيضا:
ألفن اللّوى حتّى إذا البروق ارتمى ... به بارح راح من الصّيف شامس
والبروق من دفيء النّبت، وفي المثل: أشكر من البروق، لأنّه ينبت بالغيم والرّاح الشّديد من الرّيح، ويشبه هذا قوله:
أقمن على بوارح كلّ نجم ... وطيّرت العواصف بالتّمام
والبارح مذكّر، وإن كانت الرّيح مؤنّثة.
قال أبو حنيفة: قد حكى بعضهم أنّ العرب كانت تقول لا بدّ لنوء كل كوكب من أن يكون فيه مطر أو ريح أو غيم أو حر- أو برد- ثم كانوا ينسبون ما كان فيه إليه، والأعمّ الأشهر أنّ الأمطار مقصور ذكرها على الأنواء خاصة. فما يكاد يسمع بشيء منها منسوبا إلى طلوع ولا يحفظ، وأما البوارح فأكثر الأمر فيها أن ينسب إلى طلوع نجوم الحرّ خاصة لأنها رياح الصّيف، وربّما نسب شيء منها إلى النّوء وذلك قليل.
وقال ذو الرمة:
حدا بارح الجوزاء أعراف موره ... بها وعجاج العقرب المتناوح
الأعراف: الأوائل، المور: الغبار وأراد بعجاج العقرب: عجاج بارح العقرب كقوله:
شفّها هبوب الثّريا والتزام التنائف، أراد هبوب بارح الثّريا فهذا ذكر البوارح.
(1/163)

فصل في المراقبة والمطالعة
واعلم أنّ لكلّ برج ومنزل رقيبا من المنازل والبروج، فرقيب كلّ برج البرج السّابع، ورقيب كلّ منزل المنزل الخامس عشر، ومعنى الرّقيب الذي في غروبه طلوع الآخر، وهو مأخوذ من المراقبة، لأنه يراقب بالطلوع غروب صاحبه. قال شعرا:
أحقّا عباد الله أن لست لاقيا ... بثينة أو تلقى الثّريّا رقيبها؟!
والمعنى لست لاقيها أبدا، لأنّ هذا لا يكون أبدا، وكيف يلقيان وأحدهما إذا كان في المغرب كان الآخر في المشرق؟ وقال:
قدورهم تغلي أمام قبابهم ... إذا ما الثّريا غاب قصرا رقيبها
فمراقبة الأبراج للأبراج والمنازل للمنازل، على ما ذكرناه، ومن هذه البروج ما يشاكل اسمه صورته كالعقرب والحوت، ومنها ما لا يشاكل اسمه صورته، والبروج الاثنا عشر سمّي بعضها بأسماء. فالحمل يسمّى: الكبش، والجوزاء: التّوأمين، والسّنبلة: العذراء، والعقرب: الصّورة، والقوس: الرّامي، والحوت: السّمكة. ويسمّى أيضا الرّشاء، ولكلّ برج منزلان وثلاثة من منازل القمر، حتّى يستوفيها. فالحمل رقيبه الميزان، والثّور رقيبه العقرب، والجوزاء رقيبه القوس، والسّرطان رقيبه الجدي، والأسد رقيبه الدّلو، والسّنبلة رقيبه الحوت.
والمطالعة هو أن يطلع نجمان معا، أو متقاربين، ولا يكون ذلك في نجوم الآخذ ولا يطلع نجمان منها معا، ولكن يكون في غيرها، وفيها مع غيرها وذلك كمطالعة الثريا بالعيّوق ولذلك يقول شاعرهم:
فإن صديا والمدامة ما مشى ... لكالنّجم والعيّوق ما طلعا معا
ومطالعة الشّعرى الغميصاء الشّعرى العبور، ومطالعة الأعزل للرّامح، ومطالعة النّسر الطّائر للعنا، ومطالعة الجبهة سهيلا، فإن كلّ نجم إذا طلع معه الآخر أو قريبا.
وأنشد أبو العباس أحمد بن يحيى:
وصاحب المقدار والرّديف ... أفنى الوفا بعد ألوف
الرّديف النّجم الذي إذا نأى من المشرق انغمس رقيبه في المغرب، وإنما يعني أن تعاقب النّجوم على مرّ الدّهور ولا يبقى أحد.
(1/164)

الباب العاشر في ذكر الأعياد والأشهر الحرم والأيام المعلومات، والأيام المعدودات والصلاة الوسطى
حكى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: سألت أعرابيّا فصيحا فقلت: ما الأشهر الحرم؟
فقال: ثلاثة سرد، واحد فرد. قال ثعلب: فالسّرد المتتابعة وهو ذو القعدة- وذو الحجة- والمحرّم- والفرد: رجب. وهذا قول ابن عباس ويكون من سنتين، وقال غير ابن عباس:
هي من سنة واحدة فعددها المحرّم وهو أوّلها- والثّاني: رجب- والثّالث: ذو القعدة- والرّابع: ذو الحجّة. واحتج هذا بأنه قال تعالى: مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ
[سورة التوبة، الآية: 36] يعني من الاثني عشر، فجعلها من سنة واحدة.
قال ثعلب: والاختيار عندي قول ابن عبّاس وهو كلام العرب، وإن كان لفظها من سنتين فهي تعود إلى الاثني عشر إلى سنة واحدة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «دخلت العمرة في الحج» أي في أشهر الحج ولم تكن العرب تعرف العمرة في أشهر الحج، بل كانت العمرة فيها عندهم من أفجر الفجور، وكانوا يقولون: إذا انسلخ صفر، ونبت الوبر، وعفا الأثر، وبرأ الدّبر، حلّت العمرة لمن اعتمر. فلّما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشهر الحج دخلت العمرة في الحج، أي في أشهرها، وروى سفيان بن عيينة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب لآل حزم: «إنّ العمرة الحج الأصغر» ، فدلّ كلامه على أن ثمّ أكبر.
وروي عن عطاء أنه قال: من اعتمر ثم مات ولم يحج أجزأت عنه حجة الإسلام، يذهب إلى قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ
[سورة آل عمران، الآية: 97] وروي عن عليّ كرّم الله وجهه: الحجّ الأكبر يوم النّحر، محتجّا بقوله تعالى: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
[سورة التوبة، الآية: 2] وهي عشرون من ذي الحجّة- والمحرّم- وصفر- وشهر ربيع الأوّل- وعشر من ربيع الآخر- قال: فلو كان يوم عرفة لكان أربعة أشهر ويوما، وكان ابن عباس يقول: الحج الأكبر يوم عرفة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج مهلّا بالحج ويقول
(1/165)

بعضهم: خرج لعمرة، وقال بعضهم؛ خرج قارنا وإنما خرج ينتظر أمر الله، وعلم الله أنّها حجة لا يحج بعدها فجمع ذلك كلّه له في شهر واحد، ليكون جميع ذلك سنّة لأمّته، فلمّا طاف بالبيت ثم رأى أن يجعلها عمرة، وحبس من كان معه على هدي، لقوله تعالى: حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
[سورة البقرة، الآية: 196] فجمعت له العمرة والحج.
وقد قال قوم: إنّ الأربعة الحرم هي التي أجّلها رسول الله صلى الله عليه وسلم للمشركين فقال:
فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
[سورة التوبة، الآية: 2] وهي شوّال- وذو القعدة- وذو الحجّة- والمحرّم. ثم قال: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ
[سورة التوبة، الآية: 5] وقال: إنّ الأربعة التي جعلت حلّا من عشر ذي الحجة إلى عشر من ربيع الآخر، وجعلها حرما، كما قال: مكّة حرم إبراهيم، والمدينة حرمي. وروي أيضا أنه حرم ما بين لابتي المدينة يعني حرّتيها، وفي آخر حرم ما بين عير إلى ور وهما جبلان. فأما قوله تعالى:
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ
[سورة البقرة، الآية: 197] فإنه يريد أوقات الحجّ أشهر، أو أشهر الحجّ أشهر. وهذا خطاب يدلّ على معرفة العرب بشهور معلومة كانوا فيها يحجّون، فأقرّ الله أمرها في الإسلام على ما كانت عليه ودعا إلى إقامة الحجّ فيها.
واعلم أنها أوقات الحجّ دون غيرها، وأنّ من فرض على نفسه فيها الحجّ فمن السنة أن يترك الرّفث والفسوق والجدال، ومعنى فرض الرّجل على نفسه الحج إهلاله به، والإهلال التّلبية، وأصله رفع الصوت. وروي عن الشّعبي وابن عمر أنّها شوّال- وذو القعدة- وذو الحجة- وقال بعضهم: له من ذي الحجّة عشر ليال، فكأنّه جعل الشّهرين وبعض الثّالث أشهرا، وهذا في القياس قريب لأنّه كما جاز أن يسمى الشّهر ذا الحجّة، وإن كانت الحجّة في بعض أيّامه، كذلك يجوز أن يسمّى شهر الحجّ، وإن لم يكن جميع أيّامه مصروفا إليه.
وحكي عن ابن عبّاس أنه قال: الأيام المعدودات أيام التّشريق، والأيّام المعلومات الأيام العشرة من أوّل ذي الحجّة. وقال عطاء: الأيام المعدودات أيام منى ويوم التّروية، سمّي بذلك لأنّهم كانوا يتروّون من الماء، ويتزوّدونه معهم، ويوم عرفة لا يدخله الألف واللام، وإنّما سمّي عرفة وعرفات، لأنّ من حضرها كانوا يتعارفون بها. وقال بعضهم: بل لأنّ جبرائيل عليه السّلام طاف بإبراهيم صلوات الله عليه يديره على المشاهد، ويوقفه عليها، ويقول له: حالا بعد حال عرفت عرفت، والعروف الحدود، والواحد عرفة. وقيل: سمّيت عرفة بذلك كأنّه عرف حدّه لتميزه عن غيره من الأرضين، ولكونه معرفة امتنع من دخول الألف واللّام عليه. وحكي؛ طار القطا عرفا عرفا، بعضها خلف بعض.
وأمّا الأعراف: فكل موضع مرتفع عند العرب ومنه قوله تعالى: وَعَلَى الْأَعْرافِ
(1/166)

رِجالٌ
[سورة الأعراف، الآية: 46] ، ولا يمتنع أن يكون عرفة وعرفات مشتقا من جميع ذلك والتّعريف: الوقوف بعرفات، وتعظيم يوم عرفة إن نصب الضالة فتنادي عليه وإن سمّيت رجلا بعرفات صرفته، ولم يكن التاء فيه كالتاء من عرفة لو سمّيت بها، وذلك أنّ التاء من عرفات بإزاء النّون في المسلمين، إذ كان هذا الجمع من المؤنث بإزاء جمع المذكّر الصّحيح، ولذلك لمّا كان ذاك في موضع النّصب والجر بالياء، جعل هذا في موضع النّصب والجر بالكسرة، لأنّ الكسرة أخت الياء، فلمّا كان الأمر على ذلك لم يكن كالتّاء التي يبدل منها في الوقف هاء كالتي في طلحة وعزّة، وكان يمتنع الصّرف في المعرفة. وفي القرآن:
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ
[سورة البقرة، الآية: 198] فصرفه وإن كان معرفة.
ومشاعر الحجّ واحدها مشعر وهو في موضع المنسك، وكذلك الشّعيرة من شعائر الحجّ، وهي علاماته وأفعاله المختصة به، كالسّعي والطّواف والحلق والذّبح، وكلّ ذلك يجوز أن يكون من شعرت، وليت شعري، فيرجع إلى العلم كما أنّ عرفة وعرفات في تصاريفه يرجع إلى المعرفة، وفي القرآن: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
[سورة الحج، الآية: 36] وقال الخليل: يقال: أشعرت هذه البدنة لله نسكا أي: جعلتها شعيرة تهدى، قال: وقال بعضهم: إشعارها أن يوجأ سنامها بسكّين فيسيل الدّم على جنبها فيعلم أنّها هدي. أو يعلّم بعلامة تشدّ في سنامها. وكره قوم من الفقهاء تدميتها، وقالوا: إذا قلّدت فقد أشعرت.
وقوله تعالى: يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ
[سورة التوبة، الآية: 3] قيل: هو يوم النّحر، وقيل:
هو يوم عرفة وكانوا يسمّون العمرة: الحج الأصغر.
ويوم النّحر: سمّي به لأنّهم كانوا ينحرون البدن.
ويوم القر: بعده، وهو الذي يسميه العامة يوم الرّءوس، وسمّي بذلك لأنّ الناس يستقرون فيه بمنى لا يبرحونها.
ويوم النفر: سمّي به لأنّ النّاس ينفرون فيه متعجلين.
ويقال: عيد الفطر، وعيد الإفطار، وعيد الضّحى والعيد أصله من عاد يعود لعوده كلّ سنة، لكن واوه انقلبت ياء لانكسار ما قبلها، ثم جعل البدل لازما حتى كأنّه اسم وضع لليوم، لا مناسبة بينه وبين المشتق منه، وهم يفعلون مثل هذا إذا أرادوا التّخصيص، لذلك قيل في تصغيره: عييد، وفي جمعه: أعياد ولم يجر مجرى قوله: ريح ورويحة وأرواح،
(1/167)

ومما يشبه هذا قوله: يا دارميّة بالعلياء فالسّند هو من العلو، فقلب الواو ياء، وقوله: فما أمّ خشف بالعلاية مشدن. مثله وليس قبل واحد منهما ما يوجب القلب، لكنهم يفعلون ذلك كثيرا في الأعلام وما يجري مجراها، وقد قالوا: الشكاية وحبيت الخراج حباوة ونحو منها، ما حكاه سيبويه من القواية قال عمرو بن براقة:
ومال بأصحاب الكرى عالياتها ... فإنّي على أمر القواية حازم
وهو فعالة من القوة، وأصلها قواوة وكأنّه كره اكتناف الواوين للألف.
والأضحى، إذا ذكّر: يراد به اليوم، وإذا أنّث أريد به السّاعة، والتأنيث أجود.
ويقال: دنت الأضحى، وقيل: سمّيت الأضحية لأنها تذبح ضحوة.
والفطر: من فطرت النّاقة إذا حلبتها فانفتحت رؤوس أخلافها لأنّ الأفواه تنفتح بالأكل والشّرب، ويقال: أضحاة وأضحى وضحية وضحايا والأضحى يذكّر ويؤنّث، فمن ذكّر ذهب إلى اليوم، وأنشد الأصمعي:
رأيتكم بني الحدواء لمّا ... دنا الأضحى وصلّلت اللّحام
وأنشد الثوريّ في تأنيثه:
قد جاءت الأضحى ومالي فلس ... وقد خشيت أن تسيل النّفس
وقال هشام بن معاوية: حكى الأصمعيّ: أضحاة وسمّي الأضحى بجمع أضحاة فأنّث لهذا المعنى وجاء في الحديث: «على كلّ مسلم عتيرة وأضحاة» . وقال هشام: التأنيث في الأضحى أكثر من التّذكير، وجمع الأضحية أضاحي، وجمع الضّحية ضحايا.
وأيّام التّشريق سمّيت بذلك لأن لحوم الأضاحي تشرق للشّمس، وقيل: بل سمّيت بذلك لقولهم: أشرق ثبير كيما نغير، وقال ابن الأعرابي: سميت بذلك لأنّ الهدي لا ينحر حتى تشرق الشّمس.
وقال أحمد بن يحيى: أنا أذهب إلى أنّ الأيام المعلومات في الأيام المعدودات لأنه جاء في كتاب الله تعالى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ
[سورة الحج، الآية: 28] فدلّ على أنّها أيام نحر.
ويوم عاشوراء في المحرّم، ويقول الفقهاء: يوم عاشوراء التّاسع من المحرم، وحكى بعضهم أنّه سئل النّضر بن شميل عن التّشريق، فقال: هو من قولهم أشرق ثبير: أي لتطلع الشّمس، وقيل: أيام التّشريق: لأنّهم يشرقون اللّحم، قال: فقلت له: إنّ وكيعا حدّثنا عن
(1/168)

شعبة عن سيار عن الشّعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ذبح إلّا بعد التّشريق» فقال وكيع:
التّشريق الصلاة، قال: هذا حسن. قال النّضر: وقد جاء في الحديث: «لا جمعة ولا تشريق إلّا في مصر جامع» ، والتّفسير موافق للحديث، فأما قول أبي ذؤيب بصفا المشرّق كلّ يوم يقرع. فقد حكى عن أبي عمرو الشّيباني أنّه أنشد بصفا المشقّر فأنكره، وقال: المشقّر حصن بالبحرين، والصّفا موضع، فما لأبي ذؤيب والبحرين، إنّما هو المشرّق، وكان ابن الأعرابي يرويه المشقّر، وحكي عن الأصمعي أنّه أنشد كلّ يوم، فقال الله أكرم من ذاك هو:
كلّ حين. ذهب الأصمعيّ إلى أنّ الحج يقال: كلّ سنة لا كلّ يوم، والحين يقع في كلامهم على المدة الطويلة والسّنين الكثيرة. وقال الأصمعي: المشرّق المصلّى، ومسجد الخيف هو المشرّق. وقال شعبة بن الحجّاج: خرجت أقود سماك بن حرب في يوم عيد، فقال: امض بنا إلى المشرّق يعني المصلّى. وقيل: يعني مسجد العيدين، وقال أبو عبيدة: المشرّق سوق الطائف، وقال الباهلي: جبل البرام.
[فصل في] بيان الصلاة الوسطى:
فأما الصلاة الوسطى: فقد اختلفوا فيها: فروي عن عليّ كرّم الله وجهه أنّه الفجر، وقال غيره: هي العصر، وقد جاء القرآن في توكيد أمر الفجر بما يصحح قول عليّ فيه، قال تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً
[سورة الإسراء، الآية: 78] وكلتا الصّلاتين متوسطة لسائر الصّلوات، فإذا جعلت صلوة الفجر الوسطى فهي بين صلوات اللّيل والنهار والنّهار: الظّهر والعصر، واللّيل العشاء أن الأولى والآخرة. وإذا جعلت العصر هي الوسطى: فهي متوسّطة بين الفجر والظّهر من صلوة النّهار. والعشاءين الأولى والآخرة من صلوات اللّيل، وقوله تعالى: الصَّلاةِ الْوُسْطى
[سورة البقرة، الآية: 238] مؤكد للدلالة على أنّ الصلوات المفروضات خمس، لا زيادة فيها، ويزيل التّأويل فيما ذهب إليه بعض المتفقهة من فرض الوتر، بالخبر المرويّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله زادكم صلوة وهي الوتر» وقد يزيد الله النّاس مما يدعوهم إليه من أعمال البر مما هو فضيلة لفاعله، ونافلة للمتقرّب به ولا يكون في قوله: «زادكم صلاة» ما يوجب الفرض، ولو كان الوتر فريضة لكانت عدة الصلاة المفروضات ستا، والسّتّ لا أوسط لها، ولا وسطى، وإنّما الوسط للإفراد، لأنّها تكون منها واسطة وحاشيتان متساويتان، كالخمس فإنّها اثنان في أحد الطّرفين، واثنان في الآخر، وواحد في الوسط، ويجوز أنّ يكون معنى الوسطى: العظمى والكبرى، يراد بذلك فضل محلّها، وزيادة ثوابها والله أعلم أيّ الوجهين هو المراد. وقوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ
[سورة البقرة، الآية: 194] يقول: حرمة الشّهر تجب على الفريقين في الكفّ عن
(1/169)

القتال لكنّ الكافر إذا اعتدى، فليس على المؤمن أن يقبض يده، ويلقي بها إلى التّهلكة، بل إذا قوتلوا في الأشهر الحرم كان مطلقا لهم، ومفروضا عليهم قتالهم فيها.
وقوله تعالى: الْحُرُماتُ قِصاصٌ
[سورة البقرة، الآية: 194] معنى القصاص: أن تفعل بصاحبك مثل الذي هو فعل بك، فإذا قاتلت الكافر في الشّهر الحرام كما قاتلك فقد قاصعته وفعلت مثل فعله، وقوله تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ
[سورة البقرة، الآية: 194] معناه: جازوه جزاء الاعتداء، فسمّى الجزاء باسم الاعتداء، طلبا للمطابقة في اللّفظ، وإيذانا بأنّ الثّاني كالفرض المؤدّى، فالمواصلة فيه مرعية.
فصل [في ذكر العرب اسما تعلّق الأحداث بها فيخرجونها مخرج الصّفات والأفعال]
حكى الأصمعيّ أنّ العرب ربما تذكر اسما تعلّق الأحداث بها فيخرجونها مخرج الصّفات والأفعال منسوبة، ولشهرتها وظهور الفرض منها استجيز معها ما لم يستجز في غيرها، ولا يتقايس، فمن ذلك: لا آتيك مغرى الغرر، أي حتى يجتمع وذلك لا يكون أبدا ولا آتيك أبي هبيرة، قال: وأبو هبيرة هو سعد بن زيد مناة بن تميم، ولا آتيك هبيرة بن سعد، ولا آتيك القارظة الغزى، وقولهم: زمن الفطحل: أي حين كانت الحجارة رطبة قال:
لو أنني عمّرت عمر الحسل ... أو عمر نوح زمن الفطحل
كنت رهين هرم أو قتل جعل الموت حتف الأنف والقتل سواء، أو عام الفتق قال رؤبة: لم ترج رسلا بعد أعوام الفتق، يشيرون بذلك إلى زمن الخصب والخير كأنّ جلود الأكلة والرّاعية لسمنها فتقت فتقا، وكأنّ ظواهر الأرض وبطنانها فتقت بالنّبات، ويقال: آتيه قيظ عام أوّل، وما تركت من أبيه مغدا ولا مراحا ولا مغداة ولا مراحة، يعني من الشبّه به، وبعضهم يقول: ولا رواحا ولا رواحة ولا أكلّمك آخر المنون، وأخرى المنون، ولا أكلمه آخر ما خلقي، يريد آخر عمري أي ما بقيت.
وقال يعقوب: يقال: آخري ما خلقي، ومنهنّ أزمان الجنان، وهذا يشيرون به إلى الشر والآفات وأنشد:
فمن يك سائلا عنّي فإنّي ... من الفتيان أعوام الخنان
يقال: خنّ الرجل وهو مخنون: إذا ضاقت خياشيمه حتى يجيء كلامه غليظا لا يكاد يفهم، وقال جرير: وأكوي النّاظرين من الخنان، والخنان داء يعتري العين، وقال الخليل:
الخنان في الإبل كالزّكام في النّاس، وقال الدّريدي: زمن الخنان معروف، ولم أسمع من
(1/170)

علمائنا تفسير أو ذكر بعضهم أنّه يضرب بالخنان المثل في البلاء والشّدة، لأنّ البعير إذا خنّ كوي ناظراه، وهما عرقان. قال:
قليلة لحم النّاظرين يزينها ... شباب ومخفوض من العيش بارد
يصف امرأة وعلى هذا تفسير بيت جرير: وأكوي النّاظرين من الخنان: أي من داء الكبر، ويكون كقوله: يداوي به الصّاد الذي في النّواظر.
وذكر بعضهم: خنّ في الأكل: أسرف، ونحن في خنان من العيش، وسنة مخنة أي مخصبة، وقد أخنت، وعشب أخنّ أي ملتف. قال الشيخ: وهذا الذي فسّرناه أخيرا يصلح أن يصرف زمن الخنان إلى الخير والسّعة أيضا، إلا أنّ ما أنشده الأصمعيّ ورواه يدل على خلافه، وذكر بعضهم أنّ الخنان أصله أنّ رجلا من العرب غزا قوما في الجاهلية، فلما فرّق الغارة فيهم قال: خنوهم بالسّيوف، فشهر يومه بزمن الخنان، وفسّر خنوهم، على نذودهم.
واعلم أنّ القبائل مختلفة ولم أذكرها لقلّة فوائدها، وإن كان قطرب وغيره دوّنوها في كتبهم في الأزمنة وأسماء آلهتهم كيغوث ومناة ويعوق ونسر وهبل وما أشبهها، وذكر مطافهم ودورهم وما يتعلق بأيّامهم وأعيادهم وأسواقهم تجاوزتها لأنّ ما نعيد منها لا تحلّ به في موضعه من الكتاب وتطويل الكلام بما ليس من الموضوع في الأصل مرفوض في مصنّفاتنا.
(1/171)

الباب الحادي عشر في ذكر- سحر- وغدوة- وبكرة- وما أشبهها
والحين والقرن والآن وإيّان وأوان والحقبة والكلام في إذ وإذا وهما للزّمان وما أشبهها قال أبو العباس محمد بن يزيد: اعلم أنّ المعرفة إذا أخبر عنها بنكرة فإنها توجب فيها مثل ما يكون لها لو كانت معرفة بنفسها، وكذلك النكرة إذا أسند إليها معرفة، والذي جعلها على هذا كونها خبرا عن معرفة، ولو انفردت عنها لم يكن كذلك، يقول: زيد منطلق فالعلم أنّ المنطلق هو زيد جعله مختصا كزيد، ولو انفرد لكان شائعا، وعلى هذا ما يقرب من النّكرات بالصّفات وما يجري مجراها كقولك كان عند رجل من آل فلان، وويل لزيد، لذلك يستفاد منه ما يستفاد من المعارف، أو تقاربه، فعلى هذا ما سمعنا بقول: سير عليه عشية أو غدوة أو ضحوة وكلّ ذلك نكرة لا يكون واحد من أمته أولى به من الآخر، ولا يوم من الأيام أحقّ بتعلّقه به.
فإذا قلت: سير عليه يوم الجمعة عشية، أو ليلة الجمعة عتمة، وأنت تريد ذلك من يومك وليلتك، لم يكن عشية ولا عتمة وما كان مثلهما إلا نكرات في الأصل ولوصفك إيّاهنّ موضع المعرفة ضعفن وامتنعن الصّرف، فلم تكن إلّا ظروفا منصوبة بوقوع الفعل عليها، ولم يقمن مقام الفاعل، كما كان يجوز فيهنّ إذا قلت: سير عليه عشية من العشيّات، وضحوة من الضّحوات، لأن الظّروف إذا قوين في أبوابهنّ فعلن مفعولات على السّعة، وأقمن مقام الفاعل، ووضعن موضع الخبر مرفوعات، كقوله تعالى: مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ
[سورة طه، الآية: 59] وكقولهم: أقمنا ثلاثا لا أذوقهنّ طعاما ولا شرابا، وسير به يوم الجمعة، وكقول لبيد شعرا:
فغدت كلا الفرجين تحسب أنّه ... مولى المخافة خلفها وأمامها
فعلى هذا يدور أمرهنّ، وإذا هنّ نكرات، أو كنّ معارف بأنفسهنّ فأما إذا وضعن وهنّ نكرات في موضع المعارف، فقد أزلن عن بابهن وعرفهنّ غيرهنّ فلم يجز أن يخرجن من
(1/172)

الظروف إلى غيرها إذ كنّ قد أزلن عن أصولها فإذا قلت: آتيك ضحوة يومك وعشاءه، لم يكن سبيله سبيل ما هو عام فيما وضع له، فلا يحصل به اختصاص، بل هو موضوع موضع الضّحوة بالعرف، فصار يجري مجرى المعهود للمخاطب، أو المضاف نحو قولك: ضحوة يومي وإذ كان كذلك بان الفرق بين الموضعين، لأنّ حكم اسم الجنس أن يكون شائعا في الأصل.
ثم يحصل التّعريف فيه بوجه من الوجوه المعروفة وقولهم: عتمة مصدر مثل الغلبة ومعناه الإبطاء والتأخّر قال:
يذكّرني ابني السّماكان موهنا ... إذا طلعا خلف النّجوم العواتم
إلا أنّه يستعمل ظرفا كما استعمل غيره من المصادر ظرفا، كخفوق النّجم، وخلافة فلان، وغير ظرف أيضا يقول: سير عليه عتمة فينتصب انتصاب اليوم والليلة ويجوز أن يسند إليه الفعل، فيقال: سير عليه عتمة من العتمات، فيدخل الألف واللام وقد يلزم الظرفية فلا ينتقل وذلك إذا أردت به عتمة ليلة، هذا مذهب سيبويه وكان الأخفش يقول: ضحوة وعتمة إذا كان في يومك لرفعهما أيضا، حتى أخذ العرب تمنع منه.
فأما غدوة فإنّه اسم مشتقّ من قولك: غداة، فلقّب به الوقت، فصار علما له كما وضع زيد علما للرجل، فلذلك منع الصّرف، إذا قلت سيّرته غدوة، لأنه معرفة، وجاز فيه ما جاز في يوم الجمعة وأشباهه، لأنّه معرف من جهة التّعريف، يقول: سير بزيد غدوة وإن شئت نصبت على أصل الظّرف، ويكره فيها مثل ذلك إذا حملتها على غدوة، لأنّ المعنى واحد، وإن أردت أن تجعلها كعشية وضحوة، فجيّد، وإنّما جعلوها معرفة تشبيها بما كان في معناها وهي غدوة، لأنّها غيّرت بالتّعريف كما غيّرت غدوة وامتنعت من الألف واللام، ونظير جعلهم نكرة بمنزلة غدوة، إذ كانت في معناها رفع الاسم ونصبهم بها الخبر وإجراءها مجرى ليس، إذ كانت في معنى ليس وإن ثبت تركها غير مشبهة فرفعت ما بعدها، وكذلك قولك: ودع يدع إنمّا كان الكسر نحو يعد ويزن، ولكن تعيّن فتحها وأجريت يذر مجراها لأنّها في معناها ولأنّ الفتحة أخفّ ولهذه نظائر.
فإن قلت: قد قرأ أبو رجاء المطاردي بالغدوة والعشي، فجعلها شائعة كما تقول:
جاءني زيد وزيد، تريد جماعة اسم كلّ واحد منهم، فيقول المجيب: ومن الزيّد الأوّل والزّيد الآخر. وهذا الزّيد أشرف من ذاك الزّيد، وعلى ذلك كانت تثنية المعرفة وجمعها إذا كانت غير مضافة يخرجها إلى النّكرة، لأنّ كلّ واحد يصير مرامه لكلّ واحد منها مثل اسمه، وتضيف زيدا وما أشبهه كما تضيف النّكرة لأنّه يصير معرفة بما أضيف إليه، كما قال الشّاعر:
(1/173)

علا زيدنا يوم النّقا رأس زيدكم ... بأبيض من ظامي الحد يديمان
فإن تقتلوا زيدا بزيد فإنّما ... أقادكم السّلطان بعد زمان
وأمّا قوله تعالى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
[سورة مريم، الآية: 62] فإنّ ذلك نكرة ليس يريد كل بكرة وكلّ عشية، وإنّما تأويله والله أعلم: أنّ الجنة لا ليل فيها يفضي إلى نهار، ولا نهار يتّصل بليل، ولا شمس، ولا قمر إنّما هو في مثل مقادير العادة في الدّنيا.
وعلى هذا جاء الحديث: «نهار الجنة سجسج» : إنّما المعنى أنه أبدا كالنّهار وقوله:
سجسج أي معتدل لا برد فيه ولا حرّ. فإن قلت: كيف جاز أن يصير ما حكمه أن يكون شائعا فيما يصلح له مختصا ببعضه، حتّى زعمت في هذه الأسماء ما زعمت. قلت: ذلك لا يمتنع في عادتهم وطرقهم، ألا ترى أنّ قولهم: ابن عباس يختصّ بعبد الله حتى لا يعلم منه غيره، وإن للعباس أولادا دون عبد الله، وكذلك قولهم: ابن الزبير اختصّ به عبد الله فيما استمرّ من العادة.
فأما سحر: فإنّك تقول: سير عليه سحر، فلا ينصرف ولا يتصرّف إذا أردت سحر يومك، ومعنى لا يتصرّف لا يتمكّن تمكن أسماء الأزمان في أبوابها. ومعنى لا ينصرف: لا يدخله الجر والتنوين. فأن أردت سحرا من الأسحار وهو في موضعه نكرة، فلا مانع له من الصّرف والتمكّن، ونقول: إنّ سحرا جزء من آخر اللّيل، وفي سحر وقع الأمر. وقال الله تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ
[سورة القمر، الآية: 34] وعلى هذا إن أدخلت الألف واللّام تقول: سير به السّحر المعروف، وإنما منع الصّرف حين قلت: آتيك سحر، وأنتظر سحر لأنه معدول عمّا فيه الألف واللّام.
وكان شيخنا أبو علي الفارسي يختار أن يقال: إنّه معدول عن أحوال نظائره ألا ترى أنّ أخواته إذا عرفت جاءت بالألف واللّام فهو جار مجرى أخر، وجمع في العدل وإن كان أخر نكرة وسحر وجمع معرفتان، وقد بيّنا الكلام فيه فيما يجري ولا يجري، وإنّما لم ينصرف لأنه بلفظ النّكرة موضوع موضع المعارف من غير أن جعل علما، فهو مناسب لضحوة وعتمة إذا جعلا من يومك الذي أنت فيه.
قال أبو علي الفارسي: دخول الألف واللّام في عتمة إذا أردت عتمة ليلة لا أعلمه استعملت الكلمة بهما. وسيبويه لم يذكره ولا يجوز حمله على ضحوة وغدوة وبكرة قياسا كما يقوله الأخفش، فيرفع وينصب. قال: ويقوّي ما ذهب إليه سيبويه من أنّ عتمة لا يستعمل إلا ظرفا إذا أردت به عتمة ليلتك، أنّ ما أشبهها من الظّروف لم يستعمل إلا ظروفا.
فمن ذلك: سير عليه ضحى وصباحا ومساء وعشية وعشاء، إذا أردت بجميعها ما ليومك وليلتك، وكذلك سير عليه ليلا ونهارا، أشبه بالمصادر وقد جعلت ظروفا.
(1/174)

فإن قيل: إنّ ضحى إذا أريد به ضحى يومه مثل عتمة، وقد دخله لام التّعريف في قوله: أبصرته في الضّحى يرمي الصّعيد به.
وفي قوله: نؤوم الضّحى قلت: إنّ هذا قد خرج من أن يكون ظرفا لمكان الإضافة إليه، ودخول حرف الجر عليه فاعلمه، فإن قيل: لم خصّ بعض أسماء أوائل النّهار بأن جعل علما وبعضها بأن جعل معدولا من دون أسماء أجزائه الباقية؟ قلت: لمّا كانت المواعد والحاجات استمرّت العادة في أنّها أكثر ما تعلق تعلق بأوائل النّهار دون أوساطه وأواخره.
وكثر الاستعمال فيها لذلك استيجز فيها ما لم يستجز في غيرها من التّغيرات، يشهد لهذا أنّهم أقاموا مقام الأزمنة ما ليس منها، وذلك كالمصادر نحو خفوق النّجم، وخلافة فلان، وكصفات الزّمان نحو: قليل وكثير وقديم وحديث. وهذا ما حضر في قولهم سحر وغدوة وبكرة ونظائرها وفيه كفاية.
فصل في المحدود من الزّمان وغير المحدود
قال أبو عمرو وغيره: الزّمان ستة أشهر، والحين ستة أشهر، قال الله تعالى: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها
[سورة إبراهيم، الآية: 25] وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي: الزّمان عندهم أربعة أشهر ويقال: شيء مزمن أي أتى عليه زمان، وكان الزّمانية فيه لامتدادها.
وقال ابن الأعرابي: يقال من الزّمان زمنة، وزمن ومن الزّمانة أيضا يقال: به زمنة وزمن، ويقال: لقيته في الزّمن بين الزّمنين، ألا تراه قد حدّ للّقاء وقتا، وللفراق وقتين، وكلّ قريب، ويقال: لقيته زامت الزّمين أي ساعة في مدة من الدّهر يسيرة. وقال غيرهم: الحين الوقت في كلّ عدد، والملا غير مهموز مثله، ويقال: الحين سبع سنين، واحتجّ بقوله تعالى: لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ
[سورة يوسف، الآية: 35] وقيل هو أربعون سنة لقوله تعالى:
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ
[سورة الإنسان، الآية: 1] وذاك أنّه روي في الخبر أن آدم عليه السّلام أتى عليه بعد خلق الله إيّاه وهو طين أربعون سنة ثم نفخ فيه ولم يدر ما هو.
وقيل: الحين ثلاثة أيّام لقوله تعالى: إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ
[سورة الذّاريات، الآية: 43] فكان فيما روى ذلك القدر. وقال آخرون: ثلاث مرّات في اليوم لأنّه تعالى قال:
فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ
[سورة الروم، الآية: 17] إلى وحِينَ تُظْهِرُونَ
[سورة الروم، الآية: 18] قالوا: وهذا يقتضي أن يكون في قوله تعالى: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ
[سورة النّحل، الآية: 6] غدوة وعشية قال الشيخ: المحصّل الصّحيح أنّ قولهم: الحين لما يتطاول من الزّمان ويتقاصر ويكون محدودا أو غير محدود.
(1/175)

وقد حكي عن أبي زيد وأبي عبيدة ويونس أن (الدّهر) و (الزّمان) و (الزّمن) و (الحين) يقع على محدود، وعلى عمر الدّنيا من أوّلها إلى آخرها. قال الأعشى شعرا:
لعمرك ما طول هذا الزّمن ... على المرء إلّا عناء معن
يريد به الوقت الممتد وقيل في قوله تعالى: وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ
[سورة ص، الآية: 88] أراد يوم بدر وقيل: أريد به القيامة. وجميع ما حكيناه عند الفحص يدلّ على أنّ المراد به تبع لمقصود المتكلّمين. فإذا قال: لم ألقك منذ حين وهو يريد تبعيد الوقت، علم ذلك بالحال أو القرينة، وكذلك لو قال: أعطيك حقّك بعد حين، وأراد: تقريب الوقت.
وإذا حلف الحالف على حين، فإن كان من أهل المعرفة بالحين أخذ بقوله، وإن لم يكن من أهلها حمله الإمام على أعرف الأوقات فيه عند العامة، واستظهرنا بعد الحالين في الوجود.
وقال شرقي الزّمن عندهم شهران- والزّمين شهر واحد. وقيل: الزّمان ستة أشهر- والزّمن أربعة أشهر- والزّمين شهران- والحرس كمال السّنة ما بين أولها إلى آخرها. وقال غيره: الحرس ما بين الحين إلى السنة. وقال الخليل: الحرس وقت من الدّهر دون الحقب.
قال شعرا:
وعمرت حرسا دون مجرى داحس ... لو كان للنّفس اللّجوج خلود
ويقال: شيء محروس، أي عليه حرس، ويقال: أحرس بالمكان، أقام حرسا. قال:
وعلم أحرس فوق عنز- والعنز أكمة صغيرة.
والبرهة عشر سنين. وقال الخليل للبرهة: حين من الدّهر طويل- والعصر عشرون سنة. وقيل: العصر لا يكون إلّا لما سلف. وقوله تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
[سورة العصر، الآية: 1، 2] قال ابن الكلبي: هو الدّهر كلّه الماضي والمؤتنف، وقد قيل:
عصر وأعصر وعصور. قال: كر اللّيالي واختلاف الأحصر. وقال آخر: أبعصور من بعد تلك عصور، والعصران الغداة والعشيّ.
والأشدّ ثلاثون سنة، وقيل: هو لما بين ثلاث وثلاثين إلى تسع وثلاثين. قال الشيخ:
تحقيقه بلوغ نهاية القوّة والشّباب. واختلف في بنائه، فمنهم من يقول: هو جمع وواحدة شد ومثله ضب واضب. ومنهم من يقول هو واحد ومثله من الأبنية قولهم آنك وهو الأسرب وقولهم آجر. وقال سيبويه: افعل ليس من أبنية الواحد. وهذان أعجبان عند أصحاب العربية.
والسبت من الدّهر ثلاث مائة سنة، وقال بعضهم: السبت أربعون سنة وأنشده:
(1/176)

وقد نرتعي سبتا ولسنا بحيرة ... محلّ الملوك تفدة فالمغاسلا
والحقبة من السّتين إلى الثمانين. وقال بعضهم: من السّبع إلى العشر. وقال الخليل:
الحقبة زمان من الدّهر لا وقت له والجمع الأحقاب. وقيل الحقب: السّنون واحدها حقب، والحقب: الدّهر والجمع الأحقاب. وقيل: في قوله تعالى: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً
[سورة النبأ، الآية: 23] واحدها الحقب ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهرا، كل شهر ثلاثون يوما، كل يوم منها مقداره ألف سنة من سني الدّنيا. وذكر قطرب أنّ الحقب بلغة قيس مائة سنة.
والقرن من الثّمانين إلى المائة، وقالت طائفة منهم القرن ثلاثون سنة وقيل القرن أربعون سنة. وقال أبو عمرو غلام ثعلب: الصّحيح عندي أنّ القرن مائة سنة، وذاك أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم مسح يده على رأس صبي وقال له: «عش قرنا» فعاش مائة سنة. وقد احتجوا أيضا بقوله عليه السلام: «خير النّاس قربي ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» . وهذا يدل على أنّ القرن ثلاثون إلى الأربعين.
وقال ابن الأعرابي: الهنيد مائة سنة، والهند مائتا سنة والدهر ألف سنة. وقول الله تعالى: بِضْعَ سِنِينَ
[سورة يوسف، الآية: 43] قيل: إنها سبعة. وقال أكثر أهل اللغة: إنّ البضع لما بين الثّلاثة إلى العشر. وحكي البضع بفتح الياء وقال المبّرد: هو ما بين العقدين إلى الواحد، وإنما جاز في الاثنين أيضا عنده لأنه جمع، وبضع اسم الجماعة المحظورة بالعقود. وقال أحمد بن يحيى: البضع من ثلاثة إلى سبعة وأكثره تسعة، ويقال: بضع عشر وبضعة عشر شهرا، وبضع وعشرون إلّا أنه مع العشرة أكثر وأصله من القطع، يقال: بضعة بضعا والمقطوع بضع، فهو مثل الطّحن والطّحن.
وذكر أبو عبيد الوقص ما زاد من السّنين على العشر، وإحدى عشرة وقص وكذلك المياه التي لا تورد بين المائين المورودين وقص قال والشّنق في الدّية خاصة، وقيل: الوقص والبضع اسمان للعدد فهما يستعملان في كلّ معدود وهذا هو الصّحيح.
والنّيف يجيء بعد العقود يقال: نيّف وعشرون، ونيّف وتسعون، ولا يقال: نيف وعشرة، ويجوز عشرة ونيف لأنه اسم لما يزيد على العقد ووزنه فيعل وأصله من ناف ينوف إذا ارتفع وأشرف وانبسط، ويقال: ناف النّفس ينوف نوفا إذا تحرّك ونسم بعد خفوضه وهموده. ويقال في الدّنف الحرض قد نافت له نفس ترجوه معه، وإذا حمحم الفرس للقضيم، قيل: ناف نوفا، ويقال: أناف على الشيء أي أشرف، نافه يناف. والنّوف السّنام لإشرافه والبطر لزيادته في ذلك الموضع والعلم قال شعرا:
يخبّ به العطّاف رافع نوفه ... له زفرات بالخميس العرمرم
الآن: فقد قال أبو العباس: يشار به إلى حاضر الوقت، وتلخيص هذا أنّه الزّمان الذي يقع فيه كلام المتكلم فهو آخر ما مضى وأول ما يأتي من الأزمنة، وهذا مراد قولهم:
الآن حد الزّمانين، والذي أوجب بناءه أنها وقعت في أوّل أحوالها بالألف واللام. وحكم الأسماء أن تكون منكورة شائعة في الجنس. ثم يدخل عليها ما يعرّفها من إضافة، وألف ولام فخالفت الآن سائر أخواتها من الأسماء، بأن وقعت معرفة في أوّل أحوالها، ولزمت موضعا واحدا كما تلزم الحروف مواضعها التي وقعت فيها في أوّليتها غير زائلة عنها، ولا نازحة منها واختيرت الفتحة لآخرها لخفّتها ولمشاركتها للألف التي قبله. وقال الفرّاء فيه قولان:
الأوّل: أنّ أصله أنّ الشيء يئين إذا أتى وقته، كقولك: آن لك أن تفعل كذا وإني لك، ثم أدخلوا الألف واللّام عليه، وإن كان فعلا كما يروى أنّه نهى النّبي صلى الله عليه وسلم عن قيل وقال فعلان ماضيان وأدخل عن الجارة عليهما وتركا على ما كانا.
الثّاني: إنّ الأصل فيهما أوان، ثم حذف الواو فبقي آن، كما قالوا: رواح وراح، والكلام عليه قد مضى في غير هذا الموضع من كتبنا.
وقولهم أيّان فإنّه يقوم مقام متى، فهو يتضمّن معنى الألف وكان حكمه أن يكون ساكن الآخر، لكنّه حرّك لالتقاء السّاكنين، واختيرت الفتحة لخفّتها ولأنّ قبلها ياء مشدّدة، وهما بين الياء والنّون، ليس بحاجز حصين وهو الألف.
وحكى الكسائي أنّ أبا عبد الرّحمن السّلمي قرأ: أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
[سورة النّحل، الآية: 21] بكسر الألف.
وإبّان وأفان فهما معربان متمكّنان وتضيفها فتقول: جئت على إبّان فلان وإفاته أي في وقته، وتفردهما بنزع الجار منهما، فتقول: جئت إبّان ذلك وإفاته، وانتصابهما على الظّرف.
وأما قولهم أوان فمعناه الوقت ويجمع على آونة قال ابن أحمر شعرا:
يؤرّقنا أبو حنش وطلق ... وعمّار وآونة أنالا
وقد جاء مبينا منونا في قول الشاعر:
طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء
وإن كان متمكنا في جميع الكلام تقول: هذا أوان طيّب، وأدركت أوان فلان، قال أبو العباس: إنّما بني من قبل أنّ الأوان من أسماء الزّمان، وأسماء الزّمان قد تكون مضافات إلى الجمل، كقولك: هذا يوم يقوم زيد، وأتيتك زمن عمرو أمير. فإذا حذفت الجملة من
(1/177)

قولك أوان، وقد يضم معناها وهو في حكم المعرفة بها استحق البناء، ثم عوّضت منها التّنوين كما فعلت ذلك بقولك: حينئذ وساعتئذ وفارق قولك: أوان الغايات، لأن الغايات مضافة إلى المفردات في التقدير، وأوان مضافة إلى جملة فهو كاسم حذف بعضه وبقي بعضه وقد عوّض مما حذف فيه والغايات لم يؤت فيها بما يكون عوضا، ونيّة الإضافة فيه أقوى إذا كانت إلى المفرد لا إلى الجملة، واختيرت الكسرة في أوان لما بني لالتقاء السّاكنين.
وذكر بعض الكوفيين أنّ لات جارت لأوان بمنزلة حرف من حروف الخفض، ولو كان كذلك لفعل به مثل ذلك في قوله تعالى: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ
[سورة ص، الآية: 3] .
وأما إذ وإذا فهما اسمان مبهمان. فإذ لما مضى وإذا للمستقبل، فهما كالأسماء النّاقصة المحتاجة إلى الصّلات، لأنّ الأسماء موضوعها أن تدلّ على مسمياتها في الأصل، فإذا صار بعضها لا يدلّ بنفسه على ما هو المطلوب منه واحتاج إلى ما يكشفه، ويوضح معناه حلّ بما بعده من تمامه محلّ الاسم الواحد، وصار هو بنفسه كبعض الاسم، وبعض الاسم مبنيّ. فإذ يوضح بالابتداء والخبر، والفعل والفاعل تقول: جئتك إذ قام زيد، وإذ زيد قام، وإذ يقوم زيد وإذ زيد يقوم، فإذا كان الفعل مستقبلا حسن تقديمه وتأخيره. وإذا كان ماضيا قبح التأخير، لا يقولون: جئتك إذ زيد قام، إلا مستكرها من قبل، أنّ إذ للماضي، فإذا كان في الكلام فعل ماض اختير إيلاؤه إيّاه لمطابقتهما ومشاكلة معناهما. وإذ عند أصحابنا اسم مضاف إلى موضع الجملة التي بعدها، ولا يجازي بها، لأنها مقصورة على وقت بعينه ماض.
وإذا من أسماء الزّمان أيضا ويقع بعدها الأفعال المستقبلة، وهي موضحة بما بعدها كما كانت إذ غير أنها لا يليها إلا الأفعال مظهرة كانت، أو مضمرة كقولك: أجيئك إذا قام زيد، يعني الوقت الذي يقوم فيه، وفيها معنى المجازاة فلذلك لا يقع بعدها إلا الأفعال.
فإذا رأيت الاسم بعدها مرفوعا فعلى تقدير فعل قبله، لأنّه لا يكون بعده الابتداء والخبر وإنّما لم يجازيها لأنّها تقع محدودة، والمجازاة معتودة على أنّها يجوز أن يكون وألّا يكون تقول أجيئك إذا احمرّ البسر، ولا يجوز أن تقول: إن احمر البسر، فلمّا كان إذا لوقت معلوم لم يجاز بها، وإن كان فيها معنى المجازاة، إلا أن يضطر شاعر قال الفرزدق:
ترفع لي خندق والله يرفعنا ... نار إذا ما خبت نار لهم تقد
ومعنى المجازاة: أنّ جوابها يقع عند الوقت الواقع كما يقع المجازاة عند وقوع الشّرط. ولإذا موضع آخر يكون فيه اسما لمكان وذاك من ظروفه وسيجيء الكلام فيه في الباب الذي يليه.
(1/179)

الباب الثّاني عشر في لفظ أمس- وغد- والحول- والسّنة- والعام- وما يتلو تلوه
ولفظ حيث- وما يتّصل به- والغايات- كقبل- وبعد- وذكر أول- وحينئذ- وقطّ- ومنذ- ومذ وإذ المكانية.
ومن عل يقال: اليوم ليومك الذي أنت فيه، وأمس لليوم الّذي يليه يومك الذي أنت فيه وقد مضى. وقال قطرب وغيره: يقول: رأيته أمس فتكسر، كما قالوا: قال الغراب:
غاق يا هذا في حكاية صوته، وتميم يرفعون أمس في موضع الرّفع فيقولون: ذهب أمس بما فيه فلا يصرفونه لما دخله من التّغيير وقال الرّاجز:
لقد رأيت عجبا مذأما ... عجائزا مثل السّعالى خمسا
فكأنّه ترك صرفه في لغة من جرّ بمذ. وقال عدي بن زيد:
أتعرف أمس من لميس طلل ... مثل الكتاب الدّارس المحول
قال الشيخ: اعلم أنّ أمس اسم معرفة لما مضى وشوهد. وغد بخلافه لأنه وإن كان اسما لليوم الذي يلي يومك الذي أنت فيه، ولم يجيء فهو نكرة. ومثلهما قطّ وأبدا لأن قط معرفة وأبدا نكرة، وفي بناء أمس طريقتان:
الأول: ما ذكره أبو العباس المبرّد وهو أنّ شرط الاسم أن يلزم مسمّاه، ولا سيّما ما كان معرفة ليكون علما باقيا له. وأمس ليس يلزم مسمّاه لأنه اسم لليوم الذي يليه يومك الذي أنت فيه وقد مضى، فكلّما مضى يومك انتقل لفظ أمس عمّا كانت له إلى ما كانت بعده، فلمّا كان كذلك أشبهه الحروف في أنّه لا لزوم لها وإنما ينقل إلى ما ينقل إليه كمن وفي وإلى، فيفيد معناها فيه فبني لذلك.
الثّاني: إنه كان حق تعريفه أن يكون بالألف واللّام ليؤدّي العهد فيه فلم يدخلا عليه، بل ضمن معناهما، والاسم إذا تضمّن معنى حرف، يجب أن يبنى، فهذا وجه بنائه فأمّا من
(1/180)

منعه الصّرف فإنه يجعله معدولا عمّا فيه الألف واللّام كأنّه لا يأتي بهما، وهو يريد معناهما في الاسم كما أنّ قولك: سحر كذلك وقد مضى القول فيه، فإن نكّرته وجعلته شائعا صرفته به وصرفته، فقلت: مضى أمس وكذلك إن أضفته أو أدخلت عليه ألفا ولاما، لأنّه يصير موقتا محدودا تقول: مضى أمسك، وكان أمسا أطيب من يومنا، ومضى الأمس.
فإن قال: ما بال غد لا يكون مبنيا قلت: أمس معرفة مشاهد معلوم، وغد ليس بمعلوم ولا مشاهد، لأنّه لم يأت قبيلهما سبيل قط المشدّدة وأبدا، لأنّ قطّ للقائل من لدن قوله أي ابتداء كونه فهو معلوم، يقول: ما رأيته قطّ، تحركت الطّاء الأخيرة لأنه لا يلتقي ساكنان ويضمها كما يضم آخر الغايات، وسنبين القول فيها كلّها، وإذا قلت: لا أكلمه أبدا، فالأبد مذ لدن تكلّمت إلى آخر عمرك، فهو غير معلوم، وجار على أصله الذي له وصار مصروفا منصرفا لم يعرض فيه ما يوجب تنيرا.
قال قطرب: وأظنه حكى عن الخليل أنّهم أرادوا بأمس حين حفظوا رأيته بالأمس، فحذفوا الباء والألف واللّام كما قالوا خير عافاك الله في جواب: كيف أصبحت؟ يريدون بخير، وكما قالوا: لاه أبوك الله أبوك. وقال ذو الأصبع شعرا:
لاه ابن عمّك لا أفضلت في حسب ... دوني ولا أنت ديّاني فتجزوني
فحذف لام الإضافة ولام التّعريف وهذا تقوية لقول الخليل، ومثله قول الآخر:
طال النّواء وليس حين تقاطع ... لاه ابن عمّك والنّوى لعدوّ
انتهى كلامه. قال الشّيخ: هذا الذي حكاه لا يكون بناء بل يكون الحركة في أمس إعرابا كما أنّها في حين وفي لاه أبوك شاذ، فلا يجعل أصلا لغيره. قال قطرب: فإذا دخلت الألف واللّام في أمس، فبعض العرب ينصبه، ويقول: رأيته الأمس وبعضهم يخفضه كحاله قبل الألف واللّام، ويقول: رأيته بالأمس وقال نصيب شعرا:
وإنيّ حبست اليوم والأمس قبله ... ببابك حتّى كادت الشّمس تغرب
انتهى كلامه.
قال الشيخ: الوجه في إدخال الألف واللام أن ينكّر أولا ثم يعرّف بهما، فأمّا من نصب بعد إدخال الألف واللّام فهو القياس، لأنّ الألف واللّام والتّنكير يرددان اللفظ إلى ما كان يجب عليه في الأصل.
وأما ما حكاه عن يونس أنّه سمع الكسر مع دخول الألف واللّام، فالمتكلّم بذلك يجب أن لا يكون قد اعتدّ بالألف واللّام، ولم ينكّر قبل دخولهما، وبقي الكسر إيذانا بفعله ذلك، ويكون هذا كقوله شعرا:
(1/181)

ولقد جنيتك أكمؤا وعاقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
فأدخل الألف واللّام على الأوبر وهو معرفة، لأنه لم يعتد بهما، أو يكون أجراه مجرى الخازباز وخمسة عشر وأخواته في العدد، لأنّ الألف واللّام لا يزيلان بناءهما ولا يردانهما إلى أصلهما، والأول أجود وأكثر نظيرا في الوجود. قال قطرب: وإذا جمعت أمس في القياس قلت: ثلاثة آماس، لأنه مثل فرخ وأفراخ، وفلس وأفلاس، وقال الرّاجز شعرا:
مرّت بنا أوّل من أموس ... تميس فيه مشية العروس
فجمعه على فعول مثل فروخ وفلوس، وقال بعض الأعراب:
مرّت بنا أول من أمسيه ... تجرّ في محفلها الرّجليه
فبنى أمس انتهت الحكاية. قال الشّيخ: الياء في أمسيه لبيان الحركة، وكذلك في الرّجليه، وكأنه أراد أوّل من أوّل من أمس فثنى أمس بدلا من تكرير أول، وهذا كما قال أبو العباس فيما حكى عن الحجاج أنه كان يقول: يا حرسي اضربا عنقه. والمراد: اضرب اضرب فأتى بدل التّكرير بلفظ التثنية، فأما أوّل من قولك أول من أمس فهو صفة كان المراد به يوما أوّل من أمس، وقالوا: بعد غد، ولم يقولوا: قبل أمس، فكان أول بدل قبل، وبعد غد في موضع الصّفة أيضا.
قال قطرب: فإن أضفته فإنّ بعضهم يجرّه كحاله قبل أن تضيف، كما كأن ذلك في الألف واللّام. قال الشيخ: الوجه في أمس إذا أضيف أن يعرب ويصرف كما قلناه في الألف واللّام، فأما من بناه مع الإضافة فإنّه شبهه بخازباز وخمسة عشر وأخواته، لأنها بنيت، وإن أضيفت، ورجوع أمس في التّنكير إلى أصله هو الّذي يدل على مخالفته لباب خازباز وخمسة عشر وأخواته. وقد قال قطرب في أمس: إذا جعلته نكرة فإنه يجري فيه الإعراب وكل ما يرده التنكير إلى أصله تردّه الإضافة والألف واللّام إلى أصله، وخمسة عشر وأخواته بنيت نكرات، وإن كان كذلك كان الضّعف والبعد في بناء أمس عند الإضافة ومع الألف واللام ظاهرين فاعلمه، وتقول: آتيك غدا أو شيّعه، وآتيك الجمعة أو شيّعه والمراد اليوم الذي يليه. قال عمر بن أبي ربيعة شعرا:
قال الحبيب غدا يفرّقنا ... أو شيعه أفلا تودّعنا؟!
فكان هذا من الاتباع، وفي الحديث: شاعه أبو بكر أي اتّبعه، فيقال على هذا النّبي صلى الله عليه وسلم وشيّعه، أي مصدّقه وصاحبه ومن هذا الشّيعة.
وقال ابن الأعرابي: يقع الشيعة على كل من أحبّ وصدّق وحضّ على الاتباع أو حرّض تأخر عن المتبوع أو تقدم عليه. ألا ترى قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ
[سورة الصّافات، الآية: 83] يعني من شيعة محمد صلى الله عليه وسلم فأما قوله:
(1/182)

كأن أمسيا به من أمس ... يصفرّ ليس اصفرار الورس
فإنّه يعني عرق الإبل، وهو يصفّر إذا يبس ومعنى أمسيا به: يريد عرقا ظهر منذ ثلاثة أيام، ومعنى من أمس: منذ، كما قال: أقوين من حجج ومن دهر وعرق الخيل إذا يبس ابيضّ. قال بشر:
تراها من يبس الماء شهبا ... مخالط درّه فيها اقورار
والحول: السّنة بأسرها، وجمعه أحوال، وقد حال الحول يحول حولا وحؤلا واحتال الشيء وأحول: أتى عليه حوال أو أحوال، وأحال بالمكان: أقام فيه حولا، وقال الخليل:
أرض مستحالة تركت أعواما من الزّراعة.
والسّنة اسم لاثني عشر شهرا، وهو اسم منقوص والذّاهب منه في لغة كثير منهم الهاء، كان الأصل سنة، فحذف الهاء لمناسبتها لحروف المدّ واللّين وعلى هذه اللغة تصغر سنيهة، ويقال منه: هو يعمل مسانهة، كما يقال: معاومة ونخلة سنهاء: تحمل عاما وتحول عاما قال:
ليست بسنهاء ولا رجبية ... ولكن عرايا في السّنين الجوائح
وفي لغة غير هؤلاء الذّاهب منه الواو، كان الأصل سنوة، فحذف الواو تخفيفا ثم جمعت على سنين جبرانا بالنقيصة لأنّ جمع السّلامة إذا حصل في غير النّاطقين ومن جرى مجراهم يكون للتّفخيم والتّعظيم، أو جبرا لنقص داخل على الاسم، والأسماء المنقوصة تجد الذّاهب منها في الأعم الأكثر الواو والياء لاستثقالهم إيّاهما، وكما يحذفونهما حذفا يعلّونهما بالقلب والإبدال، لأنّ كلّ ذلك يؤدّي إلى التّخفيف، وعلى ذلك هذه اللّغة يصغّر سنيّة وتجمع سنوات ويقال: هو يعمل مساناة، ويقال: أسنى القوم وهم مسنون: إذا أتت عليهم سنة، وقد جعل السّنة اسما للجدب، فيقال: أصابتهم السّنة، وجعل الفعل منه أسنت، فرقا بين هذا المعنى وغيره، يقال: أسنت القوم وهم مسنتون، وعلى هذا لغة من جعل لامه واوا دون اللّغة الأخرى، وهم يفعلون ذلك بما فيه لغتان ويقال أيضا: رجل سنت: أي قليل الخير، وقوم سنتون، والتّاء من أسنت هو بدل من الواو، وهذا كما فعلوا في بنت وأخت، ثم جعل البدل في أسنت لازما كأنّهم أرادوا أن يختصّ بالجدب، حتّى كأنّه وضع له، فلا مناسبة بينه وبين ما للوقت وهذا كما جعل البدل في قولهم: عيد، لازما، فقيل: عييد وأعياد في تصغيره وجمعه ولم يردّوه إلى أصله، وإن كان من عاد يعود لقصدهم إلى أن يختص بما يفيده بعد الإبدال العارض فيه كأنّه بناء آخر له وليس بمشتق.
فأمّا قولهم: العام، فيقال منه: عاومت النّخلة إذا حملت سنة وحالت أخرى، وعنب معوم: كثر حمله سنة وقلّ أخرى. وفي الحديث نهى عن المعاومة، وهو: أن تبيع الزّرع
(1/183)

عامك بما يخرج من قابل، وهو أن يزيد على الدّين، ويؤخّر في الأجل، ويقال: أتيته ذات عويم: أي العام، ويقال: أعوام عوم وعام عايم على التّوكيد، كما يقال: شعر شاعر، وهو عامي إذا أتى عليه عام. قال العجّاج: من أن شجاك طلل عامي.
فصل [في تعريف العام والسنة]
قال قطرب: العام لما أنت فيه، وقابل للثّاني لأنّه يستقبلك، وجمعه قوابل وقباقب للعام الثّالث، ومقبقب للعام الرّابع. قال: وكان أبو عمرو بن العلاء يعرف مقبقبا في العام الرّابع، وجمعه القباقب بفتح أوّله، وهذا كما قيل: عذافر وعذافر وجوالق وجوالق، وأنشدنا أبو علي في قابل وهو من أبيات الكتاب:
فقال: امكثي حتّى يسار لعلّنا ... نحجّ معا قالت أعاما وقابله؟
ومما يسأل عنه أن يقال: من أين جاز أن يقال عاما أوّل، ولا يوما أوّل، ولا سنة أولى. والجواب: أنّ قولهم عاما أوّل مما عمدوا فيه إلى تخصيصه بشيء لا يكون في غيره، اعتمادا على التّعارف، لأنّ المعنى: عاما أوّل من عامي، فلّما كانت الكلمة متداولة وكانت الحاجة إلى كثرة استعمالها ماسّة حذفوا وأوجزوا معتمدين على علم المخاطب، والنيّة الإتمام، ومثل هذا الاختصاص قولهم: اليوم فعلت كذا، جعلوه ليومك الذي أنت فيه، ولا يقولون: لقيته الشّهر، ولا السّنة، وقد قالوا أيضا: لقيته العام وإن كان العام بمعنى السّنة قال:
يا أيّها العام الذي قد رابني ... أنت الغداء لذكر عام أوّلا
فإن قيل: ولم احتجّ إلى من حتى قدرت في قولك: عاما أوّل أنّ أصله عاما أوّل من عامي. قلت: إنّما افتقر الكلام إلى من لأنّهم أرادوا أن يبيّنوا في أفعل ابتداء الزّيادة من أي شيء كان ليعرف حدّه ومبتدؤه. ألا ترى أنّ معنى قولك: زيد أفضل من عمرو أنّ ابتداء زيادة فضله من فضل عمرو، فهو حدّه. وأوّله، فكذلك قولهم: عاما أوّل فاعلمه.
واعلم أنّ حيث في الأمكنة بمنزلة حين في الأزمنة، بدلالة أنّه يقع على كل مكان، لا جهة من الجهات السّت إلّا ولإبهامه يقع عليها، واحتاج في الاستعمال إلى جملتين: جملة يضاف إليها، وجملة تفيد حدثا يقع فيه، كما أنّ حين يقع على كلّ زمان. ولذلك أضيف إلى الجمل الخبرية من الابتداء، والخبر والفعل والفاعل والشّرط والجزاء، كما فعل ذلك بإذ وأخواته- وإن كان ذلك خارجا من شروط الأمكنة، لأنّ المكان إذا جاء بهما حكمه أن يضاف إلى مفرد يخصّصه، فلمّا تناهى حيث في الإبهام لانتظامه جميع الجهات، ولم يضف إلى مستحقّه من مفرد يخصّصه بل أضيف إلى جملة، صار هو مضافا إليها في حكم المفرد
(1/184)

فأشبه الغايات من نحو: قبل وبعد وما أشبههما، لأنّها هي مفردة تضمّنت معنى المضاف إليه وهو معرفة فبنيت جميعا لذلك، إلّا أنّ الغايات وجب أن تبنى على حركة لأنها ممّا قد يتمكّن في غير هذا الموضع، فصارت لها مزيّة على ما لا يتمكّن البتّة، فبناؤها لما لها في أوّل أمرها وحيث وجب أن تبنى على سكون لعدمها تلك المزيّة، لكنّه حرّك آخره لالتقاء السّاكنين.
وفي حيث لغات أربع: حيث وحيث وحوث وحوث، فالضّم لدخوله في شبه الغايات مما ذكرناه والفتح لخفّته. وحكى الكسائي عن بعضهم أنّهم يكسرون حيث فيقولون: من حيث لا يعلمون كسرة إعراب، ويمكن في هذا أن يقال فيه: إنّه شبّه باسم الزمان إذا أضيف إلى غير متمكّن، نحو من خزي يومئذ ويومئذ وعلى حين عاتبت وحين عاتبت.
والغايات أصلها الظّروف وإعرابها في الأصل: للنّصب والجر، وكان تمامها بما كانت تضاف إليه، فأفردت عنه اعتمادا على علم المخاطب به وجعلت في نفسها غاية الكلام ونهايته، حتّى كأنّه لا افتقار فيه إلى غير هذا، وقد ضمّن معنى ما كان مضافا إليه ويصير به معرفة، والاسم إذا تضمّن معنى حرف فحقّه أن يبنى، وإنّما قلنا: ويصير به معرفة أنك لو نكّرته لأعرب وأجري على أصله، تقول: جئت قبلا وبعدا كما تقول: أولا وآخرا كما أنّك لو أضفته، فقلت: من قبل كذا، ومن بعد كذا لأعرب ولم يبن.
وقال أبو العباس: يقول في الجملة: إنّ كلّ ما كان حقّه الإضافة فحذفت منه استغناء بعلم المخاطب فإنّه معرفة من غير جهة التّعريف وحقّه البناء، فمن ذلك: قبل- وبعد- وأوّل- ومنذ- وليس- وغير- يدلّك على حذف المضمر ما يحذفه بعد حرف الاستثناء إذا قلت: عنده درهم ليس إلّا، حذفت ما بعد إلّا استغناء ومنها: من عل ويا زيد، ومنها: قطّ وهو لما مضى من الدّهر وحسب وهي للاكتفاء ومعنى قطّ فيما مضى فانقطع، والقطّ القطع عرضا، والقدّ القطع طولا، فهو معرفة لا يدخله الألف واللّام ولا الإضافة.
وقال شيخنا أبو علي: قطّ اسم ينتظم أوّل وقت، ذي الوقت إلى آخر ما بلغه منه، فهو عبارة عن أمده ومدّته، فوجب لذلك أن يكون مضافا إلى ذي الوقت كما أضيف إليه قبل وبعد، فلمّا اقتطع عن الإضافة بني على الضّم كما بنّيا، ومثل قط في انتظامه أوّل الوقت إلى آخره، منذ: إذا أريد به تعريف أمد الشّيء وذلك نحو أن تقول: لم أر زيدا، فيقال: ما أمد ذلك، وما مدّته، يعني انقطاع الرّؤية فتقول: منذ عشرون يوما فابتداء الوقت وانتهاؤه هذا في انتظام الاسم الذي هو مدّة لهما، ومن ثم بني منذ أيضا على الضّم حيث كان غاية مثل قطّ، ويجوز في جوابه المعرفة والنكرة وأبدا يدخله الألف واللّام لأنّه نكرة ومعنى أبدا فيما اتّصل وامتدّ من الوقت، ومنه الآبدة والأوابد. ومعنى قطّ مخفّفة مسكّنة إذا قلت: قطك ليكفك
(1/185)

واكتف ومثله قدك وحسبك ولتضمّنهما معنى الأمر في أوّل أحوالهما، استحقّا البناء، ومثل قطّ وقطك في أنّه يستعمل مثقلا ومخففا قولهم: بخ وبخ.
قال محمد بن زيد: يقال: بخ بخ، ويثقل أيضا كما قال في حسب بخ وعزاقس وأنشد غيره شعرا:
بين الأشجّ وبين قيس باذخ ... بخ بخ الوالدة والمولود
وقال أبو إسحاق الزيادي: الدّليل على أنّ مه ليس من قولك مهلا أنّه ليس في الدّنيا اسم انصرف وهو تام، وامتنع من الصّرف وهو ناقص. فقال أبو عثمان المازني: بلى قطّ المخففة، زعم سيبويه أنّها مخففة من قولك قططته قطّا، قال: والدّليل على ذلك أنّ معنى قطّ معنى حسب، فهو لقطع الشيء يقوّي ما ذهب إليه أبو عثمان في هذا المعنى قولهم في حسب: بخ فأعربوه مثقلا وبنوه مخففا وتقول: جئت من فوق، ومن تحت، ومن أمام ومن دون، فالضّم في جميع ذلك مستعمل على الوجه الذي بيّنته.
فأما قولك: من عل فمعناه من فوق، وفيه عدة لغات ذكرها أهل اللّغة وسبيلها سبيل ما قدّمناه من أنّ جميعها في تقدير الإضافة، فإذا حذفت المضاف إليه لم يخل من أن يكون معرفة أو نكرة، فإن كان المحذوف نكرة تنكّرت وأعربت وإن كان معرفة بنيت لأنّها بمنزلة اسم قد اكتفي ببعضه عن جميعه، وبعض الاسم يبنى وهو ظاهر.
واعلم أنّ ل: إذ موضعا آخر غير ما ذكرنا، وهو قولك: بينا زيد قائم إذ رأى عمروا.
وبينما زيد قائم جاء عمرو، فبينما عبارة عن حين، والمعنى وقت أنا قائم جاء عمرو، إلّا أنّ بينما متمكّنة فلها صدر الكلام بمنزلة مذ الذي يرفع الخبر. وكان الأصمعيّ يجرّبها المصدر خاصة وينشده: بينا تعتقه الكماة وروغه، يريد حين يعتقه والنّحويون يخالفونه لأنّها مبهمة لا تضاف إلّا إلى الجمل التي بيّنتها. وقال سيبويه: إذ يكون للمفاجأة إذا قلت: بينا أنا جالس إذ حضر عمرو، وبينا أنا أكلّم عمرو إذ طلع زيد.
وكان الأصمعيّ وكثير من النّحويين يأبون وقوع إذ في هذا الموضع، لأنّ معنى بينا الحين، فإذا قلت: حين زيد قائم إذ طلع عمرو، فلا معنى له إنّما الكلام حين زيد قائم طلع عمرو، وإذ فضلة. قال أبو العبّاس: أشعار العرب على ذلك قال:
بينا نحن نرقبه أتانا ... معلق وفضة وزنا دراع
وقال امرؤ القيس:
فبينا نعاج يرتعين خميلة ... كمشي العذارى في الملاء المهذّب
فكان ينادينا وعقد عذارة ... وقال صحابي قد شأونك فاطلب
(1/186)

فأمّا ما قاله سيبويه فغير بعيد، وقد أجازه قوم. وأنشد سيبويه شعرا:
بينما هنّ بالكثيب ضحى ... إذ أتى راكب على جمله
وقولك: خرجت فإذا زيد قائم، يجوز أن يقال: فإذا زيد قائم خرجت كما تقول:
خرجت فإذا زيد، لأنّ إذا ظرف مكان وسمّي الاسم به والمعنى: فحضرني زيد وإذ إذا جعل للمفاجأة كان في مثل معناه وأمّا مذ ومنذ فقد قال أبو العباس: أوّل ما يذكر من أمرهما أنّه يجوز أن يكون كلّ واحد منهما اسما وحرفا جارّا ولذلك قال سيبويه: إنّ مذ فيمن جرّ بها بمنزلة من في الأيّام ومذ ومنذ شيء واحد إلّا أنّ الأغلب على مذ أن يكون اسما وعلى منذ أن يكون حرفا لأنّ النّقصان إنما يكون في الأسماء والأفعال دون الحروف، وذلك في نحو:
دم ويد وخذ وكل.
والدّليل على أنّ مذ منقوصة من منذ أنّك لو سمّيت إنسانا أو غيره بمذ ثم صغرته لقلت منيذ، فرددت ما ذهب فإنما هو بمنزلة لد ولدن ومن عل ومن علا وآتيك غدا وغدوّا، فإن أردت في منذ أن يكون حرفا قلت: لم أرك منذ يومين، ومذ يوم الجمعة ومعناه: من هذه الغاية، وكذلك سرت من مكان كذا، وإذا أردت أن يكون اسما قلت: لم أر ذاك مذ يومان أي أمد ذاك يومان وهذا ابتداء وخبر والرّفع في مذ أكثر. وإذا قلت: أنت عندنا مذ اللّيلة أو مذ اليوم صارت بمنزلة منذ التي غلب عليها الحرفية، وذاك لأنّ العلّة التي يوجب منها الاسمية قد زالت لأنّك إذا قلت: لم أرك منذ يومان، فالمعنى بيني وبينك يومان وإذا قلت: أنت عندنا مذ اللّيلة، فليس معناه بيني وبينك اللّيلة، إنما هو في اللّيلة فإنّما المعنى فإذا قال: رأيت زيدا مذ يومان، فيجوز أن تكون الرّؤية متّصلة، ويجوز أن يكون رآه في ذلك الوقت، ثم لم يره بعده، وإنّما هذا على قدر ما تقدم، يقول القائل: إنّ زيدا يأتيك مذ مدة، فأقول: أنا رأيته مذ يومان أو شهران، وتأويل هذا إنّما حدثت هذه الرّؤية في هذا الوقت، أو يقول القائل: زيد أيأتيك في كلّ يوم؟ فأقول: ما رأيته مذ يومان، أي قد انقطع عنّي بعدهما، ولو قال القائل مبتدئا: رأيت زيدا مذ يومان، ثمّ لم يصله بكلام، ولم يعطفه على كلام، لم يحكم فيما بعد الوقت بشيء ويتصل بهذا أن تقول: رأيت زيدا مذ يومان، يختلف إلى عمرو، ورأيت زيدا مذ يومان يضرب عمرا، فإنّما خبّرت بوقت الضّرب ولم تعرض لما بعده وتقول: رأيت زيدا يوم الجمعة أي أوّل ما فقدته أوّل يوم الجمعة، فيقع النّفي على جميع اليوم كما كانت الرّؤية في جميعه. ويجوز أن يكون النّفي واقعا على بعض اليوم فيكون حدّ الرّؤية منه مجاوز الأول الفقدان، وقول القائل: لا كالمشية زائر ومزورا معناه: لم أر زائرا كزائر رأيته اليوم، قال: ولا يقولون في سائر الصّفات، يعني الظّروف لا يقولون لا كنصف النهار ولا لا كهذه السّنة قال الشاعر شعرا:
(1/187)

روحوا العشيّة روحة مذكورة ... إن متن متن وإن خيين خيينا
إن متن متن وإن حيين فلا أرى ... لا كالعشيّة إن بقين بقينا
واعلم أنّ قول القائل: ما برحت أفعل كذا براحا. أي أقمت على فعله مثل ما زلت أفعله، وهذا في الزّمان ولا بدّ له من خبر. فإن قلت: ما برحت من مكان كذا، فالمعنى ما زلت براحا وبروحا، وهذا في المكان كالأوّل في الزّمان وقد مضى القول فيه، ويمضي في غير موضع من هذا الكتاب.
وقد قيل: إنّ براح اسم للشّمس معدول عن البارحة الزّايلة مثل قطام وقولهم جبل براح يوصف به الأسد والشّجاع، لأنّ زواله متعذّر كأنه شدّ بالجبال، وهذا غريب فيما يشتق، ومثله قول القائل: البارح من الظّبا والطّير هو المنحرف عن الرّامي إلى جهة لا تمكّنه من الرّمي، والسّانح المقبل المتعرّض في جهة تمكن. قال: ولذلك يتشاءم بالبارح، ويتيمّن بالسّانح، قال: فأمّا من تيمّن بالبارح، فلأنه نجا، ومن تشاءم بالسّانح لأنه هلك. وقول ابن الأحمر:
غدوا وأعدّوا الحيّ الزّيالا ... وشوقا لم يبالوا العين بالا
الغدو يحتمل أمرين: يجوز أن يكون مصدرا، ويجوز أن يكون اسم اليوم الذي يلي يومك، فإن جعلته مصدرا يكون مثل غدا غدوا، ويكون مفعولا وواعدوا الزّيال المفعول الثاني، وينعطف عليه شوقا كأنّهم لمّا وعدوا بالزّيال المهيّج للشّوق فقد وعدوا بالشّوق.
ومثله الغدوّ في القرآن: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ
[سورة سبأ، الآية: 12] فالغدوّ:
مصدر بدلالة أنّه قابله بالرّواح، والتّقدير مسيرة غدوّها مسيرة شهر، وإن جعلته اسم اليوم فمثله قوله: بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع. والمعنى في غدو: أعدوا الحيّ الزّيال وشوقا، ويكون المفعول الثّاني محذوفا، وأما قوله تعالى: وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
[سورة الرعد، الآية: 15] فيجوز أن يكون الغدوّ: جمع غد مثل نحو ونحو، ويقوّي ذلك أنّه قوبل به الجمع الذي هو الآصال، ويجوز أن يكون المصدر، ويقويه قوله: بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ
[سورة آل عمران، الآية: 41] وقال:
أفد الرّحيل وليته لم يأفد ... فاليوم عاجله ونعذل في غد
أي اليوم عاجل البين، ونعذل في غد أي في أخبار غد يضيف المصدر إلى المفعول به لأنّه خرج بانجراره من أن يكون ظرفا، فهو مثل: من دعاء الخير، وبسؤال نعجتك، وقال:
وليس عطاء اليوم مانعه غدا. أي مانعه عطاء غد فحذف المضاف.
(1/188)

الباب الثّالث عشر فيما جاء مثنّى من أسماء الزّمان واللّيل والنّهار، ومن أسماء الكواكب وترتيب الأوقات وتنزيلها
يقال: اختلف عليه العصران أي اللّيل والنّهار وقد يراد بهما الغداة والعشيّ، لأنّ العصر من أسماء العشي، ولذلك قيل: صلوة العصر، ثم يسمّى الغداة أيضا عصرا، ويثنّى كما يقال: القمران في الشّمس والقمر، وقد تصرفوا هذه اللفظة فقالوا: ألم يجيء فلان لعصر بضم العين أي لم يجيء حين مجيء.
وفي العصر لغتان: الضّم والفتح واستعمل في هذا أحدهما، وكذلك قالوا: أما نام لعصر أي لم ينم حين نومه، وما نام عصرا، وكلّ ذلك بالضّم ويقال: أعصرت الجارية أي بلغت حين إدراكها. قال: قد أعصرت أو قد دنا إعصارها. وهذا كما يقال: أحصد الزّرع وأجذّ النخل، كأنّها بلغت عصر شبابها وعصور شبابها وعصر شبابها، فأمّا فعل كذا عصرة أي مرة، فيجوز أن يكون من ذلك أيضا.
وحكى بعضهم أنّ العصر لما قد سلف، ولم يجيء في شعر الفحولة إلا كذلك وقد جاء في شعر من دونهم، وقال ابن الكلبي: هو الدّهر كلّه الماضي والمؤتنف، ويقال: لا أكلّمك العصرين، وما اختلف العصران، وهما القرنان والطّفلان. قال لبيد:
وعلى الأرض غيابات الطّفل. وقال: يسعى عليها القرنين غلام، وهما العصران والبردان والأبردان والبردتان، ويجمع فيقال: الأبارد. ويراد بها أطراف النّهار.
وقال أبو سعيد الضّرير: العيّوق ما دام متقدّما على الثّريا، ففي الزّمان بقية من الأبارد، وإذا استوى العيّوق مع الثّريّا فقد بقي منها شيء قليل، وقال ذو الرّمة:
وماج السّفا موج الحباب وقلّصت ... مع النّجم عن أنف المصيف الأبارد
ويقال: اختلف عليه الملوان: أي اللّيل والنّهار. قال ابن مقبل:
(1/189)

ألا يا ديار الحيّ بالسّبعان ... أمل عليها بالبلى الملوان
وهذا تثنية ملا، وفسّر أمل عليها: طال عليها. قال الشيخ: ويجوز عندي أن يكون أمل من إملال الكتاب، يقال: أمل الدّروس والخلوقة عليها الملوان، ويكون الباء في قوله:
بالبلى: إن شئت زائدة للتأكيد، وإن شئت قلت: أراد بسبب البلى ويكون مفعول أملى محذوفا.
وذكر بعض النّظار أنّ قولهم: ملوان لا يكون اللّيل والنّهار بدلالة قول ابن مقبل نهار، وليل دائم ملواهما. والشيء لا يضاف إلى نفسه ولكنّه المتّسع من الدّهر، ولو قيل: غدّوهما وعشيّهما كان أشبه. وقال ابن أحمر شعرا:
ليهنكم أنّا نزلنا ببلدة ... كلا ملوة بها ميبس غير منعم
وقد تصرّفوا في هذه اللّفظة على أبينة مختلفة فقالوا: لقيت عنده ملوة من الدّهر وملوة ومليا. قال الله تعالى: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا
[سورة مريم، الآية: 46] ومضت ملاوة من الدّهر وملاؤه وملاوة. قال أبو ذؤيب شعرا:
حتّى إذا جزرت مياه رزوبة ... وبأيّ حزّ ملاؤه يتقطّع
ومن هذا قوله تعالى: فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ
[سورة الحج، الآية: 44] أي أخّرت النّقمة منهم يقال: أملى الله لفلان العمر: أي أخّر عنه أجله، وقوله: بأيّ حز ملاوة، لفظة استفهام والمعنى معنى الخبر أي: تنقطع تلك المياه في حين، وأي حين، والمراد في أشدّ ما كان حاجة إليها عند انتهاء الحر وذهاب الرّطب، وانتشاف الغدران، وهذا كما تقول: في أيّ حين ووقت زيدا حين تمكّن العدوّ منه، وضاقت المسالك به، ويقال: على أيّ حزة أتانا فلان؟ أي أي ساعة وحين، وجئتنا على حزّة منكرة، وكأنّه يعني ما حزّ من الدّهر أي قطع، وإنّما أضاف الحزّة إلى الملاوة، وهما اسمان للوقت، لأنّ المراد بأيّ ساعة من الدّهر، فالحز اسم للجزء اليسير. والملاوة: للممتد المتّصل، وهذا كإضافة البعض إلى الكل، ويقال: تملّيت حبيبا: أي عايشته طويلا ملاوة وحينا، وملاك الله نعمة أي أدامها وأطال وقتها، وقال الأسود بن يعفر:
آليت لا أشريه حتّى يملّني ... وآليت لا أملاه حتّى تعارقا
قال قطرب: قوله: أملاه أتى به على مليه: بلاه وقالوا: أملاك الجديدان والأجدان والفتنان: أي اللّيل والنّهار، وابنا سمير، وكل ذلك اشتقاقه وطريقته ظاهر، قال:
لم يلبث الفتنان أن عصفا بهم ... ليل يكرّ عليهم ونهار
(1/190)

وقال آخر:
غدا فينا دهر وراحا عليهما ... نهار وليل يكثران التّواليا
ومن هذا الباب قولهم: لا أفعله ما اختلف الصّرعان أي الغداة والعشي، ويقال:
الصّرعان: أي الغداة، وبالفتح أيضا ويقال: أتيته صرعي النّهار أي طرفيه من طلوع الشّمس إلى الضّحى، وبالعشيّ بعد العصر إلى اللّيل، ثم قالوا: هما صرعان: أي مثلان، فعلى هذا يراد باختلافهما تصرّفهما، ويقال أيضا: هو ذو صرعين: أي لونين ويجمع على الصروع، وما أدري على أيّ صرعى أمره وقع، أي حاليه وتركهم صريعين: أي ينتقلون من حال إلى حال، وهو يفعله على كل صرعة، أي على كلّ حالة.
وحكى ابن الأعرابي: لا أكلّمك ما اختلف الصّرعان: الحينان غدوة وعشية، ومن كلامهم: عندك ديك يلتقط الحصى صرعيه، يقال: هذا مثلا للنّمام، قال: وعلى هذا: يراد الاختلاف الذي هو ضد الوفاق. فأما قولهم: المصراعان في الأبواب وأبيات الشّعر فيجوز أن يكون من التماثل، ويجوز أن يكون من قولهم: هو صرع كذا أي حذاءه. الزّيادي اختلف عليه الفتنان، أي الغدوة والعشية من الفتون وهو الضّروب.
وقال أبو سعيد في قول الله تعالى: وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً
[سورة طه، الآية: 40] أي فتونا في اليمّ وفي مدين وحيث قيل: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ
[سورة طه، الآية: 12] وذكر يعقوب زرته:
البردين والقرنين أي طرفي النّهار. وزرته الغربين أيضا: أي غدوة وعشية. الأصمعي اختلف إليه الرّدفين أي الغداة والعشي- والغداة ردف اللّيل والعشيّ ردف النّهار.
ويقال: لقيته بأعلى سحرين وبأعلى السّحرين أي وقت السّحر الأعلى وهو قبيل الصّبح. قال: غدت بأعلى سحرين تذأل. وبأعلى سحر. قال العجاج: غدا بأعلى سحر وأجرسا. رد بعضهم بيت العجّاج وقال: كان ينبغي أن يقول: بأعلى سحرين لأنّه أوّل تنفّس الصّبح، ثم الصّبح وتقول: أسحرنا كما تقول: أصبحنا- وتسحّرنا أكلنا سحورا- وجئتك بسحر- وبسحرة- وبالسّحر- وسحيرا.
وقال أحمد بن يحيى: الأسحار: الأطراف وبه سمّي سحر، وأنا أراك منذ سحر.
وقال قطرب: أتيتك سحرية وسحريا وسحر، ويقول: سحرى هذه اللّيلة أيضا. قال في ليلة لا نحسّ في سحرّيها وعشائها.
ويقال: صبح ولا جمع له، وصباح وصبيحة وأصبوحة وإصباح، لأنّ العرب تجعل الإصباح لنفس اللّيل، فيقول: أصبح قال فبات يقول: أصبح ليل حتى تجلّى عن صريمة الظّلام.
والصّبح صبحان، كما أنّ السّحر سحران. ويقال: ابنا جمير اليومان اللّذان يستسر القمر
(1/191)

فيهما في المحاق قبل البحيرة، وابن حمير أيضا.
وحكى أبو العباس المبرّد أنّه يقال للشّتاء والصّيف: العصران وكذلك لكل مختلفين معناهما واحد. قال الرّبيع بن صبيع:
أصبح منّا الشّباب قد بكرا ... إن بان منّا فقد ثوى عصرا
يعني سنين كثيرة، والقارنان اللّيل والنّهار وأنشد للكميت شعرا:
يا من عذ يرى من ذواله ... كم ذا يزيد على إباله
يغدو عليّ مقارنا ... كالقلونين مع الغزالة
فلا جبانك مشقصا ... أوسا أويس من الهباله
قوله: على إباله، مثل يقال للرّجل إذا جاء بمكروه ثم أعقب بعده بمثله ضغث يزيد على إباله، والإبالة الحزمة الكبيرة. قوله فلا جبانك يريد لأرمينّك بسهم حبالك. والأوس العطية، وأويس تصغير أوس وهو الذّئب. والهبالة من الاهتبال وهو الاغتنام، وقال بعضهم:
الهبالة اسم ناقة. يقول من يعذرني منه مقارنا غدوة وعشية وقيل في القارنين هما اللّيل والنّهار. ويقال للشّمس والقمر القمران. قال: لنا قمراها والنّجوم الطّوالع. ويقال لهما السّراجان من قوله تعالى: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً
[سورة نوح، الآية: 16] والنّيران ومما جاء مثنى من أسماء الكواكب السّماكان الرّامح- والأعزل- والنّسران: الطّائر- والواقع- والفرقدان والشّعريان- العبور- والغميصاء- والمرزمان وهما مرزما الشّعريين والهراران- قلب العقرب والنّسر الواقع والخراتان «1» في الأسد والغميصاوان والوزنان حضار- والوزن والمحلفان وهما حضار والوزن أيضا.
وقال ثعلب الهراران النّسران لأنّهما إذا طلعا في المشرق فهو نهاية البرد وهذا كما قيل: سهيل لأنّ الحرّ يسهل عند طلوعه، وقيل للدّبران الحادي والدّابر والتّابع ويقال: ما رأيته منذ أجردان وجريدان وأجدان وجديدان أي يومان أو شهران. وابنا سمير اللّيل والنّهار والسّمر الدّهر وابنا سبات اللّيل والنّهار، وقيل ابنا سبات رجلان وأنشده شعرا:
وكنّا وهم كابني سبات تعزفا ... سوى ثم كانا منجدا وتهاميا
وعرقوتا الدّلو والفرغان للمقدّم والمؤخّر، وحكى أبو العبّاس ثعلب: الأثرمان: الدّهر والموت وأنشد شعرا:
(1/192)

ولمّا رأيتك تنسي الذّمام ... ولا قدر عندك للمعدم
وتجنو الشّريف إذا ما أخلّ ... وتثني الدّنيء على الدّرهم
وهبت أخاك للأعجمين ... وللأثرمين ولم أظلم
أخلّ: احتاج من الخلة والأعجمان: السّيل والحريق، وحكى أبو عمر وغلام ثعلب مرزم السّماك ومرزم الجوزاء.
فصل في ترتيب الأوقات وتنزيلها
قال أبو نصر: تكوير اللّيل على النهار والنّهار على اللّيل أن يلحق أحدهما بالآخر.
وإيلاج النّهار في اللّيل، واللّيل في النّهار، دخول أحدهما في الآخر. وقال الخليل: التكوير تغشية اللّيل النّهار والنّهار اللّيل. ومنه كارة القصار. وقال الدّريدي: الكور كور العمامة والقطعة العظيمة من الإبل، وفي المثل: نعوذ بالله من الحور بعد الكور، أي النّقصان بعد الزّيادة، وكرت العمامة كورا، وكذلك الكارة وكار الرجل، واستكار: أسرع في مشيته يكور كورا، وزلف اللّيل من النّهار والنّهار من اللّيل ساعات كل واحد منهما يأخذه من صاحبه، والواحدة زلفة. قال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ
[سورة هود، الآية: 114] ومنه المزالف والزّلفى ومزدلفة.
وقال الخليل: مزدلفة: سميت بهذا الاسم لاقتراب النّاس إلى منى بعد الإفاضة من عرفات، قال الأصمعي: إذا طلع الفجر فأنت مفجر حتى تطلع الشّمس فإذا طلعت فأنت مشرق إلى ارتفاع النّهار، ثم أنت مضح. وفي القرآن: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ
[سورة الشعراء، الآية: 60] في وقت طلوع الشّمس، والإشراق والتّشريق انبساطها، والشّروق طلوعها. ثم أت مضح حتى تزول الشّمس، فإذا زالت فأنت مهجر ومظهر إلى أن تصلّي العصر، ثم أنت معصر ومقصر وموصل إلى أن تحمّر الشّمس، ثم أنت مطفل إلى أن تغيب، فإذا غابت فأنت مغيب ومغرب وموجب ومشفق ومسدف، فإذا غاب الشّفق فأنت مظلم ومفحم.
قال أبو العبّاس ثعلب: يقال: رجل نهر وسابح إذا كان يتصرّف في النّهار دون اللّيل، فإذا كان باللّيل دون النّهار قيل: هو ليلي لابس، وهذا أخذه من قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً
[سورة النّبأ، الآية: 10- 11] وقوله تعالى: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا
[سورة المزّمل، الآية: 7] وقد قيل: سبحا أي: عملا وتقلبا ومنه سمّي السّابح لتقلّبه بيديه ورجليه ولباسا: أي استمتاعا من قوله:
لبست أبي حتّى تملّيت عيشه ... وملّيت أعمامي وملّيت خاليا
(1/193)

وذكر بعض أصحاب المعاني أنّ العيشة والعيش ليسا بالحياة، ولكن ما يستعان به على الحياة واستدلّ بقوله تعالى: وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً
[سورة النبأ، الآية: 11] قال: وهذا كما قال في الآية الأخرى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
[سورة القصص، الآية: 73] وقال في موضع آخر: جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً
[سورة الفرقان، الآية: 47] أي ما ألبسهم من ظلمته فلبسوه لباسا، والنّوم سباتا أي سكونا وأنشد لأميّة:
ما أرى من يعشّني في حياتي ... غير نفسي إلّا بني إسرال
وقال: المراد بقوله: يعشني يعينني على أمر الحياة، والسّكون إنّما هو في اللّيل والابتغاء من فضله بالنّهار، ولكن لمّا عطف أحدهما على الآخر أخرجا مخرج الواحد الجامع للشّيئين، ونظير هذا من الكلام: لئن لقيت زيدا وعمرا لتلقينّ منهما شجاعة وفصاحة، على أنّ الفصاحة لأحدهما والشّجاعة للآخر، وهذا بمنزلة ما يقع في الجمع إذا قلت: في بني فلان خير وشر، لأنّ الدّعوة قد ضمّتهم جميعا فانطوت على الخير والشرّ، وإن كان الخير في جماعة والشّر في آخرين، وكذا كلّ تثنية وجمع تعلّق الخبر به على الإجمال، لأنّه يصير كالواحد.
وقال تعالى في موضع آخر: وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً
[سورة الفرقان، الآية: 47] أي:
ينشرون فيه عن نومهم باللّيل، والانتشار التّصرف. وقال في موضع آخر: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً
[سورة القصص، الآية: 72] أي دائما، يقال: هو يسهر سهرا سرمدا إذا لم يكتحل فيه بغمض ولا يكون السّرمد ما يقع فيه فصل، وقوله تعالى: تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ
[سورة النمل، الآية: 49] أي تحالفوا، وكلّ عمل باللّيل تبييت. ويقال: هو أمر دبّر بليل. ويقال للصّقيع: البيوت، لوقوعه باللّيل، وفي القرآن: إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ
[سورة النساء، الآية: 108] وأنشد أبو عبيدة شعرا:
أتوني فلم أرض ما بيّتوا ... وكانوا أتوني بأمر نكر
وقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً
[سورة الفرقان، الآية: 62] الخلفة ما خلف بعضه بعضا أي كلّ واحد يخلف صاحبه، قال زهير:
بها العين والأرآم يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كلّ مجثم
ومعنى لمن أراد أن يذكر، يريد لمن أراد أن يتذكّر ويستدلّ على نعم الله على خلقه وعلى أنواع لطفه فيما تعبّدهم به وتظاهر حججه وتبيانه فيما ندبهم إليه، وهذا كما قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ*
[سورة القمر، الآية: 32] وكقوله تعالى:
(1/194)

إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ*
[سورة الرعد، الآية: 19] وقوله تعالى: أَوْ أَرادَ شُكُوراً
[سورة الفرقان، الآية: 62] يريد أو يتأمل ما ينقل فيه حالا بعد حال من صنوف آلائه، ووجوه إحسانه، فيضم الشّكر فيه. قوله: خلفة فيما يؤدّيه من المعنى كما حكاه أبو زيد من قولهم: ولد فلان شطرة، والمراد ذكورهم بعدد إناثهم، فهذا من الشّطر، كما أنّ ذاك من الخلافة. والنّشئة والنّاشئة أوّل ساعات اللّيل.
وقال ابن الأعرابي: إذا نمت من أوّل اللّيل نومة ثم قمت، فتلك النّاشئة والنّشئة حجر يكون على الحوض. قال ومنه قوله: هرقناه في بادي النّشيئة داثر والنّشيئة الجارية.
ومنه قول الشاعر شعرا:
ولولا أن يقال صبا نصيب ... لقلت بنفسي النّشأ الصّغار
قال أبو العباس المبرّد: إذا قال القائل: ما رأيته مذ مدّة من يومي علم أنّ ذلك ساعة أو ساعات. وإذا قال: مذ مدّة من عمري علم أنّ ذلك سنة أو سنون أو ما يدانيه.
ومن ظروف المكان مني فرسخين: وكان شيخنا أبو علي يقول: هذا كان يقوله الدّليل لمن يستهديه، أي: إني أرشدك في فرسخين، ومعنى من شأني وأمري كما قال: فإنّي لست منك ولست منّي ويجوز أن يقول: أنت منّي فرسخان، كأنّه جعله نفس الفرسخين.
والمعنى: بيننا هذه المسافة، فأمّا قولهم: هو منّي معقد الإزار ومقعد له لقابلة، ومناط الثّريا فإنما ساعت أن تكون ظروفا وإن كان المحدود من الأماكن لا يجعل ظروفا لأنّها أزيلت عن مواضعها، فوضعت موضع القرب والبعد، فدخلها بذلك الإبهام، وتقول: اليوم الجمعة واليوم السّبت، وجعلت الثّاني هو الأوّل، فرفعت لكونه مبتدأ أو خبرا، وإن نصبت فقلت:
اليوم السّبت واليوم الجمعة جاز. وتجعل الثّاني كالحدث لتضمّنه معنى الفعل، فيصير كقولك: اليوم الخروج، وغدا الارتحال، ولو قلت: زيد اليوم لم يجز، لأنّ ظروف الأزمنة لا تتضمّن الأشخاص والجثث، لأنّها لا تخلو منها على كلّ حال، فلا يحصل في الكلام فائدة، وكذلك إذا قلت: حضرت يوم الجمعة، كان يوم الجمعة ظرفا لا غير، لأنّك إن جعلته مفعولا لم يكن فيه فائدة، لأنّه لا يغيب عنه أحد وعلى هذا قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
[سورة البقرة، الآية: 185] ويقول: الصّيام عشرة أيام إلّا يوما، فلا يجوز إلا الرّفع لأنّه يريد الوقت كلّه فهو كقوله تعالى: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ
[سورة سبأ، الآية: 12] وتقول: اليوم عشر من الشّهر والاختيار النّصب، وكذلك إذا قلت لك: اليوم شهران أو سنتان نصبت اليوم، وإن سقط من الشّهر شيء لأنّ الاسم يستحق منه على نقصانه، وتقول: لا أكلّمك أخرى اللّيالي ذكر أخرى ليصلها بما قد مضى، وكذلك غابر الدّهر: أي باقيه وقوله: رآها مكان السّوق أو هو أقربا، مثل قوله تعالى:
(1/195)

وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ
[سورة الأنفال، الآية: 42] أي في مكان أقرب أو أسفل ويقول: هو منّي قدر أن تناوله يدي، وفوق أن يناوله يدي، وبعضهم يرفعه والوجه النّصب وعلى هذا قوله شعرا:
وقد جعلتني من خريمة إصبعا ... ويقول: لقيته من قبل قبل
على التّكرير، غاية ولقيته من قبل قبل تضيف الأوّل ولا تضف الثّاني، والنّية في الإضافة أن تكون إلى نكرة، وإن كانت النّكرة في مثل هذا المكان تفيد فائدة المعارف، بدلالة قوله آتيك غدا، لأنّه نكرة كالمعرفة، وقبل الذي لم تضفه معرفة لكونه غاية بما ضمّن، وهو في حكم البدل من قبل الأوّل، لأنّ إبدال المعرفة من النّكرة هو الأصل، وإن شئت قلت لقيته من قبل قبل، تنوي الإضافة فيهما على ما بيّنته. ومثله قولهم: من وراء وراء في الوجوه كلّها. وقد ذكر سيبويه في قولهم: من عل أنّه مضارع لقولهم: من عل لأنّهما لمّا وقعا لمعنى واحد على تقديرين مختلفين سمّاه مضارعه، فأمّا قوله: وقد علاك مشيب حين لا حين، فالمراد حين غير حين أي جاء المشيب في غير أوانه، فأدخل النّفي على حدّ ما كان موجبا.
فصل في قوله تعالى: ماذا قالَ آنِفاً
[سورة محمد، الآية: 16]
وفي أحرف سواه يكثر البلوى به.
قال أبو زيد: يقال: أيتنفت الكلام ايتنافا وابتدأته ابتداء أو هما واحد، وأنشد:
وجدنا آل مرّة حين خفنا ... جريرتنا هم الأنف الكراما
ويسرح جارهم من حيث أمسى ... كأنّ عليه مؤتنفا حراما
قال السّكري: الأنف: الذين يأنفون من احتمال الضيم. قال شيخنا أبو علي: فإذا كان كذا فقد جمع فعلا على فعل، لأن واحد أنف أنف بدلالة قوله:
وحمّال المئيين إذا ألمّت ... بنا الحدثان والأنف النّصور
ووجه هذا أنّه شبّه الصّفة بالاسم، فكسّرها تكسيره، فقالوا في جمع نمر: نمر وأنشد سيبويه: فيها عياسل أسود ونمر. وليس الأنف والأنف في البيتين ممّا في الآية في شيء، لأنّ ما في الشّعر من الأنف، وما في الآية في معنى الابتداء ولم يسمع أنف في معنى ابتداء وإن كان القياس يوجبه.
وقد يجيء اسم الفاعل على ما لم يستعمل من الفعل نحو: فقير جاء عن فقر والمستعمل افتقر. وكذلك شديد، والمستعمل اشتدّ، فكذلك قولك آنفا والمستعمل أيتنف،
(1/196)

فأما قوله: كان عليه مؤتنفا حراما، فالمعنى كان عليه حرمة شهر مؤتنف حرام، فحذف المضاف وأقام الصّفة مقام الموصوف، والتّقدير: أنّ جارهم لعزّهم ومنعتهم لا يهاج ولا يضام، فكأنّه في حرمة شهر حرام وقوله: ويأكل جارهم أنف القصاع، فإنه يريد أنّهم يؤثرون ضيفهم بأفضل الطّعام وخيره فيطعمونه أوّله لا البقايا، وما أتى على نقاوته، فهذا جمع على أنف مثل: بازل وبزل قابل وقبل. وإذا كان كذلك قرىء قراءة من قرأ: ماذا قالَ آنِفاً
[سورة محمد، الآية: 16] وأمّا ما روي عن ابن كثير من قوله: أنفا فمجوز أن يكون توهّمه مثل حاذر وحذر، وفاكه وفكه والوجه الرّواية الأخرى آنفا بالمدّ كما قرأ عامتهم.
وقال بعض أصحاب المعاني: لا يمتنع أن يكون الباب الذي قسمه كلّه من أصله واحدا وهو التقدّم، وتكون الأنفة من الأنف الذي هو الجارحة، وسمّيت به لتقدّمه في الوجه. ثم جعل ما يؤنف منه من الذّل، كإضافة الأنف وجدعه يبيّن هذا ويشهد له قولهم:
بعير أنف ومأنوف: إذا عقره في الخشاش فانقاد لما يراد منه، وفي الحديث: «المسلم هيّن ليّن إن قيد انقاد» وقد نسب الذّل إلى الأنف في كلامهم حتّى قيل: هو يحمي أنفه من كذا وهو حمي الأنف، والشاعر قال:
ولا نال أنفا منه بالذّل نائل
وقال أبو إسحاق في قوله تعالى: ماذا قالَ آنِفاً
[سورة محمد، الآية: 16] أراد في أوّل وقت يقرب منّا، وقال الخليل: أنفت فلانا أنفا، كما تقول: الذي قبل أي قبل كأنه أراد أنفته فأنف أنفا، والمعنى حركته من أقرب وقته فابتداء هذا بيان ما رمى به الخليل. ويجوز فيه وجه آخر: وهو أن يريد ماذا قال فيما أنفه وأنفا ويكون أنفته وأنفا من باب قم قائما وأشباهه. ويكون اسم الفاعل نائبا عن المصدر، قال: وأيتنفت ايتنافا أوّل ما يبتدأ فيه، والمستأنف من الكلام والأمر كذلك.
قال أحمد: وعلى ما حرّرناه من كلام المعترض وحكاية الخليل، صحّ قراءة ابن كثير وتوجّه اختياره أنفا غير ممدود قياسا وسماعا، ولم يكن متوهّما فاعلمه.
ومن الأحرف التي نداولها قوله تعالى: وَأَدْبارَ السُّجُودِ
[سورة ق، الآية: 40] هو مصدر والمصادر تجعل ظروفا على إرادة إضافة أسماء الزّمان إليها وحذفها كقولك: جئتك مقدم الحاج، وخفوق النّجم، وخلافة فلان، يريد في ذلك كلّه وقت كذا فحذفه فكأنّه قال:
وقت أدبار السّجود، إلا أنّ المضاف المحذوف في هذا الباب لا يكاد يظهر وهذا أدخل في باب الظّروف من قولك أدبار السّجود إذا فتحت وكأنه أمر بالتّسبيح بعد الفراغ من الصّلاة.
وقد قيل: أريد به الرّكعتان بعد المغرب، وأدبار جمع دبر ودبر وقد يستعمل ظرفا نحو: جئتك في دبر الصلاة، أي في أدبار الصّلاة، وقال شعرا:
(1/197)

على دبر الشّهر الحرام لأرضنا ... وما حولها جدت سنون تلفّع
وقوله تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ*
[سورة يوسف، الآية: 22] أي منتهى شبابه وقوّته واحدها شدّ مثل فلس أو شد مثل فلان ودي، والقوم أودى، أو شد مثل نعمه وأنعم، ومعناه قال مجاهد: ثلاثا وثلاثين سنة واستوى معناه أربعين سنة، قالوا: وأشد اليتيم ثماني عشرة سنة. قال أبو زيد: يقال: هو الأشد وهي الأشد، وفي القرآن: حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً
[سورة الأحقاف، الآية: 15] .
قال الفرّاء: الأشد هنا هو الأربعون أقرب إليه في النّسق، وأنت تقول: أخذت عامّة المال، إذ كلّه لا يكون أحسن من أن يقول: أخذت أقلّ المال، أو كلّه وأنشد المفضّل في شدّ:
عهدي به شدّ النّهار كأنّما ... خضب اللّبان ورأسه بالعندم
وعند أكثر أصحابنا البصريّين أنّ الأشدّ واحد، وأنّه شاذ لأنّه لم يجيء أفعل في الواحد.
وقوله تعالى: أَحْسَنُ مَقِيلًا
[سورة الفرقان، الآية: 24] من القائلة وهو الاستكنان في وقت انتصاف النّهار، وجاء في التّفسير لا ينتصف النّهار يوم الجمعة حتّى يستقرّ أهل الجنّة في الجنّة وأهل النّار في النار، فتحين القائلة، وقد فرغ من الأمر فيقيل كل من الفريقين في مقره.
السّنون التي دعا النّبي صلى الله عليه وسلم فيها على مضر وقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها سنين كسني يوسف» يقال: كان النّاظر منهم يرى بينه وبين السّماء دخانا من شدّة الجوع، ويقال: بل قيل للجدب دخان، حتّى قيل في قوله تعالى: بِدُخانٍ مُبِينٍ
[سورة الدّخان، الآية: 10] أي جدب، ليبس الأرض، وارتفاع الغبار، فشبّه ذلك بالدّخان، ومن مجازهم واتّساعهم: ارتفع له دخان إلى السّماء هذا لبشر وذلك إذا علا.
(1/198)

الباب الرّابع عشر في أسماء الأيّام على اختلاف اللّغات ومناسبات اشتقاقها وتثنيتها وجمعها
قال قطرب: أسماء الأيام: السّبت- والأحد- والاثنان- والثّلاثاء- والأربعاء- والخميس- والجمعة. فالأحد هاهنا اسم وأصله: وحد وقد يكون صفة مثل قوله: بذي الجليل على مستأنس وحد. ومعنى الواحد الذي لا ثاني له وإنّما لم يثنّ وهو اسم لأنه متى ثنّي خرج من أن يكون واحدا، فلذلك لم يقل: وحدان وإبدال الهمزة من الواو المفتوحة جاء في أحرف معدودة. والاثنان من ثنّيت الشيء إذا ضعّفته ثنيا ثم يسمّى المثنّى ثنيا، ولا يقال في أحد اثن، لأنّه إذا أفرد عما يثنّى به لم يستحقّ هذا الاسم. فأمّا الثّلاثاء والأربعاء والخميس فإنّها وإن أريد بها ما يراد من أسماء العدد إذا قلت ثلاثة وأربعة وخمسة، فإنّ في تغيّر الأبنية لها قصد. وسيبويه قال: أحبّوا في الأوقات أن يحصوها بأبنية تلزمها من بين سائر المعدودات، وشبّهها بقولهم: عدل وعديل ووزين ووزان في الفصل بين الأجناس.
وحكى سيبويه: هذا يوم اثنين مباركا فيه. واستدلّ على تعريفه بانتصاب الحال بعده، وفيه على هذا تعريفان.
الأوّل: باللّام تعريف الحارث والعباس.
الثّاني: تعريف العلميّة والوضع، كما أنّ عروبة، والعروبة للجمعة كذلك، والسّبت سمّي به قيل: للراحة، ومنه السّبات النّوم، ويقال: انسبت الرّجل إذا اعترته سكتة. وقيل:
أصل السّبت القطع. ومنه السّبات لأنّه يحول بين التمييز وصاحبه، ويقطعه عن عادته وتصرّفه، ويقال: سبتوا عنقه إذا قتلوه. والمنسبت من النّخل: ما يجري الإرطاب في جميعه، فكأنّه انقطع من حدّ البسر، ويقال لضرب من النّعال: السّبت، وإنّما هي التي قد نثر شعرها. ويقال: إنّ السّبت إنّما سمّي لما أخذ على اليهود في السّبت ونهوا عنه في هذا اليوم مما هو مباح في غيره، وانقطاع حكمه من حكم غيره، ومن جعل السّبت إنمّا يسمّى به
(1/199)

للرّاحة، يقول قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ
[سورة ق، الآية: 38] هو ردّ على اليهود في قوله تعالى: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ*
آخرها يوم الجمعة واستراح في يوم السبت فردّ الله ذلك عليهم وأبطل قولهم. وسمّي السّبت: شيارا واشتقاقه من شيرت الشيء إذا أظهرته وبيّنته، ويقال: شيراي حسن الشيارة وهي ظاهر منظره، ومن هذا قيل: القوم يتشاورون أي يظهرون آراءهم كأنّ كلّ جماعة منهم يظهرون ما عندهم ويعرضونه. ويجوز أن يكون قولهم لخيار الإبل الشّيار من هذا الذي ذكرناه. وقيل للأحد: أوّل لأنهم جعلوه أوّل عدد الأيام. وقالوا للإثنين: أهون وأوهد فأهون من الهون وهو السّكون من قوله تعالى: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً
[سورة الفرقان، الآية: 63] وأوهد يدلّ على هذا المعنى لأنّ الوهدة الانخفاض كأنّهم جعلوا الأوّل أعلى ثم انخفضوا في العد. وقالو للثّلاثاء الجبار أي جبر به العدد، وأعظم به العدد وقوي، لأنّه حصل به فرد وزوج.
وقال الخليل: سمّي به في الجاهلية الجهلاء، وفي الخبر العجماء جبار والمعدن جبار. أي يهدر الأرش فيه، فهو يخالف المعنى الأول. وقولهم للأربعاء: دبار لأنّه عندهم آخر العدد وقد تمّ بإجرائه العقد الأوّل. ودبر كل شيء مؤخّره، وإنما كان كذلك لأنّ الخميس- والجمعة- والسّبت- سمّوها بأشياء تصنع فيها فاستغنوا بها عن عددها. وقيل للخميس: مؤنس لأنه يؤنس به لقربه من الجمعة وفي الجمعة التأهّب للاجتماع. وقيل للجمعة: العروبة لبيانها عن سائر الأيّام، والإعراب في اللّغة الإبانة والإفصاح، والعرب شوك البهمي والواحدة عربة، سمّي بذلك لأنّ الورق يسقط منه فيظهر الشّوك. فالتّأويل أنّه قد بان من الورق والعرابة عسل الخزم، سمّي به لأنّه يقال لثمرة العراب، والواحدة عرابة، وقد أعربت الخزم، ويقال للمرأة الغزلة هي عربة وعروبة أيضا. ومنه قوله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً
[سورة الواقعة، الآية: 35- 36] وقيل: العروبة المتحبّبة إلى زوجها، ويقال للمتهلّل الوجه: عرابه. وبير عربة: كثيرة الماء. وقد قيل:
العروبة بالألف واللّام وبغير الألف واللام كأنّه جعل علما، وأنشد فيه شعرا:
وإذا ترى الرّواد ظلّ بأسقف ... يوما كيوم عروبة المتطاول
يروى يوما كيوم، ويوما كيوم، قال: ولم يزل أهل كل دين يعظّمونه وجعله متطاولا للعبادة فيه، والمعنى وإذا ترى هذا الحمار الوارد ظلّ له يوم طويل وطوله طول مكثه يميل بين الورود وتركه. وإذا نصبت اليوم: فالمعنى ظلّ الحمار يوما طويلا في هذا الموضع، وإذا رفع فالمعنى ظلّ بأسقف يوم له، وروي الأرواد فكأنّه جمع ورد والمعنى: أهل الأوراد أو يجعل الورد للواردين. وقال القطامي: فأتى بالألف واللّام شعرا:
(1/200)

نفسي الفداء لأقوام هم خلطوا ... يوم العروبة أورادا بأوراد
(وتسمّى الجمعة) حربة أيضا، سمّيت بذلك لبياضها ونورها فهي في الأيّام كالحربة.
(وذكر أصحاب) السّير أنّ أولاد نوح عليه السّلام عزموا على المسير في الأرض ليروها، ويختاروا منها لمطافهم وأوطانهم فبدؤوا بمسيرهم في يوم الأحد فسمّي الأوّل. (ثم لمّا كان اليوم الثّاني) كان السّير الذي شق عليهم في الأوّل أخفّ فسمّي الاثنين أهون. و (في الثّالث) جبروا ما تشعّث من أحوالهم بعد ما نزلوا سمّي لذلك الثّلاثاء جبارا، ولأنّهم جبروا ما كانوا خفّفوه من سيرهم فيما قبله فسمّوه جبارا. و (في الرّابع) انتهوا إلى عقاب وجبال فحجزتهم ومنعتهم فأدبروا وغيّروا الطّريق فسمّي الأربعاء دبارا. و (في الخامس) تسهّل الطّريق ورأوا ما أنسهم فسمّي الخميس مؤنسا. و (سميت الجمعة) العروبة لأنّ كلمتهم اجتمعت وبان لهم من الرّأي ما كان خافيا فتعربوا واتّفقوا. فإذا جمعت السّبت فيما دون العشرة أسبت والكثير سبوت. وإذا جمعت الأحد قلت في القليل: آحاد وفي الكثير أحود مثل جمل وأجمال وجمال وأسد وأسود وآساد. والاثنان لا يثنّى فإنّه مثنّى، فإن أردت تثنيته جئت بالمعنى فقلت: هذان يوما الاثنين ولا يحسن مضى الاثنانان، فيحصل الإعراب مرتين. قال قطرب: ومع ذلك قد حكي. وفي الجمع أيضا تقول: مضت أيام الاثنين، إلا أنّهم قد قالوا: اليوم الثّني فلا بأس على هذا أن يجمع فيقول: مضت أثناء كثيرة.
وحكي عن بعض بني أسد: مضت آثان كثيرة، كأنّه جمع أثناء مثل: قول وأقوال وأقاويل، وأسماء وأسامي، فلا بأس بذلك. قال: وحكيت لنا مضت أثانين، ولا وجه لهذا لأنّه من ثنيت الشيء، فالنّون الأخيرة لا مدخل لها، فأمّا جمع الثّلاثاء والأربعاء فثلاثاوات، وأربعاوات بالألف والثّاء، لأنّ فيها علم التأنيث وهو الهمزة بعد الألف كألف حمراء وصفراء.
وزعم يونس أنه يقال: مضت ثلاث ثلاثاوات، وأربع أربعاوات، على تأنيث اللّفظ ويقال: ربعت الجيش إذا أخذت ربع القسمة منهم ولم يأت على وزن المرباع في تجزئة الشيء غير المعشار والمرباع المكان الباكر بالنبات. ومنه قوله: رزقت مرابيع النّجوم، وفي الأربعاء لغات أربعاء بفتح الباء وأربعاء بكسر الباء والهمزة، ويجمع على أربعاوات وأرابيع، وتقول أيضا: ثلاث ثلاثاوات وأربعة أربعاوات على معنى التّذكير، لأنّ اليوم مذكّر وقال الشّاعر شعرا:
قالوا: ثلاثاؤه خصب ومأدبة ... وكلّ أيامه يوم الثّلاثاء
وحكى المفضّل في الثّلاثاء الأثالث في الكثير. وحكى في جمع الأربعاء الأرابيع أيضا، وأمّا الخميس فإذا جمعته على أقل العدد كان على أفعلة تقول: ثلاثة أخمسة، كما
(1/201)

قالوا: جريب وأجربة وكثيب وأكثبة، ويجوز في القياس جمعه على فعلان نحو خمسان، كما قيل: كثيب وكثبان ورغيف ورغفان.
وقال يونس: أخمسة في الأيام، وأخمساء في الخمس، تقول: إذا أخذ الخمس قد أخذ أخمساء في ماله. فأما الجمعة فإنّها إذا جمعتها لأدنى العدد كانت بالتّاء: ثلاث جمعات، أتبعت الضمّة مثل ظلمات، وإن أسكنت فقلت جمعات وظلمات كما أسكن عضد وعضد وعنق وعنق جاز وإن شئت فتحت فقلت ثلاث جمعات وظلمات. وقال النّابغة:
ومقعد أيسار على ركبانهم ... ومربط أفراس وناد وملعب
وإن شئت قلت ثلاث جمع كما تقول: ثلاث ظلم وثلاث برم. وإن شئت كان ذلك لكثير. وأيّام العجوز سبعة كما قال:
كسع الشّتاء بسبعة غير ... أيّام شهلتها من الشّهر
فبآمر وأخيه مؤتمر ... ومعلّل ومطفي الجمر
فإذا مضت أيّام شهلتها ... بالصّن والصّنبر والوبر
ذهب الشّتاء مولّيا هربا ... وأتتك واقدة من النّجر
قال أبو سعيد: سمّيت هذه الأيام غبرا للغبرة والظّلمة. والشّهلة العجوز. وآمر سمّيت بذلك لأنّه يأمر الناس بالحذر منه، وسمّي مؤتمر لأنّه يأتمر بالنّاس أي يرى لهم الشّر ويؤذيهم. ومنه قول امرئ القيس:
أجاز ابن عمر وكأنّي خمر ... ويعدو على المرء ما يأتمر
وسمّي (صنا) لشدّة البرد. والصّن البرد. وسمّي (صنبرا) لأنّه يترك الأشياء من البرد كالصّرة في الجمود، وكلّ ما غلظ فقد استصبر. وسمّي (وبرا) لأنّه وبر آثار الأشياء أي عفا.
(والتّوبير) المحو والإخفاء، كتوبير الأرنب، وهو أن يمشي في حزونه لا يوقف على أثره، وسمّي (مطفي الجمر) بذلك لأنّ شدّة البرد تطفىء الجمر. (ومعلّل) سمّي بذلك لأنّه يعلّل النّاس بتخفيف البرد. (والنّجر) وقدة الحر، ومنه قيل شهر ناجر. فهذا ما قاله أبو سعيد الضّرير، ومن النّاس من يقول في أيّام العجوز هي: المسترقة في أوّل الشّتاء. ومنهم من يجعلها في آخر الشّتاء ويسمّيها أيّام الشهلة. ومنهم من يعدّها خمسة، ومنهم من يعدّها سبعة على ما تقدم. وحكي أنّ الكسائي سأله الرّشيد عن سببها، فقال: كانت امرأة من العرب قد اهترمت، وكان لها سبعة أولاد فقالت لهم: زوّجوني زوّجوني زوّجوني وهم يضربون عنها ولا يكترثون لها فأنشأت تقول شعرا:
أيا بنيّ إنّني لناكحة ... فإن أبيتم إنّني لجامحه
(1/202)

هان عليكم ما لقيت البارحه ... من الهياج وحكال الوامحه
ويروى الفاضحة. وقيل: أرادت بالوامحة الواحمة أي المشتهية من قولهم: وحمت المرأة توحم وحما وهي امرأة وحمى، فقالوا لها: بيتي لنا سبع ليال على ثنية هذا الجبل لكل ابن ليلة لنزوّجك بعد ذلك، فجاؤوها بعد السّابعة وقد انقضت.
(فمن عدّها) سبعة فقال: هي: صن «1» وصنبر- ووبر- وآمر- ومؤتمر- ومعلّل- ومطفي الجمر- (ومن عدّها) خمسة قال هي: صن- وصنبر واختهما وبر- ومطفي الجمر- ومكفي الظّعن.
وقال أبو سعيد الضّرير: سمّيت أيام العجوز لأنّ العرب جزّت الأصواف والأوبار مؤذنة بالصّيف، وقالت عجوز منهم لا أجزّ حتى تنقضي هذه الأيّام فإنّي لا آمنها، فاشتدّ البرد لها، وأضرّ بمن قد جزّ وسلمت العجوز بما لها.
وقال أحمد بن يحيى: الصّحيح أنّ العجوز عجلت بجزّ صوفها لحاجتها إليه وثقتها بالحر، فجاء البرد وموّتت غنمها، وكانت سبعة فماتت كلّ يوم واحدة فمن جعلها سبعة فلهذه العلّة، وإلّا فبرد العجوز ربّما بقي عشرة أيام أو أكثر.
وقال أحمد بن يحيى: (معتدلات سهيل) بإزاء (برد العجوز) (والكسع) ضرب الضّرع بالماء البارد حتى لا يدر، وكسع الشّتاء ضرب آخره بهذه الأيّام. و (الشّهلة) العجوز، وتشهّل الغلام إذا تغيّر بخروج لحيته أو لغير ذلك. قوله (بآمر) أي بيوم استعدّ فيه للبرد كأنّه أمر بذلك. و (مؤتمر) أي ايتمر للّذي أمره بذلك فقبله وقوي برده. و (معلّل) من العلل وهو شرب بعد شرب كأنّه جاء ببرد بعد برد (ومطفي الجمر) أي لشدّة البرد لا يكون للجمر ثبات. (والصّن) المتكمّر برد شديد، (والصّنبر) مثل ذلك. (والوبر) يكون من الوبر الذي احتيج إليه من البرد. (والوقدة) شدّة الحرّ من الوقود وهو النّار. (والنّجر) شدّة العطش.
(وشهرا ناجر) تموز وحزيران.
وقال الضّرير في قول أبي عبيدة في الكسعة إنّها الحمير إنّه خطأ، لأنّ الكسعة تقع على الإبل والبقر العوامل والحمير والرقيق لأنّها تكسع بالعصا، أي تساق أو بالخب، فكيف جعلها حميرا وحدها؟ ومما يصدّق ما قلنا قول الشاعر في أيّام العجوز كسع الشّتاء، يريد كسعت أيّام العجوز الشّتاء كما تكسع السّيقة إلى حيث يراد بها، ويقال: إنّ يومنا لصنبر،
(1/203)

وهو القر. وقال غيره في شدّة البرد: الخرص والصّنبر والزّمهرير. وقال بعضهم: أيّام العجوز: الصّن- والصّنبر وابن عمهما الوبر- والمضوضى في القبر- والمسند اللّامة الجمر والمدخل الفتاة في الخدر والمسلخ العجوز في الوكر.
وقد سمّت العرب الأيّام الخمسة بأسماء كما خصّت أيّام العجوز بأسماء وهي الهنبر- والهنزير وقالب القمر- وحالق الظّفر- ومدحرج البعر. قال أبو حنيفة: أمّا أيام العجوز فهي عند علماء الحضر في نوء الصّرفة بعد انقضاء الجمرات وهي خمسة.
وقال الكلابي: هي بالبادية عند ثلاثة بعد سقوط الجمرة الآخرة من الجبهة بنحو من سبع ليال، قال: وهذه الأيّام تسمّى صفوان. والثّاني الصّافي وهو أشدّها قرا، والثّالث صفى وهو آخرها، وأوّل نهاره يشبه الأوّلين، وآخر نهاره يتباشر النّاس بلينه. وروى غيره عن العرب أول يوم صفي. والثّاني صفوان. قال وذلك إذا اشتدّ البرد. والثّالث همام لأنّه يهم بالبرد ولا برد له. وقال أبو زياد: فيها يقولون: أيّام العجوز ثلاثة، وقد كان أيام العجوز لنا شهرا. قال: وأيّام العجوز عند الجمهور سبعة، وسقوط الجمرة الأولى عند العوام لسبع من شباط. وسقوط الجمرة الوسطى لأربع عشرة من شباط، وسقوط الأخيرة لإحدى وعشرين من شباط. وأول أيام العجوز عندهم لخمس وعشرين من شباط، وآخرها لثلاث من آذار.
(1/204)

الباب الخامس عشر في أسماء الشّهور على اختلاف اللّغات، وذكر اشتقاقاتها
وما يتّصل بذلك من تثنيتها وجمعها وهو فصلان:
فصل [في بيان] معنى الشّهر
أنّ النّاس ينظرون إلى الهلال فيشهرونه يقال: محرّم ومحرّمان ومحاريم ومحرّمات وإنما سمّي محرّما لأنّهم كانوا يحرّمون القتال فيه وصفر وصفران وأصفار وسمّي صفرا لأنّهم كانوا يغزون الصّفرية وهي مواضع كانوا يمتارون الطّعام منها، وقيل: لأنّهم كانت أوطانهم تخلو من الألبان ومن كلامهم: نعوذ بالله من صفر الإناء وقرع الفناء. ويقال:
صفرت عيبة الود من فلان أي خلت قال شعرا:
وإذ صفرت عياب الودّ منكم ... ولم يك بيننا فيها ذمام
ويقال شهر (ربيع الأول) والأوّل فمن خفض ردّه على ربيع ومن رفع رده على الشّهر.
وكذلك شهرا ربيع الأوّلان والأوّل وشهور ربيع الأوائل والأوّل- وحكي ربيعا الأول وأربعة الأول- وقالوا: أربعة الأوليات والأوّل وربيعا (الآخر) وأربعة الأواخر والآخر. وسمّيا ربيعين لارتباع القوم- أي إقامتهم. و (جمادى الأولى) وجماديان وجماديات وجماديا الأولى- وقالوا: الأوليين- وجماديات الأولى والأوّل والأوائل- و (جمادى الأخرى) والأخريين وجماديات الأخرى والآخر والأواخر. قال الشاعر:
إذا جمادى منعت درّها ... زان جنابي عطن مغضف
ويروى قطرها، وإنّما يصف نخلا فيقول إذا قلّت الأمطار ولم يكن عشب فزين الإبل أعطنة النّاس، فإنّ جنابي يزينه النّخل، فجعل أعطانها منابتها (والمغضف) يقال نخلة مغضفة إذا كثر سعفها. ورواه بعضهم: معصف بالعين والصّاد، يقال: مكان معصف أي كثيرة العصف وهو التّبن، والأجود الأوّل والأصح.
(1/205)

(وقال البصريّون والكوفيّون) جميعا الشّهور كلّها ذكران إلّا جمادى: لجمود الماء فيها. ويقال: (رجب) ورجبان وأرجاب وأراجيب وأرجبة وسمّي رجبا لترجيبهم آلهتهم فيه، والتّرجيب: أن يعظّموها ويذبحوا عنها، وكانوا يعظّمون الشّهر أيضا وقال الشّاعر: لإبل من أجل وأرجب. ويقال له: شهر الله الأصم، ومنصل الال بعد ما مضى غير دأداء، وقد كاد يذهب، وذلك لقعودهم فيه عن الغزو والكف عن الغارة فلا يسمع فيه قعقعة سلاح، ولا تداعي أبطال، ولا استصراخ لغارة، ويقال: رجبت الأمر إذا هبته وعظّمته، ومنه قيل في المثل: أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب.
وقال أبو داود: صادفن منصل آلة في فلتة فجرين سرجا. ويقال للّيلة التي لا يدري أهي من الشّهر الحرام أو الحلال فلتة. و (شعبان) وشعبانات وشعابين وسمّي شعبان لتشعّب القبائل فيها واعتزال بعضهم بعضا.
ورمضان ورمضانات ورماضين وسمّي رمضان لشدّة وقع الشّمس وتناهي الحرّ فيه ويقال: هذا شهر رمضان وهذا رمضان وقال شعرا:
جارية في رمضان الماضي ... تقطع الحديث بالإيماض
أي إذا ابتسمت: قطع النّاس حديثهم ناظرين إليها وإلى ثغرها ومستملحين كلامها ومثل هذا قول الآخر:
ديار التي كادت ونحن على منّى ... تحلّ بنا لولا نجاء الرّكائب
والمعنى: كادت تصرفنا عن مقصدنا اشتغالا، لولا استعجال النّاس، قال الفرّاء:
وكان أبو جعفر الفارسي يروي عن المشيخة أنّهم كرهوا جمع رمضان يذهبون إلى أنّه اسم من أسماء الله تعالى، والله أعلم بهذا.
وشوّال وشوّالان وشوّالات وشواويل وسمّي بذلك لشولان الإبل بأذنابها عند اللّقاح، ويقال سمّي بذلك لأنّ الألبان تشول فيه وتقل. ويقال: شال اللّبن وشال الميزان إذا خفّا.
وذو القعدة وذواتا القعدة وذوات القعدة، سمّي بذلك لقعودهم في رحالهم لا يطلبون كلأ ولا ميرة.
وذو الحجّة وذوات الحجّة لحجّهم وقالوا: ذواتا القعدتين، وذوات القعدات وكذلك قيل في ذي الحجّة، ويقال: شهر ناجر لشدّة الحر، ومنه نجر من الماء إذا جعل يشرب فلا يروى وأنشد شعرا:
ويوم كأنّ الشّمس فيه مقيمة ... على البيد لم تعرف سوى البيد مذهبا
(1/206)

ويوم على قوسين في شهر ناجر ... سعيت لأصحابي وراءه منشبا
شبه وشي ردائه بأفواق النشّاب وهي السّهام. وقال الأصمعي: شيبان وملحان اسمان لشهري قماح وهما الشّهران اللّذان يشتدّ فيهما البرد، سمّي شيبان لابيضاض الأرض بالثّلج كذلك ملحان مأخوذ من الملحة وهو البياض.
وقال قطرب: يقال لجمادى الأولى وجمادى الآخرة شيبان وملحان من أجل بياض الثّلج وقال قولهم: مات الجندب وقرب الأشيب أي قرب الثّلج. وقال الكميت:
إذا أمست الآفاق حمرا جنوبها ... لملحان أو شيبان واليوم أشهب
وذكر المفضّل: أنّ من العرب من يسمّي المحرّم (المؤتمر) والجمع مآمير ومآمر. قال الشّاعر:
لولا ايتماري بكم في المؤتمر ... عزمت أمري للفراق فانتظر
وقال آخر:
نحن أجزنا كلّ ذبال فتر ... في الحجّ من قبل وادي المؤتمر
واشتقاقه يجوز أن يكون من شيئين. (أحدهما) أنّه يؤتمر فيه الحرب قال: ويعدو على المرء ما يأتمر. والآخر: أن يكون من أمر القوم إذا كثروا فكأنّهم لمّا حرموا القتال فيه زادوا وأكثروا. ويسمّى صفر ناجرا والجمع نواجر. قال:
صبحناهم كأسا من الموت مرة ... بناجر حين اشتدّ حرّ الودائق
وقال الكميت:
قطع التّنائف عائدا بك ... في وديقة شهر ناجر
وتكون تسميتهم إيّاه بذلك من شيئين: (أحدهما) أن يكون من النّجر والنّجار وهو الأصل، فكأنّه الشّهر الذي يبتدأ به الحرب، ومنه قيل لجادة الطّريق: المنجر. قال: ركبت من قصد الطّريق منجره. (والآخر) أن يكون من النّجر وهو شدّة الحرّ فيكون وقوع حرارة الحرب والحديد فيه. ومنه قوله: كلّ نجار إبل نجارها وكلّ نار المسلمين نارها، ويسمّى ربيع الأوّل (خوان) مخفف. وقال الفرّاء: بعضهم يقول خوان والجمع أخوية وخوانات.
قال لقيط الإيادي:
وخاننا خوان في ارتباعنا ... فانفد للسّارح من سوامنا
وقال الآخر:
(1/207)

وفي النّصف من خوان ودّ عدوّنا ... بأنّه في أمعاء حوت لدى البحر
واشتقاقه من الخون وهو النّقص، لأن الحرب يكثر ويشتد فيه فيتخونهم أي ينتقصهم ويسمّى ربيع الآخر (ويصان) مضموم خفيف وقال الفراء: بعضهم يقول: بصان، وبعضهم يجعل الواو أصلا فيقول: وبصان فيجزم الباء والجميع بصانات وأبصة. قال:
وسيّان بصان إذا ما عددته ... ويرك لعمري في الحساب سواء
واشتقاقه من الوبيص وهو البريق، أو من البصيص. وأنشد شعرا:
ويوم كأنّ النّار يوقدها له ... هواجر وبصان عسفت به الحرقا
على ما يرى الضّبعين يشبه دالجا ... أحال بدلويه على حوضه دفقا
ويسمّى جمادى الأولى: الحنين وبعضهم يقول الحننين، والجمع أحنّة. قال المهلهل:
أتيتك في الحنين فقلت رنّى ... وماذا بين رنى والحنين؟!
وقال:
وذو النّحب يؤويه فيوفي بنذره ... إلى البيض من ذاك الحنين المعجّل
واشتقاقه من الحنين لأنّ النّاس يحنّون فيه إلى أوطانهم.
ويسمّى جمادى الآخرة: رنى وورنة بجزم الرّاء. قال الفراء: هكذا السّماع لبعضهم وغيره يقول: رنة مثل ورنة، والجمع ورنات. قال:
وأعددت مصقولا لأيام ورنة ... إذا لم يكن للرّمي والطّعن مسلك
ومن قال: رنة قال في جمعه رنات مثل زنة وزنات، فأمّا رنى فسمّي به لأنّه يعلم فيه ما نتجت حروبهم. (والرّني) الشّاة الحديثة النّتاج، وأما رنة وورنة فمشتق من أرن يأرن، إذا نشط وتحرّك فأبدل الواو من الهمزة، وكأنّه أريد الوقت الذي يتحركون فيه للغزو، فورنة مثل وجهة، ورنة «1» مثل جهة. وقال:
مدرّج الرّيح ترّبعن ورنة ... إذا عاقل وصغن برومان
فالماير فلمّا دنا لهبان الشّتاء يمّمن أحرجة الحاجر.
ويسمّى رجب الأصم والجمع صم. قال:
(1/208)

يا ربّ ذي خال وذي عن عمم ... قد ذاق كأس الحتف في الشّهر الأصم
وإنّما سمّي به لتركهم الحرب حتى لا يسمع فيه صلصلة حديد.
ويسمّى شعبان (وعلا) بكسر العين والجمع أوعال. قال الفرّاء: وبعضهم يقول وعلان. ويقال وعل أيضا، وهو الملجأ، يقال: مالي عنه وعل: أي ملجأ، ولم أجد إليه وعلا، أي سبيلا، وكأنّه سمّي الشهر به لأنّ الغارة كانت تكثر فيه فيلتجىء كلّ قوم إلى ما يتحصّن به. والتّوعّل التّوقّل ومنه اشتقّ الوعل والمستوعل من الحمير المحترز.
قال و (يسمّى رمضان) (ناتق) والجمع نواتق. قال:
وفي ناتق أجلت لدى حومة الوغا ... وولّت على الأدبار فرسان خثعما
وإنمّا سمّي بذلك لأنّه كان مكثرا لهم الأموال، يقال: نتقت المرأة: إذا كثرت الولد، والنّتق الجذب أيضا، كأنّه كان يجذب النّاس إلى غير ما هم عليه. قال الرّاعي:
وفي ناتق كان اصطلام سراتهم ... ليالي أفنى القرح جلّ إياد
نفوا إخوة ما مثلهم كان إخوة ... لحيّ ولم يستوحشوا لفساد
ويسمّى شوّال عاذلا، والجمع عواذل. قال تأبط شرا:
شعب الوصل عاذلي بعد حجري ... حبّذا عاذل أتى خير شهر
يا ابنة العامريّ جودي فقد عيل ... على القرب والنّوى منك صبري
وقال:
أبوتا الذي أنسى الشّهور لعزّه ... فعاذل فينا عدل وعلان فاعلم
هذا البيت شاهد لشعبان وشوّال جميعا. وقال زيد الخيل في وعل:
هيهات هيهات برّيات الكلل ... قد كان أدنى متوعد منك وعل
قد مرّ شهران ولم يأت الرّسل وكأنّه سمّي بذلك لأنّه كان يعذلهم على الإقامة، وقد حلّت الحرب والغارات.
ويسمّى ذو القعدة: هواعا، والجمع أهوعة، وإن شئت هواعات. قال شعرا:
وقومي لدى الهيجاء أكرم موقعا ... إذا كان يوما من هواع عصيب
وقيل له ذلك: لأنّه كان يهوع النّاس أي يخرجهم من أماكنهم إلى الحج. ويقال: هاع فلان يهوع هوعا إذا قاء، وتهوّع وما يخرج من حلقه هواعة.
(1/209)

ويسمّى ذو الحجة (برك) وجمعه بركات، ولك أن تفتح الرّاء. قال:
أعن لي على الهنديّ مهلا وكرة ... لدى برك حتّى تدور الدّوائر
يعني بالهندي سيفه (والمهلل) دردى الزّيت، (والكرت) البعر، أي احفظ سيفي من الصدأ واصقله بذلك، وكان الشّهر سمّي بذلك، لأنّه معدول عن بارك وكأنّه الوقت الذي يبرك فيه الإبل للموسم، وجائز أن يكون مشتقا من البركة لأنّه وقت الحج، فالبركات تكثر فيه، وأصل البركة من الثّبات ومنه برك البعير.
أسماء الشهور العربية غير الأسماء المشهورة:
وقال الدّريدي: والمشهور أسماء غيرها بلغة العرب العاربة، وهم كانوا يسمّون (المحرم) موجبا، و (صفرا) موجزا، و (ربيع الأوّل) موردا، و (ربيع الآخر) ملزجا و (جمادى الأولى) مصدرا، و (جمادى الآخرة) هوبرا، و (رجبا) مويلا، و (شعبان) موهبا، و (رمضان) ذيمرا، و (شوالا) جيفلا، و (ذا القعدة) محلسا، و (ذا الحجة) مسبلا، وكانوا يبدؤون من السّنة برمضان وقد نظم بعضهم المحدثين أسماء الشهور فقال شعرا:
أردت شهور العرب في جاهليّة ... فخذها على سرد المحرّم يشترك
فهو تمر يأتي ومن بعد ناجر ... وخوّان مع وبصان يجمع في شرك
حنين ورني والأصم وعاذل ... وناتق مع وعل وورنة مع برك
وقال أحمد بن يحيى: إنّما خصّت العرب شهر ربيع وشهر رمضان بذكر شهر معهما من دون غيرهما من الشّهور ليدلّ على موضع الاسم، كما قالت العرب: ذو يزه، وذو كلاع، فزادت ذو ليدل على الاسم، والمعنى صاحب هذا الاسم. قال ويصغّر جمادى على جميدى وجميدى وجميدية وجمادية وجمادية، كما قالوا: حبارى وحبيرة، وكان الحكم أن يقال في هذا: شهر الرّبيع الأوّل، وشهر الرّبيع الآخر، إلا أنّه مما أضيف فيه المنعوت إلى النّعت مثل دار الآخرة، وحق اليقين وصلوة الأولى، ومسجد الجامع، حكى ذلك الكسائي واللّحياني.
وحكى أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي أنّ جمع ربيع المطر: أربعة، وربيع النّهر أربعاء. وجمادى الأولى والآخرة على ما يجب لأنّه أتبع فيه النعت المنعوت ولم يضف إليه، ومنهم من يجيز جاء رمضان، ولا يذكر الشّهر ولفظ القرآن (شهر رمضان) وحكى الخارزنجي أنّه يقال في جمع ربيع الأول وربيع الآخر: هذه الأربعة الأوائل، والأربعة الأواخر، والربعة أقصى غاية العدد، وأنشد فيه:
(1/210)

أم الفوارس بالدّيداء والرّبعة
فصل اعلم أنّ سرار الشّهر
آخره، وفيه لغات: يقال سرار الشّهر، وسراره وسرّه وسرره.
ويزيد النّوء عندهم غرارة وحمدا إذا كان في سرار الشّهر. لذلك قال الرّاعي:
تلقى نوؤهنّ سرار شهر ... وخير النّوء ما بقي السّرار
وقال الكميت:
هاجت له من جنوح اللّيل رائحة ... لا الضّب ممتنع منها ولا الورل
في ليلة مطلع الجوزاء أوّلها ... دهماء لا قرح فيها ولا رجل
(قوله) : لا الضّب البيت يعني السّيل يدخل عليهما فيستخرجهما لبلوغه النّجوات، وذلك أنّ الضّب والورل يرفعان مكانهما عن مجرى السّيول. (وقوله) : لا قرح يريد أنّها من السّرار فلا ضوء في أوّلها ولا في آخرها. وقال الحطيئة شعرا:
بانت له بكثيب حرية ليلة ... وطغا بين جماديين درورا
وهي اللّيلة التي لا يدرى من أيّ الشّهرين يكون مشكوكا فيها، وقد يحمد أن يكون في أوّل الشهر أيضا. قال الكميت:
والغيث بالمتألّقات ... من الأهلّة في النّواحر
النّواحر: جمع ناحرة وهي اللّيلة التي تنحر الشّهر، ويقال لها أيضا: النّحيرة. قال أبو حنيفة: واختلف فيها فزعم بعض أهل العلم أنّها أول ليلة من الشّهر يذهب إلى أنّها في نحره، وزعم غيره: أنها آخر ليلة من الشّهر لأنّها تنحر الشّهر الدّاخل، قال: ولا أظنّه قال هذا إلّا لأنّ يجعل الاختيار في السّرار، لأنّه أشهر لكنه قد جاء بالمتألّقات من الأهلة، وجاء أيضا وافق غر شهر نحيرا، ولا يقال غرّة إلّا وهي ليلة الهلال، وقد قال الفرزدق: في ناحرات سرار بعد إهلال. فجعلها من السّرار وجعلها ناحرة وجعلها بعد الإهلال. قال: فإن كانت هذه الرّواية صحيحة فلا أعلم لها وجها، إلّا أنّ اللّيلة دخلت وهي من السّرار، لأنّ ما بين استسرار القمر إلى أن يرى الهلال سرار، كلّه، فدخلت وهي من السّرار، ثم رؤي فيه الهلال فصارت نحيرة، وصار ما فيها من غيث بعد الإهلال، هذا أقرب ما أعرف منها. وإن كانت الرّواية كما يزعم آخرون أنّها قبل الإهلال، فهذا ما لا كلام فيه. ويكون حينئذ مثل قول الرّاعي شعرا:
(1/211)

ومردة وطغا وافق نوؤها ... قبل الهلال بديمة ديجور
ويكون حينئذ في السّرار المحض. فأما قول ابن أحمر:
ثم استهلّ عليها واكف همع ... في ليلة نحرت شعبان أو رجبا
فإنّه يحتمل المعنيين جميعا، هذا إن كانت النّحيرة معروفة عند العرب أنّها أوّل ليلة من الشّهر. وقيل في قول الشّاعر:
كان ابن مزنتها جانحا ... قسيط لدى الأفق من خنصر
مثل قول الكميت، لأنّ ابن المزنة هو الهلال وقول أبي وجزة:
جيران دان من الجوزاء منحور. فليس هو من النّحيرة بل هو مثل قول الرّاعي:
فمرّ على منازلها فألقى ... بها الأثقال وانتحر انتهارا
أي يشقّق بالماء وتعشق فعلى هذا مذهب العرب في اختيار السّرار والغرّة، قال أبو حنيفة: وقد قال أبو وجرة في ليلة لتمام النّصف من رجب: خوارة المزن في أقتادها طول.
فلا أعرف أحدا وافقه على هذا الاختيار ولا أعلمهم حمدوا المحاق بليلة، فكان محاقا كلّه ذلك الشّهر. وقال الأخطل شعرا:
فإن يك كوكب الصّمعاء نحسا ... به وافت وبالقمر المحاق
وتزعم الهند فيما يحكى عنها أنّ النّحوسة أبلغ في الأمطار، وإنّما النّحوسة عندهم ما دام القمر مستسرا محترقا، فإذا فارق الشّمس ذهبت عنه النّحوسة لأنّه قد خرج عندهم من الاحتراق، والعرب تقول: إذا نأت النّجوم بغير مطر: خوت تخوي خيا وخويا وأخوت تخوي إخواء. فإذا أمحلت فلم يكن فيها مطر فذلك الخي والأخلاف، فإذا لم يخلف قبل صدقت وقد صدق النّوء إذا كان فيه مطر وما كان فيها من أمطار أو بوارح: فهي الهيوج والواحد هيج. قال الأصمعي: يقال: هذا في الهيج المتقدّم. وقال ذو الرمة:
فلمّا رأين القنع أسغى وأخلفت ... من القصر بيّات الهيوج الأواخر
(القنع) المكان الذي انخفض وسطه وارتفع جوانبه، وإنما وصف نساء دفعن إلى بوارح. وقال آخر:
ونار وديقة في يوم هيج ... من الشّعرى نصبت لها الجبينا
قال ابن الأعرابي: العرب تسمّي نجوم الأسد كواكب النّحوس لشدّة بردها. وقال عمر بن اللّجاء شعرا:
(1/212)

لمّا خشيت كبة التّنكيس ... وقحم السّير بمر مريس
خنست في الباقل والخليس ... واقتحمت كواكب النّحوس
والكيس أحيانا مع الخنوس ... حتّى وضعت غدوة دريس
أخبر أنّه اقتحمت كواكب النّحوس فسقطت فوضع ثوبه غدوة، ولم يخف البرد، وقوله: (خنست) في الباقل أي لم أنتجع، و (الباقل) البقل والخليس من نبات البقل فيه رطب ويابس ومنه قولهم: أخلس الإنسان: إذا خالطه شيب، وأنشد:
قوم أبا الجهم صدور العيس ... أما ترى البرق على خليس
رأى أن يقع النّدى والعرب تقول إذا سبق النّدى للقر، فلذلك عام خصب يستحبّه العرب، ويقولون: أجدحت «1» السماء ويزعمون أنّه من علامات الحياء. قال سهيل المدلجي: وأسد الشّتاء عنها محدج. وإذا سبق القر الرّبيع خشوا أن يكون ذلك العام جدب.
(1/213)

الباب السّادس عشر في أسماء الدّهر وأقطاعه
وما يتّصل بذلك وهو فصلان:
فصل قالوا: الأزلم الجذع والأزنم الجذع
حكي باللّام والنون، وأنشد قطرب:
إني أرى لك أكلالا يقوم له ... من الأكولة إلّا الأزلم الجذع
قال: وبعضهم يرويه الأزنم بالنّون، فمن قال الأزنم أراد أنّ الأوقات التي يعرض فيها كالزّنمات له، تشبيها بزنمات الشّاة، وهي الزّوائد المعلّقة من حلقها ومن تحت حنكها.
ومن قال: الأزلم أراد أنّه سريع المر والتقلّب، يقال: ازلأم به إذا أخذه وعدا به مسرعا.
ومنه قوله: أم قيد فأزلم به شاء والعنن. أراد أنّه لا يسمع أن قد فات به الموت وسبق وطار.
ومنه قيل للقدح: الزّلم لخفّته في جولانه، وهذا كما قيل في صفاته قدح زلول ودروج، ومعنى الجذع أنّه لا يهرم.
وزعم الفرّاء أنّ الأصل هو الأزنم من الزنمة، وأنّ اللّام مبدلة من النّون، وحكى الخليل: أنّ الزّلم: تكون زائدة في حلق المعز فإن كانت في الأذن فهي زنمة، والنّعت إزلم وإزنم، فعلى هذا يكون المعنى فيهما على طريقة واحدة وهو ما ذكرناه من تشبيه الحوادث بالزّنمات. ويجوز أن يكون سمّى الدّهر إزلم تشبّها بالزّلم يكون من القداح لأنّها على غرار واحد. وكذلك اللّيالي والأيام تجيء على مثال واحد، ولذلك جاء في المثل: ما أشبه اللّيلة بالبارحة، فكأنّ الزّلم هي القطع والقدّ. ولذلك قيل: هو العبد زلمة أي: قدّه قدّ العبيد، ويقال: رجل مزلم أي يشبه القدح في الخفة والنفاقة.
ومن أسمائه المسند ويقال: لا أفعله آخر المسند وإلى المسند ويد المسند والمعنى إلى أن يسند الدّنيا إلى الآخرة، كان المراد آخر الوقت المسند، وإلى الوقت المسند، ويجوز
(1/214)

أن يكون لما أسندت الحوادث إليه لاعتقادهم به الجالب لها والسّابق سمّي مسندا، وكان يجب أن يقال: المسند إليه فحذف إليه تخفيفا. ومن أسمائه: عوض، يقال: لا أفعله عوض العائضين ودهر الدّاهرين، قال الأعشى:
رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا يتفرّق
و (عوض لا يتفرق) يفتح ويضم، وقد جاء عوض كلمة يقسم بها يقال: عوض لا يكون ذلك أبدا. وروي بيت الأعشى: (بأسحم داجي العوض) وفسّر على أنّ عوض كلّ شيء جوفه. ويستعمل في الزّمان، فيقال: عوض اللّيل أي مثناه.
وحكى بعضهم أنّ عوض اسم للضمّ وأنشد: (حلفت بمايرات حول عوض) وقال بعضهم: يجوز أنّ استعمالهم إيّاه في القسم من حيث كان في الأصل اسما للضم، فأمّا استحقاقه للبناء فمن حيث كان متضمنا معنى لام التّعريف، فمن فتحه فلأنّ الفتح أخفّ الحركات، ومن ضمّه فلأنّه شبّه بقبل وبعد.
قال الشّيخ: ويجوز أن يكون عوض في الأصل مصدر عاضه يعوضه عوضا وعياضا.
وجعل اسما للزّمان، والمعنى ما عوض الدّهر النّاس من أيّامه لأنّ الدّهر ليل ونهار يتعاقبان ويتعوّضان، والعوض والعياض والعوض البدل، ويقال: هو عوض لك وعياض لك أي عوض.
والمصادر تقام مقام أسماء الفاعلين والمفعولين. ومعنى العائضين النّاس المقيمون في العوض فأمّا قوله: وهل عائض منّي وإن جلّ عائض. فالمراد به هل معط للعوض منّي بمعط وإن جلّ أمره وعظم شأنه. والمعنى لا يفي عوض من الأعواض بي وإن جلّ، لأني أكون أفضل من كلّ عوض. ويقال: عضته كذا فاعتاضه، كما يقال: وهبت له كذا فاتهبه، وقضيته الدّين فاقتضاه، وعلى هذا قيل في الشيء: هذا لا يعتاض منه، وأنشد صاحب العين شعرا:
يا ليل أسقاك البريض الوامض ... والدّيم الغادية الفضافض
هل لك والعارض منك عائض ... في هجمة يعذر منها القابض
سدس وربع تحتها فرائض
أي هل لك في العارض منك على الفضل، قال: كان من قصته أنّ رجلا خطب ليلى، فقال: أعطيك مائة من الإبل يدع السّائق منها إذا ساقها بعضا لكثرتها فلا يطيق شلّها وأنا معارضك، أي معطيك الإبل مهرا، وأنا آخذ نفسك، فأنا عائض قد عضت أي صار العوض كلّه لي، فالفضل في يدي. ومنه قولهم: لا أفعله يد الدّهر، وجدى الدّهر، فمعنى يد الدّهر
(1/215)

أي ما كان للدّهر يد أي حكم، كما تقول: لفلان في هذا يد أي ملك وأمر، ومعنى جدى:
أي ما كان للدّهر جدى أي عطية.
ومن أسمائه الأبض وقال: في سلوة عشنا بذاك أبضا. أي دهرا. وقال بعضهم:
الأبض في الأصل جمع أباض، ويخفّف ويثّقل: وهو الحبل يعقل به البعير فإذا قلت لا أفعله أبضا. فالمعنى ما كان للدّهر سبب. قال الشيخ: أقرب من هذا أن يكون من الأبض وهو العقل والشّد كان المراد في زمان عقد علينا لا انفكاك منه. ويكون الأبض في أنه مصدر، والأبض في أنه المأبوض كالسّد والسّدة والعقد والعقدة. ويجوز أن يكون سمّي بذلك لأنّه يضعف ويقيد بالهرم، ويقال للدّابة والطّير إذا أصابه عقال فلم يسلس: إنه لموتبض النّسا وأبوض النّسا. قال:
وظلّ غراب البين مؤتبض النّسا ... له في ديار الجارتين نعيق
وقال أبوض النّسا بالمسمين خسوف، ولا أقبله ما اختلف الجرّة والدّرّة أي أبدا، لأنّ الدّرة إلى أسفل، والجرّة إلى فوق.
ومنه: الأبد والأبيد. ويقال: لا أقبله أبدا لأبيد، وأبد الآباد، وأبد الآبدين وأبد الأبد، وأبد الأبديّة، والمعنى إقامة الدّهر ومكثه، والإضافة فيه على طريق التأكيد. والأبد المقيم الّذي لا يبرح، وأوابد الشّعر، سمّيت أوابد لبقائها على مرّ الأيّام وأنشد شعرا:
صار لطول الدّهر من آباده ... كمهرق لم يبق من مداده
غير بقايا نونه وصاده قولك: أبد الآباد كقولك: دهر الدّهور، وأبد الآبدين، كدهر الدّاهرين أي دهر النّاس المقيمين في الدّهر، وأبد الآبد كدهر الدّاهر، ومن أمثالهم أتى أبد على لبد للشيء، وقد مضى وانقطع، ولبد اسم لنسر لقمان.
ومن أسمائه: الطّيل والطّول قال: وإن بليت وإن طالت بك الطّيل.
ويروى الطّول، وإنما أخذ من الطّول، ويقال: لا أكلّمك طول الدهر، وإنّما أنّث الشّاعر الطيل ردا على المعنى، كما يؤنث الألف إذا أريد به المعدودة.
ومن أسمائه: المنون، وهو من مننت أي قطعت ويقال: حبل منين: أي مقطوع، قال أبو ذؤيب:
أمن المنون وريبة تتوجّع ... والدّهر ليس بمعتب من يجزع
فإن قيل: ما باله ذكّر المنون وهو والمنية سواء، وأنت إذا رويتها وريبها قلت: أنّثه
(1/216)

لأنّه أريد المنية. قلت: المنون ويراد به الدّهر يشبه أسماء الأجناس ولذلك لا يجمع، وكما لم يجمع لم يؤنّث أيضا، وإذا أريد به المنيّة أشبه اسم الفاعل فأجري مجراه في التأنيث به لمعناه، ويقال: ما فعلته قط.
قال ابن السّكيت: فيه ثلاث (لغات: قطّ بالفتح والتّشديد وضم القاف والتّشديد وفتح القاف وتخفيف الطّاء إذا كان بمعنى الدّهر. وإذا كان بمعنى حسب فهي مفتوحة ساكنة وأصله من قططت أي: قطعت والمعنى ما فعلته قطع دهري كلّه، وأبدا في المستقبل: بمعنى قط في الماضي. ويقال: لا أفعل كذا ما سمّي ابنا سمير، يعني اللّيل والنّهار، ولا أفعله ما سمر السّمير، وهم النّاس يسمرون باللّيل وما اختلف ابنا سمير، ولا أفعله السّمر والقمر أي أبدا. وحكي: جاء بالسّمر والقمر أبو سعيد وقال: معناه بالنّور والظّلمة، كما يقال: جاء بالضّيح والرّيح، ويقال: السّمير الدّهر، وابناه اللّيل والنهار. وقيل: الغدوة والعشي. وقيل في السّمر: إنّه ظلّ القمر فضم النّهار إلى اللّيل. وقيل: السّمر الظلمة والمقيم فيه سامر.
ومنه السّامرة والسمر: حديث القوم باللّيل.
وقالوا: لا أفعله حرى وحارى دهر وحيرى دهر، بتسكين الياء. والمعنى ما حار الدّهر: أي رجع، ويجوز أن يكون من حار الدّهر يحير: أي أقام، ويقال: حيروا بهذا الموضع، أي أقيموا. قال بعضهم: ومنه سمّيت الحياة. وحكي حير الدّهر جمع حيرى، كما قيل: زنجي وزنج، وعربي وعرب.
ويقال: لا آتيك سجيس عجيس، أي الدّهر، قد يصرف فيقال: عجيس أي الدّهر، فقوله: عجيس يجوز أن يكون من عجسه أي قبضه وحبسه، ومنه معجس القوس أي مقبضه، وعجاساء اللّيل: ظلمته، لأنّها تحبس النّاس ويكون المعنى ما بقي الدّهر وحبس على أهله. ويجوز أن يكون من عجس اللّيل وعجيسه أي آخره، ومنه تعجس عن القتال وعجس: أي تأخّر فيكون المعنى: آخر الدّهر. وسجيس فعيل ويفيد الامتداد على حاله، وسج وسجسج وسجس في طريق. وفي الحديث: «نهار أهل الجنة سجسج» أي معتدل متّصل لا آفة فيه. وقال الأعشى:
قيس سجسج ساب إذا هبطت ... به السّهل وفي الحزن مرجلا عجلا
قال أبو عبيدة: السّجسج: اللّين المروّض، والسّاب من الأرض مسائل صغار، وكذلك السّيب، وروى أبو عمرو الشّيباني سجسا مسجا: إذا هبطت، وقال: السّجس السلس المنقاد لا يتغيّر، والمعنى: أنّ هذا البعير إذا سار في السّهل امتدّ في السّير على حاله وهو في الحزن مرجل، أي رجيل قوي المشي. ويروى مرجما ومرجلا، فعلى هذا جعل
(1/217)

سجيس الدّهر لامتداده وسلاسته في الاتّصال والاستمرار. ومن قال: سجيس عجيس: جعل الأول مع الثّاني كالشيء الواحد وبناءهما لتضمّن معنى حرف الجر، كان الأصل سجيسا لعجيس، فحذف حرف الجر وضمن الأوّل والثّاني معناه، ومن أضاف الأوّل إلى الثّاني كان أمره ظاهرا وقالوا: لا أكلمك آخر الأوجس، وسجيس الأوجس، أي آخر الدهر، وسجيس اللّيالي. قال تأبّط شرا:
هنالك لا أرجو حياة تسرّني ... سجيس اللّيالي مسبلا بالجراير
أي ما اتّصل اللّيالي وانقادت على حالة. والأوجس: جمع وجس وهو ما يحصل في النّفس من ذعر وفزع لصوت أو حركة، ومنه ترجس الوحشى، وفي القرآن: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى
[سورة طه، الآية: 67] فكأنّه سمّي الزّمان بالحوادث المفزعة فيه أو جعل إقطاع الزّمن يجس ويحدث بمنكرات الأمور حالا بعد حال.
وذكر بعضهم الحوب في أسماء الدّهر، قال: يجمع على أحوب وأحواب وحوبة كما قالوا: عصر وعصرة، ودهر ودهرة، وغصن وغصنة، وقرد وقردة وكأنّه من الشّدة والعظم لأنّ الحوب الاثم الكبير، ويقال: يحوب الصّائح إذا اشتدّ صياحه. قال الخليل: الحوبا روح القلب، لأنّه ملاك الحي.
ومن أسماء الدّهر: المخبل، والتّخبيل الزّمانة، والخبل الفساد ويقال: خبل خابل.
قال: فأبلغ سليط اللّوم خبلا خابلا. فالخابل المفسد، وإنمّا سمّي الدّهر مخبلا، لأنّه إمّا يهرم، وإمّا يقتل. قال الحارث بن حلّزة:
فضعي قناعك إنّ ريب مخبل أفنى معدا
ويقال: لا أفعله سنّ الخبل: أي دوامه وبقاؤه، لأنّ سنّه من لحيه وليس بمركب فيه، فلا يسقط، ولا أفعله مالات العفراء بأذنابها، ويقال: الفور وهي الظّباء وما مصع الظبي بذنبه، وقال الأصمعي: الفور لا واحد له من لفظه، ولا أفعله ما جنح ابن أنان، ويقال:
لقيته أول ذات يدين أي أول شيء، وأما أوّل ذات يدين: فإنّي أحمد الله، وآثر ذي يدين، وذوات يدين أي أول ما يأذن.
والفطحل: يقال للزّمن القديم قال أبو عمر نوح زمن الفطحل، ويقولون: حين كانت الحجارة رطبة وقد مضى ذكره.
ولا آتيك هبيرة بن سعد وأبوه ابن هبيرة: أي أبدا، وقال الأصمعي: يقال في مقابلة أغببت الزّيارة، اغتمّت الزّيارة بالغين المعجمة، أي: أكثرت، قال: وقالوا كان العجّاج يغتم
(1/218)

أي يطيل الشّعر، ويكثر ويقال: أشوى الدّهر كذا أي تركه وهو من قولهم: فلان أكثر النّاس شواية أي بقية من قومه، وما أشوى لنا الدّهر له.
وحكى الدّريدي: لا آتيك حد الدّهر وعجيس الدّهر، وسجيس الأوجس وسجيس الحرس، وسجيس الأبض.
وحكى غير واحد جير مبنّية على الكسر، يراد به الدّهر وربما أجروها مجرى القسم، يقال جير لأفعلّن كذا أي حقّا لأفعلّن وأنشد شعرا:
ابني جير وإن عزّ رهطي ... بالسّويداء الغداة غريب
ومن أسماء الدّهر الخز والملاوة وقد تقدّم القول فيه، وذكر ابن الأعرابي قال أنشدني المفضّل شعرا:
وفي بني أم زبير كيس ... على الطّعام ما غبا غبيس
قال: الغبيس الدّهر وغبا: بقي.
الأصمعي: لا أفعل ذلك بأسوس الدّهر، أي: أبدا، وهذا كأنّه من قولهم في ترك اللقاء: لا آتيك ما أيس عبد بناقة، وهو أن يقول: بس بس يسكن منها للحلب، ويقال: ما زال على أست الدّهر محنونا، وعلى أسن الدّهر. ويقال: تركته بأست الدّهر، أي ولا شيء معه، وتركته بأسمر المتن: وهو متن الأرض: أي الصّحراء الواسعة. ولقيت منه أست الكلبة أي: ما كرهته، وهو أمنع من أست النّمر: للّذي لا يطلق الدنوّ منه لمناعته.
قال أبو حاتم: الدّهر سبات: أي أحوال مختلفة: سبة حرّ، وسبة برد، وسبة روح، وسبة دفيء. ويقال: أصابتنا سبة من برد أي لأشد ما يكون من القر فإن أصابك برد في آخر الرّبيع قلت: أصابتنا سبة من الرّبيع وأصابتنا سبة من حرّ وهي مثل الوقدة في نحو من عشرة أيام أو أكثر.
وحكى بعضهم: الأعرم: الدّهر، لأنّ فيه نوائب وصروفا متلوّنة، ويقال: عرم الصّبي: يعرم إذا أتى بألوان من الغيث، ويقال للأفاعي: العرم، لأنّ فيها نقطا تخالف لونها وأنشد: رؤوس الأفاعي في مساربها العرم.
فأمّا قوله: حياكه وسط القطيع الأعرم، فإنمّا يعني أنّ بعضه ما عز وبعضه ضأن، ويقال: لا أفعل ذاك حتى تحنّ الضّب في إثر الإبل الصّادرة، ولا أفعله حتى يبيض القار، ولا أفعله ما أبس عبد بناقة، وإبساسه: تحريك شفتيه. ولا أفعله ما هدهد الحمام. ولا أفعله ما صلّى على النّبي مصلّ، وما دعا الله داع. ولا أفعله ما حلب حالب أضرع الدّهر.
(1/219)

فصل فيما يجري من التأكيدات في أوقات الدّهر
يقال: دهر داهر، وأبد آبد وآبيد وحين حاين، ومحين، ومدة مادة ومديدة، وليل لايل.
قال هميان بن قحافة: فصدرت تحسب ليلا لائلا. وقيظ قائظ وصيف صائف، وشتاء شات، وربيع رابع: أي مخصب، ويوم قائظ، ويقال عام أعوم ومعيم وأعوام عوم، قال:
من مرّ أعوام السنين العوم، وحول محيل، وسنة سنهاء وشهر أشهر، ويوم كريت وقميط قال شعرا:
أقامت غزالة سوق الضّراب ... لأهل العراقين حولا قميطا
وشهر أجرد وأقرع وأصلع، وسنة جرداء وقرعاء وصلعاء. وقال قطرب: نهار أنهر وليل أليل، وليلة ليلاء: لتأكيد شدّتها. وقال غيره: نهار ونهر، ويوم يوم ويم لآخر يوم من الشّهر، وقيل: الأيوم في الشّديد. قال مروان: مروان أخو اليوم اليمي، وقيل: اليمي أريد الشّديد في حرب أو قتال. وإذا ذكر أمر عظيم حدث في يوم قيل: أيوم يوم، وإن كان ليلا قيل: ليل أليل، وإن كانت ليلة مشهورة قيل: ليلى وليلاء، قال في ليلة ليلى، ويوم أيوم.
وقال:
كم ليلة ليلاء مدلهمّة ... كابدتها لحاجة مهمّة
وآخر ليلة في الشّهر لظلمتها ليلى مقصورة، وليلاء ممدودة، وليل ليلي. قال: لما أرجحن ليلة اللّيلى. ويقال: أتانا فلان حين هراق اللّيل أوّله إذا مضى بعضه وقال ابن أحمر:
ثغمرت منها بعدما نفد الصّبي ... ولم يرو من ذي حاجة من تغمّرا
فبتّ أعاطيها الحديث بمسنن ... من اللّيل أبقته الأحاديث أخضرا
(ثغمرت) أي أصبت شيئا يسيرا، (ومن ذي حاجة) أي من حاجة، وذي زائدة.
(والمسنف) المتقدم، (وأبقته الأحاديث) أي انقطع الأحاديث قبل أن يتغد اللّيل، وقوله:
(أخضر) يحتمل ضربين: يكون صفة مسنف لأنّه نكرة مثله ويجوز أن يكون حالا من الهاء في أبقته، ومثله من الحال قوله: ومال لقنوان من البسر أحمرا.
والحرس: الزّمان والدّهر، قال الكاتب: واختاره من سائر الأمثال في حرسه أي في زمانه، وفي كتاب الخليل: الحرس وقت من الدّهر دون الحقب. قال بعض أصحاب المعاني من هذا قولهم: بناء أحرس. للأصم من البنيان.
(1/220)

الباب السّابع عشر في أقطاع الدّهر وأطراف النّهار واللّيل- وطوائفهما
وما يضارعهما من أسماء الأمكنة أو يداخلها من ذكر الحوادث فيها. وهو ثلاثة فصول
فصل [في بيان غبرة وبرهة وزمنة وطرقة وحقبة وهبة وسبة وغيرها]
قال الأصمعيّ وغيره: يقال: غبر برهة من دهره وبرهة وزمنة وطرقة وطرقة وحقبة وهبة وسبة أي زمان. قال أبو ذؤيب:
بقرار قيعان سقاها صيف ... واه فأنجم برهة لا يقلع
وأقام درجا من دهره، وحرسا من دهرة لا يفعل كذا أي زمانا، ومضت سنبة من الدّهر وسنبية أي قطعة، وذكر سيبويه في زيادة التّاء هذه اللفظة، واستدلّ على أنّه فعلية لسنبة، وأنشد الأصمعيّ:
ربّ غلام قد صرى في فقرته ... ماء الشّباب عنفوان سنبة
ويروى شرته.
وغير مهوان من الدّهر وهو مفعال من الهون، ويقال أيضا: بيني وبينه مهوان من الأرض: أي بعد ومهون أيضا. ويقال: بقي سبتا يفعل كذا قال شعرا:
لقد نرتعي سبتا ولسنا بجيرة ... محلّ الملوك نقدة فالمغاسلا
والسّبت القطع، كان المراد به قطعة، كما يقال: الخلق في المخلوق.
ويقال: إنّي لآتيه الغينة بعد الغينة، وفينة بعد فينة. قال:
لك البيت إلّا فينة تحسنينها ... إذا حان من ضيف عليّ نزول
وحكى أبو عمرو غلام ثعلب: (فإن يفين فينة) : إذا زار وقتا بعد وقت، ويقال لقيته
(1/221)

فينة يا هذا، فجعلوه كالعلم، ولم يفعلوا ذلك برهة، وهذا كما قالوا للغراب: ابن داية ولم يفعلوا ذلك في الظّهر. ويقال: أتيته آينة بعد آينة، بوزن عاينة أي تارة بعد تارة وكأنّه اسم مبني على فاعلة من الأوان كاللّايمة من اللّوم والنّاظرة من الأنظار. وقرىء (فناظرة إلى ميسره) والنّائل من النّوال، ولا يجعل آينة جمعا لأوان مثل الآونة وأنشد:
ترى قورها يغرقن في آل مرة ... وآينة يخرجن من غامر نخل
أي وتارة يخرجن، وأوان كزمان وأزمنة. قال ابن أحمر:
أبو عمرو يؤنسنا وطلق ... وعمّار وآونة أثالا
قال أبو عبيدة: لقيته أدنى ظلم ومعناه القرب. وقال الأحمر: فإن كنت تلقاه في اليومين والثّلاثة فصاعدا قلت: لقيته أفرط في الفرط، ولا يكون الفرط في أكثر من خمس عشرة ليلة. ويقال: فلان تفارطته الهموم: أي لا تصيبه الهموم إلّا في الفرط.
قال أبو زيد: فإن لقيته بعد شهر أو نحوه قلت: لقيته عن عفر. قال: فإن لقيته بعد الحول أو نحوه قلت: لقيته عن هجر. قال: وإذا كان الرجل يمسك عن إتيان صاحبه الزّمان ثم يمسك عنه نحو ذلك أيضا ثم يأتيه قال: لقيته بعيدات بين.
قال الأصمعي: فإن لقيته بين الأعوام قلت: لقيته ذات العويم، قال أبو عبيدة: فأمّا الغب في الزّيارة فمعناه الإبطاء والتّقليل على غير وقت معلوم، وأحسب الأصل كان فيه من غب وهو أن ترد الإبل الماء يوما وتدع يوما. ومثله غب الحمى ثم انتقل المعنى من هذا في الزّيارة خاصة إلى ما فوق وقت الورد ووقت الحمى. قال: ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: «زر غبّا تزدد حبّا» فقد علم في هذا أنه أراد الإبطاء في الزّيارة. قال: وكذلك الإلمام نحو الغب، إنما معناه الأحيان على غير مواظبة ولا وقت محدود، فهذا ما قاله، والإلمام للزّيارة لا للوقت، كما أنّ الاعتمار اسم لها متى كانت لا للوقت. ويقال: رأيته عين عنة أي: السّاعة من غير أن طلبته وقيل: أوّل عاينة أيضا. ويقال: أتيته على حبالة ذاك أي على حين ذاك.
وحكى الخليل: أقمت عنده في ضغيغ دهره، أي قدر تمامه. (ابن الأعرابي) فعلنا كذا وكذا والدّهر إذ ذاك مسجل. والمعنى لا يخاف أحد أحدا. ويقال: لهذا دهر حول قلب إذا كان كثير التّبديل، كما يقال: رجل حول قلب. (ابن الأعرابي) يقال: حول كميل ودكيك وقميط وكريت أي تام وأنشد في الكميل شعرا:
على أنني بعد ما قد مضى ... ثلاثون للعجر حولا كميلا
(1/222)

أي فصل بين الثلاثين وبين الحول ضرورة، ويقال: في ضد الكميل حول ختت «1» أي ناقص. ويقال: فعلته أيّاما حسوما أي متتابعة، وقيل: تامة وهو من قولك: حسمت الشيء أي فصلته من غيره، وفي القرآن: سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً
[سورة الحاقّة، الآية: 7] أي نحوسا والأوّل أصح. ويقال: أرمى فلان على الخميس وذرف وأربى وأوفى.
وحكى الفرّاء فيه ودى وهذا وإن كان أصله في الزّيادة في السّنين فقد استعمل في الزّيادة في غيرها وأنشد:
وأسمر خطيئّا كأنّ كعوبه ... نوى القسب قد أربى ذراعا على العشر
وقد ظلف على الخمسين وقد أكل عليها وشرب، وقد طلع على الخمسين وقد ولّاها ذنبا. قال: وسمعت الطّوسي يقول: قيل لبعض الأعراب: كم سنة أتت لك؟ فقال: ولّتني الأربعون ذنبها. وقيل لآخر مثل ذلك فقال: أنا في قرح الثّلاثين، أي في أوّلها وفي أوّل شهر منها، والأقراح أوائل الأشياء، واقترح فلان على كذا. وقال ابن الأعرابي في قول أوس:
على حين أن حد الذّكاء وأدركت ... قريحة كحسي من شريح مغمّم
جعل شباب شريح حين بدا كحسي الماء لا ينقطع ماؤه، ومغمم أي ملأ كلّ شيء، وغمّه غرقه. ويقال: سند في الخمسين، وارتقى فيها هذا عن بعضهم. وقال أبو صاعد:
ارتقى فيها فحسب.
وقال ابن الأعرابي: قلت لأبي الجماهر: ابن كم أنت؟ فقال: قد ولّتني الخمسون ذنبها. وقلت لآخر مثله فقال: حبوت إلى السّتين. وقال بعضهم: أخذت بعنق السّتين.
وقال آخر: راهمت الثّمانين. وهذا مأخوذ من الرّهام وهو العدد الكثير. ويقال: ساعة طبقة أي طويلة. وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: منحت الأعقد الخمسة بالخاء المعجمة وبالحاء أيضا يعني خمسين سنة ومعنى منح قطع. (أبو يوسف) يقال للجارية التي قد استقمت عصر شبابها: معصر وهي كاعب أوّلا إذا كعب ثديها ثم يخرج فيكون ناهدا، ثم استوى نهودها فتكون معصرا. قال الرّاجز:
أوانسا كالرّبرب الرّبايب ... من ناهد ومعصر وكاعب
ويقال: لقيت فلانا بادئ بدء وبادي بدأ قال:
(1/223)

وقد علتني ذراة بادي بدي ... وريثه ينهض في تشدّدي
ويقال: كشفت النّاقة وأكشفت إذا نتجت في كلّ عام وإذا ألقت النّاقة أو الشّاة ولدها لغير تمام قيل خدجت. وإن كان تام الخلق وأخدجت إذا ألقته ناقص الخلق وإن كانت أيّامه تامة. ويقال شجرة مبكار وبكور إذا أدركت حملها في أوّل السّنة، وشجرة منجار إذا أدركت حملها في آخر السّنة. وشجرة معوام إذا حملت سنة وحالت سنة. ويقال: عاده الوجع عدادا إذا عاوده في الشّهر أو في السّنة لوقت معلوم وأنشد:
أصبح باقي الودّ من سعادا ... علاقة وسقما عدادا
إذا أقول قد برأت عادا وقال آخر:
تلاقي من تذكّر آل سلمى ... كما يلقى السّليم من العداد
ويحلّ الهدي يوم النّحر بمنى ويبلغ محلّه. والمحل الموضع الذي يحل فيه نحره، وهو يوم النّحر إذا رميت جمرة العقبة. معنى يحل يجب وقرىء قوله تعالى: يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي
[سورة طه، الآية: 81] والمعنى يجب وإذا قرىء يحلل فمعناه ينزل، ويقال: بيننا وبينهم ليال آبيات: أي هيّنات السّير. والأوان الدّعة. ويقال: تعاملنا من آمنة ومعاومة- ومساناة- ومسانهة- ومشاهرة- ومسابعة- ومعاشرة- ومياومة- ومواضحة من وضح النّهار ومناصغة- ومباكرة- ومغاداة- ومظاهرة- ومراوحة- ومعاصرة- وملايلة- ويقال: أسقينا مغارطة أي للسّابق- ومناوبة- ومعاقبة- ومداولة- ومراقبة- يرقب حتى يفرغ الغارطة- ومقالدة- ومواضحة- ومساجلة- ومكابلة أي دلوا فدلوا- ومساوقة- أي مرّة أسوق عليه السّانية- مرّة يسوق عليّ- وموالبة أي يألب الدّلو إليّ. قال:
يبشّرني بماتح ألوب ... مطرح شبه غضوب
ومعارضة- ومرافضة- ومباينة يبين له الدّلو عن الحجاف- ومعالاة- أي يعلي وهو أن يجذب الحبل عن حجر ماء في جانب البير. قال:
لو أنّ سلمى شهدت مظلّي ... أمتح أو أدلج أو أعلّي
إذن أراحت غير ذات دلّ ومطاردة- ومطاوحة- ومناوشة- أي يأخذ عليّ الدّلو وآخذ عليه ومدالجة أي أدلج بالدّلو إلى الحوض ويدلج وهو المناقلة- ومعاطفة يريد عطف السّانية- وملاطفة وهو أن يحتمل أحدهما لصاحبه فوق الشرط عليه إيجابا له ولطفا به. ومراواة- أي يرتوي إبلي ثم يستقي- ومراوحة وملاطمة ينزل فيخرج الطين ومداومة- ومثابرة- ومجاحفة- إذا نقص
(1/224)

الماء نزل وغرف في الدّلو. ويقال سقينا إبلنا رفها ومرافهة- وظاهرة- وزعزعة أنصاف النّهار- وعريحا مرّة بالغداة ومرة بالعشي- وغبّا ومغابة- وربعا ومرابعة وعشرا ومعاشرة- ومطاردة. ابن الأعرابي يقال:
سال واديك من غير مطرك ... وأطرد عيشك في جداول دهرك
لمن عاش في غيره وأنعش بحدّ سواه. ويقال للسّيل إذا سال واديه من مطر- وإذا خرّ سال دراو وإذا سال من مطرك- قيل سال ظهرا. يقال: مضى لذلك دهر داهر- ودهر دهاهير- والمراد التّطاول. قال الشّاعر:
والدّهر بالإنسان أينما حال دهاهير
وقال آخر:
أنا الدّهر يفنى الموت والدّهر خالد ... فجئني بمثل الدّهر شيئا يطاوله
وقيل: الدّهر تكرار اللّيل والنّهار، والزّمان: اللّيل والنّهار، وصرف الدّهر ما يتصرف بالشيء من أحوال تختلف، ولهذا قال الشاعر:
والدّهر بالإنسان دوارى. والحين يصلح كلّ وقت طال أو قصر، لأنّه اسم كلّ زمان، ومنهم من يجعل الجزء والجزئين من الزّمان حينا ويستدل بقوله. تطلقه حينا وحينا تراجع.
ويقال: مضى هذا الأمر لحين أوان: أي لوقته. قال شعرا:
لأركب صعب الأمر إنّ ذلوله ... بنجران لا يقضي لحين أوان
وقد حان يحين- حيونا- وحينونة- وحينت الشيء- جعلت له حينا- والتّحيّن في الحلب من هذا، وهو أن يجعل له وقتا معلوما يحلب المحلوبة فيه لا يستنقص ولا يستقصي، وهو خلاف الأفن وهو الاستقصاء- والامتحاق والانقصاح وهو ذهاب اللّبن أجمع. ومنه قيل للقمر: امتحق وانتصح. وذلك في ليالي المحاق إذا لم يبق ضوء. وشيء متأبّد أتى عليه أبد. ولا أفعله حتى يفنى الأبد. قال حسان شعرا:
واللّوم فيك وفي سمراء ما بقيت ... وفي سمّية حتّى ينفد الأبد
ولا أفعله آخر كلّ ليلة وأبد الله- وطوال الدّهر- وطوال الله- وطوال اللّيالي- وسجيس الأوجس- وسجيس الأعجس- وأوجس أعجس- وأحنى أقوس، وأحنى أشوس- وسجيس المسند- ولا أفعله ما أن في السّماء نجما- وما أنّ في السّماء نجم يريد: ما عنّ أي عرض. ويقال: مضى له أمة، وهي مدّة من الزّمان طويلة ولا تجمع. وقال أبو العباس
(1/225)

ثعلب: الأمة مائة سنة فما زاد. ويقال: إنّ الملوين اللّيل والنّهار. ومنهم من يقول هما اختلافهما وأنشد شعرا:
نهار وليل دائم ملواهما ... على كلّ حال المرء يختلفان
قال أحمد: لو كان الملوان اللّيل والنّهار لم يضافا إلى ضميرهما من حيث لا يضاف الشّيء إلى نفسه، ولكن يريد تكثّر الدّهر واتّصاله بهما. ومضت ملوة من الدّهر- وملوة وزمنة- ومدة طبقة- وساعة طبق- ومدة طبق- والمراد من كلّه الطول وجمع مليء إملاء وجمع طبق أطباق. ويقال: انتظرته مليّا من الدّهر أي متّسعا منه فهذا صفة استعمل استعمال الأسماء. ويقال تملّيت حينا أي عشت معه ملاوة وقال التّوزي: يقال: ملاوة وملاوة وملاوة والملأ المتّسع من الأرض. قال: الأغنياني: وارفعا الصوت بالملاء. وفي القرآن: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ*
[سورة الأعراف، الآية: 183] .
وقال ثعلب: الحقب واحد وهو بلغة قيس سنة. وقال غيره: الحقب ثمانون سنة والحقبة السّنة. وقال يونس في قوله:
إني أرى لك أكلا لا يقوم له ... من الحليفة إلا الأزلم الجذع
وبعض يقول الأزنم- ويقال: الأزلم المتجاذع. ويقال: خروف متجاذع إذا كرب يجذع. وقال:
ما زال ذاك الداب حتّى رأيتهم ... يعزون سنّ الأزلم المتجاذع
وإنمّا سمّي جذعا لأنّه أبدا جديد. ولذلك قال بعضهم: سن الدّهر سن الحسل أي: لا يزال جذعا لا يطري عليه سنّ أخرى فينتقل إليها ويقولون: لا أفعله سنّ الدّهر- وسنّ الضّب- وسن الحمل- والمعنى واحد. وقوله: الأزلم والأزنم يراد به ما يتعلق به من الحوادث بممرّه ومتصرّفاته، ويقال: أفعل ذلك غدا أو سلعة إذا كان بعد الغد أو قريبا منه.
فصل [في أن عادا سمّت الشّهور بأسماء]
ذكر ابن الكلبي أنّ عادا سمّت الشّهور بأسماء، وجاء عن أبي عمرو الشّيباني والفرّاء وقطرب والأصمعي وابن الأعرابي وغيرهم من العلماء وفاق في بعضها واختلاف في بعضها، وربما كان الاختلاف في التّرتيب، وربما اختلفوا في بناء الكلمة ووضعها وصرفها وترك صرفها، كتركهم الصّرف للشّمس والشّمال فقالوا: هذه شمس بازغة، وهذه شمال باردة.
وقال الشّاعر حالفا:
أما وشمس لتحصنهم دما وقال:
(1/226)

إذا هبّت شمال غدرت فيها ... بلفظ بين مقرحة وآن
فمن ذلك قالوا للمحرّم: مؤتمر إجماع منهم. ولصفر: ناجر ومنهم من لا يصرف فيقول ناجر. ولربيع الأول قال قطرب: خوان وخوان مخفّف- وقال غيره: خوان بالضّم والتّشديد، ولربيع الآخر: قال قطرب: وبصان وبصان- وقال غيره بصان بالتّخفيف والضمّ ووبصان ووابصه- وجمادى الأولى: قال قطرب: حنين- وقال ابن الكلبي: ربي بالباء- وقال ابن الأعرابي: رني بالنّون- وقال ابن دريد حنين- وجمادى الآخرة قال قطرب: ربي وربه- قال ابن الكلبي: حنين- وقال الشّيباني والفرّاء: حنين وأنشدا شعرا:
وذو النّحب ينويه فيوفي بنذره ... إلى البيض من ذاك الحنين المعجّل
رجب قال قطرب: الأصم وهو إجماع منهم- شعبان عاذل- ابن الكلبي وابن الأعرابي وعل- الفراء، وعل مثل فخذ شهر رمضان- قطرب: ناتق وغيره نتق- شوّال: وعل- ابن دريد وعل- ابن الكلبي وابن الأعرابي عاذل- غيرهم معتدل. ذو القعدة: قطرب: ورنه- غيره ورنه- أخررنه- غيره رنة- الشّيباني يقال له: هواع قال:
وقومي لدى الهيجاء أكرم موقعا ... إذا كان يوم من هواع عصيب
ذو الحجة: برك بإجماع منهم- وروى الصّولي عن أحمد بن يحيى في أماليه زعم ابن الكلبي أنّ العرب كانت تسمّي المحرم مؤتمرا- وصفرا ناجرا- وشهر ربيع الأول خوان- وشهر ربيع الآخر وبصان- وجمادى الأولى ربى- وجمادى الآخرة حنين- ورجب الأصم- وشعبان عاذلا- ورمضان عاذلا- وشوّال وعلا- وذو القعدة ورنه- وذو الحجة برك.
فصل [مستخرج من كتاب سيبويه في الأماكن والأوقات]
استخرجناه من كتاب سيبويه يستغرب أكثر ما فيه ونختم به الكلام في الأماكن والأوقات ويتّصل به ذكر شيء من الخلاف بيننا وبين الكوفيين إذا تأمّل انشرح به كثير من هذا الباب.
قال سيبويه: يقول هو ناحية من الدّار وداره ذات اليمين وأنشد لجرير:
هبّت حنونا فذكرى ما ذكرتكم ... عند الصّفاة التي شرقيّ حورانا
قال: وسمعت بعض العرب ينشد:
سرى بعدما غار الثّريا وبعدما ... كأنّ الثّريا حلّة الغور منخل
فانتصاب هذه الأحرف كانتصاب قولك هو قصدك قال: وسمعنا ممن يوثق به من العرب هما خطان جنابتي أنفها يعني الخطين اللّذين اكتنفا جنبي أنف الظّبية. قال الأعشى:
(1/227)

نحن الفوارس يوم الحنو ضاحية ... جنبى فطيمة لا ميل ولا عزل
ويقال: زيد جنب الدار، وجانب الدار، وقالوا: هم حوله وأحواله وحياله وحواليه وهم جنابه وجنابيه وقطريه وأقطاره. وأنشد لأبي حية النّميري:
إذا ما تغشّاه على الرّحل جنبتي ... مساليه عنه من وراء ومقدم
يعني بمساليه عطفيه فهو بمنزلة جنبي فطيمه. وكقولهم: هو وزن الجبل أي ناحية منه، وهو زنة الجبل، وقولك أقطار البلاد فإن جعلت الآخر هو الأوّل رفعته وأردت به الثّقل أعني الوزن والزّنة. ومن ذلك قول العرب: هو موضعه أي في موضعه كما قالوا: هو صددك وسقبك أي قربك. وتقول كيف أنت إذا أقبل قبلك ويجيء نحوك قال: كيف أنت؟ إذا أريدت ناحيتك، وكيف أنت إذا أقبل التّعب الرّكاب جعلهما اسمين. والنقب الطّريق في الجبل والمراد بقوله جعلهما اسمين، أي لم يجريا على المصدر فهو بمنزلة قولهم هو قريب منك، فإن شئت قلت: هو قريبا وهل قريبا منك أحد. قال: ومما لا يحسن أن يكون ظرفا قولك: جوف المسجد، وداخل الدّار، وخارج الدار وذلك لمفارقتها خلف وقدّام وما أشبههما مبهمة.. والمختصّ من أسماء الأماكن لا يكون ظرفا. قال وممّا شبّه من الأماكن المختصة بالمكان قولهم: هو منّي منزلة الشّغاف وهو منّي مزجر الكلب وأنت مقعد القابلة.
قال فوردن والعيّوق مقعد رأي الضّربا.
وقال آخر:
وإنّ بني حرب كما قد علمتم ... مناط الثّريّا قد تعلّت نجومها
وقال: هو منّي معقد الإزار، وهم درج السّيل قال ابن هرمة:
انصب للمنيّة لقربهم ... رجالي أم هم درج السّيول
وكل هذا وأشباهه وضعت مواضع القرب والبعد فلذلك استجيز فيها على اختصاصها وقوعها ظرفا قال: فاستعمل هذا ما استعمله العرب وأجيز منه ما أجازوه قال: وزعم يونس أنّ بعضهم قال: هو منّي مزجر الكلب، فرفع جعله بمنزلة مرأى ومسمع. ويجعل الآخر هو كالأوّل. فأمّا قولهم: داري خلف فرسخا فكأنّه لما قال داري خلف دارك، وهو مبهم فلم يدر ما قدر ذلك فقال: فرسخا وذراعا.
وزعم يونس أنّ أبا عمرو كان يقول: داري من خلف دارك فرسخان، كما تقول: أنت منّي فرسخان وفرسخين. قال فأمّا قولهم: اليوم الأحد واليوم الاثنان وكذلك إلى الخميس فلأنّها ليست يعمل فيها أراد أن يفرّق بينها وبين السّبت والجمعة فتقول اليوم خمسة عشر من
(1/228)

الشهر، إذا أردت أنّ اليوم تمام خمسة عشر- ومن العرب من يقول: اليوم يومك، فيجعل اليوم الأوّل بمنزلة الآن، لأنّ الرّجل قد يقول: أنا اليوم أفعل كذا ولا يريد يوما بعينه.
واتّفق الكوفيّون والبصريّون على أنّ قول القائل: خلفك وقدّامك وما أشبههما من الأماكن العامة ظروف في الإضافة، واختلفوا فيها إذا أفردت، فقال البصريّون: هي ظروف على ما كانت في حال الإضافة.
وقال الكوفيّون: إذا أفردت صارت اسما فقولك زيد خلفا وقداما عند البصريّين ظرف. وعند الكوفيّين زيد خلف على معنى متأخر، وقدّام بمعنى متقدّم، وكذلك إذا قلت:
قام زيد خلفا نصبته على الظّرف عند البصريّين. والكوفيّون يقولون: تقديره تقدير الاسم الذي هو حال كأنّه قال: قام متأخرا وكذلك إذا قلت: قام مكانا طيبا يكون ظرفا.
والكوفيّون يقولون: ناب عن قولك مترفا ومعتبطا، وإنمّا يحتاج إلى الإضافة عندهم لأنّه يكون خبرا عن الاسم، كما يكون الفعل خبرا في الوقت، زيد يذهب فلمّا كان الفعل يحتاج إلى فاعل ويتّصل به أشياء يقتضيها من المصدر والمكان والزّمان والمفعول ألزموا المحلّ للإضافة ليسدّ المضاف إليه مسدّ ما يطلبه الفعل ويدلّ عليه.
وقال البصريّون: إنما الإضافة لتعيين الجهة والتّعريف. والأصل هو التّنكير وإنّما التّعريف داخل عليه. وأجمع الفرقتان على أنّ الوقت يرفع وينصب إذا كان خبر المرفوع مبتدأ في حال تعريف الوقت وتنكيره. فالتّعريف قولك: القتال يوم الجمعة واليوم. وإن شئت قلت: اليوم ويوم الجمعة. والتّنكير كقوله: (زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا) وغد.
فالتّقدير في الرّفع وقت القتال اليوم فحذف المضاف والنّصب بإضمار فعل كأنّك قلت:
القتال وقع اليوم، وإذا كان الفعل مستغرقا للوقت كلّه- فالبصريّون يجيزون فيه النّصب على الظّرف، كما يجيزونه في غير المستغرق ويدخلون عليه (في) .
والكوفيّون لا يجيزون فيه النّصب وهذا غلط، ويجعلونه خبرا هو الأوّل، ولا يدخلون في تقول صيامك يوم الخميس، والصّوم يستوعب اليوم ويجوز في قولهم: صمت في يوم الخميس. والكوفيّون لا يجوّزون النّصب ويمنعون من إدخال (في) لأنّها عندهم: توجب التّبعيض، والصّوم يستوعب اليوم. وقولهم فاسد لأنّ (في) لا يمتنع دخولها على زمان الفعل وإن قلّ، ويقول: كلّمت في القوم أجمعين، فيدخل (في) وقد استوعبتهم الكلام، وامتنع الكوفيون من زيد خلفك أشد منع حتّى قال بعضهم في قوله: ألا جبرائيل أمامها إنّ ذلك إنمّا جاز لأنّ جبرائيل لعظم خلقه يملأ الأمام كلّه، وهذا في التّحصيل خطأ لأنّ الأمام لا نهاية له، وكذلك سائر الجهات. وأجازوا ذلك في أخبار الأماكن فقالوا: داري خلفك ومنزلي أمامك، وعلى هذا حمل ثعلب قول لبيد: خلفها وأمامها وإذا تأملت فلا فصل.
(1/229)

الباب الثّامن عشر في اشتقاق أسماء المنازل والبروج وصورها
وما يأخذ مأخذها والكواكب السّبعة وهو فصلان:
فصل [في بيان معنى] العواء
العواء «1» يمد ويقصر، والقصر أجود وأكثر، وهي خمسة كواكب كأنّها ألف معطوفة الذّنب وأنشد:
فلم يسكنوها الجزء حتّى أظلّها ... سحاب من العوّا وتابت غيومها
وسمّيت العوّاء: للانعطاف والالتواء الذي فيها، والعرب تقول: عويت الشيء إذا عطفته، وعويت رأس النّاقة إذا لويته، وفي المثل: ما ينهي ولا يعوي وكذلك عويت القوس والشّعر والعمامة إذا عطفته. ويجوز أن يكون من عوى إذا صاح كأنّه يعوي في أثر البرد، ولهذا سمّيت طاردة البرد، ويقولون: لا أفعله ما عوى العوّاء ولوى اللّواء. وقال بعضهم:
إنمّا سمّيت العوّاء لأنّها خمسة كواكب كأنّها خمسة كلاب تعوي خلف الأسد ونوؤها ليلة.
السّماك وسمّي السّماك الأعزل لأنّ السّماك الآخر يسمّى رامحا لكوكب تقدّمه، يقولون: هو رمحه وقيل: سمّي أعزل لأنّ القمر لا ينزل به، وقال صاحب كتاب الأنواء، ينزل القمر بهذا دون الرّامح وأنشد:
فلمّا استدار الفرقدان زجرتها ... وهبّ سلاح ذو سماك وأعزل
والعرب يجعل السّماكين ساقي الأسد ونوؤه غزير، لكنه مذموم وهو أربع ليال وسمّي سماكا لأنّه سمك أي ارتفع، وقال سيبويه: السّماك أحد أعمدة البيت. قال ذو الرّمة:
(1/230)

كأنّ رجليه سماكان من عشر ... ثقبان لم يتفش عنهما النّجب
وبين يدي السّماك الأعزل أربعة كواكب على صورة النّعش يقال لها: عرش السّماك ويسمّى الخباء. وقال بعضهم: هو عرش الثّريا يقال: باتت عليه ليلة عرشية قال ابن أحمر شعرا:
باتت عليه ليلة عرشية ... شريت وبات إلى نفا متهدّد
شربت أي لجّت في المطر ومتهدّد أي متهدّم لا يتماسك.
الغفرة وهي ثلاثة كواكب بين زباني العقرب وبين السّماك الأعزل خفية على خلقة العوّاء. والعرب تقول: خير منزلة في الأبد بين الزّباني والأسد تعني الغفرة، لأنّ السّماك عندهم من أعضاء الأسد، فقالوا: ثلاثة من الأسد ما لا يضرّه الذئب يدفع عنه الأظفار والأنياب، وثلاثة من العقرب ما لا يضرّ الزّباني لدفع عنه الحمة، وهو من الغفرة وهو الشّعر الذي في طرف ذنب الأسد. وقيل سميّت الغفرة لأنّها كأنّها ينقص ضوؤها، ويقال غفرت الشيء إذا غطّيته فيكون على هذا في معنى مفعول، ويقول: شر النّتاج ما كان بعد سقوط الغفرة، ويعدّون ليلة نزول القمر به سعدا، ونوؤه ثلاث ليال، وقيل بل نوؤه ليلة وأنشد:
فلما مضى نوء الثّريا وأخلفت ... هواد من الجوزاء وانغمس الغفر
الزّباني «1» وسمّي زباني العرب وهما قرناها، كوكبان وهو مأخوذ من الزّبن وهو الدّفع، وكلّ واحد منهما عن صاحبه غير مقارن لها ونوؤها ثلاث ليال وتهبّ معه البوارح وأنشد:
ورفرفت الزّباني من بوارحها ... هيف أنشّت به الأصناع والخبر
الأصناع محابس الماء والخبر جمع خبرة وهي أرض بها السّدر ويدفع فيه الماء.
الإكليل وهي ثلاثة كواكب مصطفة على رأس العقرب ولذلك سمّيت الإكليل وكأنّه من التّكلل وهو الإحاطة، ومنه الكلالة في النّسب ونوؤه أربع ليال، وهو من العقرب وأنشد نجران العود يصف رفقاءه:
مطرفين على مثنى أيامنهم ... راموا النّزول وقد غاب الأكاليل
جمع الإكليل كأنّه جعل كلّ كوكب إكليلا ثم جمعه.
القلب: وهو كوكب أحمر نيّر سمّي القلب لأنّه في قلب العقرب، وأوّل النتاج بالبادية
(1/231)

عند طلوع العقرب، وطلوع النّسر الواقع ويسمّيان الهرارين لهرير الشّتاء عند طلوعهما ونؤوها ليلة، ثم يستحسنونها قال:
فسيروا بقلب العقرب اليوم إنّه ... سواء عليكم بالنّحوس وبالسّعد
(والقلوب) أربعة (قلب العقرب) و (قلب الأسد) و (قلب الثّور) وهو الدّبران و (قلب الحوت) .
الشّولة «1» وسمّيت بذلك لأنّها ذنب العقرب. وذنب العقرب شايل أبدا، وأهل الحجاز يسمّون الشّولة الإبرة، وبعدها إبرة العقرب وهي سمّيت فقر يجعلون كلّ كوكب فقرة، والسّابعة الإبرة. والمجرّة تسلك بين قلب العقرب وبين النّعايم فتقطع نظام المنازل في هذا الموضع. وفي موضع آخر وهو ما بين الهقعة والهنعة فإنّها تسلك بينهما، فتعترض نظام المنازل اعتراضا، وهاهنا تقطع القمر وسائر الكواكب الجارية في المجرّة، وذلك حين تنحدر عن غاية تواليها إلى ذروة القبة فتأخذ في الهبوط، فأمّا قطعها إيّاها عند السّقوط فذلك حين يبتدئ الصّعود بعد غاية الهبوط، ويسمّى الشّولة شولة الصّورة وهي منغمسة في المجرّة فإذا لم يعدل القمر عن منزله قيل: كالح القمر مكالحة. ومعنى شال ارتفع، ويقال:
ناقة شائلة إذا ارتفع لبنها. وجمعها شؤل وناقة شايل: إذا شالت بذنبها وجمعها شؤل وأنشد:
كأنّ في أذنابهنّ الشّول ... من عبس الصّيف قرون الأيل
ونوؤها ثلاث ليال وهي كوكبان مضيئان.
النّعايم «2» وهي ثمانية كواكب (أربعة) منها في المجرّة تسمى الواردة لأنّها شرعت في المجرة كأنّها تشرب (وأربعة) خارجة منها تسمّى الصّادرة وإنمّا سمّيت نعائم تشبها بالخشبات التي تكون على البئر، أو تحت مظلّة الرئية فكأنّها أربع كذا وأربع كذا كما قال:
لأظلّ في يدها إلا نعامتها ... منها حزيم ومنها قائم باق
ونوؤها ليلة.
البلدة وهي فرجة بين النّعايم- وبين سعد الذّابح- وهو موضع خال ليس فيه كوكب، وإنّما سمّيت بلدة تشبها بالفرجة التي تكون بين الحاجبين اللّذين هما غير مقرونين ويقال:
(1/232)

رجل أبلد إذا افترق حاجباه، ونوؤها ثلاث ليال وقيل ليلة.
سعد الذّابح وسمّي بذلك لكوكب بين يديه يقال هو شاته التي تذبح ونوؤه ليلة.
وأنشد:
ظعائن شمس قريح الخريف ... من الفرغ والأنجم الذّابحة
سعد بلع سمّي بذلك لأن الذّابح معه كوكب بمنزلة شاته وهذا لا كوكب معه فكأنّه قد بلع شاته. وقال بعضهم: سمّي بلع لأن صورته صورة فم فتح ليبلع. وقال غيره: بل لأنّه طلع حين قال الله تعالى: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ
[سورة هود، الآية: 44] كأنّ انكشاف ذلك الطّوفان في يومه ونوؤه ليلة.
سعد السّعود «1» وسمّي بذلك لأنّ في وقت طلوعه ابتداء ما به يعيشون وتعيش مواشيهم ونوؤها ليلة وقيل: إنّ السّعد منها في واحد وهو نهارها وأنشد:
ولكن بنجمك سعد السّعود ... طبقت أرضي غيثا درورا
سعد الأخبية «2» وسمّي بذلك لكوكب في كواكبها على صورة الخباء وقيل: بل لأنّه يطلع في قبل الدفء فيخرج من الهوام ما كان مختبئا، ونوؤه ليلة وليس بمحمود.
فرغ الدّلو المقدّم «3» ويقال: الأعلى، وبعضهم يقول: عرقوة الدّلو العليا وعرقوة الدّلو السّفلى. وذكر بعضهم: إنمّا سمّي فرغ الدّلو لأنّ في وقت الأمطار تأتي كثيرا فكأنّه فرغ دلو وهو مصب مائها. وقال بعضهم: إنمّا سمّي بالعرقوة والفرغ تشبها بعراقي الدّلو، لأنّها على هيئة الصليب ونوؤه ثلاث ليال، وأنشد في خريف:
سقاه نوء من الدّلو تد ... لّى ولم يوار العراقي
وأنشد:
يا أرضنا هذا أوان تحيين ... قد طال ما حرمت بين الفرغين
ويقال للفرغ النّاهز وهو الّذي يحرك الدّلو لتمتليء.
(1/233)

فرغ الدلّو المؤخر «1» : ونوؤه أربع ليال وهو محمود.
الرّشا: وهو السّمكة ويقال: بطن السّمكة وقلب الحوت ويقال لما بين المنازل الفرج. فإذا قصر القمر عن منزلة واقتحم التي قبلها نزل بالفرجة ويستحسنون ذلك إلا الفرجة التي بين الثّريا والدّبران، فإنّهم يكرهونها ويستنحسونها ويقال لها الضّيقة. قال:
فهلّا زجرت الطيّر ليلة جئته ... لضيقه بين النّجم والدّبران
الشّرطان «2» : وسمّي بذلك لأنهما كالعلامتين أي سقوطهما علامة ابتداء المطر، والشّرط العلامة ولهذا قيل لأصحاب السّلطان: الشّرط لأنهم يلبسون السّواد كأنّهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها ويقال: شرطي في كذا ويقال: إنّهما قرنا الحمل، وهما أوّل نجوم فصل الربيع، ونوؤه ثلاثة أيام وهو محمود غزير.
البطين «3» وسمّي بذلك لأنّه بطن الحمل ونوؤه ثلاث ليال وهو شرّ الأنواء وأنزرها وقلّما أصابهم إلا أخطأهم نوء الثّريّا.
الثّريا «4» ويسمّى النّجم والنّظم وهو تصغير ثروى من الكثرة وقيل: سميّت بذلك لأنّ مطرها يثري ويقال: ثرى ونوؤها خمس ليال غير محمود.
الدّبران «5» ويسمّى التّابع والثّاني والتّبع والفتيق وحارك النّجم وسمّي الدّبران لأنّه دبر الثّريا أي صار خلفها، ويسمّى المجدح والمجدح حكاهما الشّيباني وقال الأموي هو المجدح ونوؤه ثلاث ليال وقيل: بل هو ليلة وهو غير محمود.
وقد فسّر بعضهم ورد القطاة إذا استمال التّبع على أنّه الدّبران ومما يحكى عنهم من كلامهم: كان كذا حين خفق المجدح يعنونه. وقال بعضهم: إنمّا قال: مجدح إذا اتّصل نوؤه بنوء الثّريّا فغزر ويقولون: سقيت بمجاديح السّماء وأرسلت السّماء مجاديح الغيث.
فإن قيل: أتقول لكلّ ما دبر كوكب الدّبران؟ قلت: لا أقول ذلك لأنّه قد يختص الشيء من بين جنسه بالاسم حتّى يصير علما له، وإن كان المعنى يعمّ الجمع على ذلك قولهم النّابغة في الجعدي والذّبياني وابن عباس في عبد الله وأنشد:
(1/234)

وردن اعتسافا والثّريّا كأنّها ... على قمّة الرأس ابن ماء محلق
يدفّ على آثارها دبرانها ... فلا هو مسبوق ولا هو يلحق
الهقعة «1» وسمّيت بذلك تشبيها بهقعة الدّابة: وهي دائرة تكون على رجل الفارس في جنب، ويقال فرس مهقوع وكانوا يتشاءمون بها وهي ثلاثة كواكب تسمّى رأس الجوزاء، ونوؤه ست ليال، ولا يذكرون نوؤها إلا بنوء الجوزاء وهي غزيرة مذكورة وتسمّى الأثافي لأنها ثلاثة صغار متعينة. وقال ابن عباس لرجل طلّق امرأته عدد نجوم السّماء يكفيك منها هقعة الجوزاء. وهي ثلاث.
الهنعة «2» وهي منكب الجوزاء الأيسر وسمّيت بذلك الأيسر من قولهم: هنعت الشيء إذا عطفته وثنيت بعضه على بعض فكأنّ كلّ واحد منهم منعطف على صاحبه. ومنه الهنع في العنق، وهو النّواء وقصر ونوؤها لا يذكر وهو ثلاث ليال إنمّا يكون في أنواء الجوزاء، ويقال: سميّت الهنعة لتقاصرها من الهقعة والذّراع المبسوطة وهي بينهما منحطّة عنهما، ويقال: أكمة هنعاء إذا كانت قصيرة وتهانع الطّائر الطّويل العنق مقاصرة عن عنقه.
الذّراع: ذراع الأسد وله ذراعان مقبوضة ومبسوطة ونوؤها خمس ليال وقيل ثلاث ليال، وهو أقلّ أنواء الأسد محمود غزير. والمقبوضة هي اليسرى سمّيت مقبوضة لتقدّم الأخرى عليها، وهي الجنوبية وبها ينزل القمر وكلّ صورة من نظم الكواكب، فميامنها ممّا يلي الشّمال، ومياسرها مما يلي الجنوب لأنّها تطلع بصدورها ناظرة إلى المغارب فالشّمال على أيمانها، والجنوب على أيسارها وقد فهم ذلك القائل، والنّجوم التي تتابع باللّيل وقتها ذات اليمين ازورار وإنمّا أزورارها على أيمانها إطافة منها بالقطب لذلك قال:
وعاندت الثّريّا بعد هدء ... معاندة لها العيّوق جار
وأحد: كوكبي الذّراع الغميصاء وهي التي تقابل العبور والمجرّة بينهما. قال أبو عمر:
وهي الغميصاء والغموص وقد يكبّر فيقال: الغمصاء ويقال لكوكبها الآخر الشمالي المرزم، مرزم الذّراع والآخر في الجوزاء قال:
ونائحة صوتها رابع ... بعثت إذا خنق المرزم
ويروى إذا ارتفع المرزم. ومرزم الجوزاء لا نوء له، وقد ذكر بالنوء على سبيل الشّعريين قال:
(1/235)

جرى راحتاك جري المرزمين ... متى تنجدا بنو لي ثغور
ومن أحاديثهم: كان سهيل والشّعريان مجتمعة، فانحدر سهيل فصار يمانيا وتبعته العبور عبرت إليه المجرة، وأقامت الغميصاء، فبكت لفقد سهيل حتى غمصت والغمص في العين نقص وضعف.
النّثرة: وهي ثلاثة كواكب وسمّيت النّثرة لأنّها مخطة يمخطها الأسد كأنّها قطعة سحاب، ويقولون: بسط الأسد ذراعيه ثم نثر ويجوز أن تكون سمّيت بذلك لأنّها كأنّها من سحاب قد نثر والنّثرة الأنف ونوؤها سبع ليال.
الطّرف: سمّيت بذلك لأنهما عينا الأسد ويقال: طرف فلان أي رفع طرفه فنظر.
قال: إذا ما بدا من آخر اللّيل يطرف ونوؤه ثلاث ليال.
الجبهة: جبهة الأسد ونوؤه محمود سبع ليال، ويقولون: لولا نوء الجبهة ما كانت للعرب إبل.
الزّبرة: زبرة الأسد أي كاهله، وقيل: زبرته شعره الّذي يزبئر عند الغضب في قفاه أي ينتعش، وهذا ليس بصحيح، لأنّ ازبأرّ من الرّباعي والزّبرة من الثلاثي وسمّيت الخراتان من الخرت، وهو الثقب كأنهما تنخرتان إلى جوف الأسد وهذا غلط لأنّ رأي العين يدركهما في موضع زبرة الأسد. ونوؤها أربع ليال.
الصّرفة: وسمّيت بذلك لأنّ البرد ينصرف بسقوطها، وقيل: أرادوا صرف الأسد رأسه من قبل ظهره، ويقال: الصّرفة ناب الدّهر؛ لأنّها تفترّ عن فصل الزّمان، وأيّام العجوز في نوئها، وهو ثلاث ليال، وحكي عن بعض الأعراب أنّه قال: الخراتان مع الأسد تجريان معه وليستا منه. قال: ومعنى قول الشّاعر:
إذا رأيت أنجما من الأسد ... جبهة أو الخرأة والكتد
وإن رأيت الخرأة من غير أن يكون جعلها شيئا من خلقه، ثم قال والكتد فرجع إلى ذكر ما هو من خلقه فهذه المنازل.
فصل في بيان الكواكب السبعة
وأمّا النّجوم الخنّس الجواري الكنّس: فمعنى الخنّس أنّها تخنس أي ترجع ومعنى الكنّس أنّها في بروجها كالوحش تأوي إلى كنسها، وهي سبعة مع الشّمس والقمر سيّارة غير أنّ بعضها أبطأ سيرا من البعض، فكلّ ما كان فوق الشّمس فهو أبطأ من الشّمس، وما كان
(1/236)

دون الشّمس فهو أسرع من الشّمس بينا ترى أحدها آخر البروج كرّ راجعا إلى أوّله، ولذلك لا ترى الزّهرة في وسط السّماء أبدا وإنّما تراها بين يدي الشّمس أو خلفها، وذلك أنّها أسرع من الشّمس، فتستقيم في سيرها حتى تجاوز الشّمس، وتصير من ورائها، فإذا تباعدت عنها ظهرت بالعشاء في المغرب فترى كذلك حينا ثمّ تكرّ راجعة نحو الشّمس حتى تجاوزها فتصير بين يديها، فتظهر حينئذ في الشّرق بالغدوات. وهكذا هي أبدا، فمتى ما ظهرت في المغرب فهي مستقيمة، ومتى ما ظهرت في المشرق فهي راجعة وكل شيء استمرّ ثم انقبض: فقد خنس، كما أنّ كلّ شيء استتر فقد كنس.
زحل «1» : واشتقاقه من زحل مزحلا إذا بعد، ويقال: زحلت النّاقة إذا تباطأت في سيرها وتأخرت وهو معدول عن زاحل وزاحل معرفة.
المشتري «2» وهو من شرى البرق إذا استطار لمعانا، ويقال: شرى وشرى ومنه استشرى غيظا ويقال: شرى يشرى إذا لجّ وتشدّد ومنه سميت الشّراة لتشدّدهم في الدّين.
وقال بعضهم: إنما تسمّوا بالشّراة ذهابا إلى قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
[سورة التوبة، الآية: 111] .
المريخ «3» : فقيل من المرخ كأنّه يوري نارا لأنّ المرخ شجر سريع الوري ومن أمثالهم: في كلّ شجر نار. واستمجد المرخ والعفار، ويجوز أن يكون سمّي به لبعد مذهبه، ومنه المرّيخ السّهم الخفيف الرّبع قذذ يجعل للغلاء وهو بعد الرمي ويقال: هو من غلوة السّهم.
الشّمس «4» : قال الخليل: الشّمس عين الضح. وبه سمّيت معاليق القلادة وقيل هو من المشامسة لأنّها نحس في المقارنة وإن كانت سعدا في النظر ومنه شمس لي فلان إذا ظهرت عداوته.
(1/237)

الزّهرة «1» : بفتح الهاء من الشّيء الزّاهر، ويكون من الحسن والبياض جميعا. والزّهور تلألؤ الشّمس. ومنه قولهم: زهرت بك زنادي.
عطارد «2» : من الاضطراب: لأنّه في مرأى العين كأنه يرقص وهو من قولهم: شاء عطرد أي بعيد وكذلك سفر عطرد، ويجوز أن يكون سمّي به لأنّه لا يفارق الشّمس فكأنّه عدّه لها، والعطردة العدة يقال: عطرد هذا عندك، أي عدة.
القمر: من القمرة وهي البياض، ويقال: تقمرت الشيء إذا طلبته في القمراء. وقال أحمد بن يحيى: إنمّا سمّي القمر (ساهورا) لأنه يخسف بالسّاهرة، والسّاهرة الأرض، قال الله تعالى: فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ
[سورة النازعات، الآية: 14] أي أرض القيامة، وذلك أنّ القمر خسوفه بظل الأرض وحجزها بينه وبين الشّمس. وقال قطرب: بهور القمر علوّه في الظّهور وأنشد:
إذ فارس الميمون يتبعهم ... كالطّلق يتبع ليلة البهر
(والكوكب الدّرّي) منسوب إلى الدّر لضيائه، وإن كانت الكواكب أكثر ضوءا من الدّر كأنه يراد: يفضل الكواكب لضيائه كما تفضل الدّر سائر الحب ودري بلا همزة وبكسر أوّله حملا على وسطه وآخره لأنّه تثقل عليهم ضمة بعدها كسرة. وما آن كما قيل كرسي في الكرسي ودرّي فقيل من النّجوم الدّراري التي تدرأ: أي ينحط ويسير متدافعا. يقال: درأ الكوكب إذا تدافع منقضا فيضاعف ضوؤه ولا يجوز أن يضم الدّال ويهمز، لأنّه ليس في الكلام فعيل.
ومثال: درّي فعلي منسوبا إلى الدّر ويقال: درأ بضوئه يدرأ درأ ودروا ودرأت له بساطا: أي بسطته، ويجوز دري إذا جعلته منسوبا إلى إندر، فيلحقه تغيّر النّسبة، لأنّ النّسبة تغير لها الكلمة كثيرا، ويقال: كسفت الشّمس وكسفها الله وخسف القمر وخسفه الله، وطلعت الشّمس، ونجم النّجم وغربت الشّمس وصغا القمر وخفق النّجم وصغا أيضا، ويقال: تعرّضت الثّريّا في السّماء: إذا زالت عن كبد السّماء إلى ناحية المغرب، وجنحت الثّريّا قال:
وأيدي الثّريا جنح في المغارب. وقال آخر:
وكأنّ غالية تباشرها ... بين الثّياب إذا صغا النّجم
(1/238)

الباب التّاسع عشر في أقطاع اللّيل- وطوائفه- وما يتّصل به ويجري مجراه
قال يعقوب: يقال: فعلته أوّل اللّيل وهو من عند غيبوبة الشّمس إلى العتمة والعشاء من صلوة المغرب إلى العتمة، ويقال: أتيته ظلاما وعشاء وبعد عشوة من اللّيل، والعتمة:
وقت صلوة العشاء الآخرة.
قال الخليل: العتمة ويقال العتمة بسكون التاء: الثّلث الأوّل من اللّيل بعد غيبوبة الشّفق، وله قبل صلوة العتمة، والعتوام التي تحلب في تلك السّاعة، وإنمّا سمّوها العتمة من استعتام نعمها، ويقال: حلبناها عتمة وعتمة والعتمة بقية اللّبن يغبق به تلك السّاعة يقال: أفاقت النّاقة إذا جاء وقت حلبها، وقد حلبت قبل ذلك.
وقال الأصمعيّ: عتم يعتم إذا احتبس عن فعل الشيء يريده وقد عتم قراه وأعتمه وإنّ قراه لعاتم أي بطن محتبس، وصف عاتم، وعتم أورد إبله في تلك السّاعة وأعتم صار فيها.
قال أوس: أخو شركي الورد غير معتّم.
وحكى ابن الأعرابي: قالت الينمة: أنا الينمة أعبق الصّبي قبل العتمة، وأكبّ النّمال فوق الأكمة. والينمة: بقلة تشبه الباذروج، قال: وكلّما كثرت رغوة اللّبن كان أطيب لبنا من المضارع، يقول درّي يتعجل للصّبي وذلك أنّ الصّبي لا يصبر والمراعي أطيب، وأمّا فورة العشاء فعند العتمة، يقال: أتيته فورة العشاء وعند فورة العشاء، وإنّما هو من فار الظّلام إذا علا وارتفع. أبو عبيدة: أتيته ملس الظّلام أي حين يختلط الظّلام بالأرض، وذلك عند صلوة العشاء وبعدها شيئا، وفعلته عند ملس الظّلام، وهو مثل الملث، وعند غلس الظّلام أيضا، ودمسه وجنحه وغسقه. وأتيته في غسق اللّيل، وحين غسق اللّيل أي في اختلاط وحين اختلط. ثم الشّميط وهو مشبه بالشّيب لبياض الفجر في سواد اللّيل كالشّيب في الشّعر الأسود، ويقال: غسق يغسق غسوقا وغسقا. قال تعالى: وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ
[سورة الفلق، الآية: 3] .
(1/239)

وقال كعب: حتّى إذا ذهب الظّلام والغسق. ويقال: تحندس اللّيل من الحندس وهو شدّة سواد اللّيل وظلمته، والجمع حنادس وحناديس. قال: وأدركت منه بهيما حندسا، وليلة مدلهمّة وملطخمّة وخدارية. وقالوا: القترة: الظّلمة مع الغبار، وفي القرآن: تَرْهَقُها قَتَرَةٌ
[سورة عبس، الآية: 41] ويقال: مضى جرس من اللّيل بالسين غير معجمة، والجميع أجراس وجروس قال:
حتّى إذا ما بركت بجرس ... أخذت عشيّ ونفعت نفسي
ومضى عنك من اللّيل، وعنك والجميع أعناك قال:
فقاموا كسالى يلمسون وخلفهم ... من اللّيل عنك كالنّعامة أقعس
أي طال، وانحنى: أقعس.
قال يعقوب: وسمعت أبا عمرو يقول: العنك ثلث اللّيل الباقي، وأعطيه عنكا من مال أي قطعة، ويقال: سجا اللّيل وأسجى، قال تعالى: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى
[سورة الضّحى، الآية: 1- 2] . ويقال: يوم أسجى، وليلة سجواء، وهي اللّينة السّاكنة، وبعير أسجى، وناقة سجواء أدمة، ويقال: مضى ملي من اللّيل والجميع أملاء، ومضى هدء والجمع هدوء، ومضى بضع من اللّيل، وهنيء من اللّيل: قطعة، ومضى هزيع من اللّيل أي ساعة والجميع هزع. وقال بعضهم: الهزيع من اللّيل النّصف، ويقال: اهتزعوا أي خرجوا بهزيع من اللّيل. وجرش من اللّيل بالشّين المعجمة.
قال يعقوب: وحكى الفرّاء: جئته بعد جوش من اللّيل، وجوشن من اللّيل. قال إذ الدّيك في جوشن من اللّيل أطر. وقال بعضهم: الجوشن: وسط اللّيل. قال ذو الرمة:
تلوم نهياه بياه وقد مضى ... من اللّيل جوش واسبطرّت كواكبه
وقال ابن أحمر شعرا:
يضيء صبيرها في دي حيّ ... جواش ليلها بينا فبينا
أي قطعة من الأرض بعد قطعة، وقال: جواشن هذا اللّيل كي يتموّلا. وبقيت جهمة من اللّيل، وجهمة أيضا، والجهمة: بقية من سواد اللّيل في آخره. قال الأسود شعرا:
وقهوة صهباء باكرتها ... بجهمة والدّيك لم يتعب
وحكى: جهنة من اللّيل بالنون، وقال بعض أهل اللّغة: جهينة اسم الخمرة منها يشتق. وقال بعضهم: الجهمة السّحر. وحكى أبو حاتم، والهجمة لغة فيها الهاء قبل الجيم والفعل عنها اجتهم واهتجم واجتهن، ومضى وسع من اللّيل يكون من أوّله إلى ثلثه أو
(1/240)

ربعه. وجوز من اللّيل أي نصف من اللّيل، والجميع: أجواز، وقال: النّضر جوز اللّيل:
وسطه. ويقال: انطلقنا فحمة العشاء، والجميع فحمات أي في أوّل الظّلمة. وقال بعضهم:
فحمة العشاء شدّة الظّلمة، ويقال: فحموا من اللّيل أي لا تسيروا في أوّل اللّيل حتى تذهب فحمته، وأفحموا أيضا وكأنّه مأخوذ من الفحم.
وقال ابن الأعرابي: الفحمة ما بين غروب الشّمس إلى نوم النّاس، سمّيت فحمة لحرّها وأوّل اللّيل أحرّ من الآخر. قال: ولا تكون الفحمة في الشّتاء وذلك لأنّه لا حرّ فيفحمهم، وإنما يفحمون ليكن الحر عنهم فيسيرون ليلتهم وقيل: فحمة العشاء من لدن المغرب إلى العشاء الآخرة.
وقال أبو صالح الفزاري: فحمة العشاء: من لدن العشاء إلى نصف اللّيل، يقال:
أفحم القوم إذا أناخوا فحمة اللّيل. وجاءنا بعد هجعة من اللّيل أي نومة، ومضت جزعة من اللّيل أي ساعة من أوّله، وصبة من اللّيل نحو جزعة وكما استعملا في أوّل اللّيل استعملا في آخره أيضا فقيل: بقيت جزعة من اللّيل وبقيت صبة من اللّيل.
وحكى النّضر: أتيته بسدفة من اللّيل. ومضى طبق من اللّيل: أي هوى منه وجاء بسحرة بدهمة. وجاء سحيرا: أي في آخر الليل وجاء بأعلى سحرين أي: بالسّحر الأعلى.
قال الدّريدي: العرب تقول: جئتك بالسّحر بالألف واللّام، وجئتك بسحر وبسحرة، وبأعلى السحرين، وجئتك سحر، ولم ينوّنوا فيقولون: سحرا أصلا، والكلام في هذا وأشباهه قد مضى مستقصى.
وحكى الأصمعيّ عن أبي عمرو بن العلاء قال: ليس في كلام العرب: أتانا سحرا إنّما يقولون: أتانا بسحر. ويقول: جئتك تنفّس الصّبح أي عند أوّله. وفي القرآن: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
[سورة التكوير، الآية: 18] وقد جشر الصّبح يجشر جشورا أي: بدا لك. ومنه سمّيت الجاشرية للشّرية عند الصّبح، ويقال: جئتك في غبش اللّيل والغبش حين تصبح.
قال: منظور الأسدي:
موقع كفّي راهب يصلّي ... في غبش اللّيل أو النّثلي
وقيل الغبش: بقية لم يفضحها نهار، قبيل الفجر، ويقال: أتيته بغبش من اللّيل، ويقال: غبش اللّيل وأغبش. وغطش وأغطش، فأمّا العسعس والعسعسة فهما تنفّس الصّبح، وقالوا: عسعس اللّيل عسعسة إذا أظلم.
وقال بعضهم: عسعس ولّى فهذا من الأضداد، وهو قول ابن عباس قال: عسعس:
(1/241)

أدبر. وقال علقمة بن قرط:
حتّى إذا للصّبح لنا تنفّسا ... وانجاب عنها ليلها وعسعسا
وقال آخر:
وردت بأفراس عتاق وقتبة ... قوارط في أعجاز ليل معسعس
كأنّه أراد ههنا الظّلمة، ومثله في المعنى:
قواربا من غير دجن نسا ... مدّرعات اللّيل لمّا عسعسا
والبلجة: في آخر اللّيل عند الصّبح، والتّنوير: عند الصّلاة قال:
طال ليلي أراقب التّنويرا ... أرقب الصّبح بالصّباح بصيرا
قال النّضر: جئته بعدما مضى وهن من اللّيل أي ساعة، وبعد هدء من اللّيل. وقال بعضهم: الموهن حين يدبر اللّيل. وأوهن الرّجل: صار في تلك الساعة. وبعد هدأة من اللّيل وبعدما هدأت الرّجل. وبعدما هدأت العيون، وقالوا: تعجس من اللّيل وهو الفريع والسّعواء بعد الوهن، قال: وقد مال سعواء من اللّيل أعوج. ويقال: مضى هيتاء من اللّيل، وقطع. قال: سرت تحت إقطاع من اللّيل ظلتي. والسّاعة الطّويلة ملأ، ويقال: أتيته غطشا ويغطش. ومضى سبج من اللّيل أي: قريب من وسطه ونصفه. أبو زيد: مضى اللّيل عشوة وهو ما بين أوّل اللّيل إلى ربعه. الكسائي: مضى سعو من اللّيل وسعواء من اللّيل أي:
ساعة. ومضى هتأ من اللّيل، وحكى الأحمر: هتى وهتأ من اللّيل.
وحكى قطرب وغيره: ذهب هيتاء من اللّيل، ويقال: ما بقي إلا هتأ عن غنمهم أو إبلهم، وهو الأوّل من الأقل من الباقي أو الذّاهب. ويقال: مضى دهل من اللّيل أي صدر، وأنشد لأبي هجيمة شعرا:
مضى من اللّيل دهل وهي واحدة ... كأنّها طائر بالدّود مذعور
ويقال: مضى مهواء من اللّيل أي طائفة منه. ومضى مهوان من اللّيل: أي هوى منه.
ويقال في واحد الإناء من قول الله تعالى: آناءَ اللَّيْلِ*
[سورة آل عمران، الآية: 113] مضى آنى وآني وإني وإنى. قال الهذلي شعرا:
حلو ومر كعطف القدح مرته ... في كلّ آنى قضاه اللّيل ينقل
ويقال: تصبصب اللّيل وهو أن يذهب إلّا قليلا. وفعلته عند تصبصب اللّيل. وكذلك أبهار اللّيل إذا ذهب عامّته. وبقي نحو من ثلثه. قال الأصمعيّ: أبهار اللّيل انتصف.
(1/242)

والبهرة: الوسط من كل شيء. وبهرة الصّدر ما ضمّ الصّدر من الزّور وجمعها بهر. وقيل:
ابهيراره طلوع نجمه، وذهاب فحمته، حتى بهرت نجومه سواده. والشّفق بقية ضوء الشّمس وحمرتها من أوّل إلى قريب من العتمة، ويقال: فعلته عند غيبوبة الشّفق، وهما شفقان من أوّل اللّيل كما أنّ الفجر فجران من آخر الليل. والهبة السّاعة يبقى من السّحر ويقال: ثرنا بهبة من اللّيل. قال أبو نصر حكاية عن الأصمعيّ: الفجر أوّل ضوء تراه من الشّمس في آخر اللّيل كما أنّ الشّفق آخر ضوء منها في أوّل اللّيل. ويقال: فجر الصّبح يفجر أو فعلت هذا حين انفجر الصّبح وانفلق. وسطع سطوعا والسّاطع أسنى من الطّالع. يقال: أدلجنا عند الفلق والفرق، وعند الانفلاق، وفي القرآن: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
[سورة الفلق، الآية: 1] .
وقال قطرب: تميم تقول: فرق الصّبح، وغيرهم فلق الصّبح، والفلق أيضا الطّريق بين الجبلين، وناشئة اللّيل: ما ينشأ منه، ومن ذلك قولهم: غلام ناشئ ونشأت سحابة، وفي القرآن: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً
[سورة المزّمّل، الآية: 6] أي أشد مكابرة، ومن قرأها وطاء أي مواطأة من قولك تواطأ القوم: إذا اجتمعوا على أمر كان أحدهم يطأ حيث يطأ صاحبه. والنّشيئة مثل النّاشئة، ويقال في الجارية: نشيئة أيضا أحوالها في النّشاء والنّشية أيضا حجر يكون على الحوض من قوله: هرقناه في بادي النّشية داثر. وعمود الصبح نفسه.
والصّديع الصّبح. قال: كأنّ بياض لبتّه صديع. وإيضاح الفجر وإيضاحه إضاءته واستنارته.
وأصله: الانشقاق ومنه: انضاحت العصا أي انشقّت، وأدلجنا ببلجة أي سرنا بسدف قبل طلوع الفجر، وتبلّج الصّبح وانبلج، وفي المثل تبلّج الصّبح لذي عينين، وجئتك عند البهر، أي حين بهر الصّبح ضوء القمر، ويقال: قمر باهر وأنشد:
وقد بهرت فما تخفى على أحد ... إلا على أحد لا يعرف القمرا
والأسفار أن يرى موقع النّبل، ويقال: أتيته في سفر الصّبح والفجر، وأتيته سحرية.
ويقال: وردت الماء بالغطاط أي: قبل طلوع الفجر. وفعلت كذا عجيس اللّيل وعجاساء اللّيل، وعحبس اللّيل أي آخر اللّيل. ومنه قيل: تعجس عن كذا أي تحبس وتأخّر. ويقال:
جئتك غلسا وجئتك جنح اللّيل، وقد جنح جنوحا. وجئتك عند تهوّر اللّيل وتوهّره. وذلك إذا مضى إلّا قليلا. والتّهور في اللّيل: كالمثل والتّشبيه. قال يعقوب: مضت قويهة من اللّيل، أي قطعة وهذا من قولهم: قوّه الصّيد إذا جاشه إلى مكان. ومضى سهواء من اللّيل:
أي بعدما مضى صدره، وأصله الانبساط والاتساع، ومنه السّهوة الصّفة. والسّاهية ما اتّسع واستطال من غير حمر برد العين. والرّوية الطّائفة من اللّيل. وقالوا: الصّريم أوّل اللّيل وآخره جميعا لأنّه من الأضداد. وقال بعضهم: إنمّا وقع عليهما لأنّه اسم لما يتصرّم من كلّ واحد منهما عن صاحبه قال:
(1/243)

فلمّا انجلى عنها الصّريم وأبصرت ... هجانا تسامى اللّيل أبيض معلما
وقال آخر:
علام تقول عاذلتي بلوم ... يؤرّقني إذا انجاب الصّريم
والدّيسق: النّور والبياض ويقال: انشقّ الصّبح عن ريحانة الفجر أي نسيمه. ويقال:
صبح مكذب وهو عجز اللّيل أي آخره، وذلك إذا نهض بياض في عجز اللّيل ثم ينمحي ويندجي عجز اللّيل، ثم يمهل ساعة، ثم يظهر شميط الصّبح وهو بياض في سواد آخر اللّيل، وذلك الصّبح المسدف وقال أبو ذؤيب:
شغف الكلاب الضّاريات فؤاده ... فإذا ترى الصّبح المصدق يفزع
والخيط الأسود هو عجز اللّيل ثم يشق خيط اللّيل عن خيط النّهار، فيقال: هذا خيط الصّبح وفي القرآن: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ
[سورة البقرة، الآية: 187] ومن ذلك قول الرّاجز: (مرّت بأعلى سحرين تذأل) وأعلى سحرين هو قبل الصبح. أبو حاتم يقال: قد شقّ الصّبح- وصدع- وسطع- وانفلق- وتنفس- وجشا- وجشّ- وذلك إذا طلع ووضح، ويقال: شقّ حاجب الصّبح، وإذا طلع حاجبه وهو أوّله فذلك تباشير الصّبح، ويقال: أذن الصّبح ومناذي الصّبح وهما الصّبح بعينه. وبعضهم يقول: بل هو الطائر إذا نطق لا بان الصّبح والصّبح- والفجر- والصّريم واحد ويقال كشط اللّيل عنا غطاءه- ورفع اللّيل عنّا اكتنافه. والاهتجام من آخر اللّيل. وقال بعضهم: هي الهجمة. وقال بعضهم: الجهمة الجيم قبل الهاء، وذلك الاجتهام والجهمة والعسجة سواء وهما من السّحر. ويقال: أتيته بأغباش السّواد- والواحد غبش قبيل الصّبح- قال ذو الرّمة:
أغباش ليل تمام كأنّ طارقه ... تطخطخ الغيم حتّى ماله جوب
وقال ابن الأعرابي: علباء مضر تقول ولدته لتمام، فتفتح التاء وتميم تكسر، ويقال:
في كل لغة ليل التّمام بالكسر، وذكر الأصمعيّ أنّه لا يكسر التّاء إلا في الحمل واللّيل، وعقب اللّيل بقايا آخره ويقال: أتيته وقد بقيت علينا عقب من اللّيل- وأفراط اللّيل أوّل تباشيره، والواحد فرط، ومنه الفارط الذي سبق القوم إلى الماء فأمّا قول الهمداني:
إذا اللّيل دجى واستقلّت نجومه ... وصاح من الإفراط هام جواثم
فقد اختلفوا فيه فقال بعضهم: إفراط الصّبح: لأن الهام إذا أحس بالصّباح صرخ.
(1/244)

وقال غيره: الفرط العلم المستقدم من أعلى الأرض، الذي يكون شرعا بين أحياء فمن سبق إليه كان له. وذكر قطرب: يقال لما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس سجسج. ومن الزّوال إلى العصر يقال له: الهاجرة. ومن العصر إلى الأصيل: غروب الشّمس، ويقال العشي. ثم هو القصر والعصر إلى تطفيل الشّمس وهو الطّفل. والجنوح: إذا جنحت الشّمس للمغيب. ثم اللّيل من وقت غروبها إلى انتصاف اللّيل. الجنح ثم السّدف والملس والملث وأتيته بمسى اللّيلة أي عند المساء، وأتيته ممسيا ومساء. وحكى الفراء: أتيته ممسى خامسة ومسى خامسة ومساء خامسه، وحين ألقى اللّيل علينا رواقه وكنفيه، وحين ألقى علينا سدوله وسدوره وسقطيه وجلبابه، ودخلنا في جنان اللّيل وهو ما وراءك. وقال:
جنان المسلمين أو دميسا ... وإن جاورت أسلم أو غفارا
وأسطمة اللّيل وسطه، وكذلك أصطمة القوم والبحر للوسط، والأكثر، ويقال: اصطم بغيرها، وسوق اللّيل ما دخل فيه وصمّ من شيء. وفي القرآن: وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ
[سورة الانشقاق، الآية: 17] ويقال: أتانا حين هدأت القدم، وحين هدأ السّامر، وجئتك بغطاش من اللّيل. قال أبو حاتم: هو من قوله تعالى: وَأَغْطَشَ لَيْلَها
[سورة النازعات، الآية: 29] وثبج اللّيل وحومته ولجه معظمه.
وحكى الدّريدي: خرجنا بدلجة- ودلجه- وبلجة- وبلجه- وسدفة- وسدفه- ويقال:
دبر- وأدبر- وقبل النّهار- وأقبل- وحكى أبو عمرو عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: يقال هو اللّيل- والأيهم- والسّد- والأبهم- والجمير- والأعمى- والأدهم- قال: ومن نعوته ونعوت ظلمته: الغاضي- والمغضي- والأسود- والأدلم- والأخضر- والأصبغ- والأقتم- والأكلف- والبهيم- والدّيجور- والدّجوجي- والغيهب- والمخم- وأطلس- وأطحل- والأسجع- والسّاجي- والغيهبان- والحذاري- والحندس- والأغضف- والأغلف- والأغطش- والغاسق- والكافر- والعافي- والرّويزي- والسّمر- والأغم- والأسهم- والسّاهم- والأحلس- والأغدف- والمغدف.
ومن أسمائه: الغشي- والأروق- والأخطب- والألمى- والأحوى- والمدلهم- والأحم- والغاطي- والجان- والمخب- والأقوس- والجول- والعمس- والعكامس والعكس- والعكابس- والحلبوب- والحلكوك- والدّامس- والدّاماء- وهو من أسماء البحر يشبه اللّيل به- وذو السّدود- والأغبس- والأسحم- والأعشى- والأغشى- والغطاط- والأغطى- ويقال: الغطاط عند السّحر الأعلى- ويقال أيضا: أتيته بغطاط أي بشيء من سواد
(1/245)

اللّيل والمعلنكس- والمعرنكس- والعسكرة الظلمة- والمطخطخ- وقسورة اللّيل شدّته وغسوه- والطّرمساء- والطّلمساء- للظلّمة في السّحاب وهي من الضّباب أيضا. وقالوا:
غباشير اللّيل والنّهار لما بينهما من الضّوء. والتّباشير العمود نفسه ويقال: أدمس اللّيل أي أظلم، ويقال للظلّمة: الغيطلة. قال الفرزدق: واللّيل مختلط الغياطل أليل.
ابن الأعرابي: قيل في مثل يا هادي اللّيل جرت فالبحر أو الفجر يرفعان وينصبان، والمعنى إنمّا هو الهلاك أو يرى الفجر كنّى عن الهلاك بالبحر. ويقال: اغتمد ليلتك أي سر واجعلها غمدا لك. وهذا كما يقال: اتّخذ اللّيل جملا وامتطاه. ويقال: اغتمد أيضا.
والطّراق أيضا اللّيل- وتطارقه تراكمه. ويقال: آتيتك طوى من اللّيل أي بعدما مضت ساعة وكذلك أتيتك قويمة من اللّيل.
(1/246)

الباب العشرون في أقطاع النّهار وطوائفه- وما يتّصل به ويجري مجراه
قال النّضر: النّهار من طلوع الشّمس ولا يعدّ ما قبل طلوعها من النّهار وجمعه أنهرة ونهر. وقال الخليل: هو ضياء ما بين طلوع الشّمس يحديه حتى تحلّ صلوة الضّحى.
وغزالة الضّحى أوّلها يقال: أتانا في غزالة الضّحى وهو أوّل الضّحى أي مدّ النّهار الأكبر.
فأمّا رأد الضّحى فحين يعلوك النّهار حتى يمضي منه نحو الخمس، ويقال: أتيته ضحيا ورادا وقد ترادت الضّحى وترادها وتزيلها وارتفاعها وجئتك في فوعة النّهار وهي أوّله.
وحكى بعضهم فوعة كلّ شيء أوّله وفوعه، وكذلك فيعته وفيعه. ومنه كان ذلك عند أوّل فوعة أوّل شيء، وأتيته مدّ النّهار، وهو بعد الرّأد وأتيته مدّ النّهار الأكبر. وجئته حين ذرّ قرن الشّمس، وحين بزغت وشرقت وأشرقت، فالشّروق الطّلوع، والإشراق الانبساط والإضاءة وفعلته حين ترجّلت الضّحى، والنّهار وهو علّوه واختلاطه.
وأتيته غدوة وبكرة، وهما لا يصرفان لأنّ غدوة علم، وبكرة نحوها: وإنّي لآتيته في البكرة- وآتيه بكرا وآتيه غدوة بكرا، وأتاني غدوة باكرة- والمبكر ما جاء في أوّل وقت وكذلك الباكر. قال:
ألا بكرت عرسي بليل تلومني
وفي الحديث: «بكّروا بصلاة المغرب» ويكون الغداة أصله ذاك أيضا. ومنه باكورة الرّبيع والتّبكير أوّل الصّلاة. وفي الحديث: «من بكر وابتكر» فبكر يكون لأوّل ساعات النّهار. وقال ثعلب: ويجوز في قوله ابتكر أي أسرع إلى الخطبة حتى يكون أوّل دان وسامع، كما يقال: ابتكرت الخطبة والقصيدة أي اقتضيتها وارتجلتها ابتداء لم أرو فيها.
وقول الفرزدق شعرا:
إذا هنّ باكرن الحديث كأنّه ... جنى النّخل أو أبكار كرم تعطّف
(1/247)

أراد أنّها حملت أوّل حملها. ويقال: أتانا بعدما متع النّهار الأكبر، يريد بعدما علا النّهار واستجمع النّهار. وذكر بعضهم: متع النّهار متوعا إذا ارتفع، وذلك قبل الزّوال.
وانتفح النّهار وذلك قبل نصف النّهار، وفي قبل النّهار أي في أوّله وفي الضّحاء الأكبر.
وأتيته شدّ النّهار، وذلك حين ارتفع النّهار. قال عنترة:
عهدي به شدّ النّهار كأنمّا ... خضب اللّيان ورأسه بالعظلم
بالعندم. ويروى مدّ النّهار. وأتيته كهر النّهار. وقال الشّاعر:
وإذا العانة في كهر الضّحى ... دونها أحقب ذو لحم زيم
وقال ابن أحمر في نحر النّهار:
ثم استهلّ علينا واكف همع ... في ليلة نحرت شعبان أو رجبا
وحكى قطرب: (الجون) النّهار. قال والجون في لغة قضاعة الأسود وفيما يليها الأبيض. وفعلته في شباب النّهار- وفي نحر النّهار- وفي وجه النّهار- وفي هادي النّهار، وهادي كلّ شيء مقدمه- وفي القيظ الهاجرة- وهو قبل الظّهر بقليل، وسمّيت هاجرة، لأنّ السّير يهجر فيها، وجعل الهجران للوقت على المجاز، ويقال: هجر القوم وتهجّروا أي ارتحلوا بالهاجرة. وأهجروا دخلوا في الهاجرة. والظّهيرة نصف النّهار في القيظ حتى تكون الشّمس بحيال رأسك فتركد. وركودها أن تدوم حيال رأسك كأنّها لا تريد أن تبرح.
وأتيته في فرع النّهار: أي في أوّله، وحكى: بئس ما أفرعت أي ابتدأت. والفرعة أول نتاج النّاقة. ويقال: أفعل هذا في تلع الضّحى أي في ارتفاعها. ويقال: تلع النّهار: أي ارتفع. وتلع الظّبي أخرج رأسه من الكناس وأتلع رأسه فنظر. كما يقال: طلع وأطلع.
وأتيته حدّ الظّهيرة وفي نحر الظّهيرة قال:
حدّ الظّهيرة حتى ترحلوا أصلا ... إنّ السقاء له رمّ وتبليل
وجئته في الظّهيرة وعند الظّهيرة وبعضهم يجعله على تصرّفه من الظّهور وبعضهم من الإظهار وهو شدّة الحر، وحكى أبو سعيد السّكري يقال: صلّينا عقب الظّهيرة، وأعقاب الظّهيرة أي تطوعا بعد الفريضة. وجئت في عقب النّهار إذا جئت وقد مضى وكذلك عقبانه، وجئت في عقبه ومعقبا إذا جئت وقد بقيت منه بقية.
وأتيته عند اصمقرار الظّهيرة: أي حين اصمقرّت الشّمس وصخدت. وزرته بالهجير، وعند آخر الهجير قال العجّاج شعرا:
كأنّه من آخر الهجير ... قرم هجان همّ بالغدور
(1/248)

والهجير فعيل بمعنى المفعول وكما قالوا: هاجرة على المجاز قيل هجير على التّحقيق أيضا. فأمّا تأنيث الهاجرة فكان. المراد بها، وبأمثالها السّاعة. وأمّا التّذكير حيث جاء فلان:
المراد به الوقت- وقولهم: الهجير لو أريد به السّاعة لألحقوا به الهاء بعد أن قطع عن الموصوف، وسلك به طريق الأسماء كما لحق بقوله البيّنة وهي الكعبة واللّقيطة وما أشبههما.
وأتيته بالهجير الأعلى، وفي الهاجرة العليا: يريد في آخر الهاجرة. وأتيته بالهويجرة وذلك قبل العصر بقليل، وأتيته هجرا. قال الفرزدق:
كأنّ العيس حين أنخن هجرا ... مغقّاة نواظرها سوام
ويقال: أتيته حين قام قائم ظهر، أي في الظهيرة، وأتيته حمى الظّهيرة وحين صخدت الشّمس وأزمعت بالركود، وأظهر فلان وخرج مظهرا أي داخلا في الظّهيرة وظهر فلان: نزل في الظّهيرة وبه سمّي الرّجل مظهرا.
وأتيته صكّة عمى وأعمى: أي نصف النّهار إذا كادت الشّمس تعمي البصر وقد يصرف فيقال: عمى. ورواه أبو عمرو عمي على فعيل، وهذا على أنّه تصغير أعمى مرخّم مثل زهير وسويد، من أزهر وأسود. ومعنى صكه أي كأن الشّمس تصكّ وجه ملاقيها، ولو قيل:
صكة أعيم لكان على الأصل. الأصمعي القائلة النّزول والحطّ عن الدّواب والاستظلال، ويقال: أتانا عند القائلة وعند مقيلنا، وعند قيلولتنا، ورجل قائل وقوم قيل. قال العجّاج:
إن قال قيل لم أكن في القيل
والغائرة: الهاجرة عند نصف النّهار وغوّر القوم: نزلوا في الغائرة، ويقال: أتيته عند الغائرة: يريد عند آخر القائلة. وحكى الأصمعيّ: غوروا بنا فقد رمّضتمونا، ويقال: ارتحلوا فقد غوّرتم أي أقمتم ونمتم، والأصل الحط عن الدّواب والنّزول. ونزلنا دلوك الشّمس، وذلك حين تزول عن كبد السّماء ودلكت أيضا غابت، وقال الله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
[سورة الإسراء، الآية: 78] فهذا حجة في الزّوال، وأنشد الدّريدي حجة في الغيبوبة:
هذا مقام قدمي رباح ... غدوة حتّى دلكت براح
أي غابت الشّمس فصارت في المغرب فستر عنه براحته، قال أبو بكر: هذا قول الأصمعي، واحتجّ بقوله: ادفعها بالرّاح كي تزحلفا. يقال: نزلنا سراة النّهار أي: ارتفاعه، ونزلنا عند مدحض الشّمس وقد دحضت الشّمس تدحض دحوضا ودحضا وذلك إذا كان بين الظّهر الأولى والعشي ما سفل من صلوة الأولى وبعد العصر الأصيل.
وأتيتك عشية أمس آتيه العشي ليومك الذي أنت فيه وسآتيه عشي غد بغير هاء، وكنت
(1/249)

آتيه بالعشي والغداة وغدوا وعشيا أي كلّ غداة وعشية وآتيه عشاء طفلا وذلك عند مغيب الشّمس، حين تصفر وينقص ضوؤها «1» .
قال لبيد: وعلى الأرض غيابات الطّفل، وقد طفلت الشّمس إذا دنت للمغيب.
ويقال: أتيته مرهق العشاء أي حين أتانا، وقد أرهق اللّيل وأرهقنا القوم لحقونا، وأرهقتنا الصلاة: أي استأخرنا عنها. وقال أبو زيد: أرهقنا الصلاة أي: أخّرناها حتى يدنو وقت الأخرى.
وزرته قصرا ومقصرا: أي عشيا، وقد أقصرنا: أي أمسينا. قال:
فأدركهم شرق المرورات مقصرا ... بقية نسل من بنات القراقر
وقد أصلنا وأتينا أهلها موصلين.
وقال الأصمعي: أتيته أصلا وأصيلا وأصيلة والجمع أصائل وآصال.
قال أبو ذؤيب:
لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل
وقال الأسدي: من غدوة حتى دنا في الأصل. قال تعالى: بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ*
[سورة الأعراف، الآية: 205] [سورة الرّعد، الآية: 15] [سورة النّور، الآية: 36] . وقال يعقوب: أتيته أصيلانا وأصيلانا وهو تصغير أصيل على غير القياس كما صغّروا عشية عشيشية وعشية وعشيشيانا وعشيانا كلّ هذا بمعنى العشية قال:
عشيشية واللّيل قد كاد يستوي ... على وضح الصّحراء والشّمس مطرف
وقد قالوا: أتيته مغيربان الشّمس ومغيربانات. وقال بعضهم: كأنهم جمعوا أصيلا على أصلان كما تقول: بعير وبعران ثم صغّروا أصلان فقالوا: أصيلان ثم أبدلوا من النّون لاما فقالوا: أصيلال، والتّصغير في الأزمان على طريق التّقريب على ذلك قولهم: قبيل الزّوال والعصر وبعيدهما. وكذلك يجيء فيما يكون من الأماكن ظرفا نحو: دوين وفويق وتحيت. فأما الجمع فمردود على أجزائه كأنّه يجعل كلّ جزء من أجزاء العشية عشية، ولا
(1/250)

يمتنع أن يكون جمعه على ما حوله من الأوقات كما قالوا: ضخم العشاءين، وكما أنّهم يقصدونه بما حوله من الأوقات فيجمعونه كذلك يقصدونه مجردا من غيره فيقولون: جئته ذات العشاء، يريدون السّاعة التي فيها العشاء لا غير، وهذا حسن، ويقال مسى خامسة وممسى خامسة، ومساء خامسة، ومسيان أمس، ومسى أمس وجئته صبح خامسة ومصبح خامسة، وآتيك ممسى اللّيلة أي عند المساء قال:
يا راكبا إنّ الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفّق
وحكى يعقوب: لقيته بالضّمير وهو غروب الشّمس من قوله:
ترانا إذا أضمرتك البلاد ... يخفى ويقطع منّا الرحم
ومن قول الآخر: أعين لابن ميّة أو ضمار.
ويقال: جئته مرمض البحير، وهو من قولهم: رمضت الغنم رمضا: إذا رعت في شدّة الحر فتحين رئاتها وأكبادها فتقرح، ورمض الرّجل أحرقته الرّمضاء، وهم يرمضون الظّباء أي يأتونها في كنسها في الظّهيرة فيسوقونها حتى تفسح قوائمها فتصاد. وفي الحديث:
«صلها إذا رمضت الفصال» وهو وقت تقوم من مواضعها لتؤذيها بالحر. ويقال: فعلته عند متضيّف الشّمس للغروب.
وفي الحديث: «يؤخّرون الصّلاة إلى شرق الموتى» وفسّر على أنّه إذا ارتفعت الشّمس عن الحيطان وصارت بين القبور كأنها لجة وقيل: هو أن يمصّ الإنسان بريقه عند الموت كأنّه يريد لا يبقى من النّهار إلا مقدار ما بقي من نفس ذلك. ويقال: أتيته بشفا أي بشيء قليل من ضوء الشّمس. قال الرّاجز:
أشرقته بلا شفاء أو بشفا ... والشّمس قد كادت تكون دنفا
وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي: القصر بعد العصر، والقصر أيضا فإذا كان بعد ساعة فهو الظّهيرة، فإذا كان بعد ذلك فهو الأصيل، فإذا كان بعد ساعة وهو الطّفل فإذا كان بعد ذلك فهو العرج «1» (حتّى إذا ما الشّمس همّت بعرج) و (التّضمير) الدّخول في الضّمير، يقال: ضمرنا وأضمرنا وضمّرنا وقصرنا وأقصرنا، وقصّرنا، وعرجنا وأعرجنا وعرّجنا فإذا كان بعد ذلك فهو التّضيف. فإذا كان بعد ذلك فهو الشّفق وهو الأحمر، فإذا غابت الشّمس وظهر البياض في تلك الحمرة فهو الملث، فإذا اسودّت الدّنيا قليلا فهو المقسورة. فإذ اسودّ أشد من ذلك فهي الفحمة، فإذا جاءت العتمة فهي العتم.
(1/251)

وذكر الدّريدي الريّم من آخر النّهار واختلاط الظلمة، وهذا يجوز أن يكون من ريم الجزور، لأنّه آخر ما يبقى منه ويأخذه الجارز. قال:
وكنت كعظم الرّيم لم يدر جازرا
وحكى ابن الأعرابي: انصرفوا برياح من العشي، وأرواح من العشي إذا انصرفوا وعليهم بقية من النّهار وأنشد لرفيع الوالبي الأسدي:
ولقد رأيتك بالقوادم نظرة ... وعليّ من سدف العشيّ رياح
وبيان هذا الذي قاله أنه يقال: هبّت لفلان ريح الدّولة، والسّلطان فكان المراد:
وانصرفوا وللعشي سلطان. فأمّا الشّاعر فإنّه جعل السّدف كناية عن الشّباب والسّواد بدلالة أنّه قال بعد هذا البيت:
خلق الحوادث لمتي فتركن لي ... رأسا يصلّ كأنّه جماح
وقال بعض أصحاب المعاني: يقال: إني على بقية من رياح: أي أريحيّة ونشاط وهذا يقرب ما قلنا.
و (فواق) من الزّمان مقدار ما بين الحلبتين وفي القرآن: ما لَها مِنْ فَواقٍ
[سورة ص، الآية: 15] .
والصّريم: يقع على اللّيل والنّهار لأنّ كلّ واحد يتصرّم عن صاحبه وقوله تعالى:
فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ
[سورة القلم، الآية: 20] قيل: كاللّيل المظلم وقيل: كالنّهار أي لا شيء فيها كما يقال سواد الأرض وبياضها، فالسّواد الغامر، والبياض الغامر، وقيل: كالصّريم:
أي المصروم المقطوع ما فيه ويقال: ما رأيته في أديم نهار ولا سواد ليل.
ويقال: ابتلجا ببلجة وبلجة وذلك قبل الفجر، وقد تبلج الصّبح. وفي المثل: تبلج الصّبح لذي عينين. وانبلج أيضا. أبو زيد يقال: انتصف النّهار ولم يعرفوا الأنصاف، وقد أباه الأصمعي، وقال: لا يقال الأنصف، وأنشد للمسيّب بن علبس شعرا:
يمدّ إليها جيده رمية الضّحى ... كهزّك بالكفّ البري المدوّما
يعني بالبري القدح إذا سوى ولم يرش وتدويمه ثباته في الأرض.
وحكى الفرّاء عن المفضل قال: آخر يوم من الشّهر يسمّى ابن جمير بضمّ الجيم، وقال ابن الأعرابي: هو ابن جمير بالفتح، قال الفرّاء وأنشدنا المفضّل:
وإن أغاروا فلم يحلوا بطائلة ... في ظلمة من جمير ساوروا العظما
(1/252)

يعني الذّئب والعظما جمع عظيم وأنشد الأصمعيّ:
نهارهم ليل بهيم وليلهم ... وإن كان بدرا فحمة بن جمير
ويقال: هو اللّيلة التي لا يطلع فيها القمر، وروى بعضهم بيت الأعشى:
وما بالذي أبصرته العيون ... من قطع بأس ولا من فنن
وقال: معناه ولا من قرب يقال: سعى فننا وفنا أي ساعة.
ومما حكى لا يبيتنّ أحدكم جيفة ليل قطرب نهار. القطرب: دويبة تقطع نهارها بالمجيء والذّهاب.
ومن أمثالهم: دلهمس اللّيل برودا المنتجع، يقال لمن يغيب عن فراشه في غارة أو ريبة وما يجري مجراها، برودا المضجع: أي لو كان أويا الفراش لكان سخنا، وكذلك قوله: دلهمس أي ليلة أبدا مظلم لأنّه لصّ.
ويقال: أقصر الرّجل كما يقال: أمسى وأقصر إذا أخّر أمره إلى العشي، أو جاء في ذلك الوقت. قال: حتى إذا أبصرته للمقتصر، وقصر الشّيء غايته هو الأصل. قال: كلّ من بان قصره أن يسيرا.
ويقال: بات فلان بليلة القدّ بالدّال والذّال جميعا، وهو القنفذ، ويقال: إنه لا ينام لذلك قال شعرا:
قوم إذا دمس الظّلام عليهم ... حدجوا قنافذ بالنميمة تمزع
ويقال: ما بقي من النّهار إلا نوّة حتى كان كذا أي ساعة. ومنه ذهب توّا أي: منفردا.
وممّا يجري مجرى المثل قوله: أسائر اليوم وقد زال الظهر. أي: أباقي اليوم من سير يسير وسار يسير أي بقي فكأنّه قال: أتنتظر حاجتك غابر يومك وقد مضى أكثره ولم يقض لك.
ويقال: لقيته غارضا باكرا من الغريض الطّري.
ويقال: لقيته غدوة غدوة وبكرة بكرة، وإنه ليخرج غدية وبكيرة غير مصروف وأتيته في سفر الصّبح، وفلقه وفرقه، ولقيته عند التّنوير والإنارة، وأتيته حين الصّبح وحين صدع.
ويقال: أتيته أمسية كلّ يوم، وأصبوحة كلّ يوم، وصبحة كلّ يوم وصباحة كلّ يوم، وأتيته في فناء النّهار وذكائه، وروق النّهار، وفي ريقه وأنشد ابن الأعرابي:
والله لا وبيض دمج ... أهون من ليل قلاص تمعج
مخارم اللّيل لهنّ بهرج ... حتى ينام الورع المزنج
(1/253)

وقد يقال: محارم الليل بالحاء غير معجمة، وهي مخاوف اللّيل يحرم على الجبان أن يسلكها. (والدّمج) : والمدجة الخلق. وتمعج: تغدو، يهرج أي بقطمه ويبطله والمزنّج النّسل: الذي ليس بتام الحزم.
وقال ويقال: أتيته بالغدايا والعشايا، وجاز الغدايا لاقترانه بالعشايا، وجمع غداة:
أغدية وأغديات، وعشاء وأعشية وأعشيات. ويقال: غدية وغديات، وعشية وعشيات، وضحية وضحيات. قال:
ألا ليت شعري من زيارة أمسيه ... غديّات صيف أو عشيّات أشتيه
كذا رواه ابن الأعرابي، وغيره يرويه غديات، ويقال: أتانا عشوة وعشاوة وذلك عند غروب الشّمس.
تم الجزء الأول ويتلوه الجزء الثاني، وأوله: «الباب الحادي والعشرون» في أسماء السماء والكواكب والفلك والبروج.
(1/254)

الجزء الثاني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الباب الحادي والعشرون في أسماء السّماء والكواكب، والفلك، والبروج
وهي ثلاثة فصول
فصل [في بيان معنى السماء]
قال قطرب: السّماء مؤنثة وتصغيره سميّة. وزعم يونس أنّ سماء البيت يذكّر ويؤنّث، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: السّماء سقف البيت يذكر وينشد لذي الرّمة:
وبيت بمهواة خرقت سماءه ... إلى كوكب يروي له الماء شاربه
فإن قيل: لم ألحق بمصغّره الهاء وهو على أربعة أحرف، فقيل: سميّة ومن شرط ما كان على أربعة أحرف من المؤنّث أن لا يلحق بمصغّره الهاء قلت: كان مصغّره يجتمع في آخره ياءات استثقل وخفّف بما حذف منه فعاد يصغّر من حيث اللّفظ به تصغير الثّلاثي.
وقال بعضهم: يجوز أن يكون الواحد سماءة وهي السّماءة أعلى كل شيء، وقال رجل من بني سعد:
زهر تتابع في السّماء كأنّما ... جلد السّماء لؤلؤ منثور
وعلى هذا يذكّر ويؤنّث لأنّ ما ليس بينه وبين واحده إلّا طرح الهاء كالنّخل والنّخلة يذكّر ويؤنّث. قال تعالى: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ
[سورة المزّمّل، الآية: 18] فذكر، ويقال في جمعه: اسمية وهذا إنما يجيء على جمعه مذكّرا لأنّ أفعله من جمع المذكّر كالغطاء والأغطية والرداء والأردية، والمؤنّث يكون على أفعل مثل ذراع وأذرع. قال العجّاج: بلغه الرّياح والسّمى، وهذا جاء التأنيث كعناق، وعنوق. قال سماء وسمي ليس كعناق وعنوق، لأنّ عناقا مؤنّث، وسمي الذي هو المطر مذكّر على أنّ المطر سمّي سماء لنزوله من السّماء، فأما قوله لنهدر كان من أعقاب السمي فإنما خففه وإن كان فعولا للقافية مثل من سر ضرّ، وقوله:
كأنّما قد رفعت سماؤها ... فصار لون تربها هواؤها
(1/255)

معنى رفعت سماؤها: لم يصبها مطر، ومثل لون تربها قول الآخر: كأنّ لون أرضه سماءه، أي لون سمائه للقتام الذي يغشى الجو، قالوا: هذا بطن السّماء، وهذا ظهر السّماء لظهرها الذي تراه. قال تعالى: رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ
[سورة الشورى، الآية: 33] وقالوا: الظّهر الوجه، وكذلك ظهر النّجوم والسّماء، وقال تعالى: بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ
[سورة الرحمن، الآية: 54] البطائن: هاهنا الظّواهر، وجاء على هذا الضدّ فهو كقولهم: أمر جلل للشديد والهيّن. وقال جندل الطهّوي: يا ربّ رب النّاس في سمائه، فقصرها وأدخل الهاء.
وقال أبو حنيفة: يقال سماء البيت، وسماوته وأنشد لامرىء القيس:
ففئنا إلى بيت بعلياء مردح ... سماوته من الحمى معصب
وقال أبو حنيفة: يجمع السّماوة سماوات، وسماوي: قال: وروي بيت ذي الرّمة مسموعا من العرب:
وأفصم سيّار مع الحيّ لم يدع ... يروع حافات السّماء له صدرا
يعني بالأفصم الحلال الذي تحل به الأعراب مواضع الفتوق في آنيتهم، وجعله أفصم لانكسار فمه من طول اعتماله، ثم يجعل الواو في سماء همزة لمّا وقعت بعد ألف زائدة فقيل سماء، فأما قول أمية: سماء الإله فوق سبع سمائنا فإنه أتى بثلاثة أوجه من الضرورة.
منها أنّ سماء ونحوها يجمع على سمايا كما يجمع مطية على مطايا، فحمله على الصّحيح لا على المعتل، وجمعه على سماي كما يقال: سحابة وسحائب.
والثّاني: أنه حرك التاء في حال الخبر وكان يجب أن يقول: سبع سماء كما يقال جرار.
والثّالث: أنه جمع سماءة على سماي، وكان يجب أن يقول: سماءة، وسماء كما يقال: سمامة وسمام قوله:
فصبحت جابيته صهارجا ... كأنّه جلد السّماء خارجا
فإنه أراد بجلد السّماء الخضرة التي تظهر، فشبّه صفاء الماء بصفائه فهو مثل قوله:
رزقا جمامة والتقدير: كأنّ لون مائه لون جلد السّماء.
ومن أسماء سماء الدّنيا برقع بكسر القاف، وقد جاء في شعر أميّة:
وكأنّ برقع والملائك حولها ... سدر تواكله القوائم أجرد
(1/256)

ومن أسمائها: الجرباء، والخلقاء وكأنّها سمّيت خلقاء لملاستها كالخلقاء من الحجارة قال:
وخوت جربة السّماء فما ... لشرب أرويه بمري الجنوب
وخوت: أخلقت، وقال الهذلي:
أرته من الجرباء في كلّ منظر ... طبابا فمثواه النّهار المراكد
ويقال في الجربة ما زرع من الأرض، وكأنّها إنما سميت جرباء لما فيها من آثار المجرة كأنّها الجرب.
ومن أسمائها: الكحل والمشهور في الكحل أنّها السّنة المجدبة. قال:
قوم إذا صرّحت كحل بيوتهم ... عزّ الذّليل ومأوى كلّ قرضوب
وقال يونس: يشهد للكحل أنها السّنة قوله:
بات عرار يكحل فيما بيننا ... والحقّ يعرفه ذووا الألباب
وهذا مثل وقيل: أصله أنّ عرار يراد به ما يعرّ من الشّر، وكحل: سنة شديدة، والمعنى استوينا فيما أصاب به بعضنا بعضا من الشّدة والمكروه، ويقال: اركب عرعرك أي صعب أمرك.
وحكي عن الأعراب أنّ عرارا وكحلا بقرتان كانتا في مرج، فقتلت كحل عرارا فجاء صاحبها فقتل كحلا ووقع الشّر بين صاحبيهما وناديا إلى القتال، فقال النّاس: بات عرار بكحل فما القتال؟ أي في كلّ واحد ما يبوء بدم الآخر.
وعنان السّماء: نواحيها والواحد عنو. وقال الدّريدي: لا أعرف أعنانا، وعنان السّماء ما عنّ لك أي عرض، ويقال: بلغ فلان عنان السّماء للعالي المحل، ومنه قولهم: جمعتهم في عنن أي في سنن. وقول الشّماخ بعدما جرت في عنان الشّعريين الأماعز، هو معانتها لهما يصف شدّة الحر. وأما قول الآخر: عنان الشّمال لا يكونن أضرعا، فالمراد معانة الشّوم وهو التّعرض.
ومن أسماء السّماء: (الرقيع) يقال: ما تحت الرقيع أرقع من فلان وهو علم كزيد وعمرو. وذكر بعضهم أنه إنمّا سمّي السّماء الرّقيع لأنها الشيء الذي رقعت به الأرض: أي جعلت مشتملة على الأرض. وجاء في الحديث: «من فوق سبعة أرقعة» .
قال: وسمّيت خلقاء: لأنها ملساء. فإن قيل: كيف تكون جرباء وتكون ملساء. قيل:
(1/257)

إنما سمّيت بالصّفات على حسب أحوالها، فإذا اشتبكت نجومها فهي الجرباء، وإذا غابت النّجوم فهي الملساء، وهذا كما سمّي البحر المهرقان فعللان من المهرق، وهو فارسية مهره، وإنما أريد به ملاسته واستواؤه إذا انقطع عنه الموج على أنّ قولهم الخلقاء لا ينافي الجرباء إن كان المراد بالجرباء: النّجوم التي فيها.
وذكر بعضهم أنّ قولهم للبحر: مهرقان وهو من هرقت الماء وزنته مفعلان كأنّه يهرق الماء إلى السّاحل ثم يعود. والصّحيح ما قدّمته وأنشدت لابن مقبل:
يمشي به شول الظّباء كأنّها ... جني مهرقان سال باللّيل ساحله
ويريد بجني مهرقان الودع، وشبّه الظّباء به.
والمجرّة قيل: هي باب السّماء وافتخر أعرابيان فقال أحدهما: بيتي بين المجرّة والمعرّة وقيل: المعرّة وما وراء المجرّة من ناحية القطب الشّمالي سمّيت معرّة لكثرة النّجوم فيه، وأصل المعرّة موضع العر، وهذا كما يسمّون السّماء الجرباء.
ويقال: أتيتك حين ازمهرّت الكواكب في السّماء أي أضاءت.
ويقال: أجهر لك الفجر إذا استبان ووضح.
وحكى الخليل الصّاقورة: وقال: هو اسم السّماء الثّانية في شعر أمية بن أبي الصّلت:
وبنى الإله عليهم صاقورة ... صماء ثالثة تماع وتجمد
وذكر الحافورة في شعر أمية وقيل هو اسم السّماء الرّابعة وقد ذكره الخارزنجي أيضا.
وذكر الدّريدي أنّ البرجس والبرجيس نجم من نجوم السّماء قال هو بهرام: والجبار:
اسم للجوزاء والشّعرى العبور تلو الجوزاء ويسمّى: كلب الجبار أيضا وفي المثل: أتلي من الشّعرى (ومن أسماء السّماء اللّاهة) وسمّيت اللّاهة تعظيما لها، وهو مشتق من لفظ الإله لأنّه المعبود المعظّم.
ويقال: شنع النّجم إذا ارتفع وهو من تشنّعت الفرس إذا ركبته وتشنّعت الغارة إذا تثبتها.
فصل [في بيان معنى الفلك]
الفلك أصله الدّوران والفلك السّفينة يذكّر ويؤنّث قال تعالى: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا
[سورة هود، الآية: 37] ثم قال تعالى: فَاسْلُكْ فِيها
[سورة المؤمنون، الآية: 27] فأنّث. وقال في موضع آخر: فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ*
[سورة الشعراء، الآية: 119] فذكّر،
(1/258)

والفلك جماعة السّفن، وقد فلكت الجارية إذا تفلّكت ثدياها وذلك عند استدارة أصلها قبل النّهود. قال: لم يعد ثدياها أنّ تفلّكا. ويقال: فلكت الجدي، وهو قضيب يدار على لسانه لئلّا يرضع، والفلكة أكمة من حجر مستديرة كأنّها فلكة مغزل، والجميع الفلك والفلكات.
قال الخليل: وهو على تقدير النّبكة في الحلقة إلّا أنّ النبكة في ذلك أشدّ تحديدا من رأس الفلكة، وقال النّحويون: الفلك اسم للسّفينة ويجمع على أفلاك، وعلى فلك فيصير الفلك اسما للجميع، وذلك لأنّ فعلا وفعلا يكثر اعتوارهما الشّيء الواحد نحو: العجم والعجم والعرب والعرب، فمن قال: جمل وأجمال، قال فلك وأفلاك. ومن قال في مثل: خشب وخشب قال: في فلك إذا جمع فلك. وقال الكميت:
والدّهر ذو فلك والنّاس دوّار
قال أبو حنيفة: وليس قول من قال هو القطب بشيء لأنّ القطب لا يزول من قطب الرّحى والفلك دوّار يدور بدورة كل ما فيه فدور الكواكب كلّها حول القطبين وهما نقطتان من الفلك متقابلان أحدهما في الشّمال والآخر في الجنوب، وليس يظهر القطب الجنوبي في شيء، من جزيرة العرب، وقال أبو عمرو الشيباني: هو القطب والقطب بالكسر والضّم وللسّماء آفاق وللأرض آفاق.
فأمّا آفاق السّما فما انتهى إليه البصر منها مع وجه الأرض من جميع نواحيها وهو الحدّ بين ما بطن من الفلك وبين ما ظهر قال الرّاجز: قبل دنوّ الأفق من جوزائه. يريد قبل طلوع الجوزاء لأنّ الطلوع والغروب هما على الأفق قال:
فهو على الأفق كعين الأحول ... صفواء قد كادت ولمّا تفعل
شبّهها بعين الأحول في أحد الشّقين، والصّفواء المائلة للمغيب وقال آخر:
حتّى إذا المنظر الغربيّ حار دما ... من حمرة الشّمس لمّا اغتاله الأفق
واغتياله إيّاها تغيّبه لها:
وأمّا آفاق الأرض: فأطرافها من حيث أحاطت بك. قال الرّاجز:
يكفيك من بعض ازديار الآفاق ... سمراء ممّا درس ابن محراق
يعني بالسّمراء الحنطة، ودرس وداس بمعنى ويقال للرّجل إذا كان من أفق من الآفاق أفقى وأفقي، وكذلك السّماء وسطها آفاق عينها فإنّ الفرّاء قال: تقول العرب: مطرنا بالعين، ومن العين: إذا كان السّحاب ينشأ من ناحية القبلة.
(1/259)

قال ابن كناسة: عين السّماء ما بين الدّبور والجنوب عن يمينك إذا استقبلت القبلة قليلا، قال أبو نصر: العين من عن قبلة العراق وهذه الأقاويل قريب بعضها من بعض، وفي تثبيت عين السّماء قول العجّاج:
سار سرى من قبل العين فجر ... عبط السّحاب والرابيع الكبر
وقال أيضا: فثارت العين بماء بجس. وقال أبو عبيدة في العين مثل ذلك، وقال الأصمعيّ: العين المطر يقيم خمسا أو ستا لا يقلع، قال: ويقال: أصابتنا عس غزيرة واحتجّ بقول المتلمسّ:
فاجتاب أرطات فلاذ بدفئها ... والعين بالجون المثالي ترجس
ويؤكّد قول الأصمعي:
وأنا حيّ يحب عين مطيرة ... عظام البيوت ينزلون الرّوابيا
وقول ذي الرّمة:
وأردفت الذّراع أرى بعين ... سجوم الماء ينسجل انسجالا
وقوله أيضا:
سقى دارها مستمطر ذو غفارة ... أجشّ تحرّى منشأ العين رائح
يريد أنّ هذا السّحاب تحرّى أن يكون منشؤه من حيث نشأ للعين غير أنّه ثبت أنّ هناك منشأ هو أحمد المناشئ وبيّنه الكميت بقوله:
راحت له بين صيفي وأولية ... من الرّبيع سحاب المغرب الهضب
وإذا كان السّحاب مغربيا فمنشؤه من حيث وصف وليس يمتنع أن يقال: عين وإن كان الأصل في العين عين السّماء، كما يقال للمطر: سماء ألا ترى أنّهم يقولون: أصابتنا سماء غزيرة، وكلا المذهبين صحيح.
فصل في بيان أمر المجرّة وشرح بعض أحوالها
وفي السّماء مجرّتها.
وجاء في الأثر أنّها شرج السماء، كأنّها مجمع السّماء كشرج القبّة وسمّيت مجرّة على التّشبيه لأنّها كأثر المستجب والمجر وتسمّيها العرب: أم النّجوم لأنّه ليس من السّماء بقعة أكثر عدد كواكب منها كما قيل: أم الطريق لمعظمها. قال:
(1/260)

ترى الواحد الأنس الأنيس ويهتدي ... بحيث اهتدت أمّ النجوم الشّوابك
وقال أبو حنيفة: المجرّة دائرة متّصلة اتصال الطّوق وهي وإن كانت مواضع منها أرقّ، ومواضع أكثف، ومواضع أدق، ومواضع أعرض فهي راجعة في خاصتها إلى الاستدارة وأكشف قناعها وأوسعها هو ما بين شولة العقرب فإلى النّسرين، فإلى الرّدف، والشّولة، والرّدف كلاهما في نطاقها الأوسط أو قريب.
فإذا كانت الشّولة مشرفة على الثّور رأيت حينئذ من فوق الثّريا مستقدا في المشرق، ورأيت المجرّة قد أخذت من عند شولة العقرب فمضت حتّى سلكت بين النّسرين. ثم مضت حتى غشيت كواكب الكفّ الخضيب رقّت واستدقّت إلى أن تبلغ العيّوق فتكشف هناك. فإذا بلغت العيّوق سلكت بين الكوكبين الجنوبيين من كواكب الأعلام الثّلاثة المعروفة بتوابع العيّوق. ثم مضى قدما حتّى تسلك بين الهقعة والهنعة وحاك بحاشيتها الشّرقية كوكبي الهنعة. ثم مضت حتى تسلك بين الشّعريين، ثم تمضي وتغشى الغدرة بجاشيتها الغربية فتكشف هناك، ثم تمضي عند العذرة حتى تسلك أسفل من كواكب الحمل، ثم تمضي من هناك حتّى تشتمل على الشّولة، ومنها كنّا بدأنا بالوصف، فتجدها دائرة متّصلة.
ألا ترى أنا بدأنا بوصفها من عند الشّولة ثم لم تزل تستقر بها حتى عدنا إلى الشّولة فهذا الإيضاح عن استدارتها واتّصال بعضها ببعض اتّصال الطّوق، وفي تحوّلها من جهة إلى جهة. يقول ذو الرّمة وهو يذكر رفقاءه:
بشعب يشجون الغلاء في روسه ... إذا حوّلت أمّ النّجوم الشوابك
إمّا أن يريد زمانا من الأزمنة لأنّ المجرّة تتغيّر مواضعها في الأزمنة فتراها في الشّتاء أوّل اللّيل في خلاف موضعها من السّماء، وفي الصّيف أوّل اللّيل وكذلك من آخر اللّيل في الشّتاء والصّيف ولذلك قيل: سطى هجر نرطب هجره وذلك أنّ أوّل ظهور المجرة عشاء من المشرق، هو في ابتداء القيظ وأيّام طلوع الثّريا فيبدو منها عشاء قوس في المشرق أخذه من شرقي الشّمال إلى شرقي الجنوب مضجعه في الأفق، ثم يزداد كلّ عشاء ارتفاعا وتوسطا إلى أن يسترقّ القيظ ويطلع السّهيل عشاء قد كبدت السماء، فتوسّطتها فصار أحد طرفيها في قبلة العراق، وطرفها الآخر في فقاء المصلّى، ووسطها على قمة الرّأس، وذلك زمان يكثر فيه الرّطب. والمجرّة بهذه الصّفة سواء آخر اللّيل أيام طلوع الثّريا فإمّا أن يكون ذو الرّمة أراد هذا المعنى، أو يكون أراد وقتا من اللّيل، لأنّ المجرة تراها في آخر اللّيل في غير موضعها من أوّله وذلك في جميع ليالي الدّهر على ذا وليس ما ترى من هذا المفاز منها الذي وضعت له من الفلك، ولكنّها وضعت فيه على انحراف، فأنت ترى ذلك منها لدور الفلك بها.
(1/261)

وقولهم في المجرة أم النّجوم كقولهم في السماء جربة النّجوم. قال الشّاعر:
وخوت جربة النجوم فما ... تشرب أروية لمري الجنوب
قوله خوت يريد لم يكن معها مطر وأصل الجربة القراح من الأرض. قال الأشعر بن حمران:
أما ذا يعدو فثعلب جربة ... أو ذيب عادية يعجرم عجرمة
(العجرمة) سرعة في خفة.
ويقال: للسّماء الخضراء للونها كما قيل للأرض الغبراء، والهواء ممدود وهو الفتق الذي بين السّماء والأرض في كلّ وجه وهو السّكاك والسّكاكة واللّوح والسّحاح، وأعنان السّماء نواحيها. ويقال: لا أفعل كذا ولو نزلت في اللّوح والسّكاك. وقال بعض أصحاب المعاني أصله من الضيّق على هذا قولهم بيرسك وقوله: استكّت المسامع من كذا أي ضاقت فلم ينفتح للاصغاء إليها والصّبر عليها كأنّ الهواء وهو ما بين السّماء والأرض يمتلئ منها كلّ شيء فلا مجوّف إلا ويتخاله حتى يضيق عنه وهذا حسن.
(1/262)

الباب الثّاني والعشرون في برد الأزمنة ووصف الأيام واللّيالي به
قال أبو نصر: كبة الشّتاء شدته ودفعته كالكبة في القتال، ويقال: شتاء الشتاء، إذا اشتدّ برده، وهذا شتاء شات، وكلاب الشّتاء نجوم أوّله وهي الذّراع والنثرة- والطّرف- والجبهة.
قال أبو حاتم: البرد- والقر- ولا يقال: القر إلا في شدّة البرد- ويقال: يوم قر، وليلة قرة وقد قرّ يومنا، وكان روية تقر، ولقد قررت يا يومنا قرة وقرورا. ومن أمثالهم:
حرّة تحت قرّة إذا عطش الإنسان في اليوم البارد فأكثر شرب الماء ويوم قر. قال: تحرّقت الأرض واليوم قر. وقرّ الرجل وهو مقرور وهرىء فهو مهروء وأصابته قرّة وأصابت المحموم قرّة فانتفض ويقال لذلك العروراء وقد عري فهو معروء:
وصرد الرجل وأصردنا إذا صرد ماؤنا. والصّراد الواحدة وصرادة غيوم تهيج ببرد شديد ولا يكاد يكون معها مطر.
وقال أبو زيد: النافجة: شدّة البرد والريح، قال: والحرجف والشّهباء والبليل نحوها- والبليل يكون معه بلل وندى. والقرقف البرد في قبل اللّيل. وقال الأصمعيّ: قيل للحمى قرقف لأنّ صاحبها يقرقف عنها أي يرعد.
والهريئة: مهموزة شدّة البرد، وقيل للأعرابي: إنّ الجنوب إذا هبّت دفئت الأرض، فقال: ربّ هريئة إذا هبّت تذري الشّجر، يقول: إنها وإن كانت كذلك فربما كان تحتها البرد. قال أبو حاتم: إذا رأؤها تدهدئه وتطيره. ويقال للأحمق: وما هو إلّا هراءة على فعالة والهراء والخطل وأنشد:
ومنطق رخيم الحواشي لا هراء ولا بزر
قال الأصمعي: يقال: قر حمطير بالحاء مثل الزمهرير وقال النّميري: بالقاف قمطرير
(1/263)

وقال التّميميون: من أسمائه (الصّر) والصّنبر و (الزمهرير) و (النّوافج) و (الكلب) و (اليبس والقعقع) .
فأمّا (الصنبر) فالقر الشّديد في ريح أو غير ريح. ويقال: إنّ يومنا لصنبر القر. قال طرفة شعرا:
يجفان تعتري مجلسنا ... وسديف حين هاج الصّنبر
كسر الباء للحاجة.
ويقال: يوم ذو صر ويومنا يوم صر ومن أمثالهم: صر وصنبر، والمرقي في القر، والزّقاء الصيّاح.
ويقال: يوم زمهرير على النّعت وأيام زمهريرة.
والنّافجة: الرّيح تهبّ في برد وقد نفجت نفجا ويقال: ازمهرّ يومنا وهذا قر زمهرير، وقمطرير. وأنشد:
ويوم قتام مزمهّر شفيفه ... جلوت ترباع تزين المثاليا
والكلب: الزّمان الشّديد القر القليل المراعي ويقال: زمان كلب وعام كلب إذا قلّ خيره وكثر ضيره. قال: وعضّ السّلطان وشرّه وغلاء السعر، وقلة المرعى هذا كله كلب.
واليبس: شدّة الحال في القر وغيره يقال: زماننا يابس.
والقعقع مثل اليبس وتقعقع زماننا: وهو أن يكون شديدا مع قر ومن دون السّعر فتعذر التّجارات ويجور السّلطان.
والخشيف: شدّة البرد يقال: أصابنا خشيف وقد خشفت ليلتنا، والماء الجامس خشيف.
والصّقيع: أن يرى وجه الأرض بالغداة كالماء اليابس، وترى الشّجر والبقل كأنما نثر عليه دقيق. وقد صقعت السّماء بصقيع كثير وضربتنا السّماء اللّيلة بصقيع وليلتنا ذات صقيع.
والجليد شدّة البرد جمس الماء أو لم يجمس، ويقال: جلدتنا السّماء اللّيلة بجليد شديد، وضربتنا بجليد منكر وهو أشد القر وأيبسه.
ويقال: جمس الماء وجمد والجموس: أكثر على ألسنة العرب من الجمود.
والأرين: القرّ الشديد يحصر منه الإنسان والمال وهو شبيه بالصّقيع وليلة ذات أرين ولا يقال يوم ذو أرين.
(1/264)


قال أبو زيد يقال: أرزت ليلتنا تأرزا أريزا، وهي أرزة إذا اشتدّ بردها وأكثر ما يكون ليلا.
ويقال: ليلة جاسية: إذا كان بردها شديدا، ويوم جاسىء وقد جسأ جسوأ ويقال: برد البرد على ثيابي أي تركها باردة. وقيل: نحن مبردون في شدة البرد. وأنشد ابن الأعرابي:
ها إنّ ذا ظالم الدّيان متكئا ... على أسّرته يشفي الكوانينا
الدّيان بن قطن كان شريفا فشبه ظالما به وترك التّنوين كما قال: (وحاتم الطّائي وهاب المسمى) قوله: يشفي الكوانينا أي: يشفي في البرد الشّديد، أراد أنّه صاحب نعمة فانتصب الكوانين على الظرف، أي في هذا الوقت الشديد البرد والعرب تشبه الثّقيل من الرجال بالكانون. قال الحطيئة يهجو أمّه:
أغربالا إذا استودعت سرّا ... وكانونا على المتحدثينا
قال أبو حاتم: لا أعرف هذا ولكن يقال في القيظ: أبرد القوم فهم مبردون والإبراد أن يصيبهم الرّوح آخر النهار في القيظ وفي غير هذا البرد النّوم وفي القرآن: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً
[سورة النبأ، الآية: 24] أي نوما، ومن كلامهم منعنا البرد من البرد أي القر من النوم. وأنشد:
بردت مراشفها علي فصدّني ... عنها وعن قبلاتها البرد
أي النّوم ويقال: أصابتنا سبة من برد، وهو أن يصيبك من القر أشد مما كنت فيه أياما وإن أصابك برد في آخر الرّبيع قلت: أصابتنا سبة والدّهر سبات أي أحوال حال هكذا وحال هكذا، أصابتنا سبة حر، وسبة برد، وسبة روح، وسبة دف، وقالوا: الصّحو في الشتاء ذهاب القر ويقال: ليلة مصحية إذا ذهب قرّها وإن كانت متغيمة وإن طلعت الشّمس نهارا واشتدّ القر فليس بصحو.
قال أبو حاتم: العامّة تظن أن الصّحو لا يكون إلّا ذهاب الغيم وليس كذلك لأنّ الصّحو ذهاب البرد وتفرّق الغيم، ويقال: تقشّعت السّماء إذا ذهب غيمها، ويقال: يوم صحو على النّعت وليلة صحوة وأيام صحوات الهاء ساكنة، ويوم مصح، وليلة مصحية، وقد أصحينا من القر. وقال أبو أسلم: يوم فصية وليلة فصية.
أما الطّلقة فمثل الصّحوة ويقال: كانت اليوم فصية وطلقة ويوم طلقة وفصية ويوم طلق وليلة طلقة ويقال: أفصينا من ذلك القر أي خرجنا منه وأصابتنا فصيات، أي أيام دفيات طيبة، ويقال: انفسخ القر وانفسخ الشّتاء إذا انكسر وضعف، والحضر شدّة البرد في
(1/265)

الأطراف والسّبرة يكون غدوة وعشية في البرد قبل طلوع الشّمس وبعدها قليلا، وحين تجنح الشّمس للغروب والجميع السبرات، وفي الحديث: «وإسباغ الوضوء في السّبرات» .
وقال بشر بن برد: الماء في السّبرات أي بارد الماء، وقال قطرب: السّبرة برد الغداة خاصة، والعرواء: البرد عند اصفرار الشّمس، وقال: يوم شبم وماء شبم.
وحدّث الأصمعيّ أنّ أعرابيا قال: موسى خدمة. في جزور سنمة. في غداة شبمة، وقد شبم الماء. قال أبو حاتم: ولو وجدت في شدّة القيظ ماء باردا لقلت: هو شبم. وأنشد جرير:
تعلّل وهي ساغبة بنيها ... بأنفاس من الشّبم القراح
ويقال: هرأ القرّ أموالنا أي: قتلها وأهلكها هرأ. قال ابن مقبل يرثي عثمان رضي الله عنه:
وملجأ مهروين يلقى به الحيا ... إذا حلقت كحل هو الأمّ والأب
وقالوا: تصيب النّافجة النّاس، والقر الشديد، وهم مرقون مبصرون فيقتل أموالهم، يقال: هو مرق في الرّقيق المال والحال، وقد أهرأ بنو فلان إذا أصابهم القر في الجرز، وهي الأرض التي ليس بها شجر ولا دفء فماتت مواشيهم.
وقال أبو أسلم؛ أهرأوا في هذه القرّة، وهرأوا فيها، سواء إذا ماتت أموالهم. وقال أبو حاتم أهرؤوا إذا أصاب أموالهم لهرؤ هرؤا لا أدري في هذا المعنى هو أم لا.
ويقال: مرّت بنا صناديد من البرد أي بابات منه ضخام، وصناديد الغيث كذلك، ويقال: غيث صنديد. وأنشد لابن مقيل:
عفته صناديد السّماكين وانتحت ... عليه رياح الصّيف غبرا محاوله
يعني أمطارا تقشر وجه الأرض وقد جاءت بنو السّماكين.
وحكى ابن الأعرابي يوم صفوان: لا غيم فيه، ولا كدر، شديد البرد صاف، ويوم شيبان: بارد فيه غيم صراد.
ويقال: شهري الشّتاء شيبان وملحان، لبياض الأرض فيهما والأبيض الأملح، وقيل:
هما الكانونان وأنشد الأصمعيّ شعرا:
تحوّل لونا بعد لون كأنّه ... بشفان يوم مقلع الوبل يصرد
يقال: أصردنا وصردنا وشفان الرّيح بردها، وكذلك شفيفها: يريد أنّ السّحاب قد
(1/266)

أقلع وانقشع فهو أشد لبرده.
حكى الأصمعيّ قال: قلت لأعرابي: ما أعددت للشّتاء؟ فقال: قرموصا دفئا وشملة مكوذة، وصيصية سلوكا (المكوذة) التي يبلغ الكاذنين- (والصّيصية) التي يقلع بها التّمر من الجلال (والقرموص) شبه بير يحفره فيأوي من البرد إليه. وأنشد:
جاء الشّتاء ولمّا اتّخذ ربضا ... يا ويح كفّي من حفر القراميص
(والرّبض) قيل: هو المرأة لأنّها تربض البعل أي تخدمه. وقيل: الرّبض القيّم. ومنه قيل: منك ربضك وإن كان سمارا: أي منك: قيّمك وإن كان قيّم سوء، وهذا كما قيل:
منك عيطك وإن كان أشيا. وقال ابن الأعرابي: الرّبض في هذا المثل: ما يقيم الإنسان من القوت ويربضه أي يكفيه. وقد قيل: منك محضك، ومنك ربضك وإن كان سمارا.
(والسمّار) الذي قد أكثر ماؤه، وهو نحو الضّياح وهذا يدلّك على معنى الرّبض في المثل وما سواه من التّفسير، فهو محمول على المعنى لا على اللّفظ، كما قيل: منك أنفك وإن كان أجدع، فيحمل تفسير الأنف على العشيرة والأنف في الحقيقة هو المشم الذي قد عرف.
وربض البطن أمعاؤه والرّبيض جماعة الغنم. قال الدّريدي: الرّبض القطعة العظيمة من الثّريد، فإذا قالوا: جاءنا بثريد كربضة أرنب كسروا الرّاء.
قال الزّهري: حجرت المطار العام، حجرت: امتنعت والمطار: جمع مطر مثل جمل وجمال. وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: يقال: هو الحس- والبرد- والقر- والقرس- والصر- والعرقف- والهلبة- والكلبة- والعنبرة- والصّرة. هذا كله حدّة الشّتاء وكلبه- والزّمهرير- والأريز.
وقال الكلابي: العثية: الهلباء الباردة- (القرّة) ترميهم بالقطقط وهو القطر الصّغار من المطر- والثّلج- واليوم الأهلب: الشديد البرد- وغداة هلباء وقالوا: الشّهر الآخر من الشّتاء يسمّى الأهلب، ولا يسمّى غيره من شهوره أهلب، وذلك لشدّة صفق رياحه، مع قرّ وعواصف.
وحكى اللّحياني: هلبة الشّتاء وكلبه مثقلان وحكى أيضا يوم هلبة ويوم كلبة. وحكى قطرب مثل ذلك، ويقال: أرزت ليلتنا أريزا، وليلة آرزة، وأتت اللّيلة تأرزهم أشد الأرز.
وأنشد عن المفضل في شدة البرد بعد أن حكى المثل السّائر (أبرد من غب المطر) أي من غب يوم المطر شعرا:
طوينا يجمع والنّجوم كأنّها ... من القرّ في جوّ السّماء كواسف
(1/267)

وقال آخر: العابط الكرم للأضياف إن نزلوا في يوم صرّ من الصّراد. هرار الصّراد الجهام: وهو السّحاب الذي لا ماء فيه مع الشّمال- والجليد- والضّريب- والسّقيط- والجليب- والصّقيع- والسّقيع- والسّميخ- ما ينزل من السّماء ومن الثّلج وأنشد شعرا:
نعاء ابن ليلى للسّماخ وللنّدى ... وأيدي شمال باردات الأنامل
نعاء مثل دراك أي أنع وأنشد ثعلب شعرا:
ويوم بليل الحمار الصّديد ... محمّرة شمسه بارد
سقيت رغيبا وأطعمته ... فليس بحارّ ولا جامد
قال ابن الأعرابيّ: الفصيّة: ما بين الحر والبرد، وهو من فصيت الشيء إذا أنبتّه من غيره. وزعم أنّ قولهم أفصى برد عمى اشتقاقه من هذا.
و (ضبارة) الشّتاء صميمه، الرّاء مشدّدة، وقد يخفّف فيقال: ضبارة ذكر ذلك عن غير واحد من العلماء.
ويقال: من الكلبة: كلب البرد إذا اشتدّ كلبا وأنشد الفرّاء:
أنجمت قرة الشّتاء وكانت ... قد أقامت بكلبه وقطار
وقال العكلي: جئتك في صنبر الشّتاء وفي بركته، وقد استعمله بعضهم في الحر وحكى غداة صنبرة. وقال جرّان العود:
وألفين فوقي شرّ ثوب علمته ... من البرد في شهر الشّتاء الصّنابر
وقال طرفة: (وسديف حين هاج الصّنبر) «1» وقال أبو حنيفة: بلغني عن بعضهم أنّه حكي عن العرب في الصّبارة مثل ذلك يجعلونه في شدّة الحر أيضا.
والصّرصر: الرّيح الشّديدة الباردة وفي القرآن: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً
[سورة القمر، الآية: 19] وقيل: مذاكوء الصّر ازدحامها. وأنشدني حمزة بن الحسن قال:
أنشدني علي بن سليمان عن المبرّد:
فذاك نكس لأبيض حجره ... مخيرق العرض لئيم مطره
(1/268)

في ليل كانون شديد حضره ... عضّ بأطراف الزّباني قمره
يقول: هو أقلف ليس بمختون إلّا ما قلص منه القمر وشبه قلفته بالزّباني. وقال آخر:
(إنّك أقلف إلّا ما جنى القمر) ويقال: من ولد والقمر في العقرب فهو نحس. وقال الأصمعي: إذا عضّ أطراف الزّباني القمر: فهو أشد ما يكون من البرد.
فصل فيما وضع على ألسنة البهائم
(الأصمعي) قال: قيل للضّانية: كيف أنت في اللّيلة القرّة الباردة؟ قال: أوّله رخالا وآخره جفالا- وأحلب كثبا ثقالا- ولم تر مثلي مالا- الرّخال الإناث من أولاد الضّأن الواحد رخل، والكثبة البقية من اللّبن، قال ابن الأعرابي: لا أعلم جمعا على فعال إلّا خمسة أحرف: رخال وفرار وتوام وظآر ورباب.
قال الأصمعيّ: إنما قيل ذلك لأنّ الإناث أعجب إلى أصحاب النّتاج من الذّكور لأنّ الإناث تحبس للغنية، والذّكور تذبح وتباع، وحكي أنهم يقولون: إذا نتجت أحلبت أي:
أذكرت أم أنأثت، ويقال: للمبعوث في الههم أحلبت.
وقال الأصمعيّ: العرب تقول المحق الخفي إذكار الإبل، وقال ابن الأعرابي:
ويقولون: الضّأن تمشي عجالا- وتحتلب علالا- وتجز جفالا- وتنتج رخالا. وحكي أيضا الضّأن تكسوك وهي رابضة أي لها سمن- ولبن- وصوف- وهي مقيمة، قال: ويقال:
الماعز لبنها رغوة- وشعرها عروة- وقيل: النّعجة مساء أي لا تقدر على احتباس بولها.
قال الأصمعيّ: تقول العرب: الغنم إذا أقبلت أقبلت- وإذا أدبرت أقبلت- وتقول في الإبل: إذا أقبلت أدبرت- وإذا أدبرت ذنبت رأسا.
وقيل للمعز: لك الويل: جاء البرد، فقال: أست حجواء- وذنب ألوى- والذئب جفاء- أست حجواء وجحواء: أي بارزة لا يسترها شيء. وروي قيل: للمعز: جاء البرد، قالت: أستي جحوى، والذّنب يعوي، فأين المأوى، والبيت الأجهي الذي لا ستر عليه.
وقيل للمعز: كيف أنت في اللّيلة الباردة؟ قالت: الإهاب رقاق- والشّعر دقاق- والذّئب جفاء. ولا بدّ لي من الكن. وقيل للنّاقة: كيف أنت في اللّيلة الباردة؟ قالت؛ أبرك بالعرى- وأوّلها الذّرى- ويروى: أبرك بالنّحى- وأولاها الذّرى- ويحمى وزيمة عن أخرى- وقيل:
أطابق شحمه فوق أخرى- والوزيمة البضعة. وقيل للكلب: أنت فيها قال: أحوي نفسي:
أجعل أنفي عند أستي، ويقال: إنّه قال: أحويه أي أجمعه- وأكويه وأجعل طرفه عند فيه-
(1/269)

ويقال: إنه حكي هذا عن الضّب، لأنّه يلوي جحره حتّى يرد آخره إلى ابتدائه، ويجعل أقصاه عند أدناه. اللهمّ اجعلني أحويه وألويه حتى أجعل قعره عند فيه.
ويقال: إنّ الضّانية والمعز خيّرتا فقيل للضّانية أيّما أحبّ إليك السّتارة- أم الغزارة- فاختارت السّتارة، فسترت وقلّ لبنها وصارت الغزارة للمعز وهتك سترها وكشف فرجها، ومما حكي عن البهائم وإن لم يكن من هذا الباب، قالت الأرانب: اللهم اجعلني حذمة لذمة أسبق الأكف بالأكمة الحذمة واللّذمة التي تلزم الأشياء، وقولها أسبق الأكف بالأكمة: فإنها قصيرة اليدين، فإذا صعدت فانت وإذا هبطت أدركت. ومما يحكى أنّ الأرنب قال للشّاة: لا عفطت ولا نغطت، فقال العنز: لا مررت إلّا على حاذق قاذق.
(1/270)

الباب الثّالث والعشرون في حرّ الأزمنة ووصف اللّيالي والأيام به
قال أبو حاتم: الحر والحرارة- وحر يومنا يحر بكسر الحاء حرا وحرارة. قال أبو نصر: قد قيل: يحر ولم أسمعه من الأصمعيّ. وفي القيظ: قاظ يومنا يقيظ قيظا وقد قظنا أي صرنا في القيظ.
وقالوا: أصفنا نصيف صيفا، ويوم صائف ويوم قائظ، والحرّة العطش وفي الأمثال:
حرّة تحت قرّة.
ويقال: صمخة الشّمس الخاء معجمة، وصمخة الحر أشد الصّمخ ودمغته الشّمس بحرّها أي أصابت دماغه فهي دامغة، والدّامغة أيضا: الجلدة التي فيها الدّماغ، وتدعى أم الدّماغ، والجميع الدّوامغ، وأنشد للعجّاج شعرا:
لهامهم أرضه وأفتخ ... أم الصّدى عن الصّدى وأصمخ
وفتخته الشّمس فتخا مثل دمغته.
ووغيرة الغيظ أشدّ الغيظ حرّا.
والوقدة: سكون الرّيح واشتداد الحر، ويقال: يوم ومد وليلة ومدة وأنشد أبو زيد:
قد طال ما حلأتمونا لا نزد ... فخلّياها والسّجال تبرد
من حرّ أيام ومن ليل ومد
قالوا: والوغرة عند طلوع الشّعرى، وقد وغرنا وغرة شديدة، وغرنا أيضا وغرا، وأوغرنا أصابنا الحر الشّديد وأصابتنا وغرات.
وأصابتنا أكة من حرّ والأكة الحر المحتدم الذي لا ريح فيه، ويقال هذا يوم آكة بالإضافة، ويوم ذو آكة، وذو آك، وقد أكت يومنا وأنشد:
(1/271)

إذا الشّريب أخذته آكة ... فخلّه حتّى يبكّ بكّة
وقالوا في الأكة: شيء قليل من سدى.
والعكّة: الرّيح الشّديدة مع السّدى واللّثق الكثير، وهذا يوم عكّة بالإضافة ويوم ذو عكيك، وأنشد أبو زيد:
يوم عكيك يعصر الجلمود ... يترك حمران الرّجال سودا
وقد عكّ يومنا يعكّ عكا ويوم عكّ على الإضافة. وليلة عك، ويوم عك على النّعت، وليلة عكّة كل هذا يقال.
والأجة: مثل الوغرة ومنها الأجيج والنّاجج من النّار وأوار الحر صلاؤه، وشدّته، وكذلك أوار النّار، ويوم ذو أوار وإنّ الحر الشّديد الأوار.
وإذا دنوت من النّار فوجدت حرّها في وجهك فذاك أوارها وأوار الهاجرة والسّموم، وهو ما يصيب وجهك من الحر الشّديد، وأنشد القحيف العامري:
ولا استقبلت بين جبال بمّ ... وإسبيذ لها جرّة أوار
فأما قول لبيد:
أسبّ الكانس لم يؤر بها ... شعبة السّاق إذا الظّل عقل
قوله: يؤر من الإرة وهو مستوقد النّار تحت القدر وغيرها، ويجمع على الأرات والأرين، وروي لم ياور، بها، مثل يعوت ويكون من الأوار إلّا غيره.
وحمّارة القيظ أشدّ ما يكون منه يقال: أتيته في حمارة القيظ، وفي حمر القيظ وفي حمرة القيظ، وحمر كل شيء أشدّه. قال أبو حاتم: وسألت الأصمعيّ، هل يقال: حمرة الشّتاء فقال: حمرة القيظ يعرف، وهاب أن يقال: حمرة الشّتاء والوديقة: شرّ الحر.
يقال: أصابتنا وديقة حرّ، ويوم ذو وديقة بالإضافة، وكذلك إذا دنت الشّمس من الأرض فيقال: ودقت الشّمس، وفلان يأتينا في الودائق أي في أنصاف النّهار في القيظ وأنشد:
ألم يكن حقا أن يتولّ عاشق ... تكلّف إدلاج السّرى والودائق
وصخدان الشّمس: محرك الخاء ومسكنه: شدّة الحر، ويوم صخدان وليلة صخدانة، وقد صخد يومنا بفتح الخاء، ويوم صاخد، وليلة صاخدة، والصّخد مثل الوسد، ويقال:
السّخد بالسين.
(1/272)

واللهبة: لهبة القيظ، ويوم ذو لهبان، ويقال: يوم وهجان، وليلة وهجانة وأتيتك في وهجان الحر، وإنّ يومنا لوهج، وقد وهج يومنا وهجا وتوهّج ووهج الحر وتوهّج الحر وأنشد:
لقد رأيت الظّعن الشّواخصا ... على جبال تهص المراهصا
في وهجان بلح له الوصاوصا ... يوما ترى حرباءه محاوصا
يطلب في الجنفل ظلّا قالصا الجنفل: ما يحفل من السّحاب والظّل أي أسرع ويروى الجيفل وهو ما تناهى من كل شيء، والوصاوص: خرق البرقع الصغير وإنما يفعل ذلك نساء بني قيس، فأما نساء بني تميم فتحلّ المرأة برقعها، ومنه قول الشّاعر شعرا:
لهو لا بمنحول البراقع حقبة ... فما بال دهر لزّنا بالوصاوص
ويقال: قابت المرأة برقعها قوبا إذا جعلت لها عينا.
والوقدة أن يصيبك حرّ شديد في آخر الحر بعد ما يقال: قد أبردنا، ويستنكر الحر فيصيبك الحر بغير ريح ولا سدى فتلك الوقدة والوقدان وقيل الوقدة نصف شهر وعشرة أيام، وأقلّها سبعة أيّام، فأمّا اليوم واليومان فلا يعدونه وقدة.
ويقال: أصابتنا سبة من حرّ والسّبة نحو من شهر، ونصف شهر، وعشرة أيام.
ويقال: احتدم علينا الحرّ والاحتدام شدّة الحرّ مع همود الرّيح، ولا يقال مع الرّيح احتدم، ويقال: اسم يومنا وأحر إذا كان ذا سموم وحرور.
واللّفحة: إذ تحرّق جلده، وقد سفعت لونه السّموم.
وألفحته: وكافحته أي قابلت وجهه ليس بينهما سترة. ومنه قيل: كافحت الرّجل وكلّمته كفاحا وأنشد: ولا كافحوا مثل الذين يكافح.
ويقال: أتيته في معمعان الصّيف ومعمان الصّيف، وفي معمعان الحر، ويوم معمعان، وليلة معمعانة ومعمعاني ومعمعانية. قال ذو الرمة:
حتّى إذا معمعان الصّيف هبّ له ... ياجة نش عنها الماء والرّطب
والرّمض: شدّة الحر على الأرض، وقد رمض التّراب ورمض الإنسان إذا أصاب جلده الرّمض، وقد رمضت الفصال إذا احترقت أخفافها بحر الأرض، وزعموا أنّ رمضان سمّي بذلك: لأنّهم حين سّموا الشّهور اشتقوا أسماءها مما يكون فيها، فسمّوا جمادى
(1/273)

لجمود الماء فيها، ورمضان لأنّ الفصال كانت ترمض فيه. وأنشد:
المستغيث بعمرو عند كربته ... كالمستغيث من الرّمضاء بالنّار
وقيل: الرّمضاء: التّراب الحامي، ويقال: يوم ذو سموم ويوم سموم بالإضافة، ويوم سموم على النّعت. وقد اختلفوا في السّموم والحرور، فمنهم من يجعل السّموم بالنهار والحرور باللّيل، ومنهم من يجعلهما على العكس من ذلك.
والدّفاءة: مهموزة مثل الومدة وقد دفىء يومنا دفاء، والمعتدلات بالدّال غير معجمة أيّام شديدة الحر. وكان الأصمعي يقول بالذّال المعجمة، وكان ينشد بيت ابن أحمر:
حلّوا الرّبيع فلمّا أن تجلّلهم ... يوم من القيظ حامي الودق معتدل
بالذّال (والمعتذلات) نحو من خمسة عشر يوما، وهي أيام الفصل في دبر الصّيف عند طلوع سهيل.
وقال أبو زيد: (السّكنة) مثل الوقدة، وكذلك السّختة، وقال أبو حاتم: هي فارسية.
قال رؤبة: (وأرض جسر تحت حر سخت) قال أبو زيد: يقال: باض علينا الصّيف، فإن قيل: القيظ والصّيف واحد، قيل: النّجم والكوكب واحد ولا يجوز أن يقال: في عين فلان نجم إنّما يقال: في عين فلان كوكب. وكلام العرب لا يختلف، والحرة شدّة العطش في الشّتاء والصّيف، ومثل العرب: حرّة تحت قرّة فهذا في الشّتاء وأنشد شعرا:
ما كان من سوقه أسقى على ظمأ ... خمرا بماء إذا ما جودها بردا
من ابن مامة كعب ثم عى به ... زؤ المنيّة إلّا حرة وقدى
زؤ المنية: قدرها. (وقدى) : نعت للحرّة على فعلى وهو من التّوقد، ومن أمثالهم:
برد غداه حر غد من ظماء وأصله رجل أراد سفرا فأصبح فرآها باردة فقال: لا أحتاج إلى الماء، فصبّ ما كان معه فلمّا توقّدت الحران عطش، فقال: هذا لقيت منه ما يصر الجندب، أي حرّا شديدا، وفي المثل: علقت معالقها وصرّ الجندب للشّدة، ومن أمثالهم:
قيل للجندب: ما يصرّك؟ فقال: أصرّ من حرّ غد يضرب لمن يخاف ما لم يقع فيه.
ويقال: يوم ذي شربة أي يشرب فيه الماء الكثير من شدّة الحر، ويقال: يوم ومد ومصمقر وأنشد للمرار العدوي:
خبط الأرواث حتّى هاجه ... من يد الجوزاء يوم مصمقر
ويقال: يوم أبت وأمت وحمت وهو مثل الومد وقد أبت يومنا وأمت وحمت وأتيته في حمراء الظّهيرة والظّهيرة الخوصاء أشد الظّهاير حرّا وأصله في النّجوم، يقال: تخاوصت
(1/274)

النّجوم إذا صغت للغروب، ويقال: ظهيرة شهباء لبياض غمسها وشرابها. قال عدي بن الرّقاع شعرا:
ودنا النّجم يستقلّ وحارت ... كلّ يوم ظهيرة شهباء
ورددن بالسّماوة حتّى ... كذبتهنّ غدرها والنّهاء
وقال أيضا: ظهيرة غرّاء، ويقال: هذا يوم يرمح فيه الجندب: أي يضرب الحصى برجله، لارتماضه. قال: ويشبّهون الشيء القليل اللّبث بسحابة الصّيف. قال ابن شبرمة الضّبي:
أراها وإن كانت تحبّ كأنّها ... سحابة صيف عن قليل تقشّع
قال الدّريدي: أفرة الصّيف: شدّة حر، وأنشد في شدة الحر:
لدن غدوة حتّى ألاذ بخفّها ... بقيّة منقوص من اللّيل صائف
يصف ناقة ركبت في الهاجرة، والظّل تحت أخفافها إلى أن صار الظّل كما وصف ويقال: لاذ وألاذ بمعنى.
وذكر صاحب العين يوم خدر شديد الحر، وأنشد لطرفة:
ومكان رعل ظلمانه ... كالمخاص الجرب في اليوم الخدر
ويقال: خدر النّهار إذا لم يتحرّك فيه ريح، ولا يوجد فيه روح. وقوله: وإن كان يوما ذا كواكب أشهبا. قال: كان اليوم ذا كواكب من السّلاح وأشهب أي يوم شمس لا ظلّ فيه.
قال آخر: ويوم كظلّ الرّمح والشّمس شامس، أي طويل لا ظلّ فيه لشدّته، وظلّ الرّمح يطول جدا في أوّل النّهار. وأنشد:
ويوم ضربنا الكبش حتّى تساقطت ... كواكبه من كلّ عضب مهنّد
قوله: تساقطت كواكبه: يعني به معظم الحر. وأنشد ابن الأعرابي:
قد شربنا بالثّريا حقبة ... ورقينا في مراقي السّحق
قال: يطلع الثّريا في أول حدّ القيظ وفي آخر مطر الصّيف، فربما رؤيت في الفدين من الماء، فشربنا بالثّريا واستقصينا الجزء إلى آخره، وطلوع الثّريّا أول الجزء، وطلوع الجوزاء آخر انقطاع البقل، وقال: في مراقي السّحق يريد به: الضّياع. قال الأصمعي: وتقول العرب: استقبال الشّمس داء واستدبارها دواء وأنشد:
إذا استدبرتنا الشّمس درّت متوننا ... كأنّ عروق الجوف ينضحن عندما
(1/275)

الباب الرّابع والعشرون في شدّة الأيّام ورخائها وخصبها وجدبها وما يتّصل بها
الأصمعي: جداع: اسم للسّنة المجدبة على مثال خدام. وقال أبو حنبل الطّائي:
لقد آليت أغدر في جداع ... وإن منيت أمّات الرّباع
لأنّ الغدر في الأقوام عار ... وإنّ الحرّ يجزع بالكراع
وأنشد غيره في صفة الجدب:
إلى الله أشكو هجمة عربيّة ... أضرّ بها مرّ السّنين النوائر
فأضحت رذايا تحمل الطّين بعدما ... تكون غياث المقترين المفاقر
يصف نخلا أيبسها الجدب، فسقف بها البيوت بعد أن كان غياثا للفقراء والمحاويج.
ومفاقر جمع فقير على غير قياس، مثل مطائب الجزور. وأنشد:
يا ويحها من ليلها ما ضمّا ... ضمّ إليها هقما هقما
أجهد من كلب إذا ما طمّا
يصف امرأة نزل بها ضيف في ليلة مجدبة. والهقم: الجائع وانهقم جاع وخمص والهقم: الكثير الأكل الواسع الجوف. ويقال: بحر هقم أي بعيد القعر، وهو يتهقّم الطعام أي يتلقّمه لقما عظاما وأجهد من كلب: أي أجوع، ورجل جاهد: أي جائع شهوان وطم الكلب الشيء أي اختلسه ومرّ به. وأنشد ابن الأعرابي:
في روضة بذل الرّبيع لها ... وسمّي غيث صادق النّجم
وقال في صادق النّجم: أراد أن نؤه لم يخلف بل وفى بوعده، وقيل: أراد به ما نجم من النّبات يعني موضعا معشبا حسن النّبت. وقال أبو عمرو: الهتأة على وزن الهتعة ستة أهلكت كلّ شيء ويقال: هتأت الثّوب إذا خرّقته.
(1/276)

ويقال: أرمتهم السّنة والأرم القطع، ويقال: اقتحمتهم السّنة أي حطّهم الجدب إلى الأمصار، وقال آخر:
يا دهر ويحك فأولى ممّا ترى ... قد صرت كالقب الملح المعقر
ويقال: دفت دافّة وهفت هافّة، وهفت هافية، وقذت قاذية إذا أتاهم قوم قد أقحمتهم السّنة من البدو، قوله في البيت: فأولى مما ترى: أي ارحمني، يقال: أويت له ماوية وأية أي: رفقت، قوله: مما ترى أي مما يوجبه ويذهب إليه. وأنشد:
ظلم البطاح له انهلال حريصة ... وصفا النّطاف له بعيد المناح
هذا رواية المفضل وغيره، وفي رواية ابن الأعرابي: ظلم البطاح له هلال حريصة.
قال: وهو مقلوب، أراد حريصة هلال أي سحابة نشأت في أول ليلة من الشّهر.
والحريصة: سحابة تحرص وجه الأرض: أي تقشر، ومعنى انهلال حريصة انصبابها، وظلمة البطاح أن تحرف إليها الطّين من غيرها وأنشد:
وله مكارم أرضها معلومة ... ذات الطّوى وله نجوم سمائها
ذات الطّوى: سنة جدبة والطّوى الجوع، ورجل طيان وانتصب ذات الطّوى على الظّرف. وقوله: وله نجوم سمائها. إذا أخلفت النّجوم فلم تمطر جار هذا الرّجل فكأنّه الأنواء، وكأنّ الأنواء له، وأنشد الطّوسي:
سقى المتدلّيات من الثّريا ... نوء الجوزاء أخت بني عديّ
المتدلّيات سحابات دنت من الأرض، ومطرها أكثر، وصوبها أغزر.
قال الآخر: يكاد يدفعه من قام بالرّاح، والجوزاء قيل: امرأة، ونوؤها موضعها الذي سارت إليه يريد سقى هذا المطر الآتي بنوء الثّريا نوء الجوزاء أخت بني عدي ونوؤها:
وجهتها التي تنوء بها، وانجر أخت على البدل من الجوزاء والصفة.
ويقال: اغتفت السّنة بني فلان، والغفة البلغة من العيش وأنشد الأصمعيّ إذ بعضهم يغتف جاره.
والجلبة: السّنة المجدبة وهي الجوع أيضا قال الهذلي:
من جلبة الجوع جيّار وأرزيز، أبو عبيد خطر به الضّيق في المعاش والرفاغة والرّفاغية والرّفاهية والرّفهنية مثل البلهنية.
ويقال: هو في عيش أغضف- وأغزل- وأرغل- وأوطف- وأهدب- وأزب-
(1/277)

وهلوف- يعني واسعا وزمانه زمان سلوة وخفض.
ويقال: هو في رخاخ من العيش، وعيش دغفل- ودغفق- ومدغفق- ورفيغ أي واسع. قال الدّريدي: المدغفق اشتقاقه من دغفق الماء إذا صبّه صبّا واسعا.
قال العجّاج: وإذا زمان النّاس دغفل، فأضافه. قال أبو عبيدة: هو في عيش أوطف- وأغضف- وغاضف- ورافع وعفاهم إذا كان واسعا.
يقال: نحس في ربيلة من العيش أي في عيش متربل ند. وفي المثل، ليس المتعلّق كالمتأنقّ، يقول ليس من عيشه ضيق يتعلق به، كمن عيشه ليّن واسع يختار منه ما شاء.
والعلقة ما يبلغ به.
وفي الحديث: انّ عبد الله بن مسعود كان يقول: إذا قرأت (آل حاميم) صرت في روضات أتأنّق فيهنّ أي يعجبني.
ويقال: عيش طان ذو رزغة أي كثير النّدى، وقولهم: طان كقولك: رجل مال.
ويقال: إنّهم لفي غضراء من العيش، وغضارة وقد غضرهم الله، وإنّه لذو طرة وكلّ ذلك من السّعة.
أبو عمرو: نشأ فلان في عيش رقيق الحواشي وفي زمان مخضم لا مقضم.
ويقال: نبتت في زماننا نابتة، أي نشأت فيه نشوء صغار. وما أحسن نابتة بني فلان لأولادهم، وأولاد أولادهم، إذ تناسقوا في الحسن والرّضا. ومما يشبه هذا قولهم: بتّ بليلة النّابغة يراد قوله:
فبتّ كأني ساورتني ضئيلة ... من الرّقش في أنيابها السّمّ ناقع «1»
وقوله في موضع آخر:
فبتّ كأنّ العائدات فرشن لي ... هراسا به يعلى فراشي ويقشب «2»
وهذا كما ضرب المثل بصحيفة المتلمس لقوله: وكذلك افتوا كلّ قط مضلّل.
ويقال للّيلة التي لا نوم فيها: مات بليلة انقذ «3» يراد به القنفذ، لأنه لا ينام ليلة بدلالة قول الأخر:
(1/278)

قوم إذا دمس الظّلام عليهم ... جدحوا قنافذ بالنّميمة تمرع
ويقال: زمان غزير، وعيش غزير أي لا يفزع أهله.
ويقال: عيش رغد مغد. ويقال: عام غيداق، أي كثير الخير، وسيل غيداق وماء غدق.
الفرّاء: عام أزب: أي مخصب. أبو عبيدة: عيش خرم: أي ناعم وهي عربية ومعيشية رفلة.
ويقال: أنت في عام رخي اللّبن، عريض البطان، أي واسع الخصب وهذا كما يقال:
أصاب فلان قرن الكلأ، أي أنفه الذي لم يؤكل منه شيء، ووقع في الأهيفين أي الطّعام والشّراب، وزمانه زمان الأهيفين.
والمعصب الذي عصبت السّنون ماله.
ويقال: في عيشة شظف: أي يبس وشدة، وقد شظفت يده إذا خشنت.
الأصمعيّ يقال: موت لا يجر إلى عار خير من عيش في رماق، أي قدر ما يمسك الرّمق.
ويقال: أصابتهم من العيش والزّمان ضعف- وحفف- وقشف- وويد- كلّ هذا من شدّة العيش.
وقال يعقوب: بنو فلان في ويد أي في ضيق، وكثرة عيال، وقلّة مال، وهو في رتب من العيش: أي غلظ.
الأصمعي: عيش مزلج أي مدنق.
ويقال: أصابتهم الضّبع أي السّنة، وقد كحلتهم السّنون: أي اشتدّت عليهم وأنشد:
لسنا كأقوام إذا كحلت ... إحدى السّنين فجارهم تمر
أي يأكلون جارهم. وقال سلامة بن جندل:
قوم إذا صرحت كحل بيوتهم ... عزّ الذّليل ومأوى كلّ قرضوب
وأصابتهم أزمة وأزبة ولزمة. وحكى الأصمعي: أزمت أزام وأنشد:
أهان لها الطّعام فلم تصفه ... غداة الرّوع إذا زمت أزام
(1/279)

ودعاء النّبي صلى الله عليه وسلم: «أشدد وطأتك على مضر واجعل سنين كسني يوسف» فاستجاب الله دعوته حتى أكلوا العلهز.
والسّنة: الشّهباء البيضاء من الجدب. وقال ابن الأعرابي: الّتي ليس فيها مطر، وقال هي الشّهباء ثم البيضاء ثم الحمراء، فالشّهباء أمثل من البيضاء والحمراء شرّ من الجميع.
وسنة غبراء: وقماء وكهباء والكهبة كدرة في اللّون.
وعام مجوعة ومجاعة، وسنة جداء، وحجرة ورملاء.
وعام الرّمادة: وسنة وسنة وعام سنيت ومسنت وسنة جالفة بالمال.
والرّمادة: سنة المحل، وقد أرمدوا.
وسنة محاردة: من حراد النّاقة إذا قلّ لبنها.
ويقال: عام أرمد في قلة الخير، وأبقع أي بقع فيه المطر في مواضع ولا يعم. وأحرج وأسهب، وكلّ هذا في قلة الخير.
قال أبو يوسف: سمعتهم يقولون: حراميس واحدها حرمس. ويقال: هذه السّنة ذات فحم عظام، ويقال: أزمتهم السّنة أي دقّتهم، والأزم العض.
وسنة حصّاء: لا نبت فيها، وامرأة حصاء لا شعر عليها.
الفرّاء: عام أرشم: قليل النّبات. والبوازم الشّدائد الواحدة بازمة، وأنشد:
ونحن الأكرمون إذا غشينا ... عياذا في البوازم واعتزازا
وقال:
وما أخذ الدّيوان حتّى تصعلكا ... زمانا وحتّ الأشهبان غناهما
في سنتين لا خير فيهما. وقال آخر:
رأت مرّ السّنين أخذن منّي ... كما أخذ السّرار من الهلال
ويقال: ثلمة ثلم المحاق جانب الهلال، ويقال: مطر مريع، وأنشد متمم بن نويرة:
تقى الله أرضا حلّها قبر مالك ... ذهاب الغوادي المدجنات فأمرعا
وقال آخر:
ويقيم في دار الحفاظ بيوتنا ... زمنا ونظعن غيرنا للأمرع
وحكى ابن الأعرابي: ألا صبّحته صباحا حازرا؟ والأصل في الحازر: اللّبن الحامض.
(1/280)

يقال: أمد الخصب قريب على النّعال. قال: وسأل الحجّاج بن يوسف الحسن عن أشياء، فأجابه ثم قال له: كم أمدك؟ قال: سنتان من خلافة عمر، يعني عمر بن الخطّاب، فقال: والله عينك أكبر من أمدك. الأمد العمر أي ما بدا منك أكثر مما غاب. وأنشد:
لنا في الشّتاء جنة يثربيّة ... مسطّعة الأعناق بلق القوادم
قوله: مسطّعة من السّطاع سمة على عنق البعير، يقول: إذا كثرت الريّاح ظهر السّواد وإذا كثرت الأمطار ظهر البياض، يعني اللّبن والتمر. وأنشد:
أغث مضرا إنّ السّنين تتابعت ... علينا بدهر يكسر العظم جابره
يقول: نحرنا إبلنا بعد أن كنّا نثمرها ونرعاها، وأنشد يعقوب:
إنّ لها في العام ذي الفتوق ... وزلل النيّة والتّصفيق
رعيّة رب ناصح شفيق
الزّلل التّباعد والنّخعة «1» ويقال: أفتقنا إذا لم يمطر بلادنا ومطر غيرها.
ابن الأعرابي: يقال للزّمان السّليم من الآفات ركوض في غير عروض وأصله ناقة لا عرضة في مرّها، قال: ويقال هذا في الطّاعة الحسنة التي لا يثبتها ما يفسدها.
ويقال: وقره الدّهر وقرة: استكان منها وأنشد:
حياء لنفسي أن أرى متخشّعا ... لو قرة دهر يستكين وقيرها
وقال آخر:
وخفت بقايا العفي إلا قصيّة ... قصيد السّلامي أو لموسا سنامها
يصف زمن جدب والقصيّة من الإبل: التي تقصى عمّا يفعل بالإبل والقعية أيضا:
الخيار الكريمة والقصد السّمينة، ويقال: كذا وكذا حين لعق اللّبن بالصّوف، وهذا كناية عن الجدب، لأنه إنما يلعق اللّبن بالصّوف فلا يمكن شربه. قال:
فلا تحسبنّ الغزو لعقا بصوفة ... وشريك ألبان الجداد الغوابر
والجداد: جمع جدود وهي من الغنم والحمير التي بها بقية من اللّبن غير كثير، ومثل الجداد الجدايد، قال أبو ذؤيب:
والدّهر لا يبقى على حدثانه ... جون السراة له جدايد أربع
(1/281)

ويقال: كان في الأرض تقاطير غيث إذا كانت بها أمطار قليلة في كلّ ناحية قال أبو علي: قال الضّبي والغنوي: يقال: أقاطير وتقاطير من الرّبيع، وقال طفيل:
أرى إبلي تأتي الحياض وآلفت ... تقاطير وسمي وإحناء مكرع
ويقال للرّجل إذا ظهر بوجهه بثور، ظهر به تقاطير الشباب، وحكي أنّه سئل أبو العبّاس ثعلب عن قول بشّار:
إذا ما غضبنا غضبة مضرّية ... هتكنا حجاب الشّمس أو قطرت دما
فيقال: معناه حاربنا حتى لم يكن حرب، فلم يكن للشّمس حجاب، وحجابها الغبار قال السائل: فرددته على أبي العبّاس المبّرد فقال: ما يدري الخرنوبي ما هذا إنمّا يقال:
اشتدّت الحرب أوّلا، ثم سعينا بينهم فأصلحنا ما فسد فسقط الغبار فكأنّهم هتكوا حجاب الشّمس، قال فعدت إلى ثعلب فأوردت عليه، فقال: ما للخلدي ولهذا، خذ ما أقول، قال أبو عبد الله الطّوال والأموي هتكنا حجاب الشّمس معناه خلّينا عن أنفسنا وتركناها لها ذكرا واضحا كوضوح الشّمس بفعلنا، وقوله: أو قطرت دما، كما يقال: كان ذلك فيما مطرت السّماء دما أي لم يكن يلتفت إليه، قال: وما سمعته في الأبيات إلّا من ابن الأعرابي ما سمعت كان ذلك، فمطرت السّماء دما إنمّا يقال في النّعي، فرجعت إلى المبرد، فقال:
هؤلاء أعلم منه وحقط وحقل حين عدت إليه وتركني، ودخل داره، ويقال: بات بليلة سوء من اللّيالي الشّوامت.
قال النّابغة:
فارتاع من صوت كلاب فبات له ... طوع الشّوامت من خوف ومن صرد
أي ما أطاع الأعداء وسرّها وفسّر بعضهم على أن الشّوامت في البيت هي القوائم والمعنى بات له ما أطاع الشّوامت لأنّها عبدت طول اللّيل.
وقال أبو زيد: يوم أرونان وقسقاس وقسي وعصبصب وعصيب وقماطر ومقمطر وعماس. وقال الأصمعي: من العماس قولهم: أتانا بمعمسات أي أمور علويات خفيّات، وقال الخليل: العماس كلّ ما لا يقام له، ويوم عماس وعموس وقد عمس عماسة وعموسا.
ويقال: يوم باسل: ومفلق وفلق وذكر ومذكر وأشتع وأشهب ومظلم وذو كواكب، ويوم معمعاني وأروناني بعيد ما بين الطّرفين، وقال بعضهم: يوم أرونان شديد صعب ولا فعل له وليلة أرونانة. قال الجعدي:
وظلّ لنسوة النّعمان منّا ... على سفوان يوم أرونان
(1/282)

ويقال: يوم أروناني وليلة أرونانية، وقال أبو عبيدة وأبو زيد: كلّ هذا بوصف الشّديد من القتال والبرد والبلاء والخوف.
ويقال لهم؛ يوم عربسيس، وأخذ القوم طريقا عربسيسا لما فيه من الخوف والعطش والمشقّة، وإذا عظموا الأمر على إيهام في الوصف، قالوا: كان ما لا يحد يوم أيوم، وذا كان ذلك ليلا قالوا: ليل أليل، ويقال: أطول اللّيالي يدعى ليل التّمام.
ويقال: جاء من الطّيخة أي الفتنة والحرب المطيخ الفاسد.
ويقال: هذا دهر حول قلب أي كثير التّحول والتّقلّب.
ويقال: ليل ذو كؤود قال: يدر عن اللّيل ذا الكؤود.
قال أبو زيد: سمعت أعرابيا فصيحا يقول: إذا أجدب النّاس أتى الهاوي والعاوي.
الهاوي: الجراد، والعاوي: الذّئب. قال الدّريدي: الخجل سوء احتمال الغني، والدّقع سوء احتمال الفقر. وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للنّساء: «إنكّن إذا جعتنّ دقعتنّ وإذا شبعتن خجلتنّ» وأنشد:
ولم يدفعوا عندما نابهم ... لصرف الزّمان ولم يخجلوا
ويقال: جاحه الدّهر واجتاحه وعسره الزّمان أي اشتدّ عليه ومثله: استحصف ويقال:
أشاربهم لمع الأصم، وحكى بات فلان ليلة ابن أفلس أي ليلة شديدة، قال ومثله وليلة دعشقة.
ويقال: ما رأينا العام قابة من المطر، والإرعفاء أي مطرا، وهذا مأخوذ من الرّعاف، قال أبو العبّاس ثعلب: لم يأت برعف، غير ابن الأعرابي ويقال في شهرة اليوم: يوم أغر محجّل.
قال أوس:
وأنت الذي أوفيت فاليوم بعده ... أغرّ ممسّ باليدين محجّل
ويقال: سنة قاشورة أي تقشر كلّ شيء ويقال: أصاب النّاس شراسيف أي أصابهم أوّل الشّدة، فأمّا قولهم: بات فلان بليلة انقد فالمراد الشّدة قال الطّرماح:
وبات يقاسي ليل انقد دائبا ... ويحذر بالحقف اختلاف العجاهن
وانقد الشّيهم وفي المثل: أسرى من انقد ويقال: ابن انقد أيضا، والعجاهن قال: ابن السّكيت: هو الطباخ، وقال الأعشى:
(1/283)

لعمري لئن جدّت عداوة بيننا ... لترتحلن منّي على ظهر شيهم
وقال عمرو بن قميئة:
إنّي من القوم الذين إذا ... لزم «1» الشّتاء ودوخلت حجره
ودنا ودونيت البيوت له ... وثنى فثنى ربيعه قدره
وضع المنيح وكان حظّهم ... في المنقيات يقيمها يسره
وأنشد أبو العبّاس ثعلب عن الأصمعي وغيره:
سقى سكرا كأس الذّعاف عشية ... فلا عاد مخضر العشب جوانبه
قال والسكر اسم جمله، وإنّما يدعو على واد، رعاه جمله فأصاب من النّشر فمات وقال الهذلي:
وحبسن في هزم الضّريع فكلّها ... حدباء دامية اليدين حروذ
يصف إبلا بسوء حال، والهزم ما يهزم من النّبات ويحطم، والضّريع نبات غير طايل.
قال أبو عبيدة: الضّريع عند العرب: يابس العشرق، وهو يؤكل ولكنه كما قال الله تعالى:
لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ
[سورة الغاشية، الآية: 7] وهو من نبات الحجاز، والشّبرق ما دام غضّا نوره حمراء. قال الهذلي يصف قوما قتلوا:
ترى القوم صرعى حثوة أضجعوا معا ... كأنّ بأيديهم حواشي شبرق
وقيل: الخيف الحناتم ماء النّشر. قال ندى السّماك في قصب الوسمي. وذلك أنّ السّماك يسقط وقد انفسخ القر، وهاجت الأرض في بلاد العرب، وفي عروق الشّجر بقية من ثرى الوسمي، فيسقط السّماك لتسع خلون من نيسان، فيصيبه مطر السّماك فيخير نبته، ونبت فيه الرّطب، فذلك النّشر تراه خضرة على بياض، وهو السّم الرّغاف. قال أبو محلم:
سمعت أبا زيد العكلي يقول: هو السّمّ السّاكت.
(1/284)

الباب الخامس والعشرون في أسماء الشّمس «1» وصفاتها وما يتعلق بها
قال أبو حاتم: يقال للشّمس الجونة- والجارية- والعين- والماوبة- وهي من التأويب وهو سير النّهار كلّه يقال: آب وتأوّب بمعنى. قال النابغة:
تطاول حتّى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يتلو النّجوم بآئب
فسّره ابن الأعرابي على ذلك، لأنّها تسير آئبة أبدا ما بينها ما بين المشرق إلى المغرب تدأب يومها فتؤوب المغرب مساء.
ويقال لها السّراج- والضّح- وذكاء- وقد أشمس يومنا: إذا اشتدّ حرّ شمسه، ويوم مشمس- وشامس- وشمس لي فلان إذا بدت عداوته. وقال الخليل: الشّمس- عين الضّح- وبه سمّيت معاليق القلادة، وقيل هو من المشامسة لأنّها نحس في المقارنة وإن كانت سعدا في النظر.
وقال التميميّون: الجونة- الشّمس حين تسودّ وتدنو من الغيوب لا يقال لها الجونة إلا على هذه الحال وأنشد أبو حاتم:
تبادر الآثار أن تدأبا ... وحاجب الجونة أن تغيّبا
وأما الجارية- فمن قول الله تعالى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها
[سورة يس، الآية: 38] وهي تجري من المشرق إلى المغرب- والسّراج من قوله تعالى: وَجَعَلَ فِيها سِراجاً
[سورة الفرقان، الآية: 61] وقال: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً
[سورة نوح، الآية: 16] .
ويقال: دلكت الشّمس دلوكا- ودلوكها: اصفرارها عند غيوبها.
(1/285)

وقال ابن عباس: لدلوك الشّمس- أي لزوالها الظّهر والعصر. قال:
شادخة الغرّة غرّاء الضّحك ... تبلج الزّهراء في جنح الدّلك
فجعل الدّلك غيبوبة الشّمس. وروي عن أبي عمرو أنّ دلوكها زوالها والله أعلم.
ويقال: رهقتنا الشّمس إذا دنت. ومنه غلام مراهق: إذا دنا الاحتلام.
ويقال للسّيد وهو مرهق النّيران: أي يغشاه الأضياف. وغلام فيه رهق أي غرامة وفي القرآن: فَزادُوهُمْ رَهَقاً
[سورة الجن، الآية: 6] أي مكروها.
وقال أبو زيد: براح بفتح الأول وكسر الآخر اسم للشّمس مثل: قطام وأنشد:
هذا مقام قدمي رباح ... غدوة حتّى دلكت براح
وقال الأصمعيّ: ليس الرواية كذلك إنّما الرّواية دلكت براح بكسر الباء، وهو جمع راحة وهو أن ينظر إليها عند غيوبها يستشفها، يضع يده على جبينه يستكف بها حتى ينظر تحتها. وقال العجّاج:
أدفعها بالرّاح كي تزحلفا ... رحاه عان تحتها تصدّفا
وزعم أنّه يطلب أسيرا له وقال: وسمّيت بذلك لأنها تسود حين تغيب- والجون الأسود، هذا قول الأصمعي، وقال غيره: الجون يكون الأبيض أيضا قال: وعرض أنيس الحرمي على الحجّاج بن يوسف درع حديد وكانت صافية، فجعل الحجّاج لا يرى صفاها، فقال له أنيس: إنّ الشّمس جونة أي شديدة الضّوء قد غلب ضوؤها بياض الدّرع- والجونة اسم للدّرع ذكره الأحمر وغيره. قالوا: ويقال لا أفعله حتّى تغيب الجونة.
وقال بعضهم: معنى براح أي أستريح منها فذهبت، وقيل أيضا: راح ها هنا موضع.
وحكى قطرب: دلكت براح بالضّم و (لعاب الشّمس) أن يرى في شدّة الحر مثل نسج العنكبوت أو السّراب ينحدر من السّماء وإنّما يرى ذلك عند نقاء الجو، وسكون الأرواح واشتداد الحر. وأنشد شعرا:
هممن بتغوير وقد وقد الحصى ... وذاب لعاب الشّمس فوق الجماجم
وأنشد ابن الأعرابي:
وذاب للشّمس لعاب فنزل ... واستوقدت في غرفات كالشّعل
قال الدّريدي: لعاب الشّمس بلغة اليمن الوهر. ويقال: وهر يومنا يوهر وهرا فأقرن
(1/286)

الشّمس فحد ذرورها حين تذر قرونها وقرونها: نواحيها، ويقال: طلع قرن من قرونها أي:
ناحية من نواحيها.
وعين الشّمس شعاعها الذي بهرك إليه. وقال ابن السّكيت: عين الشّمس رأسها ووجهها وقرونها نواحيها. قال:
فما أن ذّر قرن الشّمس حتّى ... طرحن سخالهنّ وصرن آلا
والضّح: الشّمس يقال: لا تجلسوا في الضّح أي في الشّمس، وقد ضحى فلان في الضّح أي برز للشّمس يضحي ضحوا، ويقال: شد ما ضحوت للشّمس أي طال بروزك لها ويقال: ضحى الرّيح وضحى لي إذا خرج من بيته فبرز لك. قال أبو حاتم: لا ثبت عندي ضحيت للشّمس وليس في قوله تعالى: وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى
[سورة طه، الآية: 119] بيان ضحيت من ضحوت لأنّ قوله: تضحى يجوز أن يكون مستقبل ضحا. وقد قال قائل:
ضحيت له كي أستظلّ بظلّه ... إذا الظّل أضحى في القيامة قالصا
فقال أبو حاتم: الذي يقول هذا لا يجوز قوله قمة رأسه، ومن كلامهم جاء بالضح والرّيح، أي جاء بالشّيء الكثير أي ما طلعت عليه الشّمس وبزغت. والذّرور: أول طلوعها وبزوغها وطلعت تطلع طلوعا ومطلع الشّمس بالكسر المكان الذي تطلع منه.
وقال الأصمعي: شرقت الشّمس تشرق شروقا إذا طلعت، فإذا أضاءت جدا قلت:
أشرقت، قال الله تعالى: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها
[سورة الزّمر، الآية: 69] ويقال:
أشرق وجهه: إذا أضاء واستنار.
ويقال: آتيك كلّ يوم طلعت فيه الشّمس، وشرقت، وآتيك كلّ شارق والشّرق زعموا أنه الشّمس، يقال: آتيتك كلّ يوم طلع شرقه، وقد طلع الشّرق ولا يقال غاب الشّرق.
والمشرق: المطلع. قال أبو يوسف: شرقة الشّمس موقعها في الشّتاء، فأمّا القيظ فلا شرقة له. والشّعاع: ضوء الشّمس والمطلع بفتح اللام الطّلوع، لذلك قرأ القراء: حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ
[سورة القدر، الآية: 5] ومغربها حتّى تغرب فيه غروبا، ويقال: غابت الشّمس غيبوبة وغيوبا، وقد وجبت الشّمس وجوبا إذا غابت، وكسفت الشّمس كسوفا وذلك ذهاب ضوئها وشرقة الشّمس: موقعها في الشّتاء ودفوؤها ولا يقال لموقعها في القيظ: شرقة، ويقال: أقعد في الشّرق وفي الشّرقة وفي المشرقة سواء.
وحكى أبو عمرو: الشّرق الشّمس، والشّرق بالكسر: الضوء الذي يدخل من شق الباب. ومنه خبر ابن عباس أنّه قال: في السّماء باب للتّوبة يقال له الشّريق وقد ردّ حتى ما
(1/287)

بقي منه إلا شرقة. وحكى بعضهم: الشّرق الشّمس التي تكون في المقابر بعد العصر، وجاء في المسند: أنه ذكر الدّنيا فقال صلى الله عليه وسلم: «إنّه بقي منها كشرق الموتى» .
قال ابن الأعرابي: يحتمل وجهين: أحدهما: أنّ الشّمس في ذلك الوقت إنما تلبث ساعة ثم تغيب، فشبّه ما بقي من الدّنيا بذلك. والوجه الآخر: يشرق الميت بريقه عند خروج نفسه، فشبّه قلة ما بقي من الدّنيا بما بقي من حياة الشّرق بريقه.
ويقال: ما بقي من النّهار إلا شفا، والشّفاء بقية الشيء، وأتيته بشفا أي بشيء من ضوء الشّمس، ويقال: شفّت الشّمس بالتّشديد أي غابت إلّا يسيرا منها.
وقد طفلت الشّمس: إذا دنت للغروب، وأتيتك طفل الشّمس، وفي طفل الشّمس، وقال أبو حاتم وأنشدنا أبو زيد شعرا:
قد ثكلت إحدى بني عديّ ... أحبّها في طفل العشيّ
إن لم يثبت وصل قبل الرّوي وطفلت الشّمس أي جنحت ومالت للغروب وقد صغت الشّمس إذا اصفرّت كان لها صلابة.
وأدنفت: وازدنفت ودنفت وهذه وحدها عن أبي عبيدة إذا همّت بالمغيب، وغارت وآبت وألقت يدا في كافر ورجفت. ويقال: مغرب الشّمس ومغربان الشّمس ومغيربان الشّمس. ويقال: على الأرض غيابات الطّفل وقد أرهقت أي دنت للمغيب. وأنشد في قوله:
دنفت والشّمس قد كا ... دت تكون دنفا
وحكي الغزالة في أسماء الشّمس لدوران قرصها في مرأى العين. ومنه المغزل ومغازلة النّساء لأنّهن عند المراودة كأنّهنّ يدرن في أفانين الحديث. وقال أبو حاتم: ليست الغزالة من أسماء الشّمس، إنّما الغزالة الضّحوة وأنشد لذي الرّمة شعرا:
فأشرقت الغزالة رأس حوضي ... أراقبهم وما أغنى قبالا
أراد أشرقت في الغزالة أي في ذلك الوقت وأنشد أيضا:
أسوق بالقوم غزالات الضّحى
ويقال: أتيتك بوجه النّهار وبشباب النّهار وهي الغزالة الكبرى. قال ذو الرمة:
توضّحن في قرن الغزالة بعد ما ... ترشّفن ذرّات الرّهام الرّكايك
وهذا حجة في تثبيت الغزالة اسما للشّمس. وكذلك رأد الضحى- ورونق الضّحى-
(1/288)

وفي تلع الضّحى. وأتيتك حين تلعت الضّحى- وأتيتك مدّ النّهار.
وكذلك ضحوة وضحى والضّحاء الأكبر ممدود مفتوح مدّ النّهار الأكبر، وذكاء: اسم للشّمس معرفة غير منوّنة، وطلعت ذكاء، ومن أمثالهم؛ أضاءت الذّكاء وانتشر الرّعاء.
قال الشيخ: وحكي عن المبّرد أنّه قال: ابن ذكاء هو القمر، لأنّ له بصيصا كبصيص الشّمس، وروي عن ثعلب أنّه قال: بعض العرب يجعل ابن ذكاء النّهار ونبت ذكاء الشّرقة، وهو ضوء الشّمس، ويقال للصّبح ابن ذكاء وأنشد فيه:
وابن ذكاء كامن في كفر. أي في ليل يستره وأنشد:
في ليلة كفر النّجوم غمامها. أي غطاؤها ويقال لحسنها: عب الشّمس، عب مخفّف مثل دم، وقال الذّيري:
وليس بموتيك الذي أنت مغرم ... بتسآله ما أبرق ابن ذكاء
وإياء الشّمس: بياضها والإياء أيضا أيا النّبت حسنه وزهرته، وقال الشّاعر، فمدّ الإياء وكسر الألف شعرا:
تنازعها لونان ورد وحوّة ... ترى لإياء الشّمس فيه تحدّرا
وقالوا: إياء الشّمس: شعاعها. قال طرفة: سقه إياة الشّمس إلا لثاثه. قال الشّيخ:
بعضهم يثقل عب الشّمس فيقول: هذه عب الشّمس، والعب أيضا البرد، وفي المثل أبرد من العب، فمن شدّد الباء يجعله من العباب، وهو معظم الشيء أي أعظمه. ومن خفّف الباء جعله منقوصا كدد من ددن.
ويقال للصّبح: ابن جلا، كما قال: أنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا. أي أنا منكشف الأمر، وجلا فعل في الأصل وحكي لقبا كما قيل: تأبط شرا وقد جعل لقبا فحكي.
وقال قطرب: العب مثل الدم بتخفيف الباء وهو ضوء الشّمس وحسنها يقولون عب شمس ومن ثقلّ قال هذه عب الشّمس ورأيت عبّ الشّمس يريد عبد الشّمس فأدغم الدال في الشّين كما قيل ثلث الدّرهم، فيدغم الثّاء في الدّال، وقال بعضهم: يقول هو عبّ الشّمس فيفتح في كلّ وجه وقال:
إذا ما رأت شمسا عب الشّمس شمّرت ... إلى رملها والجلهميّ عميدها
وشعاع الشّمس وشعاعتها وشعّها ضوؤها وأشعّت الشّمس انتشر شعاعها، فإذا طال النّهار وقيل: تمطّى النّهار وامتدّ وا معط ومتع متوعا.
(1/289)

ويقال: بقي علينا ريم من النّهار للسّاعة الطويلة ونهار ريم أيضا فإذا انتصف النّهار فهي ظهيرة، وظهر وهجير وهجر، ووديقة حين هجم المقيل وانحنى للتّغوير. والشّمس في كبيدات السّماء إذا توسّطت وعوّمت ودوّمت وحلّقت.
ويقال: زالت الشّمس زوالا وزالوا في التفرقة زيالا قال:
نعى حجشانها نجم دفوء ... خليط لا ينام على الزّيال
والظلّ: يكون ليلا ونهارا، ولا يكون الفيء إلا بالنّهار، وهو ما نسخته الشّمس ففاء أو كان من النّهار فلم تنسخه الشّمس، والفيء هو التّبع أيضا. قالت الجهينة:
ترد المياه خصيرة وبقيضة ... ورد القطاة إذا استمال التّبع
وإذا لم يكن فيء ولا ظل قيل: (الظّل طباق الخف) وإذا ارتفع إلى موضع العقال من ساق الشجرة فنسخ الفيء إلى ذلك الموضع قيل: (قد عقل الظّل) فإذا صفا، أي زاد على طول الشّخص قيل: قد فاء الفيء والظلّ الضّافي الطّويل، ويقال للظّل الكثيف ظلّ المي.
ويقال للمكان الذي لا تقع فيه الشّمس: (مقناة) ومقان جمع، والذي تصيبه الشّمس مضحاة والجمع مضاح. ويقال للشّمس المهاة. قال أمية بن أبي الصّلت شعرا:
تم يجلو الظّلام ربّ رحيم ... بمهاة شعاعها مستنير
وأصل المهاة البلوة.
ويقال للشّمس الإلهة. قال التميمي:
تروّحنا من اللّعباء قصرا ... وأعجلنا الإلهة أن تؤوبا
ويقال: الآهة فيصير كالعلم، وذكر قطرب أنّ الإلهة من أسماء السّماء والفتح في همزتها لغة واشتقاقه من لفظ إله لأنّ كل ما رغب فيه إلى الله تعالى يطلب من جهة السّماء.
ويقال للشّمس البيضاء وطلعت البيضاء ولقيته في الصّفراء أي حين اصفرت الشّمس.
وقال الأصمعي: روي عن ابن الزّبير أنّه قال في كلام له: البوح يعني الشّمس قال:
ولم أسمع البوح إلا في كلامه. قال ابن الأعرابي: العرب تقول استدبار الشّمس مصحة.
وأنشد:
إذا استدبرتنا الشّمس درّت متوننا ... كأنّ عروق الجوف ينضحن عندما
درّت يعني لانت، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «استدبروا الشّمس ولا تستقبلوها فإنّ استدبارها دواء، واستقبالها داء» .
(1/290)

ويقال: ضرعت الشّمس إذا غابت، (وزبت وأزبت) إذا دنت للمغيب. قال الدّريدي:
صرعت غير معجمة. ويقال: سقط القرص. ويقال: ما بين المشرقين مثل فلان أي بين المشرق والمغرب.
وحكى بعضهم: التّغوير بالنّهار من آخره بإزاء التّعريس وهو النزول باللّيل من آخره.
(والقسطلانية) نداءة الشّفق أو نداءة قوس قزح. ويقال للّذي يسمّى قوس قزح القسطلاني بالضمّ.
وقال الدّريدي: أهل المدينة يسمّون الهباء الذي يدخل من ضوء الشّمس إلى البيت:
خيط باطل. قال الشّيخ: أخبرني أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري قال: أخبرني أبو عمرو غلام ثعلب عن ابن الأعرابي وعن عمر بن أبي عمرو عن أبيه وابن نجدة عن أبي زيد قال: يوح اسم للشّمس ومن رواه بالباء فقد صحّف- وذكاء- والعروج- والمهاة- والعبورية- والبتيراء- والجونة- والفين- والمأوبة- لأنها آئبة أبدا وتأويبها: سيرها من المشرق إلى المغرب- والسّراج- والضّح- والأهة بالضّم- والأهة بالفتح وروى قطرب الإهة بالكسر والأهة بالضم. قال ثعلب: الضّم أفصح والعمل عليه.
ومن أسماء الشّمس: الغورة لأنّها تغور- وأم شعلة- وأم النّجوم- والغراه- والهالة- وأنشد:
منتجب كأنّ هالة أمّه ... ضعيف الفؤاد ما يعسّ بمعقول
منتجب ها هنا مفتخر أي يتخيّر وينتجب ما يفتخر به علينا وهو جبان في نفسه.
وحكى المفضّل: (الحومانة) الشّمس.
ويقال: سفرت الشّمس طلعت، وأسفرت أضاءت مثل وأشرقت وقيل هما لغتان.
وأنشد ابن الأعرابي:
بيضاء شطّت مزارها ... بلسنا إن سفرت أسفارها
فأتى باللّغتين جميعا وأنشد أيضا:
كأنها الشّمس إذا ما تسفر ... والشّمس منها يوم دجن أسفر
أي تضيء منها الشّمس يوم الدّجن. وأنشدنا أبو أحمد العسكري قال: أنشدني أبو عمر الزّاهد عن ثعلب عن ابن الأعرابي:
وجارية رفعتها لأنالها ... يكفي عن خرجاء يهفو رواقها
قال: الجارية ها هنا الشّمس، والخرجاء: عين الشّاعر لأنّها ذات لونين. وأنشد عن
(1/291)

ثعلب عن ابن الأعرابي:
ومعمولة إن زدت فيها نقصتها ... وإن نقّصت زادت على ذاك حالها
قال: يريد الكوّة التي تكون في السّقف مدخلها ضوء الشّمس كأنّه حبل ممدود ولذلك سمّي ذلك الضّوء خيط باطل، لأنّ ما تراه فيه إذا قبضت عليه لم يحصل في يدك منه شيء، وقوله: إن زدت فيها نقصتها أي إن زدت في جسمها نقصت من ضوئها فهكذا حالها. وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي:
والشّمس معرضة تمور كأنّها ... ترس تغلّبه كمي رامح
قال الشّيخ: أظنّ أن ابن المعتز أخذ قوله من هذا:
ومصباحنا قمر مشرق ... كترس اللّجين يشقّ الدّجى
مخاط الشّمس، ومخاط الشّيطان جميعا.
ويقال: ركدت الشّمس وهو غاية زيادتها، وقسبت الشّمس تقسب وصفت تصفو صفوا، وكلّ هذا في معنى الرّسوب. وقال أبو النّجم: صفواء قد همّت ولمّا تفعل.
ويقال: قنب يقنب قنوبا وذلك إذا لم يبق منها شيء وأنشده شعرا:
مصابيح ليست باللّواتي تقودها ... نجوم ولا بالآفلات الدّوالك
يقال: أفلت الشّمس: إذا غابت، والأفول يستعمل فيها وفي غيرها، وكذلك البزوغ وهو الطّلوع قال الله تعالى: فَلَمَّا أَفَلَتْ
[سورة الأنعام، الآية: 78] في الشّمس وفلما أفل في القمر.
وحكى قطرب: جئتك غبة الشّمس أي عند مغيبها كأنه قلب، فقدم الباء قال: وقالوا:
شمسنا وشمسنا أي أوذينا بحرّها وأشمسنا صرنا في حرّ الشّمس وشمس يومنا وشمس وأشمس.
يقال: أزبت الشّمس وزببت وزبّت إذا دنت للمغيب.
ويقال: انصلعت انصلاعا وهو تكبّدها وسط السماء، وصلاع الشّمس حرّها، وقال:
حرّ الظهيرة تحت يوم أصلع، وحكى أبو عمرو: العباء أنوار الشّمس.
ويقال: قصبت الشّمس وذلك إذا بدا قصبها في عين النّاظر إليها. وذكر في أسماء الشّمس قطيفة المساكين وما أظنه إلا من وضع العامة.
وحكى أبو حنيفة: الشّرق الشّمس، ويقال: أتيتك كلّ يوم شرقه أي شمسه وطلع
(1/292)

الشّرق، ولا يقال: غاب الشّرق. وذكر قوله: وهمت الجونة أن تصوما، ومعنى صوم النّهار أنّ الشّمس إذا توسّطت السّماء نصف النّهار كأنها تقف ألا تسمع قوله:
والشّمس حيرى لها في الجوّ تدويم.
وحكى أبو حنيفة أنّ الإلهة تأنيث إله، وأحسب أنّ الشّمس سمّيت بها لأنّه كانت تعبد.
قال: والنداءة قوس المزن وأكثر ما يكون في الوسمي والصّيف وقيل: بل هي الحمرة العارضة في مطلع الشّمس ومغربها إذا عرضت.
ويقال: سبأته الشّمس والنّار والحمّى إذا غيّرته، وكذلك السّفر يسبأ الإنسان. وحكى ابن الأعرابي أنّك لتريد سبأة أي سفرا، وقال سربد مثلها: والسّبأة البعد فكان السّربد السّفر القريب.
ويقال: جاءني فلان قمة أي حين غابت، وقال أبو عمرو وما قمسته وقامسته بمعنى والمقامسة المقاطة قال الهذلي:
قلو رجلا خادعته لخدعته ... ولكنما حونا برحنا أقامس
سبّته الشّمس وسبّأته إذا أحرقته.
(1/293)

الباب السّادس والعشرون في أسماء القمر وصفاته، وما يتّصل بها من أحواله
فصل [في بيان معنى الهلال]
قال أبو حاتم: قال أبو زيد: يقال الهلال: ما دام ابن ليلة أو ابن ليلتين، فإذا استدار وعظم قبل أن يستدير فهو: القمر المستقبل، فإن غطّاه سحاب أو قوة فلم ير إلّا بعد ثالثة من أول الشهر فهو قمر، وإلّا يدعى هلالا.
وأمّا القمر: فهو ضوء القمر، ويقال: طلّع القمر، ولا يقال طلعت القمراء ولكن يقال: أضاءت القمراء، كما يقال أضاء القمر.
ويقال: قمر اللّيل، ولا يقال: قمر القمر، ويقال: قمرنا ونحن مقمرون، ويقال:
تقمّرت فلانا إذا قصدته في القمراء.
وروى الشّعبي أنّ شيخا تقمّر جارية ولم يبلغ منها ما أراد فرفعا إلى عمر فعزره وأراد تعزيرها أيضا فشهدوا لها أنها أنكرت قربه وصاحت فخلّى سبيلها.
ويقال: وضح القمر وضوحا.
ويقال: استهلّ الهلال وأتيتك عند مستهلّ الشّهر.
ويقال: أهللنا الهلال، وأهل الهلال، قال أبو حاتم: بالبصرة يقولون هلّ الهلال، ولا يجوز ذلك، قال أبو حنيفة: حكي عن الثّقة أنّه يقال: هلّ الهلال نفسه أي طلع وأهللناه نحن رأيناه، وإذا كان الهلال منبسطا قيل: هلال أوفق.
ويقال: أتيته عند إهلاله واستهلاله وهلة وهلّه وهلوله، وأتيته تيفاق الهلال وتوفاقه وميفاقه.
قال الفرّاء: يقال إذا عاينت الهلال رأيته قبلا، وإن استقبلك قبل: رأيته قبلا، قال:
وكل ما قابلك فهو قبل منك، وقال غيره: رأيت الهلال وهو أوّل ما يرى ولم ير قبل ذلك،
(1/294)

وتكلّم فلان قبلا، إذا تكلّم بكلام لم يكن قد استعد له.
ويقال: سلخت الشّهر سلخا وسلوخا وسلخ هو وانسلخ.
ويقال: نصف الشّهر وأنصف ونصف وكذلك كلّ شيء يؤول إلى النّصف. قال الفرّاء: طرح الألف أجوده، وحكى الجرمي عن الأصمعي: أنصف النّهار ولا يقال: نصف، ولكن يقال: نصف الماء القدح، هذا وما أشبهه ممّا يبلغ نصف غيره. قال:
ترى سيفه لا ينصف السّاق نعله ... أجل لا وإن كانت طوالا محامله
وقال الفرزدق:
وإن يقنهبن الولايد بعد ما ... تعالى نهار الصّيف أو كاد ينصف
وقال ابن علس:
نصف النّهار الماء غامرة ... وشريكه بالغيب ما يدري
فكلتا اللّغتين صحيحة، وقال العجّاج في نصف:
حتى إذا اللّيل التّمام نصفا
وقال أبو زيد: يقال: انتصف النّهار انتصافا، وأنشد:
فانتصف النّهار والنّعام ... والمهر مزدم له قتام
يعني أنّه عقر نصف النّعام على الفرس إلى نصف النّهار.
ويقال: وسط النّهار حكاه أبو زيد يقال: قمراء أضحيان، وهو ضوء القمر من أوّل اللّيل إلى الصّباح.
ويقال: أضحيان لكل ليلة من العشر الوسط، ويسمّون القمر في أول اللّيل وآخره قميرا يصغّرونه لصغره. قال ابن أبي ربيعة:
وقمير يد الخمس وعشرين ... له قالت الفتاتان قوما
يريد قومن وأنشد في القمراء:
يا حبّذا القمراء واللّيل السّاج ... وطرق مثل ملاء النّساج
والقمر الباهر في اللّيالي البيض ومعنى الباهر الذي يملأ كلّ شيء بضوء بهر بهورا، قال أبو حاتم: والبهر: الذي يصيب الإنسان من ذلك لأنّ المتنفس يمتلئ ويتردّد فيه النّفس فيستبهر. وقال:
(1/295)

عمّ النّجوم ضوؤه حين بهر ... فغمض النّجم الّذي كان ازدهر
وقال:
والقمر الباهر السّماء لقد ... زرنا كلانا بحجفل لجب
ليلة عفراء: ليلة ثلاث عشرة. ويقال لها أيضا: ليلة السّواء، وقال بعضهم: تسمّى بذلك لأنّ القمر يستوي فيها، وهو قول الأصمعي، وقال آخرون: لأنّه يستوي ليلها ونهارها. وقال: هي السّواء والغرّاء.
ويقال: أسفر القمر في أوّل ما يرى ضوؤه، ولم يظهر بعد، وأضاء القمر، وقالوا:
ليل أسفر، وقالوا: امتحق القمر، ولم يعرفوا فيه فعل يعني محق، والاسم المحاق والمحاقة غداة يخفى عليك، لأنّ الشّمس تغيبه عنك من أوّل نهارك قبل طلوعها ثم الاستسرار إلى أن يهلّ الهلال.
قال الأصمعي: المحاق أن يطلع القمر قبيل الشّمس في ضوئها، فلا يزال ينمحق حتى يذهب. والسرّار: أن يطلع خلفها. وقال أبو عبيدة: العرب تقول: لليلة ميلاد القمر: ابن ليلته وأنشد:
كأنّ ابن ليلة طلع جانحا ... قسيط لدى الأفق من خنصر
وقال أبو عبيدة: إنما قيل: ليلة البدر لأنّ القمر يبادر الشّمس أن يطلع، قال الله تعالى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
[سورة يس، الآية: 40] أي يجرين في قطب المدار. وقال زهير:
لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المنوّر ليلة البدر
قال أبو حاتم: قد روي عن ابن عباس هذا القول: إنّ القمر إنّما سمّي البدر لأنه يبادر أن يطلع، ولا أظنّه إلا غلطا عليه، إنّما البدر الممتلىء. ويقال: ليلة البدر، وقمر بدر وأبدر القمر صار بدرا. قال الشّاعر:
ثم كشعة القمر البدر ... حقوق الأحشاء والكبد
ويقال: غلام بدر إذا امتلأ شبابا قبل الاحتلام، وجاء ببدرة أي سقاء ممتلئ لبنا.
قال أبو عبيدة: ثم سمّوا ليلة البدر، وليلة النّصف، وليلة السّواء وهي ليلة ثلاث عشرة البيض قال: ولم أسمع عربيّا سمّى شيئا منهنّ ولكن عدّو هنّ فلمّا بلغوا آخر الشّهر سمّو ثلاثا منهنّ الدادي صفاة لشدّة ظلمتهنّ.
(1/296)

وقال أبو نصر: الدأداء: هي الغلبة إذا كنت تشكّ في اللّيلة هي ممّا أنت فيه أو من المقبل، يدل على هذا قوله:
هاجت عليه من الأشراط نافحة ... بغلته بين أظلام وأحفار
وقال:
تداركه في منضل الآل بعد ما ... مضى غير ما دأدأ وقد كاد يذهب
ثم قالوا: سرار الشّهر. قال جرير:
رأت مرّ السّنين أخذن منّي ... كما أخذ السّرار من الهلال
ويكون سرار الثّلاثين من آخر الشّهر إذا تمّ الشّهر، فإذا نقص فهو سرار ليلة.
ويقال: أتيته عند سرار الشّهر وعند سرار القمر. قال:
تلقى نوؤهنّ سرار شهر ... وخير النّوء ما لقي السّرار
وقال الكسائي: آخر ليلة من الشّهر. قال كثير:
هلال عشية لشفا غروب ... تسرّ وليلة بعد المحاق
وقال الراجز:
نحن صبحنا عامرا في دارها ... عشيّة الهلال أو سرارها
والسّرار: يفتح ويكسر والفتح أعرف، وقال بعضهم: المحاق ثم السّرار لأنّ ضوءه يمتحق ثم يستتر. وقال غيره: امتحاق القمر: احتراقه واحتج ببيت ساعدة:
في ما حق من نهار الصّيف محتدم
ويقال: محاق القمر، ومحاق الشّهر. قال:
بنيت بها قبل المحاق بليلة ... فكان محاقا كلّه ذلك الشّهر
وقال آخر:
فإن تك كوكب الصّمعاء نحسا ... به ولدت وبالقمر المحاق
ويقال: حجر القمر، وقمر القمر: إذا استدار بخط دقيق.
ويقال: لحف القمر فهو ملحوف: إذا جاوز النّصف وأخذ في النّقصان. والبراء: آخر ليلة في الشّهر لتبرأ القمر من الشّمس.
(1/297)

ويقال: طفاوة القمر: إذا حجه وأنشد: كأنّه البدر في طفاوته. وبعضهم يفتح الطّاء فيقول طفاوة.
ويقال: أفتق القمر: إذا خرج من السّحاب لفرجة يجدها، والفرجة الخصاصة. قال ذو الرمة شعرا:
تريك بياض لبّتها ووجها ... كقرز الشّمس أفتق ثمّ زالا
أصاب خصاصة فبدا كليلا ... كلا وانفلّ سائره انفلالا
وقال بعضهم: يسمّى القمر: الزّبرقان وهو من قولهم: زبرق عمامته: إذا صفّرها.
قال أبو حاتم: وزعم من لا أسكن إلى قوله أنّ القمر يسمّى في الدادي السّاهور. قال أمية بن أبي الصّلت:
والشّهر بين محاقه وهلاله ... أجل لعلم الناس كيف يعدد
ولا نقص فيه غير أنّ خبيئه ... قمر وساهور يسلّ ويغمد
وزعم أنّ السّاهور بالنّبطية أو السّريانية، وقال بعضهم: هو غلاف القمر يخرج منه أول حتى يبرز كلّه، فإذا انتصف الشّهر ارتدّ فيه.
وحكى بعضهم: ليالي السّاهور التّسع البواقي كلّها. وحكى الحارزنجي: السّاهور الشّهر، قال: ويقولون: لقوا الشّر في ساهوره، أي في كثرته. قال: والسّاهور من أسماء القمر وهو السّحاب أيضا، والسّاهرة الأرض العريضة البسيطة.
وقال شيخنا أبو علي: السّاهرة وجه الأرض من السّهر، ومعناه أنه إذا سهر قلق جنبه، فقلّ حظّه من الأرض، إمّا بالقيام، وإمّا بالقعود، وإمّا بالقلق والحركة فتأويله أنّه سلب ملابسة الأرض، وكذلك قولهم: سهروا والمعنى واحد والأخذ منزله كلّ ليلة والرّكس منزله الذي ينكسف فيه.
ويقال للسّواد الذي في القمر: المحو والشّامة. والهالة دارة القمر.
ويقال: طمس القمر والنّجم إذا ذهب ضوؤهما.
ويقال: القمر اللّيلة في الهالة قال: في هالة هلالها كالإكليل يعني دارته أنشد في الهالة:
فمن يسع من حيّ الأراقم جاهدا ... ليدرك مسعاة ابن هالة يسبق
ويقال: سميّت هالة لحسنها وجمالها كأنّهم شبّهوها. وقال قطرب: الفخت ضوء القمر والشّمس، وهي أيضا: ثقوب مستديرة في السّقف، وقد انفخت وقال ثعلب: الذي
(1/298)

يدل على أنّ الفخت الضّوء لا الظّل أن الفاختة سمّيت لفخت القمر ومنه الصّبغ الفاختي.
وكذلك ذكره أبو عبيدة والكسائي، ويقال: جاء تيفاق الهلال، وتوفاق الهلال، وتوفق الهلال، وميفاقه أي لوقته، وحين وجاء على نفته ونافته، وعلى أفاته أي لوقته.
وأخبر أبو عمر بن ثعلب عن ابن الأعرابي قال: هو القمر- والطّوس- والجلم- والجيلم والأرسلم- والباهر- والزّبرقان- والرّباض- والبدر- والسّمار والمتّسق والبادر- والغاسق.
قال ابن الأعرابي: ويقال للهلال: الأزميم- وابن ملاط- وابن مزنة- قال شعرا:
كأنّ ابن مزنة طلع جانحا ... فسيط لدى الأفق من خنصر
قال: ويقال له الأزميم إذا دفق. قال: كأنما شخصها في الآل أزميم. وزعموا أنّ أعرابية قالت لزوجها: لقد رأيت الأزميم بوجهك فما رأيت خيرا.
ويقال: قمر سنمار إذا كان مضيئا، وقمر سنمان بالنّون أيضا.
قال أبو عمرو: أخبرني السيّاري عن قوله في الغاشق أنّه القمر. وقلب الغسق عند العرب السّواد، قال: إنما قال: تعوّذي بالله من شرّ هذا الغاسق أي من شرّه إذا انكسف فهو آية ويسود، فمعناه يا عائشة افزعي إلى الصلاة واستعيذي بالله من شرّ هذه الآية إذا رأيتها، قال ابن الأعرابي وأنشد نصر والأسديون شعرا:
ومستنبت لا بالهلال نباته ... وما أن تلاقت باسمه الشّفتان
له شامة سوداء في حرّ وجهه ... مجللة لا ينقضي لأوان
ويدرك في تسع وستّ شبابه ... ويهرم في سبع معا وثمان
قال: هو الهلال لأنّه ثبت بلا سقي ذكر الشفتان لأنّه ليس في اسم الهلال من الحروف التي ينضم عليها الشّفتان شيء وحرّ الوجه ما بدا منه ومنه قوله:
كريمة حر الوجه غير المحسر
وحكى ثعلب عن أبي مسجل عن الكسائي أهلّ الهلال واستهلّ، ولا يقال: هلّ ولا أهللنا الهلال. والحمرة التي يغيب فيها القمر يقال لها: الندأة. قال الفزاري والجمع ندى ثلاثة، أخط أحمر بين أخضرين، فإذا رأيتها فتق بالمطر من غرب أو شرق بإذن الله عز وجل. قال ثعلب: الأخط جمع خط كما يقال: صل وأصل وشد وأشد. وغرة الشهر أوّل ليلة، لأنّ الهلال في أوّله كالغرة في وجه الفرس. وتقول العرب للحجر البراق: هو بصاقة القمر، وقيل بصاق وبصق. والبلماء ليلة البدر.
(1/299)

ويقال: وجه مسلم إذا امتلأ نورا واستكمل حسنا، وقال بعضهم: يقال كذلك طفاوة القمر.
فصل في أسماء ليال من أوّل الشّهر
الغرر ويقال الغر أيضا لأنّها كالغّرة في الوجه البهيم من الخيل.
ويقال أيضا: القرح لأنّها كالقرحة فيها. ولثلاث يليها السّبع، وقيل لها: الزّهر بفتح الهاء وقد سكنت أيضا، وقد أزهر القمر والزّهرة البياض والنجم المعروف الزّهرة، أبو عبيدة يبطل التّسع والعشر ورواه غيرهما. ومن قال الغرر جعلها جمع غرة. ومن قال غر جعلها جمع غرّاء. وقيل بعد الغر ثلاث شهب، لأن ضوء القمر فيها غير باهر، وقيل: ثلاث بهر لأنّ ضوء القمر بهر كلّ ظلمة أي غلب، وقيل في التّسع: إنّها سمّيت بها لأنّ فيها الليلة التّاسعة، كما سمّيت الغرر لأنّ فيها الغرة، وهي ليلة واحدة ليلة الهلال.
وكذلك العشر: لأنّ فيها اللّيلة العاشرة، ولثلاث يليها التّسع، وقيل لها: الدّرع بفتح الرّاء، ويجعل درعة مثل ظلمة وظلم وقيل الدّرع بسكون الراء جعل جمع درعاء. وقيل:
صبح أدرع: لاختلاط الضّوء بالظّلمة. وشاة درعاء إذا اسودّ مقدمها وابيضّ سائرها. ويقال:
أدرع الشّهر إذا جاوزت النّصف منه والدّرع والظّلم والزّهر وقد حركت الثّاني منها كلّها وجاءت على غير قياس. قال ابن أبي ربيعة:
قالت له شفقا لا تأت في قمر ... إن كنت تأتي بليل واحذر الدّرعا
ففتح الرّاء والقياس إسكانها. قال أبو حاتم: لم أسمع في الظلم أنّها جاءت على القياس. وقال بعضهم: أتيت وثوب السّماء مجزع، لأنّ أوّلها أبيض وآخرها أسود.
وقال الأصمعي: عن العرب: اللّيالي البيض: ثلاث ليال: ليلة السّواء، وليلة البدر، وليلة خمس عشرة. قال: ولا يقال أيام البيض إنّما يقال: ليالي البيض، وتسمّى هذه اللّيالي المحمقات، وذلك أنه إذا كان في السّماء غيم رقيق وطلع القمر من أوله إلى آخره خفي على الإنسان ضوء الصّبح، فيظنّ أنّه قد أصبح وعليه ليل فيسمين محمقات لذلك. ويقال: غرّ فلان غرور المحمقات.
وقد قيل لما يلي التّسع إلى اثنتي عشرة: الجزع، ثم ثلاث عشرة السّواء والعفراء، وأربع عشرة البدر، وخمس عشرة ميسان، وإلى العشرين الذرع، وقد تقدّم القول في جميعه، والتّسع البواقي الدّادي، وآخر ليلة في الشّهر ليلى مقصورا لظلمتها. وحكي المد فيها. وقيل للثلّث الأواخر محاق، لأنّه يمتحق القمر فيها كأنّه يحترق عند طلوع الشّمس فلا يرى.
(1/300)

ويقال: ليلة المحق ويقال: أتيته في المحاق أي في امتحاق القمر.
ويقال: من البدر قد أبدرنا، ومن السّواء قد أسوينا، ومن نصف الشّهر قد أنصفنا.
ويقال: ليلة ضحيان وضحيانة، وليلة قمراء، وليلة بيضاء، وليلة ضحياء، وليال ضحيانات، وليلة طلقة، وليال طلقات، وطوالق إذا كنّ مقمرات.
ويقال: ثلاث دادي، وثلاث ظلم، وثلاث حنادس. قال شعرا:
تداركه في متصل الآل بعد ما ... مضى غير دأداء وقد كاد يسحب
وقيل: اللّيالي النّحس والدّهم. وقيل أيضا: ثلاث قحم: لأنّ القمر قحم في دنوّه إلى الشّمس.
ويقال لليلة ثمان وعشرين: الدّعجاء، وليلة تسع وعشرين الدّهماء، ولليلة ثلاثين اللّيلاء، ويجوز أن يكون القحم أخذ من افتحام في السّير، وقال الأصمعيّ في الحنادس:
كلّ ظلماء من اللّيالي حندس، وقال أبو عمرو: قول النّاس العشر والنفل لا تعرفه العرب.
قال الجعدي في الظّلم: كاللّيلة المباركة القمراء تهدي أوائل الظّلم. وقال المسيّب بن علس: كالطّلق يتبع ليلة البهر.
(1/301)

الباب السّابع والعشرون في ذكر أسماء الهلال من أوّل الشّهر إلى آخره وما ورد عنهم فيها من الأسجاع وغيرها
قال أبو زيد: الأعراب يقولون للقمر لأوّل ليلة، رضاع سخيلة حلّ أهلها برميله.
ولابن ليلتين: حديث أمتين يكذب ومين، ولابن ثلاث: حديث فتيات غير جد مؤتلفات، ويروى ما أنت ابن ثلاث، فقال: قليل اللّبات، ولابن أربعة: عتمة ربع غير حبلى ولا مرضع. ويروى غير جابع ولا مرضع. وقال بعضهم: عتمة أم ربع غير حبلى ولا مرضع.
ولابن خمس: عشاء خلفات قعس وزعم غير أبي زيد أنّه يقال لابن خمس: حديث وأنس.
قال أبو زيد: ويقال لابن ست: سر وبت. وقال غيره: أسر وبت. قال أبو حاتم: لأنّه يقال: سرى وأسرى بمعنى. وقال أبو زيد: لابن سبع دلجة الضّبع، وقال غيره: حد والأنس ذو الجمع. وقال أبو زيد لابن ثمان: قمراء أضحيان. قال أبو حاتم: أضحيان.
قال أبو زيد: ولا بن تسع: انقطع الشّبع. وقال غيره: ملتقط ماء الجزع وقيل مثقّب الجزع.
وقال أبو زيد لابن عشر: ثلث الشّهر. وقال غيره: محنق الفجر. وقال غير أبي زيد قيل للقمر: ما أنت لأحدى عشرة قال: لدى عشاء وأرى بكرة. قيل: فما أنت لاثنتي عشرة؟
قال: موثق للشّمس بالبدو والحضر. الذي حكاه أبو حاتم موثق للشّمس. وقيل: ينبغي أن يكون موثق للخلق. قيل: فما أنت لثلاث عشرة؟ قال: قمر باهر يعشى له النّاظر. قيل: فما أنت لأربع عشرة؟ قال: مقتبل الشبّاب أضيء مدجنات السّحاب. قيل: فما أنت لخمس عشرة؟ قال: تمّ التّمام ونفدت الأيام. قيل: فما أنت لستّ عشرة؟ قال: نقص الخلق في الغرب والشّرق. قيل: فما أنت لسبع عشرة؟ قال: أمكنت المغتفر الغفرة. قيل: فما أنت لثماني عشرة؟ قال: قليل البقاء سريع الفناء. قيل: فما أنت لتسع عشرة؟ قال: بطيء الطّلوع بين الخشوع. قيل: فما أنت لعشرين؟ قال: أطلع بسحره وأرى بالبهرة، قيل: فما
(1/302)

أنت لإحدى وعشرين؟ قال: كالقبس أطلع في غلس. قيل: فما أنت لاثنتين وعشرين؟ قال:
أطيل السّرى ألا رأيت ما أرى. قيل: فما أنت لثلاث وعشرين؟ قال: أطلع في قتمة ولا أجلي الظّلمة. قيل: فما أنت لأربع وعشرين؟ قال: أرى في تلك اللّيالي لا قمر ولا هلال.
قيل: فما أنت لخمس وعشرين؟ قال: دنا الأجل وانقطع الأمل. قيل: فما أنت لستّ وعشرين؟ قال: دنا ما دنا فليس يرى لي سناء. قيل: فما أنت لسبع وعشرين؟ قال: أطلع بكرا وأرى ظهرا. قيل: فما أنت لثمان وعشرين؟ قال: أسبق شعاع الشّمس، وقيل: فما أنت لتسع وعشرين؟ قال: ضئيل صغير لا يراني إلا البصير. قيل: فما أنت لثلاثين؟ قال:
هلال مستقبل.
ويقال: جئت لعقب الشّهر وعقباله أي بعد ما يمضي، وفي عقبه وعقبه إذا بقيت منه بقيّة.
ويقال: لا يفعل كذا إلّا عقبة القمر. وذلك إذا قارن الثّريا ويقارنها في السنّة مرّة وهو من المعاقبة، وذلك إذا استوى اللّيل والنّهار، وقيل: هو عودته إذا غاب وقال بعضهم في العقبة:
لا يطعم العسل والخطميّ لمته ... ولا الزّريرة إلّا عقبة القمر
وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي عن المسروحي قال:
لما رأيت الشّعراء أبدوا ... وكلّ شيء جمعوه عدّدوا
حاجتهم ما ذو عصا مسند ... حيّ كميت عينه توقد
سيد جمع حوله لم يولد
(سيّد جمع) : يعني القمر والنّجوم حوله و (ذو عصا) قال جعل عصاه المجرّة و (مسند) : أي في السّماء، وقيل أيضا: يسند إليه الشّهور والأيام و (حي كميت) أي يسير ولا روح له ومعنى (أبدوا) أتوا بالأوابد والدّواهي. وأنشد أبو زيد عن المفضل لرجل من بني سعد شعرا:
مهما يكن ريب المنون فإنّني ... أرى قمر اللّيل المعذّب كالفتى
يهلّ صغيرا ثم يعظم قدره ... وصورته حتّى إذا هو ما استوى
يقارب يخبو ضوؤه وشعاعه ... ويمصح حتّى يستسرّ فلا يرى
كذلك زيد المرء ثم انتقاصه ... وتكراره في إثره بعد ما مضى
(زيد المرء) زيادته. وقال آخر:
(1/303)

يدان بنا وابن اللّيالي كأنّه ... حسام جلت عنه العيون صقيل
فما زال يغلو كلّ يوم شبابه ... إلى أن أتتك العيس وهو ضئيل
والمعنى سرنا من أوّل الشّهر إلى آخره حتى انتهينا إليك. وأنشد ابن الأعرابي:
فلو كنت ليلا كنت ليلة صيف ... من المشرقات في موسّطة الشّهر
ولو كنت ظلّا كنت ظلّ غمامة ... ولو كنت عرشا كنت تعريشة الفجر
ولو كنت يوما كنت يوم سعادة ... يرى شمسه والمزن يهضب بالقطر
وأنشدت عن نقطويه، قال: أنشدني ثعلب عن ابن الأعرابي شعرا:
لو كنت ليلا من ليالي الشّهر ... كنت من البيض تمام البدر
بيضاء لا يشقى به من يسري ... أو كنت ماء كنت غير كدر
ماء سماء في صفاء من صخر ... أظلّه الله بعيض السدّر
فهو شفاء من غليل الصّدر
وأنشدني حمزة بن الحسن قال: أنشدني علي بن سليمان عن المبرد:
وليل في جوانبه فضول ... على الآفاق أبهم غيبهان
كأنّ نجومه دمع حبيس ... ترقرق بين أجفان الغواني
قال أبو عمر الزّاهد: عرضت هذين البيتين على ثعلب، فقال: البيت الثّاني مضاف إلى شعر الشّاعر وليس له. وقال جرير في قصّة الأيام:
ويوم كإبهام القطاة مزين ... إلى صباه غالب لي باطله
وأنشد في مثله:
ظللنا عند دار أبي نعيم ... بيوم مثل سالفة الذّباب
وأنشد أبو العباس ثعلب:
وسيّارة لم تسر في الأرض تبتغي ... محلّا ولم يقطع بها البيد قاطع
سرت حيث لا تسري الرّكاب ولم ينخ ... لورد ولم يقصر لها القيد مانع
تفتّح أبواب السّماء ودونها ... إذا ما ارتجت عنها المسامع سامع
يعني دعوة مظلوم دعا الله تبارك وتعالى وأنشد في مثله شعرا:
خدنان لم يريا معا في منزل ... وكلاهما يجري به المقدار
لونان شتّى يغشيان ملاءة ... تسفي عليه الرّيح والأمطار
(1/304)

(الخدنان) : اللّيل والنّهار و (الملاءة) يعني بها الأرض. وقال آخر في المحاجاة:
ما جملي قهقرني وإبلي يعذرني ... وقربتي روية وكلبتي حميّة
جمله القمر، والقهقر الشّديد وإبلي يعذرني: يعني النّجوم، وقربته السّماء تمطر وكلبته حميّة يعني الشّمس. وأنشدني العسكري أبو أحمد، قال: أنشدني المفجع الكاتب:
وما واضح بعد الغياث مصور ... له خلع شتّى وما هو لابس
يعني: قوس قزح، و (الغياث) المطر. قال وأنشدني الآخر:
أكلت النّهار فأفنيته ... فهل في لياليك من طمع
النّهار: الذّكر من الحبارى واللّيل: فرخ الكروان، قال: وأنشدني عن ثعلب:
ألا ليتني أصبحت يوما بمنزل ... بعيد من اسم الله والبركات
هذا رجل طال سفره، فكان إذا ارتحل أصحابه قالوا: اسم الله. وإذا نزلوا قالوا: على بركة الله، قيل: طول السّفر، وقال ذلك. وقال آخر في ضده:
ليتني في المسافرين حياتي ... لا لحبّ الحلول والتّرحال
بل لخمس تحطّ منهنّ ستّ ... وثلاثين لا تكون ببالي
يعني خمس صلوات، يحطّ منها ست ركعات وهي: صلوات المسافر. وأنشدني أبو أحمد العسكري:
رمتني بنجلاوين من ترميانه ... بسهمها شدّت عليه التمائم
وشفّت سحابا فيه سبعون أنجما ... وشمس تولّتهنّ عشر نواعم
النّجلاوان: العينان يقول من أصابته بطرفها جن، والسّحاب: أراد به أنّها حلّت أزرارها جعل الغطاء كالسّحاب والأنجم اللآلئ، والشّمس منه كالقلادة من فضّة أو ذهب وأراد بالعشر النّواعم الأصابع وأنشد:
ستة إخوة وأخت شريفة ... هي في دارنا ودار الخليفة
يعني أيام الأسبوع.
(1/305)

الباب الثّامن والعشرون في ذكر أسماء الأوقات لأفعال واقعة في اللّيل والنّهار
وأسماء لأفعال مختصّة بأوقات في الفصول والأزمان يوم العداد: يوم العطاء والفرض. لذلك قيل: عداد فلان في بني فلان أي ديوانه.
قال ابن الأعرابي: العداد: الوقت الذي تتهيج فيه أوجاع البطن. والعداد الرّبع من الحمى وأنشد:
يلاقي من تذكّر آل ليلى ... كما يلقى السّليم من العداد
وفي الحديث: «وما زالت آكلة خيبر تعادني فهذا أوان قطعت أبهري» أي يأتيني الأذى منها لوقت معلوم. (والعداد) : اللّيلة التي يناح فيها على الميت من كلّ أسبوع.
وعدة المرأة: أيام قرئها.
والصّبوح: ما يشرب صباحا. والغبوق: ما يشرب عشاء. ومن أمثالهم: جاء فلان وقد أحيل صبوحه على غبوقه، إذا صرف عن رأيه وأمره. ومثله: جاء فلان وقد فتلت ذوائبه وفتّ في عضده. وفي الحديث: «ما زال يفتل في الذّروة والغارب» وأنشد:
ما لي لا أسقى على علّاتي ... صبائحي غبائقي قيلاتي
والنّحويون يحتجّون بهذا في حذف حروف العطف من الكلام.
والقبيل: شرب نصف النّهار، وفي قصة تأبّط شرّا: شروب للقبيل- يضرب بالذّيل كمغرب الخيل- وأنشد:
يا ربّ مهر مزعوق ... مقيل أو مغبوق
من لبن الدّهم الرّوق.
مزعوق: أي نشيط.
والجاشريّة: شرب السّحر. يقال: أسحرنا فتجشّرنا فنحن مسحرون متجشّرون من جشر الصّبح. وأنشد:
(1/306)

إذا ما شربنا الجاشريّة لم نبل ... أميرا وإن كان الأمير من الأزد
وما يؤكل فيه اسمه السّحور والطّائر المسحّر: إذا غرّد سحرا. والسّحر والسّحرة واحد. ويقال: صبّحناهم وغبقناهم وغشيناهم وغديناهم قال عدي:
بينك فلم يلقهم حقباء
والضّحاء للإبل: كالغداء للنّاس، وأوّل وقت الغداء قبل الفجر الثّاني، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعرباض حين دعاه إلى السّحور: «هلمّ إلى الغداء المبارك» . فالغداء والعشاء مأخوذان من الغداة والعشيّ. ويقال لمن خرج في هذا الوقت: قد غدا منه، فإن يقدم في هذا الوقت لم يقل غدا، ولكن يقال: دلج إذا خرج في نصف اللّيل، أو في أوّله وأدلج إذا خرج في آخره، فإذا انبسطت الشّمس فإن شئت سمّيت الغداء ضحاء. ويقال: ضح إبلك، أي غدها وسمّى ضحاء لأنّهم يضحّون للشّمس وفي القرآن: لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى
[سورة طه، الآية: 119] أي لا تعطش ولا تصيبنّك الشّمس. وبناء الفعل من هذه الأفعال قياسه مطّرد وفي أظمأ الفعل والظماء ما بين الوردين، يقال: وردت الإبل الرّبع والخمس إلى العشر ومن هذا قول الكميت:
وذلك ضرب أخماس أريدت ... لإسداس عسى ألّا تكونا
هذا مثل يضرب للرّجل يتعلّل بغير علّة يظهر لك شيئا ويريد غيره، والّذي يريد شيئا يتوصّل إليه بغير وجهه، ويخيّل عنه صاحبه. ووردت الماء ظاهره أي وردت كلّ يوم نصف النّهار.
والغب: أن يرد يوما ويدع يوما، وكذلك الغب في الزّيارة. وفي الحديث: «زر غبّا تزدد حبّا» ومنه قيل: أغبّ اللّحم أغبابا، وغب غبوبا إذا أروح ولحم غاب ومغب. وحكى أبو زيد: لأضربنّك غبّ الحمار وظاهره الفرس. وغب أنّه يرعى يوما ويشرب يوما.
والظّاهر أنّه يشرب الفرس كلّ يوم.
ويقال: أفضينا اليوم: إذا شربت الإبل قليلا قليلا، وأشربنا إذا رويت إبلنا. والغب في الورود: معروف، ولا يقال: بدله الثّلث، كما قيل الرّبع. والورد يوم الحمى، ويقال: هو مورود. والقلد: يوم يأتي فيه المثلّثة. والقد أيضا أن يمطر النّاس من الأسبوع في يوم معلوم ثلاثا أو أربعا أو أحد الأيام.
ويقال: هو مربع ومربوع في حمى الرّبع. قال الهذلي:
من المربعين ومن آزل ... إذا جنّه اللّيل كالنّاحظ
(1/307)

والقلع: وحواذها أن يعاود وينقطع مرّة بعد أخرى، وهذا كما قال النّابغة في صفة السّليم: تطلّقه طورا وطورا تراجع. والسّرح: المال يسأم في المرعى.
يقال: سرح القوم إبلهم سرحا وسرحت الإبل، والمسرح مرعى السّرح ولا يسمّى سرحا من المال إلا ما يغدى به ويراح، والجميع السّروح ويكون السّارح اسما للقوم الذين لهم السّرح، نحو الحاضر والسّامر وهما للجميع. وأنشد في ذلك:
سواء فلا جدب فيعرف جدبها ... ولا سارح فيها على الرّعي يشبع
وقال: أم حصان لم تكن أمة في الحي ترعى سارح الغنم. قال أبو بكر الدّريدي، وفي دعاء الاستسقاء: قلّدتنا السّماء قلدا قلدا أي: وردا وردا، ويقال: صارت الحمى تحاوذنا بالزّيادة، أي يتعهدنا بين الأيام.
والغداء والعشاء معروفان. وقيل لبعضهم: ما المروءة؟ قال: إصلاح المال والرّزانة في المجلس. والغداء والعشاء بالأفنية. وما يتعلّل به قبل الغداء السّلفة والعجلة واللهنة.
قال: عجيز عارضها، منفل، طعامها اللهنة أو أقل. ويقال: لهنوا ضيفكم أي قدّموا إليه ما يتعلّل به قبل إدراك الغداء. والقيلولة: نوم نصف النّهار، ويقال: فلان يعشو إلى نار فلان:
إذا جاءها ليلا وذلك لما يغطي بصره من الظّلمة. وقال:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
ومنه: أوطانه العشوة إذا حربه بالباطل، وهذا كما قال تعالى: أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً
[سورة يونس، الآية: 27] ويقال للأكلة في اليوم واللّيلة: الوجبة والوزمة، وقد وجب والوزمة: وقد وجب نفسه وعياله وتوجّب بنو فلان، وما يجلب بنو فلان إبلهم وغنمهم الأوجبة والأوزمة وأنشد:
علقت عجوزهم إذا هي أظلمت ... بالجاشريّة مثل وزمة درهم
والجاشريّة: شربة في السّحر على غير طعام ومنه قوله:
وندمان يزيد الكأس طيبا ... سقيت الجاشريّة أو سقى لي
ومن كلامهم: من أكل الوجبة أو الوزمة لم يمعد، والممعود: الذي يشتكي معدته ويقال: أتيته آينة بعد آينة، على وزن عاينة أي تارة، وأتيته بعد أين ويهمزون الأين ولا يهمزون وأنشد:
ترى قورها يغرقن في الآل مرّة ... وآينة يخرجن من عام ضحل
وحكى الأصمعيّ قال: قيل للرّجل أسرع في مشيه: كيف كنت في سيرك؟ قال: كنت
(1/308)

آكل الوجبة- وأنجو الوقعة- وأعرس إذا أفجرت- وأرتحل إذا أسفرت- وأسير الوضع- وأجتنب الملع- فجئتكم لمسي سبع- قوله: أنجو الوقعة: أي أقضي الحاجة في اليوم مرة يعني إتيان الخلاء. ويقال: أنجا ونجا جميعا. والملع ضرب من السّير وهو أشدّ من الوضع، واختار الوضع على الملع لئلّا ينقطع سيره.
وقد قيل: شرّ السّير الحقحقة- ويقال: جزم حزم إذا أكل أكلة في اليوم واللّيلة.
ويقال: ما زال يتمّهق إذا شرب يومه أجمع.
ويقال: تهقّعوا أوردا: أي ورودا كلّهم.
والتّحيين: حلب النّاقة مرة في اليوم واللّيلة. وأنشد:
إذا أفنت أرمي عيالك أفنها ... وإن حينت أربي على الوطب حينها
قال: الأصل الحينة، وهو أن يأكل في اليوم مرّة.
ويقال للعروس إذا غشيها زوجها: هذه ليلة فضتها أي ليلة اقتراعها. الكسائي يقال:
أمرجت الدّابة في لغة بني تميم وغيرهم، يقول: مرجتها قال العجّاج:
رعى بها رعي ربيع ممرجا، وعبهلتها وأسمتها، كلّ ذلك إذا أهملها في المرعى نهارا، فإذا كان باللّيل قيل أنفشها. قال:
أجرش لهابا بن أبي كباش ... فما لها اللّيلة من أنفاش
غير السّرى وسائق نجّاش
والفعل لها نفشت، ولا يستعمل إلا باللّيل، وفي القرآن: إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
[سورة الأنبياء، الآية: 78] .
وكذلك النّشر أن ينشر الغنم باللّيل فترعى، وإذا أرسلت فرعت قيل: صبت الإبل تصبو. قال شعرا:
إذا تروّحن من الإعياء ... باللّيل لا يصبون في عشاء
ويقال: فلان قنفذ ليل: أي يدور في اللّيل ولا ينام، والقنفذ لا ينام. وهذا كما أنّ القطرب دويبة تقطع نهارها بالمجيء والذّهاب. وفي الحديث: «لا يبيتنّ أحدكم جيفة ليل وقطرب نهار» قال:
قوم إذا دمس الظّلام عليهم ... حدجوا قنافذ بالنّميمة تمزع
(1/309)

والدّلجة: السّرى من أوّل اللّيل إلى آخره. وقيل: دلج اللّيل: سار من أول اللّيل، وأدلج: سار من آخره. قال أبو حاتم: أو بعد نومة ينامها.
والتّعريس: النّزول في آخر اللّيل، كما أنّ التّغوير في آخر النّهار. وهذا كما أنّ الاقتحام من أوّل اللّيل، والاهتجام في آخره.
ويقال: بلغ الأمر نياه: أي وقته. ثم قيل: طال به الأناء مقصورا، فإن فتحت مددت الألف، وأنشد الحطيئة:
وأتيت العشاء إلى سهيل ... أو الشّعرى فطال بي الأناء
وحكى أبو نصر عن الأصمعي: آن آنه: أي حان حينه، وأنى له أن يفعل كذا يأني أنيا.
وآن يئين أينا. وأنشد الدّريدي: قال أنشدني أبو حاتم عن الأصمعي: أونوا فقد آن عليها الطّلح. وقال: وهذا من الأون الرّفق- يقال: إن يؤن أونا، وكان الواجب أن يقول: أونوا على الطّلح فقد آن، أي ارفقوا بها فقد أعيين.
والتّأويب: السّير من غدوة إلى اللّيل. قال الرّاجز:
كأنّ غرّ متنه إذ نجتبه ... سير صنايح في حزير نكلّبه
من بعد يوم كامل نؤوّبه
غرّ المتن: طريقته. يقال: إنها تبرق كأنّها سير في حزر.
ويقال: فلان على جول فلان إذا كان على سنّه، وهو سوغه أي طريده، ولد بعده ليس بينهما ولد، وهم أسواغه.
يقال: هو سنه وتنّه: أي مثله وقرنه.
والملى والمعك والمدالك والمطل: تأخير قضاء الدّين عن وقته ومطله.
ويقال: لقيته أوّل وهلة وواهلة ووهلة- وأوّل ذي أوّل- وأوّل صوك وبوك- أي قبل كلّ شيء وقبل كلّ أحد.
وقال يونس: أقامت امرأة فلان عنده: يعني امرأة العنين ربضتها إذا أقامت عنده حولا ثم فرّق بينهما. ويوم الطّلق ويوم القرب. قال الأصمعيّ: سألت أعرابيا عن القرب، فقال:
سير اللّيل لورود الغد، ويقال: ناقة طالق: من الطّلق، وقارب من القرب.
قال: أسد وكلب: يسمّون صلوة المغرب صلوة الشّاهد، وغيرهم من العرب يسمّي الفجر: صلوة الشّاهد وأنشد:
(1/310)

فصبحت قبل الأذان الأوّل ... تيماء والصّبح كسيف الصّيقل
قبل صلوة الشّاهد المستعجل
وأنشد غيره: بين الظّلام وصلوة الشّاهد. وأنشد ابن الأعرابي:
يا حبّذا قولهم أبيلوا ... وعرّسوا فقد دنا المقيل
يقول: إذا أبالوا الإبل اجتمعت فأمكن السّلام والمصافحة، واستراح العسيف.
قال الأصمعيّ: المستمي: الطّالب للصّيد نصف النّهار، والسّامي مثله. وقال الأصمعيّ: هو الطّالب الصّيد وغيره في أيّ وقت كان، وأنشد:
إذا بكر العواذل أستميت ... وهل أنا خالد أما ضحوت
قال: أستميت أي طلبت بكرا. وأنشد أبو عبيدة شعرا:
وليس بها ريح ولكن وديقه ... يظلّ بها السّامي يهلّ وينقع
يهلّ: يستحلب ريقه ينفعه تحت لسانه من العطش. وقال جرير:
بقر أوانس لم يصب غرّاتها ... نبل الرّماة ولا رماح المستمي
(أبو عمرو) : ليلة شيباء: هي اللّيلة التي يقترع الرجل امرأته فيها وأنشد:
كليلة شيباء التي لست ناسيا ... وليتنا إذ مرّ في اللهو قرمل
قال: الشّيباء الضّعيفة، والأشيب: الضّعيف، وقال قطرب: ليلة الشّيباء التي يفتضّ الرّجل فيها أهله ثم أنشد شعرا:
وكنت كليلة الشّيباء همّت ... بمنع الشّكر آتمها القبيل
آتمها: صيّرها أتوما، وهي المفضّاة التي صارت شيئا واحدا. والقبيل: الذي يقابلها في الجماع. وقد قيل: الشّيباء يمد ويقصر، وقال الأسدي: باتت بليلة شيباء على الإضافة وبليلة شيباء بالتّنوين، وضدّها ليلة حرّة.
وحكى ابن الأعرابي: قال سألت أبا المكارم عن الصّوص، فقال: هو الذي ينزل وحده، ويأكل وحده بالنّهار، فإذا كان اللّيل أكل في القمراء لئلّا يراه الضّيف. وأنشدني:
صوص الغنيّ سدّ غناه فقره. سدّ غناه فقره: يعني فقر النّفس يمنعه من الكرم. وأنشد أيضا شعرا:
يا ربّ شيخ من بني قلاص ... يأكل تحت القمر الوباص
(1/311)

باهرة باتت على أدراص الأدراص: ولد الفأر، ويقال: فصيل صيفي، وفصيل ربعي، وما تنتج بعد سقوط الغفر إلى أن يمضي، يقال له هبع وسمّي هبعا لأنّ الصّال الرّبعيّة أكبر منه وقد قويت، فهو لا يلحقها إذا مشت لأنّها أدرع منه فيهبع في مشيه، والهبع والهبعان ش