Advertisement

الصناعتين الكتابة والشعر



اسم الكتاب: الصناعتين
المؤلف: أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري (المتوفى: نحو 395هـ)
المحقق: علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم
الناشر: المكتبة العنصرية - بيروت
عام النشر: 1419 هـ
عدد الأجزاء:1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. وبعد فهذا كتاب «الصناعتين» نقدمه لقراء العربية بعد أن نفدت طبعاته، وتناولته أيدى الوراقين بالعبث والتصحيف.
ومؤلفه هو أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكرى، ولد فى عسكر مكرم (من كور الأهواز) وإليها نسبته، وانتقل إلى بغداد والبصرة، وخلّف كثيرا من الكتب، منها:
جمهرة الأمثال، والصناعتين، وديوان المعانى، والمصون فى الأدب، والأوائل، وغيرها مما يدل على إطلاع واسع، وذهن ناقد.
ويرى ياقوت أنه توفى سنة خمس وتسعين وثلاثمائة.
أما كتابه الذى نقدم له «الصناعتين: الكتابة والشعر» ، فقد استعان فى تأليفه بجل ما كتب سابقوه ممن عالجوا مثل موضوعه.
ونذكر من هؤلاء ابن سلام، وكتابه طبقات الشعراء، والجاحظ، وكتابه البيان والتبيين، وابن قتيبة، وكتابه نقد الشعر، وابن المعتز، وكتابه البديع، وقدامة، وكتابه نقد الشعر، والآمدى، وكتابه الموازنة، والقاضى الجرجانى وكتابه الوساطة بين المتنبى وخصومه.
وقد استطاع أبو هلال أن يعرض لنا زبدة هذه الكتب فى كتابه حتى إنه ليجعلنا نكاد نستغنى عنها جميعا.
وقد اعتمدنا فى تحقيق هذا الكتاب على النسخ الآتية:
1- نسخة طبعت فى الآستانة سنة 1320 هـ. بتصحيح السيد محمد أمين الخانكى، وهى التى رمزنا إليها بالحرف (ط) . 2- نسخة مخطوطة كاملة بدار الكتب المصرية رقم 602 بلاغة، بخط محمد فضل الله الطيب، كتبت سنة 1091 هـ. وهى التى رمزنا إليها بالحرف (ا) .
3- نسخة مخطوطة من الجزء الأول بدار الكتب المصرية رقم 247 أدب تيمور، كتبت فى سنة 1162 هـ. بخط السيد محمد بن السيد مصطفى الراعى، وتنتهى بالجزء الأول من الباب السابع، وهى التى رمزنا إليها بالحرف (ب) .
هذا إلى كثير من كتب الأدب، والنقد، واللغة، ودواوين الشعر، مما أشرنا إليه فى آخر الكتاب.
وقد وضعنا له الفهارس الآتية:
(1) فهرس الموضوعات؛ وقد فصلنا فيه المسائل تفصيلا واضحا.
(2) فهرس الأعلام.
(3) فهرس الشعر؛ وقد رتبناه على حسب القوافى، ووضعنا أمام كل قافية قائلها.
ونرجو أن نكون قد يسرنا الانتفاع بالكتاب إذ أخرجناه فى صورة أقرب إلى الكمال.
على محمد البجاوى محمد أبو الفضل ابراهيم
[مقدمة التأليف]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ولىّ كلّ نعمة، وصلواته على نبيّه الهادى من كلّ ضلالة، وعلى آله المنتجبين «1» الأخيار، وعترته المصطفين الأبرار.
[فضل علم البلاغة]
[قال أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل رحمه الله لبعض إخوانه: اعلم- علّمك الله الخير، ودلّك عليه، وقيّضه لك، وجعلك من أهله] «2» أنّ أحقّ العلوم بالتعلّم، وأولاها بالتحفّظ- بعد المعرفة بالله جلّ ثناؤه- علم البلاغة، ومعرفة الفصاحة، الذى به يعرف إعجاز كتاب الله تعالى، الناطق بالحقّ، الهادى إلى سبيل الرّشد، المدلول به على صدق الرسالة وصحّة النبوة، التى رفعت أعلام الحقّ، وأقامت منار الدّين، وأزالت شبه الكفر ببراهينها، وهتكت حجب الشكّ بيقينها.
وقد علمنا أنّ الإنسان إذا أغفل علم البلاغة، وأخلّ بمعرفة الفصاحة لم يقع علمه بإعجاز القرآن من جهة ما خصّه الله به من حسن التأليف، وبراعة التركيب، وما شحنه به من الإيجاز البديع، والاختصار اللطيف؛ وضمنّه من الحلاوة، وجلّله من رونق الطّلاوة، مع سهولة كلمه وجزالتها، وعذوبتها وسلاستها، إلى غير ذلك من محاسنه التى عجز الخلق عنها، وتحيّرت عقولهم فيها.
وإنما يعرف إعجازه من جهة عجز العرب عنه، وقصورهم عن بلوغ غايته، فى حسنه وبراعته، وسلاسته ونصاعته «3» ، وكمال معانيه، وصفاء ألفاظه. وقبيح لعمرى بالفقيه المؤتمّ به؛ والقارى المهتدى بهديه، والمتكلّم المشار إليه فى حسن مناظرته، وتمام آلته فى مجادلته، وشدّة شكيمته فى حجاجه «4» ؛ وبالعربىّ الصّليب «5»
(1/1)

والقرشى الصريح «1» ألّا يعرف إعجاز كتاب الله تعالى إلّا من الجهة التى يعرفه منها الزّنجى «2» والنّبطى «3» ، أو أن يستدلّ عليه بما استدلّ به الجاهل الغبىّ.
فينبغى من هذه الجهة أن يقدّم اقتباس هذا العلم على سائر العلوم بعد توحيد الله تعالى ومعرفة عدله والتصديق بوعده ووعيده على ما ذكرنا؛ إذ كانت المعرفة بصحة النبوة تتلو المعرفة بالله جل اسمه.
ولهذا العلم بعد ذلك فضائل مشهورة، ومناقب معروفة؛ منها أنّ صاحب العربية إذا أخلّ بطلبه، وفرّط فى التماسه، ففاتته فضيلته، وعلقت به رذيلة فوته، عفّى على جميع محاسنه، وعمّى «4» سائر فضائله؛ لأنه إذا لم يفرق بين كلام جيّد، وآخر ردى؛ ولفظ حسن، وآخر قبيح؛ وشعر نادر، وآخر بارد، بان جهله، وظهر نقصه.
وهو أيضا إذا أراد أن يصنع قصيدة، أو ينشىء رسالة- وقد فاته هذا العلم- مزج الصّفو بالكدر، وخلط الغرر بالعرر «5» ، واستعمل الوحشى العكر؛ فجعل نفسه مهزأة «6» للجاهل، وعبرة للعاقل؛ كما فعل ابن جحدر فى قوله:
حلفت بما أرقلت حوله ... همرجلة خلقها شيظم «7»
وما شبرقت من تنوفيّة ... بها من وحى الجنّ زيريم «8»
وأنشده ابن الأعرابى، فقال: إن كنت كاذبا فالله حسيبك.
وكما ترجم بعضهم كتابه إلى بعض الرؤساء: مكركسة تربوتا ومحبوسة بسرّيتا «9» ؛
(1/2)

فدلّ على سخافة عقله، واستحكام جهله؛ وضرّه الغريب الذى أتقنه ولم ينفعه، وحطّه ولم يرفعه، لمّا فاته هذا العلم، وتخلّف عن هذا الفن.
وإذا أراد أيضا تصنيف كلام منثور، أو تأليف شعر منظوم، وتخطّى هذا العلم ساء اختياره له، وقبحت آثاره فيه؛ فأخذ الردىء المرذول، وترك الجيد المقبول، فدلّ على قصور فهمه، وتأخّر معرفته وعلمه.
وقد قيل: اختيار الرجل قطعة من عقله؛ كما أنّ شعره قطعة من علمه.
وما أكثر من وقع من علماء العربية فى هذه الرذيلة! منهم الأصمعى فى اختياره قصيدة المرقش «1» :
هل بالدّيار أن تجيب صمم ... لو أنّ حيّا ناطقا كلّم «2»
ولا أعرف على أىّ وجه صرف اختياره إليها، وما هى بمستقيمة الوزن، ولا مونقة «3» الروىّ، ولا سلسلة اللفظ، ولا جيّدة السّبك، ولا متلائمة النسج.
وكان المفضّل يختار من الشعر ما يقلّ تداول الرواة له، ويكثر الغريب فيه؛ وهذا خطأ من الاختيار؛ لأنّ الغريب لم يكثر فى كلام إلّا أفسده، وفيه دلالة الاستكراه والتكلّف.
وقال بعض الأوائل: تلخيص المعانى رفق، والتشادق «4» من غير أهله بغض، والنظر فى وجوه الناس عىّ، ومسّ اللّحية هلل «5» ، والاستعانة بالغريب عجز، والخروج عمّا بنى عليه الكلام إسهاب. وكان كثير من علماء العربية يقولون:
ما سمعنا بأحسن ولا أفصح من قول ذى الرّمة «6» :
(1/3)

رمتنى مىّ بالهوى رمى ممضع ... من الوحش لوط لم تعقه الأوانس»
بعينين نجلاوين لم يجر فيهما ... ضمان وجيد حلّى الدّرّ شامس «2»
وهذا- كما ترى- كلام فجّ غليظ، ووخم ثقيل، لاحظّ له من الاختيار.
وحكى العتبى عن الأصمعى أنه كان يستحسن قول الشاعر:
ولو أرسلت من حب ... ك مهبوتا من الصين «3»
لو افيتك قبل الصب ... ح أو حين تصلين
وهما على ما تراهما من دناءة اللفظ وخساسته، وخلوقة المعرض وقباحته.
وذكر العتبى أيضا أن قول جرير «4» :
إنّ العيون الّتى فى طرفها مرض ... قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللّب حتى لا حراك «5» به ... وهنّ أضعف خلق الله أركانا
وقوله «6» :
إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا «7»
غيّضن من عبراتهنّ وقلن لى ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا «8»
من الشعر الذى يستحسن لجودة لفظه، وليس له كبير معنى. وأنا لا أعلم معنى أجود ولا أحسن من معنى هذا الشعر.
فلما رأيت تخليط هؤلاء الأعلام فيما راموه من اختيار الكلام، ووقفت على موقع هذا العلم من الفضل، ومكانه من الشرف والنّبل، ووجدت الحاجة إليه ماسة، والكتب المصنّفة فيه قليلة، وكان أكبرها وأشهرها كتاب «البيان والتبيين»
(1/4)

لأبى عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وهو لعمرى كثير الفوائد، جمّ المنافع؛ لما اشتمل عليه من الفصول الشريفة، والفقر اللطيفة، والخطب الرائعة، والأخبار البارعة، وما حواه من أسماء الخطباء والبلغاء، وما نبّه عليه من مقاديرهم فى البلاغة والخطابة؛ وغير ذلك من فنونه المختارة، ونعوته المستحسنة، إلا أنّ الإبانة عن حدود البلاغة، وأقسام البيان والفصاحة مبثوثة فى تضاعيفه، ومنتشرة فى أثنائه؛ فهى ضالّة بين الأمثلة، لا توجد إلا بالتأمل الطويل، والتصفّح الكثير؛
[تقسيم الكتاب وأبوابه]
فرأيت أن أعمل كتابى هذا مشتملا على جميع ما يحتاج إليه فى صنعة الكلام: نثره ونظمه، ويستعمل فى محلوله ومعقوده، من غير تقصير وإخلال، وإسهاب وإهذار. وأجعله عشرة أبواب مشتملة على ثلاثة وخمسين فصلا:
الباب الأول: فى الإبانة عن موضوع البلاغة فى أصل اللغة وما يجرى معه من تصرف لفظها وذكر حدودها وشرح وجوهها وضرب الأمثلة فى كل نوع منها وتفسير ما جاء عن العلماء فيها، ثلاثة فصول.
الباب الثانى: فى تمييز الكلام جيده من رديه ومحموده من مذمومه فصلان.
الباب الثالث: فى معرفة صنعة الكلام، فصلان.
الباب الرابع: فى البيان عن حسن السبك وجودة الرصف «1» ، فصل واحد.
الباب الخامس: فى ذكر الإيجاز والإطناب، فصلان.
الباب السادس: فى حسن الأخذ وقبحه وجودته ورداءته، فصلان.
الباب السابع: القول فى التشبيه، فصلان.
الباب الثامن: فى ذكر السجع والازدواج، فصلان.
الباب التاسع: فى شرح البديع والإبانة عن وجوهه وحصر أبوابه وفنونه، خمسة وثلاثون فصلا.
الباب العاشر: فى ذكر مقاطع الكلام ومباديه والقول فى الإساءة فى ذلك والإحسان فيه، ثلاثة فصول.
وأرجو أن يعين الله على المراد من ذلك والمقصود فيما نحونا إليه ويقرنه بالتوفيق ويشفعه بالتسديد؛ إنه سميع مجيب.
(1/5)

الباب الأول [عن موضوع البلاغة في أصل اللغة وما يجري معه من تصرف لفظها وذكر حدودها وشرح وجوهها]
الفصل الأوّل فى الإبانة عن موضوع البلاغة فى اللّغة، وما يجرى معه من تصرّف لفظها، والقول فى الفصاحة، وما يتشعّب منه
البلاغة
البلاغة من قولهم: بلغت الغاية إذا انتهيت إليها وبلّغتها غيرى. ومبلغ الشىء:
منتهاه. والمبالغة فى الشىء: الانتهاء إلى غايته. فسمّيت البلاغة بلاغة لأنها تنهى المعنى إلى قلب السامع فيفهمه. وسمّيت البلغة بلغة لأنك تتبلّغ بها، فتنتهى بك إلى ما فوقها، وهى البلاغ أيضا. ويقال: الدنيا بلاغ؛ لأنها تؤدّيك إلى الآخرة.
والبلاغ أيضا: التبليغ، فى قول الله عزّ وجل: هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ
أى تبليغ.
ويقال: بلغ الرجل بلاغة؛ إذا صار بليغا. كما يقال نبل نبالة؛ إذا صار نبيلا.
وكلام بليغ وبلغ (بالفتح) «1» ، كما يقال: وجيز ووجز «2» ، ورجل بلغ (بالكسر) :
يبلغ ما يريد. وفى مثل لهم «أحمق بلغ» . ويقال: أبلغت فى الكلام إذا أتيت بالبلاغة فيه. كما تقول: أبرحت إذا أتيت بالبرحاء وهو الأمر الجسيم. والبلاغة من صفة الكلام لا من صفة المتكلّم.
فلهذا لا يجوز أن يسمّى الله جلّ وعزّ بأنه بليغ؛ إذ لا يجوز أن يوصف بصفة كان موضوعها الكلام. وتسميتنا المتكلم بأنه بليغ توسّع. وحقيقته أنّ كلامه بليغ، كما تقول: فلان رجل محكم، وتعنى أن أفعاله محكمة. قال الله تعالى: حِكْمَةٌ بالِغَةٌ
. فجعل البلاغة من صفة الحكمة، ولم يجعلها من صفة الحكيم، إلّا أن كثرة
(1/6)

الاستعمال جعلت تسمية المتكلّم بأنه بليغ كالحقيقة، كما أنها جعلت تسمية المزادة راوية كالحقيقة، وكان الراوية حامل المزادة وهو البعير وما يجرى مجراه.
ولهذا سمّى حامل الشعر راوية، وكما صار تسمية البغىّ المكتسبة بالفجور القحبة حقيقة، وإنما القحاب السّعال. وكانوا إذا أرادوا الكناية عن زنت وتكسّبت بالفجور قالوا: قحبت، أى سعلت.
ومن ذلك النّجو؛ لأنّ الرجل كان إذا أراد قضاء الحاجة استتر بنجوة، والنجوة:
الارتفاع من الأرض؛ فسمّى ذلك الشىء نجوا مجازا، ثم كثر استعمالهم له فصار كالحقيقة وصرّفوه، فقالوا: ذهب ينجو، كما يقال: ذهب يتغوّط، إذا صار إلى الغائط، وهو البطن من الأرض لقضاء الحاجة، وسمّوا الشىء الغائط، وصار كالحقيقة حين كثر استعمالهم له. وقالوا، إذا غسل ذلك الموضع من النجو: يستتجى، ومثل هذا كثير ليس هذا موضع استيعابه.
الفصاحة
فأما الفصاحة فقد قال قوم: إنها من قولهم: أفصح فلان عما فى نفسه إذا أظهره، والشاهد على أنها هى الإظهار قول العرب: أفصح الصبح إذا أضاء.
وأفصح اللبن إذا انجلت عنه رغوته فظهر. وفصح أيضا. وأفصح الأعجمىّ إذا أبان بعد أن لم يكن يفصح ويبين؛ وفصح اللحان إذا عبّر عما فى نفسه وأظهره على جهة الصواب دون الخطأ.
وإذا كان الأمر على هذا فالفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد وإن اختلف أصلاهما؛ لأنّ كلّ واحد منهما إنما هو الإبانة عن المعنى والإظهار له.
[الفرق بين الفصاحة والبلاغة]
وقال بعض علمائنا: الفصاحة تمام آلة البيان؛ فلهذا لا يجوز أن يسمّى الله تعالى فصيحا؛ إذ كانت الفصاحة تتضمّن معنى الآلة ولا يجوز على الله تعالى الوصف بالآلة؛ ويوصف كلامه بالفصاحة؛ لما يتضمّن من تمام البيان.
والدليل على ذلك أن الألثغ والتمتام لا يسميّان فصيحين لنقصان آلتهما عن إقامة
(1/7)

الحروف. وقيل زياد الأعجم لنقصان آلة نطقه عن إقامة الحروف، وكان يعبّر عن الحمار بالهمار، فهو أعجم، وشعره فصيح لتمام بيانه.
فعلى هذا تكون الفصاحة والبلاغة مختلفتين؛ وذلك أنّ الفصاحة تمام آلة البيان فهى مقصورة على اللفظ؛ لأن الآلة تتعلّق باللفظ دون المعنى؛ والبلاغة إنما هى إنهاء المعنى إلى القلب فكأنها مقصورة على المعنى.
ومن الدليل على أنّ الفصاحة تتضمّن اللفظ، والبلاغة تتناول المعنى أنّ الببّغاء يسمى فصيحا، ولا يسمى بليغا، إذ هو مقيم الحروف وليس له قصد إلى المعنى الذى يؤدّيه.
وقد يجوز مع هذا أن يسمّى الكلام الواحد فصيحا بليغا إذا كان واضح المعنى، سهل اللفظ، جيّد السبك، غير مستكره فجّ، ولا متكلّف وخم، ولا يمنعه من أحد الاسمين شىء، لما فيه من إيضاح المعنى وتقويم الحروف.
وشهدت قوما يذهبون إلى أنّ الكلام لا يسمّى فصيحا حتى يجمع مع هذه النعوت فخامة وشدة جزالة، فيكون مثل قول النبى صلى الله عليه وسلم «ألا إنّ هذا الدّين متين فأوغل فيه برفق، فإنّ المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» . ومثل كلام الحسين بن على رضى الله عنهما: إن الناس عبيد الأموال، والدين لغو على ألسنتهم يحوطونه ما درت به معايشهم فإذا محصوا بالابتلاء قلّ الديانون. ومثل المنظوم قول الشاعر:
ترى غابة الخطىّ فوق رءوسهم ... كما أشرفت فوق الصّوار قرونها «1»
قالوا: وإذا كان الكلام يجمع نعوت الجودة، ولم يكن فيه فخامة وفضل جزالة سمّى بليغا ولم يسمّ فصيحا؛ كقول بعضهم- وقد سئل عن حاله عند الوفاة
(1/8)

فقال: ما حال من يريد سفرا بعيدا بلا زاد، ويقدم على ملك عادل بغير حجّة، ويسكن قبرا موحشا بلا أنيس.
وقول آخر لأخ له: مددت إلى المودّة يدا فشكرناك، وشفعت ذلك بشىء من الجفاء فعذرناك، والرجوع إلى محمود الود أولى بك من المقام على مكروه الصّدّ.
وأنشدنا أبو أحمد «1» عن أبى بكر الصولى لإبراهيم بن العباس «2» :
تمرّ الصّبا صفحا بساكنة الغضا «3» ... ويصدع قلبى أن يهبّ هبوبها
قريبة عهد بالحبيب وإنّما ... هوى كلّ نفس حيث حلّ حبيبها
فالبيت الأول فصيح وبليغ، والبيت الثانى بليغ وليس بفصيح.
واستدلوا على صحّة هذا المذهب بقول العاص بن عدى: الشجاعة قلب ركين، والفصاحة لسان رزين. واللسان هاهنا: الكلام، والرّزين الذى فيه فخامة وجزالة.
مذهب الكتاب
وليس الغرض فى هذا الكتاب سلوك مذهب المتكلّمين، وإنما قصدت فيه مقصد صنّاع الكلام من الشعراء والكتاب؛ فلهذا لم أطل الكلام فى هذا الفصل.
(1/9)

الفصل الثّانى فى الإبانة عن حدّ البلاغة
فنقول: البلاغة كلّ ما تبلّغ به المعنى قلب السامع فتمكّنه فى نفسه كتمكّنه فى نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن.
وإنما جعلنا حسن المعرض وقبول الصورة شرطا فى البلاغة؛ لأنّ الكلام إذا كانت عبارته رثّة ومعرضه خلقا لم يسمّ بليغا، وإن كان مفهوم المعنى، مكشوف المغزى.
ألا ترى إلى معنى الكاتب الذى كتب إلى بعض معامليه: قد تأخّر الأمر فيما وعدت حمله ضحوة النهار، والقوم غير مقيمين، وليس لهم صبرى، وهم فى الخروج آنفا؛ فإن رأيت فى إزاحة العلّة مع الجهبذ «1» فعلت إن شاء الله. فمعناه مفهوم ومغزاه معلوم، وليس كلامه ببليغ.
فهذا يدلّ على أنّ من شرط البلاغة أن يكون المعنى مفهوما واللفظ مقبولا على ما قدمناه.
ومن قال: إن البلاغة إنما هى إنهام المعنى فقط، فقد جعل الفصاحة، واللّكنة، والخطأ، والصواب، والإغلاق، والإبانة سواء.
وأيضا فلو كان الكلام الواضح السهل، والقريب السّلس الحلو بليغا، وما خالفه من الكلام المستبهم المستغلق والمتكلّف المتعقد أيضا بليغا لكان كلّ ذلك محمودا وممدوحا مقبولا، لأنّ البلاغة اسم يمدح به الكلام.
فلمّا رأينا أحدهما مستحسنا، والآخر مستهجنا علمنا أنّ الذى يستحسن البليغ، والذى يستهجن ليس ببليغ.
(1/10)

وقال العتّابى: كلّ من أفهمك حاجته فهو بليغ. وإنما عنى: إن أفهمك حاجته بالألفاظ الحسنة، والعبارة النيّرة فهو بليغ.
ولو حملنا هذا الكلام على ظاهره للزم أن يكون الألكن بليغا؛ لأنه يفهمنا حاجته؛ بل ويلزم أن يكون كلّ الناس بلغاء حتى الأطفال، لأنّ كلّ أحد لا يعدم أن يدلّ على غرضه بعجمته أو لكنته أو إيمائه أو إشارته؛ بل لزم أن يكون السّنّور بليغا؛ لأنّا نستدلّ بضغائه «1» على كثير من إرادته. وهذا ظاهر الإحالة.
ونحن نفهم رطانة السّوقى «2» . وجمجمة «3» الأعجمى للعادة التى جرت لنا فى سماعها. لا لأنّ تلك بلاغة؛ ألا ترى أنّ الأعرابى إن سمع ذلك لم يفهمه؛ إذ لا عادة له بسماعه.
وأراد رجل أن يسأل بعض الأعراب عن أهله فقال: كيف أهلك؟ بالكسر.
فقال له الأعرابى: صلبا؛ إذ لم يشكّ أنه إنما يسأله عن السبب الذى يهلك به.
وقال الوليد بن عبد الملك لأعرابى شكا إليه ختنا «4» له، فقال: من ختنك؟ ففتح النون. فقال: معذر «5» فى الحى؛ إذ لم يشكّ فى أنه إنما يسأله عن خاتنه.
وقال رجل لأعرابى: ألقى عليك بيتا. فقال: ألق على نفسك. وسمع أعرابىّ قصيدة أبى تمام «6» :
طلل الجميع لقد عفوت حميدا «7»
فقال: إنّ فى هذه القصيدة أشياء أفهمها، وأشياء لا أفهمها؛ فإما أن يكون قائلها أشعر من جميع الناس، وإما أن يكون جميع الناس أشعر منه. ونحن نفهم
(1/11)

معانى هذه القصيدة بأسرها؛ لعادتنا بسماع مثلها، لا لأنّا أعرف بالكلام من الأعراب.
ومما يؤيّد ما قلنا من أنّ البلاغة إنما هى إيضاح المعنى وتحسين اللفظ قول بعض الحكماء: البلاغة تصحيح الأقسام، واختيار الكلام. إلى غير ذلك مما سنذكره ونفسّره فى هذا الباب إن شاء الله.
وقال محمد بن الحنفية رضى الله عنه: البلاغة قول تضطرّ العقول إلى فهمه بأسهل العبارة؛ فقوله: «تضطر العقول إلى فهمه» عبارة عن إيضاح المعنى، وقوله: «بأسهل العبارة» تنبيه على تسهيل اللفظ وترك تنقيحه. ومثل ذلك من النثر قول بعضهم لأخ له:
ابتدأتنى بلطف من غير خبرة، ثم اعقبتنى جفا من غير هفوة، فأطمعنى أوّلك فى إخائك، وأيأسنى آخرك من وفائك؛ فسبحان من لو شاء كشف إيضاح الرأى فى أمرك عن عزيمة الشكّ فى حالك؛ فأقمنا على ائتلاف، أو افترقنا على اختلاف.
وقول الآخر: لم يدع انقباضك عن الوفاء، وانجذابك مع سوء الرأى فى ملاحظة الهجر، والاستمرار على العذر، محرّكا من القلب عليك، ولا خاطرا يومى إلى حسن الظنّ بك. هيهات انقضت مدّة الانخداع لك حين أخلفت عدة الأمانى فيك، وما وجدنا ساترا من تأنيب النّصحاء فى الميل إليك، والتوفّر عليك؛ إلا الإقرار بطاعة الهوى، والاعتراف بسوء الاختيار.
وكتب بعض الكتّاب إلى أخ له: تأخرت عنى كتبك تأخّرا ساء له ظنى، إشفاقا من الحوادث عليك، لا توهّما للجفاء منك؛ إذ كنت أثق من مودّتك بما يغنينى عن معاتبتك.
ومما هو فى هذه الطريقة، وهو أجزل مما تقدّم ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبى بكر ابن دريد، عن عبد الرحمن، عن عمه، قال: وقف علينا أعرابى ونحن برملة اللّوى،
(1/12)

فقال: رحم الله امرأ لم تمجّ أذناه كلامى، وقدم معاذه «1» من سوء مقامى؛ فإنّ البلاد مجدبة، والحال مسغبة «2» ، والحياء زاجر يمنع من كلامكم، والفقر عاذر يدعو إلى إخباركم، والدعاء إحدى الصدقتين؛ فرحم الله امرءا أمر بمير «3» ، أو دعا بخير.
وقول بعضهم- يمدح رجلا: كان والله بعيد مسافة الرأى، يرمى بهمّته حيث أشار الكرم، يصافح عن صاحبه نوب الزمان، ويتحسّى مرارة الإخوان، ويسيغهم العذب، ويعطفهم منه على ما جد ندب «4» .
(1/13)

الفصل الثّالث وهو القول فى تفسير ما جاء عن الحكماء والعلماء فى حدود البلاغة
فحقيقة البلاغة هى ما ذكرته. وقد جاء عن الحكماء فيه ضروب أنا ذاكرها ومفسّرها لتكمل فائدة الكتاب إن شاء الله.
قال إسحق بن حسان: لم يفسر أحد البلاغة تفسير ابن المقفّع؛ إذ قال: البلاغة اسم لمعان تجرى فى وجوه كثيرة؛ منها ما يكون فى السكوت، ومنها ما يكون فى الاستماع، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا، ومنها ما يكون خطبا، وربّما كانت رسائل. فعامّة ما يكون من هذه الأبواب فالوحى فيها والإشارة إلى المعنى أبلغ، والإيجاز هو البلاغة.
فقوله: «منها ما يكون فى السكوت» ، فالسكوت يسمّى بلاغة مجازا، وهو فى حالة لا ينجع فيها القول ولا ينفع فيها إقامة الحجج. إما عند جاهل لا يفهم الخطاب، أو عند وضيع لا يرهب الجواب، أو ظالم سليط يحكم بالهوى، ولا يرتدع بكلمة التقوى. وإذا كان الكلام يعرى من الخير، أو يجلب الشّرّ فالسكوت أولى؛ كما قال أبو العتاهية «1» :
ما كلّ نطق له جواب ... جواب ما يكره السكوت
وقال معاوية رضى الله عنه لابن أوس: ابغ لى محدّثا. قال: أو تحتاج معى إلى محدّث؟ قال: أستريح منه إليك، ومنك إليه، وربما كان صمتك فى حال أوفق من كلامك.
وله وجه آخر؛ وهو قولهم: كلّ صامت ناطق من جهة الدلالة، وذلك أنّ دلائل الصنعة فى جميع الأشياء واضحة، والموعظة فيها قائمة.
وقد قال الرقاشىّ: سل الأرض؛ من شقّ أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإن لم تجبك حوارا «2» أجابتك اعتبارا.
(1/14)

ولما مات الإسكندر وقف عليه بعض اليونانيين فقال: قد طالما وعظنا هذا الشخص بكلامه، وهو اليوم لنا بسكوته أوعظ، فنظم هذا الكلام أبو العتاهية فى قوله:
وكانت فى حياتك لى عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيّا
وأحسن من هذا الكلام كلّه وأبلغ قول الله عزّ وجلّ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
وقوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ
. معناه يدلّ على الله بصنعته فيه؛ فكأنه يسجد، وإن لم يسجد ولم يقرّ بذلك. وقوله تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
. وقوله سبحانه: تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
. أى لا تفهمونه من جهة السمع، وإن كنتم تفهمونه من جهة العقل.
وقد قال بعض الهند: جمّاع «1» البلاغة: البصر بالحجّة، والمعرفة بمواقع الفرصة. ومن البصر بالحجّة أن يدع الإفصاح بها إلى الكناية عنها إذا كان طريق الإفصاح وعرا؛ وكانت الكناية أحصر «2» نفعا. وذلك مثل ما أخبرنا به أبو أحمد، عن أبيه، عن عسل بن ذكوان، قال: دخل عبيد الله بن زياد بن ظبيان على عبد الملك بن مروان، وأراد أن يقعد معه على سريره، فقال له عبد الملك: ما بال العرب تزعم أنّك لا تشبه أباك؟ قال: والله لأنا أشبه بأبى من اللّيل بالليل، والغراب بالغراب، ولكن إن شئت خبّرتك عمّن لا يشبه أباه! قال: من ذاك؟ قال: من لم تنضجه الأرحام، ولم يولد لتمام، ولم يشبه الأخوال والأعمام.
قال: ومن ذاك؟ قال: سويد بن منجوف. قال عبد الملك: أكذاك أنت يا سويد؟
قال: نعم. فلما خرجا قال عبيد الله لسويد: وريت بك زنادى، والله ما يسرّنى بحلمك عنى حمر النعم! قال سويد: وأنا والله ما يسرّنى أنك نقصته حرفا، وإن لى سود النعم «3» .
(1/15)

وإنما كان عرّض بعبد الملك وكان ولد لسبعة أشهر.
وربما كانت البلاغة سببا للحرمان. وأسباب الأمور طريفة والاتفاقات عجيبة:
أخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان، قال: كتب بعضهم إلى المنصور كتابا حسنا بليغا يستمنحه فيه. فكتب إليه المنصور: البلاغة والغنى إذا اجتمعا لامرىء أبطراه؛ وأمير المؤمنين مشفق عليك من البطر، فاكتف بأحدهما.
وقوله «1» : «ربما كانت البلاغة فى الاستماع» ، فإنّ المخاطب إذا لم يحسن الاستماع لم يقف على المعنى المؤدّى إليه الخطاب. والاستماع الحسن عون للبليغ على إفهام المعنى.
وقال إبراهيم الإمام: حسبك من حظّ البلاغة ألّا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع. وقال الهندى أيضا: البلاغة وضوح الدّلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة. وقول عبيد الله بن عتبة: البلاغة دنوّ المأخذ، وقرع الحجة، وقليل من كثير.
فأما البصر بالحجّة فمثل ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبيه عن عسل قال: قال الهيثم بن عدى: أنبأنى عطاء بن مصعب، قال: كان أبو الأسود شيعة لعلىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، وكان جيرانه عثمانية فرموه يوما؛ فقال: أترموننى؟ قالوا:
بل الله يرميك. قال: كذبتم، إنكم تخطئون، وإنّ الله لو رمانى لما أخطأ. وقال بعضهم لأبى على محمد بن عبد الوهاب: ما الدليل على أنّ القرآن مخلوق؟ قال: إن الله قادر على مثله. فما أحار السائل جوابا.
ومثل ذلك ما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه- وهو يومئذ خليفة وكان على المنبر يخطب فى يوم جمعة، فدخل عثمان بن عفّان رضى الله عنه عليه. فقال عمر:
ما بال أقوام يسمعون الأذان ويتأخّرون؟ فقال عثمان: والله ما تأخّرت إلّا ريثما توضّأت.
فقال عمر: وهذا أيضا، أما سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من أتى الجمعة فليغتسل» .
(1/16)

ومثله قول أبى يوسف بعرفة وقد صلى خلف الرّشيد فلما سلّم فى الرّكعتين- قال: يأهل مكة؛ أتمّوا صلاتكم فإنا قوم سفر «1» . فقال بعض أهل مكة: من عندنا خرج العلم إليكم. فقال أبو يوسف: لو كنت فقيها لما تكلمت فى الصلاة.
وأخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان؛ قال: أقام شاعر بباب معن بن زائدة حولا لا يصل إليه، فكتب إليه رقعة ودفعها إليه «2» :
إذا كان الجواد له حجاب ... فما فضل الجواد على البخيل!
فكتب معن فيها (3) :
إذا كان الجواد قليل مال ... ولم يعذر تعلّل بالحجاب
فانصرف الرجل يائسا؛ ثم حمل إليه معن عشرة آلاف درهم.
ومن ذلك ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان قال: بلغ على ابن الحسين رضى الله عنهما أن عروة بن الزبير وابن شهاب الزهرى يتناولان عليا ويعبثان به؛ فأرسل إلى عروة؛ فقال: أما أنت فقد كان ينبغى أن يكون فى نكوص أبيك يوم الجمل وفراره ما يحجزك عن ذكر أمير المؤمنين، والله لئن كان علىّ على باطل لقد رجع أبوك عنه، ولئن كان على حقّ لقد فرّ أبوك منه.
وأرسل إلى ابن شهاب، فقال: وأما أنت يا بن شهاب فما أراك تدعنى حتى أعرفك موضع كير «3» أبيك.
ومن وضوح الدلالة وقرع الحجة قول الله سبحانه: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ. قالَ: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
(1/17)

فهذه دلالة واضحة على أن الله تعالى قادر على إعادة الخلق، مستغنية بنفسها عن الزيادة فيها؛ لأن الإعادة ليست بأصعب فى العقول من الابتداء. ثم قال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
؛ فزادها شرحا وقوة، لأنّ من يخرج النار من أجزاء الماء، وهما ضدان، ليس بمنكر عليه أن يعيد ما أفناه.
ثم قال تعالى: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ.
فقوّاها أيضا، وزاد فى شرحها، وبلغ بها غاية الإيضاح والتوكيد؛ لأنّ إعادة الخلق ليست بأصعب فى العقول من خلق السموات والأرض ابتداء.
وحضر أبو الهذيل جنازة فلما دفن الميت قال رجل: يا أبا الهذيل؛ الإيمان برجوع هذا صعب. فقال أبو الهذيل: يعيده الذى أنشأه أول مرة، إنه على رجعه لقادر.
وأما انتهاز الفرصة فمثاله أيضا قول أبى يوسف مع أكثر ما جرى فى هذا الفصل.
ومنه ما أخبرنى به أبو أحمد قال أخبرنى الحلوانى «1» ، قال حدثنى محمد بن زكريا، قال حدثنا محمد بن عبد الله الجشمى، عن المدائنى، قال: دخل عمرو ابن العاص على معاوية وهو يتغدّى فقال له: هلم يا عمرو. فقال: هنيئا يا أمير المؤمنين، أكلت آنفا. فقال: أما علمت يا عمرو أنّ من شراهة المرء ألّا يدع فى بطنه مستزادا لمستزيد! فقال: قد فعلت يا أمير المؤمنين. فقال: ويحك لمن بقّيته؟ ألمن هو أوجب حقّا من أمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكن لمن لا يعذر عذر أمير المؤمنين.
قال: فلا أراك إلّا ضيعت حقا لحقّ لعلك لا تدركه. فقال عمرو: ما لقيت منك يا معاوية! ثم دنا فأكل.
وقال أبو العيناء لابن ثوابة: بلغنى ما خاطبت به أبا الصقر، وما منعه من استقصاء الجواب إلّا أنه لم ير عرضا فيمضغه، ولا مجدا فيهدمه. وبعد فإنه عاف لحمك أن
(1/18)

يأكله، وسهك «1» دمك أن يسفكه، فقال: ما أنت والكلام يا مكدى «2» ؟
فقال: لا ينكر على ابن ثمانين سنة، قد ذهب بصره، وجفاه سلطانه، أن يعوّل على إخوانه؛ فيأخذ من أموالهم، ولكن أشد من هذا أن تتنزل ماء أصلاب الرجال فتستفرغه فى حقيبتك. فقال ابن ثوابة: الساعة آمر أحد غلمانى بك. فقال: أيهما؟
الذى إذا خلوت ركب، أم الذى إذا ركبت خلا؟ فقال ابن ثوابة: ما تسابّ اثنان إلّا غلب ألأمهما. قال أبو العيناء: بها غلبت أبا الصقر.
فانظر إلى انتهاز الفرصة فى قوله: بها غلبت أبا الصقر.
ومنه أن بعض الكتاب لقى أبا العيناء فى السّحر، فجعل يتعجّب من بكوره؛ فقال: أتشار كنى فى الفعل وتنفرد بالتعجّب.
وقالت له قينة: هب لى خاتمك أذكرك به. قال: اذكرينى بالمنع.
وقيل له: لا تعجل فإنّ العجل «3» من عمل الشيطان. فقال: لو كانت من عمل الشيطان لما قال موسى عليه السلام: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى.
وقال عبيد الله بن سليمان: إنّ الأخبار المذكورة فى السخاء وكثرة العطاء من تصنيف الورّاقين وأكاذيبهم. فقال أبو العيناء: ولم لا يكذبون على الوزير أيّده الله! وأما الإشارة فسنذكرها فى موضعها إن شاء الله.
وقال حكيم الهند: أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة، وذلك أن يكون الخطيب رابط الجأش، ساكن الجوارح، متخيّر اللفظ، لا يكلّم سيد الأمّة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السّوقة. ويكون فى قواه التصرف فى كل طبقة، ولا يدقّق المعانى كلّ التدقيق، ولا ينقّح الألفاظ كلّ التنقيح، ويصفّيها كلّ التصفية، ويهذّبها
(1/19)

كلّ التهذيب؛ ولا يفعل ذلك حتى يصادف حكيما، وفيلسوفا عظيما، ومن تعوّد حذف فضول الكلام، وإسقاط مشتركات الألفاظ؛ ونظر فى صناعة المنطق على جهة الصناعة والمبالغة فيها، لا على جهة الاستطراف والتطرّف لها.
قال: واعلم أنّ حق المعنى أن يكون الاسم له طبقا «1» ، وتلك الحال له وفقا، ولا يكون الاسم فاضلا، ولا مقصّرا، ولا مشتركا، ولا مضمّنا؛ ويكون تصفّحه لمصادر كلامه بقدر تصفّحه لموارده؛ ويكون لفظه مونقا، ومعناه نيّرا واضحا.
ومدار الأمر على إفهام كلّ قوم بقدر طاقتهم، والحمل عليهم على قدر منازلهم؛ وأن تواتيه آلته، وتتصرف معه أداته، ويكون فى التهمة لنفسه معتدلا، وفى حسن الظن بها مقتصدا؛ فإنه إن تجاوز الحقّ فى مقدار حسن الظن أودعها تهاون الآمنين، وإن تجاوز بها مقدار الحقّ فى التهمة ظلمها وأودعها ذلّ المظلومين. ولكلّ ذلك مقدار من الشغل، ولكلّ شغل مقدار من الوهن، ولكل وهن مقدار من الجهل.
فقوله «2» : «أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة» وأول آلات البلاغة جودة القريحة وطلاقة اللسان. وذلك من فعل الله تعالى؛ لا يقدر العبد على اكتسابه لنفسه واجتلابه لها.
ومن الناس من إذا خلا بنفسه وأعمل فكره أتى بالبيان العجيب، والكلام البديع المصيب، واستخرج المعنى الرائق، وجاء باللفظ الرائع. وإذا حاور أو ناظر قصّر وتأخّر. فحقّ هذا ألّا يتعرض لارتجال الخطب، ولا يجارى أصحاب البدائه فى ميدان القريض، ويكتفى بنتائج فكره.
والناس فى صناعة الكلام على طبقات: منهم من إذا حاور وناظر أبلغ وأجاد، وإذا كتب وأملى أخلّ وتخلّف. ومنهم من إذا أملى برّز، وإذا حاور أو كتب
(1/20)

قصّر. ومنهم من إذا كتب أحسن، وإذا حاور وأملى أساء. ومنهم من يحسن فى جميع هذه الحالات. ومنهم من يسىء فيها كلّها.
فأحسن حالات المسىء الإمساك، وأحسن حالات المحسن التوسّط؛ فإنّ الإكثار يورث الإملال، وقلّما ينجو صاحبه من الزّلل والعيب والخطل «1» .
وليس ينبغى للمحسن فى أحد هذه الفنون المسىء فى غيرها أن يتجاوز ما هو محسن فيه إلى ما هو مسىء فيه؛ فإن اضطر فى بعض الأحوال إلى تجاوزه فخير سبله فيه قصد الاختصار، وتجنّب الإكثار والإهذار؛ ليقلّ السقط فى كلامه، ولا يكثر العيب فى منطقه.
وقيل لابن المقفّع: لم لا تطيل القصائد؟ قال: لو أطلنها عرف صاحبها.
يريد أن المحدث يتشبّه بالقديم فى القليل من الكلام، فإذا أطال اختلّ، فعرف أنه كلام مولّد. على أن السابق فى ميادين البلاغة إذا أكثر سقط، فكيف المقصّر عن غايتها، والمتخلّف عن أمدها؟
ومن تمام آلات البلاغة التوسّع فى معرفة العربية، ووجوه الاستعمال لها؛ والعلم بفاخر الألفاظ وساقطها، ومتخيّرها، ورديئها؛ ومعرفة المقامات، وما يصلح فى كل واحد منها من الكلام، إلى غير ذلك مما سنذكره فى الباب الثانى عند ذكر صنعة الكلام إن شاء الله.
وقوله «2» : وهو «أن يكون الخطيب رابط الجأش» ساكن النفس جدا؛ لأنّ الحيرة والدّهش «3» يورثان الحبسة والحصر «4» ؛ وهما سبب الإرتاج والإجبال «5» .
(1/21)

وقد بلغك ما أصاب عثمان بن عفّان رضى الله عنه أول ما صعد المنبر فأرتج عليه، فقال: إن اللّذين كانا قبلى كانا يعدّان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل، وستأتيكم الخطبة على وجهها. ثم نزل.
وصعد بعض العرب منبرا بخراسان فأرتج عليه، فقال حين نزل «1» :
لئن لم أكن فيكم خطيبا فإننى ... بسيفى إذا جدّ الوغى لخطيب
ومن حسن الاعتذار عند الإرتاج ما أخبرنا به أبو أحمد، قال: أخبرنا الشطنى:
قال: أخبرنا الغلابى قال: أخبرنا العتبى عن أبيه؛ قال: خطب داود بن على، فحمد الله جلّ وعزّ وأثنى عليه وصلّى على النبى صلى الله عليه وسلم فلما قال: «أما بعد» ، امتنع عليه الكلام، ثم قال: أمّا بعد فقد يجد المعسر، ويعسر الموسر، ويفلّ الحديد، ويقطع الكليل،؛ وإنّما الكلام بعد الإفحام كالإشراق بعد الإظلام. وقد يعزب البيان، ويعتقم الصّواب؛ وإنما اللسان مضغة من الإنسان. يفتر بفتوره إذا نكل، ويثوب بانبساطه إذا ارتجل. ألا وإنا لا ننطق بطرا، ولا نسكت حصرا؛ بل نسكت معتبرين، وننطق مرشدين، ونحن بعد أمراء القول، فينا وشجت «2» أعراقه، وعلينا عطفت أغصانه، ولنا تهدّلت ثمرته. فنتخيّر منه ما احلولى وعذب، ونطّرح منه ما املولح وخبث، ومن بعد مقامنا هذا مقام، وبعد أيامنا أيام، يعرف فيها فضل البيان، وفصل الخطاب، والله أفضل مستعان» .
ثم نزل «3» .
وعلامة سكون نفس الخطيب ورباطة جأشه هدوءه فى كلامه، وتمهّله فى منطقه.
(1/22)

وقال ثمامة: كان جعفر بن يحيى أنطق الناس، قد جمع الهدوء والتمهّل، والجزالة والحلاوة. ولو كان فى الأرض ناطق يستغنى عن الإشارة لكانه.
وقوله «1» : «متخيّر الألفاظ» . فمدار البلاغة على تخيّر اللفظ؛ وتخيّره أصعب من جمعه وتأليفه. وسنشبع الكلام فى هذا إن شاء الله.
وقوله: «يكون فى قواه فضل التصرف فى كل طبقة» ، وهو أن يكون صائغ الكلام قادرا على جميع ضروبه، متكّنا من جميع فنونه، لا يعتاص «2» عليه قسم من جميع أقسامه. فإن كان شاعرا تصرّف فى وجوه الشعر؛ مديحه وهجائه ومراثيه وصفاته ومفاخره، وغير ذلك من أصنافه.
ولاختلاف قوى الناس فى الشعر وفنونه ما قيل: كان امرؤ القيس أشعر الناس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب.
وكذلك الكاتب ربما تقدّم فى ضرب من الكتابة وتأخّر فى غيره، وسهل عليه نوع منها وعسر نوع آخر.
وأخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر الصولى، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال:
حدثنا إبراهيم بن العباس، قال: سمعت أحمد بن يوسف يقول: أمرنى المأمون أن أكتب إلى النواحى فى الاستكثار من القناديل فى المساجد فى شهر رمضان، فبتّ لا أدرى كيف أحتذى، فأتانى آت فى منامى فقال: قل: «فإنّ فى ذلك عمارة للمساجد، وأنسا للسابلة «3» ، وإضاءة للمتهجّدين، ونفيا لمكامن الرّيب، وتنزيها لبيوت الله جلّ وعزّ عن وحشة الظّلم» . فانتبهت وقد انفتح لى ما أريد، فابتدأت بهذا وأتممت عليه.
والمقدّم فى صنعة الكلام هو المستولى عليه من جميع جهاته، المتمكّن من
(1/23)

جميع أنواعه، وبهذا فضّلوا جريرا على الفرزدق. وقالوا: كان له فى الشعر ضروب لا يعرفها الفرزدق. وماتت امرأته النّوار فناح عليها بشعر جرير «1» :
لولا الحياء لها جنى استعبار ... ولزرت قبرك والحبيب يزار
وكان البحترى يفضّل الفرزدق على جرير، ويزعم أنه يتصرّف من المعانى فيما لا يتصرّف فيه جرير، ويورد منه فى شعره فى كلّ قصيدة خلاف ما يورده فى الأخرى. قال: وجرير يكرّر فى هجاء الفرزدق ذكر الزبير، وجعثن، والنوار «2» ، وأنه قين مجاشع. لا يذكر شيئا غير هذا.
وسئل بعضهم عن أبى نواس ومسلم؛ فذكر أن أبا نواس أشعر؛ لتصرّفه فى أشياء من وجوه الشعر وكثرة مذاهبه فيه، قال: ومسلم جار على وتيرة واحدة لا يتغيّر عنها.
وأبلغ من هذه المنزلة أن يكون فى قوة صائغ الكلام أن يأتى مرّة بالجزل، وأخرى بالسهل؛ فيلين إذا شاء، ويشتدّ إذا أراد. ومن هذا الوجه فضّلوا جريرا على الفرزدق، وأبا نواس على مسلم. قال جرير «3» :
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعى بسلام
تجرى السّواك على أغرّ كأنه ... برد تحدّر من متون غمام
فانظر إلى رقّة هذا الكلام. وقال أيضا «4» :
وابن اللّبون إذا مالزّ فى قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس «5»
فانظر إلى صلابة هذا الكلام.
(1/24)

والفرزدق يجرى على طريقة واحدة، والتصرف فى الوجوه أبلغ.
وقال أبو نواس «1» :
قل لذى الوجه الطّرير «2» ... ولذى الرّدف الوثير «3»
ولمغلاق همومى ... ولمفتاح سرورى
يا قليلا فى التّلاقى ... وكثيرا فى الضّمير
فانظر إلى سلاسة هذا الكلام وسهولته، وقال «4» :
ما هوى إلّا له سبب ... يبتدى منه وينشعب «5»
فتنت قلبى محجبّة ... برداء الحسن تنتقب
خلّيت والحسن تأخذه ... تنتقى منه وتنتخب
فانتقت منه طرائفه ... واستزادت فضل ما تهب
صار جدّا «6» ما مزحت به ... ربّ جدّ جرّه اللعب
فهذا أجزل من الأول قليلا. وقال فى صفة الكلب «7» :
أنعت كلبا جال فى رباطه ... جول مصاب فرّ من إسعاطه «8»
[عند طبيب خاف من سياطه] ... هجنا به وهاج من نشاطه
كالكوكب الدّرّى فى انحطاطه «9» ... عند تهاوى الشدّ وانبساطه
يقحّم «10» القائد فى حطاطه «11» ... وقدّه البيداء فى اغتباطه «12»
(1/25)

لمّا رأى العلهب فى أقواطه ... سابحه ومرّ فى التباطه «1»
كالبرق يقرى المرو بالتقاطه ... مثل قلىّ طار فى أنفاطه «2»
وانصاع يتلوه على قطاطه ... أغضف لا ييأس من خلاطه «3»
يصيد بعد البعد وانبساطه ... إن لم يبتّ القلب من نياطه «4»
فلم يزل يأخذ فى لطاطه ... كالصّقر ينقضّ على غطاطه «5»
يقشر جلد الأرض من بلاطه «6» ... بأربع يذهب فى إفراطه
لشدّة الجرى ولاستحطاطه ... ما أن يمسّ الأرض فى أشواطه
قد خدشت رجلاه فى آباطه ... وخرق الأذنين بانتشاطه «7»
خلج ذراعيه إلى ملاطه ... ينقدّ عند الضّيق بانعطاطه «8»
فى هبوات الضّيق أو رياطه ... فأدرك الظّبى ولم يباطه «9»
ولفّ عشرين إلى أشراطه ... فلم نزل نقرن فى رباطه
(1/26)

ويعجل «1» الشّاوون من خماطه ... ويطبخ الطابخ من أسقاطه «2»
حتى علا فى الجوّ من شياطه «3»
فانظر إليه كيف يتصرّف بين الشدّة واللّين، ويضع كلّ واحد منهما فى موضعه، ويستعمله فى حينه.
وقوله: «ولا يكلم سيد الأمّة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السّوقة» . لأنّ ذلك جهل بالمقامات، وما يصلح فى كلّ واحد منهما من الكلام. وأحسن الذى قال: لكلّ مقام مقال. وربما غلب سوء الرأى، وقلة العقل على بعض علماء العربية؛ فيخاطبون السّوقىّ والمملوك والأعجمىّ بألفاظ أهل نجد، ومعانى أهل السراة؛ كأبى علقمة إذ قال لحجّامه: اشدد قصب الملازم «4» ، وأرهف ظباة المشارط، وأمرّ المسح، واستنجل الرشح «5» ، وخفّف الوطء، وعجّل النّزع، ولا تكرهنّ أبيّا، ولا تمنعنّ أتيّا. فقال له الحجّام: ليس لى علم بالحروب.
ورأى الناس قد اجتمعوا عليه، فقال: ما لكم تكأ كأتم علىّ كأنكم قد تكأ كأتم على ذى جنّة، افرنقعوا «6» عنى.
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن على بن محمد الأسدى، عن محمد بن أبى المغازل الضبى، عن أبيه، قال: كان لنا جار بالكوفة لا يتكلّم إلا بالغريب، فخرج إلى ضيعة له على حجر «7» معها مهر، فأفلتت، فذهبت ومعها مهرها، فخرج يسأل
(1/27)

عنها، فمر بخيّاط، فقال: يا ذا النّصّاح «1» ، وذات السّمّ «2» ؛ الطاعن بها فى غير وغى، لغير عدى؛ هل رأيت الخيفانة القبّاء «3» ، يتبعها الحاسن المسرهفّ «4» .
كأنّ غرّته القمر الأزهر، ينير فى حضره كالخلّب الأجرد. فقال الخيّاط:
اطلبها فى تزلخ «5» . فقال: ويلك. وما تقول قبّحك الله؟ فما أعلم رطانتك. فقال:
لعن الله أبغضنا لفظا، وأخطأنا منطقا.
ومثله ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبى بكر الصولى قال: حدثنا أحمد بن إسماعيل، قال حدثنى سعيد بن حميد، قال: نظر رجل إلى أبى علقمة، وتحته بغل مصرى حسن المنظر؛ فقال: إن كان مخبر هذا البغل كمنظره فقد كمل. فقال أبو علقمة: والله لقد خرجت عليه من مصر، فتنكّبت الطريق، مخافة السّراق، وجور السلطان؛ فبينما أنا أسير فى ليلة ظلماء قتماء طخياء «6» مدلهمّة حندس «7» داجية، فى صحصح «8» أملس، إذ أحسّ بنبأة «9» من صوت نغر «10» ، أو طيران ضوع «11» ، أو نغض سبد «12» ؛ فحاص عن الطريق متنكّبا لعزّة نفسه، وفضل قوّته، فبعثته باللّجام فعسل «13» ، وحرّكته بالركاب فنسل «14» . وانتعل الطريق يغتاله معترما، والتحف الليل لا يهابه مظلما. فو الله ما شبهته إلا بظبية نافرة، تحفزها «15» فتخاء شاغية «16» . قال الرجل: ادع الله وسله أن يحشر هذا البغل
(1/28)

معك يوم القيامة، قال: ولم؟ قال: ليجيزك الصّراط بطفرة «1» .
وقال أبو علقمة لطبيب: أجد رسيسا فى أسناخى «2» ، وأرى وجعا فيما بين الوابلة إلى الأطرة «3» من دايات العنق. فقال الطبيب: هى هى هذا وجع القرشى، قال: وما يبعدنا منهم يا عدىّ نفسه؟ نحن من أرومة واحدة، ونجل واحد. قال الطبيب: كذبت، وكلما خرج هذا الكلام من جوفك كان أهون لك، قال:
بل لك الهوان والخسار والحقارة والسباب، اخرج عنى قبّحك الله.
وقال لجارية كان يهواها: يا خريدة، قد كنت إخالك عروبا، فإذا أنت نوار «4» ، مالى أمقك وتشنئينى! قالت: يا رقيع، ما رأيت أحدا يحبّ أحدا فيشتمه! وإذا كان موضوع الكلام على الإفهام فالواجب أن تقسّم طبقات الكلام على طبقات الناس، فيخاطب السّوقى بكلام السّوقة، والبدوىّ بكلام البدو، ولا يتجاوز به عما يعرفه إلى ما لا يعرفه؛ فتذهب فائدة الكلام، وتعدم منفعة الخطاب.
وقوله: «ولا يدقق المعانى كلّ التدقيق» . لأنّ الغاية فى تدقيق المعانى سبيل إلى تعميته، وتعمية المعنى لكنة؛ إلا إذا أريد به الإلغاز وكان فى تعميته فائدة، مثل أبيات المعانى، وما يجرى معها من اللّحون التى استعملوها وكنّوا بها عن المراد لبعض الغرض.
فأمّا من أراد الإبانة فى مديح، أو غزل، أو صفة شىء فأتى بإغلاق دلّ ذلك على عجزه عن الإبانة، وقصوره عن الإفصاح، كأبى تمام حيث يقول «5» :
خان الصفاء أخ خان الزمان أخا ... عنه فلم يتخوّن جسمه الكمد «6»
(1/29)

وقوله «1» :
يوم أفاض جوى أغاض تعزّيا ... خاض الهوى بحرى حجاه المزيد
وقوله «2» :
وإنّ نجريّة بانت جأرت لها ... إلى يدى جلدى فاستوهك الجلد «3»
وقوله «4» :
جهميّة «5» الأوصاف إلّا أنّهم ... قد لقّبوها جوهر الأشياء
وقوله: «ولا تنقّح الألفاظ كل التنقيح» . وتنقيح اللفظ أن يبنى منه بناء لا يكثر فى الاستعمال. كما قال بعضهم لبعض الوزراء: أحسن الله إبانتك. فقال له الوزير: عجّل الله إماتتك.
ويدخل فى تنقيح اللفظ استعمال وحشيّه وترك سلسله وسهله. وقد أخذ الرواة على زهير «6» قوله:
نقىّ تقىّ لم يكثر غنيمة ... بنهكة ذى القربى ولا بحقلّد
فاستبشعوا الحقلّد وهو السيىء الخلق. وقالوا: ليس فى لفظ زهير أنكر منه.
وقال يحيى بن يعمر لرجل حاكمته امرأته إليه: أئن سألتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلّها وتضهلها.
الشكر: الرضاع. والشّبر: النّكاح. وتطلّها: تسعى فى بطلان حقها.
وتضهلها: تعطيها الشىء القليل.
(1/30)

قال أبو عثمان: رأيتهم يديرون فى كتبهم هذا الكلام، فإن كانوا إنما رووه ودوّنوه لأنه يدلّ على فصاحة وبلاغة فقد باعده الله من صفة الفصاحة والبلاغة؛ وإن كانوا فعلوا ذلك لأنه غريب فأبيات من شعر العجاج، وشعر الطرماح، وأشعار هذيل، يأتى لهم مع الرصف الحسن على أكثر من ذلك. ولو خاطب أحد الأصمعىّ بمثل هذا الكلام لظننت أنه سيجهل بعضه. وهذا خارج عن عادة البلغاء.
وقوله: «ويصفّيها كلّ التصفية، ويهذّبها كل التهذيب» . فتصفيته تعريته من الوحشىّ، ونفى الشواغل عنه. وتهذيبه تبرئته من الردىّ المرذول، والسوقىّ المردود.
فمن الكلام المهذّب الصافى قول بعض الكتاب: مثلك أوجب حقا لا يجب عليه، وسمح بحقّ وجب له، وقبل واضح العذر، واستكثر قليل الشكر، لا زالت أياديك فوق شكر أوليائك، ونعمة الله عليك فوق آمالهم فيك.
ومثله قول آخر: ما أنتهى إلى غاية من شكرك إلّا وجدت وراءها حادثا من برّك؛ فلا زالت أياديك ممدودة بين آمل فيك تبلّغه، وأمل فيك تحقّقه، حتى تتملّى «1» من الأعمار أطولها، وتنال من الدرجات أفضلها.
وقول أحمد بن يوسف: يومنا يوم ليّن الحواشى وطىء النّواحى، وهذه سماء قد تهلّلت بودقها «2» ، وضحكت بعابس غيمها ولا مع برقها، وأنت قطب السرور، ونظام الأمور؛ فلا تغب عنا فنقلّ، ولا تفردنا فنستوحش؛ فإن الحبيب بحبيبه كثير، وبمساعديه جدير.
وقوله: ولا يفعل ذلك حتى يلقى حكيما، وفيلسوفا عليما، ومن تعوّد حذف فضول الكلام، ومشتركات الألفاظ، ونظر فى المنطق على جهة الصناعة فيها،
(1/31)

لا على جهة الاستطراف والتظرّف لها.
يقول: ينبغى أن يتكلّم بفاخر الكلام، ونادره ورصينه ومحكمه عند من يفهمه عنه، ويقبله منه، ممن عرف المعانى والألفاظ علما شافيا؛ لنظره واللغة والإعراب والمعانى على جهة الصناعة، لا كمن استطرف شيئا منها؛ فنظر، به نظرا غير كامل، أو أخذ من أطرافه، وتناول من أطراره «1» ، فتحلّى باسه، وخلا من وسمه. فإذا سمع لم يفقه، وإذا سئل لم ينقه. وإذا تكلّم عند من هذه صفته ذهبت فائدة كلامه، وضاعت منفعة منطقه؛ لأنّ العامىّ إذا كلمته بكلام العلية سخر منك، وزرى عليك؛ كما روى عن بعضهم أنه قال لبعض العامّة: بم كنتم تنتقلون البارحة؟ يعنى على النبيذ. فقال: بالحمّالين. ولو قال له: أى شىء كان نقلكم «2» لسلم من سخريته. فينبغى أن يخاطب كلّ فريق بما يعرفون، ويتجنّب ما يجهلون.
وأما قوله: «من تعوّد حذف فضول الكلام» . فحذف فضول الكلام هو أن يسقط من الكلام ما يكون الكلام مع إسقاطه تامّا غير منقوص، ولا يكون فى زيادته فائدة.
وذلك مثل ما روى عن معاوية أنه قال لصحار العبدى: ما البلاغة؟ فقال: أن تقول فلا تخطى، وتسرع فلا تبطىء. ثم قال: أقلنى؛ هو ألّا تخطىء ولا تبطىء. فألقى اللفظتين؛ لأنّ فى الذى أبقى غنى عنهما، وعوضا منهما.
فأما إذا كان فى زيادة الألفاظ وتكثيرها، وترديدها وتكريرها، زيادة فائدة فذلك محمود، وهو من باب التذييل. ونشرحه فى موضعه إن شاء الله.
وقوله: ومشتركات الألفاظ؛ وقول جعفر بن يحيى: وتخرجه من الشركة؛ فهو أن يريد الإبانة عن معنى فيأتى بألفاظ لا تدلّ عليه خاصة؛ بل تشترك معه فيها معان أخر، فلا يعرف السامع أيها أراد. وربما استبهم الكلام فى نوع من هذا الجنس
(1/32)

حتى لا يوقف على معناه إلا بالتوهّم. فمن الجنس الأول قول جرير «1» :
لو كنت أعلم أن آخر عهدكم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
فوجه الاشتراك فى هذا أنّ السامع لا يدرى إلى أىّ شىء أشار من أفعاله فى قوله: «فعلت ما لم أفعل» . أراد أن يبكى إذا رحلوا، أو يهيم على وجهه من الغمّ الذى لحقه، أو يتبعهم إذا ساروا، أو يمنعهم من المضىّ على عزمة الرحيل، أو يأخذ منهم شيئا يتذكّرهم به، أو يدفع إليهم شيئا يتذكرونه به، أو غير ذلك، مما يجوز أن يفعله العاشق عند فراق أحبته، فلم يبن عن غرضه؛ وأحوج السامع إلى أن يسأله عما أراد فعله عند رحيلهم.
وليس هذا كقولهم: لو رأيت عليا بين الصفين؛ لأن دليل البسالة والنكاية فى هذا الكلام بيّن؛ وأمارة النقصان فى بيت جرير واضحة؛ فمن يسمعه وإن لم يكن من أهل البلاغة يستبرده ويستغثّه، ويسترجع الآخر ويستجيده.
ومثله قول سعد بن مالك الأزدى:
فإنك لو لاقيت سعد بن مالك ... للاقيت منه بعض ما كان يفعل
فلم يبن عما أراد بقوله يلقى. أخيرا أراد أم شرّا؟ إلا أن يسمع ما قبله أو ما بعده؛ فيتبيّن معناه، وأمّا فى نفس البيت فلا يتبيّن مغزاه.
ومثله قول أبى تمّام «2» :
وقمنا فقلنا بعد أن أفرد الثرى ... به ما يقال فى السحابة تقلع
فقول الناس فى السحاب إذا أقلع على وجوه كثيرة؛ فمنهم من يمدحه، ومنهم من يذمّه، ومنهم من كان يحبّ إقلاعه، ومنهم من يكره إقشاعه «3» ، على حسب ما كانت حالاتها عندهم، ومواقعها منهم؛ فلم يبن بقوله ما يقال فى السحابة تقلع معنى يعتمده السامع. وأبين منه قول مسلم:
فاذهب كما ذهبت غوادى مزنة ... أثنى عليها السّهل والأوعار
(1/33)

على أنّ المحتج له لو قال: إن أكثر العادة فى السحاب أن يحمد أثره، ويثنى عليه بعده لما كان مبعدا. ولم أزد عيب أبى تمام بما قلت، وإنما أردت الإخبار عن وجوه الاشتراك، وذكر ما يتشعّب منه، وما يقرب من بابه، وينظر إليه من قريب أو بعيد.
ومثل قول أبى تمام قول ابن قيس الرقيات:
إن تعش لا نزل بخير وإن ته ... لك نزل مثل ما يزول العماء
والعماء: السّحاب. بل هذا أجود من بيت أبى تمام وأبين.
ومن اللفظ المشترك قول أبى نواس:
وخبن ما يخبن من آخر ... منه وللطّابن أمهار «1»
الأمهار هاهها جمع مهر، من قولهم: مهر يمهر مهرا. والمصادر لا تجمع، ولا يشكّ سامع هذا الكلام أنه يريد جمع مهر فيشكل المعنى عليه.
وخطب بعض المتكلّمين، فقال فى صفة الله تعالى: لا يقاس بالقياس، ولا يدرك بالالماس. أراد جمع لمس؛ فأصاب السجع وأخطأ المعنى.
وأمّا ما يستبهم فلا يعرف معناه إلا بالتوهّم فهو مثل قول أبى تمام «2» :
جهميّة الأوصاف إلّا أنهم ... قد لقّبوها جوهر الأشياء
فوجه الاشتراك فى هذا: أن لجهم مذاهب كثيرة، وآراء مختلفة متشعّبة، لم يدلّ فحوى كلام أبى تمام على شىء منها يصلح أن يشبّه به الخمر وينسب إليه، إلا أن يتوهّم المتوهم فيقول: إنما أراد كذا وكذا، من مذاهب جهم، من غير أن يدلّ الكلام منه على شىء بعينه.
ولا يعرف معنى قوله: «قد لقّبوها جوهر الأشياء» إلا بالتوهّم أيضا.
ومن الكلام الخالى من الاشتراك قول بعضهم لأخ له أراد فراقه: لما تصفّحت أخلاقك فوجدتها مباينة لمشاكلتى، زائغة عن قصد طريقتى- صبرت عليها؛ رياضة لنفسى على الصبر لمساوى أخلاق المعاشرين، ولعلمى بكامن العدوان فى جميع العالمين، والذى رجوت من مذمّة خصالك بما أقابلها به من التجاوز، وأسحب على سوء آثارها
(1/34)

أذيال التّغاضى، وأنت مع ذلك دائب لا تقوّم اعوجاج مذاهبك، ولا يعطف بك الرأى إلى رشدك؛ فلمّا فنيت جيلتى فيك، وانقطعت أسباب أملى منك، ورأيت الداء لا يزيد على التعهّد بالدواء إلّا فسادا، والخرق على التّرقيع إلا اتّساعا قدّمت اليأس منك على الرجاء فيك، واحتسبت أيّامى السالفة فى استصلاحى لك.
وقوله: وحقّ المعنى أن يكون له الاسم طبقا؛ أى يكون الاسم طبقا للفّظ بقدر المعنى غير زائد عليه، ولا ناقص عنه. وكأن ذلك من قول امرىء القيس «1» :
طبق الأرض تحرّى وتدرّ
أى هى على الأرض كالطّبق على الإناء لا ينقص منه شىء. وسنأتى بالكلام على هذا فى فصل الإيجاز إن شاء الله.
وقوله: ولا يكون الاسم فاضلا ولا مقصّرا. فهذا داخل فى الأوّل من قوله:
وحق المعنى أن يكون الاسم له طبقا.
ومثال الفاضل من اللفظ عن المعنى قول عروة بن أذينة «2» :
واسق العدوّ بكأسه واعلم له ... بالغيب أن قد كان قبل سقاكها
واجز الكرامة من ترى أن لوله ... يوما بذلت كرامة لجزاكها
ومعنى هذا الكلام محصور تحت ثلاث كلمات: أجز كلّا بفعله. وكان السكوت لعروة خيرا منه.
ومن الكلام الفاضل لفظه عن معناه قول أبى العيال الهذلى»
:
ذكرت أخى فعاودنى ... صداع الرأس والوصب
فذكر الرأس مع الصداع فضل.
وقول أوس بن حجر «4» :
وهم لمقلّ المال أولاد علّة ... وإن كان محضا فى العمومة مخولا
فقوله: «المال» مع «المقلّ» فضلة.
(1/35)

والمقصّر من الكلام: مالا ينبيك بمعناه عند سماعك إيّاه ويحوجك إلى شرح؛ كبيت الحارث بن حلّزة «1» :
والعيش خير فى ظلا ... ل النّوك ممّن رام كدّا
وسنذكر وجه العيب فيه بعد هذا.
وقوله: ولا مضمّنا: التضمين أن يكون الفصل الأوّل مفتقرا إلى الفصل الثانى، والبيت الأول محتاجا إلى الأخير كقول الشاعر:
كأنّ القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامريّة أو يراح
قطاة غرّها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح
فلم يتمّ المعنى فى البيت الأول حتى أتمّه فى البيت الثانى، وهو قبيح.
ومثاله من نثر الكتاب قول بعضهم: وجعل سيدنا آخذا من كل ما دعى ويدعى به فى الأعياد، بأجزل الأقسام وأوفر الأعداد.
وقد تسمى استعارتك الأنصاف والأبيات من شعر غيرك، وإدخالك إيّاه فى أثناء أبيات قصيدتك تضمينا؛ وهذا حسن وهو كقول الشاعر:
إذا دلّه عزم على الحزم لم يقل ... «غدا غدها إن لم تعقها العوائق»
ولكنّه ماض على عزم يومه ... فيفعل ما يرضاه خلق وخالق
فقوله: «غدا غدها إن لم تعقها العوائق» من شعر غيره وهو هاهنا مضمّن.
وكقول الآخر:
عوّذ لمّا بتّ ضيفا له ... أقراصه بخلا بياسين
فبتّ والأرض فراشى وقد ... غنّت «قفانبك» «2» مصارينى
وقول الآخر:
ولقد سما للخرّمىّ ولم يقل ... بعد الوغا «لكن تضايق مقدمى» «3»
(1/36)

وقول ابن الرّومى فى مغنّ:
مجلسه مأتم اللذاذة وال ... قصف وعرس الهموم والسقم
ينشدنا اللهو عند طلعته ... «من أوحشته الديار لم يقم»
وكقول جحظة:
أصبحت بين معاشر هجروا الندى ... وتقبّلوا الأخلاق عن أسلافهم
قوم أحاول نيلهم فكأنّما ... حاولت نتف الشّعر من آنافهم
هات اسقينها بالكبير وغنّنى ... «ذهب الذين يعاش فى أكنافهم»
وباقى كلامه يتضمّن صفة المتكلم لا صفة الكلام. إلا قوله: ويكون تصفّحه لموارده بقدر تصفّحه لمصادره. وسنأتى على الكلام فى هذا ونستقصيه فى فصل المقاطع والمبادى.
وقال بعض الحكماء: البلاغة قول يسير، يشتمل على معنى خطير. وهذا مثل قول الآخر: البلاغة حكمة تحت قول وجيز. وقول الآخر: البلاغة علم كثير فى قول يسير.
ومثاله قول الأعرابى، وقد سئل عن مال يسوقه، لمن هو؟ فقال: لله فى يدى. فأىّ شىء لم يدخل تحت هذا الكلام القليل من الفوائد الخطيرة، والحكم البارعة الجسيمة.
وقال الله عزّ وجل اسمه: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
. قد دخل تحت قوله: فهو حسبه من المعانى ما يطول شرحه من إيتاء ما يرجى، وكفاية ما يخشى.
وهذا مثل قوله عزّ وجلّ: وفيها ما تشتهى الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ.
وسئل بعض الأوائل: ما كان سبب موت أخيك؟ قال: كونه. فأحسن ما شاء.
(1/37)

وقد تنازع الناس فى هذا المعنى. أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا أبو بكر بن دريد عن الرياشى، قال: قيل لأعرابى: كيف حالك؟ فقال: ما حال من يفنى ببقائه، ويسقم بسلامته، ويؤتى من مأمنه.
وأخبرنا أبو أحمد قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا الغلابى، قال: حدثنا ابن عائشة، قال: قلت لأبى: حدّثنى حماد بن سلمة، عن حميد بن ثابت، عن أنس والحسن، أنّ النبى صلى الله عليه وسلم قال: كفى بالسّلامة داء. قال: يا بنى، ولا أراه إلا مسندا؛ فقد قال حميد بن ثور «1» :
أرى بصرى قد رابنى بعد صحّة ... وحسبك داء أن تصحّ وتسلما
وقال آخر:
كانت قناتى لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء
ودعوت ربّى بالسلامة جاهدا ... ليصحنى فإذا السلامة داء
وأوّل من نطق بهذا المعنى النّمر بن تولب فى الجاهلية «2» :
يودّ الفتى طول السلامة والغنى ... وكيف يرى طول السلامة تفعل
يردّ الفتى بعد اعتدال وصحة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل
وقال آخر «3» :
ما حال من آفته بقاؤه ... نغّص عيشى كلّه فناؤه
وقال ابن الرومى «4» :
لعمرك ما الدنيا بدار إقامة ... إذا زال عن نفس البصير غطاؤها
وكيف بقاء العيش فيها وإنما ... ينال بأسباب الفناء بقاؤها
ونقله إلى موضع آخر فقال «5» :
(1/38)

فإنّ الداء أكثر ما تراه ... من الأشياء تحلو فى الحلوق
وقريب من ذلك قول محمد بن على رضى الله عنهما: مالك من عيشك إلّا لذة تزدلف بك إلى حمامك، وتقرّبك من يومك، فأية أكلة ليس معها غصص، وشربة ليس معها شرق؛ فتأمّل أمرك؛ فكأنك قد صرت الحبيب المفقود، أو الخيال المخترم. وقال أبو العتاهية:
أسرع فى نقص امرىء تمامه
ومن الأمثال: كلّ من أقام شخص، وكلّ من زاد نقص، ولو كان يميت الناس الداء لأحياهم الدواء. وقال آخر:
إذا تمّ أمر دنا نقصه ... توقّع زوالا إذا قيل تم
وقلت:
ما خير عيش صفوه يكدّره ... لا بدّ أن يشكوه من يشكره
والمرء ينسى والمنايا تذكره ... يميته بقاؤه فيقبره
وكسره منه الذى لا يجبره ... يطويه من مداه ما لا ينشره
فى كلّ مجرى نفس يكرّره ... يهدم من عمرك مالا تعمره
وقلت:
قد قرب الأمر بعد بعده ... وأسعف الإلف بعد صدّه
وبعد بؤس وضيق عيش ... صرت إلى خفضه ورغده
لكنّه ملبس معار ... لا بدّ من نزعه وردّه
وهل يسرّ الفتى بحظّ ... وجوده علّة لفقده
وقال الرومى: البلاغة حسن الاقتضاب عند البداهة، والغزارة عند الإطالة.
الاقتضاب: أخذ القليل من الكثير؛ وأصله من قولهم: اقتضبت الغصن
(1/39)

إذا قطعته من شجرته. وفيه معنى السرعة أيضا؛ فيقول: البلاغة إجادة فى إسراع، واقتصار على كفاية.
فمن البديهة الحسنة ما أخبرنا به أبو أحمد قال أخبرنا إبراهيم بن محمد الشطنى قال: حدثنى أحمد بن يحيى ثعلب قال: دخل المأمون ديوان الخراج فمرّ بغلام جميل على أذنه قلم فأعجبه ما رأى من حسنه؛ فقال: من أنت يا غلام؟ فقال:
يا أمير المؤمنين، الناشىء فى دولتك، وخرّيج أدبك، والمتقلّب فى نعمتك، الحسن بن رجاء. فقال المأمون: بالإحسان فى البديهة تفاضلت العقول. ثم أمر أن يرفع عن مرتبة الديوان ويعطى مائة ألف درهم.
ومن الاقتضاب الجيد: ما أخبرنا به أبو أحمد قال: أخبرنى أبو أحمد الواذارى عن شيخ له قال: قال أبو حاتم: سمعت أبا عبيدة يقول: استفتحت غلامين فى الصبا. فزكنت «1» منهما بلوغ الغاية، فجاءا كما زكنت: بلغنى أن النظام يتعاطى علم الكلام فمرّ وهو غلام على حمار يطير به، فقلت له: يا غلام؛ ما عيب الزّجاج؟ فالتفت إلىّ وقال: يسرع إليه الكسر، ولا يقبل الجبر. وبلغنى أنّ أبا نواس يتعاطى قرض الشّعر، فتلقّانى وهو سكران ملتخ «2» ، وما طرّ شاربه بعد؛ فقلت له: كيف فلان عندك؟ فقال: ثقيل الظل، جامد النّسيم. فقلت:
زد. فقال: مظلم الهواء، منتن الفناء. فقلت: زد. فقال: غليظ الطّبع، بغيض الشّكل. فقلت: زد. فقال: وخم الطلعة، عسر القلعة. قلت: زد.
قال: نابى الجنبات، بارد الحركات. ثم قال: زدنى سؤالا أزدك جوابا. فقلت:
كفى من القلادة ما أحاط بالعنق.
ومن جيد البدائه ما أخبرنا به أبو أحمد قال: أخبرنى أبى عسل بن ذكوان قال:
(1/40)

قال المأمون ليحيى بن أكثم: صف لى حالى عند الناس. فقال: يا أمير المؤمنين! قد انقادت لك الأمور بأزمّتها، وملّكتك الأمة فضول أعنّتها؛ بالرغبة إليك والمحبة لك، والرّفق منك، والعياذ بك، بعد لك فيهم، ومنّك عليهم، حتى لقد أنسيتهم سلفك، وآيستهم خلفك. فالحمد لله الذى جمعنا بك بعد التقاطع، ورفعنا فى دولتك بعد التواضع.
فقال: يا يحيى، أتحبيرا، أم ارتجالا؟ قال: قلت: وهل يمتنع فيك وصف، أو يتعذّر على مادحك قول، أو يفحم فيك شاعر، أو يتلجلج فيك خطيب؟
وقدم على المهدىّ رجل من أهل خراسان، فقال: أطال الله بقاء أمير المؤمنين؛ إنّا قوم نأينا عن العرب، وشغلتنا الحروب عن الخطب، وأمير المؤمنين يعلم طاعتنا، وما فيه مصلحتنا؛ فيكتفى منا باليسير عن الكثير، ويقتصر على ما فى الضمير دون التفسير. فقال المهدى: أنت أخطب من سمعته.
وأخبرنا أبو القاسم عبد الوهاب بن محمد الكاغذى، قال: أخبرنا أبو بكر العقدى، قال: أخبرنا أبو جعفر الخراز، قال: أخبرنا المدائنى: أن أعرابيا دخل على المنصور فتكلّم؛ فأعجب بكلامه، فقال له: سل حاجتك، فقال: يبقيك الله، ويزيد فى سلطانك. فقال: سل حاجتك، فليس فى كلّ وقت تؤمر بذاك. قال: ولم يا أمير المؤمنين؟ فو الله ما أستقصر عمرك، ولا أخاف بخلك، ولا أغتنم مالك؛ وإنّ سؤالك لشرف، وإن عطاءك لزين، وما بامرىء بذل وجهه إليك نقص ولا شين.
أخذ المعنى الأخير من أمية بن الصلت فى عبد الله بن جدعان «1» :
عطاؤك زين لامرىء إن حبوته ... بسيب وما كلّ العطاء يزين
وليس بشين لامرىء بذل وجهه ... إليك، كما بعض السؤال يشين
(1/41)

وقال جعفر بن يحيى: البلاغة أن يكون الاسم يحيط بمعناك؛ ويجلّى عن مغزاك، وتخرجه من الشركة، ولا تستعين عليه بطول الفكرة، ويكون سليما من التكلّف، بعيدا من سوء الصّنعة؛ بريّا من التعقيد، غنيّا عن التأمّل.
قوله: أن يكون الاسم يحيط بمعناك. فالاسم هاهنا: اللّفظ؛ أى يحصر اللفظ جميع المعنى ويشتمل عليه. فلا يشذّ منه شىء يحتاج أن يعرف بشرح، أو تفسير؛ فإذا سمعت اللفظ عرفت أقصى المعنى، هذا مثل قول الآخر: البليغ من طبّق المفصل فأغناك عن المفسر «1» .
ولا يكون الكلام بليغا مع ذلك حتى يعرى من العيب، ويتضمّن الجزالة والسهولة وجودة الصنعة، كما ذكرنا قبل.
ومثال ذلك ما كتب بعضهم إلى أخ له: أما بعد فإنّ المرء ليسرّه درك ما لم يكن ليفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه؛ فليكن سرورك فيما قدمت من خير، وأسفك على ما فاتك من برّ.
وقول أعرابى لابنه: يا بنىّ؛ إن الدنيا تسعى على من يسعى لها، فالهرب قبل العطب. فقد أذنتك ببين، وانطوت لك على حين. قال الشاعر:
حلال لليلى أن تروع فؤاده ... يهجر ومغفور لليلى ذنوبها
تطلّع من نفسى لليلى نوازع ... عوارف أنّ اليأس منك نصيبها
وزالت زوال الشمس عن مستقرّها ... فمن مخبرى فى أىّ أرض غروبها
وقال آخر:
وماذا عسى الواشون أن يتحدّثوا ... سوى أن يقولوا إنّنى لك عاشق
أجل صدق الواشون أنت حبيبة ... إلىّ وإن لم تصف منك الخلائق
وقوله: ويجلّى عن مغزاك. أى يوضّح مقصدك، ويبيّن للسامع مرادك؛ ينهى عن التعمية والإغلاق.
(1/42)

وقوله: ويخرجه من الشّركة. فقد مضى تفسيره.
وقوله: ولا يستعين عليه بطول الفكرة. هذا لأنّ الكلام إذا انقطعت أجزاؤه، ولم تتّصل فصوله ذهب رونقه، وغاض ماؤه، وإنما يروق الكلام إذا جرى جريان السيل، وانصبّ انصباب القطر.
وقال ثمامة: ما رأيت أحدا إذا تكلّم لا يتحبّس، ولا يتوقّف، ولا يتلفّف، ولا يتلجلج، ولا يتنحنح، ولا يترقّب لفظا استدعاه من بعد، ولا يتلمّس التخلّص إلى معنى قد اعتاص عليه بعد طلبه، إلا جعفر بن يحيى.
فمن الكلام الجارى مجرى السيل قول بعض العرب لبعض ملوك بنى أميّة: أقطعت فلانا أرضا، وسط محلّتنا، وسواء خطّتنا، ومركز رماحنا، ومبرك لقاحنا، ومخرج نسائنا، ومنقلب إمائنا، ومسرح شائنا، ومندى بهمنا «1» ، ومحلّ ضيفنا، ومشرق شتائنا، ومصبحنا فى صيفنا. فقال: تكفون.
وعوّضه عنها وردّها عليهم.
وأخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنى أبى عن عسل بن ذكوان أن الحسن بن على رضى الله عنهما خطب فقال: اعلموا أنّ الحكمة زين، والوقار مروءة، والصلة نعمة، والإكثار صلف، والعجلة سفه، والسّفه ضعف، والغلق ورطة، ومجالسة أهل الدّناءة شين، ومخالطة أهل الفسوق ريبة.
فهذه هى البلاغة التامة، والبيان الكامل.
وكما قال بعضهم: البلاغة صواب، فى سرعة جواب؛ والعىّ إكثار فى إهذار، وإبطاء يردفه أخطاء.
وقال بعضهم: لست ممن يتوهّم بجهله، ويظن بقلة عقله، أن الديانة، والأمانة، والنزاهة، والصيانة، إنما هى فى تشمير ثوبه، وإحفاء شاربه، وكشفه
(1/43)

عن ساقه، وزهوه بأطماره، وإنعال خفّه، وترقيع ثوبه، وإظهار سجّادته؛ وتعليق سبحته، وخفض صوته، وخشوع جسمه دون قلبه، واختلاس مشيته، وخفّة وطئه بين قومه. ولا يرتشى فى حكمه، ويأخذ على علمه، ويطلب الدنيا بدينه، ولا يرفع طرفه من عظمته وكبريائه، ولا يكلّم الناس من تصنعه وريائه.
فهذا الكلام وأمثاله فى طول النّفس يدل على اقتدار المتكلم، وفضل قوّته فى التصرّف.
وقوله: ويكون سليما من التكلّف. فالتكلّف طلب الشىء بصعوبة للجهل بطرائق طلبه بالسهولة. فالكلام إذا جمع وطلب بتعب وجهد، وتنولت ألفاظه من بعد فهو متكلّف. مثاله قول بعضهم فى دعائه: اللهم ربّنا وإلهنا، صلّ على محمد نبيّنا؛ ومن أراد بنا سوءا فأحط ذلك السوء به، وأرسخه فيه كرسوخ السّجّيل على أصحاب الفيل، وانصرنا على كلّ باغ وحسود، كما انتصرت لناقة ثمود.
وقوله: برّيا من سوء الصّنعة. فسوء الصنعة يتصرّف على وجوه: منها سوء التقسيم وفساد التفسير، وقبح الاستعارة والتطبيق، وفساد النّسج والسّبك.
وسنذكر المحمود من هذه الأبواب، والمذموم منها فيما بعد إن شاء الله.
وروى أنه قال: بريّا من الصنعة. فالصّنعة النقصان عن غاية الجودة، والقصور عن حدّ الإحسان. وهو مثل قول العائب فى هذا الأمر- بعد عمل- معناه أنه لم يحكم.
ولمّا دخل النابغة يثرب «1» وغنى بقوله «2» :
أمن آل ميّة رائح أو مغتدى
ومن هذه القصيدة «3» :
(1/44)

عنم «1» يكاد من اللّطافة يعقد
وعرف أنه عيب «2» خرج وهو يقول: دخلت يثرب فوجدت فى شعرى صنعة، فخرجت منها وأنا أشعر العرب؛ أى وجدت نقصانا عن غاية التمام.
وأخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر الصولى، قال: كان ابن الأعرابى يأمر بكتب جميع ما يجرى فى مجلسه، قال: فأنشده رجل يوما أرجوزة أبى تمام فى وصف السحاب على أنها لبعض العرب:
سارية لم تكتحل بغمض ... كدراء ذات هطلان محض
موقرة من خلّة وحمض ... تمضى وتبقى نعما لا تمضى
قضت بها السماء حقّ الأرض «3»
فقال ابن الأعرابى: اكتبوها، فلمّا كتبوها قيل له: إنها لحبيب بن أوس؛ فقال: خرّق خرّق «4» ، لا جرم إن أثر الصّنعة فيها بيّن.
وقال الفرزدق القصائد تصنّعا؛ أى معابا ومنقصة عن حدّ الإحسان.
وقوله: بعيدا عن التعقيد. والتعقيد، والإغلاق، والتقعير سواء. وهو استعمال الوحشىّ، وشدة تعليق الكلام بعضه ببعض؛ حتى يستبهم المعنى. وقد ذكرنا أمثلة ذلك فيما تقدّم، ونذكر هاهنا منها شيئا:
فمثال الوحشىّ قول بعض الأمراء وقد اعتلّت أمّه فكتب رقاعا وطرحها فى المسجد الجامع بمدينة السلام: صين امرؤ ورعى، دعا لامرأة إنقحلة «5» مقسئنّة، قد منيت بأكل الطّرموق؛ فأصابها من أجله الاستمصال، أن يمنّ الله عليها
(1/45)

بالاطرغشاش، والابرغشاش. فكلّ من قرأ رقعته دعا عليها، ولعنه ولعن أمه.
الطّرموق «1» ؛ الطين. والاستمصال: الإسهال، واطرغش، وابرغش: إذا أبلّ وبرأ.
ومثال الشديد التعليق بعض ألفاظه ببعض حتى يستبهم المعنى، كقول أبى تمام «2» :
جارى إليه البين وصل خريدة ... ماشت إليه المطل مشى الأكبد «3»
يا يوم شرّد يوم لهوى لهوه ... بصبابتى وأذلّ عزّ تجلّدى
يوم أفاض جوى أغاض تعزّيا ... خاض الهوى بحرى حجاه المزبد
جعل الحجا مزبدا.
وقوله أيضا «4» :
والمجد لا يرضى بأن ترضى بأن ... يرضى المعاشر منك إلّا بالرّضا «5»
وبلغنا أنّ إسحاق بن إبراهيم سمعه ينشد هذا وأمثاله عند الحسن بن وهب؛ فقال: يا هذا، لقد شدّدت على نفسك. والكلام إذا كان بهذه المثابة كان مذموما.
وقوله: غنيّا عن التأمل؛ أى هو مستغن لوضوحه عن تأمّل معانيه، وترديد النّظر فيه. كقول بعضهم لصديق له: وجدت المودّة منقطعة، ما دامت الحشمة عليها مسلّطة، ولا يزال سلطان الحشمة إلا بملكة المؤانسة.
ومما يؤيّد ما قلناه قول الجاحظ: من أعاره الله عزّ وجلّ من معونته نصيبا، وأفرغ عليه من محبته ذنوبا «6» ، حبّب إليه المعانى، وسلّس «7» له نظام
(1/46)

اللّفظ. وكان قبل قد أعفى المستمع من كدّ التلطّف، وأراح قارىء الكتاب من علاج التفهّم.
وقال العربى: البلاغة التقرّب من المعنى البعيد؛ والتباعد من حشو الكلام؛ وقرب المأخذ؛ وإيجاز فى صواب؛ وقصد إلى الحجّة؛ وحسن الاستعارة.
ومثله قول الآخر: البلاغة تقريب ما بعد من الحكمة بأيسر الخطاب.
والتقرّب من المعنى البعيد، وهو أن يعمد إلى المعنى اللّطيف فيكشفه، وينفى الشواغل عنه؛ فيفهمه السامع من غير فكر فيه، وتدبّر له. مثل قول الأول فى امرأة:
لم ندر ما الدّنيا وما طيبها ... وحسنها حتى رأيناها
إنك لو أبصرتها ساعة ... أجللتها أن تتمنّاها
وقال بعضهم لملك من الملوك: أمّا التعجّب من مناقبك فقد نسخه تواترها؛ فصارت كالشىء القديم الذى قد كسى به؛ أى ألف لا كالشىء البديع الذى يتعجّب منه. ومن هذا أخذ أبو تمام قوله «1» :
على أنها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب
وقول آخر لبعض الملوك أيضا: أخلاقك تجعل العدوّ صديقا، وأحكامك تصير الصديق عدوا، ويشهد عدم مثلك فيما يكون.
وقال بعض القدماء: لكل جليلة دقيقة ودقيقة الموت الهجر.
وقلت:
اسم التفرّق بيّن ... لكنّ معناه موت
وجداننا كلّ شىء ... إذا تباعدت فوت
والرواية الصحيحة أن العربى قال: البلاغة التقرب من المعنى البعيد؛ ولكن
(1/47)

رأيته فى بعض أصولى كما ذكرته قبل، فأوردته هاهنا، وفسّرته على ما رأيته فى الأصل.
وقوله: والتباعد من حشو الكلام. فالحشو على ثلاثة أضرب: اثنان منها مذمومان، وواحد محمود:
فأحد المذمومن هو إدخالك فى الكلام لفظا لو أسقطته لكان الكلام تاما، مثل قول الشاعر:
أنعى فتى لم تذرّ الشمس طالعة ... يوما من الدهر إلّا ضرّ أو نفعا
فقوله: يوما من الدّهر حشو لا يحتاج إليه؛ لأن الشمس لا تطلع ليلا.
وقول بعض بنى عبس: أنشدنا أبو أحمد عن الصولى عن ثعلب عن ابن الأعرابى:
أبعد بنى بكر أومّل مقبلا ... من الدهر أو آسى على إثر مدبر
وليس وراء الفوت شىء يردّه ... عليك إذا ولّى سوى الصّبر فاصبر
أولاك بنو خير وشرّ كليهما ... جميعا ومعروف أريد ومنكر
قوله: أريد حشو وزيادة. وقوله: كليهما يكاد يكون حشوا، وليس به بأس، وباقى الكلام متوازن الألفاظ والمعانى، لا زيادة فيه ولا نقصان. وهذا الجنس كثير فى الكلام.
والضرب الآخر العبارة عن المعنى بكلام طويل لا فائدة فى طوله ويمكن أن يعبّر عنه بأقصر منه. مثل قول النابغة «1» :
تبيّنت آيات لها فعرفتها ... لستّة أعوام وذا العام سابع
كان ينبغى أن يقول لسبعة أعوام ويتمّ البيت بكلام آخر يكون فيه فائدة، فعجز عن ذلك، فحشا البيت بما لا وجه له.
وأما الضرب المحمود فكقول كثيّر:
لو أنّ الباخلين وأنت فيهم ... رأوك تعلّموا منك المطالا «2»
(1/48)

قوله: «وأنت فيهم» حشو إلّا أنه مليح. ويسمّى أهل الصنعة هذا الجنس اعتراض كلام فى كلام.
ومنه قول الآخر، وهو جرير «1» :
إنّ الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعى إلى ترجمان
وسنأتى على هذا الباب فيما بعد إن شاء الله.
ومن الكلام الذى لا حشو فيه قول صبرة بن شيمان حين دخل على معاوية مع الوفود فتكلّموا فأكثروا، فقال صبرة: يا أمير المؤمنين، إنّا حىّ فعال، ولسنا حىّ مقال، ونحن بأدنى فعالنا عند أحسن مقالهم.
فقال معاوية: صدقت.
ومن هذا قول الشاعر:
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتّكلّم
وكتب رجل إلى أخ له: ثقتى بكرمك تمنع من اقتضائك، وعلمى بشغلك يحدو على ادّ كارك.
وقال آخر: فى الناس طبائع سيئة وحسنة، فارتبط بمن رجحت محاسنه.
وقال الحسن: نعم الله على العبد أكثر من أن تشكر، إلّا أن يعان عليها.
وذنوبه أكثر من أن يسلم منها، إلا أن يعفى له عنها.
وأما قرب المأخذ فهو أن تأخذ عفو الخاطر، وتتناول صفو الهاجس، ولا تكدّ فكرك، ولا تتعب نفسك. وهذه صفة المطبوع.
وروى أن الرشيد، أو غيره، قال لندمائه- وقد طلعت الثريّا: أما ترون الثريّا؟
فقال بعضهم: كأنها عقد ريا.
(1/49)

وقال بعضهم لأبى العتاهية:
عذب الماء فطابا
فقال أبو العتاهية:
حبّذا الماء شرابا
وقال بشار، وقد حبسه يعقوب بن داود على بابه:
طال الثّواء على رسوم المنزل
فرفع إليه قوله، فقال:
فإذا تشاء أبا معاذ «1» فارحل
ومن قرب المأخذ أنّ الجاحظ أو غيره قال للجماز: أريد أن أنظر إلى الشيطان، فقال: انظر فى المرآة.
وقال بعض الولاة لأعرابى: قل الحقّ وإلا أوجعتك ضربا! فقال الأعرابى:
وأنت أيضا فاعمل به، فو الله لما أوعدك الله به منه أعظم مما أوعدتنى به منك.
ومنه أن المأمون قال لأمّ الفضل بن سهل بعد قتله إياه: أتجز عين ولك ولد مثلى؟
قالت: وكيف لا أجزع على ولد أفادنيك.
وهذا على حسب ما قال أبو حنيفة: إذا أتتك معضلة فاجعل جوابها منها.
ومن ذلك ما أخبرنا به أبو أحمد قال حدثنا الجوهرى، قال: حدثنا محمد بن زكريا، قال: حدثنا مهدى بن سابق، قال: حدثنا عطاء بن مصعب عن عاصم بن الحدثان، قال:
دعا عبد الملك بن مروان يوما بالغداء وبحضرته رجل فدعاه إلى غدائه، فقال ليس:
بى غداء يا أمير المؤمنين، قد تغدّيت. فقال عبد الملك: أقبح بالرجل أن يأكل حتى لا يكون فيه فضل للطعام. فقال: يا أمير المؤمنين، فىّ فضل، ولكن أكره أن آكل فأصير إلى ما استقبحه أمير المؤمنين.
و [أمّا] قوله: «إيجاز فى صواب» ، فسنذكره فى بابه. و [أمّا] الاستعارة فسنضعها فى مواضعها.
(1/50)

وأما قوله: «وقصد إلى الحجّة» ، فقد ذكرنا الكلام فيه.
وقال محمد بن على رضى الله عنهما: البلاغة قول مفقه «1» فى لطف؛ فالمفقه: المفهم، واللّطيف من الكلام: ما تعطف به القلوب النافرة، ويؤنس القلوب المستوحشة، وتلين به العريكة الأبيّة المستصعبة، ويبلغ به الحاجة، وتقام به الحجّة؛ فتخلص نفسك من العيب، ويلزم صاحبك الذنب، من غير أن تهيجه «2» وتقلقه، وتستدعى غضبه، وتستثير حفيظته.
كقول بعض الكتّاب لأخ له: أنفذ إلىّ أبو فلان كتابا منك؛ فيه ذرّ «3» من عتاب، كان أحلى عندى من تعريسة الفجر «4» ، وألذّ من الزّلال العذب، ولك العتبى داعيا مستجابا له، وعاتبا معتذرا إليه. ولو شئت مع هذا أن أقول: إنّ العتب عليك أوجب، والاعتذار لك ألزم لفعلت، ولكنى أسامحك ولا أشاحك «5» ، وأسلّم إليك ولا أرادّك؛ لأنّ أفعالك عندى مرضية، وشيمك لدىّ مقبولة، ولولا أنّ للحجّة موقعها لأعرضت عما أو مأت إليه وما عرضت مما بدأت به، وقلت:
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم فنعتذر
فانظر كيف خلّص نفسه من الجرم، وأوجبه لصاحبه فى ألطف وجه، وألين مسّ.
ومن الكلام الذى يعطف القلوب النافرة قول آخر لأخ له: زيّن الله ألفتنا بمعاودة صلتك، واجتماعنا بترادف زيارتك، وأيامنا الموحشة- لغيبتك- برؤيتك؛ توعّدتنى بالانتقام على إخلالى بمطالعتك، وحسبى من عقوبتك ما ابتليت به من عدم مشاهدتك.
وقال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: البلاغة إيضاح الملتبسات، وكشف
(1/51)

عوّار «1» الجهالات، بأسهل ما يكون من العبارات.
وقريب منه قول الحسن بن على رضى الله عنهما: البلاغة تقريب بعيد الحكمة بأسهل العبارة.
ومثله قول محمد بن على رضى الله عنهما: البلاغة تفسير عسير الحكمة بأقرب الألفاظ. وقد مضى فيما تقدّم من كلامنا ما يكون مثالا لهذه الفصول.
وأنا أورد هاهنا فصلا ينشرح به أبوابها، ويتّضح وجوهها. أخبرنى أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان، قال: قال المأمون لمرتدّ عن الإسلام إلى النصرانية: أى شىء أوحشك من الإسلام فتركته؛ قال: أوحشنى ما رأيت من كثرة الاختلاف فيكم. فقال المأمون: لنا اختلافان: أحدهما كاختلافنا فى الأذان، وتكبير الجنائز، والاختلاف فى التشهد، وفى صلاة الأعياد، وتكبير التشريق، ووجوه القراءات، واختلاف وجوه الفتيا، وما أشبه ذلك. وليس هذا باختلاف؛ وإنما ذلك توسعة وتخفيفا من المحنة. والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا فى تأويل الآية من كتابنا، وتأويل الخبر عن نبيّنا عليه الصلاة والسلام، مع إجماعنا على أصل التنزيل، واتفاقنا على عين الخبر.
فإن كان الذى أوحشك هو هذا حتى أنكرت هذا الكتاب فينبغى أن يكون اللفظ بجميع التوراة والإنجيل متّفقا على تأويله، كما يكون متّفقا على تنزيله، ولا يكون بين النصارى اختلاف فى شىء من التأويلات. ولو شاء الله أن ينزّل كتبه ويجعل كلام أنبيائه، وورثة رسله كلاما لا يحتاج إلى التفسير لفعل؛ ولكننا لم نر شيئا من الدّين والدنيا دفع إلينا على الكفاية. ولو كان الأمر كذلك لسقطت المحنة والبلوى، وذهبت المسابقة والمنافسة، ولم يكن تفاضل؛ وليس على هذا بنى الله الدنيا.
(1/52)

فقال المرتدّ: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ولد، وأن المسيح عبد الله، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق، وأنك أمير المؤمنين حقّا.
وقال ابن المقفّع: البلاغة كشف ما غمض «1» من الحقّ، وتصوير الحقّ فى صورة الباطل.
والذى قاله أمر صحيح لا يخفى موضع الصواب فيه على أحد من أهل التمييز والتحصيل؛ وذلك أنّ الأمر الظاهر الصحيح الثابت المكشوف ينادى على نفسه بالصحّة، ولا يحوج إلى التكلّف لصحّته حتى يوجد المعنى فيه خطيبا.
وإنما الشأن فى تحسين ما ليس بحسن، وتصحيح ما ليس بصحيح بضرب من الاحتيال والتحيّل «2» ، ونوع من العلل والمعاريض «3» والمعاذير، ليخفى موضع الإشارة، ويغمض موقع التقصير؛ وما أكثر ما يحتاج الكاتب إلى هذا الجنس عند اعتذاره من هزيمة، وحاجته إلى تغير رسم؛ أو رفع منزلة دنىء له فيه هوى؛ أوحطّ منزلة شريف استحقّ ذلك منه، إلى غير ذلك من عوارض أموره.
فأعلى رتب البلاغة أن يحتجّ للمذموم حتى يخرجه فى معرض المحمود، وللمحمود حتى يصيّره فى صورة المذموم. وقد ذمّ عبد الملك بن صالح المشورة، وهى ممدوحة بكل لسان، فقال: ما استشرت أحدا إلا تكبر على وتصاغرت له، ودخلته العزّة ودخلتنى الذّلة؛ فعليك بالاستبداد فإن صاحبه جليل فى العيون، مهيب فى الصدور؛ وإذا افتقرت إلى العقول حقرتك العيون، فتضعضع شأنك، ورجفت «4» بك أركانك، واستحقرك الصغير، واستخفّ بك الكبير، وما عزّ سلطان لم يغنه عقله عن عقول وزرائه وآراء نصائحه.
ومدح بعضهم الموت فقال:
قد قلت إذ مدحوا الحياة فأكثروا ... فى الموت ألف فضيلة لا تعرف
(1/53)

فيه أمان لقائه بلقائه ... وفراق كلّ معاشر لا ينصف
فالمتمكّن من نفسه يضع لسانه حيث يريد.
ومثل هذا كثير لا وجه لا ستيفائه فى مثل هذا الموضع.
ذكرت فى هذا الباب- وهو ثلاثة فصول- من نعوت البلاغة، ووجوه البيان والفصاحة ما فيه كفاية؛ وأتيت من تفسير مشكلها على ما فيه مقنع، ولم يسبقنى إلى تفسير هذه الأبواب وشرح وجوهها أحد، وإنما اقتصر من كان قبلى على ذكر تلك النعوت عارية مما هى مفتقرة إليه من إيضاح غامضها، وإنارة مظلمها؛ فكان المنفعة بها للعالم دون المتعلّم، والسابق دون اللاحق؛ وربما اعترض الشكّ فيها للعالم المبرّز، فسقطت عنه معرفة كثير منها. وأنت أيّدك الله تعتمد ما ذكرته من ذلك، وتأتمّ بما شرحته منه، وتستدلّ به على ما ألفيته من جنسه إذا عثرت به، لتستغنى عن جميع ما صنّف فى البلاغة، وسائر ما ذكر من أصناف البيان والفصاحة إن شاء الله.
(1/54)

الباب الثّانى فى تمييز الكلام جيده من رديه ونادره من بارده والكلام فى المعانى (فصلان)
الفصل الأول من الباب الثانى فى تمييز الكلام
الكلام- أيدك الله- يحسن بسلاسته، وسهولته، ونصاعته، وتخيّر لفظه، وإصابة معناه، وجودة مطالعه، ولين مقاطعه، واستواء تقاسيمه، وتعادل أطرافه، وتشابه «1» أعجازه بهواديه «2» ، وموافقة مآخيره لمباديه، مع قلّة ضروراته، بل عدمها أصلا، حتى لا يكون لها فى الألفاظ أثر؛ فتجد المنظوم مثل المنثور فى سهولة مطلعه، وجودة مقطعه، وحسن رصفه وتأليفه؛ وكمال صوغه وتركيبه.
فإذا كان الكلام كذلك كان بالقبول حقيقا، وبالتحفظ خليقا؛ كقول الأول:
هم الألى وهبوا للمجد أنفسهم ... فما يبالون ما نالوا إذا حمدوا
وقول معن بن أوس «3» :
لعمرك ما أهويت كفّى لريبة ... ولا حملتنى نحو فاحشة رجلى
ولا قادنى سمعى ولا بصرى لها ... ولا دلّنى رأيى عليها ولا عقلى
وأعلم أنّى لم تصبنى مصيبة ... من الدّهر إلّا قد أصابت فتى قبلى
ولست بماش ما حيبت لمنكر «4» ... من الأمر لا يمشى إلى مثله مثلى
(1/55)

ولا مؤثرا نفسى على ذى قرابة «1» ... وأوثر ضيفى- ما أقام- على أهلى
وقول الآخر:
ولست بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء فى جانب الفقر
وقال الآخر «2» :
ذرينى أسيّر فى البلاد لعلّنى ... أصيب غنى فيه لذى الحقّ محمل «3»
فإن نحن لم نسطع دفاعا لحادث ... تجىء به الأيّام فالصبر أجمل
أليس كثيرا أن تلمّ ملمّة ... وليس علينا فى الحقوق معوّل!
ومما هو فصيح فى لفظه جيد فى رصفه قول الشنفرى «4» :
أطيل مطال «5» الجوع حتى أميته ... وأضرب عنه القلب صفحا فيذهل
ولولا اجتناب العار لم يلف مشرب ... يعاش به إلّا لدىّ ومأكل
ولكن نفسا مرّة ما تقيمنى ... على الضّيم إلّا ريثما أتحوّل
وقول الآخر:
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأىّ الناس تصفو مشاربه
وقول الآخر:
وما إن قتلناهم بأكثر منهم ... ولكن بأوفى للطّعان وأكرما
وقال دعبل:
وإنّ امرءا أمست مساقط رحله ... بأسوان لم يترك له الحزم معلما «6»
(1/56)

حللت محلّا يقصر الطّرف دونه ... ويعجز عنه الطّيف أن يتجشما «1»
وقول النابغة «2» :
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعت، أىّ الرجال المهذّب؟
وليس لهذا البيت نظير فى كلام العرب. وقال بعضهم: نظيره قول أوس بن حجر:
ولست بخابىء أبدا طعاما ... حذار غد، لكلّ غد طعام
وهذا وإن كان نظيره فى التأليف فإنه دونه لما تكرّر فيه من لفظ «غد» .
فإذا كان الكلام قد جمع العذوبة، والجزالة، والسهولة، والرّصانة، مع السلاسة والنصاعة، واشتمل على الرّونق والطّلاوة، وسلم من حيف «3» التأليف، وبعد عن سماجة التركيب، وورد على الفهم الثاقب قبله ولم يردّه، وعلى السّمع المصيب استوعبه ولم يمجّه؛ والنفس تقبل اللطيف، وتنبو عن الغليظ، وتقلق من الجاسى «4» البشع؛ وجميع جوارح البدن وحواسّه تسكن إلى ما يوافقه، وتنفر عمّا يضادّه ويخالفه؛ والعين تألف الحسن، وتقذى بالقبيح؛ والأنف يرتاح للطيب، وينغر «5» للمنتن؛ والفم يلتذّ بالحلو، ويمجّ المرّ؛ والسمع يتشوّف للصواب الرائع وينزوى عن الجهير الهائل؛ واليد تنعم باللّين، وتتأذّى بالخشن؛ والفهم يأنس من الكلام بالمعروف، ويسكن إلى المألوف، ويصغى إلى الصواب، ويهرب من المحال، وينقبض عن الوخم، ويتأخّر عن الجافى الغليظ، ولا يقبل الكلام المضطرب إلا الفهم المضطرب، والرويّة الفاسدة.
وليس الشأن فى إيراد المعانى، لأنّ المعانى يعرفها العربىّ والعجمىّ والقروى
(1/57)

والبدوى، وإنما هو فى جودة اللفظ وصفائه، وحسنه وبهائه، ونزاهته ونقائه؛ وكثرة طلاوته ومائه، مع صحة السّبك والتركيب، والخلوّ من أود «1» النّظم والتأليف. وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صوابا، ولا يقنع من اللفظ بذلك حتى يكون على ما وصفناه من نعوته التى تقدّمت.
ألا ترى إلى قول حبيب «2» :
مستسلم لله سائس أمة ... بذوى تجهضمها له استسلام
فإنه صواب اللفظ، وليس هو بحسن ولا مقبول- (الجهضمة، الوثوب والغلبة) .
وقال أبو داود: رأس الخطابة الطّبع، وعمودها الدّربة، وجناحها رواية الكلام، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخيّر الألفاظ؛ والمحبّة مقرونة بقلّة الاستكراه. وأنشد:
يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحى الملاحظ خشية الرّقباء
ومن الدليل على أنّ مدار البلاغة على تحسين اللفظ أنّ الخطب الرائعة، والأشعار الرائقة ما عملت لإفهام المعانى فقط؛ لأنّ الردىء من الألفاظ يقوم مقام الجيدة منها فى الإفهام، وإنما يدلّ حسن الكلام، وإحكام صنعته، ورونق ألفاظه، وجودة مطالعه، وحسن مقاطعه، وبديع مباديه، وغريب مبانيه على فضل قائله، وفهم منشئه.
وأكثر هذه الأوصاف ترجع إلى الألفاظ دون المعانى. وتوخّى صواب المعنى أحسن من توخّى هذه الأمور فى الألفاظ. ولهذا تأنّق الكاتب فى الرسالة، والخطيب فى الخطبة، والشاعر فى القصيدة. يبالغون فى تجويدها، ويغلون فى ترتيبها؛ ليدلّوا على براعتهم، وحذقهم بصناعتهم؛ ولو كان الأمر
(1/58)

فى المعانى لطرحوا أكثر ذلك فربحوا كدّا كثيرا، وأسقطوا عن أنفسهم تعبا طويلا.
ودليل آخر؛ إنّ الكلام إذا كان لفظه حلوا عذبا، وسلسا سهلا، ومعناه وسطا، دخل فى جملة الجيّد، وجرى مع الرائع النادر؛ كقول الشاعر «1» :
ولمّا قضينا من منى كلّ حاجة ... ومسّح بالأر كان من هو ماسح
وشدّت على حدب المهارى رحالنا ... ولم «2» ينظر الغادى الّذى هو رائح
أخذنا بأطراف «3» الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطىّ الأباطح
وليس تحت هذه الألفاظ كبير معنى، وهى رائقة معجبة، وإنما هى: ولمّا قضينا الحجّ ومسحنا الأركان وشدّت رحالنا على مهازيل الإبل ولم ينتظر بعضنا بعضا جعلنا نتحدّث وتسير بنا الإبل فى بطون الأودية.
وإذا كان المعنى صوابا، واللفظ باردا وفاترا؛ والفاتر شرّ من البارد، كان مستهجنا ملفوظا، ومذموما مردودا، والبارد من الشعر قول عمرو بن معدى يكرب:
قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطّر الفارس إلّا أنا «4»
شككت بالرّمح سرابيله ... والخيل تعدو زيما حولنا «5»
وقول الفند الزمانى:
أيا تملك يا تمل ... وذات الطوق والحجل
ذرينى وذرى عذلى ... فإنّ العذل كالقتل
وقول النمر:
يهينون من حقروا شيبه ... وإن كان فيهم يفى أو يبر
(1/59)

وقول أبى العتاهية:
مات والله سعيد بن وهب ... رحم الله سعيد بن وهب
يا أبا عثمان أبكيت عينى ... يا أبا عثمان أوجعت قلبى
والبارد فى شعر أبى العتاهية كثير؛ والشعر كلام منسوج، ولفظ منظوم، وأحسنه ما تلاءم نسجه ولم يسخف، وحسن لفظه ولم يهجن، ولم يستعمل فيه الغليظ من الكلام، فيكون جلفا بغيضا، ولا السّوقىّ من الألفاظ فيكون مهلهلا دونا؛ فالبغيض كقول أبى تمام «1» :
جعل «2» القنا الدرجات للكذجات ذا ... ت الغيل والحرجات والأدحال «3»
قد كان حزن الخطب فى أحزانه «4» ... فدعاه داعى الحين للأسهال «5»
وقوله «6» :
يا دهر قوّم من أخدعيك فقد «7» ... أضججت هذا الأنام من خرقك
ولا خير فى المعانى إذا استكرهت قهرا، والألفاظ إذا اجترّت قسرا، ولا خير فيما اجيد لفظه إذا سخف معناه، ولا فى غرابة المعنى إلّا إذا شرف لفظه مع وضوح المغزى، وظهور المقصد.
وقد غلب الجهل على قوم فصاروا يستجيدون الكلام إذا لم يقفوا على معناه إلا بكدّ، ويستفصحونه «8» إذا وجدوا ألفاظه كزّة غليظة، وجاسية غريبة، ويستحقرون الكلام إذا رأوه سلسا عذبا وسهلا حلوا؛ ولم يعلموا أنّ السهل أمنع جانبا، وأعزّ مطلبا؛ وهو أحسن موقعا، وأعذب مستمعا.
(1/60)

ولهذا قيل: أجود الكلام السهل الممتنع.
أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا الصولى، قال: حدّثنا أحمد بن إسماعيل، قال:
وصف الفضل بن سهل عمرو بن مسعدة فقال: هو أبلغ الناس؛ ومن بلاغته أنّ كلّ أحد يظنّ أنه يكتب مثل كتبه، فإذا رامها تعذّرت عليه.
وأخبرنا أيضا قال: أخبرنا أبو بكر قال: حدّثنى عبد الله بن الحسين قال:
حدّثنا الحسن بن مخلد، قال: أنشدنا إبراهيم بن العباس لخاله العباس ابن الأحنف «1» :
إليك أشكو ربّ ما حلّ بى ... من صدّ هذا التائه المعجب «2»
إن قال لم يفعل وإن سيل لم ... يبذل وإن عوتب لم يعتب «3»
صب بعصيانى ولو قال لى ... لا تشرب البارد لم أشرب
ثم قال: هذا والله الشعر الحسن المعنى، السهل اللّفظ، العذب المستمع، القليل النظير، العزيز الشّبيه، المطمع الممتنع، البعيد مع قربه، الصّعب فى سهولته قال: فجعلنا نقول: هذا الكلام والله أبلغ من شعره.
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن الغلابى عن طائع وهو العباس بن ميمون، من غلمان ابن ميثم، قال: قيل للسيد: ألا تستعمل الغريب فى شعرك. فقال: ذاك عىّ فى زمانى، وتكلّف منّى لو قلته، وقد رزقت طبعا واتّساعا فى الكلام، فإنا أقول ما يعرفه الصغير والكبير، ولا يحتاج إلى تفسير. ثم أنشدنى:
أيا ربّ إنى لم أرد بالذى به ... مدحت عليّا غير وجهك فارحم
فهذا كلام عاقل يضع الشىء موضعه، ويستعمله فى إبانه، ليس كمن قال وهو فى زماننا «4» :
(1/61)

جفخت وهم لا يجفخون بها بهم «1»
فأشمت عدوّه بنفسه.
ومن الكلام المطبوع السهل ما وقّع به علىّ بن عيسى: قد بلّغتك أقصى طلبتك، وأنلتك غاية بغيتك، وأنت مع ذلك تستقلّ كثيرى لك، وتستقبح حسنى فيك، فأنت كما قال رؤبة:
كالحوت لا يكفيه شىء يلهمه ... يصبح ظمآن وفى البحر فمه
ومن المنظوم المطمع الممتنع قول البحترى «2» :
أيّها العاتب الذى ليس يرضى ... نم هنيئا فلست أطعم غمضا
إنّ لى من هواك وجدا قد استه ... لك نومى ومضجعا قد أقضّا «3»
فجفونى فى عبرة ليس ترقا ... وفؤادى فى لوعة ما تقضّى
يا قليل الإنصاف كم أقتضى عن ... دك وعدا إنجازه ليس يقضى
أحينى بالوصال إن كان جودا ... وأثبنى بالحبّ إن كان قرضا
بأبى شادن تعلّق قلبى ... بجفون فواتر اللّحظ مرضى
لست أنساه إذ بدا من قريب ... يتثنّى تثنّى الغصن غضّا
واعتذارى إليه حين تجافى ... لى عن بعض ما أتيت وأغضى
واعتلاقى تفّاح خدّيه تقبي ... لا ولثما طورا وشمّا وعضّا
أيّها الرّاغب الذى طلب الجو ... د فأبلى كوم المطايا وأنضى «4»
رد حياض الإمام تلق نوالا ... يسع الرّاغبين طولا وعرضا
فهناك العطاء جزلا لمن را ... م جزيل العطاء والجود محضا
هو أندى من الغمام وأوحى ... وقعات من الحسام وأمضى
(1/62)

يتوخّى الإحسان قولا وفعلا ... ويطيع الإله بسطا وقبضا
فضّل الله جعفرا بخلال ... جعلت حبّه على النّاس فرضا
ومنها يقول فيه:
وأرى المجد بين عارفة من ... ك ترجّى وعزمة منك تمضى
وقوله «1» :
يتأبّى منعا «2» وينعم إسعا ... فا ويدنو وصلا ويبعد صدّا
أغتدى راضيا وقد بتّ غضبا ... ن وأمسى مولى وأصبح عبدا
رقّ لى من مدامع ليس ترقا ... وارث لى من جوانح ليس تهدا
أترانى مستبدلا بك ما عش ... ت بديلا أو واجدا منك بدّا
حاش لله أنت أفتن ألحا ... ظا وأحلى شكلا وأحسن قدّا
خلق الله جعفرا قيّم الدّن ... يا سدادا وقيّم الدّين رشدا
أكرم الناس شيمة وأتمّ الن ... ناس حلما وأكثر الناس رفدا «3»
هو بحر السّماح والجود فازدد ... منه قربا تزدد من الفقر بعدا
يا ثمال «4» الدّنيا عطاء وبذلا ... وجمال الدّنيا ثناء ومجدا
فابق عمر الزّمان حتى نؤدّى ... شكر إحسانك الذى لا يؤدّى
ومما هو أجزل من هذا قليلا وهو من المطبوع قول ابن وهب «5» :
مازال يلثمنى مراشفه ... ويعلّنى الإبريق والقدح
حتى استردّ الليل خلعته ... ونشا خلال سواده وضح
وبدا الصّباح كأنّ غرّته ... وجه الخليفة حين يمتدح
أنت الّذى بك ينقضى فرجا ... ضيق البلاد لنا وينفسح
(1/63)

نشرت بك الدّنيا محاسنها ... وتزيّنت بصفاتك المدح
ومن السهل المختار الجيّد المطبوع قول الآخر:
صرفت القلب فانصرفا ... ولم ترع الّذى سلفا
وبنت فلم أذب كمدا ... عليك ولم أمت أسفا
كلانا واجد فى النا ... س ممن ملّه خلفا
وقول الآخر:
أما والحلق السّود ... على سالفة الخشف «1»
وحسن الغصن المهتز ... ز بين النّحر والرّدف
لقد أشفقت أن يجر ... ح فى وجنتها طرفى
وقول الآخر:
كم من فؤاد كأنّه جبل ... أزاله من مقرّه النّظر
وما كان لفظه سهلا، ومعناه مكشوفا بيّنا فهو من جملة الردىء المردود، كقول الآخر:
يا ربّ قد قلّ صبرى ... وضاق بالحبّ صدرى
واشتدّ شوقى ووجدى ... وسيّدى ليس يدرى
مغفّل عن عذابى ... وليس يرحم ضرّى
إن كان أعطى اصطبارا ... فلست أملك صبرى
أنا الفدا لغزال ... دنا فقبّل نحرى
وقال لى من قريب: ... يا ليت بيتك قبرى
وإذا لان الكلام حتى يصير إلى هذا الحد فليس فيه خير، لا سيّما إذا ارتكب فيه مثل هذه الضّرورات.
وأما الجزل والمختار من الكلام فهو الذى تعرفه العامّة إذا سمعته، ولا
(1/64)

ولا تستعمله فى محاوراتها. فمن الجيّد الجزل المختار قول مسلم:
وردن رواق الفضل فضل بن خالد ... فحطّ الثناء الجزل نائله الجزل
بكفّ أبى العبّاس يستمطر الغنى ... وتستنزل النّعمى ويسترعف «1» النّصل
ويستعطف الأمر الأبىّ بحزمه ... إذا الأمر لم يعطفه نقض ولا فتل
ومما هو أجزل من هذا قول المرار الفقعسى:
فقال يدير الموت فى مرجحنة ... تسفّ العوالى وسطها وتشول «2»
وكائن تركنا من كرائم معشر ... لهنّ على إبائهنّ عويل «3»
على الجرد يعلكن الشّكيم كأنّها ... إذا ناقلت بالدارعين وعول «4»
على كلّ جيّاش إذا ردّ غربه ... يقلّب نهد المركلين رجيل «5»
مجنبة قبل»
العيون كأنّها ... قسىّ بأيدى العاطفين عطول «7»
فللأرض من آثارهنّ عجاجة ... وللفجّ من تصهالهنّ صليل «8»
(1/65)

منعت بنجد ما أردت غلبّة ... وبالغور لى عزّ أشمّ طويل «1»
فهذا وإن لم يكن من كلام العامّة فإنهم يعرفون الغرض فيه، ويقفون على أكثر معانيه؛ لحسن ترتيبه، وجودة نسجه. وقول المرار أيضا:
لا تسألى القوم عن مالى وكثرته ... قد يقتر المرء يوما وهو محمود
أمضى على سنّة من والدى سلفت ... وفى أرومته «2» ما ينبت العود
ومن النثر قول يحيى بن خالد: أعطانا الدهر فأسرف، ثم عطف علينا فعسف.
وقول سعيد بن حميد: وأنا من لا يحاجّك عن نفسه، ولا يغالطك عن جرمه، ولا يلتمس رضاك إلّا من جهته، ولا يستدعى برّك إلّا من طريقته، ولا يستعطفك إلا بالإقرار بالذّنب، ولا يستميلك إلا بالاعتراف بالجرم؛ نبت بى عنك غرّة «3» الحداثة، وردّتنى إليك الحنكة، وباعدتنى منك الثقة بالأيام، وقادتنى إليك الضرورة. فإن رأيت أن تستقبل الصنيعة بقبول العذر، وتجدّد النّعمة باطّراح الحقد- فإنّ قديم الحرمة، وحديث التوبة يمحقان ما بينهما من الإساءة. فإن أيام القدرة وإن طالت قصيرة، والمتعة بها وإن كثرت قليلة- فعلت.
وفى هذا الكلام وما قبله قوة فى سهولة.
ومما هو أجزل من هذا قول الشعبى للحجاج- وقد أراد قتله لخروجه عليه مع ابن الأشعث: أجدب بنا الجناب «4» ، وأحزن بنا المنزل، واستحلسنا «5» الحذر،
(1/66)

واكتحلنا السّهر، وأصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء.
فعفا عنه.
وأجود الكلام ما يكون جزلا سهلا، لا ينغلق معناه، ولا يستبهم مغزاه، ولا يكون مكدودا مستكرها، ومتوعّرا متقعّرا، ويكون بريئا من الغثاثة، عاريا من الرّثاثة.
والكلام إذا كان لفظه غثّا، ومعرضه رثّا كان مردودا، ولو احتوى على أجلّ معنى وأنبله، وأرفعه وأفضله. كقوله:
لما أطعناكم فى سخط خالقنا ... لا شك سلّ علينا سيف نقمته
وقول الآخر:
أرى رجالا بأدنى الدّين قد قنعوا ... وما أراهم رضوا فى العيش بالدّون
فاستغن بالدّين عن دنيا الملوك كما اس ... تغنى الملوك بدنياهم عن الدّين
لا يدخل هذا فى جملة المختار، ومعناه- كما ترى- نبيل فاضل جليل.
وأما الجزل الردىء الفجّ الذى ينبغى ترك استعماله فمثل قول تأبّط شرّا «1» :
إذا ما تركت صاحبى لثلاثة ... أو اثنين مثلينا فلا أبت آمنا «2»
ولما سمعت العوض «3» تدعو تنفّرت ... عصافير «4» رأسى من نوى فعوائنا «5»
وحثحثت مشعوف الفؤاد فراعنى ... أناس بفيفان فمزت القرائنا «6»
فأدبرت لا ينجو نجائى نقنق ... يبادر فرخيه شمالا وداجنا
(1/67)

من الحصّ هزروف يطير عفاؤه ... إذا استدرج الفيفاء مدّ المغابنا «1»
أزجّ زلوج هزرفىّ زفازف ... هزفّ يبذّ النّاجيات الصّوافنا «2»
فهذا من الجزل البغيض الجلف، الفاسد النّسج، القبيح الرّصف، الذى ينبغى أن يتجنّب مثله.
وتمييز الألفاظ شديد. أخبرنا أبو أحمد عن الصولى عن فضل اليزيدى، عن إسحق الموصلى عن أيوب بن عباية «3» : أن رجلا أنشد ابن هرمة قوله:
بالله ربك إن دخلت فقل لها ... هذا ابن هرمة قائما بالباب
فقال: ما كذا قلت؛ أكنت أتصدّق؟ «4» قال: فقاعدا. قال: كنت أبول؟
قال: فماذا؟ قال: واقفا. ليتك علمت ما بين هذين من قدر اللفظ والمعنى.
ولولا كراهة الإطالة وتخوّف الإملال لزدت من هذا النوع، ولكن يكفى من البحر جرعة. وقالوا: خير الكلام ما قلّ وجلّ، ودلّ ولم يملّ. وبالله التوفيق.
(1/68)

الفصل الثّانى فى التنبيه على خطأ المعانى وصوابها ليتّبع من يريد العمل برسمنا مواقع الصواب فيرتسمها، ويقف على مواقف الخطأ فيتجنّبها
فنقول: إن الكلام ألفاظ تشتمل على معان تدلّ عليها ويعبر عنها، فيحتاج صاحب البلاغة إلى إصابة المعنى كحاجته إلى تحسين اللفظ؛ لأنّ المدار بعد على إصابة المعنى، ولأنّ المعانى تحلّ من الكلام محلّ الأبدان، والألفاظ تجرى معها مجرى الكسوة، ومرتبة إحداهما على الأخرى معروفة.
ومن عرف ترتيب المعانى واستعمال الألفاظ على وجوهها بلغة من اللغات، ثم انتقل إلى لغة أخرى تهيّأ له فيها من صنعة الكلام مثل ما تهيأ له فى الأولى؛ ألا ترى أنّ عبد الحميد الكاتب استخرج أمثلة الكتابة التى رسمها لمن بعده من اللسان الفارسى؛ فحوّلها إلى اللسان العربى. فلا يكمل لصناعة الكلام إلا من يكمل لإصابة المعنى وتصحيح اللفظ والمعرفة بوجوه الاستعمال.
والمعانى على ضربين:
ضرب يبتدعه صاحب الصناعة من غير أن يكون له إمام يقتدى به فيه، أو رسوم قائمة فى أمثلة مماثلة يعمل عليها. وهذا الضرب ربما يقع عليه عند الخطوب الحادثة، ويتنبّه له عند الأمور النازلة الطارئة.
والآخر ما يحتذيه على مثال تقدّم ورسم فرط «1» .
وينبغى أن يطلب الإصابة فى جميع ذلك ويتوخّى فيه الصورة المقبولة، والعبارة المستحسنة، ولا يتكل فيما ابتكره على فضيلة ابتكاره إياه، ولا يغرّه ابتداعه له؛
(1/69)

فيساهل نفسه فى تهجين «1» . صورته؛ فيذهب حسنه ويطمس نوره، ويكون فيه أقرب إلى الذم منه إلى الحمد.
والمعانى بعد ذلك على وجوه: منها ما هو مستقيم حسن، نحو قولك: قد رأيت زيدا. ومنها ما هو مستقيم قبيح نحو قولك: قد زيدا رأيت. وإنما قبح لأنك أفسدت النظام بالتقديم والتأخير. ومنها ما هو مستقيم النظم، وهو كذب؛ مثل قولك: حملت الجبل، وشربت ماء البحر. ومنها ما هو محال، كقولك: آتيك أمس وأتيتك غدا. وكلّ محال فاسد، وليس كلّ فاسد محالا؛ ألا ترى أن قولك:
قام زيد فاسد، وليس بمحال. والمحال ما لا يجوز كونه البتة، كقولك: الدنيا فى بيضة. وأما قولك: حملت الجبل وأشباهه فكذب، وليس بمحال، إن جاز أن يزيد الله فى قدرتك فتحمله.
ويجوز أن يكون الكلام الواحد كذبا محالا؛ وهو قولك: رأيت قائما قاعدا، ومررت بيقظان نائم؛ فتصل كذبا بمحال، فصار الذى هو الكذب هو المحال بالجمع بينهما، وإن كان لكل واحد منهما معنى على حياله؛ وذلك لمّا عقد بعضها ببعض حتى صارا كلاما واحدا.
ومنها الغلط، وهو أن تقول: ضربنى زيد، وأنت تريد ضربت زيدا، فغلطت، فإن تعمّدت ذلك كان كذبا.
وللخطأ صور مختلفة نبّهت على أشياء منها فى هذا الفصل، وبيّنت وجوهها، وشرحت أبوابها لتقف عليها فتجتنبها، كما عرفتك مواقع الصواب فتعتمدها، وليكون فيما أوردت دلالة على أمثاله ممّا تركت؛ ومن لا يعرف الخطأ كان جديرا بالوقوع فيه. فمن ذلك قول امرىء القيس «2» :
(1/70)

ألم تسأل الرّبع القديم بعسعسا «1» ... كأنى أنادى إذ أكلّم أخرسا «2»
هذا من التشبيه فاسد لأجل أنه لا يقال: كلّمت حجرا فلم يجب فكأنه كان حجرا، والذى جاء به امرؤ القيس مقلوب.
وتبعه أبو نواس فقال يصف دارا:
كأنها إذ خرست جارم ... بين ذوى تفنيده مطرق «3»
والجيد منه قول كثّير فى امرأة «4» :
فقلت لها: يا عزّ كلّ مصيبة ... إذا وطّنت يوما لها النّفس ذلّت
كأنّى أنادى صخرة حين أعرضت ... من الصّمّ لو تمشى بها العصم زلّت
فشبّه المرأة عند السكوت والتّغافل بالصّخرة.
قالوا: ومن ذلك قول المسيب بن علس «5» :
وكأن غاربها رباوة مخرم ... وتمدّ ثنى جديلها بشراع «6»
أراد أن يشبّه عنقها بالدّقل «7» ... فشبّهها بالشّراع. وتبعه أبو النجم
فقال «8» :
كأنّ أهدام النّسيل المنسل ... على يديها والشّراع الأطول «9»
(1/71)

والجيد منه قول ذى الرمة «1» :
وهاد كجذع الساج سام يقوده ... معرق أحناء الصّبيّين أشدق «2»
وقال أبو حاتم: الشّراع: العنق، يقال: للعنق الشراع والثليل والهادى، فإذا صحّت هذه الرواية فالمعنى صحيح فى قول أبى النجم.
وقال طفيل:
يرادى على فأس اللّجام كأنما ... يرادى على مرقاة جذع مشذّب «3»
ومن ذلك قول الراعى «4» :
يكسو المفارق واللّبّات ذا أرج ... من قصب معتلف الكافور درّاج
أراد المسك، فجعله من قصب الظبى؛ والقصب: المعى. وجعل الظبى يعتلف الكافور فيتولّد منه المسك، وهذا من طرائف الغلط.
وقريب منه قول زهير «5» :
يخرجن من شربات ماؤها طحل «6» ... على الجذوع يخفن الغمّ «7» والغرقا
ظنّ أنّ الضفادع يخرجن من الماء مخافة الغرق. ومثله قول ابن أحمر «8» :
لم تدر ما نسج اليرندج قبلها ... ودراس أعوص دارس متخدّد
(1/72)

ظنّ أنّ اليرندج مما ينسج، واليرندج: جلد أسود، تعمل منه الخفاف- فارسى معرب، وأصله رنده، وفسره أبو بكر بن دريد تفسيرا آخر، وقال: إنما هذه حكاية عن المرأة التى يصفها ظنّت لقلة تجربتها أنّ اليرندج شىء منسوج، ولم تدارس عويص الكلام، والفاظ البيت لا تدلّ على ما قال.
ومثله قول أوس بن حجر:
كأن ريقتها بعد الكرى اعتبقت ... من ماء ادكن فى الحانوت نضاح «1»
ومن مشعشعة كالمسك يشربها ... أو من أنابيب رمان وتفاح
ظن أنّ الرمّان والتفّاح فى أنابيب، وقيل: إنّ الأنابيب الطرائق التى فى الرمان، وإذا حمل على هذا الوجه صحّ المعنى.
ومن فساد المعنى قول المرقش الأصغر «2» :
صحا قلبه عنها على أنّ ذكرة ... إذا خطرت دارت به الأرض قائما
وكيف صحا عنها من إذا ذكرت له دارت به الأرض، وليس هذا مثل قولهم:
ذهب شهر رمضان إذا ذهب أكثره؛ لأنّ الناس لا يعرفون أشدّ الحب إلّا أن يكون صاحبه فى الحد الذى ذكره المرقش.
والجيد فى السلو قول أوس:
صحا قلبه عن سكره وتأملا ... وكان بذكرى أمّ عمرو موكلا
فقال: وكان بذكرى أمّ عمرو موكلا.
ومثل قول المرقش فى الخطأ قول امرىء القيس «3» :
أغرّك منّى أنّ حبّك قاتلى ... وأنّك مهما تأمرى القلب يفعل
وإذا لم يغررها هذه الحال منه فما الذى يغرّها! وليس للمحتجّ «4» عنه أن يقول:
(1/73)

إنما عنى بالقتل ههنا التّبريح؛ فإنّ الذى يلزمه من الهجنة مع ذكر القتل يلزمه أيضا مع ذكر التّبريح.
ومما أخذ على امرىء القيس قوله «1» :
فللسّوط الهوب وللسّاق درّة ... وللزّجر منه وقع أخرج مهذب «2»
فلو وصف أخسّ حمار وأضعفه ما زاد على ذلك.
والجيد قوله:
على سابح يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جرى غير كزّ ولا وان «3»
وما سمعنا أجود ولا أبلغ من قوله «أفانين جرى» .
وقول علقمة «4» :
فأدركهنّ ثانيا من عنانه ... يمر كمرّ الرائح المتحلّب «5»
فأدرك طريدته وهو ثان من عنانه ولم يضربه بسوط، ولم يمره بساق، ولم يزجره بصوت.
ومما يعاب قول الأعشى «6» :
ويأمر لليحموم كلّ عشيّة ... بقتّ وتعليق فقد كان «7» يسنق «8»
يعنى باليحموم فرس الملك، يقول: إنه يأمر لفرسه كلّ عشية بقت وتعليق؛
(1/74)

وهذا مما لا يمدح به الملوك، بل ولا رجل من خساس الجند.
وقريب منه قول الأخطل «1» :
وقد جعل الله الخلافة منهم ... لأبلج لا عارى الخوان ولا جدب
يقوله فى عبد الملك. ومثل هذا لا يمدح به الملوك.
وأطرف منه قول كثير «2» :
وإنّ أمير المؤمنين برفقه ... غزا كامنات الودّ منى فنالها
فجعل أمير المؤمنين يتودّد إليه.
وقوله لعبد العزيز بن مروان «3» :
وما زالت رقاك تسلّ ضغنى ... وتخرج من مكامنها ضبابى
ويرقينى لك الرّاقون حتى ... أجابت حية تحت التراب
وإنما تمدح الملوك بمثل قول الشاعر:
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمّته الصّغرى أجلّ من الدّهر
له راحة لو أن معشار جودها ... على البرّ كان البرّ أندى من البحر
ومثل قول النابغة «4» :
فإنّك كاللّيل الذى هو مدركى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع «5»
وقوله «6» :
ألم تر أنّ الله أعطاك سورة ... ترى كلّ ملك دونها يتذبذب
بأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
ومن غفلته أيضا قوله- يعنى كثيّرا «7» :
(1/75)

ألا ليتنا يا عزّ من غير ريبة ... بعيران نرعى فى خلاء ونعزب «1»
كلانا به عرّ فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدى وأجرب
نكون لذى مال كثير مغفل ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
إذا ما وردنا منهلا هاج أهله ... إلينا فلا ننفكّ نرمى ونضرب
فقالت له عزّة: لقد أردت بى الشقاء الطويل، ومن المنى ما هو أوطأ من هذه الحال. فهذا من التمنّى المذموم.
ومن ذلك أيضا قول الآخر «2» :
سلّام ليت لسانا تنطقين به ... قبل الّذى نالنى من خبله قطعا «3»
فدعا عليها بقطع لسانها.
ومثله قول عبد بنى الحسحاس «4» :
وراهنّ ربّى مثل ما قد وريننى ... وأحمى على أكبادهنّ المكاويا «5»
ومن ذلك قول جنادة «6» :
من حبّها أتمنّى أن يلاقينى ... من نحو بلدتها ناع فينعاها
لكى يكون «7» فراق لا لقاء له ... وتضمر النفس يأسا ثم تسلاها
فإذا تمنّى المحبّ لحبيبته الموت فما عسى أن يتمنّى المبغض لبغيضته؟ وشتّان بين هذا وبين من يقول:
(1/76)

ألّا ليتنا عشنا جميعا وكان بى ... من الداء ما لا يرعف الناس مابيا
فهذا أقرب إلى الصواب. ولو أن جنادة كان يتمنّى وصلها ولقاءها لكان قد قضى وطرا من المنى ولم تلزمه الهجنة، كما قال العباس بن الأحنف «1» :
فإن تبخلوا عنى ببذل نوالكم ... وبالوصل منكم كى أصبّ وأحزنا
فإنى بلذّات المنى ونعيمها ... أعيش إلى أن يجمع الله بيننا
ومن المختار فى ذكر المنى قول الآخر:
منى إن تكن حقّا تكن أحسن المنى ... وإلّا فقد عشنا بها زمنا رغدا
أمانىّ من ليلى حسان كأنّما ... سقتك بها ليلى على ظمأ بردا
وقول الآخر:
ولما نزلنا منزلا طلّه النّدى ... أنيقا، وبستانا من النّور حاليا
أجدّ لنا طيب المكان وحسنه ... منى فتمنّينا فكنت الأمانيا
وقال الآخر:
فسوّغينى المنى كيما أعيش به ... ثمّ امسكى المنع ما أطلقت آمالى
على أن عنترة ذمّ جميع المنى حيث يقول «2» :
ألا قاتل الله الطّلول البواليا ... وقاتل ذكراك السنين الخواليا
وقولك للشىء الّذى لا تناله ... إذا هويته النّفس: يا ليت ذا ليا
وقيل أيضا:
إنّ ليتا وإنّ لوّا عناء
ومن الفاسد قول النابغة «3» :
ألكنى يا عيين إليك قولا ... ستحمله الرّواة إليك عنّى
(1/77)

وليس من الصواب أن يقال: أرسلنى «1» إلى نفسك ثم قال: ستحمله الرواة إليك عنى.
ومن خطل الوصف قول أبى ذؤيب «2» :
قصر الصّبوح لها فشرّج لحمها ... بالنّىّ فهى تثوخ فيها الإصبع
تأبى بدرّتها إذا ما استكرهت ... إلّا الحميم فإنه يتبضّع «3»
قال الأصمعى: هذه الفرس لا تساوى در همين؛ لأنه جعلها كثيرة اللّحم رخوة «4» تدخل فيها الإصبع. وإنما يوصف بهذا شاء يضحى [بها] ، وجعلها حرونا «5» إذا حرّكت قامت، إلا العرق فإنه يسيل «6» .
والجيد قول أبى النجم:
جردا تعادى كالقداح ذبله ... نطى اللحم ولسنا نهزله
نطويه والطّىّ الدّقيق يجدله ... طىّ التجار العصب إذ تبجله
(1/78)

حتّى إذا اللحم بدا تذبّله ... وانضمّ عن كلّ جواد رهله
راح ورحنا بشديد زجله «1»
وقال غيلان الربعى:
يمتاح عصريها قرون مائها ... متح السّباع الحسى من بطحائها «2»
حتّى اعتصرنا البدن من اعفائها ... بعد انتشار اللحم واستعصائها
تجريدك القناة من لحائها ... مكرمة لا عيب فى احتذائها
وقد قال غيلان أيضا:
قد صار منها اللّحم فوق الأعضا ... مثل جلاميد الضّفاة الصّلغا «3»
وقال أيضا:
فوق الهوادى ذابلات الأكشح ... يشقين أشوال المزاد النّزّح «4»
وقال أيضا:
حتّى إذا ما آض عبلا جرشعا ... قد تمّ كالفالج لا بل أضلعا «5»
هجنا به نطويه حتى استوكعا ... قد اعتصرن البدن منه اجمعا «6»
(1/79)

ثمّ اتّقانا بالّذى لن يدفعا ... وآض أعلى اللّحم منه صومعا «1»
فوصفه بعظم الجسم، وصلابة اللّحم، وما وصف أحد الفرس بترك الانبعاث إذا حرك غير أبى ذؤيب. وإنما توصف بالسرعة فى جميع حالاتها، إذا حرّكت وإن لم تحرّك، فتشبّه بالكوكب، والبرق، والحريق، والريح، والغيث، والسيل، وانفجار الماء فى الحوض، والدّلو ينقطع رشاؤها، ويد السّابح، وغليان المرجل «2» ، والقمقم، وبأنواع الطير: كالبازى، والسّوذنيق، والأجدل «3» ، والقطامى، والعقاب، والقطا، والحمام، والجراد، وأنواع الوحش؛ كالوعل، والظّبى، والذّئب، والتّتفل «4» ، ويشبه بالخذروف «5» ، ولمعان الثّوب، وبالسّهم وبالريح وبالحسى.
قال أعرابىّ وقد سئل عن حضر «6» فرسه: يحضر ما وجد أرضا.
وقال آخر: همها أمامها، وسوطها عنانها. أخذه بعض المحدثين فقال «7» :
فكان لها سوطا إلى ضحوة الغد
وأخذه ابن المعتزّ، فلم يستوفه قوله:
أضيع شىء سوطه إذ يضربه
فذكر «إذ يضربه» . وقال فى أخرى:
صببنا عليها- ظالمين- سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل
وقيل لامرأة: صفى لنا النّاقة النّجيبة. فقالت: عقاب إذا هوت «8» وحيّة إذا التوت، تطوى الفلاة وما انطوت.
(1/80)

وكتب ابن القرّية- عن الحجاج- إلى عبد الملك: بعثت بفرس حسن المنظر، محمود المخبر، جيّد القد، أسيل الخدّ، يسبق الطّرف، ويستغرق الوصف.
وأجود ما قيل فى العدو قول عبدة بن الطبيب «1» :
يخفى التّراب بأظلاف ثمانية ... فى أربع مسّهنّ الأرض تحليل «2»
والتحليل، من تحلّة اليمين، وهو أن يقول إن شاء الله؛ فقول الحالف: إن شاء الله، لا يكون إلا موصولا باليمين. يقول: إن مواصلة هذا الثور بين خطواته كمواصلة الحالف بالتحلّة يمينه من غير تراخ. أخذه المحدث فقال:
كأنّما يرفعن ما لم يوضع
وقال أبو النّجم «3» :
جاء كلمع البرق جاش ما طره ... يسبح أولاه ويطفو آخره
فما يمسّ الأرض منه حافره
وأخذ على أبى النجم قوله:
يسبح أولاه ويطفو آخره
أنشده الأصمعى فقال: حمار الكسّاح أسرع من هذا؛ لأنّ اضطراب مآخيره قبيح؛ وقد أحسن فى قوله: «ويطفو آخره» «4» . وقوله: «فما يمس الأرض منه حافره» جيد.
وقال أبو نواس «5» :
ما إن يقعن الأرض إلا فرطا ... كأنما يعجلن شيئا لقطا
(1/81)

وقال «1» :
فانصاع كالكوكب فى انحداره ... لفت المشير موهنا بناره
وقال ذو الرمة:
كأنه كوكب فى إثر عفرية
أخذه ابن الرومى، فقال «2» :
خذها تبوعا لمن ولى مسومة «3» ... كأنها كوكب فى إثر عفريت
وقال ابن المعتز فى كلبة:
وكلبة زهراء كالشهاب ... تحسبها فى ساعة الذّهاب
نجما منيرا لاح فى انصباب ... خفيفة الوطء على التّراب
وقال خلف بن الأحمر «4» :
كالكوكب الدّرّى منصلتا ... شدا يفوت الطّرف أسرعه
وكأنما جهدت أليته ... أن لا تمسّ الأرض أربعه
أخذه من قول الأعشى:
بجلالة أجد مداخلة ... ما إن تكاد خفافها تقع «5»
وقال أبو نواس «6» :
أرسله كالسّهم إذ غلا به ... يسبق طرف العين فى التهابه
يكاد أن ينسلّ من إهابه ... كلمعان البرق فى سحابه
مأخوذ من قول ذى الرمة «7» :
لا يذخران من الإيغال باقية ... حتّى تكاد تفرّى عنهما الأهب «8»
(1/82)

وقال كثير:
إذا جرى معتمدا لأمه ... يكاد يفرى «1» جلده عن لحمه
وقال أعرابى:
غاية مجد رفعت فمن لها ... نحن حويناها وكنّا أهلها
لو أرسل الرّيح لجئنا قبلها
وقال أبو النجم:
كأنّ فى المرو حريقا يشعله ... أو لمع برق خافق مسلسله «2»
ومما عيب على طرفة قوله «3» :
وإذا تلسننى ألسنها ... إننى لست بموهون فقر «4»
والعاشق يلاطف من يحبّه ولا يحاجّه، ويلاينه ولا يلاجّه.
وقد قال بعض المحدثين «5» :
بنى الحبّ على الجور فلو ... أنصف العاشق فيه لسمج
ليس يستحسن فى وصف الهوى ... عاشق يعرف تأليف الحجج
ومن خطأ المعانى قول الأعشى:
وما رابها من ريبة غير أنّها ... رأت لمّتى شابت وشابت لداتيا
وأى ريبة عند امرأة أعظم من الشيب.
ومثله قوله «6» :
وأنكر تنى وما كان الّذى نكرت ... من الحوادث إلّا الشّيب والصّلعا
(1/83)

وأعجب منه قوله أيضا «1» :
صدّت هريرة عنّا ما تكلّمنا ... جهلا بأمّ خليد حبل من تصل
أإن رأت رجلا أعشى أضرّ به ... ريب الزّمان ودهر خاتل خبل
وأىّ شىء أبغض عند النساء من العشا والضر يتبيّنّه فى الرجل؟ وأعجب ما فى هذا الكلام أنه قال: حبل من تصل هذه المرأة بعدى وأنا بهذه الصفة من العشا والفقر والشّيب؟ فلا ترى كلاما أحمق من هذا.
ومن اضطراب المعنى قول امرىء القيس «2» :
أراهنّ لا يحببن من قلّ ماله ... ولا من رأين الشّيب فيه وقوّسا «3»
وهن يبغضنه من قبل التقويس، فما معنى ذكر التقويس؟ فأما بغضهنّ لمن قوّس فجدير وليس ببديع.
ومن الجيّد فى هذا الباب قول بعض المتأخرين «4» :
لقد أبغضت نفسى فى مشيبى ... فكيف تحبنى الخود «5» الكعاب
وقلت «6» :
فلا تعجبا أن يعبن المشيب ... فما عبن من ذاك إلّا معيبا
إذا كان شيبى بغيضا إلىّ ... فكيف يكون إليها حبيبا
ومن فساد المعنى قول النابغة «7» :
تحيد عن أستن سود أسافله ... مشى الإماء الغوادى تحمل الحزما «8»
وإنما تحمل الإماء حزم الحطب عند رواحهنّ؛ فأما غدوهنّ إلى الصحراء فإنهن مخفّات.
(1/84)

والجيد قول التغلبى:
يظلّ بها ربذ النّعام كأنّها ... إماء تزجّى بالعشىّ حواطب «1»
وقد روى مثل الإماء «2» . وإذا صحّت هذه الرواية سلم المعنى.
والأستن: شجر بشع المنظر تسميّه العرب رءوس الشياطين. وجاء فى بعض التفسير فى قوله تعالى: (طلعها كأنّه رءوس الشياطين) : إنه عنى الأستن.
وقد أساء النابعة أيضا فى وصف الثور حيث يقول «3» :
من وحش وجرة موشىّ أكارعه ... طاوى المصير كسيف الصّيقل الفرد «4»
أراد بالفرد أنه مسلول من غمده، فلم يبن بقوله: «الفرد» عن سلّه بيانا واضحا.
والجيد قول الطّرمّاح وقد أخذه منه: «5»
يبدو وتضمره البلاد كأنّه ... سيف على شرف يسلّ ويغمد
وهذا غاية فى حسن الوصف.
وربما سامح الشاعر نفسه فى شىء فيعود عليه بعيب كبير. وقد قال المتلمّس «6» :
وقد أتناسى الهمّ عند احتضاره ... بناج عليه الصّيعريّة مكدم «7»
(1/85)

كميت كناز اللحم أو حميريّة ... مواشكة تنفى الحصى بمثلم «1»
والصيعرية: سمة للنوق فجعلها للجمل.
وسمعه طرفة ينشدها، فقال: استنوق الجمل. فضحك الناس وسارت مثلا.
فقال له المتلمّس: ويل لرأسك من لسانك، فكان قتله بلسانه- وروى هذا الحديث له مع المسيّب بن علس.
وأخبرنا أبو أحمد عن مهلهل بن يموت عن أبيه، عن الجاحظ أنه قال: وممّن أراد أن يمدح فهجا الأخطل وانبرى له فتى، فقال له: أردت أن تمدح سماكا الأسدى فهجوته، فقلت «2» :
نعم المجير سماكا من بنى أسد ... بالطّفّ «3» إذ قتلت جيرانها مضر
قد كنت أحسبه قينا وأنبؤه ... فاليوم طيّر عن أثوابه الشّرر «4»
وأردت أن تهجو سويد بن منجوف فمدحته، فقلت «5» :
وما جذع سوء خرّب السّوس جوفه «6» ... بما حمّلته وائل بمطيق
فأعطيته الرياسة على وائل، وقدره دون ذلك.
وأردت أن تهجو حاتم بن اليعمان الباهلى وأن تصغّر من شأنه وتضع منه، فقلت:
وسوّد حاتما أن ليس فيها ... إذا ما أوقد النّيران نار
فأعطيته السودد فى الجزيرة وأهلها ومنعته ما لا يضره.
وقلت فى زفر بن الحرث «7» :
بنى أميّة إنى ناصح لكم ... فلا يبيتنّ فيكم آمنا زفر
(1/86)

مفترش كافتراش اللّيث كلكله «1» ... لوقعة كائن فيها لكم جزر «2»
فأردت أن تغرى به فعظّمت أمره، وهوّنت أمر بنى أمية.
ومن اضطراب المعنى ما أخبرنا به أبو أحمد عن مبرمان، عن أبى جعفر بن القبسى «3» ، قال: لما قتلت بنو تغلب عمير بن الحباب السلمى أنشد الأخطل عبد الملك والجحّاف السلمى عنده «4» :
ألا سائل الجحّاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر
فخرج الجحّاف مغضبا حتى أغار على البشر- وهو ماء لبنى تغلب- فقتل منهم ثلاثة وعشرين رجلا، وقال «5» :
أبا مالك هل لمتنى مذ حضضتنى ... على القتل أو هل لامنى لك لائم
متى تدعنى أخرى أجبك بمثلها ... وأنت امرؤ بالحقّ ليس بعالم
فخرج الأخطل حتى أتى عبد الملك، وقد قال «6» :
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعوّل
فإلّا تغيّرها قريش بمثلها «7» ... يكن عن قريش مستماز ومزحل «8»
فقال له عبد الملك: إلى أين يا بن اللخناء «9» ؟ فقال: إلى النّار. فقال. والله لو غيرها قلت لضربت عنقك! ووجه العيب فيه أنه هدّد عبد الملك، وهو ملك الدنيا بتركه إياه والانصراف عنه إلى غيره. وهذه حماقة مجردة، وغفلة لا يطار غرابها. ثم قال «10» :
(1/87)

فلا هدى الله قيسا من ضلالتها ... ولا لعا لبنى ذكوان إذ عثروا «1»
ضجّوا من الحرب إذ عضّت غواربهم ... وقيس غيلان من أخلاقها الضّجر «2»
فقال له عبد الملك: لو كان الأمر كما زعمت لما قلت:
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة
وممن أراد أن يمدح نفسه فهجاها جرير فى قوله «3» :
تعرّض التّيم لى عمدا لأهجوها ... كما تعرّض لاست الخارىء الحجر
فشبّه نفسه باست الخارى.
وقريب من ذلك قول الرّاعى «4» :
ولا أتيت نجيدة بن عويمر ... أبغى الهدى فيزيدنى تضليلا «5»
فأخبر أنه على شىء من الضلال؛ لأن الزيادة لا تكون إلا على أصل، وأراد أن يمدح نفسه فهجاها.
وأراد جرير [أن] يذكر عفوه عن بنى غدانة حين شفع فيهم عطية بن جعال، فهجاهم أقبح هجاء حيث يقول «6» :
أبنى غدانة إننى حرّرتكم ... فوهبتكم لعطيّة بن جعال
لولا عطيّة لاجتدعت أنوفكم ... ما بين ألأم آنف وسبال
(1/88)

فلما سمع عطية هذا الشعر قال: ما أسرع ما رجع أخى فى عطيّته.
ومثل ذلك سواء قول يزيد بن مالك العامرى حيث يقول «1» :
أكفّ الجهل عن حلماء قومى ... وأعرض عن كلام الجاهلينا
فأخبر أنه يحلم عن الجهّال ولا يعاقبهم، ثم نقض ذلك فى البيت الثانى، فقال:
إذا رجل تعرّض مستخفّا ... لنا بالجهل أو شك أن يحينا
فذكر أنه كاد أن يفتك بمن جهل عليه «2» .
وقريب منه قول عبد الرحمن بن عبد الله القس «3» :
أرى هجرها والقتل مثلين فاقصروا ... ملامكم فالقتل أعفى وأيسر
فأوجب أنّ الهجر والقتل سواء، ثم ذكر أنّ القتل أعفى وأيسر «4» ، ولو أتى ببل استوى «5» .
ومن عجائب الغلط قول ذى الرمة «6» :
إذا انجابت الظّلماء أضحت رءوسها ... عليهنّ من جهد الكرى وهى ظلّع «7»
وقال ابن أبى فروة: قلت لذى الرّمة: ما علمت أحدا من الناس أظلع الرءوس غيرك! فقال: أجل.
ومن الغلط قول العجّاج «8» :
كأنّ عينيه من الغؤور ... قلتان أو حوجلتا قارور
صيّرتا بالنّضح والتّصبير ... صلاصل الزّيت إلى الشّطور
(1/89)

فجعل الزّجاج ينضح «1» .
ومن الخطأ قول رؤبة فى صفة قوائم الفرس:
يهوين شتى ويقعن وقعا «2»
فقال له سلم «3» : أخطأت، جعلته مقيّدا، فقال له رؤبة: أدننى من ذنب البعير، أى لست أبصر الخيل، وإنما أنا بصير بالإبل.
ومن الغلط قول رؤبة أيضا «4» :
وكلّ زجّاج سخام الخمل ... يبرى له فى رعلات خطل «5»
جعل للظليم عدّة إناث؛ وليس للظليم إلا أنثى واحدة.
وأخطأ فى قوله «6» :
كنتم كمن أدخل فى جحر يدا ... فأخطأ الأفعى ولاقى الأسودا
(1/90)

فجعل الأفعى دون الأسود فى المضرّة، وهى فوقه فيها.
ومن خطأ الوصف قول أبى النّجم «1» :
أخنس فى مثل الكظام المخطمه «2»
والأخنس: القصير المشافر، وإنما توصف المشافر بالسّبوطة «3» .
ووصف أعرابى إبلا، فقال: كوم بهازر، مكد خناجر، عظام الحناجر، سباط المشافر، أجوافها رغاب، وأعطانها رحاب، تمنع من البهم، وتبذل للجمم.
ناقة مكود وخنجورة «4» : كثيرة اللبن «5» . والبهازر: العظام «6» . والكوم:
المرتفعة الأسنمة. ولم يحسن أيضا صفة ورود الإبل. قال «7» :
جاءت تسامى «8» فى الرّعيل الأوّل ... والظّلّ عن أخفافها لم يفضل
ذكر أنها وردت فى الهاجرة، وهذا خلاف المعهود؛ وإنما يكون الورود غلسا، كقول الآخر «9» :
فوردت قبل الصّباح الفاتق «10»
(1/91)

وقال الآخر (1) :
فوردن قبل تبيّن الألوان
وقول لبيد (1) :
إن من وردى تغليس النّهل
ومن الغلط قول أبى النّجم «1» :
صلب العصا جاف عن التغزّل «2»
يصف راعى الإبل بصلابة العصا، وليس بالمعروف.
والجيّد قول الراعى «3» :
ضعيف العصا بادى العروق ترى له ... عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا «4»
وإنما يقال: فلان صلب العصا على أهله إذا كان شديدا عليهم.
ومن الغلط قول أبى النّجم أيضا فى وصف الفرس، وهو غلط فى اللّفظ «5» :
كأنّها ميجنة القصّار
وإنما الميجنة لصاحب الأدم، وهى التى يدقّ عليها الأدم من حجر وغيره.
ومن فساد المعنى قول الشمّاخ «6» :
بانت سعاد وفى العينين ملمول «7» ... وكان فى قصر من عهدها طول
كان ينبغى أن يقول «8» : فى طول من عهدها قصر؛ لأنّ العيش مع الأحبّة يوصف بقصر المدة، كما قال الآخر:
يطول اليوم لا ألقاك فيه ... وحول نلتقى فيه قصير
(1/92)

ومن اضطراب المعنى قول أبى داود الأيادى «1» :
لو أنها بذلت لذى سقم ... حرض «2» الفؤاد مشارف القبض
حسن «3» الحديث لظلّ مكتئبا ... حرّان من وجد بها مضّ
وكان استواء المعنى أن يقول: لبرأ من سقمه- كما قال الأعشى:
لو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر
وقال تأبط شرا:
قليل غرار النّوم
تقديره قليل يسير النوم، وهذا فاسد؛ ووجه الكلام أن يكون ما ينام إلّا غرارا؛ فإن احتلت له قلت: يعنى أن نومه أيسر من اليسير.
وقول أبى ذؤيب «4» :
فلا يهنأ «5» الواشون أن قد هجرتها ... وأظلم دونى ليلها ونهارها
هذا من المقلوب؛ كان ينبغى أن يقول: وأظلم دونها ليلى ونهارى.
وقول ساعدة «6» :
فلو نّبأتك الأرض أو لو سمعته ... لأيقنت أنى كدت بعدك أكمد
كان ينبغى أن يقول: إنّى بعدك أكمد.
ومن الخطأ قول طرفة يصف ذنب البعير «7» :
كأنّ جناحى مضرحىّ تكنّفا ... حفافيه شكّا فى العسيب بمسرد «8»
وإنما توصف النجائب بخفّة الذنب «9» ... وجعله هذا كثيفا طويلا عريضا.
(1/93)

وقول امرىء القيس «1» :
وأركب فى الرّوع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر
شبّه ناصية الفرس بسعف النخلة لطولها، وإذا غطى الشعر العين لم يكن الفرس كريما.
وقول الحطيئة «2» :
ومن يطلب مساعى آل لأى ... تصعّده الأمور إلى علاها
كان ينبغى أن يقول: من طلب مساعيهما جز عنها وقصّر دونها، فأما إذا تناهى إلى علاها فأى فخر لهم؛ فإن قيل: إنه أراد به [أنه] يلقى صعوبة كما يلقى الصاعد من أسفل إلى علو، فالعيب أيضا لازم له؛ لأنه لم يعبّر عنه تعبيرا مبينا.
وقول النابغة «3» :
ماضى الجنان أخى صبر إذا نزلت ... حرب يوائل منها كل تنبال
التنبال: القصير من الرجال، وليس القصير بأولى بطلب الموئل من الطوال؛ وإن جعل التّنبال الجبان فهو أبعد من الصواب؛ لأن الجبان خائف وجل اشتدت الحرب أم سكنت.
والجيد قول الهمدانى:
يكرّ على المصافّ إذا تعادى ... من الأهوال شجعان الرّجال
وقول المسيب بن علس «4» :
فتسلّ حاجتها إذا هى أعرضت ... بخميصة سرح اليدين وساع
وكأنّ قنطرة بموضع كورها ... وتمدّ ثنى جديلها بشراع «5»
وإذا أطفت بها أطفت بكلكل ... نبض الفرائص مجفر الأضلاع
(1/94)

وهذا من المتناقض؛ لأنه قال خميصة، ثم قال: كأن موضع كورها قنطرة، وهى مجفرة الأضلاع؛ فكيف تكون خميصة وهذه صفتها.
وقول الحطيئة «1» :
حرج يلاوذ بالكناس كأنّه ... متطوّف «2» حتى الصباح يدور
حتى إذا ما الصبح شقّ عموده ... وعلاه أسطع لا يردّ منير
وحصى الكثيب بصفحتيه كأنه ... خبث الحديد أطارهنّ الكير
زعم أنه يطوف حتى الصباح، فمن أين صار الحصى بصفحتيه؟
وقول لبيد «3» :
فلقد أعوص بالخصم «4» وقد ... أملأ الجفنة من شحم القلل
أراد السنام، ولا يسمّى السنام شحما.
وقوله «5» :
لو يقوم الفيل أو فيّاله ... زلّ عن مثل مقامى وزحل
ليس للفيّال من الشدّة والقوة ما يكون مثلا.
ومن الخطأ قول أبى ذؤيب فى الدرة «6» :
فجاء بها ما شئت من لطميّة ... يدوم الفرات فوقها ويموج
والدّرّة إنما تكون فى الماء الملح دون العذب. وقال من احتج له: إنما يريد بماء الدّرة صفاءه فشبّه بماء الفرات؛ لأنّ الفرات لا يخطئه الصفاء والحسن.
وقوله أيضا «7» :
فما برحت فى الناس حتى تبيّنت ... ثقيفا بزيزاء «8» الأشاة «9» قبابها
(1/95)

يقول: ما زالت هذه الخمرة فى الناس يحفظونها حتى أتوا بها ثقيفا. قال الأصمعى:
وكيف تحمل الخمرة إلى ثقيف وعندهم العنب.
وقول عدى بن الرقاع:
لهم راية تهدى الجموع كأنها ... إذا خطرت فى ثعلب «1» الرّمح طائر
والراية لا تخطر، وإنما الخطران للرمح.
ومما لم يسمع مثله قط قول عدى بن زيد فى الخمرة ووصفه إياها بالخضرة حيث يقول:
والمشرف الهيدب يسعى بها ... أخضر مطموثا بماء الحريص «2»
والحريص: السّحابة تحرص وجه الأرض، أى تقشرها بشدّة وقع مطرها.
ومن وضع الشىء فى غير موضعه قول الشاعر:
يمشى بها كلّ موشّى أكارعه ... مشى الهرابذ حجّوا بيعة الدّون
فالغلظ فى هذا البيت فى ثلاثة مواضع: أحدها أن الهرابذ المجوس «3» لا النصارى.
والثانى أن البيعة للنصارى لا للمجوس. والثالث أنّ النصارى لا يعبدون الأصنام ولا المجوس.
ومن المحال الذى لا وجه له قول القس «4» :
وإنّى إذا ما الموت حلّ بنفسها ... يزال بنفسى قبل ذاك فأقبر
وهذا شبيه بقول قائل لو قال: إذا دخل زيد الدار دخل عمرو قبله. وهذا عين المحال الممتنع الذى لا يجوز كونه.
ومن عيوب المعنى مخالفة العرف وذكر ما ليس فى العادة كقول المرار «5» :
وخال على خدّيك يبدو كأنّه ... سنا البدر فى دعجاء باد دجونها
(1/96)

والمعروف أن الخيلان سود أو سمر، والحدود الحسان إنما هى البيض، فأتى هذا الشاعر بقلب المعنى.
وهكذا قول الآخر:
كأنّما الخيلان فى وجهه ... كواكب أحدقن بالبدر
ويمكن أن يحتج لهذا الشاعر بأن يقال: شبّه الخيلان بالكواكب من جهة الاستدارة لا من جهة اللّون.
والجيد فى صفة الخال قول مسلم:
وخال كخال البدر فى وجه مثله ... لقينا المنى فيه فحاجزنا البذل
وقال العباس بن الأحنف «1» :
لخال بذات الخال أحسن عندنا ... من النكتة السّوداء فى وضح البدر
ومن المعانى ما يكون مقصرا غير بالغ مبلغ غيره فى الإحسان، كقول كثير «2» :
وما روضة بالحزن طيّبة الثّرى ... تمجّ الندى «3» حوذانها «4» وعرارها
بأطيب من أردان عزّة موهنا ... وقد أوقدت بالمندل الرّطب «5» نارها
وقد صدق؛ ليس ريح الروض بأطيب من ريح العود، إلا أنه لم يأت بإحسان فيما وصف من طيب عرق المرأة؛ لأن كلّ من تجمّر بالعود طابت رائحته.
والجيد قول امرئ القيس «6» :
ألم تر أنّى كلّما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
والعود الرطب ليس بمختار للبخور؛ وإنما يصلح للمضع والسواك، والعود اليابس أبلغ فى معناه.
(1/97)

وأنشد الكميت نصيبا «1» :
كأنّ الغطامط فى غليها ... أراجيز أسلم تهجو غفارا
فقال نصيب: لم تهج أسلم غفارا قط، فقال الكميت «2» :
إذا ما الهجارس غنّينها ... تجاوبن «3» بالفلوات الوبارا
فقال نصيب: لا يكون بالفلوات وبار، فاستحى الكميت وسكت «4» ومن عيوب المديح عدول المادح عن الفضائل التى تختصّ بالنفس: من العقل، والعفّة، والعدل، والشجاعة، إلى ما يليق بأوصاف الجسم: من الحسن، والبهاء والزّينة، كما قال ابن قيس الرقيّات فى عبد الملك بن مروان «5» :
يأتلق التّاج فوق مفرقه ... على جبين كأنّه الذّهب
فغضب عبد الملك، وقال: قد قلت فى مصعب «6» :
إنما مصعب شهاب من اللّ ... هـ تجلّت عن وجهه الظّلماء «7»
فأعطيته المدح بكشف الغمم، وجلاء الظّلم؛ وأعطيتنى من المدح ما لا فخر فيه؛ وهو اعتدال التاج فوق جبينى الذى هو كالذّهب فى النضارة.
ومثل ذلك قول أيمن بن خزيم فى بشر بن مروان «8» :
يابن الأكارم من قريش كلّها ... وابن الخلائف وابن كلّ قلمّس «9»
(1/98)

من فرع آدم كابرا عن كابر ... حتّى أتيت «1» إلى أبيك العنبس
مروان، إنّ قناته خطّيّة ... غرست أرومتها أعزّ المغرس
وبنيت عند مقام ربك قبّة ... خضراء كلّل تاجها بالفسفس «2»
فسماؤها ذهب وأسفل أرضها ... ورق تلألأ فى صميم الحندس
فما فى هذه الأبيات شىء يتعلّق بالمدح الذى يختصّ بالنفس، وإنما ذكر سودد الآباء، وفيه فخر للأبناء، ولكن ليس العظامى كالعصامىّ، وربما كان سودد الوالد وفضيلته نقيصة للولد إذا تأخّر عن رتبة الوالد، ويكون ذكر الوالد الفاضل تقريعا للولد الناقص.
وقيل لبعضهم: لم لا تكون كأبيك؟ فقال: ليت أبى لم يكن ذا فضل؛ فإنّ فضله صار نقصا لى.
وقد قال الأوّل:
إنّما المجد ما بنى والد الصّد ... ق وأحيا فعاله المولود
وقال غيره فى خلافه:
لئن فخرت بآباء ذوى شرف ... لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا
وقال آخر:
عفّت مقابح أخلاق خصصت بها ... على محاسن أبقاها أبوك لكا
لئن تقدمت أبناء الكرام به ... لقد تأخّر آباء اللّئام بكا
ثم ذكر أيمن بناء قبة حسنة، وليس بناء القباب مما يدل على جود وكرم؛ بل يجوز أن يبنى اللئيم البخيل الأبنية النفيسة، ويتوسّع فى النفقة على الدور الحسنة
(1/99)

مع منع الحق، وردّ السائل، وليس اليسار مما يمدح به مدحا حقيقيا؛ ألا ترى كيف يقول أشجع السّلمى «1» :
يريد الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع
وليس بأوسعهم فى الغنى ... ولكنّ معروفة أوسع
ومن عيوب المدح قول أيمن بن خريم أيضا فى بشر بن مروان «2» :
فإن أعطاك «3» بشر ألف ألف ... رأى حقّا عليه أن يزيدا
وأعقب مدحتى سرجا خلنجا ... وأبيض جوز جانيّا عنودا «4»
وإنّا قد رأينا أمّ بشر ... كأمّ الأسد مذكارا ولودا
جميع هذا الكلام جار على غير الصواب، إلّا فى ابتداء وصفه فى التناهى فى الجود، ثم انحطّ إلى مالا يقع مع الأول موقعا وهو السّرج وغيره. وأتى فى البيت الثالث بما هو أقرب إلى الذّم منه إلى المدح، وهو قوله:
وإنا قد رأينا أمّ بشر ... كأمّ الأسد مذكارا ولودا
لأنّ الناس مجمعون على أنّ نتاج الحيوانات الكريمة أعسر وأولادها أقلّ. كما قال الأول «5» :
بغاث الطّير أكثرها فراخا ... وأمّ الصّقر مقلات «6» نزور
ومن عيوب المدح قول بعضهم- هو عبيد الله بن الحويرث- لبشر بن مروان:
إنّى رحلت إلى عمرو لأعرفه ... إذ قيل بشر ولم أعدل به نشبا
فنكّر الممدوح وسلبه النباهة؛ وكان ينبغى أن يقول: ليعرفنى.
(1/100)

والنادر العجب الذى لا شبه له قول عدىّ بن الرّقاع، وذكر الله سبحانه، فقال «1» :
وكفّك سبطة «2» ونداك غمر ... وأنت المرء تفعل ما تقول
فجعل إلهه امرءا، تعالى الله عما يقول:
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولى، قال: أخبرنا أبو العيناء عن الأصمعى قال:
اجتمع جرير والفرزدق عند الحجّاج. فقال: من مدحنى منكما بشعر يوجز فيه ويحسن صفتى فهذه الخلعة له؛ فقال الفرزدق «3» :
فمن يأمن الحجاج والطير تتّقى ... عقوبته إلّا ضعيف العزائم
فقال جرير «4» :
فمن يأمن الحجّاج أمّا عقابه ... فمرّ وأمّا عقده فوثيق
يسرّ لك البغضاء كلّ منافق ... كما كلّ ذى دين عليك شفيق
فقال الحجاج للفرزدق: ما عملت شيئا، إنّ الطير تنفر من الصبىّ «5» والخشبة؛ ودفع الخلعة إلى جرير.
والجيد فى المديح قول زهير «6» :
هنالك أن يستخولوا المال يخولوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا «7»
(1/101)

وفيهم مقامات حسان وجوهها ... وأندية ينتابها القول والفعل «1»
فلما استتمّ وصفهم بحسن المقال، وتصديق القول بالفعل، وصفهم بحسن الوجوه.
ثم قال:
على مكثريهم حقّ من يعتريهم ... وعند المقلّين السماحة والبذل «2»
فلم يخل مكثرا ولا مقلّا منهم من برّ وفضل.
ثم قال:
فإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل
فوصفهم بالحلم.
ثم قال:
وإن قام منهم قائم قال قاعد ... رشدت فلا غرم عليك ولا خذل
فوصفهم أيضا بالتّضافر والتّعاون.
فلما آتاهم هذه الصفات النفيسة ذكر فضل آبائهم فقال:
وما يك «3» من خير أتوه فإنّما ... توارثه آباء آبائهم قبل «4»
وهل ينبت الخطىّ إلّا وشيجه ... وتغرس إلّا فى منابتها النّخل «5»
وكقول ذى الرمة «6» :
إلى ملك «7» يعلو الرّجال بفضله ... كما بهر «8» البدر النّجوم السّواريا
فما مرتع الجيران «9» إلّا جفانكم «10» ... تبارون أنتم والرياح تباريا
(1/102)

أخذه بعضهم، فقال وأحسن:
رأيتكم بقيّة حىّ قيس ... وهضبته الّتى فوق الهضاب
تبارون الرّياح إذا تبارت ... وتمتثلون أفعال السّحاب
يذكرنى مقامى فى ذراكم ... مقامى أمس فى ظلّ الشّباب
وكقول الراعى:
إنى وإياك والشكوى التى قصرت ... خطوى وبابك والوجد الذى أجد
كالماء والظالع الصّديان يطلبه ... وهو الشّفاء له لو أنّه يرد
ضافى العطيّة، راجيه وسائله ... سيّان، أفلح من يعطى ومن يعد
وقول مروان بن أبى حفصة «1» :
بنو مطر يوم اللّقاء كأنّهم ... أسود لهم فى غيل خفّان «2» أشبل
هم المانعون «3» الجار حتّى كأنّما ... لجارهم فوق السّماكين منزل
بها ليل فى الإسلام سادوا ولم يكن ... كأوّلهم فى الجاهليّة أوّل
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا
ولا يستطيع الفاعلون فعالهم ... وإن أحسنوا فى النّائبات وأجملوا
تلاث بأمثال الجبال حباهم ... وأحلامهم منها لدى الوزن أثقل
ويقول الآخر:
علّم الغيث الندى حتى إذا ... ما حكاه علّم البأس الأسد
فله الغيث مقرّ بالنّدى ... وله اللّيث مقرّ بالجلد
وكقول الآخر:
شبه الغيث فيه والليث وال ... بدر فسمح ومحرب وجميل
(1/103)

ومع ما ذكرناه فإنّه لا ينبغى أن يخلو المدح من مناقب لآباء الممدوح، وتقريظ من يعرف به وينسب إليه.
وأنشد أبو الخطاب الفضل بن يحيى:
وجد له يابن أبى علىّ ... بنفحة من ملك سخىّ
فإنّه عود على بدىّ ... فإنّما الوسمىّ بالولىّ «1»
فقال الفضل: بنفحة من نفح برمكى؛ فجعله كذلك.
وأنشده مروان بن أبى حفصة:
نفرت فلا شلّت يد خالديّة ... رتقت بها الفتق الذى بين هاشم
فقال له الفضل: قل برمكية؛ فقد يشركنا فى خالد بشر كثير، ولا يشركنا فى برمك أحد.
والهجاء أيضا إذا لم يكن يسلب الصفات المستحسنة التى تختصّها النفس؛ ويثبت الصفات المستهجنة التى تختصها أيضا لم يكن مختارا.
والاختيار أن ينسب المهجوّ إلى اللؤم والبخل والشّره وما أشبه ذلك.
وليس بالمختار فى الهجاء أن ينسبه إلى قبح الوجه وصغر الحجم وضؤولة الجسم؛ يدلّ على ذلك قول القائل «2» :
فقلت لها: ليس الشّحوب على الفتى ... بعار ولا خير الرجال سمينها
وقول الآخر:
تنال الخير ممّن تزدريه ... ويخلف ظنّك الرّجل الطّرير
وقول الآخر «3» :
رأوه فازدروه وهو خرق ... وينفع أهله الرجل القبيح
(1/104)

وذكر السموءل أنّ قلة العدد ليست بعيب، فقال «1» :
تعيّرنا أنّا قليل عديدنا ... فقلت لها إنّ الكرام قليل
ومن الهجاء الجيّد قول بعضهم «2» :
اللّؤم أكرم من وبر ووالده ... واللّؤم أكرم من وبر وما ولدا
قوم إذا ماجنى جانيهم أمنوا ... من لؤم أحسابهم أن يقتلوا قودا «3»
وقول أعشى باهلة «4» :
بنو تيم قرارة كلّ لؤم ... كذاك لكلّ سائلة قرار «5»
وتبعه أبو تمام، فقال «6» :
ملقى الرجاء وملقى الرّحل فى نفر ... الجود عندهم قول بلا عمل
أضحوا بمستنّ «7» سبل اللّؤم «8» وارتفعت ... أموالهم فى هضاب المطل والعلل
ونقله إلى موضع آخر، فقال «9» :
وكانت زفرة «10» ثمّ اطمأنّت ... كذاك لكلّ سائلة قرار
وقول الآخر «11» :
لو كان يخفى على الرّحمن خافية ... من خلقه خفيت عنه بنو أسد
وقول الحكم الحضرى «12» :
ألم تر أنّهم رقموا بلؤم ... كما رقمت بأذرعها الحمير
(1/105)

ومن خبيث الهجاء قول الآخر «1» :
إن يغدروا أو يجبنوا ... أو يبخلوا لا يجفلوا «2»
يغدوا عليك مرجّلي ... ن كأنّهم لم يفعلوا
وقول الآخر «3» :
لو اطّلع الغراب على تميم ... وما فيها من السّوءات شابا «4»
وقول مرة بن عدى الفقعسى «5» :
وإذا تسرّك من تميم خصلة ... فلما يسوءك من تميم أكثر
ومن المبالغة فى الهجاء قول ابن الرومى «6» :
يقتّر عيسى على نفسه ... وليس بباق ولا خالد
ولو يستطيع لتقتيره ... تنفّس من منخر واحد
والناس يظنون أنّ ابن الرومى ابتكر هذا المعنى، وإنما أخذه ممن حكاه أبو عثمان أنّ بعضهم قبر إحدى عينيه وقال: إنّ النظر بهما فى زمان واحد من الإسراف.
وقول البحترى «7» :
وردّدت العتاب عليك حتّى ... سئمت وآخر الودّ العتاب
وهان عليك سخطى حين تغدو ... بعرض ليس تأكله الكلاب
(1/106)

ومن خطأ الوصف قول كعب بن زهير «1» :
ضخم مقلّدها فعم مقيّدها «2»
لأن النجائب توصف بدقّة المذبح «3» .
ومن خطأ اللفظ قول ذى الرّمة:
حتّى إذا الهيق أمسى شام أفرخه ... وهنّ لا مويس نأيا ولا كثب «4»
لأنّه لا يقال شام إلّا فى البرق.
ومن ردىء التشبيه قول لبيد «5» :
فمتى ينقع صراخ صادق ... يحلبوها ذات جرس وزجل
فخمة ذفراء ترتى بالعرا ... قردمانيّا وتركا كالبصل
فشبّه البيضة بالبصل، وهو بعيد، وإن كانا يتشابهان من جهة الاستدارة لبعد ما بينهما فى الحنس.
وقول أبى العيال «6» :
ذكرت أخى فعاودنى ... صداع الرّأس والوصب «7»
(1/107)

فذكر الرأس مع الصّداع فضل، لأنّ الصداع لا يكون فى الرّجل ولا فى غيرها من الأعضاء. وفيه وجه آخر من العيب؛ وهو أن الذّاكر لما قد فات من محبوب يوصف بألم القلب واحتراقه لا بالصّداع.
وقول أوس بن حجر «1» :
وهم لمقلّ المال أولاد علّة ... وإن كان محضا فى العمومة مخولا
فقوله: «المال» مع المقلّ فضل.
وقول عبد الرحمن بن عبد الله الخزرجى «2» :
قيدت فقد لان حاذاها «3» وحاركها ... والقلب منها مطار القلب مذعور «4»
فما سمعنا بأعجب من قوله: فالقلب منها مطار القلب.
وقول الآخر: «5»
ألا حبّذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النّأى والبعد
فقوله: «النّأى» مع «البعد» فضل، وإن كان قد جاء من هذا الجنس فى كلامهم كثير، والبيت فى نفسه بارد.
ومن عيوب اللفظ ارتكاب الضرورات فيه كما قال المتلمس «6» :
إن تسلكى سبل الموماة منجدة ... ما عاش عمر وما عمّرت قابوس «7»
(1/108)

أراد [ما عاش عمرو] «1» وما عمّر قابوس وقول الأعشى «2» - حكاه بعض الأدباء وعابه:
من القاصرات سجوف الحجا ... ل لم تر شمسا ولا زمهريرا
قال: لا توضع الشّمس مع الزمهرير. قال: وكان يجب أن يقول، لم تر شمسا ولا قمرا، ولم يصبها حرّ ولا قر، وقد أخطأ لأنّ القرآن قد جاء فيه موضع هاتين اللفظتين معا.
ومن المطابقة أن يتقارب التضاد دون تصريحه، وهذا كثير فى كلامهم. وقد أوردناه فى باب الطباق.
وكقول علقمة «3» :
يحملن أترجّة نضخ العبير بها ... كأنّ تطيابها فى الأنف مشموم
والتطياب هاهنا على غاية السماجة. والطيب أيضا مشموم لا محالة، فقوله:
كأنه مشموم هجنة. وقوله: فى الأنف أهجن؛ لأن الشمّ لا يكون بالعين.
وقول عامر بن الطفيل «4» :
تناولته فاحتل سيفى ذبابه ... شراشيفه العليا وجذّ المعاصما «5»
وهذا البيت على غاية التكلف.
وقول خفاف بن ندبة «6» :
إن تعرضى وتضنّى بالنّوال لنا ... تواصلين «7» إذا واصلت أمثالى
وكان ينبغى أن يقول: إن تضنّى بالنوال علينا، على أنّ البيت كله مضطرب النّسج.
(1/109)

وقول الحطيئة «1» :
صفوف وماذىّ الحديد عليهم ... وبيض كأولاد النّعام كثيف «2»
جعل بيض النّعام أولادها.
ومن عيوب اللّفظ استعماله فى غير موضعه المستعمل فيه، وحمله على غير وجهه المعروف به؛ كقول ذى الرمة «3» :
نغار إذا ما الرّوع أبدى عن البرى ... ونقرى عبيط اللّحم والماء جامس «4»
لا يقال: ماء جامس، وإنما يقال: ودك جامس.
وقول جرير «5» :
لمّا تذكّرت بالدّيرين أرّقنى ... صوت الدّجاج وقرع بالنّواقيس
قالوا: لا يكون التّأريق إلّا أوّل الليل. والدجاج: الديكة هاهنا.
وقول عدىّ بن زيد فى الفرس: «فارها متابعا» . لا يقال: فرس فاره، إنما يقال بغل فاره.
وقول النابغة «6» :
رقاق النّعال طيّب حجزاتهم ... يحيّون بالرّيحان يوم السّباسب «7»
يمدح بذلك ملوكا بأنهم يحيّون بالريحان يوم السباسب، ويوم السباسب يوم عيد لهم؛ ومثل هذا لا يمدح به السوقة فضلا عن الملوك.
(1/110)

ومنه قوله فيهم «1» :
وأكسية الإضريح فوق المشاجب «2»
جعل لهم أكسية حمرا يضعونها على مشاجب. فترى لو كان لهم ديباج أين كانوا يضعونه؛ وليس هذا مما يمدح به الملوك.
ومن الردىء أيضا قول امرىء القيس «3» :
أرانا موضعين لأمر غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب
عصافير وذبّان ودود ... وأجر من مجلّحة الذئاب «4»
هذا وإن لم يكن مستحيلا، فهو على غاية القباحة فى اللفظ وسوء التمثيل.
وقول بشر:
على كل ذى ميعة سابح ... يقطع ذو أبهريه الحزاما «5»
وإنّما له أبهر واحد.
ومن الأبيات العارية الخربة من المعانى قول جرير للأخطل «6» :
قال الأخيطل إذ رأى راياتكم ... يا مار سرجس لا أريد قتالا
ومن المتناقض قول عروة بن أذينة «7» :
نزلوا «8» ثلاث منى بمنزل غبطة ... وهم على غرض لعمرك ماهم
(1/111)

متجاورين بغير دار إقامة ... لو قد أجدّ رحيلهم لم يندموا
فقال: لبثوا فى دار غبطة، ثم قال: لو رحلوا لم يندموا.
ومثله قول جرير «1» :
فلم أر دارا مثلها دار غبطة ... وملقى إذا التفّ الحجيج بمجمع
أقلّ مقيما راضيا بمقامه ... وأكثر جارا ظاعنا لم يودّع
وهل يغتبط عاقل بمكان من لا يرضى به» .
وقول جميل «3» :
خليلىّ فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حبّ قاتله مثلى «4»
فلو تركت عقلى معى ما طلبتها «5» ... ولكن طلابيها لما فات من عقلى
زعم أنه يهواها لذهاب عقله، ولو كان عاقلا ما هويها.
والجيّد قول الآخر «6» :
وما سرنى أنّى خلىّ من الهوى ... ولو أن لى من بين شرق إلى غرب
فإن كان هذا الحبّ ذنبى إليكم ... فلا غفر الرّحمن ذلك من ذنب
وقول الآخر:
أحببت قلبى لما أحبّكم ... وصار رأيى لرأيه تبعا
وربّ قلب يقول صاحبه ... تبّا لقلبى فبئس ما صنعا
والجيد فى هذا المعنى قول البحترى «7» :
ويعجبنى فقرى إليك ولم يكن ... ليعجبنى لولا محبّتك الفقر
وقول العرجى:
من ذكر ليلى وأىّ الأرض ما سكنت ... ليلى فإنى بتلك الأرض محتبس
(1/112)

ومنه:
مثل الضفادع نقّاقون وحدهم ... إذا خلوا وإذا لاقيتهم خرس
وقال ابن داود: من التشبيه الّذى لا يقع أبرد منه قول أبى الشيص:
وناعس لو يذوق الحبّ ما نعسا ... بلى عسى أن يرى طيف الحبيب عسى
وللهوى جرس ينفى الرّقاد به ... فكلما كدت أغفى حرّك الجرسا
وقول الآخر:
إنّ قلبى سلّ من غير مرض «1» ... وفؤادى من جوى الحبّ غرض «2»
كجراب كان فيه جبن ... دخل الفأر عليه فقرض
وقال عبد الملك يوما لجلسائه: أعلمتم أنّ الأحوص أحمق لقوله:
فما بيضة بات الظّليم يحفها ... ويجعلها بين الجناح وحوصله
بأحسن منها يوم قالت تدلّلا ... تبدّل خليلى إننى متبدّله
فما أعجبه وهى تقول هذه المقالة! والجيد قول أبى تمام «3» :
لا شىء أحسن منه ليلة وصله «4» ... وقد اتخذت مخدّة من خدّه
وأنشد عبد الملك قول نصيب «5» :
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فواحزنا من ذا يهيم بها بعدى «6»
فقال بعض من حضر؛ أساء القول؛ أيحزن لمن يهيم بها بعده؟ فقال عبد الملك:
فلو كنت قائلا ما كنت تقول؟ فقال:
(8- الصناعتين)
(1/113)

أهيم بدعد ما حييت فإن أمت «1» ... أو كلّ بدعد من يهيم بها بعدى
فقال عبد الملك: أنت والله أسوأ قولا؛ أتوكّل من يهيم بها! ثمّ قال:
الجيّد «2» :
أهيم بدعد ما حييت «3» فإن أمت ... فلا صلحت دعد لذى خلّة بعدى
وأخذ الأصمعىّ على الشّماخ قوله «4» :
رحى حيزومها كرحى الطّحين «5»
وقال: السعدانة «6» توصف بالصّغر. فقال من احتجّ للشماخ: إنما شبهها بالرّحى لصلابتها «7» ، كما قال:
قلائص يطحنّ الحصى بالكراكر «8»
ومن المعيب قول عمر بن أبى ربيعة هذا «9» :
أومت بكفّيها من الهودج ... لولاك فى «10» ذا العام لم أحجج
أنت إلى مكة أخرجتنى ... حبّا ولولا أنت لم أخرج
لا ينبىء الإيماء عن هذه المعانى كلها.
ونحوه قول المثقب العبدى «11» :
(1/114)

تقول إذا درأت لها وضينى ... أهذا دينه أبدا ودينى «1»
أكلّ الدهر حلّ وارتحال ... أما يبقى علىّ ولا يقينى
والذى يقارب الصواب قول عنترة «2» :
فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلىّ بعبرة وتحمحم
لو كان يدرى ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو علم الكلام مكلّمى
ومن النسيب الردىء قول نصيب «3» :
فإن تصلى أصلك وإن تعودى ... لهجر «4» بعد وصلك لا أبالى
وذلك أنّ التجلّد من العاشق مذموم. وفى خلاف ذلك قول زهير «5» :
لقد باليت مطعن أمّ أوفى ... ولكن أمّ أوفى لا تبالى
وقول عمر بن أبى ربيعة «6» :
قالت لها أختها تعاتبها «7» ... لا تفسدنّ الطّواف فى عمر
قومى تصدّى له ليبصرنا «8» ... ثم اغمزيه يا أخت فى خفر»
قالت لها قد غمزته فأبى ... ثم اسبكرّت تشتدّ فى أثرى «10»
فشبّب بنفسه ووصفها بالقحة، وناقض فى حكايته عن صاحبتها؛ فذكر نهيها إياها عن إفساد الطّواف فيه، ثم إنها قالت لها: «قومى انظرى» .
(1/115)

ومما جاء فى ذلك من أشعار المحدثين قول بشّار «1» :
إنّما عظم سليمى حبّتى «2» ... قصب السّكر لا عظم الجمل
وإذا أدنيت منها «3» بصلا ... غلب المسك على ريح البصل
وقوله «4» :
وبعض الجود خنزير
ومن المعانى البشعة قول أبى نواس «5» :
يا أحمد المرتجى فى كلّ نائبة ... قم سيّدى نعص جبّار السّموات
فهذا مع كفره ممقوت.
وكذا قوله:
لو أكثر التسبيح ما نجّاه
وقوله «6» :
من رسول الله من نفره
وقد تبع فى هذا القول حسان بن ثابت فى قوله «7» :
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفرّقت الأهواء والشّيع
والخطأ من كل واحد خطأ.
وقول أبى نواس أيضا «8» :
أحبب قريشا لحبّ أحمدها
وقوله «9» :
تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها ... خلقا وخلقا كما قدّ الشّراكان
(1/116)

فزعم أنّ ابن زبيدة «1» مثل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى خلقه وخلقه.
ومثل ذلك قول أبى الخلال فى يزيد بن معاوية:
يأيها الميت بحوّارينا ... إنّك خير النّاس أجمعينا
وقول أبى العتاهية:
غنيت عن الوصل القديم غنيتا ... وضيّعت ودّا كان لى ونسيتا «2»
ومن أعجب الأشياء «3» أن مات مألفى ... ومن كنت ترعانى «4» له وبقيتا
تجاهلت عمّا كنت تحسن وصفه ... ومتّ عن الإحسان حين حييتا
وليس من العجب أن يموت إنسان ويبقى بعده إنسان آخر؛ بل هذه عادة الدنيا والمعهود من أمرها، ولو قال: «من ظلم الأيام» كان المعنى مستويا.
وسمعت بعض العلماء يقول: ومن المعانى الباردة قول أبى نواس فى صفة البازى:
فى هامة علياء تهدى منسرا ... كعطفة الجيم بكفّ أعسرا
فهذا جيّد مليح مستوفى.
ثم قال:
يقول من فيها بعقل فكّرا ... لو زادها عينا إلى فاء ورا
فاتّصلت بالجيم صار جعفرا
فمن يجهل أن الجيم إذا أضيف إليها العين والفاء والراء تصير جعفرا.
وسواء قال هذا، أو قال:
لو زادها حاء إلى دال ورا ... فاتصلت بالجيم صار جحدرا
وما يدخل فى صفة البازى من هذا القول.
(1/117)

وتبعه أبو تمام فقال «1» :
هنّ الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهنّ فإنّهنّ حمام «2»
فمن ذا الذى جهل أنّ الحمام إذا كسرت حاؤها صارت حماما.
وإنما أراد أبو نواس أنه يشبه الجيم لا يغادر من شبهها شيئا، حتى لو زدت عليها هذه الأحرف صارت جعفرا لشدّة شبهها به، وهو عندى صواب، إلا أنه لو اكتفى بقوله: «كعطفة الجيم بكف أعسرا» ولم يزد الزيادة التى بعدها كان أجود وأرشق وأدخل فى مذاهب الفصحاء، وأشبه بالشعر القديم.
وأما قول أبى تمام فله معنى خلاف ما ذكره، وذلك أنه أراد أنك إذا أردت الزّجر والعيافة أدّاك الحمام إلى الحمام، كما أنّ صوتها الذى يظنّ أنه بكاء إنما هو طرب، ويؤدّيك إلى البكاء الحقيقى «3» ؛ وهذا المعنى صحيح؛ إلا أن المعنى إذا صار بهذه المنزلة من الدّقة كان كالمعمّى؛ والتعمية حيث يراد البيان عىّ.
ومن عيوب المعنى قول أبى نواس فى صفة الأسد «4» :
كأنما عينه إذا نظرت ... بارزة الجفن عين مخنوق
فوصف عين الأسد بالجحوظ، وهى توصف بالغؤور؛ كما قال الرّاجز «5» :
كأنّما ينظر من خرق حجر
وكقول أبى زبيد:
كأن عينيه فى وقبين من حجر ... قيضا اقتياضا بأطراف المناقير «6»
(1/118)

وقوله أيضا:
وعينان كالوقبين فى قلب صخرة ... يرى فيهما كالجمرتين تسعر
وأنشد مروان بن أبى حفصة عمارة بن عقيل بيته فى المأمون «1» :
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا ... بالدّين، والناس بالدنيا مشاغيل
فقال له: مازدته على أن وصفته بصفة عجوز فى يدها مسباحها؛ فهلا قلت:
كما قال جدّى فى عمر بن عبد العزيز:
فلا هو فى الدنيا مضيع نصيبه ... ولا عرض الدّنيا عن الدين شاغله
ومن الغلط قول أبى تمام «2» :
رقيق حواشى الحلم لو أنّ حلمه ... بكفيّك ما ماريت فى أنه برد «3»
وما وصف أحد من أهل الجاهلية ولا أهل الإسلام الحلم بالرّقة، وإنما يصفونه بالرجحان والرزانة؛ كما قال النابغة «4» :
وأعظم أحلاما وأكبر سيدا ... وأفضل مشفوعا إليه وشافعا
وقال الأخطل «5» :
صمّ عن الجهل عن قيل الخناخرس ... وإن ألمّت بهم مكروهة صبروا «6»
شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم النّاس أحلاما إذا قدروا
وقال أبو ذؤيب «7» :
وصبر على حدث النّائبات ... وحلم رزين وعقل ذكىّ
(1/119)

وقال عدىّ بن الرّقاع «1» :
أبت لكم مواطن طيّبات ... وأحلام لكم تزن الجبالا
وقال الفرزدق «2» :
إنّا لتوزن بالجبال حلومنا ... ويزيد جاهلنا على الجهّال
ومثل هذا كثير.
وإذا ذمّوا الرجل قالوا: خفّ حلمه وطاش، كما قال عياض بن كثير الضبى «3» :
تنابلة «4» سود خفاف حلومهم ... ذوو نيرب فى الحىّ يغدو ويطرق
وقال عقبة بن هبيرة الأسدى:
أبنو المغيرة مثل آل خويلد ... يا للرّجال لخفّة الأحلام
لا، بل أحسبنى سمعت بيتا لبعض المحدثين يصف فيه الحلم بالرّقة وليس بالمختار.
ومن خطئه أيضا قوله «5» :
من الهيف لو أنّ الخلاخل صيّرت ... لها وشحا جالت عليها الخلاخل
ولو قال: «نطقا» لكان حسنا، وهذا خطأ كبير؛ وذلك أنّ الخلخال قدره فى السعة معروف، ولو صار وشاحا للمرأة لكانت المرأة فى غاية الدّمامة والقصر، حتى [لو كانت] هى فى خلقة الجرذ والهرّة، ولو قال: «حقبا» لكان جيّدا، كما قال النمرى «6» :
ولو قست يوما حجلها بحقابها «7» ... لكان سواء، لا، بل الحجل أوسع
(1/120)

فجعل الحجل أوسع من الحقاب؛ لأنّ امتلاء الأسوق محمود ودقّة الخصور ممدوح.
والجيّد فى ذكر الوشاح قول ذى الرمة «1» :
عجزاء ممكورة خمصانة قلق ... عنها الوشاح وتم الجسم والقصب «2»
وقال ابن مقبل:
وقد دقّ منها الخصر حتّى وشاحها ... يجول، وقد عمّ الخلاخيل والقلبا «3»
وقال طرفة «4» :
وملء السوار مع الدملجين ... وأما الوشاح عليها فجالا
وقال كثير «5» :
يجول الوشاح بأقرابها «6» ... وتأبى خلاخلها أن تجولا
ومن الخطأ قوله- أى أبو تمام «7» :
قسم الزّمان ربوعها بين الصّبا ... وقبولها ودبورها أثلاثا
والصّبا: هى القبول.
أخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنا أبو بكر بن دريد عن أبى حاتم عن الأصمعى قال: مهب الجنوب من مطلع سهيل إلى طرف جناح الفجر، وما يقابل ذلك من ناحية المغرب، فهى الشمال، وما يجىء من وراء البيت الحرام فهى دبور، وما يقابل ذلك فهى القبول، والقبول والصّبا واحدة.
(1/121)

والجيّد ما قال البحترى «1» :
متروكة للريح بين شمالها ... وجنوبها ودبورها وقبولها
وأما قوله «2» :
شنئت الصّبا إذ قيل وجّهن قصدها ... وعاديت من بين الرياح قبولها
فإنما يعنى شنئت هذين الاسمين؛ لأنّ حمول الظاعنين توجّهت نحوها.
ومن الخطأ قول أبى المعتصم:
كأنما أربعة إذا تناهبن الثّرى ... ريح القبول والدّبور والشّمال والصّبا
ومن الخطأ قوله- أى أبو تمام- «3» :
الودّ للقربى ولكن عرفه «4» ... للأبعد الأوطان دون الأقرب
ولا أعرف لم حرم أقارب هذا الممدوح عرفه وصيره للأبعدين؟ فنقصه الفضل فى صلة الرحم، وإذا لم يكن مع الود نفع لم يعتدّ به. قال الأعشى:
بانت وقد أسأرت «5» فى النفس حاجتها ... بعد ائتلاف وخير الودّ مانفعا
وقال المقنع:
جعلت لهم منّى مع الصّلة الودّا «6»
وقد أغرى أبو تمام بهذا القول أقرباء الممدوح؛ لأنّهم إذا رأوا عرفه يفيض فى الأبعدين ويقصر عنهم أبغضوه وذمّوه.
وقد ذمّ الشّاعر الطريقة التى يمدح بها أبو تمام، فقال:
كمرضعة أولاد أخرى وضيّعت ... بنيها فلم ترقع بذلك مرقعا
وقال آخر- وهو ابن هرمة «7» :
(1/122)

كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
وقال أبو دواد الإيادى «1» :
إذا كنت مرتاد الرّجال لنفعهم ... فرش «2» واصطنع عند الذين بهم ترمى
وقال آخر «3» :
وإذا أصبت من النّوافل رغبة ... فامنح عشيرتك الأدانى فضلها
وذمّ قديما المذهب الذى ذهب إليه أبو تمام مسافر العبشمى، فقال «4» :
تمدّ إلى الأقصى بثديك كلّه ... وأنت على الأدنى صرور مجدّد
فإنّك لو أصلحت من أنت مفسد ... تودّدك الأقصى الذى تتودّد
وقال المسيب بن علس «5» :
من الناس من يصل الأبعدين ... ويشقى به الأقرب الأقرب
وقال الحارث بن كلدة «6» :
من الناس من يغشى الأباعد نفعه ... ويشقى به حتّى الممات أقاربه
وقد ذهب البحترى مذهب أبى تمام، فقال «7» :
بل كان أقربهم من سيبه سببا ... من كان أبعدهم من جذمه رحما
إلا أنه لم يخرجهم من معروفه، وإن كان قد دخل تحت الإساءة.
والجيّد قوله «8» :
ظل فيه البعيد مثل القرى ... ب المجتبى والعدوّ مثل الصديق
وقوله أيضا «9» :
ما إن يزال النّدى يدنى إليه يدا ... ممتاحة من بعيد الدّار والرّحم
(1/123)

ومن الخطأ قوله «1» :
ورحب صدر لو انّ الأرض واسعة ... كوسعه لم يضق عن أهله بلد
وذلك أنّ البلدان التى تضيق بأهلها لم تضق بأهلها لضيق الأرض، ومن اختطّ البلدان لم يختطّها على قدر ضيق الأرض وسعتها؛ وإنما اختطّت على حسب الاتّفاق؛ ولعل المسكون منها لا يكون جزءا من ألف جزء؛ فلأى معنى تصييره ضيق البلدان الضيقة من أجل ضيق الأرض. والصواب أن يقول: ورحب صدر لو أن الأرض واسعة كوسعه لم يسعها الفلك؛ أو لضاقت عنها السماء؛ أو يقول: لو أن سعة كلّ بلد كسعة صدره لم يضق عن أهله بلد.
والجيّد فى هذا المعنى قول البحترى «2» :
مفازة صدر لو تطرّق لم يكن ... ليسلكها فردا سليك المقانب «3»
أى لم يكن ليسلكها إلّا بدليل لسعتها؛ على أن قوله «مفازة صدر» استعارة بعيدة.
ومن الخطأ قول أبى تمام «4» :
سأحمد نصرا «5» ما حييت وإنّنى ... لأعلم أن قد جلّ نصر عن الحمد
وقد رفع الممدوح عن الحمد الذى رضيه الله جل وعزّ لنفسه، وندب عباده لذكره ونسبه إليه، وافتتح به كتابه. وقد قال الأول: الزيادة فى الحدّ نقصان، ولم نعرف أحدا رفع أحدا عن الحمد، ولا من استقلّ الحمد للمدوح.
قال زهير بن أبى سلمى»
:
متصرّف للحمد معترف ... للرزء نهّاض إلى الذكر
وقال الأعشى «7» :
(1/124)

ولكن على الحمد إنفاقه ... وقد يشتريه بأغلى ثمن
وقال الحطيئة:
ومن يعط أثمان المحامد يحمد
وقالت الخنساء «1» :
ترى الحمد يهوى إلى بيته ... يرى أفضل المجد أن يحمدا
والجيّد قول البحترى «2» :
لو جلّ خلق قطّ عن أكرومة ... تنثى جللت عن النّدى والباس
ومن الخطأ قوله «3» :
ظعنوا فكان بكاى حولا بعدهم ... ثم ارعويت وذاك حكم لبيد
أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها ... بالدّمع أن تزداد طول وقود
هذا خلاف ما يعرفه الناس؛ لأنهم قد أجمعوا أنّ البكاء يطفىء الغليل، ويبرد حرارة المحزون، ويزيل شدّة الوجد.
وذكروا أنّ امرأة مات ولدها فأمسكت نفسها عن البكاء صبرا واحتسابا، فخرج الدم من ثدييها؛ وذلك لما ورد عليها من شدّة الحزن مع الامتناع من البكاء.
وقد شهد أبو تمام بصحّة ما ذكرناه، وخالف قوله الأوّل، فقال «4» :
نثرت فريد مدامع لم تنظم ... والدمع يحمل بعض ثقل المغرم «5»
وقال «6» :
واقع «7» بالحدود والبرد منه ... واقع بالقلوب والأكباد
(1/125)

وقال امرؤ القيس «1» :
وإنّ شفائى عبرة مهراقة ... فهل عند رسم دارس من معوّل
وأخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا الأنبارى، قال: حدثنا محمد بن المرزبان، قال حدثنا حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلى قال: حدثنا محمد بن كناسة، قال، قال أبو بكر بن عياش: كنت وأنا شابّ إذا أصابتتى مصيبة لا أبكى فيحترق جوفى، فرأيت أعرابيا بالكناس على ناقة له والناس حوله وهو ينشد «2» :
خليلىّ عوجا من صدور الرّواحل ... ببرقة حزوى «3» فابكيا فى المنازل
لعلّ انحدار الدّمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفى نجىّ البلابل
فسألت عن الأعرابى؛ فقيل: هو ذو الرمّة؛ فكنت بعد ذلك إذا أصابتنى مصيبة بكيت فاشتفيت. فقلت: قاتل الله الأعرابى ما كان أبصره! وقال الفرزدق «4» :
فقلت لها إنّ البكاء لراحة ... به يشتفى من ظنّ أن لا تلاقيا
وقد تبعه البحترى على إساءته، فقال «5» :
فعلام فيض مدامع تدق الجوى ... وعذاب قلب فى الحسان معذّب
تدق: من الوديقة، وهى الهاجرة لدنوّ الحرّ فيها. والودق: أصله الدنو؛ يقال: أتان وديق، إذا دنت من الفحل. والودق: القطر؛ لدنوّه من الأرض بعد انحلاله من السحاب.
والخطأ الفاحش له قوله؛ أى أبو تمام «6» :
رضيت وهل أرضى إذا كان مسخطى ... من الأمر ما فيه رضا من له الأمر
والمعنى: لست أرضى إذا كان الذى يسخطنى هو الذى يرضاه الله عزّ وجلّ؛
(1/126)

لأنّ هل تقرير لفعل ينفيه عن نفسه، كما تقول: هل يمكننى المقام؟ وهل آتى بما تكره؟ معناه لا يمكننى المقام. ومعنى قوله: هل أرضى إذا كان مسخطى؟
أى لا أرضى.
ومن الخطأ قوله «1» :
ويوم «2» كطول الدّهر فى عرض مثله ... ووجدى من هذا وهذاك أطول
قد استعمل الناس الطول والعرض فيما ليس له، استعمالا مخصوصا، كقول كثير «3» :
أنت ابن فرعى قريش لو تقايسها ... فى المجد صار إليك العرض والطول
أى صار إليك المجد بتمامه.
وقول كثيّر أيضا:
بطاحىّ له نسب مصفّى ... وأخلاق لها عرض وطول
فعلى هذا استعمل هذان اللفظان.
وقالوا: هذا الشىء فى طول ذلك وعرضه؛ إذا كان مما يرى طوله وعرضه، ولا يستعمل فيما ليس له طول وعرض على الحقيقة، ولا يجوز مخالفة الاستعمال البتة.
وكان أبو تمام قد استوفى المعنى فى قوله: «كطول الدهر» ولم يكن به حاجة إلى ذكر العرض.
ومن الخطأ قول البحترىّ- ورواه لنا أبو أحمد عن ابن عامر لأبى تمام، والصحيح أنه للبحترى:
بدت صفرة فى لونه إنّ حمدهم ... من الدرّ ما اصفرّت حواشيه فى العقد
وإنما يوصف الدرّ بشدّة البياض، وإذا أريد المبالغة فى وصفه وصف بالنصوع، ومن أعيب عيوبه الصفرة. وقالوا: كوكب درّى، لبياضه؛ وإذا اصفرّ احتيل
(1/127)

فى إزالة صفرته. ليتضوّا. واستعمال الحواشىّ فى الدر أيضا خطأ؛ ولو قال نواحيه، لكان أجود، والحاشية للبرد والثوب، فأما حاشية الدرّ فغير معروف، وفيها:
وجرّت على الأيدى مجسة جسمه ... كذلك موج البحر ملتهب الوقد
وهذا غلط؛ لأنّ البحر غير ملتهب الموج ولا متقّد الماء، ولو كان متقّدا أو ملتهبا لما أمكن ركوبه؛ وإنما أراد أن يعظّم أمر الممدوح فجاء بما لا يعرف.
وفيها:
ولست ترى شوك القتادة خائفا ... سموم رياح القادحات من الزّند
وهذا خطأ؛ لأنه شبّه العليل بشوك القتاد على صلابته على شدّة العلّة، وزعم أنّ شوك القتاد لا يخاف النّار التى تقدح بالزّناد. وقد علمنا أنّ النار تفلق الصّخر وتلين الحديد؛ فكيف يسلم منها القتاد؟ وليس لذكر السّموم والرياح أيضا فى هذا البيت فائدة ولا موقع.
ولما مات المتوكل أنشد رجل جماعة «1» :
مات الخليفة أيّها الثّقلان
فقالوا: جيّد؛ نعى الخليفة إلى الجنّ والإنس فى نصف بيت، فقال:
فكأننى أفطرت فى رمضان
فضحكوا منه.
ونورد هاهنا جملة نتمّم بها معانى هذا الباب:
ينبغى أن تعرف أن أجود الوصف ما يستوعب أكثر معانى الموصوف، حتى كأنه يصوّر الموصوف لك فتراه نصب عينك، وذلك مثل قول الشماخ فى نبالة «2» :
خلت «3» غير آثار الأراجيل ترتمى ... تقعقع فى الآباط منها وفاضها
(1/128)

فهذا البيت يصوّر لك هرولة الرجالة، ووفاضها فى آباطها تتقعقع.
وإفاض جمع وفضة وهى الجعبة. وقول يزيد بن عمرو الطائى:
ألا من رأى قومى كأنّ رجالهم ... نخيل أتاها عاضد فأمالها
فهذا التشبيه كأنه يصوّر لك القتلى مصروعين.
وقال العتابى فى السحاب:
والغيم كالثوب فى الآفاق منتشر ... من فوقه طبق من تحته طبق
تظنه مصمتا لافتق فيه فإن ... سالت عزاليه قلت الثوب منفتق
إن معمع الرّعد فيه قلت منخرق ... أو لألأ البرق فيه قلت محترق
وينبغى أن يكون التشبيب دالّا على شدة الصبابة، وإفراط الوجد، والتهالك فى الصبوة، ويكون بريّا من دلائل الخشونة والجلادة، وأمارات الإباء والعزّة. ومن أمثلة ذلك قول أبى الشيص «1» :
وقف الهوى بى حيث أنت فليس لى ... متأخّر عنه ولا متقدّم
أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبّا لذكرك فليلمنى اللّوّم
أشبهت أعدائى فصرت أحبّهم ... إذ كان حظّى منك حظّى منهم
وأهنتنى فأهنت نفسى صاغرا ... ما من يهون عليك ممّن أكرم
فهذا غاية التهالك فى الحب، ونهاية الطاعة للمحبوب.
ويستجاد التشبيب أيضا إذا تضمّن ذكر التشوق والتذكّر لمعاهد الأحبة، بهبوب الرياح، ولمع البروق، وما يجرى مجراهما من ذكر الدّيار والآثار.
(9- الصناعتين)
(1/129)

فمن أجود ما قيل فى الديار قول الأزدى:
فلم تدع الأرياح والقطر والبلى ... من الدار إلّا ما يشفّ ويشغف
وفى ذكر البروق قول الأول:
سرى البرق من نحو الحجاز فشاقنى ... وكلّ حجازىّ له البرق شائق
بدا مثل نبض العرق والبعد دونه ... وأكناف لبنى دوننا والأسالق «1»
نهارى بأشراف التّلاع موكّل ... وليلى إذا ما جنّنى اللّيل آرق
فواكبدى ممّا ألاقى من الهوى ... إذا حنّ إلف أو تألّق بارق
وكذا ينبغى أن يكون التشبيب دالّا على الحنين، والتحسّر، وشدة الأسف؛ كقوله:
وليست عشيّات الحمى برواجع ... إليك ولكن خلّ عينيك تدمعا
وأذكر أيام الحمى ثم أنثنى ... على كبدى من خشية أن تصدّعا
وقال ابن مطير:
وكنت أذود العين أن ترد البكا ... فقد وردت ما كنت عنه أذودها
خليلىّ ما فى العيش عيب لو أنّنا ... وجدنا لأيّام الحمى من يعيدها
فهذا يدلّ على تحسّر شديد، وحنين مفرط.
وقول الآخر:
وددت بأبرق العيشوم أنّى ... ومن أهوى جميعا فى رداء
أباشره وقد نديت عليه ... وألصق صحّة منه بدائى
فحنّ إليه حنين السقيم إلى الشفاء.
ومن الشعر الدالّ على شدّة الحسرة والشوق قول الآخر:
يقر بعينى أن أرى رملة الغضا ... إذا ما بدت يوما لعينى قلالها
ولست وإن أحببت من يسكن الغضا ... بأوّل راج حاجة لا ينالها
(1/130)

وينبغى أن يظهر الناسب الرغبة فى الحبّ، وألّا يظهر التبرّم به، كأبى صخر حين يقول «1» :
فياحبّها زدنى جوى كلّ ليلة ... ويا سلوة الأيّام موعدك الحشر
وقول الآخر:
تشكّى المحبّون الصّبابة ليتنى ... تحمّلت ما يلقون من بينهم وحدى
فكانت لنفسى لذة الحبّ كلّها ... ولم يلقها قبلى محبّ ولا بعدى
وينبغى أن يكون فى النسيب دليل التدلّه والتحيّر، كقول الحكم الحضرى:
تساهم ثوباها ففى الدرع رأدة «2» ... وفى المرط لفّاوان ردفهما عبل
فو الله ما أدرى أزيدت ملاحة ... وحسنا على النسوان أم ليس لى عقل
وقيل لبعضهم: ما بلغ من حبّك لفلانة؟ فقال: إنى أرى الشمس على حيطانها أحسن منها على حيطان جيرانها.
ولما كانت أغراض الشعراء كثيرة، ومعانيهم متشعّبة جمّة، لا يبلغها الإحصاء كان من الوجه أن نذكر ما هو أكثر استعمالا، وأطول مدارسة له، وهو المدح، والهجاء، والوصف، والنسيب، والمراثى، والفخر؛ وقد ذكرت قبل هذا المديح والهجاء وما ينبغى استعماله فيهما؛ ثم ذكرت الآن الوصف والنسيب، وتركت المراثى والفخر؛ لأنهما داخلان فى المديح. وذلك أنّ الفخر هو مدحك نفسك بالطّهارة، والعفاف، والحلم، والعلم، والحسب، وما يجرى مجرى ذلك.
والمرثية مديح الميّت، والفرق بينهما وبين المديح أن تقول: كان كذا وكذا، وتقول فى المديح: هو كذا وأنت كذا. فينبغى أن تتوخّى فى المرثية ما تتوخّى فى المديح، إلا أنك إذا أردت أن تذكر الميت بالجود والشجاعة تقول: مات الجود، وهلكت الشّجاعة؛ ولا تقول: كان فلانا جوادا وشجاعا؛ فإنّ ذلك بارد غير مستحسن، وما كان الميت يكدّه فى حياته فينبغى ألّا يذكر أنه يبكى عليه مثل
(1/131)

الخيل والإبل وما يجرى مجراهما، وإنما يذكر اغتباطهم بموته. وقد أحسنت الخنساء حيث تقول «1» :
فقد فقدتك طلقة واستراحت ... فليت الخيل فارسها يراها
بل يوصف بالبكاء عليه من كان يحسن فى حياته «2» إليه كما قال الغنوىّ:
ليبكك شيخ لم يجد من يعينه ... وطاوى الحشا نائى المزار غريب
فهذه جملة إذا تدبّرها صانع الكلام استغنى بها عن غيرها، وبالله التوفيق.
(1/132)

الباب الثالث فى معرفة صنعة الكلام وترتيب الألفاظ (فصلان)
الفصل الأوّل فى كيفية نظم الكلام والقول فى فضيلة الشعر وما ينبغى استعماله فى تأليفه
إذا أردت أن تصنع كلاما فأخطر معانيه ببالك، وتنوّق له كرائم اللفظ، واجعلها على ذكر منك؛ ليقرب عليك تناولها، ولا يتعبك تطلّبها، واعمله ما دمت فى شباب نشاطك؛ فإذا غشيك الفتور، وتخوّنك الملال فأمسك؛ فإنّ الكثير مع الملال قليل، والنفيس مع الضّجر خسيس؛ والخواطر كالينابيع يسقى منها شىء بعد شىء، فتجد حاجتك من الرّى، وتنال أربك من المنفعة. فإذا أكثرت عليها نضب ماؤها، وقلّ عنك غناؤها.
وينبغى أن تجرى مع الكلام معارضة، فإذا مررت بلفظ حسن أخذت برقبته، أو معنى بديع تعلّقت بذيله، وتحذّر أن يسبقك فإنه إن سبقك تعبت فى تتبّعه، ونصبت فى تطلّبه؛ ولعلك لا تلحقه على طول الطلب، ومواصلة الدأب؛ وقد قال الشاعر:
إذا ضيّعت أول كل أمر ... أبت أعجازه إلّا التواء
وقالوا: ينبغى لصانع الكلام ألّا يتقدّم الكلام تقدما، ولا يتبع ذناباه تتبّعا، ولا يحمله على لسانه حملا؛ فإنه إن تقدّم الكلام لم يتبعه خفيفه وهزيله وأعجفه والشارد منه. وإن تتبعه فاتته سوابقه ولواحقه، وتباعدت عنه جياده وغرره؛ وإن حمله على لسانه ثقلت عليه أوساقه وأعباؤه، ودخلت مساويه فى محاسنه.
(1/133)

ولكنه يجرى معه فلا تندّ عنه نادّة معجبة سمنا إلّا كبحها، ولا تتخلّف عنه مثقلة هزيلة إلّا أرهقها. فطورا يفرّقه ليختار أحسنه، وطورا يجمعه ليقرب عليه خطوة الفكر، ويتناول اللفظ من تحت لسانه، ولا يسلّط الملل على قلبه ولا الإكثار على فكره. فيأخذ عفوه، ويستغزر درّه، ولا يكره أبيّا، ولا يدفع أتيا.
وقال بشر بن المعتمر «1» : خذ من نفسك ساعة لنشاطك، وفراغ بالك، وإجابتها لك؛ فإنّ قلبك فى تلك الساعة أكرم جوهرا، وأشرق حسنا، وأحسن فى الأسماع، وأحلى فى الصدور، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب لكل غرّة من لفظ كريم، ومعنى بديع.
واعلم أنّ ذلك أجدى عليك ممّا يعطيك يومك الأطول بالكدّ والمطالبة والمجاهدة والتكلّف والمعاودة؛ ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولا قصدا، وخفيفا على اللسان سهلا؛ وكما خرج عن ينبوعه، ونجم من معدنه.
وإياك والتوعّر؛ فإن التوعّر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذى يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك، ومن أراغ معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما؛ فإنّ حقّ المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن يصونهما عما يدنّسهما ويفسدهما ويهجنهما، فتصير بهما إلى حدّ تكون فيه أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس منازل البلاغة، وترتهن نفسك فى ملابستهما، فكن فى ثلاث منازل:
فأوّل الثلاث أن يكون لفظك شريفا عذبا، وفخما سهلا، ويكون معناك ظاهرا مكشوفا، وقريبا معروفا. فإن كانت هذه لا تواتيك، ولا تسنح لك عند أوّل خاطر، وتجد اللفظة لم تقع موقعها، ولم تصل إلى مركزها، ولم تتّصل بسلكها، وكانت قلقة فى موضعها، نافرة عن مكانها، فلا تكرهها على اغتصاب
(1/134)

الأماكن، والنزول فى غير أوطانها؛ فإنك إن لم تتعاط قريض الشعر المنظوم، ولم تتكلّف اختيار الكلام المنثور لم يعبك بذلك أحد، وإن تكلّفته ولم تكن حاذقا مطبوعا، ولا محكما لشأنك بصيرا عابك من أنت أقلّ عيبا منه، وزرى عليك من هو دونك.
فإن ابتليت بتكلّف «1» القول، وتعاطى الصناعة، ولم تسمح لك الطبيعة فى أوّل وهلة، وتعصّى عليك بعد إجالة الفكرة، فلا تعجل، ودعه سحابة يومك ولا تضجر، وأمهلة سواد ليلتك، وعاوده عند نشاطك؛ فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة إن «2» كانت هناك طبيعة وجريت من الصناعة على عرق؛ وهى- المنزلة الثانية.
فإن تمنّع عليك بعد ذلك مع ترويح الخاطر، وطول الإمهال، فالمنزلة «3» الثالثة أن تتحوّل عن هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك، وأخفّها عليك؛ فإنك لم تشتهها إلّا وبينكما نسب، والشىء لا يحنّ إلا إلى ما شاكله، وإن كانت المشاكلة قد تكون فى طبقات؛ فإنّ النفوس لا تجود بمكنونها، ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة، كما تجود مع الرّغبة والمحبّة.
وينبغى أن تعرف أقدار المعانى، فتوازن بينها وبين أوزان المستمعين، وبين أقدار الحالات؛ فتجعل لكلّ طبقة كلاما، ولكلّ حال مقاما، حتى تقسم أقدار المعانى على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار الحالات.
واعلم أنّ المنفعة مع موافقة الحال، وما يجب لكلّ مقام من المقال؛ فإن كنت متكلّما، أو احتجت إلى عمل خطبة لبعض من تصلح له الخطب، أو قصيدة لبعض ما يراد له القصيد، فتخطّ ألفاظ المتكلمين، مثل الجسم والعرض والكون والتأليف والجوهر، فإنّ ذلك هجنة.
(1/135)

وخطب بعضهم فقال: إنّ الله أنشأ الخلق وسوّاهم ومكّنهم ثم لا شاهم، فضحكوا منه؛ وقال بعض المتأخرين:
نور تبين فيه لاهوتيه ... فيكاد يعلم علم ما لن يعلما
فأتى من الهجنة بما لا كفاء له، وكذلك كن أيضا إذا كنت كاتبا.
الرسائل والخطب
واعلم أنّ الرسائل والخطب متشاكلتان فى أنهما كلام لا يلحقه وزن ولا تقفية، وقد يتشاكلان أيضا من جهة الألفاظ والفواصل؛ فألفاظ الخطباء تشبه ألفاظ الكتّاب فى السهولة والعذوبة؛ وكذلك فواصل الخطب، مثل فواصل الرسائل؛ ولا فرق بينهما إلّا أنّ الخطبة يشافه بها، والرسالة يكتب بها؛ والرسالة تجعل خطبة، والخطبة تجعل رسالة، فى أيسر كلفة؛ ولا يتهيّأ مثل ذلك فى الشعر من سرعة قلبه وإحالته إلى الرسائل إلّا بكلفة؛ وكذلك الرسالة والخطبة لا يجعلان شعرا إلا بمشقّة.
ومما يعرف أيضا من الخطابة والكتابة أنّهما مختصّتان بأمر الدين والسلطان، وعليهما مدار الدّار، وليس للشّعر بهما اختصاص.
أمّا الكتابة فعليها مدار السلطان.
والخطابة لها الحظّ الأوفر من أمر الدّين؛ لأنّ الخطبة شطر الصلاة التى هى عماد الدّين فى الأعياد والجمعات والجماعات، وتشتمل على ذكر المواعظ التى يجب أن يتعهّد بها الإمام رعيّته لئلّا تدرس من قلوبهم آثار ما أنزل الله عزّ وجلّ من ذلك فى كتابه، إلى غير ذلك من منافع الخطب.
الشعر
ولا يقع الشّعر «1» فى شىء من هذه الأشياء موقعا، ولكنّ له مواضع لا ينجع فيها غيره من الخطب والرسائل وغيرها، وإن كان أكثره قد بنى على الكذب والاستحالة من الصفات الممتنعة، والنعوت الخارجة عن العادات والألفاظ الكاذبة؛
(1/136)

من قذف المحصنات، وشهادة الزور، وقول البهتان؛ لا سيما الشعر الجاهلىّ الذى هو أقوى الشعر وأفحله؛ وليس يراد منه إلّا حسن اللفظ، وجودة المعنى؛ هذا هو الذى سوّغ استعمال الكذب وغيره مما جرى ذكره فيه.
وقيل لبعض الفلاسفة: فلان يكذب فى شعره؛ فقال: يراد من الشاعر حسن الكلام، والصّدق يراد من الأنبياء.
فمن مراتبه العالية التى لا يلحقه فيها شىء من الكلام النظم «1» الذى به زنة الألفاظ، وتمام حسنها؛ وليس شىء من أصناف المنظومات يبلغ فى قوة اللفظ منزلة الشعر.
ميزات الشعر على غيره
ومما يفضل به غيره أيضا طول بقائه على أفواه الرّواة، وامتداد الزمان الطويل به؛ وذلك لارتباط بعض أجزائه ببعض؛ وهذه خاصة له فى كلّ لغة، وعند كلّ أمة؛ وطول مدة الشىء من أشرف فضائله.
ومما يفضل به غيره من الكلام استفاضته فى الناس وبعد سيره فى الآفاق؛ وليس شىء أسير من الشعر الجيّد، وهو فى ذلك نظير الأمثال.
وقد قيل: لا شىء أسبق إلى الأسماع، وأوقع فى القلوب، وأبقى على الليالى والأيام من مثل سائر، وشعر نادر.
ومما يفضل به غيره أنه ليس يؤثّر فى الأعراض والأنساب تأثير الشعر فى الحمد والذم شىء من الكلام؛ فكم من شريف وضع، وخامل دنىء رفع؛ وهذه فضيلة غير معروفة فى الرسائل والخطب.
ومما يفضلهما به أيضا أنه ليس شىء يقوم مقامه فى المجالس الحافلة، والمشاهد الجامعة، إذا قام به منشد على رءوس الأشهاد، ولا يفوز أحد من مؤلّفى الكلام بما يفوز به صاحبه من العطايا الجزيلة، والعوارف السنيّة، ولا يهتزّ ملك، ولا رئيس لشىء من الكلام كما يهتزّ له، ويرتاح لاستماعه؛ وهذه فضيلة أخرى لا يلحقه فيها شىء من الكلام.
(1/137)

ومنه أنّ مجالس الظّرفاء والأدباء لا تطيب، ولا تؤنس إلّا بإنشاد الأشعار، ومذاكرة الأخبار؛ وأحسن الأخبار عندهم ما كان فى أثنائها أشعار؛ وهذا شىء مفقود فى غير الشعر.
ومما يفضل به الشعر أن الألحان- التى هى أهنى اللّذات- إذا سمعها ذوو القرائح الصافية، والأنفس اللطيفة، لا تتهيّأ صنعتها إلا على كل منظوم من الشعر؛ فهو لها بمنزلة المادّة القابلة لصورها الشريفة؛ إلّا ضربا من الألحان الفارسية تصاغ على كلام غير منظوم نظم الشعر، تمطّط فيه الألفاظ؛ فالألحان منظومة، والألفاظ منثورة.
ومن أفضل فضائل الشّعر أنّ ألفاظ اللغة إنما يؤخذ جزلها وفصيحها، وفحلها وغريبها من الشعر؛ ومن لم يكن راوية لأشعار العرب تبيّن النقص فى صناعته.
ومن ذلك أيضا أنّ الشواهد تنزع من الشّعر، ولولاه لم يكن على ما يلتبس من ألفاظ القرآن وأخبار الرسول صلّى الله عليه وسلّم شاهد.
وكذلك لا نعرف أنساب العرب وتواريخها وأيّامها ووقائعها إلّا من جملة أشعارها؛ فالشعر ديوان العرب، وخزانة حكمتها، ومستنبط آدابها، ومستودع علومها؛ فإذا كان ذلك كذلك فحاجة الكاتب والخطيب وكلّ متأدّب بلغة العرب أو ناظر فى علومها [إليه] ماسّة وفاقته إلى روايته شديدة.
وأمّا النقص الذى يلحق الشّعر من الجهات التى ذكرناها فليس يوجب الرغبة عنه والزّهادة فيه، واستثناء الله عزّ وجلّ فى أمر الشعراء يدلّ على أنّ المذموم من الشعر إنما هو المعدول عن جهة الصواب إلى الخطأ والمصروف عن جهة الإنصاف والعدل إلى الظلم والجور.
وإذا ارتفعت هذه الصفات ارتفع الذم، ولو كان الذمّ لازما له لكونه شعرا لما جاز أن يزول عنه على حال من الأحوال. ومع ذلك فإنّ من أكمل الصفات
(1/138)

صفات الخطيب والكاتب أن يكونا شاعرين كما أن من أتمّ صفات الشاعر أن يكون خطيبا كاتبا. والذى قصّر بالشعر كثرته وتعاطى كلّ أحد له حتى العامة والسفلة؛ فلحقه من النقص ما لحق العود والشّطرنج حين تعاطاهما كلّ أحد.
ومن صفات الشعر الذى يختصّ بها دون غيره أنّ الإنسان إذا أراد مدبح نفسه فأنشأ رسالة فى ذلك أو عمل خطبة فيه جاء فى غاية القباحة، وإن عمل فى ذلك أبياتا من الشعر احتمل.
ومن ذلك أنّ صاحب الرياسة والأبّهة لو خطب بذكر عشيق له، ووصف وجده به، وحنينه إليه، وشهرته فى حبّه، وبكاءه من أجله لاستهجن منه ذلك، وتنقّص به فيه؛ ولو قال فى ذلك شعرا لكان حسنا.
كيف تعمل للشعر
وإذا أردت أن تعمل شعرا فأحضر المعانى التى تريد نظمها فكرك، وأخطرها على قلبك، واطلب لها وزنا يتأتّى فيه إيرادها وقافية يحتملها؛ فمن المعانى ما تتمكّن من نظمه فى قافية ولا تتمكّن منه فى أخرى، أو تكون فى هذه أقرب طريقا وأيسر كلفة منه فى تلك؛ ولأن تعلو الكلام فتأخذه من فوق فيجىء سلسا سهلا ذا طلاوة ورونق خير من أن يعلوك فيجىء كزّا فجّا ومتجعدا جلفا.
فإذا عملت القصيدة فهذّبها ونقّحها؛ بإلقاء ماغثّ من أبياتها، ورثّ ورذل، والاقتصار على ما حسن وفخم، بإبدال حرف منها بآخر أجود منه، حتى تستوى أجزاؤها وتتضارع هواديها وأعجازها.
فقد أنشدنا أبو أحمد رحمه الله قال: أنشدنا أبو بكر بن دريد:
طرقتك عزّة من مزار نازح ... يا حسن زائرة وبعد مزار
ثم ثال أبو بكر: لو قال: «يا قرب زائرة وبعد مزار» لكان أجود. وكذلك هو لتضمّنه الطّباق.
وأخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر عن عبد الرحمن عن عمه عن المنتجع بن نبهان،
(1/139)

قال: سمعت الأشهب بن جميل يقول: أنا أوّل من ألقى الهجاء بين جرير وابن لجأ، أنشدت جريرا قوله «1» :
تصطكّ إلحيها على دلائها ... تلاطم الأزد على عطائها
حتى بلغت إلى قوله:
تجرّ بالأهون من دعائها ... جزّ العجوز الثّنى من كسائها «2»
فقال جرير: ألا قال: «جرّ الفتاة طرفى ردائها» فرجعت إلى ابن لجأ فأخبرته.
فقال: والله ما أردت إلا ضعفة العجوز؛ ووقع بينهما الشرّ. وقول جربر: «جرّ العروس طرفى ردائها» . أحسن وأظرف وأحلى من قول عمرو بن لجأ: «جرّ العجوز الثنى من كسائها» . وليس فى اعتذار ابن لجأ بضعفة العجوز فائدة؛ لأنّ الفتاة معها من الدلال ما يقوم فى الهوينا مقام ضعفة العجوز. وإنكار جرير قوله: «الثّنى من كسائها» نقد دقيق، وإنما أنكره لأنّ فيه شعبة من التكلف. وقول جرير:
«طرفى ردائها» أسلس وأسهل وأقلّ حروفا.
وقولك: رأيت الإيعاز بذلك أجود من قولك: رأيت أن أوعز بذلك؛ كذا وجدت حذّاق الكتّاب يقولون. وعجبت من البحترى كيف قال «3» :
لعمر الغوانى يوم صحراء أربد ... لقد هيّجت وجدا على ذى توجّد
ولو قال: «على متوجد» لكان أسهل وأسلس وأحسن.
وفى غير هذه الرواية قال، فقال ابن لجأ لجرير: فقد قلت أعجب من هذا، وهو قولك «4» :
وأوثق عند المردفات عشيّة ... لحاقا إذا ماجرّد السيف لامع
والله لو لم يلحقن إلا عشيّا لما لحقن حتى نكحن وأحبلن.
(1/140)

وقد كان هذا دأب جماعة من حذّاق الشعراء من المحدثين والقدماء، منهم زهير؛ كان يعمل القصيدة فى ستة أشهر ويهذّبها فى ستة أشهر، ثم يظهرها، فتسمّى قصائده الحوليات لذلك.
وقال بعضهم: خير الشعر الحولى المنقّح؛ وكان الحطيئة يعمل القصيدة فى شهر، وينظر فيها ثلاثة أشهر ثم يبرزها. وكان أبو نواس يعمل القصيدة ويتركها ليلة، ثم ينظر فيها فيلقى أكثرها ويقتصر على العيون منها؛ فلهذا قصر أكثر قصائده.
وكان البحترى يلقى من كل قصيدة يعملها جميع ما يرتاب به فخرج شعره مهذبا.
وكان أبو تمام لا يفعل هذا الفعل، وكان يرضى بأوّل خاطر فنعى عليه عيب كثير.
وتخيّر الألفاظ، وإبدال بعضها من بعض يوجب التئام الكلام؛ وهو من أحسن نعوته وأزين صفاته، فإن أمكن مع ذلك منظوما من حروف سهلة المخارج كان أحسن له وأدعى للقلوب إليه، وإن اتّفق له أن يكون موقعه فى الإطناب والإيجاز أليق بموقعه، وأحقّ بالمقام والحال كان جامعا للحسن، بارعا فى الفضل؛ وإن بلغ مع ذلك أن تكون موارده تنبيك عن مصادره، وأوّله يكشف قناع آخره، كان قد جمع نهاية الحسن، وبلغ أعلى مراتب التمام.
ومثاله ما أنشدنا أبو أحمد قال: أنشدنا أبو الحسن أحمد بن جعفر البرمكى، قال:
أنشدنا عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لنفسه:
أشارت بأطراف البنان المخضّب ... وضنّت بما تحت النقاب المكتّب
وعضّت على تفاحة فى يمينها ... بذى أشر عذب المذاقة أشنب
وأومت بها نحوى فقمت مبادرا ... إليها فقالت: هل سمعت بأشعب
فهذا أجود شعر سبكا وأشدّه التئاما وأكثره طلاوة وماء.
وينبغى أن تجعل كلامك مشتبها أوله بآخره، ومطابقا هاديه لعجزه، ولا تتخالف
(1/141)

أطرافه، ولا تتنافر أطراره «1» ، وتكون الكلمة منه موضوعة مع أختها، ومقرونة بلفقها؛ فإنّ تنافر الألفاظ من أكبر عيوب الكلام؛ ولا يكون ما بين ذلك حشو يستغنى عنه ويتم الكلام دونه.
ومثال ذلك من الكلام المتلائم الأجزاء، غير المتنافر الأطرار قول أخت عمرو ذى الكلب:
فأقسم يا عمرو لو نبّهاك ... إذا نبّها منك داء عضالا
إذا نبّها ليث عرّيسة «2» ... مفيتا مفيدا نفوسا ومالا
وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكّى الكلالا «3»
فكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى اللّيل فيه الهلالا
فجعلته الشمس بالنهار، والهلال بالليل. وقالت: مفيتا مفيدا، ثم فسرت فقالت:
نفوسا ومالا.
وقال الآخر:
وفى أربع منّى حلت منك أربع ... فما أنا دار أيّها هاج لى كربى
أوجهك فى عينى أم الرّيق فى فمى ... أم النطق فى سمعى أم الحبّ فى قلبى
وأخبرنى أبو أحمد، قال: كنت أنا وجماعة من أحداث بغداد ممّن يتعاطى الأدب نختلف إلى مدرك نتعلّم منه علم الشعر، فقال لنا يوما: إذا وضعتم الكلمة مع لفقها كنتم شعراء، ثم قال: أجيزوا هذا البيت:
ألا إنّما الدنيا متاع غرور
فأجازه كلّ واحد من الجماعة بشىء فلم يرضه، فقلت:
وإن عظمت فى أنفس وصدور
فقال: هذا هو الجيّد المختار.
(1/142)

وأخبرنا أبو أحمد الشطنى، قال: حدّثنا أبو العباس بن عربى، قال: حدثنا حماد عن يزيد بن جبلة، قال: دفن مسلمة رجلا من أهله، وقال:
نروح ونغدو كلّ يوم وليلة
ثم قال لبعضهم: أجز، فقال:
فحتّى متى هذا الرواح مع الغدو
فقال مسلمة: لم تصنع شيئا. فقال آخر:
فيالك مغدى مرة ورواحا
فقال: لم تصنع شيئا. فقال لآخر: أجز أنت، فقال:
وعمّا قليل لا نروح ولا نغدو
فقال: الآن تمّ البيت.
ومما لم يوضع [فيه] الشىء مع لفقه من أشعار المتقدمين قول طرفة «1» :
ولست بحلّال التّلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد «2»
فالمصراع الثانى غير مشاكل الصورة للمصراع الأول، وإن كان المعنى صحيحا؛ لأنه أراد: ولست بحلّال التّلاع مخافة السّؤّال، ولكنّى أنزل الأمكنة المرتفعة، لينتابونى فأرفدهم، وهذا وجه الكلام؛ فلم يعبّر عنه تعبيرا صحيحا، ولكنه خلطه وحذف منه حذفا كثيرا فصار كالمتنافر؛ وأدواء الكلام كثيرة.
وهكذا قول الأعشى «3» :
وإنّ امرءا أسرى إليك ودونه ... سهوب وموماة وبيداء سملق «4»
لمحقوقة أن تستجيبى لصوته ... وأن تعلمى أنّ المعان موفّق
(1/143)

قوله: «وأن تعلمى أنّ المعان موفّق» غير مشاكل لما قبله.
وهكذا قول عنترة «1» :
حرق الجناح كأنّ لحيى رأسه ... جلمان بالأخبار هشّ مولع «2»
إنّ الذين نعبت لى بفراقهم ... هم أسلموا ليلى التمام وأوجعوا «3»
ليس قوله «بالأخبار هشّ مولع» فى شىء من صفة جناحه ولحييه.
وقول السموءل «4» :
فنحن كماء المزن ما فى نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل «5»
ليس فى قوله: «ما فى نصابنا كهام» . من قوله: «فنحن كماء المزن» فى شىء؛ إذ ليس بين ماء المزن والنصاب والكهوم مقاربة، ولو قال: ونحن ليوث الحرب، أو أولو الصرامة والنّجدة ما فى نصابنا كهام لكان الكلام مستويا. أو نحن كماء المزن صفاء أخلاق وبذل أكفّ لكان جيدا.
وجعل بعض الأدباء من هذا الجنس قول امرئ القيس «6» :
كأنّى لم أركب جوادا للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولم أسبا الزّقّ الرّوىّ ولم أقل ... لخيلى كرّى كرّة بعد إجفال
قالوا: فلو وضع مصراع كل بيت من هذين البيتين فى موضع الآخر لكان أحسن «7» وأدخل فى استواء النّسج؛ فكان يروى:
كأنّى لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلى كرّى كرّة بعد إجفال
ولم أسبإ الزّقّ الرّوىّ للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
(1/144)

لأنّ ركوب الجواد مع ذكر كرور الخيل أجود، وذكر الخمر مع ذكر الكواعب أحسن.
قال أبو أحمد: الذى جاء به امرؤ القيس هو الصحيح؛ وذلك أن العرب تضع الشىء مع خلافه فيقولون: الشدة والرخاء، والبؤس والنعيم، وما يجرى مع ذلك. وقالوا فى قول ابن هرمة «1» :
وإنى وتركى ندى الأكرمين ... وقدحى بكفّى زندا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
وقول الفرزدق:
وإنك إذ تهجو تميما وترتشى ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماء بالفلاة وغرّه ... سراب أذاعته رياح السمائم
كان ينبغى أن يكون بيت ابن هرمة مع بيت الفرزدق وبيت الفرزدق مع بيت ابن هرمة، فيقال:
وإنى وتركى ندى الأكرمين ... وقدحى بكفّى زندا شحانا
كمهريق ماء بالفلاة وغرّه ... سراب أذاعته رياح السمائم
[ويقال] «2» :
وإنك إذ تهجو تميما وترتشى ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
حتى يصحّ التشبيه للشاعرين جميعا.
ومن المتنافر الصدر والأعجاز قول حبيب بن أوس «3» :
(10- الصناعتين)
(1/145)

محمد «1» إنّ الحاسدين حشود ... وإنّ مصاب المزن حيث تريد
ليس النصف الأول من النصف الثانى فى شىء.
وقريب من ذلك قول الطالبى:
قوم هدى الله العباد بجدّهم ... والمؤثرون «2» الضيف بالأزواد
ومن الشعر المتلائم الأجزاء المتشابه الصدور والأعجاز قول أبى النجم:
إنّ الأعادى لن تنال قديمنا ... حتّى تنال كواكب الجوزاء
كم فى لجيم من أغرّ كأنّه ... صبح يشقّ طيالس الظّلماء
ومجرّب خضل «3» السنان إذا التقى ... زحف بخاطرة الصدور ظلماء
وكقول القطامى «4» :
يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة ... ولا الصّدور على الأعجاز تتّكل
فهنّ معترضات والحصى رمض «5» ... والريح ساكنة والظلّ معتدل
إلّا أنّ هذا لو كان فى وصف نساء لكان أحسن؛ فهو كالشى الموضوع فى غير موضعه.
وينبغى أن تتجنّب إذا مدحت أو عاتبت المعانى التى يتطيّر منها ويستشنع سماعها، مثل قول أبى نواس «6» :
سلام على الدّنيا إذا ما فقدتم ... بنى برمك من رائحين وغادى
وإذا أردت أن تأتى بهذا المعنى فسبيلك أن تسلك سبيل أشجع السلمى فى قوله:
لقد أمسى صلاح أبى علىّ ... لأهل الأرض كلّهم صلاحا
إذا ما الموت أخطأه فلسنا ... نبالى الموت حيث غدا وراحا
(1/146)

فذكر إخطاء الموت إياه وتجاوزه إلى غيره؛ فجاد المعنى وحسن المستمع. وقد أحسن القائل:
ولا تحسبنّ الحزن يبقى فإنه ... شهاب حريق واقد ثم خامد
ستألف فقدان الّذى قد فقدته ... كإلفك وجدان الّذى أنت واجد
فجعل ما يتطيّر منه من الفقدان لنفسه وما يستحبّ من الوجدان للممدوح؛ وقد أساء أبو الوليد أرطاة بن شهبة، حين أنشد عبد الملك:
رأيت الدهر يأكل كلّ حىّ ... كأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبقى المنيّة حين تغدو ... على نفس ابن آدم من مزيد
وأعلم أنها ستكرّ حتّى ... توفى نذرها بأبى الوليد
وكان عبد الملك يكنّى أبا الوليد فتطيّر منه، ومازال يرى كراهة شعره فى وجهه حتى مات.
وإذا دعت الضرورة إلى سوق خبر واقتصاص كلام، فتحتاج إلى أن تتوخّى فيه الصدق، وتتحرّى الحقّ؛ فإن الكلام حينئذ يملكك ويحوجك إلى اتّباعه والانقياد له.
وينبغى أن تأخذ فى طريق تسهل عليك حكايته فيها، وتركب قافية تطيعك فى استيفائك له، كما فعل النابغة فى قوله «1» :
واحكم كحكم فتاة الحىّ إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثّمد «2»
يحفّه جانبا نيق «3» وتتبعه ... مثل الزّجاجة لم تكحل من الرّمد
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد
(1/147)

فكمّلت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة فى ذلك العدد
فحسبوه فألفوه كما حسبت ... تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد
فهذا أجود ما يذكر فى هذا الباب، وأصعب ما رامه شاعر منه؛ لأنه عمد إلى حساب دقيق، فأورده مشروحا ملخّصا، وحكاه حكاية صادقة. ولمّا احتاج إلى أن يذكر العدد والزيادة والثّمد بنى الكلام على قافية فاصلة الدال فسهل عليه طريقه، واطّرد سبيله.
ومثل ذلك ما أتاه البحترى فى القصيدة التى أولها»
:
هاج الخيال «2» لنا ذكرى إذا طافا ... وافى يخادعنا والصبح قد وافى
وكان قد احتاج إلى ذكر الآلاف، والإسعاف، والأضعاف، والإسراف، وترك الاقتصار على الأنصاف؛ فجعل القصيدة فائية؛ فاستوى له مراده وقرب عليه مرامه، وهو قوله «3» :
قضيت عنى ابن بسطام صنيعته ... عندى وضاعفت ما أولاه أضعافا
وكان معروفه قصدا إلىّ «4» وما ... جازيته عنه تبذيرا وإسرافا
مئون عينا تولّيت الثّواب بها ... حتى انثنت لأبى العباس آلافا
قد كان يكفيه ممّا قدّمت يده ... ربّا «5» يزيد على الآحاد أنصافا
ولا ينبغى أن يكون لفظك وحشيا بدويا، وكذلك لا يصلح أن يكون مبتذلا سوقيا.
أخبرنا أبو أحمد عن مبرمان عن أبى جعفر بن القتبى عن أبيه، قال، قال خلف الأحمر: قال شيخ من أهل الكوفة: أما عجبت أن الشاعر قال: «أنبت قيصوما
(1/148)

وجثجاثا» «1» فاحتمل، وقلت أنا: أنبت إجّاصا وتفاحا- فلم يحتمل.
والمختار من الكلام ما كان سهلا جزلا لا يشوبه شىء من كلام العامة وألفاظ الحشويّة، وما لم يخالف فيه وجه الاستعمال؛ ألا ترى إلى قول المتنبى «2» :
أين البطاريق والحلف الّذى حلفوا ... بمفرق الملك والزّعم الّذى زعموا
هذا قبيح جدّا، وإنما سمع قول العامّة حلف برأسه، فأراد أن يقول مثله؛ فلم يستوله، فقال: بمفرق الملك، ولو جاز هذا لجاز أن يقول: حلف بيافوخ أبيه، وبقمحدوة «3» سيّده.
وقبح هذا يدلّ على أنّ أمثاله غير جائز فى جميع المواضع، وهذا النوع فى شعر المتنبى كبعد الاستعارة فى شعر أبى تمام.
ومن الألفاظ ما يستعمل رباعيّة وخماسيّه دون ثلاثيّه، ومنها ما هو بخلاف ذلك، فينبغى ألّا تعدل عن جهة الاستعمال فيها، ولا يغرّك أن أصولها مستعملة؛ فالخروج عن الطريقة المشهورة والنّهج المسلوك ردىء على كل حال. ألا ترى أنّ الناس يستعملون «التعاطى» فيكون منهم مقبولا، ولو استعملوا «العطو» وهو أصل هذه الكلمة وهو ثلاثىّ، والثلاثىّ أكثر استعمالا، لما كان مقبولا ولا حسنا مرضيا؛ فقس على هذا.
ومن الألفاظ ما إذا وقع نكرة قبح موضعه وحسن إذا وقع معرفة، مثل قول بعضهم:
لمّا التقينا صاح بين بيننا ... يدنى من القرب البعاد لحاقا
فقوله: «صاح بين بيننا» متكلّف جدا. فلو قال: «البين» كان أقرب؛ على أنّ البيت كلّه ردىء، ليس من وصف البلغاء.
(1/149)

وينبغى أن تجتنب ارتكاب الضرورات وإن جاءت فيها رخصة من أهل العربية، فإنها قبيحة تشين الكلام وتذهب بمائه؛ وإنما استعملها القدماء فى أشعارهم لعدم علمهم بقباحتها «1» ، ولأنّ بعضهم كان صاحب بداية، والبداية مزلة، وما كان أيضا تنقد عليهم أشعارهم، ولو قد نقدت وبهرج منها المعيب كما تنقد على شعراء هذه الأزمنة ويبهرج من كلامهم ما فيه أدنى عيب لتجنّبوها، وهو كقول الشاعر:
له زجل كأنّه صوت حاد ... إذا طلب الوسيقة أو زمير
فلم يشبع.
وقول الآخر:
ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بنى زياد
فقال: «ألم يأتيك» ، فلم يجزم.
وقال ابن قيس الرقيات:
لا بارك الله فى الغوانى هل ... يصبحن إلّا لهنّ مطّلب
فحرّك حرف العلة.
وقال قعنب بن أمّ صاحب «2» :
مهّلا أعاذل قد جرّبت من خلقى ... إنّى أجود لأقوام وإن ضننوا
فأظهر التضعيف.
ومثله قول العجاج «3» :
تشكو الوجى من أظلل وأظلل «4»
(1/150)

وقال جميل «1» :
ألا لا أرى إثنين أحسن شيمة ... على حدثان الدّهر منّى ومن جمل
وقال «2» :
إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّه ... بنشر «3» وتكثير الوشاة قمين
فقطع ألف الوصل.
وقال غيره «4» :
من الثّعالى ووخز من أرانيها «5»
إلى غير ذلك مما يجرى مجراه، وهو مكروه الاستعمال.
وينبغى أن تتحامى العيوب التى تعترى القوافى، مثل السّناد والإقواء والإيطاء، وهو أسهلها، والتوجيه وإن جاء فى جميع أشعار المتقدمين وأكثر أشعار المحدثين.
وينبغى أن ترتّب الألفاظ ترتيبا صحيحا؛ فتقدّم منها ما كان يحسن تقديمه، وتؤخّر منها ما يحسن تأخيره؛ ولا تقدّم منها ما يكون التأخير به أحسن، ولا تؤخّر منها ما يكون التقديم به أليق.
فمما أفسد ترتيب ألفاظه قول بعضهم:
يضحك منها كلّ عضو لها ... من بهجة العيش وحسن القوام
(1/151)

ترفل فى الدّار لها وفرة ... كوفرة الملط «1» الخليع الغلام
كان ينبغى أن يقول: كوفرة الغلام الملط الخليع، أو الغلام الخليع الملط؛ فأمّا تقديم الصفة على الموصوف فردىء فى صنعة الكلام جدّا. وقوله أيضا:
«بهجة العيش وحسن القوام» متنافر غير مقبول.
وقول ابن طباطبا:
وعجلة تشدو بألحانها ... وكانت الكيّسة الخادمه
لو قال: «وكانت الخادمة الكيّسة» لكان أجود.
وينبغى ألّا يذكر فى التشبيب اسما بغيضا؛ فقد أنشد جرير بعض ملوك بنى أميّة «2» :
وتقول بوزع قد دببت على العصا ... هلّا هزئت بغيرنا يا بوزع
فقال له الملك «3» : أفسدتها ببوزع.
وقد يقدح فى الحسن قبح اسمه، ويزيد فى مهابة الرجل فخامة اسمه، ولهذا تكنّى البحترى بأبى عبادة، وكان يكنّى أبا الحسن؛ وشهد رجل عند شريح وكان الرجل يكنّى أبا الكويفر، فردّ شهادته، ولم يسأل عنه.
وسمع عمر بن عبد العزيز رحمه الله رجلا يكنى أبا العمرين، فقال: لو كان عاقلا لكفاه أحدهما.
وأتى ظالم بن سرّاق عمر بن الخطاب رضى الله عنه ليستعمله فردّه، وقال:
أنت تظلم وأبوك يسرق؛ وظالم هذا جدّ المهلّب بن أبى صفرة.
وهذه جملة كافية إذا تدبّرت، وبالله التوفيق.
(1/152)

ومن عيوب الكلام تكرير الكلمة الواحدة فى كلام قصير: مثل قول سعيد ابن حميد: ومثّل خادمك بين ما يملك فلم يجد شيئا يفى بحقّك، ورأى أنّ تقريظك بما يبلغه اللسان- وإن كان مقصّرا عن حقك- أبلغ فى أداء ما يجب لك.
فكرر الحقّ فى المقدار اليسير من الكلام.
وينبغى أن يتجنّب الكاتب جميع ما يكسب الكلام تعمية؛ فيرتّب ألفاظه ترتيبا صحيحا، ويتجنّب السقيم منه، وهو مثل ما كتب بعضهم: لفلان- وله بى حرمة- مظلمة. وكان ينبغى أن يقول: لفلان وأنا أرعى حرمته مظلمة. وما يجرى هذا المجرى من الترتيب المختار البعيد من الإشكال.
(1/153)

الفصل الثّانى فيما يحتاج الكاتب إلى ارتسامه وامتثاله فى مكاتباته
ينبغى أن تعلم أنّ الكتابة الجيدة تحتاج إلى أدوات جمّة، وآلات كثيرة؛ من معرفة العربية لتصحيح الألفاظ، وإصابة المعانى، وإلى الحساب، وعلم المساحة، والمعرفة بالأزمنة والشهور والأهلة، وغير ذلك مما ليس هاهنا موضع ذكره وشرحه، لأنّا إنما عملنا هذا الكتاب لمن استكمل هذه الآلات كلّها، وبقى عليه المعرفة بصنعة الكلام، وهى أصعبها وأشدّها.
والشاهد ما روى لنا أبو أحمد عن مبرمان عن المبرّد، أنه قال: لا أحتاج إلى وصف نفسى لعلم الناس بى؛ إنه ليس أحد من الخافقين يختلج فى نفسه مسألة مشكلة إلا لقينى بها، وأعدّنى لها، فأنا عالم ومتعلم وحافظ ودارس، لا يخفى علىّ مشتبه من الشّعر والنّحو والكلام المنثور والخطب والرسائل، ولربما احتجت إلى اعتذار من فلتة أو التماس حاجة، فأجعل المعنى الذى أقصده نصب عينى، ثم لا أجد سبيلا إلى التعبير عنه بيد ولا لسان. ولقد بلغنى أنّ عبيد الله بن سليمان ذكرنى بجميل، فحاولت أن أكتب إليه رقعة أشكره فيها، وأعرض ببعض أمورى؛ فأتعبت نفسى يوما فى ذلك فلم أقدر على ما أرتضيه منها، وكنت أحاول الإفصاح عمّا فى ضميرى، فينصرف لسانى إلى غيره. ولذلك قيل: زيادة المنطق على الأدب خدعة، وزيادة الأدب على المنطق هجنة.
فأوّل ما ينبغى أن تستعمله فى كتابتك مكاتبة كلّ فريق منهم على مقدار طبقتهم وقوّتهم فى المنطق، وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم.
والشاهد عليه أن النبىّ صلّى الله عليه وسلّم لما أراد أن يكتب إلى أهل فارس
(1/154)

كتب إليهم بما يمكن ترجمته، فكتب: من محمد رسول الله إلى كسرى ابرويز عظيم فارس:
سلام على من اتّبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، فأدعوك بداعية الله، فإنى أنا رسول الله إلى الخلق كافّة لينذر من كان حيّا، ويحقّ القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإثم المجوس عليك.
فسهّل صلّى الله عليه وسلّم الألفاظ كما ترى غاية التسهيل حتى لا يخفى منها شىء على من له أدنى معرفة فى العربية.
ولما أراد أن يكتب إلى قوم من العرب فخّم اللفظ، لما عرف من فضل قوتهم على فهمه وعادتهم لسماع مثله.
فكتب لوائل بن حجر الحضرمى:
من محمد رسول الله إلى الأقيال «1» العباهلة من أهل حضر موت بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، على التّبعة الشاة، والتّيمة لصاحبها «2» ، وفى السّيوب «3» الخمس؛ لا خلاط ولا وراط ولا شناق ولا شغار «4» ، ومن أجبى فقد أربى، وكلّ مسكر حرام «5» .
وكذلك كتابه صلّى الله عليه وسلّم لأكيدر صاحب دومة الجندل «6» :
(1/155)

من محمد رسول الله لأكيدر حين أجاب إلى الإسلام وخلع الأنداد والأصنام مع خالد بن الوليد سيف الله.
إنّ لنا الضاحية من الضّحل «1» والبور والمعامى «2» وأغفال الأرض، والحلقة والسّلاح، ولكم الضّامنة «3» من النّخل، والمعين من المعمور، لا تعدل سارحتكم «4» ، ولا تعدّ فاردتكم «5» ، ولا يحظر عليكم النبات، تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤدّون الزكاة، عليكم بذلك عهد الله وميثاقه.
واعلم أنّ المعانى التى تنشأ الكتب فيها من الأمر والنّهى سبيلها أن تؤكّد غاية التوكيد بجهة كيفية نظم الكلام، لا بجهة كثرة اللّفظ؛ لأنّ حكم ما ينفذ عن السلطان فى كتبه شبيه بحكم توقيعاته؛ من اختصار اللفظ وتأكيد المعنى. هذا إذا كان الأمر والنهى واقعين فى جملة واحدة لا يقع فيها وجوه التمثيل للأعمال.
فأمّا إذا وقعا فى ذلك الجنس فإنّ الحكم فيهما يخالف ما ذكرناه، وسبيل الكلام فيها أن يحمل على الإطالة والتكرير دون الحذف والإيجاز؛ وذلك مثل ما يكتب عن السلطان فى أمر الأموال وجبايتها واستخراجها، فسبيل الكلام أن يقدّم فيها ذكر مارآه السلطان فى ذلك ودبّره، ثم يعقّب بذكر الأمر بامتثاله، ولا يقتصر على ذلك حتى يؤكّد ويكرّر لتأكّد الحجة على المأمور به، ويحذّر مع ذلك من الإخلال والتقصير.
ومنها الإحماد والإذمام والثناء والتقريظ، والذمّ والاستصغار، والعدل والتوبيخ، وسبيل ذلك أن تشبع الكلام فيه، ويمد القول حسب ما يقتضيه آثار المكتوب إليه فى الإحسان والإساءة والاجتهاد والتقصير؛ ليرتاح بذلك قلب المطيع، وينبسط أمله، ويرتاع قلب المسىء ويأخذ نفسه بالارتداع.
(1/156)

فأمّا ما يكتبه العمال إلى الأمراء ومن فوقهم، فإنّ سبيل ما كان واقعا منها فى إنهاء الأخبار، وتقرير صور ما يلونه من الأعمال، ويجرى على أيديهم من صنوف الأموال أن يمدّ القول فيه حتى يبلغ غاية الشفاء والإقناع، وتمام الشرح والاستقصاء؛ إذ ليس للإيجاز والاقتصار عليه موضع، ويكون ذلك بالألفاظ السهلة القريبة المأخذ، السريعة إلى الفهم، دون ما يقع فيه استكراه وتعقيد، وربما تعرض الحاجة فى إنهاء الخبر إلى استعمال الكناية والتّورية عن الشىء دون الإفصاح؛ لما فى التصريح من هتك السّتر؛ فى حكايته «1» عن عدوّ أطلق لسانه به، وفيه اطّراح مهابة الرئيس؛ فيجب إجلاله عنه؛ وفى الصدق ما يسوءه سماعه، ويقع بخلاف محبّته؛ فيحتاج منشىء الكلام إلى استعمال لفظ فى العبارة لا تنخرق معه هيبة الرئيس، ولا يعترض فيه ما يشتدّ عليه، ولا يكون أيضا معها خيانة فى طىّ ما لا يجب ستره، ولا يكمل لهذا إلا المبرّز الكامل المقدّم.
وسبيل ما يكتب به فى باب الشكر ألّا يقع فيه إسهاب؛ فإن إسهاب التابع فى الشكر، إذا رجع إلى خصوصية، نوع من الإبرام «2» والتثقيل؛ ولا يحسن منه أن يستعمل الإكثار من الثناء والدعاء أيضا؛ فإن ذلك فعل الأباعد الذين لم تتقدّم لهم وسائل من الخدمة ومقدّمات فى الحرمة، أو تكون صناعتهم التكسّب بتقريظ الملوك وإطراء السلاطين. فلا يقبح إكثار الثناء من هؤلاء.
وليس يحسن منه أيضا تكرير الدعاء فى صدر الكتاب والرّقاع عندما يجريه من ذكر الرئيس؛ فإن ذلك مشغلة وكلفة، والحكم فيما يستعمله من ذلك فى الكتب مشبّه بحكم ما يستعمل منه شفاها. ويقبح من خادم السلطان أن «3» يشغل سمعه فى مخاطبته إياه بكثرة الدعاء له وتكثيره عند استئناف كلّ لفظة.
وسبيل ما يكتب به التابع إلى المتبوع فى معنى الاستعطاف ومسألة النّظراء
(1/157)

ألّا يكثر من شكاية الحال ورقّتها، واستيلاء الخصاصة «1» عليه فيها؛ فإنّ ذلك يجمع إلى الإبرام والإضجار شكاية الرئيس لسوء حاله وقلّة ظهور نعمته عليه.
وهذا عند الرؤساء مكروه جدّا، بل يجب أن يجعل الشكاية ممزوجة بالشكر والاعتراف بشمول النعمة وتوفير العائدة «2» .
وسبيل ما يكتب به فى الاعتذار من شىء أن يتجنّب فيه الإطناب والإسهاب إلى إيراد النكت التى يتوهم أنها مقنعة فى إزالة الموجدة، ولا يمعن فى تبرئة ساحته فى الإساءة والتقصير؛ فإن ذلك مما يكرهه الرؤساء؛ والذى جرت به عادتهم الاعتراف من خدمهم وخولهم بالتقصير والتفريط فى أداء حقوقهم وتأدية فروضهم؛ ليكون لهم فيما يعقبون ذلك من العفر والتجاوز موضع منّة مستأنفة تستدعى شكرا، وعارفة مستجدّة تقتضى نشرا؛ فأما إذا بالغ المتنصّل فى براءة ساحته من كلّ ما قذف به فلا موضع للإحسان إليه فى إعفائه عن ترك السخط، بل ذلك أمر واجب له؛ وفى منع الرئيس حصّته منه ظلم وإساءة.
وينبغى أن يكثر الألفاظ عنده، فإن احتاج إلى إعادة المعانى أعاد ما يعيده منها بغير اللّفظ الذى ابتدأه به؛ مثل ما قال معاوية رضى الله عنه: من لم يكن من بنى عبد المطلب جوادا فهو دخيل؛ ومن لم يكن من بنى الزبير شجاعا فهو لزيق؛ ومن لم يكن من ولد المغيرة تيّاها فهو سنيد «3» . فقال: «دخيل» ثم قال: «لزيق» ثم قال: «سنيد» . والمعنى واحد والكلام على ما تراه أحسن، ولو قال لزيق، ثم أعاده لسمج.
هذا، أدام الله عزك، بعد أن تفرّق بين من تكتب إليه؛ «فإن رأيت، وبين من تكتب إليه» فرأيك «4» . وأن تعرف مقدار المكتوب إليه من الرؤساء
(1/158)

والنظراء والغلمان والوكلاء، فتفرق بين من تكتب إليه بصفة الحال وذكر السلامة، وبين من تكتب إليه بتركها إجلالا وإعظاما، وبين من تكتب إليه: أنا أفعل كذا، وبين من تكتب إليه: نحن نفعل كذا؛ «فأنا» من كلام الإخوان والأشباه، «ونحن» من كلام الملوك. وتكتب فى أول الكتاب «سلام عليك» ، وفى آخره «والسلام عليك» ؛ لأنّ الشىء إذا ابتدأت بذكره كان نكرة، فإذا أعدته صار معرفة؛ كما تقول: مرّ بنا رجل فإذا رجع قلت: رجع الرّجل.
وكان الناس فيما مضى يستعملون فى أوّل فصول الرسائل «أما بعد» . وقد تركها اليوم جماعة من الكتّاب، فلا يكادون يستعملونها فى شىء من كتبهم، وأظنّهم المّوا بقول ابن القرية وسأله الحجاج عما ينكره من خطابته، فقال: إنك تكثّر الردّ، وتشير باليد، وتستعين بأمّا بعد. فتحاموه لهذه الجهة مع أنهم رووا فى التفسير أنّ قول الله تعالى: وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ
هو قوله أمّا بعد؛ فإن استعملته اتباعا للأسلاف، ورغبة فيما جاء فيه من التأويل فهو حسن؛ وإن تركته توخّيا لمطابقة أهل عصرك، وكراهة للخروج عمّا أصّلوه لم يكن ضائرا.
وينبغى أن يكون الدعاء على حسب ما توجبه الحال بينك وبين من تكتب إليه وعلى القدر المكتوب فيه.
وقد كتب بعضهم إلى حبّة له: عصمنا الله وإيّاك مما يكره. فكتبت إليه:
يا غليظ الطّبع؛ لو استجيبت لك دعوتك لم نلتق أبدا.
واعلم أنّ الذى يلزمك فى تأليف الرسائل والخطب هو أن تجعلها مزدوجة فقط، ولا يلزمك فيها السّجع؛ فإن جعلتها مسجوعة كان أحسن، ما لم يكن فى سجعك استكراه وتنافر وتعقيد، وكثر ما يقع ذلك فى السّجع، وقلّ ما يسلم- إذا طال- من استكراه وتنافر.
(1/159)

وينبغى أن تتجنّب إعادة حروف الصلات والرباطات فى موضع واحد إذا كتبت مثل قول القائل: منه له عليه. أو عليه فيه. أو به له منه. وأخفها له عليه، فسبيله أن تداويه حتى تزيله بأن تفصل ما بين الحرفين، مثل أن تقول: أقمت به شهيدا عليه؟؟؟.
ولا أعرف أحدا كان يتتبّع العيوب فيأتيها غير مكترث إلا المثنى، فإنه ضمّن شعره جميع عيوب الكلام ما أعدمه شيئا منها حتى تخطّى إلى هذا النوع فقال «1» :
ويسعدنى فى غمرة بعد غمرة ... سبوح له منها عليها شواهد «2»
فأتى من الاستكراه بما لا يطار غرابه.
فتدبّر ما قلناه، وارتسمه تظفر ببغيتك منه إن شاء الله.
(1/160)

الباب الرّابع فى البيان عن حسن النظم وجودة الرّصف والسّبك وخلاف ذلك
أجناس الكلام المنظوم ثلاثة: الرسائل، والخطب، والشّعر، وجميعها تحتاج إلى حسن التأليف وجودة التركيب.
وحسن التأليف يزيد المعنى وضوحا وشرحا، ومع سوء التأليف ورداءة الرّصف والتركيب شعبة من التّعمية، فإذا كان المعنى سبيّا، ووصف الكلام رديّا لم يوجد له قبول، ولم تظهر عليه طلاوة. وإذا كان المعنى وسطا، ورصف الكلام جيّدا كان أحسن موقعا، وأطيب مستمعا؛ فهو بمنزلة العقد إذا جعل كل خرزة منه إلى ما يليق بها كان رائعا فى المرأى وإن لم يكن مرتفعا جليلا، وإن اختلّ نظمه فضمّت الحبّة منه إلى ما لا يليق بها اقتحمته العين وإن كان فائقا ثمينا.
وحسن الرّصف أن توضع الألفاظ فى مواضعها، وتمكّن فى أماكنها، ولا يستعمل فيها التقديم والتأخير، والحذف والزيادة إلا حذفا لا يفسد الكلام، ولا يعمّى المعنى؛ وتضمّ كل لفظة منها إلى شكلها، وتضاف إلى لفقها.
وسوء الرّصف تقديم ما ينبغى تأخيره منها، وصرفها عن وجوهها، وتغيير صيغتها، ومخالفة الاستعمال فى نظمها.
وقال العتابى: الألفاظ أجساد، والمعانى أرواح؛ وإنما تراها بعيون القلوب، فإذا قدّمت منها مؤخّرا، أو أخّرت منها مقدّما أفسدت الصورة وغيّرت المعنى؛ كما لو حوّل رأس إلى موضع يد، أو يد إلى موضع رجل، لتحوّلت الخلقة، وتغيّرت الحلية.
(11- الصناعتين)
(1/161)

وقد أحسن فى هذا التمثيل وأعلم به على أنّ الذى ينبغى فى صيغة الكلام وضع كلّ شىء منه فى موضعه ليخرج بذلك من سوء النظم.
من سوء النظم
فمن سوء النّظم المعاظلة، وقد مدح عمر بن الخطاب رضى الله عنه زهيرا لمجانبتها «1» . فقال: كان لا يعاظل بين الكلام؛ وأصل هذه الكلمة من قولهم:
تعاظلت الجرادتان إذا ركبت إحداهما الأخرى، وعاظل الرجل المرأة إذا ركبها؛ فمن المعاظلة قول الفرزدق «2» :
تعال فإن عاهدتنى لا تخوننى ... تكن مثل من يا ذئب يصطحبان
وقوله «3» :
هو السّيف الذى نصر ابن أروى ... به عثمان مروان المصابا
وقوله للوليد بن عبد الملك «4» :
إلى ملك ما أمّه من محارب ... أبوه ولا كانت كليب «5» تصاهره
وقوله يمدح هشام بن إسماعيل «6» :
وما مثله فى الناس إلّا مملّكا ... أبو أمّه حىّ أبوه يقاربه
وقوله:
الشمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكى عليك نجوم اللّيل والقمرا
وقوله «7» :
ما من ندى رجل أحقّ بما أتى ... من مكرمات عظائم الأخطار
من راحتين «8» يزيد يقدح زنده «9» ... كفّاهما وأشدّ عقد إزار
وقوله «10» :
إذا جئته أعطاك عفوا ولم يكن ... على ماله حال الردى مثل سائله
(1/162)

إلى ملك لا تنصف الساق نعله ... أجل لا وإن كانت طوالا محامله «1»
وقال قدامة: لا أعرف المعاظلة إلا فاحش الاستعارة؛ مثل قول أوس «2» :
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا «3»
فسمى الصبى تولبا؛ والتّولب: ولد الحمار.
وقول الآخر «4» :
وما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر «5»
فسمّى قدم الإنسان حافرا. وهذا غلط من قدامة كبير؛ لأنّ المعاظلة فى أصل الكلام إنما هى ركوب الشىء بعضه بعضا؛ وسمى الكلام به إذا لم ينضد نضدا مستويا، وأركب بعض ألفاظه رقاب بعض، وتداخلت أجزاؤه، تشبيها بتعاظل الكلاب والجراد، على ما ذكرناه؛ وتسمية القدم بحافر ليست بمداخلة كلام فى كلام؛ وإنما هو بعد فى الاستعارة.
والدليل على ما قلنا أنك لا ترى فى شعر زهير شيئا من هذا الجنس، ويوجد فى أكثر شعر الفحول نحو «6» ما نفاه عنه عمر رضى الله عنه وحده؛ فمما وجد منه فى شعر النابغة قوله «7» :
(1/163)

يثرن الثّرى حتى يباشرن برده ... إذا الشمس مجّت ريقها بالكلاكل «1»
معناه: يثرن الثّرى حتى يباشرن برده بالكلاكل إذا الشمس مجّت ريقها.
وهذا مستهجن جدّا؛ لأنّ المعنى تعمّى فيه.
وقول الشماخ «2» :
تخامص عن برد الوشاح إذا مشت ... تخامص حافى الخيل فى الأمعز الوجى «3»
معناه تخامص الحافى الوجى فى الأمعز.
وقول لبيد:
وشمول قهوة «4» باكرتها ... فى التّباشير مع الصّبح الأول «5»
أى فى التباشير الأول مع الصّبح.
وكقول ذى الرمة:
كأنّ أصوات من إيغالهنّ بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج «6»
يريد كأن أصوات آخر الميس أصوات الفرايج من إيغالهن.
وقوله أيضا:
نضا البرد عنه وهو من ذو جنونه ... أجارىّ تصهال وصوت صلاصل «7»
كأنه من تخليطه كلام مجنون أو هجر مبرسم «8» يريد: وهو من جنونه ذو أجارىّ.
(1/164)

وكقول أبى حية النميرى «1» :
كما خطّ الكتاب بكفّ يوما ... يهودىّ يقارب أو يزيل
يريد: كما خط الكتاب بكف يهودىّ يوما يقارب أو يزيل.
وقول الآخر «2» :
هما أخوا فى الحرب من لا أخا له ... إذا خاف يوما نبوة فدعاهما
يريد: أخوا من لا أخ له فى الحرب.
وليس للمحدث أن يجعل هذه الأبيات حجّة، ويبنى عليها؛ فإنه لا يعذر فى شىء منها، لاجتماع الناس اليوم على مجانبة أمثالها، واستجادة ما يصحّ من الكلام ويستبين، واسترذال ما يشكل ويستبهم.
فمن الكلام المستوى النظم، الملتئم الرّصف قول بعض العرب «3» :
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تحزن «4» على ابن طريف
فتى لا يحبّ الزّاد إلّا من التّقى ... ولا المال إلّا من قنا وسيوف
ولا الخيل «5» إلا كلّ جرداء شطبة ... وأجرد شطب فى العنان خنوف «6»
كأنك لم تشهد طعانا «7» ولم تقم ... مقاما على الأعداء غير خفيف
فلا تجزعا يا بنى طريف «8» فإنّنى ... أرى الموت حلّالا «9» بكلّ شريف
والمنظوم الجيد ما خرج مخرج المنثور فى سلاسته، وسهولته واستوائه، وقلة ضروراته؛ ومن ذلك قول بعض المحدثين:
(1/165)

وقوفك تحت ظلال السيوف ... أقر الخلافة فى دارها
كأنك مطّلع فى القلوب ... إذا ما تناجت بأسرارها
فكرّات طرفك مردودة ... إليك بغامض أخبارها
وفى راحتيك الرّدى والنّدى ... وكلتاهما طوع ممتارها
وأقضية الله محتومة ... وأنت منفّذ أقدارها
ولا تكاد القصيدة تستوى أبياتها فى حسن التأليف، ولا بدّ أن تتخالف؛ فمن ذلك قول عبيد بن الأبرص «1» :
وقد علا لمّتى شيب فودّعنى ... منه الغوانى وداع الصّارم القالى
وقد أسلّى همومى حين تحضرنى ... بجسرة كعلاة القين شملال «2»
زيّافة بقتود الرّحل ناجية ... تفرى الهجير بتبغيل وإرقال «3»
وفيها:
تحتى مسوّمة جرداء عجلزة ... كالسّهم أرسله من كفّه الغالى «4»
والشّيب شين لمن أرسى بساحته ... لله درّ سواد اللمّة الخالى
فهذا نظم حسن وتأليف مختار.
وفيها ما هو ردىء لا خير فيه، وهو قوله:
بان الشّباب فآلى لا يلمّ بنا ... واحتلّ بى من مشيب كل «5» محلال
(1/166)

وقوله:
فبت «1» ألعبها طورا «2» وتلعبنى ... ثم انصرفت وهى منّى على بال «3»
قوله: «واحتل بى من مشيب كلّ محلال» بغيض خارج عن طريقة الاستعمال وأبغض منه قوله: «وهى منى على بال» .
وفيها:
وكبش ملمومة باد نواجذها ... شهباء ذات سرابيل وأبطال «4»
السرابيل: الدروع، فلو وضع السيوف موضع الدروع لكان أجود.
وفيها:
أوجرت جفرته خرصا فمال به ... كما انثنى خضد من ناعم الضّال «5»
النصف الثانى أكثر ماء من النصف الأول.
وفيها:
وقهوة كرضاب «6» المسك طال بها ... فى دنّها كرّ حول بعد أحوال
هذا البيت متوسط.
باكرتها قبل أن يبدو الصّباح لنا ... فى بيت منهمر الكفّين مفضال
النصف الثانى أجود من النصف الأول.
(1/167)

وقوله:
أما إذا دعيت نزال «1» فإنهم ... يجثون للركبات فى الأبدان
هذا ردىء الرّصف.
وبعده:
فخلدت بعدهم ولست بخالد ... والدهر ذو غير وذو ألوان
متوسط.
وبعده:
إلّا لأعلم ما جهلت بعقبهم «2» ... وتذكّرى ما فات أىّ أوان
مختلّ النظم، ومعناه لست بخالد إلا لأعلم ما جهلت، وتذكرى ما فات، أىّ أوان كان.
وقول النمر بن تولب «3» :
لعمرى لقد أنكرت نفسى ورابنى ... مع الشيب أبدالى التى أتبدل
فضول أراها فى أديمى بعد ما ... يكون كفاف اللّحم أو هو أفضل «4»
بطىء عن الدّاعى، فلست بآخذ ... سلاحى إليه مثل ما كنت أفعل «5»
كأنّ محطّا فى يدى حارثيّة ... صناع علت منى به الجلد من عل «6»
تدارك ما قبل الشباب وبعده ... حوادث أيّام تمرّ وأغفل «7»
يودّ الفتى طول السّلامة والغنى ... فكيف ترى طول السلامة تفعل
(1/168)

يردّ «1» الفتى بعد اعتدال وصحّة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل
فهذه الأبيات جيدة السبك حسنة الرصف.
وفيها:
فلا الجارة الدّنيا لها تلحينّها «2» ... ولا الضيف فيها إن أناخ محوّل
فالنّصف الأول مختلّ؛ لأنه خالف فيه وجه الاستعمال «3» ؛ ووجهه أن يقول:
فهى لا تلحى الجارة الدنيا، أى القريبة.
وكذلك قوله:
إذا هتكت أطناب بيت وأهله ... بمعطنها لم يوردوا الماء قيّلوا «4»
هذا مضطرب لتناوله المعنى من بعيد. ووجه الكلام أن يقول: إذا دنت إبلنا من حىّ ولم ترد إبلهم الماء قيلوا من إبلنا. والقيل: شرب نصف النهار.
وأشدّ اضطرابا منه قوله:
وما قمعنا فيه الوطاب وحولنا ... بيوت علينا كلها فوه مقبل «5»
ووجه الكلام: أن يقول: لسنا نحقن اللبن فنجعل الأقماع فى الوطاب، لأنّ حولنا بيوت أفواههم مقبلة علينا، يرجون خيرنا؛ فاضطرب نظم هذه الأبيات لعدو لها عن وجه الاستعمال.
(1/169)

ومثله:
رأت أمّنا كيصا يلفّف وطبه ... إلى الأنس البادين فهو مزمّل «1»
فقالت فلان قد أغاث عياله «2» ... وأودى عيال آخرون فهزّلوا
ألم يك ولدان أعانوا ومجلس ... قريب فيجرى إذ يكفّ ويجمل «3»
الكيص: الذى ينزل وحده. والوطب: وعاء اللبن. والأنس البادون: أهله لأنه يرده إليهم، فمنهم من يتذمم فيسقى لبنه ومنهم من يرده كيصا مثل فعل الذى ينزل وحده. مزمل: مبرد «4» .
فهذه الأبيات سمجة الرّصف؛ لأنّ الفصيح إذا أراد أن يعبّر عن هذه المعانى، ولم يسامح نفسه عبّر عنها بخلاف ذلك.
وكان القوم لا ينتقد عليهم، فكانوا يسامحون أنفسهم فى الإساءة.
فأما مثال الحسن الرّصف من الرسائل فكما كتب بعضهم: ولولا أنّ أجود الكلام ما يدلّ قليله على كثيره، وتغنى جملته عن تفصيله، لوسّعت نطاق القول فيما أنطوى عليه من خلوص المودّة، وصفاء المحبة؛ فجال مجال الطّرف فى ميدانه، وتصرّف تصرّف الرّوض فى افتنانه؛ لكن البلاغة بالإيجاز أبلغ من البيان بالإطناب.
ومن تمام حسن الرصف أن يخرج الكلام مخرجا يكون له فيه طلاوة وماء، وربما كان الكلام مستقيم الألفاظ، صحيح المعانى؛ ولا يكون له رونق ولا رواء؛ ولذلك قال الأصمعى لشعر لبيد: كأنه طيلسان طبرانى، أى هو محكم الأصل ولا رونق له.
(1/170)

والكلام إذا خرج فى غير تكلّف وكد وشدّة تفكر وتعمّل كان سلسا سهلا، وكان له ماء ورواء ورقراق، وعليه فرند «1» لا يكون على غيره مما عسر بروزه واستكره خروجه؛ وذلك مثل قول الحطيئة «2» :
هم القوم الذين إذا ألمّت ... من الأيام مظلمة أضاءوا
وقوله:
لهم فى بنى الحاجات أيد كأنّها ... تساقط ماء المزن فى البلد القفر
وكقول أشجع:
قصر عليه تحية وسلام ... نشرت عليه جمالها الأيّام
وإذا سيوفك صافحت هام العدا ... طارت لهنّ عن الفراخ الهام
برقت سماؤك للعدوّ فأمطرت ... هاما لها ظلّ السيوف غمام
رأى الإمام وعزمه وحسامه ... جند وراء المسلمين قيام
وكقول النمر:
خاطر بنفسك كى تصيب غنيمة ... إنّ الجلوس مع العيال قبيح
فالمال فيه تجلّة ومهابة ... والفقر فيه مذلة وقبوح «3»
وكقول الآخر:
نامت جدودهم وأسقط نجمهم ... والنجم يسقط والجدود تنام
وكقول الآخر:
لعن الإله تعلّة بن مسافر ... لعنا يشنّ عليه من قدّام
ففى هذه الأبيات مع جودتها رونق ليس فى غيرها مما يجرى مجراها فى صحة المعنى وصواب اللفظ.
(1/171)

ومن الكلام الصحيح المعنى واللفظ، القليل الحلاوة العديم الطلاوة قول الشاعر:
أرى رجالا بأدنى الدّين قد قنعوا ... ولا أراهم رضوا فى العيش بالدّون
فاستغن بالله عن دنيا الملوك كما اس ... تغنى الملوك بدنياهم عن الدّين
ومن الشعر المستحسن الرونق قول دعبل «1» :
وإنّ امرءا أمست مساقط رحله ... بأسوان لم يترك له الحرص معلما
حللت محلّا يقصر البرق دونه ... ويعجز عنه الطيف أن يتجشّما
(1/172)

الباب الخامس فى ذكر الإيجاز والإطناب (فصلان)
الفصل الأول من الباب الخامس فى ذكر الإيجاز
الإيجاز
قال أصحاب الإيجاز: الإيجاز قصور البلاغة على الحقيقة، وما تجاوز مقدار الحاجة فهو فضل داخل فى باب الهذر والخطل، وهما من أعظم أدواء الكلام، وفيهما دلالة على بلادة صاحب الصناعة.
تفضيل الإيجاز
وفى تفضيل الإيجاز يقول جعفر بن يحيى لكتّابه: إن قدرتم أن تجعلوا كتبكم توقيعات فافعلوا.
وقال بعضهم: الزيادة فى الحدّ نقصان. وقال محمد الأمين: عليكم بالإيجاز فإنّ له إفهاما، وللإطالة استبهاما. وقال شبيب بن شبة: القليل الكافى خير من كثير غير شاف. وقال آخر: إذا طال الكلام عرضت له أسباب التكلّف، ولا خير فى شىء يأتى به التكلّف. وقد قيل لبعضهم: ما البلاغة؟ فقال: الإيجاز. قيل: وما الإيجاز؟
قال: حذف الفضول، وتقريب البعيد.
وسمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجلا يقول لرجل: كفاك الله ما أهمّك.
فقال: هذه البلاغة. وسمع آخر يقول: عصمك الله من المكاره. فقال: هذه البلاغة.
وقوله صلى الله عليه وسلّم: أوتيت جوامع الكلم.
وقيل لبعضهم: لم لا تطيل الشّعر؟ فقال: حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.
وقيل ذلك لآخر، فقال: لست أبيعه مذارعة.
(1/173)

وقيل للفرزدق: ما صيّرك إلى القصائد القصار بعد الطوال؟ فقال: لأنى رأيتها فى الصدور أوقع، وفى المحافل أجول.
وقالت بنت الحطيئه لأبيها: ما بال قصارك أكثر من طوالك؟ فقال: لأنها فى الآذان أولج، وبالأفواه أعلق. وقال أبو سفيان لابن الزبعرى: قصرت فى شعرك؟
فقال: حسبك من الشّعر غرّة لائحة، وسمة واضحة.
وقيل للنابغة الذبيانى: الا تطيل القصائد كما أطال صاحبك ابن حجر؟ فقال:
من انتحل انتقر «1» .
وقيل لبعض المحدثين: مالك لا تزيد على أربعة واثنين؟ قال: هنّ بالقلوب أوقع، وإلى الحفظ أسرع، وبالألسن أعلق، وللمعانى أجمع، وصاحبها أبلغ وأوجز.
وقيل لابن حازم: ألا تطيل القصائد؟ فقال:
أبى لى أن أطيل الشعر قصدى ... إلى المعنى وعلمى بالصّواب
وإيجازى بمختصر قريب ... حذفت به الفضول من الجواب
فأبعثهنّ أربعة وستّا ... مثقفة بألفاظ عذاب
خوالد ما حدا ليل نهارا ... وما حسن الصّبا بأخى الشّباب
وهنّ إذا وسمت بهنّ قوما ... كأطواق الحمائم فى الرّقاب
وكنّ إذا أقمت مسافرات ... تهاداها الرّواة مع الرّكاب «2»
وقال أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: ما رأيت بليغا قطّ إلّا وله فى القول إيجاز، وفى المعانى إطالة.
وقيل لإياس بن معاوية: ما فيك عيب غير أنك كثير الكلام. قال: أفتسمعون صوابا أم خطأ؟ قالوا: بل صوابا. قال: فالزيادة من الخير خير. وليس كما قال؛ لأنّ للكلام غاية؛ ولنشاط السامعين نهاية؛ وما فضل عن مقدار الاحتمال دعا إلى
(1/174)

الاستثقال، وصار سببا للملال؛ فذلك هو الهذر والإسهاب والخطل، وهو معيب عند كل لبيب.
وقال بعضهم: البلاغة بالإيجاز أنجع من البيان بالإطناب. وقال: المكثار كحاطب الليل. وقيل لبعضهم: من أبلغ الناس؟ قال: من حلّى المعنى المزير باللفظ الوجيز، وطبّق المفصل قبل التحزيز.
المزيز: الفاضل، والمزّ: الفضل. وقوله: «وطبّق المفصل قبل التّحزيز» :
مأخوذ من كلام معاوية رضى الله عنه وهو قوله لعمرو بن العاص لما أقبل أبو موسى: يا عمرو؛ إنه قد ضمّ إليك رجل طويل اللسان، قصير الرأى والعرفان؛ فأقلل الحزّ، وطبّق المفصل، ولا تلقه بكلّ رأيك. فقال عمرو: أكثر من الطعام، وما بطن قوم إلا فقدوا بعض عقولهم.
والإيجاز: القصر والحذف.
نوعا الإيجاز
فالقصر تقليل الألفاظ، وتكثير المعانى؛ وهو قول الله عزّ وجل: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ.
ويتبيّن فضل هذا الكلام إذا قرنته بما جاء عن العرب فى معناه، وهو قولهم:
«القتل أنفى للقتل» . فصار لفظ القرآن فوق هذا القول لزيادته عليه فى الفائدة، وهو إبانة العدل لذكر القصاص وإظهار الغرض المرغوب عنه فيه لذكر الحياة، واستدعاء الرّغبة والرّهبة لحكم الله به ولإيجازه فى العبارة. فإنّ الذى هو نظير قولهم: «القتل أنفى للقتل» إنما هو: «القصاص حياة» وهذا أقلّ حروفا من ذاك، ولبعده من الكلفة بالتكرير، وهو قولهم: «القتل أنفى للقتل» . ولفظ القرآن برىء من ذلك، وبحسن التأليف وشدة التلاؤم المدرك بالحسّ؛ لأنّ الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة.
ومن القصر أيضا قوله تعالى: إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ
(1/175)

عَلى بَعْضٍ
لا يوازى هذا الكلام فى الاختصار شىء. وقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
. وقوله عزّ اسمه: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
وإنما كان سوء عاقبة المكر والبغى راجعا عليهم وحائقا بهم، فجعله للبغى والمكر اللّذين هما من فعلهم إيجازا واختصارا. وقوله سبحانه: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً» .
وقوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ
. وقوله تعالى:
فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا
تحيّر فى فصاحته جميع البلغاء، ولا يجوز أن يوجد مثله فى كلام البشر. وقوله تعالى: وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ.
وقوله تعالى: يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي
الآية.. تتضمّن مع الإيجاز والفصاحة دلائل القدرة. وقوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
كلمتان استوعبتا جميع الأشياء على غاية الاستقصاء. وروى أنّ ابن عمر رحمه الله قرأها، فقال: من بقى له شىء فليطلبه. وقوله تعالى: وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ
اختلاف اللغات والمناظر والهيئات. وقوله تعالى فى صفة خمر أهل الجنّة: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
انتظم قوله سبحانه (ولا ينزفون) عدم العقل وذهاب المال ونفاد الشراب. وقوله تعالى: أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ
دخل تحت الأمن جميع المحبوبات؛ لأنه نفى به أن يخافوا شيئا أصلا من الفقر والموت وزوال النّعمة والجور، وغير ذلك من أصناف المكاره؛ فلا ترى كلمة أجمع من هذه.
وقوله عز وجل: وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ
جمع أنواع التّجارات، وصنوف المرافق التى لا يبلغها العدّ والإحصاء. ومثله قوله سبحانه:
لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ
جمع منافع الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ
ثلاث كلمات تشتمل على أمر الرسالة وشرائعها وأحكامها على الاستقصاء؛ لما فى قوله «فاصدع» من الدلالة على التأثير، كتأثير الصدع.
وقوله تعالى: وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ
ثلاث كلمات اشتملت على عواقب الدنيا والآخرة.
(1/176)

وقوله تعالى: وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
وإنما ذكر الساكن ولم يذكر المتحرّك؛ لأنّ سكون الأجسام الثقيلة مثل الأرض والسماء فى الهواء من غير علاقة ودعامة أعجب وأدلّ على قدرة مسكنها.
وقوله عز وجل: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
فجمع جميع مكارم الأخلاق بأسرها؛ لأنّ فى العفو صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين، وفى الأمر بالعرف تقوى الله وصلة الرّحم، وصون اللسان عن الكذب، وغضّ الطّرف عن الحرمات، والتبرّؤ من كل قبيح؛ لأنه لا يجوز أن يأمر بالمعروف وهو يلابس شيئا من المنكر؛ وفى الإعراض عن الجاهلين الصّبر والحلم وتنزيه النفس عن مقابلة السفيه بما يوتغ «1» الدين ويسقط القدرة.
وقوله تعالى: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها
؛ فدلّ بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للناس، من العشب والشجر والحطب واللباس والنّار والملح والماء؛ لأنّ النار من العيدان، والملح من الماء، والشاهد على أنّه أراد ذلك كلّه قوله تعالى: مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ.
وقوله تعالى: يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ
، فانظر هل يمكن أحدا من أصناف المتكلمين إيراد هذه المعانى فى مثل هذا القدر من الألفاظ.
وقوله عزّ وجلّ: وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
جمع الأشياء كلها حتى لا يشذّ منها شىء على وجه.
وقوله تعالى: وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ
جمع فيه من نعم الجنة ما لا تحصره الأفهام، ولا تبلغه الأوهام.
(1/177)

وقول رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إياكم وخضراء الدّمن» «1» . وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «حبّك الشىء يعمى ويصم» . وقوله صلى الله عليه وسلّم:
«إنّ من البيان لسحرا» . وقوله عليه الصلاة والسلام: «مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلمّ» «2» . وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «الصحة والفراغ نعمتان» . وقوله عليه الصلاة والسلام: «نيّة المؤمن خير من عمله» . وقوله صلّى الله عليه وسلّم:
«ترك الشرّ صدقة» . وقوله صلى الله عليه وسلّم: «الحمى فى أصول النخل» .
فمعانى هذا الكلام أكثر من الفاظه، وإذا أردت أن تعرف صحّة ذلك فحلها وابنها بناء آخر؛ فإنّك تجدها تجىء فى أضعاف هذه الألفاظ.
قوله صلى الله عليه وسلّم: «إذا أعطاك الله خيرا فليبن عليك، وابدأ بمن تعول، وارتضخ من الفضل، ولا تلم على الكفاف، ولا تعجز عن نفسك» .
وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «فليبن عليك» أى فليظهر أثره عليك بالصدقة والمعروف، ودلّ على ذلك بقوله: «وابدأ بمن تعول، وارتضخ من الفضل» ، أى اكسر من مالك وأعط، واسم الشىء الرضيخة. «ولا تعجز عن نفسك» أى لا تجمع لغيرك وتبخل عن نفسك، فلا تقدّم خيرا.
وقول أعرابى: اللهم هب لى حقك، وأرض عنى خلقك.
(1/178)

وقال آخر: أولئك قوم جعلوا أموالهم مناديل لأعراضهم؛ فالخير بهم زائد، والمعروف لهم شاهد؛ أى يقون أعراضهم بأموالهم.
وقيل لأعرابى يسوق مالا كثيرا: لمن هذا المال؟ فقال: لله فى يدى.
وقال أعرابى لرجل يمدحه: إنه ليعطى عطاء من يعلم أنّ الله مادته.
وقول آخر: أما بعد فعظ الناس بفعلك، ولا تعظهم بقولك، واستحى من الله بقدر قربه منك، وخفه بقدر قدرته عليك.
وقال آخر: إن شككت فاسأل قلبك عن قلبى.
المساواة
ومما يدخل فى هذا الباب المساواة، وهو أن تكون المعانى بقدر الألفاظ، والألفاظ بقدر المعانى لا يزيد بعضها على بعض، وهو المذهب المتوسط بين الإيجاز والإطناب؛ وإليه أشار القائل بقوله: كأنّ ألفاظه قوالب لمعانيه؛ أى لا يزيد بعضها على بعض.
فما فى القرآن من ذلك قوله عزّ وجل: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ
«1» .
وقوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ
«2» . ومثله كثير.
ومن كلام النبى صلّى الله عليه وسلّم: «لا تزال أمتى بخير ما لم تر الأمانة مغنما والزكاة مغرما» . وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إياك والمشارّة فإنها تميت الغرّة وتحيى العرّة» «3» .
ومن ألفاظ هذه الفصول ما كانت معانيه أكثر من ألفاظه، وإنما يكره تميزها كراهة الإطالة.
ومن نثر الكتّاب قول بعضهم: سألت عن خبرى وأنا فى عافية لا عيب فيها إلا فقدك، ونعمة لا مزيد فيها إلا بك.
(1/179)

وقوله: علمتنى نبوتك سلوتك، وأسلمنى يأسى منك إلى الصّبر عنك. وقوله:
فحفظ الله النعمة عليك وفيك، وتولّى إصلاحك والإصلاح لك، وأجزل من الخير حظّك والحظّ منك، ومنّ عليك وعلينا بك.
وقال آخر: يئست من صلاحك بى، وأخاف فسادى بك، وقد أطنب فى ذم الحمار من شبّهك به.
ومن المنظوم قول طرفة «1» :
ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وقول الآخر:
تهدى الأمور بأهل الرّأى ما صلحت ... فإن تأبّت فبالأشرار تنقاد
وقول الآخر:
فأمّا الّذى يحصيهم فمكثّر ... وأمّا الّذى يطريهم فمقلّل
وقول الآخر «2» :
أهابك إجلالا وما بك قدرة ... علىّ ولكن ملء عين حبيبها
وما هجرتك النّفس أنك عندها ... قليل، ولكن قلّ منك نصيبها
وقول الآخر:
أصدّ بأيدى العيس عن قصد أهلها ... وقلبى إليها بالمودّة قاصد
وقول الآخر:
يقول أناس لا يضيرك فقدها ... بلى كل ما شفّ النفوس يضيرها «3»
وقال الآخر:
يطول اليوم لا ألقاك فيه ... وحول نلتقى فيه قصير
(1/180)

وقالوا: لا يضيرك نأى شهر ... فقلت لصاحبىّ: فمن يضير
قوله: «لصاحبى» يكاد يكون فضلا.
وجوه الحذف
وأما الحذف فعلى وجوه، منها أن تحذف المضاف وتقيم المضاف إليه مقامه وتجعل الفعل له، كقول الله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
، أى أهلها.
وقوله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ
، أى حبّه.
وقوله عز وجل: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ
، أى وقت الحج.
وقوله تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
، أى مكركم فيهما.
وقال المتنخل الهذلى «1» :
يمشّى بيننا حانوت خمر ... من الخرس الصّراصرة القطاط «2»
يعنى صاحب حانوت فأقام الحانوت مقامه.
وقال الشاعر «3» :
لهم مجلس صهب السّبال أذلّة ... سواسية أحرارها وعبيدها
يعنى أهل المجلس.
ومنها «4» أن يوقع الفعل على شيئين وهو لأحدهما ويضمر للآخر فعله، وهو قوله تعالى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ
معناه: وادعوا شركاءكم، وكذلك هو فى مصحف عبد الله بن مسعود.
وقال الشاعر:
تراه كأنّ الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه ثاب له وفر
أى ويفقأ عينيه.
(1/181)

وقول الآخر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزجّجن الحواجب والعيونا
العيون لا تزجّج، وإنما أراد وكحّلن العيون.
ومنها «1» أن يأتى الكلام على أنّ له جوابا فيحذف الجواب اختصارا لعلم المخاطب؛ كقوله عزّ وجلّ: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً
أراد لكان هذا القرآن، فحذف.
وقوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
، أراد لعذّبكم.
وقال الشاعر:
فأقسم لو شىء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا
أى لرددناه.
وقوله تعالى: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ
، فذكر أمة واحدة ولم يذكر بعدها أخرى، وسواء يأتى من اثنين «2» فما زاد.
وكذلك قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً
، ولم يذكر خلافه، لأنّ فى قوله تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
دليلا على ما أراد.
وقال الشاعر:
أراد فما أدرى أهمّ هممته ... وذو الهمّ قدما خاشع متضائل «3»
ولم يأت بالآخر.
وربما حذفوا الكلمة والكلمتين، كقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ
(1/182)

أَكَفَرْتُمْ
. وقوله تعالى: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
، أى ووصّى بالوالدين إحسانا.
وقال النمر:
فإنّ المنيّة من يخشها ... فسوف تصادفه أينما
أى أينما ذهب.
وقال ذو الرمة «1» :
لعرفانها والعهد ناء وقد بدا ... لذى نهية أن لا إلى أمّ سالم «2»
المعنى أن لا سبيل إليها ولا إلى لقائها، فاكتفى بالإشارة إلى المعنى؛ لأنه قد عرف ما أراد، كما قال النمر بن تولب:
فلا وأبى الناس لا يعلمو ... ن لا الخير خير ولا الشر شر
أى ليسا بدائمين لأحد. والنهية: العقل، والجمع نهى «3» .
وقوله تعالى: فِي يَوْمٍ عاصِفٍ
، أى فى يوم ذى عاصف. وقوله تعالى: وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
، أى ولا من فى السماء بمعجز.
ومثل قول الشنفرى «4» :
لا تدفنونى إنّ دفنى محرّم ... عليكم ولكن خامرى أمّ عامر
أى ولكن دعونى للتى يقال لها: خامرى أمّ عامر إذا صيدت، يعنى الضبع.
ومنها «5» القسم بلا جواب؛ كقوله تعالى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا
،
(1/183)

معناه والله أعلم: ق والقرآن المجيد لتبعثنّ، والشاهد ما جاء بعده من ذكر البعث فى قوله: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً.
ومن الحذف قوله تعالى: إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ
، أى كباسط كفيّه إلى الماء ليقبض عليه.
وقال الشاعر «1» :
إنى وإيّاكم وشوقا إليكم ... كقابض ماء لم تسقه أنامله «2»
ومن الحذف إسقاط «لا» من الكلام فى قوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا
، أى «لأن لا تضلّوا» . وقوله تعالى: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ
، أى لا تحبط أعمالكم.
وقال امرؤ القيس «3» :
فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى
أى لا أبرح قاعدا.
وقال آخر:
فلا وأبى دهمان زالت عزيزة ... على قومها ما فتّل الزّند قادح
ومن الحذف أن تضمر غير مذكور، كقوله تعالى: حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ
يعنى الشمس بدأت فى المغيب. وقوله تعالى: ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ
يعنى على ظهر الأرض. وقوله تعالى: فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً
، أى بالوادى. وقوله تعالى:
وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها
، يعنى الدنيا أو الأرض. وَلا يَخافُ عُقْباها
، يعنى عقبى هذه الفعلة.
(1/184)

وقول لبيد «1» :
حتى إذا ألقت يدا فى كافر ... وأجنّ عورات الثّغور ظلامها «2»
يعنى الشمس تبدأ «3» فى المغيب.
وضرب منه آخر قوله تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا
، أى من قومه.
وقال العجاج:
تحت الذى اختار له الله الشّجر
أى من الشجر.
وضرب منه ما قال تعالى فى أول سورة الرحمن: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
وذكر قبل ذلك الإنسان، ولم يذكر الجانّ ثم ذكره.
ومثله قول المثقب «4» :
فما أدرى إذا يمّمت أرضا ... أريد الخير أيّهما يلينى
أالخير الذى أنا أبتغييه ... أم الشر الذى هو يبتغينى
فكنى عن الشر قبل ذكره، ثم ذكره.
ومن الحذف قوله تعالى: يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ
، أراد يشترون الضلالة بالهدى. وقوله تعالى: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ
، أى أبقينا
(1/185)

له ذكرا حسنا فى الباقين فحذف الذكر. ومن ذلك قوله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ
، أى يبحث التّراب على غراب آخر ليواريه؛ فيرى هو كيف يوارى سوأة أخيه. وقوله تعالى: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ
؛ أى فى مرضاتهم.
ومن الحذف قول صعصعة وقد سئل عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه، فقال: لم يقل فيه مستزيد: لو أنه، ولا مستقصر: إنه؛ جمع الحلم، والعلم، والسلم، والقرابة القريبة، والهجرة القديمة، والبصر بالأحكام، والبلاء العظيم فى الإسلام.
وقال على رضى الله عنه: سبق رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وصلّى «1» أبو بكر، وثلث عمر، وخبطتنا فتنة فما شاء الله.
وقال القيسى: ما زلت أمتطى النهار إليك، وأستدل بفضلك عليك، حتى إذا جنّنى الليل، فقبض البصر، ومحا الأثر، أقام بدنى، وسافر أملى، والاجتهاد عاذر؛ وإذا بلغتك فقط.
فقوله: «فقط» من أحسن حذف وأجود إشارة.
وأخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنا إبراهيم بن الزغل العبشمى، قال: حدّثنا المبرد أن عبد الله بن يزيد بن معاوية أتى أخاه خالدا، فقال: يا أخى؛ لقد هممت اليوم أن أفتك بالوليد بن عبد الملك. فقال خالد: بئس والله ما هممت به فى ابن أمير المؤمنين، وولىّ عهد المسلمين! فقال: إنّ خبلى مرّت به فعبث بها وأصغرنى فيها.
فقال: أنا أكفيك؛ فدخل على عبد الملك؛ فقال: يا أمير المؤمنين! إنّ الوليد
(1/186)

ابن أمير المؤمنين مرّت به خيل ابن عمّه عبد الله بن يزيد؛ فعبث بها وأصغره «1» فيها.
وعبد الملك مطرق، ثم رفع رأسه وقال: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً
. فقال خالد: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
. فقال عبد الملك: أفى عبد الله تكلّمنى؛ لقد دخل علىّ فما أقام لسانه لحنا؟ فقال خالد: أفعلى الوليد تعوّل؟ فقال عبد الملك: إن كان الوليد يلحن فإن أخاه سليمان. فقال خالد: إن كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالد «2» . فقال له الوليد: اسكت، فو الله ما تعدّ فى العير ولا فى النّفير «3» . فقال: اسمع يا أمير المؤمنين، ثم أقبل عليه، فقال: ويحك فمن للعير والنّفير غيرى؟ جدّى أبو سفيان صاحب العير، وجدّى عتبة بن ربيعة صاحب النّفير «4» ؛ ولكن لو قلت: غنيمات وحبيلات والطّائف ورحم الله عثمان قلنا صدقت.
وذلك أنّ النبى صلّى الله عليه وسلّم طرد الحكم بن أبى العاص «5» فصار إلى الطائف يرعى غنيمه ويأوى إلى حبلة- وهى الكرمة- ورحم الله عثمان، أى لردّه إياه «6» . فهذا حذف بديع.
وكذلك قول عبد الملك: إن كان الوليد يلحن فإنّ أخاه سليمان. وقول خالد:
إن كان عبد الله يلحن فإن أخاه خالد، حذف حسن أيضا. ومثل هذا كثير فى كلامهم، ولا وجه لاستيعابه.
(1/187)

ومن الحذف الردىء قول الحارث بن حلزة «1» :
والعيش خير فى ظلا ... ل النوك ممّن عاش كدّا «2»
وإنما أراد: والعيش الناعم خير فى ظلال النوك من العيش الشاقّ فى ظلال العقل، وليس يدلّ لحن كلامه على هذا، فهو من الإيجاز المقصر.
ومن الحذف الردىء أيضا قول الآخر «3» :
أعاذل عاجل ما أشتهى ... أحبّ من الأكثر الرائث «4»
يعنى عاجل ما أشتهى مع القلّة أحبّ إلىّ من رائثه مع الكثرة.
ومثله قول عروة بن الورد «5» :
عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم ... ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا
يعنى إذ يقتلون نفوسهم فى السلم.
ومثله من نثر الكتّاب ما كتب بعضهم: فإنّ المعروف إذا زجا «6» كان أفضل منه إذا توافر وأبطأ. وتمام المعنى أن يقول: «إذا قل وزجا» . فترك ما به يتمّ المعنى؛ وهو ذكر القلّة.
وكتب بعضهم: فما زال حتى أتلف ماله، وأهلك رجاله؛ وقد كان ذلك فى الجهاد والإبلاء أحقّ بأهل الحزم وأولى. والوجه أن يقول: فإن إهلاك المال والرجال فى الجهاد والإبلاء أفضل من فعل ذلك فى الموادعة.
ومثل هذا مقصّر غير بالغ مبلغ ما تقدم فى هذا الباب من الحذف الجيّد.
(1/188)

وأقبح من هذا كله قول الآخر «1» :
لا يرمضون إذا جرّت مشافرهم ... ولا ترى مثلهم فى الطّعن ميّالا
ويفشلون إذا نادى ربيئهم ... ألا اركبنّ فقد آنست أبطالا
أراد: «ولا يفشلون» فتركه؛ فصار المعنى كأنّه ذمّ.
وقول المخبل فى الزّبرقان:
وأبوك بدر كان ينتهس الحصى ... وأبى الجواد ربيعة بن قبال «2»
فقال الزبرقان: لا بأس؛ شيخان اشتركا فى صنعة.
(1/189)

الفصل الثانى من الباب الخامس، فى ذكر الإطناب
فضل الإطناب
قال أصحاب الإطناب: المنطق إنما هو بيان، والبيان لا يكون إلا بالإشباع، والشفاء لا يقع إلّا بالإقناع، وأفضل الكلام أبينه، وأبينه أشدّه إحاطة بالمعانى، ولا يحاط بالمعانى إحاطة تامّة إلّا بالاستقصاء؛ والإيجاز للخواصّ، والإطناب مشترك فيه الخاصة والعامة، والغبى والفطن، والريض والمرتاض؛ ولمعنى مّا أطيلت الكتب السلطانية فى إفهام الرعايا.
الحاجة إلى الإيجاز والإطناب
والقول القصد أنّ الإيجاز والإطناب يحتاج إليهما فى جميع الكلام وكلّ نوع منه؛ ولكلّ واحد منهما موضع؛ فالحاجة إلى الإيجاز فى موضعه كالحاجة إلى الإطناب فى مكانه؛ فمن أزال التدبير فى ذلك عن جهته، واستعمل الإطناب فى موضع الإيجاز، واستعمل الإيجاز فى موضع الإطناب أخطأ.
كما روى عن جعفر بن يحيى أنه قال مع عجبه بالإيجاز: متى كان الإيجاز أبلغ كان الإكثار عيّا. ومتى كانت الكناية فى موضع الإكثار كان الإيجاز تقصيرا.
وأمر يحيى بن خالد بن برمك اثنين أن يكتبا كتابا فى معنى واحد، فأطال أحدهما، واختصر الآخر؛ فقال للمختصر- وقد نظر فى كتابه: ما أرى موضع مزيد. وقال للمطيل: ما أرى موضع نقصان.
وقال غيره: البلاغة الإيجاز فى غير عجز، والإطناب فى غير خطل. ولا شكّ فى أنّ الكتب الصادرة عن السلاطين فى الأمور الجسيمة، والفتوح الجليلة، وتفخيم النّعم الحادثة، والترغيب فى الطاعة، والنّهى عن المعصية، سبيلها أن تكون مشبعة مستقصاة، تملأ الصدور، وتأخذ بمجامع القلوب؛ ألا ترى أنّ كتاب المهلب إلى الحجاج فى فتح الأزارفة:
(1/190)

الحمد لله الذى كفى بالإسلام فقد ما سواه، وجعل الحمد متّصلا بنعمته، وقضى ألّا ينقطع المزيد من فضله، حتى ينقطع الشكر من خلقه، ثم إنّا كنا وعدوّنا على حالتين مختلفتين، نرى فيهم ما يسرّنا أكثر مما يسوءنا، ويرون فينا ما يسوءهم أكثر مما يسرهم. فلم يزل ذلك دأبنا ودأبهم؛ ينصرنا الله ويخذلهم، ويمحّصنا ويمحقهم، حتى بلغ الكتاب بنا وبهم أجله؛ فقطع دابر القوم الذى ظلموا والحمد لله ربّ العالمين.
وإنما حسن فى موضعه ومع الغرض الذى كان لكاتبه فيه؛ فأما إن كتب مثله فى فتح يوازى ذلك الفتح فى جلالة القدر وعلوّ الخطر، وقد تطلّعت أنفس الخاصة والعامة إليه وتصرّفت فيه ظنونهم، فيورد عليهم مثل هذا القدر من الكلام فى أقبح صورة وأسمجها وأشوهها وأهجنها كان حقيقا أن يتعجّب منه.
وكذلك لو كتب عن السلطان فى العذل والتوبيخ وما تجب القلوب منه من التغيير والتنكير بمثل ما روى أنّ الوليد بن يزيد كتب إلى والى العراقين حين عتب عليه: إنى أراك تقدّم فى الطاعة رجلا وتؤخّر أخرى، فاعتمد على أيتهما شئت، والسلام.
وبمثل ما كتب جعفر بن يحيى إلى عامل شكى: قد كثر شاكوك، وقلّ شاكروك؛ فإمّا عدلت، وإما اعتزلت.
ومثل هذا ما كتب به بعض الكتّاب إلى عامله على الخراج، وقد وقع عليه تحامل على الرعيّة «1» : إنّ الخراج عمود الملك، وما استغزر بمثل العدل، ولا استنزر بمثل الجور.
فهذا الكلام فى غاية الجودة والوجازة، ولكن لا يصلح من مثل صاحبه وبالإضافة إلى حاله؛ فالإطناب بلاغة؛ والتطويل عىّ؛ لأن التطويل بمنزلة سلوك ما يبعد جهلا بما يقرب. والإطناب بمنزلة سلوك طريق بعيد نزه يحتوى على زيادة فائدة.
(1/191)

وقال الخليل: يختصر الكتاب ليحفظ، ويبسط ليفهم. وقيل لأبى عمرو ابن العلاء: هل كانت العرب تطيل؟ قال: نعم؛ كانت تطيل ليسمع منها، وتوجز ليحفظ عنها.
والإطناب إذا لم يكن منه بدّ إيجاز؛ وهو فى المواعظ- خاصّة- محمود؛ كما انّ الإيجاز فى الإفهام محمود ممدوح.
والموعظة كقول الله تعالى: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ. أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ. أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
. فتكرير ما كرّر من الألفاظ هاهنا فى غاية حسن الموقع.
وقيل لبعضهم: متى يحتاج إلى الإكثار؟ قال: إذا عظم الخطب. وأنشد:
صموت إذا ما الصّمت زيّن أهله ... وفتّاق أبكار الكلام المحبّر
وقال آخر:
يرمون بالخطب الطّوال وتارة ... وحى الملاحظ خشية الرّقباء
وقال بعضهم:
إذا ما ابتدى خاطبا لم يقل ... له أطل القول أو قصّر
طبيب بداء فنون الكلا ... م لم يعى يوما ولم يهذر
فإن هو أطنب فى خطبة ... قضى للمطيل على المقصر
وإن هو أوجز فى خطبة ... قضى للمقلّ على المكثر
ووجدنا الناس إذا خطبوا فى الصّلح بين العشائر أطالوا؛ وإذا أنشدوا الشّعر بين السّماطين «1» فى مديح الملوك أطنبوا؛ والإطالة والإطناب فى هذه المواضع إيجاز.
وقيل لقيس بن خارجة: ما عندك فى حمالات «2» داحس؟ قال: عندى قرا
(1/192)

كلّ نازل، ورضا كلّ ساخط، وخطبة من لدن مطلع الشّمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتّواصل وأنهى عن التقاطع. فقيل لأبى يعقوب الخريمى: هلّا اكتفى بقوله: «آمر فيها بالتواصل» عن قوله: «وأنهى عن التقاطع» ؟ فقال: أو ما علمت أنّ الكناية والتعريض لا تعمل عمل الإطناب والتكشيف.
وقد رأينا الله تعالى إذا خاطب العرب والأعراب أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحى؛ وإذا خاطب بنى إسرائيل أو حكى عنهم جعل الكلام مبسوطا.
فمما خاطب به أهل مكّة قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً، وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ، ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
. وقوله تعالى: إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
. وقوله تعالى: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
؛ فى أشباه لهذا كثيرة.
وقل ما تجد قصة لبنى إسرائيل فى القرآن إلا مطوّلة مشروحة ومكرّرة فى مواضع معادة؛ لبعد فهمهم كان، وتأخّر معرفتهم.
وكلام الفصحاء إنما هو شوب الإيجاز بالإطناب والفصيح العالى بما دون ذلك من القصد المتوسّط؛ ليستدلّ بالقصد على العالى، وليخرج السامع من شىء إلى شىء فيزداد نشاطه وتتوفّر رغبته، فيصرفوه فى وجوه الكلام إيجازه وإطنابه، حتى استعملوا التكرار ليتوكّد القول للسامع.
وقد جاء فى القرآن وفصيح الشعر منه شىء كثير، فمن ذلك قوله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
. وقوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
. فيكون للتوكيد كما يقول القائل: ارم ارم، واعجل اعجل.
وقد قال الشاعر:
كم نعمة كانت لكم ... كم كم وكم كانت وكم
(13- الصناعتين)
(1/193)

وقال آخر «1» :
هلّا سألت جموع كند ... ة يوم ولوا أين أينا
الاتباع
وإنما جاءوا بالصّفة وأرادوا توكيدها فكرهوا إعادتها ثانية؛ فغيّروا منها حرفا، ثم أتبعوها الأولى؛ كقولهم: «عطشان نطشان» كرهوا أن يقولوا: عطشان عطشان؛ فأبدلوا من العين نونا. وكذلك قالوا: حسن بسن. وشيطان ليطان، فى أشباه له كثيرة.
وقد كرّر الله عزّ وجل فى سورة الرحمن قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
؛ وذلك أنه عدّد فيها نعماءه وأذكر عباده آلاءه، ونبّههم على قدرها، وقدرته عليها، ولطفه فيها، وجعلها فاصلة بين كل نعمة ليعرف موضع ما أسداه إليهم منها.
وقد جاء مثل ذلك عن أهل الجاهلية؛ قال مهلهل «2» :
على أن ليس عدلا من كليب
فكرّرها فى أكثر من عشرين بيتا.
وهكذا قول الحارث بن عبّاد:
قرّبا مربط النعامة منّى
كرّرها أكثر من ذلك؛ هذا لمّا كانت الحاجة إلى تكريرها ماسّة، والضرورة إليه داعية، لعظم الخطب، وشدّة موقع الفجيعة؛ فهذا يدلّك على أنّ الإطناب فى موضعه عندهم مسثحسن، كما أنّ الإيجاز فى مكانه مستحبّ.
ولا بدّ للكاتب فى أكثر أنواع مكاتباته من شعبة من الإطناب يستعملها إذا أراد المزاوجة بين الفصلين، ولا يعاب ذلك منه. وذلك مثل أن يكتب: عظمت نعمنا عليه، وتظاهر إحساننا لديه. فيكون الفصل الأخير داحلا فى معناه فى الفصل الأول؛ وهو مستحسن لا يعيبه أحد.
(1/194)

ولما أحيط بمروان قال خادمه باسل: من أغفل القليل حتى يكثر، والصغير حتى يكبر، والخفىّ حتى يظهر أصابه مثل هذا.
وهذا كلام فى غاية الحسن، وإن كان معنى الفصلين الأخيرين داخلا فى الفصل الأول.
وهكذا قول الشاعر «1» :
إنّ شرخ الشّباب والشعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جنونا
فالشعر الأسود داخل فى شرخ الشباب.
وكذلك قول أبى تمام «2» :
رب خفض «3» تحت السرى وغناء ... من عناء ونضرة من شحوب
الغناء داخل فى الخفض، والعناء داخل فى السّرى فاعلم.
وممّا هو أجلّ من هذا كلّه قول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ
؛ فالإحسان داخل فى العدل، وإيتاء ذى القربى داخل فى الإحسان؛ والفحشاء داخل فى المنكر، والبغى داخل فى الفحش.
وهذا يدلّ على أنّ أعظم مدار البلاغة على تحسين اللّفظ؛ لأنّ المعانى إذا دخل بعضها فى بعض هذا الدخول، وكانت الألفاظ مختارة حسن الكلام؛ وإذا كانت مرتّبة حسنة والمعارض سيئة كان الكلام مردودا. فاعتمد على ما مثّلته لك، وقس عليه إن شاء الله.
(1/195)

الباب السادس فى حسن الأخذ وحل المنظوم (فصلان)
الفصل الأول من الباب السادس فى حسن الأخذ
تداول المعانى
ليس لأحد من أصناف القائلين غنى عن تناول المعانى ممّن تقدّمهم والصبّ على قوالب من سبقهم؛ ولكن عليهم- إذا أخذوها- أن يكسوها ألفاظا من عندهم، ويبرزوها فى معارض من تأليفهم، ويوردوها فى غير حليتها الأولى، ويزيدوها فى حسن تأليفها وجودة تركيبها وكمال حليتها ومعرضها؛ فإذا فعلوا ذلك فهم أحقّ بها ممّن سبق إليها؛ ولولا أنّ القائل يؤدّى ما سمع لما كان فى طاقته أن يقول؛ وإنما ينطق الطّفل بعد استماعه من البالغين.
وقال أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه: لولا أنّ الكلام يعاد لنفد.
وقال بعضهم: كلّ شىء ثنيته قصر إلّا الكلام فإنّك إذا ثنيته طال. على أنّ المعانى مشتركة بين العقلاء، فربما وقع المعنى الجيّد للسوقىّ والنبطى والزّنجى، وإنما تتفاضل الناس فى الألفاظ ورصفها وتأليفها ونظمها. وقد يقع للمتأخر معنى سبقه إليه المتقدّم من غير أن يلمّ به، ولكن كما وقع للأوّل وقع للآخر. وهذا أمر عرفته من نفسى، فلست أمترى «1» فيه، وذلك أنّى عملت شيئا فى صفة النساء:
سفرن بدورا وانتقبن أهلّة
وظننت أنى سبقت إلى جمع هذين التشبيهين فى نصف بيت، إلى أن وجدته
(1/196)

بعينه لبعض البغداديين؛ فكثر تعجّبى، وعزمت على ألّا أحكم على المتأخّر بالسّرق «1» من المتقدّم حكما حتما.
وسمعت ما قيل: إنّ من أخذ معنى بلفظه كان له سارقا، ومن أخذ ببعض لفظه كان له سالخا، ومن أخذه فكساه لفظا من عنده أجود من لفظه كان هو أولى به ممن تقدّمه.
وقالوا: إن أبا عذرة الكلام «2» من سبك لفظه على معناه؛ ومن أخذ معنى بلفظه فليس له فيه نصيب.
على أنّ ابتكار المعنى والسّبق إليه ليس هو فضيلة يرجع إلى المعنى؛ وإنما هو فضيلة ترجع إلى الذى ابتكره وسبق إليه؛ فالمعنى الجيّد جيّد وإن كان مسبوقا إليه؛ والوسط وسط، والردىء ردىء، وإن لم يكونا مسبوقا إليهما.
وقد أطبق المتقدمون والمتأخرون على تداول المعانى بينهم؛ فليس على أحد فيه عيب إلّا إذا أخذه بلفظه كلّه، أو أخذه فأفسده، وقصّر فيه عمّن تقدمه، وربما أخذ الشاعر القول المشهور ولم يبال؛ كما فعل النابغة فإنه أخذ قول وهب بن الحارث ابن زهرة:
تبدو كواكبه والشمس طالعة ... تجرى على الكاس منه الصّاب والمقر «3»
وقال النابغة «4» :
تبدو كواكبه والشمس طالعة ... لا النّور نور ولا الإظلام إظلام
وأخذ قول رجل من كندة فى عمرو بن هند:
هو الشمس وافت يوم دجن فأفضلت ... على كلّ ضوء والملوك كواكب
(1/197)

فقال «1» :
بأنّك «2» شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
وسنشبع القول فى هذا الباب.
والحاذق يخفى دبيبه إلى المعنى يأخذه فى سترة فيحكم له بالسّبق إليه أكثر من يمرّ به.
وأحد أسباب إخفاء السّرق أن يأخذ معنى من نظم فيورده فى نثر، أو من نثر فيورده فى نظم، أو ينقل المعنى المستعمل فى صفة خمر فيجعله فى مديح، أو فى مديح فينقله إلى وصف؛ إلا أنه لا يكمل لهذا إلا المبرّز، والكامل المقدّم؛ فممن أخفى دبيبه إلى المعنى وستره غاية السّتر أبو نواس فى قوله «3» :
أعطتك ريحانها العقار ... وحان من ليلك انسفار
إن كان قد أخذه من قول الأعشى، على ما حكوا، فقد أخفاه غاية الإخفاء؛ وقول الأعشى «4» :
وسبيئة ممّا تعتّق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريالها «5»
سئل الأعشى عن «سلبتها جريالها» . فقال: شربتها حمراء، وبلها بيضاء.
فبقى حسن لونها فى بدنى. ومعنى: «أعطتك ريحانها العقار» ؛ أى شربتها فانتقل طيبها إليك.
وهكذا قوله «6» :
لا ينزل الليل حيث حلّت ... فدهر شرّابها نهار
من قول قيس بن الخطيم:
قضى الله حين صوّرها ال ... خالق ألّا تكنّها السّدف «7»
(1/198)

وهذا المعنى منقول من الغزل إلى صفة الخمر فهو خفىّ.
ومن هذا ما نقله من قول أوس بن حجر فى صفة الفرس، فجعله فى صفة امرأة:
فجرّدها صفراء لا الطّول عابها ... ولا قصر أزرى بها فتعطّلا
وقول أبى نواس «1» :
فوق القصيرة والطويلة فوقها ... دون السمين ودونها المهزول
وإن كان أخذه من قول ابن الأحمر:
تفوت القصار والطّوال تفتنها ... فمن يرها لم ينسها ما تكلّما
أو من قول ابن عجلان النهدى:
ومخملة باللّحم من دون ثوبها ... تطول القصار والطوال تطولها
فقد أخذه بلفظه، وأحد هذين أخذه من قول أوس، والإحسان فيه له.
ومما أخذه ونقله من معنى إلى معنى قوله:
كميت جسمها معنا ... وريّاها على سفر
وممن أخفى الأخذ أبو تمام «2» فى قوله:
جمعت عرى أعمالها «3» بعد فرقة ... إليك كما ضمّ الأنابيب عامل «4»
قالوا: هو من قول الحبال الربعى:
أولئك إخوان الصّفاء رزيتهم ... فما الكفّ إلّا إصبع ثمّ إصبع
وهكذا قوله- وقد نقله من معنى إلى آخر «5» :
مكارم لجّت فى علوّ كأنّما «6» ... تحاول ثأرا عند بعض الكواكب
(1/199)

قالوا هو من قول الأخطل:
عروف لحقّ السائلين كأنّه ... بعقر المتالى «1» طالب بذنوب
وهكذا قول بشار «2» :
يا أطيب الناس ريقا غير مختبر ... إلّا شهادة أطراف المساويك
من قول سليك:
وتبسم عن ألمى اللّثات مفلّج ... خليق الثنايا بالعذوبة والبرد
ومن قول الآخر:
وما ذقته إلا بعينى تفرّسا ... كما شيم فى أعلى السّحابة بارق
ومما أخده وزاد فيه عن الأول قوله «3» :
أفناهم الصّبر إذ أبقاكم الجزع «4»
من قول السموءل «5» :
يقرّب حبّ الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
أورده أبو تمام فى نصف بيت واستوفى التطبيق.
ومن هذا الضرب قوله:
علّمنى جودك السماح فما ... أبقيت شيئا لدىّ من صلتك
من قول ابن الخياط:
لمست بكفّى كفّه أبتغى الغنى ... ولم أدر أنّ الجود من كفّه يعدى
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعدانى فأتلفت ما عندى
وممن نقل المعنى من صفة إلى أخرى البحترى فإنه قال فى المتوكل «6» :
(1/200)

ولو أنّ مشتاقا تكلّف غير ما ... فى وسعه لسعى إليك المنبر
أخذه من قول العرحى فى صفة نساء:
لو كان حيّا قبلهنّ ظعائنا ... حيّا الحطيم وجوههن وزمزم
إلّا أنه غير خاف.
وممن أخذ المعنى فزاد على السابق إليه زيادة حسنة أبو نواس فى قوله «1» :
يبكى فيذرى الدّرّ من نرجس ... ويلطم الورد بعنّاب
أخذه من قول الأسود بن يعفر:
يسعى بها ذو تومتين كأنّما ... قنأت أنامله من الفرصاد «2»
وأخذ بعض المتأخرين بيت أبى نواس، فزاد عليه زيادة عجيبة، فقال:
وأسبلت لؤلؤا من نرجس فسقت ... وردا وعضّت على العنّاب بالبرد
فجاء بما لا يقدر أحد أن يزيد عليه.
ومن ذلك أيضا قوله- وقد زاد فيه على الأوّل «3» :
فتمشّت فى مفاصلهم ... كتمشى البرء فى السّقم
أخذه من قول مسلم:
تجرى محبّتها فى قلب عاشقها ... مجرى المعافاة فى أعضاء منتكس
وجميع ذلك مأخوذ من قول بعض ملوك اليمن:
منع البقاء تقلّب الشّمس ... وطلوعها من حيث لا تمسى
يجرى على كبد السّماء كما ... يجرى حمام الموت فى النّفس
ومن ذلك قول مسلم:
أحبّ الريح ما هبّت شمالا ... وأحسدها إذا هبّت جنوبا
(1/201)

فقسم تقسيما حسنا؛ ومعناه أنّ الشمال تجىء من ناحية حبيبه إليه فأحبّها، والجنوب تهبّ إلى الحبيب، فحسدها لمباشرتها جسمه؛ وهو مأخوذ من قول جران العود:
إذا هبّت الأرواح من نحو أرضكم ... وجدت لريّاها على كبدى بردا
وزاد مسلم فى قوله أيضا:
ويغمد السيف بين النّحر والجيد
على أنّ السابق إلى هذا المعنى هو بعض الفرسان إذ يقول:
جعلت السيف بين اللّيت «1» منه ... وبين سواد لحييه عذارا
لأن الإغماد فيه أشدّ تأثيرا من وضع العذار عليه.
وقد زاد أبو نواس على جرير فى قوله «2» :
وقد أطول نجاد السّيف محتبيا ... مثل الرّدينىّ هزّته الأنابيب
فقال أبو نواس «3» :
سبط البنان إذا احتبى بنجاده ... غمر الجماجم والسّماط قيام «4»
قوله: «غمر الجماجم» أحسن من قول جرير: «مثل الرّدينى» .
وهكذا قوله «5» :
أشمّ طوال «6» السّاعدين كأنّما ... يلاث «7» نجاذا سيفه بلواء
(1/202)

أحسن لفظا وسبكا من قول عنترة «1» :
بطل كأنّ ثيابه فى سرحة ... يحذى نعال السّبت ليس بتوأم «2»
وهو أيضا أفخم لفظا من قول الآخر:
فجاءت به عبل العظام كأنما ... عمامته بين الرّجال لواء
ومما أخذه فجاء به أحسن لفظا وسبكا قوله فى ذنب الناقة:
أمّا إذا رفعته شامذة ... فتقول رنّق فوقها نسر «3»
أحذه من أبى دواد:
تلوى بذى خصل ضاف تشبّهه ... قوادما من نسور مضر حيّات «4»
ومما أخذه فجاء به أحسن رصفا، وزاد فى المعنى زيادة بيّنة قوله «5» :
وما خبزه «6» إلّا كليب بن وائل ... ليالى يحمى عزّه منبت البقل
وإذ هو لا يستبّ خصمان عنده ... ولا الصوت مرفوع بجدّ ولا هزل
أخذه من قول مهلهل:
أودى الخيار من المعاشر كلّهم ... واستبّ بعدك- يا كليب- المجلس
وهكذا قوله- هو محمد بن عطيّة العطوى:
ما العيش إلّا فى جنون الصّبا ... فإن تولّى فجنون المدام
(1/203)

راح إذا ما الشّيخ والى بها ... خمسا تردّى برداء الغلام
أحسن رصفا من قول حسان رضى الله عنه «1» :
إنّ شرخ الشّباب والشّعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جنونا
وقول أبى تمام «2» :
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحبّ إلّا للحبيب الأوّل
أبين وأدخل فى الأمثال من قول كثيّر:
إذا ما أرادت خلّة أن تزيلنا ... أبينا وقلنا الحاجبيّة أوّل «3»
وقد زاد أبو تمام أيضا فى قوله «4» :
وأنجدتم من بعد إتهام داركم ... فيادمع أنجدنى على ساكنى نجد «5»
على الأعرابى فى قوله:
ومستنجد للحزن دمعا كأنّه ... على الخدّ ممّا ليس يرقأ حائر
بقوله: «أنجدنى على ساكنى نجد» ؛ وقد زاد أيضا فى قوله «6» :
وإن يبن حيطانا عليه فإنّما ... أولئك عقّالانه لا معاقله «7»
على زهير فى قوله: «والسيوف معاقله» «8» لما جاء به من التّجنيس فى قوله:
«عقّالاته، ومعاقله» . على أنّ قول زهير فى معناه لا يلحقه لاحق، وإنما زاد عليه أبو تمام فى اللفظ.
وأخذ قول أبى تمام إبراهيم بن العباس، فقال: وأصبح ما كان يحرزهم يبرزهم؛ وما كان يعقلهم يقتلهم. ونقله إلى موضع آخر، فقال: واستنزلوه من
(1/204)

معقل إلى عقال، وبدّلوه آجالا من آمال. وقوله: «آجالا من آمال» مأخوذ من قول مسلم «1» :
موف على مهج فى يوم ذى رهج ... كأنّه أجل يسعى إلى أمل
ينال بالرّفق ما يعيا الرّجل به ... كالموت مستعجلا يأتى على مهل
وقد أخذ أيضا قول أبى دهبل «2» :
ما زلت فى العفو للذّنوب وإط ... لاق لعان بجرمه غلق «3»
حتّى تمنّى البراة أنّهم ... عندك أسرى «4» فى القدّ والحلق
فجاء به فى بيت واحد وهو قوله «5» :
وتكفّل الأيتام عن آبائهم ... حتّى وددنا أنّنا أيتام
وسبق أيضا من تقدّمه فى قوله حتى صار لا يلحقه فيه أحد بعده «6» :
وركب كأطراف الأسنّة عرّسوا «7» ... على مثلها واللّيل تسطو غياهبه «8»
لأمر عليهم أن تتمّ صدوره ... وليس عليهم أن تتمّ عواقبه
سبقا بيّنا بهذه المعانى؛ وإنما أخذ البيت الأول من قول البعيث «9» :
أطافت بركب كالأسنّة هجّد ... بخاشعة الأصواء غير صحونها «10»
(1/205)

والبيت الثانى من بعض الأعراب «1» :
غلام وغى تقحّمها فأبلى ... فخان بلاءه الزّمن الخؤون «2»
وكان على الفتى الإقدام فيها ... وليس عليه ما جنت المنون
وبين القولين بون بعيد.
وزاد أيضا فى قوله «3» :
إذا شبّ نارا أقعدت كلّ قائم ... وقام لها من خوفه كلّ قاعد
على الآخر فى قوله:
أتانى وأهلى بالمدينة وقعة ... لآل تميم أقعدت كلّ قائم
فقول أبى تمام: «وقام لها من خوفه كلّ قاعد» زيادة حسنة.
وكذلك قوله فى ابنى عبد الله بن طاهر «4» :
نجمان شاء الله ألّا يطلعا ... إلّا ارتداد الطّرف حتّى يأفلا «5»
إنّ الفجيعة بالرّياض نواضرا ... لأجلّ منها بالرّياض ذوا بلا
لهفى على تلك المخايل «6» فيهما ... لو أمهلت حتّى تكون شمائلا
لو ينسآن لكان هذا غاربا ... للمكرمات وكان هذا كاهلا «7»
إنّ الهلال إذا رأيت نموّه ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا
أحسن وأجود مما أحذ منه هذه المعانى وهو قول الفرزدق «8» :
وجفن سلاح قد رزيت فلم أنح ... عليه ولم أتعب «9» عليه البواكيا
(1/206)

وفى جوفه «1» من دارم ذو حفيظة ... لو انّ المنايا أنسأته «2» لياليا
لا يقع بيت الفرزدق مع أبيات أبى تمام موقعا.
وقد أجاد أيضا فى قوله «3» :
وقد علم القرن المساميك أنّه ... سيغرق فى البحر الذى أنت حائض «4»
وزاد فيه على من أخذه منه وهو لقيط بن يعمر:
إنّى أخاف عليها الأزلم الجذعا «5»
بيت أبى تمام أكثر ماء وأبين معنى.
وأخذ قول الفرزدق «6» :
وما أمرتنى «7» النّفس فى رحلة لها ... إلى أحد «8» إلّا إليك ضميرها
فشرحه فقال «9» :
وما طوّقت «10» فى الآفاق إلّا ... ومن جدواك راحلتى وزادى
مقيم الظّنّ عندك والأمانى ... وإن قلقت ركابى فى البلاد
وإلى بيت الفرزدق يشير القائل:
مدحتك جهدى بالّذى أنت أهله ... فقصّر عمّا فيك من صالح جهدى
فما كلّ ما فيه من الخير قلته ... ولا كلّ ما فيه يقول الّذى بعدى
وكنت إذا هيّأت مدحا لماجد ... أتانى الّذى فيه بأدنى الّذى عندى
(1/207)

ومن هاهنا أخذ أبو نواس قوله «1» :
إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثنى وفوق الّذى نثنى
وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الّذى نعنى
ويشير إلى قول الخنساء «2» :
وما بلغ المهدون فى القول مدحة ... وإن أطنبوا إلّا الّذى فيك أفضل
وقال البحترى «3» :
فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه
أحسن لفظا وسبكا من قول أبى حية:
إذا هنّ ساقطن الحديث كأنّه ... سقاط حصى المرجان من سلك ناظم
وبيت البحترى أيضا أتمّ معنى؛ لأنه تضمّن ما لم يتضمّنه بيت أبى حية من تشييه الثّغر بالدّر.
وقد زاد أيضا فى قوله «4» :
وفرسان هيجاء تجيش صدورها ... بأحقادها حتى يضيق ذروعها «5»
تقتّل من وتر أعزّ نفوسها ... عليها بأيد ما تكاد تطيعها
إذا احتربت يوما ففاظت نفوسها «6» ... تذكّرت القربى فغاضت دموعها
شواجر أرماح تقطّع بينها ... شواجر أرحام ملوم قطوعها
على من قال:
ونبكى- حين نقتلكم- عليكم ... ونقتلكم كأنّا لا نبالى
وقريب منه قول مهلهل:
لقد قتلت بنى بكر بربّهم ... حتى بكيت وما يبكى لهم أحد
(1/208)

وبيتا البحترى أجود من بيتهما بغير خلاف؛ ومن قول فليح بن زيد الفهرى أيضا:
أتبكين من قتلى وأنت قتلتنى ... بحبّك قتلا بيّنا ليس يشكل
فأنت كذبّاح المصافير دائبا ... وعيناه من وجد عليهنّ تهمل
وبيته «1» :
كلّ عان يترجّى فكه ... ولذات الخال عان ما يفكّ
أحسن رصفا من قول زهير وهو الأصل «2» :
وكلّ محبّ أحدث النّأى عنده ... سلوّ فؤاد غير حبّك ما يسلو
وهكذا قوله «3» :
قوم إذا لبسوا الدّروع لموقف ... لبستهم الأحساب فيه دروعا «4»
أتم وأجود من قول الأول:
لبسوا الدروع على القلو ... ب مظاهرين لدفع ذلك
وقال أعرابى:
إنّ النّدى حيث ترى الضّغاطا «5»
فأخذه بشّار وشرحه وبيّنه، فقال:
يسقط الطّير حيث ينتثر ال ... حبّ وتغشى منازل الكرماء
ومثله قول الآخر:
يزدحم الناس على بابه ... والمنهل العذب كثير الزّحام
(14- الصناعتين)
(1/209)

وأخبرنى أبو أحمد قال: أخبرنى الصولى، قال: سمعت من ينشد المبرد لسلم الخاسر:
سقتنى بعينيها الهوى وسقيتها ... فدبّ دبيب الخمر فى كلّ مفصل
فقال له المبرد: قد حسّنه أبو نواس حيث يقول:
ويدخل حبّها فى كلّ قلب ... مداخل لا يغلغلها المدام
وقول البحترى «1» :
وغابر حبّ غابر ثمّ أنجدا
أجود من قول من تقدّمه، وهو الأصل:
أغار الهوى يا عبد قيس وأنجدا
وأخذ أيضا أبو تمام خبر الشماخ مع أحيحة بن الجلاح لما أنشده الشماخ «2» :
إذا بلّغتنى وحملت رحلى ... عرابة فاشرقى بدم الوتين «3»
فقال له أحيحة: بئست المجازاة جازيتها فنقل أبو تمام هذا الخبر، فقال «4» :
لست كشمّاخ المذمّم فى ... سوء مكافاته ومجترمه
أشرقها من دم الوتين لقد ... ضلّ كريم الأخلاق عن شيمه
ذلك حكم قضى بفيصله ... أحيحة بن الجلاح فى أطمه «5»
وأخبرنا أبو أحمد قال، قال أبو العيناء: سمعت أبا نواس يقول: والله ما أحسن الشماخ حيث يقول «6» :
إذا بلّغتنى وحملت رحلى ... عرابة فاشرقى بدم الوتين
(1/210)

هلّا قال كما قال الفرزدق «1» :
علام تلفّتين وأنت تحتى ... وخير الناس كلّهم أمامى
متى تردى الرّصافة تستريحى ... من التّهجير والدبر «2» الدّوامى
وكان قول الشماخ عيبا عندى، فلما سمعت قول الفرزدق تبعته، فقلت «3» :
وإذا المطىّ بنا بلغن محمدا ... فظهورهنّ على الرّجال حرام
قرّبننا من خير من وطىء الحصى ... فلها علينا حرمة وذمام
وقلت «4» :
أقول لناقتى إذ بلّغتنى ... لقد أصبحت عندى بالثّمين
فلم أجعلك للغربان نحلا «5» ... ولا قلت اشرقى بدم الوتين
حرمت على الأزمّة والولايا ... وأعلاق الرّحالة والوضين «6»
وتبع الشماخ ذو الرمة فقال «7» :
إذا ابن أبى موسى بلالا بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر
وسمع أبو تمام قول علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه للأشعث بن قيس: إنك إن صبرت جرى عليك قضاء الله وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك أمر الله وأنت موزور؛ فإنّك إن لم تسل احتسابا سلوت كما تسلو البهائم؛ فحكاه حكاية حسنة فى قوله «8» :
وقال علىّ فى التّعازى لأشعث ... وخاف عليه بعض تلك المآثم «9»
(1/211)

أتصبر للبلوى رجاء «1» وحسبة ... فتؤجر أم تسلو سلوّ البهائم
خلقنا رجالا للتجلّد «2» والأسى ... وتلك الغوانى للبكا والمآتم
والبيت الأخير من قول عبد الله بن الزبير لما قتل مصعب: وإنما التسليم والسّلوة لحزماء الرّجال؛ وإنّ الهلع والجزع لربّات الحجال.
وسمع قول زياد لأبى الأسود: لولا أنك ضعيف لاستعملتك. فقال أبو الأسود:
إن كنت تريدنى للصّراع فإنى لا أصلح له، وإلّا فغير شديد أن آمر وأنهى؛ فقال أبو تمام «3» :
تعجّب «4» أن رأت جسمى نحيفا «5» ... كأن المجد يدرك بالصّراع
وزاد أبو تمام أيضا بقوله «6» :
أطال يدى على الأيّام حتّى ... جزيت صروفها «7» صاعا بصاع
على أبى طالب فى قوله:
فإن يقتلا أو يمكن الله منهما ... نكل لهما صاعا بصاع المكايل
بيت أبى تمام أصفى وأنصع.
وكذلك قوله «8» :
من النّكبات النّاكبات «9» عن الهوى ... فمحبوبها يمشى ومكروهها يعدو
أحسن رصفا مما أخذه منه. وهو الذى أنشدنيه أبو أحمد، قال: أنشدنا ابن دريد قال: أنشدنا الرياشى عن المعمرى- حفص بن عمر لبعض المسجونين:
وتعجبنا الرّؤيا فجلّ حديثنا، ... إذا نحن أصبحنا، الحديث عن الرّؤيا
فإن حسنت لم تأت عجلى وأبطأت ... وإن قبحت لم تحتبس وأتت عجلى
(1/212)

وأخبرنى أبو أحمد، قال أخبرنى الصولى، قال حدّثنى أبو بكر هرون بن عبد الله المهلبى، قال: كنا فى حلقة دعبل، فجرى ذكر أبى تمام، فقال دعبل: كان يتتبّع معانىّ فيأخذها، فقال له رجل فى مجلسه: ما من ذلك أعزّك الله؟ فقال: قلت «1» :
وإنّ امرأ أسدى إلىّ بشافع ... إليه ويرجو الشّكر منّى لأحمق
شفيعك فاشكر فى الحوائج إنّه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق
وقال هو، يمدح يعقوب بن أبى ربعى «2» :
إنّ الأمير بلاك فى أحواله ... فرآك أهزعه غداة نضاله «3»
فمتى أقوم «4» بحقّ شكرك إذ جنت ... بالغيب كفّك لى ثمار نواله
فلقيت بين يديك حلو عطائه ... ولقيت بين يدىّ مرّ سؤاله
وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعه ... من جاهه فكأنّها من ماله
فقال الرجل: أحسن والله! فقال دعبل: كذبت قبّحك الله! قال: لئن كان سبق بهذا المعنى فتبعته لما أحسنت، وإن كان أخذه منك لقد أجاد، فصار أولى به منك! فغضب دعبل وقام.
وسمع بشّار قول المجنون «5» :
ألا إنّما ليلى عصا خيزرانة ... إذا غمزوها بالأكفّ تلين
فقال: والله لو جعلها عصا من زبد أو مخّ لما أحسن؛ ألا قال كما قلت «6» :
وحوراء المدامع «7» من معدّ ... كأنّ حديثها قطع الجمان «8»
إذا قامت لسبحتها «9» تثنّت ... كأنّ عظامها من خيزران
(1/213)

ولما قال بشّار «1» :
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطّيّبات الفاتك اللهج
تبعه سلم الخاسر، فقال «2» :
من راقب النّاس مات غمّا ... وفاز باللّذة الجسور
فلما سمع بشار هذا البيت قال: ذهب ابن الفاعلة ببيتى.
ومن حسن الاتباع أيضا قول إبراهيم بن العباس حيث كتب: إذا كان للمحسن من الثواب ما يقنعه، وللمسىء من العقاب ما يقمعه، ازداد المحسن فى الإحسان رغبة، وانقاد المسىء للحق رهبة. أخذه من قول علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه- أخبرنا به أبو أحمد، قال أخبرنا أبو بكر الجوهرى، قال: أخبرنا أبو يعلى المنقرى، قال: أخبرنا العلاء بن الفضل بن جرير قال: قال على بن أبى طالب رضى الله عنه: يجب على الوالى أن يتعهّد أموره، ويتفقّد أعوانه، حتى لا يخفى عليه إحسان محسن، ولا إساءة مسىء. ثم لا يترك واحدا منهما بغير جزاء؛ فإن ترك ذلك تهاون المحسن، واجترأ المسىء، وفسد الأمر، وضاع العمل.
وسمع بعض الكتّاب قول نصيب «3» :
فعاجوا فأثنوا بالّذى أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
فكتب: ولو أمسك لسانى عن شكرك لنطق على أثرك.
وفى فصل آخر:
ولو جحدتك إحسانك لأكذبتنى آثاره، ونمّت علىّ شواهده.
وقريب منه قولهم: شهادات الأحوال أعدل من شهادات الرجال، أخذه ابن الرومى فشرحه فى قوله «4» :
(1/214)

حال انسداد فمى عمّا يريبكم ... لكن فم الحال منّى غير مسدود
حال تصيح بما أوليت معلنة ... وكلّ ما تدّعيه غير مردود
كلى هجاء وقتلى لا يحلّ لكم ... فما يداريكم منى سوى الجود
وقريب منه أيضا قول الشاعر «1» :
أأقاتل الحجّاج عن سلطانه ... بيد تقرّ بأنّها مولاته
ماذا أقول إذا وقفت إزاءه ... فى الصّفّ واحتجّت له فعلاته
أخذه أبو تمام فقال «2» :
أألبس «3» هجر القول من لو هجوته ... إذا لهجانى عنه معروفه عندى
وممن أحسن الاتباع أيضا أحمد بن يوسف- وقد سمع قول على رضى الله عنه:
لا تكوننّ كمن يعجز عن شكر ما أوتى، ويلتمس الزيادة فيما بقى. فكتب: أحق من أثبت لك العذر فى حال شغلك من لم يخل ساعة من برّك فى وقت فراغك.
وأخذه أخذا ظاهرا أحمد بن صبيح فقال: فى شكر ما تقدّم من إحسان الأمير شاغل عن استبطاء ما تأخّر منه.
وأخذه سعيد بن حميد فقال: لست مستقلا لشكر ما مضى من بلائك، فأستبطى درك ما أؤمّل من مزيدك.
ومن هذا أيضا قول أبى نواس «4» :
لا تسدينّ إلىّ عارفة ... حتّى أقوم بشكر ما سلفا
وأخبرنى أبو أحمد، قال: أخبرنى على بن سليمان الأخفش، قال، قال أبو تمام لابن أبى داود لمّا غضب عليه: أنت الناس كلّهم، ولا طاقة لى بغضب جميع.
(1/215)

الناس. فقال ابن أبى دواد: ما أحسن هذا! من أين أخذته؟ قال: من قول أبى نواس «1» :
وليس لله «2» بمستنكر ... أن يجمع العالم فى واحد
ومن سمع هذا الكلام يظنه مسروقا من قول جرير «3» :
إذا غضبت علىّ بنو تميم ... حسبت النّاس كلّهم غضابا
وأخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا الأخفش، قال: أخبرنا المبرد عن الجاحظ قال، سمع قليب المعتزلى أبياتا للعتبى، وهى:
أفلت بطالته وراجعه ... حلم وأعقبه الهوى ندما
ألقى عليه الدّهر كلكله ... وأعاره الإقتار والعدما
فإذا ألمّ به أخو ثقة ... غضّ الجفون ومجمج «4» الكلما
فقال لبعض الملوك يستعطفه على رجل من أهله: جعلنى الله فداءك، ليس هو اليوم كما كان، إنه وحياتك أفلت بطالته، أى والله، وراجعه حلمه، وأعقبه- وحقّك- الهوى ندما؛ أنحى الدهر- والله- عليه بكلكله؛ فهو اليوم إذا رأى أخا ثقة غضّ بصره، ومجمج كلامه.
وبهذا يعرف أنّ حلّ المنظوم، ونظم المحلول أسهل من ابتدائهما؛ لأنّ المعانى إذا حلّت منظوما أو نظمت منثورا حاضرة بين يديك تزيد فيها شيئا فينحلّ، أو تنقص منها شيئا فينتظم، وإذا أردت ابتداء الكلام وجدت المعانى غائبة عنك فتحتاج إلى فكر يحضركها.
والمحلول من الشعر على أربعة أضرب؛ فضرب منها يكون بإدخال لفظة بين ألفاظه. وضرب ينحلّ بتأخير لفظة وتقديم أخرى فيحسن محلوله ويستقيم.
(1/216)

وضرب منه ينحلّ على هذا الوجه ولا يحسن ولا يستقيم. وضرب تكسو ما تحلّه من المعانى ألفاظا من عندك وهذا أرفع درجاتك.
فأما الضرب الأول فمثاله ما تقدّم من صدر كلام قليب المعتزلى «1» وأما الضرب الثانى فمثاله ما ذكره بعض الكتاب من قول البحترى «2» :
نطلب الأكثر فى الدنيا وقد ... نبلغ الحاجة فيها بالأقلّ
ثم قال: فإذا نثرت ذلك ولم تزد فى ألفاظه شيئا قلت: نطلب فى الدنيا الأكثر، وقد نبلغ منها الحاجة بالأقل.
وقوله «3» :
أطل جفوة الدّنيا وتهوين شأنها ... فما الغافل المغرور فيها بعاقل
يرجّى الخلود معشر ضلّ سعيهم «4» ... ودون الّذى يبتغون «5» غول الغوائل
إذا ما حريز القوم بات وما له ... من الله واق فهو بادى المقاتل
فإذا ما نثرت ذلك من غير أن تزيد فى ألفاظه شيئا قلت: أطل تهوين شأن الدنيا وجفوتها؛ فما المغرور الغافل فيها بعاقل؛ ويرجو معشر ضلّ رأيهم الخلود، وغول الغوائل دون ما يرجون؛ وإذا بات حريز القوم ما له واق من الله فهو بادى المقاتل.
وهذا المعنى مأخوذ من قول التغلبى:
لعمرك ما يدرى الفتى كيف يتّقى ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا
وأما الضرب الثالث فهو أن توضع ألفاظ البيت فى مواضع، ولا يحسن وضعها فى غيرها، فيختلّ إذا نثر بتأخير لفظ وتقديم آخر، فتحتاج فى نثره إلى النقصان
(1/217)

منه والزيادة فيه، كقول البحترى «1» :
يسرّ بعمران الدّيار مضلّل ... وعمرانها مستأنف من خرابها
ولم أرتض الدّنيا أوان مجيئها ... فكيف أرتضائيها أوان ذهابها
فإذا نثر على الوجه قيل: يسر مضلّل بعمران الدنيا، ومن خرابها عمرانها مستأنف، ولم أرتض أوان مجيئها الدنيا؛ فكيف أوان ذهابها أرتضائيها.
فهذا نثر فاسد؛ فإذا غيّرت بعض ألفاظه حسن وهو أن تقول: يسرّ المضلّل بعمران الديار، وإنما تستأنف عمرانها من خرابها، وما ارتضيت الدنيا أوان مجيئها؛ فكيف أرتضيها أوان ذهابها؟
ونحن نقول: إنّ من النظم ما لا يمكن حلّه أصلا بتأخير لفظة وتقديم أخرى منه حتى يلحق به التغيير والزيادة والنقصان مثل قول الشاعر:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلّا صورة اللّحم والدّم
فالمصراع الأول يمكن أن تؤخّر ألفاظه «2» وتقدّم؛ فيصير نثرا مستقيما؛ وهو أن تقول: فؤاد الفتى نصف ولسانه نصف. ولا يمكن فى المصراع الثانى ذلك حتى تزيد فيه أو تنقص منه؛ فتقول: لسان الفتى نصف وفؤاده نصف، وصورته من اللحم والدم فضل لا غناء بها دونهما ولا معوّل عليها إلا معهما.
وزيادة الألفاظ التى تحصل فيه ليست بضائرة؛ لأنّ بسط الألفاظ فى أنواع المنثور سائغ؛ ألا ترى أنها «3» تحتاج إلى الازدواج، ومن الازدواج ما يكون بتكرير كلمتين لهما معنى واحد، وليس ذلك بقبيح إلّا إذا اتّفق لفظاهما.
ويسوغ هذا فى الشعر أيضا كقول البحترى «4» :
بودّى لو يهوى العذول ويعشق ... فيعلم أسباب الهوى كيف تعلق
(1/218)

فيهوى، ويعشق سواء فى المعنى وهو حسن؛ إلّا أنّ أكثر ما يحسن فيه إيراد المعنى على غاية ما يمكن من الإيجاز.
ومعنى قوله: «فلم يبق إلّا صورة اللّحم والدم» . داخل فى قوله: «لسان الفتى نصف ونصف فؤاده» . والمصراع الثانى إنما هو تذييل للمصراع الأوّل؛ فإذا أردت أن تحلّه حلّا مقتصرا بغير لفظه قلت: الإنسان شطران: لسان وجنان.
ومما لا يمكن حلّه بتقديم لفظة منه وتأخير أخرى أيضا قول أبى نواس:
ألا يابن الذين فنوا وبادوا ... أما والله ما ذهبوا لتبقى
فتحل المصراع الأول فتقول: ألا يابن الذين ماتوا ومضوا؛ فيحسن. وتقول فى المصراع الثانى: لتبقى أما والله ما ماتوا. أو لتبقى ما ماتوا ومضوا، أما والله؛ فلا يكون ذلك شيئا؛ فتحتاج فى نثره إلى تغييره وإبدال ألفاظه؛ فتقول: ألا يابن الذين ماتوا ومضوا وظعنوا فناء؛ أما والله ما ظعنوا لتقيم، ولا راموا إلّا لتريم، ولا ماتوا لتحيا، ولا فنوا لتبقى.
وفى هذه الألفاظ طول، وليس بضائر على ما خبّرتك؛ فإن أردت اختصاره قلت: أما والله إنّ الموت لم يصبك فى أبيك إلّا ليصيبك فيك.
والضرب الرابع أن تكسو ما تحلّه من المنظوم ألفاظا من عندك؛ وهذا أرفع درجاتك.
رجوع إلى السرقات
ثم نرجع إلى السرقات: قال بعضهم للربيع بن خيثم، وقد رأى اجتهاده فى العبادة: أتعبت نفسك، قتلت نفسك. فقال: راحتها أطلب. فقال الشاعر «1» :
سأطلب بعد الدّار عنكم، لتقربوا ... وتسكب عيناى الدّموع لتجمدا
(1/219)

وقال غيره «1» :
تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ... ولم تدر أنّى للمقام أطوّف
ومثل ذلك أن بعضهم رأى أعرابيا مقبلا إلى مكة ليصوم فيها شهر رمضان والحرّ شديد؛ فقال له: أتجمع على نفسك الصوم وحرّ تهامة؟ فقال: من الحرّ أفرّ! وقيل لروح بن قبيصة بن المهلب، وهو واقف فى الشمس على باب الخليفة: لقد طال وقوفك فى الشمس! فقال: الظلّ أريد؛ فقال أبو تمام «2» :
أآلفة النّحيب كم افتراق ... أظلّ فكان داعية اجتماع
وليست فرحة الأوبات إلّا ... لموقوف على ترح الوداع
وقال امرؤ القيس «3» :
فبعض اللّوم عاذلتى فإنّى ... ستكفينى التّجارب وانتسابى
يقول: لا أنتسب إلا إلى ميت.
وقال لبيد «4» :
فإن لم تجد من دون عدنان والدا ... ودون معدّ فلترعك العواذل
فأخذه الحسن البصرى، فقال نثرا: إنّ امرءا لم يعد بينه وبين آدم عليه السلام إلا أبا ميتا لمعرق له فى الموت؛ فأخذه أبو نواس، فقال «5» :
وما الناس إلّا هالك وابن هالك ... وذو نسب فى الهالكين عريق «6»
وقال الله عز وجل: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ
، فأخذه الشاعر فقال- وقصّر عنه:
(1/220)

ما زلت تحسب كلّ شىء بعدهم ... خيلا تكرّ عليهم ورجالا
وكذا قصّرت الخنساء فى قولها:
ولولا كثرة الباكين حولى ... على إخوانهم لقتلت نفسى
وما يبكون مثل أخى ولكن ... أعزّى النّفس عنه بالتّأسّى
عن قول الله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ.
من خفى السرق
ومن خفىّ السرق أن أبا مسلم قال لجلسائه: أى الأعراض ألام؟ فقالوا وأكثروا. فقال: ألأمها عرض لم يرتع فيه حمد ولا ذم؛ فأخذه المراغى، فقال:
هجوت زهيرا ثم إنى مدحته ... وما زالت الأشراف تهجى وتمدح
وأخذ علىّ بن الجهم قول الفرزدق «1» :
ما الباهلىّ بصادق لك وعده ... ومتى تعدك الباهليّة تصدق
فقال «2» :
الرّحّجيّون لا يوفون ما وعدوا ... والرّحّجيّات لا يخلفن ميعادا
وسمع بعضهم قول العرب: إذا فارق القمر الثريا فقد ولّى الشتاء. فنظمه فقال:
إذا ما فارق القمر الثريّا ... لثالثة فقد ذهب الشتاء
وسمعت قول النبى صلّى الله عليه وسلّم: «يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم حيثما كانوا» ؛ فقلت:
يسعى بذمّتهم أدناهم وهم ... يد على من سواهم حيثما كانوا
وهذا يدلّك على صحّة ما تقدّم.
(1/221)

وسمع بعض الكتاب قول أبى تمام «1» :
فإن يجد علة نغمّ بها ... حتى ترانا نعاد من مرضه «2»
فكتب: من نزل منزلتى من طاعتك ومشاركتك كان حقيقا أن يهنّأ بالنعمة تحدث عندك، ويعزّى على النائبة تلمّ بك. فنقل العيادة إلى المصيبة والتعزية.
وقال بعضهم: الكتابة نقض الشعر.
وقيل للعتابى: بم قدرت على البلاغة؟ فقال: بحلّ معقود الكلام.
وأحسن أبو تمام فى قوله «3» :
إليك هتكنا جنح ليل كأنّما ... قد اكتحلت منه البلاد بإثمد «4»
وزاد فيه على أبى نواس، ومنه أخذ، وهو قوله:
أبن لى كيف صرت إلى حريمى ... وجنح الليل مكتحل بقار
لأنّ الاكتحال يكون بالإثمد، ولا يكون بالقار.
وممن أخفى الأخذ ابن أبى عيينة فى قوله:
ما كنت إلّا كلحم ميت ... دعا إلى أكله اضطرار
أخذه من قول الأول:
وإنّ بقوم سوّدوك لفاقة ... إلى سيّد لو يظفرون بسيّد
ذكر ذلك عن المأمون.
ومما زاد فيه المتأخّر على المتقدّم فحسن معرضه، وسهل مطلعه قول ابن المعتز:
ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة إذ قدّت من الظّفر
(1/222)

وقال الأول «1» :
كأنّ ابن ليلته جانحا ... فسيط لدى الأفق من خنصر «2»
الفسيط: قلامة الظفر.
وما يعرف للمتقدّم معنى شريف إلا نازعه فيه المتأخّر وطلب الشركة فيه معه إلا بيت عنترة «3» :
وترى الذّباب بها يغنّى وحده ... هزجا كفعل الشّارب المترنّم
غردا يحكّ «4» ذراعه بذراعه ... قدح «5» المكبّ على الزّناد الأجذم
فإنه ما نوزع فى هذا المعنى على جودته. وقد رامه بعض المجيدين فافتضح.
وأخذ البحترى قول الشماخ «6» :
وقرّبت مبراة كأنّ ضلوعها ... من الماسخيّات القسىّ الموتّرا «7»
مبراة- من البرة، وهى الحلقة تجعل فى أنف الناقة فزاد عليه؛ فقال «8» :
كالقسىّ المعطّفات بل ال ... أسهم مبرية بل الأوتار
وهذا ترتيب مصيب من أجل أنه بدأ بالأغلظ، ثم انحطّ إلى الأدقّ؛ وقد عيب
(1/223)

ترتيب أبى تمام فى قوله:
أو كالخلوق أو كالملاب «1»
فبدأ بالأنفس ثم انحطّ إلى الأخسّ؛ كما تقول: هو مثل النّجم، بل، بل الشمس؛ فترتفع من الشىء إلى ما هو أعلى منه؛ وإذا قلت: هو مثل الشمس بل القمر، بل النجم، لم يحسن.
وقال عروة بن الورد «2» :
تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ... ولم تدر أنّى للمقام أطوّف
أخذه أبو تمام وزاد عليه فقال «3» :
ربّ خفض تحت السّرى وغناء ... من عناء ونضرة من شحوب
وقال إبراهيم بن العباس للفضل بن سهل «4» :
لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل
فبسطتها للغنى ... وسطوتها للأجل
وباطنها للنّدى ... وظاهرها للقبل
فاتّبعه ابن الرومى فأحسن الاتّباع؛ فقال:
أصبحت بين خصاصة وتجمّل ... والحرّ بينهما يموت هزيلا
فامدد إلىّ يدا تعوّد بطنها ... بذل النّوال وظهرها التّقبيلا
وقال بشّار:
الدّهر طلّاع بأحداثه ... ورسله فيها المقادير
محجوبة تنفذ أحكامها ... ليس لنا عن ذاك تأخير
(1/224)

فاتّبعه ابن الرومى وأحسن الاتّباع أيضا، فقال:
يظلّ عن الحرب العوان بمعزل ... وآثاره فيها وإن غاب شهّد
كما احتجب المقدار والحكم حكمه ... على الخلق طرّا ليس عنه معرّد «1»
إلّا أنّ قول بشار أكثر ماء وطلاوة.
ومما لم يسىء الاتّباع فيه قوله أيضا:
سكنت سكونا كان رهنا بوثبة ... عماس، كذلك اللّيث للوثب يلبد «2»
وإنما أخذه من قول النابغة «3» :
وقلت يا قوم إنّ اللّيث منقبض ... على براثنه للوثبة الضّارى
وكذلك قوله:
كأنّ أباه حين سمّاه صاعدا ... رأى كيف يرقى فى المعالى ويصعد
أخذه من قول البحترى «4» :
سماه أسرته «5» العلاء، وإنما ... قصدوا بذلك أن يتمّ علاه
وزاد أبو تمام أيضا على الأفوه، والنابغة، وأبى نواس، ومسلم، فى معنى تداولوه؛ وهو قول الأفوه «6» :
وترى الطّير على آثارنا ... رأى عين ثقة أن ستمار «7»
وقول النابغة «8» :
إذا ما غزوا بالجيش حلّق فوقهم ... عصائب طير تهتدى بعصائب «9»
جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أوّل غالب
(15- الصناعتين)
(1/225)

وقول أبى نواس «1» :
تتأيّى «2» الطّير غدوته ... ثقة بالشّبع من جزره
وقول مسلم «3» :
قد عوّد الطير عادات وثقن بها ... فهنّ يتبعنه فى كلّ مرتحل
فقال أبو تمام «4» :
أقامت مع الرّايات حتى كأنّها ... من الجيش إلّا أنّها لم تقاتل
فقوله: «أقامت مع الرايات» زيادة.
وزاد عليه بعض المحدثين، فقال:
يطمّع الطّير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع
وقال أبو تمام «5» :
همّة تنطح النجوم وجدّ ... آلف للحضيض فهو حضيض
أخذه البحترى فحسّنه وهو قوله «6» :
متحيّر يغدو بعزم قائم ... فى كلّ نائبة وجدّ قاعد
ومما أخذه أيضا من أبى تمام فقسّمه تقسيما حسنا قوله «7» :
ملك له فى كلّ يوم كريهة ... إقدام عزّ واعتزام مجرّب
هو من قول أبى تمام «8» :
ومجرّبون سقاهم من بأسه ... فإذا لقوا فكأنهم أغمار «9»
وقال أبو العتاهية «10» :
كم نعمة لا يستقلّ بشكرها ... لله فى طىّ المكاره كامنه
(1/226)

أخذه أبو تمام، فقال «1» :
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلى الله بعض القوم بالنّعم
فزاد عليه لأنه أتى بضدّ المعنى.
وقال أبو تمام «2» :
رأيت رجائى فيك وحدك همّة ... ولكنّه فى سائر الناس مطمع
فأخذه البحترى فاختصره، فقال «3» :
ثنى أملى فاحتازه عن معاشر ... يبيتون والآمال فيهم مطامع
وأخذه ابن الرومى، فقال:
به صدّق الله الأمانى حديثها ... وقد مرّ دهر والأمانى وساوس
وقال أبو تمام «4» :
رافع «5» كفّه لسبرى فما أح ... سبه جاءنى لغير اللّطام «6»
أخذه البحترىّ فزاد عليه فى حسن اللفظ والسّبك؛ فقال «7» :
ووعد ليس يعرف من عبوس ... بأوجههم أوعد أم وعيد
وقال الحنيف بن السّجف:
وفرقت بين ابنى هنيم بطعنة ... لها عاند يكسو السّليب إزارها
يعنى بالعاند: الدم؛ فأخذه البحترى فزاد عليه فى اللفظ، وقال «8» :
سلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرّة فكأنهم لم يسلبوا
على أن «محمرة» حشو.
وقال أبو تمام «9» :
(1/227)

كأنّما خامره أولق ... أو خالطت «1» هامته الخندريس «2»
وقال البحترى «3» :
وتخال ريعان الشّباب يروعه ... من حدّة «4» أو نشوة أو أفكل «5»
فزاد عليه.
وقال أبو تمام «6» :
أنضرت أيكتى عطاياك حتى ... عاد غصنى ساقا وكان قضيبا «7»
فقال البحترى- وزاد «8» :
حتى يعود الذّؤيب ليثا ضيغما ... والغصن ساقا والقرارة نيقا «9»
ومثل هذا كثير وفيما أوردت كفاية إن شاء الله.
(1/228)

الفصل الثّانى من الباب السادس، فى قبح الأخذ
وقبح الأخذ أن تعمد إلى المعنى فتتناوله بلفظه كلّه أو أكثره، أو تخرجه فى معرض مستهجن؛ والمعنى إنما يحسن بالكسوة: أخبرنا بعض أصحابنا قال: قيل للشعبى: إنّا إذا سمعنا الحديث منك نسمعه بخلاف ما نسمعه من غيرك! فقال: إنى أجده عاريا فأكسوه من غير أن أزيد فيه حرفا؛ أى من غير أن أزيد فى معناه شيئا.
فمما أخذ بلفظه ومعناه وادّعى آخذه- أو ادّعى له- أنه لم يأخذه، ولكن وقع له كما وقع للأول؛ كما سئل ابن عمرو بن العلاء عن الشاعرين يتّفقان على لفظ واحد ومعنى. فقال: عقول رجال توافت على ألسنتها، وذلك قول طرفة «1» :
وقوفا بها صحبى علىّ مطيّهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجلّد
وهو قول امرىء القيس «2» :
وقوفا بها صحبى علىّ مطيّهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجمّل
فغيّر طرفة القافية.
وقال الحرث بن وعلة «3» :
الآن لمّا ابيضّ مسربتى «4» ... وعضضت من نابى على جذم «5»
وقال غسان السليطى:
الآن لما ابيضّ مسربتى ... وعضضت من نابى أجذامى
(1/229)

وقال البعيث:
أترجو كليب أن يجىء حديثها ... بخير وقد أعيا كليبا قديمها
وقال الفرزدق:
أترجو ربيع أن تجىء صفارها ... بخير وقد أعيا ربيعا كبارها
ومثل هذا كثير فى أشعارهم جدا.
والأخذ إذا كان كذلك كان معيبا وإن ادّعى أن الآخر لم يسمع قول الأول، بل وقع لهذا كما وقع لذاك؛ فإنّ صحة ذلك لا يعلمها إلّا الله عز وجلّ، والعيب لازم للآخر.
روى لنا أن عمر بن أبى ربيعة أنشد ابن عباس رضى الله عنه:
تشطّ غدا دار جيراننا «1»
فقال ابن عباس:
وللدّار بعد غد أبعد
فقال عمر: والله ما قلت إلّا كذلك.
وإذا كان القوم فى قبيلة واحدة، وفى أرض واحدة، فإنّ خواطرهم تقع متقاربة، كما أن أخلاقهم وشمائلهم تكون متضارعة؛ وأنشدت الصاحب إسماعيل ابن عباد:
كانت سراة الناس تحت أظلّه «2»
فسبقنى وقال:
فغدت سراة الناس فوق سراته «3»
وكذلك كنت قلت.
(1/230)

فعلى هذا جائز ما يدّعى لهم؛ والظاهر ما قلناه؛ فهذا ضرب.
والضرب الآخر من الأخذ المستهجن أن يأخذ المعنى فيفسده أو يعوصه، أو يخرجه فى معرض قبيح وكسوة مسترذلة، وذلك مثل قول أبى كريمة:
قفاه وجه، ثم وجه الذى ... قفاه وجه يشبه البدرا
وإنّما أخذ هذا من قول أبى نواس «1» :
بأبى أنت من مليح بديع ... بذّ حسن الوجوه حسن قفاكا
وأحسن ابن الرومى فيه فقال:
ما ساءنى إعراضه ... عنّى ولكن سرّنى
سالفتاه عوض ... من كلّ شىء حسن
وإليه أشار عبد الصمد بن المعذّل فى قوله:
لمّا رأيت البدر فى ... أفق السّماء وقد تعلّى
ورأيت قرن الشّمس فى ... أفق الغروب وقد تدلّى
شبّهت ذاك وهذه ... وأرى شبيههما أجلّا
وجه الحبيب إذا بدا ... وقفا الحبيب إذا تولّى
وأخذه أبو نواس من قول النابغة «2» للنعمان بن المنذر: أيفاخرك ابن جفنة! واللات، لأمسك خير من يومه، ولقذالك أحسن من وجهه، وليسارك أسمح من يمينه، ولعبيدك أكثر من قومه، ولنفسك أكبر من جنده، وليومك أشرف من دهره، ولو عدك أنجز من رفده، ولهزلك أصوب من جدّه، ولكرسيّك أرفع من سريره، ولفترك أبسط من شبره، ولأمّك خير من أبيه.
(1/231)

والنابغة أحذق الجماعة؛ لأنه ذكر القذال، وهؤلاء قالوا: القفا، ولا يستحسن أن يخاطب الرجل فيقال له: قفاك حاله كذا وكذا.
ومن ذلك قول الحسن بن وهب، وقد سمع قولى أعرابى اجتمع مع عشيق له فى بعض الليالى: اجتمعت معها فى ظلمة الليل، وكان البدر يرينيها، فلما غاب أرتنيه، فقال:
أرانى البدر سنّتها عشاء ... فلما أزمع البدر الأفولا
أرتنيه بسنّتها «1» فكانت ... من البدر المنوّر لى بديلا
فأطال الكلام، وجعل المعنى فى بيتين، وكرّر السّنة والبدر.
وقال البحترى فأربى على الأعرابىّ وزاد عليه «2» :
أضرّت بضوء البدر والبدر طالع ... وقامت مقام البدر لما تغيّبا
وسمع بعضهم قول محمود الوراق:
إذا كان شكرى نعمة الله نعمة ... علىّ له فى مثلها يجب الشّكر
فكيف بلوغ الشكر إلّا بفضله ... وإن طالت الأيام واتّصل العمر
إذا مسّ بالسّرّاء عمّ سرورها ... وإن مسّ بالضّرّاء أعقبها الأجر
وما منهما إلّا له فيه نعمة ... تضيق بها الأوهام والبرّ والبحر
فقال وأساء:
الحمد لله إنّ الله ذو نعم ... لم يحصها عددا بالشّكر من حمدا
شكرى له عمل فيه علىّ له ... شكر يكون لشكر قبله مددا
فهذا مثال قبح الأخذ، فاعلمه.
وأخذ ابن طباطبا قول على رضى الله عنه: قيمة كل امرىء ما يحسنه؛ فقال:
(1/232)

فيا لائمى دعنى أغال بقيمتى ... فقيمة كلّ الناس ما يحسنونه
فأخذه بلفظه، وأخرجه بغيضا متكلّفا.
والجيد قول الآخر:
فقيمة كل امرىء علمه
فهذا وإن كان أخذه ببعض لفظه فإن «كلا» فى بيته أحسن موقعا منه فى بيت ابن طباطبا.
وقال قرواش بن حوط:
دنوت له بأبيض مشرفىّ ... كما يدنو المصافح للعناق
أخذه أبو تمام فقصّر عنه «1» ؛ وقال:
حنّ إلى الموت حتى ظنّ جاهله ... بأنّه حنّ مشتاقا إلى وطن
وأحسن تقسيمه البحترى، فقال «2» :
تسرّع حتى قال من شهد الوغى ... لقاء أعاد أم لقاء حبائب
وقال ذو الرمة «3» :
وليل كجلباب العروس ادّرعته ... بأربعة والشّخص فى العين واحد
أحمّ علافىّ وأبيض صارم ... وأعيس مهرىّ وأروع ماجد «4»
أخذه أبو تمام فقصّر وقال «5» :
البيد والعيس والليل التّمام معا «6» ... ثلاثة أبدا يقرنّ فى قرن «7»
(1/233)

وبيت البحترى فى معناه أجود من هذا، إلا أنه لا يلحق بيت ذى الرمة:
اطلبا ثالثا سواى فإنّى ... رابع العيس والدّجى والبيد
ومما قصّر فيه البحترى «1» :
قوم ترى أرماحهم يوم الوغى ... مشغوفة بمواطن الكتمان
أخذه من قول عمرو بن معديكرب «2» :
والضاربين بكلّ أبيض مرهف ... والطّاعنين مجامع الأضغان
قوله: «مجامع الأضغان» أجود من قوله: «مواطن الكتمان» ؛ لأنهم إنما يطاعنون الأعداء من أجل أضغانهم، فإذا وقع الطّعن فى موضع الضغن فذلك غاية المراد.
ومما قصر فيه قوله «3» :
من غادة منعت وتمنع نيلها ... فلو أنّها بذلت لنا لم تبذل
أخذه من قول عبد الصمد بن المعذّل «4» :
ظبى كأنّ بخصره ... من دقّة ظمأ وجوعا
ومن البليّة أنّنى ... علّقت ممنوعا منوعا «5»
بيت عبد الصمد أبين معنى مع شدة الاختصار. وبيت البحترى كالعويص لا يقام إعرابه إلّا بعد نظر طويل.
وقال جابر بن السليك الهمدانى «6» :
أرمى بها الليل قدّامى فيغشم بى «7» ... إذ الكواكب مثل الأعين الحول
(1/234)

أخذه البحترى فقصّر فى النظم عنه فقال «1» :
وخدان القلاص حولا إذاقا ... بلن حولا من أنجم الأسحار
الأول أسلس.
وقال أبو تمام «2» :
فلم يجتمع شرق وغرب لقاصد ... لا المجد فى كفّ امرىء والدّراهم
وقال البحترى فقصّر «3» :
ليفر وفرك الموفى «4» وإن أء ... وز أن يجمع النّدى ووفوره
وأخذ أبو تمام قول الشاعر:
فقلت لهم لا تعذلونى وانظروا ... إلى النّازع المقصور كيف يكون
فقال وقصر «5» :
هرمت بعدى والربع الذى أفلت ... منه بدورك معذور على الهرم
متكلف ردىء الاستعارة.
وقد يتفق المبتدى للمعنى والآخذ منه فى الإساءة؛ قال ابن أذينة:
كأنما عائبها دائبا ... زيّنها عندى بتزيين
فأتى بعبارة غير مرضية ونسج غير حسن، وأخذه أبو نواس فقال:
كأنما أثنوا ولم يعلموا ... عليك عندى بالّذى عابوا
فأتى أيضا برصف مرذول ونظم مردود.
وقد يستوى الآخذ والمأخوذ منه فى الإجادة؛ فى التعبير عن المعنى الواحد.
قال أعرابى:
فنمّ عليها المسك والليل عاكف
(1/235)

وقال البحترى «1» :
وحاولن كتمان الترحّل فى الدّجى ... فنمّ بهنّ المسك حتى تضوّعا
وقال أيضا «2» :
فكان العبير بها واشيا ... وجرس الحلى عليها رقيبا
وقال النابغة «3» :
فإنّك كالليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
وقال أبو نواس «4» :
لا ينزل الليل حيث حلّت ... فدهر شرّابها نهار
فأحسنا جميعا فى العبارة؛ وللنابغة قصبة السبق.
ومثل ذلك قول لبيد «5» :
ولابدّ يوما أن تردّ الودائع
وقال بشار:
وردّ علىّ الصّبا ما استعارا
وقال الفرزدق «6» :
تفاريق شيب فى الشّباب لوامع ... وما حسن ليل ليس فيه نجوم
وقال أبو نواس:
كأنّ بقايا ما عفا من حبابها ... تفاريق شيب فى سواد عذار
البيتان متساويان فى حسن الرصف، وإن كان أبو نواس أساء فى أخذه
(1/236)

لفظ الفرزدق؛ وفى قول الفرزدق أيضا زيادة، وهى: «وما حسن ليل ليس فيه نجوم» .
وأنشد أبو أحمد؛ قال: أنشدنا أبو بكر عن عبد الرحمن عن عمه:
حرام على أرماحنا طعن مدبر ... وتندقّ قدما فى الصّدور صدورها
مسلمة أعجاز خيلى فى الوغى ... ومكلومة لبّاتها ونحورها
أخذه أبو تمام؛ فقال «1» :
أناس إذا ما استحكم الرّوع كسّروا ... صدور العوالى فى صدور الكتائب «2»
فأحسنا جميعا.
ومثله قول الآخر:
يلقى السيوف بوجهه وبنحره ... ويقيم هامته مقام المغفر
ويقول للطّرف «3» اصطبر لشبا القنا ... فهدمت ركن المجد إن لم تعقر
ومثله قول بكر بن النطاح:
يتلقّى النّدى بوجه حيىّ ... وصدور القنا بوجه وقاح
وهذا كلّه مأخوذ من قول كعب بن زهير «4» :
لا يقع الطّعن إلّا فى نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل «5»
وهو دون جميع ما تقدّم.
وقد أتيت فى هذا الباب على الكفاية، ولا أعلم أحدا ممن صنّف فى سرق الشعر فمثل بين قول المبتدى وقول التّالى؛ وبين فضل الأول على الآخر، والآخر على الأوّل، غيرى؛ وإنما كانت العلماء قبلى ينبّهون على مواضع السّرق فقط؛ فقس بما
(1/237)

أوردته على ما تركته؛ فإنى لو استقصيته لخرج الكتاب عن المراد، وزاغ عن الإيثار؛ وبالله التوفيق.
تمّ الجزء الأول من كتاب الصناعتين، ويتلوه فى الجزء الثانى الباب السابع فى التشبيه. والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين وسلامه.
وهو حسبنا ونعم الوكيل
(1/238)

الباب السّابع فى التشبيه (فصلان)
الفصل الأول من الباب السابع فى حدّ التشبيه وما يستحسن من منثور الكلام ومنظومه
التشبيه
التشبيه: الوصف بأنّ أحد الموصوفين ينوب مناب الآخر بأداة التشبيه، ناب منابه أو لم ينب، وقد جاء فى الشعر وسائر الكلام بغير أداة التشبيه. وذلك قولك:
زيد شديد كالأسد؛ فهذا القول الصواب فى العرف وداخل فى محمود المبالغة، وإن لم يكن زيد فى شدّته كالأسد على الحقيقة؛ على أنه قد روى أن إنسانا قال لبعض الشعراء: زعمت أنك لا تكذب فى شعرك، وقد قلت:
ولأنت أجرأ من أسامة
أو يجوز أن يكون رجل أشجع من أسد! فقال: قد يكون ذلك؛ فإنّا قد رأينا مجزأة بن ثور فتح مدينة ولم نر الأسد فعل ذلك، فهذا قول.
ويصحّ تشبيه الشىء بالشىء جملة، وإن شابهه من وجه واحد؛ مثل قولك:
وجهك مثل الشمس، ومثل البدر؛ وإن لم يكن مثلهما فى ضيائهما وعلوّهما ولا عظمهما؛ وإنّما شبّهه بهما لمعنى يجمعهما وإياه وهو الحسن. وعلى هذا قول الله عزّ وجلّ: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
؛ إنما شبّه المراكب بالجبال من جهة عظمها لا من جهة صلابتها ورسوخها ورزانتها، ولو أشبه الشىء الشىء من جميع جهاته لكان هو هو.
(1/239)

أوجه التشبيه
والتشبيه على ثلاثة أوجه: فواحد منها تشبيه «1» شيئين متفقين من جهة اللّون؛ مثل تشبيه الليلة بالليلة، والماء بالماء، والغراب بالغراب، والحرّة بالحرّة. والآخر تشبيه شيئين متّفقين يعرف اتّفاقهما بدليل؛ كتشبيه الجوهر بالجوهر، والسواد بالسواد. والثالث تشبيه شيئين مختلفين لمعنى يجمعهما؛ كتشبيه البيان بالسّحر؛ والمعنى الذى يجمعهما لطافة التدبير ودقة المسلك. وتشبيه الشدة بالموت، والمعنى الذى يجمعهما كراهية الحال وصعوبة الأمر.
أجود التشبيه
وأجود التشبيه وأبلغه ما يقع على أربعة أوجه:
أحدها: إخراج ما لا تقع عليه الحاسة [إلى ما يقع عليه] «2» ؛ وهو قول الله عزّ وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً.
فأخرج ما لا يحسّ إلى ما يحسّ؛ والمعنى الذى يجمعهما بطلان المتوهم مع شدّة الحاجة وعظم الفاقة، ولو قال: يحسبه الرأى ماء لم يقع موقع قوله: «الظمآن» ؛ لأنّ الظمآن أشدّ فاقة إليه، وأعظم حرصا عليه.
وهكذا قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ
. والمعنى الجامع بينهما بعد التّلاقى، وعدم الانتفاع.
وكذلك قوله عزّ وجل: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
؛ أخرج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه من لهث الكلب.
والمعنى أن الكلب لا يطيعك فى ترك اللهث على حال، وكذلك الكافر لا يجيبك إلى الإيمان فى رفق ولا عنف.
وهكذا قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ
. والمعنى الذى يجمع بينهما الحاجة إلى المنفعة، والحسرة لما يفوت من درك الحاجة.
(1/240)

والوجه الآخر إخراج ما لم تجر به العادة إلى ما جرت به العادة؛ كقوله تعالى:
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ
؛ والمعنى الجامع بين المشبّه والمشبّه به الانتفاع بالصورة.
ومن هذا قوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ
... إلى قوله: كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ
؛ هو بيان ما جرت به العادة إلى ما لم تجربه. والمعنى الذى يجمع الأمرين الزينة والبهجة، ثم الهلاك، وفيه العبرة لمن اعتبر، والموعظة لمن تذكّر.
ومنه قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ، تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ
، فاجتمع الأمران فى قلع الريح لهما وإهلاكهما والتخوّف من تعجيل العقوبة.
ومن هذا قوله تعالى: فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ
. والجامع للمعنيين الحمرة ولين الجوهر، وفيه الدّلالة على عظم الشّأن؛ ونفوذ السلطان.
ومنه قوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ
... إلى قوله عز وجل:
ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً
؛ والجامع بين الأمرين الإعجاب، ثم سرعة الانقلاب؛ وفيه الاحتقار للدّنيا والتّحذير من الاغترار بها.
والوجه الثالث: إخراج ما لا يعرف بالبديهة إلى ما يعرف بها؛ فمن هذا قوله عزّ وجل: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
، قد أخرج ما لا يعلم بالبديهة إلى ما يعلم بها؛ والجامع بين الأمرين العظم؛ والفائدة فيه التشويق إلى الجنة بحسن الصّفة.
ومثله قوله سبحانه: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
، والجامع بين الأمرين الجهل بالمحمول؛ والفائدة فيه الترغيب فى تحفّظ العلوم، وترك الاتكال على الرّواية دون الدّراية.
(16- الصناعتين)
(1/241)

ومنه قوله تعالى: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ
؛ والجامع بين الأمرين خلوّ الأجساد من الأرواح؛ والفائدة الحثّ على احتقار ما يؤول به الحال.
وهكذا قوله سبحانه: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً
؛ فالجامع بين الأمرين ضعف المعتمد؛ والفائدة التحذير من حمل النفس على التغرير بالعمل على غير أس.
والوجه الرابع: إخراج ما لا قوّة له فى الصفة على ما له قوة فيها؛ كقوله عزّ وجلّ: وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ
؛ والجامع بين الأمرين العظم، والفائدة البيان عن القدرة فى تسخير الأجسام العظام فى أعظم ما يكون من الماء.
وعلى هذا الوجه يجرى أكثر تشبيهات القرآن، وهى الغاية فى الجودة، والنهاية فى الحسن.
وقد جاء فى أشعار المحدثين تشبيه ما يرى العيان بما ينال بالفكر، وهو ردىء، وإن كان بعض الناس يستحسنه لما فيه من اللطافة والدّقة، وهو مثل قول الشاعر «1» :
وكنت أعزّ عزّا من قنوع ... يعوّضه صفوح من ملول «2»
فصرت أذلّ من معنى دقيق ... به فقر إلى فهم «3» جليل
وكقول الآخر:
وندمان سقيت الرّاح صرفا ... وأفق اللّيل مرتفع السّجوف
صفت وصفت زجاجتها عليها ... كمعنى دقّ فى ذهن لطيف
فأخرج ما تقع عليه الحاسّة إلى ما لا تقع عليه، وما يعرف بالعيان إلى ما يعرف بالفكر، ومثله كثير فى أشعارهم.
(1/242)

الطريقة المسلوكة فى التشبيه
وأما الطريقة المسلوكة فى التشبيه، والنّهج القاصد فى التمثيل عند القدماء والمحدثين فتشبيه الجواد بالبحر والمطر، والشجاع بالأسد، والحسن بالشمس والقمر، والسهم الماضى بالسيف، والعالى الرّتبة بالنّجم، والحليم الرزين بالجبل، والحيى بالبكر، والفائت بالحلم؛ ثم تشبيه اللئيم بالكلب، والجبان بالصّفرد «1» ، والطائش بالفراش، والذّليل بالنّقد «2» والنّعل والفقع «3» والوتد؛ والقاسى بالحديد والصّخر، والبليد بالجماد؛ وشهر قوم بخصال محمودة؛ فصاروا فيها أعلاما فجروا مجرى ما قدّمناه؛ كالسموءل فى الوفاء، وحاتم فى السخاء، والأحنف فى الحلم، وسبحان فى البلاغة، وقسّ فى الخطابة، ولقمان فى الحكمة. وشهر آخرون بأضداد هذه الخصال؛ فشبّه بهم فى حال الذم كباقل فى العىّ «4» ، وهبنقّة فى الحمق، والكسعىّ فى النّدامة، والمنزوف ضرطا فى الجبن، ومادر فى البخل.
والتشبيه يزيد المعنى وضوحا ويكسبه تأكيدا؛ ولهذا ما أطبق جميع المتكلمين من العرب والعجم عليه، ولم يستغن أحد منهم عنه.
وقد جاء عن القدماء وأهل الجاهلية من كلّ جيل ما يستدلّ به على شرفه وفضله وموقعه من البلاغة بكلّ لسان. فمن ذلك ما قال صاحب كليلة ودمنة: الدنيا كالماء الملح كلما ازددت منه شربا ازددت عطشا. وقال: صحبة الأشرار تورث الشرّ كالريح إذا مرّت على المنتن حملت نتنا، وإذا مرّت على الطيب حملت طيبا. وقال:
من لا يشكر له كان كمن نثر بذره فى السّباخ، ومن أشار على معجب كان كمن سارّ الأصم. وقد نظمت هذا المعنى. فقلت:
ألا إنّما النعمى تجازى بمثلها ... إذا كان مسداها إلى ماجد حرّ
(1/243)

فأمّا إذا كانت إلى غير ماجد ... فقد ذهبت فى غير أجر ولا شكر
إذا المرء ألقى فى السّباخ بذوره ... أضاع فلم ترجع بزرع ولا بذر
وقال: لا يخفى فضل ذى العلم وإن أخفاه كالمسك يخبأ ويستر، ثم لا يمنع ذلك رائحته أن تفوح. أخذه الصاحب فكتب: فأنت- أدام الله عزّك- وإن طويت عنّا خبرك، وجعلت وطنك وطرك، فأنباؤك تأتينا، كما وشى بالمسك ريّاه، ونمّ على الصباح محيّاه.
وقال أيضا: الرجل ذو المروءة يكرم على غير مال كالأسد يهاب وإن كان رابضا، والرجل الذى لا مروءة له يهان وإن كان غنيا كالكلب يهون على الناس وإن عسّ وطوّف.
وقال: المودّة بين الصالحين سريع اتصالها بطىء انقطاعها كآنية الذهب التى هى بطيئة الانكسار هيّنة الإعادة؛ والمودة بين الأشرار سريع انقطاعها بطىء اتصالها كآنية الفخّار يكسرها أدنى شىء، ولا وصل لها.
وقال: لا يردّ بأس العدوّ القوىّ بمثل التذلّل له، كما أنّ العشب إنما يسلم من الريح العاصف بلينه لها وانثنائه معها.
وقال: لا يحبّ للمذنب أن يفحص عن أمره لقبح ما ينكشف عنه، كالشىء المنتن كلما أثير ازداد نتنا.
وقال أيضا: من صنع معروفا لعاجل الجزاء فهو كملقى الحبّ للطير لا لينفعها بل ليصيدها به.
وقال أيضا: المال إذا كان له مدد يجتمع منه ولم يصرف فى الحقوق أسرع إليه الهلاك من كل وجه، كالماء إذا اجتمع فى موضع ولم يكن له طريق إلى النفوذ تفجّر من جوانبه فضاع.
وقال أيضا: الأدب يذهب عن العاقل السكر ويزيد الأحمق سكرا، كالنهار يزيد البصير بصرا ويزيد الخفّاش سوء بصر.
(1/244)

وقد أحسن فى هذا المعنى جعفر بن محمد رضى الله عنهما، فقال: الأدب عند الأحمق كالماء العذب فى أصول الحنظل كلما ازداد ريّا ازداد مرارة.
وقال صاحب كليلة ودمنة: الدنيا كدودة القزّ لا تزداد بالإبريسم «1» على نفسها لفّا إلّا ازدادت من الخروج بعدا.
وقال: إذا عثر الكريم لم ينتعش إلا بكريم، كالفيل إذا توحل لم يقلعه إلا الفيلة.
وقال الشاعر فى هذا المعنى:
وإذا الكريم كبت به أيامه ... لم ينتعش إلّا بعطف كريم
وقال صاحب كليلة أيضا: يبقى الصالح من الرّجال صالحا حتى يصاحب فاسدا؛ فإذا صاحبه فسد، مثل مياه الأنهار تكون عذبة حتى تخالط ماء البحر، فإذا خالطته ملحت.
وقال بعض الحكماء: الدنيا كالمنجل استواؤها فى اعوجاجها.
والتشبيه بعد ذلك فى جميع الكلام يجرى على وجوه:
وجوه التشبيه
منها تشبيه الشىء بالشىء صورة؛ مثل قول الله عز وجل: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ «2» الْقَدِيمِ
. أخذه ابن الرومى، فقال فى ذم الدهر «3» :
تأتى على القمر السّارى نوائبه ... حتى يرى ناحلا فى شخص عزجون
وأين يقع هذا من لفظ القرآن.
ومن ذلك قول امرىء القيس «4» :
كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى «5»
(1/245)

وقوله أيضا «1» :
كأنّ عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع «2» الذى لم يثقّب
وقول عدى بن الرقاع «3» :
تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه ... قلم أصاب من الدّواة مدادها «4»
ومنها تشبيه الشىء بالشىء لونا وحسنا؛ كقول الله عزّ وجل: كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ
. وقوله تعالى: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ
. وكقول حميد ابن ثور:
والليل قد ظهرت نحيزته «5» ... والشمس فى صفراء كالورس
وكقول الآخر:
قوم رباط الخيل وسط بيوتهم ... وأسنّة زرق يخلن نجوما
ومنها تشبيهه به لونا وسبوغا، كقول امرىء القيس «6» :
ومشدودة السّكّ موضونة ... تضاءل فى الطّىّ كالمبرد «7»
يفيض على المرء أردانها ... كفيض الأتىّ على الجدجد «8»
شبّه الدّرع بالأتىّ فى بياضها وسبوغها؛ لأنها تعمّ الجسد كما يعمّ الأتىّ الجدجد إذا تفجّر فيه؛ والأتى: السيل.
ومنها تشبيهه به لونا وصورة، كقول النابغة «9» :
تجلو بقادمتى حمامة أيكة ... بردا أسفّ لثاته بالإثمد
(1/246)

كالأقحوان غداة غبّ سمائه ... جفّت أعاليه وأسفله ندى
شبّه الثّغر بالأقحوان لونا وصورة؛ لأنّ ورق الأقحوان صورته كصورة الثغر سواء، وإذا كان الثّغر نقيّا كان فى لونه سواء.
وكقول امرىء القيس:
جمعت ردينيّا كأنّ سنانه ... سنا لهب لم تتّصل بدخان
ومما يتضمّن معنى اللون وحده قول الأعشى «1» :
وسبيئة ممّا تعتّق بابل ... كدم الذّبيح سلبتها جريالها «2»
وقول الشماخ «3» :
إذا ما الليل كان الصبح فيه «4» ... أشق كمفرق الرّأس الدّهين
وقول زهير «5» :
وقد صار لون اللّيل مثل الأرندج «6»
وقول امرىء القيس «7» :
وليل كموج البحر مرخ سدوله ... علىّ بأنواع الهموم ليبتلى
وفى هذا معنى الهول أيضا.
وقول كعب بن زهير «8» :
وليلة مشتاق كأنّ نجومها ... تفرّقن منها فى طيالسة خضر
وقول ذى الرمة:
وليل كجلباب العروس ادّرعته ... بأربعة والشّخص فى العين واحد
(1/247)

وقوله أيضا «1» :
وقد لاح للسّارى الذى كمّل السّرى ... على أخريات اللّيل فتق مشهّر
كلون الحصان الأنبط «2» البطن قائما ... تمايل عنه الجلّ واللّون أشقر
ومنها تشبيهه به حركة؛ وهو قول عنترة»
:
غردا يحكّ ذراعه بذراعه ... قدح المكبّ على الزّناد الأجذم
وقول الأعشى:
غرّاء فرعاء «4» مصقول عوارضها ... تمشى الهوينا كما يمشى الوجى الوجل
وقول الآخر:
كأنّ مشيتها من بيت جارتها ... مرّ السّحابة لا ريث ولا عجل
وقول الآخر:
كأنّ أنوف الطّير فى عرصاتها ... خراطيم أقلام تخطّ وتعجم
ومنها تشبيهه به معنى، كقول النابغة «5» :
فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب
وقوله «6» :
فإنك كالليل الّذى هو مدركى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
وكقول الآخر:
وكالسّيف إن لا ينته لان متنه ... وحدّاه إن خاشنته خشنان
وقول مسلم بن الوليد:
وإنّى وإسماعيل يوم وداعه ... لكالغمد يوم الرّوع فارقه النّصل
(1/248)

وقوله:
فإن أغش قوما بعده أو أزرهم ... فكالوحش يدنيها من الآنس المحل
وقول الآخر:
والدّهر يقرعنى طورا وأقرعه ... كأنه جبل يهوى إلى جبل
وقول الآخر:
كم من فؤاد كأنّه جبل ... أزاله عن مقرّه النّظر
وقد يكون التشبيه بغير أداة التشبيه؛ وهو كقول امرىء القيس «1» :
له أيطلا ظبى وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل «2»
هذا إذا لم يحمل على التشبيه فسد الكلام؛ لأنّ الفرس لا يكون له أيطلا ظبى ولا ساقا نعامة ولا غيره مما ذكره، وإنما المعنى له أيطلان كأيطلى ظبى وساقان كساقى نعامة. وهذا من بديع التشبيه؛ لأنه شبّه أربعة أشياء بأربعة أشياء فى بيت واحد، وكذلك قول المرقش «3» :
النّشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكفّ عنم
فهذا تشبيه ثلاثة أشياء فى بيت واحد.
وضرب منه آخر، ومنه قول امرىء القيس «4» :
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سموّ حباب الماء حالا على حال
فحذف حرف التشبيه.
ثم نورد هاهنا شيئا من غرائب التشبيهات وبدائعها، ليكون مادة لمن يريد العمل برسمنا فى هذا الكتاب؛ فمن بديع التشبيه قول امرىء القيس «5» :
(1/249)

كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالى
فشبّه شيئين بشيئين مفصلا: الرطب بالعناب، واليابس بالحشف؛ فجاء فى غاية الجودة.
ومثله قول بشار «1» :
كأنّ مثار النّقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
فشبّه ظلمة الليل بمثار النّقع، والسيوف بالكواكب.
وبيت امرىء القيس أجود؛ لأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا أشبه بالعنّاب والحشف من السيوف بالكواكب.
ومثل قول النمرى «2» :
ليل من النّقع لا شمس ولا قمر ... إلّا جبينك والمذروبة الشّرع «3»
وقول العتابى «4» :
مدّت سنابكها من فوق أرؤسهم ... ليلا كواكبه البيض المباتير «5»
ومن بديع التشبيه قول الآخر:
نشرت إلىّ غدائرا من شعرها ... حذر الكواشح والعدوّ الموبق
فكأننى وكأنّها وكأنّه ... صبحان باتا تحت ليل مطبق
شبّه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء مفصّلة.
وقال البحترى «6» :
تبسّم وقطوب فى ندى ووغى ... كالغيث والبرق تحت العارض البرد
(1/250)

وأتمّ ما فى هذا قول الوأواء:
وأسبلت لؤلؤا من نرجس فسقت ... وردا وعضّت على العنّاب بالبرد
فشبّه خمسة أشياء بخمسة أشياء فى بيت واحد: الدمع باللؤلؤ، والعين بالنرجس، والخدّ بالورد، والأنامل بالعنّاب؛ لما فيهنّ من الخضاب، والثّغر بالبرد. ولا أعرف لهذا البيت ثانيا فى أشعارهم.
وقول البحترى «1» :
كالسّيف فى إخذامه والعيث فى ... إرهامه واللّيث فى إقدامه «2»
فشبّه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء.
وقلت فى مثله:
كالسّيف فى غمراته والبدر فى ... ظلماته والغيث فى أزماته
وقال البحترى «3» :
شقائق يحملن النّدى فكأنّه ... دموع التّصابى فى خدود الخرائد
فشبّه شيئين بشيئين.
ومثله قول أبى نواس «4» :
يا قمرا أبصرت فى مأتم «5» ... يندب شجوا بين أتراب
يبكى فيلقى الدّرّ من نرجس ... ويلطم الورد بعنّاب
أخذه بعض المتأخرين فقلبه هجاء فقال:
يا قردة أبصرت فى مأتم ... تندب شجوا بتخاليط
تبكى فتلقى البعر من كوّة ... وتلطم الشّوك ببلوط
(1/251)

وشبّهت الهلال تشبيها يتضمّن صفته من لدن هو هلال إلى أن يكمل، فقلت:
وكؤوس إذا دجا الليل دارت ... تحت سقف مرصّع باللّجين
وكأنّ الهلال مرآة تبر ... ينجلى كلّ ليلة إصبعين
ومن بديع التشبيه قول سلمة بن عباس:
كأنّ بنى ذالان إذ جاء جمعهم ... فراريج يلقى بينهنّ سويق
هذا لدقّة أصواتهم وعجلة كلامهم، وقوله:
حديث بنى قرط إذا ما لقيتهم ... كنزو الدّبا فى العرفج المتقارب
وقال بعض المحدثين وهو ابن نباتة فى فرس أبلق أغرّ:
وكأنما لطم الصّباح جبينه ... فاقتصّ منه فخاض فى أحشائه
وقال آخر:
ليل يجرّ من الصّباح ذلاذلا «1»
ومن مليح التشبيه وبديعه قول ابن المعتز «2» :
والصبح يتلو المشترى فكأنه ... عريان يمشى فى الدّجى بسراج
وقوله فى صفة فرس «3» :
ومحجّل غير اليمين كأنّه ... متبختر يمشى بكمّ مسبل
وقال أعرابى:
بغزو كولغ الذئب غاد ورائح ... وسير كصدر السّيف لا يتعرّج
وقول ابن الرقاع «4» :
تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها
(1/252)

وقول الطّرّماح:
يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسلّ ويغمد
وقول ذى الرمة فى الحرباء «1» :
ودوّيّة جرداء جدّاء خيّمت ... بها هبوات الصيف من كل جانب «2»
كأنّ يدى حربائها متململا ... يدا مذنب يستغفر الله تائب
وقوله فيها «3» :
وقد جعل الحرباء يصفرّ لونه ... وتخضرّ من حرّ الهجير غباغبه
ويسبح بالكفين حتّى كأنه ... أخو فجرة عالى به الجذع صالبه
أخذه البحترى، فقال «4» :
فتراه مطّردا على أعواده ... مثل اطّراد كواكب الجوزاء
مستشرفا للشمس منتصبا لها ... فى أخريات الجذع كالحرباء
وقال ذو الرّمّة «5» :
يصلّى بها الحرباء للشمس مائلا ... على الجذل «6» إلّا أنه لا يكبّر
إذا حوّل الظلّ العشىّ رأيته ... حنيفا وفى قرن الضّحى يتنصّر
الحرباء: دويبة كالعظاية تأتى شجرة تعرف بالتّنضبة «7» فتمسك بيديها غصنين منها، وتقابل بوجهها الشمس، فكيفما دارت الشمس دارت معها، فإذا غربت الشمس نزلت فرعت ... والحرباء، فارسية معربة؛ وإنما هى خربا؛ أى حافظ الشمس، والشمس تسمى بالفارسية خر؛ وقد ملح ابن الرومى فى ذكرها حيث يقول فى قينة:
(1/253)

ما بالها قد حسنت ورقيبها ... أبدا قبيح، قبّح الرقباء
ما ذاك إلا أنها شمس الضحى ... أبدا يكون رقيبها الحرباء
وقال ابن الرومى أيضا فى مصلوب:
كم بأرض الشآم غادرت منهم ... غائرا موفيا على أهل نجد
يلعب الدّستبند فردا وإن ... كان له شاغل عن الدّستبند «1»
وقال ابن المعتز «2» :
وقد علا فوق الهلال كرته ... كهامة الأسود شابت لحيته
وقال «3» :
ورأسه كمثل فرق قد مطر ... وصدغه كالصّولجان المنكسر «4»
ومن بديع التشبيه قول الآخر:
بيضاء تسحب من قيام فرعها ... وتغيب فيه وهو جثل أسحم «5»
فكأنها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم
ومن بديعه قول مسلم:
أجدّك ما تدرين أن ربّ ليلة ... كأنّ دجاها من قرونك تنشر
وقول الفرزدق «6» :
والشيب ينهض فى الشّباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار
وقلت:
شمس هوت وهلال الشهر يتبعها ... كأنها سافر قدّام منتقب
(1/254)

تبدو الثريا وأمر الليل مجتمع ... كأنها عقرب مقطوعة الذّنب
وقلت:
تلوح الثريا والظلام مقطّب ... فيضحك منها عن أغرّ مفلّج
تسير وراء والهلال أمامها ... كما أومأت كفّ إلى نصف دملج
وقال عبد الله بن المعتز:
أهلا وسهلا بالناى والعود ... وكأس ساق كالغصن مقدود
قد انقضت دولة الصيام وقد ... بشّر سقم الهلال بالعيد
وقال آخر:
تبدو الثريا كفاغر شره ... يفتح فاه لأكل عنقود «1»
قال أبو الحرث: جميز فلان كالمشجب «2» من حيث لقيته «لا» ، فقال أبو العبر:
لو كنت من شىء خلافك لم تكن ... لتكون إلّا يشجبا فى مشجب
يا ليت لى من جلد وجهك رقعة ... فأقدّ منها حافرا للأشهب
وقال بعض الحكماء: العقل كالسيف والنظر كالمسنّ. ونظر عبادة إلى سوداء تبكى، فقال: كأنها تنّور شنان يكف؛ فنظمته وقلت:
سوداء تذرف دمعها ... مثل الأتون إذا وكف
وقال ابن المعتز:
وكأنّ عقرب صدغه وقفت ... لما دنت من نار وجنته
وقلت:
كأنّ نهوض النجم والأفق أخضر ... تبلج ثغر تحت خضرة شارب
(1/255)

وقال أوس بن حجر «1» :
حتى تلفّ بدوركم وقصوركم ... جمع كناصية الحصان الأشقر
وقلت:
بكرنا إليه والظلام كأنه ... غراب على عرف الصباح يرنّق «2»
وقلت:
إذا التوى الصّدغ فوق وجنته ... رأيت تفاحة بها عضّه
وقلت:
والغيم يأخذه ريح فتنفشه ... كالقطن يندف فى زرق الدبابيج «3»
وقلت:
وقهوة من يد المغنوج صافية ... كأنها عصرت من خدّ مغنوج
وقلت:
قم بنا نذعر الهموم بكأس ... والثريّا لمفرق الليل تاج
وقد انجرّت المجرّة فيه ... كسبيب «4» يمدّه نسّاج
وقلت:
وكأنّ النجوم والليل داج ... نقش عاج يلوح فى سقف ساج
وقلت:
كأن السّميريّات فيه عقارب ... تجىء على زرق الزجاج وتذهب
وقلت:
فأذريت دمعا بالدماء مصبّغا ... كما يتواهى عقد عقد منسّق
وقد باشر الليل الصباح كأنه ... بقية كحل فى حماليق أزرق
وهذا الجنس كثير، وفيما أوردته كفاية إن شاء الله.
(1/256)

الفصل الثّانى فى البيان عن قبح التشبيه وعيوبه
والتشبيه يقبح إذا كان على خلاف ما وصفناه فى أول الباب، من إخراج الظاهر فيه إلى الخافى، والمكشوف إلى المستور، والكبير إلى الصغير، كما قال النابغة «1» :
تخدى بهم أدم كأنّ رحالها ... علق أريق على متون صوار «2»
وقال لبيد «3» :
فخمة ذفراء ترتى بالعرى ... قردمانيّا وتركا كالبصل «4»
وقال خفاف بن ندبة:
أبقى لها التعداء من عتداتها ... ومتونها كخيوطة الكتان
العتدات: القوائم، والمتون: الظهور؛ يقول: دقت حتى صارت متونها وقوائمها كالخيوط، وهذا بعيد جدا. ومثل هذا محمود غير معيب عند أصحاب الغلو ومن يقول بفضله.
وإذا شبه أيضا صغيرا بكبير وليس بينهما مقاربة فهو معيب أيضا، كقول ساعدة ابن جؤية:
كساها رطيب الريش فاعتدلت لها ... قداح كأعناق الظباء الفوارق
شبه السهام بأعناق الظباء وليس بينهما شبه. ولو وصفها بالدقة لكان أولى.
(17- الصناعتين)
(1/257)

ومن معيب التشبيه قول بشر:
وجرّ الرامسات بها ذيولا ... كأن شمالها بعد الدّبور «1»
رماد بين أظآر ثلاث ... كما وشم النواشر بالنؤور «2»
فشبّه الشّمال والدبور بالرّماد.
ومن خطأ التشبيه قول الجعدى:
كأن حجاج مقلتها قليب
والحجاج: العظم الذى ينبت عليه شعر الحاجب. وليس هذا مما يغور؛ وإنما تغور العين.
ومن التشبيه الكريه المتكلف قول زهير «3» :
فزلّ عنها ووافى رأس مرقبة ... كمنصب العتر دمّى رأسه النّسك «4»
ومن التشبيه الردىء اللفظ قول أوس بن حجر «5» :
كأن هرّا جنيبا تحت غرضتها «6» ... والتف ديك برجليها وخنزير
وأعجب من هذا قول بشار:
وبعض الجود خنزير
ومن بعيد التشبيه قول أعرابى:
وما زلت ترجو نيل سلمى وودها ... وتبعد حتى ابيض منك المسايح «7»
ملا حاجبيك الشيب حتى كأنه ... ظباء جرت، منها سنيح وبارح
فشبّه شعرات بيضا فى حاجبيه بظباء سوانح وبوارح. وقال أبو تمام «8» :
كأننى حين جردت الرجاء له ... عضب صببت به ماء على الزمن
(1/258)

ولا يكاد يرى تشبيه أبرد من هذا.
وكتب آخر إلى أخ له يعتذر من ترك زيارته: قد طلعت فى إحدى أثيىّ بثرة، فعظمت حتى كأنها الرمانة الصغيرة.
وقال علىّ الأسوارى: فلما رأيته اصفرّ وجهى حتى صار كأنه لون الكشّوت «1» .
وقال له محمد بن الجهم: كم آخذ من الدواء الذى جئت به؟ قال: مقدار بعرة.
فجاء بلفظ قذر، ولم يبن عن المراد؛ لأن البعر يختلف فى الكبر والصغر، ولا يعرف أبعرة ظبى أراد أم بعرة شاة أم بعرة جمل.
ومن التشبيه المتنافر قول الجمانى يصف ليلا:
كأنما الطرف يرمى فى جوانبه ... عن العمى وكأن النجم قنديل
اجتماع العمى والقنديل فى غاية التنافر.
ومن ردىء التشبيه قول ابن المعتز:
أرى ليلا من الشعر ... على شمس من الناس
الجمع بين الليل والناس ردىء. وقد وقع هاهنا باردا.
(1/259)

الباب الثّامن فى ذكر السجع والازدواج
لا يحسن منثور الكلام ولا يحلو حتى يكون مزدوجا، ولا تكاد تجد لبليغ كلاما يخلو من الازدواج، ولو استغنى كلام عن الازدواج لكان القرآن؛ لأنه فى نظمه خارج من كلام الخلق، وقد كثر الازدواج فيه حتى حصل فى أوساط الآيات فضلا عما تزاوج فى الفواصل منه «1» . كقول الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
. وقوله عز وجل: أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ
. وقوله تعالى: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ.
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
. إلى غير ذلك من الآيات.
وأما ما زووج بينه بالفواصل فهو كثير. مثل قوله تعالى: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ، وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ
. وقوله سبحانه: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ
. وقوله عز وجل: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
. وقوله جل ذكره: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا
؛ وهذا من المطابقة التى لا تجد فى كلام الخلق مثلها حسنا ولا شدة احتصار؛ على كثرة المطابقة فى الكلام.
وكذلك جميع ما فى القرآن مما يجرى على التسجيع والازدواج مخالف فى تمكين المعنى، وصفاء اللفظ، وتضمّن الطّلاوة والماء لما يجرى مجراه من كلام الخلق. ألا ترى قوله عز اسمه: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً فَالْمُورِياتِ قَدْحاً فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً
قد بان عن جميع أقسامهم الجارية هذا المجرى، من مثل قول
(1/260)

الكاهن: والسماء والأرض، والقرض والفرض، والغمر والبرض «1» . ومثل هذا من السجع مذموم لما فيه من التكلف والتعسف. ولهذا ما قال النبى صلى الله عليه وسلم لرجل، قال له: أندى «2» من لا شرب ولا أكل، ولا صاح، فاستهلّ، فمثل ذلك يطل «3» : أسجعا كسجع الكهان! لأن التكلف فى سجعهم فاش، ولو كرهه عليه الصلاة والسلام لكونه سجعا لقال: أسجعا؛ ثم سكت، وكيف يذمه ويكرهه، وإذا سلم من التكلّف، وبرىء من التعسّف لم يكن فى جميع صنوف الكلام أحسن منه.
وقد جرى عليه كثير من كلامه عليه السلام؛ فمن ذلك ما حدثنا به يوسف الإمام بواسط، قال حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله أبو شهاب عن عوف عن زرارة ابن أوفى عن عبد الله بن سلام، قال: لما قدم النبى صلّى الله عليه وسلّم المدينة انجفل الناس قبله؛ فقيل: قدم رسول الله، فجئت فى الناس لأنظر إليه. فلما تبينت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب، فكان أول شىء تكلم به أن قال: «أيّها الناس؛ أفشوا السّلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلّوا بالليل، والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» .
وكان صلّى الله عليه وسلّم ربما غيّر الكلمة عن وجهها للموازنة بين الألفاظ وإتباع الكلمة أخواتها؛ كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أعيذه من الهامّة، والسّامّة، وكل عين لامّة» . وإنما أراد «ملمّة» . وقوله عليه السلام: «ارجعن مأزورات، غير مأجورات» . وإنما أراد «موزورات» ، من الوزر. فقال: مأزورات، لمكان مأجورات، قصدا للتوازن وصحة التسجيع.
فكل هذا يؤذن بفضيلة التسجيع على شرط البراءة من التكلّف والخلو من التعسف.
(1/261)

وقد اعتمد فى موضع تجنب السجع وهو معرّض له، وكلامه كان يطالبه. فقال:
«وما يدريك أنه شهيد، لعله كان يتكلم بما لا يعنيه، ويبخل بما لا ينفعه» . ولو قال:
بما لا يغنيه، لكان سجعا. والحكيم العليم بالكلام يتكلم على قدر المقامات، ولعل قوله: «ينفعه» كان أليق بالمقام فعدل إليه.
وجوه السجع
والسجع على وجوه: فمنها أن يكون الجزآن متوازنين متعادلين، لا يزيد أحدهما على الآخر، مع اتفاق الفواصل على حرف بعينه. وهو كقول الأعرابى: سنة جردت، وحال جهدت، وأيد جمدت، فرحم الله من رحم، فأقرض من لا يظلم. فهذه الأجزاء متساوية لا زيادة فيها ولا نقصان، والفواصل على حرف واحد. ومثله قول آخر من الأعراب، وقد قيل له: من بقى من إخوانك؟ فقال: كلب نابح، وحمار رامح، وأخ فاضح. وقال أعرابى لرجل سأل لئيما: نزلت بواد غير ممطور، وفناء غير معمور، ورجل غير مسرور؛ فأقم بندم، أو ارتحل بعدم. ودعا أعرابى، فقال:
اللهم هب لى حقّك، وأرض عنى خلقك. وقال آخر: شهادات الأحوال، أعدل من شهادات الرجال. ودعا أعرابى، فقال: أعوذ بك من الفقر إلّا إليك، ومن الذّلّ إلا لك. وقال أعرابى ذهب بابنه السيل: اللهم إن كنت قد أبليت، فإنك طالما عافيت. وقيل لأعرابى: ما خير العنب؟ قال: ما اخضرّ عوده، وطال عموده، وعظم عنقوده. وقال أعرابى: باكرنا وسمىّ، ثم خلفه ولىّ «1» . فالأرض كأنها وشى منشور، عليه لؤلؤ منثور، ثم أتتنا غيوم جراد، بمناجل حصاد، فاحترثت البلاد، وأهلكت العباد، فسبحان من يهلك القوىّ الأكول، بالضعيف المأكول.
فهذه الفصول متوازية لا زيادة فى بعض أجزائها على بعض، بل فى القليل منها،
(1/262)

وقليل ذلك مغتفر لا يعتدّ به. فمن ذلك قوله: «فسبحان من يهلك القوىّ الأكول» فيه زيادة على ما بعده وهو حسن.
ومنها أن يكون ألفاظ الجزأين المزدوجين مسجوعة، فيكون الكلام سجعا فى سجع، وهو مثل قول البصير: حتى عاد تعريضك تصريحا، وتمريضك تصحيحا.
فالتعريض والتمريض سجع، والتصريح والتصحيح سجع آخر، فهو سجع فى سجع؛ وهذا الجنس إذا سلم من الاستكراه فهو أحسن وجوه السجع. ومثله قول الصاحب:
لكنه عمد للشوق فأجرى جياده غرّا وقرحا «1» ، وأورى زناده قدحا فقدحا. وقوله:
هل من حق الفضل تهضمه شغفا ببلدتك، وتظلمه كلفا بأهل جلدتك. وقوله:
وقد كتبت إلى فلان ما يوجز الطريق إلى تخلية نفسه، وينجز وعد الثقة فى فك حبسه؛ فهذان الوجهان من أعلى مراتب الازدواج والسجع.
والذى هو دونهما: أن تكون الأجزاء متعادلة، وتكون الفواصل على أحرف متقاربة المخارج إذا لم يمكن أن تكون من جنس واحد، كقول بعض الكتّاب:
إذا كنت لا تؤتى من نقص كرم، وكنت لا أوتى من ضعف سبب؛ فكيف أخاف منك خيبة أمل، أو عدولا عن اغتفار زلل، أو فتورا عن لمّ شعث، أو قصورا عن إصلاح خلل. فهذا الكلام جيّد التوازن ولو كان بدل «ضعف سبب» كلمة آخرها ميم ليكون مضاهيا لقوله: «نقص كرم» لكان أجود؛ وكذلك القول فيما بعده.
والذى ينبغى أن يستعمل فى هذا الباب ولا بدّ منه هو الازدواج، فإن أمكن أن يكون كل فاصلتين على حرف واحد، أو ثلاث، أو أربع لا يتجاوز ذلك كان أحسن؛ فإن جاوز ذلك نسب إلى التكلف. وإن أمكن أيضا أن تكون الأجزاء متوازنة كان أجمل، وإن لم يكن ذلك فينبغى أن يكون الجزء الأخير أطول، على أنه
(1/263)

قد جاء فى كثير من ازدواج الفصحاء ما كان الجزء الأخير منه أقصر، حتى جاء فى كلام النبى صلّى الله عليه وسلّم منه شىء كثير. كقوله للأنصار يفضّلهم على من سواهم: «إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلّون عند الطّمع» . وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «رحم الله من قال خيرا فغنم، أو سكت فسلم» . وكقول أعرابى:
فلان صحيح النسب، مستحكم السبب، من أى أقطاره أتيته أتى إليك بحسن مقال، وكرم فعال. وقال آخر من الأعراب: اللهم اجعل خير عملى ما ولى أجلى.
وينبغى أيضا أن تكون الفواصل على زنة واحدة، وإن لم يمكن أن تكون على حرف واحد، فيقع التعادل والتوازن، كقول بعضهم: اصبر على حرّ اللقاء، ومضض النزال، وشدة المصاع «1» ، ومداومة المراس. فلو قال: على حرّ الحرب، ومضض المنازلة، لبطل رونق التوازن، وذهب حسن التعادل.
ومن عيوب الازدواج التجميع؛ وهو أن تكون فاصلة الجزء الأول بعيدة المشاكلة لفاصلة الجزء الثانى؛ مثل ما ذكر قدامة: أن كاتبا كتب: وصل كتابك فوصل به ما يستعبد الحرّ، وإن كان قديم العبودية، ويستغرق الشكر، وإن كان سالف ودك لم يبق منه شيئا؛ فالعبودية بعيدة عن مشاكلة منه.
ومن عيوبه التطويل؛ وهو أن تجىء بالجزء الأول طويلا، فتحتاج إلى إطالة الثانى ضرورة، مثل ما ذكر قدامة: أن كاتبا كتب فى تعزية: إذا كان للمحزون فى لقاء مثله أكبر الراحة فى العاجل ... فأطال هذا الجزء وعلم أن الجزء الثانى ينبغى أن يكون طويلا مثل الأول وأطول، فقال: وكان الحزن راتبا إذا رجع إلى الحقائق وغير زائل. فأتى باستكراه، وتكلّف عجيب.
وقد أعجب العرب السجع حتى استعملوه فى منظوم كلامهم، وصار ذلك الجنس
(1/264)

من الكلام منظوما فى منظوم، وسجعا فى سجع. وهذا مثل قول امرىء القيس «1» :
سليم الشّظى عبل الشّوى شنج النّسا «2»
وقوله «3» :
وأوتاده ماذية وعماده ... ردينية فيها أسنة قعضب «4»
وقوله «5» :
فتور القيام قطيع الكلام ... يفتر عن ذى غروب خصر «6»
وسمى أهل الصنعة هذا النوع من الشعر المرصّع، وستراه فى موضعه مشروحا مستقصى إن شاء الله تعالى.
(1/265)

الباب التّاسع فى شرح البديع، وهو خمسة وثلاثون فصلا
الفصل الأول فى الاستعارة والمجاز، الفصل الثانى فى التطبيق، الفصل الثالث فى التجنيس، الفصل الرابع فى المقابلة، الفصل الخامس فى صحة التّقسيم، الفصل السادس فى صحة التفسير، الفصل السابع فى الإشارة، الفصل الثامن فى الأرداف والتوابع، الفصل التاسع فى المماثلة، الفصل العاشر فى الغلوّ، الفصل الحادى عشر فى المبالغة، الفصل الثانى عشر فى الكناية والتعريض، الفصل الثالث عشر فى العكس والتبديل، الفصل الرابع عشر فى التذييل، الفصل الخامس عشر فى الترصيع، الفصل السادس عشر فى الإيغال، الفصل السابع عشر فى الترشيح، الفصل الثامن عشر فى رد الأعجاز على الصدور، الفصل التاسع عشر فى التكميل والتتميم، الفصل العشرون فى الالتفات، الفصل الحادى والعشرون فى الاعتراض، الفصل الثانى والعشرون فى الرجوع، الفصل الثالث والعشرون فى تجاهل العارف، الفصل الرابع والعشرون فى الاستطراد، الفصل الخامس والعشرون فى جمع المؤتلف والمختلف، الفصل السادس والعشرون فى السلب والإيجاب، الفصل السابع والعشرون فى الاستثناء، الفصل الثامن والعشرون فى المذهب الكلامى، الفصل التاسع والعشرون فى التشطير، الفصل الثلاثون فى المحاورة، الفصل الحادى والثلاثون فى الاستشهاد والاحتجاج، الفصل الثانى والثلاثون فى التعطف، الفصل الثالث والثلاثون فى المضاعف، الفصل الرابع والثلاثون فى التطريز، الفصل الخامس والثلاثون فى التلطف.
(1/266)

فهذه أنواع البديع التى ادّعى من لا رواية له ولا دراية عنده أن المحدثين ابتكروها وأن القدماء لم يعرفوها؛ وذلك لما أراد أن يفخّم أمر المحدثين؛ لأن هذا النوع من الكلام إذا سلم من التكلف، وبرىء من العيوب، كان فى غاية الحسن، ونهاية الجودة.
وقد شرحت فى هذا الكتاب فنونه، وأوضحت طرقه، وردت على ما أورده المتقدمون ستة أنواع: التشطير، والمحاورة، والتطريز، والمضاعف، والاستشهاد، والتلطف. وشذبت على ذلك فضل تشذيب، وهذبته زيادة تهذيب، وبالله أستعين على ما يزلف لديه، ويستدعى الإحسان من عنده وهو تعالى وليه وموليه إن شاء الله.
(1/267)

الفصل الأوّل فى الاستعارة والمجاز
الاستعارة والغرض منها
الاستعارة: نقل العبارة عن موضع استعمالها فى أصل اللغة إلى غيره لغرض، وذلك الغرض إما أن يكون شرح المعنى وفضل الإبانة عنه، أو تأكيده والمبالغة فيه، أو الإشارة إليه بالقليل من اللفظ، أو تحسين المعرض الذى يبرز فيه؛ وهذه الأوصاف موجودة فى الاستعارة المصيبة؛ ولولا أن الاستعارة المصيبة تتضمّن ما لا تتضمنه الحقيقة؛ من زيادة فائدة لكانت الحقيقة أولى منها استعمالا.
والشاهد على أن للاستعارة المصيبة من الموقع ما ليس للحقيقة أن قول الله تعالى:
يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ
أبلغ وأحسن وأدخل مما قصد له من قوله لو قال: يوم يكشف عن شدة الأمر، وإن كان المعنيان واحدا؛ ألا ترى أنك تقول لمن تحتاج إلى الجد فى أمره: شمّر عن ساقك فيه، واشدد حيازيمك له؛ فيكون هذا القول منك أوكد فى نفسه من قولك: جدّ فى أمرك، وقول دريد بن الصمة «1» :
كميش الإزار خارج نصف ساقه ... صبور على العزّاء طلّاع أنجد «2»
وقال الهذلىّ «3» :
وكنت إذا جارى دعا لمضوفة ... أشمّر حتى ينصف الساق مئزرى
ومن ذلك قوله تعالى: وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً
، وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا
؛ وهذا أبلغ من قوله سبحانه: وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً
؛ وإن كان فى قوله: ولا يظلمون شيئا أنفى لقليل الظلم وكثيره فى الظاهر. وكذا قوله تعالى: ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ
(1/268)

أبلغ من قوله تعالى: ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ
، وإن كان هذا أنفى لجميع ما يملك فى الظاهر. وتقول العرب: ما رزأته زبالا. والزّبال: ما تحمله النحلة بفيها؛ يريدون ما نقصته شيئا. وقال النابغة «1» :
يجمع الجيش ذا الألوف ويعدو ... ثمّ لا يرزأ العدوّ فتيلا «2»
ولو قلت أيضا: ما يملك شيئا البّتة، وما يظلمون شيئا لما عمل عمل قولك:
ما يملكون قطميرا. ولا يظلمون نقيرا «3» ؛ وإن كان فى الأول ما يؤكده من قولك:
البتة، وأصلا. كذا حكاه لى أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان. وليس يقتضى هذا أنهم يظلمون دون النقير، أو يملكون دون القطمير؛ بل هو نفى لجميع الملك والظلم، لا يشك فى ذلك من يسمعه.
وفضل هذه الاستعارة وما شاكلها على الحقيقة أنها تفعل فى نفس السامع ما لا تفعل الحقيقة؛ ومن غير هذا النوع قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ
معناه سنقصد؛ لأنّ القصد لا يكون إلا مع الفراغ، ثم فى الفراغ هاهنا معنى ليس فى القصد وهو التوعد والتهديد. ألا ترى قولك: سأفرغ لك، يتضمن من الإيعاد ما لا يتضمّنه قولك: سأقصدلك. وهكذا قوله تعالى: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ
؛ أى لاتعى شيئا، لأن المكان إذا كان خاليا فهو هواء حتى يشغله شىء. وقولك: هذا أوجز من قولك: لا تعى شيئا، فلإيجازه فضل الحقيقة. وكذلك قوله تعالى: أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ
، معناه أطلعنا عليهم. والاستعارة أبلغ؛ لأنها تتضمن غفلة القوم عنهم حتى اطلعوا عليهم، وأصله أن من عثر بشىء وهو غافل نظر إليه حتى يعرفه، فاستعير الإعثار مكان التبيين والإظهار. ومنه قول الناس: ما عثرت من فلان على سوء قط؛ أى ما ظهرت على ذلك منه.
(1/269)

ومنه قوله عز اسمه: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
؛ فاستعمل النور مكان الهدى، لأنه أبين، والظلمة مكان الكفر لأنها أشهر. وكذلك قوله تعالى: وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ
، وأصل الوزر ما حمله الإنسان على ظهره.
ومن ذلك قوله عز وجل: وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها
أى أحمالا من حليهم، فذكر الحمل وأراد الإثم لما فى وضع الحمل عن الظهر من فضل الاستراحة، وحسن ذكر إنقاض الظهر وهو صوته لذكر الحمل؛ لأن حامل الحمل الثقيل جدير بإنقاض الظهر، والأوزار أيضا: السلاح. ومنه قوله تعالى: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها
. وقال الشاعر:
وأعددت للحرب أوزارها ... رماحا طوالا وخيلا ذكورا «1»
وقوله تعالى: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ
؛ أى ترخصوا. والاستعارة أبلغ؛ لأن قولك: أغمض عن الشىء أدعى إلى ترك الاستقصاء فيه من قولك: رخص فيه. وكذلك قوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ
معناه فإنه يماسّ المرأة وزوجها يماسّها. والاستعارة أبلغ؛ لأنها أدل على اللصوق وشدة المماسة.
ويحتمل أن يقال: إنهما يتجردان ويجتمعان فى ثوب واحد ويتضامّان فيكون كل واحد منهما للآخر بمنزلة اللباس؛ فيجعل ذلك تشبيها بغير أداة التشبيه.
ولا بد لكل استعارة ومجاز من حقيقة، وهى أصل الدلالة على المعنى فى اللغة، كقول امرىء القيس «2» :
وقد أغتدى والطير فى وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل «3»
(1/270)

والحقيقة مانع الأوابد من الذهاب والإفلات، والاستعارة أبلغ؛ لأن القيد من أعلى مراتب المنع عن التصرف، لأنك تشاهد ما فى القيد من المنع، فلست تشك فيه.
وكذلك قولهم: هذا ميزان القياس؛ حقيقته تعديل القياس، والاستعارة أبلغ؛ لأن الميزان يصوّر لك التعديل حتى تعاينه، وللعيان فضل على ما سواه. وكذلك:
العروض ميزان الشعر، حقيقته تقويمه.
ولابد أيضا من معنى مشترك بين المستعار والمستعار منه؛ والمعنى المشترك بين قيد الأوابد ومانع الأوابد هو الحبس وعدم الإفلات، وبين ميزان القياس وتعديله حصول الاستقامة وارتفاع الحيف والميل إلى أحد الجانبين؛ وهكذا جميع الاستعارات والمجازات.
ومن ذلك قوله تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
حقيقته عمدنا، وقدمنا أبلغ؛ لأنه دلّ فيه على ما كان من إمهاله لهم، حتى كأنه كان غائبا عنهم، ثم قدم فاطلع منهم على غير ما ينبغى فجازاهم بحسبه؛ والمعنى الجامع بينهما العدل فى شدة النكير؛ لأن العمد إلى إبطال الفاسد عدل. وأما قوله: هَباءً مَنْثُوراً
فحقيقته أبطلناه حتى لم يحصل منه شىء، والاستعارة أبلغ؛ لأنه إخراج ما لا يرى إلى ما يرى.
والشاهد أيضا على أن الاستعارة أبلغ من الحقيقة أن قوله تعالى:
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ
حقيقته علا وطما، والاستعارة أبلغ؛ لأن فيها دلالة القهر، وذلك أن الطغيان علوّ فيه غلبة وقهر. وكذلك قوله تعالى:
بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ
حقيقته شديدة، والاستعارة أبلغ؛ لأن العتو شدّة فيها تمرد. وقوله تعالى: سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ. تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ
حقيقة الشهيق هاهنا الصوت الفظيع؛ وهما لفظتان، والشهيق لفظة واحدة فهو أوجز على ما فيه من زيادة البيان. وتميّز: حقيقته تنشق من غير تباين، والاستعارة أبلغ؛ لأن التميز فى الشىء هو أن يكون كلّ نوع منه مباينا لغيره وصائرا على حدته، وهو أبلغ من الانشقاق؛ لأن الانشقاق قد يحصل فى الشىء من غير تباين، والغيظ
(1/271)

حقيقته شدة الغليان، وإنما ذكر الغيظ؛ لأن مقدار شدته على النفس مدرك محسوس، ولأن الانتقام منا يقع على قدره؛ ففيه بيان عجيب وزجر شديد لا تقوم مقامه الحقيقة البتة.
وقوله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ
معناه ذهب، وسكت أبلغ؛ لأن فيه دليلا على موقع العودة فى الغضب إذا تؤمل الحال، ونظر فيما يعود به عبادة العجل من الضرر فى الدين، كما أن الساكت يتوقّع كلامه.
وقوله تعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً
. وحقيقته ذر بأسى وعذابى؛ إلا أن الأول أبلغ فى التهدد؛ كما تقول إذا أردت المبالغة والإيعاد: ذرنى وإياه، ولو قال: ذر ضربى له وإنكارى عليه لم يسدّ ذلك المسد، ولعله لم يكن حسنا مقبولا. وقوله عز وجل:
فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ
معناه كشفنا الظلمة، والأول أبلغ؛ لأنك إذا قلت: محوت الشىء فقد بينت أنك لم تبق له أثرا؛ وإذا قلت: كشفت الشىء مثل الستر وغيره لم تبن أنك أذهبته حتى لم تبق له أثرا. وقوله سبحانه: وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً
حقيقته مضيئة، والاستعارة أبلغ؛ لأنها تكشف عن وجه المنفعة، وتظهر موقع النعمة فى الإبصار.
وقوله تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً
حقيقته كثر الشيب فى الرأس وظهر، والاستعارة أبلغ؛ لفضل ضياء النار على ضياء الشيب، فهو إخراج الظاهر إلى ما هو أظهر منه، ولأنه لا يتلافى انتشاره فى الرأس، كما لا يتلافى اشتعال النار. وقوله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ
، حقيقته بل نورد الحقّ على الباطل فيذهبه. والقذف أبلغ من الإيراد؛ لأن فيه بيان شدة الوقع وفى شدة الوقع بيان القهر، وفى القهر هاهنا بيان إزالة الباطل على جهة الحجة، لا على جهة الشك والارتياب، والدمغ أشد من الإذهاب، لأن فى الدمغ من شدة التأثير وقوة النكاية ما ليس فى الإذهاب. وقوله تعالى: عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ
وقوله عز اسمه: إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ
فالعقيم التى لا تجىء بولد؛ والولد من أعظم النعم، وأجسم الخيرات؛ ولهذا قالت العرب: شوهاء ولود، خير من حسناء عقيم.
(1/272)

فلما كان ذلك اليوم لم يأت بمنفعة حين جاء، ولم يبق خيرا حين مر سمى عقيما.
ويمكن أن يقال: إنما سمى عقيما لأنه لم يبق أحدا من القوم، كما أن العقيم لا يخلف نسلا، وسمى الريح، عقيما لأنها لم تأت بمطر ينتفع به ويبقى له أثر من نبات وغيره؛ كما أنّ العقيم من النساء لا تأتى بولد يرجى.
وفضل الاستعارة على الحقيقة فى هذا أنّ حال العقيم فى هذا أظهر قبحا من حال الريح التى لا تأتى بمطر؛ لأن العقيم كانت عند العرب أكره وأشنع من ريح لا تأتى بمطر؛ لأن العادة فى أكثر الرياح ألّا تأتى بمطر، وليست العادة فى النساء أن يكون أكثرهن عقيما.
وقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
، وهذا الوصف إنما هو على ما يتلوح «1» للعين لا على حقيقة المعنى؛ لأن الليل والنهار اسمان يقعان على هذا الجو عند إظلامه لغروب الشمس وإضاءته لطلوعها، وليسا على الحقيقة شيئين يسلخ أحدهما من الآخر، إلا أنهما فى رأى العين كأنهما ذلك، والسلخ يكون فى الشىء الملتحم بعضه ببعض، فلما كانت هوادى الصبح عند طلوعه كالملتحمة بأعجاز الليل أجرى عليها اسم السلخ؛ فكان أفصح من قوله: يخرج؛ لأن السلخ أدل على الالتحام المتوهّم فيهما من الإخراج.
وقوله تعالى: فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً
؛ من قولهم: أنشر الله الموتى فنشروا، وحقيقته أظهرنا به النبات؛ إلا أن إحياء الميت أعجب، فعبر عن إظهار النبات به فصار أحسن من الحقيقة.
وقوله تعالى: وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
، يعنى الحرب، فنبّه على ما له تخاف الحرب؛ وهو شوكة السلاح وهى حدّه، فصار أحسن من الحقيقة لإنبائه عن نفس المحذور. ألا ترى أن قولك لصاحبك: لأوردنّك على حدّ السيف، أشدّ موقعا من قولك له: لأحاربنّك.
وقوله تعالى: وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ
، أى كثير. والاستعارة أبلغ، لأن معنى العرض فى مثل هذا الموضع التمام. قال كثيّر:
أنت ابن فرعى قريش لو تقايسها ... فى المجد صار إليك العرض والطول
(18- الصناعتين)
(1/273)

أى صار إليك المجد بتمامه؛ وقد يكون كثيرا غير تام.
وقوله تعالى: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ
، حقيقته إذا انتشر، وتنفّس أبلغ لما فيه من بيان الرّوح عن النفس عند إضاءة الصّبح؛ لأن لليل كربا وللصبح تفرّجا. قال الطرماح:
على أنّ للعينين فى الصّبح راحة ... بطرحهما طرفيهما كلّ مطرح
والراحة التى يجدها الإنسان عند التنفس محسوسة.
وقوله تعالى: مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا
، حقيقته أزعجوا، والزلزلة أبلغ، لأنها أشد من الازعاج ومن كل لفظة يعبر بها عنه أيضا.
وقوله تعالى: أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً
، حقيقته صبّرنا، والاستعارة أبلغ؛ لأن الإفراغ يدل على العموم، معناه ارزقنا صبرا يعمّ جميعنا كإفراغك الماء على الشىء فيعمّه.
وقوله سبحانه: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ
، حقيقته حصلت، إلا أن للضرب تبيينا ليس للحصول، وقالوا: ضرب على فلان البعث، أى أوجب وأثبت عليه، والشىء يثبت بالضرب ولا يثبت بالحصول، والضرب أيضا ينبىء عن الإذلال والنقص، وفى ذلك الزّجر وشدة النقير عن حالهم.
وقوله تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ
، حقيقته غفلوا عنه، والاستعارة أبلغ؛ لأن فيه إخراج ما لا يرى إلى ما يرى، ولأن ما حصل وراء ظهر الإنسان فهو أحرى بالغفلة عنه مما حصل قدامه.
وقوله تعالى: أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا
، حقيقته ذات سرور، والاستعارة أبلغ؛ لأن العادة جرت فى الأعياد بتوفير السرور عند الصّغير والكبير، فتضمن من معنى السرور ما لا تتضمّنه الحقيقة.
وكذلك قوله عز اسمه: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا
. وقوله تعالى:
فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ
، أخرج ما لا يرى من تنقّصهم بآيات القرآن إلى الخوض الذى يرى. وعبّر عن فعل إبليس الذى لا يشاهد بالتدلّى من العلوّ إلى سفل وهو مشاهد.
ولما كانوا يتكلمون فى آيات القرآن، ويتنقصونها بغير بصيرة شبّه ذلك بالخوض؛ لأن الخائض يطأ على غير بصيرة.
وكذلك قوله تعالى: وَيَبْغُونَها عِوَجاً
، حقيقته خطأ؛ لأن الاعوجاج
(1/274)

مشاهد والخطأ غير مشاهد. وكذلك قوله سبحانه: أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ
، أى إلى معين؛ والاستعارة أبلغ؛ لأن الركن مشاهد، والمعين لا يشاهد من حيث أنه معين.
وكذلك قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ
، حقيقته لا تكوننّ ممسكا، والاستعارة أبلغ؛ لأن الغل مشاهد والإمساك غير مشاهد، فصور له قبح صورة المغول ليستدل به على قبح الإمساك.
وقوله تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ
، حقيقته لنرينّهم، والاستعارة أبلغ؛ لأن حسّ الذائق لإدراك ما يذوقه قوى، وللذوق فضل على غيره من الحواسّ. ألا ترى أنّ الإنسان إذا رأى شيئا ولم يعرفه شمّه فإن عرفه وإلا ذاقه، لما يعلم أن للذوق فضلا فى تبين الأشياء.
وقوله تعالى: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً
، حقيقته منعناهم «1» بآذانهم، من غير صمم يبطل آلة السمع، كالضرب على الكتاب يمنع من قراءته ولا يبطله، والاستعارة أبلغ؛ لإيجازه وإخراج ما لا يرى إلى ما يرى.
وقوله عز اسمه: وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ
ليس فى جميع القرآن أبلغ ولا أفصح من هذا، وحقيقة القرض هاهنا أن الشمس تمسّهم وقتا يسيرا ثم تغيب عنهم، والاستعارة أبلغ؛ لأن القرض أقل فى اللفظ من كل ما يستعمل بدله من الألفاظ، وهو دال على سرعة الارتجاع، والفائدة أن الشمس لو طاولتهم بحرّها لصهرتهم «2» ، وإنما كانت تمسّهم قليلا بقدر ما يصلح الهواء الذى هم فيه؛ لأن الشمس إذا لم تقع فى مكان أصلا فسد.
فهذه جملة مما فى كتاب الله عز وجل من الاستعارة، ولا وجه لاستقصاء جميعه؛ لأن الكتاب يخرج عن حده.
الاستعارة فى كلام العرب
وأما ما جاء فى كلام العرب منه، فمثل قولهم: هذا رأس الأمر ووجهه، وهذا الأمر فى جنب غيره يسير، ويقولون: هذا جناح الحرب وقلبها. وهؤلاء رءوس
(1/275)

القوم وجماجمهم وعيونهم. وفلان ظهر فلان، ولسان قومه ونابهم وعضدهم.
وهذا كلام له ظهر وبطن. وفى العرب الجماجم، والقبائل، والأفخاذ، والبطون، وخرج علينا عنق «1» من الناس. وله عندى يد بيضاء، وهذه سرّة الوادى، وبابل عين الأقاليم، وهذا أنف الجبل، وبطن الوادى، ويسمون النبات نوءا. قال «2» :
وجف أنواء السّحاب المرتزق
أى جفّ البقل، ويقولون للمطر: سماء. قال الشاعر «3» :
إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
ويقولون: ضحكت الأرض، إذا أنبتت؛ لأنها تبدى عن حسن النبات كما يفتر الضاحك عن الثغر، ويقال: ضحكت الطلعة. والنور يضاحك الشمس.
قال الأعشى «4» :
يضاحك الشمس منها كوكب شرق ... مؤزّر بعميم النبت مكتهل «5»
ويقولون: ضحك السحاب بالبرق، وحنّ بالرعد، وبكى بالقطر. ويقولون:
لقيت من فلان عرق القربة، أى شدة ومشقة. وأصل هذا أنّ حامل القربة يتعب من نقلها حتى يعرق. ويقولون أيضا: لقيت منه عرق الجبين، والعرب تقول:
بأرض فلان شجر قد صاح؛ وذلك إذا أطال فتبين للناظر بطوله، ودل على نفسه؛ لأنّ الصائح يدل على نفسه. ويقولون: هذا شجر واعد، إذا أقبل بماء ونضرة؛ كأنه يعد بالثمر؛ قال سويد بن أبى كاهل «6» :
لعاع تهاداه الدكادك واعد «7»
(1/276)

ومثله قول الشاعر:
يريد الرمح صدر أبى براء ... ويرغب عن دماء بنى عقيل
ومثله قوله تعالى: جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ.
وأنشد الفراء:
إنّ دهرا يلفّ شملى بسلمى ... لزمان يهمّ بالإحسان
الاستعارة فى كلام النبى والصحابة والأعراب
ومما فى كلام النبى صلّى الله عليه وسلّم، والصحابة رضى الله عنهم، ونثر الأعراب، وفصول الكتاب من الاستعارة قوله صلى الله عليه وسلّم: «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة» .
وقال طفيل:
وللخيل أيّام فمن يصطبر لها ... ويعرف لها أيامها الخير تعقب
وقول النبى صلّى الله عليه وسلّم: «كلّما سمع هيعة «1» طار إليها» . وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أكثروا من ذكر هادم اللذات» . وقال عليه الصلاة والسلام:
«البلاء موكّل بالمنطق» . ورأى عليّا مع فاطمة رضى الله عنهما فى بيت فردّ عليهما الباب وقال: «جدع الحلال أنف الغيرة» .
وقال علىّ رضى الله عنه: السفر ميزان القوم. وقوله: فأما وقد اتسع نطاق الإسلام فكل امرىء وما يختار. وقوله لابن عباس رضى الله عنه: ارغب راغبهم، واحلل عقدة الخوف عنهم. وقوله: العلم قفل ومفتاحه المسألة. وقوله: الحلم والأناة توأمان، نتيجتهما علوّ الهمة. وقوله لبعض الخوارج: والله ما عرفته حتى فغر الباطل فمه، فنجمت نجوم قرن الماعزة. وقال فى بعض خطبه يصف الدنيا: إن امرأ لم يكن منها فى فرحة، إلا أعقبته بعدها ترحه؛ ولم يلق من سرّائها بطنا، إلا منحته من ضرّائها ظهرا؛ ولم تظله فيها غيابة رخاء، إلا هبّت عليه مزنة بلاء، ولم يمس منها فى جناح أمن، إلا أصبح منها على قوادم خوف.
وقال أبو بكر رضى الله عنه: إن الملك إذا ملك زهده الله فى ماله، ورغبه فيما
(1/277)

فى يدى غيره، وأشرب قلبه الإشفاق فهو يحسد على القليل، ويسخط الكثير، جذل الظاهر، حزين الباطن. فإذا وجبت نفسه، ونضب عمره، وضحا ظلّه، حاسبه الله عز وجل فأشد حسابه، وأقل عفوه.
وكتب خالد بن الوليد رضى الله عنه إلى مرازبة فارس: الحمد لله الذى فضّ خدمتكم «1» ، وفرّق كلمتكم.
وقالت عائشة رضى الله عنها: كان عمل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ديمة «2» .
وقال الحجاج: دلونى على رجل سمين الأمانة، أعجف الخيانة. وقال عبد الله بن وهب الراسبى لأصحابه: لا خير فى الرأى الفطير، والكلام العضيب «3» ؛ فلما بايعوه، قال: دعوا الرأى يغبّ فإن غبوبه يكشف لكم عن محضه. وقيل لأعرابى: إنك لحسن الكدنة؛ «4» قال: ذاك عنوان نعمة الله عندى. وقال أكثم بن صيفى: الحلم دعامة العقل. وسئل عن البلاغة فقال: دنوّ المأخذ، وقرع الحجة، وقليل من كثير. وقال خالد بن صفوان لرجل: رحم الله أباك، فإنه كان يقرى العين جمالا، والأذن بيانا. وقيل لأعرابية: أين بلغت قدرك، قالت: حين قام خطيبها. وقيل لأعرابية: كم أهلك؟
قالت: أب وأم وثلاثة أولاد، أنا سبيل عيشهم. وقيل لرؤبة: كيف تركت ما وراك؟ قال: التراب يابس، والمال عابس. وقال المنصور لبعضهم: بلغنى أنك يخيل، فقال: ما أجمد فى حق، ولا أذوب فى باطل. وقال إبراهيم الموصلى: قلت للعباس بن الحسن: إنى لأحبك قال: رائد ذاك عندى. وقال بعضهم: الاستطالة لسان الجهالة. وقال يحيى بن خالد: الشكر كفء النعمة. وقال أعرابى: خرجت فى ليلة حندس، ألقت على الأرض أكارعها، فمحت صورة الأبدان؛ فما كنا نتعارف
(1/278)

إلا بالآذان. وقال أعرابى لآخر: يسار النفس خير من يسار المال، ورب شبعان من النّعم، غزثان «1» من الكرم. وغزت نميرا حنيفة فاتبعتهم نمير، فأتوا عليهم، فقيل لرجل: كيف كان القوم؟ فقال: اتبعوهم والله رفدا حقبوا كل جماليّة خيفانة، فما زالوا يحصفون آثار المطى بحوافر الخيل؛ فلما لقوهم جعلوا المرّان أرشية الموت، فاستقوا بها أرواحهم «2» . وقال آخر: فلان أملس، ليس فيه مستقر لخير، ولا لشر.
وقال أحمد بن يوسف وقد شتمه «3» رجل بين يدى المأمون: رأيته يستملى ما يلقانى به من عينيك. وقيل لأعرابى: أى الطعام أطيب؟ قال: الجوع أبصر. ومدح أعرابى رجلا فقال: كان يفتح من الرأى أبوابا منسدة، ويغسل من العار وجوها مسودّة. ومدح أعرابى رجلا فقال: كان والله إذا عرضت له زينة الدنيا هجّنتها زينة الحمد عنده؛ وإن للصنائع لغارة على أمواله كغارة سيوفه على أعدائه. ومدح أعرابى قوما فقال: أولئك غرر تضىء من ظلم الأمور المشكلة، قد صغت آذان المجد إليهم.
وقال أعرابى يمدح رجلا: إنه ليطعى عطاء من يعلم أن مادته. ومدح أعرابى رجلا، فقال: لسانه أحلى من الشهد، وقلبه سجن للحقد. ومدح أعرابى رجلا فقال:
إن أسأت إليه أحسن، وكأنه المسىء، وإن أجرمت إليه غفر، وكأنه المجرم، اشترى بالمعروف عرضه من الأذى؛ فهو وإن كانت له الدنيا بأسرها فوهبها، رأى بعد ذلك عليه حقوقا؛ لا يستعذب الخنا، ولا يستحسن غير الوفا «4» .
وذم أعرابى رجلا فقال: يقطع نهاره بالمنى، ويتوسد ذراع الهمّ إذا أمسى.
وذم أعرابى رجلا فقال: إن فلانا ليقدم على الذنوب إقدام رجل قدم فيها نذرا، أو يرى أنّ فى إتيانها عذرا. وقال أعرابى لرجل: لا تدنس شعرك بعرض فلان؛
(1/279)

فإنه سمين المال، مهزول المعروف، قصير عمر المنى، طويل حيات الفقر. وسأل أعرابى فقيل له: عليك بالصيارف، فقال: هناك قرارة اللؤم. وذكر أعرابى قوما فقال: أولئك قوم قد سلخت أقفاؤهم بالهجاء، ودبغت جلودهم باللؤم؛ فلباسهم فى الدنيا الملامة، وزادهم فى الآخرة الندامة. وذمّ أعرابى قوما فقال: هم أقل دنوا إلى أعدائهم، وأكثر تجرّما على أصدقائهم، يصومون عن المعروف ويفطرون على الفحشاء. وذمّ أعرابى رجلا فقال: ذاك رجل تعدو إليه مواكب الضلالة، ويرجع من عنده ببدر الآثام، معدم مما يحب، مثر مما يكره.
وقال أعرابى: ما أشدّ جولة الهوى! وفطام النفس عن الصّبا، ولقد تصدعت نفسى للعاشقين؛ لوم العاذلين قرطة فى آذانهم، ولوعات الحب نيران فى أبدانهم.
وقال أعرابى: ما رأيت دمعة ترقرق فى عين، وتجرى على خد، أحسن من عبرة أمطرتها عينها، فأعشب لها قلبى. وقال أعرابى- وذكر قوما زهّادا- فاز قوم أدّبتهم الحكمة، وأحكمتهم التجارب، ولم تغررهم السّلامة المنطوية على الهلكة، ورحل عنهم التسويف الذى قطع به الناس مسافة آجالهم، فأحسنوا المقال، وشفعوه بالفعال، تركوا النعيم ليتنعموا؛ لهم عبرات متدافعة؛ لا تراهم إلا فى وجه عند الله وجيها. ووصف أعرابى واليا فقال: كان إذا ولّى طابق من جفونه، وأرسل العيون على عيونه، فهو شاهد معهم، غائب عنهم، فالمحسن آمن، والمسىء خالف. ووصف أعرابى دارا فقال: هى والله معتصرة الدموع، جرّت بها الرياح أذيالها، وحلّت بها السحاب أثقالها. وذكر أعرابى رجلا فقال: كان الفهم منه ذا أذنين، والجواب منه ذا لسانين؛ لم أر أحدا كان أرتق لخلل الرأى منه، كان والله بعيد مسافة الرأى، يرمى بطرفه حيث أشار الكرم، يتحسّى مرارة الإخوان، ويسيغهم العذب. ووصف أعرابى قومه فقال: كانوا والله إذا اصطفوا تحت القتام سفرت بينهم السهام، بوقوف الحمام، وإذا تصافحوا بالسيوف فغرت المنايا أفواهها، فكم من يوم عارم قد أحسنوا أدبه،
(1/280)

وحرب عبوس قد ضاحكتها أسنتهم، وخطب شين «1» ، قد ذللوا مناكبه؛ إنما كانوا كالبحر الذى لا ينكش «2» غماره؛ ولا ينهنه تيّاره. وقيل لأعرابى: يزعم فلان أنه كساك ثوبا، فقال: إن المعروف إذ أمرّ كدّر، وإذا محض أمرّ؛ ومن ضاق قلبه اتسع لسانه.
وذكر أعرابى رجلا فقال: كلامه منقوض آثار القطا؛ وهو مع ذا رثّ عقال المودة، مسودّ وجه الصداقة؛ ولئن كان لبنى الآدميين سباخ إنه لمن سباخ بنى آدم.
وقيل لأعرابى: لم لا تشرب النبيذ؟ فقال: لا أشرب ما يشرب عقلى.
وقال معاوية: العيال أرضة المال. وقال خالد بن صفوان: إياكم ومجانيق الضعفاء «3» .
وقال: لا تضع معروفك عند فاجر، ولا أحمق، ولا لئيم، فإن الفاجر يرى ذلك ضعفا، والأحمق لا يعرف ما أوتى إليه فيشكره على مقدار عقله، واللئيم سبخة لا ينبت شيئا ولا يثمر؛ ولكن إذا رأيت الثرى فازرع المعروف تحصد الشكر، وأنا الضامن.
وأهدت امرأة من العجم إلى هوى لها فى يوم نوروز وردا وكتبت إليه: هذا اليوم أحد «4» فتيان الدهر وشاب «5» أقسامه، والقصف فيه عروس، والورد فى البرد كالدر فى النّحر؛ وقد بعثت إليك منه مهرا ليومك، فزوّج السرور من النفس، والطرب من القلب، ولا تستقل برا، فإنا لا نستكثر على قبوله شكرا.
وقال آخر فى رجل: ماذا تثير الخبرة من دفأن كرمه. وقال أعرابى لخصمه: أما والله لئن هملجت إلى الباطل، إنك عن الحق لقطوف، ولئن أبطأت عنه لتسر عن إليه؛ فاعلم أنه إن لم يعد لك الحق عدلك الباطل، والآخرة من ورائك. وقال آخر: الخط مركب البيان. وقال آخر: القلم لسان اليد. وسمعت بعض الأطباء يقول: الماء مطية الطعام.
وقال الحسن بن وهب لكاتبه: لا ترق ماء معروفى بالمن؛ فإن اعتدادك بالعرف
(1/281)

يعقل لسان الشكر.
الاستعارة فى أشعار المتقدمين
وأمثال هذا كثير فى منثور الكلام وفيما أوردته كفاية إن شاء الله.
فأما الاستعارة من أشعار المتقدمين فمثل قول امرىء القيس «1» :
وليل كموج البحر مرخ سدوله ... علىّ بأنواع الهموم ليبتلى
فقلت له لما تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
وقال زهير «2» :
صحا القلب عن ليلى وأقصر باطله ... وعرّى أفراس الصّبا ورواحله
وقول امرىء القيس «3» :
فبات عليه سرجه ولجامه ... وبات بعينى قائما غير مرسل
أى كنت أراه وأحفظه؛ وعلى هذا مجاز قوله عز وجل: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا.
وقال زهير «4» :
إذا سدّت به لهوات ثغر ... يشار إليه جانبه سقيم «5»
وقال النابغة «6» :
وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كلّ جانب «7»
وفى هذا البيت ماء وطلاوة ليس مثله فى بيت زهير. وقال عنترة «8» :
جادت عليه كلّ بكر حرّة ... فتركن كلّ قرارة كالدّرهم «9»
وقال مهلهل:
تلقى فوارس تغلب ابنة وائل ... يستطعمون الموت كل همام
(1/282)

وقال زهير «1» :
إذا لقحت حرب عوان مضرّة ... ضروس تهرّ الناس أنيابها عصل «2»
أخذه من قول أوس بن حجر «3» :
وإنى امرؤ أعددت للحرب بعد ما ... رأيت لها نابا من الشّرّ أعصلا
وقال المسيّب بن علس «4» :
وإنهم قد دعوا دعوة ... سيتبعها ذنب أهلب «5»
أراد جيشا كثيفا.
وقال الأسود بن يعفر:
فأدّ حقوق قومك واجتنبهم ... ولا يطمح «6» بك العز الفطير
أراد عزّا ليس بالمحكم كفطير العجين، والفطير من الجلد: ما لم يدبغ.
وقال طفيل الغنوى «7» :
وجعلت كورى فوق ناجية ... يقتات «8» شحم سنامها الرّحل
وقال الحرث بن حلزة «9» :
حتى إذا التفع الظباء بأطرا ... ف الظّلال وقلن فى الكنّس «10»
الالتفاع: لبس اللفاع وهو اللّحاف. ومثله قول الشّماخ «11» :
إذا الأرطى توسّد أبرديه ... خدود جوازىء بالرمل عين «12» :
(1/283)

أبرداه: ظلّ الغداة والعشىّ. توسدته: جعلته بمنزلة الوسادة.
وقال آخر:
ومهمه فيه السراب يسبح ... يدأب فيه القوم حتى يطلحوا «1»
ثم يبيتون كأن لم يبرحوا ... كأنما أمسوا بحيث أصبحوا
وقال عمرو بن كلثوم «2» :
ألا أبلغ النّعمان عنّى رسالة ... فمجدك حولىّ ولؤمك قارح «3»
وقال الحطيئة «4» :
ألا يالقلب عارم «5» النظرات
وقال الجعدىّ:
فإن يطف أصحابه يرسب
وقال أبو ذؤيب «6» :
وإذا المنية أنشبت أظفارها
وقال أبو خراش الهذلىّ «7» :
أردّ شجاع البطن لو تعلمينه ... وأوثر غيرى من عيالك بالطعم «8»
وقال لبيد «9» :
فبتلك إذ رقص اللوامع بالضّحى ... واجتاب أردية السراب إكامها «10»
(1/284)

وقال أيضا «1» :
وغداة ريح قد كشفت وقرّة ... إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها
وقال أوس بن مغراء:
يشيب على لؤم الفعال كبيرها ... ويغذى بثدى اللؤم منها وليدها
وقال الأخطل:
وأهجر هجرانا جميلا وينتحى ... لنا من ليالينا العوازم أول
وقال آخر «2» :
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات «3» ووحدانا
وقال:
هم ساعد الدهر الّذى يتقّى به ... وما خير كفّ لا تنوء بساعد
وقال آخر:
سأبكيك للدّنيا وللدّين إننى ... رأيت يد المعروف بعدك شلّت
وقال المقنّع «4» :
أسدّ به ما قد أخلّوا وضيعوا ... ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدّا
وقال آخر:
وذاب للشمس لعاب فنزل
أخذه من قول النابغة «5» :
إذا الشّمس مجّت ريقها بالكلاكل
(1/285)

وقال آخر «1» :
جاء الشّتاء واجثألّ القبّر ... وطلعت شمس عليها مغفر
جعل قطعة السحاب إلى جانب الشمس مغفرا لها، واجثأل: انتفش «2» .
وقال الحطيئة:
وما خلت سلمى قبلها ذات رحلة ... إذا قسورىّ الليل جيبت سرابله
وقال أيضا:
ولّوا وأعطونا الذى سئلوا ... من بعد موت ساقط أزره
إنا لنكسوهم «3» وإن كرموا ... ضربا يطير خلاله شرره
وقال أبو دواد:
وقد اغتدى فى بياض الصّباح ... وأعجاز ليل مولّى الذّنب
وقال الأفوه «4» :
عافوا الإتاوة واستقت أسلافهم ... حتى ارتووا عللا بأذنبة الردى «5»
وقال ابن مناذر:
بأرشية أطرافها فى الكواكب
وقال الأخطل:
حتى إذا افتض ماء المزن عذرتها ... راح الزجاج وفى ألوانه صهب
وقال غيره «6» :
وجيش يظلّ البلق فى حجراته ... ترى الأكم فيه سجدا للحوافر «7»
(1/286)

وقال ذى الرّمة:
سقاه الكرى كأس النعاس فرأسه ... لدين الكرى من آخر الليل ساجد
قوله: «سقاه الكرى» جيد. وقوله: «لدين الكرى» بعيد عندى.
وقال مضرس ابن ربعىّ:
أذود سوام الطرف عنك وماله ... على أحد إلّا عليك طريق
وقال تأبط شرا «1» :
ويسبق وفد الرّيح من حيث تنتحى ... بمنخرق من شدّه المتدارك «2»
إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالىء من قلب شيحان فاتك «3»
ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلّة من صارم الغرب باتك «4»
إذا هزّه فى عظم قرن تهللت ... نواجذ أفواه المنايا الضواحك
فى كل بيت من هذه الأبيات استعارة بديعة، وقد أخذ رؤبة قوله: «ويسبق وفد الريح» فقال «5» :
يسبق وفد الريح «6» من حيث انخرق
وقال الراعى:
يدعو أمير المؤمنين ودونه ... خرق «7» تجرّ به الرياح ذيولا
وقال أوس:
ليس الحديث ينهى بينهنّ ولا ... سرّ يحدّثنه فى الحىّ منشور
(1/287)

الاستعارة فى كلام المحدثين
ومما جاء فى كلام المحدثين قول أبى تمام «1» :
ليالى نحن فى غفلات عيش ... كأنّ الدهر عنها فى وثاق «2»
وأيام لنا ولهم لدان ... عرينا من حواشيها الرّقاق «3»
وقال العباس بن الأحنف، أو الخليع:
قد سحب الناس أذيال الظّنون بنا ... وفرّق الناس فينا قولهم فرقا
فكاذب قد رمى بالظنّ غيركم ... وصادق ليس يدرى أنّه صدقا
وقال مسلم»
:
شججتها بلعاب المزن فاغتزلت «5» ... نسجين من بين محلول ومعقود
وقوله «6» :
كأنه أجل يسعى إلى أمل
وقوله «7» :
يكسو السيوف نفوس الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذّبل
وقوله «8» :
إذا ما نكحنا الحرب بالبيض والقنا ... جعلنا المنايا عند ذاك طلاقها
وقوله «9» :
والدهر آخذ ما أعطى مكدّر ما ... أصفى ومفسد ما أهوى له بيد
فلا يغرّنك من دهر عطيته ... فليس يترك ما أعطى على أحد
(1/288)

وقوله «1» :
ولم ينطق بأسرارها الحجل
وقوله «2» :
ولما تلاقينا قضى الليل نحبه ... بوجه كأنّ الشمس من مائه مثل
وماء كعين الشمس لا تقبل القذى ... إذا درجت فيه الصّبا خلته يعلو
من الضّحّك الغرّ اللّواتى إذا التقت ... تحدّث عن أسرارها السّبل الهطل «3»
صدعنا به حدّ الشّمول وقد طغت ... فألبسها حلما وفى حلمها جهل
تساقط يمناه النّدى وشماله الر ... ردى وعيون القول منطقه الفصل
حبى لا يطير الجهل من عذباتها «4» ... إذا هى حلّت لم يفت حلها ذحل
بكفّ أبى العباس يستمطر الغنى ... ويستنزل النّعمى ويسترعف النّصل
متى شئت رفّعت الستور عن الغنى ... إذا أنت زرت الفضل أو أذن الفضل
وقال أيضا:
كأنها ولسان الماء يقلبها ... عقيقة ضحكت فى عارض برد
دارت عليه فزادت فى شمائله ... لين القضيب ولحظ الشادن الغرد
وقال أيضا «5» :
فأقسمت أنسى الدّاعيات إلى الصّبا ... وقد فاجأتها العين والسّتر واقع
فغطّت بأيديها ثمار نحورها ... كأيدى الأسارى ثقّلتها الجوامع
(19- الصناعتين)
(1/289)

وقال أيضا «1» :
نفضت بك الأحلاس نفض إقامة ... واسترجعت نزاعها الأمصار «2»
أجل ينافسه الحمام وحفرة ... نفست عليها وجهك الأحفار «3»
فاذهب كما ذهبت غوادى مزنة ... أثنى عليها السهل والأوعار
أخذ «نفست عليها وجهك الأحفار» بعضهم، فقال:
لو علم القبر ما يوارى ... تاه على كلّ ما يليه
وقال «4» :
ويخطىء عذرى وجه جرمى عندها ... فأجنى إليها الذّنب من حيث لا أدرى
إذا أذنبت أعددت عذرا لذنبها ... وإن سخطت كان اعتذارى من العذر
وقال:
يذكّر نيك اليأس فى خطرة المنى ... وإن كنت لم أذكرك إلا على ذكرى
وقال «5» :
تجرى الرياح بها حسرى مولهة ... حين تلوذ بأطراف الجلاميد
وقال أبو الشيص:
خلع الصّبا عن منكبيه مشيب
وقال أبو العتاهية «6» :
أنته الخلافة منقادة ... إليه تجرّر أذيالها
وقال أبو نواس «7» :
فاسقنى البكر التى اختمرت ... بخمار الشّيب فى الرّحم
(1/290)

ثمت انصات الشباب لها ... بعد أن جازت مدى الهرم
فهى لليوم الّذى نزلت ... وهى تلو الدّهر فى القدم
ومنها قوله:
فتمشت فى مفاصلهم ... كتمشّى البرء فى السقم
صنعت فى البيت إذ مزجت ... كصنيع الصّبح فى الظّلم
قوله: انصات الشباب لها: كأنها صوتت به، فانصات لها أى أجابها.
وقوله «1» :
أعطتك ريحانها العقار ... وحان من ليلك انسفار
أى شربتها فتحول طيبها إليك.
وقوله:
لنا روامش ينتخبن لنا ... تظلّ آذاننا مطاياها
الرامشة: ورقة آس لها رأسان.
وقال «2» :
حتى تخيرت بنت دسكرة ... قد عاجمتها السنون والحقب «3»
وقوله «4» :
حتى إذا ما علا ماء الشباب بها ... وأفعمت فى تمام الجسم والقصب
وجمّشت بخفىّ اللحظ فانجشمت ... وجرّت الوعد بين الصّدق والكذب
وقوله فى السحاب:
وجرّت على الرّبا ذنبا
وقال:
فراح لا عطّلته عافية ... وبات طرفى من طرفه جنبا
(1/291)

وقال «1» :
دع الألبان يشربها رجال ... رقيق العيش بينهم غريب
وقوله:
ولا عجيب إن جفت دمنة ... عن مستهام نومه قوت
وقوله «2» :
فقمت والليل يجلوه الصباح كما ... جلا التبسّم عن غرّ الثّنيات
وقوله «3» :
من قهوة جاءتك قبل مزاجها ... عطلا فألبسها المزاج وشاحا
وقوله منها:
شكّ البزال فؤادها فكأنما ... أهدت إليك بريحها التفّاحا
صفراء تفترس النفوس فلا ترى ... منها بهنّ سوى السّباب جراحا
عمرت يكاتمك الزمان حديثها ... حتى إذا بلغ السآمة باحا
وقوله «4» :
جريت مع الصّبا طلق الجموح ... وهان علىّ مأثور القبيح
وجدت ألذّ عارية الليالى ... قران النّغم بالوتر الفصيح
وقوله منها:
تمتع من شباب ليس يبقى ... وصل بعرى الغبوق عرى الصّبوح
وخذها من مشعشعة كميت «5» ... تنزّل درّة الرجل الشّحيح
فإنى عالم أن سوف ينأى ... مسافة بين جثمانى وروحى
وقوله:
فاستنطق العود قد طال السّكوت به ... لن ينطق اللهو حتى ينطق العود
(1/292)

وقوله «1» :
صفراء تعنق بين الماء والزبد «2»
وقوله:
وقد لاحت الجوزاء وانغمس النّسر
وقوله:
تجرر أذيال الفجور ولا فجر
وقوله «3» :
لا ينزل الليل حيث حلّت ... فدهر شرّابها نهار
وقوله «4» :
وريّان من ماء الشباب كأنما ... يظمّأ من صمّ الحشا ويجاع
وقوله «5» :
وتنحّ عن طرب وعن قصف
وقوله:
عين الخليفة بى موكّلة ... عقد الحذار بطرفها طرفى
صحّت علانيتى له وأرى ... دين الضّمير له على حرف
وقوله:
سلبوا قناع الطّين عن رمق ... حىّ الحياة مشارف الحتف
فتنفست فى البيت إذ مزجت ... كتنفّس الريحان فى الأنف
وقوله «6» :
نتيجة مزنة من عود كرم ... تضىء الليل مضروب الرّواق
(1/293)

وقوله «1» :
حلبت لأصحابى بها درّة الصّبا ... بصفراء من ماء الكروم شمول
وقوله «2» :
دعا همّه من صدره برحيل
وقوله «3» :
ولما توفى الليل جنحا من الدّجى
وقوله «4» :
وقام وزن الزمان فاعتدلا
وقوله «5» :
فقد أصبح وجه الزمان مقتبلا
وقوله «6» :
كان الشباب مطيّة الجهل
وهو من قول النابغة «7» :
فإن مطيّة الجهل الشّباب
وقوله «8» :
وحططت عن ظهر الصّبا رحلى
وقوله «9» :
ومتّصل بأسباب المعالى ... له فى كل مكرمة حميم
(1/294)

رفعت له النداء «بقم» فخذها ... فقد أخذت مطالعها النّجوم
وقوله «1» :
ألا لا ترى مثلى امترى اليوم فى رسم ... تغصّ به عينى ويلفظه وهمى
وقوله: «تغص به» ؛ أى تمتلىء بالدموع، «ويلفظه وهمى» أى ينكره.
وقوله:
وكأنما يتلو طرائدها ... نجم تواتر فى قفا نجم
وقوله «2» :
شمولا تخطته المنون وقد أتت ... سنون لها فى دنّها وسنون
وقوله «3» :
فتقربت بصرف عقار ... نشأت فى حجر أمّ الزّمان
وقوله:
ترى العين تستعفيك من لمعانها ... وتحسر حتى ما تقلّ جفونها
وقوله «4» :
فى مجلس ضحك السرور به ... عن ناجذيه وحلّت الخمر
وقول أبى تمام «5» :
وحسن منقلب تبدو عواقبه ... جاءت بشاشته فى سوء منقلب
وقوله «6» :
رخصت لها المهجات وهى غوال
وقوله «7» :
وتنظّرى خبب الركاب ينصّها «8» ... محيى القريض إلى مميت المال
(1/295)

وقوله «1» :
تطلّ الطلول الدمع فى كلّ منزل ... وتمثل بالصّبر الديار المواثل «2»
دوارس لم يجف الربيع ربوعها ... ولا مرّ فى أغفالها وهو غافل
فقد سحبت فيها السحاب ذيولها ... وقد أخملت بالنّور فيها الخمائل
ليالى أضللت العزاء وخزّلت ... بعقلك أرآم الخدور العقائل «3»
وقوله «4» :
بسقيم الجفون غير سقيم ... ومريب الألحاظ غير مريب
وقوله «5» :
غليلى على خالد خالد ... وضيف همومى طويل الثّواء
ألا أيّها الموت فجعتنا ... بماء الحياة وماء الحياء
أصبنا بكنز الغنى والإما ... م أمسى مصابا بكنز الفناء
وقوله:
ثوى فى الثرى من كان يحيا به الثرى ... ويغمر صرف الدهر نائله الغمر
وقوله «6» :
سعدت غربة النوى بسعاد
وقوله «7» :
إذا سيفه أضحى على الهام حاكما ... غدا العفو منه وهو فى السّيف حاكم
وقوله «8» :
لئن أصبحت ميدان السّوافى ... لقد أصبحت ميدان الهموم
(1/296)

أظنّ الدمع فى خدى سيبقى ... رسوما من بكائى فى الرّسوم
وليل بتّ أكلوه كأنى ... سليم أو سهدت على سليم
أراعى من كواكبه هجانا ... سواما لا تزيغ إلى المسبم «1»
يكاد نداه يتركه عديما ... إذا هطلت يداه على عديم
سفيه الرمح جاهله إذا ما ... بدا فضل السّفيه على الحليم
وقوله «2» :
عهدى بهم تستنير الأرض إن نزلوا ... فيها وتجتمع الدّنيا إذا اجتمعوا
ويضحك الدّهر منهم عن غطارفة ... كأن أيامهم من أنسها جمع
وقوله «3» :
وضلّ بك المرتاد من حيث يهتدى ... وضرت بك الأيام من حيث تنفع
وقوله:
ترد الظنون به على تصديقها ... وتحكّم الآمال فى الأموال
وقوله «4» :
إذا أحسن الأقوام أن يتطاولوا ... بلا منّة أحسنت أن تتطوّلا
تعظّمت عن ذاك التعظّم منهم ... وأوصاك نبل القدر أن تتنبّلا
وقوله «5» :
فاطلب هدوّا فى التقلقل واستثر ... بالعيس من تحت السّهاد هجودا
وقوله «6» :
أيامنا مصقولة أطرافها «7» ... بك والليالى كلّها أسحار
(1/297)

وقال البحترىّ «1» :
بيضاء يعطيك القضيب قوامها ... ويريك عينيها الغزال الأحور
وقوله «2» :
فحاجب الشمس أحيانا يضاحكها ... وريّق الغيث أحيانا يباكيها
وقوله «3» :
وللقضيب نصيب من تثنّيها
وقوله «4» :
أصابة برسوم رامة بعدما ... عرفت معارفها الصّبا والشّمال
وقوله «5» :
صفت مثل ما تصفو المدام خلاله ... ورّقت كما رقّ النسيم شمائله
وقوله «6» :
نثرت وردها عليه الخدود
أخذه آخر فقال:
وحياء نثر الورد على الخدّ الأسيل
وقوله «7» :
سحاب خطانى جوده وهو مسبل ... وبحر عدانى فيضه وهو مفعم
وقوله «8» :
أرجن علىّ الليل وهو ممسّك ... وصبحننا بالصّبح وهو مخلّق «9»
(1/298)

وقوله «1» :
فى مقام تخرّ فى ضنكه البى ... ض على البيض ركّعا وسجودا
وقوله «2» :
جارى الجياد فطار عن أوهامها ... سبقا وكاد يطير عن أوهامه
وقوله «3» :
فطواهنّ طيّهنّ الفيافى ... واكتسين الوجيف «4» حتى عرينا
وقوله «5» :
فأضللت حلمى والتفتّ إلى الصّبا ... سفاها وقد جزّت الشباب مراحلا
وقوله:
إذا سرايا عطاياه سرت أسرت
وقوله «6» :
ليل يبيت الليل فيه غريبا
وقول ابن الرومى:
وما تعتريها آفة بشريّة ... من النّوم إلّا أنها تتخثّر «7»
كذلك أنفاس الرياح بسحرة ... تطيب وأنفاس الأنام تغيّر
وقوله:
يا ربّ ريق بات بدر الدّجى ... يمجّه بين ثناياكا
يروى ولا ينهاك عن شربه ... والخمر يرويك وينهاكا
(1/299)

وقول العتّابى:
وأشعث مشتاق رمى فى جفونه ... غريب الكرى بين الفجاج السّباسب «1»
أمات الليالى شوقه غير زفرة ... تردّد ما بين الحشى والتّرائب
سحبت له ذيل السّرى وهو لابس ... دجى اللّيل حتى مجّ ضوء الكواكب
ومن فوق أكوار المطايا لبانة ... أحلّ لها أكل الذرى والغوارب «2»
إذا ادّرع الليل انجلى وكأنّه ... بقية هندىّ حسام المضارب
بركب ترى كسر الكرى فى جفونهم ... وعهد الفيافى فى وجوه شواحب
وقول أبى العتاهية:
أسرى إليه الرّدى فى حلبة القدر
ومن ردىء الاستعارة قول علقمة الفحل «3» :
وكلّ قوم وإن عزّوا وإن كرموا ... عريفهم بأثافى الدّهر مرجوم «4»
أثافى الدّهر، بعيد جدا.
وقول ذى الرّمة «5» :
تيمّمن يا فوخ الدّجى فصد عنه ... وجوز الفلا صدع السيوف القواطع
وقال تأبّط شرا «6» :
نحزّ رقابهم حتّى نزعنا ... وأنف الموت منخره رثيم «7»
(1/300)

وقول الحطيئة «1» :
سقوا جارك العيمان لمّا جفوته ... وقلّص عن برد الشّراب مشافره «2»
وقول الآخر «3» :
فما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر
وقول الآخر:
قد أفنى أنامله أزمه ... فأضحى يعضّ علىّ الوظيفا «4»
وإذا أريد بذلك الذمّ والهجاء كان أقرب إلى الصواب.
وأما القبيح الذى لا يشكّ فى قباحته، فقول الآخر:
سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى ملك أظلافه لم تشقّق
وقول ذى الرّمة «5» :
يعزّ ضعاف القوم عزة نفسه ... ويقطع أنف الكبرياء من الكبر
وقول خويلد الهذلى أو غيره «6» :
تخاصم قوما لا تلقّى جوابهم ... وقد أخذت من أنف لحيتك اليد
أى قبضت بيدك على مقدّم لحيتك كما يفعل النادم أو المهموم، وأنف كلّ شىء: مقدمه، وأنوف القوم: سادتهم، والأنف فى هذا البيت هجين «7» الموقع كما ترى.
وقد وقع فى غيره أحسن موقع، وهو قول الشاعر «8» :
(1/301)

إذا شمّ أنف الضيف ألحق بطنه ... مراس الأواسى وامتحان الكرائم «1»
ويقولون: أنف الريح، وأنف النهار، ورعينا أنف الربيع؛ أى أوله.
قال امرؤ القيس «2» :
قد غدا يحملنى فى أنفه ... لاحق الإطلين محبوك ممرّ «3»
وروى بعض الشيوخ الثّقات: فى أنفه- مضموم الألف، قال: هو من قوله:
كأس أنف. وروضة أنف.
وقال أعرابى يصف البرق «4» :
إذا شيم أنف الليل أو مض وسطه ... سنا كابتسام العامريّة شاغف
أراد أول الليل.
ومن بعيد الاستعارة، قول أعرابى «5» :
ما زال مجنونا على است الدّهر ... ذا جسد ينمى، وعقل يجرى
أى ينقص.
وسئل مسلم بن الوليد عن قول أبى نواس:
رسم الكرى بين الجفون محيل ... عفّى عليه بكا عليك طويل
قال: إن كان قول أبى العذافر:
باض الهوى فى فؤادى وفرّخ التذكار
حسنا، كان هذا حسنا.
(1/302)

ومن عجيب هذا الباب قول بعض شعراء عبد القيس «1» :
ولما رأيت الدهر وعرا سبيله ... وأبدى لنا ظهرا أجبّ مسلّعا «2»
وجبهة قرد كالشراك ضئيلة ... وصعّر خدّيه وأنفا مجدّعا «3»
ومعرفة حصّاء غير مفاضة ... عليه ولونا ذا عثانين «4» أنزعا
وما أعرف متى رأى هذا للدّهر جبهة كالشّراك مع هذا الذى عدده؛ فجاء بما يضحك الثكلى.
وقال الكميت:
ولما رأيت الدهر يقلب بطنه ... على ظهره فعل الممعّك «5» فى الرّمل
كما ظعنت عنا قضاعة ظعنة ... هى الجدّ مأدوم النّحيزة بالهزل «6»
ومن ذلك قول الأخطل:
إكسير هذا الخلق يلقى واحد ... منه على ألف فيكرم خيمه «7»
وقول أبى تمام:
حتى اتّقته بكيمياء السّودد
فلا ترى شيئا أبعد من إكسير الخلق، وكيمياء السودد.
وقد أكثر أبو تمام من هذا الجنس اغترارا بما سبق منه فى كلام القدماء مما تقدّم ذكره، فأسرف، فنغى عليه ذلك، وعيب به؛ وتلك عاقبة الإسراف. فمن ذلك قوله «8» :
يا دهر قوّم من أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك
وقوله «9» :
كانوا رداء زمانهم فتصدّعوا ... فكأنما لبس الزّمان الصّوفا
(1/303)

وقوله «1» :
نزحت به ركىّ العين إنّى ... رأيت الدّمع من خير العتاد «2»
وقوله «3» :
ولين أخادع الزّمن الأبىّ
وقوله «4» :
فضربت الشّتاء فى أخدعيه ... ضربة غادرته عودا ركوبا «5»
وقوله «6» :
تروح علينا كلّ يوم وليلة ... خطوب كأنّ الدّهر منهنّ يصرع
وقوله «7» :
ألا لا يمدّ الدّهر كفّا بسيىء ... إلى مجتدى نصر فتقطع للزّند
وقوله «8» :
والدّهر ألأم من شرقت بلؤمه ... إلّا إذا أشرقته بكريم
وقوله «9» :
تحملت ما لو حمّل الدّهر شطره ... لفكّر دهرا أىّ عبأيه أثقل
وقوله يصف قصيدة «10» :
تحلّ بقاع المجد حتى كأنّها ... على كلّ رأس من يد المجد مغفر «11»
لها بين أبواب الملوك مزامر ... من الذكر لم تنفخ ولا هى تزمر
وقوله «12» :
به أسلم المعروف بالشّام بعدما ... ثوى منذ أودى خالد وهو مرتدّ
(1/304)

وقوله «1» :
كأنّ المجد قد خرفا
وقوله «2» :
إلى ملك فى أيكة المجد لم يزل ... على كبد المعروف من نيله برد
وقوله «3» :
فى غفلة أوقدت على كبد النا ... ئل نارا أخنت على كبده
وقوله «4» :
حتى إذا اسودّ الزمان توضّحوا ... فيه فغودر وهو منهم أبلق
وقوله»
:
وكم ملكت منّا على قبح قدّها ... صروف النّوى من مرهف حسن القدّ
وقوله «6» :
إذا الغيث غادى نسجه خلت أنه ... مضت حقبة حرس «7» له وهو حائك
وقوله «8» يرثى غلاما:
أنزلته الأيام عن ظهرها من ... بعد إثبات رجله فى الرّكاب
وقوله «9» :
وكأنّ فارسه يصرّف إذ غدا ... فى متنه ابنا للصباح الأبلق
وقوله «10» :
لمّا مخضت الأمانىّ التى احتلبت ... عادت هموما وكانت قبلها همما
(20- الصناعتين)
(1/305)

وقوله «1» :
كلوا الصّبر مرّا واشربوه فإنكم ... أثرتم بعير الظّلم والظلم بارك
وقد جنى أبو تمام على نفسه بالإكثار من هذه الاستعارات، وأطلق لسان عائبه، وأكّد له الحجّة على نفسه؛ واختيارات الناس مختلفة بحسب اختلاف صورهم وألوانهم.
ومن ردىء الاستعارة أيضا قول بعضهم:
أنا ناقة وليس فى ركبتى دماغ
وأنشد أبو العنبس:
ضرام الحبّ عشّش فى فؤادى ... وحضّن فوقه طير البعاد
وقد نبذ الهوى فى دنّ قلبى ... فعر بدت الهموم على فؤادى
ومثله كثير ولا وجه لاستيعابه؛ لأن قليله دالّ على كثيره، وجمله مبينة عن تفسيره إن شاء الله.
(1/306)

الفصل الثانى من الباب التاسع فى المطابقة
قد أجمع الناس أنّ المطابقة فى الكلام هى الجمع بين الشىء وضدّه فى جزء من أجزاء الرّسالة أو الخطبة أو البيت من بيوت القصيدة؛ مثل الجمع بين البياض والسواد، والليل والنهار، والحرّ والبرد.
وخالفهم قدامة بن جعفر الكاتب، فقال: المطابقة إيراد لفظتين متشابهتين فى البناء والصيغة مختلفتين فى المعنى، كقول زياد الأعجم «1» :
ونبئتهم يستنصرون بكاهل ... وللّوم فيهم كاهل «2» وسنام
وسمى الجنس الأول التكافؤ. وأهل الصنعة يسمّون النوع الذى سمّاه المطابقة التعطّف. قال: وهو أن يذكر اللفظ ثم يكرّره، والمعنى مختلف، وستراه فى موضعه إن شاء الله.
والطّباق فى اللغة: الجمع بين الشيئين؛ يقولون: طابق فلان بين ثوبين، ثم استعمل فى غير ذلك؛ فقيل: طابق البعير فى سيره، إذا وضع رجله موضع يده، وهو راجع إلى الجمع بين الشيئين. قال الجعدىّ «3» :
وخيل تطابق بالدارعين ... طباق الكلاب يطأن الهراسا «4»
وفى القرآن: سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً
، أى بعضهن فوق بعض؛ كأنه شبّه بالطّبق يجعل فوق الإناء؛ قال امرؤ القيس «5» :
طبق الأرض تحرّى وتدرّ «6»
(1/307)

وكل فقرة من فقر الظهر والعنق طبق، وذلك أن بعضها منضود على بعض.
فمما فى كتاب الله عز وجل من الطّباق قوله تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ.
وقوله تعالى: لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
، أى من الكفر إلى الإيمان.
وقوله عزّ وجل: باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ.
وقوله سبحانه: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
، وهذا على غاية التساوى والموازنة.
وقوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ.
وقوله جلّ شأنه: وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً.
وقوله عزّ اسمه: لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ.
وقوله سبحانه: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ.
وقوله جل ذكره: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى، وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا.
وقد تنازع الناس هذا المعنى؛ قال ابن مطير:
تضحك الأرض من بكاء السماء
وقال آخر:
ضحك المزن بها ثمّ بكى
وقال آخر:
فله ابتسام فى لوامع برقه ... وله بكا من ودقه المتسرّب
وقال آخر «1» :
لا تعجبى يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
(1/308)

فلم يقرب أحد من لفظ القرآن فى اختصاره وصفائه، ورونقه وبهائه، وطلاوته ومائه؛ وكذلك جميع ما فى القرآن من الطّباق.
ومما جاء فى كلام النبى صلّى الله عليه وسلّم من الكلام المطابق قوله للأنصار:
«إنّكم لتكثرون عند الفزع، وتقلّون عند الطمع» . وقوله عليه الصلاة والسلام: «خير المال عين ساهرة لعين نائمة» ، يعنى عين الماء ينام صاحبها وهى تسقى أرضه. وقوله عليه الصلاة والسلام: «إيّاكم والمشارّة فإنها تميت الغرّة وتحيى العرّة» «1» .
ومن سائر الكلام قول الحسن: ما رأيت يقينا لا شكّ فيه أشبه بشكّ لا يقين فيه من الموت. وقال أيضا رضى الله عنه: إنّ من خوّفك حتّى تبلغ الأمن خير ممن يؤمنك حيت تلقى الخوف. وقال أبو الدّرداء رضى الله عنه: معروف زماننا منكر زمان قد فات، ومنكره معروف زمان لم يأت. وقال بعضهم: ليت حلمنا عنك لايدعو جهل غيرنا إليك. وقال عبد الملك: ما حمدت نفسى على محبوب ابتدأته بعجز، ولا لمتها على مكروه ابتدأته بحزم. وقالوا: الغنى فى الغربة وطن، والفقر فى الوطن غربة. وقال أعرابى لرجل: إن فلانا وإن ضحك لك، فإنّه يضحك منك.
فإن لم تتخذه عدوّا فى علانيتك، فلا تجعله صديقا فى سريرتك. وقال علىّ رضى الله عنه: أعظم الذّنوب ما صغر عندك. وشتم رجل الشّعبىّ، فقال: إن كنت كاذبا فغفر الله لك، وإن كنت صادقا فغفر الله لى. وأوصى بعضهم غلاما، فقال: إنّ الظنّ إذا أخلف فيك أخلف منك. ونحوه قول الآخر: لا تتّكل على عذر منى فقد اتّكلت على كفاية منك. وقال الحسن: أما تستحيون من طول ما لا تستحيون! ونحوه قول الأعرابى: فلان يستحى من أن يستحى. وقال:
من خاف الله أخاف الله منه كلّ شىء، ومن خاف الناس أخافه الله من كلّ شىء.
(1/309)

وقيل لأبى داود- وابنته تسوس دابته- فى ذلك، فقال: كما أكرمتها بهوانى، معناه إن كانت تصوننى عن سياسة دابّتى وتتبذّل منى، فها إنى أصونها وأتبذّل دونها بالقيام فى أمر معاشها، وإصلاح حالها؛ فأخذ اللفظ بعضهم فقال فى السلطان:
أهين لهم نفسى لأكرمها بهم ... ولن تكرم النفس التى لا تهينها
وقال بعضهم لعليل: إن أعلّك الله فى جسمك، فقد أصحّك من ذنوبك.
وقال بعضهم: الكريم واسع المغفرة؛ إذا ضاقت المعذرة.
وقال كثير بن هراسة يوما لابنه: يا بنىّ، إنّ من الناس ناسا ينقصونك إذا زدتهم، وتهون عليهم إذا أكرمتهم؛ ليس لرضاهم موضع فتقصده، ولا لسخطهم موقع فتحذره؛ فإذا عرفت أولئك بأعيانهم فأبدلهم وجه المودة، وامنعهم موضع الخاصة؛ ليكون ما أبديت لهم من وجه المودة حاجزا دون شرّهم، وما منعتهم من موضع الخاصة قاطعا بحرمتهم.
وقال خالد بن صفوان لرجل يصف له رجلا: ليس له صديق فى السر، ولا عدوّ فى العلانية.
وقال آخر: فى العمل ما هو ترك للعمل، ومن ترك العمل ما هو أكثر العمل «1» .
وقال آخر: إنّا لا نكافىء من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه.
وقال الحسن: كثرة النّظر إلى الباطل تذهب بمعرفة الحق من القلب.
وقال سهل بن هرون: من طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى توفيه رزقه فيها، ومن طلب الدنيا طلبه الموت حتى يخرجه منها.
وكتب رجل إلى محمد بن عبد الله: إنّ من النّعمة على المثنى عليك ألا يخاف الإفراط، ولا يأمن التّقصير، ولا يحذر أن تلحقه نقيصة الكذب، ولا ينتهى به المدح إلى غاية إلّا وجد فى فضلك عونا على تجاوزها.
(1/310)

وفى الحديث: «ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى» . وقال معاوية: ليس بين أن يملك الملك جميع رعيته أو يملكه جميعها إلا حزم، أو توان.
وقال بعضهم: إذا شربت النّبيذ فاشربه مع من يفتضح بك، ولا تشربه مع من تفتضح به.
وقال بعضهم: سوداء ولود خير من حسناء عقيم. وقال ابن السّماك للرشيد:
يا أمير المؤمنين؛ تواضعك فى شرفك أشرف من شرفك.
وقال ابن المعتز: طلاق الدّنيا مهر الآخرة. وقالوا: غضب الجاهل فى قوله، وغضب العاقل فى فعله.
وشرب أحدهم بحضرة الحسن بن وهب قدحا وعبس، فقال له: والله ما أنصفتها، تضحك فى وجهك، وتعبس فى وجهها!! وقال طاهر بن الحسين لابنه: التّبذير فى المال ذمّه حسب التقتير فيه، فاتّق التبذير، وإياك والتقتير. وقال أعرابى: أتيت بغداد فإذا ثياب أحرار على أجساد عبيد؛ إقبال حظّهم إدبار حظّ الكرم؛ شجر فروعه عند أصوله، شغلهم عن المعروف رغبتهم فى المنكر.
وقال أعرابىّ: الله مخلف ما أتلف الناس، والدهر متلف ما أخلف الله؛ فكم من منيّة علّتها طلب الحياة، وحياة سببها التعرّض للموت؛ وهذا مثل قول الشاعر «1» :
تأخرت أستبقى الحياة فلم أجد ... لنفسى حياة مثل أن أتقدّما
وقال آخر: كدر الجماعة خير من صفو الفرقة. وقال بعضهم: وكان اعتدادى بذلك اعتداد من لا تنضب عنه نعمة تغمرك، ولا يمرّ عليه عيش يحلو لك.
وقال بعضهم: وكان سرورى بذلك سرور من لا تأفل عنه مسرّة طلعت عليك، ولا تظلم عليه محلة أنارت لك.
(1/311)

وقال المنصور: لا تخرجوا من عزّ الطاعة إلى ذلّ المعصية. ووصف أعرابى غلاما فقال: ساع فى الهرب، قطوف «1» فى الحاجة.
وكتب سعيد بن حميد فى كتاب فتح: ظنّا كاذبا لله فيه حتم صادق، وأملا خائنا لله فيه قضاء نافذ.
وقال الأفوه الأودى: سهما تقرّ به العيون وإن كان قليلا خير مما وجلت به القلوب وإن كان كثيرا. ونحوه قول الشاعر:
ألا كلّ ما قرّت به العين صالح
ومن الأشعار فى الطّباق قول زهير «2» :
ليث بعثّر يصطاد الرّجال إذا ... ما اللّيث كذّب عن أقرانه صدقا «3»
وقول امرىء القيس «4» :
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السّيل من عل
وقول الطّفيل الغنوى يصف فرسا:
بساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم الرّوع مبذول «5»
وقول الآخر «6» :
رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن «7» له سمودا
فردّ شعورهنّ السّود بيضا ... وردّ وجوههنّ البيض سودا
وقال حسين بن مطير «8» :
ومبتّلة الأرداف زانت عقودها ... بأحسن ممّا زيّنتها عقودها
(1/312)

بصفر تراقيها وحمر أكفّها ... وسود نواصيها وبيض خدودها
وقال فى وصف السحاب:
وله بلا حزن ولا بمسرّة ... ضحك يراوح بينه وبكاء
وقال آخر «1» :
لئن ساءنى أن نلتنى بمساءة ... لقد سرّنى أنّى خطرت ببالك
وقال النابغة «2» :
وإن هبطا سهلا أثارا عجاجة ... وإن علوا حزنا تشظّت جنادل «3»
وقال مسافع «4» :
أبعد بنى أمّى أسرّ بمقبل ... من العيش أو آسى على إثر مدبر
أولاك بنو خير وشرّ كليهما ... وأبناء معروف ألمّ ومنكر
وقال أوس بن حجر:
أطعنا ربنا وعصاه قوم ... فذقنا طعم طاعتنا وذاقوا
وقال الفرزدق «5» :
لعن الإله بنى كليب إنهم ... لا يعذرون ولا يفون لجار
يستيقظون إلى نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار
وقال امرؤ القيس «6» :
بماء سحاب زلّ عن ظهر صخرة ... إلى بطن أخرى طيّب طعمه خصر «7»
(1/313)

وقال النابغة «1» :
ولا يحسبون الخير لا شرّ بعده ... ولا يحسبون الشّرّ ضربة لازب
وقال بيهس بن عبد الحرث، يصف الشيب:
حتى كأنّ قديمه وحديثه ... ليل تلفّع مدبرا بنهار
فطابق بين قديم وحديث، وليل ونهار؛ فأخذه الفرزدق، فقال «2» :
والشّيب ينهض فى الشباب كأنّه ... ليل يصيح بجانبيه نهار
طابق بين الشيب والشباب، والليل والنهار؛ وهذا أحسن من قول بيهس سبكا ورصفا، وفيه نوع آخر من البديع، وهو «يصيح بجانبيه نهاره» أخذه من قول الشماخ:
ولاقى بصحراء الإهالة ساطعا ... من الصبح لما صاح بالليل نفّرا
وقال أبو دواد قبله:
تصيح الرّدينيّات فى حجباتهم ... صياح العوالى فى الثّقاف المثقّب
وقال آخر:
تصيح الرّدينيّات فينا وفيهم ... صياح بنات الماء أصبحن جوّعا
وقال آخر فى صفة قوس:
فى كفّه معطية منوع «3»
وقال آخر:
مرحت وصاح المرو من أخفافها «4»
وقال آخر فى صفة ناقة:
خرقاء إلّا أنها صناع «5»
(1/314)

وقال آخر:
فجاء ومحمود القرى يستفزّه ... إليها وداعى الليل بالصّبح يصفر
ومما فيه ثلاث تطبيقات قول جرير «1» :
وباسط خير فيكم بيمينه ... وقابض شرّ عنكم بشماليا
فطابق بباسط وقابض، وخير وشر، ويمين وشمال؛ ومثله قول الآخر «2» :
فلا الجود يفنى المال والجدّ مقبل ... ولا البخل يبقى المال والجدّ مدبر
ومثله قول الآخر:
فسرّى كإعلانى وتلك سجيّتى ... وظلمة ليلى مثل ضوء نهاريا
ومما فيه طباقان، قول المتلمّس:
وإصلاح القليل بزيد فيه ... ولا يبقى الكثير على الفساد
وقال أوس بن حجر:
فتحدركم عبس إلينا وعامر ... وترفعنا بكر إليكم وتغلب
إذا ما علوا قالوا أبونا وأمنا ... وليس لهم عالين أمّ ولا أب
وقول قيس بن الخطيم:
إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنّما ... يرجّى الفتى كيما يضرّ وينفعا
وهذا تطبيق وتكميل، ومثله قول عدىّ بن الرّعلاء:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنّما الميت ميّت الأحياء
فاستوفى المعنى فى قوله: ليس من مات فاستراح بميت، وكمّل فى قوله: إنما الميت ميت الأحياء؛ وقد طابق جماعة من المتقدمين بالشىء وخلافه على التقريب، لا على الحقيقة، وذلك كقول الحطيئة «3» :
(1/315)

وأخذت أطرار «1» الكلام فلم تدع ... شتما يضرّ ولا مديحا ينفع
والهجاء ضدّ المديح، فذكر الشتم على وجه التقريب؛ وهكذا قول الآخر «2» :
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
فجعل ضدّ الظلم المغفرة.
ومن المطابقة فى أشعار المحدثين، قول أبى تمام «3» :
أصمّ بك الناعى وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا
وقالوا: هذا أحسن ابتداء فى مرثية إسلامية؛ وقال أبو تمام أيضا «4» :
وضلّ بك المرتاد من حيث يهتدى ... وضرّت بك الأيام من حيث تنفع
وقد كان يدعى لابس الصّبر حازما ... فأصبح يدعى حازما حين يجزع
وقال سديف فى النّساء:
وأصحّ ما رأت العيون جوارحا ... ولهن أمرض ما رأيت عيونا
وقال عمارة بن عقيل:
وأرى الوحش فى يمينى إذا ما ... كان يوما عنانه بشمالى
وقال أبو تمام «5» :
فيم الشماتة إعلانا بأسد وغى ... أفناهم الصّبر إذا أبقاكم الجزع
فجاء بتطبيقتين فى مصراع.
وقال البحترى «6» :
إن إيامه من البيض بيض ... ما رأين المفارق السود سودا
وقال النّمرى:
ومنازل لك بالحمى ... وبها الخليط نزول
(1/316)

أيامهنّ قصيرة ... وسرورهنّ طويل «1»
وسعودهنّ طوالع ... ونحوسهنّ أفول
والمالكية والشّبا ... ب وقينة وشمول
وقال آخر:
براذين ناموا عن المكرما ... ت فأيقظهم قدر لم ينم
فيا قبحهم فى الّذى خوّلوا ... ويا حسنهم فى زوال النّعم
وقال آخر:
أفاطم قد زوّجت من غير خبرة ... فتى من بنى العباس ليس بطائل
فإن قلت من آل النبىّ فإنه ... وإن كان حرّ الأصل عبد الشمائل
ونحوه فى معناه، لا فى التطبيق، قول على بن الجهم فى بعض بنى هاشم:
إن تكن منهم بلاشك فللعود قتار
ومثله:
فما خبث من فضّة بعجيب
ومثله:
لئيم أتاه اللؤم من عند نفسه ... ولم يأته من عند أمّ ولا أب
وقول أبى تمام «2» :
نثرت فريد مدامع لم تنظم ... والدمع يحمل بعض ثقل «3» المغرم
وصلت نجيعا بالدموع فخدّها ... فى مثل حاشية الرّداء المعلم
أخذه من قول أبى الشّيص:
وصلت دما بالدمع حتّى كأنما ... يذاب بعينى لؤلؤ وعقيق
وقول أبى تمام «4» :
جفوف البلى أسرعت فى الغصن الرطب
(1/317)

وقوله:
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلى الله بعض القوم بالنّعم
وقول الآخر:
عجل الفراق بما كرهت وطالما ... كان الفراق بما كرهت عجولا
وأرى التى هام الفؤاد بذكرها ... أصبحت منها فارغا مشغولا
وقال بكر بن النطّاح:
وكأن إظلام الدروع عليهم ... ليل وإشراق الوجوه نهار
وقول أبى تمام «1» :
أصبحت فى روضة الشّباب هشيما ... وغدت ريحه البليل سموما
شعلة فى المفارق استودعتنى ... فى صميم الفؤاد ثكلا صميما «2»
غرّة مرة «3» ألا إنما كن ... ت أغر أيام كنت بهيما
دقة فى الحياة تدعى جلالا ... مثل ما سمّى اللديغ سليما
وقول آخر:
فجلست منها قبلة ... لما رويت بها عطشت
وقلت:
إذا معشر فى المجد كانوا هواديا ... فقيسوا به فى المجد عادوا تواليا
رأيت جمال الدّهر فيك مجددا ... فكن باقيا حتى ترى الدّهر فانيا
وقلت:
قل لمن أدنيه جهدى ... وهو يقصينى جهده
ولمن ترضاه مو ... لاك ولا يرضاك عبده
أمليح بمليح الش ... كل أن يخلف وعده
(1/318)

أم جميل بجميل ال ... وجه أن ينقض عهده
ما الذى صدّك عنى ... ليت ما صدّك صدّه
وقلت:
فلماذا أبيعه وبنفسى أشتريه
وقلت:
فى كلّ خلق خلّة مذمومة ... ووراء كلّ محبّب مكروه
ومن عيوب التطبيق قول الأخطل:
قلت المقام وناعب قال النّوى ... فعصيت قولى والمطاع غراب
وهذا من غث الكلام وبارده، وقال:
كم جحفل طارت قدامى خيله ... خلّفته يوم الوغى منتوفا
أعلمت نابك وهو رأس أنه ... سيكون بعدك حافرا ووظيفا «1»
وقال آخر فى القاسم بن عبيد الله:
من كان يعلم كيف رقّة طبعه ... هو مقسم أنّ الهواء ثخين
وقال أبو تمام «2» :
فيا ثلج الفؤاد وكان رضفا «3» ... ويا شبعى بمقدمه «4» وريّى
وقال «5» :
وإذ الصنع كان وحشا فملّي ... ت برغم الزمان صنعا ربيبا
وقال «6» :
قد لان أكثر ما تريد وبعضه ... خشن وإنى بالنجاح لواثق
(1/319)

وقوله «1» :
لعمرى لقد حرّرت يوم لقيته ... لو انّ القضاء وحده لم يبرّد
وقوله «2» :
وإن خفرت أموال قوم أكفّهم ... من النيل والجدوى فكفّاه مقطع
وقوله «3» :
يوم أفاض جوى أغاض تعزّيا ... خاض الهوى بحرى حجاه المزبد
فجعل «الحجى» فى هذا البيت «مزبدا» ، ولا أعرف عاقلا يقول: إن العقل يزبد؛ وليس المزبد هاهنا نعتا للبحرين؛ لأنه قال «بحرى حجاه المزبد» ، فلو جعل «المزبد» نعتا للبحرين لقال المزبدين، وخوض الهوى بحر التعزى أيضا من أبعد الاستعارة.
ونحو منه قوله أيضا «4» :
يا يوم شرّد يوم لهوى لهوه ... بصبابتى وأذلّ عزّ تجلّدى
وقوله «5» :
غرض الظلام أو اعترته وحشة ... فاستأنست روعاته «6» بسهادى
بل ذكرة «7» طرقت فلما لم أبت ... باتت تفكر فى ضروب رقادى
أغرت همومى فاستلبن فصولها ... نومى ونمن على فضول وسادى
وهذه الأبيات مع قبح التطبيق الذى فى أولها، وهجنة الاستعارة لا يعرف معناها على حقيقته.
(1/320)

الفصل الثّالث فى ذكر التجنيس
التجنيس أن يورد المتكلم كلمتين تجانس كلّ واحدة منهما صاحبتها فى تأليف حروفها على حسب ما ألّف الأصمعى كتاب الأجناس. فمنه ما تكون الكلمة تجانس الأخرى لفظا واشتقاق معنى، كقول الشاعر:
يوما خلجت على الخليج نفوسهم ... عصبا وأنت لمثلها مستام
خلجت: أى جذبت، والخليج: بحر صغير يجذب الماء من بحر كبير؛ فهاتان اللفظتان متفقتان فى الصيغة واشتقاق المعنى والبناء «1» ، ومنه ما يجانسه فى تأليف الحروف دون المعنى، كقول الشاعر «2» :
فأرفق به ان لوم العاشق اللّوم
وشرط بعض الأدباء من هذا الشرط فى التجنيس وخالفه فى الأمثلة فقال:
وممّن جنس تجنيسين فى بيت زهير، فى قوله «3» :
بعزمة مأمور مطيع وآمر ... مطاع فلا يلفى لحزمهم مثل
وليس المأمور والآمر والمطيع وآمر ... مطاع فلا يلفى لحزمهم مثل
وليس المأمور والآمر والمطيع المطاع من التجنيس، لأن الاختلاف بين هذه الكلمات لأجل أنّ بعضها فاعل، وبعضها مفعول به؛ وأصلها إنما هو الأمر والطاعة.
وكتاب الأجناس الذى جعلوه لهذا الباب مثالا إنما يصف على هذه السبيل، ويكون المطيع مع المستطيع، والآمر مع الأمير تجنيسا. وجعل أيضا من التجنيس قول الآخر:
ذو الحلم منّا جاهل دون ضيفه ... وذو الجهل منا عن أذاه حليم
(21- الصناعتين)
(1/321)

ليس بتجنيس، وكذلك قول خداش بن زهير:
ولكن عايش ما عاش حتى ... إذا ما كاده الأيام كيدا
وقال الشّنفرى «1» :
وإنى لحلو إن أريد حلاوتى ... ومرّ إذا النفس العزوف أمّرت «2»
وقال العجير السّلولى «3» :
يسرّك مظلوما ويرضيك ظالما ... وكلّ الذى حملته فهو حامله
وقول الآخر:
وساع مع السلطان يسعى عليهم ... ومحترس من مثله وهو حارس
وقول تأبط شرا «4» :
يرى الوحشه الأنس الأنيس ويهتدى ... بحيث اهتدت أمّ النجوم الشّوابك «5»
وقول الآخر:
صبّت عليه ولم تنصبّ من كثب ... إن الشقاء على الأشقين مصبوب
ليس فى هذه الألفاظ تجنيس؛ وإنما اختلفت هذه الكلم للتصريف.
فمن التجنيس فى القرآن قول الله تعالى: أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ.
وقوله عز وجل: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ.
وقوله تعالى: تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ.
وقوله سبحانه وتعالى: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ.
وقوله تعالى: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ.
وقوله عزّ وجل: فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ
، الرّوح: الراحة، والريحان: الرزق.
(1/322)

وقوله سبحانه: ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ.
وقوله تعالى: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ
، الآزفة: اسم ليوم القيامة.
فهذا كقول امرىء القيس:
لقد طمح الطّماح «1»
وليس هذا كقولهم: «أمر الأمر» . هذا ليس بتجنيس.
وفى كلام النبىّ صلّى الله عليه وسلّم: «عصيّة عصت الله ورسوله، وغفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله» «2» . وقوله صلى الله عليه وسلّم: «الظلم ظلمات يوم القيامة» .
أخذه أبو تمام، فقال «3» :
جلا ظلمات الظلم عن وجه أمة ... أضاء لها من كوكب العدل آفله
وقيل له صلّى الله عليه وسلّم: من المسلم؟ فقال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» .
وقال معاوية لابن عباس رضى الله عنهم: ما بالكم يا بنى هاشم تصابون فى أبصاركم؟ فقال: كما تصابون فى بصائركم يا بنى أمية!. وقال صدقة بن عامر- وقد مات له بنون سبعة فرآهم قد سجّوا: اللهم إنى مسلم مسلم. وقال رجل من قريش لخالد بن صفوان: ما اسمك؟ قال: خالد بن صفوان بن الأهتم، فقال الرجل: إنّ اسمك لكذب، ما خلّد أحد، وإن أباك لصفوان وهو حجر، وإن جدّك لأهتم وإن الصحيح خير من الأهتم. قال خالد: من أىّ قريش أنت؟ قال: من بنى عبد الدار، قال: فمثلك يشتم تميما فى عزّها وحسبها، وقد هشمتك هاشم، وأمّتك أمية، وجمحت بك جمح، وخزمتك مخزوم، وأقصتك قصىّ، فجعلتك عبد دارها وموضع شنارها، تفتح لهم الأبواب إذا دخلوا، وتغلقها إذا خرجوا.
وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يكون ذو الوجهين عند الله وجيها» .
(1/323)

وكتب بعض الكتاب: العذر مع التّعذّر واجب. وقيل لبعضهم: ما بقى من نكاحك؟
قال: ما يقطع حجّتها ولا يبلغ حاجتها. وروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: هاجروا ولا تهجّروا، أى لا تشبّهوا بالمهاجرين من غير إخلاص.
وكتب بعض الكتّاب: قد رخصت الضرورة فى الإلحاح، وأرجو أن تحسن النظر، كما أحسنت الانتظار.
وأخبرنا أبو أحمد، قال: حكى لى محمد بن يحيى عن عبد الله بن المعتز، قال: قدّم فى بعض المجالس إلىّ صديق لنا بخورا، فقال له صاحب المجلس: تبخّر، فإنه ندّ «1» ، فلما استعمله لم يستطبه، فقال: هذا ندّ عن النّدّ.
ومثله ما حكى لنا أبو أحمد عن الصّولى أن إبراهيم بن المهدى زار صديقا له استدعى زيارته، فوجده سكران، فكتب فى رقعة جعلها عند رأسه:
رحنا إليك وقد راحت بك الراح
وروى بعضهم أن عبد الله بن إدريس سئل عن النبيذ، فقال: جلّ أمره عن المسئلة، أجمع أهل الحرمين على تحريمه. وذم أعرابى رجلا فقال: إذا سأل ألحف، وإذا سئل سوّف، يحسد على الفضل، ويزهّد فى الإفضال.
وكتب العتابى إلى مالك بن طوق: أما بعد فاكتسب أدبا، تحى نسبا، واعلم أن قريبك من قرب منك خيره، وأن ابن عمّك من عمّك نفعه، وأن أحبّ الناس إليك أجداهم بالمنفعة عليك. وقال آخر: اللهى تفتح اللها «2» .
وأخبرنا أبو القاسم عبد الوهاب بن إبراهيم الكاغدى، قال: أخبرنا أبو بكر العقدى، قال: أخبرنا أبو جعفر الخراز، قال: دخل فيروز حصين على الحجاج- وعنده الغضبان بن القبعثرى- فقال له الحجاج: زعم الغضبان أن قومه خير من قومك، فقال: أكذاك يا غضبان؟، قال: نعم، فقال فيروز: أصلح الله الأمير!
(1/324)

اعتبر قومى وقومه بأسمائهم، هذا غضبان، غضب الله عليه، والقبعثرى اسم قبيح من بنى ثعلبة شرّ السباع، ابن بكر شرّ الإبل، ابن وائل له الويل؛ وأنا فيروز فيروز به، حصين حصن وحرز، والعنبر ريح طيبة، من بنى عمرو، عمارة وخير، من تميم تمّ، فقومى «1» خير من قومه وأنا خير منه.
وأخبرنا أبو أحمد عن أبى بكر عن أبى حاتم عن الأصمعى، قال سمعت الحىّ يتحدّثون أن جريرا، قال: لولا ما شغلنى من هذه الكلاب «2» لشبّبت تشبيبا تحنّ منه العجوز إلى شبابها.
ومن أشعار المتقدمين فى التجنيس قول امرىء القيس «3» :
لقد طمح الطّماح من بعد أرضه ... ليلبسنى من دائه ما تلبّسا «4»
وأخذه الكميت فقال «5» :
ونحن طمحنا لامرىء القيس بعد ما ... رجا الملك بالطّماح نكبا على نكب
وقال الفرزدق- وذكر واديا «6» :
خفاف أخفّ الله عنه سحابة ... وأوسعه من كلّ ساف وحاصب
وقال زهير «7» :
كأنّ عينى وقد سال السّليل بهم ... وجيرة «8» ما هم لو أنّهم أمم «9»
وقال الفرزدق «10» :
قد سال فى أسلاتنا أو عضّه ... عضب بضربته الملوك تقتّل
(1/325)

وقال النابغة «1» :
وأقطع الخرق بالخرقاء لاهية «2»
وقال غيره «3» :
على صرماء فيها أصرماها ... وخرّيت الفلاة بها مليل «4»
وقال قيس بن عاصم «5» :
ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة ... سقته نجيعا من دم الجوف أشكلا «6»
وقال «7» :
وقاظ أسيرا هانىء وكأنما ... مفارق مفروق تغشين عند ما
وقال أمية بن أبى الصلت:
فما أعتبت فى النائبات معتّب ... ولكنّها طاشت وضلّت حلومها
وقال أوس بن حجر:
قد قلت للركب لولا أنهم عجلوا ... عوجوا علىّ فحيوا الحى أو سيروا
وفيها:
عرّ عرائر أبكار نشأن معا ... خشن الخلائق عمّا يتّقى زور
وفيها:
لكن بفرتاج فالخلصاء أبت بها ... فحنبل فعلى سراء مسرور «8»
(1/326)

وفيها:
حتى أشب لهن الثور من كثب ... فأرسلوهنّ لم يدروا بما ثيروا
وقال الكميت «1» :
فقل لجذام قد جذمتم وسيلة ... إلينا كمختار الرداف على الرّحل
وقال طرفة «2» :
بحسام سيفك أو لسانك وال ... كلم الأصيل كأرغب الكلم
وقال القحيف:
بخيل من فوارسها اختيال
وقال النعمان بن بشير لمعاوية «3» :
ألم تبتدركم يوم بدر سيوفنا ... وليلك عمّا ناب قومك نائم
وقال العبسى «4» :
أبلغ لديك بنى سعد مغلغلة ... أنّ الذى ينهها قد مات أو دنفا
وذاكم أنّ ذلّ الجار حالفكم ... وأن آنفكم لا يعرف الأنفا
وقال جليح بن سويد:
أقبلن من مصر يبارين البرا
وقال ذو الرّمة «5» :
كأنّ البرى والعاج عيجت متونه ... على عشر نهّى به السيل أبطح
وقال حيان بن ربيعة الطائى: «6»
لقد علم القبائل أنّ قومى ... لهم حدّ إذا لبس الحديد
(1/327)

وقال القطامى:
فلما ردّها فى الشول شالت ... بذيّال يكون لها لفاعا
وقال جرير «1» :
وما زال معقولا عقال عن الندى ... وما زال محبوسا عن الخير حابس «2»
وقال امرؤ القيس «3» :
بلاد عريضة وأرض أريضة ... مدافع غيث فى فضاء عريض
وقال آخر:
وطيب ثمار فى رياض أريضة
وقال حميد الأرقط:
مرتجز فى عارض عريض
ومن أشعار المحدثين قول الشاعر «4» :
وسميته يحيى ليحيى ولم يكن ... إلى رد أمر الله فيه سبيل
تيممت فيه الفأل حين رزقته ... ولم أدر أنّ الفأل فيه يفيل
وقال البحترى «5» :
نسيم الروض فى ريح شمال ... وصوب المزن فى راح شمول
وهذا من أحسن ما فى هذا الباب، وقال أبو تمام «6» :
سعدت غربة النوى بسعاد ... فهى طوع الإتهام والإنجاد
وهذا من الابتداءات المليحة، وقال فيها:
عاتق معتق من اللّوم إلا ... من معاناة مغرم أو نجاد «7»
(1/328)

مليتك الأحساب أىّ حياة ... وحيا أزمة وحيّة واد
لو تراخت يداك عنها فواقا «1» ... أكلتها الأيام أكل الجراد
كادت المكرمات تهدّ لولا ... أنها أيّدت بحىّ إياد
وقال البحترى «2» :
راحت لأربعك الرياح مريضة ... وأصاب مغناك الغمام الصّيّب
وقال مسلم بن الوليد:
لعبت بها حتى محت آثارها ... ريحان رائحتان باكرتان
وقال آخر:
لا تضغ للوم إن اللّوم تضليل ... واشرب ففى الشرب للاحزان تحليل
فقد مضى القيظ واحتثّت رواحله ... وطابت الراح لمّا آل أيلول
لم يبق فى الأرض نبت يشتكى مرها ... إلّا وناظره بالطّلّ مكحول
وقال اليزيدىّ للأصمعى:
وما أنت هل أنت إلا امرؤ ... إذا صح أصلك من باهله
وللباهلىّ على خبزه ... كتاب لآكله الآكله
وقال آخر:
قد بلغت الأشدّ لاشدك الل ... هـ وجاوزته وأنت مليم «3»
وقال مسلم:
يورى بزندك أو يسعى بمجدك أو ... يفرى بحدّك كلّ غير محدود
وقال:
وليس يبالى حين يحتكّ جمرها ... صدود صداء «4» واجتناب بنى جنب «5»
(1/329)

وقال البحترى «1» :
لولا علىّ بن مرّ لاستمرّ بنا ... خلف من العيش فيه الصّاب والصّبر
برد الحشا وهجير الروع محتفل ... ومسعر «2» وشهاب الحرب يستعر
ألوى إذا شابك الأعداء كرّهم ... حتى يروح وفى أظفاره الظّفر
جافى المضاجع ما ينفك فى لجب ... يكاد يقمر من لألائه القمر
وقال «3» :
حيا الأرض ألقت فوقه الأرض ثقلها ... وهول الأعادى فوقه الترب هائل
ستبكيه عين لا ترى الخير بعده ... إذا فاض منها هامل عاد هامل
وقال الطائى:
ورمى بثغرته الثّغور فسدّها ... طلق اليدين مؤمّلا مرهوبا
وأنشدنى العتبى:
دنس القميص غليظه ... من غير لحمته سداه
وشعاره من شعره ... فكأنه من مسك «4» شاه
وجنس أبو تمام أربع تجنيسات فى بيت واحد، ولعله لم يسبق إليه وهو قوله «5» :
بحوافر حفر وصلب صلّب ... وأشاعر شعر وخلق أخلق «6»
وقوله أيضا:
لسلمى سلامان وعمرة عامر ... وهندبنى هند وسعدى بنى سعدى
ومما جنس فيه تجنيسين، قوله «7» :
ففصلن منه كلّ مجمع مفصل ... وفعلن فاقرة بكل فقار «8»
(1/330)

ومن التجنيس ضرب آخر، وهو أن تأتى بكلمتين متجانستى الحروف؛ إلا أن فى حروفها تقديما وتأخيرا، كقول أبى تمام «1» :
بيض الصفائح لا سود الصحائف فى ... متونهنّ جلاء الشّكّ والرّيب
وقلت فى حية:
منقوشة تحكى صدور صحائف ... إبّان يبدو من صدور صفائح
وقيل لابنة الخسّ: كيف زنيت مع عقلك؟ فقالت: طول السواد، وقرب الوساد.
ومن التجنيس نوع آخر يخالف ما تقدم بزيادة حرف أو نقصانه، وهو مثل قول الله عز وجل: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ
. وقوله تعالى: كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ
. وقوله جل ذكره: وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ، وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ.
وقوله سبحانه: ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ.
وكتب عبد الحميد: الناس أخياف مختلفون، وأطوار متباينون؛ منهم علق مضنّة لا يباع، ومنهم غلّ مظنّة لا يبتاع.
ورفع رجل هاشمى يسمى عبد الصمد صوته فى مجلس المأمون عند مناظرة، فقال المأمون:
لا ترفعنّ صوتك يا عبد الصمد ... إن الصواب فى الأسدّ لا الأشدّ
وكتب كافى الكفاة رحمه الله: فأنت أدام الله عزّك، وأن طويت عنّا خبرك، وجعلت وطنك وطرك، فأنباؤك تأتينا، كما وشى بالمسك ريّاه، ودلّ على الصّبح محياه.
وقال علىّ رضى الله عنه: كل شىء يعز حين ينزر، والعلم يعز حين يغزر
(1/331)

وقال بعضهم: عليك بالصبر، فإنه سبب النصر، ولا تخض الغمر، حتى تعرف الغور. وقال آخر: راش سهامه بالعقوق، ولوى ماله عن الحقوق.
وقال النبىّ صلى الله عليه وسلّم: «الخيل معقود فى نواصيها الخير إلى يوم القيامة» .
ودعا على بن عبد العزيز المافروخى صاعد بن مخلد فى يوم مطير، فتخلف عنه واعتذر إليه. فكتب إليه علىّ: ما شقّ طريق هدى إلى صديق. وإنما جعلت المماطر، لليوم الماطر. فركب إليه. ومن المنظوم قول الأعشى»
:
رب حىّ أشقاهم آخر الده ... وحىّ سقاهم بسجال
وقوله «2» :
بلبون المعزابة المعزال «3»
وقول أوس بن حجر «4» :
أقول فأما المنكرات فأتّقى ... وأما الشّذا عنّى الملمّ فأشذب «5»
وقال امرؤ القيس «6» :
بسام ساهم الوجه حسّان
وقال ابن مقبل:
يمشين هيل «7» النّقا مالت جوانبه ... ينهال حينا وينهاه الثّرى حينا
(1/332)

وقال زهير «1» :
هم يضربون حبيك البيض إذ لحقوا ... لا ينكلون إذ ما استلحموا وحموا «2»
وقال:
فى متناه متناه كوكبه
وقال الحطيئة «3» :
وإن كانت النّعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدّروها ولا كدّوا
وقال آخر:
مطاعين فى الهيجا مطاعيم فى القرى
وقال أبو ذؤيب «4» :
إذا ما الخلاجيم العلاجيم نكّلوا ... وطال عليهم حميها وسعارها «5»
وقال آخر:
على الهام منها قيض بيض مفلّق «6»
وقال:
كفّاه مخلفة ومتلفة ... وعطاؤه متخرق جزل
ومن شعر المحدثين قول البحترىّ «7» :
من كل ساجى الطرف أغيد أجيد ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور
وقوله «8» :
فقف مسعدا فيهن إن كنت عاذرا ... وسر مبعدا عنهنّ إن كنت عاذلا
وقوله «9» :
سنان أمير المؤمنين وسيفه ... وسيب أمير المؤمنين ونائله
(1/333)

وقوله «1» :
هل لما فات من تلاف تلاف ... أو لشاك من الصّبابة شاف
وقول أبى تمام «2» :
يمدّون من أيد عواص عواصم ... تصول بأسياف قواض قواضب «3»
إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدّعوا ... صدور العوالى فى صدور الكتائب «4»
وقوله «5» :
ولم أر كالمعروف تدعى حقوقه ... مغارم فى الأقوام وهى مغانم
وقول الآخر:
لله ما صنعت بنا ... تلك المحاجر فى المعاجر
أمضى وأنفذ فى القلو ... ب من الخناجر فى الحناجر
وقلت:
عذيرى من دهر موار موارب ... له حسنات كلّهنّ ذنوب
وقلت:
آفة السر من جفو ... ن دوام دوامع
كيف يخفى مع الدمو ... ع الهوامى الهوامع
وقلت أيضا:
خليفة شهم كلما اسمحت محت ... معالم جدب لم يطق محوها المطر
ومما عيب من التجنيس قول أبى تمام «6» :
أهيس أليس لجاء إلى همم ... تغرّق الأسد فى آذيها الليسا «7»
ومما عيب من التجنيس الأول قول أبى تمام «8» :
خان الصفا أخ خان الزمان أخا ... عنه فلم تتخون جسمه الكمد
(1/334)

وقوله «1» :
قرت بقرّان عين الدين وانشترت ... بالأشترين عيون الشّرك فاصطلما «2»
فهذا مع غثاثة لفظه وسوء التجنيس فيه يشتمل على عيب آخر، وهو أن انشتار العين لا يوجب الاصطلام، وقوله «3» :
إن من عقّ والديه لملعو ... ن ومن عقّ منزلا بالعقيق
وقوله «4» :
خشنت عليه أخت بنى خشين
وهذا فى غاية الهجانة والشناعة.
وقد جاء فى أشعار المتقدمين من هذا الجنس نبذ يسير منه قول امرىء القيس «5» :
وسنّ كسنّيق سناء وسنّما ... ذعرت بمدلاج الهجير نهوض «6»
ولم يعرف الأصمعى وأبو عمرو معنى هذا البيت، وقال الأعشى «7» :
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعنى ... شاو مشلّ شلول شلشل شول
تبعه مسلم بن الوليد، فقال «8» :
سلّت وسلت ثم سلّ سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا
وقال أبو الغمر يصف السحاب:
نسجته الجنوب وهى صناع ... فترقّى كأنه حبشىّ
وقرى كل قرية كان يقرو ... ها قرى لا يجف منه قرىّ
وهذا مستهجن لا يجوز لمتأخر أن يجعله حجة فى إتيان مثله؛ لأن هذا وأمثاله شاذ معيب، والعيب من كل أحد معيب، وإنما الاقتداء فى الصواب لا فى الخطأ.
(1/335)

وقد قال بعض المتأخرين ما هو أقبح من جميع مامر فى قوله وليس من التجنيس «1» :
ولا الضّعف حتى يتبع الضّعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضّعف بل مثله ألف
وقوله «2» :
فقلقلت بالهمّ الّذى قلقل الحشا ... قلاقل عيس كلّهنّ قلاقل
وقيل لأبى القمقام: ألا تخرج إلى الغزاة بالمصّيصة؟ فقال: أمصّنى الله إذا بظر أمى! ومن التجنيس المعيب قول بعض المحدثين، أنشده ابن المعتز:
أكابد منكم أليم الألم ... وقد أنحل الجسم بعد الجسم
وقول الآخر:
كم رأس رأس بكى من غير مقلته ... دما وتحسبه بالقاع مبتسما
وقول إبراهيم أبو الفرج البندنيجى فى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
هى الجآذر إلّا أنّها حور ... كأنها صور لكنّها صور
نور الحجال ولكن من معايبها ... إذا طلبت هواها أنها نور
غيداء لو بلّ طرف البابلىّ بها ... لارتدّ وهو بغير السّحر مسحور
إن الرواح جلا روح العراق لنا ... أصلا وقد فصلت من مكّة العير
تشكو العقوق وقد عقّ العقيق لها ... وأرض عروة من بطحان فالنّير
يحتثّها كلّ زول دأبه دأب ... من طول شوق وهجّيراه تهجير
مقوّرة الآل من خوض الفلاة إذا ... ما اعتمّ بالآل فى أرجائها القور
هذا البيت قريب من قول أبى تمام «3» :
أحطت بالحزم «4» حيزوما أخاهمم ... كشّاف طخياء لا ضيقا ولا حرجا
وقال المخزومى «5» فى طاهر بن الحسين:
ولو رأى هرم معشار نائله ... لقيل فى هرم قد جنّ أو هرما
(1/336)

الفصل الرابع فى المقابلة
المقابلة فى المعنى
المقابلة: إيراد الكلام، ثم مقابلته بمثله فى المعنى واللفظ على جهة الموافقة أو المخالفة.
فأما ما كان منها فى المعنى فهو مقابلة الفعل بالفعل؛ مثاله قول الله تعالى: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا
؛ فخواء بيوتهم وخرابها بالعذاب مقابلة لظلمهم.
ونحو قوله تعالى: وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً
؛ فالمكر من الله تعالى العذاب، جعله الله عز وجل مقابلة لمكرهم بأنبيائه وأهل طاعته.
وقوله سبحانه: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ.
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ.
ومن ذلك قول تأبط شرا «1» :
أهزّ به فى ندوة الحىّ عطفه ... كما هزّ عطفى بالهجان الأوارك «2»
وقول الآخر:
ومن لو أراه صاديا لسقيته ... ومن لو رآنى صاديا لسقانى
ومن لو أراه عانيا لفديته ... ومن لو رآنى عانيا لفدانى
المقابلة بالألفاظ
فهذا مقابلة باللفظ والمعنى.
وأما ما كان منها بالألفاظ، فمثل قول عدى بن الرّقاع «3» :
ولقد ثنيت يد الفتاة وسادة ... لى جاعلا إحدى يدىّ وسادها
وقال عمرو بن كلثوم «4» :
ورثناهنّ عن آباء صدق ... ونورثها إذا متنا بنينا
(22- الصناعتين)
(1/337)

ومن النثر قول بعضهم: فإنّ أهل الرأى والنّصح لا يساويهم ذو الأفن والغشّ، وليس من جمع إلى الكفاية الأمانة، كمن أضاف إلى العجز الخيانة. فجعل بإزاء الرأى الأفن وبإزاء الأمانة الخيانة؛ فهذا على وجه المخالفة.
وقيل للرشيد: إن عبد الملك بن صالح يعدّ كلامه، فأنكر ذلك الرشيد، وقال:
إذا دخل فقولوا له: ولد لأمير المؤمنين فى هذه الليلة ابن ومات له ابن، ففعلوا. فقال:
سرّك الله يا أمير المؤمنين فيما ساءك، ولا ساءك فيما سرك، وجعلها واحدة بواحدة، ثواب الشاكر، وأجر الصابر؛ فعرفوا أنّ بلاغته طبع.
وكتب جعفر بن محمد بن الأشعث إلى يحيى بن خالد يستعفيه من عمل: شكرى لك على ما أريد الخروج منه شكر من نال الدخول فيه.
وكتب بعض الكتاب إلى رجل: فلو أن الأقدار إذ رمت بك فى المراتب إلى أعلاها بلغت بك من أفعال السودد منتهاها لوازنت مساعيك مراقيك، وعادلت النعمة عليك النعمة فيك، ولكنك قابلت رفيع المراتب بوضيع الشّيم؛ فعاد علوّك بالاتفاق إلى حال دونك بالاستحقاق، وصار جناحك فى الانهياض «1» إلى مثل ما عليه قدرك فى الانخفاض؛ ولا عجب أن القدر أذنب فيك فأناب، وغلط بك فعاد إلى الصواب؛ فأكثر هذه الألفاظ مقابلة وقال الجعدى «2» :
فتى كان فيه ما يسرّ صديقه ... على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا
وقال آخر «3» :
وإذا حديث ساءنى لم أكتئب ... وإذا حديث سرنى لم أشر «4»
وهذا فى غاية التقابل.
ومن مقابلة المعانى بعضها لبعض، وهو من النوع الذى تقدم فى أول الفصل قول الآخر:
وذى أخوة قطّعت أقران بينهم ... كما تركونى واحدا لا ألحاليا
(1/338)

وقول الآخر «1» :
أسرناهم وأنعمنا عليهم ... وأسقينا دماءهم الترابا
فما صبروا لبأس عند حرب ... ولا أدّوا لحسن يد ثوابا
فجعل بإزاء الحرب أن لم يصبروا، وبإزاء النعمة أن لم يثيبوا؛ فقابل على وجه المخالفة.
وقال آخر «2» :
جزى الله عنا ذات بعل تصدقت ... على عزب حتى يكون له أهل
فإنا سنجزيها بمثل فعالها ... إذا ما تزوجنا وليس لها بعل
فجعل حاجته وهو عزب بحاجتها وهى عزب، ووصاله إياها فى حال عزبتها، كوصالها إياه فى حال عزبته؛ فقابل من جهة الموافقة.
ومن سوء المقابلة قول امرىء القيس «3» :
فلو أنها نفس تموت سوّية ... ولكنها نفس تساقط «4» أنفسا
ليس «سوية» بموافق «لتساقط» ولا مخالف له، ولهذا غيّره أهل المعرفة فجعلوه «جميعة» ؛ لأنه بمقابلة «تساقط» أليق.
فساد المقابلة
وفساد المقابلة أن تذكر معنى تقتضى الحال ذكرها بموافقة أو مخالفة، فيؤتى بما لا يوافق ولا يخالف، مثل أن يقال: فلان شديد البأس، نقى الثغر، أو جواد الكف، أبيض الثوب. أو تقول: ما صاحبت خيّرا، ولا فاسقا، وما جاءنى أحمر، ولا أسمر. ووجه الكلام أن تقول: ما جاءنى أحمر ولا أسود، وما صاحبت خيّرا ولا شريرا، وفلان شديد البأس، عظيم النكاية، وجواد الكفّ، كثير العرف.
وما يجرى مع ذلك؛ لأن السمرة لا تخالف السواد غاية المخالفة، ونقاء الثغر لا يخالف شدة البأس ولا يوافقه، فاعلم ذلك وقس عليه.
(1/339)

ومما يقرب من هذا قول أبى عدى القرشى «1» :
يا بن خير الأخيار من عبد شمس ... أنت زين الورى وغيث الجنود
فوضع «زين الورى» مع «غيث الجنود» فى غاية السماجة.
وقريب منه قول الآخر «2» :
خود تكامل فيها الدلّ والشنب
ومثله قول أبى تمام «3» :
وزير حق ووالى شرطة ورحى ... ديوان ملك وشيعىّ ومحتسب
ومن مختار المقابلة- وكان ينبغى تقديمه فلم يتفق- ما كتب الحسن بن وهب:
لا ترض لى بيسير البرّ، فإنى لم أرض لك بيسير الشكر، ودع عنّى مؤونة التقاضى كما وضعت عنك مؤونة الإلحاح، وأحضر من ذكرى فى قلبك ما هو أكفى من قعودى بصدرك؛ فإنى أحق من فعلت به، كما أنك أحق من فعله بى، وحقق الظن؛ فليس وراءك مذهب، ولا عنك مقصّر.
(1/340)

الفصل الخامس فى صحة التقسيم
التقسيم
التقسيم الصحيح: أن تقسّم الكلام قسمة مستوية تحتوى على جميع أنواعه، ولا يخرج منها جنس من أجناسه؛ فمن ذلك قول الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً
، وهذا أحسن تقسيم؛ لأنّ الناس عند رؤية البرق بين خائف وطامع، ليس فيهم ثالث.
ومن القسمة الصحيحة قول أعرابى لبعضهم: النعم ثلاث؛ نعمة فى حال كونها، ونعمة ترجى مستقبلة، ونعمة تأتى غير محتسبة؛ فأبقى الله عليك ما أنت فيه، وحقق ظنك فيما ترتجيه، وتفضل عليك بما لم تحتسبه، فليس فى أقسام النعم التى يقع الانتفاع بها قسم رابع سوى هذه الأقسام.
ووقف أعرابى على مجلس الحسن، فقال: رحم الله عبدا أعطى من سعة، أو آسى من كفاف، أو آثر من قلّة. فقال الحسن: ما ترك لأحد عذرا؛ فانصرف الأعرابى بخير كثير.
وقول إبراهيم بن العباس: وقسم الله تعالى عدوه أقساما ثلاثة؛ روحا معجّلة إلى عذاب الله، وجثة منصوبة لأولياء الله، ورأسا منقولا إلى دار خلافة الله. ليس لهذه الأقسام رابع أيضا؛ فهى فى نهاية الصحة.
ومن المنظوم قول نصيب «1» :
فقال فريق القوم. لا، وفريقهم ... نعم، وفريق لا يمن الله ما ندرى
(1/341)

فليس فى أقسام الإجابة عن المطلوب إذا سئل عنه غير هذه الأقسام.
قال الشماخ «1» :
متى ما تقع أرساغه مطمئنة ... على حجر يرفضّ أو يتدحرج «2»
والوطء الشديد إذا صادف الموطوء رخوا ارفضّ منه، أو صلبا تدحرج عنه.
وقول الآخر «3» :
يا أسم صبرا على ما كان من حدث ... إنّ الحوادث ملقىّ ومنتظر
وليس فى الحوادث إلا ما لقى أو انتظر لقيه.
وقول الآخر «4» :
والعيش شحّ وإشفاق وتأميل
وكان عمر رضى الله عنه يتعجب من صحة هذه القسمة. وقول زهير «5» :
فإنّ الحقّ مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء «6»
فذلكم مقاطع كلّ حق ... ثلاث كلّهنّ لكم شفاء
من عيوب القسمة
وكان يعجب أيضا بهذا البيت ويقول: لو أدركت زهيرا لولّيته القضاء لمعرفته.
ومن عيوب القسمة قول بعض العرب:
سقاه سقيتين الله سقيا ... طهورا والغمام يرى الغماما
فقال: «سقيتين» ثم قال: «سقيا طهورا» ، ولم يذكر الأخرى، وقيل: أراد فى الدنيا وفى الآخرة، وهذا مردود؛ لأن الكلام لا يدل عليه. وقول عبيد الله بن سليم «7» :
فهبطت غيثا ما يفزّع وحشه ... من بين مسرب ناوىء وكنوس
فقسم قسمة رديئة؛ لأنه جعل الوحش بين سمين وداخل فى كناسه. وكان ينبغى أن يقول: من بين سمين وهزيل، أو بين كانس وظاهر؛ ويجوز أن يكون السمين
(1/342)

كانسا وراتعا والكانس سمينا وهزيلا، وما أعرف لهذا شبها إلا قول كيسان حين سأل فقال: علقمة بن عبدة، جاهلى أو من بنى تميم؟
ومثله ما كتب بعضهم: فمن بين جريح مضرج بدمائه، وهارب يلتفت إلى ورائه؛ فالجريح قد يكون هاربا، والهارب قد يكون جريحا؛ ولو قال: «فمن قتيل» لصح المعنى ومثله قول قيس بن الخطيم:
وسلوا ضريح الكاهنين ومالكا ... كم فيهما من دارع ونجيب
ليس النجيب من الدارع فى شىء.
وقريب منه قول الأخطل:
إذا التقت الأبطال أبصرت لونه ... مضيئا وأعناق الكماة خضوع
كان ينبغى أن يقول: وألوان الكماة كاسفة، و «مضيئة» مع «خضوع» ردىء جدا.
ومن القسمة الرديئة قول جرير «1» :
صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من موالينا
فأنشده ورجل من حنيفة حاضر، فقيل له: من أى قسم أنت. فقال: من الثلث الملغى ذكره.
ومن هذا الجنس ما ذكره قدامة أن ابن ميادة كتب إلى عامل من عماله هرب من صارفه: إنك لا تخلو فى هربك من صارفك أن تكون قدّمت إليه إساءة خفته معها، أو خشيت فى عملك خيانة رهبت بكشفه إياك عنها؛ فإن كنت أسأت
فأول راض سنة من يسيرها «2»
وإن كنت خفت خيانة فلابد من مطالبتك بها.
فكتب العامل تحت هذا التوقيع: فى الأقسام ما لم يدخل فيما ذكرته، وهو أنى خفت ظلمه إياى بالبعد عنك، وتكثيره علىّ الباطل عندك؛ فوجدت الهرب إلى حيث يمكننى فيه دفع ما يتخرّصه أنفى للظّنة عنى، وبعدى عمّن لا يؤمن ظلمه أولى بالاحتياط لنفسى.
(1/343)

ومن القسمة الرديثة أيضا قول ابن القرّية: الناس ثلاثة؛ عاقل، وأحمق، وفاجر، فالفاجر يجوز أن يكون أحمق، ويجوز أن يكون عاقلا، والعاقل يجوز أن يكون فاجرا، وكذلك الأحمق.
وإذا دخل أحد القسمين فى الآخر فسدت القسمة، كقول أمية بن أبى الصلت»
:
لله نعمتنا تبارك ربّنا ... ربّ الأنام ورب من يتأبد «2»
داخل فى الأنام من يتأبد.
وكذلك قول الآخر «3» :
أبادر إهلاك مستهلك ... لمالى وإن عبث العابث
فعبث العابث داخل فى إهلاك المستهلك.
وكذلك قول الآخر «4» :
فما برحت تومى إليك بطرفها ... وتومض أحيانا إذا طرفها غفل
فتومى وتومض واحد.
وقول جميل:
لو كان فى قلبى كقدر قلامة ... حبّ وصلتك أو أتتك رسائلى
فإتيان الرسائل داخل فى الوصل.
ومن ذلك أيضا ما كتب بعضهم: ففكرت مرة فى عزلك، ومرة فى صرفك وتقليد غيرك.
وفى فصل آخر كتب هذا الرجل إلى عامل: فتارة تسرق الأموال وتختزلها، وتارة تقتطعها وتحتجبها. فمعنى الجزأين واحد.
(1/344)

الفصل السّادس فى صحة التفسير
التفسير
وهو أن يورد معانى فيحتاج إلى شرح أحوالها، فإذا شرحت تأتى فى الشرح بتلك المعانى من غير عدول عنها أو زيادة تزاد فيها، كقول الله تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
، فجعل السكون لليل، وابتغاء الفضل للنهار؛ فهو فى غاية الحسن، ونهاية التمام.
ومن النثر ما كتب بعضهم: إن لله عز وجل نعما لو تعاون خلقه على شكر واحدة منها لأفنوا أعمارهم قبل قضاء الحقّ فيها، ولى ذنوب لو فرّقت بين خلقه جميعا لكان كلّ واحد منهم عظيم الثقل منها؛ ولكنه يستر بكرمه، ويعود بفضله، ويؤخر العقوبة انتظارا للمراجعة من عبده، ولا يخلى المطيع والعاصى من إحسانه وبرّه.
فذكر جملتين؛ وهمانعم الله تعالى وذنوب عبده، ثم فسركل واحدة منهما مرتين تفسيرا صحيحا. قوله: «يستر بكرمه» راجع إلى الذنوب، وقوله: «يعود بفضله» راجع إلى النعم، فاستوفى. ثم قال: «ويؤخر العقوبة» فهذا أيضا راجع إلى الذنوب، وقوله: «ولا يخلى المطيع والعاصى من إحسانه وبره» راجع إلى النّعم، فهو تفسير صحيح فى تفسير صحيح.
ومن ذلك قول بعض أهل الزمان وقد كتب إليه بعض الأشراف كتابا وسأله أن يصلح ما يجد فيه من سقم؛ فكتب إليه: فأمّا ما رسمه من سدّ ثلمه، وجبر كسره، ولمّ شعثه؛ فأىّ ثلم يوجد فى أديم السماء؛ وأىّ كسر يلفى فى حاجب ذكاء؛ وأىّ شعث يرى فى الزّهرة الزهراء! ففسر الثلاثة، ولم يغادر منها واحدا.
ومثاله من المنظوم قول الفرزدق «1» :
(1/345)

لقد جئت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملا ثقل مغرم
لألفيت فيهم معطيا أو مطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوّم
ففسر قوله: «حاملا ثقل مغرم» ، بقوله: «تلقى فيهم من يعطيك» وقوله:
«طريد دم» بقوله: «تلقى فيهم من يطاعن دونك» .
وقال ابن مطير فى السحاب «1» :
وله بلا حزن ولا بمسرّة ... ضحك يراوح بينه وبكاء
وقول المقنّع:
لا تضجرنّ ولا يدخلك معجزة ... فالنّجح يهلك بين العجز والضّجر
وضرب منه قول صالح بن جناح اللخمى «2» :
لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنّنى ... إلى الجهل فى بعض الأحايين أحوج
ولى فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولى فرس للجهل بالجهل مسرج
فمن رام تقويمى فإنى مقوّم ... ومن رام تعويجى فإنى معوّج
وقول سهل بن هرون «3» :
فوا حسرتا حتّى متى القلب موجع ... بفقد حبيب أو تعذّر إفضال
فراق حبيب مثله يورث الأسى ... وخلة حر لا يقوم لها «4» مالى
وقال آخر:
شبه الغيث فيه والليث والبد ... ر فسمح ومحرب «5» وجميل
وقلت:
كيف أسلو وأنت حقف «6» وغصن ... وغزال لحظا وردفا وقدّا
وقال آخر:
فألقت قناعا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين كفّ ومعصم
(1/346)

من فساد التفسير
ومن عيوب هذا الباب ما أنشده قدامة «1» :
فيأيها الحيران فى ظلمة الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغى من العدا
تعال إليه تلق من نور وجهه ... ضياء ومن كفيه بحرا من الندى
وكان يجب أن يأتى بإزاء بغى العدا بالنصرة أو بالعصمة أو بالوزر أو ما يجانس ذلك مما يحتمى به الإنسان، كما وضع بإزاء الظلمة الضياء. فأما إذا وضع بإزاء ما يتخوّف من بغى العدا بحرا من الندى فليس ذلك تفسيرا لذلك.
ومن فساد التفسير ما كتب بعضهم: من كان لأمير المؤمنين كما أنت له من الذّبّ عن ثغوره والمسارة إلى ما يهيب به إليه من صغير أمره وكبيره كان جديرا بنصح أمير المؤمنين فى أعماله، والاجتهاد فى تثمير أمواله؛ فليس الذى قدّم من الحال التى عليها هذا العامل من الذّب عن الثغور والمسارعة فى الخطوب ما سبيله أن يفسّر بالنصح فى الأعمال وتثمير الأموال. ولعلّه لو أضاف إلى ذكر الذّب عن الثغور ذكر الحياطة فى الأمور لكان بهذا المضاف يجوز أن يفسّر بالنصح فى الأعمال والتثمير للأموال.
(1/347)

الفصل السّابع فى الإشارة
الإشارة
الإشارة أن يكون اللفظ القليل مشارا به إلى معان كثيرة، بإيماء إليها ولمحة تدل عليها؛ وذلك كقوله تعالى: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى
. وقول الناس: لو رأيت عليّا بين الصفين؛ فيه حذف وإشارة إلى معان كثيرة.
وأخبرنا أبو أحمد، قال أخبرنا أبو بكر الصولى، قال أخبرنا الحزنبل، قال:
لما ولّى المهتدى بالله وزارته سليمان بن وهب قام إليه رجل من ذى حرمته، فقال:
أعز الله الوزير! خادمك المؤمّل لدولتك، السعيد بأيامك، المنطوى القلب على مودتك، المبسوط اللسان بمدحتك، المرتهن الشكر بنعمتك، وإنما أنا كما قال القيسى: ما زلت أمتطى النهار إليك، وأستدلّ بفضلك عليك؛ حتى إذا أجنّنى الليل، فقبض البصر، ومحا الأثر، قام بدنى، وسافر أملى، والاجتهاد عذر، وإذا بلغتك فقط. فقال سليمان:
لا بأس عليك فإنى عارف بوسيلتك، محتاج إلى كفايتك، ولست أؤخر عن يومى هذا توليتك بما يحسن عليك أثره، ويطيب لك خيره إن شاء الله. فقوله: «وإذا بلغتك فقط» إشارة إلى معان كثيرة يطول شرحها.
وكتب آخر إلى آخر: أتعيّرنى وأنا أنا! والله لأزرن عليك الفضاء، ولأبغّضنك لذيذ الحياة، ولأحبّبنّ إليك كريه الممات، ما أظنك تربع على ظلعك، وتقيس شبرك بفترك؛ حتى تذوق وبال أمرك، فتعتذر حين لا تقبل المعذرة، وتستقيل حين لا تقال العثرة. فقوله: «وأنا أنا» إشارة إلى معان كثيرة، وتهديد شديد، وإيعاد كثير.
ومن المنظوم قول امرىء القيس «1» :
فإن تهلك شنوءة أو تبدّل ... فسيرى إنّ فى غسان خالا «2»
(1/348)

بعزّهم عززت وإن يذلّوا ... فذلهم أنالك ما أنالا
فقولوه: «إنّ فى غسان خالا» و «أنالك ما أنالا» إشارة إلى معان كثيرة.
وضرب منه قوله «1» :
على سابح يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جرى غير كزّ ولا وان
فقوله: «أفانين جرى» مشار به إلى معان لو عدت لكثرت؛ وضم إلى ذلك جميع أوصاف الجودة فى قوله: «يعطيك قبل سؤاله» .
وأنشدنا أبو أحمد لبعضهم:
لم آت مطّلبا إلا لمطلب ... وهمة بلغت بى أفضل الرتب
أعملت عيسى إلى البيت العتيق على ... ما كان من دأب فيها ومن نصب
حتى إذا ما انقضى حجّى ثنيت لها ... فضل الزمام فأمّت سيد العرب
هذا رجائى وهذى مصر معرضة ... وأنت أنت وقد ناديت من كثب
فقوله: «أنت أنت» مشار به إلى نعوت من المدح كثيرة.
ومن هذا قول أبى نواس «2» :
أنت الخصيب وهذه مصر
(1/349)

الفصل الثامن فى الأرداف والتوابع
الأرداف والتوابع
الأرداف والتوابع: أن يريد المتكلم الدلالة على معنى فيترك اللفظ الدالّ عليه، الخاص به، ويأتى بلفظ هو ردفه وتابع له، فيجعله عبارة عن المعنى الذى أراده، وذلك مثل قول الله تعالى: فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ
، وقصور الطرف فى الأصل موضوعة للعفاف على جهة التوابع والأرداف؛ وذلك أن المرأة إذا عفّت قصرت طرفها على زوجها، فكان قصور الطرف ردفا للعفاف، والعفاف ردف وتابع لقصور الطرف.
وكذلك قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
، وذلك أنّ الناس يتكافّون عن الحرب من أجل القصاص فيحيون فكأن حياتهم ردف للقصاص الذى يتكافّون عن القتل من أجله؛ ونحوه قول الشاعر:
وفى العتاب حياة بين أقوام
ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقد سئل عن الفرع، فقال:
«حق، وإن تتركه حتى يكون ابن مخاض أو ابن لبون خير من أن تكفىء إناءك، وتولّه ناقتك؛ وتدعه يلصق لحمه بوبره» «1» .
الفرع: أول شىء تنتجه الناقة، وكانوا يذبحونه لله عز وجل. فقال: هو حق، إلا أنه ينبغى أن يترك حتى يكون ابن مخاض أو ابن لبون فيصير للحمه طعم، وقال «هو خير من أن تكفىء إياءك» فهذه من الإرداف أراد أنك إذا ذبحته حين تضعه أمّه بقيت الأم بلا ولد ترضعه فانقطع لبنها؛ فردف ذلك أن يخلو إناؤك من اللبن، فكأنك قد كفأته. ومثله قول امرىء القيس «2» :
(1/350)

وأفلتهنّ علباء جريضا ... ولو أدركنه صفر الوطاب «1»
أى لو أدركنه- يعنى الخيل- قتلنه، واستقن إبله فصفرت وطابه؛ ومن ذلك قول الأعشى:
ربّ رفد هرقنه ذلك اليو ... م وأسرى من معشر أقيال
الرّفد: القدح العظيم الضخم، يقول: استقت الإبل فخلا الرّفد، فكأنك قد هرقته.
ومن الأرداف قول المرأة لمن سألته: أشكو إليك قلة الجرذان، وذلك أن قلّة جرذان البيت ردف لعدم خيره؛ ويقولون: فلان عظيم الرماد، يريدون أنه كثير الإطعام للأضياف؛ لأن كثرة الإطعام يردف كثرة الطبخ؛ ومن المنظوم قول التغلبى «2» :
وكل أناس قاربوا قيد فحلهم ... ونحن خلعنا قيده فهو سارب
أراد أن يذكر عزّ قومه، فذكر تسريح الفحل فى المرعى، والتوسيع له فيه؛ لأن هذه الحال تابعة للعزّة رادفة للمنعة، وذلك أن الأعداء لعزهم لا يقدمون عليهم فيحتاجون إلى تقييد فحلهم، مخافة أن يساق فيتبعه السّرح؛ ومن ذلك قول الآخر:
ومهما فىّ من عيب فإنى ... جبان الكلب مهزول الفصيل
يعنى أن كلبه يضرب إذا نبح على الأضياف، فيردف ذلك جبنه عن نبحهم؛ وأن اللبن الذى يسمن به الفصيل يجعل للأضياف فيردف ذلك هزال الفصيل.
وقول الآخر:
وكلّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرّ منها الأنامل
يعنى الموت، فعبر عنه باصفرار الأنامل، لأنها تصفر من الميت، فكان اصفرارها ردف؛ وقول امرىء القيس «3» :
(1/351)

وتضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نئم الضحا لم تنتطق عن تفضل
أراد أنها مكفّية؛ ونئومة الضحا وترك الانتطاق للخدمة يردفان الكفاية؛ فعبر بهما عنها وأراد أنها من أهل الترفّه والنعمة فتستعمل المسك الكثير فينتثر فى فراشها وهذه الحال تردف الترف والنعمة؛ وقول عمر بن أبى ربيعة «1» :
بعيدة مهوى القرط أما لنوفل ... أبوها وأما عبد شمس وهاشم
فأراد أن يصف طول عنقها فأتى بما دلّ عليه من طول مهوى القرط، وبعد مهوى القرط ردف لطول العنق. وقول الخنساء «2» :
ومخرّق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحياء سقيما
أرادت وصفه بالجود فجعلته مخرّق القميص، لأن العفاة يجذبونه؛ فتمزيق قميصه ردف لجوده. وقول الشاعر «3» :
طويل نجاد السيف لا متضائل ... ولا رهل لبّاته وبآدله «4»
أراد وصفه بطول القامة، فذكر طول نجاده، لأن طوله ردف لطول القامة.
وقد أدخل بعض من صنّف فى هذا أمثلة باب الأرداف فى باب المماثلة، وأمثلة باب المماثلة فى باب الأرداف، فأفسد البابين جميعا، فلخصت ذلك وميّزته وجعلت كلّا فى موضعه، وفيه دقّة وإشكال.
(1/352)

الفصل التاسع فى المماثلة
المماثلة
المماثلة: أن يريد المتكلم العبارة عن معنى، فيأتى بلفظة تكون موضوعة لمعنى آخر، إلا أنه ينبىء إذا أورده عن المعنى الذى أراده، كقولهم: «فلان نقى الثوب» ، يريدون به أنه لا عيب فيه. وليس موضوع نقاء الثوب البراء من العيوب، وإنما استعمل فيه تمثيلا.
وقول امرىء القيس «1» :
ثياب بنى عوف طهارى نقية ... وأوجههم عند المشاهد غرّان «2»
وكذلك قولهم: «فلان طاهر الجيب» ، يريدون أنه ليس بخائن ولا غادر.
وقولهم: فلان طيب الحجزة، أى عفيف. قال النابغة «3» :
رقاق النعال طيّب حجزاتهم ... يحيّون بالريحان يوم السباسب «4»
وقال الأصمعى: إذا قالت العرب: الثوب والإزار؛ فإنهم يريدون البدن، وأنشد «5» :
ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخى ثقة إزارى
وقالوا فى قول ليلى «6» :
رموها بأثواب خفاف فلا ترى ... لها شبها إلا النعام المنفرا
أى رموها بأجسامهم وهى خفاف عليها. ووضع الثوب موضعا آخر فى قول الشاعر:
فتلك ثياب إبراهيم فينا ... بواق ما دنسن ولا بلينا
(1/353)

ويقولون: فلان أوسع بنى أبيه ثوبا، أى أكثرهم معروفا، وفلان غمر الرداء، إذا كان كثير المعروف؛ قال كثير:
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا ... علقت لضحكته رقاب المال
وكذلك قولهم: فلان رحب الذراع، وفلان دنس الثوب؛ إذا كان غادرا فاجرا، قال الشاعر:
ولكننى أنفى عن الذمّ والدى ... وبعضهم للذم فى ثوبه دسم
ويقولون: دم فلان فى ثوب فلان، أى هو صاحبه. قال أبو ذؤيب «1» :
تبرّأ من دمّ القتيل وبزّه ... وقد علقت دمّ القتيل إزارها
هذيل تؤنث الإزار، أى علّقت دم القتيل هى، ورواه أبو عمرو الشيبانى وبزّه، بالرفع، أى وبزه إزارها وقد علقت دمه؛ ويقولون للفرس: إنه لطرب العنان؛ وللبعير: قد سفه جديله، والجديل: الزمام. وقال ذو الرمة «2» :
وأشقر موشىّ القميص نصبته ... على خضر مقلات سفيه جديلها «3»
وفى القرآن: كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً
، فمثّل العمل ثم إحباطه بالنّقض بعد الفتل.
وكذلك قوله تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها.
وقوله عز وجل: هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ.
وقوله سبحانه: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
فمثّل البخيل الممتنع من البذل بالمغلول، لمعنى يجمعهما، وهو أنّ البخيل لا يمدّ يده بالعطية فشبّهه بالمغلول. ويقولون: عركت هذه الكلمة بجنبى، إذا أغضيت عنها،
(1/354)

وفلان قد طوى كشحه عن فلان، إذا ترك مودّته وصحبته. ويقولون: كبا زند العدوّ، وصلف زنده، وأفل نجمه، وذهبت ريحه، وأطفئت جمرته، وأخلف نوءه، وأخلقت جدّته، وانكسرت شوكته، وكلّ حدّه، وانقطع بطانه، وتضعضع ركنه، وضعف عقده، وذلت عضده، وفتّ فى عضده، ورق جانبه، ولانت عريكته، يقال ذلك فيه إذا ولّى أمره؛ تمثيلا وتشبيها.
وقال النبى صلّى الله عليه وسلّم: «إيّاكم وخضراء الدمن» ، أراد المرأة الحسناء فى منبت السوء، فأتى بغير اللفظ الموضوع لها تمثيلا. وقال بعضهم: كنا فى رفقة فضللنا الطريق، فاسترشدنا عجوزا فقالت: استبطن الوادى، وكن سيلا حتى تبلغ.
وكتب أحمد بن يوسف إلى عبد الله بن طاهر عن المأمون بعزله عن ديار مصر، وتسليم العمل إلى إسحاق بن إبراهيم: أما بعد! فإن أمير المؤمنين قد رأى تولية إسحاق بن إبراهيم ما تتولاه من أعمال المعاون بديار مصر، وإنما هو عملك نقل منك إليك. فسلمه من يدك إلى يدك والسلام. واغتاب رجل رجلا عند سلم بن قتيبة، فقال له سلم: اسكت، فو الله لقد تلمّظت مضغة طالما لفظها الكرام.
ومن المنظوم قول طرفة:
أبينى، أفى يمنى يديك جعلتنى ... فأفرح أم صيّرتنى فى شمالك
أى أبينى منزلتى عندك أوضيعة هى أم رفيعة؛ فذكر اليمين وجعلها بدلا من الرفعة، والشمال وجعلها عوضا من الضّعة. وأخذه الرّمّاح بن ميّادة، فقال «1» :
ألم تك فى يمنى يديك جعلتنى ... فلا تجعلنّى بعدها فى شمالكا
ولو أنّنى أذنبت ما كنت هالكا ... على خصلة من صالحات خصالكا
وقال آخر «2» :
تركت الرّكاب لأربابها ... وأكرهت نفسى على ابن الصّعق
(1/355)

جعلت يدى وشاحا له ... وبعض الفوارس لا تعتنق
فقوله: جعلت يدى وشاحا تمثيل. وقول زهير «1» :
ومن يعص أطراف الزّجاج فإنه ... يطيع العوالى ركبت كل لهذم «2»
أراد أن يقول: من أبى الصلح رضى بالحرب، فعدل عن لفظه، وأتى بالتمثيل؛ فجعل الزّج للصلح؛ لأنه مستقبل «3» فى الصلح، والسنان للحرب لأن الحرب به يكون؛ وهذا مثل قولهم: من عصى الصوت أطاع السيف، ومنه قول امرىء القيس «4» :
وما ذرفت عيناك إلّا لتضربى ... بسهميك فى أعشار «5» قلب مقتّل
فقال: بسهميك، وأراد العينين. وقال العباس بن مرداس «6» :
كانوا أمام المؤمنين درّية ... والشمس يومئذ عليهم أشمس
أراد تلألؤ البيض فى الشمس، فكأن على كل رأس شمسا، وقال قدامة: من أمثلة هذا الباب قول الشاعر «7» :
أوردتهم وصدور العيس مسنفة «8» ... والصّبح بالكوكب الدّرىّ منحور
وقال: قد أشار إلى الفجر إشارة إلى طريقه بغير لفظه. وليس فى هذا البيت إشارة إلى الفجر، بل قد صرّح بذكر الصبح، وقال: هو منحور بالكوكب الدرّى، أى صار فى نحره، ووضع هذا البيت فى باب الاستعارة أولى منه فى باب المماثلة.
مما عيب فى المماثلة
ومما عيب من هذا الباب قول أبى تمام:
أنت دلو وذو السّماح أبو ... موسى قليب وأنت دلو القليب
أيها الدّلو لا عدمتك دلوا ... من جياد الدّلاء صلب الصّليب
(1/356)

الفصل العاشر فى الغلو
الغلو
الغلو تجاوز حد المعنى والارتفاع فيه إلى غاية لا يكاد يبلغها؛ كقول الله تعالى:
وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ
. وقال تأبط شرا «1» :
ويوم كيوم العيكتين «2» وعطفة ... عطفت وقد مسّ القلوب الحناجر
وقال الله تعالى: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ
، بمعنى لتكاد تزول منه. ويقال إنها فى مصحف ابن مسعود مثبته؛ وقد جاءت فى القرآن مثبتة وغير مثبتة. قال الله تعالى: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ.
وقال الشاعر «3» :
يتقارضون إذا التقوا فى موطن ... نظرا يزيل مواطىء الأقدام «4»
وكاد إنما هى للمقاربة، وهى أيضا مع إثباتها توسع؛ لأن القلوب لا تقارب البلوغ إلى الحناجر وأصحابها أحياء.
وقوله تعالى: وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
، وهذا إنما هو على البعيد؛ ومعناه لا يدخل الجمل فى سمّ الخياط ولا يدخل هؤلاء الجنة.
ومثله قول الشاعر «5» :
إذا زال عنكم أسود العين «6» كنتم ... كراما وأنتم ما أقام ألائم
وقول الآخر «7» :
فرجّى الخير وانتظرى إيابى ... إذا ما القارظ العنزىّ آبا
(1/357)

وقال النابغة «1» :
فإنك سوف تحلم أو تناهى ... إذا ما شبت أو شاب الغراب
مثال الغلو من النثر
ومثال الغلو من النثر قول امرأة من العجم كانت لا تظهر إذا طلعت الشمس فقيل لها فى ذلك، فقالت: أخاف أن تكسفنى. وقال أعرابى: لنا تمرة فطساء جرداء؛ تضع التمرة فى فيك، فتجد حلاوتها فى كعبك. وقيل لأعرابىّ: ما حضر «2» فرسك؟
قال: يحضر ما وجد أرضا. ووصف أعرابى فرسه، فقال: إن الوابل ليصيب عجزه؛ فلا يبلغ إلى معرفته حتى أبلغ حاجتى. وذمّ أعرابى رجلا، فقال: يكاد يعدى لؤمه من تسمّى باسمه.
وكتب بعضهم يصف رجلا، فقال: أما بعد، فإنك قد كتبت تسأل عن فلان، كأنك قد هممت بالقدوم عليه، أو حدّثت نفسك بالوفود إليه، فلا تفعل، فإنّ حسن الظن به لا يقع إلا بخذلان الله تعالى، وإنّ الطمع فيما عنده لا يخطر على القلب إلا بسوء التوكل على الله تعالى، والرجاء لما فى يديه لا ينبغى إلا بعد اليأس من رحمة الله تعالى؛ لا يرى إلا أن الإقتار الذى نهى الله عنه هو التبذير الذى يعاقب عليه، والاقتصاد الذى أمر به هو الإسراف الذى يغضب منه، وأن الصنيعة مرفوعة، والصلة موضوعة، والهمة مكروهة، والثقة منسوخة، والتوسع ضلالة، والجود فسوق، والسخاء من همزات الشياطين، وأن مواساة الرجل أخاه من الذنوب الموبقة، وإفضاله عليه إحدى الكبائر المرهقة، وأن الله تعالى لا يغفر أن يؤثر المرء على نفسه، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن آثر على نفسه فقد ضل ضلالا بعيدا، وخسر خسرانا مبينا؛ كأنه لم يسمع بالمعروف إلا فى الجاهلية الذين قطع الله دابرهم، ومحا معالمهم، ونهى المسلمين عن اتباع آثارهم، وحظر عليهم أن يختاروا مثل اختيارهم، يظنّ أن الرّجفة لم تأخذ أهل مدين إلا لسخاء كان فيهم، ولم تهلك عادا بالريح العقيم
(1/358)

إلا لتوسّع كان فيهم، فهو يخشى العقاب على الإنفاق، ويرجو الثواب على الإمساك، ويعذر نفسه فى العقوق، ويلوى ماله عن الحقوق؛ خيفة أن ينزل به قوارع العالمين.
ويأمرها بالبخل خشية أن يصيبه ما أصاب القرون الأولين، فأقم- رحمك الله- على مكانك، واصطبر على عسرتك، عسى الله أن يبدّلنا وإياك خيرا منه زكاة وأقرب رحما.
وقالت سكينة بنت الحسين رضى الله عنهما وقد أثقلت ابنتها بالدر: ما ألبستها إياه إلا لتفضحه؛ ونحوه قول الشاعر:
جارية أطيب من طيبها ... والطّيب فيه المسك والعنبر
ووجهها أحسن من حليها ... والحلى فيه الدرّ والجوهر
وقال ابن مطير «1» :
مخصّرة الأوساط زانت عقودها ... بأحسن مما زينتها عقودها
وقيل لأعرابى: فلان يدّعى الفضل على فلان، فقال: والله لئن كان أطول من مسيره ما بلغ فضله، ولو وقع فى ضحضاح معروفه غرق. وقال أعرابى: الناس يأكلون أماناتهم لقما، وفلان يحسوها حسوا، ولو نازعت فيه الخنازير لقضى به لها لقرب شبهه منها، وما ميراثه عن آدم إلا أنه سمى آدميا. وذكر أعرابى رجلا، فقال: كيف يدرك بثاره وفى صدره حشو مرفقة من البلغم، وهو المرء لو دقّ بوجهه الحجارة لرضّها، ولو خلا بالكعبة لسرقها.
وأخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنا الصولى، قال: حدثنا الحسن بن الحسين الأزدى قال: حدثنا ابن أبى السرى، عن رزين العروضى، قال: لقيت أبا الحرث جميزا «2» ومعه غلام لمحمد بن يحيى البرمكى متعلق به، فقلت له: ما لهذا متعلق بك؟ فقال:
لأنى دخلت أمس على مولاه وبين يديه خوان من نصف خشخاشة، فتنفست فطار
(1/359)

الخوان فى أنفى فهذا يستعدى علىّ، فقلت له: أما تستحى مما تقول؟ فقال: الطلاق له لازم لو أن عصفورا نقر حبّة من طعام بيدره ما رضى حتى يؤتى بالعصفور مشويا بين رغيفين، والرغيفان من عند العصفور! قلت: قبحك الله! ما أعظم تعدّيك! فقال: علىّ المشى إلى بيت الله الحرام إن لم يكن صعود السماء على سلم من زبد حتى يأخذ بنات نعش أيسر عليه من أن يطعمك رغيفا فى اليوم.
[مثال الغلو] من المنظوم
ومن المنظوم قول امرىء القيس «1» :
من القاصرات الطرف لو دبّ محول ... من الذّرّ فوق الإتب منها لأثّرا «2»
وقول الأعشى «3» :
فتى لو ينادى الشمس ألقت قناعها ... أو القمر السارى لألقى المقالدا
ينادى: أى يجالس؛ وقول أبى الطمحان «4» :
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه
ومثله «5» :
وجوه لو ان المدلجين اعتشوا بها ... صدعن الدجى حتى ترى الليل ينجلى
وقول الآخر:
من البيض الوجوه بنى سنان ... لو انك تستضىء بهم أضاءوا
وقول النابغة الجعدى «6» :
بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
وقول النّمرى «7» .
تظلّ تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادى
(1/360)

وقول الطّرمّاح: «1»
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت
ولو أنّ برغوثا على ظهر قملة ... يكرّ على صفّى تميم لولّت
ولو أنّ أم العنكبوت بنت لها ... مظّلتها يوم الندى لاستظلت
ولو جمعت يوما تميم جموعها ... على ذرّة معقولة لا ستقلت
ولو أن يربوعا يزقّق مسكه ... إذن نهلت منه تميم وعلّت
يزقق: أى يجعل منه زقاقا.
وقال الآخر:
وتبكى السموات إذا ما دعا ... وتستغيث الأرض من سجدته
لما اشتهى يوما لحوم القطا ... صرّعها فى الجوّ من نكهته
ومثله فى الإفراط قول الخثعمى:
يدلى يديه إلى القليب فيستقى ... فى سرجه بدل الرشاء المحصد «2»
وكما أفرطوا فى صفة الطّول كذلك أفرطوا فى صفة القصر؛ قال بعضهم:
فأقسم لو خرّت من استك بيضة ... لما انكسرت من قرب بعضك من بعض
وقال آخر فى صفة كثير عزة وكان قصيرا:
قصير القميص فاحش عند بيته ... يعضّ القراد باسته وهو قائم
وقال بعض المحدثين:
وقصير لا تعمل الش ... شمس ظلّا لقامته
يعثر الناس فى الطرى ... ق به من دمامته
وقال أبو عثمان الناجم:
ألا يا بيدق الشطرن ... ج فى القيمة والقامة
(1/361)

وقال أبو نواس يصف قدرا:
يغصّ بحيزوم الجرادة صدرها ... وينضج ما فيها بعود خلال
وتغلى بذكر النار من غير حرّها ... وتنزلها عفوا بغير جعال
هى القدر قدر الشيخ بكر بن وائل ... ربيع اليتامى عام كل هزال
وقال آخر فى خلاف ذلك:
بقدر كأنّ الليل شحمة قعرها ... ترى الفيل فيها طافيا لم يقطّع
ومن الإفراط قول المؤمل:
من رأى مثل حبّتى ... تشبه البدر إذ بدا
تدخل اليوم ثم تد ... خل أرادفها غدا
ومثله قول الآخر:
أنت فى البيت وعرن ... ينك فى الدّار يطوف
ومثله:
لقد مرّ عبد الله فى السوق راكبا ... له حاجة من أنفه ومطّرق
وعنّت له فى جانب السوق مخطة ... توهمت أن السوق منها سيغرق
فأقذر به أنفا وأقذر بربّه ... على وجهه منه كنيف معلّق
ومثله فى الإفراط قول آخر فى إمام بطىء القراءة:
إن قرأ «العاديات» فى رجب ... لم تفن آياتها إلى رجب
بل هو لا يستطيع فى سنة ... بختم «تبت يدا أبى لهب»
وقال ابن مقبل:
يقلقل من ضغم اللجام لهاته ... تقلقل عود المرخ فى الجعبة الصّفر
وقال إبراهيم بن العباس «1» :
يا أخا لم أر فى الدهر خلّا ... مثله أسرع هجر ووصلا
(1/362)

كنت لى فى صدر يومى صديقا ... فعلى عهدك أمسيت أم لا
وقال ابن الرومى:
يا ثقيلا على القلوب خفيفا ... فى الموازين دون وزن النقير
طر مخيفا أو قع مقيتا فطو ... را كسفاة وتارة كثبير «1»
وقبول النفوس إياك عندى ... آية فيك للّطيف الخبير
إن قوما أصبحت تنفق فيهم ... لعلى غاية من التسخير
ومن الناس من يكره الإفراط الشديد ويعيبه؛ وإذا تحرز المبالغ واستظهر فأورد شرطا، أو جاء- بكاد- وما يجرى مجراها يسلم من العيب؛ وذلك مثل قول الأول «2» :
لو كنت من شىء سوى بشر ... كنت المنوّر ليلة البدر
وقول العرجى:
لو كان حيّا قبلهنّ ظعائنا ... حيا الحطيم وجوههنّ وزمزم
وقول الأسدى:
فلو قاتل الموت امرؤ عن حميمه ... لقاتلت جهدى سكرة الموت عن معن
فتى لا يقول الموت من وقعة به ... لك ابنك خذه ليس من حاجتى دعنى
وقول الآخر:
لو كان يخفى على الرّحمن خافية ... من خلقه خفيت عنه بنو أسد
قوم أقام بدار الذلّ أو لهم ... كما أقامت عليه جذمة الوتد
وقول البحترى «3» :
ولو أن مشتاقا تكلّف غير ما «4» ... فى وسعه لسعى إليك المنبر
من عيوب الغلو
ومن عيوب هذا الباب أن يخرج فيه إلى المحال، ويشوبه بسوء الاستعارة، وقبيح العبارة؛ كقول أبى نواس فى الخمر:
(1/363)

توهمتها فى كأسها فكأنما ... توهمت شيئا ليس يدرك بالعقل
وصفراء أبقى الدهر مكنون روحها ... وقد مات من مخبورها جوهر الكل
فما يرتقى التكييف منها إلى مدى ... تحدّ به إلّا ومن قبله قبل
فجعلها لا تدرك بالعقل وجعلها لا أول لها، وقوله: «جوهر الكل» و «التكييف» فى غاية التكلف، ونهاية التعسف. ومثل هذا من الكلام مردود، لا يشتغل بالاحتجاج عنه له، والتحسين لأمره، وهو بترك التداول أولى؛ إلا على وجه التعجب منه ومن قائله. ومن الغلو الغث قول المتنبى «1» :
فتى ألف جزء رأيه فى زمانه ... أقلّ جزىء بعضه الرأى أجمع
وقوله «2» :
تتقاصر الأفهام عن إدراكه ... مثل الذى الأفلاك فيه والدّنا
سئل عما فيه الأفلاك والدنا، فقال: علم الله؛ ونيته لا تدل عليه؛ فأفرط وعمّى، وجمع دنيا على قول أهل الأدوار والتناسخ.
(1/364)

الفصل الحادى عشر فى المبالغة
المبالغة
المبالغة أن تبلغ بالمعنى أقصى غاياته، وأبعد نهاياته، ولا تقتصر فى العبارة عنه على أدنى منازله وأقرب مراتبه؛ ومثاله من القرآن قول الله تعالى: يَوْمَ (تَرَوْنَها) تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى
. ولو قال: تذهل كل امرأة عن ولدها لكان بيانا حسنا وبلاغة كاملة؛ وإنما خص المرضعة للمبالغة، لأن المرضعة أشفق على ولدها لمعرفتها بحاجته إليها، وأشغف به لقربه منها ولزومها له، لا يفارقها ليلا ولا نهارا، وعلى حسب القرب تكون المحبة والإلف؛ ولهذا قال امرؤ القيس «1» :
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذى تمائم محول
لما أراد المبالغة فى وصف محبّة المرأة له، قال: إنى أليتها عن ولدها الذى ترضعه لمعرفته بشغفها به، وشفقتها عليه فى حال إرضاعها إياه.
وقوله تعالى: كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً
، لو قال يحسبه الرائى لكان جيدا؛ ولكن لما أراد المبالغة ذكر الظمآن؛ لأن حاجته إلى الماء أشد، وهو على الماء أحرص؛ وقد ذكرناه قبل. ومثل ذلك قول دريد بن الصّمة «2» :
متى ما تدع قومك أدع قومى ... وحولى من بنى جشم فئام «3»
فوارس بهمة حشد إذا ما ... بدا حضر الحيّية والحذام «4»
فالمبالغة الشديدة فى قوله: «الحيية» . ومن المبالغة نوع آخر، وهو أن يذكر المتكلم حالا لو وقف عليها أجزأته فى غرضه منها، فيجاوز ذلك حتى يزيد فى المعنى
(1/365)

زيادة تؤكده، ويلحق به لاحقة تؤيده. كقول عمير بن الأهتم التغلبى «1» :
ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا
فإكرامهم الجار ما دام فيهم مكرمة، وإتباعهم إياه الكرامة حيث مال من المبالغة. وقول الحكم الخضرى «2» :
وأقبح من قرد وأبخل بالقرى ... من الكلب أمسى وهو غرثان أعجف
فالكلب بخيل على ما ظفر به، وهو أشد بخلا إذا كان جائعا أعجف. ومن هاهنا أخذ حماد عجرد قوله فى بشار «3» :
ويا أقبح من قرد ... إذا ما عمى القرد
وقول رواس بن تميم «4» :
وإنّا لنعطى النّصف منّا وإننا ... لنأخذه من كل أبلخ «5» ظالم
المبالغة فى قوله: «أبلخ» .
وقول أوس بن غلفاء الهجيمى «6» :
وهم تركوك أسلح من حبارى ... رأت صقرا، وأشرد من نعام
فقوله: «رأت صقرا» من المبالغة.
وكتبت فى فصل إلى بعض أهل الأدب: قربك أحبّ إلىّ من الحياة فى ظل اليسر والسعة، ومن طول البقاء فى كنف الخفض والدّعة، ومن إقبال الحبيب مع إدبار الرقيب، ومن شمول الخصب بعد عموم الجدب، وأقرّ لعينى من الظّفر بالبغية بعد إشرافى على الخيبة، وأسرّ لنفسى من الأمن بعد الخوف، والإنصاف بعد الحيف.
وأسأل الله أن يطيل بقاءك، ويديم نعماءك، ويرزقنى عدلك ووفاءك، ويكفينى نبوّك وجفاءك.
(1/366)

فقولى: «الحياة فى ظل اليسر والسعة» . و «البقاء فى كنف الخفض والدعة» .
وقولى: «إقبال الحبيب مع إدبار الرقيب» وقولى: «الخصب بعد عموم الجدب» ، وما بعده إلى آخر الفصول مبالغات.
من عيوب المبالغة
ومن عيوب هذا الباب قول بعض المتأخرين «1» :
فلا غيضت بحارك يا جموما ... على علل الغرائب والدّخال «2»
أراد أن يقول: إنك كثير الجود على كثرة سؤالك فلا نقصت؛ فعبر عنه بهذه العبارة الغثّة، والجموم: البئر الكثيرة الماء؛ وقوله «3» :
ليس قولى فى شمس فعلك كالشم ... س ولكن فى الشّمس كالإشراق
على أن حقيقة معنى هذا البيت لا يوقف عليها.
ومن ردىء المبالغة قول أبى تمام «4» :
ما زال يهذى بالمكارم والعلا ... حتى ظننّا أنه محموم
أراد أن يبالغ فى ذكر الممدوح باللهج بذكر الجود، فقال: «ما زال يهذى» فجاء بلفظ مذموم، والجيد فى معناه قول الآخر:
ما كان يعطى مثلها فى مثله ... إلا كريم الخيم أو مجنون
قسم قسمين: ممدوحا ومذموما، ليخرج الممدوح من المذموم إلى الممدوح المحمود.
ومن جيد المبالغة قول عمرو بن حاتم:
خليلىّ أمسى حبّ خرقاء قاتلى ... ففى الحبّ منى وقدة وصدوع
ولو جاورتنا العام خرقاء لم نبل ... على جدبنا ألّا يصوب ربيع
قوله: «على جدبنا» مبالغة جيدة.
(1/367)

الفصل الثّانى عشر فى الكناية والتعريض
الكناية والتعريض
وهو أن يكنى عن الشىء ويعرّض به ولا يصرح، على حسب ما عملوا باللّحن والتّورية عن الشىء. كما فعل العنبرى إذ بعث إلى قومه بصرّة شوك وصرّة رمل وحنظلة، يريد: جاءتكم بنو حنظلة فى عدد كثير ككثرة الرمل والشوك.
وفى كتاب الله تعالى عز وجل: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ
، فالغائط كناية عن الحاجة، وملامسة النساء كناية عن الجماع.
وقوله تعالى: وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ
كناية عن النّساء.
ومن مليح ما جاء فى هذا الباب قول أبى العيناء، وقيل له: ما تقول فى ابنى وهب؟
قال: وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ
سليمان أفضل، قيل: وكيف؟ قال: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
من التعريض الجيد
ومن التعريض الجيد ما كتب به عمرو بن مسعدة إلى المأمون: أما بعد، فقد استشفع بى فلان إلى أمير المؤمنين، ليتطوّل عليه فى إلحاقه بنظرائه من المرتزقين فيما يرتزقون، فأعلمته أنّ أمير المؤمنين لم يجعلنى فى مراتب المستشفع بهم، وفى ابتدائه بذلك تعدّى طاعته والسلام. فوقع فى كتابه: قد عرفنا تصريحك له، وتعريضك بنفسك، وأجبناك إليهما، وأوقفناك عليهما.
ومن المنظوم قول بشّار:
وإذا ما التقى ابن نهيا وبكر ... زاد فى ذا شبر وفى ذاك شبر
أراد أنهما يتبادلان، وقال آخر فى ابن حجام:
أبوك أب مازال للناس موجعا ... لأعناقهم نقرا كما ينقر الصّقر
(1/368)

إذا عوّج الكتّاب يوما سطورهم ... فليس بمعوجّ له أبدا سطر
وقال بعض المتقدمين:
وقد جعل الوسمىّ ينبت بيننا ... وبين بنى دودان نبعا وشوحطا
النّبع والشّوحط، كأنه كنّى بهما عن القسى والسهام؛ ومثله قول الآخر:
وفى البقل ما لم يدفع الله شرّه ... شياطين ينزو بعضهنّ على بعض
وقول رؤبة:
يابن هشام أهلك النّاس اللبن ... فكلّهم يعدو بقوس وقرن
وهذه كنايات عن القتال والوقائع بينهم أيام الربيع، وهو وقت الغزو عندهم.
وكتب كافى الكفاة: إن فلانا طرق بيته وهو الخيف؛ لا خوف على من دخله، ولا يد على من نزله، فصادف فتيانا يعاطون كريمته الكؤوس تارة، والفؤوس مرة، فمن ذى معول يهدم، ومن ذى مغول «1» يثلم. فبائع الرقيق يكتب من بينهم بالغليظ، فوثبت العفيفة خفيفة ذفيفة «2» ، تحكم يمناها فى أخادعه، وتتقى بيسراها وقع أصابعه، والحاضرون يحرّضونها على القتال، ويدعونها إلى النزال، والشيخ يناديهم:
تجمعتم من كل أوب وبلدة ... على واحد لازلتم قرن واحد
ثم علم أن الحرب خدعة، ولكل امرىء فرصة، فتلقّاها بالأثافى طلاقا بتّا وفراقا بتلا. وأخذ ينشد:
إنى أبىّ أبىّ ذو محافظة ... وابن أبىّ أبىّ من أبيين «3»
ولكن بعد ماذا، بعد ما ضمّوا الخصر، وأموا الحصر، وأدمنوا العصر، وافتتحوا القصر.
(24- الصناعتين)
(1/369)

وكان ما كان مما لست أذكره ... فظنّ شرّا ولا تسأل عن الخبر
فأكثر هذا الكلام كنايات.
مما عيب من الكناية
ومما عيب من هذا الباب ما أخبرنا به أبو أحمد، قال: قال أبو الحسن بن طباطبا الأصبهانى يصف غلاما:
منعّم الجسم يحكى الماء رقته ... وقلبه قسوة يحكى أبا أوس
أى قلبه حجر، أراد والد أوس بن حجر، فأبعد التناول. فكتب إليه أبو مسلم قال: وأنشدنيها أبو مسلم، ولم ينسبها إلى نفسه:
أبا حسن حاولت إيراد قافية ... مصلّبة المعنى فجاءتك واهيه
وقلت أبا أوس تريد كناية ... عن الحجر القاسى فأوردت داهيه
فإن جاز هذا فاكسرن غير صاغر ... فمى بأبى القرم الهمام معاويه
وإلا أقمنا بيننا لك جدّه ... فتصبح ممنونا بصفّين ثانيه
أراد: فاكسرن فمى بصخر، وإلا أقمنا بيننا لك حربا وهو جد معاوية؛ وقال أبو نواس فى جلد عميرة:
إذا أنت أنكحت الكريمة كفئها ... فانكح حسينا راحة بنت ساعد
وقل بالرّفا ما نلت من وصل حرّة ... لها راحة حفّت بخمس ولائد
ومن شنيع الكناية، قول بعض المتأخرين «1» :
إنى على شغفى بما فى خمرها «2» ... لأعفّ عما فى سراويلاتها
وسمعت بعض الشيوخ يقول: الفجور أحسن من عفاف يعبّر عنه بهذا اللفظ.
قال: وقريب من ذلك قول الآخر:
وما نلت منها محرما غير أننى ... إذا هى بالت بلت حيث تبول
(1/370)

الفصل الثّالث عشر فى العكس
العكس
العكس: أن تعكس الكلام فتجعل فى الجزء الأخير منه ما جعلته فى الجزء الأول، وبعضهم يسميّه التبديل؛ وهو مثل قول الله عز وجل: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ.
وقوله تعالى: ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ.
وكقول القائل: اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك. وقول الآخر:
اللهم أغننى بالفقر إليك، ولا تفقرنى بالاستغناء عنك. وقول بعض النساء لولدها:
رزقك الله حظّا يخدمك به ذوو العقول، ولا رزقك عقلا تخدم به ذوى الحظوظ.
وقال بعضهم لرجل كان يتعهده: أسأل الله الّذى رحمنى بك، أن يرحمك بى.
وقال بعض القدماء: ما أقلّ منفعة المعرفة مع غلبة الشهوة! وما أكثر قلة المعرفة مع ملك النفس! وقال بعضهم: كن من احتيالك على عدوك، أخوف من احتيال عدوك عليك. وقال آخر: ليس معى من فضيلة العلم إلا أنى أعلم أنى لا أعلم.
وفى معناه قول الشاعر:
جهلت ولم تعلم بأنك جاهل ... فمن لى بأن تدرى بأنّك لا تدرى
وعزّى رجل أخاه على ولد، فقال: عوّضك الله منه ما عوّضه منك- يعنى الجنّة.
وقال بعضهم: إنى أكره للرّجل أن يكون مقدار لسانه فاضلا عن مقدار علمه، كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلا عن مقدار لسانه. وقال عمر بن الخطاب رضوان الله عنه: إذا أنا لم أعلم ما لم أر فلا علمت ما رأيت. وقيل للحسن بن سهل- وكان يكثر العطاء: ليس فى السّرف خير، فقال: ليس فى الخير سرف.
(1/371)

فعكس اللفظ واستوفى المعنى.
مثاله من المنظوم
وقال بعضهم؛ كان الناس ورقا لا شوك فيه، فصاروا شوكا لا ورق فيه.
ومثاله من المنظوم قول عدى بن الرقاع «1» :
ولقد ثنيت يد الفتاة وسادة ... لى جاعلا إحدى يدىّ وسادها
وقال بعض المحدثين:
لسانى كتوم لأسراركم ... ودمعى نموم لسرى مذيع
فلولا دموعى كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لى دموع
وقال آخر:
تلك الثنايا من عقدها نظمت ... أو نظّم العقد من ثناياها
والعكس أيضا من وجه آخر؛ وهو أن يذكر المعنى ثم يعكسه إيراد خلاف؛ كقول الصاحب:
وتسمى شمس المعالى وهو كسوفها
(1/372)

الفصل الرابع عشر فى التذييل
موقع التذييل فى الكلام
وللتذييل فى الكلام موقع جليل، ومكان شريف خطير؛ لأن المعنى يزداد به انشراحا والمقصد اتضاحا. وقال بعض البلغاء: للبلاغة ثلاثة مواضع؛ الإشارة، والتذييل، والمساواة. وقد شرحنا الإشارة والمساواة فيما تقدم؛ فأما التذييل
التذييل
فهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى بعينه، حتى يظهر لمن لم يفهمه، ويتوكد عند من فهمه، وهو ضدّ الإشارة والتعريض؛ وينبغى أن يستعمل فى المواطن الجامعة، والمواقف الحافلة؛ لأن تلك المواطن تجمع البطىء الفهم، والبعيد الذهن، والثاقب القريحة، والجيد الخاطر، فإذا تكررت الألفاظ على المعنى الواحد توكد عند الذهن اللقن، وصح للكليل البليد.
مثاله من القرآن
ومثاله من القرآن قول الله عز وجل: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ
؛ ومعناه وهل يجازى بمثل هذا الجزاء إلا الكفور.
وقوله تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ.
وإن كل نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
جميعا تذييل.
[مثاله] من النثر
ومثاله من النثر قول بعضهم: قبول السّعاية شر من السعاية؛ لأنّ السعاية إخبار ودلالة، والقبول إنفاذ وإجازة، وهل الدّال المخبر، مثل المجيز المنفذ، فإذا كان كذلك فالحزم أن يمقت الساعى على سعايته إن كان صادقا للؤمه فى هتك العورة، وإضاعة الحرمة، وأن يجمع له إلى المقت العقوبة إن كان كاذبا، لجمعه على إضاعة الحرمة، وهتك العورة ومبارزة الرحمن بقول الزّور واختلاق البهتان. فقوله: «وهل الدال المخبر مثل المجيز المنفذ» تذييل ما تقدم من الكلام.
(1/373)

وكتب رجل إلى أخ له: أما بعد، فقد أصبح لنا من فضل الله تعالى ما لا نحصيه، ولسنا نستحى من كثرة ما نعصيه، وقد أعيانا شكره، وأعجزنا حمده، فما ندرى ما نشكر: أجميل ما نشر، أم قبيح ما ستر، أم عظيم ما أبلى، أم كثير ما عفا، فاستزد الله من حسن بلائه بشكره على جميع آلائه. فقوله: «فما ندرى ما نشكر» تذييل لقوله «قد أعيانا شكره» .
وكتب سليمان بن وهب لبعضهم: بلغنى حسن محضرك، فغير بديع من فضلك، ولا غريب عندى من برّك؛ بل قليل اتّصل بكثير، وصغير لحق بكبير؛ حتى اجتمع فى قلب قد وطّن لموتك، وعنق قد ذلّلت لطاعتك، ونفس قد طبعت على مرضاتك؛ وليس أكثر سؤلها، وأعظم إربها، إلا طول مدتك، وبقاء نعمتك، قوله: «فغير بديع من فضلك ولا غريب عندى من برك» تذييل لقوله: «بل قليل اتصل بكثير، وصغير لحق بكبير» فأكد ما تقدم.
[مثاله] من المنظوم
ومن المنظوم قول الحطيئة «1» :
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يقيس «2» بأنف الناقة الذنبا
فاستوفى المعنى فى النّصف الأول، وذيّل بالنصف الثانى.
وقول الآخر:
فدعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل
وقول طرفة «3» :
لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطّول المرخى وثنياه باليد «4»
فالنصف الآخر تشبيه وتذييل.
وقول أبى نواس:
عرم الزمان على الذين عهدتهم ... بك قاطنين وللزمن عرام «5»
قوله: «وللزمان عرام» تذييل.
(1/374)

الفصل الخامس عشر فى الترصيع
التصريع [و] مثاله
وهو أن يكون حشو البيت مسجوعا، وأصله من قولهم: رصّعت العقد، إذا فصّلته. ومثاله قول امرىء القيس «1» :
سليم الشّظى عبل الشّوى شنج النّسا ... له حجبات مشرفات على الفال «2»
وقوله «3» :
وأوتاده ماذيّة وعماده ... ردينية فيها أسنّة قعضب «4»
وقوله «5» :
فتور القيام قطيع الكلا ... م تفترّ عن ذى غروب خصر
وضرب منه قوله «6» :
مخشّ مجش مقبل مدبر معا ... كتيس ظباء الحلّب العدوان «7»
وضرب منه، قوله «8» فى صفة الكلب:
ألصّ الضّروس حبىّ الضّلوع ... تبوع طلوب نشيط أشر «9»
فقوله: «الضّروس مع الضلوع» ، سجع؛ وإن لم يكن القاطع على حرف واحد؛ وقد أحكمنا هذا فى السجع والازدواج.
(1/375)

وقال زهير «1» :
كبداء مقبلة عجزاء مدبرة ... قوداء فيها إذا استعرضتها خضع «2»
وقال أوس «3» :
جشّا حناجرها علما مشافرها ... تستنّ أولادها فى قرقر ضاحى «4»
وقال طرفة «5» :
بطىء عن الجلّى سريع إلى الخنا ... ذلول بأجماع الرجال ملهّد «6»
وقال النمرى «7» :
من صوب سارية علّت بغادية ... تنهلّ حتى يكاد الصبح ينجاب
وقال تأبط شرا «8» :
بل من لعذّالة خذّالة أشب ... حرّقت باللّوم جلدى أى تحراق «9»
وقال أيضا «10» :
حمال ألوية شهاد أنديه ... هبّاط أودية جوّال آفاق
وقال النمر «11» :
طويل الذّراع قصير الكراع ... يواشك بالسّبسب الأغبر
وقال الأفوه الأودى «12» :
سود غدائرها بلج محاجرها ... كأن أطرافها لمّا اجتلى الطّنف «13»
(1/376)

وقال العجير «1» :
حمّ الذرى مرسلة منها العرى
وقال سليك «2» :
إذا أسهلت خبّت وإن أحزنت مشت
وقال بشامة بن الغدير «3» :
هوان الحياة وخزى الممات ... وكلّا أراه طعاما وبيلا
وقال الراعى «4» :
سود معاصمها خضر معاقمها ... قد مسّها من عقيد القار تنصيل «5»
وقالت ليلى الأخيلية «6» :
وقد كان مرهوب السنان وبيّن ال ... لسان ومجذام السّرى غير فاتر
وقال ذو الرمة:
كحلاء فى برج صفراء فى نعج «7» ... كأنها فضة قد مسها ذهب
وقال عامر بن الطفيل:
إنى وإن كنت ابن فارس عامر ... وفى السرّ منها والصريح المهذّب
فما سوّدتنى عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب
ولكنّنى أحمى حماها وأتقى ... أذاها وأرمى من رماها بمقنب
المقنب: جماعة الخيل.
كثرته
ومثل هذا إذا اتفق فى موضع من القصيدة أو موضعين كان حسنا، فإذا كثر وتوالى دلّ على التكلّف؛ وقد ارتكب قوم من القدماء الموالاة بين أبيات كثيرة
(1/377)

من هذا الجنس فظهر فيها أثر التكلّف، وبان عليها سمة التعسف، وسلم بعضها ولم يسلم بعض؛ فمن ذلك ما روى أنه للخنساء:
حامى الحقيقة محمود الخليقة مه ... دىّ الطريقة نفاع وضرّار
هذا البيت جيد؛ ثم قالت:
فعّال سامية ورّاد طامية ... للمجد نامية تعنيه أسفار
هذا البيت ردىء لتبرىء بعض ألفاظه من بعض؛ ثم قالت:
جواب قاصية جزّاز ناصية ... عقّاد ألوية للخيل جرّار
آخر هذا البيت لا يجرى مع ما قبله، وإذا قسته بأوله وجدته فاترا باردا؛ ثم قالت:
حلو حلاوته فصل مقالته ... فاش حمالته للعظم جبّار
وهذا مثل ما قبله؛ وقول أبى صخر الهذلى «1» :
وتلك هيكلة خود مبتّلة «2» ... صفراء رعبلة فى منصب سنم
هذا البيت صالح؛ وبعده:
عذب مقبّلها جذل مخلخلها ... كالدّعص «3» أسفلها مخصورة القدم
كأن قوله: «مخصورة القدم» ناب عن موضعه غير واقع فى موقعه؛ وبعده:
سود ذوائبها بيض ترائبها ... محض ضرائبها صيغت على الكرم
وهذا البيت أيضا قلق القافية؛ وبعده:
سمح خلائقها درم مرافقها ... يروى معانقها من بارد شبم
هذا البيت ردىء لبعد ما بين الخلائق، والمرافق، وما بين الدّرم، والسمح؛ ولولا أن السجع اضطره لما قال: سمح وليس لعظم مرفقها حجم «4» . وهذا مثل قول القائل لو قال: خلق فلان حسن وشعره جعد «5» . ليس هذا من تأليف
(1/378)

البلغاء ونظم الفصحاء. وقول أبى المثلم «1» :
آبى الهضيمة ناء بالعظيمة مت ... لاف الكريمة جلد غير ثنيان «2»
حامى الحقيقة نسّال الوديقة مع ... تاق الوسيقة لا نكس ولاوان «3»
البيت الثانى أجود من الأول؛ وقوله:
ربّاء مرقبة منّاع مغلبة ... وهاب سلهبة قطاع أقران «4»
وهذا البيت أيضا صالح؛ وبعده:
هبّاط أودية حمّال ألوية ... شهاد أندية سرحان فتيان «5»
قوله: سرحان فتيان ناب قلق؛ وبعده:
يعطيك ما لا تكاد النفس ترسله ... من التلاد وهوب غير منّان
التارك القرن مصفرّا أنامله ... كأن فى ريطتيه نضح إرقان «6»
هذا البيت جيّد وقد سلم من سائر العيوب إذ لم يتكلّف فيه السجع ولم يتوخ الموازنة.
من جيد الترصيع
ومن جيد الباب قول ابن الرومى:
حوراء فى وطف قنواء فى ذلف ... لفّاء فى هيف عجزاء فى قبب «7»
من معيبه
ومن معيب هذا الباب أيضا قول بعض المتأخرين «8» :
عجب الوشاة من اللّحاة وقولهم ... دع ما نراك ضعفت عن إخفائه
هذا ردىء لتعمية معناه.
(1/379)

الفصل السّادس عشر فى الإيغال
الإيغال
وهو أن يستوفى معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه؛ ثم يأتى بالمقطع فيزيد معنى آخر يزيد به وضوحا وشرحا وتوكيدا وحسنا، وأصل الكلمة من قولهم:
أوغل فى الأمر إذا أبعد الذهاب فيه.
وأخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا الصولى عن المبرّد عن التّوّزى، قال: قلت للأصمعى:
من أشعر الناس؟ فقال: من يأتى بالمعنى الخسيس فيجعله بلفظه كبيرا، أو الكبير فيجعله بلفظه خسيسا، أو ينقضى كلامه قبل القافية، فإذا احتاج إليها أفاد بها معنى. قال: قلت: نحو من؟ قال: قول ذى الرّمة حيث يقول «1» :
قف العيس فى أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاق الرّداء المسلسل
فتم كلامه «بالرداء» قبل المسلسل، ثم قال «المسلسل» ؛ فزاد شيئا بالمسلسل.
ثم قال:
أظن الذى يجدى عليك سؤالها ... دموعا كتبذير الجمان المفصّل
فتم كلامه، بالجمان، ثم قال: المفصل، فزاد شيئا. قلت: ونحو من؟ قال: الأعشى حيث يقول «2» :
كناطح صخرة يوما ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
فتم كلامه «بيضرها، فلما احتاج إلى القافية قال: وأوهى قرنه الوعل؛ فزاد معنى. قلت: وكيف صار الوعل مفضّلا على كل ما ينطح؟ قال: لأنه ينحطّ من قلة الجبل على قرنيه فلا يضيره.
وكتب بعض الكتاب: نبوّ الطرف من الوزير دليل على تغير الحال عنده،
(1/380)

ولا صبر على الجفاء ممّن عود الله منه البرّ، وقد استدللت بإزالة الوزير إياى عن المحل الذى كان يحلنيه بتطوّله على ما سؤت له ظنا بنفسى، وما أخاف عتبا لأنى لم أجن ذنبا، فإن رأى الوزير أن يقوّمنى لنفسى، ويدلّنى على ما يراد منى فعل. تم كلامه عند قوله له «يقومنى» ثم جاء بالمقطع وهو قوله: «لنفسى» فزاد معنى.
وممن زاد توكيدا امرؤ القيس حيث يقول «1» :
كأنّ عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذى لم يثقّب
قوله: «لم يثقب» يزيد التشبيه توكيدا؛ لأن عيون الوحش غير مثقبة.
وزهير حيث يقول «2» :
كأنّ فتات العهن «3» فى كلّ منزل ... نزلن به حبّ الفنا لم يحطّم
القنا إذا كسر ابيض. والفنا: شجر الثعلب «4» . ومن الزيادة قول امرىء القيس «5» :
إذا ما جرى شأوين وابتلّ عطفه ... تقول هزيز الريح مرّت بأثأب «6»
فالتشبيه قد تم عند قوله «هزيز الريح» وزاد بقوله «مرت بأثأب» : لأنه أخبر به عن شدة حفيف الفرس، وللريح فى أغصان الأثاب حفيف شديد. والأثأب: شجر.
وقول أبى نواس:
ذاك الوزير الذى طالت علاوته ... كأنه ناظر فى السّيف بالطّول
فقوله «بالطول» أنفى للشبهة.
وقول راشد الكاتب:
كأنه ويد الحسناء تغمزه ... سير الإداوة لما مسّه البلل
فقوله: «لما مسه البلل» تأكيد، ويدخل أكثر هذا الباب فى التتميم؛ وإنما يسمى إيغالا إذا وقع فى الفواصل والمقاطع.
(1/381)

الفصل السّابع عشر فى التوشيح
التوشيح
سمى هذا النوع التوشيح، وهذه التسمية غير لازمة بهذا المعنى، ولو سمى تبيينا لكان أقرب، وهو أن يكون مبتدأ الكلام ينبىء عن مقطعه؛ وأوله يخبر بآخره، وصدره يشهد بعجزه، حتى لو سمعت شعرا، أو عرفت رواية؛ ثم سمعت صدر بيت منه وقفت على عجزه قبل بلوغ السماع إليه؛ وخير الشّعر ما تسابق صدوره وأعجازه، ومعانيه وألفاظه؛ فتراه سلسا فى النظام، جاريا على اللسان، لا يتنافى ولا يتنافر؛ كأنه سبيكة مفرغة، أو وشى منمنم، أو عقد منظم من جوهر متشاكل، متمكّن القوافى غير قلقة، وثابتة غير مرجة، ألفاظه متطابقة، وقوافيه متوافقة، ومعانيه متعادلة، كلّ شىء منه موضوع فى موضعه، وواقع فى موقعه؛ فإذا نقض بناؤه، وحلّ نظامه، وجعل نثرا؛ لم يذهب حسنه، ولم تبطل جودته فى معناه ولفظه؛ فيصلح نقضه لبناء مستأنف، وجوهره لنظام مستقبل.
أمثلة من القرآن
فمما فى كتاب الله عز وجل من هذا النوع قوله تعالى: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
؛ فإذا وقفت على قوله تعالى: «فيما» ، عرف فيه السامع أن بعده «يختلفون» ، لما تقدم من الدلالة عليه.
وهكذا قوله تعالى: قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ
ذا وقف على «يكتبون» ، عرف أن بعده «ما يمكرون» ، لما تقدم من ذكر المكر.
وضرب منه آخر، وهو أن يعرف السامع مقطع الكلام، وإن لم يجد ذكره فيما تقدم؛ وهو كقوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
، فإذا وقف على قوله: «لننظر» مع ما تقدم من قوله تعالى:
«جعلناكم خلائف فى الأرض» ، علم أن بعده: «تعملون» ، لأن المعنى يقتضيه.
(1/382)

ومن الضرب الأول قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
وهكذا قوله تعالى: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ
؛ إذا وقف على «أوهن البيوت» ، يعرف أن بعده «بيت العنكبوت» .
أمثلة من الشعر
ومن أمثلة ذلك قول الراعى «1» :
وإن وزن الحصى فوزنت قومى ... وجدت حصى ضريبتهم رزينا
إذا سمع الإنسان أول هذا البيت وقد تقدمت عنده قافية القصيدة استخرج لفظ قافيته؛ لأنه عرف أن قوله «وزن الحصى» سيأتى بعده «رزين» لعلتين: إحداهما أن قافية القصيدة توحيه؛ والأخرى أن نظام البيت يقتضيه؛ لأن الذى يفاخر برجاحة الحصى ينبغى أن يصفه بالرزانة.
وقول نصيب:
وقد أيقنت أن ستبين ليلى ... وتحجب عنك لو نفع اليقين
وأنشد أبو أحمد قول مضرس بن ربعى:
تمنيت أن ألقى سليما ومالكا ... على ساعة تنسى الحليم الأمانيا
ومن عجيب هذا الباب قول البحترى «2» :
فليس الّذى حلّلته بمحلّل ... وليس الذى حرّمته بحرام
وذلك أن من سمع النصف الأول عرف الأخير بكماله؛ ونحوه قول الآخر:
فأما الذى يحصيهم فمكثّر ... وأما الذى يطريهم فمقلّل
وقول الآخر:
هى الدرّ منثورا إذا ما تكلمت ... وكالدرّ منظوما إذا لم تكلّم
وقول الآخر:
ضعائف يقتلن الرجال بلا دم ... ويا عجبا للقاتلات الضعائف
(1/383)

وقول الآخر:
وقد لان أيام الحمى ثم لم يكد ... من العيش شىء بعد ذاك يلين
يقولون ما أبلاك والمال عامر ... عليك وضاحى الجلد منك كنين
فقلت لهم: لا تعذلونى وانظروا ... إلى النازع المقصور كيف يكون
إذا قلت: «ضاحى الجلد منك» ، فليس شىء سوى «الكنين» ؛ وكذا إذا قلت: «إلى النازع المقصور كيف» ، فليس شىء سوى «يكون» .
مما عيب منه
ومما عيب من هذا الضرب قول أبى تمام «1» :
صارت المكرمات بزلا وكانت ... أدخلت بينها بنات مخاض «2»
وقول بعض المتأخرين «3» :
فقلقلت بالهمّ الذى قلقل الحشا ... قلاقل عيس كلّهنّ قلاقل
وإنما أخذه من قول أبى تمام «4» فأفسده:
طلبتك من نسل الجديل وشدقم ... كوم عقائل من عقائل كوم «5»
(1/384)

الفصل الثّامن عشر فى رد الأعجاز على الصدور
فأول ما ينبغى أن تعلمه أنك إذا قدمت ألفاظا تقتضى جوابا فالمرضىّ أن تأتى بتلك الألفاظ بالجواب، ولا تنتقل عنها إلى غيرها مما هو فى معناها، كقول الله تعالى:
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها
. وكتب بعض الكتاب فى خلاف ذلك: من اقترف ذنبا عامدا، أو اكتسب جرما قاصدا لزمه ما جناه، وحاق به ما توخّاه.
والأحسن أن يقول: لزمه ما اقترف، وحاق به ما اكتسب. وهذا يدلك على أن لردّ الأعجاز على الصدور موقعا جليلا من البلاغة، وله فى المنظوم خاصة محلا خطيرا.
اقسامه
وهو ينقسم أقساما؛ منها ما يوافق آخر كلمة فى البيت آخر كلمة فى النصف الأول؛ مثل قول الأول:
تلقى إذا ما الأمر كان عرمرما ... فى جيش رأى لا يفلّ عرمرم
وقال عنترة «1» :
فأجبتها إنّ المنية منهل ... لابد أن أسقى بذاك المنهل
وقال جرير «2» :
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع
وقال المخبل:
وينفس فيما أورثتنى أوائلى ... ويرغب عما أورثته أوائله
(25- الصناعتين)
(1/385)

ومنها ما يوافق أول كلمة منها آخر كلمة فى النصف الأخير، كقول الشاعر «1» :
سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعى الوغى «2» بسريع
وقول ابن الأسلت:
أسعى على جلّ بنى مالك ... كلّ امرىء فى شأنه ساع
ومنه ما يكون فى حشو الكلام فى فاصلته، كقول الله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا
. وقوله تعالى: (قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى
. وكقول امرىء القيس»
:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس على شىء سواه بخزّان
وقول الآخر:
كذلك خيمهم ولكل قوم ... إذا مستهم الضراء خيم
وقول زهير «4» :
ولأنت تفرى ما خلقت «5» وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفرى
وقال جرير «6» :
سقى الرمل جون مستهلّ ربابه ... وما ذاك إلّا حبّ من حلّ بالرمل «7»
أخذه من قول النّمرىّ:
لعمرك ما أسقى البلاد لحبها ... ولكنما أسقيك حار بن تولب
وقول ابن مقبل:
ياحرّ من يعتذر من أن يلمّ به ... ريب المنون فإنى لست أعتذر
(1/386)

وقول الحطيئة «1» :
إذا نزل الشتاء بدار قوم ... تجنّب جار بيتهم الشتاء
وقول الآخر:
رأت نضو أسفار أميمة واقفا ... على نضو أسفار فجنّ جنونها
وقول عمرو بن معديكرب «2» :
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
وقول الآخر:
أصدّ بأيدى العيس عن قصد دارها ... وقلبى إليها بالمودّة قاصد
ومن الضرب الأول قول زهير «3» :
الستر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر
وقول الحطيئة «4» :
تدرّون إن شدّ العصاب عليكم ... ونأبى إذا شدّ العصاب فلا ندر
وقول أبى تمام «5» :
أسائله ما باله حكم البلى ... عليه وإلا فاتر كونى أسائله
وقوله:
تجشّم حمل الفادحات وقلّما ... أقيمت صدور المجد إلّا تجشّما
وقول الآخر:
مفيد إن تزره وأنت مقو ... تكن من فضل نعمته مفيدا
وقول الآخر «6» :
واستبدت مرّة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد
(1/387)

ومنها ما يقع فى حشو النصفين؛ كقول النمر:
يودّ الفتى طول السلامة والغنى ... فكيف ترى طول السّلامة تفعل
وقلت:
ألا لا يذم الدهر من كان عاجزا ... ولا يعدل الأقدار من كان وانيا
فمن لم تبلّغه المعالى نفسه ... فغير جدير أن ينال المعاليا
وقفت على يحيى رجائى وإنما ... وقفت على صوب الربيع رجائيا
إذا ما الليالى أدركت ما سعت له ... تمطيت جدواه ففتّ اللياليا
من العيوب
ومما عيب من هذا الباب قول ذى نواس البجلى:
يتيّمنى برق المباسم بالضّحى ... ولا بارق إلّا الكريم يتيّمه
وقال منصور بن الفرج:
زرناك شوقا ولو أن النوى نشرت ... بسط النوى بيننا بعدا لزرناك
وهذا أيضا داخل فى سوء الاستعارة، وقوله أيضا:
إذا احتجب الغيث احتبى فى نديّه ... فيضرب أغياثا له أن تحجّبا
وهذا البيت على غاية الغثاثة.
(1/388)

الفصل التّاسع عشر فى التتميم والتكميل
التتميم والتكميل
وهو أن توفى المعنى حظه من الجودة، وتعطيه نصيبه من الصحة؛ ثم لا تغادر معنى يكون فيه تمامه إلا تورده، أو لفظا يكون فيه توكيده إلا تذكره؛
مثاله
كقول الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
، فبقوله تعالى: «وهو مؤمن» تمّ المعنى.
ونحو قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا
، فبقوله تعالى:
«استقاموا» تم المعنى أيضا؛ وقد دخل تحته جميع الطاعات، فهو من جوامع الكلم.
ونحو قوله تعالى: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ.
ومن النثر قول أعرابية لرجل: كبت الله كلّ عدو لك إلا نفسك. فبقولها:
«نفسك» تم الدعاء؛ لأن نفس الإنسان تجرى مجرى العدو له، يعنى إنها تورطه وتدعوه إلى ما يوبقه.
ومثله قوله الآخر: احرس أخاك إلا من نفسه. وقريب منه قول الآخر: من لك بأخيك كله.
ومن المنظوم قول عمرو بن براق:
فلا تأمننّ الدهر حرّا ظلمته ... فما ليل مظلوم كريم بنائم
فقوله: «كريم» تتميم؛ لأن اللئيم يغضى على العار، وينام على الثار، ولا يكون منه دون المظالم تكبر. وقول عمرو بن الأيهم:
بها نلنا الغرائب من سوانا ... وأحرزنا الغرائب أن تنالا
فالذى أكمل جودة المعنى قوله: «وأحرزنا الغرائب أن تنالا» .
وقول الآخر «1» :
رجال إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه عادوا بالسيوف القواضب
(1/389)

وقول طرفة «1» :
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمى
فقوله: «غير مفسدها» إتمام المعنى، وتحرز من الوقوع فيما وقع فيه ذو الرمة فى قوله «2» :
ألا يا سلمى يا دار مىّ على البلى ... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر
فهذا بالدعاء عليها أشبه منه بالدعاء لها؛ لأن القطر إذا انهل فيها دائما فسدت؛ ومن العجب أن ذا الرّمة كان يستحسن قول الأعرابية- وقد سألها عن الغيث، فقالت: «غيثا ماشئنا» ، وهو يقول خلاف ما يستحسن.
ومن التتميم قول الراعى:
لا خير فى طول الإقامة لامرىء ... إلّا إذا ما لم يجد متحوّلا
ونحوه قول الآخر:
إذا كنت فى دار يهينك أهلها ... ولم تك مكبولا بها فتحوّل
وقول الآخر:
ومقام العزيز فى بلد الذّلّ ... إذا أمكن الرحيل محال
فقوله: «إذا أمكن الرحيل» تتميم؛ وقول النّمر:
لقد أصبح البيض الغوانى كأنما ... يرين إذا ما كنت فيهنّ أجربا
وكنت إذا لاقيتهنّ ببلدة ... يقلن على النّكراء أهلا ومرحبا
فقوله: «على النكراء» تتميم؛ ولو كانت بينه وبينهن معرفة لم ينكر له منهن أهل ومرحب.
وقول الآخر:
وهل علمت بيتنا إلّا وله ... شربة من غيره وأكله
فقوله: «من غيره» تتميم؛ لأن لكل بيت شربة وأكلة من أهله.
(1/390)

وقول الشماخ «1» :
جماليّة لو يجعل السّيف عرضها ... على حده لا ستكبرت أن تضوّرا «2»
فقوله: «على حده» تتميم عجيب.
ويدخل فى هذا الباب قول الآخر:
وقلّ من جدّ فى أمر يطالبه ... فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
وقول الخنساء «3» :
وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنه علم فى رأسه نار
فقولها: «فى رأسه نار» تتميم عجيب؛ قالوا: لم يستوف أحد هذا المعنى استيفاءها، وهو مأخوذ من قول الأعشى «4» :
وتدفن منه الصالحات وإن يسىء ... يكن ما أساء النار فى رأس كبكبا «5»
إلا أنها أخرجته فى معرض أحسن من معرض الأعشى، فشهر واستفاض، وخمل معها بيت الأعشى ورذل، وهذا دليل على صحة ما قلنا من أنّ مدار البلاغة على تحسين اللفظ، وتجميل الصورة. وقول الآخر:
ألا ليت النهار يعود ليلا ... فإنّ الصبح يأتى بالهموم
حوائج لا نطيق لها قضاء ... ولا ردّا، وروعات الغريم
فقوله: «ولا ردا» تتميم.
(1/391)

الفصل العشرون فى الالتفات
ضرباه
الالتفات على ضربين؛ فواحد أن يفرغ المتكلم من المعنى، فإذا ظننت أنه يريد أن يجاوزه يلتفت إليه فيذكره بغير ما تقدم ذكره به. أخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال قال الأصمعى: أتعرف التفاتات جرير؟ قلت: لا، فما هى؟ قال «1» :
أتنسى إذ تودّعنا سليمى ... بعود بشامة سقى البشام «2»
ألا تراه مقبلا على شعره. ثم التفت إلى البشام فدعا له. وقوله «3» :
طرب الحمام بذى الأرك فشاقنى ... لازلت فى علل وأيك ناضر
فالتفت إلى الحمام فدعا له.
ومنه قول الآخر:
لقد قتلت بنى بكر بربّهم ... حتى بكيت وما يبكى لهم أحد
فقوله: «وما يبكى لهم أحد» التفات؛ وقول حسان «4» :
إنّ التى ناولتنى فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل
فقوله: «قتلت» التفات.
والضرب الآخر أن يكون الشاعر آخذا فى معنى وكأنه يعترضه شكّ أو ظن أن رادا يردّ قوله، أو سائلا يسأله عن سببه، فيعود راجعا إلى ما قدمه؛ فإما أن يؤكده، أو يذكر سببه، أو يزيل الشك عنه؛ ومثاله قول المعطّل الهذلى: «5»
تبين صلاة الحرب منّا ومنهم ... إذا ما التقينا والمسالم بادن «6»
(1/392)

فقوله: «والمسالم بادن» رجوع من المعنى الذى قدّمه؛ حتى بيّن أن علامة صلاة الحرب من غيرهم أن المسالم بادن، والمحارب ضامر.
وقول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:
وأجمل إذا ما كنت لابدّ مانعا ... وقد يمنع الشىء الفتى وهو مجمل
وقول طرفة «1» :
وتصد عنك مخيلة الرجل الش ... نوف موضحة عن العظم «2»
بحسام سيفك أو لسانك وال ... كلم الأصيل كأرغب الكلم «3»
فكأنه ظن معترضا، يقول له: كيف يكون مجرى اللسان والسيف واحدا؛ فقال:
«والكلم الأصيل كأرغب الكلم» ؛ وإنما أخذه من امرىء القيس:
وجرح اللسان كجرح اليد
وأخذه آخر فقال:
والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر
ومن الالتفات قول جدير بن ربعان:
معازيل فى الهيجاء ليسوا بزادة ... مجازيع عند البأس والحرّ يصبر
فقوله: «والحر يصبر» التفات.
وقول الرّماح بن ميادة:
فلا صرمه يبدو وفى اليأس راحة ... ولا ودّه يصفو لنا فنكارمه
كأنه يقول: «وفى اليأس راحة» ، والتفت إلى المعنى لتقديره أن معارضا يقول له: وما تصنع بصرمه؟ فيقول: لأنه يؤدّى إلى اليأس، وفى اليأس راحة.
(1/393)

الفصل الحادى والعشرون فى الاعتراض
الاعتراض
الاعتراض، وهو اعتراض كلام فى كلام لم يتم، ثم يرجع إليه فيتمه؛ كقول النابغة الجعدى «1» :
ألا زعمت بنو سعد بأنى ... ألا كذبوا- كبير السنّ فانى
وقول كثير «2» :
لو أنّ الباخلين وأنت منهم ... رأوك تعلّموا منك المطالا
وقول الآخر «3» :
فظلت بيوم دع أخاك بمثله ... على مشرع يروى ولما يصرّد «4»
وقول الآخر:
إن الثمانين وبلّغتها ... قد أحوجت سمعى إلى ترجمان
وكتب آخر: فإنك- والله يدفع عنك- علق مضنّة، ينفس ويتنافس به، فيكون خلفا مما سواه، ولا يكون فى غيره منه؛ فإن رأيت أن تسمع العذر وتقبله؛ فلو لم تكن شواهده واضحة، وأنواره لائحة، لكان فى الحق أن تهب ذنبى لجزعى، وإذلالى لإشفاقى، ولا تجمع علىّ لوعة لك، وروعة منك- فعلت. فقوله: «فإنك والله يدفع عنك» اعتراض مليح.
وقول البحترى «5» :
ولقد علمت وللشباب جهالة ... أن الصّبا بعد الشباب تصابى
وقلت:
أأسحب أذيال الوفاء ولم يكن ... وحاشاك من فعل الدنيّة وافيا
(1/394)

الفصل الثّانى والعشرون فى الرجوع
الرجوع
الرجوع، وهو أن يذكر شيئا ثم يرجع عنه؛ كقول القائل: ليس معك من العقل شىء، بلى «1» بمقدار ما يوجب الحجة عليك. وقال آخر: قليل العلم كثير، بل ليس من العلم قليل؛ وكقول الشاعر:
أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلّا ليس منك قليل
أخذه ابن هرمة، فقال:
ليت حظى كلحظة العين منها ... وكثير منها القليل المهغّا «2»
وقال غيره:
إنّ ما قلّ منك يكثر عندى ... وكثير ممّن تحبّ القليل
وقال دريد بن الصمة:
عير الفوارس معروف بشكته ... كاف إذا لم يكن فى كربه كافى
وقد قتلت به عبسا وإخوتها ... حتى شفيت وهل قلبى به شافى
وقول آخر:
نبّئت فاضح قومه يغتابنى ... عند الأمير وهل علىّ أمير!
وقول آخر «3» :
وما بى انتصار إن غدا الدهر ظالمى ... علىّ، بلى إن كان من عندك النصر
وقال آخر:
إذا شئت أن تلقى القناعة فاستخر ... جذام بن عمرو إن أجاب جذام
ومن المذموم منه
ومن مذموم هذا الباب قول أبى تمام:
رضيت وهل أرضى إذا كان مسخطى ... من الأمر ما فيه رضا من له الأمر
(1/395)

الفصل الثّالث والعشرون فى تجاهل العارف، ومزج الشك باليقين
تجاهل العارف
تجاهل العارف ومزج الشك باليقين: هو إخراج ما يعرف صحته مخرج ما يشك فيه ليزيد بذلك تأكيدا؛ ومثاله من المنثور ما كتبته إلى بعض أهل الأدب: سمعت بورود كتابك، فاستفزّنى الفرح قبل رؤيته، وهزّ عطفى المرح أمام مشاهدته؛ فما أدرى أسمعت بورود كتاب، أم ظفرت برجوع شباب، ولم أدر ما رأيت:
أخط مسطور؟ أم روض ممطور وكلام منثور؟ أم وشى منشور؟ ولم أدر ما أبصرت فى أثنائه: أأبيات شعر، أم عقود در؟ ولم أدر ما حملته: أغيث حلّ بوادى ظمآن، أم غوث سيق إلى لهفان.
ونوع منه ما كتب به كافى الكفاة:
كتبت إليك والأحشاء تهفو ... وقلبى ما يقرّ له قرار
عن سلامة؛ إن كان فى عدم السالمين من اتّصل سهاده، وطار رقاده، ففؤاده يجف، ودمعه يكف؛ ونهاره للفكر، وليله للسّهر.
ومن المنظوم قول بعض العرب «1» :
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاى منكنّ أم ليلى من البشر
وقول آخر:
أأنت ديار الحىّ أيتها الرّبا ال ... أنيقة أم دار المهى والنّعائم
وسرب ظباء الوحش هذا الّذى ... أرى بربعك أم سرب الظّباء النواعم
وأدمعنا اللّاتى عفاك انسجامها ... وأبلاك أم صوب الغمام السّواجم
وأيامنا فيك اللّواتى تصرّمت ... مع الوصل أم أضغاث أحلام نائم
(1/396)

وقال ذو الرمة «1» :
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النّقا أأنت أم أمّ سالم «2»
وقال بعض المتأخرين «3» :
أريقك أم ماء الغمامة أم خمر
وقلت:
أغرّة إسمعيل أم سنّة البدر ... وفيض ندى كفّيه أم باكر القطر
وقلت أيضا:
أثغر ما أرى أم أقحوان ... وقدّ ما بدا أم خيزران
وطرف ما تقلّب أم حسام ... ولفظ ما تساقط أم جمان
وشوق ما أكابد أم حريق ... وليل ما أقاسى أم زمان
وقال ابن المعتز «4» :
كم ليلة عانقت فيها بدرها ... حتّى الصباح موسّدا كفّيه
وسكرت لا أدرى أمن خمر الهوى ... أم كأسه أم فيه أم عينيه
وقال أعرابى:
أيا شبه ليلى ما لليلى مريضة ... وأنت صحيح إنّ ذا لمحال
أقول لظبى مرّ بى وهو راتع ... أأنت أخو ليلى؟ فقال: يقال!
(1/397)

الفصل الرابع والعشرون فى الاستطراد
الاستطراد
وهو أن يأخذ المتكلّم فى معنى، فبينا يمرّ فيه يأخذ فى معنى آخر؛ وقد جعل الأول سببا إليه؛ كقول الله عز وجل: وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ
، فبينا يدلّ الله سبحانه على نفسه بإنزال الغيث واهتزاز الأرض بعد خشوعها قال: إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى
فأخبر عن قدرته على إعادة الموتى بعد إفنائها وإحيائها بعد إرجائها، وقد جعل ما تقدّم من ذكر الغيث والنبات دليلا عليه، ولم يكن فى تقدير السامع لأوّل الكلام، إلا أنّه يريد الدلالة على نفسه بذكر المطر، دون الدّلالة على الإعادة، فاستوفى المعنيين جميعا.
مثاله من المنظوم
ومثاله من المنظوم قول حسان «1» :
إن كنت كاذبة الّذى حدّثتنى ... فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل عنهم «2» ... ونجا برأس طمّرة ولجام «3»
وذلك أن الحارث بن هشام فرّ يوم بدر عن أخيه أبى جهل، وقال يعتذر «4» :
الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسى بأشقر مزبد
وعلمت أنّى إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يضرر «5» عدوّى مشهدى
وشممت ريح الموت من تلقائهم ... فى مأزق والخيل لم تتبدّد
فصددت عنهم والأحبّة فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مرصد «6»
وهذا أول من اعتذر من هزيمة رويت عن العرب.
(1/398)

ومن الاستطراد قول السموءل «1» :
وإنا أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول
فقوله: «إذا ما رأته عامر وسلول» استطراد.
وقال الآخر:
إذا ما اتقى الله الفتى وأطاعه ... فليس به بأس وإن كان من عكل
وقول زهير «2» :
إن البخيل ملوم حيث كان ول ... كنّ الجواد على علّاته «3» هرم
ومن ظريف الاستطراد قول مسلم:
أجدك ما تدرين أن ربّ ليلة ... كأنّ دجاها من قرونك ينشر
لهوت بها حتى تجلّت بغرّة ... كغرّة يحيى حين يذكر جعفر
وقال أبو تمام «4» :
وسابح هطل التّعداء هتّان ... على الجراء أمين غير خوّان
أظمى الفصوص ولم تظمأ «5» عرائكه ... فخلّ عينيك فى ظمآن ريّان
فلو تراه مشيحا والحصى زيم «6» ... تحت السّنابك من مثنى ووحدان
أيقنت- إن لم تثبّت- أن حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان
فبينا يصف قوائم الفرس خرج إلى هجاء عثمان؛ وهو من قول الأعرابى:
لو صكّ بوجهه الحجارة لرضّها، ولو خلا بالكعبة لسرقها.
ومثله قول ابن المعتز:
لو كنت من شىء خلافك لم تكن ... لتكون إلا مشجبا فى مشجب
يا ليت لى من جلد وجهك رقعة ... فأقدّ منها حافرا للأشهب
(1/399)

وقول البحترى فى الفرس «1» :
ما إن يعاف قذى ولو أوردته ... يوما خلائق حمدويه الأحول
وقال مسلم:
وأحببت من حبها الباخلى ... ن حتى ومقت ابن سلم سعيدا
إذا سيل عرفا كسا وجهه ... ثيابا من البخل زرقا وسودا
يغار على المال فعل الجواد ... وتأبى خلائقه أن يجودا
وقال بشار «2» :
خلبلىّ من كعب أعينا أخاكما ... على دهره إن الكريم معين
فلا تبخلا بخل ابن قزعة إنه ... مخافة أن يرجى نداه حزين
إذا جئته فى الخلق أغلق بابه ... فلم تلقه إلّا وأنت كمين
وقوله «3» :
فما ذرّ قرن الشمس حتى كأننا ... من الغىّ نحكى أحمد بن هشام
وقريب منه قول البحترى:
إذا عطفته الريح قلت التفاتة ... لعلوة فى جاديّها المتعصفر
وهذا الباب يقرب من باب حسن الخروج، وقد استقصيناه فى آخر الكتاب.
ومن الاستطراد ما قلته:
انظر إلى قطر السماء ووبلها ... ودنوّ نائلها وبعد محلّها
وشمول ما نشرته من معروفها ... فانبثّ فى حزن البلاد وسهلها
بل ما يروعك من وفور عطائها ... وعلوّ موضعها ولذّة ظلها
انظر بنى زيد فإن محلّهم ... من فوقها وعطاؤهم من قبلها
ومن الاستطراد ضرب آخر، وهو أن يجىء بكلام يظن أنه يبدأ فيه بزهد وهو يريد غير ذلك؛ كقول الشاعر:
يا من تشاغل بالطّلل ... أقصر فقد قرب الأجل
واصل غبوقك بالصّبو ... ح وعدّ عن وصف الملل
(1/400)

الفصل الخامس والعشرون فى جمع المؤتلف والمختلف
مثاله من القرآن
وهو أن يجمع فى كلام قصير أشياء كثيرة مختلفة أو متفقة؛ كقول الله تعالى:
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ.
وقوله عزّ اسمه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ.
مثاله من النثر
ومثاله من النثر ما كتب به الشيخ أبو أحمد: فلو عاش حتى يرى ما منينا به من وغد حقير، نقير، نذل، رذل، غثّ، رثّ، لئيم، زنيم، أشحّ من كلب، وأذلّ من نقد، وأجهل من بغل، سريع إلى الشر، بطىء عن الخير، مغلول عن الحمد، مكتوف عن البذل، جواد بشتم الأعراض، سخى بضرب الأبشار، لجوج، حقود، خرق، نزق، عسر، نكد، شكس، شرس، دعىّ، زنيم؛ يعتزى إلى أنباط سقّاط، أهل لؤم أعراق، ورقة أخلاق، وينتمى إلى أخبث البقاع ترابا، وأمرّها شرابا، وأكمدها ثيابا؛ فهو كما قال الله تعالى: وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً.
ثم كما قال الشاعر:
نبطى آباؤه لم يلده ... ذو صلاح ولم يلد ذا صلاح
معشر أشبهوا القرود ولكن ... خالفوها فى خفّة الأرواح
مثاله من المنظوم
ومن المنظوم قول امرىء القيس «1» :
سماحة ذا وبرّ ذا ووفاء ذا ... ونائل ذا إذا صحا وإذا سكر
(26- الصناعتين)
(1/401)

وقوله «1» - وقد جمع أوصاف الدمع من كثرته وقلته:
فدمعهما سكب وسحّ وديمة ... ورشّ وتوكاف وتنهملان «2»
وما جمع من أنواع المكروه فى بيت كما جمع ابن أحمر «3» :
نقائذ برسام وحمّى وحصبة ... وجوع وطاعون وفقر ومغرم «4»
وقال سويد بن خذاق «5» :
أبى القلب أن يأتى السّدير وأهله ... وإن قيل عيش بالسّدير «6» غزير
بها البقّ والحمّى وأسد خفية ... وعمرو بن هند يعتدى ويجور»
وقال أبو داود «8» :
حديد القلب والناظ ... ر والعرقوب والكعب
عريض الصدر والجبه ... ة والصّهوة والجنب
جواد الشّدّ والتّقرى ... ب والإحضار والعقب
وقال دريد:
سليم الشّظى عبل الشّوى شنج النّسا ... طوال القرا نهد أسيل المقلد «9»
وقال ابن مطير «10» :
بسود نواصيها وحمر أكفها ... وصفر تراقيها وبيض خدودها
وقال أوس بن حجر:
يشيعها فى كل هضب ورملة ... قوائم عوج مجمرات مقاذف
(1/402)

توائم ألّاف توال لواحق ... سواه لواه مزبدات خوانف
مزبدات: خفاف. خوانف: تهوى بأيديها إلى ضبعها.
من أشعار المحدثين
ومن أشعار المحدثين قول أبى تمام «1» :
غدا الشيب مختطا بفودىّ خطة ... سبيل الرّدى منها إلى النفس مهيع
هو الزور يجفى والمعاشر يجتوى ... وذو الإلف يقلى والجديد يرقّع
وقوله «2» :
كالغصن فى القدّ والغزالة فى ال ... بهجة وابن الغزال فى غيده
وقوله «3» :
رب خفض تحت السّرى وغناء ... من عناء ونضرة من شحوب
وقول ابن المعتز:
والله ما أدرى بكنه صفاته ... ملك القلوب فأوبقت فى أسره
أبوجهه أم شعره أم ثغره ... أم نحره أم ردفه أم خصره
وقول أبى تمام «4» :
فى مطلب أو مهرب أو رغبة ... أو رهبة أو موكب أو فيلق
وقول البحترى:
بحلّ وعقد وحزم وفصل ... ونبل وبذل وبأس وجود
وقلت:
حليف علاء ومجد وفخر ... وبأس وجود وخير وخير
وقال أبو تمام «5» :
يروعك أن تلقاه فى صدر فيلق ... وفى نحر أعداء وفى قلب موكب
(1/403)

وقلت:
وما هو إلا المزن يصفو ظلاله ... ويعلو مبواه ويبكر هاطله
وقلت:
أنت الربيع الغضّ رقّ نسيمه ... واخضر روضته وطاب غمامه
وقلت:
فتى لم نزنه بالقوافى وإنّما ... حططنا إليه كى يزين القوافيا
من الغرّ لا حوا أشمسا ومضوا ظبى ... وصالوا أسودا واستهلّوا سواريا
وقلت:
يسبيك منه مفلّج ومضرّج ... ومقوّم ومعوّج ومهفهف
(1/404)

الفصل السادس والعشرون فى السلب والإيجاب
السلب والإيجاب
وهو أن تبنى الكلام على نفى الشىء من جهة، وإثباته من جهة أخرى، أو الأمر به فى جهة، والنهى عنه فى جهة وما يجرى مجرى ذلك؛ كقول الله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً.
مثاله من القرآن
وقوله تعالى: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ.
وقوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً.
مثاله من النثر
ومثاله من النثر قول رجل ليزيد بن المهلب: قد عظم قدرك من أن يستعان بك، أو يستعان عليك؛ ولست تفعل شيئا من المعروف، إلا وأنت أكبر منه، وهو أصغر منك، وليس العجب من أن تفعل، وإنما العجب من ألّا تفعل. وقول الشّعبىّ للحجاج: لا تعجب من المخطىء كيف أخطأ، واعجب من المصيب كيف أصاب.
وأخبرنا أبو أحمد، قال: حدثنا ابن الأنبارى، قال: حدثنا أبى عن بعض أصحابه عن العتبى، قال: قيل لبعض العلماء: إن صاحبنا مات وترك عشرة آلاف، فقال:
أما العشرة آلاف فلا تترك صاحبكم.
وقال بعض الأوائل: ليس معى من فضيلة العلم إلا أنى أعلم أنى لا أعلم.
من المنظوم
ومن المنظوم قول امرىء القيس «1» :
هضيم الحشا لا يملأ الكف خصرها ... ويملأ منها كل حجل ودملج «2»
وقال السموءل «3» :
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول
(1/405)

وقال:
لا يعجبان بقول الناس عن عرض ... ويعجبان بما قالا وما سمعا
وقال آخر:
خفيف الحاذ نسّال الفيافى ... وعبد للصحابة غير عبد
وقال الأعشى:
صرمت ولم أصرمكم وكصارم ... أخ قد طوى كشحا وآب ليذهبا
وقال آخر:
حتى نجا من خوفه وما نجا
ومن شعر المحدثين قول البحترى «1» :
فابق عمر الزّمان حتى نؤدى ... شكر إحسانك الذى لا يؤدى
وقال أبو تمام «2» :
إلى سالم الأخلاق من كل عائب ... وليس له مال على الجود سالم
وقال آخر «3» :
أبلغ أخانا تولى الله صحبته ... أنى وإن كنت لا ألقاه ألقاه
الله يعلم أنى لست أذكره ... وكيف يذكره من ليس ينساه
وقال آخر:
هى الدرّ منثورا إذا ما تكلمت ... وكالدرّ منظوما إذا لم تكلّم
تعبّد أحرار القلوب بدّلها ... وتملأ عين الناظر المتوسّم
وقال آخر:
ثقى بجميل الصّبر منى على الدهر ... ولا تثقى بالصّبر منى على الغدر
ولست بنظّار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء فى جانب الفقر
(1/406)

وقال أبو تمّام «1» :
خليلىّ من بعد الجوى والأسى قفا ... ولا تقفا فيض الدموع السواجم
وقلت:
أفى هذه الأيام زدت ولم تزد ... سناء تعالى فيه قدرك عن قدرى
وقلت:
أخو عزائم لا تفنى عجائبها ... والدّهر ما بينها تفنى عجائبه
تقضى مآربه من كل فائدة ... لكن من المجد ما تقضى مآربه
(1/407)

الفصل السابع والعشرون فى الاستثناء
الاستثناء على ضربين
والاستثناء على ضربين؛ فالضرب الأول هو أن تأتى معنى تريد توكيده والزيادة فيه فتستثنى بغيره؛ فتكون الزيادة التى قصدتها، والتوكيد الذى توخيته فى استثنائك؛
مثال الضرب الأول
كما أخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنى أبو عمر الزاهد، قال: قال أبو العباس: قال ابن سلام، لجندل بن جابر الفزارى «1» :
فتى كملت أخلاقه غير أنّه ... جواد فما يبقى من المال باقيا
فتى كان فيه ما يسرّ صديقه ... على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا
فقال هذا استثناء، فتبين هذا الاستثناء لهم؛ كما قال النابغة «2» :
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب
ومثله قول أبى تمام «3» :
تنصّل ربّها من غير جرم ... إليك سوى النصيحة فى الوداد
وقلت:
الضرب الآخر ومثاله
ولا عيب فيه غير أن ذوى الندى ... خساس إذا قيسوا به ولئام
والضرب الآخر استقصاء المعنى والتحرز من دخول النقصان فيه، مثل قول طرفة «4» :
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمى
وقول الآخر:
فلا تبعدن إلا من السوء إننى ... إليك وإن شطّت بك الدار نازع
(1/408)

وقال الربيع بن ضبع:
فنيت ولا يفنى صنيعى ومنطقى ... وكل امرىء إلا أحاديثه فان
وقال أعرابى يصف قوسا:
خرقاء إلّا أنها صناع
وقال آخر فى الخيل:
منها الدّجوجىّ ومنها الأرمك «1» ... كالليل إلّا أنها تحرّك
(1/409)

الفصل الثامن والعشرون فى المذهب الكلامى
جعله عبد الله بن المعتزّ الباب الخامس من البديع «1» ، وقال: ما أعلم أنّى وجدت شيئا منه فى القرآن. وهو ينسب إلى التكلّف، فنسبه إلى التكلّف وجعله من البديع.
مثال من النثر
ومن أمثلة هذا الباب قول أعرابى لرجل: إنى لم أضر وجهى عن الطلب إليك قصر نفسك عن ردى «2» ، فضعنى من كرمك، بحيث وضعت نفسى من رجائك.
وقول أبى الدرداء: أخوف ما أخاف أن يقال لى: عملت فما عملت؟ وقول طاهر ابن الحسين للمأمون: يا أمير المؤمنين؛ يحفظ على من قلبك، ما لا أستعين على حفظه إلّا بك. وقال بعض الأوائل: لولا أنّ قولى لا أعلم [تثبيت] «3» لأنى أعلم لقلت: لا أعلم.
وقال آخر: لولا العمل لم يطلب العلم، ولولا العلم لم يكن عمل؛ ولأن أدع الحق جهلا به أحب إلىّ أن أدعه زهدا فيه.
وأنشد عبد الله قول الفرزدق «4» :
لكل امرىء نفسان: نفس كريمة ... وأخرى يعاصيها الهوى فيطيعها
ونفسك من نفسيك تشفع للندى ... إذا قلّ من أحرارهن شفيعها
وأنشد لإبراهيم بن المهدى يعتذر للمأمون «5» :
البرّ بى منك وطّأ العذر عندك لى ... فما فعلت فلم تعذل ولم تلم
وقام علمك بى فاحتج عندك لى ... مقام شاهد عدل غير متّهم
وأنشد «6» :
إنّ هذا يرى- ولا رأى لل ... أحمق- إنى أعده إنسانا
ذاك بالظنّ عنده وهو عندى ... كالذى لم يكن وإن كان كانا
ومثله:
أما يحسن من يحسن ... أن يغضب أن يرضى
أما يرضى بأن صرت ... على الأرض له أرضا
(1/410)

الفصل التاسع والعشرون فى التشطير
التشطير
وهو أن يتوازن المصراعان والجزآن، وتتعادل أقسامهما مع قيام كل واحد منهما بنفسه، واستغنائه عن صاحبه.
مثاله من النثر
فمثاله من النثر قول بعضهم: من عتب على الزمان طالت معتبته، ومن رضى عن الزمان طابت معيشته. وقول الآخر: الجود خير من البخل، والمنع خير من المطل. وقول الآخر: رأس المداراة ترك المماراة، فالجزآن من هذه الفصول متوازنا الألفاظ والأبنية.
وقد أوردت من هذا النوع فى باب الازدواج ما فيه كفاية.
مثاله من المنظوم
وأما مثاله من المنظوم، فكقول أوس بن حجر:
فتحدركم عبس إلينا وعامر ... وترفعنا بكر إليكم وتغلب
وقول ذى الرمة:
أستحدث الركب عن أشياعهم خبرا ... أم راجع القلب من أطرابه طرب
وقول الآخر:
فأما الذى يحصيهم فمكثّر ... وأما الذى يطربهم فمقلّل
وقول الآخر:
فكأنها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم
ومن شعر المحدثين قول البحترى «1» :
شوقى إليك تفيض منه الأدمع ... وجوى إليك تضيق عنه الأضلع
وقول أبى تمام «2» :
بمصعد من حسنه ومصوّب ... ومجمّع من نعته ومفرّق
(1/411)

وقوله «1» :
تصدّع شمل القلب من كلّ وجهة ... وتشعبه بالبثّ من كل مشعب «2»
بمختبل ساج من الطّرف أكحل ... ومقتبل صاف من الثغر أشنب
وقوله «3» :
أحاولت إرشادى فعقلى مرشدى ... أو استمت «4» تأديبى فدهرى مؤدبى
وقول البحترى «5» :
فقف مسعدا فيهن إن كنت عاذرا ... وسر مبعدا عنهن إن كنت عاذلا
وقال «6» :
ومذهب حبّ لم أجد عنه مذهبا ... وشاغل بثّ لم أجد عنه شاغلا
وقال «7» :
طليعتهم إن وجّه الجيش غازيا ... وساقتهم إن وجّه الجيش قافلا
وقال «8» :
إذا اسودّ فيه الشكّ كان كواكبا ... وإن سار فيه الخطب كان حبائلا
لأذكرته بالرّمح ما كان ناسيا ... وعلّمته بالسّيف ما كان جاهلا
فمن كان منهم ساكتا كنت ناطقا ... ومن كان منهم قائلا كنت فاعلا
وقال «9» :
فلأجرينّ الدمع إن لم تجره ... ولأعرفنّ الوجد إن لم تعرف
وقال فى جيش «10» :
يسودّ منه الأفق إن لم ينسدد ... وتموت منه الشمس إن لم تكسف
وقلت:
وعلى الرّبى حلل وشاهنّ الحيا ... فمسهم ومعصّب ومفوّف
والبرق يلمع مثل سيف ينتضى ... والسيل يجرى مثل أفعى تزحف
والقطر يهمى وهو أبيض ناصع ... ويصير سيلا وهو أغبر أكلف
(1/412)

الفصل الثلاثون فى المجاورة
المجاورة
المجاورة: تردد لفظتين فى البيت، ووقوع كل واحدة منهما بجنب الأخرى أو قريبا منها، من غير أن تكون إحداهما لغوا لا يحتاج إليها؛
مثالها
وذلك كقول علقمة:
ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه ... أنّى توجّه والمحروم محروم
فقوله: «الغنم يوم الغنم» مجاورة، و «المحروم محروم» مثله.
وقول الآخر:
وتندق منها فى الصدور صدورها
وقول أوس بن حجر «1» :
كأنها ذو وشوم بين مأفقة ... والقطقطانة والبر عوم «2» مذعور «3»
وقول أبى تمام «4» :
إنا أتيناكم نصور مآربا ... يستصغر الحدث العظيم عظيمها «5»
وقوله «6» :
ردعوا الزمان وهم كهول جلّة ... وسطوا على أحداثه أحداثا «7»
وقول الآخر:
أنضاء شوق على أنضاء أسفار
وقول الآخر:
إنما يغفر العظيم العظيم
(1/413)

وقول أبى تمام «1» :
وما ضيق أقطار البلاد أضافنى ... إليك ولكن مذهبى فيك مذهبى
وقول أبى الشيص:
فأتوك أنقاضا على أنقاض
وقول أبى النجم:
تدنى من الجدول مثل الجدول
وقول رؤبة «2» :
ترمى الجلاميد بجلمود مدق «3»
وقول الآخر:
قم فاسقنى من كروم الرند ورد ضحا ... ماء العناقيد فى ظل العناقيد «4»
وقول آخر، وقد بعث إلى جارية يقال لها راح براح:
قل لمن تملك القلوب ... وإن كان قد ملك
قد شربناك فاشربى ... وبعثنا إليك بك
ومن هذا النوع قول الشاعر:
فلونى والمدام ولون ثوبى ... قريب من قريب من قريب
وقلت:
كأن الكأس فى يده وفيه ... عقيق فى عقيق فى عقيق
وقلت أيضا:
دعونا ضرّة البدر المنير ... فوافتنا على خضر نضير
مطرّزة الشوارب بالغوالى ... مضمّخة السوالف بالعبير
ترى ما شئت من قدّ رشيق ... وما أحببت من ردف وتير
(1/414)

ألامسها وقد لبست حريرا ... فأحسبها حريرا فى حرير
فأنس ثم لهو ثم زهر ... سرور فى سرور فى سرور
وقلت أيضا:
ودار الكاس فى يد ذى دلال ... رشيق القدّ يعرف بالرشيق
ومنه أيضا قول أبى تمام «1» :
دأب عينى البكاء والحزن دأبى ... فاتركينى وقيت ما بى لما بى
وقوله أيضا «2» :
كأن العهد عن عفر «3» لدينا ... وإن كان التلاقى عن تلاقى
وقوله «4» :
طلبت أنفس الكماة فشقت ... من وراء الجيوب منها الجيوبا «5»
وقوله «6» :
أيام للأيام فيك غضارة ... والدهر فىّ وفيك غير ملوم
وقال ابن الرومى:
مشترك الحظ لا محصّله ... محصّل المجد غير مشتركه
منتهك المال لا ممنّعه ... ممنّع العرض غير منتهكه
وقول مسلم:
أتتك المطايا تهتدى بمطيّة ... عليها فتى كالنّصل بؤنسه النصل
(1/415)

الفصل الحادى والثلاثون فى الاستشهاد والاحتجاج
معناه
وهذا الجنس كثير فى كلام القدماء والمحدثين، وهو أحسن ما يتعاطى من أجناس صنعة الشعر، ومجراه مجرى التذييل لتوليد المعنى، وهو أن تأتى بمعنى ثم تؤكده بمعنى آخر يجرى مجرى الاستشهاد على الأول، والحجة على صحته.
مثل من النثر
فمثاله من النثر ما كتب به كافى الكفاة فى فصل له: فلا تقس آخر أمرك بأوّله، ولا تجمع من صدره وعجزه، ولا تحمل خوافى صنعك على قوادمه، فالإناء يملؤه القطر فيفعم، والصغير يقترن بالصغير فيعظم، والداء يلمّ ثم يصطلم، والجرح يتباين ثم ينفتق، والسيف يمس ثم يقطع، والسهم يرد ثم ينفذ.
من الشعر
ومن الاستشهاد قول الآخر:
إنما يعشق المنايا من الأق ... وام من كان عاشقا للمعالى
وكذاك الرّماح أول ما يك ... سر منهنّ فى الحروب العوالى
وقال أبو تمام «1» :
هم مزّقوا عنه سبائب حلمه ... وإذا أبو الأشبال أحرج عاثا
وقال أيضا «2» :
عتقت وسيلته وأية قيمة ... للمشرفى العضب «3» ما لم يعتق
وقال أيضا «4» :
يأخذ الزائرين قسرا ولو كفّ ... دعاهم ربع خصيب
غير إن الرامى المسدد يحتا ... ط مع العلم أنه سيصيب
(1/416)

وقال أيضا «1» :
فاضمم قواصيهم إليك فإنه ... لا يزخر الوادى بغير شعاب «2»
والسهم بالريش اللّؤام ولن ترى ... بيتا بلا عمد ولا أطناب «3»
وقال ابن الرومى:
وطائف باسته على طبق ... يبغى لها حربة يشقّ لها
معاملا كلّ سفلة سفلت ... ولا يرى علية يعاملها
قلت له لم هواك فى سفل الن ... ناس وشرّ الأمور سافلها
أفرقة وافقتك طاعتها ... أم عصبة فضلّت غراملها
قال وجدت الكعوب من قصب الس ... كر مختارها أسافلها
واست الفتى سفلة فغايتها ... ووكرها سفلة يشاكلها
وقول بشار»
:
فلا تجعل الشّورى عليك غضاضة ... فإن الخوافى «5» قوة للقوادم
وقول الفرزدق «6» :
تصرّم منى ودّ بكر بن وائل ... وما كاد لولا ظلمهم يتصرّم
قوارص تأتينى ويحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم
وقال أبو تمام «7» :
غدا الشيب مختطّا بفودىّ خطة ... طريق الرّدى منها إلى النفس مهيع «8»
هو الزور يجفى والمعاشر يجتوى ... وذو الإلف يقلى والجديد يرقّع «9»
(27- الصناعتين)
(1/417)

له منظر فى العين أبيض ناصع ... ولكنّه فى القلب أسود أسفع
ونحن نرجّيه على السخط والرضا ... وأنف الفتى من وجهه وهو أجدع
وقال «1» :
لى حرمة والت علىّ سجالكم ... والماء رزق جمامه للأول «2»
وقال آخر:
أعلق بآخر من كلفت بحبه ... لا خير فى حب الحبيب الأول
أتشكّ فى أن النبىّ محمدا ... خير البرية وهو آخر مرسل
وقال أبو تمام، فى خلاف ذلك «3» :
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحبّ إلا للحبيب الأوّل
كم منزل فى الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأوّل منزل
وقال ديك الجن فى المعنى الأول:
اشرب على وجه الحبيب المقبل ... وعلى الفم المتبسّم المتقبّل
شربا يذكر كل حبّ آخر ... غضّ وينسى كل حبّ أول
نقّل فؤادك حيث شئت فلن ترى ... كهوى جديد أو كوصل مقبل
ما إن أحنّ إلى خراب مقفر ... درست معالمه كأن لم يؤهل
مقتى لمنزلى الّذى استحدثته ... أما الّذى ولى فليس بمنزلى
وقال العلوى الأصبهانى:
دع حبّ أول من كلفت بحبّه ... ما الحبّ إلا للحبيب الآخر
ما قد تولى لا ارتجاع لطيبه ... هل غائب اللذات مثل الحاضر
إنّ المشيب وقد وفى بمقامه ... أوفى لدىّ من الشّباب الغادر
دنياك يومك دون أمسك فاعتبر ... ما السالف المفقود مثل الغابر
(1/418)

وقال آخر، فى خلاف القولين:
قلبى رهين بالهوى المقتبل ... فالويل لى فى الحبّ إن لم أعدل
أنا مبتلى ببليّتين من الهوى ... شوق إلى الثانى وذكر الأول
فهما حياتى كالطّعام المشتهى ... لابدّ منه وكالشّراب السلسل
قسم الفؤاد لحرمة وللذّة ... فى الحبّ من ماض ومن مستقبل
إنى لأحفظ عهد أول منزل ... أبدا وآلف طيب آخر منزل
وقال آخر فى خلاف الجميع:
الحبّ للمحبوب ساعة حبّه ... ما الحبّ فيه لآخر ولأوّل
وقلت:
كان لى ركن شديد ... وقعت فيه الزلازل
زعزعته نوب الدّه ... ر وكرّات النوازل
ما بقاء الحجر الصل ... د على وقع المعاول
وتدخل أكثر هذه الأمثلة فى التشبيه أيضا.
(1/419)

الفصل الثانى والثلاثون فى التعطف
التعطف
والتعطف أن تذكر اللّفظ ثم تكرره، والمعنى مختلف،
أول من ابتداه
قالوا: وأول من ابتدأه امرؤ القيس، فى قوله:
إلا إنّنى بال على جمل بال ... يسوق بنا بال ويتبعنا بال
وليس هذا من التعطف على الأصل الذى أصّلوه؛ وذلك أن الألفاظ المكررة فى هذا البيت على معنى واحد يجمعها البلى فلا اختلاف بينها، وإنما صار كل واحد منها صفة لشىء، فاختلفت لهذه الجهة لا من جهة اختلافها فى معانيها؛ وكذلك قول الآخر «1» :
عود على عود على عود خلق «2»
وإنما التعطف على أصلهم، كقول الشماخ «3» :
كادت تساقطنى والرّحل إذ نطقت ... حمامة فدعت ساقا على ساق
أى دعت حمامة، وهو- ذكر القمارى ويسمى الساق عندهم- على ساق شجرة؛ وقول الأفوه «4» :
وأقطع الهوجل مستأنسا ... بهوجل عيرانة عنتريس «5»
فالهوجل الأول: الأرض البعيدة الأطراف، والهوجل الثانى: الناقة العظيمة الخلق.
مما يدخل فى التعطف
ومما يدخل فى التعطف ما أنشدنا أبو أحمد، قال: أنشدنا أبو عبد الله المفجع، قال: أنشدنا أبو العباس ثعلب «6» :
(1/420)

أتعرف أطلالا شجونك بالخال ... وعيش ليال كان فى الزّمن الخالى «1»
الخال: موضع. والخالى، من الخلوة «2» .
ليالى ريعان الشّباب مسلّط ... علىّ بعصيان الإمارة والخال
يعنى أنه يعصى أمر من يلى أمره وأمره من ينصحه ليصلح حاله، وهو من قولهم:
فلان خال مال، إذا كان يقوم به ويصلحه.
وإذ أنا خدن للغوىّ أخى الصّبا ... وللمرح الذّيال واللهو والخال «3»
الخال هاهنا: من الخيلاء وهو الكبر.
إذا سكنت ربعا رئمت رباعها ... كما رئم الميثاء ذو الرثية الخالى «4»
الخالى: الذى لا أهل له.
ويقتادنى ظبى رخيم دلاله ... كما اقتاد مهرا حين يألفه الخالى
الخالى: الذى يقطع الخلا وهو النبات الرطب.
ليالى سلمى تستبيك بدلّها ... وبالمنظر الفتان والجيد والخال
الخالى: الذى يرشم على الخد شبيه الشامة.
وقد علمت أنى وإن ملت للصّبا ... إذا القوم كعّوا لست بالرّعش الخالى
الخالى: الذى لا أصحاب معه يعاونونه «5» :
ولا أرتدى إلا المروءة حلّة ... إذا ضن بعض القوم بالعصب والخال
الخال: ضرب من البرود.
وإن أنا أبصرت المحول ببلدة ... تنكبتها واشتمت خالا إلى خال
الخال: السحابة المخيلة للمطر.
(1/421)

فخالف «1» بخلقى كلّ حرّ مهذب ... وإلّا فصارمه وخال إذا خال «2»
المخالاة: قطع الحلف، يقال: أخلّ من فلان، وتخلّ منه، أى فارقة؛ وقال النابغة:
قالت بنو عامر خالوا بنى أسد ... فإنى حليف للسماحة والنّدى
إذا احتلفت عبس وذبيان بالخال
الخال: موضع.
ومثله:
يا طيب نعمة أيام لنا سلفت ... وحسن لذة أيام الصبا عودى
أيام أسحب ذيلى فى بطالتها ... إذا ترنّم صوت الناى والعود
وقهوة من سلاف الخمر صافية ... كالمسك والعنبر الهندى والعود
تسلّ عقلك فى لين وفى لطف ... إذا جرت منك مجرى الماء فى العود
ومن هذا النوع، قول أبى تمام «3» :
السيف أصدق أنباء من الكتب ... فى حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب
ولم أجد منه شيئا فى القرآن إلا قوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ
. والله أعلم.
(1/422)

الفصل الثالث والثلاثون فى المضاعفة
المضاعفة [و] مثالها من القرآن
وهو أن يتضمّن الكلام معنيين: معنى مصرّح به، ومعنى كالمشار إليه؛ وذلك مثل قول الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ
فالمعنى المصرّح به فى هذا الكلام أنه لا يقدر أن يهدى من عمى عن الآيات، وصمّ عن الكلم البينات؛ بمعنى أنه صرف قلبه عنها فلم ينتفع بسماعها ورؤيتها؛ والمعنى المشار إليه أنه فضّل السمع على البصر، لأنه جعل مع الصمم فقدان العقل، ومع العمى فقدان النظر فقط.
مثالها من النثر
ومن نثر الكتاب ما كتب به الحسن بن وهب: كتابى إليك، وشطر قلبى عندك، والشطر الآخر غير خلو من تذكّرك، والثناء على عهدك، فأعطاك الله بركة وجهك، وزاد فى علوّ قدرك، والنعمة عندك وعندنا فيك.
فقوله: «بركة وجهك» فيه معنيان: أحدهما أنه دعا له بالبركة؛ والآخر أنه جعل وجهه ذا بركة عظيمة، ولعظمها عدل إليها فى الدعاء عن غيرها من بركات المطر وغيره؛ ومثله قول أبى العيناء: سألتك حاجة فرددت بأقبح من وجهك؛ فتضمن هذا اللّفظ قبح وجهه وقبح رده.
مثالها من المنظوم
ومن المنظوم قول الأخطل:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم بولى على النّار
فأخبر عن إطفاء النار، فدل به على بخلهم، وأشار إلى مهانتهم، ومهانة أمهم عندهم.
وقول أبى تمام «1» :
يخرج من جسمك السّقام كما ... أخرج ذمّ الفعال من عنقك
(1/423)

يسحّ سحّا «1» عليك حتى يرى ... خلقك فيها أصحّ من خلقك
فدعا له بالصحة وأخبر بصحة خلقه، فهما معنيان فى كلام واحد.
وقال جحظة:
دعوت فأقبلت ركضا إليك ... وخالفت من كنت فى دعوته
وأسرعت نحوك لما أمرت ... كأنّى نوالك فى سرعته
وقال ابن الرومى:
بنفس أبت إلّا ثبات عقودها ... لمن عاقدته وانحلال حقودها
ألاتلكم النفس التى تم فضلها ... فما نستزيد الله غير خلودها
فذكر تمام فضلها وأراد خلودها؛ ومن ذلك قول الآخر «2» :
نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنّئت الدنيا بأنك خالد
وكتب بعضهم: فإن رأيت صلتى بكتابك العادل عندى رؤية كلّ حبيب سواك وتضمينه من حوائجك ما أسر بقضائه فعلت إن شاء الله. فقوله: «سواك» مضاعفة.
نوع آخر منها
ومن هذا الباب نوع آخر، وهو أن تورد الاسم الواحد على وجهين وتضمنه معنيين كل واحد منهما معنى، كقول بعضهم:
أفدى الّذى زارنى والسيف يخفره ... ولحظ عينيه أمضى من مضاربه
فما خلعت نجادى فى العناق له ... حتى لبست نجادا من ذوائبه
فجعل فى السيف معنيين: أحدهما أن يخفره، والآخر أن لحظه أمضى من مضاربه.
وضرب منها
وضرب منه آخر قول ابن الرومى:
بجهل كجهل السّيف والسيف منتضى ... وحلم كحلم السيف والسّيف مغمد
وضرب منه قول مسلم:
وخال كخال البدر فى وجه مثله ... لقينا المنى فيه فحاجزنا البذل
(1/424)

الفصل الرابع والثلاثون فى التطريز
التطريز
وهو أن يقع فى أبيات متوالية من القصيدة كلمات متساوية فى الوزن، فيكون فيها كالطّراز فى الثوب، وهذا النوع قليل فى الشعر.
أحسن ماجاء منه
وأحسن ما جاء فيه قول أحمد بن أبى طاهر:
إذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر
وإن أضاءت لنا أنوار غرّته ... تضاءل الأنوران: الشمس والقمر
وإن مضى رأيه أو حدّ عزمته ... تأخر الماضيان: السيف والقدر
من لم يكن حذرا من حدّ صولته ... لم يدر ما المزعجان: الخوف والحذر
فالتطريز فى قوله: «الأجودان» ، و «الأنوران» ، و «الماضيان» ، و «المزعجان» .
ونحوه قول أبى تمام «1» :
أعوام وصل كاد ينسى طولها ... ذكر النوى فكأنها أيام
ثم انبرت أيام هجر أردفت ... نجوى أسى فكأنها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنهم وكأنها أحلام
وقلت فى مرثية:
أصبحت أوجه القبور وضاء ... وغدت ظلمة القبور ضياء
يوم أضحى طريدة للمنايا ... ففقدنا به الغنى والغناء
يوم ظلّ الثرى يضم الثريّا ... فعدمنا منه السّنا والسناء
(1/425)

يوم فاتت به بوادر شؤم ... فرزينا به الثّرى والثراء
يوم ألقى الرّدى عليه جرانا ... فحرمنا منه الجدا والجداء
يوم ألوت به هنات الليالى ... فلبسنا به البلى والبلاء
ومن ذلك قول زياد الأعجم:
ومتى يؤامر نفسه مستلحيا «1» ... فى أن يجود لذى الرجاء يقل جد
أو أن يعود له بنفحة نائل ... يعد الكرامة والحياء يقل عد
أو فى الزيادة بعد جزل عطية ... للمستزيد من العفاة يقل زد
(1/426)

الفصل الخامس والثلاثون فى التلطف
التلطف
وهو أن تتلطف للمعنى الحسن حتى تهجّنه، والمعنى الهجين حتى تحسنه؛ وقد ذكرت طرفا منه فى أوّل الكتاب، إلا أنى لم أسمّه هناك بهذا الاسم فيشهر به ويكون بابا برأسه، كإخوانه من أبواب الصنعة.
مثاله من النثر
فمن ذلك أن يحيى بن خالد البرمكى قال لعبد الملك بن صالح: أنت حقود؛ فقال:
إن كان الحقد عندك بقاء الخير والشر فإنهما عندى لباقيان. فقال يحيى: ما رأيت أحدا احتجّ للحقد حتى حسّنه غيرك. وقد مر هذا الفصل فى أول الكتاب.
ورأى الحسن على رجل طيلسان صوف، فقال له: أيعجبك طيلسانك هذا؟
قال: نعم، قال: إنه كان على شاة قبلك، فهجّنه من وجه قريب.
وأخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنا الصولى، قال: حدثنا محمد بن القاسم أبو العيناء، قال: لما دخلت على المتوكل دعوت له، وكلمته فاستحسن كلامى؛ وقال لى: يا محمد؛ بلغنى أنّ فيك شرا، قلت: يا أمير المؤمنين، إن يكن الشّرّ ذكر المحسن بإحسانه، والمسىء بإساءته، فقد زكّى الله عز وجل وذم؟ فقال فى التزكية: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
؛ وقال فى الذم: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ
، فذمه الله تعالى حتى قذفه؛ وقد قال الشاعر:
إذا أنا بالمعروف لم أثن دائما ... ولم أشتم الجبس اللّئيم المذمّما
ففيم عرفت الخير والشرّ باسمه ... وشقّ لى الله المسامع والفما
وفى الخبر بعض طول.
وكان عبد الله بن أمية وسم دوابّه «عدّة» ، فلما جازبها الحجاج جعل إلى جانبه «للفرار» . وقيل لعبادة: إن السّودان أسخن، فقال: نعم، للعيون. وقال رجل
(1/427)

لرجل كان يراه فيبغضه: ما اسمك؟ فقال: سعد، قال: على الأعداء. وسمعت والدى رحمه الله يقول: لعن الله الصبر فإن مضرته عاجلة، ومنفعته آجلة، يتعجّل به ألم القلب، بأمثال المنفعة فى العاقبة؛ ولعلها تفوتك لعارض يعرض، فكنت قد تعجلت الغم من غير أن يصل إليك نفع؛ وما سمعت هذا المعنى من غيره، فنظمته بعد ذلك، فقلت:
الصّبر عمن تحبّه صبر ... ونفع من لام فى الهوى ضرر
من كان دون المرام مصطبرا ... فلست دون المرام أصطبر
منفعة الصّبر غير عاجلة ... وربما حال دونها الغير
فقم بنا نلتمس مآربنا ... أقام أو لم يقم بنا القدر
إنّ لنا أنفسا تسودنا ... أعانهنّ الزمان أو يذر
وابغ من العيش ما تسرّ به ... إن عذل الناس فيه أو عذروا
مثاله من المنظوم
ومن المنظوم قول الحطيئة فى قوم كانوا يلقبون بأنف الناقة فيأنفون، فقال فيهم «1» :
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوّى بأنف الناقة الذنبا
فكانوا بعد ذلك يتبجحون بهذا البيت.
ومدح ابن الرومى البخل وعذر البخيل، فقال:
لا تلم المرء على بخله ... ولمه يا صاح «2» على بذله
لا عجب بالبخل من ذى حجى ... يكرم ما يكرم من أجله
وعذر أبو العتاهية البخيل فى منعه منه، بقوله «3» :
جزى البخيل علىّ صالحة ... عنّى بخفته على ظهرى
أعلى فأكرم عن نداه يدى «4» ... فعلت ونزّه قدره قدرى
ورزقت من جدواه عارفة ... ألّا يضيق بشكره صدرى
(1/428)

وظفرت منه بخير مكرمة ... من بخله من حيث لا يدرى
ما فاتنى خير امرىء وضعت ... عنّى يداه مؤونة الشكر
وقال ابن الرومى، يعذر إنسانا فى المنع:
أجمعت حسرى أياديك التى ثقلت ... على الكواهل حتى أدّها ذاكا
وما مللت العطايا فاسترحت إلى ... إغبابهم بل هم ملوا عطاياكا
وما نهتهم عن المرعى وخامته ... لكنه أسبق الرّاعين مرعاكا
تدبّر الناس ما دبّرته فإذا ... عليهم لا على الأموال بقياكا
أمسكت سيبك إضراء لرغبتهم ... وما بخلت ولا أمسكت إمساكا
وكان شمّ الورد يضرّه، فكان يذمّه ويمدح النرجس، واحتال فى تشبيهه، حتى هجّن فيه أمره وطمس حسنه وهو قوله:
وقائل لم هجوت الورد معتمدا ... فقلت من بغضه عندى ومن عبطه
كأنه سرم بغل حين يخرجه ... عند الرياث وباقى الروث فى وسطه
ومثله قول يزيد المهلبى:
ألا مبلغ عنى الأمير محمدا ... مقالا له فضل على القول بارع
لنا حاجة إن أمكنتك قضيتها ... وإن هى لم تمكن فعذرك واسع
وقال ابن الرومى أيضا:
وإنى لذو حلف كاذب ... وإذا ما اضطررت وفى الأمر ضيق
وما فى اليمين على مدفع ... يدافع بالله ما لا يطيق
وقد فرغنا من شرح أبواب البديع، وتبيين وجوهها وإيضاح طرقها؛ والزيادة التى زدنا فيها ستّة فصول، وأبرزناها فى قوالبها من الألفاظ من غير إخلال ولا إهذار.
وإذا أردت أن تعرف فضلها على ما عمل فى معناها قبلها، فمثل بينها وبينه فإنك تقضى لها عليه، ولا تنصرف بالاستحسان عنها إليه، إن شاء الله.
المشتق
وقد عرض لى بعد نظم هذه الأنواع، نوع آخر لم يذكره أحد وسميته المشتق،
(1/429)

وجهاه
وهو على وجهين؛ فوجه منهما أن يشتق اللفظ من اللفظ، والآخر أن يشتق المعنى من اللفظ، فاشتقاق اللفظ من اللفظ، هو مثل قول الشاعر فى رجل يقال له ينخاب:
وكيف ينجح من نصف اسمه خابا
وقلت، فى البانياس «1» :
فى البانياس إذا أوطئت ساحتها ... خوف وحيف وإقلال وإفلاس
وكيف يطمع فى أمن وفى دعة ... من حل فى بلد نصف اسمه ياس
واشتقاق المعنى من اللفظ، مثل قول أبى العتاهية:
حلقت لحية موسى باسمه ... وبهارون إذا ما قلبا
وقال ابن دريد «2» :
لو أوحى النحو إلى نفطويه ... ما كان هذا النحو يقرا عليه «3»
أحرقه الله بنصف اسمه ... وصير الباقى صراخا عليه
(1/430)

الباب العاشر فى ذكر مبادىء الكلام ومقاطعه والقول فى حسن الخروج والفصل والوصل وما يجرى مجرى ذلك
الفصل الأوّل فى ذكر المبادىء
حسن ابتداءات وقبحها
قال بعض الكتّاب: أحسنوا معاشر الكتّاب الابتداءات فإنهن دلائل البيان.
وقالوا: ينبغى للشاعر أن يحترز فى أشعاره، ومفتتح أقواله؛ مما يتطيّر منه، ويستجفى من الكلام والمخاطبة والبكاء ووصف إقفار الديار وتشتيت الألّاف ونعى الشباب وذمّ الزمان؛ لا سيّما فى القصائد التى تتضمن المدائح والتهانى. ويستعمل ذلك فى المراثى، ووصف الخطوب الحادثة؛ فإن الكلام إذا كان مؤسسا على هذا المثال تطيّر منه سامعه،
أمثلة
وإن كان يعلم أن الشاعر إنما يخاطب نفسه دون الممدوح، مثل ابتداء ذى الرّمة «1» :
ما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلى مفرّية سرب «2»
وقد أنكر الفضل بن يحيى البرمكى على أبى نواس ابتداءه «3» :
أربع البلى إن الخشوع لبادى ... عليك وإنى لم أخنك ودادى
قال فلما انتهى إلى قوله:
سلام على الدّنيا إذا ما فقدتم ... بنى برمك من رائحين وغاد
وسمعه استحكم تطيّره، وقيل: إنه لم يمض أسبوع حتى نكبوا.
ومثله ما أخبرنا به أبو أحمد، قال: حدثنا الصولى، قال: حدثنا محمد بن العباس
(1/431)

اليزيدى، قال: حدثنى عمى عن أخيه أبى محمد، قال: لما فرغ من بناء قصره بالميدان الذى كان للعباسية، جلس فيه وجمع الناس من أهله وأصحابه، وأمر أن يلبس الناس كلّهم الديباج، وجعل سريره فى الإيوان المنقوش بالفسافسا الذى كان فى صدره صورة العنقاء، فجلس على سرير مرصّع بأنواع الجواهر، وجعل على رأسه التاج الذى فيه الدرّة اليتيمة، وفى الإيوان أسرّة آبنوس عن يمينه وعن يساره، من عند السرير الذى عليه المعتصم إلى باب الإيوان؛ فكلما دخل رجل رتّبه هو بنفسه فى الموضع الذى يراه، فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم، فاستأذنه إسحاق بن إبراهيم فى النّشيد فأذن له؛ فأنشده شعرا ما سمع الناس أحسن منه فى صفته وصفة المجلس؛ إلّا أن أوله تشبيب بالديار القديمة، وبقية آثارها فكان أول بيت منها:
يا دار غيّرك البلى فمحاك ... ياليت شعرى ما الّذى أبلاك
فتطيّر المعتصم منها، وتغامز الناس، وعجبوا كيف ذهب على إسحاق مع فهمه وعلمه وطول خدمته للملوك؛ قال: فأقمنا يومنا هذا، وانصرفنا، فما عاد منا اثنان إلى ذلك المجلس، وخرج المعتصم إلى سرّ من رأى، وخرب القصر.
وأنشد البحترى أبا سعيد قصيدة أولها «1» :
لك الويل من ليل تطاول آخره ... ووشك نوى حىّ تزم أباعره
فقال أبو سعيد: بل الويل والحرب لك! فغيّره وجعله «له الويل» وهو ردىء أيضا.
وأنشد أبو حكيمة أبا دلف:
ألا ذهب الأير الذى كنت تعرف
فقال أبو دلف: أمّك تعرف ذلك.
وأنشد أبو مقاتل الداعى:
لا تقل بشرى ولكن بشريان ... غرّة الداعى ويوم المهرجان
فأوجعه الداعى ضربا، ثم قال: هلا قلت: «إن تقل بشرى فعندى بشريان» .
(1/432)

فإن أراد أن يذكر دارا فليذكرها كما ذكرها الخريمى:
ألا يادار دام «1» لك الحبور ... وساعدك الغضارة والسرور
وكما قال أشجع:
قصر عليه تحية وسلام ... نشرت عليه جمالها الأيام
أحسن الابتداءات الجاهلية
وقالوا: أحسن ابتداءات الجاهلية قول النابغة «2» :
كلينى لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطىء الكواكب
وأحسن مرثية جاهلية ابتداء قول أوس بن حجر «3» :
أيّتها النفس أجملى جزعا ... إنّ الذى تحذرين قد وقعا
قالوا: وأحسن مرثية إسلامية ابتداء قول أبى تمام «4» :
أصمّ بك الناعى وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا
وقول الآخر:
أنعى فتى الجود إلى الجود ... ما مثل من أنعى بموجود
أنعى فتى مصّ الثرى بعده ... بقية الماء من العود
وقد بكى امرؤ القيس واستبكى، ووقف واستوقف، وذكر الحبيب والمنزل فى نصف بيت، وهو قوله «5» :
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
فهو من أجود الابتداءات.
ومن أحكم ابتداءات العرب قول السموءل «6» :
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
(28- الصناعتين)
(1/433)

وقال بعضهم: أحكم ابتداءاتهم قول لبيد «1» :
ألا كلّ شىء ما خلا الله باطل ... وكلّ نعيم لا محالة زائل
وبعضهم يجعل ابتداء هذه القصيدة «2» :
ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل
ومن جياد ابتداءات أهل الجاهلية قول أوس بن حجر:
ولقد أبيت بليلة كليالى
ومنها قول النابغة «3» :
دعاك الهوى واستجهلتك المنازل ... وكيف تصابى المرء والشيب شامل
ونحوه قول أمية «4» :
يا نفس مالك بعد الله من واق ... وما على حدثان الدهر من راق
من غير الجاهلية
وقالوا: وكان عبد الحميد الكاتب لا يبتدىء «بلولا» ولا «إن رأيت» .
وقد جعل الناس قول أبى تمام «5» :
يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا ... هى الصبابة طول الدهر والسهد
من جياد الابتداءات، وقوله «6» :
سعدت غربة النّوى بسعاد ... فهى طوع الإتهام والإنجاد
وسئل بعضهم عن أحذق الشعراء، فقال: من يتفقد الابتداء والمقطع.
ولما نظر أبو العميثل فى قصيدة أبى تمام «7» :
أهنّ عوادى يوسف وصواحبه ... فعزما فقدما أدرك الثأر طالبه
استرذل ابتداءها وأسقط القصيدة كلها، حتى صار إليه أبو تمام، ووقفه على موضع الإحسان منها، فراجع عبد الله بن طاهر، فأجازه.
(1/434)

ولأبى تمام ابتداءات كثيرة تجرى هذا المجرى، منها قوله «1» :
قدك اتّئب أربيت فى الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائى «2»
وقوله:
صدقت لهيّا قلبك المستهتر ... فبقيت نهب صبابة وتذكّر «3»
ومن الابتداءات البديعة
ومن الابتداءات البديعة قول مسلم:
أجررت ذيل خليع فى الهوى غزل ... وشمّرت همم العذّال فى عذلى
وقال أبو العتاهية:
ننافس فى الدنيا ونحن نعيبها
والابتداء أول ما يقع فى السمع من كلامك، والمقطع آخر ما يبقى فى النفس من قولك، فينبغى أن يكونا جميعا مونقين.
ابتداءات المتنبى
وقد استحسن لبعض المتأخرين ابتداؤه «4» :
أريقك أم ماء الغمامة أم خمر ... بفىّ برود وهو فى كبدى جمر
وله بعد ذلك ابتداءات المصائب، وفراق الحبائب، منها قوله «5» :
كفى أرانى ويك لومك ألوما ... همّ أقام على فؤادى أنجما «6»
وقوله «7» :
أبا عبد الإله معاذ إنى ... خفىّ عنك فى الهيجا مقامى
وقوله «8» :
هذى برزت لنا فهجت رسيسا ... ثم انصرفت وما شفيت نسيسا «9»
وقوله «10» :
جللا كما بى فليك التّبريح ... أغذاء ذا الرّشإ الأغن الشيح
(1/435)

وقوله «1» :
أحاد أم سداس فى أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتّنادى»
وقوله «3» :
لجنّية أم غادة رفع السّجف ... لوحشيّة لا ما لوحشية شنف «4»
وقوله «5» :
بقائى شاء ليس هم ارتحالا ... وحسن الصبر زمّوا لا الجمالا
وقوله «6» :
فى الخدّ إن عزم الخليط رحيلا ... مطر يزيد به الخدود محولا
وقال إسمعيل بن عباد: لعمرى إن المحول فى الخدود من البديع المردود.
وقوله «7» :
نهنّى بصور أم نهنّئها بكا ... وقل للذى صور وأنت له لكا
وقوله «8» :
عذيرى من عذارى فى صدور ... سكنّ جوانحى بدل الصّدور
وقوله «9» :
سرب محاسنه حرمت ذواتها ... دانى الصّفات بعيد موصوفاتها
وقوله «10» :
أيا لائمى إن كنت وقت اللّوائم ... علمت بما بى بين تلك المعالم
(1/436)

وقوله «1» :
ووقت وفى بالدهر لى عند واحد ... وفى لى بأهليه وزاد كثيرا
وقوله «2» :
شديد البعد من شرب الشّمول ... ترنج الهند أو طلع النّخيل
وقوله «3» :
أراع كذا كلّ الأنام همام ... وسحّ له رسل الملوك غمام
وقوله «4» :
أوه بديل من قولتى واها ... لمن نأت والبديل ذكراها
فهذه وما شاكلها ابتداءات لا خلاق لها.
فضل الابتداء الحسن
وإذا كان الابتداء حسنا بديعا، ومليحا رشيقا، كان داعية إلى الاستماع لما يجىء من الكلام؛ ولهذا المعنى يقول الله عز وجل: آلم. وحم. وطس. وطسم.
وكهيعص؛ فيقرع أسماعهم بشىء بديع ليس لهم بمثله عهد، ليكون ذلك داعية لهم إلى الاستماع لما بعده والله أعلم بكتابه. ولهذا جعل أكثر الابتداءات بالحمد لله؛ لأن النفوس تتشوف للثناء على الله فهو داعية إلى الاستماع؛ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «كل كلام لم يبدأ فيه بحمد الله تعالى فهو أبتر» .
فأما الابتداء البارد، فابتداء أبى العتاهية «5» :
ألا ما لسيدتى مالها ... أدلّت فأحمل إدلاها
(1/437)

الفصل الثّانى فى ذكر المقاطع والقول فى الفصل والوصل
البلاغة معرفة الفصل والوصل
قيل للفارسى: ما البلاغة؟ فقال: معرفة الفصل من الوصل. وقال المأمون لبعضهم: من أبلغ الناس؟ فقال: من قرّب الأمر البعيد المتناول، والصّعب الدرك بالألفاظ اليسيرة، قال: ما عدل سهمك عن الغرض. ولكن البليغ من كان كلامه فى مقدار حاجته، ولا يجيل الفكرة فى اختلاس ما صعب عليه من الألفاظ، ولا يكره المعانى على إنزالها فى غير منازلها، ولا يتعمّد الغريب الوحشىّ، ولا الساقط السّوقىّ؛ فإن البلاغة إذا اعتزلتها المعرفة بمواضع الفصل والوصل كانت كاللآلىء بلا نظام.
وقال أبو العباس السفاح لكاتبه: قف عند مقاطع الكلام وحدوده؛ وإيّاك أن تخلط المرعىّ بالهمل «1» . ومن حلية البلاغة المعرفة بمواضع الفصل والوصل.
وقال الأحنف بن قيس: ما رأيت رجلا تكلّم فأحسن الوقوف عند مقاطع الكلام، ولا عرف حدوده إلا عمرو بن العاص رضى الله عنه، كان إذا تكلم تفقد مقاطع الكلام، وأعطى حقّ المقام، وغاص فى استخراج المعنى بألطف مخرج؛ حتى كان يقف عند المقطع وقوفا يحول بينه وبين تبيعته من الألفاظ، وكان كثيرا ما ينشد:
إذا ما بدا فوق المنابر قائلا ... أصاب بما يومى إليه المقاتلا
ولا أعرف فصلا فى كلام منثور أحسن مما أخبرنا به أبو أحمد، قال: حدثنا الصّولى، قال: حدثنا محمد بن زكريا، قال: حدثنى العتبى عن أبيه، قال: كان شبيب ابن شبّة يوما قاعدا بباب المهدى، فأقبل عبد الصمد بن الفضل الرّقاشىّ، فلما رآه قال: أتاكم والله كليم الناس. فلما جلس قال شبيب: تكلم يا أبا العباس، فقال:
(1/438)

أمعك يا أبا معمر وأنت خطيبنا وسيدنا؟ قال: نعم، فو الله ما رأيت قلبا أقرب من لسان، من قلبك من لسانك، قال: فى أى شىء تحب أن أتكلم؟ قال: وإذا شيخ معه عصا يتوكأ عليها، فقال: صف لنا هذه العصا، فحمد الله عز وجل وأثنى عليه، ثم ذكر السماء، فقال: رفعها الله بغير عمد، وجعل فيها نجوم رجم ونجوم اقتداء، وأدار فيها سراجا وقمرا منيرا؛ لتعلموا عدد السنين والحساب، وأنزل منها ماء مباركا، أحيا به الزرع والضّرع وأدرّ به الأقوات، وحفظ به الأرواح، وأنبت به أنواعا مختلفة، يصرّفها من حال إلى حال؛ تكون حبّة، ثم يجعلها عرقا، ثم يقيمها على ساق، فبينا تراها خضراء ترف إذ صارت يابسة تتقصّف، لينتفع بها العباد، ويعمر بها البلاد، وجعل من يبسها هذه العصا. ثم أقبل على الشيخ، فقال: وكان هذا نطفة فى صلب أبيه، ثم صار علقة حين خرج منه، ثم مضغة ثم لحما وعظما، فصار جنينا أوجده الله بعد عدم، وأنشأه مريدا، ووفقه مكتهلا، ونقصه شيخا، حتى صار إلى هذه الحال، من الكبر، فاحتاج فى آخر حالاته إلى هذه العصا؛ فتبارك المدبّر للعباد ... قال شبيب: فما سمعت كلاما على بديه أحسن منه.
وقال معاوية: يا أشدق؛ قم عند قروم العرب وجحاجحها، فسلّ لسانك، وجل فى ميادين البلاغة، وليكن التفقّد لمقاطع الكلام منك على بال، فإنى شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلّم أملى على علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه كتابا، وكان يتفقّد مقاطع الكلام كتفقد المصرم صريمته.
ولما أقام أبو جعفر صالحا خطيبا بحضرة شبيب بن شبة وأشراف قريش فتكلم، أقبل شبيب. فقال: يا أمير المؤمنين؛ ما رأيت كاليوم أبين بيانا، ولا أربط جنانا، ولا أفصح لسانا، ولا أبلّ ريقا، ولا أغمض عروقا، ولا أحسن طريقا، إلا أن الجواد عسير لم يرض؛ فحملته القوة على تعسّف الإكام وخبطها، وترك الطريق اللاحب، وايم الله لو عرف فى خطبته مقاطع الكلام لكان أفصح من نطق بلسان.
(1/439)

وقال المأمون: ما أعجب بكلام «1» أحد كاعجابى بكتاب القاسم بن عيسى، فإنه يوجز فى غير عجز، ويصيب مفاصل الكلام ولا تدعوه المقدرة إلى الإطناب، ولا تميل به الغزارة إلى الإسهاب، يجلى عن مراده فى كتبه، ويصيب المغزى فى ألفاظه.
وكان يزيد بن معاوية يقول: إياكم أن تجعلوا الفصل وصلا، فإنه أشدّ وأعيب من اللّحن.
وكان أكثم بن صيفى إذا كاتب ملوك الجاهلية يقول «2» لكتّابه افصلوا بين كل معنى منقض، وصلوا إذا كان الكلام معجونا بعضه ببعض. وكان الحرث بن أبى شمر الغسّانى يقول لكاتبه المرقش: إذا نزع بك الكلام إلى الابتداء بمعنى غير ما أنت فيه فافصل بينه وبين تبيعته من الألفاظ، فإنك إن مذقت ألفاظك بغير ما يحسن أن تمذق به نفّرت «3» القلوب عن وعيها، وملّته الأسماع، واستثقلته الرواة. وكان بزرجمهر. يقول: إذا مدحت رجلا، وهجوت آخر، فاجعل بين القولين فصلا حتى تعرف المدح من الهجاء، كما تفعل فى كتبك إذا استأنفت القول، وأكملت ما سلف من اللفظ.
وقال الحسن بن سهل لكاتبه الحرّانى: ما منزلة الكاتب فى قوله وفعله؟ قال:
أن يكون مطبوعا محتنكا بالتجربة، عالما بحلال الكتاب والسنة وحرامها، وبالدهور فى تداولها وتصرّفها، وبالملوك فى سيرها وأيامها، مع براعة اللفظ وحسن التنسيق، وتأليف الأوصال بمشاكلة الاستعارة، وشرح المعنى؛ حتى ينصب ضورها، وبمقاطع الكلام، ومعرفة الفصل من الوصل؛ فإذا كان ذلك كذلك فهو كاتب مجيد. والقول إذا استكمل آلته، واستتمّ معناه فالفصل عنده. وكان عبد الحميد الكاتب إذا استخبر الرجل فى كتابه فكتب: خبرك، وحالك وسلامتك؛ فصل بين هذه الأحرف ويقول:
قد استكمل كل حرف منها آلته، ووقع الفصل عليه. وكان صالح بن عبد الرحمن التميمى الكاتب يفصّل بين الآيات كلها وبين تبيعتها من الكتاب، كيف وقعت.
(1/440)

وكان يقول: ما استؤنف إنّ- إلا وقع الفصل، وكان جبل بن يزيد يفصّل بين الفاءات كلها، وقد كره بعض الكتبة ذلك وأحبه بعض، وفصل المأمون عند «حتى» كيف وقعت، وأمر كتابه بذلك، فغلط أحمد بن يوسف، ووصل حتى بما بعده من اللفظ، فلما عرض الكتاب على المأمون أمر بإحضاره، فقال: لعن الله هذه القلوب حين اكنّت العلوم بزعمكم، واجتنت ثمر لطائف الحكمة بدعواكم؛ قد شغلتموها باستظراف ما عزب عنكم علمه عن تفهّم ما رويتموه، وتفحّص ما جمعتموه، وتعرف ما استقدمتموه؛ أليس قد تقدمنا إليكم بالفصل عند «حتى» حيثما وقعت من الألفاظ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قد ينبو السيف وهو صميم، ويكبو الجواد وهو كريم. وكان لا يعود فى شىء من ذلك، وكان يأمر كتابه بالفصل بين؛ بل وبلى، وليس.
وأمر عبد الملك كتابه بذلك إلا «ليس» . وقال المأمون ما أتفحّص من رجل شيئا كتفحّصى عن الفصل والوصل فى كتابه، والتخلّص من المحلول إلى المعقود، فإنّ لكل شىء جمالا، وحلية الكتاب وجماله إيقاع الفصل موقعه، وشحذ الفكرة وإجالتها فى لطف التخلص من المعقود إلى المحلول.
المعقود والمحلول
وقلنا: إن المعقود والمحلول هاهنا هو أنك إذا ابتدأت مخاطبة، ثم لم تنته إلى موضع التخلّص ممّا عقدت عليه كلامك سمى الكلام معقودا، وإذا شرحت المستور وأبنت عن الغرض المنزوع إليه سمّى الكلام محلولا.
المثال
مثال ذلك ما كتب بعضهم، وجرى لك من ذكر ما خصّك الله به، وأفردك بفضيلته من شرف النفس والقدرة، وبعد الهمّة والذكر، وكمال الأداة والآلة والتمهد فى السياسة والإيالة، وحياطة أهل الدين والأدب، وإنجاد عظيم الحق بضعيف السبب، ما لا يزال يجرى مثله عند كلّ ذكر يتخذ ذلك، وحديث يؤثر عنك. فالكلام من أول الفصل إلى آخر قوله «بضعيف السبب» معقود، فلما اتصل بما بعده صار محلولا.
وما كتب بعضهم: ربما كانت مودّة السبب أوكد من مودة النّسب؛ لأن المودة التى تدعو إليها رغبة أو رهبة، أو شكر نعمة، أو شاكلة فى صناعة، أو مناسبة
(1/441)

بمشاكلة مودة معروفة وجوهها، موثوق بخلوصها فتوكدها بحسب السبب الداعى إليها، ودوامها بدوامه واتصالها باتصاله؛ ومودة القربى وإن أوجبتها اللّحمة، فهى مشوبة بحسد ونفاسة؛ وبحسب ذلك يقع التقصير فيما يوجبه الحال، والإضاعة لما يلزم من الشكر، والله يعلم أنى أودك مودّة خالصة لم تدع إليها رغبة فيزيلها استغناء عنها، ولا اضطرت إليها رهبة؛ فيقطعها أمن منها، وإن كنت مرجوا للموهبات بحمد الله؛ ومقصدا من مقاصد الرغبات، وكهفا وحرزا من الموبقات. فهذا الكلام كله معقود إلى قوله: «مشاكلة مودة» فلما اتصل بما بعده صار محلولا.
عيبه
وقال بعضهم: انظر سدّدك الله ألّا تدعوك مقدرتك على الكلام إلى إطاله المعقود؛ فإن ذلك فساد ما أكننته فى صدرك، وأردت تضمينه كتابك. واعلم أن إطالة المعقود يورث نسيان ما عقدت عليه كلامك، وأرهفت به فكرتك.
أجود ذلك
وكان شبيب بن شبة يقول: لم أر متكلما قطّ أذكر لما عقد عليه كلامه، ولا أحفظ لما سلف من نطقه من خالد بن صفوان، يشبع المعقود بالمعانى التى يصعب الخروج منها إلى غيرها، ثم يأتى بالمحلول واضحا، بينا مشروحا منورا. وكان السامع لا يعرف مغزاه ومقصده، فى أول كلامه حتى يصير إلى آخره.
وقال بعضهم: ليس يحمد من القائل أن يعمى معرفة مغزاه على السامع لكلامه فى أول ابتدائه، حتى ينتهى إلى آخره؛ بل الأحسن أن يكون فى صدر كلامه دليل على حاجته ومبيّن لمغزاه ومقصده؛ كما أن خير أبيات الشعر ما إذا سمعت صدره عرفت قافيته. وكان شبيب بن شبة يقول: الناس موكّلون بتعظيم جودة الابتداء وبمدح صاحبه؛ وأنا موكّل بتعظيم جودة المقطع وبمدح صاحبه؛ وخير الكلام ما وقف عند مقاطعه، وبيّن موقع فصوله.
مما لم يبين موضع الفصل فيه
قلنا: ومما لم يبين موضع الفصل فيه فأشكل الكلام قول المخبّل للزبرقان ابن بدر:
(1/442)

وأبوك بدر كان ينتهس الحصى ... وأبى الجواد ربيعة بن قبال «1»
فقال الزّبرقان: لا بأس، شيخان اشتركا فى صنعة.
وقلّما رأينا بليغا إلا وهو يقطع كلامه على معنى بديع؛ أو لفظ حسن رشيق.
قال لقيط فى آخر قصيدة: «2»
مثال المقطع الحسن فى الشعر
لقد محضت لكم ودّى بلا دخل «3» ... فاستيقظوا إن خير العلم ما نفعا
فقطعها على كلمة حكمة عظيمة الموقع.
ومثله قول امرىء القيس «4» :
ألا إنّ بعد العدم للمرء قنوة ... وبعد الشباب طول عمر وملبسا «5»
فقطع القصيدة أيضا على حكمة بالغة.
وقال أبو زبيد الطائى فى آخر قصيدة «6» :
كلّ شىء تحتال فيه الرجال ... غير أن ليس للمنايا احتيال
وقال أبو كبير «7» :
فإذا وذلك ليس إلا ذكره ... وإذا مضى شىء كأن لم يفعل
فينبغى أن يكون آخر بيت قصيدتك أجود بيت فيها، وأدخل فى المعنى الذى قصدت له فى نظمها؛ كما فعل ابن الزّبعرى فى آخر قصيدة يعتذر فيها إلى النبى صلى الله عليه وسلم ويستعطفه:
فخذ الفضيلة عن ذنوب قدخلت ... واقبل تضرّع مستضيف تائب
فجعل نفسه مستضيفا، ومن حق المستضيف أن يضاف، وإذا أضيف فمن حقه أن يصان، وذكر تضرّعه وتوبته مما سلف، وجعل العفو عنه مع هذه الأحوال فضيلة؛ فجمع فى هذا البيت جميع ما يحتاج إليه فى طلب العفو.
(1/443)

وقول تأبط شرا فى آخر قصيدته «1» :
لتقرعنّ علىّ السّنّ من ندم ... إذا تذكرت يوما بعض أخلاقى
هذا البيت أجود بيت فيها لصفاء لفظه، وحسن معناه.
ومثله قول الشنفرى فى آخر قصيدة «2» :
وإنى لحلو إن أريد حلاوتى ... ومرّ إذا نفس العزوف أمرّت
أبىّ لما آبى قريب مقادتى ... إلى كل نفس تنتحى فى مسرتى
فهذان البيتان أجود ما فخر به من هذه القصيدة.
وقال بشر بن أبى خازم فى آخر قصيدته «3» :
ولا ينجى من الغمرات إلا ... براكاء «4» القتال أو الفرار
فقطعها على مثل سائر؛ والأمثال أحب إلى النفوس لحاجتها إليها عند المحاضرة والمجالسة. وقال الهذلى «5» :
عصاك الأقارب فى أمرهم ... فزايل بأمرك أو خالط
ولا تسقطنّ سقوط النوا ... ة من كف مرتضخ لاقط
مثال من النثر
فقطعها على تشبيه مليح ومثل حسن، وهكذا يفعل الكتاب الحذاق، والمترسلون المبرزون؛ ألا ترى ما كتب الصاحب فى آخر رسالة له: فإن حنثت فيما حلفت، فلا خطوت لتحصيل مجد، ولا نهضت لاقتناء حمد؛ ولا سعيت إلى مقام فخر؛ ولا حرصت على علوّ ذكر، وهذه اليمين التى لو سمعها عامر بن الظرب لقال هى الغموس؛ لا القسم باللّات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. فأتى بأيمان ظريفة ومعان غريبة.
وكتب أيضا فى آخر رسالة: وأنا متوقّع لكتابك؛ توقّع الظمآن للماء الزلال؛ والصوّام لهلال شوال.
وكتب آخر أخرى «6» ؛ وسأل أن أخلفه فى تجشيم مولاى إلى هذا المجمع ليقرب علينا تناول
(1/444)

البدر بمشاهدته؛ ولمس الشمس بغرته. فانظر كيف يقطّع كلماته على كل معنى بديع، ولفظ شريف.
من حسن المقطع جودة الفاصلة وذلك على ثلاثة أضرب
الضرب الأول:
ومن حسن المقطع جودة الفاصلة وحسن موقعها وتمكّنها فى موضعها، وذلك على ثلاثة أضرب: فضرب منها أن يضيّق على الشاعر موضع القافية، فيأتى بلفظ قصير قليل الحروف فيتمم به البيت، كقول زهير «1» :
وأعلم ما فى اليوم والأمس قبله ... ولكنّنى عن علم ما فى غد عمى
وقول النابغة»
:
كالأقحوان غداة غب سمائه «3» ... جفّت أعاليه وأسفله ندى
وقال الأعشى:
وكأس شربت على لذّة ... وأخرى تداويت منها بها
وقول امرىء القيس «4» :
مكرّ مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطّه السّيل من عل
وقول طرفة «5» :
إذا ابتدر القوم السلاح وجدتنى ... منيعا إذا بلّت بقائمه يدى
وقول النابغة «6» :
زعم الهمام ولم أذقه أنه ... يشفى ببرد لثاتها العطش الصّدى
وقال آخر:
ألا يا غرابى بينها لا تصدّعا ... فطيرا جميعا بالنوى أو قعامعا
وقول متمم «7» :
فلما تفرقنا كأنى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
(1/445)

وقول الأعشى:
فظلت أرعاها وظل يحوطها ... حتى دنوت إذا الظلام دنا لها
وقول النابغة «1» :
لا مرحبا بغد ولا أهلا به ... إن كان تفريق الأحبة فى غد
أفد الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد
وقول ابن أحمر «2» :
وقال عدى بن زيد «3» :
فإن كانت النعماء عندك لامرىء ... فمثّل بها واجز المطالب أو زد «4»
وقال ابن أبى حية:
فقلن لها سرّا فديناك لا يرح ... صحيحا وإلا تقبليه فألممى
فألقت قناعا دونه الشمس واتّقت ... بأحسن موصولين كفّ ومعصم
وقالت فلما أفرغت فى فؤاده ... وعينيه منها السحر قلن له قم
فودّ بجدع الأنف لو أنّ صحبه ... تنادوا وقالوا فى المناخ له نم
ومن شعر المحدثين قول ابن أبى عيينة:
دنيا دعوتك مسمعا فأجيبى ... وبما اصطفيتك للهوى فأثيبى
دومى أدم لك بالوفاء على الصّفا ... إنى بعهدك واثق فثقى بى
وقال آخر:
أتتنى تؤنبنى فى البكا ... فأهلا بها وبتأنيبها
تقول وفى قولها حشمة ... ترانى بعين وتبكى بها
فقلت إذا استحسنت غيركم ... أمرت الدموع بتأديبها
فقوله: «ترانى بعين وتبكى بها» حسن الوقع جدا.
(1/446)

وقلت:
سيقضى لى رضاك بردّ مالى ... ويعمد حسن رأيك كشف ما بى
وقلت:
وذقت مهوى النجم ريقا خصرا ... لو كان من ناجود خمر ما عدا
وقد تنعمت بنشر عطر ... لو كان من فارة مسك كان دا
الضرب الثانى
والضرب الآخر: وهو أن يضيق به المكان أيضا، ويعجز عن إيراد كلمة سالمة تحتاج إلى إعراب ليتم بها البيت؛ فيأتى بكلمة معتلة لا تحتاج إلى الإعراب، فيتمه به؛ مثل قول امرىء القيس:
بعثنا ربيا قبل ذاك مخملا ... كذئب الغضا يمشى الضّراء ويتقى «1»
وقول زهير «2» :
صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو ... وأقفر من سلمى التّعانيق فالثقل «3»
ثم قال: «4»
وقد كنت من سلمى سنينا ثمانيا ... على صير أمر ما يمرّ وما يحلو «5»
وقال «6» :
لذى الحلم من ذبيان عندى مودة ... وحفظ ومن يلحم «7» إلى الشّرّ أنسج
مخوف كأنّ الطير فى منزلاته ... على جيف الحسرى مجالس تنتجى «8»
وقوله «9» :
وأراك تفرى ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفرى «10»
(1/447)

وقول أبى كبير «1» :
ولقد ربأت إذا الصحاب تواكلوا ... جمر الظّهيرة فى البقاع الأطول «2»
فى رأس مشرفة القذال كأنما ... أطر السحاب بها رياض المجدل «3»
ومعابلا صلع الظبات كأنها ... جمر بمسهكة تشبّ لمصطلى «4»
فقوله: «لمصطلى» متمكنة فى موضعها.
وقول ذى الرّمة «5» :
أراح فريق جيرتك الجمالا ... كأنهم يريدون احتمالا
فكدت أموت من حزن عليهم ... ولم أر حادى الأظعان بالى
فقوله: بالى، عجيبة الموقع، أخذه من قول زهير «6» :
لقد باليت مظعن أمّ أوفى ... ولكن أم أو فى لاتبالى «7»
وقول الحطيئة «8» :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى
وقال آخر:
وجوه لو انّ المدلجين اعتشوا بها ... صدعن الدّجى حتى ترى الليل ينجلى
الضرب الثالث
والضرب الثالث: أن تكون الفاصلة لائقة بما تقدّمها من ألفاظ الجزء من الرسالة أو البيت من الشعر؛ وتكون مستقرة فى قرارها، ومتمكنة فى موضعها؛ حتى لا يسدّ مسدها غيرها؛ وإن لم تكن قصيرة قليلة الحروف، كقول الله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى
، وقوله تعالى: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى
،
(1/448)

فأبكى مع أضحك وأحيا مع أمات، والأنثى مع الذكر، والأولى مع الآخرة، والرضا مع العطية فى نهاية الجودة، وغاية حسن الموقع.
من الشعر
ومن الشعر قول الحطيئة «1» :
هم القوم الّذين إذا ألمت ... من الأيام مظلمة أضاءوا
وقول عدى بن الرقاع «2» :
صلّى الإله على امرىء ودّعته ... وأتمّ نعمته عليه وزادا
وقول زياد بن جميل:
هم البحور عطاء حين تسألهم ... وفى اللقاء إذا تلقى بهم بهم
وهذا مستحسن جدّا لما تضمن من التجنيس.
ومن ذلك قول البحترى:
ظللنا نرجم فيك الظنون ... أحاجبه أنت أم حاجمه
وقول أبى نواس «3» :
إذا امتحن الدنيا لبيت تكشفت ... له عن عدوّ فى ثياب صديق
الصديق هاهنا جيّد الموقع؛ لأنّ معنى البيت يقتضيه، وهو محتاج إليه.
وقول جميل:
ويقلن إنّك قد رضيت بباطل ... منها فهل لك فى اعتزال الباطل
الباطل، هاهنا جيد الموقع لمطابقته مع الباطل الأول؛ وقلت:
وقد زيّنت أسواقه بطرائف ... إذا انصرفت عنها العيون تعود
تعود، هاهنا جيّد متمكن الموقع.
(29- الصناعتين)
(1/449)

مما عيب من القوافى
ومما عيب من القوافى قول ابن قيس الرقيات، وقد أنشد عبد الملك:
إنّ الحوادث بالمدينة قد ... أوجعننى وقرعن مروتيه
وجببننى جبّ السّنام فلم ... يتركن ريشا فى مناكبيه
فقال له عبد الملك: أحسنت إلّا أنك تخنّثت فى قوافيك، فقال: ما عدوت قول الله عز وجل: ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ
، وليس كما قال؛ لأنّ فاصلة الآية حسنة الموقع، وفى قوافى شعره لين.
ومن عيوب القوافى أن تكون القافية مستدعاة لا تفيد معنى، وإنما أوردت ليستوى الروىّ فقط، مثل قول أبى تمام «1» :
كالظبية الأدماء صافت فأرتعت ... زهر العرار الغضّ والجثجاثا «2»
ليس فى وصف الظبية أنها ترتعى الجثجاث فائدة، وسواء رعت الجثجاث أو القلّام أو غير ذلك من النبت، وإذا قصد لنعت الظبية بزيادة حسن قيل إنها تعطو الشجر؛ لأنها حينئذ ترفع رأسها، فيطول جيدها وتظهر محاسنها؛ كما قال الطّرمّاح «3» :
مثل ما عاينت مخروفة «4» ... نصّها ذاعر روع مؤام
يصف أنها مذعورة تفتح عينيها وتمدّ جيدها؛ فيبدو للعين محاسنها.
وقال زهير «5» : وقريب منه قول الآخر:
وسابغة الأذيال زغف «6» مفاضة ... تكنّفها منّى بجاد مخطّط
وليس لتخطيط البجاد معنى يرجع إلى الدرع، ولا إلى السيف.
ومثله قول الآخر:
أأنشر البر فيمن ليس يعرفه ... وأنثر الدر بين العمى فى الغلس
(1/450)

ليس لذكر الغلس مع العمى معنى؛ لأن الأعمى يستوى عنده الغلس والهاجرة، ولو قال العمش لكان أقرب من العمى، على أن الجميع لا خير فيه.
ومن هذا النوع قول القرشى:
ووقيت الحتوف من وارث وا ... ل وأبقاك صالحا ربّ هود
ليس نسبة الله تعالى إلى أنه رب هود بأولى من نسبته إياه عزّ اسمه إلى أنه رب نوح أو غيره.
وقول ابن الرومى:
ألا ربما سؤت الغيور وساءنى ... وبات كلانا من أخيه على وحر
وقبّلت أفواها عذابا كأنها ... ينابيع خمر حصّبت لؤلؤ البحر
فقوله: «لؤلؤ البحر» أفسد البيت وأطفا نور المعنى؛ لأن اللؤلؤ لا يكون فى غير البحر، فنسبته إلى البحر لا فائدة فيه إلا إقامة الروى على ما قدمناه.
ورأيت المعنى جيدا فقلت:
مرّ بنا يستميله السّكر ... وكيف يصحو وريقه خمر
قبلت فيه على مراقبة ... ينبوع خمر حصباؤه درّ
من القوافى الرديئة
ومن القوافى الرديئة قول رؤبة «1» :
يكسين من لين الشباب نيما
النيم: الفرو، وأىّ حسن للفرو فيشبه به شباب النساء! وما قال أحد:
عليه من الشباب أو من الحسن فرو؛ وإنما يقال: رداء الشباب، وبرد الشباب، وثوب الشباب؛ ولم يقولوا: قميص الشباب، وهو أقرب من الفرو. ولو قاله قائل لم يحسن لأنه لم يستعمل، وإنما احتاج إلى الميم فوقع فى هذه الرذيلة.
وهذا باب لو أطلقت العنان فيه لطال فيشغل الأوراق الكثيرة، ويصرم فيه الزمان الطويل، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى.
(1/451)

الفصل الثّالث فى الخروج من النسيب إلى المدح وغيره
بدء الشعر
كانت العرب فى أكثر شعرها تبتدىء بذكر الديار والبكاء عليها، والوجد بفراق ساكنيها، ثم إذا أرادت الخروج إلى معنى آخر قالت: فدع ذا وسلّ الهم عنك بكذا، كما قال «1» :
فدع ذا وسلّ الهم عنك بجسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجّرا «2»
وكما قال النابغة «3» :
فسليت ما عندى بروحة عرمس ... تخبّ برحلى مرة وتناقل «4»
وربما تركوا المعنى الأول، وقالوا «وعيس أو وهو جاء» وما أشبه ذلك، كما قال علقمة «5» :
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له فى ودّهنّ نصيب
وعنس بريناها كأنّ عيونها ... قوارير فى أدهانهن نصوب «6»
فإذا أرادوا ذكر الممدوح قالوا: إلى فلان، ثم أخذوا فى مديحه؛ كما قال علقمه «7» :
وناجية أفنى ركيب ضلوعها ... وحاركها تهجّر ودءوب «8»
وتصبح عن غبّ السرى وكأنها ... مولّعة تخشى القنيص شبوب «9»
(1/452)

فوصفها ثم قال:
إلى الحارث الوهاب أعملت ناقتى ... لكلكلها والقصريين «1» وجيب
وقال الحرث بن حلزة «2» :
أنمى إلى حرف مذكّرة ... تهض الحصى بمناسم ملس
ثم قال:
أفلا نعدّيها إلى ملك ... شهم المقادة حازم النّفس
ثم أخذ فى مديحه.
وربما تركوا المعنى الأول، وأخذوا فى الثانى من غير أن يستعملوا ما ذكرناه، قال النابغة «3» :
تقاعس حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذى يرعى النجوم بآيب
علىّ لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب
وقال أيضا «4» :
على حين عاتبت الفؤاد على الصّبا ... وقلت ألمّا أصح والشيب وازع
وقد حال همّ دون ذلك داخل ... ولوج الشّغاف تبتغيه الأصابع
وعيد أبى قابوس فى غير كنهه ... أتانى ودونى راكس والضواجع «5»
والبحترى يسلك هذه الطريقة فى أكثر شعره.
الخروج المتصل بما قبله
فأما الخروج المتصل بما قبله فقليل فى أشعارهم؛ فمن القليل قول دجانة ابن عبد قيس التميمى:
وقال الغوانى قد تضمّر جلده ... وكان قديما ناعم المتبذّل
فلا تأس أنى قد تلافيت شيبتى ... وهزّ الغوانى من شميط مرجّل
(1/453)

بمشرفة الهادى نبذّ عنانها ... يمين الغلام الملجم المتدلّل
فوصل وصف الفرس بما تقدم من وصفه الشيب وصلا.
وقال تأبط شرا «1» :
إنّى إذا خلة ضنّت بنائلها ... وأمسكت بضعيف الحبل أحذاق «2»
نجوت منها نجائى من بجيلة إذ ... ألقيت ليلة خبت الرهط أوراقى «3»
وقريب منه قول أوس بن حجر فى وصف السحاب «4» :
دان مسفّ فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح
ثم قال:
سقى ديارى بنى عوف وساكنها ... ودار علقمة الخير ابن صبّاح
وقال زهير «5» :
إن البخيل ملوم حيث كان ول ... كنّ الجواد على علّاته هرم
إكثار المحدثين من هذا النوع
وأما المحدثون، فقد أكثروا فى هذا النوع؛ قال مسلم بن الوليد:
إذا شئتما أن تسقيانى مدامة ... فلا تقتلاها كلّ ميت محرّم
خلطنا دما من كرمة بدمائنا ... فأثّر فى الألوان منّا الدّم الدّم
ويقظى ثنيت النوم فيها بسكرة ... لصهباء صرعاها من السّكر نوّم
فمن لامنى فى اللهو أو لام فى النّدى ... أبا حسن زيد الندى فهو ألوم
وقال منصور النّمرى فى الرشيد:
إذا امتنع المقال عليك فامدح ... أمير المؤمنين تجد مقالا
فتى ما إن تزال به ركاب ... وضعن مدائحا وحملن مالا
(1/454)

وقال أبو الشّيص:
أكل الوجيف لحومها ولحومهم ... فأتوك أنقاضا على أنقاض
ولقد أتتك على الزّمان سواخطا ... ورجعن عنك وهنّ عنه رواض
وقال ابن وهيب:
ما زال يلثمنى مراشفه ... ويعلّنى الإبريق والقدح
حتى استردّ الليل خلعته ... ونشا خلال سواده وضح
وبدا الصّباح كأنّ غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح
وقال:
[طللان طال عليهما الأمر ... دثرا فلا علم ولا نضد] «1»
لبسا البلى فكأنّما وجدا ... بعد الأحبة مثل ما أجد
وقال الطائى «2» :
صبّ الفراق علينا صبّ من كثب ... عليه إسحاق يوم الرّوع منتقما
وقال «3» :
إساءة الحادثات استبطنى نفقا ... فقد أظلّك إحسان ابن حسّان
وقال عبد الصمد بن المعذّل:
ولاح الصباح فشبّهته ... علىّ بن عيسى على المنبر
وقال البحترى «4» :
كأنها حين لجّت فى تدفّقها ... يد الخليفة لمّا سال واديها
وقال «5» :
شقائق يحملن النّدى فكأنها ... دموع التّصابى فى خدود الخرائد
(1/455)

كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت ... تليها بتلك البارقات الرواعد
وقال مسلم:
أجدّك هل تدرين أن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك ينشر
لهوت بها حتى تجلت بغرّة ... كغرة يحيى حين يذكر جعف
وقال آخر:
وكلانا قد أحدث الراح فيه ... زهو يحيى بن خالد بن الوليد
وقال أبو البصير:
فقلت لها عبيد الله بينى ... وبين الحادثات فلا تراعى
أأصبح منه معتصما بحبل ... وتقصر نعمتى ويضيق باعى
كفرت إذا صنائعه وظلت ... تعاتبه المروءة فى اصطناعى
وقال البحترى فى ياقوتة «1» :
إذا التهبت فى اللّحظ ضاهى ضياؤها ... جبينك عند الجود إذ يتألّق
وقال»
:
وجرّ علىّ الدّجن هدّاب مزنه ... أو اخره فيه وأوله عندى
تأخّر عن ميقاته فكأنه ... أبو صالح قد بتّ منه على وعد
وقال بكر بن النطاح:
ودوّية خلقت للسراب ... فأمواجه بينها تزخر
ترى جنّها بين أضعافها ... حلولا كأنهم البربر
كأن حنيفة تحميهم ... فألينهم خشن أزور
وقال دعبل:
وميثاء خضراء موشيّة ... بها النور يزهر من كل فنّ
(1/456)

ضحوك إذ لاعبته الرياح ... تأوّد كالشارب المرجحنّ
فشبّه صحبى نوّاره ... بديباج كسرى وعصب اليمن
فقلت بعدتم ولكنّنى ... أشبهه بجناب الحسن
فتى لا يرى المال إلا العطا ... ولا الكنز إلا اعتقاد المنن
قالت وقد ذكّرتها عهد الصبا ... باليأس تقطع عادة المعتاد
إلّا الإمام فإنّ عادة جوده ... موصولة بزيادة المزداد
وقال غيره:
وكأن الرسوم أخنى عليها ... بعض غاراتنا على الأعداء
وقال البحترى «1» :
بين السقيفة فاللّوى فالأجرع ... دمن حبسن على الرياح الأربع
فكأنما ضمنت معالمها الذى ... ضمنته أحشاء المحبّ الموجع
وقال «2» :
أقول لثجّاج الغمام وقد سرى ... لمحتفل الشؤبوب صاب فعمّما
أقل أو اكثر لست تبلع غاية ... تبين بها حتى تضارع هيثما
فتى لبست منه الليالى محاسنا ... أضاء له الأفق الذى كان مظلما
وقال «3» :
قد قلت للغيث الرّكام ولج فى ... إبراقه وألحّ فى إرعاده
لا تعرضنّ لجعفر متشبّها ... بندى يديه فلست من أنداده
وقال «4» :
(1/457)