Advertisement

التمثيل والمحاضرة



الكتاب: التمثيل والمحاضرة
المؤلف: عبد الملك بن محمد بن إسماعيل أبو منصور الثعالبي (المتوفى: 429هـ)
المحقق: عبد الفتاح محمد الحلو
الناشر: الدار العربية للكتاب
الطبعة: الثانية، 1401 هـ - 1981 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
وبه الحول والقوة، ولا حول ولا قوة إلا به
أما على أثر حمد الله الذي هو أول كتابه، وآخر دعوى ساكني دار ثوابه، والصلاة والسلام على محمد خير خيرته من بريته، وعلى الصفوة من ذريته، فإن خير القول ما شغل بخدمة خير من جمع الله له عزة الملك إلى بسطة العلم، ونور الحكمة إلى نفاذ الحكم، وجعله مبرزاً على ملوك العصر، ومدبري الأرض، وولاة الأمر. بخصائص من العدل، وجلائل من الفضل، ودقائق من الكرم المحض. لا يدخل أيسرها تحت العادات، ولا يدرك أقلها بالعبارات. ومحاسن سير تطرسها أسنة الأقلام، وتدرسها ألسنة الليالي والأيام. وهذه صفة تغني عن تسمية الموصوف؛ لاختصاصه بمعناها، واستحقاقه إياها، واستئثاره على جميع الملوك بها. ويعلم سامعها ببديهة السماع أنها لمولانا الأمير السيد الأجل شمس المعالي أطال الله بقاءه، ونصر لواءه خالصة وعليه مقصورة، وبه آنسة، وعن غيره نافرة، إذ هو
(1/3)

أدام الله سلطانه، وحرس عزه ومكانه بمعاينة الآثار، وشهادة الأخبار، وإجماع الأولياء وإصفاق الأعداء، كافل المجد، وكافي الخلق، وواحد الدهر وغرة الدنيا. ومفزع الورى، وحسنة العالم، ونكتة الفلك الدائر، فبلغه الله تعالى أقصى نهايات العمر، كما بلغه أبعد غايات الفخر، وملكه أزمة الأرض، كما ملكه أعنة الفضل. وأدام حسن النظر للعباد والبلاد بإدامة أيامه، التي هي أعياد الدهر، ومواسم اليمن والأمن، ومطالع الخير والسعد، وزاد دولته شباباً ونمواً، كما زاده في السن علواً، حتى تكون السعادات وفد بابه، والبشائر قرى سمعه، والمسار غذاء نفسه، يترامى به الإقبال إلى حيث لا يبلغه أمل، ولا يقطعه أجل.
وبعد: فلمولانا الأمير الأجل شمس المعالي أدام الله علوه، وكبت عدوه عبيد ينتمون إلى شرف خدمته، وإن أقعدتهم العوائق عن كعبة الملك من حضرته، - حرسها الله وآنسها - ومنهم هذا العبد الذي شعاره الاعتزاء إلى خدمته، والاعتزاز بالعبودية لسدته. ودأبه خدمة الأدب، ومنادمة الكتب؛ ليتدرج منها إلى خدمة المجلس العالي - أدام الله جلاله وجماله - بما يجري في زمرة العبيد والخدم اسمه، ويجدد في صحيفة المتقربين إليه ذكره. وقد كان لما ورد الحضرة العالية - أدام الله علوها - ووصل منها إلى رواق العز، واكتحل بشخص المجد. خدمها بكتاب من بنات فكره، مترجم بالمبهج، فاشتمل عليه جناح القبول، وتفتق معه نور المأمول. وحين صدر عنها - وقد درت عليه سحائب الإنعام، وأجنت له ثمرات الإكرام، واستصحب الأمان من الزمان - تعاور المستعيرون انتساخ الكتاب، حتى
(1/4)

سار في البلاد، بل طار في الآفاق، وعليه من الإسم العالي - ثبته الله - طراز، به تنفق سوقه، وتهب ريحه. ومازال العبد يريد أن يشفع ذلك الكتاب بما يحفظ معه عادة الخدمة، ويقضي به بعض حق ولي النعمة. عند مشافهة السعادة بمعاودة الحضرة - حرسها الله وآنسها - فتعرض موانع، وتعترض قواطع، إلى أن استظهر بشعار الدولة - أنماها الله تعالى على ما يتشرف بالاسم العالي - ثبته الله، من كتاب في التمثيل والمحاضرة: إسلامي وجاهلي، وعربي عجمي، وملوكي سوقي، وخاصي وعامي، يشتمل على أمثال الجميع، ويضم نشر ما يجري مجراها من ألفاظهم، ويتضمن ما يأخذ مأخذها من فرائد النثر. وقلائد النظم، وفوائد الجد، ونوادر الهزل. فيوجد فيه ما يتمثل به من القرآن والتوراة والإنجيل والزبور، وجوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، وكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله، وكلام الصحابة والتابعين رضي الله عنهم بعده، وعيون أمثال العرب والعجم، وما يناسبها وما يشاكلها من نتف الخلفاء، وفقر الملوك والوزراء، ونكت الزهاد والحكماء، ولمع المحدثين والفقهاء، وحكم الفلاسفة والأطباء، وغرر البلغاء والشعراء، وملح المجان والظرفاء، وطرف السؤال والغوغاء، وما تختص به كل طبقة من هؤلاء، وما ينفرد به كل فرقة من الدهاقي والتجار، وسائر أهل الصناعات المتباينة الأقدار، ولا يعدم فيه ما يتمثل به من الشمس والقمر والنجوم، والآثار العلوية، والدهر والدنيا، وضروب الجمادات، وأنواع الحيوانات، وصنوف الأدوات والآلات، ولا يشذ عنه ما ينخرط في سلك الأمثال: من ذكر الأحوال والمحاسن والمساوئ والأوصاف.
وهو مفصل أربعة فصول:
(1/5)

الفصل الأول: في المدخل والأنموذج.
الفصل الثاني: في سياقة ما يجري مجرى الأمثال من الأقوال الصادرة عن طبقات الناس، وذوي المراتب المتباينة، والصناعات المختلفة، وذكر ما لهم وما عليهم، ووصف أحوالهم ومتصرفاتهم.
الفصل الثالث: فيما يكثر التمثل به من جميع الأشياء.
الفصل الرابع: في سائر الفنون والأغراض وهو مفصل أيضاً أربعة فصول: الفصل الأول منه: في ذكر أحوال الإنسان وأطواره المختلفة.
والفصل الثاني منه: في المحاسن ومكارم الأخلاق والممادح.
والفصل الثالث منه: في ذكر المقابح ومساؤئ الأخلاق.
والفصل الرابع منه: في فنون مختلفة الترتيب.
وقد حمله العبد إلى المجلس العالي - أدام الله تعالى شرفه - راجياً وقوعه موقعه، ومنتظراً تطول مولانا الأجل أدام الله بسطته وغبطته، بالإذن في عرضه عليه، وهو يسأل الله تعالى مسألة المبتهل إليه، الماد في التضرع إليه يديه، أن يديم إيناس الدنيا باتصال أيامه، ولا يعطلها عن التحلي بنضارة زمانه، وأن يجمع جميع آثار الدعوات الصالحة الصاعدة المستجابة له ولا يعدم المعالي والمكارم ظله بمنه وقدرته وسعة رحمته.
(1/6)

الفصل الأول من الكتاب
في المدخل والأنموذج مما يجري مجرى الأمثال من ذكر الله تعالى في فنون الأغراض والمقاصد من ذلك

لطائف التحميد
الحمد لله شعار أهل الجنة. الحمد لله الذي إذا شئت أنزلت حاجتي به من غير شفيع. الحمد لله الذي لا يحمد على المكروه غيره، قاله: أبو شراعة وقد نظر في المرآة فرأى دمامة وجهه. الحمد لله الذي يقتل أولادنا ونحبه، قاله: عبد الملك بن مروان، وقد أصيب ببعض أولاده. بحمد الله لا بحمدك، قالته: عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها للنبي عليه الصلاة والسلام حين نزلت آية الإفك.
ومن ذلك ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام: " من تواضع لله رفعه الله ". " من كثرت نعم الله لديه كثرت حوائج الناس إليه ". " إن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم ". " إن الله يحب معالي الأمور، ويبغض سفسافها ". " التأني من الله، والعجلة من الشيطان ". " إذا أراد الله أمراً يسر أسبابه ". " إن الله إذا أنعم على عبدٍ نعمةً أحب أن يرى أثرها عليه " عفو الله اكثر من ذنبي.
(1/7)

ومن ذلك ما صدر عن سائر السلف والحكماء والبلغاء: إن الله خص نفسه بالكمال، ولم يبرئ أحداً من النقصان. الكمال لله عز وجل. كم نعمة لله في عرقٍ ساكن. من صدق الله نجا. الدعاء من الله بمكان. في الله عوضٌ من كل فائت. ما أمر الله بشيءٍ إلا أعان عليه، ولا نهى عن شيءٍ إلا أغنى عنه. من افتقر إلى الله استغنى عن الناس. صنع الله غادٍ ورائح. لله لطائف. كم لله من صنعٍ خفيّ ولطفٍ حفيّ. إن الله علاّم الغيوب، ومن بيده أزمة القلوب. إن الله يقضي ما يريد، وإن رغم أنف الشيطان المريد. إن الله تعالى يمهل ولا يهمل. إنما يعجل من يخاف الفوت. لا تسأل إلا الله؛فإنه إن أعطاك أغناك.
ومن ذلك ما يقع في أنصاف الأبيات:
الله أنجح ما طلبت به
وسائل الله لا يخيب
ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطل
وليُغلَبنَّ مُغالبُ الغلاّب
وما يشعر الإنسان ما الله صانع
وليس لرحلٍ حطه الله حامل
(1/8)

لا يشكر الله من لا يشكر الناسا
لا يذهب العرف بين الله والناس
ولله أوسٌ آخرون وخزرج
ولله سيفٌ لا تفلّ مُضاربه
الخير أجمع فيما يصنع الله
كفاية الله خيرٌ من توقينا
ومالا نرى مما يقي الله أكثر
قد يصلح الله أمام السّاري
وليس لما تبني يد الله هادم
ويأبى الله إلا ما يشاء
إذا الله سنّى عقد شيءٍ تيسرا
يعني أن الله تعالى إذا أراد أن يحلّ غقد أمرٍ تيسر.
ما صنع الله فهو خير
وكيف يُكرَم من لم يكرِم الله
من ذلك ما يقع في الأبيات السائرة:
وإني لأرجو الله حتى كأنني ... أرى بجميل الظّنِّ ما الله صانع
(1/9)

آخر:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
آخر:
ما كلف الله نفساً فوق طاقتها ... ولا تجود يدٌ إلا بما تجد
أبو فراس:
إذا كان غير الله للمرء عدّةً ... أتته الرّزايا من وجوه الفوائد
آخر:
إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى ... فأكثر ما يجنى عليه اجتهاده
البحتري:
من لا يقوم بشكر نعمة خلّه ... فمتى يقوم بشكر نعمة ربّه
آخر:
وما من يدٍ إلا يد الله فوقها ... وما ظالمٌ إلا سيبلى بظالم
آخر:
كلوا اليوم من رزق الإله وأبشروا ... فإن على الرحمن رزقكم غداً
آخر:
عسى فرجٌ يأتي به الله إنه ... له كل يومٍ في خليقته أمر
آخر:
من لم يكن لله متّهماً ... لم يمس محتاجاً إلى أحد
(1/10)

آخر:
كم منةٍ لا يستقل بشكرها ... لله في طيِّ المكاره كامنة
آخر:
ليس ملك الذي يموت بملكٍ ... إنّما الملك ملك من لا يموت
آخر:
ومن ينعش مليك الدهر يرفع ... ومن يخفض فليس بذي انتعاش
ابن الرومي:
إن لله غير مرعاك مرعىً ... نرتعيه وغير مائك ماء
آخر:
إن لله بالبريّة لطفاً ... سبق الأمهات والآباء
بكر بن المضمر:
أتيأس أن ترى فرجاً ... فأين الله والقدر
أبو العتاهية:
أيا عجباً كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كلّ تحريكةٍ ... وتسكينةٍ أبداً شاهد
وفي كل شيءٍ له آيةٌ ... تدل على أنه واحد
(1/11)

وله:
الله حسبي في جميع أمري ... به غناي وإليه فقري
أبو الفتح البستي:
كلّ ما يرتقي إليه بوهمٍ ... من جلالٍ وقدرةٍ وسناء
فالّذي أبدع البريّة أعلى ... منه سبحان خالق الأشياء
ابن المعتز:
فرغ الله من الرزق ومن ... مدة العمر ومن وقت الأجل
ابراهيم بن المهدي:
على المرء أن يسعى ويبذل جهده ... ويقضي إله الخلق ما كان قاضيا
محمود:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
بعض أهل العصر:
إليك المشتكى لا منك ربي ... وأنت لنائبات الدهر حسبي
(1/12)

تروي غلتي وترم حالي ... وتومن روعتي وتزيل كربي
" من ذلك ما يجري على السنة العوام ". الخيرة فيما يصنع الله. استر ما ستره الله. كن مع الله على العلات. الفقر من الله وليس الوسخ من الله. من عادى مجدوداً فقد عادى الله. مِن عبد الله في خلق الله. لا يعلم ما في الحق غير الله والإسكاف. برئت من ربٍ يركب الحمار. إذا جاء نهر الله بطّل نهر معقل.

أنموذج
ما يمثل به من التوراة
من يظلم يخرب بيته. ارحم من في الأرض، يرحمك من في السماء. الغنية في القناعة، والسلامة في العزلة. الحرية في رفض الشهوات. أوحى الله إلى الدنيا: من خدمك فاستخدميه، ومن خدمني فاخدميه. من خاف الله خافه كل شيء، ومن لم يخف الله خاف كل شيء. أكثر ما يخاف العبد لا يكون. تريد وأريد، ولا يكون إلا ما أريد. يا موسى: من أحبني لم ينسني، ومن رجا نعمتي ألح في مسألتي. المال يفنى، والبدن يبلى، والأعمال تحصى، والذنوب لا تنسى. ليكن وجهك بشاً، وكلمتك لينة تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم الذهب والفضة. إذا كان في البيت برٌ فتعبد، وإذا لم يكن فاطلب.
(1/13)

ومن الإنجيل
ارج إذا خفت، وخف إذا رجوت. عمرك أنفاسٌ معدودة. وعليها رقيبٌ يحصيها. لا تنسَ الموت، فإنه لا ينساك. في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق. العافية ملك خفي والهم نصف الهرم. صديق الوالد عم الولد. الرشوة تعمي عين الحكيم فكيف عين الجاهل؟ ابن آدم حريصٌ على ما منع. ابك مع الباكين، واضحك مع الضاحكين.

ومن الزبور
تاجروا الله بالصدقة تربحوا من كثر عدوه فليتوقع الصرعة. لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك. من بلغ السبعين اشتكى من غير علة. الشيب نوري، وأنا أستحيي أن أحرق نوري بناري. العدل ميزان الباري؛ فلذلك هو مبرأٌ من كل زللٍ وميل. إذا ظلمت من دونك، فلا تأمن عقاب من فوقك.

ومن كلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
قال رجل ليوسف عليه السلام: إني أحبك يا صفي الله، فقال: هل أتيت إلا من محبة الناس لي: أحبني أبي فحسدني إخوتي حتى ألقوني في الجب، وأحبتني امرأة العزيز فلبثت بضع سنين في السجن، فلست أحب أن يحبني إلا ربي.
وقيل له: أتجوع وفي يدك خزائن الآرض، قال: أخاف أن أشبع فأنسى الجياع.
(1/14)

ولما التقى مع أبيه على نبينا وعليهما الصلاة والسلام قال له أبوه: ما صنع إخوتك؟ قال: يا أبتِ لا تسألني عن صنيع إخوتي، ولكن سلني عن لطف ربي.
قال داوود لسليمان عليهما الصلاة والسلام: يا بني لا تشترِ عداوة واحدٍ بصداقة ألفٍ. يا بني: امشِ خلف الأسد والأسود، ولا تمشِ خلف امرأةٍ.
وقيل لأيوب عليه الصلاة والسلام: ما أشد ما مر بك من البلاء؟ قال: شماتة الأعداء.
عيسى عليه الصلاة والسلام قال: الدنيا قنطرةٌ فاعبروها ولا تعمروها. استعيذوا بالله من شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر. عالجت الأكمه والأبرص فأبرأتهما، وأعياني علاج الأحمق. لا تنطقوا بالحكمة عند الجهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم. لا تكونوا كالمنخل، يمسك النخالة ويرسل الطحين. لا تطرحوا الدر تحت أرجل الخنازير، يعني: العلم. مثل الدنيا والآخرة كمثل رجلٍ له ضرتان، كلما أرضى إحداهما أسخط الأخرى. ما أكثر الأشجار، ولكن ليس كلها بمثمر. وما أكثر الثمار وليس كلها بطيب. وما أكثر العلوم، وليس كلها بنافع. وما أكثر العلماء، وليس كلهم بمرشد. ومرّ بقتيلٍ فقال: قتلتَ فقتلتَ، وسيقتل قاتلك.

أنموذج
من أمثال العرب
يتمثل من ألفاظ القرآن بأحسن منها وأبلغ
العرب تقول فيمن يعيّر غيره بما هو فيه: " عيّر بجيرٌ بُجَرَةَ نسي بُجيرٌ خبره. وفي
(1/15)

القرآن: " وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه " وفي معاودة العقوبة عند معاودة الذنب: " إن عادت العقرب عدنا لها ". وفي القرآن: " وإن عدتم عدنا "، " وإن تعودوا نعد ". وفي ذوق الجاني وبال أمره: " يداك أوكتا وفوكَ نفخَ ". وفي القرآن: " ذلك بما قدمت أيديكم ". وفي قرب اليوم من غد: " وإن غداً لناظره قريب ". وفي القرآن " أليس الصبح بقريبٍ " وفي ظهور الأمر: " قد بين الصبح لذي عينين ". وفي القرآن: " ألآن حصحص الحق ". وفي الإساءة إلى من لا يفيد الإحسان إليه: " إعطِ أخاك تمرةً، فإن أبي فجمرة " وفي القرآن: " ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرينٌ " وفي فوت الأمر: " سبق السيف العذل ". وفي القرآن: " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ". وفي الوصول إلى المراد ببذل الرغائب: " من ينكح الحسناء يعط مهرها "، وفي القرآن " لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون ". وفي منع الرجل من مراده: " حيل بين العير والنزوان " وفي القرآن: " وحيل بينهم وبين ما يشتهون ". وفي تلافي الإساءة: " عاد غيثٌ على ما افسد " وفي القرآن: " ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ". وفي اختصاص كل مقام بمقال: " لكل مقامٍ مقال " وفي القرآن: " لكل نبا مستقرٌ ".
(1/16)

ومن أمثال العجم والعامة
يتمثل في معانيها بألفاظ القرآن
العجم تقول: من أحرق كدسه تمنى إحراق كدس غيره، وفي القرآن: " ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءً ". العجم والعامة: من حفر بئراً لغيره سقط فيها، وفي القرآن: " ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ". شاعر:
كل امرىءٍ يشبهه فعله ... ما يفعل المرء فهو أهله
وفي القرآن: " قل كلٌ يعمل على شاكلته ". العامة: " كلِ البَقْلة ولا تسأل عن المبقلة "، وفي القرآن " لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ". شاعر:
أنموذجكم مرةٍ حفت بك المكاره ... خار لك الله وأنت كاره
وفي القرآن: " وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌ لكم " وفي القرأن أيضاً: " فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ".
(1/17)

العامة: " المأمول خيرٌ من المأكول " وفي القرآن: " وللآخرة خيرٌ لك من الأولى ". العجم: " لو كان في البوم خيرٌ ما سلم من الصّائد " وفي القرآن: " ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ". المتنبي: " مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد " وفي القرآن: " وإن تصبكم سيئةٌ يفرحوا بها ". شاعر " عند الخنازير تنفق العذرة " وفي القرآن: " الخبيثات للخبيثين ". العامة: " لم يرد الله بالنملة صلاحاً إذا أنبت لها جناحاً ". وفي القرآن: " حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتةً " العجم: " الكلب لا يصيد كارهاً ". وفي القرآن: " لا إكراه في الدين ". العجم: " كل شاةٍ برجلها ستناط " وفي القرآن: " كل نفسٍ بما كسبت رهينة ".

ومن سائر ما يجري مجرى الأمثال
في ألفاظ القرآن
" ما على الرسول إلا البلاغ ". " ثم جئت على قدرٍ يا موسى ".
(1/18)

" كم من فئةٍ قليلةٍ غلبت فئةً كثيرةً ". أليس منكم رجلٌ رشيدٌ ". آلآن وقد عصيت من قبل ". ما على المحسنين من سبيل ". تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ". " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ". " ولا ينبئك مثل خبير ". هيهات هيهات لما توعدون ". كل حزبٍ بما لديهم فرحون ". لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ". هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ". قل لا يستوي الخبيث والطيّب ".

ما يتمثل به من قصص الأنبياء
يضرب المثل بسفينة نوح، وغراب نوح، ونار ابراهيم، وذئب يوسف، وحوت يونس، وعصا موسى، وخاتم سليمان، وناقة صالح، وحمار عزير. ويقال: فلان وصيٌّ آدم. إذا كان متكفلاً بمصالح الناس؛ فإذا كان عالي السن قيل: قد نشأ مع نوحٍ في السفينة. وإذا كان مبطئاً فيما يرسل له قيل: هو غراب نوح. وقيل للحسن رحمه الله تعالى: أيكذب المؤمن للمؤمن؟ فقال: أنسيتم إخوة يوسف؟ وكان يقال: لا يغرنكم البكا فإن إخوة يوسف جاءوا أباهم عشاءً يبكون.
(1/19)

ويضرب المثل ببراءة الساحة بذئب يوسف، كما قال الشاعر:
عليّ والله فيما لفقوا كذبوا ... ككذب أولاد يعقوب على الذيّب
ويقال في عود الحبيب إلى المحبّ: قد رد الله يوسف على يعقوب. وفي حسن الموقع: كأنه قميص يوسف في عين يعقوب. ويستحسن قول أبي طالب المأموني:
وكنت يوسف والأسباط هم وأبو ال ... أسباط أنت ودعواهم دماً كذبا
ومن أمثال قصة موسى قولهم: الفرار مما لا يطاق من سنن المرسلين. يريدون قوله عز اسمه: " ففررت منكم لمّا خفتكم " وقولهم: فلانٌ من قوم موسى، إذا كان ملولاً. قال الشاعر أبو نواس:
أراك بقيّةً من قوم موسى ... فهم لا يصبرون على طعام
ويقال بيت فلانٍ أفرغ من فؤاد أم موسى. ويقال لكل نبيٍ فرعون، فمن لم يرض بحكم موسى فقد رضي بحكم فرعون. وينشد لابن بسام: كلم الناس فإن م الله قد كلّم موسى
لست روح الله عيسى ... إنما أنت ابن عيسى
وينشد لأبي نواس:
فإن يكُ باقي إفك فرعون فيكم ... فإن عصا موسى بكف خصيب
(1/20)

ولغيره:
إذا جاء موسى وألقى العصا ... فقد بطل السّحر والسّاحر
وقال بعض السلف: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فإن موسى ذهب يقتبس ناراً فكلمه الله تكليما. ويقال: فلانٌ خليفة الخضر، إذا كان يديم السفر ويكثر المسير. ويقول من ينبه على براءة ساحته: إني لم أعقر ناقة صالح. وينشد فيمن يستعين بالبعيد وعنده ما هو أقرب مأخذاً وأحسن أثراً منه:
وذي علّةٍ يأتي عليلاً ليشتفي ... به وهو جارٌ للمسيح بن مريم
ويقال: فقرٌ كفقر الأنبياء؛ لأن فقراءهم أكثر من أغنيائهم.

ومما يتمثل به من أحوال المصطفى
عليه الصلاة والسلام
لابن الرومي:
فكم أبٍ قد علا بابنٍ ذرى شرفٍ ... كما علا برسول الله عدنان
لغيره:
وكذاك قد ساد النبي محمدٌ ... كلّ الأنام وكان آخر مرسل
لأبي تمّام:
هذا النبي وكان صفوة ربّه ... من بين بادٍ في الأنام وقار
قد خص من أهل النّفاق عصابةً ... وهم أشدّ أذىً من الكفّار
حتى استضاء بشعلة السور التي ... رُفعت له سجفاً عن الأسرار
(1/21)

وله أيضاً:
فهل من جاء بعد الفتح يسعى ... كصاحب هجرتين مع النبي
ابن الحجاج:
لا عار لا عار في الفرار فقد ... فرّ نبيّ الهدى إلى الغار

ومما يتمثل به من أقواله التي هي جوامع الكلم
القليلة الألفاظ الكثيرة المعنى
من ذلك ألفاظ له عليه الصلاة والسلام لم تسبقه العرب إليها كقوله: " إياكم وخضراء الدّمن ". " كل الصيد في جوف الفرا ". " مات فلانٌ حتف أنفه ". " لا تنتطح فيها عنزان ". هدنةٌ على دخن، وجماعةٌ على أقذاء ". " إنّ المنبتَّ لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى ". يضرب لمن حمّل على دابته فوق طاقتها، فيبقى منقطعاً به. " نصرت بالرّعب ". أوتيت جوامع الكلم ". " الآن قد حمي الوطيس ". " الإيمان قيّد الفتك ". " يا خيل الله اركبي ". " اشتدي أزمة تنفرجي ".

ومن ذلك ما أجراه في عُرض كلماته
غير قاصد به ضرب مثل وإرسال فقرة فتمثل الناس به
كقوله عليه الصلاة والسلام: " حوالينا ولا علينا ". " حولها ندندن ". " سلمان منا أهل البيت ". " سبقك بها عكاشة ". " رفقاً بالقوارير " قاله لأنجشة،
(1/22)

وكان يحدو بالنّساء. " منىً مُناخ من سبق ". " ابدأ بما بدأ الله " " اعقل وتوكل ". " زر غبّاً تزدد حبّاً ".

ومن ذلك تشبيهاته وتمثيلاته
كقوله عليه الصلاة والسلام: " الناس كأسنان المشط " " وإنما يتفاضلون بالتقوى ". " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ". " الناس كإبلٍ مائة، لا تجد فيها راحلة ". " المؤمن هينٌ لينٌ كالجمل الآنف، إن قيد انقاد، وإن أنيخ على صخرةٍ استناخ ". " المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً ". " عِترتي كسفينة نوح، من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق ". " أصحابي كالنجوم، بأيّهم اقتديتم اهتديتم ". " مثل أصحابي كالملح، لا يصلح الطعام إلا به ". " أمتي كالمطر، لا يدرى أوله خيرٌ أم آخره ". " مثل أمتي كالقطر، أينما وقع نفع ". " إن للقلوب صدأً كصدإ الحديد، وجلاؤها الاستغفار ". " عمّالكم كأعمالكم، وكما تكونون يولى عليكم ". وقال عليه الصلاة والسلام لما كتب كتاب المهادنة بينه وبين سهيل بن عمرة: " العقد بيننا كشرج العيبة، إذا انحل بعضه انحلّ جميعه ". " لا تجعلوني في أعجاز كتبكم كقدح الراكب ". " المتشبع بما لم يعطَ كلابس ثوبي زورٍ ". " الدال على الخير كفاعله ". " المرأة كالضلع إن قومتها كسرتها، وإن داريتها انتفعت بها ". " لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما ترزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح
(1/23)

يطاناً ". " وعد المؤمن كأخذ باليد ". " الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب ". " سوء الخلق يفسد العمل، كما يفسد الخلّ العسل ". " من نظر في كتاب أخيه المسلم بغير إذنه، فكأنما ينظر في النار ". " العائد في هبته كالراجع في قيئه ". " مثل المؤمن كالنحلة، لا تأكل إلا طيباً، ولا تضع إلا طيباً ". " مثل المؤمن كالسنبلة، تميل أحياناً وتعتدل أحياناً ". " مثل الجليس الصالح كالعطار إن لم تصب من عطره أصبت من ريحه، ومثل الجليس السوء كصاحب الكير، إن لم يحرق ثوبك بشرره آذاك بدخانه ". " علمٌ لا ينفع ككنزٍ لا ينفق منه ".

ومن ذلك حسن إستعاراته
كقوله

عليه الصلاة والسلام: " المؤمن مرآة أخيه ". " جنّة الرجل داره ". " من كنوز البرّ كتمان الصدقة والمرض والمصيبة ". " نعم الختن القبر ". " دفن البنات من المكرمات ". " داووا مرضاكم بالصدقة ". " قد جدع الحلال أنف الغيرة ". " صدقة السر تطفىء غضب الرب ". " الودّ والعداوة يتوارثان ". " العلماء ورثة الأنبياء ". " التوبة تهدم الحوبة ". " من هدم بنيان الله فهو ملعون "، يعني من قتل نفساً. " الحمّى رائد الموت، وسجن الله في الأرض، وقطعةٌ من النار ". " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ". " تمسّحوا بالأرض، فإنها بكم برّةٌ ". " من ضحك ضحكةً فقد مج من العقل مجةً ". " اتقوا دعوة المظلوم، فإنها لينة الحجاب ". " يهرم كل شيء من ابن آدم، ويشب منه الحرص والأمل ". " الخلق عيال الله، فأحبهم إليه أبرّهم بعياله ". " ليس لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ ". " الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة ". " الشتاء ربيع المؤمن قصر نهاره فصامه، وطال ليله فقامه ". " الاستماع إلى الملهوف
(1/24)

صدقة ". " الحكمة ضالة المؤمن ". " ظهر المؤمن مشجبه، وخزانته بطنه، ومطيته رجله، وذخيرته ربه ". " اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله ". " أكثروا ذكر هادم اللذات " يعني الموت. " اتّبعوني تكوّنوا بيوتاً، وهاجروا تورثوا أبناءكم مجداً ". " رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس ". " هل يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ". " منهومان لا يشبعان، طالب العلم، وطالب المال ". " الخمر مفتاح كل شر ". " لا داء أدوى من البخل " " لا تتخذوا ظهور الدواب كراسي ". " معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين ". " اليوم الرّهان، وغداً السباق، والجنة الغاية ". " من في الدنيا ضيفٌ، وما يده عاريةٌ، والضيف مرتحلٌ، والعارية مؤداةٌ ". " المعاصي حمى الله، ومن رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه ". " إياكم والأسواق، فإن الشيطان قد باض فيها وفرّخ ".

ومن ذلك حسن الطباق في كلامه
عليه الصلاة والسلام
" حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات ". " الناس نيامٌ، فإذا ماتوا انتبهوا ". " كفى بالسلامة داء ". " إن الله يبغض البخيل في حياته، السخيّ بعد موته ". " جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء بها ". " إن الأرواح جنودٌ مجندةٌ، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر اختلف ". " خير شبابكم من تشبه بالشيوخ وشر شيوخكم من تشبه بالشباب ". " احذروا من لا يرجى خيره، ولا يؤمن شره ". " انظروا إلى من تحتكم، ولا تنظروا إلى من فوقكم؛
(1/25)

فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم ". " أحذركم الدنيا وحلاوة رضاعها، ومرارة فطامها ". وقال للأنصار: " إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع ".

ومن ذلك حسن التجنيس
" الظلم ظلمات يوم القيامة ". " ليس الأعمى من عمي بصره، ولكنه من عميت بصيرته ". " إن ذا الوجهين لا يكون وجيهاً عند الله تعالى ". " المسلم من سلم الناس من لسانه ويده ". " المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم ". " لا إيمان لمن لا أمانة له ".

ومن ذلك في ذكر الأموال
" نعم المال الصالح للرجل الصالح ". " رحم الله امرءاً أنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من لسانه ". " حصنوا أموالكم بالصدقة ". " لا خير في بدنٍ لا يألم، ومالٍ لا يزكى ". " إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم ". " هل لكم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت به فأمضيت ". " التمسوا الرزق في خبايا الأرض ". يعني الحرث. وذكر الخيل فقال: " ظهورها حرزٌ، وبطونها كنزٌ ". " خير المال سكةٌ مأبورةٌ ومهرةٌ مأمورةٌ ". " الخيل معقودٌ بنواصيها الخير ". " خير المال عينٌ ساهرةٌ لعينٍ نائمةٍ ". " نعمت العمّة لكم النخلة، تغرس في أرض خوّارةٍ، وتشرب "
(1/26)

وذكر النخل أيضاً فقال: " هي الراسيات في الوحل، المطعمات في المحل ". وذكر الغنم فقال: " سمنها معاشٌ، وصوفها رياشٌ ". " لكل أمةٍ فتنةٌ، وفتنة أمتي المال ".

ومن ذلك سائر أمثاله وحكمه
عليه الصلاة والسلام في فنون مختلفة
" الأعمال بالنيات، ولكل امرىءٍ ما نوى ". " نية المؤمن خيرٌ من عمله ". " آفة العلم النسيان ". " إن من الشعر لحكمةً، وإن من البيان لسحراً ". " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ". " إذا أتاكم كريم قومٍ فأكرموه ". " أنزلوا الناس منازلهم ". " ما قلّ وكفى خيرٌ مما كثر وألهى ". " من ضمن لي ما بين فكيه، ضمنت له الجنة ". " اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى ". " ما عال من اقتصد ". " ما أملق تاجرٌ صدوقٌ ". " من مات غريباً مات شهيداً ". " المؤمنون عند شروطهم ". " مطل الغنيّ ظلمٌ ". " يد الله مع الجماعة ". " الشيطان مع الواحد، وهو من الإثنين أبعد ". " الرّغب شؤمٌ ". " لا جباية إلا بحماية ". " تهادوا تحابوا ". " الهدية مشتركةٌ ". " الهديّة تسلّ السخيمة ". " القلوب تتشاهد ". " خير الصحابة أربعة: الجار، ثم الدار، والرفيق، ثم الطريق ". " من غشّنا فليس منّا ". " ترك الشر صدقة ". " سيد القوم خادمهم ". " الحياء شعبةٌ من الإيمان ". " لا تطرقوا الطير في أوكارها، فإن الليل أمان ". " من بدا جفا ". " من اتبع الصيد غفل ".؟ تخيروا لنطفكم ". " حدث عن البحر ولا حرج ". " ابدأ بنفسك
(1/27)

ثم بمن تعول ". " المجالس بالأمانة ". " خير الأمور أوساطها ". " من أتى السلطان فُتن ". " كلٌّ ميسرٌ لما خلق له ". " لا تمسح يدك بثوب من لم تكسه ". " اطلبوا الخير عند حسان الوجوه ". " إياك وما يعتذر منه ". " حسن العهد من الإيمان ". " الوحدة خيرٌ من جليس السوء ". " السعيد من اتعظ بغيره ". " استعينوا على الحوائج بالكتمان ". " الخير عادةٌ والشر لجاجةٌ ". " البركة في البكور ". " بلّوا أرحامكم ولو بسلامٍ ". " اليمين حنثٌ أو مندمةٌ ". " الندم توبةٌ ". " لا يكون المؤمن طعاناً ولا لعاناً ". " الندم توبةٌ ". " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ". " ما هلك امرؤٌ عرف قدره ". " من كثّر سواد قومٍ فهو منهم ". " إليك انتهت الأماني يا صاحب العافية ". " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ". " انتظار الفرج بالصبر عبادة ". " لا تطرحوا الدر في أفواه الكلاب ". " الأعمال بخواتيمها ". " ساقي القوم آخرهم شرباً ". " احترسوا من الناس بسوء الظن ". " المرء على دين خليله، فلينظر امرؤٌ من يُخال ". " كاد الفقر أن يكون كفراً ". " لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ". " نعم صومعة الرجل بيته ". " المستشير معانٌ، والمستشار مؤتمنٌ ". " ما نحل والدٌ ولداً أفضل من أدب حسن ". " المرء كثيرٌ بأخيه ". " لا خير لك في صحبة من لا يرى لك مثل الذي ترى له ".

أنموذج ينخرط في سلك الأمثال من كلام الصحابة
والتابعين رضي الله تعالى عنهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه: صنائع المعروف تقي مصارع السوء. الموت أهون مما بعده، وأشد مما قبله. ليست مع العزاء مصيبةٌ. ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: البغي، والنكث، والمكر.
(1/28)

ولما بلغه أن الفرس ملّكت عليها بنت أبرويز قال: ذلّ قومٌ أسندوا أمرهم إلى امرأة. إن الله قرن وعده بوعيده، ليكون العبد راغباً راهباً.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من كتم سرّه كان الخيار في يده. اتقوا من تبغضه قلوبكم. أشقى الولاة من شقيت به رعيته. أعقل الناس أعذرهم للناس. لا تؤخر عمل يومك لغدك. اجعلوا الرأس رأسين، وأخيفوا الهوامّ قبل أن تخيفكم. أبت هذه الدراهم إلا أن تخرج أعناقها. لي على كل خائنٍ أمينان لا يخونان: الماء والطين. تكثروا من العيال، فإنكم لا تدرون بمن ترزقون. لو كان الشكر والصبر بعيرين، ما باليت أيهما أركب. من لم يعرف الشر كان أجدر أن يقع فيه. ما الخمر صرفاً بأذهب لعقول الرجال من الطمع. لا يكن حبك كلفاً، ولا بغضك تلفاً. مُر ذوي القرابات أن يتزاوروا ولا يتجاوروا. قلما أدبر شيءٌ فأقبل. إلى الله أشكو ضعف الأمين وخيانة القوى.
عثمان ذو النورين رضي الله عنه: ما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن. أنتم إلى إمامٍ فعالٍ أحوج منكم إلى إمامٍ قوّال. قاله يوم صعد المنبر فأرتج عليه. يكفيك من الحاسد أنه يغتم يوم سرورك.
عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه العزيز: قيمة كل امرىء ما يحسنه. الناس أعداء ما جهلوا. رأي الشيخ خيرٌ من مشهد
(1/29)

الغلام. استغن عمن شئت فأنت نظيره، واحتج إلى من شئت فأنت أسيره، وتفضلْ على من شئت فأنت أميره. بقية عمر المؤمن لا ثمن لها، يدرك بها ما فات، ويحيي ما أمات. الدنيا بالأموال والآخرة بالأعمال. لا ترجونّ إلا ربك، ولا تخافنّ إلا ذنبك. وجهوا آمالكم إلى من تحبه قلوبكم. الناس من خوف الذل في ذل. عليكم بالنمط الأوسط. من أيقن بالخلف جاد بالعطية. يا بيضاء ابيضي ويا صفراء اصفري، وغرّا غيري. بقية السيف أنمى عدداً، وأكثر ولداً. إن من السكوت ما هو أبلغ من الجواب. خير إخوانك من واساك، وخيرٌ منه من كفاك. الصبر مطيةٌ لا تكبو، وسيفٌ لا ينبو.

طائفةٌ منهم ومن التابعين
رضي الله عنهم
ابن عباس رضي الله عنهما: الهوى الهٌ معبود. الرخصة من الله صدقةٌ، فلا تردوا عليه صدقته. لكل داخلٍ دهشةٌ، فابدأوه بالتحية، ولكل طاعمٍ حشمةٌ، فابدأوه باليمين.
الحسن بن علي رضي الله عنه: أكيس الكيس التقي، وأحمق الحمق الفجور. الكرم هو التبرع قبل السؤال.
الحسين بن علي رضي الله عنه: خير المال ما وقي به العرض.
ابن مسعود رضي الله عنه: الدنيا كلها غمومٌ، فما كان منها في سرور فهو ربحٌ. ما على الأرض أحق بطول سجنٍ من لسان. إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكم.
(1/30)

إن استطعت أن تجعل كنزك حيث لا يأكله السوس ولا تناله اللصوص فافعل.
أبو ذر رضي الله عنه: كان الناس ثمرا لا شوك فيه، فصاروا شوكاًلاثمرا فيه، يخصمون ونقضم والموعد الله.
معاوية رضي الله عنه: ما رأيت تبذيرا إلا وإلى جانبه حق مضيعٌ. ما في يدك أسلم من طلب الفضل إلى الناس. ما غضبي على من أملك، وما غضبي على ما أملك. أنقص الناس عقلاً من ظلم من هو دونه، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة. التسلط على المماليك من لؤم القدرة، وسوء الملكة.
عمرو بن العاص رضي الله عنه: إمامٌ عادل خيرٌ من مطر وابل، وأسدٌ حطوم خير من إمام غشوم، وإمام غشوم خير من فتنة تدوم. لا وجع كوجع العين، ولا هم كهم الدين. زلة الرجل عظيم يجبر، وزلة اللسان لا تبقي ولا تذر. ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، ولكنه من يعرف خير الشرين. من كثر إخوانه كثر غرماؤه. أكرموا سفهاءكم فإنهم يكفونكم العار والنار.
المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: العيش في إلقاء الحشمة. في كل شيءً سرفٌ إلا في المعروف معاذ بن جبل رضي الله عنه: الدَين هدم الدين.
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: البر شيءٌ هين: وجهٌ طلق وكلام لين.
(1/31)

أبو الدرداء رضي الله عنه: إن الدنيا قد استودقت واغتلم أهلها.
زياد: ما قرأت كتاب رجل إلا عرفت مقدار عقله. إن المعرفة لتنفع عند الكلب العقور، والجمل الصؤول، فكيف عند العاقل الكريم؟. من السعادة ان يطول عمرك، وترى في عدوك ما يسرك. من مدح رجلاً بما ليس فيه فقد بالغ في هجائه. إرض من أخيك إذا ولى ولايةً بعشر وده قبلها.
سعيد بن العاص رضي الله عنه: إن الكريم ليرعى من المعرفة ما يرعى الواصل من القرابة.
عبد الله بن أبي بكر: من أحب البقاء فليوطن نفسه على المصائب. من طال عمره فقد الأحبة، ومن قصر عمره كانت المصيبة في نفسه.
محمد بن الحنفية رحمه الله: ما كرمت على عبد نفسه إلا هانت عليه الد نيا. ليس لأبدانكم ثمنٌ إلا الجنة، فلا تبيعوها إلا بها.
(1/32)

مصعب بن الزبير رحمه الله: التواضع من مصائد الشرف. ما قل سفهاء قومٍ إلا ذلوا.
الأحنف رحمه الله: السؤدد مع السواد. السيد من إذا أقبل هابوه، وإذا أدبر عابوه. الكبير أكثر عقلاً لكنه أكثر شغلاً. من لم يبصر على كلمةٍ سمع كلمات. سرك من دمك. من يسرع إلى الناس بما يكرهون، قالوا فيه مالا يعلمون. من كل شيء يحفظ الأحمق إلا من نفسه. الكامل من عدت هفواته. وذكر الشعراء فقال: ما ظنك بقومٍ الصدق محمودٌ إلا منهم.
الحسن البصري رحمه الله: ألا تستحيون من طول ما لا تستحيون؟ إن امراً ليس بينه وبين آدم أب حي لمغرقٌ في الموت. مسكين ابن آدم، مكتوم العلل، محتوم الأجل، تؤذيه البقة، وتقتله الشرقة
إن ابن آدم راحلٌ كل يومٍ إلى الآخرة مرحلةً. ما أعطى الله أحداً الدنيا إلا اختياراً. ما أنصفك من كلفك إجلاله ومنعك ماله. أنا للعاقل المدبر أرجى مني للأحمق المقبل. إن من خوفك حتى تبلغ الأمن أرفق بك ممن أمنك حتى تبلغ الخوف. أنتم تستبطئون المطر،
(1/33)

وأنا أستبطىء الحجر. لا تحملن على يومك هم غدك، فحسب كل يوم همه. الفكر مرآة تريك حسنك من سيئتك. بدنٌ لا يشتكي مثل مالٍ لايزكى.
الشعبي رحمه الله: نعم المحدث الدفتر. إني لأستحيي من الحق إذا عرفته ألا أرجع إليه.
مثال آخر: عيادة الثقلاء أشد على العليل من علته، لأنهم يجيئون في غير وقت، ويطيلون الجلوس. كانت درّة عمر أهيب من سيف الحجاج.
وهب بن منبه رحمه الله: من لم يقتصد في معيشته مات قبل أجله.
سعيد بن جبير رحمه الله: من أحسن أن يسأل أحسن أن يتعلم.
ابن سيرين رحمه الله: إياك وفضول النظر، فإنها تؤدي إلى فضول الشهوات. إذا أصبحت فما يأتيني من حيث لا أحتسب أكثر مما يأتيني من حيث أحتسب.
(1/34)

مكحول رحمه الله: من نظف ثوبه قلّ همّه، ومن طاب ريحه زاد عقله.
عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: ما الجزع مما لابد منه، وما الطمع فيما لا يرجى. لا تكن ممن يلعن إبليس في العلانية ويطيعه في السر.
ومن أمثال لقمان الحكيم: يا بني: بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعاً. إياك وصاحب السوء، فإنه كالسيف، يحسن منظره ويقبح أثره. يا بني: لا يكن الديك أكيس منك، ينادي بالأسحار وأنت نائم. يا بني: لا تكن النملة أكيس منك، تجمع في صيفها لشتائها. يا بني: إياك والكذب، فإنه أشهى من لحم العصفور. يا بني: إن الله يحي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيى الأرض بوابل القطر. يا بني: لا تقرب السلطان إذا غضب والبحر إذا مد يا بني: اتخذ تقوى الله تجارة، تأتك الأرباح من غير بضاعة. شاور من جرب الأمور، فإنه يعطيك من رأيه ما قام عليه بالغلاء، وأنت تأخذه بالمجّان. يا بني، كذب من قال: إن الشرّ بالشر يطفأ، فإن كان صادقاً فليوقد نارين ثم لينظر هل تطفىء إحداهما الأخرى؟، وإنما يطفىء الخير الشر، كما يطفىء الماء النار.
(1/35)

أنموذج من أمثال العرب في الجاهلية
من ذلك ما صدر عن حكمائها: أكثم بن صيفيّ: من لاحاك فقد عاداك. فضل القول على الفعل دناءة، وفضل الفعل على القول مكرمة. فرط الأنس مكسبة لقرناء السوء، وفرط الإنقباض مكسبة للعداوة. المناكح الكريمة من مدارج الشرف. الوقوف عند الشبهة خيرٌ من اقتحام الهلكة. من يصحب الزمان يرى الهوان. أحقّ من شركك في النعم شركاؤك في المكاره. في كل عامٍ سقام. ومع كل حبرةٍ عبرةٍ، ومع كل فرحة ترحة. من مأمنه يؤتى الحذر. ربّ صبابةٍ غرست من لحظة، ورب ّحربٍ شبت من لفظة. ربّ كلمةٍ سلبت نعمة. ربّ ملومٍ لا ذنب له. رضي الناس غايةٌ لا تدرك.
قسّ بن ساعدة: من مات فات، وكل ما هو آتٍ آت. تقاربوا بالمودة، ولا تتكلوا على القرابة. خير المال ما قضي به الحقّ. أحمد البلاغة الصمت حين لا يحسن الكلام. أبلغ العظات النظر إلى محلّ الأموات.
عامر بن الظرب:
(1/36)

في بيته يؤتى الحكم. ما فجر غيّورٌ قط. أحق الناس أن يحذر منه: العدو الفاجر، والصديق الغادر، والسلطان الجائر.
أوس بن حارثة: من كرم الكريم الدّفع عن الحريم

ما سار عنها في سائر الأحوال
نفس عصام ٍسوّدت عصاما ... وعلّمته الكرّ والإقداما
وجعلته ملكاً هماما
يضرب لمن شرف بنفسه من غير قديم. إذا سمعت بسرى القين فاعلم أنه مصبِّح. يضرب لمن يعرف بالكذب فلا يقبل صدقه. إن يدم أظلكَ فقد نقب خُفيّ، يضرب للشاكي إلى من هو أسوأ حالاً منه. القول ما قالت حذام يضرب في التصديق. أعن صبوحٍ ترقق؟ يضرب لمن يبدي شيئاً ومراده غيره. أبى الحقين العذرة. للمعتذر زوراً.
(1/37)

آكل لحم أخي، ولا أدعه لآكل. في الذب عن الأقارب. أينما أوجه ألقَ سعداً. لمن لا يخلو من الأعداء. أتى أبدٌ على لبد. يضرب للمسنّ.
إن دواء الشقّ أن تحوصه يضرب في إصلاح الشيء. العاشية تهيّج الآبية. لمن يرى غيره في شيءٍ فيقتدى به. عاطٍ بغير أنواط. لمن ينحل علماً لا يقوم به. الذئب يكنّى أبو جعدة. لمن ينطوي على خبثٍ وذكره جميل. هان على الأملس ما لاقى الدبر. لمن لا يهتم بأمر صاحبه. الحديد بالحديد يفلح، يضرب في مقابلة الجليد بمثله. في الصيف ضيّعت اللبن. لمن يطلب حاجةً بعد فوتها. عسى الغوير أبؤساً. لمن يتهم بسوء. في بطن زهمان زاده، يضرب للمستعد. لو ترك القطا ليلاً لنام. يضرب للأمر الذي يستدل به على الشر. تمرّد ماردٌ وعزّ الأبلق. لعزة المكان ومنعته. أحشفاً وسوء كيلة، يضرب في اجتماع خصلتين مذمومتين. أساء سمعاً فأساء إجابةً، لمن يبني أمره على الغلط.
(1/38)

أصاب ثمرة الغراب، لمن وجد شيئاً نفيساً. أساء رعياً فسقى، لمن لم يحكم الأمر، ثم يريد إحكامه فيفسده. أسمع جعجعةً ولا أرى طحيناً، يضرب للمتوعد بلا فعل. سمنكم أريق في أديمكم، يضرب في إفساد الشيء مع إصلاح بعضه. كل مجرٍ بالخلاء يسرّ، لمن ادعى فضلاً، وليس عنده ما يقابله.

ومن الأمثال السائرة في صدر الإسلام
شوى أخوك حتى إذا أنضج رمّد، قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وهل ترك لنا عقيلٌ من دار. قاله عليّ رضي الله عنه في شكاية عقيل رضي الله عنه. زوحمت حتى في الرحم. قاله علي رضي الله عنه أيضاً. يعني أنه وعقيل كانا توأمين. ما عدا مما بدا. قاله علي رضي الله عنه لبعض أصحابه، وقد تخلف عنه يوم الجمل، ومعناه ما ظهر منك من التخلف بعد ما ظهر منك من التقدم في الطاعة. إذا ملكت فأسجح. قالته عائشة لعلي رضي الله عنهما لما ظهر في حرب الجمل. إن النساء لحمٌ على وضم، قاله عمر رضي الله عنه. إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض قاله علي في شأن عثمان رضي الله عنهما.
(1/39)

من طلب عظيماً خاطر بعظيمه قاله معاوية رضي الله عنه لما نظر إلى تلاقي العسكرين بصفين. الليل داجٍ، والكباش تنتطح، ومن نجا برأسه فقد ربح. قاله عليّ رضي الله عنه في حرب صفّين. السكوت أخو الرضا. قاله حسان بن ثابت لعليّ في ذكر مقتل عثمان رضي الله عنهم. حرّك لها حوارها تحنّ. قاله عمرو بن العاص لمعاوية لما أشار عليه بإبراز قميص عثمان رضي الله عنه، ليكون عسكره أشد امتعاضاً، وأحرص على القراع. نعم الإمارة ولو على الحجارة، قاله زيادٌ في رجل ولاّه بناء مسجد البصرة فأثرى.
سفيهٌ لم يجد مسافها. قاله الحسن بن عليّ رضي الله عنه لعمرو بن عبد الله بن الزبير. إن لله جنوداً منها العسل. قاله معاوية لما أمر بسمّ الأشتر النخعي كان شجاعاً من أصحاب علي بن أبي طالب ومواليه فسمّ في العسل فمات. كان كراعاً فصار ذراعاً، قاله أبو موسى رضي الله عنه في بعض القبائل. الشاة المذبوحة لا تألم السلخ. قالته أسماء بنت أبي بكر لابنها عبد الله بن الزبير رضي الله عنهم لما حاصره الحجاج في الكعبة، فقال لها: إني لا أخاف القتل، ولكني أخاف المثلة، فقالت له هذه المقالة. أمكراً وأنت في الحديد، قاله عبد الملك بن مروان لعمرو بن سعيد
(1/40)

لما قبض عليهواستوثق منه، فقال له عمرو: إني رأيت ألا تبرزني للناس في هذه الحالة، وإنما يريد أن يخالف قوله فيستنقذه الناس، فعندها قال عبد الملك ما قال. اذكر غائباً تره. قاله عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما للمختار، وكان في ذكره، فطلع عليه. أكلتم تمري وعصيتم أمري. قاله عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أيضاً. إذا جاء القدر عمي البصر. قاله ابن عباس رضي الله عنهما. وجدت الناس أخبر تقله. قاله أبو الدرداء رضي الله عنه. سكت ألفاً ونطق خلفاً. قاله الأحنف لرجلٍ أطال السكوت ثم نطق بالمحال. أبدى الصريح عن الرغوة، قاله عبيد الله بن زياد في شأن مسلم ابن عقيل. بدّل لعمري من يزيد أعور. قاله همّام السّلولي في قتيبة بن مسلم؛ لما ولي مكان يزيد بن المهلب.
(1/41)

ومن الأمثال السائرة في صدر الأيام العباسية
لقيه بدهن أبي أيوب. وهو المرزباني وزير المنصور، وكان له دهن طيب يتطيب به إذا ركب إلى المنصور، فكان الناس إذا رأوا غلبته على المنصور، وطاعة المنصور له فيما يريده يقولون: دهن أبي أيوب من عمل السحرة. إلى أن ضربوا به المثل، فقالوا للذي يغلب على الإنسان: معه دهن أبي أيوب. تركت الرأي بالريّ. قاله أبو مسلم، لما أجاب داعي المنصور، وهو بالريّ فسار إليه، وحين أحس بالشروندم قال هذه المقالة. من يشناك كان وزيراً؛ وذلك أنه لما قتل أبو سلمة الخلال وزير السفاح قيل فيه:
إن الوزير وزير آل محمدٍ ... أودى فمن يشناك كان وزيرا
ليت كل يتيمةٍ مثل أم جعفر. قالته امرأةٌ سمعت أخرى تبكي لزبيدة لما توفى أبوها، وتقول: قد صارت المسكينة يتيمة. رُحنَ في الوشى، وأصبحنَ عليهن المسوح. قاله أبو العتاهية في جواري المهدي عند موته.
(1/42)

أنموذج من أمثال الفرس
عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان. المفروح به هو المحزون عليه. إذا أردت أن تفتضح فمر من لا يمتثل أمرك. صواب الجاهل كزلّة العاقل. عدل السلطان خيرٌ من خصب الزمان. من سعى رعى. من نام رأى الأحلام. كلّ شيءٍ شيءٌ، وصداقة الكذوب لا شيء. ما أقبح الخضوع عند الحاجة، والتكبر عند الاستغناء. من بلغ غاية ما يحب فليتوقع غاية ما يكره. لا يكون العمران حيث يجور السلطان. معالجة الموجود خيرٌ من انتظار المفقود. الاجتهاد في غير أوانه شرٌّ من التواني. الخير يطلب أهله، كما يطلب طير الماء الماء. ما حيلة الريح إذا هبت من داخل. إن لم تغض على القذى لم ترضَ أبداً. مثل العدو الضاحك إليك كالحنظلة الخضراء أوراقها، القاتل مذاقها. من حضر طعاماً لم يدع إليه فقد استحق الطّرد. بالتأني يدرك الغرض. من أدمن الاستفتاح فتح الأغلاق. أطع الكبير يطعك الصغير. استوحش من الكريم إذا جاع، ومن اللئيم إذا شبع. هب من فوقك يهبك من دونك.

أنموذج من أمثال العامة والمولدين
من عيّر عُيّر. عذره أشد من جرمه. لا تعلم اليتيم البكاء. ليس في الشهوات خصومة. الجنون فنون. ليست النائحة الثكلى كالمكتراة. لا جديد لمن لا خلق له. كسرة بملح إلى أن يدرك الشّواء. من استحيى من بنت عمّه لم يولد له. أبعد المشيب
(1/43)

أخدع بالزبيب؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ حبذا كثرة الأيدي إلا في الطعام. خذ اللص من قبل أن يأخذك. خذه بالموت حتى يرضى بالحمى. لا عند ربي ولا عند أستاذي. الخنفساء في عين أمها راشية. قطعت القاتلة، وكانت خيرة. من نكد الدنيا منفعة الهليلج ومضرة اللوزينج. كاد المريب يقول: خذوني. خلّ من قلّ خيره، لك في الناس غيره. خلّ يدك عن الجوز تخرج من البستوقة. من أكل القلايا صبر على البلايا. أول الدنّ دردي. فلان يتكثر بالجوز العفن، ويتجشأ من غير شبع. ربّ واثقٍ خجل. العين تستحيي من العين. من طمع في الكلّ فاته الكلّ. فلان يضرب في حديد بارد، وينفخ في غير فحم. فلان يطلب الغنيمة في الهزيمة. فلان يبني قصراً ويهدم مصرا. النادرة ولو على الوالدة. ومن البرّ ما يكون عقوقاً. فحل السّوء يبدأ بأمه. لا تبع يوماً صالحاً بيومٍ طالح. صلابة الوجه خيرٌ من غلة بستان. لا تطل الصيام ثم تفطر على العظام. فلان صام حولاً، ثم شرب بولاً. لا تمدّ رجليك إلا على قدر الكساء. أجلست عبدي فاتكأ.

ومن أمثال أهل بغداد
انقص من أشنانك، وزده في ألوانك. شهرٌ ليس لك فيه رزقٌ لا تعدّ أيامه. من لم تنفعك حياته فموته عرس. إذا لم ينفعك البازيّ فانتف ريشه. دع الشر يعبر. تنزو وتلين وتؤدي الأربعين. ما زلنا في لا شيء حتى
(1/44)

فرغنا. جزاك الله عني لا شيء، وعجّل لك نصفه. لو كان لنا تمر كما ليس لنا سمن لاتخذنا عصيدة، ولكن الشأن في الدقيق. صفقةٌ بنقدٍ خيرٌ من بدرةٍ بوعد. الألقاب تنزل من السماء. تغافل كأنك من واسط. الدنيا هي البصرة، ولا مثلك يا بغداد. واحد لم يتم نفسه؟ فقال: أنا أبو الفضل الطويل. مادح نفسك يقريك السلام. كنا أصدقاء فصرنا معارف. من غاب خاب، وأكل نصيبه الأصحاب. كفّ بختٍ خيرٌ من كرّ علم. المال وما سواه محال. بلدٌ أنت غزاله، كيف بالله نكاله؟؟ فلانٌ يريد أن يربح من حيث يخسر الناس. فلانٌ خبزه مخبوزٌ، وتمره مكنوزٌ، لا دار بكراء ولا خبز بشراء. ما أطيب العرس لولا النفقة. فلان يضرب الطبل تحت الكساء. فلان يتزبب وهو حصرم، يضرب للصبي ّ الذي يتشايخ. فلانٌ يهدد البطّ بالشطّ. إذا ما أقبل البخت فضع تختاً على تخت، وإذا أدبر البخت فلا فوق ولا تحت.

أنموذج من أبيات شعراء الجاهلية
السّائرة المستحسنة
امرؤ القيس:
وحسبك من غنى ًشبعٌ وريّ
(1/45)

والبرّ خير حقيبة الرجل
وجرح اللّسان كجرح اليد
رضيت من الغنيمة بالإياب
إنّ الشّقاء على الأشْقَيْنَ مصبوبٌ
وقاهم جدّهم ببني أبيهم ... وبالأشْقَيْن ما حلّ العقاب
فإنّك لم يفخر عليك كفاخرٍ ... ضعيفٍ ولم يغلبك مثل مُغَلّبِ
زهير:
ومن يغترب يحسب عدوّاً صديقه ... ومن لم يكرِّم نفسه لا يكرّمِ
ومهما يكن عند امرىءٍ من خليقةٍ ... ولو خالها تخفى على الناس تعلم
(1/46)

ِومن لم يصانع في أمورٍ كثيرةٍ ... يضرّس بأنيابٍ ويوطأ بمنسم
ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتّق الشّتم يشتم
ومن يك ذا فضلٍ فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدّم ومن لا يظلم الناس يظلم
ومن يعصِ أطراف الزّجاج فإنّه ... يطيع العوالي ركّبت كلّ لهذم
ومن أمثاله السائرة
وهل ينبت الخطيّ إلاّ وشيجه ... وتغرس إلاّ في منابتها النّخل
والسّتر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر
وإنّ الحقّ مقطعه ثلاثٌ ... يمينٌ أو نفارٌ أو جلاء
يريد أن الحق إنما يصح بواحدة من هذه الثلاث: يمين، أو محاكمة، أو حجة واضحة. وكان عمر رضي الله عنه يتعجب من معرفته بمقاطع الحقوق.
النابغة:
فإنّك كالّليل الذي هو مدركي
(1/47)

ولا قرار على زأرٍ من الأسد
فإن مطيّة الجهل الشّباب
كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع
ولست بمستبقٍٍ أخاً لا تلّمه ... على شعثٍ أيّ الرجال المهذّب
فإنك شمسٌ والملوك كواكبٌ ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
استبق ودّك للصّيق ولا تكن ... قتباً يعضّ بغاربٍ ملحاحا
طرفة: أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض
ما أشبه الليلة بالبارحة
خلالك الجوّ فبيضي واصفري
(1/48)

لنا يومٌ وللكروان يومٌ
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
ويأتيك بالأخبار من لم تبع له ... بتاتاً ولم تضرب له وقت موعد
وأعلم علماً ليس بالظنّ أنّه ... إذا ذلّ مولى المرء فهو ذليل
أوس بن حجر:
فإنكما يا ابني حبابٍ وجدتما ... كمن دبّ يستخفي وفي الحلق جلجل
أيّتها النفس أجملي جزعاً ... إنّ الذي تحذرين قد وقعا
وما ينهض البازي بغير جناحه ... ولا تحمل الماشين إلاّ الحوامل
إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليماً أو أصابك جاهل
ولست بحابىءٍ لغدٍ طعاماً ... حذار غدٍ لكلّ غدٍ طعام
عبيد بن الأبرص:
من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
(1/49)

وكل ذي غيبةٍ يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب
الخير يبقى وإن طال الزّمان به ... والشرّ أخبث ما أوعيت من زاد
لا أعرفنّك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زوّدتني زادي
أبو دؤاد الإيادي:
لا أعدّ الإقتار عدماً ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام
بشر بن أبي خازم:
وأيدي الندّى في الصّالحين قروض
كفى بالموت نأياً واغترابا
المتلمس:
قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علّم الإنسان إلا ليعلما
(1/50)

ولو غير إخواني أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما
وما كنت إلاّ مثل قاطع كفّه ... بكفٍّ له أخرى فأصبح أجذما
ولا يقيم على ذلٍّ يراد به ... إلا الأذلاّن عير الأهل والوتد
هذا على الخسف مربوطٌ برمّته ... وذا يشجّ فلا يرثى له أحد
الأفوه الأودي:
إنّما نعمة دنيا متعةٌ ... وحياة المرء ثوبٌ مستعار
وصروف الدّهر في إطباقها ... خلقةٌ فيها ارتفاع وانحدار
بينما الناس على عليائها ... إذ هووا في هوّةٍ منها فغاروا
البيت لا يبتنى إلا له عمدٌ ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
فإن تجمّع أوتادٌ وأعمدةٌ ... وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا
تهدى الأمور بأهل الرّأي ما صلحت ... فإن تولّت فبالأشرار تنقاد
لا يصلح النّاس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهّالهم سادوا
(1/51)

تميم بن أبيّ بن مقبل:
خليليّ لا تستعجلا وانظرا غدا ... عسى أن يكون الرّفق في الأمر أرشدا
ما أنعم العيش لو أن الفتى حجرٌ ... تنبو الحوادث عنه وهو ملوم
حميد بن ثور:
أرى بدني قد رابني بعد صحّةٍ ... وحسبك داءً أن تصحّ وتسلما
ولن يلبث العصران يومٌ وليلةٌ ... إذا اختلفا أن يدركا ما تيمّما
عديّ بن زيد:
كفى واعظاً للمرء أيّام دهره ... تروح له بالواعظات وتغتدي
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فإنّ القرين بالمقارن يقتدي
فإن كان ذا شرٍّ فجانبه سرعةً ... وإن كان ذا خيرٍ فقارنه تهتدي
(1/52)

وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضةً ... على المرء من وقع الحسام المهنّد
إذا ما رأيت الشرّ يبعث أهله ... وقام جناة الشرّ بالشرّ فاقعد
يا راقد الليل مسروراً بأولّه ... إنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا
قد يدرك المبطىء من حظّه ... والخير قد يسبق جهد الحريص
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصاري
فهل من خالدٍ لما هلكنا ... وهل بالموت يا للنّاس عار
الأسود بن يعفر:
ماذا أؤمّل بعد آل محرّقٍ ... تركوا منازلهم وبعد إياد
أرضٌ تخيّرها لطيب مقيلها ... كعب بن مامة وابن أم دؤاد
جرت الرياح على محلّ ديارهم ... فكأنّما كانوا على ميعاد
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشةٍ ... في ظلّ ملكٍ ثابت الأوتاد
(1/53)

فإذا النعيم وكلّ ما يلهى به ... يوماً يصير إلى بلىً ونفاد
علقمة بن عبدة:
فإن تسألوني بالنّساء فإنّني ... خبيرٌ بأدواء النّساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له في ودّهنّ نصيب
يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشّباب عندهنّ عجيب
وكلّ حصنٍ وإن طالت إقامته ... على دعائمه لا بدّ مهدوم
ومن تعرّض للغربان يزجرها ... على سلامته لا بدّ مشئوم
عمرو بن كلثوم:
وما شرّ الثلاثة أمّ عمروٍ ... بصاحبك الذي لا تصبحينا
وإن غداً وإن اليوم رهنٌ ... وبعد غدٍ بما لا تعلمينا
(1/54)

الحارث بن حلزة:
لا تكسع الشّول بأغبارها ... إنّك لا تدري من النّاتج
عش بجدٍّ لا يضرنك النّ ... وك ما أعطيت جدّا
فالعيش خيرٌ في ظلال النّ ... وك ممّن عاش كدّا
حاتم الطّائي:
إذا لزم الناس البيوت وجدتهم ... عماةً عن الأخبار خرق المكاسب
وأنت إذا أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذمّ أجمعا
أماويّ ما يغنى الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصّدر
وقد علم الأقوام لو أن حاتماً ... أراد ثراء المال كان له وفر
المرقش:
ومن يلق خيراً يحمد النّاس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما
(1/55)

النمر بن تولب:
يودّ الفتى طول السّلامة جاهداً ... فكيف ترى طول السّلامة يفعل
ومتى تصبك خصاصةٌ فارج الغنى ... وإلى الذي يهب الرغائب فارغب
لا تغضبنّ على امرىءٍ في ماله ... وعلى كرائم صلب مالك فاغضب
فلا وأبى النّاس لو يعلمون ... للخير خيرٌ وللشرّ شرّ
فيومٌ علينا ويومٌ لنا ... ويومٌ نساء ويومٌ نسرّ
مهلهل:
لو بأبانين جاء يخطبها ... ضرّج ما أنف خاطبٍ بدم
طفيل الغنوى:
إنّ النّساء كأشجارٍ نبتن لنا ... منها المرار وبعض المرّ مأكول
(1/56)

إنّ النّساء متى ينهين عن خلقٍ ... فإنه واجبٌ لا بدّ مفعول
عروة بن الورد:
وما شاب رأسي عن سنين تتابعت ... عليّ ولكن شيّبته الوقائع
ومن يك مثلي ذا عيالٍ ومقتراً ... من المال يطرح نفسه كلّ مطرح
ليبلغ عذراً أو يصيب خصاصةً ... ومبلغ نفسٍ عذرها مثل منجح
الأعشى:
كناطحٍ صخرةً يوماً ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
تعالوا فإنّ الحقّ عند ذوي النّهى ... من النّاس كالبلقاء بادٍ حجولها
ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى ... مصارع مظلومٍ مجرّاً ومسحبا
ويدفن منه الصالحات وإن يسيء ... يكن ما أساء النّار في رأس كبكبا
(1/57)

عوّدت كندة عادةً فاصبر لها ... اغفر لجاهلها وروّ سجالها
أو لا فكن جملاً ذلولاً ظهره ... واحمل فأنت معوّدٌ لحمالها
وإنّ القريب من يقرّب نفسه ... لعمر أبيك الخير لا من ننسّبا
لقيط بن معبد:
قوموا قياماً على أمشاط أرجلكم ... ثم افزعوا قد ينال الأمن من فزعا
هيهات ما زالت الأموال مذ أبدٌ ... لأهلها إن أصيبوا مرّةً تبعا
لقيط بن زرارة:
إن الشّواء والنّشيل والرّغف ... والقينة الحسناء والكأس الأنف
للضّاربين الهام، والخيل قطف
(1/58)

تأبط شراً:
لتقرعنّ عليّ السنّ من ندمٍ ... إذا تذكّرت يوماً بعض أخلاقي
الممزق العبدي:
فإما أن تكون أخي بحق ... فأعرف منك غثي أو سميني
والا فاطرحني واتخذني ... عدواً أتقيك وتتقييني
وإني لو تعاندني شمالي ... عنادك ما وصلت بها يميني
إذا لقطعتها ولقلت بيني ... كذلك أجتوي من يجتويني
فإن كنت مأكولاً فكن أنت آكلي ... وإلا فأدركني ولما أمزّق
(1/59)

أفنون التلغبي:
لعمرك ما يدري الفتى كيف يتقي ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا
الأضبط بن قريع السعدي:
لكلّ همٍّ من الهموم سعه ... والمسي والصبح لا فلاح معه
قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه
لا تحقرنّ الفقير علّك أن ... تركع يوماً والدهر قد رفعه
واقبل من الدهر ما أتاك به ... من قرّ عيناً بعيشه نفعه
سويد بن أبي كاهل:
ربّ من أنضجت غيظاً صدره ... قد تمنّى لي موتاً لم يطع
(1/60)

ويحيّيني إذا لاقيته ... وإذا يخلو له لحمي رتع

ومن الأبيات السائرة للمخضرمين
لبيد بن ربيعة:
وإذا رمت رحيلاً فارتحل ... واعص ما يأمر توصيم الكسل
واكذب والنّفس إذا حدّثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل
وما المال والأهلون إلا وديعةً ... ولا بدّ يوماً أن تردّ الودائع
وما المرؤ إلا كالشّهاب وضوئه ... يحور رماداً بعد إذ هو ساطع
كانت قناتي لا تلين لغامزٍ ... فألانها الإصباح والإمساء
ودعوت ربّي بالسلامة جاهداً ... ليصحني فإذا السلامة داء
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلفٍ كجلد الأجرب
ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر
(1/61)

كعب بن زهير:
ومن دعا النّاس إلى ذمّه ... ذمّوه بالحقّ وبالباطل
مقالة السّوء إلى أهلها ... أسرع من منحدرٍ سائل
النابغة الجعدي:
ولا خير في حلمٍ إذا لم تكن له ... بوادر تحمى صفوه أن يكدّرا
ولا خير في جهلٍ إذا لم يكن له ... كبيرٌ إذا ما أورد القوم أصدرا
كليبٌ لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر ذنباً منك ضرّج بالدّم
تلك المكارم لا قعبان من لبنٍ ... شيبا بماءٍ فعاد بعد أبوالا
حسان بن ثابت:
وإن امرءاً أمسى وأصبح سالماً ... من النّاس إلاّ ما جنى لسعيد
ربّ حلمٍ أضاعه عدم الما ... ل وجهلٌ غطّى عليه النّعيم
(1/62)

ما أبالي أنبّ بالحزن تيسٌ ... أم لحاني بظهر غيبٍ لئيم
الحطيئة:
لقد مريتكم لو أن درّتكم ... يوماً يجيء بها مسحي وإبساسي
أزمعت يأساً مريحاً من نوالكم ... ولن ترى طارداً للحرّ كالياس
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والنّاس
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فأنك أنت الطاعم الكاسي
أقلّوا علينا لا أباً لأبيكم ... من اللوم أو سدّوا المكان الذي سدّوا
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن غقدوا شدّوا
متمم بن نويرة:
وكنا كندماني جذيمة حقبةً ... من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا
فلما تفرقنا كأني ومالكاً ... لطول اجتماعٍ لم نبت ليلةً معا
(1/63)

أبو ذؤيب الهذلي:
وتجلّدي للشامتين أريهم ... أنّي لريب الدهر لا أتضعضع
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كلّ تميمةٍ لا تنفع
الخنساء:
ومن ظنّ ممّن يلاقي الحروب ... بألاّ يصاب فقد ظنّ عجزا
نهين النفوس وبذل النفو ... س عند الكريهة أبقى لها
الشماخ:
لمال المرء يصلحه فيغني ... مفاقره، أعف من القنوع
ليس لما ليس به بأسٌ باس ... ولا يضر المرء ما قال الناس
وإنه بعد قلاع إيناس
(1/64)

عبدة بن الطبيب:
والعيشٌ شحٌّ وإشفاقٌ وتأميل
عمرو بن معدي كرب:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
ليس الجمال بمئزرٍ ... فاعلم وإن ردّيت بردا
إنّ الجمال معادنٌ ... ومناقبٌ أورثن مجدا
معن بن أوس:
وفي النّاس إن رثّت حبالك واصلٌ ... وفي الأرض عن دار القلى متحوّل
(1/65)

إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجهٍ آخر الدّهر تقبل
أعلّمه الرّماية كلّ يومٍ ... فلمّا اشتدّ ساعده رماني
زيادة بن زيد:
ولا أتمنى الشرّ والشرّ تاركي ... ولكن متى أحمل على الشرّ أركب
هل الدّهر والأيام إلا كما ترى ... رزيّة مالٍ أو فراق حبيب
أيمن بن خريم:
إنّ للفتنة ميطاً بيننا ... فرويد الميط منها تعتدل
وإذا كان عطاءٌ فأتهم ... وإذا ما كان هرجٌ فاعتزل

ومن الأمثال الصادرة عن الأبيات السائرة
للمتقدمين في صدر الإسلام القطامي:
أمورٌ لو تدبّرها حكيمٌ ... إذاً لنهى وهيّب ما استطاعا
(1/66)

ولكنّ الأديم إذا تفرّى ... بلىً وتغيّباً غلب الصنّاعا
ومعصية الشفيق عليك ممّا ... يزيدك مرةً منه استماعا
وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتّبعه اتّباعا
أراهم يغمزون من استركّوا ... ويجتنبون من صدق المصاعا
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
والنّاس من يلق خيراً قائلون له ... ما يشتهي ولأمّ المخطىء الهبل
الطرماح:
لقد زادني حبّاً لنفسي أنني ... بغيضٌ إلى كلّ امرىءٍ غير طائل
وأني شقيٌّ باللئام ولا ترى ... شقيّاً بهم إلا كريم الشمائل
تميمٌ بطرق اللّؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلّت
ولو أن برغوثاً على ظهر قملةٍ ... يصول على صفّي تميمٍ لولّت
الكميت:
فيا موقداً ناراً لغيرك ضوؤها ... ويا حاطباً في حبل غيرك تحطب
(1/67)

إذا لم يكن إلا الأسنة مركبٌ ... فلا رأي للمضطرّ إلا ركوبها
المساور بن هند:
شقيت بنو أسدٍ بشعر مساورٍ ... إنّ الشقيّ بكلّ حبل يخنق
عديّ بن الرقاع:
وإذا نظرت إلى أميري زادني ... ضنّاً به نظري إلى الأمراء
بل ما رأيت جبال أرض تستوي ... فيما غشيت ولا نجوم سماء
كالبرق منه وابلٌ متتابعٌ ... جرداً وآخر ما يبضّ بماء
والمرء يورث مجده أبناءه ... ويموت آخر وهو في الأحياء
الراعي:
لو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يا ابن الرّقاع ولكن لست من أحدٍ
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل
(1/68)

إنّي لأمنحك الصدود وإنّني ... قسماً إليك مع الصدود لأميل
أيا بعل ليلي كيف تجمع سلمها ... وحربي وفيما بيننا شبّت الحرب
لها مثل ذنبي اليوم إن كنت مذنباً ... ولا ذنب لي إن كان ليس لها ذنب
ذو الرمة:
إن الكريم وذا الإسلام يختلب
ألم تر أن الماء يخبث طعمه ... وإن كان لون الماء أبيض صافيا
الفرزدق:
فيا عجبا حتى كليبٌ تسبّني ... كأن أباها نهشلٌ أو مجاشع
ترجّي ربيعٌ أن يجيء صغارها ... بخيرٍ وقد أعيى عليك كبارها
قوارص تأتيني وتحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمةٍ ... وإلا فإنّي لا إخا لك ناجيا
(1/69)

يمضي أخوك فلا تلقى له خلفاً ... والمال بعد ذهاب المال يكتسب
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزراً ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
قل لنصرٍ والمرء في دولة السل ... طان أعمى ما دام يدعى أميرا
فإذا زالت الولاية عنه ... واستوى بالرّجال عاد بصيرا
ولا نلين لسلطان يكايدنا ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
هل ابنك إلا ابنٌ من النّاس فاصبري ... ولن يرجع الموتى حنين المآتم
جرير:
إنّ الكريمة ينصر الكرم ابنها ... وابن اللئيمة للّئام نصور
زعم الفرزدق إن سيقتل مربعاً ... أبشر بطول سلامةٍ يا مربع
وابن الّلبون إذا ما لزّ في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
رأيتك مثل البرق تحسب ضوءه ... قريباً وأدنى ضوئه منك نازح
أما الرّجال فجعلانٌ ونسوتهم ... مثل القنافذ لا حسنٌ ولا طيب
(1/70)

الأخطل:
والنّاس همهم الحياة ولا أرى ... طول الحياة يزيد غير خبال
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخراً يكون كصالح الأعمال
إنّ الضّغينة تلقاها وإن قدمت ... كالعرّ يكمن حيناً ثم ينتشر
وأقسم المجد حقاً لا يحالفهم ... حتى يحالف بطن الراحة الشّعر
وإذا دعونك عمّهن فإنّه ... نسبٌ يزيدك عندهنّ خبالا
ضفادع في ظلماء ليلٍ تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حيّة البحر
يا مرسل الرّيح جنوباً وصبّا ... إن غضبت قيس فزدها غضبا
الصّلتان العبدي:
فإن يك بحر الحنظليّين واحداً ... فما تستوي حيتانه والضّفادع
وما يستوي صدر القناة وزجّها ... وما تستوي في الرّاحتين الأصابع
(1/71)

كثير:
وإني وتهيامي لعزّة بعد ما ... تخليت ممّا بيننا وتخلّت
لكا لمرتجى ظلّ الغمامة كلّما ... تبوّأ منها للمقيل اضمحلت
فقلت لها: يا عزّ كلّ مصيبةٍ ... إذا ذللّت يوماً لها النفس ذلّت
هنيئاً مريئاً غير داء مخامرٍ ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
إذا ما أرادت خلةً أن تريدنا ... أبينا وقلنا: الحاجبيّة أولّ
قضى كلّ ذي دينٍ فوفّى غريمه ... وعزّة ممطولٌ معنّى غريمها
ومن لا يغمّض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
ومن يتّتبع جاهداً كلّ عثرةٍ ... يجدها ولم يسلم له الدهر صاحب
جميل:
فإن يك حربٌ بين قومي وقومها ... فإنّي لها في كلّ نائبةٍ سلم
ولربّ عارضةٍ علينا وصلها ... بالجدّ تخلطه بقول الهازل
فأجبتها في الحين بعد تسترٍ ... حبّي بثينة عن وصالك شاغلي
(1/72)

لو كان في قلبي كقدر قلامةٍ ... حبٌّ وصلتك أو أتتك رسائلي
عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي:
ليت هنداً أنجزتنا ما تعد ... وشفت غلّتنا ممّا نجد
واستبدّت مرّةً واحدةً ... إنمّا العاجز من لا يستبدّ
قالت: ترقّب عيون الحيّ إنّ لهم ... عيناً علينا إذا ما نمت لم تنم
لا تلمني وأنت زيّنتها لي ... أنت مثل الشّيطان للإنسان

للمحدثين
إبراهيم بن هرمة:
وبعض القول يذهب في الرّياح
وطيب العيش في خبث الحرام
قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه ... خلقٌ وجيب قميصه مرقوع
كتاركةٍ بيضها بالعراء ... وملبسةٍ بيض أخرى جناحا
إنّ الذي شقّ فمي ... ضامن الرّزق حتى يتوفّاني
(1/73)

وحسبك تهمةً ببريّ قومٍ ... يضمّ على أخي سقمٍ جناحا
بشار بن برد:
إذا كنت في كلّ الأمور معاتباً ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحداً أو صل أخاك فإنّه ... مقارف ذنبٍ مرّةً ومجانبه
إذا انت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت وأيّ النّاس تصفو مشاربه
إذا بلغ الرّأي المشورة فاستعن ... بحزم نصيحٍ أو نصيحة حازم
ولا تجعل الشّورى عليك غضاضةً ... فإنّ الخوافي قوةٌ للقوادم
وما خير كفٍّ أمسك الغلّ أختها ... وما خير سيفٍ لم يؤيّد بقائم
كبكرٍ تحبّ لذيذ النّكاح ... وتفزع من صولة النّاكح
أنت من قلبها مكان شرابٍ ... تشتهي شربه وتخشى صداعه
الحرّ يلحى والعصا للعبد ... وليس للملحف مثل الردّ
وصاحبٍ كالدّمّل الممدّ ... حملته في رقعةٍ من جلدي
(1/74)

وإذا جفوت قطعت عنك منافعي ... والدرّ يقطعه جفاء الحالب
ولولا الذي خبروا لم أكن ... لأمدح ريحانةً قبل شمّ
تأتي المقيم وما سعى حاجاته ... عدد الحصى ويخيب سعي النّاصب
لقد علمت وما الإسراف من خلقي ... أنّ الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى لأطلبه فعيني تطلبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنّيني
أنا والله أشتهي سحر عيني ... ك وأخشى مصارع العشاق
ترجوا غداً وغدٌ كحاملةٍ ... في الحيّ لا يدرون ما تلد
تسقط الطّير حيث ينتثر ال ... حبّ وتغشى منازل الكرماء
ليس يعطيك للجزاء ولا للخو ... ف ولكن يلذّ طعم العطاء
والصعب يمكن بعد ما جمحا
ولا بدّ من شكوى إلى ذي حفيظةٍ
(1/75)

ولن تبلغ العليا بغير دراهم
وكل ما سدّ فقراً فهو محمود
أبو العتاهية:
أذلّ الحرص أعناق الرجال
وكلّ غنيٍّ في العيون جليل
روائح الجنّة في الشباب
وأيّ الناس ليس له عيوب
إنّ الشباب والفراغ والجده ... مفسدةٌ للمرء أيّ مفسده
أنت ما استغنيت عن صا ... حبك الدّهر أخوه
(1/76)

فإذا احتجت إليه ... ساعةً مجّك فوه
ما يحزر المرء من أطرافه طرفاً ... إلا تخوّنه النقصان من طرف
يصاد فؤادي حين أرمي ورميتي ... تعود إلى نحري ويسلم من أرمي
ولربّ شهوة ساعةٍ ... قد أورثت حزناً طويلا
إن كان لا يغنيك ما يكفيكا ... فكلّ ما في الأرض لا يغنيكا
سلم بن عمرو:
من راقب النّاس مات غمّاً ... وفاز باللّذة الجسور
لولا منى العاشقين ماتوا ... غمّاً وبعض المنى غرور
ولو ملكت عنان الريح تصرفه ... في كلّ ناحيةٍ ما فاتك الطلب
لا تسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهدٌ من الخبر
صالح بن عبد القدوس:
لا يبلغ الأعداء من جاهلٍ ... ما يبلغ الجاهل من نفسه
(1/77)

والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه
فإذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذي الضّنى عاد إلى نكسه
وإن عناءً أن تفهّم جاهلاً ... ويحسب جهلاً أنّه منك أفهم
متى يبلغ البنيان يوماً تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
إذا وترت امرءاً فاحذر عداوته ... من يزرع الشّوك لم يحصد به عنبا
شرّ المواهب ما تجود به ... في غير محمدةٍ ولا أجر
لا تجد بالعطاء في غير حقٍّ ... ليس في منع غير ذي الحقّ بخل
إنّما الجود أن تجود على من ... هو للجود منك والبذل أهل
يشقى رجالٌ ويشقى آخرون بهم ... ويسعد الله أقواماً بأقوام
وليس رزق الفتى من حسن حيلته ... لكن جدودٌ بأرزاقٍ وأقسام
كالصيّد يحرمه الرّامي المجيد وقد ... يرمي فيرزقه من ليس بالرّامي
كلّ آتٍ لا شكّ آتٍ وذو الجه ... ل معنّى والغمّ والحزن فضل
والبة بن الحباب:
إن كان يجزى بالخير فاعله ... شراً ويجزى المسيء بالحسن
فويل تالي القرآن في ظلم اللّي ... ل وطوبى لعابد الوثن
(1/78)

ابن مناذر:
يا عجباً من خالدٍ كيف لا ... يخطىء فينا مرّةً بالصّواب
وأرانا كالزّرع يحصده الدّهر فمن بين قائمٍ وحصيد
وكأنّا للموت ركبٌ يخبّون ... سراعاً لمنهلٍ مورود
أبو نواس:
دع عنك لومي فإنّ اللّوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
ولربّ إحسانٍ عليك ثقيل
وللّرجاء حرمةٌ لا تجهل
من فرص اللّص ضجّة السّوق
أية نار قدح القادح ... وأي جدٍّ بلغ المازح
من يعمل الطّين يأكل الطّينا
إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشّفت ... له عن عدوٍّ في ثياب صديق
(1/79)

لا أذود الطّير عن شجرٍ ... قد بلوت المرّ من ثمره
وليس لله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحد
صار جدّاً ما مزحت به ... ربّ جدّ جرّه اللّعب
كفى حزناً أنّ الجواد مقتّرٌ ... عليه ولا معروف عند بخيل
وأوبة مشتاقٍ بغير دارهم ... إلى أهله من أعظم الحدثان
أبو عيينة المهلبي:
وكيف جحود القلب والعين تشهد
ولا خير فيمن لا يدوم له عهد
وشتّان ما بين الولاية والعزل
لو كما ينقص يز ... داد إذاً نال السّماء
أبوك لنا غيثٌ نعيش بظلّه ... وأنت جرادٌ لست تبقي ولا تذر
(1/80)

عبد الله بن محمد بن أبي عيينة:
كلّ المصائب قد تمرّ على الفتى ... فتهون غير شماتة الحسّاد
ما كنت إلا كلحمٍ ميّتٍ ... دعا إلى أكله اضطرار
من آنسته البلاد لم يرم ... منها ومن أوحشته لم يقم
ومن يبت والهموم قادحةٌ ... في صدره بالزّناد لم ينم
العباس بن الأحنف:
صدّ الملول خلاف صدّ العاتب
ولا خير في ودٍّ يكون بشافع
من عالج الشّوق لم يستبعد الدّارا
(1/81)

شغل الحلي أهله أن يعارا
صرت كأني ذبالةٌ نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق
أرى الطريق قريباً حين أسلكه ... إلى الحبيب بعيداً حين أنصرف
كفى حزناً أن التباعد بيننا ... وقد جمعتنا والأحبّة دار
أقمنا مكرهين بها فلمّا ... ألفناها رحلنا كارهينا
مسلم بن الوليد:
دلّت على عيبها الدنيا وصدّقها ... ما استرجع الدّهر مما كان أعطاني
يعدّ الفتى مرّ الليالي سليمةً ... وهنّ به عما قليلٍ عواثر
الشيب كرهٌ وكره أن يفارقني ... أعجب بشيءٍ على البغضاء مودود
فاذهب فأنت طليق عرضك إنه ... عرضٌ عززت به وأنت ذليل
(1/82)

منصور بن الزبرقان النمري:
لعلّ له عذراً وأنت تلوم ... وكم لائمٍ قد لام وهو مليم
ما كنت أوفي شبابي كنه عزّته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
أقلل عتاب من استربت بودّه ... ليست تنال مودة بقتال
إنّ المنيّة والفراق لواحدٌ ... أو توأمان تراضعا بلبان
العتابي:
فإنّ عظيمات الأمور مشوبةٌ ... بمستودعاتٍ في بطون الأساود
ولله في عرض السماوات جنةٌ ... ولكنها محفوفةٌ بالمكاره
قلت للفرقدين والّليل ملقٍ ... سود أكنافه على الآفاق
ابقينا ما استطعتما فسيرمي ... بين شخصيكما بسهم الفراق
(1/83)

أشجع السلمي:
وعلى عدوّك يا بن عمّ محمدٍ ... رصدان ضوء الصبح والإظلام
فإذل تنبّه رعته وإذا هدى ... سلّت عليه سيوفك الأحلام
داءٌ قديم في بني آدم ... فتنة إنسانٍ بإنسان
نسيبك من أمسى يناجيك طرفه ... وليس لمن تحت التراب نسيب
لا بدّ للمشتاق من ذكر الوطن ... واليأس والسّلوة من بعد الحزن
سبق القضاء بكل ما هو كائنٌ ... فليجهد المتقلّب المحتال
الخريمي:
وأعددته ذخراً لكلّ ملمةٍ ... وسهم الرّزايا بالذّخائر مولع
إذا ما مات بعضك فابك بعضاً ... فبعض الشيء من بعضٍ قريب
أرى الحلم في بعض المواطن ذلّةً ... وفي بعضها عزّاً يسوّد فاعله
ودون النّدى في كلّ قلبٍ ثنيّةٌ ... لها مصعدٌ حزنٌ ومنحدرٌ سهل
(1/84)

العيش لا عيش إلا ما قنعت به ... قد يكثر المال والإنسان مفتقر
وهل حازمٌ إلا كآخر عاجزٍ ... إذا حلّ بالإنسان ما يتوقّع
محمود الوراق:
وإذا غلا شيءٌ علّي تركته ... فيكون أرخص ما يكون إذا غلا
ما كدت أفحص عن أخي ثقةٍ ... إلا ذممت عواقب الفحص
ولم أر بعد الدين خيراً من الغنى ... ولم أر بعد الكفر شرّاً من الفقر
الدّهر لا يبق على حاله ... لكنّه يقبل أو يدبر
فإن تلقّاك بمكروهةٍ ... فاصبر فإنّ الدّهر لا يصبر
إذا كان وجه العذر ليس ببيّنٍ ... فإنّ اطّراح العذر خيرٌ من العذر
محمد بن حازم الباهلي:
لم يك لي شكلاً ففارقته ... وللناس أشكالٌ وألاّف
ربّ غريبٍ ناصح الجيب ... وابن عمٍّ متهم الغيب
وربّ عيّابٍ له منظرٌ ... مشتمل الثوّب على العيب
(1/85)

لا تعجبنّ لأحمقٍ ... نال الغنى من غير كدّه
ولعاقلٍ ما يستت ... ب فكلّهم يسعى بجدّه
ألا إنما الدنيا على المرء فتنةٌ ... على كلّ حالٍ أقبلت أم تولّت
اللجلاج الحارثي:
إذا المرؤ لم يدنس من الّلؤم عرضه ... فكل رداءٍ يرتديه جميل
إذا كنت ملحيا مسيئاً ومحسناً ... فغشيان ما تهوى من الأمر أكيس
وما زرتكم عمداً ولكنّ ذا الهوى ... إلى حيث يهوى القلب تهوي به الرّجل
إذا ما أهان امرؤٌ نفسه ... فلا أكرم الله من يكرمه
محمد بن أبي زرعة الدمشقي:
لا يؤنسنّك أن تراني ضاحكاً ... كم ضحكةٍ فيها عبوسٌ كامن
قد يهزّ الهنديّ وهو حسامٌ ... ويحثّ الجواد وهو جواد
(1/86)

أبو الشيص:
لا تنكري صدّي ولا إعراضي ... ليس المقلّ عن الزّمان براض
إذا لم يكن طرق الهوى لي ذليلةً ... تنكبتها وانحزت للجانب السّهل
عليّ بن جبلة:
وأرى اللّيالي ما طوت من شرتي ... ردّته في عظتي وفي إفهامي
وعلمت أنّ المرء من سنن الرّدى ... حيث الرّميّة من سهام الرّامي
وخافت على التّطواف فوتي وإنّما ... تصاد غرار الوحش وهي رتوع
عبد الصمد بن المعذل:
ليس لي عذرٌ ولي بلغةٌ ... إنّما العذر لمن لا يستطيع
وأعلم أنذ بنات الرجاء ... تحلّ العزيز محلّ الذليل
وأن ليس مستغنياً بالكثير ... من ليس مستغنياً بالقليل
أرى النّاس أحدوثةً ... فكوني حديثاً حسن
(1/87)

كأن لم يزل ما أتى ... وما قد مضى لم يكن
إذا وطنٌ رابني ... فكل بلادٍ وطن
الحمدوني:
إن المقدّم في حذقٍ بصنعته ... أنّى نوجّه فيها فهو محروم
إذا ما اتّقيت على قرحةٍ ... فكلّ بلاءٍ بها مولع
العتبي:
قالت عهدتك مجنوناً فقلت لها ... إن الشباب جنونٌ برؤه الكبر
وحسبك من حادثٍ بامرىءٍ ... ترى حاسديه له راحمينا
أبو سعيد المخذومي:
وكم رأينا في الدهر من أسدٍ ... بالت على رأسه ثعالبه
(1/88)

إذا ضنّ الجواد بما لديه ... فما فضل الجواد على البخيل
ليس لبس الطّيالس ... من لباس الفوارس
لا ولا حومة الوغى ... كصدور المجالس
وظهور الجياد غي ... ر ظهور الطّنافس
ليس من مارس الحرو ... ب كمن لم يمارس
دعبل الخزاعي:
لا تعجبي يا سلم من رجلٍ ... ضحك المشيب برأسه فبكى
هي النّفس ما حسنته فمحسنٌ ... إليها وما قبّحته فمقبّح
جئنا به يشفع في حاجةٍ ... فاحتاج في الإذن إلى شافع
تلك المساعي إذا ما أخّرت رجلاً ... أحبّ للناس عيباً كالذي عابه
كذاك من كان هدم المجد عادته ... فإنّه لبناة المجد عيّابه
رفع الكلب فاتّضع ... ليس في الكلب مصطنع
أرى فيأهم في غيرهم متقسّماً ... وأيديهم من فيئهم صفرات
بنات زيادٍ في القصور مصونةٌ ... ونبت رسول الله في الفلوات
(1/89)

وآل رسول الله نحفٌ جسومهم ... وآل زيادٍ غلّظ القصرات
إسحاق الموصلي:
إن ما قلّ منك يكثر عندي ... وكثيرٌ من الحبيب القليل
وكلّ مسافرٍ يزداد شوقاً ... إذا دنت الديار من الدّيار
المؤمّل بن اميل:
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم ونعتذر
لا تحسبوني غنيّاً عن مودّتكم ... إنّي إليكم وإن أيسرت مفتقر
إبراهيم بن العباس:
وربّ أخٍ ناديته لملمّةٍ ... فألفيته منها أجلّ وأعظما
(1/90)

وكنت أذمّ إليك الزّما ... ن فأصبحت فيك أذمّ الزّمانا
وكنت أعدّك للنّائبا ... ت فها أنا أطلب منك الأمانا
دنت بأناسٍ عن تناءٍ زيارةٌ ... وشطّ بليلي عن دنوٍّ مزارها
وإنّ مقيماتٍ بمنعرج اللّوى ... لأقرب من ليلي وهاتيك دارها
أبو علي البصير:
فلا تعتذر بالشّغل عنّا فإنّما ... تناط بك الآمال ما اتّصل الشّغل
لعمر أبيك ما نسب المعلّى ... إلى كرمٍ وفي الدّنيا كريم
ولكن البلاد إذا اقشعرّت ... وصوّح نبتها رعي الهشيم
سعيد بن حميد:
إن جهد المقلّ غير قليل
وعلى المريب شواهدٌ لا تنكر
(1/91)

وإنّك كالدّنيا نذمّ صروفها ... ونوسعها عيباً ونحن عبيدها
علي بن الجهم:
ولكلّ حالٍ معقبٌّ ولربّما ... أجلى لك المكروه عمّا يحمد
ارض للسّائل الخضوع وللقا ... رف ذنباً غضاضة الإعتذار
ولا ذنب للعود الذّماريّ إنّما ... يحرّق من دلّت عليه روائحه
وعاقبة الصبر الجميل جميلةٌ ... وأفضل أخلاق الرجال التّفضّل
ولا عار إن زالت عن المرء نعمةٌ ... ولكنّ عاراً أن يزول التّجمّل
ابن أبي فنن:
أرى الدّهر يخلقني كلّما ... لبست من الدّهر ثوباً جديداً
سرّ من عاش ماله فإذا ... حاسبه الله سرّه الإعدام
ربّ أمرٍ سرّ آخره ... بعد ما ساءت أوائله
(1/92)

يزيد بن محمد المهلبي:
لا عار إن ضامك دهرٌ أو ملك
ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلّها ... كفى المرء نبلاً أن تعدّ معايبه
وإن النّاس جمعهم كثيرٌ ... ولكن من يسرّ به قليل
عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:
فإن تلحظي حالي وحالك مرّةً ... بنظرة عينٍ عن هوى القلب تحجب
ترى كلّ يومٍ مرّ من بؤس عيشتي ... يمرّ بيومٍ من نعيمك يحسب
أحمد بن أبي طاهر:
ودين الفتى بين التماسك والنّهى ... ودنيا الفتى بين الهوى والتّغزل
حسن الفتى أن يكون ذا حسبٍ ... من نفسه ليس حسنه الحسب
إنّي وتزييني بمدحي معشراً ... كمعلّقٍ درّاً على خنزير
(1/93)

أبو هفان:
تعجّبت درّ من شيبي فقلت لها ... لا تعجبي فطلوع البدر في السّدف
وزادها عجباً أن رحت في سملٍ ... وما درت درّ أن الدرّ في الصّدف
أبو تمّام حبيب بن أوس الطّائي:
ما الحبّ إلاّ للحبيب الأولّ
إن السماء ترجّى حين تحتجب
لسان المرء من خدم الفؤاد
وذو النقص في الدنيا بذي الفضل مولع
ولكنّ خير الخير عندي المعجّل
(1/94)

إنّ السّماحة صيقل الأحساب
ما آب من آب لم يظفر بحاجته ... ولم يغب طالبٌ بالنّجح لم يخب
ومن لم يسلّم للنوائب أصبحت ... خلائقه طرّاً عليه نوائبا
لأمرٍ عليهم أن تتمّ صدوره ... وليس عليهم أن تتمّ عواقبه
لا تنكر عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حربٌ للمكان العالي
وإذا تأملت البلاد وجدتها ... تثرى كما يثرى الرجال وتعدم
وإذا امرؤٌ أسدى إليك صنيعةً ... من جاهه فكأنها من ماله
خلقنا رجالاً للتجلّد والأسى ... وتلك الغواني للبكا والمآتم
ينال الفتى من عيشه وهو جاهل ... ويكدى الفتى في دهره وهو عالم
ولو كانت الأرزاق تجري على الحجى ... إذاً هلكت من جهلهنّ البهائم
أآلفة النّحيب كم افتراقٍ ... أظلّ فكان داعية اجتماع
وليست فرحة الأوبات إلا ... لموقوفٍ على ترح الوداع
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ ... طويت أتاح لها لسان حسود
(1/95)

ولا اشتعال النّار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
وهل يبالي بإقضاض مضجعه ... من راحة المكرمات في تعبه
خشعوا لصولتك التي هي عندهم ... كالموت يأتي ليس فيه عار
ذاك الذي قرحت بطون جفونه ... مرهاً وتربة أرضه من إثمد
وتركي سرعة الصدر اغتباطاً ... يدلّ على موافقة الورود
ولم أر كالمعروف تدعى حقوقه ... مغارم في الأقوام وهي مغانم
وإن امرءاً ضنّت يداه على امرىءٍ ... بنيل يدٍ من غيره لبخيل
إنّ الرياح إذا ما أعصفت قصفت ... عيدان نبعٍ ولم يعبأن بالرّتم
أبو عبادة البحتري:
ومن ذا يذمّ الغيث ألا مذمّم
وربّما ضرّ في ذي الحاجة المطر
(1/96)

وأبرح مما حلّ ما يتوقّع
وليس يفترق النّعماء والحسد
إن المعنّى طالبٌ لا يظفر
أرى الكفر للنّعماء ضرباً من الكفر
فالأرض من تربةٍ والنّاس من رجل
يزين الّلآلي في النّظام ازدواجها
مضى منك وسميٌّ فجد بوليّه ... وعوّدت من نعماك فضلاً فواله
وكان رجائي أن أؤوب مملّكا ... فصار رجائي أن أؤوب مسلّما
(1/97)

ننسى أيادي الزّمان فينا وما ... نذكر من دهرنا سوى نوبه
متى أحوجت ذا كرمٍ تخطّى ... أليك ببعض أخلاق اللّئيم
والشيء تمنعه يكون بفوته ... أجدى من الشيء الذي تعطاه
تناس ذنوب قومك إن حفظ الذّ ... نوب إذا قدمن من الذنوب
وإذا ما خفيت كنت حريّاً ... أن أرى غير مصبحٍ حيث أمسى
متى أرت الدنيا نباهة خاملٍ ... فلا ترتقب إلاّ خمول نبيه
والأرض لولا العداة واحدةٌ ... والناس لولا الفعال أمثال
وأرى النجابة لا يكون تمامها ... لنجيب قومٍ ليس بابن نجيب
وإذا ما الشريف لم يتواضع ... للأخلّاء فهو عين الوضيع
وعطاء غيرك إن بذل ... ت عنايةً فيه عطاؤك
ليس الذي يعطيك تالد ماله ... مثل الذي يعطيك مال النّاس
(1/98)

وتفاضل الأخلاق إن حصّلتها ... في الناس حسب تفاضل الأجناس
لا ييأس المرء أن ينّجيه ... ما يحسب النّاس أنه عطبه
يسرّك الشيء قد يسؤوكم ... نوّه يوماً بخاملٍ لقبه
وإذا صحّت الرويّة يوماً ... فسواءٌ ظنّ امرءٍ وعيانه
سبيلي أن أعطي الذي يسألونني ... وحقّي أن يجدى عليّ ولا أجدي
إذا محاسني الّلاتي أدلّ بها ... كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر
ويلؤم سائل البخلاء حرصاً ... وإشفاقاً كما لؤم البخيل

للمولدين
ديك الجن:
وشافي النّصح يعدل بالأشافي ... ومن جعل القوادم كالخوافي
وليس القدر إلا بالأثافي
(1/99)

إذا شجر المودّة لم تجده ... بغيث البرّ أسرع في الجفاف
يرقد النّاس آمنين وريب الدّ ... هر يرعاهم بمقلة لصّ
سبحان من جعل الآداب في عصبٍ ... خطّاً وصيّرها غيظاً على عصب
ابن الروميّ:
ألا من يريني غايتي قبل مذهبي ... ومن أين والغايات بعد المذاهب
عيب الأناة وإن كانت مباركةً ... أن لا خلود وأن ليس الفتى حجرا
أنت عيني وليس من حقّ عيني ... غضّ أجفانها على الأقذاء
وكم داخلٍ بين الحميمين مصلح ... كما انغلّ بين الجفن والعين مرود
في هدنة الدّهر كافٍ من وقائعه ... والعمر أقدح مبراةً من الوصب
هو بازٍ صائدٌ أرسلته ... فارجعوه سالماً إن لم يصد
وما الحمد إلاّ توأم الشكر في الفتى ... وبعض السّجايا ينتسبن إلى بعض
إذا الأرض أدّت ريع ما أنت زارعٌ ... من البذر فيها فهي ناهيك من أرض
واعلم بأنّ النّاس من طينةٍ ... يصدق في الثلّب لها الثّالب
لولا علاج النّاس أخلاقهم ... إذاً لفاح الحمأ الّلازب
(1/100)

وإذا أتاك من الأمور مقدّرٌ ... ففررت منه فنحوه تتوجّه
كيف ترضى الفقر عرساً لامرىءٍ ... وهو لا يرضى لك الدنيا أمّه
عدوّك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرنّ من الصّحاب
فإن الداء أكثر ما تراه ... يحول من الطّعام أو الشّراب
وكم لمعةٍ خلتها روضةً ... فألفيتها دمنةً معشبه
ظلمتكم لا تطيب الفرو ... ع إلاّ وأعراقها طيّبه
وكنت حسبت فلما حسب ... ت زاد الحساب على المحسبه
وحبّب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضّاها الشباب هنالكا
إذا ذكروا أوطانهم ذكّرتهم ... عهود الصّبا فيها فحنّوا لذلكا
أمن بعد مثوى المرء في بطن أمه ... إلى ضيق مثواه من الأرض يسلم
ولم يبق بين الضيق والضيق فرجةً ... أبى ذاك أن الله بالعبد أرحم
ابن المعتز:
دية الذّنب عندنا الاعتذار
وقفةٌ في الطريق نصف الزياره
فإنّ العيون وجوه القلوب
(1/101)

كم سائلٍ ليجيبه النّاعي
أمّ الكرام قليلة الأولاد
أبطأ فيض الدّلاء أملؤها
ما أعلم الموت بمن أحبّ
اصبر على شرّ العد ... وّ فإن صبرك قاتله
كالنّار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله
ويا ربّ ألسنةٍ كالسيوف ... تقطّع أعناق أصحابها
وكم دهي المرء من نفسه ... فلا يؤكلنّ بأنيابها
وإن فرصةٌ أمكنت في العدى ... فلا تبد فعلك إلا بها
وإن لم تلج بابها مسرعاً ... أتاك عدوّك من بابها
وإيّاك من ندمٍ بعدها ... وتأميل أخرى وأنّى بها
(1/102)

رأيت حياة المرء ترخص قدره ... وإن مات أغلته المنايا الطّامح
كما يخلق الثوب الجديد ابتذاله ... كذا تخلق المرء العيون اللوامح
ما أعجب الدهر في تصرّفه ... ونقل سلطانه ودولته
من كان يدري أن النعيم إلى ... بؤسٍ رأى الهمّ في مسرّته
ولا همّ إلا سوف يفتح قفله ... ولا حال إلا للفتى بعدها الحال
لا تأمنوا من بعد خيرٍ شراً ... كم غصنٍ أخضر صار جمرا
عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
ألم تر أن المرء تدوى يمينه ... فيقطعها عمداً ليسلم سائره
فكيف تراه بعد يمناه صانعاً ... بمن ليس منه حين تدوى سرائره
نون الهوان من الهوى مسروقةٌ ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا
ذو العقل يسخو بعيش ساعته ... وبالذي بعدها تشحّ يده
وكلّ ذي فطنةٍ ومعرفةٍ ... أهمّ من يومه عليه غده
(1/103)

ألا قبّح الله الضّرورة إنها ... تكلّف أعلى الخلق أدنى الخلائق
ولله درّ الإختبار فإنه ... يبيّن فضل السّبق من غير سابق
وكم قائلٍ: مالي رأيتك راجلاً ... فقلت له: من أجل أنّك فارس
ومن سرّه ألاّ يرى ما يسوءه ... فلا يتّخذ شيئاً يخاف له فقدا
وإنّ صلاح الأمر يرجع كلّه ... فساداً إذا الإنسان جازبه الحدّا
لا يبرأ المصدور من سقمٍ ... قي صدره إلاّ إذا نفثا
وإن أناساً يصبرون تعفّفاً ... على فقد عادات الغنى لكرام
خليليّ لو أن همّ النّفو ... س دام عليها ثلاثاً قتل
ولكنّ شيئاً يسمّى السّرور ... قديماً سمعنا به ما فعل
ابن طباطبا العلويّ:
إن في نيل المنى وشك الرّدى ... وقياس القصد عند السّرف
كسراجٍ دهنه قوتٌ له ... فإذا غرّقته فيه طفي
لقد قال أبو بكرٍ ... صواباً بعدما أنصت
خرجنا لم نصد شيئاً ... وما كان لنا أفلت
مثلي كبائع طسته بشرابه ... سرّاً لئلّا يعلم الجيران
(1/104)

لما تملّى ظلّ في غثيانه ... يشكو الصداع فعاده الجيران
ودعوا بطست كي يقيء فقال: مه ... لو كان طستٌ لم يكن غثيان
يا عيشنا المفقود خذ من عمرنا ... عاماً وردّ من الصّبا أيّاما
منصور الفقيه المصري:
يا من يخاف أن يكو ... ن ما يخاف سرمدا
أما سمعت قولهم ... : إن مع اليوم غدا
الملح يصلح كلّ ما ... يخشى عليه من الفساد
فإذا الفساد جرى علي ... هـ فحكمه حكم الرّماد
شاهد ما في مضمري ... من صدق ودٍّ مضمرك
فما أريد وصفه ... قلبك عنّي يخبرك
إذا تخلّفت عن صديقٍ ... ولم يعاتبك في التّخلف
فلا تعد بعدها إليه ... فإنّما ودّه تكلّف
الناس بحرٌ عميقٌ ... والبعد منهم سفينه
وقد نصحتك فانظر ... لنفسك المسكينه
كلّ مذكورٍ من النا ... س إذا ما فقدوه
(1/105)

صار في حكم حديثٍ ... حفظوه فنسوه
كلّ من أصبح في ده ... رك ممّن قد تراه
فهو من خلفك مقرا ... ضٌ وفي الوجه مراه
من قال: لا، في حاجةٍ ... مطلوبةٍ فما ظلم
وإنّما الظّالم من ... يقول: لا، بعد نعم
ابن بسام:
وكم أمنيةٍ جلبت منيّه
وعند الضّرورة آتي الكنيفا
ولما لم ننل منهم سروراً ... رأينا فيهم كلً السّرور
حياة هذا كموت هذا ... فلست تخلو من المصائب
ربّ يومٍ بكيت منه فلمّا ... صرت في غيره بكيت عليه
قد يحمل الشّيخ الكبير جنازة الطّفل الصغير
وكلّ ريحٍ لها هبوبٌ ... يوماً فلا بدّ من ركود
(1/106)

إنّي لأهجو من يجود بفضله ... فيظنني أدع اللّئيم الراضعا
جحظة البرمكي:
كلّما قلت قال: أحسنت زدني ... وبأحسنت لا يباع الدّقيق
وللمساكين أيضاً بالنّدى ولع
وآفة التّبر ضعف منتقده
متى يلتقي الميت والغاسل
لا تعدّنّ للزّمان صديقاً ... وأعدّ الزّمان للأصدقاء
إن حال دون لقائكم بوّابكم ... فالله ليس لبابه بوّاب
ربّ ما أبين التّباين فيه ... منزلٌ عامرٌ وعقلٌ خراب
وما كذب الذي قد قال قبلي ... : إذا ما مرّ يومٌ مرّ بعضي
إذا الشّهر حلّ ولا رزق لي ... فعدّي لأيامه باطل
وإذا جفاني جاهلٌ ... لم أستجز ما عشت قطعه
وتركته مثل القبو ... ر أزورها في كلّ جمعه
(1/107)

الصّنوبري:
محن الفتى يخبرن عن فضل الفتى ... كالنّار مخبرةٌ بفضل العنبر
ربّ حالٍ كأنها مذهب الدي ... باج صارت من رقّة كالّلاذ
وزمانٍ مثل ابنة الكرم حسناً ... عاد عند العيون مثل الدّاذي
أو ما من فساد رأي اللّيالي ... أن شعري هذا وحالي هذي
كشاجم:
يريك مرور الليالي الغير ... وللورد في كل حالٍ صدر
وإنّ علاجي قرحةً قد عرفتها ... أداوي الّذي أدوته منّي لأسلما
لأهون عندي من علاج غريبةٍ ... من السقم ما عاينتها متقدّما
ومستزيدٍ في طلاب الغنى ... يجمع لحماً ماله طابخ
ضيّع ما نال بما يرتجي ... والنار قد يخمدها النّافخ
شخص الأنام إلى كمالك فاستعذ ... من شرّ أعينهم بعيبٍ واحد
(1/108)

يعاد حديثه فيزيد حسناً ... وقد يستقبح الشّيء المعاد

لأهل هذا العصر
الأمير أبو فراس الحمداني:
غنى النّفس لمن يع ... قل خيرٌ من غنى المال
وفضل النّاس في الأن ... فس ليس الفضل في الحال
ونحن أناسٌ لا توسّط عندنا ... لنا الصّدر دون العالمين أو القبر
تهون علينا في المعالي نفوسنا ... ومن خطب الحسناء لم يغله المهر
ولقد ظننت بك الظّنو ... ن لأنه من ضنّ ظنّا
يجني عليّ وأحنو صافحاً أبداً ... لا شيء أحسن من حانٍ على جان
وندعو كريماً من يجود بماله ... ومن يبذل النّفس النفيسة أكرم
وأعظم آفات الرجال ثقاتها ... وأهون من عاديته من يحارب
ولست أرى فساداً في فساٍد ... يجرّ على فريقيه صلاحا
وجميل العدوّ غير جميل ... وقبيح الصّيق غير قبيح
(1/109)

أبو الطيّب المتنبي:
مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد
إنّ المعارف في أهل النّهى ذمم
وخير جليسٍ في الزّمان كتاب
وتأبى الطّباع على النّاقل
ومنفعة الغوث قبل العطب
ومن فرح النّفس ما يقتل
إذا عظم المطلوب قلّ المساعد
(1/110)

أنا الغريق فما خوفي من البلل
فإنّ الرّفق بالجاني عتاب
بغيضٌ إليّ الجاهل المتعاقل
وكلّ امرىءٍ يولي الجميل محببّ ... وكل مكان ينبت العزّ طيّب
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت الّلئيم تمرّدا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضرّ كوضع السيف في موضع الندى
والأمر لله ربّ مجتهدٍ ... ما خاب إلا لأنّه جاهد
وليس يصحّ في الأفهام شيءٌ ... إذا احتاج النهار إلى دليل
ومن نكد الدّنيا على الحرّ أن يرى ... عدوّاً له ما من صداقته بدّ
وإذا كانت النفوس كباراً ... تعبت في مرادها الأجسام
فإن يكن الفعل الذي ساء واحداً ... فأفعاله الّلاتي سررن ألوف
وإذا أتتك مذمّتي من ناقصٍ ... فهي الشّهادة لي بأنّي فاضل
(1/111)

وما الحسن في وجه الفتى شرفاً له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق
وما يوجع الحرمان من كفّ حارم ... كما يوجع الحرمان من كفّ رازق
إنّا لفي زمنٍ ترك القبيح به ... من أكثر النّاس إحسانٌ وإجمال
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ... ما فاته وفضول العيش أشغال
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توهّم
ما كلّ ما يتمنّى المرؤ يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السّفن
وقيّدت نفسي في ذراك محبّةً ... ومن وجد الإحسان قيداً تقيّدا
السريّ الموصليّ الرفّاء:
خذوا من العيش فالأعمار فانيةٌ ... والدهر منصرمٌ والعيش منقرض
إذا العبء الثقيل توزّعته ... رقاب القوم خفّ على الرّقاب
والفضل ما شهدت به الأعداء
وإنّك كلّما استودعت سرّاً ... أنمّ من النسيم على الرياض
(1/112)

لا تأنفنّ من العتاب وقرصه ... فالمسك يسحق كي يزيد فضائلا
ما أحرق العود الذي أشممته ... خطأً ولا غمّ البنفسج باطلا
إلى كم أحبّر فيك المديح ... ويلقى سواي لديك الحبورا
أبو بكر الخالدي:
إن خانك الدهر فكن عائذاً ... بالبيد والظلماء والعيس
ولا تكن عبد المنى فالمنى ... رؤوس أموال المفاليس
وأخٌ رخصت عليه حتى ملّني ... والشيء مملولٌ إذا ما يرخص
ما في زمانك ما يعزّ وجوده ... إن رمته إلا صديقٌ مخلص
أخوه أبو عثمان الخالدي:
يا هذه إن رحت في ... سملٍ فما في ذاك عار
هذي المدام هي الحيا ... ة قميصها خزفٌ وقار
صغيرٌ صرفت إليه الهوى ... وهل خاتمٌ في سوى خنصر
(1/113)

قالت: رقدت فقلت: الهمّ أرقدني ... والهمّ يمنع أحياناً من السّهر
أصفو وأكدر أحياناً لمختبري ... وليس مستحسناً صفوٌ بلا كدر
لا عار يلحقني أني بلا نشب ... فأيّ عارٍ على عينٍ بلا حور
الخبّاز البلدي:
إذا استثقلت أو أبغضت خلقاً ... وسرّك بعده حتى التّناد
فشرّده بقرض دريهماتٍ ... فإن القرض داعية البعاد
المهلّبي الوزير:
سابقي بالوصل حولي ... أو مغيبي أو مشيبي
فهو للفتيان في الدن ... يا بمرصادٍ قريب
لو توسّطت إذا لم تترّك ... وكففت النفس عن بعد الأرب
كان أرجى لك في العتبى من أن ... تملأ الدلو إلى عقد الكرب
(1/114)

أبو إسحق الصّابي:
نعم الله كالوحوش وما تأ ... لف إلا الأخاير النّسّاكا
نفّرتها آثام قومٍ وصير ... ت لها البرّ والتقى أشراكا
وأحقّ من نكسته ... بالصّغر عن درجاته
من مجده من غيره ... وسفاله من ذاته
ومن الظّلم أن يكون الرّضى سرّاً ... ويبدو الإنكار وسط النادي
الضّبّ والنون قد يرجى التقاؤهما ... وليس يرجى التقاء الّلبّ والذهب
وحيث يكون النقص فالرزق واسعٌ ... وحيث يكون الفضل فالرّزق ضيّق
جملة الإنسان جيفه ... وهيولاه سخيفه
فلماذا ليت شعري ... قيل للنّفس الشريفه
إنّما ذلك فيه ... صنعة الله اللطيفه
ابن نباتة السّعدي:
فلا تحقرنّ عدوّاً رماك ... وإن كان في ساعديه قصر
(1/115)

فإن السيوف تحزّ الرقاب ... وتعجز عما تنال الإبر
أرى همم المرء اكتئاباً وحسرةً ... عليه إذا لم يسعد الله جدّه
وما للفتى في حادث الأمر حيلةٌ ... إذا نحسه في الأمر قابل سعده
مثل خلعت على الزمان رداءه ... عوز الدراهم آفة الأجواد
يهوى الثناء مبرّزٌ ومقصرٌ ... حبّ الثناء طبيعة الإنسان
ونبت بنا أرض العرا ... ق فما محنّاها بمحنه
غير الرحيل كفى البلا ... د برحلة الفضلاء هجنه
أحسد قوماً عليك قد غلبوا ... وكل من بادر المدى غلبا
وكنت كالكرم من تكرّمه ... تلتفّ أوراقه بما قربا
ابن لنكك البصري:
عدّنا في زماننا ... عن حديث المكارم
من كفى الناس شرّه ... فهو في الجود حاتم
وماذا أرجّي من حياةٍ تكدّرت ... ولو قد صفت كانت كأضغاث حالم
جار الزمان علينا في تصرّفه ... وأيّ دهرٍ على الأحرار لم يجر
(1/116)

عندي من الدهر ما لو أن أيسره ... يلقى على الفلك الدوّار لم يدر
أبو الحسن السلامي:
تبسّطنا على الآثام لمّا ... رأينا العفو من ثمر الذّنوب
والمرء ما شغلته فرصة لذّةٍ ... ناسي العواقب آمن الحدثان
وكان رقادي بين كاسٍ وروضةٍ ... فصار سهادي بين طرف وصارم
ركوب الهول أركبك المذاكي ... ولبس الدّرع ألبسك الغلائل
أبو الفرج الببّغاء:
ما الذلّ إلا تحمّل المنن ... فكن عزيزاً إن شئت أو فهن
أكلّ وميض بارقةٍ كذوب ... أما في الدهر شيءٌ لا يريب
ومن طلب الأعداء بالمال والظبى ... وبالسعد لم يبعد عليه مرام
ولم أر مذ عرفت محلّ نفسي ... بلوغ غنى يساوي حمل منّ
(1/117)

ابن سكّرة الهاشميّ:
وعلّة الحال تنسي علّة الجسد
وقد ينبت الشّوك وسط الأقاحي
والموت أنصف حين عدّل قسمة ... بين الخليفة والفقير البائس
وكلّ ذي عيشٍ بلا درهمٍ ... فعيشه ظلمٌ وعدوان
ابن الحجّاج:
وربّ كلامٍ تستثار به الحرب
خودٌ تزفّ إلى ضريرٍ مقعد
أصبحت أخلق منك بالزّبد
(1/118)

متخمٌ يفسو على جائع
أحسنت يا جامع سفيان
فقلت من يفسو على الكنف
أيها السائل عن حالي ... أنا المضروب لا زيد
وأنا المحبوس لكن ... ليس في رجلي قيد
واللوزة المرة يا سيدي ... يفسد في الطعم بها السكّر
دعوت نداك من ظمإٍ إليه ... فعنّاني بقيعتك السّراب
سرابٌ لاح يلمع في سباخٍ ... فلا ماءٌ لديه ولا تراب
وبي مرضان مختلفان حالي ال ... عليلة منهما تمسي بحال
إذا عالجت هذا جفّ كبدي ... وإن عالجت ذاك ربا طحالي
ما زلت أسمع كم من واثقٍ خجلٍ ... حتى ابتليت فكنت الواثق الخجلا
(1/119)

أبو الحسن الموسوي النقيب:
ما السّؤدد المطلوب إلا دون ما ... يرمي إليه السؤدد المولود
فإذا هما اتّفقا تكسّرت القنا ... إن غالبا وتضعضع الجلمود
أمسيت أرحم من قد كنت أغبطه ... لقد تقارب بين العزّ والهون
ومنظرٍ كان بالسرّاء يضحكني ... يا قرب ما عاد بالضرّاء يبكيني
الحرّ من حذر الهوا ... ن يزاول الأمر الجسيما
وهو العظيم وغير بد ... عٍ منه أن ركب العظيما
أنت الكرى مؤنساً طرفي وبعضهم ... مثل القذى مانعاً طرفي من الوسن
لقد تمازج قلبانا كأنّهما ... تراضعا بدم الأحشاء لا الّلبن
إشتر العزّ بما بيع فما العزّ بغال
بالقصار الصّفر إن شئ ... ت أو السمر الطّوال
(1/120)

ليس بالمغبون عقلا ... مشتري عزٍّ بمال
إنّما يدّخر الما ... ل لحاجات الرجال
والفتى من جعل الأموال أثمان المعالي
أبو طالب المأموني:
لي في ضمير الدهر سر كامن ... لا بد أن تستله الأقدار
وما شرف الإنسان الا بنفسه ... أكان ذووة سادة أم مواليا
إذا الغيث وفى الروض واجب حقه ... وزاد فإن الغيث للروض ظالم
أبو الفضل بن العميد:
لن يصرف الدّهر عن سجيّته ... أرب أريبٍ وحوال ذي حيل
أيّ معينٍ صفا على كدر الدّ ... هر وأيّ النّعيم لم يزل
من يشف من داءٍ بآخر مثله ... أثرت جوانحه من الأدواء
داوى جوىً بجوىً وليس بحازمٍ ... من يستكفّ النّار بالحلفاء
أنت قوتي وما بقا ... ء امرىءٍ بان قوته
(1/121)

كيف يرجو البقاء إن ... فارق الماء حوته
آخ الرّجال من الأبا ... عد والأقارب لا تقارب
إنّ الأقارب كالعقا ... رب بل أضرّ من العقارب
ابنه أبو الفتح:
إذا بلغ المرء آماله ... فليس له بعدها مقترح
متى لفظتني دار قومٍ تركتها ... إذا كان لي منها ومن أهلها بدّ
بطرتم فطرتم والعصا زجر من عصى ... وتقويم عبد الهون بالهون رادع
أبو القاسم بن عبّاد:
فإنّ الهموم بقدر الهمم
(1/122)

وما حسن الثّياب بلا طراز
كم صارمٍ جرّب في خنزير
احذر الغيبة فه ... ي الفسق لا رخصة فيه
إنما المغتاب كالآ ... كل من لحم أخيه
حفظ اللسان راحة الإنسان ... فاحفظ حفظ الشّكر للإحسان
فآفة الإنسان في الّلسان
إنّ أمّ الصّدق في الو ... دّ لمقلاتٌ نزور
من لم يعدنا إذا مرضنا ... إن مات لم نشهد الجنازه
لقد صدقوا والراقصات إلى منىً ... بأنّ مودّات العدى ليس تنفع
ولو أنّني داريت دهري حيّةً ... إذا استمكنت يوماً من الّلسع تلسع
القاضي أبو الحسن عليّ بن عبد العزيز:
يتملّك الأحرار بالإيناس
والقلب يدرك مالا يدرك البصر
(1/123)

الهجر أروح من وصلٍ على حذر ... والموت أطيب من عيش على غررٍ
وما أعجبتني قطّ دعوى عريضة ... ولو قام في تصديقها ألف شاهد
يقولون لي: فيك انقباضٌ وإنّما ... رأوا رجلاً عن موقف الذلّ أحجما
إذا قيل: هذا موردٌ قلت: قد أرى ... ولكنّ نفس الحرّ تحتمل الظمأ
وقالوا: اضطرب في الأرض فالرّزق واسعٌ ... فقلت: ولكن مطلب الرّزق ضيّق
إذا لم يكن في الأرض حرٌّ يعينني ... ولم يك لي كسبٌ فمن أين أرزق
أبو بكر الخوارزمي:
ومن عجب الأيّام ترك التّعجب
لكلّ صناعةٍ يوماً مديل
قوموا انظروا كيف بخوت الّلئام
يا ملك الموت إلى كم تنام
(1/124)

ما أثقل الدهر على من ركبه ... حدثني عنه لسان التّجربه
لا تشكرن دهراً لخيرٍ سيّبه ... فإنه لم يتعمّد بالهبه
وإنما أخطأ فيك مذهبه ... كالسّيل إذ يسقي مكاناً خرّبه
والسمّ يستشفي به من شربه
من أسخط الدرهم أرضى الله ... ومن أذال المال صان الجاها
وإذا مدّة الشقيّ تناهت ... جاءه من شقائه متقاض
ولا تعجبا أن يملك العبد ربّه ... فإن الدمى استعبدن من نحت الدّمى
لا تصحب الكسلان في حاجاته ... كم صالحٍ بفساد آخر يفسد
عدوى البليد إلى الجليد سريعةٌ ... كالجمر يوضع في الرّماد فيخمد
عليك بإظهار التجلّد للعدى ... فلا تظهرن منك الذبول فتحقرا
ألست ترى الريحان يشتمّ ناضراً ... ويطرح في الميضا إذا ما تغيّرا
أبو الفضل بديع الزمان الهمذاني:
أيا جامع المال من حلّه ... تبيت وتصبح في ظلّه
سيؤخذ منك غداً كلّه ... وتسأل من بعد عن كلّه
(1/125)

يا حريصاً على الغنى ... قاعداً بالمرصاد
لست في سعيك الذي ... خضت فيه بقاصد
إن دنياك هذه ... لست فيها بخالد
بعض هذا فإنّما ... أنت ساعٍ لقاعد
إسماعيل الشاشي:
وللشّباب تراعي حرمة الكتم
وكنت ارى أن التجارب عدّةٌ ... فخانت ثقات الناس حتى التجارب
فركضاً في ميادين التّصابي ... أحقّ الخيل بالركض المعار
ولا تجزعنّ على أيكةٍ ... أبت أن تظلّك أغصانها
أبو الفتح البستي:
إذا أحسست في لفظي فتوراً ... وخطّي والبلاغة والبيان
فلا ترتب بفهمي إن نقصي ... على مقدار إيقاع الزمان
(1/126)

لا تحقر المرء إن رأيت به ... دمامةً أو رثاثة الحلل
فالنحل لا شيء في ضؤولته ... يشتار منه الفتى جني العسل
لا ترج شيئاً خالصاً نفعه ... فالغيث لا يخلو من العيث
فشرط الفلاحة غرس النبات ... وشرط الرّئاسة غرس الرّجال
إذا حيوانٌ كان طعمه ضدّه ... توقّاه كالفار الذي يتقي الهرّا
ولا شكّ أن المرء طعمه دهره ... فما باله يا ويحه يأمن الدهرا
ظلّ الفتى ينفع من دونه ... وماله في ظلّه حظّ
وطول جمام الماء في مستقرّه ... يغيّره لوناً وريحاً ومطعما
إذا مرّ بي يومٌ ولم أتّخذ يداً ... ولم أستفد علماً فما هو من عمري
أنا كالورد فيه راحة قومٍ ... ثم فيه لآخرين زكام
ولم أر مثل الشكر جنّة غارس ... ولم أر مثل الصبر جنّة لابس
ولن يشرب السمّ الزعاف أخو حجىً ... مدلاًّ بترياق لديه مجرّب
ما استقامت قناة رأيي إلا ... بعد أن عوّج المشيب قناتي
(1/127)

أبو الفضل عبيد الله بن أحمد الميكالي:
وكل غنىً يتيه به غنيٌّ ... فمرتجعٌ بموتٍ أو زوال
وهب جدّي زوى لي الأرض طرّاً ... أليس الموت يزوي ما زوى لي
أخوك من إن كنت في ... نعمي وبؤسي عادلك
وإن بداك منعما ... بالبر منه عادلك
يصاب الفتى في أهله برزيّةٍ ... وما بعدها منه أهمّ وأعظم
فإن يصطبر فيها فاجرٌ موفّرٌ ... وإن كان مجزاعاً فوزرٌ مقدّم
جامل الناس في المعا ... ش وخلّ المزاحمه
وتنصح وقل لمن ... يتعاطى المزاح: مه
وقد يهلك الإنسان كثرة ماله ... كما يذبح الطاووس من أجل ريشه
عمر الفتى ذكره لا طول مدّته ... وموته خزيه لا فوته الدّاني
فأحي نفسك بالإحسان تزرعه ... يجمع له بك في الدنيا حياتان
قال لمن يحلقه ... وشعره مختلط
بالله قل ما لونه ... أأسودٌ أم أشمط
فقال: رفقاً يا فتى ... بين يديك يسقط
(1/128)

ومن سخط النصب في قدره ... فقد رضي الخفض من قدره
ومن يطو مكنون أحشائه ... على حلل الحبّ قاسى الكروبا
لا عون للرجل الكريم كماله
ذو الفضل لا يسلم من قدح ... ولو غدا أقوم من قدح
(1/129)

الفصل الثاني في سياقة ما يجري مجرى الأمثال
من الأقوال الصادرة عن طبقات الناس، وذوي المراتب المتباينة، والصناعات المختلفة، وما قيل فيهم، وذكر ما لهم وعليهم ووصف أحوالهم وتصرفاتهم

السلطان والملك والملوك
السلطان ظلّ الله في الأرض. السلطان يأخذ أخذ الأسد، ويغضب غضب الصبي. من عصى السلطان فقد أطاع الشيطان. الملك عقيم. لا أرحام بين الملوك وبين أحد. جاور ملكاً أو بحراً. للملوك بدوات. الملك يبقى على الكفر، ولا يبقى على الظلم. سكر السلطان أشد من سكر الشراب. شر السلاطين من خافه البريء. السلطان كالنار، إن باعدتها بطل نفعها، وإن قاربتها عظم ضررها. الملوك يؤدبون بالهجران، ولا يعاقبون بالحرمان. إقبال السلطان تعبٌ وفتنة، وإعراضه حسرةٌ ومذلة.
(1/130)

صاحب السلطان كراكب الأسد، يهابه الناس، وهو لمركبه أهيب. أجرأ الناس على الأسد أكثرهم له رؤية. السلطان سوقٌ، ما نفق فيها جلب إليها. السلطان إذا قال لعماله: هاتوا، فقد قال لهم: خذوا. الناس على دين ملوكهم. من ملك استأثر. إذا تغير السلطان تغير الزمان. عفو الملك أبقى للملك. من خدم السلطان خدمه الإخوان. ثلاثةٌ لا أمان لها: البحر، والسلطان، والزمان. ليكن السلطان عندك كالنار، لا تدنو منها إلا عند الحاجة، فإذا اقتبست منها فعلى حذر. أدوم التعب خدمة السلطان. من أكل من مال السلطان زبيبةً أداها تمرةً. من تحسى مرقة السلطان احترقت شفتاه ولو بعد حين. مثل أصحاب السلطان كقومٍ رقوا جبلاً، ثم وقعوا منه، فكان أبعدهم في المرقى أقربهم إلى التلف. مثل السلطان كالجبل الصعب الذي فيه كل ثمرةٍ طيبة، وكل سبعٍ حطوم، فالارتقاء إليه شديدٌ، والمقام فيه أشد.
(1/131)

المال للملوك فريضةٌ، وللرعية نافلة.

ما أخرج من كلام ابن المعتز
في شؤونهم وذكر أصحابهم
أشقى الناس بالسلطان صاحبه، كما أن أقرب الأشياء إلى النار أسرعها احتراقاً. لا يدرك الغنى بالسلطان إلا نفسٌ خائفة، وجسمٌ تعبٌ ودينٌ متثلم. إن كان البحر كثير الماء فهو بعيد المهوى. من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة. فساد الرعية بلا ملك كفساد الجسم بلا روح. إذا زادك الملك أنساً فزده إجلالاً. من صحب السلطان فليصبر على قسوته، كصبر الغواص على ملوحة بحره. الملك بالدين يبقى، والدين بالملك يقوى. من نصح الخدمة نصحته المجازاة. لا تلتبس بالسلطان في وقت اضطراب الأمور عليه، فإن البحر لا يكاد يسلم راكبه في حال سكونه، فكيف عند اختلاف رياحه، واضطراب أمواجه؟.

ما أخرج من ذلك من كتاب المبهج
الأوطان حيث يعدل السلطان. إذا نطق لسان العدل في دار الإمارة فلها البشرى بالعز والعمارة. أحر بالملك العادل أن يستقر سريره في سرة الأرض.
(1/132)

ما للملوك والمطامع الدنية في المطاعم الردية. ريح السلطان على قومٍ نسيم، وعلى قومٍ سمومٌ. أخلق بدم المستخف بالجبابرة أن يكون جباراً. من غمس يده في مال السلطان، فقد مشي بقدمه إلى دمه. الملك خليفة الله تعالى في عباده وبلاده، ولن يستقيم أمر خلافته مع مخالفته. الملك من يبسط أنواع العدل، وينشر أجناس البذل.

الأقوال الصادرة عن الملوك
والأجلة، الدالة على عظم هممهم، وكرم أخلاقهم
قيل للاسكندر وهو بإزاء حرب دارا بن دارا: إنه في ثمانين ألف رجل، فقال: القصاب لا تهوله كثرة الغنم. اصطنع أنو شروان رجلاً، فقيل له: إنه لا قديم له. فقال: اصطناعنا إياه بيته وشرفه. ولما رهن حاجب بن زراة قوسه عن العرب عند كسرى. قال كسرى: لولا أنهم عندي أقل من الفرس لم أقبلها. قال معاوية رضي الله عنه: نحن الزمان من وضعناه اتضع، ومن رفعناه ارتفع. وكان يقول: إني لآنف أن يكون في الأرض جهلٌ لا يسعه حلمي، وذنبٌ لا يسعه عفوي، وحاجةٌ لا يسعها جودي.
(1/133)

النعمان بن المنذر بن ماء السماء:
يعفو الملوك عن الكثير من الذنوب لفضلها
ولقد تعاقب في اليسير وليس ذاك بجهلها
عبد الملك بن مروان: أفضل الناس من تواضع عن رفعةٍ، وعفا عن قدرة، وأنصف عن قوة. وكتب إلى الحجاج الظلوم في أمر أهل السواد: أبق لهم لحوماً يعقدوا بها شحوماً.
المهلب بن أبي صفرة: عجبت ممن يشتري المماليك بماله، ولا يشتري الأحرار بفعاله. وقال لبنيه: أحسن ثيابكم ما كان على غيركم. يزيد بن المهلب: استكثروا من الحمد، فإن الذم قلّ من ينجو منه. زياد: اشفعوا لمن وراءكم، فليس كل أحدٍ يصل إلى السلطان يقدر على كلامه. السفاح: ما أقبح بنا أن تكون الدنيا لنا، وأولياؤنا خالون عن حسن آثارنا. عبد الله بن علي لمروان
(1/134)

وقد كتب إليه يسأله في أمرٍ: حرمة الحق لنا في ذمك، وعلينا في حرمك. عبد الصمد بن علي للسفاح: إذا قتلت أكفاءك من قريشٍ، فمن تباهي بسلطانك. المأمون: إنما تطلب الدنيا لتملك، فإذا ملكت فلتوهب. وكان يقول: إنما يتكثر بالذهب والفضة من تقلان عنده. ووقع إلى بعض أصحابه: ليس من المروة أن تكون أوانيك فضيةً وذهبيةً، وجارك طاوٍ وغريمك غاوٍ. العباس بن محمد للرشيد: إنما هو درهمك وسيفك، فازرع بذلك من شكرك، واحصد بهذا من كفرك. الحسن بن سهل: الشرف في السرف. وقيل له: لا خير في السرف، فقال: لا سرف في الخير. فرد اللفظ واستوفى المعنى.
(1/135)

وتعرض له رجلٌ، فقال: من أنت؟ فقال: أنا الذي أحسنت إليه عام كذا؛ فقال: مرحباً بمن توسل إلينا بنا. الأمير قابوس بن وشمكير: من رسالة: من أقعدته نكاية الأيام أقامته إغاثة الكرام، ومن ألبسه الليل ثوب ظلمائه نزعه النهار عنه بضيائه. ومن رسالة له: اقتناء المناقب باحتمال المتاعب، وإحراز الذكر الجميل بالسعي في الخطب الجليل.

ومن كلامهم السائر مسير الأمثال
أزدشير: إذا رغب الملك عن العدل رغبت الرعية عن طاعته. لا صلاح للخاصة مع فساد العامة، ولا نظام للدهماء مع دولة الغوغاء. أوحش الأشياء عند الملوك رأس صار ذنباً، وذنبٌ صار رأساً. لا سلطان إلا بالرجال، ولا رجال إلا بالمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل وحسن سياسة. من منع المال من سبيل حمده ورثه من لا يحمده. بهمن بن اسفنديار: الشكر أكبر من النعم، لأنه يبقى، والنعم تفنى.
(1/136)

أفريدون: الأيام صحائف آجالكم، فخلدوها أحسن أعمالكم. الإسكندر: قيل له: ما بال تعظيمك لمؤدبك أشد من تعظيمك لأبيك؟ فقال: لأن أبي سبب حياتي الفانية، ومؤدبي سبب حياتي الباقية. ولما أشير عليه بتبييت الفرس، قال: لا أجعل غلبتي سرقة. وقيل له: لو تزوجت بنت دارا، فقال: لا تغلبني امرأة غلبت أباها. ونظر إلى شيخٍ خضيب، فقال له: إن كنت صبغت المشيب فكيف تصبغ الكبر؟ بهرام كور: الحكم ميزان الله في أرضه. قباد: بالأفضال تعظم الأقدار. أنوشروان: كل الناس أحقاء بالسجود لله والتواضع له، وأحقهم بذلك من رفعه الله عن السجود لأحدٍ من خلقه. إن الملك إذا كثرت أمواله مما يأخذ من رعيته كان كمن يعمر سطح بيته بما يقتلع من قواعد بنيانه. إن لم يساعدنا القضاء ساعدناه.
(1/137)

إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون. لا تغتر بصواب الجاهل، فإن ذلك كزلة اللبيب. ما أكلته راح، وما أطعمته فاح. الإنعام لقاحٌ والشكر نتاج. وجدنا للذة العفو ما لم نجد للذة العقوبة. هرمزد: لا تحركن ساكناً، وسكن كل متحرك. أبرويز: أطع من فوقك يطعك من دونك: أطع الكبير يطعك الصغير. يزدجرد: إذا أدبر الدهر عن قوم كفى عدوهم. عبد الملك بن مروان: أحق الناس بالإحسان من أحسن الله إليه، وأولاهم بالعفو من بسط بالقدرة يديه. السفاح: الأناة محمودةٌ إلا عند إمكان الفرصة. المنصور: إذا كان الحلم مفسدةٌ كان العفو معجزةٌ. المهدي: كن ليناً في غير ضعف، وشديداً من غير عنف.
(1/138)

الرشيد لإسماعيل بن صبيح: إياك والدالة، فإنها تفسد الحرمة، ومنها أتي البرامكة. المأمون: يحتمل الملوك كل شيء إلا ثلاثة: القدح في الملك، وإفشاء السر، والتعرض للحرم. المعتصم: إذا نصر الهوى بطل الرأي. المنتصر: والله ما عز ذو باطل، ولو طلع من جبينه القمر. ولا ذل ذو حق، ولو أصفق عليه العالم.

ومما يجري مجرى الأمثال من كلام
الأمير شمس المعالي في أثناء رسائله
بزند الشفيع تورى نار النجاح، ومن كف المفيض ينتظر فوز القداح. الوسائل أقدام ذوي الحاجات، والشفاعات مفاتيح الطلبات. العفو عن المجرم من مواجب الكرم، وقبول المعذرة من شيم محاسن الشيم. قوة الجناح بالقوادم والخوافي، وعمل الرماح بالأسنة والعوالي. الدنيا دار تغريرٍ وخداع، وملتقى ساعةٍ لوداع، وأهلها متصرفون بين وردٍ وصدر، وصائرون خبراً بعد أثر. غاية كل متحركٍ سكون، ونهاية كل متكونٍ ألا يكون. وآخر الأحياء فناء،
(1/139)

والجزع على الأموات عناء؛ وإذا كان ذلك كذلك، فلم التهالك على الهالك؟. حشو هذا الدهر أحزانٌ وهموم، وصفوه من غير كدرٍ معدوم. إذا سمح الدهر بالحيا، فاشكر بوشك الإنقضا، وإذا أعار فاحسبه قد أغار. للدهر طعمان: حلوٌ ومر. وللأيام صرفان: عسرٌ ويسر. والخلق معروض على طوريه، مقسوم الأحوال على دوريه. لكل شيءٍ غاية ومنتهى، وانقطاع، وإن بعد المدى. ترك الجواب داعية الارتياب. والحاجة إلى الاقتضاء كسوفٌ في وجه الرجاء. هم المنتظر للجواب ثقيل، والمدى فيه وإن كان قصيراً طويل. النجيب إذا جرى لم يشق غباره، والشهاب إذا سرى لا تلحق آثاره. من أين للضباب صوب السحاب، وللغراب هوي العقاب. وهيهات أن تكتسب الأرض لطافة الهوا، وبصير البدر كالشمس في الضيا. كل غمٍ إلى انحسار، وكل عالٍ إلى انحدار.

ومن كلام بلغاء أهل العصر في ذكر السلطان
ابن العميد: المرء أشبه بزمانه، كل زمانٍ منتسجةٌ من سجايا سلطانه. الإبقاء على خدم السلطان ورجاله عدل الإبقاء على ماله. الإشفاق على حاشيته وحشمه مثل الإشفاق على ديناره ودرهمه.
(1/140)

ابن عباد: مرضاة السلطان لا تغلو بشيء من الأثمان، ولو ببذل الروح والجثمان. تهيب السلطان فرضٌ وكيد، وحتمٌ على من ألقى السمع وهو شهيد. أبو إسحق الصابي: الملك أحق باصطفاء رجاله منه باصطفاء أمواله؟ لأنه مع اتساع الأمر، وجلالة القدر لا يكتفي بالوحدة، ولا يستغني عن الكثرة. ومثله في ذلك المسافر في الطريق البعيدة، الذي يجب عليه أن تكون عنايته بفرسه المجنوب مثل عنايته بفرسه المركوب. الملك بمن غلط من أصحابه فاتعظ، أشد انتفاعاً منه بمن لم يغلط ولم يتعظ؛ لأن الأول كالقارح الذي أدبته العبرة، وأصلحته الندامة، والثاني كالجذع المهتوك الذي هو راكب للغرة، وراكن إلى السلامة. والعرب تزعم أن العظم إذا جبر من كسره عاد صاحبه أشد بطشاً وأقوى يدا.

فصل لأبي بكر الخوارزمي
رحمة الله عليه
لا صغير مع الولاية والعمالة، كما لا كبير مع العطلة والبطالة؛ وإنما الولاية أنثى تصغر وتكبر بواليها، ومطيةٌ تحسن وتقبح بممتطيها. والصدر بمن يليه والدست بمن يجلس فيه والأعمال بالعمال، كما أن النساء بالرجال. إن ولاية المرء ثوب، فإن قصر عنه عري منه، وإن طال عليه عثر فيه.
(1/141)

قيل السلطان كبير، ومدراته حزمٌ وتدبير، كما أن مكاشفته غرورٌ وتغرير.
أبو الفتح البستي: أجهل الناس من كان على السلطان مدلاً وللإخوان مذلاٌ.

قطعة من ذكر الآداب في صحبة الملوك
بزرجمهر الحكيم: من جالس الملوك بغير أدبٍ فقد خاطر بنفسه. ابن المقفع: من خدم السلطان فعليه بالملازمة من غير معاتبة. غيره: كن على التماس الحظ بالسكوت بين أيدي الملوك أحرص منك على التماسه بالكلام. خطب المنصور فقال في خطبته ما كأنه تفسير ما أدمجه فيثاغورس وإيضاحه وهو: معاشر الناس: لا تضمروا غش الأئمة، فإن من أضمر ذلك أظهره الله على سقطات لسانه، وفلتات أفعاله، وسحنة وجهه. الفضل بن الربيع: مسألة الملوك عن أحوالهم تحية النوكي.
(1/142)

غيره: الأمراء لا يشمتون الملك يعلم ولا يعلم. لا تسلم على الملك فإن أجابك شق عليه وإن لم يجب شق عليك. ابن عباد:
إذا أولاك سلطانٌ فزده ... من التّعظيم واحذره وراقب
فما السلطان إلا البحر عظماً ... وقرب البحر محذور العواقب

الوزارة والوزراء
مروان: أخوف ما يكون الوزراء عند سكون الدهماء. غيره: أخوف ما يكون العامة آمن ما يكون الوزراء. العجم: أعلم الملوك يحتاج إلى وزير، وأشجع الناس يحتاج إلى سلاح. وأجود الخيل يحتاج إلى سوط، وأجود الشفار يحتاج إلى مسن. مثل الملك الصالح إذا كان وزيره فاسداً مثل الماء الصافي العذب النمير الذي فيه التماسيح؛ فلا يستطيع الإنسان وروده، وإن كان سابحاً، وإلى الماء ظامئاً حذراً على نفسه منه.
(1/143)

العامة: لا تغترنّ بكرامة الأمير إذا غشك الوزير. ابن العميد:
هيهات لم تصدقك فكرتك التي ... قد أوهمتك غنىً عن الوزراء
لم تغن عن أحدٍ سماءٌ لم تجد ... أرضاً ولا أرضٌ بغير سماء
غيره: إذا طلبت نائل الأمير، فالطف له من جهة الوزير. سليمان بن مهاجر:
إن الوزير وزير آل محمدٍ ... أودى فمن يشناك كان وزيرا
أبو الفتح البستي:
وزارة الحضرة الكبيره ... خطيئةٌ بل هي الكبيره
فلا تردها ولا تردها ... فإنها محنةٌ مبيره
عذلوني على وزارة بستٍ ... ورأوها من أعظم الدرجات
قلت: لا أشتهي وزارة بستٍ ... إنّني بعد لم أملّ حياتي
أكتاب بستٍ كم تناحرتم على ... وزارة بستٍ وهي سخنة عين
وخفّ حنينٍ فوق ما تطلبونه ... فلم بينكم يا قوم حرب حنين
(1/144)

لما استوزر حامد بن العباس، وقلد الدواوين علي بن عيسى. كان العمل لعلي والاسم لحامد، فقال بعض الشعراء ما تمثل به الناس في معناه:
أعجبٌ من كلّ ما تراه ... أنّ وزيرين في بلاد
هذا سوادٌ بلا وزيرٍ ... وذا وزيرٌ بلا سواد
ومن كلامهم المتمثل به قول بعض وزراء العجم: ينبغي للملك أن يبني أمره مع عدوه على أربعة أوجه: اللين، والبذل، والكيد، والمكاشفة، ومثل ذلك مثل الخرّاج، فأول علاجه التسكين، فإذا لم ينفع فالإنضاج والتحليل، فإذا لم ينفع فالبطّ، فإذا لم ينفع فالكي، وهو آخر العلاج. يحيى بن خالد: النية الحسنة مع العذر الصادق يقومان مقام النجح. إذا أدبر الأمر كان العطب في الحيلة. من أحسنت إليه فأنا مرتهنٌ به، ومن لم أحسن إليه فأنا مخير فيه. أحسن ما يكون الحسن تجنب القبيح. ذكر النعمة من المنعم تكديرٌ، ونسيان المنعم عليه كفرٌ. ثلاثة تدل على عقول أربابها: الهدية، والكتاب، والرسول.
(1/145)

يدل على كرم الرجل سوء أدب غلمانه. وقيل له: لو قلت الشعر، فقال: شيطانه أخبث من أن أسلطه على عقلي. ما أحدٌ رأى في ولده ما يحب إلا أري في نفسه ما يكره. أبو عبيد الله وزير المهدي: حسن البشر علمٌ من أعلام النجح. الصبر على حقوق الثروة أشد من الصبر على ألم الحاجة. واعتذر إليه رجل فلم يحسن، فقال: ما رأيت عذراً أشد باستئناف ذنبٍ من هذا. جعفر بن يحيى: الرزق مقسومٌ، والحريص محرومٌ، والحسود مغمومٌ، والبخيل مذمومٌ. إذا كان الإيجاز كافياً كان الإكثار عياً، وإذا كان الإيجاز مقصراً كان الإكثار أبلغ. الخراج عمود الملك، وما استعزر بمثل الجور. ووقّع إلى بعض عماله: قد كثر شاكوك وباكوك؛ فإما اعتدلت وإما اعتزلت. ووقّع أيضاً: بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد. الفضل بن الربيع: ما أظن النعمة إلا مسخوطاً عليها، أما تراها أبداً عند غير أهلها.
(1/146)

الفضل بن سهل: العجب لمن يرجو من فوقه كيف يحرم من دونه. الحسن بن سهل: لا تكسد لرئيسٍ صناعةٌ إلا في شر زمانٍ، وأخسّ سلطان. إذا لم أعط إلا مستحقاً فكأني أعطيت غريماً. الأطراف منازل الأشراف. يتناولون ما يريدون بالقدرة، ويتناولهم من يريدهم بالحاجة. محمد بن يزداد: إذا لم تستطع أن تقطع يد عدوك فقبلها. ليس عليك بأسٌ ما لم يكن منك بأس. الفضل بن مروان: مثل الكتاب كالدولاب، إذا تعطل تكسر.
(1/147)

ابن الزيات: الإرجاف مقدمة الكون. عبيد الله بن يحيى بن خاقان: الإرجاف زند الفتنة. أحمد بن الخصيب: لا ينبغي للملك أي يجري على لسانه عدداً أقل من ألف. عبيد الله بن سليمان: إلى أحمد بن طولون: اتق الله في الإرصاد، فإن الله بالمرصاد. عيسى بن فرخان شاه: القلم الرديء كالولد العاق. قال ابن عباد: وكالأخ المشاق. حامد بن العباس: غرس البلوى يثمر الشكوى.
(1/148)

ابن مقلة: أنا يوم الخميس أكتب مني يوم السبت. أبو محمد المهلبي: التصرف وأسنى أعلى، والتعطل أعفى وأصفى. ابن عباد: وعد الكريم ألزم من دين الغريم.

الأمثال التي يتداولها العمال
وأصحاب السلطان ويتداولها الناس فيهم
الولاية حلوة الرضاع، مرة الفطام. غبار العمل خيرٌ من زعفران العطلة. من تاه في ولايته ذل في عزله، ذل العزل يضحك من تيه الولاية. الزم الصحة يلزمك العمل. الولاية وكل مدح، والعزل وكل ذم. من ولي عملاً فتاه فيه دل على أن قدره دونه، ومن تواضع فيه دل على أن قدره فوقه. العزل طلاق الرجال. العزل عند معتاديه هزل.
(1/149)

العزل حيض العمال.
وقالوا العزل للعمال حيضٌ ... لحاه الله من حيضٍ بغيض
فإن يك هكذا فأبو عليٍّ ... من الّلائي يئسن من المحيض
منصور الفقيه:
يا من تولّى فأبدى ... لنا الجفا وتبدّل
أليس منك سمعنا ... : من لم يمت فسيعزل
آخر:
إذا عزل المرء واصلته ... وعند الولاية أستكبر
لأنّ المولّى له نخوةٌ ... ونفسي على الذلّ لا تصبر
ابن الرومي:
وكن قلنسوة المملوك تحظ بها ... ولا تكوننّ نعلي بذلة الملك
جعفر بن محمد: كفارة عمل السلطان الإحسان إلى الإخوان. العجم: كن مع السلطان بمنزلة الدجاجة من الإنسان: إن رأت الحبّ لقطت، وإن تعرض لها إنسانٌ هربت. وقريب من هذا قول أيمن بن خريم:
(1/150)

وإذا كان عطاءٌ فأتهم ... وإذا ما كان هرجٌ فاعتزل
العامة: من ولاه السلطان صبّعه الشيطان. وإلى هذا المعنى أشار من قال:
قد كنت ألزم صاحبٍ وأبرّه ... حتى دهتك أصابع الشّيطان
جذّ الإله بنانها فأبانها ... كم غيّرت خلقاً من الإنسان
إرض من أخيك إذا ولي ولايةً بعشر وده قبلها.
وكلّ ولايةٍ لا بدّ يوماً ... مغيّرة الصّديق على الصّديق
زياد الأعجم:
فتىً زاده السّلطان في الخلّ رغبةً ... إذا غيّر السّلطان كلّ خليل
أبو الفتح البستي:
صاحب السلطان لا بدّ له ... من غمومٍ تعتريه وغمم
(1/151)

واذي يركب بحراً سيرى ... قحم الأهوال من بعد قحم

قادة الجيوش والشجعان والفرسان
موتٌ في عزٍ خيرٌ من حياةٍ في ذلٌ. الإقدام أنفى للعار، وأدرك للثار. الشجاع موقّىً، والجبان ملقّى.
والحرب إن باشرتها ... فلا يكن منك الفشل
واصبر على أهوالها ... لا موت إلا بالأجل
الحرب سجال، وعثراتها لا تقال. الحرب خدعة.
كم بين قومٍ إنّما نفقاتهم ... مالٌ وقومٌ ينفقون نفوسا
المكيدة أبلغ من النجدة. الكيد أبلغ من الأيد. المكر حيلة من لا حيلة له. السلاح ثم الكفاح. " وقبل نزول الحرب تملا الكنائن. " السلاح زينة وعدّة. السلاح جنة الأبدان، ووقاية الأنفس. قد يجبن الشجاع بلا سلاح، ويشجع الجبان بالسلاح.
(1/152)

الانصراف قبل التمكن هزيمة. لا تمنع عدوك السبيل في هزيمته. احتل للشمس والريح بأن يكونا معك لا عليك. إذا ابتليت بالبيات، فعليك بالثبات. لا تغفل الحسك إن كنت نازلاً، ولا الخندق إن كنت مقيماً. العجم: ينبغي أن يجتمع في قائد الجيش وثبة الأسد، واستلاب الحدأة، وختل الذئب، وروغان الثعلب، وصبر الحمار، وحملة الخنزير، وبكور الغراب، وحراسة الكركي. الهزيمة تحل العزيمة. الهارب لا يعرج على صاحبه. إذكاء العيون أنفى للظنون. محرضٌ واحدٌ خيرٌ من ألف مقاتل. التغرير مفتاح البؤس. الليل جنة الهارب. الفرار في وقته ظفر. العامة: فرّ أخزاه الله من قتل رحمه الله. العرب: الفرار بقرابٍ أكيس.
(1/153)

المحاجزة قبل المناجزة. إذا لم تغلب فاخلب. الحرب يقدمها الكلام الحرب أولها كلام، وآخرها اصطلام. إن الجبان حتفه من فوقه. عصا الجبان أطول.
لم أكن من جناتهاعلم اللهوإنّي بحرّها اليوم صال
آخر:
والحرب يلحق فيها الكارهون كما ... تدنو الصّحاح من الجربى فتعديها
آخر:
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جرّ الذّيول
آخر:
ما أطيب الأمر ولو أنّه ... على رذايا نعمٍ في مراح
آخر:
وسالمت لمّا طالت الحرب بيننا ... إذا لم تظفّرك الحروب فسالم
(1/154)

الكتّاب والبلغاء
القلم أحد اللسانين. عقول الرجال تحت أسنة أقلامها. صورة الخط في الأبصار سوادٌ، وفي البصائر بياضٌ. بنوء الأقلام تصوب غيث الحكمة. القلم صائغ الكلام، يفرغ ما يجمعه القلب، ويصوغ ما يسبكه اللب. المأمون: لله در القلم، كيف يحوك وشي المملكة. جعفر بن يحيى: لم أر باكياً أحسن تبسماً من القلم. إقليدس: الخط هندسةٌ روحانية، وإن ظهرت بآلةٍ جثمانية. أفلاطون: الخط عقال العقل. قيل لنصر بن سيار: فلان لا يكتب، فقال: تلك الزّمانة الخفية. المبرد: رداءة الخط زمانة الأدب.
(1/155)

ثمامة بن أشرس: ما أثرته الأقلام لم تطمع في دروسه الأيام. غيره: الكتّاب ساسة الملك وعمّار المملكة، وخزنة الأموال. بالأقلام تدبر الأقاليم. الكاتب من إذا أخذ طوماراً ملاه، وإن اقتصر على شبرٍ كفاه. عقل الكاتب في قلمه. جواب الجواب من الخطط الصعاب. المتصفح للكتاب أبصر بمواضع الخلل فيه من منشئه. كتاب المرء عنوان عقله، ولسان فضله. إبراهيم بن العباس: النقط الكثير في الكتاب استغباءٌ للمكاتب، والتخطيط الكثير استخفافٌ به. غيره: الكتّاب جهابذة الكلام. من قرأ سطراً من كتاب قد ضرب عليه فقد خان؛ لأن الخط يخزن ما تحته. ابن المعتز: القلم مجهزٌ لجيوش الكلام، يخدم الإرادة، ولا يمل الإستزادة، وكأنه يقبل بساط
(1/156)

سلطان، أو يفتح باب بستان. غيره: الخط نصف الكتابة. الأقلام مطايا الأوهام.

ومن كتاب المبهج
الدوّاة من أنفع الأدوات، والحبر أجدى من التبر. صرير الأقلام كصليل الحسام. الكلام الفائق بالخط الرائق. نزهة القلب، وفاكهة النفس، وريحانة الروح. البليغ من يحوك الكلام على حسب الأماني، ويخيط الألفاظ على قدود المعاني. أبو الفتح البستي:
إذا أقسم الأبطال يوماً بسيفهم ... وعدّوه ممّا يكسب المجد والكرم
كفى قلم الكتّاب مجداً ورفعةً ... مدى الدّهر أنّ الله اقسم بالقلم
سهل بن هارون: البيان ترجمان العقول، وروض القلوب.
(1/157)

غيره: الكلام الحسن من مصائد القلوب. أبو عبيد الله وزير المهدي: البلاغة ما فهمته العامة، ورضيته الخاصة. غيره: أبلغ الكلام ما سابق معناه لفظه. البلاغة ما أشار غليه البحتري حيث قال:
وركبن اللّفظ القريب فأد ... ركن به غاية المرام البعيد

خير الكلام ما قل وجل، ولم يطل فيمل؟
خير الكلام ما كان لفظه فحلاً، ومعناه بكراً. ابن المعتز: البلاغة أن تبلغ المعنى ولم تطل سفر الكلام. خير الكلام ما أسفر عن الحاجة. البلاغة ما صعب على التعاطي، وسهل على الفطنة.

في كتاب المبهج
أبلغ الكلام ما يؤنس مسمعه، ويؤيس مصنعه. أبلغ الكلام ما حسن إيجازه، وقل مجازه، وكثر إعجازه، وناسبت صدوره أعجازه.
(1/158)

البليغ من يجتني من الأفاظ أنوارها، ويجتني من المعاني ثمارها.

الأدباء وذكر الأدب
الأدب أحد المنصبين. الأدب لقاح العقول وغذاؤها. لا غربة على أديب. الأدب يشحذ الفطن. ابن المعتز: لست تعدم من الأديب كرماً من طبعه، أو تكرماً من أدبه. الأدب صورة العقل، فحسن عقلك كيف شئت. من زاد أدبه على عقله كان كالراعي الضعيف مع غنمٍ كثيرة. العقل بلا أدبٍ كالشجرة العاقرة ومع الأدب كالشجرة المثمرة. الأدب بين أهله نسب. الأديب صنو الأديب. الأدب وسيلة إلى كل فضيلة، وذريعة إلى كل شريعة. الأديب لا يجالس من لا يجانس. قيدوا العلم بالكتابة. إعجام الخط يمنع من استعجامه، وشكله يؤمن من إشكاله. الخطوط المعجمة كالبرود المعلمة. اكتبوا الكتب لأواخر أعماركم.
(1/159)

ما حفظ فر، وما كتب قر. إن هذه الآداب شوارد، فاجعلوا الكتب لها أزمة. المذاكرة صيقل العقل. الكتب بساتين العقلاء.
وخير جليسٍ في الزمان كتاب
علمٌ لا يعبر معك الوادي لا يعمر بك النادي. بزرجمهر: الكتب أصداف الحكم تنشق عن جواهر الكلم. إنفاق الفضة على كتب الآداب يخلف عليك ذهب الألباب. الجاحظ: الكتاب وعاءٌ ملىء علماً، وظرفٌ حشي ظرفاً. بستانٌ يحمل في ردنٍ، وروضة تقلب في حجر، ينطق عن الموتى، ويترجم عن الأحياء. من صنّف كتاباً فقد استهدف؛ فإن أحسن فقد استعطف، وإن أساء فقد استقذف. النتف من الأدب قراضات الذهب. لا تأمننّ قارئاً على صحيفة، ولا امرأةً على عطر. الأدب كالسيف، والمذاكرة كالمسن. منصور الفقيه:
قالوا: خذ العين من كلٍّ فقلت لهم ... : في العين نصلٌ ولكن ناظر العين
(1/160)

حرفين من ألف طومارٍ مسوّدةٍ ... وربّما لم نجد في الألف حرفين
وله:
ومن البلوى التي لي ... س لها في الناس كنه
أن من يحسن شيئاً ... يدّعي أكثر منه
دل على عاقلٍ اختياره. تقلّل من الأدب لتحفظ، وتكثّر منه لتعلم. اجعل ما في كتبك رأس مالك، وما في قلبك النفقة.

النحويون
النحو في الكلام كالملح في الطعام. عبد الملك بن مروان: اللحن في المنطق أقبح من الجدري في الوجه.
النحو يبسط من لسان الألكن ... والمرء تكرمه إذا لم يلحن
وإذا التمست من العلوم أجلّها ... فأجلّها حقّاً مقيم الألسن
لحن الشريف يحطه عن قدره ... فتراه يسقط من لحاظ الأعين
ومن أمثالهم: فلانٌ زيد المضروب. كما قال ابن الحجاج:
أيّها السائل عن حالي ... أنا المضروب لا زيد
(1/161)

وقال أبو بكر الخوارزمي:
قد لقي الأحباب منه الذي ... لم يلق زيد النحو من عمرو
ما كنت أحسب أن عمراً يذنب ... فيخصّ زيدٌ بالملام ويضرب
وفلان واو عمرو: أي منتسب إلى ما ليس منه. وقال ابو نواس:
إنّما أنت في سليمٍ كواوٍ ... ألحقت في الهجاء ظلماً بعمرو
أبو سعيد الرستمي:
أفي الحقّ أن يعطى ثلاثون شاعراً ... ويحرم ما دون الرّضا شاعرٌ مثلي
كما سامحوا عمراً بواوٍ زيادةً ... وضويق بسم الله في ألف الوصل
أبو الفتح البستي:
عزلت ولم أذنب ولم أك جانياً ... وهذا لإنصاف الوزير خلاف
حذفت وغيري مثبتٌ في مكانه ... كأنّي نون الجمع حين يضاف
وله:
دهيت في نصرة أيّامكم ... بالعزل والعزل أخو الأزل
أدرجت في أثناء نسيانكم ... حتى كأنّي ألف الوصل
وله:
لنا صديقٌ خير أحواله ... إذعانه للخير والشّر
ينجرّ في كلّ جرٍّ فلا ... تراه يوماً غير منجرّ
(1/162)

كأنّه باب المضاف الذي ... ليس يواتيه سوى الجرّ
أبو الحسن اللحام:
أنا من وجوه النّحو فيكم أفعل ... ومن اللغات إذا تعدّ المهمل
تصرّفنا بشاعرٍ ... نعته ليس ينصرف

المعلمون والمؤدبون
التعلم في الصغر كالنقش في الحجر، وفي الكبر كالكتابة على الماء. التخريج بالتدريج. رد من طه إلى بسم الله. قل هو الله أحد شريفةٌ، وليست من رجال يس. فلانٌ يقرأ تبت على أبي لهب. مثل المعلم كالمسنّ يشحذ ولا يقطع. ضرب المعلم الصبي كالسماد للزرع. من أدبّ أولاده أرغم حساده. من لم يتأدب في صغره لم يترأس في كبره. من فاته الأدب لم ينفعه الحسب. الأدب من الأب، والصلاح من الله عز وجل.
(1/163)

أهل الأدب هم الأكثرون وإن قلوا، ومحل الأنس حيث حلوا.
قد ينفع الأدب الأحداث في مهلٍ ... وليس ينفع بعد الكبرة الأدب
إنّ الغصون إذا قوّمتها اعتدلت ... ولا يلين إذا قوّمته الخشب
آخر:
أولاك في السّور الأولى منازلهم ... ونحن بين أبي جادٍ وهوّاز
ليس بعلم ما حوى القمطر ... ما العلم إلاّ ما وعاه الصّدر
إذا لم تكن حافظاً واعياً ... فجمعك للكتب لا ينفع
وكيف يرجّى الحلم والعقل عند من ... يروح إلى أنثى ويغدو إلى طفل
إنّ المعلم والطبيب كلاهما ... لا ينصحان إذا هما لم يكرما
فاصبر لدائك إن جفوت طبيبه ... واصبر لجهلك إن جفوت معلّماً
آخر:
من علّم الصّبيان أصبوا عقله ... حتى بنو الوزراء والخلفاء

العلماء
العلماء ورثة الأنبياء. العلماء أعلام الإسلام. العلماء في الأرض كالنجوم في السماء. العلماء غرباء لكثرة الجهال.
(1/164)

العلم كالسراج، من مرّ به اقتبس منه. الملوك حكامٌ على الناس، والعلماء حكام على الملوك. لولا العلم لكان الناس كالبهائم. الحسن: مداد العلماء يوزن بدم الشهداء يوم القيامة. ابن عباس: العلم أكثر من أن يحصى فخذوا من كل شيءٍ أحسنه. ذللت طالباً فعززت مطلوباً. علي بن أبي طالب:
ما حوى العلم جميعاً رجلٌ ... لا، ولو مارسه ألف سنه
إنّما العلم بعيدٌ غوره ... فخذوا من كلّ شيءٍ أحسنه
غيره: من لم يحتمل ذل التعلم بقي في ذل الجهل أبداً. العلم يؤتى ولا يأتي. آفة العلم النسيان. ماصين العلم بمثل بذله لأهله. من رق وجهه عند السؤال رق علمه عند الرجال. العلم حياة القلوب ومصابيح الأبصار. من ظن أن للعلم غايةً فقد بخسه حقه.
(1/165)

العلم أشرف الأحساب. سهل بن هارون: الحبر عطر الحبر. الجاحظ: كل شيءٍ في الدنيا يحسنه أهل الدنيا كلهم، وليس يحسنه واحد. خذ من العلوم نتفها، ومن الآداب طرفها. زلة العالم لا تقال. إذا زل العالم زل بزلته عالم. ابن المعتز: زلّة العالم كانكسار السفينة، تغرق ويغرق معها خلقٌ كثير. علمٌ بلا عمل كشجرٍ بلا ثمر. كما لا ينبت المطر الكثير الصخر، كذلك لا ينفع البليد كثرة التعليم. من ترفع بعلمه وضعه الله بعلمه. ومن كتم علماً فكأنه جاهله. علم الرجل ولده المخلد. الجاهل صغير وإن كان شيخاً، والعالم كبير وإن كان حدثاً. من أكثر مذاكرة العلماء لم ينس ما علم، واستفاد ما لم يعلم. المتواضع من طلاب العلم أكثرهم علماً، كما أن المكان المنخفض أكثر البقاع ماء.
(1/166)

إذا علمت فلا تفكر في كثرة من دونك من الجهال، ولكن اذكر من فوقك من العلماء. النار لا ينقصها ما أخذ منها؛ ولكن ينقصها أن لا تجد حطباً، وكذلك العلم لا يفنيه الاقتباس منه، وفقد الحاملين له سبب عدمه. العلم ينهي أهله ان يمنعوه أهله. مات خزنة الأموال، وهم أحياء. وعاش خزنة العلوم، وهم أموات. مثل علمٍ لا ينفع ككنزٍ لا ينفق منه. لكل عالمٍ هفوة. أزهد الناس في عالمٍ جيرانه. ما مات من أحيا علماً.

الفقهاء والمحدثون
خير الفقه ما حاضرت به. لو سكت من لا يعلم لسقط الاختلاف. المفتي يدخل بين الله وبين عباده. لا بد للفقيه من سفيه. أبو يوسف:
(1/167)

من تتبع غرائب الأحاديث كذّب، ومن طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس. الشعبي: ما ناظرت ذا فنٍ إلا غلبني، وما ناظرت ذا فنونٍ إلا غلبته. الأعمش: إذا رأيت الفقيه يأتي باب السلطان فاعلم أنه لص.

ومن أمثالهم
كثرة السماع مضلة الفهم. إذا ازدحم الجواب خفي الصواب. إن الصواب في الأسد لا الأشد. الغلط تحت اللغط. خرق الإجماع خرقٌ. المحجوج بكل شيءٍ ينطق. المسألة إجماع. الضرورة تبيح المحظورة. إذا جاء النص بطل القياس.
(1/168)

الزهري: إعادة الحديث أشد من نقل الصخر.
وكذاك أصحاب الحدي ... ث نفاقهم عند الكبر
أنت عين الجود نصّاً وقياساً ... وبيان الحقّ نصٌّ وقياس
ولما لم أجد ماءً طهوراً ... أبيح لي التيمّم بالتّراب
إنّ حراماً قبول مدحتنا ... ومنع ما يرتجى من الصّفد
كما الدّنانير بالدّراهم في النّقد ... حرامٌ إلاّ يداً بيد
ولم أر حرّاً قطّ يقتل بالعبد
زفّت إليك لنا عرائس أربعٌ ... ففضضتها بالسّمع وهي قصائد
فابعث إليّ مهورهنّ بأسرها ... إنّ النّكاح بغير مهرٍ فاسد
فليس لما دون النّصاب قضيّة الن ... صاب وإن كان النّصاب به تمّا
إذا أعيى الفقيه وجود نصٍّ ... تعلّق لا محالة بالقياس
نذرت لله صوماً إن رجعت وما ... كفّارة النّذر إلاّ في الوفاء به
ابن العميد:
قل لابن خلّادٍ إذا جئته ... مستنداً في المسجد الجامع
(1/169)

هذا زمانٌ ليس يحظى به ... حدثّنا الأعمش عن نافع

القصّاص والزهّاد
إذا رأيتم رياض الجنة فارتعوا فيها. المنافق في المجلس كالطير في القفص. الندم توبة؛ والتوبة ندم. نجا المخفون، افتضحوا فاصطلحوا. أقصر لما أبصر. عينٌ عرفت فذرفت. الدعاء مفتاح الرحمة. الناقد بصير. اتقوا مجانيق الضعفاء. نعم حاجب الشهوات غض البصر. رأس الدين صحة اليقين. اعتبر بما ترى، واتعظ بما تسمع، قبل أن تصير عبرة الرائي وعظة السامع. ربّ مبيضٍ ثوبه مدنسٍ دينه، ومكرمٍ نفسه اليوم مهينٍ لها غداً. القاص لا يحب القاص. المذكر كالنخلة؛ لا تزال منها بين رزقٍ ورفقٍ. الدنيا حلمٌ، والآخرة يقظة، والمتوسط بينهما الموت، ونحن في أضغاث أحلام. صم عن الدنيا تفطر بالآخرة.
(1/170)

ما زلت اشرب ولا أروى، فلما عرفت الله رويت من غير شرب. حلاوة الدنيا مرارة الآخرة؛ ومرارة الدنيا حلاوة الآخرة. ذو النون: إن العبد بين نعمةٍ وذنبٍ، لا يصلحهما إلا الشكر والاستغفار. غيره: ينبغي للعبد أن يكون في الدنيا كالمريض، لا بد له من قوت، ولا يوافقه كل طعام. ليس في الجنة نعيمٌ أفضل من علم أهلها بأنه لا يزول. نائمٌ مقرٌ بذنبه خير من مصلٍ مدلٍ على ربه. محمد بن واسع: إذا أقبل العبد إلى الله، أقبل إليه بقلوب المؤمنين. ابن المبارك: الزهد إخفاء الزهد. إذا هرب الزاهد من الناس فاطلبه، وإذا طلبهم فاهرب منه. رجاء بن حيوة: اتخذ الناس أباً وأخاً وابناً، ثم برّ أباك، وصل أخاك، وارحم ابنك.
(1/171)

ابن السماك: كل ما فاتك من الدنيا فهو غنيمة. يحيى بن معاذ: مسكين ابن آدم، جسمٌ معيب، وقلبٌ معيب، ويحتاج أن يستخرج من معيبين عملاً لا عيب فيه. عمر بن ذر: المستعان الله على ألسنةٍ تصف، وقلوبٍ تعرف، وأعمالٍ تخالف. غيره: ركّب الله تعالى الملائكة من عقلٍ بلا شهوة، وركّب البهائم من شهوةٍ بلا عقل، وركّب ابن آدم من كليهما، فمن غلب عقله شهوته، فهو خيرٌ من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله، فهو شرٌ من البهائم. وقيل لبعضهم: لم لا تختضب وقد علمت ما جاء في الخضاب؟ فقال: الثكلى لا تحتاج إلى ماشطة. وسمع بعضهم صراخاً على ميت فقال: العجب من قومٍ مسافرين يبكون مسافراً بلغ منزله. ابن سمعون القاص: إن القلب بمنزلة المرآة، فإذا أصابتها لطخةٌ عولجت بالزيت، فإذا زادت زيد فيه
(1/172)

من فتات الآجر، فإذا زادت على ذلك حتى إذا ركبها الصدأ لم يكن بدٌ من عرصها على النار حتى يتم جلاؤها. غيره: فتنة القول والعمل كفتنة المال والولد.
اعمل بعلمى وإن قصرت في عملي ... ينفعك علمي ولا يضررك تقصيري

المتصوفة
نور الحقيقة أحسن من نور الحديقة. الزهد قطع العلائق، وهجر الخلائق. الدنيا ساعة فاجعلها طاعة. التصوف ترك التكلف. مالا تطيقه الله يكفيكه. أخذ مني أنا فبقيت بلا انا. قيل لبعضهم: أتبيع مرقعتك؟ فقال: أرأيتم صياداً يبيع شبكته. وقيل لآخر: لو تزوجت؟، فقال: لو قدرت لطلقت نفسي.
تجرّد من الدّنيا فإنّك إنّما ... سقطت إلى الدنيا وأنت مجرّد
أبو الفتح البستي:
تنازع النّاس في الصوفيّ واختلفوا ... قدماً وظنّوه مشتقّاً من الصّوف
ولست أنحل هذا الاسم غير فتىً ... صافى فصوفي حتى لقّب الصّوفي
(1/173)

الحكماء والفلاسفة
الحكمة ضالة المؤمن. الحكمة شجرةٌ تنبت في القلب، وتثمر في اللسان. خذوا اللؤلؤ من البحر، والذهب من الحجر، والحكمة ممن قالها. إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكم. من أيس من الشيء استغنى عنه. استغناؤك عن الشيء أحسن من استغناؤك به. شر ما في الكريم أن يمنعك خيره، وخير ما في اللئيم أن يكف عنك أذاه. رأس العقل التمييز بين الكائن والممتنع، وحسن العزاء عما لا يستطاع. من أراد العز فلا يطلبه، فإنه لا يناله حتى يذل. إذا ابتلي المرء أتاه الشر يطلبه من كل ناحية. القنية ينبوع الأحزان. كل شيءٍ يستطاع قلبه إلا الطبيعة، ويقدر على رده إلا القضاء. أفلاطون: من استحيى من الناس، ولم يستح من نفسه فلا قدر لها عنده. الحكمة سلم العلوم، فمن عدمها عدم القرب من بارئه. يا أسراء الموت حلوا أسركم بالحكمة. وقيل له: لم لا تجتمع الحكمة والمال؟ فقال: لعزة الكمال.
(1/174)

أرسطاطاليس: اعص هواك وأطع من شئت. الحكماء للأخلاق كالأطباء للأجساد. يعبر عن الإنسان اللسان وعن المودة والبغض العينان. العشق داءٌ لا يعرض إلا للقلوب الفارغة. سقراط: استهينوا بالموت، فإن مرارته في خوفه. لا ينبغي للأديب أن يخاطب الجاهل، كما لا ينبغي للصاحي أن يخاطب السكران. الأغنياء البخلاء بمنزلة البغال والحمير، تحمل الذهب والفضة، وتعتلف التبن والشعير. غيره: حركة الإقبال بطيئة، وحركة الإدبار سريعة؛ لأن المقبل كالصاعد من مرقاةٍ، إلى مرقاة، والمدبر كالمقذوف به دفعةً من علوٍ إلى سفل. ينبغي للعاقل إذا أصبح أن ينظر في المرآة، فإن رأى وجهه حسناً لم يشنه بقبيحٍ من فعله، وإن رآه قبيحاً لم يجمع بين قبيحين.
يا جميل الوجه كن محسناً ... لا تخلطنّ الزّين بالشّين
ويا قبيح الوجه كن محسناً ... لا تجمعنّ الشّين بالشّين
أفلاطون: في كل يومٍ حادثٌ لم يكن وكان.
(1/175)

ما لا بد منه قد نزل، وكأن ما قد نزل لم يزل. ونظر بعضهم إلى جاريةٍ حسناء خرجت إلى النظارة يوم عيدٍ، فقال: هذه لم تخرج لترى ولكن لترى. ونظر بعضهم إلى معلم يعلم جاريةً الكتابة، فقال: لا تزد الشر شراً. ونظر بعضهم إلى صيادٍ يكلم امرأةً، فقال له؛ يا صياد إحذر أن تصاد. ونظر إلى امرأةٍ مصلوبة، فقال: ليت كل الشجر أثمر مثل هذه. ونظر إلى رجل سوءٍ حسن الوجه، فقال: أما البيت فحسن، وأما الساكن فرديء.

كلامهم عند وفاة الاسكندر
لما جعل في تابوت ذهب تقدم إليه أحدهم فقال: قد كان الإسكندر يخبأ الذهب، وقد أصبح الآن يخبؤه الذهب. وتقدم إليه آخر والناس يبكون ويجزعون، فقال: حركنا بسكونه. وتقدم إليه آخر فقال: قد كان يعظنا في حياته، وهو اليوم أوعظ منه أمس. وتقدم إليه آخر فقال: قد جاب الأرضين وملكها، ثم حصل منها على أربعة أذرع. ووقف عليه آخر فقال: انظر إلى حلم النائم كيف انقضى، وإلى ظل الغمام كيف انجلى.
(1/176)

ووقف عليه آخر، فقال: قد أمات هذا الميت كثيراً من الناس لئلا يموت، وقد مات الآن. ووقف عليه آخر فقال: مالك لا تقلّ عضواً من أعضائك، وقد كنت تستقل بملك العباد. وقال آخر: مالك لا ترغب بنفسك عن ضيق المكان، وقد كنت ترغب بها عن رحب البلاد. وقال آخر: قد كان لا يقدر عنده على الكلام والآن لا يقدر عنده على الصمت. وقال آخر: كان غالباً فصار مغلوباً، وآكلاً فصار مأكولاً. وقال آخر: ما كان أقبح إفراطك في التجبر أمس، مع شدة خضوعك اليوم. وقالت بنت دارا: ما علمت أن غالب أبي يغلب. وقال رئيس الطباخين: قد نضجت النضائد، وألقيت الوسائد، ونصبت الموائد، ولست أرى عميد المجلس.

المتكلّمون
كل مجتهدٍ مصيب: من شك في المشاهدات فليس بكامل العقل. بالبحث والنظر تستخرج دفائن العلوم، ولا فرق بين إنسانٍ يقلد وبهيمةٍ تنقاد.
(1/177)

الجاحظ: في وصف صناعة الكلام: علقٌ نفيس، وجوهرٌ ثمين، وهو العيار على كل صناعة، والزمام على كل عبارة، والقسطاس الذي به يستبان نقصان كل شيءٍ ورجحانه، والراووق الذي يعرف به صفاء كل شيءٍ وكدره. فكل علمٍ عليه عيال، وكل تحصيل له آلةٌ ومثال. النظام: الذهب لئيم، لأن الشيء يصير إلى شكله، وهو عند اللئام أكثر منه عند الكرام. وذكروا رجلاً يقول: استوي عند المدح والذم، فقال استراح من حيث تعب الكرام. أبو الهذيل: لا يجوز في دور الفلك، ولا في تركيب الطبائع، ولا في القياس، ولا في الحس، ولا في الممكن، ولا في الواجب أن يكون محبٌ ليس لمحبوبه إليه ميل. قيل لثمامة: متى كان الله؟ فقال ومتى لم يكن؟ وقيل له: لم كفر الكافر؟ فقال: الجواب عليه.
(1/178)

ابن عباد:
تمكّن منّي الشوق غير مسامحٍ ... كمعتزليٍّ قد تمكّن من خصمٍ
وله:
كنت دهراً أقول بالاستطاعه ... وأرى الجبر ضلّةً وشناعه
ففقدت استطاعتي في هوى ظب ... ي فسمعاً للمجبرين طاعة
ابن الرومي:
ما عذر معتزليٍّ موسرٍ منعت ... كفّاه معتزليّاً معسراً صفدا
أيزعم القدر المحتوم ثبّطه ... إن قال ذاك فقد حلّ الّذي عقدا

الأطباء
كل كثيرٍ عدوٌ للطبيعة. العادة طبيعة خامسة. الطب استدامة الصحة ومرمّة العلة. العرب: الدواء هو الأزم. ربّ أكلةٍ تمنع أكلات.
(1/179)

خفف طعامك تأمن سقامك. البطنة تذهب الفطنة. آخر الدواء الكيّ. من لزم القصد استغنى عن الفصد. العجم: العاقل يترك ما يحب ليستغني عن العلاج بما يكره. جالينوس: المرض هرمٌ عارض والهرم مرضٌ طبيعي. إذا كان الداء من السماء بطل الدواء. مجالسة الثقيل حمى الروح. صاحب الجماع مقتبسٌ من نار الحياة، فليكثر أو يقل. علي بن أبي طالب: منيك عمرك، إن شئت قلله، وإن شئت كثره. أنا للمريض الذي يشتهي أرجى مني للصحيح الذي لا يشتهي. بقراط: مثل الدواء للبدن كالصابون للثوب، ينقيه ولكن يبليه. إنما تأكل ما تشتهي ومالا تشتهي فهو يأكلك.
(1/180)

من أكل ما لا يشتهي اضطر إلى الإمتناع مما يشتهي. غيره: الحزن مرض الروح، كما أن الألم مرض البدن. بختيشوع: أكل القليل مما يضر أصلح من أكل الكثير مما ينفع. ابن ماسويه: عليك من الطعام بما حدث، ومن الشراب بما قدم. ثابت بن قرة: ليس شيء أشد ضراراً بالشيخ من أن يكون له جاريةٌ حسناء وطباخ حاذق، لأنه يستكثر من الطعام فيسقم، ومن النكاح فيهرم. العامة: صانع الطبيب قبل أن تمرض. ليس على الطبيب اسفيذباج. فلانٌ أوصف من طبيب. هو لي كالطبيب لا كالمغني.
(1/181)

طبيبٌ يداوي الناس وهو مريض
يا طبيب طب لنفسك.
ومن العجائب أعمشٌ كحّال
ابن الرومي:
غلط الطبيب إصابة المقدار
المتنبي:
وربّما صحّت الأجسام بالعلل
الصنوبري:
وللسقّاط أمثالٌ فمنها ... تمثّلهم لدى الشيء المريب
إذا ما كنت ذا بولٍ صحيحٍ ... ألا فاضرب به وجه الطبيب
غيره:
إنّ الطبيب بطبّه ودوائه ... لا يستطيع دفاع محذورٍ أتى
ما للطّبيب يموت بالدّاء الذي ... قد كان يبرى مثله فيما مضى
ذهب المداوي والمداوى والذي ... جلب الدواء وباعه ومن اشترى
آخر:
كم من عليل قد تخطّاه الرّدى ... فنجا ومات طبيبه والعوّد
(1/182)

عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
ما كنت أحسب أن الدّهر يجعل أم ... راض الأعلّاء أعراس الأطبّاء
حتى تبيّن في ذا الدّهر أنّ تجا ... رات الأطبّاء أسقام الأعلّاء
أبو الفتح البستي:
ولا تكن عجلاً في الأمر تطلبه ... فليس يحمد قبل النّضج بحران
وله:
لا تعتمد إلاّ رئيساً فاضلاً ... إنّ الكبار أطبّ للأوجاع
وله:
وقد يلبس المرؤ خزّ الثياب ... ومن دونها حالةٌ مضنيه
كمن يكتسي خدّه حمرةً ... وعلّتها ورمٌ في الريّه
وله:
لا يغرّنّك أنّي ليّن المس ... م فعزمي إذا انتضيت حسامي
أنا كالورد فيه راحة قومٍ ... ثم فيه لآخرين زكام
وله:
وإنّي لأختصّ بعض الرّجال ... وإن كان فدماً ثقيلاً عباما
فإنّ الجبنّ على أنّهوخيمٌ ثقيلٌ يشهّي الطّعاما
(1/183)

وله:
إنّ الجهول تضرّني أخلاقه ... ضرر السّعال بمن به استسقاء

الشعراء
الحطيئة: ويلٌ للشعر من راوية السوء. زهير: خير الشعر الحوليّ المنقح المحكك. غيره: الشعر أدنى مروءة السريّ، وأسرى مروءة الدنيّ. الجناح بالخوافي والقريض بالقوافي. الشعراء أمراء الكلام. أشعر الناس من أنت في شعره. رويد الشعر يغبّ. جرير: أنا لا أبتدي ولكن أقتدي. الأصمعي: الزحاف في الشعر كالرخصة في الفقه.
(1/184)

غيره: إعطاء الشاعر ضربٌ من برّ الوالدين. المدح مهزة للكرام. خير المدح ما وافق حال الممدوح. قالت تميمٌ لسلامة بن جندل: امدحنا بشعرك، فقال: افعلوا حتى أثني. غيره: اللهى تفتح اللها. تنحّ عن طريق القافية. الحمد مغنمٌ والذم مغرم. بيع الشعر بالشعر رباً. أحسن الشعر أكذبه. ابن المقفع: ما يجيئني من الشعر لا أرضاه، وما أرضاه لا يجيئني. العامة: شغلني الشعير عن الشعر. الخاصة: ما ظنك بقومٍ أحذقهم أكذبهم. قيل لحسان بن ثابت: ما بالك لم ترث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: جلّت المصيبة عن المرثية.
(1/185)

وقيل للفرزدق: إن الكميت قد أحسن جداً في الهاشميات، فقال: نعم، وجد آجراً وجصّاً فبنى. وقيل لأبي العتاهية: قد خرجت من العروض في قولك:
عتب ما للخيال خبريني ومالي؟
فقال: أنا أسنّ من العروض. وقيل لابن الزبعري: إنك تقصر أشعارك، فقال: لأن القصار أولج في المسامع، وأجول في المحافل. وقيل للجماز مثل ذلك، فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق. وقيل للعجاج: إنك لا تحسن الهجاء، فقال: الهدم أسهل من البناء. ولما قال المأمون للعتابي: سلني، قال: يا أمير المؤمنين، يدك بالعطية أطلق من لساني بالمسألة. البحتري: الشكر نسيم النعم. غيره: لسان الشاعر أرضٌ لا تخرج الزهر حتى تستسلف المطر. ما ظنك بقومٍ الاقتصاد محمودٌ إلا منهم، والكذب مذمومٌ إلا عندهم.
(1/186)

ابن عباد: النثر يتطاير تطاير الشرر، والنظم يبقى بقاء النقش في الحجر. غيره: إياك والشاعر؛ فإنه يطلب على الكذب مثوبةً، ويقرع جليسه في أدنى زلة. أبو سعيد المخزومي:
الكلب والشّاعر في حالةٍ ... يا ليت أنّي لم أكن شاعرا
أما تراه باسطاً كفّه ... يستطعم الوارد والصّادرا
ابن المعذل:
أيّ ماءٍ لحرّ وجهك يبقى ... بين ذلّ الهوى وذلّ السّؤال
عوف بن محلم:
لساني وقلبي شاعران كلاهما ... ولكنّ وجهي مفحمٌ غير شاعر
المتنبي:
وفؤادي من الملوك وإن كا ... ن لساني يرى من الشعراء
ابن أبي فنن:
وإن أحقّ الناس بالّلوم شاعرٌ ... يلوم على البخل الرجال ويبخل
(1/187)

دعبل:
يموت رديء الشّعر من قبل أهله ... وجيّده يبقى وإن مات قائله
غيره:
أراني إذا ما قلت شعراً أسرته ... وما الشّعر إلاّ ما يسير ويكتب
آخر:
وممّا يقتل الشّعراء غمّاً ... عدواة من يقلّ عن الهجاء
آخر:
وللشّعراء ألسنةٌ حدادٌ ... على العورات موفيةٌ دليله
أحسن من خمسين بيتاً سدىً ... جمعك معناهنّ في بيت
أبو تمام:
ما أضيع الغمد بغير نصله ... والشّعر ما لم يك عند أهله
علي بن الجهم:
وما الشّعر إلا السيف ينبو وحدّه ... كهامٌ ويفرى وهو ليس بذي حدّ
إنّ خير الأشعار ما يستعير الن ... اس منه ولم يكن مستعارا
أبو تمام:
ولولا خلالٌ سنّها الشعر ما درى ... بناة المعالي كيف تبنى المكارم
(1/188)

ابن الرومي:
أرى الشعر يحيي المجد والناس بالذي ... يبقّيه أرواحٌ له عطرات
وما المجد لولا الشّعر إلا معاهدٌ ... وما النّاس إلاّ أعظمٌ نخرات
أبو فراس:
تناهض النّاس للمعالي ... كما رأوا نحوها نهوضي
تكلّفوا المكرمات كدّاً ... تكلّف الشّعر بالعروض

المنجمون
دقيق علم النجوم لا يدرك، وجليله كثير الكذب.
تدبّر بالنجوم ولست تدري ... وربّ النّجم يفعل ما يريد
علم النجوم على العقول وبال. منصور الفقيه:
من كان يخشى زحلاً ... أو كان يرجو المشتري
فإنني منه وإن ... كان أبي الأدنى بري
وله:
ليس للنّجم إلى ضرٍّ ... ولا نفعٍ سبيل
(1/189)

أنّما النّجم على الأو ... قات والسّمت دليل
أبو الفتح البستي:
قد غضّ من أملي أني أرى عملي ... أقوى من المشتري في أوّل الحمل
وأنّني راحلٌ عمّا أحاوله ... كأنّني أستدرّ الحظّ من زحل
وله:
إذا غدا ملكٌ باللهو مشتغلاً ... فاحكم على ملكه بالويل والحرب
ألم تر الشّمس في الميزان هابطةً ... لمّا غدا برج نجم اللهو والطّرب
وله:
وقد تدني الملوك لدى رضاها ... وتبعد حين تحتقد احتقادا
كما المرّيخ في التثليث يعطي ... وفي التّربيع يسلب ما أفادا
وله:
ألا فثقوا بي، فإنّي كما ... تمدّحت فليمتحن من يحبّ
فلا كوكبي راجعٌ في الوفا ... ولا برج قلبي بالمنقلب
وله:
لئن كسفونا بلا علّةٍ ... وفازت قداحهم بالظّفر
فقد يكسف المرء من دونه ... كما يكسف الشّمس جرم القمر
(1/190)

وله:
شرف الوغد بوغدٍ مثله ... مثل ما فيه زيغٌ وخلل
ودليل الصّدق فيما قلته ... شرف المرّيخ في بيت زحل
وله:
قل للّذي غرّته عزّة ملكه ... حتى أخلّ بطاعة النّصحاء
شرف الملوك بعلمهم وبرأيهم ... وكذاك أوج الشّمس في الجوزاء
وله:
وقد يفسد المرء بعد الصلاح ... فساد الأماكن والشرّ يعدي
كما السّعد يقبل طبع النّحوس ... إذا كان في موضعٍ غير سعد
وله:
ما أنس ظمآن بعذبٍ بارد ... من بعد طول العهد بالموارد
إلا كأنسي بكتابٍ وارد ... من سيّدٍ محض النجار ماجد
كأنّما استملاه من عطارد وله:
طبعي كطبع المشتري ما فيه من ... شوبٍ فهل من مشترٍ للمشتري
وله:
يا من تولّى المشتري تدبيره ... حاشاك أن تنقاد للمرّيخ
(1/191)

وله:
ولا تفزعن من كلّ شيءٍ مفزّعٍ ... فما كلّ تربيع البروج بضائر
وأتمّ الأشياء نوراً وحسناً ... بكر شكر زفّت إلى صهر برّ
ما قران السّعدين في الحوت أبهى ... منظراً من قران برٍّ وشكر
وله:
دعاني إلى بيته سيّدٌ ... له الخلق الأشرف الأظرف
فلازمت بيتي ولا طفته ... بعذرٍ هو الألطف الأظرف
عطارد نجمي ولا شكّ أنّ م ... عطارد في بيته أشرف
وله:
يا معشر الكتّاب لا تتعرّضوا ... لرئاسةٍ وتصاغروا وتخادموا
إنّ الكواكب كنّ في أشرافها ... إلا عطارد حين صوّر آدم
وله:
لا تعجبنّ لدهرٍ ظلّ في صببٍ ... أشرافه وعلا في أوجه السّفل
وانقد لأحكامه أنّى تقاربها ... فالمشتري السعد عالٍ فوقه زحل
غيره:
ولا غرو أن يمنى أديبٌ بجاهل ... فمن ذنب التنّين تنكسف الشمس
(1/192)

القضاء والعدول
حسن رأي القاضي خيرٌ من شاهدي عدل. إذا كذب القاضي فلا تصدق. اصطلح الخصمان وأبى القاضي. في بيته يؤتى الحكم. من يأت الحكم وحده يفلح. القاضي لا يسمع ما يكره.
والمرؤ لا يرتجى النّجاح له ... يوماً إذا كان خصمه القاصي
آخر:
إذا كان القضاء إلى ابن آوى ... فتعديل الشّهود إلى القرود
آخر:
فلا تجعلنّي للقضاة فريسةً ... فإنّ قضاة العالمين لصوص
مجالسهم فينا مجالس شرطةٍ ... وأيديهم دون الشّصوص شصوص
قضى لمخاصم يوماً فلمّا ... أتاه خصمه نقض القضاء
محمود الوراق:
كنّا نفرّ من الولا ... ة الجائرين إلى القضاة
فالآن نحن نفرّ من ... جور القضاة إلى الولاة
يقطع كفّ القاذف المفتري ... ويجلد اللّص الثّمانينا
(1/193)

قال الجماز: جاءنا فلان بمائدةٍ كأنها زمن البرامكة على العفاة، ثم جاءنا بشرابٍ أرق من دمعة اليتيم على باب القضاة. غيره: ريق العدول سمٌ قاتل. ربّ عدل في ظاهر أهل السمت، وباطن أصحاب السبت، وذئابٍ طلس في ثيابٍ ملس.

التّنا والدهاقين
ابتغوا الرزق في خبايا الأرض. مطرةٌ في نيسان خيرٌ من ألف سان. إذا كانت السنة مخصبة تبين خصبها في النيروز. لا تؤتي الضيعة أكلها إلا من تولى كلها. الحساب عند البيدر. كتب الوكلاء سفاتج الهموم. السعر تحت المنجل. تقول الضيعة لصاحبها: أرني ظلك أعمر.
(1/194)

خرير الماء في الضيعة عبارةٌ عن العمارة. الضيعة في غير بلدك لغير ولدك. نقصان الغلة زيادة الغُلة. فلاح المعيشة في الفلاحة. الضيعة ضائعة ما لم تدبر بقوةٍ ساعد، وجدٍ مساعد. تقول النخلة لجارتها: أبعدي عني ظلك أحمل حملي وحملك. إسماعيل بن صبيح لصديق له: اتخذ ضيعةً تفي لك إذا خانك الإخوان.
هي المال إلا أنّ فيها مذلّةً ... فمن ذلّ قاساها ومن ملّ باعها
سأبتاع مالاً بالمدينة إنني ... أرى عازب الأموال قلّت فواضله
لا يغصب الضّيعة ذو ضيعةٍ ... يريد أن تبقى لصبيانه
لي زرعٌ أتى عليه الجراد ... عادني مذ رزئته العوّاد
كنت أرجو حصاده فأتاه ... قبل أن يحصد الحصاد حصاد
آخر:
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداً ... ندمت على التّفريط في زمن البذر

وفي كتاب المبهج
إذا ما نقّل الدهقا ... ن غلّات الرّساتيق
فكم من نعمةٍ بيضا ... ء في سود الجواليق
(1/195)

وفيه أيضاً:
جمال معيشة التّاني ... جمالٌ تدمن الحركه
إذا بركت بباب الدّا ... ر ألقت رحلها البركه

التجار والسوقة
التجارة إمارة. رأس المال أحد الربحين. الصرف لا يحتمل الظرف. التعبير نصف التجارة. كل شيءٍ وثمنه. اشتر لنفسك وللسوق. النسيئة نسيانٌ والتقاضي هذيان. الأسواق موائد الله في أرضه؛ فمن أتاها أصاب منها. شاركوا الذي أقبلت عليه الدنيا، فإنه أجلب للرزق. الرابح في كل سوق البائع لما ينفق فيها. الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون. بع المتاع من أول طالبه توفق فيه.
(1/196)

إذا لم تربحك تجارةٌ فاعدل عنها إلى غيرها، وإذا لم ترزق بأرض فاستبدل بها. الأرباح توفيقات. بع الحيوان أحسن ما يكون في عينك. نعوذ بالله من حسابٍ يزيد الغلط. يرجع المدبر يحسب النسيئة عطية، ويعتد بها هدية. وضيعةٌ عاجلةٌ خيرٌ من ربحٍ بطيء. صفعةٌ بنقدٍ خيرٌ من بدرةٍ بوعد. السلف تلف، ولا يصلح الحاجات إلا الدراهم. من أعطى بصلةً أخذ ثومة. الرديء لا يساوي حمولته. إذا أفلس اليهودي نظر في حساب أبيه العتيق.
وفي النفس حاجاتٌ وفي المال قلّةٌ ... ولن يقضي الحاجات إلا الدراهم
من أمارات مفلسٍ أن تراه ... موجفاً في اقتضاء دينٍ قديم
ما المرء إلا بدرهمه. قلة العيال أحد اليسارين. المعاش إن لم يحش لا ينحاش. العيال سوس المال. أطلق يديك تنفعاك يا رجل.
(1/197)

الأموال في الأهوال. لا يبصر الدنيا غير الناقد. تفرق بين المسلمين الدراهم. النقد صابون القلوب. النقود تحل عقود الحقود. وربما غلا الشيء الرخيص. من اشترى مالا يحتاج إليه باع ما لا بد منه. لا رسول كالدرهم. من جمع ماله من الدوانيق، فما عسى أن يعطي غير القراريط. من اشترى الدون بالدون، رجع إلى بيته وهو مغبون. لا تبع نقداً بدين. المغبون لا محمودٌ ولا مأجور. المستقرض من كيسه يأكل. الكفالة ندامة. عصفور في الكف خيرٌ من كركيٍّ في الهواء. التقدير في المعيشة نصف الكسب. من السرف أن تشتري كل ما تشتهي. حبالٌ وليفٌ جهازٌ ضعيف. من لم يتغد بدانق تعشى بأربعة دوانيق. أغلق باب دارك، ولا تسرق جارك.
(1/198)

سوقنا سوق الجنة، لا بيع فيها ولا شراء. أعرفه بشرا الأصل يشبه بالمتاع يعرف سره في أصله ومعدنه. تعاشروا كالإخوان، وتعاملوا كالأجانب؛ أي ليس في التجارة والمعاملة محاباة. التاجر فاجر، إلا من عصمه الله تعالى. خبز السوق مستطاب. فلان فالوذج السوق وصنعة السوق ذات شقين. ما أصغر المصيبة بالأرباح، إذا عادت بسلامة الأرواح. يقول الصانع استعملني؛ ولا بأس إن لم تعطني أجرة. إذا ما غضب السوقي فالحبة ترضيه. آخر:
قد نرى يا بن إسحا ... ق في ودك عهده
وكذا السوقيّ للإ ... خوان سوقيّ المودّه
آخر: ما للتجار وللسخاء وإنما نبتت لحومهم على القيراط.

السؤّال والمكدّون والغانمة
الوجه الطريّ سفتجة. الحياء يمنع الرزق.
(1/199)

من لم يحترف لم يعتلف. التمييز شوم. الحركة بركة. صفاقة الوجه رزق حاضر: الكدية ربحٌ بلا رأس مال. الروزجار رأس مال المكدي. من رآني فقد رآني ورحلي. ليس في العصا سيرٌ ولا في العظم مخ. ليس في البيت سوى البيت. الغرباء برد الآفاق. ومن أشعارهم:
الحمد لله ليس لي مالٌ ... ولا لخلقٍ عليّ أفضال
الخان بيتي ومشجبي بدني ... وخازني والوكيل بقّال
وإذا ذكروا بعضهم بالتجربة والحنكة في الصناعة قالوا: قد نام مع الصوفية وضرب بالجراب وجه المحراب ونام تحت حصر الجوامع أي تغرب وبات في غير وطن. إنما نحن جبابرةٌ، في أستاهنا خرق؛ أي فينا مع الفقر جبريّة. ويقولون في هذا المعنى: رأسٌ في السماء واستٌ في الماء. وينشدون لجحظة:
وللمساكين أيضاً بالنّدى ولع
ويقولون: كتب فلانٍ سفاتج.
(1/200)

إذا ذهب أهل التفضل مات أهل التجمل. ومن نوادرهم: افرش له بنفخة. من يبندق البعر في است الجمل. اقلع من هاهنا فجلة. ما كل وقتٍ تسلم الجرة. جزاء مقبل الوجعاء ضرطة. لا يقوم عطرها بفسائها. إذا لم يكن لك استٌ فلا تشرب الهليلج. قال أبو العيناء: سمعت كناساً في ركن دارٍ يقول لصاحبه: ياأخي، علمت أن المأمون سقط من عيني منذ قتل أخاه، كما تسقط البعرة من است الجمل.

الشطرنجيون
من أنت في الرقعة؟. زاد في الشطرنج بغلة، ثم نفضناها على قائمة.
فرزنت سرعة ما أرى يا بيذق
وهل تجري البياذق كالرّخاخ
(1/201)

جحظة:
قل للشقيّ وقعت في الفخّ ... أودت بشاهك ضربة الرّخّ
وأراك تولع بالبياذق ساهياً ... والمشرفيّة حول شاهك تلمع
كشاجم:
وقد كنت أطمع في قمرةٍ ... فأصبحت أقنع بالقائمه
السريّ الرّفا:
مشوا إلى الرّاح مشي الرّخّ وانصرفوا ... والرّاح تمشي بهم مشي الفرازين
غيره:
لو رمت بالصّين شرا ضيعه ... أكان للقاضي بها شفعه
يجول في الأرض وأقطارها ... كما يجول الرّخّ في الرّقعه
وليس قعودي عنك إلا لأنّني ... أعدّ من الشّطرنج في أولّ الصفّ

النبيذيون
ما جمشت الدنيا بأظرف من النبيذ. ما للعقار والوقار. إنما العيش مع الطيش. الراح ترياق سم الهم.
(1/202)

بيد الكأس تعرك أذن الوسواس. كسرى: النبيذ صابون الهم. أبو العيناء: الزبيبي نمسكود الخمر. غيره: الراح كيمياء الفرح.
وماء الكرم للرّجل الكريم
وللأرض من كأس الكرام نصيب
المأمون: النبيذ سترٌ، فانظر مع من تهتكه. اشرب النبيذ ما استبشعته، فإذا استطبته فدعه. الجاحظ: النبيذ يرد الشيوخ إلى طباع الشبان، والشبان إلى طبائع الصبيان. ابن عباد: قدماً حملت أوزار السكر على ظهور الخمر، وطوي بساط الشراب بما فيه من خطأ وصواب. لولا أن المخمور يعرف قصته لقدم وصيته. الصاحي بين السكارى كالحي بين الموتى؛ يضحك من عقلهم، ويأكل من نقلهم.
(1/203)

متابعة الأرطال تبطل سورة الأبطال. أحمق ما يكون السكران إذا تعاقل. التبذل على النبيذ ظرف، والوقار عليه سخف.
وكاسٍ تداويت منها بها
تداويت من ليلى بليلي على الهوى ... كما يتداوى شارب الخمر بالخمر
وللشّاربيها المدمنيها مصارع
آخر:
أصرفها للهموم أصرفها
الحسن بن وهب: ما أنصفتها، تضحك في وجهك، وتعبس في وجهها. غيره: حد السكر أن تعزب الهموم، ويظهر السر المكتوم. ما أطيب الخمر لولا الخمار. فلانٌ أثقل من القدح الأول. هما خليطان من ماء الغمامة والخمر. هي المصافاة بين الماء والراح. العرب: لست من هذا الأمر في خلٍ ولا خمر؛ أي لست منه في خيرٍ ولا شر.
(1/204)

اليوم خمرٌ وغداً أمر. قيل للفرزدق: ما تحب من الشراب؟ قال: أقربه من الثمانين، يعني: الحد الذي يوجب الحد.

ومن كتاب المبهج
الدنيا معشوقةٌ ريقها الراح. الخمر أشبه شيء بالدنيا لاجتماع المرارة واللذاذة فيها. النبيذ عروسٌ، مهرها العقل. الخمر مصباح السرور ولكنها مفتاح الشرور. لكل شيءٍ سرٌ، وسر الراح السرور. لا يطيب المدام الصافي إلا مع النديم المصافي. حسان بن ثابت:
إذا ما الأشربات ذكرن يوماً ... فهنّ لطيّب الرّاح الفداء
غيره:
وإنّ رضاع الكأس أعظم حرمةً ... وأوجب حقّاً من رضاع لبان
آخر:
صبّ النبيذ على الفؤاد فإنّه ... ممّا يعين على الزّمان الفاسد
(1/205)

آخر:
وتظلمني في كلّ دورٍ بحبّةٍ ... ألا إنّ قيراط النّبيذ كثير
آخر:
وأحسن ما يهدى إلى الشيء جنسه ... فللرّوح فاهد الرّاح فهي لها جنس
آخر:
وجدت أقلّ الناس عقلاً إذا انتشى ... أقلّهم عقلاً إذا كان صاحيا
يزيد السّفيه الكأس فيه سفاهةً ... ويترك أخلاق الكريم كما هيا
آخر:
الكأس تظهر ما بالإست من دنس ... إذا تمشّت حميّا الكاس في الرّاس
آخر:
إن الشراب له شرطٌ سمعت به ... ألاّ يعاد حديث السّكر في الصّحو
آخر:
إنّما مجلس النّبيذ بساط ... فإذا ما انقضى طوينا البساطا
أبو نواس:
والرّاح طيّبةٌ وليس تمامها ... إلا بطيب خلائق الجلّاس
المأمون:
وليس للهمّ إلا كلّ صافيةٍ ... كأنها دمعةٌ من عين مهجور
(1/206)

البحتري:
وأحقّ من وسع النّدامى جوده ... بالرّاح من كانت له قطربّل
العطوي:
إنّ شرب المدام سيرٌ إلى الله ... ووخير المسير صدر النّهار
وله:
فمن حكّمت كاسك فيه فاحكم ... له بإقالةٍ عند العثار

المغنون
تيه مغنٍ وظرف زنديق. أفلس من طنبورٍ بلا وتر. زاد في الطنبور نغمة. الغناء رقية الزنا. الغناء الفائق غذاء الروح. وصف بعضهم مغنياً فقال: كأنه خلق من كل قلب، فهو يغني كل واحدٍ بما يشتهيه. ووصفه آخر فقال: لغنائه في القلب موقع القطر في الجدب. السمّاع إدام المدام.
(1/207)

السمّاع متعة الأسماع. الكندي: سماع الغناء برسامٌ حاد، لأن المرء يسمع فيطرب، ويطرب فيسمح، ويسمح فيعطي، ويعطي فيفتقر، ويفتقر فيغتم، ويغتم فيمرض، ويمرض فيموت. أبو نواس:
وجدت ألذّ عارية الليالي ... قران النّغم بالوتر الفصيح
غيره:
حكم الغناء تسمّعٌّ ومدام ... ما للغناء مع الحديث نظام
لو أنني قاضٍ قضيت قضيّةً ... إن الحديث على السماع حرام
كشاجم:
ولمّا عبثن بأوتارهنّ ... قبيل التّبلّج أيقظنني
جسسن المثاني وأتبعنها ... بنقر البنوب فأطربني
عمدن لإصلاح أوتارهنّ ... فأصلحنهنّ وأفسدنني
غيره:
أيا ساخطاً من أن طربت لزرزر ... لك حرمةٌ ولزرزرٍ إحسان
(1/208)

أغضبت من طربي على إحسانه ... أحسن لأطرب أيها الغضبان
جحظة:
كلما قلت، قال: أحسنت زدني ... وبأحسنت لا يباع الدقيق

العشّاق والعشق
حبّك للشيء يعمي ويصم. الهوى هوان.
أحبّ شيءٍ إلى الإنسان ما منعا
قطع الأوصال أيسر من قطع الوصال. ما خلق الفراق إلا لتعذيب العشاق. الغريب من لم يكن له حبيب. غضب العاشق أقصر عمراً من أن ينتظر عذراً. غضب العشاق كمطر الربيع. من كثرت لحظاته دامت حسراته. ما لقيت روحٌ من الحين ما لقي القلب من العين. المحبوب مسبوب.
وقد يؤذى من المقة الحبيب
ما المحبّ إلا للحبيب الأوّل
أطيب الطيب عناق الحبيب.
(1/209)

ربما تلف من كلف.
رقدت ولم ترث للسّاهر ... وليل المحبّ بلا آخر
لو صحّ منك الهوى أرشدت للحيل ... لكنّ حبّك لي قولٌ بلا عمل
ولا خير في حبٍّ يكون بشافع
حسنٌ في كلّ عينٍ من تودّ
نزع الروح أهون من نزاع الشوق. ربّ صبابةٍ غرست من لحظة، وربّ حربٍ جنيت من لفظة. ليس في الحبّ مشورة، ولا في الشهوات خصومة. وأيّ عشقٍ باختيار.
هوى كلّ نفسٍ ... حيث حلّ حبيبها
محن الزّمان شديدةٌ ... وأشدّها فقد الحبيب
آخر:
كلّ شيءٍ من الحبيب مليحٌ ... غير أن الصّدود منه قبيح
آخر:
في وجهه شافعٌ يمحو إساءته ... من القلوب وجيهٌ حيث ما شفعا
آخر:
أساء فزادته الإساءة حظوةًحبيبٌ على ما كان منه حبيبٌ
آخر:
أرى الطريق قريباً حين أسلكه ... إلى الحبيب بعيداً حين أنصرف
(1/210)

آخر:
دخولك من باب الهوى إن أردته ... يسيرٌ ولكنّ الخروج عسير
آخر:
إذا لم يكن في الحبّ سخطٌ ولا رضاً ... فأين حلاوات الرّسائل والكتب
آخر:
أنت كلّ النّاس عندي فإذا ... غبت عن عينيّ لم ألق أحد
آخر:
فقلت إذا استحسنت غيركم ... : أمرت الدّموع بتأديها
آخر:
ما حال من كان له واحدٌ ... يؤخذ منه ذلك الواحد
أبو فراس:
ومن مذهبي حبّ الدّيار لأهلها ... وللنّاس فيما يعشقون مذاهب
آخر:
صيّرت حبّك شافعي ... فأتيت من قبل الشّفيع
(1/211)

الأحوص:
يا بيت عاتكة الذي أتعزّل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكّل
إنّي لأمنحك الصّدود وإنّني ... قسماً إليك مع الصّدود لأميل
ابن الدمينة:
بكلٍّ تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدّار خيرٌ من البعد
ألا إنّ قرب الدّار ليس بنافعٍ ... إذا كان من تهواه ليس بذي ودّ
آخر:
وما الحبّ من حسنٍ ولا من دمامةٍ ... ولكنّه شيءٌ به القلب يكلف
آخر:
فلا اليأس يسليني ولا القرب نافعي ... وهل بعد هذا للمحبين مطلب
ابن الرومي:
يغدو المحبّ لشأنه وفؤاده ... نحو الحبيب غدوّه ورواحه
غيره:
يقولون: لو دبّرت بالعقل حبّها ... ولا خير في حبٍّ يدبّر بالعقل
(1/212)

ومن أمثالهم على أفعل من كذا
أثقل من رقيبٍ بين محبين. أثقل من واشٍ على عاشق. أنمّ من دمع على عاشق. أرق من دموع العشاق، مرتها لوعة الفراق. أرق من دمع محبٍ، وشكوى صب. أشوق من عاشق طروب. أسر من قرب الحبيب. أشقى من محب. أشد من فراق الأحبة. أطيب من ريح الحبيب الموافق. أطيب من رائحة العروس الحسناء في أنف العاشق الشبق. أطوع من محب. أمد من نفس العاشق. أصفى من دمع العاشقة المرهاء. أفظع من الفراق.
(1/213)

أحسن من التلاق. أقبح من عاشقٍ مفلس. أحلى من فم الحبيب. ألذ من معانقة الأحباب في حلة الأمن. ألذ من ريق الأحبة في الفم. أحر من قلب عاشق. أمر من فقد الأحبة. أشد من قرب الحبيب. ليس شيءٌ ألذ من نظر المعشوق في وجه عاشقٍ بابتسام.

النساء
العرب: كل شيءٍ مهةٌ ومهاةٌ ما خلا النساء وذكرهن؛ أي أن الحر يحتمل كل شيءٍ حتى يأتي ذكر حرمه. ومعنى المهة: اليسير. لا تعلم العوان الخمرة. كل غانيةٍ هند، ما أمامة من هند. كل ذات ذيلٍ تختال. وكل ذات صدارٍ خالة.
وليس لمخضوب البنان يمين
(1/214)

لا تعدم الحسناء ذاماً. لا تسد الثغور بالمحصنات. لو ذات سوارٍ لطمتني. لا تحمدنّ أمةً عام شرائها، ولا عروساً عام هدائها. لا عطر بعد عروس. قد كنت قبل النفاس مصفرة. وحمى ولا حبل. الثيب عجالة الراكب. كل فتاةٍ بأبيها معجبة. من يمدح العروس إلا أهلها. إن النساء شقائق الأقوام. من ينكح الحسناء يعط مهرها. بينهم داء الضرائر. شر الغريبة يعلن، وخيرها يدفن. خلع الدرع بيد الزوج. ليست حفصة من نساء أم عاصم. المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة. النساء بالنساء أشبه من الماء والغراب بالغراب والذباب بالذباب. النساء حبائل الشيطان. القبح حارس المرأة.
(1/215)

أجعهن فلا يمرحن، وأعرهن فلا يبرحن. اعص هواك والنساء، وأطع ما شئت.
ما في الرّجال على النّساء أمين
إنّ المناكح خيرها الأبكار
كاد العروس يكون أميراً. نحن على صيحة الحبلى. فلان كالمرأة الثكلى، وكالحية على المقلى. من استحيى من بنت عمه لم يولد له. البياض نصف الحسن. الجمال في الأنف، والملاحة في العين، والحلاوة في الفم. العجيزة أحد الوجهين. في كل أرضٍ قحاب. التحسن خيرٌ من الحسن. لو قيل للشحم أين تذهب؟، لقال أسوي العوج. لكل فتاةٍ خاطب، ولكل مرعىً طالب. زوجٌ من عودٍ خيرٌ من قعود. نعم لهو الحرة المغزل. مع الحديث فاغزلي. المملك هو المملوك، إلا أن ثمنه عليه.
(1/216)

التزوج فرح شهرٍ، وغم دهرٍ، ودق ظهرٍ، ووزن مهرٍ.
ربّ ذئبٍ أخذوه ... وتمادوا في عقابه
ثم قالوا: زوجوه ... وذروه في عذابه
أسماء بنت أبي بكر: النكاح رقّ، فانظر عند من تضع رقك. معاوية رضي الله عنه: يغلبن الكرام، ويغلبهن اللئام. مصعب بن الزبير: المرأة فراش فاستوثروه. مسلمة بن عبد الملك: المرأة الصالحة خيرٌ للمرء من يديه والمرأة السوء غلٌ من حديد. من لم تخنه نساؤه تكلم بملىء فيه. غيره: عقل المرأة في جمالها، وجمال الرجل في عقله. المأمون: النساء شرٌ كلهن، وشر ما فيهن قلة الاستغناء عنهن. غيره: الرجل يكتم بغض المرأة أربعين عاماً، ولا يمكن أن يكتم حبها يوماً واحداً، والمرأة تكتم حب الرجل أربعين عاماً، ولا يمكنها أن تكتم بغضه يوماً واحداً.
(1/217)

ابن المعتز: من أتعب نفسه في الحلال لم يتق إلى الحرام، وهو كالطليح الذي مناه أن يستريح.
هي الضّلع العوجاء لست تقيمها ... ألا إن تقويم الضّلوع انكسارها
آخر:
لا يأمننّ على النّساء أخٌ أخاً ... ما في الرّجال على النّساء أمين
آخر:
إنّ النّساء رياحينٌ خلقن لنا ... فكلّنا يشتهي شمّ الرّياحين
آخر:
ونحن بنو الدنيا وهن بناتها ... وعيش بني الدنيا لقاء بناتها
آخر:
ضربتني بكفّها ابنة معنٍ ... أوجعت كفّها وما أوجعتني
آخر:
إذا لم تكن في منزل المرء حرةٌ ... رأى خللاً فيما تدير الولائد
فلا يتّخذ منهنّ حرٌّ قعيدةً ... فهنّ لعمر الله بئس القعائد
آخر:
ليس لربّ البيت في بيته ... عيشٌ إذا ما فسد الأهل
آخر:
رأيت رجالاً يكرهون بناتهموفيهنّ لا تكذب نساءٌ صوالح
(1/218)

وفيهنّ والأيام يعثرن بالفتى ... عوائد لا يمللنه ونوائح
آخر:
لا تنكحنّ عجوزاً إن دعوك لها ... وإن حبوك على تزويجها الذّهبا
وإن أتوك وقالوا: إنها نصفٌ ... فإن أفضل نصفيها الذي ذهبا
آخر:
وصاحب ضرّتين على اللّيالي ... كما قد قيل: بين الجمرتين
رضى هذه يهيّج سخط هذي ... فما يعرى من إحدى السّخطتين
آخر:
وهل يصلح العطار ما أفسده الدّهر
لأبي العبر:
وحلّف منهم بالطلاق أكابراً ... وأيّ طلاقٍ للنساء الطّوالق
لا تنكحنّ عجوزاً إن أتيت بها ... واخلع ثيابك منها ممعناً هربا

الصبيان
العرب: الصبي أعلم بمضغ فيه.
(1/219)

كل امرىءٍ في بيته صبي. اتق الصبيان، لا تصبك بأعقابها. العجم والعامة: لا تعطين الصبي واحدةً فيطلب اثنتين. لا تر الصبي بياض أسنانك فيريك سواد استه. إنما يخدع الصبيان بالزبيب. الصبي صبيٌ ولو لقي النبي. لا تسخر بكوسجٍ ما لم تلتح. أثقل من يوم السبت على الصبيان. العصفور في النزع، والصبيان في الطرب.
لابن الرومي:
أثقل من طلعة يوم السّبت ... على ابن خمسٍ وعلى ابن ستّ
غيره:
كعصفورةٍ في كفّ طفلٍ يسومها ... ورود حياض الموت والطّفل يلعب
ابن عباد:
وفرحتي بوجهه الصّبيح ... كفرحة الصّبيان بالتّسريح
(1/220)

العبيد والخدم
ليس عبدٌ بأخٍ لك. عبد غيرك حرٌ مثلك. العبد من لا عبد له.
الحرّ يلحى والعصا للعبد
الحر يعطي والعبد يألم قلبه. الكلب ومن لا عبد له بمنزلةٍ. احمل العبد على فرسٍ، فإن هلك هلك، وإن عاش فلك؛ يضرب لمن يهون على صاحبه فيما ظن به. عبدٌ وحليٌ في يديه؛ يضرب لمن يملك شيئاً لا يستحقه. من لم تلد فلا ولد، ومن لم يشتر فلا عبد. الحر حرٌ، وإن مسه الضر، والعبد عبدٌ، وإن مشى على الدر. أعطي العبد كراعاً فطلب ذراعاً. أجلست عبدي فاتكأ. لا بد للعميد من عبيد. العبيد عزٌ مستفادٌ، وغيظٌ في الأكباد. أرزاقهم على الله تعالى، ومرافقهم لك. اشتروهم صغاراً، وبيعوهم كباراً. التسلط على العبيد دناءةٌ. من كرم الرجل سوء أدب غلمانه.
(1/221)

استخدم الصغير حتى يكبر، والعجمي حتى يفصح. أفضل المماليك الصغار، لأنهم أحسن طاعةً، وأسرع قبولاً. الإحسان إلى العبيد مكبتةٌ للأعداء.
والعبد عبد النفس في شهواتها
وهل يحيى العبيد بلا موال
ملك ما يصلح للمولى على العبد حرامٌ. إذا تملكت عبداً تضمنت رزقه. سيف الدولة:
إذا برم المولى بخدمة عبده ... تجنّى له ذنباً وليس له ذنب
المتنبي:
لا تشتر العبد إلا والعصا معه ... إن العبيد لأ
نجاسٌ مناكيد آخر:
إنّ العبيد إذا أذللتهم صلحوا ... على الهوان وإن أكرمتهم فسدوا
فاجعل عبيدك أوتاداً تشجّجها ... لا يثبت البيت حتى يقرع الوتد
آخر:
وإن الحرّ في الحالات حرٌّ ... وإن الذلّ يقرن بالعبيد
(1/222)

الإماء
لا تفش سرك إلى أمةٍ. ما أطيب الغنى، لولا العبيد والإما. عبدٌ صريحةٌ أمه. من أضرب بعد الأمة المعادة الذليلة؟. كالأمة تفخر بحدج ربتها. لا تتخذن السرية إلا سرية مشتقة من السر وهو النكاح. أخسر ممن باع الماء، واشترى الإماء. المنصور لابنه المهدي: كيف أوليك أمر الأمة، وأنت تجزع على أمةٍ، فقال: لم أجزع على قيمتها، وإنما جزعت لموافقتها.

الخصيان
لم يلد مؤمناً، ولم يلده مؤمن. خصيٌّ يلعب بزبّ مولاه. قيل لخصيٍ: رزقك الله ولداً، فقال: لا تقل ما لا يكون أبداً.
(1/223)

من جبّ زبه ذهب لبه.
أليس زانٍ خصيٌّ ... غازٍ بغير سلاح
آخر:
ونساءٌ لمطمئنٍّ مقيمٍ ... ورجالٌ إن كانت الأسفار
المتنبي:
وقد كنت أحسب قبل الخصيّ ... م أنّ الرؤوس مقرّ النّهى
فلمّا نظرت إلى عقله ... رأيت النّهى كلّها في الخصى
لا تعبأن بنسك الخصي، ولا بتوبة الجندي. واستترت بعض العفائف من خصيّ، فقيل له أنه مجبوب، فقالت: إن ما قطع منه لم يحل ما حرم الله تعالى.

اللصوص
وقد قيل في مثلٍ قد جرى ... خذ اللّصّ من قبل أن يأخذك
إذا تخاصم اللصان ظهرت السرقة. من فرص اللص ضجة السوق. وقع اللص على اللص. فلانٌ يقول للسارق: اسرق، ولصاحب المنزل: احفظ متاعك.
الخارب اللص يحب الخاربا
(1/224)

إذا سرقت فاسرق درة، وإذا زنيت فازن بحرة. فلانٌ يسرق الكحل من العين والقميص من بين الجنبين. هو الصّ من عقعق. سرق السارق فانتحر. يضرب لمن يجزع على حقٍٍ أخذ منه لم يكن له، وكان لغيره. الحسن البصري: بئس الرجل اللص، يدخل بيت غيره فيأخذ ما ليس له. غيره: الكذاب شرٌ من اللص، لأن اللص يسرق مالك، والكذاب يسرق عقلك. العامة: قطعت القافلة، وكانت خيرة. وقد قيل في الأمثال:
آمن مسلكٍ طريقٌ بها ... قد كان بالأمس يقطع
(1/225)

الفصل الثالث فيما يكثر التمثل به من جميع الأشياء
الشمس
أحسن من الشمس. أشهر من الشمس. أدل من الصبح على الشمس. أضيع من سراجٍ في الشمس. من يطين عين الشمس؟. من يقدر على رد أمس؟ ولمس عين الشمس. ما أصنع بشمسٍ لا تدفيني. الشمس تقبح في عيون الرمد. فلانٌ أعلم بشمس أرضه. فلانٌ شمس العصر على القصر؛ للمسن. هل تحوج الشمس إلى شمعةٍ. يا شمس يا قطيفة المساكين. الشمس قد تغيب ثم تشرق، والروض قد يذبل ثم يورق.
وهل شمسٌ تكون بلا شعاع
في طلعة الشّمس ما يغنيك عن زحل
والشّمس تسليك عما حلّ بالقمر
الشّمس تكبر عن حليٍ وعن حلل
(1/226)

ولو لم تغب شمس النّهار لملّت
الشّمس نمّامةٌ واللّيل قوّاد
فلا عجبٌ، قد يربض الكلب في الشّمس
اللئيم يتزوج كريمة. وربما تنكسف الشمس.
الشّمس طالعة إن غيّب القمر
والشّمس تنحطّ في المجرى وترتفع
إذا الشّمس لم تغرب فلا طلع البدر
أبو تمام:
فإنّي رأيت الشّمس زيدت محبةً ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد
ابن الجهم:
والشّمس لولا أنّها محجوبةٌ ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد
أبو تمام:
وكلّ كسوفٍ في الدّراريّ شنعةٌ ... ولكنّه في الشّمس والبدر أشنع
وللأمير شمس المعالي:
وفي السّماء نجومٌ مالها عددٌ ... وليس يكسف إلا الشّمس والقمر
أبو تمّام:
وإن صحيح الحزم والرّأي لامرىءٍ ... إذا بلغته الشّمس أن يتحوّلا
(1/227)

البحتري:
كذاك الشّمس تبعد أن تسامى ... ويدنو الضوء منها والشّعاع
ابن الروميّ:
ورأيته كالشّمس إن هي لم تنل ... فضياؤها والرّفق منه ينال
العباس بن الأحنف:
هي الشّمس مسكنها في السّماء ... فعزّ الفؤاد عزاءً جميلا
فلن تستطيع إليها الصّعود ... ولن تستطيع إليك النّزولا
ابن الروميّ:
ما بالها قد حسّنت ورقيبها ... أبداً قبيحٌ قبّح الرّقباء
ما ذاك إلا أنّها شمس الضّحى ... أبداً يكون رقيبها الحرباء
والشّمس تستغني إذا طلعت ... أن تستضيء بغرّة البدر
آخر:
إذا ورد الشّتاء فأنت شمسٌ ... وإن ورد المصيف فانت ظلّ
آخر:
أنا الشمس إن لم تستبن عين ناظري ... ضيائي فإنّ الذنب للعين لازم
ابن المعتز:
ودلّ عليّ الحمد جودي وعفّتي ... كما دلّ إشراق الصّباح على الشّمس
(1/228)

غيره:
لئن سترتك الخدر عنّا فربّما ... رأيت جلابيب السّحاب على الشّمس
المتنبي:
كالشّمس لا تبتغي بما صنعت ... منفعةً عندهم ولا جاها
مسكويه الخازن:
لا يعجبنّك حسن القصر تنزله ... فضيلة الشّمس ليست في منازلها
لو زيدت الشمس في أبراجها مائةً ... ما زاد ذلك شيئاً في فضائلها
ابن الرومي:
كالشّمس لا تبدو فضائلها ... حتى تغشّى الأرض بالظّلم
ابن لنكك:
وهبك كالشّمس في حسنٍ ألم ترنا ... نفرّ منها إذا مالت إلى الضّرر
لابن عباد مثله:
فقلت: وشمس الضّحى تحتمى ... إذا بسطت في المصيف الأذى
أبو الفتح البستي:
لئن تنقّلت من دارٍ إلى دار ... وصرت بعد ثواء رهن أسفار
فالحرّ حرٌّ عزيز النّفس حيث ثوى ... والشمس في كلّ برجٍ ذات أنوار
(1/229)

وله:
حبست ومن بعد الكسوف تبلّجٌ ... تضيء به الآفاق للبدر والشّمس
أبو تمام:
أعندك الشمس تجري في محاسنها ... وأنت مشتغل الألحاظ بالقمر
غيره:
والشمس في كبد السماء محلّها ... وشعاعها في سائر الآفاق
سعيد بن حميد:
هي الشمس مجراها بعيدٌ وضوءها ... قريبٌ، وقلبي بالبعيد موكّل
آخر:
وإنّي وإيّاها وإلمامنا بها ... لكالشمس نالتنا ولسنا ننالها

الهلال والقمر والبدر
أبو تمام:
إن الهلال إذا رأيت نموّه ... أيقنت أن سيصير بدراً كاملاً
وله:
هذا الهلال يروق أبصار الورى ... حسناً وليس كحسنه لتمامه
(1/230)

أبو العتاهية:
والمرء مثل هلالٍ حين تبصره ... يبدو ضعيفاً ضئيلاً ثم يتّسق
يزداد حتى إذا ما تمّ أعقبه ... كرّ الجديدين نقصاً ثم ينمحق
وله:
يبشّرني الهلال بهدم عمري ... وأفرح كلّما طلع الهلال
الببغاء:
ستخلص من هذا السّرار وأيّما ... هلالٌ توارى بالسّرار فما خلص
العرب: أضيع من قمر الشتاء؛ لأنه لا يجلس فيه.
غير أني أصبحت أضيع في القو ... م من البدر في ليالي الشّتاء
في القمر ضياءٌ، والشمس أضوء منه. الليل طويلٌ، وأنت مقمرٌ؛ أي اصبر لحاجتك حتى تصبح. ما دام القمر طالعاً فاسر. اسر وقمرٌ لك. أريها السها وتريني القمر. إذا طلع القمر طاب السفر.
هكذا البدر في الظلام يوافي
(1/231)

المتنبي:
ومخطىءٌ من رميّه القمر
لا تخرج الأقمار من هالاتها
وما قلت للبدر أنت اللّجين ... ولا قلت للشمس أنت الذّهب
أبو الفتح البستي في الصاحب:
فقدناه لما تمّ واعتمّ بالعلا ... كذاك كسوف البدر عند تمامه
أبو بكر الخوارزمي:
رأيتك إن أيسرت خيّمت عندنا ... لزاماً وإن أعسرت زرت لماما
فما أنت إلا البدر إن قلّ ضوءه ... أغبّ وإن دام الضياء أقاما
البحتري:
وبدر أضاء الأرض شرقاً ومغرباً ... وموضع رجلي منه أسود مظلم
غيره:
وقد واعدت ليلي الهلال ومن يعش ... إلى وعد ليلي فالهلال قريب
(1/232)

الكواكب والنجوم
أبعد من الكواكب. أبعد من مناط النجوم. أهدى من النجم. أنحس من زحل. لأرينك الكواكب ظهراً. لزمه من الكوكب إلى الكوكب.
والكوكب النّحس يسقي الأرض أحيانا
وأين نزيل الأرض عند الكواكب
ما أبعده من الثريا. انحط فلانٌ من الثريا إلى الثرى. أبو تمام:
كالنّجم إن سافرت كان مواكباً ... وإذا حططت الرّحل كان جليسا
أبو نواس:
أين النّجوم التاليا ... ت من الأهلّة والبدور
غيره:
وأصبحت من ليلي الغداة كناظرٍ ... مع الصّبح في أعقاب نجمٍ مغرّب
(1/233)

آخر:
ولما شكوت الحبّ، قالت: أما ترى ... مناط الثريّا وهو منك بعيد
فقلت لها: إن الثريّا وإن نأت ... يصوب مراراً نوؤها فيجود
آخر:
وكنت الثريّا حين غادت وأشرقت ... أمنّا بها الآفات بعد حذارها
آخر:
وكنّا في اجتماعٍ كالثريّا ... فصرنا فرقةً كبنات نعش
المهلبي الوزير:
حليليّ إني للثريّا لحاسدٌ ... وإني على ريب الزّمان لواجد
أيجمع منها شملها وهي سبعةٌ ... وأفقد من أحببته وهو واحد
البحتري:
وحسن دراريّ الكواكب أن ترى ... طوالع في داجٍ من اللّيل، غيهب
وله:
لا تنظرنّ إلى العباس من صغرٍ ... في السّن وانظر إلى المجد الذي شادا
إن النّجوم نجوم الليل أصغرها ... في العين أبعدها في الجوّ إصعادا
وله:
كالفرقدين إذا تأمّل ناظرٌ ... لم يعل موضع فرقدٍ عن فرقد
(1/234)

غيره:
فما لطرف رجائي عنك منصرفٌ ... وهل يفارق جرم المشتري النور
أبو الفتح:
وللنّجم من بعد الرّجوع استقامةٌ ... وللشمس من بعد الغروب طلوع
جحظة:
مثل الذي يرجو البلو ... غ إلى الكواكب وهو مقعد
عمر بن ابي ربيعة:
أيّها المنكح الثريّا سهيلاً ... عمرك الله كيف يلتقيان
هي شاميّةٌ إذا ما استقلّت ... وسهيلٌ إذا ما استقلّ يمان
البحتري:
يا حاجب الوزراء إنّك عندهم ... سعدٌ ولكن أنت سعد الذابح
وغيره:
وأنت مكان النجم منّا وهل لنا ... من النّجم إلا أن يقابلنا النّجم
آخر:
وكلّ أخٍ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلاّ الفرقدان
(1/235)

كلمة حكيم: إن الأحداث مقرونةٌ بطلوع النجوم وأفولها، ولا يزال طالعٌ وآفل؛ فكذلك حدثٌ نازلٌ، وآخر منفرج.

السماء والسحاب والرعد والبرق والمطر
إن السماء ترجّى حين تحتجب
من ذا رأى أرضاً بغير سماء
إن السّماء إذا لم تبك مقلتها ... لم تضحك الأرض عن شيءٍ من الزّهر
الفرص تمر مرّ السحاب.
هل يرتجى مطرٌ بغير سحاب
لا يكن وعدك برقاً خلّباً.
إنّ خير البرق ما الغيث معه
وأول الغيث رشٌّ ثم ينسكب
سحابة صيف عن قليلٍ تقشّع
العرب: يذهب يوم الغيم ولا يشعر به. يضرب للساهي عن حاجته، حتى تفوته ولا يعلم.
(1/236)

أرنيها تمرةً أركها مطرةً؛أي إذا رأيت دليل الشيء علمت ما يتبعه. أبو بكر الخوارزمي:
قد يبصر الخفيّ في الجليّ ... كالغيث يلقى وهو في الحبيّ
فلانٌ برقٌ بلا مطر، وشجرٌ بلا ثمر. فلان أكذب من البرق الخلّب وهو الذي لا غيث معه. ليس في البرق اللامع مستمتعٌ، لمن يخوض الظلمة.
يدرّ كما درّ السّحاب على الرّعد
ربّ صلفٍ تحت الراعدة يضرب للبخيل المتكبر. ابن عباس: المطر بعل الأرض، أي يلقحها. ربّ غيثٍ عاد عيثاً، ووبلٍ صار وبالاً.
أسرع السّحب في المسير الجهام
فر فلانٌ من القطر وقعد تحت الميزاب.
ومن يسدّ طريق العارض الهطل
أهول من السيل بالليل. سبق سيله مطره.
قبل السّحاب أصابني الوكف
(1/237)

سحابٌ عدا في فيضه وهو صيّب
ربما عاق المطر عن الوطر. المطر مفسد الميعاد. أبو نخيلة:
ما زال عودي في ثرىً ثريّ
بعدك من ذاك النّدى الوسميّ
حتّى إذا ما همّ بالذويّ
جئتك واحتجت إلى الوليّ
البحتري:
مضى منك وسميٌّ فجد بوليّه ... وعوّدت من نعماك فضلاً فواله
ابن الرومي:
لكم علينا امتنانٌ لا امتنان به ... وهل تمنّ سماواتٌ بأمطار
غيره:
والله ينشي سحاباً تطمئنّ به الن ... فوس من قبل بلّ الأرض بالمطر
منصور الفقيه:
فامنن بما شئت من نوالٍ ... إن لم يكن وابلٌ فطلّ
(1/238)

أبو تمام:
وكذا السّحائب قلّما تدعو إلى ... معروفها الروّاد ما لم تبرق
البحتري:
واعلم بأنّ الغيث ليس بنافعٍ ... ما لم يكن للناس في إبّانه
المتنبي:
ليت الغمام الذي عندي صواعقه ... يزيلهن إلى من عنده الدّيم
أبو عيينة:
أبوك لنا غيث نعيش بظلّه ... وأنت جرادٌ لست تبقي ولا تذر
وكنت فيهم كممطورٍ ببلدته ... يسرّ أن جمع الأوطان والمطرا
غيره:
لا يوئسنّك من عثمان حدّته ... وإن تطاير من نيرانه الشّرر
فإن حدّته والله يكلؤه كالبرق والرّعد يأتي بعده المطر
آخر:
وربّ جوادٍ يمسك الله جوده ... كما يمسك الله السّحاب عن المطر
آخر:
وإنّي ارى التّأديب عند وجوبه ... بمنزلة الغيث الذي قبله الجدب
كثير:
كما أبرقت قوماً عطاشاً غمامةٌ ... فلما رجوها أقشعت وتجلّت
(1/239)

بشار بن برد:
أظلّت علينا منك يوماً سحابةٌ ... أضاءت لنا برقاً وأبطا رشاشها
فلا غيمها يجلي فييأس طامعٌ ... ولا غيثها يأتي فتروى عطاشها
آخر:
أنا في ذمّة السّحاب وأظما ... إن هذا الوصمةٌ في السّحاب
العرب:
يحسب الممطور أن كلّاً مطر
رب غيثٍ لم يكن غيثاً. عاد غيثٌ على ما أفسد. اضطره السيل إلى معطشه. من يرد السيل على إدراجه.
ومن يسدّ طريق العارض الهطل
سال به السيل وما يدري.

الرياح
إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصارا
أي لاقيت من هو أشد منك، يضرب للمدلّ بنفسه إذا صلي بمن هو أدهى منه.
(1/240)

فلانٌ ساكن الريح؛ إذا كان حليماً. قد هبّت ريحه؛ أي قامت دولته. وفي القرآن: " وتذهب ريحكم ". أي دولتكم.
إذا هبّت رياحك فاغتنمها ... فعقبى كلّ خافقةٍ سكون
ولا تقعد عن الإحسان فيها ... فلا تدري السكون متى يكون
وكلّ ريحٍ لها هبوبٌ ... يوماً فلا بدّ من ركود
والرّيح ترجع عاصفاً ... من بعد ما ابتدأت نسيما
وبعض القول يذهب في الرّياح
ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه ... تجري الرّياح بما لا تشتهي السّفن
لو كنت ريحاً كانت الدّبورا
أبو تمام:
إن الرّياح إذا ما أعصفت قصفت ... عيدان نجدٍ ولم يعبأن بالرّتم
ابن الرومي:
لا تطفئنّ جوىً بلومٍ إنه ... كالرّيح تغري النّار بالإحراق
الفرس: ما حيلة الريح إذا هبت من داخل.
(1/241)

العامة: ريحٌ ولكنه مليح. قول فلانٍ ريحٌ في قفص. فلانٌ يكيل علينا الريح. فلان يهبّ مع كل ريح، ويسعى مع كل قوم.
أفّاً وتفّاً لمن مودته ... إن زلت عنه سويعةً زالت
إن مالت الرّيح هكذا وكذا ... مال مع الرّيح حيثما مالت

الليل والنهار والأيام
الليالي حبلى، ليس يدرى ما تلد. الليل أخفى للويل. الليل نهار الأديب. اتخذ الليل جملاً. شمر ذبلاً، وادرع ليلاً. ما أقصر الليل على الراقد. ما أشبه الليلة بالبارحة.
وليل المحبّ بلا آخر
فإنّك كاللّيل الذي هو مدركي
هذا أمرٌ دبر بليل. أمر نهارٍ قضي ليلاً.
(1/242)

إحدى لياليك فهيسي هيسي
يضرب لمن ينزل به الأمر الشديد، الذي يحتاج فيه إلى أن ينصب ويتعب. الليل أعور؛ أي لا يبصر فيه. ليلنا عنده سحرٌ كله، ويومنا ضحىً إلى آخره. كم قدر مدة الأعمار مع هدم الليل والنهار. من كان الليل والنهار مطيته فإنه يسار به وإن لم يسر. الليل والنهار غرسان يثمران للبرية ضروب البلية.
وهل يخفى على النّاس النّهار
المتنبي:
وليس يصحّ في الأفهام شيءٌ ... إذا احتاج النّهار إلى دليل
ابن المعتز:
يا ربّ ليلٍ سحر كله ... مفتضح البدر عليل النّسيم
يلتقط الأنفاس برد الندى ... فيه فيهديه لحرّ السّموم
إن اللّيالي لم تحسن إلى أحدٍ ... إلا أساءت إليه بعد إحسان
آخر:
ولن يلبث العصران يومٌ وليلةٌ ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمّما
أما ترى اللّيل والنّهارا ... جارين لا يبقيان جارا
(1/243)

لم يجريا لامرىءٍ بسعدٍ ... إلا بنحسٍ عليه دارا
إذا ما تقاضى المرء يومٌ وليلةٌ ... تقاضاه شيءٌ لا يملّ التّقاضيا
إنّ اللّيالي للأنام مناهلٌ ... تطوى وتبسط بينها الأعمار
فقصارهنّ مع الهموم طويلةٌ ... وطوالهنّ مع السّرور قصار
أشاب الصغير وأفنى الكبي ... ر كرّ الليالي ومرّ العشيّ
إذا هرّمت ليلةٌ يومها ... أتى بعد ذلك يومٌ فتيّ
أدبه الليل والنهار من لم يؤدبه والداه. يوم السرور قصير. اليوم خمرٌ وغداً أمر. اليوم عيشٌ وغداً جيش. اليوم فعلٌ، وغداً ثواب. ما يوم حليمة بسرّ. ليس يومي بواحدٍ من ظلوم. يومٌ لنا، ويومٌ علينا. من برّ يوماً برّ به.
وفي الليالي والأيّام معتبر
وما اليوم إلا مثل أمس الذي مضى
من عرف الأيام لم يغفل الاستعداد لها. مع اليوم غدٌ، ومع السبت أحد.
(1/244)

إن غداً لناظره قريب
وهل يستبان الرّشد إلا ضحى الغد
قال الله تعالى: " وتلك الأيام نداولها بين الناس ". لكل قومٍ يوم. أيام العمر اقل من أن تحتمل الهجر. لا تبع يوماً صالحاً بيومٍ طالح. يأتيك كل غدٍ بما فيه. لكل غدٍ طعام. لكل صباحٍ صبوحٌ، ولكل عشاءٍ غبوقٌ. أمسك ماضٍ، ويومك مستقبلٌ، وغدك مبهمٌ. اليوم عمل، وأمس أجلٌ، وغداً أملٌ.
واله ما أمكن يومٌ صالحٌإن يوم الشرّ لا كان عتيد
أيّام لا أدري وإن سألت ... ما نسك يوم جمعةٍ من سبت
شهورٌ ينقضين وما شعرنا ... بأنصافٍ لهن ولا سرار
أبو تمام:
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام
وأيّام الهموم مقصّصاتٌ ... وأيّام السّرور تطير طيرا
لا تحملنّ هموم أيّام على ... يومٍ لعلّك أن تقصّر عن غده
عيش الفتى كلّه يومٌ يسرّ به ... فانعم هنيّا فإن الحين قد قربا
(1/245)

لا تركننّ إلى فكرٍ ليوم غدٍ ... فكلّ همٍّ لأمسٍ عنك قد ذهبا

الدهر والزمان
الدهر بالإنسان دواريٌّ. الدهر أفصح المؤدبين. الدهر ذو دول. من له يدان بغوائل الزمان. من عتب على الدهر طال عتبه من عتب على الدهر عثر.
من سابق الدّهر كبا كبوةً ... لم يستقلها من خطا للدّهر
فاخط مع الدّهر إذا ما خطا ... واجر مع الدّهر كما يجري
الدهر أبلغ في النكير. هو الدهر، وعلاجه الصبر. إنما أباد الأمم والقرون تعاقب الحركة والسكون. الدهر يومان: حلوٌ ومرٌ.
وما خلا الدهر من صابٍ ومن عسل
(1/246)

من يصحب الزمان يلق الهوان. ما ذممت زماناً إلا تمنيته. أكله دهرٌ لا يشبع.
لم أبك من زمنٍ ذممت صروفه ... إلا بكيت عليه حين يزول
ربّ دهرٍ بكيت منه فلمّا ... صرت في غيره بكيت عليه
الدّهر لا يبقى على حالةٍ ... لكنّه يقبل أو يدبر
فإن تلقّاك بمكروهه ... فاصبر فإن الدّهر لا يصبر
هل الدهر إلاّ طرفةٌ دونها قذىً ... فاغضض قليلاً سوف يقبل مدبر
يسعى الفتى في صلاح العيش مجتهداً ... والدّهر ما عاش في إفساده ساع
وأكلت دهرك أربعين وأربعاً ... فاصبر لأكلته وعضّة نابه
وإن أمير المؤمنين وفعله ... لكالدّهر لا عارٌ بما فعل الدّهر
البحتري:
هل الدّهر إلا غمرةٌ وانجلاؤها ... سريعاً وإلا ضيقةٌ وانفراجها
غيره:
يقولون: الزمان به فسادٌ ... وهم فسدوا وما فسد الزمان
ليس يبقى على صروف الزمان ... غير شكر الأصحاب والإخوان
أحزم الناس من إذا أحسن الدّ ... هر تلقى الإحسان بالإحسان
(1/247)

المتنبي:
أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرّهم وأتيناه على الهرم
أبو الفتح البستي:
لا غرو إن لم نجد في الدّهر مخترفاً ... فقد أتيناه بعد الشّيب والخرف
ابن المعتز:
الدّهر يلعب بالفتى ... لعب الصّوالج بالكره
أو لعب ريحٍ عاصفٍ ... عصفت بكفٍّ من ذره
ويقوده نحو السّعا ... دة والشّقاء بلا بره
الدهر قنّاصٌ وما ال ... إنسان إلا قنبره
أبو الفتح:
سخف الزمان فإن سخفنا فاعذر
كما يشدو لك الدهر فارقص. ابن المعتز:
يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحداً ... وأنت والد سوءٍ تأكل الولدا
(1/248)

الدنيا
عدوٌ في ثياب صديق. ضاحكةٌ مستعبرة. عدوةٌ للناس معشوقة. من بخل بالدنيا جادت به. غدارة غرارةٌ، إن بقيت لك لم تبق لها. أفٍ من أشغالها إذا أقبلت، ومن حسراتها إذا أدبرت. واجدها سكران، وفاقدها حيران. من نال الدنيا مات بها، ومن لم ينلها مات حسرةً عليها. مثل الدنيا كمثل الحيّة: لين مسها، قاتلٌ سمها، يحذرها العاقل، ويهوي إليها الجاهل. لا بد في الدنيا من الهمّ. إن الدنيا ليست تعطيك لتسرك؛ إنما تعطيك لتغمك.
ولم أر كالدنيا تذمّ وتجلب
أشبه الأشياء بالدنيا أحلام النائم. من أكرم الدنيا أهانته. الدنيا لا تعطي أحداً ما يستحقه؛ إما تزيده أو تنقصه. مثل الدنيا كمثل رجلٍ نام نومةً فرأى فيها ما يحب ويكره، ثم انتبه.
(1/249)

من مال إلى الدنيا صالت عليه، ومن مال عليها مالت إليه. إذا أقبلت الدنيا على إنسانٍ أعطته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه. لو عقدت الدنيا بذنب كلبٍ لجرها. دنياك ما أنت فيه. قيل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لم حرص الناس على الدنيا؟ فقال: هم أبناؤها.
البحتري:
ولكننّا منها خلقنا لغيرها ... وما كنت منه فهو شيءٌ محبّب
الحسن: حلالها حساب، وحرامها عذاب. يحيى بن معاذ: الدنيا خمر الشيطان، من شرب منها لم يفق إلا في عسكر الموتى، نادماً خاسراً. ذو النون: اتخذ الدنيا ظئراً، والآخرة أماً. ابن عباد: الدنيا قحبةٌ، فيوماً عند عطار، ويوماً عند بيطار. أبو بكر الخوارزمي: الدنيا أنثى، تنكح كل خاطب، ودابة ذلول، تحمل كل راكب.
(1/250)

أصبحت الدنيا لنا عبرةً ... والحمد لله على ذلكا
قد أجمع النّاس على ذمّها ... وما أرى فيهم لها تاركا
ابن المعتز:
وحلاوة الدنيا لجاهلها ... ومرارة الدنيا لمن عقلا
أفّ للدنيا الدّنيّه ... خبثت فعلاً ونيّه
عيشها همٌّ وغمٌّ ... ثم عقباها المنيّه
ابن المعتز: مصائب الدنيا أكثر من نبات

الأرض. من عجائب الدنيا أن تبكي على من تدفنه، وتطرح التراب على وجه من تكرمه. أهل الدنيا كركبٍ يسار بهم، وهم نيام. أهل الدنيا كصورةٍ في صحيفةٍ، كلما طوي بعضها نشر بعضها. طلاق الدنيا مهر الجنة. أجود الناس من زهد في الدنيا، ووهبها للناس. خير الدنيا حسرةٌ، وشرها ندمٌ. ترقع خرق الدنيا فيتسع، وتشعبها فتنصدع، ويجتمع منها مالا يجتمع.
(1/251)

الأرض
قال الله تعالى: " هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ". تمسحوا بالأرض؛ فإنها بكم برةٌ. أحمل من الأرض ذات الطول والعرض. أكتم من الأرض.
الأرض من تربةٍ ... والناس من رجل
من باع التراب، ولم يجعل ثمنه في التراب جعل على رأسه التراب. ابتغوا الرزق في خبايا الأرض.
وأنّى تمطر الأرض السّماءا
قتل أرضاً عالمها، وقتلت أرضٌ جاهلها. يضرب في فضل ذوي العلم وذمّ ذوي الجهل.
الدّهر يستخدم من يخدم ... حتى يذيق البؤس من يكرم
الأرض لا تطعم من فوقها ... إلا لكي تطعم من تطعم
والأرض لولا العداة واحدةٌ ... والنّاس لولا الفعال أشكال
إذا الأرض أدّت ريع ما أنت زارعٌ ... من البذر فيها فهي ناهيك من أرض
ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعاً ... فكم تحتها قومٌ هم منك أرفع
(1/252)

يا أرض كم وافدٍ أتاك فلم ... يرجع إلى أهله ولم يؤب
تحمل منك الأرض أضعاف ما ... يحمله الحوت من الأرض
شاعر في هجاءٍ يقتل:
مشى فدعا من ثقله الحوت ربّه ... وقال: إلهي زدت في الأرض ثامنه

الجبال والحجارة
لا تلتقي الجبال، وقد تلتقي الرجال. ذو الشرف لا تبطره منزلةٌ أصابها، كالجبل الذي لا يتزلزل بالرياح. والسخيف تبطره أدنى منزلةٍ، كالكلأ الذي يحركه مر النسيم.
ولو بغى جبلٌ يوماً على جبلٍ ... لانهدّ منه أعاليه وأسفله
للخنساء:
كأنّه علمٌ في رأسه نار
إذا قطعنا علماً بدا علمٌ؛ أي إذا فرغنا من أمرٍ حدث آخر. أنجد من رأى حضناً، وحضنٌ جبلٌ بنجد، أي من رآه لم يحتج إلى أن يسأل هل بلغ نجداً أم لا؟.
(1/253)

الليل يواري حضناً، أي يخفي كل شيء حتى الجبل. رماه بثالثة الأثافي، وهي قطعةٌ من جبلٍ، أي بأمرٍ يهلكه.
تتناثر الأطواد وهي شوامخ ... حتى تصير مداوس الأقدام
قوموا انظروا كيف تزول الجبال! يضرب في موت الرؤساء. ردّ الحجر من حيث جاءك. رمي فلانٌ بحجره، أي بقرنٍ مثله. جندلتان اصطكتا اصطكاكاً. للقرنين يتصاولان. وجّه الحجر وجهةً ما. أي دبر الأمر على وجهه. كانت هزمةً في حجرٍ، يضرب لمن يحتمل المصيبة ولا تؤثر فيه. ألقمه الحجر، أي: أجابه بجوابٍ مسكت. قال تعالى: " وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ".
جد فقد تنفجر الصّخرة ب

الماء الزّلال
فلانٌ حجرٌ، لا يروي ولا يوري، للبخيل. أقسى من الحجر. أبقى من النقش في الحجر. ابن الرومي:
إذا غمر المال البخيل فإنّه ... يزيد به يبساً وإن ظنّ يرطب
وليس عجيباً ذاك منه فإنّه ... إذا غمر الماء الحجارة تصلب
(1/254)

الماء
العرب: إن ترد الماء بماءٍ أكيس. ماءٌ ولا كصداء. الماء ملك أمرٍ. يضرب للشيء يكون به ملاك الأمر أي يتدارك به الأمر وبه حياة كل شيء. فلانٌ يرقم في الماء. أي قد بلغ من حذقه الأمور أنه يرقم حيث لا يثبت الرقم. قال أوس بن حجر:
سأرقم في الماء القراح إليكم ... على نأيكم إن كان للماء راقم
أصفى من ماء المفاصل. بلغ السيل الزبى. ثأطة مدت بماءٍ يضرب في الأمر يزداد فساداً. أحمق من لاعق الماء. تكفي الطين الرطب قطرة ماء. الرشف أنقع.
(1/255)

ليس الري عن التشاف، في ذمّ الاستقصاء. لا ماك أبقيت، ولا درنك أنقيت. الماء أهون موجودٍ، وأعز مفقود. فلانٌ كالقابض على الماء. فلانٌ نائمٌ ورجلاه في الماء؛ إذا كان على خطر. المولدون والعامة: الخلّ حيث لا ماء حامض. الماء إذا طال مكثه ظهر خبثه، وإذا سكن متنه تحرك نتنه. الكدر من رأس العين. إذا عذبت العين طابت الأنهار. هذا غيضٌ من فيضٍ، وبرضٌ من عدٍ، أي قليلٌ من كثيرٍ.
في فمي ماءٌ وهل ين ... طق من في فيه ماء
فهنّ ينبذن في قولٍ يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلّة الصّادي
والمرء يشرق بالزّلال البارد
كذلك غمر الماء يروي ويغرق
والمشرب العذب كثير الزّحام
ينبغي للعاقل ان يداري زمانه مداراة السابح للماء الجاري.
(1/256)

يا سرحة الماء قد سدّت موارده ... أما إليك طريقٌ غير مسدود
آخر:
أيجوز أخذ الماء من ... متلّهب الأحشاء صاد
آخر:
أرى ماءً وبي عطشٌ شديدٌ ... ولكن لا سبيل إلى الورود
آخر:
من غصّ داوى بشرب الماء غصّته ... فكيف يصنع من قد غصّ بالماء
آخر:
وما كنت إلاّ الماء جئنا لشربه ... فلما وردناه إذا الماء جامد
آخر:
وفي نظرة الصّادي إلى الماء حسرةٌ ... إذا كان ممنوعاً سبيل الموارد
آخر:
وإنّي للماء المخالط للقذى ... إذا كثرت ورّاده لعيوف
آخر:
سأقنع بالثّماد لعلّ دهراً ... يسوق الرّيّ من حرٍّ كريم
آخر:
ومن يأمن الدّنيا يكن مثل قابضٍ ... على الماء خانته فروج الأصابع
آخر:
وإنّي وإشرافي عليك بهمّتي ... لكالمبتغي زبداً من الماء بالمخض
(1/257)

آخر:
فقل في مكرعٍ عذبٍ ... وقد وافاه عطشانٌ
آخر:
وكيف الصّبر عنك وأيّ صبرٍ ... لعطشانٍ عن الماء الزّلال
آخر:
وإنّ الماء في العيدان يجري ... وربّمتا تعثّر بالحلوق
آخر:
وليس يعاف الرّنق من كان صادياً
كذلك غمر الماء يروي ويغرق
آخر:
إذا أنا عاتبت الملوك فإنّما ... أخطّ بأقلامي على الماء أحرفا
آخر:
والماء ليس عجيباً أنّ أعذبه ... يفنى ويمتدّ عمر الآجن الأسن
آخر:
أكابرنا عطفاً علينا فإنّنا ... بنا ظمأٌ برحٌ وأنتم مناهل
آخر:
المال يكسب أهله ما لم يفض ... في الرّاغبين إليه سوء ثناء
كالماء تأسن بئره إلاّ إذا ... خبط السّقاة جمامه بدلاء
(1/258)

العجم: المرء المقيم بمكانٍ واحدٍ، كالماء الزّلال، إذا طالت به الأيام أسن.

البحر
حدث عن البحر ولا حرج. البحر خلقٌ عظيم يركبه خلقٌ ضعيفٌ، دودٌ على عود.
يلام أبو الفضل في جوده ... وهل يملك البحر ألاّ يفيضا
قيل لبعض التجار: ما أعجب ما رأيت في البحر؟ قال: سلامتي منه.
هو البحر إلا أنّه عذب موردٍ ... وذا عجبٌ أنّ العذوبة في البحر
آخر:
إذا كنت قرب البحر ما لي مخلصٌ ... إليه فما يغني اقترابي من البحر
ابن الرومي:
دهرٌ علا قدر الوضيع به ... وهوى الرفيع يحطّه شرفه
كالبحر يرسب فيه لؤلؤه ... سفلاً ويعلو فوقه جيفه
آخر:
كمثل البحر يغرق فيه حيٌّ ... ولا ينفكّ تطفو فيه جيفه
(1/259)

إنّ الغريق بكلّ حبلٍ يعلق
المتنبي:
ومن قصد البحر استقلّ السّواقيا
أنا الغريق فما خوفي من البلل
ابن الرومي:
ألا فارجه واخشه إنّه ... هو البحر فيه الغنى والغرق
أبو نواس:
من قاس غيركم بكم ... قاس الثماد إلى البحور

السمك والحيتان والضفادع
شر السمك يكدر الماء.
هذا يصيد وهذا يأكل السّمكه
كم بين حوت السماء وحوت الماء.
سأبقى بقاء الضبّ في الماء أو كما ... يعيش بديموم المفازة حوتها
كيف يرجو البقاء إن ... فارق الماء حوته
(1/260)

هل يصبر الحوت عن الماء.
كالحوت لا يرويه شيءٌ يلقمه ... يصبح ظمآن وفي البحر فمه
أنعلت الدواب، فاستنعلت الضفدعة.
أقول وستر الدّجى مسبلٌ ... كما قال حين شكا الضّفدع
كلامي إن قلته ضائري ... وفي الصّمت حتفي فما أصنع؟
آخر:
ضفادع في ظلماء ليلٍ تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حيّة البحر
آخر:
قالت الضّفدع قولاً ... فهمته الحكماء
في فمي ماءٌ وهل ين ... طق من في فيه ماء
وقالوا: يعود الماء في النّهر بعدما ... عفت منه آثار وجفّت مشارعه
فقلت: إلى أن يرجع الماء عائداً ... وتعشب شطّاه تموت ضفادعه

السفينة
من كثرة الملاحين غرقت السفينة.
إنّ السّفينة لا تجري على اليبس
(1/261)

سفينة نوح، للشيء الجامع
النّاس بحرٌ عميقٌ ... والبعد منهم سفينه
وقد نصحتك فانظر ... لنفسك المسكينه
ما أشبه السفينة بالملاح. فلانٌ صحبته صحبة السفينة: يضرب لأصدقاء العيان. تيسٌ في سفينة: للأحمق المتهور. رقص في زورقه: إذا سخر منه وهو لا يشعر. امتنع حكيمٌ من الركوب في السفينة؛ فقيل له في ذلك، فقال: إني لأكره أن أركب مالا أملك عنانه، ولا أضبط زمامه.

النار
أحسن من النار الموقدة. أحسن من الصلاء في الشتاء. فلانٌ لا يصطلي بناره. فلانٌ واري الزناد. وريت بك زنادي، أي أنجحت بك طلبتي. فلانٌ كابي الزناد، إذا كان قليل الخير.
(1/262)

في كل شجرٍ نارٌ، واستمجد المرخ والعفار في تفضيل بعض أهل الفضل على بعض. أضىء لي أقدح لك، أي كن لي أكن لك. ليس هذا بنار إبراهيم، يضرب للمستعجل. فلانٌ نار الحباحب. أي لا نفع فيه. هو كالقابس العجلان. قد نفخت لو كنت تنفخ في فحمٍ. سبحان الجامع بين الثلج والنار. كلٌ يجرّ النار إلى قرصه. ما بها نافخ ضرمةٍ. ما بها نافخ نارٍ.
والنّار قد يخمدها النافخ
كملتمسٍ إطفاء جمر بنافخ
والجمر يوضع في الرّماد فيخمد
العجم: لا تغترنّ بمقارنة العدو، فإنه كالماء، إن أطيل إسخانه بالنار، لم يمنعه من إطفائها.
(1/263)

لو أنّ من قال ناراً أحرقت فمه ... لما تفوّه باسم النّار مخلوق
آخر:
كالمستغيث من الرّمضاء بالنّار
آخر:
كذا كلّ نارٍ روّحت تتوهّج
آخر:
هيهات تكتم في الظّلام مشاعل
آخر:
النّار كامنةٌ في الزّند ما تركت ... فإن بغى قادحٌ إيراءها اتّقدت
آخر:
والنّار في أحجارها مخبوءةٌ ... لا تصطلي إن لم تثرها الأزند
آخر:
والنّار بالماء الذي هو ضدّها ... تعطي النّضاج وطبعها الإحراق
بالماء تطبخ كلّ شيءٍ ... وتسخن الماء وهي ضدّه
آخر:
والماء يطفي وهو لينٌ مسّه ... عذبٌ مذاقته لهيب النّار
آخر:
وإنّ النّار بالعودين تذكى ... وإن الحرب يقدمها الكلام
(1/264)

بعضهم:
النّار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله
آخر:
والكاتم الأمر ليس يخفي ... كالموقد النّار باليفاع
غيره:
وقس على الشيء بأمثاله ... يدلّك الشيء على الشيّ
لا تتبعن كلّ دخانٍ ترى ... فالنّار قد توقد للكيّ
لابن الزيات في إبراهيم بن المهدي:
ألم تر أنّ الشّيء للشّيء علةٌ ... يكون بها كالنّار تقدح بالزّند
أبو نواس:
إذا اشتعلت في البيت نارٌ ولم يكن ... لها مطفىءٌ لم يلبث البيت أن يقع
وكنت كمودع الحلفاء ناراً ... وكتم النّار في قصبٍ محال
فما ظنّك بالحلفا ... ء أدنيت لها النّارا
غيره:
عمري لقد جرّبتكم ... فوجدتكم نار المجوس
يضرب لمن لا يفرق بين مواليه ومعاديه؛ لأن النار لا تبقي على عدوها ومن يعبدها.
(1/265)

أبو تمام:
لولا اشتعال النّار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
ابن الرومي:
تسيء بي حين لا أجزيك سيّئةً ... والعود يجزيك تدخيناً بإحراق
أبو نواس:
أيّة نارٍ قدح القادح ... وأيّ جدٍّ بلغ المازح
غيره:
كم كادحٍ لغيره لا يأتلي ... وقادحٍ ناراً سواه المصطلي
آخر:
وفتيلة المصباح تحرق نفسها ... وتضيء للساري وأنت كذاكا

الشجر والنخل
ترى الفتيان كالنّخل ... وما يدريك ما الدّخل
يضرب لذي المنظر، ولا خير عنده.
متى كان حكم الله في كرب النّخل
يضرب للشيء يرى عند غير أهله.
إذا لم يكن فيكنّ ظلٌّ ولا جنىً ... فأبعدكنّ الله من شجرات
(1/266)

إنّ الغصون عليها ينبت الشّجر
والنّاس يبلون كما تبلى الشّجر
النبع يقرع بعضه بعضاً، يضرب في معاداة الأقارب المتساوين في البأس والشدة.
وفي أرومته ما ينبت العود
كجري الماء في العود
لا عذر للشّجر الذي طابت له ... أعراقه ألاّ يطيب جناه
ابن الرومي:
كأنّكم شجر الأترج طاب معاً ... حملاً ونوراً وطاب العود والورق
آخر:
فغدا كالخلاف يورق لل ... عين ويأبى الثمار كلّ الإباء
في شجر السّرو منهم مثلٌ ... له رواءٌ وماله ثمر
أبو الفتح البستي:
أثمر بما أورقت للمجتني ... وكن لنا فيه خلاف الخلاف
وله:
إذا ما اصطفيت امرأً فليكن ... شريف النّجار زكيّ الحسب
(1/267)

فنذل الرّجال كنذل النّبا ... ت لا للثّمار ولا للحطب
بشار بن برد:
وقد شذّبتك الحادثات وإنّما ... يفرّع غصن الدّوح حين يشذّب
أورق بخيرٍ ترجّى للنوال فما ... ترجى الثّمار إذا لم يورق العود
وإنّما السّحق من الغسيل
اغرس فسيلاً تناساه فيوشك أن ... ترى فسيلك إن عمّرت عيدانا
فالعرق يسري إذا ما نام صاحبه ... ولا ينام إذا ما كان يقظانا
كخوط الخيزران يريك ليناً ... ويأبى الكسر من عطفيه آب
فأنتم كمثل النّخل يسرع شوكه ... ولا يمنع الخرّاف ما هو حامل

التمر
التمرة إلى التمرة تمرٌ. ما كل سوداء تمرة، ولا بيضاء شحمة. أعط أخاك تمرةً، فإن أبى فجمرةً. تمرةٌ وزنبور. من شهوة التمر يمص النوى. كمستبضع التمر إلى هجر. أرخص من التمر بالبصرة. بعلة الورشان تأكل الرطب المشان.
(1/268)

فلانٌ يطلب التمر بلا شوك. أشبه به من التمرة بالتمرة. وجد تمرة الغراب يضرب لمن أصاب ما يريد؛ لأن الغراب إنما ينتقي من التمر أجوده وأطيبه. كل خاطبٍ على لسانه تمرةٌ، يضرب لمن يحلو كلامه عند طلب الحاجة؛ لأن الخاطب أحلى الناس كلاماً. أكلتم تمري، وعصيتم أمري. أحشفاً وسوء كيلة، يضرب في الخلّتين المذمومتين يجتمعان في الرجل. العجم: إذا أرسلت لتأتي ببعرٍ فلا تأت بتمرٍ، فيؤكل تمرك، وتعنف على الخلاف.
من كان يأمل أن يرى ... من ساقطٍ أمراً سنيّا
فلقد رجا أن يجتني ... من عوسج رطباً جنيّا
ليس من لم تكن له ... نخلةٌ يحرم الرّطب
ألم تر أنّ الله قال لمريمٍ ... وهزّي إليك الجذع تساقط الرّطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزّها ... جنته ولكن كلّ شيءٍ له سبب
آخر:
ربّ مغروسٍ يعاش به ... فقدته كفّ مغترسه
وكذاك الدّهر مأتمه ... أقرب الأشياء من عرسه
(1/269)

2س - ائر الثمار إنك لا تجني من الشوك العنب. أبو عثمان الخالدي:
وكم من عدوٍّ صار بعد عداوةٍ ... صديقاً مجلّاً في المجالس معظما
ولا غرو فالعنقود في عود كرمه ... يرى عنباً من بعد ما كان حصرما
غيره:
كسارقة الرّمان من كرم جارها ... تعود به المرضى وتطمع في الأجر
أبو الفتح البستي:
فتىً جمع العلياء علماً وعفّةً ... وبأساً وجوداً لا يفيق فواقا
كما جمع التّفاح حسناً ونضرةً ... ورائحةً محبوبةً ومذاقا
العامة: الخوخ أسفل. التينة تنظر إلى التينة فتنضج. لا يستمتع بالجوزة إلا كاسرها. أصلف من جوزةٍ في غرارة.
(1/270)

رأيتك مثل الجوز يمنع لبّه ... صحيحاً ويعطي خيره حين يكسر
كسره كسر الجوز، وقشره قشر اللوز، وأكله أكل الموز. لو عرف التين جميع الطيور، ما وجدوا تيناً بدينار.

النبات والأرض والريحان
مرعىً ولا كالسعدان. مرعى ولا أكولة. عشبٌ ولا بعير. لا بدّ للزرع من حصادٍ. نزل بوادٍ غير ذي زرع. كما تزرع تحصد. الشوكة استغنت عن التنقيح. لا تنقش الشوكة بالشوكة؛ إن ضلعها معها، أي لا تستعن على عدوك بصديقه. وبعض الشوك يسمح بالمنّ. ابن الرومي:
عذرنا النخل في إبداء شوكٍ ... يذود به الأنامل عن جناه
فما للعوسج الملعون أبدى ... لنا شوكاً بلا ثمرٍ نراه
(1/271)

العرب: فلان جاء بالشوك والشجر، إذا جاء في جيشٍ عظيم.
ومن دون ذلك خرط القتاد
يضرب للأمر الشاق الشديد.
وقد ينبت المرعى على دمن الثّرى ... وتبقى حزازات النّفوس كما هيا
تمتّع من شميم عرار نجدٍ ... فما بعد العشيّة من عرار
عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام: لستم كالكرمة التي حسن ورقها، وطاب ثمرها، وسهل مرتقاها. بل أنتم كالسّمرة يعني شجرة أم غيلان شجر المقل التي قلّ ورقها، وكثر شوكها، وصعب مرتقاها.
لا تجعلّني ككمونٍ بمزرعةٍ ... إن فاته الماء أغنته المواعيد
العرب:
تجنّب روضةً وأحال يبدو
يضرب لمن اختار الشقاء على السعادة.
وكنت كروضةٍ سقيت سحاباً ... فأثنت بالنّسيم على السّحاب
هب الرّوض لا يثني على الغيث نشره ... أمنظره يخفي مآثره الحسنى
العامة: كل البقل ولا تسأل عن المبقلة.
(1/272)

كسي من بصلة. ليت الفجل يهضم نفسه. الطاقة من الباقة. لو كان في البقلة خيرٌ لأكلها الكلب. البستان كله كرفس. بعلّة الزرع يسقى القرع. أبو نواس:
صرت كالتّين يشرب الماء فيما ... قال كسرى بعلّة الرّيحان
العرب: هل تنبت الحقلة إلا البقلة.
تسألني برامتين سلجما
يضرب لمن يسأل شيئاً في غير موضعه. أذلّ من فقعٍ بقرقر. هو على طرف الثمام، أي قريب المتناول؛ لأن الثمام لا يطول. العامة والمولدون: فلان لا يرى من ورائه خضرةً، للمعجب. لا يسقط من كفه خردلة، للبخيل. فلان كثير الزعفران، للمتكلف. فلانٌ كثير الرماد، للمضياف.
(1/273)

فلانٌ يذكر السماء، وهي بزر قطوناً، للمسن. فلان يخلط الماش بالردماش، للمخلّط. لا تدخل بين البصلة وقشرها.
والشّري أريٌ عند طعم الحنظل
من يزرع الثّوم لم يقلعه ريحانا
بشار:
ولولا الذي خبروا لم أكن ... لأمدح ريحانةً قبل شمّ
وقد قيل: البلاد إذا اقشعرّت ... وصوّح نبتها رعي الهشيم
فلانٌ ريحانةٌ على القدح.
كما تضرّ رياح الورد بالجعل
سعيد بن وهب:
فأدنيته حفظاً لما كان بيننا ... ولا بدّ من شمٍّ وإن يبس الآس
إذا ورد الورد صدر البرد.
أرى عهدكم كالورد ليس بدائمٍ ... ولا خير في من لا يدوم له عهد
(1/274)

وعهدي لكم كالآس حسناً وبهجةً ... له نضرة تبقى إذا ذهب الورد
أبو الفتح البستي:
الحرّ طلقٌ ضاحكٌ ولربّما ... تلقاه وهو العابس المتجهّم
كالورد فيه عفوصةٌ ومرارةٌ ... وهو الذكيّ النّضر المتبسّم
منصور الفقيه:
بنو آدم كالنّبت ... ونبت الأرض ألوان
فمنه شجر الصّند ... ل والكافور والبان
ومنه شجرٌ أفض ... ل ما يخرج قطران
بديع الزمان الهمذاني: مثل الإنسان في الإحسان كمثل الأشجار في الثمار، فسبيله إذا أتى بالحسنة أن يرفّه إلى السّنة.

الطعام
أفرش طعامك اسم الله، وألحفه حمد الله. تطعّم تطعم أي ذقه فإنه يدعوك إلى شهوته. البرّ ثم الدرّ. خبز الشعير يؤكل ويذمّ. كسرةٌ بملحٍ إلى أن يدرك الشواء.
(1/275)

لهنّوا ضيفكم. خير الغداء بواكره، وخير العشاء بواصره. أقلل طعاماً تحمد مناماً. أيّ طعامٍ لا يصلح للغرثان؟. من لم يذق لحماً أعجبته الرئة. كل واشبع، ثم أزل وارفع، أي اهتم للحاضر ثم الغائب. قد يدرك الخضم بالقضم، أي باليسير يدرك الكثير. العامة والمولدون: شبرٌ في أليةٍ خيرٌ من ذراعٍ في رئة في صرف ما بين الجيد والرديء. أليّةٌ بريةٌ ما هي إلا بليةٌ.
إن كنت تطمع في عصيدة خالدٍ ... هيهات تضرب في حديدٍ بارد
من اشترى استوى. لا يجيء من خلّه عصيدةٌ. إلى كم سكباج. من لم تشبعه الهريسة كيف تشبعه القليّة. ليس على الطبيب اسفيذباج. ما كلّ بيضاء شحمة.
(1/276)

فلانٌ فالوذج السوق. لو ألقمته عسلاً عضّ أصبعي. العرب: تحرسى إذ لا محرسة لك، لمن يخدم نفسه إذا لم يجد من يخدمه. هو يعلم كيف تؤكل الكتف. العاشية تهيج الآبية.
كلّ الطعام تشتهي ربيعه ... الخرس والأغدار والنّقيعه
العامة: فلانٌ صاحب ثريدٍ وعافية.
تنافس في طيب الطّعام وكلّه ... سواء إذا ما جاوز اللهوات
على كلّ حال يأكل المرء زاده ... على البؤس والنّعماء والحدثان
كلّ شيءٍ سواك يا لحم زور ... والرّواصير متعةٌ وغرور
إذا ما اللّحم أنتن ملّحوه ... ونتن الملح ليس له دواء
أنّى يكون وليس قطٌّ كائن ... سفّ السّويق كنافخ المزمار
مثل اليهوديّ الذي لمّا رأى ... لحماً رخيصاً قال: هذا منتن
الصاحب:
لم يشتر الناس ولا باعوا ... خيراً من الخبز إذا جاعوا
(1/277)

لابن المعتز:
رأيت بيوتاً زيّنت بنمارقٍ ... وزيّن ما فيهنّ بالوشي والطّرز
فلم أر ديباجاً ولم أر سندساً ... بأحسن في دار الكريم من الخبز
رسمٌ جرى في الناس ليس بقاصدٍ ... جوع الجماعة لانتظار الواحد
العامة: لولا الخبز لما عبد الله. لولا الرغيف لما عبد اللطيف. لتكن الثريدة تلقاء القصعة. من أكل القلايا صبر على البلايا. لا يوكل الميسور من طرفين. بطني عطري، وسائري ذري. البطنة تذهب الفطنة. ترك العشاء مهرمة.
وإذا تكون كريهةٌ أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
(1/278)

اللبن
الصيف ضيعت اللبن.
وتحت الرّغوة اللّبن الفصيح
يسرّ حسواً في ارتغاء. من ير الزبد يعلم أنه من اللبن. شر اللبن الوالج. أتاك ريان بلبنه؛ يضرب لمن يعطي لكثرة ما عنده لا لكرمه. دع داعي اللبن. أي أبق في الضرع قليلاً من اللبن ولا تستوعب كل ما فيه؛ فإن الذي تبقيه فيه يدعو ما وراءه من اللبن. يمنع درّه ودرّ غيره. أبى الحقين العذرة، للمعتذر زوراً. الإيناس ثم الإبساس. شخبٌ في الإناء، وشخبٌ في الأرض. فيمن يخطىء مرةً، ويصيب أخرى. احلب حلباً لك شطره. حلبتها بالساعد الأشد، أي أخذتها قهراً. ربّ حظٍ أدركه غير جالبه، ودرٍّ أحرزه غير حالبه.
إنّ الرّثيئة ممّا يفثأ الغضبا
(1/279)

أي يسكنه. بشار:
وإذا جفوت قطعت عنك منافعي ... والدرّ يقطعه جفاء الحالب
العرب: ليس له راعٍ، ولكن حلبةً، أي له من يحلبه، وليس له من ينصحه. خير حالبيك تنطحين.
أبو الفتح البستي:
إن كنت تطلب ثروةً وغنىً ... فعليك بالإجمال في الطّلب
فالرّسل ليس يدرّ في العلب ... من غير إبساسٍ ولا حلب
كم تستدرّ

الخلف والخلف حافل
الخلّ
ما أقفر بيتٌ فيه خلّ. نعم الإدام الخلّ. يكفيك من قضاء حق الخلّ ذوقه. الخلّ حيث لا ماء حامض. لا يصبر على الخلّ إلا دوده.
مثل السّلافة عاد خمر عصيرها ... بعد اللّذاذة خلّ خمرٍ حامض
(1/280)

الخالدي:
والرّاح وهي الروح ربّتما غدت ... خلاًّ وكانت قبل ذاك مداما
آخر:
أفي الحقّ أني مغرمٌ بك هائمٌ ... وأنك لا خلٌّ هواك ولا خمر
أي لا حلٌّ أنت ولا حرام.

الدهن والزيت والسمن
من كان ذا دهنٍ طلى استه. فلانٌ يدهن من قارورةٍ فارغة. رأس اللئيم يحتمل الوهن، ولا يحتمل الدهن. لقيه بدهن أبي أيوب. وقد تقدم تفسيره. وجهٌ مدهون، وبطنٌ جائع. انصب دهنه في الرمل، يضرب في ضياع النفقة. فلانٌ في الزيت، إذا كان في غمٍ شديد. الكشخان في الزيت، في المبالغة. صب في قنديله الزيت، كنايةٌ عن الرشوة. العرب:
(1/281)

أنا منه كحاقن الإهالة، وهي الودك يضرب في الرفق. وليس يحقنها الحاذق حتى تبرد، لئلا يحرق السقاء.
فإن كنت مني أو تريدين صحبتي ... فكوني له كالسمن ربت له الأدم.
سمنكم هريق في أديمكم.

اللباس
المروءة الظاهرة في الثياب الطاهرة. العري الفادح خيرٌ من الزي الفاضح. البس من الثياب مالا تحتقر فيه ولا تشتهر به. البس ما يخدمك ولا يستخدمك. ليس عليك نسجه فاسحب وجرّ. أي قميصٍ يصلح للعريان.
ومن يهدّد عرياناً بديباج
كل ما تشتهي، والبس ما يشتهي الناس. الطيّ أنقى من النشر. راحة الثوب طيه. يقول الثوب لصاحبه: اطوني داخلاً أزينك خارجاً.
(1/282)

ربّ ثوبٍ يستغيث من صاحبه.
ولا جديد لمن لا يلبس الخلقا
العمائم تيجان العرب. تشويش العمامة من المروءة.
البس لكلّ حالةٍ لبوسها ... إمّا نعيمها وإمّا بوسها
ربّ مبيّضٍ ثوبه مدنسٍ عرضه. أخلق من بردةٍ، ومن طيلسان ابن حرب. جاء فلانٌ في قميصٍ قد أكل عليه الدهر وشرب، وفي جبةٍ لا تساوي تصحيفها، وفي دراعةٍ تقرأ " إذا السماء انشقت ". سئل بعضهم عن جبته، فقال:
دبّ فيها البلى فرقّت ودقّت ... فهي تقرا إذا السّماء انشقّت
وإذا ما سألتها عن بلاها ... أذنت لي بربّها ثم حقّت
فلانٌ ناصح الجيب، نقيّ الذيل، عفيف الإزار.
اتسع الخرق على الرّاقع
إن لم يكن معلماً فدحرج.
وما حسن الثّياب بلا طراز
إذا عاب البزاز ثوباً، فاعلم أنه من حاجته.
(1/283)

فلانٌ يلبس السواد على أصحاب المسالح. ليست العزة في حسن البزة. ليس الجمال بالثياب. علي بن أبي طالب رضي الله عنه لرجلٍ طويل الذيل: يا هذا قصر من هذا، فإنه أنقى وأبقى وأتقى.
يا ناعم الثّوب ما تبدّله ... ثيابنا للصوف ما نبدّلها
آخر:
يا ربّ ثوبٍ حواشيه كأوسطه
إنّ الجديد إذا ما زيد في خلقٍٍ ... تبيّن النّاس أنّ الثوب مرقوع
ارقع قميصك ما اهتديت لجيبه ... فإذا أضلّك جيبه فاستبدل
قد يدرك الشّرف الفتى ورداؤه ... خلقٌ وجيب قميصه مرقوع
بكى الخزّ من روحٍ وأنكر جلده ... وعجّت عجيجاً من يديه المطارف
مطرف خزٍّ وجوربٌ خلقٌ ... هذا وهذاك ليس يتّفق

الدرّ والحليّ
الدر يترك من غلائه.
يزين اللآلى في النّظام ازدواجها
(1/284)

الدرة لا تستهان لهوان غائصها. قد يخرج من الصدفة غير الدرة. أحسن من الدر والعقيان في نحور الحسان. فلانٌ درة التاج، وواسطة العقد. درةٌ ومخشلبة، في التفاوت.
وأحسن من عقد العقيلة جيدها
عقيلة كل شيءٍ خياره. كم بين ياقوتةٍ إلى سبجةٍ. ربما كسدت اليواقيت في بعض المواقيت. خذه ولو بقرطي مارية. لو ذات سوارٍ لطمتني. كالممهورة إحدى خدمتيها. ابن المعتز:
يرسب الدّرّ في البحار ويعلوه غثاء الأزباد والأقذاء
وهو لا بدّ أن يرام فيستخرج من تحت لجّةٍ خضراء
ثم يعلو من بعد ذلك في التّيجان هام الأكابر العظماء
وله:
قد تخرج الدرّتان من صدفه ... والدرّ يختاره الذي عرفه
إحداهما لم يحط بقيمتها ... وأختها دون قيمة الصّدفه
(1/285)

غيره:
إيّاك أن تحقر الرجال فما ... يدريك ماذا يكنّه الصّدف
استكنّوا كالدّرّ في الأصداف
شغل الحلي أهله أن يعارا
وإذا الدرّ زان حسن وجوهٍ ... كان للدرّ حسن وجهك زينا
ابن الرومي:
وما الحلي إلا حيلةٌ لنقيصةٍ ... يتمم من حسنٍ إذا الحسن قصّرا
فأمّا إذا كان الجمال موفّراً ... كحسنك لم يحتج إلى أن يزوّرا
كم بين وسواس الحليّ ... وبين وسواس الهموم

الطّيب
لا مخبأ لعطرٍ بعد عروس.
وهل يصلح العطّار ما أفسد الدّهر
عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو كنت تاجراً لما اخترت على العطر شيئاً، إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه. من طاب ريحه زاد عقله.
(1/286)

في شمّك المسك شغلٌ عن مذاقته
آلف من المسك والعنبر. أنمّ من مسكٍ وعنبر.
فإنّ المسك بعض دم الغزال
فإنّك ماء الورد إن ذهب الورد
وكذا المسك إذا ما ... زيد سحقاً زاد طيبا
فلا ذنب للعود القماريّ إنّما ... يحرّق إن دلّت عليه روائحه

الذهب والفضة
ذو الفضل طوراً تحت مطرقةٍ ... وتارةً في ذرى تاجٍ على ملك
من سلم من النفاق والكفر، كان الذهب عنده كالصفر.
كذا الذّهب الإبريز يصفو على السّبك
العين للعين قرةٌ، وللظهر قوةٌ. الذّهب خير مالٍ حاضر، لبادٍ وحاضر. ما أسرع ذهاب الذّهب، وانفضاض الفضة. إنما يعزّ الذّهب في معدنه.
(1/287)

وجدان الدفين يغطي أفن الأفين، أي أن المال يغطي العيوب.
وما خبثٌ من فضّةٍ بعجيب
سبكناه ونحسبه لجيناً ... فأبدى الكير عن خبث الحديد
الدراهم أرواحٌ تسلّ. الدراهم مراهم لجروح الهمّ. الدرهم ذو جناحٍ، إن حركته طار، والدينار محمومٌ إن أزعجته مات. أبت الدراهم إلا أن تصيح.
أظهروا للنّاس زهداً ... وعلى المنقوش داروا
وله صلّوا وصاموا ... وله حجّوا وزاروا
وله فعلوا وقالوا ... وله حلّوا وساروا
لو رأوه في الثّريّا ... ولهم ريشٌ لطاروا

السيف
سبق السيف العذل.
محا السّيف ما قال ابن دارة أجمعا
من يشتري سيفي، وهذا أثره. إني لأنظر إليه وإلى السيف، يضرب للمشنوء.
(1/288)

السيف حصن الملك. السيف يقطع بحده، والمرء يسعى بجده.
ولا خير في غمدٍ إذا لم يكن نصل
كاللّبد ينبو عليه الصّارم الذكّر
وهل يجمع السيفان ويحك في غمد
وما نفع السيوف بلا رجال
السيف أصدق أنباءً من الكتب
والسّيف أهول ما يرى مسلولا
وعادة السيف أن يستخدم القلما
والعزّ تحت ظلال السّيف معدنه
هبوني امرءاً جرّبت سيفي على كلب
وليس للسيف عقرٌ من صياقله
وللسيف حدٌّ حين يسطو ورونق
(1/289)

وللسّيوف كما للنّاس آجال
قد يهزّ الهنديّ وهو حسام
أبو تمام:
والسيف ما لم يلف فيه صيقلٌ ... من سنخه لم ينتفع بصقال
ويحسن دلّها والموت فيه ... وقد يستحسن السّيف الصّقيل
البحتري:
وما السيف إلا بزّغادٍ لزينةٍ ... إذا لم يكن أمضى من السّيف حامله
يضمّ عن الفحشاء فضل ثيابه ... ويدنو وأطراف الرّماح دوان
غيره:
وما كنت إلاّ السّيف جرّد في الوغى ... وأحمد فيها ثم ردّ إلى الغمد
وكالسّيف إن لاينته لان متنه ... وحدّاه إن خاشنته خشنان
أبو تمام:
وما السّيف إلاّ زبرةٌ لو تركتها ... على الحالة الأولى لما كان يقطع
غيره:
وإن السيف يمضي حين ينضى ... وينبو وهو في حلل الغمود
(1/290)

آخر:
لا تترك السيف مشحوذاً مضاربه ... وتطلب النّصر عند الجفن والحلل
المتنبي:
وله حيز الحفاظ بغير عقلٍ ... تجنّب عنق صيقله الحسام
وله رحمه الله:
إذ كنت في شكٍّ من السيف فابله ... فإمّا تنفّيه وإمّا تعدّه
وما الصّارم الهنديّ إلا كغيره ... إذا لم يفارقه النّجاد وغمده
وله عفا الله عنه:
ووضع النّدى في موضع السيف بالعلى ... مضرٌّ كوضع السيف في موضع النّدى
ابن الرومي:
وبذلة الوجه أحياناً تجددّه ... كما تجدّد سيفاً كفّ صاقله
غيره:
فما تصنع بالسّيف ... إذا لم تك قتّالا
فكسّر حلية السيف ... وصغها لك خلخالا
وأيّ مهنّدٍ لا يغمد
أبو فراس:
بنى عمّنا ما يصنع السيف في الوغى ... إذا فلّ منه مضربٌ وذباب
ما كنت إلاّ السّيف زا ... د على صروف الدّهر صقلا
(1/291)

وله:
والرأي كالسّيف ينبو إن ضربت به ... في غمده فإذا جرّدته قطعا
وله:
ومستوحشٍ ... قبلي تجلّداً ... كما أن متن السّيف والحدّ قاطع
وله:
ولو كنت مثل النّصل ألفيت قاطعاً ... ألا ما لهذا النّصل ليس بصارم
وله:
ألقى بجانب.... أمضى من الأجل المباح
وكأنما ردّ.... عليه أنفاس الرّياح المأموني:
فلا تظننّ أن السيف مبتسمٌ ... فليس يبسم إلاّ كلّما غضبا
الخوارزمي:
السيف يمضي وبه انفلال ... والحرّ يعطي وبه إقلال
المهلبي:
والسيف يبدي الجور في حالةٍ ... ويبذل الإنصاف في أخرى
أبو الفضل ابن العميد:
الرّأي يصدأ كالحسام لعارضٍ ... يطرأ عليه وصقله التّذكير
(1/292)

سائر السلاح
بأطراف العوالي تجتنى ثمر المعالي. الرمح رشأ المنية. أطول من ظل الرمح.
أعلى الممالك ما يبنى على الأسل
ذكرتني الطعن وكنت ناسيا.
وما يستوي صدر القناة وزجّها
يشتدّ بأس الرّمح حين يلين
وما تحلو مجاني العزّ يوماً ... إذا لم يجنها سمر العوالي
زمانٌ صار فيه العزّ ذلاًّ ... وصار الزجّ قدّام السّنان
يا باري القوس برياً ليس يحسنه ... لا تفسد القوس واعط القوس باريها
أعط القوس باريها. مع الخواطىء سهمٌ صائب. عاد السهم إلى النزعة. ما بللت منه بأفوق ناصل، الأفوق: السهم الذي قد انكسر فوقه، أي ما حظيت منه بشيء. قبل الرمي يراش السهم. قبل الرماء تملأ الكنائن.
(1/293)

رميةٌ من غير رام. تحول القوس ركوةً يضرب للعزيز يذل.
كالقوس عطّلها الرّامي من الوتر
الحذر قبل إرسال السهم.
فما بقيا عليّ تركتماني ... ولكن خفتما صرد النّبال
كما قال الحمار لسهم رامٍ ... : لقد جمّعت من شتّى لأمر
حديدة صيقلٍ وعويد نبعٍ ... ومن عقب البعير وريش نسر
أبو فراس:
وكنّا كالسّهام إذا أصابت ... مراميها فراميها أصابا
غيره:
إذا كنت لا أرمي وترمي كنانتي ... تصب جانحات النّبل كشحي ومنكبي
ابن الرومي رحمه الله:
وإنّك إذ تحنو حنوّك معقباً ... بعاداً لمن بادلته الودّ واللّطفا
لكالقوس أحنى ما تكون إذا حنت ... على السّهم أنأى ما تكون له قذفا
غيره:
نظرت فأقصدت الفؤاد بأسهم ... ثم انثنت عنه فظلّ يهيم
(1/294)

ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهن أليم
غيره:
الذّنب للأمير في كلّ ما ... يأمر والمأمور لا ذنب له
كالسّهم لا يخطىء أغراضه ... وإنّما المخطىء من أرسله
ما القوس إلاّ عصاً في كفّ صاحبها ... ترعى بها الضأن أو ترمى بها البقر
أو عود بارٍ وإن كانت مثقّفةً ... حتى يضمّ إليها السّهم والوتر
فإن تجمّع هذا فهي بعد عصاً ... حتى يصادف من يرمي بها القدر
بيني وبينه سوق السلاح، للمتعاديين. قلب له ظهر مجنه. نعم المجنّ أجلٌ مستأخر. ابن الرومي:
اتخذتم درعاً وترساً لتدفعوا ... سهام العدى عنّي فكنتم نصالها
وقع النّصال ونزعهنّ أليم

العصا
النبي عليه الصلاة والسلام: ما قرعت عصاً على عصاً إلا حزن لها قومٌ، وفرح بها آخرون. لا ترفع عصاك عن أهلك، كناية عن التأديب. العرب:
(1/295)

عصا الجبان أطول. العصا من العصية.
إن العصا قرعت لذي الحلم
لا تدخل بين العصا ولحائها. إياك وقتل العصا. لا تكن قاتلاً ومقتولاً؛ في شق عصا المسلمين. فلانٌ لين العصا، إذا كان رفيقاً حسن المداراة.
العبد يقرع بالعصا ... والحرّ تكفيه الملامه
فألقت عصاها واستقرت بها النّوى ... كما قرّ عيناً بالإياب المسافر
طارت عصاهم شققاً، أي تفرقوا. ليس في عصاه سير، أي ما به حركة. قشرت له العصا، يضرب عند المكاشفة. إنك خيرٌ من تفاريق العصا. العامة: إذا ذكر الذئب فأعد له العصا. فلانٌ يخبأ العصا، كنايةً عن الداء الشنيع. دعبل:
لقد هززتك لا آلوك مجتهداً ... لو كنت سيفاً ولكني هززت عصا
(1/296)

غيره:
قل لمن يحمل العصا ... حيث أمسى وأصبحا
ما حوتها يد امرىءٍ ... بعد موسى فأفلحا
أقرب من عصا الأعرج. هم عبيد العصا، للقوم إذا استذلوا.

الدار والوطن
سقى الله داراً لي وأرضاً تركتها ... إلى جنب داري معقلٍ بن يسار
أبو مالكٍ جارٌ لها وابن برثنٍ ... فيا لك جاري ذلةٍ وصغار
جنة المرء داره. دارك قميصك، فوسعه كيف شئت. دار المرء عشه، وفيها عيشه. أرض الرجل ظئره، وداره مهده. الدار الضيقة العمى الأصغر. لتكن الدور أول ما يشترى وآخر ما يباع. الجار ثم الدار. حائطٌ خيرٌ من ألف شفيع.
(1/297)

لولا حب الوطن لخرب بلد السوء. الكريم يحن إلى جنابه، كما يحن الأسد إلى غابه. ميلك إلى أرض مولدك، من كرم محتدك. لا تجف أرضاً بها قوابلك، ولا تنس بلداً فيه قبائلك. يحن اللبيب إلى وطنه، كما يحن النجيب إلى عطنه.
الرّحى
أثقل من رحى بزر. أثقل من نصف

الرحى. آكل من الرحى. يده تحت الرحى. أسمع جعجةً ولا أرى طحناً. عركة عرك الرحى بثفالها. مثل فلان كمثل الخردلة بين طبقتي الرحى، فلا الطحن ينالها، ولا سلامتها يعتد بها. أبو العتاهية:
يا رب إن أنسيتنيها بما ... في جنّة الفردوس لم أنسها
أنا إذاً مثل التي لم تزل ... دائبةً طاحنةً كدسها
حتى إذا لم يبق منه سوى ... حفنة برٍّ خنقت نفسها
(1/298)

الدّلو والحبل والرّشا
ألق دلوك في الدلاء. قد علقت دلوك دلواً أخرى، أي دخل في أمرك داخل. أبطأ فيض الدلاء أملأها.
من يساجلني يساجل ماجدا
يملا الدلو إلى عقد الكرب. أضيعٌ من دلوٍ بلا وذم. كأنما أفرغ عليه ذنوباً، إذا كلمه بكلامٍ مسكت. أتبع الدلو رشاءها. كل امرىءٍ محتطبٌ في حبله. ما عقاله بأنشوطةٍ، للأكيد الإحاء. فلانٌ لا يعقد الحبل، ولا يركض المحجن، للضعيف. ألقى حبله إلى غاربه. أجره رسنه. ابن الرومي:
ابا حسنٍ إن حبل المطا ... ل إن مدّ كان بلا آخر
(1/299)

النعل والمشط والخفّ والمرآة
كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع
في الحاجة تحمل صاحبها على التعلق بكل ما قدر عليه. بقّ نعليك، وابذل قدميك. إن الشراك قدّ من أديمه، يضرب في المشابهة.
أذلّ لأقدام الرّجال من النّعل
أدنى من شسع نعله. أطوع له من الرداء، وأذل من الحذاء. أطّري فإنك ناعلة أي خذي طرر الوادي، يضرب للجلد المتشمر. حذو النعل بالنعل. حافٍ يسخر بناعل، وراجلٌ يستخف بفارس. طريق الأصلع على أصحاب القلانس، وطريق الحافي على أصحاب النعال.
لا تحتقر شيئاً فرج ... ل المرء يحملها قباله
والكلب يحرس أهله ... والمرء تنفعه خلاله
رجع فلان بخفي حنين. أبو الفتح البستي:
أكتّاب بستٍ كم تناحرتم على ... وزارة بستٍ وهي سخنة عين
(1/300)

وخفّا حنين فوقٍ ما تطلبونه ... فلم بينكم في ذاك حرب حنين
يحدثك من الخف إلى المقنعة، إذ وصف بمعرفة الشيء بحقيقته. سواسيةٌ كأسنان المشط. الصنبوري:
أناسٌ هم المشط استواءً لدى الوغى ... إذا اختلف النّاس اختلاف المشاجب
العامة:
من لم يدار المشط ينتف لحيته
مشطٌ يقلّبه خصيٌّ أصلع
لما لا يحتاج إليه. أوضح من مرآة الغريبة، لأن الغريبة تتفقد من وجهها ما لا يتفقده غيرها فمرآتها أبداً مجلوة. فلانٌ يرى في الآجرة مالا يرى غيره في المرآة. ابن الرومي:
أنا كالمرآة ألقى ... كلّ وجهٍ بمثاله
منصور الفقيه:
إنّ المرآة لا تريك خموش وجهك في صداها
وكذاك نفسك لا تريك عيوب نفسك في هواها
(1/301)

سائر ما يتمثل به من الأدوات والآلات
المستعملة في الدور والمنازل
السكين
بلغ السكين العظم. فلان يرى مني السكين في الماء، يضرب في البغض. إن استوى فسكينٌ، وإن اعوج فمنجل، في الأمر يحذر من طرفيه. هما كالسكين والقثاء، للمتباغضين. فلان كالباحث عن المدية. لم يجد لشفرته محزاً، للخائب.

القدر
فلانٌ نظيف القدر، للبخيل. فلان يفور قدره من نصف خوصةٍ، للطائش.
رأيت قدور الناس سوداً من الصّلي ... وقدر بني مروان بيضاء كالبدر
له في كل قدرٍ مغرفةٌ، للدخال في كل شيء. يفنى ما في القدور، ويبقى ما في الصدور.
(1/302)

الخوان ومنديله
لمائدةٍ موضوعةٍ ألف عائبٍ ... وعيب التي لم توضع الدهر واحد
خوانٌ لا يلمّ به ضيوفٌ ... وعرضٌ مثل منديل الخوان
الخالديّ:
وعرضك أوسخ من مطبخٍ ... وأزهم من شقّة المائده
لا يطيب حضور الخوان إلا مع الإخوان. ابن الحجاج:
قد جنّ أضيافك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائده
فلانٌ منديلٌ لكل يدٍ، إذا كان عرضة للأسنة. وفي معناه:
قد حفظوا القرآن واستوعبوا ... ما فيه إلاّ سورة المائده
كل أداة الخبز عندي غيره، يضرب لإعواز شيءٍ مع حصول آلاته.

الإناء والوعاء والسقاء
كل إناءٍ يرشح بما فيه. خير إناءيك تكفأين.
(1/303)

لكل كاسٍ حسٍ. إذا احتاج الغني إلى الخزف كسر الفقير جرّته. احفظ ما في الوعاء بشد الوكاء. اجعله في وعاءٍ غير سرب، في استكتام السر. خلّ سبيل من وهى سقاؤه، أي دع صحبة من فسد قلبه عليك. فلانٌ لا يقعقع له بالشنان جمع الشن وهو القربة البالية، للمجرب. صفرت لهم وطابي، أي ليس لهم عندي ما يشتهون.

الإبرة
لو أن قصرك يا بن يوسف يمتلي ... إبراً يضيق بها فضاء المنزل
وأتاك يوسف يستعيرك إبرةً ... ليخيط قدّ قميصه لم تفعل
لا أفعل ذلك حتى يلج الجمل في سم الخياط. فلانٌ كالإبرة، تكسو الناس واستها عاريةٌ.
والقول ينفذ مالا تنفذ الإبر
هل يستطيعون قلع الطّود بالإبر
(1/304)

ما يتمثل به من ذكر الإنسان
والناس والرجل والرجال
الإنسان عبد الإحسان.
وسمّيت إنساناً لأنّك ناس
وما علّم الإنسان إلا ليعلما
شديدٌ على الإنسان ما لم يعوّد
النّاس من جهة التمثال أكفاء
النّاس أمثالٌ وشتّى في الشّيم
الناس أتباع من غلب. الناس بالناس. الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم.
وما النّاس إلا هالكٌ وابن هالكٍ
بنو علاتٍ، لأبٍ واحدٍ وأمهاتٍ شتى.
والنّاس أولاد علاتٍ فمن علموا ... أن قد أقلّ فمهجورٌ ومحقور
النّاس أكيس من أن يحمدوا رجلاً ... حتى يروا عنده آثار إحسان
الرجل عبد الدرهم.
(1/305)

المرء يعجز لا محالة.
المرء توّاقٌ إلى ما لم ينل
المرء يجمع والزّمان يفرّق
دع امرأً وما اختار. المرء أعلم بشأنه. المرء مع من أحب. المرء بأصغريه. كل امرىءٍ في شأنه ساعٍ. كل امرىءٍ يصير مرئياً.
كلّ امرىءٍ من شجو صاحبه خلو
الرجال بالأموال.
تقطّع أعناق الرّجال المطامع
ولكلّ دهرٍ دولةٌ ورجال
إذا ما كان مثلكم رجالاً ... فما فضل الرجال على النساء
أبو تمام:
خلقنا رجالاً للتّجلد والأسى ... وتلك الغواني للبكا والمآتم
(1/306)

النفس
قال تعالى: " كلّ نفسٍ بما كسبت رهينةٌ ".
النّفس مولعةٌ بحبّ العاجل
النفس عيوفٌ عزوفٌ. النفس أعلم من أخوك النافع. من أهان ماله أكرم نفسه.
من سره بنوه ساءته نفسه
ما عاتب الرّجل الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح
الجود بالنّفس أقصى غاية الجود
من لم يحسن إلى نفسه كيف يحسن إلى غيره؟. ارض للناس ما ترضاه لنفسك. أدب النفس خيرٌ من أدب الدرس. النفس مطيةٌ، إن كلفت فوق طاقتها أقامت بصاحبها. إن لنفسك عليك حقاً.
(1/307)

ما يتمثل به من أعضاء الإنسان الظاهرة والباطنة
الرأس
الليل داجٍ والكباش تنتطح. من نجا برأسه فقد ربح. كل رأسٍ به صداع. كن ذنباً، ولا تكن رأساً، فإن للرأس صداعاً كثيراً. رماه بأقحاف رأسه، أي بالدواهي أو بما يسكته. رمي منه في الرأس، إذا ساء رأيه فيه. في رأسه خطةٌ، لمن في نفسه حاجةٌ. العامة: في رأسه خيوطٌ، لمن يكثر فضوله. المتنبي:
خير أعضائنا الرؤوس ولكن ... فضلتها بقصدك الأقدام
ابن الحجاج:
الرّاس يصلح إن لمينفعك للرّواس
(1/308)

الوجه
وجه المحرش أقبح: أي وجه مبلغ القبيح أقبح من وجه من قاله. قبل البكاء كان وجهك عابساً. وأتاني وجوه اليتامى، في التحنن على الأولاد عند الشدة. فلانٌ رأس الجريدة، ووجه التخت. وجهه يرد الرزق. صلابة الوجه سلاح الفتى، ورقة الوجه من الحرفة. أبو تمام:
وما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي
ابن الرومي:
وقلّ من ضمّنت خيراً طويته ... إلاّ وفي وجهه للخير عنوان
له محيّا جميلٌ يستدلّ به ... على جميلٍ وللبطنان ظهران

العين
فلانٌ كالعين في الرأس، والإنسان في الحدقة. العين ترجمان القلب. شاهد البغض اللحظ.
(1/309)

ربّ طرفٍ أنمّ من لسان. العين حشمة. ليس لما قرت به العين من ثمن. العين حقٌ. أسرع من الطرف. لا آتيك ما حملت عيني الماء. إذا جاء الحين غطّى العين. ليس لعينٍ ما رأت ولكن لكفٍ ما أخذت. لا تطلب أثراً بعد عين، أي بعد المعاينة. من أطاع طرفه أصاب حتفه. من غاب عن البصر غاب عن القلب. في بعض القلوب عيونٌ.
وأيّ عارٍ على عينٍ بلا حور
العامة: دمعةٌ عرجاء من عينٍ عوراء غنيمةٌ. هاهنا تسكب العبرات. والدمع قد يعلن ما في الصدور. المتنبي:
وعين الرّضا عن كلّ عيبٍ كليلةٌ ... ولكن عين السخط تبدي المساويا
(1/310)

أبو الفضل الميكالي:
كم والدٍ يحرم أولاده ... وخيره يحظى به الأبعد
كالعين لا تبصر ما حولها ... ولحظها يدرك ما يبعد

الأذن
السلطان أذنٌ، أي يصغي إلى كل مبلغ. ليست على ذلك أذني، أي سكت كالغافل الذي لا يسمع. جعلت ذلك دبر أذني. جاءنا فلانٌ ناشراً أذنيه - إذا جاء طامعاً. إنما جعلت لك أذنان ولسانً، لتسمع أكثر مما تقول. الأذن قمع الفؤاد. أساء سمعاً فأساء إجابةً. من يسمع يخل. كلامه يدخل على الأذن بلا اذن. أبو إسحق الصابي:
قل للوزير أبي محمدٍ الذي ... قد أعجزت كلّ الورى أوصافه
لك في المحاسن منطقٌ يشفي الجوى ... ويسوغ في أذن الأديب سلافه
وكأن لفظك لؤلؤٌ متنخّلٌ ... وكأنما آذاننا أصدافه
لا تدخل بين السمع والبصر، لمن يدخل بين الأقارب.
(1/311)

الأنف
أنفك منك وإن كان أجدع في القريب السوء. شفيت نفسي وجدعت أنفي، لمن يضر نفسه من وجهٍ ويشتفي من وجهٍ. كل شيءٍ أخطأ الأنف خللٌ. جرحه حيث لا يضع الراقي انفه، للأمر الذي لا دواء له. لأمرٍ ما جدع قصيرٌ أنفه، يضرب في طلب الثأر. ربّ حامٍ لأنفه وهو جادعه، يضرب لمن يأنف من الشيء فتوقعه الأنفة في شيءٍ أشد منه.

الفم واللسان
كل جانٍ يده إلى فيه. حياك من خلا فوه، للمشغول عن صاحبه. ما الإنسان لولا اللسان إلا صورةً ممثلة، أو بهيمةً مهملة. اللسان سبعٌ صغير الجرم، عظيم الجرم.
وجرح الدّهر ما جرح اللّسان
وجرح اللّسان كجرح اليد
حفظ اللسان فاحفظ اللسانا ... قد ينفع الطائر والإنسانا
(1/312)

مقتل الرجل بين فكيه. اللسان أجرح جوارح الإنسان. ويلٌ لهذا من هذا، أي للرأس من اللسان. قرع سن النادم. أعييتني بأشرٍ، فكيف أرجوك بدردرٍ يضرب لمن دامت أذيته. فلانٌ يحرق عليه الأرم، في الغيظ. أحدّ من ناب جائعٍ. كدمت غير مكدمٍ، أي طلبت غير مطلبٍ.

اللحية
فلم خلقت إذا لم أخدع الرجال يعني لحيته. اللحى حلي الرجال. ما طالت فأفلحت. إذا طالت اللحية تكوسج العقل.
(1/313)

العامة: كيف أستحي وأنا ملتحي. لحىً يسخر بها جحى.

الذقن والقفا والعنق
مثقلٌ استعان بذقنه، يضرب للمضطر يستعين بمثله. أفلت فلانٌ بجريعة الذقن، أي نجا وقد بلغت نفسه موضع الذقن. حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق. جاحش عن خيط رقبته، إذا دافع عن نفسه. بلغ به المخنق - يضرب في تناهي الشدة. أبو الفتح البستي:
فكم دقّت وشقّت واسترقّت ... فضول العيش أعناق الرجال
لا يرى ذلك حتى يرى قفاه. هو قفاً غادرٌ شرٌ، يضرب لمن لا منظر له وخصاله محمودةٌ. المولدون: جعل فلانٌ قفاه طبلاً، وبطنه اصطبلاً.

اليد والكف والأصابع
اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى.
(1/314)

أطعمتك يدٌ شبعت ثم جاعت، ولا أطعمتك يدٌ جاعت ثم شبعت. آثر لديه من يمنى يديه. لليدين والفم، عند الشماتة. ذهبوا أيدي سبا، أي متفرقين. بالساعد تبطش الكف. على يدي دار الحديث، إذا كان خبيراً بالأمر. هو على حبل ذراعيه، أي موافقٌ له. تربت يداه، في الدعاء عليه بالفقر. ما تبلّ إحدى يديه الأخرى، للبخيل. أراد أن يأكل بيدين، لمن يفرط في الطمع. تركته على أنقى من الراحة.
إنّ الذليل الذي ليست له عضد
فتّ في عضد فلان. حلأت حالئة عن كوعها، للدافع عن نفسه. هذه يدي لك في الإنقياد والطاعة.
(1/315)

أطوع له من يمينه. فلانٌ يقلب كفيه ندماًَ. سقط في يده - للنادم. خرج نازع يدٍ، أي عاصياً اعطاه عن ظهر يد، أي ابتداءً لا عن مكافأةٍ. لا يدي لواحدٍ بعشرةٍ، هو من قولهم: مالي بذاك يدان، أي طاقة. فلانٌ عنده باليمين، أي بالمنزلة العليا. وهو عنده بالشمال، أي بالمنزلة الخسيسة. هم عليه يدٌ واحدةٌ، أي مجتمعون. اشدد يديك بغرزه، أي تمسك به. العجم: من لم يقاس لطام غيره خال كفه عموداً. العامة: لا تسود به كفاك، ولا يتلمظ به شدقاك، في التجنب. ليست يدي مخضوبةً بالحناء، في إمكان المكافأة. النبط: تقع اليد المستريحة على بطن جائعٍ، واليد الكادة على بطن شبعان. العرب: ما سد فقرك مثل ذات يدك. يدٌ تشج وأخرى منك تأسوني. على اليد رد ما أخذت.
وما الكفّ إلا إصبعٌ ثمّ إصبع
(1/316)

أحمد بن المعذل لأخيه: أنت كالإصبع الزائدة، إن تركت شانت، وإن قطعت آلمت.
قد تطرف الكفّ عين صاحبها ... فلا يرى قطعها من الرّشد
آخر:
فلو أنّها إحدى يديّ رزيتها ... ولكن يدي بانت على إثرها يدي
أبو تمام:
وهل يستعيض المرء من خمس كفّه ... ولو صاغ من حرّ اللّجين بنانها
الخالدي:
صغيرٌ صرفت إليه الهوى ... وهل خاتمٌ في سوى خنصر
فلانٌ ممن تثنى عليه الخناصر، وتثني عليه السبابات وتعض من الغيظ عليه الأباهيم.

الصدر والقلب
صدرك أوسع لسرك. لا بد للمصدور من أن ينفث. صدور الأحرار قبور الأسرار. زوج بنات صدرك من بني علماء.
(1/317)

ألزم له من شعرات قصه. " ما جعل الله لرجلٍ من قلبين في جوفه ". القلوب تتشاهد. القلوب تجاري القلوب.
وللقلب على القلب ... دليلٌ حين يلقاه
القلب طليعة الجسد. القلوب تتقلب. اللسان بريد الفؤاد. أخرج الطمع من قلبك يحل القيد من رجلك.
متى تجمع القلب الذكيّ وصارماً ... وأنفاً حميّاً تجتنبك المظالم
إن التباعد لا يضرّ إذا تقاربت القلوب
فلانٌ في السوادين من قلبي وعيني. اجعله في سويداء قلبك.

الظهر والبطن والجنب
ما حكّ ظهري مثل ظفري. استظهر على الدهر بخفة الظهر. قلب الأمر ظهراً لبطنٍ. لا تجعل حاجتي بظهرٍ، أي لا تلقها وراء ظهرك.
(1/318)

انقطع السلا في البطن، في تناهي الشدة. نزت به البطنة، لمن لا يحتمل النعمة. هم مثل المعي والكرش، للقوم إذا أخصبوا وصلح أمرهم. فلانٌ عبد بطنه. ولكل جنبٍ مصرع.
دمّث لجنبيك قبل النّوم مضطجعا
ما أبالي على أي قطريه وقع، لمن لا تشفق عليه ولا تبالي به. من كلا جانبيه لا لبيه. بجنبه فلتكن الوحية، في الدعاء عليه.

الكبد والدم والعرق
يا بردها على كبدي. أولادنا أكبادنا تمشي على الأرض. إن عاشوا أحزنونا، وإن ماتوا قتلونا. فلانٌ بين الخلب والكبد. ما ينفع الكبد يضر الطحال. فلانٌ أزرق العين، أسود الكبد - إذا كان عدواً. فلانٌ موقعه مني موقع الماء البارد على الكبد الحري.
(1/319)

حرى مني مجرى دمي في عروقي. أعز من دم الفؤاد. سرك من دمك. لا تكايل بالدم. فلانٌ لا يشرب الماء إلا بدمٍ. لا يحزنك دمٌ أراقه أهله، للجاني على نفسه. سعى بقدمه إلى مراق دمه. إلى حتفي مشى قدمي. العامة: أرى قدمي أراق دمي. فلانٌ يغسل دماً بدم. لا أحب دمي في طستٍ من ذهب. العرب: العرق نزاعٌ.
ألا إنّ عرق السّوء لا بدّ مدرك
عرق الخال لا ينام. أقرب إليه من حبل الوريد. العباس بن محمد الهاشمي لمؤدب أولاده: إني قد كفيتك أعراقهم فاكفني آدابهم.
(1/320)

الساق والقدم
التفت الساق بالساق، في الشدة. كشفت الحرب عن ساقها، وكشرت عن نابها.
لا ترسل السّاق إلا ممسكاً ساقا
يضرب لمن لا يقضى له حاجةٌ إلا طلب أخرى. قدح في ساقه إذا عمل في شيءٍ يكرهه. قرع لذلك الأمر ظنبوبه أي شمر له.
قد شمّرت عن ساقها فشمّر
في الحث على الجد. له قدمٌ في الخير، أي سابقة. فلانٌ موطىء الأقدام، للذليل. إنك لا تسعى برجلي من أبي.
إنّ قريشاً وهي من خير الأمم ... لا يضعون قدماً على قدم
أي لا يُتبعون ولا يَتبعون.
قدّر لرجلك قبل الخطو منزلها ... فمن علا زلقاً عن غرةٍ زلقا
أتتك بخائنٍ رجلاه. عثرة الرجل تجبر، وعثرة اللسان لا تبقي ولا تذر. العامة: خذ بيدي اليوم آخذ برجلك غداً أي انفعني بقليلٍ أنفعك بكثير.
(1/321)

وكان فرجي في غسل رجليه ما غسلهما سبعين سنةً، حتى يموت.

العورات وما يتعلق بها
أخطأت استه الحفرة، لمن وضع الأمر غير موضعه. طار بأستٍ فزعةٍ، للجبان. هو كالمصطاد باسته، لمن يطلب الأمر فيناله عن قرب. استٌ لم تعود المجمر، لمن يباشر ما لم يعتده. في استها مالا يرى، لمن يخفي السر. نعم عوفك، للباني بأهله. من يطل أير أبيه ينتطق به، أي من كثر إخوته استظهر بهم. رأسٌ مقنعٌ واستٌ عاريةٌ. أعجل من أيرٍ دخل نصفه. قدم خيرك ثم أيرك. يقوم أيره وينيك غيره.
وشرّ منيحةٍ أيرٌ معار
عجبت من الحسناء تستر وجهها ... وتبدي استها، هذا حياءٌ مخالف
(1/322)

جزاء مقبل الوجعاء ضرطه
فلانٌ لا يمسك ضراطه، فزعاً. أضرطاً وأنت الأعلى، لمن يخاف وهو غالبٌ. هذا حتى تعلم أن الميت يضرط. ابن الحجاج:
لي صديقٌ جنى عليّ ... مراراً فأكثرا
ثم لمّا عتبته ... غسل البول بالخرا
وقائلٍ مالك لم تهجه ... فقلت: من يفسو على الكنف

الأعور والأعمى
أعور: عينك والحجر! في التحذير. بدلٌ أعورٌ.
وكيف يعيب العور من هو أعور
كسيرٌ وعوير، ومفتاح الدير، ومن ليس فيه خير، وراكب الأير، وكلٌ غير خير.
وجدي به كمثل وجد الأعور ... بعينه إن ذهبت لم يبصر
(1/323)

آخر:
ومن حقّ من يمسي مع العور أن يرى ... وإن لم تخنه عينه متعاورا
ومن للعور بالحول. ومن العجائب أعمشٌ كحالٌ، وأعمى منجمٌ. أوقح من أعمى.
سمعت أعمى قال في مجلسٍ: ... يا قوم ما أوجع فقد البصر
فقال من بينهم أعورٌ: ... يا سادتي عندي نصف الخبر
كيف يرجو الحياء منه صديقٌ ... ومكان الحياء منه خراب
ليس العمى ألا ترى شيئاً، ولكن العمى ألا ترى مميزاً بين الصواب والخطأ. أعمى يدلس نفسه في العور. إن جئت أرضاً أهلها كلهم عورٌ، فغمض عينك الواحدة. آخر:
وربتما ابتهج الأعمى بحالته ... لأنه قد نجا من طيرة العور

ما يتمثل به من ذكر الملائكة
لا يقاس الملائكة بالحدادين. خطه خط الملائكة لأن خطها غير واضحٍ، وأجود الخط أبينه. وصف الجماز بعض البخلاء فقال: لا يحضر مائدته إلا أكرم الخلق وألامه، يعني الملائكة والذباب.
(1/324)

نظر أعرابيٌ إلى متأدبٍ يكتب كل ما يلفظ به، فقال: ما أنت إلا الحفظة، تكتب لفظ اللفظة. يروى أن علياً عليه السلام قال في وصف عمر رضي الله تعالى عنهما: كأن ملكاً بين عينيه، يسدده الكلام. قيل لمزبد وقد صور بيته: إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تصاوير، فقال: ما أصنع بدخولهم بيتي، وهل فيهم إلا صاحب خبرٍ، أو قابض روح.

إبليس والشيطان
أطوع من آدم لإبليس. إبليس غلامه. إبليس يرضى منه رأساً برأس. ما فرحنا بإبليس، فكيف بأولاده!. فلانٌ يجيء بحيلٍ لا يهتدي لها الأبالسة. أقود من أبي مرّة.
عجبت من إبليس في نخوته ... وخبث ما أظهر من نيّته
تاه على آدم في سجدته ... وصار قوّاداً لذريته
صابر الحبّ لا يصدن ... ك عنه تجهّمٌ وعبوس
(1/325)

عرّضن للذي تحبّ بحبٍّ ... ثم دعه يروضه إبليس
فلانٌ من جند إبليس. فلانٌ من شياطين الإنس. شيطانٌ في أشطان، في وصف الفرس. الشيطان لا يخرب كرمه. فلان شيطانٌ خرج من البحر. هو كالشيطان للإنسان. كأنه ظل الشيطان، للمفرط في الطول. صبعه الشيطان، لمن تاه في ولايته. أصبح شيطانه ملكاً، للتائب.
في كفّه من رقي إبليس مفتاح
للخادع بحلاوة كلامه. هو يفر فرار الشيطان من القرآن.
كأنه الشيطان في طبعه ... صوّر من نارٍ وللنّار
آخر:
وإذا رأى إبليس غرّة وجهه ... حيّا وقال: فديت من لا يفلح

الخير والشر
خيرٌ من الخير من يفعله، وشرٌ من الشر من يأتيه. الخير عادةٌ والشر لجاجةٌ.
(1/326)

خير الخير أعجله، وشر الشر أثقله. الشر يأتي من لا يأتيه. حسبك من شرٍ سماعه. الشر يبدؤه صغاره. بعض الشر أهون من بعضٍ. الخير يطلب أهله، كما يطلب طير الماء الحدور. من صنع خيراً أو شراً بدأ بنفسه. لقاء أهل الخير عمارة القلوب.
ألم تر أن سير الخير ريثٌ ... وأن الشّر راكبه يطير
أبو تمام:
وما خير خيرٍ لم تشبه شرارةٌ ... وما خير لحمٍ لا يكون على عظم

الحق والباطل
الحق ظلٌ ظليلٌ. من تعدى الحق ضاق مذهبه. قول الحق لم يدع لي صديقاً. ما يضر الحق تسمية أهل الباطل إياه باطلاً، كما لا يضر السيف تسمية أهل الجهل إياه خشبةً.
(1/327)

الحق أبلج والباطل لجلج. للحق دولةٌ، وللباطل جولةٌ. الحق خير ما قيل. الحق جديدٌ لا يخلق. العاقل لا يبطل حقاً، ولا يحق باطلاً. الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل. الحق ثقيلٌ مريٌّ، والباطل خفيفٌ وبيٌّ.

القضاء والقدر والنوائب
القضاء غالبٌ، والأجل طالبٌ. المقدور كائنٌ، والهمّ فضلٌ. كل آتٍ فكأن قد. لا حذر من قدرٍ. من رضي بالقضاء طاب عيشه. إذا جاء القضاء ضاق الفضاء. إذا ذكر القضاء فأمسك. التوفيق موافقة القضاء.
(1/328)

أبو دلف:
هي المقادير تجري في أعنّتها ... فاصبر لها صبرٌ على حال
أبو العتاهية:
هي المقادير فلمني أو فذر ... إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر
آخر:
إذا عقد القضاء عليك أمراً ... فليس يحلّه إلا القضاء
ابن الرومي:
وإذا أتاك من الأمور مقدّرٌ ... فقررت منه فنحوه تتوجّه
المقادير تبطل التقدير. ابن المعتز: أعرف الناس بالله أرضاهم بأقداره. مواقع أقدار الله خيرٌ لك من مواقع آمالك. من لم يتعرض للنوائب تعرضت له. المرء نهب الحوادث. من أحب البقاء فليعد للنوائب قلباً صبوراً. المؤمن لا يثقله كثرة المصائب، وتواتر النوائب عن الرضا بأقدار الله تعالى، والتسليم
(1/329)

لأمره وحكمه؛ كالحمامة التي تؤخذ فراخها من وكرها، ثم تعود إليه.

ما يتمثل به من ذكر الكعبة والحج والحرم
أكسى من الكعبة. آمن من حمام الحرم.
وكعبة الله لا تكسى لإعواز
فلانٌ كالكعبة تزار ولا تستزار. الجماز: اتصلت بفلانٍ وأنا أكسى من الكعبة، وفارقته وأنا أعرى من الحجر الأسود.
زهت بك الخلعة الميمون طائرها ... كزهو خلعة بيت الله بالبيت
كالبيت فيه لزائريه يجتمع الأمن والمثوبة. وأنت الحجر الأسود لو يخلو لقبلته. بعض البلغاء، وهو البديع الهمذاني: حضرته كعبة الكرم، لا كعبة الحرم، ومشعر المحتاج، لا مشعر الحجاج، وقبلة الصلات، لا قبلة الصلاة. ليس عنده من آلة الحج إلا التلبية. أنفقت مالي وحج الجمل، لضياع السعي. فلانٌ محرمٌ لا للحج، إذا كان عرياناً.
(1/330)

لجّ فحجّ. بشر وفد الله بفوائد الدارين. لا تكن صرورة إلا عن ضرورة. من لم يحج فليمت يهودياً أو نصرانياً.

الجنة والنار
عجبت من أقوامٍ يجرون إلى الجنة بالسلاسل. عليكم بالجنة، فإن النار في الكف. فلانٌ من أهل الجنة، كناية عن البله. شرطة أهل الجنة، كناية عن المرد. ابن عباد:
قال لي: إن رقيبي ... سيء الخلق فداره
قلت: دعني وجهك الجنّة حفّت بالمكاره
ما بال دارك حين تدخل جنّةٌ ... وبباب دارك منكرٌ ونكير
دارك الجنة، وبوابها مالك الجحيم.
وما بي دخول النار بل طنز مالك
صن عرضك عن العار، ونفسك عن النار.
(1/331)

ليث بن نصر بن سيار:
النّار لا العار فكن سيّداً ... فرّ من العار إلى النّار
أبو تمام:
ما لي أرى القبّة الخضراء مقفلةُ ... دوني وقد طال ما استفتحت مقفلها
كأنّها جنّة الفردوس معرضةً ... وليس لي عملٌ زاكٍ فأدخلها
العامة: دخل فضوليٌ فقال: الحطب رطبٌ، كانه جاء من الجنة. للفائق الحسن:
قلت لأصحابي وقد مرّ بي ... أظنّه فرّ من الجنّه

ما يتمثل به من جميع الحيوانات
الفيل
على قدر جرم الفيل تبنى قوائمه
فلانٌ قد ركب الفيل، وقال: لا تبصروني. لا تحسن اللثغة بالفيل.
إن كنت أشكو من يدقّ ... عن الشكاية في قريضي
(1/332)

فالفيل يضجر وهو أع ... ظم ما رأيت من البعوض
أبو الفتح البستي:
إن القذى يؤذي العيون قليله ... ولربّما جرح البعوض الفيلا
سمع البحتري قول الشاعر:
ومغنٍّ يتغنّى ب ... طعامٍ وشراب
فإذا رمنا سكوتاً ... فبمالٍ وثياب
فقال: مثله كمثل صاحب الفيل، يركب بدانقٍ، وينزل بدرهم.
إذا تلاقى الفيول وازدحمت ... فكيف حال البعوض في الوسط
آخر:
أيا أقبح في المن ... ظر من دبٍّ على غول
ويا أسمج من طل ... عة شيطانٍ على فيل
آخر:
وكنت كصانع للفيل قرطاً ... يقوّمه على أذنٍ تمور

الإبل
الذود إلى الذود إبلٌ. اللقوح الربعية مالٌ وطعامٌ، يضرب لاجتماع خلتين محمودتين.
(1/333)

الفحل يحمي شوله معقولا
في المحاماة على الحرم. زاحم بعودٍ أودع، أي لا تستعن إلا بأهل المعرفة. هان على الأملس ما لاقى الدبر، الأملس: السليم من الدبر أي هان على المعافي ما لاقى المبتلي، لمن لا يهتم بأمر صاحبه. القرم من الأفيل. لا يضر الحوار وطأة أمه. الفرزدق:
فإنّا وسعداً كالحوار وأمّه ... إذا وطئته لم يضره اعتمادها
ارغوا لها حوارها تحن، أي أعطه حاجته يسكت.
إنما يجزى الفتى ليس الجمل
عودٌ يقلح، أي تنقى أسنانه، ويضرب للفاسد يستصلح. وقع القوم في سلا جملٍ، أي في محنةٍ غدراء، لأن الجمل لا سلا له. استنوق الجمل، للعزيز يذل. سير السواني سفرٌ لا ينقطع، للأمر الذي لا يكاد ينتهي. جاءوا على بكرة أبيهم، أي بأجمعهم.
(1/334)

صبر من عودٍ بدفيه الجلب، للمجرب. يركب الصعب من لا ذلول له. ضربه ضرب غرائب الإبل. كل أزبّ نفورٌ، يضرب للجبان. رباعي الإبل لا يرتاع من الجرس. أغدةً كغدة البعير، وموتاً في بيت سلولية، في اجتماع خصلتين مكروهتين. إذا جرجر العود فزده ثقلاً، في ترك المبالاة بالشاكي. إن الضجور قد تحلب العلبة، في استخراج القليل من البخيل. رض من المركب بالتعليق، في القناعة باليسير. استنت الفصال حتى القرعى، للمتكلف ما ليس من أهله. اختلط المرعى بالهمل، عند اختلاط الأمر. غلبت جلتها حواشيها، في الصغار تعلو الكبار. إن تسلم الجلة فالسخل هدرٌ. لقوةٌ صادفت قبيساً، في موافقة الشيئين.
(1/335)

لكل أناسٍ في بعيرهم خير. هما كر كبتي البعير، للمتساوين.
أوردها سعدٌ وسعدٌ مشتمل ... يا سعد ما تروى بهاذاك الإبل
لمن يريد إدراك حاجته عفواً من غير استعداد لها. آخرها أقلها شرباً، للمنع من التواني. أساء رعياً فسقى، لمن لا يحكم الأمر، ثم يريد إحكامه فيفسده. كالحادي وليس له بعير، للمتشبع بما لم يأكله وللمتكثر بما ليس عنده. ليس بعد الورد إلا الصدر. يخبط خبط عشواء، للمتهافت في الأمر. وقد يقطع الدوية الناب، لمن فيه بقيةٌ. العنوق بعد النوق، في الكبير يصغر. أحنّ من شارفٍ.
أوسعتهم سبّاً وأودوا بالإبل
لمن ينكى فيه عدوه، ولا يكون له منه إلا الوعيد. لقد كنت وما يقاد بي البعير، لمن يذل بعد العز. هذا أمرٌ لا تبرك عليه الإبل، للأمر العظيم. لا ناقة لي في هذا ولا جمل. لا يعدم الحوار من أمه حنةً، للحميم يهتم بحميمه. صدقني سن بكره، للصادق في خبره.
(1/336)

عرف حميقٌ جمله، في استثبات الشيء. لا آتيك ما حنت النيب. كانت عليه كراعية البكر، لما يتشاءم به. أحلبت ناقتك أم أجلبت، أي أتت بأنثى لتحلب، أو بذكرٍ فيجلب للبيع. لا أحب أمران: آنف، وأمنع الضرع. لمن يظهر الشفقة، ويمنع خيره. كابن لبونٍ، لا ظهر فيركب، ولا لبن فيحلب. الإبل سفن البر، جلودها قربٌ، ولحومها نشبٌ، وبعرها حطبٌ. المولدون والعامة: الجمل في شيءٍ والجمال في شيءٍ. من تمام الحج ضرب الجمال. إذا جاء أجل البعير حام حول البير. بعيرٌ بدرهمٍ، والشأن في الدرهم. في اليميني من أمثال العجم:
أشارت الفرس في أجنادها مثلاً ... وللأعاجم في أيّامها مثل
قالوا: إذا جملٌ حانت منيّته ... أطاف بالبير حتى يهلك الجمل
لقد عظم البعير بغير لبٍّ ... فلم يستغن بالعظم البعير
وابن اللّبون إذا ما لزّ في قرنٍ ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
فلا تحمل على ربعٍ فليست ... تنوء بحملها إلا الفحول
(1/337)

أبو تمام:
تلك بنات المخاض راتعةٌ ... والعود في كوره وفي قتبه
خلعوا عليه وزينو ... هـ وسار في عزٍّ ومنعه
وكذاك يفعل بالجما ... ل لنحرها في يوم جمعه

الخيل
الخير معقودٌ بنواصي الخيل. خير الأموال فرسٌ، في بطنها فرسٌ، يتبعها فرسٌ. العزّ في نواصي الخيل، والذل في أذناب البقر.
على أعراقها تجري الجياد
الخيل تجري على مساويها. فيمن يستعمل كرمه على كل حال. الطرف يجري، وبه هزالٌ، والحر يعطي وبه إقلالٌ. فلانٌ أبلق الكتيبة، للمشهور. أعز من الأبلق العقوق. للشيء للمعوز. كان جواداً فخصي، للجلد يضعف. الخيل أعلم بفرسانها.
(1/338)

إن الجواد قد يعثر. كالأشقر، إن تقدم عقر، وإن تأخر نحر، لمن يخاف غائلته على كل حال. جري المذكيات غلابٌ، في مدح ذي السن وذي التجربة. جرى المذكى حسرت عنه الخمر. مذكيةٌ تقاس بالجذاع، لمن يقيس الكبير بالصغير. قد يبلغ القطوف الوساع، ويلحق الثني بالرباع، أي قد يلحق المتأخر السابق. جاء وقد لفظ لجامه. إذا انصرف مجهوداً. جاء ثانياً من عنانه، للمدرك حاجته. اتبع الفرس لجامه، والبعير زمامه، في استتمام الحاجة. هما كفرسي رهانٍ، للمتساوين. إن الجواد عينه فراره، لمن يغنيك شخصه عن اختباره. فحل السوء يبدأ بأمه. أحشك وتروثني، لمن تحسن إليه ويسيء إليك. عرفتني نساها الله، في الاستثبات.
(1/339)

لمثل هذا كنت أحسيك الحسا، لمن تحمد بلاه بعد الإحسان إليه. استكرمت فأربط، أي وجدت علقاً نفيساً فاحفظه. يجري بليقٌ ويذم. الحريص يصيدك لا الجواد، أي يطلبك من له حرصٌ عليك، لا من لا هوى له فيك. ترك الخداع من أجرى على مائةٍ، للمجد في إزالة اللبس.
هذا أوان الشدّ فاشتدّي زيم
في الحث على الجدّ قبل الفوت.
أحقّ الخيل بالرّكض المعار
جذعٌ يبزّ على المذاكي القرّح
بجبهة العير يفدى حافر الفرس
فأوّل قرّح الخيل المهار
ويبين عتق الخيل في أصواتها
والطّرف يعرب عن عتقٍٍ إذا صهلا
لا يعدم شقيٌ مهيراً. العامة والمولدون: من أحب أفخاذ الخيل أفلح، ومن أحب أفخاذ النساء لم يفلح. ما عدا الفرس فلا حاجة بك إلى السوط. الجلّ خيرٌ من الفرس.
(1/340)

الدابة لا تساوي مقرعة. ليس الفرس بجله وبرقعه. غضب الخيل على اللجم الثقال. يبقى على الآريّ شر الدواب.
وللقارح اليعبوب خيرٌ علالةً ... من الجذع المرخى وأبعد منزعا
يحمحم للشّعير إذا رآه ... ويعبس عند صلصلة اللّجام
المتنبي:
وما الخيل إلا كالصّديق قليلةٌ ... وإن كثرت في عين من لا يجرّب
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيّب
وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا ... إذا لم يكن فوق الكرام كرام
آخر:
ولا أكون كمن ألقى رحالته ... على

الحمار وخلّى صهوة الفرس
عند الرّهان تعرف السّوابق
وقد يترك المهر الذي هو فاره
أكرم الخيل أجزعها من السوط. ليس كبج الصعب الشرس إلا باللجام الشكس.
(1/341)

البغل
البغل نغلٌ، وهو لذلك أهلٌ. البغل الهرم لا يفزعه صوت الجلجل. قيل للبغل: من أبوك؟ قال: الفرس خالي. فلانٌ بغلة أبي دلامة، للكثير العيوب. في سبيل الله سرجي وبغلي، فيمن يتصدق بما فاته وخاب منه. خالد بن صفوان: ارتفع عن ذلة العير، واتضع عن خيلاء الخيل، وخير الأمور أوساطها.
الحمار
" كمثل الحمار يحمل أسفاراً ". كل الصيد في جوف الفرا " قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي سفيان بن حرب رضي الله عنه متمثلاً، والفراء: الحمار الوحشي. أنكحنا الفرا فسوف نرى، لمن سأل رجلاً عظيماً حاجةً. أنصح من عير أبي سيارة. ذكرني فوك حمار أهلي، للمغرور يستبصرمن غفلته ويرعوي.
(1/342)

دني حماريك فازجر، أي عليك بأدنى أمرك، ثم اشتغل بالأبعد. العير أوقى لدمه، في الحزم، والتحفظ. جاء كخاصي العير، أي مستجيباً. لا يأبى الكرامة إلا الحمار. فلانٌ حمار الحوائج، للممتهن. كان حماراً فاستأتن، للعزيز يذل. أودى العير إلا ضرطاً، لمن سقطت قوته. ما بالعير من قماصٍ، لمن ذل بعد الامتناع. دون ذا وينفق الحمار. قيل عيرٌ، وما جرى في البكور، في السرعة في الأمر. تركته جوف حمارٍ، أي لا خير فيه، ومعناه أن جوف الحمار لا ينتفع به. حيل بين العير والنزوان. من ينك العير ينك نياكاً. من اتكل على عير جارته أصبح أيره في الندا. وقد صحفته العامة تصحيفاً عجيباً.
العير يضرط والمكواة في النّار
لمن ينتظر له السوء وهو غافل. هما كحماري العبادي، إذا كانا ساقطين. لا تكن أدنى العيرين إلى السهم، أي تباعد من الشر. الجحش إما فاتك الأعيار، في القناعة بما تيسر. عيرٌ عاره وتده، للجاني على نفسه.
(1/343)

عيره ركلته، لمن يظلم ناصره. زل حماره في الطين. لا يقيم على الخسف إلا العير. ذهب الحمار يطلب قرنين، فعاد مصلوم الأذنين.
فصرت كالعير غدا يبتغي ... قرناً فلم يرجع بأذنين
إن رجع عيرٌ فعيرٌ في الرباط.
قد يقدم العير من ذعرٍ على الأسد
العامة: كالحمار في الجمد. زلق الحمار، وكان من شهوة المكاري. سافر بالحمار الهرم، فإن نقل وإلا دل على الطريق. ما يراد من الحمار الأعرج إلا الرمحة المستوية. أوحش من حمارٍ أعمى على معلفٍ خالٍ. الحمير نعت الإكافين. إذا عجز الحمار عن حمل برذعته كان عن وقره أعجز. ليس للحمار الواقع كصاحبه. الحمار مالٌ لا يزكى ولا يذكى. كذنب الحمار، لما لا يزيد ولا ينقص. هان على البيطار ما يمر باست الحمار. لا يمكن ركوب حمارين باستٍ واحدةٍ. كحمار القصار، إن جاع شرب، وإن عطش شرب.
(1/344)

بال الحمار فاستبال أحمرةٌ
للوضيع يأتي أمراً فيقتدي به أقرانه.
كنت كربّ الحمار أعيا ... فظلّ يسطو على الإكاف
كم من حمارٍ على جوادٍ ... ومن جوادٍ على حمار
حمارٌ ولج الكو ... ة قد قيل بجرجان
فهذا العير والكوّ ... ة يا قوم عتيدان
إنّ الحمار مع الحمار مطيّةٌ ... فإذا خلوت به فبئس الصّاحب
إذا ذهب الحمار بأمّ عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار
آخر:
أتتركني ودارك عند داري ... وتطلبني بمصر على حمار
ابن المعتز: ربّ عيرٍ يرعى ويعلف ما شاء، وليثٍ يجوع في الصحراء.
ما المرء إلا كعير السّوء يضربه ... سوط الزّمان ولا يجري على السّنن
شدّ الحمار مع البرذون في قرنٍ ... إن لم يجاوزه يوماً بألف السّننا
سوف ترى إذا انجلى الغبار ... أفرسٌ تحتك أم حمار
كحمار السّوء إن أشبعته ... رمح النّاس وإن جاع نهق
ولو لبس الحمار ثياب خزٍّ ... لقال النّاس: يا لك من حمار
(1/345)

البقر
كالثّور يضرب لما عافت البقر
وما عليّ إذا لم تفهم البقر
نادى عليه كما ينادى على لحم البقر. الكلاب على البقر عند قلة المبالاة بالشيء. وجدت البقرة ظلفها، لمن وجد ما يوافقه. ليس لإثارة الأرض كالثيران. فلانٌ حمارٌ مبطنٌ بثورٍ، مغروزٌ بتيسٍ، مطرزٌ بقردٍ.
كممكنةٍ من ضرعها كفّ حالب ... ودافقةٍ من بعد ذلك ما حلب

الغنم والمعز
الغنم غنيمةٌ. وقيل في الحديث: " غنمٌ بركةٌ، غنمان بركتان، ثلاثةٌ غنيمةٌ ". الشاة تعجز أن تكون رعاءً. أذل من النقد. لا تنطح جماء ذات قرنٍ. كل شاةٍ برجلها ستناط.
(1/346)

إرض للشاة جازرها. عند النطاح يغلب الكبش الأجم. بين الممخة والعجفاء، للمتوسط. كالخروف أينما مال اتقى الأرض بصوفٍ، يضرب لمن يجد معتمداً في كل حال. يا شاة أين تذهبين؟ قالت: أجزّ مع المجزوزين، للأحمق الذي ينطلق مع القوم، ولا يدري ما هم فيه. حتفها تطلب ضانٌ بأظلافها، لمن يسعى في هلاك نفسه. المعزى تبهي ولا تبني، لمن يفسد ولا يصلح. قبح الله معزى خيرها خطة، يضرب لجملة شيءٍ ليس فيها خيرٌ. إذا تفرقت الغنم قادتها العنز الجرباء، في الوضيع يسد مسداً. أخفق حالب التيس. كمن يحلب تيساً من شهوة اللبن. عنزٌ استتيست. كان كراعاً فصار ذراعاً، للحقير إذا اعتلى.
(1/347)

نظرت إليك بأعينٍ مزوّرةٍ ... نظر التيوس إلى شفار الجازر
عنزٌ بها كل داءٍ، للكثير العيوب. فلانٌ يضرب بين الشاة والعلف. هما كركبتي العنز، للمتساوين؛ لأن العنز إذا أرادت أن تربض وقعت ركبتاها معاً. لا تكن كالعنز تبحث عن المدية، للجاني على نفسه جنايةً فيها هلاكه. لقي فلانٌ يوم العنز، يضرب لمن يلقى ما يهلكه.
وكنت كعنز السّوء قامت لحتفها ... إلى مديةٍ تحت الثّرى تستثيرها
آخر:
وكانوا كشاءٍ غاب عنها رعاؤها ... معطّلةٍ تحت الظّلام لأذؤب
كعنز السّوء تنطح من خلاها ... وترأم من يحدّ لها الشّفارا
ابن الرومي:
عكست أمري الخطوب فعنزي ... أبداً حائلٌ وتيسي حلوب
أبو القاسم الداودي:
قالوا: ترفّق في الأمور فإنّه ... يجدي ومري الدّرّ بالإبساس
ولقد رفقت فما حظيت بطائلٍ ... ما ينفع الإبساس بالأتياس
(1/348)

الأسد
من يتبع الأسد لم يعدم لحماً. أجر أمن خاصي الأسد.
كمبتغي الصّيد في عرّيسة الأسد
ولا قرار على زأرٍ من الأسد
النّهر يشرب منه الكلب والأسد
والجوع يرضي الأسود بالجيف
واللّيث ليس يسيغ إلاّ ما افترس
وأجرأ من ليثٍ بخفّان خادر
ما استبقاك من عرضك للأسد. فلانٌ يسلب القطعة من شدق الأسد. إن الأسد ليفترس العير، فإذا أعياه صاد الأرنب. ليكن تشميرك للأمر الصغير كتشميرك للأمر الكبير، فإن الأسد يثب على الأرنب كوثبته على العير.
3و - من الرّديف وقد ركبت غضنفرا
عبالة عنق اللّيث من أجل أنّه ... إذا نابه أمرٌ أتاه بنفسه
(1/349)

آخر:
إذا التقت الأبطال كنتم ثعالباً ... وأسد الشّرى إن هيّجتكم مآدب
آخر:
المرء في بلدته ضائع ... واللّيث في غيضته جائع
البحتري:
وما الكلب محموماً وإن طال عمره ... ألا إنّما الحميّ على الأسد الورد
علي بن الجهم:
أو ما رأيت اللّيث يألف غيله ... كبراً وأوباش السّباع تردّد
المتنبي:
لولا العقول لكان أدنى ضيغمٍ ... أدنى إلى شرفٍ من الإنسان
وله:
إذا رأيت نيوب اللّيث بارزةً ... فلا تظننّ أن اللّيث مبتسم
أبو فراس:
وما الأسد الضّرغام إلا فريسةً ... إذا لم تطل أنيابه والأظافر
ابن الرومي:
والليث لابس جنّةٍ من نفسه ... ذو هيئةٍ تكفيه أن يتأهّبا
وما شبل ذاك الليث إلا شبيهه ... وغير عجيبٍ أن ترى الشّبل يأسد
(1/350)

غيره:
وليس الليث من جوعٍ بغادٍ ... على جيفٍ تحيط بها كلاب
اللحام:
وقائلٍ لي: دنّست الهجاء بمن ... يدنس

الكلب إن أقعى وإن شردا
فقلت: أحسنت، لكن هل سمعت بمن ... إن هرّ كلبٌ عليه نازل الأسدا
والليث حيث ألبّ في ... أرض فذاك له عرين
الرستمي:
ولا غرو أن يستحدث الليث بالشّرى ... عريناً وأن يستطرف البحر ساحلا
البستي:
لا يعدم المرء كنّاً يستكنّ به ... ومنعةً بين أهليه وأصحابه
ومن نأى عنهم قلّت مهابته ... كاللّيث يحقر لما غاب عن غابه
غيره:
وإن الهزبر الورد يصبر للأذى ... ويبدي إذا آذيته ضجر الكلب
قال سعيد بن حميد لبي هفان: أنا الأسد، فقال: ليس فيك من الأسد إلا البخر وطول الذنب.

الذئب
الذئب خالياً أشد، يضرب عند التحذير من الانفراد بمن يخاف غائلته.
(1/351)

الذئب يغبط بذي بطنه، لمن يغبط بما لم ينله.
ألا ربّ ذئبٍ مرّ بالقوم خاوياً ... فقالوا: علاه البهر من كثرة الأكل
الذئب يأدو للغزال ليأكله، يضرب للخادع المحتال. من استرعى الذئب ظلم. لا تجمع بين السخل والذئب. خف رأساً من الذئب، لأنه قلّ ما ينام. سقط العشاء به على سرحان لمن أداه طلب مراده إلى تلفه. خشّ ذؤالة بالحبالة، في الإيعاد. قد كنت وما أخشى بالذئب، يقوله الضعيف وقد كان قوياً. غبار الغنم كحل عين الذئب. من لم يكن ذئباً أكلته الذئاب.
تعدو الذّئاب على من لا كلاب له ... وتتّقي مربض المستأسد الضّاري
إذا ذكرت الذئب فأعد له العصا. الذئب يوعظ فيقول: أمسك فقد فاتت الغنم. الزريبة الخالية خيرٌ من ملئها ذئاباً.
ولست كمن يرضى بما غيره الرّضى ... ويمسح وجه الذّئب، والذّئب آكله
يعني إذا مال عليه فغلبه.
وكنت كذئب السّوء لما رأى دماً ... بصاحبه يوماً أحال على الدّم
(1/352)

لعمرك إني إذ أربّي عملّساً ... لكالمبر لي حتفه وهو لا يدري
ابن الرومي:
وما تجدي عليك ليوث غابٍ ... بنصرتها إذا أدماك ذيب
غيره:
وكنت شريك الذّئب في كلّ شأنه ... وإذ وثب الرّاعي وثبت مع الرّاعي
آخر:
علّم الذّئب بالخياطة رفقاً ... فهو بالخرق حاذقٌ وبصير
وإذا الذّئاب استنعجت لك مرّةً ... فحذار منها أن تعود ذئابا
فالذّئب أخبث ما يكون إذا اكتسى ... من جلد أولاد النّعاج ثيابا
فلانٌ كالذئب، إذا طلب هرب، وإذا تمكن وثب.
الكلب
الكلب لا يصيد كارهاً. الكلب يزمن حيث يسمن، ولا يتبع حين يشبع، وعند الجوع يهم بالرجوع. قد ينبح الكلب القمر فيلقم الحجر.
(1/353)

لا يضر السحاب نباح الكلاب. احتاج إلى الصوف من جز كلبه. من جعل نفسه عظاماً أكلته الكلاب. الساجور خيرٌ من الكلب. كلبٌ جوالٌ خير من أسدٍ رابضٍ.
كلّ كلبٍ ببابه نبّاح ... وعلى باب غيره سلاّح
الكلب لا ينبح من في داره. جوع كلبك يتبعك. سمن كلبك يأكلك. اتبع النباح ولا تتبع الضباح، لأن النباح بالعمران، والضباح بالضد. أنجس ما يكون الكلب إذا اغتسل. فلانٌ كالكلب، إن شبع هر وإن جاع فر. جاهه جاه كلبٍ ممطور دخل الجامع يوم الجمعة. ذنب الكلب يكسب له الطعم، وفمه يكسب له الضرب. العرب: إذا رأيت كلباً ترك صاحبه وتبعك فارجمه، فإنه تاركك كما تركه. ذنب الكلب لا يستوي.
(1/354)

رأس كلب أحب إلي من ذنب أسد. العائد في شيئه كالكلب يعود في قيئه. إذا أحسنت إلى الكلب لم ينبحك. نعم كلبٌ في بؤس أهله، يضرب لمن ينال خيراً بضرر صاحبه.
وهل يعضّ الكلب إن عضّا
على أهلها دلت براقش، وهو اسم كلبة دلت على قومٍ فقتلوا. أحب أهل العلم إلى كلبهم الظاعن - لمن يروم نفعه بضرر صاحبه. مطلٌ كنعاس الكلب. كالكلاب تتبع خبزاً. فلانٌ ما يعوى له ولا ينبح، أي ما يهجى ولا يمدح. لو لك عويت لم أعو، يضرب لمن صادف في طلبه ما كره. لا تقتن من كلب سوءٍ جرواً. اذكر الصديق وهيء له وسادةً، واذكر الكلب وأعد له آجرةً. أحرص من كلبٍ على جيفةٍ. أسرع من لحس الكلب انفه. الأم من كلبٍ على عرقٍ. أجوع من كلبة حومل.
كالكلب يأكل في بيوت النّاس
(1/355)

كان الأمير فصار كلب الحارس
كالكلب إن جاع لم يعدمك بصبصةٍ ... وإن ينل شبعةً ينبح من الأشر
آخر:
وإني وقيساً كالمسمّن كلبه ... فخدّشه أنيابه وأظافره
آخر:
أخاف كلاب الأبعدين وهرشها ... إذا لم تجاوبها كلاب الأقارب
آخر:
ولربّما قد رأيت الكلب متّخماً ... في اليوم يسغب فيه الذّئب والأسد
آخر:
هو الكلب إلا أن فيه ملالةً ... وسوء مراعاةٍ وما ذاك في الكلب
أمن بيت الكلاب طلبت عظماً ... لقد حدّثت نفسك بالمحال
آخر:
فلا تحسد الكلب أكل العظام ... فعند الخراءة ما ترحمه
وعمّا قليلٍ ترى باسته ... كلوماً جناها عليه فمه

الضبع
لا أكون كالضبع، تسمع اللدم فتخرج حتى تصاد. خامري أم عامرٍ، للغافل المغرور.
(1/356)

روعي جعار وانظري أين المفر، عند استكانة الجبان. عرض عليه خصلتي الضبع، في الخلتين المكروهتين.
ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر
آخر:
فقلت لها: عيشي جعار وأبشري ... بلحم امرىءٍ لم يشهد اليوم ناصره
فليس يأكل إلا الميّت الضّبع
أبو فراس:
ما للعبيد من الذي ... يقضي به الله امتناع
ذدت الأسود عن الفرا ... ئس ثم تفرسني الضّباع

سائر السباع
النمر
لبست له جلد النمر. أمنع من است النمر. قال غلامٌ أعرابي لمن راوده عن نفسه: لا تحم حول است النمر فقد علمت منعتها.
(1/357)

الفهد
أنوم من فهدٍ. أوثب من فهدٍ.
وأمّا نومكم عن كلّ خيرٍ ... فنوم الفهد لا يقضى كراه

الثعلب
أروغ من ثعلبٍ.
لقد ذلّ من بالت عليه الثعالب
أيّها العائب سلمى ... أنت عندي كثعاله
رام عنقوداً فلما ... أبصر العنقود طاله
قال: هذا حامضٌ لمّ ... ارأى ألاّ يناله
ومتى كانت الثّعالب أسداً ... ومتى كانت النّساء رجالا

الخنزير
كرهت الخنازير الحميم الموغر، عند استشعار الجاهل الفزع. عند الخنازير تنفق العذرة.
(1/358)

ابن الرومي:
أصبحت كالخنزير في الطّرائد ... ليس لمن يقتله من حامد
وربّما أتلف نفس الطّارد
جنةٌ ترعاها الخنازير، يضرب للبلدة الحسناء يسكنها اللئام.

القرد
القرد قبيحٌ لكنه مليحٌ. اسجد لقرد السوء في زمانه. ربّ قرودٍ في برود. ابن الرومي:
شركت القرد في قبحٍ وسخفٍ ... وما قصّرت عنه في الحكايه
وله:
ليتهم كانوا قروداً فحكوا ... شيم الناس كما تحكي القرود

القنفذ
ويقال للذكر منه: شيهم، ويقال له أيضاً ... ، ولذلك ذهبوا ... وقال الأعشى:
لترتحلن منّي على ظهر شيهم
(1/359)

وقال الأخطل:
مثل القنافذ هدّاجون قد بلغت ... نجران أو بلّغت سوآتهم هجر

الهر والفأر
لا تأمن الهر على اللحم ولا الكلب على الشحم. إذا تعود السنور كشف القدر لم تصبر عنه. فلان ينصح نصيحة السنور للفأر.
كسنّور عبد الله بيع بدرهمٍ ... صغيراً فلما شبّ بيع بقيراط
ما في الفأر غرةٌ لا تعرفها الهرة. لا تباع الهرة في الجراب.
لا رأى السّنور في أولاده ... ما تمنّى فيه أولاد الجرذ
كهرةٍ تأكل أولادها. لا يدبر البقال إلا إذا تصالح السنور والفأر. أضل دريصٌ نفقه، لمن يعد حجةً فينساها عند الحاجة. فلانٌ يلجم الفأر في بيته، للبخيل. لم يسع الفأرة جحرها فاستصحبت مكنسةً.
(1/360)

الوحش
الظبي
أعز من ظبيٍ مقمرٍ. تركه ترك ظبيٍ ظله، لمن فر من شيءٍ ولم يرجع إليه، ولا يكاد يذكره. به داء ظبي، للصحيح، لأن الظبي لا داء به. لا بظبيٍ عند الشماتة. كأنه على قرن أعفر، إذا كان قلقاً. من لي بالسانح بعد البارح، لمن يرى من صاحبه ما يكره، فلا يطمع في خيره بعد ذلك. إنما هو كبارح الأروى، لمن يتشاءم به. لا يجتمع الأروى
والنعام، لأن أحدهما في الجبل، والآخر في السهل. هل تصيد الظباء إلا الكلاب.
تفرّقت الظّباء على خراشٍ ... فما يدري خراشٌ ما يصيد
آخر:
وإن كنت لا أرمي الظباء فإنني ... أدسّ لها تحت التّراب الدّواهيا
(1/361)

النعام
أجبن من نعامةٍ. أعدى من نعامةٍ. أشرد من نعامةٍ. أشرد من هيقٍ. أموق من نعامةٍ، وموقها تركها بيضها، وحضنها بيض غيرها. ركب فلانٌ جناح نعامةٍ، إذا جد في أمره. ويقال للمنهزمين: أضحوا نعاماً. كاد النعام يطير. شالت نعامتهم، وخف رألهم، إذا تفرقوا عند الفزع.
مثل النّعامة لا طيرٌ ولا جملٌ
كالنعامة تكون جملاً إذا قيل لها: طيري، وطائراً إذا قيل لها: احملي. أصح من ظليم. أصح من بيض النعام.
أسدٌ عليّ وفي الحروب نعامةٌ
كتاركةٍ بيضها بالعراء ... وملبسةٍ بيض أخرى جناحا
(1/362)

الطير
كل طيرٍ مع شكله.
إنّ الطّيور على ألاّفها تقع
وكيف تنام الطير في وكناتها
وما طار طيرٌ فارتفع ... إلاّ كما طار وقع
فلانٌ واقع الطير، إذا كان ساكناً. كأن على رؤوسهم الطير، في الوقار. طار طائره، إذا هرب. حوصلي وطيري، لمن لا يمكث إذا أكل. ليس هذا بعشك فادرجي، للمستدفع عما يدعيه. ذاك عشه الذي فيه درج، ومنه خرج، في وصف مسقط الرأس والمنشأ. فلانٌ تحت جناح فلان إذا كان في داره وكنفه. كلما طار قص جناحه، لمن لا تطول مدة ولايته. هو في جناح الطائر، إذا كان قلقاً دهشاً. وركب جناح الطائر، إذا فارق وطنه.
بغاث الطّير أكثرها فراخاً ... وأمّ الصّقر مقلاتٌ نزور
لمن يكثر ولده من الغاغة.
خلالك الجوّ فبيضي واصفري
(1/363)

لمن يخلو ممن يزاحمه. فلانٌ مقصوص الجناح، إذا كان منكوباً.
ولكن الجناح إذا أصيبت ... قوادمه أسفّ على الأكام
المتنبي:
خير الطّيور على القصور وشرّها ... يأوي الخراب ويسكن النّاووسا
المهلبي الوزير:
كالنّبل عامدةً إلى أهدافها ... والطّير قاصدةً إلى الأبراج
عقله عقل طائرٍ، وهو في صورة الجمل. أبو بكر الخوارزمي:
علقٌ غدا بيّاعه ... مبتاعه لهوانه
كالفرخ لم يخطب فصا ... ر أبوه من أختانه
غيره:
إني لأرجو من أبي صابرٍ ... ما يرتجي الفرخ من الطّائر
العامة: ليس من شفقة الصائد على الطائر إلقاؤه الحب بين يديه. كلفه مخ البعوض ولبن الطائر، لما يعز وجوده.
والطّير لا تنقضّ من أوكارها ... إلا على ماءٍ وحبٍّ ساقط
(1/364)

نظر ابو بكر الصديق رضي الله عنه إلى طائرٍ على شجرةٍ فقال: هنيئاً لك يا طائر تقع على الشجر، وتأكل من الثمر، ولا تدري ما الخبر.

العنقاء والعقاب
أعز من عنقاء مغرب. حلقت به عنقاء مغرب. كمن يشتهي لحم عنقاء مغرب.
وما خبزه إلا كعنقاء مغرب
أبصر من العقاب. أحزم من فرخ العقاب، لأنه يكون في رؤوس الجبال الشاهقة، فإذا تحرك كاد يسقط.
إذا ما حامت العقبان ظهراً ... تستّرت الجوارح بالغياض

البازي
لا يفزع البازي من صياح الكركي.
وهل ينهض البازي بغير جناح
ومن يجعل الضّرغام للصّيد بازه ... تصيّده الضّرغام فيما تصيّدا
(1/365)

هو بازٍ صائدٍ ارسلته ... فابعثوه سالماً إن لم يصد
إذا لم ينفعك البازي فانتف ريشه. ليس يقوى ألف كركيٍ ببازٍ. ليس من هوان البازي تحاص عيناه. لا يرسل البازي في الضباب، في الأمر بالاحتياط. البحتري:
وبياض البازيّ أصدق حسناً ... إن تأملت من سواد

الغراب
المتنبي:
وشرّ ما قنصته راحتي قنصٌ ... شهب البزاة سواءٌ فيه والرّخم
آخر:
وكنت كبازي الجوّ قصّ جناحه ... يرى حسراتٍ كلّما طار طائر
يرى طائرات الجوّ يخفضن حوله ... فيذكر إذ ريش الجناحين وافر
ابن سكرة:
وكلّ بازٍ يمسّه هرمٌ ... تخرى على رأسه العصافير
نصبوا اللّحم للبزاة ... على ذروتي عدن
ثم لاموا البزاة أن ... خلعت نحوها الرّسن
(1/366)

الصقر
وحقّ على ابن الصقر أن يشبه الصّقرا
وأمّ الصّقر مقلاتٌ نزور
صقرٌ يلوذ جمامه بالعوسج
للمهيب. أبو فراس:
والمرء ليس ببالغٍ في أرضه ... كالصّقر ليس بصائدٍ في وكره
النمري:
كنت صقراً آخذ الكر ... كيّ والطير العظاما
وإذا ما أرسل الصّق ... ر على الصّعو تعامى
فتقصّيت من الصّع ... وفأوهت لي القدامى
غيره:
زعموا بأن الصّقر صادف مرّةً ... عصفور برٍّ ساقه المقدور
فتكلّم العصفور تحت جناحه ... والصقر منقضٌّ عليه يطير
ما كنت خاميزاً لمثلك لقمةً ... ولئن شويت فإنني لحقير
فتهاون الصقر المدلّ بنفسه ... كرماً وأفلت ذلك العصفور
(1/367)

النسر
عمر من نسر لقمان. تصاب يا لبد، للكبير يتصابى. أتى أبدٌ على لبدٍ.
إن البغاث بأرضنا يستنسر
للضعيف يقوى. كتب أبو إسحق الصابي من الحبس إلى صديقٍ له:
نحن كالنّسرين في الصح ... بة لكنّي واقع
وعلى الطّائر أن يغ ... شى أخاه ويراجع
غيره:
مرّ نسرٌ ببعيرٍ مرةً ... وهو منقادٌ لغرٍّ في زمام
قال: تبّاً لك من ذي أربعٍ ... بازلٍ يبرك صغراً لغلام
قال: لا ألحاك فيما قلته ... إنني عاملتهم موتي زمام
الغراب
هو في خيرٍ لا يطير غرابه، للخصب والسعة. لا يكون ذلك حتى يشيب الغراب.
(1/368)

طار غراب شبابه، أي ذهب شبابه. هو غرابٌ، لمن به داء سوءٍ؛ لأن الغراب يواري سوأة أخيه. خذ من الغراب بكوره وكتمانه للسفاد.
هيهات طار غرابها بجرادتك
للأمر الذي فات لا يطمع فيه. العامة: ليس بصياح الغراب يجيء المطر.
وكم من غرابٍ رام مشية قبجةٍ ... فأنسي ممشاه ولم يمش كالحجل
آخر:
يواسي الغراب الذئب في كل صيده ... وما صادت الغربان في سعف النخل
المتنبي:
لا تشكونّ إلى خلقٍ فتشمته ... شكوى الجريح إلى الغربان والرّخم
أبو الشيص:
والنّاس يلحون غرا ... ب البين لما جهلوا
وما غراب البين إلا ... ناقةٌ أو جمل
وله:
ومن يكن الغراب له دليلاً ... فناووس المجوس له مصير
(1/369)

القطا
أهدى من القطا. أهدى من القطا الكدر إلى الغدر. أهدى من الفقر إلى الحر. وما القطا بكذاب. العرب: لو ترك القطا ليلاً لناما، للأمر الذي يستدل به على الشر، وللساكن يحرك.
وإنّي وإيّاهم كمن نبّه القطا ... ولو لم تنبّه باتت الطير لا تسري
ليس قطاً مثل قطا، ولا المرعي في الأقو ... ام كالراعي يضرب في خطأ القياس.
قد يصاد القطا فينجو سليماً ... ويحلّ البلاء بالصيّاد

الحبارى
الحبارى سلاحها سلاحها. أقصر من إبهام الحبارى. عثمان بن عفان رضي الله عنه: كل شيءٍ يحب ولده حتى الحبارى.
(1/370)

العرب: مات كمد الحبارى، لمن يقتله الحزن. وعيد الحبارى للصقر، للضعيف يتهدد القوي.

الديك والدجاجة
ليس من كرامة الديك تغسل رجلاه. كان ذلك بيضة الديك، للشيء الذي يكون مرةً واحدةٌ؛ وكذلك قولهم، بيضة العقر. فلان كالديك، يأكل ويشرب وينيك. قيل للفرزدق: إن فلانة تقول الشعر، قال: إذا صاحت الدجاجة صياح الديك فلتذبح. العامة: به حاجة الديك إلى الدجاجة. عاتب البازي الديك على نفاره من الناس إذا أرادوا أخذه، فقال له: لو رأيت بازياً على سفودٍ لكنت أشد نفوراً مني.
فإذا حكّت الدّجا ... جة بالنّقر ديكها
فاعلمن أن حكّها ... شهوةً أن ينيكها
ماتت الدجاجة التي كانت تبيض بيض الذهب.
(1/371)

الحمام والقمْري
مرضت الحمامة فعادها السنور؛ فقال: كيف أنت؟ فقالت: بخيرٍ ما عوفيت منك.
عيّوا بأمرهم كما ... عيّت ببيضتها الحمامه
جعلت لها عودين من ... نشمٍ وآخر من ثمامه
طوق الحمامة لا يبلى على القدم
وهل تنحل الأطواق ورق الحمائم
كأطواق الحمائم في الرّقاب
وكيف رواغ قمريٍّ ... ألحّ عليه شاهين

العصفور
كالعصفور، إن أرسلته فات، وإن قبضت عليه مات. العصفور في النزع، والصبيان في اللعب. عصفورٌ في يدك خيرٌ من كركيٍ في الهواء. صاحت عصافير بطنه، للجائع. العامة: خليت عن الجاورس، لئلا احتاج إلى خصومة العصافير.
(1/372)

إني لأحيا على عسري وتيسيري ... يوماً بيومٍ كما تحيا العصافير

سائر الطيور
أضيع من طاووسٍ على ناووس. ابن عباد:
وإنّ أباك إذ تعزى إليه ... لكالطاووس تقبح منه رجله
أعز من بيض الأنوق. حدأ حدأ وراءك بندقة، في التحذير. يصيد ما بين الكركي إلى العندليب، لمن يقول بالصغار والكبار. لاقى الأخيل، في الدعاء على المسافر.
(1/373)

أسجد من هدهدٍ، للمتهم بسوءٍ.
وأنتن من هدهدٍ ميّتٍ ... أصيب فكفّن في جورب
ابن الرومي:
خفافيش أعشاها النّهار بضوئه ... فلاءمها قطعٌ من اللّيل غيهب
آخر:
تظلّ الطير تصفر آمناتٍ ... وللتّغريد ما حبس الهزار

الجراد
ثلاثةٌ شأنهم الفساد ... النّار والبربر والجراد
كلما كثر الجراد طاب لقطه. لا تكن كالجراد، يأكل ما وجده، ويأكله ما وجده. كالجراد لا يبقي ولا يذر.
مرّ الجراد على زرعي فقلت له: ... الزم طريقك لا تولع بإفساد
فقال منهم خطيب فوق سنبلةٍ ... إنّا على شفرٍ لا بدّ من زاد
إنّا جنودٌ لربّ العرش مرسلةٌ ... منّا حصيدٌ ومنّا غير حصّاد
آخر في رجلٍ يلقب بالجرادة:
أيرجى بالجراد صلاح أمرٍ ... وقد جبل الجراد على الفساد
(1/374)

النحل
ولا بدّ دون الشهد من إبر النّحل
الحر نحل الشكر، إن أجناه المرء من بره شكراً أجناه من شكره شهداً.
كالنّحل في أفواهها عسلٌ ... يحلو وفي أذنابها السّمّ

الذباب
أجرأ من الذباب؛ لأنه يقع على أنف الملك وفم الأسد. أطيش من ذبابٍ. ما الذباب وما مرقته؟ للأمر يحتقر.
نجا بك لؤمك منجى الذباب ... حمته مقاذره أن ينالا
آخر:
وكنت كذبّانٍ على الشّهد علّقت ... قوائمها فيه لحينٍ ملازم
إنّ الذّباب على الماذيّ وقّاع
للدنيء يتولع بالشريف.
(1/375)

البعوض
قالت البعوضة للنخلة: استمسكي فإني عنك ناهضةٌ، فقالت: ما أحسست وقوعك، فكيف نهوضك!

النمل والذرّ
أكسب من نملةٍ. ما عسى أن يبلغ عض النملة وقرص القملة.
وإذا استوت للنّمل أجنحةٌ ... حتى يطير فقد دنا عطبه
أبو نصر العتبي:
الله يعلم أني لست ذا بخلٍ ... ولست ملتمساً في البخل لي عللا
لكنّ طاقة مثلي غير خافية ... والنمل يعذر في القدر الذي حملا
ابن الرومي:
رمت نداكم يا بني طاهرٍ ... فرمت مخّ الذّرّ في عسرته
الضّب
تعلمني بضبٍ أنا حرشته، لمن يعلم علماً لمن هو أعلم منه به. فلان أخبّ من ضبٍّ. خله درج

الضب، لمن يستغنى عنه.
(1/376)

كل ضبٍ عنده مرداته، لمن يعين على نفسه. إن تك ضباً فأنا حسله، في لقاء الرجل مثله.
وأنت لو ذقت الكشى بالأكباد ... لما تركت الضبّ يعدو بالواد

الحية والعقرب
لا يلسع المؤمن من جحرٍ مرتين. أظلم من حيةٍ. أدخل من حيةٍ. أعدى من حيةٍ، وبالراء أيضاً روايةٌ. لا تلد الحية إلا الحية. كالأرقم، إن يترك يلقم، وإن يقتل ينقم. من لسعه الأرقش يخشى الرشاء الأبرش. من نهشته الحية حذر الرسن. الحاوي لا ينجو من الحيات. المتلمس:
فاطرق إطراق الشّجاع ولو رأى ... مساغاً لنابيه الشّجاع لصمّما
(1/377)

أبو تمام:
والفتى من تعرّفته الليالي ... والفيافي كالحيّة النضناض
آخر:
متى تحمد صديق السّوء فاعلم ... بأنك بعد محمدةٍ تذمه
كطفلٍ راقه ترقيش صلٍّ ... فلما مسّه أرداه سمّه
لآخر:
وبالضّئيلة لينٌ في مجسّتها ... وسمّها ناقعٌ يردي إذا لسعت
أبو بكر الخوارزمي: لا تغرنّك هذه الأوجه الغرّ، فيا ربّ حيةٍ في رياض. أبو نصر سهل بن المرزبان:
قال لمّا قلت: لم تهجرنا ... إن أتى بردٌ وإن ثلجٌ وقع
أنا كالحيّة أشتو كامناً ... ثم أنساب إذا الصّيف رجع
أبو نصر العتبي:
تعلم من الأفعى أمالي طبعها ... وآنس إذا أوحشت تعف عن الذّم
لئن كان سمٌّ تحت نابها ... ففي لحمها ترياق غائلة السّمّ
دبت عقاربه.
(1/378)

إن عادت العقرب عدنا لها. الأقارب عقارب. أخبث من عقربٍ. قيل للعقرب: لم لا تتشمسين في الشتاء؟ قالت: من حسن أثري عندهم في الصيف أبرز إليهم في الشتاء.

سائر الحشرات
الخنفساء في عين أمها حسنةٌ. قالت الخنفساء لأمها: ما أمر بأحدٍ إلا بزق علي، قالت: يا بنية، لحسنك تعوذين.
وكلّ قرينٍ إلى شكله ... كأنس الخنافس بالعقرب
الأحنف العكبري:
العنكبوت بنت بيتاً على وهنٍ ... تأوي إليه ومالي مثله وطن
والخنفساة لها من جنسها سكنٌ ... وليس لي مثلها إلفٌ ولا سكن
خالد بن صفوان: لثلاثون من العيال في مالٍ أسرع من السوس في الصوف في الصيف.
(1/379)

بلغت الأحنف وقيعة بعض السقاط فيه فقال: عثيثةٌ تقرض جلداً أملساً. العرب: أصنع من سرفةٍ. العامة: أذل من قرادٍ في لحية قواد. الصابي: أمضى من وقوع الذباب في الشراب، وتهافت الفراش في الشهاب. العامة: لا يصبر على الخل إلا دوده.
(1/380)

الفصل الرابع في سائر الفنون والأغراض
الفصل الأول منه أحوال الإنسان وأطواره
من هذا الفصل فيما ذكرمن أحوال الإنسان وأطواره أو يجري مجرى المثل من ذكر أحوال الإنسان وأطواره المختلفة وما يأخذ مأخذها

وصف الشباب
غصن شبابه رطيب، وبرد حداثته قشيب. هو بعذرة الشباب وغرته؛ كأنما قد سيره الآن.
والشّباب شرّةٌ وعيهق
أطاب الشباب وعزته، وأجاد الصبا وشرته. جر أزر الصبا، وأدال ذيول الهوى. ركض في ميدان التصابي، وجنى ثمرات الملاهي. الشباب باكورة الحياة.
إنّ الشّباب حجّة التصابي ... روائح الجنّة في الشّباب
(1/381)

أطيب العيش أوائله؛ كما أن أطيب الثمار بواكرها. النمري:
ما كنت أوفي شبابي كنه غرّته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
آخر:
لا تكذبنّ فما الدّنيا بأجمعها ... من الشباب بيومٍ واحدٍ بدل
ابن الرومي:
وعزّاك عن ليل الشباب معاشرٌ ... فقالوا: نهار الشيب أهدى وأرشد
فقلت:
نهار المرء أهدى لسعيه ... ولكنّ ظلّ الليل أندى وأبرد

ذمّ الشباب
الشباب مظنة الجهل، ومطية الذنوب. سكر الشباب أشد من سكر الشراب.
إن الشباب جنونٌ برؤه الكبر
ابن المعتز: جهل الشباب معذورٌ، وعلمه محقورٌ. غيره: شبابه أعمى عن الرشد وأصم عن العذل.
لم أقل للشباب: في كنف الله ... وفي حفظه غداة استقلاّ
(1/382)

زائرٌ لم يزل مقيماً إلى أن ... سوّد الصّحف بالذّنوب وولّى

وصف الشيب
الشيب نورٌ غصن شبابه رطيبٌ. بدت في رأسه طلائع المشيب. أخذ الشيب بعنان شبابه. أغزاه الشيب جيوشه. أقمر ليل شبابه. لاحت الشعرات البيض، وجعلت تفرخ وتبيض. ألجمه الشيب بلجامه، وقاده بزمامه. علاه غبار وقائع الدهر. بينا هو راقدٌ في ليل شبابه، إذ أيقظه صبح المشيب. طوى مراحل الشباب، وأنفق من عمره بغير حساب. جاوز للشباب مراحل، وورد من المشيب مناهل. فك الدهر شبا شبابه، ومحا محاسن روائه.

مدح المشيب
الشيب حلية العقل وسمة الوقار.
(1/383)

الشيب زبدةٌ مخضتها الأيام، وفضةٌ سبكتها الأعوام.
إنّ المشيب رداء العلم والأدب
يا عائب الشّيب لا بلّغته
سرى في طريق الرشد بمصباح الشيب. عصى شياطين الشباب، وأطاع ملائكة المشيب.
الشيب خير نذيرٍ ... لو كان يغني النّذير
وما خير ليلٍ ليس فيه نجوم
للشيخ الرأي، وللشاب الكيس. الشيخ يقول عن عيانٍ، والشاب عن سماعٍ. ابن المعتز: عظم الكبير، فإنه عرف الله قبلك، وارحم الصغير، فإنه أغر بالدنيا منك.
قد يشيب الفتى وليس عجيباً ... أن ترى النّور في القضيب الرّطيب
دعبل:
أحبّ الشّيب لما قيل: ضيفٌ ... لحبي للضيوف النّازلينا
وله:
إني أنا السّيف لا ترضيك حدّته ... وليس يرضيك إلا بعد إخلاق
أبو تمام:
ولا يروعك إيماض القتير به ... فإن ذاك ابتسام الرّأي والأدب
(1/384)

أبو الفتح البستي:
يا شيبتي دومي ولا تترحّلي ... وتيقّني أنّي بوصلك مولع
قد كنت أجزع من حلولك مرّةً ... والآن من خوف ارتحالك أجزع

ذمّ الشيب
عبيد بن الأبرص:
والشّيب شينٌ لمن يشيب
قيس بن عاصم: الشيب خطام المنية. أكثم بن صيفي: الشيب عنوان الموت. الحجاج: الشيب بريد الآخرة. مالك بن أنس: الشيب توأم الموت.
(1/385)

العتبي: الشيب مجمع الأمراض. العتابي: الشيب نذير المنية. يونس النحوي: الشيب وكل عيب. محمود الوراق: الشيب إحدى المنيتين. ابن المعتز: الشيب أول مواعيد الفنا. غيره: الشيب ناعي الشباب، ورسول البلى. الشيب قناع الموت. الشيب عنوان الفساد. الشيب قذى عين الشباب. الشيب غمام قطره الغموم. الموت ساحل الحياة، والشيب سفينة تقرب من الساحل. الشيب شر العمائم.
(1/386)

من عرف الشيب أنكر نفسه. نظر سليمان بن وهب في المرآة فرأى بلحيته شيباً كثيراً. فقال: عيبٌ لا عدمناه. مسلم بن الوليد:
الشّيب كرهٌ وكرهٌ أن يفارقني ... أعجب بشيءٍ على البغضاء مودود
غيره:
والشّيب أعظم حرماً عند غانيةٍ ... من ابن ملجم عند الفاطميينا
أبو تمام الطائي:
غدا الشيب مختطّاً بفوديّ خطةً ... طريق الردى منها إلى النّفس مهيع
هو الزّور يجفى والمعاشر يجتوى ... وذو الإلف يقلى والجديد يرقع
له منظر في العين أبيضٌ ناصعٌ ... ولكنه في القلب أسود أسفع
ونحن نرجيه على الكره والرّضا ... وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع
غيره:
تضاحكت لما رأت ... شيبي تلألأ غرره
قلت لها: لا تعجبي ... أنبيك عندي خبره
هذا غمامٌ للرّدى ... ودمع عيني مطره
(1/387)

منصور الفقيه:
من شاب قد مات وهو حيٌّ ... يمشي على الأرض مشي هالك
لو كان عمر الفتى حساباً ... لكان في شيبه فذلك
الصابي:
والعمر مثل الكأس ير ... سب في أواخرها القذى

مدح الخضاب
الخضاب أحد الشبابين. الخضاب تذكرة الشباب.
الشيب موتٌ ولكن في إماتته ... محيا ليالٍ قليلاتٍ وأيّام
المتنبي:
وما خضب الناس البياض لأنه ... قبيحٌ ولكن أحسن الشّعر فاحمه
ابن المعتز:
وقالوا: النّصول مشيبٌ جديدٌ ... فقلت: الخضاب شبابٌ جديدٌ
إساءة هذا بإحسان هذا ... فإن عاد هذا فهذا يعود
(1/388)

وللشباب تراعى حرمة الكتم
وللضّيف أن يقرى ويعرف حقّه
والشيب ضيفك فاقره بخضاب
عبدان الأصفهاني:
في مشيبي شماتةٌ لعداتي ... وهو ناعٍ منغّصٌ لحياتي
ويعيب الخضاب قومٌ وفيه ... لي أنسٌ إلى حضور وفاتي
لا ومن يعلم السّرائر مني ... ما به رمت خلّة الغانيات
إنما رمت أن يغيّب عني ... ما ترينيه كلّ يومٍ مرآتي
وهو ناعٍ إليّ نفسي ومن ذا ... سرّه أن يرى وجوه النّعاة

ذم الخضاب
الخضاب من شهود الزور. الخضاب حداد الشباب. إن خضبت الشيب، فكيف تخضب الكبر؟. الخضاب كفن الشيب.
تستّر بالخضاب؟ وأيّ شيءٍ ... أدلّ على المشيب من الخضاب
محمود الوراق:
يا خاضب الشيب الذي ... في كلّ ثالثةٍ يعود
(1/389)

إن النّصول إذا بدا ... فكأنه شيبٌ جديد
وله بديهةٌ روعةٌ ... مكروهها أبداً عتيد
فدع المشيب كما أرا ... د فلن يعود كما تريد
غيره:
يا خاضب الشيب بالحنّاء تستره ... سل المليك له ستراً من النّار
المتنبي:
ومن هوى كلّ من ليست مموّهةً ... تركت لون مشيبي غير مخضوب
ومن هوى الصّدق في قولي وعادته ... رغبت عن شعرٍ في الوجه مكذوب

وصف الكبر ومشارفة الفناء
تضاعفت عقود عمره. أخذت الأيام من جسمه. ثلمه الدهر ثلم الإناء. تركه كذي الغارب المنكوب حتى قوسه الكبر. عوج المشيب قناته. أريق ماء شبابه. استشنّ أديمه. نضب غدير شبابه.
(1/390)

نشر الزمان جناحه. نقض الدهر مرته. طوى ما نشر منه. قيده الكبر.
حنتني حانيات الدهر حتّى ... كأني خاتلٌ آدو لصيد
قريب الخطو يحسب من رآني ... ولست مقيداً أمشي بقيد
اختلفت إليه رسل المنية. قد خلق عمره، وانطوى عيشه، وبلغ ساحل الحياة، ووقف على ثنية الوداع، وأشرف على دار المقام. لم تبق منه إلا أنفاسٌ معدودةٌ، وحركاتٌ محصورةٌ.

وصف الغنى
هب عليه نسيم الثروة؛ ومهد له فراش النعمة. درت له أخلاف الدنيا، ومطرته سحائب الغنى. اتسعت مواد أمواله، وتفرعت شعب أحواله. امتلأ واديه من ثاغية صباحٍ، وراغية رواحٍ. ورمت أكياسه فضة وتبراً. وعنده من العين ما تقر به العين.
(1/391)

هو مستظهرٌ بخبايا الحقائب، وأسرار الأخراج، وضمائر الصناديق.

مدح المال والغنى
لو لم يكن في الغنى إلا أنه من صفات الله تعالى لكفى به فضلاً.
إن الغنى طويل الذيل ميّاس
استغن أو مت. قد شرف الوضيع بالمال.
إن الحبيب إلى الإخوان ذو المال
المال في الغربة وطنٌ، والفقر في الوطن غربةٌ. الآمال متعلقةٌ بالأموال. ابن المعتز:
إذا كنت ذا ثروةٍ من غنىً ... فأنت المسوّد في العالم
وحسبك من نسبٍ صورةٌ ... تخبّر أنك من آدم
آخر:
كلّ النداء إذا ناديت يخذلني ... إلاّ ندائي إذا ناديت: يا مالي
آخر:
وباه تميماً بالغنى إنّ للغنى ... لساناً به المرء الهيوبة ينطق
المال يكسب أهله المحبة.
(1/392)

لا مجد إلا بمالٍ. الرجال بالأموال. المال خير مآل. مال المرء موئله، وقوته قوّته. خير مالك ما نفعك.

ذم المال والغنى
قال تعالى: " إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ". الغنى يورث البطر. ربّ نعلٍ شرٌ من الحفا. غنى النفس أفضل من غنى المال.
غني النّفس لمن يعق ... ل خيرٌ من غنى المال
وفضل الناس في الأنف ... س ليس الفضل في الحال
الغنى غنى القلب لا غنى المال. المال ملولٌ. المال ميالٌ. طبع المال طبع الصبي، لا يوقف على حين رضاه وسخطه. المال لا ينفعك ما لم يفارقك.
(1/393)

قد يكون مال المرء سبب حتفه، كما أن الطاووس قد يذبح لحسن ريشه. يحيى بن معاذ: الدرهم عقربٌ، فإن أحسنت رقيتها، وإلا فلا تأخذها.

مدح الفقر
الفقر شعار الصالحين. الفقير مخفٌ، والغني مثقلٌ. الفقير أقل عدواً من الغني. إن من العصمة ألا تجد. الثوري: الصبر على الفقر يعدل الجهاد في سبيل الله. أبو العتاهية:
ألم تر أن الفقر يرجى له الغنى ... وأن الغنى يخشى عليه من الفقر
آخر:
من شرف الفقر ومن فضله ... على الغنى لو صحّ منك النظر
أنك تعصي الله تبغي الغنى ... ولست تعصي الله كي تفتقر
(1/394)

ذم الفقر
الفقر مجمع العيوب. الفقر كنز البلاء. القلة ذلة. الفاقة الموت الأحمر. كاد الفقر أن يكون كفراً. لا فاقة كالفقر. الغنى مجلٌ مبجلٌ، والفقر مذلٌ متبذلٌ. لا أدري أيهما أمرّ؛ موت الغني أم حياة الفقير؟!.
إذا قلّ مال المرء قلّ حياؤه ... وضاقت عليه أرضه وسماؤه
ولم أر بعد الدّين خيراً من الغنى ... ولم أر بعد الكفر شراً من الفقر

وصف الفقير
يرتضع من الدهر ثدي عقيم، ويركب من الفقر ظهر بهيمٍ. لو بلغ الرزق فاه لولاه قفاه. جاء بوجهٍ قد غبر فيه الفقر، وانتزف ماءه الدهر.
(1/395)

لا يملك غير الجلدة بردةً، ولا يلتقي لحياه رعدةً. قد أحلت له الضرورة ما حرم الله عليه. حيٌ كميتٌ، وفي بيتٍ بلا بيت. ليس معه عقدٌ على نقدٍ. غداؤه الخوى وعشاؤه الطوى. فلانٌ سراويله في زيقه، أي أن الحاجة والجهد أحوجاه إلى أن رقع قميصه بسراويله.

السعادة
أسعد الناس من كان له القضاء مساعداً، وكان لتلك المساعدة أهلاً. حسن الصورة أول السعادة. من سعادة المرء أن يطول عمره، ويرى في عدوه ما يسره. أسعد الناس من جعل الله النعمة وطاءه، والعافية غطاءه، والعقل عطاءه. الفلاسفة: السعادة أربعٌ: سلامة الخلقة، وجودة العقل، وتأتي المطلوبات، والمحبة في الناس.
(1/396)

الشقاوة
الشقي من لا يثق بأحدٍ، لسوء ظنه. الشقي من كان مشغولاً بلا دينٍ ولا دنيا. أشقى الشقاء الفقر والإثم. أشقى الناس من ذهبت مادته وبقيت عادته.

وفي كتاب المبهج
أشقى الأشقياء المكدود المكدي. الشقي من كان بين سخط الخالق وشماتة المخلوق.

الأمن
أدوم الناس سروراً الآمن. أحسن الناس عيشاً آمنهم. من أحب أن يعيش آمناً فليكف عن الذنوب. ربّ أمنٍ يشبه

الخوف
(1/397)

الأمن نصف العيش.
إذا القوت تأتّى لك والصّحة والأمن
فأصبحت أخا خوفٍ ... فلا فارقك الحزن
الخوف
لا عيش لخائفٍ. ادن من الخوف تأمن. لا تسيء ولا تخف. المرض حبس البدن، والخوف حبس الروح. أنس الأمن يذهب وحشة الوحدة، ووحشة الخوف تذهب أنس الجماعة.

الشغل والفراغ
إن يكن الشغل مجهدةٌ يكن الفراغ مفسدةً. تناط الآمال بمن اتصلت عليه الأشغال.
افرغ لحاجتنا ما دمت مشغولاً ... لو قد فرغت لما أصبحت مأمولاً
من الفراغ تكون الصبوة.

ما العشق إلاّ شغل قلبٍ فارغ
(1/398)

ما أطيب الفراغ على النجح. ما أطيب العيش على الجدة.
لقد هاج الفراغ عليك شغلاً ... وأسباب البلاء من الفراغ

مدح السفر والغربة
في الخبر: سافروا تصحوا وتغنموا. في التوراة: يا ابن آدم، أحدث سفراً أحدث لك رزقاً. العامة والخاصة: البركات في الحركات. السفر أحد أسباب المعاش التي بها قوامه ونظامه. إن الله تعالى لم يجمع كل منافع الدنيا في أرضٍ، بل فرقها وأحوج بعضها إلى بعضٍ. المسافر يسمع العجائب، ويكسب التجارب، ويجلب المكاسب. السفر يشد الأبدان، وينشط الكسلان، ويسلي الثكلان، ويطرد الأسقام، ويشهي الطعام. من فضل السفر أن صاحبه يرى من عجائب الأمصار، وبدائع الأقطار، ومحاسن الآثار، ما يزيده علماً بقدرة الله تعالى وحكمته، ويدعوه إلى شكر نعمته.
(1/399)

حرك القدر يتحرك.
وإذا نبا بك منزلٌ فتحوّل
ليس بينك وبين بلدٍ نسبٌ، فخير البلاد ما حملك. أوحش أهلك إذا كان في إيحاشهم أنسك، واهجر وطنك إذا نبت عنه نفسك. سهل بن هارون: لست ممن يقطع نفسه في صلة وطنه. غيره: ربما أسفر السفر عن الظفر، وتعذر في الوطن قضاء الوطر.
ليس ارتحالك ترتاد الغنى سفراً ... بل المقام على خسفٍ هو السّفر
البحتري:
وإذا الزمان كساك حلّة معدمٍ ... فالبس له حلل النّوى وتغرّب
عروة بن الورد:
ومن يك مثلي ذا عيالٍ ومقتراً ... من المال يطرح نفسه كلّ مطرح
ليبلغ عذراً أو يصيب رغيبةً ... ومبلغ نفسٍ عذرها مثل منجح
آخر:
تقول سليمى: لو أقمت بأرضنا ... ولم تدر أنّي للمقام أطوّف
ابن عباد: الخبر المنقول شهيدٌ أن المقبوض غريباً شهيدٌ.
(1/400)

ذم السفر والغربة
في الخبر: إن المسافر ومتاعه لعلى قلتٍ، إلا ما وقى الله تعالى. السفر قطعةٌ من العذاب. وقد قيل: إن العذاب قطعةٌ من السفر.
كلّ العذاب قطعةٌ من السّفر ... يا ربّ فارددني إلى ريف الحضر
إذا ما حمام المرء كان ببلدةٍ ... دعته إليها حاجةٌ أو تطرّب
شيئان لا يعرفهما إلا من ابتلي بهما: السفر الشاسع، والبناء الواسع. السفر والسقم والقتال ثلاثٌ متقاربةٌ، فالسفر سفينة الأذى، والسقم حريق الجسد، والقتال منبت المنايا. إذا كنت في غير بلدك فلا تنس نصيبك من الذل. الغربة كربةٌ، والقلة ذلة، والنقلة مثلة. الغريب كالفرس الذي زايل أرضه وفقد شربه، فهو ذاوٍ لا يثمر، وذابلٍ لا ينضر. الغريب كالوحشي النائي عن وطنه، فهو لكل سبعٍ فريسةٌ، ولكل رامٍ رميةٌ.
لقرب الدار في الإقتار خيرٌ ... من العيش الموسّع في اغتراب
(1/401)

الصحة والمرض
الصحة تشبه الشباب، والسقم يشبه الهرم. لا صديق أرفق من الصحة، ولا عدو أعدى من المرض. شيئان لا يعرفان إلا بعد ذهابهما: الصحة والشباب. بمرارة السقم توجد حلاوة الصحة. ما سلامة بدنٍ معرضٍ للآفات، وبقاء عمرٍ ينقص على الساعات. لا غنىً كصحة الجسم. بزرجمهر الحكيم: إن كان شيءٌ فوق

الحياة فالصحة، وإن كان شيءٌ مثلها فالغنى، وإن كان شيءٌ فوق

الموت فالمرض، وإن كان شيءٌ مثله فالفقر.
لا تشكون دهراً صححت به ... إن الغنى في صحة الجسم
هبك الإمام أكنت منتفعاً ... بلذاذة الدنيا مع السّقم
المتنبي:
آلة العيش صحةٌ وشبابٌ ... فإذا وليّا عن المرء ولّى
أبو النجم:
إن الفتى يصبح للأسقام ... كالغرض المنصوب للسّهام
(1/402)

أخطأ رامٍ وأصاب رام
والسّقم ينسيك ذكر المال والولد
أبو الفضل الميكالي:
عمر الفتى ذكره لا طول مدّته ... وموته خزيه لا يومه الدّاني
فاحي نفسك بالإحسان تزرعه ... تجمع به لك في الدنيا حياتان
الحياة
حياة المرء ثوبٌ مستعار
أنفاس المرء خطاه إلى أجله. لا شيء أنفس عند الحيوان من الحياة؛ لأنه يختارها على الموت في كل حالٍ. خيرٌ من الحياة ما لا تطيب الحياة إلا به، وشرٌ من الموت ما يتمنى له الموت. علي بن عبيدة: يا ابن آدم؛ إنك تقرض ساعاتك بطرفك، وتفني حياتك بحركات نبضك. الأخطل:
والناس همّهم الحياة ولا أرى ... طول الحياة يزيد غير خبال
وإذا افتقرت إلى الذّخائر لم تجد ... ذخراً يكون كصالح الأعمال
(1/403)

الموت
الموت باب الآخرة. الحسن البصري: ما رأيت يقيناً لا شك فيه أشبه بشكٍ لا يقين فيه من الموت. غيره: الناس في الدنيا أغراضٌ تتنصل فيها سهام المنايا، كأن من غاب لم يشهد، ومن مات لم يولد. العرب: ستساق إلى ما أنت لاقٍ. ابن المعتز: الموت كسهمٍ مرسلٍ إليك، وعمرك بقدر سفره نحوك. الناس وفد البلى، وسكان الثرى، ورهن المنايا. غيره: مرارة الموت في خوفه. المنايا رصدٌ للفتى حيث سلك. الموت يأتي كل محتجبٍ ولا يستأذن. المتنبي:
إذا تأملت الزمان وصرفه ... تيقّنت أن الموت ضربٌ من القتل
(1/404)

وما الموت إلا سارقٌ دقّ شخصه ... يصول بلا كفٍ ويسعى بلا رجل
وله:
نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف مالا بدّ من شربه؟
تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمانٍ هي من كسبه
فهذه الأرواح من جوّه ... وهذه الأبدان من تربه
يموت راعي الضأن في جهله ... موتة جالينوس في طبه
وله:
وقد فارق الناس الأحبّة قبلنا ... وأعيا دواء الموت كلّ طبيب

مدح الموت
الموت راحةٌ.
ربّ عيشٍ أخفّ منه الحمام
المنية ولا الدنية. ربّ موتٍ خيرٌ من الحياة. لا يستكمل الإنسان حد الإنسانية إلا بالموت؛ لأن الإنسان حيٌ ناطقٌ ميتٌ. الصالح إذا مات استراح والطالح إذا مات استريح منه.
(1/405)

وما الموت إلا رحلةٌ غير أنها ... من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي
جزى الله عنا الموت خيراً فإنه ... أبرّ بنا من كلّ برٍّ وأرأف
يعجّل تخليص النفوس من الأذى ... ويدني من الدّار التي هي أشرف
منصور الفقيه:
قد قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوا ... في الموت ألف فضيلةٍ لا تعرف
منها أمان لقائه بلقائه ... وفراق كلّ معاشرٍ لا ينصف
مثله لأبي أحمد الكاتب: "
من كان يرجو أن يعيش فإنني ... أصبحت أرجو أن أموت فأعتقا
في الموت ألف فضيلةٍ لو أنها ... عرفت لكان سبيله أن يعشقا
ابن المعتز:
رأيت حياة المرء ترخص قدره ... وإن مات أغلته المنايا الطوائح
كما يخلق الثوب الجديد ابتذاله ... كذا تخلق المرء العيون اللوامح
ابن لنكك:
نحن والله في زمانٍ غشومٍ ... لو رأيناه في المنام فزعنا
أصبح الناس فيه من سوء حالٍ ... حقّ من مات منهم أن يهنّا
آخر:
تبكي أناسٌ على الحياة وقد ... أفني دموعي شوقاً إلى الأجل
(1/406)

أموت من قبل أن يعمرنيالدّ ... هر فإني منه على وجل

الفصل الثاني من الفصل الرابع
المحاسن ومكارم الأخلاق
العقل والعاقل
العقل عقال النفس. عقول كل قومٍ على قدر زمانهم. العقل أشرف الأحساب. العقل جنةٌ واقيةٌ. العقل الإصابة بالظن، ومعرفة ما لم يكن بما كان. ابن المقفع: أشد الفاقة عدم العقل. لو صور العقل لأضاء معه الليل، ولو صور الجهل لأظلمت معه الشمس. كل عملٍ يأذن فيه العقل فهو صوابٌ، وما لم يأذن خطأ محض. أعرابي: كل شيءٍ إذا كثر رخص إلا العقل؛ فإنه إذا كثر غلا.
(1/407)

ابن المعتز: العقل غريزةٌ تربيها التجارب. إذا تم العقل نقص الكلام. حسن الصورة الجمال الظاهر، وحسن العقل الجمال الباطن. ليس الإنسان الصورة، إنما الإنسان العقل. ما أبين وجوه الخير والشر في مرآة العقل إن لم يصدئها الهوى. من غلبه الهوى فليس لعقله سلطانٌ. ينبغي للعاقل ان يكسب ببعض ما له المحمدة، ويصون نفسه ببعضه عن المسألة. من لم يتأمل الأمر بعين عقله لم يقع سيف حيلته إلا على مقاتله. العاقل من عقل لسانه، والجاهل من جهل قدره. العقل صفاء النفس، والجهل كدرها. العاقل لا يستقبل النعمة ببطرٍ، ولا يودعها بجزعٍ. العاقل لا يدعه ما ستر الله من عيوبه أن يفرح بما أظهره من محاسنه. لا ينبغي للعاقل أن يطلب طاعة غيره، وطاعة نفسه عليه ممتنعةٌ. أيدي العقول تمسك أعنة النفوس عن الهوى. أقصر عن شهوةٍ خالفت عقلك. أعقل الناس أعذرهم للناس. جهل العاقل أعقل من عقل الجاهل.
(1/408)

وفي كتاب المبهج
العقل أحصن معقلٍ. أحر بمن كان عاقلاً أن يكون عما لا يعنيه غافلاً.

الجود
إن الله جوادٌ يحب كل جوادٍ. الجود غاية الزهد، والزهد غاية الجود. الجود أن تكون بما لك متبرعاً، وعن مال غيرك متورعاً. ابن المعتز: الجود حارس العرض من الذم. إن الله يمتحن بالإنعام عليك الإنعام منك، فأفد من فائدته، واستفد بفضلك من فضله. أكثر الواجدين من لا يجود، وأكثر الأجاود من لا يجد. الأسخياء يقيدون من المال، والبخلاء يقيدهم المال. أفضل الجود أن تبذل من غير مسألةٍ، ثم تقدم العطية قبل الموعد.
(1/409)

التواضع
من تواضع لله رفعه الله. تواضعك في شرفك أحسن من شرفك. التواضع من مصائد الشرف. كل ذي نعمةٍ محسودٌ عليها، إلا التواضع. من لم يتضع عند نفسه لم يرتفع عند غيره.

الكبر
في الخبر: من لبس الصوف وانتعل المخصوف، وركب حماره، وحلب شاته، وأكل مع عياله، وجالس المساكين فقد نحي عنه الكبر. يحيى بن خالد: الشريف إذا تقوى تواضع، والوضيع إذا تقوى تكبر. غيره: التواضع أوله توددٌ، وآخره سؤددٌ. يحيى بن معاذ: التكبر على المتكبر تواضعٌ.
(1/410)

القناعة
الحر عبدٌ إذا طمع، والعبد حرٌ إذا قنع. أنت العزيز ما التحفت بالقناعة. من لم يقنع باليسير لم يكتف بالكثير. ذو النون: من كانت قناعته سمنته طابت له كل مرقةٍ. غيره: القانع بما قسم الله تعالى له في حدائق النعم. أخفض العيش رضا المرء بحظه. أعرف الناس بالله أرضاهم بما قسم الله له. من تماسكت حاله عند أهل طبقته وجبت القناعة على عقله. من تجاوز الكفاف لم يغنه إكثار. من رضي بحاله استراح وأراح.

العفو
عفو الملك أبقى للملك. ما عفا عن الذنب من قرع به.
(1/411)

أفضل العفو عند المقدرة. لا تشن وجه العفو بالتأنيب. اعف عمن أبطأ بالذنب وأسرع بالندم. أولى السائلين بالإسعاف من طلب العفو. العفو يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم.

الصدق
من صدقت لهجته ظهرت حجته. من قلّ صدقه قلّ صديقه. الصدوق بين المهابة والمحبة. من عرف بالصدق جاز كذبه، ومن عرف بالكذب لم يجز صدقه. الصدق ينجي، والكذب يشجي. الصدق ميزان الله الذي يدور عليه العدل، والكذب مكيال الشيطان الذي يدور عليه الجور. من عدم فضيلة الصدق من منطقه فقد لحع بأكرم أخلاقه. الصدق دليل التقوى، وجمال النجوى، وكمال الدين والدنيا. ابن المعتز: تمام الصدق الإخبار بما تحتمله العقول.
(1/412)

غيره: أصدق الخبر ما حققه الأثر، وأفضل القول ما كان عليه دليلٌ من الفعل.

الحلم
الحلم حجاب الآفات. حلم ساعةٍ يرد سبعين آفةٍ. الحلم أجلّ من العقل، لأن الله تعالى وصف نفسه به. من ملك غضبه احترز من عدوه. حسب الحليم أن الناس من أنصاره.
فلا يغررك طول الحلم منّي ... فما أبداً تصادفني حليما

الحياء
الحياء شعبةٌ من الإيمان. الحياء خيرٌ كله. الحياء سببٌ إلى كل جميل. أحيوا الحياء بمجاورة من يستحيى منه. إن الله يحب الحيي المتعفف، ويبغض الوقاح الملحف. من كساه الحياء ثوبه ستر عن العيون عيبه.
(1/413)

أحيى الناس من كان الذم أشد عليه من الفقر. خلاؤك أقنى لحيائك.

البشر
البشر علم من أعلام النجح. البشر دالٌ على الكرم، كما يدل النور على الثمر. البشر يعقد القلوب على المحبة. الطلاقة بعد الضيافة. البشر أصل كل برٍ. بشر الكريم في وجهه يلوح، ونشر الجود من ثوبه يفوح.

الصبر
صبراً على مجامر الكرام صبراً. الصبر حيلة من لا حيلة له. الصبر عند الصدمة الأولى. الصبر على البلية أهون من ركوب الهلكة. الصبر كاسمه. إن كان الصبر مراً فعاقبته حلوةٌ.
(1/414)

إن غلا اللحم فالصبر رخيصٌ. الصبر تجرع الغصص، وانتهاز الفرص. من تبع الصبر تبعه النصر. الصبر صبران؛ صبرٌ على ما تكره، وصبرٌ عما تحب، والرجل من جمعهما. اللئام أصبر أجساداً، والكرام أصبر أنفساً. ابن المعتز: الصبر على المصيبة مصيبةٌ على الشامت بها. دفع المصيبة بالصبر. الجزع أحد المصيبتين. اصبر مختاراً مأجوراً، وإلا صبرت مضطراً مأزوراً. أصبر الناس على الأذى المحتاج، والحريص إذا طمعا. ما أحسن الصبر في مواطنه.
وعاقبة الصّبر الجميل جميلةٌ
والصبر في كلّ موطنٍ حسنٌ ... حسبك من حسنه عواقبه
عواقب الصبر ما لها منن
وأفضل أخلاق الرّجال التصبّر
(1/415)

الشكر
النعمة وحشيةٌ، إن شكرت قرت، وإن كفرت فرت. الشكر قيد النعمة، ومفتاح الزيادة، وثمن الجنة. من كنت طليق بره فلتكن أسير شكره. النعمة كالروضة، والشكر كالزهرة. شكر المولى هو الأولى. الشكر صوان النعمة، ومادة الزيادة. الشكر ترجمان النية، ولسان الطوية. الشكر هو السبب إلى الزيادة، والطريق إلى السعادة. اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك. من شكر قليلاً استحق جزيلاً. النعمة عروسٌ، مهرها الشكر. ابن المعتز: إذا نزلت بك النعمة ضيفاً، فاجعل قراها الشكر. كل من أولي نعمةً فهو عبدها حتى يعتقه شكرها، ومن شكرها فقد استوجب مزيدها. ابن عباد: الشكر أزكى مقالٍ، ولشوارد النعمة أوثق عقالٍ.
(1/416)

أبو إسحق الصابي: موقع الشكر من النعمة، موقع القرى من الضيف، إن وجده لم يرم، وإن فقده لم يقم. وفي كتاب المبهج: الشكر تميمةٌ لتمام النعمة. خالد بن صفوان: إن قصرت يداك عن المكافأة، فليطل لسانك بالشكر.

المشورة
المشورة لقاح العقول، ورائد الصواب. استشارة المرء رأي أخيه من عزم الأمور وحزم التدبير. بشار بن برد: المشاور بين إحدى الحسنتين؛ صوابٌ يفوز بثمرته، أو خطأٌ يشارك في مكروهه. غيره: إذا شاورت العاقل صار نصف عقله لك. المشاورة قبل المساورة. المشورة عين الهداية.
(1/417)

خاطر من استغنى برأيه. نصف رأيك مع أخيك فشاوره. ابن المعتز: المستشير على طرف النجاح. المشورة راحةٌ لك، وتعبٌ لغيرك. من أكثر المشورة لم يعدم عند الصواب مادحاً، وعند الخطأ عاذراً. مشورة المشفق الحازم ظفرٌ، ومشورة المشفق غير الحازم خطرٌ.

إنجاز الوعد
أنجز حرٌ ما وعد. الوعد نافلةٌ، والإنجاز فريضةٌ. وعد الكريم نقدٌ، وتعجيل اللئيم وعدٌ. ابن المعتز: المسئول حرٌ حتى يعد، ومسترقٌ بالوعد حتى ينجز. الوعد سحابٌ، والإنجاز مطره. الوعد مرض المعروف، والإنجاز برؤه، والمطل تلفه. بعض العرب: لأن أموت عطشاً أحب إلي من أن أخلف وعداً.
(1/418)

وفي كتاب المبهج: خلف الوعد خلق الوغد.

المداراة
إذا عز أخوك فهن. لاين إذا عزك من تخاشنه. بالمداراة تساس الأمور. بما تحت التنور يطلى التنور. من حسنت مداراته كان في ذمة الحمد والسلامة. ينبغي للعاقل أن يداري زمانه مداراة السابح للماء الجاري. من لم يلن للأمور عند التوائها تعرض لمكروه بلائها. أبو سليمان الخطابي:
ما دمت حيّاً فدار الناس كلّهم ... فإنّما أنت في دار المداراة

كتمان السر
استعينوا على الحوائج بالكتمان. سرك من دمك.
(1/419)

كن على حفظ سرك أحرص منك على حقن دمك. من وهن الأمور إعلانه قبل إحكامه. ابن المعتز: لا تنكح خاطب سرك. كلما كثر خزان الأسرار ازدادت ضياعاً. قلوب العقلاء حصون الأسرار. انفرد بسرك، ولا تودعه حازماً فيزل، ولا جاهلاً فيخون.

التأني والرفق
الأناة حصن السلامة، والعجلة مفتاح الندامة. الأناة نجاةٌ. التأني مع الخيبة خيرٌ من التهور مع النجاح. اتئد تصب أو تكد. التأني في الأمور أول الحزم، والتسرع إلى الخطأ عين الجهل. بالتأني تدرك الفرص. ما دخل الرفق في شيءٍ إلا زانه. الرفق مفتاح النجاح. إن لم تدرك الحاجة بالرفق والدوام، فبأي شيءٍ تدرك؟.
(1/420)

الخرق بالرفق يلحم. من رفق رتق، ومن خرق خرّق.

حسن الخلق
حسن الخُلق خير قرينٍ. من حسن خلقه استراح وأراح. من حسن خلقه وجب حقه. أطهر الناس أعراقاً أحسنهم أخلاقاً. أقوى الناس على إصلاح أخلاقه أقواهم رأياً. حسن الخلق يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد. إنما يستحق اسم الإنسانية من حسن خلقه، ويكاد سيء الخلق يعد من البهائم والسباع. حسن الخلق يوجب المودة.

المروءة
أرسطاطاليس: المروءة استحياء المرء من نفسه. أنوشروان:
(1/421)

المروءة ألا تعمل عملاً في السر تستحيي منه في العلانية. غيره: المروءة اسمٌ جامعٌ للمحاسن كلها. المروءة التامة مباينة العامة. ظاهر المروءة باطن الفتوة. المروءة الخلق السجيح، والكف عن القبيح. نعم العون على المروءة المال.
وما المروءة إلا كثرة المال
وإنّ المروءة لا تستطاع ... إذا لم يكن مالها فاضلا

المعروف والصنيعة
المعروف حصن النعم من صروف الزمن. المعروف رقٌ، والمكافأة عنه عتقٌ. المعروف كنزٌ لا تأكله النار. صنائع المعروف تقي مصارع الحتوف. زكاة النعم اتخاذ الصنائع. الصنائع ودائع. الأيادي قروضٌ.
(1/422)

إنما سمي المعروف معروفاً؛ لأن الكرام عرفت فضله فأتته. في كل شيءٍ سرفٌ، إلا في المعروف. نعم العدة عند الحاجة إسلاف الصنيعة. أهنأ المعروف أعجله. أهنأ المعروف مالا تتبذل فيه الوجوه. ابن المعتز: خير المعروف ما لم يتقدمه مطلٌ، ولم يتبعه منٌّ. للجواد الحازم كنزٌ في الآخرة من عمله، وكنزٌ في الدنيا من معروفه. جود المقل من القليل. الجواد من يفيض عن غيضٍ. إن جود المقلّ غير قليلٍ. لا تستحي من القليل، فإن الحرمان أقلّ منه.
الطّرف يجري وبه هزال ... والسيف يمضي وبه انفلال
والحر يعطي وبه إقلال
وقال آخر:
افعل الخير ما استطعت وإن ... كان قليلاً فلن تحيط بكلّه
ومتى تفعل الكثير من الخ ... ير إذا كنت تاركاً لأقلّه
ليس جود الجواد من فضل مالٍ ... إنما الجود للمقلّ المواسي
(1/423)

بشار بن برد:
بثّ النّوال ولا تمنعك قلّته ... فكلّ ما سدّ فهو محمود

بذل الجاه والشفاعة
بذل الجاه أحد المالين
زكاة الجاه رفد المستعين
إعارة القًدْرِ تدفع سوء القَدَرِ، وشفاعة اللسان أفضل زكاة الإنسان. الشفاعات زكوات المروات. الشفيع جناح الطالب. البحتري:
وعطاء غيرك إن بذلت عنايةً فيه عطاؤك

التجربة
التجربة العلم الأكبر. أعدل الشهود التجارب. لسان التجربة أصدق. في التجارب علمٌ مستأنفٌ. من عرف التجارب طابت له المشارب.
(1/424)

تجربة المجرب تضييع الأيام. مرآة العواقب في يدي ذي التجارب.

التقوى والعفة
التقوى هي العدة الوافية، والجنة الواقية. في ظاهر التقوى شرف الدنيا، وفي باطنها شرف الآخرة. سادة الناس في الدنيا الأسخياء، وفي الآخرة الأتقياء. من عفت أطرافه حسنت أوصافه. عفةٌ مع حرفةٍ خيرٌ من سرورٍ مع فجورٍ. الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله. ما الخير والخيرة إلا مع التقى.

الصمت
الصمتٌ حكمٌ وقليلٌ فاعله ... يسعد بالقول ويشقى قائله
من أخافه الكلام أجاره الصمت. وعاء الخطايا بالصمت يختم. الصمت ينفع الناس والطير.
(1/425)

أربع كلماتٍ صدرت عن أربعة ملوكٍ؛ كأنها رميت عن قوسٍ واحدةٍ: قال كسرى: لم أندم على ما لم أقل، وقد ندمت على ما قلت مراراً. وقال قيصر: أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت. وقال ملك الصين: إذا تكلمت بالكلمة ملكتني، وإذا لم أتكلم بها ملكتها. وقال ملك الهند: عجبت لمن يتكلم بالكلمة، إن رفعت ضرته، وإن لم ترفع لم تنفعه.

الإصابة بالرأي والظن
العاقل من يرى بأول رأيه آخر الأمر. العقل: الإصابة بالظن. ابن الزبير رضي الله عنه: لا عاش بخيرٍ من لا يرى برأيه ما لم ير بعينه. عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: من لم ينفعك ظنه لم ينفعك يقينه. غيره: خير الرأي ما تخفي مكائده وتظهر عوائده. ظن الرجل قطعةٌ من عقله.
(1/426)

ظن العاقل كهانةٌ. ظن العاقل خيرٌ من يقين الجاهل. لا تكاد الظنون المتفرقة تجتمع على أمرٍ مستورٍ إلا كشفت عنه. الألمعي منجمٌ. وفي بعض القلوب عيونٌ.

الاستدلال بالظاهر على ما وراءه
ما الدخان بأدل على النار، ولا العجاج على الريح بأدل من ظاهر الرجل على باطنه. ابن المقفع: حركات العيون تدل على ما في القلوب. خالد بن صفوان: ربّ طرفٍ أفصح من لسانٍ. ابن المعتز: العيون طلائع القلوب. اللحظ طرف الضمير. قد يستدل بظاهر عن باطن.
قد يستدلّ بظاهرٍ عن باطنٍ ... حيث الدّخان يكون موقد نار
(1/427)

إصلاح المال والاقتصاد فيه وحسن التدبير
من أصلح ماله فقد صان الأكرمين: الدين، والعرض. ما عال مقتصدٌ. أصلحوا أموالكم لنبوة الزمان، وجفوة السلطان. الإصلاح أحد الكاسبين. لا عيلة على مصلحٍ، ولا مال لأخرق، ولا جود مع تبذير، ولا بخل مع اقتصادٍ. التدبير يثمر اليسير، والتبذير يبدد الكثير. حسن التدبير مع الكفاف أكفى من الكثير مع الإسراف. القصد أسرع تبليغاً إلى الغاية وتحصيلاً للأمر. إن في إصلاح مالك جمال وجهك، وبقاء عزك، وصون عرضك، وسلامة دينك. التقدير نصف الكسب. أفضل القصد عند الجدة. عليك من المال بما يعولك ولا تعوله. من لم يحمد في التقدير، ولم يذم في التبذير، فهو سديد التدبير.
(1/428)

التوسط في الأمور
قال تعالى: " ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ". عليك بالقصد بين الطريقتين، لا منع ولا إسراف، ولا بخل ولا إتلاف. لا تكن رطباً فتعصر، ولا يابساً فتكسر، ولا تكن حلواً فتسترط، ولا مراً فتلفظ. المأمون: الثناء بأكثر من الاستحقاق ملقٌ، والتقصير عن الاستحقاق عيٌ أو حسدٌ.
عليك بأوساط الأمور فإنّها ... نجاةٌ ولا تركب ذلولاً ولا صعبا
آخر:
وخير خلائق الأقوام خلقٌ ... توّسط لا احتشام ولا اغتناما

الإضافة والأضياف
إكرام الأضياف من عادات الأشراف. الضيف دليل الجنة. في الخبر: لا تتكلفوا للضيف فتبغضوه، ومن أبغض الضيف فقد أبغضه الله تعالى.
(1/429)

شقيق البلخي: ليس شيءٌ أحب إلي من الضيف، لأن مؤونته على الله تعالى، ومحمدته لي. يحيى بن معاذ: لو كانت الدنيا لقمةً في يدي لوضعتها في فم ضيفي. إسحق الموصلي: الناس من الاحتفال في غلطٍ. المروءة تقديم ما حضر. وفي كتاب المبهج: التكلف للصديق لا يحظر تقديم ما يحضر.
وإذا دعوت فلا تذر ... وإذا طرقت فما حضر
إنّ الحديث جانبٌ من القرى
ولكنّما وجه الكريم خصيب
عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
يا بنيّ اسمعوا فإن أباكم ... عاقه عائقٌ عن الأضياف
فاكفلوهم ولو بروح أبيكم ... أو بقطع الأعضاء والأطراف
(1/430)

وقال غيره:
مطيّة الضّيف عندي تلو صاحبها ... لن تكرم الضّيف حتى تكرم الفرسا

وصف الكريم والكرم
إنّ الكريم لمعتفيه غريم
الكريم للقليل شاكرٌ، واللئيم للكثير كافرٌ. من فضل المكارم اجتناب المحارم. حصر اللئيم إذا سئل، وحصر الكريم إذا سأل. ما زالت أم الكرم نزوراً، وأم اللؤم ولوداً. الكرم حسن الفطنة، واللؤم قبح التغافل. إن المكارم في المكاره، والمغانم في المغارم. الكريم المنكوب أجدى على الأحرار من اللئيم الموفور. الكريم تنفع عنده الكلمة، واللئيم لا تنفع عنده الحرمة. الكريم يظلم من فوقه، واللئيم يظلم من دونه. ينبغي لصاحب الكريم أن يصبر عليه إذا جمعتهما قسوة الزمان؛ فليس ينتفع بالجوهرة الكريمة من لم ينتظر نفاقها.
إنّ الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنيّاً وهو مجهود
(1/431)

آخر:
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن
أي بلغوا إلى السعة والسهل.

قطعةٌ من ذكر المحاسن
المحسن معانٌ. أحق الناس بالإحسان إلى الناس من أحسن الله إليه. ليس حسن الجوار كف الأذى، ولكنه الصبر عليه. الإحسان إلى الجار من كرم النجار. ما حصنت النعمة بمثل المواساة. رأس السخاء أداء الأمانة. أفضل المعروف نصرة الملهوف. المكافأة تحط ثقل الصنيعة. الفضل للمبتدي وإن أحسن المقتدي.
أحسن وأنت معان ... يا أيّها الإنسان
إن الأيادي قروضٌ ... كما تدين تدان
آخر:
ليس في كلّ وهلةٍ وأوان ... تتهيا صنائع الإحسان
(1/432)

فإذا أمكنت فبادر إليها ... حذراً من تعذر الإمكان
آخر:
أحزم النّاس من إذا أح ... سن الدهر تلقّى الإحسان بالإحسان

مواعظ تليق بهذا الفصل
اجلس حيث يؤخذ بيدك وتبر، لا حيث يؤخذ برجلك وتجر. أغض عينك على القذى، وإلا لم ترض أبداً. أجمل في الطلب، فسيأتيك ما قدر لك. صن عرضك، وإلا أخلقت وجهك. عاون الناس بالكف عن مساوئهم. انس رفدك، ولا تنس وعدك. كذب أسوأ الظنون بأحسنها. هب ما أنكرت لما عرفت، واعف عما أغضبك لما أرضاك. أغن من وليته عن السرقة، فليس يكفيك من لم تكفه. لا تظهر الشماتة بأخيك، فيعافيه الله ويبتليك. لا تشمت بمن حلّ به بلاءٌ، فإنه إن عوفي كان مثلك، وأنت إن ابتليت كنت مثله.
(1/433)

لا تكن نهماً على الطعام فتمقت، ولا جلداً على الشراب فتهلك. لا تتكلف ما كفيت، فتضيع ما وليت. المهلب لبنيه: إياكم والعينة، فإنها لعينةٌ، وقد تعينت مرةً بأربع مائة درهمٍ، فما تخلصت منها إلا بولاية البصرة.
الأحنف: أكرموا سفهاءكم، فإنهم يكفونكم العار والنار. ابن المعتز: لا تسرع إلى أرفع موضعٍ في المجلس، فالموضع الذي ترفع إليه خيرٌ من الموضع الذي تحط عنه. لا تذكر الميت بسوءٍ، فتكون الأرض أكتم عليه منك.

نبذ من فوائد المدح
أبو نواس:
وليس على الله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحد
وله:
وكّلت بالدّهر عيناً غير غافلةٍ ... من جود كفّيك تأسو كلّ ما جرحا
(1/434)

منصور النمري:
إن المكارم والمعروف أوديةٌ ... أحلّك الله منها حيث تجتمع
أبو تمام الطائي:
فلو صوّرت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطّباع
وله:
ولو لم يكن في كفّه غير روحه ... لجاد بها فليتقّ الله سائله
البحتري:
ولم أر أمثال الرّجال تفاوتت ... إلى الفضل حتى عدّ ألفٌ بواحد
وله:
عرف العالمون فضلك بال ... علم وقال الجهّال بالتّقليد
ابن الرومي:
لولا عجائب صنع الله ما نبتت ... تلك الفضائل في لحمٍ ولا عصب
كشاجم:
ما كان أحوج ذا الكمال إلى ... عيبٍ يوقّيه من العين
المتنبي:
ولمّا رأيت الناس دون محلّه ... تيقّنت أن الدهر للنّاس ناقد
(1/435)

وله:
ذكر الأنام لنا فكان قصيدةً ... كنت البديع الفرد من أبياتها
وله:
قد شرّف اله أرضاً أنت ساكنها ... وشرّف النّاس إذ سوّاك إنسانا
النامي:
خلقت كما أرادتك المعالي ... فأنت لمن رجاك كما يريد
الوءواء الدمشقي:
وخلائقٍٍ كالخمر درّ فعاله ... حببٌ لهنّ وما لهنّ خمار
بديع الزمان:
وكاد يحكيك صوب المزن منسكباً ... لو كان طلق المحيّا يمطر الذّهبا
والليث لو لم يصد والشمس لو نطقت ... والدّهر لو لم يخن والبحر لو عذبا
(1/436)

نبذٌ من ألفاظ بلغاء العصر تجري مجرى الأمثال
لحسن استعارتها وبراعة تشبيهاتها
فلانٌ مسترضعٌ ثدي المجد، ومفترشٌ حجر الفضل. له مجدٌ يشير إليه النجم الثاقب، وتحفظ طرفيه المناقب. صدر تضيق عنه الدهناء، ويفزع إليه الدهماء. له في كل مكرمةٍ غرة الأوضاح، ومن كل فضيلةٍ قادمة الجناح. له صورةٌ تستنطق الأفواه بالتسبيح. له غرةٌ يترقرق فيها ماء الكرم، وتقرأ منها صحيفة حسن الشيم. يحيي القلوب بلقائه قبل أن يميت الفقر بعطائه. له خلقٌ لو مزج البحر به لنفى ملوحته، وصفى كدورته. هو غذاء الحياة، ونسيم العيش، ومادة الفضل. آراؤه سكاكين في مفاصل الخطوب. له همةٌ تعزل السماك الأعزل، وتجر ذيلها على المجرة. هو راجحٌ في موازين العقل، وسابقٌ في ميادين الفضل. يفترع أبكار المكارم، ويرفع منار المحاسن. ينابيع الجود تنفجر من أنامله، وربيع السماح يضحك عن فواضله. هو بيت القصيد، وأول الجريدة، وعين الكتيبة، وواسطة القلادة، وإنسان الحدقة، ودرة التاج، وفص الخاتم، ونقش الفص.
(1/437)

هو ملح الأرض، ودرع الملة، ولسان الشريعة، وحصن الأمة. هو غرة الزمان، وناظر الإيمان، وتاج الأوان. أخلاقٌ خلقن من الفضل، وشيمٌ تشام فيها بوارق المجد. أرخ الرجال بفضله، وعقم النساء بمثله. الجميل منه معتادٌ، والفضل لديه مبدأٌ ومعادٌ. ما له للعفاة مباحٌ، وفعاله في ظلمة الدهر مصباحٌ. كأن قلبه عينٌ، وكأن جسمه سمعٌ. يرى بأول رأيه أواخر الأمور. جوهرةٌ من جواهر الشرف، لا من جواهر الصدف، وياقوتةٌ من يواقيت الأحراز، لا من يواقيت الأحجار.

الفصل الثالث من الفصل الرابع
في ذكر المقابح ومساوىء الأخلاق
الجهل والحمق
الجهل موت الأحياء. الجهل في القلب كالأكلة في الجسد. لا مصيبة أعظم من الجهل.
(1/438)

خرب أرضاً جاهلها. المشقة كلها في تأديب الجهال. من جهل قدر نفسه كان بقدر غيره أجهل. لا صاحب أخذل من الجهل. علي بن عبيدة: بئس شعار المرء جهله. ابن المعتز: نعمة الجاهل كروضةٍ على مزبلةٍ. كلما حسنت نعمة الجاهل ازداد فيها قبحاً. لسان الجاهل مفتاح حتفه. لا ترى الجاهل إلا مفرِطاً أو مفرّطاً. ربّ صديقٍ يؤتى من جهله لا من نيته. غيره: الحمق داءٌ لا دواء له. الأحمق في شبابه خرفٌ. النظر إلى الأحمق سخنة عينٍ. مثل الأحمق كالثوب الخلق، إن رفأته من جانبٍ تخرق من جانبٍ. أحمق الناس من اتبع هواه، وتمنى على الله الأماني.
(1/439)

البخل
شر أخلاق الرجال البخل والجبن، وهما من خير أخلاق النساء. البخيل أبداً ذليلٌ. لا مروءة لبخيلٍ. الشعبي: ما أفلح بخيلٌ قط. أما سمعتم قول الله تعالى: " ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون ". الواقدي: البخل بالموجود من سوء الظن بالمعبود. الجاحظ: الجبن والبخل غريزةٌ واحدةٌ، يجمعهما سوء الظن بالله. غيره: البخل يهدم مباني الكرم. ابن المعتز: بشر مال البخيل بحادثٍ أو وارثٍ. أبخل الناس بماله أجودهم بعرضه.
وغيظ البخيل على من يجو ... د أعجب عندي من بخله
(1/440)

وصف البخيل
العرب: سواءٌ هو والعدم. سواءٌ غناه والفقر. سواءٌ منزله والفقر. ما تبلّ إحدى يديه الأخرى. لا تندى صفاته، ولا يبضّ حجره، ولا يثمر شجره. يمنع دره ودر غيره. المولدون: لا تسقط من كفه خردلةٌ. سائله محرومٌ، وماله مكتومٌ. لا يحين إنفاقه، ولا يحلّ خناقه. خبزه كآوى، يسمع بها ولا ترى. غناه فقرٌ، ومطبخه قفرٌ. يملأ بطنه والجار جائعٌ، ويحفظ ماله والعرض ضائعٌ. قد أطاع سلطان البخل بجهده، وانخرط كيف شاء في سلكه. سمين المال مهزول النوال. عظيم الرواق صغير الأخلاق.
(1/441)

يصون فلسه ويبذل نفسه. لا يحلب إلا من ضرعٍ بكيٍّ، ولا يسقى إلا من أنضب ركيٍّ. فلانٌ قد جعل ميزانه وكيله، وضرسه أكيله، وكيسه أنيسه، وخبزه جليسه، ورغيفه أليفه، ومأكوله حليفه، وديناره شقيقه، ودرهمه رفيقه، ويمينه أمينه، ومفتاحه دفينه، وصناديقه صديقه، وخاتمه خادمه.

ومن أمثال البخلاء وحكمهم واحتجاجاتهم
بيتي يبخل لا أنا. شغلت شعابي جدواي، أي شغلتني أموري عن الناس. الشحيح أعذر من الطالب. بق نعليك، وابذل قدميك. عجبت ممن يسمي القصد بخلاً، والسرف جوداً. إن مالك لا يعم الناس، فاخصص به ذوي الحق. أبو الأسود الدؤلي: لا تجاودوا الله فإنه أمجد وأجود، ولو شاء أن يوسع على خلقه حتى لا يكون محتاجٌ فعله. لو أطعنا المساكين في إعطائهم ما يسألوننا لكنا أسوأ حالاً منهم.
(1/442)

غيره: من جاد بماله فقد جاد بنفسه، لأنه جاد بما لا قوام له إلا به. الكندي: قول لا يدفع البلا، وقول نعم يزيل النعم، وسماع الغناء برسامٌ حاد. يا بني: كن مع الناس كاللاعب بالقمار، تأخذ شيئهم وتحفظ شيئك. غيره: منع الجميع أرضى للجميع. إذا حسن السؤال حسن المنع. علي بن الجهم: من وهب المال في عمله فهو أحمق، ومن وهبه بعد العزل فهو مجنونٌ، ومن وهبه من جوائز سلطانه أو ميراثٍ لم يتعب فيه فهو مخذولٌ، ومن وهبه من كيسه وما استفاد بحيلته فهو المطبوع على قلبه، المأخوذ بسمعه وبصره.
لا تجد بالعطاء في غير حقٍّ ... ليس في منع غير ذي الحقّ بخل
إنّما الجود أن تجود على من ... هو للجود منك والبذل أهل
ابن المعتز:
يا ربّ جودٍ جرّ فقر امرىءٍ ... فقام للنّاس مقام الذّليل
فاشدد عرى مالك واستبقه ... فالبخل خيرٌ من سؤال البخيل
(1/443)

آخر:
في كلّ شيءٍ سرف ... يكره حتى في الكرم
وربما قولك لا ... أفضل من ألفي نعم

الكبر والعجب
الكبر قائد البغض. التعزز بالتكبر ذل. الكبر فضل حمقٍ، لم يدر صاحبه أين يضعه. ما أسلب العجب للمحاسن. العجب أكذب، ومعرفة الرجل نفسه أصوب. ثمرة العجب المقت. التكبر على الملوك تعرضٌ للحتوف، وعلى الأنذال من ضعة النفس، وعلى الأكفاء جهلٌ عظيمٌ وسخف. من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه. الكبر داءٌ يعدي. الإفراط في الكبر يوجب البغضة، كما أن الإفراط في التواضع يوجب الذلة.
(1/444)

ابن المعتز: لما عرف أهل النقص حالهم عندي ذوي الكمال استعانوا بالكبر، ليعظم صغيراً، ويرفع حقيراً وليس بفاعلٍ. منصور الفقيه:
تتيه وجسمك من نطفةٍ ... وأنت وعاءٌ لما تعلم
ووصف بليغٌ متكبراً فقال: كأن كسرى حامل غاشيته. وقارون وكيل نفقته، وبلقيس إحدى داياته، وكأن يوسف لم ينظر إلا بمقلته، ولقمان لم ينطق إلا بحكمته.
جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما ... تيه الملوك وأخلاق المماليك

الحرص والطمع
الحرص وعاءٌ حشوه الذل والمتالف.
أذلّ الحرص أعناق الرّجال
الحرص ينقص قدر الإنسان، ولا يزيد في رزقه. ربّ أكلةٍ تمنع أكلاتٍ. ربما شرق شارب الماء قبل ريه. الرزق قد يسبق جهد الحريص. كلمتان مقولتان، لم ير على التجربة أصح منهما: الحريص محرومٌ، والاستقصاء شومٌ.
(1/445)

ربّ طمعٍ يهدي إلى طبعٍ. الطامع في وثاق الذل. لا تطمع في كل ما تسمع. أقل ما في الطمع الذل. الحرص ذلٌ عاجلٌ، والطمع فقرٌ حاضرٌ. ما أغفل النفس الطامعة عن العقبى الفاجعة. العامة: الطمع الكاذب يدق الرقبة. أخرج الطمع من قلبك يحلّ القيد من رجلك.

الكذب
الفلاسفة: الكذاب والميت سواءٌ، لأن الفضيلة الحي النطق، فإذا لم يوثق بكلامه فقد بطلت حياته. الحسن بن سهل: الكذاب شرٌ من اللص؛ لأن اللص يسرق مالك، والكذاب يسرق عقلك. غيره: الكذاب بين مهانة الدنيا وعذاب الآخرة؛ كما قال الله تعالى: " ولهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون ".
(1/446)

شر الحديث الكذب. لا تأمن من كذب لك أن يكذب عليك، ولا من اغتاب عندك أن يغتابك عند غيرك. حسب الكاذب بفعله شتماً وقلبه خصماً. كن ذكوراً إذا كنت كذوباً. أما يخاف الكذوب أن يذوب. ابن المعتز: علامة الكذاب جوده باليمين من غير مستحلفٍ. اجتنب مصاحبة الكذاب؛ فإن اضطررت إليه فلا تصدقه، ولا تعلمه أنك تكذبه فينتقل عن وده ولا ينتقل عن طبعه. يعتري حديث الكذاب من الاختلاف ما يعتري الجبان عند الحرب من الارتعاد. لا يكاد يصح للكذاب رؤياً؛ لأنه يخبر عن نفسه في اليقظة بما لم يره، فيريه في النوم ما لا يكون. العرب: لا رأي لكذوبٍ. الرائد لا يكذب أهله. عند النوى يكذبك الصادق.
(1/447)

العامة: كل شيءٍ شيءٌ، ومصادقة الكذوب لا شيء.

وصف الكذوب
فلانٌ يكذب لذيله على جيبه. الفاختة عنده أبو ذر. فلانٌ زاملة الأكاذيب.
لا يكذب المرء إلا من مهانته ... أو عادة السّوء أو من قلّة الأدب

المزح
المزاحة تذهب المهابة، وتورث الضغينة. المزاح سباب النوكي. لا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا الدنيّ فيجترىء عليك. المزح يجلب الشر صغيره والحرب كبيره. المزح أوله فرحٌ وآخره ترحٌ. لو كان المزح فحلاً لم ينتج إلا شراً.
(1/448)

المزاح هو السباب الأصغر، إلا أن صاحبه يضحك. الإفراط في المزح مجونٌ وجنونٌ، والاقتصاد فيه ظرفٌ، والتقصير عنه فدامةٌ. ابن المعتز: المزح يأكل الهيبة، كما تأكل النار الحطب. من كثر مزحه لم يسلم من استخفافٍ به أو حقدٍ عليه. من كثر مزاحه تنازعه الحقد والهوان. ربّ مزحٍ في غوره جدٌ وكدٌ. أول أسباب القطيعة المراء والمزح.

الغضب
الغضب صدأ العقل. إضمارك الغضب على من فوقك مهلكٌ أو مضنٍ. أحضر الناس جواباً من لم يغضب. احذر أخاك إذا غضب. الغضب يثير كامن الحقد. أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب. من أطاع غضبه أضاع أدبه.
(1/449)

ابن المعتز: لا يقوم عز الغضب بذل الاعتذار. أبق لرضاك من سخطك، وإذا طرت فقع قريباً. الغضب يصدأ العقل حتى لا يرى صاحبه فيه صورة حسنٍ فيفعله، ولا صورة قبيحٍ فيجتنبه. أول الغضب جنونٌ، وآخره ندمٌ. شدة الغضب تعثر المنطق، وتقطع مادة الحجة، وتفرق الفهم. غضب الجاهل في قوله، وغضب العاقل في فعله. من ظهر غضبه قلّ كيده. لا يحملنك الغضب على اقتراف إثمٍ؛ فتشفي غيظك، وتسقم دينك. أشد الجهاد مجاهدة الغيظ. عقوبة الغضب تبدأ بالغضبان، فتثلم دينه وتقبح صورته، وتعجل ندمه.

البغي
البغي مرتعه وخيمٌ. من سلّ سيف البغي قتل به. احذر مصارع البغي.
(1/450)

لو بغى جبلٌ على جبلٍ لجعله الله تعالى دكاً. " ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنّه الله ".

الحسد
الحسد داء الجسد. الحسود لا يسود. الحسد أول ذنبٍ عصي الله به في السماء والأرض. لا راحة لحسودٍ. ما رأيت ظالماً أشبه بمظلومٍ من الحسود. أقل الناس سروراً الحسود. حاسد النعمة لا يرضيه إلا زوالها. الحسود يأخذ نصيبه من غموم الناس؛ فينضاف إلى ذلك غمه بسرور الناس فهو أبداً مغمومٌ. الحسود فقيرٌ، وعند الناس حقير. الحسود يعمى عن محاسن الصبح بعينٍ تدرك دقائق القبح. ابن المعتز: الحساد يحسدون أكثر مما في المحسود، لأن بعضهم يظن عند المحسود ما لا يملك فيحسده عليه.
(1/451)

الحسد والنفاق والكذب أثافي الذل. الحاسد مغتاظٌ على من لا ذنب له، بخيلٌ بما لا يملكه، طالبٌ لما لا يجده. لا يرضى عنك الحسود حتى تموت. كأن الحاسد إنما خلق ليغتاظ. يكفيك من الحاسد أنه يغتم عند سرورك. الحاسد ساخط على أقدار الله تعالى. عقوبة الحاسد من نفسه. الحاسد يرى زوال نعمتك نعمةً عليه.

الظلم
الظلم أسرع شيء إلى تعجيل نقمةٍ، وتبديل نعمةٍ. من ظلم نفسه فهو لغيره أظلم. أجمع الخصال للذم الظلم. الْأم الظلم ظلم الضعيف. الظلم هو الطريق إلى سخط الله تعالى. من ذكر قدرة الله تعالى عليه لم يستعمل القوة في الظلم. أظلم الناس من ظلم لمنفعة غيره. بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد. المتنبي:
والظّلم في خلق النفوس فإن تجد ... ذا عفّةٍ فلعلّةٍ لا يظلم
(1/452)

آخر:
وما من يدٍ إلاّ يد الله فوقها ... وما ظالمٌ إلاّ سيبلى بظالم

الهوى
الهوى هوانٌ، ولكن غلط باسمه. من أطاع هواه أعطى عدوه مناه. الهوى شريك العمى. أكثر الصواب في مخالفة الهوى. جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم. أشجع الناس أقهرهم لهواه. من قوي هواه ضعف رأيه. عين الهوى لا تصدق. كم من عقلٍ كبيرٍ أسيرٍ عند هوىً حقيرٍ. أكثر الناس افتضاحاً أكثرهم في هواه جماحاً.
إذا طالبتك النّفس يوماً بشهوةٍ ... وكان عليها للخلاف طريق
فخالف هواها ما استطعت فإنما ... هواك عدوٌّ والخلاف صديق
الرأي نائمٌ والهوى يقظان. آفة الرأي الهوى.
(1/453)

إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال
آخر:
نون الهوان من الهوى مسروقةٌ ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا
وإذا هويت فقد تعبّدك الهوى ... فاخضع لإلفك كائناً من كانا

سائر المساوىء والمعائب
العقوق ثكل من لم يثكل. قبر العاق خيرٌ منه، أي لا ينتفع به حياً، كمل لا ينتفع به ميتاً. الشماتة بالمنكوب لؤم. السعاية أحدّ من السيف. قلة الحياء كفرٌ. الملق أدنى الخلق. البطنة تذهب الفطنة. لا خلاق لسيء الأخلاق. المنة تهدم الصنيعة. ربّ صلفٍ أدى إلى تلفٍ. ما أقبح الاستطالة عند الغنى، والخضوع عند الحاجة. المماراة تنقص المؤاخاة.
(1/454)

من هتك ستر غيره تكشفت عورات بيته. من خان حان أي هلك. أفحش الزمانة عدم الأمانة. ما استب اثنان إلا غلب الأمهما. عبد الشهوة أذل من عبد الرق. نفاق المرء من ذله. الشرير لا يظن بالناس خيراً؛ لأنه يراهم بعين طبعه. أصل السخرية الطمأنينة إلى الكذب. أثقل الناس من شغل مشغولاً. الغيبة إدام كلاب الناس. السامع للغيبة أحد المغتابين. عار الفضيحة يكدر لذتها. النصح بين الملأ تقريع. النميمة سيفٌ قاتلٌ. النمام جسر الشر. الزلل مع العجل. من أسرع كثر عثاره. لا أشجع من بريءٍ، ولا أجبن من مريب. شر الأمور أكثرها شكاً، وخيرها ما أسفر عن اليقين.
(1/455)

من عددّ نعمه محق كرمه. خلف الوعد خلق الوغد. الأماني تعمي عين البصائر.

أبياتٌ تليق بهذا الفصل
مسلم بن الوليد:
قبحت مناظرهم فحين بلوتهم ... حسنت مناظرهم لقبح المخبر
أبو تمام:
مساوٍ لو قسمن على الغواني ... لما أمهرهن إلاّ بالطلاق
آخر:
ويأخذ عيب النّاس من عيب نفسه ... مرادٌ لعمري ما أراد قريب
آخر:
قومٌ إذا ما جنى جانيهم أمنوا ... من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا
آخر:
وما ينفع الأصل من هاشمٍ ... إذا كانت النّفس من باهله
مسلم بن الوليد:
أما الهجاء فدقّ عرضك دونه ... والمدح عنك كما علمت جليل
(1/456)

فاذهب فأنت طليق عرضك إنه ... عرضٌ عززت به وأنت ذليل
جحظة:
يجد الجليس إذا دنا ... ريح النذالة من ثيابه
كشاجم رحمه الله:
وهو كالدّينار لا ... يكرم إلاّ من أذلّه

ألفاظ لبلغاء العصر وغيرهم في أنواع الذم
فلانٌ كالكمأة، لا أصلٌ ثابت؛ ولا فرعٌ نابتٌ. عصارة لؤمٍ في قرارة خبثٍ. ألأم مهجةٍ في أسقط جثةٍ. بدنٌ فاجرٌ، وقلبٌ كافرٌ. يكاد من لؤمه يعدي من تسمى باسمه أو جلس إلى جنبه. قد أرضع بلبان اللؤم، وربي في حجر الشر، وفطم عن ثدي الخير، ونشأ في عرصة الخبث. قد طلق الكرم ثلاثاً، لم ينطق فيها باستثناء، وأعتق المجد بتاتاً، لم يستوجب عليه ولاءً. فوته غنيمةٌ، والظفر به هزيمةٌ. فلان قصير الشبر، صغير القدر، ضيق الصدر، نظيف القدر، لا أمس ليومه، ولا قديم لقومه.
(1/457)

وجهه كهول المطلع، وزوال النعمة، وقضاء السوء، وموت الفجاءة. وجهٌ كآخر الصك، وظلمة الشك. ما هو إلا قذى العين، وشجا الصدر، وأذى القلب، وحمى الروح. خلقة الشيطان، وعقل الصبيان.
لي صديقٌ في خلقة الشيطان ... وعقول النساء والصّبيان
من تظنّونه فقالوا جميعاً: ... ليس هذا إلاّ أبا هفّان
بيذق والشطرنج في القيمة والقامة. ريح صيفٍ وطارق طيفٍ. يغمض عن الذكر، ويصغر عن الفكر. أقل من تبنةٍ في لبنةٍ، ومن قلامةٍ في قمامةٍ. قلبٌ نغلٌ، وصدرٌ دغلٌ. هو من الطاووس رجله، ومن الورد شوكه، ومن الماء زبده، ومن النار دخانها، ومن الخمر خمارها. له من الدينار قصره، ومن الورد صفرته، ومن السحاب ظلمته، ومن الأسد نكهته. هو من تخوفه أضغاث الأحلام، فكيف مسموع الكلام؟. تمثال اللؤم، وصورة الجهل، ومقر البخل. حسناته أغاليط وأفعاله تخاليط.
(1/458)

سكيت الحلبة، وساقة الكتيبة، وآخر الجريدة. لسانه مقراض الأعراض. يأكل خبزه بلحوم الناس. غرضٌ يرشق بسهام الغيبة. نقل كل لسانٍ وضحكة كل إنسانٍ. لعنة العائب، وعرضة الشاهد والغائب. عيبة العيوب، وذنوب الذنوب. فلانٌ كالرصاص؛ في برده وثقله ووسخه.
الفصل الرابع من الفصل الرابع

في فنون شتى وأنحاء مختلفة الترتيب

الولد والقرابة
ولد الرجل من أطيب كسبه. الولد ثمرة القلب. ابنك ريحانك سبعاً، وخادمك سبعاً؛ ووزيرك سبعاً، ثم هو صديقٌ أثيرٌ أو عدوٌ كبيرٌ.
(1/459)

وقيل لبعضهم: أي ولدك أحب إليك؟ فقال: صغيرهم حتى يكبر، وغائبهم حتى يقدم، ومريضهم حتى يبرأ. يحيى بن خالد: ما أحدٌ رأى في ولده ما يسره إلا رأى في نفسه ما يكرهه.
وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض
المتنبي:
إنما أنت والدٌ والأب القا ... طع أحنى من واصل الأولاد
العداوة في القرابة كالنار في الغابة. الحسد في القرابة جوهرٌ، وفي غيرهم عرضٌ. قيل لبعضهم: لم لا تطلب الولد؟، فقال: حبي له يمنعني من طلبه؛ أي لئلا يبتلى بمكاره الدنيا. وقيل لآخر: لم تعقّ والديك؟، فقال: لأنهما أخرجاني من عالم الكون إلى عالم الفساد. الكندي رحمه الله: الأب ربٌّ، والأخ فخٌّ، والعم غمٌّ، والخال وبالٌ، والولد كمدٌ، والأقارب عقارب. ابن المعتز:
لحومهم لحمي وهم يأكلونه ... وما داهيات المرء إلا أقاربه
(1/460)

الإخوة والأصدقاء والمودة وما يتصل بها
العرب: أخوك من صدقك لا من صدّقك. من اتخذ إخواناً كانوا له أعواناً. عمرو بن العاص رضي الله عنه: من كثر إخوانه كثر غرماؤه. المغيرة: التارك للإخوان متروك. أسماء بن خارجه: إذا قدم الإخاء سمج الثناء. مسلم بن قتيبة: إن في لقاء الإخوان غنماً وإن قلّ. ابن المقفع: إكرامك صديق صديقك أوقع لديه من إكرامك إياه. العتبي: لقاء الإخوان نزهة القلوب. خالد بن صفوان:
(1/461)

إنما نفقت على الاخوان، لأني لم أستعمل معهم النفاق، ولا قصرت بهم عن الارتحقاق.
الكندي: الصديق إنسان هو أنت إلا أنه غيرك.
عمرو بن مسعدة: العبودية عبودية الاخاء، لا عبودية الرق.
اسماعيل بن صبيح: الوذ أعطف من الرحم.
سعيد بن العاص: إن الكريم ليرعى من المعرفة ما يرعى الواصل من القرابة.
شبيب بن شعيب: عليك بالاخوان فانهم في الرخاء زينة وفي البلاء عدة.
ابراهيم بن العباس: مثل الاخوان كالنار قليلها متاع، وكثيرها بوار.
سليمان بن وهب النفس بالصديق انس منها بالعشيق، وغزل المودة ارق من غزل الصبابة.
الحسن بن وهب:
(1/462)

من حقوق المودة أخذ عفو الاخوان، والاغضاء عن التقصير ان كان، وذكر محمد بن عبد الملك الزيات رجلاً فقال: ويحسبك أنه خلق كما يشتهي إخوانه.
غيره: المودة قرابة مستفادة. خير الاشياء جديدها، وخير الاخوان قديمهم، ما تواصل اثنان فطال تواصلهما الا لفضائلهما أو لفضل أحدهما.
أسرع الاشياء انقطاعاً مودة الاسرار.
المحروم من حرم صالح الاخوان.
لقاء الاخوان مسلاة للهموم.
لقاء الخليل شفاء الغليل. قلة الزيادة أمان من الملالة.
عليك باقلال الزيادة انها ... إذا كثرت كانت الى الهجر مسلكاً.
فاني رأيت القطر يسأم دائماص ... ويسأل بالايدي إذا هو أمسكا.
آخر:
ان اخاك الصديق من لم يخدعك ... وإن رأك طالباً سعى معك
(1/463)

ومن إذا ريب الزمان صدّعك ... شتّت فيك شمله ليجمعك
ابن المعتز: إنما سمي الصديق صديقاً لصدقه لك؛ والعدو عدواً لعدوانه عليك، لو ظفر بك. إخوان السوء كشجرة النار يحرق بعضها بعضاً. علامة الصديق إذا أراد القطيعة أن يؤخر الجواب، ولا يبتدىء بالكتاب. لا يفسدنك الظن على صديقٍ قد أصلحك اليقين له. إذا كثرت ذنوب الصديق تمحق السرور به، وتسلطت التهم عليه. من لم يقدم الامتحان قبل الثقة، والثقة قبل الأنس، أثمرت مودته ندماً. غيره: إذا قدمت الحرمة تشبهت بالقرابة. خير الإخوان من نسي ذنبك فلم يقرعك به، ومعروفه عندك فلم يمنّ به عليك.

العتاب
العتاب حياة المودة. العتاب حديقة المتحابين. ظاهر العتاب خيرٌ من باطن الحقد.
(1/464)

إذا ذهب العتاب فليس ودٌ ... ويبقى الودّ ما بقي العتاب
من لم يعاتب على الزلة، فليس بحافظٍ للخلة. من كثر حقده قلّ عتابه. ما أكثر من يعاتب ليطلب علةً للعفو. معاتبة الأخ خيرٌ من فقده. إفراط العتاب يولد الضغينة.
أبلغ أبا مسمعٍ مني مغلغلةً ... وفي العتاب حياةٌ بين أقوام
ترك العتاب إذا اسّتحقّ أخٌ ... منك العتاب ذريعة الهجر
آخر:
وليس عتاب المرء للناس نافعاً ... إذا لم يكن للمرء لبٌّ يعاتبه
ودع العتاب فربّ هج ... رٍ أولّه العتاب
ما جمش الود بمثل العتاب.

العداوة
كمون العداوة في الفؤاد ككمون الجمر في الرماد. القريب بعيدٌ بعداوته، والبعيد قريبٌ بمودته.
كم صاحبٍ عاديته في صاحبٍ ... فتصالحا وبقيت في الأعداء
(1/465)

آخر:
إنّ العدوّ وإن أبدى مسالمةً ... إذا رأى فيك يوماً فرصةً وثبا
الأخطل:
إن العداوة تلقاها وإن قدمت ... كالعرّ يكمن حيناً ثم ينتشر
ابن المعتز: لا تأمنن عدوك وإن كان مقهوراً، واحذره، فإن حدّ السيف فيه وإن كان مغموداً. غيره: لا تتعرضن لعدوك في دولته؛ فإنها إذا زالت كفيت مؤونته. نصح الصديق تأديب، ونصح العدو تأنيب. لا تأنسن لعدوك وإن تبسم إليك، ولا تيأسن من صديقك وإن تجهم عليك. كتب مروان إلى بعض الخوارج: إني وإياك كالحجر والزجاجة، إن وقع عليها رضها، وإن وقعت عليه قضها.

الحوائج
صاحب الحاجة أبله، لا يرى الرشد إلا في قضائها. أشد من فوت الحاجة طلبها من غير أهلها.
(1/466)

صاحب الحاجة مستعجلٌ. الحوائج تضر بالجوانح.
إذا أرضعتها بلبانٍ أخرى ... أضرّ بها مشاركة الرّضاع
الحوائج تطلب بالرجاء، وتدرك بالقضاء. إذا أردت أن تطاع، فسل ما يستطاع. من سأل فوق قدره استحق الحرمان. استعينوا على حوائجكم بالكتمان.
ليس للحاجات إلاّ ... من له وجهٌ وقاح
ولسانٌ ذو بيانٍ ... وغدوٌّ ورواح
إن تكن أبطأت الح ... اجات يوماً والسّراح
فعليّ السعي فيها ... وعلى الله النّجاح

الهدية والرشوة
تهادوا تحابوا. نعم الشيء الهدية أمام الحاجة. الهدية تفتح الباب المصمت. من قدم هديته نال أمنيته، ومن لم يقدم المؤونة لم يظفر بالمعونة. ما أرضي الغضبان، ولا استعطف السلطان، ولا سلت السخائم، ولا أغمدت الصوارم، بمثل الهدية.
(1/467)

إنّ الهديّة حلوةٌ ... كالسّحر يختلب القلوب
تدني البعيد عن الهوى ... حتى تصيّره قريبا
آخر:
للهدايا من القلوب مكانٌ ... وحقيقٌ بحبّها الإنسان
ابن عباد:
رويت في السنّة المشهورة البركة ... أن الهدية في الإخوان مشتركه
الرشوة تعمي عين الحكيم. الرشوة رشاء الحاجة.

لمع من الأعداد
في الخبر: شر ما في المرء جبنٌ خالعٌ، وشحٌ هالعٌ. بعض السلف: شيئان إذا أحرزتهما لم تبال ما ضيعت بعدهما: درهمك لمعاشك، ودينك لمعادك. اثنان قد عزا وأعوزا: درهمٌ من حلالٍ، وأخٌ في الله تعالى. خالد بن صفوان: موطنان لا أعتذر من العي فيهما: إذا خاطبت جاهلاً، أو سألت حاجةً ممن لا يقضيها.
(1/468)

أبو العيناء: موطنان تذهب فيهما العقول: المسابقة، والمباشرة. غيره: اثنان قلّ ما يجتمعان: اللسان البليغ، والشعر الجيد.
شيئان يعجز ذو الرياسة عنهما ... رأي النّساء، وإمرة الصبيان
أمّا النّساء فميلهنّ إلى الهوى ... وأخو الصّبا يجري بغير عنان
آخر:
شيئان لو بكت الدّماء عليهما ... عيناي حتى تؤذنا بذهاب
لم تقضيا المعشار من حقّيهما ... فقد الشّباب وفرقة الأحباب
آخر:
خلقان لا أرضى طريقهما ... تيه الغنى ومذلّة الفقر
فإذا غنيت فلا تكن بطراً ... وإذا افتقرت فته على الدّهر
منصور الفقيه:
اثنان من النّاس ... حقيقٌ بهما الموت
فقيرٌ ما له تقوى ... وأعمى ما له صوت
(1/469)

في الخبر المأثور: ثلاثٌ منجياتٌ، وثلاثٌ مهلكاتٌ. أما المنجيات: فالعدل في الغضب والرضا، وخشية الله تعالى في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى. وأما المهلكات: فشحٌّ مطاعٌ، وهوىً متبعٌ، وإعجاب المرء بنفسه. مسلمة بن عبد الملك: العيش في ثلاثٍ: سعة المنزل، وكثرة الخدم، وموافقة الأهل. غيره: ليس لثلاثٍ حيلةٌ: فقيرٌ يخالطه كسلٌ، وخصومةٌ يداخلها حسدٌ، ومرضٌ يمازجه هرمٌ. ثلاثٌ تجب مداراتهم: الملك المسلط، والمريض والمرأة. ثلاثةٌ يعذرون على سوء الخلق: المريض، المسافر، الصائم. ثلاثةٌ لا يستخف بهم عاقلٌ: السلطان، والعالم، والصديق؛ لأنه من استخف بالسلطان أفسد دنياه، ومن استخف بالعالم فقد أفسد دينه، ومن استخف بالصديق أفسد مروءته. ثلاثةٌ لا يأنف الكريم من القيام عليها: أبوه، وضيفه، ودابته. خالد بن صفوان: السفر ثلاث عتباتٍ: أولها العزم، وثانيها العدة، والثالثة الرحيل؛ وأشدهن العزم.
(1/470)

ثلاثةٌ تسهر: قرض فأرٍ، وأنين مريضٍ، ووكف بيتٍ. ثلاثةٌ لا راحة منها إلا بالمفارقة عنها: السن المتآكلة المتحركة، والعبد الفاسد على مولاه، والمرأة الناشز على زوجها. إذا كان في الرجل ثلاث خصالٍ فلا تشكنّ في صلاحه: إذا حمده جاره، ورفيقه وقرابته. كدر العيش في ثلاثٍ: الجار السوء، والولد العاق، والمرأة السيئة الخلق. ثلاثةٌ الإقدام عليها غررٌ: شرب السم للتجربة، وركوب البحر للغنى، وإفشاء السر إلى النساء. ثلاثةٌ من عازّهم عادت عزته ذلةً: السلطان، والوالد، والغريم. ثلاثةٌ تنبو العظة عن قلوبهم نبوة الكرة عن الصفا: امرأةٌ ثيبٌ مغرمةٌ برجلٍ، ورجلٌ مسنٌ مغرمٌ بشرب الخمر، وملكٌ فاجرٌ. ثلاثةٌ تزيد في المودات: الزيارات في الرحال، والتحادث على الموائد، ومعرفة الرجل حشم أخيه وخدمه. ثلاثةٌ تنفع في الدنيا مع ثوابها في الآخرة: الحج ينفي الفقر، والصدقة ترد البلاء، والبر يزيد في العمر. ثلاثةٌ لا يستحيى منها: طلب العلم، ومرض البدن، وذو القرابة الفقير. أربعٌ تحتاج إلى أربعٍ: الحسب إلى الأدب، والسرور إلى الأمن، والقرابة إلى المودة، والعقل إلى التجربة.
(1/471)

أربعٌ لا بقاء لها: مودة الأشرار، والبيت الذي ليس فيه تقدير، والمال الحرام، والكسب الذي ليس معه التدبير. أربعٌ تقبح، وهي في أربعة أقبح: البخل في الأغنياء، والفحش في النساء، والغضب في العلماء، والكذب في القضاة. أربعةٌ لا يستقل قليلها: الدَين، والنار، والعداوة، والمرض. الأذلاء أربعةٌ: النمام، والكذاب، والمديون، والفقير. أربعةٌ لا يستطاع إشباعهن: النار من الحطب، والبحر من الماء، والموت من الأرواح، والشره من المال. أربع لا تشبع من أربعٍ: عينٌ من نظرٍ، وأذنٌ من خبرٍ، وأنثى من ذكرٍ، وأرضٌ من مطرٍ. أربعٌ إذا كن في الرجل أهلكنه: حب النساء، والصيد، والقمار، والخمر. عمر بن عبد العزيز أعزه الله إعزازاً، وأكرمه إكراماً: من أحب الأشياء إلى الله أربعةٌ: القصد عند الجدة، والعفو عند القدرة، والحلم عند الغضب، والرفق بعباد الله في كل حال. المأمون: الناس أربع طبقاتٍ: بين إمارةٍ، وتجارةٍ، وصناعةٍ، فمن لم يكن منهم كان كلاً عليهم. أربعةٌ لا يستحيى من الختم عليها: المال لنفي التهمة، والجوهر لأمن الإبدال، والدواء للاحتياط، والطيب للصيانة.
(1/472)

أبو بكر الصديق العتيق رضوان الله عليه: ثلاثٌ من كن فيه كن عليه: المكر، والبغي، والنكث، قال الله تعالى عزّ اسمه: " فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ". وقال عزّ من قائل: " ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ". وقال عزّ جده: " إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ".؟؟
(1/473)