Advertisement

الصبح المنبي عن حيثية المتنبي



الكتاب: الصبح المنبي عن حيثية المتنبي (مطبوع بهامش شرح العكبري)
المؤلف: يوسف البديعي الدمشقي (المتوفى: 1073هـ)
الناشر: المطبعة العامرة الشرفية
الطبعة: الأولى، 1308 هـ
عدد الأجزاء: 2

بسم الله الرحمن الرحيم
سبحان الذي زين رياض الفضائل بأزاهر الأدب الفض، وفضلّ عض عباده باقتناء المآثر على بعض، نحمده على تراكم الآية ونشكره على ترادف نعمآية، ونصلي على افضل مخلوقاته المرسل رحمة للعبادة وافصح من نطق بالضاد، واعترف بسحر بلاغته كل من وافق وضاد. وعلى آله وأصحابه ينابيع الحكم. ومصابيح الظلم وبعد فيقول المفتقر إلى عفو ربه الغني يوسف المشهور بالبديعي لما تشرفت الشهباء بانسار عين الكمال. وعين إنسان الافضال، علم العلم، وطور الحلم. الذي ما طلع نجم في سماء العذالة اسعد من سهيل طلعته ولا سطع كوكب في فلك الايالة ارفع من سماك
(1/2)

رفعته الحاوي من الأخلاق أكرمها وألطفها، ومن الأوصاف أفضلها وأشرفها. فلا مكرمة إلا وهو لها حايزة ولا محمدة إلا وهو بها فايزة ويصدق فيه المدح حتى كإنما، يسبح من صدق المقالة شاعرة، الماجد الذي فضايله لا تحصي، وفواضله لا تستقصي، ومن ذا يقدر على سكر مسيل البحر، وسد طريق القطر، فهو البحر الذي يغترف العلماء من تياره، والبدر الذي يقتبس الفضلاء من أنواره الحسام الماضي أجل موالي الدهر عبد الرحمن نجل الحسام، حرس الله بوجوده الأدب فأنه حليته وزينة وصان بعقابه العلم فانه جنته وصونه، وازدانت منه بمولى أجمع أهل الفضل على توحده في الدهر، واتفق آهل العقد والحل على تفرده بالفخر، وأضحت
(1/3)

سدته المنفذ كهف الفضلاء وحضرته الشريفة مناخ آمال الشعراء. أجبت أن الشرق لخدمته بتأليف كتاب يشتمل على غرر الآداب ونتائج الالباب، لم ينسج فكر علي منواله. ولم تسمح قريحة يمثاله، ليكون وسيلة إلى أن أعد من جملة خدامه. واترف بتقبيل مواطئ أقدامه، فينقذني من شوك الفقر، ويستخلصني من مخالب الدهر فصدتني الأيام عن وجهتي، وعارضتني بعوائقها عن طلب بغيتي وكان مدامه ظل، ورفع إلي أوج مرمه كل. يلهج بقلائد ابن الحسين وتمييزه علي الطايين، ولعمري أن ما قاله هو المعول عليه، والمرجع بعد التأمل الصادق إليه فهممت العزم قبل تفويق ذلك التأليف، وترصيف ذلك التصنيف علي
(1/4)

جمع مختصر يحتوي على ذكر أبي الطيب المتنبي وأخباره ويشتمل على نبذ من قلايد أشعاره خادما به جناب ذلك المولي، رزقه الله سعادتي الآخرة والأولي وأن كنت في إهدائه إلى عالي حضرته، وسامي سدته كمتبضع التمر إلى بعجزه ومهدي الفصاحة إلى أهل الوبرة ونامل المسك راقت صفاء ورقت كل حاشية منها وصدقت معانيها على الفكرة، كأنها من عصى موسى قد اكتسبت فلم تدع، للسوي صنعا ولم تدر، تضمنت نظم أخبار قد انتشرت، لابن الحسين بليغ البدو والحفر. ودونت باسم مولانا الذي برعت، يرح العدالة في أيامه الغور. نجل الحسام الذي ماضي عزيمته، في المشكلات يرى أمضى من القدر مولى كريم السجايا من خلايقه، تخلقت نسمات الروض في السحر. لو كان للزهر من لآلاء سويد، جزء لما احتجبت يوما عن النظر. طالت مدائحه من كل ذي أدب، وهل تطول يد للأنجم الزهر، وإن يقصر مديحي عن علاه فكم، قد أثنى مادح بالعي أو الحصر، أضمرت ذكر اسمه في طي مدحته، إذ كان أشهر في الدنيا من القمر، يا من فضائله من كل ذي بصر، في الشرق والغرب بلاء السمع والبصرة، أبقيت ذكر إنما أسديت في حلب، كالذكر نتلوه في الآصال والبكر. ثم ورد ما قاله حمادي الرواية، وتعالبي الدراية، صاحبنا الشيخ عبد القادر الحموي، وهو بتأليف مولا: البديعي يوسف، تجدد ما لابن الحسين من الفضل، تحلى به جيد الزمان وأصبحت. له نفرة كالروض غودي بالطل. وقد زيد حسنا انه صيغ باسم من، له قلم ما زال أمضى من النصل، يذكرنا ياقوت أدنى حروفه، وكل مثال منه جل عن المثل، سما ربه كثر الهداية والحجر، سماء العلى والمجد والفضل والبدل، حليف التقى نجل الحسام الذي ذهبت، به حلب الشهباء والأب كالنجل، وزحزح عنها ظلمة الظلم وانتفى، على عاتق العدوان وان سيفا من العدل، وابدأ بها بدر الفضائل بازغا، ومن قبله قد كان في صدف الجهل، ومن قبله والله لم نر قاضيا، له سطوة الضرغام في ورع الشبلي، هذا ما اخترناه من التقريضات ولولا خوف الإطالة لذكرناها جميعا فأنه لم يبق فاضل ولا شاعر من أبناء الشهباء ولا من غيرها المقيمين بها إلا وقد كتب تقريضا ومدح به جناب المولى أيده الله تعالى مساعدا لنا في مدحه لقصورنا عني شكر ما أسداه لنا وما يسديه فلا زالت الأفاضل تحت ظلال جوده قايله، والسنة الأقلام على أمد الليالي
بالإفصاح عن محامد قائله، ولا برحت قلوب أعاديه من هيبته خافقة، ورايات عدله المنصورة بالشرائع خافقة، وهذا دعاء يشمل كل إنسان، فيجب أن ينطق به لسان، وقد تم ووقع الفراغ من يسخر، من نسخة، أصله، على يد العبد الفقير الراجي عفو ربه الكريم المنان حسين ابن الحاج عثمان، الحلبي غفر الله زلله، وختم بالصالحات عمله، وذلك في اليوم السابع عشر من شهر رجب الفرد من شهور، سنة أربعة وخمسون وألف أحسن الله ختامها والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد واله وصحبه أجمعين.

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
سبحان الذي زين رياض الفضائل بأزاهر الأدب الغض، وفضل بعض عبادة باقتناء المآثر على بعض: نحمده على تراكم آلائه، ونشكره على ترادف نعمائه، ونصلي على أفضل مخلوقاته، المرسل رحمة للعباد، وأفصح من نطق بالضاد، واعترف بسحر بلاغته كل من وافق وضاد. وعلى آله وأصحابه ينابيع الحكم، ومصابيح الظلم.
وبعد فيقول المفتقر إلى عفو ربه الغني، يوسف المشهور بالبديعي، لما تشرفت الشهباءُ بإنسان عين الكمال، وعين إنسان الإفضال، علم العلم، وطود الحلم، الذي ما طلع نجم في سماء العدالة أسعد من سُهْيل طلعته، ولا سطع كوكب في لك الإيالة، أرفع من سماك رفعته، الحاوي من الأخلاق أكرمها وألطفها، ومن الأوصاف أفضلها وأشرفها، فلا مكرمة إلا وهو لها حائز، ولا محمدة إلا وهو بها فائز.
ويصُدُق فيه المدح حتى كأنما ... يُسبَّحُ مِن صدقِ المقالة شاعُرةْ
الماجد الذي فضائله لا تحصى، وفواضله لا تستقصى؛ ومن ذا يقدر على سكر مسيل البحر، وسد طريق القطر؟ فهو البحر الذي يغترف العلماء من تياره، والبدر الذي يقتبس الفضلاء من أنواره. الحسام الماضي، أجل موالي الدهر، عبد الرحمن نجل الحسام، حرس الله بوجوده الأدب؛ فإنه حليته وزينة، وصان ببقائه العلم؛ فإنه جنته وصونة، وازدانت منه بمولى أجمع أهل الفضل على توحده في الدهر، واتفق أهل العقد والحل على تفرده بالفخر، وأضحت سدته المنيفة كهف الفضلاء، وحضرته الشريفة مناخ آمال الشعراء.
أحببتُ أن أتشرف لخدمته بتأليف كتاب، يشتمل على غرر الآداب، ونتائج الألباب، لم ينسج فكر على منواله، ولم تسمح قريحة بمثاله، ليكون وسيلة إلى أن أعد من جملة خدامه، وأتشرف بتقبيل مواطئ أقدامه، فينقذني من شرك الفقر، ويستخلصني من مخالب الدهر، فصدتني الأيام عن وجهتي وعارضتني بعوائقها عن طلب بغيتي، وكان - مد الله ظله، ورفع إلى أوج مرامه محله - يلهج بقلائد ابن الحسين وتمييزه على الطائيين ولعمري إن ما قاله هو المعول عليه، والمرجع بعد التأمل الصادق إليه.
فصمَّمْت العَزم قبل تفويف ذلك التأليف، وترصيف ذلك التصنيف، على جمع مختصر يحتوي على ذكر أبي الطيب المتنبي وأخباره، ويشتمل على نبذ من قلائد أشعاره. خادماً به جناب ذلك المولى، رزقه الله سعادتي للآخرة والأولى؛ وإن كنت في إهدائه إلى عالي حضرته، وسامي سدته. كمستبضع التمر إلى هجر، ومهدي الفصاحة إلى أهل الوبر، وناقل المسك، إلى التركوالعود إلى الهنود، والعنبر إلى البحر الأخضر، وكمن ساق إلى البحر نهراً وأهدى إلى الشمس نوراً، بل كمن أهدى كوز ماء أجاج، إلى بحر فرات عجاج؛ فإنه الهمام الذي جمع صفات الكمال، فلا يباري، وأحرز قصب السبق في مضمار البلاغة فلا يجاري وسميته: بالصبح المنبي، عن حيثية المتنبي.

أخبار المتنبي
هو أحمد بن الحسين بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الملقب بأبي الطيب وكان
(1/5)

والده الحسين يعرف بعيدان السقا.
وكان مولد المتنبي بالكوفة سنة ثلاث وثلاثمائة وكان شاعراً عظيماً مشهوراً مذكوراً محظوظاً من الملوك والكبراء. قدم الشام في صباه وجال في أقطارها.
وكان يكتم نسبه. فسئل عن ذلك، فقال: إني أنزل دائماً على قبائل العرب، وأحب ألا يعرفوني، خيفة أن يكون لهم في قومي ترة.
قال أبو الحسن محمد بن يحيى العلوي.
كان أبو الطيب وهو صبي ينزل في جواري بالكوفة، وكان محباً للعلم والأدب، فصحب الأعراب في البادية، وجاءنا بعد سنين بدوياً قحاً وكان تعلم الكتابة والقراءة فلزم أهل العلم والأدب، وأكثر من ملازمة الوراقين فكان علمه من دفاترهم.
وأخبرني وراق قال: ما رأيت أحفظ من ابن عيدان
(1/6)

قط، فقلت له: كيف ذلك؟ فقال: كان اليوم عندي وقد أحضر رجل كتاباً نحو ثلاثين ورقة ليبيعه، فأخذ ابن عيدان ينظر فيه طويلا. فقال له الرجل: يا هذا، أريد بيعه، وقد قطعتني عن ذلك، فإن كنت تريد حفظه فهذا يكون - إن شاء الله - بعد شهر. قال: فقال له ابن عيدان: فإن كنت حفظته في هذه المدة فما لي عليك؟ قال. أهب لك الكتاب. قال: فأخذت الدفتر من يده، فأقبل يتلوه، حتى انتهى إلى آخره.
ومثله في قوة الحافظة، ما حكاه الأمير أسامة بن منقذ عن أبي العلاء المعري، قال كان بإنطاكية خزانة كتب، وكان الخازن بها رجلاً علويا، فجلست يوماً عنده، فقال لي: قد خبأت لك خبيئة غريبة ظريفة، لم يسمع بمثلها في تاريخه،
(1/7)

ولا في كتاب منسوخ. قلت: وما هي؟ قال: صبي دون البلوغ ضرير يتردد إلى، وقد حفظته في أيام قلائل عدة كتب؛ وذاك أتى أقرأ عليه الكراسة والكراستين مرة واحدة، فلا يستعيد إلا ما يشك فيه، ثم يتلو على ما قد سمعه، كأنه كان محفوظاً له. قلت: فلعله قد يكون. قال شبحان الله! كل كتاب في الدنيا يكون محفوظاً له! ولئن كان ذلك كذلك فهو أعظم. ثم حضر المشار إليه، وهو صبي دميم الخلقة، مجدر الوجه، على عينيه بياض من أثر الجدري كأنه ينظر بإحدى عينيه قليلاً، وهو يتوقد ذكاء، يقوده رجل طويل من الرجال، أحسبه يقرب من نسبه، فقال له الخازن: يا ولدي، هذا السيد رجل كبير القدر، وقد وصفتك عنده، وهو يحب أن تحفظ اليوم ما يختاره لك، فقال: سمعاً له وطاعة،
(1/8)

فيختار ما يريد.
قال ابن منقذ: فأخترت شيئاً. وقرأته على الصبي وهو يموج ويستزيد، فإذا مر بشيء يحتاج إلى تقريره في خاطره، يقول: أعد هذا، فأرده عليه مرة أخرى، حتى انتهيت إلى ما يزيد على كراسة، ثم قلت له: يقنع هذا من قبل نفسي. قال: أجل، حرسك الله! قلت: كذا، وتلا على ما أمليته عليه، وأنا أعارضه بالكتاب حرفاً حرفاً، حتى انتهى إلى حيث وقفت عليه، فكاد عقلي يذهب لما رأيت منه، وعلمت أنه ليس في العالم من يقدر على ذلك إلا أن يشاء الله؛ وسألت عنه، فقيل لي: هذا أبو العلاء المعري التنوخي من بيت العلم والقضاء والثروة والغناء.
وأعجب من هذه. ما حكى بعض طلبته عنه، قال: كان لأبي العلاء جار أعجمي، فاتفق أنه غاب عن المعرة،
(1/9)

فحضر رجل أعجمي يطلبه، قد قدم من بلده، فوجده غائباً، فلم يمكنه المقام، فأشار إليه أبو العلاء أن يذكر حاجته إليه. فجعل ذلك الرجل يتكلم بالفارسية، وأبو العلاء يصغي إليه، إلى أن فرغ من كلامه، ولم يكن أبو العلاء يعرف الفارسية، ومضى الرجل، وقدم جاره الغائب، وحضر عند أبي العلاء، فذكر له حال الرجل، وجعل يذكر له بالفارسية ما قال، والرجل يبكي ويستغيث ويلطم، إلى أن فرغ من حديثه، وسئل عن حاله، فأخبر أنه أخبر بموت أبيه واخوته وجماعة من أهله.
ومثل هذه ما ذكره تلميذة أبو زكريا التبريزي: أنه كان قاعداً في مجلسه بمعرة النعمان بين يدي أبي العلاء، يقرأ شيئاً من تصانيفه. قال: وكنت قد أقمت عنده سنين ولم أر
(1/10)

أحداً من أهل بلدي، فدخل المسجد بعض جيراننا للصلاة، فرأيته وعرفته، وتغيرت من الفرح. فقال لي أبو العلاء: أي شيء أصابك؟ فحكيت له أني رأيت جاراً لي، بعد أن لم ألق أحداً من أهل بلدي سنين. فقال: قم فكلمه. فقلت حتى أتمم السبق. فقال: قم وأنا انتظرك. فقمت وكلمته بلسان الأذْرَبية شيئاً كثيراً، إلى أن سألت عن كل ما بدا لي، أي لسان: هذا؟ قلت: هذا لسان أذربيجان. فقال لي: ما عرفت اللسان ولا فهمته، غير أني حفظت ما قلتما، ثم أعاد على اللفظ بعينه، من غير أن ينقص منه أو يزيد عليه. وهذا من أعجب العجائب، لأنه حفظ ما لم يفهمه.
وحكى عنه بعض أصحابه أيضاً أن جاراً سماناً كان بينه
(1/11)

وبين رجل من أهل المعرة معاملة، فجاء ذلك الرجل، وحاسبة برقاع يستدعي فيها ما يأخذه منه عند حاجته إليه. وكان أبو في غرفة يسمع محاسبتها. قال: فسمع أبو العلاء السمان المذكور بعد مدة يتأوه ويتململ، فسأله عن حاله، فقال: كنت حاسبت فلاناً برقاع كانت له عندي، وقد عدمتها، ولا يحضرني حسابه، فقال: ما عليك من بأس، أنا أملى عليك حسابه، وجعل يملي معاملته رقعة برقعة، والسمان يكتبها، إلى أن فرغ وقام، فما مضت إلا أيام يسيرة، ووجد السمان الرقاع، فقابل بها ما أملاه عليه أبو العلاء، فطابق إملاؤه الرقاع.
والعلم الفرد في قوة الحافظة عبد الله بن عباس، رضى الله عنهما.
قال أبو العباس المبرد
(1/12)

في كامله: ويروي أن ابن الأزرق أتى أبن عباس يوماً، فجعل يسأله حتى أمله، فجعل ابن عباس يظهر الضجر، وطلع عمر بن عبد الله أبن أبي ربيعة على أبن عباس وهو يومئذ غلام، فسلم وجلس، فقال له أبن عباس: ألا تنشدنا شيئاً من شعرك؟ فقال:
أمِن آل نُعْمٍ أنتَ غاد فُمبْكِرُ ... غداة غَدٍ أم رائحُ فُمهَجَّرُ
بحاجة نفس لم تقلْ في جوابها ... فتَبْلُغَ عُذْراً والمقالة تُعْذرِ
تَهُمُّ إلى نعم فلا الشملُ جامعُ ... ولا الحبلُ موصول ولا القلب مُقصر
ولا قرب نُعم إن دنت لك نافعُ ... ولا نأيُها يُسْلىَ ولا أنت تَصْبر
وأخرى أتتْ من دُونِ نُعم ومثلُها ... نَهى ذو النهى لو يَرعوي أو يُفكر
إذا زُرتُ نُعماً لم يَزَلْ ذو قرابة ... لها كُلَّما لاقيته يَتَنَهَّر
(1/13)

عزيزُ عليه أن أمُرَّ ببابها ... يُسِرِ لي الشَّحناء والبْغضَ يُظَهر
ألكنْي إليها بالسَّلام فإنه ... يُشهَّر إلمامي بها ويُنَكَّر
بآية ما قالت غداةَ أجبتُها ... بمَدْفع أكنان أهذا المُشَهَّر
قفي فانظري يا أسْمَ هل تعرفينه؟ ... أهذا المُغيري الذي كان يُذكَر؟
أهذا الذي أطْرَيت نعتاً فلمِ أكُنْ ... وعيشِك أنساه إلى يومِ أقْبرَ
فقالت: نَعَم لا شكَّ غَيَّرَ لونَه ... سُرَى الليل يُحيْني نصَّه والتَّهجُّرِ
لئن كان إياه لقد حال بَعْدنا ... عن العهدِ والإنسانُ قد يتغيرُ
رأتْ رجلا أما إذا الشمسُ عُارضتْ ... فَيَضْحى وأما بالعَشيِ فَيخصر
حتى أتمها، وهي ثمانون بيتاً، فقال له أبن الأزرق: الله أنت يا بن عباس! أنضرب إليك أكباد الإبل
(1/14)

نسألك عن الدين فتعرض، ويأتيك غلام من قريش فينشدك سفهاً فتسمعه؟ فقال: تالله ما سمعت سفهاً فقال ابن الأزرق:
رأت رجلاً أما إذا الشمسُ عارضتْ ... فَيَخزي وأما بالعشيّ فَيخسَرُ
فقال ما هكذا قال، وإنما قال: " فيضحى وأما بالعشي فيحضر ".
قال: أو تحفظ الذي قال؟ قال: والله ما سمعتها إلا ساعتي هذه ولو شئت أن أردها لرددتها. قال: فارددها فأنشده إياها كلها.
ومثلها ما حكاه أبو عبادة البحتري عن أبي تمام، قال البحتري: أول ما رأيت أبا تمام أني دخلت على أبي سعيد محمد بن يوسف وقد مدحته بهذه القصيدة:
أأفاقَ صَبُّ من هوىَّ فأُفيقا ... أم خان عهداً أمْ أطاع شفيقاً
إن السلوَّ كما زعمت لَرَاحةُ ... لوْ راح قلبي للسلُوّ مُطيقاً
(1/15)

هذا العقيقُ وفيه مَرْأى مُونقُ ... للعين لو كان العقيقُ عقيقا
أشَقيقهَ العَلَمْين هل من نظرةٍ ... فَتَبُلَّ قلباَّ للغليل شقيقا؟
وَسَمْتْك أرْديةُ السماء بديمةً ... تُحيي رجاءً أو تردُّ عشيقاً
ولئن تناول من بشاشتك البلىَ ... طرفاً وأوحش أنسَك الموموقا
فلربّ يوم قد غَنينا نجتلي ... مغناك بالرَّشا الأنيق أنيقا
علَّ البخيلةَ أن تجود بها النَّوى ... والدارَ تجمع شائقاً ومشوقا
كذب العواذلُ أنت أفتكُ لحظةً ... وأغضُّ أطرافاً وأعذبُ ريقا
ماذا عليك لو اقتربت لموعد ... ينئىْ الجوى وسقَيْتنا ترنيقا
غدت الجزيرةُ في جناب محمدً ... ريَّا الجنابِ مَغارباً وشروقا
بَرَقتْ مخايُله لها وتَخرّقتْ ... فيها عَزَالي جُودِه تخريقاً
(1/16)

صفحتْ له عنها السنونَ وواجهت ... أطرافُها وجهَ الزمانَ طليقا
رفع الأميرُ أبو سعيد ذكرَها ... وأقام فيها للمكارم سُوقا
يستمطرون بداً يفيضُ نوالهاُ ... فيُغرقُ المحرومَ والمرزوقا
يَقِظُ إذا اعترض الخطوبَ برأيه ... ترك الجليلَ من الخطوب دقيقا
هلاَ سألتَ محمداً بمحمدِ ... تَجدِ الخبيرَ الصادقَ المصدوقا
وسَل الشُّراةَ فإنهم أشقى به ... من أهل مُوقانَ الأوائلِ موقا
كنا نُكفرُ من أميةَ عُصبةً ... طلبوا الخلافةَ فَجْرهً وفسوقاً
ونقول تيمُ قرّبتْ وعَديُّها ... أمراً بعيداً حيث كان سحيقا
وللومُ طلحة والزبيرَ كليهما ... ونُعنّف الصديق والفاروقا
وهمُ قريشُ الأبطحَيْنِ إذا انتموا ... طابوا أُصولا فيهُم وعروقا
(1/17)

حتى انبرتْ جُشَمُ بنُ بكر تبتغي ... إرث النبي وتَدَّعيه حقوقا
جاءوا بِراعيهمْ ليتخذوا به ... عمْداً إلى قطع الطريقِ طريقا
طرحوا عَباءته وألقوْا فوقه ... ثوبَ الخلافةٍ مُشْرَباً رَاوقا
عقدوا عمامَته برأسِ قَناته ... ورَأوْه بِرًّا فاستحال عقوقا
وأقام يُنفِذُ في الجزيرة حُكْمَه ... ويظنُّ وعدَ الكاذبين صَدوقا
حتى إذا ما الحيةُ الذّكَرُ انكفا ... من أرْزَن حَنقا يَمُجُّ حريقا
غضبانَ يلقى الشمسَ منه بِهاَمة ... تُغْشي البُروق تألُّقاً وبريقا
أوْفى عليه فظلَّ من دَهَشٍ يظ ... نّ البْرّ بحراً والفضاءَ مَضيِقا
غَدَرتْ أمانيه بهِ وتمزَّقتْ ... عنه غَيابةُ سُكرِه تمزيقا
طلعتْ جيادُك من رُبَا الجودي قد ... حُمَّلْنَ من دُفَع المنونُ وسُوقَا
(1/18)

يطلبْنَ ثارَ اللهِ عند عصابة ... خلعوا الإمامِ وخالفوا التوفيقا
يرمون خالقَهم بأقبحِ فِعلهم ... وُيحرَِّقون قُرَانه المنسوقا
فدعا فريقاً من سيوفِك حَتُفهُم ... وشددتَ في عُقَد الحديدِ فريقا
ومضى ابنُ عَمر وقد أساء بعُمره ... ظنَّا يُنزَّق مُهَرة تنزيقا
رَكبتْ جوانحَه قوادمُ رَوْعِه ... فحذفته خذَْفَ المرير الفُوقا
فأجتاز دجلةَ خائضاً وكأنها ... قَعْبُ على باب الكُحَيْل أريِقا
لو خاضها عِمليقُ اوْعُوْجُ إذنْ ... ما جَوَّزَتْ عُوجاً ولا عمليقا
لولا اضطربُ الخوف في أحشائه ... رسب العُبابُ به فمات غريقا
خاض الحتوفَ إلى الحتوفِ مُعانقاً ... زَجلاً كَفِهْر المنِجنيقِ عتيقا
يجتابُ حَزَّةَ سهلها وَوُعورَها ... والطيُر هان مُرادُه وَدَقوقا
(1/19)

لو نَفَّتْه الخيلُ لفتهَ ناظرٍ ... ملأ البلادَ زلازلاً وفُتوقا
لَشَنىَ صُدورَ السمْر تكشف كُربةً ... ولَوَى رؤوس الخَيل تَفُرُج ضِيقاً
ولَبَكَّرتْ بكرُ وراحتْ تَغلبُ ... في نصرِ دعوتهِ إليه طُروقا
حتى يعودَ الذئبُ ليثاً ضَيْغما ... والغصنُ ساقاً والقرارةُ نيِقا
ههيهات مارسَ قَلْقلاً مُتَقظاً ... قَلقاً إذا سكن البليدُ رَشيقاً
مُستسلِفا جعلَ الغَبوقَ صَبوحَة ... ومَرَى صَبوحَ غد فصار غَبُوقاً
لله ركَضُكَ إذ يُبارك المدى ... ومُبينُ سَبْقك إذ أتى مسبوقا
جاذبَته فضلَ الحياةِ فأفلتتْ ... من كّفِه قَمنًا بذاك حقيقا
فرددْتَ مهجتَه وقد كَرَع الرَّدى ... ليِحَفُ منها منهلا مطروقا
لَبس الحديدَ أساوراً وخلاخلاً ... فكفيْتَهُ التسويرَ والتطويقا
(1/20)

بالتلَ تَلّ ربيعَ بين مواضع ... ما زال دينُ الله فيها يُوقي
سَاتيدَمَا وسيوفُنا في هضبةٍ ... يَفْرِي إياسُ بها الطلى والسوقا
حتى تناول تاجَ قَيْصرَ مُشرباً ... بدم وفرّق جَمْعهَ تفريقا
والجازران وهتْمُ إبراهيم في ... ثنْيَهما تلك الثنايا الرُّوقا
قُتلَ الدعى ابنُ الدعىّ بضربة ... خَلسْ وخُرّق جيشُه تخريقا
والزاب إذ خَانَتْ أميةُ فاغتدت ... تُزْجى لنا جَعْديَّها الزِنديقا
كَشفوا بنلِ كُشافَ أروقةَ الدُّجى ... عن عارض ملأ السماءَ بُروقا
نِلناهُمْ قبل الشروق بأذرعُ ... يَهْزوُن في كَبدِ الظلامِ شُروقا
حتى تركنا الهامَ يندبُ منهمُ ... هاماً ببطن الزابِييَنْ فَليقا
يا تغلبَ ابنةَ تغلب حتَّى متَى ... تَردون كُفْراً مُوبِقا ومُروقا
(1/21)

تتجاوبون لدعوة مخذولةٍ ... دعوى الحميرِ إذا أردنَ نهيقا
ولقد نظرنا في الكتاب فلم نجدْ ... لمقالكم في آية تحقيقا
أوَ ما علمّتْم أنَّ سيفَ محمدٍ ... أمسى عذاباً بالطغاة مُحيقاً
لا تَنتضوه بأن تروموا خُطةً ... عسراءَ تُعبي الطالبين لُحوقا
لا تحسُبنَّ إن صَفَرَتْ بهمْ ... رُعيانُكم بَهْماً أطاع وَنُوقا
خَلُّوا الخلافَة إنَّ دون لِقائها ... قَدَراً بأخذ الظالمين خليقا
قد ردّها زيدُ بنُ حِصن بعدما ... مدُّوا عليهِ رداءَها المشقوقا
بالنَّهروانِ فعاهدوه وأكدوا ... عَقْداً له بين القلوب وثيقا
ورجالُ طيّ مُصْلتون أمامه ... وَرَقاً هناك من الحديد رقيقا
لم يَرْضَها لما اجتلاها صَعبةً ... لم تَرْضَه خِدناً لها ورفيقا
(1/22)

لو واصلت أحداً سوى أصحابها ... منهمْ لكانَ أخاً لها وصديقا
فسر بها أبو سعيد، وقال: أحسنت والله يا فتى.
وكان في مجلسه رجل نبيل رفيع المجلس منه، فوق كل من حضر في مجلسه، يكاد يمس ركبته، فأقبل على وقال: يا فتى أما تستحي؟ هذا شعري تنتحله وتنشده بحضرتي؟ فقال أبو سعيد: أحقا ما تقول؟ قال: نعم، وإنما علقة مني فسبقتني به إليك، ثم اندفع فأنشد القصيدة حتى شككني - علم الله - في نفسي، وبقيت متحيراً فأقبل على أبو سعيد وقال: يا فتى لقد كان في قرابتك منا، وودك لنا ما يغنيك عن هذا، فجعلت أحلف بكل محرجة من الأيمان أن الشعر لي، ما سبقني إليه أحد، ولا سمعته ولا انتحلته، فلم ينفع ذلك شيئاً، وأطرق أبو سعيد، وقطع
(1/23)

الكلام حتى تمنيت أني سخت في الأرض، فقمت منكسر البال أجر رجلي فخرجت، فما هو إلا أن بلغت باب الدار حتى خرج الغلمان إلى فردوني، فأقبل على الرجل، وقال: الشعر لك يا بني، والله ما قلته قط، ولا سمعت به إلا منك، ولكن ظننت أنك تهاونت بموضعي فأقدمت على الإنشاد بحضرتي من غير معرفة كانت بيننا، تريد بذلك مضاهاتي ومكاثرتي حتى عرفني الأمير نسبك وموضعك، ولوددت ألا تلد طائية إلا مثلك. وجعل أبو سعيد يضحك، فدعاني أبو تمام فضمني إليه وعانقني، وأقبل يقرضني ولزمته بعد ذلك، وأخذت عنه، واقتديت به.
ونادرة الدنيا في سرعة الحفظ الأستاذ أبو الفضل أحمد بن
(1/24)

الحسين بديع الزمان الهمذاني، فإنه كان ينشد القصيدة التي لم يسمعها قط فيحفظها كلها ويؤديها من أو لها إلى آخرها لا يخرم حرفاً، وينظر في الأربعة والخمسة الأوراق من كتاب لا يعرفه ثم يهذها عن ظهر قلبه هذا، ويسردها سرداً

ويطلعك على حقيقته ذلك ما جرى بينه وبين الأستاذ أبي بكر الخوارزمي من المناظرة يوم اجتماعها في دار السيد أبي القاسم المستوفي، بمشهد من القضاة والفقهاء والأشراف وغيرهم من سائر الناس.
قال البديع: وأول القصة أنا وطئنا خراسان، فما اخترنا إلا نيسابور دارا، وإلا جوار السادة جوارا، وقديماً كنا نسمع بهذا الفاضل، ونقدر أنا إذا وردنا بلدة يخرج لنا في العشرة عن القشرة؛ فقد كانت لحمة الأدب جمعتنا، وكلمة الغربة نظمتنا، وقد قال الشاعر:
أجارتَنا إنا غريبان هاهنا ... وكلُّ غريب للغريب نسيبُ
فاخلف ذلك الظن كل الإخلاف، واختلف ذلك التقدير كل الاختلاف، وقد كان اتفق علينا في الطريق من العرب اتفاق، لم يوجبه استحقاق من بزة بزوها، وفضة فضوها وذهب ذهبوا به؛ ووردنا نيسابور براحة أنقى من الراحة؛ وزي أوحش من طلعة المعلم، فما حللنا إلا قصبة جواره. ولا وطئنا إلا عتبة داره بعد ما كتبنا له: إنا لقرب الأستاذ أطال الله بقاه " كما طرب النشوان مالت به الخمر ".
ومن الارتياح للقائه " كما انتفض العصفور بلله القطر " ومن الامتزاج بولائه " كما التقت الصهباء والبارد العذب " ومن الابتهاج بمزاره " كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب " فكيف نشاط الأستاذ لصديق طوى إليه ما بين قصبتي العراق وخراسان، بل عتبتي الجبلونيسابور؟ وكيف اهتزازه لضيف:
رثّ الشمائل مُنْهَج الأثواب ... بكرتْ عليه مُغيرة الأعراب
وهو أيده، الله ولى إنعامه، بإنفاذ غلامه، إلى مستقري لأفضى إليه بما عندي.
قال البديع: فلما أخذتنا عينه سقانا الدردي من أول دنة. وأجنانا سوء العشرة من باكورة فنه. من طرف نظر بشطره، وقيام دفع في صدره، وصديق استهان بقدره، وضيف استخف بأمره، فقاربناه إذ جانب، وواصلناه إذ جاذب، وشربناه على كدورته، ولبسناه على خشوتنه، ورددنا الأمر في ذلك إلى زي استغثه، ولباس استرثه، وكاتبناه نستمد وداده، ونستميل فؤاده، بقولنا: الأستاذ أزرى بضيفه إذ وجده يضرب آباط القلة في أطمار الذلة. فأعمل في تربيته أنواع المصارفة، وفي الاهتزاز له أصناف المضايقة؛ من إيماء بنصف الطرف، وإشارة بشطر الكف، ودفع في صدر القيام عن التمام، ومضغ الكلام، وتكلف لرد السلام، وقد قبلت تربيته صعرا، واحتملته وزرا، واحتضنته نكرا وتأبطته شرا. ولم آله عذرا؛ فإن المرء بالمال، وثياب الجمال، ولست مع هذه الحال، وفي هذه الأسمال، أتقزز صف النعال.
فلو صدقته العتاب، وناقشته الحساب لقلت إن بوادينا ثاغية صباح، وراغية رواح، وناساً يجرون المطارف، ولا يمنعون المعارف:
وفيهم مقاماتُ حسانُ وجوهُهُم ... وأندية ينتابها القولُ والفعل
ولو طرحت بأبي بكر إليهم طوارح الغربة، لوجد منال البشر قريباً، ومحط الرحل رحيباً، ووجه لمضيف خصيبا، ورأى الأستاذ أبي بكر في الوقوف على هذا العتاب الذي معناه ود، والمر الذي يتلوه شهد، موفق إن شاء الله.
فأجاب: وصلت رقعة سيدي ومولاي، ورئيسي أطال الله بقاءه إلى آخر السكباج، وعرفت ما تضمنته من حسن خطابه ومؤلم عتابه وصرفت ذلك منه إلى الضجر الذي لا يخلو منه من مسه عسر. ونبابه دهر. أما ما شكاه سيدي من مضايقتي إياه في القيام، فقد وفيته حقه على قدر ما قدرت عليه، ووصلت إليه. فأما القوم الذين صدر عنهم فكما وصف. ولقد جاورتهم فأحمدت المراد، ونلت المراد.
فإن أكُ قد فارقتُ نجداً وأهلهَ ... فما عهد نجد عندنا بذميمْ
والله يعلم نيتي للناس كافة، ولسيدي خاصة، فإن أعانني على ما في نفسي. بلغت إليه ما في النية، وجاوزت مسافة القدرة، وإن قطع على طريق عشرتي بالمعارضة، وسوء المؤاخذة، صرفت عناتي عن طريق الاختيار، بيد الاضطرار:
فما النفسُ إلا نطفةُ بقرارة ... إذا لم تكُدَّر كان صفواً معينها
وبعد فحبذا عتاب سيدي إذا استوجبنا عتباً، واقترفنا ذنباً، فأما أن يسلفنا العربدة، فنحن نصونه عن ذلك، ونصون أنفسنا عن احتماله.
قال البديع: فلما ورد الجواب عمدنا لذكره فسحوناه عن صحيفتنا، ومحونا، وصرنا إلى اسمه فأخذناه، ونبذناه، وتركنا خطته، وتجنبنا خلطته، ومضى على ذلك الأسبوع، ودبت الأيام، ودرجت الليالي، وتطاولت المدة، وتصرم الشهر، وصرنا لا نعير السماع ذكره، ولا نودع الصدر حديثه، وجعل يستزيد ويستعيد بألفاظ تقطعها الأسماع من لسانه وتردها إلي، وكلمات تحفظها الألسنة من فمه وتعيدها على. فكاتبناه: أنا أرد من الأستاذ شرعة وده وإن لم تصف، وألبس خلعة بره وإن لم تضف. وقصاراي أن أكيله صاعاً عن مد، وإن كنت في الأدب دعى النسب، ضعيف السبب، ضيق المضطرب، سيئ المنقلب.
سيدي ناقشني في الحساب القبول أولاً، وصار فني في الإقبال ثانياً؛ فأما حديث الاستقبال وأمر الإنزال فنطاق الطمع ضيق عنه، غير متسع لتوقعه منه، وبعد فكلفة الفضل بينة، وفروض الود متعينة، وأرض العشرة لينة، فلم اختار قعود التعالي مركباً، وصعود التغالي مذهباً، وشوقي قد كد الفؤاد برحاً إلى برح، ونكأة قرحاً على قرح، ولكنها مرة مرة. ونفس حرة، وليس إلا غصص الشوق نتجزعها وحلل الصبر نتدرعها، وأنا لو أعرت جناح طائر لما طرت إلا إليه، ولا وقعت إلا عليه.
قال البديع: وبقينا نقنع بالذكر وصلا حتى جعلت عواصفه تهب، وعقاربه تدب، وأفضت الحال إلى أن قال: لو أن بهذا البلد رجلاً تأخذه أريحية الكرم يجمع بيني وبينه؟، واتفق أن السيد أبا علي نشط للجمع بيننا، فدعاني فأجبت، ثم عرض على حضوره فطلبت، فلما جاءنا تركناه على غلوائه حتى إذا نفض ما في رأسه وفرغ جعبة وسواسه، عطفنا عليه، وقلنا: فلتهدأ ضلوعك، وليفرخ روعك ولتسكن سورتك. ولتلن فورتك، ولا ترقص لغير طرب. ولا تحم لغير سبب، وقديماً كنت أسمع بحديثك؛ فيعجبني الالتقاء بك، والاجتماع معك، والآن إذ سهل الله ذلك، فهلم إلى الأدب ننفق يومنا عليه، وإلى الجدل نتجاذب طرفيه، ولنبدأ بالفن الذي ملكت به زمانك، وأخذت منه مكانك، وطار به اسمك بعد وقوعه، وارتفع له ذكرك عقب خضوعه. . .
فقال: وما هو؟ قلت الحفظ إن شئت، والنظم إن أردت، والنثر إن اخترت، والبديهة إن نشطت، فأحجم عن الحفظ رأسا، ولم يجل في النثر قدحا، وقال أبادهك، واقترح علينا أن نقول على وزن قافية أبي الطيب: أرق على أرق ومثلي يأرق وابتدر أبو بكر إلى الإجازة، ولم يزل إلى الغايات سباقاً فقال:
وإذا ابتدهتُ بديهة يا سيدي ... فأراك عند بديهتي تتغلق
وإذا قرضتُ الشعر في ميدانه ... لا شك أنك يا أخيَّ تَشَقَّق
إني إذا قلتُ البديهة قلتها ... عَجلا وطبعك عند طبعي يَرفُق
مالي أراك ولست مثلي عندها ... مُتمَّوها بالتُرهات تُمخْرق
إني أُجيز على البديهة مثل ما ... تريانه وإذا نطقتُ أصدّق
لو كنتَ من صخر أصمَّ لهاله ... مني البديهة واغتدى يتلَّفق
أو كنت ليثا في البديهة خادراً ... لرئيت يا مسكين منَّي تَفْرَق
وبديهة قد قلتها متنفساً ... فقل الذي قد قلتَ يا ذا الأخرق
ثم وقف يعتذر، ويقول: هذا كما يجيء لا كما يجب، فقلت قبل الله عذرك فخذ الآن جزاء عن قرضك، وأداء لفرضك. وقلت:
مهلا أبا بكر فزندك أضيق ... فأخرَس فإن أخاك حي يرزق
دعني أعرك إذا سكت سلامة ... فالقول ينجُد في ذويك ويُعرق
ولفاتك فتكاتُ بيضِ سيوفكم ... فدع الستور وراءها لا تُخْرق
وأنظر لأشنع ما أقول وأدعى ... أله إلى أعراضكم مُتسلق
يا أحمقا، وكفاك ذلك خَزْية ... جرَّبت نار معرتي هل تحرق؟
فلما أصابه حَرُّ الكلام، ومسه لفحُ هذا النظام، قال: يا أحمقا لا يجوز، فإنه لا ينصرف، وقطع علينا؛ فقلنا: يا هذا لا تقطع، فإن شعرك إن لم يكن عيبة عيب، فليس بظرف ظرف، وأما أحمق فلا يزال يصفعك وتصفعه، حتى ينصرف وتنصرف معه، وعرفناه أن للشاعر أن للشاعر أن يرد ما لا ينصرف إلى الصرف، كما أن له رأيه في القصر والحذف.
وقلنا: أخبرنا عن بيتك الأول، أمدحت أم قدحت؟ وذكيت أم جرحت؟ ففيه شيئان متفاوتان، ومعنيان متباينان، بدأت فخاطبت بيا سيدي، وعطفت فقلت تتغلق. وهما لا يركضان في حلبة، ولا يخطان في خطة؛ ثم قلت له: خذ وزناً من الشعر حتى أسكت عليك، فتستوفي من القول حظك، وأسكت علينا حتى نستوفي حظنا، ثم إني أحفظ عليك أنفاسك، وأوافقك عليها، واحفظ على أنفاسي ووافقني عليها؛ فإن عجزت حفظتها لك. وأخذنا بيت المتنبي: أهلاً بدار سباك أغيدها.
فقلت: يا نعمة لا تزال تجحدها، ومنة لا تزال تكندها فقال: ما معنى تكندها؟ فقلت: كند النعمة كفرها، فرفع رأسه وقال: معاذ الله أن يكون كند بمعنى جحد، فتلونا:) إن الإنسان لربه لكنود (. وقلت له: أليس الشرط أملك، والعهد بيني وبينك أن تكست ونسكت، كي تتم ونتم، فنبذ الأدب وراء ظهره، وصار إلى السخف يكلينا بصاعه ومده، فقلت: يا هذا إن الأدب غير سوء الأدب. ولو كان في باب الاستخفاف شيء أعظم من الاحتقار، وإنكار أبلغ من ترك الإنكار، لبلغته منك. فأخذ يمضي على غلوائه، ويمعن في هرائه وهذائه وقلت: أستغفر الله من مقالتك، وسكت حتى عرف الناس أني أملك من نفسي ما لا يملكه، وأسلك من طريق الحلم ما لا يسلكه، ثم عطفت عليه فقلت: يا أبا بكر إن الحاضرين قد أعجبوا من حلمي بأضعاف ما أعجبوا من علمي. وتعجبوا من عقلي أكثر مما تعجبوا من فضلي وبقى الآن أن يعلموا أن هذا السكوت ليس عن عي وأن تكلفي للسفه أشد استمراراً من طبعك، وغربي في السخف أمتن عوداً من نبعك، فقال: أنا قد كسبت بهذا العقل دية أهل همذان مع قلته، فما الذي أفدت أنت بعقلك مع غزراته؟ فقلت: هذا الذي به تتمدح من أنك شحذت فأخذت، فهذا عندنا صفة ذم، وقد صدقت. أنت بهذه الحلبة أسبق، وفي هذه الحرفة أعرق، وأنا قريب العهد بهذه الصنعة، حديث الورد لهذه الشرعة، وما أضيع وقتاً قطعته بذكرك، ولساناً دنسته باسمك، وملت إلى القوال. فقلت: أسمعنا خيراً، فغنى أبياتاً منها:
وشَبَّهنا بَنفْسَجَ عارِضيْه ... بقايا اللطم في الخد الرقيقِ
فقال أبو بكر: أحسن ما في الأمر أني أحفظ هذه القصيدة وهو لا يعرفها. فقلت: إن أنشدتكها ساءك مسموعها، ولم يسرك مصنوعها، فقال: أنشد، فقلت: روايتي تخالف هذه الرواية، وأنشدت:
وشبهنا بنفسج عارضيه ... بقايا الوشْم في الخد الصفيق
فأتته السكتة، وأضجرته النكتة، وانطفأت تلك الوقدة، وانحلت تلك العقدة، ودفع القوال فبدأ بأبيات، ولحسن بأصوات، وجعل النعاس يثني الرءوس، ويمنع الجلوس، فقمنا إلى ما وطئ من مضجع، ومهد من مهجع، ولم يكن النوم ملأ العيون، ولا شغل الجفون، حتى أقبل وفد الصباح، وحيعل المؤذن بالفلاح، وندب إلى النهوض بالمفروض، فلما قضينا الفرض، فارقنا الأرض، وظني أن هذا الفاضل يأكل يده ندماً، ويبكي على ما جرى دمعاً ودماً، وأنه إذا نام هاله منا طيف، وإذا انتبه راعه منا سيف، وسعوا بيننا بالصلح، وعرفنا له فضل السن، فقصدناه معتذرين إليه، فأومأ إيماءة مهيضة، واهتز اهتزازة مغيضة، وأشار إشارة مريضة، بكف سحبها على الهواء سحباً، وبسطها في الجو بسطاً، وعلمنا أن للمقهور أن يستخف ويستهين، وللقاهر أن يحتمل ويلين، فقلنا: إن بعد الكدر صفواً، كما أن عقب المطر صحواً، وعرض علينا الإقامة سحابة ذلك اليوم، فاعتللنا بالصوم، فلم يقبل العذر وألح، فقلت: أنا وذاك، فطعمنا عنده، وخرجنا والنية على الجميل موفورة، وبقعة الود معمورة، وصرنا لا نتعلل إلا بمدحه، ولا نتنقل إلا بذكره، ولا نعتد إلا بوده، لا. بل ملأنا البلد شكراً، والأسماع نشراً، وبينا نحن من الحال في أعذبها شرعة، ومن المقة في أطيبها جرعة، ومن المودة في أعزها بقعة، وأوسعها رقعة، حتى طرأ علينا رسولان محتملان مقالته، ومؤديان رسالته، ذاكران أن أبا بكر يقول قد تواترت الأخبار، وتظاهرت الآثار، في أنك قهرت، وأني قهرت، ولا شك أن ذلك التواتر عنك صدرت أوائله، والخبر إذا تواتر به النقل، قبله العقل، ولا بد أن نجتمع في مجلس بعض الرؤساء، فتناظر بمشهد الخاصة والعامة، فإنك متى لم تفعل ذلك لم آمن عليك تلامذتي، أو تقر بعجزك وقصورك عن بلوغك أمدي. ومنال يدي، فقلت: هذا التواتر ثمرة ذلك التناظر، مع ذلك التساتر، فإن ساءك فأحر أن يسوءك عند مجتمع الناس، ومحتفل أولى الفضل، ولأن تترك الأمر مختلفا فيه خير لك من أن يتفق عليه، وإن أحببت أن تطير هذا الواقع، وتهيج هذا الساكن، فرأيك موفق.
ثم مضت على ذلك أيام، ونحن منتظرون لفاضل ينشط لهذا الفصل، وينظر بيننا بالعدل، فاتفقت الآراء على أن يعقد هذا المجلس في دار أبي القاسم الوزير، واستدعيت، فسرحت الطرف من ذلك السيد في عالم أفرغ في عالم، أو ملك في درع ملك، ونطق فودت الأعضاء لو أنها أسماع مصغية، واستمع فودت الجوارح لو أنها ألسنة ناطقة، وكنت أول من حضر، وطلع الإمام أبو الطيب وهو بنفسه أمة، ووحده عالم. ثم حضر السيد أبو الحسين، وهو أبن الرسالة والإمامة، وعامر أرض الوحي، والمحتبي بفناء النبوة، وحضر بعد ذلك أبو عمر البسطامي، وناهيك به من حاكم يفصل، وناظر يعدل، ثم حضر القاضي أبو نصر، والأدب أدنى فضائله، وأيسر فواضله، وحضر الشيخ أبو سعيد محمد بن أرمك، وهو الرجل الذي تحميه لألاؤه، ولوذعيته من أن يذال بمن؟ أو ممن الرجل؟ وحضر أبو القاسم بن حبيب، والفقيه أبو الهيثم، ورائد الفضل يقدمهما، وقائد العقل يخدمهما، وحضر الشيخ أبو نصر المرزبان، والفضل منه بدأ وإليه يعود، وحضر بعده أصحاب الإمام أبي الطيب وأصحاب الأستاذ أبي الحسن الماسرجسي، وأصحاب الأستاذ أبي عمر البسطامي، وهم في الفضل كأسنان المشط، ومنه بأعلى مناط العقد، وحضر الشيخ أبو سعيد الهمذاني، وله في الفضل قدحه المعلى، وفي الأدب حظه الأعلى، ثم حضر أصحاب الأسبلة المسبلة، والأسوكة المرسلة، رجال يلعن بعضهم بعضاً، فقلت: من هؤلاء؟ فقالوا: أصحاب الخوارزمي.
فلما أخذ المجلس زخرفه ممن حضر، وانتظر أبو بكر فتأخر، اقترحوا على قوافي أثبتوها، واقتراحات كانوا بيتوها، فما ظنك بالحلفاء أدنيت لها النار: من لفظ إلى المعنى نسقته، وبيت إلى القافية سقته. على ريق لم أبلعه، ونفس لم أقطعه. وقال الإمام أبو الطيب لن نؤمن لك حتى نقترح القوافي، ونعين المعاني، وننص على بحر، فإن قلت على الروي الذي أسومه، وذكرت المعنى الذي أرومه، فأنت حي القلب كما عهدناك، شجاع الطبع كما وجدناك، فلما خرجت من عهدة هذا التكليف، حتى ارتفعت الأصوات بالهيللة من جانب، والحوقلةمن آخر. وتعجبوا إذ أرتهم الأيام ما لم ترهم الأحلام، وجادهم العيان بما بخل به السماع، وأنجزهم الفهم ما أخلفهم الوهم، ثم التفت فوجدت الأعناق تلتفت وما شعرت إلا بهذا الفاضل، وقد طلع في شملته، وهب بجملته، ومشى إلى فوق أعناق الناس يريد الصدر، فقلت: يا أبا بكر تزحزح عن الصدر، فقال لست برب الدار، فتأمر على الزوار، فقلت: حضرت لتناظري، والمناظرة اشتقت إما من النظر، وإما من النظير، ومن حسن النظر أن يكون مقعدنا واحداً، حتى يتبين الفاضل من المفضول، ثم يتطاول السابق، ويتقاصر المسبوق، فقضت الجماعة بما قضيت.
ثم قلت: في أي علم تريد أن نتناظر؟ فأشار إلى النحو، فقلت: إن شئت أن أناظرك فيه فسلم ما كنت تدعيه، من سرعة في البديهة، وجودة في الروية، وقدرة على الحفظ، ونفاذ في الترسل، فقال: لا أسلم ذلك، ولا أناظر في غير هذا، وارتفعت المضاجة، واستمرت الملاجة، حتى قال له الأستاذ أبو عمر: أنت أديب خراسان، وبهذه الأبواب التي قد عدها هذا الشاب كنا نعتقد لك السبق، وتثاقلك عن مجاراته فيها مما يوهم، واضطره إلى منازلة أو نزول عنها. فقال: سلمت الحفظ، فقلت: خفف الله عنك كما خففت عنا في الحفظ، فلو سلمت البديهة مع الترسل، حتى نفرغ للنحو والأمثال واللغة والعروض والأشعار فقال: ما كنت لأسلم الترسل، ولا سلمت الحفظ، فقلت: الراجع في فيئه كالراجع في قيئه؛ لكنا نقيلك عن ذلك السماح.
أنشدنا خمسين بيتاً من قبلك مرتين، حتى أنشدك عشرين بيتاً من قبلي عشرين مرة، فعلم أن من دون ذلك خرط القتاد، فسلمه ثانياً، كما سلمه بادياً، وصرنا إلى البديهة، فقال أحد الحاضرين هاتوا على شعر أبي الشيص في قوله:
أبقى الزمانُ به نُدوب عِضاضِ ... ورَمَى سوادَ قُرونه ببياض
فبدأ أبو بكر مقداراً أنا نغفل عن أنفاسه، أو نوليه جانب وسواسه، ولم يعلم أنا نحفظ عليه الكلم، فقال:
يا قاضياً ما مثله من قاضٍ ... أنا بالذي تقضي علينا راضِ
فلقد لَبِست ضَفيِةَّ ملمومةً ... من نسج ذاك البارق الفَضْفاض
لا تغضبنّ إذا نظمتُ تنفساً ... إن الغضى في مثل ذاك تغاضِ
فلقد بُليتُ بشاعر متقادرِ ... ولقد بليت بناب ذيب غاض
ولقد قرضت الشعر فأسمع وأستمع ... لنشيد شعر طائعاً وقراض
فلأغلبنّ بديهةً ببديهتي ... وَلأَرمينّ سوادَه ببياض
فقلت ما معنى ضيفة ملمومة؟ وما الذي أردت بالبارق الفضفاض؟ فأنكر أن يكون قاله قافية، فقالوا له: قد قلت. ثم قلت ما معنى قولك ذيب غاض؟ فقال هو الذي يأكل الغضى قلت: استنوق الجمل، وصار الذئب جملا يأكل الغضى. فما معنى أن الغضى في مثل ذاك تغاض، فإن الغضى لا أعرفه بمعنى الإغضاء فقال لم أقل الغضى، وأنكر البيت جملة فقلت: ما أغناك عن بيت تهرب منه وهو يتبعك، وتتبرأ منه وهو يلحق بك. فما معنى قراض فلم أسمعه مصدراً من قرضت الشعر. ثم دخل الرئيس أبو جعفر، والقاضي أبو بكر، والشيخ أبو زكريا الحيري، وطبقة من الأفاضل وأخذ الرئيس مكانه من الصدر، وقال: قد ادعيت عليه أبياتاً أنكرها فدعوني من البديهة على النفس واكتبوا ما تقولون فقلت:
برز الربيع لنا برونق مائة ... فانظر لروعة أرضه وسمائه
فالتربُ بين مُمَسَّك ومُعَنْبر ... من نَوْره بل مائة وُروائه
والماء بين مُصَنْدل ومُكفّرٍ ... في حُسْن كُدرته ولون صفائه
والطيرُ مثل المُحصَنات صوادحُ ... مثلُ المغنى شادياً بغنائه
والوردُ ليس بِمُمْسك رَياه بل ... يُهدي لنا نَفَحاته من مائهِ
زمنَ الربيع جلَبتَ أزكى مَتْجرٍ ... وجلوت للرائين خيرَ جِلائه
فكأنه هذا الرئيس إذا بدا ... في خَلْقه وصفاته وعطائه
ما البحرُ في تزخاره والغيث في ... إمطاره والجو في أنوائه
بأجلّ منه رغائباً ومواهباً ... لا زال هذا المجد حلفِ قَبائه
والسادة الباقون سادةُ عصرهم ... متمدَّحون بمدحه وثنائه
وقال أبو بكر تسعة أبيات رددتها عليه، وقلت لمن حضر أرأيتم لو أن رجلاً حلف بالطلاق لا ينشد شعراً قط وأنشد هذه الأبيات فقط، هل تطلق امرأته؟ فقالت الجماعة لا يقع بهذا طلاق. ثم قلت: أنقد علي كما نقدت، وأحكم عليه كما حكمت. فأنتقد ما انتقد، وكفتني الجماعة جوابه، وقالوا: قد علمنا أي الرجلين أشعر؟ وأي الخصمين أقدر.
ثم ملنا إلى الترسل فقلت: اقترح على غاية ما في طوقك، ونهاية ما في وسعك، حتى أقترح عليك أربع مائة صنف في الترسل، فإن سرت فيها برجلين، ولم أطر بجناحين، فلك يد السبق، ومثال ذلك أن أقول لك: اكتب كتاباً يقرأ منه جوابه هل يمكنك أن تكتب؟ أو أقول لك أكتب كتاباً في المعنى الذي أقول، وأنص عليه، وأنشد من القصائد ما أريده من غير تثاقل، ولا تغافل حتى إذا كتبت ذلك قرئ من آخره إلى أوله، وانتظمت معانيه إذا قرئ من أسفله، هل كنت تفوق لهذا الغرض سهماً، أو تجيل قدحاً، أو تصيب نجحا؟ أو قلت لك أكتب كتاباً إذا قرئ من أوله إلى آخره كان كتاباً؛ وإذا عكست سطوره مخالفة كان جوابا، أو قلت لك! كتب كتاباً في المعنى الذي يقترح لا يوجد فيه حرف منفصل، من راء تتقدم الكلمة بديهة، هل كنت تفعل؟ أو قلت لك أكتب كتاباً خالياً من الألف واللام هل كنت تقف من ذلك موقفاً محموداً؟ أو قلت لك أكتب كتاباً يخلو من الحروف العواطل، هل كنت تحظى منه بطائل؟ أو تبل لهاتك بناطل؟ أو قلت لك اكتب كتاباً أوائل سطوره كلها ميم وآخرها جيم، على المعنى الذي يقترح هل كنت تغلو في قوسه غلوة؟ أو تخطو في أرضه خطوة؟ أو قلت لك: اكتب كتاباً إذا قرئ معرجاً وسرد معوجاً وسرد معوجاً كان شعراً هل كنت تقطع في ذلك شعراً؟ بلى والله تصيب ولكن من بدنك. وتقطع ولكن من ذقنك. أو أقوال لك: اكتب كتاباً إذا فسر على وجه كان مدحاً، وإذا فسر على وجه كان مدحاً، وإذا فسر على وجه آخر كان قدحاً، هل كنت تخرج عن هذه العهدة؟ أو أقوال لك: اكتب كتاباً تكون حفظته من قبل أن لحظته، هل كنت تثق من نفسك به إلى ما أطاولك بعد؟ لا. بل) أست البائن أعلم.. (.
فقال أبو بكر هذه الأبواب شعبذة. فقلت: وهذا القول طرمذة. فما الذي تحسن أنت من الكتابة وفنونها حتى أباحثك على مكنونها، وأكاثرك بمخزونها، وأشبر قلمك، وأسبر فيها لسانك وفمك؟ فقال الكتابة التي يتعاطاها أهل الزمان المتعارفة بين الناس. فقلت: أليس لا تحسن من الكتابة سوى هذه الطريقة الساذجة. وهذا النوع الواحد المتداول بكل قلم، المتناول بكل لسان وفم، ولا تحسن هذه الشعبذة؟ فقال: نعم. فقلت: هات الآن حتى أطاولك بهذا الحبل. وأناضلك بهذا النبل، ثم تقاس ألفاظي بألفاظك، ويعارض إنشائي بإنشائك. واقترح كتاب يكتب في النقود وفسادها، والتجارات ووقوفها، والبضاعات وانقطاعها. والأسعار وغلائها. فكتب أبو بكر: الدرهم والدينار ثمن الدنيا والآخرة، بهما يتوصل إلى جنات النعيم ويخلد في نار الجحيم، قال الله تبارك وتعالى:) خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم (. وقد بلغنا من فساد النقود ما أكبرناه أشد الإكبار. وأنكرناه أعظم الإنكار؛ لما نراه من الصلاح للعباد وننويه من الخير للبلاد. وتعرفنا في ذلك ما يربح للناس في الزرع والضرع. ويعود إليه أمر الضر والنفع. . . إلى كلمات لم تعلق بحفظنا فقلت: إن الإكبار والإنكار والعباد والبلاد وجنات النعيم ونار الجحيم والزرع والضرع أسجاع قد ثبتت في المعد، ولم تزل في اليد. وقد كتبت وكتبت. ولا أطالبك بمثل ما أنشأت، وناولته الرقعة فتبقى وبقيت الجماعة، وبهت وبهتت الكافة، وقالوا لي أقراه فجعلت أقرؤه واسرده معكوساً. وكان ما أنشأناه: الله شاء إن المحاضر صدور بها، وتملأ المنابر ظهور لها، وتفرع الدفاتر وجوه بها، وتمشق المحابر بطون لها ترشق آثاراً كانت فيه آمالنا مقتضى على أياديه في تأييده الله أدام الأمير جرى فإذا المسلمين ظهور عن الثقل هذا ويرفع الدين أهل عن الكل هذا يحط أن في إليه نتضرع ونحن واقفة والتجارات زائفة، والنقود صيارفة؛ أجمع الناس صار فقد كريما نظراً لينظر شيمه مصاب وانتجعا كرمه بارقة وشمنا هممه على آمالنا رقاب، وعلقنا أحوالنا وجوه له، وكشفنا آمالنا وفود إليه بعثنا فقد نظره بجميل يتداركنا أن ونعماه تأييده وأدام بقاه الله أطال الجليل الأمير رأى إن.
وصلى الله على محمد وآله الأخيار.
فلما فرغت من قراءتها انقطع ظهر أحد الخصمين، فملنا إلى اللغة، فقلت: خذ غريب المصنف إن شئت وإصلاح المنطق إن أردت، وألفاظ ابن السكيت إن نشطت، ومجمل اللغة إن اخترت، وأدب الكتاب إن أردت، واقترح على أي باب شئت من هذه الكتب حتى أجعله لك نقداً وأسرده سرداً، فقال اقرأ من غريب المصنف فقرأت الباب الذي أراده ولم أتردد فيه، وأتيت على الباب الذي يليه. ثم قلت اقترح غيره، فقالوا كفى ذلك فقلت له اقرأ الآن باب المصادر من فصيح الكلام. فوقف حماره، وخمدت ناره. وقال الناس اللغة مسلمة لك أيضاً، فهاتوا غيره. فقلت يا أبا بكر هات العروض؛ فهو أحد أبواب الأدب، وسردت منه خمسة أبحر بألقابها وأبياتها وعللها وزحافها فقلت: هات الآن فاسرده كما سردت. وضجر الناس وتقوض المجلس.
هذا ملخص ما جرى بينهما.
قال أبو عبد الله معاذ بن إسماعيل اللاذقي: قدم أبو الطيب المتنبي اللاذقية في سنة نيف وعشرين وثلاثمائة وهو كما عذر وله وفرة إلى شحمتي إذنيه فأكرمته وعظمته لما رأيته من فصاحته وحسن سمته. فلما تمكن الأنس بيني وبينه، وخلوت معه في المنزل اغتناماً لمشاهدته، واقتباساً من أدبه، قلت: والله إنك لشاب خطير تصلح لمنادمة ملك كبير.
فقال: ويحك أتدري ما تقول؟ أنا نبي مرسل! فظننت
(1/25)

أنه يهزل، ثم تذكرت أني لم أسمع منه كلمة هزل قط منذ عرفته، فقلت له: ما تقول؟ فقال: أنا نبي مرسل. فقلت له: مرسل إلى من؟ فقال: إلى هذه الأمة الضالة المضلة. قلت: تفعل ماذا؟ قال: املأ الدنيا عدلا كما ملئت جوراً. قلت: بماذا؟ قال بإدرار الأزراق والثواب العاجل لمن أطاع وأتى، وضرب الرقاب لمن عصا وأبى. فقلت له: إن هذا أمر عظيم أخاف منه عليك وعذلته على ذلك فقال بديهة:
أبا عبد الإله معاذُ إني ... خفيّ عنك في الهيجا مُقامي
ذكرتَ جسيم ما طلبي وأنَّا ... نخاطر فيه بالمُهج الجسام
أمثلي تأخذُ النكباتُ منه ... ويجزع من مُلاقاة الحمام
ولو برز الزمانُ إلىّ شخصاً
(1/26)

.. لَخضَّب شعر مَفْرقة حُسامي
وما بلغت مَشيَّتها الليالي ... ولا سارتْ وفي يدها زِمامي
إذا امتلأت عيونُ الخيل مني ... فويلُ في التيقظ والمنَام
فقلت: ذكرت أنك مرسل إلى هذه الأمة أفيوحي إليك؟ قال: نعم. قلت: فاتل على شيئاً مما أوحى إليك، فأتاني بكلام ما مر بسمعي أحسن منه، فقلت: وكم أوحى إليك من هذا؟ فقال: مائة عبرة وأربع عشرة عبرة قلت: وكم العبرة؟ فأتى بمقدار أكبر الآي من كتاب الله تعالى. قلت: في كم مدة أوحى إليك؟ قال: جملة واحدة. قلت أسمع في هذه العبرات أن لك طاعة في السماء، فما هي؟ قال: أحبس المدرار لقطع أرزاق العصاة والفجار، قلت: أتحبس في السماء مطرها؟ قال: إي والذي فطرها! أما هي معجزة؟ قلت: بلى والله! قال فإن حبست المطر عن مكان تنظر إليه ولا تشك فيه،
(1/27)

هل تؤمن بي وتصدقني على ما أوتيت من ربي؟ قلت: إي والله قال سأفعل، ولا تسألني عن شيء بعدها حتى آتيك بهذه المعجزة، ولا تظهر شيئاً من هذا الأمر حتى يظهر، وانتظر ما وعدته من غير أن تسأله. ثم قال لي بعد أيام أتحب أن تنظر المعجزة التي جرى ذكرها قلت: إي والله، فقال لي: إذا أرسلت إليك هذا العبد فاركب معه، ولا تتأخر، ولا تخرج معك أحداً، قلت: نعم. فلما كان بعد أيام تغيمت السماء في يوم من أيام الشتاء، وإذا عبده قد أقبل، فقال: يقول لك مولاي اركب للموعد. فبادرت إلى الركوب معه، وقلت أين ركب مولاك؟ قال إلى الصحراء، واشتد وقع المطر، فقال: بادر بنا حتى نستتر من هذا المطر مع مولاي، فإنه ينتظرنا بأعلى تل لا يصيبه
(1/28)

فيه المطر. قلت وكيف عمل؟ قال أقبل إلى السماء أول ما بدا السحاب الأسود، وهو يتكلم بما لا أفهم ثم أخذ السوط، فأدار به في موضع ستنظر إليه، وإذا هو على تل بعيد عن البلد نصف فرسخ، فأتيته فإذا هو على التل، ولم يصبه من ذلك المطر شيء، وقد خضت في الماء إلى ركبة الفرس، والمطر في أشد ما يكون، ونظرت إلى نحو مائتي ذراع في مثلها من ذلك التل ما فيه قطرة مطر، فسلمت عليه، فرد على السلام. فقلت: أبسط يديك أشهد أنك رسول الله. . . فبسط يده فبايعته بيعة الإقرار بنبوته ثم قال:
أيَّ محل ارتقى؟ ... أيّ عظم أتقى؟
وكلُّ ما قد خلق الل ... هـ وما لم يخلق
مُحتقرُ في همتي
(1/29)

.. كشعرة في مَفْرق!
وأخذت بيعته لأهلي، ثم صح بعد ذلك أن البيعة عمت كل مدينة في الشام، وذلك بأصغر حيلة تعلمها من بعض العرب وهي صدحة المطر يصرفه بها عن أي مكان أحب بعد أن يحوي بعصاً، وينفث في الصدحة التي لهم.
قال أبو عبد الله: وقد رأيت كثيراً منهم بالسكون وحضرموت والسكاسك من اليمن يفعلون هذا، ولا يتعاظمونه، حتى إن أحدهم يصدح عن غنمه وإبله. وعن القرية فلا يصيبها شيء من المطر، وهو ضرب من السحر. وسألت المتنبي بعد ذلك هل دخلت السكون؟ قال: نعم أما سمعت قولي من قصيدتي التي أولها
مُلثَّ القَطر أعْطشْها ربُوعا ... وإلاّ فأسْقها السمَّ النقيعا
أمُنْسيَّ السَّكونَ وحَضْرموتاً ... ووالدتي وكِندةَ والسَّبيعا
(1/30)

فقلت: من ثم استفاد ما جوزه على طغام أهل الشام.
ومن كلامه الذي كان يزعم أنه قرآن أنزل عليه:) والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل والنهار، إن الكافر لفي أخطار امض على سننك، واقف أثر من كان قبلك من المرسلين؛ فإن الله قامع بك زيغ من ألحد في الدين، وضل عن السبيل (. ومما كان يمخرق به على أهل البادية أنه كان مشاء قوياً على السير، يسير سيراً لا غاية بعده، وكان عارفاً بالفلوات، ومواقع المياه، ومحال العرب بها. وكان يسير من حلة إلى حلة بالبادية، وبينهما مسيرة أربعة أيام، فيأتي ماء، فيغسل وجهه ويديه ورجليه، ثم يأتي أهل هذه الحلة فيخبرهم عما حدث في تلك الحلة التي فارقها ويوهم
(1/31)

أن الأرض تطوى له.
وسئل في تلك الأيام عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخبر بنبوتي حيث قال: أنا لا نبي بعدي وأنا اسمي في السماء " لا ".
وعلى ذكر قرآن المتنبي نذكر ما قيل من أن أبا العلاء المعري عارض القرآن بكتاب وعنونه) بالفصول والغايات في مجاراة السور والآيات (فقيل له: ما هذا إلا جيد إلا أنه ليس عليه طلاوة القرآن. فقال: حتى تصقله الألسن في المحاريب أربعمائة سنة. وعند ذلك انظروا كيف يكون.
قال الباخرزي في الدمية: أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري التنوخي ضرير ماله في أنواع الأدب ضريب، ومكفوف في قميص الفضل ملفوف، ومحجوب خصمه الألد محجوج، وقد طال في ظلال الإسلام آناؤه، لكن ربما يترشح بالإلحاد إناؤه؛ وعندنا خبر بصره،
(1/32)

والله أعلم ببصيرته، والمطلع على سريرته، وإنما تحدثت الألسن بإساءته لكتابه الذي زعموا أنه عارض به القرآن وعنونه بالفصول والغايات، ومجاراة السور والآيات، وأظهر من نفسه تلك الخيانة وجذ تلك الهوسات كما تجذ العير الصليانة حتى قال القاضي أبو جعفر:
كلبُ عوى بمعرة النعمان ... لما خلا عن ربِقْة الإيمان
أمعرةَ النعمان ما أنجبتِ إذ ... أخرجتِ منك مَعَرة العُمْيان
ومما ظهر من قرآن أبي العلاء: أقسم بخالق الخيل، والريح الهابة بليل بين الشرط ومطالع سهيل، إن الكافر لطويل الويل، وإن العمر لمكفوف الذيل، اتق مدارج السيل، وطالع التوبة من قبيل تنج وما إخالك بناج.
قال ابن سنان: وهذا الكتاب
(1/33)

إذا تأمله العاقل علم أنه بعيد عن المعارضة، وهو بمعزل عن التشبيه بنظم القرآن العزيز والمناقضة، وقد وضعه على حروف المعجم، ففي كل حرف فصول وغايات، فالغاية مثل قوله بناج، والفصل ما يتقدم الغاية، فيذكر فصلا يتضمن التمجيد والمواعظ، ويختمه بالغاية على حروف المعجم مثل تاج وراج وحاج، كالمخمسات والموشحات، وهذه فصول منه، وقد انتقدت عليه.
لبك نبيك الصادق، فأنظر ما يخبرنك ولا تخالفنه، وعليك سجية المؤمن، وشاكه فنه، ما أثق بخبر ينفيه اللب. غير الكلم بغض وحب. اتبع معقولك فإنه يهديك، ولا تكن شر تبيع. كيف أسفك على الغصون الناضرة هزها نسيم لطف فذبلن. لو صدقنا المخبر لوقع الجد، ولكن بان كذبه لمن يعقل، فما أطاق الناس الكلف، وبالله الواحد أتعوذ من شر الألسنة وما أجلن: من زعم أنه قد هدى فذلك هو المرء المتحير. ما لعماك لحاه الله مانت الصمد أخباره: أخبرك زعيم عن ربك فخطت بالكذب أخباره؛ من ربح من سوق الكذب فذلك المعروف خساره: قد غبر قليل العمر، وذهب في الباطل ساره أجعل معقولك دليلك. وأبرد بالنسك غليلك، وأحذر أن تهضم دليلك. رب حديث يستمع والعقل يخبرك ضده. عز مصور الأمم لم يثبت الفكر نده. العقل نبئ، والخاطر خبئ والنظر ربئ، ونور الله لهذه الثلاثة معين. القوة بك إله الجبارين. أخبر عنك فسمعت الخبر، وكيف يظهر سرك إلى المخلوقين، ومنحتني حسا يشهد أن أخبارهم أباطيل، فإذا صدقتها ألغيت ما منتحتنيه وإن كذبتها أفمعاقبي أنت برد ما دفعه المعقول؟ كيف أصدق ما نقله أبن دأب. نستغفرك وأنت الواحد، ما لعظمتك جاحد. أخبر بعض الناس عنك فكذب؛ وأنت أهل العظمة ما أوجه الكذبة وضاء. ما نقدر على ما يرضيك. لأنا لا نعرف غرضك، لكن العقل يخبر أن فعل الخير لوجهك. إن كتب كاتب على فليحفظ عن لساني وشفتي، أني أقر بالله فلا أجحده، وأستغفره وأوحده، وأشهد على أن كان ذنبي بخطأ وتفريط لا أحسم أملي من عفو الله العظيم، وأزدري نفسي من دون الأنفس، وقل ما أنظر إلى البشر بازدراء، ما أنطق وما أقول، في شأن الصمد ضلت العقول، ما يئست من كرمك ولا أبلست، ألست عبدك ألست؟ بلى، ولكني مسيء، فلا إله إلا أنت استغنيت بمعرفتك عن كل السفراء؛ الحمد لك إذ لم تنشر لي حديثاً في البشر كحديث العبري إذ فعل مع الكنة فعل غير سري. تلتمس. من ربك، وليس في الأنوار المشرقة شيء أعظم إنارة من حجاك.
ولما اشتهر أمره وشاع ذكره، وخرج بأرض سلمية من عمل حمص في بني عدي قبض عليه أبن على الهاشمي في قرية يقال لها كوتكين، وأمر النجار بأن يجعل في رجليه وعنقه قرمتين من خشب الصفصاف، فقال المتنبي:
زعم المقيم بكوتكين بأنه ... من آل هاشم بن عبد مناف
فأجبتُه
(1/34)

مذ صرتَ من أبنائهم ... صارت قيودُهم من الصَّفصاف
ولما صار معتقلاً في الحبس كتب إلى الوالي:
بيدي أيها الأمير الأريبُ ... لا لشيء إلا لأني غريبُ
أو لأمّ لها إذا ذكرتني ... دم قُلب بدمعِ عينٍ يذوب
إن أكن قبل أن رأيتك أخطأ ... ت فإني على يديك أتوب
عائبُ عابني لديك ومنه ... خُلقتْ في ذوي العيوب العيوبُ
قيل: كان للوالي الذي حبس المتنبي ولد صغير فسمع به، فدخل لينظره، فرآه منزعجاً من القيود مضطرباً، فقال له: اصبر كما صبر أولو العزم من الرسل: وهذه موضوعة، لأنها نقلت عن أحد أبناء الخلفاء العباسية، وكتب إليه من السجن قصيدة يستعطفه بها أولها:
(1/35)

أيا خَدّد الله وردَ الخدودِ ... وقدّ قدودَ الحسانِ القُدودِ
يقول في أثنائها في استعطاف ذلك الأمير والتنصل إليه مما اتُّهم به:
لقد حال بالسيف دون الوعيدِ ... وحالت عطاياه دون الوعودِ
فأنجم أموالهِ في النحوسِ ... وأنجم سُؤّاله في السعود
ولو لم أخفْ غيرَ أعدائهِ ... عليه لَبشرتُه بالخلود
قيل: ولما وصل الوالي إلى هذا البيت وهو:
وبيض مسافرة لا يقم ... ن لا في الرّقاب ولا في الغُمودِ
قال: لقد تصبب عرقا، وتقلب أرقاً حتى استنبط هذا المغني من قول أبي بكر النحوي المعروف ببرمة وهو:
(1/36)

وبيض تسافر ما إن تقيم ... لا في الرقاب ولا في القُرُبْ
بطيء رضاهن لكنها ... غداة اللقاء سِراعُ الغضبْ
إلى أن قال:
أمالك رقيّ وَمنْ شأنُه ... هبات اللُّجَيْن وعتقُ العبيدِ
دعوتُك عند انقطاع الرجا ... ء والموت مني كحبل الوريد
دعوتك لما براني البلى ... وأوهن رجليّ ثِقْلُ الحديد
وقد كان مشيهُما في النعالُ ... فقد صار مشيهُما في القيود
وكنت من الناس في مَحْفل ... فها أنا في محفل من قرود
تعجل فيّ وجوبَ الحدود ... وحِدّي قبل وجوب السجودِ
أي إنما تجب الحدود على البالغ، وأنا صبي لم تجب علىّ الصلاة بعد ويجوز أن يكون صغر أمر نفسه
(1/37)

عند الوالي، لأن من كان ضبياً لم يظن به اجتماع الناس إليه للشقاق والخلاف. ومنها:
وقيل عدوتَ على العالمي ... ن بين ولادي وبين القُعودِ
فمالكَ تقبلُ زورَ الكلام ... وقدرُ الشهادة قدرُ الشهود
فلا تسمعنّ من الكاذبين ... ولا تعبأنّ بِمحك اليهود
وكن فارقاً بين دعوى أردت ... ودعوى فعلت بشأو بعيد
وفي جود كفيك ما جُدتَ لي ... بنفسي ولو كنتُ أشقى ثمودِ
وكتبت إلي أبي دلف سجان الوالي الممدوح بالقصيدة السابقة وقد بره في السجن:
أهونِ بطول الثَّواء والتَّلفِ ... والسجنِ والقيد يا أبا دلفِ
غيرَ اختيار قبلتُ بِرَّك لي ... والجوعُ يُرضي الأسودَ بالجيِف
(1/38)

كن أيَّها السجن شئتَ فقد ... وطنتُ للموت نفسَ مُعتَرف
لو كان سكناي فيكَ منقصةً ... لم يكن الدُّر ساكنَ الصَّدفِ
والبيت الثاني مأخوذ من قول أبي على البصير:
ولكنّ البلاد إذا اقشعرت ... وصوَّحَ نَبتُها رُعِىَ الهشيمُ
ومنه أخذ المهلبي قوله:
وما كنتَ إلا كلحم مَيْتٍ ... دعا إلى أكله اضطرارُ
والبيت الرابع يشابه قول أبي نصر الخبزأرزي:
حصلتُ منكم على ما ليس يُقنعني ... وكيف يُقنعُ سوءُ الكيل والحشَفُ
وليس سُكنايَ نقصاناً لمنزلتي ... فيكم كما الدُّر لا يُزرى به الصدفُ
وأحسن ما قاله مسجون قولُ علي بن الجهم لما حبسه المتوكل:
(1/39)

قالتحُبستَ فقلتُ ليس بضائري ... حبسي وأيُّ مهند لا يُغمَد
أوما رأيت الليثَ بألف غِيلَهُ ... كِبْراً وأوباشُ السباع تَرَدَّدُ
والنار في أحجارها مخبوءةُ ... لا تُصطْلي إن لم تُثرها الأزنُدُ
والغيث يَحْظُره فما يُرى ... إلا وَرَيّقةُ يُراحُ ويَرْعُدُ
والبدر يدركه الظلام فتنجلي ... أيامه فكأنه متجدد
والزاعِبية لا يقيم كعوبها ... إلا الثقافُ وجذوة تتوقد
غِيَرُ الليالي بادياتُ عُوَّد ... والمال عارية يفادُ فَيَنفذ
لا يُؤسنَّك من تَفَرُّج كرْبةٍ ... خطب أتاك به الزمانُ الأنكد
فلكلّ حال مُعقِبُ ولربما ... أجلى لك المكروهُ عما يُحْمدُ
كم من عليل قد تخطاه الردى ... فنجا ومات طبيبةُ والعُوّدْ
صبراً فإن اليوم يُعقبه غَدُ ... ويدُ الخلافة لا تطاولها يدُ
(1/40)

والحبسُ ما لم تغشهُ لدنية ... شنعاءَ نعم المنزل المُتَردَّد
لو لم يكن في الحبس إلا أنه ... لا تستذلك بالحجاب الأعبدُ
بيت يُجدّد للكريم كرامة ... وتُزار فيه ولا تزور وتُقْصد
ومنها:
أمن السَّويَّة يا بنَ عمّ محمدٍ ... خصمُ تُقربُه وآخرُ تُبعدُ
إن الذين سعوا إليك بباطل ... أعداء نعمتك التي لا تُجْحدُ
شهدوا وغبْنا عنهم وتحكموا ... فينا وليس كغائب مَنْ يشهدُ
لو يجمع الخُصْمانعندك مجلسُ ... يوماً لبان لك الطريقُ الأقصدُ
والشمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد
وقال عاصم بن محمد الكاتب لما حبسه أحمد بن عبد العزيز بن أبي دلف:
(1/41)

قالوا حُبستَ فقلت خطب أنكدُ ... أنحى عليّ به الزمانُ المُرْصدُ
لو كنتُ حرَّا كان سربي مطلقاً ... ما كنت أحْبَس عَنوة وأقيد
لو كنتُ كالسيف المهند لم يكن ... وقتَ الكريهة والشدائد يُغمدُ
لو كنتُ كالليث الهصور لما رعتْ ... فيّ الذئابُ وجذوتي تتوقد
من قال إن الحبس بيت كرامة ... فمكابرُ في قوله مُتجلد
ما الحبسُ إلا بيتُ كل مهانة ... ومذلة ومكارة لا تَنفذَ
إن زارني فيه العدوُّ فشامتُ ... يُبدي التوجع تارة وُيفنّد
أو زارني فيه الصديق فموجَعُ ... يُذري الدموع بزفرة تَتردّد
يكفيك أن الحبس بيتُ لا ترى ... أحداً عليه من الخلائق يُحسد
تمضي الليالي لا أذوق لرقدة ... طَعما وكيف حياة من لا يَرْقد؟
في مُطْبق فيه النهار مُشاكلُ ... للّيلِ والظلمات فيه سَرْمَد
قال أبو علي: قيل للمتنبي على من
(1/42)

تنبأت؟ قال على الشعراء. فقيل: لكل نبي معجزة فما معجزتك؟ قال: هذا البيت:
ومِن نكد الدنيا على الحرّ أن يَرى ... عَدُوّاً له ما من صداقته بُدُّ
وحكى أبو الفتح عثمان بن جني قال: سمعت أبا الطيب يقول: إنما لقبتُ بالمتنبي لقولي:
أنا تِرْبُ النَّدى ورَبُّ القوافي ... وسمام العدَا وغَيظُ الحسودِ
أنا في أمَّة تداركها الل ... هُ غريبُ كصالح في ثَمودِ
ما مُقامي بأرضِ نَحْلَةَ إلا ... كمقام المسيح بين اليَهودِ
قال أبو العلاء المعري في رسالة الغفران: وحدثت أن المتنبي كان إذا سئل عن حقيقة هذا اللقب، قال: هو من النبوة أي المرتفع من الأرض، وكان قد طمع في شيء قد طمع فيه من هو دونه؛ ثم قال: وقد دلت أشياء في ديوانه أنه كان متألهاً ومثل غيره من الناس متدلهاً. فمن ذلك قوله:
ولا قابلاً إلا لخالقه حُكْما
وقوله:
ما أقدر اللهَ أن يُخْزي بَريَّته ... ولا يُصَدَّقُ قولاً في الذي زعموا
ثم قال: وإذا رجع إلى الحقائق فنطق اللسان لا ينبي عن اعتقاد الإنسان، لأن العالم مجبول على الكذب والنفاق، ويحتمل أن يظهر الرجل بالقول تديناً، وإنما يجعل ذلك تزيناً.
ثم قال: وحدثت أن المتنبي كان يصلي بموضع بمعرة النعمان يقال له كنيسة الأعراب، وأنه صلى ركعتين، وذلك في وقت العصر. ويجوز أنه كان على سفر، وأن القصر له جائز.
ثم قال: وحدثت عنه حديثاً معناه أنه لما حصل في بني عدي، وحاول أن يخرج فيهم، قالوا له وقد تبينوا دعواه: هاهنا ناقة صعبة فإن قدرت على ركوبها أقررنا أنك مرسل، وأنه مضى إلى تلك الناقة وهي رائحة في الإبل، فتحيل حتى وثب على ظهرها، فنفرت ساعة، وتنكرت برهة، ثم سكن نفارها، ومشت مشى الممسحة وأنه ورد بها الحلة، وهو راكب عليها، فعجبوا له كل العجب، وصار ذلك من دلائله عندهم.
وحدثت أيضاً أنه كان في ديوان اللاذقية؛ وأن بعض الكتاب انقلبت على يده سكين الأقلام، فجرحته جرحاً مفرطاً، وأن أبا الطيب تفل عليها من ريقه وشدها، غير منتظر لوقته، وقال للمجروح: لا تحلها في يومك، وعد له أياماً وليالي، وأن ذلك الكاتب قبل منه، فبرئ الجرح فصاروا يعتقدون في آبي الطيب أعظم اعتقاد، ويقولون: هو كمحي الأموات.
وحدث رجل كان أبو الطيب قد استخفى عنده في اللاذقية أو في غيرها من السواحل، وأراد الانتقال من موضع إلى موضع، فخرج بالليل ومعه ذلك الرجل، ولقيهما كلب ألح في النباح ثم انصرف، فقال أبو الطيب لذلك الرجل وهو عائد: إنك ستجد الكلب قد مات. فلما عاد الرجل ألفي الأمر على ما ذكر.
ولا يمتنع أن يكون أعد له شيئاً من المطاعم مسموماً وألقاه وهو يخفي عن صاحبه ما فعل.
وقال له بعض الأكابر وهو في مدينة السلام: أخبرني من أثق به أنك قلت: أنا نبي، فقال: الذي قلته: أنا أحمد النبي.
قال أبو عبد الله ياقوت الرومي: ولم يزل المتنبي بعد خروجه من الاعتقال في خمول
(1/43)

وضعف حال في بلاد الشام، حتى اتصل بأبي العشائر ومدحه بعدة قصائد أولها:
أتُراها لكثرة العُشَّاق ... تحسَب الدمعَ خلْقَةً في المآقي
كيفَ تَرْثى التَّي تَرَى كُلَّ جفن ... راءها غيرَ جَفْنها غيرَ راقي
أنتِ منا فتنتِ نفسكِ لكنّ ... ك عُوفيتِ من ضَنى واشتياقِ
حُلتِ دون المزارِ فاليومَ لو زُرْ ... ت لحالِ النحولُ دون العِناقِ
ومنها في المديح::
وتكاد الظُّبي لما عَوَّدوها ... تَنْتَضي نفسها إلى الأعناقْ
وإذا أشفق الفوارسُ من وَقْ ... عِ القَنا أشفقوا من الإشفاقِ
ومنها القصيدة التي أولها:
لا تَحْسبوا رَبْعكُمْ ولا طَلَلَه ... أولَ حَيَّ فِراقُكم قَتَلةْ
قد تَلفَتْ قبلَهُ النفوسُ بِكمُ ... وأكثَرتْ في هواكمُ العَذَلهْ
(1/44)

ومنها في المديح:
مسْتَحييَّا من أبي العشائر أنْ ... أسْحَبَ في غير أرضه حُلَله
أسحَبُهَا عندَه لدى مَلك ... ثيابُهُ مِنْ جَليسه خجلَهْ
وأراد أبو العشائر سفراً فقال عند وداعه ارتجالا قصيدة أولها:
الناسُ ما لم يروكَ أشباهُ ... والدهرُ لفظ وأنتَ معناهُ
والجودُ عينُ وفيك ناظره ... والناسُ باعُ وفيك يُمناهُ
ومنها:
تُنْشِد أثْوابنا مدائِحَه ... بألسن ما لهنَّ أفواه
إذا مرَرْنا عَلَى الأصَمّ بها ... أغنتهُ عن مسْمعه عَيْنَاهُ
وأصل هذا المعنى لنُصْيب حيث قال:
فَعادوا وأثْنوْا بالَّذي أنت أهلُهُ ... ولو سَكَتُوا أثنتْ عليكَ الحقائبُ
وتبعه مُعَوَّج الرَّقي في قوله: قد أتتني من أبي العبَّ - اس يومَ المِهْرجانِ
(1/45)

خلِعُ تُثْنى عليهِ الدهْ - رَ مِنْ غيرِ لِسانِ وإذا تأمَّل المتأمل عَرَف الفرقَ بينهما وبين أبي الطيب.
ومنها:
سُبحانَ مَنْ خَارَ للَكواكب بالبُع ... د ولو نُلْنَ كن جَدْواه
لو كان ضوء الشموسِ في يده ... لصاغَهُ جودُه وأفناه
يا راحلاً كل مَنْ يُودعهُ ... مُوَدَّعُ دينهَ ودنياهُ
إن كان فيما تَراهُ من كرم ... فيكَ مزيدُ فزادكَ اللهُ
فأكرمه أبو العشائر، وعرف منزلته، وكان أبو العشائر والى إنطاكية من قبل سيف الدولة.
ولما قدم سيف الدولة إلى إنطاكية قدم المتنبي إليه، وأثنى عنده عليه، وعرفه منزلته من الشعر والأدب واشترط المتنبي علي سيف
(1/46)

الدولة أول اتصاله به أنه إذا أنشده مديحه لا ينشده إلا وهو قاعد؛ وأنه لا يكلف تقبيل الأرض بين يديه، فنسب إلى الجنون، ودخل سيف الدولة تحت هذه الشروط، وتطلع إلى ما يرد منه؛ وذلك في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، ولما أنشده قصيدته التي أولها:
وفاؤكما كالربع أشجَاهُ طاسِمُهْ ... بأن تُسْعدا والدمْعُ أشفاهُ ساجمةْ
وما أنا إلا عاشِقُ كُل عاشقٍ ... أعقُّ خليليْه الصفيين لائمِهْ
وقد يتزيّا بالهوى غيرُ أهِله ... ويَستصْحِبُ الإنسانُ مَنْ لا يلائِمه
بَليِت بِليَ الأطلالِ إنْ لم أقفُ بها ... وقوف شحيح ضاعَ في التْرب خاتمة
قيل: كان أبو العلاء المعري إذا ذكر الشعراء يقول: قال أبو نواس كذا، قال البحتري كذا، قال أبو
(1/47)

تمام كذا، فإذا أراد المتنبي قال: قال الشاعر كذا، تعظيما له. فقيل له يوماً: لقد أسرفت في وصفك المتنبي، قال: أليس هو القائل:
بَليِت بِليَ الأطلال إنْ لم أقفْ بها ... وٌقوفَ شحيح ضَاع في التُرْبِ خاتمهُ
فقيل له: كم قدر ما يقف الشحيح على الخاتم؟ قال: أربعين يوماً فقيل له: ومِن أين علمت ذلك؟ قال: سليمان بن داود عليهما السلام وقف على طلب الخاتم أربعين يوماً. فقيل له: ومن أين علمت أنه بخيل؟ قال: من قوله تعالى:) وَهَب لي مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعدي (وما كان عليه أن يهَب الله لعباده أضعاف مُلْكه! ومنها:
كئيباً تَوَقَّاني العواذُل في الهَوَى ... كما يَتَوقَّى رَيَّض الخيلِ حازمُهْ
قفيِ تَغْرَمِ الأولَى من اللَّحظ مُهجتي ... بثانية والمتلفُ الشيء غارمُهْ
(1/48)

وهذا من قول الخبزأرزي:
إلى كم أذلّ وأستعطفُ ... وأنت تجورُ ولا تُنْصفُ
أيا يوسَف الحسنِ صِلْ مُدْنفاً ... مدامِعُهُ لم تَزَلْ تَذْرِفُ
أعيذكَ مِنْ ظالم غاشم ... سِوى الخلفِ في الوِعد لا يعرفُ
ولي مهجةُ أنت أتلفتهاَ ... عليكَ غرامةُ ما تُتْلفُ
وبيت المتنبي فيه زيادة أكسبته حسناً.
ومنها:
سَقَاكِ وحيَّانا بِكِ اللهُ إنما ... على العيسِ نَوْرُ والخدُور كُماْمُه
وما حاجةُ الأظعانِ حولك في الدُّجى ... إلى قَمَرِ ما واجدُ لك عادمُه
وقال البُحْتُريّ في هذا المعنى:
أضَرَّتْ بضوءِ البدرِ والبدرُ طالعُ ... وقامتْ مقامَ البدرِ لما تَغَيَّبا
وقال الخبزأرزي في هذا المعنى:
(1/49)

وما حاجة الرَّكبْ السُّراة إذا بَدَا ... لهم وجهُهُ ليلا إلى طَلْعة البدر
وأنشد في مجلس المعتمد بن عباد اللخمي صاحب إشبيلية أعادها الله كما كانت قوله منها:
إذا ظفرتْ منكِ العيونُ بنظرة ... أثابَ بها مُعْي المَطيّ ورَازمه
فجعل المعتمد يردده استحساناً له، وكان في مجلسه أبو محمد عبد الجليل ابن وهبون الأندلسي فأنشد ارتجالاً:
لئن حاد شعر ابن الحسين فإنما ... تجيد العطايا
تنبأ عُجباً بالقريض ولو دَرَى ... بأنك تَرْوي شعرَه لتألَّها
ومنها في المديح:
له عسكراً خيل وطير إذا رَمى ... بها عسكراً لم تَبق إلا جَمَاجِمُهْ
أجلتها من كل طاغ ثيابهُ ... ومَوْطئهاُ من كل باغ ملاغِمُهْ
(1/50)

فقد ملَّ ضوءُ الصبح مما تُغيرُه ... وملَّ سوادُ الليل مما تزاحمه
ومل القنا مما تَدقّ صدورَهُ ... وملَّ حديدُ الهند مما تلاطِمُهُ
سَحابُ مِن العِقْبانِ يِزحف تحتها ... سحابُ إذا استسقت سقتها صوارمُه
واعترض على هذا البيت. أو سعيد العميدي، حيث قال: " لم يسمع بأن السحابة تسقى ما فوقها " وجوابه ظاهر. وهذا معنى حوى طرفي الإعجاب والإغراب وقد تجاذبته أفكار الشعراء، فمما جاء منه قول النابغة:
إذا ما غَزَا بالجيش حَلّق فوقهم ... عَصَائب طير تهتدي بعصائبِ
جوانحَ قد أيقنّ أنّ قبيلَهُ ... إذا ما التقى الجمعان أولُ غَالبِ
وقال أبو نواس:
(1/51)

يتوخى الطير غَدْوَتَه ... ثِقة باللَّحْمِ مِن جَزَرةْ
وقال مسلم بن الوليد:
قد عَوَّد الطير عادات وثقْن به ... فهنَّ يَتْبَعْنهُ في كل مُرْتحل
وقد كرَّره أبو تمام في شعره؛ فمما جاء له منه:
وقد ظُلَّلتْ عِقْبانُ أعلامِهِ ضُحى ... بعقبان طير في الدماء نواهلِ
أقامتْ مع الرَّاياتِ حتى كأنها ... من الجيشِ إلا أنها لم تقاتلِ
وقال
إذا ذمت الأعداءُ سوءَ صباحِها ... فليس يؤدّي شكرَها الذئب والنسر
وقد ذكر هذا المعنى قديماً وحديثاً وأورده بضروب من العبارات غير هؤلاء إلا أنهم جاءوا بشيء واحد لا تفاضل بينهم فيه إلا من جهة حسن السَّبك أو من جهة الإيجاز في اللفظ، ولم أر أحداً أغرب في هذا الطريق مع اختلاف مقصده إليها إلا مسلم بن الوليد، فقال:
(1/52)

أشْرَبْتَ أرواحَ العِدَا وقلوبها ... خوفاً فأنُفسُها إليكَ تطيرُ
لو حاكمتْك فطالبتكَ بذحْلها ... شهدتَ عليك ثعالبُ ونُسُور
وكذلك فعل أبو الطيب، فإنه لما انتهى الأمر إليه سلك هذه الطريقة التي سلكها من تقدمه، إلا أنه خرج فيها إلى غير المقصد الذي قصدوه، فأغرب وأبدع، وحاز الإحسان بجملته، فصار كأنه المبتدع لهذا المعنى دون غيره. فمما قال فيه:
يَفَدىّ أتمُّ الطير عمراً سلاحَهُ ... نسوُر الملا أحداثُها والقشاعِمُ
وما ضَرها خَلقْ بغير مَخالب ... وقَدْ خُلِقَتْ أسيافهُ والقوائمُ
وقال في موضع آخر:
وذي لَجَب لا ذو الجناح أمامه ... بناج ولا الوحشُ المثارُ بسالم
تمر عليه الشمسُ وهي ضعيفة ... تطالعُهُ من بين ريش القشاعمِ
(1/53)

إذا ضَوْءها لاقى مِنَ الطير فُرْجةً ... تَدَوَّر فوق البَيْض مثلَ الدراهمِ
وهذه من أعاجيب أبي الطيب المشهودة، ولو لم يكن له من الإحسان في شعره غيرها لا ستحق بها فضيلة التقديم.
وقد تصرف في هذا المعنى أبو عامر بن أبي بن شهيد الأندلسي، فقال:
وتدري سِباعُ الطَّير إن كُماتَهُ ... إذا لَقْيت صِيدَ الكماةَ سِباعُ
تَطيُر جِياعاً فوقه وتُردُّها ... ظُبَاه إلى الأوكار وهْي شَباعُ
وكذلك أخذه أبو بكر العطار. فغربه بعد الابتذال، فقال:
تظل سباعُ الطير عاكفة بهمْ ... على جُثَث قد سَلَّ أنفسها الذُعْرُ
وقد عَوَّضتهم مِنْ قبور حواصلاً ... فيا من رأى ميتا يطير به قَبْرُ
وآخرُ القصيدة:
تُحاربُه الأعداءُ وهي عباده ... وتُدَّ خر الأموالُ وهْي غنائمهْ
ويستكبرون الدهرَ والدهرُ دونهُ ... ويستعظمون الموتَ والموت خادمهْ
وإن الذي سمَّى عليَّا لمنصِفُ ... وإن الذي سَمَّاه سيفاً لظالمه
وما كُلّ سيف يقطع حدُّه ... وتقطع لَزْبات الزّمان مكارمُه
حسن موقعه عنده وقربه وأجازه الجوائز السنية، ومالت نفسه إليه، وأحبه، فسلمه إلى الرواض، فعلموه الفروسية
(1/54)

والطراد، والمثاقفة.
وصحبسيف الدولة في عدة غزوات إلى بلاد الروم، ومنها غزوة الفنا التي لم ينج منها إلا سيف الدولة بنفسه، وستة أنفار أحدهم المتنبي، وأخذت الطرق عليهم الروم، فجرد سيف الدولة سيفه، وحمل على العسكر، وخرق الصفوف، وبدد الألوف. وحكى الرقي عن سيف الدولة قال: كان المتنبي يسوق فرسه، فاعتقلت بعمامته. طاقة من الشجر المعروف بأم غيلان فكان كلما جرى الفرس انتشرت العمامة، وتخيل المتنبي أن الروم قد ظفرت به، فكان يصيح الأمان يا علج قال سيف الدولة: فهتفت به وقلت: أيما علج؟ هذه شجرة علقت بعمامتك فود أن الأرض غيبته، فقال له ابن خالويه: أيها الأمير أليس
(1/55)

أن ثبت معك حتى بقيت في ستة أنفار تكفيه هذه الفضيلة؟ وحكى أن السري الرفاء حين قصد سيف الدولة أنشده بديهاً:
إني رأيتُكَ جالساً في مجلس ... قعد الملوكُ به لدَيْك وقامُوا
فكأنَّك الدهرُ المخيطُ عليهمُ ... وكأنهم من حولك الأيامُ
ثم أنشده بعد ذلك ما كان قاله فيه من الشعر، وبعد ثلاثة أيام أنشده المتنبي قصيدة قافية، فأمر له بفرس وجارية، وأول القصيدة:
أيدري الربعُ أيَّ دم أراقا ... وأيَّ قلوب هذا الركب شاقاَ
لنا ولأهْله أبداً قلوبُ ... تَلاقَى في جسوم ما تَلاَقى
وما عَفتِ الرياحُ له محلاّ ... عفاهُ مَنْ حدا بهمُ وسَاقَا
(1/56)

فليتَ هوى الأحبة كان عَدْلا ... فحمَّل كلَّ قلب ما أطاقَا
نظرتُ إليهمُ شَكْري ... فصارت كلها للدمع ماقا
وقد أخذ التمامَ البدْرُ فيهمْ ... وأعطاني من السَّقَم المحاقا
وبين الفَرْع والقدمين نُورُ ... يقود بلا أزمَّتها النَّيَاقاَ
وطَرْفُ إنْ سَقى العُشَّاق كأساً ... بها نَقْصُ سَقَانيِها دِهاقَا
قال فلما قال:
وخَصْرُ تثبتُ الأبصارُ فيه ... كأنَّ عليه منْ حَدَقٍ نِطَاقا
فقال السرى هذا والله معنى ما قدر عليه المتقدمون. وما يقال من أنه حم في الحال حسداً، وتحامل إلى منزله، ومات بعد ثلاث أيام، فلا صحة له، لأن السري مات بعد المتنبي وسيف الدولة. على أن السري قد استعمل هذا المعنى بقوله:
أحاطتْ عُيون العاشقين بخَصْرِه ... فهنَّ له دون النطاقِ نِطَاقُ
(1/57)

وحكى صاحب المفاوضة قال: كان سيف الدولة يميل إلى أبي العباس النامي الشاعر ميلاً شديداً إلى أن جاءه المتنبي، فمال عنه إليه، فغاظ ذلك أبا العباس، فلما كان ذات يوم خلا به وعاتبه وقال: أيها الأمير، لم تفضل على ابن عيدان السقا؟ فأمسك سيف الدولة عن جوابه، فلج وألح، وطالبه بالجواب فقال: لأنك لا تحسن أن تقول كقوله:
يعودُ من كل فتح غيرَ مفتخرٍ ... وقد أغذَّ إليه غير محتفلٍ
فنهض من بين يديه مُغْضَباً، واعتقد ألا يمدحه أبداً. وأبو العباس هذا هو القائل: كان قد بقي في الشعر زاوية دخلها المتنبي، وكنت أشتهي أن أكون سبقته إلى معنيين قالهما ما سبق إليهما. أما أحدهما فقوله:
(1/58)

رَمَاني الدَّهُر بالأرزاءِ حتَّى ... فُؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرتِ النصالُ على النّصالِ
والآخر قوله:
في جحفلستر العيون غُبارهُ ... فكأنما يُبْصرنَ بالآذانِ
واستنشد سيف الدولة أبا الطيب يوما قصيدته التي مدحه بها، وقد سار لبناء الحدث، وذكر إيقاعه بالدُّمُستق عليها وكشفه له، وقتله خلقاً من أصحابه وأسره صهره وابن بنته، وإقامته على الحدث إلى أن بناها، وذلك في يوم الثلاثاء لتسع خلون من رجب سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، وأولها:
على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ ... وتأتي على قدر الكرامِ المكارمُ
وتعظُمُ في عينِ الصغير صِغارُها ... وتصغر في عين العظيم العظائمُ
(1/59)

ومنها:
هل الحَدَث الحمراء تعرفُ لونَها ... وتعلمُ أيُّ الساقِيَينْ الغمائم
سقَتْها الغَمامُ الغُرُّ قبل نزولهِ ... فلما دَنَا منها سقتها الجماجمُ
بناها فأعْلىوالقنا يقرعُ القَنَا ... وموجُ المنايا حولها متلاطمُ
وكان بها مثلُ الجنون فأصبحتْ ... ومن جُثَث القتلى عليها تمائم
طَريدةُ دهرٍ ساقها فَرددْتها ... على الدين بالخَطّى والدهر راغِم
تُفيتُ اللَّيالي كلَّ شيء أخَذْتَه ... وهن لما يأخذنَ منك غوارم
إذا كان ما تنويه فعلا مضارعاً ... مضى قبل أن تُلْقَى عليه الجوازم
وكيف ترجَّى الرومُ والروسُ هدمَها ... وذا الطعنُ لها ودعائمُ
وقد حاكموها والمنايا حواكمُ ... فما مات مظلومُ ولا عاش ظالمُ
أتَوْك يَجُرُّون الحديدَ كأنما ... سَرَوْا بجياد ما لهن قوائمُ
(1/60)

إذا بَرَقوا لم تُعْرف البيضُ منهمُ ... ثيابُهُمُ من مثلها والعمائمُ
خَميِسُ بشرق الأرض والغرب زحفهُ ... وفي أذنُ الجوزاء منه زَمازمُ
تجمَّع فيه كلُّ لِسْن وأمَّة ... فما يُفْهمُ الحُدَّاثَ إلاّ التَّراجمُ
فلله وقتُ ذَوَّبَ الغشَّ نارُهُ ... فلم يَبْق إلا صَارمُ أو ضُبَارمُ
تقطع ما لا يَقْطَعُ الدرْعَ والقنا ... وفرَّ من الفُرْسان من لا يُصادم
وهذه الأبيات الأخيرة من أحسن ما قيل في الجيوش الكثيرة، وكذلك ورد قول أبي تمام من قصيدة يمدح بها المأمون:
فنهضتَ تسحبُ ذيلَ جيش ساقهُ ... حُسنُ اليقين وقادهُ الإقدامُ
فنهضتَ تسحبُ ذيلَ جيش ساقَهُ ... ولهم بمُنْخَرق الفضاء زحامُ
ملأ المَلاَ عُصَباً فكاد بأن يُرَى ... لا خَلْفَ فيه ولا لَه قُدَّامُ
يقال: اثعنجرت العين دمعاً، واثعنجر دمعها، وهو انصباب الدمع وتتابعه، ولجب كثير الأصوات، والسلاف: المتقدمون، والملا مقصوراً: ما اتسع من الأرض.
وقال النابغة في عظم الجيش:
بَحْر يظل له الفضاء مُعَضَّلا ... يَذَر الإكَام كأنهنَّ صحاريِ
ومعضل: من قولهم عضلت المرأة عند الولادة: إذا عسر خروج الولد.
وقال مالك المازني:
بجيش لُهَام يشغلُ الأرضَ جمعُهُ ... على الطيَّر حتى ما يَجدن منازلاَ
وقال البحتري:
بجمع تَرَى فيه النهارَ قَبيلةً ... إذا سار فيه والظلامَ قبائلاً
وقال سَلم الخاسر:
وكتائب تغشى العُيون إذا جَرَى ... مَاءُ الحديدُ عليهمُ الرَّجْرَاجُ
وتفرقت زُرْقُ الأسنة فيهمُ ... تسقى الحنايا ما لهنَّ مِزَاجُ
نزلتْ نجومُ الليل فوق رءوسهم ... ولكل رأس كوكبُ وَهَّاجُ
وقال مُسلم:
في عسكر تشرَق الأرضُ الفضاءُ به ... كالليل أنجُمُه القُضْبان والأسَلُ
ولما بلغ المتنبي إلى قوله:
وقفتَ وما في الموت شكُ لواقف ... كأنك في جَفْن الرَّدى وهْوَ نائمُ
تمرّ بكَ الأبطال كَلَمى هَزيمةً ... ووجهُك وضَّاحُ وثغرُكَ باسِمُ
قال سيف الدولة: قد انتقدتهما عليك كما انتقد على امرئ القيس قوله:
كأنَي لم أركبْ جَواداً للذَّة ... ولم أتبطَّنْ كاعباً ذات خَلْخال
(1/61)

ولم أسْبأ الزَّقَّ الرَّوي ولمَ أقُلْ ... لخيلي كَرُى كَرَّةً بعد إجفالِ
ينبغي له أن يقول:
كأني لم أركَبْ جواداً ولم أقُلْ ... لخيليَ كُرَّى كَرة بعد إجفالِ
ولَمْ أسْبأ الزقَّ الرَّويَّ للذَّة ... ولم أتَبَطَّنْ كاعباً ذَاتَ خَلْخال
وكذلك كان ينبغي أن تقول:
وقفتَ وما في الموت شَكُ لواقف ... ووجْهك وضَّاحُ وثَغْرك باسمُ
تمر بك الأبطالَ كَلْمَي هزيمةً ... كأنك في جَفْن الرَّدى وهْوَ نائِمُ
فقال المتنبي: إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا هو أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، ومولانا يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز كما يعلمه الحائك لأن البزاز يعلم
(1/62)

جملته، والحائك يعلم تفاصيله، وإنما قرن امرؤ القيس لذة النساء بلذة الركوب للصيد، والشجاعة في منازلة الأعداء بالسماحة في شراء الخمر للأضياف للتضايف بين كل من الفريقين، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول أتبعته بذكر الردى في آخره ليكون أحسن تلاؤماً، ولما كان وجه الجريح المنهزم عبوساً، وعينه باكية قلت: " ووجهك وضاح وثغرك باسم "، لأجمع بين الأضداد في المعنى. فأعجب سيف الدولة كلامُه.
قال ابن جنتي: حدثني أبو علي الحسين بن أحمد الفسوي قال: خرجت بحلب أريد دار سيف الدولة، فلما برزت من السور إذا أنا بفارس متلثم قد أهوى نحوي برمح طويل، وسدده إلى صدري، فكدت أطرح نفسي عن الدابة، فحسر لثامه، فإذا المتنبي وأنشد:
نثرتُ رءُوساً بالأحَيْدب منهمُ ... كما نُثرتْ فوق العَروس الدراهم
ثم قال: كيف هذا القول؟ أحسن هو؟ فقلت: ويحك: قد قتلتني يا رجل. قال ابن جني: فحكيت هذه الحكاية لأبي الطيب بمدينة السلام، فعرفها، وضحك منها.
قال ابن بابك: حضر المتنبي مجلس أب أحمد بن نصر البازيار، وزير سيف الدولة، وهناك أبو عبد الله بن خالويه النحوي، فتماريا في أشجع السلمي وأبي نواس البصري؛ فقال ابن خالويه: أشجع أشعر، إذا قال في هارون الرشيد:
(1/63)

وعلى عَدَّوك يابنَ عمّ محمد ... رَصَدان: ضَوْءُ الصبح والإظلامُ
فإذا تَنَبَّه رُعْتَهُ وإذا غفاء ... سَلَّتْ عليه سُيُوفَكَ الأحلامُ
فقال المتنبي: لأبي نواس ما هو أحسن في بني برمك:
لم يَظْلمِ الدهرُ إذ توالتْ ... فيهمْ مُصيباتُهُ درِاكَا
كانوا يُجيرون مَنْ يُعاديِ ... مِنهُ فعاداهُمْ لِذاكَا
قال عبد المحسن علي ابن كوجك: إن أباه حدثه قال: كنتُ بحضرة سيف الدولة وأبو الطيب اللغوي، وأبو الطيب المتنبي، وأبو عبد الله بن خالويه النحوي، وقد جرت مسألة في اللغة تكلم فيها ابن خالويه مع أبي الطيب اللغوي، والمتنبي ساكت، فقال له سيف الدولة: ألا تتكلم يا أبا الطيب، فتكلم فيها بما قوى حجة أبي الطيب اللغوي، وضعف قول ابن خالويه.
فأخرج من كمه مفتاحاً حديداً
(1/64)

ليلكم به المتنبي، فقال له المتنبي: اسكت ويحك، فإنك أعجمي، وأصلك خوزي، فما لك وللعربية؟ فضرب وجه المتنبي بذلك المفتاح فأسأل دمه على وجهه وثيابه، فغضب المتنبي من ذلك، إذ لم ينتصر له سيف الدولة لا قولا ولا فعلا، فكان ذلك أحد أسباب فراقه سيف الدولة.
قال ابن الدهان في المآخذ الكندية من المعاني الطائية: إنه قال أبو فراس لسيف الدولة: إن هذا المتمشدق كثير الإدلال عليك، وأنت تعطيه كل سنة ثلاث آلاف دينار، عن ثلاث قصائد، ويمكن أن تفرق مائتي دينار على عشرين شاعراً يأتون بما هو خير من شعره، فتأثر سيف الدولة من هذا الكلام، وعمل فيه، وكان المتنبي غائباً، وبلغته القصة فدخل على
(1/65)

سيف الدولة، وأنشد:
ألا ما لسيفِ الدولةِ عاتبا ... فَداه الورى أمضَى السيوف مَضارباَ
ومالي إذا ما اشتقتُ أبصرتُ دونَه ... تنائفَ لا أشتاقُهَا وسباسِبا
وقد كان يُدْني مَجْلسي من سمائه ... أحادِثُ فيها بدرَها والكواكبا
حنانَيْك مسئولا ولبّيك داعياً ... وحسبيَ موهوباً وحسبُكَ واهباً
أهذا جزاءُ الصدقِ إن كنتُ صادقاً ... أهذا جزاء الكذْب إنْ كنتُ كاذبا
وإن كان ذنبي كلَّ ذنب فإنه ... محا الذَّنب كُلَّ المحو من جاء تائباَ
فأطرق سيف الدولة ولم ينظر إليه كعادته، فخرج المتنبي من عنده متغيراً، وحضر أبو فراس وجماعة من الشعراء فبالغوا في الوقيعة في حق المتنبي، وانقطع يعمل القصيدة التي أولها:
(1/66)

وأحر قلباهُ مّمن قلبه شَبِمُ ... ومَنْ بجسمي وحاليِ عنده سَقَمُ
وجاء وأنشدها، وجعل يتظلم فيها من التقصير في حقه كقوله:
مالي أكتَّمُ حُبَّا قدْ برى جَسدَي ... وتدَّعى حبّ سيف الدّولة الأممِ
إن كان يجمعنا حُبُ لغُرَّته ... فليت أنَّا بقدر الحبّ نَقتسمُ
قد زرتُهُ وسيوفُ الهندِ مُغْمَدَةُ ... وقد نظرتُ إليه والسيوف دَمُ
فهم جماعة بقتله في حضرة سيف الدولة؛ لشدة إدلاله وإعراض سيف الدولة عنه، فلما وصل في إنشاده إلى قوله:
يا أعدلَ الناسِ إلاّ في معاملتي ... فيكَ الخَصامُ وأنتَ الخَصْم والحَكمُ
فقال أبو فراس: مسخت قول دعبل واعيته وهو:
(1/67)

ولست أرجو انتصافاً منك ما ذَرَفَتْ ... عيني دموعاً وأنتَ الخصمُ والحكمُ
فقال المتنبي:
أعيذُها نظراتٍ منكَ صادقةً ... أن تحَسَب الشحمَ فيمنْ شحمُه وَرَمُ
فعلم أبو فراس أنه يعنيه؛ فقال: ومن أنت يا دعي كندة حتى تأخذ أعراض أهل الأمير في مجلسه؟ فأستمر المتنبي في إنشاده ولم يرد إلى أن قال:
سيعلُم الجمعُ ممن ضمَّ مجلسُنا ... بأنني خيرُ من تسعى به قَدَمُ
أنَا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعتْ كلماتي مَن به صمَمُ
فزاد ذلك غيظاً في أبي فراس، وقال: سرقت هذا من عمرو بن عروة بن العبد في قوله:
(1/68)

أوضحتُ من طُرُق الآداب ما اشتكلتْ ... دهراً وأظهرتُ إغرابا وإبداعاَ
حتى فتحتُ بإعجاز خُصِصْتُ به ... للعُمْي والصَّمّ أبْصاراً وأسْماعاَ
ولما وصل إلى قوله:
والخيلُ والليلُ والبيْداء تعرفني ... والحرب والضرب والقرطاسُ والقلمُ
قال أبو فراس: وما أبقيت للأمير، إذا وصفت نفسك بالشجاعة والفصاحة، والرياسة والسماحة، تمدح نفسك بما سرقته من كلام غيرك وتأخذ جوائز الأمير؟ أما سرقت هذا من قول الهيثم بن الأسود النَّخَعي الكُوفّي المعروف بابن العريان العثماني، وهو:
أعاذلتني كم مَهمة قد قطعتُهُ ... أليفَ وُحوش ساكناً غيرَ هائبِ
(1/69)

أنا ابن الفلا والطعنِ والضرب والسُّرَي ... وجُرْد المذاكي والقَنا والقواضَبِ
حليمُ وَقورُ في البوادي وهيبتي ... لها في قلب الناس بطشُ الكتائبِ
فقال المتنبي:
وما انتفاعُ أخيِ الدُّنيا بناظره ... إذا استوتْ عندَه الأنوارُ والظُّلَمُ
قال أبو فراس: وسرقت هذا من مَعْقل العِجْلي، وهو:
إذا لم أُميَّز بين نورٍ وظُلْمة ... بعينيَّ فالعيَنان زُورُ وباطِلُ
ولمحمدبن أحمد بن أبي مرة المكي مثله، وهو:
إذا المرءُ لم يدركْ بعينيه ما يُرَى ... فما الفرق بين العُمْى والبُصَرَاء
وغضبَ سيف الدولة من كثرة مناقشته في هذه القصيدة، وكثرة دعاويه فيها، وضربه بالدواة التي بين يديه، فقال المتنبي في الحال:
(1/70)

إن كان سَركُمُ ما قال حاسدُنا ... فما لجرْحٍ إذا أرضاكُمُ ألَمُ
فقال أبو فراس: أخذت هذا من قول بشار:
إذا رضيتُمْ بأن نُجْفَي وسَرَّكُمُ ... قَولُ الوُشاةِ فلا شَكْوَى ولا ضَجَر
ومثله لابن الرومي وهو:
إذا ما الفجائُع أكسبني ... رضاك فما الدهرُ بالفاجع
فلم يلتفت سيف الدولة إلى ما قاله أبو فراس، وأعجبه بيت المتنبي، ورضي، عنه في الحال، وأدناه إليه، وقَبَّل رأسه، وأجازه بألف دينار، ثم أردفهُ بألف أخرى، فقال المتنبي:
جاءْت دنانيرُك مختومةً ... عاجلةً ألفاً على ألْفِ
أشْبَهها فعلُكَ في فَيْلَق ... قلبتَهُ صفاًّ على صَفَّ
(1/71)

وفي آخر هذه القصيدة يقول:
شر البلاد مكانُ لا صديق بهِ ... وشرُّ ما يكسبُ الإنسانُ ما يَصِمُ
وشَرُّ ما قنصتْهُ راحتي قَنَصُ ... شُهْبُ البُزَاة سواءُ فيه والرَّخَمُ
البيت الثاني مأخوذ من أبيات لصاحب العلوي الداعي بطبرستان:
أنا من جناب سواك في مَرْعَّى نَدِ ... وأقيمُ عندكَ في جنابٍ مُجْدِبِ
إن كنتَ ذا بصر فميّزْ فضلَ ما ... بين الفَراء وبين صيدِ الأرنبِ
فجعل موضع الفراء الباز الأشهب، وموضع الأرنب الرخم، الأول من قول محمد بن عيينة المهلبي من قصيدة أولها: دمية قفْرةُ وربعُ جديبُ
لا تثق بالكذوب واعلمْ يقينا ... أن شر الرجال عندي الكذوبُ
(1/72)

لي وفاء مَحْضُ وكف جواد ... وجلالُ باد ورأىُ صَليبُ
أخبثُ الأرض ما خلتْ من صديق ... وأضرُّ الأفعال فعلُ مَعيبُ
وحكى أبو الفرج الببغاء قال: كان أبو الطيب يأنس بي، ويشكو من سيف الدولة، ويأمنني على غيبته له، وكانت الحال بيني وبينه عامرة دون باقي الشعراء، وكان سيف الدولة يغتاظ من تعاظمه، ويجفو عليه إذا كلمه، والمتنبي يجيبه في أكثر الأوقات، ويتغاضى في بعضها، قال أبو الفرج الببغاء: وأذكر ليلة وقد استدعى سيف بدرة فشقها بسكين الدواة، فمد أبو عبد الله ابن خالويه طيلسانه
(1/73)

فحثا فيه سيف الدولة صالحاً، ومددتُ ذيل دُرَّاعتي فحثا لي جانباً، والمتنبي حاضر، وسيف الدولة ينتظر منه أن يفعل مثل فعلنا، فما فعل، فغاظه ذلك، فنثرها كلها على الغلمان، فلما رأى المتنبي أنها قد فاتته زاحم الغلمان يلتقط معهم، فغمزهم عليه سيف الدولة، فداسوه وركبوه، وصارت عمامته في رقبته، فاستحى ومضت به ليلة عظيمة، وانصرف فخاطب أبو عبد الله بن خالويه سيف الدولة في ذلك، فقال: يتعاظم تلك العظمة، وينزل إلى مثل هذه المنزلة لولا حماقتهُ.
وحكى أن أبا الطيب المتنبي دخل مجلس ابن العميد، وكان يستعرض سيوفاً، فلما نظرا أبا الطيب نهض
(1/74)

من مجلسه، وأجلسه في دسته، ثم قال له: اختر سيفاً من هذه السيوف، فاختار منها واحداً ثقيل الحلي، واختار ابن العميد غيره. فقال كل واحد منهما: سيفي الذي اخترته أجود، ثم اصطلحا على تجربتهما. فقال ابن العميد: فماذا نجربهما؟ قال أبو الطيب في الدنانير يؤتي بها، فينضد بعضها على بعض، ثم يضرب به، فإن قدها فهو قاطع؛ فأستدعى ابن العميد عشرين ديناراً فنضدت، ثم ضربها أبو الطيب فقدها، وتفرقت في المجلس، فقام من مجلسه المفخم يلتقط الدنانير
(1/75)

المتبددة فقال ابن العميد: ليلزم الشيخ مجلسه، فإن أحد الخدام يلتقطها ويأتي بها إليك. فقال: بل صاحب الحاجة أولى. وحكى أبو بكر الخوارزمي أن المتنبي كان قاعداً تحت قول الشاعر:
وأن أحقّ باللَّوم شاعرُ ... يلومُ على البخل الرجالَ ويبخلُ
وإنما أعرب عن طريقته وعادته بقوله:
بليتُ بِلىَ الأطلال إنْ لم أقفْ بها ... وقوفَ شحيح ضاع في التُّرب خاتَمهُ
قال: وحضرتُ عنده يوماً وقد أحضر مالُ بين يديه من صلات
(1/76)

سيف الدولة على حصير قد فرشه، فوزن وأعيد إلى الكيس، وتخللت قطعة كأصغر ما يكون خلال الحصير، فأكب عليها بمجامعه يعالج ليستنقذها منه، واشتغل عن جلسائه حتى توصل إلى إظهارها، وأنشد قيس بن الخطيم:
تبدَّتْ لنا كالشمس تحت غمامةٍ ... بَدَا حاجبُ منها وضَنَّتْ بحاجب
ثم استخرجها، فقال له بعض جلسائه: أما يكفيك ما في هذه الأكياس حتى أدميت إصبعك لأجل هذه القطعة؟ فقال: إنها تحضر المائدة.
وحكى علي بن حمزة البصري قال:
(1/77)

بلوت من أبي الطيب ثلاث خلال محمودة؛ وتلك أنه ما كذب، ولا زني، ولا لاط، وبلوت منه ثلاث خلال ذميمة؛ وتلك أنه ما صام، ولا صلى، ولا قرأ القرآن، وقال ابن فورجة في كتاب: التجني على أبي العلاء المعري، عن رجل من أهل الشام، كان يتوكل لأبي الطيب في داره يعرف بأبي سعيد قال: دعاني أبو الطيب يوماً ونحن بحلب، ولم أكن أعرف منه الميل إلى اللهو مع النساء ولا الغلمان فقال لي: أرأيت الغلام ذا الأصداغ الجالس إلى حانوت كذا من السوق؟ وكان
(1/78)

غلاماً وسيما فحاشا، فيما هو سبيله، فقلت: نعم أعرفه. قال: فامض وأتني به، واتخذ دعوة وأنفق وأكثر، وكنت أستطلع رأيه في جميع ما أنفق، فمضت واتخذت له ثلاثة ألوان من الأطمعة، وعدة صفحات من الحلوى، واستدعيت الغلام، فأجاب، وأنا متعجب من جميع ما أسمع منه، إذ لم تجر له عادة في مثله، فعاد أبو الطيب من دار سيف الدولة آخر النهار وقد حضر الغلام، وفرغ من اتخاذ الطعام، فأكلا وأنا ثالثهما، ثم جن الليل، فقدمت شمعة، ومرفع دفاتره،
(1/79)

وكانت تلك عادته كل ليلة، فقال: أحضر لضيفك شراباً، واقعد إلى جانبه ونادمه، ففعلت ما أمرني به. كل ذلك وعينه إلى الدفتر، يدرس ولا يلتفت إلينا إلا في حين بعد حين، فما شربنا إلا قليلاً حتى قال: افرش لضيفك، وافرش لنفسك، وبت ثالثنا، ولم أكن قبل ذلك أبايته في بيته؛ ففعلت وهو يدرس، حتى مضى من الليل أكثره، ثم أوى إلى فراشه ونام. فلما أصلحنا قلت له: ما يصنع؟ فقال احبه واصرفه فقلت له: وكم أعطيه؟ فأطرق ساعة؛ ثم قال: أعطه ثلاثمائة درهم.
(1/80)

فتعجبت من ذلك، ثم جسرت نفسي، فدنوت منه، وقلت له: إنه ممن يجيب بالشيء اليسير، وأنت لم تنل منه حظاً. فغضب ثم قال: أتظنني من أولئك الفسقة؟ أعطه ثلاثمائة درهم، ولينصرف راشداً. ففعلت ما أمرني به، وصرفته.
قال ابن فورجة: كان المتنبي داهية مر النفس شجاعاً حافظاً للأدب، عارفاً بأخلاق الملوك، ولم يكن فيه ما يشينه ويسقطه إلا بخله وشرهه على المال.
وقال أبو البركات بن أبي الفرج المعروف بابن زيد التكريتي الشاعر، قال: بلغني
(1/81)

أنه قيل للمتنبي قد شاع عنك من البخل في الآفاق ما قد صار سمراً بين الرفاق، وأنت تمدح في شعرك الكرم وأهله، وتذم البخل وأهله، ألست أنت القائل:
ومن ينفقِ الساعات في جمعِ مِالهِ ... مخافةَ فقْر فالذي فعلَ الفقُر
ومعلوم أن البخل قبيح، ومنك أقبح؛ لأنك تتعاطى كبر النفس، وعلو الهمة، وطلب الملك، والبخل ينافي سائر ذلك. فقال: إن لبخلي سبباً، وذلك أني أذكر وقد وردت في صباي من الكوفة إلى بغداد، فأخذت خمسة دراهم في جانب منديلي، وخرجت أمشي في
(1/82)

أسواق بغداد، فمررت بصاحب دكان يبيع الفاكهة، فرأيت عنده خمسة من البطيخ باكورة، فاستحسنتها ونويت أشتريها بالدراهم التي معي، فتقدمت إليه وقلت: بكم تبيع هذه الخمسة بطاطيخ، فقال: بغير اكتراث: اذهب، فليس هذا من أكلك، فتماسكت معه وقلت: أيها الرجل دع ما يغيظ واقصد الثمن، فقال: ثمنها عشرة دراهم. فلشدة ما جبهني به ما استطعت أن أخاطبه في المساومة، فوقفت حائراً؛ ودفعت له خمسة دراهم، فلم يقبل، وإذا بشيخ من التجار
(1/83)

قد خرج من الخان، ذاهباً إلى داره، فوثب إليه صاحب البطيخ من دكانه، ودعا له، وقال له: يا مولاي، هذا بطيخ باكور، بإجازتك أحمله إلى منزلك. فقال الشيخ: ويحك بكم هذا؟ قال: بخمسة دراهم. فقال: بل درهمين. فباعه الخمسة بدرهمين، وحملها إلى داره، ودعا له، وعاد إلى دكانه مسروراً بما فعل، فقلت له: يا هذا، ما رأيت أعجب من جهلك، استمت على في هذا البطيخ، وفعلت فعلتك التي فعلت، وكنت قد أعطيتك في ثمنه خمسة دراهم، فبعته بدرهمين محمولا. فقال: اسكت هذا
(1/84)

يملك مائة ألف دينار. فعلمت أن الناس لا يكرمون أحداً إكرامهم من يعتقدون أنه يملك مائة ألف دينار، وأنا لا أزال على ما تراه حتى أسمع الناس يقولون: إن أبا الطيب قد ملك مائة ألف دينار.
قلت وقع في شعر أبي الطيب الوصية بالحزم، وضبط الأموال، كقوله في قصيدته التي أولها:
أودُّ مِنَ الأيام ما لا تَوَدُّهُ ... وأشكو إليها بينها وَهْيَ جُنْدُهُ
يُباعِدْنَ حِياًّ يجتمعن ووصُلهُ ... فكيف بحب يجتمعن وَصَدُّهُ
أَبي خُلُق الدنيا حبيباً تُديمُهُ ... فما طلبي منها حبيباً تردُهُ
(1/85)

إلى أن قال:
وأتعبُ خلقِ الله من زاد هُّمهُ ... وقصَّر عما تشتهي النفس جُهْدُهُ
فلا ينحللْ في المجد مالُك كلُّه ... فينحَلَّ مجد كان بالمال عَقدُه
ودبَّرهْ تدبيرَ الذي المجدُ كفّه ... إذا حارب الأعداء والمالُ زَنْدُهُ
فلا مجدَ في الدنيا لمنْ قَلَّ مالُهُ ... ولا مالَ في الدنيا لمن قلَّ مَجْدُهُ
فأمر كافوراً بالبخل، حيث حرمه، وسلك في ذلك مسلك كثير عزة فإنه دخل على هشامبن عبد الملك، وكان بخيلا، فمدحه، فلم يثبه، فقال كثير يخاطبه بقوله:
(1/86)

إذا المال لم يوجب عليك عطاءَهُ ... صنيعةُ تَقْوَى أو خليل توافقُه
منعتَ وبعضُ المنع حَزْمُ وقوة ... ولم يفتلذك المال إلا حقائقهْ
فقيل لكثير: ما حملك على أن تعلم أمير المؤمنين البخل، فقال: إنه منعني من رفده، وآلمني برده، فأردت أن أحبب إليه المال، فيمنع غيري كما منعني، فيتفق الناس على ذمه.
وأحسن قصائد أبي الطيب في سيف الدولة، وتراجع شعره بعد مفارقته، وسئل عن سبب ذلك فقال: قد تجوزت في قولي، وأعفيت طبعي، واغتنمت الراحة
(1/87)

منذ فارقت آل حمدان وفيهم من يقول:
تُسائلني من أنْت وهْيَ عليمة ... وهل بفَنًي مثلي على حاله نُكْرُ
فقلتُ كما شاءتْ وشاء لها الهوَى ... قتيلَك قالتْ أيهم فهمُ كُثْرُ
فقلتُ لها لو شِئْتِ لم تَتَعَنَّتي ... ولم تسألي عني وعندَك بي خُبْرُ
فقالتْ لقد أزْرى بكَ الدّهر بَعْدَنا ... فقلتُ معاذَ بل أنْتِ والدهرُ
وما كان للأحزان لولاك مسلكُ ... إلى القلبِ لكنّ الهوى للبلى جسْرُ
وتَهلكُ بين الهزل والجد مهجةُ ... إذا ما عداها البينُ عذّبها الهجرُ
فأيقنْتُ أن لا عِزَّ بعدي لعاشق ... وأنَّ يدي مما عَلقْتُ به صِفْرُ
(1/88)

وإني لنزالِ بكل مخَوفَة ... كثيرُ إلى نُزَّلها النظر الشزرُ
وإني لَجرَّارُ لكل كتيبة ... معودة ألاَّ يُخِلَّ بها النصرُ
وأظمأ حتى يرتَوي البيضُ والقنا ... وأسغبُ حتى يشبع الذئبُ والنسرُ
ويقول:
صبورُ ولو لم تبق مني بقية ... قؤولُ ولو أن السيوفَ جوابُ
وقور وأحداثُ الزمان تنوشني ... وللموت حولي جيئة وذهابُ
ستذكر أيامي نُميُر بن عامرٍ ... وكعب على عِلاتها وكلابُ
أنا الجار لا زادي بطيءُ عليهمُ ... ولا دونَ بأبي في الحوادث باب
(1/89)

يعني أبا فراس. وفيهم من يقول:
وقد علمت بما لاقتْه منَا ... قبائلُ يعرب وبني نِزارِ
لقيناهُمْ بأرماحٍ طوال ... تبشرهم بأعمار قضارِ
يعني أبا زهير بن مهلهل بن نصر بن حمدان. وفيهم من يقول:
أأخا الفوارس لو رأيتَ مواقفي ... والخيلُ من تحت الفوارس تَنحطُ
لقرأتَ منها ما تخطّ يدُ الوغى ... والبيضُ تَشْكلُ والأسنةُ تنقط
يعني أبا العشائر. قال أبو الفتح بن جني: كنت قرأت ديوان المتنبي عليه، فلما وصلت إلى قوله:
(1/90)

أغالبُ فيكَ الشَّوقُ والشَّوقُ أغلَبُ ... وأعْجَبُ مِنْ ذا الهجرِ والوصْل أعجب
فلما انتهيت إلى قوله:
لَحَا الله ذي الدنيا مُناخاً لراكب ... فكلُّ بعيدِ الهمَّ فيها معذَّبُ
ألا ليتَ شعْري هل أقول قصيدةً ... ولا أشتكى فيها ولا أتعتَّبُ
وبي ما يذودُ الشعرَ عني أقلُّهُ ... ولكنَّ قلبي يا ابنة القوم قُلَّبُ
وأخلاقُ كافور إذا شئتُ مدحَهُ ... وإن لم أشأ تُملي علىّ وأكتب
إذا ترك الإنسانُ أهلاً وراءه ... ويمَّمّ كافوراً فما يتغرب
(1/91)

فقلت له: يَعزُّ علىّ أن يكون هذا الشعر في ممدوحغير سْيفِ الدَّولةِ، فقال: حذَّرنْاه، فما نفع فيه الحذر ألستُ القائلَ فيه: أخا الجود أعط الناس ما أنتَ مالِكُهْ ... ولا تُعطينَّ الناس ما أنا قائلُ
فهو الذي أعطاني لكافور بسوء تدبيره، وقِلَّة تمييزه، وهذا البيت من قصيدة له يمدح سيف الدولة بها ويصف دخول رسول ملك إليه، ولو لم يكن للمتنبي سوى هذه القصيدة لاستحق بها فضيلة التقدم على كل من تقدمه وهي:
(1/92)

دروعُ لِمَلْك الروم هذي الرسائلُ ... يردُّ بها عن نفسه ويُشاغِلُ
هذا أحسن من قول أبي تمام:
غداَ خائفاً يستنجد الكُتْبَ مُذْعِناً ... إليكَ فلا رُسْل ثنَتْكَ ولا كُتْبُ
هي الزَّرَدُ الضَّافي عليه ولفظتُها ... عليكَ ثناء سابغ وفضائلُ
وأنَّي اهتديَ هذا الرسولُ بأرضه ... وما سكنتْ مُذْ سِرْتَ فيها القساطل
ومن أيّ ماء كان يَسْقى جيِادَه ... ولم تَصْفُ من مَزْجِ الدماء المناهلُ
هذا أيضا أحسن من قول البحتري:
(1/93)

يُغالبُ طعمَ الماء في ملتقاهُمُ ... حَسا الدمِ حتى يلفظ الماءَ شارِبُه
أتاك يكاد الرأسُ يجحدُ عُنْقَهُ ... وتنقذُّ تحت الذُّعْر منه المفاصلُ
يُقوّم تقويمُ السماطين مشْيَهُ ... إليك إذا ما عوَّجَتْه الأفاكل
فقاسَمكَ العينين منه ولحظَهُ ... سَميَّك والخِلَّ الذي لا يُزايلُ
بنصب العينين، واللحظ، والسمىّ، والخلّ.
وأبصر منه الرزقَ والرّزْقُ مُطمعُ ... وأبصر منه الموتَ والموتُ هائلُ
وقبَّل كُمَّا قبَّل التُّربَ قبله ... وكلُّ كَمِيّ وقف متضائل
وأسعد مشتاقٍ وأظفَرُ طالبٍ ... همامُ إلى تقبيل كَّمكَ واصل
مكان تمناه الشفاهُ ودونه ... صدورُ المذاكي والرماحُ الذوابلُ
فما بلغتْه ما أراد كرامةُ ... عليك ولكن لم يَخبْ لك سائل
(1/94)

وأكبرُ منه همة بعثتْ به ... إليك العدا واستنصرته الجحافل
فأقبل من أصحابه وهو مرسَلُ ... وعاد إلى أصحابه وهو عاذل
هذا يشابه قول البحتريّ:
لحظوك أولَ لحظة فاستصغروا ... مَن كان يُعْظَمُ عندهم ويُبَجَّل
قد نافس الغَيَبُ الحضورَ على الذي ... شهِدوا وقد حسد الرسولَ المرسلُ
تحيَّر في سيفٍ ربيعةُ أصلهُ ... وطابعهُ الرحمنُ والمجدُ صاقلُ
وما لونُه مما تحصّل مقلةُ ... ولا حدُّه مما تُحِسُّ الأنامِلُ
إذا عاينتك الرسْلُ هانتْ نفوسُها ... عليها وما جاءتْ به والمراسلُ
(1/95)

رَجا الرومُ من تُرجَى النوافِل كُلُّها ... لديه ولا تُرْجَى لديه الطوائلُ
فإن كان خوف الأسر والقتل سَاقهم ... فقد فَعلوا ما الأسر والقتل فاعل
فخافوك جتي ما لقتل زيادةُ ... وجاءوك حتى ما تُرادُ السلاسلُ
أرى كلَّ ذي مُلْك إليك مصيرُهُ ... كأنكَ بحر والملوكُ جداول
أخذه من ابن المعتز:
مَلك تواضعت الملوكُ لعزَّه ... قسراً وفاض على الجداول بحرُهُ
إذا مطرتْ ومنكَ سحائبُ ... فوابِلُهُم طَلُّ وطلّك وابلُ
(1/96)

هذا أيضاً كقول البحتري:
أنذرتكم عارضاً تبدو مخايلُهُ ... فالقطرة الفذّ منه وابل هَطِلُ
كريمُ متى استوُهِبتَ ما أنت راكب ... وقد لقيِحَتْ حربُ فإنك نازلُ
هذا المعنى مأخوذ من خبر روى عن حاتم الطائي قيل إنه بارز عامر بن الطفيل وفقد رمح عامر، فخافه عامر فقال: يا حاتم لأبخلنك قال: بماذا؟ قال: ادفع إلى رمحك أقاتلك به فرمى إليه برمحه، ورجع مولياً. وقال بشار ما ينظر إلى هذا المعنى:
لو كان لي سيفُ غداةَ الوغى ... طِبْتُ به نَفساً لأعدائي
(1/97)

وأحسن ما قيل في هذا المعنى قول البحتري: ماض على عزمه في الجواد لو وهب الشباب يوم لقاء البيض ما ندما قال ابن أحمر:
إني أقيد بالمأثور راحلتي ... ولا أبالي وإن كنا على سَفَر
ومازال المتنبي بعد مفارقة سيف الدولة يعرض بمدحه تارة، ويصرخ أخرى؛ فمن ذلك قوله في أول قصيدته التي مدح بها كافورا: فِراق ومن فارقت غير مذمم ومن ذلك أيضاً قوله في قصيدة كافورية:
(1/98)

عشية أحفى الناسِ بي من جَفَوته ... وأهدَى طريقيَّ الذي أتجَنَّبُ
ورأيت له قصيدتين في هجاء كافور، ومدح سيف الدولة، ونقلتهما من خط أبي منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي النسابوري. قال: إنهما وجدتا في رحلة لما قتل، وعملهما بواسط إحداهما قوله:
أفيقا خُمارُ الهمّ نَغَّصَني الخمرا ... وسُكْري منَ الأيام جَّنبني السُّكْرا
تَسُرَّ خليليّ المدامةُ والذي ... بقلبيَ يأبى أن أُسَرَّ كما سُرّا
لبستُ صروفَ الدهر أخشَنَ مَلْبَس ... فعرّقَني نابً ومزّقني ظُفْرا
(1/99)

وفي كل لحظٍ لي ومَسْمَعِ نَغْمةٍ ... يُلاحظني شَزْراً ويُسمعني هُجْرا
سَدِكتُ بصرف الدهر طفلا ويافعاً ... فأفنيتهُ عَزما ولم يُفْنني صَبرا
أريدُ من الأيام مالا يريدُه ... سواي ولا يجري بخاطره فكرا
وأسأله ما أستحق قضاءه ... وما أنا ممن رام حاجته بَسْرا
ولي همةُ من رأىْ همتها النوى ... فَشُركبُني من عزمها المركب الوعْر
تروق بني الدنيا عجائبها وَلى ... فؤاد ببيض الهند لا بيضها مُغْري
أخو هممَ رحالة لا تزال بي ... نوىَ تقطع البيداء أو أقطعَ العمْرا
(1/100)

ومن كان عزمي بين جنبيه حثه ... وصير طولَ الأرض في عينه شِبْرا
صحبت ملوكَ الأرض مغتبطاً بهم ... وفارقتهم مَلآن من حَنَق صَدرا
ولما رأيت العبد للحرّ مالكا ... أبيتُ إباء الحر مسترزقاً حرا
ومصرُ لَعَمريْ أهلُ كلّ عجيبة ... ولا مثل ذا المخصيّ أعجوبةً نَكرا
يُعَدّ إذا عُدّ العجائبُ أوّلا ... كما يُبتدا في العدّ بالإصبع الصغري
فيا هَرَم الدنيا ويا عبرةَ الورى ... ويأيها المخصي مَنْ أمك البَظْر
لُوَيَبْيَّةُ لم تَدْرِ أن بُنَيّها الْ ... لُوَيْبيّ دون الله يَعبدُ في مَصر
(1/101)

ويستخدم البيِضَ الكواعبَ كالدُّمى ... ورُومَ العِبِدّي والغطارفة الغُرّا
قضاء من الله العليّ أراده ... إلاَ ربما كانت إرادته شّرا
ولله آياتُ وليس كهذه ... أظنك يا كافورُ آيتهَ الكبرى
لَعمرُكَ ما دهرُ به أنت طيِّبُ ... أبَحْسبِنُي ذا الدهرُ أحسبه دهرا؟
وأكفرُ يا كافورُ حين تلوح لي ... ففراقتُ مذ فارقتك الشّرك والكفرا
عثرتُ بسيري نحوَ مصر فلالَعاً ... بها وَلَعاً بالسيَّر عنها ولا عَشْرا
وفارقتُ خيرَ الناس قاصدِ شرَهم ... وأكْرمَهم طُرّاً لاْ لأَمهم طُرّا
(1/102)

فعاقبني المخصيُّ بالغدر جازبا ... لأن رحيلي كان عن حلب غدرا
وما كنتُ إلاّ فائَل الرأي لم أُعَنْ ... بحزْمٍ ولا استصحبتُ في وجهتي حجرْا
وقد أرَى الخنزيرُ أني مدحته ... ولو علموا قد كان يُهْجي بما يُطْري
جسَرْتُ على دَهْياء مصرَ فَفُتّها ... ولم يكن الدهياءُ إلاَّ مَن استجْرا
سأجلبُها أشباهَ ما حملتْه من ... أسنتها خُزْراً مُقَطلةً غُبرا
وأُطلعُ بِيضاً كالشموس مُطلَّةً ... إذا طلعتْ بيضاً وإن غَرَبَتْ حُمرا
فإن بلغَتْ نفسي المنى فَبِعزْمها ... وإلاّ فقد أبلغتُ في حرصها عُذرْا
والأخرى قوله:
(1/103)

قطعتُ بِسيري كلَّ يَهْماء مَفْزَعٍ ... وجُبْتُ بخيلي كلَّ صَرْماء بَلْقَعِ
وثلَّمتُ سيفي في رءوس وأذرعٍ ... وحطمت رمحي في نحُور وأضلُع
وصيّرتُ رأيي بعد عزِميَ رائدي ... وخالفتُ آراءً توالتْ بمسِمَعي
ولم أنَّرِكْ أمراً أخافُ اغتياله ... ولاطَمَحت نفسي إلى غير مَطمَع
وفارقتُ مصراً والأسَيْودُ عينهُ ... حذارَ مسيري تَستهلُّ بأدمُع
ألم يَفهم الخنثى مقالي وأنني ... أُفارق من أقْلي بقلب مُشَيَّع
ولا أرعوي إلاّ إلى من يَوَدُّني ... ولا يَطَّبِيني منزلُ غيرُ مُمْرع
أبا النَّتْن كم قيدتَني بمواعد ... مَخافةَ نظم للفؤاد مُرَوَّعِ
وقدّرتَ من فرط الجهالة أننيً ... أُقيم على كِذْبٍ رصيف مُصَنَّع
(1/104)

أقم على عبد خَصِيّ منافق ... لئيم رديء الفعل للجودِ مُدَّعي
وأتركُ سيف الدولة المَلكَ الرضا ... كريمَ المُحيا وابن أروع
فتى بحره عذبُ ومَقْصِدُه غِنىً ... ومَرْتعُ مرعي جوده خيرُ مرِتع
تَظل إذا ما جئتَه الدهَر آمنا ... بخير مكان بل بأشرف موضع
قال ابن سعيد: إن سيف الدولة كان يكاتب المتنبي، ويهاديهُ فقال بمدحه، وأنفذها إليه من الكوفة، وكان سيف الدولة قد كاتبه إليها بأجمل مكاتبه، وأنفذها إليه كسوة وبرا، وعرض له بالعود.
ما لنا كلُّنا جَوٍ يا رسولُ ... أنا أهوى وقلُبك المتبولُ
(1/105)

إلى أن قال:
نحن أدري وقد سألنا بِنَجدٍ ... أقصيرُ طريقُنا أم طويلُ
وكثيرُ من السؤال اشتياقًُ ... وكثيرُ من رَدّة تعليل
لا أقمنا على مكانٍ وإن طا - ب ولا يمكن المكانَ الرحيلُ
كلما رحّبتْ بنا الروض قلنا ... حَلَبُ قصدُنا وأنتِ السبيل
فيك مرعى جِيادنا والمطايا ... وإليها وَجيفُنا والذميل
والمسَمَّوْنَ بالأمير كثيرُ ... والأميُر الذي بها المأمول
الذي زُلتُ عنه شرقاً وغرباً ... ونَداه مُقابلي ما يزول
(1/106)

ومعي حيثما سلكتُ كأني ... كلُّ وجه له بوجهي كفيل
فإذا العذلُ في الندى زار سمعا ... فَفِداه العذولُ والمعذولُ
ومَوالٍ تُحييهمُ من يديه ... نِعَمُ غيرُهم بها مقتول
فرس سابقُ ورمحُ طويل ... ودِلاصُ زَغْفُ وسيفُ صقيل
وأرسل إليه من بغداد قصيدة جواب كتاب ورد منه في سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة وهي:
فهمتُ الكتابَ أبَّر الكُتُب ... فسمعاًلأمرِ أميرِ العربْ
إلى أن قال:
(1/107)

وما لاقني بلدُ بعدكم ... ولا اعتضتُ من ربّ نعمايَ ربْ
ومن ركب الثورَ بعد الجوا - دِ أنكر أظلافه والغَبَبْ
وما قِستُ كلّ مُلوك البلاد ... فدع ذكر بعضٍ بمن في حلب
ولو كنتُ سّميتُهم باسمه ... لكان الحديدَ وكانوا الخشب
أفي الرأي يُشبه أم في السخا - ءَ أم في الشجاعة أم في الأدب؟ ولما عزم أبو الطيب على الرحيل من حلب، وذلك في سنة ست وأربعين وثلاثمائة لم يجد بلدا أقرب إليه من دمشق؛ لأن حمص كانت من بلاد سيف الدولة،
(1/108)

فسار إلى الشام، وألقى بها عصا تَسياره، وكان بدمشق يهودي من أهل تدمر يعرف بابن ملك من قبل كافور ملك مصر، فالتمس من المتنبي أن يمدحه، فثقل عليه، فغضب ابن ملك، وجعل كافور الإخشيدي يكتب في طلب المتنبي من ابن ملك، فكتب إليه ابن ملك: إن أبا الطيب قال: لم أقصد العبد وإن دخلت مصر فما قصدي إلا قصدي إلا ابن سيده، ونَبَت دمشق بأبي الطيب، فسار إلى الرملة، فحمل إليه أميرها الحسين بن طغح هدايا نفيسة،
(1/109)

وخلع عليه، وحمله على فرس بمركب ثقيل، وقلده سيفا محلى، وكان كافور الإخشيدي يقول لأصحابه: أترونه يبلغ الرملة ولا يأتينا؟ وأخبر المتنبي أنه واجد عليه ثم كتب كافور يطلبه من أمير الرملة، فسار إليه.
وكافور هذا عبد أسود خصي مثقوب الشفة السفلى بطين قبيح القدمين ثقيل البدن لا فرق بينه وبين الأمة، وقد سئل عنه بعض بني هلال فقال رأيت أمة سوداء تأمر وتنهي، وكان هذا الأسود لقوم من أهل مصر يعرفون ببني عياش يستخدمونه في
(1/110)

مصالح السوق، وكان ابن عياش يربط في رأسه حبلا إذا أراد النوم فإذا أراد منه حاجة جذبه بالحبل لأنه لم يكن ينتبه بالصياح، وكان غلمان ابن طغج يصفعونه في الأسواق كلما رأوه فيضحك فقالوا هذا الأسود خفيف الروح، وكلموا صاحبه في بيعه فوهبه لهم، فأقاموه على وظيفة الخدمة، ومات سيده أبو بكر بن طغج وولده صغير، وتقيد الأسود بخدمته وأخذته البيعة لولد سيده، وتفرد الأسود بخدمته وخدمة والدته، فقرب من شاء وبعد من شاء فنظر الناس إليه من صغر هممهم، وخسة أنفسهم، فسابقوا إلى التقرب إليه، وسعى
(1/111)

بعضهم ببعض حتى صار الرجل لا يأمن أهل داره على أسراره، وصار كل عبد بمصر يرى أنه خير من سيده، ثم ملك الأمر على ابن سيده وأمر ألا يكلمه أحد من مماليك أبيه، ومن كلمة أتلفه، فلما كبر ابن سيده وتبين ما هو فيه جعل يبوح بما هو في نفسه في بعض الأوقات على الشراب ففزع الأسود منه، وسقاه سما فقتله، وخلت مصر له.
ولما قدم أبو الطيب عليه أمر له بمنزل، ووكل به جماعة وأظهر التهمة له، وطالبه بمدحه فلم يمدحه فخلع عليه، فقال
(1/112)

أبو الطيب في سنة ست وأربعين وثلاثمائة بمصر يمدحه بقصيدته التي أولها:
كفى بك داء أن ترى الموت شافياً ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا
إلى آخرها، وكان وعده أن يبلغه ما في نفسه فأنشده قصيدته التي أولها:
من الجآذزُ في زِيّ الأغاريبِ ... حمرَ الحليَ والمطايا والجلالبيب
وكان يقف بين يدي كافور وفي رجليه خفان وفي وسطه سيف ومنطقة ويركب بحاجبين من
(1/113)

ممالكيه وهما بالسيوف والمناطق، وكان لا يجلس في مجلس كافور، فأرسل إليه من قال له قد طال قيامك يا أبا الطيب في مجلسه؛ يريد أن يعلم ما في نفسه.
فقال ارتجالا:
يقل له القيام على الرءوس ... وبذاُ المُكْرَماتِ منِ النفوس
إذا خانتْه في يوم ضَحوك ... فكيف تكون في يوم عَبوس
قلت: ينبغي التعجب! لا يرضى أبو الطيب أن ينشد قائماً عند سيف الدولة وهو على ما كان عليه، وبعد اشتهار في أقطار الأرض، ومعرفة ملوكها بفضله.
(1/114)

فعل ما سمعته. ورأيت له قصيدة ليست في ديوانه يرثى بها أبا بكر ابن طغج الإخشيد أولها:
هو الزمان مُشِتُ بالذي جمعا ... في كلّ يومٍ ترى من صَرْفه بِدعَا
إن شئتَ مُتْ أسفاً أو فابْقَ مضطرباً ... قد حلّ ما كنت تخشاه وقد وقعا
لو كان ممتنعُ تُغْنيه مَنْعته ... لم يصنع الدهُر بالإخشيد ما صنعا
وهي طويلة لم يحضرني منها إلا هذه الأبيات.
وسأل أبو الطيب كافوراً أن يوليه صيداء من بلاد الشام أو غيرها من بلاد الصعيد،
(1/115)

فقال له كافور: أنت في حال الفقر وسوء الحال وعدم المعين سمت نفسك إلى النبوة فإن أصبت ولاية وصار لك أتباع، فمن يطيقك؟ ثم وقعت الوحشة بينهما، ووضع عليه العيون والأرصاد خوفاً من أن يهرب وأحس المتنبي بالشر. قال الوحيد كنت بمصر وبها أبو الطيب، ووقفت من أمره على شفا الهلاك ودعتني نفسي لحب أهل الأدب إلى أن أحثه على الخروج من مصر فخشيت على نفسي أن يشيع ذلك عني، وكان هو مستعد للهرب، وإنما فات أظافير الموت، ومخالب المنية من
(1/116)

قرب، وهو جني ذلك على نفسه، لأنه ترك مدح ابن حنزابة وهو وزير كافور، والمقرب منه، وهو مع ذلك من بيت شريف أهل وزارة ورياسة ومن العلم والأدب بموضع جليل، وهو باب الملك، فأتى من غير الباب، وأنشد القصيدة اليائية، وأولها ما يتطير منه، كيف لا ويراعتها:
كفَى بك داءً أن ترى الموتَ شافيا ... وحسْبُ المنايا أن يَكُنَّ أمانياَ
تمنَيتها لما تمنيت أن تّرى ... صديقا فأعيا أو عدَّوا مُذاجيا
قلت: تذكرت بهذا البيت حكاية وهي ما حدث محمد بن الحسن
(1/117)

الخوارزمي قال: مررت بمحمد بن موسى الملقب بسيبويه الموسوس وهو يقول مدح الناس المتنبي على قوله:
ومن نكِد الدنيا على الحرّ أن يرى ... عدوَّا له ما مِنْ صداقته بُدُّ
ولو قال ما من مداراته أو من مداجاته بد لكن أحسن وأجود قال: واجتاز المتنبي به فوقف عليه وقال أيها الشيخ أحب أن أراك، فقال له رعاك الله، وحياك، فقال له بلغني أنك أنكرت على قولي: عدوا له ما من صداقته بد فما كان الصواب عندك؟ فقال له إن الصداقة مشتقة من
(1/118)

الصدق في المودة، ولا يسمى الصديق صديقا وهو كاذب في مودته، فالصداقة إذن ضد العداوة، ولا موقع لها في هذا الموضع، ولو قلت ما من مدارته أو مداجاته لأصبت. هذا رجل منا: يريد نفسه قال:
أتاني في قميص اللاذ يسعى ... عدوُّ لي يُلقب بالحبيبِ
فقال المتنبي: أمع هذا غيره؟ قال نعم:
وقد عَبِث الشرابُ بوجنتيه ... فصير خدَّه كَسَنَا اللهيب
فقلتُ له متى استعملتَ هذا ... لقد أقبلتَ في زيّ عجيب
فقال الشمس أهدتْ لي قميصا ... مليحَ اللونِ من نسج المغيب
(1/119)

فثوبي والمدامُ ولونُ خدّي ... قريبُ من قريب من قريب
فتبسم المتنبي وانصرف وسيبويه يصيح عليه: أبكم الرجل وحلال الله وكأن المتنبي يذكر قول سيبويه في هذا البيت. قال الوحيد وهذا الابتداء مما تمجه الأسماع فقبح ابن حنزابه أثره، ثم لم يزل يذكر سواد كافور، ووراءه من ينبه على عيوبه كقوله في قصيدته التي أولها:
إنما التهنئاتُ للأكفاءِ ... ولمن يدَّني من البُعداء
(1/120)

إلى أن قال: إنما يفخر الكريم أبو الم - سك بما يبتني من العلياء وبأيامه التي انسلخت عن - هـ وما دارُه سوى الهيجاء ويما أثّرت صوارمُه البي - ضُ له في جماجم الأعداء وبمسك يُكْني به ليس بالمس - ك ولكنه أريُج الثناء ومنها: نزلتْ إذ نزلتْهَا الدارُ في أح - سنَ منها من السنا والسناء
حلّ في مَنْبت الرياحين منها ... منبتُ المكرمات والآلاء
تفضحُ الشمس كلما ذَرَّت الشم - س بشمسٍ منيرة سوداءِ
(1/121)

إن في ثوبك الذي المجدُ فيه ... لَضياءً يُزري بكل ضياءَ
إنما الجلد مَلْبَسُ وابيضاضُ النّ - فسِ خيرُ من ابيضاضِ القَباء
كرمُ في شجاعة وذكاءُ ... في بهاء وقدرةُ في وفاء
مَنْ لبيضِ الملوكِ أن تُبْدل الّلوْ - ن بلون الأستاذ والسَّجناء
يا رجاءَ العيونَ في كل أرض ... لم يكن غيرَ أن أراك رجائي
فكان يقول ابن حنزابة إنه هزئ بكافور في هذه الأبيات، ويسهل على الناس أمر لونه، ويحسنه له. قال الوحيد: كان المتنبي يعلم أن ذكر السواد
(1/122)

على مسامع كافور أمر من الموت فإذا ذكر لونه بعد ذلك فقد أساء إلى نفسه وعرضها للقتل والحرمان، وكان من إحسان الصنعة، وإجمال الطلب ألا يذكر لونه، وله عنه مندوحة، ولكن الرجل كان سيئ الرأي، وسوء رأيه أخرجه من حضرة سيف الدولة، وشدة تعرضه لعداوة الناس، وقد ذكر سواد كافور في عدة مواضع، وكان اللائق ألا يذكره إلا كقوله:
فجاءتْ بنا إنسانَ عينِ زمانه ... وخلَّتْ خلفها ومآقيا
وهذا في أعلى طبقات
(1/123)

الإحسان لكونه كني عن سواده بإنسان عين الزمان. ومن هذه القصيدة:
فتىً ما سريْنا في ظُهور جدودنا ... إلى عصره إلاَّ نُرَجّي التلاقيا
ومنها:
أبا المسكِ ذا الوجهُ الذي كنتُ تائقا ... إليه وذا الوقتُ الذي كنتُ راجيا
أبا كلّ طيب لا أبا المسكِ وحدَه ... وكلّ سحاب لا أخصُّ الغواديا
يُدلُ بمعنى واحدٍ كلُّ فاخرٍ ... وقد جمع الرحمن فيك المعانيا
ومن قول سامٍ لو رآك لنسله ... فِدَىَ ابن أخي نسلي ونفسي وماليا
(1/124)

قال أبو الفتح بن جني لما قرأت قوله في كافور على أبي الطيب:
وما طربي لما رأيتكُ بِدعة ... لقد كنُت أرجو أن أراك فأطربُ
فقلت له لم تزد على أن جعلته أبازنة، فضحك أبو الطيب، فإنه بالذم أشبه منه بالمدح، وبعد هذا البيت:
وتَعْذُلني فيك القوافي وهَّمتي ... كأنِّي بمدحٍ قبل مدحِكَ مذنبُ
ومن هذه القصيدة:
وأخلاقُ كافور إذا شئتُ مدحَه ... وإن لم أشأ تُملي علىَّ وأكتبُ
(1/125)

إذا ترك الإنسانُ أهلا وراءه ... ويميمَّ كافوراً فما يتغربُ
ومنها:
إذا ضربتْ في الحرب بالسيفِ كفُّه ... تبيّنتَ أن السيفَ بالكفّ يضربُ
تزيدُ عصاياه على اللَّبث كثرةً ... وتلبثُ أمواهُ السحابِ فَتَضُبُ
أبا المسكِ هل في الكأس فضلُ أنا له ... فإني أُغني منذ حين وتشرب
وهبتَ على مقدار كفَّىْ زماننا ... ونفسي على مقدار كفَّيْكَ تطلب
(1/126)

إذا لم تَنُطْ بي ضَيْعةً أو ولايةً ... فجودُك يكسوني وشغلُك يسلب
يضاحكُ في ذا العيدِ كلُّ حبيبَه ... حذائي وأبكي مَنْ أُحبُّ وأندب
أحِنُّ إلى أهلي وأهوى لقاءهْم ... وأين من المشتاق عَنْقاء مُغرِبُ
فإن لم يكن إلاّ أبو المِسك أوْهُمُ ... فإنك أحلى في فؤادي وأعذبُ
إلى أن قال في أثنائها:
وأظلمُ أهلِ الظلمِ من بات حاسداً ... لمن بات في نعمائه يتقلبُ
وهذا البيت يستخرج منه معنيان ضدان أحدهما أن المنعم يحسد المنعم عليه، وكذلك ورد قوله في كافور:
(1/127)

فإن نلتُ ما أملتُ منك فربما ... شربت بماءٍ يُعجز الطيرَ ورِدُه
فإنه إذا أخذ بمفرده من غير نظر إلى ما قبله فإنه بالذم أولى منه بالمدح؛ لأنه يتضمن وصف نواله بالبعد، وصدر البيت مفتتح بإن الشرطية، وقد أجيبت بلفظ رب التي معناها التقليل أي لست من نوالك على يقين، فإن نلته فقد وصلت إلى مورد لا يصل إليه الطير لبعده.
وكثيراً ما يقصد المتنبي هذا القسم في كافورياته كقوله:
عدُّوك مذمومُ بكلّ لسانِ ... ولو كان من أعدائك القمران
(1/128)

ولله سرَّ في عُلاك وإنما ... كلامُ العدا ضربُ من الهذيان
إلى أن قال في أواخرها:
قضى الله يا كافورُ أنكَ أولُ ... وليس بقاضٍ أن يُرى ثانِ
فما لكَ تختار القِسِيّ وإنما ... عن السعد يرمي دونك الثقلانَ
وما لك تُعني بالأسنة والقنا ... وجلدُّك غنيّ عنه بالحَدَثانَ
وهذا مما يدل على براعة البليغ وقدرته على المعاني، ومثله ورد في الحديث النبوي من كلام النبوة الأولى " إذا لم تستحي فاصنع
(1/129)

ما شئت " فهذا الحديث على معنين ضدين ومثله قول الفرزدق:
إذا جعفر مرتْ على هضبْة الحمى ... فقد أخْزَت الأحياء منها قبورُها
فإنه يدل أيضاً على معنيين: أحدهما ذم الأموات، والآخر مدح الأموات. وقوله أيضاً في كافور:
فدِىٍ لأبي المسك الكرامُ فإنها ... سوابقُ خيل يهتدين بأدهم
أَغرَّ بمجدٍ قد شخصن وراءه ... إلى خُلُق رَحْب، وخَلْقِ مُطهَّم
ومن رام معرفة مراد أبي الطيب في هذين البيتين فعليه
(1/130)

بقول ابن الرومي وهو:
هم الغرةُ البيضاءُ من آل مُصْعَبٍ ... وهُمْ بقعةُ التحجيل والناسُ أدْهم
وكان أبو الطيب يأنس بمصر بفاتك الإخشيدي المعروف بالمجنون، ومدحه بالقصيدة التي أولها:
لا خيلَ عندكَ تُهديها ولا مالُ ... فَلْيُسْعد النطقُ إن لمُ تُسْعد الحالُ
وَاجْز الأميرَ الذي نعماه فاجئهُ ... بغير قول ونُعمى الناس أقوال
فتوفي فاتك ورثاه المتنبي وهجا كافورا بقصيدة أولها:
الحزنُ يُقلق والتجمّلُ يَرْدع ... والدمعُ بينهما عصّى طّيُعِ
ومنها:
(1/131)

تصفو الحياةُ لجاهلٍ أو غافلٍ ... عما مضى فيها وما يتُوقع
ومنها:
كنا نظنُّ ديارَه مملوءةً ... ذهباً فمات وكل دار بلقعُ
المجد أخسرُ والمكارمُ صفقةً ... من أن يعيش لها الكريم الأروع
ومنها:
يا منُ يُبدلّ كلَّ يوم حُلةً ... أنيَّ رضيتَ بحُلةٍ لا تُنزغ
لازلتَ تخلعها على من شاءها ... حتى لبستَ اليوم مالا يُخلع
ومنها:
مَنْ للمحافلِ والجحافل والسُّرى ... فَقَدتْ بفقدكَ نيّراً لا يَطُلع
(1/132)

ومن اتخذت على الصفوف خليفةً ... ضاعوا ومثلكُ لا يكاد يُضيّع
قبحاً لوجهك يا زمانُ فإنه ... وجهُ له من كل لؤم بُرقُع
أيموتُ مثلُ أبي شجاع فاتكِ ... ويعيشُ حاسُده الخصُّي الأوكُع
وله فيه أيضاً من قصيدة قالها بعد رحيله من مصر وهي:
من لا تشابههُ الأحياءُ في شِيتمِ ... أمسى تُشابهُه الأمواتُ في الرّمَمَ
عَدِمْتُه وكأني سرتُ أطلبه ... فما تَزيدنَي الدنيا على العَدَم
(1/133)

ما زلت أضْحك إبليْ كلّما نظرتْ ... إلى مَن اختضبتْ أخفافُها بِدَم
أُسيرها بين أصنام أشاهدها ... ولا أشاهدُ فيها عِفَّة الصنم
حتى رجعتُ وأقلامي قوائلُ لي ... المجدُ للسيف ليس المجدُ للقلم
أكتبْ بنا أبداً بعد الكتابِ به ... فإنما نحن للأسياف كالخدم
أسمعتني ودوائي ما أشرتِ به ... فإن غفلتُ فدائي قلةُ الفَهَمِ
من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كلَّ سؤال عن هلٍ بِلَمِ
وآخر ما مدح به كافوراً قصيدته التي أولها:
(1/134)

مُنَّى كُنّ لي أن البياضَ خِضابُ ... فَيخْفي بتبيض القرون شبابُ
لياليَ عند البيض فَوْداي فتنةُ ... وفخرُ وذاك الفخرُ عنديَ عابُ
فكيف أذمّ اليوم ما كنتُ أشتهي وأدعو بما أشكوه حين أجاب
جلا اللونُ عن لونٍ هَدَى كلَّ مسلكٍ ... كما انجاب عن ضوء النهار ضباب
وفي الجسم نفسًُ لا تشيبُ بشيبه ... ولو أن ما في الوجه منه حِراب
لها ظُفُرُ إنْ كلَّ ظُفْرُ أُعِدُّه ... ونابُ إذا لم يبقَ في الفم ناب
(1/135)

يُغيّر مني الدهرُ ما شاء غيرَها ... وأبلغ أقصى العُمْرِ وهْي كَعاب
وإني لنجمُ تهتدي صُحبّي به ... إذا حال من دون النجوم سَحاب
غنيّ عن الأوطان لا يستفزني ... إلى بلدٍ سافرتُ عنه إياب
ومنها:
وهل نافعي أن تُرفعَ الحُجْبُ بيننا ... ودونَ الذي أمَّلتُ منكَ حجابُ
أقلُّ سلامي حبَُّ ما خفَّ عنكمُ ... وأسكتُ كيما لا يكونَ جواب
وفي النفس حاجاتهُ وفيك فطانةُ ... سكوتي بيانُ عندها وخطاب
وانقطع أبو الطيب بعد إنشاد هذه القصيدة لا يلقى الأسودَ إلاَّ أن
(1/136)

يركب فيسير معه في الطريق، وعمل على الرحيل، وقد أعدّ كلَّ ما يحتاج إليه على ممر الأيام بلطف ورفق، ولا يعلم به أحد من غلمانه، وهو يظهر الرغبة في المقام، وطال عليه التحفظ، فخرج ودفن الرماح في الرمال، وحمل الماء على الإبل لعشر ليال، وتزود لعشرين، وقال في يوم عرفة من سنة خمسين وثلاثمائة قبل سيره من مصر بيوم:
عيدُ بأيّة حالٍ عُدْتَ يا عيدُ ... بما مضى أمِ لأمر فيكَ تجديدُ
ومنها:
إني نزلتُ بكذابين ضيفُهمُ ... عن القرى وعن التَّرحال محدودُ
(1/137)

جودُ الرجالِ من الأيدي وجودُهمُ ... من اللسانِ فلا كانوا ولا الجودُ
ومنها:
أكلما اغتال عبدُ السوءِ سيده ... أو خانه فله في مصرَ تمهيدُ
صار الخَصيُّ إمامَ الآبقين بها ... فالحرُّ مستعَبدُ والعبدُ معبود
وآخرها:
أولى اللثامِ كُوَيفيرُ بمعذرِة ... في كل لؤم وبعضُ العذرِ تَفْنيدُ
وذاك أنَّ الفحولَ البيضَ عاجزةُ ... عن الجميل فكيف الخصية السود
(1/138)

وفي يوم العيد سار من مصر هارباً، وأخفى طريقه، فلم يؤخذ له أثر، حتى قال بعض أهل البادية: هبه سار فهل محا أثره؟ وقال بعض المصريين إنما عمل طريقاً تحت الأرض، وتبعته البادية والحاضرة من سائر الجوانب، وبذل كافور في طلبه ذخائر الرغائب، وكتب إلى عماله في سائر أعماله، ودخل أبو الطيب إلى موضع يعرف بنخل بعد أيام، وسار حتى قرب من النقاب فرأى رائدين لبني سليم على قلوصين، فركب الخيل، وطردهما، حتى أخذهما، فذكروا له أن أهلها
(1/139)

أرسلوهما رائدين، فاستبقاهما ورد عليهما القلوصين وسلاحهما، وسارا معه حتى توسط بيوت بني سليم آخر الليل، فضرب له ملاعب خيمة بيضاء، وذبح له، وسار إلى النقيع، فنزل ببادية معن، فذبح له، وسار إلى أن دخل حسمي، وهي أرض كثيرة النخل، وطابت له حسمي، فأقام بها شهراً، وكان نازلاً بها عند وردان بن ربيعة الطائي، فاستغوى عبيده، وأجلسهم مع امرأته، فكانوا يسرقون له الشيء بعد الشيء من رحله. وكاتب الأسود سائر قبائل العرب في طلبه، وظهر لأبي الطيب فساد عبيده، وكان
(1/140)

وردان الطائي يرى عند أبي الطيب سيفاً مستوراً، فسأله أن ينظره، فأبى، لأنه كان على قائمته مائة مثقال من الذهب، وكان السيف ثميناً، فجعل الطائي يحتال على العبيد بامرأته، طمعاً في السيف، لأن بعضهم أعطاه خبره، فلما أنكر أبو الطيب أمر العبيد، ووقف على مكاتبة الأسود، ترك عبيده نياماً، وتقدم إلى الجمال فشد عليها أسبابه، وسار والقوم لا يعلمون برحيله، وطرح عبيده على الإبل وهم لا يعلمون، وأخذ في المسير، وأخذ بعض العبيد السيف في الليل، فدفعه
(1/141)

إلى عبد آخر مع فرسه، وجاء ليأخذ فرس أبي الطيب، فتنبه له، فقال الغلام: أخذ العبد الفرس يغالطه، وعدا نحو الفرس ليقعد في ظهره فالتقى هو وأبو الطيب عند الحصان، وسل العبد السيف فضرب رسنه، وضرب أبو الطيب وجه العبد، وأمر الغلمان بقتله، وكان هذا العبد أشد من معه وأفرس، فقال أبو الطيب القطعة التي أولها:
أعددت للغادرين أسيافاً ... أجدع منهم بهن آنافا
وقال أيضاً يهجو وردان:
إن تك طَيّئ كانت لئاما ... فألأمها ربيعةُ أو بنوةُ
وإن تك طيئ كانت كراما ... فَوَرْدانُ لغيرهمُ أبوهُ
(1/142)

مرَرْنا منه في حِسْمَي بعبدٍ ... يَمُجُّ اللؤمَ مَنْخِرهُ وَفُوهُ
أشذّ بِعِرسه عني عبيديً ... فأتلفهم وماليَ أتلفوهُ
فإن شَقِيتْ بأيديهم جِيادي ... لقد شقيتْ بِمُنصُلي الوجوهُ
ثم لما توسطه بسيطة وهي أرض تقرب من الكوفة، رأى بعض عبيده ثوراً يلوح فقال هذه منارة الجامع، ونظر آخر إلى نعامة فقال هذه نخلة، فضحك أبو الطيب وضحكت البادية التي كانت معه وقال:
بسيطة مهلاً سُقيتِ القِطارا ... تَركْت عيونَ عبيدي حَيارَي
(1/143)

فظنوا النعام عليك النخيلَ ... وظنوا الصُّوار عليك المنارَا
وأمسك صحبي بأكوارهم ... وقد قَصَد النومُ فيهم وحارَا
وسار أبو الطيب حتى دخل الكوفة في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، ونظم المقصورة التي أولها:
الأكل ماشيةِ الخيْزلَي ... فِدَى كلّ ماشيةِ الهَيذبَي
وصف فيها مسيرة عن مصر، وذكر المنازل التي قطعها، وهجا كافورا، وعرض بجعفر بن الفرات، ثم توجه إلى مدينة السلام.
أبو الطيب في مدينة السلام
قال أبو علي الحاتميّ: كان أبو الطيب عند
(1/144)

وروده مدينة السلام، قد التحف برداء الكبر والعظمة، يخيل له أن العلم مقصور عليه، وأن الشعر لا يغترف عذبه غيره، ولا يقطف نواره سواه، ولا يرى أحداً إلا ويرى لنفسه مزية عليه؛ حتى إذا تخيل أنه نسيج وحده، وأنه مالك رق العلم دون غيره، وثقلت وطأته على أهل الأدب بمدينة السلام، وطأطأ كثير منهم رأسه، وخفض جناحه، واطمأن على التسليم جأشه، وتخيل أبو محمد المهلبي أنه لا يتمكن أحد من مساجلته ومقارعته، ولا يقوم لمجادلته، والتعلق
(1/145)

بشيء من مطاعنة، وساء معز الدولة أن يرد على حضرته رجل صدر عن حضرة عدوه، ولم يكن بمملكته أحد يماثله فيما هو فيه، ولا يساويه في منزلته يبدي لهم عواره ويكفي آثاره، ويهتك أستاره ويمزق جلابيب مساويه، فتوخيت أن يجمعنا مجلس أجرى أنا وإياه في مضمار ليعرف السابق من المسبوق فلما لم يتفق ذلك قصدت مجلسه فوافق مصيري إليه حضور جماعة يقرءون عليه شيئاً من شعره فحين استؤذن لي نهض من
(1/146)

مجلسه ودخل بيتاً إلى جانبه، ونزلت عن بغلتي وهو يراني، ودخلت إلى مكانه، فلما خرج إلي نهضت إليه فوفيته حق السلام غير مشاح له في ذلك، وكان سبب قيامه من مجلسه لئلا يقوم لي عند الدخول إليه ولبس سبعة أقبية ملونة وكان الوقت أحر ما يكون من الصيف وأحق بتخفيف اللبس فجلس وأعرض عني ساعة لا يعيرني طرفاً، ولا يكلمني حرفاً، فكدت أتميز غيظاً، وأقبلت أستخف رأيي في قصده، وأعاتب نفسي في التوجه إلى مثله، وهو
(1/147)

مقبل على تكبره ملتفت إلى الجماعة الذين بين يديه وكل واحد منهم يومي إليه، ويوحي بطرفه، ويشير إلى مكاني، ويوقظه من ستة جهله ويأبى إلا ازوراراً ونفاراً جرياً على شاكلة خلقه، ثم توجه إلي فوالله ما زادني على قوله: أي شيء خبرك؟ فقلت ما جنيته على نفسي من قصدك وكلفت قدمي من السعي إلى مثلك، ثم انحدرت عليه انحدار السيل وقلت أبن لي عافاك الله ما الذي يوجب ما أنت عليه من العظمة والكبرياء؟ هل هنا نسب يورثك الفخر، أو شرف
(1/148)

توجت به دون أبناء الدهر، أو علم، أصبت فيه علماً يقع الإيماء إليه، أو مورد تقف الهمم عليه؟ وهل أنت إلا وتد بقاع في أشر البقاع؟ وإني لأسمع جعجعة ولا طحن فامتقع لونه، وجعل يعتذر عن جنايته، وأقول له يا هذا إذا أتاك شريف في نسبه تجاهلت عليه، أو عظيم في أدبه صغرت قدره، أو مقدم عند سلطانه لم تعرف موضعه، هل العز تراث لك دون غيرك؟ كلا والله، ولكنك مددت الكبر سترا، رواقا دون جهلك، فعاد إلى الاعتذار وأخذت الجماعة في تليين جانبي، والرغبة
(1/149)

في قبول عذره وإعمال مياسرته ومسامحته، ويحلف بالله أنه لم يعرفني فأقول: يا هذا ألم يستأذن عليك باسمي ونسبي؟ أما كان في هؤلاء الجماعة من يعرفك بي إن كنت جهلتني؟ وهب كان ذلك ألم ترتحتي بغلة رائعة يعلوها مركب ثقيل، وبين يدي عدة غلمان؟ أما شاهدت لباسي أما شممت نشري أما راعك شيء من أمري أتميز به عن غيري؟ وهو خافض جناح الذل، وقد زال عنه ما كان فيه وأقبل على، وأقبلت عليه.
ثم قلت له يا هذا يختلج في نفسي أشياء من شعرك أريد أن أسألك
(1/150)

عنها، وأراجعك فيها. قال وما هي؟ قلت أخبرني عن قولك:
إذا كان بعضُ الناس سيفاً لدولةٍ ... ففي الناسِ بُوقاتُ لها وطُبول
أهكذا تمدح الملوك؟ وعن قولك:
خف الله واستر ذا الجمالَ ببرقع ... فإن لُحتَ حاضتْ في الخدور العواتقً
أهكذا يتشبب بالمحبوب؟ وعن قولك:
ولا مَن في جَنازتها تِجارُ ... يكون وداعُها نفضَ النّعالِ
أهكذا رثاء أحت الملك؟ والله لو قلت هذا في أدنى عبيدها لكان قبيحا، وعن قولك:
(1/151)

سلام الله خالقنا حَنوطا ... على الوجه المكفن بالجمال
أما استحييت من سيف الدولة؟ عن قولك في هجاء ابن كيغلغ:
وإذا أشار مُحّدثاً فكأنه ... قردُ يُقهقهُ أو عجوزُ تلطمُ
أما كان في أفانين الهجاء التي تصرفت فيها الشعراء مندوحة عن هذا الكلام الذي تنفر عنه الأسماع، ويمجه كل طبع. وأخبرني أيضاً عن قولك في صفة الكلب:
فصار ما في جلده في المرجل ... ولم يَضرناْ معه فقدُ الأجدل
أي شيء أعجبك من هذا الوصف؟
(1/152)

أعذوبة عبارته أم لطف معناه؟ أما قرأت رجز الحسن بن هانئ وطردية ابن المعتز أما كان في المعاني التي ابتدعها هذان الشاعران ما تتشاغل به عن بنيات فكرك من اللفظ اللئيم؟ وعن قولك:
أرقُ على أرقٍ ومثليَ يَأرق ... وجَوىً يزيدُ وعبرةُ تترقرقُ
أهكذا تكون الافتتاحات؟ وعن قولك:
أحبُّك أو يقولوا جرّ نملُ ... ثَبيِراً وابن رِيعا
أهكذا تكون المخالص؟ وعن قولك:
(1/153)

فقلقلْت بالهمّ الذي قلقل الحشا ... قلاقلَ عيِسى كلهن قلاقلُ
قال أبو علي الحاتمي فأقبل على وقال أين أنت من قولي؟
كأن الهامِ في الهيجا عيونُ ... وقد طُبِعتْ سيوفُك من رُقاد
وقد صُغتَ الأسَنة من هُموم ... فما يَخْطُرْنَ إلاَّ في فؤاد
وأين أنت من قولي في وصف جيش:
في فيلق من حديد لو قذفت به ... صَرْفَ الزمان لما دارتْ دوائرُهُ
وأين أنت من قولي؟:
لو تَعقِل الشجرُ التَّي قابلتهاَ ... مدّتُْ مَحييِةً إليكَ الأغْصُنا
(1/154)

ومن قولي أيضاً:
أينفع في الخيمة العُذَّلُ ... وتشملُ مَنْ دَهَره يَشمَلُ
وما اعتمدَ اللهُ تَقْويضَها ... ولكن أشارَ بما تَفْعَلُ
وقولي فيها أيضاً:
وملمومةُ زَرَدُ ثوبُها ... ولكنه بالقنا مُخْملُ
وأين أنت من قولي؟
الناسُ ما لم يَرَوْك أشباهُ ... والدهرُ لفظُ وأنت معناه
وأين أنت من قولي؟
وما شَرقي بالماء إلاّ تذكراً ... لماء به أهلُ الحبيب نزولُ
(1/155)

يُحرمه لمعُ الأسنةِ فوقه ... فليس لظمآن إليه سبيلُ
أما يكفيك إحساني في هذه وتغفر إساءتي في تلك؟ قلت: ما أعرف لك إحساناً في جميع ما ذكرت، وإنما أنت سارق متبع، وآخذ مقصر وفيما تقدم عن المعاني مندوحة عن التشاغل بها.
فأما قولك:
كأن الهام في الهيجا عيونُ ... وقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صُغتَ الأسنة من هموم ... فما يخطرن إلا في فؤاد
فمنقول من منصور النمري:
(1/156)

فكأنما وَقْعُ الحُسامِ بهامه ... خَدَرُ الأسنة أو نُعاسُ الهاجع
وأما قولك:
في فيلق من حديد لو قذفت به ... صرفَ الزمان لما دارت دوائره
فإنما نقلته نقلاً لم تحسن فيه، وهو قول الناجم:
ولي في أحمد أملُ بعيدُ ... ومدحُ قد مدحتُ به طريفُ
مديحُ لو مدحتُ به الليالي ... لما دارتْ علىّ لها صروفُ
والناجم نقله من قول أرسطو وهو: قد تكلّمت بكلام لو مدحت به الدهر لما دارت علىّ صروفه.
وأما قولك:
(1/157)

لو تعقل الشجر التي قابلتها ... مدّتْ مُحَيَّيةً إليكَ الأغصنا
فهذا معنى مبذول قد تجاذبته الشعراء، وأول من نطق به الفرزدق بقوله:
يكاد يُمسكه عِرفانَ راحتهِ ... ركنُ الحطيم إذا ما جاءَ يَستلمُ
ثم تكرر على ألسنة الشعراء، إلى أن قال أبو تمام:
لو سعتْ بقعةُ لإعظام أخرى ... لَسَعى نحوَها المكانُ الجديبُ
وأخذ هذا المعنى البحتري، فقال:
ولَوَ إن مشتاقاً تكلف فوق ما ... في وُسْعه لَسعى إليك المنِيرُ
وأما قولك:
(1/158)

وما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل.
فهذا مأخوذ من قول رحل مدح بعض أمراء الموصل، وقد عزم على المسير، فاندق لواؤه فقال:
ما كان مُندقُّ اللواءِ لريبةِ ... تُخشى ولا أمر يكون مرتلا
إلاَّ لأن العودَ صغرّ متنهَ ... صِغَرُ الولاية فاستقل الموصلا
وأما قولك:
الناس ما لم يَرَك أشباه ... والدهر لفظُ وأنت معناه
فمنقول من قول منصور بن بسام
(1/159)

قد استوى الناسُ وماتَ الكمالْ ... وصاحَ صرفُ الدهرِ أين الرجالْ
هذا أبو العباسِ في نَعْشهِ ... قوموا انظروا كيف تسير الجبالْ
وأما قولك:
وملمومة زردُ ثوبهاُ ... ولكنه بالقنا مُخمَلُ.
فمنقول من قول أبي نواس:
أمامَ خَميِس أُرجُوان كأنُه ... قميصُ مَحوكُ من قَناً وجياد
وقال بعض الحاضرين ما أحسن قوله: قوموا انظروا كيف تسير الجبال! فقال أبو الطيب اسكت ما فيه من حسن إنما سرقة من قول النابغة وهو:
(1/160)

يقولون حِصنُ ثم تأبى نفوسُهم ... وكيف بحصن والجبال جُنوح
قال الحاتمي وأما قولك: " والدهر لفظُ وأنتَ معناه " فمنقولُ من الأخطل وهو:
وإن أمير المؤمنين وفعله ... لك الدهر لا عارُ بما فعل الدهرُ
ثم قلتُ له: أتراه أخذه من أحد؟ فأطرق هنية ثم قال: ما تصنع بهذا؟ قلت ليستدل به على موضعك وموضع أمثالك من سرقة الشعر. فقال الله أكبر، سأفهمك، ثم قال: ألا قلت بل أخذه من قول النابغة
(1/161)

الذبياني: وهو أول من ابتكره، فقال:
وعيرتْني بنو ذُبيانَ خشيتَه ... وهل علىَّ بأنْ أخشاه منْ عارِ
أخذه أبو تمام فقال وأجاد:
خَشَعوا لصولتك التي هي فيهمُ ... كالموت يأتي ليس فيه عارُ
وأما قولك:
وما شَرَقي بالماء إلا تذكرا ... لماء به أهل الحبيب نزول
يحرمه لمع الأسنة فوقه ... فليس لظمآن إليه وصولُ
فهو من قول عبد الله بن دارة.
ألم تعلمي يا أحسنَ الناس أننَّي ... وإن طال هجري في لقائكِ جاهدُ
(1/162)

فلا تعذُلينا في التنائي فإننا ... وإياكِ كالظمآن والماءُ بارد
يراه قريباً دانيا غير أنه ... تحول المنايا دونَه والمرَاصِدُ
فقال أبو الطيب: ألست القائل:
ذي المعالي فليعلونْ من تعالى ... هكذا هكذا وإلاّ فلا لا
شرفُ ينطح النجومَ بِرَوقَيْ - هـ وعز يُقلْقل الأجبالا قلت بل أخذت البيت الأول من بكر بن النطاح:
يتلقى الندى بوجه حَييَّ ... وصدورَ القنا بوجه وَقاح
(1/163)

هكذا هكذا تكون المعالي ... طُرُق الجِدّ غيرُ طُرْقِ المُزاح
وأخذت الثاني من بيت أبي تمام وأفسدته.
همةُ تنطَحُ النجومَ وحَظُ ... آلفُ للحضيض فهو حَضيِضُ
قال: فأي شيء أفسدته؟ قلت: جعلت لشرف الرجل قرنا. قال هي استعارة. قلت: استعارة خبيثة. قال: أقسمت بالله إني لم أقرأ شعراً قط لأبي تمامكم. فقلت: هذه سوءة لو سترتها كان أولى. قال: السوءة قراءة شعر مثله، أليس هو القائل؟:
(1/164)

خَشُنْتِ عليه أختَ بني الخُشينِ ... وأنجحَ فيكِ قولُ العاذِلَيْنِ
وهو الذي يقول:
تسعون ألفاً كآساد الشَّرَى نَضِجتْ ... جُلُودها قبل نُضجِ التين والعنب
وهو الذي يقول:
أقول لقُرحانٍ من البَينِ لم يُصِبْ ... رَسيسَ الهوى بين الحَشاَ والترائب
ما قرحان البين؟ أخرس الله لسانه! فقلت له: يا هذا، قد كذبت نفسك، هذا من أدل الدليل على أنك قد قرأت شعر الرجل، بتتبعك مساويه، ثم قلت: يتسم أبو تمام بميسم النقيصة وهو الذي يقول:
نوالكُ ردّ حُسادي فُلولا
(1/165)

.. وأصلح بين حُسادي وبيني
هلا اعتبرت البيت بهذا البيت الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله؟ وأما قوله تسعون ألفا. . . البيت، فله خبر لو عرفته وتقصيته، لما قلت ما قلتثم قصصت عليه سبب إيراده. ثم قلت له وفي هذه القصيدة ما لا يستطيع أحد من متقدمي الشعراء، وأمراء الكلام وأرباب الصناعة أن يأتي بمثله. قال وما هو؟ قلت لو قال قائل لم يبدأ أحد بأوجه ولا أحسن ولا أخصر من قوله:
السيف أصدقُ أنباءً من الكُتُبِ ... في حَدِه الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ
(1/166)

لما عُنّف في ذلك، وفيها يقول:
رمى بك الله بُرجَيْها فهدّمها ... ولو رمى بك غيرُ الله لم يُصبِ
وفيها:
لما رأى الحربَ رأىَ العينِ تَوْفَلسُ ... والحربُ مشتقةُ المعنى من الحَرَب
ومنها:
فتح تَفَتّحُ أبوابُ السماء له ... وتبرزُ الأرض في أثوابها القُشُبِ
غادرتَ فيهمْ بَهيِم الليلِ وهوْ ضُحى ... يَشُلُّه وسْطَها صبحُ من اللهَبِ
حتى كأن جلابيب الدجى رغبتْ ... عن لونها وكأن الشمس لم تَغبَ
أجبتَهُ معلنا بالسيفِ منصلتا ... ولو أجبتَ بغير السيف لم تُجِبِ
وأما قوله. أقول لقرحان من البين. . . البيت فإنه يريد رجلا لم يقطعه أحبابه ولم ينأوا عنه وفي هذه القصيدة من المعاني
(1/167)

الرائعة، والتشبيهات العجيبة، والاستعارات البارعة، ما يغتفر معه هذا البيت وأمثاله، فمن ذلك قوله.
إذا العيِسُ لا قتْ بي أباُ دلَفٍ فقد ... تقطَّعَ ما بيني وبين النوائب
يرى أقبحَ الأشياءِ أوْبةَ آمل ... كستْه يدُ المأمولِ حلةَ خائب
وأحسنُ من نَوْر تُفتحه الصَّبا ... بياضُ العطايا في سواد المَطالب
وقد علم الأفشيِنُ وهْو الذي به ... يُصانُ رداءُ الملكِ من كل جاذبِ
بأرشق إذ سالتْ عليهم غمامةُ ... جرتْ بالعوالي والعتاق الشوازبِ
(1/168)

بأنك لما استحنَّكَ الأمرُ واكتسىَ ... أهابيَّ تَسْفي في وجوه التجارِبِ
وفيها يقول:
ولو كان يَفني الشعرُ أفناه ما قَرَتْ ... حياضُك منه في العصور الذواهب
ولكنه فيضُ العقول إذا انجلتْ ... سحائب منه أعْقِبَتْ بسحائب
فبهره ما أوردتهُ عليه، وأمسك عنان عبارته، وحبس بنيات صدره، وعقل عن الإجابة لسانه، وكاد أن يشغب، لولا ما خاف من عاقبة شغبه ومعرفته بمكاني في تلك الأيام، وأن ذلك لا يتم له، فما زاد على أن قال: أكثرت من أبي تمام فلا قدس الله روح أبي تمام! فقلت: لا قدس الله روح السارق
(1/169)

منه، الواقع فيه! ثم قلت: ما الفرق في لغة العرب بين التقديس والقداس والقادس؟ قال: وأي شيء غرضك في هذه المذاكرة؟ بل المهاترة؟ ثم قال: التقديس: التطهير، ولذلك سمي القدس قدساً، لأنه يشتمل على الذي يكون به الطهور. وكل هذه الأحرف تئول إليه، فقلت له: ما أحسبك أمعنت النظر في كتب اللغة، وعلوم العرب، ولو تقدم منك مطالعة لها، ما جمعت بين معاني هذه الكلمات، مع تباينها؛ لأن القداس بتشديد الدال: حجر يلقى في البئر لعلم غزارة ما فيه
(1/170)

من قلته. حكى ذلك ابن الأعرابي. والقداس يشبه الجمان يعمل من الفضة حكى ذلك الخليل، واستشهد بقوله " كنظم قداس سلكه متقطع ".
والقادس: السفينة فلما علوته بالكلام قال: يا هذا، اللغة مسلمة لك، فقلت: كيف تسلمها وأنت أبو عذرتها وأولى الناس بها، وأعرفهم باشتقاقاتها والكلام على أفانينها، وما أحد أولى بأن يسأل عن غربيها منك، وشرع الجماعة يسألونني العفو عنه، وقبول عذره، وكنت بلغت شيئاً كان في صدري، وعلمت أن الزيادة على
(1/171)

الحد الذي انتهيت إليه ضربُ من الأشر والبغي، ولا أراه في مذهبي، ورأيت له حق التقدم في صناعته فطأطأت له كنفي، واستأنفت جميلا من وصفه، ونهضت، فنهض لي مشيعا إلى باب الدار، حتى ركبت وأقسمت عليه أن يعود إلى مكانه، وتشاغلت بقية يومي بشغل عن لي عن حضرة الوزير المهلبي، وانتهى إليه الخبر.
وأتت رسله ليلا، فسرت إليه، وقصصت عليه القصة بتمامها، فحصل له من السرور والابتهاج بما جرى ما بعثه على مباكرة معز الدولة، وإخباره بكل ما أخبرته.
(1/172)

وأخبرني الرئيس أبو القاسم محمد بن العباس أنه بمجرد دخوله على معز الدولة قال: أعلمت ما كان من أبي علي الخاتمي والمتنبي؟ فإنه شفي منه صدراً. قال أبو علي الحاتمي: وشاهدت من فضيلته، وصفاء ذهنه، وجودة حذقه، ما حداني على عمل الحاتمية، وتأكدت بيني وبينه الصحبة، وصرت أتردد إليه أحياناً.
قال الخالديان: كان أبو الطيب المتنبي كثير الرواية جيد النقد. ولقد حكي بعض من كان يحسده أنه كان يضع من الشعراء المحدثين؛ ويغض من البلغاء
(1/173)

الملفقين، وربما قال أنشدوني لأبي تمامكم شيئاً حتى أعرف منزلته من الشعر، فتذاكرنا ليلة في مجلس سيف الدولة بميافارقين وهو معنا، فأنشد أحدنا لمولانا أيده الله شعراً له قد ألم فيه بمعنى لأبي تمام استحسنه مولانا أدام الله تأييده فاستجاده واستعاده.
فقال أبو الطيب هذا يشبه قول أبي تمام، وأتى بالبيت المأخوذ منه المعنى، فقلنا قد سررنا لأبي تمام إذ عرفت شعره، فقال: أو يجوز للأديب ألا يعرف شعر أبي تمام، وهو أستاذ كل من قال الشعر بعده
(1/174)

فقلنا قد قيل إنك تقول كيت وكيت، فأنكر ذلك، وما زال بعد ذلك إذا التقينا ينشدنا بدائع أبي تمام، وكان يروي جميع شعره.
وكان من المكثرين من نقل اللغة والمطلعين علي غريبها، ولا يسأل عن شيء إلا استشهد بكلام العرب من النظم والنثر، حتى قيل إن الشيخ أبا علي الفارسي قال له يوماً: كم لنا من الجموع على وزن فعلى؟ فقال له في الحال حجلي وظربي.
قال الشيخ أبو علي الفارسي: فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال على أن أجد لها ثالثاً فلم أجد. وحسبك من يقول
(1/175)

مثل أبي على في حقه ذلك. ولما استقر بدار السلام، وترفع عن مدح الوزير المهلبي ذاهباً بنفسه عن مدح غير الملوك شق ذلك على المهلبي، فأغرى به شعراء العراق، حتى نالوا من عرضه، وتباروا في هجائه، فلم يجبهم، ولم يفكر فيهم، فقيل له في ذلك فقال: إني فرغت من إجابتهم بقولي لمن هو أرفع طبقة في الشعر منهم:
أرى المتشاعرين غَرُوا بذمي ... ومَنْ ذا يحمَدُ الداء العُضالا
ومن يك ذا فمٍ مّرٍ مريضٍ ... يجدْ مُرّاً به الماءَ الزُّلالا
(1/176)

وقوله:
أفي كِلّ يوم تحت ضبِنْي شويعرُ ... ضعيفُ يقاويني قصيرُ يُطاولُ
لساني بِنطق صامتُ عنه عادلُ ... وقلبي بصمتي ضاحك منه هازل
وأتعب من ناداكَ من لا تُجيبه ... وأغيظُ من عاداك من لا تُشاكل
وما التيهُ طبعي فيهمُ غيرَ أنني ... بغيضُ إلىّ الجاهلُ المتغافل
وقولي:
وإذا أتتك مِذَمّتي من ناقص ... فهي الشهادةُ لي بأني فاضل
ولما بلغ الحسن بن لنكك بالبصرة
(1/177)

ما جرى على المتنبي من وقيعة شعراء العراق فيه واستخفافهم به كقولهم فيه: أيُّ فضلٍ لشاعر يطلبُ الفض - لَ من الناس بُكرةً وعَشيِاّ عاش حيناً يبيع بالكوفة الما - ءَ وحيناً يبيع ماء المحّيا وكان ابن لنكك حاسداً له، طاعناً عليه، هاجياً إياه، زاعماً أن أباه كان يسقي الماء بالكوفة، فشمت به، وقال:
قواد لأهل زمان لا خلاق لهم ... ضلوا عن الرشدِ من جهل بهم وَعُموا
(1/178)

أعطيتمو المتنبي فوق مُنْيته ... فزوّجوه برغمٍ أمهاتِكمُ
لكن بغدادَ جاد الغيثُ ساكنهاَ ... نِعالُهم في قَفا السقاءِ تزدحمُ
ومن قوله فيه: متنبيكمُ ابنُ سقاءَ كوفا - نِيَّ ويُوحَي من الكنيف إليهِ
كان مِنْ فِيه يَسلحُ الشعرَ حتى ... سلحتْ فقحة الزمانِ عليهِ
ومن قوله فيه:
ما أوقحَ المتنبي ... فيما حكى وادعاهُ
أبيح مالاً عظيماً ... لما أباح قفاه
يا سائلي عن غِناه ... من ذاك كان عَناه
(1/179)

إنْ كان ذاك نبيا ... فالجاثَليقُ إلهُ
ثم إن أبا الطيب اتخذ الليل جملا، وفارق بغداد متوجها إلى حضرة أبي الفضل ابن العميد. قيل إن الصاحب بن عباد طمع في زيارة المتنبي إياه بأصفهان وإجرائه مجرى مقصوديه من رؤساء الزمان، وهو إذ ذاك شاب، والحال حويلة، والبحر دُجيلة، ولم يكن استوزر بعد، فكتب يلاطفه في استدعائه، ويضمن له مشاطرته جميع ماله، فلم يقم له المتنبي وزناً، ولم يجبه عن كتابه، وقيل إن المتنبي قال لأصحابه: إن غليما معطاء بالري
(1/180)

يريد أن أزوره وأمدحه، ولا سبيل إلى ذلك. فصيره الصاحب غرضاً يرشقه بسهام الوقيعة، يتتبع عليه سقطاته في شعره وهفواته، وينعى عليه سيئاته، وهو أعرف الناس بحسناته وأحفظهم وأكثرهم استعمالا لها، وتمثلا بها في محاضراته ومكاتباته، وكان أبو الفضل محمد بن الحسين بن العميد يسمع بأخبار أبي الطيب، وكيف اشتهاره في الأقطار، وترفعه عن مدح الوزراء.
وسمع أنه خرج من مدينة السلام متوجهاً إلى بلاد فارس وكان يخاف ألا يمدحه، ويعامله معاملة المهلبي، فيتكره من ذكره، ويعرض
(1/181)

عن سماع شعره. قال الربعي: قال لي بعض أصحاب ابن العميد: قال دخلت عليه يوماً قبل دخول المتنبي فوجدته واجماً، وكانت قد ماتت أخته عن قريب، فظننته واجداً لأجلها، فقلت لا يحزن الله الوزير. فما الخبر؟ قال: إنه ليغيظني أمر هذا المتنبي، واجتهادي في أن أخمد ذكره، وقد ورد على نيف وستون كتاباً في التعزية ما منها إلا وقد صدر بقوله:
طوى الجزيرةَ حتى جاءني خبرُ ... فَزعتُ فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدُقه أملاً ... شَرِقتُ بالدمع حتى كادَ يَشرَقُ بي
(1/182)

فكيف السبيلُ إلى إخماد ذكره؟ فقلت: القدر لا يغالب، والرجل ذو حظ من إشاعة الذكر، واشتهار الاسم، فالأولى ألا تشغل فكرك بهذا الأمر، وهذان البيتان من قصيدة لأبي الطيب يرثى بها أخت سيف الدولة، وأنفذها إليه من بغداد سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة، وأول القصيدة:
يا أخت خير أخ يا بنتَ خيرِ أب ... كنايةً بهما عن أشرف النسبٍ
وفي الشطر الثاني من هذا البيت نقد للمتأمل.
وفي صفر سنة أربع وخمسين ورد على أبي
(1/183)

الفضل بن العميد وهو بأرجان فحسن موقعه منه، وأنشده:
بادٍ هواكَ صبرتَ أو لم تصبراَ ... وبُكاكَ إن لم يجر دمعكُ أو جرى
قيل: سئل أبو الطيب عن نصب تصبرا، فقال: سلوا الشارح، يعني ابن جني.
كم غَرْ صبرُك وابتسامُك صاحبا ... لما رآه وفي الحشا ما لا يُرى
قال أبو عبد الله: كان ابن العميد كثير الانتقاد علي أبي الطيب، فإنه لما أنشده هذا البيت قال: يا أبا الطيب، تقول باد هواك ثم تقول بعده كم غر صبرك؟ ما أسرع ما نقضتَ ما ابتدأت به! فقال تلك حال
(1/184)

وهذه حال:
أمرَ الفؤادُ لسانهَ وجفونهَ ... فكتمْنَه وكَفَى بجسمكُ مخبرا
تَعِس المهِاري غيرَ مَهْرِيَّ غَدا ... بمصَّور لَبسَ الحريرَ مُصَّورا
نافستُ فيه صورةً في خِدره ... لو كنتُها لخفِيتُ حتى يَظهر
لا تَتْربِ الأيدي المقيمةُ فوقه ... كِسرى مُقامَ الحاجَبيْن وقيصرا
يَقِيانِ في أحد الهوادِج مقلةً ... رَحَلتْ وكان لها فؤاديَ محْجرا
وقدَ استعمل أبو الطيب هذه الطريقة حيث قال في وصف الخَيمة وهو:
وأحسنُ من ماء الشيبةِ كله ... حيَا بارق في فازة أنا شائمه
عليها رياضُ لم تَحُكُها سحابةُ ... وأغصانُ دَوْح لم تُغَنَ حمائمهُ
(1/185)

وفوق حواشي كلّ ثوب مُوَجَّهٍ ... من الدّرِ سِمْطُ لم يُثقَّبه ناظمُه
ترى حيوانَ البرّ مصطلحا بهاً ... يحارب ضَدّ ضدَّه ويسالمهُ
إذا ضربتْه الريُح ماجَ كأنه ... تجول مذاكيه وتَدْ أي ضراغمه
وفي صورة الروميّ ذي التاج ذلةُ ... لأبلجَ لا تيجانَ إلاَّ عمائمه
وكذلك أوردها أبو عبادة البحتري في قصيدته التي أولها:
صنت نفسي عما يدنس نفسي ... وترفعت عن ندى كل جبس
إلى أن قال في وصف إيوان كسرى:
(1/186)

وهويُنبيكَ عن عجائبِ قومٍ ... لا يُشابِ البيانُ فيهم بَلْبس
فإذا ما رأيتَ صورةَ إنطا - كية ارتعتَ بين روم وفُرس
والمنايا مواثلُ وأنوشِرْ ... وأن يُزجي الصفوفَ تحت الدَّرَفس
في اخضرار من اللباسِ على ... أصفرَ يختالُ في صَبيغة وَرْس
وعِراكُ الرِجال بين يديه ... في خُفوتٍ منهم وإغماض جَرْس
من مُشيحٍ يَهوى بعامل رمح ... ومُليح من السنانِ بِتُرْس
(1/187)

تصفُ العينُ أنهم جدُّ أحيا - ءٍ لهم بينهم إشارةُ خَرُس
يَغْتلي فيهمُ ارتيابيَ حتى ... تتقراهمُ يدايَ بِلَمْس
والسابق إليها أبو نواس في قوله:
قرراتُها كسرى وفي جَنَباتهِا ... مَهاً تدّريها بالقِسِيّ الفوارسُ
ومن قصيدة المتنبي:
أرَجَان أيتها الجياد فإنه ... عزمي الذي يَذر الوشيح مُكسر
لو كنتُ أفعل ما اشتهيتِ فَعالهَ ... ما شق كوكبكُ العجاجَ الأكدرا
أمَّي أبا الفضل المبَّر أليِتيَّ ... لأيممنّ أجلَّ بحر جوهرا
(1/188)

أفتى برؤيته الأنامُ وحاشَ لي ... من أن أكون مُقصَّراً أو مُقْصراَ
صغتُ السَّوار لأي كف بشرتْ ... بابنِ العميد وأيّ عَبد كَبَرا
ومنها:
يتكسَّبُ القصبُ الضعيفُ بخطه ... شرفاً على صُمّ الرماحِ ومَفخَراَ
وَيبينُ فما مسّ منه بنانهُ ... تِيهُ المُدلّ فلو مشَى لَتبخَترَا
يا مَنْ إذا وردَ البلاد كتِابُه ... قبلِ الجيوش ثنى الجيوشَ تَحَيُّرا
أنتَ الوحيدُ إذا رَكبت طريقةً
(1/189)

.. ومَن الرَّديفُ وقد ركبتَ غَضنفرا
قَطَفَ الرجالُ القولَ قَبْل نَباتهِ ... وقَطَفْتَ أنتَ القولَ لما نَوَّرا
فَهُوَ المُتَبَّع بالمسامع إن مَضَى ... وهُوَ المضاعَف حُسّنُهُ إنْ كُرَّرَا
وإذا سَكَتَّ فإن أبلغَ خاطب ... قَلَمُ لكَ اتَّخذَ الأناملَ مِنبراَ
ورسائلُ قطع العُداةُ سِحَاءَها ... فَرَأوْا قَناً وأسنَّةً وسَنَوَّرَا
فدعاكَ حُسَّدُكَ الرئيسَ وأمسَكوا ... ودعاكَ خالقكَ الرئيسَ الأكْبَرا
خَلَفَتْ صِفاتُكَ في العيون كَلامَهُ ... كالخطَّ يَملأُ مسْمَعَيْ مَنْ أبصَرا
(1/190)

أرَأيتَ هِمةَ اناقتي في ناقةٍ ... نَقَلَتْ يدَّ اسُرُحاً وخُفّاً مُجْمراَ
تَرَكَتْ دُخان الرَّمْث في أوطانه ... طلبا لقوم يُوقِدُون العَنْبراَ
وتَكَرَّمَتْ رُكَباتُها عن مَبْرَكٍ ... تَقَعانِ فيه وليس مِسْكا أذْفَرَا
لا يخفي ما في هذا البيت.
ومنها:
مَنْ مُبلغُ الأعرابِ أنَّىَ بَعْدهاَ ... جالَسْتُ رَسْطَاليس وَالإسْكَنْدَرا
ومَلِلْتُ نَحْرَ عِشارها فأضافَني ... منْ يَنحَرُ البِدَر النضَار لمن قَرَى
وسَمِعْتُ بَطليموس دارس كُتْبه ... مُتَمَلكاً مُتَبَدياً مُتَحَضرا
ولَقيِتُ كلَّ الفاضلينَ كأنماَ ... رَدَّ الإلهَ نُفُوسَهْم والأعْصُرَا
(1/191)

نُسِقوا لنا نَسَق الحِسابِ مُقَدَّما ... وأتى فذلك إذْ أتيْتَ مُؤخَّراً
ورأيت في نسخة قديمة) وأتت فذلك (.
ومن تأمل هذه الأبيات علم أن أبا الطيب قد ملك رقاب الكلام، واستعبد كرائمها، واستولد عقائمها، وفي ذلك فليتنافس، وعن مقامه فليتقاعس.
ومنها:
يَا ليتَ باكيةً شجاني دَمْعُها ... نظرتْ إليكَ كما نظرتُ فتَعْذرَا
فَتَرى الفَضيلةَ لا تردُّ فَضيلةً ... الشَّمس تَشْرقُ والسَّحاب كَنَهْورا
وتنازع ندماء ابن العميد في البيت الأخير، فقال: أثبتوه
(1/192)

حتى أتأمله، فأثبت البيت، ووضع بين يديه، فأطرق مليا يفكر فيه، ثم قال هذا يعطلنا عن المهم، وما كان الرجل يدري ما يقول.
وقد أشار المتنبي إلى أن ابن العميد ينتقد شعره بقوله: هل لعُذْرِي إلى الهُمام أبي الفض - ل قَبولُ سَوادُ عيني مدادُهْ
أنا من شِدةِ الحياء عليلُ ... مَكرماتُ المُعِلَّةِ عُوَّادهْ
ما كفاني تقصيرُ ما قلتُ فِيِه ... عن عُلاَه حتَّى ثناه انتقادُهْ
إنّني أصْيَدُ البُزاةِ ولكنْ - نَ أجَلَّ النجومِ لا أصطادُهْ
(1/193)

رُبَّ مالا يُعَبّر عَنهُ ... والذي يُضْمرِ الفؤادُ اعتقادهُ
ما تعوَّدتُ أن أرىَ كأبي الفضْ - ل وهذا الذي أتاهُ اعتيادهُ
إنّ في الموج للغريق لَعُذْراً ... واضحاً أن يفوتَهُ تَعدادهْ
وهذه الأبيات من قصيدته التي يمدح بها ابن العميد، ويهنئه بالنوروز وأولها:
جاء نيروزنُا وأنتَ مرادهُ ... وَرَرَتْ بالذي أراد زِنادُهْ
هذه النظرةُ التي نالها من - كَ إلى مثلها من الحول زادُهْ
ينثني عنك آخرَ اليوم منه ... ناظرُ أنتَ طرْفُه ورُقادُهْ
نحن في أرض فارس في سرور ... ذا الصباحُ الذي نرى ميلادُهْ
(1/194)

عظّمته ممالكُ الفرس حتى ... كلُّ أيامِ عامهِ حُسّادُهْ
ما لبسنا فيه الأكاليلَ حتى ... لَبِسْتها تلاعُه ووهادُهْ
وكان من عادة الفرس في ذلك اليوم حمل الهدايا إلى ملوكهم، فقال في آخرها: كثُر الفكُر كيف نُهدي كما أه - دت إلى رّبها الرئيسِ عبادُه والذي عندنا من المال والخي - ل فمنه هباتُه وقيادُه
فبعثنا بأربعين مِهارٍ ... كلُّ مُهر ميدانهُ إنشادهُ
عددُ عِشتهَ يَرى الجسمُ فيه ... أرَبا لا يراه فيما يُزادُه
(1/195)

فارتبطْها فإن قلباً نماها ... مربطُ تسبِقُ الجيادَ جيادُه
وهذا من إحسان أبي الطيب. واحتج عن تخصيص أبياته بالأربعين دون غيرها من العدد بحجة غريبة، وهي أنه جعلها كعدد السنين التي يرى الإنسان فيها من القوة والشباب وقضاء الأوطار ما لا يراه في الزيادة عليها، فاعتذر بألطف اعتذار في أنه لم يزد القصيدة على هذه العدة، ونسخت القصيدتان، وأنفذتا من أرجان إلى أبي الفتح بن أبي الفضل بن العميد بالري، فعاد الجواب يذكر شوقه إلى أبي الطيب، وسروره به، وأنفذ أبياتاً نظمها طعن فيها على
(1/196)

المتعرضين لقول الشعر، فقال أبو الطيب والكتاب بيده ارتجالاً:
بكُتْبِ الأنام كتابُ ورد ... فدتْ يَدَ كاتبه كلُّ يدْ
يُعبرّ عَمَّالنا عنده ... ويذكر من شوقه ما نجد
فأخرقَ رائَيه ما رأى ... وأبرق ناقَده ما انتقد
إذا سمع الناس ألفاظَه ... خلقنَ له في القلوب الحسد
فقلت وقد فَرَس الناطقين ... كذا يفعل الأسد ابنُ الأسد
وأبو الفضل بن العميد هذا هو الذي ورد عليه أبو نصر عبد العزيز بن نبانة السعدي
(1/197)

وامتدحه بالقصيدة التي أولها:
بَرْحُ اشتياقي وادّكاري ... ولهيبُ أنفاس حرِارِ
ومدامعُ عبراتُها ... ترفضّ عن نوم مُطَار
لله قلبي ما يُجنْ - نُ من الهموم وما يُواري لقدِ انقضى سكرُ الشبا - ب وما انقضى وصبُ الخُمارِ
وكَبِرتُ عن وصل الصَّغا ... روما سلوت عن الكبار
سَقياً لتغليسي إلى ... باب الرُّصافة وابتكاري
(1/198)

أيامَ أخطِرُ في الصِّبا ... نشوانَ مسحوب الإزار
حجّي إلى حَجَر الصّرا - ة وفي حدَائقها اعتماري ومواطنُ اللذاتِ أو - طاني ودارُ اللهو دارِي
لم يبق لي عيشُ يلذّم ... سوى مُعاقرة العُقار
حَثَّي بألحان ترا - ءتْ بين ألحان القَمارِي وإذا استهل ابن العمي - د تضاحكتْ دِيمُ القِطار
خِرْقُ صفت أخلاقه ... صفو السّبيكِ من النُّضار
(1/199)

فكأنما رُدِفتْ موا - هبه بأمواج البِحار
وكأنّ نشر حديثه ... نشرُ الخُزامَي والعَرار
وكأننا مما تُفرّم ... قُ راحتاه في نِثار
كلفُ بحفظ السر يُحْ - سَبُ صدرهُ ليل السرار إن الكبار من الأمو - رِ تُنال بالهمم الكبار وإلى أبي الفضل انبعثْ - ن هواجسُ الشعر السَّواري فتأخرت صلته عنه، فشفع هذه القصيدة بأخرى، وأتبعها برقعة، فلم يزده ابن العميد على الإهمال،
(1/200)

مع رقة حاله التي ورد عليها إلى بابه، فتوسل إلى أن دخل عليه يوم المجلس، وهو حافل بأعيان الدولة، ومقدمي أرباب الديوان، فوقف بين يديه، وأشار بيد إليه، وقال: أيها الرئيس إني قد لزمتك لزوم الظل، وذللت لك ذل النعل، وأكلت النوى المحرق، انتظاراً لصلتك فوالله ما بي شيء من الحرمان إلا شماتة قوم نصحوني فأغششتهم، وصدقوني فاتهمتهم، فبأي وجه ألقاهم؟ وبأي حجة أقاومهم؟ ولم أحصل من مديح بعد مديح، ومن نثر بعد نظم إلا على ندم مؤلم ويأس مسقم، فإن كان
(1/201)

للنجح علامة فأين هي؟ وما هي؟ إن الذين تحسدهم على ما مدحوا به كانوا من طينتك، وإن الذين هجوا كانوا مثلك فزاحم بمنكبك أعظمهم سناماً، وأنورهم شعاعاً، وأشرفهم يفاعاً، فحار ابن العميد، ولم بدر ما يقول، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال: هذا وقت يضيق عن الإطالة مني في المعذرة، وإذا تواهبنا ما دُفْعنا إليه استأنفنا ما نتحامد عليه. فقال ابن نباتة: أيها الرئيس هذه نفثة صدر قد دوى منذ زمان، وفضلة لسان قد خرس منذ دهر، والغنى إذا
(1/202)

مطل يستلأم، فاستشاط ابن العميد وقال: قد والله ما استوجبت هذا العتب من أحد من خلق الله، ولقد نافرت العميد من دون هذا حتى دفعنا إلى شغب عاتم، ولجاج قاتم، ولست ولي نعمتي فأحتملك، ولا صنيعتي فأغضى عنك، وإن بعض ما أوقرته في مسامعي، ينقض مرة الحلم، ويبدد شمل الصبر، هذا، ولا استقدمتك بكتاب، ولا استدعيتك برسول
(1/203)

ولا سألتك مديحي، ولا كلفتك تقريضي، فقال ابن نباتة: صدقت أيها الرئيس ما استقدمتني بكتاب، ولا استدعيتني برسول ولا سألتني مدحك، ولا كلفتني تقريضك، ولكنك جلست في صدر إيوانك بأبهتك، وقلت لا يخاطبْني أحد إلاّ بالرياسة، ولا ينازعني خلق في أحكام السياسة، فأني وزير ركن الدولة، وزعيم أولياء الحضرة، والقيم بمصالح المملكة، فكأنك دعوتني بلسان الحال، وإن لم تدعني بلسان المقال، فثار ابن العميد مغضباً، وأسرع في صحن داره إلى أن دخل حجرته، وتقوض المجلس، وماج الناس، وسمع ابن نباته وهو مار في صحن الدار يقول: والله إن سف التراب، والمشي
(1/204)

على الجمر، أهون لنا من هذا، فلعن الله الأدب إذا كان بائعه مهيناً له، ومشتريه مماكساً فيه. فلما سكن غيظ ابن العميد، وثاب إليه حلمه، التمسه من الغد ليعتذر إليه، ويزيل أثر ما كان منه، فكأنما غاض في سمع الأرض وبصرها، فكانت حسرة في قلب ابن العميد إلى أن مات.
وسار أبو الطيب من بعد ما ودع ابن العميد ومدحه بالقصيدة التي أولها:
نسيتُ وما أنسى عتابا على الصدّ ... ولا خَفراً زادتْ به حمرةُ الخدِّ
قاصداً أبا شجاع عضد الدولة
(1/205)

وهو بشيراز، وأنشده القصيدة التي أولها:
أوْه بديلً من قَوْلتي واهاَ ... لمن نأتْ والبديلُ ذكراها
وقد رأيتُ الملوك قاطبةً ... وسرتُ حتى رأيتُ مولاها
قيل لما سمع سيفُ الدولة هذا البيت قال أتراه أدخلنا في هذه الجملة؟ ومنها:
ومَن مناياهم براحته ... بأمرها فيهم وينهاها
أبا شجاع بفارس عضد الدَّ ... ولة فَناَّ خُسرُو شَهَنْشاها
أسامياً لم تزدْه معرفةً ... وإنما لذةً ذكرناها
(1/206)

تذكرتُ بهذا البيت ما نقله بعض أئمة الأدب: أن رجلاً من مدينة السلام كان يكره أبا الطيب المتنبي، فآلى على نفسه ألا يسكن مدينة يذكر بها أبو الطيب، وينشد كلامه، فهاجر من مدينة السلام، وكان كلما وصل بلداً يسمع بها ذكره يرحل عنها، حتى وصل إلى أقصى بلاد الترك، فسألا أهلها عن أبي الطيب فلم يعرفوه، فتوطنها، فلما كان يوم الجمعة ذهب إلى صلاتها بالجامع، فسمع الخطيب ينشد بعد ما ذكر أسماء الله الحسنى.
أسامياً لم تزَده معرفةً ... وإنما لذةً ذكرناها
فعاد إلى دار السلام. ومن القصيدة:
(1/207)

لو فطنتْ خيلةُ لنائله ... لم يُرضَها أن تراه يرضاها
هذا البيت له معنيان: أحدهما أن خيله لو علمت مقدار عطاياه لما رضيت له أن تكون من جملتها لأنها أنفس منها. والثاني لم ترض لأنه إذا ملكها وهبها.
ومنها:
تُشرقُ تيجانهُ بغرّتِه ... إشراق ألفاظهِ بمعناها
دان له شرقُها ومغربُها ... ونفسهُ تستقل دُنياها
تجمعتْ في فؤاده هممُ ... مِلءُ فؤاد الزمان إحداها
وحكى عبد العزيز بن يوسف الجرجاني وكان كاتب الإنشاء
(1/208)

عند عضد الدولة عظيم المنزلة منه قال: لما دخل أبو الطيب المتنبي مجلس عضد الدولة، وانصرف عنه، أتبعه بعض جلسائه، وقال له: سله كيف شاهد مجلسنا؟ وأين الأمراء الذين لقيهم منا؟ فامتثلت أمره، وجاريت المتنبي في هذا الميدان، وأطلت معه عنان القول، فكان جوابه عن جميع ما سمعه مني أن قال: ما خدمت عيناي قلبي كاليوم، ولقد اختصر اللفظ وأطال المعنى وأجاد فيه، وكان ذلك منه أوكد الأسباب التي حظي بها عند الدولة، وكان أبو علي الفارسي
(1/209)

إذ ذاك بشيراز وكان ممر المتنبي إلى دار عضد الدولة على دار أبي علي الفارسي، وكان إذا مر به أبو الطيب يستثقله على قبح زيه، وما يأخذ به نفسه من الكبرياء، وكان لابن جنى هوى في أبي الطيب، كثير الإعجاب بشعره، لا يبالي بأحد يذمه أو يحيط منه. وكان يسوء إطناب أبي علي قي ذمه، واتفق أن قال أبو علي يوماً اذكروا لنا بيتاً من الشعر نبحث فيه، فبدأ ابن جني وأنشد:
حُلْتِ دون المزار لوزر ... تِ لحال النحولُ دون العِناق
فاستحسنه أبو علي، واستعاده، وقال
(1/210)

لمن هذا البيت؟ فإنه غريب المعنى، فقال ابن جنى: للذي يقول:
أزورهم وسوادُ الليل يشفعُ لي ... وانثنى وبياضُ الصبح يُغرى بي
فقال والله هذا حسن بديع جداً، فلمن هما؟ قال للذي يقول:
أمضى إرادتهِ فسوف له قدُ ... واستقرب الأقصى فثَم له هُنا
فكثر إعداب أبي علي، واستغرب معناه، وقال لمن هذا؟ فقال ابن جني: للذي يقول:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضرُّ كوضع السيف في موضع الندى
(1/211)

فقال وهذا والله، وقد أطلت يا أبا الفتح، فأخبرنا من القائل؟ قال هو الذي لا يزال الشيخ يستثقله، ويستقبح زيه وفعله، وما علينا من القشور إذا استقام اللب؟ قال أبو علي: أظنك تعني المتنبي؟ قلت نعم.
قال والله لقد حببته إلي، ونهض، ودخل على عضد الدولة، فأطال في الثناء على أبي الطيب، ولما اجتاز به استنزله، واستنشده، وكتب عنه أبياتاً من الشعر.
قال الربعي: كنت يوماً عند المتنبي بشيراز، فقيل له أبو علي الفارسي بالباب، وكانت
(1/212)

تأكدت بينهما المودة، فقال بادروا إليه فأنزلوه، فدخل أبو علي وأنا جالس عنده، فقال يا أبا الحسن خذ هذا الجزء، وأعطاني جزءاً من كتاب التذكرة، وقال: اكتب عن الشيخ البيتين اللذين ذكرتك بهما وهما:
سأطلبُ حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهمُ من طُول ما التثموا مُردُ
ثقال إذا لاقوا خِفافٍ إذا دُعوا ... كثير إذا شَدُّوا قليل إذا عُدُّوا
ومن مدائح أبي الطيب في عضد الدولة القصيدة التي يذكر فيها شعب بوان وأولها:
مغاني الشّعبِ طيباً في المغاني
(1/213)

.. بمنزلة الربيع من الزمانِ
ولكنَّ الفتى العربيَّ فيها ... غريبُ الوجه واليدِ واللسانِ
ملاعبُ جنَّة لو سار فيها ... سليمانُ لسار بِترْجُمانَ
فلما وصل إلى قوله:
فسرتُ وقد حجبن الشمس عني ... وجئن من الضياء بما كفاني
وألقى الشرقُ منها في ثيابي ... دنانيرً تفرُ من البنان
فقال عضد الدولة والله لأقرنها وفعل:
لها ثمر تشيرُ إليك منه ... بأشربه وقفن بلا أوان
(1/214)

وأمواهُ يَصلُّ بها حصاها ... صليل الحليْ في أيدي الغواني
ومنها:
تَحِلُّ به على قلبٍ شجاعٍ ... وترحلُ منه عن قلبٍ جبانِ
ومَنْ بالشّعب أحوجُ من حَمامٍ ... إذا غنى وناح إلى البيان
وقد يتقاربُ الوصفان جداً ... وموصوفاهما متباعدان
يقولُ بشعبِ بوان حصاني ... أعن هذا يُسار إلى الطّعان؟
أبوكمْ آدمُ سنَّ المعاصي ... وعلّمكم مُفارقة الجِنان
إلى أن قال:
فلو طُرحتْ قلوبُ العشق فيها ... لما خافتْ من الحدقِ الحسانِ
(1/215)

ولم أر قبله شِبليْ هِزبْرٍ ... كشبلية ولا مُهريْ رِهان
أشدَّ تنازعاً لكريم أصلٍ ... وأشبه منظراً بأبٍ هِجانِ
وأكثر في مجالسه استماعاً ... فلانُ دقّ رُمحاً في فلانَ
وأول رَأيةٍ رأيا المعالي ... فقد علقا بها قبل الأوان
وأول لفظة فهما وقالا ... إغاثة صارخ أو فكُ عانى
وكنتَ الشمس تبهر كلَّ عين ... فكيف وقد بدتْ معها اثنتان
فعاشا عيشة القمرينُ يحيا ... بضوئهما ولا يتحاسدان
(1/216)

ولا مَلَكَا سوى مُلكِ الأعادي ... ولا ورِثا سوى مَن يقتلان
وكان ابنا عدو كاثراه ... له ياءي حروفِ أنيسيان
أي زيادة أولاد عدوك كزيادة التصغير، فإنه زيادة نقص، وقد ابتدع هذا المعنى
دعاءُ كالثناء بلا رِياء ... يؤديه الجَنان إلى الجَنان
ومن قصائده في عضد الدولة القصيدة التي أولها:
أثلث فإنا أيها الطللُ ... نَبكي وتُرزِم تحتنا الإبلُ
ومنها:
قالت ألا تصحو فقلت لها ... أعلْمَتِني أن الهوى ثملِ
ومنها:
(1/217)

قد رُوا عَفَوْا وعدوا وفَوْا اسئُلوا ... أغنوا عَلَوْا ولُوا عدلوا
فوق السماك وفوق ما طلبوا ... فإذا أرادوا غاية نزلوا
أخذه من قوله ابن الرومي وهو قوله:
نزلتم علي هام المعالي إذا ارتقى ... إليها أناسُ غيرُكم بالسلالم
وذاك بعض المعنى الذي تضمنه قول ابن الرومي، لأنه قال: إنكم نزلتم علي هام المعالي، وأن غيركم يرقى إليها رقُياً، وأما المتنبي فإنه قال إنكم إذا أردتم غاية نزلتم، وأما قوله فوق السماك فإنه يغني عنه قول ابن الرومي نزلتم علي هام المعالي إذ المعالي فوق كل شيء
(1/218)

لأنها مختصة بالعلو مطلقاً، وقال يعزي عضد الدولة بعمته، وقد توفيت ببغداد، وورد عليه الكتاب بشيراز بالقصيدة التي أولها:
آخرُ ما المَلْكُ مُعّزي به ... هذا الذي أثر في قلبهَ
لا جَزعا بل أنفاً شابَهُ ... أن يَقْدر الدهُر على غَضْبهِ
لو درت الدنيا بما عنده ... لاستحيتِ الأيامُ من عَتبهِ
لعلها تحسبِ أن الذي ... ليس لديه ليس من حزبهِ
نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعافُ ما لابُدَّ من شربهِ
(1/219)

لو فكرّ العاشقُ في منتهى ... حُسن الذي يسبيهِ
يموت راعي الضأن في جهله ... موتة جالينوس في طِبِه
استغفر الله لشخص مضى ... كان نداه منتهى ذنبه
يحسبِه دافنهُ وحده ... ومجدهُ في القبر من صحبهِ
ما كان عندي أنّ بدر الدجى ... يُوحشُه المفقودُ من شُهبهِ
وقال يودعه وهي آخر شعره، وفي أثنائها كلام جرى على لسانه كأنه ينعى فيه نفسه وهي من محاسن ما يؤتي به في المعنى الوداع وأولها:
(1/220)

فِدىً لك مَنْ يُقصّرِ عن مداكا ... فلا مَلِكُ إذنْ إلاَّ فَداكا
إلى أن قال:
أروحُ وقد ختمتَ علي فؤادي ... بحبّك أن يحُلَّ به سواكا
وقد حمّلْتني شكراً طويلا ... ثقيلا لا أطيق به حَراكا
أحاذر أن يَشُقَّ على المطايا ... فلا تمشي بنا إلا سِواكا
لعل الله يجعله رحيلا ... يُعينُ على الإقامة في ذَراكا
لما أنجحت سفرته، وربحت تجارته بحضرة عضد الدولة، ووصل إليه من صلاته أكثر من مائتي ألف درهم استأذنه في
(1/221)

المسير عنها، ليقضي حوائج في نفسه، ثم يعود إليها، فأذن له، وأمر بأن يُخلع عليه الخلع الخاصة، وتعاد صلتهُ بالمال الكثير، فامتثل ذلك، وأنشده هذه القصيدة، وفي أثنائها كلام ينعى فيه نفيه وإن لم يقصده كما قدمنا، فمنه قوله:
فلو أنى استطعت خفت خفضتُ طرَْفي ... فلن ابصر به حتى أراكا
وهذه لفظة يتطير منها:
أرى أسفي وما سِرنْا شديداً ... فكيف إذا غدا السيرُ ابتراكا
وهذا الشوقُ قَبل البين سيفُ ... وهأنا ما ضُربتُ وقد أحاكا
(1/222)

إذا التوديع أعرض قال قلبي ... عليك الصمتَ لا صاحبتَ فاكا
وهذا أيضاً من ذاك، ومنه:
ولولا أن أكثر ما تمنى ... معاودةُ لقلتُ ولا منكاكا
أي لولا أن أكثر ما تمنى قلبي أن يعاودك لقلت له ولا بلغت مناك، ومنه:
قد استشفيتَ من داء بداء ... وأقتلُ ما أعّلك ما شفاكا
أي قد أضمرت يا قلب شوقاً إلى أهلك، فكان ذلك داء لك،
(1/223)

فاستشفيت منه بأن فارقت عضد الدولة، ومفارقته داء لك أيضاً أعظم من داء شوقك إلى أهلك، فكأنك تداويت من فراقه بما هو أقتل لك من مكابدة الشوق إلى أهلك، وهذا شبيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: " كَفى بالسلامة داء ". ومنها:
فأسترُ منك نجوانا وأخفى ... هموماً قد أطلتُ لها العراكا
إذا عاصيتهاُ كانتْ شِداداً ... وإن طاوعتهاُ كانت رِكاكا
ومنه:
زكم دون الثّوية من حزينٍ ... يقول له قدومي ذا بذاكا
الثوية من الكوفة. يقول له قدومي ذا بذاكا: أي هذا القدوم
(1/224)

بتلك الغيبة ولك هذا السرور بذلك الحزن. ومنه:
ومن عَذْبِ الرُّضاب إذا أنخنا ... يُقبل رحل تُرْوَك والورِاكا
تروك: اسم ناقة لم ير مثلها لعضد الدولة أمر له بها، والوراك شيء يتخذه الراكب كالمخدة تحت وركه.
يُحرّمُ أن يِمسّ الطيب بعدي ... وقد عَلِق العبيرُ به وصاكا
وهذا أيضاً منه:
ويمنع ثغره من كل طيب ... ويمنحهُ البشامة والأراكا
(1/225)

يُحدثُ مقلتيه النومُ عني ... فليت النوم حدّث عن نداكا
وما أرضي لمقلته بحلم ... إذا انتبهتْ توهمه ابتشاكا
ولا إلاّ بأن يُصْغى وأحكي ... فليتك لا يتيمة هواكا
ومنه:
وفي الأحباب مُختصُّ يوجد ... وآخرُ يدّعي معه اشتراكا
إذا اشتبهتْ دموعُ في خدود ... تَبين مَنْ بكى ممن تباكى
(1/226)

فَزُلْ يا بُعدُ عن أيدي رِكاب ... لها وقعُ الأسنةَ في حَشاكا
هذه استعارة حسنة لأنه خاطب البعد وجعل له حسا.
وأياً شئتِ يا طُرقي فكوني ... أذاةً أو نجاة أو هلاكا
جعل قافية البيت الهلاك فهلك؛ وذلك أنه ارتحل عن شيراز بحسن حال ووفور مال، فلما فارق أعمال فارس حسب أن السلامة تستمر به كاستمرارها في مملكة عضد الدولة فقتل، كما
(1/227)

سنشرحه. ومنها:
أذمّتْ مكرماتُ أبي شجاع ... لعيني من نواي على أُلاكا
ومَنْ أعتاضُ عنك إذا افترقنا ... وكلُّ الناس زورُ ما خلاكا
وما أنا غيرُ سهم في هواء ... يعود ولم يَجدْ فيه امتساكا
قال الخالديان كنا كتبنا إلى أبي نصر محمد الجبلي نسأله عما صدر لأبي الطيب المتنبي بعد مفارقته عضد الدولة، وكيف قتل؟ وأبو نصر هذا من وجوه الناس في تلك الناحية، وله فضل، وأدب جزل، وحرمة، وجاه، فأجابنا عن كتابنا جوابا طويلاً يقول في أثنائه: وأما ما سألتما عنه من
(1/228)

خبر مقتل أبي الطيب المتنبي فأنا أسوقه لكما، وأشرحه شرحاً بيناً: اعلما أن مسيره كان من أواسط في يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وقتل بضيعة تقرب من دير العاقول في يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من شهر رمضان، والذي تولى قتله، وقتل ابنه وغلامه، رجلُ من بني أسد يقال له فاتك بن أبي جهل بن فراس ابن بداد. وكان من قوله لما قتله وهو متعفر: قبحاً لهذه اللحية يا سباب. وسبب
(1/229)

ذلك أن فاتكا هذا خال ضبة أخو والدته. وضبة ابن يزيد العيني الذي هجاه أبو الطيب بقوله:
ما أنصفَ القومُ ضبَّهْ ... وأمَّه الطرطُبَّهْ
وإنما قلتُ ما قل ... تُ رحمةً لا محبَّهْ
وما عليك من الق ... تلِ إنما هي ضربهْ
وما عليك من العا ... رِ أن أمك قحبه
وما يشق على الكل ... ب أن يكون ابن كلبه
ما ضرها من أتاها ... وإنما ضرّ صُلبه
(1/230)

ولم ينكها ولكن ... عجانها ناك زُبّه
يا أطيب الناسِ نفسا ... وألين الناس ركُبه
وأرخص الناس أما ... تبيع ألفاً بحبهّ
كل الأيور سهام ... بأمه وهي جعبة
وما على مَن به الدَّا ... ءُ من لقاء الأطبة
فيقال إن فاتكا داخلته الحمية لما سمع ذكرها بالقبح في هذا الشعر، وما للمتنبي أسخف من هذا الشعر، ولا أو هي كلاماً، فكان
(1/231)

مع سخافته وركاكته سبب قتله، وقتل ابنه وغلمانه وذهاب ماله.
وأما شرح الخبر فإن فاتكا صديق لي، وهو كما سمى فاتك، لسفكه الدماء، وإقدامه على الأهوال في مواقف القتال، فلما سمع الشعر الذي هجى به ضبة اشتد غضبه، ورجع على ضبة باللوم، وقال له: كان يجب ألا تجعل لشاعر عليك سبيلاً، وأضمر غير ما أظهر، واتصل به انصراف المتنبي من بلاد فارس، وتوجهه إلى العراق، وعلم أن اجتيازه بجبل دير العاقول، فلم يكن ينزل
(1/232)

عن فرسه، ومعه جماعة من بني عمه رأيهم في المتنبي مثل رأيه؛ من طلبه واستعلام خبره من كل صادر ووارد، وكان فاتك خائفاً أن يفوته، وكان كثيراً ما ينزل عندي، فقلت له يوماً وقد جاءني وهو يسائل قوماً مجتازين عن المتنبي: قد أكثرت المسألة عن هذا الرجل. فأي شيء تريد منه إذا لقيته؟ فقال ما أريد إلا الجميل، وعذله على هجاء ضبة، فقلت له: هذا لا يليق بأخلاقك، فتضاحك ثم قال: يا أبا نصر والله لئن اكتحلت عيني به أو جمعتني وإياه بقعة لأسفكن دمه،
(1/233)

ولأمحقن حياته إلا أن يحال بيني وبينه قلت له كف - عافاك الله - عن هذا القول، وارجع إلى الله، وأزل هذا الرأي عن قلبك، فإن الرجل شهير الأسم، بعيد الصيت، ولا يحسن منك قتله على شعر قاله، وقد هجت الشعراء الملوك في الجاهلية، والخلفاء في الإسلام، فما سمعنا بشاعر قتل بهجائه، وقد قال الشاعر:
هجوتُ زهيراً ثم إني مدحتهُ ... وما زالتِ الأشرافُ تُهجي وتُمدحُ
ولم يبلغ من جرمه ما يوجب قتله، فقال: يفعل الله ما يشاء وانصرف،
(1/234)

ولم يمض لهذا القول غير ثلاثة أيام حتى وافاني المتنبي، ومعه بغال موقرة بكل شيء من الذهب، والطيب، والتجملات النفيسة، والكتب الثمينة، والآلات لأنه كان إذا سافر لم يخلف في منزله درهماً، ولا شيئاً يساويه، وكان أكثر إشفاقه على دفاتره، لأنه كان قد انتخبها، وأحكمها قراءة وتصحيحاً، قال أبو نصر: فتلقيته، وأنزلته داري، وسألته عن أخباره، وعمن لقى، فعرفني من ذلك ما سررت به له، وأقبل يصف ابن العميد وفضله، وأدبه، وعلمه، وكرم
(1/235)

عضد الدولة ورغبته في الأدب، وميله إلى أهله، فلما أمسينا قلت له يا أبا الطيب: على أي شيء أنت مجمع؟ قال: على أن أتخذ الليل مركباً، فإن السير فيه يخف على. قلت: هذا هو الصواب رجاء أن يخيفه الليل، ولا يصبح إلا وقد قطع بلداً بعيداً، وقلت له: والرأي أن يكون معك من رجالة هذه البلدة الذين يعرفون هذه المواضع المخفية جماعة يمشون بين يديك إلى بغداد، فقطب وجهه وقال: لم قلت هذا القول؟ فقلت: لتستأنس بهم. فقال أما والجراز في عنقي فما بي حاجة إلى مؤنس غيره، قلت الأمر كما
(1/236)

تقول، والرأي في الذي أشرت به عليك فقال تلويحك ينبي عن تعريض، وتعريضك ينبي عن تصريح، فعرفني الأمر، وبين لي الخطب، قلت: إن هذا الجاهل فاتكا الأسدي كان عندي منذ ثلاثة أيام، وهو غير راض عنك، لأنك هجوت ابن أخته ضبة، وقد تكلم بأشياء توجب الاحتراز والتيقظ، ومعه أيضاً نحو العشرين من بني عمه، قولهم مثل قوله، فقال غلام أبي الطيب وكان عاقلا: الصواب ما رآه أبو نصر، خذ معك عشرين رجلا يسيرون بين يديك إلى بغداد، فاغتاظ أبو الطيب
(1/237)

من غلامه غيظاً شديداً، وشتمه شتما قبيحاً، وقال والله لا أرضي أن يتحدث الناس بأني سرت في خفارة أحد غير سيفي. قال أبو نصر فقلت يا هذا أنا أوجه قوماً من قبلي في حاجة يسيرون بمسيرك وهم في خفارتك فقال: والله لا فعلت شيئاً من هذا، ثم قال: يا أبا نصر: أبخرء الطير تخشيني؟ ومن عبيد العصا تخاف على؟ والله لو أن مخصرتي هذه ملقاة على شاطئ الفرات وبنو أسد معطشون بخمس وقد نظروا إلى الماء كبطون الحيات ما جسر لهم
(1/238)

خف ولا ظلف أن يرده. معاذ الله أن اشغل فكري بهم لحظة عين. فقلت له قل إن شاء الله فقال: هي كلمة مقولة لا تدفع مقضياً ولا تستجلب آتيا، ثم ركب، فكان آخر العهد به. ولما صح عندي خبر قتله وجهت من دفنه، ودفن ابنه، وغلمانه، وذهبت دماؤهم هدراً. هذا هو الصحيح من خبره. وقيل سبب قتله أنه لما ورد على عضد الدولة ومدحه وصله بثلاثة آلاف دينار وثلاثة أفراس مسرجة محلاة ثم دس له من يسأله: أين هذا العطاء من عطاء سيف الدولة؟ فقال: إن
(1/239)

سيف الدولة كان يعطي طبعاً، وعضد الدولة طبعاً، فغضب عضد الدولة، فلما انصرف جهز إليه قوماً من بني ضبة فقتلوه بعد أن قاتل قتالا شديداً، ثم انهزم، فقال له غلامه أين قولك:
الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والحربُ والضرب والقرطاس والقلم
فقال قتلتني قتلك الله، ثم قاتل حتى قتل. وقيل إن الخفراء جاءوه وطلبوا منه خمسين درهماً ليسيروا معه، فمنعه الشح والكبر، فتقدموه، ووقع به ما وقع، ولما قتل رثاه أبو القاسم المظفر بن
(1/240)

علي الطبسي.
لا رعى الله سِربَ هذا الزمان ... إذ دهانا بمثل ذاك اللسان
ما رأى الناسُ ثانيَ المتنبي ... أيُّ ثان يُرى لبِكرْ الزمان
كان من نفسه الكبيرةَ في جي ... ش وفي الكبرياء ذا سلطان
هو في شعره نبي ولكن ... ظهرت معجزاتهُ في المعاني
ورثاه أيضاً ثابت بن هارون الرقي النصراني بقصيدة يستشير فيها عضد الدولة على فاتك الأسدي وهي:
الدهر أخبثُ والليالي أنكدُ ... من أن تعيش لأهلها يا أحمدُ
(1/241)

قصدتْكَ لما أن رأتك نفيسها ... بُخلا بمثلك والنفائس تُقصدُ
ذقتَ الكريهةَ بغتةً وفَقَدتَها ... وكريه فقدك في الورى لا يفقدُ
قل لي إن اسطعت الخطاب فإنني ... صبُّ الفؤادِ إلى خطابك مُكمدُ
أتركتَ بعدكَ شاعراً والله لا ... لم يبق بعدك في الزمان مُقَصَّدُ
أما العلومُ فأنها يا ربها ... تبكي عليك بأدمع لا تَجمدُ
يأيها الملك المؤيدُ دَعوة ... مِمنَّ حشاه بالأسى يتوقدُ
هذي بنو أسدٍ بضيفك أوقعتْ ... وحوتْ عطاءك إذ حواه الفرقُد
(1/242)

وله عليك بقصدِهِ ياذا العُلا ... حقُّ التحرمّ والذمامُ الأوكَدُ
فارع الذمام وكن لضيفك طالباً ... إن الذمامَ على الكريم مؤيدُ
ورثاه أبو الفتح ابن جنيبقصيدة أولها:
غاص القريض وأودتْ نضرةُ الأدبِ ... وصوَّحتْ بعد ريّ دَوْحةُ الكُتُبِ
منها:
سُلبتَ ثوب بهاء كنتَ تلبسه ... كما تُخَطَّفُ بالخطية السَّلبِ
مازِلت تصحب في الجلّي إذا نزلتْ ... قلباً جميعاً وعزما غير منشعب
وقد حلبتَ لعمري الدهرَ أشطره
(1/243)

.. تمطو بهمة لاوانٍ ولا نَصِيب
من للهواجلُ يحي مَيْت أرسُمها ... بكل جائله التصدير والحَقبِ
قبّاءَ خوصاءَ محمودٍ عُلالَتهاُ ... تنبو عريكتها بالحِلسْ والقَتَبِ
أم من لسِرحانها تقريه فضلتهُ ... وقد تضّور بين الباس والسغب
أمْ من لبيض الظباتوكا فُهنَّ دمُ ... أم من لِسُمر القنا والزَّغْف واليلبِ
أم للمعارك يذكي جمر جماحهما ... حتى يُعريها عن ساطع اللهب
أم للمحافل إذ تبدو لتعمرها ... بالنظم والنثر والأمثال والخطب
أم للمناهل والظلماءُ عاكفةُ ... يُواصل الكرتين الوردِ والقَرَبِ
أم للملوك تُحليها وتُلبسها
(1/244)

.. حتى تَمايسَ في أبرادها القُشبِ
باتت وسادي أطرابُ تؤرقني ... لما غدوتَ لقىً في قبضة النوب
عُمرتَ خِدن المساعي غير مضطهد ... ومِتَّ كالنصل لم يدنس ولم يُعَب
فأذهب عليك سلام المجد ما قلقت ... خُوص الركائب بالأكوار والشُّعَب
وعلماء الأدب في شعره مختلفون: فمنهم من يرجحه على أبي تمام والبحتري، ومنهم من يرجحهما عليه، ومنهم من يرجح أبا تمام
(1/245)

عليهما، ومنهم من يرجح البحتري. والكلام في هذا المكان يحتاج إلى إرخاء العنان في حلبة البيان، فنقول: قد أجمع أعلام العلم وفرسان النثر والنظم على أن هؤلاء الثلاثة ذللوا جموح الآداب وشموسها. وأطلعوا أقمارها وشموسها. وهم أصول الأدب وفروعه، ومعدته وينبوعه، وإلى كلامهم تميل الطباع، وعلى أبياتهم تقف الخواطر والأسماع. وثمرات البدائع منهم تجتني، وذخائر البراعة من غرائبهم تقتني.
قال ابن الأثير في المثل السائر: هؤلاء الثلاثة لات الشعر
(1/246)

وعزاه ومناته الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته، وجمعت بين الأمثال السائرة، وحكمة الحكماء، وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين إلى فصاحة القدماء.
أما أبو تمام فإنه رب معان، وصيقل ألباب وأذهان، وقد شهد له بكل معنى مبتكر لم يمش فيه على أثر، فهو غير مدافع عن مقام الإغراب الذي برز فيه على الأضراب ولقد مارست من الشعر كل أول وأخبر، ولم أقل ما أقوله إلا عن تنقيب وتنقير، فمن حفظ شعر الرجل، وكشف عن غامضه، وراض فكره برائضه أطاعته
(1/247)

أعنة الكلام، وكان قوله في البلاغة ما قالت حذام وأما أبو عبادة البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى، وأراد أن يشعر فغنى، ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق، فبينما يكون في شظف نجد إذ تشبث بريف العراق، وسئل أبو الطيب عنه وعن أبي تمام وعن نفسه فقال: أنا وأبو تمام حكيمان، والشاعر البحتري. ولعمري لقد أنصف في حكمه وأعرب بقوله عن متانة علمه، فإن أبا عبادة أتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصماء
(1/248)

في اللفظ المصوغ من سلاسة الماء، فأدرك بذلك بعد المرام مع قربه إلى الأفهام، وما أقول إلا أنه أتى في معانيه بأخلاط الغالية، ورقي في ديباجة لفظه إلى الدرجة العالية.
وأما أبو الطيب المتنبي فإنه أراد أن يسلك مسلك أبي تمام فقصرت عنه خطاه، ولم يعطه الشعر من قياده ما أعطاه، ولكنه حظي في شعره بالحكم والأمثال، واختص بالإبداع في مواضع القتال، وأنا أقول فيه قولا لست فيه متأثما، ولا منه متلثما، وذاك أنه إذا خاض في وصف معركة كان
(1/249)

لسانه أمضى من نصالها، وأشجع من أبطالها، وقامت أقواله للسامع مقام أفعالها، حتى يظن أن الفريقين قد تقابلا، والسلاحين قد تواصلا، فطريقة في ذلك يَضل بسالكه، ويقوم بعذر تاركة، ولا شك أنه كان يشهد الحروب مع سيف الدولة، فيصف لسانه ما أداه عيانه، ومع هذا فإني رأيت الناس عادلين فيه عن التوسط؛ فإما مفرط في وصفه، وإما مفرط، وهو إن انفرد بطريق صار أبا عذره، فإن سعادة الرجل كانت أكبر من
(1/250)

شعره، وعلى الحقيقة فإنه خاتم الشعراء، ومهما وصف به فهو فوق الوصف، وفوق الإطراء، ولقد صدق في قوله من أبيات يمدح بها سيف الدولة:
لا تطلبنّ كريما بعد رؤيته ... إن الكرام بأسخاهم يداً خُتموا
ولا تُبال بشعر بعد شاعره ... قد أفسد القولُ حتى أحمدَ الصمم
ولقد وقفت على أشعار الشعراء قديمها وحديثها حتى لم يبق ديوان لشاعر مفلق يثبت شعره على المحك إلا وعرضته على نظري، فلم أجد أجمع من ديوان أبي تمام وأبي الطيب
(1/251)

للمعاني الدقيقة، ولا أكثر استخراجا منهما للطيف الأغراض، ولم أجد أحسن تهذيباً للألفاظ من أبي عبادة، ولا أنفس ديباجة، ولا أبهج سبكا.
وقال الشريف الرضي في هذا المقام، وكلام الشريف شريف الكلام، أما تمام فخطيب منبر، وأما البحتري فواصف جؤذر وأما أبو الطيب المتنبي فقائد عسكر. قال ابن الأثير: الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر، فالألفاظ الجزلة تتخيل كأشخاص عليها مهابة
(1/252)

ووقار، والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذوي دماثة ولين أخلاق، ولطافة مزاج، ولهذا ترى ألفاظ أبي تمام كأنها رجال، قد ركبوا خيولهم، واستلأموا سلاحهم، وتأهبوا للطراد، وترى ألفاظ البحتري كأنها نساء حسان، عليهن غلائل مصبغات، وقد تحلين بأصناف الحلي.
وقال ابن شرف القيرواني في مقامته التي ذكر فيها الشعراء: وأما أبو تمام الظائي فمتكلف، إلا أنه يصيب؛ ومتعب لكن له من الراحة نصيب، وشغله المطابقة والتجنيس، جيد ذلك أو بئيس جزل المعاني، مرصوص المباني، مدحه ورثاؤه، لا غزلة
(1/253)

وهجاؤه، فهما طرفا نقيض، وسماء وحضيض، وفي شعره علم جم من النسب، وجملة وافرة من أيام العرب، وطارت لها الأمثال، وحفظت له الأقوال، وديوانه مقرو، وشعره متلو.
قال ابن بسام: أما صفته هذه لأبي تمام فنصفة لم يثن عطفها حمية، ولا تعلقت بذيلها عصيبة، حتى لو سمعها حبيب لاتخذها قبلة، واعتمدها ملة.
قال ابن شرف: وأما البحتري فالفظه ماء ثجاج، ودر رجراج، ومعناه سراج وهاج، على أهدي منهاج، يسبقه شعره إلى ما يجيش به صدره، بيسر مراد،
(1/254)

ولين قياد، إن شربته أرواك، وإن قدحته أوراك، طبع لا تكلف يعنيه ولا العناد يثنيه، لا يمل كثيره، ولا يستكره غزيره.
وأما المتنبي فقد شغلت به الأسن، وسهرت في أشعاره الأعين، وكثر الناسخ لشعره، والغائص في بحره، والمفتش عن جمانه ودره، وقد طال فيه الخلف وكثر عنه الكشف، وله شيعة تغلو في مدحه، وعليه خوارج تتعب في جرحه، والذي أقول: إن له حسنات وسيات، وحسناته أكثر عدداً، وأقوى مدداً، وغرائبه طائرة، وأمثاله
(1/255)

سائرة، وعلمه فسيح، وميزة صحيح، يروم فيقدر، ويدري ما يورد ويصدر.
والذي يشعر به كلام ابن شرف تقديم البحتري، كما أنه يشعر كلامُ الشريف بتقديم أبي تمام.
وكان الشيخ أبو سعد محمد بن أحمد العميدي عن أبي الطيب في غاية الانحراف، حائدا في التمييز عن سنن الإنصاف، ونحن نورد كلامه، ونرد في نحره سهامه، فإنه تجاوز الحد، وأكثر الرد.
سعَىَ جُهْدَه لَكنْ تجاوزَ حَدَّه ... وأكثر فارتابت ولو شاءَ قَلَّلاَ
وبراعة كلامه:
إعجاب المرء بنفسه يشرع إليه أسنة الطاعنين، وتطاوله على أبناء جنسه يجمع عليه ألسنة الشانئين، فلا نقيصة
(1/256)

عندي اقبح سمة من اغترار الإنسان بجهله، ولا رذيلة أبلغ وصمة من إنكار فضيلة من يقع الإجماع على فضله، ولا منقبة أجلب للشرف من الاعتراف بالحق إذا وضحت دلائله، ومن الانحراف عن الباطل إذا استقبحت مجاهله، ولا دلالة على الحلم أبين من التوقف عند الشبهات، حتى ينجلي ظلامها، والتصرف على أحكام النصفة حتى تهديك أعلامها، وما أحسن أثر الحاكم إذ عدل وأنصف، وأقبح ذكره إذا مال عن الحق وجنف، والظلم قبيح،
(1/257)

وهو من الحكام أقبح وأشنع، وجحود الفضل سخيف، وهو من الفضلاء أسخف وأفظع، ومن لم يتميز عن العوام بمزية تقديم وتخصيص. سلق المحسنين بلسان ذم وتنقيص، ومن عدم محاسن التمييز والتحصيل، نظر إلى المميزين بعين التقصير والتجهيل، وأكثر آفات كتاب زماننا وشعرائهم أنهم، لا يهتدون لتعليل الكلام وتشقيقه، ويتبعون الهوى فيضلهم عن منهج الحق وطريقه، فإذا سمعوا فصلا من كتاب، أو بيت شعر
(1/258)

ممن لا يكاد يجيل في الأدب قدحا، ولا يعرف هجاء ولا مدحا، فهو يحكم على قائله بالسبق والتفخيم والإجلال والتعظيم، وليس يدري ما رواه: سليم اللفظ أو مختلة، صحيح المعنى أو منحلة وهل ترتيبه مستحسن أو مستهجن؟ وتقسيمه مطبوع أو مصنوع، ونظامه مستعمل أو مسترذل، وكلامه مستعذب أو مستصعب وهل سبقه إلى ذلك المعنى أحد قبله أو هو مبتدع؟ وأورد نظيره سواه أو هو مخترع؟ استبدعوا كلامه، واتبعوا أحكامه،
(1/259)

واعتمدوا على الاعتقاد دون الانتقاد، وقبلوه بالتقليد لا بالاختيار، وقابلوه بالامتثال دون الاعتبار والاختبار، ثم إن بينت لهم عوار ما رووه والله، وخطأ ما حكوه وخطله التزموا نصرة خطئه واقفين مواقف الاعتذار، ومائلين عن طريقة الإنصاف إلى الانتصار، وليست هذه الخصلة من خصال الأدباء الذين هذبتهم الآداب فصاروا قدوة وأعلاماً، ودربتهم العلوم فأصبحوا بين الناس قضاة وحكاماً، وإنما يذهب في مدح الكتاب والشعراء مذهب
(1/260)

التقليد من يكون في علومه خفيف البضاعة، قليل الصناعة، صفر وطاب الأدب، ضيق مجال الفضل، قصير باع الفهم، جديب رباع العقل، فأما من رزق من المعرفة ما يستطيع أن يميز بين غث الكلام وسمينه؛ ويفرق بين سخيفه ومتينه، وأوتي من الفضل ما يحسن أن يعدل به في القضية غير عادل عن الإنصاف، ويحكم بالسوية غير مائل إلى الإسراف والإجحاف، فالأولى به ألا ينظر إلى أحد إلا بعين الاستحقاق والاستيحاب، ولا يحل أحداً من رتب
(1/261)

الجلالة إلا بقدر محله من الآداب، ولا يعظم الجاهلية لتقدمهم إذا أخرتهم معايب، أشعارهم، ولا يستحقر المحدثين لتأخرهم إذا قدمتهم محاسن آثارهم، ويطرح الاحتجاج بالمحال طرحا، ويضرب عن استشعار الباطل صفحاً، ويحل من يشهد بفضائله شهود عدول، ويذل من كلامه عند التأمل منحول معلول. ولقد جرى يوما حديث المتنبي في بعض مجالس أحد الرؤساء، فقال أحد حاملي عرشه: سبحان من ختم بهذا الفاضل الفحول من الشعراء وأكرمه،
(1/262)

وجمع له من المحاسن ما فضل به كل من تقدمه، ولو أنصف لعلق شعره كالسبع المعلقات من الكعبة، ولقدم على جميع شعراء الجاهلية في الرتبة، ولكن حرفة الأدب لحقته، وقلة الإنصاف محت اسمه من جرائد المتقدمين ومحققته، وإلا فهاتوا لأي شاعر شئتم جاهلي أو إسلامي مثل قوله في صفة الفرس:
رجلاه في الركض رجل واليدان يدُ ... وفعله ما تريدُ الكفُّ والقدمُ
أليس هذا أبلغ من قول القائل:
(1/263)

درير كخذُروفِ الوليد أمّره ... تتابُع كفيه بخيط موصّل
لقد أبدع المتنبي ما شاء وأغرب، وأفصح عن الغرض وأعرب، فقلت للأقيشر ما يقارب هذا المعنى في نعت فرسه، وهو قوله:
يجري كما أختاره فكأنه ... بجميع ما أبغيه منه عالمُ
رجلاه رجلُ واليدان يدُ إذا ... أحضَرْته والمتين منه سالم
فصاح، وقال: يا قوم أهذا شعر إنسان له مسكة من عقل؟ أو بلغه من فضل؟ والله إن للمتنبي غلمانا وأتباعاً أجل من هذا البليد المجهول، من أي
(1/264)

قبيلة هذا العاجز الذي تكلم بمثل هذا الفضول؟ فقلت: عافاك الله، حديثنا في الإبداع لا في الاتباع، وفي الآداب لا في الأنساب ليس يغني المتنبي جلالة نسبه، مع ضعف أدبه، ولا يضره خلاف دهره، مع اشتهار ذكره.
ولقد تأملتُ أشعاره كلها فوجدت الأبيات التي يفتخر بها أصحابه، وتعتبر فيها آدابه من أشعار المتقدمين منسوخة، ومعانيها من معانيهم مساوخة. وإني لأعجب من جماعة يغلون في حديث المتنبي وأمره، ويدعون الإعجاز شعره،
(1/265)

ويزعمون أن الأبيات المعروفة له هو مبتدعها، ومخترعها، ومحدثها ومفترعها، لم يسبق إلى معناها شاعر، ولم ينطق بأمثالها باد ولا حاضر.
وهؤلاء المتعصبون له المفتخرون باللمع التي يزعمون أنه استنبطها وأثارها، والمعتدون بالفقر التي يدعون أنه افتض أبكارها، والمترنمون له بأبيات سائرة يذكرون أنه انفرد بألفاظها وعانيها، وأغرب في أمثلتها ومبانيها، والمتمثلون بها في مجالسهم ونواديهم والمستعملون لها في خلواتهم وأغانيهم،
(1/266)

كيف لا يستحون أن يقولوا بعصمته؟ ويتهالكوا في الدلالات على حكمته؟ وكيف يستجيزون لنفوسهم ويستحسنون في عقولهم، أن يشهدوا شهادة قاطعة، ويحكموا حكماً جزماً بأنها له غير مأخوذة ولا مسروقة، وأن طرائقها هو الذي ابتدأ توطئتهاغير مسلوكة لغيره، ولا مطروقة؟ فليت شعري هل أحاطوا علماً بنصف دواوين الشعراء للجاهلية والمخضرمين والمتقدمين والمحدثين فضلا عن جميعها؟ أم هل فيهم من يميزيين مستعملها وبديعها حتى
(1/267)

يطلقوا القول غير محتشمين أن المتنبي من بين أولئك الشعراء أبدع معاني لم يفطن لها سواه ولم يعثر بها أحد ممن يجري مجراه؟ ولقد قال المرزباني فيما حكى عنه: أنه لما صنف كتابه على حروف المعجم بأسماء الشعراء، جمع داوين ألف شاعر حتى اختار من عيونها ما أراد، وامتار من متونها ما ارتاد.
وذكر القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني أن البحتري على ما بلغه أحرق خمس مئة ديوان للشعراء في أيامه حسداً لهم لئلا
(1/268)

تشتهر أشعارهم، وتنشر محاسنهمُ وأخبارهم؛ فمن أين لهؤلاء المتعصبين للمتنبي أنه سبق جماعتهم في مضماره، ولم يقتبس من بعضها محاسن أشعاره، وهل للذين يتدينون بنصرته بصائر بحسن المأخذ، ولطف المتناول، وجودة السرقة، ووجوه النقل، وإخفاء طرق السلب، وتغميض مواضع القلب، وتغيير الصنعة والترتيب، وإبدال البعيد بالقريب، وإتعاب الخاطر في التثقيف والتهذيب حتى يدعوا علم الغيب في تنزيهه عن السرقات التي لا تخفي صورها
(1/269)

على ناقد، وتبرئته عن المعايب التي يشهد عليه بها ألف شاهد؟ ولست - يعلم الله - أجحد فضل المتنبي، وجودة شعره، وصفاء طبعه، وحلاوة كلامه، وعذوبة ألفاظه، ورشاقة نظمه، ولا أنكر اهتداءه لاستكمال شروط الأخذ إذا لحظ المعنى البعيد لحظاً، واستيفاءه حدود الحذق إذا سلخ المعنى وكساه من عنده لفظاً، ولا أشك في حسن معرفته بحفظ التقسيم الذي يعلق بالقلب موقعه، وإيراد التجنيس الذي يملك النفس مسمعه، ولحاقه في إحكام الصنعة ببعض من سبقه،
(1/270)

وغوصه على ما يستصفي ماؤه ورونقه، وسلامة كثير من أشعاره من الخطل والخلل، والزلل والدخل، والنظام الفاحش الفاسد، والكلام الجامد البارد، والزحاف القبيح المستبشع، واللحن الظاهر المستشنع؛ وأشهد أنه عن درجة أمثاله غير نازل ولا واقع، وأعرف أنه مليح الشعر غير مدافع، غير أني مع هذه الأوصاف الجميلة؛ لا أبرئه من نهب وسرقة ولا أرى أن أجعله وأبا تمام رب المعاني، ومسلم بن الوليد وأشباههما في طبقة واحدة ولا ألحقه في عذوبة الألفاظ
(1/271)

وسهولتها، ورشاقة المعرض، ومجانبة التصنع والتكلف بالبحتري، ولا أقيسه في امتداد النفس وعلم اللغة والاقتدار على ضروب الكلام، وتصوير المعاني العجيبة، والتشبيهات الغريبة، والحكم البارعة، والآداب الواسعة بابن الرومي، ولا أتهالك في مدحه تهالك من يتعصب له تقليداً، ويغلو فيجعل بينه وبين هؤلاء الفضلاء أمداً بعيداً، إلى أن قال: ولولا أنه كان يجحد فضائل من تقدمه من الشعراء، وينكر حتى أساميهم في محافل
(1/272)

الرؤساء، ويزعم أنه لا يعرف الطائيين وهو على أشعارهما يغير، ولم يسمع بابن الرومي وهو من أشعاره يمير، ويسبهم إذا قيل في أشعارهم إبداع، ويعيبهم متى أنشد لهم مصراع، لكان الناس يغضون عن معايبه ويغطون على مساويه ومثالبه، ويعدونه كسائر الشعراء الذين لا ينبش عظامهم إنسان، ولا يجري بذمهم لسان.
ولقد حدثني من أثق به: أنه لما قتل المتنبي وجد معه ديوانا أبي تمام والبحتري بخطه وعلى حواشي الأوراق علامة كل بيت أخذ
(1/273)

معناه وسلخه، فهل يحل له أن ينكر أسماء الشعراء وكناهم، ويجحد فضائل أولاهم وأخراهم إلى أن قال: وأنا بمشيئة الله تعالى أورد ما عندي من أبيات أخذ ألفاظها ومعانيها، وادعى الإعجاز لنفسه فيها، ليشهد بلؤم طبعه في إنكار فضيلة السابقين، ويسمه بما نهبه من أشعارهم بسمة السارقين.
قلت: ليعلم أنه لا بد من تقديم متقدمتين قبل إيراد ما سرق به أبو الطيب المتنبي، ليصير العاذل عاذراً والمحجوج مفارخراً: المقدمة الأولى:
(1/274)

من المقرر عند أرباب هذا الشأن، وفرسان هذا الميدان، أن من المعاني ما يتساوى فيه الشعراء ويشترك فيه المحدثون والقدماء، لأنه كضياء القمر لا يخفي على من أوتي فضيلة النظر، كما إن قلنا في مولانا نجل الحسام: له عزمة أمضى من الحسام، وهو كالليث يوم جداله، وكالغيث وقت نواله، أو إذا قلنا: وجهه كالبدر الزاهر، وكفه كالبحر الزاخر، أو إذا قلنا: كلماته كبرد الشبابُ وألفاظه كبرد الشراب، أو إذا قلنا: لا أشبه وجه مولانا إلا بالعيد
(1/275)

المقبل لو كان العيد تبقى ميامنه، وتدوم محاسنه، أو إذا قلنا: مولانا كالبدر في ارتفاع قدره، وكالبحر في اتساع صدره، لو أن البحر لا يتغير ماؤه، والبدر لا ينقص ضياؤه، أو إذا قلنا: لمولانا خلق هو المسك لولا سواده، وكف هو البحر لولا نفاده، ووجه هو الشمس لولا كسوفه، والقمر لولا خسوفه، أو إذا قلنا: مولانا كالدهر لولا صروفه، والجبل لولا وقوفه، وقد شاهدت من مساطر كلامه، ومقاطر أقلامه، روضات حزن، بل جنات عدن وكقولهم:
(1/276)

عفت الديار وما عفت آثارها من القلوب، وكقولهم: إن الطيف يجود بما يبخل به صاحبه، وإن الواشي لو علم بمزار الطيف لساءه، وأشباه ذلك، وكقولهم في المراثي: إن هذا الرزء أول حادث، وإنه استوى فيه الأباعد والأقارب، وإن الذاهب لم يكن واحدا وإنما كان قبيلة، ويجري هذا الأمر في سائر أنواع الشعر، فإن أمثال هذه المعاني الظواهر تتوارد عليها جميع الخواطر، وتستوي في إيرادها، ومثل ذلك لا يطلق على المتأخر اسم السرقة،
(1/277)

وإنما يطلق اسمها في معنى مخصوص كقول أبي الطيب:
بناها على والقنا يقرع القنا ... وموجُ المنايا حولها مُتلاطم
وكان بها مثُل الجنون فأصبحتْ ... ومن جُثث القتلى عليها تمائم
فإن هذا معنى، مخصوص ابتداعه أبو الطيب، وكذلك في عضد الدولة وولديه
وكان ابنا عدوًّ كاثراه ... له ياءي حروفِ أُنيسيان
وهذا المعنى لأبي الطيب، وهو الذي ابتدعه، فمن أتى من بعده بهذا المعنى أو بجزء منه فإنه يكون سارقاً له، وزعم بعض
(1/278)

أهل الأدب أن ابن الرومي ابتدع قوله:
تشكو المحبّ وتُلْفىَ الدهَر شاكيةً ... كالقوس تُصمي الرمايا وهي مِرنان
وليس الأمر كما زعم فإنه من المثل المضروب وهو تلدغ وتضيء ويضرب لمن يبدأ بالأذى ثم يشكو. وزعم كثير أن ابن الخياط ابتدع قوله:
أغارُ إذا آنستُ في الحيّ أنةً ... حذاراً عليه أن تكون لِحُبّه
وهو مأخوذ من قول أبي الطيب:
(1/279)

لو قلت للدنفِ الحزين فديتُه ... مما به لأغرتَه بفدائه
وهو أدق معنى من قول ابن الخياط.
المقدمة الثانية: في السرقات الشعرية، والمحمود منها والمذموم، وهي على خمسة عشر ضرباً: الضرب الأول: أن يأخذ الثاني من الأول المعنى واللفظ جميعاً، كقول الفرزدق:
أتعدل أحساباً لئاماً حُماتها ... بأحسابِنا؟ إني إلى الله راجعُ
وكقول جرير:
أتعدل أحسابا كراماً حُماتها ... بأحسابكم؟ إني إلى الله راجع
(1/280)

فتخالفهما في لفظة واحدة، وهذا الضرب مذموم والمتأخر ملوم. ومن هذا الضرب قول أبي نواس الحكمي:
دارتْ على فتيةٍ ذل الزمانُ لهم ... فما أصابُهم إلا بما شاءُوا
أخذه من معبد:
لَهْفِي على فتية ذلّ الزمان لهم ... فما أصّابهمُ إلاّ بما شاءُوا
الضرب الثاني: أن يأخذ المعنى وأكثر اللفظ، وهذا الضرب ينقسم قسمين: مذموم ومحمود، فالأول كقول أبي تمام:
محاسنُ أصناف المغنين جَمَّة ... وما قَصَباتُ السبق إلاّ لمعَبد
أخذه من قول بعض المتقدمين يمدح معبداً صاحب المغنى:
(1/281)

أجاد طُويسُ والسُّريجيُّ بعده ... وما قَصَباتُ السبق إلا لمعبدِ
والثاني كقول أبي الشيص:
أجدُ الملامة في هواكِ لذيذة ... حبّاً لذكركِ فليلُمْني اللُّومُ
أخذه أبو الطيب فقال:
أأحبه وأحبّ فيه مَلامةً ... إن الملامَةَ فيه من أعدائهِ
وتسمية هذا مبتدعا أولى من تسميته سرقة. وهذان الضربان يسميان نسخا.
الضرب الثالث: أن يأخذ المعنى، ويستخرج منه ما يشبهه، وهذا من أدقها مذهبا، وأحسنها صورة فمن
(1/282)

ذلك قول الحماسي:
لقد زادني حباًّ لنفسيَ أنني ... بَغيض إلى كل امرئ غير طائل
أخذه المتنبي، واستخرج منه معنى شبيهاً به، فقال:
وإذا أتتك مَذَمَّتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضلُ
ومن هذا الضرب قول أبي تمام:
رَعْته الفيافي بعد ما كان حِقْبةً ... رعاها، وماء الروض ينهلُ ساكبُهْ
أخذه البحتري، واستخرج منه ما يشابهه فقال:
شيخان قد ثقل السلاح عليهما ... وعداهما رأىُ السميع المبصرِ
(1/283)

ركبا القنا من بعد ما حَمَلا القنا ... في عسكرٍ متحاملٍ في عسكر
ومن هذا الضرب قول أبي تمام أيضا:
لا أظلم النأي قد كانتْ خلائُقها ... من قبل وشك النوى عندي نَوىً قَذفَا
أخذه البحتريّ فقال:
أعاتكُ ما كان الشبابُ مقربي ... إليك فألحي الشيبَ إذ هو مُبعدي
الضرب الرابع: أن يأخذ المعنى مجرداً من
(1/284)

اللفظ، وهذا لا يكاد يأتي إلا قليلا، ومنه قول جرير:
ولا يَمنْعك من أربِ لَحاهمْ ... سواءُ ذو العِمامة والخِمارِ
أخذه المتنبي فقال:
ومَنْ في كفه منهم قَناهُ ... كمن في كفه منهم خِضابُ
الضرب الخامس: أن يأخذ المعنى ويسيراً من اللفظ، وذلك من أقبح السرقات، وأظهرها شناعة على السارق، فمن ذلك قول البحتري:
فوق ضَعْفِ الصغار إن وُكلِ الأم ... ر إليه ودون كيد الكبارِ
أخذه من قول أبي نواس:
(1/285)

لم يُجْفَ من كبر عما يُراد به ... من الأمور ولا أزْرى به الصغر
وكذلك قول البحتري أيضا:
كلُّ عيد له انقضاء وكفّى ... كلَّ يوم من جوده في عيد
أخذه من قول علي بن جَبَلة:
لِلْعيدِ يومُ من الأيام منتظرُ ... والناسُ في كل يوم منكَ في عيدِ
وكذلك قول البحتري أيضاً:
جاد حتى أفنى السؤال فلما ... بادَ منا السؤالُ جاد ابتداءَ
أخذه من علي بن جبلة:
أعطيتَ حتى لم تدعْ لك سائلا ... وبدأتَ إذ قَطَع العُفاةُ سؤالها
وكذلك قول أبي تمام:
(1/286)

قد قَلَّصتْ شفتاه من حفيظته ... فَخيِلَ من شدة التعبيس مبتسماً
أخذه من ديك الجن:
وإذا شئتَ أن ترى الموتَ في صو ... رة ليثِ في لبدتي رئيال
فَالقَه غيرَ إنما لبدتاه ... أبيضُ صارمُ وأسمر عالي
تلقَ ليثا قد قلصّت شفتاه ... فيُرى ضاحكاً لِعَبْس الصّيال
ومن هنا أخذ المتنبي قوله:
إذا رأيتَ نيوبَ الليثِ بارزةً ... فلا تظنّن أن الليثَ مُبتسمُ
لكنه أبرزه في صورة حسنة، فصار أولى به.
وكذلك قال أبو تمام:
(1/287)

ولم أمدحكْ تفخيما بشعري ... ولكني مدحتُ بك المديحا
أخذه من قول حسان في النبي صلى الله عليه وسلم:
ما إن مدحتُ محمداً بمقالتي ... لكنْ مدحتُ مقالتي بمحمد
وكذلك قول ابن الرمي:
وكلتُ مجدَك في اقتضائك حاجتي ... وكفى به متقاضياً ووكيلاً
أخذه من قول أبي تمام:
وإذا المجد كان عوني على المر ... ء تقاضيتُه بترك التقاضي
وكذلك قول ابن الرومي:
(1/288)

ومالي عزاءُعن شباب علمتهُ ... سوى أنني من بعده لا أخلدّ
أخذه من قول منصور النمري:
قد كدت أقضي على فوت الشباب أسىً ... لولا تَعَزىَ أن العيش منقطع
الضرب السادس: أن يأخذ المعنى فيقلبه، وذلك محمود، ويخرجه حسنُه عن حد السرقة، فمما جاء منه قول أبي تمام:
كريمُ متى أمدحْه والورى ... معي وإذا ما لمتُه لُمتُه وحدي
أخذه من تأخر عنه فقال:
(1/289)

مدحتُهم وحدي فلما هجوتُهم ... هجوتُهم والناس كلهمُ معي
الضرب السابع: أن يأخذ بعض المعنى، وهذا الضرب محمود، فمن ذلك قول أمية ابن أبي الصلت:
عطاؤكَ زين لامرئ إن حبوتَه ... ببذل وما كل العطاء يَزينُ
ونيس بشيْن لامرئ بذلُ وجهه ... إليك كما بعضُ السؤال يَشينُ
أخذه أبو تمام فقال:
تدْعى عطاياه وفراً وهي شُهرت ... كانتْ فخاراً لمن يَعفوه مؤتنفا
ما زلتُ منتظراً أعجوبة زمناً
(1/290)

.. حتى رأيتُ سؤالا يجتني شرفا
ومن هذا الضرب قول علي بن جَبَلة:
وأثّل ما لم يَحْوَه متقدمُ ... وإن نال منه آخرُ فهو تابُع
أخذه المتنبي فقال:
ترفع عن عونُ المكارم قدرُه ... فما يفعل الفَعْلات إلا عَذاريا
والمتنبي وأبو تمام أبرزا ما أخذاه هاهنا في صورة حسنة، وكذلك قال أبو تمام:
كَلِفُ بِربّ المجد يعلم أنه ... لا يُبتدىَ عُرفُ إذا لم يُتممِ
أخذه البحتري فقال:
ومثلك إن أبدي الفَعال أعاده ... وإن صنع المعروفَ زاد وتمما
(1/291)

الضرب الثامن: أن يأخذ المعنى فيزيد عليه معنى آخر، وهذا الضرب لا يكون إلا حسناً، فمن ذلك قول جرير:
غرائبُ أُلاّف إذا حان وردها ... أخذن طريقاً للقصائد مُعْلماَ
أخذه أبو تمام فقال:
غرائبُ لاقتْ في فنائك أنسَها ... من المجد فهي الآن غيرُ غرائب
فهذا أحسن من قول جرير للزيادة التي فيه. وهذا البيت من قصيدة يمدح بها أبا دلف العجلي، وهي من أمهات قصائده، وأولها:
على مثلها من أربعُ وملاعب ... أذيلت مصوناتُ الدموع السواكب
(1/292)

أقول لُقرحان من البين لم يُصِبْ ... رسيسَ الهوى بين الحشا والترائب
أي أقول لرجل لم يقطعه أحبابه، ولم تبعد عنه أصحابه، وأصل القُرْحان. الذي لم يخرج عليه الجدري. ويروي: لفرحان بالفاء.
أعِنّيَ أُفرقْ شمل دمعي فإنني ... أرى الشمل منهم ليس بالمتقاربِ
يقول: قد اجتمع دمعي، لأني لم أبك رجاء أن يقرب الشمل، والآن فقد رأيته ليس بالمتقارب، فأعنى بوقفة على منازلهم، حتى أبكيهم فأستريح.
فما كان في ذا اليوم عذلُك كله ... عدّويَ حتى صار جهلك صاحبي
(1/293)

وما بك إركابي من الرشد مَرْكبا ... ألا إنما حاولتَ رُشدَ الركائب
يخاطب الرجل القرحان الذي لم يصب بالمصائب، وعذَلَه على الرحيل؛ يقول: ليس بك رشدي. ولكنك تريد أن تريح الركائب، وأريدُ أن أتعبَها بالمسير.
فكلني إلى شوقي وسِرْ يَسيرِ الهوى ... إلى حُرُقاني بالدموعِ السواربِ
يقول: أنا لا أطاوعك على ما تريده، فَسر وسلمني إلى شوقي، فإن هواي سيبعث دمعي، ثم خاطب ديار أحبابه، فقال:
أميدانَ لهوى من أتاح لك الردى
(1/294)

.. فأصبحتِ ميدانَ الصَّبا والجنائب
أصابتك أبكارُ الخطوب فَشتّت ... هوايَ بأبكار الظباء الكواعب
وركبٍ يُساقون الركابَ زُجاجةً ... من السير لم تقصد لها كفّ قاطب
هذا مثل، يقول: يسكرون ويسكرون المطي من التعب فكأنهم سقوها زجاجة ولم تقصد لها كف قاطب أي ليس هي على الحقيقة زجاجة فيها شراب يناولها الساقي.
فقد أكلوا منها الغواربَ بالسُّرى ... فصارتْ لها أشباحُهم كالغوارب
(1/295)

يقودُ نواصيها جُديلُ مَشارق ... إذا آبهُ همُ عُذيُق مَغاربِ
ويروي: يصرف مسراها، يقول: يسير بهذه الإبل رجل عالم بالشرق والغرب يريد نفسه وهذا من المثل الذي قاله الحباب بن المنذر: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، ويضرب لمن يستشفي برأيه، والجذل خشبة تحتك بها الإبل الجربي، والعذق النخلة والتصغير فيهما للتفخيم.
يرى بالكَعاب الرَّوْدِ طلعةَ ثائرٍ ... وبالعرْمِس الوجناء غرةَ آئِب
يقول: يصرف هذه الركاب
(1/296)

رجلُ محبب إليه السفر في طلب العلا، فإذا رأى الكاعب من النساء، رأى بها طلعة ثائر دنا لينال منه، لبغضه الكاعب، وحبه السفر، ليبلغ مراده، وإذا رأى الناقة السريعة السير فكأنه رأى غرة إنسان مقبل عليه.
كأن به ضِغنا على كل جانب ... من الأرض، أو شوقاً إلى كل جانب
يقول: من حبه للسير في البلاد، كأن به ضغنا على كل مكان، حتى يفارقه، أو شوقا إلى كل مكان، حتى يبلغه؛ وكل ما ذكره من حبه للسير، حتى يقول:
(1/297)

إذا العيسُ لاقتْ بي أبا دلف فقد ... تقطع ما بيني وبين النوائب
وهذه الجملة معترضة، جمح بها القلم في ميدانه؛ ونعود إلى ما نحن بصدد بيانه.
ومن هذا الضرب قول مسلمة بن عبد الملك:
أذُلّ الحياة وكُرْهَ المماتِ ... وكلا أراه طعاما وبيلا
فإن لم يكن غيرُ إحداهما ... فسيرا إلى الموت سيراً جميلا
أخذه أبو تمام، فقال:
مثلّ الموتَ بين عينيه والذّل ... وكلا رآه خطباً عظيماً
ثم سارتْ به المنيةُ قُدْماً ... فأمات العِدا ومات كريما
(1/298)

وقول أبي تمام أحسن. وكذلك ورد قول الطغرائي:
يا منَ إذا اجتمع الكُتّاب كان له ... فضلُ الإمارة مقتاداً كتيبتها
شكت إليك دواتي شيب لمتها ... وأنت أخلق من طَرَّى شبيبتها
وقال مولانا السيد الأمجد أحمد أفندي الشهير بابن النقيب، دامت معاليه:
لدواة داعيكم مدادُ شاب من ... جَوْر اليَراع، وقد رثَتْ لُمصابهِ
وأتت تؤمل فضلكم وترومُ من ... إحسانكم تجديدِ شَرْخ شبابهِ
ففي قوله - أيده الله - زيادة حسنة،
(1/299)

وهي جور اليراع، وقد رثت لمصابه. وكذلك ورد قول أبي نواس:
قل لمن يدعي سُلَيْمَى سفاها ... لست منها ولا قُلامَة ظفر
إنما أنت مُلَصق مثلُ واو ... ألحقتْ في الهجاء ظلما بعمروِ
أخذه البحتري فقال:
خلّ عنا فإنما أنت فينا ... واوُ عمرو أو كالحديث المعاد
فالبحتري زاد على أبي نواس: الحديث المعاد.
وأحس من قولهماقول ماجد الديار الشامية، مولانا أحمد أفندي الشاهيني، طال بقاه، وهو:
إنما البهنسي أحمد خَطْبُ ... لا خطيب ولا جليل بَقْدرِ
(1/300)

زيدت الياء فيه ظلما وعدوا ... نا كواو غَدَتْ بآخر عمرو
ووجه حسنه المناسبة فيه بين الحرفين، وكذلك ورد قول الشريف الرضي:
ولو أن لي يوماً على الدهر إمرةً ... وكانت لي العُدوَى على الحَدثَان
خلعت على عطفيك برد شبيبتي ... جوادا بعمري واقتبال زماني
فقال الشاهيني حرس الله ببقائه الفضل والكرم؛ ولا برحت أياديه التمائم من العدم: يخاطب شيخه أبا العباس أحمد بن محمد المقريالمغربي في آخر قصيدة، وأرسل إليه هدية وخمسين غرشا ولا يخفي ما في
(1/301)

هذا البيت الثاني من الحسن:
لو كان لي أمر الشباب خلعته ... بُرْداً على عَلْياك ذا أردانِ
لكن تعذر بعث أول غايتي ... فبعثت نحوك غاية الإمكانِ
وكذلك ورد قول أبي تمام:
يَصُدُّ عن الدنيا إذا عَنَّ سُؤددُ ... ولو بَرَزَت في زيّ عَذْراء ناهدِ
أخذه من قول ابن المعذل
ولست بنظار إلى جانب الغنَى ... إذا كانت العَلْياء في جانب الفقرِ
وكذلك ورد قول البحتري:
ركبوا الفرات إلى الفرات وأملوا ... جذلان يُبدع في السماح ويُغرب
(1/302)

أخذه من قول مسلم بن الوليد
ركبت إليه البحر في مؤخراته ... فأوفت بنا من بعد بحر إلى بحر
إلا أنه زاد عليه: جذلان يبدع في السماح ويغرب. وكذلك ورد قول أبي نواس:
ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
أخذه من قول جرير:
إذا غضبتْ عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا
يحكى عن أبي تمام: أنه دخل على ابن أبي داود فقال له: أحسبك عاتبا يا أبا تمام فقال: إنما يعتب على واحد وأنت
(1/303)

الناس جميعا. قال من أين هذه يا أبا تمام؟ فقال: من قول الحاذق أبي نواس وأنشده البيت السابق، وفي بيت أبي نواس زيادة حسنة قد ملكته رق هذا المغني؛ وذلك أن جريراً جعل الناس كلهم في بني تميم، وأبا نواس جعل العالم كله في واحد وذلك أبلغ.
الضرب التاسع: أن يأخذ المعنى فيكسيه عبارة أحسن من الأولى، وهذا هو المحمود الذي يخرجه حسنه عن باب السرقة، وعليه قول أبي نواس:
(1/304)

يَدَل على ما في الضمير من الهوى ... تقلب عينيه إلى شخص من يهوى
أخذه المتنبي فأجاد حيث قال:
وإذا خامر الهوى قلبَ صبّ ... فغليه لكل عين دليلُ
الضرب العاشر: أن يأخذ المعنى؛ ويسبكه سبكا موجزا، وذلك من أحسن السرقات، فمن ذلك قول بعض المتقدمين:
أمن خوف فقر تعجلتَه ... وأخرت إنفاق ما تجمع
فصرتَ الفقير وأنت الغنّى ... وما كنت تعدو الذي تصنع
أخذه المتنبي فقال:
(1/305)

ومن ينفق الساعاتِ في جمع ماله ... مخافةَ فقر فالذي فعل الفقر
وكذلك ورد قول أبي تمام:
كانت مساءلة الركبان تُخبرني ... عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني مما قد رأى بصري
فأخذه أبو الطيب فقال:
وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغرّ الخبرَ الخُبَر
وقال أبو تمام:
كم صارم عضْب أناف على فتى ... منهم لأعباء الوغى حمال
(1/306)

سبق المشيبَ إليه حتى ابتزه ... وطن النهى من مفرق وقذال
أخذه المتنبي فقال وأحسن:
يسابق القتلُ فيهم كلّ حادثة ... فما يصيبهمُ موت ولا هرم
الضرب الحادي عشر: أن يكون المعنى عاما، فيجعله خاصاً، أو بالعكس، وهذا من السرقات التي يسامحفيها صاحبها، ومنه قول الأخطل:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عارُ عليك إذا فعلت عظيم
أخذه أبو تمام فقال:
ألوم من بخلت يداه وأغتدى ... للبخل تِربا؟ ساء ذاك صنيعا
(1/307)

وكذلك قول أبي تمام:
ولو حاردتْ شَوْلُ عذرتُ لِقاحَها ... ولكن منعتَ الدرَّ والضَّرعُ حافلُ
أخذه المتنبي فقال:
وما يؤلم الحرمانُ من كف حارم ... كما يؤلم الحرمانُ من كفّ رازق
الضرب الثاني عشر: أن يزيد المعنى بياناً مع المساواة في أصله؛ ومنه قول أبي تمام:
هو الصنُّع إن يعجلْ فنفهُ وان يَرِثْ
(1/308)

.. فَلَرَّيثُ في بعض المواطن أنفعُ
أخذه المتنبي فأوضحه بمثال فقال:
ومن الخير بطء سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجَهامُ
الضرب الثالث عشر: وهو اتحاد الطريق، واختلاف المقصد، فمن ذلك قول بعضهم:
كأنه غنّى لشمس الضحى ... فنقطته طربا بالنجوم
أخذه مولانا الشاهيني أدام الله سودده، فقال وأحسن غاية الإحسان:
وقائلة والشمسَ أعني وقد رأت ... قروحاً على خدَّ يفوق على الورد
أما تغتدي تُهدي لِحبك عُوذَةً ... فقلت وهل تُغني الرقي من أخي الوجد
(1/309)

فجاءته وَلْهَى بالنجوم تمائما ... فأدهشتها حتى نُثِرنْ على الخَدّ
وعلماء الأدب يسمون هذا الضرب سلخاً.
الضرب الرابع عشر: قلب الصورة الحسنة إلى صورة قبيحة، وهذا الضرب يسمى مسخاً. فمما ورد منه قول ديك الجن:
نحن نُعزيك ومنك الهدى ... مستخرجُ والصبر مستقبل
(1/310)

نقول بالعقل وأنت الذي ... نأوي إليه وبه نعقل
إذا عفا عنك وأودى بنا الدَّ ... هْرُ فذاك المحسنُ المُجمِلُ
أخذه المتنبي فقال:
إن يكن صبر ذي الرزية فضلاً ... تكن الأفضلَ الأعزَّ الأجلاّ
أنت يا فوقَ أن تعزى عن الأح ... باب فوق الذي يعزيك عقلا
وبألفاظك اهتدى فإذا عَزّ ... اك قال الذي له قلت قبلا
الضرب الخامس عشر: قلب الصورة القبيحة إلى صورة حسنة، ولا يسمى هذا الضرب
(1/311)

مسخاً وإن سموه، لأنه محمود، والمسخ مذموم، فمن ذلك قول المتنبي:
إني على شغفي بما في خُمْرِهَا ... لأعِفُ عما في سراويلاتها
أخذه الشريف الرضي فقال:
أُحِنُّ ما تَضمن الخُمْر والحِليَ ... وأصدِفُ عما في ضَمان المآزرِ
وهاهنا ضرب آخر: وهو أن ينقل المعنى من غير اللغة العربية إليها، وهذا يجري مجرى الابتداع كقول المرحوم البوريني:
يقولون في الصبح الدعاءُ مؤثَّرُ ... فقلتُ نعم لو كان ليلى له صبحُ
وكذلك قوله:
(1/312)

وأنظر إلى وَرَق الغصونِ فإنها ... مشحونةُ بأدلةِ التوحيد
فإنه نقلها من اللغة الفارسية وإذا كانت المقدمة الأولى على ذكر منك، ولم تذهب ضروب الثانية عنك، فيجب أن نورد عليك ما قاله العميدي وأبانه، وما شنع على المتنبي في الإبانة ومن أنصف بعد الوقوف عليهما، ورد ما أورده إليهما، علم أن العميدي دعاه الحسد إلى أن جعل محاسن أبي الطيب عيوباً، وحسناته ذنوباً قال العميدي: قال ديك الجن:
(1/313)

دِعْصُ يُقلّ قضيب بانْ فوقه ... شمسُ النهار تُقل ليلا مظلما
قال المتنبي:
غصنُ على نَقَوَيْ فلاةٍ نابتُ ... شمس النهار تقل ليلا مظلما
قال العميدي مثل هذا البيت تسميه أصحابه التوارد، وأخصامه النسخ، وأنا أعرف أنه تعب في نظم هذا البيت فله فضيلة التعب، قلتُ كل من البيتين ليس فيه معنى مخصوص حتى يحكم بالسرقة، وتشبيه القد بالقضيب وما تحويه المآزر بالكثيب، والوجه بالشمس، والشعر بالظلام، مما
(1/314)

تتوارد عليه الأفهام، وبيت المتنبي وإن كان هو الأخير فإنه سالم من التكرير، وقد قال أهل الفضل إنه من الوجوه المنقصة لقول العرب القتل أنفى للقتل، فتنبه لأمثاله، ولا تحفل بمقالة. قال العميدي.
قال العلوي الكوفي المعروف بالحِمّاني في برية.
تيهاء لا يتخطاها الدليل بها ... إلا وناظره بالنجم معقود
قال المتنبي:
عقدتُ بالنجم طرفي في مفاوزه ... وحُرَّ وجهي بحر الشمس إذ أفَلا
قلت: بيت المتنبي أحسن لما فيه من التجنيس والزيادة
(1/315)

في المعنى.
قال العميدي: ذكر ابن قتيبة في كتاب عيون الأخبار لبعض الأعراب:
لي همة فوق السما ... ء وباب رزقي الدهرَ مُغْلقْ
هل ينفع الحِرصُ الكثي ... رُ لصاحبِ الرزق المُضَيَّق
إن امرأُ أمن الزما ... ن لمستغِرّ العقل أحْمَق
قال المتنبي:
فالموت آت والنفوسُ نفائس ... والمستقّر بما لديه الأحمق
قلت: الفرق بينهما كما بين السراب والشراب لمن يهتدي مناهج الصواب. قال العميدي: قال ابن الرومي:
(1/316)

شكواي لو أنا أشكوها إلى جَبَلٍ ... أصَمَّ ممتنعِ الأركان لا نفلقا
قال المتنبي:
ولو حُمَّلتْ صُمُّ الجبالِ الذي بنا ... غداةَ افترقنا أو شكتْ تَتَصَدّعُ
قلت: لو لم يكن في بيت المتنبي إلا ما تراه من الرقة والانسجام لكفاه العدول عن الانفلاق إلى التصدع في هذا المقام.
قال العميدي: قال أبو تمام.
له منظر في العين أبيضُ ناصعُ ... ولكنه في القلب أسْودُ أسْفَعُ
وقال العَطّوِيّ:
(1/317)

أَبعدك الله من بياض ... بَيَّضتَ مِنْ عينيَ السوادا
قال المتنبي:
اِبعَدْ بَعِدتَ بياضاً لا بياض له ... لأنتَ أسودُ في عيني من الظلم
قال العميدي: قوله أسود في النحو ركيك لم يسمع إلا في أبيات شواذ نوادر. قلت لنا مندوحه عن الوجه الذي يرد عليه الاعتراض بأن يكون من للتبعيض قال العميدي: قال نصر الخبزأرزي:
وأسقمني حتى كأني جفونُه ... وأثقلني حتى كأني روادفُهْ
(1/318)

وقال محمد بن أبي زُرعة الدمشقي:
أسقمني طرفُه وحَمَّلني ... هواه ثِقلا كأنني كَفَلُه
قال المتنبي:
أعارني سقم جفنيه وحملني ... من الهوى ثقل ما تحوى مآزره
قلت: لو سمع هذا أبو الطيب لأنشد قول البحتري:
إذا محاسني اللاتي أتيتُ بها ... كانت ذنوبي فقل لي كف أعتذر
قال العميدي: قال البحتري:
جلّ عن مذهب المديح فقد كا ... د يكون المديحُ فيه هجاء
(1/319)

وقال نصر الخبز أرزي:
ومن قِلّة ما أُثني ... عليه صرت كالهاجي
قال المتنبي
وعُظْمُ قدرِك في الآفاق أوهمني ... أني بقلة ما أثنيت أهجوكا
قلت حسن بيت المتنبي لا يخفي على ذي مسكة. قال العميدي: قال ابن الرومي:
أقسمتُ بالله ما استيقظتمُ لِخَناً ... ولا وُجدتْم عن العليا بُنوّام
وقال بشار بن برد:
سهرتُم في المكرمات وكسبها ... سَهراً بغير هوى وغيرِ سَقام
(1/320)

قال المتنبي:
كثيرُ سُهادِ العين من غيرِ علة ... يُؤرّقه فيما يُشرّفه الذكرُ
قلت: بيت المتنبي أشرف لشرف الذكر.
قال العميدي: قال ابن الرومي:
وقد سار شعري الأرض شرقاً ومغربا ... وغنى به الحَضْرُ المقيمون والسفْرُ
قال المتنبي:
هم الناس إلا أنهم من مكارم ... يُغنّي بهم حضْرّ ويحدو بهم سَفْر
قلت: أصاب شاكلة الصواب بقوله: ويحدو.
قال العميدي:
(1/321)

أنشد ابن قتيبة لبعض الأعراب:
بصيرُ بأعقاب الأمور برأيه ... كأن له في اليوم عيناً على غدِ
قال المتنبي:
ماضي الجَنان يُريه الحزمُ قبل غد ... بقلبه ما ترى عيناه بعد غد
قال المقبول الجزري:
يجود مالاً على العافي سحابهمُ ... وتمطر الدمَ أسيافُ لهم قُضُبُ
وقال أبو الحسن النحاس:
إذا أروت الأرضَ أسيافُهم ... من الدم خلت سحابا همع
وقال ابن الرومي:
سماءُ أظلت كل شيء وأعملت ... سحائب شتى صوبها المال والدم
قال المتنبي:
قومُ إذا أمطرت موتا سيوفهُمُ ... حسبتهاَ يحباً جادت على بلد
قال ابن الرومي:
(1/322)

يغدو فتكثر باللحاظ جِراحنا ... في وجنتيه وفي القلوب جراحه
قال المتنبي:
ما بالهُ لاحظتُه فتضرّجتْ ... وجناته وفؤاديَ المجروح
قال أبو القوافي:
ردت صنائعه عليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور
وقال مؤنس بن عمران البصري:
طوته المنايا والثناء كفيله ... برد حياة ليس يُخلقها الدهر
قال المتنبي:
كفل الثناء له برد حياته ... لما انطوى فكأنه منشور
قال بشار بن برد:
(1/323)

وإذا أقلّ ليَ البخيلُ عذرته ... إن القليل من البخيل كثير
وقال بعض المتقدمين:
قليلُ منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل
قال المتنبي:
وقنعت باللقيا وأولِ نظرة ... إن القليل من الحبيب كثير
قال ابن الرومي:
وأعوام كأن العام يوم ... وأيام كأن اليوم عام
وقال أبو تمام:
أعوام وصل كاد ينسى طولها ... ذكرُ النوى فكأنها أيام
(1/324)

ثم انبرت أيامُ هجر أعقبت ... بِجَوىً أسى فكأنها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام
قال المتنبي:
إن أيامنا دهورُ إذا غب ... ت وساعاتنا القصار دهور
قال أبو تمام:
فما تترك الأيام من أنت آخذ ... ولا تأخذ الأيام من أنت تارك
وقال معوج الرقي:
ما يفسد الدهر شيئاً أنت تصلحه ... وليس شيئاً أنت تفسده
قال المتنبي:
ولا تفتق الأيام ما أنت راتق ... ولا ترتق الأيام ما أنت فاتق
قال أبو العتاهية:
(1/325)

قد كنت صنت دموعي قبل فرقته ... فاليوم كل مصون فيه مبتذل
وقال معوج الرقي:
هان من بَعد بُعدك الدمع والصب ... رُ وكانا أعزّ خلق مصون
قال المتنبي:
قد كنت أشفق من دمعي على بصري ... فاليوم كل عزيز بعد كم هانا
قال معقل العجلي:
ما في الملابس مفخرُ لذوي النهى ... إن لم يزنها الجود والإحسان
(1/326)

ليس اللئيم تزينه أثوابه ... كالميت ليس تزينه الأكفان
قال المتنبي:
لا يُعجينّ مَضيماً حسنُ بِزته ... وهل يَروق دفينا جودة الكفن
قال جابر السنبسي:
خيل شوازب أمثال الصقور لها ... فوارس لا يخافون الردى بسل
كأنهم خلقوا والخيل تحته ... م أسود وفي أنيابها الأجل
قال المتنبي:
وكأنها نتُجت قياما تحتهم ... وكأنهم خلقوا على صهواتها
(1/327)

وقال السيد الحميري:
قوم نبالهمُ ليست بطائشة ... وفيهمُ لفساد الدين إصلاح
ويفصحون عن المعنى بألسنة ... كأنما هي أسياف وأرماح
وقال البحتري:
وإذا تألق في الندىّ كلامه المص ... قول خلت لسانه من عَضْبه
قال المتنبي:
كأن ألسنهم في النطق جعلت ... على رماحُهم في الطعنُ خرْصانا
قال امرؤ القيس:
(1/328)

ألم ترياني كلما جئت طارقاً ... وجدتُ بها طيباً وإن لم تَطّيبِ
وقال الخليع الأول:
وزائرة ما ضمُختْ قطُّ ثوبَهَا ... بمسك ومن أثوابها المسكُ يسطع
ينمّ عليها ريقُها وحُليتّها ... وغرتُها في الليل والليل أدرع
وقال بشار بن برد:
وزائرة ما مسها الطيبُ برهة ... من الدهر لكنْ طيبُها الدهر فائح
قال المتنبي:
أتت زائرا ما خامر الطيبُ ثوبَها ... وكالمسك من أردانها يتضوع
(1/329)

قال ابن الرومي:
لو أبي الراغبون يوماً نداه ... لدعاهم إليه بالترغيب
قال المتنبي:
وعطاءُ مال لو عداه طالب ... أنفقته في أن تلاقي طالبا
قال التنوخي الكاتب:
أنت في الدهر كالطري من الور ... د وفي الشعر كالبديع الغريب
فيك بشر يُدني النجاح من الرا ... جي ويقضي بالنيل للمطلوب
قال المتنبي:
ذكر الأنام لنا فكان قصيدة ... كنت البديع الفرد من أبياتها
(1/330)

قال العوني:
مضى الربيع وجاء الصيف يقدمه ... جيش من الحرّ يرمي الأرض بالشرر
كأن بالجو ما بي من جوى وهوى ... ومن شحوب فلا يخلو من الكدر
قال المتنبي:
كأن الجو قاسى ما أقاسي ... فصار سواده فيه شحوبا
قال بعض المتقدين وهو جميل بن معمر:
(1/331)

ونغص دهرُ الشيب عيشي ولم يكن ... يُنغصه إذ كنت والرأس أسود
نخص زمان الشيب بالذم وحده ... وأي زمان يا بثينةُ يُحمد
قال المتنبي:
من خص بالذم الفراق فإنني ... من لا يرى في الدهر شيئاً يحمد
قال محمد بن كناسة الأسدي:
ترى خيلهم مربوطة بقبابهم ... وفي كل قلب من سنابكها وقُع
قال المتنبي:
(1/332)

قيامُ بأبواب القباب جيادُهْم ... وأشخاصها في قلب خائفهم تعدو
قال ديك الجن:
أخا الرأي والتدبير لا تركب الهوى ... فإن الهوىُ يُريدك من حيث لا تدري
ولا تثقن بالغانيات وإن وفتْ ... وفاء الغواني بالعهود من الغدر
قال المتنبي:
إذا غدرت حسناء أوفت بعهدها ... ومن عهدها ألاَّ يدوم لها عهد
قال علي بن يحيى المنجم من أبيات يغني بها:
(1/333)

وجهُ كأن البدر ليلةِ تمه ... منه استعار النور والإشراقا
وأرى عليه حديقة أضحى لها ... حدَقي وأحداقُ الأنام نطاقا
قال المتنبي:
وخصرُ ثبت الأبصار فيه ... كان عليه من حَدَق نطاقا
قال بشار بن برد:
إذا ابتسمت جادت دموعي بوابل ... من الغيث أجْرته بروقُ المباسِم
وقال الخبز أرزي:
فواعجبا حتام يمطر ناظري ... إذا هو أبدى من ثناياه لي برقا
قال المتنبي:
(1/334)

تَبُلُّ خدي كلما ابتسمت ... من مطر برقُه ثناياها
قال عبد الصمد بن المعذل
يعطيك فوق المنى من فضل نائله ... وليس يعطيك إلاَّ وهو يعتذر قال المتنبي:
يعطيك مبتدئا فإن أعجلته ... أعطاك معتذراً كمن قد أجرما
قال صالح بن حيان الطائي:
صبرت ومن يصبر يجد غِبَّ صبره ... ألذَّ وأحلى من جني النحل في الفمِ
قال المتنبي:
فثب واثقا بالله وثبة ماجد ... ترى الموت في الهيجا جني النحل في الفم
قال أبو تمام:
(1/335)

لو حار مرتاد المنية لم يجد ... إلا الفراق على النفوس دليلا
قال المتنبي:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
قال أبو مسلم محمد بن صبيح:
فعيش ذي الهم في هم وفي نكد ... وذو الجهالة في خصب وفي فرح
وقال أبو الفتح الإسكندري:
اخترْ من الكسب دونا ... فإن دهرك دونُ
زجّ الزمان بحمق ... إن الزمان زَبون
(1/336)

لا تُكذبنّ بعقل ... ما العقل إلا جنون
ولمحمد البجلي الكوفي:
هذا زمان مثوم ... كما تراه غشوم
الجهل فيه جميل ... والعقل عيب ولوم
والمال طيف ولكن ... على اللئام يحوم
قال المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
وقال محمد البيدق الشيباني:
إني لأُنصف في إخائك دائماً ... حاشاك من ظلم فَلِمْ لا تنصف
(1/337)

الظلم طبعك والعفاف تكلف ... والطبع أقوى والتكلف أضعف
قال المتنبي:
والظلم من خُلقُ النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم
قال أبو الحسن علي بن مهدي الكسروي:
لم أنس يوم تعانقنا وعللني ... من ريقي صافيا ما شابهكدرُ
أبصرتُه فرأيت الشمس طالعة ... تغشى العيون فيعشى دونها البصر
هذا على أن حول الشمس من شعر ... ليل يقال له الأصداغ والطُّرزُ
(1/338)

أنا القتيل وطرفي قاتلي ودمي ... ما بين قلبي ومن عُلَقته هدر
وقال دعبل:
لا تأخذوا بظلامتي أحداً ... طرفي وقلبي في دمي اشتركا
قال المتنبي:
وأنا الذي اجتلب المنية طرفُه ... فمن المطالبُ والقتيل القاتل
قال العتكي:
هدانا الله بالقتلى نراها ... مُصلّبة بأفواه الشعاب
قال المتنبي:
إذا سلك السماوةَ غيرُ عادٍ ... فقتلاهمْ لِعينيه مَنارُ
قال أبو تمام:
(1/339)

ولطالما أمسى فؤادُك منزلا ... وَمِحلَّة لضباء ذاكَ المنزل
وقال أيضا:
وقفت وأحشائي منازل للأسى ... بها وهي قفر قد تعفت منازلة
وقال معوج الرقي:
كم وقفنا على الطلول وجُدنا ... بسحاب من الدموع يَهلُّ
يا محل الآرام والعين أهلا ... لك في القلب منزل ومحل
قال المتنبي:
لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنتِ وهن منك أواهل
قال أبو تمام:
(1/340)

ورحب صدر لوَ أن الأرض واسعة ... كوسعه لم يضق عن أهله بلد
قال المتنبي:
تضيق عن جيشه الدنيا ولو رحبت ... كصدره لم يضق فيها عساكره
قال الناشي:
لما عطفن رءوسهنَّ ... إلى الظعائن في الكِلَلْ
قدرتهن لعشقهن ... طلبن منهن القبل
قال المتنبي:
ويغيرني جذبُ الزمام لقلبها ... فمهما إليك كطالب تقبيلا
قال البحتري:
(1/341)

تلقاه يقطر سيفُه وسنانُه ... وبنانُ راحته ندى ونجيعا
قال المتنبي:
ملك سِنان قناته وبنانُه ... يتباريان دماً وعُرفاً ساكبا
قال أبو العتاهية:
وإذا الجبان رأى الأسنة شُرَّعاً ... عاف الثباتَ فإن تفرد أقدما
قال المتنبي:
وإذا ما خلا الجبانُ بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا
قال مسلم بن عياش العامري:
وخيل مؤدبة لا تزال ... قوائمها عالكاتِ اللجمْ
(1/342)

تحن إلى الحرب من غير أن ... تقادَ وما أقلقتها الحُزُمْ
وقد ستر النقعُ أعرفَنها ... فآذانها كرءوس القلمْ
قال المتنبي:
قاد الجياد إلى الطعان ولم يَقُدْ ... إلا إلى العادات والأوطان
إن خُلَّيتُ ربطت بآداب الوغى ... فدعاؤها يغني عن الأرسان
في جحفل ستر العَيون غبارُه ... فكأنما يبصرن بالآذان
قال محمد بن مسلم المعروف بابن المولى:
(1/343)

ما زَلت تقرعهم في كل مُعترك ... ضرباً يحل الشيب باللمم
ترى الجماجم منه غير آمنةِ ... وسائَر الجسم منها صار في حرَم
قال المتنبي:
خص الجماجم والوجوه كأنما ... جاءت إليك جسومهم بأمان
قال علي بن هارون المنجم:
كريم نهته النفس عن شهواتها ... ووافته أقساطَ المعالي بلا بخس
إذا لم تكن نفس ابن آدم حرة ... تحن إلى العليا فلا خبر في النفس
قال المتنبي:
تلك النفوس الغالبات على العلا ... والمجدُ يغلبها على شهواتها
(1/344)

قال أبو تمام:
فإن لم يَفْد يوما إليهن طالبُ ... وفدن إلى كل امرئ غيرِ وافد
وقال أيضاً:
وفدتْ إلى الآفاق من نفحاته ... نِعَمُ تُسائل عن ذوي الإقتار
قال المتنبي:
وأنفسهم مبذولةُ لوفودهم ... وأموالهم في دار من لم يفد وفْدُ
قال أبو عمران الضريرُ الكوفي:
لست أدري كيف ابتليتُ بقوم ... لا يخافون ربهم حسادي
حسدوني على الحياة ومن لي ... بحياة أنال فيها مرادي
(1/345)

قال المتنبي:
ولكني حُسِدتُ على حياتي ... وما خير الحياة بلا سرور
قال أبو أحمد الخراساني:
وكم مهمة قد جبتُه بعد مهمة ... وكم مسلك وعْر وكم منهل قفر
يلين بعزمي كلُّ صعب أرومهُ ... وهل خطب دهر لا يهوّنه صبري
قال المتنبي:
قد هون الصبرُ عندي كلَّ نازلة ... وليَّن العزم حدَّ المركب الخِشن
قال بشر بن هدية الفزاري:
(1/346)

أرى الحرب في عينَّي مثل عقيلة ... فَيؤنسني غِشيانُها وعناقُها
ومن لؤم طبع الجاهلين اجتنابُهم ... ورودَ المنايا وهي أرىُ مذاقها
قال المتنبي:
يرى الجبناء حبَّ الموت جهلا ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
قال معوج الرقي:
يُفنى المواهب كي تبقى محامُده ... ويخُلص الجودَ من مَنٍ ومن كدر
تلقاه إن وهب الدنيا بجملتها ... لسائل خَجِلا في زيّ معنذر
(1/347)

قال المتنبي:
إذا الجود لم يرزق خلاصاً من الأذى ... فلا الحمدُ مكسوبا ولا المال باقيا
قال الناشي:
ومن علت في اكتساب المجد همتُه ... ولم يساعْده جَدُّ بات في تعب
قال المتنبي:
وأتعب خلق الله من زاد هُّمه ... وقصّر عما تشتهي النفسُ وُجْدهُ
قال البحتري:
وقد هذبتك الحادثاتُ وإنما ... صفا الذهب الإبريزُ قبلك بالسبك
قال المتنبي:
(1/348)

لعل عتبك محمودُ عواقبهُ ... وربما صحت الأجسامُ بالعلل
قال عبد الله بن طاهر:
إذا كرمتْ الفتى عفَّ قلبهُ ... وساعده عيناه واليد والفُم
وغير جميل أن يُرى المرء مطرقاً ... وفي قلبه نار من الشوق تُضرمُ
قال المتنبي:
وإطراق طرفِ العين ليس بنافع ... إذا كان طرفُ القلب ليس بمطرق
قال أبو العتاهية:
بدني ناحل وصبري بديُن ... واعتزاميَ ماض وجسمي حسير
(1/349)

ومن الموت قد سلمتُ ولكن ... بعد هذا إلى الممات أصير
يا خليليّ كيف يخدعني الده ... ر وإني بهِ بصير خبير
أسقياني من قبل أن يتقضى ... أملُ أرتجى وعمر قصير
قال المتنبي:
فإن أمرض فما مرض اصطباري ... وإن أُحمم فما حُمّ اعتزامي
وإن أسلم فما أبقى ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحِمام
تمتع من سهاد أو رقاد ... ولا تأمل كَرًى تحت الرِجام
فإن لثالث الحالين معنى ... سوى معنى انتباهك والمنام
(1/350)

وقال زريق البصري:
فلا تحسِبوا الإقتارِ عاراً عليكمُ ... وأعداؤكم مُشُرون بين المحافلِ
كذا عادةُ الدهر الخئون ولم يزل ... يُخلط في الأحكام حقاَّ بباطِل
رأيت الغنى عند الأراذل محنةً ... على الناس مثلَ الفقر عند الأفاضلِ
قال المتنبي:
والغنى في يد اللئيم قبيح ... مثلُ قبح الكريم في الإملاق
قال الناشي:
يا أكرمَ الناس أخلاقاً وأوفَرهم ... عقلا وأسبقهم فيه إلى الأمَدِ
(1/351)

أصبحتَ أفضلَ من يمشي على قدم ... بالرأي والعقل لا بالبطش والجَلَد
لئن ضَعُفْتَ وأظناك السقام فلم ... يضعف قوى عقلك الصافي ولمَ يمدِ
لو كان أفضلُ ما في الخلق بطشهمُ ... دون العقول لكان الفضل للأسَد
وإنما العقل شيء لا يجود به ... للناس غيرُ الجواد الواحد الصمدِ
قال المتنبي:
لولا العقولُ لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان
قال إدريس الأعور يرثى عبد
(1/352)

الله بن طاهر:
أجيل طرفي فما ألقى سوى جدث ... وارى محاسن ذاك المنظر البهج
وتربة ما رأتها عينُ غانية ... إلا سخت بدم بالدمع ممتزج
وسودتها بِنِقْسٍ بعد غاليةٍ ... وبدلت حمرة التفاح بالسبج
قال المتنبي:
وأبرزت الخدورُ مخبآتٍ ... يضعن النقس أمكنة الغوالي
قال أبو تمام:
تعود بسط الكف حتى لو انه ... أراد انقباضاً لم تطعه أنامله
وقال ابن الرومي:
(1/353)

تعوَّدَت المواهبَ والعطايا ... أناملُ فيضُ راحتِها انسجامُ
فليس لها عن الحمد انفراج ... وليس لها على المال انضمام
قال المتنبي:
عجباً له حَفِظَ العِنانَ بأنمل ... ما حفظُها الأشياءَ من عاداتها
قال العكوك:
عجبتُ لَحراقة ابن الحُسَيْن ... كيف تعوم ولا تَغْرَقُ
وبحران من تحتها واحدُ ... وآخرُ من فوقها مُطْبِقُ
وأعجب منَ ذاك عيدانُها ... وَقْد مَسَّها كيف لا تُورقُ
وقال أبو البيداء:
(1/354)

هو المشترى الحمدَ الكثيرَ بماله ... وفي يده للسائلين سَحاب
ولو مطرت كفاه أرضاً لأخصبت ... وأورق صفوانُ عليه تُرابُ
قال المتنبي:
وعجبت من أرضٍ سحابُ أكُفَّهم ... من فوقها وصخُورها لا تُورِقُ
قال أبو تمام:
ومن خدم الأقوام يرجو نوالَهم ... فإنيَ لم أخدمك إلا لأخدما
قال المتنبي:
وما رغبتي في عسجد أستفيده ... ولكنها في مفخر أستجدُّه
قال ابن المعتز:
(1/355)

وأرى الثريا في السماء كأنها ... قدمُ تبدتْ في ثياب حداد
وقال معوج الرقي:
كأن بناتِ نعش حين لاحت ... نوائحُ واقفاتُ في حداد
قال المتنبي:
كأن بنات نعش في دجاها ... خرائدُ سافراتُ في حداد
قال بشار:
وظن وهو مُجدُّ في هزيمته ... ما لاح قدامه شخصاً يسابقه
قال أبو نواس:
فكل كف رآها ظنها قدحاً ... وكل شيء رآه ظنه الساقي
قال المتنبي:
(1/356)

وضاقت الأرض حتى كاد هاربُهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
قال أبو المتورد:
حلّ المسيب بمفرقي ... فكأنه سيف صقيل
أقبحْ بضيف قال لي ... لما أتى قُرب الرحيل
وقال البحتري:
وددت بياض السيف يوم لقيني ... مكانَ بياض الشبب حل بمفرقي
قال المتنبي:
ضيف ألم برأسي غير مُحتشم ... والسيف أحسن فعلا منه باللمم
قال الخليع الأكبر:
(1/357)

وخير بلاد الله عنديَ بلدةُ ... أنال بها عزاً وأحوى بها حمدا
وقال البحتري:
وأحب أقطار البلاد إلى الفتى ... أرضُ ينال بها كريم المطلب
قال المتنبي:
وكل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب
قال النابغة:
وتنكر يوم الروع ألوان خيلنا ... من الطعن حتى تحسب لجون أشقرا
وقال أبو المهاجر البجلي:
وخاضت عتاقُ الخيل في حومة الوغى ... دماء فصارت شُهبُ ألوانها دُهما
(1/358)

قال المتنبي:
جفتني كأني لست أنطقَ قومِها ... وأطعنَهم والشهبُ في صورة الدُّهْمِ
قال قدامة بن موسى الجمحي:
شجاع يرى الإحجام كفراً فيتقي ... وسمح يرى الإفضال فرضاً فيُفضِل
وما يتناهى القول في وصف مدحه ... ولكنني أبغي اختصاراً فأجمل
قال المتنبي:
هو الشجاع يعدّ البخل من جُبُن ... وهْو الجواد بعد الجبن من بَخَل
قال إبراهيم البندَ نيجي الكاتب:
(1/359)

أحاول أمرا والقضاء يعوقه ... فبيني وبين الدهر فيه طِراد
ولولا الذي حاولت صعبا مرامه ... لساعدني فيه عليه شداد
قال المتنبي:
أهمّ بشيء والليالي كأنها ... تطاردني عن كونه وأطارد
وحيد من الخُلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد
قال الناشي:
إليكم بنى العباس عني فإنني ... إلى الله من ميل إليكم لَتائب
تركتم طريق الرشد بعد اتضاحه ... وأقصتكم عنه ظنونُ كواذب
(1/360)

سيظفر أهل الحق بالحق عاجلا ... وتبعد كم سُمرُ القنا والقواضب
أترضون أن تطوى صحائف عصبة ... كرام لهم في السابقين مراتب
ألم تعلموا أن التراث تراثهم ... وهم أظهروا الإسلام والكفرُ غالب
فلا تذكروا منهم مثالبَ إنما ... مثالب قوم عند قوم مناقب
قال المتنبي:
بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائبُ قوم عند قوم فوائد
قال أبو راسب البجلي:
(1/361)

ولولا انتقاد الدهر لم يَكْسُ قاسما ... جَلاَلا ولم يِسْلُب سواه المعاليا
قال المتنبي:
ولما رأيت الناس دون مَحَله ... تيقنت أن الدهر للناس ناقد
وقال أبو راسب أيضاً:
ولو كنت تحوي عمر من قد نهبته ... بسيفك في الدنيا لكنتُ مخلداَّ
قال المتنبي:
نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد
قال أبو العتاهية:
شيم فتحت من المجد ما قد ... كان مستغلقاً على المُداحِ
قال المتنبي:
(1/362)

وعلموا الناس منك المجد واقتدروا ... على دقيق المعاني من معانيكا
قال أبو العالية:
أنارت بك الأوقات حتى تبسمت ... ورقت حواشيها وطاب نسيمها
فخذ ما صفا منها وعش في سعادة ... فليس بباق لهوها ونعيمها
قال المتنبي:
انعمْ ولَذَّ فللأمور أواخر ... أبداً إذا كانت لهن أوائل
قال السيد الحميري:
تخفَى على أغبياء الناس منزلتي ... إني النهارُ وهم فيه الخَفافيشُ
قال المتنبي:
(1/363)

وإذا خفيِتُ على الغبيّ فعاذرُ ... ألاَّ تراني مقلةُ عمياءُ
قال العوني:
يا صاحبيَّ بعدتما فتركتما ... قلبي رهينَ صبابة وتصابي
أبكي وفاء كما وعهد كما كما ... أبكي المحبَّ معاهد الأحباب
قال المتنبي:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تُسعدا والدمعُ أشفاه ساجمهُ
قال العوني:
أحب ابن بنت المصطفى وأزوره ... زيارة مهجور يَحنّ إلى الوصل
وما قدمي في سعيه نحو قبره ... بأفضل منه رتبةً مركزُ العقل
(1/364)

قال المتنبي:
خير أعضائنا الرؤوس ولكن ... فَضَلَتْها بقصدك الأقدامُ
قال البحتري:
اغتنم فرصة من الدهر واطرب ... ليس شيء من الجديدين باقي
وزمان السرور يمضي سريعاً ... مثلَ طيبِ العِناق عند الفراق
قال المتنبي:
للهو آونة تمر كأنها ... قُبَلُ يُزوَّدُها حبيبُ راحلُ
قال منصور النَّمَري:
رضيت بأيام المشيب وإن مضى ... شبابي حميداً والكريم ألوف
قال المتنبي:
(1/365)

خلقت ألوفا لو رجعت إلى الصّبا ... لفارقتُ شيبي موجَعَ القلب باكيا
قال البحتري:
تعنو له وزراءُ الملك خاضعةً ... وعادةُ السيف أن يَستخدم القلما
وقال ابن الرومي:
كذا قضى الله للأقلام مذ خُلقتْ ... أن السيوف لها مذ أرهفت خدم
قال المتنبي:
حتى رجعت وأقلامي قوائلُ لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم
(1/366)

اكتبْ بنا أبداً بعد الكِتاب به ... فإنما نحن للأسياف كالخدم
قال البحتري:
أضرتْ بضوء البدر والبدرُ طالعُ ... وقامت مقام البدر لما تغيبا
وقال نصر الخبرأرزي:
وما حاجة الركب السُّراة إذا بدا ... لهم وجهه ليلا إلى طلعة البدرِ
قال المتنبي:
وما حاجةُ الأظعان حولكِ في الدجى ... إلى قمر ما واجدُ لكِ عادمه
قال علي بن جبلة:
(1/367)

قمرُ نمّ عليه نورهُ ... كيف يُخْفي الليلُ بدراً طلَعاَ
وقال الشعباني:
فإذا جِزعت من الرقيب فلا تزرْ ... فالبدر يفضح كلَّ ليل مظلم
قال المتنبي:
أمنِ ازديارَكِ في الدّجا الرقباءُ ... إذ حيث كنتِ من الظلام ضياء
قال أبو تمام:
مقيم الظن عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد
قال المتنبي:
وإني عنك بعد غد لغاد ... وقلبي عن فنائك غيرُ غاد
قال أبو تمام:
(1/368)

وما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتي وزادي
قال المتنبي:
محبك حيث ما اتجهتْ ركابي ... وضيفك حيث كنتُ من البلاد
قال البحتري:
ولم أر في رنْق الصَّرَي ليَ مَوْرِداً ... فحاولتُ وردِ النيل عند احتفاله
وقال الكسروي:
وما أنا تارك بحراً نميراً ... وأطمع في الجداول والسواقي
إذاً لَجحدتُ ما أوليتنه ... من النعمى ومِتّ من النفاق
وقال العطوي:
أأمتاج من بئر قليل معينها ... وأقعد عن بحر زُلال مشاربه
قال المتنبي:
(1/369)

قواصدَ كافور تواركَ غيره ... ومن قصد البحرَ استقلَ السواقيا
قال إبراهيم بن عيسى في معرض العتاب:
يا وارث المجد التلي ... د وبانيَ الكرم الأصيل
مالي أراك قبلت أق ... وال الوشاة بلا دليل
قد كنت أحسب أنني ... أحظى بنائلك الجزيل
حتى رأيت وسائلي ... خَلُقَتْ وضاعت في السبيل
فعلمت أني قد غلط ... تُ وتهت في خطب طويل
(1/370)

ولقد أتيتك آنفاً ... أرجوك في أمر قليل
أنصف فإنك منصف ... إلا لخادمك الذليل
إما إزاحة علة ... فيها الشفاء من الغليل
إما فقوتُ ما أعي ... ش يصون وجهي عن بخيل
إما فإذنُ استق ... لُ به على وجه جميل
من لم يعنك على المقا ... م فقد أعان على الرحيل
قال العميدي لمح المتنبي جميع هذه الأبيات وسلخ البيت الأخير في قوله:
(1/371)

إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... ألاَّ تفارقهم فالراحلون همُ
قال أبو هفان المهزمي:
جلستَ فقام الدهر فيما تريده ... ونمتَ عن الأشغال والجَدُّ ساهر
وأنت لأرباب المكارم كلهم ... إمام وإن غابوا فإنك حاضر
قال المتنبي:
ودانت له الدنيا فأصبح جالسا ... وأيامه فيما يريد قيام
وكل أناسٍ يتبعون إمامهم ... وأنت لأهل المكرمات إمام
قال العميدي: أترى يخفي على النساء دون الرجال هذا وما يجري مجراه أنه سرقة؟ قال عبد
(1/372)

الله بن محمد الرقي المكنى بابن عمران:
صينت ظهورُ مطايانا لغيبته ... فليس يركبها من أحد
من يصحب الدهر لم يأمن تقلبه ... يعيش حيرانَ ينفذ الأبدُ
قال المتنبي:
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنا أن نلُمّ به ركباَ
ومن صحب الدنيا طويلا تقلبت ... على عينه حتى يرى صدقها كِذبْا
قال إسماعيل بن محمد الراداني يمدح الحسن بن وهب:
كأنما الناس مخلوق من ظُلَم ... وأنتَ وحَدك مخلوقُ من النورِ
(1/373)

تهتز كالغصن عند الجودِ من طرب ... وتستعين بقلب غير مذعور
قال المتنبي:
فلو خلق الناس من دهرهم ... لكانوا الظلام وكنت النهارا
أشدُّهم في الندى هِزةً ... وأبعدهم في عدوّ مُغارا
قال الهرمزيّ:
سَقيم المجد مذ سقمت، ويبرا ... حسين تبرا، وبالأعادي السَّقامُ
وإذا ما سلمت فالناس طراَّ ... سلموا مثلما سلمت وقاموا
قال المتنبي:
(1/374)

المجد عُوفي مذ عوفيت والكرم ... وزال عنك إلى أعدائك الألم
قال سعيد الخطيب:
وما كنت أدري أن في كفك الغنى ... وأنت قد أصبحتَ للمجد عنصرا
وقد كنتُ في ليل من لشك مظلم ... إلى أن بدا صبح اليقين فاسفرا
تبرعت بالأموال من غير كلفة ... وحزتَ بها عني الثناء المحبرا
قال المتنبي:
وعادي محبيه بقوله عُداته ... وأصبح في ليل من الشك مظلم
(1/375)

قال المستهل بن الكميت:
وإني وإن أُلْبستُ ثوب خصاصة ... فلستُ لَعمري للبخيل بمادح
ومن رام مدح الباخلين فإنه ... ضعيفُ أساسِ العقل بادي القبائح
نصحتك: لا تكرم عدوّاً ولا تُهن ... صديقا لك الخيرات فاقبل نصائحي
وما أربي في العيش لولا محبتي ... لنفع مُحب أو مَضرةّ كاشح
قال المتنبي:
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو إساءة مُجرم
قال البحتري:
(1/376)

إذا ما الجرح رُمَّ على فساد ... تبين فيه تفريط الطبيب
قال المتنبي:
فإن الجرح ينغر بعد حين ... إذا كان البناء على فساد
قال أبو العتاهية:
يا جامعَ المال والآمال تخدعه ... خوفا من الفقر والعَدَمُ
أسأت ظنك بالله الذي خضعت ... له الرقاب فشابت قلبَك الظُّلم
قال ابن الرومي:
ومن راح ذا فقر وبخل فإنه ... فقير أتاه البخل من كل جانب
قال المتنبي:
(1/377)

ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر
قال أحمد بن مهران الكاتب:
أتاني كتاب منك فيه بلاغةُ ... يعظمها عُجباً به كل كاتب
معان كأخلاق الكرام حميدةُ ... صحاحُ بألفاظ كزُهر الكواكب
قال المتنبي:
كأن المعاني في فصاحة لفظها ... نجومُ الثريا أو خلائقُك الزُّهرُ
قال أبو أحمد الخراساني:
وليس يضرني ضعفُ وفقر ... إذا أنفقت مالي في المعالي
(1/378)

رأيت العار في بخل وكبر ... ولست أراه في فقر الرجال
قال المتنبي:
غَثاثةُ عيشي أن تَغِثَّ كرامتي ... وليس بغث أن تغث المآكل
قال العميدي لقد صار هذا غثا لاجتماع الغثاثات فيه.
قال ابن وهب الفزاري وهو جاهلي:
أرى الموت في الحرب مثل الحياة ... لتبليغيَ النفس فيها الأملْ
وأعلم أني امرؤ لا أذو ... ق طعم الممات بغير الأجل
(1/379)

قال المتنبي:
فموتي في الوغى عيشي لأني ... رأيت الموت في إربِ النفوس
قال تميم بن خزيمة:
وليس يَضرُّني قومي إذا ما ... غزاهم في ديارهمُ كلابُ
زنادي غيرُ مُصلدة وسيفي ... عليه من دمائهمُ قِرابُ
فلا تستحقروني لانفرادي ... فإن التبر معدنُه الترابُ
قال المتنبي:
وما أنا منهمُ بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذهب الرَّغامُ
قال بشار بن برد:
(1/380)

إذا اعتذر الجاني إلىّ عذرته ... ولا سيما إن لم يكن قد تعمدا
فمن عاتب الجهالَ أتعب نفسَه ... ومن لام من لا يعرفُ اللومَ أفسدا
قال المتنبي:
وما كلُّ بمعذور ببُخل ... ولا كلُّ على بخل يُلام
قال العميدي متهكماً: هذه الألفاظ إذا سمعها الصوفية تواجدوا عليها لمجانستها كلامهم قال أبو سعيد المخزومي:
لم يترك الجودُ فيه غيرَ عادت ... ولم يشِن وعدَه كِذْبُ ولا حَلفِ
(1/381)

فلا يلام على إتلافه كرما ... أموالَه والذي لم يعْطه تَلَف
حفظ المروءة يؤذي قلب صاحبها ... والحب مغزيً به المستهَتْرُ الكَلف
قال المتنبي:
تلذَ له المروءةُ وهي تُؤذْي ... ومن يعَشقْ يلَذُّ له الغرامُ
قلت بيت المتنبي أشرف من بيت أبي سعيد المخزومي لمن تَأملَهما إلا أن لفظه تؤذي آذت بيت المتنبي لضعف تركيبها فيه.
وبيان ذاك: أن هذه اللفظة
(1/382)

إذا أوردت في كلام، فينبغي أن تكون مندرجة مع ما يأتي بعدها ليحسن موقعها، كما وردت في قوله تعالى:) إن ذلكم كان يؤذي النبيّ فيستحيي منكم (، وجاءت في بيت المتنبي منقطعة، وقد جاءت هذه اللفظة بعينها في الحديث النبوي، وأضيف لها كاف الخطاب، فأزال ما بها من الضعف والركة، وذاك أنه اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فجاء جبريل عليه السلام فقال:) باسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك (، فإنه لما زيد فيها أصلحها وحسنها؛ ولهذا تزاد
(1/383)

الهاء في بعض المواضع كقوله تعالى:) ما أغنى عني مالَيهْ هلك عني سلطانَيهْ (، وهذا الموضع غامض يحتاج إلى إمعان نظر، وربما ينكر هذا من لم يذق طعم الفصاحة، ولا عرف أسرار الألفاظ في تركيبها وانفرادها فكم من لفظة واحدة وردت في موضعين زانت أحدهما، وشانت الآخر، وذلك من خاصة التركيب، كما ورد القرآن الكريم:) إن هذا أخي له تسعُ وتسعون نعجةً ولي نعجةُ واحدةُ (فلفظه لي مثل تؤذي، وقد جاءت في الآية
(1/384)

مندرجة متعلقة بما بعدها، وإذا جاءت منقطة لا تجيء لائقة، كقول أبي الطيب المتنبي:
تُمسي الأمانيّ صرعى دون مبلغهِ ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي
فهذه اللفظة وقعت في الآية في غاية الحسن، بخلاف وقوعها في البيت، ونظير ذلك أنك ترى لفظتين يدلان على معنى واحد إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في موضع تستعمل فيه هذه، بل يفرق بينهما، وهذا لا يدركه إلا من دق فهمه، فمن ذلك قول تعالى:) ما جعل الله لرجل من قلبين
(1/385)

في جوفه (، وقوله تعالى:) رب إني نذرت لك ما في بطني محرراً (، فاستعمل الجوف في الأولى، والبطن في الثانية، ولم يستعمل إحداهما مكان الأخرى، وكذلك قوله تعالى:) ما كذب الفؤاد ما رأى (، وقوله:) إن في ذلك لذكرى لمن كاف له قلب (، والقلب والفؤاد سواء، ولم يستعمل أحدهما في مكان الآخر، وعلى هذا ورد قول الحماسي:
نحن بنو الموتِ إذا الموتُ نزلْ ... لا عارَ بالموتِ إذا حُمّ الأجَلْ
(1/386)

والموت أحلى عندنا من العسلْ وقال أبو الطيب:
إذا شئتُ حفَّتْ بي على كل سابح ... رجالُ كأن الموتَ في فمها شهدُ
فلفظة الشهد في بيت أبي الطيب أحلى من العسل، وقد وردت لفظة العسل في القرآن الكريم دون لفظة الشهد فوقعت أحسن من الشهد، وكثيرا ما تجد ذلك في أقوال الشعراء المفلقين، وبلغاء الكتاب، ومصاقع الخطباء، وتحته دقائق ورموز.
رجع إلى ما قاله العميدي، قال: قال ضمضم الكلابي:
(1/387)

ومُعْترك ضَنْك المجال شهدته ... ولم أخش أسباب المنايا هنالكا
شفيتُ جَوَى صدري وصُنتُ عشيرتي ... وغادرتُ وجهَ المجد أبيض ضاحكا
فمن شاء أن يبقىَ له العزُّ خالداً ... نفى الضيمَ واستسقى السيوفَ البواتكا
إذا لم يكن عن قبضة الموتِ مَخلصُ ... فعجزُ وجبنُ أن تخافَ المهالكا
قال المتنبي:
وإذا لم يكن من الموت بُدّ ... فمن العجز أن تكون جبانا
قال أبو العتاهية:
(1/388)

إني أكاشر أعدائي مغالطة ... وفي الحشا لهبُ من غيظهم ضَرِمُ
ولج في العذل أقوام مقتهمُ ... وكان في أذني عن عذلهم صَمَمُ
قال المتنبي:
كأن رقبياً منك سدّ مسامعي ... عن العذل حتى ليس يدخلُها عَذْل
قال بشار بن بُرد:
كأن جُفوني كانت العيِسُ فوقها ... فسارتْ وسالتْ بعدهن المدامعُ
قال المتنبي:
كأن العيِسَ كانت فوق جفني ... مُناخات فلما ثُرْن سالا
قال هرون بن علي بن يحيى
(1/389)

بن أبي منصور المنجم
أرى الصبح فيها منذ فارقتَ مظلما ... فإن أبْتَ صار الليل أبيض ناصعا
قال المتنبي:
فالليل حين قدمتَ فيها أبيضُ ... والصبح منذُ رحلتَ عنه أسودُ
قال العوني:
إن دهراً سخا بمثلك سَمْحُ ... ولقد كان قبل هذا بخيلا
قال المتنبي:
أعدى الزمانَ سخاؤه فسخا به ... ولقد يكون به الزمانُ بخيلا
قال الخطيب في تلخيص المفتاح، وإن كان الثاني دون الأول فالثاني مذموم كقول أبي تمام:
(1/390)

هيهات لا يأتي الزمانُ بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل
وقول أبي الطيب: ولقد يكون به الزمان بخيلا.
وميز الشارح بيت أبي تمام بعدة وجوه:
منها أن قول المتنبي:) ولقد يكون (لم يصب محزة، إذ المعنى على المضي، ومنها أن المضارع إذا كان على معناه أي يكون الزمان بهلاكه بخيلا، لعلمه بأنه سبب لصلاح الدنيا، ونظام العالم، فيرد: أنه إذا سخا به فقد بذله، فلم يبق له في تصرفه حتى يسمح بهلاكه أو يبخل، ومنها أنه على تقدير
(1/391)

تصحيح ذلك الوجه يكون فيه مضاف، ولا قرينة تدل عليه.
ونقل عن أبي على الفارسي أن في بيت أبي تمام تقصيراً، لأن الغرض في هذا النحو نفي المثل، وأن يقال: إنه يعز وإنه لا يكون، فإذا جعل سبب فقد مثله بخل الزمان به، فقد أخل بالغرض، وجوز وجود المثل، ولم يمنعه من حيث هو، بل من حيث بخل الزمان بأن يجود بمثله. قال أبو الشمقمق:
المرء ليس بمدرك ... من دهره ما يبتغيه
(1/392)

يسقى العليل من الدوا ... ء خلاف ما هو يشتهيه
قال المتنبي:
ما كل ما يتمنى المرءُ يُدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
قال محمود بن الحسن الوراق:
لا تَلْحَ شيبي وما شاهدتَ من كبرى ... ما دمتُ أغدو صحيح العقل والبصر
قالوا:
أبوك تميمي وهمته ... شمُّ القُتار وأكل الشحم بالوضَر
وما تميم إذا عدت أولىِ كرمٍ ... فقلت في النار معنى ليس في الحجر
(1/393)

قال المتنبي:
فإن تكن تغلب الغلباءُ عنصَرها ... فإن في الخمر معنى ليس في العنب
قال العميدي هذا لفظ غث عامي، وذاك منطقي.
قلت بلغ منه تعصبه أنه ذم كلاماً أجمع أهل الأدب على حسنه قال مروان بن سعيد البصري:
أغنيتنيٍ عن سؤال الباخلين فلا ... أحتاج ما أنت تبقى لي إلى رجل
وصنتَ عرضي عمن كنتُ أقصدهُ
(1/394)

.. فلم أنل منه غير المنع والبخلَ
مالي وما لِثَمادِ المال أقربهُ ... في لجة البحر ما يُغني عن الوَشَل
أنت الذي فيك مجد الناس كلهم ... لولاك أصبحت الدنيا بلا رجل
قال المتنبي:
خذ ما تراه ودع شيئاً سمعتَ به ... في طلعة البدر ما يُغنيك عن زُحلَ
قال كعب بن معدان الأشقري:
كأن الرماح السمهريات بينهم ... همومُ فما يطرُقن غير الحشا طَرقاْ
(1/395)

حُماةُ كُماةُ لم يُزَنُّوا بريبة ... ولا غدَروا يوما ولا ضيّعوا حقا
قال المتنبي:
وقد صُغتَ الأسنةَ من هموم ... فما يخطُرن إلا في فؤاد
قال محمد بن العباس:
أما ترى الزعفرانَ الغضَّ تحسبهُ ... وقت الصباح إذا أبصرتَه عَنَما
مسكُ ووردُ وَلدُّ طِيبَ رائحة ... في حالة وكذلك المسك كان دما
قال المتنبي:
وإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
قال علي بن الجهم:
(1/396)

فدارى ومالي والضياع وكلُّ ما ... تمتلكهُ من بعض ما هو باذله
قال المتنبي:
أسيرُ إلى إقطاعه في ثيابه ... على طِرفهِ من داره بحسامه
قال البحتري:
ملوك يَعدون الرماح مَخَاصرا ... إذا زعزعوها والدروع غلائلا
قال المتنبي:
متعوداً لُبس الدروع يخالها ... في البرد خزاًّ والهواجر لاذا
قال الخبزأرزي:
وشادن زرتُه فرحب بي ... ترحيب جان على مواليه
جنيتُ ورداً من خدّه بفمي
(1/397)

.. فعشتُ لا عاش من يعاديه
تُحيي رفاتَ العظامقُبلتُه ... لأن ماء الحياة من فيه
قال المتنبي:
فذُقتُ ماء حياة من مقبَّلِها ... لو صاب تُرياً لأحيا سالفَ الأمم
قال أبو نواس:
يبكي فيُذري الدرَّ من نرجس ... وَبلطِمُ الوردَ بعُنّابِ
وقال ابن الرومي:
كأن تلك الدموعَ قَطْرُ نَدىً ... تَقطر من نَرْجس على وردِ
قال المتنبي:
ترنو إلىّ بعين الظبي مُجْهشةً ... وتسمح الطل فوق الورد بالعنم
(1/398)

قال مَعْقلُ العْجِليّ:
كم كتمتُ الهوى حياءً من النا ... س وأخفيت لوعتي واحتراقي
أعلنتْ عبرتي سرائر حبي ... كيف تَخفي سرائرُ العشاقُ؟
قال المتنبي:
وكاتم الحب يومَ البين منهتكُ ... وصاحبُ الدمع لا تَخفي سرائرهُ
قال العوني:
تحار خواطرُ المُدّاح فيه ... ويعجز عن فضائله اللسان
وقالا أيضاً:
تضلّ عقولُ الناس في نعت فضله ... ويغرق في أمواج أفضاله الفكر
(1/399)

قال المتنبي:
إذا تغلغل فكرُ المرء في طَرَف ... من مجده غرقت فيه خواطره
قال البحتري:
وبلوتُ منك خلائقا محمودة ... لو كن في فلك لكن نجوما
قال المتنبي:
أقلب منك طرفي في سماء ... وإن طلعتْ كواكبها خصالا
قال العَوني:
وإني ليسري بي أغرُّ مُحجلّ ... سُرىً لا يبالي فيه بالنحس والسَّعد
ويصحبني من نسل أعوج ضُمَّرُ ... عِتاقُ هُداة لا تجورُ عن القصد
عليها كهولُ دارعون تلثموا ... حياءً فهم بالبعد في صورة المُردْ
قال المتنبي:
تُبدل أيامي وعيشي ومنزلي ... نجائبُ لا يُفْكرِنْ في النحس والسعد
وأوجهُ فتيان حياء تلثموا ... عليهن لا خوفا من الحر والبرد
وقال في موضع آخر: ... كأنُهم من طول ما التثموا مُرْدا
قال السيد الحميري:
وإن مسيري من ذَراك ضرورةُ ... ولولا اضطراري ما رضيتُ بذالكا
وما رحلتي إلا تبشر عاجلا ... بأني أقيم الدهرَ تحت ظلالكا
قال بعض المتقدمين:
سنرجع إن عشنا ونقضي أذمة ... فكم من فراق كان داعيةَ الوصل
وقال أبو تمام:
أآلَفة النحيب كم افتراق ... أظل فكان داعيةَ اجتماع
قال المتنبي:
لعل اللهَ يجعله رحيلا ... يُعين على الإقامة في ذَراكا
قال ابن الرومي:
يرى الصعب سهلا إن توجه نحوه ... بعزم صقيل لا تُفَلُّ مضاربُه
وغُّرَّة وجه يهزم النحسَ سعدهُ ... وتَطلعُ في أفق السعود كواكبه
قال المتنبي:
فإنك ما مر النحوسُ بكوكب ... وقابلتهَ إلا ووجهكُ سَعْدُه
قال الهيثم بن الأسود النخعي:
إذا نال بالسيف الفتى سؤُل نفسه ... ترفع عن تدنيسها بسؤال
ومن لم يصن في حاجة ماءَ وجهه ... عن الناس لم يلبس ثيابَ جلال
قال المتنبي:
من أطاق التماس شيء غلابا ... واغتصابا لم يلتمسه سؤالا
وقال موسى بن عمران:
أصبحت من معشر ما في قلوبهمِ ... من السيوف ومن خوض الردى فَرَقُ
يستسهلون صعابَ الحادثات فهم ... يلقَوْنها بنفوس ما بها قلقُ
قال المتنبي:
وإنا لنلتقي الحادثاتِ بأنفسٍ ... كثيرُ الرزايا عندهنَّ قليلُ
لِمنَ هون الدنيا على النفس ساعة ... وللبيض في هام الكماة صليلُ
وقال البحتري:
كستك يدُ الأيام ثوبَ جلالة ... فغابت عواديها وزالتْ خطوبهاُ
إذا اعتل ذو فقر فأنت شفاؤه ... وإن شكتِ الدنيا فأنتَ طبيبهاُ
قال المتنبي:
وكيف تُعِلك الدنيا بشيء ... وأنت لعلة الدنيا طبيب؟
قال ابن الرومي:
إن أقبلتْ فالبدر لاح وإن مشت ... فالمسك فاح وإن رنت فالريمُ
قال المتنبي:
بدت قمراً ومالت خُوطَ بان ... وفاحتْ عنبراً ورنت غزالا
قال مَخْلدَ بن بكار الموصليّ:
لا عدمناه من همام كريم العهد ... غمر الندى حميد الخصال
يُحسن الكرَّ في الكلام وفي الإق ... دام يوم الوغى وعند النَّوال
قال المتنبي:
هم المحسنون الكَرَّ في حومةِ الوغى ... وأحسن منه كُّرهم في المكارم
قال أبو العتاهية:
أجدادهُ علَّموه في طفولته ... قتل العدِا واكتسابَ الحمد بالجود
(1/400)

فاجتثَّ دابر أعداء ذوي حسد ... وفي السماحة أفنى كلَّ موجود
قال المتنبي:
فتى علمتْه نفسُه وجدودُه ... قِراعَ الأعادي وابتدار الرغائب
ألا أيها المالُ الذي قد أباده ... تَعزَّ فهذا فعلُه في الكتائبِ
قال بشار بن بُرد:
لعمري لقد هذبتُ قولي ولم أدع ... مقالات لمغتاب ودعوى لمن لَحا
ومن كان ذا فهم بليد وعقله ... به عِلةُ عاب الكلام المنقحا
(1/401)

قال المتنبي:
وكم من عائب قولا صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم
قال عبد الرحمن بن دارة:
فإن أنتمُ لم تقتلوا بأخيكمُ ... فكونوا بقايا للخَلوق وللكُحل
وبيعوا الردينيات بالخمر واقعدوا ... على العار وابتاعوا المغازل بالنَّبل
قال الناشي الأكبر:
إن كنت بالذل راضياً فأرِحْ ... في الجَفْن حدَّ المهند الخَذِمِ
فالمرءُ بالجود والشجاعة وال ... همة يحوي محاسنَ الكرمِ
(1/402)

قال المتنبي:
إذا كنتَ ترضى أن تعيشَ بذلة ... فلا تستعِدَّنَّ الحسُام اليمانيا
ولا تستطيلنَ الرماحَ لغارةٍ ... ولا تستجيدنَّ العِتاقَ المَذَاكيا
قال بشار بن بُردْ:
والجِد ليس بزائد في رزق مَن ... يسعى وليس بنائم عن نائم
ويموتُ راعى الضأن عند تمامه ... موت الطبيب الفيلسوف العالم
قال المتنبي:
يموتُ راعي الضأن في جهله ... ميتة جالينوس في طبِهِ
وقال الخبزأرزي:
(1/403)

إن نفسي تذوبُ في كل حين ... حسراتٍ ومن جفوني تسيلُ
وقال الجْهَمِيّ:
وليس الذي يجري من العين ماؤها ... ولكنها روحُ تذوبُ فتقْطرُ
وقال الواسطي:
وقائله: أيُّ الدماء التي غدتْ ... تجود بها عند الوداع المحاجزُ
فقلت لها: نار الحشا صعدَّت بها ... فهن على خدَّي بيض بوادر
ألم تَرَ حسنَ الورد يبيض ماؤه ... فيقطرُ من نار تُجِنّ الضمائر
وقال الجُعفي الكوفي:
(1/404)

دمعي جرى من جفوني يوم بينهمُ ... فلستُ أعلم دمعي كان أم روحي؟
وقال بشار:
حشاشتي ودعْتني يومَ بينهم ... وشيعتهمْ وخلتني وأحزاني
وقد أشاروا بتسليم على حذر ... من الرقيب بأطراف وأجفان
قال المتنبي:
حشاشة نفس ودعتْ يوم ودّعوا ... فلم أدر أيَّ الظاعنين أشيع؟
أشاورا بتسليم فجُدنا بأنفس ... تسيلُ من الآماق والسَّمُ أدمع
قال أبو العتاهية:
قد صار يحسُدني من كان يَعذرني ... فيه، ويعذرني رهطي وأضدادي
(1/405)

والسقمُ لازمني حتى أنسِتُْ به ... وفرَّ مني أطبائي وعُوّادي
قال المتنبي:
عواذلُ ذات الخال فيّ حواسدُ ... وإن ضجيع الخَوْدِ مني لَماجدُ
ألح علىّ السقْمُ حتى ألفِتُه ... وملَّ طبيبي جانبي والعوائدَ
قال أبو الشّيص:
دعتني جفونُك حتى عشقتُ ... ولم أكُ من قبلها أعشق
فدمعي يسيلُ وصبري يزولُ ... وجسميَ في عبرتي يغرقُ
قال المتنبي:
وما كنت ممن يدخل العشقُ قلبه ... ولكن من يُبصِرْ جفونَك يعشَق
(1/406)

قال السيد الحميري:
همة تنطح الثريا وعزُّ ... نبوي يُزعزع الأجبالا
وعطاءُ إذا تأخر عنه ... سائلوه اقتضاهمُ استعجالا
قال المتنبي:
شرف ينطح النجوم بِرَوْقَي ... هـ وعزُّ يقلقل الأجبالا
قال صاحب نصر بن سيار:
طال عتبُ الزمانِ ظلماً علينا ... وجفانا فما له إعتابُ
فأجرناْ منِ عَتْبه وأذاه ... أنت ترجى لمثله وتهاب
ما لنا مُنصف سواك فُيشْكَي ... أنت كالنصل والملوكُ قِراب
قال المتنبي:
لنا عند هذا الدهر حق يَلُطّه ... وقد قل إعتاب وطال عتابُ
ولا مُلْكَ إلا أنت والمُلكُ فضلة ... كأنك سيف فيه وهْو قِراب
(1/407)

قال إبراهيم بن متمم بن نويرة:
والخيلُ قد نسجتْ على صهواتها ... أيدي الرياح براقعا وجلالا
ضاقت عليهن الفلاةُ فلا ترى ... من كثرة القتلى لهن مجالا
قال المتنبي:
صافيات الألوان قد نسج النق ... عُ عليها بَراقعا وجِلالا
ولَتَمْضِنَّ حيث لا يجد الرم ... ح مداراً ولا الحصان مجالا
قال بشار بن بُرْد:
حظي من الخير منحولُ وأعجبُ ما ... أراه أتى على الحِرْمانَ محْسود
أغدو وأمسى وآمالي قطعتُ بها ... عمري تخيب وأموالي المواعيد
(1/408)

وأكرمُ الناس من تأتى مواهبه ... من غيرِ وعد فيه الخيرُ موجود
قال المتنبي:
ماذا لقيت من الدنيا وأعجبها ... أني بما أنا باك منه محسود
أمسيت أرْوَحَ مُثْر خازنا ويدا ... أنا الغنى وأموالي المواعيد
جود الرجال من الأيدي وجودهمُ ... من اللسان فلا كانوا ولا الجود
قال العميدي: من قال إن هذا غير مأخوذ من كلام بشار فقد عدم الفطنة والتمييز، وجميع الرشاد والتوفيق. وجهل مواقع الأخذ، واحتاج أن يسقى شربة تشحذ فهمه،
(1/409)

وتجلو طبعه، وتزيل العي عنه.
قال محمد بن أبي عيينة المهلبي:
إني لأختار الحما ... م على مصاحبة اللئامِ
وأفر منهم ما حيي ... ت ولا أفرِ من الحسامِ
نفسي الكريمة لا تَقَرُّ ... على المذلة والملام
والموت أطيب في فمي ... عند الهوان من المدامِ
قال المتنبي:
وعندها لَذَّ طعمَ الموتِ شاربهُ ... إن المنية عند الذلّ قِنديدُ
قال أبو العتاهية:
(1/410)

أزُفّ أبكار أشعاري إليك فما ... عندي سوى الشكر لا خيلُ ولا مال
فأقبل هدية من تصفو مودته ... إن لم تساعده فيما رامه الحال
قال المتنبي:
لا خيلَ عندك تُهديها ولا مال ... فليسُعد النطقُ إن لم يسعد الحالُ
قال علي بن الجهم:
ولا خير في عيش امرئ وهو خامل ... وذكرُ الفتى بالخير عمر مُجَدَّد
فنبه عن النوم الحسامَ ولا تنم ... لتبقى فما في الأرض شيء مُخلدَّ
قال المتنبي:
(1/411)

ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ... ما قاته وفضولهُ العيش أشغال
قال سليمان الخزاعي:
فَطِنُ بالذي أرُيُد فقولي ... ليس يغنى ولا سكوتي يَضرُّ
يسبق البذُل وعدّه فَنَداه ... ليس يَفنى وسُحْبُه ما تَعزُّ
وقال بعض المتقدمين:
أروحُ بلا شُغل وأغدو بمثلهِ ... وحسبكُ بالتسليم منى تقاضيا
وقال العِرزْمِيُّ:
وإذا طلبتَ إلى كريم جاجةً ... فلقاؤه يُغنيك والتسليمُ
قال المتنبي:
(1/412)

وفي نفس حاجاتُ وفيك فطانةُ ... سكوتي بيانُ عندها وخطابُ
ومما ينتظم في هذا السلك قول بعض خدام واحد الدنيا ونير فلك العليا، من زينب بمدائحه غرز الآداب، المولى المخدوم بهذا الكتاب، من قصيدة يمدحه بها ويهنئه بعيد الأضحى من سنة خمسين وألف:
يا بن مَنْ مَالهَ إذا كان قد عُدّ ... م أولو الفضل في الفضائل ثاني
وهما النيران في كلٍ مجدٍ ... دونه في عُلوه النيرانِ
(1/413)

أنت أذكى الأنامِ طُراً وقد جئ ... تُ وحالي تُغنى عن التّرجمانَ
وإذا ما أعرتَني وحيَ حظٍ ... كنت أدري مني بما في جَناني
قال العميدي: قال سليمان بن مهاجر البجلي الكوفي:
دقَّتْ مضارِبُ سيفه فكأنه ... صبُّ وأعناق الرجال حبائبُ
وأسنة الأرماح يَحكى ضوءُها ... شمساً وأحشاء الرجالِ مغارب
قال المتنبي:
رقَّتْ مضاربُه فهنَّ كأنما ... يُبدين من عشق الرقاب نُحولا
(1/414)

والمتنبي وإن أخذ بعض معاني الأبيات التي أوردها العميدي فقد زاد من ألفاظه ما يحلو سماعه، وتعذب أنواعه، ويلطف موقعه، ويخف على القلوب موضعه، ويصل إلى النفوس بلا تكلف، ويمتزج بالأرواح بلا تعسف، وكساها من عنده ملاحة، فاستوفى شروط الكمال كلها، وأذهب كلها، ونظم محاسنها المتفرقة بحسن صنعته، وأزال الكزازة عنها بحذقة وبراعته، فصار أولى بها من مبدعها، وأحق بأن يشهد له الفضلاء بانفراده بها، لجلالة وقعها،
(1/415)

قال علي بن منصور الحلبي المعروف بابن القارح: كان أبو محمد بن وكيع متأدباً ظريفاً، ويقول الشعر، وعمل كتاباً في سرقات المتنبي، وحاف عليه كثيراً، وسألني يوما أن أخرج معه، واستصحب مغنياً وأمره ألا يغني إلا بشعره فغنى:
لو كان كلُّ عليلِ ... يزداد مثلَك حُسنا
لكان كلُّ صحيح ... يودُّ لو كان مُضني
يا أكملَ الناس حسْناً ... صِل أكمل الناس حْزنا
(1/416)

غَنيِت عني ومالي ... وجه به عنك أغنى
فقلت له: هل تثقل عليك المؤاخذة؟ قال: لا. فقلت: إن أبياتك مسروقة: الأول من قول بعضهم.
فلو كان المريضُ يزيدُ حسناً ... كما تزدادُ أنت علي السقام
لما عِبدَ المريض إذن وعُدَّتْ ... شِكايتُه من النِعَم الجِسام
والثاني من قول رؤبة:
سَلْمُ ما أنساكِ ما حييت ... لو أشرب السلوانَ ما سَلِيتُ
مالي غنى عنك ولو غَنيِتُ فقال: والله ما سمعت بهذا. فقلت:
(1/417)

إذا كان الأمر على هذا فاعذر المتنبي على مثله، ولا تبادر إلى الحط عليه، ولا المؤاخذة له، والمعاني يستدعي بعضها بعضاً.
قال ياقوت: كان المتنبي يوماً جالساً بواسط فدخل عليه بعض الناس، فقال أريد أن تجيز لنا هذا البيت، وهو:
زارنا في الظلام يطلبُ سِترا ... فافتضحنا بنوره في الظلام
فرفع رأسه، وكان ابنه المحسد واقفاً بين يديه، وقال له: يا محسد: قد جاءك بالشمال، فأنه باليمين، فقال ارتجالا:
فالتجأ إلى حنادس شعر ... سَتَرَتنا عن أعين اللوَّام
(1/418)

ومعنى قول المتنبي لولده جاءك بالشمال فأته باليمين، أي أن اليسرى لا يتم بها عمل، وباليمين تتم الأعمال، ومراده: أن المعنى يحتمل الزيدة، فأوردها، وقد لطف في الإشارة.
وعقد الثعالبي لذكره بابا مستقلاً في يتيمته فقال: الباب الخامس في ذكر أبي الطيب المتنبي وما له وعليه.
هو وإن كان كوفي المولد شامي المنشأ، وبها نخرج، ومنها خرج نادرة الفلك، وواسطة عقد الدهر في صناعة الشعر، ثم هو شاعر سيف الدولة، المنسوب إليه المشهور به، إذ هو الذي جذب بضبعه، ورفع قدره، ونفق سعر شعره، وألقى عليه شعاع سعادته حتى سار ذكره مسير الشمس والقمر، وسافر كلامه في
(1/419)

البدو والحضر، وكادت الليالي تنشده، والأيام تحفظه، كما قال:
وما الدهر إلا من رواةُ قصائدي ... إذا قلتُ شعراً أصبحَ الدهرُ منشدا
فساو به من لا يسير مشمّراً ... وغَنىَّ به من لا يغنى مُغَردا
وكما قال:
ولي فيك ما لم يقلُ قائلُ ... وما لم يَسِرْ قمر حيث سارا
وعندي لك الشُّرَّدُ السائرا ... ت لا يختصصن من الأرض دارا
قواف إذا سِرْنَ عن مِقْوَلي ... وَثَبْنَ الجبالَ وخُضْنَ البحارا
(1/420)

وهذا من أحسن ما قيل في وصف الشعر السائر، وأبلغ منه قول علي بن الجهم، وهو:
ولكن إحسان الخليفة جَعْفَر ... دعاني إلى ما قلت فيه من الشعر
فسار مسيرَ الشمس في كل بلدة ... وهَبَّ هبوب الريح في البر والبحر
فليس اليومَ مجالسُ الدرس أعمر بشعر أبي الطيب من مجالس الأنس ولا أقلام كتاب الرسائل أجرى به من ألسن الخطباء في المحافل، ولا لحون القوالين والمغنين أشغل من كتب المؤلفين والمصنفين، فقد ألفت الكتب في تفسيره، وحل
(1/421)

مشكله وعويصه، وكسرت الدفاتر على ذكر جيده ورديئه، وتكلم الأفاضل في الوساطة بينه وبين خصومه، والإفصاح عن أبكار كلامه وعونه، وتفرقوا فرقا في مدحه وذمه، والقدح فيه، والنضح عنه، والتعصب له وعليه؛ وذلك أدل دليل على وفور فضله، وتقدم قدمه، وتفرده عن أهل زمانه بملك رقاب القوافي، ورق المعاني، فالكامل من عدت سقطاته، والسعيد من حسبت هفواته.
وقد انتدب العلماء لديوانه، وشرحوه شروحاً كثيرة: فمنهم من تكلم
(1/422)

على ديوانه أجمع، ومنهم من تكلم على بعضه، فمن شروحه كتاب ابن جني، وهو أول من شرحه، وكتاب اللامع العزيزي لأبي العلاء المعري، وكتاب معجز أحمد لأبي العلاء أيضاً، وكتاب أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي، وكتاب الموضح لأبي زكريا التبريزي، وكتاب عبد
(1/423)

القاهر الجرجاني، وكتاب أبي منصور محمد بن عبد الجبار السمعاني، وكتاب أبي القاسم إبراهيم بن محمد الأفليلي، وكتاب أبي الحجاج يوسف بن سليمان الأعلم، وكتاب عبد الرحمن بن محمد الأنباري، وكتاب في سرقات المتنبي للحسن بن محمد بن وكيع، وسماه المنصف، وكتاب أبي البقاء عبد الله العكبري، وكتاب أبي اليمن يزيد بن الحسين الكندي، وكتاب عبد الواحد بن محمد بن علي بن زكريا، وكتاب محمد ابن علي بن إبراهيم الهراسي الكافي، وكتاب أبي الحسن محمد بن عبد الله الدلقي عشر مجلدات، وكتاب كمال الدين بن القاسم الواسطي، وكتاب الوساطة للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، وكتاب أبي بكر محمد
(1/424)

بن العباس الخوارزمي، وكتاب عبد الرحمن بن دوست النيسابوري، وكتاب أبي الفضل أحمد بن محمد العروضي، وكتاب التجني على ابن جني لابن فورجة، وكتاب الفتح على أبي الفتح لابن فورجة أيضا، وكتاب معاني أبياته لابن جني، وكتاب التنبيه لأبي الحسن علي بن عيسى الربعي، وقد رد فيه على ابن جني أيضاً، وكتاب أبي القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني، وكتاب الحسين بن محمد بن طاهر الشاعر، وكتاب أبي عبد الله محمد بن جعفر القزاز القيرواني، وكتاب علي بن جعفر بن القطاع،
(1/425)

وكتاب الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد، وكتاب أبي الحسن عبد الرحمن الصقلي، وكتاب قصائد الصبا للأعلم، وكتاب نزهة الأديب في سرقات المتنبي من حبيب لابن حسنون المصري، وكتاب الانتصار لأبي الحسن أحمد بن أحمد المغربي، وكتاب التنبيه عن رذائل المتنبي لأحمد المغربي أيضاً، وكتاب بقية الانتصار، المكثر من الاختصار لأحمد المغربي أيضاً، وكتاب الرسالة الحاتمية لأبي الحسن محمد بن المظفر الحاتمي وكتاب جبهة الأدب
(1/426)

للحاتمي أيضاً، وكتاب المآخذ الكندية من المعاني الطائية، وكتاب الاستدراك علي ابن الدهان للوزير ضياء الدين ابن الأثير الجزري، وكتاب الإبانة للصاحب العميدي. سوى الشروح التي لم نسمع بذكرها.
ولم يسمع بديوان شعر في الجاهلية ولا في الإسلام شرح هكذا مثل هذه الشروح الكثيرة سوى هذا الديوان، ولا تداول على ألسنة الأدباء في نظم ونثر أكثر من شعر المتنبي.
هذا الصاحب مع بغضه له، وتعصبه عليه، أكثر الناس استعمالا لكلماته، في محاضراته ومكاتباته.
فمن ذلك فصل له من رسالة في وصف
(1/427)

قلعة افتتحها عضد الدولة: وأما قلعة كذا، فقد كانت بقية الدهر المديد، والأمد البعيد، تعطس بأنف شامخ من المنعة، وتنبو بعطف جامح على الخطبة، وترى أن الأيام قد صالحتها على الإعفاء من القوارع، وعاهدتها على التسليم من الحوادث، فلما أتاح الله للدنيا ابن بجدتها وأبا بأسها ونجدتها، جهلوا بون ما بين البحور والنهار، وظنوا الأقدار تأتيهم على مقدار، فما لبثوا أن رأوا معقلهم الحصين، ومثواهم القديم، نهزه الحوادث، وفرصة البوائق، ومجر العوالي
(1/428)

ومجرى السوابق.
وإنما ألم بألفاظ بيتين لأبي الطيب أحدهما:
حتى أتى الدنيا ابنُ بَجْدتها ... فشكى إليه السهلُ والجبلُ
والآخر:
تذكرتُ ما بين العُذَيب وبارق ... مَجَرَّ عوالينا ومجرى السوابق
ومن ذلك فصل آخر له أيضاً.
لئن كان الفتح جليل الخطر، حميد الأثر فإن سعادة مولانا لتبشر بشوافع له، يعلم معها أن الله أسرار في علاه لا يزال يبديها، ويصل أوائلها بتواليها.
وهو من قول أبي الطيب:
(1/429)

ولله سرّ في عُلاك وإنما ... كلام العِدا ضرب من الهَذَيان
ومن ذلك ولو كان ما أحسنه شَظية من قلم كاتب لما غير خطة، أو قذى في عين نائم لما انتبه جفنه.
وهو من قول أبي الطيب:
ولو قلم ألقيتُ في شق رأسه ... من السقْم ما غيرتُ من خط كاتب
وقول نصر:
ضَنِيتُ حتى صرت لو زُجَّ بي ... في ناظر النائم لم ينتبهْ
ومنه أخذ ابن العميد قوله:
(1/430)

فلو أن ما أبقيتِ من جسدي قذىً ... في العين لم يمنع من الإغفاء
ومن ذلك في التعزية..
إذا كان الشيخ القدوة في العلم وما يقتضيه، والأسوة في الدين وما يجب فيه، لزم أن يتأدب في حالات الصبر والشكر بأدبه، ويؤخذ في ثارات الأسى بمذهبه، فكيف لنا بتعزيته عند حادث رزيته، إلا إذا رددنا له بعض ما أخذناه عنه، وأعدنا إليه طائفة مما استفدناه منه وإنما هو حل من
(1/431)

قول أبي الطيب:
أنت يا فوقَ أن تُعزَّى عن الأح ... باب فوق الذي يعزيك عقلا
وبألفاظك اهتدي فإذا عَزَّ ... اك قال الذي له قلت قبلا
ومن ذلك: وقد أثنى عليه ثناء لسان الزهر على راحة المطر، وهو من قول أبي الطيب:
وذكىّ رائحة الرياض كلامُها ... تبغي الثناء على الحيا فتفوح
والأصل فيه قول ابن الرومي:
شكرتْ نعمة الوليّ على الوس ... ميّ ثم العهاد بعد العهادِ
(1/432)

فهي تثنى على السماء ثناء ... طيب النَّشر شائعا في البلاد
من نسيم كأن مسراه في الأر ... واح مَسرى الأرواح في الأجساد
ومما أورده من أبيات أبي الطيب كما هي قوله في كتاب أجاب به ابن العميد عن كتابه الصادر إليه عن شاطئ بحر في وصف مراكبه وعجائبه: وقد علمت أن سيدنا كتب وما أخطر بفكره سعة صدره، ولو فعل ذلك لرأى البحر وشلا، لا يفضل عن التبرض، وثمدا. لا يكثر عن الترشف.
وكم من جبال جُبْت تَشْهَدُ أنك الْ ... جبالُ
(1/433)

وبحر شاهد أنك البحرُ.
وله من رسالة في التهنئة ببنت، أولها:) أهلا بعقيلة النساء، وكريمة الآباء، وأم الأبناء، وجالبة الأصهار، والأولاد الأطهار (ثم يقول فيها:
ولو كان النساء كمثل هذي ... لفضلتُ النساءُ على الرجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيبُ ... ولا التذكيرُ فخرُ للهلال
وله من كتاب تعزية:) وقلنا قد أخذ الزمان من أخذ، وترك من ترك، فهو لاشك يعفو عن القمر، وقد أسلم الشمس للطفل، ولا يصل الصروف
(1/434)

بالصروف، ولا يجمع الكسوف إلى الخسوف. فأبى حكم الملوين. وقد غبنك إذ قاسمك الأخوين، فأبى إلا أن يعود فيلحق الباقي بالفاني، والغابر بالماضي.
وعاد في طلب المتروك تاركه ... إنا لنغفل والأيام في الطلب
ما كان أقصر وقتا كان بينهما ... كأنه الوقت بين الورِد والقَرَب
أقول هذا كعادة المصدور في النفث، وشكوى الحزن والبث، وإلا فما يعجب السفر من تقدم بعض، وكل بين الرحل؛ لا يترك الموت ساعياً على
(1/435)

وجه الأرض حتى ينقله إلى بطن التراب.
نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف ما لا بد من شربه
تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمان هي من كسبه
فهذه الأرواح من جوه ... وهذه الأجسام من تربه
وهذا غيض من فيض ما اغترفه الصاحب من بحر المتنبي، وتمثل به من شعره وكان مثله معه كما قال الشاعر:
شتمت من تيمني مغالطا ... لأصرف العاذل عن لَجاجته
(1/436)

فقال لما وقع البزاز في الثم ... وب علمنا أنه من حاجته
وكما قال الآخر:
وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها ... ولم أر كالدنيا تُذم وتُحْلب
وكما قال الآخر:
نبئت أني إذا ما غِبتُ تشتمني ... قل ما بدا لك فالمحبوب مسبوب
وليس الصاحب بأوحد في الاقتباس من كلام المتنبي؛ وهذا أبو إسحاق الصابي له من ذلك غير فصل.
فمن ذلك ما كتب في تقريظ شاب مقتبل الشبيبة، مكتهل الفضيلة:) ولقد آتاه الله في اقتبال العمر
(1/437)

جوامع الفضل، وسوغه في عنفوان الشباب محامد الاستكمال، فلا تجد الكهولة خلة تتلافاها بتطاول المدة، وثلمة تسدها بمزايا الحنكة (.
وهذا من قول أبي الطيب:
لا تجدُ الخمرُ في مكارمه ... إذا انتشى خَلة تلافاها
وأخذه من قول البحتري:
تكرمَت من قبل الكئوس عليهم ... فما اسطَعْنَ أن يُحدثْنَ فيك تكَرُّما
ومن ذلك ما كتب إلى ابن معروف تهنئة بقضاء القضاة: منزلة قاضي القضاة
(1/438)

تجل عن التهنئة بالولاية لأن ما تكتسبه الولاة بها من الصيت والذكر ويدرعونه فيها من الجمال والفخر، سابق له عنده، وحاصل قبلها له، وإذا مد أحدهم إليها يدا تجذبها إلى سفال. جذبتها يده إلى المحل العالي، فكأن أبا الطيب عناه، أو حكاه بقوله:
فوق السماء وفوق ما طلبوا ... فإذا أرادوا غايةً نَزَلُوا
ومن ذلك ما كتب:) وعاد مولانا إلى مستقر عزه عود الحلي إلى العاطل، والغيث إلى الروض الماحل (وهذا من قول أبي الطيب:
(1/439)

وعُدتَ إلى حَلَب ظافراً ... كعَود الحُلىّ إلى العاطل
وإذا كان هذان الصدران المقدمان على بلغاء الزمان يقتبسان من أبي الطيب في رسائلهما، فما الظن بغيرهما؟ وما أحسن قول الشاعر:
ألا إن حَلَّ الشعر زينة كاتب ... ولكن منهم من يَحلُ فيَعْقِدُ
وممن يحذو حذوهما الأستاذُ أبو العباس أحمد بن إبراهيم الضَّبي. وما أظرف ما قاله في كتابه إلى أبي سعيد الشبيبي: وقد أتاني كتاب شيخ الدولتين، فكان في الحسن
(1/440)

روضة حزن، بل جنة عدن، وفي شرح النفس، وبسط الأنس، برد الأكباد والقلوب، وقميص يوسف في أجفان يعقوب، وهو من قول أبي الطيب:
كأن كل سؤال في مسامعه ... قميص يوسف في أجفان يعقوب
ومن ذلك فصل لأبي بكر الخوارزمي:) وكيف أمدح الأمير بخلق ضن به الهواء، وامتلأت من ذكره الأرض والسماء. وأبصره الأعمى بلا عين، وسمعه الأصم بلا أذن (وهو من قول أبي الطيب:
تُنشد أثوابنا مدائحه ... بألْسُن ما لهن أفواهُ
إذا مررنا على الأصم بها ... أغنته عن مِسْمعيه عيناهُ
(1/441)

ولأبي بكر الخوارزمي من رسالة:) ولقد تساوت الألسن حتى حسد الأبكم، وأفسد الشعر حتى أحمد الصمم (.
وهو من قول أبي الطيب:
ولا تبالِ بشعر بعد شاعره ... قد افسد القول حتى أحمد الصمم
قال أبو الطيب:
وقد أخذ التمامَ البدرُ فيهمْ ... وأعطاني من السقَّم المِحاقا
أخذه أبو الفرج الببغاء فلطفه، وقال:
(1/442)

أوَ ليس من إحدى العجائب أنني ... فارقته وحييت بعد فراقه
يا من يحاكي البدرَ عند تمامه ... أرْحم فتى يحكيه عند مِحاقه
وقال أبو الطيب:
قد علَّم البينُ منا البينَ أجفانا ... تَدْمَي وألفَّ في ذا القلب أحزانا
أخذه المهلبي، فقال:
تصارمت الأجفان منذ صرمتني ... فما تلتقِي إلا على عَبرة تجري
وقال أبو الطيب:
وكنتُ إذا يممتُ أرضا بعيدة ... سريتُ فكنتُ السرَّ والليل كاتمه
(1/443)

أخذه الصاحب، فقال:
تجشمتها والليل وَحْفُ جناحهُ ... كأنيَ سرُ والظلامُ ضميرُ
وقال أبو الطيب:
لبِسْن الوشي لا متجملات ... ولكن كي يُصنَّ به الجمالا
أغار عليه الصاحب؛ فقال:
لبسن برودَ الوشي لا لتجمل ... ولكن لصون الحسن بين بُرُود
وقال أبو الطيب:
سقاكِ وحيانا بك اللهُ إنما ... على العِيس نَوْرُ والخُدور كمائمهْ
أخذه السَّرِيّ، فقال:
(1/444)

حيا به اللهُ عاشقيه فقد ... أصبح ريحانةً لمن عشقا
وقال أبو الطيب:
يَخِدن بنا في جَوْزِه وكأننا ... على كُرَةٍ أو أرضُه سَفْرُ
أخذه السري، فقال:
وخَرْقٍ طال فيه السير حتى ... حسبناه يسير مع الركاب
قال أبو الطيب:
هام الفؤاد بأعرابية سكنت ... بيتا من القلب لمَ تَمْددْ له طُنباُ
أخذه السرى، فقال:
وأحلَّها من قلب عاشقها الهوَى ... بيتاً بلا عمد ولا أطنابِ
قال أبو الطيب:
ليت الغمامَ الذي عندي صواعقه ... يُزيلهن إلى من عنده الديمُ
أخذه السرى، فقال:
وأنا الفِداء لمن مَخيِلةُ بَرقِه ... عندي، وعند سواي من أنوائه
(1/445)

وقال أبو الطيب:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
وقال أيضاً:
وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذَّهب الرَّغامُ
أخذ أبو بكر الخوارزمي معنى البيتين فقال:
فديتُك ما بدا لي قصدُ حُرً ... سواك من الورى إلاّ بَدَا لي
وأنك منهمُ وكذاك أيضاً ... من الماء الفرائُد واللآلي
وتسكن دارهم وكذاك سكنى ال ... حجارة والزُّمرُّد في الجبال
وهذا معنى قد اخترعه المتنبي،
(1/446)

وكرره في تفضيل البعض على الكل، فأحسن غاية الإحسان حيث قال:
فإن يكُ سيارُ بن مُكْرَم انقضى ... فإنكَ ماء الورد إن ذهب الورد
وقال أيضا:
فإن تكنْ تغلبُ الغلباءُ عنصُرَها ... فإن في الخمر مَعْنىً ليس في العنب
ألم به أبو الفتح البستي، فقال:
أبوك حوى العليا وأنت مبرزَّ ... عليه إذا نازعته قصب المجد
وفي الخمر معنى ليس في الكرم مثلُه ... وفي النار نُورُ ليس يوجد في الزنَّد
(1/447)

وخير من القول المقدَّم فاعترف ... نتيجةُ والنحلُ يُكرم للشهد
وقال أيضاً:
أبوك كريم غير أنك سابق ... مداه بلا ضيم عليه ولا ذَيم
فلا يَعجبنَّ الناسُ مما اقوله ... وأقضي به فالغيث أندى من الغَيم
وقال أبو الطيب:
وصرت أشك فيمن أصطفيه ... لعلمي أنه بعض الأنام
أخذه أبو بكر الخوارزمي، فقال:
(1/448)

قد ظلمناك بحسن الظّم ... ن يا بعض الأنام
وقال أبو الطيب:
أتى الزمانَ بنوه في شَبيبته ... فسَّرهم وأتيناه على الهَرَمِ
أخذه أبو الفتح، وحسنه، فقال:
لا غرو أنَ لم نجد في الدهر مُخْترَفاً ... فقد أتيناهُ بعد الشَّيب والْخَرَفِ
وقال أبو الطيب:
هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق
امتثله السَّلامي، فقال:
وبشرت آمالي بِمَلْك هو الورىَ ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر
(1/449)

وقال أبو الطيب:
لم تزل تسمع المديح ولكنّ ... م صهالَ الجياد غيرُ النهاق
أخذه الزعفراني، ولطفه، فقال:
وتغنّيك في النَّدىّ طيور ... أنا وحدي ما بينهن الهَزارُ
قال مخلد الموصلي:
يا منزلاً ضَنَّ بالسلام ... سُقيت رِياَّ من الغمام
لم يترك الدهرُ منك إلا ... ما ترك الشوقُ من عظامي
أخذه أبو الطيب، فجوده حيث قال:
(1/450)

ما زال كلُّ هزيمِ الودقِ يُنْحلهاُ ... والشوقُ يُنحِلُني حتى حكت جسدي
قال عمرو بن كلثوم:
فآبوا بالنَّهاب وبالسبايا ... وابنا بالملوك مُضَفَّدينا
أخذه أبو تمام، فأحسن إذ قال:
إن الأسودَ أسودَ الغاب هِمتها ... يومَ الكريهة في المسْلوب لا السلبِ
أخذه أبو الطيب، فلم يحسن في تكرير النهب، وذكر القماش إذ هو من ألفاظ العامة والسوقة، حيث قال:
ونهبُ نفوسِ أهل النهب أولى ... بأهل المجد من نَهْب القُماش
وقال بشارُ بن بُرد:
كأن مُثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافَنا ليلُ تهاوَى كواكبُهْ
(1/451)

أخذه أبو الطيب، وذكر الرماح مكان الأسياف، فقال:
وكأنما كُسيِ النهارُ بهاُ دجىَ ... ليل وأطلعتِ الرماحُ كواكبا
وقال مسلم بن الوليد:
أرادوا ليُخفوا قبَره من عدوه ... فطِيبُ ترابِ القبر دلَّ على القبر
ألم به أبو الطيب، فقال:
وما ريحُ الرياض لها ولكن ... كساها دفنُهم في التْرب طِيبا
قال الفرزدق:
وكنتُ فيهم كمطمور ببلدته ... يُسَرُّ أنْ جمع الأوطانَ والمَطَرا
أخذه المتنبي، فقال:
(1/452)

وليس الذي يتَّبَّع الوبل رائدا ... كمن جاءه في داره رائدُ الوْبْل
وفي قوله في هذه القصيدة:
وخيل إذا مرت بوحش وروضة ... أبت رعيها إلا ومِرْجلُنا يَغلي
رائحة من قول امرئ القيس:
إذا ما ركبنا قال ولد أنُ أهلنا ... تعالواَ إلى أن يأتنا الصيدُ نَحْطِبِ
قال أبو نواس:
وكلتَ بالدهر عيناً غيرَ غافلة ... بجود كفيك تأسو كل ما جرحا
ويقال إنه أمدح بيت للمحدثين، أخذه أبو الطيب وزاد فيه حسن التشبيه، فقال:
(1/453)

تَتَبَّع آثار الرزايا بجوده ... تتبعَ آثار الأسنة بالفُتْلِ
قال أبو نواس في وصف الخمر، وهو من قلائده:
إذا ما أتت دون اللَّهاةِ من الفتى ... دعا هَمُّه من صدره برحيل
أخذه أبو الطيب، ونقله إلى معنى آخر، فقال:
وما هي إلا لحظة بعد لحظة ... إذا نزلت في قلبه رحل العقل
قال ابن أبي عيينة، ويروي للخليل:
زُرْ واديَ القصرِ نعم القصرُ والوادي ... في منزل حاضر إن شئت أو بادي
(1/454)

تَلْقَى به السفْن والظَّلمان حاضرة ... والضبَّ والنونَ والملاحَ والحاديِ
وهذا أحسن ما قيل في وصف مكان يجمع بين أوصاف البر والبحر والحاضر والبادية.
ألم به أبو الطيب في وصف متصيد عضد الدولة بناحية سهلية جبلية تجمع الأضداد: سقياً لدَشْتِ الأرْزَن الطوال
بين المروج الفيح والأغيال ... مُجاور الخنزير للرئبال
داني الخنانيص من الأشبالِ ... مُشْتَرِفِ الدُّبَ على الغزال
مُجتمع الأضدادِ والأشكال
قال بعض العرب وهو من الأمثال السائرة:
إذا بَلَّ من داء به ظَنَّ أنه ... نجا، وبه الداءُ الذي هو قاتلهُ
أخذه أبو الطيب، فقال، وأحسن:
وإن أسلم فما أبقى ولكن ... سلمِتُ من الحِمام إلى الحِمامِ
قال بعض الرُّجَّاز: هل يَغْلبِنَّي واحدُ أقاتلُهْ ريمُ على لَباتِه سلاسلُهْ.
سلاحه يوم الوغى مَكاحِلهُ أخذه أبو الطيب، فأكمل الوصف، وأظهر الغرض حيث قال:
مِن طاعني ثُغَر الرجال جآذرُ ... ومن الرماح دمالج وخَلاخلُ
ولذا اسم أغطيةِ العيون جفونُها ... من أنها عملَ السيوفِ عواملُ
قال أبو تمام:
غُربت خلائِقهُ وأغرب شاعرُ ... فيه فأبدع مُغربُ في مغُرِب
أخذه أبو الطيب، فقال:
شاعر المجد خِدْنه شاعر اللف ... ظ كلانا رب المعاني الدقاق
قال أبو تمام:
يمدون بالبيض القواطع أيْدياً ... فهن سواءُ والسيوفُ القواطعُ
(1/455)

أخذه أبو الطيب، فأوقع التشبيه على الجملة حيث قال:
همامُ إذا ما فارق الغمدَ سيفهُ ... وعاينْتهَ لم تدرِ أُيِهما النصل؟
قال ابن الرومي:
لا قُدّستْ نُعْمى تسر بلْتها ... كم حجة فيها لزِنديقِ
أخذه أبو الطيب، فقال:
فإنه حجةُ يؤذي القلوب بها ... مَنْ دينُه الدهرُ والتعطيلُ والقِدمُ
وقال ابن الرومي:
وأحسن من عِقد العقيلةِ جيِدُها ... وأحسن مِن سربالها المُتجرَّد
(1/456)

أخذه أبو الطيب، فقال:
ورب قبح رحُليّ ثقالٍ ... أحسن منها الحسنُ في المعطال
قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
وجَربت حتى ما رأى الدهر مُغربا ... على بشيء لم يكن في تجاربي
أخذه أبو الطيب، فقال:
قد بلوتَ الخطوب مراًّ وحلواً ... وسلكتَ الأنام حَزْنا وسهلا
وقتلتَ الزمان علما فما يُغ ... رِب قولا ولا يُجدد فعلا
وكرر هذا المعنى، فقال:
(1/459)

عرفتُ الليالي قبل ما صنعتْ بنا ... فلما دهتني لم تزدني بها علما
وكتب ابن المعتز لعبيد الله بن سليمان يعزيه عن ابنه أبى محمد، ويسليه ببقاء أبي الحسين القاسم أبياتاً منها:
ولقد غَبَنْتَ الدهرَ إذ شاطرته ... لكنَّ يمنى المرء خيرُ يديه
فأخذ أبو الطيب هذا المعنى، وقال لسيف الدولة من قصيدة يعزيه بها عن أخته الصغرى، ويسليه ببقاء الكبرى حيث قال:
(1/460)

قاسمتْك المنونُ شخصَين جوراً ... جعل القسْمُ نفسه فيك عَدلا
فإذا قست ما أخذن بماغا ... درْن سَّرى عن الفؤاد وسلَّي
وتيقنتَ أن حظك أوفى ... وتبينتَ أن جَدَّك أعلى
وكان أبو الطيب كثير الأخذ من ابن المعتز، على تركه الإقرار بالنظر في شعر المحدثين، فمما أخذه منه قوله:
تَكَسَّبُ الشمس منك النَورَ طالعةً ... كما تكسَّبَ منها نورها القمرُ
وهو معنى قول ابن المعتز:
(1/461)

البدر مِن شمس الضحى نورهُ ... والشمسُ من نورك تستملي
وأخذه قوله، وهو من قلائده، قيل ولعله أمير شعره:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وانثنى وبياض الصبح يُغرِي بي
من مصراع لابن المعتز. . .
ذكر ابن جني، قال حدثني المتنبي وقت القراءة عليه قال: قال لي ابن حنزابة وزير كافور: أعلمت أني أحضرت كتبي كلها وجماعة من أهل الأدب يطلبون لي من أين أخذت هذا المعنى، فلم يظفروا بذلك، وكان أكثر من رأيت كتبا. قال ابن جني: ثم إني عثرت
(1/462)

بالموضع الذي أخذه منه إذا وجدت لابن المعتز مصراعاً بلفظ لين صغير جدا فيه معنى بيت المتنبي كله على جلالة لفظه وحسن تقسيمه، وهو قوله: فالشمس نمامة والليل قواد. ولن يخلو المتنبي من إحدى ثلاث إما أن يكون ألم بهذا المصراع فحسنه، وزينه، وصار أولى به. وإما أن يكون قد عثر بالموضع الذي عثر ابن المعتز به، فأربى عليه في جودة الأخذ. وإما أن يكون قد اخترع المعنى، وابتدعه، وتفرد به، ولله دره. وناهيك بشرف لفظه، وبراعة نسجه. وما أحسن ما جمع
(1/463)

أربع مطابقات في بيت واحد، وما أراه سبق إلى مثلها، وما زال الناس يتعجبون من جمع البحتري ثلاث مطابقات في قوله:
وأمة كان قبحُ الجور يُسخطها ... دهراً فأصبح حسن العدل يُرضيها
حتى جاء أبو الطيب، فزاد عليه، مع عذوبة اللفظ، ورشاقة الصنعة.
قال ابن الرومي:
أرى فضل مالِ المرء داءً لِعرضِه ... كما أن نضل الزاد داءُ لجسمِهِ
فليس لداء العِرض شيءُ كبذله ... وليس لداء الجسم شيء كُحَسْمه
ألم به أبو الطيب، فقال:
(1/464)

يتداوى من كثرةِ المال بالإق ... لال جودا كأن مالا سقامُ
قال:
وأنت المرء تُمرضُه الحَشايا ... لهمته وتَشفيه الحروبُ
وقال:
وما في طِبّه أني جواد ... أضر بجسمه طول الجِمام
وقال:
ليت الحبيبَ الهاجري هَجْرَ الكَرى ... من غير جُرم واصلي صِلةَ الضَّنى
وقال:
(1/465)

فياليت ما بيني وبين ثحبتي ... من البُعد ما بيني وبين المصائب
وقال:
إذا بدا حجبتْ عينيك هيبتُه ... وليس يحجبه سِتُر إذا احتجبا
وقال:
أصبحتَ تأمر بالحِجاب لخلوةٍ ... هيهات لست على الحجاب بقادر
من كان ضوءُ جبينه ونوالُه ... لم يُحجبا لم يحتجب عن ناظر
فإذا احتجبت فأنت غير محجب ... وإذا بَطَنْت فأنت عينُ الظاهر
وقال:
أميرُ أميرُ عليه الندى ... جواد بخيل بألا يجودا
(1/466)

وقال:
ألا إن الندى أضحى أميرا ... على مال الأمير أبي الحسين
وقال:
ومال وهبتَ بلا موعد ... وقِرْن سبقتَ إليه الوعيدا
وقال:
لقد حال بالسيف دون الوعيد ... وحالت عطاياه دون الوعود
وقال:
وما رغبتي في عسجد أستفيده ... ولكنها في مَفخَر أستجدُّهُ
وقال:
فسرت إليك في طلب المعالي ... وسار سواي في طلب المعاش
(1/467)

وقال:
قد علم البين منا البين أجفانا ... تَدَمى وألف في ذا القلب أحزانا
وقال:
كأن الجفون على مقلتي ... ثياب شُقِقْن على ثاكل
وقال:
كأنك بالفقر تبغي الغنى ... وبالموت في الحرب تبغي الخلودا
وقال:
كأنك في الإعطاء للمال مبغضُ ... وفي كل حرب للمنية عاشق
وقال:
(1/468)

الذي زُلتُ عنه شرقا وغربا ... ونداه مقابلي ما يزول
وقال:
ومن فرَّ من إحسانه حسدا له ... تلقاه منه حينما سار نائل
وقال:
فكأنما نُتِجتْ قياماً تحتهم ... وكأنما وُلدوا على صَهَواتها
وقال:
وَطْعنَ غطاريفٍ كأن أكفهم ... عَرفْن الرُّدَينياتِ قبل المعاصم
وقال:
جَرَحْتِ مُجرّحا لم يبق فيه ... مكانُ للسيوف وللسهام
وقال:
(1/469)

رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهامُ ... تكسرت النصالُ على النصالِ
وقال:
وشيكتي فقدُ السَّقام لأنه ... قد كان لما كان لي أعضاءُ
وقال:
لم يتركُ الحبُّ من قلبي ومن كبدي ... شيئاً تُتَيمه عينُ ولا جيِدُ
وقال:
تصدُّ الرياحُ الهُوج عنها مخافةً ... وتفزَع فيها الطيرُ أن تلقط الحبا
وقال:
(1/470)

إذا أتتها الرياحُ النكبُ من بلد ... فما تَهُب بها إلا بترتيب
وقال:
إذا ضوءها لاقى من الطير فرجة ... تدور فوق البيض مثلَ الدراهم
وقال:
وألقى الشرق منها في ثيابي ... دنانيرا تفر من البنان
وقال:
ولقد بكيت على الشباب ولِمتي ... مسودة ولِماء وجهيَ رَوْنق
حذرا عليه قبل يوم فراقه ... حتى لكدت بماء جفنيَ أشرق
وقال:
(1/471)

هاَّويةُ ما رأيت مهديها ... إلا رأيت العباد في رجل
وقال: أم الخلق في شخص حَي أعِيدا وقال: ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق ثم كرره، وزاد فيه، فقال:
ولقيتُ كل الفاضلين كأنما ... رد الإلهُ نفوسَهم والأعصُرا
نُسقوا لنا نسق الحساب مقدَّما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرا
والأصل فيه قول أبي نواس:
ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
وقوله وقد كرره:
(1/472)

مَتَى تَحُطّي إليه الرَّحْلَ سالمة ... تستجمعي الخلق في تمثال إنسان
وقال أبو الطيب:
هو الشجاع يَعُدُّ البخل جُبُنٍ ... وهو الجوادُ يعد الجبنَ من بَخلَ
وقال:
فقلت إن الفتى شجاعته ... تريه في الشح صورة الفَرَق
والأصل فيه قول أبي تمام:
أيقنت أن من السماح شجاعةً ... تُدمي وأن من الشجاعة جودا
(2/2)

وقال أبو الطيب:
ومن اعتاض منك إذا افترقنا ... وكل الناس زور ما خلاكا؟
وقال في مثله فتبرد وبالغ:
إنما الناس حيث أنت وما النا ... س في موضع منك خالي
وقال:
إذا اعتل سيف الدولة اعتلت الأرض ... ومَن فوقها والبأس والكرم المحضُ
(2/3)

وقال:
وما أخصك في برء بتهنئة ... إذا سلمت فكل الناس قد سلموا
وقال:
تجاوز قدر المدح حتى كأنه ... بأحسن ما يثنى عليهُ يُعاب
وقال:
وعُظْمُ قدرك في الآفاق أوهمني ... أني بقلة ما أثنيت أهجوكا
وقال:
وكان مَن عدَّدَ إحسانه ... كأنما أسرف في سبه
(2/4)

والأصل فيه قول البحتري:
جلّ عن مذهب المديح فقد كا ... د يكون المديح فيه هجاء
وقال:
نال الذي نلتُ منه منى ... لله ما تصنع الخمور
وقال:
أفيكم فتى حتى فيخبرني عني ... بما شربت مشروبةُ الراح من ذهني؟
(2/5)

وقال:
عليم بأسرار الديانات واللُّغى ... له خطرات تفضح الناس والكُتْبا
وقال:
كأنك ناظر في كل قلب ... فما يخفى عليك محل غاش
وقال:
ووَكَّلَ الظن بالأسرار فانكشفت ... له سرائر أهل السهل والجبل
(2/6)

وقال:
فاغفر ... فدى لك واحْبُني من بعدها لتخصني بعطية منها أنا
وقال:
له أياد إلى سالفة ... أُعدّ منها ولا أعددها
وقال، وهو من قلائده:
خير أعضائنا الرءوس ولكن ... فضلتها بقصدك الأقدام
(2/7)

وقال:
وإن الفِئامَ التي حوله ... لتحسد أقدامَها الأرؤُس
وقال:
وما الحسن في وجه الفتى شرف له ... ولكنه في فعلة والخلائق
وقال في وصف الخيل:
إذا لم تشاهد غير حسن شِيَاتها ... وأعضائها فالحسن عنك مغيب
(2/8)

وقريب منه قوله:
يحب العاقلون على التصافي ... وحب الجاهلين على الوسام
وقال في معنى قد تصرفت فيه الشعراء:
ذل من يغبط الذليل بعيش ... رُبَّ عيش أخفُّ منه الحِمامُ
وقال:
عش عزيزا أو مت وأنت كريم ... بين طعن القَنا وخفق البُنود
(2/9)

وقال:
إذا ما لم تُسِرْ جيشاً إليهم ... أسَرْتَ إلى قلوبهم الهُلوعا
وقال:
بعثوا الرعبَ في قلوب الأعادي ... فكأن القتال قبل التلاقي
وقال:
قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعت ... لك المهابة ما لا يصنع البُهَمُ
وقال:
أبصروا الطعن في القلوب دراكا ... قبل أن يبصروا الرماح خيالا
(2/10)

وقال:
صيام بأبواب القِباب جيادهُم ... وأشخاصهم في قلب خائفهم تعدو
وقال:
تغير عنه على الغارات هيبتُه ... ومالهُ بأقاصي البر أَهمال
والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم) نصرت بالرعب (ثم أكثر الناس منه، ومن أوجز ما قالوا:
(2/11)

قول علي بن جبلة العكوك:
غدا مُجتَمع العزم ... له جندُ من الرعب
وقال:
وأتعب خلق الله من زاد همُّه ... وقصَّر عما تشتهي النفسُ وُجْدُد
وقال:
لحى الله ذي الدنيا مُناخاً لراكب ... فكلّ بعيد الهم فيها معذّبُ
(2/12)

وقال:
ومَعالٍ إذا ادَّعاها سواهم ... لزمته جناية السَّراقِ
وقال:
مِسكيَّة النَّفحَات إلا أنها ... وحشية بسواهُمُ لا تَعْبَق
ذكر ما ينعى علي بن أبي الطيب من معايب شعره ومقابحه.
ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها ... كفى المرءَ نُبلا أن تُعَدَّ معايبه
(2/13)

ثم نقفي على آثارها بذكر محاسنه، وسياق بدائعه وفرائده.
فحسن دراريّ الكواكب أن ترى ... طوالعَ في داج من الليل غيهب
فمنها قبح المطالع، وحقها الحسنُ والعذوبة لفظاً، والبراعة والجودة معنى، لأنها أول ما يقرع الأذن ويصافح الذهن، فإذا كانت حاله على الضد، مجه السمع، وزجه القلب، ونبت عنه النفس،
(2/14)

وجرى أمره على ما تقول العامة: أول الدَّن دردي.
ولأبي الطيب ابتداءات ليست لعمري من أحرار الكلام وغرره، بل هي كما نعاها عليه العائبون مستشنعة مستبشعة، لا يرفع السمع لها حجابه، ولا يفتح القلب لها بابه، كقوله:
هذي برزْتِ لنا فهجت رَسيِسَا ... ثم انصرفتِ وما شَفَيْتِ نَسيِسَا
(2/15)

فإنه لم يرض بحذف علامة النداء من هذي، وهو غير جائز عند النحويين حتى ذكر الرسيس. والنسيس، فأخذ بطرفي الثقل والبرد، كقوله:) أوه بديلُ من قولتي واها (وهو برقية العقرب أشبه منه بافتتاح كلام في مخاطبة ملك، وكقوله وهو مما تكلف له للفظ
(2/16)

المتعقد، والترتيب المتعسف لغير معنى بديع، لا يفي شرفه وغرابته بالتعب في استخراجه، ولا تقوم فائدة الانتفاع به بإزاء التأذى باستماعه:
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسُمه ... بأن تُسعدا والدمعُ أشفاه ساجِمُهْ
وكقوله في استفتاح قصيدة في مدح ملك يريد أن يلقاه بها أول لقيه:
(2/17)

كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا ... وحسبُ المنايا أن يكن أمانيا
وفي الابتداء بذكر الداء والموت والمنايا ما فيه من الطيرة التي تنفر منها السوقة فضلا عن الملوك.
حكى الصاحب قال: ذكر الأستاذ الرئيس يوما الشعر فقال: إن أول ما يحتاج فيه إليه حسن المطلع، فإن ابن
(2/18)

أبي الثياب أنشدني في يوم نوروز قصيدة ابتداؤها:
أقبر وَمَا طَلَّتْ ثراكَ يدُ الطَّلّ
فتطيرت من افتتاحه بالقبر، وتنغصت باليوم والشعر، فقلت له: كذاك كانت حال أبي مقاتل الضرير، لما أنشد مخدومه الداعي إلى الحق العلوي الثائر بطبرستان، وهو الحسن بن زيد بن محمد، من أولاد زيد بن علي، واستولى على طبرستان وما يليها، في خلافة المستعين، ويسمى بالداعي
(2/19)

الأكبر، وقد ولى الأمر بعده الأمر بعده أخوه محمد بن زيد، إلى أن قتل بجرجان
موعد أحبابك بالفرقة غد
أغضبه التفاؤل بهذا الافتتاح، وقال له: بل موعد أحبابك يا أعمى ولك المثل السوء.
ودخل أيضاً على الداعي يوم المهرجان، وأنشده:
(2/20)

لا تَقلْ بشرى ولكن بُشريان ... غُرَّةُ الداعي ويومُ المِهْرجانْ
فإنه نفر من قوله:) لا تقل بشرى (أشد نفار، وتطير،، وقال: أعمى ويبتدئ بهذا في يوم مهرجان، وأمر بضربه خمسين سوطا، وقال: إصلاح أدبه أبلغ من ثوابه، ولما أنشد أبو نواس الفضل بن يحيى البرمكي قصيدته التي مدحه بها، وأولها:
(2/21)

أرَبْعَ البِلى إن الخشوعَ لبادي ... عليك، وإني لم أخنك ودادي
تطير الفضل من هذا الابتداء، فلما انتهى إلى قوله:
سلام على الدنيا إذا ما فُقِدتُم ... بنى بَرْمك من رائحين وغادي.
استحكم تطيره، ولم يمض أسبوع حتى نزلت بهم النازلة.
ولما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان. جلس فيه، وجمع
(2/22)

أهله وأصحابه وأمرهم أن يخرجوا في زينتهم، فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم، فاستأذنه إسحاق بن إبراهيم الموصلي في الإنشاد فأذن له، فانشده شعراً حسناً، إلا أنه استفتحه بذكر الديار وعفائها، وقال:
يا دارُ غّيرك البِلى ومَحاكِ ... ياليتَ شِعري ما الذي أبكاك؟
(2/23)

فتطير المعتصم من ذلك، وتغامز الناس على إسحاق بن إبراهيم، كيف ذهب إلى مثل ذلك، مع معرفته وعلمه، وطول خدمته للملوك، ثم أقاموا يومهم، وانصرفوا، فما عاد منهم اثنان إلى ذلك المجلس، وخرج المعتصم إلى) سر من رأى (وخرب القصر.
وينبغي للشاعر إذا أراد ذكر دار في مديحه، فليذكر كما
(2/24)

ذكر أشجع السلمي حيث قال:
قصرُ عليه تحيةُ ويلامُ ... خلعت عليه جمالها الأيامُ
وما أجدر هذا البيت بمفتتح شعر إسحاق بن إبراهيم الذي أنشده للمعتصم. وقصيدة أبي نواس التي أولها:
يا دارُ ما فعلت بك الأيام ... لم يبق فيك لذاذةُ تُستامُ
من أشرف شعره، وأعلاه منزلة،
(2/25)

وهي مستنكرة الابتداء، لأنها في مدح الخليفة الأمين، هلا قال كما قال العماني:
على منبر العَلْياء جَدُّك يخطبُ ... وللبلدة العَذْراء سيفك يخْطبِ
وافتتاح المديح بمثل ذكر الديار ودثورها يتطير منه ولا سيما في مشافهة الخلفاء والملوك والوزراء، وللاحتراز عن التطير، تأبى أهل الظرف إهداء
(2/26)

السفرجل إلى الأحباب، لاشتمال اسمه على) سفرجل (، فكيف لا يلومون مهيارا الديلمي على قوله:
وإنكْ مدْخور لإخياء دولةِ ... إذا هي ماتت كان في يديك النشر
وهل خلع هارون على كاتبه إذا سأله عن شيء، فقال: لا وأيد الله أمير المؤمنين، إلا لأنه لم يسمع ما عليه الأغبياء فيما بينهم من ترك الواو في
(2/27)

مثل هذا الجواب.
قال الصاحب بن عباد: هذه الواو أحسن من واوات الأصداغ في خدود المرد الملاح. وسأل هارون المأمون عن جمع المسواك فقال: ضد محاسنك يا أمير المؤمنين؛ فأعجب به غاية الإعجاب. وسأل بعض الملوك كاتبه عن شجرة تراءت له، فقال: شجرة الوفاق، تفاديا من شجرة الخلاف،
(2/28)

ولما دخل ذو الرمة علي عبد الملك، وأنشده قصيدته التي أولها: ما بال عينيك منها الماء ينسكب وكانت عين عبد الملك تدمع، فتوهم أنه خاطبه، فقال له: ما سؤالك عن هذا يا بن الفاعلة؟ ومقته، وأمر بإخراجه، وكذلك قول البحتري وقد أنشد يوسف بن محمد قصيدته التي أولها:
(2/29)

لك الويل من ليل تقاصر آخره فقال له: لك الويل والّحَرب وكقوله أيضاً:
فؤاد ملاه الحزن حتى تصدعا
فإن ابتداء المديح بمثل هذا طيرة ينبو عنها السمع، ولو كانت في المرائي لحسن موقعها، وكذلك قول أبي تمام: تجَّرعْ أسىً قد أقفر الجَرَعُ الفْردُ
(2/30)

والذي ألقاه في هذه الورطة، التجنيس بين تجرع والجرع، ولما أنشد الأخطل عبد الملك بن مروان قصيدته التي أولها:
خفَّ القطينُ فراحوا منك أو بكروا
قال له عبد الملك: لا، بل منك، وتطير من قوله. ولما دخل أبو النجم علي هشام بن عبد الملك، وأنشده أرجوزة؛ منها في وصف
(2/31)

الشمس: كأنها في الأفق عين الأحوال.
وكان هشام أحول فأمر بإخراجه.
واعلم أن شروط الابتداء ألا يكون يتطير منه كما مر، ولا يمجه السمع، كقول أبي تمام:
قَدْك اتئِبْ أسرفتَ في الغُلواءِ ... كم تعذُلون وأنتمُ سُجَرَائي
وكقوله:
(2/32)

تَقيِ جَمَحاتي لستُ طوعَ مُؤَنّبي ... وليس جنيبي إن عذلْتِ بِمصحبيِ
وكقول المتنبي:
أقَلُّ فَعالي بَلْهَ أكثُره مجدُ ... وذا الجِدُّ فيه نلتُ أو لم أنل جَد
أيْ أقلُّ فعالي جِد، دعْ أكثره، وهذا الجدّ في المجد جَد، نلت أو لم أنلْ.
وكقوله:
كُفّى أرانِي وَيْنكِ لومَك ألْومَا ... هَمْ أقام على فؤاد أنْجَما
(2/33)

ومعنى هذا البيت هو ما قاله ابن جني لا غير. يقول للعاذلة كفى واتركي عذلي، فقد أراني هذا الهم لومك إياي أحق بأن يلام مني.
قال الصاحب: ومن عنوان قصائده التي تحير الأفهام، وتفوت الأوهام، وتجمع من الحساب مالا يدرك بالأرتماطيقي، وبالأعداد الموضوعة للموسيقا.
(2/34)

أحُادُ أم سُداسُ في أحاد ... لُييْلُتنا المنَوُطَةُ بالتنادِ
وهذا كلام الحكل ورطانة الزط، وما ظنك بممدوح قد تشمر للسماع من مادحه، فصك سمعه بهذه الألفاظ الملفوظة، والمعاني المنبوذة، فأي هزة تبقى هناك؟ وأي أريحية تثبت هنا؟ وهذا البيت مدخول من وجوه: الأول: أن هذا البناء
(2/35)

لا يتجاوز رباع إلا نادرات. الثاني: أن أحاد لا تستعمل في موضع الواحد، وكذلك سداس، الثالث: حذف الهمزة من أحاد. قال الواحدي: وأكثروا في معنى هذا البيت، ثم لم يأتوا ببيان مفيد موافق للفظ وإن حكيت ما قالوا فيه طال الكلام، ولكني أذكر ما وافق اللفظ من المعنى، وهو أنه أراد: واحدة أو ست في واحدة،
(2/36)

إذا جعلتها فيها كالشيء في الظرف، ولم يرد الضرب الحسابي بسبع وخص هذا العدد، لأنه أراد ليالي الأسبوع، وجعله اسما لليالي الدهر كلها لأن كل أسبوع بعده أسبوع آخر، إلى آخر الدهر. يقول هذه الليلة واحدة، أم ليالي الدهر كلها. جمعت في هذه الواحدة، حتى طالت وامتدت إلى يوم القيامة؟ وهو قوله ليلتنا المنوطة بالتناد. هذا كلام فيه ما فيه لمن تأمله.
ومن ابتداءاته البشعة التي
(2/37)

تنكرها بديهة السماع قوله:
مُلِثَّ القطرِ أعطِشْها رُبوعَا ... وإلا فاسقِها السمَّ النقيعا
وقوله:
ثْلِثْ فإنا أيُها الطَّلَلُ ... نبكي وتُرْزِمُ تحتنا الإبلُ
وقوله:
بقائي شاء ليس همُ ارتحالا ... وحسنَ الصبر زَموا لا الجمالا
قال الصاحب: ومن افتتاحاته
(2/38)

العجيبة قوله لسيف الدولة في التسلية عن المصيبة:
لا يحزُنِ اللهُ الأميرَ فإنني ... لآخذُ من حالاته بنصيب
قال الصاحب: لا أدري لم لا يحزن سيف الدولة إذا أخذ المتنبي بنصيب من حالاته؟ قلت: بلغ بغض الصاحب أبا الطيب إلى أن حرف بيته، واعترض،
(2/39)

وإلا فالصاحب أجل من أن يشتبه عليه مثل هذا، والمعنى لا أحزنه الله، فإنه إذا حزن حزنت ولقد أبدع في التلويح بالحزن، والنون في لا يحزن مكسورة، وهو دعاء، ومن هذه القصيدة البيت الذي أفسده حشوه وهو:
ولا فضلَ فيها للشجاعةِ والندى ... وصبر الفتى لولا لقاء شَعوبُ
وأجاب عنه بعض الشراح
(2/40)

جواباً غير مرضى.
ومنها إتباع الفقرة الغراء بالكلمة العوراء، والإفصاح بذلك في شعره عن كثرة التفاوت، وقلة التناسب، وتنافر الأطراف، وتخالف الأبيات، وما أكثر ما يحوم حول هذه الطريقة، ويعود لهذه العادة السيئة، ويجمع بين البديع النادر. والضعيف الساقط؛ فبينا هو يصوغ
(2/41)

حلى، وينظم أحسن عقد، وينسج أنفس وشي، ويختال في حديقة ورد، إذا به قد رمى بالبيت والبيتين في أبعاد الاستعارة، وتعويض اللفظ، وتعقيد المعنى إلى المبالغة في التكلف، والزيادة في التعمق، والخروج إلى الإفراط والإحالة، أو السفسفة والركاكة، أو التبرد والتوحش، باستعمال
(2/42)

الكلمات الشاذة، فمحا تلك المحاسن، وكدر صفوها، وأعقب حلاوتها مرارة لا مساغ لها، واستهدف لسهام العائبين، وتحك بأسنة الطاعنين، فمن متمثل بقول الشاعر:
أنت العروسُ لها جمالُ رائع ... لكنها في كل يوم تُصرع
ومن مشبه إياه بمن يقدم مائدة
(2/43)

تشتمل على غرائب المأكولات، وبدائع الطيبات، ثم يتبعها بطعام وضر، وشراب عكر، أو من يتبخر بالند المعشب، المثلث المركب من العود الهندي، والمسك الأصهب، والعنبر الأشهب، ثم يرنقه بإرسال الريح الخبيثة، ويفسده بالرائحة الردية، أو بالواحد من عقلاء المجانين، ينطق بنوادر الكلم،
(2/44)

وطرائف الحكم، ثم تعتريه سكرة الجنون فيكون أصلح أحواله، وأمثل أقواله أن يقول: اعذروني فان العذرة متعذرة. فمما نشر أبو الطيب من هذا النمط قوله:
أتراها لكثرة العُشَّاق ... تحسبَ الدمعَ خِلقَةً في المآقي؟
وهذا ابتداء ما سمع بمثله، ومعنى تفرد بابتداعه، لولا ما كدر
(2/45)

صفوه، وقبح حسنه وشفعه بما لا يبالي العاقل أن يسقطه من شعره، وهو قوله:
كيف تَرثى التي ترى كل جَفن ... راءها غيرَ جفنها غيرَ راقي
فبينما الذوق يستلذ حلاوة البيت الأول، إذ شرق بمرارة البيت الثاني، وقوله:
لياليّ بعد الظاعنين شُكولُ ... طِوال وليلُ العاشقين طويلُ
(2/46)

يُبنَّ لي البدرَ الذي لا أريده ... ويخفين بدراً ما إليه سبيل
وما عشت من بعد الأحبة سَلوةً ... ولكنني للنائبات حَمول
وما شرقي بالماء إلا تذكرا ... لماءٍ به أهلُ الحبيب نُزُول
إلى أن قال:
يُحرَّمه لمعُ الأسنَّة فوقه ... فليس لظمآن إليه سبيلُ
من قصيدة اخترع أكثر معانيها، وتسهل في ألفاظها،
(2/47)

فجاءت مطبوعة مصنوعة، ثم اعترضته تلك العادة المذمومة فقال:
أغركمُ طول الجيوش وعرضُها ... على شَروب للجيوش ولم يمنعك أنك فيل
ثم أتى بما هو أطم منه، فقال - وذكر الصاحب أنه من أوابده التي لا يسمع طول الأبد بمثلها:
(2/48)

إذا كان بعض الناس سيفاً لدولة ... ففي الناس بُوقاتُ لها وطُبولُ
فإن تكن الدَّولات قسما فإنها ... لمن ورد الموتَ الزؤامَ تَدولُ
قال الصاحب قوله: الدولات وتدول من الألفاظ التي لو رزق فضل السكوت عنها لجاز. وقال من قصيدة جمع فيها بين الشذرة والبعرة والدرة والآجرة:
(2/49)

لك يا منازلُ في القلوب منازلُ ... اقفرت أنتِ وهن منك أو أهلُ
وهذا ابتداء حسن، ومعنى لطيف، ثم قال:
وأنا الذي اجتلب المنية طرفُه ... فَمَن المُطالبُ والقتيلُ القاتلُ
وهو وإن كان مأخوذاً من قول دعبل:
لا تطلبا بظلامتي أحداً ... طرفي وقلبي في دمي اشتركا
(2/50)

فإنه أخذ بأطراف الرشاقة والملاحة. ثم استمر في القصيدة فجاء بالتوسط المقارب، والبديع النادر، والرديء النافر، حيث قال:
ولذا اسم أغطيةِ العيون جفونهاُ ... من أنها عَمَل السيوفِ عواملُ
وهو معنى في نهاية الحسن واللطف لو ساعده اللفظ.
كم وقفة سجرتك شوقا بعدما ... غِرى الرقيبُ بنا ولجَّ العاذلُ
(2/51)

فلم يحسن موقع سجرتك، أي ملأتك، هكذا الرواية بالجيم ولو كانت بالحاء من السحر، لم يكن بأس، ثم قال وملح:
دون التعانق ناحلَيْن كشكَلْتَيْ ... نصب أدقهما وضمَّ الشاكلُ
أي قريب بعضنا من بعض، ولم نتعانق خوف الرقيب، ثم قال وأحسن غاية الإحسان:
للهو آونةُ تمرّ كأنها ... قُبَلُ يُزَودها حبيبُ راحل
(2/52)

جمع الزمانُ فما لذيذُ خالص ... مما يشوب ولا سرورُ كامل
حتى أبو الفضل بن عبد الله رؤ ... يته المنى وهو المقام الهائل
قال ابن جني: وهذا خروج غريب ظريف حسن، ما أعرفه لغيره، يقول: إن المنى رؤيته إلا أن هيبته تهول، ثم قال فجمع أوصافا في بيت واحد:
للشمس فيه وللرياح وللسحا
(2/53)

.. ب وللبحار وللأسود شمائلُ
ثم قال وتحذلق وتبرد:
ولديه مِلْعقيان والأدب المُفا ... دِ وملْحياةِ وملْممات مناهلُ
وإنما ألمّ في صدر هذا البيت بقول أبي تمام:
نأخذ من ماله ومن أدبه
ثم قال:
علامة العلماء واللجُّ الذي ... لا ينتهي ولكل لُج ساحلُ
ثم قال فأحال:
(2/54)

لو طاب مولد كل حي مثلَه ... وَلَدَ النساءُ وما لهن قوابل
قال القاضي أبو الحسن: إن طيب المولد لا يستغني به عن المقابلة، وإن استغني عنها كان ماذا؟ وأي فخر فيه؟ وأي شرف ينال به؟ ثم توسط وقارب، فقال:
ليَزدْ بنو الحسن الشَّرافُ تواضعا ... هيهات تكتم في الظلام مَشَاعِلُ
(2/55)

ستروا الندى ستر الغراب سِفادَه ... فبدا وهل يَخفَى الرَّباب الهاطل
ثم قال، وتوحش، وتبغض ما شاء الحاسد:
جَفَخت وهم لا يجخفون بها بهم ... شيِمُ على الحسب الأغرَ دلائلُ
ولفظة الجفخ مرة الطعم إذا مرت على السمع اقشعر منها، ويا لله العجب أليس أنها بمعنى فخرت، وهي لفظة حسنة رائقة،
(2/56)

ولو وضعت في هذا البيت موضع جخفت لما اختل شيء من وزنه، فأبو الطيب ملوم من وجهين: أحدهما أنه استعمل القبيح، والآخر أنه كانت له مندوحة عن استعماله فلم يعدل عنه، ومثل بيت أبي الطيب ما ورد في الحماسة لتأبط شراً حيث قال:
(2/57)

يَظل بمَوْمَاة ويُمسيَ بغيرها ... جَحِيشاً وَيعْروري ظهورَ المهالك
فلفظ جحيش من الألفاظ المنكرة، وهي بمعنى فريد، فعليه من اللوم ما على أبي الطيب، وكذلك ورد قول أبي تمام:
قد قلت لما اطلخم الأمرُ وانبعثت ... عشواءُ تاليةً غُبْساً دهاريسا
فلفظة اطلخم من الألفاظ
(2/58)

المنكرة، وهي مع غرابتها غليظة في السمع كريهة على الذوق، وكذلك لفظة دهاريس، ثم قال:
يا افخرْ فإن الناسَ فيك ثلاثة ... مستعظمُ أو حاسدُ أو جاهلُ
أي يا هذا افخر، فحذف المنادي، وتباغض، وتبادي ثم قال:
لا تَجسُرُ الفصحاءُ تُنشد هاهنا ... بيتاً ولكني الهزبْرُ الباسلُ
ما نال أهلُ الجاهلية كلهم ... شعري ولا سمعتْ بسحريَ بابلُ
ثم قال، وأرسله مثلا سائراً، وأحسن جدا:
(2/59)

وإذا أتتك مّذَمَّتي من ناقص ... فهي الشهادةُ لي بأني فاضل
ثم قال، وتعسف في اللفظ:
وأمَا وحقِك وهْو غايةُ مُقسمٍ ... لَلْحقُّ أنتَ وما سواكَ الباطلُ
الطيب أنتَ إذا أصابك طيبُة ... والماءُ أنَتَ إذا اغتسلتَ الغاسل
وتقدير الكلام: الطيب أنت طيبه إذا أصابك، والماء أنت غاسله إذا اغتسلت به، وإنما ألم
(2/60)

فيه بقول القائل:
وتزيدين طيب الطيب طيباً ... إن تمسّيه أين مثلك أينا؟
تذكرت بقول المتنبي: وإذا أتتك الخ. ما يحكى أن أبا العلاء المعري: كان في بعض الأيام حاضراً في مجلس الشريف المرتضى، فجرى ذكر المتنبي، فهضم المرتضى من جانبه، فقال المعري: لو لم يكن له من الشعر إلا قوله:
(2/61)

لك يا منازلُ في القلوب منازل
لكفاه، فغضب المرتضى، وأمر بإخراجه، وقال أتدرون ما عنى؟ فقالوا: لا. قال: عني به قول المتنبي: وإذا أتتك البيت.
ومن التلميح بهذا البيت ما حكاه صاحب الحدائق أن الفتح بن خاقان ذكر ابن الصائغ العقيان، فقال فيه: رمد عين الدين، وكمد نفوس المهتدين،
(2/62)

لا يتطهر من جناية، ولا يظهر مخايل إنابة. فبلغ ذلك ابن الصائغ، فمر يوماً على الفتح بن خاقان، وهو جالس في جماعة، فسلم على القوم، وضرب على كتف الفتح، وقال له: إنها شهادة يا فتح، ومضى. فلم يدر أحد ما قال إلا الفتح، فتغير لونه، فقيل له ما قال لك؟ فقال: إني وصفته كما تعلمون في قلائد العقيان، فما بلغت
(2/63)

بذلك عشر ما بلغ هو مني بهذه الكلمة، فإنه أشار بها إلى قول المتنبي: وإذا أتتك الخ. ومن التلميح ما قيل: إنه دخل على سيف الدولة بعض الشعراء فقال أيها الأمير: بماذا تفضل علي ابن عيدان السقا؟ قال لحسن شعره، فقال أيها الأمير. اختر أي قصيدة له حتى أعارضها، بأحسن منها، فقال
(2/64)

سيف الدولة: عليك بقصيدته التي أولها:
لعينيكِ ما يلقى الفؤادُ وما لقى ... وللحب ما لم يبق مني وما بَقى
فلم يرها من مختاراته، فأمعن النظر، فرأى في أثنائها:
بلغتُ بسيف الدولة النور رتبةً ... أنَرتُ بها ما بين غرب ومشرق
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ... أراه غُباري ثم قال له: الحق
(2/65)

فامتنع عن معارضتها، وعلم قصد سيف الدولة.
قال ابن بسام في الذخيرة، إن أبا عبد الله بن شرف قال يوماً للمأمون ابن ذي النون أيام خدمته إياه، واستشفافه صبابة عمره في ذراه وقد أجروا ذكر أبي الطيب، فذهبوا في وصفه كل مذهب: إن رأى المأمون) لا فارق العزة والعلاء (أن يشير إلى أي قصيدة شاء من شعر أبي الطيب حتى أعارضه بقصيدة تنسى اسمه، وتعفى رسمه، فتثاقل ابن ذي النون عن جوابه علما بضيق جنابه، وإشفاقاً من فضيحته وانتشابه، وألح أبو عبد الله حتى أحرج ابن ذي النون، وأغراه، فقال له: دونك قوله:
لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقى
فخلا بها ابن شرف أياماً فوجد مركبها وعراً ومريرتها شزرا، ولكنه أبلى عذراً، وأرهق نفسه من أمرها عسراً؛ فما قام ولا قعد، ولا حل ولا عقد. وسئل ابن ذي النون بعد. أي شيء أقصده إلى تلك القصيدة؟ فقال: لأن أبا الطيب، يقول فيها: بلغت بسيف الدولة النور رتبة، وأنشد البيتين. قال ابن بسام وقد حدثت أيضاً أن أبا علي بن شيق ناجي نفسه بمعارضة أبي الطيب في بعض أشعاره، وراطن شيطانه بالدخول في مضماره، فأطال الفكرة، وأعمل النظرة بعد النظرة، فاختار من شعره ما لم يطر ذكره، ولا انحط قدره، فأداه جهده، وذهب به نقده، إلى معارضة قوله:
أمن ازديارك في الدجى الرقباء
فبث عيونه، واستمد شياطينه، فلم يدع ثنية إلا طلعها، ولا دوية إلا اتسع لها، فوسعها، ثم صنع قصيدة رأى أنها مادة طبعه، ومنتهى طاقة فنه ووسعه، ثم حكم نقده، ورضى ما عنده، فرأى أن قد قصرت يداه، وقصر مداه، وعلم أن الإحسان كنز لا يوجد بالطلب.
ومن التلميح ما كتبه العلامة عماد الفضائل والآداب سمى من ألف برسمه هذا الكتاب إلى مضاهيه ومثليه، ورسيله في الفضل وزميله، شيخنا النجم الذي بنوره تشرق الدجنة، وأرسله من دمشق إلى حلب مع هدية، من جملتها أديب عليه سيمياء
(2/66)

أهل الجنة:
أنجم الدين مَنْ مَلك القلوبا ... فقلبي في حِماه لن يثوبا
أخي فكأنَّ أمّضا أرضعتنا ... معا في الشام أو حَلَب الحليبا
ومَنْ لي بعادي عنه همُ ... عسى ألقى له فرجا قريبا
لقد أهديتُ قاضينَا إليكم ... لينشدكم من الشعر الغريبا
ولطُفك ليس يُنكر في الهدايا ... على من زاركم فيها أديبا
(2/67)

فلا زالتْ ديارُك مشرقات ... ولا دانيتَ يا نجم الغروبا
والتلميح إلى الأديب الذي ذكره أبو الطيب المتنبي في قصيدته التي يمدح بها علي بن سيار بن مكرم التميمي، وأولها:
ضروب الناس عشاق ضروبا ... فأعذرهم أشفهمُ حبيبا
ومنها:
اعزمي طال هذا الليلُ فانظُرْ ... أمنكَ الصبحُ يَفْرَقُ أن يئوبا
(2/68)

كأنَ الفجرَ حِبُ مُستزارُ ... يُراعي من دُجُنته رقيبا
كأن نجومه حَلْىُ عليه ... وقد حُذيِتْ قوائمه الجَبُوبا
كأن الجوَّ قاسى ما أقاسي ... فصار سوادهُ فيه شُحوبا
كأن دُجاه يجذبها سُهادي ... فليس تَغيبُ إلا أن يَغيبا
الضمير في: ليس تغيب يعود إلى دجاه، وهي جمع دجية، وفي: إلا
(2/69)

أن يغيبا يعود إلى سهادي. ومنها:
أقَلبُ فيه أجفاني كأني ... أعُدَّ به على الدهر الذُّنوبا
وما ليلُ بأطول من نهار ... يظلُ بلحظ حُسادي مَشوبا
مأخوذ من قول امرئ القيس:
فقلت له لما تَمطىَّ بصُلْبه ... وأردف أعجازاً وثاء بكلكل
إلا أيها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح، وما إلا صباح منك بأمثل
(2/70)

ولو لم يكن لأبي الطيب إلا هذه الأبيات، لاستحق أن يتقدم بها على كل من تكلم بقافية، ومنها:
أيا من عاد روحُ المجدِ فيه ... وعاد زمانهُ البالي قشيبا
تَيَمَّمَني وكيلكُ مادحاً لي ... وأنشدني من الشعر الغريبا
قال أبو الحسن علي بن أحمد: سمعت الشيخ أبا المجد كريم بن الفضل قال: سمعت والدي أبا
(2/71)

بشر قاضي القضاة قال: أنشدني أبو الحسن الشامي الملقب بالمشوف المعلم قال: كنت عند المتنبي فجاء هذا الوكيل، فأنشده هذه الأبيات وهي:
فؤدي قد انصدع ... وضِرسي قد انقلع
وعَقْلِلي لِلَيْلَتي ... قد انهوى وما رجع
يا حبَّ ظبي غَنجٍ ... كالبدر لما أن طلع
(2/72)

رأيته في بيته ... من كُوَّة قد اطّلعْ
فقلت تِهْ تِهْ وتِه ... فقال لي مُرّ يا لُكعَ
هات قِطَعْ ثم قِطعِ ... ثم قِطَعْ ثم قِطعْ
وضع بكفيّ ففيّ ... حتى أدعكك يضع فَضَعْ
فهذا الذي عناه بقوله، وأنشدني من الشعر الغريبا،
(2/73)

ثم قال المتنبي:
فآجرك الإلهُ على عليلٍ ... بعثتَ إلى المسيح به طبيبا
ولستُ بمنكر منك الهدايا ... ولكن زدتَني فيها أديبا
فلا زالت ديارك مشرقات ... ولا دانيت يا شمس الغروبا
ومما يندرج في هذا الباب، ما ذكر في بعض كتب الآداب، وملخصه أن بعض الشعراء
(2/74)

ألجأته الضرورة، فقصد نادي بعض الوزراء، وحملته دقة حاله على أن تقاضاه في الطلب، واشتكى في زمانه كساد سوق العلم والأدب، وأنشده لأبي تمام:
أكابَرنا عطفا علينا فإننا ... بنا ظمأ بَْحُ وأنتمْ مناهلُ
فأعرض عنه، ولم تجده الوسائل، ثم قال له من القائل؟
(2/75)

الحبُّ ما منع الكلامَ الألسنا ... وألذُّ شكوى عاشق ما أعلنا
فقال: هو للذي يقول:
بِنَّا فلو حَلَّيتْنَا لم تَدْرِ ما ... ألواننا مما امتُقعِن تلوّنا
والبيت الذي أنشده الوزير مطلع لأبي الطيب المتنبي، ومراده التلميح إلى قوله في أثناء هذه القصيدة:
(2/76)

وانْهَ المشير عليك فَّي بِضَلَّة ... فالُحرُّ ممتحَنُ بأولاد الزَّنا
فلما علم ما قصده الوزير ذلك الشاعر أجابه بالبيت الثالث من القصيدة، ومراده التلميح إلى بيت ثالث من مقصده، وهو:
ومكايدُ السفهاءِ واقعةُ بهم ... وعداوةُ الشعراء بئس المُقْتَنَى
وكان الوزير مغرما بابنة السلطان، وقد بدا من شأنهما
(2/77)

ما نقلته الركبان، فتوسل ذلك الشاعر إلى أن أوقف أباها على جلية الخبر واستفهم عنه، فإذا هو أظهر من القمر، وكأن أجل ذلك الوزير قد دنا، فقتل،

عداوة الشعراء بئس المقتنى
ومن التلميحات الخفية ما يحكى عن رجل من المناقذة أصحاب حصن شيرز، وهو أولهم الذي استنقذهم،
(2/78)

وكان قبل ملكه إياه في خدمة محمود بنصالح صاحب حلب، وكان إذ ذاك يلقب سديد الملك، فبينا هو في مكانه إذ حدثت له حادثة أوجبت أن هرب، ومضى إلى مدينة طرابلس في زمن بني عماد أصحاب البلد، فأرسل إليه ابن صالح، واستعطفه ليعود إليه، فخافه، ولم يعد، فأحضر ابن صالح رجلاً من أهل البلد
(2/79)

صديقاً لابن منقذ وبينهما لحمة مودة أكيدة، فأجلسه بين يديه، وأمره أن يكتب إليه كتاباً عن نفسه يوثقه من جهة ابن صالح، ليعود، فما وسعه إلا أن يكتب، وهو يعلم أن باطن الأمر خلاف ظاهره، وأنه متى عاد ابن منقذ إلى حلب، هلك، فأفكر وهو يكتب الكتاب في إشارة عمياء لا تفهم، ليضعها فيه، يحذر بها ابن منقذ،
(2/80)

فأدار فكره إلى أن كتب في آخر الكتاب عند انتهائه، إن شاء الله تعالي، وشدد إن وكسرها، وضبطها، ليعلم منه الفطن الذكي أنه ليس عن سهو، ثم سلم الكتاب إلى ابن صالح، فوقف عليه، وأرسله إلى ابن منقذ، فلما صار في يده، وعلم ما فيه، قال: هذا كتاب صديقي، وما فيه، قال: هذا كتاب صديقي، وما يغشني، ولولا أنه علم صفاء قلب ابن صالح ما كتب
(2/81)

إلى، ولا غرني، ثم عزم على العود، وكان عنده ولده، فأخذ الكتاب، وكرر نظره فيه، ثم قال: مكانك، فإن صديقك قد حذرك، وقال: لا تعد، فقال: وكيف ذاك؟ قال: إنه كتب إن شاء الله تعالى في آخر الكتاب، وشدد إن، وكسرها وضبطها ضبطاً صحيحاً لا يصدر مثله عن سهو، ومعنى ذلك أنه يقول: إن الملأ يأتمرون بك
(2/82)

ليقتلوك، وإن شككت في ذلك فأرسل إلى صديقك فاسأله، فأرسل إليه، وسأله، فقال: هو ما قال ولدك، فأقام، ولم يعد إلى حلب. وهذه الحكاية ينسبها من لا اطلاع له على الأخبار إلى أبي الطيب المتنبي، ويقول: إنه أرسل إلى صاحب حلب كتاباً يقول فيه: إنه يعود إليه، وكتب في آخره إن شاء الله تعالى، وشدد إن وزاد نونها ألفاً
(2/83)

صغيرة، فلما ورد الكتاب، وسمع به صديقه، توهم أنه ما فهم إشارته، فساءه ذلك، ثم تأمل الكتاب، فرأى في آخره إنا شاء الله تعالى بزيادة ألف في نونها، فعلم أنه فهم، وأنه يقول: إنا لن ندخلها، وهذه موضوعة.
ومما اشتهر بين الطَّغام الذين هم كالأنعام أن أبا الطيب يمم المغرب بجماعة كثيرة، وآلات خطيرة، ونصبت خيامه
(2/84)

على باب مدينة حاكمها، فارتجت له دعائم معالمها، واستكشف خبره، فإذا هو شاعر أتاه، وعلم أنه يعجز عن رضاه، فقال شاعره وهو ابن هاني الأندلسي: على رده قبل أن تراه، ثم تزيا بزي غث، وتجلبب بجلباب رث، وعمد إلى شيء من الحنطة والشعير، ووضعهما على أحد الحمير، ثم مر المتنبي، وهو
(2/85)

ينظر إلى الماء وتجعيده بيد الهواء وهو يكرر هذا الشطر:
نسج الريح على الماء زرد
فقال ابن هانئ:
ياله درع منيع او جمد
فسأله أبو الطيب عن خبره، فأخبره أنه شاعر تلك البقاع، فاستنشده، فأنشده من مدائحه مخدومه ما تسكر منه الأسماع.
ضحك الزمانُ وكان قدْما عابسا ... لما فتحتَ بسيف عزمك قابسا
أنكحتها بكراً وما أمهرتها ... إلا دقناً وقواضباً وفوارسا
من كانت البيضُ الصوارمُ مهرَة ... جُلبتْ له بيضُ الحصون عرائسا
الله أكبر ما اجتنبت ثمارها ... إلاّ وكان أبوك قبلك غارساً
فقال: ما حباك على هذه القوافي الجليلة؟ فأشار إلى
(2/86)

ما على حماره، وقال هذه الجائزة الجزيلة، فقوض عن المغرب خيامه، وجعل المشرق أمامه، وبعد برهة من الزمان قصد ابن هانئ سيف الدولة بن حمدان، والمتنبي إذ ذاك شاعره، ونديمه، وصاحبه، وحميمه، وكان اطلع على تلك المكيدة، وصمم على أن يكيده، فتلقاه تلقى كثير لعزة، وأحله داره وأعزه،
(2/87)

واستطلع رأيه في مدح سيف الدولة، وسأله عن أسلوبه. ليتبع قوله، فأرشده، فنظم على ذلك الأسلوب ما تسجد له جباه الأفهام، ولما مثل لينشده، رآه مبانيا لذلك المقام:
سارتْ مُشرقةً وسرت مغربا ... شتان بين مُشرق ومُغرب
ولما أنشده ما أبدعه فلم يطرب، علم أن واحدة بواحدة جزاء،
(2/88)

فعدل عن ذلك الأسلوب، وأعمل قريحته، وشحذ فكرته، ونظم قصيدته التي أولها:
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر
وأنشدها على ريق لم يبلعه، ونفس لم يقطعه، فأعجب به سيف الدولة إعجاب ابن المعتصم بحبيب، وحظي في ذلك الوقت من الجوائز بأوفر
(2/89)

نصيب، فحسدته الشعراء، وغبطته الأدباء، فقال المتنبي: لا يحسد الميت على النزاع، ولا يغبط من عدم بحياته الانتفاع، وسئل عن معنى ذلك فقال: رأيته قد صوح تحت أقدامه أخضر النبات، وحم ذلك المسكين لوقته، ثم مات. وهذه الحكاية الموضوعة والغربية المصنوعة، تروي على وجوه
(2/90)

مختلفة، وأنحاء غير مؤتلفة، وهي مأخوذة من خبرين لأبي تمام: أحدهما أنه قصد البصرة، وبها عبد الصمد بن المعذل الشاعر، فلما سمع بوصوله، خاف أن يميل الناس إليه، ويعرضوا عنه، فكتب إليه قبل وصوله البلد:
أنت بين اثنتين تبرز للنا ... س وتلقاهُمُ بوجه مُذال
لست تنفسك راجيا لوصال ... من حبيب أو راغباً في نَوال
(2/91)

أي ماء يبقى لوجهك هذا ... بين ذل الهوى وذل السؤال
فلما وقف على الأبيات أضرب عن مقصده، ورجع، وقال: قد شغل هذا ما يليه، فلا حاجة لنا فيه، والثانية ما قيل إن أبا تمام امتدح أحمد بن المعتصم بقصيدته التي أولها:
ما في وقوفك ساعةً من باس ... نَقضي ذمام الأربُع الأدارس
(2/92)

فلعلّ عينيكَ أن تُعين بمائها ... والدمُع منه خاذلُ ومواسي
لا يُسعدُ المشتاقَ وسنانُ الهوى ... يَبَسُ المدامع باردُ الأنفاس
إن المنازلَ ساورتها فُرقةُ ... أخلتْ من الآرام كل كنَاس
من كل ضاحكة الشمائل أرهفتْ ... إرهاف خُوط البانة الميَّاس
بدر أطاعتْ فيك بادرةَ النوى ... وَلَعاً وشمس أولعت بشمِاس
(2/93)

وإذا مشتْ تركتْ بقلبك ضِعف ما ... بحُليها من كثرة الوسواس
قالت وقد حُمَّ الفراقُ فكأسه ... قد خولط الساقي بها والحاسي
لا تنسيَنْ تلك العهودَ فإنما ... سُمَّيتَ إنسانا لأنك ناسي
إن الذي خلق الخلائق قاتها ... أقواتها لتصرُف الأحراس
(2/94)

فالأرضُ معروف السماء قرى لها ... وبنو الرجاء لهم بنو العباس
والحمد بُرْدُ جمال اختالت به ... غُررُ الفَعال وليس بُردَ لباس
نَورْ العَرَاة نورهُ ونسيمه ... نشر الخُزامي اخضرار الآس
فلما انتهى إلى قوله:
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
(2/95)

قال الكندي يعقوب الفيلسوف وكان حاضراً: الأمير فوق من وصفت، فأطرق قليلا، ثم رفع رأسه وأنشد:
لا تنكروا ضربي له مَنْ دونه ... مثلا شَرُوداً في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقلَّ لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس
فعجبوا من سرعته وفطنته.
وما ذكر من أنه أنشد القصيدة للخليفة وأن الوزير قال: أي
(2/96)

شيء طلبه فأعطه، فإنه لا يعيش أكثر من أربعين يوماً، لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة الفكرة، وصاحب هذا لا يعيش إلا هذا المقدار، فقال له الخليفة: ما تشتهي؟ فقال: أريد الموصل، فولاه إياها، وتوجه إليها، وبقي هذه المدة، ومات، فشيء لا صحة له أصلا. والصحيح ما نقله ابن بسام في الذخيرة، قال: وقد قيل إن الكندي لما خرج، قال هذا الفتى يموت شابا، لأن ذكاءه ينحت عمره كما يأكل السيف الصقيل غمده، فكان كذلك، فإن الحسن ابن وهب أعتني به، وولاه بريد الموصل،
(2/97)

فأقام بها أقل من سنتين، وتوفي، وتمام القصيدة:
إن تحو فضل السبق في أنف الصبا ... يا بن الخليفة يا أبا العباس
فلرب نار منكم قد أنتْجتْ ... بالليل من قبس من الأقباس
غلب السرور على همومي بالذي ... أظهرتَ من برى ومن إيناسي
أثر المطالب في الفؤاد وإنما ... أثر السنسنَ ووَسُهما في الراس
(2/98)

فالآن حين غرستُ في كرم الثرى ... تلك المنى وبنيت فوق أساس
وهذه قصيدة أبي القاسم محمد بن هانئ الأندلسي، المزعوم، أنها سيف لدولة بن حمدان، وهي في أبي الفرج الشيباني:
فُتقتْ لكم ريحُ الجلاد بعنبر ... وأمدّكمْ فَلَقُ الصباح المُسفرِ
(2/99)

وجنيتُم ثمرَ الوقائع يانعا ... بالنصر من وَرَق الحديد الأخضر
وضربتمُ هام الكُمادة ورُعْتُمُ ... بيضَ الخدور بكل ليث مُخْدرِ
أبني العوالي السَّمهريَّة والسيو ... ف المَشْرفَّية والعديد الأكثرِ
مَنْ منكمُ الملكُ المطاعُ كأنه ... تحت السوابغِ تُبَّعُ في حمْيَرِ
(2/100)

القائُد الخيلِ العتاق شوازباً ... خُزْراً إلى لحظِ السنان الأخزر
شعثَ النواصي حَشْرةً آذانُها ... قُبّ الأباطل ظامياتِ الأنْسُر
تَنبُو سنابكُهُنَّ عن عَفَر الثَّرى ... فيطأْنَ في خدّ العزيز الأصعر
جيش تَقَدَّمهُ الليوثُ وفوقُها ... كالغيل من قصب الوشيج الأسمر
فكأنما سَلب القشاعِمَ ريشَها ... مما يَشُقُّ من العَجاج الأكدر
(2/101)

وكأنما اشتملت قَناه ببارق ... مُتَلّق أو عارض مُثْعَنْجر
تمتد ألسنة الصواعق فوقه ... عن ظُلَّتَيْ مُزْنٍ عليه كَنَهْورَ
ويقودُه الليثُ الغضنفرُ مُعْلماً ... في كل شثْن اللبدتين غضنفَر
نحسَر القبولَ من الدَّبور وسار في ... جمع الهرَقْل وعزمةِ الإسكندر
في فتية صَدَأُ الدروع عَبيرهُم ... وخَلوقُهُم عَلَقُ النجيع الأحمر
(2/102)

لا يأكلُ السَّرحانُ شلْوَ طعينهم ... مما عليه من القنا المتكسر
أنسوا بهجران الأنيس كأنهم ... في عبقريّ البيد جَّنةُ عَبْقَر
يغشون بالبيد القفار وإنما ... تَلِد السَّبَنْتي في اليباب المُقْفرِ
فرواية الصّنديد تُخبر عنهم ... وأسامةُ الصدَّيقُ أصدق مَخبر
قد جاوروا أجَمَ الضَّوارِي حولهم ... فإذا هُم زأروا بها لم تزأر
(2/103)

ومشَوْا على قطع النفوس كأنما ... تمشي سنابك خيلهم في مَرْمر
قوم يبيت على الحشايا غيرُهم ... ومَبيِتُهم فوقَ الجيادِ الضُّمَّر
وتظلُّ تسبحُ في الدماء قِبابهمُ ... فكأنهن سفائنُ في أبحر
فحياضهم من كل مهجة خالع ... وخيامُهم من كل لبِدةِ قَسْور
من كل أهرتَ كالح ذي لِبدة ... أو كل أبيض واضَح ذي مِغْفَر
(2/104)

حيُّ من الأعراب إلا أنهم ... يَرِدُون ماءَ الأمن غيرَ مُكَدّر
راحوا إلى أم الرئال عشيةً ... وغدوا إلى ظبي الكثيب الأعفر
طردوا الأوابدَ في الفَدافدِ طّردهم ... للأعْوجَّيِة في مجال العِثْيَر
ركبوا إليها يوم لهو قنيصهم ... في زيهم يوم الخميس المُصْحرِ
(2/105)

إنا لتجمعنا وهذا الحيَّ من ... بكر أذمَّةُ سالف لم تُخْفَر
أحْلافُنا فكأننا من نسبة ... ولداتنا فكأننا من عنصر
اللابسين من الجلاد انْهبَوا ما ... أغناهمُ عن لأمة وسَنَور
لي منهمُ سيف إذا جردتُه ... يوما ضربتُ به رقَاب الأعْصُر
وفتكتُ بالزمن المدجج فتكة ال ... براض يوم هجائن ابن المنذر
(2/106)

صعب إذا نوب الزمان اسُتصعبت ... مُتَنمر للحادث المتنمر
فإذا عفا لم تلقَ غير مُمَّلك ... وإذا سطا لم تلق غير مُعَفَّرِ
وكفاه من حب السماحة أنها ... منه بموضع مُقلة من محْجرِ
فغمامهُ من رحمة وعراصهُ ... من جنة ويمينه من كوثر
وحكى عن بعض علماء القاهرة المعزية قال: كنت في حرم البيت
(2/107)

الشريف، فدعاني إلى بعض الأماكن الشريف بن الشريف وسمع بتلك الدعوة أحد بني عمه الكرام، فسارع إلينا مسارعة القطر من الغمام، واتفق أن سقط من يده الكريمة حاتم به حَجَرُ ثمين القيمة، فقال له ابن الشريف: لم لم تقف على طلب ذلك الخاتم الثمين؟ فقال له ألست من أبناء أمير المؤمنين. . . ومراد ابن الشريف قول أبي الطيب:
(2/108)

بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتَمُهْ
ومراد ابن عمه قول المتنبي:
كذا الفاطميون الندى في بنانهم ... أعزُّ امَّحاءً من خُطوطِ الرواجِب
وهذا البيت من قصيدة كثيرة العيون، يمدح بها طاهر بن الحسين العلوي؛ حدث أبو عمرو عبد العزيز بن الحسين السلمي قال: سألت محمد بن القاسم المعروف
(2/109)

بابن الصوفي: كيف كان سبب امتداح أبي الطيب لأبي القاسم طاهر بن الحسين العلوي؟ فحدثني أن الأمير أبا محمد لم يزل يسأل أبا الطيب في كل ليلة من شهر رمضان، إذا اجتمعنا عند الإفطار أن يخص أبا القاسم طاهرا بقصيدة من شعره، يمدحه بها، وذكر أنه اشتهى ذلك، ولم يزل أبو الطيب
(2/110)

يمتنع ويقول: ما قصدت غير الأمير: وما أمتدح أحداً سواه، فقال له أبو محمد: قد كنت عزمت أن أسألك قصيدة أخرى في فاجعلها في أبي القاسم، وضمن له عنه مائة دينار فأجابه إلى ذلك.
قال محمد بن القاسم الصوفي: فمضيت أنا والمطلبي برسالة طاهر لوعد أبي الطيب، فركب معنا أبو الطيب،
(2/111)

حتى دخلنا عليه، وعنده جماعة من أهل بيته أشراف وكتاب، فلما أقبل أبو الطيب نزل أبو القاسم طاهر عن سريره، وتلقاه بعيداً من مكانه فسلم عليه، ثم أخذ بيده فأجلسه في المرتبة كان فيها قاعداً، وجلس بين يديه، فتحدث معه طويلا، ثم أنشده: قال عبد العزيز: وحدثني أبو علي بن القاسم الكاتب، قال: كنت
(2/112)

حاضراً لهذا المجلس، وهو كمحدثك به أبو بكر الصوفي، ثم قال لي: اعلم أني ما رأيت ولا سمعت في خبر شاعر جلس الممدوح بين يديه مستمعاً لمدحه غير أبي الطيب، فإني رأيت طاهراً تلقاه، ثم أجلسه مجلسه، وجلس بين يديه، وأنشده:
أعيدوا صباحي فهْو عند الكواعب ... ورُدُّوا رُقادي فهو لحظُ الحبائب
(2/113)

فإن نهاري ليلةُ مدلهمة ... على مقلة من فَقْدكم في غياهب
بعيدةُ ما بين الجفون كأنما ... عقدتم أعالي كلّ هُدب بحاجب
هذا كقول بشار:
جفت عيني عن التغميض حتى ... كأن جفونَها عنها قصار
ومنها:
وأحسب أني لو هَويت فراقكم ... لفارقتهُ والدهر أخبثُ صاحب
(2/114)

هذا كقول العباس بن الأحنف:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكبُ عيناي الدموعَ لتجمدا
وفيه نقد من جهة المعنى: وقد أخذه الباخوزي، فسلم منه، وأجاد حيث قال:
ولطالما اخترتُ الفِراق مُغالطا ... واحتلتُ في استثمار غرسِ وِدادي
(2/115)

وطمعِتُ منها بالوصال لأنها ... تبنى الأمور على خلاف مرادي
ومنها:
فياليتَ ما بيني وبين أحبتي ... من البُعد ما بيني وبين المصائب
أراكِ ظننت السلك جسمي فَعُقِته ... عليك بِدُرَّ عن لقاء الترائب
ولو قُلم ألقيتُ في شِق رأسهِ ... من السقم ما غيرتُ من خط كاتب
(2/116)

ومنها في المديح:
كأن رحيلي كان من كَفّ طاهر ... فأثبتُّ كُوري في ظهور المواهب
فلم يبق خلقُ لم يَردِن فِناءه ... وهُنَّ له شِربُ وُرودَ المشارب
ومنها:
وأبهرُ آياتِ التِهّامِيّ أنه ... أبوك وإحدى ما لكم من مناقب
وإحدى تروي بالحاء والجم. وروى ابن فورجة وأكبر آيات التهامي آية
(2/117)

ومنها:
وما قرُبت أشباهُ قوم أباعدِ ... ولا بَعُدتْ أشباه قوم أقارب
ومنها:
يرى أن ما مابان منك لِضارب ... بأقَتل مما بان منكَ لِعائب
ألا أيها المالُ الذي قد أباده ... تَعَزَّ فهذا فعلهُ في الكتائب
حملتُ إليه من لساني حديقةً ... سقاها الحِجي سَقى الرياضَ السحائبِ
(2/118)

فَحُييتَ خير ابنٍ لخير أب بها ... لأشرف بيت في لُؤَيّ بن غالب
حدث أبو عمرو عبد العزيز بن الحسن السلمي، قال: حدثني محمد ابن القاسم المعروف بالصوفي، قال: أرسلني الأمير أبو محمد إلى أبي الطيب، فصعدت إليه في دار يسكنها، فسلمت عليه، وعرفته رسالة الأمير أبي محمد، وأنه منتظر له، فامتنع علي وقال:
(2/119)

أعلم أنه يطلب شعراً، وما قلت شيئاً، فقلت له: ليس نفترق فقال لي: اقعد إذن، ثم دخل إلى بيت في الحجرة، ورد الباب عليه فلبث فيه مقدار كتب القصيدة، ثم خرج إلى، وهي لم تجف، فقلت: أنشدنيها، فامتنع، وقال الساعة تسمعها، ثم ركب، وسرنا، فدخل على الأمير، وعين الأمير ممدودة إلى الباب، منتظراً
(2/120)

لورودنا، فسأل عن سبب الإبطاء، فأخبرته الخبر، فسلم عليه، ورفعه أرفع مجلس، وأنشده القصيدة التي أولها:
أنا لائمي إن كنتُ وقتَ اللوائم ... علمتُ بما بي بسين تلك المعالم
حدث بعض المغاربة، قال: كنا عند ملك المغرب، فورد عليه مكتوب من بعض ثغوره
(2/121)

يتضمن أن أعداء المسلمين خرجوا من البحر وفتكوا بعساكر ذلك الثغر، حتى لم يبق منهم من ينقل السلاح، وصارت القتلى كالآكام على تلك البطاح، وكان ببادية ذلك الثغر أمير تهابه الحتوف، وتفرق من ملاقاته الألوف، فسار إليه أعداء الدين بجمع لا يبلغ عشر من قتلوا، وأرسل بأمرهم أن
(2/122)

يذهبوا من حيث أتوا، فما قبلوا فتلقاهم بالبيض المشرفية والسمر الخطية، فانهزمت أرواحهم إلى النار، وثبتت أجسامهم كالأحجار، وعمد إلى سفنهم، فأغرقها، وإلى أشلائهم فأحرقها، فلما تمت قراءة الكتاب: قال: رحم الله أبا الطيب المتنبي، ومراده قوله فليس يأكل إلا الميت الضبع وهذا الشطر من قصيدة لأبي
(2/123)

الطيب، يمدح بها سيف الدولة، وقد مر في غزاة السنبوس بسمندو وعبر آلس، وهو نهر عظيم ونزل، على صارخة وخرشنة، فأحرق ربضهما وكنائسهما، وقفل غانماً، فلما صار على آلس راجعاً وافاه الدمستق، فصافه الحرب، فهزمه، وأسر من بطارقته، وقتل، ثم سار فواقعه في موضع آخر، فهزمه أيضا، ثم واقعه على
(2/124)

نهر آخر، وقد مل أصحابه السفر، وكلوا من القتال، واجتاز أبو الطيب ليلا بقطعة من الجيش نيام بين قتلى الروم، فقال يذكر الحال وما جرى في الدرب من الخيانة وهي:
غيري بأكثرِ هذا الناس ينخدَع ... إن قاتلوا جَنُبوا أو حدّثوا شَجُعوا
(2/125)

أهلُ الحفيظة إلا أن تجربهم ... وفي التجارب بعد الغي ما يزع
وما الحياةُ ونفسي بعد ما علمت ... أن الحياة كما لا تُشتهي طَبَع
ليس الجمالُ لوجه صح مازُنه ... أنفُ العزيز بِقَطع العزُ يجتْدع
أأطرح المجدَ عن كتفي وأطلبهُ ... وأترك الغيث في غمدي وأنتجع؟
والمشرفية ما زالت مُشَرفة ... دواء كلّ كريم أو هي الوَجَع
(2/126)

وفارسُ الخيل من خفَّتْ فوقرها ... في الدرب والدم في أعطافها دُفَعُ
يريد بفارس الخيل سيف الدولة، ومنها:
وَأوْحَدتْه وما في قلبه قلقُ ... وأغضَبتْه وما في لفظه قَذَع
بالجيش تمتنعُ الساداتُ كلهم ... والجيش بابن أبي الهيجاء يمتنع
قاد المقانب أقصى شُربِها نَهَلُ ... على الشكيم وأدنى سيرها سَرَعِ
(2/127)

لا يعتقي بلدُ مسراهُ عن بلد ... كالموت ليس له رِيُ ولا شِبِعَ
حتى أقام على أرباض خَرْشَنةٍ ... تشقى به الرومُ والصُّلبان والبيِعَ
خرشنة: معروفة في بلاد الروم، والأرباض: ما حول المدينة. ومنها:
للسَّبْي ما نكحوا والقتلِ ما ولدوا ... والنهبِ ما جمعوا والنارِ ما زرعوا
(2/128)

مُخْلىً له المرجُ منصوبا بصارخةٍ ... له المنابرُ مشهوداً بها الجمُع
صارخة: مدينة بالروم. ومنها:
يُطمّع الطيرَ فيهم طولُ أكلهم ... حتى تكادَ على أحيائهم تقع
ولو رآه حواريوُهُم لَبَنَوْا ... على محبته الشَّرع الذي شرعوا
ذمَّ الدمستقُ عينيه وقد طلعت ... سودُ الغمام فظنوا أنها قَزَعُ
القزع: قطع السحاب المتفرقة الواحدة قزعة، ومنها:
(2/129)

فيها الكماة التي مفطومهاُ رجلُ ... على الجياد التي حَوْلُّيها جَذَع
فيها: أي في سود الغمائم. والجذع: التي أتى عليها حولان. ومنها:
تُذري اللقانُ غبارا في مناخرها ... وفي حناجرها من آلسٍ جُرَع
كأنها تتلقاهمْ لتسلكَهمْ ... فالطعن يفتح في الأجواف ما تسع
(2/130)

ومنها:
وما نجا من شِفارِ البيض مُنْفلتُ ... نجا ومنهن في أحشائه فزع
يباشر الأمنَ دهراً وهو مُخْتَبَل ... ويشربُ الخمر حولا وهو مُمْتَقَع
كم من حُشاشِة بِطْريق تضمَّنها ... للباترات أمينُ مالَهُ وَرَع
يقاتل الخطو عنه حين يطلبه ... ويطرد النومَ عنه حين يضطجع
يقاتل الخطوَ عنه حين يطلبه ... ويطرد النومَ عنه حين عودي فتندفع
(2/131)

قُل للِدمستق إن المُسلَمين لكم ... خانوا الأمير فجازاهم بما صنعوا
وجدتَموهمْ نياماً في دمائكمُ ... كأن قتلاكُم إياهمُ فجعوا
ضَعْفى تَعِفُّ الأعادي عن مثالهمُ ... من الأعادي وإن هُّموا بهم نزعوا
لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمق ... فليس تأكل إلا الميتة الضبع
ومنها:
وإنما عرّض الله الجنودَ بكم ... لكي يكونوا بلا فَسْل إذا رجعوا
(2/132)

فكل غزو إليكم بعد ذا فَلةَ ... وكلُّ لسيف الدولة التَّبعُ
يمشي الكرَامُ على آثار غيرهم ... وأنت تخلُّق ما تأتي وتبتدعُ
وهل يَشينك وقتُ كنت فارسَه ... وكان غيرَك فيه العاجز الضَّرَع
من كان فوقَ محلّ الشمس موضعهُ ... فليس يرفعهُ شيءُ ولا يضع
(2/133)

لم يُسلم الكرُّ في الأعقاب مهجتَه ... إن كان أسلمها الأصحابُ والشيع
ومنها:
الدهر معتذرُ والسيفُ منتظرُ ... وأرضُهم لك مُصطافُ ومرتبع
وما الجبالُ لِنصْران بحاميه ... ولو تنصر فيها الأعصمُ الصَّدعُ
الأعصم: الوعل. والصدع: ما بين السمين والمهزول. ثم قال:
(2/134)

وما حَمدتكَ في هول ثبتَّ له ... حتى بلوتُك والأبطال تَمتَصع
فقد يُظَنُّ شجاعا من به خَرَقُ ... وقد يُظن جبانا من به زَمَع
إن السلاح جميعُ الناس تحملهُ ... وليس كلُّ ذوات المِخلب السبعُ
وقيل: إن رجلا جلس على جسر بغداد، فأقبلت امرأةُ بارعة الجمال من ناحية الرصافة إلى الجانب الغربي، فاستقبلها شاب،
(2/135)

وقال لها: رحم الله علي ابن الجهم، فقالت المرأة: رحم الله أبا العلاء المعري، وما وقفا، بل سارا مَشْرقا ومغربات، قال الرجل: فتبعت المرأة، وقلت: لئن لم تخبرني بما أراد بابن الجهم، وأردت بأبي العلاء لأفعلن بك، فضحكت، وقالت: أراد بعلي بن الجهم قوله في أول قصيدته:
(2/136)

عيون المهابَينْ الرُّصافة والجسر ... جَلَبْنَ الهوى من حيث أدرى ولا أدرى
وأردت بأبي العلاء قوله:
فيا دارَها بالخَيْف إن مزارها ... قريبُ ولكن دون ذلك أهوال
ومن قصيدة لأبي الطيب جمع فيها بين الغث والسمين، وهي التي أولها:
(2/137)

قد علَّم البينُ منا البينَ أجفانا ... تَدمَى وألف في ذا القلب أحزانا
أمّلتُ ساعة واكشف معصمها ... ليِلبث الحيُّ دون السير حَيْرانا
ولو بَدت لأتاهَتْهم فَحجَّبها ... صونُ عقولَهم من لحظها صانا
بالواخدات وحاديها وبي قمرُ ... يَظلُّ من وخدها في الخِدر حَشْيانا
(2/138)

وحشيان بالحاء المهملة من الغريب الوحشي الذي لا يأنس به السمع، ولا يقبله القلب، يقال: حشى الرجل يحشى حشى، فهو حشيان، إذا أخذه البهر.
يقول: إذا وخدت الإبل تحت هذا القمر، أخذه البهر لترفه، ومن المؤدبين من يروي خشيان بالخاء المعجمة من الخشية.
ثم قال، وأحسن، ولطف، وظرف:
(2/139)

قد كنت أشفق من دمعي على بصري، فاليوم كل عزيز بعدكم هانا ثم أراد أن يزيد على الشعراء في وصف المطايا فأتى كما قاله الصاحب بأخزى الخزايا، فقال:
لو استطعتُ ركبت الناس كلهمُ ... إلى سعيد بن عبد الله بعزانا
قال الصاحب: ومن الناس أمه فهل ينشط لركوبها؟
(2/140)

والممدوح لعل له عصبة لا يريدن يركبوا إليه، فهل في الأرض أفحش من هذا التسحب، وأوضع من هذا التبسط؟ ثم أراد أن يستدرك هذه الطامة بقوله:
فالعيسُ أعقلُ من قوم رأيتهمُ ... عما يراه من الإحسان عُميانا
ثم قال وأجاد في مدح أولية الممدوح:
(2/141)

إن كوتبوا أو لُقُوا أو حوربوا وُجدوا ... في الخط واللفظ والهيجاء فُرسانا
كأن ألسنهم في النطق قد جُعلتْ ... على رماحهمُ في الطعن خُرْصانا
كأنهم يَردون الموتَ من ظمأ ... أو يَنْشَقون من الخطّى ريحانا
(2/142)

ثم قال:
خلائق لو حواها الزَّنج لانقلبوا ... ظُمْيّ الشِفاه جِعاد الشَّعْر غُرّانا
قال الصاحب: الزنجي لا يوجد إلا جعد الشعر، فكيف ينقلبون عن الجعودة إلى الجعودة وقد احتج عنه أصحاب المعاني بما يطول ذكره. والعجب كل العجب من خاطر يقدح بمثل قوله في قصيدة:
(2/143)

وملمومةُ زَرَدُ ثوبُها ... ولكنه بالقنا مُخْملُ
يفاجيء جيشا بها حَيْنهُ ... وُينذر جيشا بها القَسْطلُ
ثم يتصرف في هذا الكلام الغث الرث، فيتبعه به، حيث يقول:
جعلتكُ بالقلب لي عُدَّةً ... لأنك باليد لا تُجعل
ولو قاله بعض صبيان المكاتب لاستحى له منه.
وهذه القصيدة
(2/144)

قالها في سيف الدولة، وهو بميافارقين، وقد ضربت له خيمة كبيرة، وأشاع الناس أن مقامه يتصل أياما، فهبت ريح شديدة، فسقطت الخيمة، وتكلم الناس عند سقوطها، فقال أبو الطيب:
أيقدحُ في الخيمة العُذَّلُ ... وتَشمل مَن دهرهَا يشمل
وتعلو الذي زُحَلُ تحته ... مُحال لعمُرك ما تُسأل
(2/145)

فلمْ لا تلوم الذي لامها ... وما فصُّ خاتمه يَذْبُل
يقول فلم لا تلوم الخيمة لائمها على سقوطها، والرئيس الذي أعجزها الاشتمال عليه يقصر يذبل مع عظمة عن فص خاتمه، والضمير في خاتمه راجع إلى سيف الدولة. وقيل معناه: فلم لا تقول الخيمة للائمها ما فص خاتمك يذبل، فإن قال اللائم: يذبل جبل،
(2/146)

وكيف يصح أن يتختم به؟ قالت له الخيمة: وكيف يصح أن تثبت خيمة، وتشتمل على من شمل دهرها؟ وقيل المعنى: فلم لا تلوم الخيمة لائمها على أن ليس فص خاتمه يذبل؟ فكما أن لوم الإنسان على ذلك مستحيل لأنه ليس في الطاقة فكذلك لوم الخيمة، وقال:
(2/147)

تضيقُ بشخصِك أرجاؤها ... ويَركُض في الواحد الجَحفل
وتقصر ما كنتَ في جوفها ... وتُركز فيها القنا الذّبل
وكيف تقوم على راحةٍ ... كانّ البحارَ لها أنُمل
فليت وَقارك فرّقته ... وحمّلت أرضَك ما تحمل
أي لو فرقته لخص الخيمة ما يوقرها ويثبتها عن السقوط:
(2/148)

فصار الأنامُ به سادةً ... وسُدْتهمُ بالذي يَفضُل
رأتْ لون نُورِك في لونها ... كلون الغزالة لا يُغسل
أي اكتسبت من نورك ما صارت به كالشمس التي لا يزول نورها.
وأن لها شرفا بذخا ... وأن الخيامَ بها تخجَلُ
(2/149)

فلا تنكرنَّ لها صَرْعةً ... فمن فرح النفس ما يقتل
ولو بلغ الناسُ ما بُلَّغِتْ ... لخانتهمُ حولك الأرجل
ولما أمرت بتَطْنيبها ... أشيع بأنك لا ترحل
فما اعتمد اللهُ تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل
وعرّف أنك من هّمه ... وأنك في نصره تَرفُل
وعرف أنك من همه: أي من إرادته.
ومما يشان علي بن أبي الطيب المتنبي استكراه اللفظ وتعقيد المعنى،
(2/150)

وهو أحد مراكبه الخشنة التي يتسنمها، ويأخذ عليها في الطرق الوعرة، فيضل، ويضل، ويتعب، ويتعب، ولا ينجح، إذ يقول في وصف الناقة:
شِيَمُ الليالي أن تُشكك ناقتي ... صدري بها أفضى أم البيداء
فتبيت تُسئل مُسئدا في نَيَّها ... إسْآدها في المَهْمَةِ الإنضاءُ
الإسآد: إسراع السير، والني: الشحم والسمن، والإنضاء: مصدر
(2/151)

أنضاه ينضيه إذا هزله، ومسئدا: حال من الناقة، وهو اسم فاعل وفاعله الإنضاء. يقول: تبيت ناقتي تسير سائراً في جسدها الهزال سيرها في المهمة. وهما من قصيدة يمدح بها أبا علي هارون بن عبد العزيز الأوارجي الكاتب وأولها:
أمِن ازديارك في الدجى الرقباءُ ... إذ حيث كنتِ من الظلام ضياءُ
(2/152)

أخذه من قول علي بن جبلة:
بأبي من زارني مُكتتما ... حَذرِاً من كل واش جذعاً
طارقُ نَمَّ عليه نورهُ ... كيف يُخفي الليل بدرا طلعا؟
رصد الخلوةَ حتى أمكنتْ ... ورعى السامرَ حتى هجعا
كابد الأهوالَ في زورته ... ثم ما سلم حتى وّدعا
(2/153)

قال:
قلقُ المليحة وهي مِسكُ هتكُها ... ومسيرها في الليل وهي ذُكاء
كأنه من قول امرئ القيس:
ألم ترياني كلما جئتُ طارقا ... وجدت بها طيباً وإن لم تَطَيبَِّ
وقول الآخر
دُرّة كيفما أديرتْ أضاءت ... ومَشَمُ من حيث ما شُمّ فاحا
ومن هذا قول بشار:
(2/154)

وتَوَق الطيبَ ليلتنا ... إنه واش إذا سطعا
ومن هذا المعنى قول الآخر:
وأخفَوْا على تلك المطايا مسيرَهم ... فنَمّ عليهم في الظلام التنسمُ
وقال أبو عبادة البحتري:
وحاولنَ كِمّانَ الترحل في الدجى ... فنمّ بهن المسكُ حين تضوّعا
(2/155)

وقال أيضاً:
وكان العبيرُ بها واشياً ... وجَرْسُ الحُلِبيّ عليها رقيبا
وزاد أبو المطاع بن ناصر الدولة على الجميع بقوله:
ثلاثةُ منعتْها من زيارتنا ... وقد دجا الليلُ خوفَ الكاشح الحِنق
ضوءِ الجبين ووَسواسُ الحُليّ وما ... يفوح من عَرق كالعنبر العَبِق
هَبِ الجبينَ بفَضلْ الكُمّ تستره ... والحَليْ تنزعه ما الشأن في العرق؟
(2/156)

ومنها:
بيني وبين أبي علي مثلهُ ... شمُّ الجبال ومثلهنُ رجاءُ
وعِقابُ لُبنان وكيف بِقطعها ... وهْو الشتاء وصيفُهن شتاء
لَبَس الثلوجُ بها عليّ مسالكي ... فكأنها ببياضها سوداءُ
وكذا الكريم إذا أقام ببلدة ... سال النضار بها وقام الماءُ
وفي هذا البيت نقد قد يظهر
(2/157)

بالتأمل.
ومنها:
في خطه من كل قلب شهوةُ ... حتى كأن مدادَه الأهواء
ولكل عين قُرةُ في قربه ... حتى كأن مغيبهِ الأقذاء
من يهتدي في الفعل ما لا يهتدي ... في القول حتى يفعل الشعراء
ومنها:
من يظلم اللؤَماءَ في تكليفهم ... أن يُصبحوا وهُم له أكفاء
(2/158)

ونذَيمهم وبهم عرفنا فضله ... وبضدها تتبين الأشياء
(2/159)

وقد أكثر الشعر في هذا المعنى: فقال أبو تمام:
وليس يَعرف طيبَ الوصل صاحبهُ ... حتى يُصاب بنأي أو بِهجران
وقال أيضا:
والحادثات وإن أصابك بؤسُها ... فهو الذي أنباك كيف نعيمُها
وقال أيضا:
سمُجت ونبهنا على استساجها ... ما حولها من نَضْرة وجمال
فلذاك لم تُفْرطْ كآبة عاطلٍ ... حتى يجاورها الزمان بحالي
وقد مَلحُ بشارُ في قوله:
وكُنّ جواري الحيّ ما دمت فيهمُ ... قِباحاً فلما غبت صرنَ مِلاحا
وقال البحتري:
وقد زادها إفراط حسن جِوارها ... خلائق أصفار من المجد خُيّب
وحسنُ داريّ الكواكب أنَ تُرى ... طوالع في داج من الليل غيهب
ومنها:
مَن نفعهُ في أن يُهاج وضره ... في تركه لو تَفطن الأعداء
فالسلم يكسر من جناحي ماله ... بنواله ما تجبرُ الهيجاء
ومنها:
يا أيها المُجديَ عليه روحهُ ... إذ ليس يأتيه لها استجداء
أحْمدْ عُفاتَك لا فجعت بفقدهم ... فَلترك ما لم يأخذوا إعطاء
لا تَكثر الأمواتُ كثرةَ قِلةّ ... إلا إذا شقيتْ بك الأحياء
والقلب لا ينشق عما تحته ... حتى تحل به لك الشحناء
ومنها:
أبدأتَ شيئاً منك يُعرف بدؤه ... وأعدتَ حتى أنكر الإبداء
فالفخر عن تقصيره بك ناكب ... والمجد من أن تستزاد براء
فإذا سئلت فلا لأنك محِوجُ ... وإذا كُتِمت وشت بك الآلاء
وإذا مُدحت فلا لتكسب رِفعة ... للشاكرين على الإله ثناء
وإذا مُطرت فلا لأنك مُجدِب ... يُسقى الخصيبُ وتمُطر الدأماء
لم تحك نائَلَك السحابُ وإنما ... حمت به فصبيبها الرُّحضاء
لم تلقَ هذا الوجهَ شمسُ نهارنا ... إلا بوجه ليس فيه حياء
وآخرها:
لو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هُو ... عُقِمتْ بمولد نسلها حوّاء
اللذ: لغة في الذي. يقول: لو لم تكن من هذا الورى الذي كأنه منك لأنك جماله وشرفه وأفضله، لكانت حواء في حكم العقيم التي لم تلد، ولكن بك صار لها ولد، وهذا البيت مما اعتل لفظه، ولم يصح معناه فإذا قرع السمع، لم يصل إلى القلب إلا بعد إتعاب الفكر، وكدا الخاطر، ثم إن ظفر به بعد العناء والمشقة فقلما يحصل على طائل.
ومما يشان على أبي الطيب قوله في المدح:
أني يكون أبا البرايا آدم ... وأبوك والثقلان أنت محمد
وتقديره: أني يكون آدم أبا البرايا، وأبوك محمد، وأنت الثقلان.
وقال من نسيب قصيدة:
إذا عذلوا فيها أجبتُ بأنّةٍ ... حُبَيّبتا قلبي فؤادي هيا جُمْل
أراد يا حبيبتي، أبدل الياء من حبيبتي ألفا تخفيفاً، وقلبي منصوب لأنه بدل من حبيبتا، وفؤادي بدل من قلبي، وهذا كقولك أخي، سيدي، مولاي، نداء بعد نداء، ويقال في النداء: يا زيد وأبا زيد، وهيا زيد. وأشباه هذه الأبيات كثيرة في شعره، كقوله:
لساني وعيني والفؤادُ وهمتي ... أوُدُّ اللواتي ذا اسمها منكَ والشطر
ومما ينعى علي بن أبي الطيب التعسف في اللغة والإعراب، وهو مما يشبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عند المحتجين عنه، اعتذار له، ومناضلة دونه، كقوله:
فِدىً مَنْ على الغبراء أولهم أنا ... لهذا الأبيّ الماجدِ الجائدِ القَرْمِ
ولك يحك عن العرب الجائد، وإنما المحكي رجل جواد، وفرس جواد، ومطر جواد، وهذا من قصيدة يمدح بها الحسين بن إسحاق التنوخي وأولها:
ملامُ النوى في ظُلمها غايةُ الظلم ... لعل بها مثل الذي بي من السقم
فلو لم تَغَرْ لم تَزْوِ عني لقاءكم ... ولو تُرِدكنُ لم تكن فيكم خَصمى
وقال محمد بن وهيب في هذا المعنى:
وحاربني فيه ريب الزمان ... كأن الزمان له عاشق
وقال البحتري:
قد بّين البينُ المفرقُ بيننا ... عشقَ النوى لربيب ذاك الرَّبرب
منها:
أمنعِمةُ بالعودة الظبيةُ التي ... بغير وَليّ كان نائلَها الوسمي
أصل هذا المعنى مع كثرة تداوله لبشار، حيث قال:
قد زرتني زورةً في الدهر واحدةً ... ثَنىَّ ولا تجعليها بيضة الديك
وقبل البيت الذي فيه لفظة الجائد:
أذاق الغواني حسنُه ما أذَقْنَني ... وعفّ فجازاهن عني على الصُّرْم
(/)

ومعنى هذا البيت ظاهر، ولكن عيب عليه قافيته فإنها وإن كانت في أصل اللغة بمعنى القطع، لكن غيرتها العامة وجعلتها دالة على ما يقبح ذكره، وهذه الكلمة وما يجري مجراها، لا يعاب البدوي على استعمالها، لأن الألفاظ لم تتغير في زمنه كقول أبي صخر الهذلي:
قد كان صَرم في الحياة لنا ... فَعَجِلتَ قبل الموت بالصرم
فإنه لا يعاب عليه كما عيب على المتنبي، وكقوله:
فأرحامُ شعر يتصلن لدنّه ... وأرحامُ مالٍ لا تنى تتقطع
وتشديد النون من لدن غير معروفة في لغة العرب. قال ابن جني لدنه فيه قبح وبشاعة، إذ لم يكن بعد النون نون، وروى يتصلن بجوده، وبعد هذا البيت:
فتى ألفُ جزء رأيُه في زمانه ... أقلُّ جُزَيء بعضُه الرأيُ أجمع
ألف جزء خبر مبتدأ، وهو رأيه، وأقل مبتدأ، بعضه الرأي خبره، وهذان البيتان من قصيدة أولها:
حُشاشة نفس ودعتْ يوم وَدّعوا ... فلم أدر أيذ الظاعنين أشيع
أشاروا بتسليم فجدنا بأنفس ... تَسيل من الآماق والسَّمُ أدمُع
حشاي على جمر ذكيّ من الهوى ... وعيناي في روض من الحسن ترتع
إلى أن قال في أثنائها في وصف القلم:
خبتْ نارُ حرب لم تهجها بنانهُ ... وأسمرُ عُريانُ من القِشر أصَلعُ
جعل القلم أصلع للينه، وملاسته كالرأس الاصلع.
نحيف الشوى يعدو على أم رأسه ... ويَحفىَ فيقوى عدوهُ حين يقطع
يقول: هذا القلم رقيق الأطراف، يريد رقة جلفته، وأم رأسه: وسطه، ويحفى: أي يكل عن المشي، فيقوى عدوه إذا قط:
يَمُج ظلاماً في نهارٍ لسانُه ... وُيفهمِ عمن قال ما ليس يُسْمع
ذُبابُ حُسام منه أنجي ضريبةً ... وأعصى لمولاه وذا منه أطوعُ
بكف جوادٍ لو حكتها سحابةُ ... لما فاتها في الشرق والغرب موضع
وقال أبو تمام فيه من قصيدة أولها:
متى أنتَ عن ذهيلة الحيّ ذا هلُ ... وقلبُك منها مدةَ الدهر آهل
إلى أن قال مخاطباً لأبي جعفر محمد بن عبد الملك الزيات:
لك القلمُ الأعلى الذي بشَباتهِ ... تُصابُ من الأمر الْكُلى والمفاصل
لك الخلوات اللاء لولا نجيها ... لما احتفلتْ للملك تلك المحافل
لعابُ الأفاعي القاتلات لعابُه ... وأرْىُ الجني اشتارته أيد عواسل
له ريقَهُ طَلُّ ولكنّ وقعَها ... بآثاره في الشرق والغرب وابل
فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجمُ إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمسَ اللِطافَ وأفرغتْ ... عليه شِعاب الفكِر وهْي حوافل
أطاعته أطرافُ القَنا وتَقَوَّضَتْ ... لِنَجْواه تقويض الخيامِ الجِحافلُ
إذا استغزر الذهنَ الذكي وأقبلت ... أعاليه في القرطاس وهي أسافل
وقد رَفَدتْه الخِنصران وسَدَّدَتْ ... ثلاثَ نواحيه الثلاثُ الأنامل
رأيتَ جليلا شأنهُ وهو مُرهف ... ضنىً وسمينا خطبهُ وهو ناحل
وقال بعض مداح العلامة المخدوم بهذا الكتاب من قصيدة أولها:
غفر القربُ ما جناه البعادُ ... وأكَّنته في الهوى الأكبادُ
إلى أن قال في وصف القلم:
ذو يَرَاع إذاً مشى يُنبتُ الدُّرَّ ... بأرض القرطاس مِنه المدادُ
أسمرُ ليس مثلهُ يحسْنُ الأبْ ... يض فعلاً والأسمر المُنْآد
عَلَمُ في العلوم يمشي على بَيْ ... داءِ نُور فيظهرُ الإرشاد
ذو بيان لولاهُ أخفي مرور الد ... م هر ما شادهَ قديما زياد
كل علم يُرامُ منه إذا ما ... شَدَخُوا رأسَه به يُستفادُ
وإذا أعجم الكلامَ فقد أعرب ... ما يَستبين منه السَّدادُ
مَقصد الكاتبين حتى إذا ما ... قصدُوه لم يُدركوا ما أرادوا
وتراه يجري على الرأس في خد ... مة باريه إن دعاه مُراد
أخرسُ غير أنه ربما ينْ ... طق فصلَ الخطاب وهْو جماد
رقّ جسما وسحَّ دمعاً إلى أن ... خِلَته مُدْنَفاً جفتْه سُعادُ
قال أبو تمام يرثى ابنين كانا لعبد الله بن طاهر صغيرين ماتا في يوم واحد بقصيدة أولها:
ما زالت الأيامُ تُخبر سائلاً ... أنْ سوف تَفجَع مُسْهلا أو عاقلا
إلى أن قال في أثنائها:
مجدُ تأوّب طارقاً حتى إذا ... قلنا أقامَ الدهرَ أصبح راحلاَ
نجمان شاء اللهُ ألا يطلُعا ... إلا ارتدادَ الطرفِ حتى يأفلاِ
(/)

إن الفجيعةَ بالرياض نواضراً ... لأجلُّ منا بالرياض ذَوابلا
لَهفِي على تلك الشواهد فيهما ... لو أمهلتْ حتى تكونَ شمائلا
إن الهلالَ إذا رأيت نَموه ... أيقنتَ أنْ سيكونُ بدراً كاملا
قل للأمير وإن لقيت مُوَقَّراً ... منه يَريِبُ الحادثاتِ حُلاحِلا
إن تُرْزَ في طَرَفَي نهار واحد ... رَزأين هاجا لَوْعةَ وَبلابلاِ
فالثقل ليس مضاعفاً لمطيَّة ... إلا إذا ما كان وهما بَازِلا
لا غَرْوَ إن فَنَنان من عَيْدانه ... لَقِينا حِماماً للبرية آكلا
إن الأشاء إذا أصاب مُشذبَّ ... منه تْمَهَلَّ ذراً وأثَّ أسافلا
شمَختْ خلالُك أن يُواسيك امرُؤ ... أو أن تُذكَر ناسيا أو غافلا
إلا مواعَظ قادها لك سَمْحةً ... إسْجاحُ لُبك سامعاً أو قائلا
هل تَكْلَفُ الأيدي بَهزّ مُهند ... إلا إذا كان الحسامَ الفَاصلا
وقال أبو الطيب المتنبي في مرثية بولد صغير لسيف الدولة، أولها:
بنا منكَ فوق الرَّمل ما بكَ في الرمل ... وهذا الذي يُضنْي كذاك الذي يُبلي
كأنك أبصرتَ الذي بي وخِفْتَه ... إذا عشتَ فاخترت الحِمام على الثُكل
تركت خدود الغانيات وفوقها ... دموعُ تُذيب الحسنَ في الأعين النجْل
تبُل الثرى سُودا من المِسْك وحده ... وقد قَطَرتْ حُمراً على الشَّعَر الجَثل
فإن تَكُ في قبر فإنك في الحَشَا ... وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل
ومثلك لا يُبكي على قدْر سنَّة ... ولكن على قدر المَخيلة والأصْل
ألستَ من القوم الألىَ من رِماحهم ... نَداهم ومن قتلاهُمُ مُهْجةُ البخل
بمولودهم صمتُ اللسان كغيره ... ولكنَّ في أعطافه مَنْطقَ الفضل
تسليهمُ عَلياؤهْم عن مُصابهمْ ... ويَشغلهمْ كسبُ الثناء عن الشغل
أقلُّ بلاءً بالرزايا من القَناَ ... وأقدمُ بين الجَحْفَلين من النَّبْل
عزاءَك سيفَ الدولة المقتَدى به ... فإنك نصْلُ والشدائدُ للنصل
مُقيم من الهيجاء في كل منزل ... كأنَك من كل الصوارم في أهل
ولم أر أعصى منك للحزُن عبرةً ... وأثبتَ عقلا والقلوبُ بلا عقل
تخون المنايا عَهْدَه في سليسلهِ ... وتنصرُه بين الفوارس والرَّجْل
ويَبقى على مرّ الحوادث صبرهُ ... ويبدو كما يبدو الفِرِنْدُ على الصَّقلْ
ومن كان ذا نفس كنفسك حُرةٍ ... ففيه لها مُعنٍ وفيها له مُسْلي
وما الموتُ إلا سارقُ دق شخصهُ ... ويُسلمه عند الولادة للنمل
بنفسي وليدُ عاد من بعد حَمْله ... إلى بطن أم لا تُطَرَّقُ بالْحَمل
بَدَا وَلهُ وعدُ السَّحابة بالرَّوَي ... وصَدَّ وفينا غُلَةُ البلدِ المحل
وريعَ له جيشُ العدو وما مشى ... وجاشت له الحربُ الضروسُ وما تَغْلى
وقد مدّت الخيلُ العتاقُ عيونَها ... إلى وقت تبديل الرّكاب من النعل
فانظر إلى ما صنع هذان الشاعران في هذا المقصد الواحد، وكيف هام كل واحد منهما في واد منه مع اتفاقهما في بعض معانيه، وسأبين ما اتفقنا فيه، وما اختلفنا، وأذكر الفاضل من المفضول، فأقول: أما الذي اتفقا فيه، فإن أبا تمام قال:
لهفي على تلك الشواهد فيهما ... لو أُمْهلتْ حتى تكون شمائلا
وقال أبو الطيب:
بمولودهم صمتُ اللسان كغيره ... ولكنَّ في أعطافه منطق الفصل
فأتى بالمعنى الذي أتى به أبو تمام، وزاد عليه بالصناعة اللفظية، وهو المطابقة في قوله: صمت اللسان، ومنطق الفصل، وقال أبو تمام:
نجمان شاء اللهُ ألا يطلعا ... إلا ارتدادَ الطَّرف حتى يأفلا
وقال أبو الطيب:
بَدَا وَلَهُ وعد السحابة بالرَّوَي ... وصدّ وفينا غُلة البلد المحل
فوافقه في المعنى، وزاد عليه بقوله: وفينا غلة البلد المحل. أما ما اختلفنا فيه، فإن أبا الطيب أشعر فيه من أبي تمام أيضاً، وذلك أن معناه أمتن من معناه، ومبناه أحكم من مبناه، فإن أبا الطيب المتنبي قال:
عزاءَك سيفَ الدولة المقتدىَ به ... فإنك نصلُ والشدائدُ للنصل
وهذا البيت بمفرده خير من بيتي أبي تمام هما:
إن تُرْزَ في طرفي نهار واحد ... رُزْأين هاجا لوعةً وبلابلاَ
فالثقل ليس مضاعَفاً لمطية ... إلا إذا ما كن وَهْما بازلا
(/)

فإن قول أبي الطيب:) والشدائد للنصل (أكرم لفظا ومعنى، من قول أبي تمام: إن الثقل إنما يضاعف للبازل من المطايا.
وقال أيضا:
تخون المنايا عهدَه في سليله ... وتنصرُه بين الفوارس والرَّجْل
وهذا أشرف من بيتي أبي تمام اللذين هما:
لا غَرْو إن فَننَان من عَيْدانِه ... لقيا حِماماً للبّرية آكلا
إن الأشاء إذا أصاب مُشذَّبُ ... منه اتْمَهَلَّ ذُراً وأثّ أسافلا
وكذلك قال أبو الطيب:
ألستَ من القوم الألي من رماحهم ... نَداهم ومن قتلاهمُ مهجةُ البخل
تُسَليهمُ عَلياؤهمْ عن مصابهم ... ويشغلُهم كسبُ الثناء عن الشغل
وهذان البيتان خير من بيتي أبي اللذين هما:
شَمَخَتْ خلا لك أن يؤاسيَك امرؤ ... أو أن تذكر ناسيا أو غافلا
إلا مَواعظَ قلدها لكَ سمْحةً ... إسجاحُ لبك سامعا أو قائلا
ومن تأمل هاتين القصيدتين لهذين الشاعرين المفلقين، علم فضل أبي الطيب على أبي تمام، ورأى قولي ما قالت حذام.
ومما توارد عليه أبو عبادة البحتري وأبو الطيب المتنبي وصف الأسد، ومبارزته، فحكم لأبي الطيب بالتقدم على البحتري، وذلك أن بشر بن عوانة العبدي سبقهما إلى هذه الطريقة في قصيدته الرائية، وهي من النمط العالي الذي لم ينسج على منواله، وكل الشعراء لم تسم قرائحهم إلى استخراج معنى ليس بمذكور فيها:
أفاطُم لو شهدتِ ببْطن خَبْتٍ ... وقد لاقَى الهزبرُ أخاكِ بثْراً
إذاً لرأيتِ ليثاً أمَّ ليثاً ... هِزبْراً أغلباً لاقَى هِزبرا
تقدَم ثم أحجمِ عنه مهري ... محاذَرةً فقلتُ: عُقرتَ مهرا
أنِلْ قدميّ ظهرَ الأرض إني ... وجدتُ الأرضَ أثبت منك ظَهرا
وقلتُ له وقد أبدى نِصالا ... مُحَدَّدة ووَجْهاً مكفهرّا
يُدِلُّ بمِخلَب وبحدّ ناب ... وباللحظات تحسبِهنَّ جَمرا
وفي يُمنايَ ماضي الحدّ أبقى ... بمَضْربه قِراعُ الحرب أُثْرَا
ألم يبلغك ما فعلتْ ظُباهُ ... بكاظِمة غَداةَ لقيتُ عمرا
وقلبي مثلُ قلبك ليس يَخثىَ ... مُصاولةً فكيف يخاف ذُعرا؟
وأنت ترومُ للأشبال قُوتا ... وأطلب لابنة الأعمام مَهْرا
ففيمَ تسومُ مثلي أن يُولَّي ... ويجعلَ في يديك النفسَ قَسْرا
نصحتُك فالتمِسْ يا ليثُ غيري ... طعاما إن لحميَ كان مُرّا
فلما ظن أن الغِش نصحي ... وخالفني كأني قلتُ هُجرا
مشى ومشيتُ من أسَدَين وأما ... مَراما كان إذ طلباه وَعْرا
يُكفكف غِيلةً إحدى يديه ... ويبسطُ للوثُوب علىّ أخرى
هززتُ له الحُسامَ فخلت أني ... شققتُ به لدى الظلماء فَجرا
وجُدتُ له بجائشة أرتْهُ ... بأنْ كَذَيتْه ما مَنتَّه غَدْرا
وأطلقتُ المهنَّدَ من يميني ... فقدّ له من الأضلاع عشرا
فخر مُضَرَّجا بدم كأني ... هدمتُ به بناء مُشْمَخِرا
وقلت له يَعز على أني ... قَتَلتُ مناسبي جَلَداً وفخرا
ولكنْ رمتَ شيئا لم يُرمْهُ ... سواك فلم أطق يا ليثُ صبرا
فإن تَكُ قد قُتلتَ فليس عاراً ... فقد لاقيتَ ذا طَرَفين حُرّا
وقال أبو عبادة البحتري في قصيدته التي أولها: أجدكَّ لا ينفكّ يسري لزينبا.
وفي أثنائها تعرض لذكر الأسد، ومبارزة الفتح بن خاقان له. قال:
وما نَقمَ الحسادُ إلا أصالة ... لديكَ وفعلا أرْيَحِيَّا مهذَّبا
وقد جربوا بالأمس منك عزيمةً ... فَضَلْتَ بها السيف الحُسام المجَّربا
غداةَ لقيتَ الليث والليثُ مُخْدر ... يُحَدَّد نابا للقاء ومخلَبا
إذا شاء غادَى عانةً أو غدا على ... عقائل سِرب أو تقنص رَبربا
شهدتُ لقد أنصفتَه حين تنبرِي ... له مُصْلِتا عَضْبا من البيض مِقَضَبا
فلم أر ضِرغامَين أصدق منكما ... عِراكَا إذا الهيابةُ النِكسُ كذَّبا
وانتقد على البحتري هذا البيت؛ فإن قوله) الهيابة النكس كذبا (تفريط في المدح، وكان ينبغي أن يقول إذا البطل كذب، وإلا فأي مدح في إقدام المقدم في الموضع الذي يفر فيه الجبان؟ وهلا قال كما قال أبو تمام:
فتى كلما ارتاد الشجاعُ من الرَّدَى ... مَفَرَّا غداة المأزِق ارتادَ مَصْرَعا
ومنها:
هزبرُ مشى يبغي هزبراً وأغلبُ ... من القوم يغشى باسل الوجهِ أغْلبا
(/)

أدل بِشَغْب ثم هالته صولةُ ... رآك لها أمضى جَنانا وأشغَبا
فأحجم لما لم يجد فيك مَطْمعا ... وأقدم لما لم يجدْ عنك مَهربا
فلم يغنه أن كرَّ نحوك مُقبلا ... ولم يُنجه أن حاد عنك مُنَكباً
حملتَ عليه السيفَ لا عزمك انثنى ... ولا يَدُك ارتدت ولا حَدُّه نَبا
لما انتهت النوبة إلى أبي الطيب المتنبي، قال يمدح بدر بن عمار، وقد خرج إلى أسد، فهاجه عن بقرة افترسها فوثب على كفل فرسه؛ وأعجله عن استلال سيفه، فضربه بسوطه، فزل عن كفل فرسه، ودار به الجيش، فقتل، وخرج إلى أسد آخر. فكر عليه، فهرب الأسد منه، بقصيدة أولها:
في الخد أن عزم الخليطُ رحيلا ... مطرُ تزيد به الخدودُ مُحولا
إلى أن قال:
أمُعَفَّرَ الليث الهزبرِ بِسوطه ... لمن ادخرتَ الصارمَ المصقولا؟
وَقَعتْ على الأرْدُنّ منه بَلّيةُ ... نَضَدَتْ بها هام الرفاق تُلُولا
وَرْدُ إذا ورد البحيرة شاربا ... ورد الفراتَ زئيرهُ والنيلا
متخضّبُ بدم الفوارس لابسُ ... في غِبله من لِبدتيه غِيلا
ما قوبلتْ عيناه إلا ظُنتا ... تحت الدُّجى نارَ الفريق حُلُولا
في وحدة الرّهبان إلا أنه ... لا يعرف التحريمَ والتحْليلا
يطأ الثرى مترّفِقا من تِيههِ ... فكأنه آسٍ يَجُسّ عَليلا
ويَردُّ غُفْرته إلى يافوخه ... حتى تصيرَ لرأسه إكليلا
وتظنه مما يُزَمْجِرُ نفسُه ... عنها لِشدة غيظه مَشْغولا
قَصَرتْ مخافَتُه الخُطا فكأنَما ... ركب الكَمىُّ جوادَه مَشْكولا
ألقى فريستَهُ وَبْربَرَ دُونها ... وقَرُبْتَ قُربا خاله تَطفيلا
فتشابه الخُلُقان في إقدامه ... وتخالفا في بَذْلك المأكولا
أسد يرى عضويه فيك كليهما ... مَتْناً أزلَّ وساعداً مفتولا
نيالةِ الطَّلبِات لولا أنها ... تُعطي مكان لجامها مانِيلا
في سرج ظامئةِ الفصوصِ طِمِرةَّ ... يأبى تفَرُّدُها لها التمثيلا
تندَى سوالفُها إذا استَحْضَرْتها ... وتَظن عَقَدْ عِنانها محلولا
ما زال يجمع نفسه في زَوْره ... حتى حسبت العَرْض منه الطولا
ويَدقُ بالصدر الحجار كأنه ... يبغي إلى ما في الحضيض سبيلا
وكأنه غَرَته عين فادَني ... لا يُبصر الخطب الجليل جليلا
أنَفُ الكريم من الدنيئة تاركُ في عينه العددَ الكثير قليلا
والعارُ مَضّاضُ وليس بخائف ... من حتفه مَنْ خاف مما قيلا
سبق التقاءَكهَ يوثبه هاجم ... لو لم تصادمه لجازك ميلا
خذلتُه قوتهُ وقد كافحتهَ ... فاستنصر التسليم والتجديلا
قبضتْ منيتهُ يديه وعُنْقَه ... فكأنما صادفَته مغلولا
سمع ابنُ عمته به وبحاله ... فنجا يُهرول منك أمس مَهُولا
وأمرّ مما فر منه فِرارهُ ... وكقتلهِ ألا يموت قتيلا
تَلَفُ الذي اتخذ الجراءة خُلة ... وَعَظَ الذي اتخذ الفِرار خليلا
والذي يشهد به الحق، أن معاني أبي الطيب أكثر عدداً، وأسد مقصداً، ألا ترى أن البحتري قد قصر مجموع قصيدته على وصف شجاعة الممدوح. في تشبيهه بالأسد مرة، وتفضيله عليه أخرى، ولم يأت بشيء سوى ذلك؛ وأما أبو الطيب فإنه أتى بذلك في بيت واحد وهو قوله:
أمعفَر الليثِ الهِزبْر بسوطهِ ... لمن ادّخرتَ الصارمَ المصقولاُ
ثم إنه تفنن في ذكر الأسد: فوصف صورته، وهيئته، ووصف أحواله، في انفراده في خيلائه، وفي هيئة مشيه. واختياله مع شجاعته، وشبه الممدوح به في الشجاعة، وفضله عليه بالسخاء، ثم ذكر الأنفة، والحمية التي بعثت الأسد على قتل نفسه بلقاء الممدوح، وأخرج ذلك في أحسن مخرج، وأبرزه في أحسن مخرج، وأبرزه في أحسن معنى، ولفطانة أبي الطيب لم يتعرض لما ذكر بشر في أبياته التي ذكرناها، لعلمه أن بشراً قد ملك رقاب تلك المعاني، واستحوذ عليها، ولم يترك لغيره شيئاً يقوله، ولم يقع فيما وقع فيه البحتري من الانسحاب على ذيل بشر، لأنه قصر عنه تقصيراً كثيراً، ولما كان الأمر كذلك، عدل أبو الطيب عن سلوك تلك الطريقة، وسلك غيرها، فجاء فيما أورده مبرزاً، فإن بشراً قال:
إذاً لرأيت ليثا أمَّ ليثا ... هِزَبْراً أغلباً لاقى هِزْبراَ
(/)

مشى ومشيتُ من أسدَين راما ... مَراماً كان إذ طلباه وعْرا
وقال البحتري:
فلم أر ضِرغامَين أصدق منكما ... عِراكا إذا الهَّيابه النَّكْس كَذَّبا
هزبر مشى يبغي هزبرا وأغلبُ ... من القوم يَغشَى باسل الوجه أغلبا
وقال بشر:
وقلتُ له وقد أبدى نِصالا ... محددةٍ ووجها مكفهراً
يُدِلُّ بمِخلَب وبحدّ ناب ... وباللحظاتِ تحسَبهن جَمرا
وقال البحتري:
غداة لقيتَ الليثَ والليثُ مُخدْر ... يحدد ناباً للقاءِ ومِخْلباً
ومما توارد عليه أبو الطيب وأبو عبادة البحتري وصف السيف: قال أبو الطيب:
كِفرِندي فِرندُ سيفي الجُزارِ ... لذةُ العين عدَّةُ للبزارِ
تحسِي الماء خَطَّ في لهب النا ... ر أدقَّ الخطوطَ في الأحْراز
كلما رُمتَ لونه منع النا ... ظر موجُ كأنه منك هازِي
ودقيقُ قِدىَ الهباء أنيقُ ... مُتوال في مستو هَزْهازِ
وردَ الماءَ فالجوانبُ قَدْراً ... شربتْ والتي تليها جَوازي
حَمَلَتْه حمائلُ الدهر حتى ... هي محتاجة إلى خرّاز
وهو لا تلحقُ الدماءُ غِرارَيْ ... هـ ولا عرِضَ مُنتضيه المخازي
يا مُزِيلَ الظلام عني ورَوْضي ... يوم شُرْبي ومَعْقِلي في البَرَاز
واليماني الذي لو اسْطَعْتُ كانت ... مقلتي غمدَه من الإعزاز
لإنّ برقي إذا بَرَقْتَ فَعالي ... وصليلي إذا صَللَتَ ارتجازي
لمَ أحملِكَ مُعْلَماً هكذا إلام ... لِضَرْب الرقاب والأجواز
ولِقطعي بك الحديدَ عليها ... فكلانا لجنسه اليوم غازِي
سَلّه الركض بَعَد وهْنٍ بنجد ... فتصدى للغيث أهلُ الحجاز
وتمنيتُ مثلهَ فكأني ... طالبُ لابن صالح من يُوازي
ومن قصيدته الأسدية:
وكأن برقا في متون غمامة ... هِندَّية في كفه مسلُولا
ومحلُّ قائمه يسيل مواهباً ... لو كُنَّ سيلا ما وجدنَ مَسيلا
رقت مضاربه فهن كأنما ... يُبدين من عِشق الرقاب نُحولا
ومن قصيدته النَّوروُزيَّة:
قَلَّدتني يمينُه بحسام ... أعْقَبَتْ منه واحداً أجدادهُ
كلما استُلَّ ضاحكته إياهُ ... تزعمُ الشمسُ أنها أرْآدُه
مثَّلوه في جَفنه خشيةَ الفق ... د ففي مثل أثْره إغمادهُ
مُنْعُلُ لا من الحفا ذهبا يحْ ... ملُ بحراً فِرندُه إزْهاده
يَقسِمُ الفارسَ المدججَ لا ... نسلم من شَفْرتيه إلا بِدادُه
جمعَ الدهر حدَّه ويديه ... وثنائي فاستجمعتْ آحاده
وتقلدتُ شامةً في نَدَاه ... جلدُها مُنْفِساتهُ وعَتادُه
قال البحترّي من قصيدة أولها: أهلا بذلكمُ الخيالِ المُقبل
قد جُدْتَ بالطِرف الجواد فَثنهِ ... لأخيك من أُدَدٍ أبيك بمُنصُل
يتناول الروحَ البعيدَ مناله ... عفواً ويفتح في القضاء المقفل
بإنارة في كل حَتْف مظلم ... وهداية في كل أرض مَجْهل
ماضِ وإن لم تمضه يدُ فارس ... بطلٍ ومصقولُ وإن لم يصْقل
يَغْشَى الوَغَى فالتُّرس ليس بجنَّةٍ ... من حده والدّروعُ ليس بمعقل
مصغ إلى حكم الردَى فإذا مضى ... لم يلتفت وإذا قضى لم يعدلَ
متوقُد يَفْرى بأول ضربة ... ما أدركت ولو أنها في يَذْبل
وإذا أصاب فكل شيء مَقْتَلُ ... وإذا أصيب فماله مِن مَقتلْ
وكأنما سودُ النمال وحمْرُها ... دَبت بأيد في قَراه وأرجل
وكأن شاهره إذا استعصى به ... في الرَّوع يَعْصَى بالسماك الأعْزل
حَمَلتْ حَمائَله القديمةَ بَقْلةُ ... مذ عهد عاد غَضَّةُ لم تَذْبل
ومن تعسفات أبي الطيب قوله:
شديدُ البعد من شرب الشَّمول ... تُرُنْجُ الهند أو طَلْعُ النخيل
والمعروف عند العرب الأترج، والترنج مما يغلط فيه العامة.
قال الصاحب: لا أدري الاستهلال حسن؟ أم المعنى أبدع؟ أم قوله: ترنج أفصح؟ وكقوله:
بيضاءُ يَمنعها تَكَلَّم دَلُّها ... تِيهاً، ويمنعها الحياءُ تَميساَ
فنصب تميس مع حذف أن، وهو ضعيف عند أكثر النحويين وكقوله:
وتكرمت رُكَبانها عن مَبْرَكٍ ... تقعان فيه وليس مِسكا أذ فرا
فجمع الركيات، ثم انتقل إلى الثنية، فقال تقعان، وهو ضعيف، وغير سديد في صناعة الإعراب.
وكقوله:
ليس إلاكَ يا علي همامُ ... سيفه دون عِرضه مَسْلولْ
وقوله:
(/)

لم تر مَنْ نادمتَ إلاكا ... لا لسوى وُدك لي ذاكا
فوصل الضمير بإلا، وحقه أن ينفصل عنه، كما قال الله تعالى: ضل من تدعون إلا إياه (.
وكقوله:
ابْعَدْ بَعْدتَ بياضا لا بياض له ... لأنت أسْودُ في عيني من الظلم
وألف التعجب لا تدخل على ألف أفعل، إنما يقال أشد سوادا، وحمرة وخضرة.
وكقوله:
جَلَلاً كما بي فَلْبَكُ التَّبريحُ ... أغِذَاءُ ذا الرَّشَا الأغنَ الشَّيح؟
وحذف النون من يكن إذا استقبلها الألف واللام خطأ عند النحويين، لأنها تتحرك إلى الكسر، وإنما تحذف استخفافاً إذا سكنت.
وكقوله:
أمِطْ عنك تشبيهي بما وكأنه ... فما أحدُ فوقي وما أحدُ مثلي
والتشبيه بما محال.
وكقوله:
لَعظمْتَ حتى لو تكونُ أمانةً ... ما كان مؤتما بها جبرينُ
قال الصاحب: وقلبُ هذه اللام إلى النون أبغض من وجه المنون، ولا أحسب جبريل عليه السلام يرضى منه بهذا المجون، هذا على ما في معنى البيت من الفساد والقبح.
وكقوله:
حملت إليه من ثنائي حديقة ... سقاها الحجَى سقَى الرياضَ السحائبِ
أي سقى السحائب الرياض.
ومنها:
تَفَكره عِلم ومَنطقة حُكمُ ... وباطنه دينُ وظاهره ظَرْفُ
وقد خرج فيه عن الوزن، لأنه لم يجيء عن العرب مفاعلين في عروض الطويل غير مصرع؛ وإنما جاء مفاعلن. قال الصاحب: ونحن نحاكمه إلى كل شعر للقدماء والمحدثين على بحر الطويل فما نجد له على خطئه مساعداً.
قال القاضي أبو الحسن، وقد عيب أيضاً بقوله:
إنما بَدْر بنُ عَمار سحاب ... هَطِلُ فيه ثوابُ وعِقابُ.
لأنه أخرج الرمل على فاعلاتن، وأجرى جميع القصيدة على ذلك في الأبيات غير المصرعة، وإنما جاء الشعر على فاعلن وإن كان أصله في الدائرة فاعلاتن.
ومنها: استعماله الغريب الوحشي، وإذا كان المتنبي من المحدثين بل من العصريين، وجرى على رسومهم في اختيار الألفاظ المعتادة المألوفة بينهم، بل ربما انحط عنهم بالركاكة والسفسفة، ثم تعاطى الغريب، الوحشي، والشاذ البدوي، بل ربما زاد في ذلك على أقحاح المتقدمين، حصل كلامه بين طرفي نقيض، وتعرض لاعتراض الطاعتين.
فمن ذلك الفن الذي ينادي على نفسه ويقلق موقعه في شعره وشعر غيره من أبناء عصره، قوله:
وما أرضَى لمقُلتهِ بحُلْمٍ ... إذا انتبهت تَوَهَّمُهُ ابْتِشاكا
والابتشاك: الكذب، ولم أسمع فيه شعراً قديماً ولا محدثا سوى هذا البيت. وقوله في وصف الغيث:
لِساحيه على الأجداثِ حفْش ... كأيدي الخيل أبصرَتِ المَخَالي
الساحي: القاشر. ومنه سميت المسحاة، لأنها تقشر الأرض، والحفش: مصدر حفش السيل حفشا: إذا جمع الماء من كل جانب إلى مستنقع.
وقوله في وصف السيف:
ودقيقُ قِدىَ الهباءِ أنيقُ ... متوال في مستو هَزْهاز
قِدىَ: بمعنى مقدار. يقال بينهما قيد رمح، وقاد رمح وقدى.
وقوله:
أركائبَ الأحباب إن الأدمعا ... تَطسُ الخدود كما تَطِسْن اليَرْمعا
تطس: أي تدق. واليرمع: الحجارة البيض الرخوة.
وقوله:
وإلى حَصَى أرض أقام بها ... بالناس من تقبيله يَللُ
الليل: إقبال الأسنان، وانعطافها على باطن الفم. ولم يسمع في شعره غيره.
وقوله: الشمس تَشْرُق والسحابَ كَنَهْورا الكنهور: القطعة العظيمة من السحاب.
وقوله: وقد غَمَرْتَ نوالا أيها النال والنال: المعطى.
وقوله: أسائلها عنِ المُتَدَيرِيها قال الصاحب: لفظة) المتديريها (لو وقعت في بحر صاف لكدرته، ولو ألقى ثقلها على جبل سام لهده، وليس للمقت فيها نهاية، ولا للبرد معها غاية، والمتديروها: المتخذوها دارا، قال الصاحب: ومن أطم ما يتعاطاه: التفاصح بالألفاظ النافرة، والكلمات الشاذة، حتى كأنه وليد خباء وغذى لبن، ولم يطأ الحضر، ولم يعرف المدر.
فمن ذلك قوله:
أيفْطِمهُ التَّوْاربُ قبل فِطامه ... ويأكلهُ قبل البلوغ إلى الأكل
وليس ذلك سائغاً لمثله وهو وليد قرية، ومعلم صبية.
ومن الجموع الغربية التي يوردها قوله في جمع الأرض:
أروض الناس من تُرب وخوف ... وأرض أبي شجاع من أمان
(/)

وقوله في جمع اللغة: عليم بأسرار الديانات واللغى. وفي جميع الدنيا: أعز مكان في الدنا سرج سابح وقوله في جمع الأخ: كل آخائه كرام بني الدنيا. قال الصاحب: لو وقع الآخاء في رائيه الشماخ لاستثقل، فكيف مع أبيات منها:
قد سمعنا ما قلتَ في الأحلامِ ... وأنلناك بدرةً في المَنَام
والكلام إذا لم يتناسب زيفته جهابذته وبهرجته نقاده.
ومنها الركاكة والسفسفة بألفاظ العامة والسوقة ومعانيهم كقوله:
رماني خساس الناسِ من صائب استْه ... وآخرُ قطنُ من يديه الجنادلُ
وقوله:
وإن ما رأيتني فاركب حصانا ... ومثَّلْه تَخرَّ له صَريعا
وقوله:
إن كان لا يُدْعَى الفتى إلا كذا ... رجلا فسم الناس طُراًّ إصبعا
وقوله:
قسا فالأسْدُ تفزع من يديه ... ورَقَّ فنحن نفزع أن يذوبا
وقوله:
تَألَّمُ درزَه والدَّرْزُلْينُ ... كما تتألم العضْبَ الصنيعا
وعلى ذكر الدرز، فقد حكى الصاحب في كتاب الروزنامجة من حديث لحظة الطولونية الغنية ما يشبه معنى هذا البيت، وهو أنه قال: سمعتها تقول: يا جارية على بالقميص المعمول في النسيج؛ فقد آذاني ثقل الدروز.
وقوله:
لِيَرىً لباسُه خَشِنُ القطن ... ومرويُّ مروَ لِبس القرود
وقوله:
ما أنَصف القوم ضَبهْ ... وأمَّه الطُّرْطُبَّهْ
رمَوْا برأس أبيه ... وباكوا الأمَّ غُلُبَّه
وقوله: ولفظ درُ يريك الدرَ مخْشَلبا وقوله:
إن كان مثلُك كان أو هو كائنُ ... فَبَرئِتُ حينئذ من الإسلام
قال الصاحب:) حينئذ (هاهنا أنفر من عير منفلت.
قال ومن ركيك صنعته في وصف شعره، والزراية على غيره قوله:
إن بعضاً من القريض هُذَاء ... ليس شيئاً وبعضهُ أحكامُ
منه ما يجلُبُ البراعةُ وانفض ... لُ ومنه ما يجلبُ البرسامُ
قال: وهاهنا بيت نرضى باتباعه فيه، وما ظنك بمحكم مناوية، ثقة بظهور حقه، وإيراء زنده، وإن لم يكن التحكيم بعد أبي موسى من موجب العزم، ومقتضى الحزم. وهو:
أطعناك طوع الدهر يا بن ابن يوسف ... بشهوتنا والحاسدو لك بالرَّغْمِ
وقوله:
تَقْضَمُ الجمرَ والحديدَ الأعادي ... دونه قضمَ سُكَّر الأهواز
وقوله:
فكأنما حسب الأسنة حلوة ... أو ظنها البرَنيّ والآزاذا
قال الصاحب: إذا جمع السكر إلى البرني والأزاذ، تم الأمر.
قال: وكانت الشعراء تصف المآزر تنزيهاً لألفاظها عما يستشنع ذكره حتى تخطى هذا الشاعر المطبوع إلى التصريح الذي لم يهتد إليه غيره فقال:
إني على شغفي بما في خُمْرها ... لأعَفُّ عما في سراويلاتها
وكثير من العهر أحسن من هذا العفاف.
قال القاضي ومن أمثاله العامية قوله:
وكل مكان أتاه الفتى ... على قدر الرَّجل فيه الخُطا
ومنها إبعاد الاستعارة، والخروج بها عن حدها، كقوله:
مَسرّةُ في قلوب الطِيب مَفرِقُها ... وحسرةُ في قلوب البَيضِ والبَلَب
وقوله:
تجمعّتْ في فؤادِه هِمَمُ ... ملءُ فؤادِ الزمانِ إحداها
وقوله:
لم تَحْكِ نائلَك السحابُ وإنما ... حُمّتْ به فصبيبهاُ الرُّحَضاءُ
وقوله:
إلاَّ يَشبْ فلقد شابتْ له كَبِدُ ... شَيْباً إذا خضَّبتْه سَلْوةُ نصلاَ
وقوله:
وقد ذقتُ حَلْواءَ البنينَ علي الصبا ... فلا تحِسَبني قلتُ ما قلتُ عن جهل
فجعل للطيب والبيض واليلب قلوباً، وللسحاب حمى، وللزمان فؤادا، وللكبد شيبا، وهذه استعارات لم تجر على شبه قريب ولا بعيد، وإنما تصح الاستعارة وتحسن على وجه من الوجوه المناسبة، وطرق من الشبه والمقاربة.
قال الصاحب: وما زلنا نعجب من قول أبي تمام وهو:) لا تسقني ماء المَلاَم (فخف علينا) بحلواء البنين (.
ومنها الاستكثار من قول) ذا (.
قال القاضي: وهي ضعيفة في صنعة الشعر، دالة على التكلف، وربما وافقت موضعاً تليق به، فاكتسبت قبولا، فأما في مثل قوله:
قد بلغتَ الذي أردت من البِرّ ... ومن حقّ ذا الشريفِ عليكا
وإذا لم تَسِرْ إلى الدار في وق ... تِك ذا خفتُ أن تسيرَ إليكا
وقوله:
لو لم تكن مِن ذا الورى الَّلذْ منك هَوُ ... عَقِمَتْ بِمَوْلد نسلها حواءّ
وقوله:
(/)

عن ذا الذي حُرم الليوثُ كمالَه ... يُنسِى الفريسة خوفَه بجماله
وقوله:
وإن جِزعنا له فلا عجبُ ... ذا الجَزْرُ في البحر غيرُ معهود
وقوله:
أفي كلّ يوم الدُّمْسقُ مُقدْمُ ... قَفاه على الإقدام للوجه لأئم
وقوله:
أبا المسكِ ذا الوجهُ الذي كنت تائقا ... إليه وذا الوقتُ الذي كنتُ راجيا
وقوله:
أغالبُ فيك الشوقَ والشوق أغلبُ ... وأعجبُ من ذا الهجرِ والوصل أعجب
وقوله:
أريد من زمني ذا أنْ يُبَلغني ... ما ليس يَبلُغه من نفسه الزمن
وقوله: يضاحك في ذا اليومِ كلُّ حبيبه فهو كما تراه سخافة وضعف، ولو تصفحت شعره لوجدت فيه أضعاف ما ذكرناه من هذه الإشارة، وأنت لا تجد منها في عدة دواوين جاهلية حرفا، والمحدثون أكثر استعانة بها، لكن في الفرط والندرة أو على سبيل الغلط والفلتة. الإفراط في المبالغة: ومنها الإراط في المبالغة، والخروج فيه إلى الإحالة كقوله:
ونالوا ما اشتهوا بالحزم هَوْنا ... وصاد الوحشَ نملُهمُ دبيباً
وقوله:
وضاقت الأرضُ حتى كان هاربهمُ ... إذا رأى غيرَ شيء ظنه رجلا
فبعدهَ وإلى ذا اليوم لو رَكضتْ ... بالخيل في لَهواتِ الطفل ما سَعَلا
وقوله:
وأعجب منك كيفَ قَدَرْتَ تَنْشاَ ... وقد أعطيت في المهد الكمالا
وأُقسِمُ لو صَلَحْتَ يمينَ شيءٍ ... لما صلَح العبادُ له شِمالاَ
وقوله:
بمن أضرب الأمثال أم من أقيسه ... إليك وأهل الدهر دونك والدهرُ
وقوله:
ولو قلم ألقِيِتُ في شق رأسه ... من السقمِ ما غيرتُ من خطّ كاتب
وقوله:
من بعد ما كان ليِلى لا صباح له ... كأن أول يوم الحشر آخرُهُ
فهو مما لا يستهجن في صنعة الشعر، على أن كثيراً من النقدة لا يرتضون هذا الإفراط.
ومنها: تكرير اللفظ في البيت الواحد من غير تحسين، كقوله:
ومِنْ جاهل بي وهو يَجهل جهلهَ ... ويجهل علمي أنه بي جاهل
وقوله في هذه القصيدة:
فقَلْقَلتُ بالهَم الذي قلقلَ الحَشاَ ... قلاقلَ عيِسى كلهن قَلاقلُ
قال الصاحب: وما زال الناس يستبشعون قول مسلم:
سُلَّتْ وسَلَّتْ ثم سَلَّ سليلها ... فأتى سليلُ سليلها مَسْلولا
حتى جاء هذا المبدع، فقال:
وأفَجعُ من فَقَدنْا مَنْ وَجَدنا ... قُبيلَ الفقد مفقودَ المِثال
وأظن المصيبة في الراثي أعظمَ منها في المرثى.
وقوله:
عَظُمتَ فلما لم تُكلمّ مَهابةً ... تواضعتَ وهْو العظُم عُظما عن العُظم
قال الصاحب: وما أحسن ما قال الأصمعي لمن أنشده:
فما للنَّوى جُذّ النَّوى قُطع النَوى ... كذاك النَّوى قطَّاعةُ لوصِال
) لو سلط الله على هذا البيت شاة لأكلت هذا النوى كله (وقوله:
ولا الضَّعفَ حتى يتبع الضعفَ ضِعْفُه ... ولا ضِعفَ ضعفِ الضّعف بِل مثلَه ألفُ
وقثوله:
ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثّلي عند مِثلهمُ مقامُ
وقوله:
العارضُ الهَتِنُ ابنُ العارض الهتن ابْ ... ن العارضِ الهتنِ ابن العارض الهتنِ
وقوله:
وإني وإن كان الدفينُ حبيبه ... حبيبُ إلى قلبي حبيبُ حبيبي
وقوله:
لك الخيرُ غيري رامَ من غيرك الغني ... وغيري بغير اللاذقية لاحق
وقوله:
ملولةُ ما يدومُ ليس لها ... من مَلل دائم بها مللُ
وقوله:
قَبيلُ أنتَ وأنتَ منهم ... وجَدُّك بشرُ الملكُ الهمامُ
وقوله:
وكلكم أتى مأتي أبيه ... فكل فِعالِ كِلّكُم عُجابُ
وقوله:
وما أنا وحدي قلتُ ذا الشعرَ كلَّه ... ولكنّ شعري فيك من نفسه شعر
وقوله:
إنما الناس حيث أنت وما النا ... س بناس في موضع منك خالي
وقوله:
ولولا تولى النفسِ حمل حلمه ... عن الأرض لا نهدت وناء بها الحِمل
وقوله:
ونَهْبُ نفوسِ أهل النهبِ أولى ... بأهل النَّهب من نَهْب القُماش
وقوله:
وطعن كأن الطعن لأطعننَ عنده ... وضرب كأن النارَ من حره برد
وقوله:
أراه صغيراَ قَدْرُها عُظْمُ قَدْرِه ... فما لعظيم قَدْرهُ عندَه قَدْرُ
وقوله:
جوابُ مسائلي ألَهُ نظيرُ ... ولا لك في سؤالك لا ألاَ لاَ
(/)

قال الصاحب: ما قدرتُ أن مثل هذا البيت يلج سمعا، وقد سمعت بالأفأفاء، ولم أسمع باللألاء حتى رأيت هذا المتكلف المتعسف الذي لا يقف حيث يعرف.
ومنها: إساءة الأدب بالأدب كقوله:
فغداَ أسيراً قد بَلَلْتُ ثِيابه ... بدم وبَلَّ ببولِه الأفخاذا
وقوله:
وما بين كاذَتِي المُسْتغير ... كما بينَ كاذَتِي البائل
وقوله:
خَفِ اللهَ واسْتُرْ ذا الجمالَ ببرقُع ... فإن لُحْت حاضت في الخدور العواتق
ويقال: لما أنكرت عليه) حاضت (غيره، فجعله) ذابت (. وذكر البول والحيض مما لا يحسن وقوعه في مخاطبة الملوك والرؤساء، وأقبح موقعاً من ذلك قوله في قصيدة يرثى بها أخت سيف الدولة، ويعزيه عنها، حيث قال:
وهل سَمِعتِ سلاماً لي ألم بها ... فقد أطلتُ وما سلمتُ عن كَثَبِ
وما باله يسلم على حرم الملوك، ويذكر منهن ما يذكره المتغزل في قوله:
يَعْلَمْن حين تُحَياً حسن مَبَسمها ... وليس إلا الله بالشنَب
وكان أبو بكر الخوارزمي يقول: لو عزاني إنسان عن حرمة لي بمثل هذا لألحقته بها، وضربت عنقه على قبرها، قال الصاحب: ولقد مررت على مرثية في أم سيف الدولة، تدل مع فساد الحس على سوء أدب النفس، وما ظنك بمن يخاطب ملكا في أمه بقولع:
بعيشكِ هل سَلَوتِ فإن قلبي ... وإن جانبتُ أرضَك غيرُ سالِ
فيتشوق إليها، ويخطئ خطأ لم يسبق إليه؛ وإنما يقول ذلك من يرثى بعض أهله، فأما استعماله إياه في هذا الموضع؛ فإنه دال على ضعف البصر بمواقع الكلام.
وفي هذه القصيدة:
رِواق انعز فوقك مُسبطِرُّ ... ومُلْكُ على ابنك في كمال
ولعل لفظة الاسبطرار في مراثي النساء من الخذلان الرقيق الصفيق المبين.
قال ولما أبدع في هذه القصيدة، واخترع، قال:
صلاةُ الله خالقِنا حَنُوطُ ... على الوجْه المُكَفَّن بالجمال
فلا أدري هذه الاستعارة أحسن أم وصفه وجه والدة ملك يرثيها بالجمال، أم قوله في وصف قرابتها وجواريها:
أتتهن المصيبةُ غافلات ... فدمُع الحزنِ في دمع الدّلال
الإيضاح عن ضعف العقيدة ورقة الدين على أن الديانة ليست عياراً على الشعراء، ولا سوء الاعتقاد سببا لتأخر الشاعر، ولكن للإسلام حقه من الإجلال الذي لا يسوغ الإخلال به قولا وفعلا، ونظماً ونثراً، ومن استهان بأمره، ولم يضع ذكره وذكر ما يتعلق به في مواضع استحقاقه، فقد باء بغضب من الله تعالى، وعرض لمقته في وقته، وكثيراً ما قرع المتنبي هذا الباب بمثل قوله:
يترشفْنَ من فمي رَشفات ... هن فيه أحلى من التوحيد
وقوله:
ونُصِفي الذي يُكنى أبا الحسن الهوى ... ونُرضي الذي يُسمى الإلهَ ولا يُكْنى
وقوله من قصيدة مدح بها العلوي:
وأبهر آيات التهاميّ أنه ... أبوكم وإحدى ما لكم من مناقب
وقوله:
تتقاصر الأفهام عن إدراكه ... مثلُ الذي الأفلاك فيه والدُّنا
وقد أفرط جداً، لأن الذي الأفلاك فيه والدنا، هو علم الله عز وجل.
وقوله:
الناس كالعابدين آلهةً ... وعبدُه كالموحد اللاهَا
وقوله لفاخسرو:
لو كان علمُك في الإله مقسما ... في الناس ما بعث الإله رسولا
أو كان لفظك فيهمْ ما أنزل الت ... وراة والفرقان والإنجيلا
وقوله:
لو كان ذو القرنين أعمل رأيه ... لما أتى الظلمات صرن شموسا
أو كان صادف رأسَ عازَرَ سيفهُ ... في يوم معركة لأعيا عيسى
عازر: اسم الرجل الذي أحياه المسيح عليه الصلاة والسلام بإذن الله عز وجل.
وقوله:
أو كان لُجُّ البحر مثلَ يمينه ... ما انشق حتى جاز فيه مُوسى
وكأن المعاني أعيته، حتى التجأ إلى استصغار أمور الأنبياء.
وفي هذه القصيدة:
يا من نلوذ من الزمان بظله ... أبداً ونطرد باسمه إيليساَ
وقوله وقد جاوز حد الإساءة:
أيَّ مَحَلّ ارتقى ... أيَّ عظيم أتقى؟
وكل ما قد خلق الل ... هـ وما لم يَخْلقُ
محتقر في همتي ... كشَعْرة في مَفْرِقي
وقبيح بمن أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو بينهما حامل بول وعذرة، أن يقول مثل هذا الكلام الذي لا تسعه معذرة.
ومنها الغلط بوضع الكلام غير موضعه كقوله:
(/)

أغار من الزجاجة وهي تجري ... على شفة الأمير أبي الحُسَين
وهذه الغيرة إنما تكون بين المحب ومحبوبه، كما قال أبو الفتح كُشاجم وأحسن:
أغار إذاَ دَنَتْ مِن فيه كأسُ ... على دُرٍّ يُقبَله زُجاجُ
(/)

فأما الأمراء والملوك فلا معنى للغيرة على شفاهها.
وكقوله:
وغرّ الدُّمُسْتُقَ قولُ الوشا ... ة إن علياَّ ثقيل وَصبْ
فجعل الأمراء يوشي بهم، وإنما الوشاية: السعاية ونحوها. ومن شأن الممدوح أن يُفضل على عدوه ويجري العدو
(2/159)

مجرى بعض أصحابه، وليس بسائغ في اللغة أن يقال وشى فلان بالسلطان إلى بعض رعيته.
وكقوله في وصف الحمى المعرقة.
إذا ما فارقتني غسَّلتْني ... كأنا عاكفان على حرام
وليس الحرام أخص بالاغتسال منه من الحلال.
وكقوله في وصف مهره:
(2/160)

وزاد في الأذن على الخرانق وأذن الفرس يستحب فيها الدقة والانتصاب، وتشبه بطرف القلم، وأذن الأرنب على الضد من هذا الوصف.
ومنها: امتثال ألفاظ المتصوفة، واستعمال كلماتهم المعقدة، ومعانيهم المغلقة، في مثل قوله في وصف فرس: سبوحُ لها منها عليها شواهد
(2/161)

وقوله:
إذا ما الكأس أرعشَتِ اليديِن ... صَحَوْت فلم تَحُلْ بيني وبيني
وقوله:
أفيكُمْ فَتىً حَيُّ يُخَبرني عني ... بما شَرِبت مشروبةُ الراحِ من ذهني
وقوله:
نال الذي نلتُ منه مِني ... لله ما تصنعُ الخمور
(2/162)

وقوله:
كبُرَ العِيان علىّ حتى إنه ... صار اليقين من العيان تَوهما
وقوله:
وبه يُضن على البَّرية لا بِها ... وعليه منها لا عليها يُوسَي
وقوله:
ولولا أنني في غير نوم ... لكنت أظنني مني خَيالا
(2/163)

قال الصاحب: ولو وقع قوله:
نحن مَن ضايق الزمانُ له في ... كَ وخانته قربَك الأيام
في عبارات الجُنَيد والشِبِلْي لتنازعته المتصوفة دهرا بعيدا.
ومن أشد ما قاله في هذا المعنى:
ولكنكَ الدنيا إلىّ حبيبةً ... فما عنك لي إلا إليك ذَهابُ
ومنها الخروج عن رسم الشعراء إلى الفلسفة كقوله:
(2/164)

وَلَجُدْت حتى كدتَ تبخل حائلا ... للِمُتنهى ومن السرور بُكاء
وقوله:
والأسى قبل فرقة الروح عجز ... والأسى لا يكون بعد الفراق
وقوله:
(2/165)

إلف هذا الهواء أوقع في الأنْ ... فُسِ أن الحِمام مُرّ المذَاقِ
وكقوله:
تخالفِ الناسُ حتى لا اتفاقَ لهم ... إلا على شَجَبٍ والخُلْفُ في الشجب
فقيل تَخلُص نفسُ المرء سالمةً ... وقيل تَشْرَكُ جسمَ المرءِ في العَطَب
وقوله:
خلفتْ صفاتك في العيون كلامه ... كالخطّ يملأ مسمعيْ من أبصرا
وقوله:
(2/166)

تمتعْ من سُهاد أو رُقاد ... ولا تأمُلْ كَرىً تحت الرَّجام
فإن لثالث الحالين معنىً ... سوى معنى انتباهك والمنامِ
قال ابن جني: أرجو ألا يكون أراد بذلك أن نومه القبر لا انتباه لها.
ومنها استكراه التخلص؛ قال القاضي: لعلك لا تجد في شعره تخلصا مستكرها إلا قوله:
(2/167)

أحبكَ أو يقولوا جَرَّ نملُ ... ثَبيِراً وابنُ إبراهيم رِيعا
فهذا تخلص ليس عليه شيء من الجمال، وهاهنا يكون الانتضاب أحسن من التخلص، فينبغي لسالك هذا الطريق أن ينظر إلى ما يصوغه، فإن أتاه التخلص حسناً أتى به، وإلا فليدعه.
وكذلك قال في قصيدته التي أولها:
(2/168)

أحيا وأيسرُ ما قاسيتُ ما قتلا ... والبينُ جارَ على ضَعْفي وما عَدَلا
علَّ الأميرَ يرى ذُلّي فيشفعَ لي ... إلى التي صيرتني في الهوى مثلا
والإضراب عن مثل هذا التخلص خير من ذكره، وما ألقاه في هذه الهوة إلا أبو نواس حيث قال:
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد
(2/169)

.. هواي لعل الفضلَ يجمع بيننا
على أن أبا نواس أخذ ذلك بن ذريح، لكنه أفسده، ولم يأت به كما أتى به قيس.
ولذلك حكاية: وهو أنه لما هام بلبني في كل واد، وجن بها، رق له الناس ورحموه، فسعى ابن أبي عتيق إلى أن طلقها من زوجها، وأعادها إلى قيس وزوجها إياه، فقال عند ذلك:
(2/170)

جَزَى الرحمَنُ أفضل ما يُجازي ... على الإحسان خيراً من صَديقِ
وقدْ جرّبتُ إخواني جميعاً ... فما ألفيتُ كابن أبي عتيق
سعى في جمع شَمْلي بعد صدْع ... ورَأى حِدْتُ فيه عن طريقي
وأطفأ لوعةً كانتْ بقلبي ... أغصّتني حرارتُها بريقي
وأما قوله:
(2/171)

فأفنى وما أفْنَتْه نفسي كأنما ... أبو الفَرَج القاضي له دونهاَ كَهْفُ
وقوله:
لو استطعت رَكبتُ الناسَ كلهم ... إلى سعيد بنِ عبد الله بُعْرانا
وقوله:
أعزُّ مكان في الدُّنا سرجُ سابح ... وخيرُ جليس في الزمان كتابُ
وبحر أبي المسك الخِضَمُّ الذي له ... على كل بحر زَخْرةُ وعُباب
(2/172)

فهي، وإن لم تكن مستحسنة، فليست بالمستهجن الساقط.
ومنها قبح المقاطع: كقوله بعد أبيات أحسن فيها غاية الإحسان، وترقى فيها الدرجة العالية، وهي:
ولله سِرُّ في عُلاك وإنما ... كلام العِدا ضربُ من الهَذَيان
أيلتمسُ الأعداءُ بعد الذي رأتْ ... قيامَ دليل أو وُضوح بَيان
(2/173)

رأتْ كل من يَنوي لك الغَدْر يُبتلى ... بغدرِ حياة أو بغدرِ زمان
ومنها:
قَضَى اللهُ يا كافورُ أنك واحدُ ... وليس بقاض أن يُرىَ لك ثاني
فما لك تختارُ القِسِي وإنما ... عن السعد يرمي دُونَك الثَّقلان
وما لك تُعْنيَ بالأسنة والقَنا ... وجَدكُّ طَعانُ بغير سِنان
ولمْ تحملُ السيفَ الطويلَ نِجادُه
(2/174)

.. وأنت غنّي عنه بالحَدَثان
أرِدْ لي جميلا جُدْتَ أو لم تجُد به ... فإنكَ ما أحببتَ فيَّ أتاني
هذا البيت الذي هو عُوذَتُها:
لو الفلكَ الدَّوارَ أبغضت سعَيهُ ... لعوَّقه شيء عن الدَّوران
وكقوله في قصيدة منها:
في خَطّهِ من كل قلب شهوةُ ... حتى كأن مِدادَه الأهواءُ
ولكل عين قُرةُ في قُربه ... حتى كأن مَغيبه الأقذاءُ
هذا البيت الذي جعله المقطع:
لو لم تكن من ذا الورى اللَّذْ منك هُوْ ... عَقِمتْ بمولد نسلها حواّءُ
وكقوله في آخر قصيدة:
خَلَتِ البلادُ من الغزالةِ ليلتهاَ ... فأعاضَهاكَ اللهُ كَنْى لا تَحزناَ
ومن ولوع أبي الطيب بالتصغير قوله: ... أذم إلى هذا الزمان أهَيْلَهُ
وقوله:
مَنْ لي بفهم أهَيْل عصر يدّعي ... أنَ يحسْبُ الهنديَّ فيهم باقِلُ
وقوله: حُبيَّبتا قلبي فؤادي هَيا جُمْلُ.
وقوله: ونام الخُويدم عن لَيْلِنَا وقوله: أفي كل يوم تحت ضِبْني شُوَيعرُ فقد كان مولعاً بالتصغير لا يقنع من ذلك بخلسة الغير، ولا ملامة عليه، إنما هي عادة صارت كالطبع، فما حسن منها مأنوس الربع، ولكنها تغتفر مع المحاسن، هكذا قال المعري في رسالة الغفران.
(2/175)

نبذة من محاسنه وروائعه وغرائبه وقلائده وفرائده التي زاد فيها على من تقدم وسبق بها جميع من تأخر: فمنها حسن المطلع كقوله:
فديناك من ربع وإن زدتنا كَرْبا ... فإنك كنت الشرقَ للشمس والغَرْبا
نزلنا عن الأكسوار نَمشي كَرامة ... لِمن بان عنه أن نُلِمَّ به رَكْبا
(2/176)

وقوله:
الرأيُ قبل شجاعةِ الشجعانِ ... هُوَ أولُ وهْي المَحلُّ الثاني
فإذا هما اجتمعنا لنفس مرة ... بلغت من العلياء كل مكان
وقوله:
إذا كان مدحُ فالنسيب المقدّمُ ... أكل فصيح قال شعرا مُتّيمُ؟
لَحبُّ ابنِ عبدِ الله أولى فإنه ... به يُبدأ الذكرُ الجميلُ ويُختمذ
(2/177)

وقوله:
أعْلَى الممالكِ ما يُبنى على الأسَلِ ... والطَّعْنُ عند مُحِبيهن كالقُبلِ
وقوله في الشكاية:
فؤاد ما تسليهِ المُدام ... وُعمرُ مثل ما تَهَبُ اللئامُ
وقوله أيضاً:
(2/178)

أفاضلُ الناس أغراضُ لذا الزمنِ ... يخلوُ من الهْمَّ أخلاهُمْ من الفِطَنِ
وقوله:
اليومَ عهدكُم فأين الموْعِدُ ... هيهاتِ ليس ليوم عهدكمُ غَدُ
الموتُ أقربُ مِخْلبا من بَينكُمْ ... والعيشُ أبعدُ منكمُ لا تَبعَدُوا
(2/179)

وقوله في التهنئة بزوال المرض:
المجدُ عُوفَي إذ عُوفيتَ والكرمُ ... وزال عنكَ إلى أعدائكَ الألُم
ومن ابتداءاته التي تسكر العقول، وتفعل فعل الشمول، قوله في قصيدة يمدح بها كافوراً، ويذكر الصلح بينه وبين ابن سيده، وكانت جرت بينهما
(2/180)

وحشة، فبدأ قصيدته بذكر الغرض المقصود، فقال:
حَسَمَ الصلحُ ما اشتهيته الأعادي ... وأذاعته ألسُن الحُسَّادِ
وأرادته أنفُسُ حال تدبي ... رُك ما بينها وبين المرادِ
صار ما أوضع المخبون فيه ... مِنْ عِتاب زيادةً في الوِدادِ
وكلامُ الوُشاةِ ليس على الأح ... باب سلطانهُ على الأضداد
(2/181)

إنما تنجح المقالةُ في المر ... ء إذا وافقتْ هوىً في الفؤادِ
وكذلك قوله في أول قصيدة مدح بها سيف الدولة، وكان البطريق أقسم برأس ملكه أنه يعارض سيف الدولة في الدرب، ويجتهد في لقائه، ويثبتن له، وسأل ملكه إمداده، وإنجاده ببطارقته، وعدده، ففعل ذلك، فخيب الله ظنه، وأتعس
(2/182)

جده، وولى هارباً، فافتتح أبو الطيب قصيدته بفحوى الأمر، فقال:
عُقَبَى اليمين على عُقْبَى الوَغىَ نَدم ... ماذا يَزيدُك في إقدامك القَسمُ
وفي اليمين على ما أنت واعدهُ ... ما دل أنك في الميعاد مُتَّهمُ
وقوله وقد فارق سيف الدولة،
(2/183)

وسار إلى مصر:
فِراقُ ومَنْ فارقتُ غيرُ مُذممَّ ... وأمُّ ومن يَمَّمْتُ خيرُ مُيَمَّمِ
وقوله في الغزل:
أريقُك أم ماء الغمامةِ أم خمرُ ... بِفىَّ بَرودُ وهْو في كبدي جَمْرُ
وقوله أيضا:
حُشاشةُ نفس ودّعتْ يوم وّدعوا ... فلم أدْرِ أيَّ الظاعنينْ أشيعُ؟
(2/184)

ولأبي تمام ابتداءات غريبة: منها لما حاصر المعتصم عمورية زعم أهل النجامة أنها لا تفتح في ذلك الوقت، وأفاضوا في هذا، حتى شاع وصار أحدوثة بين الناس، فلما يسر الله فتحها على يد المعتصم، مدحه أبو تمام بقصيدة عديمة النظير، وبنى مطلعها على هذا المعنى، فقال:
(2/185)

السيفُ أصدقُ إنباءً من الكُتُبٍ ... في حَدّه الحدُّ بين الجِد واللَّعبِ
والعِلمُ في شُهُبِ الأرماحْ لامعةً ... بين الخَميسينِ لا في السَّبْعة الشُهبِ
أين الروايةُ أمْ أين النجومُ وما ... صاغوه من زُخرف فيها ومن كذب؟
(2/186)

تخرصاً وأحاديثاً ملفقة ... ليست بنبع إذا عُدّتْ ولا غَرَب
وهذا من أحسن ما يأتي في هذا الباب.
وكذلك قوله في أول قصيدة يمدح بها المعتصم، ويذكر خروج بابك الخرمي عليه، وظفره به:
الحق أبَلجُ والسيوفُ عوارِي ... فحَذَارِ من أسدِ العَرين حَذَارِ
وقوله متغزلا:
(2/187)

عسى وطنُ يدنو بهم ولَعَلما ... وأن تُعْتِبَ الأيامُ فيهمْ فربما
ومن ابتداءات أبي عباده البحتري قوله، وهو غاية في بابه:
بِوُديَ لو يَهوَى العذولُ ويعشقُ ... فيعلمَ أسبابَ الهوى كيف تَعْلقُ
وأحسن ابتداءات المتقدمين قول امرئ القيس:
(2/188)

خليليّ مُرا بي على أمّ جُندب ... نُقَضَّ لُباناتِ الفؤادِ المُعَذَّبِ
وقول النابغة:
كليني لِهَمّ يا أميمةَ ناصب ... وليل أقاسيه بطيءِ الكواكب
قدمه ابن المعتز وغيره لسلامته على قول امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلِ ... بسِقْطِ اللَّوَى بين الدَّخُول فَحوْمَل
(2/189)

لما فيه من عدم التناسب، فإنه وقف، واستوقف، وبكى، واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل في نصف بيت عذب اللفظ سهل السبك، ولم يتفق له مثل ذلك في النصف الثاني بل أتى فيه بمعان قليلة في ألفاظ غريبة، فباين الأول بخلاف بيت النابغة، فإنه لا تفاوت بين قسميه.
ومن أحسن ابتداءات المولدين قول أبي نواس:
(2/190)

خليليّ هذا موقفُ من مُتّيمِ ... فعوجا قليلا وانظراه يُسَلَّم
وقول إسحاق الموصلي:
هل إلى أن تنام عيني سبيلُ ... إنّ عهدي بالنوم عهدُ طويل
ومن محاسن الابتداءات ما ذكره المبرد في الروضة، قال: إن الرشيد غزا غزوة في بلاد الروم، وإن نقفور ملك الروم
(2/191)

خضع له، وبذل الجزية، فلما عاد عنه، واستقر بمدينة الرقة، وسقط الثلج، نقض نقفور العهد، ولم يجسر أحد على إعلام الرشيد لمكان هيبته في صدور الناس، وبذل يحيى بن خالد للشعراء الأموال على أن يقولوا أشعار في إعلامه، فأشفقوا من لقائه بمثل ذلك إلا شاعراً من أهل جدة يكنى أبا محمد، فنظم قصيدة،
(2/192)

وأنشدها الرشيد، أولها:
نقض الذي أعطيتَه نقفورُ ... فعليه دائرة البَوار تدور
أبشرْ أمير المؤمنين فإنه ... فتح أتاك به الإلهُ كبيرُ
فلما أنهى الأبيات، قال الرشيد أو قد فعل؟ ثم غزاه في بقية الثلج، وحصل له الفتح.
ومن لطيف الابتداءات قول مهيار:
(2/193)

أمَا وهواها حِلْفَةً وتَنَصُّلا ... لقد نقل الواشي إليها فأمحلا
فإنه أبرز الاعتذار في هيئة الغزل، وأخرجه في معرض التشبيب، وكان وشى به إلى الممدوح، فافتتح قصيدته بهذا المعنى. ومن ذلك قول بعض العراقيين:
وراءك أقوال الوشاةِ الفواجر ... ودونك أحوالُ الغرام المخامِر
ولولا وَلُوعُ منك بالصدَ ماسعَوا ... ولولا الهوى لم أنتدبْ للمعاذر
فسلك مسلك مهيار، وزاد عليه في المعاتبة على الإصغاء إلى قول الوشاة والاستماع منهم، وذلك من أغرب ما قيل في هذا المعنى.
ومن الابتداءات الحسنة قول الشاهيني حرسه الله تعالى من قصيدة يمدح بها من تقصر عن أدنى
(2/194)

فضائله ألسنة الأقلام يحيى أفندي شيخ مشايخ الإسلام متع الله ببقائه الأنام) المفتي الآن بدار السلطنة العثمانية حرسها الله تعالى إلى يوم القيامة (.
لا يَسلْني عن الزمان سَؤولُ ... إن عتبي على الزمان يطول
وكذلك قوله أدامه الله تعالى، وأبقى معاليه:
(2/195)

كم أداري ولستُ ممن يُداري ... ليت قلبي في عشقه بالخيار
ومن الابتداءات الحسنة قول شيخنا عالم حلب الشهباء إحدى العواصم، بدر فلك الفضل، وشمس سماء المكارم، نجم الدين أفندي الأنصاري لازال ملاحظاً بعين عناية الباري:
أترى الزمانَ يُعيد لي إيناسيِ ... ويَرقُّ لي ذاك الحبيبُ القاسي
(2/196)

واعلم أن حسن الابتداء يجري في الشعر من ذلك ما قيل لكاتب: اكتب إلى الأمير، وعرفه أن بقرة ولدت حيواناً على شكل إنسان، فكتب بعد البسملة: أما بعد حمد الله الذي خلق الأنام، في بطون الأنعام.
ومن ذلك ما كتب أبو إسحاق الصابي عن الخليفة الطائع لله إلى
(2/197)

الأطراف عند عودة إلى كرسي ملكه، وزوال ما نزل به من الأتراك، فقال: الحمد لله ناظم الشمل بعد شتاته، وواصل الحبل بعد بتاته، وجابر الوهن إذا ثلم، وكاشف الخطب إذا أظلم، والقاضي للمسلمين بما يضم نشرهم، ويشد أزرهم، ويصلح ذات بينهم، ويحفظ الألفة عليهم وإن شابت ذلك في
(2/198)

الأحيان شوائب من الحدثان، فلن يتجاوز بهم الحد الذي يوقظ غافلهم، وينسبه ذاهلهم، ثم إنهم عائدون إلى أفضل ما أولاهم الله، وعودهم ووثق لهم، ووعدهم من إيمان سربهم، وإعذاب شربهم وإعزاز جانبهم، وإذلال مجانبهم، وإظهار دينهم على الدين كله ولو كره المشركون.
وإذا نظرت إلى
(2/199)

فواتح السور رأيت من البلاغة والتفتن ما تقصر عن كنه وصفه العبارة كالتحميدات المفتتح بها أوائل السور، وكذا الابتداء بالنداء كقوله في مفتتح سورة النساء: يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة. وفي سورة الحج: الحج: يأيها
(2/201)

الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم، فإن مثل هذا الابتداء مما يوقظ السامعين للإصغاء إليه، وكذا في الابتداء بالحروف نحو الم، حم، مما يبعث على الاستماع والتطلع نحوه، لأنه يقرع السمع شيء غريب ليس بمثله عادة.
ومن بدائع أبي الطيب حسن الخروج
(2/202)

والتخلص كقوله:
مرّتْ بنا بين تِرْبيها فقلت لها ... من أين جانس هذا الشادنُ العَرَبا
فاستَضْحكت ثم قالت كالمُغْيث يُرَى ... ليثَ الثَّرَى وهو من عِجْل إذا انتسبا
(2/203)

وقوله أيضاً:
وخَرْقٍ مكانُ العيس منه مكانناُ ... من العيس فيه واسُط الكُور والظُهر
ويوم وصلناه بِليل كأنما ... على أفقه من بَرْقِه حُلَلُ حُمْرُ
وليل وصلناه بيوم كأنما ... على متنه من دَجْنه حُلَلُ خُضر
(2/204)

وغيث ظننا تحته أن عامرا ... عَلاَ لَمْ يمت أو في السحاب له قبرُ
أو ابنَ ابنِه الباقي علىَّ بنَ أحمد ... يجود به لو لم أجُزْ ويدي صِفر
وقوله:
إذا صلتُ لم أترك مَصالا لفاتك ... وإن قلتُ لم أترك مقالا العالم
وإلا فخانتْني القوافي وعاقني ... عن ابن عبيد الله ضعف العزائم
وقوله:
(2/205)

حدقُ الحسان من الغواني هِجْنَ لي ... يومَ الفراق صبابةً وغليلا
حدقُ يُذِمُّ من القاتل غيرَها ... بدرُ بنُ عمارِ بنِ إسماعيلا
وقوله:
ولو كنتُ في أسر غيرِ الهوى ... ضَمنتُ ضمانَ أبي وائل
فَدَى نفسهَ بضمان النضمارِ ... وأعطى صدورِ القنا الذبل
(2/206)

ومما جاء من التخلصات الحسنة قوله:
وأوردت نفسي والمهنَّدُ في يدي ... مواردَ لا يُصْدِرن من لايُجالدُ
ولكن إذا لم يحمل القلبُ كفَّه ... على حالة لم تحمل القلبَ ساعدُ
خليليّ إني لا أرى غير شاعر ... فلِمْ منهمُ الدعْوَى ومني القصائد
فلا تعجبا، إن السيوف كثيرةُ ... ولكنّ سيفَ الدولة اليوم واحدُ
(2/207)

هذا هو الكلام الآخذ بعضهُ برقاب بعض ألا ترى أن الخروج إلى مدح الممدوح في هذه الأبيات، كأنه أفرغ في قالب واحد، وهو من بدائعه المشهورة.
وكذلك قوله أيضا، وهو من أحسن ما يأتي به من التخلصات، وهو في قصيدته التائية التي أولها:
سرب محاسنه عَدِمتُ ذواتِها ... داني الصفات بعيدُ موصوفاتها
فقال في أثنائها:
(2/208)

ومطالبٍ فيها الهلاكُ أتيتُها ... ثَبْتَ الجَنان كأنني لم آتها
ومقانبٍ بمقانب غادرتُها ... أقواتَ وحش كُنَّ من أقواتها
أقبلُتها غُررَ الجيادَ كأنما ... أيدي بنيِ عمرانَ في جَبَهاتها
الثابتين فروسةً كجلودها ... في ظهرها والطعنُ في َلبّاتها
(2/209)

ومنها:
تلك النفوسُ الغالباتُ على العلا ... والمجدُ يَغلبها على شهواتها
سُقِيَتْ منابتها التي سَقَت الورى ... بِيدَيْ أبي أيوب خيرِ نباتها
فانظر إلى هذين التخلصين البديعين، فالأول خرج به إلى مديح الممدوح، والثاني خرج به إلى نفس الممدوح، وكلاهما قد أغرب فيه كل الإغراب.
وقوله:
(2/210)

نودعهم والبين فينا كأنه ... قَنا ابنِ أبي الهيجاء في قلب فيلق
وهذا النوع مهم من مهمات البلاغة، وحقيقته: أن يأخذ مؤلف الكلام في معنى من المعاني، فبينما هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره، وجعل الأول سبباً إليه، فيكون بعضه آخذاً برقاب بعض من غير أن ينقطع كلامه، ويستأنف كلاماً
(2/211)

آخر، بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ إفراغاً وذلك مما يدل على حذق الشاعر، وقوة تصرفه من أجل أن نطاق الكلام يضيق عليه، ويكون متبعاً للوزن والقافية، فلا تواتيه الألفاظ على حسب إرادته.
وأما الناثر فإنه مطلق العنان يمضي حيث شاء، فلذلك يشق التخلص على الشاعر
(2/212)

أكثر مما يشق على الناثر.
ومن بديع ما أتى في هذا الباب ونادرة قول أبي تمام:
يقول في قُومَسِ صحبي وقد أخذتْ ... منا السُّرَى وخُطا المهرْيَّة القُودِ
أمطلعَ الشمس تبغي أن تَؤُمَّ بنا ... فقلت كلا ولكن مَطلعَ الجودِ
(2/213)

وقوله أيضا في وصف أيام الربيع:
خُلُقُ أطَلَّ من الربيع كأنه ... خُلُق الإمام وهدُيه المتيسر
في الأرض من عدل الإمام وجوده ... ومن النبات الغض سُرْجِ تُزْهِر
تُنْسى الرياض وما يُروَّض جودُه ... أبداً على مرّ الليالي يُذْكر
(2/214)

وهذا من ألطف التخلصات وأحسنها.
وكذلك قوله في قصيدته التي أولها: أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا
غيداءُ جاد وَليُّ الحسن سُنَّتَها ... فصاغَها بيديه روضةً أنُفا
يُضْحى العذولُ على تأنيبه كَلِفا ... بعذرِ مَن كان مشغوفا بها كَلِفا
(2/215)

يجاهد الشوقَ طورا ثم يجذبُه ... جهادهُ للقوافي في أبي دُلَفا
وهذا أحسن من الذي قبله، وأدخل في باب الصناعة، وكذلك جاء قوله:
زعمت هواك عفا الغداةَ كما عفا ... منها طُلول باللَّوى ورسومُ
لا والذي هو عالم أن النوى ... صَبِرُ وأن أبا الحسين كريمُ
(2/216)

ما حُلْتُ عن سَننَ الودادِ ولا غَدَتْ ... نفسي على إلف سِواك تحومُ
وهذا خروج من غزل إلى مديح أغزل منه.
ومن البديع في هذا الباب قول أبي نواس من جملة قصيدته المشهورة التي أولها: أجارةَ بَيْتَنا أبوكِ غيورُ فقال عند الخروج إلى ذكر
(2/217)

المدوح:
تقول التي في بيتها خَفَّ مَرْكبي ... عزيزُ علينا أن نراك تسير
أمَا دُونَ مصرٍ للغنىَ مُتَطَلبُ ... بلى إن أسباب الغنى لكثيرُ
فقلتُ لها واسَتعْجَلتها بوادرُ ... جرت فجرى في إثرهن عبيرُ
ذريني أكَثر حاسديك برحلة ... إلى بلد فيها الخصيبُ أميرُ
والشعراء متفاوتون في هذا الباب، وقد يقصر عنه الشاعر
(2/218)

المفلق المشهور بالإجادة في إيراد الألفاظ، واختيار المعاني، كالبحتري، فإن مكانه من الشعر لا يُجهل، وشعره السهل الممتنع الذي تراه كالشمس: قريباً ضوءها بعيدا مكانها، وكالقناة لينا مسها خشنا سنانها، وهو على الحقيقة قينة الشعراء في الإطراب، وعنقاؤهم في الإغراب، مع هذا، فإنه لم
(2/219)

يوفق في التخلص إلى المديح، بل اقتضبه اقتضاباً، وليس له من ذلك إلا اليسير، كقوله في قافية الباء من قصيدة:
وكَفانِي إذا الحوادثُ أظلمْ ... ن شِهابا بِغُرَّة ابن شِهاب
وكقوله:
قَصَدتْ لنجرانِ العراقِ ركابناُ ... فطلْبنَ أرحبها مَحلةَّ ماجد
آليتُ لا يَلقَيْن جَداًّ صاعداً ... في مطلَب حتى تُنَاخَ بِصاعدِ
وكقوله في قصيدته التي أولها:
(2/220)

حلفت لها بالله يوم التفرق فإنه تشوق فيها إلى العراق من الشام، فوصفت العراق ومنازله ورياضة، فأحسن في ذلك كله، ثم خرج إلى مدح الفتح بن خاقان فقال:
رِباعُ من الفتح بن خاقان لم نزل ... غِنىً لفقير، أو فكَاكاً لُموثَق
ثم أخذ في مدحه بعد ذلك بضروب من المعاني، وكذلك
(2/221)

ورد قوله في قصيدته التي أولها: ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها فإنه وصف البركة فأبدع، ثم خرج منها إلى مدح المتوكل، فقال:
كأنها حين لجت في تدفقها ... يدُ الخليفة لما سال واديها
وأحسن ما وجد له وهو ما تلطف فيه كل التلطف قوله في قصيدته التي يمدح بها ابن
(2/222)

بسطام ومطلعها: نصيب عينيك من سَحَ وتَسجام فقال عند تخلصه: هل الشباب مُلِمُّ بي فراجعةُ
لو أنه نائل غمرُ يُجادُ به ... إذاً تطلبتْه عند ابن بسطام
وله مواضع أخر يسيرة بالنسبة إلى كثرة شعره.
ومما استظرف في هذا النوع قول ابن الزمكدم الموصلي:
(2/223)

وليل كوجِه الَبرْ قَعيديّ ظُلْمةً ... وبرِد أغانيه وطولِ قُرونِه
سريتُ ونومي عن جفوني مُشَرَّدُ ... كعقل سليمان بن فَهد ودِيِنه
على أوْلَق فيه التفاتُ كأنه ... أبو جابر في خبطه وجنونه
إلى أن بدا ضوءُ الصباح كأنه ... سنا وجه قِرواش وضوءُ جبينه
وهذه الأبيات لها حكاية، وذاك
(2/224)

أن شرف الدولة قرواش صاحب الموصل كان جالسا مع ندمائه في ليلة من ليالي الشتاء في جملة هؤلاء الذين هجاهم الشاعر، وكان البرقعيدي مغنياً، وسلمان بن فهد وزيراً، وأبو جابر حاجباً، فالتمس شرف الدولة من هذا الشاعر أن يهجو المذكورين ويمدحه، فذكر هذه الأبيات
(2/225)

ارتجالا، وهي غريبة في بابها، لم يسمع بمثلها، ولم يرض قائلها بصناعة التخلص وحدها، حتى رقي في معانيه المقصودة إلى أعلى منزلة، فابتدأ البيت الأول بهجو البرقعيدي، فهجاه في ضمن مراده، وذكر أوصاف ليالي الشتاء جميعها، وهي الظلمة، والبرودة، والطول، وكذلك البيت الثاني والثالث، ثم خرج إلى المديح بألطف
(2/226)

وجه، وأدق صنعة، وهذا يسمى الاستطراد.
ومما يجري على هذا الأسلوب ما ورد لابن حجاج البغدادي:
ألا يا ماء دِجلَة لستَ تَدري ... باني حاسدُ لك طول عمري
ولو أني استطعت سَكَرْت سَكْراً ... عليك فلم تكن يا ماء تجري
فقال الماءُ ما هذا عجيب ... بِمَ استوجبتُه يا ليت شعري
(2/227)

فقلت له لأنك كل يومٍ ... تمر على أبي الفضل بن بشر
تراه ولا أراه وذاك شيءُ ... يضيق عن احتمال فيه صدري
ولا يظن أن هذا الشيء انفرد به المحدثون لما عندهم من الرقة واللطافة، وفات من تقدمهم من العرب لما عندهم من قشف العيش، وغلظ الطبع، بل قد سبق أولئك إلى هذا
(2/228)

الأسلوب، وإن أقلوا منه وأكثر المحدثون، وأي حسن من محاسن البلاغة والفصاحة لم يسبقوا إليه؟ وكيف لا وهم أهله، ومنهم علم، وعنهم فهم، فمما جاء للفرزدق قوله:
وركبٍ كأن الريحَ تطلبُ عندهم ... لها تِرةً من جَذْبها بالعصائب
(2/229)

سَرَوْا يَخبِطون الليل وهي تَلُفهم ... إلى شُعَب الأكوارِ من كل جانب
إذا آنوا ناراً يقولون ليتها ... وقد خَصِرتْ أيديُهم نارُ غالب
فانظر إلى هذا الاستطراد، ما أفحله وأفخمه!.
ومن بدائع أبي الطيب التثبيت بالأعرابيات، كقوله:
(2/230)

مَن الجآذر في زِي الأعاريب ... حُمرَ الحُليَ والمطايا والجلابيب
إن كنتَ تسأل شكا في معارفها ... فمن بَلاكَ بتسهيد وتعذيب
سوائرُ ربما سارت هوادجُها ... منيعةً بين مطعون ومضروب
أي لشدة الرغبة فيهن، وكثرة الذب عنهن، والمحاربة دونهن.
(2/231)

وربما وَخَدت أيدي المطى بَها ... على نجيع من الفُرسان مصبوب
كم زورةٍ لك في الأعراب خافيةٍ ... أدهى وقد رقدوا من زورة الذيب
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وانثنى وبياض الصبح يغري بي
قد وافقوا الوحشَ في سكني مراتعها ... وخالفوها بتقويض وتنطيب
(2/232)

فؤادُ كل محُب في بيوتهمُ ... ومالُ كلّ أخيذِ المال محروب
ما أوجهُ الحَضرِ المستحسناتُ به ... كأوجه البَدَويات الرعابيب
حسنُ الحضارة مجلوبُ يتطرية ... وفي البداوة حسنُ غير مجلوب
أفْدِى ظباءَ فلاة ما عَرَفْن بها ... مَضْغ الكلام ولا صبغَ الحواجيب
(2/233)

ولا برزن من الحمام ماثلة ... أوراكُهُنَّ صقيلاتِ العراقيب
ومن هوى كلّ من ليستْ مُمَوَّهة ... تركتُ لونَ مشيي غيرَ مخضوب
ومن هوى الصدق في قولي وعادته ... رَغبِت عن شَعَر في الوجه مكذوب
وناهيك بهذه الأبيات جزالة وحلاوة. وله طريقة في وصف
(2/234)

البدويات، وقد تفرد بحسنها فأجاد ما شاء فيها، فمنها قوله:
هام الفؤادُ بأعرابية سكنتْ ... بيتا من القلب لم تَمْدُد له طُنًبا
مظلومةُ القَدّ في تشبيهه غُصُنا ... مظلومةُ الريق في تشبيهه ضَرَبا
وقوله أيضا:
إن الذين وقفْتَ واحتملوا ... أيامهمُ لِديارهم دُوَل
(2/235)

الحسنُ يرحل كلما رحلوا ... معهم وينزل كلما نزلوا
في مقلَتَيْ رشأ تديرهما ... بدويةُ فُتِنتْ بها الحِللُ
تشكو المطاعمُ طول هجرتها ... وصدودها فمن الذي تصل
يصفها بقلة الأكل وهو محمود فيهن جدا.
ما أسْأرَتْ في القَعبْ من لبن ... تركَتْهُ وهو المسكُ والعسلُ
(2/236)

قالت: ألا تصحو فقلت لها ... أعْلَمْتني أن الهوى ثملُ
وقوله:
ديار اللواتي دارُهن عزيزةُ ... بطول القنا يُحفَظْن لا بالتمائم
حِسانُ التثني يتنقشُ الوشىُ مثلَه ... إذا مِسْنَ في أجسامهنّ النواعم
وَيَبْسمن عن دُرّ تقلدنَ مثلَه ... كأن التراقي وُشِحَتْ بالمباسم
ومنها حسن التصرف في سائر
(2/237)

أنواع الغزل، كقوله:
قد كان يمنعني الحياءُ من البكا ... فاليوم يمنعه البكا أن يمنعا
حتى كأن لكل عَظْم رَنةً ... في جلده ولكل عرق مَدْمعا
سَفَرت ويَرْقَعها الحياءُ بصفرة ... سترتْ محاسنهاَ ولم تك بُرْقعا
فكأنها والدمعُ يقطُرُ فوقها ... ذهبُ بِسِمْطَيْ لؤلؤ قد رصعا
(2/238)

كشفت ثلاثَ ذوائب من شعرها ... في ليلة فأرت لياليَ أربعا
واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا
وهي مما يتغنى بها في المجالس لرشاقتها، وبلاغتها كل مبلغ، من حسن اللفظ، وجودة المعنى، واستحكام الصنعة، وقوله:
(2/239)

كأنما قَدُّها إذا انفتلتْ ... سكرانُ من خمر طَرْفها ثِمل
يجذبها تحت خصرها عَجُزُ ... كأنه من فراقها وجِلُ
وقوله أيضا:
كأن العيِس كانت فوق جفني ... مُناخَات فلما سْرن سالا
لبِسْنَ الوشيَ لا مُتجملات ... ولكن كي يَصُنَّ به الجمالا
(2/240)

وضفَّرْن الغدائرَ لا لِحسُنٍ ... ولكن خِفنَ في الشعَّر الضلالا
وهذا من إحسانه المشهور الذي لا يشق غباره فيه.
قال ابن الأثير الجزري: اعلم أني وجدت الأئمة من علماء العربية يقفون مع تقدم الزمان في تفضيل الشعراء، ويتركون النظر في فضيلة أشعارهم في هذا بين أمرين: إما
(2/241)

أنهم لم يحققوا معرفة علم البيان من الفصاحة والبلاغة، ولا نقبوا عن أسرارهما اللفظية والمعنوية، وإما أنهم رأوا أن الفضيلة للزمن، ونسوا قول النبي صلى الله عليه وسلم: نحن الآخرون السابقون فضلا، وهذا الحكم يقع في كل من تأخر زمانه وتقدم، وكذلك
(2/242)

أقول: إن في الشعراء من المتأخرين من فاق الأولين، والذي أداني إليه نظر الاجتهاد دون التقليد: أن جريراً والفرزدق والأخطل أشعر ممن تقدم من شعراء الجاهلية، وبينهم وبين أولئك فرق يعيد، وإذا استفتيت قلت: إن أبا تمام والبحتري والمتنبي أشعر من الثلاثة المذكورين، وليس عندي أشعر منهم في
(2/243)

جاهلية ولا إسلام فإن أبا تمام وأبا الطيب قد غاصا على المعاني فعمقا، ودققا، وأتيا بكل غريبة، وأما البحتري فإنه أتى بديباجة السبك التي ليست لغيره، فإن أولئك قالوا ما قالوه في غير تنقيب. ولا تنقير، ولا حفظ، ولا درس، فشذ عنهم الشيء الكثير من المعاني الدقيقة، وأما الألفاظ فإنهم أتوا بمحاسنها
(2/244)

ولم يفتنهم شيء منها، لكنها توجد متفرقة في أشعارهم، وخلطوها بما قبح من الألفاظ، والمتأخرون حصلوا على القسمين معا، لأنهم نقبوا، وحفظوا، ودرسوا، وأتقنوا، فترى الشاعر منهم قد حوى شعره ما تفرق في أشعار كثيرة من شعراء العرب، وإذا أنصف الناظر، وترك التحامل، ثم ترك التقليد، علم أن حرف الميم وحرف
(2/245)

اللام من شعر أبي الطيب المتنبي قد تضمنا من الجيد النادر ما لم يتضمنه شعر أحد الفحول من شعراء العرب، وكأني بسامع قولي هذا، وقد ربا غيظا، ودارت عيناه،) وليس ذلك إلا محض تقليد وجهل بمعرفة أسرار الألفاظ والمعاني (ثم قال: كيفيشبه المتنبي بامرئ القيس، أو من كان في طبقته؟ فأقول: إن كان
(2/246)

لأحدهم رأسان، أو لسانان، أو كان له أربعة أرجل. أو كان النظر إنما هو في تقدم الزمان. فلا شك أن أولئك أشعر، وإن كان النظر إنما هو في الألفاظ والمعاني فلو عاش امرؤ القيس، ثم مات، ثم عاش، لما أداه فكره إلى تدقيق النظر في هذا المعنى الذي أورده المتنبي في قوله:
لو قَلت للدّنِفِ المشُوق فديتُهُ
(2/247)

.. مما به لأغرتَه بِفِدائه
ولا أن يقول في مرثية امرأة:
قد كان كلُّ حجاب دون رؤيتها ... فما قَنِعْتِ لها يا أرضث بالحُجُبِ
ولا رأيتِ عيونَ الإنس تُدركُها ... فهل حَسَدْتَ عليها أعينَ الشُّهبُِ
ولا أن يقول في مرثية امرأة أيضا:
وما التأنيث لاسيم الشمس عيبُ ... ولا التذكيرُ فخرُ للهلالِ
(2/248)

ولو كان النساء كَمَنْ فَقدنا ... لَفُضلتِ النساءُ على الرجالِ
على أني ما تركت ديوان فحل من فحول الشعراء حتى طالعته، وحفظت منه شيئاً، فلم أجد لأحد منهم في مرائي الناس ما يقرب من هذه الأبيات التي للمتنبي وكذلك يجري الحكم
(2/249)

في المحدثين، فإنهم لم يأتوا بمثلها ولا ما يقرب منها، ومن أين لامرئ القيس لطافة خاطر، يستخرج منها مثل قول المتنبي في السيوف والخوف منها:
واستعار الحديدُ لوْنا وألقى ... لونه في ذوائِب الأطفال
فإن الشعراء كلهم قد كرروا هذا المعنى، إلا أنهم لم يخرجوا عن أن الخوف يشيب، وإذا بالغوا قالوا: إنه يشيب الطفل،
(2/250)

والمتنبي لم يقل كما قالوا، وإنما تلطف في هذا المعنى فابرزه في صورة عجيبة كما ترى، وكذلك لا يستطيع الشاعر العربي أن يصف الجيش فيقول:
صدمتَهم بخميس أنتَ غُرّتُه ... وَسْمهريتُه في وجهه غَمَمُ
فكان أثْبتَ ما فيهم جسومُهمُ ... يسقطنْ حولك والأرواحُ تنهزمُ
ولو لم يكن للمتنبي سوى هذين
(2/251)

البيتين لاستحق بهما فضيلة التقدم على الشعراء، ولذلك قال في هذه القصيدة، وقد حلف ابن الدمستق والبطاريق أن يلقوا سيف الدولة:
أين البطاريقُ والحَلْفُ الذي حَلَفُوا ... بِمَفرقِ الملْك والزعمُ الذي زعموا
وَلىَّ صوارمه إكذابَ قولهمُ ... فهن ألسنةُ أفواههاُ القِمَمُ
(2/252)

نواطقُ مخبراتُ في جماجِمهمْ ... عنه بما جهلوا منه وما علموا
وقد غربلت الأشعار قديمها ومحدثها، وتأملتها تأمل المنتقد، فما وجدت لشاعر ما لأبي تمام ولأبي الطيب في باب المعاني ولا ما لأبي عبادة البحتري في باب الألفاظ فمن قلدني في ذلك فقد أصاب، وطرح عن نفسه ثقل التنقيب والتنقير. ومن خالفني عن
(2/253)

علم ومعرفة فليتأمل من الأشعار ما تأملته حتى يعلم ما علمته، وإن كان جاهلاً بهذا الفن فليدرج في عشه، فليس منه ولا إليه، ومن الناس من يزعم أنه ليس لأبي تمام ولا للمتنبي من الغزل شيء يروق ولا يحسن. وهذا القول لا يصدر إلا عن تعصب أو جهل، وأي غزل أحلى وأعذب وأرق من قول أبي تمام:
(2/254)

أنت في حِل فزدني سقَمَا ... أَفْن جسمي واجعل الدمع دما
وارضَ ليِ الموتَ بِهَجْرِيكَ فإن ... ألِمتْ نفسي فزدها ألما
محنة العاشق ذلُّ في الهوى ... فإذا استودُعِ سراّ كَما
ليس منا من شكا علته ... من شكا ظُلْمَ حبيب ظلما
وهل لكثير من المتقدمين
(2/255)

أو لابن الدمينة أرق من هذه الأبيات؟ وكذلك ورد قوله في طيف الخيال:
استزارتهْ فكرتي في المنام ... فأتاني في خُفيةٍ واكتتام
الليالي أحْفى بقلبي إذا ما ... جرحته النوى من الأيام
يا لها لذةً تنزهت الأر ... واح فيها سراًّ من الأجسام
(2/256)

مجلس لم يكن لنا فيه عيب ... غير أنا في دعوة الأحلام
وهذه الأبيات لم يؤت في الطيف بأدق منها ولا أسلس. وكذلك قوله أيضاً:
شبيه الخد بالتفا ... ح والريقة بالخمر
بديع الحسن قد أُل ... فَ من شمس ومن بدرِ
(2/257)

له وجه إذا أبصرْ ... ته ناجاك عن عُذر
وكذلك قوله:
يا لابساً ثوبَ الملاحة أبْلِهِ ... فَلأَنْتَ أولى لابسيه بلُبْسهِ
لم يعطك الله الذي أعطاكه ... حتى أضر ببدره وبشَمسه
مولاك يا مولاي صاحبُ لوعةٍ ... في يومه وصَبابه في أمسه
(2/258)

دَنِفُ يجود بنفسه حتى لقد ... أمسى ضعيفاً أن يَجُود بنفسه
وهذه الأبيات أرق من كل شعر رقيق.
وله من الغزل في مبادي القصائد شيء كثير، كقوله في مطلع قصيدته اللامية:
أجلْ أيها الربعُ الذي خفَّ آهِلهُ ... لقد أدركتْ فيك النوى ما تحاولْه
(2/259)

وقفتُ وأحشائي منازلُ للأسى ... به وهْو قَفْرُ قد تعفَّتْ منازلهْ
أسائلكم ما بالهُ حَكَمَ البِلى ... عليه وإلا فاتركوني أسائله
دعا شوقه يا ناصرَ الشوقِ دعوةً ... فَلَبَّاه طَلُّ الدمعِ يجري ووابلهْ
بيوم يريك الموتَ في صورة النوى ... أواخرهُ من حسرةٍ وأوائلُهْ
وكذلك قوله في مطلع قصيدته
(2/260)

التي أولها: إن عهداً لو تعلمين ذميما.
إلى أن قال:
قد مررنا بالدار وهي خَلاء ... فبكينا أطلالَها والرسوما
وسألنا ربوعها فانصرفنا ... بشفاء وما سألنا حكيما
كنت أرعى البدور إذا ما ... فارقوني أمسيت أرعى النجوما
وكذلك قوله من قصيدة:
(2/261)

يا موسمَ اللذاتِ غالتْك النَوى ... بعدي فربعُك للصبابة موسمُ
ولقد أراكَ من الكواعب كاسيا ... فاليوم أنت من الكوعبُ محرم
لحظتْ بَشاشتَك الحوادثُ لحظةً ... ما زلتُ أعلم أنها لا تسلم
(2/262)

أين التي كانت إذا شاءت جرى ... من مقلتي دمعي يُعصفره دم
بيضاء تسرى في الظلام فيكتسي ... نوراً وتبدو في الضياء فيُظلم
ولو أتيت بما له من الأغزال لأطلت.
وهكذا يجري الحكم فيما للمتنبي من الغزل الرقيق كقوله في قصيدته التي مطلعها:
(2/263)

القلب أعلم يا عذولُ بدائه ... وأحق منك بجفنه وبمائِه
أأحبه وأحب فيه ملامةً ... إن الملامة فيه من اعدائه
مهلا فإن العذْل من أسقامه ... وترفُّقاً فالسمعُ من أعضائه
لا تعذُلِ المشتاقَ في أشواقه ... حتى يكون حشاك في أحشائه
إن المحبَّ مُضَرَّجاً بدموعه ... مثلُ القتيل مضرجا بدمائه
(2/264)

وكذلك قوله وهو مما لا يؤتي في الغزل بمثله:
ليس القِبابُ على الركاب وإنما ... هن الحياةُ تَرحَّلتْ بسلام
أرواحنا انهملت وعشنا بعدها ... من بعد ما قَطِرت على الأقدام
لو كُنَّ يوم جَرَيْن كَنَُّ كصبرنا ... يوم الرحيل لَكُنَّ غير سِجام
ومن بدائعه حسن التشبيه بغير أداة كقوله:
(2/265)

بدت قمراً ومالت غصنَ بان ... وفاحت عنبراً ورنت غزالا
وقوله:
ترنو إلىّ بعين الظبي مُجْهشةٍ ... وتمسح الطَّلَّ فوق الورد بالعَنَمِ
وقوله:
قمرا ترى وسحابتين بموضع ... من وجهة ويمينه وشماله
(2/266)

وقوله:
أعارني سُقْمَ عينيه وحملنَّي ... من الهوى ثقْل مَا تحوى مآزرهُ
وقوله:
عرفتُ نوائَبَ الحِدْثانِ حتى ... لو انتسبتْ لَكنتُ لها نقيبا
وقوله:
وأتيتَ معتزماً ولا أسدُ ... ومضيتَ منهزما ولا وَعِلُ
(2/267)

وقوله:
خرجن من النقَّعْ في عارض ... ومن عرق الركْض في وابل
وقوله:
وجيادِ يدخلن في الحرب أعرا ... ءً ويخرجن من دم في جلال
واستعار الحديدُ لونا وألقى ... لونَه في ذوائب الأطفالَ
ومنها الإبداع في سائر التشبيهات والتمثيلات كقوله في السهر:
وإن نهاري ليلةُ مدلَهمَّةُ
(2/268)

.. على مقلة من فقدكم في غياهب
بعيدةِ ما بين الجفون كأنما ... عقدتْم أعالي كل هدبُ بحاجب
قال ابن جني: هذا من قول بشار:
جفت عيني عن التغميض حتى ... كأن جفونَها عنها قصار
وذكر القاضي أنه مأخوذ من قول الطرمي في رطانة:
ورأسيَ مرفوعُ إلى النجم كَنَّما
(2/269)

.. قفاي إلى صُلبي بخيطُ مَخيَّط
وقوله:
كأن سهادَ الليل يعشَق مُقلتي ... فبينهما في كل هجر لنا وصلُ
وقوله:
رأيت الحُمَيَّا في الزجاج بكفه ... فشبهتها بالشمس والبدر في البحر
وقوله في الحمى:
وزائري كأن بها حياءً ... فليس تزور إلا في الظلام
بذلتُ لها المطارفَ والحشايا
(2/270)

.. فعافتها وباتت في عظامي
يضيق الجلْدُ عن نفسيَ وعنها ... فتُوسعهُ بأنواع السَّقام
إذا ما فارقتْني غسَّلْتني ... كأنا عاكفان على حرام
كأن الصبح يطردها فتجري ... مدامعها بأربعة سجام
أراقب وقَتها من غير شوق ... مراقَبة المِشُوق المستهام
ويَصدق وعدُها والصدق شرُّ
(2/271)

.. إذا ألقاك في الكُربَ العظام
أبنْتَ الدهر عندي كل بنتٍ ... فكيف خَلَصْت أنتِ من الزحام
جرحتِ مُجَرَّحا لم يبق فيه ... مكانُ للسيوف ولا السهام
ألا يا ليت شعرَ يدي أتمسى ... تَصَرَّفُ في عنان أو زمام
وهل أرمي هواي براقصاتٍ ... مُحَلاَّة المقاود باللُّغام
وربّتما شفيتُ غليل صدريً ... بسير أو قناة أو حُسام
(2/272)

وضاقت خُطة فخلصت منها ... خَلاص الخمر من نسج الفدام
وهذا أحسن ما قيل في وصف محنة نهكت صاحبها واشتدت به، ثم عاد إلى حال السلامة وقد هذبته تلك الحال، وزادته صفاء وسهولة.
وفارقت الحبيب بلا وَداع ... وودعتُ البلاد بلا سلام
(2/273)

يقول لي الطبيب أكلتَ شيئاً ... وداؤك في شرابك والطعام
وما في طبه أني جوادُ ... أضرَّ بجسمه طولُ الجِمام
تعودّ أن يُغَّبر في السرايا ... ويدخل من قَتام في قتام
فأُمسكَ لا يُطال له فيرعى ... ولا هو في العليق ولا اللجام
فإن أمرَض فما مرض اصطباري ... وإن أُحْمَمْ فما حُمّ اعتزامي
(2/274)

وإن أسْلَمْ فما أبقى ولكن ... سلمتُ من الحمام إلى الحمام
وقوله وهو مما لم يسبق إليه:
كريم نفضتُ الناس لما لَقيتهُ ... كأنهمُ ما جَفَّ من زاد قادم
وكاد سروري لا يفي بندامتي ... على تركه في عمريّ المتقادم
ومن بدائع أبي الطيب قوله في وصف الظبي:
(2/275)

أغناه حسنُ الجِيدِ عن لُبس الُحلي ... وعادُة العُرْى عن التَّفَضُّل
كأنه مُضَمَّخُ بصَنْدَلِ وقوله:
رضُوا بك كالرضا بالشَّيْب قَسراً ... وقد وَخَط النواصِيَ والفُروعا
وقوله في وصف الشعر:
إذا خلعتَ على عرض له حُلَلا ... وجدتها منه في أبهى من الحلل
(2/276)

بذي الغباوة من إنشادها ضررُ ... كما تَضُرُّ رياح الوردِ بالْجُعَل
قيل إن أبا الطيب لما أنشد سيف الدولة قصيدته:
أجاب دمعي وما الداعي سوى طللِ ... دعا فلَّباه قبل الركب والإبل
وناوله نسختها وخرج، فنظر سيف الدولة فيها حتى انتهى إلى قوله:
(2/277)

يأيها المحسنُ المشكورُ من جهتي ... والشكرُ من قبل الإحسان لا قبلي
أقلْ أنلْ أقْطع احْملْ عَلَّ سَلَّ أعدْ ... زِدْ هَشَّ بَشَّ تفضلْ أَدْن سُرَّ صِلِ
فوقع تحت أقل: أقلناك، وتحت أنل: يحمل إليه من الدراهم كذا، وتحت أقطع: أقطعناك
(2/278)

الضيعة الفلانية - ضيعة بباب حلب - وتحت احمل: يقاد إليه الفرس الفلاني، وتحت على: قد فعلنا، وتحت سل: قد فعلنا فاسل وتحت أعد: أعدناك إلى حالك من حسن رأينا، وتحت زد: يزاد كذا، وتحت تفضل: قد فعلنا، وتحت أدن: قد أدنيناك، وتحت سر: قد سررناك. قال ابن جني:
(2/279)

قد بلغني عن المتنبي أنه قال: إنما أردت سر من السرية فأمر له بجارية، وتحت صل: قد فعلنا. قال: وحكى لي بعض إخواننا أن المعقلي كان حاضراً بحضرته، وهو شيخ ظريف، قال له وقد حسد المتنبي على ما أمر له به: يا مولانا قد فعلت في كل شيء سألكه، فهلا قلت له لما قال: هش بش هه هه هه يحكى الضحك، فضحك سيف الدولة، وقال له:
(2/280)

ولك أيضا ما تحب، وأمر له بصلة. قال القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز في كتاب الوساطة إن أبا الطيب المتنبي نسج على منوال ديك الجن حيث قال:
احْلُ وامْرُر وضُرَّ وانْفَعْ ولنْ وأخْ ... شُنْ وَرِشْ وابْرِ وانْتَدب للمعالي
ومن هذه القصيدة قوله:
(2/281)

بالشرق والغرب أقوام نحبهمُ ... فطالعاهم وكونا أبْلغَ الرُّسُل
وعرفاهم بأني في مكارمه ... أقلب الطَّرْفَ بين الخيل والخَوَل
وشتان بين حالته هذه وبين الحال التي قال فيها حين كان يتجشم أسفاراً أبعد من آماله، ويمشي في مناكب الأرض، يطوي المراحل والمناهل، ويضرب الجراب على
(2/282)

صفحة المحراب، ولا مطية له إلا الخف والنعل.
لا ناقتي تقبل الرديف ولا ... بالسوط يوم الرهان أجهدها
شراكُها كُورها ومشْفرُها ... زمامها والشسوعُ مقودُها
وهذا المعنى مأخوذ من قول أبي نواس:
(2/283)

إليك أبا العباس من بين من مشى ... عليها امتطينا الحَضْرميَّ المُلَسنا
قلائصَ لم تعرف حنيناً على طَلاً ... ولم تَدْرِ ما قرْعُ الفَنيق ولا الهِناَ
وكما قال في شكوى الدهر، ووصف الخوف:
(2/284)

أظتْنيَ الدنيا فلما جئتها ... مُستسقيا مَطَرَتْ على مصائبا
وحُبِيتُ من خوُض الركاب بأسود ... من دارشٍ فغدوتُ أمشي راكبا
وكما قال في الاعتداد بالراحلة والقدرة على الرجلة:
ومَهْمَهٍ جُبْتُه على قدمي ... تعجزُ عنه العرامسُ الذُّلُلُ
(2/285)

إذا صديقُ نَكرْتُ جانبهَ ... لم تُعيني في فراقه الحيَلُ
في سَعة الخافقَيْن مُضْطربُ ... وفي بلاد من أختها بَدَلُ
وكان قبل اتصاله بسيف الدولة يمدح البعيد والقريب، ويصطاد ما بين الكركي إلى العندليب.
ويحكى أن علي بن منصور الحاجب لم يجزه على قصيدته التي أولها:
(2/286)

بأبي الشموسُ الجانحات غواربا ... اللابساتُ من الحرير جلابيا
ومنها:
يستصغر الخطر الكبير لوَفْده ... وَيظنُّ دجلةَ ليس تكفي شاربا
إلا ديناراً واحدا، فسميت الدينارية: ولما انخرط في سلك سيف الدولة، ودرت له أخلاف الدنيا على يده كان من
(2/287)

قوله فيه:
تركت السُّرى خلفي لمن قلّ مالهُ ... وأنعلتُ أفراسي بنُعماك عسجدا
وقيدت نفسي في ذَراك محبةً ... ومن وجد الإحسان قيداً تقيدا
ومن بدائع أبي الطيب قوله:
وإنما نحن في جيل سواسية ... شَرًّ على الحر من سُقْم على بدن
(2/288)

حولي بكل مكان منهم خِلَقُ ... تُخطِي إذا جئت في استفهامها بمَن
من إنما يستفهم بها عمن يعقل: يقول هؤلاء كالبهائم، فقولي لهم من أنتم خطأ، إنما ينبغي أن يقال. لهم: ما أنتم؟ لأن موضع ما لما لا يعقل.
ويحكى أن جريراً لما قال:
(2/289)

يا حبذا جبلُ الريان من جبل ... وحبذا ساكن الريان من كانا
قال له الفرزدق، ولو كان ساكنة قروداً، فقال له جرير لو أردت هذا لقلت: ما كان، ولم أقل: من كان.
ومن بدائع المتنبي التمثيل بما هو من جنس صناعته، كقوله: نِتاج رأيك في وقت على عجل كلفظ حرف وعاه سامعُ فَهم وقوله:
(2/290)

من اقتضى بسوى الهنديّ حاجته ... أجاب كلَّ سؤال عن هَلٍ بِلمَ
وقوله:
أمضى إرادتَه فسوف له قَدُ ... واستقرب الأقصى فمَّ به هنا
سوف للاستقبال، وقد موضوعة للمضي، ومقاربة الحال، يقول: إذا نوى أمراً فكأنما يسابق نيته.
وقوله:
(2/291)

دون التعانق ناحلِين كَشَكْلتَيْ ... نصب أدقَّهمُا وضَمَّ الشاكلِ
وقوله:
ولولا كونُكمْ في الناس كانوا ... هُرَاءً كالكلام بلا معانِ
وقوله:
قُشَيرُ وبَلْعَجْلانِ فيها خفيةً ... كراءَين في ألفاظ ألثغ ناطق
وقوله:
إذا كان ما تنويه فعلا مضارعاً ... مضى قبل أن تُلقى عليه الجوازمُ
يقول إذا نويت فعلا أوقعته قبل فوته، وقبل أن يقال لم يفعل، وإن يفعل.
ومن بدائع أبي الطيب: المدح الموجه،
(2/292)

كالثوب له وجهان، ما منهما إلا حسن، كقوله:
نهبتَ من الأعمار ما لوحويتَه ... لُنئتِ الدنيا بأنك خالدُ
قال ابن جني: لو لم يمدح أبو الطيب سيف الدولة إلا بهذا البيت وحده لكان قد بقى فيه لا يخلقه الزمان، وهذا هو المدح الموجه، لأنه بنى البيت على ذكر كثره ما استباحه من أعمار
(2/293)

أعدائه، ثم تلقاه من آخر البيت بذكر سرور الدنيا ببقائه، واتصال أيامه.
وكقوله:
عْمُر العدِوّ إذا لاقاه في رَهَجٍ ... أقلُّ من عمر ما يحوي إذا وهبا
مالُ كأنَ غرابَ البين يرقُبُه ... فكلما قيل هذا مُجْتَد نَعباَ
وقوله:
تشرق تيجانُه بغرته ... إشراق ألفاظه بمعناها
وقوله:
تشرق أعراضُهم وأوجُهُهم ... كأنها في نفوسهم شِيمَ
وقوله:
(2/294)

إلى كم تَرُدُّ الرسْلَ عما أتواْ له ... كأنهم فيما وهبتَ ملامُ
وقوله:
يخيلَّ لي أن البلاد مسامعي ... وأنيَ فيها ما تقول العواذل
وقوله:
كأن ألسنهم في النطق قد جُعلتْ ... على رماحهم في الطَّعْن خُرْصانا
(2/295)

ومن بدائع أبي الطيب حسن التصرف في مدح سيف الدولة، فإنه أخرجه في مخارج لطيفة كقوله:
لقد رفع الله من دولة ... لها منك يا سيفَها مُنْصُل
وقوله:
لولا سَمِىُّ سيوفِه ومضاؤه ... لما سُلِلْنَ لَكُنَّ كالأجفان
(2/296)

وقوله:
عزاءَك سيفَ الدولة المقتدى به ... فإنك نصل والشدائد للنصل
وقوله:
يُسمىْ الحسامَ وليست من مُشاَبهةٍ ... وكيف يشتبه المخدوم والخدم
وقوله:
كلُّ السيوف إذا طال الضراب بها ... يمسها غير سيف الدولة السَّأمُ
(2/297)

وقوله:
تُهابُ سيوفُ الهند حدائدُ ... فكيف إذا كانت نِزَارِيَّةً عُربا
وقوله:
تحيرّ في سيف ربيعةُ أصلهُ ... وطابِعه الرحمنُ والمجدُ صاقلُ
وقوله:
قلدّ اللهُ دولةً سيفها أن ... ت حُساماً بالمكرماتُ مَحَّلى
(2/298)

فإذا اهتز للندى كان بحرا ... وإذا اهتز للعِدا كان نصلا
وقوله:
وأنت حُسم الملك والله ضاربُ ... وأنتَ لِواءُ الدين والله عاقدُ
وقوله:
لقد سل سيفُ الدولة المجد مُعْلما ... فلا المحدُ مُخفيه ولا الضرب ثالمْه
على عاتق المَلكِ الأغَرّ نِجادُه ... وفي يد جبار السموات قائمه
(2/299)

وإن الذي سمى عليا لمنصفُ ... وإن الذي سماهُ سيفا لَظاله
وما كل سيف يقطع الهام حدُّه ... وتقطع لَزْباتِ الزمان مكارمهُ
وقوله:
إن الخليفة لم يُسمَّكَ سيفهَ ... حتى بلاك فكنتْ عينَ الصارم
وإذا تَتَوجَ كنت دُرة تَاجهِ ... وإذا تختم كنتَ فص الخاتَم
وقوله:
مَن للسيوف بان تكونَ سميَّها ... في أصله وفِرِنده ووفائِه
(2/300)

طبع الحديد فكان من أجناسه ... وعلىُّ المطبوعُ من آبائه
وقوله:
عيب عليكُ تُرى بسيف واحد ... ما يصنع الصَّمصامُ بالصَّمصام
وقوله:
اتحسب بيضُ الهند أصلَك أصلَها ... وأنك منها ساء ما تَتَوهم
(2/301)

إذا نحن سميناك خِلنا سيوفَنا ... من التيِه في أغمادها تتبسمُ
ومن بدائعه سِنان قناته وبنانهُ ... يتباريان دَماً وعَرْفا ساكبا
كالبدر من حيث التفتَّ رأيته ... يُهدي إلى عينيك نورا ثاقبا
كالشمس في كبد السماء وضوءها
(2/302)

.. يَغشىَ البلادَ مشارقا ومغاربا
كالبحر يقذف للقريب جواهرا ... جُرداً ويبعث للبعيد سحائبا
وقوله أيضا:
ليس التعجبُ من مواهب ما له ... بل من سلامتها إلى أوقاتها
عجبا له حفظُ العنان بأنمل ... ما حفظُها الأشياءَ من عاداتها
لو مرَّ يركضُ في سطور كتابهِ ... أحصى بحافر مُهره مِماتها
(2/303)

كرمُ تَبيَّن في كلامك مائلاً ... وَبين عئِق الخيل في أصواتها
أعيازَ والكث عن محل نلتَه ... لا تخرج الأقمار من هالاتها
ذكر الأنام لنا فكان قصيدةً ... كنت البديعَ الفردَ من أبياتها
وقوله:
وما زلتُ حتى قادني الشوق نحوهَ ... يسايرني في كل رَكب له ذكرُ
(2/304)

وأستكبر الأخبارَ قبل لِقائه ... فلما التقينا صغر الخَبَر الخُبْرُ
هذا ضد قولهم تسمع بالمعيدي لا أن تراه.
ومنها:
أزالت بك الأيام عَتْبى كأنما ... بَنوها لها ذنبُ وأنت لعا عذرُ
وقوله:
ألا أيها المالُ الذي قد أباده ... تَعَزّ فهذا فعلهُ بالكتائبِ
(2/305)

لعلك في وقت شَغلتَ فؤاده ... عن الجواد أو كثَّرتَ جيشَ مُحاربِ
وقوله:
بعثوا الرعَب في قلوب الأعادي ... فكأنَّ القتال قبلَ التلاقي
وتكاد الظُّبا لما عودوها ... تَنْضى نفسَها إلى الأعناق
كل ذمرْ يزيدُ في الموت حُسْناً ... كبدور تمامُها في المحاق
(2/306)

كرمُ خَشَّن الجوانب منهم ... وهو كالماء في الشفار الرّقاق
ومَعَالٍ إذا ادَّعاها سواهم ... لزمته جِنايَةُ السرَّاقِ
وقوله أيضا:
قومُ بلوغ الغلام عندهمُ ... طعنُ نُحُورِ الكُماة لا الحُلُمُ
كأنما يولد الندى معهم ... لا صِغَرُ عاذِرُ ولا هَرَمُ
(2/307)

إذا تولَّوا عداوةً كشفوا ... وإن تولَّوا صنيعة كتموا
تظن من فَقدك اعتدادهُم ... أنهمو أنعموا وما علموا
إن بَرَقوا فالحُتوفُ حاضرةُ ... أو نَطَقوا فالصواب والحِكمُ
أو شهدوا الحربَ لاقحا أخذوا ... من مُهج الدارعين ما احتكموا
أو حَلَفوا بالغَموُسِ واجتهدوا ... فقولهم خاب سائلي القْسَمُ
(2/308)

أو ركبوا الخيل غيرَ مُسرجةٍ ... فإن أفخاذهم لها حُزُمُ
تُشرق أعراضهم وأوجههم ... كأنها في نفوسهم شيمُ
أعيذكمُ من صروف دهركُمُ ... فإنه في الكرام مُتَّهمُ
وقوله:
فلما رأوه وحده دون جيشه ... دَرَوْا أن كل العالمين فُضولُ
(2/309)

وأوردهم صدرَ الحِصانِ وسيفَهُ ... فَتىً بأسُه مثلُ العطاء جزيلُ
جوادُ على العِلات بالمال كلِه ... ولكنه بالدارعين بخيل
وقوله:
أرى كلَّ مُلْك إليك مصيرهُ ... كأنك بحرُ والملوك جداول
إذا مطرتْ منهم ومنك سحابة ... فوابُلُهم طَل وطلك وابلُ
(2/310)

وقوله:
ودانت له الدنيا فأصبح جالسا ... وأيامُه فيما يريد قِيامُ
وكلُّ أناس يَتْبعون إمامَهم ... وأنت لأهل المكرمات إمام
ورُبَّ جواب عن كتاب بعثتَه ... وعنوانُه للناظرين قَتَامُ
وقوله:
هُمُ المحسنون الكرَّ في حومة الوغى ... وأحسن منه كرهم في المكارم
(2/311)

ولولا احتقار الأسد شبهتها بهم ... ولكنها معدودةُ في البهائم
وقوله:
أغَرُّ أعداؤه إذا سلموا ... بالهرب استكثَروا الذي فعلوا
إنك من معشر إذا وَهبوا ... ما دون أعمارهم فقد بَخِلوا
كتيبةُ لستَ رَبَّها نَفَل ... وبلدةُ لست حَلْيَها عُطُل
وقوله:
لو كفر العالَمون نعمتهَ ... لما عَدَتْ نفسهُ سجاياها
(2/312)

كالشمس لا تبتغي بما صنعت ... منفعةً عندهم ولا جاها
ومن بدائع أبي الطيب المتنبي مخاطبة الممدوح من الملوك بمثل مخاطبة المحبوب والصديق مع الإحسان والإبداع، وهو مذهب له، مفرد به، واستكثر من سلوكه اقتداراً منه وتبحراً في الألفاظ والمعاني، ورفعا لنفسه عن درجة الشعراء، وتدريجياً لها إلى مماثلة
(2/313)

الملوك، كقوله لكافور:
وما أنا بالباغي على الحبّ رِشوةً ... ضعيفُ هَوىً يُبغي عليه ثوابُ
وما شئتُ إلا إن أذلَّ عواذلي ... على أن رأيي في هواكَ صواب
وأعلم قوما خالفوني وشرقوا ... وغربت إني قد ظفرت وخابوا
إذا نلتُ منك الود فالمال هين ... وكلُّ الذي فوق التراب تراب
وقول فيه:
(2/314)

ولو لم تكن في مصر ما سرتُ نحوها ... بقلب المشوق المستهام المعذب
وقوله لابن العميد:
تفضلت الأيام بالجمعِ بيننا ... فلما حَمِدْنا لم تُدِمْنا على الحمد
فَجُدْ لي بقلب إن رحلتُ فإنني ... مُخَلَّفُ عند مَن فضله عندي
وقوله لسيف الدولة:
مالي أكتمّ حباً قد برى جسدي ... وتدَّعى حبَّ سيف الدولة الأممُ
(2/315)

إن كان يجمعنا حبُّ لِغُرَّته ... فليتَ أنا بقدرِ الحبّ نقتسم
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصامُ وأنت الخَصْم والحَكمَ
إذا رأيتَ نُيوب الليث بارزة ... فلا تَظُنَّن أن الليثَ يبتسم
يا مَن يعزُّ علينا أن نفارقَهم ... وجدانُنا كلَّ شيء بعدكم عَدَم
(2/316)

ما كان أخْلَقنا منكم يتَكرْمة ... لو أن أمركمْ من أمرنا أمَمُ
إن كان سرَّكمُ ما قال حاسدُنا ... فما الجرح إذا أرضاكُمُ ألمَُ
وبيننا لو رعيتمُ ذاك معرفة ... إن المعارفَ في أهل النهى ذممُ
كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم ... والله يكره ما تأتون والكرمُ
ليت الغمامَ الذي عندي صواعقهُ
(2/317)

.. يُزيلهن إلى من عنده الدّيَمُ
أرى النَّوى تقتضي كلَّ مرحلة ... لا تستقل بها الوخَّادة الرّسمُ
لئن تركن ضُميرا عن ميامننا ... ليَحدْثَنَّ لمنْ ودعتُهم نَدَم
إذا ترحلتَ عن قوم وقد قَدروا ... ألا تفارقهم فالراحلون هُمُ
شر البلاد بلادُ لا صديق بها ... وشر ما يَكْسبُ الإنسانُ ما يَصمُ
(2/318)

وشر ما قنصته راحتي تَنَصُ ... شُهْبُ البُزَاةِ سواء فيه والرَّخَم
ومن بدائع أبي الطيب استعماله ألفاظ الغزل والنسيب في أوصاف الحرب والجد، وهو أيضا مما لم يسبق إليه، وتفرد به، فأظهر فيه الحذق بحسن النقل، وأعرب عن جودة التصرف والتلعب بالكلام كقوله:
(2/319)

أعلى الممالك ما يُبنى الأسَل ... والطعن عند مُحبيهنَّ كالقُبلِ
وقوله وهو من فرائده:
شجاع كأن الحربَ معشوقةُ له ... إذا زارها فَدّتْه بالخيل والرَّجْلِ
وقوله:
وكم رجال بلا أرض لكثرتهم ... تركتَ جمعهمُ أرضا بلا رَجُلِ
ما زال طِرْفك يجري في دمائِهم ... حتى مشى بك مشى الشارب الثَّملِ
(2/320)

وقوله:
والطعْنُ شَزْرُ والأرض راجفةُ ... كأنما في فؤادها وَهَلُ
قد صَبغتْ خدّها الدماءُ كما ... يَصبغُ خدَّ الخريدة الخَجَلُ
والخيل تبكي جلودُها عرقا ... بأدمعِ ما تَسُحها مُقَلُ
وقوله:
تعودّ ألاَّ تَقْضَمَ الحبَّ خيْلهُ ... إذا الهامُ لم ترفع جُنوبَ العلائق
(2/321)

ولا تَرَد الغُدرانَ إلا وماؤها ... من الدّم كالريحان تحت الشقائق
وقوله:
فأتتْك داميةَ الأظَلّ كأنما ... حُذيِتْ قوائمها العقيقَ الأحمراَ
وإذا الحمائلُ ما يَخِدنْ بِنَفنَفٍ ... إلا شَققْنَ عليه بُرُدا أخضرا
(2/322)

وقوله:
قد سَوّدتْ شجرَ الجبال شعورهم ... فكأنّ فيه مُسِفَّةَ الغربان
وقوله:
وجرى على الورق النَّجيعُ القاني ... فكأنه النارَنْجُ في الأغصانِ
وقوله:
حمى أطرَاف فارس شمَّريُّ ... يحض على التباقي بالتفاني
بضرب هاج أطرابَ المنايا ... سوى ضربِ الثالثِ والمثاني
كأن دم اللجماجم في العناصي ... كسا البُلدانَ ريشَ الحيْقُطان
(2/323)

فلو طرحت قلوبُ العشق فيها ... لما خافت من لَخدقِ الحسانِ
وقوله: كرعنَ بِسبِتٍ في إناء من الوردِ ومن بدائعه حسن التقسيم: حكى أبو القاسم الآمدي في كتاب الموازنة بين شعري الطائيين، قال: سمع بعض الشيوخ من نقدة الشعر قول العباس بن الأحنف:
(2/324)

وصالكُم هجرُ وحبكمُ قِليً ... وعطفكُم صدَّ وسلمكُم حربُ
وأنتم بحمد الله فيكم فظاظةُ ... وكلُّ ذلول من مراكبكُم صعبُ
فقال: هذا والله أحسن من تقسيمات إقليدس وقول أبي الطيب في هذا الفن أولى بهذا الوصف وهو:
(2/325)

ضاق الزمانُ ووجهُ الأرض عن مَلكِ ... مِلء الزمان ومِلءِ السهل والجبلِ
فنحن في جَذَل والرومُ في وَجَل ... والبرُّ في شُغُل والبحرُ في خَجَلِ
وقوله:
الدهرُ مغتذرُ والسيفُ منتظرُ ... وأرضُهم لكَ مصطافُ ومُرْتَبَعُ
(2/326)

للسبي ما نكحوا والقتلِ ما ولدوا ... والنهبِ ما جمعوا والنارِ ما زرعوا
وقولهُ:
لم يخلُ من نصر له مَنْ له يد ... ولم يخل من شكر له من له فم
ولم يخلُ من سمائه عُود مِنبرٍ ... ولم يخلُ دينارُ ولم يخل درِهم
وقوله:
يَجلُّ عن التشبيه لا الكفُّ لجَّةُ ... ولا هو ضِرغامُ ولا الرأيُ مِخْدمُ
ولا جُرحُه يُوسيَ ولا غَوْرُه يُرَى ... ولا حدُّه يَنْبوُ ولا يَتَثَلَّم
(2/327)

ومنها:
مَحلُّكَ مقصودُ وشانَيك مُفْحَمُ ... ومثلُك مفقودُ ونَيْلُك خِضْرِمُ
ومن هذه القصيدة البيت المشهور وهو:
فلو ضَرَّ مَرْأ قبلهَ ما يَسُرُّه ... لأثَّر فيه بأسُه والتكرمُ
ضر: فعل، وفاعله: ما يسره، ومرأ، مفعول، والضمير في قبله للممدوح، وفي يسر للمرء وفي فيه وبأسه
(2/328)

للممدوح. يقول: لو ضر الذي يسر أحداً قبل هذا الممدوح لضر هذا الممدوح باسه وتكرمه، لأنه يسر بهما.
وقوله:
قليلُ عائديِ سَقيمُ فؤادي ... كثيرُ حاسِدي صعبُ مَرامي
عليلُ الجسم ممتنعُ القيامِ ... شديدُ السكرِ من غبر المُدام
وقوله:
بمصرَ ملوكُ لهم مَالهُ
(2/329)

.. ولكنهم مالَهم هَمُّهُ
فأجود من جودهم بخلُه ... وأحمدُ من حمدهم ذَمّة
وأشرفُ من عيشهم موتُه ... وأنفعُ من وجُدهم عُدْمُه
وقوله:
لم نفتقد بك من مُزْق سوى لَثَق ... ولا من البحر غيرَ الريح والسفنُ
ولا من الليث إلا قبحَ منظَرهِ ... ومن سواه سوى ما ليس بالحَسنَ
وقوله:
(2/330)

أذم إلى هذا الزمان أهَيْلَهُ ... فأعلمهم فَدْمُ وأحْزَمُهم وغْدُ
وأكَرمُهم كلبُ وأبصرهم عَمٍ ... وأسهدُهم فهدُ وأشجعهم قِردُ
وقوله:
وغناك مسألةُ وطَيْشك نفخةُ ... ورضاك فيشلةُ وربك درهم
وقوله:
عربيُّ لسانُه، فلسفيُّ ... رأيه، فارسيَّةُ أعيادُه
(2/331)

وقوله:
سقْتني بها القُطْرُبُّليَّ مليحةُ ... على كاذب من وعدها ضوء صادق
سهاد لأجفان وشمسُ لناظر ... وسْقمُ لأبدان ومِسكً لناشقِ
وأغيدُ يهوَي نفسَهُ كل عاقل ... عفيف ويهوَي جسمَه كلُّ فاسقِ
(2/332)

أديبُ إذا ما جسَّ أوتار مِزْهَر ... بَلا كلَّ سمع عن سواه بعائق
يُحَدّثُ عما بين عاد وبينه ... وصُدغاه في خدَّيْ غلام مراهِق
كقوله:
على ذا مضى الناسُ اجتماعُ وفُرقةُ ... وميْتُ ومولودُ وقالٍ ووامق
وقوله:
(2/333)

ألا أيها السيفُ الذي ليس مُغمَداً ... ولا فيه مُرتاب ولا منه عاصمُ
هنيئا لضربِ الهامٍ والمجدِ والعلا ... وراجيك والإسلامِ أنكَ سالمُ
وقولهِ:
ورب جواب عن كتاب بعثتَهُ ... وعنوانُه للناظرين قَتَامُ
حروفُ هجاءِ الناسِ فيه ثلاثةُ ... جوادُ ورمحُ ذابلُ وحُسام
لما سمى الجيش جواباً
(2/334)

جعل حروفه جوداً ورمحاً وحُساماً، اقتداراً واتساعاً في الصنعة.
وقوله:
ومرهف سِرتُ بين الجَحفلين به ... حتى ضربتُ وموجُ الموت يلتطمُ
فالخيل والليل والبيداء تعرفني ... والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ
قال ابن جني: قد سبق الناس إلى ذكر ما جمعه في هذا البيت، ولكنلم يجتمع مثله في بيت، وقد قال البحتري:
(2/335)

اطلبا ثالثاً سواي فإني ... رابعُ العيسِ والدُّجى والبِيِد
وهذا لفظ عذب، ولكن ليس فيه ما في بيت المتنبي.
وقوله:
أنت الجوادُ بلا مَنً ولا كَدَرٍ ... ولا مِطال ولا وَعْد ولا مَذَلِ
وقوله:
بي حرُّ شوق إلى تَرَشُّفها ... ينفصل الصبرُ حين يتصلُ
(2/336)

الثغرُ والنحرُ والمُخلخلَ والمِعْ ... صَمُ دائي والفاحمُ الرَّجِلُ
وكقوله:
ولكن بالفسطاط بحراً أزَرْتُه ... حياتي ونصحي والهوى والقوافيا
وقوله من قصيدة أخرى:
أمْنياً وأخْلاقاً وغَدْراً وخسةً ... وجُبْناً أشخصا لُحْتَ لي أمْ مَخازيا؟
ومن بدائعه إرسال الأمثال في أنصاف الأبيات كقوله:
بذا قست الأيام ما بين أهلها ... مصائبُ قوم عند قوم فوائد
قواصدَ كافور تواركَ غيره ... ومن قصد البحر استقلّ السواقيا
أعزّا مكان في الدُّنيَا سرجُ سابح ...
(2/337)

وخيرُ جليس في الزمان كتابُ
وبيتنا لو رعيتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذممُ
لعل عنُبَكَ محمودُ عواقبهُ ... وَربما صحت الأجسامُ بالعللِ
ولو لم تُبْق لم تَعِش البقايا ... وفي الماضي لمن بقىَ اعتبارُ
يُراد من القلب نسيانُكمْ ... ويأبى الطِباعُ على الناقلِ
سبقتَ إليهم مناياهمُ ... ومنفعة الغوث قبل العطب
لِيَزِدْ بنو الحسن الشِرافُ تواضعا ... هيهات تكتم في الظلام مشاعل
أعاذك اللهُ من سهامهم ... ومُخطئُ مَنْ رَمِيُّهُ القمرُ
ولكني حُسِدتُ على حياتي ... وما خيرُ الحياة بلا سرورِ
يُفَدّى بنيك عبيدَ حاسدُهم ... بجبهةِ العَيْرِ يُفدَى حافر الفرسِ
إلامَ طماعِيَةُ العاذل ... ولا رأىَ في الحب للعاقل
وكل يرى طُرْق الشجاعة والندى ...
(2/338)

ولكنّ طبعَ النفس للنفس قائدُ
لا تحسبوا مَنْ أسَرْتُمْ كان ذا رمق ... وليس تأكل إلا الميِّتَ الضَّبُعُ
ما لنا في الندى عليك اختيارُ ... كل ما يمنح الشريفُ شريفُ
غيرَ اختيار قبلتُ بِرَّك بي ... والجوع يُرضى الأسودَ بالجِيفِ
فلا تُنْكرَنّ لها صَرْعةً ... ومن فرحِ النفس ما يقتل
وقد يَتزيَّا بالهوى غيرُ أهله ... ويَستصحبُ الإنسانُ من لا يلائمهْ
وهكذا كنتُ في أهلي وفي وطني ...
(2/339)

إن النفيس غريبُ حيثما كانا
أنت الوحيدُ إذا ركبتَ طريقةً ... ومَن الرديفُ وقد ركبتَ غضنفرا؟
وحيدُ من الخُلاّن في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قلَّ المساعد
وما ثناك كلامُ الناس عن كرم ... ومن يَسُدُّ طريق العارض الهَطِلِ
لهم حقُّ بِشِرْكِكِ في نِزار ... وأدنى الشّركِ في نسب جِوارُ
وأصبح شِعري منهما في مكانه ... وفي عنق الحسناء يُستحسن العِقدُ
(2/340)

أعيَا زوالُك عن محل نِلْتَه ... لا تخرج الأقمارُ عن هالاتها
إن النفوس عُدَد الآجال ... سَقْياً لِدَشْت الأرْزن الطوال
وما ذاك بُخلاً بالنفوس على القنا ... ولكن صُدْم الشرّ بالشرَ أحزمُ
والهجر أقتلُ ولي مما أراقبًهُ ... أنا الغريق فما خوفي من البَلَل
ولم يسلها إلاّ المنايا وإنما ... أشد من السقم الذي أذهب السُّقْما
ترفق أيها المولى عليهم ... فإن الرفق بالجاني عتابُ
وقَنِعتَ باللقْيا وأول نظرة ... إن القليل من الحبيب كثير
وما التيهُ طِيّ فيهمُ غير أنني ... بغيضُ إليّ الجاهل المتعاقل
إن السلاح جميعُ الناس تحملهُ ...
(2/341)

وليس كلُّ ذوات المِخْلبِ السبُع
القاتل السيفَ في جسم القتيل به ... وللسيوف كما للناس آجالُ
خذْ ما تراه ودعْ شيئاً سمعت به ... في طلعة الشمس ما يُغنيكَ عن زُحَلِ
لعلَ بينَهم لِبَنيك جندُ ... فأول قُرَّحِ الخيل المِهارُ
الموتُ أعذرُ لي والصبر أجملُ بي ... والبرُّ أوسع والدنيا لمن غلبا
لأن حِلُمك حِلْمُ لا تَكَلَّفُهُ ... ليس التكحل في العينين كالكَحَل
كرمُ تبيَّن في كلامك ماثلا ... ويبَينُ عِتْقُ الخيل في أصواتها
(2/342)

ومنها إرسال المثلين في مصراعي البيت الواحد كقوله:
وكلُ امرئ يُولى الجميلَ محبَّبُ ... وكلُّ مكان يُنْبتُ العزَّ طيبُ
وقوله:
في سَعة الخافِقَيْن مُضطربُ ... وفي بلادٍ أختها بدلُ
وقولِه:
الحبُّ ما منع الكلامَ الألسُنَا ... وألّذُّ شكوى عاشق ما أعلفا
(2/343)

وقولِه:
ذَلَّ من يَغْبِطُ الذليلَ يعيش ... رَبَّ عيش أخَفَ منه الحمام
وقولِه:
مَن يَهُن يسهلِ الهَوَانُ عليه ... ما لِجُرح بِميت إيلامُ
وقولِه:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا ... وحسبُ المنايا أن يكُنَّ أمانيا
(2/344)

وقولِه:
أفاضل الناسِ أغراض لذا الزمنِ ... يخلو من الهَم أخلاهم من الفِطّن
وقولِه:
وأتعب مَن ناداك من لا تُجيبه ... وأغيظ مَن عاداك من لا تشاكل
(2/345)

وقولِه:
لا تشتر العبدَ إلا والعصا معه ... إن العبيدَ لأنْجَاسُ مَناكيدُ
وقولِه:
إذا أنتَ أكرمت الكريم ملكتَهُ ... وإن أنتَ أكرمتَ اللئيم تمردا
ووضعُ الندى في موضع السيف بالعُلا ... مُضِرُّ كوضع السيفِ في موضع الندى
(2/346)

وما قتل الأحرارَ كالعفو عنهمُ ... ومَن لك بالحر الذي يحفظ اليدا؟
وقيدتُ نفسي في ذَراك محبةً ... ومن وجد الإحسانَ قيداً تقيدا
ومنها إرسال المثل والاستملاءُ على لسان التجربة في البيت والبيتين فصاعداً، وحسنُ التصرف في الحكمة والموعظة الدهر، والدنيا، والناس،
(2/347)

وما يجري مجراها كقولِه:
وما الجمعُ بين الماء والنار في يدي ... بأصعب من أن أجمع الجَدَّ والفهما
وقوله:
يُخفي العداوةَ وهْيَ غيرُ خفِيَّةٍ ... نظرُ العدوّ بما أسَرَّ يَبُوحُ
(2/348)

وقوله:
والأمرُ لله رُبَّ مجتهدٍ ... ما خاب إلا لأنه جاهِدْ
وقوله:
إليكَ فإني لستُ ممن إذا اتقى ... عِضاضَ الأفاعي نام فوق العقاربِ
وقوله:
خيرُ الطيور على القصور وشرُّها ... يَأوي الخرابَ ويسكن النَّاوُوسِا
وقوله:
ليس الجمالُ لوَجْهٍ صحَّ مارِنُه ... أنفُ العزيز بِقطع العزّ يُجْتدع
(2/349)

وقولِه:
وليس يَصحُّ في الإفهامِ شيءُ ... إذا احتاج النهارُ إلى دليل
قال ابن جني: هذا كما قال أهلُ الجدل، مَن شكَّ في المشاهدات فليس بكامل العقل.
وقوله:
وقد يَتزْيا بالهوى غيرُ أهلِه ... ويستصحبُ الإنسانُ من لا يلائمه
(2/350)

وقوله:
وما تنفع الخيل الكرامُ ولا القَنا ... إذا لم يكن فوق الكرام كرامُ
وقولِه:
وأحسِبُ أني لو هَوِيتُ فِراقَكُم ... لفارقتكُمْ والدهر أخبث صاحبِ
وقوله:
من خصّ بالذّمّ الفراقَ فإنني ... من لا يرى في الدهر شيئا يُحمَدُ
(2/351)

وقولِه:
ومن نَكدِ الدنيا على الحر أن يَرى ... عدوّاً له ما من صداقته بُدُّ
وقولِه:
وإذا كانت النفوسُ كِبارا ... تعبتْ في مُرادها الأجسامُ
وقولِه:
تَلَفُ الذي اتخذ الشجاعة خُلَّةً ... وعظ الذي اتخذ الفِرار خليلا
(2/352)

وقولِه:
فإن يكنِ الفعلُ الذي ساء واحدا ... فأفعاله اللائى سَرَرْنَ ألُوفُ
وقولِه:
وإذا خَفِيتُ على الغبي فعاذرُ ... أن لا تراني مقلة عمياء
وقولِه:
إن كنت ترضى بأن يعطوا الجِزَى بذلوا ... منها رضاك ومَن لِلْعُورِ بالحَوَلِ
(2/353)

وقولِه:
فآجركَ الإلهُ على مريض ... بعثْتَ إلى المسيح به طبيبا
وقولِه:
إذا أتت الإساءةُ من وضيع ... ولم ألُمِ المسيءَ فمَنْ ألومُ؟
وقولِه:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضلُ
وقولِه:
إذا ما قدرتُ على نَطْقَة ... إني على تركها أقْدرُ
وقولِه:
واحتمالُ الأذى ورؤيةُ جاني ... هـ غذاءُ تَضْوَي به الأجسام
(2/354)

وقولِه:
وتوهموا اللعب الوغى والطعنُ في ... الهيجاءِ غيرُ الطعن في الميدانِ
وقولِه:
وإذا ما خلا الجبانُ بأرض ... طلب الطعنَ وحدَهُ والنِّزالا
وقولِه:
ومن الخيرِ بطئ سَيبك عنّي ... أسرعُ السُّحبِ في المسير الجَهامُ
(2/355)

وقولِه:
وليس الذي يَتَّبَّع الوبلَ رائداً ... كمن جاءه في داره رائدُ الوبْلِ
وقوله:
أبلغُ ما يُطلب النجاحُ به الطبعُ ... وعند التعمق الزللُ
وقوله:
كم مَخْلَص وعُلاً في خوض مَهْلَكَةٍ ... وقَتْلةٍ قُرنتْ بالذم في الجُبُن
(2/356)

وقوله:
وما قلتُ للبدر أنتَ اللجينُ ... ولا قلتُ للشمس أنتِ الذّهَبْ
ومن ركب الثورَ بعد الجوا ... د أنكر أظلافَهُ والْغَبَبْ
وقولِه:
فقرُ الجهول بلا قلب إلى أدب ... فقْر الحمار بلا رأس إلى رَسَن
لا يُعجبنَّ مَضِيماً حسنُ بِزَّتِهِ ... وهل يَروقُ دفينا جَودةُ الكفَن؟
(2/357)

وقولِه:
إذا ما الناسُ جرَّبهمْ لبيبْ ... فإني قد أكلتُمُ وذاقا
فلم أر وُدَّهم إلا خداعاً ... ولم أرَ دِينهم إلا نِفاقا
وقوله:
ذريني أنَلْ ما لا يُنال من العُلا ... فصعبُ العلا في الصعب والسهلُ في السهل
(2/358)

تريدين لُقيانَ المعالي رخيصةً ... ولا بُدَّ دونَ الشهد من إبَرِ النحل
وقوله:
تَمَنَّ يَلذُّ المستهامُ بمثله ... وإن كان لا يغني فتيلا ولا يُجْدي
وغيظُ على الأيام كالنار في الحشا ... ولكنه غيظُ الأسيرِ على القِدّ
(2/359)

وقوله:
ومكايدُ السفهاء واقعةُ بهم ... وعداوة الشعراء بئس المُقْتَني
لُعِنَتْ مقارنةُ اللئيم فإنها ... ضيفُ يجرُ من الندامة ضَيْقَنَا
وقولِه:
وما الخيلُ إلا كالصديق قليلةُ ... وإن كثرت في عين مَنْ لا يُجرّب
(2/360)

إذا لم تشاهد غيرَ حُسْن شِيَاتِها ... وأعضائها فالحسن عنك مُغَيَّبُ
وقولِه:
تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى منها وما يُتَوقَّعُ
ولمن يُغالطُ في الحقائق نفسهُ ... ويوُمها طلبَ المُحال فتطمع
كأنه من قول لَبِيد:
واكْذِب النفسَ إذا حدثتّها ... إن صدقّ النفس يُزري بالأمل
(2/361)

وقوله:
وأتَعبُ خلق الله من زاد همُّه ... وقصر عما تشتهي النفسُ وُجْدُهُ
فلا يَنْحلِلْ في المجد مالُك كلُّه ... فينحل مجدُ كان بالمال عَقْدُهُ
ودبره تدبيرَ الذي المجدُ كفهُ ... إذا حارب الأعداء والمال زَندُه
فلا مجدَ في الدنيا لمن قلُّ مالُه ... ولا مالَ في الدنيا لمن قلّ مجدُه
(2/362)

إذا كنتَ ذا شكّ من السيف فابْلُه ... فإما تُنفّيه وإما تُعِدّه
وما الصارمُ الهنديُّ إلا كغيرِه ... إذا لم يُفارقْه النِجادُ وغِمدُهُ
وقوله:
إنما تنجح المقالةُ في المر ... ء إذا وفقتْ هوًى في الفؤادِ
وإذا الحلمُ لم يكن في طباع ... لم يُحَلّمْ تَقادُم الميلادِ
(2/363)

إنما أنت والدُ والأب القا ... طعُ أحنى من واصل الأولاد
وقولِه:
وما الحسن في وجه الفتى شرفاً له ... إذا لم يكنْ في فعلهِ والخلائق
وما بلدُ الإنسانِ غير الموافق ... ولا أهلُهُ الأدنَوْن غير الأصادق
وجائزةُ دعوى المحبةِ والهوى ... وإن كان لا يخفي كلامُ المنافق
وما يُوجعُ الحرمانُ من كفّ حارم
(2/364)

.. كما يوجعُ الحرمانُ من كف رازق
وقوله:
إنما أنفُسُ الأنيس سباعُ ... يتفارسْنَ جهرةً واغتيالا
من أطاق التماس شيء غِلايا ... واقتسارا لم يلتمسْه سؤالا
كلُّ غاد لحاجة يتمنى ... أن يكونَ الغَضنفرَ الرِئبالا
وقوله:
لولا المشقةُ ساد الناس كلهمُ
(2/365)

.. الجودُ يُفقرُ والإقدامُ قتَّال
وقلّما يبلغ الإنسانُ غايتَهُ ... ما كل ماشية بالرحل شِملال
إنا لَفي زمن تركُ القبيح به ... من أكثر الناس إحسانُ وإجمال
ذكر الفتى عمرهُ الثاني وحاجتهُ ... ما فاته فَضُولُ العيش أشغال
وقوله:
ترى الجبناءَ أن العجز جزمُ ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
(2/366)

وكل شجاعة في المرء تُغْنِي ... ولا مثلَ الشجاعةِ في الحكيم
قيل له أنيّ يكون الشجاع حكيماً؟ فقال: هذا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كان شجاعاً حكيماً.
وكم من غائب قولا صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيمِ
ولكن تأخذ الآذانُ منه ... على قدر القرائح والعُلوم
(2/367)

وقوله:
ولقد رأيتُ الحادثات فلا أرى ... يَقَقاً يميت ولا سوادا يَعْصِمُ
والهمُّ يَحترمُ الجسيمِ نحافةً ... ويُشيبُ ناصية الصبي ويُهرم
ذو العقل يَشقي في النعيم بعقلهِ ... وأخو الجهالةِ في الشقاوة يَنْعَمُ
لا يخدعنَّك من عدو دمعُه ... وأرحم شبابك من عدو تُرحَمُ
لا يسلم الشرفُ الرفيعُ من الأذى ... حتى يُراقَ على جوانبه الدمُ
(2/368)

قال ابن جنى: أشهد بالله أنْ لَوْ لم يقل غيرَ هذا البيت لتقدم به أكثرَ المُحدثين، وهذه الأبيات كلها غُرَرُ وفرائد، لا يصدر مثلُها إلا عن فضل باهر، وقدرة على الإبداع ظاهرة، ومنها:
والظلمُ من خلق النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلِعلة لا يَظْلمُ
(2/369)

ومن البليةِ عذلُ مَن لا يَرْ عوى ... عن جهله وخطابُ مَن لا يفهمُ
ومِن العداوةِ ما ينالُك نفعُه ... ومن الصداقةِ ما يَضُرُّ ويُؤلمُ
وقوله:
أرى كلَّنا يبغي الحياةَ لنفسهِ ... حريصاً عليها مُستهاماً بها صبَّا
فحبُّ الجبان النفسَ أورده الرَّدى ... وحب الشجاع النفسَ أورده الحربا
(2/370)

وقوله:
ويختلَف الرزقان والفعل واحد ... إلى أن ترى إحسانَ هذا لذا ذنبا
وقوله:
وفيك إذا جنى الجاني أناةُ ... تُظن كرامةً وهي احتقار
بنو كعب وما أثَّرتَ فيهم ... يدُ لم يُدْمها إلا السّوار
بها من قَطْعِهِ ألمُ ونقصُ ... وفيها من جلالته افتخار
لهم حق بِشِرْكِك في نزار ... وأدنى الشرك في نسب جوارُ
(2/371)

لعل في سَطوة الأرباب عيبُ ... ولا في ذِلة العُبْدانِ عار
وقوله:
من اقتضى بسوى الهندي حاجتَهِ ... أجاب كلَّ سؤال عن هَلٍ بلم
ولم تزل قِلةُ الإنصافِ قاطعةً ... بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم
(2/372)

هَوّنْ على بصر ما شقَّ منظّرُه ... فإنما يَقَظَاتُ العين كالحُلم
لا تَشكُوَنَّ إلى خَلْق فتُشْمِته ... شكوى الجريح إلى الغِربان والرَّخَم
وكن على حَذَار للناس تَسترُه ... ولا يَغُرَّنْك منهم ثغر مُبتسم
وقتُ يضيعُ وعمرُ ليت مدتَّه ... في غير أمته من سائر الأمم
(2/373)

أتى الزمانَ بنوه في شبيبته ... فسرَّهمْ وأتيناه على الهَرَم
وقوله:
الرأيُ قبل شجاعةِ الشجعانِ ... هو أول وهيْ المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس مُرَّة ... بلغتْ من العلياءِ كلَّ مكان
ولربما طعن الفتى أقرانَه ... بالرأي قبل تطاعن الأقران
(2/374)

لولا العقولُ لكان أدنى ضيغمٍ ... أدنى إلى شرف من الإنسان
وقوله:
لحي اللهُ ذي الدنيا مُناخاً لراكب ... فكلُّ بعيدِ الهمِّ فيها معذبُ
ألا ليت شعري هل أقول قصيدة ... ولا أشتكى فيها ولا أتعتَّب
وبي ما يذود الشعرَ عني أقلُّه ... ولكنَّ قلبي يا بنتَ القوم قُلَّبُ
(2/375)

أمَا تَغْلط الأيامُ فيَّ بأن أرَى ... بغيضا تُنائي أوْ حبيبا تُقرّب
وقوله:
أبيَ خُلقُ الدنيا حبيبا تُديمه ... فما طلبي منها حبيبا تَرُدُّه
وأسرعُ مفعول فعلتَ تغيرا ... تكلفُ شيء في طباعِك ضدُّهُ
وقوله:
إذا ساء فعلُ المرءِ ساءت ظنونُه ... وصدَّق ما يعتادُه من تَوَهّم
(2/376)

وعادي مُحِبّيه يقولِ عُداتِه ... وأصبح في ليل من الشكِ مُظلم
وما كلُّ هاو للجميل بفاعل ... ولا كلُّ فعال له بِمُتَمِّم
وأحسنُ وجه في الورى وجهُ محسن ... وأيمَنُ كَفِّ فيهمُ كفُّ مُنعم
وأشرَفُهمْ مَن كان أشرفَ همةً ... وأكثرَ إقداماً على كل مُعْظِم
لِمَنْ تطلبُ الدنيا إذا لم تُرِدْ بها ... سرورَ محب أو إساءةَ مُجْرم؟
(2/377)

وقوله:
فؤادُ ما تُسَليه المدامُ ... وعمرُ مثلُ ما تهبُ اللئامُ
ودهرُ ناسُه ناسُ صِغارُ ... وإن كانت لهم جُثث ضِخام
وما أنا منهمُ بالعيش فيهمْ ... ولكنْ معدنْ الذهب الرَّغام
وشبهُ الشيء منجذبُ إليه ... وأشبهُنا بدنيانا الطَّغام
(2/378)

ولو لم يعلُ إلا ذو محلٍّ ... تعالى الجيشُ وانحط القتامُ
ولو حِيزَ الحفاظُ بغير عقل ... تجنَّب عُنْقَ صَيْقَلِه الحُسامُ
وقوله:
أبدا تستردُّ ما تهب الدنيا ... يا فيا ليت جودها كان بخلا
فَكَفَتْ كونَ فرحة تُورثُ الغمّ ... وخِلَّ يغادر الوجدَ خِلاَّ
وهْي معشوقةُ على الغدر لا تحفظ ... عهداً ولا تُتمم وصلا
(2/379)

كلُّ دمع يسيلُّ منها عليها ... وَبِفَكّ اليدين عنها تُخَلَّى
أي كلُّ من أبكته الدنيا فإنما يبكي لفوت شيء منها. ولا يُخليها الإنسان إلا قسرا يفك يديه عنها.
ومن هذه القصيدة:
شيمُ الغافيات فيها فلا أدري ... لذا أنث اسمها الناس أم لا
ولذيذُ الحياةِ أنفَسُ في النف ... س وأشهى من أنُ يَملَّ وأحلى
(2/380)

وإذا الشيخُ قال أفٍّ فما ملّ ... حياةً وإنما الضعفَ ملا
آلة العيش صِحةُ وشبابُ ... فإذا وليا عن المرء ولى
وقوله:
ما كل ما تمنى المرءُ يُدركُه ... تحري الرياح بما لا تشتهي السفن
قال ابن جنى: حدثني المتنبي، قال: حدثني فلان الهاشمي من أهل حرَّان بمصر قال: أُحدثك
(2/381)

إلى امرأتي بحراَّن كتاباً تمثلت فيه ببيتك وهو:
بم الَّعلل لا أهلُ ولا وطنُ ... ولا نديمُ ولا كأس ولا سكنُ
فأجابتني عن الكتب وقالت: ما كنت والله كما ذكرت في هذا البيت، بل أنت كما قال الشاعر في هذه القصيدة:
سَهِرتُ بعد رحيلي وحشةً لكمُ ... ثم استمرَّ مريري وارعوني الوَسَنُ
(2/382)

قال: ولما سمع سيف الدولة الذي يتلوه وهو:
وان بُليتُ بُودّ مثل ودكمُ ... فإنني بفراق مثلِه قَمِنُ
قال: سار وحق أبي وهذه الأبيات من قصيدة قالها بمصر، وقد بلغه أنه نُعِي في مجلس سيف الدولة بحلب، وبَعْدَ مطلعها:
(2/383)

أريدُ من زمني ذا أنْ يُبَلغني ... ما ليس يبلُغه في نفسِه الزمَنُ
لا تلق دهرَك إلا غيرَ مُكترث ... ما دام يصحبُ فيه روحَك البدن
فما يُديم سُرُوراً ما سُرِرْتَ به ... ولا يرد عليك الفائتَ الحزنُ
مما أضرَّ بأهلِ العشق أنهُمُ ... هَوُوا وما عرفوا الدنيا وما فَطِنوا
تفنى عيونهمُ دمعاً وأنفُسُهمْ ... في أثر كل قبيح وجههُ حَسَنُ
(2/384)

ومنها أيضاً:
يا من نُعِيتُ على بُعْد بِمجلِسه ... كلُّ بما زعم الناعون مُرْتَهَنُ
كم قد قُتلتُ وكم قَدْمِتُّ عندكمُ ... ثم انتفضتُ فزال القبرُ والكفنُ
قد كان شاهدَ دفني قبل موتهمُ ... جماعةُ ثم ماتوا قبل مَنْ دفنوا
ومنها:
(2/385)

رأيتكمْ لا يصون العرضَ جاركمُ ... ولا يَدر على مرعاكمُ اللبنُ
جزاءُ كلّ قريب منكمُ مللُ ... وحظُّ كلّ محِب منكم أضغنُ
وتغضبون على من نال رفدَكمُ ... حتى يعاقبه التنغيص والمنن
فغادَرَ الهجرُ ما بيني وبينكم ... يَهماءَ تكذبُ فيها العينُ والأذنُ
(2/386)

تحبو الرواسمُ من بعد الرسيم بها ... وتسأل الأرض عن أخفافها الثَّفِنُ
إني أُصاحبُ حلمي وهْو بي كَرَمُ ... ولا أصاحب حلمي وهو بي جُبُنُ
ولا أقيم على مال أذِلُّ به ... ولا ألَذُّ بما عرضي به دَرِنُ
ومنها:
وإن تأخر عني بعضُ موعده ... فما تأخَرُ آمالي ولا تَهنُ
(2/387)

وهو الوفيُّ ولكني ذكرتُ له ... مودةً فهو يبلوها ويمتحن
ومن بدائعه افتضاضه أبكارَ المعاني في المراثي والتعازي كقوله:
سالمُ أهل الودادِ بعدهمُ ... يَسلم للحزن لا لتخليد
أي إذا مات الصديق يسلم صديقهُ للحزن لا للخلود، لأن كلا ميت.
(2/388)

فما يُرجَّى الخلودُ من زمن ... أحمدُ حاليْه غيرُ محمودِ
أي أحمد حاليك أن تبقى بعد صديقك، وهو مع ذلك غير محمود لتعجل الحزن وانتظار الأجل.
وقوله:
المجد أخسرُ والمكارم صفقةً ... من أن يعيش لها الكريمُ الأروعُ
(2/389)

والناسُ أنزلُ في زمانك منزلا ... من أن تُعايِشَهم وقدرُك أرفعُ
قبحاً لوجهك يا زمانُ فإنه ... وجهُ له من كل قبح بُرقعُ
أيموتُ مثلُ أبي شجاع فاتك ... ويعيشُ حاسدهُ الحصيّ الأوكَعُ؟
وقوله:
من لا تُشابهَهُ الأحياءُ في شِيَمٍ ... أمسى تُشابهُهُ الأموات في الرّممِ
(2/390)

عَدِمتهُ وكأني سِرْتُ أطْلبُه ... فما تَزيدني الدنيا على العَدَمِ
وقوله:
وقد فارق الناسُ الأحبةَ قبلنا ... وأعينا دواءُ الموتِ كلَّ طبيب
سُبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلُها ... مُنِعنا بها من جَيْئة وذُهوب
تملكها الآتي تَمَلُّكَ سالبِ ... وفارقها الماضي فِراق سليبِ
هذا كقول بعض الوعاظ:
(2/391)

فإنما في أيديكم أسلاب الهالكين استخلفها الباقون، كما تركها الماضون، وقد أفصح عن هذا المعنى بعض أهل العصر بقوله:
هذى منازلُنا التي كانت لهم ... للغير نبُقيها مدى الأحقاب
وقوله:
علينا لك الإسعاف إن كان نافعاً ... بشقّ قلوبٍ لا بشق جُيوب
(2/392)

فربَّ كثيب ليس تَندي جفونُه ... ورًبَّ كثيرِ الدمع غيرُ كثيب
وللْواجدِ المكروبِ من زَفَراته ... سكونُ عَزاء أو سكون لُغُوب
وقوله:
ما كنتُ أحسب قبل دفنك في الثرى ... أن الكواكبَ في التراب تَغورُ
ما كنت آملُ قبل نعشك أن أرى ... رَضْوَى على أيدي الرجال تسير
(2/393)

خرجوا به ولكل باك خلفَه ... صَعَقاتُ موسى يوم دُكَّ الطورُ
حتى أتوا جَدَثاً كأن ضريحَه ... في قلب كل مُوَحِّد محفور
كفل الثناءُ له بَرَدّ حياته ... لما انطوّى فكأنه منشور
وقوله في تعزية سيف الدولة عن أخته:
ولعمري لقد شَغلْتَ المنايا ... بالأعادي فكيف تطلبْ شُغلا
(2/394)

خِطبةُ للحِمام ليس لهارَدُ ... وإنَ كانت لها المسماةَ ثُكلا
وإذا لم تجد من الناس كُفْؤاً ... ذات خِدْر أرادت الموتَ بَعلا
وهذا أحسن ما قبل في مراثي حُرَمِ الملوك.
وقوله في مرثية طفل لسيف الدولة وتعزيته عنه:
فإن تكُ في قبر فإنك في الحَشَا ... وإن تك طفلا فالأسى ليس بالطفل
(2/395)

ومثلُك لا يُبكى على قدر سِنِّه ... ولكن على قَدْرِ المَخِيلةِ والأصل
عزاءك سيف الدولة المقتدى به ... فإنك نصل والشدائدُ للنصل
ولم أرَ أعصى منك للدمع عبرةً ... وأثبتَ عقلا والقلوبُ بلا عقلِ
تخونُ المنايا عهدَه في سليلهِ ... وتنصرُه بين الفوارس والرَّجْلِ
ويبقى على مَرّ الحوادث صبرُه ... ويبدو ما يبدو الفرنْدُ على الصَّقْل
(2/396)

وما الموت إلا سارق دقَّ شخصُه ... يصول بِلا كفّ ويسعة بلا رجْل
يردُّ أبو الشبل الخميسَ عن ابنه ... ويُلمُه عند الولادة للنمل
ومنها:
إذا ما تأملتَ الزمانَ وصَرْفَه ... تيقنتَ أن الموت ضربُ من القتل
وما الدهر أهلُ أن تُؤمَّلَ عنده ... حياةُ وأن يُشتاق فيه إلى النسل
(2/397)

وقد ذقتُ حلواءَ البنينَ على الصِبا ... فلا تَحْسِبَنِّي قلتُ ما قلتُ عن جَهْلِ
وقولِه:
نحن بنو الموتى فما بالنُا ... نَعافُ ما لا بُدَّ من شُربهِ
تبخلُ أيدينا بأرواحنا ... على زمان هي من كَسْبه
فهذه الأرواح من جَوِّه ... وهذه الأجسامُ من تُرْبه
(2/398)

لو فكَّر العاشقُ في منتهى ... حُسْنِ الذي يَسْببه لم يَسْبه
لم يُرَ قرنُ الشمس في شرقِه ... فَشَكَّتِ الأنفسُ في غربه
يموتُ راعي الضان في جهله ... مَوْتَةَ جالينوس في طبه
وربما زاد على عُمْره ... وزاد في الأمن على سِربْه
وغاية المُفرطِ في سِلمه ... كغاية المفرِط في حربه
(2/399)

فلا قضى حاجتَه طالبُ ... فؤادُه يَخفِقُ من رُعْبه
ومن قلائده الإبداعُ في الهجاء، كقوله:
إن أوحشتْك المعالي ... فإنها دارُ غُرْبَهْ
أو آنستك المخازي ... فإنها لك نسبَهْ
(2/400)

وقوله:
إني نزلتُ بكذابين، ضيفهُمُ ... عن القِرى وعن التَّرحالَ محْدودُ
جودُ الرجالِ من الأيدي وجودُهمُ
(2/401)

.. من السان فلا كانوا ولا الجودُ
ما يَقبضُ الموتُ نفسا من نفوسهمُ ... إلا وفي يده من نَتْنها عودُ
يعني العُودَ الذي يتناوله المعالج
(2/402)

للشيء القَذِر ليكون واسطة بينه وبين يده
العبد ليس لحرُ صالحٍ بأخٍ ... لوْ أنه في ثياب الحُرّ مولودُ
من علَّم الأسودَ المخصيَّ مكرمةً ... أقومُه البيضُ أم آباؤه الصِّيدُ
(2/403)

أم أذْنُه في يد النَّخَّاس دامية ... أم قدرْه وهو بالفَلْسين مردودُ؟
وذاك أنَّ الفحول البيضَ عاجزةُ ... عن الجميل فكيف الخِصْيةُ السودُ
(2/404)

كأنه من قول أبي علي البصير:
عَجَز الراكبُ البصيرُ وأولَى ... منه بالعجز راجلُ مَكفوف
وقولِه:
فلا تُرَجَ الخيرَ عند امرئ ... مرَّتْ يدُ النخاس في رأسِهِ
(2/405)

وقولِه:
أخذتُ بمدحه فرأيت لَهْواً ... مقالي للأُحَيْمقِ يا حكيمُ
ولما أنْ هجوتُ رأيتُ عِيَاً ... مقالِي لأبن آوى يا لئيمُ
(2/406)

فهل من عاذر في ذا وهذا ... فمدفوعُ إلى السَّقَمِ السقيمُ
وقولِه:
لقد كنت أحسبُ قبل الخَصيّ ... بأن الرؤوسَ محلُّ النهي
(2/407)

فلما نظرتُ إلى رأسه ... رأيت النهي كلَّها في الخُصَي
وقولِه:
يمشي بأربعة على أعقابه ... تحت العلوج ومن وراء يُلْجَمُ
(2/408)

وجفونُه ما تستقر كأنها ... مطروقةُ أوفُتَّ فيها حِصْرِمُ
وتراه أصغرَ ما تراه ناطقا ... ويكون أكذبَ ما يكون ويُقسم
وإذا أشار مكلما فكأنه ... قرد يقهقه أو عجوز تلطم
(2/409)

يُقْلِي مفارقَةَ الأكُفّ قذالُه ... حتى يَكادَ على يد يَتعمم
ومن قلائد أبي الطيب إبرازُ المعاني اللطيفة في معارض الألفاظ الرشيقة الشريفة،
(2/410)

والرمي بالطُّرف والمُلَح كقوله في الجمع بين مدح سيف الدولة وقد فارقه، وبين مدح كافور وقد قصده في بيت واحد وهو:
(2/411)

فراقُ ومن فارقتُ غيرُ مُذَمَّمِ ... وأمُّ ومن يَممتُ خيرُ مُيَمَّمِ
ثم قال مُعرّضا بسيف الدولة:
وما منزلُ، اللذات عندي بمنزلٍ ... إذا لم أُبَجَّلْ عنده وأكرَّم
(2/412)

رحلتُ فكم باك بأجفان شادنٍ ... عليَّ وكم باك بأجفان ضَيْغَم
المصراع الثاني تصديق لقولِه: لَيَحْدُثّنَّ لمن ودعتُهم ندمُ
(2/413)

وما ربةُ القُرط المليح مكانهُ ... بأجزع من رب الحُسام المُصَمِّمِ
فلو كان ما بي من حبيب مُقَنَّع ... عَذرتُ ولكن من حبيب مُعَمَّمِ
وهذا أيضاً مما نبهت عليه من
(2/414)

إجرائه الممدوحَ من الملوك مجرى المحبوب في كثير من شعره.
رمي واتَّقي رَمْي ومن دون ما اتقى ... هوًى كاسرُ كفى وقوسي وأسهمي
(2/415)

وقوله في مدح كافور والتعريض بالقَدْح في سيف الدولة:
قالوا هجرتَ إليه الغيثَ قلتُ لهم ... إلى غيوث يديه والشآبيب
(2/416)

إلى الذي تهبُ الدّولاتِ راحتُه ... ولا يَمُنُّ على آثار موهوب
ولا يَرُوعُ بمغرور به أحداً ... ولا يُفَزّعُ موفورا بمنكوب
(2/417)

يا أيها الملك الغاني بتسميةٍ ... في الشرق والغرب عن نعت وتلقيبِ
يعني أنه مستغن بشهرته عن لقب كلقب سيف الدولة.
(2/418)

أنت الحبيب ولكني أعوذ به ... من أن أكون مُحبّاً غير محبوب
وهذا أيضاً من ذاك.
وقوله من قصيدة لسيف الدولة بعد ما فارق حضرته يعرض
(2/419)

باستزادة يومه وشكر أمسه، وهو من فرائده:
وإن فارقتْنَي أمطارُه ... فأكثر غُدرانها ما نَضَبْ
وإني لأُتْبعُ تذكاره ... صلاةَ الإله وسقى السحبْ
(2/420)

ومنها في التعريض لكافور:
ومن رَكب الثورَ بعد الجوا ... دِ أنكر أظلافَه والغَبَبْ
(2/421)

وقوله في هزِّ كافور والتعريض باستزادته:
أبا المِسكِ هل في الكأس فضلُ أنالُه ... فإني أغنى منذُ حسين وتشربُ
(2/422)

يقول: مديحي إياك يطربك، كما يطرب الغناءُ الشاربَ، فقد حان أن تسقيني من فضل كأسك.
وعبتَ على مقدار كفَّىْ زماننا ... ونفسي على مقدار كفيك تطلبُ
(2/423)

وقوله أيضاً في التعريض بالاستزادة:
أرى لي بقربي منك عيناً قريرةً ... وإن كان قُرباً بالبِعاد يُشابُ
(2/424)

وهل نافعي أن تُرفعَ الحجبُ بيننا ... ودون الذي أمَلتُ منك حجاب
أقِلُّ سلامي حُبَّ ما خفَّ عنكمُ ... وأسكتُ كيما لا يكونَ جواب
(2/425)

أي خِبّ ما خف عليكم.
وفي النفس حاجات وفيك فطانةُ ... سكوتي بيانُ عندها وخِطابُ
وقولُه في وصف الفرس:
(2/426)

وبوم كليل العاشقين كَمْنتُه ... أراقب فيه الشمسَ أيان تَغْرُبُ
وعيني إلى أذنَيْ أغرَّ كأنه ... من الليل باق بين عينيه كوكبُ
أي كأنه قطعة من الليل، وكأن
(2/427)

الغُرة في وجهه كوكب، وعينه إلى أذنه، لأنه كامنُ لا يرى شيئاً، فهو ينظر إلى أذني فرسه، فإن رآه قد توحش بهما، تأهب إلى أمره، وأخذ لنفسه الحذر،
(2/428)

وذلك أن أذن الفرس تقوم مقام عينيه، وتقول العرب: أذُنُ الوحشي أصدق من عينيه.
له فَضْلَةُ عن جسمه في إهابه ... تجيء على صدر رحيب وتذهب
(2/429)

شققتُ به الظلماء أدْنى عِنانَه ... فيطغى وأُرخيه مِراراً فيلعب
أي إذا جذبت عنانه طغى برأسه لطماحه، وعزةِ نفسه، وإذا أرخيتُ عنانَه لعب برأسه.
(2/430)

وأصْرَعُ أيَّ الوحش قفَّيْتُه به ... وأنزِلُ عنه مثلَه حين أركبُ
وقولُه في التوديع:
وإني عنك بعد غد لَغَادٍ ... وقلبي في فِنائك غيرُ غادِ
(2/431)

مُحبك حيث ما اتجهت ركاب ... وضيفك حيث كنتُ من البلاد
وقولُه:
سِرْ حَلَّ حيثُ تَحُله النَوارُ ... وأرادَ فيك مرادَك المقدارُ
(2/432)

وإذا ارتحلت فشيعتْك سلامةُ ... حيث اتجهت وِديمةُ مِدرارُ
وأراك دهرُك ما تحاول في العدا ... حتى كأن صروفَه أنصارُ
(2/433)

أنت الذي بَجِحَ الزمانُ بذكره ... وتزينتْ بحديثه الأسمارُ
وقوله في الرفق بالصديق والعنف بالعدو:
(2/434)

إني لأجبنُ عن فِراق أحبتي ... وتُحِسُّ نفسي بالحِمام فأشجعُ
وَيزيدني غضبُ الأعادي جُرأة ... ويُلِمُّ بي عتبُ الصديق فأجزع
وقوله في حسن الكناية:
(2/435)

تشتكي ما اشتكيتُ من ألم الشو ... ق إلينا والشوقُ حيثُ النحولُ
وإنما كنى عن تكذيبها، ولم يُصرح به، أي أنا أشتكي
(2/436)

الشوق، ونحولي يدل على ذلك، وهي غير ناحلة، فليست مشتاقة.
وقولُه:
عفيفَ ما في ثوبه مأمونَهُ ... أبيضَ ما في تاجه ميمونَه
أي عفيف الفرج، فكنى به.
(2/437)

وقولُه في العيادة:
لا تَعْذلُ المرضَ الذي بك شائق ... أنت الرجالَ وشائقُ عِلاتِها
ومنازلُ الحمىَّ الجسومُ فقل لنا ... ما عذرها في تركها خيراتِها
(2/438)

أي لا عذر للحمى في تركها جسمك، إذ هو أفضل الجسوم.
وقولُه:
قَصِدْتَ من شرقِها ومغربِها ... حتى اشتكتك البلادُ والسُّبُلُ
(2/439)

لم تُبق إلا قليلَ عافيةٍ ... قد وفدت تجتديكها العِللُ
وقولُه:
يُجَشمك الزمانُ هوىً وُوداً ... وقد يُؤذَي من المقة الحبيبُ
وكيف تُعلُّك الدنيا بشيء ... وأنت لعلة الدنيا طبيب؟
(2/440)

وكيف تنوبُك الشكوى بداء ... وأنت المستغاثُ لما ينوب
وقولُه: في التهنئة:
(2/441)

المجدُ عُوفي إذ عُوفيتَ والكرمُ ... وزال عنك إلى أعدائك الألمُ
وما أخصك في بُرء بتهنئة ... إذا سلمتَ فكل الناس قد سَلموا
(2/442)

وقوله:
إنما التهنئاتُ للأكفاء ... ولِمنْ يدَّني من البعداءِ
وأنا منك لا يهنئ عضو ... بالمسرات سائرَ الأعضاء
(2/443)

وقولُه:
الصومُ والفطرُ والأعيادُ والعُصُر ... منيرةُ بك حتى الشمسُ والقمرُ
ما الدهرُ عندك إلا روضةُ أنُفُ ... يا من شمائلهُ في دهره زَهَرُ
(2/444)

ما ينتهي لكَ في أيامه كرمُ ... فلا انتهى لك في أعوامه عُمرُ
فإن حظَّك من تكرارها شرفُ ... وحظُّ غيرك منها النومُ والسَّهَرُ
(2/445)

وقولُه في الشيب:
تغيّر حالي والليالي بحالها ... وشبتُ وما شاب الزمانُ الغُرانق
وقولُه:
تُسَوّدُ الشمسُ منا بيضَ أوجُهنا ... ولا تُسوّدُ بيضَ العُذْرِ واللِّممَ
(2/446)

وكان حالُهما في الحكم واحدةً ... لو احتكمنا من الدنيا إلى حَكَم
ومنها حسنُ المقطع، كقوله:
قد شرّف اللهُ أرضاً أنت ساكنُها ... وشرَّفِ الناسَ إذ سوّاك إنسانا
(2/447)

وقولِه:
سما بك همِّيَ فوق الهموم ... فلستُ أعُدُّ يَساراً يساراً
ومن كنتَ بحراً له يا عليّ ... لم يقبل الدرَّ إلا كبارا
(2/448)

وقوله:
أنَلْتَ عبيدك ما أملَّوا ... أنا لك ربُّك ما تأمُلُ
وقوله:
وأعْطِيتَ الذي لم يُعطَ خَلْق ... عليك صلاةُ ربّك والسلامُ
(2/449)

وقولِه في حسن الحشو:
صلي الإلهُ عليك غيرَ مُوَدَّع ... وسقىَ ثَرى أبويكَ صَوْبَ غَمامِ
وقولِه:
وتحتقر الدنيا احتقارَ مُجرِّب ... يرى كلَّ ما فيها وحاشاك فانيا
(2/450)

وقولِه:
إذا خَلَتْ منك حِمْصُ لا خلت أبدا ... فلا سقاها من الوَسَمِي باكرُهُ
ومما أوردهُ له في حسن الحشو البيت المشهور وهو:
(2/451)

إن الثمانين وبُلغتَها ... قد أحوجتُ سمعي إلى تَرْجُمان
بشريطة أن يكون لفظ وبلغتها بتاء الخطاب، أما إذا كانت للمتكلم، فليس منه لكن أفادنا المولى المعنون باسمه الشريف
(2/452)

هذا الكتاب أن البيت فيه نظر يظهر بالتأمل. إذا كان بتاء الخطاب، ولم نسمع بهذا النقدمن غيره، أدام الله علوه، وزاد في أوج المعارف سمره، فإنه المولى الذي تقتبس الفضائل من
(2/453)

أنواره، وتغترف الفواضل من تياره، فلا زالت أيامه بالمحامد مشرقة، ولا برحت بحار فضائله بالفوائد مغدقة ما سطح بدرُ العدل، ولمع برقُ الفضل.
(2/454)

خاتمة
هذا، ونوادر أبي الطيب المتنبي غزيرة، وأخباره كثيرة، وقد اخترنا منها ما يستظرف إيراده، ويُطربُ الألبابَ إنشاده، ومذْ تم ما جمع، وسُميّ بالصبح المتنبي عن حيثية المتنبي، تواردت التقريظات من العلماء الأعلام، وسميت بنسمة الصبح، وجرت منها مجرى الختام.
وأول ما ورد ما كتبه مخدومنا شخص الفضل وصورته، وحلى الأدب وزينته، سيد سادات من في الشهباء من آل النبي، أحمد أفندي الشهير نسبة الكريم بابن النقيب الحسني، وهو:
أيُوسْف إنْ أظهرتَ رَوضاً مَدَبَّجاً ... يَرَاعُكَ لا فصلُ الربيع رَبيعُه
وَجَدَّدتَ للكِنْديّ ذاكرا بِجامِعٍ ... لأخبارِهِ، قَدْ قلَّ مَن يستطيعُهُ
وتوَّجْتَهُ باسمِ الهُمام الذي لَه ... من الفضْلِ ما بَينَ الأنامِ جَميعُهُ
سَليل حُسامِ الدين ذِي المجْد مَن غَدا ... حُسَاما بَهامِ الظالمين وُقَوعُهُ
وصَدْر مَوالي الرّومِ مَنْ نُور عَدْلِه ... تلألأَ مِثلَ الصُّبحْ زاد سُطُوعُهُ
وَمَنْ لَمْ يَزل للشرع بالزهدِ حافظا ... وقد كانت الأطماعُ قبلُ تُضِيعُهُ
ومَنْ شرَّف الشَّهباءَ مُذ حَلَّ رّبْعَهَما ... وأحْيَا بني الآداب فيها صَنيعُهُ
فَمَنْ يتلَقبْ بالبديع فإنما ... يكون بديعاً كلُّ شيء بَديعُهُ
وإن كنتَ قَدْ حَسَّرَّتَ فيه مَدَائِحاً ... يسير بها من كل ركب سَريعُهُ
فَما هُوَ إلاّ الصاحِبُ النَّدْب سؤدداً ... وفضلا وإقبالا، وأنت بديعُهُ
ثم ورد ما تفضل به شيخُنا، الذي بزغتْ في الشهباء فضائله. وعمت فضلاء الأدباء فواضله. وأزري سنا سؤددُه بالدراري، شمس المجد، بدر الفضل، نجم الدين أفندي الأنصاري، وهو قوله، مدَّ الله ظله، ورفع مَحلَّه:
رسالةُ مَولانا البديعيّ رَوْضةُ ... تَنَزَّه فيها السَّمْعُ والطَّرْفُ والفكرُ
أبانتْ مزايا ابن الحسين التي بها ... على شعراء الدّهر قَدَّمَهُ الشعْرُ
وأسْكَرَتِ الألبابَ حتى كأنما ... أحاديثها المستحسناتُ بها خَسْر
ولا بِدْعَ أنْ أبدَي البديعيّ دُرَّهُ ... إذ البحرُ منهُ دائماً يحرُجُ الدُّرُّ
فكيف ومَن صِيغَتْ لَهُ العَلَمُ الذي ... على ما به الدهرُ الضنينُ سَخا الدَّهْرُ
أتاها ولَيْلُ الظلمُ مُلْق رواقَهُ ... فلما رأتْهُ مُقبلا سَطَعَ الفجْرُ
إمامُ كَسَا الشهباءَ ساطعُ عدله ... بَهَاءً علَى مَرَ الزَّمان له الذكْرُ
بماذا يُجادُ القولُ في مَدْح عالم ... بكل فم في كُلّ أرض لَهْ شُكْرُ
جَوادُ إذا ضَنّ الجَواد بما لِهِ ... ولو لم يجُدْ أغناكَ عن بَذْلهِ البشْرُ
إذا ما تصدَّى للعلوم مُبَاحِثا ... علمتَ لماذَا يشبهُ العالِمَ البحْر
فيا واحدَ الدُّنيا الذي جُمِعَت له الْ ... معالي كما الأيامُ يجمعُها الشهْرُ
ويابن الحُسامِ والَّذي به ... بشَهْبائنا مُذ حَلَّها حَصَل الفخْر
رَأيناك أوْلَى الناس بالمَدْحِ منْ ذَوي ... الفضائل إذ أنتَ الذي عَبدُه حُرُّ
فَدُمْ ما تغنت في الرياض بلابلُ ... وأحْدَقَ في فصل الربيع بها الزَّهْرُ
ثم ورد ما قاله عالم الشهباء وابن عالمها، ومشيد بالفضائل دعائم معالمها صاحب النهج المرضى وهو الشيخ أبو الوفا العرضي، متع الله ببقائه الأنام:
يا جَوْهَراً قام الكمال بذاتِه ... وأضاء مَجداً مِن صَفاءِ صِفاتِهِ
والفاضل الفطِن الَّذي دلْ عَلَى ... إحسانِه آثارُ تَنْميقاتِهِ
ربَّ المعاني والبديعيَّ الذي ... زان البيانَ بديع تحسِناتِهِ
عاشتْ بك الآدابُ وهْي رَميِمةُ ... وبَعثتَ للكندي رُوحَ حَياتِهِ
ونسخْتَ من ذكرى حبيب كلَّ ما ... نسخْته أيدي الدهر من كلماته
ونبذْتَ من عَبث الوليد ما ... نطقتْ به الأيامُ من أبياتِه
وأبَنْتَ بالبرهان مُعْجِزَ أحمد ... وكشفْتَ سَجْفَ الطَّعْن عن حسناته
وأقمت مِيزانَ العدالَةِ مُقْسِطاً ... لم تَتْرُكِ المثقال مِنْ ذرّاته
لله درّكَ من أديب مِصْدَع ... أبداً حَلاَلُ السحرِ من كلماته
في ضِمْن تأليف تحررّ باسم مَنْ ... زان الزمانَ بِدُرّ تحقيقاتِهِ
السالكِ السَّنَنَ الأغرَّ نباهةً ... مَشْوَي العدالة من جميع جهاته
قل للذين قدموا وتأخروا ... نور الهدى اقتَبسُوه من مِشْكاتِهِ
وتعلَّموا الأحكامَ كيف قضاؤها ... مَهْمَا تَوارَي الحقُّ في شُبُهاتِهِ
وتأملُوا فيه العفافَ طبيعةً ... كغوامض التحقيق من مَلَكاته
هو من سيوف الله وابنُ حُسامِهِ ... مَنْ رِيعَ قلبُ الزُّور من عَزَماتِهِ
وأنارت الشهباءُ لما جاءَها ... وقد استنار الكسْفُ في مِرْآته
فإنجاب عنها كلُّ ظلمة ظالم ... فيها وعمّ العدلُ من بَرَكاته
لا زالتِ الفضلاءُ تخدمُ بابَهُ ... والنصرُ لا ينفكَ عن حَرَكاته
ثم ورد ما نمقه كشاجم عصره، وفاضل مصره، بل واحد دهره، السيد الأوحد في الخلائق فضلا، ربيع الفضل، يحي الصادق:
لله ما نمَّقْتَ من مُرْقص ... يُغني أخا اللبّ عن المُطربِ
أثْبَتَّ من ِحْرك في طيهِ ... إعجازَ آياتِ أبي الطيب
وهكذا الفاضلُ من شأْنِهِ ... نَصرةُ ذي الفضل على الأجْنَبي
هذا وقد قيل على أنه ... كناقلِ التمرِ إلى يثرب
أو ساكبِ القَطْرِ على البَحْر أو ... مُهدِي رَذاذِ الطَّلِ للصيِّبِ
أو حامل الدُّر إلى يَمهِ ... أو مُرسلِِ النُّورِ إلى الكَواكَبِ
لأنه عنونه باسْم مَنْ ... لولا خِتامُ الرُّسْلِ قُلْنا نبي
فقلت مَهْلاً هذهِ عادَةُ ... لا يُنكِرُ العادةَ إلا غَبي
انظرْ إلى الطاهي وتقديمه ... الطَّعام للمَوْلَى ولا تَعْجَبِ
وقَيَمُ البُسْتان قد يُتحِفُ ... المالك بالفاخِرِ والأطْيَبِ
والشاكري يحمل أستاذَه ... على ذُرا الأصْهَبِ والأشْهَبِ
وهكذا ربُّ البديع الَّذِي ... يُدْعى البديعِي ليس بالمُعْتَب
لأنه أهَدى لأستاذهِ ... باكورة الفضل ولَمْ يُسْهِبِ
مَعْ أن ما يعلمُه فوق ذا ... لكنُه قد جاءَ بالأعذبِ
يَعْرِضُه بين يَدَيْ واحد الد ... نيا وأم الشرق والمغرب
حامِي حِمَي الشرع القويمَ الذي ... قَدْ شَرَّفَ الشهباءَ بالمَنْصب
سيفُ من الرحمنَ قد سلَّهُ ... وابنُ حُسام الدين إنْ يُنْب
وكل من يَطْمَعُ في مِثْلِهِ ... مِنْ دَهْره لُقبَ بالأشْعَبي
ثم ورد ما قاله نسيج وحده، ووارث الفصاحة عن نزاره ومعده، ومالك رق المعاني، الحسيب النسيب السيد موسى الحمداني، وهو:
غَنِينا عن الياقوت واللؤلؤ الرطْبِ ... بعقِد جُمان عُدَّ مِنْ جُمْلة الكتبِ
تضمن أخباراً يَلذُّ استماعُها ... كما لَذّاتِ الشكوَى من الحِب للحِبّ
ولاحتْ به لابن الحسين قلائدُ ... تُخِّبرُ عَنْهُ أنَّهُ أشعرُ العُرْب
وكيفَ ومُنشِيه الَّذي قد أطاعته ... نظاماً ونَشْراً كُلُّ مبتكَر صَعْبِ
وحِيدُ بلاد الشامِ بالفضل يوسف ... البَديعيُّ مَنْ عَنْهُ مؤلَّفهُ يُنْبي
بِرَسْمِ وحِيدِ الدهْرِ مَنْ عَمَّ عدله ... وسَارتْ به الرُّكْبَانُ في الشرق والغرب
سَلِيل الحسامِ اللوذعي الذي غَدَتْ ... له عَزْمَة أمْضَى من الصارم والعَضْب
أجَل مَوَالي الروم مَنْ جود جُودِهِ ... على أمَدِ الأيام أجْدَى من السحُّب
ومَنْ شُرفَتْ شَهباؤُنا بقدومِهِ ... وتاهَتْ به عُجْباً على السبْعَة الشهُب
ومَنْ فرَّجَتْ أيامُهُ كُلَّ كُرْبَةٍ ... فصار اسمها في الناس فَراجَة الكَرْب
فلا زالَ مَخْدومَ الأفاضلِ مَوْرِد ... الفضائلِ مقصودا على البُعْد والقْربِ
ثم ورد ما قاله صاحب النسب النبوي، الأمجد السيد محمد التَّقَوى، وهو:
أسحْر بابلَ أمْ ذي نَسْمة السَّحَرِ ... سَرَتْ عن الشحُرِ أم عِقْد من الدُّرر
أمْ غرةُ في جبينِ الدَّهْرِ شادِخةُ ... أمْ غادَةُ فَتَنَتْ بالدَّلُ والحَوَرِ
أم البَديعيّ أبدَى بِنْتَ فِكْرَتِهِ ... بكل مَعنًى رفيق اللفظِ مُبْتَكَرِ
راقت صَفاءً ورَقَّتْ كُلُّ حاشيةٍ ... مِنْها وَدقَتْ مَعَانيها على الفِكَرِ
كأنَّهَا مِنْ عَصَا مُوسى قد اكتسبت ... فلَمْ تدَعْ للسوي صُنْعاً ولمْ تَدَرِ
تَضَمَّنَتْ نظم أخْبار قد انتثرتْ ... لابن الحسين بليغِ البدو والحَضَرِ
ودُونَتْ باسْمِ مَوْلانا بزغَتْ ... يُوحُ العَدَالة في أيامِه الغُرَرِ
نجل الحُسام الذي ماضِي عزيمته ... في المشكلاتِ يُرى أمْضَى مِنَ القَدرِ
مَوْلًى كريم السجايا من خلائقه ... تخلَّقتْ نسماتُ الروض في السَّحَرِ
لو كان للزُّهْرِ من الألاء سُؤدُدِه ... جُزْءُ لما احتجبتْ يوماً عن النَّظَرِ
طالتْ مدائحُه من كل ذي أدب ... وهل تطولُ يدُ للأنجم الزُّهُرِ
وإن يُقصّرْ مَدِخي عن عُلاهُ فكَمْ ... قد انثنى مادحُ بالعيّ والحَصَرِ
أضمرتُ ذكرَ اسمِه في طِيّ مِدْحتِهِ ... إذ كان أشهرَ في الدنيا من القَمَر
يا من فضائلهُ من كل ذي بَصر ... في الشرق والغرب مِلء السمع والبصَرِ
أبقيْتَ ذكرا بما أسديتَ في حَلَبٍ ... كالذكر نَتْلُوهُ في الآصال والبْكَرِ
ثم ورد ما قاله حمادي الرواية وثعالبي الدراية، صاحبنا الشيخ عبد القادر الحموي وهو:
يتألف مولانا البديعي يُوسفِ ... تجدّد ما لابن الحسين من الفضلِ
تحلَّى به جيدُ الزمانِ وأصبحتْ ... له نَضْرَةُ كالروض غُودِي بالطَّلِ
وقد زيدَ حُسناً أنه صيغَ باسم مَن ... له قلمُ ما زالَ أمضى من النصلِ
يذكرنا ياقوتَ أدنى حروفهِ ... وكل مثال منه جَلَّ عن المثلِ
سما ربُّه كنز الهداية والحجا ... سماءَ العُلا والمجد والفضل والبَذْلِ
حليفُ التقَى نجلُ الحسام الذي زهْت ... به حلبُ الشهباءُ والأبُ كالنَّجْل
وزحزح عنا ظلمة الظلم وانتضى ... على عاتق العُدْوان سيفا من العَدْل
وأبدى بها بدر الفضائل بازغا ... ومِنْ قَبله قد كان في سُدَف الجَهل
ومِن قبله والله لم نَرَ قاضيا ... له سطوةُ الضِرّغام في ورع الشِبْلِي
هذا ما اخترناه من التقريضات، ولولا خوف الإطالة لذكرناها جميعاً، فإنه لم يبق فاضل ولا شاعر من أبناء الشهباء، ولا من غيرها المقيمين بها إلا وقد كتب تقريضاً، ومدح به جناب المولى أيده الله تعالى، مساعداً لنا في مدحه، لقصورنا عن شكر ما أسداه لنا، وما يسديه، فلا زالت الأفاضل تحت ظلال جوده قائلة، وألسنة الأقلام على أمد الليالي بالإفصاح من محامده قائلة، ولا برحت قلوب أعاديه من هبته خافقة، ورايات عدله المنصورة بالشرائع خافقة. وهذا دعاء يشمل كل إنسان، فيجب أن ينطق به كل إنسان.
وقد تم ووقع من نسخه، من نسخة أصله على يد الفقير الراجي عفو ربه الكريم المنان حسين ابن الحاج عثمان الحلبيّ، غفر الله زلله، وختم بالصالحات عمله، وذلك في اليوم السابع من شهر رجب الفرد، من شهور سنة أربعة وخمسونوألف، أحسن الله ختامه. والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
ترجمة المصنف
يوسف المعروف بالبديعي، الدمشقي الأديب، الذي زين الطروس برشحات أقلامه، فلو أدركه البديع، لاعتزل صنعة الإنشاء والقريض، عند استماعه نثره ونظامَه.
خرج من دمشق في صباه، فحل في حلب، فلم يزل حتى بلغ الشهرة الطنانة في الفضل والأدب. وألف المؤلفات الفائقة، منها كتابة الموسوم) بالصبح المنبي، عن حيثية المتنبي (، وهو كتاب جم الفائدة، وله كتاب) الحدائق (في الأدب. ولما رأى كتاب) الريحانة (، عمل كتاب) ذكرى حبيب، فأحسن وأبدع، وأطال وأطاب، وأعرب عن لطافة تعبيره، وحلاوة ترصيعه، وتمكنه من الاطلاع، إلا أنه لم يساعده الحظ في شهرته، فلا أعلم له نسخة إلا في الروم، كانت عند أستاذي المرحوم شيخ العزتي، ونسخة عندي، وكان ألف كتابه) الصبح (باسم شيخ الإسلام، عبد الرحمن بن الحسام، إذ كان قاضياً بحلب، وكان يميل إلى البديعي ويقربه. ولما ولي قضاء الشام، كان في خدمته أيضاً، وله في مدائح كثيرة، وشعر كثير، أوردت له منه في كتابي) النفحة (ما فيه مقنع. وأخبرني والدي أن البديعي، كتم قد ولي قضاء الموصل في آخر عمره، ووصل بعدها إلى قسطنطينية، فتوفي بها في ثلاث وسبعين وألف.
نقلت من آخر تاريخ الأمين الدمشقي.
جاء في الصفة التالية لصفحة الترجمة السابقة بخط دقيق جميل:) هذا الكتاب عندي بطريق العارية، للأكمل الشيخ محي الدين التافيّ، وذلك في غرة جاء سنة 1254 (.
(/)