Advertisement

البديع في نقد الشعر



الكتاب: البديع في نقد الشعر
المؤلف: أبو المظفر مؤيد الدولة مجد الدين أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني الكلبي الشيزري (المتوفى: 584هـ)
بتحقيق: الدكتور أحمد أحمد بدوي، الدكتور حامد عبد المجيد
مراجعة: الأستاذ إبراهيم مصطفى
الناشر: الجمهورية العربية المتحدة - وزارة الثقافة والإرشاد القومي - الإقليم الجنوبي - الإدارة العامة للثقافة
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
باب
أجناس التجنيس
اعلم أن التجنيس ثمانية أجناس، فمنها التجنيس المغاير، وهو أن تكون الكلمتان اسماً وفعلا مثل قوله تعالى حكاية عن بلقيس: " وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين "، وقوله عز وجل: " فأقم وجهك للدين القيم " وقوله تعالى: " يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار "، وقوله سبحانه: " قال: إني لعملكم من القالين "، وقوله تعالى حكاية عن يعقوب: " يا أسفا على يوسف "، وقوله تعالى: " ثم كلي من كل الثمرات "، وقوله جل جلاله: " أزفت الآزفة "، و " إني وجهت وجهي "، وقال ذو الرمة:
كأنَ البرى والعاجَ عيجتْ متونهُ ... على عشرٍ نهى به السيلَ أبطحُ
(1/12)

وقال جرير:
كأنكَ لم تسرْ ببلادِ نجدٍ ... ولمْ تنظرُ بناظرةَ الخياما
وقال بعض العرب في صفة فوارس: إنها لخيل تختار، وحضر في مجلس الرشيد طيب فيه ند غير طيب الرائحة، فقال الرشيد: هذا ند عن الند. وتظلم رجل إلى المأمون من عامله، فقال: ما ترك فضة إلا فضها ولا ذهبا إلا أذهبه، ولا بزاً إلا بزه، ولا علقاً مضنة إلا علقه ولا غلة إلا غلهإن ولا فرساً إلا افترسه، ولا عارية إلا عارهإن ولا خلعة إلا خلعهإن ولا وديعة إلا ودعهإن ولا ضيعة إلا ضيعهإن ولا عقاراً إلا عقره، ولا سبداً إلا استبد به، ولا لبداً إلا
(1/13)

لبد عليه، ولا جليلاً إلا أجله، ولا دقيقاً إلا دقه، ولا مالاً إلا مال عليه، ولا غنيمة إلا غنمها ولا حالة إلا أحالها فهل من معد بما يكتب إليه، ومنه:
ربَ خودٍ عرفتُ في عرفاتِ ... سلبتني بحسنها حسناتي
ورمتْ بالجمارِ جمرةَ قلبي ... أيُ قلبٍ يقوى على الجمراتِ
حرمتْ حين أحرمتْ نومَ عيني ... واستباحتِ جمايَ باللحظاتِ
وأفاضتْ مع الحجيجِ، ففاضتْ ... من دموعي سوابقُ العبراتِ
لم أنلْ من منى منى النفسِ، حتى ... خفتُ بالخيفِ أن تكونَ وفاتي

باب التجنيس المماثل
اعلم أن التجنيس المماثل هو أن تكون كلمتان اسمين أو فعلين، كما قال الله عز وجل: " فروح، وريحان وجنة نعيم "، وقال عز وجل: " وجني الجنتين دان "؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الظلم ظلمات يوم القيامة "؛ وقال عليه الصلاة والسلام: " ذو الوجهين لا يكون وجيهاً يوم القيامة "، وقال بعض الوزراء: ليكن كلامك حاجة أو حجة، وإلا خسرت. وكتب بعض الأدباء إلى الرشيد: أحسن لنا في النظر، كما أحسنا في الإنتظار؛ وسئل الشافعي رضي الله عنه عن النبيذ فقال: أجمع أهل الحرمين على تحريمه. ووصفه بعض العرب
(1/14)

سحاباً فقال: عارض عريض، كان عنه روض أريض وقال البحتري:
يذكرنيكِ والذكرى عناءٌ ... مشابهُ فيك طيبةُ الشكولِ
نسيمُ الروض في ريحٍ شمالٍ ... وصوبُ المزن في راحٍ شمولِ
وقال آخر: إن لفلان وجهاً وجيهاً. وقال الشاعر:
في وجهه شافعٌ يمحو إساءته ... من القلوبِ وجيهٌ حيثما شفعا
وقال بعض الظرفاء: أنا ألتذ بشهد المشاهدة لك. وقال معاوية لابن عباس: ما بالكم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم، فقال: عوضاً من المصيبة يا بني أمية في بصائركم. وقال بعضهم:
وكنتَ لي مألفاً إذا نفرٌ ... من بعضِ إخوانِ ودهمْ نفروا
فأخذ منه الآخر فقال:
بجانبِ الكرخِ من بغداد عنَ لنا ... ظبيٌ ينفره عن وصلنا نفرُ
ذؤابتاهُ نجادا سيفِ مقلتهِ ... وجفنه جفنه والشفرةُ الشفرُ
(1/15)

ظفيرتاهُ على قتلي تظافرتا ... يا من رأى شاعراً أودى به الشعرُ
ومنه:
يجدُ الملتفَ من أموالهِ ... واقعاً منهُ وقوعَ المستفادِ
غيرُ لاهٍ باللهى بل عالمٌ ... أن بذلَ الوفرِ من خيرِ عتادِ
ومنه:
عربٌ تراهم أعجمينَ عن القرى ... متنزلينَ عن الضيوفِ النزلِ
فأقمتُ بين الأزدِ غيرَ مزودٍ ... ورحلتُ عن خولانَ غير مخولِ
ولجرير:
وما زالَ معقولاً عقالق عن الندى ... وما زالَ محبوساً عنِ الخيرِ حابسُ
ومنه:
إذا أعطشتكَ أكفُ اللئام ... كفتكَ القناعةُ شبعاً وريا
فكنْ رجلاً رجله في الثرى ... وهامةُ همته في الثريا
أبياً بوجهك عن باخلٍ ... بما في يديه تراه أبيا
فإنَ إراقةَ ماءِ الحيا ... ةِ دونَ إراقةِ ماءِ المحيا
(1/16)

ومنه:
يا غزالاً إذا نظرْ ... وقضيباً إذا خطرْ
والذي أشعرَ القلو ... بَ غراماً وما شعرْ
حرتُ لما أحارني ... ما بعينيكَ من حورْ
وتغيرتَ إذْ ملك ... تَ، فخفْ سطوة الغيرْ

باب تجنيس التصحيف
اعلم أن تجنيس التصحيف، هو إن تكون النقط فرقاً بين الكلمتين، كما قال أبو دؤاد الإيادي:
وردتُ بعيهامةِ جسرةٍ ... فعنتْ سمالاً وهبت شمالا
وكما قال أبو تمام:
السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتبِ ... في حدهِ الحدُ بينَ الجد واللعبِ
وكما قال البحتري:
ولم يكن المغترُ باللهِ إذ سرى ... ليعجزَ، والمعتزُ باللهِ طالبه
(1/17)

وكما قال الأفوه الأودي:
حتى حنا مني قناةَ المطا ... وقنعَ الرأسَ بشيبٍ خلس
وكتب بعض الأدباء إلى أخيه: أنا شاك وأنت سال.
ومنه لابن قيس الرقيات:
رجعوا منكَ لائمينَ وكلٌ ... راحَ من عندكم حزيناً حريبا
ومنه قول الخنساء:
دل على معروفه وجههُ ... بورك هذا هادياً من دليلْ
ويلُ أمهِ، مسعرَ حربٍ إذا ... راحَ لحربٍ، وعليه الشليلْ
وقال قيس بن الخطيم:
تركنا بعاثإً يومَ ذلكَ منهمُ ... وسلمى على رغمٍ شباعاً سباعها
(1/18)

ومنه قول الراعي:
يبدو لعينيك مران ونجوتها ... مني مكامن بينَ الحفر والخفر
ومنه قول الآخر:
أحبك يا جنانُ وأنتِ مني ... مكانُ الروحِ من بدنِ الجبانِ
ولو أني أقولُ: مكانُ روحي ... لخفتُ عليك بادرةَ الزمانِ
لإقدامي إذا ما الخيلُ جالتْ ... وهابَ حماتها حر الطعانِ
ومنه:
كم الضيمُ تحت رواقِ الخمولِ ... أما يأنفُ الأدبُ الخاملُ
ولو أدركَ المجدُ بين البيوتِ ... لما أصحر الأسدُ الباسلُ
يقولُ الصديقُ ويصغي العدوُ ... وخيرُ من القائلِ القابلُ
ومنه لمهيار:
يا منزلاً لعبَ الزمانُ به ... وبكى الحمامُ به كما غنى
كنا نعوجُ مسلمينَ بهِ ... فاليومَ سلمنا وما عجنا
إن زارَ داركَ عن مراقبة ... حيإه وإن هو لم يزر حنا
ومنه للبحتري:
(1/19)

رفعتْ من السجفِ الخفي، وسلمت ... بأناملٍ فيهنَ ورسُ خضابِ
وتعجبتْ من لوعتي، وتبسمتْ ... عن واضحاتٍ، لم يذقن، عذابِ
لو تسعفين، وما سألتُ مشقةً ... لعدلتِ حرَ جوىً ببردِ رضابِ
أما لو أن العذر يجمل بالفتى ... لسلوت عنك وفي بعض شبابي
ولئن شكوت ظماي إنك للتي ... قدماً جعلت من السراب شرابي

باب تجنيس التحريف
اعلم أن تجنيس التحريف، هو إن يكون الشكل فرقاً بين الكلمتين.
مثل قوله:
أحبابنا ما بين فر ... قتكم وبين الموت فرقُ
جازيتمونا في بعا ... دكمُ بما لا نستحقُ
أفنيتمُ العبراتِ فابقوا ... وملكتمُ رقي فرقوا
ومما نسب إلى الأمير الأجل سديد الدولة:
أمضى من البيض الرقا ... قِ لواحظُ البيض الرقاقِ
ونواهدُ السمر الدقا ... قِ نوافذُ السمر الدقاقِ
(1/20)

هذانِ في يوم اللقا ... هذانِ في يومِ التلاقِ
أحبابنإن لي فيكمُ ... روحٌ يساقُ إلى السياقِ
رفقاً بها إنْ كنتمو ... ممن يرى حق الرفاقِ
وقال آخر:
أأنتمْ زعمتم أنني غيرُ عاشقِ ... وأني لا أعبا ببينِ مفارقِ
فلمْ قرحتْ يومَ الوداع مدامعي ... ولمْ شابَ من يومِ الفراق مفارقي
وقال بعض العرب وهو صدقة بن عامر وقد مت والده: اللهم إني مسلم مسلم.
ومنه قول القاضي أبي سعيد:
قلبٌ وقلبٌ في يدي ... كَ معذبٌ ومنعمُ
ظمآنُ يطلبُ قطرةً ... تشفي صداهُ ومفعمُ
ومنه للبحتري:
سقمٌ دون أعينٍ ذاتِ سقمٍ ... وعذابٌ منَ الثنايا العذابِ
ومنه:
لئن سلمني اللهُ ... وبالصنعِ تولاني
وأوطاني أوطاني، ... وأعطاني أعطاني
وأخلى درعي الدهرُ ... وخلاني خلاني
(1/21)

فلا عدت إلى الغربة ... ما كرّ الجديدان
وإن عدتَ لها يوماً ... فسجاني سجاني
وللموتْ الوحى الأح ... مرِ القانئِ ألقاني

باب تجنيس التصريف
اعلم أن تجنيس التصريف، هو إن تنفرد كل كلمة من الكلمتين عن الأخرى بحرف، مثل قوله تعالى: " ليكونن أهدى من إحدى الأمم "، ومثل قوله تعالى: " وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً "، وقوله تعالى: " ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون "، وقوله تعالى: " وهم ينهون عنه وينأون عنه ". وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الخيل معقود بنواصيها الخير ".
وقال الأعشى:
رأيتُ أنَّ الشيبَ جا ... نبه البشاشةُ والبشارة
وقال آخر:
للهِ ما صنعتْ بنا ... تلكَ المحاجر في المعاجرِ
أمضى وأرهفُ في القلو ... بِ من الخناجرِ في الحناجرِ
(1/22)

ولقد تعبتُ ببينها ... تعبُ المهاجرِ في الهواجرِ
وكتب بعض الأدباء جواباً إلى آخر عن كتاب: وصل كتابك فتناولته باليمين، ووضعته مكان العقد الثمين.
ومنه:
من كل ساجي الطرف أغيد أجيد ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور
ومنه لكثير عزة:
وإني لأستهوي السحائبَ نحوها ... من المنزلِ الأدنى؛ فتسري وتسرعُ
ومنه للشريف الرضي رحمه الله:
لا يذكر الرملُ إلا حنَّ مغترب ... له بذي الرملِ أوطارٌ وأوطانُ
إذا تلفتُّ في أطلالها ابتدرتْ ... للقلبِ وللعينِ أمواهٌ ونيرانُ
ومنه له:
سلامٌ على الأطلالِ لا عن جنابةٍ ... ولكنَّ يأساً حين لم يبقَ مطمعُ
نظرتُ الكثيبَ الأيمنَ الفردَ نظرة ... فردت إليَّ الطرفَ يدمى ويدمعُ
ومنه:
وكم مظهرٍ بغضاً لنا ودَّ أنهُ ... إذا ما التقينا كان أخفى الذي أبدى
(1/23)

مطاعيمُ في اللأوا مظاعينُ في الوغى ... شمائلنا تبدو وأيماننا تندى
ومنه أيضاً:
كلُّ شيءٍ أقوى عليهِ ولكنْ ... ليسَ لي بالفراقِ منكِ يدانِ
عذلاني على هواهُ، فلما ... أبصرا حسنَ وجههِ عذراني
ومنه أيضاً:
لا تقابلْ زيارتي بازورارٍ ... ومجاجاً عسلتهُ بأجاجِ
لو أزرت الحراب نحريَ ظلماً ... لارتشفنَ الثناءَ من أوداجي
ومنه لابن بابك:
أقبلتُ في شرفِ اللباس فأبلسوا ... نظر البغاثِ إلى انقضاضِ الجارحِ
فأخذتَ عفوَ تقيتي وتحيتي ... وملكتَ ودَّ جوانحي وجوارحي
وأنا ابنُ بابك لا ابنُ بابك؛ فارتجع ... ما ابتزَّ، أو عوضْ فلستُ ببارحِ
وفيه له أيضاً:
تكشفتْ عن مغانيه مغانمه ... وصرحتْ عن معاليهِ معانيهِ
فما تقاصر باعٌ أنتَ باسطهُ ... ولا يهدمُ مجدٌ أنتَ بانيهِ
(1/24)

ومنه للشريف الرضي رحمه الله:
لولا تذكرُ أيامي بذي سلمٍ ... وعند رامةَ أوطاري وأوطاني
لما قدحتُ بنار الشوقِ في كبدي ... ولا بللتُ بماء الدمعِ أجفاني
ومنه لابن بابك أيضاً:
يجودُ، ويستقاد؛ فراحتاهُ ... مطارحُ للأماني والأمانِ
يهزّ السيفَ هزَّ الغصن طوراً ... ويلوي الرمح ليَّ الخيزرانِ
ويسطو تارةً وينيلُ أخرى ... وتلكَ سجيةُ الملك الهجانِ
وكتب كافي الكفاة إلى صديق له: أنت أدام الله تعالى عزك، وإن طويت عنا خبرك، وجعلت وطنك وطرك، فأخبارك تأتينا كما وشى بالمسك رياه، ودل على الصبح محياه.
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: كل شيء يعز حين ينزر، والعلم يعز حين يغزر.
وقال بعض الفصحاء في كتابه: راش سهامه بالعقوق. ولوى ماله عن الحقوق.
وقال بعضهم:
كفاه مخلفةٌ ومتلفةٌ ... وعطاؤهُ متخرقٌ جزلُ
(1/25)

وغيره لبعضهم:
عفاءً على هذا الزمانِ. فإنهُ ... زمانُ عقوقٍ لا زمانُ حقوقِ
فكلُّ رفيقٍ فيهِ غيرُ موافقٍ ... وكلُّ صديقٍ فيه غيرُ صدوقِ
ومنه:
يا علم العالمِ في الجودِ ... مثلكَ جوداً غيرُ موجودِ
بيضتَ من وجه الندى بالندى ... ما اسودَّ من أيامهِ السودِ
بينَ مطيع لك، أصفدته ... وبين عاصٍ لك مصفودِ
ومنه:
إذا ما جئتَ أحمدَ مستميحاً ... فلا يغررك منظرهُ الأنيقُ
له عرفَ وليس لديه عرفٌ ... كبارقةٍ تروق ولا تريقُ
فما يخشى العدوُّ لهُ وعيداً ... كما بالوعدِ لا يثقُ الصديقُ

باب تجنيس الترجيع
اعلم أن باب تجنيس الترجيع هو إن ترجع الكلمة بذاتها، كما قال الله عز وجل: " ولقد أرسلنا رسلنا "، وقال عز وجل: " إن ربهم بهم يومئذ لخبير "، وقال جل جلاله: " ولكنا كنا مرسلين ".
وكما قال بعض العرب:
وما منعتْ دارٌ، ولا عزَّ أهلها ... من الناسِ إلا بالقنا والقنابل
(1/26)

وللمخبل:
فأتتْ عليه، وما له من ماله ... مما أفاد ولا أفادَ عتاقُ
وأبو دؤاد الإيادي قبل امرئ القيس بزمان وهو راويته، وقد جاء في شعره تجنيس التركيب والترجيع والتصحيف والتحريف، والله العالم هل قصد هذا قصدإن أم أتى طبعاً.
وقال آخر:
عذيريَ من دهرٍ موارٍ مواربٍ ... له حسناتٌ كلهنَّ ذنوبُ
ولأبي تمام:
يجول بإيمان عواصٍ عواصمِ ... تصولُ بأسيافٍ قواضٍ قواضبِ
وقال آخر:
آفةُ السرّ من جفو ... نٍ دوامٍ دوامعِ
كيف يخفى مع الدمو ... عِ الهوامي الهوامعِ
ولابن عين زربى:
أقولُ وقد جدَّ الفراق، وأزمع ال ... فريقُ، وأشجاني طوارٍ طوارقُ
وغربانُ وشكِ البين ينعقن غدوةً ... أأنتم نواعي أنفسٍ أم نواعقُ
(1/27)

فقد صار هذا البين للفقد آيةً ... فلا عجب إلاّ إذا عاش عاشقُ
ومنه قول النابغة الجعدي:
ومن بعد أنسٍ قد تبدل وحشةً ... وزال بهم صرفُ النوى والنوائب
ومنه قول البحتري:
نسجَ الربيعُ بربعها ديباجةً ... من جوهرِ الأنوارِ والأنواءِ
بكتِ السماءُ بها رذاذ دموعها ... فغدتْ تبسمُ عن نجوم سماءِ
ومنه له:
فيا لكَ من حزمٍ وعزمٍ طواهما ... حديدُ الردى تحتَ الصفا والصفائح
ومنه أيضاً:
في كفه قلمٌ يسقي الخطوب به ... مثل الحسامِ بكفّ الفارسِ البطلِ
ترى المنى والمنايا عنه صادرةً ... إن فاضَ في أملٍ أو غاضَ في أجلِ
ومنه قول العطوي:
فلقدْ كفنَ في ... أكفانهِ المجد المجدد
ومنه له:
كأنك قوت الناس لا يجدون من ... تحمل ما تأتي به أبداً بدا
ومنه: هو الحيا والحياةُ والملك ال ... أعز ولا ثروةٌ ولا ولدُ
ومنه له:
ذيلُ الصبا في الغيِّ مجرورُ ... والعمرُ باللذاتِ معمورُ
وله:
وليلةُ الهيكلِ قد أنفدت ... فيها دنانٌ ودنانيرُ
على خصورٍ أرهفتْ دقةً ... ففي الزنانيرِ زنابيرُ
(1/28)

وله:
ما هذه الألف التي زدتم ... سميتمُ الخوان بالإخوان
ما صحّ لي أحد فأجعله أخاً ... في الله محضاً لا ولا الشيطان
أما مولٍ عن ودادي ما له ... وجه وأما من له وجهان
ومنه:
قربتَ، فلم أرجُ اللقاءَ، ولا أرى ... لنا حيلةً يدنيكَ منا احتيالها
فأصبحتَ كالشمسِ المنير: ضوؤها ... قريبُ، ولكن أينَ منكَ منالها
ومنه للبحتري:
لئن صدفت عنا فربتَ أنفسٍ ... صوادٍ إلى تلك الخدود الصوادفِ
ومنه:
وإذا ظمئتَ فعنده ... شربٌ من الإنصافِ صافِ
ومنه:
معينُ عرفٍ وعرفانٍ وقلَّ فتىً ... في عصرهِ عنده عرفٌ وعرفانُ
إذا تيممه العافي فكوكبهُ ... سعدٌ، ومرعاهُ في واديه سعدانُ
ومنه لأبي فراس الحمداني:
إن زرتُ خرشنةً أسيراً ... فلقد أحطتُّ بها مغيرا
ولقدْ رأيتُ السبيَ يج ... لبُ نحونا حوا وحورا
وقال بعض الفصحاء في رقعة استدعاء: ما جعلت المماطر إلا لليوم الماطر.
(1/29)

ومنه:
وإذا هويتَ فقد تعبدكَ الهوى ... فاخضع لإلفكَ كائناً منْ كانا
إن الهوانَ هو الهوى نقص اسمه ... فإذا هويتَ فقد لقيتَ هوانا
ومثله:
وسألتها بإشارةٍ عن حالها ... وعليَّ فيها للوشاةِ عيون
فتنفستْ صعدإن وقالت: ما الهوى ... إلا هوانٌ زالَ عنهُ النون
ومثله:
نون الهوانِ منَ الهوى مسروقةٌ ... وحليفُ كل هوىً حليفُ هوان
ومثله:
أبى الحبُّ إلا أن تكونَ معذباً ... ونيرانهُ في القلبِ إلاَّ تلهبا
فواكبدي حتى متى أنا واقفٌ ... ببابِ الهوى ألقى الهوانَ وأنصبا
ومثله لآخر:
إنَّ الهوى لهوَ الهوانُ بعينه ... فاخضعْ إذا يوماً علقتَ حبيبا

باب تجنيس العكس
اعلم أن تجنيس العكس هو إن تكون الكلمة عكس الأخرى، كما قال الله سبحانه حكاية عن هارون عليه السلام: " إن خشيت إن تقول: فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي "، وقال عبد الله بن رواحة الأنصاري رحمه الله يمدح النبي صلة الله عليه وسلم وهو أمدح بيت قالته العرب:
(1/30)

تحمله الناقةُ الأدماءُ معتجراً ... بالبردِ كالبدرِ جلى نورهُ الظلما
فقوله: بالبرد عكس قوله: كالبدر.
وقيل لبنت الخس، وهي أفصح نساء العرب: ما يحمل المرأة على الزنا؟ فقالت: طول السواد، وقرب الوساد.
وقال بعض الأدباء في سجعه: الساخر خاسر، والكامل مالك، والمحمود ممدوح.
وقال أبو تمام:
بيض الصفائحِ لا سودُ الصحائفِ في ... متونهنّ جلاءُ الشكّ والريبِ
ومنه لأبي الفتيان بن حيوس:
أرضٌ إذا ما التربُ أجدبَ اخصبتْ ... بندىً إذا ما الغيثُ أنجم أنجما
يلقى بها الروادُ روضاً زاهراً ... ويصادفُ الورادُ حوضاً مفعما
وله أيضاً
وكمْ وقفتُ وأصحابي بمنزلةٍ ... أقوت بسكانها ولهانَ وهلانا
نبكي، وتسعدنا كومُ المطيّ، فهل ... نحن المشوقونَ فيها أمْ مطايانا
(1/31)

ولا ومن فطرَ الأشياءَ ما وجدتْ ... كوجدنا العيسُ، بل رقت لشكوانا
ومثله:
وألفيتهم يستعرضون جوانحي ... إليهم، ولو كانت عليهم جوائحا
ومثله لعبد المحسن:
يا حارِ، إن الركبَ قد حاروا ... فاذهب تجسسْ لمنِ النارُ
تبدو، وتخبو: إن خبتْ عرسوا ... وإن أضاءتْ لهمُ ساروا
كأنما تجمعُ أوطارهم ... وكيفَ والأوطارُ أوطارُ
ما نظرةٌ إلا لها سكرةٌ ... كأنما طرفكِ خمارُ
ولم أكنْ أول منْ غرني ... كلُّ غريرِ الطرفِ غرارُ
ومنه:
الحمدُ للهِ الذي ... بفضلهِ فضلنا
كأنهُ من طول ما ... أمهلنا أهملنا
ومنه:
عقائل علمهنَّ العفافّ: ... مطلَ الوصال ووصلَ المطالِ
مباسمهنَّ عقودُ العقود ... وأجيادهنَّ لآلي اللآلي
ومنه:
أرجلتَ فرسانَ القريض ورضتَ أف ... راسَ البديعِ؛ فأنت أفرسُ مبدعِ
ونقشتَ في فصِّ الزمانِ بدائعاً ... تندي بآثارِ الربيع الممرعِ
(1/32)

وإذا تفتق نور شعرك ناضراً ... فالحسن بينَ مرصع ومصرعِ
ومنه:
إنَّ بينَ الضلوعِ منيَ ناراً ... تتلظى، فكيف لي أن أطيقا
بحياتي عليكَ يا من سقاني ... أرحيقاً سقيتني أم حريقا
ومنه:
وعقارٍ عيشُ من عا ... قرها عيشٌ رقيقُ
فهي للأنسِ نظامٌ ... وإلى اللهوِ طريقُ
قلتُ لما لاح لي من ... ها شعاعٌ وبريقُ:
أشقيقٌ، أم عقيق ... أم رحيق أم حريقُ
ومنه:
وقالوا: أيُّ شيءٍ منه أحلى ... فقلتُ: المقتلانِ المقلتانِ

باب تجنيس التركيب
اعلم أن تجنيس التركيب: هو إن تكون الكلمة مركبة من كلمتين، كما قال الشيخ أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري، عفا الله عنه:
البابليةُ بابُ كلِّ بليةٍ ... فتوقينَّ دخولَ ذاك البابِ
ولبعضهم، وهو من المعجز الذي ليس مثله:
إن ترمكَ الغربةُ في معشرٍ ... تضافروا فيك على بغضهم
(1/33)

فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم
وأنشدني الفقيه أبو السمح رحمه الله:
أصدف بسمعك عن صدى متسمعلٍ ... وأبرأ بوهمك عن ردى متبرهمِ
ما درَّ همُّ فتى وصرأ دينه ... إلا لدينارٍ يصر ودرهمِ
وقال بعض الصالحين: إنما سمى الدينار دينارإن لأنه دين ونار: أي تصل به إليهما وإنما سمي الدرهم درهماً لأنه يدر الهم. وهذا يشبه قول بعض المفسرين: إنما سمي إبراهيم لأنه شفى الكفار من مرض الكفر. ومعنى اسم محمد عليه وآله السلام لأنه محا الكفر أي أزاله. ومد الإيمان: أي بسطه. ويقول العرب: مح رسم الدار أي عفا واندرس. وشعر أبي الفتح البستي أكثره من هذا الباب، وقد تبعه الناس في ذلك، فقال شاعرنا أحمد بن يعقوب:
وأهيفِ الخصر مثلُ الليل طرتهُ ... وصدغه خزري الجنس أولاني
أوليتُ وصلاً فأولاني قطيعته ... بئسِ الجزاءُ بما أوليتُ أو لاني
ولغيره:
ومعانٍ قتلَ النفوسِ معانٍ ... قد رمى قدرَ ما أصاب جناني
ناظراهُ فيما جنى ناظراه ... أودعاني أمتِ بما أودعاني
أو صلاني إلى المنى أو صلاني ... بالأماني التي تبيد الأماني
(1/34)

وللصوري:
ترك الظاعنون صدري بلا قل ... بٍ وعيني عينا من الهملانِ
وإذا لم تفض دماً سحبُ أجفاني ... على إثرهم، فما أجفاني
ووراءَ الحمول أحسن خلقِ الله ... خلقا عارٍ من الإحسانِ
حلّ في ناظري فلو فتشوه ... كان ذاك الإنسان في الإنسان
ولغيره:
ينامُ من يضمر غيرَ الهوى ... وتلتقي أجفانُ أجفانا
وقال وجيه الدولة:
إنَّ أسيافنا القصارَ الدوامي ... تركتْ مجدنا طويلَ الدوامِ
فاقتسامُ الأموالِ من وقت سامٍ ... واقتحامُ الأهوال من وقت حامِ
ومنه:
يا من تدلُّ بمقلةٍ ... وأناملٍ من عندمِ
كفي، جعلت لك الفدا ... ألحاظَ جفنكِ عن دمي
ومنه:
رأيتكَ تكويني بميسمِ ذلةٍ ... كأنك قد أصبحتَ علة تكويني
وتلوينيَ الحقَّ الذي أنا أهله ... وتخرجني عنه إلى كل تلوينِ
فمهلاً ولا تمننِ عليّ فبلغةٌ ... من العيش تكفيني إلى يومِ تكفيني
الباخزري:
(1/35)

بأبي غزالٌ نامَ عن وصبي به ... وسجومِ دمعي في الهوى ولهيبه
يا ليته يحنى على ولهي به ... وخفوقِ قلبي نحوه وصبيبه

باب
طبقات التطبيق
اعلم أن التطبيق نوعان: متصل ومتكاف. فالتطبيق هو أن تكون الكلمة ضد الأخرى، كما قال الله سبحانه: " وأنه هو أضحك وأبكى، وأنه هو أمات وأحيا "، " لكيلا تحزنوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما أتاكم "، " سيئاتهم حسنات "، " الليل والنهار "، " الظلمات والنور "، " الحي والميت ": وأخفى تطبيق في القرآن قوله سبحانه: " مما خطيئاتهم أغرقوا فادخلوا ناراً ".
وقال زهير بن أبي سلمة.
ليثٌ بعثر يصطادُ الرجالَ، إذا ... ما الليثُ كذبَ عن أقرانه صدقا
وقال آخر يصف حصاناً:
بساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم الروع مبذول
السري بن أحمد الرفاء:
(1/36)

إن هذا الربيعَ شيءٌ عجيبٌ ... تضحكُ الأرضُ من بكاءِ السماءِ
ذهبٌ حيثما ذهبنا، ودرّ ... حيث درنا، وفضةُ في الفضاءِ
وقال دعبل:
لا تضحكي يا سلمُ من رجلٍ ... ضحكَ المشيبُ برأسهِ فبكى
وقال الحسن البصري في دعائه: اللهم أنت تبتليني بنعمة فأشكر، خير من أن تبتليني ببلية فأصبر.
وفي الحماسة:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجدْ ... لنفسي حياةً مثل أن أتقدما
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما
والفرزدق مما يستحسنه المتقدمون:
والشيبُ ينهضُ في الشبابِ كأنه ... ليلٌ يلوح بجانبيه نهارُ
ولبعض العرب في قوس: في كفه معطية منوع.
ولبعضهم في ناقة: خرقاء إلا أنها صناع.
وقال آخر:
لئن ساءني أن نلتني بمساءةٍ ... لد سرني أني خطرتُ ببالكِ
والآخر:
(1/37)

وأخذتَ أطراف الكلام فلم تدع ... هجواً يضرّ ولا مديحا ينفعُ
ولأبي تمام:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمتْ ... ويبتلي الله بعضَ القوم بالنعمِ
وقال خالد بن صفوان لرجل يصف له رجلاً: ليس له صديق في السر ولا عدو في العلانية.
وقال آخر: كدر الجماعة خير من صفو الفرقة.
وقال المنصور: لا تخرجوا من عز الطاعة إلى ذل المعصية.
ولبعضهم:
وسري كإعلاني، وتلكَ سجيتي ... وظلمةُ ليلي مثلُ ضوءِ نهاريا
وقال آخر:
وأرى الوحشَ في يميني إذا ما ... كان يوماً عنانهُ بشمالي
وقال آخر:
فكأن إظلامَ الدموعِ عليهمُ ... ليلٌ، وإشراق الوجوه نهارُ
وقال آخر:
(1/38)

فخلستُ منه قبلةً ... عطشي بها لما رويتُ
آخر:
في كل خلق خلةٌ مذمومةٌ ... ووراء كلِّ محببٍ مكروهُ
وقال آخر:
فلماذا أبيعه ... وبروحي أشتريه
وقال آخر:
متصعدٌ زفراته متحدرٌ ... عبراته أبداً قريح مآق
رقت مياهُ وجوههنّ لناظرٍ ... وقلوبهنّ عليه غيرُ رقاق
وبعض العلماء يجعل التطبيق أن تجيء الكلمة بمعنيين كقوله: واللؤم فيهم كاهل وسنام. ويسمى: التكافؤ.
وقال آخر:
أضحى الأمينُ محمدٌ ... للدينِ نوراً يقتبسْ
تبكي البدورُ لضحكه ... والسيف يضحكُ إن عبسْ
وقال الصنوبري:
رشأٌ سمعت لخده ولصدغهِ ... في هذه الدنيا حديثاً سائرا
فإذا رأيت عليه طرفاً واقعاً ... فأعلم بأنَّ هناك قلباً طائرا
الشريف الرضي رضي الله عنه:
(1/39)

ومن البلية أن نومي موثقٌ ... عن مقلتيَّ وأن قلبي مطلقُ
وله رحمه الله:
هدى الغرامُ دموعي في مسالكها ... من بعدهم، وأضلتْ صدريَ الطرقُ
آخر:
من النجباءِ يرضى السلمُ منهم ... نفوساً ليس يأباها القتالُ
جسومٌ في سروجهمُ خفافٌ ... صدورٌ في مجالسهم ثقالُ
لمهيار الديلمي:
وبأيمنِ العلمين من أبياتهم ... ظبيٌ يصطاد الظبيُ، وهو يصيدُ
لاهٍ إذا جمعَ الرجالُ حلومهم ... حلَّ العزائمَ خصرهُ المعقودُ
الشريف الرضي رضي الله عنه:
غدواسهكى الأيمانِ من صدأ الظبا ... وراحوا كرام طيبي عقدِ الأزرِ
هم ينقذون المال في أول الغنى ... ويستأنفون الصبرَ في آخر الصبرِ
إذا نزل الحيَّ الغريبُ تنازعوا ... عليه فلم يدرَ المقلُّ من المثري
ومن الطباق لفظاً ومعنى للبحتري:
معشرٌ أمسكتْ حلومهمُ الأر ... ضَ، وكادت من عزمهم أن تميدا
فإذا المحلُ جاءَ جاؤوا سيولاً ... وإذا النقعُ ثار ثاروا أسودا
ومنه:
متصعدٌ زفراته، متحدرٌ ... عبراتهُ أبداً قريحُ مآقِ
رقت مياهُ وجوههن لناظرٍ ... وقلوبهنَّ عليه غيرُ رقاقِ
(1/40)

باب
الاستعارة
اعلم أن الاستعارة هو أن يستعار الشيء المحسوس للشيء المعقول، كما قال الله سبحانه وتعالى: " لا تظلمون فتيلا "، " ولا يظلمون نقيرا " و " ما يملكون من قطمير ".
والاستعارة أوكد في النفس من الحقيقة، وتفعل في النفوس مالا تفعله الحقيقة، وقوله: فتيلا، أنفى للكثير والقليل من قوله: شيئاً. وقوله تعالى: " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة "، و " إنه في أم الكتاب "، " واشتعل الرأس شيباً "، " نسلخ منه النهار "، " عذاب يوم عقيم ".
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ضموا مواشيكم حتى تذهب فحمة العشاء " وقال علي عليه السلام لبعض عماله: أرغب راغبهم، وأحلل عقدة الخوف عنهم وقال عليه وآله السلام: " اتسع نطاق الإسلام، فلا حاجة إلى الكحل والخضاب ". وكتب علي عليه السلام إلى الخوارج فقال: الحمد لله الذي فض خدمتكم وفرق كلمتكم.
وقال عليه السلام لعبد الله بن وهب الخارجي في كلامه: " لا خير في الرآي الفطير، والكلام القضيب، إن عيون الرأي يكشف عن فصه، والفكرة مخ العمل ". فأبدع عليه السلام في هذه الكلمات الأربع، ولو قال: لب العمل لم يكن بديعاً.
وأحسن الاستعارات قول ذي الرمة:
(1/41)

أوردتهُ وصدورُ الليل مسنفةٌ ... والليلُ بالكوكبِ الدريّ منحورُ
وقوله أيضاً:
أقامت به حتى ذوى العود في الثرى ... وضمَّ الثريا في ملاءته الفجرُ
ولقد أحسن أبو تمام حين قال:
لا تسقني ماء الملام؛ فإنني ... صبّ قد استعذبتُ ماءَ بكائي
وقال أيضاً فيها:
فسقاهُ مسكُ الطلِّ كافورَ الصبا ... وانحلَّ فيه خيطُ كل سماءِ
ومنه:
فقلت لها: يا أمَّ بيضاءَ، إنه ... أريقَ شبابي، واستشنَّ أديمهُ
إذا ما هبطن المحل قد مات عودهُ ... بكين به حتى يعيش هشيمهُ
ومنه:
في كل خلقٍ خلةٌ مذمومةٌ ... ووراءَ كل محببٍ مكروهُ
وبعض العلماء يجعل التطبيق أن تجيء الكلمة بمعنيين مثل قوله: وللوم فيهم كاهل وسنام. ويسمى التكافؤ.
ومنه:
نطاردهم فنودع البيضَ هامهم ... ويستودعونَ السمهريَّ المقوما
ومنه:
تحيي الروامسُ ربعها فتجده ... بعد البلى، وتميتهُ الأمطارُ
(1/42)

هذا بيت قد جمع الاستعارة والمطابقة، لأن فيه البلى والجدة، والإماتة والإحياء ومن المعلقات لطرفة:
ووجهٍ كأنَّ الشمس حلت رداءها ... عليه نقيِّ اللونِ لم يتخددِ
ولامرئ القيس:
وقد أغتدي والطيرُ في وكناتها ... بمنجردٍ قيدِ الأوابد هيكلِ
وتقول العرب: صاح الشجر إذا طال. وشجر واعد إذا اخضر، كأنه يعد بالثمر.
وقال العجاج: كالكرم إذ نادى من الكافور.
وأنشد:
إنَّ دهراً يلفُّ شملي بليلى ... لزمانٌ يهمُّ بالإحسانِ
وقال أمير المؤمنين عليه السلام لبعض الخوارج: لما فغر فم الباطل، نجمت نجوم الحق.
وقال عليه السلام: الدنيا لم يمس أحد منها على جناح أمن إلا أصبح منها على قوادم خوف.
(1/43)

ومن بديع الاستعارة في المنثور قول بعض العرب: خرجت في ليلة حندس قد ألقت على الأرض أكارعها فمحت صورة الأبدان، فما كدنا نتعارف إلا بالآذان.
وقال بعض العرب: جعلنا الرماح أرشية الموت فاستقينا بها أرواحهم: ومدح أعرابي قوماً فقال: أولئك غر تضيء في ظلم المشكلات، وتصغي إليهم المجد، يصومون على الفحشاء، ويفطرون على المعروف.
ووصف آخر روضة فقال: جرت بها الريح أذيالها وحطت بها السحاب أثقالها.
ووصف أعرابي قومه فقال: إذا اصطفوا تحت القتام، سفرت بينهم السهام، وإذا تصافحوا بالسيوف، فغرت أفواه الحتوف.
وقال آخر:
سأبكيك للدنيا وللدين؛ إنني ... رأيت يدَ المعروفِ بعدك شلت
وقال آخر:
وجيشٍ تضلّ البلقُ في حجراته ... ترى الأكم فيه سجداً للحوافر
وقال أبو تمام:
(1/44)

ليالٍ نحنُ في غفلات عيش ... كأنَّ الدهر عنا في وثاقِ
وقال العباس بن الأحنف:
قد سحبَ الناسُ أذيالَ الظنون بنا ... وفرق الناسُ فينا قولهم فرقا
فكاذبٌ قد رمى بالظنِّ غيركمُ ... وصادقٌ ليس يدري أنه صدقا
آخر:
بكفّ أبي أيوب يستمطر الغنى ... وتستنزل النعمى، ويسترعفُ النصلُ
تساقط يمناه الندى وشماله الر ... دى، وعيونُ القولِ منطقهُ الفضلُ
ومنه:
سلامة بنُ نجاحِ ... يجيد حثَّ الراحِ
إذا تغنى زمرنا ... عليه بالأقداحِ
ومنه:
تأتي أغاني عاتب ... أبداً بأفراح النفوس
تشدو، فتزمر بالكؤو ... س لها، ورقص بالرؤوس
ومنه:
قيل: ما أعددتَ للبر ... د فقدْ جاء بشده
قلت: دراعةُ عريٍ ... تحتها جبة رعده
ومنه:
يا من بدائعُ حسنِ صورتهِ ... تثنى إليه أعنةَ الحدقِ
لي منكَ ما للناس كلهمِ: ... نظرٌ وتسليمٌ على الطرقِ
(1/45)

لكنهم سعدوا بأمنهمُ ... ومنيتُ حين أراك بالفرقِ
ومنه:
غفلاتٌ كنَّ حلماً فانقضى ... وشبابٌ كان ظلاً فانتقلْ
لو أراني الدهرُ ما أخرَ لي ... لتعلقتُ بأيامي الأول
ليت شعري عنيَ اعتاض بمن ... هل لكفٍ فارقت زنداً بدل
إنَّ جيداً سقطتْ من عقده ... ردةٌ مثلي حقيقٌ بالعطلْ
ولابن المعتز:
وابلائي من محضرٍ ومغيبِ ... وحبيبٍ مني بعيدٍ قريبِ
لم ترد ماءَ وجهه العينُ إلاّ ... شرقت قبل ريها برقيبِ
باب

العكس
اعلم أن العكس هو أن تأتي الجملتان إحداهما عكس الأخرى، كما قال الله تعالى: " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لهإن وما يمسك فلا مرسل له من بعده " وقال سبحانه: " يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي ".
وقال أبو دؤاد الإيادي، وقد قيل له: لم تكلف ابنتك سياسة فرسك؟ فقال أهنتها بكرامتي، كما أكرمتها بإهانتي.
وسئل ابن خالويه عن ابن دريد أيما أغزر: شعره أو علمه؛ فقال: هو أشعر العلماء، وأعلم الشعراء.
(1/46)

وسئل البحتري عن أبي تمام والشافعي فقال: أبو تمام عالم غلب عليه الشعر والشافعي شاعر غلب عليه العلم وقال القاضي أبو يوسف للأمير سديد الدولة رحمه الله: أنت أمير الشعراء، وشاعر الأمراء.
وأنشدوا في الحماسة:
منعمةُ الأطرافِ زانت عقودها ... بأحسنَ مما زينتها عقودها
ومنه:
رمى الحدثانِ نسوة آلِ حربٍ ... بمقدارٍ سمدن له سمودا
فردّ شعورهن السودَ بيضاً ... وردّ وجوههن البيضَ سودا
ولبعض المجان:
ها قد بدا من ثيابِ الشعرِ في كفنِ ... وقد تعفت مغاني وجهه الحسنِ
وكان يعرض عني حين أبصره ... فصرتُ أعرضُ عنه حين يبصرني
ومنه:
تلك الثنايا من عقدها نظمتْ ... أم نظم العقدُ من ثناياها
(1/47)

ومنه:
فإن أكُ في شراركمُ قليلاً ... فاني في خياركمُ كثيرُ
واغتاب بعضهم آخر، فلما بلغه قال: إنا لا نكافئ من عصى الله سبحانه فينا إلا بأن نطيع الله سبحانه فيه.
وقال الحسن بن وهب وقد عبس رجل من الندماء والقدح في يده: ما أنصفتها الخمر، تعبس في وجهها، وهي تضحك في وجهك.
وللرشيد:
لساني كتومٌ لأسراركم ... ودمعي بسري نمومٌ مذيعُ
فلولا دموعي كتمتُ الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لي دموعُ
لآخر:
بكتْ وبكيتُ لوشكِ الفراقِ ... فقفْ ترَ من مدمعينا العجبْ
فذا فضةٌ في عقيقٍ جرت ... وهذا عقيقٌ جرى في ذهبْ
ولابن الرومي:
أدرك ثقاتك إنهم وقعوا ... في نرجسٍ معه ابنةُ العنبِ
أنا بحالٍ لو بصرتَ بها ... سبحت من عجب ومن عجبِ
ريحانهم ذهبٌ على دررٍ ... وشرابهم دررٌ على ذهبِ
ومنه للصوري:
يا من يحاكي الراحَ في أوصافها ... لونإن وطعمإن وجنتين، وريقا
(1/48)

قمْ فاسقينها حينَ لاح شعاعها ... في الكأسِ فانقلب الرحيقُ حريقا
ومنه:
سكران مختلفان حت ... ى ليس بينهما طريقُ
هذا حريقٌ في القلو ... ب كما تراه وذا رحيقُ
ومنه لآخر:
أهل جورٍ كما زعمتم، وأنتمُ ... أهلُ عدل إنا بكمُ قد رضينا
آمنونا في عدلكم، إذ ملكتم ... قد أقمتم في جورنا آمنينا
وللبحتري:
إذا احتربت يومإن ففاضت دماؤها ... تذكرتِ القربى ففاضت دموعها
شواجرُ أرماحٍ تقطعُ بينها ... شواجرُ أرحامٍ ملومٍ قطوعها
ومنه:
إذا احتجبتْ لم يكفكَ البدرُ وجهها ... ويكفيكَ فقدَ البدر إن فقد البدرُ
وحسبك من خمرٍ يفوتك ريقها ... وأقسم ما من ريقها حسبك الخمرُ
ومنه:
جرت الدموعُ دما، وكأسيَ في يدي ... شوقاً إلى من لجَّ في هجراني
فتخالف الفعلان: شاربُ قهوةٍ ... يبكي دمإن وتشاكل اللونان
فكأنّ ما في الجفن من كأسٍ جرى ... وكأن ما في الكأسِ من أجفاني
(1/49)

ومنه:
ويستروحُ الناسُ أردانها ... وأثوابها بكمُ أعبقُ
إذا جدت أنطقتَ من لا يبي ... نُ وإن قلت أخرستَ من ينطقُ
ومنه:
إنَّ اللياليَ للأنامِ مناهلٌ ... تطوى وتبسط دونها الأعمارُ
فقصارهنَّ مع الهموم طويلةٌ ... وطوالهنَّ مع السرور قصارُ
ومنه لابن المعتز:
إنما الدنيا سرورٌ ... واغتباقٌ واصطباحُ
والمزاحُ الجدُّ إن ... فكرتَ، والجدُّ مزاحُ
ومنه للوزير أبي القاسم المغربي:
عبدك يا عبدونُ في نعمةٍ ... صافيةٍ، أطرافها ضافية
نديمتي جاريةٌ ساقية ... ونزهتي ساقيةٌ جارية
ولابن المعتز:
شربتها صفراءَ كرخيةً ... كأنها في الكأس نارٌ تقدْ
فتحسبُ الماءَ زجاجاً جرى ... وتحسبُ الأقداحَ ماءً جمدْ
ومنه:
رقَّ الزجاجُ ورقت الخمرُ ... وتشابها فتشاكلَ الأمرُ
فكأنها خمر ولا قدحٌ ... وكأنه قدحٌ ولا خمرُ
(1/50)

ومثله أبي تمام:
وإذا طلبت لديهمُ ما لم أنل ... أدركتُ من جدواك ما لم أطلبِ
ومنه:
ولقد دعوتُ ندى الكرام، فلم أجبْ ... فلأشكرنَّ ندى أجابَ وما دعي
ومنه قول ابن حيوس:
شوقي إليك كشوقِ المدنفِ الحرض ... إلى الطبيب الذي يشفي من المرضِ
فإن يكنْ لكَ عني يا أخي عوضٌ ... فلا وحقك ما لي عنك من عوضِ
ومنه:
بدت من خللِ الحجبِ ... كمثل اللؤلؤ الرطبِ
فأدمى خدها لحظي ... وأدمى لحظها قلبي
ومنه:
بكى إليّ غداة البين حين رأى ... دمعي يفيض وحالي حال مبهوتِ
فأدمعي ذوب ياقوتٍ على ذهبٍ ... ودمعه ذوب درٍّ فوق ياقوتِ

باب
الترديد
ويسمى التصدير
اعلم أن الترديد هو رد أعجاز البيوت على صدورهإن أو رد كلمة من النصف الأول إلى النصف الثاني.
قال بعض العرب:
سريع إلى ابن العم يجبر كسره ... وليس إلى داعي الخنا بسريعِ
(1/51)

وقال زهير:
إن تلق يوماً على علاته هرماً ... تلق السماحة منه والندى خلقا
ومثله لأبي تمام:
حرامٌ على أرماحنا طعنُ مدبرٍ ... ويندقُّ قدماً في الصدورِ صدورها
محرمةٌ أعجازُ خيلي على القنا ... ومكلومة لباتها ونحورها
وله أيضاً:
أناسٌ إذا ما استصرخ القومُ كسروا ... صدورَ العوالي في صدورِ الكتائبِ
ولأبي نواس:
ظنَّ بي من قد كلفتُ به ... فهو يجفوني على الظننِ
قمرٌ لولا ملاحتهُ ... خلت الدنيا من الفتنِ
وللفرزدق:
أصدرْ همومك لا يقتلك واردها ... فكلُّ واردةٍ يوماً لها صدرُ
(1/52)

ولأبي حية النميري:
إذا ما تقاضى المرءَ يومٌ وليلةٌ ... تقاضاه شيءٌ لا يمل التقاضيا
وللعرجي:
أنتمُ سلمنا وأقصى منانا ... وأحاديثنا وإن لم تزاروا
الليالي إذا نأيتم طوالٌ ... والليالي إذا دنوتم قصارُ
وثنائي عليكَ خيرُ ثناءٍ ... إن تقربتَ، أو نأتْ بك دارُ

باب
التتميم
اعلم أن التتميم هو أن يذكر الشاعر معنى، ولا يغادر شيئاً يتم به إلا أتى به، فيتكامل له الحسن والإحسان، ويبقى البيت ناقص الكلام، فيحتاج إلى أن يتمه بكلمة توافق ما في البيت من تطبيق أو تجنيس أو غير ذلك.
ومنه قوله تعالى: " من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ". فهذا تتميم المعنى. وقوله سبحانه: " إن الذين قالوا: ربنا الله، ثم استقاموا " تتميم أيضاً؛ فهذا من جوامع الكلم.
وقال أبو تمام:
بدرٌ أطاعت فيك بادرة النوى ... ولعاً وشمسٌ أولعت بشماس
تم البيت دون قوله: ولعاً. واحتاج إلى كلمة أخرى فإتى بها مجانسة لأولعت، فانسكبت في البيت، ولولا ذلك لكانت حشواً.
(1/53)

وكذلك قول المتنبي:
وخفوقُ قلبٍ لو رأيتِ لهيبهُ ... يا جنتي لظننتِ فيه جهنما
تم البيت دون قوله: يا جنتي؛ فأتى بها مطابقة لجهنم، وبعض البلغاء يسميه: التبليغ، وبعضهم يسميه: التتبيع.
وأنشد الأعشى:
ألست منتهياً عن نحت لأثلتنا ... ولست ضائرها ما أطت الإبلُ
كناطحٍ صخرةً يوماً ليقلعها ... فلم يضرها، وأوهى قرنه الوعلُ
ومنه قول ذي الرمة:
قفا العيس في أطلالِ ميةَ فاسألا ... رسوماً كأخلاق الرداءِ المسلسلِ
أظنُّ الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعاً كتبديد الجمان المفصلِ
فالمفصل تتميم، وهو في القافية يسمة: تبليغاً وتتبيعا، وفي الحشو يسمى: تتميماً واحتراساً.
وأنشدوا لامرئ القيس:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزعُ الذي لم يثقب
قول الأعشى: الوعل وقول امرئ القيس: لم يثقب تتميم وتبليغ،
(1/54)

لأن المعنى تم دون هاتين الكلمتين فلما جاء بهما تمم البيت وزاد في التشبيه زيادة بينة.
ومنه قول آخر:
من لك يوماً بأخيك كله.
ومنه أيضاً:
فلا تأمننَّ الدهرَ حراً ظلمته ... فما ليلُ مظلومٍ كريمٍ بنائمِ
فقوله كريم تتميم، لأن اللئيم يغضى عن العار، وينام عن الثأر.
ومنه قول الآخر:
ومقامُ العزيز في بلد الذ ... لِّ إذا أمكنَ الرحيلُ محالُ
فقوله: إذا أمكن تتميم.
ومنه:
وإن صخراً لتأنمُّ العفاة به ... كأنه علمٌ في رأسه نارُ
باب

الاحتراس
اعلم أن الاحتراس هو أن يكون على الشاعر طعن، فيحترس منه؛ كما قال تعالى: " ولن ينفعكم اليوم، إذ ظلمتم، أنكم في العذاب مشتركون ". لأن الاشتراك في المصيبة يخفف منها، ويسلي عنها. فأعلمهم تعالى أنه أول ما يعاقبهم به أنه لا يلهمهم التأسي، ولا يقضي عليهم بالتسلي. نعوذ بالله من عقابه، ونسأله من ثواب.
ومن الاحتراس قوله تعالى: " فأتوا حرثكم أنى شئتم ". لما كانت أنى تحتمل معنيين: مهنى كيف، ومعنى أين، احترس الباري سبحانه بقوله: حرثكم؛ لأن الموضع المكروه ليس بحرث، والحرث موضع الزرع. ذكره الجبائي في تفسيره.
وأنشدوا للخنساء:
(1/55)

يذكرني طلوعُ الشمس صخراً ... وأندبه بكلّ غروبِ شمسِ
ولولا كثرةُ الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلتُ نفسي
وما يبكون مثلَ أخي، ولكن ... أسلي النفسَ عنه بالتأسي
وأنشدوا:
فسقى دياركِ غيرَ مفسدها ... صوبُ الغمام وديمةٌ تهمي
احترس في هذا البيت بقوله: غير مفسدها لأن مداومة الإمطار سبب لخراب الديار.
وعابوا على ذي الرمة قوله:
ألا يا سلمى يا دار ميَّ على البلى ... ولا زال منهلاَّ بجرعائك القطرُ
فعابه من لا يعرف في النقد شيئاً. وقال: كأنه إنما دعا عليها بالهدم. وقال النقاد: إنه لا مطعن عليه؛ أنه قد دعا لها بلاسلامة في أول البيت.

باب
التنكيت
اعلم ان التنكيت هو أن تقصد شيئاً دون أشياء، لمعنى من المعاني، ولولا ذلك لكان خطأ من الكلام وفساداً في نقد الشعر.
سئل ابن عباس عن قوله تعالى: " وأنه هو رب الشعرى " قيل: لم خصها وهو رب الجميع، ولم قال رب الثريا؟ فقال: كان قد ظهر في العرب رجل يقال له: أبو كبشة، عبد الشعرى؛ لأنها أكبر نجم في السماء، فقصدها الله تعالى دون النجوم؛ لأنها عبدت ولم تعبد الثريا
(1/56)

وكذلك قوله سبحانه: " لأخذنا من باليمين "، لأنها أقوى اليدين، وأكثر استخداماً. وقوله سبحانه: " ثم لقطعنا منه الوتين ". اختصه دون العروق، لأنه إذا انقطع مات الإنسان. وسئل الأصمعي عن قول الخنساء:
يذكرني طلوعُ الشمس صخراً ... وأندبه لكلِّ غروبِ شمسِ
لم خصت طلوع الشمس وغروبها دون أثناء النهار؛ فقال: لأن وقت الطلوع وقت الركوب إلى الغارات، ووقت الغروب وقت قري الضيفان؛ فذكرته في هذين الوقتين، مدحاً له لأنه كان يغير على أعدائه، ويقري أضيافه.
وذكر الصولي في قول أبي نواس:
ألا فاسقني خمرإن وقل لي: هي الخمرُ ... ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهرُ
قال: إن المعنى في قوله: وقل لي: هي الخمر. إنها لعزتها عنده ومحبته لها أراد أن يلتذ بها بحواسه الخمس التي هي طرق اللذات، وهي: الشم، والذوق، واللمس، والبصر، والسمع. فلما شرب القدح أبصرها وذاقها ومسها وشمهإن فبقي أن يسمعها، فقال: وقل لي هي الخمر.
ومنه قول المتنبي:
لو مرَّ يركضُ في سطور كتابه ... أحصى بحافر مُهره ميماتها
إنما قصد الميمات دون حروف المعجم لأنها تشبه الحافر والشيء يحسن بما يوافقه كما لا يحسن بما يخالفه فصار هذا أبلغ والعين تشبه الحافر بدليل قوله:
أولَ حرفٍ من اسمه كتبت ... سنابكُ الخيلِ في الجلاميدِ
والميمات في الكلام أكثر من العينات؛ لأنها تقع زائدة وأصلية، والعينات لا تقع إلا أصلية، فإحصاؤه للأكثر أبلغ.
(1/57)

ومنه قول حارثة بن بدر الغداني:
أبا المغيرة، والدنيا مغيرةٌ ... وإنَّ من غرت بالدنيا لمغرورُ
قد كان عندك للمعروف معرفةٌ ... وكان عندك للتنكير تنكيرُ
لو شاء لقال: والدنيا مفرقة، وإنما خص قوله: والدنيا مغيرة؛ لقوله: أبا المغيرة.
باب

التعليق والإدماج
اعلم أن صيغة ذلك هو أن تعلق مدحاً بمدح أو هجواً بهجو، ومعنى بمعنى؛ كما قال المتنبي:
إلى كم تردُّ الرسل عما أتوا به ... كأنهمُ فيما وهبتَ ملامُ
أدمج رد الرسل برد الملام في الجود، فكلاهما مديح وقوله أيضاً:
حسنٌ في عيون أعدائه أق ... بحُ من ضيفهِ رأته السوامُ
أدمج الحسن في القبح وكلاهما مدح، ووصفه بالكرم لأن إبله إذا رأت ضيفه علمت أنه سينحرها.
ولغيره في الهجو وهو مطبوع:
مغرىً بقذفِ المحصنا ... تِ وليس من أبنائهنَّ
أنشد في كتاب الصناعتين:، ويسمى هذا الباب: المضاعف.
وأنشد فيه أيضاً:
(1/58)

وأسرعتُ نحوك لما دعوتَ ... كأني نوالك في سرعته
ومثله شعر وجيه الدولة:
أفدى الذي زارني بالسيف مشتملاً ... ولحظُ عينيه أمضى من مضاربهِ
(1/59)

فما خلعتُ نجاداً في العناق له ... حتى لبستُ وشاحاً من ذوائبه
وبات أسعدنا حظاً بصاحبه ... من كان في الحبِّ أشقانا بصاحبه
وعلامة هذا الباب أن يكون أحد المعنيين تلويحاً والآخر تصريحاً.
ولبعض المتملحين البغداديين رواه أبو يوةسف القاضي.
أترى القاضيَ أعمى ... أمْ تراهُ يتعامى
سرقَ العبد كأنَّ ال ... عبدَ أموالُ اليتامى
وللشريف الرضي رحمه الله:
ترى الوفد عن أعطانهم وقبابهم ... من اللؤم أبدى من نعامهم طردا
وله أيضاً في تعليق المدح بالهجو، وهي طريقة قد سلكها الشعراء:
فذاك من فعله بطيءٌ ... جدإن وأقواله سراعُ
دينارهُ في السماحِ فلسٌ ... وكرهُ في الفخار صاعُ
ومنه أن يتحيل الكاتب في بلاغته أن يقصد شيئاً ويلف معه غيره، كما قال ابن مسعدة، وكتب به إلى المأمون يستنجز أرزاق الجند فكتب: كتابي إلى أمير المؤمنين أعزه الله، ومن قبلي من قواده وأجناده، في الطاعة والانقياد، على أحسن ما تكون عليه طاعة أصحاب سلطان، تأخرت أرزاقهم، واختلت أحوالهم.
وكتب آخر إلى المأمون، وكف الذكر عن رقة حاله مع دعائه له:
أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا فيمن نحبُّ ونكرمُ
فقلت له: نعماكَ فيهم أتمها ... ودع أمرنا؛ إن المهمَّ المقدمُ
آخر:
رأى الناسُ فوقَ المجدِ مقدارَ مجدكم ... فقد سألوكم فوق ما كان يسألُ
وقصر عن مسعاتكم كلُّ آخرٍ ... وما فاتكم فيما تقدم أولُ
وما ليَ حقٌّ واجبٌ غيرَ أنني ... إليكم بكم في حاجتي أتوسلُ
بلغتُ الذي قد كنتُ آمله لكم ... وإن كنتُ لم أبلغْ بكم ما أؤملُ

باب
التورية
اعلم أن التورية هي أن تكون الكلمة بمعنيين، فتريد أحدهما، فتوري عنه بالآخر: مثل قول بعض العرب:
خيلٌ صيامٌ، وخيل غيرُ صائمةٍ ... تحتَ العجاجِ، وأخرى تعلك اللجما
أراد بالصيام ها هنا القيام؛ فورى عنه بقوله: تعرك اللجما.
وقال البحتري:
مرية بالحسنِ تملحُ في القلوبِ وتعذبُ
أراد الملاحة ولم يرد الملوحة، فورى بقوله: وتعذب، عن ذلك.
وكذلك قول أبي تمام:
قمرٌ ألقت جواهرهُ ... في فؤادي جوهرَ الحزن
كل جزء من محاسنه ... فيه أنواع من الفتن
أراد جوهر المتكلمين لا جوهر الملوك.
(1/60)

ومثله:
يا جوهرَ الحسن الذي ... سواه في الحسنِ عرضِ
وللشريف الرضي رحمه الله:
وما لطموا عن غاية المجد جبهتي ... بلى خلعوا عني؛ لأدركها، عذري
ورى بالعذر وهو جمع عذار عن العذر الذي هو بمعنى الاعتذار.
باب

التقسيم
اعلم أن التقسيم هو أن يقسم المعنى بأقسام تستكمله، فلا تنقص عنه، ولا تزيد عليه، كما قال الله تعالى: " وهو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً " وقال بعضهم: والعيش شح وإشفاق وتأميل.
وقال بعض العرب وهو يسأل: رحم الله رجلاً أعطى منن سعة، أو واسى من كفاف، أو آثر من قلة.
وأنشد سيبويه في كتابه بيتاً من هذا الباب:
فقال فريق القوم: لا، وفريقهم: ... نعمَ، وفريق: أيمنُ الله، ما ندري
وقال زهير:
(1/61)

فإنَّ الحقَّ مقطعه ثلاثٌ: ... يمينٌ أو نفارٌ أو جلاءُ
ومنه:
ترتاحُ إن رشدوإن وترشدُ إن غووا ... وتجيب إن نادوإن وتأنسُ إن دعوا
فالحقُّ أبلجُ، والمهابة تتقى ... والمال ينثر، والمناقبُ تجمعُ
ومنه للبحتري:
فالخيلُ تصهلُ، والفوارس تدعي ... والبيضُ تلمعُ، والأسنةَ تزهر
ومنه:
عيرتني ترك المدامِ وقالت: ... ما جفاها من الكرامِ لبيبُ
هي تحتَ الظلام نورٌ، وفي الأك ... بادِ بردٌ، وفي الصدورِ لهيبُ
قلت: يا هذه، عدلتِ عن الرش ... دِ، أما للرشادِ منكِ نصيبُ
إنها للستورِ هتكٌ، وللأل ... بابِ فتكٌ، وفي المعادِ ذنوبُ
ولغيره في الفرس:
خيرما استطرفَ الفوارسُ طرفٌ ... كلُّ طرفٍ لحسنه مبهوتُ
هو فوق الجبال وعلٌ، وفي السه ... لِ عقابٌ، وفي المعابرِ حوتُ
ومنه لآخر في السيف:
خيرُ ما استعصمتْ به الكفُّ يوماً ... في سوادِ الخطوب عضبٌ صقيلُ
عن سؤالِ اللئام مغنٍ، وفي العظ ... مِ مغنٍ، وللمنايا رسولُ
(1/62)

غيره:
يا هلالاً يدعى أبوه هلالاَ ... جلَّ باريك في الورى، وتعالى
أنت بدرٌ حسناً وشمسٌ علواً ... وحسامٌ عزمإن وبحرٌ نوالا
غيره:
رأيت على أكوارنا كلَّ ماجدٍ ... يرى كلَّ ما يبقى من المال مغرما
ندوم أسيافاً ونعلو أسنةً ... وننقضُّ عقباناً ونطلعُ أنجما
باب

التجزئة
اعلم أن التجزئة هو أن يكون البيت مجزأ ثلاثة أجزاء أو أربعة، كما قال المتنبي:
فنحنُ في جذلٍ، والرومُ في وجلِ ... والبحرُ في خجلٍ، والبرّ في شغل
ومثله:
فلا كبدي تهدا ولا فيكِ رحمةٌ ... ولا عنكِ إقصارٌ، ولا فيك مطمعُ
ومثله:
وصالكمُ صدٌّ، وحبكمُ قلى ... وإنصافكمِ ظلمٌ، وسلمكمُ حربُ
ومثله لابن المعتز:
عجباً لمنصلك المقلد كيف لم ... يسل الدماءَ عليك منه مسيلا
لك حسنه متقلداً وبهاؤه ... متنكبإن ومضاؤه مسلولا
(1/63)

ولابن المغربي:
إذا ما روى أورى، وإن عجلوا ارتأى ... وإن بخلوا أعطى، وإن غدروا أوفى
فللجودِ ما أبقى، وللمجدِ ما ابتنى ... وللناسِ ما أبدى، ولله ما أخفى
البحتري:
صارمُ العزم، حاضرُ الحزم سا ... ري الفكر ثبتُ الجنان صلبُ العودِ
سؤددٌ يصطفى، وجودٌ يرجى ... وثناءٌ يبقى، ومال يودي
وله:
وفي الأكلةِ من تحت الأجلةِ أم ... ثالُ الأهلة بين السجفِ والكللِ

باب
التطريز
قال صاحب الصناعتين هو إن تأتي في الأبيات مواضع متقابلة، فجيء في القصيدة أو في القطعة كأنه طراز، مثل قول أبي تمام:
أعوامُ وصلٍ كاد ينسى طيبها ... ذكر النوى، فكأنها أيامُ
(1/64)

ثم انبرتْ أيام هجر أعقبت ... بأسىً فخلنا أنها أعوامُ
ثم انقضت تلك السنونُ وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلامُ
ومنه:
أمسي وأصبحُ من هجرانكم وصباً ... يرثي لي المشفقانِ: الأهلُ، والولدُ
قد خددَ الدمعُ خدي من تذكركم ... واعتادني المضنيان: الوجدُ، والكمدُ
غاب عن مقلتي نومي ونافرها ... وخانني المسعدان: الصبرُ، والجلدُ
لو رمت إحصاء ما بي من جوىً وضنى ... لم يحصه المحصيان: الوزنُ، والعددُ
أو رمتُ من ضعفِ جسمي حملَ خردلة ... ما ضمها الأقويان: الزندُ، والعضدُ
أستودع اللهَ من أهواهُ كيف جرت ... بشخصنا الحالتان: القربُ، والبعدُ
لا غرو للدمع أن تجري غواربه ... وتحته المضرمان: القلبُ، والكبدُ
كأنما مهجتي شلوٌ بمسبعةٍ ... ينتابها الضاريان: الذئبُ، والأسدُ
لم يبق غيرُ خفيّ الروحِ في جسدي ... فداؤك الباقيان: الروحُ، والجسدُ
إني لأحسد في العشاق مصطبراً ... وحسبك القاتلان: الحبُّ، والحسدُ
ومنه ما مدح به أبو القاسم:
إذا أبو قاسمٍ جادت لنا يدهُ ... لم يحمد الأجودان: الغيثُ، والمطرُ
وإن أضاءت لنا أنوارُ غرته ... تضاءل الأنوران: الشمسُ، والقمرُ
(1/65)

وإن مضى رأيه أو جد عزمته ... تأخر الماضيان: السيفُ، والقدرُ
من لم يبت حذراً من خوف سطوته ... لم يدر ما المزعجان: الخوفُ، والحذرُ
ومنه للأرجاني:
صبُّ مقيمٌ، سائرٌ فؤادهُ ... طوعَ الهوى، مع الخليط المنجدِ
غائبُ قلبٍ، حاضرٌ وداده ... لمن نأى في عهدهم والمعهدِ
له جوىً مخامرٌ؛ ويعتاده ... إذا شكا طيفُ الكرى في العود
لصبره يكابرُ اتقاده ... حشوَ الهوى بعد الحسان الخرد
ودمعه يكاثرُ اشتداده ... خوفَ النوى، يقول للنوم: ابعد
ما الصبر إلا غادرٌ إنجاده ... إذا بدا حسن النوى من بعد
لولا حمام هادرٌ، إسعاده ... ينفي الجوى بلحنه المرددِ
كأنه مزاهرٌ، أجياده ... سودُ الحلى من كل شادٍ غرد
مرخىً له ستائرٌ أعوادهُ ال ... خضرُ الذرى بطلهنّ ترتدي
وافى ربيعٌ باكرٌ أجناده ... حتى مضى سلطانُ بردٍ معتدِ
أسلفَ وهو ناجزٌ عهاده ... بحرَ الثرى اللؤلؤَ بالزبرجد
وقال ابن حيدرة:
أنى يفاخرُ أو يطاولُ من ... أضحى يقرُّ لفخرهِ الفخرُ
من سار والتوفيقُ صحبتهُ ... والواقيان: الجدُّ، والنصرُ
(1/66)

وأقام والأقيال تخدمه ... والماضيان: السيفُ، والأمرُ
وأني وجلتها تدين له ... والواجبان: الحمد، والشكرُ
صدقتْ فراستهُ ومولده ... والمنذران: الفالُ، والزجرُ
وغدا ودون محله زحلٌ ... والنيران: الشمس، والبدرُ
وأقر عجزاً عن سماحته ... الأجودان: الغيثُ، والبحرُ
نشرت فضائله مواهبه ... والسائران: النظم، والنثر
تغنيه في الأعداء هيبتهُ ... لا المتعبان: الكيد، والمكرُ
متورعٌ تنهاه همتهُ ... والزاجران: الدينُ، والذكر
تلهيه قبلته ومصحفه ... لا المصبيان: اللهو، والخمر
ويزيده شرفاً تواضعه ... لا الفاتنان: التيهُ، والكبرُ
شكرت لسيرته رعيته ... والآمنان: البدو، والحضرُ
يا من له دامت سعادته ... والغادران: الدهرُ، والعمرُ
خان العبيدَ غداة بينهمُ ... العدتان: العزم، والصبرُ
وأطارَ نومهم تخلفهم ... والموقظان: الهمُّ، والفكرُ
واعتادهم شوقٌ يؤنبهمْ ... والمزعجان: الشوقُ، والذكرُ
وسعى بهم صرفٌ سعى لهمُ ... والدهرُ فيه: الخير، والشرّ
ومن ذلك:
من لم يبت حذراً من خوفِ سطوته ... لم يدرِ ما المزعجان: الخوفُ، والحذرُ
(1/67)

ينالُ بالظنِّ ما فات العيانُ به ... عليه، والشاهدان: العينُ، والأثرُ
كأنه وزمامُ الدهر في يده ... يرى عواقبَ ما يأتي وما يذرُ
ومنه لأبي تمام:
أوَ ما ترى رسومَ ابنةْ مالكٍ ... رسمت له كيف الغرامُ رسومها
بثلاثة كثلاثة الراحِ استوى ... ل لونها ومذاقها ونسيمها
وثلاثة الشجرِ الجنيِّ تكافأت ... أفنانها وثمارها وأرومها
ومنه قول البحتري:
تعلو الوفود ثلاثةٌ في أرضه: ... إفضاله، وجداهُ، والإنعامُ
وثلاثةٌ تغشاكَ مهما زرته ... إرفاده، والمنُّ، والإكرامُ
وثلاثةٌ قد جانبتِ أخلاقه: ... قولُ البذ، والزورُ، والآثامُ
وثلاثةٌ في العزمِ من أفعاله: ... تدبيره، والنقضُ، والإبرامُ
ومنه لعمرو بن معدي كرب:
وكأنَّ طعمَ مدامةٍ جبليةٍ ... بالمسكِ والكافور والريحانِ
شنبٌ عليه قلائدٌ منظومةٌ ... بالدر والياقوتِ والمرجانِ
ومنه قول الآخر:
لا أظلم الليلَ ولا أدعي ... أنَّ نجوم الليل ليست تغورُ
ليلي كما شاءت فإن لم تزرْ ... طال وإن زارتْ فليلي قصيرُ
ومنه للبحتري:
في حلتي وشي وحبر فالتقى ... وشيان: وشي ربى ووشي برود
(1/68)

وسفرن فامتلأت خدودٌ زانها ... وردان: وردُ جنىً، ووردُ خدودِ
فمتى يساعدنا الوصال، ودهرنا ... يومان: يومُ نوىً، ويومُ صدودِ
ومنه:
وكم ليلةٍ لا أظلم الليلُ طيبها ... مخافة أن يقتصّ مني لها الدهرُ
تجمع فيها من حلاها ولفظها ... وزهر النجوم الزهر والزهر الزهر
ولابن الرومي:
أموركم بني خاقانَ عندي ... عجابٌ في عجاب في عجابِ
قرونٌ في رؤوسٍ في وجوهٍ ... صلابٌ في صلابٍ في صلابِ
هجرتكمُ وهجركمُ ورائي ... صوابٌ في صوابٍ في صوابِ
عبد الله بن المعتز:
كم قد جنيتُ اللهو من غصنه ... ما بين أنوارٍ وأنوارِ
في روضةٍ بلل أطرافها ... سقيطُ أنواءٍ وأمطارِ
وشققت عنا ستورَ الدجى ... نارٌ على نارٍ على نارِ
ومنه:
طربتُ إلى الصبوحِ مع الصباحِ ... وشربِ الكأس في غررٍ وضاحِ
وكان الثلج كالكافور نثراً ... وناري قربَ نارنجي وراحي
حريقٌ في حريقٍ في حريقٍ ... وصبحٌ في صباحٍ في صباحِ
ومنه لآخر:
وشادنٍ ما مثله في الملاح ... كالشمسِ أو كالبدرِ أو كالصباحْ
(1/69)

لي من ثناياهُ، ومن ريقه ... وخده راحٌ وراحٌ وراحٌ
ومنه:
أقول لصاحبي، والراحُ روحٌ ... لجسم الكأس في كفّ النديم
وقد كشفَ الدجى عنا بواكٍ ... تسيل نفوسهن على الجسومِ
شموعكَ والكؤوسُ وشاربوها ... نجومٌ في نجومٍ في نجومِ
ومنه:
ويسقيني ويشربُ من رحيقٍ ... خليقٍ أن يلقب بالخلوقِ
كأنَّ الكأس في يدها وفيها ... عقيقٌ في عقيقٍ في عقيقِ
ومنه:
اليومَ يومَ سرورٍ لا انقضاء لهُ ... ويوم سعدٍ به الأيامُ تنقادُ
أما ترى اليومَ ما أحلى شمائله ... صحوٌ، وغيمٌ، وإبراقٌ، وإرعادُ
كأنه أنتَ يا منْ لا شبيهَ لهُ ... وصلٌ وهجرٌ وتقريبٌ وإبعادُ
ومنه:
وإخوانٍ تخذتهمُ دروعاً ... فكانوها ولكنْ للأعادي
وخلتهمُ سهاماً صائباتٍ ... فكانوها ولكنْ في فؤادي
وقالوا: قد صفتْ منا قلوبٌ ... لقد صدقوإن ولكنْ منْ ودادي
ومنه:
كأنما يومنا فعلُ الحبيب بنا: ... موتٌ ونشرٌ وإيعادٌ وميعادُ
ومنه:
كم أخٍ لي كانَ مني، فلما ... أنْ رأى الوفرَ جفاني جفاني
(1/70)

مستعد لي بسهمٍ، فلما ... أن رأى الدهرَ رماني رماني
ومنه:
للهِ ليلتنا إذ صاحباي بها ... بدرٌ وبدرٌ سماويّ وأرضيُّ
إذ الهوى والهواءُ الطلقُ معتدلٌ ... هذا وهذا ربيعيّ طبيعيُّ
بتنا جميعاً وكلّ في السماعِ وفي ... شربِ المدامِ حجازيّ عراقيُّ
أسقى وأسقي نديماً غاب ثالثنا ... فالدورُ منا يمينيّ يساريُّ
ومنه:
سارتْ جيادك في الفلاسيرَ القطا ... يحملنَ عقباناً على عقبانِ
ضمنت صهوة كلِّ طرفٍ مثله ... وحملتَ سرحاناً على سرحانِ
ومنه أيضاً:
كأنَّ أرماحه تتلو إذا افترستْ ... زبورَ داودَ في محرابِ داودِ
هيهات راعهمُ في كلّ معركةٍ ... ليثُ الليوثِ وصنديدُ الصناديدِ
أما من طريق المعنى وحسن السبك ومتانة المبنى فهذان البيتان طرازان على كمي الأدب، وتاجان على مفرقي البلاغة والفصاحة في العرب، لكن من
(1/71)

طريق الأمر المشروط والرسم المخطوط، فبينهما وبين باب التطريز بعد ما بين الذهب والإبريز. الله أكبر، كيف يغطى على أذهان الفضلاء فتصدر منهم هذه العجائب؟ لكن قد قيل: إن مع أرباب الإصابة سهماً خاطئإن كما إن مع الخواطئ سهماً صائباً.
ومنه لآخر:
قلنسوةٌ على رأسٍ صليبِ ... مساحته جريبٌ في جريبِ
كأنَّ يدي وهامته ونعلي ... قريبٌ من قريبٍ من قريبِ
ومنه لغيره:
إليكَ طوى عرضَ البسيطة جاعلٌ ... قصارَ المطايا أن يلوحَ لها القصرُ
فكنتُ وعزمي والظلامُ وصارمي ... ثلاثة أشباهٍ كما اجتمعَ النثرُ
وبشرتَ آمالي بملكٍ هو الورى ... ودارٍ هي الدنيا ويومٍ هوَ الدهرُ
ولغيره:
الليالي تسوء ثم تسرُّ ... وصروف الزمان ما تستقرُّ
بتّ بحسرى عليّ من ريق حبي ... وكاسيَ شهد ومسك وخمرُ
لي من ريق ذا ومقلة هذا ... مع هذي سكر وسكر وسكرُ
ومنه لغيره:
في وجه هذا الذي كلفت به ... أربعةٌ ما اجتمعن في أحدِ
الوجهُ بدرٌ، والريحُ غاليةٌ ... والريقُ خمرٌ، والثغرُ من بردِ
لكلّ جزءٍ من حسنها بدعٌ ... تودعُ قلبي بدائعَ الكمدِ
باب

التفسير
اعلم أن التفسير هو أن تذكر جملة، فلا تزيد فيه ولا تنقص منها، ولا تخالف بينها، مثل قول الشاعر:
(1/72)

شبهُ الغيثِ فيه والليثِ والشم ... سِ فسمحٌ، ومحربٌ، وجميلُ
ولآخر:
كيفَ أسلو وأنتِ حقفٌ وغصنٌ ... وغزالٌ: لحظاً وردفاً وقدا
ولابن دريد:
إنَّ الذي بجماله وكماله ... جعلَ السهاد إلى الجفون طريقا
كالبدر حسناً والغزالةِ مقلةً ... والغصنِ قد والمدامةِ ريقا
ولاستاذنا أبقاه الله:
ومهفهفٍ لولا فتورُ جفونه ... ما كانَ طرفي في الدموعِ غريقا
فضلَ المها جيد وزاد على ذكا ... نورإ ولم يخطِ المدامةَ ريقا
وفي الحماسة:
يذكرنيكَ الخيرُ والشرُّ والحجا ... وقيلُ الخنا والعلمُ والحلمُ والجهلُ
فألقاكَ عن مذمومها متورعاً ... وألقاكَ في محمودها ولكَ الفضلُ
ومنه أيضاً:
وشاكلتْ ملحاً في الحسن أربعةً ... ما في الرياضِ وفي الأشجار من ملح
ثغرٌ وخدّ ونهدٌ واختضابُ يدٍ ... كالطلع والوردِ والرمان والبلح
(1/73)

ومنه لابن النحاس:
عدِّ الكؤوسَ عن المحبّ فإنَّ في ... وجهِ الحبيب مدامةً تكفيهِ
أفعالها في مقلتيهِ، ولونها ... في وجنتيهِ، وطعمها في فيهِ
ولابن حيوس:
ومقرطقٍ يغني النديمَ بوجههِ ... عن كأسهِ الملأى وعن إبريقه
فعلُ المدامِ ولونها ومذاقها ... في مقلتيهِ ووجنتيه وريقه
ومنه لابن المعري في شمعة:
لقد أشبهتني شمعةٌ في صبابتي ... وفي هولِ ما ألقى وما أتوقعُ
نحولٌ وحزنٌ في فناءٍ ووحدةٍ ... وتسهيدُ عينٍ واصفرارٌ وأدمعُ
ولبعضهم في ناعورة:
وكريمةٍ سقت الرياضَ بدمعها ... فسرتْ تنوبُ عن الغمامِ الهامعِ
بلباس محزونٍ، ومدمعِ عاشقٍ ... ومسيرِ مشتاقٍ، وأنةِ جازعِ
وفي الحماسة:
أسجناً وقيداً واشتياقاً وغربةً ... وبعدَ حبيبٍ إنَّ ذا لعظيمُ
وإنَّ امرأً دامتْ مواثيقُ عهدهِ ... على كلّ هذا إنه لكريمُ
(1/74)

ولامرئ القيس:
لهُ أيطلا ظبيٍ، وساقا نعامةٍ ... وإرخاءُ سرحانٍ، وتقريبُ تتفلِ
ولعبد المحسن الصوري:
قالتْ وقد فتكتْ فينا لواحظها: ... مهلإن فما لقتيلِ الحبّ من قودِ
وأسبلتْ لؤلؤاً من نرجسٍ، وسقتْ ... ورداً وعضتْ على العنابِ بالبردِ
أبو نواس:
يا قمراً أبصرتُ في مأتمٍ ... يندبُ شجواً بينَ أترابِ
يبكي فيذري الدمع من نرجسٍ ... ويلطمُ الوردَ بعنابِ
فقلتُ: لا تبكِ قتيلاً مضى ... وابكِ قتيلاً لكَ بالبابِ
باب

الاستطراد
اعلم أن الاستطرد نبه عليه أبو تمام والبحتري، وهو إن تمدحن شيئاً أو تذمه ثم تأتي في آخر الكلام بشيء هو غرضك في أوله، وهو في أشعار المتأخرين بالقصد وفي أشعار المتقدمين بالطبع؛ فمما جاء منه في أشعار العرب ما أنشده في الحماسة:
(1/75)

وإنا لقومٌ لا نرى القتل سبةً ... إذا ما رأته عامرٌ وسلولُ
يقرب حبُّ الموت آجالنا لنا ... وتكرههُ آجالهمْ فتطولُ
مح نفسه وقبيلته واستطرد بهجاء قبيلتين.
ولحسان بن ثابت الأنصاري:
إن كنت كاذبة الذي حدثتنا ... فنجوتِ منجى الحارث بن هشامِ
تركَ الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرةٍ ولجامِ
ومثله لزهير بن أبي سلمى:
إنَّ البخيل ملومٌ حيثُ كان ول ... كنَّ الجوادَ على علاتهِ هرم
هوَ الجوادُ الذي يعطيكَ نائله ... عفوإن ويظلمُ أحياناً فيظلمُ
ولبعضهم:
وأحببتُ من حبها الباخلينَ ... حتى هويت ابن سلمى سعيدا
ولبعضهم:
إنَّ الفراغ دعاني ... إلى ابتناءِ المساجدْ
وإن رأيي فيها ... كرأي يحيى بنِ خالدْ
(1/76)

ومنه لأبي نواس:
ضاع من عنف أو فن ... دَ فيها يا دفافهْ
مثلما زلتْ وضاعتْ ... بعد هرونَ الخلافهْ
وله أيضاً:
من رأى الناسُ له الفض ... لَ عليهمْ حسدوهُ
مثلما قد حسدَ الق ... ائمَ بالملك أخوهُ
ولآخر:
فما ذرَّ قرنُ الشمس حتى رأيتنا ... من العيّ تحكي أحمدَ بنَ هشامِ
وللسري الرفاء:
لنا روضةٌ بالدار صيغ بزهرها ... قلائدُ من حليِ الندى وشنوفُ
يطيف بنا فيها إذا ما تبسمتْ ... نسيمٌ كعقل الخالديّ ضعيفُ
وماءٌ حكى أشعارَ حمدٍ ببردهِ ... ولكنه يحيى وتلكَ حتوفُ
وللبحتري:
وأغرَّ في الزمنِ البهيمِ محجلِ ... قد رحتُ منهُ على أغرَّ محجلِ
كالهيكلِ المبنيّ إلاَّ أنهُ ... في الحسن جاء كصورةٍ في هيكلِ
(1/77)

يهوي كما يهوي العقابُ إذا رأى ... صيداً وينتصب انتصاب الأجدلِ
تتوهمُ الجوزاءَ في أرساغه ... والنجمَ غرةَ وجهه المتهللِ
ما إنْ يعافُ قذىً، ولو أوردته ... يوماً خلائقَ حمدويهِ الأحولِ
آخر:
وليلٍ كوجهِ البرقعيديّ ظلمه ... وبرد أغانيه وطول قرونه
سريت ونومي فيه غير مشردٍ ... كعقل سليمان بن وهبٍ ودينه
على أولقٍ فيه التفاتٌ كأنه ... أبو جابرٍ في خبطه وجنونه
ولاح لنا نورٌ كأنّ وميضهُ ... سنا بدران ونور جبينه
ولأبي تمام:
وسابحٍ هطلِ التعداءِ هتانِ ... على الجراءِ أمينٍ غير خوانِ
أظمى الفصوص وما تظمى عرائكه ... فخلّ عينيكَ في ظمآن ريانِ
فلو تراهُ مشيحاً والحصى زيمٌ ... تحت السنابك من مثنىً ووحدانِ
أيقنتَ إن لم تحقق أنَّ حافرهُ ... من صخرِ تدمرَ أو من وجه عثمانِ
وللأستاذ:
ومهندٍ تقفو المنونُ سبيله ... أبدإن وكيفَ يكونُ ريبَ منونِ
شرك المنايا في النفوسِ، فرحنَ عن ... غبنٍ، وراحَ وليسَ بالمغبونِ
ولو أن سيفاً ناطقاً لتحدثتْ ... شفراته بسرائرٍ وشجونِ
(1/78)

يهوي فيتركُ كلَّ قدٍّ توأماً ... بملومه يكفيكَ غير خؤونِ
وكأنما القدرُ المتاحُ مسخر ... في حده أو غرم عزّ الدينِ
آخر:
هذا قتيلٌ أنت رحتَ بإثمهِ ... وقتلته بين الحطيمِ وزمزمِ
أجعلتَ لحظكَ في الحجيجِ كأنه ... سيفُ العزيزِ على عصاةِ الديلمِ
الكاتب العتابي:
تلومُ على تركِ الغني باهليةٌ ... طوي الخيرُ عنها من طريفٍ وتالدِ
رأتْ حولها النسوانَ يرفلن في الحلى ... مقلدةً أجيادها بالقلائدِ
أسرك أني نلتُ ما نال جعفرٌ ... من المال أو ما نالَ يحيى بنُ خالد
وأنَّ أميرَ المؤمنينَ أغصني ... مغصهما بالمرهفاتِ البوارد
دعيني تجئني ميتتي مطمئنةً ... ولم أتجشمْ هولَ تلكَ المواردِ
وإنَّ عظيمات الأمورِ مشوبةٌ ... بمستودعاتٍ في بطونِ الأساودِ
ولغيره:
ما لي ومالك قدْ حملتني شططاً ... حمل السلاحِ وقولَ الدار عينَ: قفِ
أمن رجال المنايا خلتني رجلاً ... أمشي وأصبح مشتاقاً إلى التلف
تمشي المنايا إلى قومٍ، فأكرهها ... فكيفَ أمشي إليها بارز الكتفِ
أخلتِ عدم ثراءِ المالِ غيرني ... أو أنَّ قلبي في جنبيْ أبي دلفِ
آخر:
نبيذانِ في مجلسٍ واحدٍ ... لإيثار مثرٍ على مقترِ
فلو كان فعلك ذا في الطعام ... لزمتَ قياسكَ في المسكرِ
(1/79)

ولو كنت تفعلُ فعل الكرامِ ... فعلتَ فعالَ أبي البحتري
تتبعَ إخوانه في البلادِ ... فأغنى المقلَّ عن المكثرِ
غيره:
إذا ما اتقى الله الفتى وأطاعهُ ... فليس بهِ بأسٌ وإن كانَ من جرم
ومنه قول مسلم بن الوليد:
أجدكِ ما تدرين أن ربَّ ليلةٍ ... كأنَّ دجاها من قرونك ينشرُ
شربتُ بها حتى تجلتْ بغرةٍ ... كغرةِ يحيى حينَ يذكرُ جعفرُ
ومنه لغيره:
خليليَّ من كعبٍ، أعينا أخاكما ... على؛ دهرهِ؛ إنَّ الكريم معينُ
ولا تبخلا بخلَ ابن قزعةَ؛ إنه ... مخافةَ أن يرجى نداه حزينُ
إذا جئته في الحين أغلقَ بابهُ ... فلمْ تلقهُ إلا وأنتَ كمينُ
فقل لأبي يحيى: متى تدركُ العلا ... وفي كلّ معروفٍ عليكَ يمينُ
ومنه لغيره:
وشادنٍ بالدلالِ عاتبني ... ومنيتي في تدلل العاتبْ
وكان ردي عليه من خجلي ... أبردَ من شعرِ خالدِ الكاتبْ
ومنه لغيره:
يا منْ يشيرُ مسلماً ... بالطرفِ كالملكِ الجليلِ
(1/80)

اسم الذي تكنى بهِ ... في لحيةِ ابنِ أبي عقيلِ
ومنه لابن االمعتز:
ولقد شربتُ مدامةً كرخيةً ... معَ ماجدٍ طلقِ اليدينِ حميد
علتْ بماءٍ باردٍ، فكأنها ... علتْ ببردِ قصيدةِ ابنِ سعيد
ومن ذلك لبكر بن النطاح في مالك بن طوق:
عرضتُ عليها ما أرادتْ من المنى ... فقالتْ: حبيبي، قمْ، فجئني بكوكب
فقلتُ لها: هذا التعنت كلهُ ... كمنْ يشتهى لحمَ عنقاءَ مغربِ
سلي كلَّ أمرٍ يستقيمُ طلابهُ ... ولا تذهبي يا درتي كلَّ مذهبِ
فأقسمتُ لو أصبحتُ في عزّ مالكٍ ... وقدرتهِ أعيا بما رمت مطلبي
فتى شقيتْ أمواله بأكفهِ ... كما شقيتْ قيسٌ بأرماحِ تغلبِ
وللمتنبي:
وكأنّ كلّ سحابةٍ وقفت بها ... تبكي بعينيْ عروة بن حزامِ
وقال جرير:
لما وضعتُ على الفرزدقِ ميسمي ... وضغا البعيثُ جدعتُ أنف الأخطل
ومنه لابن حجاج:
وكأني أقرأ بحرفِ أبي عم ... روٍ على القومِ سورةَ الأنعامِ
(1/81)

محنةٌ تصفعُ ابنَ عمرو بنِ يحيى ... في دماغِ الأعشىَ بنعلِ القطامي
باب

الاستخدام
اعلم أن الاستخدام هو إن يكون للكلمة معنيان فتحتاج إليهما فتذكرها وحدها تخدم للمعنيين، كمما قال الله سبحانه وتعالى: " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " والصلاة ههنا تحمل إن تكون فعل الصلاة أو موضع الصلاة، فاستخدم الصلاة بلفظ واحد لأنه قال سبحانه: " إلا عابري سبيل "، فدل على أنه أراد موضع الصلاة، وقال تعالى: حتى تعلموا ما تقولون فدل على أنه فعل الصلاة.
وأنشدوا للبحتري:
فسقى لغضا والساكنيه وإن همو ... شبوهُ بين جوانحٍ وقلوب
فالغضى يحتمل أن يكون الموضع، ويحتمل أن يكون الشجر، فاستخدم المعنيين بقوله: والساكنيه، وبقوله: وإن هم شبوه.
ومن ذلك قول بعض العرب:
إذا نزلَ السماءُ بأرضِ قومٍ ... رعيناهُ وإن كانوا غضابا
فالسماء تحتمل معنيين: المطر، والنبات، فاستخدم المعنيين بقوله: إذا نزل السماء يعني المطر ورعيناه، يعني النبات.
(1/82)

وكما قال أبو العلاء:
وفقيه أفكاره شدنَ للنعمانِ ... ما لم يشدهُ شعرَ زيادِ
النعمان يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون النعمام بن المنذر الملك، أو النعمان ابن ثابت الفقيه فاستخدم المعنيين بلفظ واحد فقال شدن للنعمان، يعني أبا حنيفة، وقال: شعر زياد، يعن النعمان بن المنذر وهو النابغة وكان كثير المدح للنعمان.
وكما قال أبو تمام:
وإذا مشتْ تركتْ بصدرك ضعفَ ما ... بحليها من شدةِ الوسواسِ
لأن الوسواس يحتمل معنيين، وهو بلابل الصدر وصوت الحلي، فاستخدم المعنيين بقوله: تركت بصدرك يعني البلابل، وبقوله: ضعف ما بحليها يعني صوت الحلي.
ومنه:
اسمُ من ملني ومن صدَّ عني ... وجفاني من غير ذنبٍ وجرمِ
والذي ضنَّ بالوصالِ علينا ... مثلما ضنَّ بالهوى قلبُ نعمِ
هذا الستخدام في الإعراب لأن قلب مرفوعه بخبر للابتداء وبفاعل ضن، وهو أيضاً استخدام في المعنى لأن معنى قلب من المقلوب ومعنى العكس لأن الاسم معن.

باب
الإغراق
اعلم أن الإغراق هو أن يبالغ في شيء بلفظه ومعناه، كما قال المتنبي:
(1/83)

عهدي بمعركةِ الأمير وخيله ... في النقعِ محجمةً عن الإحجامِ
وقوله أيضاً:
وإذا أشفقَ الفوارسُ من وقعِ ال ... قنا أشفقوا من الإشفاقِ
وقال رجل لجعفر الصادق عليه السلام: إني أخاف ذنوبي، فقال: هنيئاً إنما الخوف ألا تخاف.
وقال بعض العلماء: ليس معي من العلم إلا أني أعلم أني لا أعلم.
أخذه بعض الشعراء فقال:
أليس عجيباً بأني امرؤٌ ... شديدُ الجدال دقيقُ الكلم
يموتُ وما علمتْ نفسه ... سوى علمه أنه ما علمْ
ومنه لغيره:
جهلتَ ولمْ تعلمْ بأنك جاهلٌ ... فمنْ لي بأنْ تدري بأنكَ لا تدري
ومنه لغيره:
ومليحةِ الألحاظِ فاتنةٍ ... نفاثةٍ بالسحرِ في العقدِ
ضنتْ بموعدها فقلتُ لها: ... يا هذهِ، فعدي بأنْ تعدي
ومنه لغيره:
فكأنما ألفاظهُ يومَ النوىَ ... منْ رقة الشكوى دموعُ دموعِ
ومنه لغيره:
(1/84)

أخلف وعدي منجزُ الوعدِ ... فبحتُ بالوجد من الوجدِ
وحال عن عهدي وعهدب به ... يحلفُ لا حالَ عنِ العهدِ
يا ليته إذ صدَّ عنْ وصلِ منْ ... هامَ بهِ صدَّ عن الصدِّ
ومنه لابن البياضي:
وإن تكُ مثلما زعموإ، ملولاً ... لمنْ تهوى سريعَ الإنتقالِ
صبرتُ على ملالك لي برغمي ... وقلتُ: عسى تملُّ منَ الملالِ
ومنه لغيره:
ويطمعُ في رجعاتِ الملو ... ل، لأنَّ الملولَ يملّ الملالَ
يملُّ القطيعةَ مستأنفاً ... كما ملَّ من قبل ذاك الوصال
ومنه لغيره:
لو سرتَ حين مللتَ سيرةَ منصفٍ ... لسننتَ وحدك سنةً لم تعرفِ
من صحَّ قبلك في الهوى ميثاقه ... حتى تصحَّ، ومنْ وفى حتى تفي
عرف الهوى في الخلق مذ خلق الهوى ... بمذلةِ الأقوى وعزّ الأضعفِ
فلألبسنَّ حملتُ أو لم أحتملْ ... ثوبَ السقام، عطفتَ أو لمْ تعطفِ
ومنه لغيره:
حببتكمُ حبَّ اليمينِ شمالها ... وغايةُ جهد الحبّ ما وسع القلبُ
وبوأتكم منه السواد، ولم يكنْ ... لغيركم منهُ مضيقٌ ولا رحبُ
لكمُ في الحشا من قبل أن تخلق الحشا ... سرائر حبٍّ قبل أن يخلق الحبُّ
(1/85)

ومنه لغيره:
وما زالَ يلوي ذيولَ الهوى ... ويؤيسنا من قليل النوال
إلى أنْ وقعنا بزور المزا ... رِ، وبعد الكرى، وخيال الخيالِ
ومنه للمتنبي:
إن المعيدَ لنا المنام خياله ... كانتْ إعادته خيال خياله
باب

التوهيم
اعلم أن التوهيم هو أن تجيء لكلمة توهم أخرى، مثل قوله تعالى: " يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق "، لأن قوله سبحانه: " يوفيهم " يوهم من لا يحفظ دينهم الحق بالفتح، ومنه قول سحيم:
فجالَ على وحشيةٍ وتخالهُ ... على ظهره سباً جديداً يمانيا
قوله يمانيا يوهم أنها شبا بالشين.
وكذلك قول المتنبي:
(1/86)

فانَّ الفيامَ الذي حولهُ ... لتحسد أرجلها الأرؤسُ
قوله الأرؤس يوهم أنها القيام بالقاف، وإنما هو بالفاء والفيام، الجماعات.
وكذلك قوله:
صنا قوائمها عنهم، فما وقعتْ ... مواقع اللؤمِ في الأيدي ولا الكزمِ
فقوله: الكزم يوهم أنه الكرم بالراء، وإنما هو بالزاي، وهو قصر الأصابع.
ومنه قوله:
تعطفْ علينا أيها الغصنُ الغضُّ ... أما منكَ شمٌّ يستفادُ ولا عضُّ
يريد عطف القلب لا انعطاف القد، فلما قال: الغض أوهم أن التعطف من انحناء القضيب.
ومنه للشريف الأجل الرضي رضي الله عنه:
إذا هتمَ التلاعَ رأيت منهُ ... رضاباً في ثنيات الهضاب
فقوله: الرضاب يوهم ثنيات الأسنان وإنما هي ثنيات الجبال.

باب
الاتفاق والاطراد
اعلم أن الاتفاق والاطراد هو أن يتفق للشاعر شيء لا يتفق عاجلاً كثيرإن مثل قول حبيب في الغزل:
(1/87)

لسلمى سلامانٍ وعمرةِ عامرٍ ... وهندِ بني هندٍ وسعدى بني سعد
وقوله يصف حصاناً:
بحوافرٍ حفرٍ وصلبٍ صلبِ ... وأشاعرٍ شعرٍ وخلق أخلقِ
وقوله أيضاً:
عمرو بنُ كلثومِ بن مالك بن غيا ... ثِ بنِ سعدٍ سهمكم لا يسهمُ
وله أيضاً:
من يكنْ رامَ حاجةً بعدتْ عن ... هُ وأعيتْ عليه كلَّ العياء
فلها أحمدُ المرجى بنُ يحيى ... من معاذ بنِ مسلمِ بنِ رجاء
ومنه:
(1/88)

مناسبُ تحسبُ من فخرها ... منزلاً للقمرِ الطالعِ
لنوحِ بن عمرو بنِ حوى بن عم ... رو بن حوى ابن الفتى مانعِ
ومنه أخذ المتنبي حيث يقول:
فحمدانُ حمدونٌ وحمدونُ حارثٌ ... وحارثُ لقمانٌ ولقمانُ راشدُ
أولئك أنيابُ الخلافة كلها ... وسائرُ أملاك الزمانِ الزوائدُ
وقد جاء في أشعار العرب مثله:
قتلنا بعبد الله خير لداتهِ ... ذؤاب بن اسماء بن قيس بن قارب
وقال آخر:
وشبابٍ حسنٍ أوجههم ... منْ إياد بن نزار بن معدّ
وقال آخر:
إن يقتلوك فقد ثكلت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهابِ
باب

التوشيح
اعلم أن التوشيح هو أن تريد الشيء فتعبر عنه عبارة حسنة وإن كانت أطول منه، كقول ابن المعتز:
آذريونٌ، أتاك في طبقه ... كالمسك في ريحه وفي عبقه
قد نفض العاشقون ما صنعَ ال ... هجرُ بألوانهمْ على ورقه
فإن البيت موضوع على أنها أصفر.
ومنه قول المتنبي:
(1/89)

بلادٌ إذا زان الحسانَ بغيرها ... محصى أرضها ثقبنه للمخانق
وإن البيت كله عبارة عن أن حصى هذه الأرض يشبه الدر.
وقد أحسن المنازي في اتباعه حيث يقول:
وقانا لفحة الرمضاء روضٌ ... سقاه مضاعفُ الغيث العميمِ
حللنا دوحه فحنا علينا ... حنوَّ الوالدات على اليتيم
وأرشفنا على ظمأ زلالاً ... ألذ من المدامة للنديم
يباري الشمس أنى قابلتنا ... فيحجبها ويأذنُ للنسيمِ
يروعُ حصاه حالية العذارى ... فتلمسُ جانب العقد النظيمِ
وهذا مأخوذ من قول السري الرفاء:
يريك من شرف الألفاظ منطقهُ ... درَّ العقود غدتْ محلولة العقد
وللأمير سديد الملك:
(1/90)

جزى الله نصراً خير ما جزيتْ به ... رجالٌ قضوا فرض العلا وتنفلوا
هو الولدُ البرُّ اللطيفُ، فإنْ رمي ... به حادثٌ فهو الحمامُ المعجلُ
ومنه لغيره:
طاف براحٍ كأنَّ ريحتها ... صادرةٌ عن أريج أنفاسه
بدرُ تمامٍ كأنَّ وجنته ... قد نفضتْ صبغها على كاسه
ولغيره:
وشمسِ راحٍ يديرها قمرٌ ... شاهده فتنةٌ وغائبه
أقبل في كفه مشعشعةٌ ... عائبها كاذب وعائبه
تحت ظلامٍ كأنما نقضتْ ... عليه أصباغها ذوائبه
ومنه:
وليلٍ حكى فرع الحبيب وصدهُ ... نفى النومَ عن عينيَّ طيفُ خيالهِ
إلى أن بدا ضوءُ الصباح كأنما ... تجلى لنا عن صده بوصالهِ
باب

التشعيب
اعلم أن التشعيب هو أن يكون في المصراع الثاني كلمة من المصراعت الأول، مثل قول أبي العلاء:
قد أورقتْ عمدُ الخيام وأعشبتْ ... شعبُ الرحال، ولون رأسي أغبرُ
ولقد سلوتُ عن الشباب كما سلا ... غيري، ولكن للحزين تذكرُ
ومنه قول أبو عبادة البحتري:
(1/91)

تصرم الدهرُ لا وصلٌ فيطمعني ... فيما لديك، ولا يأسٌ فيسليني
وكيف أعجبُ من عصيان قلبك لي ... يوماً إذا كان قلبي فيك يعصيني
ومنه لغيره:
وما هجرتك النفسُ يا عزَّ أنها ... قلتك ولا أنْ قلَّ منك نصيبها
ولكنهمْ يا أحسنَ الناس أولعوا ... بقولٍ إذا ما جئتُ: هذا يريبها
أهابك إجلالاً وما بك قدرة ... عليّ ولكن ملء نفسٍ حبيبها
ومنه للشريف الرضي:
ولقد مررتُ على ديارهمُ ... وطلولها بيد البلى نهبُ
فوقفتُ حتى عجَّ من نصبٍ ... نضوي، ولجَّ بعذليَ الركبُ
وتلفتتْ عيني فمذ خفيتْ ... عني الديارُ تلفت القلبُ
ومنه قول ليلى الأخيلية:
إذا هبط الحجاجُ أرضاً مريضةً ... تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلامٌ إذا هزَّ القناة سقاها
سقاها فرواها بشرب سجاله ... دماءُ رجالٍ يحلبون صراها
(1/92)

ومنه للبحتري:
خليلٌ أتاني نفعه وقت حاجتي ... إليه وما كلُّ الأخلاء ينفعُ
ومنه لغيره في طيلسان:
هو لي، ولكنَّ البلى أولى به ... مني فما يبقي عليه ولا يذرْ
قد كان أخضر ثم ما زلنا به ... نرفوه حتى اسودَّ من صدإ الإبرْ

باب
التجاهل
قال صاحب الصناعتين: هو أن يقول الشاعر لا أدري، وأمثال ذلك من الكلام أو يستفهم ببعض حروف الاستفهام؛ كقول وذي الرمة:
بالله يا ظبيات القاع، قلن لنا: ... ليلاي منكنَّ، أمْ ليلي من البشرِ
وله أيضاً:
أيا ظبية الوعساء بين حلاحلٍ ... وبين النقا آأنتِ أمْ أمُّ سالمِ
وقال صاحب الصناعتين: كتب إلي بعض الأدباء: سمعت بورود كتابك فاستفزني الفرح قبل رؤيته، وهز عطفي المرح أمام مشاهدته، فلا أدري
(1/93)

أسمعت بورود كتاب، أم ظفرت برجوع شباب، ولم أدر ما رأيت أخط مسطور، أم روض ممطور، أو كلام منثور، أو شي منشور، ولم أعلم ما أبصرت من منظومه أبيات شعر، أم عقود در، والسلام.
ومنه قول بعضهم:
أأسماءُ أيّ الواعدين تريهما ... أشدكما مطلاً فإني لا أدري
أأنت بنيلٍ منك يبردُ غلتي ... أم القلبُ بالسلوان عنك وبالصبر
ومنه لغيره:
أثغرٌ ما أرى أم أقحوانُ ... وقدٌّ ما أرى أم خيزرانُ
وطرفٌ ما تقلبُ أمْ حسامٌ ... ولفظٌ ما تساقطُ أمْ جمانُ
وشوقٌ ما أكابد أم حريقٌ ... وليلٌ ما أقاسي أمْ زمانُ
ومنه للمتنبي:
أريقك أمْ ماءُ الغمامةِ أم خمرُ ... بفيِّ برودٌ وهو في كبدي جمرُ
ومنه لغيره:
كم ليلةٍ عانقتُ فيها بدرها ... حتى الصباح موسداً كفيهِ
فسكرتُ لا أدري أمنْ خمر الهوى ... أم كأسه، أم فيه، أم عينيهِ
ومنه لغيره:
واللهِ لا أدري بأيّ صفاته ... ملكَ القلوبَ بأسرها في أسره
(1/94)

أبوجههِ، أم شعره، أم نحره ... أم ثغره، أم ردفه، أم خصرهِ
ومنه لغيره:
ذكرتُ عشيةَ الصدفين ليلى ... وكلَّ الدهر ذكراها جديدُ
وقالوا: قد بكيت فقلتُ: كلاَّ ... وهل يبكي من الطرب الجليدُ
ولكني أصابَ سوادَ عيني ... عويدُ قذىً له طرفٌ حديدُ
فقالوا: ما لدمعهما سواءً ... أكلتا مقلتيكَ أصابَ عودُ
عليَّ أليةٌ إن كنتُ أدري ... أينقصُ حبُّ ليلى أمْ يزيدُ
ومنه لغيره:
وخبرتُ: ليلى بالعراق مريضةٌ ... فأقبلتُ من أرضي إليها أعودها
وأقسمُ ما أدري إذا أنا جئتها ... أأبرئها من دائها أم أزيدها
ومنه:
أحقاً يا حمامةَ بطنْ وجّ ... بهذا القول أنكِ تصدقينا
غلبتك في البكاء لأنَّ ليلي ... أواصله وإنك تهجعينا
كلانا يشتكي ألماً وشوقاً ... ولكني أسرُّ وتعلنينا
العرجي:
عوجي عليَّ وسلمي جبرُ ... فيمَ الوقوفُ وأنتمُ سفرُ
(1/95)

ما نلتقي إلاَّ ثلاث منىً ... حتى يفرق بيننا النفرُ
وزعمتِ أنَّ البين يعقبني ... صبراً عليك وأين لي صبرُ
ألحولُ بعد الحولِ نتبعهُ ... ما الدهرُ إلا الحولُ والشهرُ
ومنه:
وقفتُ وقد فقدتُ الصبر، حتى ... تبين صاحبي أني الفقيدُ
وشكك فيَّ عذالي؛ فقالوا ... لرسم الدار: أيكما العميدُ
ومنه:
لي سيدٌ فاتنٌ يعلمني ... بحبه كيف يعبدُ الصنمُ
لما رآني وفي يدي قلمي ... لم يدرِ للسقم أينا القلمُ
ومنه:
إذا قلتُ: هذا بيتُ عزة قادني ... إليه الهوى واستعجلتني البوادرُ
أمنقطعٌ يا عزُّ ما كان بيننا ... وشاجرني يا عزُّ عنك الشواجرُ
ومنه قول ذي الرمة:
أيا ميُّ، هلْ يجدي بكائي بمثلهِ ... مرارإن وأنفاسي عليكِ الزوافرُ
وإني متى أشرفْ من الموضعِ الذي ... بهِ أنتِ من بين الجوانبِ ناظرُ
وألا ينالَ الركبُ تهويم ساعةٍ ... من الليل إلا اعتادني لك زائرُ
(1/96)

ومنه لجميل:
أظنّ هواها تاركي بمضلةٍ ... من الأرضِ لا مالٌ لديَّ ولا أهلُ
ولا أحدٌ أفضي إليه وصيتي ... ولا وارثٌ إلى المطيةُ والرحلُ
محا حبها حبَّ الأولى كنَّ قبلها ... وحلتْ مكاناً لم يكنْ حلَّ من قبل
ومنه للصوري:
بالذي ألهمَ تعذي ... بي ثناياك العذابا
والذي صير حظي ... منكِ هجراً واجتنابا
والذي ألبس خديك ... من الوردِ نقابا
ما الذي قالته عينا ... كِ لقلبي، فأجابا؟
ومنه:
توردَ دمعي إذ جرى ومدامتي ... فمنْ مثلِ ما في الكأس عيناي تسكبُ
فأقسمُ ما أدري أبالخمرِ أسبلتْ ... جفوني، أم من ماء عينيّ تشربُ
ومنه:
هتف الصبحُ بالدجى فاسقنيها ... قهوةً تتركُ اللبيبَ سفيها
ليسَ يدري من رقةٍ وصفاءٍ ... هي في كأسها أم الكأسُ فيها
ومنه لمهيار الديلمي:
أيا صاحبيْ نجوايَ يومَ سويقةٍ ... أناةً وإن لمْ تسعدا فتجملا
سلا ظبيةَ الوادي، وما الظبيُ مثلها ... وإنْ كان مصقولَ الترائب أكحلا
أأنتِ أمرتِ البدر أن يصدع الدجى ... وعلمتِ غصنَ البان أن يتميلا
(1/97)

جمعت عليه حرقة الدمع والأسى ... وما اجتمع الداءان إلا ليقتلا
وحرمتِ يوم البينِ وقفةَ ساعةٍ ... على مدنفٍ ظنَّ الوداعُ محللا
ومنه:
تحصبُ يا رامي الجمار بها الأر ... ضَ، فقلبي لم يشتكِ الألما
كادتْ قريشٌ ترتدُّ جاهلةً ... لما تمثلت بينها صنما
يا لزماني على الحمى عجباً ... أيُّ زمانٍ مضى وأيُّ حمى
ومنه:
حملوا ريحَ الصبا نشركمُ ... قبل أنْ تحمل شيحا وخزامى
وابعثوا أشباحكمْ لي في الكرى ... إنْ أذنتمْ لجفوني أنْ تناما
أشتكيكم وإلى منْ أشتكي ... أنتم الداءُ فمن يبري السقاما
كلما أفكرتُ في فرقتنا ... قلتُ: ما كان اللقا إلاَّ مناما
ومنه:
دعوهُ ونجداً إنها شأنُ نفسه ... فلوْ أنَّ نجداً بلغةٌ ما تغذاها
وهبكمْ منعتمْ أن يراها بعينه ... فهلْ تمنعونَ القلب أنْ يتمناها
(1/98)

ومنه:
أستنجدُ الصبرَ فيكمْ وهو مغلوبُ ... وأسألُ النومَ عيني وهو مسلوبُ
وأبتغي عندكم قلباً سمحتُ به ... وكيف يرجعُ شيءٌ وهوَ موهوبُ
ما كنتُ أعلمُ ما مقدارُ وصلكمُ ... حتى هجرتُ، وبعضُ الهجر تأديبُ
ومنه:
أضيغمٌ، أم غزالٌ ذاك، أم بشرُ ... شمسٌ تزيتْ بزيّ التركِ، أم قمرُ
لقد تحير وصفي في حقيقته ... كما تحير في أجفانه الحورُ

باب
الكناية والإشارة
اعلم أن الفرق بين الكناية والإشارة أن الإشارة إلى كل شيء حسن والكناية عن كل شيء قبيح، مثل قوله عز وجل: " فيهن قاصرات الطرف "، إشارة إلى عفافهن. وقوله سبحانه: " كانا يأكلان الطعام " كناية عن قضاء الحاجة. وقوله تعالى: " فرش مرفوعة ". إشارة إلى نساء كرام. وأرضاً لم تطؤها. إشارة إلى سبي النساء. ومثل قول العرب: طويل نجاد السيف، إشارة إلى ارتفاعه عن الدنايا. وعظيم الرماد، إشارة إلى كثرة القرى. وجبان الكلب، إشارة إلى كثرة الطارق ومهزول الفصيل، إشارة إلى سقي الألبان. وأسبق الناس إلى ذلك المعنى امرؤ القيس في قوله:
ويضحي فتيتُ المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
أشار بقوله: نؤوم الضحى إلى أنها مخدومة من بنات الملوك.
وقال بعض العرب وهو عمر بن أبي ربيعة:
بعيدةُ مهوى القرطِ، إما لنوفلٍ ... أبوها وإما عبدِ شمسٍ وهاشمِ
أشار بقوله: بعيدة مهوى القرط إلى طول عنقها.
(1/99)

وقال ذو الرمة:
ترى قرطها في واضح الليتِ مشرفاً ... على هلك في نفنف يتطوحُ
وقال همام الفرزدق:
غمرُ الرداءِ، إذا تبسمَ ضاحكاً ... عتقتْ لضحكتهِ رقابُ المالِ
وقال النابغة:
رقاقُ النعالِ، طيبٌ حجزاتهمْ ... يحيونَ بالريحان يومَ السباسب
أشار بطيب حجزاتهم إلى عفتهم وقالت ليلى الأخيلية:
ومخرقٍ عنهُ القميصُ تخالهُ ... وسط البيوتِ من الحياء سقيما
حتى إذا رفعَ اللواءُ رأيته ... تحتَ اللواء على الخميسِ زعيما
أشارت بتخريق القميص إلى كثرة طلب الحوائج منه.
وقال الأعشى:
ربَّ رفدٍ هرقته ذلك اليو ... مَ وأسى من معشرٍ أقيال
أشار برفد هرقته إلى قتله الكرام.
(1/100)

وقال امرؤ القيس:
وأفلتهنَّ علباءٌ جريضاً ... ولوْ أدركنهُ صفرَ الوطابُ
أشار بصفر الوطاب إلى خلو جسمه من روحه.
وقال عنترة:
بطلٌ كأنَّ ثيابه في سرحةٍ ... يحذى نعالَ السبت ليس بتوأم
أشار بقوله: كأن ثيابه في سرحة إلى طول قامته. ويقوله: يحذى نعال السبت إلى أنه ملك. وبقوله: ليس بتوأم إلى أنه قوي شديد.
وقال آخر:
أبيني، أفي يمنى يديكِ جعلتني ... فأفرحَ، أمْ خلفتني في شمالكِ
أشار باليمين إلى الرضا وبالشمال إلى السخط.
بعض العرب:
تركتُ الطعانَ لأهلِ الطعانِ ... وأكرهتُ نفسي على ابنِ الصعقْ
وضعتُ يديَّ وشاحاً لهُ ... وبعضُ الفوارسِ لا يعتنقِْ
أشار بوضع يديه إلى مصارعته.
(1/101)

وقول الخرنق:
لا يبعدن قومي الذينَ همُ ... سمُّ العفاة وآفةُ الجزرِ
النازلين بكلِّ معتركٍ ... والطيبينَ معاقدَ الأزرِ
أشار إلى أنهم غير زناة.
وقول ابن مقبل: هرت الشقاشق ظلامون للجزر أشار إلى فصاحتهم ونحرهم الإبل من غير علة.
وقال الأعشى:
الواطئينَ على صدورِ نعالهمْ ... يمشونَ في الدفني والأبرادِ
أشار إلى تجبرهم وأنهم ملوك.
ومثله:
كأنَّ أخمصها بالشوكِ منتعلُ.
ومنه أن يريد المتكلم شيئاً فيعبر عنه بلفظ غير لفظه كقولهم: فلان نقي الثوب، أي لا عيب فيه، وطاهر الجيب أي ليس بغادر، وطيب الحجزة أي عفيف، ودنس الثوب أي فاجر، وغمر الرداء أي كثير المعروف:، وطرب العنان أي فرس مسرع، ومغلول اليدين أي بخيل، ويقال: كبا زنده، وأفل نجمه، وذهب ريحه، وطفئت جمرته، وأخلف نوؤه، وانكسرت شوكته،
(1/102)

وكل حده. وأفل غربه، وتضعضع ركنه، وفت عضده، ولانت عريكته ". وكل هذه أسماء المماثلة والمشابهة.
ومنه قوله عليه وآله السلام: " إياكم وخضراء الدمن "، أراد المرأة الحسناء في منبت السوء.
واسترشد أعرابي أعرابياً الطريق، فقال استبطن الوادي وكن سيلاً حتى تبلغ.
ومنه قول زهير:
ومنْ يعصِ أطرافَ الزجاج فإنه ... يطيعُ العوالي ركبتْ كلَّ لهذم
قال: هذا مثل قولهم: من عصى السوط أطاع السيف.
ومن مليح التعريض: قيل لأبي العيناء: ما تقول في بني وهب؟ فقال: وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه، وهذا ملح أجاج.
ومن التعريض الجيد ما كتبه عمرو بن مسعدة إلى المأمون: أما بعد فقد استشفع بي فلان في إلحاقه بنظرائه؛ فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب الشافعين، ولو فعلت ذلك لتعديت طاعته والسلام. فوقع المأمون في كتابه: قد عرفنا تصريحك له، وتعريضك لنفسك، فأجبناك إليهما
(1/103)

ووقفناك عليهما.
ومنه:
فقل: السلامُ، ومنْ تباريح الجوى ... بعثَ القتيلُ تحيةً للقاتلِ
لقنَ النفارَ من الغزالة، واحتذى ... ليَّ العهود من القضيبِ المائلِ
ومنه:
ولما جلا التوديعُ عما عهدته ... ولم يبقَ إلاَّ نظرةٌ تتغنم
بكيتُ على الوادي؛ فحرمتُ ماءهُ ... وكيفَ يحلُّ الماءُ أكثرهُ دمُ
ومنه:
إذا رعتها من وصلِ أخرى بزلة ... تلافيتها من لمتي بشفيعِ
وما شبتُ لكن ضاعَ مما بكيتكمْ ... سوادُ عذاري في بياضٍ دموعي
ومنه:
وغرة كجبين الشمس لو برزت ... في حندس الليل للحرباء لانتصبا

باب
المبالغة
اعلم أن المعنى إذا زاد عن التمام سمي مبالغة، وقد اختلفت ألفاظه في كتبهم، فسماه قوم: الإفراط والغلو والإيغال والمبالغة، وبعضه أرفع من بعض، كما قال زهير:
كأنَّ فتاتَ العهن في كل منزلٍ ... نزلنَ به حبُّ الفنا لم يحطمِ
كأنه تم الكلام عند قوله: حب الفنا. ثم قال: لم يحطم لأنه أشد لحمرته.
وكذلك قول امرئ القيس:
(1/104)

كأنَّ عيونَ الوحشِ حول خبائنا ... وأرحلنا الجزعُ الذي لمِ يثقبِ
تم التشبيه عند قوله الجزع، ثم بالغ في قوله: الذي لم يثقب.
وفي الكتاب العزيز من هذا الباب قوله تعالى: " وبلغت القلوب الحناجر " وقوله تعالى: " لتزول منه الجبال.
وقال بعضهم:
أضاءتْ لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليلِ حتى نظم الجزعَ ثاقبه
ومن ذلك ألفاظ العرب في قولهم: هو امرؤ يهد الجبال ويصرع الطير، ويفزع الجن، ويعطش الماء.
وقال المتنبي:
لقيتُ المرورى والشناخيبُ دونه ... وجبتُ هجيراً يترك الماء صاديا
وقيل إن امرأة من العجم كانت لا تظهر للشمس وتقول: أخاف أن تكسفني.
وقال أعرابي في فرسه: يحضر ما وجد عدوإً وإن الوابل ليصيب عجزه، ولا يبله مفرقه، حتى أصيب حاجتي.
(1/105)

وذم أعرابي رجلاً فقال: يكاد يعدي لؤمه من تسمى باسمه.
وقال سكينة: ما لبست ابنتي الدر إلا لتفضحه.
وقال بعض العرب: لو وقع فلان في ضحضاحي لغرق.
ومن الهزل في هذا الباب ما رواه الصولي عن حمين قال: دخلت على بعض البرامكة وبين يديه خوان عليه صحاف كل صحفة من نصف خشخانة، فلو تنفست لطار الخوان من نفسي. ولو أن عفوراً نقر من طعامه ما رضي حتى يؤتى بالعصفور مشوياً بين رغيفين من عنده، وإن صعودك إلى السماء على سلم من زبد في تموز حتى تأخذ بنات نعش أيسر عليه من أن يطعمك لبابة في النوم.
ومنه:
يعثرُ الناسُ في الطري ... قِ بهِ من دمامتهِ
ومنه:
أراهُ بيدقَ الشط ... رنجِ في القيمة والقامةِ
ومنه:
(1/106)

يغصُّ بحيزومِ الجرادةِ صدرها ... وينضجُ ما فيها بعود خلال
ولابن منير:
لو جاز في عيب الذ ... ي يأكله لما درى
أو بلغ الصائم ألفاً ... مثله ما أفطرا
فقل لنا أعرضاً نح ... ده أم جوهرا
ومنه:
إن قرأ العاديات في رجب ... لمْ يقر آياتها إلى رجبِ
بل هو لا يستطيعُ في سنةٍ ... يختم " تبتْ يدا أبي لهبِ "
ومنه للمؤمل:
من رأى مثل حبتي ... تشبهُ البدرَ إذ بدا
تدخل اليومَ ثم تد ... خلُ أردافها غدا
ومثله:
إنَّ قوماً أصبحت تنفقُ فيهمُ ... لعلى غايةٍ من التخسير
ومثله:
وكنتُ إذا ما جئتُ ليلى بأرضها ... أرى الأرض تطوى لي، ويدنو بعيدها
من الخفرات البيضِ ودَّ جليسها ... إذا ما قضتْ أحدوثةً أن تعيدها
(1/107)

وكيف يودُّ القلبُ من لا يوده ... بلى قد تريدُ النفسُ من لا يريدها
علي بن العباس الرومي:
وحديثها السحرُ الحلالُ لو أنه ... لم يجنِ قتلَ المسلمِ المتحرزِ
إن طال لم يمللْ وإن هي أوجزتْ ... ودَّ المحدث أنها لمْ توجزِ
شركُ العقولِ وفتنةٌ ما مثلها ... للمطمئنِّ وعقلةُ المستوفزِ
ومنه:
خلتِ المنازلُ من أحبتنا ... ورمتْ بهمْ عنا يدُ الدهرِ
وأقلُّ ما لاقيتُ بعدهمُ ... أني فجعتُ بهمْ وبالصبرِ
نذر الزمان على تفرقنا ... نذراً فقام بواجب النذر
ومن المبالغة في القناعة حتى صار الشيء ضده كما أن الزيادة في الحد نقص في المحدود، ومنه لابن الدمينة:
وإني لأرضى منكِ يا ميُّ بالذي ... لو أبصرهُ الواشي لقرتْ بلابله
بلإ، وبألاَّ أستطيعَ، وبالمنى ... وبالوعد، حتى يسأمَ الوعدَ آمالهُ
وبالنظرة العجلى، وبالعام تنقضي ... أواخرهُ لا نلتقي وأوائله
ومنه قول ذي الرمة:
أإنْ ترسمتَ من خرقاء منزلةً ... ماءُ الصبابة من عينيكَ مسجومُ
(1/108)

كأنها بعد أحوالٍ مضينَ لها ... بالأشيمينِ يمان فيه تسهيمُ
منازلُ الحيِّ إذ لا الدارُ نائيةٌ ... بالأصفياء وإذ لا العيشُ مذمومُ
تعتادني زفراتٌ حين أذكرها ... تكادُ تنقدُّ منهنَّ الحيازيمُ
ومنه:
لا تحسبيه وإنْ أسأتِ به ... يرضي الوشاةَ ويقبلُ العذلا
لو كنتِ أنتِ، وأنت مهجته ... واشٍ هواكِ إليه، ما قبلا
ومنه:
بدرٌ يغلُّ غرامي، ثمَّ يطلقه ... ويسترقُّ فؤادي، ثمَّ يعتقه
وقد تسامحَ قلبي في مساعدتي ... على السلوِّ، ولكنْ منْ يصدقه
ومنه:
بيني وبين عواذلي ... في الحبّ أطرافُ الرماحْ
أنا خارجيّ في الهوى ... لا حكمَ إلاَّ للملاح
ومنه:
تمَّ لهُ الحذقُ فلا خارجٌ ... عن صنعةِ اللحنِ ولا نافر
غنى بشعري، فتعالوإن انظروا ... من المغني ومنِ الشاعرُ؟
ومنه:
جلبتُ لأصحابي بها درة الصبا ... بصهباء من ماءِ الكرومِ شمولِ
(1/109)

إذا حصلتْ دون اللهاة من الفتى ... دعا همه منْ صدرهِ برحيلِ
ومنه:
وما حمدتُ زماني وهو يصعدني ... فكيف أحمدهُ في حال منحدري
إني رميتُ بما لوْ قد رمين بهِ ... جوانبُ الفلكِ الدوار لم يدرِ
تزيدني قسوةُ الأيام طيبَ ثنا ... كأنني المسكُ بينَ الفهر والحجرِ
ومنه لأبي نواس:
علقتُ بحبلٍ من حبالِ محمدٍ ... أمنتُ به من طارقِ الحدثانِ
تغطيتُ من دهري بظل جناحهِ ... فصرت أرى دهري، وليس يراني
فلو تسألُ الأيامُ ما اسمي ما درتْ ... وأينَ مكاني ما عرفن مكاني
ومنه قول توبة:
ولو أنَّ ليلى الأخيلية سلمتْ ... عليَّ ودوني تربة وصفائحُ
لسلمتُ تسليمَ البشاشة، أو زقا ... إليها صدىً من جانبِ القبرِ صائحُ
ومنه قول قيس بن ذريح المجنون:
ولو أنَّ ليلى العامرية صبحتْ ... ومن فوقِ رمسينا صفيحٌ منصبُ
لظلَّ صدى جسمي وإن كان رمةً ... لصوت صدى ليلى يهشُّ ويطربُ
ومنه:
ألف الصدود، فلوْ يمرُّ خياله ... بالصبِّ في سنةِ الكرى ما سلما
(1/110)

ومنه:
إلى فتى مشرق الأحساب لو سبكتْ ... أخلاقهُ من شعاع الشمس لم تزدِ
لهُ عزائمُ رأيٍ لو رميتَ بها ... عند الهياج نجومَ الليلِ لم تقدِ
ومنه:
أمطرتهم عزماتٍ لو رميتَ بها ... يومَ الحقيقة ركنَ الدهرِ لانهدما
ومنه:
قبضتُ يدَ السحاب بفيضِ دمعي ... فأسكتُّ الحمائمَ بالزفير
ومنه:
يا برقُ، خذ بصري، واصنعْ بذاك يدا ... عندي، فلاق به حياً بذي قارِ
تكشفتْ بسناهُ كلُّ خافيةٍ ... حتى تحدث عن مكنون أسراري
ومنه:
ما في البرية غيرُ من يتغيرُ ... قلَّ الوفاءُ، فكلُّ خلق يغدرُ
يا ليتني ظفرتْ يدايَ بمخلص ... في الناس يخلصُ لي على ما أضمرُ
لو يشترى لشريتُ ذاك بمقلتي ... وبقيتُ بالأخرى إليه أنظرُ
ومنه:
مني تعلمت الحمامُ النو ... حَ والإبلُ الحنينا

باب
الازدواج
إعلم أن الازدواج هو أن يزاوج بين الكلمات والجمل كلام عذب، وأفاظ عذبة حلوة، كما قال الله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا
(1/111)

عليه ". وقال عز وجل: " عليماً حكيماً غفوراً رحيما " وأشباه ذلك، لأنه ربما يكون مختلفاً وربما يكون مؤتلفاً وربما يكون كلمة كلمة، وربما يكون كلمتين كلمتين كقول العرب:
ومطعمُ النصر يوم النصرِ مطعمه ... أنى توجه، والمحرومُ محرومُ
ومنه:
لا صبر عنك، بلى عليكِ تصبري ... الهجرُ دأبك والتجلدُ دابي
لا تمزجي قدحي، فإنَّ مدامعي ... تكفي وتفضلُ عن مزاج شرابي
لا أستطيعُ من الضنى شكوى الضنى ... ويكادُ ما بي أن يرقَّ لما بي
ومنه لأبي تمام:
مطرٌ أبوك أبو الأهلةِ وائلٍ ... ملأ البسيطةَ عدةً وعديدا
أمثاله تلدُ الرجالَ، وإنما ... تلدُ الحتوفَ: أساوداً وأسودا
ورثوا الأبوة والحظوظ، فأصبحوا ... جمعوا جدوداً في العلا وجدودا
(1/112)

ومثله بي نواس:
عباسُ عباسٌ إذا احتدم الوغى ... والفضلُ فضلٌ، والربيعُ ربيعٌ
سادَ الربيعُ، وساد فضلٌ بعدهُ ... ونمتْ بعباسِ الكريمِ فروعُ
ومنه لأبي تمام:
له نائلٌ ما زال طالبَ طالبٍ ... ومرتاد مرتادٍ، وخاطبَ خاطبِ
ومنه:
سليمُ الشظا، عبل الشوى، مدمجُ القرا ... لهُ حجباتٌ مشرفاتٌ على الفال
ومنه:
بدتْ قمراً وماستْ خوطَ بانٍ ... وفاحتْ روضةً، ورنتْ غزالا
ومنه:
بسحمِ نواصيها، وحمرِ أكفها ... وصفرِ تراقيها وبيضِ خدودها
ومنه:
من القومِ لاحوا أنجماً ومضوا ظبا ... وصالوا أسوداً واستهلوا غمائما
ومنه:
سفرن بدورإن وانتقبنَ أهلةً ... ومسن غصوناً والتفتنَ جآذرا
ومنه:
أبلغْ أخانا أدامَ اللهُ دولتهُ ... أني وإن كنتُ لا ألقاهُ ألقاهُ
(1/113)

الله يعلمُ أني لستُ أذكره ... وكيف يذكره من ليس ينساهُ
ومنه أن يكون البيت مجموعاً من كلمة كلمة أو كلمتين كلمتين، مثل قول امرئ القيس:
فدمعهما سكبٌ وسحّ وديمةٌ ... ورشّ وتوكافٌ وتنهملانِ
ومنه قوله:
سماحةُ ذا، وبرذا، ووفاءُ ذا ... ونائلُ ذا، إذا صحا، وإذا سكر
ومنه:
فكفي والمدامُ ولونُ خدي ... عقيقٌ في عقيقٍ في عقيقِ
ومنه:
إنا رأينا حجاباً منكَ قد عرضا ... فلا يكنْ ذلنا في عزكَ الغرضا
اسمع مقالي ولا تعجلْ عليّ فما ... أبغي بنصحك لا مالاً ولا عوضا
العزُّ يفنى، وإن طالَ الزمانُ بهِ ... قد كان قبلك عزٌّ فانقضىَ ومضىَ
في هذه الدارِ، في هذا المكانِ، على ... هذي المراتب كان العزّ فانقرضا
ومنه:
وفي أربعٍ مني حلتْ منكَ أربعٌ ... فلستُ بناسيهنّ في البعدِ والقرب
خيالك في عيني، وذكرك في فمي ... ولفظك في سمعي، وحبك في قلبي
ومنه:
(1/114)

حليتها وحميت بيضة ملكها ... فغرار سيفك سورها وسوارها
تجري؛ لتلحقهُ عصائبُ قصرتْ ... عن شأوه؛ فقصارها إقصارها
ومنه:
إذا رضيتْ لم يهنني ذلك الرضا ... لعلمي به أن سوف يدركه العتبُ
وصالكمُ هجرٌ، وحبكمُ قلىً ... ووصلكمُ صدُّ، وسلمكمُ حربُ
ومنه:
منْ لدانٍ هواهُ نأيُ هواهُ ... قد شكتهُ شكواهُ من شكواهُ
ومرى شوقه المدامعَ حتى ... ظلَّ يبكيهِ من بكاهُ بكاهُ
بأبي عاتبٌ ظلومٌ، فشوقي ... فيه ألقاهُ حين تلا ألقاهُ
مثلتهُ المنى لطرفي وقلبي ... فكأني أراه إذ لا أراهُ
ومنه:
صقيلُ حواشي الدهر والرأي والنهى ... عتيقُ فرند السيف والوجهِ والبشرِ
كبدر الدجى، كالشمس، كالفجرِ، كالضحا ... كصرفِ الردى، كالغيثِ، كالليثِ، كالقطرِ
ومنه:
لأشكرنك معروفاً هممت بهِ ... إنَّ اهتمامك بالمعروف معروفُ
ولا أذمك إذ لمْ يمضهِ قدرٌ ... فالرزقُ بالقدرِ المصروف مصروفُ
ومنه:
أيا صاحبَ الذنبِ لا تق ... نطنَّ فانَّ الإلهَ روؤفٌ رؤوفُ
ولا ترحلنَّ بلا عدةٍ ... فإنَّ الطريقَ مخوفٌ مخوفُ
(1/115)

باب
الترصيع
اعلم أن باب الترصيع هو أن يكون البيت مسجوعاً مثل قوله سبحانه وتعالى: " ولستم بآخذيه، إلا أن تغمضوا فيه ". ومثل قول المتنبي:
في تاجهِ قمرٌ، في ثوبهِ بشرٌ ... في درعهِ أسدٌ تدمى أظافرهُ
ومثله:
كحلاء في برجٍ، صفراء في نعجٍ ... كأنها فضةٌ قدْ مسها ذهبُ
ولبعضهم:
كالبدر إن سفرتْ والغصنِ إن خطرتْ ... والريم إن نظرتْ، معسولة الشنبِ
ومنه:
فأوتاده ماذيةٌ، وعماده ... ردينيةٌ فيها أسنةُ قعضب
ومنه للهذلي:
سودٌ ذوائبها بيضٌ ترائبها ... محضٌ ضرائبها صيغت على الكرمِ
(1/116)

ومنه:
عبلٌ مقيدها حالٍ مقلدها ... بضٌّ مجردها في باردٍ شبمِ
ومنه:
بطيء عن الجلى، سريع إلى الخنا ... ذليل، بأجماعِ الرجال ملهد
ومنه:
هوانُ الحياةِ، وذلّ الممات ... وكلاًّ أراهُ طعاما وبيلاَ
فان كان لا بدّ من ذلةٍ ... فسيروا إلى الموت سيراً جميلا
ومنه قول ليلى الأخيلية:
وقد كان مرهوب السنانِ، وبينَ الل ... سانِ، ومخدامِ السرى، غير فاترِ
وأكثر الشعراء يغزو في هذا المغزى ويرمي ي هذا المرمى.
ومثل قول الخنساء تصف أخاها صخراً:
لو كان للدهر مالٌ عند متلده ... لكان للدهر صخرٌ مالَ قنيان
(1/117)

آبي الهضيمة وثاب العزي ... مةِ متلاف الكريمة، جلدٌ غير ثنيان
حامي الحقيقةِ نسالُ، الودي ... قةِ، معتاقُ الوسيقة، لا نكس ولا وان
رباءُ مرقبةٍ، مناعُ مثلبةٍ ... ركابُ سلهبةٍ، قطاعُ أقرانِ
هباطُ أوديةٍ، حمالُ ألويةٍ ... شهاد أنديةٍ، سرحانُ فتيان
يحمي، الصحابَ، إذا كان الضرابُ، ويك ... في القائلين إذا ما كبل العاني
فيترك القرن مصفراً أنامله ... كأن في ريطتيه نضحَ إرقان
يعطيك ما لا تكادُ النفسُ ترسلهُ ... من التلادِ، وهوبٌ غيرُ منان
ومنه:
يا مستهاماً بالأعن ... ةِ والأسنةِ والنحورِ
لا بالخدودِ، ولا القدو ... دِ، ولا النهودِ، ولا الثغورِ
(1/118)

تلقاهُ يوم الروع يق ... تلعُ الأسودَ عن الصخورِ
ومنه:
زهوا فتجنبوا، ودنوا فملوا ... دعوا فتمنعوا ملكوا فتاهوا
ومنه:
عرضوا ثم أعرضوا واستحالوا ... ثم مالو، وأنصفوا ثم جاروا
لا تلمهم على التجني، فلوْ لمْ ... يتجنوا لم يحسن الإعتذارُ
ومنه:
وأي قومٍ كقومي لو سألتهمُ ... سوابق الخيل في يوم الوغى نزلوا
كالصخر إن حملوا النار إن غضبوا ... والأسدِ إن ركبوا والغيثِ إن بذلوا
وللبحتري:
صارمُ الحزمِ، حاضرُ العزمِ ساري ال ... فكرِ ثبتُ المقامِ، صلبُ العود
سؤددٌ يصطفى، ومالٌ يرجى ... وثناءٌ يبقى، ومالٌ يودي
ومنه للبحتري أيضاً:
ما إنْ ترى إلاَّ توقد كوكبٍ ... في قونس قد غار فيه كوكبُ
فمجدلٌ، ومرملٌ، وموسدٌ ... ومضرجٌ، ومضمخٌ، ومخضبُ
ومنه:
وفي الأكلة، من تحتِ الأجلة، أمثا ... لُ الأهلةِ، بين السجفِ والكللِ
(1/119)

أدمٌ أوانسُ، كالأدمِ الكوانسِ، أو ... دمي الكنائس، لكنْ لسنَ بالعطلِ
ومنه:
جمعت أربع خلاتٍ فضلتهمُ بها ... وفضلك مذ أيفعت مقتبل
الجود إن منعوإن والبأسُ إن جزعوا ... والبذلُ إن جمعوإن والحلمُ إن جهلوا
ولابن حيوس:
ثمانية لم تفترقْ مذ جمعتها ... فلا افترقتْ ما افترَّ عن ناظرٍ شفرُ
يقينك والتقوى، وجودكَ والغنى ... ولفظك والمعنى، وسيفك والنصرُ
ومنه:
الدارُ دارانِ: إيوانٌ، وعمدانُ ... والملكُ ملكان، سامانٌ، وقحطانُ
ومنه:
والأرضُ فارسُ، والإقليمُ بابلُ وال ... إسلامُ مكةُ، والدنيا خراسان
باب

الرجوع والاستثناء
اعلم أن الرجوع والاستثناء هو أن تذكر شيئاً ثم ترجع عنه، مثل قولك: ليس له عقل، بل مقدار ما يوجب الحجة عليه.
ومنه:
أليسَ قليلاً نظرةٌ إن نظرتها ... إليكِ، ولكنْ ليسَ منكِ قليلُ
وقول دريد بن الصمة:
(1/120)

عيرُ الفوارسِ معروفٌ بشكته ... كاف إذا لمْ يكنْ من ضربه كافي
وقد قتلتُ بها عبساً وإخوتها ... حتى شفيتُ، وهلْ قتلي بهِ شافِ
ومنه:
نبئتُ فاضحَ أمهِ يغتابني ... عندَ الأميرِ، وهلْ عليَّ أميرُ
ومنه:
وما لي بانتصارٌ إن غدا الدهرُ ظالمي ... عليَّ، بلى، إنْ كانَ من عندك النصرُ
ومنه:
ولا عيب فيهم غيرَ أنَّ سيوفهمُ ... بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ
ومنه للنابغة الجعدي:
فتىً كملتْ أخلافه غيرَ أنه ... جوادٌ فما يبقي منَ المالِ باقيا
فتىً تمَّ فيهِ ما يسرُّ صديقه ... على أنَّ فيه ما يسوءُ الأعاديا
(1/121)

ومنه:
ولا تبعدنْ إلاَّ من السوء، إنني ... إليكَ، وإنْ شطتْ بك الدارُ، نازعُ
ومنه:
بيضاءُ في وجنتها احمرارُ ... هنَّ الليالي وهي النهارُ
ومنه:
وخدها أحمرُ شفافٌ ترفْ ... كالوردِ إلاَّ أنهُ حينَ قطفْ
ومنه:
وأبيضَ فياضٍ يداهُ غمامةٌ ... على معتفيهِ ما تغبّ نوافله
أخي ثقةٍ لا يهلك الخمرُ مالهُ ... ولكنه قد يهلكُ المالَ نائله
ومنه:
وإخوانٍ تخذتهمُ دروعاً ... فكانوها ولكنْ للأعادي
وخلتهم سهاماً صائباتٍ ... فكانوها ولكنْ في فؤادي
وقالوا: قدْ صفتْ منا قلوبٌ ... لقد صدقوإن ولكنْ من ودادي
ومنه للشيخ المعافي رحمه الله:
أبا المرهفِ الباني من المجدِ منزلا ... منيفإن لهُ طنبٌ على النجم ممدودُ
ومن بات للعافينَ منْ جود كفهِ ... خضمُّ المدى عذبُ المشاربِ، مورود
لقد ضيمَ إلا في جنابكَ قاطن ... وأعوزَ إلاَّ من أناملكَ الجودُ
ومنه لابن المغربي:
فتى الحرب يغنيه عن السيف كفه ... وتكفيه من قودِ الجيوشِ العزائمُ
ويعدلُ في شرقِ البلاد وغربها ... على أنه للسيفِ والرمح ظالمُ
(1/122)

ومنه:
فنيتُ وما يفنى صنيعي ومنطقي ... وكلُّ امرئٍ، إلاَّ أحاديثه، فانِ
ومنه:
فإنْ تسألي عنا فإنا حلى العلا ... بنو عامرٍ والأرضِ ذات المناكبِ
ولا عيبَ فينا غيرَ أن سماحنا ... أضرَّ بنا والبأسَ من كلّ جانبِ
وأفنى الردى أعمارنا غيرَ ظالمٍ ... وأفنى الندى أموالنا غيرَ عائبِ
أبونا أبٌ لو كانَ للناسِ كلهم ... أباً واحداً أغناهمُ بالمناقبِ
ومنه:
يسعى به البرقُ إلا أنهُ فرسٌ ... في صورةِ الموتِ إلا أنه رجلُ
يلقى الرماحَ بصدرٍ منهُ ليس لهُ ... ظهرٌ، وصدرِ جوادٍ مالهُ كفلُ
ومنه:
هم المحسنون الكرّ في حومة الوغى ... وأحسن منهم كرهم في المكارمِ
ولولا احتقار الأسد شبهتهم بها ... ولكنها معدودة في البهائم
ومنه:
وصغيرة علقتها كا ... نت من المحن الكبار
كالبدر إلاّ أنها ... تبقى على ضوء النهار

باب
النفي والجحود
اعلم أن النفي والجحود قد كثر في أشعار العرب وأشعار المحدثين كقول عدي:
وما مخدرٌ وردٌ يرشحُ شبلهُ ... بخفان قد أحمى جميع المواردِ
كأنَّ دماءَ الهادياتِ بنحرهِ ... صبيبُ ملابٍ أو خضيبُ مجاسدِ
بأمنع منهُ موئلاً حين تلقه ... إذا الحربُ أبدتْ عن خدام الخرائدِ
(1/123)

ومنه:
وما هاجَ هذا الشوقَ إلا حمامةٌ ... دعتْ ساق حرّ ترحةً وترنما
مطوقةٌ خطباءُ تصدحُ كلما ... دنا الصيفُ، وانجابَ الربيعُ، فأتجما
عجبتُ لها أنى يكونُ غناؤها ... فصيحاً ولم تفغرْ بمنطقها فما
فلم أر مثلي شاقهُ صوتُ مثلها ... ولا عربياً شاقه صوتُ أعجما
ومنه قول كثير:
وما روضةٌ بالحزن طيبةُ الثرى ... يمجّ الندى جثجاثها وعرارها
لها أرجٌ بين البلادِ كأنما ... تلاقى بها عطارها وتجارها
بأطيب من أردان عزة موهناً ... وقد أوقدتْ بالمندلِ الرطبِ نارها
ومنه:
وما صادياتٌ حمن يوماً وليلةً ... على الماءِ يغشينَ العصيَّ حواني
لوائبُ لا يصدرن عنه لوجهة ... ولا هنَّ من بردِ الحياضِ دواني
يرينَ حبابَ الماءِ والموتُ دونهُ ... فهنَّ لأصوات السقاة رواني
بأكثرَ مني جهدَ نفسٍ وغلةٍ ... عليكِ، ولكنَّ العدوّ عداني
(1/124)

ومنه:
وما حاميات فوق ورد مناهلٍ ... ذوتْ عطشاً أكبادها والغلاصم
يروعنَ أو يرجعن عنه صوادياً ... وهنّ عليه حانيات حوائمُ
وتعلم أن الموتَ دون حبابهِ ... كعلم مدير الكأس فيها السمائم
بأوجع مني غلّ صدرٍ ولوعةٍ ... عليك وكم أبلى لي العذر لائم
ومنه:
وما وجدُ ذات البوِّ ضاقتْ لأجلهِ ... ثلاثإن فلما لم تجدهُ أرنتِ
إذا ذكرته آخر الليلِ رجعتْ ... وإنْ ذكرته أولَ الليلِ حنتِ
بأوجد من وجدي بكمْ غيرَ أنني ... أجمجمُ أحشائي على ما أجنتِ
باب

التذييل
اعلم أن التذييل هو: إن تأتي في الكلام جملة تحقق ما قبلها، كقوله تعالى: " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم "، ثم حقق الكلام بقوله: " ومن أوفى بعهده من الله "، وكذلك: " من أحسن من الله قيلا " وكذلك: " إن الله لا يضيع أجر المحسنين "، و " هل يجازى إلا الكفور ". وهو كثير من القرآن.
ومنه قول النابغة:
ولستَ بمستبقٍ أخا لا تلمهُ ... على شعثٍ، أيُّ الرجالِ المهذبُ
ومنه:
فدعوا: نزالِ، فكنتُ أول نازلٍ ... وعلامَ أركبه إذا لمْ أنزلِ
ومنه لأبي نواس:
عرمَ الزمانُ على الذينَ عهدتهم ... بكَ قاطنينَ، وللزمانِ عرامُ
ومنه:
تمرُّ الصبا صفحاً بساكن ذي الغضىَ ... ويصدعُ قلبي أن يهبَّ هبوبها
(1/125)

قريبةُ عهدٍ بالحبيب، وإنما ... هوى كل نفسٍ حيثُ حلَّ حبيبها
ومنه:
لا تنفسنَّ على المشتاقِ مضجعه ... ما في الضميرِ من البلوى ينبههُ
كفاكَ منهُ زفيرٌ لا يذوقه ... طعمَ الرقادِ ودمعٌ لا ينهنههُ
عسفت قلبي إذ أصبحتَ مالكه ... قد يرزقُ العبدُ مولى لا يرفههُ
ومنه:
قمرٌ إذا استخجلته بعتابه ... لبس الغروبَ، ولمْ يعد لطلوعِ
أبغي هواهُ بشافعٍ من غيرهِ ... شرُّ الهوى ما رمته بشفيعِ
ومنه:
صدقتكمُ الودَّ أبغي الوصالَ ... وليسَ المكاذبُ كالصادقِ
فجازيتموني بطولِ البعاد ... وكمْ أخجلَ الحبُّ من واثقِ
ومنه:
عرضوا ثم أعرضوا واستمالوا ... ثم مالوا وأنصفوا ثم جاروا
لا تلهم عليّ التجنيّ فلو لم ... يتجنوا لم يحسن الاعتذار
ومنه:
ألا ياسرورَ النفسِ ليس بعالمٍ ... بك الناسُ حتى يعلموا ليلة القدر
سوى رجمهم بالظنِّ والظنُّ مخطئٌ ... مراراً ومنهمُ من يصيبُ ولا يدري
ومنه:
طال الصدودُ وما عهدتُ لكمْ ... جلداً على الهجرانِ في الحبّ
كنتمُ إذا ما نامَ ليلُ جوىً ... أيقظتموه بطارق العتبِ
وأرى الجفاء قد استبدَّ بكمْ ... والقلبُ مطلعٌ على القلبِ
فاستعتبوا قلبي يعودُ لكمْ ... عودَ المسيءِ أقرَّ بالذنبِ
ومنه:
(1/126)

أيا ماطلي بديونِ الغرا ... مِ، وهو مليٌّ بها موسرُ
تنامُ وأسهرُ حتى الصبا ... حِ، وما منْ ينامُ كمنْ يسهرُ
عذيري من لائمٍ في هوا ... كَ خلوٍ من الحبّ لا يعذرُ

باب
التسهيم
اعلم أن التسهيم هو: أن تعلم القافية لما يدل عليه الكلام في أول البيت، مثل قول أبي حية النمر:
إذا ما تقاضى المرءَ يومٌ وليلةٌ ... تقاضاهُ شيءٌ لا يملُّ التقاضيا
ومثله:
أحلت دمي من غير جرمٍ وحرمتْ ... بلا سببٍ يوم اللقاء كلامي
فليس الذي حللتهُ بمحللٍ ... وليس الذي حرمتهُ بحرام
ومثله:
هي الدرُّ منثوراً إذا ما تكلمتْ ... وكالدرِّ منظوماً إذا لمْ تكلمِ
ومثله:
فمنْ يك لم يغرضْ فاني وناقتي ... بنجدٍ إلى أهل الحمى غرضانِ
تنوحُ فتبدي ما بها من صبابةٍ ... وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني
ومثله:
ساروا وما عاجوا عليكَ بنظرةٍ ... واللهُ يحفظُ منْ جفاكَ ويصحبُ
ليس التعجبُ من بكاك عليهمُ ... لكن بقاك مع التفرقِ أعجبُ
(1/127)

ومنه:
صبّ يحن إليه صبُّ ... قلباهما في الحبّ قلبُ
الذنبُ للأيام ليس لمنْ ... تجورُ عليهِ ذنبُ
ومنه:
شغلتكَ وهي لكلّ ذي بصرٍ ... لاقى محاسنَ وجهها شغلُ
وإذ نظرتَ إلى محاسنها ... فلكلّ موقعِ نظرةٍ نبلُ
وتنالُ منكَ بحدّ مقلتها ... ما لا ينالُ بحده النصل
فلقلبها حلمٌ يباعدها ... عن ذي الهوى ولطرفها جهلُ
باب

التشطير والمقابلة
اعلم أن التشطير والمقابلة هو: أن يقابل مصراع البيت الأول كلمات المراع الثاني كقول جرير:
وباسطُ خيرٍ فيكمُ بيمينه ... وقابضُ شرٍّ عنكمُ بشماليا
ومنه قول أبي الطيب المتنبي:
أزورهمْ وسواد الليلِ يشفعُ لي ... وأنثني، وبياض الصبحِ يغري بي
وقال ذو الرمة:
استحدث الركبُ عن أشياعهم خبراً ... أمْ راجعَ القلب منْ إطرابهم طربُ
(1/128)

ومنه قول أبي الشيص:
بيضاءُ تسحبُ من قيامٍ فرعها ... وتغيبُ فيه وهو جثلٌ أسحمُ
فكأنها فيه نهارٌ ساطعٌ ... وكأنه ليلٌ عليها مظلمُ
ومن ذلك:
وبدا لهُ من بعد ما اندمل الهوى ... برقٌ تألق موهناً لمعانه
يبدو كحاشية الرداءِ ودونهُ ... صعبُ الذرا متمنعٌ أركانه
فالنارُ ما اشتملتْ عليهِ ضلوعه ... والماءُ ما سمحتْ بهِ أجفانه
ومنه:
فيسراك صاعقةٌ تتقى ... ويمناكَ بارقةٌ تهطلُ
فما يسعُ الجودُ ما قد وسعت ... ولا تحملُ الأرضُ ما تحملُ
باب

التطريف
اعلم أن التطريف هو: أن تكون الكلمة مجانسة لما قبلها أو لما بعدها أو مطابقة لها أو متعلقة بها بسبب من الأسباب، كقول أبي تمام:
السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتبْ ... في حده الحدُّ بين الجدّ واللعبِ
(1/129)

باب
الاعتراض
اعلم أن الاعتراض هو: أن تذكر في البيت جملة معترضة، لا تكون زائدة، بل يكون فيها فائدة، مثل قول الشاعر:
إنَّ الثمانينَ، وبلغتها ... قد أحوجتْ سمعي إلى ترجمانْ
وبدلتني بالنشاطِ انحنا ... وكنتُ كالصعدة تحتَ السنانْ
وكقول المتنبي:
وتحتقرُ الدنيا احتقارَ مجربٍ ... ترى كلَّ ما فيها وحاشاكَ فانيا
احترز بقوله: حاشاك، من دخوله في الفناء.
وقول الآخر:
فقلتُ لها: أدي إليهمْ تحيتي ... ولا تخلطيها طالَ سعدك، بالتربِ
ومنه:
لو أنَّ الباخلينَ وأنتِ منهمْ ... رأوكِ تعلموا منكِ المطالا
ومنه:
(1/130)

ألا زعمتْ بنو سعدٍ بأني ... ألا كذبوا كبيرُ السنّ فإن
ومنه:
فإني إنْ أفتكَ يفتكَ مني ... ولا تسمحْ به علقٌ نفيسُ
ومنه:
اللهُ يعلمُ والأيامُ دائرةٌ ... والمرءُ ما بينَ إيحاشٍ وإيناسِ
أني أحبكِ حباً لو تحملهُ ... سلمى سميكِ خرَّ الشاهق الراسي
حباً تلبس بالأحشاءِ وامتزجتْ ... تلبسَ الماءِ في الصهباءِ بالكاس
ومنه:
ما خانكَ الطرفُ مني قطُّ في نظرٍ ... ولا سلا عنكَ قلبي في تقلبهِ
بل أنتَ واللهِ يا منْ كله حسنٌ ... أعزُّ في ناظري مما أراكَ بهِ
ومنه:
لهفي على قومٍ بكاظمةٍ ... ودعتهم والركبُ معترضُ
أقرضتهمْ قلبي على ثقةٍ ... منهم، فما ردوا الذي اقترضوا
وتعوضوا لا ذقت فقد همُ ... مني وما لي منهمُ عوضُ
ومنه لأحمد بن يوسف:
ولم يدنني والحمد لله فاقة ... إلى طبع تدني إليه المطامعُ
ولا ضرعتْ نفسي لشيء أناله ... وبعض الرجال خاسعٌ ومضارعُ
باب

الانسجام
اعلم أن باب الانسجام هو: أن يأتي كلام المتكلم شعراً من غير أن يقصد إليه، وهو يدل على قوة الطبع والغريزة، مثل قول ابن هرمة لبعض الحجاب:
باللهِ ربكَ، إن دخلتَ فقلْ لهُ ... هذا ابنُ هرمة واقفٌ بالباب
ونافر جماعة لرجل من العرب، فقالت ابنته:
تجمعتمُ من كلّ أوبٍ وفرقةٍ ... على واحدٍ، لا زلتمُ قرن واحدِ
(1/131)

وقال ابن حسان بن ثابت لمعلمه:
اللهُ يعلم إني كنتُ منفرداً ... في دارِ حسانَ أصطادُ اليعاسيبا
ومنه:
جفون حبيّ بطرفها مرضٌ ... أرزت بسقم الجفون والمرضِ
فلو أصابتْ سهامها قتلتْ ... لكنها نكبت عن الغرضِ
باب

الظرافة والسهولة
اعلم أن أشعار العرب والمحدثين قد ورد فيهما الظريف السهل، كقول بعضهم:
هوى صاحبي ريحُ الشمال إذا جرتْ ... وأشفى لقلبي أن تهبَّ جنوبُ
يقولون: لو عزيت قلبك لارعوى ... فقلتُ: وهلْ للعاشقينَ قلوبُ
وللمسلمي:
حمليني كلَّ لائمةٍ ... كلّ ما حملتِ محمولُ
واحكمي ما شئتِ؛ واحتكمي ... فحرامي فيكِ تحليلُ
والذي أرجو النجاةَ بهِ ... ما لقلبي عنكِ تحويلُ
ما لداري منك موحشةً ... وضميري منكِ مأهولُ
وأخو حبيك في تعبٍ ... مطلقٌ دهراً ومغلولُ
في بنات الروم لي سكنٌ ... وجهها للشمس إكليلُ
تتعاطى شدَّ مئزرها ... ونطاقُ الخصر محلولُ
شرقتْ بالدمع مقلتها ... فلها بالدمع تفصيلُ
شملنا إذ ذاكَ مجتمعٌ ... وجناح البين مشكولُ
ومنه لأبي تمام:
أقولُ، ود قالوا: استراح بموتها ... من الكربِ: روحُ الموتِ شرّ من الكرب
ومنه:
وقالوا: عزاءً، ليس للموت مدفعُ ... فقلتُ: ولا للحزن إذ ماتَ مدفعُ
ومنه:
وظنّ العواذلُ أنْ قد سلوتُ ... لفقد البكاء فجاؤوا وقالوا:
حقيقٌ، حقيقٌ، وجدتَ السلوَّ ... فقلتُ: محالٌ، محالٌ، محالْ
ومنه:
ولا تحسبا هنداً لها الغدرُ وحدها ... سجيةُ نفسٍ، كلُّ غانيةٍ هندُ
وما خلف أجفاني شؤونٌ بخيلةٌ ... ولا بين أضلاعي لها حجرٌ صلدُ
ومنه:
عارضاً بي ركبَ الحجاز أسائله ... متى عهدهُ بسكان جمعِ
واستملاَّ حديث من سكن الخي ... فَ: ولا تكتباهُ إلاَّ بدمعي
عزني أنْ أرى الديار بعيني ... فلعلي أرى الديار بسمعي
ومنه:
ولي فرسٌ من نسلِ أعوجَ سابقٌ ... ولكنْ على قدرِ الشعير يحمحمُ
وأقصرُ ما قصرتُ فيما يزيدني ... علو، ولكنْ عند من أتقدمُ
وقال الجاحظ في متاب البيان والتبيين: إن بعض المرضى قال:
احملوني إلى الطبيب، وقولوا: قد اكتوى
وروي عن أبي نواس أنه لم تكلم إلا بنصف بيت شعر.
وقال أبو العتاهية: لو أردت ألا أتكلم إلا ببيت شعر لفعلت.

باب
الإغراب
قال قدامة: هو أن يكون المعنى مما لم يسبق إليه على جهة الاستحسان، قال: فيقال: طريف وغريب، إذا كان فرداً قليلاً فإذا كثر لم يسم بذلك ومنه قوله:
وما لبسَ العشاقُ ثوباً من الهوى ... ولا بدلوا إلاَّ الثيابَ التي أبلي
وما شربوا كأساً من الحبِّ مرةً ... ولا حلوةً إلا وشربهمُ فضلي
ومنه:
وشغلتُ عن فهم الحديث سوى ... ما كان منك فإنه شغلي
وأديمُ نحوَ محدثي نظري ... أنْ قدْ فهمتُ، وعنكم عقلي
ولم يمدح الأغنياء والفقراء غير زهير بقوله:
وما كانَ من خيرٍ أتوه فإنما ... توارثه آباءُ آبائهم قبلُ
وهل ينبتُ الخطيَّ إلا وشيجه ... وتغرسُ إلاَّ في منابتها النخلُ
(1/132)

على مكثريهمْ حق من يعتريهمُ ... وعندَ المقلين السماحةُ والبذلُ
ومنه لأبي تمام:
إقدامُ عمروٍ، في سماحة حاتمٍ ... في حلم أحنفَ، في ذكاءِ إياسِ
لا تنكروا ضربي له منْ دونه ... مثلاً شروداً في العلا والباسِ
قالله قد ضربَ الأقلَّ لنورهِ ... مثلاً من المشكاة والنبراسِ
ومنه:
حمدتُ إلهي بعد عروةَ؛ إذ نجا ... خراشٌ، وبعضُ الشرّ أهونُ من بعض
ولم أدر من ألقى عليه رداءهُ ... سوى أنه قد سلَّ عن ماجدٍ محض
ومنه:
أأسماءُ، أيَّ الواعدينِ تريهما ... أشدكما مطلاً فإني لا أدري
أأنتِ بنيلٍ منكِ تبردُ غلتي ... أم القلبُ بالسلوان عنكِ وبالصبرِ
(1/133)

ومنه:
إنَّ التي أصبحتْ تودعني ... ودمعُ عينيَّ فيهما جامدْ
لم يحبس الدمعُ في جفونهما ... إلاَّ ليبقى الهوى بلا شاهدْ
ما أدعي بعد ذا بها كلفاً ... تمتْ على الحقّ حيلةُ الجاحدْ
ومنه:
(1/134)

حمدت إلهي إذ بلاني بحبها ... على حولٍ يغني عن النظرِ الشذرُ
نظرتُ إليها والرقيب يظنني ... نظرتُ إليه فاسترحتُ من العذرِ
ومنه:
وأقسم ما قصرت فيما يزيدني ... علواً ولكن عند من أتقدمُ
ومنه:
(1/135)

أقولُ لهُ إذ أتى: لا أتى ... ولا حملتهُ إلينا قدم
عدمتُ خيالك لا من عمىً ... وصوت كلامك لا منْ صممْ
ومنه للفرغاني:
قال: أتصبو؟ قلتُ: يا سيدي ... وأيّ شيءٍ منك لا يصبي
قال: اتقِ الموتَ، وخلّ الهوى ... فقلتُ: إن طاوعني قلبي
ومنه للناشيء الكلمي:
يسعى إلى موقف الفراق وما ... أحسن صيداً يسعى إلى صائدْ
أضللتُ قلبي، ورحتُ أنشدهْ ... فليتَ شعري منْ منشدُ الناشدْ
ومنه:
سكرتْ لواحظهُ، فما تصحو ... وتعرضتْ، فعلمتُ منْ تنحو
فلأسمحنَّ لها بما التمستْ ... إن الكريمَ بنفسه سمحُ
ولقد علمتُ على مسارعتي ... في الجود أن جوابها الشحُّ
وأرى مغاديةً مراوحةً ... لا الليلُ يحسبها ولا الصبحُ
قالتْ: معي نصحٌ، فقلتُ: معي ... ما ليس ينفعُ عندهُ النصحُ
ومنه:
لمحته، فاستثرتُ كامنةً ... أسرعَ في فتكها من اللمحِ
ورحتُ عنهُ لأستقل، ولا ... يبرحُ بي لاعجٌ من البرحِ
وأنتَ فيما زعمتَ تنصحُ لي ... تهوى، ويأتيك مثلُ ذا النصح
ويقولون: إن أبا العلاء الأصفهاني روى لأبي الفرج هذين البيتين:
(1/136)

ويقولُ لي فيما يقو ... لُ ولا أرى للقول آخرْ:
حتى أشاورَ، قلتُ: ل ... كني هويتُ، ولمْ أشاورْ
ومنه:
ولا تطلِ الملامَ، فلستُ أصغي ... فأدري، كيف تقصرُ أم تطيلُ
ألم تغضبْ لنصحك، كيفَ يمضي ... هباءً لا يقابله قبولُ
عنان الناطفية:
أين مكانُ السلوّ من عذلي ... حتى أراهُ إن كان يصلحُ لي
والأهيفُ الأغيدُ الأغنُّ على ... حالتهِ في الصدودِ لم يحلِ
كأنه حينَ لا احتفالَ بهِ ... جاءَ على فترةٍ من الرسلِ
ومنه:
إذا ما ظمئتُ إلى ريقهِ ... جعلتُ المدامةَ منهُ بديلا
وأين المدامةُ من ريقها ... ولكنْ أعللُ قلباً عليلا
ومنه لأرجاني:
يقالُ: المعالي والمعالي وأهلها ... وما علموا أنَّ المعالي بلا أهلِ
أتعرفُ لي في الجنّ من أستميحه ... نوالاً؛ فما في الإنسِ فضلٌ عن البخل
ومنه:
يقولون: هذا آخرُ العهدِ منهمُ ... فقلتُ: وهذا آخرُ العهد من قلبي
فوا حسرتي لم أقضِ منكم لبانةً ... ولم أتمتعْ بالوصالِ وبالقربِ
(1/137)

وفارقتكمْ من بعد أنسٍ وصحبةٍ ... فها أنا قاضٍ بعد بينكمُ نحبي
ومنه:
أحبابنإ، لا بلغتْ منكمُ ... أيدي النوى ما بلغتْ منا
ردوا علينا ما أخذتم لنا ... وعاودونا فيهِ إنْ عدنا
ما دامت الأسرارُ مكتومةً ... لا سمعَ الناسُ، ولا قلنا
ومنه لمهيار:
أتراها يومَ صدتْ أنْ أراها ... علمتْ أني من قتلى هواها
ومنه له:
ما أنكرتْ إلا البياضَ فصدتِ ... وهي التي جنتِ المشيبَ، هي التي
ومنه:
محا حبها حبَّ الألى كنَّ قبلها ... وحلتْ مكاناً لم يكنْ حلَّ من قبلُ
فو اللهِ ما أدري أزيدتْ ملاحةً ... وحسناً على النسوانِ أم ليس لي عقل
جامع الكتاب:
إنْ كان عندهمُ، وقد ظنوا ... أنا نقيمُ، فبئسَ ما ظنوا
واسترهنوا قلبي، فواعجبي ... الدينُ لي، وفؤاديَ الرهنُ
ومنه:
استمعْ يا قلبُ نصحي ... واصغ ياقلب لعذلي
لستُ أرضى لكَ يا قل ... بُ بأنْ ترضى بذلي
(1/138)

قد تخلى عنكَ من ته ... وى وقد آنَ التخلي
هذه إن شئت أن تس ... لو طريقٌ للتسلي
ومنه:
ما على العذال لو نظروا ... ثمَّ لاموا فيك أو عذروا
قمرٌ ضلَّ الأنامُ بهِ ... ما بهذا يعرفُ القمرُ
ومنه:
ما على العذال من سقمي ... أبجسمي ذاك أمْ بهمِ
لائمي في الحبّ ويحك لوْ ... ذقتَ طعمَ الحبّ لم تلمِ
ومنه:
يا مسقط العلمين من رمل الحمى ... لي عند ظبيتكَ النوارِ ديونُ
شرتِ الفؤادَ رخيصةً أعلاقه ... ومضى يعضُّ بنانهُ االمغبونُ
لا العفُّ عفٌّ حين تملكُ قلبه ... تلكَ اللحاظُ ولا الأمينُ أمينُ
لو أنَّ قومكِ نصلوا أرحامهم ... بعيونِ سربكِ ما أبلَّ طعينُ
ومنه:
أغريتَ بي سهراً علي ... كَ، ونمتَ عن ليلي الطويلِ
وبخلتَ بالكشوى إلي ... كَ، وأيُّ عذرٍ للبخيلِ
ومتى أردتَ عيادتي ... فاسألْ عن الحيِّ القتيلِ
حكمَ الهوى في أخذها ... حكمَ العزيزِ على الذليلِ
(1/139)

باب

الأقسام
اعلم أن محاسن الشعر الأقسام الشريفة للمعاني اللطيفة، مثل قول النابغة:
نبئتُ أنَّ أبا قابوس أوعدني ... ولا قرارَ على زأرٍ من الأسدِ
ما إنْ أتيتُ بشيءٍ أنتَ تكرههُ ... إذاً فلا رفعتْ سوطي إليَّ يدي
ومن ذلك قول الأمير سديد الملك:
آثارُ جودك في الخطوبِ تؤثرُ ... وجميلُ بشرك بالنجاحِ يبشرُ
إن كان لي أملٌ سواك أعدهُ ... فكفرتُ أنعمكَ التي لا تكفر
ومنه:
إذا لم تكن عندي كسمعي وناظري ... فلا نظرتْ عيني ولا سمعتْ أذني
فإنك أحلى في فؤادي من المنى ... وأطيبُ طعماً في فؤادي من الأمن
ومنه:
لا ضربتْ لي بالعراق خيمةٌ ... ولا أنثنتْ أناملي على قلمْ
إن لمْ أثرها من بلادِ فارسٍ ... شعثَ النواصي فوقها سودُ اللممْ
حتى ترى لي بالعراقِ وقعةٌ ... يشرب فيها الماءُ ممزوجاً بدمْ
ومنه:
في كنفِ اللهِ ظاعنٌ ظعنا ... أودعَ قلبي وداعه حزنا
لا أبصرتْ مقلتي محاسنه ... إنْ كنتُ أبصرتُ بعده حسنا

ومنه:
أقسم بالمبتسم العذب ... ومشتكى الصبّ إلى الصبّ
لو لقن اللحن من الربّ ... ما زاده إلاّ عمى قلبِ
ومنه:
يا سيداً هو في الورى ... ذخرٌ لكلّ مؤمليهِ
إن كنتُ أملكُ درهماً ... لكفرتُ بالمكتوبِ فيهِ
ومنه لمجد الدين:
تقسم لحمي وهي تبدي تأسفاً ... وترتكب الهجرَ الشنيعَ وتستعدي
كما فعلت بالبهم بنت حنيةٍ ... إذا أصمت المري حنتْ من الوجدِ
وأقسم بالهجر الذي ذقت طعمه ... لقد خلتُ وصلاً منك أحلى من السهدِ
ومنه:
يا ضرة الشمس في جمالك ... ألا تخرجت من فعالك
زعمتِ أني خليُّ بالٍ ... ألا ليتَ العديُّ كحالك
لا سلمتْ من يديك روحي ... ولا تمتعتْ من وصالك
إن كنتُ أبكي فيكِ رقادي ... إلاَّ لشوقي إلى خيالك
(1/140)

باب
الغلط
اعلم أن الغلط هو أن يغلط في اللفظ ويغلط في المعنى، مثل قول زهير:
فينتجْ لكم غلمان أشأمَ كلهم ... كأحمر عادٍ ثم ترضعْ فتفطمِ
أراد أحمر ثمود، وهو عاقر الناقة، وقد احتج بعض العلماء. فقال: أراد عاد الأخرى، لأنهما عادان، كما قال الله تعالى: " وأنه أهلك عاد الأولى "، فدل على أن ثمود عاد الأخرى، وكقول بعض العرب في الحماسة:
وبيضاءَ من نسج ابن داودَ نثرةٍ ... تخيرتها يوم اللقاءِ الملابسا
وإنما الدروع من نسج داود بنفسه لا من نسج سليمان.
ومنه قول رؤبة بن العجاج:
سرية لم تأكل المرققا ... ولم تذقْ من البقولِ الفستقا
والفستق ليس من البقول، إنما هوثمر.
ومنه له: مثل النصارى قتلوا المسيحا. والنصارى لم تقتل المسيح، إنما قتلته بزعمهم اليهود. وقد احتج له ابن جني، فقال: إن النصارى لما قالوا: إن المسيح قتل وصلب نسب إليهم قتله، كما قال الله تعالى: " فما لكم في المنافقين فئتين "، أي فئة تقول: إنهم مسلمون، وفئة تقول: إنهم مشركون. وقال تعالى: " أتريدون أن تهدوا من أضل الله "، فنسب إليهم الهداية لأنهم سموهم مهتدين.
(1/141)

ومن ذلك قول الراجز: وأبيض أخلص من ماء اليلب.
والسيوف لاتعمل في ماء اليلب، لأن اليلب جلود يتخذ منها دروع منسوجة، فتوهم الشاعر أنها حديد.
ومن ذلك قول جرير:
لما تنزلتُ بالديرين أرقني ... صوتُ الدجاجِ وقرعٌ بالنواقيس
غلط ثلاث مرات لأنه دير واحد، وهو دير عبد الملك، والدجاج لا يصيح وإنما تصيح الديوك، وكذلك الأرق أول الليل والديوك تصيح آخره.
ولامرئ القيس:
فللسوط ألهوبٌ، وللساق درةٌ ... وللسوط منه وقع أهوج ملهب
فهذا غلط في صفته لأنه لو كان حماراً لكان ذلك ردياً في صفته، فكيف يصفه بذلك وهو هجنة فيه؟
باب

الحشو
الحشو أن تأتي في الكلام بألفاظ زائدة، ليس فيها فائدة، كقول النابغة:
توهمتُ آياتٍ لها فعرفتها ... لستةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ
وكان الأجود أن يقول: لسبعة أعوام، فيستغني عن قوله: ستة أعوام، وعام سابع.
(1/142)

ومنه:
نأت سلمى، فعاودني ... صداعُ الرأس والوصبُ
فالرأس حشو، لا فائدة فيه؛ لأن الصداع لا يون إلا في الرأس.
ومن ذلك في الحماسة:
أبغي فتىً، لم تذرَّ الشمسُ طالعةً ... يوماً من الدهرِ إلاَّ ضرَّ أو نفعا
فقوله: طالعة. حشو لا فائدة فيه، لأن ذرت وطلعت بمعنى واحد.
ومنه قول الآخر:
فما برحتْ تومي إليه بطرفها ... تحذره خوف الوشاةِ وتومضُ
فقوله: وتومض. مكرر، لأن الإيماض هو الإيماض بعينه، كما قال بعض الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هلا أومضت إلي، فقال: النبي لا يغمز.
ومن التطريق قول بعض العرب:
ولست بخابئٍ لغدٍ طعاماً ... حذارَ غدٍ، لكلّ غدٍ طعامُ
كرر لفظ غد، وهو الذي يسمى التطريق.
ومنه للمتنبي:
أسدٌ فرائسها الأسود، يقودها ... أسدٌ تصير له الأسودُ ثعالبا
(1/143)

قال الصاحب بن عباد: العجب كيف خلص من هذه الأجمة.
وكذلك قوله:
يدٌ للزمانِ الجمعُ بيني وبينه ... لتفريقه بيني وبينَ النوائبِ
ومثله:
أحرقَ البينُ فؤادي ... عميَ البينُ وصما
لو رأيتُ البينَ يوماً ... لسقيتُ البينَ سما
وقال المتنبي:
وللضعفَ حتى يبلغ الضعف ضعفهُ ... ولا ضعفَ ضعفِ الضعفِ بل مثله ألفُ
قال الصاحب بن عباد: هذا البيت يصلح أن يكون مسلة في كتاب ديوفيطس.
وقوله أيضاً:
عظمتَ، فلما لم تعظمْ مهابةً ... عظمتَ فكان العظم عظماً على عظمِ
قال الصاحب رحمه الله تعالى: هذا البيت يصلح أن يكون ناووساً في كبار المقابر لكثرة ما فيه من العظام.
(1/144)

وكما قال الأعشى في قصيدته التي أولها: ودع هريرة إن الركب مرتحل وهي في غاية الفصاحة:
وقدْ غدوت إلى الحاناتِ يتبعني ... شاوٍ مشلّ شلولٌ شلشلٌ شولُ
سئل الأصمعي عن هذا البيت فقال: لا أعرف معناه.
ومنه قول مسلم في الخمر:
سلتْ وسلتْ ثم سلَّ سليلها ... فغدا سليلُ سليلها مسلولا
وتبعه أبو تمام في مثل هذا فقال يصف مطراً:
وقرى كلَّ قريةٍ كان يق ... ريها قرىً لا يجف منه قريُّ
جمع الغثانة والرثاثة والثقل والركاكة.
وقال أبو الطيب المتنبي:
وقلقلَ بالوجد الذي قلقلَ الحشا ... قلاقلَ همٍّ كلهنَّ قلاقلُ
فقال بعض البلغاء: إن الأعشى شلشل، وإن مسلماً سلسل، وإن المتنبي قلقل.
ولقد أحسن من قال:
إن حشو الكلام من لكنة ال ... مرء، وإيجازه من الإحسان
(1/145)

باب
التفريط
اعلم أن التفريط هو: أن يقدم الشاعر على شيء، فيأتي بدونه فيكون تفريطاً منه، إذ لم يكمل اللفظ أو يبالغ في المعنى، وهو باب واسع يعتمد النقاد من الشعراء وهو مثل قول حسان بن ثابت:
لنا الجفناتُ الغرُّ يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدةٍ دما
فرط في قوله: الجفنات، لأنها دون العشرة، وهو يقدر أن يقول: لدينا الجفان، لأن العدد القليل لا يفتخر به. وكذلك قوله: وأسيافنا. لأنها دون العشرة وهو يقدر أن يقول: سيوفنا وبيض لنا. وفرط في قوله: الغر؛ لأن السواد أمدح من البياض لكثرة الدهن والقرى فيها. وفرط في قوله: يلمعن بالضحى؛ وهو قادر على يقول: بالدجى؛ لأن كل شيء يلمع بالضحى. وفرط في قوله: يقطرن. وهو قادر على أن يقول: يجرين؛ لأن القطر قطرة بعد أخرى. وقال أبو قدامة: إنه أراد بقوله: الغر، المشهورات، وقال: بالضحى؛ لأنه لا يلمع فيه إلا العظيم اللامع الساطع النور، والدجى يلمع فيه يسير النور كاليراع والحباحب وغيره. وأما أسياف وجفنات فإنه يضع القليل موضع الكثير، كما قال سبحانه: " لهم جنات ودرجات ". قوله: يقطرن دما هو المعروف والمألوف، ولو قال: يجرين لخرج عن العادة، وينوب قطر عن جرى، كما مسح سوق الإبل عن أعناقها.
ومن ذلك قول الأعشى:
ويأمرُ لليحمومِ كلَّ عشيةٍ ... بقتَّ وتعليقٍ وقد كادَ يسنقُ
(1/146)

قال الأصمعي: أقل حمار لطحان ينال هذا.
ومن ذلك قول آخر:
ومن يأمنُ الحجاجَ والطيرُ تتقي ... عقوبتهُ إلاَّ ضعيفُ العزائمِ
إن الطير تتقي الصبيان وإنما الجيد قول جرير:
ومنْ يأمنُ الحجاجَ، أما عقابه ... فمرٌّ، وأما عهده فوثيقُ
وكذلك قول النابغة:
رقاقَ النعال طيبٌ حجزاتهمْ ... يحيونَ بالريحان يومَ السباسبِ
يصونون أجساداً طويلاً نعيمها ... بخالصة الأردان خضر المناكب
تحييهم بيض الولائدِ بينهمْ ... وأكسيةُ الإضريجِ فوق المشاجب
هذا كله فاسد، لأن العامة والصعاليك يحيي بعضهم بعضاً في ذلك اليوم بالريحان. والبيت الثاني فاسد، لأنه لا فضيلة في كونها ملونة، كل جانب منها لون. والبيت الثالث فاسد لأنه لا يكون البيات إلا فوق المشجب، ولا يكون على غيره.
باب

الفساد
اعلم أن الفساد هو فساد المجادلة والمحاورة والتشبيه أو غير ذلك يقصده الشاعر، مثل قول امرئ القيس:
(1/147)

كأنيَ لمْ أركبْ جواداً لغارةٍ ... ولم أتبطنْ كاعباً ذات خلخال
ولم أسبأ الزق الرويّ ولم أقلْ ... لخيلي كري كرةً بعد إجفال
قال النقد: هذا فاسد، لأنه جعل الغزل مجاوراً للشجاعة في البيتين، والأجود مجاورة الشجاعة للشجاعة والغزل للغزل، فيقول:
كأني لمْ أركبْ جواداً ولم أقلْ ... لخيلي: كري كرةً بعد إجفالِ
ولم أسبأ الزقَّ الرويَّ للذةٍ ... ولم أتبطنْ كاعباً ذات خلخالِ
ومنه قول المتنبي:
وقفتَ، وما في الموتِ شكّ لواقفٍ ... كأنك في جفنِ الردى وهو نائم
تمر بكَ الأبطالُ كلمى هزيمةً ... ووجهك وضاحٌ وثغرك باسمُ
فقيل إن سيف الدولة قال للمتنبي: هذا فاسد المجاورة، لأنك أتيت بالتشبيه قبل ذكر المشبه، والأجود أن تقول:
وقفتَ، وما في الموتِ شكّ لواقفٍ ... ووجهكَ وضاحٌ وثغرك باسمُ
تمر بكَ الأبطالُ كلمىَ هزيمةً ... كأنك في جفن الرددى وهو نائم
فقال المتنبي: أيد الله مولانا الأمير أن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنإ ومولانا يعلم أن الثوب لا يعرفه البزاز معرفة الحائك، لأن البزاز يعرف جملته، والحائك يعرف جملته وتفاريقه، لأنه هو الذي أخرجه من الغزلية إلى الثوبية، وإنما قرن امرؤ القيس
(1/148)

لذة النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة في شراء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء. وأنا لما ذكرت الموت أتبعته بذكر الردى وهو الموت ليجانسه، ولما كان الجريح المنهزم لا يخلو من أن يكون عبوساً وعينه من أن تكون باكية قلت: ووجهك وضاح، وثغرك باسم، لأجمع بين الأضداد بالمعنى وإن لم يتسع اللفظ لجميعها، فأعجب سيف بقوله، ووصله بخمسين دينار من دنانير الصلات قيمتها خمسمائة دينار.
ومثل ذلك قول الفرزدق:
فإنك إن تهجو تميماً وترتشي ... سرابيل قيسٍ أو سحوق العمائم
كمهريق ماءٍ في الفلاة وغره ... سراب أذاعته رياحُ السمائم
وقال آخر:
فإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زنداً شحاحا
كتاركةٍ بيضها بالعراءِ، ... وملبسةٍ بيضَ أخرى جناحا
يجب أن يكون كل بيت من الأولين مع بيت من الآخرين.
ومن فساد الاستعارة قول أبي الشيص:
وللهوى جرسٌ ينفي الرقاد بهِ ... فكلما رمتُ نوماً حركَ الجرسا
وفساد التفسير مثل قوله:
فيأيها الحيران في ظلمة الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغي من العدى
تعال إليه تلقَ من نورِ وجهه ... دليلاً ومن كفيه بحراً من الندى
(1/149)

هذا فساد التفسير، لأنه فسر البغي بالسماحة، وكان الواجب أن يفسره بالنصر، وفيقول: نصر أسود الشرى.
ومن فساد التجنيس قول عبيد الله بن زياد: افتحوا سيفي يريك سلوه.
وقال آخر في يوم مطير: قد انقطع شريان الغمام.
وقال آخر:
إكسيرُ هذا الخلق يطرحُ واحداً ... منه على ألفٍ فيكرم خيمه
وقول آخر:
أكابدُ منكِ أليمَ الألمْ ... فقد نحل الجسمُ بعد الجسمْ
وقال أبو تمام:
من كان يعلمُ كيف رقةُ طبعهِ ... هو مقسمٌ أن الهواءَ ثخينُ
ومنه أيضاً قوله:
ذهبتْ بمذهبه السماحةُ فالتوتْ ... فيه الظنونُ أمذهبٌ أم مذهبُ
هذا فاسد لأنه يهدم المدح بنسبته إلى الوسواس.
وكذلك قول الشاعر:
لو رام يشبهه في جوده هرمٌ ... لقيلَ في هرم قد جنَّ أو هرما
هذا فاسد لأنه لا يستقيم المدح بنسبته إلى الهرم والجنون.
ومن فساد القسمة قول جرير:
صارتْ حنيفةُ أثلاثاً فثلثهم ... من العبيدِ وثلثٌ من مواليها
ومن فساد المقابلة قول الأخطل:
(1/150)

إذا التقت الأبطالُ أبصرت لونهُ ... مضيئاً وألوانُ الكماة خضوعُ
وقول قيس بن الخطيم:
فسلوا ضريحَ الكاهنين ومالك ... كمْ فيهمُ من دارعٍ ونجيبِ
ومن فساد التشبيه قول امرئ القيس:
عصافيرٌ وذبانٌ ودودٌ ... وأجرأ من مجلحة الذئاب
فعجباً لهذا مع قوله:
إلى عرقِ الثرى وشجتْ عروقي ... وهذا الموت يسلبني شبابي
أرانا موضعينَ لأمرٍ غيبٍ ... ونسخرُ بالطعامِ وبالشرابِ
ومنه قول جميل:
لو كان في قلبي كقدر قلامةٍ ... حباً وصلتك أو أتتكِ رسائلي
وقول آخر:
يابن خير الأخيار من عبد شمسٍ ... أنت غيثُ الدنيا وزينُ الجنودِ
فليس قوله: زين الجنود موافقاً لغيث الدنيا ولا مخالفاً له.
وكذلك قوله أيضاً:
(1/151)

رحماءٌ بذي الصلاح وضرا ... بونَ قدماً لهامة الصنديد
لأن الصنديد لا يوافق ذوي الصلاح، وإنما الصواب هامة الشرير.
باب

المعارضة والمناقضة
وهو أن يناقض الشاعر كلامه أو يعارض بعضه بعضاً كما قال خفاف ابن ندبة:
إذا انتكث الخيلُ ألفيتهُ ... صبورَ الجنان رزيناً خفيفا
وقيل: إنه أراد رزينا من جهة العقل وخفيفا من جهة السرعة.
وقال آخر:
فدقت، وجلتْ، واسبكرت، وأكملت ... فلو جنَّ إنسانٌ من الحسنِ جنتِ
وكذلك الأبيات وهي:
إنَّ التي زعمتْ فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوىً لها
بيضاء، باكرها النعيم فصاغها ... بلباقةٍ؛ فأدقها وأجلها
منعتْ تحيتها؛ فقلت لصاحبي: ... ما كان أكثرها لنا وأقلها
وكذلك قول أبي نواس:
(1/152)

كأنَّ بقايا ما بقي من حبابها ... تفاريقُ شيبٍ في سوادِ عذارِ
فشبه الحباب بالشيب والحمرة بالعذار، ثم قال:
تردتْ به ثم انفرى عن أديمها ... تفريَ ليلٍ عن بياضِ نهارِ
فناقض الذي جعله أبيض كالنهار، ثم رجع فصيره أسود كالليل، وناقض الذي جعله أسود كالليل وجعله أبيض كالنهار.
ومن ذلك قول عبد الرحمن بن القيس:
وددتُ إذا ما الموت حلَّ بنفسها ... يزال بنفسي قبل ذاك فأقبر
وهذا تناقض لأن القبل لبعد والبعد لقبل، فكان من قولهم: إذا مات زيد مات عمرو قبله. وهذا لا يصح.
ومنه قول المرار:
وخالٍ على خديكِ يبدو كأنه ... سنا البرق في دعجاءَ بادٍ دجونها
ومعلوم أن الخال أسود، وأما الخد فلا يكون أسود.
ومن فاسد الاستعارة ما رواه أبو العنبس:
إذا ما الحبُّ عشعش في فؤادي ... وحضن بيضه طيرَ البعادِ
وقد نبذ الهوى في دنّ قلبي ... فعربدت الهمومُ على فؤادي
ومن فاسد النظم لابن سهل:
رخو العجان شديدٌ في تتايههِ ... ما كان يدري أأعطى الله أم حرما
لكنها خطراتٌ من وساوسه ... يعطي وويمنع، لا بخلاً ولا كرما
(1/153)

لأنه مقلوب. وروي للجاحظ:
مرّ غراب البين من حالقٍ ... له نعيبٌ فرشقناهُ
عن قوس وصلٍ بسهامِ الهوى ... فلمْ نزلْ حتى صرعناهُ
وباشق الحبّ نصبنا له ... بلبلِ الشوق فصدناهُ
واضطربَ الباشقُ مستوحشاً ... فخيطتْ بالوصل عيناهُ
فقرَّ واستأنسَ حتى إذا ... أجابنا حينَ دعوناهُ
وثقتُ بالصيدِ، فأرسلته ... فصادَ لي منْ كنتُ أهواهُ
ولأبي نواس:
لما بدا ثعلبُ الصدودِ لنا ... أرسلت كلبَ الوصلِ في طلبهْ
فجاءَ يسعى بهِ معلقه ... وقد لوى رأسه إلى ذنبهْ
باب

التضييق والتوسيع والمساواة
اعلم أن النقاد قالوا: ينبغي أن يكون اللفظ على قدر المعنى، ولا يكون أطول منه ولا أقصر، ولذلك قالوا: خير الكلام ما كانت ألفاظه قوالب لمعانيه، فمتى كان اللفظ أكثر من المعنى كان الكلام واسعاً وضاع المعنى فيه، مثل قول بعض العرب:
ولما قضينا من منًى كلَّ حاجةٍ ... ومسحَ بالأركان من هوَ ماسحُ
وفاضوا ليوم النحرِ من كلّ وجهةٍ ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائحُ
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالتْ بأعناق المطيّ الأباطحُ
ولا خلاف في أن المعنى ضائع في اللفظ، لأنه بمعنى لما حججنا رجعنا وتحدثنا في الطريق. لكن عليه حلاوة وطلاوة.
ومنه:
يجري الحياء الغض في قسماتهم ... في حيث يجري من أكفهم الدمُ
(1/154)

وإذا غضبتَ وأنتَ أنت شجاعةً ... توفي على غضبِ الورى وهمُ همُ
والتضييق هو أن يضيق اللفظ عن المعنى، لكون المعنى أكثر من اللفظ، مثل قول امرئ القيس:
على سابح يعطيك قبل سؤالهِ ... أفانينَ جريٍ غير كزٍّ ولا واني
فإن قوله: أفانين جري اختصار معان كثيرة، وكذلك غير كز يحتمل معاني كثيرة، وكذلك: ولا واني.
ومنه قول عنترة بن شداد:
ربذ يداه بالقداحِ إذا شتا ... هتاك غايات التجار ملوم
فإن في كل كلمة معنى، وقد تكون الكلمة تحتها معان كثيرة "، وكل هذا دون ما في الكتاب العزيز، مثل قوله تعالى: " ومن يتوكل على الله فهوحسبه ". وقوله تعالى: " فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين " وهو كثير في القرآن. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أوتيت جوامع الكلم ". وقوله تعالى: " إذ يغشى السدرة ما يغشى ". " وغشيهم من اليم ما غشيهم ". ولولا فضل الله عليكم ورحمته "، وقول الناس: لو رأيت علياً بين الصفين، إشارة إلى معان كثيرة. وكذلك قولهم: أتفر مني وأنا أنا. وقد قصدتك وأنت أنت، وقد وعدك وهو هو. كل هذا إشارة إلى معان كثيرة.
(1/155)

وأنشد أبو دلامة لامرئ القيس:
بعزهمُ عززتَ، وإن يذلوا ... فذلهم أنالكَ ما أنالا
فقوله: أنالك ما أنالا إشارة إلى أشياء كثيرة.
ومنه للمسيب:
فلأشكرنَّ غريبَ نعمته ... حتى أموتَ وفضله الفضلُ
أنتَ الشجاع إذا همُ نزلوا ... عند المضيقِ، وفعلكَ الفعلُ

باب
التهجين
وهو أن يصحب اللفظ والمعنى لفظ آخر ومعنى آخر يزري به، ولا يقوم حسن أحدهما بقباحة الآخر، فيكون كمدح بعضهم لعبد الله البجلي، حيث قال:
يقال: عبدُ اللهِ من بجيلة ... نعمَ الفتى، وبئست القبيلة
فقال عبد الله: ما مدح من هجي قومه.
ومن ذلك قول النابغة:
نظرتْ إليك بحاجةٍ لم تقضها ... نظرَ العليلِ إلى وجوه العودِ
هجن البيت بذكر العلة.
ومنه قول الآخر:
ما كان يعطي مثله من مثلها ... إلاّ كريمُ الخيم أو مجنونُ
(1/156)

فما يقوم قوله: كريم الخيم بقوله: مجنون.
ومنه قول أبي تمام:
ما زال يهذي بالمكارم متعباً ... حتى ظننا أنه محمومُ
فأزال بعض الهجنة، ثم تبعهم أبو نواس فأزال الهجنة عنه، وأحسن بقوله:
صورَ المعروفُ شخصاً ... وله العباسُ روحُ
جادَ بالأموال حتى ... قيلَ: ما هذا صحيحُ
ومنه قول المتنبي:
حتى يقول الناسُ ماذا عاقلاً ... ويقولُ بيتُ المالِ ماذا مسلمُ
ومنه قول بعض العرب:
ألا إنما ليلى عصا خيزرانةٍ ... إذا غمزوها بالأكفِّ تلين
ذكر ابن قتيبة أنه لما أنشده بشاراً قال له: هجنت البيت بقولك: عصاً ولو قلت: عصا مخ أو زبد، لم تزل الهجنة. وأحسن من هذا قولي:
وحوراء المدامع من معدٍّ ... كأنَّ حديثها ثمرُ الجنانِ
إذا قامتْ لطيتها تثنت ... كأنَّ عظامها من خيزرانِ
ومثله قول ابن المعتز:
ما ذقتُ طعمَ النوم لو تدري ... كأنَّ أحشائي على جمرِ
من قمرٍ مسترقٍ نصفه ... كأنه مجرفة العطرِ
قالوا: لو قال مجرفة النور أو الدر لما برحت الهجنة.
ومن ذلك قول أبي نواس:
وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحةٍ ... لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني
قالوا: إن معناه هجين للخيانة التي فيه.
(1/157)

ومنه قول أبي تمام:
سبعون ألفاً كآساد الشرى نضجتْ ... جلودهمْ قبل نضج التين والعنب
قيل: إنه هجين لأنه لا فائدة في اختصاصه بالتين والعنب دون التمر. وأيضاً إنه ليس من ألفاظ العرب. وقد احتج الصولي له في رسالته، فقال: إن الروم نظروا في علم النجوم أن عمورية لا تفتح في زمان التين والعنب، ففتحها المعتصم قبل ذلك، فذكر أبو تمام ذلك. وإنما الهجنة في قوله:
إذا المرء لم يزهدْ، وقد صبغتْ له ... بعصفرها الدنيا فليس بزاهدِ
ومن ذلك قول المتنبي يصف مطراً:
لساحيه على الأجداث حفشٌ ... كأيدي الخيلِ أبصرت المخالي
باب

الالتجاء والمعاظلة
وهو أن تستعمل اللفظة في غير موضعها من المعنى: كقول بعض العرب،
(1/158)

وهو أوس بن حجر:
وذاتُ هدمٍ عارٍ نواشرها ... تصمت بالماء تولباً جذعا
سمى الطفل تولباً. والتولب: الجحش، وهذه القصيدة من بدائع الشعر وقلائد المراي وأولها:
أيتها النفس، أجملي جزعا ... إنَّ الذي تحذرين قد وقعا
إنَّ الذي جمع السماحةَ والنج ... دةَ والحلمَ والتقى جمعا
الألمعيُّ الذي يظنُّ بك الظ ... نَّ كأن قد رأى وقد سمعا
ومن ذلك قول الأعشى: إلى ملك أظلافه لم تشقق. استعار الأظلاف للقدم، وهو قبيح؛ لأنها للبقر، لا للبشر.
ومنه قول الفرزدق:
فلو كنت ضبياً عرفتَ قرابتي ... ولكنَّ زنجياً عظيم المشافر
لأنه استعار الشافر للإنسان، وإنما هي للجمال لا للرجال والحجة عن الفرزدق أنه لم يجهل ذلك، لكنه أراد هذا اللفظ، ليكون أبلغ في الهجاء، لأنه قال: ولكن زنجياً والزنجي عادته أن تكون شفتاه غليظتين، كمشافر الجمل في الغلظ، فأزال ذكر المشبه وذكر المشبه به، وهذا من المبالغة.
ومنه قول ابن الرومي:
وضاحكٍ بي ليس يضحكه ش ... يءٌ سوى أن ظلفي الدامي
(1/159)

باب

النادر والبارد
اعلم أن الشعر النادر هو الذي يستفز القلب، ويحمي المزاج في استحسانه، والبارد بضد ذلك. مثل قول أبي العتاهية:
مات يا قومُ، سعيدُ بنُ وهبِ ... رحم اللهُ سعيدَ بنَ وهبِ
يا أبا عثمانَ أبكيتَ عيني ... يا أبا عثمان أوجعتَ قلبي
وقال بعض العرب:
قد علمتْ سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارسَ إلاَّ أنا
شككتُ بالرمحِ سرابيله ... والخيلُ تعدو زيما بيننا
وذكر في كتاب الصناعتين أن من البارد قول بعض العرب:
ألاَّ حبذا هندٌ، وأرضٌ بها هند ... وهندٌ أتى من دونها النأي والبعد
ولعبدة بن الطبيب:
يحملنَ أترجةً نضح العبير بها ... كأنَّ تطيابها في الأنف مشموم
(1/160)

لأن الشم لا يكون بالعين وإنما هو بالأنف، والتطياب مصدر بارد غث.

باب
الرشاقة والجهامة
أما الجهامة فهي الكلمات القبيحة في السمع، مثل قول الشنفرى:
أما يحرم المنعوتُ حثحثَ دبره ... مخابيطُ أرساهن سأمُ مغسلُ
فلا خلاف في جهامة هذه الألفاظ إن عرضت على صاحب ذوق سليم، وإن كانت صحيحة المعاني.
وأما الرشاقة فهي حلاوة الألفاظ وعذوبتها كما قال تأبط شراً:
لتقرعنَّ عليَّ السنَّ من ندمٍ ... إذا تذكرت مني بعض أخلاقي
وذكر الشيخ أبو عثمان في كتاب البيان عيباً سماه الاستكراه، وهو تقارب مخارج الحروف والألفاظ، وأنشد بيتاً ذكر أن العلماء المتقدمين ينسبونه إلى الجن، وهو:
وقبرُ حربٍ بمكانٍ قفرِ ... وليسَ قربَ قبرِ حرب قبرُ
وأنشد أيضاً في هذا المعنى:
لم يضرها والحمد للهِ شيءٌ ... وانثنتْ نحو عسفِ نفسٍ ذهول
وفي كتاب حلية المحاضرة:
واسق العدوَّ بكأسه، واعلمْ له ... بالغيب أن قدْ كانَ قبلُ سقاكها
واجز الكرامة من ترى لو أنه ... يوماً بذلتَ كرامةً لجزاكها
وقال: أحسن الكلام ما كان مسبوك الألفاظ، سهل مخارج الحروف،
(1/161)

وليس شيء في هذا الباب مثل القرآن الكريم، ولذلك لا يسأم ولا يمل على كثرة الدرس والترداد.
ومنه ما ذكره ابن قتيبة في أدب الكتاب عيباً سماه التقعير والتعقيد "، وهو استعمال اللفظ الغريب جدإن وهو العقمي والوحشي، مثل قولهم: هذا من ضئضئ القوم، ولا خلاف أن قولنا: أرومة أحسن منه، وإن كان عربياً.
وذكر في كتاب الصناعتين أن بعضهم كتب إلى صاحبه كتاباً وعنونه: من مكركسه ومحبوسكه، فلان. ولا خلاف في بشاعة هذه الألفاظ، ولذلك قال العلماء: أجود الكلام ما كان، لا قروياً ولا بدويا.
وقالوا: الكلام ثلاثة أصناف: عامي، وخاصي، ووحشي. فالعامي لا يستعمل لركاكته، والوحشي لا يستعمل لجهامته، الخاصي يستعمل لفصاحته وملاحته. فالعامي مثل قولك: عدلا جمل، والوحشي مثل قولك: صنوا جرثومة، والخاصي مثل قولك: فرسا رهان.
وذكر أيضاً التعقيد، وهو تعسير المعاني، ولذلك قال الأصمعي: أجود الشعر ما وصل معناه إلى القلب مع وصول لفظه إلى السمع مثل ما روى ابن قتيبة عن بعض الكتاب أنه كتب: كتابي هذا عارض ألمٍ ألمَّ.
باب

الفك والسبك
أما الفك فهو أن ينفصل المصراع الأول من المصراع الثاني، ولا يتعلق بشي من معناه، مثل قول زهير:
(1/162)

حيّ الديار التي لم يعفها القدمُ ... بلى وغيرها الأرواح والديم
وكما قال المتنبي:
جللاً كما بي، فليك التبريح ... أغذاء ذا الرشأ الأغنّ الشيح
فجمع بين العسف واللكنة والانفكاك، كما جمع زهير بين الفك والإكذاب.
وأما السبك فهو أن تتعلق كلمات البيت بعضها ببعض من أوله إلى آخره كقول زهير أيضاً:
يطعنهمْ ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضاربَ، حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
ولهذا قال: خير الكلام المحبوك الذي يأخذ بعضه برقاب بعض.
باب

التكليف والتعسيف
وهو الاكثار من البديع كالتطبيق والتجنيس في القصد، لأنه يدل على التكلف من الشاعر لذلك وقصده إليه. وإذا كان قليلاً نسب إلى إنه طبع في الشاعر، ولهذا عابوا على أبي تمام لأنه كثر في شعره، واستحسنوه
(1/163)

من غيره لأنه قل في أشعارهم، وقالوا: إنه بمنزلة اللثغة تستحسن، فإذا كثرت صارت خرساً؛ والشية تستحسن في الفرس، فإذا كثرت صارت بلقا، والجعودة تستحسن في الشعر، فإذا كثرت صارت قططا. وقالوا: خير الأمور أوسطهإن والحسنة بين الشيئين، والفضيلة بين الرذيلتين.
باب

الرذالة والجزالة
اعلم أن الرذالة هو أن يكون المعنى لا يراد ولا يستفاد مثل قول بعض العرب:
زياد بن عونٍ عينه تحت حاجبه ... وأسنانه بيضٌ وقد طر شاربهُ
ومثله أنشد سيبويه في كتابه:
إذا ما الخبزُ تأدمه بلحمٍ ... فذاك أمانة اللهِ الثريدُ
ومثل قول أبي العتاهية:
مات الخليفةُ أيها الثقلان ... فكأنني أفطرت في رمضان
ومثل ذلك قول آخر:
إنَّ جسمي شفَّ من غير مرض ... وفؤادي لجوى الحبّ غرضْ
كجرابٍ كان فيه جبنٌ ... دخل الفأر عليه فانقرضْ

باب
القوة والركاكة
اعلم أن الركاكة هي أن يكون اللفظ متناولاً والمعنى متداولاً كالكلمات المستعملة، والألفاظ المهملة، فيكون الشعر ركيكاً والنسج ضعيفاً كقول امرئ القيس:
(1/164)

ألا إنني بالٍ، على جملٍ بالِ ... يقود بنا بالٍ، ويتبعنا بالٍ
ومن العجب أن صاحب الصناعتين جعله من محاسن الشعر، ولقبه بالتعطف، ولا خلاف بين العالم والجاهل في ركاكته.
ومن الشعر الخلق:
ولو أرسلت من حبك ... مبهوتاً من الصين
لوافيتك قبل الصبحِ ... أو قبل تصلين
ومن ذلك قول الرماني:
أيا تملك يا تملِ ... وذات الطوق والحجلِ
ذريني وذري عذلي ... فإنَّ العذلَ كالقتلِ
باب

المخالفة
اعلم أن المخالفة هي الخروج عن مذهب الشعراء، وترك الاقتفاء لآثارهم، مثل قول جرير:
طرقتك صائدةُ القلوب، وليس ذا ... وقتَ الزيارة، فارجعي بسلامِ
وليس المعهود رد المحبوب على عقبه إراد زيارة محبه.
ومثل قول عبد الرحمن بن حسان:
تجعل الندَّ والألوة والمس ... كَ صلاها على الكانونِ
(1/165)

ومعلوم أن النج على نتن رائحتهم لو تطيبوا ببعض هذا الطيب لطابت رائحتهم، وإنما الحسن قول امرئ القيس:
ألم ترَ أني كلما جئتُ طارقاً ... وجدت بها طيباً وإن لم تطيب
وقوله أيضاً:
أغركِ مني أنَّ حبك قاتلي ... وأنك مها تأمري القلبَ يفعل
وهذا اللفظ جاف لأنه توعد للمحبوب، والمحب لا يتوعد حبيبه.
وكذلك قوله أيضاً بعد قوله: أغرك مني أن حبك قاتلي:
وإن تكُ قد ساءتكِ مني خليقةٌ ... فسلي ثيابي من ثيابكِ تنسلِ
لأن المحب لا يخير حبيبه بين فراقه ووصاله.
ومن ذلك قول كثير:
وما زالتْ رقاك تسلُّ ضغني ... وتخرج من مكامنها ضبابي
ويرقيني لك الراقون حتى ... أجابتْ حيةٌ تحت الحجابِ
والمعهود من عرف العادة أن الملك يتودد إليه، ولا يتودد إلى غيره، وإنما الجيد قوله:
له هممٌ لا منقضى لكبارها ... وهمته الصغرى أجلُّ من الدهرِ
له راحة لو أن معشار عشرها ... على البرِّ كان البرُّ أندى من البحرِ
(1/166)

ومن ذلك أيضاً قول سحيم:
أراهنَّ ربي مثلما قد أرينني ... وأحمى على أكبادهنَّ المكاويا
والمحب لا يدعو على حبيبه، ولا سيما هذا العبد الأسود.
ومنه قول كثير:
ألا ليتنا يا عزُّ من غير ريبةٍ ... بعيران نرعى في الخلاءِ ونعزبُ
يطردنا الرعيانُ من كلّ تلعةٍ ... فلا عيشنا يصفو، ولا الموتُ يقربُ
يقال إن عزة لما سعت هذا قالت: لقد تمنيت لنا الشقاء الطويل.
وأحسن منه قول الآخر:
علقتُ بليلى وهي ذاتُ موصدٍ ... ولمْ يبدُ للأترابِ من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهمْ، ياليتَ أننا ... إلى اليومِ لم نكبرْ ولم تكبر البهمُ
ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
قالت لها قد غمزتهُ فأبى ... ثم استطارت تشتدّ في أثري
وهذا خلاف العادة، وإنما المعروف أن يتبع المحب لمحبوبته، والبيت ضد ذلك.
ومنه قول الآخر:
وإذا تلسنني ألسنها ... إنني لستُ بمرهوبٍ قفرِ
وهذا غير ما طبع عليه طباع المحبين من السكون وانقطع الكلام عند رؤيتهم، كما قال:
لي حججٌ في مغيبهِ ... فإذا رأتهُ عيني تمزقتْ حججي
(1/167)

وقول الآخر:
أقرُّ بالذنب مني لستُ أعرفه ... كيما أقولُ كما قالتْ فنتفقُ
ولأبي صخر الهذلي:
وما هو إلا أن أراها فجاءةً ... فأبهتَ لا عرفٌ لديَّ ولا نكرُ
وأنسى الذي فيه أكونُ أتيتها ... كما قدْ تنسي لبَّ شاربها الخمرُ
وقال آخر:
وما هو إلاَّ أنْ أراها فجاءةً ... فأبهتَ حتى ما أكاد أجيبُ
وقال الأمير سديد الملك:
يجني، ويعرفُ ما يجني، فأنكرهُ ... ويدعي أنه الحسنى فأعترفُ
وكم مقام لما يرضيك قمت على ... جمر الغضا وهو عندي روضة أنف
ومنه قول جميل:
أريدُ لأنسى ذكرهإن فكأنما ... تمثلُ لي ليلى بكلّ سبيلِ
وهذا خلاف مذاهب الشعراء لأنهم يحرصون على دوام ذكرهم، وطول محبتهم، كما قال أبو صخر:
فيا حبها زدني جوىً كلَّ ليلةٍ ... ويا سلوةَ الأيام موعدك الحشرُ
والمحب منهم يحرص على التفكر في حبيبه والذكر له حتى قال بعضهم:
(1/168)

وأخرجُ من بين البيوتِ، لعلني ... أحدثُ عنك النفس في الليل خاليا
وقال آخر:
وإني لأغشى النوم من غير نعسةٍ ... لعلَّ خيالاً منكِ يلقى خياليا
وتبعه المحدث فقال:
سأشكرُ للذكرى صنيعتها عندي ... وتمثيلها لي من أحبَّ على البعد
وقال آخر:
الله يعلمُ أنني ... ألتذُّ فيكم باشتياقي
وأكادُ من أنسِ التذك ... رِ لا أذمُّ يدَ الفراق
وأحسن أبو الشيص وزاد على الإحسان، لما مدح اللوام حرصاً على سماع ذكر المحبوب، فقال:
أجدُ الملامة في هواك لذيذةً ... حباً لذكرك، فليلمني اللومُ
وزاد وشرح حتى خرج عن مذهب الشعراء، ورجع إلى مذهب العتب، تى ذكر أنه يحب الأعداء لما أشبهوا محبوبه في نقص حظه منهم، فقال:
أشبهتِ أعدائي فصرتُ أحبهم ... إذ كان حظي منك حظيَ منهمُ
وتبعه أبو نواس فقال:
أحبُّ اللوم فيها ليسَ إلاَّ ... لتردادِ اسمها فيما يلامُ
وتبعه النامي، فقال:
أهوى مقاربة العذول لأنهُ ... لهجٌ بذكركِ في خلالِ كلامه
وقال آخر:
ولو تركتْ عقلي معي ما طلبتها ... ولكنْ طلابيها لما فات من عقلي
وهذا خروج عن المذهب لأنه جعل لطلبها سبباً والجيد قول الآخر:
وما سرني أني خليٌّ من الهوى ... ولو أنَّ لي ما بين شرقٍ ومغربِ
(1/169)

والحسن بذل مهجته فيها واستصغار الأخطار، واستقراب البعد من المزار، مثل قول الآخر:
قالوا: توقَّ رجال الحيّ؛ إنَّ لهمْ ... عيناً عليكَ إذا ما نمتَ لم تنمِ
فقلتُ: إنَّ دمي أقصى مرادهمُ ... وما غلتْ نظرةٌ منهم بسفك دمي
ومنه قول الآخر:
قالتْ: لقد بعدُ المسرى؛ فقلتُ لها ... من عالج الشوق لم يستبعد الدارا
وللشيخ أبي محمد بن سنان:
أشتاقكمْ ويحولُ العجزُ دونكمُ ... فأشتكي بعدكم عني وأعتذرُ
وأدعي خطراً بيني وبينكم ... وآيةُ الشوق أن يستصغرَ الخطرُ
وقول ابن الدمينة:
ولو أنَّ ليلى مطلعُ الشمس دونها ... وكنتُ وراءَ الشمسِ حيثُ تغيبُ
لمنيتُ نفسي أن تريع بها النوى ... وقلتُ لقلبي: إنها لقريبُ
ومن ذلك قول ذي الرمة:
لعلَّ انحدار الدمع يعقبُ راحةً ... من الشوق أو يشفي نجيَّ البلابل
هذا ضد ما يستحسن من قوله:
(1/170)

فيا حبها زدني جوىً كلَّ ليلةٍ ... ويا سلوةَ الأيام موعدك الحشرُ
وكما قال عبد الصمد بن المعذل:
لا أتاحَ اللهُ لي فرجاً ... يوم أدعو منكِ بالفرجِ
وقال أبو نواس:
لا فرج اللهُ عني إن مددتُ يدي ... إليهِ أسأله من حبك الفرجا
وأحسن وألطف منه قول المتنبي:
لوْ قلتَ للدنفِ الكئيب فديتهُ ... مما بهِ لأغرتهُ بفدائهِ
ومن المخالفة قول ابن قيس الرقيات:
يأتلقُ التاجُ فوق مفرقهِ ... على جبينٍ كأنهُ الذهبُ
لأن العرب تمدح بجهامة الصورة وترك التنعم، وهذا ضد ذلك. وقد ذكروا عن الممدوح أنه عاب على هذا الشعر، وقال: ألا قلت في كما قلت في مصعب ابن الزبير:
إنما مصعبٌ شهابٌ من الله ... تجلت عن وجهه الظلماءُ
يتقي اللهَ في الأمور وقدْ أف ... لحَ من كان همهُ الاتقاءُ
لأن التفاضل بالخلائق لا بالخلق والإنسان مخير في الخلق غير مخير في الخلق.
(1/171)

وممنا يشبه هذا وهو من الباب بعينه قول كثير:
على ابن أبي العاصي دلاصٌ حصينةً ... أجاد المسدي سردها فأذالها
فقال له: لم قلت في كما قال الأعشى في صاحبه:
فإذا تجيء كتيبةٌ ملمومةٌ ... شهباءُ يخشى الذائدونَ نكالها
كنت المقدمَ غير لابسِ جنة ... بالسيفِ تضربُ معلما أبطالها
قال: إني وصفته بالحزق؛ ووصفتك بالحزم، قال: كلا، ولكنك وصفته بالشجاعة، ووصفتني بالجبن.
وعابوا على النظمي قوله:
أيا منْ جههُ أسدُ ... وسائر خلقه بشرُ
وقالوا: هذا عجيبة من عجائب البحر.
ومنه أيضاً:
فلما بدا ليَ ما رابني ... نزعت نزوعَ الأبيّ الكريم
وقال ابن شامة:
بخلنا لبخلكِ قد تعلمينَ ... وكيف يلومُ البخيلُ البخيلا
ومن ذلك قوله:
بانتْ سعادُ ففي العينين ملمولُ ... وكان في قصرٍ من عهدها طول
(1/172)

وهذا رديء لأنه استطال وقت وصالها.
والجيد قول الآخر:
يطولُ اليومُ لا ألقاك فيهِ ... وحولٌ نلتقي فيهِ قصيرُ
ومن المخالفة قوله:
من حبها أتمنى أن يواجهني ... من نحو بلدتها ناعٍ فينعاها
لكي يكونَ فراقٌ لا لقاءَ لهُ ... فيضمرُ القلبُ يأساً ثمَّ يسلاها
والمعهود تفدية المحب حبيبه بنفسه، وهذا ضد المقصود ومنه قول نصيب:
أهيمُ بدعدٍ ما حييتُ، فإنْ أمتْ ... فوا أسفي من ذا يهيمُ بها بعدي
لأن المعهود بخل الحبيب بحبيبه عمن سواه.
ومنه قول الآخر:
أشكو إلى اللهِ قلباً لو كحلتِ بهِ ... عينيكِ لاكتحلتْ من حره بدم
لأن المعروف أن يتفاءل المحب لحبيبه. والتفاؤل يكون للخير لا للشر.
وأحسن من هذا قوله:
سقى الله أرضاً لو ظفرتُ بتربها ... كحلت بها من شدةِ الشوق أجفاني
ومن ذلك قول عدي بن الرقاع:
لولا الحياء وأنَّ رأسي قد عسا ... فيه المشيب لزرتُ أمَّ القاسم
وكأنها وسطَ النساءِ أعارها ... عينيه أحورُ من جآذرِ جاسمِ
وسنانُ أقصده النعاسُ، فرنقتْ ... في عينه سنةٌ، وليس بنائمِ
(1/173)

ها قد شغف به جماعة من النقاد حتى قال الأصمعي عن بعض المتقدمين: كيف إذا وقع بقضبان الدفلى على بطون المعري إعجاباً به. وهو فاسد عندي، ومن باب المخالفة، لأن المحب يحتمل في محبوبه ركوب الأخطار والأمور الصعاب. فكيف لا يحتمل الحياء وفقد الشباب.
وقال قيس بن ذريح:
أقول إذا نفسي من الحبّ أصعدت ... بها زفرةً تعتادني وهي ما هيا
ألا ليت ليلى لم تكنْ قطُّ جارتي ... ولمْ ترني ليلى ولم أدرِ ما هيا
ثم قال:
لقد خفتُ ألا تقنعَ النفسَ دونها ... بشيءٍ من الدنيا وإن كان مقنعا
وأعذلُ فيها النفسُ إذحيلَ دونها ... وتأبى إليها النفسُ إلاّ تطلعا
ومنه:
من الخليّ المفيقِ ... إلى صديق الطريق
كتبت من غير شوقٍ ... إليكَ يالا صديقي
وما سفحتُ دموعي ... ولا شرقتُ بريقي
وجملةُ الأمر أني ... إليك غيرُ مشوقِ
ومنه:
يا لا شبيهَ الهلالِ ... ولا بديعَ الجمالِ
ومنْ يدلُّ بطرفٍ ... خلاف طرفِ الغزالِ
جدلي بإخلاف وعدي ... فإنني لا أبالي
ومن ذلك أيضاً:
(1/174)

كتبتُ من غير شوقٍ ... يضني ولا بلبالِ
وما سفكتُ دموعي ... عليكَ مثلَ اللآلي
ولا تذكرتُ عيشاً ... في سالفات الليالي
بلى فؤادي مضنىً ... من اللقا في اعتلالِ
أودُّ بعدكَ عني ... ولو سمحتُ بما لي
باب

الطاعة والعصيان
اعلم أن الطاعة والعصيان باب يمتحن به العالم والناقد، وتعرف به فضيلة الكاتب والشاعر، وهو أن يزيد البيت على ما تقتضيه صناعة الشعر، فلا يوافقه الوزن، فيأتي بما لا يخرج عن الصناعة.
ذكر أبو العلاء في تفسير المتنبي في قوله:
يردُّ يداً عن ثوبها وهو قادرٌ ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد
قال: أوجبت عليه الصناعة أن يقول: يرد يداً عن ثوبها وهو مستيقظ، فلم يطاوعه الوزن، فلم يخرج عن الصنعة، قوة منه وقدرة، فقال: قادر، وهو عكس راقد في الصورة والمعنى، أما في الصوة فهو من جناس العكس، وأما في المعنى فان الراقد عاجز، وهو ضد القادر، فتم له الطباق صورة ومعنى وهذا من الأفراد الأفذاذ.
(1/175)

باب

التناقض
التناقض، هو إن يتناقض بين المعاني، مثل قول مسلم:
ذكرَ الصبوحَ، فراحَ غيرَ مفندِ ... وأقامَ بينَ عزيمةٍ وتجلدِ
وقول أبي نواس:
ذكرَ الصبوحَ بسحرةٍ فارتاحا ... وأمله ديكُ الصباحِ صياحا
قال ابن قتيبة: إن كل واحد منهما عاب على صاحبه التناقض، لأن بيت أبي نواس متناقض، لجمعه بين ارتياح وملل، ولأن بيت مسلم متناقض، لجمعه بين الرواح والإقامة، وعندي أنهما غير متناقضين ولا متبايني الإرتياح إلى شيء والملل من غيره، وكذلك البيت الآخر فالرواح فيه والإقامة مجازان.
ومن ذلك قول ذي الرمة:
أقامت به حتى ذوى العودُ في الثرى ... وضمَّ الثريا في ملاءته الفجرُ
ناقض لأن العود لا يذوي في الثرى. والثرى: التراب الندي، والذوى: اليبس. وقيل إن الفرزدق أصلحه، فقال: حتى ذوى العود والتوى ووافقه على ذلك أبو عمرو بن العلاء.

باب
القلب
اعلم أن القلب هو أن يقصد شيئاً ويكون المقتضي بضد ذلك الشيء. كما قال امرؤ القيس:
(1/176)

إذا قامتا تضوع المسك منهما ... نسيمَ الصبا جاءتْ بريا القرنفل
عابوا عليه تشبيه المسك بالقرنفل، وقالوا: إنما يشبه القرنفل بالمسك؛ لأنه أجل منه. وقد خرج النقاد له وجهاً غير ذلك فقالوا: إنه أراد بقوله تضوع، أي مثل المسك، كما قال أيضاً:
وجدت بها طيباً وإن لم تطيبِ
أي مثل الطيب، ثم كان قائلاً قال: مم ذلك؟ قال: نسيم الصبا، أو يكون نسيم فاعلاً والمسك مفعولاً محذوف الباء تقديره تضوع بالمسك منهما نسيم الصبا، وقال قوم: الرواية بالفتح من ميم المسك وهو الجلد، فيكن معناه أن جلودهما تتضوع بريح المسك.
باب

العبث
اعلم أن العبث هو أن يقصد الشاعر شيئاً من دون أشياء من غير فائدة في ذلك، مثل قول النابغة:
فإنكَ كالليل الذي هو مدركي ... وإنْ خلت أنَّ المنتأى عنك واسعُ
عاب النقاد عليه اختصاصه اليل دون النهار، وقالوا: إن الليل والنهار في هذا سواء.
(1/177)

وقال أبو الشماخ إذا احتمل الأمر شيئين اختص بأشبههما في الحال، ومعلوم أن هذا الشعر في حال الخوف، واليل بحال الخوف أولى، لأنه يشبه الاستتار والاختفاء، فزال الاعتراض عن هذا البيت وصار مثل قول الغزي:
وبتنا نذودُ الوحش عنإن كأننا ... قتيلان لم يعلمْ لنا الناسُ مصرعا
تجافي عن المأثور بيني وبينها ... وتدني عليَّ السابريَّ المضلعا
إذا أخذتها هزةُ الروع أمسكتْ ... بمنكب مقدامٍ على الروع أروعا
لما احتمل المأثور أن يكون الحديث والسيف، كان حمله على السيف أولى، لأن الحال حال خوف، بدليل قوله: هزة الروع، ولأنه أراد العفة عنها بوضعه السيف بينهما.
باب

التثليم
اعلم أن التثليم قد جاء في أشعار العرب الفصحاء جاء نقص في الألفاظ والكلمات وتغيير في الأسماء والأفعال، فقيل: إنه لغة، وقيل: إنه ضرورة، مثل قول لبيد بن ربيعة، وهو أول بيت في ديوانه:
درسَ المنا بمتالعٍ وأبان
وقول علقمة:
(1/178)

كأنّ إبريقهم ظبيّ على شرفٍ ... مفدمٌ بسبا الكتان ملثومُ
يريد بسبائب الكتان.
وجاء في أشعارهم: من نسج داود بن سلام. يريد أبا سليمان وقال آخر:
تخيرتُ يوم الروع من كل نثرةٍ ... ونسج سليمٍ كلَّ فضاءَ ذابل
وقال آخر:
بني ربّ الحجال فلا تقيلوا ... فما أنتم عهدتكمُ بقيل
يريد بني ربيعة الفرس.
وقال آخر:
لو أنَّ قوماً مدرك الفلاحِ ... أدركه ملاعبُ الرماحِ
يريد ملاعب الأسنة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم.
ومنه قول الأعشى:
إيما شاطنٍ عصاهُ عكاه ... ثم يلقى في السجنِ والأغلالِ
(1/179)

باب

العسف والتخليط
اعلم أن العسف والتخليط قد جاء في أشعار العرب المتقدمين، وقل في أشعار المتأخرين، فمن ذلك:
أحبُّ بلادِ اللهِ أكناف منعجٍ ... إليَّ وسلمى أن يصوبَ هضابها
تقديره أحب بلاد بلاد الله إلي ما بين منعج وسلمى.
ومن ذلك قول بعض العرب:
وأبغضُ من وضعتُ إليَّ فيهِ ... لساني، معشرٌ عنهمْ أذودُ
تقديره: وأبغض من وضعت لساني فيه إلي، وشتان بينه وبين القائل وإن كان متأخراً:
ومن الحزامةِ أن تكونَ حزامةً ... ألا يؤخرَ منْ بهِ يتقدمُ
ومن ذلك أيضاً:
لها مقلةٌ حوراءُ طلَّ خميلةٍ ... من الوحشِ ما تنفكُّ ترعى عرارها
تقديره: لها مقلة حوراء من الوحش ما تنفك ترعى خميلة طل عرارها.
وقول مهيار أولى:
سلا ظبيةَ الوادي، وما الظبيُ مثلها ... وإنْ كان مصقولَ الترائبِ أكحلا
أأنتِ أمرتِ البدرَ أن يصدع الدجى ... وعلمتِ غصنَ البانِ أن يتميلا
وقال الفرزدق:
وما مثله في الناس إلاَّ مملكاً ... أبو أمه حيُّ أبوه يقاربهُ
أنشده سيبويه في كتابه، وقدره بتقدير جم حتى كأنه ما قال قط:
(1/180)

قوارصُ تأتيني وتحتقرونها ... وقد يملأُ القطرُ الإناءَ فيفعمُ
وقال المتنبي:
فتبيتُ تسئدُ مسئداً في نيئها ... إسآدها في المهمهِ الإنضاءُ
قال الصاحب بن عباد رحمه الله؛ هذا البيت يصلح أن يكون في المجسطي.
ومن ذلك قوله:
عش ابقَ اسمُ سدْ قدْ ... جدْ مر إنهَ روِّ سر نل
غظْ ارمْ صب اغز اسب ... رعْ زعْ د ل اثن نل
(1/181)

قال الصاحب: بيته الأول، يصلح أن يكون في المجسطي، وهذان البيتان يصلحان أن يكونا رقية للعقرب. ومن ذلك التقليب مثل قوله: إذا تجاوبت الأصداء في البحر. وقوله: كما طيبت بالفدن السباعا.

باب
الإسهاب والإطناب والاختصار والاقتصار
اعلم أن الإسهاب والإطناب والإختصار، كل واحد منها له موضع يأتي فيه، فيحمد، فإن أتى به في غيره لم يحمد، وذلك أن الترغيب والترهيب والإصلاح بين العشائر والإعذار والإنذار إلى الأعداء والعساكر وما أشبه ذلك يستحب فيه التطويل والشرح. وأما غير ذلك فيستحب فيه الاختصار والاقتصار، وقد أتى القرآن بالتطويل والتقصير لأنه يصلح للمكانين، وقيل: أنه أعطى بعض العرب كتابين فاختصر أحدهما وشرح الآخر، فأعطى الكتابين مختلفين فقال الواحد: ما أرى قليلاً فأشرحه، وقال الآخر: ما أرى كثيراً فأختصره، وقد مدحت العرب التطويل والتقصير، فقالوا:
يرمون بالخطب الطوال، وتارةً ... يومون مثلَ تلاحظ الرقباء
ومدح بعضهم خطيباً فقال:
إذا هو أطنب في خطبةٍ ... قضى للمطيل على المقصرِ
وإنْ هو أوجزَ، في خطبةٍ ... قضى للمقلّ على المكثر
باب

الانتكاث والتراجع
اعلم أن الانتكاث والتراجع هو أن ينقض الشاعر قوله بقول آخر أو ينقض مما زاد فيه، كما عابوا على امرئ القيس قوله:
فلوْ أنَّ ما أسعى لأدنى معيشةٍ ... كفاني ولمْ أطلبْ قليلاً من المال
ولكنما أسعى لمجدٍ مؤثلٍ ... وقدْ يدركُ المجدَ المؤثلَ أمثالي
(1/182)

وقوله في موضع آخر:
فتملأ بيتنا أقطاً وسمناً ... وحسبكَ من غنى شبعٌ وريُّ
لأنه وصف نفسه في موضع بسمو الهمة إلى الأمور العظيمة، وفي موضع آخر بالقناعة والشبع والري.
وقال قدامة: هما متفقان، وإنما أراد بأحدهما زيادة ما ينقص في الآخر، لأن الشبع والري هو الذي أخبر أنه يكفيه، ثم قال في البيت الثاني: إنه يطلب المجد، يريد في الأول أن القليل يكفيه وفي الثاني إنه لا يكفيه: وأيضاً إن هذا في قصيد، وهذا في قصيد. وايضاً إن الشعر أحسنه أكذبه وكما قال المتنبي:
كأنَّ المعاني في فصاحة لفظها ... نجومُ الثريا أو خلائقي الزهرُ
فقال خلائقي، ولم يقل خلائقك، لأنه قال قبل هذا:
فجئتك دون الشمس والبدر قاصداً ... ودونك في أخلاقك الشمس والبدرُ
فلو شبهه بالثريا بعد تفضيله على الشمس والبدر نقصه حقه وكان انتكاثاً وعيباً.
باب

السرقات المحمودة والمذمة
قال ابن وكيع: اعلم أن السرقات المحمودة عشرة أشياء، منها: اللفظ الطويل في المعنى القليل، كقول طرفة:
(1/183)

أرى قبرَ نحامٍ بخيلٍ بماله ... كقبر غويٍّ في البطالة مفسد
اختصره ابن الزبعري فقال:
والعطيات سواء بينهم ... وسواء قبر مثرٍ ومقلّ
ومنه قول بشار:
من راقبَ الناس لم يظفرْ بحاجته ... وفازَ بالشهوات الفاتكُ اللهج
أخذه سلم الخاسر فقال:
منْ راقب الناس مات غماً ... وفازَ باللذة الجسورُ
ومنه:
من راقب الناس في أحبتهِ ... خابَ، وحازَ السرورَ من ظفرا
ومنه لأبي تمام في صفة قصيدة:
يودُّ وداداً أن أعضاء جسمه ... إذا أنشدتْ شوقاً إليها مسامعُ
اختصره الأخيطل ونقله إلى أبيات في صفة قينة فقال:
جاءتْ بوجهٍ كأنه قمرٌ ... على قوامٍ كأنه غصنُ
حتى إذا ما استقرَّ مجلسنا ... وصار في حجرها لها وثنُ
غنتْ، فلم تبق فيَّ جارحة ... إلاَّ تمنيتُ أنها أذنُ
واختصره آخر، فأجاد وأحسن، فال:
لي حبيبٌ خياله نصبُ عيني ... سرهُ في ضمائري مكنونُ
إنْ تذكرته فكليّ قلوبٌ ... أو تأملته فكليّ عيونُ
(1/184)

ومنه:
تقومُ عليه كلَّ يومٍ قيامةٌ ... من الحبّ إلاَّ أنه ليس يقبرُ
أخذه مسلم فقال:
أليس هذا عجيبٌ ... أموتُ طوراً فأنشرْ
قيامةٌ كلَّ يومٍ ... على فتى ليس يقبرْ
ومنه أيضاً:
إنّ الرياحَ إذا اشتدتْ عواصفها ... فما تضرُّ سوى العالي من الشجرِ
وفي السماء نجومٌ ما لها عددٌ ... وليس يكسفُ غيرُ الشمس والقمرِ
أخذه القاضي أبو سعيد، رحمه الله، فقال:
لا غروَ أن حبي أصا ... خ لسطوة البين الجسيمْ
إنَّ الغصون العاليا ... ت يهزها مرُّ النسيمْ

باب
نقل القصير إلى الطويل
اعلم أن نقل القصير إلى الطويل هو كقول مسلم بن الوليد:
أقبلنَ في رأدِ الضحى زمراً ... يسترنَ وجهَ الشمسِ بالشمسِ
أخذه الثاني فطوله، وقال:
وإذا الغزالةُ في السماء تعرضتْ ... وبدا النهارُ لوقته يترجلُ
أبدتْ لوجهِ الشمسِ شمساً مثله ... تلقى السماءَ بمثلِ ما يستقبلُ
(1/185)

وقال أبو نواس:
لا تسدينَّ إليَّ عارفةً ... حتى أقومَ بشكر ما سلفا
أخذه دعبل الخزاعي فقال:
تركتك لم أتركك كفراً لنعمةٍ ... وهل يرتجى نيلُ الزيادة بالكفرِ
ولكنني لما رأيتك راغباً ... وأطنبت في بري عجزتُ عن الشكرِ
ومنه:
أرى عهدها كالوردِ ليس بدائمٍ ... ولا خيرَ فيمنْ لا يدومُ له عهدُ
وحبي لها كالآسِ حسناً وبهجةً ... له نظرةٌ تبقى إذا ذهبَ الوردُ
أخذه الأمير فقال:
إن كان حبكمُ كالوردِ منصرماً ... فانَّ حبي لكمُ أبقى من الآسِ
باب

نقل الرذل إلى الجزل
اعلم أن الرذل والجزل مثل قول أبي العتاهية:
موتُ بعض الناس في ال ... أرضِ على بعض فتوح
أخذه أبو تمام في لفظ أجزل منه فقال:
وحسنُ منقبٍ تبقى بشاشته ... جاءتْ عوارفه من سوءِ منقلب
(1/186)

ومنه قول بشار:
يا طفلةَ السنّ با صغيرتها ... أصبحتِ إحدى المصائب الكبرِ
أخذه غيره فقال:
وصغيرةٍ علقتها ... كانتْ من المحن الكبارِ
كالشمس إلاَّ أنها ... تبقى على ضوءِ النهارِ
ومنه قول ابن طاهر لما قال:
وقد قتلتاك بالهجاءِ، ولك ... نك كلبٌ معقفُ الذنبِ
أخذه غيره فقال:
ولقدْ قتلتكَ بالهجاءِ، فلم تمتْ ... إنَّ الكلاب طويلةُ الأعمارِ
باب

نقل الجزل إلى الجزل
اعلم أن نقل الجزل إلى الجزل مثل قول أبي نواس:
بحَّ صوتُ المال مما ... منكَ يدعو ويصيحْ
ما لهذا آخذ ... فوقَ يديهِ أم نصيحْ
أخذه مسلم بن الوليد، فنقله إلى ما هو أحسن منه فقال:
تظلمَ المالُ والأعداءُ من يده ... لا زال للمالِ والأعداءِ ظلاما
وقول أبي العتاهية:
(1/187)

كأنها من حسنها درةٌ ... أخرجها الموجُ إلى الساحلِ
أخذه بشار، فزاد وأحسن فقال:
كأنما أفرغتْ في جوفِ لؤلؤةٍ ... فكلُّ ناحيةٍ من وجهها قمرُ
ومنه قول الراعي:
إذا لم يكنْ رسلٌ يعودُ عليهم ... مرينا لهم بالشوحط المثقوب
وقال ابن سنان:
إنْ أخلقتْ للضيفِ إخلاقها ... ردتْ عليها بالعراقيبِ
ومن ذلك قوله:
دهرٌ علا قدر الوضيع به ... وغدا الشريف يحطه شرفه
كالبحر يرسبُ فيه لؤلؤهُ ... سفلاً وتعلو فوقه جيفه
أخذه غيره فقال:
قلْ للذي بصروف الدهر عيرنا ... هلْ عاند الدهر إلاَّ من له خطرُ
أما ترى البحر تعلو فوقه جيفٌ ... وتستقرُّ بأقصى قعرهِ الدررُ
وقال آخر:
عجباً للزمان، يمنع حراً ... ما لديه، ويمنحُ المال نذلا
فهو مثلُ الميزان يرفعُ ما خ ... فَّ وتهوي به الرزانةُ سفلا
ومنه:
يا دهرُ، صافيتَ اللئام ولم تزلْ ... أبداً لأبناء الكرامِ معاندا
فغدوتَ كالميزان، ترفعُ ناقصاً ... أبداً وتخفض لا محالةَ زائدا
(1/188)

ومنه:
ما فاض دمعي عندَ نازلةٍ ... إلاَّ جعلتك للبكا سببا
وإذا ذكرتك سامحتك بهِ ... مني الجفونُ ففاضَ وانسكبا
ومنه:
وإذا الدموعُ عصتْ جفو ... ني في ملمات الخطوبِ
أجريتها بتذكري ... ما كان من فقدِ الحبيبِ

باب
نقل الجزل إلى الرذل
اعلم أن نقل الجزل إلى الرذل هو كما قال امرؤ القيس:
ألمْ ترياني كلما جئتُ طارقاً ... وجدتُ بها طيباً وإنْ لم تطيبِ
أخذه كثر فقال:
وما روضةٌ بالحزن طيبةُ الثرى ... يمجُّ الندى جثجاثها وعرارها
لها أرج بين البلاد كأنما ... تلاقى بها عطارها وتجارها
بأطيبَ من أردان عزة موهناً ... وقدْ أوقدتْ بالمندل الرطب نارها
(1/189)

فطول في اللفظ وقصر في المعنى.
وقال بشار:
وإذا أدنيتَ مني بصلا ... غلبَ المسكُ على ريحِ البصل
أخذه غيره، فقال:
وريحها أطيبُ من طيبها ... والطيبُ فيه المسكُ والعنبرُ
باب

الهدم
اعلم أن الهدم، هو كما قال البلاذري:
قد يرفعُ المرءُ اللئيمُ حجابه ... ضعةً، ودون العرفِ منهُ حجابُ
عكسه الآخر، فقال:
ملكٌ أغرُّ محجبٌ ... معروفه لا يحجبُ
وقال أبو تمام:
وإنْ يحلْ بيننا الحجابُ فلنْ ... يحجبَ عنا معروفه الحجبُ
وقال الآخر، فأحسن:
إنْ يحتجبْ شخصك عن أعينٍ ... منا فما فضلك محجوبُ
ومنه قول ابن الرومي:
ما شئت من مالٍ حمىً ... يأوي إلى عرضٍ مباحْ
عكسه بو نواس، فقال:
هو بالمال جوادٌ ... وهو بالعرض شحيحُ
عكسه آخر، فقال:

هو المرءُ أما ماله فمحللٌ ... لعافٍ، وأما عرضهُ فمحرمُ
وقال حسان بن ثابت:
(1/190)

بيضُ الوجوه، كريمةٌ أنسابهم ... شمُّ الأنوف، من الطرازِ الأولِ
يغشون حتى ما تهرُّ كلابهم ... لا يسألونَ عنِ السواد المقبلِ
هدمه الآخر، فقال:
ذهب الزمانُ برهطِ حسانَ الأولى ... كانوا ملاذاً في الزمان الجائرِ
وبقيتُ في خلفٍ يحلُّ ضيوفهم ... منهم بمنزلةِ اللئيمِ الغادرِ
سودُ الوجوهِ لئيمةٌ أحسابهم ... فطسُ الأنوف من الطرازِ الآخرِ
ومنه قول أبي نواس:
يا قمراً أبصرتُ في مأتمٍ ... يندبُ شجواً بين أترابِ
يبكي فيذري الدرَّ من نرجسٍ ... ويلطمُ الوردَ بعنابِ
عكسه بعضهم، فقال:
يا قردةً أبصرتُ في مأتمٍ ... تندبُ أشجانا بتخليطِ
تبكي، فتذري البعرَ من كوةٍ ... وتلطمُ الفحمَ ببلوطِ
باب

التكرير
اعلم أن التكرير هو كما قال امرؤ القيس:
كأنَّ المدامَ وصوبَ الغمامِ ... وريحَ الخزامى ونشر القطر
(1/191)

يعلَّ به بردُ أنيابها ... إذا غرد الطائرُ المستحر
وكقول الآخر:
كأنَّ القرنفل والزنجبيل، ... وريحَ الخزامى وذوبَ العسلْ
يعلُّ به بردُ أنيابها ... إذا النجمُ وسط السماءِ اعتدل
ومنه قول أبي نواس:
واسقينها منْ كميتٍ ... تذرُ الليل نهارا
قال ابن قتيبة: كل هذه معان متقاربات في ألفاظ متناسبات.
ومنه قول ابن حيوس:
وخيلٍ كلما حاولت أمراً ... سبقنَ إلى مآربك الظنونا
تغيرُ على العدا من كلِّ أوبٍ ... مخافتها وإنْ كانتْ صفونا
وقول الرفاء:
تغيرُ على العدى من كلّ أوبٍ ... جيادك وهي في حلبٍ صفونا
ومنه:
فلأشهرنَّ عليك قبّ قصائدٍ ... يحسبنَ أسيافاً وهنَّ قصائدُ
فيها لأعناق اللئام دوامغٌ ... تبقى وأعناق الكرام قلائدُ
(1/192)

ومنه:
فلايكُ رسمي من نوالك دائراً ... ورسمك غصنٌ من ثنايَ جديدُ
فهنَّ إذا ناضلن عنك صوارمٌ ... وهنَّ إذا لاحتْ عليك عقودُ
ومن ذلك قول أبي نواس:
يقولُ لي صاحبي، وقد مزجتْ ... أيهما للتشابه الذهبُ
هما سواءٌ وفرقُ بينهما ... أنّ ذا جامدٌ ومنسكبُ
أخذه ابن المعتز فقال:
وخمارةٍ من بناتِ المجوسِ ... ترى الزقّ في بيتها شائلا
وزنا لها ذهباً جامداً ... فكالتْ لنا ذهباً سائلا
أخذه الرفاء، فقال:
وأقداحٍ تفوقُ المسك طيباً ... وينقصُ عندها الذهبُ المذابُ
إذا ما الراحُ والنارنجُ لاحا ... لعينكَ، قلتَ: أيهما الشرابُ
ومنه قول البحتري:
أحلتْ دمي من غير جرم وحرمتْ ... بلا سببٍ يومَ اللقاءِ كلامي
فليسَ الذي حللته بمحللٍ ... وليس الذي حرمته بحرامِ
(1/193)

ثم قال:
ألامُ على هواكِ وليس عدلاً ... إذا أحببتْ مثلك أنْ ألاما
ومن قول أبي نواس:
يخشى ويرجو حالتيك الورى ... كأنك الجنةُ والنارُ
تناوله المتنبي فقال:
فتى كالسحاب الجون يخشى ويرتجى ... ويرجى الحيا منه وتخشى الصواعق
أخذه الصوري فقال:
خليفةٌ يرتجى ويخشى ... كأنه جنةٌ ونارُ

باب
المساواة
اعلم أن المساواة هي مساواة الآخذ منه للمأخوذ عنه، والأول أحق به، لأنه ابتدع والثاني اتبع، فالأول سابق، والثاني لاحق، كما قال العكوك يصف فرساً:
متطردٌ يرتجُّ من أقطاره ... كالماءِ جالتْ فيه ريحٌ فاضطربْ
لحقه ابن المعتز فقال:
(1/194)

فكأنه موجٌ يذوبُ إذا ... أطلقته، فإذا مسكت جمدْ
وقال ديك الجن:
مشعشعةٌ من كفّ ظبيٍ كأنما ... تناولها من خدهِ فأدراها
فلحقه ابن المعتز، فقال:
كأنَّ سديف الخمرِ من ماءِ خدهِ ... وعنقودها من شعرهِ الجعدِ يقطفُ
ومثل ذلك:
كأنَّ سقيطَ الدمع في وجناتها ... سقيطُ الندى أوفى على ورق الوردِ
أخذه ابن الرومي، فقال:
لو كنت يوم الوداع شاهدنا ... وهن يبكين لوعة الوجد
كأنَّ تلك الدموعَ قطرُ ندىً ... يقطرُ من نرجسٍ على ورد
وقال الناشئ:
بكت للوداع وقد رابني ... بكاء الحبيب وفقد الديار
كأنّ الدموع على خدها ... بقيةُ طلَّ على جلنار
وكما قال البحتري في وصف بركة:
إذا علتها الصبا أبدت لها حبكا ... مثل الجواشن مصقولاً حواشيها
أخذه الصولي، فقال:
إذا ما الريحُ هبتْ، قلتُ: درعٌ ... وإن سكنتْ فمرآةٌ صقيلُ
ومنه:
إذا أمرتني العاذلاتُ بهجرها ... أبت كبدٌ عما يقلنَ صدوعُ
وكيف أطيعُ العاذلاتِ، وحبها ... يؤرقني والعاذلاتُ هجوعُ
أخذه كثير، فقال:
(1/195)

يلومك في ليلى، وعقلك عندها ... رجالٌ، ولم تذهبْ لهمْ بعقولِ
فما انتفعتْ نفسي بما أمروا به ... ولا عجتُ من أقوالهم بفتيلِ
ومنه:
كريمٌ يميتُ السرَّ، حتى كأنه ... إذا استخبروهُ عن حديثك جاهله
رعى سركمْ في مضمر القلب والحشا ... شفيقٌ عليكم، لا تخاف غوائلهْ
أخذه الآخر، فقال:
ومستخبرٍ عن سرِّ ليلى رددته ... بعمياءَ منْ ليلى بغير يقينِ
يقولونَ: خبرنا، فأنت أمينها ... وما أنا إن خبرتهمْ بأمين
وقال أبو تمام:
وإذا طلبتُ لديهمُ ما لم أنلْ ... أدركتُ من جدواك ما لمْ أطلب
أخذه ابن حيوس، فقال:
ولقد دعوتُ ندى الكرامِ فلم يجب ... فلأشكرنَّ ندىً أجاب وما دعي
وقال أبو تمام:
بكلّ فتى للضرب يعرض للقنا ... محيا محلى، حليهُ الطعنُ والضربُ
أخذه المتنبي فقال:
وكلُّ فتى للحرب فوق جبينه ... من الضرب سطرٌ بالأسنة معجمُ
ومنه قول الأعشى:
(1/196)

وسبيئةٍ مما تعتقُ بابلٌ ... كدم الذبيحِ سلبتها جريالها
أخذه أبو نواس، فقال:
أعطتك ريحانها العقارُ ... وحان من ليلك انسفارُ
وقال قيس بن الخطيم:
قضى لها الله حين صورها الخ ... القُ ألاَّ يكنها السدفُ
أخذه أبو نواس فقال:
لا ينزلُ الليل حيثُ حلتْ ... فدهرُ شرابها نهارُ
ومنه قول الآخر:
كميتٌ جسمها معنا ... ورؤياها على سفرِ
ومنه قول مسلم بن الوليد:
فرعاءُ في فرعها ليلٌ على قمرٍ ... على قضيبٍ، على دعص النقا الدهسِ
أذكى من المسك أنفاسإن وبهجتها ... أرقُّ ديباجةً من رقة النفس
كأنَّ قلبي وشاحها إذا خطرتْ ... وقلبها قلبها في الصمت والخرس
تجري محبتها في قلب عاشقها ... جري السلامة في أعضاء منتكسِ
أخذ البيت الآخر أبو نواس فقال:
فتمشتْ في مفاصلهمْ ... كتمشي البرءِ في السقمِ
ومنه قول أبي تمام:
(1/197)

نقل فؤادك حيثُ شئتَ من الهوى ... ما الحبُّ إلا للحبيب الأولِ
أخذه من قول كثير:
إذا ما أرادتْ خلةٌ أن نزورها ... أبينإن وقلنا: الحاجبيةُ أولُ
وكذلك قوله:
وكان على الفتى الإقدامُ فيها ... وليس عليه ما جنتِ المنونُ
أخذه من قول الأول:
على المرءِ أن يسعى لما فيه نفعه ... وليس عليهِ أن يساعدهُ الدهرُ
ومنه لبشار:
يسقطُ الطيرُ حيث يلتقطُ الحب، ... وتغشى منازلُ الكرماءِ
أخذه الآخر فقال:
يزدحمُ الناسُ على بابهِ ... والمشربُ العذبُ كثيرُ الزحامِ
ومنه:
ظلتْ تبشرني عيني إذا اختلجتْ ... بأنْ أراك، فلا زالتْ على خطرِ
فقلتُ للعين: أما كنت صادقةً ... إني لبشراك لي من أسعدِ البشرِ
فما جزاؤكِ عندي؟ لستُ أعرفه ... بلى جزاؤك أن تحظينَ بالنظرِ
وأسترُ المقلةَ الأخرى وأحجبها ... عن الحبيب كما لمْ تأتِ بالخبرِ
ومنه:
بكتْ عيني غداة البين حزناً ... وأخرى بالبكا بخلتْ علينا
فجازيتُ التي بخلتْ بدمعٍ ... بأنْ غمضتها يوم التقينا
(1/198)

فهلْ أحدٌ سوايَ أثاب عيناً ... على فعلٍ، وعاقب فيه عينا
وكقول النابغة:
سقطَ النصيفُ، ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليدِ
ومنه لأبي حية:
وألقتْ قناعاً دونه الشمسُ واتقتْ ... بأحسنِ موصلين: كفٍّ ومعصمِ
ومن ذلك قول الخريمي:
همامٌ، عطاياهُ بدورٌ طوالعُ ... على آمليهِ في ليالي المطالبِ
وقال النابغة الحارثي:
وإذا السيوف قصرنَ بلغها لنا ... حتى تناول ما نريد خطانا
أخذه قيس ابن الخطيم فقال:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب
وقال أبو تمام وهو من قول الخريمي المتقدم:
وأحسن من نورٍ يفتحه الندى ... بياض العطايا في سواد المطالب
وللأسود:
إذا المرءُ أعيا خيرهُ في شبابهِ ... فلا ترجُ منهُ الخير عند مشيبه
أخذه الآخر فقال:
إذا المرءُ أعيته المروءةُ ناشئاً ... فمطلبها كهلاً عليه شديدُ
ومنه لمهيار:
ظهورك آيةٌ لله صحت ... بها الأديانُ واشتفت الصدورُ
رأوك وميتُ الآمال حيُّ ... بجودك، وانثنى الأعمى بصيرُ
فآمن بالمسيح وآيتيهِ ... بأنْ نشأتْ من الطين الطيورُ
(1/199)

وأيقن أن موسى شقَّ بحراً ... بأن شقتْ بكفيه البحورُ
وأبصر قلبكَ الماضينَ مروا ... ولما تنتظمْ بهمُ الأمورُ
صبا لمحمدٍ؛ فأساغ فيه ... وقال الرسلُ خيرهمُ الأخيرُ
فأخذه ابن سنان فوفى عليه، وجاء بكل بيتين في بيت واحد، فجاء أحلى منه كلاماً وأحسن نظاماً إلا أنه غالى فيه تجاوز الله عنه فقال:
أعيا جزيلُ نداكَ يابن مقلدٍ ... شكري وقصر عنهُ جهدُ ثنائي
وصفو بياضَ يدِ الكريمِ بمعجزٍ ... فيهِ، وكم لك من يدٍ بيضاءِ
وتعاظموا إحياءَ عيسى ميتا ... فرداً وجودك باعثُ الفقراءِ
ورأوا وقدْ صعد السماءَ محمدٌ ... عجباً وقدرك فوق كلّ سماءِ
باب

الانصراف
اعلم أن باب الانصراف هو أن يرجع من الخبر إلى الخطاب، أو من الخطاب إلى الخبر، مثل قوله تعالى: " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ".
وكقول جرير:
أتذكر إذ تودعنا سليمى ... بفرع بشامةٍ سقيَ البشامُ
وكقوله:
طربَ الحمامُ بذي الأراكِ فهاجني ... لا زلتَ في ظلٍ وأيكٍ ناضرِ
وقوله:
(1/200)

متى كان الخيامُ بذي طلوحٍ ... سقيتِ الغيث أيتها الخيامُ
ومن الرجوع أيضاً:
أليس قليلاً نظرةٌ إن نظرتها ... إليك، وكلاً ليس منك قليلُ
وقول زهير:
قفْ بالديار التي لمْ يعفها القدمُ ... بلى وغيرها الأمطارُ والديمُ
باب

الالتقاط
اعلم أن الالتقاط هو ما يتطارحه العلماء والشعراء والكتاب بينهم، وهو أن يطرح بيت ويولد من كل كلمة منه بيت، أو من كلمتين، أو ثلاثة أو غير ذلك، مثل ما ذكر في كتاب الصناعتين التلفيق والالتقاط، وهو أن يكون البيت ملفقاً من أبيات قبله، مثل قوله:
إذا ما رآني مقبلاً غضَّ طرفه ... كأنَّ شعاع الشمس دوني مقابله
هذا ملتقط من ثلاثة أبيات قبله، ومن قوله:
إذا ما رآني قطع الطرف بينه ... وبيني فعل العارف المتجاهلِ
ومن قول الآخر:
يريد يغض الطرف دوني كأنما ... روى بين عينيه عليَّ المحاجمُ
ومن قول الآخر:
إذا أبصرتني أعرضتَ عني ... كأنَّ الشمس من قبلي تدورُ
ومن قول الآخر:
فغضَّ الطرف إنك من نميرٍ ... فلا كعباً بلغت ولا كلابا
(1/201)

ومن ذلك قول ابن هرمة:
كأنك لم تسرْ بجنوب خلصٍ ... ولم تلملمْ إلى الربع المحيلِ
ملفق من قول جرير:
كأنك لم تسرْ ببلاد نجدٍ ... ولم تنظرْ بناظرة الخياما
ومن قول الآخر:
ألمْ تلملمْ على الربع المحيلِ ... بفيدَ وما بكاؤك في الظلول
وقول أبي نواس:
أشمُّ طوال الساعدين كأنما ... يناطُ نجاداً سيفهِ بلواءِ
ملفق من قول بعض العرب:
أشمُّ طوال الساعدين، كأنما ... يناطُ به جذعٌ طويلٌ مشذبُ
ومن قول الآخر:
فجاءتْ به سبطَ البنان كأنما ... يناط به نجاداً سيفه بلواء

باب
فضل السابق على المسبوق
اعلم أنفضل السابق على المسبوق هو كما قال حسان:
ترك الأحبة أنْ يقاتلَ دونهمْ ... ونجا برأسِ طمرةٍ ولجامِ
أخذه أبو تمام فقال:
(1/202)

ترك الأحبة ناسياً لا سالياً ... عذرُ النسيّ خلافُ عذر السالي
وقال حسان أيضاً:
يغشون حتى ما تهرُّ كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبلِ
وقال أبو نواس:
إلى بيت حانٍ لا تهرُّ كلابه ... عليَّ، ولا ينكرن طول ثوائي
باب

رجحان المسبوق على السابق
اعلم أن رجحان المسبوق على السابق هو كما قال مسلم بن الوليد:
أما الهجاءُ فدقَّ عرضكَ دونه ... والمدحُ عنكَ، كما علمتَ، جليلُ
فاذهبْ فأنت طليقُ عرضك؛ إنه ... عرضٌ عززتَ بهِ، وأنت ذليلُ
أخذه أبو نواس فقال:
بما أهجوك؟ لا أدري ... لساني فيكَ لا يجري
إذا فكرتُ في عرض ... ك أشفقتُ على شعري
وقال عدي بن زيد:
لو بغير الماءِ حلقي شرقٌ ... كنتُ كالغصان بالماءِ اعتصاري
أخذه أبو نواس فقصر عنه بقوله:
غصصتُ منك بما لا يدفعُ الماءُ ... وصحَّ هجرك حتى ما بهِ داءُ
(1/203)

باب

التثقيل والتخفيف
اعلم أن التثقيل والتخفيف هو كقول أبي نواس:
دعْ عنك لومي فانَّ اللومَ إغراء ... وداوني بالتي كانتْ هي الداءُ
أخذه أبو تمام فأتى في ألفاظ ثقيلة، فقال:
قدك اتئبْ، أربيت في الغلواء ... كم تعذلونَ، وأنتمُ سجرائي
وكما قال مسلم بن الوليد:
قدْ أولعته بطول الهجر غرته ... لو كان يعرفُ طول الهجر ما هجرا
أخذه أبو تمام فقال:
كشف الغطاء، فأخمدي أوْ أوقدي ... لمْ تكمدي فظننتُ أنْ لم تكمدِ
باب

التقصير
اعلم أن التتقصير هو إن ينقص الشاعر من كلامه ما هو من تمامه، كما قال عنترة:
وإذا شربتُ فإنني مستهلك ... مالي، وعرضي وافرٌ لم يكلمِ
وإذا صحوتُ فما أقصرُ عن ندىً ... وكما علمت شمائلي وتكرمي
(1/204)

أخذهما حسان فنقص منهما ذكر الصحو فقال:
ونشربها فتتركنا ملوكاً ... وأسداً ما ينهنهنا اللقاءُ
وكقول أبي نواس:
إذا حصلتْ دون اللهاة من الفتى ... دعا همه من صدرهِ برحيلِ
أخذه ابن المعتز، فنقص منه فقال:
إذا سكنتْ صدرَ الفتى زال همه ... وطابتْ لهُ دنياهُ واتسعَ الضنكُ
باب

النقل
اعلم أن النقل هو أن ينقل الشاعر معنى إلى معنى غيره، وهو، كما قال أبو العلاء في تفسير قول المتنبي:
في خطهِ من كلّ قلبٍ شهوةٌ ... حتى كأنَّ مدادهُ الأهواءُ
قال: هذا يسميه أهل النقد النقل، لأنه نقله من قول البحتري في الخمر:
أفرغتْ في الزجاجِ من كلّ قلبٍ ... فهي محبوبةٌ إلى كلّ نفس
ومنه قول البحتري أيضاً:
ولو أنَّ مخلوقاً تكلفُ غيرَ ما ... في وسعه لسعى إليكَ المنبرُ
منقول من قول الآخر:
ولهنَّ بالبيت العتيق لبانةٌ ... والبيتُ يعرفهنَّ لوْ يتكلمُ
(1/205)

لو كان حياً قبلكنَّ ظعائناً ... حيا الحطيم وجوههنَّ وزمرمُ
لكنه نقله من النسيب إلى المدح.
ومما يقارب هذا المعنى قول الآخر:
سألتُ بهِ طيئاً كلها ... فكلٌّ أباهُ، وكلٌّ أنفْ
وقالوا: لحيقٌ ظلمنا بهِ ... كما ظلمتْ مائةٌ بالألفْ
أخذه من قول أبي نواس حيث قال:
أيها المدعي سليماً سفاهاً ... لستَ منها ولا قلامةَ ظفرِ
إنما أنت من سليمٍ كواوٍ ... ألحقتْ في الهجاءِ ظلماً بعمرو
ومنه قول ابي نواس:
تدورُ علينا الراحُ في عسجديةٍ ... حبتها بأنواعِ التصاوير فارسُ
قرارتها كسرى، وفي جنباتها ... مهاً تدريها بالقسي الفوارس
فللراح ما زرتْ عليهِ جيوبها ... وللماءِ ما دارتْ عليهِ القلانسُ
نقله الرفاء، فقال:
وموسومةٍ كاساتها بفوارسٍ ... من الفرس، تطفو في المدام وتغرق
تقابلَ منهم كلُّ شاكٍ سلاحه ... وفي يدهِ سهمٌ إليَّ مفوقُ
كأنَّ الحبابَ المستديرَ قلادةٌ ... عليهِ وتوريدُ المدامةِ يلمقُ
ومن ذلك أيضاً:
(1/206)

من رأى مثل حبتي ... تشبهُ البدرَ إذ بدا
تدخلُ اليومَ ثمَّ تد ... خلُ أردافها غدا
نقله غيره فقال:
كنتُ في دعوةِ قومٍ وجهوا ... برسولٍ نحو موسى الحطمه
فأتانا أنفهُ قبلَ الضحى ... وأتى موسى بعيد العتمه
ومنه قول أبي مسلم:
أفسدتُ أمري بإصلاحي خلافتهمْ ... وكان إصلاحها للدين إفسادا
ما قربوا أحداً إلاَّ ورأيهم ... أن يعقبوا غبَّ ذاك القرب إبعادا
أخذه ابن مقلة بعد قطع يده، فقال:
ما مللتُ الحياةَ لكنْ توثق ... تُ بأيمانهمْ فأردت يميني
بعتُ ديني لهم بدنياي، حتى ... حرموني دنياهمْ بعد ديني
كمْ تحملتُ ما استطعتُ بجهدي ... حفظ أرواحهم فما حفظوني
ليسَ لي في الحياة لذةُ عيشٍ ... يا حياتي بانتْ يميني فبيني
ومنه قول سيف الدولة بن حمدان، وكتب بها إلى أخيه ناصر الدولة:
تركتُ لك العلياء، وقد كنتُ أهلها ... وقلتُ لهمْ بيني وبين أخي فرقُ
وما كان بي عنها نكولٌ، وإنما ... تغافلتُ عن حقي فتمَّ لك الحقُّ
أما كنتَ ترضى أن أكون مصلياً ... إذا كنتُ أرضى أن يكون لك السبقُّ
ومنه:
تاللهِ، لولا قيودٌ في قوائمنا ... من الجميلِ وفي الأعناق أغلالُ
(1/207)

لكان لي في بلاد اللهِ متسعٌ ... وفي الملوك لباناتٌ وأشغالُ
لي حرمةُ الضيف والجار القديم ومن ... أتاكمُ، وكهولُ الحيّ أطفالُ
أتيتكم وجلابيبُ الصبا قشبٌ ... فكيف أرحلُ عنكمْ وهي أسمالُ
ومنه:
وكمْ ملكٍ قد رضته قبل هذه ... مريتُ له الدنيا بسيفي فدرتِ
إذا زبنته عن فواقٍ يريده ... دعاني، ولمْ يدعُ إذا ما استقرتِ
إذا ما هي احلولتْ محاحقَّ مقسمٍ ... ويقسمُ لي منها إذا ما أمرت
ومنه:
أهانُ، وأقصى، ثمَّ ينتصحونني ... ومن ذا الذي يعطي نصيحته قسرا
رأيتُ أكفَّ المصلتينَ عليكمُ ... ملاءً، وكفي من عطاياكمُ صفرا
عطاؤكمُ للضاربينَ رقابكمْ ... كثيرٌ، وللبانينَ عزكمُ نذرا
ومن ذلك قول أبي نواس:
لا ينزلُ الليلُ حيثُ حلتْ ... فدهرُ شرابها نهارُ
استخرج منه البحتري معنى آخر فقال:
غاب دجاها وأيُّ ليلٍ ... يدجو علينا وأنتَ بدرُ
وقال أبو نواس:
من شرابٍ كأنها كلُّ شيءٍ ... يتمنى مخيرٌ أنْ يكونا
أخذه أبو تمام فعمل منه معنى آخر فقال:
(1/208)

فلوْ صورتَ نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباعِ
وكما قال حبيب بن أوس الطائي:
كريمٌ متى أمدحه أمدحه والورى ... معي، ومتى مالمته لمته وحدي
أخذه غيره فولد منه معنى لمحبوب، فقال:
وإذا ذممتك لمْ أجدْ لي ناصراً ... ورميتُ فيما قلتُ بالبهتانِ
ومنه:
يا من لبستُ بهجره ثوب الضنا ... حتى خفيتُ به عن العواد
وأنستُ بالسهر الطويل فأنسيتْ ... أجفانُ عيني كيف كان رقادي
إنْ كان يوسفُ بالجمال مقطعَ ال ... أيدي، فأنت مفتتُ الأكبادِ
أخذه بعض شعراء المغرب، فقال:
يا يوسفيَّ الجمالِ عبدكَ لمْ ... تبقَ له حيلةٌ من الحيلِ
بمنْ كساكَ الجمالِ من سعةٍ ... أرفقْ بقلب المتيم الوجل
إن قدُّ فيه القميصُ من دبرٍ ... ففيك قدَّ القميص من قبلِ
أوْ قطع النسوةُ الأكفَّ فقدْ ... قطعتَ قلبي عليك من وجلِ
وقال أبو تمام:
لأمرٍ عليهم إن تتمَّ صدورهُ ... وليس عليهم أن تتمَّ عواقبه
ومنه لغيره أيضاً:
(1/209)

فإنَّ على الفتى الإقدام فيها ... وليسَ عليه ما جنت المنونُ
وقال أبو نواس:
يا قمراً للتمّ من شهره ... أبداً ضياءً لثمانٍ بقينْ
ولقيس بن الخطيم:
تبدتْ لنا كالشمس تحت غمامةٍ ... بدا حاجبٌ منها وضنتْ بحاجبِ
وقال الرفاء:
قمرٌ إذا ما الوشيُ صينَ، أزالهُ ... كيما يصون جمالهُ ببهائه
ضعفت معاقدُ خصره وعهوده ... فكأنَّ عقد الخصرِ عقدُ وفائه
أخذه من قول الآخر:
وأظنُّ عقد وصالها لمحبها ... أوهى وأضعف قوةً من خصرها
ومن ذلك:
ملكٌ إذا ما مدَّ خمسَ أناملٍ ... في الجود فاضَ بهنَّ خمسةُ أبحر
أخذه الشريف الرضي فقال:
أيسمحُ لي هذا الزمانُ بصاحبِ ... طويل نجاد السيف من آل هاشم
أناملهُ في الحرب عشرُ أسنةٍ ... ولكنها في السلم عشر غمائم
(1/210)

وقال الرفاء:
ولو أنهم سبكوا لم تكنْ ... لتحصلَ منهم على درهمِ
أخذه عز الدولة فقال:
وكم ترى ذهباً يرضيك منظره ... فلوْ أردتَ لهُ سكباً لما خلصا
ومنه قول الرفاء:
يضنُّ بجلنار الخدّ ضوناً ... ويبذلُ نرجسَ الطرف الكحيل
أخذه من قول الأول:
بجوارحي من مقلتيك جراحُ ... أفتورُ هاتيك الجفون صحاحُ
لا تنظرنَّ إلى العيون فإنما ... نظرُ العيون إلى العيون قداحُ
كالبدر إلاَّ أنه في قرطقٍ ... وعليَّ في نظري إليه جناحُ
باللهِ سلهُ لم أقاحي ثغرهِ ... تحمى، ونرجسُ مقلتيه يباحُ
وللسري الرفاء أيضاً:
ويلمٌّ من شعثِ العلا بشمائلٍ ... أحلى من اللعسِ الممنع واللمى
لا يخطبنَّ إليَّ حلي مدائحي ... أحدٌ فقد وجدَ السوارُ المعصما
وطريده قول المتنبي:
فأصبح شعري منهما في مكانه ... وفي عنق الحسناء يستحسن العقدُ
ومن التطارد قول الخليع:
كأنما نصبُ كأسهِ قمرٌ ... يكرعُ في بعض أنجمِ الفلكِ
(1/211)

أخذه طريده أبو نواس فقال:
إذا عبَّ فيها شاربُ القومِ خلته ... يقبل في داجٍ من الليل كوكبا

باب
الحذو
اعلم أن الحذو هو أن يكون البيت على صياغة البيت الآخر، كما قال سحيم:
فما بيضةٌ بات الظليمُ يحفها ... ويرفعُ عنها جؤجؤاً متجافيا
بأحسن منها يوم قالتْ: أرائحٌ ... مع الركبِ أم ثاوٍ لدينا لياليا
قال: تبعه على هذا الحذو جماعة، منهم من قال:
وما قطرةٌ من ماءِ مزنٍ تحلبتْ ... به جنبتا الجوديِّ والليلُ دامسُ
بأعذبَ من فيها وما ذقتُ طعمه ... ولكنني فما ترى العينُ فارسُ
ومن ذلك لكثير:
وما روضةٌ بالحزنِ طيبةُ الثرى ... يمجُ الندىَ جثجاثها وعرارها
بأطيب منِ أردان عزةَ موهناً ... إذا أوقدتْ بالمندل الرطبِ نارها
ومنه للأعشى:
وما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها مسبلٌ هطلُ
يضاحك الشمس منها كوكبٌ شرقٌ ... مؤزر بعميم النبت مكتهلُ
يوماً بأطيب منها نشر رائحة ... ولا بأحسن منها إذا دنا الأصلُ
ومن ذلك قول بعضهم:
ولم أرَ كالمعروفِ أما مذاقه ... فحلوٌ، وأما وجههُ فجميلُ
أخذه الآخر فقال:
وماليَ مالٌ غيرُ درعٍ حصينةٍ ... وأخضرَ من ماءِ الحديدِ صقيلُ
وأحمرَ كالديباجِ، أما سماؤهُ ... فريإن وأما أرضهُ فمحولُ
أخذه يزيد بن الطثرية فقال:
عقيليةٌ، أما ملاثُ إزارها ... فدعصٌ وأما خصرها فنحيل
(1/212)

ومنه قول كثير:
وإني وتهيامي بعزةَ بعدما ... تولى شبابي، وارجحنَّ شبابها
لكالمرتجي ماءً بقفراءَ سبسبٍ ... يغرُّ بهِ من حيثُ عنَّ سرابها
وقوله يحذو نفسه أيضاً:
وإني وتهيامي بعزة ما ... تخليتُ مما بيننا وتخلت
لكالمرتجي ظلَّ الغمامةِ كلما ... تبوأ منها للمقيلِ اضمحلتِ
وأخذه جميل بن معمر فقال:
وإني وتطلابي بثينة بعدما
ولأبي تمام الطائي:
وركبٍ كأطراف الأسنةِ عرسوا ... على مثلها والليلُ تسطو غياهبه
لأمرٍ عليهم أنْ تتمَّ صدوره ... وليسَ عليهم أن تتمَّ عواقبه
حذاه الشريف فقال:
وركبتُ أعجازَ المطي بفتيةٍ ... أمثالهنَّ طوالعٌ وغواربُ
غلبٍ كأنهمُ الصقورُ حوائماً ... وكأنَّ أكتادَ المطيِّ مراقبُ
(1/213)

وله في موضع آخر:
فتى أعلقتهُ عيانُ الفخارِ ... مكارمَ جاءتْ به المجدَ قبلا
أشمُّ كعاليةِ السمهريّ، ... وهمته منهُ أعلى وأعلى
حذاه ابن الخياط فقال:
ومعترضٍ بينَ الأسنةِ معرضٍ ... وفي القلبِ من إعراضهِ مثل حجبهِ
أغارُ إذا آنستُ في الحيّ أنةً ... حذاراً وخوفاً أن يكون لحبه
ينظر إلى قول المتنبي:
ويغيرني جذبُ الزمام لقلبها ... فمها إليك كطالبٍ تقبيلا

باب
الكشف
اعلم أن الكشف هو أن يكشف المتبع معنى المبتدع إذا كان فيه شيء من الخفاء، كما قال امرؤ القيس بن حجر:
كبكرٍ مقاناة البياضِ بصفرةٍ ... غذاها نميرُ الماءِ غيرُ محلل
فكشفه ذو الرمة بقوله:
كحلاءُ في برجٍ، صفراء في نعجٍ ... كأنها فضةٌ قد مسها ذهبُ
(1/214)

ومن ذلك ما يروى عن سليمان بن عبد الملك أنه قال يوماً لجلسائه: ما أفضل المناديل؟ فقال كل منهم ما عنده من أفضل الثياب، فقال سليمان: أفضل المناديل التي يقول فيها القائل:
لما نزلنا نصبنا ظلَّ أخبيةٍ ... وفارَ للقومِ بالغلي المراجيلُ
وردٌ وأحمر، ما يؤنيه طابخهُ ... ما غيرَّ الغليُ منه فهو مأكولُ
ثمَّ انثينا إلى جردٍ مسومةٍ ... أعرافهنَّ لأيدينا مناديلُ
كشفه امرؤ القيس بقوله:
نمشُّ بأعرافِ الجيادِ أكفنا ... إذا نحنُ قمنا عن شواءٍ مضهبِ
ومن ذلك:
انظرا قبل تلوماني إلى ... طللٍ بين منىً فالمنحنى
ومنه قول الآخر:
خليليَّ قوماً في عطالةَ فانظرا ... أناراً نرى من نحو يبرين أم برقا
كشفه الشريف رحمه الله فقال:
يا خليليَّ انظرا عني الحمى ... إنَّ طرفَ العينِ بالدمعِ أغاما
(1/215)

كلما أومضَ من نحوِ الحمى ... قعد القلبُ من الشوقِ وقاما
ومن ذلك قول العتابي:
مضتْ على عهدهِ الليالي ... وأحدثتْ بعدهُ أمورُ
واعتضتُ باليأسِ عنه صبراً ... واعتدل الحزنُ والسرورُ
كشفه بعضهم بقوله:
فلستُ أرجو ولستُ أخشى ... ما أحدثتْ بعدهُ الدهورُ
فليجهدِ الدهرُ في مساتي ... فما عسى جهدهُ يصيرُ
ومنه قول المتنبي:
إذا غدرتْ حسناءُ أوفتْ بعهدها ... ومنْ عهدها ألاَّ يدومَ لها عهدُ
ومنه قول بعضهم:
ما ساءني إعراضهُ ... عني، ولكنْ سرني
كشفه بقوله:
سالفتاه عوضٌ ... عن كلّ شيءٍ حسنِ
وقال في حلية المحاضرة: إن قول جرير:
إنَّ الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلاً بعينكَ لا يزالُ معينا
كشفه ذو الرمة بقوله:
ولما تلاقينا جرتْ من عيوننا ... دموعٌ كففنا غربها بالأصابع
ونلنا سقاطاً من حديثٍ كأنه ... جنا النحلِ ممزوجاً بماءِ
(1/216)

النقائع
باب

التوارد
اعلم أن التوارد هو أن يقول الشاعر بيتاً فيقوله شاعر آخر من غير أن يسمعه، وهو كثير في أشعار العرب، ولا بد من ذكر أحسنه.
قال امرؤ القيس:
وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيهمْ ... يقولون: لا تهلك أسىً وتجمل
وقال طرفة بن العبد:
وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيهمُ ... يقولون: لا تهلكْ أسىً وتجلدِ
وقال سحيم:
تثيرُ وتبدي عن عروقٍ كأنها ... أعنةُ خرازٍ جديداً وباليا
وقال بشر:
تحطُّ وتبدي عن عروقٍ كأنها ... أعنةُ خرازٍ جديداً وباليا
قال الجعدي:
ومولى جفتْ عنهُ الموالي كأنهُ ... إلى الناس مطليّ به القارُ أجربُ
وقال النابغة:
(1/217)

فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطليٌّ به القارُ أجربُ
وقال جرير:
أني وجدك لو أردت زيادةً ... في الحبّ عندي ما وجدتُ مزيدا
قال كثير:
الله يعلمُ لو أردتُ زيادةً ... في حبّ عزةَ ما وجدتُ مزيدا
وقال بشار:
العبدُ يقرعُ بالعصا ... والحرُّ تكفيهِ الإشارهْ
قال الصلتان العبدي:
العبدُ يقرع بالعصا ... والحرُّ تكفيهِ الملامه
وقال مسيب بن علس:
نظرتْ إليكَ بعين جاريةِ ... حوراءَ فاردةٍ من السدرِ
فقال امرؤ القيس:
حوراءَ حانيةٍ على طفلِ
وقال المنخل:
قد أتركُ القرنَ مصفراً أناملهُ ... كأنه من مدامٍ شاربٌ ثملُ
وقال الآخر:
كأنَّ أثوابه مجتْ بفرصادِ
(1/218)

وقال أبو البراء:
والخيلُ ساهمةُ الوجوهِ كأنما ... سقيتْ فوارسها من الجريال
وقال عنتر العبسي:
سقيتْ فوارسها نقيعَ الحنظلِ
وقال كثير عزة:
يذكرنيها كلُّ ريحٍ مريضةٍ ... لها بالتلاع القاويات نسيم
فقال جرير:
يذكرنيها كلُّ ريحٍ مريضةٍ ... لها بالتلاعِ القاويات نسيمُ
وقال أبو هفان لعلي بن الجهم:
إذا أنشدتْ قال الناسُ ... أحسنتَ ويعنوني
ولآخر في سلم الخاسر:
إذا أنشدكمْ سلمُ ... فقدْ أحسنَ بشارُ
وقال امرؤ القيس:
أرانا موضعينَ لأمر غيبٍ ... ونسحرُ بالشرابِ وبالطعامِ
(1/219)

كما سحرتْ بهِ إرمٌ وعادٌ ... فأضحوا مثلَ أحلامِ النيامِ
وله:
أنا منْ قومٍ كرامٍ ... يطعمونَ الطيباتِ
بجفانٍ كالجوابي ... وقدورٍ راسياتِ
ومنه قول حصين الربعي:
وطيبَ نفسي عنِ خليلي أنني ... إذا شئتُ لاقيت امرأً ماتَ صاحبهُ
أخذه سالم بن مضرس، فقال:
وطيبَ نفسي عن خليلي أنني ... إذا شئتُ لاقيتُ امرأً يتلهفُ
ومن ذلك:
قد يدرك المتأني بعضَ حاجتهِ ... وقدْ يكونُ مع المستعجلِ الزللُ
عكسه الآخر، فقال:
وربما فات بعضَ القومِ حاجتهم ... مع التأني، وكانَ الحزمُ لو عجلوا
ومنه:
أثقلتَ ظهري فانحنى لك راكعاً ... وسترتَ وجهي فانضوى له ساجدا
في كلّ يومٍ أستجدُّ فوائداً ... فكم الفوائدُ، لا أريدُ فوائدا
قولي إذا أفنى عليّ محامدي ... منْ أينَ أجعلُ لي إليكَ محامدا
أخذه ابن حيوس، فأتى بأحسن منه فقال:
(1/220)

قد جدتَ لي باللهى، حتى ضجرتُ بها ... وكدتُ من ضجري أثني على البخل
إنْ كنتَ ترغبُ في بذل النوال لنا ... فاخلقْ لنا رغبةً، أو لا فلا تنلِ
لم يبقِ جودك لي شيئاً أؤمله ... تركتني أصحبُ الدنيا بلا أملِ
وقال أبو نواس:
وليس على اللهِ بمستنكرٍ ... أن يجمعَ العالمَ في واحدِ
وأخذه المتنبي فقال:
هدية ما رأيتُ مهديها ... إلا رأيتُ الأنام في رجل
وقال ابن المغربي:
حتى إذا ما أرادَ اللهُ يسعدني ... رأيتهُ فرأيتُ الناسَ في رجلِ
ولستُ من سخطه المردي على خطرٍ ... ما دمتُ من عفوه المحيي على أملِ
إذا سطا بادرتْ هامٌ مصارعها ... كأنما تتلقى الأرضَ بالقبلِ
ومنه:
وما كنتُ أدري قبل يحيى وجعفرٍ ... بأنَّ ملوك الأرضِ تجمعُ في عصرِ
عجبتُ لهذا الدهر جاد بجعفرٍ ... ويحيى، وليسَ الجود من شيمِ الدهرِ
ولابن الرومي:
تخذتكمُ درعاً حصيناً لتدفعوا ... نبالَ العدى عني فكنتمْ نصالها
وقد كنتُ أرجو منكمُ خير ناصرٍ ... على حين خذلان اليمين شمالها
فإن كنتمُ لم تحفظوا لي لمودتي ... ذمامإن فكونوا لا عليها ولا لها
قفوا موقفَ المعذور عني بمعزلٍ ... وخلوا نبالي للعدا ونبالها
أخذه ابن سنان فقال:
أعددتكمْ لدفاعِ كلّ ملمةٍ ... عوناً فكنتم عونَ كلِّ ملمةِ
(1/221)

وتخذتكمْ لي جنةً، فكأنما ... نظرَ العدوُّ مقاتلي من جبتي
فلأنفضنَّ يديَّ يأساً منكمُ ... نفضَ الأناملِ من ترابِ الميتِ
ومنه للمأمون:
يا فتحُ يا فاتحاً لبلوايَ، صل ... ني، ولا تشمتنَّ أعدايَ
تباركَ اللهُ إنَّ ذا عجبٌ ... مولايَ عبدي، وأنتَ مولايَ
أخذه أبو نواس فقال:
ويقولُ الغلامُ: ارفق بمو ... لايَ، فقال لي مولاي، من مولاكا
لك عبد عبيده فوقَ مو ... لاكَ، ومولاكَ ليس ينكرُ ذاكا
وقال كشاجم:
تملكني في الهوى وأملكها ... فها أنا عبدها ومولاها

باب
السابق واللاحق
اعلم أن السابق واللاحق: هو أن يأخذ البيت فينقص من لفظه، أو يزيد في معناه، أو يحرره، فيكون أولى به من قائله، لكن الأول سابق والآخر لاحق، مثل قول علي بن الجهم:
وكمْ وقفةٍ للريح دونَ بلادها ... وكم عقبةٍ للطيرِ دونَ بلادي
أخذه أبو العلاء فقال:
وسألتُ كمْ بينَ العقيقِ إلى الحمى ... فجزعتُ من بعد النوى المتطاولِ
وعذرتُ طيفكَ في الجفاءِ، لأنه ... يسري، فيصبحُ دوننا بمراحلِ
(1/222)

وكقول الأحول:
له خلائقُ بيضٌ لا يغيرها ... صرفُ الزمان كما لا يصدأُ الذهبُ
أخذه الآخر فقال:
صديقٌ لي له نسبْ ... صداقةُ مثله تجبُ
إذا نقدتْ خلائقهُ ... تبهرجَ عنده الذهبُ
فزاد عيه في قصر الوزن، وفي تفضيله على الذهب بقوله: تبهرج.
ومنه قول طرفة بن العبد:
أسدُ غيلٍ فإذا ما شربوا ... وهبوا كلَّ أمونٍ وطمرّ
ثمَّ راحوا عبقَ المسكُ بهم ... يلحفونَ الأرض هداب الأزرُ
أخذه عنترة، فقال:
وإذا شربتُ فإنني مستهلكٌ ... مالي، وعرضي وافرٌ لم يكلمِ
وإذا صحوتُ فما أقصرُ عن ندىً ... وكما علمتِ شمائلي وتكرمي
(1/223)

فاحترز مما طعن به على الأول وهو أنهم لا يشربون فيعطون من غير عقل.
ومنه قول امرئ القيس:
من القاصراتِ الطرف لو دبَّ محولٌ ... من الذرّ فوق االإتب منها لأثرا
أخذه حسان بن ثابت، فقال:
يا لقومي هلْ يقتلُ المرءَ مثلي ... واهنُ الجسمِ والعظام سؤومُ
لو يدبُّ الحوليُّ من ولدِ الذرْ ... رِ عليها لأندبتها الكلومُ
لم تفتها شمسُ النهار بشيءٍ ... غيرَ أنَّ الشبابَ ليسَ يدومُ
أخذه حميد بن ثور فقال:
منعمةٌ، لو يدرجُ الذرُ سارياً ... على جلدها بضت مدارجهُ دما
ومنه قول الأفوه الأودي:
وترىَ الطيرَ على راياتنا ... رأي عينٍ ثقة أن ستمارا
أخذه النابغة فقال:
إذا ما غزا بالجيش حلق فوقهم ... عصائبُ طيرٍ تهتدي بعصائبِ
جوانحُ، قد أيقنَّ أنَّ قبيلهُ ... إذا ما التقى الجمعانِ أولُ غالبِ
أخذه الحطيئة، فقال:
(1/224)

ترى عافيات الطير قد وثقتْ لها ... بشيع من الخيلِ العتاقِ منازله
أخذه حميد بن ثور فقال:
إذا ما غزا يوماً رأيت غمامة ... من الطير ينظرن الذي هو صانعُ
أخذه مسلم فقال:
قد عود الطيرَ عاداتٍ وثقنَ بها ... فهنَّ يتبعنه في كلّ مرتحل
موفٍ على مهجٍ في يوم ذي رهج ... كأنه أملٌ يمشي إلى أجل
فوفى على الأول، ثم تبعه أبو نواس، فقال:
إذا مجَّ القنا علقا ... وتراءى الموتُ في صورهِ
راح في ثنييْ مفاضتهِ ... أسدٌ يدمى شبا ظفرهِ
يتأيا الطيرُ غدوته ... ثقةً بالشبعِ من جزرهِ
ثم أخذه أبو تمام فقال:
وقد ظللتْ أعقابُ راياته ضحىً ... بأقدامِ طيرٍ في الدماءِ نواهلِ
أقامتْ مع الرايات حتى كأنهن ... من الجيش إلا أنها لم تقاتلِ
ثم أخذه المتنبي فقال:
لهُ عسكرا خيلٍ وطيرٍ إذا رمى ... بها عسكراً لم تبقَ إلا جماجمهُ
(1/225)

وقال في مكان آخر:
وذي لجبٍ لا ذو الجناحِ أمامه ... بناجٍ ولا الوحشُ المثارُ بسالمِ
تمرُّ عليه الشمسُ وهي ضعيفةٌ ... تطالعهُ من بين ريشِ القشاعمِ
فأومأ إلى المعنى إيماء.
ومنه قول قيس بن ذريح:
تداويتُ من ليلى بليلى على الهوى ... كما يتداوى شاربُ الخمر بالخمرِ
أخذه من الأعشى إذ قال:
وكأس شربتُ على لذةٍ ... وأخرى تداويتُ منها بها
ثم تبعه أبو نواس فقال:
دعْ عنك لومي فإنَّ اللومَ إغراءُ ... وداوني بالتي كانتْ هي الداءُ
ومنه قول الناشي في رقة الخمر:
لا عيشَ إلا بكفِّ جاريةٍ ... ذات دلالٍ في طرفها مرضُ
كأنَّ في الكأس حين تمزجهُ ... نجومَ رجمٍ تعلو وتنخفضُ
تحملُ في كفها مشعشعةً ... ليس لها قيمةٌ ولا عوضُ
فلو رآها النظام في قدحٍ ... ما شك في أن جسمها عرضُ
أخذه أبو نواس فقال:
شربنا شربةً من أرض عما ... عقاراً جسمها لطفاً هواءُ
وزنا الكأس فارغةً وملأى ... فكانَ الوزنُ بينهما سواءُ
(1/226)

أخذه النظام فقال:
وكؤوسٍ فيهنَّ أخفى من الوه ... مِ وأخفى من خاطراتِ الظنونِ
رق معنى عيانها فوق كونٍ ... نسجته لطافةُ التكوينِ
ما استكنت صدرَ امرئ قطُّ إلاَّ ... كلفته إذاعةَ المكنونِ
وقال ابن هانئ:
ثقلتْ زجاجاتٌ أتتنا فرغا ... حتى إذا ملئتْ بصرف الراحِ
خفتْ على أيدي السقاة جسومها ... إن الجسومَ تخفُّ بالأرواحِ
ومنه:
ومشمولةٍ صاغَ المزاجُ لرأسها ... أكاليلَ در ما لمنظومها سلكُ
جرتْ حركاتُ الدهر فوق سكونها ... فذابتْ كذوبِ التبر أخلصه السبكُ
وقد خفيتْ من رقةٍ فكأنها ... بقايا يقينٍ كادَ يمحقه الشكُّ
ومنه أيضاً:
وندمانٍ سقيتُ الكأس صرفا ... وأفقُ الصبحِ مرتفعُ السجوف
صفتْ وصفتْ زجاجتها عليها ... كمعنى دقَّ في وهمٍ لطيفِ
ومنه:
أليسَ الليلُ يجمعُ أمَّ عمرو ... ويجمعنا فذاكَ لنا تداني
ترى وضح النهار كما أراهُ ... ويعلوها الظلامُ كما علاني
أخذه بعضهم فقال:
وتقرُّ عيني وهيَ نازحةٌ ... ما لا يقرّ بعين ذي الحلمِ
إني أرى وأظنُّ أن سترى ... وضحَ النهار وعالي النجمِ
(1/227)

ومنه:
كلانا يرى الجوزاء ياعلوُ إن بدت ... ونجمَ الثريا والمزارُ بعيدُ
ومنه:
ألستَ ترى النجمَ الذي هو طالعٌ ... عليكَ، وهذا للمحبينَ نافعُ
عسى يلتقي في الجوّ لحظي ولحظها ... فيجمعنإن إذ ليس في الأرض جامعُ
ومنه:
حجبوها عن الرياح، لأني ... قلتُ للريح: بلغيها السلاما
لو رضوا بالحجاب هانَ، ولكن ... منعوها يومَ الرياحِ الكلاما
ومنه:
أقولُ لدجلةَ لما جرتْ ... كجري دموعي غداة الفراق
بمجريك دجلةُ إلا قرأ ... تِ سلامي على ساكنات العراق
ومنه:
حملوا ريحَ الصبا نشركم ... قبل أن تحملَ شيحاً وخزامى
وابعثوا أشباحكم لي في الكرى ... إن أذنتم لجفوني أن تناما
ومنه للأمير السديد:
يا برقُ، خذ بصري واصنعْ بذاك يداً ... عندي فلاق به حياً بذي قار
برقٌ يشقُّ سناهُ كلَّ خافيةٍ ... حتى تكشفَ عن سري وإضماري
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " كفى بالسلامة داءً ".
أخذه حميد فقال:
أرى بصري قد رابني بعد صحة ... وحسبكَ داءً أن تصحَّ وتسلما
(1/228)

ثم أخذه بعده النمر بن تولب فقال:
يودُّ الفتى طول السلامة جاهداً ... فكيف ترى طول السلامةِ يفعل
ثم أخذه آخر فقال:
كانتْ قناتي لا تلينُ لغامزٍ ... فألانها الإصباحُ والإمساءُ
وسألتُ ربي بالسلامة جاهداً ... ليصحني فإذا السلامةُ داءُ
ومن ذلك قول العطوي:
أصبحتُ بين خصاصةٍ وتجملٍ ... والمرءُ بينهما يموت هزيلا
فامدد إليَّ يداً تعود بطنها ... بذل النوالِ وظهرها التقبيلا
أخذه الشرواني فقال:
لفضل بِن سهلٍ يدٌ ... تقاصرَ عنها المثل
فبسطتها للندى ... وسطوتها للأجل
وباطنها للعطا ... وظاهرها للقبل
ومع ذلك ما أنشد في الحماسة:
له نارٌ تشبُّ بكل وادٍ ... إذا النيرانُ ألبستِ القناعا
ولم يكُ أكثر الفتيان مالاً ... ولكنْ كان أرحبهم ذراعا
أخذه أشجع، فهذبه وقال:
يرومُ الملوكُ مدى جعفرٍ ... ولا يصنعون كما يصنعُ
وكيف يرومون غاياته ... وهمْ يجمعون ولا يجمعُ
(1/229)

وليسَ بأوسعهم في الغنى ... ولكنَّ معروفه أوسعُ
فما خلفهُ لامرئٍ مطلبٌ ... ولا لامرئٍ دونه مطمعُ
بديهته قبل تدبيرهِ ... متى جئته فهو مستجمعُ
ويروى أن جعفراً قال: ما مدحت بأحب إلي من عينية أشجع، يعني هذه القصيدة.
ومن ذلك قول بعض العرب:
نصلُ السيوف إذا قصرن بخطونا ... أبداً ونلحقها إذا لمْ تلحقِِ
أخذه قيس بن الخطيم فقال:
إذا قصرتْ أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضاربُ
ومن ذلك قول الآخر:
كم عذلناك في السيوفِ وقلنا ... لكَ: ما للمها وحملِ السيوفِ
أخذه الخبزارزي فقال:
ظلموك إذ عقدوا بخصركَ مرهفاً ... ما للظباء وما لحملِ المرهفِ
أخذه الأستاذ فقال:
يا من تنكب قوسه وحسامه ... وجفونه تولي الأنامَ حتوفا
أنى تنكبتِ القسيَّ جآذرٌ ... ومتى تقلدتِ الظباءُ سيوفا
(1/230)

ومن ذلك قول كشاجم:
أكفنا حملك المناطقَ، إنا ... قد رثينا لخصرك المضعوفِ
وعذلناك في السيوف وقلنا ... لكَ: ما للمها وحملِ السيوفِ
ومنه:
لأية حالٍ تحملُ السيف كلفةً ... وطرفكَ أمضى من مضاربه حدا
ومنه قول أبي الطيب:
فلو يممتهمْ في الحشرِ تجدو ... لأعطوكَ الذي صلوا وصاموا
أخذه الشريف الرضي رحمه الله تعالى فقال:
وأيُّ قومٍ كقومي لو سألتهمُ ... سوابق الخيلِ في يومِ الوغى نزلوا
ومنه قول لبيد:
ما إن سمعتُ ولا رأي ... تُ بمثلهم في العالمينا
وبقيتُ بعدهم وكن ... تُ بطول صحبتهم ضنينا
أخذه مهيار فقال:
من اشتكى الشوق إذ هزت وسادته ... مدامعٌ تنتحي أو أضلعٌ تجبُ
فما أسفتُ لشيءٍ فائتٍ أسفي ... من أن أعيش وجيرانُ الغضا غيبُ
وقال غيره:
فارقتكمْ وحييتُ بعدكمُ ... ما هكذا كانَ الذي يجبُ
إني لألقى الناسَ محتشماً ... من أنْ أعيشَ وأنتمُ غيبُ
(1/231)

ومن ذلك قول الببغاء:
لمنْ أسائلُ: لا رسمٌ ولا أثرُ ... رحلتمُ، وأقامَ الهمُّ والسهرُ
كنتمُ لعيني صباحاً لا مساءَ لهُ ... فعاضها البينُ ليلاً ما لهُ سحرُ
وما أعابُ بشيءٍ بعد فرقتكمْ ... إلا البقاءَ فإني منهُ أعتذرُ
وقال أبو نواس:
ما حطكَ الواشونَ من رتبةٍ ... عندي ولا ضركَ مغتابُ
كأنهم أثنوا، ولم يعلموا ... عليكَ عندي بالذي عابوا
أخذه مهيار فقال:
لاموا عليك فما حلوا ولاعقدوا ... عندي وعابوا فما سقوا ولا شبعوا
أخذه بعضهم فقال:
تشتكي ما اشتكيتُ من ألم الشو ... قِ إليها حيث النحولُ اشتياقُ
تناوله الصوري فقال:
تبكي كما أبكي إذا لاقيتها ... عمداً لئلا تعرف المعشوقا
وإذا نظرت إلى الصبابة والهوى ... والشوق والشكوى رأيت فروقاً
أخذه مهيار فقال:
تبكي وأبكي غير أن الأسى ... دموعه غير دموع الدلال
فأخذه بعضهم فقال:
تبكي وأبكي، غير أنَّ دموعها ... درّ، ودمعي من عقيقٍ بجيعِ
وقال العطوي:
وفي دونِ ما ألقاهُ من ألمِ الهوى ... تشق قلوبُ لا تشق جيوبُ
أخذه المتنبي فقال:
علينا لك الإسعادُ إن كان نافعاً ... بشقِّ قلوبٍ لا بشقِّ جيوبِ
(1/232)

أخذه غيره فقال:
قد شققنا جيوبنا وقليلٌ ... إذ فقدناك أن تشقَّ القلوبُ
أخذه آخر، فقال:
حرامٌ عليك نشقُّ الجيوبَ ... وعجزٌ علينا نشقُّ القلوبا
أخذه الشريف رحمه الله فقال:
كيف لا تبلى غلائلهُ ... وهو بدرٌ وهيَ كتانُ
أخذه غيره فقال:
ولا عجيبٌ بأن تبلى غلائله ... كذا إذا اجتمعَ الكتانُ والقمرُ
ومثل ذلك:
وكيفَ تنكر أن تبلى غلائله ... والبدرُ في كل وقتٍ طالعٌ فيها
وقال آخر:
في أيّ جارحةٍ أصونُ معذبي ... سلمتْ من التعذيبِ والتنكيل
إن قلتُ: في بصري ففيه مدامعي ... أو قلتُ: في قلبي ففيه غليلي
أخذه وجيه الدولة فقال:
في أيّ جارحةٍ مني أصونكمُ ... لم تلقَ جارحةٌ مما ألاقيهِ
إنْ قلتُ: في بصري فالدمع يشغله ... أو في فؤادي فنيرانُ الهوى فيهِ
ومن ذلك قول القائل:
ملأتَ جوانحي بالبين ناراً ... فخفتُ عليكَ في قلبي احتراقا
أخذه الآخر، فقال:
(1/233)

وزعمتِ أنكِ تحرقينَ فؤادهُ ... بالصدّ هلْ أنسيتِ أنك فيه
ومنه:
شققتُ صفوفَ العالمينَ أريدهُ ... وألبستُ قلبي دونه زردَ الصبر
وقلتُ لهُ: لا ترمِ قلبي، فإنه ... مكانك، والمرميُّ أنتَ ولا تدري
أخذه الآخر فقال:
رمى فأصابَ القلبَ وهو محله ... وأحرق قلبي بالأسى وهوَ في صدري
أيا من رمى، أنتَ المصابُ بسهمهِ ... ويا محرقي، أنتَ احترقتَ وما تدري
ومنه:
أقولُ وقد أرسلتُ بالليل نظرةً ... فلمْ أرَ من أهواهُ ليلاً إلى جنبي:
لئنْ كنتَ أخليتَ المكانَ الذي أرى ... فهيهاتَ أن يخلو مكانك من قلبي
ومنه:
إن كان للشخصِ بعدٌ ... فللعلائق قربُ
وإنْ خلا منك طرفٌ ... فقد ملي منكَ قلبُ
ومنه:
وإنْ تبعدْ فإنكَ في ضميري ... وإن تقرب فإنك نصبُ عيني
ومنه أيضاً:
أحبابنا ما في الورى بعدكم ... مستحسنٌ يصبو، ولا يصبي
وكيفَ أنساكم وما زلتمُ ... عنْ ناظري إلاَّ إلى قلبي
ومنه:
أيا منْ فؤادي به مدنفُ ... حجبتَ، فلي مقلةٌ تذرفُ
لئن منعوا مقلتي أن ترا ... كَ فقلبي يراكَ ولا يطرفُ
(1/234)

ومنه:
يقولونَ لي والبعدُ بيني وبينها ... نأت عنك ليلى، وانقضى سببُ القرب
فقلتُ لهمْ والعينُ من شأنها البكا ... لئن فارقتْ عيني لقد سكنتْ قلبي
ومنه:
إذا لم يكنْ صدرَ المجالسِ سيدٌ ... فلا خيرَ فيمن صدرته المجالسُ
وكم قائلٍ: ما لي رأيتك راجلاً ... فقلتُ لهُ: من أجل أنكَ فارسُ
ومنه:
قالوا: نراكَ ترجل ... تَ قلتُ: لما ركبتمْ
ليسَ المروءةُ إلا ... خلافكم كيفَ كنتمْ
ومنه ما أنشد ابن قتيبة:
عتبتُ على سلمٍ، فلما فقدته ... وجربتُ أقواماً بكيت على سلم
أخذه غيره فقال:
ربَّ يومٍ بكيتُ منهُ فلما ... صرتُ في غيرهِ بكيتُ عليهِ
ومنه:
لم أبكِ من زمنٍ ذممتُ صروفه ... إلا بكيتُ عليه حين يزولُ
ولعلَّ أيامَ الحياةِ قصيرةٌ ... فعلامَ يعرضُ عنكمُ ويطولُ
ومنه:
لم أبكِ من صرف أمرٍ ... إلاَّ بكيتُ عليه
ولا تركتُ صديقاً ... إلا رجعتُ إليهِ
ومنه:
واللهِ، لولا أنه لا يشتكى ... فعلُ الجميل شكوتُ مما أجملا
(1/235)

ومنه:
أفسدتني بالجودِ إذ أصلحتني ... فتركتني أتسخطُ الإحسانا
من جادَ بعدك كانَ جودك فوقه ... لم أرضَ غيركَ كائناً من كانا
ومنه:
إنْ كنت ترغبُ في بذلِ النوال لنا ... فاخلق لنا رغبةً أولا فلا تنل
لم يبقِ جودكَ لي شيئاً أؤمله ... تركتني أصحبُ الدنيا بلا أملِ
ومنه:
شمْ حدَّ سيفك قد قطعت بسهمه ... وأرح سهامك قد أصبتَ المقتلا
ومنه أيضاً:
سألتُ الندى: هل أنت حرٌّ؟؛ فقال: لا ... ولكنني عبدٌ ليحيى بني خالدِ
فقلتُ شراءً؟؛ قال: لا، بل وراثةً ... توارثني عن والدٍ بعدَ والدِ
أخذه الآخر، فقال:
سألتُ الندى والجودُ: حران أنتما ... فقالا جميعاً: إننا لعبيدُ
فقلتُ: ومنْ مولاكما فتطاولا ... وقالا جميعاً: خالدٌ ويزيدُ
وأخذه أبو الطيب الواعظ فقال يمدح مجد الدين:
ولقدْ سألتُ الفضلَ يوم لقيته ... هل جمعتك يدا فتى ذي سؤددِ
فأجابني بتضرعٍ: لم أجتمعْ ... يوماً لغير أبي سلامة مزيدِ
ومنه:
فتى كغرار السيف، لاقى منيةً ... وأيدي المنايا جمةُ الحدثانِ
فماتَ وأبقى من تراب عطائهِ ... كما أبقت الأنواءُ للحيوانِ
(1/236)

ومنه:
فيا قبرَ معنٍ، كيف واريتَ جوده ... وقد كانَ منه البرّ والبحرُ مترعا
فتى عيشَ في معروفه بعد موته ... كما عادَ بعدَ السيلِ مجراهُ مرتعا
وقالوا في الخمر:
لم يترك الدهرُ منها غيرَ رائحةٍ ... تضوعتْ، وسناً ينصاعُ كالشهب
إذا النديمُ تلقاها ليشربها ... صاغتْ له الراح أطواقاً من الذهبِ
وقال ابن المعتز:
وراحٍ من الشمس مخلوقةٍ ... بدتْ لكَ في قدحٍ من نهارِ
هواءٌ ولكنه جامدٌ ... وماءٌ ولكنه غيرُ جارِ
فذا في النهاية في الابيضاضِ ... وذا في النهاية في الاحمرار
كأنَّ المديرَ لها باليمين ... إذا قامَ يسقيك أو باليسار
تدرعَ ثوباً من الياسمين ... له فردكمٍ من الجلنار
وقال مسلم:
يحملها شادنٌ غريرٌ ... كأنه غصنُ خيزرانِ
كأنه حاملٌ إلينا ... صقرَ عقيقِ بدستبانِ
وقال آخر:
أغارَ على كف المدير بلونها ... فصاغت له منها أنامل من ذهب
ومنه:
إذا مسها الساقي أعارتْ بنانه ... جلابيبَ كالجادي من لونها صفرا
(1/237)

ومنه:
معتقةٌ يعلو الحبابُ جيوبها ... فتحسبهُ فيها نثيرَ جمانِ
رأتْ من لجينٍ راحةً لمديرها ... فجادت له من عسجدٍ ببنانِ
وقال ابن المعتز:
رشأ يتيه بحسن صورته ... حيث الدلال بلحظ مقلته
وكأنَّ عقربَ صدغهِ فرقتْ ... لما دنت من نارِ وجنتهِ
آخر:
ومهفهفٍ لولا فتور جفونه ... ما كان جفني بالدموعِ غريقا
فضلَ المها جيداً وزادَ على ذكا ... نوراً ولم تخطِ المدامةَ ريقا
وكأنًّ عقربَ صدغه لما دنتْ ... من نار وجنتهِ تخافُ حريقا
فتشبثْ خوفَ الهلاك بصدغهِ ... فأفادَ معنىً في الجمالِ دقيقا
وقال آخر:
عقربُ الصدغِ لماذا ... سالمته وهوَ وحده
تلدغُ الناسَ جميعاً ... وهي لا تلدغُ خده
وقال آخر:
قبلَ كفي رشأٌ ... بقبلةٍ ما شفتِ
فقلتُ إذ قبلها ... يا ليتَ كفي شفتي
وقال آخر:
وشادنٍ مهفهفٍ ... تعجز عنهُ صفتي
أرادَ تقبيلَ يدي ... فقلتُ: لإن بلْ شفتي
آخر:
أقبلتْ ثم قبلتْ ظهر كفي ... قبلةً تنفعُ الغليلَ وتشفي
فتلظى فمي عليها وودتْ ... شفتي أن هنالك كفي
وعضضتُ اليدَ التي قبلتها ... بفمٍ حاسدٍ يريدُ التشفي
(1/238)

وقال آخر:
يا بدرُ، بادرْ إليَّ بالكاسِ ... فربَّ خيرٍ أتى على يأس
ولا تقبلْ يدي، فإنَّ فمي ... أولى بها من يدي ومنْ رأسي
آخر:
جئناكَ نحملُ ألفاظاً مدبجةً ... كأنما وشيها من صنعةِ اليمنِ
نهدي القريض إلى ربِّ القريض معاً ... كحامل العصبِ يهديه إلى عدنِ
ومن ذلك قول التهامي:
وعجيبٌ أني قصدتُ بنثري ... أحسنَ العالمينَ نظماً ونثراً
فكأني أهديتُ داودَ درعاً ... وهو قد لينَ الحديدَ وأجرى
وقال آخر:
فكأني حملتُ تمراً إلى البصرةِ ... أو بعتُ لؤلؤاً في أوال
وقال ابن أبي حصينة:
فكأنني أهديتُ للنار الجدا ... وخبأتُ ما بينَ المصاحفِ دفترا
ومن ذلك قول خالد الكاتب:
من كان يهوى أن يعيش فإنني ... أصبحتُ آمل أن أموتَ فأعتقا
في الموتِ ألفُ فضيلةٍ لو أنها ... عرفتْ لكانَ سبيلهُ أن يعشقا
ولمنصور الفقيه:
قد قلتُ إنْ وصفوا الحياة فأكثروا ... في الموت ألفُ فضيلةٍ لا تعرفُ
منها أمانُ لقاءهِ بلقاءهِ ... وفراقُ كل معاشرٍ لا ينصفُ
(1/239)

نقله العباس بن الأحنف إلى الغزل، فقال:
بكى أناسُ على الحياة، وقد ... أفنى دموعي شوقي إلى أجلي
أموتُ من قبلِ أن يغيرني الد ... هرُ فإني منهُ على وجل
ومنه:
ألا إنما أبقيتِ يا أمَّ سالمٍ ... صدىً أينما تذهبْ به الريحُ يذهب
أخذه الآخر، فقال:
ولوْ أنَّ ما أبقيت مني معلقٌ ... بعود ثمامٍ ما تأودَ عودها
أخذه المتنبي فقال:
أراكِ ظننتِ السلك جسمي فعقتهِ ... عليك بدرٍّ عن لقاءِ الترائبِ
ثم زاد في قوله:
بجسميَ من برته فلو أصارتْ ... وشاحي ثقبَ لؤلؤةٍ لجالا
وله أيضاً:
ولو قلمٌ ألقيتُ في شق رأسه ... من السقم ما غيرتُ من خط كاتبِ
أخذه مهيار، فقال:
فلو أنه في جفنِ ظمياء جالسٌ ... مكانَ القذى ما كان يلفظهُ هدبُ
(1/240)

وزاد المتنبي فقال:
كفى بجسمي نحولاً أنني رجلٌ ... لولا مخاطبتي إياكَ لم ترني
وزاد فقال:
برتني السرى بريَ المدى، فرددتني ... أخفّ على المركوبِ من نفسي جرمي
أخذه الآخر فقال:
فقلتُ: قد ذبتُ حتى لا أبينَ لهم ... فمسلكي بينهم أخفى من النفسِ
ومنه:
ذاب إلا بقيةً ... بقيت من خيالهِ
ما لواشٍ وشى بهِ ... كان في مثل حالهِ
ومنه:
ذبتُ حتى خفيتُ عن ملك المو ... تِ فما يستطيعُ يقبضُ روحي
ومنه:
بي من الشوق فلو زجّ ... في مقلة الوسنان لم ينتبه
وكان لي فيما مضى خاتم ... فالآن لو شئت تمنطقت به
ومنه:
يا هاجراً صباً براهُ الهوى ... حملَ من حبكَ ما ينهكهُ
لم ينسهُ الموتُ، ولكنه ... غابَ عن الموت فما يدركهُ
ومنه:
فلم يدعْ فيَّ وجدي ما يحس بهِ ... من المظنةِ غير الدمعِ والنفس
ومنه:
تقول وعانقتني يومَ بينٍ ... وما هي عانقت غير السقامِ
أجسمكَ ذا، خيالٌ زارَ جسمي ... فقلتُ نعمْ ووصلك في المنام
وقال آخر:
وما زالَ يبري أعظم الجسم حبها ... فينقصنها حتى لطفنَ عن النقصِ
(1/241)

فقد ذبتُ حتى صرتُ إن أنا زرتها ... أمنتُ عليها أن يرى أهلها شخصي
ومنه:
يا غافلَ القلب مهلا ... هلاَّ تذكرت خلاّ
تركتَ مني قليلا ... من القليلِ أقلاّ
يكادُ لا يتجزا ... أقلَّ في اللفظ منْ لا
ومنه:
حزتِ الأعضاءُ مني ... كلها بالسقمِ حزا
فأنا الجزءُ الذي ... من لطفهِ لا يتجزا
ومنه:
غابوإن فأضحى الجسمُ من بعدهم ... لا تبصر العينُ لهُ فيا
ومنه أيضاً:
ثلاثةٌ منعتها من زيارتنا ... وقد دجا الليلُ؛ خوفَ الحاسد الحنقِ:
ضوءُ الجبينِ، وسواسُ الحليِّ، وما ... يكنُّ في ثوبها: من عنبرٍ عبقِ
هب الجبينَ بفضلِ الردن تستره ... والحليَ تنزعهُ. ما الشأنُ في العرق؟
أخذه ابن وكيع فقال:
أتتْ في ظلام الليل تسترُ قصدنا ... وهلْ لضياءِ البدر في ليلةٍ سترُ
ولو لمْ يبح صدرُ الظلامِ بسرها ... لباحَ بما أخفتهُ في سرها العطرُ
ونمَّ بمسراها نسيمُ رياحها ... عليهإن كما نمتْ على الشاربِ الخمرُ
(1/242)

ومنه:
أشكو إلى اللهِ هوى شادنٍ ... أصبحَ في هجريَ معذورا
إن جاءَ في الليلِ تجلى، وإنْ ... جاءَ صباحاً زادهُ نورا
فكيفَ أحتالُ إذا زارني ... بأنْ يكونَ الأمرُ مستورا
وقال أبو الطيب:
أمنَ ازدياركِ في الدجى الرقباءُ ... إذ حيثُ كنتِ من الظلامِ ضياءُ
قلقُ المليحةِ، وهي مسكٌ، هتكها ... ومسيرها في الليلِ وهي ذكاءُ
غيره:
وقالوا للطبيب: أشر فإنا ... نعدكَ للمهمّ من الأمور
فقال: شفاؤهُ الرمانُ لما ... تضمنه حشاهُ من السعيرِ
فقلتُ لهُ: أصبتَ بغير عمدٍ ... ولكن ذاكَ رمانُ الصدورِ
أخذه القاضي أبو المجد:
قال الطبيبُ: أرى سقامكَ من دمٍ ... فأجبته: ما بي سوى الصفراءِ
فأشارَ بالعنابِ، وهو بليتي ... والوردِ وهو من الأحبة دائي
قمْ يا طبيبُ؛ فليسَ طبكَ نافعاً ... سقمي، ولا هذا الدواءُ دوائي
أخذه الآخر فقال:
قلْ للطبيبِ: سكنجبينك ضائرٌ ... إذا كانَ داءُ القلب ضوءَ جبين
ما ينفعُ العنابُ إلاَّ أن يرى ... ببنانِ كفَّ مندمِ المسكينِ
لا بالسفوف أرى السفوفَ يزيدني ... إلاَّ اضطرابَ حشى ولا المعجون
ومنه:
حسنه حسنَ الصدودَ لعيني ... كلُّ ما يفعلُ المليحُ مليحُ
أخذه مهيار فقال:
أرضاهُ أسخطُ أم أرضى تلونه ... وكلُّ ما يفعلُ المحبوبُ محبوبُ
آخر:
اقطعوا حبلي، وإن شئتم صلوا ... كلُّ شيء منكمُ عندي حسنْ
ومنه:
أحسنوا في فعالكمْ، أو أسيئوا ... لا عدمناكمُ على كلّ حالِ
ومنه للأمير مجد الدين:
فكنْ كيفما أحببتَ وصلاً وهجرةً ... فإني على ما كنت في الودِّ تعهد
ومنه:
عذبيني بكلّ شيءٍ سوى الصد ... دِ؛ فما ذقتُ كالصدودِ عذابا
ومنه:
عاقبيني بغير صدكِ عني ... لا تصدي وإن صددتِ دلالا
ومنه:
ليكنْ عقابك لي بحسب تجلدي ... لا بالنوى؛ فضعيفةٌ عنها يدي
ومنه:
فعاقبني عليه بأيّ شيءٍ ... أردتَ سوى الصدودِ، فلا أبالي
ومنه:
إلزمْ جفاءك لي، ولو فيهِ الضنا ... وارفعْ حديثَ البينِ فيما بيننا
ومن ذلك في صفة الخمر:
قمْ، فاسقنيها قهوةً ... فيها لشاربها اختيالْ
لطفتْ فقدْ ساوى لنا ... منها حقيقتها المحالْ
في روضةٍ تبدو لنا ... نشرَ الشمول بها الشمالْ
في كل نرجسةٍ بها ... شمسٌ يخيطُ بها هلالْ
ومنه:
فدع اللومَ واسقنيها كميتاً ... سبكتْ تبرها يدُ الأيامِ
شك في حسن شخصها الطرفُ حتى ... ظنَّ ما قد رآهُ في الأحلامِ
ومنه:
مرَّ بنا خاطراً وشعرته ... يقطرُ منها كواكبُ العرقِ
(1/243)

ولونُ خديهِ في توردهِ ... يشبهُ نوراً أو حمرةَ الشفقِ
فظلتُ في حيرةٍ وفي فكرٍ ... بالوردِ بعدَ الربيع كيف بقي
هذا منقول من قوله: هذي الخدود وهذه الحدق.
ومن ذلك:
وفاتن لو قرنتَ طلعته ... بالبدر: بدر السماء لاشتبها
يسفرُ عن وجنةٍ مموهةٍ ... فضضها اللهُ ثمّ ذهبها
تثعبنتْ خلفهُ ذوائبهُ ... وردَّ أصداغها فعقر بها
وقال البكتمري:
ما سرَّ يومٌ منهُ إلا ساءني ... غدهُ، فأيامي جروحُ قصاصِ
كم ترشقُ النكبات بعضُ عزائمي ... وعليَّ من جلدي أعزُّ دلاص
والطيرُ جنسٌ واحدٌ لكنها ... للغاتهنَّ حبسنَ في الأقفاص
أخذه الضرير، فقال:
الصقر يصفرُ والهزارُ، وإنما ... حبسَ الهزارُ لأنه يترنمُ
لو كنتُ أجهلُ ما أقولُ لسرني ... جهلي، كما قد ساءني ما أعلمُ
ومنه:
فإنْ لا يكنْ يأسي كثيراً فإنني ... كثيرٌ إذا ما صاحَ في الروع صائحه
ولا ذنبَ للعود القماريّ إنما ... يحرقه إذا دلتْ عليه روائحه
وهذا مأخوذ من قول الحكيم: قد تكون الفضيلة سبباً للهلاك
(1/244)

كالطرف السابق يطرد حتى يموت، والسيف القاطع يضرب حتى ينكسر.
(1/245)

ومنه:
عذبَ الفراقُ لنا قبيل فراقنا ... ثمَّ اجتويناه كسمٍ ناقعِ
وكأنما أثرُ الدموعِ بخدها ... طلٌّ سقيطٌ فوقَ وردٍ يانعِ
أخذه الناشي فقال:
بكتْ للفراق؛ فقد راعني ... بكاءُ الحبيبِ لبعدِ الديارْ
كأنَّ الدموعَ على خدها ... بقيةُ طلٍّ على جلنارْ
أخذه الوأواء فقال:
(1/246)

لو كنتَ يومَ الرحيل حاضرنا ... وهن يذرينَ لوعة الوجدِ
لم ترَ إلاَّ دموع باكيةٍ ... تقطرُ من نرجسٍ على وردِ
ومنه:
ولولا الأسى ما عشتُ في الناس بعده ... ولكنْ إذا ما شئتُ ساعدني مثملي
ومنه:
وهون وجدي عن خليليَ أنني ... إذا شئتُ لاقيتُ امرأً ماتَ صاحبهُ
ومنه:
فقد جرَّ نفعاً فقدنا لك أننا ... أمنا على كلّ الرزايا من الجزعْ
ومنه:
وكنتُ عليه أحذرُ الموتَ وحده ... فلم يبقَ لي شيءٌ عليه أحاذرُ
ومنه:
كنتَ السوادَ لناظري ... فبكى عليكَ الناظرُ
من شاءَ بعدك فليمتْ ... فعليك كنتُ أحاذر
ومنه:
وما أرتجي للموتِ بعدك طالباً ... ولا أتقي للدهر بعدكَ من خطبِ
ومنه:
لقد هانَ مما فاتني عندَ فقدهِ ... عليَّ من الدنيا الذي أنا طالبُ
فعزيتُ نفسي بالمصائبِ بعده ... فهانت وإن جلتْ عليَّ المصائبُ
ومنه:
لقد عزى ربيعة أنَّ يوماً ... عليها مثلَ يومك لا يعودُ
ومنه:
وخفضَ جأشي أن كلَّ ابنِ حرةٍ ... إلى حيثُ صارَ لا محالةَ صائرُ
ومنه:
فلستُ أرجو، ولستُ أخشى ... وما أحدثتْ بعدك الدهورُ
(1/247)

فليجهد الدهرُ في ضراري ... فما ترى بعدهُ يضيرُ
ومنه:
ألا فليمتْ من شاءَ بعدكَ إنما ... عليكَ من الأيامِ كان حذاريا
ومنه:
لقدْ أمنتْ نفسي المصائبَ بعدهُ ... فأصبحتُ منها آمناً أنْ أروعا
فما أتقي للدهرِ بعدك نكبةً ... ولا أرتجي للعيشِ بعدك مرتعا
ومنه:
ليَ خمسونَ صديقاً ... بين قاضٍ وأميرْ
غيبوا عني ولمْ ... أخلعْ لهمْ ثوبَ فقيرْ
أخذه غيره فقال:
ليَ خمسون صديقاً ... بين قاضٍ وشريفْ
ووزيرٍ وأميرٍ ... وفقيهٍ وظريفْ
ولو احتجتُ إليهمْ ... ما وفوا لي برغيفْ
ومنه:
الهرويُّ وزغهْ ... وعقله عقلُ تغهْ
ويدعي من جهله ... كتابَ أوزان اللغهْ
وهو كتابُ العينِ إلاَّ ... أنه قد صبغهْ
أخذه غيره، فقال:
ابنُ دريدٍ بقرهْ ... وعقلهُ عقلُ مرهْ
(1/248)

ويدعى من جهله ... حفظ كتابِ الجمهرهْ
وهو كتابُ العين إلاَّ ... أنهُ قدْ غيرهْ
ومنه:
ولم أرَ في يوم الرحيل مساعداً ... على الوجد حتى أقبل الدمعُ مسعدا
وكان دماً فابيضّ منه احمراره ... بنار التصافي حين فاض مصعدا

باب
التضمين
اعلم أن التضمين هو أن يتضمن البيت كلمات من بيت آخر، مثل قول عنترة العبسي:
إذ يتقون بي الأسنةَ لم أخمْ ... عنها ولكني تضايقَ مقدمي
ضمنه مسلم بن الوليد، فقال:
ولقد سما للخرميّ، فلم يقلْ ... يومَ الوغى: إني تضايقَ مقدمي
ومثله لبعض المتأخرين:
لو أنَّ عينَ زهيرٍ أبصرتْ حسناً ... وكيفَ يفعلُ في أموالهِ الكرمُ
إذاً لقالَ زهيرٌ حينَ يبصرهُ ... هذا الجوادُ على العلات لا هرم
ولبعض المتظرفين:
لعمرُ أبيكَ ما نسبَ المعلى ... إلى كرمٍ وفي الدنيا كريمُ
ولكنَّ البلادَ إذا اقشعرتْ ... وصوح نبتها رعيَ الهشيمُ
ومنه:
(1/249)

أقولُ لنعمانٍ، وقد ساقَ طبهُ ... نفوساً نفيساتٍ إلى باطنِ الأرض:
أبا منذرٍ، أفنيتَ مالك، فاستبق ... حنانيك، بعض الشرّ أهونُ من بعض
ومنه:
عبدُ العزيز طبيبٌ ربُّ معرفةٍ ... أحيإن وأيسرُ ما قاسيتُ ما قتلا
لولا تطببه فينا لما وجدتْ ... يدُ المنايا إلى أرواحنا سبلا
ومنه للصولي:
وقفتُ على بابِ الوزير كأنني ... قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزل
إذا ما سألناهمْ لضرّ وفاقةٍ ... يقولون: لا تهلكْ أسى وتجمل
ففاضتْ دموعُ العينِ مني صبابةً ... على النحرِ حتى بلَّ دمعيَ محملي
وقد طال تردادي إلى باب داركم ... فهل عند ربعٍ دارسٍ من معول
ومنه:
عوذ لما بتُّ ضيفاً له ... أقراصهُ بخلاً بياسينِ
فبتّ والأرضُ فراشي وقدْ ... غنتْ: قفا نبكِ مصاريني
ومنه:
اسمُ التفرق بينٌ ... لكنَّ معناهُ موتُ
وجداننا كلَّ شيءٍ ... إذا تباعدت فوت
ومنه:
وما لاقى امرإن أو قامَ قومٌ ... فقالوا: ما وراءك يا عصامُ
فعشْ للمكرماتِ فليس يخشى ... عليها ما حييت لها انصرام
(1/250)

ومنه:
يذكرني قولَ ابن هانئِ قوله ... لغلمانهِ، واللوم لو علموا يعني
وإن جرت الألفاظُ يوماً بمدحةٍ ... لغيركَ إنساناً فأنتَ الذي نعني
ومنه:
لي حبيبٌ يسبني ... فاترُ الظرفِ ساحرُ
فحلالٌ لهُ دمي ... غيرَ داءٍ مخامر
ومنه:
أصبحتُ بين معاشرٍ هجروا الندى ... وتقبلوا الإخلاف عن أسلافهم
هاتِ اسقنيها بالكبير، وغنني ... ذهبَ الذين يعاشُ في أكنافهم
ومنه:
لو أن امرأ القيس بنَ حجرٍ بدتْ لهُ ... لما قالَ: مرا بي على أمّ جندبِ
ومنه:
يقولُ من يقرعُ أسماعهُ: ... كم تركَ الأولُ للآخرِ
وقال ابن الرومي:
مجلسهُ مأتمُ اللذاذةِ والقص ... فِ وعرسُ الهمومِ والسقم
يوحشنا الدهرُ عندَ طلعته ... منْ أوحشتهُ الديارُ لم يقمِ
وقال أبو السفاح:
يا سيداً ما أنتَ من سيدِ ... موطأ الأكنافِ، رحبِ الذراعْ
قوال معروفٍ، وفعالهِ ... عقار مثنى أمهاتِ الرباعْ
يطرقُ حلماً وأناةً معاً ... ثمت ينصاعُ انصياع الشجاعْ
عاشَ زمانإً وقضى نحبه ... وما حياةُ المرءِ إلا متاعْ
(1/251)

ومنه:
عجباً لواحدِ دهرنا من كاتبٍ ... مستعملٍ جدّ البيان مقدمِ
قد ردَّ سحرُ بنانه وبيانهِ ... هلْ غادرَ الشعراءُ من متردمِ
ومنه:
لو صافحتْ سمعَ الوليد جفالها ... أرسومُ دارٍ أم رسومُ كتابِ
بل لو تأملها ابنُ أوسٍ لم يقلْ: ... لوْ أنَّ دهراً ردَّ رجعَ جوابِ
ومنه:
سقى الغيثُ بابَ الكرخِ من متنزهٍ ... إلى قصر وضاحٍ فبركةِ زلزلِ
منازلُ لوْ أنَّ امرأ القيسِ حلها ... لأقصرَ عنْ ذكر الدخول فحومل
ومنه:
إن تبعدُ الدارُ عنكم فالهوى دان ... وحبكم إن سقاني الدمعَ ندماني
قد قلتُ أرضاً بأرضٍ بعد فرقتكم ... فلا تقلْ لي خلاناً بخلان
ومنه:
العمرُ أقصرُ مدةً ... من أنْ يمحقَ بالعتابِ
أفأنْ تكدرَ ما صفا ... منهُ بهجرٍ واجتناب
فتغنمنْ ساعاتهِ ... فمرورها مرُّ السحاب
ومنه:
ومتى هجرتَ معاتباً لك منصفاً ... فلديهِ عزمٌ في هجائكَ ماضِ
قد جربتْ مني الوقائعُ باسلاً ... أبقى الزمانُ به ندوبَ عضاضِ
ومنه:
بيتي ستورُ العنكبوتِ ستورهُ ... ومطارحُ الجوزاءِ فيكَ مطارحي
أجلى الطوى عنهُ قواطن فأره ... وخلا الذبابُ بهِ فليسَ ببارحِ
(1/252)

ومنه:
لكلّ أخي مدحٍ ثوابٌ يعده ... وليسَ لمدحِ الباهليّ ثوابُ
مدحتُ ابنَ سلمٍ والمديحُ يهزه ... فكانَ كصفوانٍ عليهِ ترابُ
ومنه:
قلْ لمنْ حلل قتلي ... وهو ممنوعٌ حرامُ
ولمنْ في فيهِ درّ ... ورضابٌ ومدامُ
كلُّ نارٍ غيرِ نارِ ... الشوق بردٌ وسلامُ
ومنه:
كأني عند حمزةَ في مقامي ... ألا حييت عنا يا ردينا
بكينا عندهُ حتى كأنا ... ألا هبي بصحنك فاصبحينا
ومنه:
اشربْ هنيئاً عليك التاجُ مرتفقا ... في شاذ مهرَ، ودعْ غمدان لليمن
فأنتَ أولى بتاجِ الملكِ تلبسهُ ... من هوذة بن عليّ وابن ذي يزنِ
وقال ابن وكيع التنيسي:
لا تكلفني اعتذاراً ... واصفح الصفحَ الجميلا
فلسانُ العذر مقصو ... رٌ وإن كان طويلا
وقال الحمدوني:
طيلسانٌ خلعته ... إذ تجافوهُ في الشرا
كم تغنى عليه حي ... ن تهذا بهِ الورى
حلَّ بي ما علم ... تَ فجسمي كما ترى
ومنه:
يابنَ حربٍ أطلتَ فقري برفوي ... طيلساناً قد كنتُ عنهُ غنيا
(1/253)

فهو في الرفوِ آلُ فرعونَ في العر ... ضِ على النارِ، بكرةً وعشيا
ومنه له:
كم تغنى إذ رأى رفوي لهُ ... يصدعُ الباقي صدعاً مسرعا
لم يزدني العذلُ إلاَّ ولعاً ... ضرني أكثرَ مما نفعا
ومنه:
أنشدتُ حين طغى فأعجزني ... ومن العناءِ رياضةُ الهرمِ
فكأنه الخمرُ التي ذكرتْ ... في يا شقيقَ النفس من حكمِ
ومنه:
قد كنتُ دهراً جهولا ثم حملني ... خوفي عليه من الأقوامِ إن جهلوا
وكم رآهُ أخٌ لي ثم أنشدني: ... ودعْ هريرةَ إنَّ الركبَ مرتحلُ
ومنه:
لو وهبوه لسائلٍ لأبي ... وقالَ أخذي لهُ من الغبنِ
غنيتُ إذ طارتِ الرياحُ بهِ ... يا ريحُ ما تصنعينُ بالدمنِ
ومنه:
مرتْ على علفٍ فقامتْ لم ترحْ ... عنهُ، وغنتْ والمدامعُ تسجمُ:
وقفَ الهوى بي حيثُ أنتِ فليس لي ... متأخرٌ عنهُ ولا متقدمُ
ومنه:
فلا تنكروا فضل العتاب؛ فإنهُ ... فضالاتُ داءِ الصدرِ والداءُ يكظمُ
وما فاضَ حتى ضاقَ عنهُ إناؤه ... وقد يملأُ القطرُ الإناءَ فيفعمُ
(1/254)

ومنه لابن النحاس:
يا راكباً يقتضيه عزمه زحلاً ... لا تستقلُّ به الوخادةُ الرسمُ
عرجْ على حلبٍ، واقرا السلامَ لمنْ ... وجداننا كلَّ شيءٍ بعدهم عدم
وقل لهمْ، نمتَ على ليلٍ يؤرقني: ... واحرَّ قلباهُ ممن قلبهُ شبمُ
إنْ كانَ يرضيك تطويحُ النوائب بي ... فما لجرحٍ إذا أرضاكمُ ألمُ
لا تنسَ معرفةً جمٌّ علائقها ... إنَّ المعارف في أهلِ النهى ذممُ
ولا تضعْ ودَّ عهدٍ أنتَ حافظه ... فيكرهُ اللهُ ما تأتونَ والكرمُ
فكيف كانوإن ولا هانوا، ولا برحتْ ... موشيةً بأريض النبت أرضهمُ
ولابن المعتز:
خليليَّ، باللهِ اصبحاني وخليا ... قفا نبكِ من ذكى حبيبٍ ومنزل
ويا ربّ، لا تنبتْ ولا تسقطِ الحيا ... بسقطِ اللوى بين الدخول فحومل
ومنه:
أردتُ زيارةَ الملكِ المفدى ... لأمدحه وآخذ منهُ رفدا
فعبس حاجباً فقرأتُ: أما ... من استغنى فأنتَ لهُ تصدى
ومنه:
يا ملكَ الأرض وبحرَ الندى ... وشمس ملكٍ ما لها من مغيبْ
دعوتَ مولاكَ بنيل المنى ... وقد أجابَ اللهُ، وهوَ المجيبْ
فقالَ: خذ ما شئتَ مستولياً ... ودبر الملك برأيٍ مصيبْ
يا منْ كتبنا فوقَ أعلامه ... نصرٌ من اللهِ وفتحٌ قريبْ
ومنه:
أصرحُ بالشكوى، ولا أتأولُ ... إذا أنتَ لم تجملْ فلمْ أتجملُ
أفي كل يومٍ من هواك تحاملٌ ... عليَّ ومني كلَّ يومٍ تجملُ
وإني على ما كانَ منك لصابرٌ ... وإنْ كان منْ أدناه يذبل يذبلُ
وما أدعي أني جليدٌ وإنما ... هيَ النفسُ ما حملتها تتحملُ
ومنه:
إذا كنتَ في حاجةٍ مرسلاً ... وأنت بها كلفٌ مغرمُ
فارسلْ حكيماً ولا توصهِ ... وذاكَ الحكيمُ هو الدرهمُ
ومنه:
يستوجبُ العفوَ إذا هو اعترفْ ... عما جناهُ وانتهى عما اقترفْ
لقوله: قل للذين كفروا: ... إن ينتهوا يغفرْ لهمْ ما قدْ سلفْ
ومنه:
قل للوزير مقالةً من واجدٍ: ... يا منْ نداهُ كالفراتِ الزائد
ما لي حرمتُ من الأمير نوالهُ ... وسوايَ يكرعُ في الزلال البارد
ما ضاقت الدنيا عليَّ بأسرها ... حتى رآني راغباً في زاهدِ
ومنه:
ملكٌ محبتهُ سلافةُ مزنةٍ ... سلكتْ مع الأرواحِ في الأجسادِ
ملكٌ يقالُ له: حمادِ إذا التوت ... قحمْ السنينَ ولا يقالُ جمادِ
ومنه:
أصبحتُ صباً دنفاً ... بينَ عناءٍ وكمدْ
أعوذ من شر الورى ... بقلْ: هوَ اللهُ أحدْ
ومنه:
ألا إنَّ إخواني الذينَ عهدتهمْ ... أفاعي رمالٍ لا تقصرُ عن لسعي
ظننتُ بهمْ خيراً فلما بلوتهمْ ... حللتُ بوادٍ منهم غير ذي زرع
ومنه:
كأنَ يميني حين حاولتُ مدها ... لتوديع إلفي والهوى يذرف الدمعا
يمينُ ابن عمرانٍ، وقد حاول العصا ... وقد جعلتْ في كفهِ حيةً تسعى
ومنه:
أترى الجيرةَ الذينَ تداعوا ... بكرةً للزوالِ قبلَ الزوالِ
ومنه:
إذا كنت معتقداً ضيعةً ... فإياك والشركاءَ الوجوها
ففي سورة النمل أنَّ الملو ... كَ إذا دخلوا قريةً أفسدوها
ومنه:
غدا لما التمى ليلاً بهيماً ... وكان كأنهُ القمرُ المنيرُ
وقد كتبَ السوادُ بعارضيهِ ... لمنْ يقرا: وجاءكمْ النذيرُ
ومنه:
انظر إلى وجهِ حبيبٍ لنا ... كيفَ محا الشوكُ بهِ النقشا
(1/255)

قد كتبَ الدهرُ على خدهِ ... بالشعر: والليل إذا يغشى
ومنه:
هذي عروسٌ أتتك بكراً ... لغيركَ الدهرَ لا تحلُّ
خذها وسقْ مهرها إلينا ... إنْ لمْ يكنْ وابلٌ فطلُّ
ومنه:
لبستُ ثيابَ الصبر حتى تمزقتْ ... جوانبها مرَّ الجوى والتندم
أظلُّ إذا عاتبْ نفسي منشداً ... فهلاَّ تلا حاميم قبلَ التقدم
وأنشدَ في ذكرى لدارك باكياً ... ألا انعمْ صباحاً أيها الربعُ واسلم
ومنه:
أكتابَ ديوان الرسائلِ، ما لكم ... تجملتمُ بل متمُ بالتجملِ
وقفتم على بابِ الوزيرِ كأنكمْ ... قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
وأرزاقكمْ لا تستبينُ رسومها ... لما نسجتها من جنوبٍ وشمألِ
ومنه:
أقولُ وقد رأيتُ له خواناً ... لهُ منْ لحظِ عينيهِ خفيرُ
أرى خبزاً وبي جوعٌ شديدٌ ... ولكن بينه أسدٌ مزيرُ
ومنه:
أقمنا في بخارى كارهينا ... ونخرجُ إن خرجنا طائعينا
فأخرجنا إلهُ الناس منها ... فإن عدنا فإنا ظالمونا
ومنه:
(1/256)

علموا أنني مقيمٌ، وقلبي ... فيهمُ راحلٌ أمامَ الجمالِ
مثل صاع العزيز في أرحل ال ... قومِ وما يعلمون ما في الرحال
ومنه:
طفيلي يؤمُ الخبزَ أنى ... رآهُ ولو رآه على يفاعِ
ولا يروي من الأخبارِ إلاَّ ... أجيبُ ولو دعيتُ إلى كراعِ
ومنه:
يا أبا أيوبَ، هذه كنيةُ ... من كنى الأنعام قدماً لم تزل
قد قضى بيتُ لبيدٍ بيننا ... إنما يجزى الفتى ليس الجمل
كم حدوناك لترقى في العلا ... وأبا الرحمنُ لا يعلو هبل
ومنه:
(1/258)

أحسنُ الأشعار عندي: ... وانفِ بالخمر الخمارا
وألذ الآي عني: ... وترى الناسَ سكارى
ومنه:
قال ابنُ هارون لغلمانهِ ... وقد تعاطوهُ بصفعٍ شديْد
لئن شكرتم لأزيدنكمْ ... وإن كفكرتم فعذابي شديدْ
ومنه:
لقد نصرَ التوحيدَ والعدل فعلهُ ... وأيقظ لوام المعالي شمائله
ومن تركَ الأخبار تنشدُ أهله: ... أجلْ، أيها الربعَ الذي خفّ آهلهُ
ومنه:
سعينا لغير العلياء والسند ... وغير أطلال ميّ بالجرد
ويا صبيب السحاب إن كنت ... قد جدت بربع اللوى فلا تعد
ومنه:
عتبت عليه حين ساء صنيعهُ ... وآليتُ لا طوع يديه
فلما خبرت الناس خير مجربٍ ... وجربت أقواماً رضيت عليه

باب
الحل والعقد
اعلم أن الحل والعقد: هو ما يتفاضل فيه الشعراء والكتاب، وهو أن يأخذ لفظاً منثوراً فينظمه أو شعراُ فينثره، ويطارحه العلماء فيما بينهم، مثل قول الرشيد: ولو جمد الخمر لكان ذهبإن أو ذاب الذهب لكان خمرإن فنظمه شاعر فقال:
وزنا لها ذهباً جامداً ... فكالتْ لنا ذهباً سائلاً
ومنه قول أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه في للاشعث بن قيس: إنك إن صبرت جرى القضاء عليك وأنت مأجور، وإن جزعت جرى القضاء عليك وأنت مأزور، وإنك إن لم تسل احتساباً سلوت غفلة كما تسلو البهائم.
عقده أبو تمام فقلا:
(1/259)

أتصبرُ للبلوى حياءً وحسبةً ... فتؤجرُ أمْ تسلو سلوَّ البهائمِ
وقال عبد الله بن الزبير لما قتل أخوه مصعب: إن التسليم والسلوة لحزماء الرجال، وإن الجزع والهلع لربات الحجال.
عقده أبو تمام فقال:
ونحن خلقنا للتجلدِ والأسى ... وتلكَ الغواني للبكا والمآتمِ
ومن ذلك قول نصيب:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنتَ أهله ... ولو سكتوا أثنتْ عليكَ الحقائب
فنثره بعض الكتاب فقال: لو أمسك لساني عن شكرك لنطق علي أثر برك.
وقال آخر: لو جحدتك إحسانك لأكذبتني آثاره وتمت علي شواهده، فشهادت الأموال أعدل من شهادات الرجال.
ومن ذلك قول أحمد بن صبيح: في شكر ما تقدم من إحسانك شاغل عما تقدم من امتنانك.
وأخذه سعيد بن حميد فقال: لست مستقلاً بشكر ما مضى من بلائك فاستبطئ ما أؤمل من نعمائك.
فعقده أبو نواس فقال:
قد قلتُ للعباسِ معتذراً ... من طول تقصيري ومعترفا
أنت امرؤٌ قلدتني منناً ... أوهتْ قوى شكري فقد ضعفا
فإليك بعد اليوم معذرةٍ ... وافتكَ بالتصريحِ منكشفا
لا تسدينَّ إليّ عارفةً ... حتى أقومَ بشكرِ ما سلفا
ومن ذلك قول أبي تمام لأحمد بن أبي دؤاد لما غضب عليه:
(1/260)

أنت الناس كلهم فلا طاقة لي بغضب جميع الخلق. فقال له: ما أحسن هذا! من أين أخذته!، فقال: من قول أبي نواس:
وليس على اللهِ بمستنكر ... أن يجمعَ العالم في واحدٍ
وقيل لأعرابي أنى تصوم في مكة: أما تخشى من الحر؟ فقال: الطل أريد.
وقيل لروح بن زنباع وهو قائم بباب المهلب: لم تقف في الشمس؟ فقال: الظل أريد.
عقده أبو تمام فقال:
أآلفةَ النحيب كم افتراقٍ ... ألم فكانَ داعيةَ اجتماع
ومنه قول المتنبي:
تذكرتُ ما بينَ العذيب وبارق ... مجرَّ عوالينا ومجرى السوابقِ
وقال:
حتى أتى الدنيا ابنُ بجدتها ... فشكا إليهِ السهلُ والجبلُ
حله الصاحب بن عباد فقال: ولما أتاح الله للدنيا ابن بجدتها وأبا بانيها وأخا عذرتها جعل معقلهم نهزة الحوادث وفرصة البوائق، ومجر العوالي، ومجرى السوابق.
(1/261)

وقال المتنبي:
وللهِ سرٌ في علاكَ، وإنما ... كلامُ العدى ضربٌ من الهذيان
نثره الصاحب فقال: إن لله أسراراً في علاه لا يزال يبديها ويصل قوالبها بتواليها.
ومنه قول المتنبي:
ولو قلمٌ ألقيتُ في شقِ رأسهِ ... من السقمِ ما غيرتُ من خط كاتب
نثره الصاحب رحمه الله فقال: ولو كان ما أجنه شظية من قلم كاتب ما غيرت في خطه، أو قذى في عين نائم ما نبه جفنه.
وللمتنبي أيضاً:
أنت يا فوق أن تعزى عن الأ ... حبابِ فوقَ الذي يعزيك عقلا
وبألفاظك اهتدى؛ فإذا عزا ... كَ قالَ الذي لهُ قلتَ قبلا
نثره الصاحب رحمه الله تعالى فقال: فكيف لي بتعزيته عند مرزيته إلا إذا روينا له بعض ما أخذناه عنه، وأعدنا إليه بعض ما استفدناه منه.
ومنه قوله:
(1/262)

وذكيُ رائحةِ الرياض كلامها ... يبغي الثناء على الحيا فتفوحُ
نثره الصاحب فقال: وإنا أثني عليه ثناء لسان الزهر على راحل المطر.
ومنه قول المتنبي:
فوق السماءِ وفوقَ ما طلبوا ... فإذا أرادوا غايةً نزلوا
نثره الصابئ فقال: إذا مد أحدهم إليها يداً يجذبها إلى سفال، جذبته يدها إلى المحل العالي.
ومنه قوله:
وعدتَ إلى حلبٍ ظافراً ... كعودِ الحلي إلى العاطل
نثره الصابئ فقال: وعاد مولانا إلى مستقر عزه عود الحلي إلى العاطل، والغيث إلى الروض الماحل.
وقوله أيضاً:
كأنَّ كلَّ سؤالٍ في مسامعهِ ... قميصُ يوسفَ في أجفانِ يعقوب
نثره الصابئ فقال: وصل كتاب مولاي فكأنه في الحسن روضة حزن، بل جنة عدن. وفي شرح النفس وبسط الأنس وبرد الأكباد والقلوب كقميص يوسف في أجفان يعقوب.
(1/263)

ومن ذلك المناقلة بين أرسطاطاليس الحكيم والمتنبي: قال الحكيم: إذا كانت الشهوة فوق القدر، كان هلاك الجسم دون بلوغ الشهوة.
قال المتنبي:
وإذا كانت النفوسُ كباراً ... تعبتْ في مرادها الأجسامُ
قال الحكيم: نفوس الحيوان أعراض لحوادث الزمان.
قال المتنبي:
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا ... فأهون ما يمرُّ به الوحولُ
وقال الحكيم: روم نقل الطباع من ذوي الأطماع شديد الامتناع.
قال المتنبي:
يرادُ من القلب نسيانكمْ ... وتأبى الطباعُ على الناقل
قال الحكيم: إذا تجردت اللطائف من الشكوك كسيت الصورة رونقاً.
قال المتنبي:
إذا خلعتَ على عرضٍ له حللاً ... وجدتها منهُ في أبهى من الحلل
قال الحكيم: الألفاظ المنطقية مضرة بذوي الجهل لنبو إحساسهم عن إدراكها.
قال المتنبي:
بذي الغباوة من إنشادها ضررٌ ... كما تضرُّ رياحُ الوردِ بالجعلِ
(1/264)

قال الحكيم: تعاقب الزمان مفسد لأحوال الحيوان.
قال المتنبي:
فما ترجي النفوسُ من زمنٍ ... أحمدُ حاليهِ غيرُ محمودِ
وقال الحكيم: الزمان ينشي ويلاشي، يغني كل قوم بحيث يفقر آخرين.
قال المتنبي:
بذا قضت الأيامُ ما بينَ أهلها ... مصائبُ قومٍ عندَ قومٍ فوائدُ
قال الحكيم: يسير من ضياء الحكمة خير من كثير من حفظ الحكمة.
قال المتنبي:
فإنَ قليلَ الحبّ بالعقل صالحٌ ... وإنَ كثيرَ الحبّ بالجهل فاسدُ
قال الحكيم: من علم أن الكون والفساد يتعاقبان الأشياء لم يحزن لورود الفجائع، لعلمه أنه من كونها، وهان ذلك عليه لعجز الكل عن دفع ذلك.
قال المتنبي:
إذا استقبلتْ نفسُ الكريم مصابها ... بخبثٍ ثنتْ فاستدبرته بطيبِ
قال الحكيم: ترداد حركات الفلك يحل الكائنات عن حقائقها.
قال المتنبي:
ومن صحبَ الدنيا طويلاً تقلبتْ ... على عينيه حتى يرى صدقها كذبا
قال الحكيم: النفس الجوهرية تأبى مقارنة الذلة جداً وترى فناءها في ذلك حياتها، والنفس الدنية بضد ذلك.
قال المتنبي:
فحبُ الجبان النفسَ أوردها التقى ... وحبُ الشجاع النفسَ أوردهُ الحربا
(1/265)

قال الحكيم: اعتدال الأمزجة وتساوي أركان الأجناس يفرق بين الأجداء وأضدادها.
قال المتنبي:
وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظره ... إذا استوتْ عندهُ الأنوارُ والظلمُ
قال الحكيم: من لم يودك لنفسه فهو النائي عنك وإن تباعدت عنه.
قال المتنبي:
إذا ترحلتَ عن قومٍ وقد قدروا ... أن لا تفارقهم فالراحلونَ همُ
قال الحكيم: من علم أن الفناء مستول على نفسه، هانت عليه المصائب.
قال المتنبي:
والهجرُ أقتلُ لي مما أراقبه ... أنا الغريقُ وما خوفي من البلل
قال الحكيم: العيان شاهد لنفسه، والأخبار تدخلها الزيادة والنقصان، فأصدقها ما كان دليلاً على نفسه.
قال المتنبي:
خذ ما تراهُ، ودع شيئاً سمعتَ به ... في طلعةِ البدرِ ما يغنيكَ عن زحل
قال الحكيم: قد يفسد العضو لصلاح الأعضاء، كالكي والفصد الذين يفسدان الأعضاء لصلاح غيرها.
قال المتنبي:
لعلَّ عتبكَ محمودٌ عواقبهُ ... وربما صحتِ الأجسادُ بالعللِ
خقال الحكيم: مباينة المتكلف للمطبوع كمباينة الحق للباطل.
قال المتنبي:
(1/266)

لأنَّ حلمكَ حلمٌ لا تكلفه ... ليس التكحل في العينين كالكحل
قال الحكيم: الرجاء تمن والشك توقف وهما الأصل.
وقال المتنبي:
وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه ... وفي الهجر؛ فهو الدهر يرجو ويتقي
قال الحكيم: لسنا نمنع محبة الائتلاف بالأرواح، وإنما نمنع محبة اجتماع الأجسام، فإن ذلك طبع البهائم.
قال المتنبي:
وما كلُ من يهوى يعفُّ إذا خلا ... عفافي ويرضي الحبَّ والخيل تلتقي
قال الحكيم: من تخلى عن الظلم بظاهر أمره وعفة جوارحه وكان مساكناً له بحواسه فهو ظالم.
قال المتنبي:
وإطراقُ طرفِ العين ليس بنافعٍ ... إذا كان طرفُ القلب ليس بمطرقِ
قال الحكيم: علل الأفهام أشد من علل الأجسام.
قال المتنبي:
يهونُ علينا أن تصابَ نفوسنا ... وتسلمَ أعراضٌ لنا وعقولُ
قال الحكيم: من جعل الفكر موضع البديهة فقد أضر بخاطره، وكذلك مستعمل البديهة في موضع الفكر.
(1/267)

قال المتنبي:
ووضعُ الندى في موضع السيف بالعلا ... مضرٌ، كوضع السيف في موضع الندى
قال الحكيم: التنائي بمباعدة الجواهر أشد من التنائي بمباعدة الأجسام.
قال المتنبي:
وأبعدُ من ناداك من لا تجيبه ... وأغيظُ من عاداك من لا تشاكل
قال الحكيم: إن الحكيم تريه حكمته أن فوق علمه علماً؛ فهو يتواضع لتلك الزيادة. والجاهل يظن أن فضله قد تناهى؛ فيسقط بجهله فتمقته النفوس.
قال المتنبي:
وما التيهُ طبي فيهمُ غيرَ أنني ... بغيضٌ إليَّ الجاهلُ المتعاقلُ
قال الحكيم وقد نظر إلى غلام حسن الوجه فاستنطقه، فلم يجد عنده علماً.
فقال: نعم البيت لو كان فيه ساكن.
قال المتنبي:
وما الحسنُ في وجه الفتى شرف له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق
قال الحكيم: إذا تجوهرت النفوس الفلسفية لحقت بالعالم العلوي، فلا تسكن إلى الهموم الترابية ولا يعترضها الملل.
قال المتنبي:
ولذيذ الحياةِ أنفسُ في النف ... سِ وأشهى من أن تملَّ وأحلى
قال الحكيم: الكلال والملال يتعاقبان الأجسام لضعفها، لا لضعف الحس.
(1/268)

قال المتنبي:
وإذا الشيخُ قال: أفٍّ فما ملَّ ... حياةً وإنما الضعف ملاَّ
قال الحكيم: الدنيا تطعم أولادها وتأكل مولودها.
قال المتنبي:
أبداً تستردُ ما تهبُ الدنيا ... فيا ليت جودها كان بخلا
قال الحكيم: إذا كانت الأشياء فاعلة في الطبع لم تحمد على فعلها لأن الشمس لا تحمد على حرارتها ولا على ضوئها.
قال المتنبي:
ربَّ أمرٍ أتاك لا تحمدُ ال ... فعالَ فيه وتحمدُ الأفعالا
قال الحكيم: الجبن ذلة كامنة في نفس الجبان فإذا خلا بنفسه أظهر شجاعته.
قال المتنبي:
وإذا ما خلا الجبانُ بأرضٍ ... طلبَ الحربَ وحدهُ والنزالا
قال الحكيم: الغلبة بطبع الحياة، والمسالمة بطبع الموت، والنفس لا تحب أن تموت؛ فلذلك تشتهي الأشياء غلبة.
قال المتنبي:
من أطاق التماسَ شيءٍ غلاباً ... واغتصاباً لم يلتمسه سؤالا
(1/269)

قال الحكيم: الإنسان شبح نور روحاني، فهو عقل غريزي، إلا تراه العيون من ظاهر النور.
قال المتنبي:
لولا العقولُ لكان أدنى ضيغمٍ ... أدنى إلى شرفٍ من الإنسان
قال الحكيم: النفوس البهيمية تألف مساكنة الأجسام الدانية فلذلك يصعب عليها مفارقة أجسامها، والنفوس الصافية بضد ذلك.
قال المتنبي:
إلفُ هذا الهواءِ أوقعَ في الأنف ... سِ إنَّ الحمام مر المذاقِ
قال الحكيم: نفع بذي الجدة أن يفارقه الجود، لأنهما إذا اعتدلا كان اعتدالهما كشيء واحد ويحويهما اسمان.
قال المتنبي:
والغنى في يد اللئيم قبيح ... قدر قبح الكريم في الإملاق
قال الحكيم: العاقل لا يساكن شهوة الطبع لعلمه بزوالها، والجاهل يظن أنها خالدة له وهو باق عليها، فهذا يشقى بعقله وهذا ينعم بجهله.
قال المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهِ ... وأخو الجهالةِ في الشقاوة ينعم
قال الحكيم: الصبر على مضض السياسة ينال به شرف الرياسة.
(1/270)

قال المتنبي:
لا يسلمُ الشرفُ الرفيعُ من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدمُ
قال الحكيم: الظلم من طبع النفوس، وإنما يصدها عن ذلك إحدى علتين: إما ديانة لخوف معاد، أو سياسة لخوف النفس.
قال المتنبي:
والظلم من شيم النفوس فإن تجدْ ... ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلمُ
قال الحكيم: ثلاثة إن لم تظلمهم ظلموك: ولدك وعبدك وزوجك، فسبب صلاح حالهم التعدي عليهم.
قال المتنبي:
من الحلمِ أن تستعملَ الجهلَ دونه ... إذا اتسعت في الحلم طرقُ المظالم
قال الحكيم: كل ما له أول تدعو الضرورة إلى أن يكون له آخر.
قال المتنبي:
إنعمْ ولذ فللأمور أواخرٌ ... أبداً إذا كانتْ لهنَّ أوائلُ
قال الحكيم: النفوس المتجوهرة تركت الشهوات البهيمية طبعاً لا خوفاً.
(1/271)

قال المتنبي:
وترى الفتوة والمروءة والأبوة ... في كلِّ مليحةٍ ضراتها
هنَّ الثلاثُ المانعات لذتي ... في خلوتي لا الخوفُ من تبعاتها
قال الحكيم: إذا لم تتصرف النفس في شهواتها ومرادها فحياتها موت ووجودها عدم.
قال المتنبي:
ذلَّ من يغبطُ الذليل بعيشِ ... ربَّ عيشٍ اخفُ منهُ الحمامُ
قال الحكيم: الفرق بين الحلم والعجز أن الحلم لا يكون إلا عن قدرة، والعجز لا يكون إلا عن ضعف؛ وليس للعاجز أن يسمى بالحليم وهو عاجز.
قال المتنبي:
كلَّ حلمٍ أتى بغير اقتدارٍ ... حجةٌ لاجئٌ إليها اللئامُ
قال الحكيم: النفس الذليلة لا تجد الهوان والنفس العزيزة يؤثر فيها يسير الكلام.
قال المتنبي:
من يهنْ يسهلِ الهوانُ عليهِ ... ما لجرحٍ بميتٍ إيلامُ
قال الحكيم: موت النفس حياتها، وعدمها وجودها؛ لأنها تلحق بعالمها.
قال المتنبي:
كأنك بالفقر تبغي الغنى ... وبالموتِ في الحرب تبغي الخلودا
(1/272)

قال الحكيم على قدر بصيرة العقل يرى الإنسان الأشياء، فالسالم العقل يرى الأشياء بحقائقها. والنفس السقيمة ترى الأشياء بطبعها.
قال المتنبي:
ومن يكُ ذا فمٍ مرٍّ مريضٍ ... يجدْ مراً بهِ االماءَ الزلالا
قال الحكيم: على قدر الهمم تكون الهموم.
قال المتنبي:
أفاضلُ الناس أغراضٌ لذا الزمن ... يخلو من الهمِّ أخلاهم من الفطن
قال الحكيم: الحس قبل المحسوس والعقل قبل المعقول.
قال المتنبي:
فقر الجهول بلا عقلٍ إلى أدبٍ ... فقر الحمار بلا رأسٍ إلى رسن
قال الحكيم: ليس ظاهر جمال الإنسان بنافع إذا كان ميت الحس العقل.
وقال المتنبي:
لا يعجبنَّ مضيماً حسنُ بزتهِ ... وهلْ تروق دفيناً جودة الكفن
قال الحكيم: الزيادة في الحد نقص في المحدود.
قال المتنبي:
متى ما ازددتُ من بعد التناهي ... فقدْ وقعَ انتقاصي في ازديادي
(1/273)

قال الحكيم: أقرب القرب مودات القلوب وإن تباعدت الأجسام، وأبعد البعد تنافر القلوب وإن تدانت الأجسام.
قال المتنبي:
وأبعد بعدنا بعد التداني ... وقربَ قربنا قرب البعاد
قال الحكيم: إذا كان البناء على غير قواعد كان الفساد إليه اقرب من الصلاح.
وقال المتنبي:
فإنَّ الجرحَ ينفرُ بعد حينٍ ... إذا كانَ البناءُ على فسادِ
قال الحكيم: بإنفاذ سهم الحزم، تدرك صحة العزم.
قال المتنبي:
مع الحزمِ حتى لو تعمد تركهُ ... لألحقهُ تضييعهُ الحزمَ بالحزم
قال الحكيم: الأشكال لاحقة بأشكالها كما أن الأضداد مباينة لأضدادها.
قال المتنبي:
وشبهُ الشيءِ منجذبٌ إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطغامُ
(1/274)

قال الحكيم: لا يجد لذة الحياة من لا يجد لشهواته رحى، ولا لأمره تصرفا.
قال المتنبي:
منْ لا توافقهُ الحياةُ وطيبها ... حتى يوافقُ عزمه الإنفاذا
قال الحكيم: أواخر حركات الفلك كأوائلها وإنشاء العالم كتلاشيه بالحقيقة لا في الحس.
قال المتنبي:
كثيرُ حياةِ المرءِ قبل قليلها ... يزولُ، وباقي عيشهُ مثلُ ذاهبهِ
قال الحكيم: من نظر بعين العقل، ورأى عواقب الأمور قبل بوادرها لم يجزع بحلولها.
قال المتنبي:
عرفتُ الليالي قبل ما صنعتْ بنا ... فلما دهتني لم تزدني بها علما
قال الحكيم: ليس لحوق البغية في نيل الشهوة صعباً؛ وأعجز العجز من لم يفن عمره في طلب الغاية.
قال المتنبي:
إذا فلَّ عزمي عن مدى خوف بعده ... فأبعدُ شيءٍ ممكنٍ لم يجدْ عزما
(1/275)

قال الحكيم: أول درج الفضل ترك الذم ثم التناهي في المدح.
قال المتنبي:
ومني استفادَ الناسُ كلَّ غريبةٍ ... فجاوزوا بترك الذمِ إن لم يكن حمدُ
قال الحكيم: من قصر عن أخذ لذاته عدمها وعدم صحة جسمه.
قال المتنبي:
ذرْ النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... فمفترقٌ جارانِ دراهما العمرُ
قال الحكيم: من لم يرفع نفسه عن قدر الجاهل، رفع الجاهل قدره عنه.
قال المتنبي:
إذا الفضلُ لم يرفعك عن شكر ناقصٍ ... على نكبةٍ فالفضلُ فيمنْ له الشكرُ
قال الحكيم: من أفنى جدته في جمع المال خوف العدم قد أسلم نفسه للعدم.
قال المتنبي:
ومن ينفق الساعات في جمعِ مالهِ ... مخافةَ فقرٍ فالذي كتب الفقرُ
قال الحكيم: أعظم ما على النفس إعظام ما في ذوي الدناءة.
(1/276)

قال المتنبي:
وإني رأيتُ الضرَّ أحسن منظراً ... وأهونَ من مرأى صغيرٍ به كبرُ
قال الحكيم: الذي لا يعلم بعلته لا يتوصل إلى برئها.
قال المتنبي:
ومن جاهلٍ بي وهو يجهلُ جهلهُ ... ويجهلُ علمي أنه بي جاهلُ
قال الحكيم: حلول الفناء في عظيم كحلوله في صغير.
قال المتنبي:
فطعمُ الموت في أمرٍ حقيرٍ ... كطعم الموتِ في أمرٍ عظيمِ
قال الحكيم: من كان همه الأكل والشرب والنكاح فهو بطبع البهائم؛ لأن البهائم متى خلي بينها وبين ما تريد لم تفعل شيئاً غير ذلك.
قال المتنبي:
أرى أناساً ومحصولي على غنمٍ ... وذكرَ جودٍ ومحصولي على الكلمٍ
قال الحكيم: من أثرى من العدم افتقر من الكرم.
قال المتنبي:
وربَّ مال فقيراً من مروتهِ ... لمْ يثرْ منهُ، كما أثرى من العدمِ
(1/277)

قال الحكيم: إذا لم تتجرد الأفعال من الذم كان الإحسان إساءة.
قال المتنبي:
إذا الجودُ لم يرزق خلاصاً من الأذى ... فلا الحمدُ مكسوباً ولا المالُ باقيا
قال الحكيم: تغير الأفعال التي ترد غير مطبوعة، أشد ثقلاً من الريح الهبوب.
قال المتنبي:
وأسرعُ مفعولٍ فعلت تغيراً ... تكلفُ شيئاً في طباعكَ ضده
قال الحكيم: أتعب الناس من قصرت قدرته، واتسعت مروءته.
قال المتنبي:
وأتعبُ خلقِ اللهِ من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجدهُ
قال الحكيم: أعظم الناس محنة من قل ماله وعظم مجده ولا مال لمن كثر ماله وقل مجده.
قال المتنبي:
فلا مجدَ في الدنيا لمنْ قلَّ ماله ... ولا مالَ في الدنيا لمنْ قلَّ مجده
قال الحكيم: بالغريزة يتعلق الأدب لا بتقادم السن.
(1/278)

قال المتنبي:
وإذا الحلم لم يكنْ في طباعٍ ... لم يحلم تقادمُ الميلاد
قال الحكيم: الائتلاف بالجواهر قبل الائتلاف بالأجسام.
قال المتنبي:
أصادق نفسَ المرءِ من قبل جهله ... وأعرفها في فعله والتكلمِ
قال الحكيم: إذا لم تصن بالمال أبناء الجنس وتقتل به أعداء النفس، فما تصنع بالأغراض والأعراض.
قال المتنبي:
لمن تطلبُ الدنيا إذا لم تردْ بها ... سرورَ محبّ أو إساءةَ مجرمِ
قال الحكيم: إن أقبح الظلم حسدك لعبدك الذي تنعم عليه.
قال المتنبي:
وأظلمُ أهلِ الظلم من باتَ حاسداً ... لمن بات في نعمائه يتقلبُ
قال الحكيم: أيام الحياة لا خوف فيهإن كما أن أيام المصائب لا بقاء لها.
قال المتنبي:
لا تلقَ دهركَ إلا غير مكترثٍ ... ما دامَ يصحبُ فيه، روحك البدنُ
(1/279)

قال الحكيم: الأيام لا تتم الفرح ولا الترح فالأسف على الماضي تضييع للعقل، لا غير.
قال المتنبي:
فما يدومُ سرور ما سررت بهِ ... ولا يردُ عليك الفائتَ الحزنُ
قال الحكيم: العشق ضرورة داخلة على النفس، والعاشق بتلك الضرورة مغتبط.
قال المتنبي:
مما أضرَ بأهلِ العشقِ أنهمُ ... هووا وما عرفوا الدنيا ولا فطنوا
قال الحكيم: من صحة السياسة أن يكون الإنسان مع الأيام كلما أظهرت سنة عمل بها حسب السياسة.
قال المتنبي:
كلما أنبتَ الزمانُ قناةً ... ركب المرءُ في القناة سنانا
قال الحكيم: ليس من الحزم فناء النفوس في طلب الشهوات، بل في العلم العلوي.
قال المتنبي:
ومراد النفوس أصغرُ من أن ... تتعادى فيه وأن تتفانى
قال الحكيم: خوف وقوع المكروه قيل تناهي المدة خور في الطبع.
(1/280)

قال المتنبي:
وإذا لم يكن من الموت بدٌ ... فمنَ العجزِ أن تموت جبانا
قال الحكيم: من لم يقدر على فعل الفضائل فلتكن فضائله ترك الرذائل.
قال المتنبي:
إنا لفي زمنٍ تركُ القبيحِ به ... من أكثر الناس إحسانٌ وإجمال
قال الحكيم: تخليد الذكر في الكتب عمر لا يبيد، وهو في كل يوم جديد.
قال المتنبي:
ذكر الفتى عمره الثاني، وحاجته ... ما فاته وفضولُ العيش أشغال
قال الحكيم: اعجز العجزة ن قدر أن يزيل العجز عن نفسه فلم يفعل.
قال المتنبي:
ولم أرَ في عيوب الناس شيئاً ... كنقصِ القادرين عن التمام
قال الحكيم: استبصار العقلاء ضد لتمني الجهلاء؛ والحال التي يبكي منها العاقل، عليها يحسده الجاهل.
قال المتنبي:
ماذا لقيتُ من الدنيا وأعجبها ... إني بما أنا باكٍ منهُ محسودُ
قال الحكيم: لا غنى لمن ملكه الطمع؛ فاستولت عليه الأماني.
قال المتنبي:
أمسيتُ أروح مثرٍ حازناً ويداً ... أنا الغنيُ وأموالي المواعيدُ
(1/281)

قال الحكيم: أكثر هذه الأيام أحلام، وغذاؤها أسقام وآلام.
قال المتنبي:
هون على بصرٍ ما شقَّ منظرهُ ... فإنما يقظاتُ: العين كالحلمِ
قال الحكيم: الحيوان كله متغلب، وليس من السياسة شكوى بعض الناس إلى بعض.
وقال المتنبي:
لا تشكونَّ إلى خلقٍ فتشمته ... شكوى الجريح إلى الغربان والرخم
قال الحكيم: النفس الشريفة ترى الموت بقاء، لدرك النفس أماكن البقاء. وهذه جليلة يعجز الخلق عن ركوبها.
قال المتنبي:
يعللنا هذا الزمانُ بذا الوعدِ ... ويخدعُ عما في يديهِ من النقدِ
قال الحكيم: إذا كان سقم النفس بالجهل كان الموت شفاءها.
قال المتنبي:
قد استشفيتُ من داءٍ بداءٍ ... وأقتلُ ما أعلكَ ما شفاكا
قال الحكيم: كره ما لا بد من كونه عجز في صحة العقل.
وقال المتنبي:
نحنُ بنو الموتى، فما بالنا ... نعافُ ما لا بدَّ من شربه
(1/282)

قال الحكيم: إذا كان تلاشي الأرواح من كرور الأيام، فما بالنا نعاف رجوعنا إلى أماكنها.
قال المتنبي:
تبخلُ أيدينا بأرواحنا ... على زمانٍ هي من كسبه
قال الحكيم: اللطائف سماوية، والكثائف أرضية، وكل عنصر عائد إلى عنصره الأول.
قال المتنبي:
فهذه الأرواحُ من جوه ... وهذه الأجسامُ من تربهِ
قال الحكيم: النظر في عواقب الأمور يزهد في حقائقها، والعشق عمى الحس عن درك رؤية المعشوق.
قال المتنبي:
لو أنكر العاشقُ في منتهى ... حسنِ الذي يسيهِ لم يسبه
قال الحكيم: آخر التوقي أول موارد الخوف.
قال المتنبي:
وغايةُ المفرطِ في سلمه ... كغايةِ المفرطِ في حربهِ
(1/283)

باب
التقفية
اعلم أن التقفية هو أن يأتي في البيت ذكر نكتة أو خير أو غير ذلك يومي إليه الشاعر أو الناثر، مثل قوله تعالى: " فهن قاصرات الطرف "، فإنه يومي إلى قول امرئ القيس:
من القاصرات الطرف لو دبَّ محولٌ ... من الذرّ فوق الإتبِ منها لأثرا
ومنه قول الرفاء:
مدحٌ يغضُّ زهيرٌ عنهُ ناظرهُ ... ونائلٌ يتوارى عندهُ هرمُ
لا يستعيرُ له المداح منقبةً ... ولا يقولون فيهِ غيرَ ما علموا
ومنه:
ألومُ زياداً في ركاكة رأيهِ ... وفي قوله: أي الرجال المهذبُ
وهل يحسن التهذيب منك خلائقاً ... أرقَ من الماءِ الزلال وأعذبُ
تكلمَ والنعمانُ شمسُ سمائهِ ... وكلُّ مليكٍ عند نعمانَ كوكبُ
ولو أبصرت عيناه شخصك مرة ... لأبصرَ منهُ شمسه وهو غيهبُ
باب

التلطيف والتوليد
اعلم أن التلطيف والتوليد هو أن يلفق كلاماً مع كلام آخر فيولد من الكلامين كلام ثالث كما روي عن مصعب بن الزبير على خيله؛ عدة؛ فلما أخذها الحجاج كتب عليها: للفرار.
(1/284)

ومن ذلك قوله لسعيد: ما اسمك؟ قال: سعيد، فقال: على الأعداء.
وسأل المهدي السيد الحميري: ما اسمك؟ فقال: أنت السيد يا أمير المؤمنين. وهذا من الأدب إذا كان اسم المسؤول من صفات السائل.
وقال معاوية لسعيد بن مرة: من أنت؟ فقال: أنا ابن مرة وأنت السعيد يا أمير المؤمنين.
وقيل للعباس رضي الله عنه: أيما أكبر: أنت؟ أو النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: أنا أسن: والنبي صلى الله عليه وسلم أكبر.
وقيل للمهلب: أيهما أشجع الناس؟ قال: فلان؛ فقيل له: فما تقول في عبد الله بن الزبير؟ قال: سألتموني عن الإنس، أو عن الجن.

باب
المبادي والمطالع
اعلم أن المبادي والمطالع كما قال بعض الكتاب: أحسنوا الابتداءات؛ فإنها دلائل البيان، وقالوا: ينبغي للشاعر أن يتحرز في ابتداءاته مما يتطير منه، ويستحقر ن الكلام، خاصة في المدائح والتهاني.
وأنكروا على أبي نواس قوله في أول قصيدة مدح بها البرامكة:
أربع البلى، إن الخضوع لباد
فلما انتهى إلى قوله:
سلامٌ على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني برمكٍ من رائحينَ وغادِ
إستحكم تطيرهم، وقيل إنهم نكبوا بعد ذلك بأسبوع واحد.
ولذلك تطير المعتصم لما مدحه ابن إبراهيم الموصلي بقوله:
يا دارُ غيرك البلى ومحاك ... يا ليتَ شعري ما الذي أبلاكِ!
(1/285)

فتغامز الحاضرون وعجبوا من جواز ذلك على إسحاق مع فطنته وفهمه وعلمه، وكان خراب القصر بعد ذلك بقليل.
وأنشد أبو مقاتل:
لا تقل بشرى، ولكن بشريان ... غرةُ الهادي ويومُ المهرجان
فأوجع ضرباً وقيل له: هلا قلت: انتقل بشرى فعندي بشريان وأحسن الإبتداءات قول أشجع السلمي:
قصرٌ عليهِ تحيةٌ وسلامُ ... خلعت عليه جمالها الأيامُ
وأجمعوا على أحسن الابتداءات قول امرئ القيس:
قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزل
فقالوا: لأنه وقف واستوقف وبكى واستبكى؛ وذكر الحبيب والمنزل، في نصف بيت.
وقيل إن أبا الطيب المتنبي لما أنشد:
أوه بديلاً من قولتي واها
قال له بعض الحاضرين: أوهُ وكيهُ.
باب

الأواخر والمقاطع
اعلم أن الأواخر والمقاطع ينبغي أن يتحرز الشاعر فيها مما يعترض عليه، كما روي أن أبا تمام لما أنشد:
على مثلها من أربع ملاعب
(1/286)

قال بعض الحاضرين: لعنة الله ولعن اللاعنين.
وكذلك قوله: خشنت عليه أخت ابن خشن.
وكذلك ينبغي أن تكون أواخر القصائد حلوة المقاطع، توقن النفس بأنه آخر القصيدة؛ لئلا يكون كالبتر.
وأحسن المقاطع قول تأبط شراً:
لتقرعنَّ عليَّ السنَّ من ندمٍ ... إذا تذكرتَ يوماً بعض أخلاقي
وقول زهير بن أبي سلمى:
وأعلمُ علمَ اليومِ والأمس قبله ... ولكنني عن علمِ ما في غدٍ عمي
ولذلك ينبغي أن يكون مقطع البيت حلواً وأحسنه ما كان على حرفين، منها بها، وحطه السيل من عل، وليلة معاً وتفريق الأحبة في غد، وقوله:
أتتني تؤنبني في البكا ... فأهلاً بها وبتأنيبها
فللعينِ عذرٌ إذا ما بكت ... وقد عدمت وجه محبوبها
ومن ذلك:
من معشرٍ يتخيرون كلامهم ... حتى كأنهمُ تجارُ الجوهر
ومنه أن يكون في آخر البيت حرف لا يحتاج إلى إعراب، واو أو ياء صليبان أو ياء إضافة، أو ياء جماعة، كقوله:
(1/287)

صحا القلب عن سلمى وقد كان لا يصحو
أو تكون الفاصلة لائقة بما تقدمها كقوله:
همُ البحور عطاءً حين تسألهم ... وفي اللقاءِ إذا تلقاهمُ بهمُ
ومنه:
من معشرٍ يتخيرون كلامهم ... حتى كأنهمُ تجار الجوهرِ
باب

التخلص والخروج
اعلم أن التخلص والخروج يستحب أن يكون في بيت واحد، وهو شيء ابتدعه المحدثون دون المتقدمين، وأحسن الخروج في العرب قول زهير:
إنَّ البخيلَ ملومٌ حيثُ كان ... ولكنَّ الجوادَ على علاتهِ هرم
وقال دعبل الخزاعي:
وقالت وقد ذكرتها عهد الصبا ... باليأسِ تقطعُ عادةُ المتعود
وقال البحتري:
قد قلتُ للغيث الركام ولجَّ في ... إبراقهِ وألحَّ في إرعاده
لا تعرضن لجعفر متشبهاً ... بندى يديهِ فلستَ من أنداده
وقال علي بن الجهم:
فلما أن تجلى قال صحبي ... أضوءُ الصبحِ أم وجهُ الإمامِ
وقال حسان بن ثابت الأنصاري:
تغنَ بالشعر أن كنتَ قائله ... إنَّ الغنى لهداةِ الشعر مضمارُ
نميزُ ساقطه منهُ ونعزلهُ ... كما يميز خبثَ الفضة النارُ
(1/288)

باب

التعليم والترسيم
اعلم أن التعليم والترسيم هو أن الشعر قول موزون مقفى دال على معنى، وله طرفان: أحدهما غاية الجودة، والآخر غاية الرداءة، وبينهما وسائط. والمعنى للشعر بمنزلة المادة، والشعر فيه بمنزلة الصورة. وهو أربعة أشياء: لفظ، ومعنى، ووزن، وقافية. وتهذيبه أن يكون اللفظ سمحاً سهل المخارج حلواً عذباً. وتهذيب الوزن أن يكون حسناً تقبله النفس والغريزة، غير منكسر ولا مزحف. فإن أمكن فهو التخليع مثل: المرء ما عاش في تكذيب طول الحياة له تعذيب.
وتهذيب القافية أن تكون سلسلة المخرج مألوفة، فإن القوافي حوافر الشعر.
والذي يمدح به الناس الصفات الإنسانية وهي السماحة والشجاعة والعدل والعفة. ومنها تولد ما يتولد منها كما قال زهير:
أخي ثقةٍ لا تهلكُ الخمرُ مآله ... ولكنه قد يهلكُ المال نائله
فمدحه بالعفة، ثم قال:
تراهُ إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ثم قال:
فمن مثلُ حصنٍ في الحروب ومثله ... لإنكار ضيمٍ، أو لأمرٍ نحاوله
ولو لم يكن في كفه غيرُ نفسهِ ... لجاد بها فليتق اللهَ سائله
فمدحه بالشجاعة والمعني التي يقصدها الشعراء هي المدح والهجاء والنسيب والمراثي والأوصاف
(1/289)

والتشبيه. ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كان زهير لا يعاظل الكلام ولا يقصد الوحشي منه ولا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال.
وقد يكون الشاعر مقصراً ولا يكون مخطئاً. لأنه لا يمكنه الإحاطة بكل شيء.
ويحب أن يمدح كل واحد بما يصلح له، كما قال زهير:
من يلقَ يوماً على علاته هرماً ... يلقَ السماحةَ منهُ والندى خلقا
ليثٌ بعثرَ يصطاد الرجالَ، إذا ... ما الليثُ كذبَ عن أقرانه صدقا
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا عنقا
لو نالَ حيٌّ من الدنيا بمكرمةٍ ... أفقَ السماءِ لنالت كفه الأفقا
ولا يمدح لكثرة الأولاد؛ لأن الحيوان الكريم أعز نتاجا مثل قوله:
بغاثُ الطيرِ أكثرها نتاجاً ... وأمُ الصقر مقلاةٌ نذورُ
وليمدح بالجود وقلة المال مثل قوله:
وإني لا أخزى إذا قيلَ: مملقٌ ... جوادٌ، وأخشى أن يقال: بخيل
وقوله أيضاً:
فما كان من خير أتوهُ، فإنما ... توارثه آباءُ آبائهم قبلُ
وهل ينبتُ الخطيَّ إلاَّ وشيجه ... وتغرسُ إلاَّ في منابتها النخلُ
ومثل قوله:
إني سترحل بالمطيّ قصائدي ... حتى تحلَّ على بني ورقاء
مدحٌ لهم يتوارثون ثناءها ... رهناً لآخرهم فطول بقاءِ
حلماءُ في النادي إذا ما جئتهم ... جهلاءُ يومَ عجاجةٍ ولقاءِ
(1/290)

من سالموا نالَ الكرامةَ كلها ... وحاربوا ألوى مع العنقاء
وكما قال الحطيئة:
أقلوا عليهم، لا أبا لأبيكمُ ... من اللومِ أو سدوا المكان الذي سدوا
أولئك قومٌ إن بنوا أحسنوا البنى ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
فإن كانت النعماءُ فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا
وتعذلني أفناءُ سعدٍ عليهمُ ... وما قلتُ إلا بالذي علمت سعد
وقال آخر:
نزورُ امرأً يعطي على الحمد ماله ... ومن يعطي أثمانَ المحامد يحمدِ
يرى البخلَ لا يبقي على المرء ماله ... ويعلم أنَّ المالَ غيرُ مخلدِ
كسوبٌ ومتلافٌ إذا ما سألته ... تهلل واهتزَ اهتزازَ المهندِ
من تأته تعشو إلى ضوءِ نارهِ ... تجد خيرَ نار عندها خيرُ موقدِ
وكما قال الشماخ:
فتى يملأ الشيزى ويروي سنانه ... ويضربُ في رأس الكميّ المدجج
فتى ليس بالراضي بأدنى معيشةٍ ... ولا في بيوتِ الحيّ بالمتولج
وقوله أيضاً:
رأيتُ عرابةَ الأوسيَ يسمو ... إلى الخيرات منقطعَ القرين
إذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍ ... تلقاها عرابةُ باليمينِ
(1/291)

كما قال النابغة:
ألم ترَ أنَّ اللهَ أعطاكَ سورةً ... ترى كلَّ ملكٍ دونها يتذبذبُ
لأنك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ ... إذا طلعت لم يبدُ منهنَ كوكبُ
ومنه:
في كفه خيزرانٌ نشرهُ عبقٌ ... من كفّ أروعَ في عرنينه شممُ
يغضي حياءً ويغضى من مهابته ... فما يكلمُ إلا حينَ يبتسمُ
ويمدح الوزير بالحزم والسياسة، كما يمدح الملك بالعزم والرياسة، ويمدح الكاتب بالذكر والفكر والذكاء والذهن. كما قال السلمي:
بديهته مثلُ تفكيره ... متى رمته فهوَ مستجمعُ
يرومُ الملوك ندى جعفرٍ ... وهم يجمعون ولا يجمعُ
ويمدح القائد بالبأس، والشدة، والصرامة، والنجدة، كما قال منصور النمري:
ترى الخيل يومَ الروم تظمأ تحتهُ ... ويروى القنا من كفه والمناصلُ
حلالٌ لأطراف الأسنة نحرهُ ... حرامٌ عليها صدرهُ والكواهلُ
وكما قال بشار:
فقل للخليفة إن جئته ... نصيحاً لا خير في المتهمْ
إذا ايقظتك حروبُ العدى ... فنبه لها عمراً ثمَ نمْ
فتى لا يبيتُ على دمنةٍ ... ولا يشربُ الماءَ إلا بدمْ
(1/292)

وكقول أبي نواس:
قولا لهرونَ إمامِ الهدى ... عند اجتماع المجلس الحاشد:
نصيحة الفضل وإشفاقه ... أخلى له وجهك من حاسد
أنت على ما بك من قدرةٍ ... فلست مثل الفضل بالواجدِ
أوجده اللهُ، فما مثله ... لطالبٍ منهُ ولا ناشدِ
وليس على اللهِ بمستنكرٍ ... أن يجمعَ العالمَ في واحدِ
وأصل الهجاء سلب المديح، فكل ما مدح به فسلبه هجاء وضده أيضاً قد يخرجه الحاذق مخرج الحق، كما قال:
يروعكَ من سعدِ بنِ عمرو جسومها ... وتزهدُ فيها حينَ تقتلهم خبرا
فسلم له كثرة العدد وعظيم الخلق كأنه مدح وهو يهجو، لأن الكرام قليل، والقحة عما في النفس المميزة. وقول الآخر:
وإذا يسرك من تميمٍ خصلةٌ ... فلما يسوؤك من تميمٍ أكثرُ
ومن ذلك:
قومٌ إذا ما جنى جانيهمُ أمنوا ... من لؤمِ أحسابهم أن يقتلوا قودا
وأما المراثمي فلا فرق بينهما وبين المدح إلا بذكر الموت والذهاب، يقال: ذهب الجواد والجود. وبكته الخيل رديء؛ لأنها توصف بارتباطها بموته لراحتها.
ولذلك لا يقال في بكاء وما يشبهه إلا لما يعقل، كما قال الخنساء:
فقد فقدتك حرقة فاستراحت ... فليتَ الخيلَ صاحبها يراها
ومن ذلك التأسف قول الحطيئة:
فما كان بيني لو رأيتك سالماً ... وبين الغني إلا ليالٍ قلائلُ
فإن عشتُ لم أملك حياتي، وإن أمت ... فما في حياتي بعد موتكَ طائلُ
وأما الأوصاف والتشبيه فتهذيبه الصحة. كقول امرئ القيس:
(1/293)

له أيطلا ظبيٍ، وساقا نعامةٍ ... وإرخاءُ سرحانٍ وتقريبُ تتفلِ
وقوله يصف درعاً مطوية مبززة:
وممدودة البيت موضونةٍ ... تضاءلُ في الطيّ كالمبردِ
تفيض على المرءِ أردانها ... كفيض الأتي على الجدجدِ
ومثل قوله لآخر:
ونحنُ الثرايا وعيوقها ... ونحنُ السما كان والمرزمُ
وأنتمُ كواكبُ مجهولةٌ ... ترى في السماءِ ولا تعلمُ
وكقول عدي:
تزجى أغنَّ كأنَّ إبرةَ روقه ... قلمٌ أصابَ من الدواةِ مدادها
وقوله أيضاً:
يتعاوران من الغبار ملاءةً ... غبراءَ محكمةً هما نسجاها
تطوى إذا علوا مكاناً مشرفاً ... فإذا السنابك أسهلت نشراها
وقول الآخر:
يبدو وتضمره البلادُ كأنه ... سيفٌ على شرفٍ يسيلُ ويغمدُ
(1/294)

باب
التهذيب والترتيب
اعلم أن التهذيب والترتيب هو أن يحصل المعنى قبل اللفظ، والقوافي قبل الأبيات.
ويقصد الكلام الجزل دون الرذل، والعذب دون الجهم. ولا يعمل نظم ولا نثر عند الملل، فإن الكثير معه قليل، والنفيس خسيس، والخواطر ينابيع، فإذا رفق بها جمت، وإذا عنف عليها نزحت.
وليكتب كل معنى يسنح، وكل لفظ يعرض، وليترنم بالشعر وهو يصنعه؛ فإنه يعين عليه، فقد يجيد الشاعر ويمكنه مرة، ولا يمكنه أخرى.
وإياك وتعقيد المعاني، وتقعير اللفظ، وليجعل المعنى الشريف في اللفظ الظريف، لئلا يتلف أحدهما الآخر، ومتى عصي الشعر فاتركه، ومتى طاوعك عاوده، وروح الخاطر إذا كل، واعمل في أحب المعاني إليك، وكل ما يوافقه طبعك فالنفوس تعطي على الرغبة ما لا تعطي على الرهبة.
واعمل الأبيات متفرقة على ما يجود به الخاطر، ثم انظمه في الآخر، وحصل المبدأ والمقطع والخروج، فهو أصعب ما في القصيدة، وميز في فكرك محط الرسالة، ومصب القصيدة؛ فإنه أسهل عليك: وأشعرها أولا وهذبها أولا وهذبها آخراً فقد قيل عن الحطيئة: إنه كان يعمل القصيدة في شهرين، ويهذبها في حول. وقيل عن زهير: إنه كان يعمل القصيدة في شهرين ويهذبها في حول، ولذلك سمي شعره: المنقح الحولي.
ولا يسرف الكاتب في الشكر لأنه إبرام وتثقيل، ولا في الدعاء فإنه تكسب من السلاطين وكان المتقدمون يتركون السجع، لكن تكون كلماتهم متوازنة، وفصولهم
(1/295)

متقابلة، وهي طريقة أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه، وطريقة ابن المقفع، وسهل بن هرون وغيره.
ولا يجعل كل الكلام فناً واحداً شريفاً قبل أن يفصله فإن الكلام كالقعد إن كان كله ثميناً لم يكمل حسنه. أرصف كلامك لتكون كل كلمة مكانها وإلا كان كالجسد المنكوء من الأعضاء.
واعلم أن الألفاظ أجساد، والمعاني أرواح، فإذا قويت الألفاظ، فلتقوا المعاني؛ ليحمل بعضها بعضاً.
واقصد القوافي الحسنة، ولا تقصد المستهجنة، فإنها حوافر الشعر.
واقصد الأوزان الحلوة دون المهجورة؛ فإنها أحلى في القلوب، واجعل كلامك في التوقيعات وعليك بالمقطعات فإنها في القلوب أجود وفي المجالس أجول وبالأسماع أعلق وبالأفواه أعبق. وإذا نثرت منظوماً فغير قوافي شعره عن قوافي سجعه؛ وإذا سرقت معنى فغير الوزن والقافية ليخفى ولا يظهر.
وإذا أخذت شعراً فزد على معناه، وانقص من لفظه، كما يطعن به عليه، فحينئذ تكون أحق به.
وإذا تقاربت الديار تقاربت الأفكار، ولهذا قالوا: الشعر محجة يقع فيها الحافر على الحافر.
واعلم أن من الناس من شعره في البديهة أحسن منه بالروية وبالعكس. وفي الناس من إذا خاطب أبدع، وإذا كاتب قصر، وبضد ذلك؛ ومن إذا قوي نظمه ضعف نثره وبالضد، وقلما يتساويان؛ وقد يبرز الشاعر في معنى دون غيره، وكما قالوا: أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا شرب.
وامدح بأخلاق النفس دون أخلاق الجسم؛ وامدح كل واحد بما يليق به.
(1/296)

وإياك والمصادر والمباني التي هي غير مقصودة ولا معهودة، كما قال بعضهم للرشيد: أحسن الله إنابتك؛ فقال: وعجل الله إماتتك.
وارتك التعقيد والتقعير، وهو التكلف بالوحشي، مثل قول زهير: وليس بحقلد. وقول أبي تمام: يجهضمه.
ولا تعقد المعاني فتحوج إلى كشف، فإن أحسن الشعر ما سبق معناه إلى القلب مع لفظه إلى السمع.
وليكن كلامك سليماً من التكلف، بريئاً من التعسف، وليحط لفظك بمعناك، وليشتمل على مغزاك؛ فإن البلاغة سرعة جواب في صواب، وأن تقول فلا تبطئ، وتصيب فلا تخطئ. والعي إكثار في إعذار، وإبطاء في أخطاء، كما جاء في المثل: سكت ألفإن ونطق خلفاً.
وقدر اللفظ على قدر المعنى، لا زائداً عنه ولا ناقص كما قيل في مدح بعض الكتاب: كأن ألفاظه قوالب معانيه، وقيل في آخر: كان إذا أخذ شبراً كفاه، وإن، أخذ طوماراً ملاه.
واستعمل التطويل في مكانه، والتقصير في مكانه، فقد قيل: إن الإيجاز إذا كان كافياً كان التطويل غثاً وإن كان التطويل واجباً كان التقصير عجزاً فإنك تصل إلى ما وصلوا إليه، وتقدر على ما قدروا عليه. وإياك أن تفرط أو تفرط؛ فإن فرطت قصرت، وإن أفرطت كثرت. وخير الأمور أوسطها.
(1/297)

وادخر الألفاظ التي جاءت في الأشعار للمكاتبات والمخاطبات ابتداء وجواباً لمن كاتبت أو كاتبك، أو خاطبت أو خاطبك.
واعلم أن محاسن الشعر ثلاثة: التطبيق والتجنيس والمقابلة. ومحاسن المعاني ثلاثة: الاستعارة والتشبيه والمثل، فاقصد إليها واعتمد عليها.
وينبغي أن يكون ابتداء القصيدة أو الرسالة ما يدل على المعنى المقصود، مثل قولهم في أول كتب الفتوح " الحمد لله الغالب. وفي أول كتب العهود: الحمد لله الواهب.
واعلم أن خير الكلام المطمع الممنع، وأحسنه ما قل ودل، وجل ولم يمل، وألا يكون قروياً ولا بدوياً وأن يكون الكاتب حلو الكلام قريب المعاني، لا نكاتب العامة بكلام الخاصة، ولا الخاصة بكلام العامة، ولا يداخل ألفاظ العلماء في ألفاظ العرب ولا يركب الضرورة وإن كانت من ضرورات العرب لأنها تحسن منهم ولا تحسن منا.
واعلم أن من الكلام ما يستعمل بعض أبنيته دون بعض، مثل التعاطي، واستعمل الألفاظ العربية دون الحضرية، فإن الشيح والثمام في الشعر أحسن من الخوخ والرمان.
والخطباء ثلاثة: جاهلي، وإسلامي، ومخضرم.
والشعراء ثلاثة: حضري، وبدوي، ومفلق.
واكثر من حفظ النظم والنثر، فعلى قدر ما تحفظ منه تقوى فيه.
واعلم أن الشعر يسخي البخيل، ويشجع الجبان، ويفرج الهموم، ويرضي
(1/298)

الغضبان، ولذلك قالوا: الشعر أنفذ من السحر، وربما كانت الإطالة اتهاماً والإجازة إفهاماً.
واستفتح بذكر الله، فقد كانت العرب تسمي الخطبة التي لا يستفتح فيها بذكر الله تعالى: البتراء والتي لا توشح بالقرآن: الشوهاء.
قال ناسخه: تم الكتاب ووقع الفراغ منه نهار الأربعاء رابع شهر شعبان المبارك لسنة أربع وثمانية هجرية رحمة الله من نظر فيه والدعاء لمؤلفة ولكاتبه بالمغفرة ولجميع المسلمين.
(1/299)