Advertisement

الأمثال لابن سلام



الكتاب: الأمثال
المؤلف: أبو عُبيد القاسم بن سلاّم بن عبد الله الهروي البغدادي (المتوفى: 224هـ)
المحقق: الدكتور عبد المجيد قطامش
الناشر: دار المأمون للتراث
الطبعة: الأولى، 1400 هـ - 1980 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على محمّد وآله
رأيت في أوّل نسخة الشيخ الإمام أبي بكر محمّد بن الأنباري اللغوي، وهي التي قرأها على أبي العباس أحمد الأحوال اللغوي ما صورته: " وهي مكتوبة بخط علي بن عبد العزيز كاتب أبي عبيد وراويته " وقال علي بن عبد العزيز كاتب أبي عبيد القاسم بن سلام: كتبت هذا الكتاب من نسخة أبي عبيد من خطه بيده، وعارضت بها حرفاً حرفاً، ثم قرأناه على أبي محمّد سلمة بن عاصم النحوي، صاحب الفراء، فزادنا فيه أشياء ألحقتها في حواشي الكتاب، ثم قرأته على أبي عبد الله الزبير بن بكار، وهو قاضي أهل مكة، فكتبت أيضاً ما زادنا فيه، ونسبت ذلك
(1/33)

إليه، فوجدت خط أبي عبيد هذا كتاب الأمثال، وهي حكمة العرب في الجاهلية والإسلام، وبها كانت تعارض كلامها فتبلغ بها ما حولت من حاجتها في المنطق، بكناية غير تصريح، فيجتمع لها بذلك ثلاثة خلال، إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه. وقد ألفناها في كتابنا هذا على منازلها، ولخصنا صنوفها، وذكرنا المواضع التي يتكلم بها فيها، وتضرب عندها، وإسنادها إلى علمائها، واستشهدنا بنوادر الشعر عليها، أو على ما أمكن منها. وكان مما دعانا إلى تأليف هذا الكتاب وحثنا عليه ما روينا من الأحاديث المأثورة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنّه قد ضربها وتمثل بها هو ومن بعده من السلف. وقد ذكرنا بعض ذلك ليكون حجة لمذهبنا. فكان مما حفظ عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منها المثل الذي ضربه للإسلام والقرآن، وهو قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ضرب الله مثلا صراطا مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سور فيه أبواب مفتوحة، وعلى تلك الأبواب ستور مرخاة، وعلى رأس الصراط داعٍ يقول: أدخلوا الصراط ولا تعوجوا ".
قال: فالصراط: الإسلام، والستور: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي: القرآن.
ومن الأمثال أيضاً: قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(1/34)

مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، تفيئها الريح مرة ههنا، ومرة ههنا، ومثال الكافر كمثل الازرة المجذية على الأرض حتى يكون انعجافها مرة ".
ومنها قوله حين ذكر الفتن والحوادث التي تكون في آخر الزمان، فقال حذيفة بن اليمان: ابعد هذا الشر خير؟ فقال: هدنة على دخنٍ، وجماعة على أقذاءٍ. فقيل له: وما هو؟ فقال: " لا ترجع قلوب قوم على ما كانت ".
قال أبو عبيد: فقد علم إنَّ الأقذاء إنّما تكون العين أو في الشراب، وإنَّ الدخن إنّما هو مأخوذ عن الدخان، فجعل ذلك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثلا لنغل القلوب وما فيها من الضغائن والأحقاد.
ومنها حديثه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين ذكر الدنيا وزينتها فقال: وإنَّ ما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم فأراد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنّها، وإنَّ كانت ذات زهرة وجمال، فقد تؤول بصاحبها، إذا سلك بها غير القاصد، إلى سوء المغبة، كما أنَّ آكلة الخضر من الماشية إذا لم تقصد في مراعيها آل ذلك بها إلى أنَّ تستوبله حتى تحبط عنه بطونها فتهلك. ومنها قوله عليه السلام لأبي سفيان بن حرب: أنت يا أبا سفيان كما قيل: كل الصيد في جوف الفرا. أي انك في الرجال كالفرأ
(1/35)

في الصيد، وهو الحمار الوحشي، قال له ذلك يتألفه على الإسلام. ومنها قوله حين ذكر الضرائر فقال: ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها فقد علم إنّه لم يرد الصفحة الخاصة، إنّما جعلها مثلاً لحظها من زوجها، يقول: إنّه إذا طلقها لقول هذه كانت قد أمالت نصيب صاحبها إلى نفسها.
ومنها قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين ذكر الغلو في العبادة فقال: إنَّ المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى يقول: إنَّ هذا إذا كلف نفسه فوق طاقتها من العبادة بقي حسيرا، كالذي أفرط في إغذاذ السير حتى عطبت راحلته، ولم يقض سفره.
ومنها قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وإياكم وخضراء الدمن. قيل: وما خضراء الدمن؟ قال: " المرأة الحسناء في منبت السوء ". ومنها قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين ذكر كثرة الربا في آخر الزمان فقال: من لم يأكله أصابه من غباره. فقد علم إنّه ليس ثم غبار، وإنّما هذا مثل لمّا ينال الناس منه. ومنها قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(1/36)

الإيمان قيد الفتك. فقد علم إنّه ليس هناك قيد. ولكنه جعل منع الإيمان إياه تقييداً. ثم قال:
الحرب خدعة " قال علي: قال أبو محمّد سلمة: من قال: الحرب خدعة فمعناه إنّه من خدع فيها خدعة فزلت قدمه وعطب فليس له إقالة، ومن قال خدعة أي إنّها تخدع أهلها، ومن قال: الحرب خدعة بضم الخاء وتسكين الدال فهي تخدع أحد الفريقين صاحبه فكأنما خدعت هي. قال أبو عبد الله الزبير بن بكار القاضي: هي عندنا خدعة قال الزبير: حدثني سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الحرب خدعة " قال علي: فقلت للزبير: أتراها محكية؟ قال: نعم " وقال في فرس ركبه: وجدته بحراً. وقال أيضاً: إنَّ من البيان لسحراً. وقال في أهل الإسلام وأهل الشرك:
(1/37)

لا تراءى نارهما. وقال: للعاهر الحجر. وقال: لا ترفع عصاك عن اهلك. فقد علم إنّه لم يرد ضربهم بالعصا، إنّما هو الأدب، وكذلك الحجر، إنّما معناه إنّه لا حق له في نسب الولد. وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا يلسع المؤمن من جحرٍ مرتين. وفي أشياء كثيرة لا تحصى، من الأمثال عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم جاءت عمن بعده من الصحابة وغيرهم، وقد ذكرنا ذلك عنهم في مواضعه ووجوهه مفسراً. وهذا:
(1/38)

بسم الله الرحمن الرحيم

جماع أبواب الأمثال في وصف المنطق
باب المثل في حفظ اللسان وما يؤمر به منه للتقوى وسلامة الدين مع الموعظة فيه.
قال أبو عبيد: وجدنا من الأمثال في حفظ اللسان والحض عليه قول عبد الله بن مسعود: والذي لا إله غيره ما على الأرض شيء أحق بطول سجن لسان.
فجعل عبد الله الفم للسان سجنا يمنعه من الجهل والزلل، كما يحبس أهل الدعارة في السجون.
ومنها قول انس بن مالك: ما اتقى الله أحد حق تقاته حتى يخزن من لسانه.
فجعل الفم للسان خزانة، كما جعل أبن مسعود له سجناً.
ومنها قول شداد بن أوس الأنصاري: ما تكلمت بكلمة منذ كذا وكذا حتى أخطمها وأزمها.
(1/39)

قال أبو عبيد: فقد علم إنّه ليس هناك خطام ولا زمام، وإنّما جعل هذا مثلا لمنعه لسانه من بوادر الفلتات والخطأ.
ومنها قول شريح بن الحارث قاضي الكوفة لرجل سمعه يتكلم

امسك عليك نفقتك.
قال أبو عبيدك فجعل النفقة التي يخرجها من ماله مثلاً لكلامه. وقد جاءنا في بعض الحديث إنّه قال: " ما صداقة الفضل من صداقةٍ من قول ".
ومنها قول عمر بن عبد العزيز: التقي ملجم.
قال أبو عبيد: فقد علم إنّه ليس هناك لجام، إنّما هو كنحو ما ذكرناه من سجن اللسان وخزنه وحفظه وخطمه وزمه ويقال في نحو من هذا: من أغتاب خرق، ومن استغفر رقع.
ويقال: " رفأ " وكذلك قولهم: من صدق الله نجا.
وفي حديث آخر مرفوع " وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلاّ حصائد ألسنتهم ".
(1/40)

باب حفظ اللسان لمّا يخاف على أهله من عقوبات الدنيا
قال: أبو عبيد: من أمثالهم في هذا مقالة أكثم بن صيفي التميمي: مقتل الرجل بين فكيه.
يعني لسانه. والفكان: اللحيان. وقال بعض العرب لرجل وهو يعظه في حفظ اللسان: إياك أنَّ يضرب لسانك عنقك.
ومنه قول الشاعر:
رأيت اللسان على أهله ... إذا ساسه الجهل ليثا مغيرا
ومنه قول أكثم بن صيفي أيضاً: رب قولٍ أشد من صولٍ.
وقد يوضع هذا المثل أيضاً فيما يتقى من العار. ومن كلام أكثم أيضاً في حفظ اللسان من خطأ القول وهذره: ولكل ساقطة لاقطة.
قال أبو عبيد: وهذا تحذير من سقط الكلام، يقول: إنَّ في الناس من يلتقطه فينميه ويشيعه حتى يورط قائله، فأحذره.
(1/41)

وقال الأصمعي واسمه عبد الملك بن قريب: من أمثالهم في التحفظ: ربما أعلم فأذر.
يريد إني قد أدع ذكر الشيء وأنا به عالم لمّا أحاذر من غبه. قال أبو عبيد: ومن جناية اللسان على صاحبه قولهم: محا السيف ما قال ابن داره أجمعا وهو سالم بن دارة بني عبد الله بن غطفان، وكان هجا بعض بني فزارة فأغتاله الفزاري حتى ضربه بسيفه. قال أبو عبد الله الزبير بن بكار القاضي: هو سالم بن دارة، وكان اسم دارة مسافعا. ضربه زميل بن أبي أبرد الفزاري ثم المازني، وكان يعرف بأمه أم دينار، قال: فأخبرني محمّد بن الضحاك عن أبيه قال: مسافع أبو سالم لزميل بعد أن أمن: ويحك يا زميل، لم قتلت سالماً؟ فقال: أحرقني بالهجاء، قال: أنت أشعر الناس حين تقول:
أجارتنا من يجتمع يتفرق ... ومن يك رهنا للحوادث يغلق
قال: أبو عبيد: وأخبرني الأصمعي عن أبي الأشهب العطاري قال: كان يقال: إذا وقي الرجل الشر لقلقه وقبقبة وذبذبه فقد وقي.
قال: فاللقلق: اللسان،
(1/42)

والقبقب: البطن، والذبذب: الفرج. وفي بعض الأحاديث " إنَّ أبن آدم إذا أصبح كفَّرت أعضاؤه للسان فتقول له: أتق الله فأنك إنَّ استقمت استقمنا، وإنَّ اعوججت أعوججنا " ومن أمثالهم المعروفة في هذا: " من صدق الله عز وجل نجا " يكون في القول والعمل جميعا.
ويروى عن يونس بن عبيد إنّه قال: ليست خلة من خلال الخير تكون في الرجل وهي أحرى أنَّ تكون جامعة لأنواع الخير كلها فيه حفظ اللسان.

باب الاقتصاد في المنطق وما يتقى فيه من الإكثار والهذر.
قال أبو عبيد واسمه معمر بن المثنى: من أمثالهم في هذا: من أكثر أهجر.
قال أبو عبيد: يعني أنَّ المكثر ربما خرج إلى الهجر، وهو الكلام القبيح. وقال أكثم بن صيفي: المكثار كحاطب الليل.
قال أبو عبيد: وإنّما شبهه بحاطب الليل لأنه ربما نهشته الحية أو لسبته العقرب في احتطابه ليلا، قال: فكذلك هذا المهذار ربما أصابه في إكثاره بعض ما يكره وقال أكثم أيضاً: الصمت يكسب أهله المحبة وقال غيره من الحكماء
(1/43)

الندم على السكوت خير من الندم على القول. وقال الثالث: عيي صامت خير من عيي ناطق. وقال بعض أشياخنا: كان ربيعة الرأي مكثاراً، فسمعا أعرابي يوماً يتكلم، فلما كان عند انقضاء مجلسه سأله رجل: ما تعدون العي عندكم بالبادية؟ فقال الأعرابي: ما هذا فيه منذ اليوم، يعني إكثار ربيعة. ويروى في الحديث عن لقلمان الحكيم إنّه قال: الصمت حكم وقيل فاعله وقال علقمة بن علاثة الجعفري، وكان من حكماء العرب.

أول العي الاختلاط وأسوء القول الإفراط.
باب القصد في المدح وما يؤمر به من ذلك
قال أبو عبيدة: من أمثالهم في هذا:
(1/44)

من حفنا أورافنا فليقصد. ويقول: من مدحنا فلا يغلون في ذلك. ولكن ليتكلم بالحق منه. قال أبو عبيد: ومنه حديث مرفوع " أن رجلاً جاء إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: أنت أفضل قريش قولاً، وأعظمها طولاً. فقال النبي عليه السلام: يا أيّها الناس، قولوا بقولكم، ولا يستجرينكم الشيطان ". وروينا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه " إنَّ رجلاً أثنى عليه في وجهه فقال له علي: أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك.
قال أبو عبيد: ترى معناه إنّه أتهمه بأنه يصفه بخلاف ما في قلبه وكان مورج العجلي يقول: من أمثالهم في إفراط المادح أنَّ يقولوا: شاكه أبا فلانٍ.
قال: وأصل هذا إنَّ رجلا كان يعرض فرسا له، فقال له رجل: أهذه فرسك التي كنت تصيد عليها الوحش؟ فقال له رب الفرس: شاكه أي قارب في المدح، والمشاكهة للشيء هو الذي يشبهه أو يدنو من شبهه. قال أبو عبيد: والعامة تقول في هذا المثل: دون ذا ينفق الحمار وكلام العرب هو الأول. ومن هذا قولهم:
(1/45)

لا تهرف بما لا تعرف والهرف هو الإطناب وفي الثناء والمدح، ويروى عن وهب بن منبه إنّه قال: إذا سمعت الرجل يقول فيه من الخير ما ليس فيك فلا تأمن أنَّ يقول فيك من الشر ما ليس فيك.

باب الحض على صدق الحديث والنهي عن الكذب
وقال أبو عبيد من أمثالهم فيما يحثون عليه من الصدق قولهم: سبني وأصدق يقول إني لا أبالي إنَّ تسبني بما أعرفه من نفسي بعد أنَّ تجانب الكذب. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم: إنَّ خصلتين خيرهما الكذب لخصلتا سوء.
حكي هذا عن عمر بن عبد العزيز يضرب للرجل يكذب ليتعذر من شيء فعله. قال أبو عبيد: وهذا كالمثل الذي تتكلم به العامة: عذره أشد من جرمه وقال بعضهم: دع الكذب حيث ترى إنّه ينفعك فانه يضرك وعليك بالصدق حيث ترى إنّه يضرك فانه ينفعك. وقال: رجل من الحكماء: لا تكذبن ولا تشبهن بالكذب وروينا عن أبن العباس وعائشة انهما قالا:
(1/46)

الحدث حدثان، وحدث من فيك وحدث من فرجك وقال بعض العلماء لقوم: أعيدوا الوضوء فأن بعض ما تذكرون شر من الحدث.

باب الرجل يعرف بالكذب حتى يرد صدقه لذلك.
الأصمعي أو غيره قال: من هذا المثل قولهم: إذا سمعت بسرى القين فإنه مصبح.
قال: وأصله أنَّ اليقين بالبادية ينتقل في مياههم، ويقيم بالموضع أياما فيكسد عليه عمله، ثم يقول لأهل الماء: إني راحل عنكم الليلة، وإنَّ لم يرد ذلك، ولكنه يشيعه ليستعمله من يريد استعماله فكثر ذلك من قوله حتى صار لا يصدق. يضرب به للرجل يعرفه الناس بالكذب فلا يقبل قوله وإنَّ كان صادقا: قال نشهل بن حري الدارمي:
وعهد الغانيات كعهد قين ... ونت عنه الجعال مستذاق
وقال أبو عبيد: ومنه المثل السائر في العامة: من عرف بالصدق جاز كذبه ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه.
قال: أبو عبيد ومما يحقق هذا المثل حكم الله تبارك وتعالى في الشهادة إنّها مردودة من أهل الفسوق، ولعلهم قد شهدوا بحق. وقال بعض الحكماء:
(1/47)

الصد عز والكذب خضوع وقال آخر: لو لم يترك العاقل الكذب إلاّ مروءة لقد كان حقيقاً بذلك، فكيف وفيه المأثم والعار. وحكي الكسائي عن لسان العرب: إنَّ المرء ليكذب حتى يصدق فما يقبل منه.

باب الانتفاع بالصدق والمخافة من عاقبة الكذب
قال أبو عبيد: من أمثالهم فيما يخاف من مغبة الكذب قولهم: ليس لمكذوب رأي.
وكان المفضل بن محمّد الضبي، فيما بلغني عنه، يحدث إنَّ صاحب هذا المثل هو العنبر بن عمرو بن تميم بن مر، وقاله لأبنته الهيجمانة، وذلك إنَّ عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم كان يزورها، فنهاه قومه عن ذلك، فأبى حتى وقعت الحرب بين قومه وبين قومها، فأغار عليهم عبد شمس في حيشه، فعلمت به الهيجمانة فأخبرت أباها، قال: وقد كانوا يعرفون إعجاب الهيجمانة به كإعجابه بها. فلما قالت هذه المقالة لأبيها قال مازن بن مالك بن عمرو بن تميم: حنت ولا تهنت وأني لك مقروع.
(1/48)

قال: ومقروع هو عبد شمس بن سعد بن زيد مناة، كان يلقب به، فقال لها أبوها عند ذلك: أي بنية اصدقيني، أكذلك هو فأنه لا رأي لمكذوب فقالت: ثكلتك إنَّ لم أكن صدقتك

فانج ولا إخالك ناجياً
فذهبت كلمته وكلمه وكلمتها وكلمة مازن أمثالا. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم فيما يخاف من غب الكذب قولهم: لا يكذب الرائد أهله.
وهو الذي يقدمونه ليرتاد لهم كلأ أو منزلا أو ماء أو موضع حرز يلجؤون إليه من عدو يطالبهم، فإنَّ كذبهم أو غرهم صار تبذيرهم على خلاف الصواب، فكانت فيه هلكتهم. قال أبو عبيد: ومثل العامة في هذا قولهم: الكذب داء والصدق شفاء.
وذلك إنَّ المصدوق يعمل على تقدير يكون فيه مصيبا، وإنَّ المكذوب على ضد ذلك

باب تصديق الرجل صاحبه عند إخباره إياه
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: صدقني سن بكره.
قال الأصمعي: وأصله أن رجلاً ساوم رجلا في بكرٍ أراد شراءه، فسأل البائع عن سنه فأخبره بالحق، فقال المشتري: صدقني سن بكره فذهبت مثلا. قال أبو عبيد: وهذا المثل نرويه عن على بن أي طالب رضي الله عنه، إنّه أتي فقيل له: إنَّ بني فلان وبني فلان اقتتلوا
(1/49)

فغلب بني فلان، فأنكر ذلك، ثم أتاه آخر فقال: بل غلب بنو فلان " للقبيلة الأخرى " فقال علي: " صدقني سن بكره " وقد روي هذا المثل عن الأحنف بن قيس أيضاً إنّه خرج من عند معاوية وهو يقول: " صدقني سن بكره " وذلك لكلامٍ كان معاوية كامه به. قال أبو عبيدة: ومن أمثالهم في التصديق قولهم: القول ما قالت حذام.
قال أبو عبيدة: وسمعت أبي عبيدة وأحسبه أبن الكلبي، يقول: إنَّ هذا المثل للجيم بن صعب والد حنيفة وعجل أبني لجيم، وكانت حذام امرأة، فقال فيها زوجها لجيم:
إذا قالت حذام فصدقوها ... فإنَّ القول ما قالت حذامِ
هكذا ينشد بالخفض، مثل: رقاش وقطامِ ونحو ذلك، وهو موضع رفع. ومن التصديق حديث لبي بكر رحمه الله حين قالت له قريش: هذا صاحبك يخبر أنه سرى في ليلة إلى بيت المقدس وانصرف، فقال: إن كان قاله فقد صدق، فسمي بذلك الصديق.

باب الرجل المعروف بالكذب تكون منه الصدقة الواحدة أحياناً
قال أبو عبيدة: من أمثالهم في هذا: إنَّ الكذوب قد يصدق.
قال أبو عبيدة: وهذا المثل قد يضرب أيضاً للرجل تكون الإساءة هي الغالبة عليه، ثم تكون منه الهنة من الإحسان. قال أبو عبيدة: ومثله قولهم: مع الخواطئ سهم صائب.
وهذا نحو قول العامة.
(1/50)

رُبَّ رميةٍ من غير رامٍ.
باب الرجل المعروف بالإصابة والصدق تكون منه الزلة والسقطة.
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا:
لا يعدم الحسناء ذماً قال أبو عبيد: والذم: هو العيب وفيه لغتان ذم وذيم. ومنه قولهم: لكل جوادٍ كبوة، ولكل صارمٍ نبوة ولكل عالمٍ هفوة.
ومثل العامة في هذا.

إنَّ الجواد قد يعثر.
قال أبو عبيد: وقد يضرب هذا المثل في غير المنطق أيضاً، وذلك كالرجل يكون الغالب عليه أفعال الأمور الجميلة، ثم تكون منه الهفوة والزلة. ومثله قول أبي الدرداء الأنصاري: من لك بأخيك كله.
وكذلك قولهم: أيُّ الرجال المهذب.
ومنه قول النابغة الذبياني:
ولست بمستبقٍ أخاً لا تلمه ... على شعثٍ أيُّ الرجال المهذبُ
قال أبو عبيد: معاني هذه الأمثال كلها أنه ليس أحد يخلو من عيب يكون فيه، فإذا كان الغالب على الرجل الإحسان اغتفرت سقطته. ومنه الحديث المرفوع:
(1/51)

أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم.
وكذلك مقالة أبي عبيدة بن الجراح لعمر: ما سمعت منك فهةً في الإسلام قبلها.
وكان عمر قد قال له: " ابسط يدك أبايعك ".

باب إصابة الرجل في منطقه مرة وأخطائه مرة.
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا أن يقال: شخبٌ في الإناء وشخبٌ في الأرض.
قال: واصله الحالب يحلب فيصيب مرة فيسكب في إنائه، ويخطئ مرة فيحلب في الأرض. يضرب للرجل يخطئ ويصيب. قال الأصمعي: هو يشوب ويروب.
قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم: يشج مرةً ويأسو مرةً.
أي يفسد أحياناً، ويصلح أحياناً. وقال الأحمر: ويقال في نحو هذا:
(1/52)

اطرقي وميشي.
وأصله خلط الشعر بالصوف، يقول: فكذلك هذا يخلط في كلامه بين صواب وخطأ، قال رؤية بن العجاج: في ذلك
عاذل قد أولعت بالترقيش ... إليَّ سراً فاطرق وميشي
قال الزبير: من أمثال العامة في هذا: سهمٌ عليك وسهمٌ لك.

باب سوء المسألة والإجابة في المنطق.
قال الأصمعي: من أمثالهم في المجيب على غير فهم: أساء سمعاً فأساء جابةً.
قال أبو عبيد: هكذا تحكى هذه الكلمة " جابة " بغير ألف، وذلك لأنه اسم موضوع، يقال: أجابني فلان جابة حسنةً، فإذا أرادوا المصدر قالوا: أجاب إجابة، بالألف قال الزبير: وأصل هذا فيما أخبرني به محمد بن سلام قال: كان لسهل بن عمرو أبن مضعف، قال: فقال إنسان يوماً: أين أمك؟ يريد: أين تؤم؟ فظن أنه يقول أين أمك؟ قال: فحسبته قال: ذهبت تشتري دقيقاً، فقال سهيل: " أساء سمعاً فأساء جابةً " فأرسلها مثلاً، فلما انصرف إلى زوجته أخبرها بما قال ابنها فقالت: أنت تبغضه فقال: أشبه امرؤ بعض بزه.
فأرسلها مثلاً أيضاً قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في سوء السمع والإجابة:
(1/53)

حدث حديثين امرأةً، فإن لم تفهم فأربعةً.
وهذا المثل نرويه عن عامر الشعبي أنه تمثل به. " قال الزبير بن بكار: وقد تمثل به النعمان بن بشير الأنصاري على المنبر: أخبرني محمد بن الضحاك عن أبيه، ومحمد بن فضالة يزيد أحدهما على صاحبه، أنَّ النعمان بن بشير بلغه حيث مات معاوية كلام عن بعض أهل الكوفة وهو عامل عليها، فرقي المنبر فقال: يا أهل الكوفة، إنَّ مثلي ومثلكم الضبع والثعلب، أتيا الضب يحتكمان إليه، وكان حكم الدواب والسباع في الجاهلية فجاءه فقالت الضبع: يا أبا الحسيل، قال: سميعاً دعوت.
قالت: اخرج فاحكم بيننا، قال: في بيته يؤتى الحكم.
قالت: إني خرجت أتمشى قال: " فعل الحرة فعلت " قالت: فلقطت تمرة، قال: " طيباً لقطت " قالت: فاختلستها ثعالة، قال: " لنفسه بغى " قالت: فلطمته فلطمني، قال: كان حراً فانتصر لنفسه.
قالت: اخرج فاقض بيننا، قال: " حدث المرأة حديثين فإن أبت فعشرةً " ولم يذكر محمد بن فضالة النعمان، إنّما ذكر الحديث قال أبو عبيد: وقد رواه بعضهم " حدث حديثين امرأة فإن لم تفهم فأربع " أي كف عنها واسكت.
قال أبو عبيد: ومثلهم في سوء المسألة إذا عجل بها قبل أوانها قولهم:
(1/54)

إليك يساق الحديث.
قال أبو عبيد: وهذا مثل قد ابتذلته العامة. قال الزبير: وكان أصل قولهم: " إليك يساق الحديث " فيما بلغني أنَّ رجلا خطب امرأة إلى نفسها فجعل يكلمها ويصف لها نفسه، وهي مع نسوة وجعل كلما كلمته يتحرك ذلك منه حتى يصف الثوب فجعل يضربه بيده ويقول: " إليك يساق الحديث " قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا قولهم: ربما كان السكوت جواباً.
يقال ذلك للرجل الذي يجل خطوه عن أن يكلم بشيء فيجاب بالترك للجواب.

باب الرجل يطيل الصمت ثم ينطق بالفهاهة والزلل.
قال أبو عبيدة: من أمثالهم في هذا: سكت ألفاً ونطق خلفاً.
قال أبو عبيد: والخلف من القول هو السقط الرديء، كالخلف من الناس، وهذا المثل كقول الشاعر:
وكائن ترى من صامتٍ لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلمِ
وهذا البيت يروى عن الأحنف بن قيس، وذلك أنه كان يجالس رجل يطيل الصمت حتى أعجب
(1/55)

به الأحنف ثم إنّه تكلم فقال للأحنف: يا أبا بحر أتقدر أن تمشي على شرف المسجد؟ فعندها تمثل الأحنف بهذا البيت.

باب الرجل يعرف بالصدق ثم يحتاج إلى الكذب.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: عند النوى يكذبك الصادق.
وكان المفضل يخبر بحديثه أنَّ رجلاً كان له عبد لم يكذب قط، فبايعه رجل ليكذبنه، وجعلا الخطر بينهما أهلهما ومالهما، فقال الرجل لسيد العبد: دعه يبت عندي الليلة، ففعل فأطعمه لحم حوار وسقاه لبناً حليباً في سقاء حازر فلما أصبحوا تحملوا وقالوا للعبد: الحق بأهلك، فلما توارى عنهم نزلوا، فأتى العبد سيده فسأله فقال: أطعموني لحماً لا غثاً ولا سميناً وسقوني لبناً لا محمضاً ولا حقيناً وتركتهم قد ظعنوا فاستقلوا فساروا بعد أو حلوا " وفي النوى يكذبك الصادق " فأرسلها مثلاً وأحرز مولاه مال الذي بايعه وأهله.
ٍقال أبو عبد الله الزبير بن بكار: ومما يشبهه حديث أخبرني به محمد بن الضحاك عن أبيه قال: كان الحجاج قد حبس الغضبان أبن القبعثرى، فدعا به يوماً وقال: زعموا أنه لم يكذب قط، وليكذبن اليوم، فقال له لمّا أتي به: سمنت يا غضبان، قال: " القيد والرتعة ".
والخفض والدعة، وقلة التعتعة، ومن يك ضيف الأمير يسمن، قال: أتحبني يا غضبان؟ قال: " أو فرقاً خيرٌ من حبين " قال: لأحملنك على الأدهم، قال: مثل
(1/56)

الأمير حمل على الأدهم والكميت والأشقر، قال: إنه حديد، قال: لأن يكون حديداً خير من أن يكون بليداً.

باب حفظ اللسان في كتمان السر وترك النطق به.
قال أبو عبيدة: من أمثالهم في الإصغاء بكتمان السر قولهم: صدرك أوسع لسرك.
أي فلا تفشه إلى أحد. ومنه قول أكثم بن صيفي: لا تفش سرك إلى أمةٍ ولا تبل على أكمة.
قال أبو عبيد: وهذا مثل قد ابتذله الناس. ومن تحصينهم للسر مقالة الرجل لأخيه في الأمر يسره إليه: اجعل هذا في وعاءٍ غير سربٍ.
قال: وأصله في السقاء السائل، وهو السرب يقول: فلا تبد سري كإبداء السقاء ماءه سائل. وقد قال بعض الحكماء: السر أمانة.
وفي الحديث المرفوع " إذا حدث الرجل الرجلٍ بحديث فالتفت فهو
(1/57)

أمانة " فقد جعله أمانة وإن لم يستكتمه. وقال أبو محجن الثقفي:
وأطعن الطعنة النجلاء عن عرضٍ ... وأكتم السر فيه ضربة العنقِ
وقال قيس بن الخطيم الأنصاري:
إذا جاوز الاثنين سر فإنه ... بنثٍّ وتكثير الوشاة قمينُ
وقد أكثرت الشعراء في هذا المعنى. وقال رجل من سلف العلماء: كان يقال: أملك الناس لنفسه من كتم سره من صديقه وخليله.
قال أبو عبيد: أحسب ذلك للنظر في العاقبة ألا يتغير الذي بينهما يوماً ما فيفشي سره. ومن أمثالهم: سرك من دمك.
يقال: ربما أفشيته فيكون سبب حتفك.
(1/58)

باب إعلان السر وإبداؤه بعد كتمانه
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: صرح الحق عن محضه.
أي انكشف لك الأمر بعد ستره.
قال الزبير: صرح وحصحص بمعنى، قال: " قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحقُ " قال أبو عبيد: ومثله قولهم.

أبدي الصريح عن الرغوة.
أي ظهر ما كانوا يخفون. قال الزبير: النجيث: ما كان مدفوناً فنجثوه وكذلك النبيث. قال الأصمعي وأبو زيد: فإذا ظهر الأمر الظهور كله حتى لا يستتر منه شيء قيل: قد بين الصبح لذي عينين.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا:
(1/59)

قد أفرخ القوم بيضتهم.
وأصله خروج الفرخ من البيضة، يقول: قد أبدى هؤلاء أمرهم كما تفرخ الحمامة بيضها، قاله الأصمعي وأبو زيد. قال أبو عبيد: ومثل العامة في هذا.
برح الخفاء.

باب إسرار الرجل إلى أخيه بما يستره من غيره
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا.

أفضيت إليه بشقوري.
أي أخبرته بأمري، وأطلعته على ما أسره من غيره. وقال العجاج في الشقور:
جارى لا تستنكري عذيري ... سيري وإشفاقي على بعيري
وكثرة الحديث عن شقوري ... وحذري ما ليس بالمحذورِ
" جارى " يريد: يا جارية، فرخم. ومعنى الشعر: يا جارية سيري ولا يستنكري عذيري وإشفاقي بعيري وكثرة الحديث عن شقوري. قال الأصمعي: ومثله قولهم: أخبرتهم بعجري وبجري.
أي أظهرته من ثقتي به على معايبي. قال أبو عبيد: وأصل العجر العروق المتعقدة، وأما البجر فهي أن تكون تلك في البطن خاصة. قال أبو عبيد: والعامة إذا أرادت هذا المعنى قالوا:
(1/60)

لو كان بجسدي برص ما كتمته.
ومن أمثالهم في الكتمان: الليل أخفى للويل.
يقول: فافعل ما تريد ليلاً فإنه أستر لسرك.

باب الحديث يستذكر به حديث غيره
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: الحديث ذو شجون.
وكان المفضل بن محمد يحدث بهذا المثل عن ضبة بن أد، قال: وكان بدء ذلك أنه كان له ابنان، يقال لأحدهما سعد وللأخر سعيد، فخرجا في طلب إبل لهما، فرجع سعد ولم يرجع سعيد، فكان ضبة كلما رأى شخصاٍ مقبلاً قال: أسعد أم سعيد.
فذهبت كلمته هذه مثلا قال: ثم إنَّ ضبة بينما هو يسير ومعه الحارث بن كعب في الشهر الحرام إذ أتيا على مكان، فقال الحارث بضبة: أترى هذا الموضع، فإني لقيت به فتى من هيئته كذا وكذا فقتلته وأخذت منه هذا السيف فإذا هي صفة سعيد ابنه، فقال له ضبة: أرني السيف أنظر إليه، فناوله فعرفه ضبة فقال عندها: " إنَّ الحديث ذو شجون " فذهبت كلمته الثانية مثلا أيضاً. ثم ضرب به الحارث حتى قتله، قال: فلامه الناس في ذلك وقالوا: أتقتل في الشهر الحرام؟ فقال:
(1/61)

سبق السيف العذل.
فذهبت كلمته الثالثة مثلا أيضاً. قال: وفيه يقول الفرزدق:
فلا تأمنن الحرب إنَّ استعارها ... كضبة إذ قال الحديث شجونُ
ويقال: إنَّ قوله: " سبق السيف العذل " لخزيم بن نوفل الهمذاني. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في ذكر الشيء بغيره قولهم: ذكرتني الطعن وكنت ناسياً.
وكان أصله أنَّ رجلا حمل عليه رحل ليقتله، وكان في يد المحمول عليه رمح، فأنساه الدهش والجزع ما في يده، فقال له الحامل: ألق الرمح. فقال الآخر: ألا أرى معي رمحاً وأنا لا أشعر " ذكرتني الطعن وكنت ناسياً " ثم كرم الله وجهه على صاحبه فطعنه حتى قتله أو هزمه، وقد يسمى هذان الرجلان فيقال: إنَّ الحامل صخر بن معاوية السلمي، والمحمول عليه يزيد بن الصعق. أبو الحسن قال: أخبرني أبو محمد قال: المحمول عليه أبو ثور ربيعة بن فلان الفقعسي حمل عليه صخر فقال له: ألق الرمح فقال: " ذكرتني الطعن وكنت ناسياً " فطعنه فأدخل بعض حلق الدرع في بطنه فجوى عنه فمات قال الزبير: هو صخر بن عمرو أخو الخنساء وأخو معاوية.

باب العذر يكون للرجل ولا يمكنه أن يبديه
قال الأصمعي: من أمثالهم في مثل هذا:
(1/62)

رُبَّ سامع بخبري لم يسمع عذري.
يقول: إني لا أستطيع أن أعلنه لأنَّ في الإعلان أمراً أكرهه، ولست أقد أن أوسع الناس عذراً. ومن هذا قول أكثم بن صيفي: رُبَّ ملومٍ لا ذنب له.
يقول: قد ظهر للناس منه أمر أنكروه عليه، وهم لا يعرفون حجته وعذره، فهو يلام. وكذلك قول الآخر: كلُّ أحدٍ أعلم بشأنه.
يقول: إنه لا يقدر على إظهاره أمره كله وإبدائه ومنه قولهم: لعل له عذراً وأنت تلوم.
وفي بعض الحديث: " لا ينبغي لحاكم أن يسمع شكية أحد إلا ومعه خصمه " قال أبو عبيد: لكيلا يسبق إلى قلبه على الآخر شيء قبل أن يعرف ما عنده قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا: المرء أعلم بشأنه.
يقول: إنه لا يقدر أن يفشي للناس من أمره كل ما يعلم.

باب الاعذار في غير موضع العذر.
قال أبو زيد الأنصاري: من أمثالهم في هذا: أبى الحقين العذرة.
قال: وأصله أنَّ رجلاً ضاف قوماً فاستسقاهم لبناً، وعندهم لبن قد حقنوه في وطب، فاعتلوا عليه واعتذروا، فقال: " أبى الحقين العذرة " أي إنَّ هذا الحقين يكذبكم، وقال أبو زيد في مثل هذا:
(1/63)

لا تعدم الخرقاء علةً.
قال أبو عبيد: يريد أنَّ العلل يسيرة، يعني: سهلة موجودة، قد تحسبنها الخرقاء فضلاً عمن يعقل، فلا ترضوا بها لأنفسكم حجة. قال الزبير: ومنه قولهم: " لا يعدم المذنب عذراً " وقال أبو عبيدة في مثل هذا: ترك الذنب أيسر من الاعتذار.
قال أبو عبيد: والعمة يقولون: ترك الذنب أيسر من طلب التوبة.
وفي بعض الآثار:
إياك وما يعتذر منه.
وروى عن إبراهيم النخعي إنّه اعتذر إليه رجل فقال: قد عذرتك غير معتذر، يقول: إنَّ المعاذير يشوبها الكذب.
وقال مطرف أبن الشخير.
المعاذير مكاذب.

باب التعريض بالشيء يبديه الرجل وهو يريد غيره
أبو زيد والأصمعي قالا: من أمثالهم في هذا قولهم:
(1/64)

أعن صبوح ترقق! قال أبو عبيد: وكان المفضل يخبر بأصله قال: كان رجل نزل بقوم ليلاً فأضافوه وغبقوه، فلما فرغ قال: إذا صبحتموني غداً فكيف آخذ في حاجتي؟ فقيل له عند ذلك: " أعن صبوحٍ ترقق " والصبوح هو الغداء والغبوق هو العشاء، وإنما أراد الضيف بهذه المقالة أن يوجب الصبوح عليهم، فصار مثلاً لكل من كنى عن شيء وهو يريد غيره. وقد روى هذا المثل عن عامر الشعبي أنه قاله لرجل سأله عمن قبَّل أم امرأته فقال: أعن صبوح ترقق، حرمت عليه امرأته. قال أبو عبيد: طن الشعبي، فيما أحسب، أنه أراد غير القبلة فكنى بها عن ذلك. وقال أبو زيد والأصمعي في مثل هذا أيضاً: يس حسواً في ارتغاء.
قال الأصمعي: واصله الرجل يؤتى باللبن فيظهر أنه يريد الرغوة خاصة، ولا يريد غيرها، فيشربها وهو في ذلك ينال من اللبن. والارتغاء هو شرب الرغوة، يقال: منه ارتغت ارتغاء. ومن التعريض قولهم: إياك أعني فاسمعي يا جاره.
ويروى عن بعض العلماء أنَّ المثل لسهل بن مالك الفزاري، قاله لأخت حارثة بن لأم الطائي. وقد قال غير أبي عبيد لنهشل. قال: وللعامة مثل قد ابتذلوه في هذا حتى يتكلم به ولدانهم وهو يقول:
(1/65)

بعلة الورشان يأكل رطب المشان

باب الامتنان بالأيادي يذكرها المنعم عن نفسه.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: شوى أخوك حتى إذا أنضج رمد.
واصله أن ينضج شواءه ثم يلقيه في الرماد. وهذا المثل جاءنا عن عمر بن الخطاب رحمه الله. ويضرب للرجل يصطنع المعروف، ثم يفسده بالمن والأذى، وقد يقال هذا أيضاً للذي يبتدئ بالإحسان ثم يعود عليه بالإفساد. وقال بعضهم في مثله: المنَّة تهدم الصنيعة.
قال أبو عبيد: ومن المن أيضاً قول أكثم بن صيفي: فضل القول على الفعل دناءة وفضل الفعل على القول مكرمة.
وقد يضرب هذا للرجل يكون ادعاؤه أكثر من صنيعه.
وحكي عن بعض حكماء العرب أنه قال لبنيه: يا بني، إذا اتخذتم عند رجل يداً فانسوها قال أبو عبيد: يقول: حتى لا يقع في أنفسكم الطول على الناس بالقلوب، ولا تذكروها بالألسنة.

باب الامتنان بالصنيعة التي قد انتفع بها الممتن.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في نحو هذا قولهم:
(1/66)

كالممهورة من مال أبيها.
واصله أنَّ رجلاً أعطى رجلاً مالاً، فتزوج به ابنة المعطي، ثم إنَّ الزوج امتن عليها بما مهرها به منه. ومثله: كالممهورة إحدى خدمتيها.
قال أبو عبيد: وقد يضرب هذا أيضاً في الحمق فيقال: أحمق من الممهورة إحدى خدمتيها.
وذلك إنَّ رجلاً كانت له امرأة حمقاء فطلبت مهرها منه، فنزع إحدى خلخاليها من رجلها، وهما الخدمتان، ودفعه إليها وقال: هذا مهرك فرضيت به.

باب حمد الإنسان قبل إخباره.
قال عليٌّ الأحمر: من أمثالهم في هذا: لا تحمدن أمةً عام اشتريتها ولا حرة عام بنائها.
قال أبو عبيد: معناه أنها تصنع لأهلها لجدة الأمر، وإن لم يكن ذلك شأنها، وهذا مثل لكل من حمد قبل أن يختبر، ومنه البيت السائر في الناس:
لا تحمدن امرءاً حتى تجربه ... ولا تذمنه من غير تجريبِ
ومن هذا المعنى قولهم: لا تهرف قبل أن تعرف.
والهرف: الإطناب في الحمد والثناء. وفي بعض الحديث " لا تعجلو بحمد الناس ولا بذمهم فإنَّ أحدكم لا يدري ما يختم له به ".
(1/67)

باب دعاء الرجل لصاحبه بالخير في الغيبة وغيرها.
قال الأصمعي: يقال في هذا للقادم من سفر: خير ما رد في أهل ومالٍ.
أي جعل الله ما جئت به خير ما رجع به الغائب.
قال سلمة: والذي روينا في هذا أنَّ مجيئك بنفسك خير ما رد في أهلك ومالك قال الأصمعي: ومن الدعاء قولهم: عرفني نساها الله.
أي أخر الله أجلها وأطال عمرها، قال: وكان أصله أنَّ رجلاً كانت له فرس، فأخذت منه، ثم رآها بعد ذلك في أيدي قوم، فعرفته فحمحمت حين سمعت كلامه، فقال عند هذه المقالة، فذهبت مثلا. هذا قول الأصمعي، وأما غيره فقال: إنَّ هذا المثل لبيهس الذي يعرف بنعامة وإنّما لقبها لطول ساقيه، وكان طويل الرجلين، فرأته امرأته بليل فقالت: نعامة والله، فقال: عرفتني نساها الله، وقال أبو محمّد الأموي، واسمه عبد الله بن سعيد: من دعائهم في هذا قولهم: بلغ الله بك أكلاً العمر.
أي أقصاه قال الزبير بن بكار القاضي: أكلا العمر: أحفظ العمر، تقول للرجل: كلأك الله، وانشد قول الشاعر:
كلاك الله حيث عزمت وجهاً ... وحاطك في المبيت وفي المقيل
قال أبو عبيد: يقولون للرجل الذي يعجب من كلامه أو غير ذلك من أموره:
(1/68)

عيل ما هو عائله.
أي غلب ما هو غالبه. قال أبو عبيد: وأصل العول الميل، ويروى في تفسير قول الله جل ثناؤه) ذلك أدنى ألا تعولوا (إنّه الميل والجور وقال أبو عمر والشيباني من أمثالهم في الدعاء.

نعم عوفك
وتأويله نعم بالك وشانك، ونحو هذا، قال أبو عبيد: وكان بعض الناس يتأولون العوف الفرج، فذكرته لأبي عمرو فأنكره.
قال أبو عبيد: ومن دعائهم في النكاح: على بدء الخير واليمن.
وقد روينا هذا الكلام في حديث عبيد لم عمير الليثي. ومنه قولهم: بالرفاء والبنين وقد فسرناه في غريب الحديث. قال الأصمعي: ومن دعائهم بالخير قولهم: هنئت ولا تنكه.
أي أصبت خيراً ولا أصابك الضر، يدعو له. قال أبو عبيد: ومن دعائهم في موضع المدح قولهم:
(1/69)

هوت أمه، وهبلته أمه ومنه قول كعب بن سعد الغنوي:
هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا ... وماذا يودي الليل حين يؤوب
ومن هذا المعنى قول امرئ القيس: ماله ما عد من نفره أي لا د من فخره، أي من عدده الذين يفخر بهم فهم يدعون عليه بالهلاك، وإنّما هذا على وجه الحمد له، وهو نحو قولهم: " قاتله الله، وأخزاه الله " إذا أحسن في الشعر يقوله.

باب ذكر الغائب
يذكر فيرى أو يرى الإنسان الشيء فيذكر به ما قد نسيه.
قال أبو عبيدة: من أمثالهم في الغائب يذكر فيرى: أذكر الغائب يقترب.
قال أبو عبيد: ومثله.

أذكر الغائب تره.
وهذا المثل يروى عن عبد الله بن الزبير إنّه ذكر المختار بن أبي عبيد يوماً، وسأل عنه والمختار يومئذ بمكة قبل أنَّ يقدم العراق، فبينا هو في ذكره إذ طلع المختار، فقال أبن الزبير: اذكر غائبا تراه قال أبو عبيد: وهذا الذي جاء فيه الحديث إنّه من أشراط الساعة، فهذا ما في الإنسان، يذكر فيرى وأما مثلهم في الإنسان يرى الشيء فيذكر به ما قد نسيه فقولهم:
(1/70)

ذكرني فوك حمار أهلي.
وكان المفضل فيما يحكى عنه، يقول: كان أصله أنَّ رجلاً خرج يطلب حمارين كانا ضلا عنه، فرأى امرأة متنقبة فأعجبته حتى نسي الحمارين فتبعها، فلم يزل يطلب إليها حتى سفر له: فإذا هي فوهاء، فحين رأى أسنانها ذكر الحمارين فقال: ذكرني فوك حمارا أهلي قال أبو الحسن: وأنشدني الزبير قول الشاعر في البرقع:
إذا بارك الله في خرقةٍ ... فلا بارك الله في البرقع
يواري الملاح ويفخي القباح ... فهذا يضر ولا ينفع

باب إنجاز الموعد والوفاء به.
قال أبو عبيد: روى علماؤنا في حديث مرفوع.

العدة عطية.
ورووا عن عوف بن النعمان الشيباني إنّه قال في الجاهلية الجهلاء: لأن أموت عطشاً أحب إليَّ من أكون مخلاف الموعدة. وعن عوف الكلبي إنّه قال: آفة المروءة خلف الموعد.
قال الحارث بن عمرو بن حجر الكندي: أنجز حر ما وعد.
وكان المفضل يحدث إنَّ الحارث قال ذلك لصخر بن نشهل بن دارم، وكان له مرباع بني حنظلة، فقال له الحارث: هل أدلك على غنيمة ولي خمسها؟ فقال صخر: فدله على قبيله فأغار عليهم بقومه فظفر وغنم، فقال له الحارث: أنجز الحر ما وعد، فذهبت
(1/71)

قولهم: مثلاً ووفى له صخر بما قال. قال أبو عبيد: ومن هذا المعنى مثل العرب السائر في العامة والخاصة

الوفاء من الله بمكان.
وحمد الله عز وجل إسماعيل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بوفائه للموعد فقال؛ " إنّه كان صادق الوعد " وروي عن عبد الله بن عمرو إنّه كان وعد رجلاً من قريش إنَّ يزوجه ابنته، فلما كان عند موته أرسل إليه فزوجه وقال: " كرهت إنَّ ألفى الله. بثلث النفاق ".

جماع الأمثال التي في معايب المنطق
باب المثل في العار والقالة السيئة وما يحاذر منها وإنَّ كانت باطلا.
قال أبو عبيد. ومن أمثالهم في هذا قولهم: حسبك من شر سماعة.
قال: أخبرني هشام بن الكلبي أنَّ المثل لأم الربيع بن زياد العبسي قال: وكان سبب ذلك أنَّ ابنها الربيع كان أخذ من قيس بن زهير بن جذيمة درعا، فعرض قيس لأم الربيع، وهي على راحلتها في مسير لها، فأراد إنَّ يذهب بها ليرتهنها بالدرع، فقالت له: أين عزب عنك عقلك يا قيس؟ أترى بني زياد مصالحيك وقد ذهبت بأمهم يميناً وشمالاً، فقال الناس ما شاووا، وإنَّ حسبك من شر سماعه، فذهبت مثلا. تقول: كفى بالله عاراً، وإنَّ كانت بطلاً. قال أبو عبيد: وكان المفضل، فيما يحكى عنه، يذكر هذا الحديث، ويسمي أم الربيع ويقول: هي فاطمة بنت الخرسب من بني أنمار بن بغيض قال الزبير: هي أم أنمار، وليست من أنمار.
قال أبو عبيد: ومن ذلك أيضاً قولهم:
(1/72)

قد قيل ذلك إنَّ حقا وإنَّ كذباً.
أخبرني أبن الكلبي أيضاً أنَّ هذا المثل للنعمان بن المنذر الملك، قاله للربيع بن زياد، وكان النعمان له مكرما معظماً، فبغاه لبيد بن ربيعة عنده لشيءٍ كان بينهما فدخل لبيد على النعمان والربيع يتغدى معه، فأنشد لبيد: مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه في أبيات ذكر فيها أنَّ به برصا في موضع يسمج ذكره. وكانت العرب تتطير من البرص، فلما سمعها النعمان أمسك عن الطعام، فقال الربيع: أبيت اللعن، إنَّ لبيداً كاذب، فعندها قال: النعمان وأنشد البيت:
قد قيل ذلك إنَّ حقاً وإنَّ كذباً ... فما اعتذارك من شيءٍ إذا قيلا
ثم ترك النعمان مؤاكله الربيع بعد ذلك.

باب تعيير الإنسان صاحبه بعيب هو فيه
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا.

رمتني بدائها وانسلت.
قال أبو عبيد: ويحكى عن المفضل إنّه كان يقول: هذا المثل قيل لرهم بنت الخزرج من كلب. وكانت امرأة سعد بن زيد مناة بن تميم. وكان لها ضرائر، فسابتها إحداهن يوما فرمتها رهم بعيب هو فيها. فقالت ضرتها: " رمتني بدائها وانسلت " فذهبت مثلاً.
(1/73)

قال أبو عبيد: وللعامة في هذا مثل مبتذل، وهو قولهم: عير بجير بجره، نسى بجير خبره.
ومنه البيت السائر في الناس للمتوكل الكناني ثم الليثى:
لا تنهى عن خلقٍ وتركب مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
قال الأصمعي: ومثله قولهم: محترس من مثله وهو حارس.
يضرب للرجل يعيب الفاسق لفعله، وهو أخبث منه. قال أبو عبيد: ومنه الحديث الذي يروى إنَّ في بعض الحكمة: كيف تبصر القذاة في عين أخيك وتدع الجذع المعترض في حلقك وروى عن مطرف بن الشخير أو عن غيره من العلماء إنّه قال لأصحابه: لو كنت عن نفسي راضياً لقليتكم، ولكني عنها غير راضٍ. وفي بعض الآثار:
(1/74)

البلاء موكل بالقول وهو مع هذا من أمثالهم السائرة. وقال إبراهيم النخعي: " إني لأرى الشيء مما يعاب فما يمنعني من عيبه إلاّ المخافة إنَّ أبتلى به. وقال عمرو بن شرحبيل: لو عيرت رجلاً برضاع الغنم لخشيت إنَّ أرضعها. ومن أمثالهم في هذا: لا تسخر من شيء فيحور بك.

باب رمى الرجل صاحبه بالمعضلات أو بما يسكته
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا أنَّ يقولوا: رماه بأحقاف رأسه.
قال الأصمعي: ومثله قولهم: رماه بثالثة الأثافي.
والثالثة من الأثافي هي القطعة من الجبل تجعل إلى جنبها
(1/75)

أثفيتان، فتكون الثالثة هي القطعة المتصلة بالجبل. قال خفاف بن ندبة، وهي أمه:
وإنَّ قصيدة شنعاء مني ... إذا حضرت كثالثة الأثافي
وقال الكسائي: يقال إذا بهته بعظيمة قالوا: باللعيضهة، وياللأفيكة، وياللبهيتة.
قال أبو عبيد: ومعناها كلها إنّه رماه بالبهتان. وقال الأصمعي: ومن أمثالهم في نحو هذا قولهم: كأنما أفرغ عليه ذنوباً وذلك إذا كلمه بكلمة عظيمة يسكته بها.

باب دعاء الإنسان على صاحبه بالموبقات.
قال أبو زيد: من أمثالهم في الدعاء قولهم: فاها لفيك.
قال: ومعناها الخيبة لك. قال أبو عبيد: وأصله إنّه يريد: جعل الله لفيك الأرض، كما يقال: " بفيك الإثلب وبفيك الحجر " ونحوه من الدعاء. وقال رجل من بلهجيم:
فقلت له فاها لفيك: فإنّها ... قلوص امرئٍ قاريك ما أنت حاذره
"
(1/76)

قاريك " يعني يقريك، من " القرى " ومن أمثالهم في نحو هذا: لليدين وللفم.
معناه: كبه الله ليديه ولفمه. وهذا الكلام يروى عن عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، أنها قالته لرجل أصابه نكبة ومثله قولهم: للمنخرين.
وهذا يروى عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، إنّه قال لرجل أتي به سكران في شهر رمضان، فعاقبه وقال: للمنخرين للمنخرين، أولداننا صيام وأنت مفطر؟! ومعناه كبه الله لمنخريه. وقال الأحمر: من دعائهم في هذا.

بجنبه فلتكن الوجبة.
يعني الصرعة. وقال الأموي في نحوه: من كلا جانبيك لا لبيك.
أي لا تكون لك التلبية والسلامة، لأن التلبية هي الإقامة بالمكان. وقال الأصمعي: ومن دعائهم.

جدع الله مسامعه.
ومعناه القطع، يريدون الأذنين، وما قولهم: استكت مسامعهم.
فانه الصمم. ومن الدعاء قولهم:
(1/77)

عقراً حلقاً وأهل الحديث يقولون: " عقرى حلقي " وقد فسرناه في غريب الحديث ومن الدعاء عند الشماتة: به لا بظبي.
أي جعل الله ما أصابه لازماً له، ومنه قول الفرزدق:
أقول له لمّا تأني نعيه ... به لا بظبي بالصريمة أعفرا
قال أبو عبيد: ومن دعائهم: لا لعاً لفلانٍ.
أي لا أقامه الله، ومنه قول الأعشى في الناقة:
بذات لوثٍ عفرناةٍ إذا عثرت ... فالتعس أدنى لها من أنَّ أقول لعا
وقال الأخطل:
فلا هدى الله قيسا من ضلالتها ... ولا لعاً لبني ذكوان إذ عثروا
(1/78)

باب الملاحاة والتشاتم.
قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي في هذا: من لاحاك فقد عاداك.
ومن حديث مرفوع إنَّ أوّل ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان شرب الخمر وملاحاة الرجال. وفي بعضه " إنَّ أربي الربا شتم الأعراض، وأشد الشتم الهجاء، والراوية أحد الشاتمين ". وقال الأصمعي: يقال: من نجل الناس نجلوه.
أي من شارهم شاروه. وقال أبو عبيد: يقال للرجل البذئ: لا يحسن التعريض إلاّ ثلباً.
يقول: إنّه سيفه يصرح بمشاتمه الناس من غير كناية ولا تعريض. والثلب هو الطعن في الأنساب، وهي المثالب. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا قولهم: سيفه لو يجد مسافهاً.
وهذا المثل يروى عن الحسن بن علي إنّه قال لعمرو بن الزبير، قال الزبير: أنشدني محمّد بن مسعر لحاجب بن زرارة:
(1/79)

أغركم إني بأحسن شيمةٍ ... رفيق وإني بالفواحش أخرق
وانك قد فاحشتني فغلبتني ... هنيئاً مريئا أنت بالفاحش أرفق
ومثلي إذا لم يجز أفضل سعيه ... تكلم نعماه بفيه فتنطق
وقال أبو عبيد: وإذا عرف الرجل بالشرارة، ثم جاءت منه هنة قيل: إحدى حظيات لقمان.
أي إنّها من فعلاته. وأصل الحظيات المرامي، واحدتها حظية، وتكبيرها خطوة، وهي التي لا نصل لها من المرامي. ويروى عن يزيد بن المهلب فيما أوصى به ابنه مخلد بن يزيد: إياك وأعراض الرجال، فإنَّ الحر لا يرضيه من عرضه شيء، واتق العقوبة في الأبشار فإنّها عار باق، ووتر مطلوب. وروي عن الفضيل بن بزوان وكان حكيما أنَّ رجلاً قال له: بلغني انك وقعت في: فقال له: أنت إذاً اكرم علي من نفسي. وجاءنا عن الشعبي إنَّ رجلاً قال فيما أترك، فلما فرغ قال له الشعبي: إنَّ كنت صادقا فغفر الله لي، وإنَّ كنت كاذبا فغفر الله لك. وسمع الشعبي أيضاً قوماً ينتقصونه فقال.
هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامرٍ ... لعزة من أعراضنا ما استحلت
(1/80)

وقال الأصمعي: ومن أمثالهم في الرجل يعجل إلى الرجل بالقول: استقدمت رحالتك.
قال أبو عبيد: ويروى عن أبن عمر إنّه قال: إني وأخي عاصماً لا أشتم أحداً، يعني عاصم بن عمر بن الخطاب رحمه الله، ويروى عن عاصم أيضاً إنَّ جاراً له نازعه في أرض ادعياها من كلاهما، فقال الرجل لعاصم: إنَّ كنت رجلاً فضع قدمك فيها، فقال له عاصم: أوقد بلغ بك الغضب ما أرى إنَّ كانت هذه الأرض لك، وإنَّ كانت لي فهي لك، فاستحيا منه الرجل فتركها: وأبى عاصم أنَّ بقبلها. ومن الأمثال المشهورة في الشتم أنَّ يقال:
من سبك؟ فيقال: الذي أبلغك.

باب المماكرة والخلابة
قال الأصمعي: يقال: فتل في ذروته.
أي خادعه حتى أزاله عن رأيه. قال أبو عبيد: ويروى عن أبن الزبير إنّه حين سأل عائشة أم المؤمنين الخروج إلى البصرة أبت عليه: فما زال بفتل في الذروة
(1/81)

والغارب حتى أجابته. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في المماكرة: ضرب أخماسا لأسداس.
وأنشدنا غيره:
إذا أراد امرؤ مكراً جنى عللا ... وظل يضر أخماسا لأسداس
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الخديعة والمكر قولهم: الذئب يأدو للغزال.
أي يختله ليوقعه. قال الأصمعي: ومن أمثالهم: من يأت الحكم وحده يفلج.
قال أبو عبيد: وهذا من غير هذا الباب، ولكن فيه بعضه. يضرب للرجل يسبق إلى الحاكم فيلقي في قلبه التهمة على صاحبه. وهو ضرب من المكايدة. قال أبو عبيدة: ومن أمثالهم:
(1/82)

المعافى ليس بمخدوع.
وأحسبهم يعنون إنّه إذا عوفي لم يضره ما كان خودع به قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الخداع قولهم: فلان يقرد فلاناً.
أي يحتال له ويخدعه حتى يستمكن منه قال: وأصل ذلك أن يجيء الرجل بخطام إلى البعير الصعب قد ستره منه لئلا يمتنع، ثم ينتزع قرادا من البعير حتى يستأنس به البعير، ويدني رأسه، فإذا فعل ذلك رمى بالخطام في عنقه، وفيه يقول الحطيئة:
لعمرك ما قراد بني كليبٍ ... إذا نزع القراد بمستطاع
أي لا يخادعون. ومن أمثالهم في الخداع قولهم: فلم خلقت إذا لم أخدع الرجال.
يعني لحيته، يقول: لم خلقت لحيتي إذا لم أفعل هذا.

باب اللهو والباطل وألفاظهما
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا: ده ردين سعد اليقين.
ومعناه عندهم الباطل، قال الأصمعي: ولا أدري ما أصله.
(1/83)

قال أبو عبيد: وأما أبو زياد الكلابي فانه قال لي: " ده دريه " بالهاء. وقال الكسائي: ومن الباطل، يقال: جرى فلان جري السمه.
قال الكسائي: ومن هذا قولهم: هو الضلال بن فهللٍ.
والضلال لن ثهللٍ.
ومن أسماء الباطل قولهم: جاء فلان بالترهة.
وهي واحدة الترهات وكذلك التهاته، قال القطامي:
ولم يكن ما أجتدينا من مواعدها ... إلاّ التهاته والامنية السقما
(1/84)

ومثله " الأساطير " وقد اختلف الناس في واحدها، فقال بعضهم: أسطورة، وكان الكسائي يقول: واحدها سطر، ثم أسطار، ثم أساطير، جمع الجمع. وقال أبو عبيد: ومن الأباطيل ما جاء في الحديث من التهاتر، وهي الشهادات التي يكذب بعضها بعضاً. وفي بعض الحديث " المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان ".

باب الدعابة والمزاح
قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي: المزحة تذهب المهابة.
يقول إذا عرف بها الرجل قلت هيبته. وقال خالد أبن صفوان التميمي: المزاح سباب النوكى.
وقال عمر بن عبد العزيز: إياك والمزاح فانه يجر القبيحة ويورث الضغينة. وروى بعضهم عن مجاهد إنّه مازح صديقا له بكلمة فتهاجرا حتى ماتا. قال أبو عبيد: ومن هذا مثلهم السائر في الناس: لا تفاكه أمه، ولا تبل على أكمةٍ.
ويروى عن سعيد بن العاصي إنّه قال:
(1/85)

لا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا الدنيء فيتجرأ عليك.
وجاءنا عن بعض الخلفاء إنّه عرض على رجل خلتين يختار أحدهما، فقال الرجل: " كلاهما وتمراً " فغضب عليه وقال: أعندي تمزح، فلم يوله شيئاً. وقال أهل العلم في شعرٍ له:
أما المزحة والمراء فدعها ... خلقان لا أرضهما لصديق
إني بلوتهما فلم أحمدهما ... لمجاور جار ولا رفيق
وذكر عند عمر بن الخطاب رحمه الله عليه فلان فقال: ذلك رجل فيه دعابة، يعني علياً.

باب الخلف في المواعيد
قال أبو عبيد: من أمثالهم في إخلاف الموعد قولهم: إنّما هو كالبرق الخلب.
وهو الذي لا مطر معه، ويقول: إنّه يخلف كما يخلف ذلك البرق. قال الزبير بن بكار: سألت حمزة بن عتبة اللهبي عن برق الخلب، فقال: عندنا بمكة مكان يقال له: الخلبة، يكذب برق ذلك المكان، وبه شبه الناس البرق الكاذب فقالوا: "
(1/86)

برق الخلب ". قال أبو عبيد: وقال أبن الكلبي: ومن أمثالهم في هذا قولهم: مواعيد عرقوبٍ.
قال: سمعت أبي يخبر بحديثه إنّه كان رجل من العماليق يقال له عرقوب، فأتاه أخ له يسأله شيئاً، فقال له عرقوب: إذا أطلعت هذه النخلة فلك طلعها، فلما أطلعت أتاه للعده فقال: دعها حتى تصير بلحاً. فلما أبلحت أتاه فقال له: دعها حتى تصير زهواً، فلما أزهت قال له: دعها حتى تصير تمراً، فلما أتمرت عمد إليها عرقوب من الليل فجذها ولم يعط منها شيئاً، فصار مثلا في الخلف، وفيه يقول الاشجعي:
وعدت وكان الخلف منك سجية ... مواعيد عرقوب أخاه بيثرب
وبعضهم يرويه " بأترب " اسم موضع قال: أنشدني الأصمعي بيثرب.

باب إظهار البر باللسان والفعل لمن تراد به الغوائل
قال الأصمعي في مثل هذا: شر يوميها وأغواه لها.
قال: وأصله أنَّ امرأة من طسمٍ يقال لها عنز أخذت سبية فحملوها في هودح وألطفوها بالقول والفعل، فعدها قالت: " شر يرميها وأغواه لها " تقول
(1/87)

شر أيامي حين صرت أكرم للسباء، وفيه بيت سائر:
شر يوميها وأغواه لها ... ركبت عنز بحدجٍ جملاً
قال أبو عبيد: ومثل العامة في هذا: ليس من كرامة الدجاجة تغسل رجلاها.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم القديمة قولهم: الذئب يكنى أبا جعدة.
ويقال إنّه لعبيد بن الأبرص، قاله للمنذر حين أراد قتله فقال:
هي الخمر يكنوها بالطلاء ... كما الذئب يكنى أبا جعده
يضرب للرجل يظهر لك إكراما، وهو يريد بك غائلة، ويقول: لأن الذئب وإنَّ كانت كنيته حسنة فإنَّ عملة ليس بحسن.

باب اليمن الغموس وغيرها
قال الأصمعي: من أمثالهم في اليمن الغموس يحلف بها الرجل:
(1/88)

جذها جذ العير الصليانة.
وذلك إنَّ العي ربما اقتلع الصليانة من اصلها إذا أرتعها، يقول: فذلك فعل هذا في يمينه، أسرع بالحلف ولم يتتعتع فيها، وفي الحديث " إنَّ اليمين الغموس تذر الديار بلاقع من أهلها " أي تنفيهم. قال أبو عبيد: والغموس هي المصبورة التي يوقف عليها الرجل، يحلف بها. ونراها سميت غموسا لغمسها حالفها في المآثم ومن أمثالهم في الإيمان قولهم: اليمن حنث أو مندمة.
قال أبو عبيد: وهذا المثل يروى عن عمر رحمه الله تعالى.
(1/89)

بسم الله الرحمن الرحيم
جماع أمثال الرجال
واختلاف نعوتهم وأحوالهم
باب المثل في الرجل البارع المبرز في الفضل
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: ما يشق غباره.
وأصله في الخيل، وكان المفضل يخبر بهذا المثل عن قصير بن سعد اللخمي، وكان نهى جذيمة الأبرش أنَّ يصير إلى الزباء فعصاه، حتى إذا صار في سلطانها ندم، فقال له قصير عند ذلك: أركب فرسي هذا فانج عليه فانه لا يشق غباره، فذهبت كلمته مثلا لكل سابق مبرز على صاحبه. ومنه قول النابغة الذبياني لزرعة بن عمرو بن الصعق:
أعلمت يوم عكاظ حين لقيتني ... تحت العجاج فما شققت غباري
ويروى: فما حططت غباري قال أبو عبيد: ومعناه أنَّ الفرس يسبق الخيل حتى لا يدرك الفرس غباره فيدخل فيه. وقال أبو عبيدة والأصمعي: من أمثالهم في السابق قولهم:
(1/90)

جري المذكي حسرت عنه الحمر أي يسبق الفرس القارح الحمير.
وقال زهير بن أبي سلمى:
فضل الجياد على خيل البطاء ولا ... يعطيك ذلك ممنونا ولا نزقاً
وقال أبجر بن جابر العجلي لابنه حجار: يا بني، لا تكن لك همة دون الغاية القصوى، وقال بعض الحكماء: لا ينبغي للعاقل أنَّ يرضى لنفسه إلاّ بإحدى منزلتين، أما أنَّ يكون في الغاية القصوى من مطالب الدنيا أو يكون في الغاية القصوى من الترك لها. وقال قيس بن زهير لحذيفة بن بدر.

جري المذكيات غلاب.
وقال بعض الحكماء: لا ينبغي للعاقل الله تعالى يرضى لنفسه بمنزله دون الأمد الأقصى في طلب دنيا. قال الأصمعي: ومن أمثالهم قولهم: ما زال منها بعلياء.
وكذلك " ما زال بعدها ينظر في خير ". يضرب للرجل يفعل فعله يبلغ بها الشرف والسناء.
(1/91)

باب الرجل النابه الذكر الرفيع القدر
قال أبو عبيد: من أمثالهم في مثل هذا: ما بوم حليمة بسر.
وكان هشام بن الكلبي يخبر أنها حليمة بنت الحارث بن أبي شمر، وكان حديثها أن أباها وجه جيشا إلى المنذر بن ماء السماء، فأخرجت لهم طيبا في مركن فطيبتهم، وهي التي ذكر النابغة الذبياني في قوله:
تخيرن من أزمان يوم حليمة ... إلى يوم قد جربن كل التجارب
يصف السيوف. وقد يضرب يوم حليمة لكل أمر متعالم مشهور. وقال أبو محمّد الأموي: من أمثالهم في الرجل النابه: ما يحجز فلان في العكم.
أي إنّه ليس ممن يخفى مكانه وأصله المتاع يغيب في الوعاء فيعكم، يقال منه: حجزته حجزا. قال: ومن أمثال العامة في هذا قولهم: هو أشهر من الفرس الأبلق.
ويروى عن عبيد الله بن الحر الجعفي إنّه دخل على عبيد الله بن زياد بعد مقتل الحسين بن علي رضي الله عنه، فقال له عبيد الله: خرجت مع الحسين فظاهرت علينا، فقال أبن الحر: لو كنت معه ما خفي مكاني. وقال النابغة الذبياني في الرجل النابه يمدح به بعض الملوك:
بأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهم كوكب
(1/92)

وقال أبو عبيد: ومن أمثالهم فيه قولهم: وهل يخفى على الناس النهار.
وكذلك وهل يجهل فلاناً إلاّ من يجهل القمر.
وقال ذو الرمة.
وقد بهرت فما تخفى على أحد ... إلاّ على أحد لا يعرف القمرا
ومن أمثالهم في شهرة القمر: إنَّ يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر.
وكان المفضل، فيما يحكى عنه، يذكر إنَّ أصله كان أنَّ رجلين تبايعا على غروب القمر صبيحة ثلاث عشرة، أيسبق غروبه طلوع الشمس أم يسبقه طلوعها، فمال قوم الذي ذكر أنَّ غروب القمر يسبق مع صاحبهم، فقال الآخر: إنكم تبغون علي، فقيل له: " إنَّ يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر " فذهبت مثلاً.

باب الرجل العزيز المنيع الذي يعز به الذليل ويذل به العزيز.
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: إنَّ البغاث بأرضنا يستنسر.
قال: والبغاث: الطير التي تصاد واحدتها بغاثة ويقال: بغاث واحد وجمعه بغاثان وقال الزبير بن بكار: البغاث: ذكر الرحم، وقال الشاعر:
(1/93)

كان بني مروان إذ يقتلونه ... بغاث من الطير اجتمعن على صقر
وقوله: يستنسر أي يصير نسرا فلا يقد على صيده، أي فكذلك نحن في عزنا، فمن جاءونا صار بنا عزيزاً. قال أبو عبيد: فإنَّ أرادوا أنَّ من ناوأنا ذل قالوا: لا حر بوادي عوفٍ.
يقول: كل من صار في ناحية خضع له وذل. وكان المفضل يخبر أنَّ المثل للمنذر بن ماء السماء، قاله في عوف من ملحم الشيباني، وذلك إنَّ المنذر كان يطلب زهير بن أمية الشيباني بذحل فمنعه عوف بن ملحم الشيباني، وأبى أنَّ يسلمه، فعندها قال المنذر: لا حر بوادي عوف، أي إنّه يقهر كل من حل بواديه، قال الزبير: وكان المنذر حلف ألا يتركه حتى يضع يده في يده فجاء به عوف، فوضع يده في يده، وقال: وما نذرك أبيت اللعن؟ قال: " لا حر بوادي عوف ". وكان أبو عبيدة يقول: هو عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وقد يقال: إنَّ قولهم: " لا حر بوادي عوف " إنّه كان يقتل الأسرى ولا يعتقهم. ومن أمثالهم في العز قولهم: تمرد مارد وعز الأبلق.
وكان المفضل يقول: هذا المثل للزباء الملكة، وكانت سارت إلى مارد حصن دومة الجندل، وإلى الأبلق حصن تيماء فامتنعا عليها، فعدها قالت: " تمرد مارد وعز الأبلق "، وقال أوس بن حارثة في العز: من قل ذل ومن أمر فل.
قوله: أمر يعني كثر وقوله: فل يعني إنّه يغلب من ناوأه ويفله بالكثرة والعز.
(1/94)

باب الرجل الصعب الخلق، والشديد اللجاجة
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: لتجدن فلانا ألوى بعيد المستمر.
وكان المفضل فيما بلغني عنه، يذكر أنَّ المثل للنعمان بن المنذر، قاله في خالد بن معاوية السعدي، ونازعه رجل عنده، فوصفه النعمان بهذه الصفة، فذهبت مثلا. وقال الأصمعي: ومثله قولهم: ما بللت من فلان بأفوق ناصلٍ.
وأصله السهم المكسور الفوق، الساقط النصل، يقول: فهذا ليس كذلك في الرجال، ولكنه كالسهم القوي. وقال الأصمعي: ومثله قولهم: ما بللت منه بأعزل وهو الذي لا سلاح معه ويقول: فهذا ليس كذلك ولكنك وجدته معدا. قال أبو عبيدة: ومثله قولهم: ما تقرن بفلان الصعبة.
أي إنّه يذل من ناوأه قال أبو محمّد سلمة: الذي نعرفه " بفلان تقرن الصعبة: قال أبو عبد الله الزبير: وهو عندي كذلك. قال الأصمعي: ومثله:
(1/95)

ما يقعقع لي بالشنان.
ومثله: لقد كنت ما أخشى بالذئب. وكنت أريد وما يقاد بي البعير.
قال ومثله: ما يصطلى بناره.
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في صعوبة الخلق واللجاجة: لج فحج.
يضرب للرجل إذا بلغ من لجاجته إنَّ يخرج إلى شيء ليس من شأنه. وأصله أنَّ رجلاً لج في الغيبة عن أهله حتى خرج إلى حج وما يريد الحج.

باب الرجل النجيد يلقى قرنه في البسالة والنجدة
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: إنَّ كنت ريحا فقد لاقيت إعصاراً.
قال أبو عبيد: وكذلك قولهم: الحديد بالحديد يفلح.
والفلح هو الشق، ومنه فلاحة الأرض، إنّما هو
(1/96)

شقها للحرث، ومثله " الحديد بالحديد يفل " ومنه قول الشاعر:
قومنا بعضهم يقتل بعضاً ... لا يفل الحديد إلاّ الحديد
وكذلك قولهم: النبع يقرع بعضه بعضاً.
وهذا المثل لزياد، قاله في نفسه وفي معاوية. وقد ذكرنا حديثهما في غير هذا الموضع. ويقال في نحو هذا: رمى فلان بحجره.
أي يقرن مثله. وقد روينا في حديث صفين أنَّ معاوية لمّا بعث عمرو بن العاصي حكما مع أبي موسى جاء الأحنف بن قيس إلى علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فقال له: انك قد رميت بحجر الأرض، فأجعل معه أبن عباس، فانه لا يشد عقدة إلاّ حلها، فأراد علي إنَّ يفعل ذلك، فأبت اليمانية إلاّ إنَّ يكون أحد الحكمين منهم، فعند ذلك بعث أبا موسى.

باب الرجل تكون له نباهة الذكر ولا منظر عنده، أو يكون لا قديم له
قال الكسائي: من أمثالهم في هذا: إنَّ تسمع بالمعيدي خير من الله تعالى تراه.
قال أبو عبيد: كان الكسائي يدخل فيه " أنَّ " والعامة لا تذكر " أنَّ " ووجه الكلام ما قال الكسائي، وكان يرى التشديد في الدال فيقول: " المعيدي " وقال: إنّما هو تصغير رجل منسوب إلى معد، قال أبو عبيد: ولم أسمع هذا من غيره. وأخبرني أبن الكلبي أنَّ هذا المثل إنّما ضرب للقصعب بن عمرو النهدي، قال فيه النعمان بن المنذر، وهذا على المعنى من قال: قضاعة بن معد، لأن نهداً من قضاعة: وأما المفضل فحكي
(1/97)

عنه إنّه قال: للمنذر بن ماء السماء، قاله لشقة بن ضمرة التميمي ثم أحد بني نشهل بن دارم وكان سمع بذكره، فلما رآه اقتحمته عينه، فقال: " أنَّ تسمع بالمعيدي خير من أنَّ تراه " فأرسلها مثلا قال: فقال: شقة أبيت اللعن إنَّ الرجال ليسوا بجزرد، تراد منها الأجسام: إنّما المرء بأصغريه قلبه ولسانه.
فذهبت أيضاً مثلا، فأعجب المنذر ما رأى من عقله وبيانه، ثم سماه باسم أبيه، فقال: أنت ضمرة بن ضمرة.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في النباهة الذكر من غير قديم له قولهم: نفس عصام سودت عصاما.
أي إنّه شرف بهمته وقدره في نفسه، لا لقديم كان لآبائه، وهذا الذي تسميه العرب الخارجي، يريدون إنّه خرج من غير أولية كانت له، قال كثير في الخارجي:
أبا مروان لست بخارجي ... وليس قديم مجدك بانتحال
وقال أبو عبد الله الزبير في هذا يكون الرجل له مناظرون في نسبه، لهم شرف كشرفه، فيسودهم بفعاله وقال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الدميم الذي لا منظر له غير إنَّ فيه خصالاً محمودة قولهم:
(1/98)

هو قفا غادر شر.
قال: وأصله إنَّ رجلاً من بني تميم أجار قوماً، فأراد قومه أنَّ يأكلوهم، فمنعهم، فقالت امرأة لأبيها: أرني هذا الوافي: فأراها إياه، فلما أبصرت دمامته قالت: لم أر كاليوم قفا وافٍ فقال: هو قفا غادر شر. فذهبت مثلا، وقد يقال في هذا المثل: " هي قفا غادر شر " بالتأنيث.

باب الرجل ذي الدهاء والإرب
قال أبو زيد: ومن أمثالهم في هذا: - إنّه لتهر أهتار.
وإنّه لصل أصلال. وقال وأصله من الحيات، وشبه الرجل بها وفيه يقول النابغة الذبياني:
ماذا رزئنا به من حية ذكر ... نضاضة بالرزايا صل أصلال
قال أبو زيد: ومن أمثالهم في هذا أيضاً قولهم: إنّه لداهية الغبر.
ومنه قول الحرمازي يمحح المنذر لن الجارود:
(1/99)

أنت لها منذر من بين البشر ... داهية الدهر وصماء والغبر
وكذلك قولهم: إنّه لعضة من العضل.
قال أبو عبيد: وهو الذي تسميه العامة: باقعة من البواقع.
وروي عن عامر الشعبي إنّه كان يقول: الدهاة أربعة معاوبة وعمرو بن العاصي والمغيرة بن شعبة وزياد. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا: إنّه لحول قلب.
وهذا المثل يروى عن معاوية إنّه قال عند موته: إنكم لتقلبون حولا قلباً، إنَّ وقي هول المطلع. قال الأصمعي: من أمثالهم في نحو هذا: فلان يعلم من حيث تؤكل الكتف.
قال أبو عبيد: هو قريب من تلك الأمثال، وليس هو بعينها، وقال الشاعر:
إني على ما ترين من كبري ... أعلم من حيث تؤكل الكتف
(1/100)

باب الرجل الفهم العالم بمغمضات الأمور.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: إنّه لنقاب.
والنقاب: الرجل الفطن الذكي الفهم قال: ومنه أوس بن حجر:
كريم جواد أخو ماقط ... نقاب يحدث بالغائب
وروي عن الشافعي إنّه دخل على الحجاج بن يوسف فسأله عن فريضة من الجد فأخبره باختلاف الصحابة فيها حتى ذكر أبن عباس فقال الحجاج: إنَّ كان أبن عباس لناقباً فما قال فيها النقاب؟ فأخبره الشعبي يقوله. ويقال في نحو منه: إنّه لعض.
ومنه قول القطامي:
أحاديث من عاد وجرهم ضلة ... يثورها العضان زيد ودغفل
ويروى: ينورها وقوله: " زيد ودغفل " هما زيد بن الكيس النمري ودغفل الذهلي وكانا عالمي العرب بالأنساب الغامضة، والأنباء الخفية وإياهما عنى الكميت بقوله:
فما أبن الكيس النمري فيكم ... ولا انتم هناك بدغفلينا
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الفهم: خير الفقه ما حاضرت به.
يراد إنَّ خير الأمور ما جاءك عند موضع الحاجة
(1/101)

إليه، قال: ومعناه ها هنا الفطنة والفهم. قال: أعرابي لعيسى بن عمر: شهدت عليك بالفقه، يريد هذا ومن أمثالهم في المكر: أمكر وأنت من الحديد!.
قال أبو عبيد: وهذا المثل لعبد الملك بن مروان، قاله لعمرو بن سعيد بن العاصي، وكان مكبلاً، فلما أراد قتله قال له: يا أمير المؤمنين إنَّ رأيت ألا تفضحني بأن تخرجني إلى الناس فتقتلني بحضرتهم فافعل، وإنّما أراد عمرو إذ قال له هذه المقالة إنَّ يخالفه في ما أراد فيخرجه: فإذا ظهر منعه أصحابه، وحالوا بين عبد الملك وبينه، ففطن له عبد الملك: فعندها قال: يا أبا أمية، أمكراً وأنت في الحديد! فذهبت مثلا لمن أراد أنَّ يمكر وهو مقهور.

باب الرجل الجزل الرأي الذي يستشفى بعقله ورأيه.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: عنيته تشفي الجرب.
قال أبو عبيد: والعنية: شيء تعالج به الإبل إذا جربت فصارت مثلا لذي الرأي المجيد قال أبو عبد الله الزبير: العنية: القطران، ومنه قول الحباب أبن المنذر بن الجموح الأنصاري يوم السقيفة عند أبي بكر رضي الله عنه:
(1/102)

أنا جذيلها المحك وعذيقها المرجب.
أراد المعنى الأول بعينه، إنّه يستشفى برأيي، وقد فسرناه في غريب الحديث. وقال الأصمعي: ومثله قولهم: إنّه لجذل حكاكٍ.
وهو معنى كلام الحباب بن المنذر ويقال لمثل هذا: إنّه لذو بزلاء.
ومنه قول الشاعر:
إني إذا شغلت قوما فروجهم ... رحب المسالك نهاض ببزلاء
قال الأصمعي: ومن أمثالهم قولهم له:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلاّ ليعلما
قال أبو عبيد: يقال في هذا المثل: إنّه قيل في عامر بن الظرب العدواني، وكان حكم العرب في الجاهلية: فكبر حتى أنكر عقله، فقال لبنيه: إذا أنا زغت فقوموني، فكان إذا زاغ قرع له بالعصا على قدح: فينتبه فينزع عن ذلك، ويقال: إنَّ هذه القصة لأكثم بن صيفي، وقال بعضهم: إنَّ
(1/103)

أوّل من قرعت له العصا سعد بن مالك الكناني.

باب الرجل المصيب بالمظنون حتى كأنه يرى الظن عياناً
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: إنّه لألمعي.
ومنه قول أوس بن حجر: الألمعي الذي يظن لك الظن كأنَّ قد رأى وقد سمعا ويروى في حديث مرفوع إنّه قال: لم تكن أمة إلاّ كان فيها محدث، فإنَّ يكن في هذه الأمة محدث فهو عمر، قيل: وما المحدث؟ قال: الذي يرى الرأي، ويظم الظن فيكون كما رأى وكما ظن وجاءنا عن عمر إنّه قال: ما خاف عمر أمراً قط أنَّ يقع إلاّ وقع. ويقال في بعض الحكمة: من لم ينتفع بظنه لم ينتفع بيقينه.
وسئل بعض حكماء العرب: ما العقل؟ فقال: الإصابة بالظنون، ومعرفة ما لم يكن بما قد كان. ومن هذا مقالة عمرو بن العاصي، وكان قد اعتزل الناس في آخر خلافة عثمان، فلما بلغه حصره ثم قتله قال: أنا أبو عبد الله.

إني إذا حككت قرحة أديمها.
ويقال: نكاتها يعني إنّه قد كان يظن هذا الأمر واقعا، فكان كما ظن، ومن أمثال أكثم بن صيفي في نحو هذا:
(1/104)

الأمور تشابه مقبلةً ولا يعرفها إلا ذو الرأي، فإذا أدبرت عرفها الجاهل كما يعرفها العاقل.
ومنه قال الشاعر:
تشابه أعناق الأمور بوادياً ... وتظهر في أعناقها حين تدبرُ

باب الرجل المجرب الذي قد جرسته الأمور وأحكمته.
قال أبو زيد والأصمعي جميعاً غي مثل هذا: إنه لشراب بأنقع.
أي أبه معاود للخير والشر، قال أبو عبيد: وحدثني بعض علمائنا بهذا المثل عن أبن جريج إنّه قاله في معمر بن راشد، وكان أبن جرج من أفصح الناس، وكان أخبرني عنه يحيى بن سعيد. وقال أبو عمرو الشيباني في مثل هذا: قد حلب فلان الدهر اشطره.
أي إنّه قد اختبر الدهر شطرين من خير وشر. قال أبو
(1/105)

عبيد: وأصله من حلي الناقة، يقال: حلبت شطرها، أي نصفها، وذلك إذا حلب خلفين من أخلافها، ثم يحلبها الثانية خلفين أيضاً فيقول: حلبتها شطرين، ثم يجمع فيقول: أشطر. وقال الأصمعي: ويقال في نحو منه: فلان مودم مبشر.
وهو الذي قد جمع ليناً وشدة مع المعرفة بالأمور، قال: واصله من أدمة الجلد وبشرته، فالبشرة: ظاهره، وهو منبت الشعر، والأدمة: باطنه، وهو الذي يلي اللحم قال فالذي يراد منه إنّه قد جمع لين الأدمة وخشونة البشرة، وجرب الأمور. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في التجارب قولهم: لا تغز إلاّ بغلام قد غزا.
يقول: لا يصحبنك إلاّ رجل له تجارب، فانه أعلم بما يصلحك من هذا الغر الجاهل بالأمر. قال أبو عبيد: في بعض الأمثال.

التجارب ليست لها نهاية، والمرء منها في زيادة.
وروينا عن عمر بن الخطاب إنّه قال: يحتلم الغلام لأربع عشرة، وينتهي طوله لإحدى وعشرين وعقله لسبعٍ وعشرين إلاّ التجارب. فجعل عمر التجارب لا غلية لها. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التجارب.

قد ألنا وإيل علينا.
أي قد سنا وساسنا غيرنا، وهذا المثل يروى أنَّ زياداً قاله في خطبته. ويقال في مثله أيضاً: رجل منجد.
قال: وأنشدني الأصمعي فيه بيتاً والشعر لسحيم بن وثيل الرياحي:
(1/106)

أخو خمسين مجتمع أشدى ... ونجذني مداورة الشؤون
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم: أول الغزو أخرق.
يضرب في قلة التجارب.

باب الرجل الذي قد حنكته السن مع الحزامة والعقل.
الأصمعي قال: من أمثالهم في هذا: زاحم بعودٍ أو دع.
يقول: لا تستعن على أمورك إلاّ بأهل السن والمغرفة، وقال أبو عبيد: وأصل العود في الإبل، وهو الذي جاز في السن البازل والمخلف. ومنه في نحو هذا: جرى المذكيات غلاب.
قال ذلك الأصمعي، وفسره أنه في الخيل المسان. قال: وذلك لأنها أقوى من الجذاع، فهي تحتمل أن تغالب الجري غلابا. وقال أبن الكلبي: هذا المثل لقيس بن زهير بن جذيمة، قاله لحذيفة بن بدر عند الرهان الذي كان بينهما في داحس والغبراء، وحذيفة القائل له أيضاً في هذا الرهان: خدعتك يا قيس، فقال قيس: ترك الخداع من أجرى من المائة.
يعني مائة غلوة، فذهبت كلمتاه مثلين قال أبو عبيد: وقال حارثة بن سراقة الكندي حين منعوا الصدقة أيام الردة:
يمنعها شيخ بخديه الشيب ... لا يحذر الريب إذا خيف الريب
(1/107)

فامتدح ها هنا السن وقال آخر في طعنة طعنها رجلاً:
فلم أرقه إنَّ ينج منها وإنَّ يمت ... فطعنه لا غس ولا بمغمر
فالغس: اللئيم، والغمر الذي لا تجارب له ولا سن، يقول: فلست كذلك ولكني ذو تجارب وذو سن، ويروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إنّه قال: رأى الشيخ خير من مشهد الغلام.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم القديمة.

إنَّ العوان لا تعلم الخمرة.
والعوان هي امرأة الثيب، ويقول: فتلك قد عرفت كيف تخمر، لا تحتاج إلى أنَّ تعلم، وكذلك الرجل المسن المجرب.
ومن أمثالهم في نعت الرجل الحازم.

إذا تولى عقداً أحكمه.
ومنه قول الشاعر:
وما عليك أنَّ يكون أزرقا ... إذا تولى عقد شيء أوثقا

باب الرجل الغيران الدافع عن حرمته مع ذكر ما يخاف من الفتنة فيهن.
قال الأصمعي: من أمثالهم في منع الحرمة: الفحل يحمي شوبة معقولاً.
ويقول: إنَّ الحر قد يحتمل الأمر الجليل، ويحمي حريمه وإنَّ كانت به علة. قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم:
(1/108)

الخيل تجري على مساويها.
يقول: إنّها، وإنَّ كانت بها أوصاب وعيوب، فإنَّ كرمها مع هذا يحملها على الجري، فكذلك الحر من الرجال، يحمي حريمه على ما فيه من علةٍ. وقال أبو زكرياء الفراء: من أمثالهم في الحمية عند ذكر الحرم قولهم: كل شيء مهه ما النساء وذكرهن.
أي إنَّ الحر يحتمل كل شيء، حتى يأتي ذكر حرمته فيمتعض حينئذ، ولا يحتمله ومعنى المهه اليسير، ويقول: كل شيء جلل هين عند هذا. وفي هذا لغتان: مهه مهاه. وقال أبو عبيد: وهذه الهاء إذا اتصلت بكلام لم تصر تاء، إنّما تكون التاء في الاتصال إذا أرادوا بالمهاة البقرة وقال عمران بن حطان:
فليس لعيشنا هذا مهاه ... وليس دارنا هاتا بدار
وقال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الحرم: إنّما النساء لحم على وضم إلاّ ما ذب عنه.
وهذا المثل يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو القائل: لا تخلون رجل بمغيبة وإنَّ قيل: حموها ألا حموها الموت. والحم: أبو الزوج. وقال أوس بن حارثة لأبنه مالك، من كرم الكريم
(1/109)

الدفع عن الحريم. وكان من كلام أبجر بن جابر العجلي لأبنه حجار: يا بني، أحسن القوم بقية الصابر عند الحقائق والذائذ عن الحرمة. وقال بعض حكماء العرب

ما فجر غيور قط.
يقول: إنَّ الغيور هو الذي يغار على كل أنثى. ويقال

كل ذات صدار خالة.
وكان المفضل يقول: إنَّ صاحب هذا المثل همام بن مرة الشيباني. وقد روينا في حديث مرفوع إنّه قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابه: " أي شيء خير للنساء؟ " فلم يدروا ما يقولون، فرجع علي رضي الله عنه إلى فاطمة بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأخبرها بمقالة النبي عليه السلام، فقالت فاطمة رضي الله عنها: " أنَّ لا يراهن الرجال ولا يرينهم " فبلغ ذلك رسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " إنّها بضعة مني " وقال عبد الله بن مسعود: النساء حبائل الشيطان.
فجعل الحبالة التي تنصب للصيد مثلاً للنساء والرجال وقال عبادة بن الصامت: ألا ترون إني لا أقوم إلاّ رفداً، ولا آكل إلاّ ما لوق لي، وإنَّ صاحبي لأصم أعمى، وما سرني إني خلوت بامرأة. وقد فسرنا في غريب الحديث. ويروى عن
(1/110)

عمر أيضاً إنّه قال: ما بال رجل لا يزال أحدهم كاسراً وساده عند امرأة مغزية، يتحدث إليها وتحدث إليه، عليكم بالجبنة فإنّها عفاف، إنّما النساء لحم على وضم إلاّ ما ذب عنه.

باب الرجل يدخله الأنفة من صاحب من يرغب عن صحبته.
قال أبو عبيد: جاء الأثر عن بعض أهل العلم: لا تصحب من لا يرى لك من الحق مثل ما ترى له.
وقال الأصمعي: من أمثالهم في نحو هذا: خل سبيل من وهى سقاؤه.
أي إذا كره صحبتك، ولم يستقم لك فدعه وازهد فيه كزهده فيك. قال الأصمعي بعض هذا الكلام. وكذلك قولهم: خله درج الضب.
قال أبو عبيد: ومثله قولهم: إنّما يضن بالصنين.
قاله الأغلب بن جشعم العجلي. ومعناه: تمسك باخاء من تمسك بإخائك، ومثله قول لبيد بن ربيعة.
(1/111)

فأقطع لبانة من تعرض وصله ... ولخير واصل خلةٍ صرامها
ومثله في أشعارهم كثير. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في مثله: دع امرأ وما اختار.
ومنه قولهم: ألق حبله على غاربه.
وأصله الناقة إذا أرادوا إرسالها للرعي جعلوا جدليها على الغارب، ولا يترك ساقطا فيمنعها من المرعى يقول: فدع هذا يذهب حيث شاء إذ كره معاشرتك. قال أبو عبيد: والعامة تقول في مثل هذا المثل: لو كرهتني يدي ما صحبتني.

باب الرجل يأبى الضيم فيأخذه حقه قسرا إذا أعياه الرفق.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا.

مجاهرة إذا لم أجد مختلاً.
يقول: أخذت حقي علانية قهرا إذ لم أصل إليه في
(1/112)

العافية والستر قال أبو عبيد: ويقال في نحو منه: حلبتها بالساعد الأشد.
أي حين لم أقدر على الرفق أخذته بالقوة والشدة. وقال بعض الأعراب يمدح رجلا؟:
فتى لا يحب الزاد إلاّ من التقى ... ولا مال إلاّ من قنا وسيوف
وقال زهير بن أبي سلمى:
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
ومنه قول أوس بن حارثة لأبنه مالك: يا مالك، التجلد ولا التبلد، والمنية ولا الدنية.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الضيم: من عز بز.
ويروى عن المفضل إنّه قال: هذا المثل لجابر بن رالان الطائي مع صاحبين له، فأمرهم إنَّ يقترعوا فقرعهم جابر، فخلى المنذر سبيله، وأمر بصاحبيه أنَّ يقتلا، فعندها قال: جابر: " من غز بز " فذهبت مثلا. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا:
(1/113)

يركب الصعب من لا ذلول له.
يضرب في الرجل يحمل نفسه على الشدائد إذا لم يجد ما يريد في العافية.

باب الرجل يطيل الصمت حتى يحسب مغفلا وهو ذو النكراء.
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: مخرنبق لينباع.
والمخرنبق: المطرق الساكت، وقوله: لينباع ليثب إذا أصاب فرصته والمنباع: المنبعث، فمعناه إنّه سكت لداهية يريدها. وكان أبو عبيدة يقول: مخرنبق لينباق قال الأصمعي: ومثله أو محوه قولهم: تحسبها حمقاء وهي باخس.
وقال الأحمر: يقال مثله: تحقره وينتأ.
أي انك تزدريه لسكوته، وهو يجاذبك. قال أبو عبيد: وهذا نحو المثل الذي تكلم به العامة: خبره في جوفه.
أي انك تحقره في المنظر، وتأتيك أنباؤه بغير ذلك. وقال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا.

هو أحمق بلغ.
يقول: إنّه مع حمقه يبلغ حاجته.
(1/114)

باب الرجل الجلد المصحح الجسم.
قال الأصمعي: من أمثالهم في جلادة الرجل.

أطرى فأنك ناعلة.
أي راكب الأمر الشديد فانك قوي عليه. قال: وأصل هذا إنَّ رجلاً قال لراعية له، وكانت ترعى في السهولة، وتترك الحزونة: أطرى أي خذي طرر الوادي، وهي نواحيه " فإنك ناعلة " أي فإن عليك نعلين. قال أبو عبيد: أحسبه يعني بالنعلين غلظ جلد قدميها قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الجلادة: لألحقن قطوفها بالمعناق.
يعني فيما يتبعها به من شدة السير بجلادته وقوته. قال: ومثله قولهم: بيدين ما أوردها زائدة.
وقال أبو عمرو الشيباني: من أمثالهم في صحة الجسم قولهم: به داء ظبيٍ.
وقال: ومعناه إنّه ليس به داء، كما إنّه لا داء بالظبي. قال أبو عبيد: وهو نحو قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير إنَّ سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
قال أبو عبيد: فقلت لأبي عمرو: إنَّ بعضهم يقول: داء الظبي إنّه أراد أن يثب كانت له وقفة
(1/115)

قبل وثبته، فقال: ليس هذا بشيء إنّما أراد أنه لا داء هناك به. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التجلد: ليتني وفلاناً يفعل بنا كذا وكذا حتى يموت الأعجل.
وقال: المثل لأغلب العجلي في شعر له: " ضرباً وطعناً أو يموت الأعجل " وقد تكلم به بعض الصحابة في كلام له. قال أبو عبيد: وقد حكى بعض العلماء أنَّ من أمثالهم: الشجاع موقى.
ويقال: إنه احنين بن خشرم السعدي. ويقال للشاب القوي: كأنما قد سيره الآن.
أي كأنما ابتدئ شبابه اليوم.

باب الرجل المقدام على الأهوال والمخاوف والحث على ذلك.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا: اكذب الناس إذا حدثتها.
ومعناه الرجل يهم بركوب أمر جسيم، يقول: فلا
(1/116)

تحدث نفسك بأنك لا تظفر، فإنَّ ذلك يثبطك عن السمو إلى النعالي الأمور، ولكن حدث نفسك بالظفر لتشيعك نفسك على ماتريد، ومنه قول لبيد بن ربيعة:
ز اكذب النفس إذا حدثتها ... إنَّ صدق النفس يزري بالأمل
وكان بعض علمائنا من أهل العربية يحدث عن بشار المرعث أنه سئل: أي بيت قالت العرب اشعر؟ فقال: إنَّ تفضيل بيت واحد على الشعر كله لشديد، ولكن أحسن لبيد، ثم ذكر بيته هذا قال: ومثله قول الآخر:
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكر العواقب جانباً
سأغسل عني العار بالسيف جليباً ... على قضاء الله ما كان جالباً
وقال الثالث:
أمض الهموم ورام الليل عن عرضٍ ... بذي سبيبٍ يقاسي ليله خببا
حتى تمول مالاً أو يقال فتىٍ ... لاقى التي تشعب الفتيان فانشعبا

باب الرجل يكون ذا عز ثم يحور عنه.
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا:
(1/117)

كان حماراً فاستأتن.
أي صار أتاناً بعد أن كان حماراً. يضرب للرجل يهون بعد العز ومثله: أودى العير إلاّ ضرطاً.
أي لم يبق من قوته وجلده شيء غير هذا. ومثله قولهم: حور يقال محارةٍ.
قال أبو عبيد: وروينا عن النبي) " أنه كان يتعوذ من الحور بعد الكون " ويروى " بعد الكور " وقد فسرناه في غريب الحديث. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الرجل يذكر هذا المعنى عن نفسه:
لقد كنت وما يقاد بي البعير.
قال أبو عبيد: وأنبئت أنَّ المفضل كان يخبر عن هذا المثل أنه لسعد بن زيد مناة بن تميم، وكان بلغ به الخوف هذه المنزلة. قال أبو عبيد: وقال بعض المعمرين يذكر ما صار إليه:
والذئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا
(1/118)

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الذي يتعزز ثم يذل قولهم: تنز وتلين.
وهذا مثل مبتذل في العامة. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الذل بعد العز قولهم: الحمى أضرعتني لك.
إذا ذل للحاجة تنزل به. قال: ومن أمثالهم في الذي قد أدبر وولى ولم يبق من عمره إلاّ اليسير: ما بقى منه إلاّ قدر ظمء الحمار.
قال أبو عبيد: وهذا المثل يروى عن مروان بن الحكم أنه قال في الفتنة: الآن لمّا نفد عمري فلم يبق منه إلاّ مثل ظمء الحمار صرت أضرب الجيوش بعضهم ببعض. ويقال: إنه ليس شيء من الدواب أقصر ظمأً من الحمار.
قال أبو عبد الله الزبير في الإظماء: أطول إظماء الإبل الخمس، والحمار لا يقوى على أكثر من الغب، والفرس يسقى ظاهرةً، وهو ورد كل يوم، والرفه أن تقرب من الماء فتشرب كلما شاءت.

باب الرجل يكون ذا مهانةٍ ثم ينتقل إلى العز.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا:
(1/119)

كان فلان كراعاً فصار ذراعاً.
وهذا المثل يروى عن أبي موسى الأشعري، قاله في بعض القبائل. وقال مؤرج في هذا المثل: عنز استتيست.
أي صارت تيسا بعد أن كانت عنزا. يضرب للرجل يعز بعد الذل. قال الأصمعي في مثله: لكن بشعفين أنت جدود.
وهي القليلة اللبن. قال: واصله أن امرأة أخصبت بعد هزل، فذكرت درة لبنها ففخرت به، فقيل لها: لكن بشعفين لم يكوني كذلك وهو اسم موضع كانت به. وقال الأصمعي في نحو منه: صار خير قويسٍ سهماً.
أي صار إلى الحال الجميلة بعد الخساسة. ويقال في نحو منه:
(1/120)

غلبت جلتها حواشيها.
وأصل هذا في الإبل فالجلة: مسانها، والحواش: صغارها ورذالها، يقول: فقويت هذه وعظمت بعد أن كانت خساسا حتى علت ذوات الأسنان والشحوم.

باب الرجل المسن يؤدب بعد العسو أو يكون مذموماً. يخلف بعد الرجل المحمود
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: عود يقلح.
قوله: " يقلح " يعني أن تحسن أسنانه مثال تنقى. قال أبو عبيدة في مثله: ومن العناء رياضة الهرم.
قال أبو عبيد: ومثله قولهم: عودٌ يعلم العنج.
وهو الرياضة، قال الشاعر:
إنَّ الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولا تلين إذا قومتها الخشبُ
وقال أبو زيد في نحوه: أعييتني بأشر فكيف بدردر.
يقول: لم تقبلي الأدب وأنت شابة ذات أشر في
(1/121)

أسنانك، فكيف الآن وقد أسننت حتى بدت درادرك، وهي مغارز الأسنان. والأشر: تحدد ورقة في الأسنان، لا من كبر، يكون ذاك للأحداث. قال: ومثله: أعييتني من شب إلى دب.
أي من لدن شببت إلى أن دببت هرماً. وقال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المذموم يخلف بعد المحمود قولهم: بدل أعور.
ومنه قول أبن همام السلوي لقتيبة بن مسلم، وولي خراسان بعد يزيد بن المهلب فقال:
اقتيب قد قلنا غداة أتيتنا ... بذل لعمرك من يزيدٍ أعورُ

باب الرجل الذليل المستضعف
قال أبو عبيد: من أمثالهم في الذليل: لقد ذل من بالت عليه الثعالبُ.
قال أبو عبيد: وأصل هذا فيما بلغنا أنَّ رجلاً من العرب كان يعبد صنماً، فنظر يوماً إلى ثعلب جاء حتى بال عليه فقال:
أربٌّ يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالبُ
ومن وصفهم الرجل بالذل قولهم.

ما بالعير من قُمَاصٍ.
وقد يقال " قَمِاص " قال أبو زيد: ز من هذا قولهم:
(1/122)

أهون مظلومٍ سقاءٌ مروبٌ.
قال: واصله السقاء يلف حتى يبلغ أوان المخض. ونحو منه قولهم: أهون مظلومٍ عجوزٌ معقومة.
وقال أوس بن مالك لابنه مالك: من قل ذل، ومن أمر فل.
قوله: " أمر " يعني كثر ويقال: فلان ما يعوى ولا ينبح.
يقول: من ضعفه ليس يعتد به، ولا يكلم بخير ولا شر

باب الرجل الذليل يستعين بمثله في الذل.
قال أبو زيد في استعانة الرجل الذليل بآخر مثله: مثقل استعان بذقنه.
واصله البعير يحمل الحمل الثقيل فلا يقدر على النهوض، فيعتمد بذقنه على الأرض. وقال أبو عبيد: يقال: بذقنه وبدقنه جميعاً. ومثله قولهم:
عبد صريخه أمه.
أي ناصره أذل منه. ويقال في نحو منه:
(1/123)

استعنت عبدي فاستعان عبدي عبده.
وقولهم: العبد من لا عبد له.
فيه بعض الأول، وليس هو بعينه.
ومن أمثالهم في العبد أيضاً: هو العبد زلمةً.
ومعناه اللئيم قال الزبير: " هو العبد زنمةً " بالنون عندي أشبه، لقول الله عز وجل:) عتلٍّ بعدَ ذلكَ زنيمٍ (هو في القوم، وليس منهم. والعتل: الذي يتفلت على القتال.
(1/124)

بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على محمد وآله
باب الرجل الأحمق المائق
قال أبو عبيد: ومن أمثال أكثم بن صيفي: عدو الرجل حمقه وصديقه عقله.
وقال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الأحمق قولهم: خرقاء عيابةٌ.
أي إنه أحمق، وهو مع هذا يعيب غيره. قال أبو عبيد: فإذا اشتد موق الرجل وحمقه قيل: ثأطةٌ مدت بماءٍ.
والثأطة: الحمأة، فإذا أصابها الماء ازدادت فساداً ورطوبة قال أبو عبيد: ومن أمثالهم السائرة في الحمق قولهم: معاداة العقل خير من مصادقة الأحمق.
قال أبو عبيد: فإذا كان يبلغ حاجته مع حمقه قيل:
(1/125)

أحمق بلغ.
ومن أمثالهم في في الأحمق أيضاً قولهم: خامري أم عامر.
وهي الضبع يشبه بها الأحمق. ويروى عن عليٍّ عليه السلام أنه قال: لا أكون مثل الضبع؛ تسمع اللدم حتى تخرج فتصاد.
وهي، زعموا من أحمق الدواب، يدخل عليها فيقال: ليست هذه أم عامر حتى تجر برجلها فتؤخذ.

باب الرجل تعرض عليه الكرامة فيختار الهوان عليها.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: تجنب روضةً وأحال يعدو.
أي ترك الخصب، واختيار عليه الشقاء.
قال: وقال أبو زيد في مثله: لا يعجز مسك السوء عن عرف السوء.
وقد يكون هذا بالمعنى الأول ويكون في الذي يكتم لؤمه وهو يظهر غيره. ومعناه في الأصل أنه لا يكون جلد رديء إلاّ والريح المنتنة موجودة منه. قال أبو عبيد: ومثل العامة في هذا.
(1/126)

قيل للشقي هلم إلى السعادة، فقال: حسبي ما أنا فيه.
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا قولهم: لا يعدم شقي مهيراً.
أي إنَّ من الشقاء معالجة المهارة، وهذا قد ابتلى بحبها يقاسيها.

باب الرجل تريد إصلاحه وقد أعياك أبوه قبله وصفة الصغار.
قال أبو زيد: يقال في مثل هذا: كيف بغلامٍ قد أعياني أبوه! يقول: أنت لم تستقم لي، فكيف يستقيم لي ابنك وهذا دونك! وقال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: لا تقتن من كلب سوءٍ جرواً.
وقال الشاعر في ذلك:
ترجو الوليد وقد أعياك والده ... وما رجاؤك بعد الوالد الولدا
قال الأصمعي: ومن أمثالهم: اصغر القوم شفرتهم.
يعني خادمهم

باب الرجل الواهن العزم الضعيف الرأي المخلط في الحديث
قال أبو عبيد: من أمثالهم في الوهن الضعيف قولهم:
(1/127)

ماله بذم. وماله صيور. وماله أكل.
أي ليس له رأي ولا قوة. قال: وأخبرني الأصمعي أنَّ أعرابياً طلب ثوباً من تاجر فقال: أعطني ثوبا له أكل، يعني قوة وحصافة. ومن أمثالهم في وصف الرجل بضعف الرأي قولهم: هو إمعة.
وهذا الحرف يروى عن أبن مسعود، وقد فسرناه في موضعه. وكذلك.

رجل إمرة.
ومن أغرب ما جاء في هذا الباب قولهم: هو بنت الجبل.
ومعناه الصدى يجيب المتكلم بين الجبال، ويقولون: هو مع كل متكلم، كما أنَّ الصدى يجيب. كل ذي صوت بمثل كلامه. قال أبو عبيد ولا أدري ممن سمعت هذا.
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في المخلط: كل نجار ابل نجارها.
يعني إنَّ فيه كل لون من الأخلاق، وليس له رأى يثبت عليه
(1/128)

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التخليط: قد استنوق الجمل.
وهو الرجل يكون في حديث أو في صفة شيء، ثم يخلط ذلك بغيره، وينتقل إليه. وكان بعض العلماء يخبر أنَّ هذا المثل لطرفة بن العبد، وكان أصله أنه كان عند بعض الملوك وشاعر ينشد شعرا في وصف جمل، ثم حوله إلى نعت ناقة، فقال طرفة عندها: " استنوق الجمل " وقد يقال ذلك لرجل يظن به إنّه عنده غناءً، من الشجاعة وجلد، ثم يكون الأمر على خلاف ذلك، وانشد للكميت:
هززتكم لو أنَّ فيكم مهزة ... وذكرت ذا التأنيث فأستنوق الجمل

باب الرجل يكون ضاراً لا نفع عنده.
قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا قولهم: المعزى تبهى ولا تبنى.
قال أبو عبيد: وأصل هذا إنَّ المعز ليس تكون منها الأبنية، وهي بيوت الأعراب، وإنّما تكون أخبيتهم من الوبر والصوف، ولا تكون من الشعر، والمعز مع هذا ربما صعدت الخباء فخرقته، فلذلك قولهم: " تبهي " يقال: أبهيت البيت أبهيه، إذا خرقته، وهو بيت مبهى، فإذا أردت إنّه انخرق هو قيل: بيت باهٍ. قال أبو عبيد: وكان بعض علمائنا ينشد هذا البيت في الرجل يكون ضاراً لا نفع عنده:
(1/129)

إذا أنت لم تنفع فضر فإنما ... يرجى الفتى كيما يضر وينفعا

باب ذكر الجليس السوء وما يتقى من مجالسته وخلطته.
قال أبو عبيد: من أمثالهم السائرة في القديم والحديث قولهم: الوحدة خير من جليس السوء.
وقولهم: مثل جليس السوء كالقين، إنَّ لا يحرق ثوبك بشراره يؤذيك بدخانه.
ومنه قول مصعب بن سعد بن أبي وقاص: لا تجالسن مفتونا فانه لا تخطئك منه إحدى خليتين، إما أنَّ يفتنك فتتبعه، وأما أنَّ يؤذيك قبل أنَّ تفارقه. وكذلك قول أبى قلابة: لا تجالسوا أصحاب الأهواء فإني لا أمن أنَّ يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون. ومنه حديث عمر بن الخطاب إنّه كتب إلى موسى الأشعري وأهل البصرة في صبيغ " أنَّ لا تجالسوه " قال أبو عبيد: والحديث في نحو هذا كثير.

باب الرجل يكون ذا منظر ولا خبر عنده أو يكون ذا خبرٍ ولا منظر له.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل.
هذا مثلهم في ذي المنظر ولا
(1/130)

خبر عنده، فأما مثلهم في ذي الخبر ولا منظر له فقولهم: أنكحيني وانظري، أي إنَّ لي خبراً محموداُ وإنَّ لم يكن لي منظر. قال: وأخبرني أبن الكلبي إنَّ عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث دخل على الحجاج فقال له الحجاج: انك لمنظراني، فقال عبد الرحمن: نعم أيّها الأمير، ومخبراني
(1/131)

بسم الله الرحمن الرحيم
أمثال الجماعات من الأقوام وأنبائهم وحالاتهم
باب ذكر أخلاق الناس في اجتماعهم وافتراقهم
قال الأصمعي: يقال في أمثالهم: لن يزال الناس بخير ما تباينوا، فإذا تساووا هلكوا.
قال الأصمعي: وقال أبو عمرو بن العلاء: ما أشد ما هجا القائل: سواسية كأسنان الحمار.
قال أبو عبيد: ومثله قولهم: سواء كأسنان المشط.
قال أبو عبيد: وأحسب قولهم: " إذا تساووا هلكوا " لن الغالب على الناس الشر، وإنّما يكون الخير في النادر من الرجال لعزته، فإذا كان التساوي فإنما هو في السوء. وقال أبو زيد. ومن أمثالهم في هذا أيضاً قولهم:
القوم إخوان وشتى في الشتيم ... وكلهم بجمعهم بيت الأدم
معناه انهم، وإنَّ كانوا مجتمعين بالشخوص والأبدان، فأن شيمتهم وأخلاقهم مختلفة.
(1/132)

وقوله: " بيت الأدم " قالوا: هو الأرض، وقالوا: آدم الذي يلتقون إليه في النسب، قال: وقالوا: بيت الإسكاف، فيه من كل جلد رقعة. وقال الأصمعي في نحو هذا: شتى تووب الحبلة.
قال: وأصله يوردون ابلهم الشريعة أو الحوض معا، فإذا صدروا تفرقوا إلى منازلهم. فحلب كل واحد في أهله على حياله. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم اختلاف الناس قولهم: الناس أخياف.
أي انهم مفترقون في أجسامهم وأخلاقهم، ويقال للفرس إذا كانت إحدى عينيه زرقاء والأخرى كحلاء: أخيف، وهو من هذا الاختلاف. قال أبو عبيد: ويقال في الجماعة يأتون معاً: جاءوا على بكرة أبيهم.
إذا جاءوا كلهم، وكذلك: جاءوا قضهم بقضيضهم.
وليس هذا من الأول، ولكنه نحو منه.

باب الرجلين يكونان متساويين في خير وشر.
قال أبن الكلبي: من أمثالهم في تساوي الرجلين قولهم: هما كركبتي البعير.
وذكر أبن الكلبي إنَّ المثل لهرم بن قطبة الفزاري، تمثل به
(1/133)

لعلقمة بنن علاثة وعامر بن الطفيل الجعفريين حين تنافر إليه، فقال: أنتما يا ابني جعفر كركبتي البعير، تقعان معاً، ولم ينفر أحدهما على صاحبه قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الاثنين يسبقان إلى غاية: هما كفرسي رهان.
وهذا المثل يروى عن علي بن أبي طالب، رحمه الله، وغيره في رجل يولي من امرأته ويطلقها، ومعناه أنَّ انقضاء عدة الطلاق وانقضاء الأشهر الأربعة كفرسي رهان، أيهما يسبق خروجه أخذ به. قال أبو عبيدة: من أمثالهم في التساوي بين الاثنين: هما زندان في وعاءٍ.
قال أبو عبيد: وهذا المثل الثاني لا يكاد يوضع في المدح كالأول، إنّما هذا موضع الخساسة والدناءة. ومثل العامة في هذا قولهم: هما كحماري العبادي.
حين قيل له: أيهما أشر؟ فقال: هذا، ثم هذا، قال: ومن أمثالهم في الرجلين يسقطان معا متساويين.

وقعا كعكمى بعيرٍ.
قال ذلك الأصمعي، واصله أنَّ تحل عن البعير حباله فيسقط عكماه معاً.
(1/134)

باب الرجلين يكونان ذوى فضل غير إنَّ لأحدهما فضيلة على الآخر.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا قولهم: مرعى ولا كالسعدان ومثله: ماء ولا كصداء.
يضرب للرجل يحمد شانه، ثم يصير إلى آخر أكثر منه وأعلى. وحكي عن المفضل إنّه كان يخبر عن هذين المثلين بحديثهما فقال: الأول منهما لامرأة من طيء، كان تزوجها امرؤ القيس بن حجر الكندي، وكان مفركاً فقال لها: أين أنا من زوجك الأول فقالت: " مرعى ولا كالسعدان " أي انك وإنَّ كنت رضاً فلست كفلان. والمثل الآخر للقذور بنت قيس بن خالد الشيباني، وكانت زوجة لقيط بن زرارة التميمي، ثم تزوجها من بعده رجل من قومها، فقال لها يوما: أنا اجمل أم لقيط؟ فقالت: " ماء ولا كصداء " أي أنت جميل ولست مثله. قال: وقال المفضل: وصداء: ركية لم يكن عندهم ماء أعذب من مائها، وفيها يقول ضرار بن السعدي:
وإني وتهيامي بزبيب كالذي ... يطالب من أحواض صداء مشربا
قال أبو عبيد: وأما السعدان فشيء تتعلفه الإبل، وهو من افضل مراعيها، فإذا رأوا عافاً دونه قالوا هذه المقالة. ومن هذا المعنى المثل المستدل في العوام قولهم: سداد من عوز.
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في نحو هذا قولهم: فتى ولا كمالك.
قال الأصمعي: لا أدري من مالك وقال الأصمعي:
(1/135)

ومن أمثالهم في تفضيل أهل الفضل على بعض قولهم: في كل شجر نار واستنجد المرخ والعفار.
وقال غيره: " واستجمد المرخ واعفار " يعني انهما اتخذا من النار ما هو حسبها، ويقال: أمجدت الدابة علفا، إذا أكثرت لها منه.

باب الرجل يعجب بالفضيلة تكون فيه ولا يعرف فضل غيره عليه.
قال الأصمعي: من أمثالهم في مثل هذا قولهم: كل مجر بالخلاء يسر.
قال: وأصله الرجل يجرى فرسه بالمكان الخالي الذي لا مسابق له فيه، فهو مسرور بما يرى من فرسه، ولا يدري ما عند غيره. يضرب للرجل تكون فيه الخلة يحمدها من نفسه، ولا يشعر بما في الناس من الفضائل. وقال الأصمعي في نحو منه، وليس بعينه: ساواك عبد غيرك.
قال أبو عبيد: والعامة مثلها في هذا الموضع: عبد غيرك حر مثلك.
يضرب هذا للرجل يرى لنفسه فضلا على الناس من غير تفضل ولا طول.
(1/136)

باب مساواة الرجل صاحبه فيما يدعوه إليه.
قال أبن الكلبي: من أمثالهم: أنصف القارة من راماها.
قال هشام: والقارة هم عضل والديش ابنا الهون بن خزيمة وإنّما سموا قارة لاجتماعهم والتفافهم. قال أبو عبيد: وأصل القارة أكمة، وجمعها قور. وقال أبن واقد: وإنّما قيل: " أنصف القارة من راماها " في حرب كانت بين قريش وبكر بن عبد مناة بن كنانة، قال: وكانت القارة مع قريش، وهم قوم رماة، فلما التقى الفريقان رماهم الآخرون، فقيل: قد أنصفتم هؤلاء إذ ساووكم في العمل الذي هو شانكم وصناعتكم. وفي بعض الآثار " ألا أخبركم باعدل الناس؟ قيل: بلى، قال: من أنصف نفسه " وفي بعضها " أشد الأعمال ثلاثة أصناف، إنصاف الناس من نفسك والمواساة بالمال وذكر الله على كل حال "

باب المساواة في التكافؤ والأفعال.
قال مورج: من أمثالهم في هذا: أضئ لي أقدح لك.
ويقال: " أكدح لك " أي كن لي اكن لك. قال أبو عبيد: ومن المكافأة.
(1/137)

إنّما يجزى الفتى ليس الجمل.
قالها لبيد بن ربيعة في شعره. وقال الأصمعي: ومنه قولهم: أسق رقاش إنّها سقاية.
يضرب المحسن فيقال: أحسنوا إليه لإحسانه. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المكافأة قولهم: هذه بتلك فهل جزيتك.
وحكي عن المفضل إنّه كان يخبر عن قائله إنّه يزيد بن المنذر، قاله لعمرو بن فلان، وهما ن بني شهل في فعلة فعلها به عمرو، فجزاه يزيد بمثلها، ثم قال له هذه المقالة، فذهبت مثلا، وفي بعض الحديث المرفوع إنّه قال: " من أزلت إليه نعمة فليكافئ بها، فإنَّ لم يقدر فليظهر ثناء حسنا " وفي حديث آخر " أنَّ المهاجرين قالوا للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ الأنصار قد فضلونا بكذا وكذا، فقال " ألستم تعرفون ذلك لهم؟ " قالوا: نعم، قال: " فإنَّ ذاك " قال أبو عبيد: أم الحديث فليس فيه أكثر من قوله: " فإنَّ ذاك " فمعناه إنَّ معرفتكم إحسانا مكافأة لهم.
(1/138)

بسم الله الرحمن الرحيم
الأمثال في الأقربين من أسرة الرجل وعترته
باب المثل في التعاطف ذوي الأرحام وتحنن بعضهم على بعض
قال أبن الكلبي: ومن أمثالهم في عطف ذوي الأرحام قولهم: يا بعضي دع بعضاً.
قال: وأوّل من قاله زرارة بن عدس التميمي، وذلك أنَّ ابنته كانت عند سويد بن ربيعة، ولها منه تسعة بنين، وإنَّ سويدا قتل أخا لعمرو بن هند الملك صغيرا، ثم هرب فلم يقدر عليه أبن هند، فأرسل إلى زرارة فقال: ائتني بولده من أبنتك، فجاء بهم، فأمر عمرو بقتلهم، فتعلقوا بجدهم زرارة فقال: " يا بعضي دع بعضاً " فذهبت مثلا. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في العناية بذي الرحم قولهم: أسعد أم سعيد.
وكان المفضل يخبر إنَّ المثل لضبة بن أدن وكان له ابنان سعد وسعيد، فخرجا في بغاء ابل لهما. فرجع سعد ولم يرجع سعيد، فكان ضبة كلما رأى شخصاً قال: " أسعد أم سعيد " قال أبو عبيد: هذا أصل المثل، وقد وضعه الناس في الاستخبار عن الأمرين من الخير والشر، وإنّما موضعه ما أعلمتك. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في التحنن بالأقارب: لكن على بلدح قوم عجفى.
ومثله. " لكن بالأثلاث لحم لا يظلل ".
يقول الرجل هذا إذا رأى قوما في سعة وخصب، وله حميم أو غيره ممن يهتم بشأنه، وهم فاقة وسوء حال. وكان المفضل يحدث بهذا عن بيهس الذي يلقب بنعامة، وكانت بين أهل بيته وقومه من أشجع حرب، فقتلوا سبعة أخوة لبيهس، وأسروا بيهسا، فلم يقتلوه لصغره فارتحلوا به فنزلوا
(1/139)

منزلا في سفرهم، ونحروا به جزروا، فقال بعضهم: ظللوا لحم جزوركم. فقال نعامة: " لكن بالأثلاث لحم لا ظلل " يعني لحم اخوته القتلى، ثم ذكروا كثرة ما غنموا، فقال النعامة: " لكن على بلدح قوم عجفى " يعني أهل بيته، ثم إنّه أفلت أو خلوا سبيله. فرجع إلى أمه، فقالت له: أنجوت أنت من بينهم؟ فقال: لو خيرت لاخترت.
وكانت لا تحبه قبل ذلك، فلما رأته ليس لها غيره رقت له، وتعطفت عليه، فقال نعامة: الثكل أرامها.
يعني إنَّ فقدها أولادها عطفها على، فذهبت كلماته الأربع كلها أمثالاً. وقوله: " بلدح " اسم موضع. وكذلك " الأثلاث " قال الزبير: الأثلاث: شجر، وهو الطرفاء وقال الزبير: قتلهم نصر بن دهما بن الأشجعي، وأراد قتل البيهس فقيل له: إنّه أحمق فدعه لأمه لتسكن إليه، فلما نزلوا قال نصر: ظللوا ذلك اللحم، فذلك حيث يقول نعامة: " لكن بالأثلاث لحم لا يظلل " ففزع منها نصر، فقيل له: كلمة جاءت من أحمق.
وقال الأصمعي: في مثل هذا يقال: لا يعدم الحوار من أمه حنةً.
(1/140)

ومنه: لا يضر الحوار ما وطئته أمه.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التحنن على الأقارب

وابأبي وجوه اليتامى
وحكي عن المفضل إنّه كان يحكيه عن يعد القرقرة، وهو رجل من أهل هجر، وكان النعمان يضحك منه، فدعا النعمان بفرسه اليحموم وقال لسعد: أركبه فأطلب عليه الوحش، قال سعد: إذاً والله أصرع، قال: فأبى النعمان إلاّ أنَّ يركبه، فلما ركبه سعد نظر إلى بعض ولده فقال ذلك. وفي هذا يقول سعد:
نحن بغرس الودي أعلمنا ... منا بركض الجياد في السلف
ويروى: في السدف

باب احتمال لذي رحمه يراه مضطهداً وإنَّ كان له كشاحاً قاليا. قال الأصمعي: يقال في هذا مثل هذا:
لا تعدم من أبن عمك نصرا.
وأما أبو عبيدة فكان يحكيه: لا يملك مولى نصراً.
قال أبو عبيد: وكلاهما معناه أنَّ حميمك يغضب لك إذا رآك مضطهدا وإنَّ كان لك مشاحنا، وكان المفضل، فيما روى عنه، يقول: إنَّ أوّل من قاله النعمان بن المنذر الملك، وذلك إنَّ العيار بن عبد الله الضبي كان الذي بينه وبين ضرار بن عمرو سيئاً وهو
(1/141)

من أسرته، فاختصم أبو مرحب اليربوعي وعند النعمان في شيء فنصر العيار ضراراً فقال له النعمان: أتفعل هذا بي بأبي مرحب في ضرار وهو معاذيك؟ فقال العيار: إني أكل لحم أخي ولا أدعه لآكل.
فعندها قال النعمان: " لا يملك مولى نصراً " فذهبت كلمتاهما مثلين. قال أبو عبيد: ومن هذا المثل مقالة عثمان بن عفان لعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما حين كتب إليه وهو محصور، وكان على غائباً في مال له: إذا أتاك كتابي هذا فأقبل إلى على كنت أولى.
فان كنت مأكولاً فكن خير آكل ... وإلاّ فأدركني ولمّا أمزق
يقول: إنَّ أخي وأبن عمي، وإنَّ كان عاتبا عليَّ فهو أرأف بي وأرق عليَّ من الأباعد ومن أمثالهم في هذا: الحفائظ تحلل الأحقاد.
ومنه قول القطامي: وترفض عند المحفظات الكتائف. والكتائف هي السخائم، ويقول: إذا رأيت قريبي يضطهد، وأنا عليه واجد، خرجت تلك السخيمة من قلبي له، ولم أدع نصره ومعونته، ومنه قولهم: أنصر أخاك ظالما أو مظلوماً.
قال أبو عبد الله الزبير: الحسائف هي السحائم أيضاً.
(1/142)

باب استعطاف الرجل صاحبه على أقربيه وإنَّ كانوا له غير مستحقين.
قال أبو زيد: ومن أمثالهم في هذا قولهم: منك عيصك وإنَّ كان أشباًز أي منك أصلك وإنَّ كان أقاربك على خلاف ما تريد يقول: فأصبر عليهم، فأنه لا بد لك منهم. وقال الأصمعي: في مثله: منك ربضك وإنَّ كان سماراً.
وأصل السمار اللبن الممذوق، فشبه القريب في رداءته به وقال الأحمر في مثله: منك أنفك وإنَّ كان أجدع.
قال أبو عبيد: كل هذا معناه إنَّ عشيرتك ورهطك لا منجى لك منهم، فأحتملهم على ما فيهم. قال الأصمعي: يقال: هو ألزم لك من شعرات قصك.
قال: وذلك لأنه كلما حلق نبت، وهذا المثل يضرب للذي ينتفي من قريبه. وقد أيضاً لكل من أنكر حقا يلزمه، من أي الحقوق كان

باب عجب الرجل برهطه وعترته.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: كل فتاةٍ بابيها معجبة.
وهذا المثل يرويه بعضهم للأغلب العجلي في شعر له
(1/143)

وقال بعضهم: هذا المثل لامرأة من بني سعد، يقال لها العجفاء بنت علقمة، ويقال: إنّه لكاهنة منهم: تنافر إليها نسوان، كل واحدة تذكر مجد أبيها، وتفخر به، فقالت الكاهنة: كل واحدة منكن بابيها معجبة، قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في نحو هذا: زين في عين والدٍ ولده.
وروي الناس عن عمر بن عبد العزيز إنّه قيل له: لو بايعت لأبنك عبد الملك مع فضله وشأنه وورعه، فقال: لولا أني أخاف أنَّ يكون زين في عيني منه ما يزين للوالد من ولده لفعلت، ثم توفي عبد الملك قبل عمر. ومثل للعامة في مثل هذا.

من يمدح العروس إلاّ أهلها.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في نحوه: حميم الرجل وأصله.

باب تشبيه الرجل بأبيه.
الأصمعي وأبو عبيدة وأبن الكلبي كلهم قالوا: من أمثالهم في التشبيه: شنشنة اعرفها من أخزم.
وهذا المثل يروى عن عمر بن الخطاب، قاله في أبن عباس يشبهه في رأيه بأبيه. ويقال: إنّه لم يكن لقريش مثل رأي العباس. وقد فسرنا هذا في غريب الحديث. ومنه قولهم:
(1/144)

تقيل فلان أباه.
أي أشبهه. ومن أمثالهم في هذا: من أشبهه أباه فلما ظلم.
قال الأصمعي: الظلم وضع الشيء في غير موضعه، يقول: فإذا أشبه أباه فقد وضع الشبه في موضعه. قال الأصمعي: ومن هذا قولهم: ومن عضة ما ينبتن شكيرها.
والشكير: الورق الصغار ينبت بعد الكبار. قال الأصمعي: ومنه قولهم: العصا من العصية.
قال أبو عبيد: هكذا قال، وأنا أحسبها " العصية من العصا " إلا أن يكون يراد به إنَّ الشيء الجليل إنّما يكون في بدئه صغيراً كما قالوا: إنّما القرم من الأفيل.
فيجوز حينئذ على هذا المعنى إنَّ يقال: " العصا من العصية " قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم:
(1/145)

هل تنتج الناقة إلاّ لمن لقحت له.
أي هل يشبه الرجل غير أبيه.

باب إدراك ولد الرجل وبلوغهم في حياته.
قال أبو عبيد: يقال في مثل لهم: من سره بنوه ساءته نفسه.
ولا أدري ممن سمعته، إلاّ أنه بلغني أنَّ قائله ضرار بن عمرو الضبي، وكان ولده قد بلغوا ثلاثة عشر رجلاً، كلهم قد غزوا ورأس، فرآهم يوماً معاً وأولادهم، فعلم أنهم لم يبلغوا هذه السن إلاّ مع كبر سنه ونفاد عمره، فقال عندها: " من سره ولده ساءته نفسه " فأرسلها مثلاً. ومن أمثالهم في ولد الشبيبة وما يجب من ذلك:
إنَّ بني صبية صيفيون ... أفلح من كان له ربعيون
والولد الصيفي هو الذي يولد للرجل بعد السن، والربعي: الذي يولد في عنفوان الشباب، وهذا المثل يروونه عن سليمان بن عبد الملك تمثل به عند موته، وكان أراد أن يجعل الخلافة في ولده، فلم يكن له يومئذ من ولدٍ ولد له في الحداثة، وكانوا صغارا إلاّ من كان من أمهات الأولاد، فقد كان فيهم من قد بلغ، لأنهم كانوا لا يعقدون إلاّ لأبناء المهائر وقال الزبير: كانت عندهم رواية أنَّ ملكهم يذهب على رأس أبن أمه وكذلك كان.
(1/146)

باب تبني الرجل والمرأة غير ولدهما.
قال الأصمعي: من أمثالهم: ابنك أبن بوحك.
أي أبن نفسك الذي ولدته، ليس من تبنيت. قال أبو عبيد: وكذلك قولهم: ابنك من دمى عقبيك.
وكان المفضل يخبر بهذا المثل عن امرأة الضفيل بن مالك أبن جعفر بن كلاب، وهي امرأة من بلقين، فولدت له عقيل بن طفيل، فتبنته كبشة بنت عروة بن جعفر بن كلاب، فعرم عقيل على أمه يوماً فضربته، فجاءتها كبشة فمنعتها وقالت: ابني ابني، فقالت القينية: " ابنك من دمى عقبيك " تعني: الذي نفست به حتى أدمى النفاس عقبيك فهو ابنك لا هذا.

باب تحاسد ذوي القرابات وقطيعتهم أرحامهم.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: أينما أوجه ألق سعداً.
وكان المفضل يحدث أنَّ المثل للأضبط بن قريع السعدي، وذلك أنه كان سيد قومه، فكان يرى منهم حسداً له، وبغياً عليه، فرحل عنهم فنزل في آخرين، فرآهم يفعلون باشرافهم مثل ذلك، ثم رحل ونزل في غيرهم، فرأى مثل ذلك أيضاً، فعندها قال: " أينما أوجه ألق سعداً " أي كل الناس مثل قومي في حسدهم ساداتهم. قال الأصمعي: ومن أمثالهم:
(1/147)

فرق بين معد تحاب.
يقول: إنَّ ذوي القرابة إذا تراخت ديارهم بعضها من بعض كان أحرى أن يتحابوا، وإذا تدانوا تحاسدوا وتباغضوا. قال أبو عبيد: وهذا يروى في حديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: أن مر ذوي القرابات أن يتزاوروا ولا يتجاوروا. ومنه قوله) لأبي هريرة: يا أبا هريرة زر غباً تزدد حباً

باب العقوق من الولد للوالد، والوالد للولد.
قال أبو عبيد: من أمثالهم: العقوق ثكل من لم يثكل.
يقول: إذا عقه ولده فقد ثكلهم وإن كانوا أحياء. قال أبو عبيد: هذا في عقوق الولد للوالد، وأما قطيعة رحم الوالد للولد فقولهم: الملك عقيم.
يريدون أنَّ الملك لو نازعه ولده الملك لقطع رحمه حتى يهلكه، فكأنه عقيم لم يولد له، وإنما ذلك من الانفراد بالملك، وأن ليس في الملك شريك، فكأنه لذلك عقيم.

باب التشابه في غير ذوي الرحم.
قال الأصمعي: من أمثالهم.

أشبه شرج شرجاً لو أنَّ أسيمراً.
قال أبو عبيد: وكان المفضل يحدث أنَّ صاحب
(1/148)

المثل لقيم بن لقمان، وكان هو وأبوه قد نزلا منزلاً يقال له: " شرج " فذهب لقيم يعشى إبله، وقد كان لقمان حسد لقيماً وأراد إهلاكه، فاحتفر له خندقاً، وقطع ما هنالك من السمر، ثم ملأ به الخندق، وأوقد عليه ليقع فيه لقيم، فلما أقبل عرف المكان، وأنكر ذهاب السمر، فعندها قال: " أشبه شرج شرجاً لو أنَّ أسيمراً " فذهبت مثلا ومن هذا قولهم: ما أشبه الليلة بالبارحة.
فهذا التشبيه يكون في الناس وغيرهم، وكذلك قولهم: حذو القذة بالقذة.
وقد فسرناه في غريب الحديث، وهو أن يقدر كل قذة، والقذة: الريشة من ريش السهام، على صاحبتها سواء.
(1/149)

بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على محمد وآله
الأمثال في مكارم الأخلاق
باب المثل في الحلم والصبر على كظم الغيظ.
قال الأصمعي: من أمثالهم في الحلم وما يؤمر به منه قولهم: إذا نزا بك الشر فاقعد.
أي فاحلم ولا تسارع إليه قال: وقال الأحمر في مثل هذا: الحليم مطية الجهل.
يعني أنه يحتمل جهله، ولا يؤاخذه به. قال أبو عبيد: ومنه قولهم: لا ينتصف حليم من جاهل.
ويروى عن الحسن البصري أنّه قال: ما نعت الله أحداً من الأنبياء نعتاً أقل ممل نعتهم به من الحلم، فإنه قال:) إنَّ إبراهيم لأوَّاهٌ حليم (و) إنَّ إبراهيم لحليمٌ أوَّهٌ منيبٌ (قال أبو عبيد: يعني أنَّ الحلم في الناس عزيز. وقد روينا عن بعض
(1/150)

العلماء أنه قال: ما أضيف شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم. وقال معاوية بن أبي سفيان: إني لأرفع نفسي أن يكون لي ذنب أوزن من حلمي. وقال معاوية: ما غضبي على من أملك أم ما غضبي على من لا أملك.
قال أبو عبيد: يريد أنبي إذا كنت مالكا له فأنا قادر على الانتقام منه، فلم ألزم نفسي الغضب؟ وإن كنت لا أملكه ولا يضره غضبي فلم أدخل اغتمام الغضب على نفسي؟!، فمعناه أني ى أغضب أبدا. ويروى عن عمر بن عبد العزيز أنه أتي برجل كان واجداً عليه فأمر بضربه، مثال قال: لولا أني غضبان لضربتك، ثم خلى سبيله ولم يضربه. ويروى في حديث مرفوع عن النبي) " أنَّ رجلاً قال له: أوصني، فقال: لا تغضب، فأعاد عليه، فقال: لا تغضب " وفي حديث آخر عن يحيى بن زكرياء " إنّه قال لعيسى بن يحيى: هذا عسى " قال الأصمعي: ومن أمثالهم في صفة الحليم: إنه لواقع الطائر.
ومثله إنه لساكن الريح ومنه ما يوصف به الحاماء: كأن الطير على رؤوسهم.
وإنّما يراد بذلك أنهم حلماء لا طيش لهم ولا خفة.

باب الإغضاء على المكروه واحتمال الأذى
قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا قولهم:
(1/151)

طويت فلان على بلاله وطويته على بلوله وبللته. أي احتملت منه إساءته وأذاه على ما فيه. وقال الأصمعي: يقال في مثل هذا: لبست عليه أذني.
أي سكت كالغافل الذي لم يسمعه. قال أبو عبيد: ومنه قول الشاعر:
أعرض عن العوراء أن أسمعتها ... وأقعد كأنك غافلٌ لم تسمعِ
يريد بالعوراء الكلمة القبيحة، وقال الآخر:
قل ما بدا لك من زورٍ ومن كذبٍ ... حلمي أصم وأذني غير صماءِ
قال أبو عبيد: وقال أكثم بن صيفي في نحو هذا: اليسير يجني الكثير.
وقال أيضاً: " الشر يبدؤه صغاره ". وقال مسكين الدارمي في هذا المثل:
(1/152)

ولقد رأيت الشر بي ... ن الحي يبدؤه صغاره
يقول: فاصفح عنه واحتمله لكيلا يخرجك إلى أكثر منه، وقال عدي بن زيد:
شط وصل الذي تريدين مني ... وصغير الأمور يجني الكبيرا
وفي حديث مرفوع، أو عن بعض الصحابة " مكارم أخلاق الدنيا والآخرة أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك " وفي حديث آخر " ما عفا رجل عن مظلمة إلاّ زاده الله بها عزا " وقال الشاعر:
فإنَّ النار بالعودين تذكى ... وإنَّ الحرب يبدؤها الكلام

باب رتق الفتوق وإطفاء النائرة
قال أبو زَيد: من أمثالهم في هذا: إنَّ دواء الشق أن تحوصه.
أي تلاميه وتصلحه. قال أبو عبيد: واصل الحوص الخياطة ومنه حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين اشترى قميصاً فقطع ما فضل عن
(1/153)

كفيه، ثم قال لرجل: " حصه " يعني خياطة كفافه. وقال الأصمعي: ومن أمثالهم في الإصلاح.

ما كفى حرباً جانيها.
معناه أنه إنّما يصلح فساد السفهاء غيرهم من ذوي الأحلام والنهى، فأما جناة الحرب فلا يكون بهم إصلاحها. وقال الأصمعي: ومنه قولهم: صار الأمر إلى النزعة.
إذا قام بإصلاح الأمر أهل الأناة والحلم. وفي حديث مرفوع أنه قيل له) أنا قوم نتساءل أموالنا، فقال: " يسأل الرجل في الجائحة والفتق ليصلح بين الناس، فإذا استغنى أو كرب استعف " فأرخص النبي) في المسألة لإصلاح الفتق.

باب العفو عند المقدرة
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: ملكت فأسجح.
وهذا يروى عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالته لعلي أبن أبي طالب رضي الله عنه يوم الجمل حين ظهر على الناس، فدنا من هودجها، ثم كلمها بكلام، فأجابته: " ملكت فأسجح " أي ضفرت فأحسن، فجهزها عند ذلك بأحسن الجهاز، وبعث معها أربعين امرأة وقال بعضهم: سبعين، حتى قدمت المدينة. ومن أمثالهم في هذا قواهم:
(1/154)

إنَّ المقدرة تذهب الحفيظة.
وقد بلغنا هذا المثل عن رجل عظيم من فريش في سالف الدهر، كان يطلب رجلاً بذحل، فلما ظفر به قال: لولا أنَّ المقدرة تذهب الحفيظة لانتقمت منك ثم تركه. ومن العفو قولهم: إذا ارججن شاصياً فارفع يداً.
يقول: إذا رأيته قد خضع واستكان فاكفف عنه. والشاصي هو الرافع رجله. ومن أمثال العامة في مثل هذا: أكرموا الصريع.

باب مياسرة الإخوان وترك الخلاف عليهم.
قال الأصمعي وعدة من علمائها: من أمثالهم السائرة في هذا قولهم: إذا عز أخوك فهن.
قال أبو عبيد: معناه أنَّ مياسرتك صديقك ليس لضيم ركبك
(1/155)

به فتدخلك الحمية منه، إنّما هو حسن خلق وتفضل، فإذا عاسرك فياسره وكان المفضل مع هذا يخير بأصله، قال: المثل للهذيل بن هبيرة التغلبي، وكان سببه أنه أغار على بني ضبة فغنم وأقبل بالغنائم فقال له أصحابه أقسها بيننا، فقال: إني أخاف إن تشاغلتم بالاقتسام أن يدرككم الطلب فأبوا فعندها قال الهذيل: " إذا عز أخوك فهن " فذهبت مثلا ونزل فقسم بينهم الغنائم وقال أبو عبيدة: ومن أمثالهم في المياسرة: لولا الوئام هلك اللئام.
قال أبو عبيد: فالوئام: المباهاة، يقول: إنَّ الئام ليسوا يأتون الجميل من الأمور على أنها أخلاقهم، إنّما يفعلونها مباهاة وتشبهاً بأهل الكرم وأوّلاً ذلك هلكوا. قال أبو عبيد: وهذا قول أبي عبيدة، وأما غيره من علمائنا فإن المثل عندهم " لولا الوئام هلك الأنام " ويفسرون الوئام الموافقة، يقولون: لولا موافقة الناس بعضهم في الصحبة والعشرة لكانت الهلكة. قال أبو عبيد: ولا احسب الأصل كان الذي لا يعاشرهم.

باب مداراة الناس والتودد إليهم
الأصمعي قال: من أمثالهم في هذا: إذا لم تغلب فاخلب.
يقول: إذا لم يدرك حاجتك بالغلبة والاستعلاء فاطلبها بالترفق وحسن المداراة. وقال أبو زَيد في مثله:
(1/156)

إلاّ حظية فلا آلية.
يقول: إنَّ أخطأتك الخطوة فيما تطلب فلا تال إنَّ تودد إلى الناس وتداربهم لعلك تدرك بعض ما تريد. قال أبو عبيد: وأصل هذا في المرأة تصلف عند زوجها فلا تحظى. يقول: فلا ينبغي لها إنَّ تعينه على سوء رأيه فيها فتهتك، ولكن تحبب إليه بما أمكنها وقال أبو زيد في نحو هذا: سوء الاستمساك خير من حسن الصرعة.
يقول: لأن يزل الإنسان وهو عامل بوجه العمل وطريق الإحسان والصواب خير من أنَّ تأتيه الإصابة وهو عامل بالإساءة والخرق. وفي حديث مرفوع: نصف العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس.

باب مخالفة الناس بالأخلاق مع التمسك بالدين.
قال أبو عبيد: روينا في حديث عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما انهما قالا: خالطوا الناس وزايلوهم.
أي خالطوهم بالمعاشرة والأخلاق، وزايلوهم بأعمالكم. وعن صعصعة بن صوحان إنّه قال لأبن زيد بن صوحان: أنا كنت أكرم على
(1/157)

أبيك منك، وأنت أركم علي من أبني، إذا لقيت المؤمن فخالصه. وإذا لقيت الفاجر فخالفه، ودينك لا تكلمنه. وقد كان بعض علمائنا يرفع حديثا إلى عيسى بن مريم عليه السلام إنّه قال: كن وسطاً وامش جانبا.
فجعل مشيته في ناحية مثلا لمزايلته الأعمال، وكينونه وسط الناس مثلا لمخالطتهم. وروينا عن أبي الدرداء إنّه قال: أنا لنكشر في وجوه القوم وإنَّ قولبنا لتقليهم.
أو لتلعنهم. وفي حديث مرفوع " إنَّ رجلاً استأذن عليه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " بئس أخو العشيرة " ثم إذن له فدخل عليه، فقربه وأدناه، فلما خرج قال: " إنَّ من شرار الناس من أكرمه الناس اتقاء لسانه " أو كلام هذا معناه وإنَّ لم يكن بهذا اللفظ. ومنه حديثه في العباس بن مرداس حين قال تلك الأبيات يوم حنين، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اقطعوا عني لسانه " أراد إنَّ يعطي حاجته ليسكت. ومن هذا حديث يروى عن أبن شهاب أنَّ شاعراً امتدحه فأعطاه وقال:
(1/158)

إنَّ من ابتغاء الخير اتقاء الشر.
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في التمسك بالدين قولهم: من يبغ في الدين يصلف.
يعني إنّه لا يحظى عند الناس، ولا يرزق منهم المحبة، ولذلك قيل: قد صلفت المرأة عند زوجها، إذا لم تكن لها حظوة عنده.

باب حسن عشرة الرجل أهله وحامته
قال الأصمعي: من أمثالهم: كل امرئ في بيته صبي.
قال أبو عبيد: يعني في حسن الخلق والمفاكهة واللهو ونحوه، وقد جاءنا مثله أو نحوه عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت رحمهما الله، فأما حديث عمر فانه قال: " ينبغي إنَّ يكون في أهله كالصبي، فإذا التمس مت عنده وجد رجلاً " وأما حديث زيد بن ثابت فانه كان من أفكه الناس في أهله، وأزمتهم إذا جلس مع القوم وفي حديث مرفوع: خياركم خيركم لأهله.
وعن معاوية إنّه قال: تغلبن الكرام وتغلبهن اللئام.
(1/159)

باب اكتساب الحمد، واجتناب المذمة وكراهة الشماتة.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في اغتنام الحمد وكراهية الذم: الحمد مغنم والمذمة مغرم.
ومن هذا قول الأول:
بذلك وصاني حريم بن مالك ... وإنَّ قليل الذم غير قليل
ومن اجتناب الذم قولهم: الشر أخبث ما أوعيت في زاد.
وبعضهم يرويه في شعر عبيد بن الأبرص: قال أبو عبيد: ومن أمثال أكثم بن صيفي: الشماتة لوم.
يقول: ليس من الكرم أنَّ يشمت الرجل بصاحبه إذا زلت به النعل أو نزل به أمر.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم: إنَّ خيراً من الخير فاعله. وإنَّ شراً من الشر فاعله.
يضرب هذا في الحض على الخير والانتهاء عن الشر. ويقال: إنَّ أصل هذا المثل للنعمان بن المنذر يقال له علقمة، قاله لأخيه عمرو مع مواعظ كثيرة وعظه بها، قال: وبعضهم يجعل الكلام لصخر لن عمرو بن
(1/160)

الحارث بن شريد السلمي.

باب الصبر عند النوازل والمزاري
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: هون عليك ولا تولع بإشفاق.
قال الأصمعي: في نحو منه: إنَّ في الشر خياراً.
قال: ومعناه إنَّ بعض الشر أهون من بعض. قال أبو عبيد: أحسبه يريد: إذا أصابته مصيبة فأعلم إنّه يكون أجل منها فليهون ذلك عليك مصيبتك. ومنه الحديث المرفوع " من أصابته مصيبة فليذكر مصابه بي فليعزه ذلك " وقال بعض حكماء العرب: إنَّ شرا من المرزئة سوء الخلف منها وقال آخر: المصيبة للصابر واحدة وللجازع اثنان.
(1/161)

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الصبر على المصائب: كانت وقرة في حجرٍ والوقرة مثل الهزمة تكون فيه يقول: إنّه احتمل المصيبة، ولم تؤثر فيه إلاّ مثل تلك الهزمة في الحجر. قال أبو عبيد: وكذلك قولهم: كان جرحا فبرأ.
قالها بعض حكماء العرب وكان أصيب بابن له، فبكاه حولا ثم سلا عنه بعد ذلك، فقال هذه المقالة ومن هذا المعنى قول أبي خراش الهذلي:
بلى إنّها تعفوا الكلوم وإنّما ... نوكل بالأدنى وإنَّ جل ما يمضي
وقال أكثم بن صيفي: حيلة من لا حيلة له الصبر.
وفي الحديث المروفع: الصبر عند الصدمة الأولى.
معناه أنَّ كل ذي مرزئة فإنَّ قصاراه الصبر، ولكنه إنّما يحمد على إنَّ يكون عند جدة المصيبة وحرارتها. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الصبر: من حدث نفسه بطول البقاء فليوطن نفسه على المصائب.
يروى هذا المثل
(1/162)

عن عبد الرحمن بن بكرة. وقال صالح المري لرجل يعزيه: إنَّ لم تكن مصيبتك أحدثت لك في نفسك موعظة فمصيبتك بنفسك أعظم.

باب ترك الأسف على الفائت
قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي: من لم يأس على ما فاته أراح نفسه.
وفي حديث مرفوع إنّه قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمر: " ما جاءك من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف نفسٍ فخذه وتموله، وما لا فلا تتبعه نفسك " يقول: لا تأسف عليه.
(1/163)

بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على محمّد وآله
جماع أمثال المجد والجود
باب المثل في الحض على بذل والإفضال
قال أبو محمّد الأموي: من أمثالهم في النائل: إنّما سميت هانئا لتهنئ.
قال: ويقال: " لتهنأ " أي لتفضل على الناس، والهانئ هو المعطي، يقال: هنأت الرجل هنا، إذا وهبت له ورفدته. والاسم منه الهنء. وقال أبو عبيدة: في محو هذا: لا ينفعنك من زادٍ تبق.
يقول: إنَّ بقيته صار إلى الفساد والتغير فأعطه الناس وكذلك المال يبقى لك فأنفقه: ومنه الحديث المرفوع: أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا.
وحديثه " إنّما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت، وما سوى ذلك فهو مال الوارث " ومنه مقالة أبي ذر " إنَّ لك في مالك شريكين، الحدثان والوارث، فإنَّ قدرت إلاّ تكون أخس الشركاء حظاً فافعل ". ومنه قول الربيع بن خثيم لبعض إخوانه " كن وصي نفسك ولا تجعل أوصياءك
(1/164)

الرجال " أي أنفقه وتخلفه بعدك فتوصي به. ومن أمثالهم في اصطناع الخير قولهم: لا يذهب العرف بين الله والناس.
وهذا المثل للحطيئة في شعر له:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
قال أبو عبيد: وفي بعض الحديث: اصطناع المعروف بقي مصارع السوء.
وفي حديث آخر " أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة " وفي حديث ثالث " السخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد من النار " وقال زهير بن أبي سلمى:
هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفوا ويظلم أحيانا فيظلم
ويروى " فينظلم " قوله " يظلم " أي يسأل فوق طاقته. وقوله " فيظلم " يتكلفه. وروينا في حديث " إنَّ الله يحب الجود ومعالي الأمور، ويبغض سفسافها " وجاءنا عن أبن عباس إنّه قال: " إنَّ أبن أبي المعاصي مشى القدمية وإنَّ أبن الزبير لوى ذنبه " وقال في معاوية: " لله در أبن هند،
(1/165)

كان الناس يردون منه على أرجاء وادٍ رحب " قال الأصمعي: ومن أمثالهم في العطايا يقال: أعطاه بقوف رقبته يقال ذلك إذا أعطاه بغيته، ولم يأخذ له ثمناً ولا أجراً. وأمثال الجود في كلامهم وأشعارهم أكثر من يخاط بها.

باب اصطناع المعروف وإنَّ كان يسيراً
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: من حقر حرم.
قال أبو عبيد: يريدون أنَّ الإنسان إذا كان يعجز عن الأفضال بالكثير ثم يحقر ما يقدر عليه من اليسير كان فيه الحرمان وتلف الحقوق.
قال أبو عبيد: ومما يقوى هذا المذهب ما روى في الحديث المرفوع. " أنَّ لا ترد السائل ولو بظلف محرقٍ " ومنه قوله: " لا تحقرن شيئاً من المعروف ولو إنَّ تعطى صلة الحبل ولو إنَّ تفعل كذا وكذا " في حديث طويل.
قال أبو عبيد: وإنّما هذا أنَّ الإنسان ربما كان مضطرا إلى ذلك اليسير فيعظم موقعه منه، وإنَّ كانت الموونه فيه على المعطى يسيرة. قال أبو زيد: ومن أمثالهم في اليسير من البر قولهم: إنَّ الرثيئة تفثا الغضب.
قال: وأصله إنَّ رجلاً كان غضبان على قوم، وأحسبه، كان
(1/166)

مع غضبه، جائعاً، فسقوه رثيئةً فسكن غضبه، وكف عنهم. والرثيئة: اللبن الحامض، يخلط بالحلو. وقوله: " تفثأ " يعني: تكسر وتكف الغضب. قال أبو عبيد: ومن الرغبة في المعروف وإن كان يسيرا حديث عائشة رضي الله عنها حين سألها سائل وعندها طبق عنب، فأعطيه حبة، وعندها نساء فضحكن من ذلك فقالت: " إنَّ فيما ترين مثاقيل ذر كثير " قال أبو عبيد: تريد قول الله عز وجل:) فمن بعمل مثقالَ ذرةٍ خيراً يره " ويروى عن عبد الحمن بن عوف مثله أيضاً.

باب جود الرجل بما فضل عن حاجته من ماله.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: وحسبك من غنى شبع وري.
وهذا المثل لامرئ القيس بن حجر الكندي، وكانت له معزى، فقال يذكرها:
فتملأ بيتنا أقطاً وسمناً ... وحسبك من غنى شبعٌ وريٌ
فقد يكون في هذا معنيان، أحدهما أن يقول: أعط الناس كل ما كان وراء الشبع والري، والآخر القناعة باليسير، يقول: فاكتف به ولا تطلب ما سوى ذلك. قال أبو عبيد: والمعنى الأول هو عندي الوجه، لقوله في شعر له آخر:
فلو أنَّ ما أسعى لأني معيشةٍ ... كفاني ولم أطلب قليل من المالِ
(1/167)

ولكن ما أسعى لمجدٍ مؤثلٍ ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
فأخبر ببعد همته وقدره في نفسه. ومن أمثالهم في نحو هذا قولهم: يكفيك ما بلغك المحلاَّ.
ومنه قول الشاعر:
من شاء أن يكثر أو يقلا ... يكفيه ما بلغه المحلاَّ
قال أبو عبيد: في هذا مثل في الأول من التأويلين اللذين ذكرنا. ومن أمثالهم في هذا الباب قول الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
ويروى: فأنت لعمري طاعم كاسي يقول: قد رضيت من المكارم بأن لا تفضل على أحد إلاّ ما تنفق عليك في طعامك وكسوتك، ومثله قول الآخر:
إني وجدت من المكارم حببكم ... أن تلبسوا حر الثياب وتشبعوا
فإذا تُذُوكرت المكارم مرةً ... في مجلس أنتم به فتقنعوا
ويقال في مثل تتكلم به العوام من الناس: من أنفق ماله على نفسه فلا يتحمد به إلى الناس.

باب العادة من الجود والخير يعودها الرجل الناس
قال أبو زَيد: من أمثالهم في هذا:
(1/168)

ما حللت بطن تبالة لتحرم الأضياف.
قال: ومعناه انك أم تبتدئ في أوّل أمرك بالتفضيل والنيل وأنت تريد تركه. قال: وتبالة: بلاد باليمن مخصبة، فجعلها مثلاً لنواله. قال أبو عبيد: ومن عادة الخير قول الأعشى:
عودت كندة عادةً فاصبر لها ... اغفر لجاهلها ورو سجلياها
وقد جاءنا في بعض الحديث: الخير عادة، والشر لجاجة.
وقال بعض الحكماء: انتزاع العادة من الناس ذنب محسوب.
وكان أشياخنا من أهل المعرفة يعلم الناس يحدثون أنَّ المسلمين لمّا انهزموا يوم اليمامة، قالت الأنصار: بئسما عودتم أقرانكم، يعنون الفرار، ثم كروا عليهم حتى أظهرهم الله، وقتل عدوهم، فهذا من عادة الخير.
ومن أمثالهم المشهورة قولهم: العودُ أحمدُ.

باب الرجل تكون شيمته الكرم غير أنه معدم.
قال الأحمر: من أمثالهم في هذا:
(1/169)

بيتي يبخل لا أنا.
يقول: ليس البخل من أخلاقي، ولكن ليس لي ما أجود به.
قال: ومن أمثالهم في الاعتذار قولهم: شغلت شعابي جدواي.
يقول: شغلتني أموري عن الناس والإفضال عليهم.
وقال أبو عبيدة في نحو هذا: بالساعد تبطش الكف.
أي إنّما أقوى على ما أراد بالمقدرة الواسعة، وليس ذلك عندي، ولا مقدرة لي. وقد يضرب هذا المثل في قلة الأعوان أيضاً. قال الأموي: ومن أمثالهم في الرجل يذكر الجود ثم يفعله: بأذن السماع سميت.
ومعناه أنَّ فعلك يصدق ما تسمعه الأذن من قولك.

باب الصبر على مكابدة الأمور ومقاساتها لمّا في عواقبها من المحامد.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: عند الصباح يحمد القوم السرى.
يقول: انهم يقاسون في ليلهم مكابدة الليل ومقاساة الإسآد، فإذا أصبحوا وقد خلفوا البعد وراء ظهورهم حمدوا فعلهم حينئذ. ومثله قولهم:
(1/170)

غمرات ثم ينجلين.
وهذان المثلان يقال: انهما لأغلب العلجي، ويقال: لغيره. يضربان للرجل يحتمل الأمور العظام رجاءً لنيل المعالي في غبها، وقد يوصفان في أمر الدين والدنيا جميعاً.
(1/171)

بسم الله الرحمن الرحيم
جماع أمثال الخلة والإخاء
باب مثل المتخالين المتصافيين اللذين لا يفترقان
قال أبن الكلبي وغيره من علمائنا: من أمثالهم السائرة في الرجلين المتآخيين قولهم: هما كندمانى جذيمة.
قال أبن الكلبي: وهو جذيمة الابرش الملك وكان أبن أخته عمرو بن عدي قد فقده جذيمة الابرش دهراً، ثم إنَّ رجلين من بلقين يقال لأحدهما: مالك، والآخر: عقيل وجداه فقدما به على جذيمة، فعظم موفعه منه، وقال: سلاني ما شئتما، فسألاه أنَّ يكونا نديمية ما عاش وما عاشا، فأجابهما إلى ذلك، فهما ندامانا جذيمة، وفيهما يقول متمم بن نويرة اليربوعي في نفسه وأخيه مالك بن نويرة:
وكنا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكاً ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وتمثل عمر بن الخطاب بهذا في نفسه وأخيه زيد بن الخطاب. وفي هذين النديمين يقول
(1/172)

الشاعر في سالف الدهر:
ألم تعلمي أنَّ قد تفرق قبلنا ... نديما صفاءٍ مالك وعقيل
وهما القينيان مالك وعقيل نديما جذيمة. ومن هذا المعنى البيت السائر في العالم:
وكل أخٍ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلاّ الفرقدان
قال أبو عبيد: القينان هما من بلقين، يريد بني القين، فحذف النون والياء، كقولهم: بلعنبر وبلهجيم، وما شابه ذلك. ومنه قولهم في بني شمام، وهما جبلان.

باب الخليل الخاص بأخيه ومؤانسه.
قال الأحمر: من أمثالهم في هذا قولهم: فلان أبن انس فلانٍ.
أي إنّه صفيه وخاصته وأنيسه ومن هذا قولهم في المنامس، وأصله من الناموس، وهو خاصة الرجل وصاحب سره. ومنه قول ورقه بن نوفل في النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنّه يأتيه الناموس صاحب موسى " يعني جبريل عليه السلام أجمعين. وكذلك عيبة الرجل: وهم خاصته وأصحاب نصحته وسره. ومنه الحديث في خزاعة " انهم كانوا عيبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مؤمنهم وكافرهم ".
(1/173)

باب عناية الأخ بأخيه وإيثاره إياه على نفسه.
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: لك ما أبكي ولا عبرة بي.
يضرب للرجل يشتد اهتمامه بشأن أخيه. قال أبو عبيد: ومن الإيثار قولهم:
هذا جناى وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه
وأخبرني أبن الكلبي إنَّ هذا المثل لعمرو بن عدي اللخمي أبن أخت جذيمة الأبرش، وكان جذيمة قد نزل منزلا، وأمر الناس أنَّ يجتنوا له الكمأ، فكان بعضهم إذا وجد منها شيئاً يعجبه فربما آثر نفسه به على جذيمة، وكان عمرو بن عدي يأتيه بخير ما يجده، فعندها يقول عمرو:
هذا جناى وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه
يعني: أوثرك به على نفسي إذ كان غيري يأكله دونك. قال أبو عبيد: وهذا المثل تكلم به علي بن أبي طالب، رحمة الله عليه وصلواته، لمّا جبيت إليه العراق، فنظر إلى ذهبها وفضتها فقال: " يا حمراء يا بيضاء أحمري وأبيضي وغري غيري ".
هذا جناى وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه
هكذا يرويه أصحاب الحديث بالواو، والذي أراد علي رضي الله عنه أني أعطي المال غيري، وامنعه نفسي. ومن الإيثار قول الشاعر يخاطب امرأته:
(1/174)

أرد شجاع الجوع قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم
ومن الإيثار حديث العابد الذي أراد الإفطار، فقدم قرصيه ليتعشى، وعرض له سائل فأعطاه إحداهما، ثم قال: ما ذاك بمشبعه، وما هذا بمشبعي، ولأن يشبع أحد خير من إنَّ يجوع اثنان، ثم ناوله القرص الآخر، فلما نام أتي في منامه فقيل له: سل حاجتك، فقال المغفرة، فقيل له: أما هذه فقد أعطيتها فسل حاجتك، قال: أنَّ يغاث الناس. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في مواساة الرجل أخاه قولهم: إنَّ أخاك من أساك.
ومثله قولهم: رب أخ لك لم تلده أمك.
يقال: إنَّ المثل للقمان بن عاد، وكان له أصل سوى الموضع الذي يضعه الناس به، وذلك أنَّ لقمان رأى رجلاً مستحلياً بامرأة، فاتهمه وقال: من هذا؟ فقالت: أخي، فقال مجيبا لها: " رب أخ لك لم تلده أمك ".

باب صفة الأخ المستمسك بإخاء صديقه المشفق عليه.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا أنَّ يقال:
(1/175)

ما عقالك بأنشوطةٍ.
وذلك لأن الأنشوطة ينسهل انحلالها، يقول: فليس إخاؤه كذلك، ولكنه عقد مؤكد، وهذا نحو قول ذي الرمة:
وقد علقت مي بقلبي علاقة ... بطيئا على مر الشهور انحلالها
ويروى " علقت " قال الأصمعي: ومن أمثالهم في بر الرجل بصاحبه إنَّ يقال: أم فرشت فأنامت.
قال الأصمعي: فإذا أرادوا إنّه لا يخالفه في شيء قالوا: هو حبل ذراعك.
قال: والحبل: عرق في اليد. ومن أمثالهم في هذا قولهم: بين العصا ولحائها.

باب سرعة اتفاق الأخوة في التحاب والمودة.
قال أبو زَيد: من أمثالهم في نحو هذا: كانت لقوة صادفت قبيسا.
قال سلمة: هي عندنا لقوة مفتوحة.
(1/176)

قال أبو عبيد: واللقوة هي السريعة الحمل، والقبيس هو الفحل السريع الإلقاح، فمثل هذين لا إبطاء عندهما في النتاج. يضرب للرجلين يكونان متفقين على رأي واحد ومذهب، فيلتقيان، فلا يلبثان أنَّ يتصاحبا على ذلك ويتألفا. وقال الأصمعي: في نحو منه: التقى الثريان.
قال أبو عبيد: والثرى هو التراب الندي، فإذا جاء المطر الكثير رسخ في الأرض حتى يلتقي نداه والندى: الذي يكون في بطن الأرض، فهو التقاء الثريين. يضرب هذا في الأمرين أو في رجلين يكونان متفقين فيلتقان. ومن هذا قول أكثم بن صيفي: إنّما الشيء كشكله.
ومنه حديث عبد الله وغيره: " الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا قولهم: وافق شناً طبقه.
قال: وأصل الشن الوعاء المعمول من الأدم فإذا يبس فهو شن فكأن قوما كان لهم مثله فتشنن، فجعل له غطاء فوافقه. وقال بعض أهل العلم خلاف ذلك فذكر إنّه شن بن بطن من عبد القيس، والتقوا هم وحي من إياد، يقال لهم: طبق، فاتفقوا على أمر، فقيل في هذا: " وافق شن طبقه " ويقال في نحو منه:
(1/177)

وقعت عليه رخمته.
إذا وافقه وأحبه.

باب الإفراط في التودد وما يكره منه ويحب من الاقتصاد.
قال أبو عبيد: بلغني عن بعض الحكماء إنّه قال: " لا تكن في الإخاء مكثرا ثم تكون فيه مدبراً فيعرف سرفك في الإكثار بجفائك في الأدبار " قال أبو عبيد: وهذا نحو مما يروى عن عمر وعلي.

لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفاً.
ومثل الحديث الآخر: أحبب حبيبك هونا ما عسى إنَّ يكون عدوك يوماً ما، وابغض بغيضك هونا ما عسى إنَّ يكون حبيبك يوماً ما.
ومنه قول النمر بن تولب:
وأحبب حبيبك حبا رويداً ... فليس يعولك أن تصرما

باب اقتداء الرجل بخليله وقرينه
قال أبو عبيد: جاءنا الخبر عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنّه قال: إنّما المرء بخليله، فلينظر امرؤ من يخال.
ومع هذا إنّه المثل السائر في الناس:
(1/178)

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن مقتد
وهذا البيت لعدي بن زيد العبادي. ومن أمثال أكثم بن صيفي في نحو هذا: من فسدت بطانته كان كمن غص بالماء.
يعني إنَّ لا دواء له، من أجل أنَّ الغاص بالطعام إنّما غياثه بالماء، فإذا كان الماء هو الذي يغصه فلا حيلة له، فكذلك بطانة الرجل وأهل دخلته، وقال عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
يعني: ملجئي. ومن أمثالهم في فساد البطانة المثل المبتذل في العامة: إنَّ الريح إذا هبت خارج البيت استترت منها، وإذا كانت داخل البيت لم يكن إلى الاستتار منها سبيل.

باب تخويف الرجل صديقه بالهجران في الشيء ينكره عليه.
قال الأموي: من أمثالهم في هذا قول الرجل لأخيه: والله لئن فعلت كذا وكذا لتكونن بلدة ما بيني وبينك.
يعني القطيعة. وقال: الأحمر: ومن أمثالهم في هجر الرجل صاحبه: تركته ترك ظبي ظله.
(1/179)

قال: وذلك إنّه إذا نفر من شيء لم يرجع إليه أبداً.

ضرب في جهازه.
ومن أمثالهم في تخوف الرجل هجر صاحبه قولهم: لا توبسن الثرى بيني وبينك.
أي لا تقطعن الأمر بيننا، وانشد لجرير:
فلا توبسوا بيني وبينكم الثرى ... فإنَّ الذي بيني وبينكم مثرى

باب استعانة الرجل بإخوانه وأهل ثقته.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في نحو هذا: إلى أمه يلهف اللهفان.
واحسبه عن الأصمعي، يعني إلى أهل عنايته والإشفاق عليه يلجأ المستغيث. قال أبو عبيد: ومن هذا المعنى قول القطامي:
وإذا يصيبك والحوادث جمة ... حدث حداك إلى أخيك الأوثق
ويقال في نحو منه، وليس فيه بعينه: لمثل ذا كنت أحسيك الحسى.
عن الأصمعي، واصله الرجل يغذو فرسه بالألبان، يحسيها إياه، ثم تحتاج إليه في الطلب أو الهرب. فيقول له: فلهذا كنت افعل بك ما كنت أفعل.
(1/180)

ومن أمثالهم في استعانة الرجل بأهل الثقة قول الشاعر:، وهو مسكين الدرامي:
أخاك أخاك، إنَّ من ى أخاً له ... كساع إلى الهيجاء بغير سلاح
وأم أبن عم المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في معاونة الأخ ونصرته قولهم: أنصر أخاك ظالما أو مظلوماً.
وهذا الحرف يروى في حديث مرفوع إلاّ إنَّ فيه " قيل يا رسول الله، هذا ينصره مظلوماً فكيف إذا كان ظالما؟ قال: يكفه عن الظلم " قال أبو عبيد: أما الحديث فهكذا هو، وأما العرب فكان مذهبها في المثل نصرته على كل حال.

باب مشاركة الرجل أخاه في الرفاهية وخذلانه إياه في الشدائد.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا: يربض حجرة ويرتعي وسطاً.
قال أبو عبيد: ومن أشعارهم في هذا قولهم:
موالينا إذا افترقوا إلينا ... وإنَّ اثروا فليس لنا موال
وإذا ضيع الرجل حق أخيه في حياته، ثم بكاه بعد موته فإنَّ مثلهم السائر في هذا قول الشاعر:
(1/181)

لأعرفنك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي
ومن هذا قولهم:
من فاز بفلان فقد فاز بالسهم الاخيب.
وهذا المثل يروى عن على بن أبي طالب رضي الله عنه في بعض من كان يستبطئ من أصحابه قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في خذلان الإخوان عند الشدائد قولهم: ليس عبد بأخ لك.
وذكروا عن المفضل إنّه كان يخبر أنَّ رجلاً من عاد كان يكرم إخوانه، فقال له أبوه: أختبرهم، وأمره أنَّ يذبح شاة، ثم يلفها في شيء ثم يأتيها فيقول: هذا رجل قتلته فأحب إنَّ تواروه، فحمله على عبد له، ثم أتاهم رجلاً رجلاً، فكلهم يكره ذلك، حتى أتى رجلاً كان أخسهم عنده، فقبله وقال: هل علم بهذا أحد؟ قال: لا، غير غلامي هذا، فأخذ السيف فقتل العبد وقال: " ليس عبد بأخ لك " فأرسلها مثلاً.

باب معاتبة الإخوان وفقدهم.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: معاتبة الأخ خير من فقده.
وهذا المثل يروى ن أبي الدرداء، فإن استعتب الأخ ولم يعتب فإنَّ مثلهم في هذا قولهم: لك العتبي بأن لا رضيت.
وهذا مثل مبتذل في الناس، وهو مثل محول عن موضعه، لأن أصل " العتبى " الرجوع المستعتب إلى محبة صاحبه، وهذا على ضده، يقول: أعاتبك
(1/182)

بخلاف رضاك، ومنه قول بشر بن أبي حازم الأسدي:
غضبت تميم أنَّ تقتل عامر ... يوم النسار فأعتبوا بالصليم
أي أعتبناهم بالقتل. ومن أمثالهم في ترك العتاب قول الشاعر:
وليس عتاب الناس للمرء نافعاً ... إذا لم يكن للمرء لب يعاتبه
وقال آخر:
فدع العتاب فرب شر ... هاج أوله العتاب
ويروى عن أوس بن حارثة إنّه كان فيما يقال لابنه مالك: يا مالك: العتاب قبل العقاب، والمنية ولا الدنية.
ومن أمثالهم في فقد الأخ الموثوق به قول الشاعر:
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... بيمينك فأنظر أي كف تبدل
(1/183)

إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إنَّ كان يعقل
ويركب حدّثني السيف من أنَّ يضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف معدل
ويروى عن الحسن إنّه قال: إنَّ من اشد الناس فقداً عليك أخاك، الذي إنَّ شاورته في أمر دينك أو دنياك وجدت عنده رأيا، ففقدته فالتمس من تجد ذلك عنده فلم تجده.
ومن أمثالهم في الرجل يرزأ بأخيه قولهم: إنّما أكلت يوم أكل الثور الأبيض.
قال أبو عبيد: هذا المثل يروونه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إنّه قاله، ثم قال: إنّما وهنت يوم قتل عثمان.

باب إشفاق الرجل على أخيه ومحاذرته لمكروهه.
قال أبو عبيد: من أمثالهم المعروفة قولهم: إنَّ الشفيق بسوء ظن مولع.
وذلك أنَّ المعنى بشأن أخيه لا يكاد يظن به إلاّ المكاره والحدثان كنحو من ظنون الوالدات، فهذا ما في الإشفاق عليه من سوء الظن.
وأما مثلهم في حسن الظن به الجفاء يظهر منه فقول أكثم بن صيفي.

من جعل نفسه من حسن الظن بإخوانه نصيبا أراح قلبه.
يعني إنَّ الرجل إذا رأى من أخيه إعراضا أو تغيرا فحمله منه على وجه جميل، وطلب له المخارج والعذر خفف ذلك عن قلبه، وقل منه غيظه واغتمامه.
(1/184)

باب نصيحة الرجل أخاه
قال أبو عبيد: من أمثالهم القديمة: أخوك من صدقك.
يعني في النصيحة من أمر الدين والدنيا، وفي بعض الحديث " المؤمن مرآة أخيه " يعني إنّه رأى منه ما ينكره أخبره به، ورووا عن عمر بن عبد العزيز إنّه قال: رحم الله رجلاً أهدى إلى عيوبي.
وفي حديث مرفوع " الدين النصيحة، قيل لمن؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ".
ويروى عن يونس بن عبيد إنّه قال: " ما رأيت أحدا أنصح للإسلام من الحسن وأيوب " وعن بكر بن عبد الله المزني إنّه قال: " لو دخلت هذا المسجد وهو مفهم من الرجال فقيل لي: من خيرهم؟ لقلت: أنصحهم لهم ".

جماع أبواب الأمثال في الأموال والمعاش
باب المثل في الخصب والسعة وثروة المال وإصلاحه.
قال أبو عبيدة والأصمعي جميعاً: من أمثالهم في كثرة الخصب والخير.
(1/185)

هم في شيء لا يطير غرابه.
واصله إنَّ الغراب إذا وقع في موضع منه لم يحتج إلى أنَّ يتحول إلى غيره. قالا: وقد يضرب هذا المثل في الشدة أيضاً قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الخير قول النابغة الذبياني:
ولرهط حراب وقد سورة ... في المجد ليس غرابها بمطار
قوله " حراب وقد " هما رجلان من بني أسد. وقال أبو عبيد عن أبي عبيدة " سورة " يعني منزلة وفضيلة، ومنها قول النابغة أيضاً:
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملكٍ دونها يتذبذب
وقال أبو زَيد الأنصاري: من أمثالهم في الخصب قولهم: وقع فلان في سي رأسه.
أي فيما شاء واحتكم، قال أبو زَيد: وقد يفسر " سي رأسه " عدد شعره من الخير. قال أبو زيد: ومنه قولهم: وجدت الدابة ظلفها.
أي ما يوافقها وتكون فيها إرادتها، قال: وكذلك الإنسان. قال أبو عبيدة: وإذا أصاب الرجل عند صاحبه أفضل ما يريد من الخصب قيل:
(1/186)

وجده عند تمرة الغراب.
قال: وذلك لأن الغراب إنّما ينتقي من التمر أطيبه وأجوده. ومن أمثالهم في التماس الخصب والسعة.

جاور ملكاً أو بحراً.
باب كثرة المال والخير يقدم به الغائب أو يكون له.
قال أبو زيد: من أمثالهم في المال الكثير يقدم به الغائب: جاء فلان بالهيل والهيلمان.
قال أبو عبيد: ومثله: جاء فلان بما صأى وصمت.
وبلغي عن المفضل أنَّ المتمثل به قصير بن سعد، قاله للزباء حين أتاها بالأموال من العراق، فقال: جئتك بما صأى وصمت، يعني ما نطق وسكت. وقال الأصمعي: العرب تقول: من المال الصامت والناطق، فالصامت عندهم كل شيء سوى الحيوان، مثل العروض والأثاث والعقار والورق، قال: والناطق عندهم الحيوان كله، ما كان من رقيق أو دواب أو نحوها، قال: وإنّما سمى هذا ناطقا لصوته وحياته، وسمى ذلك صامتاً لأنه لا روح له، ولا صوت عنده. قال أبو عبيد: وأما العامة فالصامت عندهم العين والورق خاصة،
(1/187)

ولا ينبغي إنَّ يكون الأصل إلاّ الأول.
وأما أهل الحجاز فإنَّ اسم الدراهم والدنانير عندهم الناض، وإنّما يسمونه ناضا إذا تحول عينا بعد إنَّ كان متاعاً.
ومن أمثالهم في كثرة ما يقدم به القادم قولهم: جاء فلان بالضح والريح.
ومعنى الضح الشمس، أي جاء بمثل الشمس والريح في الكثرةز والعامة تقول جاء بالضيح والريح، وليس الضيح بشيء إنّما هو الضح وكذلك جاء ذكره في الحديث " لا بقعد أحدكم بين الضح والظل فانه مقعد الشيطان " ومن أمثالهم في الكثرة: عند فلان من المال عائرة عينز ومعناه إنّه من كثرته يملأ العين حتى يكاد يعورها، أي يفقأها، يقال: عرت عينه، كما يقال: عورتها. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في المال قولهم: لفلان كحل ولفلان سواد.
قال أبو عبيد: وكان الأصمعي يتأول في سواد العراق إنّه يسمى سواداً للكثرة، وأما أنا فأحسبه سمى به للخضرة التي في النخل والشجر والزرع، لأن العرب قد تلحق لون الخضرة بالسواد، فيوضع أحدهما في موضع الأخر، ومن ذلك قول الله
(1/188)

جل جلاله حين ذكر الجنتين فقال: " مدهامتان " هما في التفسير " الخضراوان " فوصفت الخضرة بالدهمة، وهي من سواد اللون، وقد وجدنا مثله في أشعارهم، وقال ذو الرمة:
قد أقطع النازل المجهول معسفه ... في ظل أخضر يدعو هامه البوم
يريد بالأخضر الليل، سماه بهذا لظلمته وسواده، قال أبو عبيد: ومن أسماء المال عندهم النشب، يقال: فلان ذو نشب، ويقال ماله نشب، وكذلك العرض، بفتح العين والراء، وهو جميع أموال الناس، فأما العروض فالأمتعة التي لا يدخلها كيل ولا وزن، ولا تكون حيوانا ولا عقاراً. ومن أسماء كثرة المال الدثر، ومنه الحديث المرفوع حين قيل له صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ذهب أهل الدثور بالأجور " وكذلك الثروة والتراث. وقال الأصمعي: ومن أمثالهم في كثرة المال يأتي به الرجل قولهم: جاءهم بالطم والرم.

باب استصلاح المال وما يؤمر به من ترك إضاعته.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في استصلاح المال قولهم: بق نعليك، وابذل قدميك.
أي احمل على نفسك في استبقاء مالك، لئلا يرى الناس به خلة فتهون عليهم. ومنه قولهم:
(1/189)

لا جديد لمن لا خلق له.
يقول صن خلقك ولا تضيعه، فإنَّ يكون إذا لبسته وقاية للجديد. وهذا المثل نحن نرويه عن عائشة أم المؤمنين، وقد كانت وهبت مالاً كثيراً، ثم أمرت بثوب لها أنَّ يرقع، وتمثلت بهذا المثل عند ذلك.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المعنى قول أحيحة بن الجلاح: التمرة إلى التمرة تمر، والذود إلى الذود إبل.
وكان أصل هذا إنّه دخل حائطا له، فرأى تمرة ساقطة، فتناولها، فعوتب في ذلك، فعندها قال هذه المقالة، وهو القائل:
استغن أو مت ولا يغرك ذو شنب ... من أبن عم ولا عم ولا خال
إني أقيم على الزوراء أعمرها ... إنَّ الحبيب إلى الإخوان ذو المال
ومنه البيت السائر في العالم:
قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير على الفساد
ومن الحث على إصلاح المال حديث قيس بن عاصم المنقري في وصيته لوالده: " أفعلوا كذا
(1/190)

وكذا، وأكرموا الإبل، فإنَّ فيها مهر الكريمة، ورقوء الدم " يعني الديات التي تدفع بها القصاص والقود.
ومن أمثالهم في إكرام المال قولهم: من ذهب ماله هان على أهله.
ويروى عن رجل من أهل العلم إنّه مر به رجل من أهل الأموال، فتحرك له وأكرمه وأدناه، فقيل له بعد ذلك: أكنت لك إلى هذا حاجة؟ فقال: لا والله، ولكني رأيت المال مهيبا فهبته. أو قال: رأيت ذا المال مهيباً.

باب عذر الرجل في إمساك ماله وترك الجود به.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في منع المال: الشحيح أعذر من الظالم.
قال أبو عبيد: وهذا من أمثالهم في مبتذل عند العوام. وإنّما نراهم جعلوا له عذرا إذا كان استبقاؤه ماله ليصون به وجهه وعرضه عن مسألة الناس. ويقولن: فهذا ليس بمليم، إنّما هو تارك للتفضل، ولا عيب عليه في حفظ شيئه، إنّما تلزم اللائمة الآخذ مال غيره: وهذا كالمثل الذي لأكثم بن صبفي.

رب لائم مليم.
يقول: إنَّ الذي يلوم الممسك هو قد ألام في فعله، لا الحافظ لماله.
ومن أمثالهم في المنع:
(1/191)

ليس كل حين احلب فأشرب.
يقول: ليس كل حين أقول: أحلب فأشرب قال أبو عبيد: وهذا المثل يروى عن سعيد بن خيبر، قاله في حديث سئل عنه. وقد يدخل في المال، وفي كل شيء يمنع.

باب الجد يعطاه الإنسان في المال وغيره.
قال الأصمعي: من أمثالهم في الجد: من حظك موضع حقك.
قال: ومثله: من حظك نفاق أيمك. قال أبو عبيد: وهاتان الكلمتان ترويان في حديث مرفوع. والحظ هو الجد. ومعناه: إنّ مما وهب الله لعباده من الحظوظ أنَّ يعرف للرجل حقه فلا يبخسه، وإنَّ تنفق عنه أيمه فلا تبور عليه. ومن الحظ قولهم: لا جد إلاّ ما أقعص عنك ما تكره.
أخبرني أبن الكلبي إنَّ قائله معاوية بن أبي سفيان، وذلك إنّه كان خاف أنَّ يميل الناس إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بالشام، فاشتكى عبد الرحمن، فسقاه المتطبب شربة خرقته. فعند ذلك قال معاوية: " لا جد إلاّ ما أقعص عنك ما تكره " وقال معاوية أيضاً حين بلغه أنَّ الأشتر سقى شربة عسل، فيها سم فمات، فقال:
(1/192)

إنَّ لله جنودا منها العسل.
قال أبو زيد: ومن أمثالهم في الجدود قولهم: عارك بجد أو دع.
يقول: إنَّ الغلبة إنّما هي بالجد، فمن لم يكن له ذلك شيء فليدعه. قال أبو عبيد: ومنه قول الشاعر:
عش بجد لا يضر ... ك نوك ما أعطيت جدا
ومنه قولهم: جدك لا كدك.
أي إنّما تنتفع بالجد لا بالكد من غير إنَّ نكون جدوداً ومن هذا قول الشاعر:
هون عليك فأن الأمور ... بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيها ... ولا قاصر عنك مأمورها
وهذا الشعر نرويه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنّه على المنبر، ثم ذكر ما كان من شانه في الجاهلية من شدة الحال، وما صار إليه في الإسلام من الخلافة. ومنه قولهم: هون عليك ولا تولع بإشفاق.
عن أبي عبيدة: قال الأصمعي: ومن أمثالهم في
(1/193)

نحو هذا قولهم: رزق الله لأكدك.
أي أتاك الأمر من الله لا من أسباب الناس.
قال أبو الحسن: أخبرني بعض أهل الشام إنَّ الحسن البصري قال في مجلسه: إنَّ من جنود الله الزبد، فسمع رجل ذلك، فلما رجع إلى منزله قال لامرأته كالمستهزئ: سمعت الحسن يقول: إنَّ من جنود الله الزبد، فأطعميني زبداً، فأطعمته إياه فغص به فمات.

باب المال يتلف للرجل فيفيد به عقلاً.
قال أبو عبيد: من أمثالهم: خير مالك ما نفعك.
قال أبو عبيد: والعامة تذهب بهذا المثل إلى إنَّ خير المال ما أنفقه صاحبه في حياته، ولم يخلفه بعده. وكان أبو عبيدة يتأوله في المال يضيع للرجل فيكسب به عقلا يتأدب به في حائط ماله لمّا يستقبل. وهذا كالمثل الذي يحكى عن أكثم بن صيفي: لم يضع من مالك ما وعظك

باب المال يضيعه من لم يكسبه أو يسعى فيه لغيره.
الأصمعي: من أمثالهم: ليس عليك نسجه فاسحب وجر.
أي انك لم تعن فيه، فأنت تفسده. قال أبو عبيد: ومثل العامة في اكتساب المرء المال لغيره قولهم:
(1/194)

رب ساعٍ لقاعدٍ.

باب عناية الرجل بماله دون عناية غيره.
قال أبو عبيد: من أمثالهم: ملك ذا أمر أمره.
كقولهم: ولي مال ربه.
أي إنّه هو المعني به دون
(1/195)

غيره. وقال الأصمعي في مثل هذا: أدرك أرباب النعم.
أي جاء من له عناية واهتمام بالأمر. وقال أبو عبيدة في نحو هذا:
لبث رويدا يلحق الداريون ... أهل الجباب البدن المكفيون
قال: والداري هو رب النعم، وإنّما سماه دارياً لأنه ميم في داره، فنسب إليها، ويقول: فهو رب المال، فاهتمامه بأبله اشد من اهتمام الراعي الذي ليس بمالك له. وقال الأصمعي: ومن أمثالهم: أهل القتيل يلونه.
قال أبو عبيد: معناه انهم أشد بأمره عناية من غيرهم، وهو ليس من الأول بعينه، ولكن قريب منه.

باب صيانة الحر نفسه عن خسيس مكاسب المال
قال أبو عبيدة: من أمثال أكثم بن صيفي: تجوع الحرة ولا تأكل بثديها.
قال أبو عبيد: وهذا مثل قديم، ولكن العامة ابتذلته وحولته فقالت: " لا تأكل ثديها ". وكان بعض العلماء يقول: وليس هذا بشيء، إنّما هو "
(1/196)

بثديها " ومعناه عندهم الرضاع، ويقول: لا تكون بئرا لقوم على جعل تأخذه منهم. يضرب للرجل تصيبه الخلة والفقر، وهو في ذلك لا يتعرض لمّا يدنسه من المكاسب.
وذكر بعض أهل العلم إنَّ المثل للحارث ليس السليل الأسدي، قاله لامرأته ريا بنت علقمة الطائي، وكان شيخا كبيراً، فنظرت يوما إلى فتية شباب، فتنفست الصعداء ألا تكون امرأة أحدهم، فعندها قال لها الحارث: ثكلتك أمك، وقد تجوع الحرة ولا تأكل ثديها. قال أبو عبيد: فإنَّ كان الأصل على هذا الحديث فهو على المثل السائر " لا تأكل ثدييها ".
قال الزبير: وهي التي تقول: مالي وللشيوخ: الناهضين كالفروخ.
ومن أمثالهم في هذا: سوء حمل الفاقة يضع الشرف.
يقول: إنّه إذا تعرض للمطالب الدنية حط ذلك من شرفه. وقال: أوس بن حارثة لابنه مالك فيما يوصيه به: يا مالك " المنية ولا الدنية و" شر الفقر الخضوع، وخير الغنى
(1/197)

القنوع " قال أبو عبيد: وقال الشاعر:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
وهذا البيت يقول بعضهم: إنّه لعثمان بن عفان. وقال بعضهم: لغيره.

باب المال يملكه من لا يستجوبه.
أبو زيد الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: عبد وخلى في يديه.
قال أبو عبيدة: ويقال في نحو منه: عبد الملك عبداً.
وقال أبو زيد: فإذا أعطى وهو على هذا قيل: أتاك ريان بلبنه.
يقول: إنّه لم يعطك من جود ولا كرم، ولكن لكثرة ما عنده. ويقال في بعض أمثالهم.

كل ذات ذيل تخال.
يضرب لذي المال الكثير، ينفق مالاُ يحتاج إليه، وإنّما يفعله للثراء. ومثله: من يطل ذيله ينتطق به.
قال الأصمعي: ومن أمثالهم:
(1/198)

خرقاء وجدت صوفاً.
يضرب للأحمق يصيب مالا فيضعه في غي موضعه.

باب احتفاظ الرجل بالعلق الكريم يفيده من المال أو يكون عنده المال ولا أحد له.
قال الأصمعي في هذا: استكرمت فاربط.
قال: يقال ذلك لمن أفاد شيئاً يغبط به. أي انك اتخذته كريماً فاشدد يديك به. وقال أبو عبيدة في المال الكثير يكون للرجل، وليس عنده من ينفقه عليه فيقال في هذا: مرعى ولا أكولة.
قال: ومثله قولهم: عشب ولا بعير.
قال: وقد يوضع هذان المثلان في الخصب الذي يغفله الناس ولا يشعرون به. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الشيء يحث صاحبه على التمسك به قولهم: اشدد يديك بغرزه.

باب اكتساب المال والحث عليه.
قال أبو عبيد: من أمثالهم: اطلب تظفر ومنه قولهم: ألق دلوك في الدلاء.
(1/199)

ومنه قول الشاعر:
وليس الرزق عن طلب حثيثٍ ... ولكن ألق دلوك في الدلاء
تجئك بملئها طورا وطوراً ... تجئك بحمأةٍ وقيل ماء
ومن الحث عليه قول أكثم بن صيفي: من ضعف عن سبه أتكل على زاد غيره. وقال أيضاً: من العجز والتواني نتجت الفاقة.
ومنه قولهم: ملب عس خير من كلب ربض.
عن الأصمعي. وقال أيضاً: ومنه قولهم:
يا حرزي وأبتغي النوافلا.
أي أدركت ما أريد، وأنا ابتغي الزيادة. قال: ومثله قولهم: كلاهما وتمراً.
أي كلاهما إلىًّ، وأريد تمراً. قال الأصمعي: ومن الطلب قولهم:
(1/200)

أحلب حلباً لك شطره.
ومثله: شب شوبا لك بعضه. ومن أمثالهم في المال قولهم: في وجه المال تعرف إمرته. يعني كثرته وزيادته ونقصه

بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر الأمثال في العلم والمعرفة
باب المثل في معرفة الأخبار وصحتها
قال الأصمعي: من أمثال العرب في معرفة الأخبار قولهم: عند جفينة الخبر اليقين.
قال الأصمعي: واصله أنَّ جفينه هذا كان عنده علم رجل مقتول، وفيه يقول الشاعر:
تسائل عن أبيها كل ركبٍ ... وعند جفينه الخبر اليقين
قال فسألوا جفينه فأخبرهم خبر القتيل. قال أبو عبيد: كل هذا قول الأصمعي. وأما هشام أبن الكلبي فأخبرني إنّه جهينة، قال: وكان من حديثه أنَّ حصين بن عمرو بن معاوية بن كلاب خرج
(1/201)

ومعه رجل من جهينة يقال له الأخنس، فنزلا منزلا، فقام الجهني إلى الكلابي فقتله وأخذ ماله، فكانت أخته صخرة بنت عمرو تبكيه في المواسم، فقال الأخنس الجهني فيها:
كصخرة إذ تسائل في مراحٍ ... وفي جرمٍ وعلمها ظنون
تسأل عن حصيل كل راكب ... وعند جهينة الخبر ليقين
قال: ومراح حي من قضاعة. قال أبو عبيد: كان ابن الكلبي في هذا النوع من العلم أكثر من الأصمعي. وقال أبو زَيد: ومن أمثالهم في الخبرة والعلم قولهم: أنا غريرك من هذا الأمر.
أي اغترني فسلني منه على غرة.
قال أبو عبيد: معناه إني به عالم، فمتى سألتني عنه أخبرتك به من غير استعداد لذلك ولا روية فيه. وقال الأصمعي: في هذا المثل: معناه انك لست بمغرور مني، ولكني أنا المغرور، وذلك إنّه بلغني خبر كان باطلاً فأخبرتك به. ولم يكن على ما قلت لك. وإنّما أديت إليك ما سمعت. وقال الأصمعي: من أمثالهم في الخبرة: كفى قوما بصاحبهم خبيرا.
أي كل قوم أعلم بصاحبهم من غيرهم. ومثله قولهم: لكل الناس في بعيرهم خبر.
ومثله: أتعلمني بضب أنا حرشته! يقول:
(1/202)

أتخبرني بأمر أنا وليته! قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المعرفة والعلم قولهم: أنا أبن بجدتها.
واصله الرجل يكون هادياً خريتاً بلارض، ثم صار مثلا لكل عارف ماهر. ومثل العامة في نحو هذا قولهم: أنت اعلم أم من غص بها.
معناه أنَّ الغاص بلقمة أخبر بها من غيره. وفي بعض الحديث: ليس الخبر كالعيان.
قال الأصمعي: ومن أمثالهم: على هذا دار القمقم.
أي إلى هذا صار معنى الخبر. قال أبو عبيد: وكذلك قولهم: على يدي دار الحديث.
إذا كان خبيراً بالأمر، وهذا المثل يروى عن جابر بن عبد الله أنه يكلم به في حديث المتعة.

باب الحذق بالأمر وحسن المعاناة لها
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الحذق بالأمر والترفق فيه قولهم: أنا منه كحاقن الإهالة.
قال: والإهالة: الودك المذاب. وليس يحقنها الحاذق بها
(1/203)

حتى يعلم أنّها قد بردت، لءلا تحرق السقاء. قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم: أعط القوس باريها.
أي استعن على عملك بأهل المعرفة والحذق له. ومن هذا كتاب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص " أن شاور عمرو بن معد يكرب وطليحة بن خويلد في حربك، ولا تستعن بهما في غير ذلك، فإنَّ كل قوم أعلم بصناعتهم " وقال أبو عبيدة في نحوه: الخيل أعلم بفرسانها.
قال أبو عبيد: يعني أنها قد اختبرت ركابها، فهي تعرف الأكفل من أهل الفروسية قال: والذي يراد منه أن يقول: استعن بمن يعرف الأمر، ودع من لا يعرفه. قال أبو عبيد: ومن أمثال أكثم بن صيفي: المرء يعجز لا المحالة.
يقول: إنما يجيء الجهل من الناس فأما العلم والحيل فكثيرة. أبو زيد قال: يقال: لا تعدم صناع ثلةً.
والثلة: الصوف تغزلة المرأة. يضرب للرجل الصنع الحاذق ومن أمثالهم في المعرفة وحمدهم إياها قولهم:
(1/204)

قتل أرضاً عالمُها، وقتلت أرضٌ جاهلها

باب استخبار عن عام الشيء ومعرفته
قال أبو عبيدة: من أمثالهم في الاستخبار قولهم: ما وراءك يا عصام؟
قال أبو عبيد: يقال: إنَّ المتكلم به النابغة الذبياني، قاله لعصام بن شهبر الجرمي حاجب النعمان، وكان مريضاً، فسأل النابغة عصاما عن النعمان. قال أبو عبيد: وإذا أخبر الرجل بالخبر من غير استخبار ولا ذكر كان لذلك قيل: فعل كذا وكذا.

قبل عير وما جرى.
وهذا مثل مبتذل في الناس. وإذا عاجل الرجل بالمسألة والاستخبار قبل أوانه قيل:
(1/205)

إليك يساق الحديث.
وهذا مثل قد ابتذلته العامة. ومن أمثالهم السائرة في قديم الدهر وحديثه قول الشاعر: ويأتيك بالأخبار من لم تزود.
وقد روينا في حديث مرفوع أنه تمثل به) فقال: " ويأتيك من لم تزود بالأخبار ". قال أبو عبيدة وغيره: من أمثالهم في الخبرة قولهم: على الخبير سقطت.
قال أبو عبيد: يقال: إن المثل لمالك بن جبير العامري، وكان من حكماء العرب. وبه تمثل الفرزدق للحسين بن علي عليه السلام حين أقبل يريد العراق، فلقيه يريد الحجاز، فقال له الحسين: ما وراءك؟ فقال: " على الخبير سقطت، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أميه، والأمر ينزل من السماء " فقال له الحسين: " صدقتني "

باب الانتهاء إلى غاية العلم بالأمور وتضييع العلم
قال أبو زَيد: من أمثالهم في هذا أن يقال: قد بلغ فلان في العلم أطوريه.
بكسر الراء، أي بلغ أقصاه. وقال أبو زَيد:
(1/206)

بكسر الراء، وقال: وسمعت غيره من علمائنا يقول: " أطوريه " بفتح الراء. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في العلم: إنَّ العلم كالحمة، يأتيها البعداء، ويزهد فيها القرباء.
وقال بعضهم: أزهد الناس في العلم أهله.
ويقال: " جاره " ومن أمثالهم: إذا زل العالِم زل بزلته عالَمٌ.

باب ادعاء الرجل علماً لا يحسنه
الأصمعي قال: من أمثالهم في نحو هذا: يا طبيب طب لنفسك.
ويقال: طب نفسك. قال الأحمر: وقد يقال في بعض هذا:
(1/207)

خرقاء ذات نيقةٍ.
يضرب للرجل الجاهل بالأمر، وهو مع جهله يدعي المعرفة، ويتأنق في الإدارة. قال أبو عبيدة: ومن أمثالهم في نحوه: كفى بالشك جهلاً.
يقول: إذا كنت شاكاً في الحق أنه حق فذلك جهل. الأصمعي قال: ومن أمثالهم: لا تعظيني وتعظعظي.
أي لا توصيني وأوصي نفسك.

باب انتحال الرجل العلم وليست عنده أداته
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا: كالحادي وليس له بعير قال: ومثله: عاطٍ بغير أنواطٍ. قال: والعاطي: المتناول، يقال منه: عطوت أعطو، إذا تناولت الشيء. والأنواط: كل شيء معلق، واحدها نوط، يقول: فهذا يتناول، وليس هناك معاليق. ومثله: إنباض بغير توتير.
يقول: إنّه ينبض القوس من غير أن يوترها. ومثله:
(1/208)

تجشأ لقمان من غير شبع.
كل هذا عن الأصمعي. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم قوله: وهل ينهض البازي بغير جناح.
هذا المثل قد يقال هاهنا، ويقال في قلة الأعوان والناصرين. ومن أمثالهم: كالقابض على الماء.
يقول: إنّه ليس بيده مما أخذ شيء

باب شواهد الأمور الظاهرة على علم باطنها
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا قولهم: أفواهها مجاسها.
وأصله أنَّ الإبل إذا أحسنت الأكل اكتفى الناظر بذلك عن معرفة سمنها وكان فيه غنى عن جسها، قال: ومثله: أراك بشر ما أحار مشفر.
يضرب هذا للرجل ترى له حالاً حسنةً أو سيئةً، فيقول: قد أغناك ما ترى من ظاهر أمره عن سؤاله. قال الأصمعي: ويقال في مثل هذا أو نحوه:
(1/209)

بسم الله الرحمن الرحيم

ذكر الأمثال التي في أهل الألباب والحزم
وفي السلامة من الزلل والجهل
باب المثل في السلامة في ترك الإنسان ما لا يعنيه
قال أبو عبيد: روينا عن النبي) أنه قال: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ".
ويروى عن لقمان الحكيم أنه سئل: أي عملك أوثق في نفسك؟ فقال: تركي ما لا يعنيني. وكان من أمثال أكثم بن صيفي: الحزم في الأمور حفظ ما كلفت وترك ما كفيت.
وقال رجل للأحنف بن قيس: بم سدت قومك؟ وأراد عيبه، فقال الأحنف: بتركي من أمرك ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك. وقال الأحنف بن قيس أيضاً: ما دخلت بين أثنين قط حتى يكونا هما يدخلاني في أمرهما، ولا أقمت من مجلس قط، ولا حجبت عن باب. يقول: لا أجلس إلاّ مجلسا أعلم أني لا أقام عن مثله، ولا اقف على باب أخاف أن أحجب عن صاحبه.

باب الأخذ بالثقة والإحباط في الأمر
قال أبو عبيد: من أمثالهم في الحزم: عش ولا تغتر.
وهذا المثل يروى عن أبن عباس وأبن عمر وأبن الزبير، وذلك أنَّ
(1/212)

رجلاً أتاهم فقال: كما لا ينفع مع الشرك عما كذلك لا يضر مع الإيمان ذنب، فكلهم قال له: " عش ولا تغتر " يقولون: لا تفرط في أعمال البر، وخذ في ذلك بأوثق الأمور فإذا كان الشأن هناك على ما ترجوه من الرخصة والسعة كان ما كسبت زيادة في الخير وإن كان على ما تخاف كنت قد احتطت لنفسك.
وأصل هذا المثل فيما يقال، أنَّ رجلاً أراد أن يفوز بإبله عند الليل، وتأكل على عشب يجده هناك، فقيل له: عش إبلك، ولا تغتر بما لست على يقين نته، فصار مثلا لكل شيء يؤخذ فيه بالوثائق. وقال الأصمعي في مثله: أن ترد الماء بماءٍ أكيس.
يقول: لأن يكون معك فضل ماء ترد به على ماء آخر خير من أن تفرط في حمله، ولعلك تهجم على غير ماء. وقال أبو زَيد في مثله: برد غداةٍ غر عبداً من ضمأ.
وكان ذلك أنه خرج في برد النهار، ولم يتزود الماء لمّا رأى من روح أوّل النهار، فلما حميت عليه الشمس بالفلاة هلك عطشاً. ومثله قولهم: اشتر لنفسك وللسوق.
يقول: اشتر ما إن أمسكته انتفعت به، وإن لم ترده نفق عليك في البيع. وفي بعض الحديث " إذا اشترى أحدكم بعيراً فليشتره عظيماً سميناً، فإن اخطأه الخبر لم يخطئه المنظر " قال أبو عبيد: ومن الأخذ بالثقة والحزم الحديث المرفوع حين قال له رجل: ألا أرسل ناقتي وأتوكل؟
(1/213)

قال: دمث لنفسك قبل النوم مضطجعا.
يقول: هيئه قبل حاجتك إليه. ويروى عن عائشة أنها ذكرت عمر فقالت: " كان والله أحوذياً نسيج وحده، قد أعد للأمور أقرانها " وقد فسرها هذا في غريب الحديث.
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في نحو هذا قولهم: في بطن زهمان زاده.
يقول: مع فلان عدته التي يحتاج إليها، وبتاته وما يصلحه.

باب الحزم في تعجيل الفرار ممن لا يدا لك به ولا قوة عليه
قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي في هذا: إن رمت المحاجرة فقبل المناجرة.
ومنها قوله: التقدم قبل التندم. أي فانج بنفسك قبل لقاء ما لا قوام لك به.
وقال الذي قتل محمد بن طلحة بن عبيد الله يوم الجمل:
(1/216)

يذكرني حاميم وارمح شجار ... فهلا تلا حاميم قبل التقدمِ!
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا النحو قولهم: الفرار بقراب أكيس.
وكان المفضل فيما حكي عنه، يحدث إنَّ المثل لجابر بن عمرو المازني، وذلك إنّه كان يسير يوما في الطريق إذ رأى أثر رجلين، وكان عائفاً أو قائفا، فقال: أرى آثار رجلين، شديد كلبهما، عزيز سلبهما، والفرار بقراب أكيسي، ثم مضى.
ومنه قول الشاعر:
أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا ... وأنجو إذا لم ينج إلاّ المكيس

باب النظر في العواقب وما فيه من الأخذ بالثقة
قال الأصمعي: من أمثالهم في ذلك: رويد الشعر يغب، أي أنظر كيف عاقبة الشعر إذا جرى على الألسنة، وسارت به الرفاق في الذم والحمد. قال أبو عبيد: ويروى عن أبي حازم، وكان من الحكماء إنّه قال: ليس لملولٍ صديق، ولا لحسود غني، وانظر في العواقب تلقيح للعقول.
ومنه قولهم:
(1/217)

الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، وإفراط الأنس مكسبة لقرناء السوء.
قال أبو عبيد: يريد أنَّ الاقتصاد في الأمور أدنى إلى السلامة، وكذلك هذا المثل في الدين ومنه قول علي بن أبي طالب: خير الناس هذا النمط الأوسط، يلحق بهم التالي، ويرجع إليهم الغالي ومنه قول أبي موسى في حامل القرآن غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه. فالغالي فيه هو المفرط في اتباعه حتى يخرجه إلى إكفار الناس، مثل الخوارج، والجافي عنه: المضيع لحدوده، والمسخف به. ومثله قول مطرف بن الشخير: الحسنة بين سيئتين وخير الأمور أوساطها. وشر السير الحقحقة.
ومن أمثالهم في القصد بين الأمرين قولهم إذا سئل عن الشيء قال: بين الممخة والعجفاء.

باب الإنابة بعد الاجترام وما في ذلك من الرشاد
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: عاد غيث على ما افسد.
يضرب للرجل يحسن بعد الإساءة. ومن أمثال أكثم بن صيفي:
(1/220)

أقصر لمّا أبصر.
ومنه الحديث المأثور: التائت من الذنب كمن لا ذنب له.
ومثله: اتبع السيئة الحسنة تمحها. وكذلك قوله: الندم توبة.

باب حذر الإنسان على نفسه ومدافعته عنها
قال الأصمعي: يقال في مثل هذا: جاحش فلان عن خيط رقبته.
أي دافع عن دمه. وخيط رقبته: نخاعه. قال الأصمعي: ومثله قولهم: عن ظهرها تحل وقرا.
قال: وكذلك قولهم: حلأت حالئه عن كوعها. قال الأصمعي: وأصله أنَّ تحلا المرأة الأديم، وهو نزع تحلئه، يعني باطنه، فإنَّ هي رفقت سلمت، وإنَّ خرقت أخطأت فقطعت بالشفرة كوعها. وقال أبو عبيد: وروى عن بعض الماضين، ومثال فيه دعابة، فقيل له: انك لتنطب القول في نفسك، فقال: فإلي من أكلها؟! الذي ادفع عن نفسي إذا لم يكن عنها دافع.
(1/221)

باب الحذر من الانفراد في الأمور وما يكره من الاستبداد بها
قال أبو عبيد: يقال: الذئب خالياً اشد.
يقول إذا وجدك الذئب خاليا كان أجرأ له عليك، فلا تفعل ذلك. قال أبو عبيد: وقد يضرب هذا المثل في الدين أيضاً، ومنه حديث يروى عن معاذ إنّه قال: عليكم بالجماعة، فإنَّ الذئب إنّما يصب من الغنم الشاذة القاصية. قال أبو عبيد: فصار المثل في أمر الدين والدنيا. يضرب لكل متواحد برأيه وبدينه أو بسفره، ومنه حديث عمر " لا يسافر أقل من ثلاثة، فإنَّ مات واحد وليه اثنان. والواحد شيطان، والاثنان شيطانان "

باب المحاذرة للرجل من الشيء قد ابتلى مثله مرة.
قال أبو عبيد: روينا عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث مرفوع: " لا يلسع المؤمن من جحر مرتين ".
وتأويله عندنا إنّه ينبغي له إذا نكب من وجهه ألا يعود لمثله. ومن أمثالهم في نحو هذا: كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع.
وأصله الرجل يمشي في الوقع، وهي الحجارة، حافيا فيصيبه الوجى، وفهو يحاذر على رجليه من كل شيء ينكبها، ومنه قول الشاعر:
(1/222)

يا ليت لي نعلين من جلد الضبع ... وشركا من أستها لا تنقطع
كأنَّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع
يقول: فهو يتمنى نعلين وإن كانتا من جلد الضبع بعد أن ينجو من الحفا، قال أبو عبيد: ويقال في نحوه: من يشتري سيفي وهذا أثره.
يضرب للرجل يتقدم على الأمر الذي قد اختار وجرب. ويقول: إنَّ المثل للأغلب العجلي. ومثل العامة في هذا الباب قولهم: من نهشته الحية حذر الرسن.

باب الحذر من اتباع الهوى وما يؤمر به من اجتنابه
قال أبو عبيدة: من أمثالهم في هذا قولهم: أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك.
أي أطع من يأمرك بما فيه رشادك وصلاحك وإن كان يبكيك، ويثقل عليك، ولا تطع من يأمرك بما تهوى، ويضحكك بما فيه شينك. قال أبو عبيد: ومن ذمهم الهوى قولهم:
(1/223)

حبك الشيء يعمي ويصم.
وهذا المثل يروى عن أبي الدرداء. ومن حديث أبن عباس " ما ذكر الله الهوى في موضع من كتابه إلاّ ذمه " وقول الشعبي: إنّما سمي هوى لأنّه يهوي بصاحبه. وقال بعض الحكماء: إذا أشكل عليك أمران فلم تدر أيهما أدنى إلى الصواب والسداد فأنظر أثقلهما عليك فاتبعه ودع الذي تهوى، فانك لا تدري لعل الهوى هو الذي زينه في قلبك، وحسنه عندك.

باب التحذير من المعايب والشين في صحبة من تكره
قال أبو زَيد: من أمثالهم في التحذير قولهم: اتق الصبيان لا تصبك باعقائها.
يضرب للرجل تحذره ممن تكره له مصاحبته. وأصل الأعقاء أوّل ما يخرج من بطن المولود حين يولد، وأحدها عقي. وقال مؤرخ: ومن أمثالهم في هذا قولهم: نزو الفرار استجهل الفرارا.
قال: وهو ولد بقر الوحش يقال له: فرير وفرار، مثل: طويل وطوال، فإذا شب وجدل وقوي أخذ في النزوان فمتى رآه غيره نزا لنزوه. يضرب هذا لمن تتقى مصاحبته. يقول: انك إذا صحبته فعلت فعله. قال الأحمر: ومن أمثالهم في كراهة المعايب قولهم:
(1/224)

الملسى لا عهدة.
أي إنّه قد خرج من الأمر سالما، وانقضى عنه لا عليه ولا له. قال أبو عبيد: هذا المثل ليس من الأول بعينه، ولكنه نحو منه.

باب التحذير من الأمر يخاف فيه العطب
قال الأصمعي: من أمثالهم في التحذير قولهم: أعور عينيك والحجر.
قال: واصله إنَّ الأعور إذا فقئت عينه الصحيحة بقي لا يبصر، فهو أحق بالحذر من غيره. قال: وقد يقال في الرجل الموصوف بالحذر: العير أوقى لدمه.
واصله أنّه ليس شيء من الصيد اشد حذرا إذا طلب صيده من العير وهو الحمار الوحشي. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التحذير من الأمرين يخافان قولهم: الليل وأهضام الوادي.
واصله أن يسير الرجل في بطون الأودية. يقول:
(1/225)

فأحذر فانك لا تدري لعل هناك من لا يؤمن اغتياله.
وقد يقال بالرفع. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التحذير مما يخاف قولهم: إنَّ السلامة منها ترك ما فيها.
ومثله قولهم: اتق خيرها بشرها، وشرها بخيرها. ويروى هذا المثل عن عبد الله بن عمر إنه قال في اللقطة أو الضالة توجد يقول: دعها ولا تعرض لأخذها. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التحذير: لا تراهن على الصعبة.
وكان المفضل يحكي هذا المثل عن الحطيئة الشاعر وهو القائل عند موته: ويل للشعر من رواة السوء.
ومن أمثالهم في التحذير قولهم: قد اعذر من أنذر
(1/226)

باب الأمر بحسن التدبير والنهي عن الخرق فيه
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: وجه الحجر وجهة ماله.
ويقال " وجهة " بالرفع. أي دبر الأمر على وجهه الذي ينبغي أن توجهه عليه.
ومن هذا قولهم: اجر الأمور على أذلالها.
يقول: على وجوهها واستقامتها. وهذا الحرف يروى عن عبد الله بن مسعود في حديث طويل. ومن أمثالهم في هذا قولهم: ول حارها من تولى قارها.
وهذا المثل يروى عن عمر بن الخطاب إنه قاله لعتبة بن غزوان، أو لأبي مسعود الأنصاري. ومن أمثالهم قولهم: السعيد من وعظ بغيرة.
وهذا يروى عن عبد الله بن مسعود في خطبته. وفي بعض الآثار.
(1/227)

الرفق يمن والخرق شؤم
ومن أمثالهم في حسن التدبير قولهم: قلب الأمر ظهر البطن وكذلك " ضرب وجه الأمر وعينيه " ومن أمثالهم في التحذير قولهم: رب أكلة تمنع أكلات.
أي فأحذر ذلك

باب الأخذ في الأمور بالمشورة والنظر
قال أبو عبيد: يروي في حديث مرفوع: ما هلك امرؤ عن مشورة.
ومن أمثال أكثم بن صيفي: أول الحزم المشورة ويروى عن عمر بن الخطاب: " الرجال ثلاثة، رجل ذو رأي وعقل، ورجل إذا حزبه أمر أتى ذا رأي فاستشاره، ورجل حائر بائر، لا يأتمر رشدا، ولا يطيع
(1/228)

مرشدا ". وقال عمر بن الخطاب أيضاً: " شاور في أمرك الذين يخافون الله " وقال الحسن: " إنَّ الله تبارك وتعالى لم يأمر نبيه) بالمشورة لحاجة منه إلى رأيهم، وإنّما أراد أن يعلمهم ما في المشورة من الفضل " وفي حديث آخر " إنه قيل له: ما الحزم؟ فقال: أن تستشير ذا رأي ثم تتبع أمره ".

بسم الله الرحمن الرجيم
ذكر الحوائج وما فيها من الأمثال
باب مثل الإعذار في طلب الحاجة وما يحمد عليه أهله من ذلك
قال أبو عبيد: قال أبن الكلبي وغيره: ومن أمثالهم في هذا قولهم: افعل كذا وكذا وخلاك ذمٍ.
يقول: إنّما عليك أن تجتهد في الطلب وتعذر لكي لا تذم فيها وإن لم تقض الحاجة. قال: وهذا المثل لقصير بن سعد اللخمي، قاله لعمر بن عدي حين أمره أن يطلب الزباء بثأر خاله جذيمة بن مالك، فقال: أخاف أن لا أقدر عليها، فقال: أطلب الأمر وخلاك ذم، فذهبت مثلا. قال أبو عبيد: ومن هذا المعنى قول الشاعر، ويقول: إنه لعروة بن الورد:
ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح
ليبلغ عذرا أو ينال رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
(1/229)

وقال بعض الحكماء: إني لأسعى في الحاجة وإني منها ليائس، وذلك للأعذار، لئلا أرجع على نفسي بلوم. وقال أيضاً: صيدك لا تحرمنه.
يضرب للذي يحض على انتهاز الحاجة إذا أمكنته

باب الجد في طلب الحاجة وترك التفريط فيها
قال أبو عبيد: يروى عن أبجر بن جابر العجلي أنه قال فيما أوصى به ابنه حجارا: يا بنيٍ، إياك والسآمة في طلب الأمور فتقذفك الرجال خلف أعقابها.
فص ومن أمثالهم في قولهم: ليس لهناء بالدس.
يضرب للرجل لا يبالغ في الطلب. واصله أن يجرب البعير في أرفاغه وآباطه، فإذا هنئت تلك المواضع منه قيل: قد دس دسا. يقول: فليس ذلك بشيء، وإنما الهناء أن تهنأ الجسد كله، فكذلك المبالغة في الحاجة والاستقصاء.
ومن أمثالهم إذا أمروا الرجل بالجد في الأمر قالوا: جمع له جراميزك.
قال أبو زَيد: ويقال في مثل هذا: قد ضرب عليه جروته.
أي قد وطن عليه نفسه. قال الأصمعي: وكذلك قولهم: شد له حزيمه.
أي تشدد لذلك واستعد له. ومنه الحديث الذي يروى عن علي عليه السلام:
(1/230)

اشدد حيازيمك للموت ... فإن الموت آتيكا
ومثله قولهم: قرع له ساقه.
يعني إذا قامت الحرب على ساقها قال أبو عبيدة: وكذلك قولهم: شمر ذيلا وادرع ليلا وكذلك يقولون: اتخذ الليل جملا.
قال ذلك الأصمعي. قال أبو عبيد: ولهذا قالوا: عند الصباح يحمد القوم السرى.
وهذا المثل يقال: إنه للأغلب العجلي، ويقال: لغيره. ومعناه أنهم يدأبون في ليلهم بالسهر ة الإسآد، فإذا اصبحوا وقد طووا البعد حمدوا ذلك حينئذ. وهذا قد يضرب لأمور الدنيا والآخرة. قال الأصمعي: ومن أمثالهم قولهم:
(1/231)

خذ كذا وكذا ولو بقرطي مارية.
قال: وهي أم ولد جفنة. قال أبو عبيد: يضرب للرجل يقال له: لا يفوتنك الأمر. وكذلك قول العامة: جئ به من حيث وليس قال أبو عبيد: وهذان المثلان يتكلم بهما العوام من الناس. ومثله قولهم: إيت به من حسك وبسك.
قال الأصمعي: فيما أظن: من أمثالهم في الاعزام على الحاجة قولهم: جاء فلان وفي رأسه خطة.
أي جاء وفي نفسه حاجة قد عزم عليها. والعامة تقول " وفي رأسه خطة " وكلام العرب هو الأول

باب التأني في طلب الحاجة وترك الخرق فيها
قال أبو زَيد: من أمثالهم في التلبث والتأني قولهم: رُبَّ عجلة تهب ريثاً.
يضرب للرجل يشيد حرصه على حاجته، ويخرق فيها حتى تذهب كلها. واصله أن الرجل يعمل الحقحقة في سيره حتى تعطب راحلته في بعض الطريق، فيصير منها إلى طول المكث عن حاجته. وهذا هو الذي روى فيه الحديث:
(1/232)

إنَّ منبت لا أرضاً، ولا ظهرا أبقى.
وكذلك قوله: إذا أراد أحدكم أمراً فعليه فيه بالتودة.
ومن هذا المعنى قول القطامي:
قد سيدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون المستعجل الزلل
قال الأصمعي: ومنه قولهم: ضح رويدا.
أي لا تعجل في الأمر. وقال زيد الخيل الطائي في ذلك:
فول أنَّ نصراً أصلحت ذات بينها ... لضحت رويدا عن مطالبها عمرو
قال أبو عبيد: وهما حيان من بني أسد، نصر وعمرو ابنا قعين. ومن أمثالهم في التأني قولهم: الرشف انقع.
يعني أنَّ الشراب الذي يرتشف رويدا أقطع للعطش وأنجع، وإنَّ كان فيه بطئ. قال الأصمعي: ومنه قولهم:
(1/233)

رويد الغزو يتمزق.
قال: وهو مثل امرأة كانت تغزو، فحبلت، فذكروا لها فقالت هذه المقالة. أي انتظروا الولادة. قال المفضل: وهي رقاش الكنانية، وعرف حديثها. وقال أبو عبيد: ومن أمثالهم: إنَّ الليل طويل وأنت مقمر.
وكان المفضل أيضاً يحكيه عن السليك بن سلكة السعدي، ثن أحد بني مقاعس، وذلك إنّه كان نائما مشتملا، فبينما هو كذلك إذ جثم رجل على صدره، ثم قال أبو عبيد: أستأسر: فقال له سليك: " إنَّ الليل طويل وأنت مقمر " فأرسلها مثلاً معناه: اصبر على حاجتك حتى تصبح، ثم سألني إنَّ استأسر.

باب مطلب الحاجة المتعذرة.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم إذ طلب الرجل من صاحبه حاجة عسيرة قولهم: تسألني برامتين سلجماً.
واصله إنَّ امرأة تشهت على زوجها هنالك السلجم،
(1/234)

وهما بالبلاد السباسب المقفرة، فعندها قال هذا. ومن أمثالهم في نحوه: شر ما رام امرؤ ما لم ينل.
وهذا المثل للأغلب العجلي في شعره. ومنه المثل السائر في العامة قولهم: من سأل صاحبه فوق طاقته استوجب الحرمان.

باب قناعة الرجل ببعض حاجته دون بعض
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: ليس الرأي عن التشاف: أي ليس قضاؤك الحاجة ألا تدع منها قليلا ولا كثيرا إلاّ نلته، إذا أخذت معظمها فاقنع به. قال: وأصل التشاف إنَّ يشرب الرجل الشفافة كلها، وهي بقية الماء في الإناء، يقول: فقد يروى الشارب قبل بلوغ تلك الحاجة. قال الأصمعي: ومن هذا قولهم: لم يحرم من فصد له.
وهو نحو الأول. يقال: انهم كانوا إذا لم يقدروا على قرى الضيف فصدعوا له بعيراً، ثم عولج دمه بشيء حتى سمكن إنَّ يأكلوه قال أبو زيد: ومن هذا قولهم: الجحش لمّا بذك الاعيار.
واصله إنَّ يقول: اقتصر على الجحش فصده إذا
(1/235)

أعياك البعير، فكذلك الحاجة أيضاً، أرض منها بالدون إذا فاتك عظمها. قال أبو زيد: ومثله: قد تبلغ القطوف الوساع.
وكذلك: قد يبلغ الخضم القضم.
وكذلك قولهم: " يركب الصعب من لا دلول له ". ومن أمثال نسائهم في هذا قولهم: روج من عودٍ خير من القعود.
قال الأصمعي: ومن أمثالهم: الثيب عجالة الراكب.
قال أبو عبيد: كل هذا في الحض على الرضا بيسير
(1/236)

الحاجة إذا أعوزه جليلها. قال أبو عبيد: وكان الكسائي يحكي عنهم قولهم: خذ ما طف لك وما استطف لك.
أي أرض بما أمكنك منه، وهو نحو قولهم: خذ من فلان العفو.
يقول: ما جاءك عفوا من غير كد ولا إلحاح فاقبله، وما تعذر عليك فدعه. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا: خذ ما يقطع البطحاء.
واصله في الماشية، يقول: خذ منها ما كان عنده من بقية النفس ما يقطع البطحاء ومعناه: خذ من الأمر ما تماسك إذا كان فيه أدنى مساك. ومثل العامة في هذا قولهم: إذا لم يكن ما تريد فأراد ما يكون.
ومثله: خذ من جذع ما أعطاك.
وفيه تفسير غير ذلك قد ذكرناه في باب الاغتنام لأخذ الشيء من البخيل. قال الزبير: مثله: خذ من الرضفة ما عليها.
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في نحو هذا: أرض من المركب بالتعليق.
أي من الأمر بدون تمامه. وأصله في الركوب، يقال للرجل قد تعلق بعقبه يركبها، ويقول: فإنَّ لم تقدر على الركوب التأم فتعلق بعقبة أو نحوها.
(1/237)

باب النقية في الحاجة واحتمال التعب فيها
قال الأحمر: من أمثالهم في تحسين الحاجة والتنوق فيها قولهم: أصنعه صنعة من طب لمن حب.
أي صنعة حاذق لمن يحبه. وقال الأصمعي في نحو من هذا، وليس هو من ذلك بعينه: الحسن أحمر.
قال أبو عبيد: وأحسبه إنّما يعني إنّه من أراد الحسن والجمال صبر على أذاه ومشقته في الحمل على البدن والمال من طلب المهيئة، وذلك قولهم: " الموت الأحمر " ومنه قول علي رضي الله عنه: كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلم يكن منا أحد اقرب إلى العدو منه. وقال أبو زبيد الطائي يذكر الأسد يفترس الرجل:
إذا علقت قرنا خطاطيف كفه ... رأى الموت بالعين أسود أحمراً
ومن أمثالهم في شدة الحرص على الحاجة قولهم: جاء تضب لثته ولثاته على كذا وكذا.
ومنه قول بشير بن أبي حازم:
وبني تميم قد لقينا منهم ... خيلا تضب لثاثها للمغنم
(1/238)

باب إتمام قضاء الحاجة والحث على ذلك
قال أبو عبيد: إذا قضيت الحاجة إلاّ أقلها فأرادوا إتمامها قالوا: أتبع الفرس لجامها.
قال أبو عبيد: أرى معناه انك قد حدثت بالفرس، واللجام أيسر خبطاً، فأتم الحاجة كلها، كما إنَّ الفرس لا غنى بها عن اللجام. وكان المفضل يذكر إنَّ المثل لعمرو بن ثعلبة الكلبي أخي عدي بن جانب. وكان ضرار بن عمرو الضبي قد أغار عليهم، فسبى يومئذ سلمى ابنة وائل الصائغ وكانت يومئذ أمة لعمرو بن ثعلبة، وهي أم النعمان بن المنذر، فمضى بها ضرار مع ما غنم، فأدركه عمرو بن ثعلبة، وكان له صديقاً، يقال أنشدك الإخاء والمودة إلاّ رددت على أهلي، فجعل يرد شيئاً فشيئاً حتى بقيت سلمى، وكانت قد أعجبت ضراراً، فأبى أنَّ يردها، فقال عمرو: يا ضرار، اتبع الفرس لجامها، فأرسلها مثلاً، وردها عليه ضرار. قال: ويقال في نحو منه: تمام الربيع الصيف.
وأصله في المطر، فالربيع أوله، والصيف الذي يأتي بعده، فيقول: إنّما الحاجة أنَّ تكون بكمالها، كما أن الربيع لا يكون تمامه إلاّ بالصيف. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في تمام الحاجة قولهم: آخرها أقلها شرباً.
يقال: إنَّ أقل الحاجة ما بقي منها. وقد يضرب هذا المثل في غير هذا المعنى أيضاً.

باب تعجيل الحاجة وسرعة قضائها.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في تعجيل قضاء الحاجة قولهم:
(1/239)

اللقوح الربعية مال وطعام.
قال أبو عبيد: وأصل هذا في الإبل، وذلك إنَّ اللقوح هي ذات الدر، والربعية هي التي تنتج في أوّل النتاج، فأرادوا أنها تكون طعاما لأهلها، يعيشون بلبنها لسرعة نتاجها، وهي مع هذا مال. ومن أمثالهم في التعجيل قولهم: النفس مولعة بحب العاجل.
وهذا المثل لجرير بن الخطفي في شعر له. ومن أمثالهم في مثله قولهم: السراح مع النجاح.
حكاها الأصمعي. قال: ومعناها: سرح لي أمري فإن ذلك مما ينجح حاجتي. وقال غيره: هو الرجل لا يريد قضاء حاجة صاحبه، فينبغي له إنَّ يوئسه منها، ولا يدعه يصيل الاختلاف إليه باطلاً، ثم يصير إلى اليأس بعد التعب والعناء.

باب إدراك الحاجة بلا تعب ولا مشقة.
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: أوردها سعد وسعد مشتمل.
يعني إنّه اورد أبله شريعة الماء، ولم يوردها على بئر يحتاج إلى الاستقاء لها، فيعتني فيها ويتعب، ولكنه اشتمل بكسائه ونام وإبله في الورد. ومثله قولهم: أهون السقي التشريع.
يعني إنَّ يوردها الشريعة. يضرب هذا المثل للذي ينال
(1/240)

حاجته من غير عناء ولا مشقة. وهذا قول الأصمعي. وكان غيره من العلماء يتأوله على غير هذا الوجه. وقد فسرناه في غريب الحديث. ومن تسهيل الحاجة قولهم: هذا على طرف الثمام.
وقال أبو عبيد: وذلك لأن الثمام لا يطول فيشق على المتناول ومنه قولهم: كلا جانبي هرشى لهن طريق.
يضرب إذا سهل الأمر من وجهين. قال الأصمعي: ويقال في مثله: وهو على حبل ذراعك.
أي لا يخالفك. وحبل الذراع: عرق في اليد

باب طالب الحاجة يسألها فيمنعها فيطلب غيرها.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا:
(1/241)

إلاّ دهٍ فلا دهٍ.
يضرب للرجل يقول: أريد كذا وكذا، فإنَّ قيل له: ليس يمكن ذلك قال: فكذا وكذا. قال أبو عبيد بعض هذا الكلام، وليس كله عنه. وقد كان أبن الكلبي يخبر عن بعض الكهان إنّه سافر إليه رجلان من العرب فقالا: أخبرنا في أي شيء جئناك؟ فقال: في كذا وكذا، فقالا: إلاّ دهٍ، أي أنظر غير هذا النظر، فقال: إلاّ دهٍ فلا دهٍ، ثم أخبرهما بها. ومعناه: إنَّ لم يكن كذا وكذا فهو كذا، وقال روبة في شعره: وقول إلاّ دهٍ فلا دهٍ قال الأصمعي: معناه: إنَّ لم يكن هذا الأن فلا يكون بعد الآن. الأصمعي: ولا أدري ما أصله. ومن هذا المعنى قولهم: لا يرسل الساق إلاّ ممسكا ساقا.
أي إنّه لا يدع حاجة إلاّ سأل أخرى. وأصل ذلك في الحرباء يشتد عليه حمى الشمس فيلجأ إلى شجرة فيستظل بساقها، فإذا زالت عنه تحول إلى أخرى قد أعدها لنفسه. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم: أسق أخاك النمرى.
وهذا المثل لكعب بن مامة، وذلك إنّه سافر سفراً في حمارة
(1/242)

القيظ، فأعوزهم الماء إلاّ شيئاً يسيرا يقتسمونه بالحصاة. وكان مع كعب رجل من النمر بن قاسط، فكلما بلغت النوبة كعبا في الشرب نظر إليه النمري. فقال كعب للساقي: اسق أخاك النمري. ففعل ذلك مراراً، ونفذ الماء، فسقط كعب ميتاً عطشاً. فهذا يضرب لكل من طلب الشيء مراراً.

باب المصانعة بالمال في طلب الحاجة.
قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا قولهم: من ينكح الحسناء يعط مهراً.
أي من طلب حاجة يهتم بها طابت نفسه بالبذل فيها. وقال أبو عبيد: ومنه قولهم: من صانع المال لم يحتشم من طلب الحاجة.
ومنه قولهم: البضاعة تيسر الحاجة. ومنه قولهم: من اشترى اشتوى.
يقول: من اشترى بماله اشتوى. قال ذلك الأحمر في هذين المثلين.
قال أبو عبيد: قولهم: " اشتوى " يريد: شوى اللحم.
يقال: قد اشتوينا، أي شوينا اللحم، فإذا جعلوا الفعل للحم نفسه قالوا: انشوى بالنون. وهذا نحو قول العامة.

عمك خرجك.
وأصله فيما يقولون إنَّ رجلاً سافر مع عمه من غير زاد اتكالاً على ما
(1/243)

في خرج عمه من الطعام، فلما جاع قال: يا عم أطعمني مما في خرجك، فقال له هذه المقالة.

باب الحاجة تطلب فيحول دونها حائل.
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: سد أبن بيض الطريق.
قال: يضرب للرجل يريد الأمر فيعرض دونه عارض قال الأصمعي: وأصله إنَّ رجلاً كان في الزمن الأول يقال له أبن بيض، عقر ناقة على ثنية فسد بها الطريق، فمنع الناس من سلوكها. وقال أبو عبيدة نحو قول الأصمعي. وأما المفضل فكان أحسنهم للحديث اقتصاصاً، قال: كان أبن بيض رجلاً من عاد، وكان تاجر مكثراً، وكان لقمان لن عاد يخفره في تجارته، ويجيزه على خرج يعطيه أبن بيض، يضعه له على ثنية، إلى إنَّ يأتي لقمان فيأخذه، فإذا أبصره لقمان وقد فعل ذلك قال: " سد أبن بيض الطريق " يقول: إنّه لم يجعل لي سبيلا على أهله وماله حين وفى لي بالعجل الذي سماه لي. فقال: ففيه يقو عمرو بن الأسود الطهوى:
سددنا كما سد أبن بيض سبيلها ... فلم يجدوا عند الثنية مطلعا
ومن أمثالهم في الحاجة يعوق دونها عائق قولهم: اخلف رويعا منظنه.
قال: وأصله إنَّ راعيا اعتاد مكانا يرعاه فجاء يوماً حال عن عهده، وفسد وتغير، قال الأصمعي: كلاماً هذا معناه. ومثله قولهم: قد علقت دلوك دلو أخرى.
أي قد دخل أمرك داخل، وأصل الرجل يدلي دلوه للاستقاء، فيرسل آخر دلوه أيضاً، فتعلق بالأولى حتى تمنع صاحبها أنَّ يستقي فيقول: قد عرض في
(1/244)

أمرك عارض، ومن أمثالهم أيضاً في الحاجة يعوق دونها عائق قولهم: الأمر يحدث بعد الأمر.
وهذا مثل مبتذل في العامة.

باب اليأس من الحاجة والرجوع منها بالخيبة
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في اليأس من الحاجة قولهم: أسائر اليوم وقد زال الظهر!.
يقول: أتطمع فيما بعد وقد تبين لك اليأس. وقال أبو زيد في نحو منه: من لي بالسانح بعد البارح!.
قال: وأصله أنَّ رجلاً مرت به ظباء بارحة، والعرب تتشاءم بها، فكره ذلك، فقيل له: إنها ستمر بك سانحة، فعندها قال: " من لي بالسانح بعد البارح! " فذهبت مثلاً. يضرب للرجل يرى من صاحبه بعض ما يكره، فيقال له: إنّه سيتعب وتقضى الحاجة، فيقول هذا حينئذ. قال أبو زيد بعض هذا الكلام. قال أبو عبيد: ومن أمثال العوام في هذا: رجع فلان من حاجته بخفي حنينٍ.
قال: وكان بعض علماء هذا الشأن يخبر بأصله قال: كان حنين إسكافا من أهل الحيرة، فساومه أعرابي بخفين فاختلفا حتى أغضبه، فأراد غيظ الأعرابي، فلما ارتحل أخذ حنين أحد خفيه فألقاه في طريقه، ثم ألقى الآخر في موضع آخر،
(1/245)

فلما مر الأعرابي بأحدهما قال: ما أشبه هذا بخف حنين، ولو كان معه الآخر: لأخذته، ومضى، فلما انتهى إلى الخف الآخر ندم على تركه الأول، فأناخ راحلته عند الآخر، ورجع إلى الأول وقد كمن له حنين، فلما مضى الأعرابي عند إلى راحلته وما عليها فذهب بها. وأقبل الأعرابي ليس معه غير الخفين، فقال له قومه: ماذا جئت به من سفرك؟ فقال: جتكم بخفي حنين، فصار مثلاً.

باب طلب الحاجة من غير موضعها.
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: لم أجد لشفرةٍ محزاً.
أي ليس لي من متقدم في طلب الحاجة. وقال أبو عبيدة في مثل ذلك.

كمدت غير مكدمٍ.
ونحو هذا قولهم: قد نفخت لو تنفخ في فحمٍ.
وهذا المثل للأغلب العجلي في شعر له. ومثل العامة في هذا قولهم: تضرب في حديد باردٍ.
وقال الأصمعي: والكسائي جميعاً:
(1/246)

عرض على الأمر سوم عالةٍ.
قال الكسائي: ومعناه مثل قول العامة: عرض سابري.
وقال الأصمعي: أصله في الإبل التي قد نهلت من الشرب، ثم علت الثانية، فهي عالة، فتلك لا يعرض عليها عرضا يبالغ فيه. وقال الأصمعي: أو غيره: ومن أمثالهم: إنَّ كان بي تشدك أزرك فارخه.
ويقول: إنَّ كنت تتكل على في حاجتك حرمتها.

باب التفريط في الحاجة وهي ممكنة ثم تطلب بعد الفوت
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: عثرت على الغزل بأخرةٍ فلم تدع بجدٍ قردةً.
قال الأصمعي: وأصله أنَّ تدع المرأة الغزل وهي تجد ما تغزل، ومن قطن أو كتان أو غيره، حتى إذا فاتها تتعبت القرد في المقمات تلتقدها فتغزلها.
قال: والقرد: ما تمعط عن الإبل والغنم، من الوبر والصوف والشعر.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التفريط قولهم: الصيف ضيعت اللبن.
وكذلك قولهم: تدع العين وتطلب الأثر.
وكان المفضل يذكر حديث المثلين جميعا، وقال: أما حديث اللبن فإنَّ صاحبه عمرو بن عمرو بن عدس
(1/247)

أبن زيد التميمي، وكانت عنده دختنوس بنت لقيط بن زرارة، وكان ذا مال كثير إلاّ إنّه كان كبير السن، فقتله، فلم تزل تسأله الطلاق حتى فعل، وتزوجها بعده عمير بن معبد بن زرارة أبن عمها، وكان شاباً إلاّ أنه معدم، فمرت ابل عمرو بن عمرو ذات يوم بدختنوس فقالت لخادمتها: انطلقي إلى أبي شريح فقولي له: يسقينا اللبن، فأبلغته فعندها قال: " الصيف ضيعت اللبن " هذه حكاية المفضل. قال أبو عبيد: أراه يعني إنَّ سؤالك إياي الطلاق كان في الصيف، فيومئذ ضيعت اللبن بالطلاق. وأما بعض الناس فيقولون: معناه إنَّ الرجل إذا لم يطرق ماشيته في الصيف كان مضيعاً لألبانها حينئذٍ. ثم رجع الحديث إلى حديث المفضل، قال: وأما قولهم: لا تطلب أثراً بعد عين.
فانه لمالك بن عمرو العاملي، وكان له أخ يقال له: سماك، فقتله رجل من غسان، فلقيه مالك فأراد قتله، فقال الغساني: دعني ولك مائة من الإبل، فقال: " لا تطلب أثراً بعد عينٍ " ثم قتله. فذهبت الكلمتان مثلين.
(1/248)

باب تأخير الحاجة ثم قضاؤها في آخر وقتها.
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم:
إذا نام ظالع الكلاب.
قال: وذلك إنَّ الظالع منها لا يقدر إنَّ يعاظل مع صحاحها لضعفه، فهو يؤخر ذلك، وينتظر آخرها فلا ينام، حتى إذا لم يبق منها شيء سفد حينئذ، ثم نام. قال الأصمعي بعض هذا التفسير أو أكثره. وقال أبو عبيد: في تأخير الحاجة: يذهب يوم الغيم ولا يشعر به.
يضرب للساهي عن حاجته حتى لا تفوته ولا يعلم.

باب إبطاء الحاجة وتعذرها حتى يرضى صاحبها بالسلامة
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: رضيت من الغنيمة بالسلامة.
يضرب للرجل يسعى في طلب حاجته فيشرف منها على الهلكة حتى يرضى بأن يفلت سالما. ومنه قول الشاعر، وبعضهم يرويه لامرئ القيس بن حجر الكندي:
وقد طوفت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
ويقال في نحو منه: من نجا برأسه فقد ربح.
وهذا الشعر أراه قيل ليلى صفين.
الليل داجٍ والكباش تنطح ... ومن نجا برأسه فقد ربح
ومن أمثالهم المشهورة قولهم:
(1/249)

ليت حظي من أبي كرب ... أنَّ يسد خيره خبله
ويقال: إنّه لامرأة من الأوس، في تبع بن إني كرب حين قدم المدينة، فأطمعت أنَّ ينالها من خيره، فقالت هذه المقالة عند ذلك.

باب الحاجة تودي صاحبها إلى تلف النفس.
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: كالطالب القرن فجدعت أذنه.
أي جاء يطلب زيادة فأتلف ما عنده. قال: ومثله: كالباحث عن الشفرة.
أي إنّه بحث ليطلب معاشاً فسقط على شفرة فعقرته أو قتلته، يعني الصيد الذي يقع في الحبالة. قال: ومن قولهم: سقط العشاء به على سرحان.
قال الأصمعي: قال: وأصله إنَّ رجلاً خرج يلتمس العشاء فوقع على ذئب فأكله. قال المفضل في المثل كذلك أيضاً، ولكنه قال: أصله دابة
(1/250)

خرجت تطلب العشاء فلقيها ذئب فأكلها. وكان المفضل يحكي في هذا مثلا آخر، قال: وهو قولهم: لو لك عويت لم أعوه.
قال: وكان من حديثه أن الرجل كان إذا بقى بالقفر من الأرض ولم يعرف موضع الأنس، وارتاد طعاما يتعشى به إستنبح الكلاب قال: وهو أن ينبح لها، فإذا سمعته الكلاب نبحت فيعرف بذلك مكان الناس فيقصد اليهم، فقعل ذلك رجل مرة، فسمعت الذئاب عواءه، فأقبلن يردنه، فقال: " لو لهذا عويت لم أعوه " ومنه قولهم: كمبتغي الصيد في عريسة الأسد.

باب الحاجة يقدر عليها صاحبها متمكنا لا ينازعه فيها أحد.
قال أبو عبيدة: من أمثالهم في هذا قولهم: خلا لك الجو فبيضي واصفري.
قال أبو عبيد: وهذا المثل يروى عن أبي عباس إنّه قاله لابن الزبير حين خرج الحسين بن علي إلى العراق، فلقى أبن عباس أبن الزبير فقال: " خلا لك الجو فبيضي واصفري، هذا حسين يخرج إلى العراق، ويخلي لك الحجاز ". قال أبو عبيد: قال أبو عبيد: وهذا مثل في شعر قديم:
(1/251)

يالك من قبرةً بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري ويقول في نحو منه وليس هو بعينه: رمى برسن فلان على غاربه.
إذا خلى وما يريد. وهذا المثل يروى عن عائشة أم المؤمنين أنها قالته ليزيد بن الأصم الهلالي أبن أخت ميمونة زوج النبي) : " ذهبت والله ميمونة، ورمى برسنك على غاربك "

باب الحاجة يحملها الرجل صاحبه المستغني عن الوصية لشدة عنايته بها
قال أبو عبيد: من أمثالهم السائرة في الناس: أرسل حكيماً ولا توصيه.
يقول: إنَّ عقله وأدبه يغنيك عن وصايته بعد أن يعرف الحاجة. وقال أبو زَيد: ويقال في مثل هذا: إنَّ الموصين بنو سهوان.
قال: ومعناه أنَّ الذين يحتاجون إلى أن يوصوا بحوائج
(1/252)

إخوانهم هم الذين يسهون عنها لقلة عنايتهم، وأنت غير غافل ولا ساهٍ عن حاجتي. قال: يضرب هذا للرجل الموثوق به. وقال الأصمعي: ومن أمثالهم في قولهم: الحريص يصيدك لا الجواد.
يقول: إنَّ الذي له هوىً وحرص في حاجتك هو الذي يقوم لك بها، لا القوى عليها، ولا هوى له فيك. ومنه قولهم: لا يرحل رحلك من ليس معك.
وهذا مثل يتكلم به العوام من الناس.
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الحاجة المعني بها قولهم: جعلته نصب عيني.
وكذلك: لم أجعلها بظهرٍ

باب قضاء الحاجة قبل سؤالها.
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: لا تسأل الصارخ وانظر ماله.
يقول: إنّه لم يأتك مستصرخاً إلاّ من ذعر أصابه فأغثته قبل أن يسألك الغياث. يضرب للرجل تعرف فاقته ومسكنته. يقول: فإذا أتاك فأعطه قبل المسألة، ولا تلجئه إلى ذلك. وقال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم:
(1/253)

عينه فراره.
يقول: منظره يغنيك عن مسألته. والفرار: اختبار الشيء ومعرفة حاله، كما تفر الدابة. ومن أمثالهم في هذا قولهم: كفى برغائها منادياً.
وهذا مثل مشهور عند العالم. ومثلهم قولهم: تخبر عن مجهوله مرآته: وقال أبو الأسود الدؤلي يمدح المعطي قبل المسألة:
وإنَّ أحق الناس إن كنت مادحاً ... بمدحك من أعطاك والوجه وافرُ
يقول: يعطيك قبل أن تخلق وجهك بالسؤال، وقال الآخر:
أعطاك قبل سؤاله ... فكفاك مكروه السؤالِ
(1/254)

باب إغاثة الملهوف بقضاء حاجته
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: أرغوا لها حوارها تقر.
أي أعطه حاجته يسكن. واصله أنَّ الناقة إذا سمعت رغاء حوارها سكنت وهدأت. وكان أبو عبيدة يحكي هذا المثل على غير هذا اللفظ، قال: يقال: حرك لها حوارها تحن.
قال: ومعناه الرجل يذكر له بعض أشجانه ليهتاج به. قال أبو عبيد: وهذا المثل يروى عن عمرو بن العاص إنّه قاله لمعاوية حين أراد أن يستنصر أهل الشام: أخرج إليهم قميص عثمان الذي قتل فيه، ففعل ذلك معاوية فأقبلوا يبكون، فعندها قال عمرو: " حرك لها حوارها تحن "

باب الانصراف عن الحاجة وهي مقضية أو غير مقضية
قال أبو زَيد: يقال: جاء فلان من حاجته وقد لفظ لجامه.
إذا انصرف منها مجهوداً من الإعياء والعطش. قال: ومثله: جاء وقد قرض رباطه.
قال الأحمر: فإن جاء ولم يقدر عن حاجته قيل: جاء على غبيراء الظهر.
قال الأحمر: فإن جاء مستحيياً قيل:
(1/255)

جاء كخاصي العير.
فإن جاء قضى حاجته قيل: جاء ثانياً من عنانه.
قال الكسائي: فإن جاء فارغاً قيل: جاء يضرب أصدريه.
قال: يعني: عطفيه. وقال الأصمعي مثله إلاّ أنه قال: " أسدريه " بالسين وكذلك: جاء سبهللاً.
وهذا الحرف يروى عن عمر بن الخطاب. قال الأصمعي: فإن جاء بعد الشدة قيل: بعد اللتيا والتي.
يريد الشدة العظيمة والصغيرة. ومنه قول الشاعر يذكر قبيلته: " وكفيت جانبها اللتيا والتي " ومنه قولهم:
(1/256)

بعد الهياط والمياط.

باب اغتنام الفرصة عند إمكان الحاجة
قال أبن الكلبي: ومن أمثالهم في الفرصة قولهم: من عال بعدها فلا اجتبر.
قال: وهذا المثل لعمرو بن كلثوم في شعر له:
من عال مني بعدها فلا اجتبر ... ولا سقى الماء ولا رعى الشجر
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في اغتنامهم الفرصة قولهم: اسر وقمر لك.
أي اغتنم ضوء القمر ما دام طالعاً فسر فيه. ومن هذا قولهم: لا تطلب أثراً بعد عينٍ.
ومن اغتنام الحاجة قولهم: سيرين في خرزةٍ.
يقول: إن أمكنك أن تجمع حاجتين في حاجة فافعل. وبعضهم يقول: " خرزين في خرزة ".
(1/257)

باب تيسير الحاجة على قوم بضرر آخرين
قال أبو عبيد: من أمثالهم القديمة على وجه الدهر: ما قرعت عصاً على عصاً إلاّ حزن لها قوم وسر بها آخرون.
قال: ومعناه أنه لا يحدث في الدنيا حدث فيجمع الناس على أمر واحد من سرور ولا حزن ولكنهم فيه مختلفون. ومن أمثالهم في نحو هذا قولهم: نعم كلب في بؤس أهله.
يريد أنَّ الكلب ينعم لأنَّ إبلهم تسقط وتتماوت. ومثله قولهم: أحب أهل الكلب إلى كلبهم الظاعن.
قال: وذلك لأنّه إذا سافر الرجل على راحلته عطبت، فصار طعاماً للكلب. قال أبو عبيد: ولا أدري ممن سمعت هذين المثلين، غير أنهما من أمثالهم، وهما في معنى واحد.
(1/258)

بسم الله الرحمن الرحيم
جامع أمثال الظلم وأنواعه
باب المثل في الظلم وما يخاف من غبه
قال أبو عبيدة: من أمثالهم في كراهة الظلم قولهم: الظلم مرتعه وخيم.
وقال الأصمعي: أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، قال: ومنه قول أبن مقبل:
عاذ الأذلة في دارٍ وكان بها ... هرت الشقائق ظلامون للجزر
قال: وظلمهم الجزر أن يعرقبوها، وإنّما ينبغي أن تنحر نحراً. ويقال: ظلنهم أن ينحروها سمانا صحاحاً لا علة بها. وقال أبو عبيدة: ومن الظام قولهم: الحرب غشوم.
وإنها سميت بهذا لأنها تنال من لم يكن له فيها جناية ولا ذنب،
(1/259)

فهذا ظلم. قال: وفي بعض الحديث " أنَّ الظلم هو الظلمات يوم القيامة " وفي حديث آخر " أنَّ عيسى بن مريم عليه السلام قال للحواريين: " لا تضعوا الحكمة في غير أهلها فتظلمون، ولا تمنعوا أهلها فتظلموهم " ومن أمثالهم أيضاً قولهم: من أشبه أباه ما ظلم.
أي إنه وضع الشبه في موضعه. قال: وقولهم: اليوم ظلم.
نرى إنّه من هذا. ومعناه إنّه ظلم بان وضع الشيء في غير موضعه. قال: يضرب للرجل يؤمر أن يفعل شيئاً قد كان يأباه، ثم يفعله.

باب الظلم في الخلتين من الإساءة تجمعان على رجل
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم:
(1/260)

أحشفاً وسوء كيلةٍ! قال: وهو مثل سائر في العوام. ومثله قولهم: أغدةً كغدة البعير وموتاً في بيت سلولية! قال: وهو المثل لعامر بن الطفيل، وكان اصله الطاعون حين خرج من النبي) فاجأ إلى بيت امرأة من سلول فمات هناك ومن هذا قولهم: أغيرةً وجبناً! قالته امرأة من العرب تعير زوجها، وكان تخلف عن عدوه في منزله فرآها تنظر إلى قتال الناس، فضربها، فأجابته بهذه المقالة. ويقال في نحوٍ منه:
(1/261)

أكسفاً وإمساكاً! وأصله الرجل يلقاك بعبوس وكلوح مع بخل ومنع. وقال أبو عبيد في نحوٍ منه: يا عبرى مقبلةً ويا سهرى مدبرةً.
يضرب للأمر يكره من جهتين.
قال أبو عبيد: وهو من أمثال النساء، إلاّ أنَّ أبا عبيدة حكاه. وقال في نحوٍ منه: كالأشقر إن تقدم نحر، وإن تأخر عقر.
وقال أبو عبيد: ومنه قولهم في الأرقم: إن يقتل ينقم، وإن يترك يلقم.
يقال: إن قتلته كان له من ينتقم له منك، وإن
(1/262)

تركته قتلك. قال الأصمعي: ومنه قولهم: هو بين حاذفٍ وقاذفٍ.
والحاذف هو الذي يحذف بالعصا، والقاذف: الذي يقذف بالحجارة. ومن أمثالهم في نحوٍ منه: كالمستغيث من الرمضاء بالنار.
وهذا مثل سائر فاشٍ. ومن أمثالهم في الخلتين المكروهتين: عوير وكسير، وكل غير خيرٍ.
ومثله قولهم: ما هو إلاّ شرقٌ أو غرقٌ.
(1/263)

باب الظلم فيمن حمل رجلاً مكروها ثم زاده أيضاً
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: ضغث على إبالةٍ.
قال: والإبالة: الحزمة من الحطب، والضغث: الجرزة التي فوقها. يقول: هي بلية على إنَّ أخرى كانت قبلها.
قال أبو عبيدة: ومن أمثالهم في هذا: كفت إلى وئيةٍ.
قال: والكفت في الأصل هي القدر الصغير، والوئية هي الكبيرة يضرب للرجل يحملك البلية الكبيرة، ثم يزيدك إليها أخرى صغيرة. وقال أبو زَيد: يقال: وقع القوم في أم جندب.
إذا ظلموا. قال أبو عبيد: كأنها اسم من أسماء الإساءة والظلم، وأن يحمل الناس المكروه والأذى.
قال أبو عبيد: ومن أمثال أكثم بن صيفي في نحو هذا وليس هو منه بعينه: إنك لا تجني من الشوك العنب.
يقول: إذا ركبت رجلاً بظلم فقد وترته وحملته المكروه، فانظر كيف يكون حالك.
(1/264)

باب الظلم في مطل الحقوق
قال أبو عبيدة أو غيره: من أمثالهم.

الأكل سلجان والقضاء ليان.
يعني المطل. ومن المطل حديث النبي) " مطل الغني ظلم " وقال أبن مسعود: لو كان المعك رجلاً لكان رجل سوءٍ. ومنه قول زهير بن أبي سلمى: " إنَّ الغادر المعك " ومن أمثالهم في المطل قولهم: مطله مطلاً كنعاس الكلب.
ويروى " مطل نعاس الكلب " وذلك أنه دائم النعاس متصل، وأنشد: " لاقيت مطلاً كنعاس الكلب "

باب الظلم في ادعاء الباطل والحكم قبل أن تعرف حجة الخصم
قال أبو زَيد: من أمثالهم:
(1/265)

إذا طلبت الباطل انجح بك.
معناه: إنَّ نجح الدعوى يكون عليه لإله. قال الأصمعي: من خاصم بالباطل أنجح له.
معناه أي كان النجح عليه ليس له قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الباطل: قد اتخذ فلان الباطل دغلا.
قال الأحمر ومن أمثالهم في الحجة إذا أضلها الباغي الظالم: ضل الدريص نفقه.
والدريص: ولد اليربوع. ونفقه: حجره الذي يكون فيه. والدريص: تصغير الدرص. والأصمعي: ومن أمثالهم: أعطي فلان اللفاء غير والوفاء.
إذا ظلمه حقه وبخسه. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الأمر يبرم ولم يشهده صاحبه قولهم:
(1/266)

صفقه لم يشهدها حاطب.
قال: وأصله أنَّ بعض أهل حاطب باع بيعة غبن فيها فقيل له ذلك.

باب الظالم في سرعة الملامة وفي ذم المحسن.
قال أبو عبيد: من أمثال اكثم بن صيفي: ليس من العدل سرعة العذل.
يقول: إنّه لا ينبغي للرجل يبلغه عن أخيه شيء إنَّ يسرع إلى عذله حتى يعرف حجته وعذره.
وقال الأصمعي: من أمثالهم في ذم المحسن: يجري بليق ويذم.
قال: وهو فرس كان يسبق الخيل، وهو في ذلك يذم ويعاب. قال الأصمعي: ومثله: الشعير يوكل ويذم.
ومثل العامة في هذا: أكلا وذماً.

باب الظلم في الرجل ينتزع من يديه ما ليس له فيجزع
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا قولهم: سرق السارق فانتحر.
قال: وأصله السارق تكون عنده السرقة فتسرق منه فيشق
(1/267)

ذلك عليه، ويكبر عنده. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في نحو هذا: أبدأهم بالصراخ يفروا.
قال أبو عبيد: وهذا مثل قد ابتذله الناس، وله أصل، وذلك أنَّ يكون الرجل قد أساء إلى رجل، فيتخوف لائمة صاحبه، فيبدأه بالشكاية والتجني ليرضى منه الآخر بالسكوت عنه.

باب الكريم يظلمه الدنيء الخسيس وما يؤمر به من دفعه عنه.
الأصمعي قال: من أمثالهم في هذا قولهم: لو ذات سوارٍ لطمتني!.
يقول لو كان هذا الذي ظلمني ندا لي، وكان له شرف وقدر احتملته، ولكنه ليس بكفءٍ، فهو أشد على.
قال أبو عبيدة: ومن أمثالهم: الذئب خاليا أشد.
يقول: إذا قدر هذا عليك في هذه الحال الضعيفة، فهو إذا قوى عليك أحرى بالظلم. قال الأصمعي: ومن أمثالهم قولهم: ذل لو أجد ناصراً.
وكان المفضل، فيما بلغني، يقول: كان اصله أنَّ الحارث بن
(1/268)

أبي شمر الغساني سأل أنس بن أبي الحجير عن بعض الأمور فأخبره به، فلطمه الحارث فغضب انس وقال: " ذل لو أجد ناصراً " ثم لطمه أخرى فقال: لو نهيت الأولى لانتهت الآخرة.
فذهبت كلمتاه مثلين.

باب الانتصار من الظالم.
قال أبو عبيد: من أمثالهم: - هذه بتلك والبادئ اظلم.
وهو الرجل يركب صاحبه بظلامة، فيكافئه الآخر بمثلها، ومنه قول الشاعر:
وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذا يآل همدان ظالم
متى تجمع القلب الذكي وصارماً ... وأنفا حميا تجنبك المظالم
قال أبو عبيد: وهذا الشعر تمثل به الحجاج بن يوسف على المنبر. وقال أبو عبيد: من أمثالهم في نحوه: من لا يذد عن حوضه يهدم.
أي من لا يدفع الضيم عن نفسه يركب بالظلم. ويروى في حديث عن عكرمة مولى أبن عباس: إنّه سئل عن رجل غضب رجلاً مالاً، ثم قدر على مال له، أخذ منه مثل ما أخذ؟ فقال عكرمة: " وقع الكلب على الذئب، ليأخذ منه مثل ما أخذ " ومن أمثال اكثم بن صيفي في الظالم:
(1/269)

انك لا تجني من الشوك العنب.
يقول: فإذا ظلمت فأحذر الانتصار، فإنَّ ظلمك لا يكسبك إلاّ مثل فعلك. ومن هذا المثل أخذ الشاعر قوله:
إذا وترت أمراً فأحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم: أضربه ضرب غريبة الإبل.
يقول: إذا تعرض لظلمك فأدفعه عنك أشد الدفع وأصله في الإبل ترد الحوض وليس لها رب فيذودها أهل الإبل الواردة.

باب الظلم والإساءة ترجع عاقبتهما على صاحبهما.
قال الأحمر: من أمثالهم: من حفر مغواة وقع فيها.
قال أبو عبيد: وأصل المغواة البئر تحفر للذئب، ثم يجعل فيها جدى أو غيره. فيسقط الذئب فيها ليأخذه فيصاد، فصار مثلا لكل من أراد بصاحبه سوءاً.
وقد فسرنا بعض أمرها في غريب الحديث. ومن هذا المعنى قول الشاعر: فلرب حافر حفرة هو يصرع.
قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم: يعدو على المرء يا يأتمر.
قال: ومثله:
(1/270)

عاد الرمى على النزعة.
وهم الرماة، أي رجع عليهم رميهم.

باب حمل الرجل صاحبه على ما ليس من شانه بالإكراه والظلم
قال أبو عبيد: من أمثالهم المشهورة في هذا قولهم: مكره أخوك لا بطل.
ويقال: إنَّ اصله كان أنَّ بيهسا الذي يلقب نعامة حين قتل أخوته طلب بثأرهم. وكان له خال يكنى أبا حشر، فقال له نعامة: اخرج بنا إلى موضع كذا وكذا، وكتمه ما يريد به، ثم مضى إلى الذين يطلبهم بالذحل، فهجم به عليهم فجاءة، ثم قال إيهاً أبا حشر، فلما رأى أبو حشر إنّه قد نزلت به البلية جعل يذب عن نفسه، ويقاتلهم بهده، فقال الناس: ما أشجعه حين أقدم على هؤلاء! فعندها قال أبو حشر: " مكره أخوك لا بطل " أي ليس هذا بشجاعة مني، ولكن حملت عليه، ومن هذا قولهم: لو ترك القطا لنام.
وهو من أيسر أمثالهم أيضاً. واخبرني أبن الكلبي إنّه لامرأة عمرو بن أمامة، وكان نزل بقوم من مراد فطرقوه ليلاً، فلما رأت امرأته سوادهم أنبهته وقالت: قد أتيت، فقال إنّما هذا القطا، فقالت: " لو ترك القطا لنام " فأتاه القوم فبيتوه وقتلوه.

باب الظالم في الإساءة يركبها الرجل من صاحبه يستدل بها على أكثر منها.
قال أبو عبيد: من أمثالهم المعروفة في هذا المعنى: ليس بعد الإسار إلاّ القتل.
ويقال بعد الأسر وهذا المثل لبعض بني تميم، قاله يوم المقشر، وهو قصر ناحية البحرين.
وكان كسرى كتب إلى عامله عليها أنَّ يدخلهم الحصن فيقتلهم. وذلك لجناية كانوا جنوها عليه، فأرسل إليهم، وأظهر لهم إنّه يريد أنَّ يقسم فيهم مالاً أو طعاماً، فحضروا بالباب، فجعل
(1/271)

يدخل منهم رجلاً رجلاً، فيقتله، فلما رأوا إنّه ليس يخرج أحد ممن يدخل علموا أنَّ الدخول إليه إنّما هو أسر ثم قتل، فعندها قال قائلهم: " ليس بعد الإسار إلاّ القتل " فامتنعوا حينئذ من الدخول قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في نحو هذا: سواء علينا قاتلاه وسالبه.
يقول: إذا رأيت رجلاً قد سلبه رجل علم إنّه لم يسلبه وهو حي ممتنع، فعلم بهذا إنّه قد قتله ثم سلبه، فهذا جعل السالب قاتلاً.

باب الظالم في عقوبة المحسن البريء
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: مالي ذنب إلاّ نب صحر.
قال: وصحر اسم امرأة لم يعرف الأصمعي من قصتها غير هذا. وكان المفضل يقتص حديثها يقول: هي صحر ابنه لقمان العادي، وكان أبوها لقمان وأخوها لقيم خرجا مغيرين، فأصابا إبلاً كثيرة، فسبق لقيم إلى منزله، فعمدت أخته صحر إلى جزور مما قدم به لقيم فنحرتها وصنعت منها طعاماً يكون معداً لأبيها لقمان إذا قدم: تتحف به. وقد كان لقمان حسد ابنه لقيما لتبريزه عليه، فلما قدم لقمان قدمت إليه صحر الطعام، وعلم إنّه من غنيمة لقيم، لطمها لطمة قضت عليها: فصارت عقوبتها مثلاً لكل من لا ذنب له يعاقب. وفيه يقول خفاف أبن ندبة السلمى:
وعباس يدب لي المنايا ... وما أذنبت إلاّ ذنب صحر
(1/272)

قال أبو عبيد: وكذلك قولهم في: جزاء سنمار.
وكان حديثه، فيما يحكيه العلماء، إنّه كان بناء مجيداً، وهو من الروم، فبنى الخورق الذي بظهر الكوفه للنعمان أبن امرئ القيس، فلما نظر إليه النعمان كره إنَّ يعمل مثله لغيره، فألقاه من أعلى الخورنق فخر ميتاً، وفيه يقول الشاعر:
جزتنا بنو سعد بحسن فعالنا ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب

باب الظلم في عقوبة الإنسان بذنب غيره
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: جانيك من يجني عليك.
يقول: فلا ينبغي أنَّ تنقل عقوبته إلى غيره. وروينا في حديث مرفوع إنّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لرجل وابنه: " لا يجني عليك ولا تجني عليه " وقال الآخر: لا تنجي يمينك على شمالك. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في أخذ البرء بذنب صاحب الجناية قول النابغة الذبياني:
حملت على ذنبه وتركته ... كذى العر يكوى غيره وهو راتع
(1/273)

ومثله قولهم: كالثور يضرب لمّا عافت البقر.
يعني: عافت الماء. وفيه قال أنس بن مدرك:
إني وقتلي سليكاً ثم أعقله ... كالثور يضرب لمّا عافت البقر
قال الأصمعي: ومن أمثالهم: كل شاة تناط برجلها.
يقول: فلا ينبغي أنَّ يؤخذ أحد بذنب غيره. قال أبو عبيد: وهذا مثل مقول سائر في الناس.

باب التبرؤ من الظالم والإساءة
قال الأصمعي: من أمثالهم في نفي الذنوب قولهم: لا ذنب لي قد قلت للقوم اسقوا.
قال الأصمعي: ويقال في نحو منه: أنا منه فالج أبن خلاوة.
أي أنا بريء منه. قال أبو زيد: يقال: فلان برئ الساحة.
أي المدخل والمخرج والمذهب. قال أبو عبيد: في هذا قولهم:
(1/274)

لا ناقتي في هذا ولا جملي.
قال أبو عبيدة: وهذا المثل للحارث بن عباد حين قتل جساس بن رمة كليباً، قال: وكان قد أعتزل الفريقين جميعاً، وقال هذه المقالة، حتى قتل بجير فنهض حينئذ في حربهم. قال أبو عبيد: ومن هذا المثل قول الراعي:
وما هجرتك حتى قلت معلنة ... لا ناقة لي في هذا ولا جمل
(1/275)

بسم الله الرحمن الرحيم
الأمثال في المعايب والذم
باب المثل في الذم لسوء معاشرة الناس.
قال أبو عبيد: جاءنا الحديث عن أبي الدرداء الأنصاري إنّه قال: وجدت الناس أخبر تقتله.
قال أبو عبيد: فأخرج الكلام على لفظ الأمر، ومعناه الخبر يريد انك إذا أخبرتهم فليتهم.
وقال أبو الدرداء أيضاً: " إنَّ قارضتهم قارضوك، وإنَّ تركتهم لم يتركوك " وقد فسرنا هذا في غريب الحديث ومن ذم عشرة الناس قول لبيد بن ربيعة:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
يتأكلون مذمة وخيانة ... ويعاب قائلهم وإنَّ لم يشغب
فكانت عائشة أم المؤمنين تنشد بيت لبيد هذا، ثم تقول: " يرحم الله لبيداً، فكيف لو أدرك زماننا هذا! " وكان أبن أختها عروة بن الزبير يذكر كلام عائشة، ثم يقول: " يرحم الله عائشة، فكيف لو أدركت زماننا هذا! " ومن أمثال اكثم بن صيفي:
(1/276)

رضا الناس غاية لا تدرك.
ومن أمثال العامة في ذمهم بعضهم بعضا: الناس شجرة بغيٍ.

باب سوء الجوار وما فيه من المذمة والكراهة
قال أبو عبيد: من أمثالهم في جار السوء قولهم: لا ينفعك من جار سوءٍ توق.
قال أبو عبيد: يعني انك لا تقدر على الاحتراس منه ولو حرصت، لقربه منك. قال: وقد روينا في الحديث عن داود النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنّه كان يقول: " اللهم إني أعوذ بك من جار عينه تراني، وقلبه يرعاني، إنَّ رأى حسنة كتمها، وإنَّ رأى سيئة نشرها " وجاءنا عن نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنّه قال: " جارك قبل دارك، والرفيق قبل الطريق ".
كان بعض فقهاء أهل الشام
(1/277)

يحدث بهذا الحديث. ومعناه أنَّ يقول: إذا أردت شراء دار فاسأل عن جوارها قبل إنَّ تشتري، وإذا أردت السفر فاسأل عن الرفيق فبل الشخوص. قال الأصمعي: من أمثالهم في الجوار قولهم: بعت جاري ولم أبع داري.
يقول: إني كنت راغبا في الدار، إلاّ أنَّ جاري أساء مجاورتي فبعت الدار من أجله. قال أبو عبيد: وأخبرني أبن الكلبي أنَّ النعمان بن المنذر سأل الصقعب بن عمرو النهدي من حكماء العرب،: ما الداء العياء؟ فقال: جار السوء الذي إنَّ قاولته بهتك، وإنَّ غبت عنه سبعك. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا: هذا أحق منزلٍ بتركٍ.
يضرب لكل شيء قد استحق أنَّ يترك، من رجل أو جوار أو غيره. ومن أمثالهم في سوء الجوار قولهم: ما ظنك بجارك؟ قال: كظني بنفسي.
يقول إنَّ الفاجر يظن بجاره الفجور. وهذا مثل مبتذل.

باب سوء الموافقة في الأخلاق
قال الأموي: من أمثالهم في سوء الاتفاق والمعاشرة: أنت تئق وأنا مئق فمتى نتفق!.
وقال الأموي: التئق السريع إلى الشر. والمئق: السريع إلى البكاء. ويقال الممتلئ من الغضب. ويضرب للرجلين المختلفين في الأخلاق
(1/278)

والشيم وقال الأصمعي في التئق والمئق مثله أو نحوه. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الاختلاف: ما يجمع بين الأروى والنعام!.
أي كيف يجتمعان وهذه في رؤوس الجبال، وتلك في سهوله؟ يقول: لا يتفق هذان الرجلان كما لا يتفق ذلك. وقال أبو زيد: في الموافقة: يقال: لا يلتلط هذا بصفري.
أي لا يلتصق بقلبي ولا يوفق شيمتي ولا خلقي. وقد روينا عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنّه قال في أهل الإسلام وأهل الشرك: " لا تراءى ناراهما ".
يقول: كيف يتفقان؟! وقد فسرناه في غريب الحديث. وقال أيضاً: " ما أنا من ددٍ ولا الدد مني ".
وقد فسرناه أيضاً. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في قلة الاتفاق قولهم: لا يجتمع السيفان في غمدٍ.
ومنه قول أبي ذؤيب:
تريدين كيما تجمعيني وخالداً ... وهل يجمع السيقان ويحك في غمد!
(1/279)

باب سوء المشاركة في اهتمام الرجل بشأن صاحبه.
قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا: ما يلقى الشجى من الخلي.
يقول: إنّه لا يساعده على همومه وهو مع هذا يعذله قال أبو زيد: الشجى مقصور، والخلي ممدود. ومثله قولهم: هان على الأملس ما لاقى الدبر.
قال: وأصله في الإبل. وقال الأصمعي: في مثله: لو لك عويت لم أعوه.
يقول: لم أهتم لك، إنّما اهتمامي لنفسي. قال أبو عبيد: فإذا أراد المشكو إليه إنّه في نحو مما فيه صاحبه من الأمر قال: إنَّ يدم أظلك فقد نقب خفي.
والأظل: لحم اسفل خف البعير. يقول: إني في مثل سوء حالك.
(1/280)

باب سوء نظر الرجل لنفسه وإقباله على نفسه وهواه
قال الأصمعي أو غيره: من أمثالهم في هذا قولهم: ذهبت هيف لأديانها.
يعني عادتها قال: وأصل الهيف السموم، وعادتها أنها تجفف كل شيء وتوبسه. قال أبو عبيدة: ومن هذا قولهم: كل امرئٍ في شانه ساعٍ.
وقد يضرب في الأمر المحمود أيضاً، وقال أبو قيس بن الأسلت:
أسعى على جل بني مالكٍ ... كل امرئٍ في شانه ساع

باب عادة السوء يعتادها صاحبها
قال الأصمعي: من أمثالهم: عادة السوء شر من المغرم.
قال: ومعناه أنَّ من عودته شيئاً، ثم منعته كان أشد عليك من الغريم ومنه قولهم: أعطى العبد كراعاً فأراد ذراعاً.
وكان أبن الكلبي يحدث أنَّ المثل لجارية يقال لها أم عمرو، وكانت لمالك وعقيل ندماني جذيمة، فمر بهما عمرو بن عدي أبن أخت جذيمة، فجلس إليهما فناولاه شيئاً من الطعام، فطلب أكثر منه، فعندها قالت أم عمرو: " أعطي العبد
(1/281)

كراعا فطلب ذراعاً " ثم صاروا إلى الشراب فجعلت أم عمرو تسقى صاحبها وتدع عمرا، ففيهما يقول عمرو:
تصد الكأس عنا أم عمرٍو ... وكان الكأس مجراها اليمينا
فذهب كلامه وكلامها مثلين، وكان هذا كله قبل أنَّ يعرفوه، فلما انتسب لمالك وعقيل فرحا، وقدما به إلى خاله جذيمة، فكان من أمره وأمرهما ما قد ذكرناه في غير هذا الموضع. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في العادة قولهم: لو نهيت الأولى لانتهت الآخرة.
وكان المفضل يقول: هذا المثل لأبن أبي حجر الأيادي، وذلك إنَّ الحارث بن أبي شمر الغساني كان لطمه لطمة، فاحتملها أبن أبي حجر وسكت، فأمر به فلطم أخرى، فعندها قال تلك المقالة، فذهبت مثلاً. يقول: لو انتقمت للأولى ولم احتملها لم تعد لمثلها.

باب عادة السوء يدعها صاحبها ثم يرجع إليها.
قال أبو عبيدة: من أمثالهم في هذا قولهم: عادت لتعرها لميس.
والعتر هو الأصل، وكذلك العكر. يضرب للرجل يرجع إلى خلق وقد كان تركه. قال الأصمعي: ومثله: رجع فلان على قرواه.
قال: وكذلك قولهم: عاد فلان في حافرته. أي
(1/282)

إلى طريقته الأولى. قال أبو عبيد: وكذلك يفسر قوله تعالى:) لمردودون في الحافرة (الخلقة الأولى. قال الأصمعي: فأما قولهم: النقد عند الحافر.
فانه النقد الحاضر في البيع. وبعضهم يقول بالهاء أيضاً " الحافرة "

باب قلة عناية الرجل واهتمامه بشأن صاحبه
قال أبو عبيد: من أمثالهم: همك ما همك.
أي همك همك، ويقال: " همك ما أهمك " يضرب لمن لا يهتم بشأن صاحبه، إنّما اهتمامه بغير ذلك. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في قلة الاهتمام: إنك لتشكو إلى غير مصمتٍ.
ومثله قولهم: حياك من خلافوه.
قال:
(1/283)

ذلك أبو زيد والأصمعي. واصله أنَّ رجلاً سلم عليه وهو يأكل فلم يرد السلام، فلما فرغ قال: هذه المقالة. يقول إني كنت مشغولاً. قال الأصمعي: ومن قلة المبالاة قولهم: الكلاب على البقر.
واصله أنَّ يخلى بين الكلاب وبين بقر الوحش. قال أبو عبيد: وهذا المثل مبتذل في العامة غير انهم لا يعرفون اصله. ومن أمثالهم في نحو هذا قولهم: ول حارها من تولى قارها.
وهذا المثل يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

باب استهانة الرجل بصاحبه.
قال أبو عبيدة: ومن أمثالهم في هذا قولهم: ما أباليه عكبة.
وهي الوذخة واحدة الوذح، وهو ما يتعلق بأصواف الضأن من بعرها وأبوالها. ويقال أيضاً قال الأصمعي: وكذلك قولهم: ما أباليه بالة.
قال أبو عبيد: وهذا المثل قد يضرب في غير الناس، ومنه قول أبن عباس وسئل عن الوضوء من اللبن، فقال: " ما أبالية، اسمح يسمح لك " قال الأصمعي: ومن قلة المبالاة قولهم: ما أبالي ما نهيئ من ضبك.
يعني إنَّ يكون لحم ضبك نيئاً ولا ينشوي، ويقال:
(1/284)

لحم نيئ ونهيئ في معنى واحد. قال الأصمعي: ومن أمثالهم: اتخذ فلانا القوم حمير الحاجات.
أي امتهنوه في حوائجهم واستهانوا به

باب تمدح الرجل بالشيء وهو من غير أهله.
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: حن قدح ليس منها.
قال أبو عبيدة: وكذلك قولهم: هو كالحادي وليس له بعير.
ومنه قولهم: كالفاخرة بحدج ربتها. والحدج هو المركب، وجمعه حدوج وأحداج، وهي الأحمال أيضاً: قال الأصمعي: ومنه قولهم:
(1/285)

استنت الفصال حتى القرعى.
قال: وأصله من القرع، وهو قرح يظهر في أعناق الفصلان فتحسب في التراب لتبرأ. قال: ومنه قول أوس بن حجر: يجر كما يجر الفصيل المقرع يقال منه: قرعت الفصيل، إذا جررته قال أبو عبيد: وهذا معنى قولهم للشيء الذي يوصف بالحرارة: هو أحر من القرع.
وتأويله هذا الداء الذي وصفناه. وأما قول العامة: " أحر من القرع " يجزم الراء، على معنى القرع الذي يؤكل فليس بشيء.

باب الممتدح بما ليس عنده يؤمر بإخراج نفسه منه.
قال الأصمعي وغيره في هذا المثل: ليس هذا بعشك فاد رجى.
أي ليس هذا من الأمر الذي لك فيه حق فدعه. وقد يضرب هذا للرجل ينزل المنزل لا يصلح له. قال أبو عبيد: ومنه قولهم: هذا أوان الشد فاشتدي ريم.
وهذا المثل قاله الحجاج بن يوسف على منبره. وزعم
(1/286)

الأصمعي أنَّ " زيم " في هذا الموضع اسم فرس، قال: والزيم في غير هذا: الشيء المتفرق، وإنّما تكلم الحجاج بهذا حين أزعج الناس لقتال الخوارج.

باب الشره والجشع ومسألة الناس.
قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي: غثك خير لك من سمين غيرك.
يقول: فاقنع به. ولا تمدن عينيك إلى ما في أيدي الناس. ويقال: إنَّ هذا المثل لمعن بن عرفطة المذجي. قال أبو عبيدة في مثله: يكفيك نصيبك شح القوم.
يقول: إنَّ استغنيت به عن مسألة الناس كفاك. وقال الأحمر في نحو منه: جدح جوين من سويق غيره.
ومن أمثال اكثم بن صيفي: المسألة آخر كسب المرء.
وفي الحديث المرفوع " المسألة كدوح أو خدوش أو خموش في وجه صاحبها " وقال أبو الأسود الديلي يصف رجلاً بالأخلاق الدنية فقال: " إذا سئل أرز، وإذا دعى انتهز " يضفه بالشره. وقال عون بن عبد الله بن عتبة في مثل
(1/287)

هذا: " إنَّ سأل ألحف. وإنَّ سئل سوف " وقال فيه أيضاً: " يحسد إنَّ يفضل، ويزهد إنَّ يفضل " قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الطمع والجشع قولهم: تقطع أعناق الرجال المطامع.
وفي الحديث " إنَّ الصفاء الزلاء التي لا تثبت عليها أقدام العلماء الطمع ".

باب الشره للطعام والحرص عليه.
الأصمعي قال: من أمثالهم في الشهوان قولهم: حما ولا حبل.
أي إنّه لا يذكر شيء إلاّ اشتهاه كشهوة الحبلى. وليس الوحام إلاّ في شهوة الحبل خاصة. وقال بعض حكماء العرب: شدة الحرص من سبيل المتالف. وقال الآخر: المرء تواق إلى ما لم ينل.
وهذا المثل للأغلب فيما أعلم. وقال الأصمعي: ومن أمثالهم في شدة الحرص مع العدم قولهم: هو يبعث الكلاب عن مرابضها.
يعني إنّه يطردها عن موضعها طعماً إنَّ يجد
(1/288)

تحتها شيئاً يأكله. ومن أمثالهم في الشره قولهم: الرغب شوم.
قال أبو عبيد: وهذا الحرف وجدناه في حديث مرفوع. ومن أمثالهم في ذم الشره قولهم: أراد إنَّ يأكل بيدين.
وقولهم: " لا تجعل شمالك جردباناً ".
وهو الذي يستر الطعام بشماله لئلا يراه أحد فيتناوله من بين يديه.

باب الثقيل على الناس
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: لا تبطر صاحبك ذرعه.
يقول: لا تحمله ما لا يطيق. وقال بعض حكماء العرب: من استغنى كرم على أهله.
وفي بعض الحديث " أزهد فيما في أيدي الناس يحببك الناس " ومن أمثالهم:
(1/289)

من سأل صاحبه فوق طاقته استحق الحرمان.
وقال: بعض السلف: " عز الرجل استغناؤه عن الناس " وفي بعض الحديث " استغنوا عن الناس ولو قصمة السواك ".

باب الذم لمخالطة الناس وما يحب من اجتنابهم.
قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا قولهم: خلاوك اقنى لحياتك.
أي انك إذا خلوت في منزلك كان أحرى أنَّ تقتنى الحياء وتسلم من الناس. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في نحو هذا: من يسمع يخل.
يقول: من يسمع أخبار الناس ومعايبهم يقع في نفسه عليهم المكروه. ومعناه إنَّ المجانبة للناس أسلم. قال أبو عبيد: وقد روينا عن طلحة بن عبد الله إنّه قال: " إنَّ أقل للعيب إنَّ يجلس الرجل في منزله " وروينا عن أبي الدرداء إنّه قال: " نعم صومعة المؤمن بيته يكف سمعه وبصره " وقال أبن سيرين: " العزلة عبادة ".

باب الإفراط في مؤانسة الناس
قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي: الإفراط في الناس يكسب قرناء السوء.
وقال بعض الحكماء: الأنس يذهب المهابة.
وقال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا:
(1/290)

عرف حميق جمله.
يضرب هذا للرجل يأنس بالرجل حتى يجترئ عليه. قال الأصمعي: وأظن حميقا رجلاً كان له جمل قد عرفه حتى اجترأ عليه، فصار مثلاً لكل من أنس بأحد حتى هان عليه.
(1/291)

بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر أمثال الخطأ والزلل في الأمور
باب مثل الغلظ والخطأ في القياس والتشبيه.
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: مذكية تقاس بالجذاع.
يضرب لمن يقيس الكبير بالصغير. وقال أبو زيد مثل هذا.

ما يجعل قدك أدميك.
قال: والقد: مسك السلخة، وجمعه قداد. والأديم: الجلد العظيم. قال الأصمعي: ومثله قولهم: ليس قطاً مثل قطى.
وقال أبو قيس بن الأسلت:
ليس قطا مثل قطى ولا ال ... مرعي في الأقوام كالراعي

باب الخطأ في نقل الأشياء من الأماكن التي تعز فيها إلى الأماكن التي تكثر فيها.
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: كمستبضع التمر إلى هجر.
قال أبو عبيد: وهذا من الأمثال المبتذلة، وهو من
(1/292)

قديمها، وذلك أنَّ الهجر معدن التمر، فالمستبضع التمر إليها مخطئ.
قال الأصمعي: ومثله قولهم: كمعلمة أمها البضاع.
يريد الغشيان. وهذا في الرجل يجيء بالعلم إلى من هو أعلم منه. وفي بعض الأثر " رُبَّ حامل فقه إلى من هو افقه منه " قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في وضع الأشياء غير مواضعها قولهم: خلع الدرع بيد الزوج.
وكان المفضل، فيما يحكي عنه، يخبر أن المثل لرقاش بنت عمرو بن تغلب بن وائل، وكان تزوجها كعب بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة، فقال لها: اخلعي درعك، فقالت: " خلع الدرع بيد الزوج " فقال: اخلعيه لأنظر إليك، فقالت: التجرد لغير النكاح مثلة.
فذهبت كلمتها مثلين.

باب الخطأ في وضع الإنسان بحيث ليس يستوجب.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: متى كان حكم الله في كرب النخل!.
وهذا المثل لجرير بن الخطفى يقول
(1/293)

لرجل من عبد القيس شاعرٍ، كان قال في جرير:
أرى شاعرا لا شاعر اليوم مثله ... جريرا ولكن في كليب تواضع
فعندها قال جرير: " متى كان حكم الله في كرب النخل " وذلك أنَّ بلاد عبد القيس بها نخل: فلهذا قاله. وقال أبو زيد في مثل هذا: من استرعى الذئب ظلم.
يقول: إنّه وضع الأمانة في غير موضعها. ومثله يقول هرمة:
كتاركة بيضها بالعرا ... ء وملبسة بيض أخرى جناحا
يعني الحمامة التي تحضن بيض غيرها، وتضيع بيض نفسها. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في وضع الرجل نفسه فوق موضعها قول أكثم: لم يهلك امرؤ عرف قدره.
(1/294)

باب الخطأ في مكافأة المحسن بالإساءة والمسيء بالإحسان.
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: خير حالبيك تنطحين.
قال أبو عبيد: وأظن اصله أنَّ شاة وبقرة كان لها حالبان، وكان أحدهما أرفق بها من الآخر، فكانت تنطح الرافق بها، وتدع الآخر. يضرب للرجل يكافئ المحسن بالإساءة، والمسيء بالإحسان. ومثله قولهم: خير إناءيك تكفئين.
وكذلك قولهم: يحمل شن ويفدى لكيز. وكان المفضل، فيما يحكى عنه، يقول: هما شن ولكيز ابنا أفصى بن عبد قيس، وكانا مع أمهما في سفر وهي ليلى بنت قرآن بن بلي حين نزلت ذا طوى، فلما أرادت الرحيل فدت لكيزاً تفدية، ودعت سناً دعاء ليحملها، فعندها قال شن هذه المقالة، فذهبت مثلاً.
ومنه قول الشاعر:
(1/295)

وإذا تكون عظيمة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب

باب الخطأ في كفران النعمة وسوء الجزاء للمنعم
قال أبو عبيد: من أمثالهم السائرة في هذا قولهم: أسمن كلبك يأكلك.
وكان المفضل يذكر حديثه
قال: كان لرجل من طسم كلب يسقيه اللبن، ويطعمه اللحم، وكان يأمل فيه أن يصيد به، وأن يحرسه، فضرى الكلب على ذلك فجاع يوماً وفقد اللحم، فجاء إلى ربه فوثب عليه حتى قطعه وأكل من لحمه. وإياه عنى طرفة بن العبد بقوله:
ككلب طسم وقد تربيه ... يعله بالحليب في الغلسِ
ظل علية يوماً يقرقره ... إلاّ يلغ في الدماء ينتهس
قال أبو عبيد: ومن هذا المعنى مثلهم في العالم:
أعلمه الرماية كل يومٍ ... فلما اشتد ساعده رماني
(1/296)

وكان أبو زيد يجعل من هذا الباب قولهم: أحشك وتروثني! يخاطب فرسا له. يقول: أعلفك الحشيش وأنت تروث عليَّ قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا قول أكثم بن صيفي: لو سئلت العارية: أين تذهبين؟ لقالت: اكسب أهلي ذماً.
يعني أنهم يحسنون في الإعارة والقروض، ثم يكافئون بالمذمة إذا طلبوها

باب الخطأ في تزيين الكبير بزينة الصغير
قال هشام بن الكلبي: من أمثالهم في هذا قولهم: كبر عمرو عن الطوق.
فاخبرني أبن الكلبي عن أبيه أنَّ صاحب هذا المثل جذيمة الأبرش بن مالك، قال لابن أخته عمرو بن عدي الخمي، وكان له طوق يلبسه في الصغر، فاستهوته الجن دهراً إلى أن وجده مالك وعقيل ابنا فارج من بلقين، وهما ندمانا جذيمة. وقد ذكرنا بعض حديثه في غير هذا الموضع، فأرادت أمه أن تعيد الطوق عليه فقال لها جذيمة: " كبر عمرو عن الطوق " فذهبت مثلاً. قال الأموي: ومن أمثالهم في هذا قولهم: جلت الهاجن عن الولد.
قال أبو عبيد: والهاجن هي الصغيرة، ومنه يقال: اهتجنت الجارية، إذا افترعت قبل الأوان، فقيل في المثل: " جلت الهاجن " وإنّما أرادوا " صغرت " وأنا أحسب هذا من الأضداد، لأنهم يقولون للعظيم: جلل، وللصغير: جلل، ومنه قول امرئ القيس في قتل أبيه: "
(1/297)

ألا كل شيء سواه جلل " أي حقير هين، وأما الجلل للشيء العظيم فمعروف لا يحتاج فيه إلى شاهد ولا شعر.

باب اختلاط الرأي وما فيه من الخطأ والضعف
قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي

العزيمة حزم والاختلاط ضعف.
وقال الأصمعي: ومن أمثالهم في التخليط قولهم: اختلط المرعي منها بالهمل.
قال: واصله أنَّ المرعي هي الإبل التي فيها رعاؤها. والهمل: الإبل المهملة التي لا راعي لها. يضرب مثلاً للقوم يقعون في تخايط من أمرهم، لا يمكنهم أن يعتزما فيه على رأي. قال الأصمعي: ومثله قولهم: اختلط الخاثر بالزباد.
قال: وكذلك قولهم: " اختلط الحابل بالنابل ".
قال الأصمعي: وهذا كقولهم: ما يدري أيخثر أم يذيب.
واصله في الزبد يذاب فيفسد على صاحبه، فلا يدري أيجعله سمنا أم يدعه زبدا. ومنه قول بشر بن أبي حازم:
وكنتم كذات القدر لم تدر إذ غلت ... أتنزلها مذمومة أم تذيبها
قال الأصمعي: ومن أمثالهم:
(1/298)

قد ترهيأ القوم.
وذلك أن يضطرب عليهم الرأي فيقولوا مرة كذا ومرة كذا.

باب الخطأ في سوء التدبير عند إضاعة الشيء لطلب غيره ثم لا يدركه
قال أبو عبيد: من أمثالهم المعلومة في هذا قولهم: لا ماءك أبقيت ولا درنك أنقيت.
قال: واصله أنَّ رجلاً كان في سفر ومعه امرأة، وكانت عاركاً، فحضر طهرها ومعها ماء يسير، فاغتسلت به، ثم لم يكفيها لغسلها وقد أنفذت الماء، فبقيت هي وزوجها عطشانين، فعندها قال لها هذه المقالة.
ومن هذا قولهم: نفع قليل وفضحت نفسي.
ومن أمثالهم في نحو هذا قولهم، وليس هو من هذا بعينه: لا أبوك نشر ولا التراب نفد.
وكان الأحمر يذكر أصل هذا أنَّ رجلاً قال: لو علمت أين قتل أبي لأخذت من تراب موضعه فجعلته على رأسي، فقيل له هذا المقالة، أي إنك لا تدرك بهذا ثأر أبيك، ولا تقدر أن تنفد التراب. ويروى عن عون بن عبد الله بن عتبة، وكان أحد الحكماء، إنّه قال لرجل: " لا تكن مثل من تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن ".
- باب الخطأ في اتهام النصيح قال أبو زَيد: من أمثالهم في هذا قولهم:
(1/299)

تسقط به النصيحة على الظنة.
أي انك تنصحه فيتهمك. قال أبو عبيد: ومثله قولهم: لا يطاع لقصير أمر.
اخبرني أبن الكلبي عن أصل هذا أنَّ قصير بن سعد كان أشار على جذيمة حين خطب الزباء ألا يفعل وذلك إنّه كان قتل أباها، فكانت تطلبه بذحل فلم يقبل منه وتزوجها، ثم صارت إلى قتله، فعندها قال: " لا يطاع لقصير أمر " فذهبت مثلاً. وقال أبو عبيدة: ومن أمثالهم في النصح قولهم: لا تنقر الشوكة بمثلها فإنَّ ضلعها معها.
يقول: لا تستعن في حاجتك بمن هو للمطلوب منه الحاجة أنصح منه لك ومن أمثالهم في التهمة قولهم: عسى الغوير أبوساً.
وقد فسرناه في غريب الحديث. قال الأصمعي وغيره من علمائنا: وإذا اتهم الرجل رجلاً فقيل له: من أين هو؟ قال: من بلاد كذا وكذا فقل له: قد أعرضت القرفة.
معناه أنَّ هذا مطلب عريض، لا يقدر عليه، ولا يحاط به.
(1/300)

باب الخطأ في سوء الرعي
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: أساء رعياً فسقى.
قال: يضرب للرجل لا يحكم الأمر، ثم يريد إصلاحه بسوء التدبير فيزيده فساداً. قال: واصله أن يسيء الراعي رعي الإبل نهاره كله، حتى إذا أراد أن يريحها إلى أهلها كره أن يظهر سوء أثره فيها فيسقيها الماء لتمتلئ منه أجوافها. وقال أبو عبيدة في مثل هذا: رعى فأقصب.
قال: وذلك أنّه أساء رعيها ولم يشبعها من الكلأ فتركت شرب الماء فلم تشرب، لأنها إنما تشرب على علف في أجوافها. يقال من ذلك: بعير قاصب، إذا امتنع من الورد، ورجل مقصب، إذا فعلت إبله ذلك. وقال أبو عبيدة في نحو هذا: أبعد خيرتها تحتفظ! واصله أن يضيع الراعي خيار الإبل وكرائمها، حتى إذا ذهبت احتفظ بحواشيها وخساسها.
قال أبو عبيد: ومن سوء تدبيرها أيضاً فعل هبنقة القيسي، وكان أهله أعطوه إبلاً يرعاها، فجعل يتعهد المنقيات منها، ويستهين بهزلاها، فقيل له: هذه كانت أولى بالرعي، فقال: أكرمت ما أكرم الله منها، وأهنت ما أهان، أي إنَّ ذوات الشحوم هي التي أكرمها الله، وإنَّ العجاف هي التي أهانها الله. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في سوء الرعي قولهم:
(1/301)

شر الرعاء الحطمة.

باب الخطأ في سوء المشورة والرأي
قال أبو عبيدة: من أمثالهم في نحو هذا قولهم: أجناؤها أبناؤها.
قال أبو عبيدة: وأصل ذلك أنَّ ملكاً من ملوك اليمن غزا، وخلف على ملكه بنتاً له، وإنَّ ابنته أحدثت بعده بنياناً قد كان أبوها يكرهه، وإنّما فعلت ذلك برأي قوم من أهل مملكته، أشاروا عليها به، وزينوه عندها، فلما قدم الملك فأخبر بمشورة أولئك ورأيهم أمرهم بأعيانهم أن يهدموه، وقال عند ذلك: " أجناؤها أبناؤها " فذهبت مثلاً.
قال أبو عبيدة: والأجناء هم الجناة، والأبناء هم البناة، والواحد منهم جانٍ وبانٍ، وهذا جمع عزيز في الكلام، أن يجمع فاعل على أفعل، ونظائرة: شاهد وأشهاد، وصاحب وأصحاب. ومعنى المثل أنَّ الذين جنوا على هذه الدار بالهدم هم الذين عمروها بالبنيان. يضرب هذا الرجل يعمل الشيء بغير روية ولا نظر فيتعنى فيه ويكلف، ثم يحتاج إلى نقض ما عمل وإفساده. ومثله قولهم: يعدو على المرء ما يأتمر.
(1/302)

باب الخطأ في رفع الشيء وادخاره عند وقت استعماله والحاجة إليه.
قال أبو زَيد: من أمثالهم في هذا قولهم: لا مخبأ لعطر بعد عروس.
قال: واصله أنَّ رجلاً تزوج امرأة، فهديت إليه فوجدها تفلة فقال لها: فأين الطيب؟ فقالت: خبأته، فعنها قال لها: " لا مخبأ لعطر بعد العرس ". وكان المفضل يعرف الحديث ويقول: عروس هو اسم رجل. والعامة تذهب إلى أنَّ العروس هو المبتني بأهله ليلة عرسه. وهذا المثل يضرب للرجل يدخل الشيء ويرفعه عند وقت الحاجة إليه. ومثله قولهم: لا بقيا للحمية بعد الحرائم.
ويروى عن محكم اليمامة أنّه فيما يحض به قومه يوم مسيلمة " الآن تستحقب الحرائم غير حظيات، وينكحن غير رضيات، فما كان عندكم من حسب فأخرجوه " يقول: لا بقيا لشيء بعد هذا اليوم، أي ينبغي للحر أن يخرج كل حمية له عند الحرمة، ولا يستبقي منها شيئاً.
(1/303)

باب التدبير يصاب فيه مرة ويخطأ مرة
قال أبو عبيدة: من أمثالهم في هذا قولهم: هو يشج مرةً ويأسو أخرى.
أي يفسد أحياناً ويصلح أحياناً، والأسو هو الإصلاح، يقال: أسوت الجرح آسوه أسواً، إذا داويته، قال الشاعر: " يد تشج وأخرى منك تأسوني " قال الأصمعي: ومن هذا قولهم: شخب في الإناء وشخب في الأرض.
واصله في الحلب. وكذلك قولهم: هو يشوب ويروب.
وقد يضرب هذا في النطق أيضاً يتكلم فيه مرة بالخطأ ومرة بالصواب، عن الأصمعي. ويقال في نحوٍ منه: اطرقي وميشي.
قال ذلك الأحمر. وأصل الطرق الضرب، ومنه سميت مطرقة
(1/304)

الصانع وعود النجاد. والميش: خلط الشعر بالصوف، يقال منه: مشت أميش ميشاً.

باب الخطأ في الرجل يبدأ بالمساءة قبل الإحسان أو يعجل الشيء قبل أوانه
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: سبقت درته غراره.
والغرار: قلة اللبن. والدرة: كثرته. يقول: سبقت قلة هذا كثرته، أي سبق شره خيره. وكذلك قولهم: سبق سيله مطره.
فص ومن أمثالهم قولهم: لو شكان ذا إهالةً.
قال: واصله أنَّ رجلاً كانت له نعجة عجفاء لا تنقي، وكان رغامها يسيل من منخريها لهزلها، فقيل له: ما هذا الذي يسيل من منخريها؟ فقال: هذه إهالة فقال السائل: " لو شكان ذا إهالة " قال أبو عبيد: الإهالة: الودك المذاب، فأراد القائل أنَّ ودكها قد عجل سيلانه من قبل أن تذبح الشاة، وقبل أن تمسها النار. يضرب للرجل يخبر بكينونة الأمر قبل وقته.
(1/305)

بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر الأمثال في البخل وصفاته وأشكاله
باب ذكر البخل وما يوصف من أخلاقه
قال الأصمعي وغيره: من أمثالهم في نعت البخل قولهم: ما عنده خل ولا خمر.
أي ما عنده من الخير شيء وقال النمر بن تؤلب العكلي:
هلا سألت بعادياء وبيته ... والخل والخمر التي لم تمنعِ
أراد أنّه كان لا يبخل بشيء مما عنده. قال أبو عبيد: وكذلك قولهم: ما عنده خير ولا مير.
قال أبو عبيدة: ومن أمثالهم في البخل قولهم:
(1/306)

سواء هو والعدم.
وكذلك قولهم: سواء عليك هو والقفر. يقول: إذا نزلت به فكأنك نزلت بالقفار الممحلة. قال أبو عبيد: ومنه قول ذي الرمة في بيت عاب به قوماً إلاّ أنا نكره ذكره. قال الأحمر: وكذلك قولهم: وهل بالرمل أوشال! أي أنّه لا خير عنده كما أنّه لا وشل بالرمال، فإذا رموه بغاية البخل قالوا: ما يبض حجره.
والبض: أدنى ما يكون من السيلان، قال ذلك الأصمعي. ومثله قولهم: ما يندى الرضفة.
قال الأصمعي: وأصل ذلك انهم كانوا إذا أعوزهم أن يجدوا قدراً يطبخون فيها علموا شيئاً كهيئة القدر من جلود، ويجعل فيها الماء واللبن وما أرادوا من ودك، ثم تلقى فيهاالرضفة، وهي الحجارة المحماة، لتنضج ما في ذلك الوعاء، يولون: فليس عند هذا من الخير بقدر ما يندى الرضفة. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في نعت البخيل قولهم: ما تبل إحدى يديه الأخرى.
عن الأصمعي فيما أعلم.
(1/307)

باب صفة البخيل مع السعة والوجد
قال الأصمعي: يقال في ذلك: رُبَّ صلفٍ تحت الراعدة.
قال: والراعدة هي السحابة ذات الرعد، والصلف: قلة النزل والخير، يقول: فهذا على كثرة ما عنده مع المنع كتلك الغمامة التي فيها الماء الكثير والرعد مع صلفها. وقال الأموي في مثله أو نحوه: انك لنكد الحظير.
إذا كان منوعاً لمّا عنده. وجمع النكد أنكاد ونكد، ومنه قول الكميت بن زيد الأسدي:
نزلت به أنف الربي ... على وزابلت نكد الحظائر
قال أبو عبيد: أراه سمى أمواله حظيرة لأنها قد حظرها عنده ومنعها، فهي حظيرة، في معنى محظورة، كما قال: حبيبة، في معنى محبوبة، وربيطة، في معنى مربوطة. ومثله كثير في كلامهم بالهاء وبغير الهاء.

باب البخيل يمنع ماله ويأمر غيره بالبخل.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: الحر يعطي والعبد يألم قلبه.
أي أنّه ليس يجود، ويشق عليه جود غيره. قال أبو عبيد: ومثل العامة في هذا: يمنع دره ودر غيره.
وأصل الدر: اللبن، ثم يجعل مثلا في كل نيل.
(1/308)

باب البخيل يعطى على الرهبة من غير جود ولا كرم
قال أبو زيد: يقال: من أمثالهم في هذا: رهباك خير من رغباك.
يقول: فرقه منك خير لك من محبة لك: وأحرى أنَّ يعطيك عليه. قال: ومثل العامة في قولهم: رب فرقٍ خير من حب.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الإعطاء على المخافة قولهم: الطعن يظار يقول: إذا خافك أنَّ تطعنه فتقتله عطفه ذلك عليك فجاد بماله حينئذ للخوف، وإذا أعطى البخيل شيئاً مخافة ما هو أشد منه قالوا: قد يضرط العير والمكواة في النار.
وهذا المثل يروى عن عمرو بن العاص أنّه قاله في فلان.

باب البخيل يعتل بالإعسار وقد كان في اليسار مانعاً
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم:، -
(1/309)

قبل البكاء كان وجهك عابساً.
ومثله: قبل النفاس كانت مصفرة.
واصله المرأة تكون ذات صفرة في خلقها. فتعتل في صفرتها بالنفاس، والرجل تكون خلقته كلوح الوجه وعبوسه، فيعتل بذلك عند البكاء، فيقال لهما قد كنتما هكذا قبل الحوادث، فكذلك ذو البخل يعتل بالإعدام وقد كان في السعة والخصب باخلا.

باب ما يؤمر به من الإلحاح في سؤال البخيل وإنَّ كرهه.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: اعصبه عصب السلمة.
قال: وهو شجر يقال له السلم، فإذا أرادوا قطعه عصبوا أغصانه عصبا شديداً حتى يصلوا إلى أصله فيقطعوه. يقول: فكذلك فافعل بالممسك لماله في الإلحاح والتضيق عليه حتى يستخرج منه وإنَّ كان كارهاً. وقد روى في المثل عن الحجاج بن يوسف في خطبته لأهل العراق فيما يتوعدهم به من الشدة " لأعصبنكم عصب المسلمة " إلاّ أنَّ الحجاج لم يرد استخراج المال، إنّما أراد أخذهم بالغزو ولزوم الطاعة. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الشدة على البخيل: إنَّ ضج فزده وقراً.
وكذلك إنَّ جرجر فزده ثقلاً. ومثله إنَّ أعيا فزده نوطاً. كل هذا عن الأصمعي. وقال أبو عبيدة في نحو منه:
(1/310)

دقك بالنمحاز حب الفلفل.
وقد يوضع هذا المثل أيضاً في الإذلال للقوم، والحمل عليهم.

باب الاغتنام لأخذ الشيء من البخيل وإن كان نزراً
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: خذ من الرضفة ما عليها.
يقول: إنَّ تركك ذلك لا يتفع. فخذه وإن كان رماداً أو جمراً، فكذلك البخيل اغتنم ما وجدت منه، ولا تدعه له. قال أبو عبيد: وأما قولهم: خذ من جذع ما أعطاك.
فإنَّ أكثر الناس يحمله على هذا المعنى من الاغتنام لأخذ الشيء أيضاً وكان المفضل يذهب به إلى غير ذلك ويقول: كان من حديثه أنَّ غسان كانت تؤدي إلى ملوك المسيح دينارين كل سنة من كل رجل، وكان الذي يلي ذلك سبطة بن المنذر السليحي، فجاء سبطة إلى جذع بن عمرو الغساني يسأله الدينارين، فدخل جذع منزله، ثم خرج متشملاً على سيفه، فضرب به سبطة حتى سكت، ثم قال: " خذ من جذع ما أعطاك " فذهبت مثلاً، وامتنعت غسان من الدينارين بعد ذلك

باب استخراج الشيء من البخيل أحياناً على بخله
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: إنَّ الضجور قد تحلب العلبة.
أي إنَّ هذا وإن كان منوعاً فقد ينال منه الشيء
(1/311)

بعد الشيء كما أنَّ الناقة الضجور قد يصاب من لبنها.
وقال أبو عبيدة في نحو هذا: مع الخواطي سهم صائب.
قال أبو عبيد: ومثل العامة في هذا: رُبَّ رميةٍ من غير رامٍ

باب الاضطرار إلى مسألة البخيل وانتظار ما عنده
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: شر ما أجاءك إلى مخة عرقوب قال: وذلك أنَّ العرقوب لا مخ فيه، فليس يحتاج إليه إلاّ من لا يقدر على شيء قال أبو عبيد: قد يضرب هذا المثل لكل مضطر إلى ما لا خير فيه، ولا يقع عنه موقعاً مثل بخيلٍ تسأله، أو طعام سوء تأكله، وما أشبه هذا المعنى. ويقال في نحو منه، وليس هو بعينه: الذئب يغبط بذي بطنه.
قال أبو عبيد: وذلك أنّه ليس يظن به أبداً الجوع، إنّما يظن به أبداً البطنة لعدوه على الناس والماشية، وربما كان مجهوداً من الجوع، وقال الشاعر:
من يسكن البحرين يعظم طحاله ... ويغبط بما في بطنه وهو جائعُ
(1/312)

ومن أمثالهم في البخيل واجتناب الناس غياه قولهم: من شر ما ألقاك أهلك.
يقول: لو كان عندك خير ما تحاملك الناس

باب البخيل يمنع الناس ماله وهو جواد به على نفسه
قال أبو عبيد: من أمثالهم في نحو هذا: يا مهدي المال كل ما أهديت.
يقول: إنّما تهدي إلى نفسك، فلا تمنن على الناس به. قال أبو عبيد: ومثله قولهم: سمنكم هريق في أديمكم.
أي ما لكم ينفق عليكم. ومثله قولهم: أيها الممتن على نفسك فليكن المن.
فإنَّ لم يكن هناك امتنان، ولكنه يجود بماله لنفسه، ويبخل به على غيره فمثلهم فيه قول الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيها ... واجلس فأنت لعمري طاعم كاسِ
أي انك قد رضيت من طلب المجد بأن يطيب طعامك، وتحسن كسوتك، وكذلك قول الآخر:
إني وجدت من المكارم حسبكم ... أن تلبسوا حر الثياب وتشبعوا
(1/313)

وإذا تذوكرت المكارم مرةً ... في مجل أنتم به فتقنعوا

باب موت البخيل وماله وافر لم يعط منه شيئاً
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: مات فلان ببطنته لم يتغضغض منها شيء.
والتغضغض: النقصان، وهذا المثل لعمرو بن العاص، قاله في بعضهم. ويقال في مثله: مات فلان وهو عريض البطان.
يقول: إنَّ ماله جم لم يذهب منه شيء وقد يضرب هذا المثل في أمر الدين، يقول: انك خرجت من الدنيا سليماً لم تثلم دينك، ولم يكلمه. ولعل عمرو بن العاص أراد هذا المعنى حين قال هذه المقولة لعبد الرحمن بن عوف: هنيئاً لك أبن عوف خرجت من الدنيا ببطنتك.

باب إعطاء البخيل مرةً في الدهر الطويل وزهد الناس في البخيل
قال أبو زَيد: من أمثالهم في هذا: إنّما هو كبارح الأروى.
يضرب للرجل الذي لا يكاد يرى، أو لا يكون منه الشيء إلاّ في الزمان مرةً. وأصل هذا أنَّ الأروى مسكنها من الجبال قنانها، فلا يكاد الناس يرونها سانحة ولا بارحة إلاّ في الدهر مرة. ومن أمثالهم في البخيل يتحاماه الناس:
(1/314)

من شر ما طرحك أهلك يقول: لو كان عندك خير ما زهد الناس فيك. ومن أمثالهم في البخيل يعطي مرة ثم لا يعود قولهم: كانت بيضة الديك.
فإن كان يعطي شيئاً ثم قطعه قيل للمرة الآخرة: كانت بيضة العقر.
(1/315)

بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر الأمثال في صنوف الجبن وأنواعه
باب ذكر المثل في الجبان وما يذم من أخلاقه
قال هشام بن الكلبي: من أمثالهم في الجبن: إنَّ الجبان حتفه من فوقه.
قال أبن الكلبي: وأوّل من قاله عمرو بن أمامة في شعر له، وكانت مراد قتلته فقال هذا الشعر عند ذلك ويحكى عن المفضل أنه كان يخبر بحديثه أيضاً وزاد فيه قال: وكان الذي ولي قتله أبن الجعيد، فغزاهم عمرو بن هند طالباً بثأر أخيه فظفر بهم، وأتي بابن الجعيد، فلما رآه قال: بسلاح ما يقتلن القتيل.
فأرسلها مثلاً. قال أبو عبيد: وأما قول عمرو بن أمامة " إنَّ الجبان حتفه من فوقه " فإنَّ أوّله:
لقد وجدت الموت قبل ذوقه ... إنَّ الجبان حتفه من فوقه
(1/316)

احسبه أراد أنَّ حذره وجبنه ليس بدافع عنه المنية إذا نزل به قدر الله. قال أبو عبيد: وهذا شبيه المعنى بالذي يحدث به عن خالد بن الوليد، فانه قال عند موته: " لقد لقيت كذا وكذا زحفاً وما في جسدي موضع شبر إلاّ وفيه ضربة أو طعنة أو رمية، ثم هاأنذا أموت حتف أنفي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء " قال أبو عبيد: يقول: فما لهم يجبنون عن القتال ولم أمت أنا به، إنّما أموت بأجلي. ومنه الشعر الذي تمثل به سعد بن معاذ يوم الخندق:
لبث قليلاً يلحق الهيجا حمل ... ما أحسن الموت إذا حان الأجل
وكذلك قول الأعشى:
أبالموت خشتني عباد وإنّما ... رأيت منايا الناس يسعى دليلها
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في عيب الجبان قولهم: كل أزب نفور.
أخبرني بعضهم أنَّ المثل لزهير بن جذيمة العبسي، وذلك أنَّ خالد بن جعفر بن كلاب كان يطلبه بذحلٍ، فكان زهير يوماً في إبل له يهنوها ومعه أخوه أسيد بن جذيمة فرأى اسيد خالد بن جعفر قد أقبل ومعه أصحابه، فأخبر زهيراً بمكانهم، فقال له زهير: " كأنَّ أزب نفور " وإنّما قال له هذا لأنَّ أسيداً كان أشعر، فقال: إنّما يكون نفار الأزب من الإبل لكثرة شعره، يكون ذلك على عينيه، فكلما رآه ظن أنه شخص يطلبه فينفر من أجله. ومن أمثالهم في الجبن قولهم:
(1/317)

عصا الجبان أطول.
قال أبو عبيد: واحسبه إنّما يفعل هذا لأنّه من فشله يرى أنَّ طولها أشد ترهيباً لعدوه من قصرها. وقد عاب خالد بن الوليد من الإفراط في الاحتراس نحو هذا وذلك يوم اليمامة، لمّا دنا منها خرج إليه أهلها من بني حنيفة، فرآهم خالد قد جردوا السيوف قبل الدنو، فقال لأصحابه: " ابشروا فإنَّ هذا فشل منهم " فسمعها مجاعة بن مرة الحنفي، وكان موثقاً في حبسه فقال: كلا أيها الأمير، ولكنها الهندوانية، وهذه غداة باردة، فخشوا تحمها، فأخرجوها للشمس لتلين متونها، فلما تدنى القوم قالوا له: إنا نعتذر إليك يا خالد من تجريد سيوفنا، ثم ذكروا مثل كلام مجاعة.

باب فرار الجبان وخضوعه واستكانته
قال أبو زَيد: من أمثالهم في هذا قولهم: روغي جعار وانظري أين المفر.
قال: وجعار هي الضبع.
قال الأصمعي: ومنه قولهم: بصبص إذ حدين بالأذناب.
قال: وكذلك قولهم: دردب لمّا عضه الثقاف.
وكذلك قولهم:
(1/318)

ودق العير إلى الماء.
كل هذه الثلاثة عن الأصمعي. وقال أبو عبيد في مثل هذا: كرهت الخنازير الحميم الموغر.
قال: واصله أنَّ النصراني يغلي الماء للخنازير فيلقيها فيه لتنضج، فذلك هو الإغار. قال أبو عبيد: ومنه قال الشاعر:
ولق رأيت فوارساً من قومنا ... غنظوك غنظ جرادة العيارِ
ولق رأيت مكانهم فكرهتهم ... ككراهة الخنزير للإغارِ
قال: والغنظ أن يبلغ الركب منه مبلغا يشرف منه على الموت.
قال أبو عبيد: ومثله: حال الجريض دون القريض.
ز هذا المثل لعبيد بن الأبرص، قاله للمنذر حين أراد قتله، فقال له: أنشدني قولك: " أقفر من أهله ملحوب " فقال غبيد عند ذلك: " حال الجريض دون القريض " والجريض هو الغصص قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الجبان يشتد فزعه:
(1/319)

قد اقشعرت منه تاذوائب.
وبعضهم يقول: " الدوائر " ويقال: قد قف منه شعره.
إذا قام من الفزع. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا: قد كاد يشرق بالريق إذا لم يقدر على الكلام من الرعب والهيبة.

باب إفلات الجبان وغيره من الكرب بعد الإشفاء عليه
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: أفلت وانحص الذنب.
ويروى هذا المثل عن معاوية أنّه أرسل رجلاً من غسان الذي ملك الروم، وجعل له ثلاث ديات على أن ينادى بالأذان إذا دخل عليه، ففعل ذلك الغساني وعند ملك الروم بطاريقته، فوثبوا إليه ليقتلوه، فنهاهم ملكهم وقال: كنت أظن لكم عقولا، إنما أراد معاوية أن اقتل هذا غدراً وهو رسول، فيفعل مثل ذلك بكل مستأمن منا، ويهدم كل كنيسة عنده، فجهزوه وأكرموه وردوه، فلما رآه معاوية قال له: " أفلت وانحص الذنب " فقال: كلا، أنّه لبهلبه، ثم حدثه بالحديث فقال معاوية: لقد أصاب، ما أردت إلاّ الذي قال. ومن أمثالهم في هذا: أفلت وله حصاص.
وهو الذي يروى في الحديث " أنَّ الشيطان إذا سمع الأذان أدبر وله حصاص " وقد فسرناه في غريب الحديث. وقال أبو زَيد: ومن هذا قولهم:
(1/320)

أفلتني جريعة الذقن.
إذا كان منه قريباً كقرب الجرعة من الذقن، ثم أفته قال الأصمعي: وإذا أرادوا أنه نفر فلم يعد قالوا: ضرب في جهازه.
قال: واصله في البعير يسقط عن ظهره القتت بأداته فيقع بين قوائمه فينفر منه حتى يذهب في الأرض

باب الجبان يتوعد صاحبه بالإقدام عليه ثم لا يفعل
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: الصدق ينبي عنك لا الوعيد.
يقول: إنَّ صدقك في الأمور واللقاء هو الذي يدفع عنك عدوك، لا المقال من غير فعل. قال: وقوله: " ينبي " ليس بمهموز، لأنّه من: نبا الشيء ينبو، وقد أنبيته عني، دفهته. قال الأصمعي: ومثله قولهم: أسمع جعجعة ولا أرى طحناً.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم المشهورة قولهم: أوسعتهم سباً وأودوا بالإبل.
أي ليس على عدوك منك ضرر أكثر من الوعيد بلا حقيقة. وهذا المثل فيما يقال لكعب بن زهير، قاله لأبيه، وكانت بنو أسد أغارت على إبله،
(1/321)

فهجاهم وتوعدهم. ومن هذا قولهم: محا السيف ما قال أبن دارة أجمعا.
قال أبو عبيد: وهو سالم بن دارة من بني عبد الله أبن غطفان، وكان هجا بعض بني فزارة ففتك به بعضهم، فضربه بسيفه فقتله، فقيل فيه هذا المثل يقول: إنَّ الحقيقة إنّما هي بالفعل لا بالقول. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا قولهم: حلبت حلبتها ثم أقلعت.
يضرب للرجل يجلب ويصخب ساعة ثم يسكت من غير أن يكون منه في ذلك أكثر من القول. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في توعد الرجل صاحبه وهو عيف أن يقال له: لا تبق إلاّ على نفسك.
يقول: اجهد جهدك. قال أبو عبيد: والعامة تقول في مثل هذا: لا أبقى الله عليك إن أبقيت.
(1/322)

باب تخويف الجبان وإجابته عند أعاده
قال الأصمعي: من أمثالهم في تخويف الرجل صاحبه وتوعده وهو يعرفه بغير ذلك قولهم: برقي لمن لا يعرفك. وقال أبو زَيد مثله إلاّ أنه قاله بالتذكير " برق لمن لا يعرفك " وقال أبو عبيد: وإذا أرادوا أن يأمروا بالتبريق قيل: خش ذؤالة بالحبالة.
قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا قولهم: جاءنا ينفض مرويه.
أي يتوعد ويتهدد. قال أبو عبيد: وهذا المثل يروى عن الحسن البصري، قال في بعض أولئك الذين كانوا يطلبون الملك والمذروان: فرغا الأليتين، ولا يكاد يقال هذا إلاّ لمن يتههد من غير حقيقة. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في نحو هذا قولهم: اقصد بذرعك.
ومنها قولهم: ارق على ظلعك.
(1/323)

باب كشف الكرب عند المخاوف عن الجبان
قال أبو عبيد: من أمثالهم المنتشرة في الناس قولهم: أفرخ روعك.
يقول: ليذهب روعك وفزعك، فإنَّ الأمر ليس على ما تحاذر. وهذا المثل لمعاوية، كتب به إلى زياد وذلك أنه كان على البصرة، وكان المغيرة بن شعبة على الكوفة فتوفي بها، فخاف زياد أن يولي معاوية مكانه عبد الله بن عامر، وكان زياد لذلك كارهاً فكتب إلى معاوية يخبره بوفاة المغيرة، ويشير عليه بولاية الضحاك بن قيس مكانه، ففطن له معاوية، وعلم ما أراد فكتب إليه: " قد فهمت كتابك فأفرخ روعك أبا المغيرة، لسنا نستعمل أبن عامر على الكوفة، وقد ضممناها إليك مع البصرة " فلما ورد على زياد كتابه قال: النبع يقرع بعضه بعضاً.
فذهبت كلماتهما مثلين وكان زياد يكنى أبا
(1/324)

المغيرة.

باب الرضا بالحاضر ونسيان الغائب
قال أبو عبيد: من أمثالهم السائرة في هذا قولهم: إن ذهب عير فعير في الرباط.
وهذا مثل لأهل الشام ليس يكاد يتكلم به غيرهم. ومثله قولهم: عير بعير وزيادة عشرة.
وكان اصل هذا أنَّ خلفاءهم كلما مات منهم واحد وقام آخر زادهم عشرة في أعطياتهم، فكانوا يقولون هذا عند ذلك ويقال في نحو منه: رأس برأس وزيادة خمسمائة.
وأوّل من تكلم به فيما يقال الفرزدق وذلك في بعض الحروب وكان صاحب الجيش قد قال: من جاء برأس فله خمسمائة درهم، فبرز رجل فقتل رجلاً من العدو، فأعطي خمسمائة درهم، ثم برز الثاني فقتل، فبكى أهله عليه، فقال الفرزدق: أما ترضون أن يكون رأس برأس وزيادة خمسمائة درهم، يقول: قد ذهب رأس هذا برأس المقتول وازداد ورثته خمسمائة درهم. ومن أمثالهم في الغائب قولهم: من غاب غاب، حظه.
(1/325)

بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر الأمثال في مرازي الدهر وحدثانه
باب المثل في الأقدار والنوازل التي لا يمتنع منها
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: إذا الحين غطى العين.
قال أبو عبيد: وقد يروى نحو هذا اللفظ عن أبن عباس، وذلك أنَّ نجدة الحروري أو نافع بن الزرق قال له: إنك يقول: إنَّ الهدهد إذا نقر الأرض عرف مسافة ما بينه وبين الماء، وهو لا يبصر شعيرة الفخ حتى يصاد بها. وكان أبن عباس ذكر هذا في حديث سليمان بن داود عليه السلام فقال له أبن عباس: إذا جاء القدر عشي البصر.
ومنه حديث آخر
(1/326)

لا ينفع حذر من قدر.
وكذلك المثل الذي لأكثم بن صيفي

من مأمنه يوتى الحذر.
يقول: إنَّ الحذر لا يدفع عنك ما لا بد منه وإن جهدت. وقوله: قد يوتى على يدي الحريص.
ومنه قولهم: استمسك فإنك معدو بك.
أي إنَّ المقادير تسوقك إليه. ومنه قول الحسن: " من كان الليل والنهار مطيته فانه يسار به وإن كان مقيماً " وقال شريح في الذين فروا من الطاعون: " إنا وإياهم من طالبٍ لقريبٌ " قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا: كيف توقى ظهر ما أنت راكبه! أي كيف تنجو مما أنت داخل فيه. وقال أوس بن حارثة لابنه مالك: إنّما تعز من ترى ويعزك من لا ترى.
(1/327)

باب الحين بجتليه القدر على الإنسان بسعيه فيه
قال أبو عبيد: من أمثالهم المشهورة في هذا قولهم: أتتك بحائنٍ رجلاه.
وكان المفضل يخبر عن قائل هذا المثل أنه الحارث بن جبلة الغساني، قاله للحارث بن العيف العبدي، وكان أبن العيف قد هجاه فلما غزا المنذر بن ماء السماء الحارث بن جبلة، ة يقال: هو الحارث، فعندها قال: " أتتك بحائنٍ رحلاه " يعني مسيره مع المنذر إليه ثم أمر الحارث سيافه الدلامص فضربه ضربة دقت منكبه، ثم برأ منها وبه خبل. قال أبن الكلبي: ومن أمثالهم في مثله: إنَّ الشقي راكب البراجم.
قال أبن الكلبي وهذا المثل لعمرو بن هند الملك، وكان سببه أنَّ سويد بن ربيعة التميمي قتل أخاً له، ثم هرب، فقتل أبن هندٍ تسعةً من ولده، وأقسم ليقتلن مائة من بني تميم، فبلغ ثمانية وتسعين أحرقهم بالنار، ثم أقبل رجل من البراجم حين رأى الخان ساطعاً، وهو يحسبه لطعام يعمل، فلما دنا قال له أبن هند: ممن أنت؟ قال: من البراجم، فقال: " إنَّ الشقي راكب البراجم " فذهبت مثلاً، وألقاه في النار. قال: ثم تحلل
(1/328)

أبن هند من يمينه بالحمراء بنت ضمرة تمام المائة. ومن هذا قولهم: كالنازي بين القرينين.
واصله في الإبل، وذلك أن يترك البكر مخلى سبيله، فيأخذ في النزوان والأذى للناس حتى يوثق في القران، ومنه قول أبن مقبل:
فلا تكونن كالنازي ببطنته ... بين القرينين حتى ظل مقرونا
قال أبو عبيد: ومثل العامة في هذا قولهم: نزت به البطنة قال الأصمعي: ومنه قولهم: لا تكن كالباحث عن المدية ومثله قولهم: " حتفها تحمل ضأن بأظلافها " وهذا المثل لحريث بن حسان الشيباني، تمثل به بين يدي النبي) لقيلة التميمية، وكان حريث حملها إلى النبي) فسأله إقطاع الدهناء، ففعل ذلك رسول الله) فتكلمت فيه قيلة، فعندها قال حريث تلك المقالة، فذهبت مثلاً. ومن أمثالهم في هذا قولهم:
(1/329)

لا تكن كالعنز تبحث عن المدية.
ولا أدري ممن سمعته.

باب الشماتة بالجاني على نفسه الحين
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: احسن فذق.
يقول: قد كنت تنهي عن هذا فأنت جنيته على نفسك، فأحسنه وذقه. قال: ومنه قولهم: أشئت عقيل إلى عقلك.
أي لمّا ألجئت إلى رأيك جلب عليك ما تكره. وأنشد الزبير:
وإني قد يشاء إليَّ يوماً ... فلا أنسى البلاء ولا أضيعُ
يشاء: يضطر ويلجأ إلى، قال أبو عبيد: ويقال في مثله:
(1/330)

يداك أوكتا وفوك نفخ.
وكان المفضل يخبر عن أصل هذا أنَّ رجلاً كان في بعض جزائر البحر، فأراد أن يعبر على زق وقد نفخ فيه فلم يحسن إحكامه، حتى إذا توسط البحر خرجت منه الريح فغرق، فلما غشيه الموت استغاث رجلاً فقال له الرجل " يداك أوكتا وفوك نفخ " يقول: أنت فعلت هذا بنفسك. ومنه قولهم: لا يحزنك دمٌ أراقه أهله.
وكان المفضل أيضاً يخبر بقصة هذا المثل قال: هو لجذيمة الأبرش حين تزوج الزباء وصار إليها، فقطعت رواشيه، فعندها قال: " لا يحزنك دم أراقه أهله " أي أنا جنيت هذا على نفسي. ومنه قولهم في: يسار الكواعب وكان من حديثه أنّه كان عبداً لبعض العرب، ولمولاه بنات، فيجعل يتعرض لهن ويريدهن عن أنفسهن، فقلن له: يا يسار، اشرب من ألبان هذه اللقاح، ونم في ظلال هذه الخيام، ولا تتعرض لبنات الأجواد، فأبى فلما أكثر عليهن واعدنه ليلاً، فأتاهن وقد أعددن له موسى، فلما خلا بهن قبضن عليه فجببن مذاكيره، فصار مثلاً لكل من جنى على نفسه، وتعدى طوره، وفيه يقول الفرزدق لجرير:
فهل أنت أن ماتت أتانك راكب ... إلى آل بسطام بن قيس بخاطبِ
وإني لأخشى إن خطبت إليهم ... عليك الذي لاقى يسار الكواعبِ
(1/331)

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الشماتة بمن لا يقبل النصيحة قول دريد بن الصمة:
أمرتهم أمري بمنقطع اللوى ... وهل يستبان الرشد إلاّ ضحى الغدِ

باب الحين والشؤم يجتلبه الإنسان أو غيره على من سواه
قال الأصمعي: من أمثالهم في الشؤم والحين قولهم: كانت عليهم كراغية البكر.
يعني بكر ثمود حين رماه صاحبهم، فرغا عند الرمية، فأنزل الله بهم سخطه عند قتل الناقة وبكرها، قال النابغة الجعدي لرجل من الأشعرين:
رأيت البكر بكر بني ثمود ... وأنت أراك بكر الأشعرينا
وكذلك عاقر الناقة نفسه صار مثلاً في الشؤم عند العرب، ومنه قول زهير بن أبي سلمى:
فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عادٍ ثم ترضع فتفطمِ
أراد " أحمر ثمود " فلم يمكنه الشعر، فقال: " عاد " قال: وقد قال بعض النساب: إنَّ ثموداً من عاد. وقال أبو عبيد: ومن أمثالهم في جلب الشؤم والحين قولهم:
(1/332)

على أهلها دلت براقش قال: وبراقش: اسم كلبة نبحت على جيش مروا ولم يشعروا بالحي الذي فيهم الكلبة، فلما سمعوا نباحها علموا أنَّ أهلها هناك، فعطفوا عليهم واسنباحوهم، فذهبت مثلاً. وقال مورج: ومن هذا قولهم: عير عاره وتده.
قوله: " عاره " أهلكه، كما يقال: لا أدري أي الجراد عاره.
أي ذهب به، وأتلفه. ويقال في مثله: كلب عاره ظفره.

باب دول الدهر الجالبة للمحبوب والمكروه
قال أبو زَيد: من هذا قولهم: مرة عيش ومرة جيش.
يقول: أحياناً شدة وأحياناً رخاء. واصله أن يكون الرجل مرة في عيش رخي، ومرة في جيش غزاة. وقال الأصمعي في مثله: اليوم خمر وغداً أمر.
وكان المفضل يعرف هذا المثل ويذكر أنّه لامرئ القيس
(1/333)

أبن حجر الكندي، قال: وذلك أنه بلغه مقتل أبيه وهو يشرب، فعندها قال: " اليوم خمر وغداً أمر " فذهبت مثلاً. ويقال في نحو منه: يا حبذا التراث لولا الذلة.
قال ذلك الأصمعي. قال أبو عبيد: وكان المفضل يسمي قائله، قال: وهو لبيهس المعروف بنعامة حين قتل أخوته فورثهم، ففرح بالميراث وساءه قتلهم، لمّا في القلة من الذل والمهانة، فاجتمع فيه أمران من المسرة والمساءة. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في دول الدهر قولهم: من يُرِ يوماً ير به.
وبعضهم يقول: " من يَرَ يوماً ير به " ومن دول الدهر قول الأعشى:
شباب وشيب وافتقار وثروة ... فلله هذا الدهر كيف ترددا
ومن أمثالهم في دول الدهر قولهم: إن تعش يوماً تر ما لم تره.
(1/334)

باب حؤول الدهر وتنقله بأهله
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: كل امرئ سيعود مريئاً.
يعني تصيبه قوارع الدهر فتضعضعه، أو يموت فهو أكبر وأشد. ومن أمثالهم في هذا قولهم: كل ضب عنده مرداته.
والمرداة: الحجر الذي يرمى به، يقال: رديت الرجل، أرديته، ومعناه أن يقال: لا تأمن الحدثان والغير فإنَّ الآفات معدة مع كل أحد. ويقال: إنَّ الضب قليل الهداية، فلا يتخذ حجره إلاّ عند حجر يكون علامة له إذا خرج من حجره، فقال: " كل ضب عنده مرداته ". قال أبو عبيد: وهذا سوى التفسير الأول. قال الأصمعي: ومن أمثالهم قولهم: جاءت جنادعه.
أي حوادث الدهر وأوائل شره. قال أبو عبيد: ومنه في أمثال أكثم بن صيفي قوله: كل ذات بعل ستئيم.
ومنه ول الأول:
أفاطم إني هالك فتبيني ... ولا تجزعي كل النساء يئيمُ
قال أبو عبيد: ومثال هذا قولهم:
(1/335)

أتى أبد على لبد.
يعني نسر لقمان السابع، وفيه يقول النابغة الذبياني:
أضحت خلاء وأضحى أهلها احتملوا ... أخنى عليها الذي أخنى على لبدِ
وقد ذكره لبيد في شعره أيضاً. وقال الأصمعي: ومن هذا قولهم: من يجتمع يتقعقع عمده.
أي إنَّ قصاراهم التفرق يعني تقعقع أخبيتهم للتفرق والرحلة قال أبو عبيد: ومن هذا بيتهم السائر:
وكل أخٍ مفارقه ... لعمر أبيك إلاّ الفرقدانِ
قال الأصمعي: من أمثالهم في نحوه: انقطع السلى في البطن.
أي فات الأمر وانقضى. وكذلك: انقطع قوي من قاويةٍ.
قال أبو عبيد: ومن أمثال أكثم بن صيفي:
(1/336)

لم يفت من لم يمت.
يقول: من مات فهو الفئت. قال الأصمعي: ومن أمثالهم: لو كان ذا حيلة تحول.
يعني: عن الأمر الذي هو فيه. والعامة تقول في مثل هذا: أين يضع المخنوق يده.
قال: ومن أمثالهم في الذي ينزل به الأمر الشديد الذي يحتاج إلى أن ينصف فيه ويتعنى: إحدى لياليك فهيسي هيسي.
قال: ومن أمثالهم في حؤول الدهر قولهم:
(1/337)

يريك يوم برأيه.
قال: يراد به أنَّ كل يوم يظهر لك ما ينبغي أن ترى فيه. ومنه قولهم: عش رجباً ترى عجباً.
ومن الشدائد قولهم: رأى فلان الكواكب مظهراً.
أي أظلم عليه يومه حتى أبصر الكواكب عند الظهر.
- باب اصطلام الدهر الناس بالجوائح للأموال قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم:
(1/338)

تركته على مثل مقلع الصمغة قال: ومعناه أنّه لم يبق له شيء لأنَّ الصمغ إذا قلع من شجرة لم يبق له علقة ولا أثر. قال: ومثله قولهم: تركته على مثل ليلة الصدر.
قال: يعني صدر الناس من حجهم. قال: وكذلك قولهم: تركته على أنقى من الراحة.
كل هذا عن الاصمعي، على أنَّ المثل الأخير مبتذل في الناس. وقال أبو عبيد: فإذا كثر عليه ذلك وطال حتى يمرن عليه ويبسأ به قيل: أساف حتى ما يشتكي السوف والسوف: ذهاب المال واجتياحه، يقول: قد اعتاده حتى ليس يجزع منه.

باب هلاك القوم بالحوادث في الأبدان
قال الأصمعي: من أمثالهم في الهلاك قولهم:
وقع القوم في وادي جذباتٍ قال: وقد يقال ذلك فيهم إذا جاروا عن القصد. قال الكسائي: ويقال:
(1/339)

وقع القوم في وادي تضلل وفي وادي تهلك، وفي وادي تخيب.
كله مثل المعنى الأول. قال الأصمعي: ومنه قولهم: أخذوا طريق العيصين.
وقال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الهلاك قولهم: طارت بهم العنقاء. وأودت بهم عقاب ملاع.
يقال ذلك في الواحد
(1/340)

وفي الجميع. قال: ومن أمثالهم في الهلاك والخوف الشديد قولهم: المنايا على الحوايا.
وقال أبو عبيد: يقال: إنَّ " الحوايا " في هذا الموضع مراكب، واحدتها حوية، وأحسب أنَّ اصلها كان أنَّ قوماً قتلوا فحملوا على الحوايا، فصارت مثلاً. ويقال: إنَّ هذا المثل لعبيد بن الأبرص قاله للمنذر أو النعمان بن المنذر حين قتله، وعندها قال حين استنشده: " حال الجريض دون القريض " قال: وهذا مثل قولهم في الدهيم، فجعلتها العرب مثلاً في البلايا العظام. وقد روي هذا المثل عن حذيفة حين ذكر الفتن فقال: " أتتكم الديم ترمي بالنشب، والتي بعدها ترمى بالرضف " وفي حديث آخر عن حذيفة " الدهيماء " وفي بعضه " الرقطاء "
(1/341)

و" المظلمة " قال أبو عبيد: وهذه كلها أمثال وتشبيه.

باب بلوغ الشدة ومنتهى غايتها في الجهد
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: عدا القارص فحزر.
أي تفاقم الأمر واشتد. قال: واصله في اللبن يقرص ثم يحزر. قال: ومثله قولهم: هذا أجل من الحرش.
قال: واصله احتراش الضباب. وقال: وأظن أبا عبيدة قد قاله لي أيضاً. ومن أمثالهم في الشدة: القوم في أمر لا ينادى وليده.
أي بلغ من الجهد أن يذهل المرأة عن صبيها أن تدعوه. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا قولهم:
(1/342)

وقع القوم في سلى جمل.
يقول: في شيء لا مثل له، لأنَّ السلى إنما يكون للناقة ولا يكون للجمل. وقال أبو عمرو الشيباني: من أمثالهم في منتهى الشدة قولهم: قد بلغ السيل الزبى قال: واصله الزبية التي تجعل للصائد، ولا تحفر إلاّ في نجوة لئلا ينالها السيل فإذا بلغ السيل دخولها فهو مجحف. وقال الأصمعي في مثله أيضاً: قد جاوز الحزام الطين وكذلك التقى البطان والحقب، وكذلك التقت حلقتا البطان.
قال: واصل ذلك أن الفارس النجاة من طلب يتبعه. فيبلغ من مخافته أن يضطرب حزام دابته حتى يبلغ طبييها، ولا يمكنه أن ينزل فيشده. وقد روينا هذين المثلين عن عثمان بن عفان أنّه كتب بهما إلى علي بن أبي طالب، وكان غائبا وعثمان محصوراً " أما بعد فقد بلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطبيين " في كلام قد ذكرناه في غريب الحديث. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الأمر الذي قد انتهى فساده قولهم: كدابغةٍ وقد حلم الأديم.
وذلك أنَّ الجلد إذا صار إلى الحلم فليس بعده
(1/343)

صلاح. وهذا المثل يروى عن الوليد بن عقبة أنّه قاله لمعاوية:
فإنكو الكتاب إلى علي ... كدابغة وقد حلم الأديم
وكان المفضل، فيما بلغنا عنه، يخبر أنَّ المثل لخالد بن معاوية أحد بني عبد شمس بن سعد قال:
قد علمت أحسابنا تميم ... في الحرب حين حلم الأديم
ومن أمثالهم في بلوغ الجهد قولهم: قد أخذ منه بالمخنق.
و" قد بلغ منه المخنق " قال: ومن أمثال العامة في هذا قولهم: قد بلغ السكين العظم.

باب الغيبة التي لا يرجى لها إياب
قال أبن الكلبي: من أمثالهم في هذا قولهم: إذا ما القارط العنزي آبا.
قال أبن الكلبي: هما قارظان، وكلاهما من عنزة،
(1/344)

فالأكبر منهما يذكر بن عنزة لصلبه، والأصغر هو رهم بن عامر، من عنزة، فكان من حديث الأول أنَّ حزيمة بن نهد كان عشق ابنته فاطمة بنت يذكر، وهو قائل فيها:
إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا
قال: ثم إنَّ يذكر وحزيمة خرجا يطلبان القرط، فمرا بهوةٍ في الأرض فيها نحل فنزل يذكر ليشتار عسلاً، ودلاه حزيمة بحبل، فلما فرغ قال يذكر لحزيمة: أمددني حتى أصعد، فقال حزيمة: لا والله حتى تزوجني ابنتك فاطمة، فقال: أعلى هذه الحال؟ لا يكون ذاك أبداً، فتركه حزيمة فيها حتى مات. قال: ولا يدرى ما كان من خبره فصار مثلاً في انقطاع الغيبة، وإياهما أراد أبو ذؤيب بقوله:
وح يؤوب القارظان كلاهما ... وينشر في القتلى كليب لوائلِ
وقال بشر بن أبي حازم عند موته:
فرجي الخير وانتظري إيابي ... إذا ما القارظ العنزي آبا
قال الأحمر: ويقال: المسلى لا عهدة.
أي انقضى الشأن فلا عليك ولا لك. ومن أمثالهم في اليأس من الشيء قولهم:
(1/345)

حتى يؤوب المنخل.
وكانت قصته نحواً من قصة العنزي في الغيبة، غير أنّه لم يكن في سبب القرظ

باب الإسراف في القتل وفي كثرة الدماء
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: صمت حصاة بدم قال: وأصله أن يكثر القتل وسفك الدماء، حتى إذا وقعت حصاة من يد راميها لم يسمع لها صوت، لأنها لا تقع إلاّ في دم، فهي صماء، وليست تقع على الأرض فتصوت. وفي بعض الملاحم.

تبلغ الدماء الثنن
يعني الخيل، وهي الشعرات التي فوق الحافر من خلفه.
(1/346)

بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر الأمثال في الجنايات
باب الدواهي العظام يجنيها الرجل
قال الأصمعي: من أمثالهم في الداهية يقال أتي بها جانبها قولهم: - جاء فلان بالداهية الدهناء وجاء بالرقم الرقماء. وكذلك الداهية الشعراء والداهية الزباء. وقال غير الأصمعي: ومن أسماء الداهية قولهم: - جاء فلان بالسلتم وجاء بالقنطر. وجاء بالعنقفير. وجاء
(1/347)

بالدردبيس.
وقال الأصمعي: ويقال: جاء بأم الربيق على أريق. وجاء بإحدى بنات طبقٍ.
قال: واصلها من الحيات. وقال أبو عبيد: ومنها قولهم: جاء فلان بمطفئة الرضف.
قال: واصلها أنها داهية أنست التي قبلها، وأطفأت حرها. قال أبو زَيد: ومن أسمائها أم جندب، قال: ويقال: وقع القوم في أم جندب.
أي داهية وظلم يجني عليهم. قال أبو عبد الله الزبير: قال الشاعر:
سيصلى بها القوم الذين اصطفوا بها ... وإلاّ فمعكود لنا أم جندبِ
يعني أنا نغشم. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في هذا قولهم: صمى صمام. ويقال: صمى ابنة الجبل
(1/348)

وقال الكميت:
إذا ألقى السفير بها ونادى ... لها صمى ابنة الجبل السفير
قال: وصمام هي الداهية، وقوله: " صمي أي اخرسي يا داهية ". قال الكسائي: يقال:، - لقيت من فلان الأمرين ولقيت منه الفتكرين. ولقيت منه الأقورين. ولقيت منه الأقوريات.
كل هذا من الدواهي والأمور العظام. قال: وتقول العرب

قد بلغت منا المبلغين
كل هذا من الدواهي. وقال الأصمعي: ومن أمثالهم في الدواهي قولهم:
(1/349)

جاء فلان بالطلاطلة وبأم حبكوري. وبالضئيل. وبالأزب.
(1/350)

وبالفلق. وبالفليقة. وبالخنفقيق. وبالهاريس. وبالنئطل. وبالنادى.

باب جناية الجاني التي لا دواء لها ولا حيلة
قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: غادر وهيةً لا ترقع.
أي فتق فتقاً لا يقدر على رتقه. وقال أبو عبيد: ويقال: هذا أمر لا تبرك عليه الإبل.
يضرب للأمر العظيم الذي لا يصبر عليه، وذلك أنَّ الإبل إذا أنكرت الشيء نفرت منه فذهبت في الأرض على وجهها. وقال أبو عبيد: ومثله قولهم: جرحه حيث لا يضع الراقي أنفه.
أي لا دواء له. قال الأصمعي: يقال إذا لقي الشدة بكاملها: لقيها بأصبارها

باب العداوة بين القوم وصفات العداء
قال الأصمعي: من أمثالهم في نعت العدو قولهم: -
(1/351)

هو أزرق العين وكذلك قولهم: هو أسود البد. وهم سود الأكباد. وهم صهب السبال.
وقال الشاعر:
وما حاولت من أضغان قومٍ ... هم الأعداء فالأكباد سودُ
وقال أبن قيس الرقيات:
ونزالي في القوم صهب السبالِ
قال الأصمعي: وليس من هذا شيء يراد به نعوت الرجال، إنّما معناه العداوة، وقال: ولا أدري لعل اصلها من النعت

باب إظهار العداوة وكشفها
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم:
(1/352)

لبست له جلد النمر وكذلك قولهم: قشرت له العصا.
أي أبدت له ما في نفسي. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في شدة العداوة والغيظ قولهم: هو يعض عليه الأرم.
على مثال " فُعَّل " قال: يعني إصبعه. قال مؤرج: " هو يحرق عليه الأرم " قال: وفي تفسيره ثلاثة أقوال، يقال: الحصى، ويقال: الأضراس، ويقال: الأسنان، وهي أبعدها، ولو كانت الأسنان لكانت بالزاي " الأزم " وإنّما هي بالراء. قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الشدة قولهم: لقيت من فلان عرق القربة.
قال: ومعناها الشدة، ولا أدري ما اصلها. قال أبو عبيد: وقد فسرنا هذا في غريب الحديث. ومن الشدة قولهم:
(1/353)

قد سيل به وهو لا يدري

باب فساد ذات البين وتأريث الشر في القوم
قال أبو زَيد: يقال للقوم إذا أوفوا على الشر والفساد: قد ثار حابلهم على نابلهم.
قال الأصمعي: وإذا نشب الشر بينهم وشملهم قيل: شرق ما بينهم بشر.
قال: فإن كان شراً دائما لا يكاد ينقطع قيل: بينهم داء الضرائر.
فإن كانت بينهم معاملة من أخذٍ وإعطاء ولا غنى بهم عنه، ولا تزل المشارة تكون بينهم فيها قيل: إنَّ الحماة أولعت بالكنه وأولعت كنتها بالظنه
(1/354)

فإن كان ذلك الفعل منهم عاما، ولم يكن لبعضهم فيه على بعض فضل في الصبر والاحتمال قيل: صغراها مراها.
أي أصغرهم وأحقرهم أكثرهم شراً. فإن كان لبعضهم فيه أدنى فضيلة إلاّ أنها خسيسة قيل: قبح الله معزى خيرها خطة.
قال: وخطة: اسم عنز كانت عنز سوء، كل هذا عن الأصمعي إلاّ المثل الأول الذي عن أبي زيد وقال الأصمعي: من أمثالهم في الشر قولهم: بينهم عطر منشم.
قال: يراد به الشر العظيم
(1/355)

باب مقلية القوم بعضهم بعضاً والاستشهاد عليه بالنظر
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: شاهد البغض اللحظ.
قال: ومثله قولهم في الحب: جلى محب نظره.
قال أبو عبيد: ومنه قول زهير بن أبي سلمى:
فأن تك في صديقٍ أو عدو ... تخبرك العيون عن القلوب
وقال أبو زَيد: وإذا أثقل الرجل على صاحبه حتى لا يقدر أن ينظر إليه قيل: إنّما هو على حندر عينه قال الأصمعي: وكذلك قولهم: رمي منه في الرأس. إذا ساء رأيه فيه حتى لا ينظر إليه. قال أبو عبيد: ومنه حديث عمر بن الخطاب حين سلم عليه زياد بن حدير فلم يرد عليه، فقال زياد: " لقد رميت من أمير المؤمنين في الرأس " وكان
(1/356)

ذلك لهيئة رآها عليه فكرهها.

باب توعد الرجل عدوه الكاشح له.
قال أبو زيد: من أمثالهم في الوعيد قولهم: لأمدن غضنك أي لأطيلن عناءكز قال أبو زيد: ومنه قولهم: لأحقن حواقنك بذواقنك.
قال: الحواقن: ما يحقن الطعام في بطنه، والذواقن: اسفل بطنه. قال أبو عبيدة وأبو عمرو في الذواقن والحوافن غير هذا. وقد فسرناه في غريب الحديث. قال أبو زيد: ومن الوعيد قولهم: لأطعنن في حوصهم.
والحوص: الخياطة بغير رقعة، ومعناه إني أفسد ما أصلحوا. قال: ومن الوعيد قولهم: لأشأنن شأنهم.
ومنه قولهم: لألجئنك إلى قر قرارك.
أي لأضطرنك إليه. ويقول أيضاً.
(1/357)

لأرينك لمحا باصراً.
أي صادقا، عن أبي زيد. وقال الأحمر: ومن الوعيد قولهم: لئن التقى روعي وروعك لتندمن.
وقال الأموي: ومن أمثالهم في هذا: أما والله لتجنبها مصراً.
يقول: لا تقدر على أنَّ تنال مني شيئاً. قال: وأصله قلة اللبن، يقال: مصرت الشاة أمصرها مصراً.

باب معاشرة أهل اللوم وما ينبغي إنَّ يعاملوا به.
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: أجع كلبك يتبعك.
قال أبو عبيد: والعامة تقول: ليس للئيم مثل الهوان.
أي انك إنَّ دفعته عنك بالحلم والاحتمال اجترأ عليك وإنَّ أهنته خافك وفأمسك عنك. وقال بعض الماضين: ادفع الشر بمثله إذا أعياك غيره.

و
(1/358)

مثله: الحديد بالحديد يفلح.
ومنه قول الفند الزماني، واسمه شهل بن شيبان:
وبعض الحلم عند الجهل للذلة إذعان
وفي الشر نجاة حين لا ينجيك إحسان
(1/359)

بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر الأمثال في منتهى التشبيه وغايته
قال أبو عبيد: من أمثالهم في أقاصي التشبيه قولهم: أنّه لأحذر من غراب.
قال الفراء: ويقال: إنه لأزهى من غراب.
وقال أبو زيد: ويقال: إنه لأبصر من غراب.
وقال الفراء: يقال: اسمع من قرادٍ. واسمع من فرسٍ.
قال أبو زيد: يقال:
(1/360)

أنوم من فهدٍ.
قال: وإذا أرادوا خفة النوم قالوا: أخف رأسا من الذئب.
ومثله " أخف رأساً من الطائر " أبو زيد: يقال: أظلم من الحية.
قال الأصمعي: يقال: امسخ من لحم الحوار.
أي ليس له طعم. الفراء.
(1/361)

إنه لأعز من الأبلق العقوق.
في الشيء الذي لا يوجد، لأن العقوق إنّما هو في الإناث دون الذكور. وكان المفضل يخبر أنَّ المثل لخالد بن مالك النشهلي، قاله للنعمان بن المنذر، وكان أسر ناسا من بني مازن بن تميم فقال: من يكفل هؤلاء؟ فقال خالد: أنا، فقال النعمان: وبما أحدثوا؟ فقال خالد: نعم وإنَّ كان الأبلق العقوق، فذهبت مثلاً. قال الأصمعي: فإن أرادوا العز والمنعة قالوا: إنه لأمنع من أم قرفة.
وهي امرأة مالك بن حذيفة بن بدر، وكان يعلق في بيتها خمسون سيفا كلها محرم لها. وقال غير الأصمعي: هي بنت ربيعة بن بدر الفزارية. وقال هشام بن الكلبي في مثله: أعز من كليب وائل.
وهو كليب بن ربيعة التغلبي، وكان أعز العرب في دهره، فقتله جساس بن مرة الشيباني، ففيه كانت حرب بكر وتغلب أبني وائل. قال: يقال:
(1/362)

أنّه لأنفذ من خازقٍ.
وهو السنان النافذ.

أنّه لأمضى من النصل.
قال الفراء: إنه لأصدق من قطاة.
قال: وذلك أنها تقول: قطا قطا، قال النابغة الذبياني:
تدعوا القطا وبه تدعى إذا نسبت ... يا صدقها حين تدعوها فتنسب
وقال أبو زيد: ومن أمثالهم في هذا: إنه لأصنع من تنوطٍ.
قال الأصمعي في التنوط مثله، قال: وهو طائر يبلغ من صنعته ورفقه أنّه يجعل عشه مدلى من الشجر. قال أبو زيد: يقال: إنه لأصنع من سرفةٍ.
قال: وهي دودة تكون في الحمض، فيبلغ من صنعتها أنها تعمل بيتاً مربعاً من قطع العيدان. وقال الأموي في السرفة مثله. وقال الأصمعي: يقال:
(1/363)

إنه لأجود من لافظةٍ.
وقال أبو زيد: أسمح من لافظةٍ. فيقال: إنها الرحى، سميت بذلك لأنها تلفظ ما تطحنه، ويقال: أنها العنز، وجدها أنها تدعى للحلب وهي تعتلف، فتلقى ما فيها، وتقبل للحلب، وهذا التفسير ليس عن الأصمعي ولا عن أبي زيد، ولكن غيرهما: وقال أبو زيد: ويقال: إنه لأخدع من ضب حرشته.
وذلك أنّه ربما أروح الإنسان فخدع في حجره مسرعا، أي يذهب فيه. الفراء: يقال: إنه لأكذب من الشيخ الغريب وإنه لأكذب من أخيذ الجيش.
قال: وهو الذي يأخذه أعداؤه فيستدلونه على قومه فيكذبهم بجهده. قال أبو زيد: يقال: إنه لكذب من الأخيذ الصبحان.
قال: وهو الفصيل الذي قد اتحم من
(1/364)

اللبن، يقال منه، قد أخذ أخذاً، قال أبو عبيد: والأول أصح معنى. وقال أبو زيد: من أمثالهم في هذا: إنه لأحمق من ترب العقد.
يعني عقد الرمل، قال: وحمقه أنّه لا يثبت فيه التراب، إنّما هو ينهال. وقال الفراء: إنه لأحمق من راعي ضأنٍ ثمانين.
قال: وذلك أنَّ إعرابيا يشر كسرى ببشرى سر بها فقال: سلني ما شئت، فقال: أسألك ضأناً ثمانين. قال: ومثله: أحمق من العقعق.
قال: وحمقه أنَّ ولده أبداً ضائع. قال: وكذلك.

أحمق من الممهورة إحدى خمدتيها.
قال: وذلك أنَّ زوجها قضى حاجته منها ثم فقالت: أعطني مهري، فأخذ أحد خلخاليها من رجلها فأعطاها إياه فرضيت وسكتت.
(1/365)

وقال أبن الكلبي: ومثله: أنّه لأحمق من دغة.
قال: وهي امرأة عمرو بن جندب بن العنبر. قال أبو عبيد: وذكر أبن الكلبي من حمقهما شيئاً يسمج ذكره. قال أبو عبيد: ومثل العامة في هذا: أحمق من رجلةٍ.
وقال بعضهم: يعني بالرجلة البقلة الحمقاء. قال أبو زيد: ومن أمثالهم: إنه لأخرق من حمامةٍ.
وذلك أنها تبيض على الأعواد فربما وقع بيضها فتكسر. قال أبو زيد: إنه لألص من شظاظٍ.
قال: وهو رجل من بني ضبة، كان لصا مغيراً، فصار مثلاً. الفراء:
(1/366)

إنه لأسرق من الزبابة.
وهي الفأرة البرية. الأصمعي: إنه لأذل من فقع القرقر وأنّه لأذل من وتد.
وذلك لأنه يدق قال الفراء: إنه لأجبن من المنزوف ضرطاً الأصمعي: إنه لأصرد من عنزٍ جرباء.
يصرب للذي يشتد عليه البرد. الأصمعي: إنه لأجوع من كلبة حوملٍ.
قال: وهي كلبة كانت في الأمم. الأموي: ومن أمثالهم في هذا:
(1/367)

إنه لأعيا من باقلٍ.
قال: وهو رجل من ربيعة، وكان غبياً فدماً، وإياه عنى الأريقط في وصف رجل أكثر من الطعام حتى منه ذلك من الكلام فقال:
اتانا وما داناه سبحان وائل ... بياناً وعلما بالذي هو قائل
فلما زال عنه اللقم حتى كأنه ... من العي لمّا أنَّ تكلم بأقل
قال: وسبحان هو من ربيعة أيضاً من بني بكر، وكان لسناً بليغاً. أبو زيد: قال: يقال: إنه لأفحش من فاسيةٍ.
يعني الخنفساء، وذلك أنها تحركت نتنت. قال أبو عمرو: ويقال: إنه لأخيل من مذالةٍ يضرب للمتكبر في نفسه، وهو عند الناس مهين، قال: والمذلة هي الأمة والمهانة، وهي في ذلك تتبختر. الأصمعي: يقال:
(1/368)

هو أحلم من فرخ الطائر الفراء: هو أرمى من أبن تقن.
وكان أبن تقن رجلاً رامياً، وأنشدنا: رمى بها أرمى من أبن تقن قال أبو عبيد: ويحكى عن المفضل أنّه قال: عمرو بن تقن، وكان في زمان لقمان بن عاد وكان يناوئ لقمان حتى هم بقتله. وهذا الذي يقال فيه: لا فتى إلاّ عمرو. وقال الفراء: يقال: إنه لأبر من العملس.
وكان رجلاً براً بأمه، حتى كان يحملها على عاتقه.
قال: ويقال: إنه لأعق من ضب.
وذلك لطول عمره. الفراء: إنه لأصبر ذي الضاغط.
وهو البعير الذي قد حز مرفقه جنبه. قال: ويقال أيضاً.
(1/369)

أصبر من عودٍ بدفيه الحلب قد أثر البطان فيه والحقب
والدفان: الجنبان، والحلب: آثار الدبر، العدو والعود: المسن من الإبل. الفراء: إنه لأدم من بعرةٍ.
يعني دمامة خلقة. قال: ويقال: إنه لأعرى من المغزل قال ويقال: أنّه لأكسى من البصل.
وذلك أنَّ قشوره بعضها فوق بعض. الفراء: ويقال: إنه لأكيس من قشةٍ.
وهي القردة. يضرب هذا للصغار خاصة. الأصمعي:
(1/370)

أنه لأجبن من صافر.
وهو ما صفر من الطير، ولا يكون صفير في سباع الطير، إنّما يكون في خشاشها، وما يصطاد منها. الفراء: أنه لأنم من صبحٍ.
إذا كان لا يكتم شيئاً. ويقال: أنه لأبعد من بيض الأنوق ويقال: إنَّه لأسأل من فلحس.
وهو الذي يتحين طعام الناس، يقال: أتانا فلان يتفحلس، وهو الذي تسميه العامة الطفيلي. وقال الأصمعي: يقال: إنَّه لأذل من يدٍ في رحم.
ومعناه أنَّ صاحبها يتوقى أنَّ يصيب بيده شيئاً. وقال الأصمعي: وأبو عمرو. يقال: إنَّه لأشجع من ليث عفرين.
هكذا قالا في حكاية المثل، واختلفا في التفسير،
(1/371)

فقال أبو عمرو: هو الأسد، وقال الأصمعي: هو دابة مثل الحرباء، تتعرض للمراكب، قال: وهو منسوب إلى " عفرين " اسم بلد. قال الأصمعي: إنَّه لأشهر من فارس الأبلق.
قال أبو عبيد: وهذا مثل مبتذل في العامة والعامة تقول " من فرسٍ أبلق ". قال الأصمعي: إنَّه لأروى من النقاقة.
وهي الضفدع، وذلك أنَّ مسكنها الماء. قال أبن الكلبي: يقال: أسرع من نكاح أم خارجة.
قال: وهي بنت سعد بن قداد من بجيلة، تزوجها عدة من العرب قد سماهم لي أبن الكلبي. ويقال: إنَّ الخاطب كان يأتيها فيقول: خطب فتقول نكح، فذهبت مثلاً. قال أبو عبيد: وهذا مثل قد ابتذلته العوام. وقال أبن الكلبي: ومن أمثالهم: أشأم من خوتعة.
قال: وهو الرجل من بني غفيلة أبن قاسط أخي النمر بن قاسط،
(1/372)

كان مشئوماً. الأصمعي قال: هو أصح من عير أبي سيارة.
قال: وهو أبو سيارة العدواني، قال الأصمعي: دفع بالناس من جمع أربعين سنة على حماره. قال أبو عبيدة: من أمثالهم: إنَّه لأخيب صفقة من شيخ مهوٍ.
قال أبو عبيد: وهم حي من عبد القيس، كانت لهم في هذا المثل قصة يسمج ذكرها. وقال أبو عبيدة أيضاً:
(1/373)

إنَّه لأحن من شارفٍ.
وهي الناقة المسنة، تكون أشد حنينا على ولدها من غيرها. ويقال: إنَّه لأطيش من فراشة وإنَّه لألج من خنفساء. وإنَّه لأسرع من عدوى الثوباء.
وذلك أنَّ الإنسان إذا تثاءب أعدى غيره. وقال الهيثم بن عدي: يقال: إنَّه لأزنى من قرد.
وهو رجل من هذيل، يقال له قرد بن معاوية. قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا: إنَّه لأشغل من ذات النحيين.
ولها حديث يسمج ذكره. الأصمعي: يقال:
(1/374)

هو ألزم لك من شعرات قصك.
وذلك أنها كلما حلقت نبتت، فهي لا تفارقه. ويقال.

أشأم من البسوس
وأجرأ من خاصي الأسد.
وله حديث طويل.

وأنّه لأشأم من زرقاء.
يعني الناقة، وهي مشئومة، ربما نفرت فذهبت في الأرض.

باب الأمثال في اللقاء وأوقاته وأزمته.
قال الكسائي: من أمثالهم في اللقاء قولهم: لقيت فلانا أوّل عين.
يعني أوّل شيء. وقال أبو زيد في مثل ذلك: " لقيته أوّل عائنةٍ " قال الأصمعي: وكذلك أيضاً:
(1/375)

لقيته أوّل وهلةٍ.
قال أبو زيد: ومثله: لقيته أوّل ذات يدين.
الأصمعي وأبو زيد جميعاً.

لقيته أوّل صوكٍ وبوكٍ.
وهو نحو ذلك المعنى. والأموي وأبو زيد: لقيته أدنى ظلم.
ومعناه القرب. أبو زيد قال: فإنَّ لقيته فجأةً من غير إنَّ تريده قيل: لقيته نقاباً.
فإنَّ هجمت عليه هجوما قيل: لقيته التقاطاً.
قال: ومنه قولهم في الماء: ومنهل وردته التقاطا.
(1/376)

أي من غير طلب. فإنَّ لقيته مواجهة قلت: لقيته صراحاً.
الكسائي قال: ويقال: لقيته كفاحاً. وصقباً.
مثل الصراح. قال الأحمر. ومثله قولهم: أشب لي إشباباً وقال غيره في ذلك: " رفع لي رفعاً " قال أبو زيد: فإنَّ لقيته وليس بينك وبينه أحد قيل: لقيته صحرة بحرة.
وهي غير مجراة. فإنَّ لقيته بمكان قفر لا أنيس به قلت: لقيته بوحش إصمت.
غير مجرى أيضاً وبقيته صراحا ما دونه وجاح
(1/377)

والوجاح: الستر قال أبو زيد: فإنَّ لقيته قبل طلوع الفجر قيل: لقيته قبل كل صيحٍ ونفرٍ.
قال: والصيح: والنفر: التفرق. قال: فإنَّ لقيته بالهجرة قلت: لقيته صكة عمى.
قال أبو عبيد: ويقال: لقيته بين سمع الأرض وبصرها.
وذلك إذا لم يكن معه أحد، فكأنه ليس يسمعه ولا يبصره إلاّ الأرض القفر، ولا سمع ولا بصر لها، ولكنه مثل.
قال الأصمعي: فإنَّ لقيته بين الأعوام قلت: لقيته ذات العويم.
وإنَّ بقيته في الزمان قلت:
(1/378)

لقيته ذات الزمين.
أو في الزمان.
وقال الأحمر: فإنَّ كنت تلقاه في اليومين والثلاثة فصاعداً قلت: لقيته في الفرط.
وقال: ولا يكون الفرط في أكثر من خمس عشرة ليلة. قال أبو زيد: فإنَّ لقيته بعد شهر أو نحوه قلت: لقيته عن عفرٍ.
قال: فإنَّ لقيته بعد الحول أو نحوه قلت: لقيته عن هجرٍ.
قال: وإذا كان الرجل يمسك عن إتيان صاحبه الزمان، ثم يأتيه ثم يمسك عنه نحو ذلك أيضاً، ثم يأتيه، ثم يمسك عنه نحو ذلك أيضاً، ثم يأتيه قال: لقيته بعيدات بينٍ.
قال أبو عبيد: فأما الغب في الزيارة فمعناه الإبطاء والتقليل على غير وقت معلوم، وأحسب الأصل فيها كان من غب الورد، وهو أنَّ ترد الإبل الماء يوماً وتدع يوماً. ومثله غب الحمى، ثم انتقل المعنى من هذا في الزيارة خاصة إلى ما فوق وقت الورد ووقت الحمى. ومن هذا المعنى قوله في الحديث: زرغبا تزدد حباً.
فقد علم في هذا أنّه إنما أراد الإبطاء في الزيارة، ولم يرد يوماً ويوماً لا، وكذلك الإلمام هو نحو الغب، وإنّما معناه الأحيان على غير مواظبة ولا وقت محدود. وأما الأعمار فهو اسم الزيارة متى كانت، قال ذلك الأصمعي، ومنه قول أعشى باهلة:
(1/379)

وراكب جاء من تثليث معتمراً إنّما هو الزائر. وقال أبو عبيدة في هذا البيت: هو المعتم بالعمامة، وقال: الاسم منه العمارة، وقال: وكل شيء جعلته على رأسك من عمامة أو قلنسوة أو تاج أو إكليل أو غير ذلك فهو عمار، ومنه قول الأعشى:
فلما أتانا بعيد الكرى ... سجدا له ورفعنا عماراً
قال أبو عبيد: أما هذا البيت فانه عندي كما قال أبو عبيدة، وأما بيت الباهلي فقول الأصمعي فيه أحب إلي، أنَّ يكون المعتمر هو الزائر لمكان العمرة التي يعتمرها الناس إلى بيت الحرام هي الزيارة.

باب الأمثال في ترك اللقاء ودهوره وأزمنته.
قال الأصمعي: يقال في الاعتزام على ترك اللقاء: لا آتيك ما حنت النيب قال: ومثله " لا آتيك ما أطلت الإبل قال أبو زيد والأصمعي: لا آتيك ما اختلفت الجرة والدرة.
قال: واختلافهما إنَّ الدرة تسفل إلى الضرع، والجرة تعلو إلى الرأس. قال أبو زيد: ويقال:
(1/380)

لا أفعل ذلك ما أختلف الملوان.
وهما الليل والنهار، والواحد منهما ملاً مقصور. قال: ومثله: ما اختلف الأجدان.
قال أبو عبيد: وكذلك: ما أتلف الفتيان.
ومنه قول الشاعر:
ما لبث الفتيان أنَّ عصفا بهم ... ولكل قفل يسرا مفتاحا
وكذلك قولهم: لا أفعله ما سمر ابنا سميرٍ الأموي: ومن هذا قولهم: لا آتيك السمر والقمر.
يريد: ما كان السمر. وما طلع القمر. قال الكسائي: ومن أمثالهم في هذا قولهم: لا آتيك سن الحسل.
قال: والحسل هو ولد الضب. يقول: حتى تسقط أسنانه، ويقال: إنها لا تسقط أبداً حتى يموت. قال: ومن هذا قولهم:
(1/381)

لا أفعله ما أبس عبد بناقةٍ.
وكذلك.

لا أفعله ما غرد راكب.
وقال أبو زيد: ومن هذا قولهم: لا آتيك ما غبا غبيس. قال الشاعر:
وفي بني أم زبير كيس ... على المتاع ما غبا غبيس
قال الأموي: ومعناه الدهر. وقال الأحمر في مثل هذا: لا آتيك سجيس والأوجس.
قال: وكذلك سجيس عجيسٍ.
(1/382)

قال: ومعناهما الدهر أيضاً، ومنه قول الشاعر:
فأقسمت لا آتي أبن ضمرة طائعا ... سجيس ما أبان لساني
ومن أمثالهم في هذا قولهم: لا آتيك الأزلم الجذع.
وهو الدهر. قال أبو عبيد: قال أبن الكلبي: ومن هذا قولهم: لا أفعل ذلك ما حي حي، وما مات ميت.
ويروى عن المفضل أنّه قال: هذا المثل للقمان بن عاد. قال الأصمعي: ومثله قولهم: لا أفعله دهر الداهرين وعوض العائضين. قال الأصمعي: ومن هذا قولهم: حتى يرجع السهم على فوقه.
ومعناه أنّه لا يرجع على فوقه أبداً، إنما مضاؤه قدماً أبداً. قال أبو عبيد: وهذا المثل قد سمعناه في حديث.
وقال أبن الكلبي ومن هذا قولهم:
(1/383)

لا أفعل ذلك معزى الفزر.
قال: والفزر هو سعد بن زيد مناة بن تميم، قال: وكان وافى الموسم بمعزى، فأنهبها هناك فتفرقت في البلاد، فمعناهم في معزى الفزر أن يقولوا: حتى تجمع تلك، وهي لا تجتمع الدهر كله. قال أبن الكعبي: وإنّما سمى الفزر لأنّه قال: من أخذ منها واحدة فهي له، ولا يؤخذ منها فزر، قال: وهو الاثنان. قال أبو عبيدة نحو هذا الحديث إلاّ أنّه قال: الفزر هو الجدي نفسه. ويقال: لا آتيك هبيرة بن سعد.
وله حديث. قال الأصمعي: ويقال: لا أفعل ذلك أبد الأبيد.
قال أبو عبيد: لا آتيك ما حملت عيني الماء.

باب الأمثال فيما يتكلم فيه بالنفي من الناس خاصة
قال الكسائي: يقال: ما بالدار شفرٌ.
يقول: ليس بها أحد قال: وكذلك يقال:
(1/384)

ما بها دعو و" ما بها دبى " قال: ومعناه ما بها من يدعو ولا من يدب. قال الأصمعي: ويقال: ما بها عريب و" ما بها دبيج " و" ما بها دوري وطوري " و" ما بها
(1/385)

وابر " و" ما بها ديار " و" ما بها نافخ ضرمة " و" ما بها أرم " قال أبو زَيد: في " أرم " مثله. الفراء: ما بها عائن و" ما بها عين " قال أبو زَيد: ما بها تامور.
قال أبو عبيد: كل هذا معناه ما بها أحد. ويقال أيضاً: ما الركية تامور.
يقول: ليس بها من الماء شيء. وكل هذا لا يتكلم به على إثبات الشيء وأيجابه. لا يقولون: بها شفر، وبها دعوى، وكذلك هذه الحروف كلها إنّما هي في الجحد والنفي خاصة.

باب الأمثال في النفي لمعرفة الرجل
قال أبو زَيد: من أمثالهم في نفي معرفة الإنسان قولهم: ما أدري أي الطمش هو وكذلك قولهم: ما أرى أي الدهدى هو و" أي ترخم هو ".
وترخم غير مجرى. قال: وكذلك قولهم:
(1/386)

أي البرنساء هو.
وقال الكسائي مثل ذلك كله. وزاد فيه الكسائي: أي الطبن هو و" أي الأورم هو ". وقال الفراء: ما أدري أي النحط هو وقال غير هؤلاء: ما ادري أي الورى هو.
ومعنى هذا قولهم: كله: ما ادري أي الناس هو، وليس يتكلم بهذا أيضاً في الوجوب، إنّما هو في النفي، مثل الباب الذي قبله إلاّ " الورى " خاصة، فإني أحسب يتكلم به في الإثبات، ومنه قول ذي الرمة:
وكأن ذعرنا من مهاةٍ ورامح ... بلاد الورى ليست له ببلادِ

باب الأمثال في نفي المال عن الرجل
قال أبو زَيد: من أمثالهم في نفي المال قولهم: ما له هلع ولا هلعة.
قال: ومعناه: ماله شيء. قال: وكذلك قولهم: ما له قذعملة ولا قرطعبة.
قال الأصمعي: وكذلك قولهم:
(1/387)

ما له سعنة ولا معنة.
وكذلك قولهم: ما له هارب ولا قارب.
وكذلك قولهم: " ما له عافطة ولا نافطة " قال الفراء: وكذلك قولهم: ما له سُم ولا حُم و" ما له سَم ولا حَم " بالضم والفتح.
قال الأصمعي: وكذلك قولهم: ما له حبض ولا نبض.
وقال أبو زَيد: ومنه قولهم: ما له أقذ ولا مريش و" ما أصبت من فلان أقذ ولا مريشاً ".
ومثل العامة المشهور في هذا قولهم: ما له سبد ولا لبد.
ومعنى هذه كلها أنه لا شيء له، وبعضها يعرف أصله، فمما
(1/388)

يعرف اصله الهلع والهلعة، قال أبو زَيد: هما الجدي والعناق، ومنه الهارب والقارب، قال الأصمعي: معناه: ليس أحد يهرب منه، ولا أحد يقرب اليه، أي فليس هو بشيء ومنه قولهم: العافطة والنافطة، فهما الضائنة والماعزة، ومنه النبض، فص هو التحرك، ولا أعرف الحبص، ومنه الحم والسم، قال الفراء: هما الرجاء، يقول: ليس أحد يرجوه. قال أبو عبيد: وقد سمعت من يفسر السبد واللبد قال: هما الشعر والصوف، ولا أدري ممن سمعته. وأحسب أصل هذه الأشياء كانت على ما ذكرناه أنّه لأشياء بأعيانها ثم صارت مثلاً لكل من لا شيء له، فاما القذعملة والقرطعبة والسعنة والمعنة فما وجدنا أحداً يدري ما أصولها، غير أنَّ الأصمعي قال: معناه أنّه لا شيء له. قال: ويرون المعن الشيء الهين، وأنشدنا للنمر أبن تولب:
فإنَّ هلاك مالك غير معنٍ "
أي ليس بهينٍ، ولم يعرف السعنة وأنشد الزبير في اللبد:
ألم تر أنَّ الكبش يعظم قرنه ... ويسمن تحت المعبر المتلبد
يريد الصوف، واللبد: الشعر - باب الأمثال في نفي الطعام قال الأصمعي: باب في النفي لذوق الطعام: ما ذقت عضاضاً ولا علوساً.
وقال الأحمر:
(1/389)

ما ذقت علوساً ولا عذوفاً.
قال الفراء: يقال: ما ذقت عذوفاً ولا عذافاً.
كلتاهما بالدال والذال. قال الأصمعي: يقال: ما ذقت أكلا ولا لهاجاً ولا شماجاً ولا ذواقاً.
وقال أبو زَيد: ما ذقت عضاضاً ولا مضاغاً ولا قضاماً ولا لماظاً.
قال: يعني ما يغض أو يمضغ أو يقضم أو يتلمظ به. قال أبو عبيد: وكذلك تلك الحروف الأول كلها مشتقة من الأفعال، وهي ما يذاق أو يؤكل أو يلمج، ومعناها يرجع إلى ما ينال من المطعم.
وقال الأصمعي: فإن أرادوا نفي الشراب قالوا: ما ذقت لماقاً.
وأنشدني لنهشل بن حرى:
كبرقٍ بات يعجب من رآه ... ولا يشفي الحوائم من لماقِ
قال: والحوائم: العطش.

باب الأمثال في نفي اللباس
قال الكسائي: يقال في نفي اللباس:
(1/390)

ما علية طحربة. بضم الطاء والراء.
وقال الأصمعي: " طرحبة " بكسرهما، وقال أبو الجراح العقلي: " ما عليه طرحبة " بفتح الطاء وكسر الراء، قال أبو عبيد: وسمعناه في الحديث " أنَّ الناس يحشرون يوم القيامة وليس على أحد منهم طحربة " على ما حكاه الكسائي. وهاتان الأخريان صحيحتان أيضاً. وقال الأموي: يقال: ما عليه فراض.
في نحو هذا. وقال أبو زَيد والأصمعي جميعاً في نفي الحلى.

ما عليه هلبسيسة
و" ما عليها خربصيصة " بالخاء: وقال محمد اليزيدي: هي بالحاء والخاء قال أبو عبيد: والذي سمعناه في الحديث " خربصيصة " بالخاء، على حكاية أبي زيد والأصمعي، وهي عندنا المحفوظ وقال الفراء: يقال: ما عليها خضاض. بمعنى الأول أيضاً وأنشدنا القناني:
ولو أشرفت من كفة الستر عاطلاً ... لقلت غزال ما عليه خضاضُ

باب الأمثال في نفي النوم والأوجاع
قال أبو زَيد: من أمثالهم في نفي النوم:
(1/391)

ما أكتحلت غماضاً ولا حثاثا.
وقال الأصمعي: " حثاثاً " بالكسر. قال أبو عبيد: والقول ما قال أبو زيد: وقال الأصمعي: في نفي الوجع والعلة: ما به وذية قال: وكان أصلها " حزة ". وقال أبو زيد: وأبو عمرو الشيباني: " ما به وذية " كذلك أيضاً. وزاد فيه: وما له ظبظاب.
أي ليس به وجع ولا شيء منه. وقال روبة بن العجاج: كأنَّ بي سلا وما بي ظبظاب

باب الأمثال في الاستجهال ونفي العلم.
قال الأصمعي: من أمثالهم في الإستجهال: ما يعرف فلان الحلو من اللو.
ويقال: " ما يعرف الحي من اللي " قال: وكذلك قولهم: ما يدري هراً من برًّ.
قال الأصمعي: ومثله
(1/392)

ما يدري ما أي من أي.
أي لا يعرف هذا من هذا. قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا قولهم: لا يدري أي طرفيه أطول.
ومعناه في الناس، وقد سمعت غير هذا ولا أعلم فيه أحسن من مذهب الأصمعي. قال: ومن أمثالهم: لا يدري اسعد الله أكثر أم جذام.
قال أبو عبيد: وهذا المثل مبتذل أيضاً في العامة على غير هذا اللفظ، وهو عندي كقول الأصمعي، وقال: سعد الله وجذام حيان بينهما فضل بين لا يخفى على الجاهل الذي لا يعرف شيئاً. ويروى عن حارثة بن عبد العزى العامري، وكان من علماء العرب، أنَّ هذا المثل قائله حمزة بن الضليل البلوى لزنباع بن روح الجذامي:
لقد أفحمت حتى لست تدري ... أسعد الله أكثر أم جذامُ
قال أبو عبيد: هذه الأبواب السبعة التي فيها النفي ليس يتكلم بشيء منها على وجوب أشياء وكينونتها، لا يقال: في الدر عريب، وكذلك جميع الباب الذي فيه، ومثله ما ذكرنا في اللباس والطعام والنوم والحلى، وكل ما اقتصصنا لا يقال منه شيء في الإثبات، إنما هو في النفي والجحد خاصة.
(1/393)

باب الأمثال في الطعام
قال الأصمعي: من أمثالهم.

تَطَعَّم تَطعَم.
أي ذق الطعام فانه يدعوك إلى الشهية. وقال: منها أيضاً قولهم: اعلل تحظب.
أي كل مرة بعد مرة تسمن، يقال منه: حظب حظوباً. إذا امتلأ.
قال الأحمر: يقال: - العاشية تهيج الآلية.
يقول: إنَّ الإبل التي تتعشى إذا رأتها التي لا تشتهي العشاء اشتهت فأكلت معها. وكان المفضل يقول: هذا المثل ليزيد بن رويم الشيباني.
وقال الأموي: ومن أمثالهم قولهم:
(1/394)

الماء ملك أمر.
أي إنَّ الماء ملاك الأشياء. يضرب للشيء الذي به يكون ملاك الأمر.
(1/395)