Advertisement

الرسائل الأدبية



الكتاب: الرسائل الأدبية
المؤلف: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255هـ)
الناشر: دار ومكتبة الهلال، بيروت
الطبعة: الثانية، 1423 هـ
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[مقدمات التحقيق]
(الرسائل الأدبيّة) (رسائل الجاحظ) (تأليف أبي عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الملقّب بالجاحظ المتوفى سنة 255 هـ-/ 868 م) قدّم لها وبوّبها وشرحها الدّكتور علي أبو ملحم دار ومكتبة الهلال بيروت- صرب 5003/15
(1/3)

جميع الحقوق محفوظة للناشر الطبعة الأخيرة 2002 م
(1/4)

مقدمات عامة
هذه احدى وعشرون رسالة من مؤلفات الجاحظ الكثيرة التي ضاع معظمهما ولم يصلنا منها سوى ربع عددها تقريبا. وما وصلنا منها ليس كاملا الا في أقله.
وقد اطلقنا على هذه المجموعة اسم الرسائل الأدبية لا بالمعنى الذي نفهمه اليوم من الأدب، أي ذلك الفن الجميل الذي يغلب عليه الخيال والعاطفة، ولكن بالمعنى الذي فهمه الجاحظ نفسه في قوله «والأدب اما خلق واما رواية، وقد اطلقوا له اسم المؤدب على العموم» (المعلمين) . فالأدب يعني الاخلاق كما يعني رواية العلم او نقله بين الاجيال بواسطة المؤدب او المعلم، والكتاب.
ان الجاحظ لم يكتب ادبا خالصا او صافيا الا فيما ندر. لقد كان رجل فكر في المرتبة الأولى ورجل ادب في المرتبة الثانية. ولقد عبر عن فكره باسلوب أدبي، فجمع بذلك بين الفكر والأدب. ولكن دارسيه المعاصرين اقتصروا على الناحية الادبية عنده ولم يفطنوا او لم يهتموا بالناحية الفكرية وهي الناحية الأهم والغالبة عليه. وهذا ما قمنا به في كتابنا «المناحي الفلسفية عند الجاحظ» .
(1/5)

وتدور هذه الرسائل حول خمسة موضوعات اساسية: فموضوع الاخلاق المحض يغلب على ثلاث رسائل هي «كتمان السر وحفظ اللسان» ، و «الحاسد والمحسود» ، و «النبل والتنبل وذم الكبر» . ونلفي الجاحظ فيها يحلل هذه الخصال الخلقية تحليلا نفسيا يمتاز بالدقة والعمق، وينطلق من مبدأ خلقي واحد يقول ان الاخلاق طباع في الناس. فهي تولد معهم ويحملونها بالفطرة ولا تكتسب اكتسابا بالتربية والتعليم. وفي هذا يخالف ارسطو والفلاسفة المشائين.
والموضوع الثاني الذي يحتل حيزا كبيرا في هذه المجموعة هو الاجتماع وهو يغلب على رسائل ست هي «مفاخرة الجواري والغلمان» و «تفضيل البطن على الظهر» ، و «المعلمين» ، و «طبقات المغنين» ، و «الوكلاء» ، و «مدح التجار وذم عمل السلطان» . في الرسالتين الاوليين يطرق الجاحظ موضوعا يمتزج فيه الاجتماع بالفقه والاخلاق. وهو ظاهرة اللواط التي استشرت في عصره نتيجة الانحلال الخلقي والفساد الاجتماعي والانحراف الجنسي. وفي كل من الرسائل الاربع الباقية يتحدث عن طبقة من طبقات المجتمع في عصره أيضا: عن المعلمين واوضاعهم ونظرة الناس اليهم والدور الخطير الذي يضطلعون به في التربية ونقل الثقافة عبر الاجيال. وعلى المغنين واهمية فن الموسيقى ونشأته وممثليه الكبار. ثم الوكلاء ومدى الثقة التي ينبغي أن نمنحها اياهم. واخيرا التجار وشرف عملهم واشتهار قريش ومنها النبي في التجارة.
والموضوع الثالث الذي يحظى باهتمام الجاحظ هو الفقه. ويعتبر الجاحظ نفسه رجل علم وفقه. وقد طرق هذا الموضوع في ثلاث رسائل هي «الفتيا» و «مدح النبيذ وصفة اهله» و «الشارب والمشروب» ، ويذكر الجاحظ في رسالة الفتيا انه الف كتابا يجمع أصول الفقه عند مختلف
(1/6)

المذاهب الفقهية ولكن هذا الكتاب ضاع مع الأسف ولم يصل الينا. ويعتبر علم الفقه مختلفا عن علم الكلام. وفي الرسالتين الاخريين يعالج موضوعا واحدا هو النبيذ، صفاته، وتحليله. وهو يذهب الى انه غير محرم في الشرع لأنه يختلف عن الخمر.
والموضوع الرابع يستقطب ثلاث رسائل هي «البلاغة والايجاز» ، و «تفضيل النطق على الصمت» ، و «صناعة القواد» وموضوعها الغالب هو فضل الأدب، واهميته في حياة المرء ومفهوم البلاغة وعلاقتها بالايجاز. وهو يرى في رسالة البلاغة والايجاز التي لم يصلنا منها سوى النزر اليسير (صفحتين) ان البلاغة لا تعني الايجاز كما يدعي البيانيون. وقد طرق هذا الموضوع بتوسع في البيان والتبيين والحيوان. ويرى في الرسالة الثانية ان النطق افضل من الصمت على الرغم من حسنات الصمت، وقد عاد الى بحث هذه المسألة في رسائل أخرى مثل التربيع والتدوير، وكتمان السر وحفظ اللسان، كما رجع اليها في صدر كتاب البيان والتبيين. اما «صناعة القواد» فتحث على تعلم جميع الآداب، واغناء الثروة اللغوية، والاطلاع على مختلف فنون الأدب والقول، ليتمكن المرء من التعبير عن جميع ما يجول بخاطره أو يعرض له من الموضوعات. وتتضمن الرسالة نماذج من شعر الجاحظ والفاظا تقنية تخصّ مختلف المهن.
اما الموضوع الخامس والاخير فهو الشؤون الشخصية التي تغلب على ست رسائل هي: «الجد والهزل» و «فصل ما بين العداوة والحسد» ، و «رسالة الى ابي الفرج بن نجاح الكاتب» ، و «المودة والخلطة» ، و «استنجاز الموعد» و «التربيع والتدوير» . في الرسالة الاولى يميط الجاحظ اللثام عن سوء علاقته بالوزير محمد بن عبد الملك الزيات في المرحلة الاخيرة من حياته، ويتذمر من كره الوزير اياه لأنه لم يدفع الاتاوة، كما يشكو من عيب
(1/7)

ابن الزيات اياه بعدم تجليد كتبه وتنظيمها، وتمنيه موته ليرتاح من اعباء الحياة بعد ان طعن في السن. وفي الرسالة الثانية و «فصل ما بين العداوة والحسد» يشكو ابو عثمان من كثرة حساده الذين يطعنون على كتبه أو يسرقونها او ينتحلونها، او يتقاضونه جزءا من ريغها. ويتطرق الى الكلام على الحسد الذي عالجه في رسالة الحاسد والمحسود، ويهتم هنا بتفريقه عن العداوة.
وفي الرسائل الثلاث التالية التي يوجهها الى ابي الفرج بن نجاح الكاتب يسأل الجاحظ ابا الفرج أن يساعده على فاقته فيجري عليه ارزاقا قد انقطعت، ويبدو أنه وعده خيرا ثم لم ينجز وعده، فعاد الى تذكيره بالوعد. ونجد في احداها قصيدة نظمها الجاحظ ولم يعلن عن نسبتها اليه، يمدح فيها ابا الفرج ويستعطفه.
والرسالة الاخيرة التي نلفيها في هذه المجموعة هي «التربيع والتدوير» .
والباعث على كتابتها دافع شخصي هو اعتداد احد الكتاب المدعو احمد بن عبد الوهاب بنفسه وعلمه حتى طاول الجاحظ ذاته. ولما نفد صبره ولم يعد باستطاعته احتماله وضع هذه الرسالة يسخر من قبح جسده، ويصوره تصويرا كاريكاتوريا مضحكا، كما يمتحنه بمائة مسألة يطرحها عليه ويطلب منه الاجابة عليها. وهذه المسائل تحيط بجوانب الثقافة العامة التي عرفها مجتمع الجاحظ وانعكست بجلاء في كتبه العديدة. ولهذا نلقى الجاحظ ينصح ابن عبد الوهاب في آخر الرسالة ان يعمد الى قراءة كتب الجاحظ التي تنطوي على اجوبة على تلك المسائل الطبيعية والكيمياوية والحيوية والتاريخية والجغرافية، والدينية والفنية الخ ...
بقي ان نقول اننا لم نحقق هذه الرسائل لأنها حققت ونشرت مرات عدة (انظر كتابنا «كشاف آثار الجاحظ» ، الذي يوضح الطبعات المختلفة.
واصولها، ويحصي كتب الجاحظ) . ولكنا انجزنا ثلاث مهام اساسية كانت
(1/8)

الرسائل بحاجة اليها: المهمة الأولى هي كتابة مقدمة تحليلية لها تبين محتوياتها وقيمتها، والثانية تبويت الرسائل وتصنيفها على اساس موضوعاتها، ووضع عناوين فرعية لفقرها تسهل تناولها وتوضح مطاليبها. والثالثة شرح الرسائل وايضاح الآراء والافكار المنطوية عليها.
وقد اعتمدنا على طبعة عبد السلام هارون الصادرة عن مكتبة الخانجي بمصر سنة 1964 م وسنة 1979 م، في اربعة اجزاء، بعنوان «رسائل الجاحظ» . واعتمدنا على طبعة حسن السندوبي، الصادرة بمصر عن المطبعة الرحمانية سنة 1933 م، في رسالة واحدة هي: التربيع والتدوير، لأنها أكمل من طبعة هارون. وقد اوضح عبد السلام هارون انه رجع في طبعته الى ثلاث مخطوطات هي مخطوطة مكتبة داماد ابراهيم بتركيا رقم 949. ومخطوطة المتحف البريطاني رقم 1129. ومخطوطة المكتبة التيمورية المودعة بدار الكتب المصرية، رقم 19.
(1/9)

1- مقدمة كتمان السر وحفظ اللسان
. يوجه الجاحظ كلامه الى شخص لم يسمه ينعته بطيب الاخلاق والاقتراب من الكمال والتمام والفضل، لولا عيبان يعتبرهما القطب الذي تدور عليهما الفضائل ويستحقان العذل والتأنيب وهما افشاء السر ووضع القول في غير موضعه. ويبدو أن هذا الشخص من اصحاب الشأن والمراتب العالية، ومن اصدقاء الجاحظ الذين يهمه أمرهم ويحرص على ارشادهم وتوجيههم، أمثال محمد بن احمد بن ابي دؤاد.
ويرى الجاحظ ان الانسان مطبوع على «اذاعة السر واطلاق اللسان بفضل القول» والذي يحمله على ذلك الهوى وضعف العقل. ولذلك كان من العسير عليه مغالبة هواه وحفظ لسانه وصيانة اسراره، ولن يستطيع ذلك الا بقوة العقل. فمتى قوى عقله لجم هواه وضبطه ومنعه من ارسال الكلام على عواهنه واذاعة ما ينطوي عليه صدره ومن ثم جاءت تسمية العقل بهذا الاسم، فهو بالنسبة للهوى بمثابة الحبل بالنسبة للبعير يقيده ويمنعه من الشرود والضلال.
اما اللسان فلا لوم عليه لانه ليس سوى «اداة مستعملة لا حمد له ولا ذم عليه» والحمد والذم للعقل والحلم.
(1/11)

ان اللسان ترجمان القلب، والقلب خزانة تحفظ الاسرار والخواطر والعلم. والقلب يضيق بما فيه ويستثقله ويستريح الى نبذه واذاعته بواسطة اللسان. وهذا هو السبب في طبع الناس على حب الاخبار والاستخبار، واهتمامهم بالتاريخ واحداثه وتدوينه. وقد سيطرت هذه الغريزة عليهم حتى عسر عليهم الكتمان وغدا من يكتم سره عرضة للسقم والكمد والكرب.
ويروي الجاحظ اخبارا مدهشة في ذلك. فان احد الفقهاء اطلع على اسرار لا يحتملها العامة ضاق صدره بها فذهب الى العراء وحفر حفرة اودعها دنا وراح يختلف على هذا الدن يحدثه بما سمع فيروح عن قلبه. وكان الاعمش، سليمان بن مهران (188 هـ-) عندما يضيق صدره بما فيه مما لا يريد ان يذيعه بين الناس، يقبل على شاته فيحدثها بالاخبار والفقه.
ويتحدث الجاحظ على مساوىء افشاء الاسرار، فيقول ان صاحب السر يبقى مالكا له حتى يذيعه أو يفلت منه الى اذن واحدة، فسرعان ما يشيع ويدفع الى اذن ثانية فثالثة. وعندئذ يصبح صاحب السر عبدا لمن ائتمنه على سره ورهينة بين يديه.
واذا اساء من اؤتمن على السر حفظ الامانة، ونشره او حرفه ارث الشحناء بين الاقرباء والاصدقاء، والصراع بين الاعداء، وقد يؤدي الى سفك الدماء وازالة النعم والتفرقة.
ويدعو الجاحظ الى سوء الظن بجميع الناس حتى الاهل والعبيد والحاشية والاولاد والعمال. فهؤلاء اكثر الناس اذاعة للاسرار. وعمال الخليفة خاصة يفشون اسراره المشينة. والنمامون مولعون باذاعة الاسرار التي تنتشر على السنتهم انتشار النور في الظلمة.
ومما يدفع الى افشاء السر التحذير من نشره. فاذا اودعنا احدهم سرا
(1/12)

واستعهدناه بعدم اظهاره اغريناه باذاعته لأن كل ممنوع مرغوب. ويفسر الجاحظ رغبة الناس فيما منعوا منه بالطبع الذي يفسر به كل شيء لأنه مبدأه الفلسفي الاساسي. انهم مطبوعون على شهوات عديدة ترغب في الارتواء والاشباع.
فاذا منعت من الحصول على ما يشبعها او يرويها تعلقت به وفتشت عنه ورغبت فيه. فاذا حصلت على مطلوبها واشبعت حاجتها قل قدره عندها وهان عليها وصدفت عنه. هذا هو حال الجائع والشبعان والمحروم من الجماع والمغموس فيه. ولا يشذ عن هذه القاعدة سوى المال والعلم، لأن المال يتخذه البعض لا لقضاء الحاجة بل لقمع الحرص والحرص لا حد له. ولأن العلم لا حد له ولا نهاية وكلما ازداد المرء طلبا ازداد فيه رغبة. ويرى الجاحظ في موقف الناس من المال والعلم خروجا على العقل لأن النهم هو تجاوز القدر.
ان اكثر الامور عرضة لافشاء السر الخبر الرائع والخطب الجليل مثل اسرار الاديان وعقائدها واخبار الملوك والعظماء.
وافشاء السر يمت بصلة الى الغيبة، والغيبة رذيلة خلقية كريهة لانها «خطة جور في الحكم، وسقوط في الهمة، وسخافة في الرأي، ودناءة في القيمة، وكلفة عريضة، وحسد وتعاسة قد استحوذت على هذا العالم وغلبت على طبائعه وتوكدت لسوء العادة عندهم ولعلو الشر على الخير وكثرة الدغل والنغل والحسد في القلوب ... » .
ويحض الجاحظ على العدل في الاحكام لانه لا شيء «احلى مذاقا من العدل، ولا اروح على القلوب من الانصاف، ولا امر من الظلم ولا ابشع من الجور» .
واسباب الظلم هي الشره والحرص المركب في اخلاق الناس ومن ثم
(1/13)

مست الحاجة الى الحكام الذين يردعون الظالم عن ظلمه ويأخذون للضعيف حقه.
كما ينهى الجاحظ عن الفضول، ويعني به ان «يسأل المرء عما لا يعنيه، ويكترث لما لا يكرثه، ويعنى بما لا ينفعه ولا يضره، واكثر المجيبين يجيب ولم يسأل، ويكلف ما لا يعلم» . فهو ينظر اليه من الوجهة الاخلاقية لا القانونية.
ويختم ابو عثمان الرسالة بالدعوة الى حفظ اللسان ويستشهد باقوال كثيرة تنصح بالصمت ينسبها الى النبي وعلي بن ابي طالب والحكماء.
(1/14)

2- مقدمة الحاسد والمحسود
تبدو المقدمة متصنعة الاسلوب، يتقيد بها صاحبها بالسجع والطباق ويقصد اليها قصدا على غير عادة الجاحظ. وتحدد المقدمة موضوع الكتاب وهو الحسد: اصله، ومظاهره، وخفاياه، وتفشيه في العلماء اكثر من الجهلاء، وفي الاقارب والصالحين والجيران واسباب ذلك.
ويعتبر الجاحظ الحسد داء عضالا يصعب علاجه ينهك الجسد ويورث الضجر والعسرة ويدفع صاحبه الى مراقبة الغير حتى لا يغفل عن شيء من امورهم. والحاسد يحب ان ينزع النعمة التي اعطاها سواه الله لتصير اليه.
اما سبب الحسد فهو حصول الناس على النعم والمراتب دون الحاسد، فاذا وجد الحاسد ذلك تنغص وحزن وحقد على الذين انعم الله عليهم وتمنى ان يحرموا من تلك النعم. فاذا كانت النعمة مالا قال ان صاحبه جمعه حراما، وألّب اقاربه واصدقاءه عليه، وحرضه عليهم ليقطع عنهم معروفه، وذمه وخذله. واذا كان المحسود عالما اتهمه بالابتداع والاتباع والجهل والتزلف لنيل الهبات. واذا كان المحسود ورعا رماه بالتصنع والتظاهر بالنسك لتثق الناس به فيودعون لديه اموالهم ويقبلون شهادته ويثنون عليه.
(1/15)

وهذا الداء يصيب جميع الطبقات ويتفشى خاصة بين الجيران لانهم يطلعون على بعضهم البعض بسبب ملاصقة المنازل، كما يتفشى بين الاقارب للعلة ذاتها ولانهم يعرفون شؤونهم الخاصة. ويضرب في الاصدقاء نظرا للالفة والمداخلة بينهم، ولذا ينصح الجاحظ المرء بالاقلال من مخالطة صديقه الحسود، وعدم الافضاء اليه بسره، وعدم مشاورته في اموره.
ويؤكد الجاحظ على الفكرة القائلة انه لا خير يرتجى من الحسود فهو لا يصوب رأيا ولا يدل على خطأ، اذا ملك فتك، واذا «ملك عصى وبغى، حياتك موته وموتك عرسه وسروره. يصدق عليك كل شاهد زور، ويكذب فيك كل عدل مرضي، لا يحب من الناس الا من يبغضك، ولا ينغص الا من يحبك، عدوك بطانة وصديقك علانية» .
بهذا الوصف البليغ صور الجاحظ الحسود واماط اللثام عن نفسه المريضة الحاقدة التي تضمر الشر وتتظاهر بالخير، وتنطوي على الغل، ويرى الجاحظ ان الحياة الاجتماعية، اذا كثر فيها الحسد غدت جحيما لا يطاق، لذا نزع الله من اهل الجنة الغل والحسد ليوفر لهم الحياة الهانئة السعيدة.
ومن صفات الحسود نزوعه الى اظهار حسده او عدم القدرة على كتمانه. ويضرب مثل ابن الزبير الذي لم يستطع اضمار حقده وحسده على اهل البيت في حضرة ابن عباس. ومثل اخوة يوسف الذين حسدوه على جماله وفطنته ومحبة والده اياه فالحوا عليه بالسماح له بمرافقتهم واعطوه المواثيق المؤكدة بالمحافظة عليه.
اما عواقب الحسد فهي العداوة والقطيعة والتفرقة بين الاصدقاء والاقرباء والجيران، وادخال الغم على نفس الحاسد وتنغيص حياته، واستحكام الوساوس على ضميره.
(1/16)

3- مقدمة النبل والتنبل وذم الكبر
موضوعان يدور عليهما الكلام في هذا الكتاب هما النبل والتنبل، والكبر.
ويزعم الجاحظ انه تلقى كتابا من شخص لم يذكر إسمه يشكو فيه من تكبر بعض الناس عليه. واعتقد انه محمد بن احمد بن ابي دؤاد. والدليل هو قوله: «وقد اصبح شيخك، وليس يملك من عقابهم الا التوقيف، ولا من تأديبهم الا التعريف، ولو ملكناهم ملك السلطان، وقهرناهم قهر الولاة، «لنهكناهم عقوبة بالضرب، ولقمعناهم بالحصر» . فهذا الشخص من العلية وذوي السلطان، وشيخه أو أبوه مثله في المرتبة والسؤدد ولا ينطبق ذلك الا على محمد بن أحمد بن أبي دؤاد ووالده اللذين توليا على التوالي منصب القضاء في عصر الجاحظ وكان الجاحظ مقربا منهما وتجمعه بهما نحلة الاعتزال. وقد وجه اليه اكثر من رسالة واستعمل العبارة ذاتها: شيخك. الخ..
وحاول ان يرشده الى بعض الامور السياسيه والمذهبيه ويحرضه على أعدائه المتهاونين به (انظر رسالة المعاش والمعباد، ورسالة في نفي التشبيه) ضمن رسائل الجاحظ الكلاميه، ورسائل الجاحظ السياسيه)
(1/17)

ان النبل هو الفضل وكرم النفس (وهو خصلة يفطر عليها بعض الناس ولا يمكن اكتسابها او تكلفها: «ومتى كنت من اهل النبل لم يضرك التبذل، ومتى لم تكن من أهله لم ينفعك التنبل» . ان النبل لا يكون بالتنبل ولا العظم بالتعظم، هذا ما يقرره الجاحظ عملا بمبدئه الفلسفي القائل إن الاخلاق طباع وليست نتيجة الاكتساب والتربية.
وصفات النبل هي المروءة، وبعد الهمة، وبهاء المنظر، وجزالة اللفظ، والمقامات الكريمة. ولا يكون المرء نبيلا «حتى يكون نبيل الرأي، نبيل اللفظ، نبيل العقل، نبيل الخلق، نبيل المنظر، بعيد المذهب في التنزه، طاهر الثوب من الفحش، ان وافق ذلك عرقا صالحا ومجدا تالدا» .
أضف الى ذلك التواضع والانصاف والصبر والحلم. وهكذا غدا النبيل مجمعا لجميع الفضائل الخلقية والجسمية والاجتماعية.
اما التكبر فقد عالجه الجاحظ في القسم الثاني من الكتاب، واعتبره صفة قبيحة في الانسان ولا يستحسن الا في ثلاثة مواضع: اذا كان المتكبر بدويا غير متحضر، فيكون كبره من بقايا الجاهلية والعنجهية الاعرابية. واذا كان انتقاما من عدو متجبر. واذا كان معارضة للملوك الجبابرة.
ومن صفات المتكبر التعظم على الصديق، والتغافل عن الضيف والمن على الضعيف، واحتقار من هو دونه والخضوع لمن فوقه. انه لئيم يظلم الضعيف ويطلب الهارب، ويهرب من الطالب ويستخف بالأديب، ويكذب وينم ويخون، ويبذخ، وينفج، ويصلف.
اما عواقبه فوخيمة: انه يسبب لصاحبه مقت الناس وسخط الله، ويبعده عن العلم والفلاح والحقيقة، ويزين له الشر والمعصية وقد عبر الجاحظ عن ذلك بقوله الجامع المانع البليغ «ما رأيت أوبأ مغبة وانكر عاقبة واوخم مرعى
(1/18)

وأبعد هوى واضر على دين، وافسد لعرض واوجب لسخط الله، وادعى الى مقت الناس، وابعد عن الفلاح واظهر نفورا من التوبة، واقل دركا عند الحقيقة، وانقص للطبيعة واضيع من العلم، واشد خلافا على الحلم، من التكبر في غير موضعه، والتنبل في غير كنهه» .
والكبر يعتري مختلف طبقات الناس من سفلة وعلية واجواد ونجلاء، وشجعان وجبناء، وكذابين وصدوقين واحرار وعبيد وجاهلين ومسلمين، وعرب وفرس وسند.
والكبر من اعظم مساوىء السلطان ولم يعرف به سوى الملوك الجبابرة امثال فرعون وآل ساسان، والولاة القساة امثال يوسف بن عمر ووكيع بن ابي سود.
(1/19)

4- مقدمة مفاخرة الجواري والغلمان
الموضوع إجتماعي ونفسي وخلقي وشخصي. فهو يعالج ظاهرة شاذة من الوجهتين الخلقية والنفسية هي اللواط، ولكنها اصبحت في عصر الجاحظ مسألة إجتماعية انتشرت بين طبقات المجتمع انتشارا واسعا حتى غدت شأنا عاديا لا يثير الاستنكار والشجب، يتحدث عليه الناس ويدور على السنة الشعراء والكتاب. وهذا ما اراد الجاحظ الاشارة اليه في صدر الرسالة بقوله:
«وبعض من يظهر النسك والتقشف اذا ذكر الحر والأير والنيك تقزز وانقبض. واكثر من تجده كذلك فانما هو رجل ليس معه من المعرفة والكرم، والنبل والوقار، إلا بقدر هذا التصنع» .
ويورد امثلة عديدة تبين أن استعمال الكلمات الجنسية كان شائعا منذ عصر النبي على السنة الصحابة والتابعين والفقهاء امثال علي بن أبي طالب وابي بكر الصديق، وعبد الله بن عباس وحمزة بن عبد المطلب. وقد رويت احاديث شريفة وردت فيها بعض المفردات الجنسية.
ويبرر الجاحظ جواز استعمال هذه الالفاظ بمبررات لغوية وفنية وطبيعية.
والتبرير اللغوي يقوم على القول ان هذه الالفاظ انما وضعت ليستعملها اهل
(1/21)

اللغة، ولو لم يكن للناس بها حاجة لما وضعت. «ولو كان الرأي الا يلفظ بها ما كان لاول كونها معنى، ولكان في التحريم والصون للغة العرب ان ترفع هذه الاسماء والالفاظ منها» .
والتبرير الفني غبر عنه الجاحظ بقوله: «لكل مقام مقال» . وشرحه بان اصناف العلم عديدة ولكل نوع اهل يقصدونه. من هذه الانواع الجزل والسخيف. وينبغي ان يعبر عن كل علم باللغة التي تلائمه، فالجزل للجزل والسخيف للسخيف. وحتى اذا كان الموضوع رصينا وجادا لم يضره ان يمزح بشيء من الهزل لطرد الملل عن النفس ولتنشيط الذهن. وقد التزم الجاحظ هذه القاعدة الفنية في معظم كتبه فمزج الجد بالهزل في الحيوان والبخلاء والتدوير والتربيع الخ..
والتبرير الطبيعي يستخرج من مذهبه الفلسفي العام القائل ان الجنس أمر طبيعي موجود في جميع اصناف الحيوانات بما فيها البشر، وهو تعبير عن غريزة فطرية لا يمكن إنكارها او الاشمئزاز منها او كتبها او الغاؤها وينبغي ان تمارس دون عقد نفسية او حرج خلقي.
ولكننا نستطيع ان نضيف الى تبريرات الجاحظ الثلاثة تبريرا رابعا يتعلق بشخصية الجاحظ ذاتها. وهو الافتراض بانه كان يعاني عقدة جنسية تتمثل بالنقص او الضعف الجنسي. هذا الضعف هو الذي جعله يحجم عن الزواج وبناء العائلة وانجاب البنين، وقد المح الى الحسرة التي يشعر بها في كتاب الجد والهزل عندما عابه ابن الزيات على عدم انجاب الاولاد. وهذا النقص هو الذي دفعه الى الاكثار من حديث الجنس للتعويض عملا بمبدأ يونغ.
اما مسألة اللواط فقد بحثها في رسالة تفضيل البطن على الظهر واعتبرها امرا غير طبيعي ومحرما في الشرع. وفي رسالة الجواري والغلمان التي نحن
(1/22)

بصددها يذكر من جديد بتحريم الزنى واللواط: «وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا»
(الاسراء 32) . كما يذكر بالعقاب الصارم عليهما عملا بالآية الكريمة الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ
(النور، 2) . وحد اللواط كحد الزنى، وربما كان أشد من الرجم ليصل الى الاحراق والقتل.
ويورد الجاحظ احاديث عديدة تحث على الزواج مثل الحديث «تزوجوا فاني مكاثر بكم الامم» . والحديث «تزوجوا والتمسوا الولد، فانهم ثمرات القلوب، واياكم والعجز العقر» .
ويعقد الجاحظ مقارنة مسهبة بين الجواري والغلمان واحتجاجات اصحابهما لينتهي الى تفضيل الجارية على الغلام. بقوله: «نحن نترك ما انكرت علينا ونقول: لو لم يكن حلال ولا حرام، ولا ثواب ولا عقاب، لكان الذي يحصله المعقول ويدركه الحس والوجدان دالا على ان الاستمتاع بالجارية أكثر واطول مدة، لأنه اقل ما يكون التمتع بها اربعون عاما، وليس تجد في الغلام معنى الا وجدته في الجارية واضعافه..» .
ويأتي ابو عثمان على اوصاف الجارية الجميلة فيكرر ما قاله في رسالة القيان ورسالة النساء من ان المجدولة هي مثال الجمال.
ويتطرق الى موضوع جانبي هو الخصاء. وقد طرقه باسهاب في كتاب الحيوان. واستنكره استنكارا شديدا ونهى عنه لأنه يمثل بالانسان ويفقده انسانيته ويغير نفسيته. «فالخصي ليس برجل ولا امرأة، واخلاقه مقسمة بين اخلاق النساء واخلاق الصبيان» «والخصي اذا قطع منه ذلك العضو قويت شهوته، وقويت معدته، ولانت جلدته، وانجردت شعرته، وكثرت دمعته، واتسعت فقحته ... » .
(1/23)

ويسرد الجاحظ اشعارا كثيرة في وصف الجواري والغلمان والتغزل بهم اختارها من ابي نواس وابي هشام الخراز ويوسف لقوة وامرىء القيس وعلقمة الفحل.
وينهي الرسالة بمقطّعات من احاديث البطالين والظرفاء، تتضمن نوادر من أخبار اللاطة والزناة والشبقين وينسبها الى شخص لا يذكر اسمه لأن كلا منها يبدأه بكلمة قال، ويسرد الخبر. وهي نكات تبعث على الشهوة وتسيء الى العفة ما كان اغنى ابا عثمان عن الاشتغال بها. ولكن المبررات التي سارع اليها في صدر الرسالة، ربما اقنعته بجواز ما تضمنته وينبغي أن يكون قد قصد الى اقناعنا ايضا بجواز صنيعه.
(1/24)

5- مقدمة تفضيل البطن على الظهر
يبدو الموضوع غريبا او مستهجنا بالنسبة لنا، ولكن ليس كذلك بالنسبة للجاحظ وعصره. لقد كان اللواط منتشرا بين طبقات المجتمع حتى شاع في الشعر والنثر والنوادر والاخبار وبما ان الجاحظ آلى على نفسه أن يصور عصره من جميع نواحيه فقد تصدى لهذا الموضوع وخصه بهذه الرسالة.
وهذا الشخص الذي كتب الى الجاحظ في تفضيل الظهور على البطون، او الغلمان على النساء، انما هو شخص وهمي، فزع الجاحظ الى توهمه ليبرر الخوض في هذا الموضوع الشاذ.
ويعلن الجاحظ منذ البدء انه يخالف صاحب الرسالة في الرأي، ويفضل البطون على الظهور ويأتي بحجج عديدة تدعم موقفه.
في طليعة تلك الحجج نهي الشريعة عن اللواط عملا بالآيتين الكريمتين أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ، وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ
(الشعراء، 165- 166) .
ولم يكتف الشرع بتحريم اللواط، بل حرم اتيان النساء من جهة الظهر
(1/25)

او من ادبارهن وفقا للحديث النبوي «لا تأتوا النساء في محاشهن» .
ثم راح الجاحظ يحشد ادلة كثيرة على فضيلة البطن على الظهر بالمعنى الطبيعي والجمالي.
في الطبيعة نجد الخير في البطن لا في الظهر، إذ أن الكنوز والذخائر والمعادن النافعة ودائع في بطن الارض، ومنها تستخرج، وليس على ظهرها سوى الهوام القاتلة والسباع المفترسة.
ومن الوجهة الجمالية نجد محاسن المرأة محصورة في جهة البطن ومن ثم قالوا «مدمجة الخصر، لذيذة العناق، طيبة النكهة، حلوة العينين، ساحرة الطرف، كأن سرتها مدهن، وكأن فاها خاتم، وكأن ثدييها جفان، وكأن عنقها ابريق فضة، وليس للظهر في شيء من ذلك حظ..» .
ومما يدل على أن الشرع نهى عن الظهر دون البطن هو الحد الذي فرضه على الزاني واللوطي. ان حد الزاني ثمانون جلدة، وحد اللوطي الاحراق، وكلاهما فجور ورجاسة واثم. «الا ان ايسر المكروهين احق بان يميل اليه من ابتلي، وخير الشرين احسن في الوصف من شر الشرين» .
وإذا قبل رجل امرأته امام الملأ لما حد، اما اذا قبل غلاما لفرض عليه الحد «لأن الحكم في هذا غير الحكم في ذلك» .
ويختم الجاحظ رسالته هذه بقوله ان من يفضل الظهور على البطون يباين الحلال ويقبل على الحرام. وعلى هذا الاساس تكون رسالته ذات غرض فقهي وخلقي، وليست كلاما فارغا من المحتوى، او خطرا على الاخلاق.
وقد عالج الجاحظ هذا الموضوع في رسالة أخرى عنوانها الجواري والغلمان كما مر معنا، وتعتبر الرسالتان متممتين لبعضهما البعض.
(1/26)

6- مقدمة كتاب المعلمين
يبدأ الكتاب كالعادة بمدخل تقليدي يخبرنا فيه الجاحظ أن شخصا يهزأ من المعلمين ويرميهم بالحمق والجهل والسفه فيتصدى له الجاحظ ويضع هذا الكتاب للرد عليه.
ويشرع بتبيان فضائل المعلم، فيقول ان المعلم قيم على الكتاب مشتغل بتدريسه للناشئة. والكتاب يحمل اخبار الماضين وبه يدرك الملك مصالح رعيته ويقوم سكان مملكته. وهو مستودع الحقيقة وحافظة العلم.
ولا ينبغي أن يقوم التعليم على التلقين والحفظ بل يجب أن ينمي القدرة على الاستنباط والتفكير لدى الناشئة، لأن مستعمل الحفظ لا يكون الا مقلدا، اما الاستنباط فيؤدي بصاحبه الى الخلق والابداع ويوصله الى الحقيقة.
ان طبيعة الحفظ تختلف عن طبيعة الاستنباط وان كان الموضوع واحدا.
وكلاهما يعتمدان فراغ القلب والشهوة الى المعرفة. ويختص الحفظ بشيئين هما الموضع والوقت. فالمكان الهادىء الخالي افضل من المكان المكتظ والصاخب. ووقت الاسحار افضل من سائر اوقات النهار والليل.
(1/27)

ان اكثر العظماء والنوابغ كانوا معلمين، وهذا ما نتحققه اذا استعرضنا اسماء النحويين والعروضيين والفرضيين والحساب والخطاطين والرواة والقضاة والحكماء والولاة والقادة والرؤساء والكتاب والشعراء والوزراء والادباء.
ويخص بالذكر عبد الله بن المقفع الذي كان من المعلمين والبلغاء المتأدبين والمترجمين، ولكنه لم يفلح في الكلام كما يبدو من رسالة الهاشمية.
ثم إن جميع العلوم إنما تنتقل بين الاجيال بواسطة المعلمين، من حساب وفرائض وقرآن ونحو وعروض واشعار واخبار وآثار، ثم الفروسية والنجوم واللحون والطب والهندسة والنرد والشطرنج والفلاحة والتجارة والبناء والصياغة والخياطة والصباغة والحياكة، وترويض الحيوانات المختلفة من قرود ودببة وكلاب وظباء وببغاء وصقور ودواب.
ان الانسان عالم صغير لأنه ينطوي على جميع الطبائع الموجودة في الحيوانات من «ختل الذئب وروغان الثعلب ووثوب الاسد، وحقد البعير، وهدانة القطاة، وهذا كثير، وهذا بابه، ولأنه يحكي كل صوت بفيه ويصور كل صورة بيده، ثم فضله الله بالمنطق والروية وامكان التصرف» .
والمعلم يقوم بعملين هما التأديب والتعليم ومن هنا دعي ايضا بالمؤدب لأن الأدب يعني الخلق ويعني رواية العلم. ولكن العلم هو الاهم لأنه الأصل. ويلجأ المعلم في عمله التأديبي الى القصاص على التهاون او الكسل، والى الضرب على الفرار، كما يحمل الصبية على الصلاة في الجماعة وتدارس القرآن وحفظ الاشعار والارجاز.
ومع ذلك فان مهنة التأديب لا تدر على اصحابها المال الوفير، ولذا شكا الادباء والشعراء من الفاقة وطلبوا المساعدة.
(1/28)

ولم يكتف الجاحظ بايضاح فضل المعلم واهميته وانما قدم مقترحات تربوية هامة لم يفطن لها سوى علماء التربية المحدثين. منها ضرورة مراعاة المعلم مستوى الصبي العقلي والنزول الى مستواه ليتمكن من افهامه مادة التعليم.
ومنها وجوب الاقتصار في تدريس مادة النحو على القدر الذي يفضي به الى السلامة من فاحش اللحن، ويمكنه من القراءة الصحيحة والانشاد المستقيم.
ومنها مراعاة الطبيعة والفصاحة في الكتابة والاختصار واستكراه العبارة المعقدة والالفاظ الوحشية الغريبة. والاهتمام بالمعاني اكثر من الالفاظ.
وما تبقى من الكتاب مقحم عليه اذ لا يمت الى موضوعه بصلة. فهناك نبذة عن اللواط ينبغي ان تلحق بكتاب الفه الجاحظ في هذا الموضوع، وقد الحقناها بكتاب البطن والظهر. وهناك بضع صفحات في المفاضلة بين التجار وعمل السلطان يرجح انها مسلوخة من كتاب «مدح التجار وذم عمل السلطان» ، وكان ينبغي ان تلحق به ايضا، لولا مزجها بعبارات من كتاب المعلمين بحيث يصعب فرزها.
(1/29)

7- مقدمة طبقات المغنين
لم يصلنا من هذه الرسالة سوى المقدمة التي لا تتجاوز صفحات عدة.
ولكنها على قصرها تلقي اضواء كاشفة على محتوى الرسالة. فهي تدور حول موضوع الغناء وتترجم للمغنين الذين عاشوا في عصر الجاحظ، وفي بغداد فقط، حتى عام 225 هـ تاريخ تأليف الرسالة.
بيد ان الجاحظ يتناول في المقدمة ثلاث مسائل هامة.
الاولى
: هي تصنيف العلوم الذي ينسبه الى الفلاسفة المتقدمين دون ان يذكر اسماءهم. لقد قسم هؤلاء الحكماء العلوم الى اربعة أقسام هي علم النجوم الذي يبحث في البروج والازمنة والاوقات وتأثيرها في طبائع الناس.
وعلم الهندسة الذي يبحث في المساحة والوزن والتقدير وما اشبه ذلك. وعلم الكيمياء والطب الذي يبحث في صلاح الابدان وعلاج الامراض. وعلم اللحون الذي يدرس اجزاء اللحون ومقاطعها ومخارجها واوزانها: «حتى يستوي على الايقاع ويدخل في الوتر» .
وعلى الرغم من نقص هذا التصنيف، فانه يعتبر رائدا في هذا المضمار، لانه فتح الطريق الذي سلكه من اتى بعده امثال الفارابي وابن سينا والغزالي.
(1/31)

والمسألة الثانية
: التي تكلم عليها الجاحظ في المقدمة هي أصل علم الموسيقى العربي. لقد اعتبر الجاحظ الخليل بن احمد الفراهيدي مؤسس هذا العلم. وقبل الخليل لم يعرف العرب علل هذا العلم وتصاريفه، وكانت معرفتهم به مبنية على ما يسمعونه من الفارسية والهندية، فلما جاء الخليل درس الشعر ووزنه ووضع كتاب العروض. ثم «اخذ في تفسير النغم واللحون، فاستدرك منه شيئا، ورسم له رسما احتذى عليه من خلفه، واستتمه من عني به» .
ثم جاء بعد الخليل ابراهيم الموصلي فاقتفى أثره وطور علم الموسيقى ووضع له الآلات الجديدة. وكان حاذقا بالضرب والايقاع والف في هذا العلم كتبا كثيرة.
والمسألة الثالثة
: هي شرح طريقة تأليف الكتاب او الرسالة. لقد قسم المغنين الى طبقات، وترجم لهم، وحمله على ذلك «الكلف والمودة لهم، والسرور بتخليد فخرهم، وتشييد ذكرهم، والحرص على تقويم اود ذي الأود منهم، حتى يلحق باهل الكمال في صناعته، والعقل في معرفته، على تمييز طبقة على طبقة منهم، وتسمية أهل كل طبقة باوصافهم، وآلاتهم وادواتهم، والمذاهب التي نسبوا اليها انفسهم واحتملها اخوانهم عليها، وخلطنا جدا بهزل، ومزجنا تقريعا بتعريض..» .
ثم ان الجاحظ ترك فرجا في كل طبقة لتملأ بترجمة من سها عنهم في المستقبل، وهو يحذر من محاولات البعض القيام بهذا العمل أي ملء الفرج المتروكة، دون علم. واحباطا للتشويه والنحل اودع عددا من النسخ خزائن بعض الثقات في الغناء ليحفظوها ويرجع اليها عند حدوث تغيير او اضافات.
في الكتاب.
(1/32)

ان هذا التدبير الذي قام به الجاحظ يشير الى قضية خطيرة هي استشراء النحل في الكتب التي كانت تظهر في عصر الجاحظ ولا سيما مؤلفاته بالذات.
ولعل هذا الأمر هو الذي ادى الى نحل الجاحظ العديد من المؤلفات مثل كتاب الآمل والمأمول، وكتاب الحنين الى الاوطان، وكتاب التبصر بالتجارة وسواها. ولا ادري اذا كانت يد النحل امتدت الى هذا النزر اليسير الذي وصلنا من كتاب طبقات المغنين.
(1/33)

8- مقدمة الوكلاء
في هذه الرسالة ينتقد الجاحظ كاتبا انتقد الوكلاء، وفي سبيل نقد النقد هذا يأتي بحجج قيمة يمكن اعتبارها مبادىء عامة في الاخلاق والتفكير والتأليف.
هذا الكاتب الذي وضع مؤلفا في ذم الوكلاء والذي كان معاصرا للجاحظ لم يسمه ابو عثمان. ولكنه يعيبه بعدم التثبت من الحقيقة، وبعدم تصفح الكتاب قبل إخراجه. ويعزو السبب في ذلك الى التسرع في تأليف الكتاب تلبية لالحاح المطالبين، والى قصر ايام تحصيل العلم، والى سوء العادة.
ولهذا يقتضي العلم القريحة المحمودة، ويقتضي النظر والاستقصاء والروية.
وهذه مبادىء علمية لو طبقت في الابحاث والتأليف لتجنب اصحابها الزلل والاخطاء.
ويشير الجاحظ الى عيب آخر يعتري الباحثين والمؤلفين هو الغضب والميل مع الهوى. وهذا ما جرى لذاك الكاتب الذي حمله غضبه وكرهه للوكلاء على ارتكاب اخطاء لا تغتفر. ان الغضب يميت صاحبه لأن الغضبان اشد خطرا على نفسه من السكران والمجنون. وسببه ضيق الصدر. ولذا
(1/35)

يجب ان يتحلى المرء بسعة الصدر لأن سعة الصدر اصل الخير، وضيقه اصل الشر.
وثمة نصيحة أخرى يسديها الجاحظ الى مؤلف الكتاب وهي عدم الثقة بما «يرسمه في الخلاء ويتوقاه في الملأ» وهذا يعني ان كل رأي يخطر له في خلوته او اثناء الكتابة، لا ينبغي أن يتمسك به اذا كان يخشى ان يبديه في جمع من الناس.
واذا لم يراع المؤلف هذه القواعد او المبادىء اسلم نفسه للاعداء والخصوم وعرضها للنقد والتكذيب.
وعدا التسرع في اصدار الاحكام او ابداء الآراء ثمة مبدأ آخر عرضه الجاحظ هو عدم تعميم الاحكام. فاذا وجد المفكر حالة خاصة او عددا من الحالات الخاصة، فلا ينبغي أن يستخرج منها حكما عاما يشمل جميع الحالات الأخرى. هذا المبدأ يطبق في العلم كما يطبق في الاخلاق والاجتماع وقد ساق الجاحظ عدة ادلة على صحة مبدئه هذا.
ان الوكلاء في المجتمع يشبهون الاجراء والاوصياء والامناء. ولا يمكنك ان «تقضي على الجميع باساءة البعض، ولو بهرجنا جميع الوكلاء وخونا جميع الامناء، واتهمنا جميع الاوصياء واسقطناهم ومنعنا الناس الارتفاق بهم، لظهرت الخلة وشاعت المعجزة، وبطلت العقد، وفسدت المستغلات، واضطربت التجارات..» .
وعلى الصعيد الخلقي لا يوجد خير محض ولا شر محض. والاشياء جميعا تنطوي على بعض الخير وبعض الشر، مع نسب متفاوتة منهما. وهذا الرأي سيردده ابن سينا في كلامه على العناية الالهية ووجود الخير والشر في العالم.
(1/36)

وفي الطبيعة تجد المبدأ ذاته، ان المطر مثلا مصدر خير وشر، فهو يفسد بعض الثمار، ويفيد معظم المزروعات والحيوانات والناس. وخيره اكثر من شره.
وفي السياسة يطالعنا المبدأ ذاته «فالامام الجائر وان استأثر ببعض الفيء وعطل بعض الحكم فانه ينفع في ضبط الأمن ودرء الاخطار الخارجية الخ..
ولا شك في ان مبدأ عدم التعميم هذا الذي نادى به الجاحظ يسيء الى مفهوم القياس الارسطي، ويزعزع اسس العلم الطبيعي.
واخيرا نجد في رسالة الوكلاء مبدأ ثالثا يقول بعدم الاكتفاء بما وصل اليه السابقون من العلم طبقا للحكم الخاطىء الذي يقول «ما ترك الاول للآخر شيئا» . على النقيض يدعو الجاحظ الى متابعة التحصيل والبحث للاهتداء الى معارف جديدة. ولو طبقنا هذا الحكم لتوقف الناس عن التقدم، ولانحصرت العلوم في اجيال معينة وامم محددة. ويؤيد رأيه بالاختراعات الجديدة التي توصل اليها مجتمعه العباسي ولم يعرفها ملوك فارس من قبل مثل الحراقة والزلالة والخيش، والجمازة، وتطعيم الاشجار، والكردة.
(1/37)

9- مقدمة مدح التجار وذم عمل السلطان
لم يبق من هذا الكتاب سوى صفحات قليلة. وما تبقى منه يعطينا فكرة واضحة عن محتواه. انه مقارنة بين التجار وخدم السلطان.
والجاحظ كعادته يتخيل شخصا يؤيد خدم السلطان ويمدحهم فيرد عليه ويعارضه ويتنصل من التهمة التي وجهها اليه ذلك الشخص وهي التكلف والصنعة البيانية في كتابته ويقول: «استحي من الكتابة، واستنكف بان انسب اليها في البلاغة وان أعرف بها في غير موضعها، ومن السجع ان يظهر مني، ومن الصنعة ان تعرف في كتبي، ومن العجب بكثير ما يكون مني» .
والجاحظ صادق فيما يقوله عن نفسه فهو لا يتصنع في كتابته، واذا ورد فيها شيء من السجع او الصنعة البيانية، فإنما يرد عفو الخاطر دون ان يقصد اليه قصدا. وقد اعلن رأيه في هذه المسألة مرارا وهو ان جمال الأدب يرتكز على الطبيعة اي عدم التكلف، وعلى البلاغة اي المساواة بين اللفظ والمعنى، واختيار اللفظ الذي يناسب المعنى ويوازيه فلا يفضل عنه ولا ينقص، شرط ان تتوافر فيه الفصاحة اي الوضوح ويتجنب الغرابة والوحشية.
نجد هذا الرأي في كتاب البيان والتبين وفي كتاب الحيوان، وفي كتاب المعلمين وغيرها.
(1/39)

ان التجار أعز جانبا من اتباع السلطان واسلم دينا واطيب طعاما واهنأ عيشا وآمن نفسا واودع بالا. انهم احرار في تصرفاتهم، لا يستجدون احدا ولا يحتاجون لغيرهم، بل يحتاج اليهم الناس، ولا يعانون الذلة في مكاسبهم وهم يحصلون الارباح الوفيرة ويملكون الثروات الطائلة.
اما اتباع السلطان فلباسهم الذلة، وشعارهم الملق، وهم في خوف دائم من تغير الدول، او سطوة الرئيس وتنكيله؛ معرضون دائما للازمات والمحن.
والدليل على شرف التجارة ان النبي كان تاجرا، وقبيلته اشتهرت بالتجارة حتى اشتق اسمها من القرش والتقريش.
ويرفض الجاحظ الدعوى القائلة ان التجارة تصد عن العلم والأدب، ويقول ان تجارا كبارا نبغوا بالعلم والفقه، يذكر منهم سعيد بن المسيب الذي يقول ان النبي وابا بكر وعمر وعثمان وعليا لم يقضوا قضاء الا علمه. وكان الى ذلك نسابا وعالما باخبار الجاهلية والاسلام.
كما يذكر منهم محمد بن سيرين الفقيه الورع، ومسلم بن يسار العالم العابد (100 هـ-) وأيوب السختياني البصري المحدث (66- 125 هـ-) ويونس إبن عبيد (139 هـ-) .
(1/40)

10- مقدمة رسالة الفتيا
موضوع هذه الرسالة اهداء القاضي احمد بن ابي دؤاد كتاب اصول الفتيا.
وهذا الاهداء يقتضي مقدمات ويهدف الى اغراض ويشرح قضايا.
اما المقدمات فمديح للقاضي الذي بيده السلطان وعليه الاعتماد في تدبير شؤون الرعية واصلاحها. انه «العالم معلم الخير وطالبه، والداعي اليه، وحامل الناس عليه، من موضع السلطان بارفع مكان، لأن من جعل الله اليه مظالم العباد، ومصالح البلاد، وجعله متصفحا على القضاة، وعتادا على الولاة، ثم جعله الله منزع العلماء، ومفزع الضعفاء، ومستراح الحكماء، فقد وضعه بارفع المنازل، واسنى المراتب» .
في هذا الكلام اشارة واضحة الى المرتبة التي كان يتبوأها احمد بن ابي دؤاد المعتزلي المذهب، بل احد شيوخ الاعتزال الكبار. فهو يشرف على القضاة والولاة ويدبر امور العباد. انه رجل علم وسياسة وداعية إصلاح، وهو في اسمى مراتب السلطة.
واما الاغراض فهي ترجع الى إثنين: طلب مساعدة القاضي واحسانه
(1/41)

وثوابه على الكتاب، ثم ارشاد الناس وتوعيتهم. والغرض الأول اي طلب المساعدة والاثابة يفصح عنه في مقدمة الرسالة بقوله: «السلطان سوق، وانما يجلب الى كل سوق ما ينقق فيها» . ويشبه الجاحظ نفسه بالتاجر الذي لديه بضاعة يفتش لها عن سوق يبيعها فيها. تلك البضاعة هي الكتب التي يعنى بتأليفها ويعبر عن ذلك بقوله: «وقد نظرت في التجارة التي اخترتها، والسوق التي اقمتها، فلم ار فيها شيئا ينفق الا العلم والبيان عنه..» . ويعرف بنفسه بانه «رجل من اهل النظر ومن حمال الأثر» .
والغرض الثاني من الرسالة هو ارشاد الناس وتوعيتهم، اشار اليه بقوله:
«فما ينتظر العالم باظهار ما عنده، والناشر للحق من القيام بما يلزمه. فقد امكن القول وصلح الدهر، وخوى نجم التقية، وهبت ريح العلماء، وكسد الجهل والعي، وقامت سوق العلم والبيان» . فالجاحظ يعتبر نفسه صاحب رسالة في الاصلاح الاجتماعي عليه ان يؤديها دون تقية او خوف عملا بمبدأ المعتزلة الداعي الى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد عاد الجاحظ الى تأكيد غرضه الاول مرة ثانية في اواخر الرسالة عندما يقول للقاضي ان الذي دعاه الى وضع الكتاب علمه ان القاضي يقرب العالم ويقصي الجاهل، ويقرأ الكتب فيعاقب على السيء منها او يصفح ويثيب الجيد ويكافىء عليه.
اما القضايا التي يشرحها الجاحظ في الرسالة فهي التعريف بكتاب الفتيا وفضل الكتب عامة وهذا الكتاب خاصة. وما عند الجاحظ من كتب كثيرة.
ان كتاب الفتيا يجمع اصول الفتيا عند مختلف الفرق. فهو جامع لاختلاف الناس ويجمع الدعاوى مع جميع العلل. يحكي آراء كل فريق ويسرد حججهم ثم يبين ما فيها من حق وما فيها من بطل. ويبدو من تعريف
(1/42)

الجاحظ لكتاب اصول الفتيا خطره، واهميته. وليته بقي ولم تعبث به عوادي الضياع.
ويشيد الجاحظ بفضل الكتب فيقول ان قراءة الكتاب اعم فائدة من لقاء صاحبه، لأن تلاقي الناس يستتبع الحمية والمواجهة وحب الغلبة وشهوة المباهاة والرياسة، مع الاستحياء والانفة من الخضوع، والضغائن والجدل.
والكتاب يوجد في كل زمان ومكان، اما صاحبه فلا يلبث ان يموت.
ولولا الكتب لضاع العلم ولم ينتقل بين الاجيال ويخلد على مر الدهور.
وانفع الكتب كتاب الله الذي ينطوي على الهدى والرحمة والعبر والتعريف بالخير والشر. وكتاب اصول الفتيا يمت الى كتاب الله بصلة، لأنه يدور حول القرآن والسنة. وينفي الجاحظ عن كتابه صفة علم الكلام. وهذا ما دعاني الى عدم وضعه في رسائل الجاحظ الكلامية.
ويخبر الجاحظ القاضي بان لديه كتبا أخرى سيهديها اليه. تباعا، ويمنعه من اهدائها دفعة واحدة كثرة شغل القاضي، والخوف من ملله.
(1/43)

11- مقدمة مدح النبيذ وصفة اصحابه
هذه الرسالة من روائع الأدب الصرف حيث يبتعد الجاحظ عن الفلسفة والكلام والسياسة والاخلاق. ويصف لنا النبيذ وصفا دقيقا يذكرنا بوصف ابي نواس للخمر. ولكنه مع ذلك يعترف انه سيبقى مقصرا عن ايفاء النبيذ حقه مهما اجاد في وصفه وذكر مزاياه.
إن النبيذ دواء يشفي من الامراض ويغني عن الاطباء وقد قال ابو نواس قبله:
دع عنك لومي فان اللوم اغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
والنبيذ صديق لا يمكن الاستغناء عنه، ومن العجب انشغال الحسن بن وهب عنه بديوانه واعماله. وجدير به أن يعظمه ويتعصب لجماله للمناسبة التي بينهما والشكل الذي يجمعهما «فان كان بعضك لا يصون بعضا وانت لا تعظم شقيقا، فانت والله من حفظ العشيرة أبعد، ولمعرفة الصديق انكر» .
ويمضي الجاحظ في ذكر مزايا النبيذ فيقول انه «يطرد الهم ويمنح شاربه صدق الحس وفراغ النفس ورخاء البال، والبعد عن شواغل الدنيا وخوف الحدثان.
(1/45)

كما انه يعيد الشباب الى الشيوخ، وينشط اجسامهم ويوقظ هممهم.
والنبيذ يبعث على الظرف والضحك، ويعفي من الجد والتعب والحشمة، ويشحذ الذهن. وهو يفعل ذلك في كل وقت ومكان، في الليل والنهار، وفي الشتاء والصيف، وفي المنازل والبساتين.
ثم ان النبيذ يحمل النفس على السرور والطرب، ويدخلها الى الجود، ويورثها الغنى، ويبعدها عن الفقر، ويملأها عزا وكرامة.
وهو جامع الخلان والظرفاء والادباء، ومصدر متعتهم. وهو افضل من سائر الاشربة لأنه كلما زدت منه ازداد طيبة. واذا اسكرك رفق بك ولم يكن اسكاره تغلبا، واخذه بالرأس تعسفا، حتى يميت الحس بحدته، ويصرع الشارب بسورته..» ولكنه على عكس ذلك «يغازل العقل ويعارضه، ويدغدغه ويخادعه، فيسره ثم يهزه. فاذا امتلأ سرورا وعاد ملكا محبورا، خاتله السكر وراوغه، وداراه وماكره، وهازله وغانجه» .
ولا اظن شاعرا من شعراء الخمر استطاع أن يبلغ شأو الجاحظ في وصف تأثير الخمر بالنفس، وتصوير مراحل السكر.
الى جانب وصف النبيذ ومحاسنه يمدح الجاحظ الحسن بن وهب الذي وجه اليه هذه الرسالة. وقد كان الحسن معاصرا للجاحظ وشاعرا وكاتبا.
ويقول في مدحه «وحسبي بصفاتك عوضا من كل حسن، وخلقا من كل صالح..» فهو يجمع الجمال الجسمي الى جودة الرأي وسعة الخلق واللسان الفخم والبلاغة ونبل المحتد.
والجاحظ يطلب اخيرا من الحسن بن وهب أن يهديه مقدارا من النبيذ لا يكثر ولا يقل عن الحاجة. وهو لا يسأله اياه لشربه او يسقيه او يهديه، ولكن ليختبر مودة الحسن واكرامه وتقديره.
(1/46)

ان الجاحظ الأديب لا يقل اهمية عن الجاحظ المتكلم، وفنه يرتكز الى الوصف الجسمي والنفسي لا على الخيال المجنح، كما يعتمد على التلوين اللفظي والترادف المعنوي والتقطيع المتوازن للجمل.
(1/47)

12- مقدمة الشارب والمشروب
موضوع هذه الرسالة هو انواع النبيذ، وهل هو محلل او محرم. وهو يدعي في المقدمة كعادته ان شخصا سأله عن انواع النبيذ والفوارق بينها، وعما اذا احلها الشرع او حرمها رغم الفوائد العديدة التي يجنيها الشارب منها، ثم ان هذا السائل يسرد له تلك الفوائد التي ذكرها الجاحظ في رسالة أخرى عنوانها «مدح النبيذ وصفة اصحابه» مما يدل على أن هذا السائل هو الجاحظ نفسه الذي يتساءل وليس شخصا آخر كما يدعي. ومما يؤكد ما نذهب اليه هو اعتراف الجاحظ في آخر الرسالة بانه هو الذي وضع اجناس الاشربة وبلدانها في صدرها تمهيدا لمعالجة الموضوع الاساسي وهو تحليل النبيذ وتحريمه كما يتضح في قوله التالي: «والذي دعاني الى وضع جميع هذه الاشربة والوقوف على اجناسها وبلدانها، مخافة ان يقع هذا الكتاب عند بعض من عساه لا يعرف جميعها ولم يسمع بذكرها فيتوهم اني في ذكر اجناسها المستشنعة وانواعها المبتدعة كالهاذي برقية العقرب، وان كان قصدي لذكرها في صدر الكتاب لاقف على حلالها وحرامها وكيف اختلفت الأمة فيها، وما سبب اعتراض الشك واستمكان الشبهة، ولأن احتج للمباح واعطيه حقه، واكشف ايضا عن المحظور فاقيم له قسطه، فاكون قد سلكت بالحرام سبيله
(1/49)

وبالحلال منهجه، اقتداء مني بقول الله عز وجل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
ولن نطيل في وصف النبيذ وذكر فوائده فهي تكرار لما ورد في رسالة مدح النبيذ ووصف اهله ولكننا نتوقف عند مسألتين لم تردا هنا هما انواع النبيذ، وتحليله. وبذلك تكون الرسالتان متممتين بعضهما البعض، ويكون الجاحظ كما عهدناه في جميع آثاره جامعا بين علم الكلام والأدب. ان الموضوع في الرسالتين واحد وهو النبيذ، وقد طرقه الجاحظ من الناحية الكلامية في رسالة الشارب والمشروب وطرقه من الناحية الأدبية في رسالة مدح النبيذ وصفة اهله.
.. ان انواع النبيذ كثيرة اهمها الترش شيرين، والسكر، والمسجور والبتي، وهي انواع رديئة لأن الاول يسبب الريح والحموضة، والثاني مر، والثالث والرابع كدران يسببان الحكة.
اما الانواع الحسنة فهي تفتح العروق، وتلذ القلب وتساعد المعدة على الهضم وتغسلها، وتعين الكبد، وتحمر الجلد وتولد الشجاعة والسخاء وتمنع القر. اهمها نبيذ الزبيب الحمصي والعسل الماذي، ونبيذ العنب المعصور، والنبيذ المصري، ونبيذ الاهواز، والدوشاب البستاني، والمعتق، ونبيذ الجزر، ونبيذ المشمش، ونبيذ التين، والنبيذ المروق والغربي والفضيخ.
قلنا ان موضوع الرسالة الاساسي هو مسألة تحليل النبيذ. والجاحظ يذهب الى ان الشرع لم يحرمه ويقدم على ذلك الحجج التالية:
اولا: ان النبيذ غير الخمر. والشارع حرم الخمر فقط ولم يحرم النبيذ. والادعاء ان جميع الاشربة خمر يدل على الجهل والخلاعة. «وقد يكون الشيء من جنس الحرام، فيعالج بضرب من العلاج حتى يتغير بلون
(1/50)

يحدث له ورائحة وطعم ونحو ذلك، فيتغير لذلك اسمه ويصير حلالا بعد ان كان حراما» .
ثانيا: ان الصحابة والتابعين لم يختلفوا في الفرائض وحدودها ولكنهم اختلفوا في الاشربة التي تسكر مما يدل على ان المسألة بحاجة الى نظر وتأويل.
ثالثا: ان الله حرم على الناس كثيرا من الاشياء واباح لهم اجناسها الأخرى بما يناظرها او يعمل عملها او ما يقرب منه ليغنيهم بالحلال عن الحرام «قد حرم من الدم المسفوح واباح غير المسفوح» كدم الطحال والكبد. وحرم الميتة واباح ميتة البحر وغير البحر كالجراد وشبهه، وحرم الربا واباح البيع الخ..
رابعا: ان اهل المدينة الذين حرموا النبيذ ليسوا حجة على غيرهم.
لانهم ليسوا ملائكة لا يخطئون؛ وعظم حق بلدتهم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، وانما المرجع الوحيد هو الكتاب والسنة المجمع عليهما والعقول الصحيحة. واهل المدينة الذين احلوا الغناء لم يجلدوا مغنيهم الذين كانوا يتغنون وقد ثملوا.
(1/51)

13- مقدمة البلاغة والايجاز
لم يبق من هذه الرسالة سوى هذه الاسطر القليلة. ولكنها تلخص لنا مفهوم الجاحظ للبلاغة وعلاقتها بالايجاز. واذا اردنا التوسع يمكننا التماس ذلك مسهبا في كتاب البيان والتبيين، وكتاب الحيوان.
لقد اطبق الناس من عرب وعجم على ان البلاغة هي الايجاز في القول.
ولكن الجاحظ لا يوافق على ذلك ويعرف البلاغة بانها اصابة المعنى والقصد الى الحجة دون فضل او تقصير، أي دون تطويل او ايجاز، وهذا يعني المساواة. فالكلام البليغ هو الذي نستخدم فيه من الالفاظ القدر الضروري لا بلاغ المعنى الى السامع. وهذا معنى قوله «وربما كان الايجاز محمودا، والاكثار مذموما، وربما رأيت الاكثار احمد من الايجاز، ولكل مذهب ووجه عند العاقل» .
ان الاكثار يغدو عيبا اذا بعث على «الملال وجاوز المقدار وخرج عن مجرى العادة» . ولكنه لا يعد عيبا اذا قصد به التعريف والتوكيد والتشديد، لأن التفريق يحتاج الى تطويل، والتوكيد يقتضي التكرار، والتشديد يتطلب الاكثار.
(1/53)

ويعلل الجاحظ كون البلاغة عدم مجاوزة المقدار بان كل ما جاوز المقدار انقلب الى ضد طباعه. فالبارد يتحول الى حار، والنافع يغدو ضارا، والثلج يطفىء قليله الحرارة بينما يحركها كثيره. والى هذا ذهب من عد الاكثار عيبا والايجاز بلاغة.
ان الجاحظ يفسر كل شيء في العالم بما في ذلك الجمال والفن تفسيرا طبيعيا، وفي هذا تكمن أصالته الفكرية.
(1/54)

14- مقدمة تفضيل النطق على الصمت
يبدو ان الجاحظ تلقى كتابا أو قرأ رسالة في مدح الصمت وايثاره على النطق. وقد وصف صاحب الرسالة مزايا الصمت، وذم الكلام وبين مساوئه وما يجره على صاحبه من البلوى والفحش والخطأ والتورط والندم. وقد استشهد باقوال كسرى انو شروان ملك الفرس، والاشعار، ورجال الأدب، والذين ذموا الكلام ومدحوا السكوت.
ولم تعجب الرسالة ابا عثمان بل وجدها تنطوي على الخطأ والاعجاب بالنفس والتسرع في الاحكام، مما حمله على الرد عليها في كتاب تفضيل النطق على المصت.
لقد وجد الكلام افضل من الصمت لاسباب عديدة. منها ان الكلام ضروري للابانة عن النفس والتعبير عن الحاجات الكثيرة التي تكثر لدى الانسان. ومنها ان الكلام هو المزية التي ينماز بها الانسان عن الحيوان والجماد.
واذا كان الصمت يحمد في حالة واحدة وهي توقي الأثم وتوخي النجاة، فانه يلزم صاحبه صفة الجهل والغباء.
(1/55)

ويعمد الجاحظ الى القرآن ليستدل من آياته التي ورد فيها النطق على فضيلة الكلام. فالكلام الذي تفوه به ابراهيم لدى تحطيمه الاوثان هو الذي نجاه. والكلام الذي تفوه به يوسف لدى عزيز مصر هو الذي لفت الى ذكائه وفطنته فقربه منه واكرمه.
ثم ان الكلام هو الذي برهن على شرائع الانبياء وشرحها وقربها من افهام الناس، وهو الصيغة التي يعبر بها المؤمن بشهادة الايمان. وعلى الكلام البليغ قامت معجزة القرآن. وكان النبي محمد افصح العرب وابلغهم بيانا.
رغم اتصاف العرب بالبيان ولا سيما قريش قبيلة الرسول.
ثم ان الكلام آلة الشكر على النعمة. وقد اوجب الله الشكر وقال لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
. والشكر لا يكون الا بالكلام.
واعظم دليل على فضيلة الكلام- وهنا يستعمل الجاحظ اللفظ بمعنى علم الكلام- هو الحاجة اليه لاثبات وجود الله وتصديق رسالة النبي، ومعرفة حقائق الاديان، والتمييز بين الحجة والشبهة، ودعم مبادىء المعتزلة في التعديل والتوحيد والاختيار.
وقد الف الجاحظ رسالة في فضل صناعة الكلام نشرناها في رسائل الجاحظ الكلامية.
وقد يتبادر الى الذهن ان الجاحظ يناقض نفسه ويقول الشيء وضده.
فهو في هذه الرسالة يذم الصمت ويمدح الكلام، بينما يدعو في «رسالة كتمان السر وحفظ اللسان» الى تقييد اللسان ويحث على السكوت. والواقع ان الجاحظ لا يقع في التناقض وانما يسوق في رسالة كتمان السر وحفظ اللسان اقوالا لبعض الحكماء تدعو الى اخضاع الكلام للعقل لكي لا يأتي لغوا
(1/56)

او يفشي سرا فيلحق الضرر بصاحبه.
وقد تحدث على الموضوع ذاته في قسم من رسالة التربيع والتدوير التي تتضمنها رسائل الجاحظ الأدبية هذه ولا نعتقد انه يناقض نفسه.
(1/57)

15- مقدمة رسالة في صناعة القواد
عنوان هذه الرسالة لا يتلاءم تماما مع موضوعها. إن موضوع الحرب لا يطرق الا بالاسم. سئل احد القواد عن المعركة التي خاضها العرب ضد الروم فأجاب انهم حصروا الاعداء في مكان ضيق ثم قتلوهم وكدسوا جثثهم.
ان الموضوع الحقيقي للرسالة هو الأدب واللغة والبيان. ويتناول ما ينبغي ان نتعلم من الأدب واللغة، لنستطيع التعبير عن افكارنا في مختلف الموضوعات.
ولهذا يطنب الجاحظ في تعداد حسنات اللسان ويرجعها الى عشر.
فاللسان اداة البيان والمعبر عن النفس، والمصدر للحكم، والمجيب، وطالب الحاجة، وواصف الاشياء، والواعظ، والمعزي، والمثني والملهي. ويردف هذه الحسنات باقوال تدل على اهمية اللسان في حياة الانسان. فالانسان بدون لسان يشبه البهيمة او الصورة وقيمة الانسان في لسانه وعقله.
وعلى هذا الاساس ينبغي أن يعنى المرء باللغة لانها أداة التعبير ومادة اللسان. وهذه العناية تقتضي التزود بالمفردات والتعابير المختلفة في كل علم وموضوع. هذا ما قصد اليه الجاحظ بقوله للمعتصم: «فخذ يا امير المؤمنين
(1/59)

اولادك بان يتعلموا من كل الأدب، فانك ان افردتهم بشيء واحد ثم سئلوا عن غيره لم يحسنوه» .
ويقدم امثلة تشهد على صحة هذا الرأي. فالقائد العسكري يعبر عن معانيه بالفاظ وتعابير يستقيها من صناعة الحرب والقتال. والطبيب يستعمل الفاظا وتعابير تمت الى صناعة الطب بصلة وثيقة مثل البيمارستان والمحقنة والمبضع والاكحل ودستج والاسهال والقولنج والسل واليرسيم وبقراط وجالينوس.
والخياط يستعين بكلمات من صميم صناعته مثل الدرز والجربان والابرة والسروال والبايكية والطيلسان والشوكزة والازرار والعروة والكثبان والزيقة والمقراض والذيل.
والزارع يعتمد اسماء تتعلق بمهنته مثل الجريبين والمشارة والانابير والسنبل والفدان والزراعة والسقاية والسرجين والنبت واليرقان.
والخباز يستعمل الفاظا تدل على صناعته مثل الرغيف والتنور والحمرة والجفتة والدقيق والنار والجرداق والثريد.
والمؤدب يلجأ الى الفاظ تدخل في صميم عمله مثل الصبي والامام والرقم والدواة واللوح والمداد والكرسف.
وصاحب الحمام ذو لغة تتلاءم تعابيرها ومفرداتها مع الادوات التي يحتاجها في عمله مثل الغسيل والأتون والليفة والمئزر والنقع والزنبيل.
والكناس يستعين بمفردات تعبر عن ادواته وحركاته مثل الزبيل والجرح والمكنسة والكنيف والبالوعة والبريخ، والسلح، والخنفس.
ولغة الشرابي تمتليء بالفاظ مثل الدن والسكر والكأس والخمر والقدح
(1/60)

والدورق والقنينة.
والطباخ يعبر عن معانيه بمفردات خاصة مثل الصحن والشواء والموقد والمغرفة والقدر والفالوذج واللوزينج والجوزينج والخبيصة والسكباج والجوذابة والزبد والنرسيان والقصعة والبرماورد والعصارات.
واخيرا تمتاز لغة الفراش باسماء وتعابير مجانسة للمعاني والادوات التي يستعملها مثل المخدة والمنصة والريش والوسادة والخيش والستور والمتكأ.
بقي ان نتساءل عن اصحاب هذه الاشعار التي وردت في الرسالة. لقد سكت الجاحظ عن ذكر أصحابها والارجح انه هو ناظمها وصاحبها. وفي ذلك دليل على موهبته الشعرية. وقد الفينا له قصيدة في المديح ضمنها رسالته الى ابي الفرج بن نجاح الكاتب.
(1/61)

16- مقدمة رسالة الجد والهزل
يقول الجاحظ ان سبب جفاء الوزير محمد بن عبد الملك الزيات هو كتاب الزرع والنخل الذي الفه قبل عام 243 هـ- واهداه الى ابراهيم بن العباس الصولي فاجازه عليه بخمسة آلاف دينار. ولكن الجاحظ لا يصدق ان يكون تفضيل النخل على الزرع سببا في عداوة الاخوان، وهو اكثر سخافة من حرب البسوس او حرب داحس والغبراء.
وهو يذكر سببا آخر لذلك الجفاء هو رفض الجاحظ دفع الأتاوة المتوجبة عليه. ويفترض ان يكون التهرب من الاتاوة هو الذي اثار حفيظة الوزير المسؤول عن اموال الدولة فانتقد الجاحظ وأنبه وحرمه من بعض العائدات التي ينتفع بها. فاعتبر ابو عثمان موقف ابن الزيات عدائيا وكتب هذه الرسالة يستعطفه ويعاتبه.
والجاحظ لا ينفي عن نفسه تهمة التهرب من دفع الاتاوة ولكنه لا يرى ان هذا الذنب يستحق مثل ذاك العقاب ويثير حقد الوزير وغضبه ونقده. ان ذنبه صغير والعقوبة كبيرة، فلا توازن بينهما، وعدم التوازن معناه عدم العدل وهذا ما اراده بقوله: «ومن عاقب على الصغير بعقوبة الكبير، وعلى الهفوة
(1/63)

بعقوبة الاصرار، وعلى الخطأ بعقوبة العمد ... ومن خرج من باب الاوزان وخالف جميع التعديل كان بغاية العقاب احق، وبه اولى» . وينصح الوزير بالنظر في سبب الذنب قبل انزال العقوبة.
ويحذر الجاحظ ابن الزيات من الانسياق وراء هواه والانقياد للغيظ والغضب، لان الغيظ نار تحرق اهلها، وسلطان غشوم. ولأن «الغضب يصور لصاحبه مثل ما يصور السكر لاهله ... والغضبان يشغله الغضب ويغلي به الغيظ، وتستفرغه الحركة، ويمتلىء بدنه رعدة، وتتزايل اخلاطه، وتنحل عقده، ولا يعتريه من الخواطر الا ما يزيده في دائه، ولا يسمع من جليسه الا ما يكون مادة لفسادة..» .
كما يطلب منه ان يميز بين الاخيار والاشرار والمحبين والمبغضين في التعادي. فلا ينبغي ان يعادي عقلاء الرواة ومن عرفوا بالصدق، ولا يعاقب وادا ولا يضجر من صاحب مهما بدا منه. واذا تحقق ان مبعث الذنب البغض او الميل الى الشر فيجب ان يشتد في العقاب والتعذيب دون رحمة او تردد.
ولا يوجد سبب كاف يوجب التعادي بين الجاحظ وابن الزيات.
فهما ابنا نحلة واحدة، وتجمعهما مودة قديمة. ان اسباب التعادي بنظر الجاحظ هي «تنافس الجيران والقرابات، وتحاسد الاشكال في الصناعات ... والتشاحن على المواريث، والتنازع في تخوم الارضين» . وهذه الاسباب جميعا غير متوافرة في أبي عثمان والوزير. فابن الزيات من عائلة مختلفة عن عائلة الجاحظ، وابن الزيات وزير والجاحظ سوقة، ولا مشاكلة بينهما الا في إيثار الدقيق الخشن على الدقيق الابيض والباقلاء على الحلوى.
واذا كان الجاحظ صديق ابن الزيات بالأمس فينبغي ان يدرك أن ما يصيب الانسان ينسحب على صديقه لأنه «اذا اعتل خليلك فقد اعتل
(1/64)

نصفك ... فموتي هو موت صديقي، وحياتي هي حياة صديقي» .
وعلاوة على ذلك يجدر بابن الزيات أن يعتبر شيخوخة الجاحظ ويحترمها، لأن للكبرة شفاعة وللضعف حرمة. ثم ان الجاحظ منح الوزير جلد شبابه، واعطاه عند الكهولة قوة رأيه وثمرة تجاربه.
واذا كان الوزير حريصا على مال الدولة فعليه بهؤلاء الذين اختلسوا تلك الاموال او احتجزوها وليمض فيهم حكم الكتاب والسنة.
عدا هذه الحجج التي يبغي منها ابو عثمان تبرئة ساحته واستعطاف الوزير، يتهم ابن الزيات بالاساءة اليه جسما وسمعة وكتبا. فابن الزيات يعيب الجاحظ على اهماله كتبه وتركها اوراقا مبعثرة لا تجمعها المصاحف فتسهل قراءتها وتحفظ. ويعيبه ايضا على انه يكتبها على الورق الصيني بدل الجلود التى تقوى على عاديات الزمان. ويعيبه ثالثا على عدم انجاب الاولاد. ويتمنى له رابعا الموت، ربما للخلاص من تكاليف الحياة. ولكن الجاحظ لم يفهم غاية الوزير فظن أنه يعيبه او يتمنى له الموت لأنه يكرهه ويحقد عليه. حقا ان للشيخوخة منطقها الضعيف؟!
(1/65)

17- مقدمة فصل ما بين العداوة والحسد
هذه الرسالة موجهة الى ابي الحسن عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل كما يتضح من استشهاد الجاحظ بالبيتين التاليين اللذين يمدح بهما الوزير ويعتبره حاميه من الحساد:
ان ابن يحيى عبيد الله أمنني ... من الحوادث بعد الخوف من زمني
فلست احذر حسادي وان كثروا ... ما دمت ممسك حبل من ابي الحسن
وموضوعها حساد ابي عثمان واعداؤه الذين حسدوه على كتبه وما تدر عليه من المنزلة والنعمة، وتحريض الوزير عليهم. ولكن الجاحظ يتطرق الى خلة الحسد والفصل بينها وبين العداوة.
ويستهل الكتاب بترغيب الوزير بقراءته، لكونه يعالج موضوعا جديدا لم يسبقه اليه أحد، ولأنه يتصف كالكتاب السابق بالنبل، والكتاب السابق هو استنجاز الوعد. ويرجع نبل هذين الكتابين في رأي الجاحظ الى الاخبار الانيقة الغريبة والاحاديث الباعثة على الاخلاق المحمودة ... الخ.
ويرى الجاحظ انه يوجد في كل زمان علماء محقون الفوا الكتب القيمة
(1/67)

في مختلف ميادين العلم والاخلاق وبذوا سواهم بمواهبهم التي حباهم الله اياها. ولكن ظهر لهم حساد معارضون في تلك العلوم والكتب «منتحلة يدعون مثل دعاويهم، قد وسموا انفسهم بسمات الباطل وتسموا باسماء العلم على المجاز من غير حقيقة، ولبسوا لباس الزور متزخرفين متشيعين بما لا محصول له، يحتذون امثلة المحقين في زيهم وهديهم، ويقتفون آثارهم في الفاظهم والحاظهم وحركاتهم واشاراتهم، لينسبوا اليهم ويحلوا محلهم..» .
ويبدي الجاحظ خشيته من ان يكون له حساد على كتبه التي يعنى بتأليفها يتولون انتحالها ووضع مثلها. او يطعنون بها ويوهمون «فساد معانيها وسقوط الفاظها» . ويورد شاهدا على ذلك محمدا بن ابي العباس الطوسي الذي انبرى يطعن على كتابه في تحليل النبيذ لدى عرضه على المأمون مما اثار حفيظة المأمون على الطوسي، ولم يسكت هذا الطاعن الباغي الا عندما دخل بشر المريسي معارضه وأيد الجاحظ في مذهبه من تحليل النبيذ، ونحن نعلم ان الكتاب الذي طرق موضوع تحليل النبيذ هو «الشارب والمشروب» ولعله هو المقصود.
ويخبرنا الجاحظ انه «ربما الف الكتاب المحكم المتقن في الدين والفقه والرسائل والسيرة والخطب والخراج والاحكام وسائر فنون الحكمة» وينسبه الى نفسه فيقصد اليه جماعة من اهل العلم بالطعن والتحقير والعيب.
وربما فعلوا اكثر من ذلك، اذ يسرقون معاني الكتاب ويؤلفون كتابا حولها ويهدونه الى الملك الذي اهداه كتابه وغيره.
كما يخبرنا انه ربما الف الكتاب الذي هو دون الكتاب الاول في معانيه والفاظه وينسبه الى غيره امثال ابن المقفع والخليل وسلم صاحب بيت الحكمة والعتابي وغيرهم، فيقبل عليهم هؤلاء الطاعنون يتدارسون ويتأدبون به معجبين بمعانيه والفاظه.
(1/68)

ويقول اخيرا انه ربما الف الكتاب وتركه غفلا دون ذكر المؤلف اشفاقا من حسد هؤلاء وطعنهم «فينهالون عليه انهيال الرمل ويستبقون الى قراءته سباق الخيل يوم الحلبة الى غايتها» .
وقد ذهب بعض الكتاب الحاسدين ابعد من ذلك عندما هددوا الجاحظ وتوعدوه بالويل والثبور وعظائم الأمور اذا هو لم يضمن لهم الشركة فيما يجري عليه.
وعدا مسألة نحل كتب الجاحظ والطعن عليها وهي مسألة في غاية الخطورة، يعالج الجاحظ مسألة الفصل ما بين العداوة والحسد. فيرى الحسد نتيجة النعمة التي اسبغت على المحسود وحرم منها الحاسد. اما العداوة فلها اسباب مباينة. ويرافق العداوة العقل اما الحسد فيخلو منه. والحسد لا يزول الا بزوال المحسود عليه، اما العداوة فتحدث لعلة وتزول بزوالها. والعداوة تضعف مع الزمن بينما يبقى الحسد غضا جديدا. والحسد يرافق الكذب بينما قد تخلو العداوة من الكذب، والحسد يتفشى في اهل العلم اكثر من الجهلة والملوك والسوقة. والحسود جبان بينما العدو اشجع واظهر.
(1/69)

18- مقدمة رسالة في استنجاز الوعد
لم يسم الجاحظ ممدوحه، ولكنه على الارجح ابو الفرج محمد بن نجاح الكاتب الذي وجه اليه رسالة المودة والخلطة، ورسالة ثالثة باسمه. وتعتبر الرسائل متممّة لبعضها البعض من حيث الموضوع والمنحى والغرض.
ان الجاحظ يسأل ويمدح. وقد سارع الى الافصاح عن غرضه في صدر الرسالة حيث يقول: «اطلبوا الحاجات من حسان الوجوه» . هذا يعني ان لديه حاجة، ويريد من ابي الفرج ان يلبيها. وهو يهجم على موضوعه دون توطئة فيذكر حاجته ويشرع في مديح ابي الفرج ويركز على جمال وجهه لأن الوجه عنوان الفال او مطلعه: «فاجتمع فيكم تمام القوام وبراعة الجمال، والبشر عند اللقاء، ولين الخطاب، والكنف للخلطاء، وقلة البذخ بالمرتبة الرفيعة، والزيادة في الانصاف عند النعمة الحادثة، فجعل الناس وعدكم من اكرم الوعد، وعقدكم من اوثق العقد، واطماعكم من اصح الانجاز..» .
وهذا التركيز على الوجه والفال والبشر عند اللقاء الخ يذكرنا بمعاني مديح ابن الرومي.
وعدا المديح نجد في الرسالة حملة على المديح الكاذب الخادع كما
(1/71)

في رسالة المودة والخلطة. وينجلي نبذه اياه في قوله: «معاذ الله ان تقول الا معروفا غير مجهول، وتصف الا صحيحا غير مدخول، او يكون ممن يتودد بالملق، ويتقحم على اهل الاقدار شرها الى مال، او حرصا على تقريب، وابعد الله الحرص واخزى الشره والطمع» .
ويذهب ابعد من ذلك فيحرض الممدوحين على عدم اجازة المديح الكاذب، واذا اثابوا الكذابين شاركوهم في كذبهم وسخفهم وتحملوا وزرهم.
وكانوا كمن يمدح نفسه.
ولم يكتف الجاحظ بمدح ابي الفرج، بل مدح والده ايضا الذي عرف «بالتبرع بالوعد وسرعة الانجاز، وتمام الضمان» .
واذا كان الولد يشبه الوالد في الصفات طبقا للمثل العربي: «ومن اشبه اباه فما ظلم» فهذا دليل على ان اخلاق الناس طباع يتوارثونها، وليست نتيجة التربية والتعليم. والجاحظ يعود في هذا الحكم الى اصول فلسفته الطبيعية التي لم يحد عنها في جميع مناحي فكره.
ولا ينسى الجاحظ في ختام الرسالة ان يذكر الممدوح بقاعدة التوازن التي شرحها في رسالة المودة والخلطة وهي تقول: يجب على الممدوح العطاء ويجب على المادح الشكر والثناء. «وانك والله، ايها الكريم المأمول، والمستعطف المسؤول، لا تزرع المحبة الا وتحصد الشكر، ولا تكثر المودات الا اذا اكثر الناس الاموال، ولا يشيع لك طيب الاحدوثة وجمال الحال في العشيرة الا لتجرع مرارة المكروه» .
(1/72)

19- مقدمة رسالة الى ابي الفرج بن نجاح الكاتب
إنها الرسالة الثانية التي بين ايدينا من رسائل الجاحظ في ابي الفرج بن نجاح الكاتب. وهي تشبه اختيها السابقة واللاحقة من حيث الموضوع والغاية وتختلف عنهما في الاسلوب.
الموضوع هو مديح ابي الفرج، والغاية هي طلب المال او المساعدة او عدم تأخير الأرزاق على حد تعبيره. اما الاسلوب فهو النثر في الرسالتين الأخريين، والنثر والشعر في الرسالة التي نحن بصددها.
ويتجاهل الجاحظ في صدر الرسالة صاحب القصيدة التي نظمت في أبي الفرج، ولكنه يعرف ان كنيته ابو عثمان. ثم يحصي اسماء الذين حملوا تلك الكنية، ويورد اسمه في جملتهم دون ان يعترف بانه صاحب القصيدة. بيد أننا نستطيع ان ندرك انه هو الذي نظم القصيدة اذا ما مضينا في قراءتها ووصلنا الى البيت التالي:
اعيذك بالرحمن من قول شامت ... ابو الفرج المأمول يزهد في عمرو
ان عمرا هذا هو ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ لأنه ورد اسمه في عداد الشعراء المحتملين الذين قرضوا الشعر.
(1/73)

وفي نهاية الرسالة يوضح الجاحظ ان الرائية من نظمه عندما يقول:
«وكيفما تصرفت بي الحال، فاني لم اخرج من جهد المجتهدين الراغبين المخلصين. فان وقعت هذه القصيدة والتي قدمنا قبلها بالموافقة فالحمد لله، وان خالفت فنستغفر الله، وان شيعتم ضعفها بقوة كرمكم، وقويتم اودها بفضل حلمكم، كان في ذلك بلاغ لما املنا. والله الموفق» .
ويمكن تقسيم القصيدة ثلاثة اقسام:
[أقسام القصيدة]
في القسم الاول
: يصف حالته النفسية ويميط اللثام عن بعض صفاته فهو راض بحظه في الحياة قاعد بدار الخفض لا يبرح مكانه. ولكن هذا الرضا مر كالصبر. ولو كان غبيا لقنع بالقليل الذي أصابه، ولم يجزع من الاحداث والخطوب التي تعصف به، ولما طمح الى المفاخر والمكارم.
وقد ساقته الفاقة الى سؤال قوم لم ينل منهم سوى الابتسامة، اما المال فقد ضنوا به عليه، وعندئذ قرر ان يلزم منزله وينصرف الى الدراسة والتفكير، واشبار عليه اصدقاؤه بالتوجه الى ابي الفرج الذي لا يخلف الوعد ولا يرد عافيا.
وفي القسم الثاني
يفصح عن غرضه من الرسالة وهو مطالبة ابي الفرج اجزاء ارزاق للجاحظ يبدو أنها تأخرت.
اترضى رفدتك اليوم نفسي واسرتي ... بتأخير ارزاقي وانت تلي امري
هذه الارزاق التي يذكرها هنا المح اليها في الرسالتين الأخريين:
استنجاز الوعد، والمودة والخلطة. ويبدو ان ابا الفرج وعده بتلبية طلبه بعد نظم هذه القصيدة، ولكنه تأخر في انجاز وعده، فكتب له الجاحظ الرسالتين الاخريين يحثه على انجاز ما وعد.
وفي القسم الثالث
يمدح الجاحظ ابا الفرج وينعته بفتى العسكر والكتاب
(1/74)

قائلا:
الا يا فتى الكتاب والعسكر الذي ... تأزر بالحسنى وايد بالنصر
تماما كما نعته في رسالة المودة والخلطة حيث قال: «وابو الفرج- اعزه الله- فتى العسكرين، واديب المصرين ... » .
ويمدحه ايضا بحسن التدبير والحنكة في معرفة مكائد المحتالين والحزم والعزم.
ويأمل في نهاية القصيدة ان لا يخيب ابو الفرج امله فيه، ويعده بالود والثناء والشكر الدائم.
ان شعر الجاحظ الذي فزنا في هذه القصيدة بنموذج عنه فريد يمتاز بتقليب المعاني واستقصائها كشعر ابن الرومي، كما يمتاز بسهولة اللفظ ووضوح الأفكار، ولكنه يفتقر كشعر ابن الرومي الى الجزالة وفخامة الديباجة.
(1/75)

20- مقدمة رسالة في المودة والخلطة
تنتمي هذه الرسالة الى فن المديح، والمادح هنا هو الجاحظ، والممدوح هو ابو الفرج محمد بن نجاح بن سلمة الكاتب، كان والده على ديوان التوقيع في خلافة المتوكل، وقتله الخليفة سنة 245 هـ وقبض على ابنه محمد. وقد وضع الجاحظ هذه الرسالة قبل نكبة ابي الفرج يسأله بعض الحاجات ويتزلف اليه ويتودد ويمدح.
ولكن الجاحظ يمهد للتودد والمديح بوضع اصول فن المديح اهمها وجوب الاخلاص فيه، والا غدا المديح ضربا من الحيل والخداع يستغل فيه الشعراء والادباء المداحون سلامة صدر الممدوحين او حسن ظنهم، او قلة فطنتهم، او خوفهم من الهجاء، أو شدة بذلهم وكرمهم. والجاحظ يرفض هذا المديح الخادع ويرذله.
ومن اصول المديح تجنب الالحاح والتضرع في السؤال مع التظاهر بالزهد واضمار الرغبة.
ومن اصول المديح التوازن بين واجبات المادح والممدوح وحقوقهما.
ان واجب الممدوح السخاء ومساعدة المحتاج والاحتفاء بالمادح. ومن حقه
(1/77)

شكر المادح إياه على عطائه وذكر مناقبه والثناء عليه واضمار المودة له.
ومن الناحية الفنية ينبغي ان يتوافر في المادح ادبان هما أدب الخلق وادب الرواية الى جانب رجاحة العقل الذي يسوسهما. ويبدو ذلك في أصول تجدر مراعاتها وهي الايجاز والابتعاد عن اللحن، ووضوح المعنى واللفظ، وعدم اللجوء الى الزخرفة البيانية، والقصد الى المعنى دون لف ودوران، ودون تصوير الباطل حقا والحق باطلا، وتجنب الفأفأة وسائر آفات اللسان.
بعد وضع هذه الاصول الجمالية للمدح ينتقل الجاحظ الى غرضه وهو طلب العطاء من ابي الفرج. وهذا العطاء انما يقتضيه من ممدوحه مقابل ما يمحضه من محبة واكبار، وبسبب المشاكلة في الأدب، ولأنه في فاقة وابا الفرج في غنى ومجد، وقد عبر عن ذلك بقوله «وانا اقول بعد هذا كله: لو لم أضمر لكم محبة قديمة ولم أضر بكم بشفيع من المشاكلة، ولا بسبب الأديب الى الأديب، ولم يكن على قبول، ولا على حلاوة عند المحصول، ولم اكن الا رجلا من عرض المعارف، ومن جمهور الاتباع، لكان في احسانكم الينا، وانعامكم علينا، دليل على أنا قد اخلصنا المحبة، واصطفينا لكم المودة» . ويردف قائلا: «ولا خير في سمين لا يحتمل هزال اخيه، وصحيح لا يجبر كسر صاحبه» .
وينهي ابو عثمان الرسالة بتعداد مزايا ابي الفرج على سنة المداحين، فلا يترك منقبة الا وينسبها اليه: الأريحية والنجابة والسيادة والقيادة والذكاء والمهابة والجمال وكرم المحتد والادب. لقد اجتمع له المجد من طرفيه «وهل المجد الا كرم الأرومه والحسب وبعد الهمة، وكثرة الأدب، والثبات على العهد اذا زلت الاقدام، وتوكيد العقد اذا انحلت معاقد الكرام، والا التواضع عند حدوث النعمة، واحتمال كل العثرة، والنفاذ في الكتابة، والاشراف على الصناعة» .
(1/78)

21- مقدمة التربيع والتدوير
رسالة وضعها الجاحظ يهزأ فيها من معاصره الكاتب أحمد بن عبد الوهاب. وهذا الهزء ينصب على النواحي الجسمية والخلقية والعقلية.
فهو يجلو لاحمد بن عبد الوهاب صورة كاريكاتورية تبعث على الضحك: «كان احمد بن عبد الوهاب مفرط القصر ويدعي انه مفرط الطول، وكان مربعا وتحسبه لسعة جفرته واستفاضة خاصرته مدورا. وكان جعد الاطراف قصير الاصابع وفي ذلك يدعي السباطة والرشاقة، وانه عتيق الوجه اخمص البطن معتدل القامة تام العظم. وكان طويل الظهر قصير عظم الفخذ، وهو مع قصر عظم ساقه يدعي انه طويل الباد رفيع العماد عادي القامة عظيم الهامة قد اعطي البسطة في الجسم والسعة في العلم، وكان كبير السن متقادم الميلاد، وهو يدعي انه معتدل الشباب حديث الميلاد» .
هذه الصورة الساخرة تلم بمختلف اعضاء جسم احمد بن عبد الوهاب، فهي تمثل وجهه واطرافه وبطنه وظهره وخاصرته وقامته واصابع يديه، وعمره.
ولكنها تعمد الى مواطن البشاعة فيه فتضخمها لتلفت اليها النظر، وتكرر ذكرها للتأكيد عليها؛ ولذا نرى الجاحظ يعود الى قصر جسم احمد بن عبد الوهاب
(1/79)

واستفاضة بطنه وخاصرته مرارا عديدة فيقول «فيا شعرا جمع الاعاريض ويا شخصا جمع الاستدارة والطول، بل ما يهمك من أقاويلهم ويتعاظمك من اختلافهم، والراسخون في العلم والناطقون بالفهم يعلمون ان استفاضة عرضك قد ادخلت الضيم على ارتفاع سمكك، وان ما ذهب منك عرضا قد استغرق ما ذهب منك طولا، ولئن اختلفوا في طولك فقد اتفقوا في عرضك» .
ثم إنه لا يكتفي بالوصف الساخر بل يضيف اليه التلوين الفكري الهازىء. ان احمد بن عبد الوهاب مربوع الجسم ولذا لا يمكن ان ينعت بالطول ولا بالقصر لان المربع متساوي الأضلاع اي ليس له طول وعرض وهو بالتالي في منأى عن الزراية لأنه لم يتجاوز الحد في طول او عرض، وكل ما لا يتجاوز الحد او القصد معتدل، وكل معتدل جميل: «وبعد، فأي قدّ أردى واي نظام أفسد من عرض مجاوز للقدر وطول مجاوز للقصد؟ ومتى لم يضرب العرض بسهمه على قدر حقه، ويأخذ الطول من نصيبه على مثل وزنه خرج الجسد من التقدير وجاوز التعديل، واذا خرج من التقدير تفاسد، واذا جاوز التعديل تباين..» . وهو يردف قائلا: «وقد سمعنا من يذم الطوال كما سمعنا من يزري على القصار، ولم نسمع احدا ذم المربوع ولا ازرى عليه ولا وقف عنده ولا شك فيه، ومن يذمه الامن ذم الاعتدال، ومن يزري عليه الامن ازرى على الاقتصاد» .
ولا يضير ابن عبد الوهاب صغر جسمه فصغار المخلوقات اقواها واقتلها واصلبها كالحصى من الحجارة والافعى من الحيات والفرقس من البعوض والبغاث من الطير.
ثم إن صغار المخلوقات اكثرها عددا كيأجوج ومأجوج، والذر والفراش والبعوض.
(1/80)

ثم ان الجسم القصير لا ينحني عند الشيخوخة ولا تعوج عظامه، ويسعه كل باب، ولا تخرج رجلاه من النعش.
ثم ان صغار النبات اجمله، كالفلفة والزنبقة الخ..
وعلاوة على ذلك فقد توصف الارض بالعرض دون الطول، ووصف الله الجنة بالعرض دون الطول وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
وقد وجدنا الافلاك مدورة لا مطولة وكذلك القمر والبحر والدينار والدرة. وكلها مضرب الجمال. فكيف لا يكون احمد بن عبد الوهاب جميلا كالقمر والدينار والزهرة والدرة والمهاة والعمامة؟.
ومن الناحية الخلقية يركز الجاحظ على خلتين في أحمد بن عبد الوهاب هما حب المراء، والادعاء بما ليس فيه. فهو كلف بالجدال يكثر من الاعتراض ويميل الى الخلاف ويؤثر المغالبة والمعاندة. ولو كان يعقل ذلك عن علم وبصيرة لهان الأمر، ولكنه لا يعرف الحجة ولا موضع الشبهة، ويعجز عن الرد والافهام. وبدل ان يعرف قدره ويقف عند حده، نراه يطاول محمد بن عبد الله الزيات وينافره ويراهنه في المحافل والمجامع، ويطمح الى مخاشنة الجاحظ نفسه ومظارفته، ويستهين بالنظام، والاصمعي، ويستخف بالاحنف بن قيس.
ومن الناحية العقلية، ينعت الجاحظ احمد بن عبد الوهاب بالجهل وضيق أفق التفكير، وبأنه لم يأخذ العلم عن اربابه بالسماع والمجالسة بل اقتنى الكتب وقرأها دون ان يفهم منها الكثير؛ وهذا ما يعنيه بقوله: «كان قليل السماع غمرا وصحيفا غفلا» . ومع ذلك كان يدعي الأدب ويعتمد بمواهبه ومعارفه حتى غدا لا يطاق، وهذا ما حدا الجاحظ كما يقول على تأليف هذه الرسالة؛ والهدف منها كشف قناعه وابداء صفحته للحاضر والغائب
(1/81)

وسكان كل ثغر وكل مصر بأن يسأله مائة مسألة يهزأ فيها ويعرف الناس مقدار جهله.
وقد تناولت هذه الاسئلة جميع الموضوعات من مختلف العلوم. ابتداء من الطوفان وانتهاء بالمعرفة عند الانسان. اسئلة تاريخية وطبيعية وحيوية وجغرافية ودينية ومذهبية وكيماوية وفلسفية ورياضية وموسيقية وفيزائية وبيولوجية.
ويؤكد الجاحظ في نهاية طرح هذه المسائل العويصة ان احمد بن عبد الوهاب لا يحسن الاجابة عليها؛ ويدله على مظانها وهي كتبه التي الفها وبحث فيها جميع الموضوعات واجاب على مختلف المسائل. ويطلب منه ان يقرأ تلك الكتب، ويتخلى عن مذهب التشيع ويستبدل به الاعتزال اي مذهب الجاحظ، ويختلف على بيت الجاحظ لأخذ العلم عليه.
ونستطيع أن نقول ان الجاحظ توخى من رسالة التربيع والتدوير ان تكون فهرسا للمسائل التي عالجها في كتبه، وشاهدا على سعة ثقافته وعمقها وشمولها، ودعوة سافرة لقراءة تلك الكتب التي لا غنى عنها لكل مثقف او طالب علم، وترويجا للاعتزال.
وقد لخص أبو عثمان مزايا رسالة التربيع والتدوير وفوائدها حيث يقول:
«هذا الكتاب مرض مع ما (فيه) من الاخلاط مع اشكال واضداد، ومن الجد والهزل، ومن الحظر والاطلاق، ومن الاستئناف والقطع، ومن التحفظ والتضييع، ومن التثبت والتهاون. اذا اريد به تقريع معجب او تكثيف مموه، او امتحان مشكل، او تخجيل وقاح، او قمع ممار، او ممازحة ظريف، او مساءلة عالم، او مدارسة حافظ، او تنبيها على الطريق، او تجديدا للذهن» .
(1/82)

ان كتاب التربيع والتدوير يجمع الجد والهزل، فهو يشحذ الذهن للتفكير في معظم المسائل العلمية والفلسفية التي انطوى عليها، وهو يثير الضحك بلهجته الساخرة وتصويره البارع لخلق احمد بن عبد الوهاب وخلقه.
وقد احتج الجاحظ لكتابه هذا بقوله انه ينفع لممازحة ظريف او مساءلة عالم او مدارسة حافظ او تجديدا للذهن. فهو يعتقد ان عقل الانسان احوج الى الشحذ من السيف، وان للعلم مطالب كثيرة واسبابا عديدة، وان اهم اسبابه الخواطر الشتى والمسائل التي تطرح على اختلافها. وهذا الكتاب يمثل حشدا للمسائل والخواطر التي تحض على العلم والتفكير.
واذا كانت رسالة التربيع والتدوير معرضا للمسائل الثقافية التي شغلت عقول الناس في عصره، فهي نموذج لادب الجاحظ تمثلت فيه خصائصه الفنية خير تمثيل. وفي طليعة تلك الخصائص الاستطراد الذي ينقله من موضوع الى آخر ثم يعود منه ثانية الى الموضوع الاول. فقد عاد مرارا الى الكلام على الجد والمزاح، وعلى الجن والسحر، وعلى الموضوعات التاريخية، وعلى بشاعة جسم احمد بن عبد الوهاب.
ومن تلك الخصائص مزج الجد بالهزل، وقد احتج لهذا الاسلوب بقوله ان لكل منهما فوائد، وقد اراد من المزج بينهما طرد السآمة عن نفس القراء.
وخصص لبحث هذا الموضوع قسما لا بأس به من الرسالة.
ومن تلك الخصائص السياق الجدلي الرائع، فهو يورد الفكرة ونقيضها، ويحتج لهذه كما يحتج لتلك. ويستقصي للشيء وضده، وكل ذلك انعكاس لغلبة علم الكلام عليه.
ومن تلك الخصائص العبارة المقطعة تقطيعا متوازنا، والتي تنطوي على ترادف لفظي ومعنوي، وهي ان دلت على شيء فعلى ثروة لغوية هائلة تمكنه من
(1/83)

التعبير عن المعنى الواحد بطرق مختلفة والفاظ متقاربة او متضادة. واننا لنشعر ونحن نقرأ الرسالة أن الالفاظ تنثال عليه انثيالا، والمعاني تزدحم ازدحاما، فيتلاعب بها ويداعبها ويشكلها كما يشاء وبمهارة ورشاقة عجيبتين.
(1/84)

[1- رسالة كتمان السر وحفظ اللسان]
(- 1- كتمان السر وحفظ اللسان)
(1/85)

[1- موضوع الكتاب]
أمّا بعد فإنّي قد تصفّحت أخلاقك، وتدبّرت أعراقك، وتأمّلت شيمك، ووزنتك فعرفت مقدارك، وقوّمتك فعلمت قيمتك، فوجدتك قد ناهزت الكمال، وأوفيت على التّمام، وتوقّلت في درج الفضائل، وكدت تكون منقطع القرين، وقاربت أن تلفى عديم النّظير، لا يطمع فضل أن يفوتك، ولا يأنف شريف أن يقصر دونك، ولا يخشع عالم أن يأخذ عنك.
ووجدتك في خلال ذلك على سبيل تضييع وإهمال لأمرين: هما القطب الذي عليه مقار الفضائل، فكنت أحقّ بالعدل، وأقمن بالتأنيب ممن لم يسبق شأوك، ولم يتسنّم رتبتك، لأنه ليس ملوما على تضييع القليل من قد أضاع الكثير، ولا يسام إصلاح يومه وتقويم ساعته من قد استحوذ الفساد على دهره، ولا يحاسب على الزّلّة الواحدة من لا يعدم منه الزلل والعثار، ولا ينكر المنكر على من ليس من أهل المعروف، لأنّ المنكر إذا كثر صار معروفا، وإذا صار المنكر معروفا صار المعروف منكرا.
وكيف يعجب ممن أمره كلّه عجب، وإنّما الإنكار والتعجّب ممن خرج
(1/87)

عن مجرى العادة، وفارق السّنّة والسجيّة، كما قال الأول: «تذكر» .
وقيل: «الكامل من عدّت سقطاته» ، وقيل: «من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان يومه خيرا من غده فهو مفتون، ومن كان غده خيرا من يومه فذلك السعيد المغبوط» . وفي هذا المعنى قال الشاعر:
رأيتك أمس خير بنى معدّ ... وأنت اليوم خير منك أمس
وأنت غدا تزيد الضعف خيرا ... كذلك تزيد سادة عبد شمس
وقال آخر في معن:
أنت امرؤ همّك المعالي ... ودلو معروفك الربيع
أنت امرؤ من وائل صميم ... كالقلب تحنى له الضلوع
في كلّ عام تزيد خيرا ... يشيعه عنك من يشيع
والامران اللذان نقمتهما عليك: وضع القول في غير موضعه، وإضاعة السّرّ بإذاعته.
[2- العقل واللسان]
وليس الخطر فيما أسومك وأحاول حملك عليه بسهل ولا يسير. وكيف وأنا لا أعرف في دهري- على كثير عدد أهله- رجلا واحدا ممن ينتحل الخاصّة، وينسب إلى العلية، ويطلب الرياسة ويخطب السّيادة، ويتحلّى بالأدب ويديم الثّخانة والزّماتة، والحلم والفخامة، أرضى ضبطه للسانه، وأحمد حياطته لسرّه. وذلك أنّه لا شيء أصعب من مكابدة الطبائع، ومغالبة الأهواء، فإن الدّولة لم تزل للهوى على الرأي طول الدهر. والهوى هو الدّاعية الى إذاعة السر، وإطلاق اللسان بفضل القول.
وإنّما سمّى العقل عقلا وحجرا، قال تعالى- هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي
(1/88)

حِجْرٍ
- لأنّه يزمّ اللسان ويخطمه، ويشكله ويربثه، ويقيّد الفضل ويعقله عن أن يمضى فرطا في سبيل الجهل والخطأ والمضرّة، كما يعقل البعير، ويحجر على اليتيم.
وإنّما اللسان ترجمان القلب، والقلب خزانة مستحفظة للخواطر والأسرار، وكلّ ما يعيه [من] ذلك عن الحواسّ من خير وشرّ، وما تولّده الشّهوات والأهواء، وتنتجه الحكمة والعلم.
ومن شأن الصدر- على أنه ليس وعاء للأجرام، وإنّما يعى بقدرة [من] الله لا يعرف العباد كيف هي- أن يضيق بما فيه، ويستثقل ما حمل منه، فيستريح الى نبذه، ويلذّ إلقاءه على اللسن. ثم لا يكاد أن يشفيه أن يخاطب به نفسه في خلواته حتى يفضي به الى غيره ممن لا يرعاه ولا يحوطه. كلّ ذلك ما دام الهوى مستوليا على اللّسان، واستعمل فضول النّظر فدعت الى فضول القول.
فإذا قهر الرأي الهوى فاستولى على اللسان، منعه من تلك العادة، وردّه عن تلك الدّربة، وجشّمه مؤونة الصّبر على ستر الحلم والحكمة.
ولا شيء أعجب من أنّ المنطق أحد مواهب الله العظام، ونعمه الجسام، وأن صاحبها مسؤول عنها، ومحاسب على ما خوّل منها، أوجب الله عليه استعمالها في ذكره وطاعته، والقيام بقسطه وحجّته، ووضعها مواضع النّفع في الدين والدنيا، والإنفاق منها بالمعروف لفظة لفظة، وصرفها عن أضدادها.
فلم يرض الإنسان أن عطّلها عمّا خلقت له مما ينفعه حتّى استعملها في ضدّ ذلك مما يضرّه، فاجتمع عليه الإثمان اللذان اجتمعا على صاحب المال الذي كنزه ومنعه من حقّه، فوجب عليه إثم المنع وإن كان لم يصرفه
(1/89)

في معصية، ثم صرفه في أبواب الباطل والفسق فوجب عليه إثم الإنفاق فيها. وهذه غاية الغبن والخسران. نعوذ بالله منهما.
فاللسان أداة مستعملة، لا حمد له ولا ذمّ عليه، وإنما الحمد للحلم واللّوم على الجهل. فالحلم هو الاسم الجامع لكلّ فضل، وهو سلطان العقل القامع للهوى. فليس قمع الغضب وتسكين قوة الشّرّة، وإسقاط طائر الخرق بأحقّ بهذا الاسم، ولا أولى بهذا الرسم، من قمع فرط الرضا وغلبة الشهوات، والمنع من سوء الفرح والبطر، ومن سوء الجزع والهلع، وسرعة الحمد والذم، وسوء الطّبع والجشع، وسوء مناهزة الفرصة، وفرط الحرص على الطّلبة، وشدّة الحنين والرقّة، وكثرة الشكوى والأسف، وقرب وقت الرضا من وقت السّخط، ووقت التسخط من وقت الرضا، ومن اتّفاق حركات اللسان والبدن على غير وزن معلوم ولا تقدير موصوف، وفي غير نفع ولا جدوى.
[3- حب الاخبار]
واعلم يقينا أن الصّمت سرمدا أبدا، أسهل مراما- على ما فيه من المشقّة- من إطلاق اللسان بالقول على جهة التحصيل والتمييز، والقصد للصّواب، لما قدّمنا ذكره من علة مجاذبة الطّباع، ولأنّ من طبع الإنسان محبة الإخبار والاستخبار. وبهذه الجبلّة التي جبل عليها الناس نقلت الأخبار عن الماضين الى الباقين، عن الغائب الى الشاهد، وأحبّ الناس أن ينقل عنهم، ونقشوا خواطرهم في الصّخور، واحتالوا لنشر كلامهم بصنوف الحيل. وبذلك ثبتت حجّة الله على من لم يشاهد مخارج الأنبياء، ولم يحضر آيات الرّسل، وقام مجيء الأخبار عن غير تشاعر ولا تواطؤ مقام العيان، وعرفت البلدان والأقطار والأمم والتجارات والتدبيرات والعلامات، وصار ما ينقله الناس بعضهم عن بعض ذريعة الى قبول الإخبار عن الرسل، وسلّما الى التصديق،
(1/90)

وعونا على الرضا بالتقليد.
ولولا حلاوة الإخبار والاستخبار عند الناس لما انتقلت الأخبار وحلّت هذا المحلّ. ولكن الله عزّ وجلّ حبّبها إليهم لهذا السبب، كما جعل عشق النّساء داعية للجماع، ولذّة الجماع سبيلا للنّسل، والرّقة على الولد عونا على التربية والحضانة- وبهما كان النشوّ والنماء- وحبّ الطعام والشراب سببا للغذاء، والغذاء سببا للبقاء وعمارة الدنيا.
فعسر على الإنسان الكتمان لإيثار هذه الشهوة، والانقياد لهذه الطبيعة، وكانت مزاولة الجبال الراسيات عن قواعدها أسهل من مجاذبة الطباع. فاعتراه الكرب لكتمان السرّ، وغشيه لذلك سقم وكمد يحسّ به في سويداء قلبه بمثل دبيب النمل، وحكّة الجرب، ومثل لسع الدّبر ووخز الأشافي، على قدر اختلاف مقادير الحلوم والرّزانة والخفّة. فإذا باح بسرّه فكأنه أنشط من عقال.
ولذلك قيل: «الصّدر إذا نفث برأ» مثلا مضروبا لهذه الحال. وقيل:
ولا بدّ من من شكوى إذا لم يكن صبر
وليس قولنا «طبع الإنسان على حبّ الإخبار والاستخبار» حجّة له على الله، لأنّه طبع على حب النّساء ومنع الزّنى، وحبّب إليه الطعام ومنع من الحرام. وكذلك حبّب إليه أن يخبر بالحقّ النافع ويستخبر عنه، وجعلت فيه استطاعة هذا وذاك، فاختار الهوى على الرأى.
وممّا يؤكّد هذا المعنى في كرب الكتمان وصعوبته على العقلاء فضلا عن غيرهم، ما رووه عن بعض فقهائهم أنه كان يحمل أخبارا مستورة لا يحتملها العوامّ، فضاق صدره بها، فكان يبرز الى العراء فيحتفر بها حفيرا يودعها دنّا، ثم ينكبّ على ذلك الدّنّ فيحدّثه بما سمع، فيروّح عن قلبه، ويرى أن قد نقل سرّه من وعاء الى وعاء.
(1/91)

وكان الأعمش سيّء الخلق غلقا، وكان أصحاب الحديث يضجرونه ويسومونه نشر ما يحبّ طيّه عنهم، وتكرار ما يحدّثهم به، ويتعنّتونه، فيحلف لا يحدّثهم الشهر والأكثر والأقلّ، فإذا فعل ذلك ضاق صدره بما فيه، وتطلّعت الأخبار إلى الخروج منه، فيقبل على شاة) كانت له فيحدّثها بالأخبار والفقه، حتى كان بعض أصحاب الحديث يقول: «ليت أنّى كنت شاة الأعمش» .
وشكا هشام بن عبد الملك ما يجد من فقد الأنيس المأمون على سرّه فقال: أكلت الحامض والحلو حتّى ما أجد لهما طعما، وأتيت النساء حتى ما أبالى أمرأة لقيت أم حائطا، فما بقيت لي لذّة إلّا وجود أخ أضع بيني وبينه مؤونة التحفّظ.
وقال معاوية لعمرو بن العاص: ما اللذة؟ قال: تأمر شباب قريش أن يخرجوا عنا. ففعل، فقال: اللّذّة طرح المروءة.
وقد صدق عمرو، ما تكون الزّماتة والوقار إلا بحمل على النفس شديد، ورياضة متعبة.
وقال بعض الشعراء:
ألم تر أنّ وشاة الرجال ... لا يتركون أديما صحيحا
فلا تفش سرّك إلّا إليك ... فإنّ لكلّ نصيح نصيحا
[4- مساوىء إفشاء السر]
والسرّ- أبقاك الله- إذا تجاوز صدر صاحبه وأفلت من لسانه إلى أذن واحدة فليس حينئذ بسرّ، بل ذاك أولى بالإذاعة، ومفتاح النّشر والهرة. وإنّما بينه وبين أن يشيع ويستطير أن يدفع الى أذن ثانية. وهو مع قلّة المأمونين عليه، وكرب الكتمان، حريّ بالانتقال إليها في طرفة عين.
(1/92)

وصدر صاحب الأذن الثانية أضيق، وهو إلى إفشائه اسرع، وبه أسخى وفي الحديث به أعذر، والحجّة عنه أدحض.
ثم هكذا منزلة الثالث من الثاني، والرابع من الثالث أبدا الى حيث انتهى.
هذا أيضا إذا استعهد المحدّث واستكتم، وكان عاقلا حليما، وناصحا وادا، فكيف إذا أخبر ولم يؤمر بالكتمان، وكان ممن يمشى بالنّمائم ويحبّ إفشاء المعايب، وكان ممن ينطوى على غشّ أو شحناء، أو كان له في إظهاره اجتلاب نفع أو دفع ضرر.
فاللّوم إذ ذاك على صاحب السرّ أوجب، وعمّن أفضى به إليه أنزل، لأنه كان مالكا لسرّه فأطلق عقاله، وفتح أقفاله، وسرّحه فأفلت من قيده ووثاقه، وصار هو العبد القنّ المملوك لمن ائتمنه على سرّه، وملّكه رقّ رقبته، فإن شاء أحسن ملكته لحفظ ذلك السّرّ فجزّ ناصيته، وجعله رهينة ليوم عتبه عليه. وقلّ من يحسن الملكة، ويحرس الحرّيّة أو يضبط نفسه، فإنه ربّما لم يخرجه غشّا فأخرجه سخفا وضعفا. وإن أساء الملكة وختر الأمانة فأطلق السرّ واسترعاه من هو أشدّ له إضاعة، فسفك الدم وأزال النعم وكشف المودة وفرّق بين الجميع، وإن كان المضيع لسرّه ألوم. قال الشاعر:
إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه ... فصدر الذي يستودع السرّ أضيق
فمن أسوأ حالا، وأخسر مكانا، وأبعد من الحزم، ممن كان حرّا مالكا لنفسه فصيّر نفسه عبدا مملوكا لغيره، مختارا للرّقّ، من غير أسر ولا قسر! والعبيد لم يصبروا على الرقّ إلا بذلّ الأسر والسّباء.
ومن كان سرّه مصونا في قلبه يطلب إليه في الحديث به فأخرجه عن يده، صار هو الطالب الراغب إلى من لا يوجب له طاعة، ولا يفكّر له في
(1/93)

عاقبة، ولا يتحرّز له من مصيبة. وكلّما كانت إذاعته لأسراره أكثر كان عدد مواليه أكثر، وشقاؤه بخدمتهم أدوم. فإذا كان أصل السرّ معلوما عند عدّة أو أقلّ من العدّة، فما أعسر استتاره. غير أنّه لا لوم على صاحب الخيانة فيه إذا كان ليس هو الذي أفشاه، ولا من قبله علم.
ولو أنّ أوزن الناس حلما ملك لسانه وحصّن سرّه وقلّل لفظه، ما قدر على أن يملك لحظ عينيه، وسحنة وجهه، وتغيّر لونه، وتبسّمه أو قطوبه، عند ما يجرى بلبّه من ذكر ذلك السرّ، أو يخطر بباله منه، فيبدو في وجهه ومخايله إذا عرّض بذكره، أو سنح له نظير أو مثيل، أو حضر من له فيه سبب- إلّا بعد التصنّع الشديد، والتحفّظ المفرط.
فإذا كان يعرف من هذه الجهات وما أشبهها، ويطّلع عليه بتظنّن المرجّمين، والمتعقّبين للأفعال والأقوال، والنظر في مصادر التدبير ومخايل الأمور، فيفشو من هذه الجهات أكثر مما تفشيه ألسن المذاييع البذر. فكيف إذا أطلق به اللسان، وعوّد إذا عته القلب. والعادة أملك بالأدب.
وربّما أدركه الحدس، وقيّضه الظنّ، فنالت صاحبه فيه خدعة، بأن يذكر له طرف منه، ويوهم أنه قد فشا وشاع، فيصدّق الظنّ فيجعله يقينا، ويفسّر الجملة فيصيّرها تفصيلا، فيهلك نفسه ويوبقها.
وربّ كلام قد ملأ بطون الطّوامير قد عرف جملته وما فيه الضّرر منه، بسحاءة أو طابع، أو لحظة مطّلع في الكتاب، أو حرف تبيّن من ظهره.
فاستيقظ عند هذه الأحوال، واستعمل سوء الظّنّ بجميع الأنام، فإنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الحزم سوء الظنّ» . وقيل لثقيف: بم بلغتم ما بلغتم من الشّرف والسؤدد؟ قالوا: بسوء الظنّ.
فلا تعتمد على رجل في سرّك تحمد عقله دون أن تحمد ودّه ونصحه،
(1/94)

فإن الأمر في ذلك كما قال الشاعر:
وما كلّ ذي لبّ بمؤتيك نصحه ... ولا كلّ مؤت نصحه بلبيب
ولقد استحسن الناس من بعض رجال العراق أنّه دخل على عبد الملك ابن مروان فأوقع بالحجّاج عنده وسبّه، فلمّا خرج من عنده خبّر بما كان منه لبعض أصحابه، فلامه وأنّبه وقال: ما يؤمنك أن يخبر أمير المؤمنين عبد الملك الحجاج بما قلت فيه- ومرجعك الى العراق- فيضغنه عليك؟ قال:
كلّا، والله إنّي ما رطلت بيدي قطّ أحدا أرزن منه.
وهذا والله- أبقاك الله- الغلط البيّن، والعذر الملفّق، وتحسين فارط الخطأ، لأنّه ليس كلّ راجح وعاقل بناصح لصاحب السرّ، ولو كان أخوه كذلك كان أمره إليه أهمّ، وشأنه أولى. والأعلى من الناس لا يكلّف الأدنى هذه المؤونة، وإنّما يفعلها الأدنون بالاعلين رغبة ورهبا، وتحسّسا عندهم بحاجتهم إليهم.
[5- من يذيع الاسرار]
وأكثر ما يذيع أسرار الناس أهلوهم وعبيدهم، وحاشيتهم وصبيانهم، و [من] لهم عليهم اليد والسلطان. فالسرّ الذي يودعه خليفة في عامل له يلحقه زينه وشينه، أحرى ألّا يكتمه. وهذا سبيل كل سرّ يستودعه الجلّة والعظماء، ومن لا تبلغه العقوبة ولا تلحقه اللائمة.
وقال سليمان بن داود في حكمته: ليكن أصدقاؤك كثيرا، وصاحب سرّك واحدا من ألف.
وليس معنى الحديث أن تعدّ ممن تعرف ألفا وتفضى إلى واحد بسرّك إن لم يكن ذلك الواحد موضعا للأمانة في السرّ. لكنه قيل: رجل يساوي ألف
(1/95)

رجل، ورجل لا يساوي رجلا. وكقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الناس كإبل مائة لا يوجد فيها راحلة» .
فكلّ ذلك يراد به أنّ الفضل قليل والنقص قليل لا على نسب ما يتلقّاه الاجتماع من هذه الأعداد، لأنّا قد نجد الرجل يوزن بالأمّة، ونجد الأمّة لا تساوى قلامه ظفر ذلك الرجل.
فإذا كان من تقع عليه الشّريطة معدوما- سيّما من يوثق بحلمه وعقله، وأمانته ونصحه، ومن لا ضرر عليه ولا نفع له في السّرّ الذي يضمر ولا يحرّم عليه كتمانه، ومن قد وأى على نفسه بالسّرّ والحفظ، فإنه ليس كلّ من ضمّن فلم يضمن ضامنا، ولا من استودع فلم يقبل مستحفظا، ولا من استخلف فلم يخلف خائنا، وإنما يلحقه الحمد والذمّ، والأجر والإثم إذا ضمّن الأمانة ثم خترها- فكأنّ القوم قالوا: لا تودعنّ سرّك أحدا. وإلّا فمتى تجد رجلا فيه الصفة التي وصف بها مسكين الدّارميّ نفسه حيث يقول:
إنّي امرؤ منّى الحياء الذي ترى ... أنوء بأخلاق قليل خداعها
أواخي رجالا لست أطلع بعضهم ... على سرّ بعض غير أنّي جماعها
يظلّون شتّى في البلاد وسرّهم ... إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها
وقيل لرجل: كيف كتمانك للسّرّ؟ قال: أجعل قلبي له قبرا أدفنه فيه إلى يوم النّشور.
وقال الآخر:
وأكتم السّرّ فيه ضربة العنق
وهذه صفات موجودة بالأقوال، معدومة بالأفعال. والمغرور من اغترّ بما يعده الواعد منها دون أن يبلو الخبر.
(1/96)

والذي جربناه ووجدناه: أنّ من يفضى إليه بالشيء، يبلغ من إذاعته ونشره ما لا يبلغه الرسول المستحفظ المعنىّ بتبليغ الرسالة، المحمود المجازى على أدائها، حتّى ربّما كان يبلغ في الإذاعة لمن أرادها أن يقصد للبلّاغة من الرجال، المعروف بالنّميمة والتقتيت، فيوهمه أنه قد استحفظه السرّ، فيشيع على لسانه كما يشيع الضوء في الظّلمة.
وهذا فعل عمر بن الخطّاب رضى الله عنه حين أحبّ أن يشيع إسلامه فقال: من أنمّ أهل مكة؟ قيل له: جميل بن النّحيت. فأتاه فأخبره بإسلامه وسأله ان يكتمه عليه، فلم يمس وبمكّة أحد لم يعلم بإسلام عمر، رضي الله عنه.
ثم يكون من أكثر الأعوان على إظهار السرّ الاستعهاد له، والتّحذير من نشره، فإنّ النّهى أغرى، لأنّه تكليف مشقّة، والصبر على التكليف شديد، وهو حظر، والنفس طيّارة متقلّبة، تعشق الإباحة وتغرم بالإطلاق.
ولعلّ رجلا لو قيل له: لا تمسح بهذا الجدار- وهو لم يمسحها به قطّ- غري بأن يفعل.
وكذلك ما حدّث به من السرّ فلم يؤمر بستره، لعلّه ألّا يخطر بباله، لأنّه موجود في طبائع الناس الولوع بكلّ ممنوع، والضّجر بكل محصول.
[6- كل ممنوع مرغوب]
فنريد أن نعلم: لم صار الإنسان على ما منع- وإن كان لا ينفعه- أحرص منه على ما أبيح من غير علّة ولا سبب إلّا امتهان ما كثر عليه، واستطراف ما قلّ عنده؟ ولم أقبل على من ولّى عنه وولّى عمّن أقبل عليه؟ ولم قالوا: إذا جدّت المسألة جدّ المنع؟ وقال الشاعر:
الحرّ يلحى والعصا للعبد ... وليس للملحف مثل الرّدّ
(1/97)

ولم صار يتمنّى الشّيء وينذر فيه النّذور، ويتقطّع إليه شوقا، فإذا ظفر به صدّ عنه وأخلق عنده؟ ولم زهد الملوك فيما في أيديهم ورغبوا فيما في أيدي الناس؟
فنقول: إن الله تبارك وتعالى جعل لكلّ نفس مبلغا من الوسع لا يمكنها تجاوزه، ولا تتّسع لأكثر منه. فكان معها فيما دون الوسع الفقر وخوف الإخوان، وفيما تجاوزه عزّ الغنى وأمن العدم. وبهذا وبمثله من البخل والحرص استخفّت من احتاج إليها، وأعظمت من استغنى عنها. وجعلها توّاقة مشتاقة، متطرّفة ملّالة، كثيرة النزاع والتقلب، تستحكم عليها الفتنة، ويبلى خيرها [من شرّها] وصبرها من جزعها. ولولا هذه الخلال سقطت المحن، فهي تعظّم القليل بالضّرورة إليه إن كان من أقواتها، أو لشدّة النّزاع والشوق إن كان من طرف شهواتها، فإنّ صنوف الشهوات كثيرة، ولكلّ صنف منها أهل لا يحفلون بما سواه. وتتعجّب من الغريب النادر، ويضحكها البديع الطارىء. إلا أنّه إذا كثر الغريب صار قريبا، وإذا تجاوز المطلوب مقدار وسعها وحاجتها فصار ظهريّا وفضلا استخفّت به وقلّ في أعينها كثيره. وأعظم الأشياء عندها قدرا ما اشتدّ إليه الفقر والحاجة وإن قلّ قدره، وأهونها عليها ما استغني عنه وإن عظم خطره. وجعل لما تتوق إليه واشتاقه مكانا من قواها، له. فإذا امتلأ ذلك المكان سرورا، وقضى ذلك الأرب وطرا مما كا طمح إليه، وروي مما كان ظامئا إليه، انصرف عنه وقلاه، وحال عشقه بغضا، وشوقه ملالا.
والعلّة في ذلك: أنّ الدّنيا دار زوال وملال، ليس في كيانها أن تثبت هي ولا شيء مما فيها على حال واحدة، وإنّما الثّبوت الدائم لدار القرار.
فالسآمة تلحقها في محبوبها، كما يصيب المنتهى من الطعام والشراب والباه، فإنه ليس شيء أبغض إلى من يتناهى فيه إلى غايته، من النّظر إلى ناحيته،
(1/98)

فضلا عن ملابسته، إلى وقت عودة السبب الأوّل.
فإذا كانت الطبائع تتشابه، ولكل حاسّة قوة، فإذا امتلأت تلك القوّة من محسوسها لم تجد لها وراءه طعما ولا ريحا، وعاد عليها الضّرر. فبعض النظر يعمى، والصّوت الشديد يصمّ، والرائحة المنتنة تبطل المشمّ، والأطعمة الحارّة المحرقة تبطل حاسّة اللسان.
وتتطرّف كلّ واحدة منها، فبين الطيّب عند من بعد عهده [به] ؛، والجماع والسّماع، وبين من هو مغموس فيه بون بعيد جدا، في الحلاوة وحسن الموقع. كلّ ذلك ما لم يأت المال والعلم، فإنّه كلّما كثر كان أشهى وأعجب، لأنّ قصد النّاس له ليس لطلب مقدار الحاجة وسدّ الخلّة كما يريده أهل القناعة والزّهادة، وإنّما يراد لقمع الحرص، والحرص لا حدّ له ولا نهاية، لأنه سعى لا لحاجة، وإيضاع لا لبغية.
وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أنّ لا بن آدم واديين من ذهب لا بتغى إليهما ثالثا. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» .
وقال بعض الحكماء:
من كان لا يغنى بما يغنيه ... فكلّ ما في الأرض لا يغنيه
قال الله عزّ وجلّ: وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا
.. وقال: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
. وقال الشاعر:
والناس إن شبعت بطونهم ... فعيونهم في ذاك لا تشبع
فأمّا الحديث الذي جاء: «لا يشبع أربع من أربعة: أرض من مطر، وعين من نظر، وأنثى من ذكر، وعالم من علم» .. فإنّ العين لا تشبع في الجملة كما لا يشبع الخيشوم من الاستنشاق. فأمّا من صنف مما يراه دون
(1/99)

صنف، فإنه يشبع ويروى، ويصدّ ويصدف الى غيره.
وأمّا العلم فإنّه أوسع من أن يحاط به، فمن طلبه لشرفه وفخره فإنه لا حدّ له ولا نهاية، ولم يزدد له طلبا إلّا ازداد فيه رغبة. ومن طلب منه مقدار كفايته وحاجته كفاه منه اليسير. على أنه لا يملك من كثر علمه أن يرى فيه الغنى والكبرياء أيضا. وقد يملّ كما يملّ كلّ شيء. وتملّ العين أيضا منه ومن المال.
وقيل: اثنان منهومان: طالب علم وطالب دنيا. وهذه القضيّة تدلّ على الخروج عن العقل، لأن النّهم تجاوز القدر.
وأمّا الحرص على الممنوع الذي لا ينتفع به، والعجب مما يتعجّب من مثله، فليس من أخلاق العقلاء. وما لم يكن في أخلاقهم فلا نظر فيه ولا قياس عليه، وإنما ذلك فعل من استوحش من الحجّة، وشرد عن علم العلل والأسباب.
[7- اكثر الأمور عرضة لافشاء السر]
وإفشاء السرّ إنما يوكّل بالخبر الرائع، والخطب الجليل، والدفين المغمور، والأشنع الأبلق، مثل سرّ الأديان لغلبة الهوى عليها، وتضاغن أهلها بالاختلاف والتضادّ، والولاية والعداوة. ومثل سرّ الملوك في كيد أعدائهم ومكنون شهواتهم ومستور تدبيراتهم، ثم من يليهم من العظماء والجلّة، لنفاسة الملوك على العوامّ، وأنّهم سماء مظلّة عليهم، أعينهم إليها سامية، وقلوبهم بها معلّقة، ورغباتهم ورهباتهم إليها مصروفة. ثم عداوات الإخوان، فإنّما صارت العداوة بعد المودّة أشدّ لاطّلاع الصديق على سرّ صديقه، وإحصائه معايبه، وربّما كان في حال الصّداقة يجمع عليه السّقطات ويحصى العيوب، ويحتفظ بالرّقاع، إرصادا ليوم النّبوة، وإعدادا لحال
(1/100)

الصّريمة.
وقد شكا بعض الملوك تنقيب العوامّ عن أسرار الملوك فقال:
ما يريد الناس منّا ... ما ينام الناس عنّا
لو سكنّا باطن الأر ... ض لكانوا حيث كنّا
إنما همّهم أن ... ينشروا ما قد دفّنا
ولم نرى حبّ الطعن على الملوك، والتجسّس على أخبارهم، وعشق نشر المعايب، واستحلال الغيبة، ظاهرا في طباع الناس لا يكاد ينجو منه أحد منهم إلّا من رجح حلمه وعظمت مروءته، وظهر سؤدده، واشتدّ ورعه، حتى قال بعضهم: «الغيبة فاكهة النّسّاك» .
ورووا عن بعضهم أنه قال: «الفاسق لا غيبة له» .
وقال آخر: «أترعون من ذكر الفاسق؟ اذكروه يعرفه الناس» .
[8- الغيبة]
ولم نر الله جلّ ثناؤه رخّص في اغتياب مؤمن، بل ضرب المثل في الغيبة بأكره ما تكرهه النّفوس، وما تختار منه الموت على الحياة، فقال:
وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ.
واغتياب الناس جميعا خطة جور في الحكم، وسقوط في الّهمة، وسخافة في الرأي، ودناءة في القيمة، وكلفة عريضة، وحسد ونفاسة قد استحوذت على هذا العالم وغلبت على طبائعهم، وتوكّدت لسوء العادة عندهم، ولعلوّ الشرّ على الخير، وكثرة الدّغل والنّغل والحسد في القلوب. فلست ترى منها ناجيا. إمّا ناظر بعين عدل وإنصاف، فهو يرى ما ينكر فيبدو في وجهه
(1/101)

ولسانه. وإما ناظر بعين البغضاء والعداوة فهو كثيرا ما يجد من العيوب في عدوّه ما يعينه على التخرّص عليه فيقوّيها ويزيد فيها. وإن عدم الحقّ تقول وقبّح الحسن، وزاد في قبح القبيح.
والحديث كلّه- إلّا ما لا بال به- ذكر النّاس، ولغو وخطل، وهجر وهذاء، وغيبة وهمز ولمز.
وقال بعض الحكماء لابنه: يا بنيّ، إنّما الإنسان حديث، فإن استطعت ان تكون حديثا حسنا فافعل.
وكلّ سرّ في الأرض إنّما هو خبر عن إنسان، أو طيّ عن إنسان، فله في الغيبة أكثر الحظّ، وجلّها كلفة لا ضرورة، يرى صاحبها أنه قد أهمل محاسبة نفسه، وغفر ذنوبها وألغى عيوبها، وقصد قصد غيره، فتشاغل عمّا يعينه بما لا يعنيه، فأنكر أقواله وأفعاله، وهجر تدبيره، وتعجّب من مقابحه، وجهد نفسه في تفقّد أموره. ليس ذلك عن عناية بصلاحه، ولا محبّة لتقويمه وتهذيبه، ولا أنّه مسيطر عليه ولا محمود عنده على ما عني به من شأنه، بل هو عنده عين المذموم.
وهذا جلّ حديث البشر وشغلهم في الليل والنهار.
قال بعض الحكماء: فضول النظر تدعو الى فضل القول، وفضول الخواطر تبعث على اللهو والخطل.
[9- العدل]
ولو كان الرجل لا يتكلّم إلّا بما يعنيه،؛ ولا يتكلّف ما قد كفيه، قلّ كلامه. ولو حكّم العدل في أموره، وفيما بينه وبين خالقه، وبينه وبين إخوانه ومعامليه، لطاب عيشه وخفّت مؤونته والمؤونة عليه، فإنّ الله تبارك وتعالى لم
(1/102)

يخلق مذاقا أحلى من العدل، ولا أروح على القلوب من الإنصاف، ولا أمرّ من الظّلم، ولا أبشع من الجور.
وقال بعض المتقدّمين: «إنما يعرف الظّلم من حكم به عليه» . ومن استعمل العدل دلّه على أنّ النّاس يجدون من طعمه وطعم الظلم إذا فعله بهم مثل الذي يجد إذا ظلم، فكره لهم ما كره لنفسه، فأنصف ولم يظلم.
ويتظالم الناس فيما بينهم بالشّره والحرص المركّب في أخلاقهم، فلذلك احتاجوا الى الحكّام- وقد أطلق لهم تصريف أخلاقهم وأماناتهم- التي ردّت إليهم بالأحكام فيها، ما جنايته عليهم أكثر مما يطالبهم به الخصوم.
وقال بعض الحكماء: إنّ من أصعب الأعمال إنصافك في نفسك، ومواساتك أخاك في مالك، وذكر الله. أما إنّي لا أعنى قول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر- وإنّ ذلك لمن ذكر الله- ولكن ذكره عنده ما يعرض من الأمور، فإن كان طاعة لله فعلته، وإن كان معصية لله اجتنبته.
وروى عن بعضهم أنه قال: «ثلاثة في ظلّ عرش الله يوم لا ظلّ إلّا ظلّه: رجل لم يعب أخاه بعيب فيه مثله حتّى يصلح ذلك العيب من نفسه، فإنّه لا يصلحه حتى يهجم على آخر، فتشغله عيوبه عن عيوب الناس. ورجل لم يقدّم يدا ولا رجلا حتى يعلم: أفى طاعة الله هو أم في معصيته؟ ورجل لم يلتمس من الناس إلّا مثل ما يعطيهم من نفسه. أما تحبون أن تنصفوا» .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رحم الله عبدا أنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله، وشغله عيبه عن عيوب الناس» .
وقال عيسى بن مريم: «يا بني إسرائيل أيرى أحدكم القذاة في عين أخيه ويغبى عن الجذع المعترض في عينه» .
(1/103)

[10- الفضول]
وقيل لعيسى بن مريم: ما أفضل أعمالك؟ قال: تركى ما لا يعنيني.
وقال عمرو بن عبيد: أعيتنى ثلاث خلال: تركى ما لا يعنيني، ودرهم من حلّه، وأخ احتجت الى ما في يديه بذله لي.
وما أحقّ من أحصيت ألفاظه وليس من قول يبدر منه إلّا لديه رقيب عتيد، ومن أحصيت عليه مثاقيل الذّرّ واستشهد عليه جلده وجوارحه- أن يضبط لسانه.
وقد جاء في بعض الآثار: من عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلّا فيما لا يعنيه.
وكلّ امرء فحسيب نفسه، غير مأخوذ بغيره، وهو الوحيد دون الأهل والولد والقرابة. وقال الله جلّ ثناؤه- وقوله الحقّ- كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ
. وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ.
وليس الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر إلّا مع السّيف والسّوط.
وقال بعض الحكماء: شيئان لا صلاح لأحدهما الّا بالآخر: اللسان والسّيف.
وأنت إذا تأمّلت أكثر ما يتناجى به المتحدّثون وجدت أكثر السائلين يسأل عما لا يعنيه، ويكترث لما لا يكرثه، ويعنى بما لا ينفعه ولا يضرّه، وأكثر المجيبين يجيب ولم يسأل، ويتكلّف ما لا يعلم، ولو قال له قائل: من سألك لافتضح، ولو حاجّه فيما ادّعى ووقفه لا نقطع. قال الله عز وجلّ: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ.
(1/104)

ومرّ هشام بن عبد الملك ببعض أهل الكلفة والفضول، وعليه حلّة ذيّالة يسحبها في التّراب، فقال له المتكلف: يا هذا، إنّك قد أفسدت ثوبك.
قال: وما يضرّك من ذلك؟ قال: ليتك ألقيته في النار. قال: وما ينفعك من ذلك؟ فأفحمه غاية الإفحام.
ولو تهيّأ للمتكلّفين في كل وقت مثل صرامة هشام لازدجر من به حياء منهم، ولقلّت الفضول والكلف والغيبة.
[11- عودة الى الغيبة]
قالوا: وليس من أحد أذلّ من مغتاب، لأنّه يخفى شخصه، ويطامن حسّه، ويغّض من صوته، ولا يزيد بما يناله من ذلك إلّا بأن يرفع من قدر خصمه ويعظّم من شأنه.
قال معاوية: أتدري من النبيل؟ هو الذي إذا رأيته هبته، وإذا غاب عنك اغتبته.
وهي لعمري سبيل العظماء عند العوامّ، والملوك عند الرعيّة، والسّادة عند العبيد.
فلم يأخذ المغتاب ممن اغتابه شيئا بعضيهته إيّاه إلّا والذي أعطى من الهيبة عند حضوره أكثر منه.
ولو كان المغتاب لا يستتر من الغيبة إلا ممّن يخاف سطوته، كان أعذر. ولكن اللّؤم المتمكّن منه يحمله على اغتياب عبده وأمته، فضلا عن كفئه ونظيره.
ويغتاب الرجل عند عدوّه والمشاحن له، مساعدة له بالسّخف، وتقرّبا إليه بالمهانة والضّعف، من غير أن يكون له عليه طول، أو يلتمس منه على ما
(1/105)

تقرّب به إليه جزاء أو شكورا.
ثم لعلّه ينكفىء الى الذي اغتابه وقصبه من ساعته ويومه، فيعطيه في عدوّه الذي اغتابه عنده أيضا مثل ذلك وأكثر منه، لا لعلّه أيضا ولا مرفق ولا ربح أكثر من الذّلّة التي يجدها في نفسه، والضّعف في منّته، كما يعظّم الغنيّ بغير ثمن، ويحتقر الفقير بغير سبب، فمتى كوشف أو عوتب لبسته ذلة أخرى من الكظّة بالمعاذر الكاذبة، والاعتصام بالأيمان الفاجرة. ومن كانت هذه دربته فهو حريّ أن يطّلع على دخلة أمره، فلا يقبل منه عذر، ولا يصدّق في قول ولا حلف، وقد تسربل الذّلّة، وتدرّع الخضوع.
وليس من سوس النفس الكريمة الشّهمة، أن تلقى الناس بخلاف ما يتخلّقون به ما لم تأت ضرورة يحتاج فيها الى كيد وغيلة، او مكر وحيلة، ويثار بالغيبة فيها الرأي الأصيل من مكانه، فيفعل ذلك العاقل فيما يحلّ له ويحسن به، بعد أن تعييه الحيلة في استصلاح ذلك العدوّ بالرفق والملاينة.
وإنما قيل: «قلّ من اعتذر إلّا كذب» ، لكثرة النّطف في الناس وضعف أنفسهم على الإقرار بالذّنب، فلا ذلّة الضّعف الثاني في الاعتذار نهت عن كلفة الضّعف الأوّل في الاغتياب، ولا كلفة الضّعف الأوّل صانت عن ذلّة الضّعف الثاني.
وعلى أنّ أكثر من يعتذر إليه بقابل للعذر على حقيقة وإن أظهر القبول، لما جرّب من سخاء النّاس بالأيمان، وبعدهما من الإقرار بالذنب ما لم تأت حجة واضحة، ودليل شاهد عدل.
وإذا كانت هذه سبيل المعتذر إليه فيحقّ على المعتذر- إن كانت في نفسه قيمة- أن لا يعتذر إلّا من يحبّ أن يجد له عذرا، ولا يعجل الى المين وهو لا يجد للحجّة مكانا.
(1/106)

وأكثر من يعتذر اليه إنما يفعل ذلك به خوفا من سقطته، وإبقاء لسلطانه.
والمتفقّهون يتأوّلون في الأيمان السّلطانية ما يلحق بها عند السّلطان الهّمة، ويلزمهم الظّنّة، سيّما في الأمور التي في الإقرار بها إباحة الدّم والمال، وهتك السّتر.
ولا حسم لهذا الداء إلّا باطّراح الفضول، وسلامة اللسان من أن يلغ في الأعراض، ويستسرّ بالعضيهة والبهت.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» . ومن لم يسلم الناس منه فليس سالما من نفسه.
[12- حفظ اللسان]
وقال القائل: احرس أخاك إلّا من نفسه.
وقالوا: مقتل المرء بين فكيّه.
وكتب على بعض أبواب المدن بالسّند: احفظ رأسك.
وقال الاوّل: قد تصل النّصال إلى الإخوان فتستخرج، وأمثال النّصال من القول إذا وصلت الى القلب لم تستخرج أبدا.
وقال بهرام، وسمع في اللّيل صوت طائر فتحدّاه بسهم وهو لا يراه، إلّا أنّه تتّبع الصّوت فصرعه، فلما صار بين يديه قال: والطّير أيضا لو سكت كان خيرا له! وقيل: ما شيء أحقّ بطول سجن من لسان.
وقيل: يسأل اللسان الأعضاء في كلّ يوم فيقول: كيف أنتنّ؟ فيقلن:
بخير إن تركتنا!
(1/107)

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: «وهل يكبّ الناس على مناخرهم في النّار إلّا حصائد ألسنتهم» .
وقال عيسى عليه السلام: «أعمال البّر ثلاثة: المنطق، والنظر، والصّمت. فمن كان منطقه في غير ذكر الله فقد لغا، ومن كان نظره في غير اعتبار فقد سها، ومن كان صمته في غير تفكّر فقد لها» .
فانظر بأيّ الأمرين قطعت عمرك؟ أبا لحكمة أم باللّغو؟ وانظر كيف وصف الله تعالى من أثنى عليه بخير من عباده فقال: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ
، وقال: وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ
، وقال: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
. وصان عنه أسماع أهل الجنّة وألسنتهم فقال:
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً. إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العبادة عشرة أجزاء، تسعة منها في الصّمت» .
وقال علي بن أبي طالب: «أفضل العبادة الصبر وانتظار الفرج» .
وقال بعض الحكماء: لو لم يكن للصّامت في صمته إلّا الكفاية لأن يتكلّم بكلام ويحكى عنه محرّفا فيضطرّ الى ان يقول: ليس هكذا قلت، إنّما قلت كذا وكذا. فيكون إنكاره إقرارا، واعترافه بما حكى عنه شاهدا لمن وشى به، وادّعاء لتحريف غير مقبول منه إلّا أن يأتي ببيّنة له- لكان ذلك من أكثر فضائل الصّمت.
وربّما ذكر رجل الله تبارك وتعالى، فكان ذلك الذّكر إثما له، لأنه قد يدخله في باب تفخيم الذنب الحقير والإغراء والتّحريض، فيسفك الدم الحرام، أو يعظّم الجرح الصغير. بل ربّما ضحك وتبسّم، فأغرى وحرّض، وأثم وأوبق. قال بعض الشعراء:
(1/108)

فإن شئت أدلى فيكما غير واحد ... مجاهرة أو قال عندي في سرّ
فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما ... ضحكت له حتى يلجّ ويستشري
وقالت العرب: «من كفي شرّ لقلقه وذبذبه وقبقبه فقد كفي الشرّ» .
وهذا باب لولا أن نشغل القارىء لهذا الكتاب بغير ما قصدنا إليه وعزمنا عليه لأتينا عليه. وهو كثير موجود لمن طلبه، وجملة واحدة فيها كفاية، فإنّما تختلف الألفاظ التي تجعل كسوة لتلك المعاني. وإلّا فإنّك إذا نظرت الى جميع شرور الدّنيا وجدت أوّلها كلمة عارت فجنت حربا عوانا، كحرب بكر وتغلب ابنى وائل، وعبس وذبيان ابنى بغيض، والأوس والخزرج ابنى قيلة، والفجار الأول والثاني، وعامّة حروب العرب والعجم.
وإذا تأمّلت أخبار الماضين لم تحص عدد من قتله لسانه وكان هلاكه في كلمة بدرت منه.
وليس العجب ممن أفضى بسرّه الى من ليس له بموضع، ممّن تقدّمت معرفته وزالت الشّكوك عنه في أمره، ولكنّ العجب عين العجب ممن استنام بسرّه الى من لم تقدم معرفته ومن أنس إليه عن اللّقاءة واللّقاءتين، دون معرفة العين والاسم، والسّبب والنّسب، فانخدع في أوّل وهلة وغبن عقله قبل أن يغبن دينه وماله، وتضاعفت عليه البليّة بطول الحسرة، فإنّ البلاء عارض ومكتسب، فكان العارض السّماويّ وما خوّلته الأقدار سرّا بعد اجتهاد صاحبه رأيه، وحيلته فى طلب الخير. وصواب تدبيره فيه أسهل وأيسر على العاقل المعتاد للصواب، وإن كان كل مكروه مرّا بشعا. وإنّما الكرب اللازم والداء العياء ما اجتمع على صاحبه مع الفجيعة والحاجة، والنّقص والذّلّة، غمّ النّدامة والأسف على ما فرط منه، إذ كان الجاني على نفسه بيده.
ولهذا الكلام نظر نكره التطويل به، والمعنى واحد، وإنّما نحتاج من
(1/109)

هذا ومثله- ممّا قدّمت ذكره في الكتاب- إلى حفظ السرّ ووزن القول. وإلى هذا أجرينا، وله قصدنا.
ولو اقتصرنا في هذا الكتاب على حرف مما فيه، لكان بإذن الله كافيا لمن له لبّ وعقل، لكنّ الاحتجاج أوكد، والإيضاح أبلغ، والحظّ في هذا القول كلّه لمن عقله والآخذ به، أوفر [منه] لمن قاله ولم يعمل بقوله، لأنه إنما يجتنى ثمرة الصواب، ويختلف برفقه من صدّق قوله بفعله، فإنّ الحكمة قول وعمل، وإنّما حظّ القائل ما لم يستعمل علمه وقوله حظّ الواصفين، وحسن الصّفة يزول بزوالها، وينقطع بانقطاعها، ومدّتها- الى ان يملها القائل والسامع- يسيرة.
والأفعال المحمودة متّصلة النفع والشّرف والفضيلة في الحياة وبعد الوفاة، ومذخور للاعقاب، وحديث جميل، ونشر باق على مرّ الجديدين.
وأكثر من ذلك كلّه توفيق الله وتسديده، فإنّ القلوب في يده، والخيرات مقسومات من عنده. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
تم كتاب كتمان السر من كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، بعون الله وتأييده، ومشيئته وتوفيقه. والله الموفّق للصّواب برحمته.
والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله الطيبين الطاهرين وسلامه.
(1/110)

1- هامش كتاب كتمان السر وحفظ اللسان
(1) «ووجدتك في خلال ذلك على سبيل تضييع واهمال لامرين» الامران هما كتمان السر وحفظ اللسان.
- التعجب والاعجوبة هو ما خرج عن العادة والطبع او السجية.
(2) «لا شيء اصعب من مكابدة الطبائع ومغالبة الاهواء» يعني ان طبع الانسان هو افشاء السر. وهو يؤيد مذهبه الطبيعي في الاخلاق: الاخلاق بنظر الجاحظ وليدة الطبع لا التربية.
- «وانما سمي العقل عقلا وحجرا ... » لاحظ كيف يفهم العقل هنا بالمعنى الخلقي لا المعرفي.
- «القلب خزانة مستحفظة للخواطر والاسرار» يعني ان الجاحظ اعتقد مثل الفلاسفة المشائين ان العقل مركزه القلب.
(3) «لأن من طبع الانسان محبة الاخبار والاستخبار» كل شيء يرجعه الجاحظ الى الطبيعة. وقد وردت عنده هذه الفكرة في اكثر من مكان من كتبه. راجع حجج النبوة، والمعرفة وشروط الخبر الصحيح.
(4) الفرق بين السر والعلن هو مجاوزة السر صدر صاحبه الى اذن واحدة. واللوم يقع على صاحب السر اكثر مما يقع على من نقله.
(5) الناس المولعون بالاسرار الاولاد والنساء وعمال السلطان والنمامون والمغتابون.
«رجل يساوي الف رجل، ورجل لا يساوي رجلا» معناها ان الفضل قليل.
(1/111)

(6) «كل ممنوع مرغوب» يفسره الجاحظ تفسيرا طبيعيا بالشهوات التي فطر عليها الانسان، كلما منعت من حاجتها ازدادت رغبتها فيه. كالشهوة الى الطعام والشراب والجماع الخ.
«الطبائع تتشابه، ولكل حاسة قوة، فاذا امتلأت تلك القوة من محسوسها لم تجد لها وراءه طمعا ولا ريحا وعليها بالضرر» . المنع يضرم نار الشهوة، والافراط في اشباع الشهوة يورث التخمة والضرر.
(7) قوله «مثل سر الاديان لغلبة الهوى عليها وتضاغن اهلها والاختلاف والتضاد، والولاية والعداوة» . يدل على سيطرة الهوى والعاطفة على اصحاب الاديان، وعلى العداوة بينهم، وفي الماضي والحاضر.
(8) يستعين الجاحظ في تدعيم آرائه بالقرآن والاحاديث النبوية والحكم والشعر. ولعل أجمل ما جاء في الغيبة الآية الكريمة وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ
(الحجرات، 12) .
(9) العدل ضد الظلم. اسباب الظلم هي الأنانية والحرص المركب في أخلاق الناس. وربما ساق الجاحظ الى الكلام على العدل اعتباره الغيبة ظلما بحق الآخرين الذين نغتابهم.
(10) الفضول هو السؤال عما لا يعنينا والاهتمام بما لا ينفعنا ولا يضرنا» .
(11) العودة الى الحديث عن الغيبة مثال على استطراد الجاحظ وتركه الموضوع الذي يتكلم فيه الى موضوع آخر ثم العودة الى الموضوع الاول.
- تأويل الفقهاء للأيمان السلطانية. إذ يجيزون الكذب فيها مخافة سفك الدم.
(12) حفظ اللسان يعني قلة الكلام أو الصمت. وقد بحث الجاحظ هذا الموضوع في اماكن عديدة في كتبه. راجع مثلا مقدمة كتاب البيان والتبيين.
(1/112)

[2- رسالة الحاسد والمحسود]
(- 2- الحاسد والمحسود)
(1/113)

[1- موضوع الكتاب]
وهب الله لك السلامة، وأدام لك الكرامة، ورزقك الاستقامة، ورفع عنك النّدامة.
كتبت إليّ- أيّدك الله- تسألني عن الحسد ما هو؟ ومن أين هو- وما دليله وأفعاله؟ وكيف تعرف أموره وأحواله، وبم يعرف ظاهره ومكتومه، وكيف يعلم مجهوله ومعلومه، ولم صار في العلماء أكثر منه في الجهلاء؟ ولم كثر في الأقرباء وقلّ في البعداء؟ وكيف دب في الصّالحين أكثر منه في الفاسقين؟
وكيف خصّ به الجيران من بين جميع أهل الأوطان.
[2- تعريف الحسد]
والحسد- أبقاك الله- داء ينهك الجسد، ويفسد الودّ، علاجه عسر، وصاحبه ضجر. وهو باب غامض وأمر متعذّر، وما ظهر منه فلا يداوى، وما بطن منه فمداويه في غناء. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دبّ إليكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء» . وقال بعض الناس لجلسائه: أيّ الناس أقلّ غفلة؟ فقال بعضهم: صاحب ليل، إنّما همّه أن
(1/115)

يصبح. فقال: إنّه لكذا وليس كذا. وقال بعضهم: المسافر، إنّما همّه أن يقطع سفره. فقال: إنه لكذا وليس كذا. فقالوا له: فأخبرنا بأقلّ النّاس غفلة. فقال: الحاسد، إنّما همّه أن ينزع الله منك النعمة التي أعطاكها، فلا يغفل أبدا.
[3- اسباب الحسد]
ويروى عن الحسن أنه قال: الحسد أسرع في الدّين من النار في الحطب اليابس.
وما أتي المحسود من حاسده إلّا من قبل فضل الله عنده ونعمه عليه قال الله عزّ وجلّ: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً.
والحسد عقيد الكفر، وحليف الباطل، وضدّ الحقّ، وحرب البيان.
فقد ذمّ الله أهل الكتاب به فقال: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ.
[4- عواقب الحسد]
منه تتولد العداوة، وهو سبب كلّ قطيعة، ومنتج كلّ وحشة، ومفرّق كلّ جماعة، وقاطع كلّ رحم بين الأقرباء، ومحدث التفرّق بين القرناء، وملقح الشرّ بين الخلطاء، يكمن في الصدر كمون النّار في الحجر.
ولو لم يدخل على الحاسد بعد تراكم الغموم على قلبه، واستكمان الحزن في جوفه، وكثرة مضضه ووسواس ضميره، وتنغّص عمره وكدر نفسه وكد عيشه، إلّا استصغاره نعمة الله عليه، وسخطه على سيّده بما أفاد غيره، وتمنّيه عليه أن يوجع في هبته إيّاه، وأن لا يرزق أحدا سواه، لكان عند
(1/116)

ذوي العقول مرحوما، وكان لديهم في القياس مظلوما. [وقد قال بعض الأعراب: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحساد: نفس دائم، وقلب هائم، وحزن لازم] والحاسد مخذول وموزور، والمحسود محبوب ومنصور.
والحاسد مغموم ومهجور، والمحسود مغشيّ ومزور.
والحسد- رحملك الله- أول خطيئة ظهرت في السّموات، وأوّل معصية حدثت في الأرض، خصّ به أفضل الملائكة فعصى ربّه، وقايسه في خلقه، واستكبر عليه فقال: خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ*
، فلعنه وجعله إبليسا، وأنزله من جواره بعد أن كان أنيسا، وشوّه خلقه تشويها، وموّه على نبيّه تمويها نسي به عزم ربّه، فواقع الخطيئة، فارتدع المحسود وتاب عليه وهدى، ومضى اللعين الحاسد في حسده فشقي وغوى.
وأما في الأرض فابنا آدم حيث قتل أحدهما أخاه، فعصى ربّه وأثكل أباه. وبالحسد طوّعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين.
لقد حمله الحسد على غاية القسوة، وبلغ [به] أقصى حدود العقوق، فأنساه من رحمه جميع الحقوق، إذ ألقى الحجر عليه شادخا وأصبح عليه نادما صارخا.
[5- راي الحاسد في المحسود]
ومن شأن الحاسد إن كان المحسود غنيّا أن يوبّخه على المال فيقول:
جمعه حراما ومنعه أثاما. وألّب عليه محاويج أقاربه فتركهم له خصماء، وأعانهم في الباطن وحمل المحسود على قطيعتهم في الظاهر وقال له: لقد كفروا معروفك، وأظهروا في الناس ذمّك، فليس أمثالهم يوصلون، فإنهم لا يشكرون. وإن وجد له خصما اعانه عليه ظلما، وإن كان ممن يعاشره فاستشاره غشّه، أو تفضّل عليه بمعروف كفره، أو دعاه إلى نصرّ خذله، وإن
(1/117)

حضر مدحه ذمّه وإن سئل عنه همزه، وإن كانت عنده شهادة كتمها، وإن كانت منه إليه زلّة عظّمها، [وقال: إنّه] يحب أن يعاد ولا يعود، ويرى عليه العقود.
وإن كان المحسود عالما قال: مبتدع، ولرأيه متّبع، خاطب ليل ومبتغي نيل، لا يدرى ما حمل، قد ترك العمل، وأقبل على الحيل. قد أقبل بوجوه النّاس إليه، وما أحمقهم إذ انثالوا عليه. فقبحه الله من عالم ما أعظم بليّته، وأقلّ رعته، وأسوأ طعمته.
وإن كان الحسود ذا دين قال: متصنّع يغزو ليوصى إليه، ويحجّ ليثنى بشيء عليه، ويصوم لتقبل شهادته، ويظهر النّسك ليودع المال بيته، ويقرأ في المسجد ليزوّجه جاره ابنته، ويحضر الجنائز لتعرف شهرته.
وما لقيت حاسدا قطّ إلّا تبيّن لك مكنونه بتغيّر لونه وتخوّص عينه وإخفاء سلامه، والإقبال على غيرك والإعراض عنك، والاستثقال لحديثك، والخلاف لرأيك.
وكان عبد الله بن أبيّ، قبل نفاقه، نسيج وحده لجودة رأيه وبعد همّته، ونبل شيمته، وانقياد العشيرة له بالسّيادة، واذعانهم له بالرّياسة. وما استوجب ذلك إلّا بعدما استجمع له لبّه، وتبيّن لهم عقله، وافتقدوا منه جهله، ورأوه لذلك أهلا، لمّا أطاق [له] حملا. فلما بعث الله نبيّه صلى الله عليه وسلم وقدم المدينة، ورأى هو عزّ رسول الله صلى الله عليه وسلم شمخ بأنفه فهدم إسلامه لحسده، وأظهر نفاقه. وما صار منافقا حتّى كان حسودا، ولا صار حسودا حتّى صار حقودا. فحمق بعد اللّبّ، وجهل بعد العقل، وتبوّأ النّار بعد الجنّة.
ولقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فشكاه الى الانصار،
(1/118)

فقالوا: يا رسول الله لا تلمه فانا كنا عقدنا له الخرز قبل قدومك لنتوّجه. ولو سلم المخذول قلبه في الحسد لكان من الاسلام بمكان ومن السؤدد في ارتفاع، فوضعه الله لحسده واظهر نفاقه ولذلك قال القائل:
طالت على الحاسد احزانه ... فاصفر من كثرة احزانه
دعه فقد اشعلت في جوفه ... ما هاج في حر نيرانه
العيب اشهى عنده لذة ... من لذة المال لخزانه
فارم على غاربه حبله ... تسلم من كثرة بهتانه
[6- حسد الجيران]
فصل منه: وذلك أنّ الجيران- يرحمك الله- طلائع عليك، وعيونهم نواظر إليك، فمتى كنت بينهم معدما فأيسرت، فبذلت وأعطيت، وكسوت وأطعمت، وكانوا في مثل حالك فاتّضعوا، وسلبوا النعمة وألبستها [أنت] ، فعظمت عليهم بليّة الحسد، وصاروا منه في تنغيص آخر الأبد. ولولا أن المحسود بنصر الله إيّاه مستور، وهو بصنعه محجوب لم يأت عليه يوم إلّا كان مقهورا، ولم تأت ليلة إلا وكان عن منافعه مقصورا. ولم يمس إلّا وماله مسلوب، ودمه مسفوك، وعرضه بالضّرب منهوك.
[7- الحسود لا يستطيع كتمان حسده]
فصل منه: وأنا أقول حقا: ما خالط الحسد قلبا إلّا لم يمكنه ضبطه ولا قدر على تسجينه وكتمانه، حتى يتمرّد عليه بظهوره وإعلانه، فيستعبده ويستمليه، ويستنطقه لظهوره عليه فهو أغلب على صاحبه من السيّد على عبده، ومن السّلطان على رعيّته، ومن الرّجل على زوجته ومن الآسر على أسيره.
وكان ابن الزّبير بالصبر موصوفا، وبالدّهاء معروفا، وبالعقل موسوما، وبالمداراة منهوما، فأظهر بلسانه حسدا كان أضبّ عليه أربعين سنة لبني
(1/119)

هاشم، فما اتّسع قلبه لكتمانه، ولا صبر على اكتتامه، لمّا طالت في قلبه طائلته أظهره وأعلنه، مع صبره على المكاره، وحمله نفسه على حتفها، وقلة اكتراثه والتفاته لأحجار المجانيق التي [كانت] تمرّ عليه فتذهب بطائفة من قومه ما يلتفت إليها.
حدّثت بذلك عن عليّ بن مسهر عن الأعمش، عن صالح بن حبّاب، عن سعيد بن جبير قال: قدت ابن عباس حتّى أدخلته على ابن الزّبير، قال:
أنت الذي تؤنّبني؟ قال: نعم، لأنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس بمؤمن من بات شبعانا وجاره طاو» . فقال له ابن الزّبير: لمن قلت ذلك؟ إنّي لأكتم بغضكم أهل البيت مذ أربعين سنة. فحسر ابن عباس عن ذراعيه كأنّهما عسيبا نخل، ثم قال لابن الزبير: نعم فليبلغ ذاك منك، ما عرفتك.
ولقد أجلت الرأي ظهرا لبطن وفكرّت في جوابه لابن عباس أن أجد له معنى سوى الحسد فلم أجده، وكانت وخزة في قلبه فلم يبدها. وفروع بني هاشم حول الحرم باسقة، وعروق دوحاتهم بين أطباقها راسية، ومجالسهم من أعاليها عامرة، وبحورها بأرزاق العباد زاخرة، وأنجمها بالهدى زاهرة. فلمّا خلت البطحاء من صناديدها استقبله بما أكنّ في نفسه.
والحاسد لا يغفل عن فرصته إلى أن يأتي الموت على رمّته، وما استقبل ابن عبّاس بذلك إلّا لمّا رأى عمر قدّمه على أهل القدم، ونظر إليه وقد أطاف به أهل الحرم، فأوسعهم حكما، وثقبوا منه رأيا وفهما، وأشبعهم علما وحلما.
فصل منه: وكيف يصبر من استكنّ الحسد في قلبه على أمانيه. ولقد كان اخوة يوسف حلماء، وأجلّة علماء، ولدهم الأنبياء، فلم يغفلوا عمّا قدم في قلوبهم من الحسد ليوسف، حتّى أعطوا أباهم المواثيق المؤكّدة، والعهود
(1/120)

المقلّدة، والأيمان المغلّظة، إنّهم له لحافظون، وهو شقيقهم وبضعة منهم.
فخالفوا العهود ووثبوا عليه بالظلم والقوة، وألقوة في غيابة الجبّ، وجاءوا على قميصه بدم كذب، فبظلمهم يوسف ظلموا أباهم، طمعا أن يخلو لهم وجه ابيهم وينفردوا بحبه، وظنوا أن الايام تسليه، وحبه لهم من بعد غمه يلهيه، فاسالوا عبرته واحرقوا قلبه. وكيف تقر اعين المحسودين بعد يوسف وقد ملكه الله خزائن الارض بصبره على اذى حساده ومقابلته اياهم بالعفو والمكافأة وحسن العشرة والمؤاخاة، بعد امكانه منهم كما اتوه محتارين رفدهم عليه خائفين وهم له منكرون، فاحسن رفددهم، واكرم قراهم، فاقروا له لما عرفوه بالاذعان، وسألوه بعد ذلك الغفران، وخروا له سجدا لما وردوا عليه وفدا.
[8- معاملة الصديق الحسود]
فإذا أحسست- رحمك الله- من صديقك بالحسد فأقلل ما استطعت من مخالطته، فإنّه أعون الأشياء لك على مسالمته. وحصّن سرّك منه تسلم من شرّه وعوائق ضرّه. وإيّاك والرغبة في مشاورته، ولا يغرنّك خدع ملقه، وبيان ذلقه، فإنّ ذلك من حبائل نفاقه.
فإن أردت أن تعرف آية مصداقه فأدنين إليه من يهينك عنده، ويذمّك بحضرته، فإنّه سيظهر من شأنه لك ما أنت به جاهل، ومن خلاف المودّة ما أنت عنه غافل. وهو ألحّ في حسده لك من الذّباب، وأسرع في تهريقك من السّيل إلى الحدور.
وما أحبّ أن تكون عن حاسدك غبيّا، وعن وهمك بما في ضميره نسيّا. إلّا أن تكون للذلّ محتملا، وعلى الدناءة مشتملا، ولأخلاق الكرام مجانبا، وعن محمود شيمهم ذاهبا، أو تكون بك إليه حاجة قد صيّرتك لسهام الرّماة هدفا، وعرضك لمن أراد غرضا.
وقد قيل على وجه الدّهر: «الحرّة تجوع ولا تأكل بثدييها» .
(1/121)

وربّما كان الحسود للمصطنع إليه المعروف أكفر له وأشدّ احتقادا، وأكثر تصغيرا له من أعدائه.
[9- لا خير يرتجى من الحسود]
فصل منه: ومتى رأيت حاسدا يصوّب لك رأيا إن كنت مصيبا، أو يرشدك إلى صواب إن كنت مخطئا، أو أفصح لك بالخير في غيبته عنك أو قصّر من غيبته لك؟
فهو الكلب الكلب، والنّمر النّمر والسّمّ القشب، والفحل القطم، والسّيل العرم. إن ملك قتل وسبى، وإن ملك عصى وبغى، حياتك موته، وموتك عرسه وسروره. يصدّق عليك كلّ شاهد زور، ويكذّب فيك كلّ عدل مرضيّ. لا يحبّ من النّاس إلّا من يبغضك، ولا يبغض إلّا من يحبّك.
عدوّك بطانة وصديقك علانية.
وقلت: إنّك ربّما غلطت في أمره لما يظهر لك من برّه. ولو كنت تعرف الجليل من الرأي، والدقيق من المعنى، وكنت في مذاهبك فطنا نقابا، ولم تك في عيب من ظهر لك عيبه مرتابا، لا ستغنيت بالرّمز عن الإشارة، وبالإشارة عن الكلام، وبالسّرّ عن الجهر، وبالخفض عن الرفع، وبالاختصار عن التطويل، وبالجمل عن التفصيل، وأرحتنا من طلب التحصيل ولكني أخاف عليك أنّ قلبك لصديقك غير مستقيم، وأن ضمير قلبك له غير سليم، وإن رفعت القذى عن لحيته، وسوّيت عليه ثوبه فوق مركبه، وقبّلت صبيّه بحضرته، ولبست له ثوب الاستكانة عند رؤيته، واغتفرت له الزّلّة، واستحسنت كلّ ما يقبح من جهته، وصدّقته على كذبه، وأعنته على فجزته.
فما هذا العناء! كأنّك لم تقرأ المعوّذة، ولم تسمع مخاطبته نبيّه صلى الله عليه وسلم، في التّقدمة إليه بالاستعاذة من شرّ حاسد إذا حسد.
(1/122)

أتطلب ويحك أثرا بعد عين، أو عطرا بعد عروس، أو تريد أن تجتني عنبا من شوك، أو تلتمس حلب لبن من حائل. إنّك إذا أعيا من باقل، وأحمق من الضبع، وأغفل من هرم.
إن كنت تجهل بعد ما أعلمناك، وتعوجّ بعدما قوّمناك، وتبلّد بعدما ثقّفناك، وتضلّ إذ هديناك، وتنسى إذ ذكّرناك، فأنت كمن أضلّه الله على علم فبطلت عنده المواعظ، وعمي عن المنافع، فختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة. فنعوذ بالله من الخذلان.
إنّه لا يأتيك ولكن يناديك ولا يحاكيك ولكن يوازيك. أحسن ما تكون عنده حالا [أقلّ ما تكون مالا، وأكثر ما تكون عيالا، [وأعظم] ما تكون ضلالا. وأفرح ما يكون بك أقرب ما تكون بالمصيبة عهدا، وأبعد ما تكون من الناس حمدا.
فإذا كان الأمر على هذا فمجاورة الموتى، ومخالطة الزّمنى، والاجتنان بالجدران، ومصر المصران، وأكل القردان، أهون من معاشرته، والاتّصال بحبله.
والغلّ نتيج الحسد، وهو رضيعه، وغصن من أغصانه، وعون من أعوانه، وشعبة من شعبه، وفعل من أفعاله، كما أنّه ليس فرع إلّا له أصل، ولا مولود إلّا له مولد، ولا نبات إلّا من أرض، ولا رضيع إلّا من مرضع، وإن تغيّر اسمه، فإنّه صفة من صفاته، ونبت من نباته، ونعت من نعوته.
[10- الجنة حيث لا حسد]
ورأيت الله جل جلاله ذكر الجنّة في كتابه فحلّاها بأحسن حلية، وزيّنها بأحسن زينة، وجعلها دار أوليائه ومحلّ أنبيائه، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فذكر في كتابه ما منّ به عليهم من
(1/123)

السّرور والكرامة عندما دخلوها وبوّأها لهم فقال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ. وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ. لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ.
فما أنزلهم دار كرامته إلّا بعد ما نزع الغلّ والحسد من قلوبهم، فتهنّوا بالجنّة، وقابلوا إخوانهم على السّرر، وتلذّذوا بالنظر في مقابلة الوجوه لسلامة صدورهم. ونزع الغلّ من قلوبهم. ولو لم ينزع ذلك من صدورهم ويخرجه من قلوبهم، لافتقدوا لذاذة الجنّة، وتدابروا وتقاطعوا وتحاسدوا، وواقعوا الخطيئة، ولمسّهم فيها النّصب، وأعقبوا منها الخروج، لأنّه عزّ وجلّ فضّل بينهم في المنازل، ورفع درجات بعضهم فوق بعض في الكرامات، وسنيّ العطيات.
قلمّا نزع الغلّ والحسد من قلوبهم ظنّ أدناهم منزلة فيها، وأقربهم بدخول الجنّة عهدا، أنّه أفضلهم منزلة، وأكرمهم درجة، وأوسعهم دارا بسلامة قلبه، ونزع الغلّ من صدره، فقرّت عينه وطاب أكله. ولو كان غير ذلك لصاروا إلى التنغيص في النظر بالعيون، والاهتمام بالقلوب، ولحدثت العيوب والذّنوب.
[11- السلامة في الابتعاد عن الحسود]
وما أرى السّلامة إلّا في قطع الحاسد، ولا السّرور إلّا في افتقاد وجهه، ولا الرّاحة إلّا في صرم مداراته. ولا الرّبح إلّا في ترك مصافاته.
فإذا فعلت ذلك فكل هنيّا مريّا، [ونم رضيّا] ، وعش في السّرور مليّا.
(1/124)

ونحن نسأل الله الجليل أن يصفّي كدر قلوبنا، ويجنّبنا وإياك [دناءة الأخلاق، ويرزقنا وإيّاك] حسن الألفة والاتّفاق ويحسن توفيقك وتسديدك.
والسّلام.
(1/125)

2- هامش كتاب الحاسد والمحسود
(1) لاحظ وجوه التصنع البياني في المقدمة: السجع مثل: وهب الله لك السلامة، وادام لك الكرامة، ورزقك الاستقامة ورفع عنك الندامة. ثم الطباق مثل: ولم يعرف ظاهره ومكتومه، وكيف يعلم مجهوله ومعلومه ولم صار العلماء فيه اكثر من الجهلاء الخ ...
(2) صاحب ليل: المسهد الذي لا يستطيع ان ينام.
ويروى عن الحسن: الارجح ان يكون الحسن البصري.
(3) حرب البيان: يعني ان الحاسد يضمر عكس ما يفصح.
(4) لاحظ بلاغة الجاحظ في تصوير نفس الحسود «تراكم الغموم على قلبه، واستمكان الحزن في جوفه، وكثرة مضضه، ووسواس ضميره، وتنغص عمره، وكدر نفسه، ونكد عيشه.. واستصغار نعمة الله عليه وسخطه على سيده بما أفاء عليه، وتمنيه ان يرجع في هبته اياه وان لا يرزق احدا سواه..» .
- رجوع الجاحظ الى القرآن باستمرار دليل على استمكان الثقافة الدينية فيه:
قصّة الملاك الذي عصى ربه فلعنه وجعله ابليسا وشوه خلقه، وابعده عنه.
وقصة قابيل الذي قتل اخاه هابيل.
(5) يجب ان يعاد ولا يعود: يجب ان يزار ولا يزور لكبره وحقده. وبرى علة العقود: جمع عقد وهو خيط من الخرز يعقد للرؤساء.
- المبتدع: من يخالف السنة او يأتي بجديد لم يعرفه السلف.
- المتبع: غير الاصيل يأخذ عن غيره.
(1/127)

- حاطب ليل: يمشي في الظلام على غير هدى ودون استبصار؛ يخلط في كلامه.
- عبد الله بن أبيّ الخزرجي عرف بنفاقه وعاش في عهد الرسول.
(6) المعدم: الفقير؛ طلائع: مطلعون وناظرون.
(7) الحسود لا يستطيع كتمان حسده. انظر رسالة كتمان السر وحفظ اللسان وتعليل الجاحظ النفسي لميل الانسان الى الافضاء عما في نفسه.
(8) الح من الذباب مثل يضرب بلجاجة الذباب في الحط على الاجسام التي يريدها. راجع خبر القاضي والذباب الوارد في كتاب الحيوان.
(9) الفحل القطم: الذي اشتدت به الشهوة الى الضراب.
- السيل العرم: السيل الغامر الجامح الذي لا يطاق.
- الجليل والدقيق: الجليل الكلام المتعلق بامور الدين الدقيق: الكلام المعلق بامور الفلسفة الطبيعية مثل الجوهر والعرض والحركة الخ.
- لاحظ كلف الجاحظ بالطباق في جميع اجزاء الرسالة: الرمز والاشارة، السر والجهر، الخفض والرفع، الاختصار والتطويل الخ.
- تلتمس حلب لبن من حائل: الحائل هي الناقة التي انقطع حملها.
- لاحظ كثرة الامثال التي يضربها الجاحظ: أعيى من باقل، احمق من ضبع، اغفل من هرم (مسن) . راجع الامثال للميداني.
(10) وصف الجنة الجميل: فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ... الخ تخلو قلوب اهلها من الغل والحسد ويطيب عيشهم.
(11) يشير الجاحظ الى نوع الرسالة: انها رسالة في الاخلاق هدفها تصفية القلوب، وحسن الالفة.
(1/128)

[3- رسالة النبل والتنبل وذم الكبر]
(- 3- النبل والتنبل وذم الكبر)
(1/129)

[1- مقدمة يحرض فيها مخاطبه على اناس تكبروا عليه]
فصل منه: قد قرأت كتابك وفهمته، وتتبّعت كلّ ما فيه واستقصيته، فوجدت الذي ترجع إليه بعد التّطويل، وتقف عنده بعد التّحصيل، قد سلف القول منّا في عيبه، وشاع الخبر عنّا في ذمّه، وفي النّصب لأهله، والمباينة لأصحابه، وفي العجّب منهم، وإظهار النّفي عنهم.
والجملة أنّ فرط العجب إذا قارن كثرة الجهل، والتّعرّض للعيب إذا وافق قلّة الاكتراث، بطلت المزاجر، وماتت الخواطر. ومتى تفاقم الداء وتفاوت العلاج، صار الوعيد لغوا مطّرحا، والعقاب حكما مستعملا.
وقد أصبح شيخك، وليس يملك من عقابهم إلّا التوقيف، ولا من تأديبهم إلّا التعريف.
ولو ملكناهم ملك السّلطان، وقهرناهم قهر الولاة، لنهكناهم عقوبة بالضّرب، ولقمعناهم بالحصر.
والكبر- أعزّك الله تعالى- باب لا يعدّ احتماله حلما، ولا الصّبر على أهله حزما، ولا ترك عقابهم عفوا، ولا الفضل عليهم مجدا، ولا التّغافل
(1/131)

عنهم كرما، ولا الإمساك عن ذمّهم صمتا.
واعلم أنّ حمل الغنى أشدّ من حمل الفقر، واحتمال الفقر أهون من احتمال الذّل على أنّ الرضا بالفقر قناعة وعزّ، واحتمال الذّلّ نذالة وسخف.
ولئن كانوا قد أفرطوا في لوم العشيرة، والتكبّر على ذوي الحرمة، لقد أفرطت في سوء الاختيار، وفي طول مقامك على العار.
وأنت مع شدّة عجبك بنفسك، ورضاك عن عقلك، خالطّت من موته يضحك السّنّ، وحياته تورث الحزن، وتشاغلك به من أعظم الغبن.
وشكوت تنبّلهم عليك، واستصغارهم لك، وأنّك أكثر منهم في المحصول، وفي حقائق المعقول. ولو كنت كما تقول لما أقمت على الذّلّ ولما تجرّعت الصّبر وأنت بمندوحة منهم، وبنجوة عنهم. ولعارضتهم من الكبر بما يهضّهم، ومن الامتعاض بما يبهرهم.
وقلت: ولو كانوا من أهل النّبل عند الموازنة، أو كان معهم ما يغلط النّاس فيه عند المقايسة لعذرتهم واحتججت عنهم، ولسترت عيبهم، ولرقعت وهيهم. ولكنّ أمرهم مكشوف، وظاهرهم معروف.
وإن كان أمرهم كما قلت، وشأنهم كما وصفت، فذاك ألوم لك، وأثبت للحجّة عليك.
وسأؤخّر عذلك إلى الفراغ منهم، وتوقيفك بعد التّنويه بهم.
[2- شروط النبل]
أقول: وإن كان النّبل بالتنّبل، واستحقاق العظم بالتّعظّم وبقلّة النّدم والاعتذار، وبالتّهاون بالإقرار، فكلّ من كان أقلّ حياء، وأتمّ قحة، وأشدّ تصلّفا، وأضعف عدّة، أحقّ بالنّبل وأولى بالعذر.
(1/132)

وليس الذي يوجب لك الرّفعة أن تكون عند نفسك- دون أن يراك الناس- رفيعا، وتكون في الحقيقة وضيعا.
ومتى كنت من أهل النبل لم يضرّك التبذّل، ومتى لم تكن من أهله لم ينفعك التنبّل.
وليس النّبل كالرّزق، يكون مرزوقا الحرمان أليق به، ولا يكون نبيلا السّخافة أشبه به.
وكلّ شيء من أمر الدنيا قد يحظى به غير أهله، كما يحظى به أهله.
وما ظنّك بشيء المروءة خصلة من خصاله، وبعد الهمّة خلّة من خلاله، وبهاء المنظر سبب من أسبابه، وجزالة اللفظ شعبة من شعبه، والمقامات الكريمة طريق من طرقه.
فصل منه: واعلم أنّك متى لم تأخذ للنّبل أهبته، ولم تقم له أداته، وتأته من وجهه، وتفم بحقه، كنت مع العناء مبغضا، ومع التكلّف مستصلفا. ومن تبغّض فقد استهدف للشّتام، وتصدّى للملام.
فإن كان لا يحفل بالشّتم، ولا يجزع من الذّمّ، فعدّه ميّتا إن كان حيّا، وكلبا إن كان إنسانا.
وإن كان ممّن يكترث ويجزع، ويحسّ ويألم، فقد خسر الراحة والمحبّة، وربح النّصب والمذمّة.
وبعد، فالنّبل كلف بالمولّى عنه، شنف للمقبل عليه، لازق بمن رفضه، شديد النّفار ممّن طلبه.
[3- نبل السيد]
فصل منه: والسّيّد المطاع لم يسهل عليه الكظم، ولم يكن له كنف
(1/133)

الحلم، إلّا بعد طول تجرّع للغيظ، ومقاساة للصّبر. وقد كان معنّى القلب دهره، ومكدود النّفس عمره، والحرب سجال بينه وبين الحلم، ودول بينه وبين الكظم. فلمّا انقادت له العشيرة، وسمحت له بالطّاعة، ووثق بظهور القدرة خلاف المعجزة سهل عليه الصّبر، وغمر بعلوّه دواعي الجزع، بطلت المجاذبة، وذهبت المساجلة.
والذي كان دعاه إلى تكلّف الحلم في بدء أمره وإلى احتمال المكروه في أوّل شأنه، الأمل في الرّياسة، والطّمع في السيادة، ثمّ لم يتمّ له أمره، ولم يستحكم له عقده إلّا بعد ثلاثة أشياء: الاحتمال، ثم الاعتياد، ثم ظهور طاعة الرّجال.
ولولا خوف جميع المظلومين من أن يظنّ بهم العجز، والا يوجه احتمالهم الى الذل لزاحم السادة في الحلم رجال ليسوا في أنفسهم بدونهم، ولغمرهم بعض من ليس معه من أسبابهم.
[4- صفات النبيل]
فصل منه: ولا يكون المرء نبيلا حتى يكون نبيل الرّأي، نبيل اللّفظ، نبيل العقل، نبيل الخلق، نبيل المنظر، بعيد المذهب في التنزّه، طاهر الثّوب من الفحش، إن وافق ذلك عرقا صالحا، ومجدا تالدا.
فالخارجيّ قد يتنبت بنفسه، والنّابتيّ قد يخرج بطبعه. ولكلّ عزّ أول، وأوّل كلّ قديم حادث.
ومن حقوق النّبل أن تتواضع لمن هو دونك، وتنصف من هو مثلك، وتتنّبل على من هو فوقك.
[5- الكبر قبيح في الانسان]
فصل منه: وكان بعض الأشراف في زمان الأحنف، لا يحتقر أحدا،
(1/134)

ولا يتحرج لزائر، وكان يقول:
ثهلان ذو الهضبات ما يتحلحل
فكان الأحنف ما يزداد إلّا علوّا، وكان ذلك الرجل لا يزداد إلّا تسفّلا.
وقد ذم الله تعالى المتكبّرين، ولعن المتجبّرين، وأجمعت الأمّة على عيبه، والبراءة منه، وحتّى سمّي المتكبّر تائها، كالذي يختبط في التّية بلا أمارة، ويتعسّف الأرض بلا علامة.
ولعلّ قائلا أن يقول: لو كان اسم المتكبّر قبيحا، ولو كان المتكبّر مذموما، لما وصف الله تعالى بهما نفسه، ولما نوّه بهما في التنزيل حين قال: الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ
، ثم قال: لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى.
قلنا لهم: إنّ الإنسان المخلوق المسخّر، والضعيف الميسّر، لا يليق به إلّا التذلّل، ولا يجوز له إلّا التّواضع.
وكيف يليق الكبر بمن إن جاع صرع، وإن شبع طغى، وما يشبه الكبر بمن يأكل ويشرب، ويبول وينجو. وكيف يستحقّ الكبر ويستوجب العظمة من ينقصه النّصب، وتفسده الراحة؟.
فإذا كان الكبر لا يليق بالمخلوق فإنّما يليق بالخالق، وإنّما عاند الله تعالى بالكبر لتعدّيه طوره، ولجهله لقدره، وانتحاله ما لا يجوز إلّا لربّه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «العظمة رداء الله، فمن نازعه رداءه قصمه» .
فصل منه: والنبيل لا يتنبّل، كما أنّ الفصيح لا يتفصّح، لأنّ النّبيل يكفيه نبله عن التنبّل، والفصيح تغنيه فصاحته عن التفصّح. ولم يتزيّد أحد قطّ إلّا لنقص يجده في نفسه، ولا تطاول متطاول إلّا لوهن قد أحسّ به
(1/135)

قوّته.
والكبر من جميع النّاس قبيح، ومن كلّ العباد مسخوط، إلّا أنّه عند الناس من عظماء الأعراب، وأشباه الأعراب أوجد، وهو لهم أسرع، لجفائهم وبعدهم من الجماعة، ولقلّة مخالطتهم لأهل العفّة والرّعة، والأدب والصّنعة.
[6- مواضع استحسان الكبر]
ولم نر الكبر يسوغ عندهم ويستحسن إلّا في ثلاثة مواضع:
من ذلك أن يكون المتكبّر صعبا بدويّا، وذا عرضيّة وحشيّا، ولا يكون حضريّا ولا مدريّا، فيحمل ذلك منه على جهة الصّعوبة ومذهب الجاهليّة، وعلى العنجهيّة والأعرابيّة.
أو يكون ذلك منه على جهة الانتقام والمعارضة، والمكافأة والمقابلة.
أو على أن لا يكون تكبّره إلّا على الملوك والجبابرة، والفراعنة وأشباه الفراعنة.
وصاحبك خارج من هذه الخصال، مجانب لهذه الخلال. إن أصاب صديقا تعظّم عليه، وإن أتاه ضيف تغافل عنه، وإن أتاه ضعيف منّ عليه، وإن صادف حليما اعتمر به.
وينبغي أن يكون خضوعه لمن فوقه على حسب تكبّره على من دونه.
[7- صفات اللئيم]
ومن صفة اللّئيم أن يظلم الضّعيف، ويظلم نفسه للقوىّ، ويقتل الصّريع، ويجهز على الجريح، ويطلب الهارب، ويهرب من الطّالب، ولا
(1/136)

يطلب من الطّوائل إلّا ما لا خطار فيه ولا يتكبّر إلّا حيث لا ترجع مضرّته عليه، ولا يقفو التّقيّة ولا المروءة، ولا يعمل على حقيقته.
ومن اختار أن يبغي تبدّى، ومن أراد أن يسمع قوله ساء خلقه، إذ كان لا يحفل ببغض النّاس له ووحشة قلوبهم منه، واحتيالهم في مباعدته، وقلّة ملابسته.
وليس يأمن اللّئيم على إتيان جميع ما اشتمل عليه اسم اللّؤم إلّا حاسد.
فإذا رأيته يعقّ أباه، ويحسد أخاه، ويظلم الضّعيف، ويستخفّ بالأديب، فلا تبعده من الخيانة، إذ كانت الخيانة لؤما ولا من الكذب، إذ كان الكذب لؤما، ولا من النّميمة، إذ كانت النّميمة لؤما، ولا تأمنه على الكفر فإنّه ألأم اللّؤم، وأقبح الغدر.
ومن رأيته منصرفا عن بعض اللّؤم، وتاركا لبعض القبيح، فإيّاك أن توجّه ذلك منه على التجنّب له، والرّغبة عنه، والإيثار لخلافه، ولكن على أنّه لا يشتهيه أو لا يقدر عليه، أو يخاف من مرارة العاقبة أمرا يعفي على حلاوة العاجل، لأنّ اللّؤم كلّه أصل واحد وإن تفرّقت فروعه، وجنس واحد وإن اختلفت صوره، والفعل محمول على غلبته، تابع لسمته. والشّكل ذاهب على شكله، منقطع إلى أصله، صائر إليه وإن أبطأ عنه، ونازع إليه وإن حيل دونه. وكذلك تناسب الكرم وحنين بعضه لبعض.
[8- عواقب الكبر]
ولم تر العيون، ولا سمعت الآذان، ولا توهّمت العقول عملا اجتباه ذو عقل، أو اختاره ذو علم، بأوبأ مغبّة، ولا أنكد عاقبة، ولا أوخم مرعى، ولا أبعد مهوى، ولا أضرّ على دين، ولا أفسد لعرض، ولا أوجب لسخط
(1/137)

الله، ولا أدعى إلى مقت النّاس، ولا أبعد من الفلاح، ولا أظهر نفورا عن التّوبة، ولا أقلّ دركا عند الحقيقة، ولا أنقض للطّبيعة، ولا أمنع من العلم، ولا أشدّ خلافا على الحلم، من التكبّر في غير موضعه، والتنبّل في غير كنهه.
وما ظنّك بشيء العجب شقيقه، والبذخ صديقه، والنّفج أليفه، والصّلف عقيده.
والبّذّاخ متزيد، والنّفّاج كذّاب، والمتكبّر ظالم، والمعجب صغير النّفس. وإذا اجتمعت هذه الخصال، وانتظمت هذه الخصال في قلب طال خرابه، واستغلق بابه.
وشرّ العيوب ما كان مضمّنا بعيوب، وشرّ الذنوب ما كان علّة لذنوب.
والكبر أوّل ذنب كان في السماوات والأرض، وأعظم جرم كان من الجنّ والإنس، وأشهر تعصّب كان في الثّقلين، وعنه لجّ إبليس في الطّغيان، وعتا على ربّ العالمين، وخطّأ ربّه في التّدبير، وتلقّى قوله بالرّد. ومن أجله استوجب السّخطة، وأخرج من الجنّة، وقيل له: فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها.
ولإفراطه في التّعظيم خرج إلى غاية القسوة، ولشدّة قسوته اعتزم على الإصرار، وتتايع في غاية الإفساد، ودعا إلى كلّ قبيح، وزيّن كل شرّ، وعن معصيته أخرج آدم من الجنّة، وشهر في كلّ أفق وأمّة، ومن أجله نصب العداوة لذرّيته، وتفرّغ من كل شيء إلّا من إهلاك نسله، فعادى من لا يرجوه ولا يخافه، ولا يضاهيه في نسب، ولا يشاكله في صناعة، وعن ذلك قتل النّاس بعضهم بعضا، وظلم القويّ الضّعيف، ومن أجله أهلك الله الأمم بالمسخ والرّجف، وبالخسف وبالطّوفان، والرّيح العقيم، وأدخلهم النّار،
(1/138)

وأقنطهم من الخروج.
والكبر هو الذي زيّن لإبليس ترك السّجود، ووهّمه شرف الأنفة، وصوّر له عزّ الانتقاض، وحبّب إليه المخالفة، وآنسه بالوحدة والوحشة، وهوّن عليه سخط الرّبّ، وسهّل عليه عقاب الأبد، ووعده الظّفر، ومنّاه السّلامة، ولقّنه الاحتجاج بالباطل، وزيّن له قول الزّور، وزهّده في جوار الملائكة، وجمع له خلال السّوء، ونظم له خلال الشّرّ، لأنّه حسد والحسد ظلم، وكذب والكذب ذلّ، وخدع والخديعة لؤم. وحلف على الزور، وذلك فجور. وخطّأ ربّه، وتخطئة الله جهل، وأخطأ في جليّ القياس وذلك غيّ، ولجّ واللّجاج ضعف. وفرق بين التكبّر والتبدّي. وجمع بين الرّغبة عن صنيع الملائكة وبين الدّخول في أعمال السّفلة.
واحتجّ بأنّ النار خير من الطّين. ومنافع العالم نتائج أربعة أركان: نار يابسة حارة، وماء بارد سيّال، وأرض باردة يابسة، وهواء حارّ رطب. ليس منها شيء مع مزاوجته لخلافه إلّا وهو محي مبق. على أنّ النار نقمة الله من بين جميع الأصناف، وهي أسرعهنّ إتلافا لما صار فيها. وأمحقهنّ لما دنا منها.
هذا كلّه ثمرة الكبر، ونتاج النّية، والتكبّر شرّ من القسوة، كما أنّ القسوة شرّ المعاصي. والتّواضع خير الرحمة، كما أنّ الرّحمة خير الطّاعات.
[9- الكبر رذيلة تعتري مختلف طبقات الناس]
والكبر معنى ينتظم به جماع الشّرّ، والتّواضع معنى ينتظم به جماع الخير، والتّواضع عقيب الكبر، والرّحمة عقيب القسوة. فإذا كان للطّاعة قدر من الثّواب فلتركها وعقيبها، ولما يوازنها ويكايلها، مثل ذلك القدر من
(1/139)

العقاب. وموضع الطاعة من طبقات الرّضا، كموضع تركها من طبقات السّخط إذ كانت الطّاعة واجبة، والتّرك معصية.
والكبر من أسباب القسوة. ولو كان الكبر لا يعترى إلّا الشّريف والجميل، أو الجواد، أو الوفيّ أو الصّدوق، كان أهون لأمره، وأقلّ لشينه، وكان يعرض لأهل الخير، وكان لا يغلط فيه إلّا أهل الفضل، ولكنّا نجده في السّفلة، كما نجده في العلية ونجده في القبيح كما نجده في الحسن، وفي الدّميم كما نجده في الجميل، وفي الدّنّي الناقص، كما نجده في الوفيّ الكامل، وفي الجبان كما نجده في الشّجاع، وفي الكذوب كما نجده في الصّدوق، وفي العبد كما نجده في الحر، وفي الذّمّيّ ذي الجزية والصّغار والذّلّة، كما نجده في قابض جزيته والمسلّط على إذلاله.
ولو كان في الكبر خير لما كان في دهر الجاهليّة أظهر منه في دهر الإسلام، ولما كان في العبد أفشى منه في الحر، ولما كان في السّنّد أعمّ منه في الرّوم والفرس.
[10- الكبر ليس من سياسة الملوك]
وليس الذي كان فيه آل ساسان وأنوشروان وجميع ولد أزدشير بن بابك كان من الكبر في شيء. تلك سياسة للعوامّ، وتفخيم لأمر السّلطان، وتسديد للملك.
ولم يكن في الخلفاء أشدّ نخوة من الوليد بن عبد الملك، وكان أجهلهم وألحنهم. وما كان في ولاة العراق أعظم كبرا من يوسف ابن عمر، وما كان أشجعهم ولا أبصرهم، ولا أتمّهم قواما، ولا أحسنهم كلاما.
ولم يدّع الرّبوبيّة ملك قطّ إلّا فرعون، ولم يك مقدّما في مركّبه، ولا في شرف حسبه، ولا في نبل منظره، وكمال خلقه، ولا في سعة سلطانه
(1/140)

وشرف رعيّته وكرم ناحيته. ولا كان فوق الملوك الأعاظم والجلّة الأكابر، بل دون كثير منهم في الحسب وشرف الملك وكرم الرعيّة، ومنعة السّلطان، والسّطوة على الملوك.
ولو كان الكبر فضيلة وفي التّيه مروءة، لما رغب عنه بنو هاشم ولكان عبد المطّلب أولى النّاس منه بالغاية، وأحقّهم بأقصى النهاية.
ولو كان محمود العاجل ومرجوّ الآجل، وكان من أسباب السّيادة أو من حقوق الرّياسة، لبادر إليه سيّد بني تميم، وهو الأحنف بن قيس، ولشحّ عليه سيّد بكر بن وائل وهو ملك، ولاستولى عليه سيّد الأزد وهو المهلّب.
ولقد ذكر أبو عمرو بن العلاء جميع عيوب السّادة، وما كان فيهم من الخلال المذمومة، حيث قال: «ما رأينا شيئا يمنع من السّودد إلّا وقد وجدناه في سيّد: وجدنا البخل يمنع من السّودد، وكان أبو سفيان بن حرب بخيلا.
والعهار يمنع من السّودد، وكان عامر بن الطفيل سيّدا، وكان عاهرا. والظّلم يمنع من السّودد، وكان حذيفة بن بدر ظلوما، وكان سيد غطفان. والحمق يمنع من السّودد، وكان عتيبة بن حصن محمقا، وكان سيّدا. والإملاق يمنع من السّودد، وكان عتبة بن ربيعة مملقا. وقلّة العدد تمنع من السّودد وكان شبل بن معبد سيّدا، ولم يكن من عشيرته بالبصرة رجلان. والحداثة تمنع من السّودد، وساد أبو جهل وما طرّ شاربه، ودخل النّدوة وما استوت لحيته.
فذكر الظّلم، والحمق، والبخل، والفقر، والعهار، وذكر العيوب ولم يذكر الكبر، لأنّ هذه الأخلاق وإن كانت داء فإنّ في فضول أحلامهم وفي سائر أمورهم ما يداوى به ذلك الدّاء، ويعالج به ذلك السّقم، وليس الداء الممكن كالدّاء المعضل، وليس الباب المغلق كالمستبهم، والأخلاق التي لا يمكن معها السّؤدد، مثل الكبر والكذب والسّخف، ومثل الجهل بالسّياسة.
(1/141)

وخرجت خارجة بخراسان فقيل لقتيبة بن مسلم: لو وجّهت إليهم وكيع إبن أبي سود لكفاهم فقال: وكيع رجل عظيم الكبر، في أنفه خنزوانة، وفي رأسه نعرة، وإنّما أنفه في أسلوب؛ ومن عظم كبره اشتدّ عجبه، ومن أعجب برأيه لم يشاور كفيّا، ولم يؤامر نصيحا، ومن تبجّح بالانفراد وفخر بالاستبداد كان من الظّفر بعيدا، ومن الخذلان قريبا، والخطاء مع الجماعة خير من الصواب مع الفرقة. وإن كانت الجماعة لا تخطىء والفرقة لا تصيب.
ومن تكبّر على عدوّه حقره، وإذا حقره تهاون بأمره. ومن تهاون بخصمه ووثق بفضل قوّته قلّ احتراسه، ومن قلّ احتراسه كثر عثاره.
وما رأيت عظيم الكبر صاحب حرب إلّا كان منكوبا ومهزوما ومخدوعا.
ولا يشعر حتّى يكون عدوّه عنده، وخصمه فيما يغلب عليه أسمع من فرس، وأبصر من عقاب، وأهدى من قطاة، وأحذر من عقعق، وأشدّ إقداما من الأسد، وأوثب من فهد، وأحقد من جمل، وأروغ من ثعلب، وأغدر من ذئب، وأسخى من لافظة، وأشحّ من صبيّ، وأجمع من ذرّة، وأحرص من كلب، وأصبر من ضبّ. فإنّ النّفس إنّما تسمح بالعناية على قدر الحاجة، وتتحفّظ على قدر الخوف، وتطلب على قدر الطّمع، وتطمع على قدر السّبب.
فصل منه: وأقول بعد هذا كلّه: إنّ النّاس قد ظلموا أهل الحلم والعزم، حين زعموا أنّ الذي يسهّل عليهم الاحتمال معرفة الناس بقدرتهم على الانتقام، فكيف والمذكور بالحلم والمشهور بالاحتمال يقيّض له من السّفهاء، ويؤتى له من أهل البذاء ما لا يقوم له صبر، ولا ينهض به عزم.
بل على قدر حلمه يتعرّض له، وعلى قدر عزمه يمتحن صبره ولأنّ الذي سهّل عليه الحلم، ومكّنه من العزم، معرفة الناس بقدرته على الانتقام، واقتداره
(1/142)

على شفاء الغيظ؛ فإنّ منعه لنفسه، ومجاذبته لطبعه مع الغيظ الشّديد، والقدرة الظاهرة، أشدّ عليه في المزاولة وأبلغ في المشقّة والمكابدة، من صبر الشّكل على أذى شكله، واحتمال المظلوم عن مثله، وإن خاف الطمس، وتوقّع العيب.
فصل منه: ومن بعد هذا، فمن شأن الأيّام أن يظلم المرء أكثر محاسنه ما كان تابعا، فإذا عاد متبوعا عادت عليه من محاسن غيره بأضعاف ما منعته من محاسن نفسه، حتّى يضاف إليه من شوارد الأفعال، ومن شواذّ المكارم إن كان سيّدا، ومن غريب الأمثال إن كان منطيقا، ومن خيار القصائد إن كان شاعرا، مما لا أمارات لها، ولا سمات عليها.
فكم من يد بيضاء وصنيعة غرّاء، ضلّت فلم يقم بها ناشد، وخفيت فلم يظهرها شاكر. والذي ضاع للتّابع قبل أن يكون متبوعا، أكثر ممّا حفظ، والذي نسي أكثر مما ذكر، وما ظنّك بشيء بقيّته تهب السّيادة، ومشكوره يهب الرياسة، على قلّة الشّكر، وكثرة الكفر.
وقد يكون الرجل تامّ النّفس ناقص الأداة، فلا يستبان فضله، ولا يعظّم قدره، كالمفرج الذي لا عشيرة له، والإتاويّ الذي لا قوم له. وقد يعظّم المفرج الذي لا ولاء له ولا عقد جوار، ولا عهد حلف، إذا برع في الفقه وبلغ في الزّهد، بأكثر من تعظيم السيّد، كجهة تعظيم الدّيّان. كما أنّ طاعة السّلطان غير طاعة السّادة، والسّلطان إنّما يملك أبدان الناس، ولهم الخيار في عقولهم، وكذلك الموالي والعبيد.
وطاعة النّاس للسيّد، وطاعة الديّان طاعة محبّة ودينونة، والقلوب أطوع لهما من الأبدان، إلّا أن يكون السلطان مرضيّا، فإن كان كذلك فهو أعظم خطرا من السيّد، وأوجه عند الله من ذلك الدّيّان.
وربّما ساد الأتاويّ لأنّه عربيّ على حال. والمفرج لا يسود أبدا لأنّه
(1/143)

عجميّ لا حلف له، ولا عقد جوار، ولا ولاء معروف، ولا نسب ثابت. وليس التّسويد إلّا في العرب، والعجم لا تطيع إلّا للملوك.
والذي أحوج العرب في الجاهليّة إلى تسويد الرّجال وطاعة الأكابر، بعد دورهم من الملوك والحكّام والقضاة، وأصحاب الأرباع، والمسالح والعمّال.
فكان السيّد، في منعهم من غيرهم ومنع غيرهم منهم، ووثوب بعضهم على بعض، في كثير من معاني السّلطان.
(1/144)

3- هامش كتاب النبل والتنبل وذم الكبر
(1) الجاحظ يحرض على تأديب المتكبرين بقوله «والكبر أعزّك الله تعالى باب لا يعد احتماله حلما، ولا الصبر على اهله حزما، ولا ترك عقابهم عفوا، ولا الفضل عليهم مجدا، ولا التغافل عنهم كرما، ولا الامساك عن ذمهم صمتا» . لاحظ تقطيع الجمل المتوازي وزنا ومعنى.
(2) يفرق بين النبل والتنبل: التنبل هو التظاهر بالنبل او تكلفه.
(3) الدول جمع دولة ومعناها هنا العهد والمرحلة الزمنية.
(4) «فالخارجي قد يتنبت بنفسه، والنابتي قد يخرج بطبعه، ولكل غر اول، واول كل قديم حادث» . هذه العبارة مبهمة لا يأتلف معناها مع ما قبلها وما بعدها.
الخارجي هو من ينتمي الى فرقة الخوارج الذين خرجوا على علي وكفروه بعد ان كانوا من اتباعه ونادوا بالجهاد. والنابتي نسبة الى النابتة، أتباع معاوية، وهي فرقة نبتت اي حدثت في عصر الجاحظ تدعو مجددا الى احياء الدولة الاموية، نبتت خلافة معاوية. وقد كتب الجاحظ حولها رسالة النابتة التي نشرناها ضمن رسائل الجاحظ الكلامية.
(5) الاحنف هو الاحنف بن قيس ساد قبيلته في العصر الأموي واشتهر بحلمه ولسنه وموهبته الخطابية.
- الكبر والعظمة لله اما الانسان فاخلق به التواضع والتذلل.
- الرغبة: الورع والتقوى.
(6) الخلال والخصال مترادفتان.
(7) اللئيم يستعملها بمعنى المتكبر؟.
الحقيقة تعنى هنا الطبيعة والجوهر.
(1/145)

(8) لاحظ الجمل المترادفة والمتوازنة «العجب شقيقه، والبذخ صديقه، والنفج أليفه، والصلف عقيده» .
- الثقلين: الانس والجن.
- الاركان الاربعة: النار والماء والارض والهواء. يدل على التأثر بالفلاسفة اليونانيين القائلين بالعناصر الاربعة: انبدقليس وافلاطون وارسطو.
- لاحظ اقتباس الجاحظ من القرآن: قصة ابليس وكبره ورفضه السجود. وقد ورد ذلك في اماكن عدة من نتاج الجاحظ (انظر مثلا كتاب الحاسد والمحسود، ضمن رسائل الجاحظ الادبية) .
(9) الكبر نقيض التواضع.
يكايلها من الكيل لمعرفة كمية الشيء، مثل الموازنة لمعرفة الوزن. الذمي ذي الجزية: اهل الذمة هم النصارى واليهود الذين منحوا حرية العبادة شرط دفع الجزية لبيت المال المسلم.
(10) القول ان ملوك آل ساسان لم يعرفوا التعظيم والكبر غير صحيح. لقد احاطوا ملكهم بالابهة والاجلال واسرفوا في ذلك حتى اصبحوا مضرب الأمثال. ويبدو ان بعض النساخ الميالين للشعوبية حرفوا قول الجاحظ.
- لاحظ اطلاع الجاحظ على اخبار العرب ومعرفة ساداتهم وخصالهم: وهؤلاء السادة عاشوا حتى ادركوا الاسلام وكان لهم مواقف من الدعوة: ابو سفيان وعامر بن الطفيل وحذيفة بن بدر، وعيينة بن حصن الفزارى، وعتبة بن ربيعة إبن عبد شمس بن مناف الذي قتل كافرا يوم بدر مع أبي جهل عمرو بن هشام إبن المغيرة المخزومي.
- اثبت الجاحظ جملة من الامثال التي وردت في مجمع الامثال للميداني:
اسمع من فرس، ابصر من غراب، اهدى من قطاة، احذر من عقعق، اشد من اسد، اوثب من فهد، احقد من جمل، اروغ من ثعلب، اغدر من ذئب، اسخى من لافظة (ديك) اشح من صبي، اجمع من ذرة، احرص من كلب، اصبر من ضب.
(1/146)

[4- رسالة تفضيل البطن على الظهر]
(- 4- تفضيل البطن على الظهر)
(1/147)

[1- مناسبة الرسالة: كتاب وارد من شخص يفضل الظهر على البطن]
فصل منه: عصمنا الله وإيّاك من الشّبهة، وأعاذنا وإيّاك من زيغ الهوى، ومضلّات المنى، ووهب لنا ولك تأديبا مؤدّيا إلى الزّيادة في إحسانه، وتوفيقا موجبا لرحمته ورضوانه.
وقد كان كتابك يا ابن أخي- وفّقك الله- ورد عليّ، تصف فيه فضيلة الظّهور وصفا يدلّ على شغفك بها، وحبّك إيّاها، وحنينك إليها وإيثارك لها، وفهمته.
فلم تمنع- أعاذك الله من عدوّك- من الإجابة عن كتابك في وقت وروده، إلا عوارض أشغال مانعة، وحوادث من التصرّف والانتقال من مكان إلى مكان عائقة.
ولم آمن أن لو تأخّر الجواب عليك أكثر ممّا تأخّر، أن يسبق إلى قلبك أنّي راض باختيارك، ومسلّم لمذهبك، وموافق لك فيه، مساعد لك عليه، ومنقاد معك فيما اعتقدت منه، ومجدّ في طلبه، ومحرّض عليه.
(1/149)

[2- الجاحظ يرجو الهداية لصاحب الكتاب]
فبادرت بكتابي هذا، منبّها لك من سنة رقدتك، وداعيا إلى رشدك.
فإنّك تعلم- وإن كنت لي في مذهبي مخالفا، وفي اعتقادي مباينا- أنّ اجتماع المتباينين فيما يقع بصلاحهما أولى في حكم العقل، وطريق المعرفة [منه] فيما أبادهما، وعاد بالضّرر في اختيارهما عليهما.
وأنا، وإن كنت كشفت لك قناع الخلاف، وأبديت مكنون الضّمير بالمضادّة، وجاهدتني بنصرة الرّأي والعقيدة في حبّ الظّهور، وتلفيق الفضائل لها، غير مستشعر لليأس من رجعتك، ولا شاكّ في لطائف حكمتك، وغوامض فطنتك.
وقد أعلم أنّ معك- بحمد الله- بصيرة المعتبرين، وتمييز الموفّقين وأنّك إذا أنعمت فكرا وبحثا ونظرا، رجعت إلى أصل قويّ الانقياد والموافقة، ولم تتورّط في اللّجاج فعل المعجبين، ولم يتداخلك غرّة المنتحلين؛ فإنّا رأينا قوما انتحلوا الحكمة وليسوا من أهلها، بل هم أعلام الدّعوى، وحلفاء الجهالة، وأتباع الخطأ، وشيع الضّلالة، وخول النّقص، الذين قامت عليهم الحجّة بما نحلوه أنفسهم من اسمها، وسلبوه من فهم عظيم قدرها ومعرفة جليل خطرها، ولم يجلوا الرّين عن قلوبهم والصّدأ عن أسماعهم، بالتنقير والبحث والتكشّف، ولم ينصبوا في عقولهم لأنفسهم أصلا يئلون في اعتقادهم عليه، ويرجعون عند الحيرة في اختلاف آرائهم إليه.
فضلّوا، وأصبح الجهل لهم إماما، والسّفهاء لهم قادة وأعلاما.
ونحن نسأل الله بحوله وطوله ومنّه، ألّا يجعلك من أهل هذه الصّفة، وأن يريك الحقّ حقّا فتتبعه، والباطل باطلا فتجتنبه، وأن يعمّنا ببركة هذا الدعاء، وجماعة المسلمين، وأن يأخذ [إلى] الخير بنواصينا، ويجمع على
(1/150)

الهدى قلوبنا، ويؤلف فيه ذات بيننا، فإنّك ما علمت- وأتقلّد في ذلك أمانة القول- ممّن أحبّ موافقته ومخالطته، وأن يكون في فضله مقدّما، وعن كلّ عضيهة منزّها.
وما أعلم حالا أنا عليها في الرّغبة لك فيما أرغب لنفسي فيه، والسّرور بتكامل أحوالك، واستواء مذهبك، وما أزابن به من إرشادك ونصيحتك، وتسديدك وتوفيقك، إلّا وصدق الطويّة منّي فيها أبلغ من إسهامي في فضل صفتها. والله تعالى المعين والمؤيّد والموفّق، والمبدع، وحده لا شريك له.
والحمد لله، كما هو أهله، وصلى الله على محمد وآله وسلم كثيرا.
[3- الشريعة تنهى عن الظهور]
يا أخي- أرشدك الله- إنّك أغرقت في مدح الظّهر من الجهة التي كان ينبغي لك أن [تذمّها، وقدّمتها من الجهة التي ينبغي لك أن] تؤخّرها.
وآثرتها وهي محقوقة بأن ترفضها.
وما رأينا هلاك الأمم الخالية، من قوم لوط، وثمود وأشياعهم وأتباعهم، وحلول الخسف والرّجفة والآيات المثلات والعذاب الأليم والرّيح العقيم، والغير والنّكير ووجوب نار السّعير، إلّا بما دانوا به من اختيار الظّهور. قال الله تعالى، في قصّة لوط: أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ.
وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ.
فذمّهم الله- تبارك وتعالى- كما ترى، وبلغ بهم في ذكر ما استعظم من عتوّهم إلى غاية لا تدرك صفتها، ولا يوقف على حدّها مع آي كثيرة قد أنزلها فيهم، وقصص طويلة قد أنبأ بها عنهم، وروايات كثيرة أثرها فيمن كان من طبقتهم.
(1/151)

وسنأتي منها بما يقع به الكفاية دون استفراغ الجميع، مما حملته الرّواة، ونقله الصالحون.
فصل منه: والحقّ بيّن لمن التمسه، والمنهج واضح لمن أراد أن يسلكه. وليس في العنود درك ولا مع الاعترام فلج. والرّجوع إلى الحقّ خير من التّمادي في الباطل، وترك الذّنب أيسر من التماس الحجة، كما كان غضّ الطّرف أهون من الحنين إلى الشّهوة. وبالله تعالى التوفيق.
[4- فضائل البطون في القرآن والسنة والحكم]
فصل منه: نبدأ الآن بذكر ما خصّ الله به البطون من الفضائل، ليرجع راجع، وينيب منيب مفكّر، وينتبه راقد، ويبصر متحيّر، ويستغفر مذنب، ويستقيل مخطىء، وينزع مصرّ، ويستقيم عاند، ويتأمّل غمر، ويرشد غويّ، ويعلم جاهل، ويزداد عالم.
قال الله عزّ وجل فيما وصف به النّحل: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ.
وبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم في خير بطون قريش.
ووجدنا الأغلب في صفة الرجل أن يقال إنّه معروف بكذا مذ خرج من بطن أمّه، ولا يقال من ظهر أبيه.
ويقال في صفات النّساء: «قبّ البطون نواعم» . ويقال: خمصانة البطن، ولا يقال: خمصانة الظّهر.
ويقال: فلان بطن بالأمور، ولا يقال: ظهر. ويقال: بطانة الرّجل وطهارته، فيبدأ بالبطانة.
(1/152)

وبطن القرطاس خير من ظهره، وبطن الصّحيفة موضع النّفع منها لا ظهرها، وببطن القلم يكتب لا بظهره، وببطن السّكّين يقطع لا بظهرها.
وخلق الله جلّ وعزّ آدم من طين، ونسله من بطن حوّاء.
ورأينا أكثر المنافع من الأغذية في البطون لا في الظّهور؛ فبطون البقر أطيب من ظهورها، وبطن الشّاة كذلك.
ومن أفضل صفات عليّ رضي الله عنه أن كان أخمص بطينا.
وأسمع من غنائهم:
بطني على بطنك يا جاريه ... لا نمطا نبغي ولا باريه
ولم يقل «ظهري على ظهرك» ، فجعل مماسّة البطن غانيا عن الوطاء، كافيا من الغطاء.
ولو لم يكن في البطن من الفضيلة إلّا أنّ الوجه الحسن، والمنظر الأنيق من حيّزه، وفي الظهر من العيب، إلّا أنّ الدّبر في جانبه، لكان فيها أوضح الأدلة على كرم البطن ولؤم الظهر.
ولم نرهم وصفوا الرجل بالفحولة والشّجاعة إلّا من تلقائه، وبالخبث والأبنة إلّا من ظهره.
وإذا وصفوا الشّجاع قالوا: مرّ فلان قدما، وإذا وصفوا الجبان قالوا:
ولّى مدبرا.
ولشتّان بين الوصفين: بين من يلقى الحرب بوجهه وبين من يلقاه بقفاه، وبين الناكح والمنكوح، والراكب والمركوب، والفاعل والمفعول، والآتي والمأتيّ، والأسفل والأعلى، والزائر والمزور، والقاهر والمقهور.
ولمّا رأينا الكنوز العاديّة والذّخائر النفسية، والجواهر الثّمينة مثل الدّرّ
(1/153)

الأصفر، والياقوت الأحمر، والزّمرّد الأخضر، والمسك والعنبر والعقيان واللّجين، والزّرنيخ والزّئبق، والحديد والبورق، والنّفط والقار، وصنوف الأحجار، وجميع منافع العالم وأدواتهم وآلاتهم، لحربهم وسلمهم، وزرعهم وضرعهم، ومنافعهم ومرافقهم ومصالحهم، وسائر ما يأكلونه ويشربونه، ويلبسونه ويشمّونه، وينتفعون برائحته وطعمه، ودائع في بطون الأرض، وإنّما يستنبط منها استنباطا، ويستخرج منها استخراجا، وإنّ على ظهرها الهوامّ القاتلة، والسّباع العادية التي في أصغرها تلف النفوس ودواعي الفناء وعوارض البلاء، وأنّه قل ما يمشي على ظهرها من دابّة، إلّا وهو للمرء عدوّ، وللموت رسول، وعلى الهلكة دليل- لم يمتنع [في] عقولنا، وآرائنا ومعرفتنا من الإقرار بتفضيل البطن على الظهر في كلّ وقت، وعلى كلّ حال.
ومن فضيلة البطن على الظّهر أنّ أحدا إن ابتلي فيه بداء كان مستورا، وإن شاء أن يكتمه كتمه عن أهله، ومن لا ينطوي عنه شيء من أمره، وغابر دهره.
ومن بليّة الظّهر أنّه إن كان داء ظهر وبان، مثل الجرب والسّلع والخنازير وما أشبهها، مما سلمت منه البطون وجعل خاصّا في الظّهور.
[5- حرم الله اتيان النساء من دبرهن]
وفضّل الله تعالى البطون بأن جعل إتيان النساء، وطلب الولد، والتماس الكثرة مباحا من تلقائها، محرّما في المحاشّ من ورائها، لأنّه حرام على الأمّة إتيان النساء في أدبارهنّ، لما جاء في الحديث عن الصادق صلى الله عليه وسلم: «لا تأتوا النّساء في محاشّهنّ» .
وقد ترى بطانة الثّوب تقوم بنفسها، ولا ترى الظّهارة تستغني.
(1/154)

وجعل الله تعالى البطن وعاء لخير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم، ثم جعل أوّل دلائل نبوّته أن أهبط إليه ملكا حين أيفع، وهو يدرج مع غلمان الحيّ في هوازن، وهو مسترضع في بني سعد، حين شقّ عن بطنه، ثم استخرج قلبه فحشي نورا، ثم ختم بخاتم النبوّة. ولم يكن ذلك من قبل الظّهر.
فصل منه: وممّا فضلت به البطون: أنّ لحم السّرّة من الشاة أطيب اللحم، ولحم السّرّة من السّمك الموصوف، وسرّة حمار الوحش شفاء يتداوى بها، ومن سرّة الظّباء يستخرج المسك. وهذا كلّه خاصّ للبطون ليس للظّهور منه شيء.
وبدأ الله عزّ وجل في ذكر الفواحش بما ظهر منها، ولم يبدأه بما بطن فقال: إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ
، فجعله ابتداء في الذم.
والظّهر في أكثر أحواله سمج، والبطن في أكثر أحواله حسن. والظّهر في كلّ الأوقات وحشة ووحش، والبطن في كلّ الأوقات سكن وأنس.
[6- محاسن المرأة من جهة البطن لا الظهر]
ولم نرهم حين بالغوا في صفات النّساء بدأوا بذكرها إلّا من جهة البطن فقالوا: مدمجة الخصر،! لذيذة العناق، طيّبة النّكهة، حلوة العينين، ساحرة الطّرف، كأنّ سرّتها مدهن، وكأنّ فاها خاتم، وكأنّ ثدييها حقّان، وكأنّ عنقها إبريق فضّة. وليس للظهور في شيء من تلك الصّفات حظّ.
[7- حد الزاني واللوطي]
وأنّى نبلغ في صفة البطون، وإن أسهبنا، وكم عسى أن نحصي من
(1/155)

معايب الظهور وإن اجتهدنا وبالغنا. ألا ترى أنّ حدّ الزّاني ثمانون جلدة ما لم يكن محصنا، وحدّ اللّوطيّ أن يحرق. وكلاهما فجور ورجاسة، وإثم ونجاسة. إلّا أنّ أيسر المكروهين أحقّ بأن يميل إليه من ابتلي، وخير الشّرّين أحسن في الوصف من شرّ الشّرّين.
ولو أنّا رأينا رجلا في سوق من أسواق المسلمين يقبّل امرأة فسألناه عن ذلك، فقال: امرأتي. وسألوها فقالت: زوجي- لدرأنا عنهما الحدّ، لأنّ هذا حكم الإسلام. ولو رأيناه يقبّل غلاما لأدّبناه وحبسناه؛ لأنّ الحكم في هذا غير الحكم في ذاك.
ألا ترى أنّه ليس يمتنع في العقول والمعرفة أن يقبل الرجل في حبّ ما ملكت يمينه حتّى يقبّلها في الملا كما يقبّلها في الخلا، يصدق ذلك حديث ابن عمر: «وقعت في يدي جارية يوم جلولاء كأنّ عنقها إبريق فضّة فما صبرت حتّى قبّلتها والنّاس ينظرون» .
[8- تفضيل الظهر على البطن يثير الشك]
فصل منه: وقد رأيت منك أيّها الرّجل إفراطك في وصف فضيلة الظّهور، وفي محلّ الرّيبة وقعت، لأنّا روينا عن عمر أنّه قال: «من أظهر لنا خيرا ظننّا به خيرا، ومن أظهر لنا شرّا ظننا به شرّا» .
وإنّما يصف فضل الظّهر من كان مغرما بحبّ الظهور، وإلى ركوبه صبّا، وبالنّوم عليه مستهترا، وبالولوع بطلبه موكّلا، ومن كان للحلال مباينا، ولسبيله مفارقا، ولأهله قاليا، وللحرام معاودا، وبحبله مستمسكا وإلى قربه داعيا، ولأهله مواليا.
وقد اضطررتنا بتصييرك المفضول فاضلا، والعامّ خاصّا، والخسيس
(1/156)

نفيسا، والمحمود مذموما، والمعروف منكرا، والمؤخّر مقدّما والمقدّم مؤخّرا، والحلال حراما، والحرام حلالا، والبدعة سنّة، والسّنّة بدعة، والحظر إطلاقا، والإتلاق حظرا، والحقيقة شبهة والشّبهة حقيقة، والشّين زينا والزّين شينا، والزّجر أمرا والأمر زجرا، والوهم أصلا والأصل وهما، والعلم جهلا والجهل فضلا- إلى أن أدخلنا عليك الظّنّ، وألحقناك التّهمة، ونسبناك إلى غير أصلك، ونحلناك غير عقيدتك، وقضينا عليك بغير مذهبك. و «يداك أوكنا، وفاك نفخ» . فلا يبعد الله غيرك! أوجدنا أيّها الضالّ المضلّ، المغلوب على رأيه، المسلوب فهمه، المولّي على تمييزه، النّاكص على عقبه في اختياره، المفارق لأصل عقده، المدبر بعد الإقبال في معرفته، السّاقط بعد الهوى في ورطته، المتخلّي من فهمه، الغنيّ عن إفهامه، المضيّع لحكمته، المنزوع عقله، المختلس لبّه، المستطار جنانه، المعدوم بيانه، في الظّهور بعد الفضائل التي أوجدناكها في البطون، إمّا قياسا، وإمّا اختيارا، وإمّا ضرورة، وإما اختبارا وإمّا اكتسابا، أو في كتاب منزل، أو سنّة مأثورة، أو عادة محمودة، أو صلاح على خير.
أم هل لك في مقالتك في إمام تأتمّ به، أو أستاذ تقتفي أثره، وتهتدي بهداه، وتسلك سننه.
فصل منه: وقد حضّتني عليك عند انتهائي إلى هذا الموضع رقّة، وتداخلتني لك رحمة، ووجدت لك بقيّة في نفسي؛ لأنّه إنّما يرحم أهل البلاء.
والحمد لله الذي عافانا مما ابتلاك به، وفضّلنا على كثير من خلقه تفضيلا.
فرأيت أن أختم بأبسط الدّعاء لك كتابي، وأن أحرز به أجري وثوابي،
(1/157)

ورجوت أن تنيب وترجع بعد الجماح واللّجاج، فإنّ للجواد استقلالا بعد الكبوة، وللشّجاع كرّة بعد الكشفة، وللحليم عطفة بعد النّبوة.
وأنا أقول: جعلنا الله وإيّاك ممن أبصر رشده، وعرف حظّه، وآثر الإنصاف واستعمله، ورفض الهوى واطّرحه؛ فإنّ الله تعالى لم يبتل بالهوى إلّا من أضلّه، ولم يبعد إلّا من استبعده.
[9- فصل في ذم اللواط [1]]
والذي يدل على ان هذه الشهوة معيبة في نفسها، قبيحة في عينها، ان الله تعالى وعز لم يعوض في الآخرة بشهوة الولدان من ترك لوجهه في الدنيا شهوة الغلمان. كما سقى في الآخرة الخمر من تركها له في الدنيا، ثم مدح خمر الجنة باقصر الكلام، فنظم به جميع المعاني المكروهة في خمر الدنيا فقال: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
. كأنه تبارك وتعالى قال: لا سكر فيها ولا خمار.
وفي اكتفاء الرجال بالرجال والنساء بالنساء انقطاع النسل، وفي انقطاع النسل بطلان جميع الدين والدنيا. وغشيان الرجل الرجل والمرأة المرأة من المنكوس المعكوس، ومن المبدل المقلوب؛ لأن الله جل ذكره انما خلق الذكر للانثى، وجعل بينهما اسباب التحاب وعلائق الشركة، وعلل المشاكلة وجعل الذكر طبقا للانثى، وجعل الانثى سكنا للرجل. فقلب هؤلاء الأمر وعكسوه، واستقبلوا من اختار الله لهم بالرد والزهد فيه.
__________
[1] هذه الصفحة وردت وسط كتاب المعلمين في طبعة عبد السلام هارون وهي بدون شك مقحمة على الكتاب وربما اختيرت من كتاب ذم اللواط الضائع.
ورأينا من المناسب الحاقها بكتاب تفضيل البطن على الظهر الذي يعالج الموضوع ذاته.
(1/158)

4- هامش تفضيل البطن على الظهر
(1) الجاحظ يعلن موقفه الجازم من الموضوع: انه ليس راض باختيار من يفضل الظهر على البطن، ولا مسلما لمذهبه، ولا موافقا فيه، او مساعدا عليه.
(2) الجاحظ ينصح ويرشد ويسدد الخطى. وكأنه ينفي عن نفسه تهمة الميل الى مذهب من يفضل الظهر على البطن.
(3) الشريعة تنهي عن اللواط. والاستشهاد بالآيات القرآنية دليل على اهتمام الجاحظ بعلم الكلام.
(4) بطون قريش: ما تتفرع اليه من عشائر.
- لاحظ استغلال اللغة في تأييد آرائه: بطن الامر خير من ظهره. بطن القرطاس خير من ظهره، بطن الصحيفة خير من ظهرها الخ..
- السلع جمع سلعة: زيادة في الجسد كالغدة.
(5) المحاش، جمع المحشة، اي الدبر.
لاحظ المعجزة النبوية: الملاك يشق بطن النبي حين ايفع ويحشو قلبه نورا ويختمه.
(6) مدهن: قارورة الدهن.
مدمجة الخصر: مستقيمة الخصر، محكمة الخصر.
(7) لاحظ كيف يستغل الفرق بين حد الزاني وحد اللوطي لتأييد رأيه وكذلك تقبيل الغلام والمرأة.
(1/159)

(8) لاحظ هذا القلب الممل: صيرت المؤخر مقدما والمقدم مؤخرا، والحلال حراما والحرام حلالا، والبدعة سنة والسنة بدعة ... الخ.. هل تظن ان الجاحظ كان غافلا عن هذه اللعبة البيانية؟
- يداك اوكتا، وفاك نفخ» مثل يضرب لمن يجني على نفسه.
(1/160)

[5- رسالة مفاخرة الجواري والغلمان]
(- 5- كتاب مفاخرة الجواري والغلمان)
(1/161)

[1- موضوع الكتاب ومبررات مزج الجد بالهزل]
بالله نستعين واياه نستهدي وعليه نتوكل.
ان لكل نوع من العلم اهلا يقصدونه ويؤثرونه، واصناف العلم لا تحصى، منها الجزل ومنها السخيف. واذا كان موضع الحديث على أنه مضحك ومله، وداخل في باب حد المزح، فابدلت السخافة بالجزالة انقلب عن جهته، وصار الحديث الذي وضع على ان يسر النفوس يكربها ويغمها.
ومتى كان صاحب علم ممرنا موقحا، الف تفكير وتنقيب ودراسة، وحلف تبين، وكان ذلك عادة له، لم يضره النظر في كل فن من الجد والهزل؛ ليخرج بذلك من شكل الى شكل. فان الاسماع قد تمل الاصوات المطربة والاوتار الفصيحة والاغاني الحسنة، اذا طال ذلك عليها.
وقد روي عن ابي الدرداء، رضي الله عنه، انه قال: «اني لاستجم نفسي ببعض الباطل مخافة ان أخمل عليها من الحق ما يملها» .
وقد روي عن علي بن ابي طالب رضي الله عنه انه قال: «العلم اكثر من أن يحصى، فخذوا من كل شيء احسنه» .
(1/163)

وروي عن الشّعبي أنه قال: «إنّ القلوب تملّ كما تملّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة» .
وبعض من يظهر النسك والتقشّف إذا ذكر الحر والأير والنّيك تقزّز وانقبض. وأكثر من تجده كذلك فإنما هو رجل ليس معه من المعرفة والكرم، والنّبل والوقار، إلّا بقدر هذا التصنّع.
ولو علم أنّ عبد الله بن عباس أنشد في المسجد الحرام وهو محرم:
وهنّ يمشين بنا هميسا ... إن تصدق الطّير ننك لميسا
فقيل له: إنّ هذا من الرّفث! فقال: إنما الرّفث ما كان عند النساء وقول عليّ رضوان الله عليه ودخل على بعض أهل البصرة، ولم يكن في حسبه بذاك، فقال: من في هذه البيوت؟ فقال: عقائل من عقائل العرب. فقال: «من يطل أير أبيه ينتطق به» .
فعلى عليّ في التّنزّه يعوّل.
وقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه لبديل بن ورقاء يوم الحديبية، وقد تهدّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عضضت ببظر اللات، أنحن نخذله؟!» .
وقول حمزة بن عبد المطّلب رضي الله عنه: «وأنت يا ابن مقطّعة البظور ممن يكثّر علينا!» .
وحديث مرفوع: «من عذيري من ابن أمّ سباع مقطّعة البظور» .
ولو تتبّعت هذا وشبهه وجدته كثيرا.
(1/164)

وإنّما وضعت هذه الألفاظ ليستعملها أهل اللغة، ولو كان الرأي ألّا يلفظ بها ما كان لأوّل كونها معنى، ولكان في التّحريم والصّون للغة العرب أن ترفع هذه الأسماء والألفاظ منها.
وقد أصاب كلّ الصّواب من قال: «لكلّ مقام مقال» .
ولو كان ممّن يتصوّف ويتقشّف، علم قول امرأة رفاعة القرظيّ تجبهه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم غير محتشمة: إنّي تزوّجت عبد الرحمن بن الزّبير، وإنّما معه مثل هدبة الثّوب، وكنت عند رفاعة فطلّقني- ورسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على التبسّم حتى قضت كلامها- فقال: «تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتّى تذوقي من عسيلته ويذوق من عسيلتك» .
ورواه ابن المبارك عن معمر عن الزّهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها- لعلم أنّه على سبيل التّصنّع والرّياء.
ولو سمعوا حديث ابن حازم حين زعم أنّه يقيم ذكره ويصعد السّلّم وامرأته متعلّقة بذكره حتّى يصعد.
وحديث ابن أخي أبي الزّناد إذ يقول لعمّه: أنخر عند الجماع؟ قال:
يا بنيّ إذا خلوت فاصنع ما أحببت. قال: يا عمّ، أتنخر أنت؟ قال: يا بنيّ، لو رأيت عمّك يجامع لظننت أنّه لا يؤمن بالله العظيم! وهذان من ألفاظ المجان.
وروى عن بعض الصّالحين من التابعين رحمه الله، أنه كان يقول في دعائه: اللهمّ قوّ ذكري على نكاح ما أحللت لي.
ونحن لم نقصد في ذكرنا هذه الأخبار الردّ على من أنكر هذه الأمور، ولكنّا لما ذكرنا اختصام الشّتاء والصيف، واحتجاج أحدهما على صاحبه، واحتجاج صاحب المعز والضّأن بمثل ذلك، أحببنا أن نذكر ما جرى بين
(1/165)

اللّاطة والزّناة، وذكرنا ما نقل حمّال الآثار وروته الرّواة، من الأشعار والأمثال، وإن كان في بعض البطالات، فأردنا أن نقدّم الحجّة لمذهبنا في صدر كتابنا هذا.
ونعوذ بالله أن نقول ما يوتغ ويردي، وإليه نرغب في التأييد والعصمة، ونسأله السلامة في الدّين والدّنيا برحمته.
[2- ذكر الولدان والجواري في القرآن]
قال (صاحب الغلمان) : إنّ من فضل الغلام على الجاريه أن الجارية إذا وصفت بكمال الحسن قيل: كأنّها غلام، ووصيفة غلاميّة.
لها قدّ الغلام وعارضاه ... وتفتير المبتّلة اللّعوب
وقال:
فطب لحديث من نديم موافق ... وساقية بين المراهق والحلم
إذا هي قامت والسّداسيّ طالها ... وبين النّحيف الجسم والحسن الجسم
وقال والبة بن الحباب:
وميراثيّة تمشي اختيالا ... من التكريه قاتلة الكلام
لها زيّ الغلام ولم أقسها ... إليه ولم أقصّر بالغلام
وقال عكّاشة:
مطمومة الشّعر في قمص مزرّرة ... في زيّ ذي ذكر سيماه سيماها
وأكثر من قول الله عزّ وجلّ: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ
(1/166)

مَكْنُونٌ
وقال تبارك وتعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ
. فوصفهم في غير موضع من كتابه، وشوّق إليهم أولياءه.
قال (صاحب الجواري) : قد ذكر الله جلّ اسمه الحور العين أكثر مما ذكر الولدان، فما حجّتك في هذا إلا كحجّتنا عليك.
وممّا صان الله به النّساء أنّه جعل في جميع الأحكام شاهدين: منها الإشراك بالله، وقتل النّفس التي حرّم الله تعالى؛ وجعل الشهادة على المرأة إذا رميت بالزّنى أربعة مجتمعين غير مفترقين في موضع، يشهدون أنّهم رأوه مثل الميل في المكحلة. وهذا شيء عسير؛ لما إراد الله من إغماض هذا الحدّ إذ جعل فيه الشّدخ بالحجارة.
وإنّما خلق الله الرّجال بالنساء.
وريح الجارية أطيب، وثيابها أعطر، ومشيتها أحسن، ونغمتها أرقّ، والقلوب إليها أميل، ومتى أردتها من قدّام أو خلف من حيث يحسن ويحلّ وجدت ذلك كما قال الشاعر:
وصيفة كالغلام تصلح لل- ... - أمرين كالغصن في تثنّيها
أكملها الله ثم قال لها ... لما استتمّت في حسنها: إيها
قال: ونظر بعض الحاجّ إلى جارية كأنها دمية في محراب، قد أبدت عن ذراع كأنه جمّارة، وهي تكلّم بالرّفث، فقال: يا هذه، تكلّمين بمثل هذا وأنت حاجّة! قالت: لست حاجّة، وإنما يحجّ الجمل، ألست تراني جالسة وهو يمشي! قال: ويحك، لم أر مثلك فمن أنت؟ قالت: أنا من اللواتي وصفهنّ الشّاعر فقال:
ودقّت وجلّت واسبكرّت وأكملت ... فلو جنّ إنسان من الحسن جنّت
(1/167)

[3- الغلمان والجواري في الحديث النبوي]
قال (صاحب الغلمان) : إنّ أحدا لا يدخل الجنّة إلا أمرد، كما جاء في الحديث: «إنّ أهل الجنّة يدخلونها مردا مكحّلين» . والنّساء إلى المرد أميل، وله أشهى، كما قال الأعشي:
وأرى الغواني لا يواصلن امرأ ... فقد الشّباب وقد يصلن الأمردا
وقال امرؤ القيس:
فيا ربّ يوم قد أروح مرجّلا ... حبيبا إلى البيض الأوانس أملسا
أراهن لا يحببن من قلّ مالة ... ولا من رأين الشّيب فيه وقوّسا
وقال علقمة بن عبدة:
فإن تسألوني بالنّساء فإنّني ... بصير بأدواء النّساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له في ودّهنّ نصيب
يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشّباب عندهنّ عجيب
قال (صاحب الجواري) : فإنّ الحديث قد جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «حبّب إليّ النّساء والطّيب، وجعلت قرّة عيني في الصّلاة» . ولم يأت للغلمان مثل هذه الفضيلة. وقد فتن بالنساء الأنبياء عليهم السلام، منهم داود، ويوسف، عليهما السلام.
[4- حد الزنى واللواط]
قال (صاحب الغلمان) : لو لم يكن من بليّة النساء إلّا أنّ الزّنى لا يكون إلّا بهنّ، وقد جاء في ذلك من التغليظ ما لم يأت في غيره في الكتاب نصّا، وفي الروايات الصحيحة. قال الله تبارك وتعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى
(1/168)

إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا
، وقال: وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً. يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً
، وقال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ
. وقد جعل بينهما إذا لم يكن شهود التلاعن والفرقة في عاجل الدّنيا، إلى ما أعدّ للكاذب منهما من اللّعن والغضب في الآخرة.
قال (صاحب الجواري) : ما جعل الله من الحدّ على الزّاني إلّا ما جعل على اللّوطيّ مثله. وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنّه أتي بلوطيّ، فأصعد المئذنة ثم رمي منكّسا على رأسه، وقال: «هكذا يرمى به في نار جهنّم» .
وحدّث عن أبي بكر، رضي الله عنه، أنّه أتي بلوطيّ فعرقب عليه حائطا.
وحديث أبي بكر أيضا رضي الله عنه، أنّ خالد بن الوليد كتب إليه في قوم لاطوا فأمر بإحراقهم.
وأحرقهم هشام بن عبد الملك، وأحرقهم خالد بن عبد الله بأمر هشام.
وفي حديث مجاهد أنّ الذي يعمل عمل قوم لوط لو اغتسل بكلّ قطرة من السّماء وكلّ قطرة في الأرض لم يزل نجسا.
وحديث الزّهريّ: «اللّوطيّ يرجم، أحصن أو لم يحصن؛ سنّة ماضية» .
وروي عن الحكم بن عتيبة أن عليّا رحمه الله رجم لوطيّا وقال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذّكرين يلعب أحدهما بالآخر» .
وحديث أنس قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤنّثين من الرجال، والمذكّرات من النساء» .
(1/169)

وقد نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم مخنّثا من المدينة يقال له «هيت» وسمعه يقول لأمّ سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا فتحتم الطّائف فعليك بادية بنت غيلان، فإنها هيفاء شموع، إذا قامت تثنّت، وإذا تكلّمت تغنّت، تقبل بأربع وتدبر بثمان، وبين رجليها كالإناء المكفوء، فزوّجيها عمر ابنك» . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد تغلغلت في النظر يا عدوّ الله، وما ظننتك من ذوي الإربة!» ، فنفاه عن المدينة.
[5- النبي يحث على الزواج والانجاب]
قال (صاحب الغلمان) : من عيوب المرأة أنّ الرجل إذا صاحبها شيّبت رأسه، وسهّكت ريحه، وسوّدت لونه، وكثر بوله. وهنّ مصايد إبليس وحبائل الشيطان، يتعبن الغنيّ، ويكلّفن الفقير ما لا يجد. وكم من رجل تاجر مستور قد فلّسته امرأته حتّى هام على وجهه، أو جلس في بيته، أو أقامته من سوقه ومعاشه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النّساء» .
قال (صاحب الجواري) : قد جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تزوّجوا فإنّي مكاثر بكم الأمم» .
وجاء عنه: «إذا قضيتم غزوكم فالكيس الكيس» . يعني النكاح.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مسكين مسكين رجل لا زوجة له.
مسكينة مسكينة امرأة لا بعل لها» .
وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: «تزوّجوا والتمسوا الولد؛ فإنّهم ثمرات القلوب. وإيّاكم والعجز العقر» .
(1/170)

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر أهل عصره نساء، وكذلك كانت الأنبياء عليهم السلام قبله.
وقد أنبأك الله عزّ وجلّ بخبر داود عليه السّلام في القرآن، وما روى أنّه كان لسليمان عليه السلام.
وقد تزوّج ابن مسعود في مرضه الذي مات فيه.
وقال معاذ: زوّجوني لا ألقى الله تعالى وأنا عزب.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إني لأجهد نفسي في النّكاح حتّى يخرج الله منّي نسمة تسبّحه.
وروى أنه قال: عليكم بالأبكار الشّوابّ؛ فإنهنّ أطيب أفواها، وأنتق أرحاما.
والحديث في هذا أكثر من أن نأتي عليه.
[6- عيوب الزنا]
قال (صاحب الغلمان) : إن من عيوب الجواري أنّ الرجل إذا اشترى الوصيفة إلى أن يستبرئها محرّم عليه أن يستمتع بشيء منها قبل ذلك، والوصيف لا يحتاج إلى ذلك. وقد قال الشاعر:
فديتك إنّما اخترناك عمدا ... لأنك لا تحيض ولا تبيض
وقد جاء في الحديث أنّ الزّنى فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة. فأما التي في الدنيا فيذهب بالبهاء، ويعجّل الفناء، ويقطع الرّزق من السماء. وأمّا اللواتي في الآخرة فالحساب، والعذاب، ودخول النار.
(1/171)

وروي عن مجاهد، قال: إنّ لأهل النار صرخة من ريح الزّناة.
وقالوا: إن أهل النار ليتأذّون بريح الزّناة.
[7- حب النساء يتيم صاحبه بعكس حب الغلمان]
قال (صاحب الجواري) : لم نسمع بعاشق قتله حبّ غلام. ونحن نعدّ من الشّعراء خاصة الإسلاميّين جماعة، منهم جميل بن معمر قتله حبّ بثينة، وكثيّر قتله حبّ عزّة، وعروة قتله حبّ عفراء، ومجنون بني عامر هيّمته ليلى، وقيس بن ذريح قتلته لبنى، وعبيد الله بن عجلان قتلته هند، والغمر بن ضرار قتلته جمل. هؤلاء من أحصينا، ومن لم نذكر أكثر.
قال (صاحب الغلمان) : لو نظر كثّير وجميل وعروة، ومن سمّيت من نظرائهم، الى بعض خدم أهل عصرنا ممن قد اشتري بالمال العظيم فراهة وشطاطا ونقاء لون، وحسن اعتدال، وجودة قدّ وقوام، لنبذوا بثينة وعزّة وعفراء من حالق، وتركوهنّ بمزجر الكلاب. ولكنك احتججت علينا بأعراب أجلاف جفاة، غذوا بالبؤس والشّقاء ونشّئوا فيه، لا يعرفون من رفاهة العيش ولذّات الدنيا شيئا، إنّما يسكنون القفار، وينفرون من الناس كنفور الوحش، ويقتاتون القنافذ والضّباب، وينقفون الحنظل، وإذا بلغ أحدهم جهده بكى على الدّمنة ونعت المرأة، ويشبّهها بالبقرة والظّبية، والمرأة أحسن منهما.
نعم حتّى يشبّهها بالحيّة، ويسمّيها شوهاء وجرباء، مخافة العين عليها بزعمه.
فأمّا الأدباء والظرفاء فقد قالوا في الغلمان فأحسنوا، ووصفوهم فأجادوا، وقدّموهم على الجواري، في الجدّ منهم والهزل.
(1/172)

[8- اشعار في الغلمان والجواري]
وقال الشاعر يصف الغلام:
شبيه بالقضيب وبالكثيب ... غريب الحسن في قدّ غريب
براه الله بدرا فوق غصن ... ونيط بحقوه دعص الكثيب
أغنّ تولّد الشّهوات منه ... فما تعدوه أهواء القلوب
وما اكتحلت به عين ففاتت ... مسلّمة الضّمير من الذّنوب
شغلت به الهوى ونزعت عنه ... ولم أدنس به دنس المريب
وقال آخر:
كلفت بظبي له ... سوالف أدمانه
قضيب على رملة ... على شعبتي بانه
له لحظ وحشيّة ... وألفاظ إنسانه
وقال أبو نواس:
سقيا لغير العلياء والسّند ... وغير أطلال ميّ بالجرد
ويا صبيب السّحاب إن كنت قد ... جدت اللّوى مرة فلا تعد
لا تسقين بلدة إذا عدّت ال- ... بلدان كانت زيادة الكبد
إن أتحرّز من الغراب بها ... يكن مفرّي منه إلى الصّرد
بحيث لا تجلب الفجاج إلى ... أذنيك إلّا تصايح النّقد
أحسن عندي من انكبابك بال- ... فهر ملحّا به على وتد
وقوف ريحانة على أذن ... وسير كأس إلى فم بيد
يسقيكها من بني العباد رشا ... منتسب عيده إلى الأحد
إذا بنى الماء فوقها حببا ... صلّب فوق الجبين بالزّبد
(1/173)

أشرب من كفّه الشمول ومن ... فيه رضابا [يجري] على برد
فذاك خير من البكاء على ال ... رّبع وأنمى في الرّوح والجسد
قال (صاحب الجواري) : فقد قال أبو نواس الحكميّ شاعركم أيضا:
لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند ... واشرب على الورد من حمراء كالورد
كأسا إذا انحدرت في حلق شاربها ... رأيت حمرتها في العين والخدّ
فالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤة ... من كفّ لؤلؤة ممشوقة القدّ
تسقيك من عينها سحرا ومن يدها ... خمرا فما لك من سكرين من بدّ
لي نشوتان وللنّدمان واحدة ... شيء خصصت به من بينهم وحدي
وقال أيضا:
دع عنك لومي فإنّ اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسّها حجر مسّته سرّاء
من كفّ ذات حر في زيّ ذي ذكر ... لها محبان) : لوطيّ وزنّاء
قامت بإبريقها واللّيل معتكر ... فظلّ من وجهها في البيت لألاء
فأرسلت من فم الإبريق صافية ... كأنّما أخذها بالعين إغفاء
في فتية زهر ذلّ الزمان لهم ... فما يصيبهم إلّا بما شاءوا
لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلة ... كانت تكون بها هند وأسماء
[قال صاحب الغلمان] .... وقال النظام:
بان بك الشّكل والنّظير ... وجلّ عن وصفك الضّمير
فليس يخطيك في امتحان ... صغير أمر ولا كبير
خلقت من مثل لا عيان ... جسما على أنّه منير
فأنت عند المجسّ نار ... وأنت عند اللّحاظ نور
(1/174)

وقال أبو هشام الخرّاز:
يا من تعدّى العباد من شبهه ... لمّا قصرن الصّفات عن كنهه
ويا غزالا يسبي بلحظته ... مكتحلا راح أو على مرهه
يجعل قتل النّفوس نزهته ... يوشك يفني النّفوس في نزهه
لبّيك داع دعا فقلت له ... والقلب في كربه وفي ولهه
هذا فؤادي أتاك مبتدعا ... طوعا ولم يأتكم على كرهه
يشره منكم إلى مواصلة ... يابوس قلب يذوب من شرهه
فالآن قل للخيال يطرق من ... أعيا عليه وصال منتبهه
وقال الحكميّ:
رسم الكرى بين الجفون محيل ... عفّى عليه بكا عليك طويل
يا ناظرا ما أقلعت نظراته ... حتّى تشحّط بينهنّ قتيل
أحللت من قلبي هواك محلّة ... ما حلّها المشروب والمأكول
وقال أيضا:
لي حبيب كلّما زاد في ... جفوته لي كان أشهى
هو وجه كلّه في كلّ ما ... نظرت عيناك منه كان وجها
وكذا الدّرّة لا يدري الفتى ... أيّها من أيّها في العين أبمى
وقال أيضا:
أفنيت فيك معاني الشكوى ... وصفات ما ألقى من البلوى
قلّبت آفاق الكلام فما ... أبصرتني أغفلت عن معنى
وأعدّ ما لا أشتكي غبنا ... فأعود فيه مرّة أخرى
فلو أنّ ما أشكو إلى بشر ... لأراحني ظنّي من الشّكوى
لكنّني أشكو إلى حجر ... تنبو المعاول عنه بل أقسى
(1/175)

فهذا وشبهه من الشعر كثير.
وإذا جئت إلى أصحاب الهزل كقول بعضهم ممّن ذمّ النساء:
هذه الخمر فاشرب ... واسقني يا ابن مصعب
اسقنيها وغنّني: ... من لقلب معذّب
طمعت فيّ طفلة ... ربّ راج مجنّب
قلت لمّا رأيتها ... أسفرت لي: تنقّبي
لست والله مدخلا ... إصبعي جحر عقرب
وقال آخر:
لا أبتغي بالمرد مطمومة ... ولا أبيع الظّبي بالأرنب
لا أدخل الجحر يدي طائعا ... أخشى من الحيّة والعقرب
وقال آخر:
ليس لي في الحرّ حاجه ... نيكه عندي سماجه
ما ينيك الحرّ إلّا ... كلّ ذي فقر وحاجه
فإذا نكتم فنيكوا ... أمردا في لون عاجه
وقال يوسف لقوه:
ما يساوي نيك أنثى ... عند أيري بعرتين.
إنّما نيك الجواري ... حلّ دين بعد دين
ليس للأير حياة ... غير ريح الخصيتين
وهو الذي يقول:
وعلى اللّواط فلا تلومن كاتبا ... إنّ اللّواط سجيّة في الكاتب
ولقد يتوب من المحارم كلّها، ... وعن الخصى ما عاش ليس بتائب
(1/176)

وقال الحكميّ:
للطمة يلطمني أمرد ... تأخذ منّي العين والفكّا
أطيب من تفّاحة في يدي ... معضوضة قد ملئت مسكا
وقال آخر:
إن تزن محصنة ترجم علانية ... وإن يلط عزب لا يرجم العزب
وقال آخر:
أيسر ما فيه من مفاضلة ... أمنك من طمثه ومن حبله
وهذا قليل من كثير ما قالوا، فقد قالت الشعراء في الغلام في الجدّ والهزل فأحسنوا، كما قالت الشعراء في الغزل والنّسيب، ولا يضير المحسن منهم أقديما كان أو محدثا.
قال (صاحب الجواري) : أمّا أنت فحيث اجتهدت واحتفلت جئت بالحكميّ، والرّقاشيّ، ووالبة، ونظرائهم من الفسّاق والمرغوب عن مذهبهم، الذين نبغوا في آخر الزمان، سقّاط عند أهل المروءات، أوضاع عند أهل الفضل؛ لأنّهم وإن أسهبوا في وصف الغلمان، فإنما يمدحون اللّواط ويشيدون بذكره.
وقد علمت ما قال الله تبارك وتعالى في قوم لوط، وما عجّل لهم من الخزي والقذف بالحجارة، إلى ما أعدّ لهم من العذاب الأليم. فمن أسوأ حالا ممن مدح ما ذمّه الله، وحسّن ما قبّح! وأين قول من سمّيت من قول الأوائل في الغزل والنّسيب والنساء! وهل كان البكاء والتشبيب والعويل إلا فيهنّ وعليهنّ، ومن أجلهنّ! وهل ذمّت العرب الشّيب مع الخصال المحمودة التي فيه إلا لكراهتهنّ له. قال شاعر الشعراء من الأوّلين والآخرين، امرؤ القيس:
(1/177)

أراهنّ لا يحببن من قلّ ماله ... ولا من رأين الشّيب فيه وقوّسا
وقال علقمة بن عبدة الفحل، وكان نظير امرىء القيس في عصره:
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له في ودّهنّ نصيب
يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشّباب عندهن عجيب
وما قالت القدماء في النسيب أكثر من أن نأتي عليه. وأين قول من ذكرت في صفات الغلمان من قول امرىء القيس في التشبيب حيث يقول:
وما ذرفت عيناك إلّا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتّل
أغرّك منّي أنّ حبّك قاتلي ... وأنّك مهما تأمري القلب يفعل
وقول الأعشى:
لو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر
حتّى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للقاتل الناشر
وقال جرير:
إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا
غيّضن من عبراتهنّ وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا
وقال جميل:
خليلي فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي
وقال القطاميّ:
يقتلننا بحديث ليس يعلمه ... من يتّقين ولا مكنونه بادي
فهنّ ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلّة الصادي
(1/178)

فهؤلاء القدماء في الجاهلية والإسلام، فأين قول من احتججت به من قولهم! ولا نعلم أحدا قال في الغلام ما قال الحكميّ وهو من المحدثين. وأين يقع قوله من قول الأوائل الذين شبّبوا بالنساء! فدع عنك الرّقاشيّ ووالبة والخرّاز ومن أشبههم؛ فليست لك علينا حجّة في الشعراء.
وأخرى: ليس من قال الشعر بقريحته وطبعه واستغنى بنفسه، كمن احتاج إلى غيره يطرد شعره، ويحتذى مثاله، ولا يبلغ معشاره.
[9- صفات المرأة الجميلة]
قال (صاحب الغلمان) : ظلمت في المناظرة ولم تنصف في الحجّة؛ لأنا لم ندفع فضل الأوائل من الشعرء، إنّما قلنا إنهم كانوا أعرابا أجلافا جفاة، لا يعرفون رقيق العيش ولا لذّات الدنيا؛ لأنّ أحدهم إذا اجتهد عند نفسه شبّه المرأة بالبقرة، والظبية، والحيّة. فإن وصفها بالاعتدال في الخلقة شبّهها بالقضيب، وشبّه ساقها بالبرديّة؛ لأنّهم مع الوحوش والأحناش نشؤوا، فلا يعرفون غيرها.
وقد نعلم أنّ الجارية الفائقة الحسن أحسن من البقرة، وأحسن من الظّبية، وأحسن من كلّ شيء شبّهت به.
وكذلك قولهم: كأنّها القمر؛ وكأنّها الشمس؛ فالشّمس وإن كانت حسنة فإنما هي شيء واحد، وفي وجه الإنسان الجميل وفي خلقه ضروب من الحسن الغريب، والتركيب العجيب. ومن يشكّ أنّ عين الإنسان أحسن من عين الظّبي والبقرة، وأن الأمر بينهما متفاوت! وهذه أشياء يشترك فيها الغلمان والجواري، والحجّة عليك مثل الحجّة لك في هذه الصفات
(1/179)

وأمّا احتجاجك علينا بالقرآن والآثار والفقهاء، فقد قرأنا مثل ما قرأت، وسمعنا من الآثار مثل ما سمعت. فإن كنت إلى سرور الدّنيا تذهب، ولذّاتها تريد، فالقول قولنا. كما قال الشاعر:
ما العيش إلّا في جنون الصّبا ... فإن تولّى فزمان المدام
كأسا إذا ما الشيخ والى بها ... خمسا تردّى برداء الغلام
[10- مفاخرة اهل البصرة والكوفة]
وإن كنت إلى التقشّف والتزهيد في اللّذّات تعمد فترك جميع الشّهوات من النساء وغيرهنّ أفضل. فإن أنصفت فأتنا بمثل حجّتنا. فأمّا أن تتلو علينا القرآن وتأتينا بأحاديث ألّفتها فهذا منك انقطاع. ومثلنا ومثلك في ذلك مثل بصريّ وكوفيّ تفاخرا بعدد أشراف أهل البصرة وأشراف أهل الكوفة، فقال البصريّ للكوفيّ:
هات في أربع قبائل الكوفة مثل أربعة رجال بالبصرة في أربع قبائل:
في تميم الكوفة مثل الأحنف، وفي بكر الكوفة مثل مالك بن مسمع، وفي قيس الكوفة مثل قتيبة بن مسلم، وفي أزد الكوفة مثل المهلب.
فقال الكوفيّ: مخنف بن سليم من أزد السّراة، وهم أشرف من أزد عمان.
فقال البصريّ: إنا لم نكن في شرف القبائل وفرق ما بينها، فإنما ذكرنا المهلّب بنفسه، وما علمت أن أحدا يبلغ من جهله أن يفخر بمخنف بن سليم فيفضّله على المهلب. وأخمل رجل من ولد المهلّب أشهر في الولايات وفي الفرسان وفي الناس من مخنف. والمهلّب رجل ليس له بالعراق نظير يقاومه، ومناقبه وأيّامه وفتوحه أكثر وأشهر من أن يجوز لنا أن نجعله إزاء مخنف. وما زالوا يقولون: «بصرة المهلّب» . ولو لم يكن للمهلّب إلّا أنه
(1/180)

ولد يزيد بن بن المهلّب كان كافيا. ونحن إذا قلنا: ليس في قيس الكوفة مثل قتيبة بن مسلم، قال قائل: فزارة أشرف من باهلة. قلنا: ليس هذه معارضة؛ فإنّما المعارضة أن تذكر أسماء بن خارجة ثم تقول ونقول، فنذكر فتوح قتيبة العظام، والشّهامة والنفس الأبية، والشّجاعة والحزم والرأي، والوفاء، وشرف الولاية، ونذكر سودد أسماء، وجوده ونواله. فأمّا أن نتخطّى أنفسهما إلى قبائلهما كما تخطّيت بدن المهلّب وبدن مخنف إلى أزد عمان وأزد السّراة، فهذا ليس من معارضة العلماء.
وكذلك إذا ذكرنا عبّاد البصرة وزهّادها ونسّاكها فقلنا: لنا مثل غامر بن عبد قيس، وهرم بن حيّان، وصلة بن أشيم. قلت: فعبّاد الكوفة: أويس القرنيّ، والرّبيع بن خثيم، والأسود بن يزيد النّخعي. وهذا جواب.
فأمّا أن تذكر طيب الدّنيا والتمتّع من لذّاتها وصفات محاسنها، وتذكر ظرفاءها وأربابها، وتجيئنا بأحاديث الزهّاد والفقهاء، فقد انقطع الحجاج بيننا وبينك.
وقد قلنا في صدر كتابنا: إن الكلام إذا وضع على المزح والهزل، ثم أخرجته عن ذلك إلى غيره من الجدّ، تغيّر معناه وبطل.
وقد روي أنّ معاوية سأل عمرو بن العاص يوما- وعنده شباب من قريش- فقال له: يا أبا عبد الله، ما اللذّة؟ فقال: مر شباب قريش فليقوموا. فلما قاموا قال: «إسقاط المروءة» .
قال الشاعر في مثل ذلك:
من راقب النّاس مات غمّا ... وفاز باللّذّة الجسور
وقال الحكميّ:
تجاسرت فكاشفت ... ك لمّا غلب الصّبر
(1/181)

وما أحسن في مثل ... ك أن ينهتك السّتر
[11- فضل الجارية على الغلام]
قال (صاحب الجواري) :
فنحن نترك ما أنكرت علينا ونقول: لو لم يكن حلال ولا حرام، ولا ثواب ولا عقاب، لكان الذي يحصّله المعقول ويدركه الحسّ والوجدان، دالّا على أنّ الاستمتاع بالجارية أكثر وأطول مدّة؛ لأنه أقل ما يكون التمتّع بها أربعون عاما، وليس تجد في الغلام معنىّ إلّا وجدته في الجارية وأضعافه.
فإن أردت التفخيذ فأرداف وثيرة، وأعجاز بارزة لا تجدها عند الغلام. وإن أردت العناق فالثّديّ النواهد، وذلك معدوم في الغلام. وإن أردت طيب المأتى فناهيك، ولا تجد ذلك عند الغلام. فإن أتوه في محاشّه حدث هناك من الطّفاسة والقذر ما يكدّر كلّ عيش، وينغّص كلّ لذة.
وفي الجارية من نعمة البشرة ولدونة المفاصل، ولطافة الكّفين والقدمين، ولين الأعطاف، والتثنّي وقلّة الحشن وطيب العرق ما ليس للغلام، مع خصال لا تحصى، كما قال الشاعر:
يصف جودة القدّ وحسن الخرط، ويفرق بين المجدولة والسّمينة.
وقولهم «مجدولة» يريدون جودة العصب وقلّة الاسترخاء، ولذلك قالوا: خمصانة وسيفانة، وكأنها جانّ، وكأنّها جدل عنان، وكأنّها قضيب خيزران. والتثنّي في مشية الجارية أحسن ما فيها، وذلك في الغلام عيب؛ لأنّه ينسب إلى التخنيث والتأنيث- وقد وصفت الشعراء المجدولة في أشعارها، فقال بعضهم:
لها قسمة من خوط بان ومن نقا ... ومن رشأ الأقواز جيد ومذرف
(1/182)

وقال آخر:
مجدولة الأعلى كثيب نصفها ... إذا مشت أقعدها ما خلفها
وقال الآخر:
ومجدولة جدل العنان إذا مشت ... ينوء بخصريها ثقال الرّوادف
وقال الأحوص:
من المدمجات اللحم جدلا كأنّها ... عنان صناع أنعمت أن تخوّدا
وقالوا في ذلك أكثر من أن نأتي عليه.
والغلام أكثر ما تبقى بهجته ونقاء خدّيه عشرة أعوام، إلى أن تتّصل لحيته ويخرج من حدّ المرودة، ثم هو وقاح طورا ينتف لحيته، وتارة يهلبها ليستدعي شهوة الرّجال. وقد أغنى الله الجارية عن ذلك، لما وهب لما من الجمال الفائق، والحسن الرائق.
فإن قلت: إنّ من النساء من تتحسّن وتستر عيبها بخضاب الشعر وغيره، كما قال الشاعر:
عجوز ترجّى أن تكون فتيّة ... وقد لحب الجنبان واحدودب الظّهر
تدسّ إلى العطّار ميرة أهلها ... ولن يصلح العطّار ما أفسد الدّهر
قلنا: قد يفعل ذلك بعض النساء إذا شيّبت وليس كالغلام، لعموم هلب اللّحى في الغلمان.
[12- الخصيان]
وذكرت الخصيان وحسن قدودهم، ونعمة أبشارهم، والتلذّذ بهم، وأنّ
(1/183)

ذلك شيء لا تعرفه الأوائل، فألجاتنا إلى أن نصف ما في الخصيان وإن لم يكن لذلك معنى في كتابنا، إذ كنّا إنما نقول في الجواري والغلمان.
والخصيّ- رحمك الله- في الجملة ممثّل به، ليس برجل ولا امرأة، وأخلاقه مقسّمة بين أخلاق النساء وأخلاق الصّبيان، وفيه من العيوب التي لو كانت في حوراء كان حقيقا أن يزهد فيها منه؛ لأن الخصيّ سريع التبدّل والتنقّل من حدّ البضاضة وملاسة الجلد، وصفاء اللّون ورقّته، وكثرة الماء وبريقه، إلى التكسّر والجمود والكمود، والتقبّض والتجمّد والتحدّب، وإلى الهزال وسوء الحال. لأنّك ترى الخصيّ وكأنّ السيوف تلمع في وجهه، وكأنه مرآة صينيّة، وكأنّه جمّارة، وكأنّه قضيب فضّة قد مسّه ذهب، وكأنّ في وجناته الورد. فإن مرض مرضة، أو طعن في السنّ ذهب ذهابا لا يعود.
وقال بعض العلماء: إنّ الخصيّ إذا قطع ذلك العضو منه قويت شهوته، وقويت معدته، ولانت جلدته، وانجردت شعرته، وكثرت دمعته، واتّسعت فقحته، ويصير كالبغل الذي ليس هو حمارا ولا فرسا؛ لأنّه ليس برجل ولا امرأة. فهو مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
ويعرض للخصيّ سرعة الدّمعة والغضب، وذلك من أخلاق النساء والصّبيان. ويعرض له حبّ النميمة وضيق الصّدر بما أودع من السّرّ.
ويعرض لهم البول في الفراش ولا سيّما إذا بات أحدهم ممتلئا من النّبيذ.
ومما ناله من الحسرة والأسف لما فاتهم من النّكاح مع شدّة حبّهم للنساء، أبغضوا الفحول أشدّ من تباغض الأعداء، فأبغضوا الفحول بغض الحاسد لذوي النّعمة.
وزعم بعض أهل التجربة من الشّيوخ المعمّرين أنّهم اعتبروا أعمار
(1/184)

ضروب الناس فوجدوا [طول] أعمار الخصيان أعمّ من جميع أجناس الرجال، وأنهم لم يجدوا لذلك علّة إلّا عدم النّكاح. وكذلك طول أعمار البغال لقلة النّزو. ووجدوا أقل الأعمار أعمار العصافير؛ لكثرة سفادها.
ثم الخصيّ مع الرّجال امرأة، ومع النّساء رجل. وهو من النمائم والتحريش والإفساد بين المرء وزوجه، على ما ليس عليه أحد. وهذا من النّفاسة والحسد للفحول على النساء. ويعتريه إذا طعن في السنّ اعوجاج في أصابع اليد، والتواء في أصابع الرّجل.
ودخل بعض الملوك على أهله ومعه خصيّ فاستترت منه، فقال لها:
تستترين منه وإنما هو بمنزلة المرأة! فقالت: ألموضع المثلة به يحلّ له ما حرّم الله عليه.
مع أنّ في الخصيّ عيوبا يطول ذكرها.
ولولا خوف الملال والسآمة على الناظر في هذا الكتاب، لقلنا في الاحتجاج عليك بما لا يدفعه من كانت به مسكة عقل، أو له معرفة. وفيما قلنا ما أقنع وكفى. وبالله الثّقة.
[13- مقطعات من احاديث البطالين]
وقد ذكرنا في آخر كتابنا هذا مقطّعات من أحاديث البطّالين والظّرفاء، ليزيد القارىء لهذا الكتاب نشاطا، ويذهب عنه الفتور والكلال، ولا قوّة إلا بالله.
1- قال: مرض رجل من عتاة اللّاطة مرضا شديدا، فأيسوا منه، فلما أفاق وأبل من مرضه، دخل عليه جيرانه فقالوا له: احمد الله الذي أقالك،
(1/185)

ودع ما كنت فيه من طلب الغلمان والانهماك فيهم، مع هذه السنّ التي قد بلغتها. قال: جزاكم الله خيرا؛ فقد علمت أنّ فرط العناية والمودّة دعاكم إلى عظتي. ولكنّي اعتدت هذه الصناعة وأنا صغير، وقد علمتم ما قال بعض الحكماء: ما أشدّ فطام الكبير! قال الشاعر:
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه
فقاموا من عنده آيسين من فلاحه.
2- قال: كان رجل من اللّاطة وله بنون لهم أقدار ومروءات، فشانهم بمشيته مع الغلمان وطلبه لهم، فعاتبوه وقالوا: نحن نشتري لك من الوصائف على ما تشتهي، تشتغل بهنّ، فقد فضحتنا في الناس. فقال: هبكم تشترون لي ما ذكرتم فكيف لشيخكم بحرارة الجلجلتين! فتركوا عتابه وعلموا أنّه لا حيلة فيه.
3- وقال بعض اللّوطيين: إنّما خلق الأير للفقحة، مدوّر لمدوّرة؛ ولو كان للحر كان على صيغة الطّبرزين.
وقال شاعرهم:
إذا وجدت صغيرا ... وكأت أصل الحماره
وإن أصبت كبيرا ... قصدت قصد الحراره
فما أبالي كبيرا ... قصدت أو ذا غراره
4- وقيل لامرأة من الأشراف كانت من المتزوّجات: ما بالك مع جمالك وشرفك لا تمكثين مع زوجك إلّا يسيرا حتى يطلّقك؟ قالت: يريدون الضّيق، ضيّق الله عليهم.
(1/186)

5- قال: طلّق رجل امرأته، فمرّ رجل في بعض الطّرقات فسمع امرأة تسأل أخرى عنها فقالت: البائسة طلّقها زوجها! فقالت: أحسن بارك الله عليه. فقال لها: يا أمة الله، من شأن النّساء التعصّب بعضهن لبعض، وأسمعك تقولين ما قلت. قالت: يا هذا، لو رأيتها لعلمت أن الله تعالى قد أحلّ لزوجها الزّنى، من قبح وجهها.
6- وقال مخنّث لامرأة: يا معشر النّساء، مالكنّ همّة إلّا طلب النّيك، لا تؤثرن عليه شيئا. فقالت: إن أمرا انتقلت من شهوته من طبع الرّجال إلى طبع النساء حتّى عقرت لحيتك له، لحقيق ألّا تلام عليه.
7- قال إسحاق الموصليّ: نظرت إلى شابّ مخنّث حسن الوجه جدّا قد هلب لحيته فشان وجهه، فقلت له: لم تفعل هذا بلحيتك، وقد علمت أن جمال الرجال في اللّحى؟ فقال: يا أبا محمد، أيسرّك بالله أنّها في استك؟
قلت: لا والله! فقال: ما أنصفتني، أتكره أن يكون في استك شيء وتأمرني أن أدعه في وجهي!.
8- وقال: اشترى بعض ولاة العراق قينة بمال كثير، فجلس يوما يشرب وأمرها أن تغنّيه، فكان أوّل صوت تغنّت به:
أروح إلى القصّاص كلّ عشيّة ... أرجّي ثواب الله في عدد الخطى
فقال للخادم: يا غلام، خذ بيد هذه الزّانية فادفعها إلى أبي حزرة القاصّ. فمضى بها إليه فلقيه بعد ذلك، فقال: كيف رأيت تلك الجارية؟
فقال: ما شئت أصلحك الله، غير أنّ فيها خصلتين من صفات الجنّة! قال:
ويلك ما هما؟ قال: البرد، والسّعة.
9- قال: علق رجل من أهل المدينة امرأة فطال عناؤه وشقاؤه بها حتّى ظفر بها، فصار بها إلى منزل صديق له مغنّ، ثم خرج يشتري ما يحتاج
(1/187)

إليه، فقالت له: لو غنّيت لي صوتا إلى وقت مجيء صديقك! فأخذ العود وتغنّى:
من الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع لوالدها شنارا
قال: فأخذت المرأة خفّها ولبست إزارها وقالت: ويلي ويلي، لا والله لا جلست! فجهد بها فأبت وصاحت، فخشي الفضيحة فأطلقها. وجاء الرجل فلم يجدها، فسأله عنها فقال: جئتني بمجنونة؛ قال: ما لها ويلك؟
قال: سألتني أن أغنّيها صوتا ففعلت، فضربت بيدها إلى خفّها وثيابها فلبست وقامت تولول، فجهدت أن أحبسها فصاحت فخلّيتها. قال: وأيّ شيء غنّيتها؟ فأخبره، فقال: لعنك الله! حقّ لها أن تهرب! قال: تواصف قوم الجماع، وأفاضوا في ذكر النساء، وإلى جانبهم مخنّث فقال: بالله عليكم دعوا ذكر الحر لعنه الله! فقال له بعضهم: متى عهدك به؟ قال: مذ خرجت منه! 10- قال: تزوج رجل امرأة، فمكثت عنده غير بعيد، ثم أتى الرجل بالذي زوّجه فقدّمه إلى القاضي فقال: أصلحك الله، إنّ هذا زوّجني امرأة مجنونة. قال: وأيّ شيء رأيت من جنونها؟ قال: إذا جامعتها غشي عليها حتّى أحسبها قد ماتت. فقال له القاضي: قم قبحك الله فما أنت لمثل هذه بأهل. وكانت ربوخا.
11- قال: كانت عائشة بنت طلحة من المتزوّجات، فتزوّجها عمر بن عبيد الله بن معمر التّيميّ، فبينا هي عنده تحدّث مع امرأة من زوّارها إذ دخل عمر فدعا بها فواقعها، فسمعت المرأة من النّخير والشّهيق أمرا عجيبا، فلمّا خرجت قالت لها: أنت في شرفك وقدرك تفعلين مثل هذا! قالت: إنّ الدوابّ لا تجيد الشّرب إلّا على الصّفير!.
(1/188)

12- قال: وكانت حبّى المدينية من المغتلمات، فدخل عليها نسوة من المدينة فقلن لها: يا خالة، أتيناك نسألك عن القبع عند الجماع يفعله النّساء، أهو شيء قديم أم شيء أحدثه النّساء؟ قالت: يا بناتي، خرجت للعمرة مع أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، فلمّا رجعنا فكنّا بالعرج نظر إليّ زوجي ونظرت إليه، فأعجبه منيّ ما أعجبني منه فواثبني، ومرّت بنا عير عثمان فقبعت قبعة وأدركني ما يصيب بنات آدم، فنفرت العير- وكانت خمس مائة- فما التقى منها بعيران إلى الساعة.
والقبع: النّخير عند الجماع. والغربلة: الرّهز. كذاك تسمّيه أهل المدينة.
ويقال إن حبّى علّمت نساء أهل المدينة القبع والغربلة.
13- قال: وكانت خليدة امرأة سوداء ذات خلق عجيب، وكان لها دار بمكّة تكريها أيّام الحجّ، فحجّ فتى من أهل العراق فاكترى منزلها، فانصرف ليلة من المسجد وقد طاف فأعيا، فلما صعد السّطح نظر إلى خليدة نائمة في القمر، فرأى أهيأ النّاس وأحسنه خلقا، فدعته نفسه إليها فدنا منها، فتركته حتى. رفع رجليها فتابعته وأرته أنها نائمة، فناكها، فلمّا فرغ ندم فجعل يبكي ويلطم وجهه، فتعاربت وقالت: ما شأنك؟ لسعتك حيّة؟ لدغتك عقرب؟ ما بالك تبكي؟ قال: لا والله ولكنّي نكتك وأنا محرم. قالت: فتنيكني وتبكي؟
أنا والله أحقّ بالبكاء منك. قم يا أرعن! 14- وقال ابن حبّى لأمّه: يا أمّه، أيّ الحالات أعجب إلى النّساء من أخذ الرجال إيّاهنّ؟ قالت: يا بنيّ، إذا كانت مسنّة مثلي فأبركها وألصق خدّها بالأرض ثمّ أوعبه فيها. وإذا كانت شابّة فاجمع فخذيها إلى صدرها فأنت تدرك بذلك ما تريد منها وتبلغ حاجتك منها.
(1/189)

15- وقال: اشترى قوم بعيرا وكان صعبا، فأرادوا إدخاله الدار فامتنع، فجعلوا يضربونه وهو يأبى، فأشرفت عليهم امرأة كأنّها شقّة قمر، فبهتوا ينظرون إليها، فقالت: ما شأنه؟ فقال لها بعضهم: نريده على الدّخول فليس يدخل. قالت: بلّ رأسه حتّى يدخل.
16- قال: نظر رجل بالمدينة إلى جارية سريّة ترتفع عن الخدمة، فقال: يا جارية، في يدك عمل؟ قالت: لا، ولكن في رجلي.
17- قال بعضهم: كنّا في مجلس رجل من الفقهاء فقال لي رجل:
عندك حرّة أو مملوكة؟ قلت: عندي أمّ ولد، ولم سألتني عن ذلك؟ قال: إنّ الحرّة لها قدرها فأردت أن أعلّمك ضربا من النّيك طريفا. قلت: قل لي.
قال: إذا صرت إلى منزلك فنم على فقاك، واجعل مخدّة بين رجليك وركبك.
ليكون وطاء لك، ثمّ ادع الجارية وأقم أيرك وأقعدها عليه، وتحوّل ظهرها إلى وجهك، وارفع رجليك ومرها أن تأخذ بإبهامك كما يفعل الخطيب على المنبر، ومرها تصعد وتنزل عليه؛ فأنّه شيء عجب. فلمّا صار الرجل إلى منزله فعل ما أمره به، وجعلت الجارية تعلو وتستفل، فقالت: يا مولاي، من علّمك هذا النّيك؟ قال: فلان المكفوف. قالت: يا مولاي، ردّ الله عليه بصره! 18- قال: كانت امرأة من قريش شريفة ذات جمال رائع ومال كثير، فخطبها جماعة وخطبها رجل شريف له مال كثير، فردّته وأجابت غيره، وعزموا على الغدوّ إلى وليّها ليخطبوها، فاغتمّ الرجل غمّا شديدا، فدخلت عليه عجوز من الحيّ فرأت ما به وسألته عن حاله فأخبرها، قالت: ما تجعل لي إن زوّجتك بها؟ قال: ألف درهم. فخرجت من عنده ودخلت عليها، فتحدّثت عندها مليّا وجعلت تنظر في وجهها وتتنفّس الصّعداء، ففعلت ذلك غير مرّة، فقالت الجارية: ما شأنك يا خالة، تنظرين في وجهي وتنفّسين؟
(1/190)

قالت: يا بنيّة، أرى شبابك، وما أنعم الله عليك به من هذا الجمال، وليس يتمّ أمر المرأة إلّا بالزّوج، وأراك أيّما لا زوج لك. قالت: فلا يغمّك الله، قد خطبني غير واحد وقد عزمت على تزويج بعضهم. قالت: فاذكري لي من خطبك. قالت: فلان. قالت شريف، ومن؟ قالت: فلان. قالت:
شريف، فما يمنعك منه؟ قالت: وفلان- لصاحبها- قالت: أفّ أفّ، لا تريدينه. قالت: وماله أليس هو شريفا كثير المال؟ قالت: بلى، ولكن فيه خصلة أكرهها لك. قالت: وما هي؟ قالت: دعى عنك ذكرها. قالت:
أخبريني على كلّ حال. قالت: رأيته يبول يوما فرأيت بين رجليه رجلا ثالثة.
وخرجت من عندها فأتته، فقالت: أعد إليها رسولك. وأتاها الرجل الذي كانت أجابته- بعد مجيء الرسول- فردته وبعثت إلى صاحب المرأة: أن اغد بأصحابك. فتزوّجها فلما بنى بها إذا معه مثل الزّرّ، فلمّا أتتها العجوز فقالت: بكم بعتني يا لخناء؟ قالت: بألف درهم. قالت: لا أكلتها إلّا في المرض! 19- قال: كان هشام بن عبد الملك يقبض الثّياب من عظم أيره، فكتب إلى عامله على المدينة: «أمّا بعد فاشتر لي عكاك النّيك» . قال:
وكان له كاتب مدينيّ ظريف، فقال له: ويحك، ما عكاك النّيك؟ قال:
الوصائف. فوجّه إلى النّخّاسين فسألهم عن ذلك. فقالوا: عكاك النّيك الوصائف البيض الطوال. فاشترى منهنّ حاجته، ووجّه بهنّ إليه.
قال: وكانت بالمدينة امرأة جميلة وضيّة، فخطبها جماعة وكانت لا ترضى أحدا، وكانت أمّها تقول: لا أزوجها إلّا من ترضاه. فخطبها شابّ جميل الوجه ذو مال وشرف. فذكرته لابنتها وذكرت حاله وقالت: يا بنيّة إن لم تزوجي هذا فمن تزّوّجين؟ قالت: يا أمّه: هو ما تقولين، ولكنّي بلغني عنه شيء لا أقدر عليه. قالت: يا بنيّتي لا تحتشمين من أمّك، اذكري كلّ
(1/191)

شيء في نفسك. قالت: بلغني أنّ معه أيرا عظيما وأخاف ألّا أقوى عليه.
فأخبرت الأمّ الفتى فقال: أنا أجعل الأمر إليك تدخلين أنت منه ما تريد وتحبسين ما تريد. فأخبرت الابنة فقالت: نعم أرضى إن تكفّلت لي بذلك.
قالت: يا بنّية والله إنّ هذا هو لشديد عليّ، ولكنّي أتكلّفه لك. فتزوّجته.
فلما كانت ليلة البناء قالت: يا أمّه، كوني قريبة منّي لا يقتلني بما معه.
فجاءت الأمّ وأغلقت الباب وقالت له: أنت على ما أعطيتنا من نفسك؟ قال:
نعم، هو بين يديك. فقبضت الأمّ عليه وأدنته من ابنتها فدسّت رأسه في حرها وقالت: أزيد؟ قالت: زيدي. فأخرجت إصبعا من أصابعها فقالت: يا أمّه زيدي. قالت: نعم. فلم تزل كذلك حتّى لم يبق في يدها شيء منه، وأوعبه الرجل كلّه فيها، قالت: يا أمّه زيدي. قالت: يا بنيّة لم يبق في يدي شيء. قالت بنتها: رحم الله أبي فإنّه كان أعرف الناس بك، كان يقول:
إذا وقع الشيء في يديك ذهبت البركة منه قومي عنّي! 20- قال: تزوّج رجل امرأة وكان معه أير عظيم جدّا، فلمّا ناكها أدخله كلّه في حرها، ولم تكن تقوى عليه امرأة، فلم تتكلّم، فقال لها: أيّ شيء حالك خرج من خلفك بعد؟ قالت: بأبي أنت وهل أدخلته؟
21- قال: نظر رجل إلى امرأة جميلة سريّة، ورجل في دارها دميم مشوّه يأمر وينهى، فظنّ أنّه عبدها، فسألها عنه فقالت: زوجي. قال: يا سبحان الله، مثلك في نعمة الله عليك تتزوّجين مثل هذا؟ فقالت: لو استدبرك بما يستقبلني به لعظم في عينك. ثم كشفت عن فخذها فإذا فيه يقع خضر، فقالت: هذا خطاؤه فكيف إصابته.
22- قال: وكانت بالمدينة امرأة ماجنة يقال لها سلّامة الخضراء، فأخذت مع مخنّث وهي تنيكه بكيرنج، فرفعت إلى الوالي فأوجعها ضربا وطاف بها على جمل، فنظر إليها رجل يعرفها فقال: ما هذا يا سلّامة؟
(1/192)

فقالت: بالله اسكت، ما في الدّنيا أظلم من الرجال، أنتم تنيكونا الدّهر كله فلمّا نكنا كم مرّة واحدة قتلتمونا.
23- قال: تزوّج رجل امرأة فقيل له: كيف وجدتها؟ قال: كأنّ ركبها دارة القمر، وكأنّ شفريها أير حمار مثنيّ.
24- وقال بعض العجائز المغتلمات:
وخضبت ما صبغ الزّمان فلم يدم ... صبغي ودامت صبغة الأيّام
أيّام أمسي والشّباب غريرة ... وأناك من خلفي ومن قدّامي
25- وقال سياه، وكان من مردة اللّاطة، واسمه ميمون بن زياد بن ثروان، وهو مولى لخزاعة:
أخزاع إن عدّ القبائل فخرهم ... فضعوا أكفّكم على الأفواه
إلّا إذا ذكر اللّواط وأهله ... والفاتقون مشارج الأستاه
فهناك فافتخروا فإنّ لكم به ... مجدا تليدا طارفا بسياه
26- قال: وجاء سياه إلى الكميت فقال له: يا أبا عمارة، قد قلت على عروض قصيدتك:
أبت هذه النّفس إلّا ادّكارا
فقال: هات. فقال:
أبت هذه النفس إلّا خسارا ... وإلّا ارتدادا وإلّا ازورارا
وحمل الدّيوك وقود الكلاب ... فهذا هراشا وهذا نقارا
وشرب الخمور بماء الغمام ... تنفجر الأرض عنه انفجارا
27- وقال: أخذ «ديك» ، وكان من كبار اللّاطة، وهو رجل من أهل
(1/193)

الحجاز، مع غلام من قريش كأنه قديدة، فقيل له: عدوّ الله هبك تعذر في الغلمان الصّباح فما أردت إلى هذا؟ فقال: بأبي أنتم وأمّي، قد والله علمت أنّه كما تقولون، وإنّما نكته لشرفه.
28- وقد يضرب المثل في اللّواط بالحجاز فيقال: «ألوط من ديك» ، كما يقول أهل العراق: «ألوط من سياه» ، وهو كوفيّ.
وقد اختصرت كتابي هذا لئلا يملّه القارىء. وبالله التوفيق.
تم كتاب مفاخرة الجواري والغلمان، والله المستعان، وعليه التّكلان، ولا إله إلا هو.
يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب القيان من كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أيضا، والله الموفق للصواب. والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلامه.
(1/194)

5- هامش مفاخرة الجواري والغلمان
(1) السبب في مزج الجد بالهزل هو طرد الملل عن نفس القارىء هذه العلة يذكرها الجاحظ في معظم كتبه لتبرير اسلوبه. والواقع ان الجاحظ كان مطبوعا على الظرف وهذا هو السبب الحقيقي لما نلفيه في كتبه من خلط الجد والهزل.
- «لكل مقام مقال» اصل فني من اصول فلسفة الجاحظ الجمالية. راجع نظريته الجمالية في كتابنا المناحي الفلسفية عند الجاحظ، المنحى الجمالي.
(2) والبة بن الحباب شاعر عباسي من زمرة ابي نواس في المجون والتهتّك.
عكاشة: هو عكاشة بن عبد الصمد العمي، عاش في البصرة في مطلع الدولة العباسية، وهو شاعر مقل.
الرفث: حديث الجنس.
(3) لاحظ الاحاديث النبوية حول الجنس، ومدى صحتها. «ان اهل الجنة يدخلونها جرادا مكحلين» .. «حببت الي النساء والطيب» .
(4) حد الزنى عقاب الزنى.
لاحظ لجوء الجاحظ الى الكتاب والسنة والاستشهاد بهما.
الهيفاء الشموع: الضامرة البطن، والضمون اللعوب.
(5) لاحظ التناقض في الحديث «ما تركت بعدي فتنة اصر على الرجال من النساء» والحديث السابق «حبب الي النساء والطيب» .
- النساء العجز والعقر: اللائي لهن اعجاز كبيرة ولا ينجبن الاولاد.
(6) عيوب الزنى الست: يذهب بالبهاء، ويعجل بالغباء، ويقطع الرزق ويعاقب عليه في الآخرة ويعذب من اجله هناك ويدخل النار.
(1/195)

(7) الشعراء الذين تيمهم الحب: جميل بن معمر وكثير عزة وعروة بن الورد، وقيس إبن الملوح، وقيس بن ذريح، وعبد الله بن عجلان والغمر بن ضرار.
(8) اشعار في الغلمان والجواري، معظم هذه الاشعار اختيرت من ابي نواس (763- 824 م) الذي اشتهر بتهتكه، وتغزله بالغلمان. وكذلك نجد نموذجا من شعر النظام استاذ الجاحظ الذي يبدو فيه اثر الفلسفة ظاهرا. ويوسف لقوة صاحب ابي نواس ونظيره في المجون. حتى قال في ابي نواس «ولا نعلم احدا قال في الغلام ما قال الحكمي..» .
(9) صفات المرأة الجميلة: نقد للتشابيه التي وجدها في الشعر القديم الذي يتناول وصف المرأة: لقد شبهوها بالقضيب والبقرة والظبية والشمس. وهي اجمل من هذا كله.
(10) مفاخرة اهل البصرة والكوفة: هذا من نوع الاستطراد الذي نجده في كتب الجاحظ. ويمكن ان نلتمس في المفاخرة بين المدينتين دليلا على التنافس بينهما في المجالات العلمية والسياسية.
(11) لاحظ الكلمات الجنسية التي تدل على اعضاء الجسم: الارداف، والاعجاز، والثدي، والمحاش، والقد والخرط والمجدولة والسمينة الخ.
(12) الخصيان: جمع خصي، وهو الانسان الذي عطلت قدرته الجنسية. لاحظ الوصف الدقيق لنفس الخصي وجسمه وخلقه، وموقف الجاحظ الانساني من مسألة الخصاء.
(13) مقطعات من احاديث البطالين والظرفاء: ربما زيد عليها الكثير مما لم يورده الجاحظ.
(1/196)

[6- رسالة المعلمين]
(- 6- المعلمين)
(1/197)

[1- مدخل]
فصل منه: أعانك الله على سورة الغضب، وعصمك من سرف الهوى، وصرف ما أعارك من القوّة إلى حب الإنصاف، ورجّح في قلبك إيثار الأناة.
فقد استعملت في المعلّمين نوك السّفهاء، وخطل الجهلاء، ومفاحشة الأبذياء، ومجانبة سبل الحكماء، وتهكّم المقتدرين، وأمن المغترّين. ومن تعرّض للعداوة وجدها حاضرة، ولا حاجة بك إلى تكلّف ما كفيت.
[2- فضل المعلم]
فصل منه: ولولا الكتاب لاختلّت أخبار الماضين، وانقطعت آثار الغائبين. وإنّما اللسان للشاهد لك، والقلم للغائب عنك، وللماضي قبلك والغابر بعدك. فصار نفعه أعمّ، والدّواوين إليه أفقر.
والملك المقيم بالواسطة لا يدرك مصالح أطرافه وسدّ ثغوره، وتقويم سكّان مملكته، إلّا بالكتاب.
ولولا الكتاب ما تمّ تدبير، ولا استقامت الأمور. [وقد] رأينا عمود
(1/199)

صلاح الدّين والدّنيا إنّما يعتدل في نصابه، ويقوم على أساسه بالكتاب والحساب.
وليس علينا لأحد في ذلك من المنّة بعد الله الذي اخترع ذلك لنا ودلّنا عليه، وأخذ بنواصينا إليه، ما للمعلمين الذين سخّرهم لنا، ووصل حاجتهم إلى ما في أيدينا. وهؤلاء هم الذين هجوتهم وشكوتهم وحاججتهم وفحشت عليهم، وألزمت الأكابر ذنب الأصاغر، وحكمت على المجتهدين بتفريط المقصّرين، ورثيت لآباء الصّبيان من إبطاء المعلّمين عن تحذيقهم، ولم ترث للمعلّمين من إبطاء الصّبيان عمّا يراد بهم، وبعدهم عن صرف القلوب لما يحفظونه ويدرسونه، والمعلّمون أشقى بالصّبيان من رعاة الضّان وروّاض المهارة.
ولو نظرت من جهة النظر علمت أنّ النعمة فيهم عظيمة سابغة، والشكر عليها لازم واجب.
[3- الحفظ والاستنباط]
فصل منه: وأجمعوا على أنّهم لم يجدوا كلمة أقلّ حرفا ولا أكثر ريعا، ولا أعمّ نفعا، ولا أحثّ على بيان، ولا أدعى إلى تبيّن، ولا أهجى لمن ترك التفهّم وقصّر في الإفهام، من قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه:
«قيمة كلّ امريء ما يحسن» .
وقد أحسن من قال: «مذاكرة الرّجال تلقيح لألبابها» .
وكرهت الحكماء الرؤساء، أصحاب الاستنباط والتفكير، جودة الحفظ، لمكان الاتّكال عليه، وإغفال العقل من التمييز، حتّى قالوا: «الحفظ عذق الذّهن» . ولأنّ مستعمل الحفظ لا يكون إلّا مقلّدا، والاستنباط هو الذي يفضي بصاحبه إلى برد اليقين، وعزّ الثقة.
والقضيّة الصحيحة والحكم المحمود: أنّه متى أدام الحفظ أضرّ ذلك بالاستنباط، ومتى أدام الاستنباط أضرّ ذلك بالحفظ، وإن كان الحفظ أشرف
(1/200)

منزلة منه.
ومتى أهمل النظر لم تسرع إليه المعاني، ومتى أهمل الحفظ لم تعلق بقلبه، وقلّ مكثها في صدره.
وطبيعة الحفظ غير طبيعة الاستنباط. والذي يعالجان به ويستعينان متّفق عليه، [ألا] وهو فراغ القلب للشيء، والشّهوة له، وبهما يكون التمام، وتظهر الفضيلة.
ولصاحب الحفظ سبب آخر يتّفقان عليه، وهو الموضع والوقت.
فأمّا الموضع فأيّهما يختار إذا أرادا ذلك الفوق دون السفّل.
وأمّا السّاعات فالأسحار دون سائر الأوقات، لأنّ ذلك الوقت قبل وقت الاشتغال، وبعقب تمام الراحة والجمام، لأنّ للجمام مقدارا هو المصلحة، كما أنّ للكدّ مقدارا هو المصلحة.
[4- اكثر العظماء كانوا معلمين]
فصل منه: ويستدلّ أيضا بوصايا الملوك للمؤدّبين في أبنائهم، وفي تقويم أحداثهم، على أنّهم قد قلّدوهم أمورهم وضميرهم ببلوغ التّمام في تأديبهم.
وما قلّدوهم ذلك إلّا بعد أن ارتفع إليهم في الحنوّ حالهم في الأدب، وبعد أن كشفهم الامتحان وقاموا على الخلاص.
وأنت- حفظك الله- لو استقصيت عدد النحويّين والعروضيّين والفرضيّين، والحسّاب، والخطّاطين، لوجدت أكثرهم مؤدّب كبار ومعلّم صغار، فكم تظنّ أنّا وجدنا منهم، من الرّواة والقضاة والحكماء، والولاة من المناكير والدّهاة، ومن الحماة والكفاة، ومن القادة والذّادة، ومن الرّؤساء والسّادة، ومن كبار الكتاب والشعراء، والوزراء والأدباء، ومن أصحاب الرسائل والخطابة، والمذكورين بجميع أصناف البلاغة، ومن الفرسان وأصحاب الطعان، ومن نديم كريم، وعالم حكيم، ومن مليح ظريف، ومن شابّ
(1/201)

عفيف.
ولا تعجل بالقضيّة حتى تستوفي آخر الكتاب، وتبلغ أقصى العذر، فإنك إنّ كنت تعمّدت تذمّمت، وإن كنت جهلت تعلّمت، وما أظن من أحسن بك الظّنّ إلّا وقد خالف الحزم.
[5- لجميع اصناف العلوم معلمون]
فصل منه: قال المعلّم: وجدنا لكلّ صنف من جميع ما بالناس إلى تعلّمه حاجة، معلمين، كمعلّمي الكتاب والحساب، والفرائض والقرآن، والنحو والعروض والأشعار، والأخبار والآثار، ووجدنا الأوائل كانوا يتّخذون لأبنائهم من يعلّمهم الكتابة والحساب، ثم لعب الصّوالجة، والرّمي في التّنبوك، والمجثّمة، والطّير الخاطف، ورمي البنجكاز. وقبل ذلك الدّبّوق والنّفخ في السّبطانة. وبعد ذلك الفروسيّة؛ واللّعب بالرّماح والسّيوف، والمشاولة والمنازلة والمطاردة، ثم النّجوم واللّحون، والطبّ والهندسة، وتعلّم النّرد والشّطرنج، وضرب الدّفوف وضرب الأوتار، والوقع والنّفخ في أصناف المزامير.
ويأمرون بتعليم أبناء الرعيّة الفلاحة والنّجارة، والبنيان والصّياغة والخياطة، والسّرد والصّبغ، وأنواع الحياكة. نعم حتّى علّموا البلابل وأصناف الطّير الألحان.
وناسا يعلّمون القرود والدّببة والكلاب والظّباء المكّيّة والببّغاء، والسّقر وغراب البين، ويعلّمون الإبل، والخيل، والبغال، والحمير، والفيلة، أصناف المشي، وأجناس الحضر، ويعلّمون الشّواهين والصّقور والبوازي، والفهود، والكلاب، وعناق الأرض، الصّيد.
ويعلّمون الدّوابّ الطّحن، والبخاتيّ الجمز حتّى يروضوا الهملاج والمعناق، بالتخليع وغير التخليع، وبالموضوع والأوسط والمرفوع.
ووجدنا للأشياء كلّها معلمين.
(1/202)

[6- الانسان عالم صغير]
وإنّما قيل للإنسان العالم الصّغير، سليل العالم الكبير، لأنّ في الإنسان من جميع طبائع الحيوان أشكالا، من ختل الذئب وروغان الثعلب، ووثوب الأسد، وحقد البعير، وهداية القطاة. وهذا كثير، وهذا بابه.
ولأنّه يحكي كلّ صوت بفيه، ويصوّر كل صورة بيده. ثم فضّله الله تعالى بالمنطق والرّويّة وإمكان التصرف.
وعلى أنا لا نعلم أنّ لأحد من جميع أصناف المعلّمين لجميع هذه الأصناف- كفضيلة المعلّم من الناس الأحداث المنطق المنثور، ككلام الاحتجاج والصّفات، والمناقلات من المسائل والجوابات في جميع العلامات، بين الموزون من القصائد والأرجاز، ومن المزدوج والأسجاع، مع الكتاب والحساب، وما شاكل ذلك ووافقه واتّصل به، وذهب مذهبه.
[7- معنى المعلم والمؤدب]
وقالوا: إنّما اشتقّ اسم المعلّم من العلم، واسم المؤدّب من الأدب. وقد علمنا أنّ العلم هو الأصل، والأدب هو الفرع.
والأدب إمّا خلق وإمّا رواية، وقد أطلقوا له اسم المؤدّب على العموم.
والعلم أصل لكل خير، وبه ينفصل الكرم من اللّؤم، والحلال من الحرام. والفضل من الموازنة بين أفضل الخيرين، والمقابلة بين أنقص الشرين.
فلم يعرضوا لأحد من هذه الأصناف التي اتّخذ النّاس لها المعلّمين من جميع أنواع الحق والباطل، والسّرف والاقتصاد، والجدّ والهزل، إلّا هؤلاء الذين لا يعلّمون إلّا الكتاب والحساب، والشّعر، والنحو، والفرائض، والعروض.
وما بالسماء من نجوم الاهتداء والأنواء والسّعود، وأسماء الأيّام والشّهور، والمناقلات.
(1/203)

ويمنعهم بالغرامة، ويأخذهم بالصّلاة في الجماعة، ويدرّسهم القرآن، ويهذّب ألسنتهم برواية القصيد والأرجاز، ويعاقب على التّهاون، ويضرب على الفرار، ويأخذهم بالمناقلة، والمناقلة [من] أسباب المنافسة.
لحقيق بخلاف هذه السّيرة، وبضدّ هذه المعاملة.
[8- فقر الأدباء]
فصل منه: وقد ذهب فوم إلى أنّ الأدب حرف، وطلبه شؤم. وأنشد قول الشاعر:
ما ازددت في أدبي حرفا أسرّ به ... إلّا تزيّدت حرفا تحته شوم
إن المقدّم في حذق بصنعته ... أنّى توجّه فيها فهو محروم
ولم نر شاعرا نال بشعره الرّغائب، ولا أديبا بلغ بأدبه المراتب، ذكر يمن الأدب، ولا بركة قول الشعر. فإذا حرم الواحد منهم، والرجل الشاذّ ذكر حرف الأدب وشؤم الشعر. وإن كان عدد من نال الرغائب أكثر من عدد من أخفق.
ومهما عيّرنا من كان في هذه الصّفة فإنا غير معايرين لأبي يعقوب الخريمي؛ لأنّه نال بالشّعر وأدرك بالأدب.
وليس الذي يحمل أكثر الناس على هذا القول إلّا وجدان المعاني والألفاظ، فإنهم يكرهون أن يضيعوا بابا من إظهار الظّرف وفضل اللسان وهم عليه قادرون.
[9- المعلم يراعي مستوى الصبي العقلي]
فصل منه: وقد قالوا: الصبي عن الصبي أفهم، وبه أشكل. وكذلك
(1/204)

الغافل والغافل، والأحمق والأحمق، والغبيّ والغبيّ، والمرأة والمرأة. قال الله تبارك وتعالى: وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا
. لأنّ الناس عن النّاس أفهم، وإليهم أسكن. فممّا أعان الله تعالى به الصّبيان، أن قرّب طبائعهم ومقادير عقولهم من مقادير عقول المعلّمين.
وسمع الحجّاج- وهو يسير- كلام امرأة من دار قوم، فيه تخليط وهذيان، فقال: مجنونة، أو ترقّص صبيا! ألا ترى أنّ أبلغ الناس لسانا، وأجودهم بيانا وأدقّهم فطنة، وأبعدهم رويّة، لو ناطق طفلا أو ناغى صبيّا، لتوخّى حكاية مقادير عقول الصّبيان، والشّبه لمخارج كلامهم، وكان لا يجد بدّا من أن ينصرف عن كلّ ما فضّله الله به بالمعرفة الشريفة، والألفاظ الكريمة. وكذلك تكون المشاكلة بين المتّفقين في الصناعات.
[10- تعليم النحو والرياضة]
فصل منه: وأمّا النّحو فلا تشغل قلبه منه إلّا بقدر ما يؤدّيه إلى السلامة من فاحش اللّحن، ومن مقدار جهل العوامّ في كتاب إن كتبه، وشعر إن أنشده، وشيء إن وصفه. وما زاد على ذلك فهو مشغلة عمّا هو أولى به، ومذهل عمّا هو أردّ عليه منه من رواية المثل والشاهد، والخبر الصادق، والتعبير البارع.
وإنّما يرغب في بلوغ غايته ومجاوزة الاقتصار فيه، من لا يحتاج الى تعرّف جسيمات الأمور، والاستنباط لغوامض التدبّر، ولمصالح العباد والبلاد، والعلم بالأركان والقطب الذي تدور عليه الرّحى؛ ومن ليس له حظّ غيره، ولا معاش سواه.
وعويص النحو لا يجري في المعاملات ولا يضطرّ إليه شيء. فمن
(1/205)

الرأي أن يعتمد به في حساب العقد دون حساب الهند، ودون الهندسة وعويص ما يدخل في المساحة. وعليك في ذلك بما يحتاج إليه كفاة السّلطان وكتّاب الدواوين.
وأنا أقول: إن البلوغ في معرفة الحساب الذي يدور عليه العمل، والتّرقّي فيه والسبب اليه، أردّ عليه من البلوغ في صناعة المحرّرين ورؤوس الخطّاطين؛ لأنّ في أدنى طبقات الخطّ مع صحّة الهجاء بلاغا. وليس كذلك حال الحساب.
[11- تعليم صناعة الكتابة]
ثمّ خذه بتعريف حجج الكتّاب وتخلّصهم باللفظ السّهل القريب المأخذ إلى المعنى الغامض. وأذقه حلاوة الاختصار، وراحة الكفاية، وحذّره التكلّف واستكراه العبارة؛ فإنّ أكرم ذلك كلّه ما كان إفهاما للسامع، ولا يحوج إلى التأويل والتعقّب، ويكون مقصورا على معناه لا مقصّرا عنه، ولا فاضلا عليه.
فاختر من المعاني ما لم يكن مستورا باللفظ المتعقّد، مغرقا في الإكثار والتكلّف، فما أكثر من لا يحفل باستهلاك المعنى مع براعة اللّفظ وغموضه على السامع بعد أن يتّسق له القول، وما زال المعنى محجوبا لم تكشف عنه العبارة. فالمعنى بعد مقيم على استخفائه وصارت العبارة لغوا وظرفا خاليا.
وشرّ البلغاء من هيّأ رسم المعنى قبل أن يهيّىء المعنى، عشقا لذلك اللفظ، وشغفا بذلك الاسم، حتّى صار يجرّ إليه المعنى جرّا، ويلزقه به إلزاقا. حتّى كأنّ الله تعالى لم يخلق لذلك المعنى اسما غيره، ومنعه الإفصاح عنه إلّا به.
والآفة الكبرى أن يكون رديء الطّبع بطيء اللفظ، كليل الحدّ، شديد
(1/206)

العجب، ويكون مع ذلك حريصا على أن يعدّ في البلغاء، شديد الكلف بانتحال اسم الأدباء. فإذا كان كذلك خفي عليه فرق ما بين إجابة الألفاظ واستكراهه لها.
وبالجملة إنّ لكل معنى شريف أو وضيع، هزل أو جدّ، وحزم أو إضاعة، ضربا من اللفظ هو حقّه وحظّه، ونصيبه الذي لا ينبغي أن يجاوزه أو يقصّر دونه.
ومن قرأ كتب البلغاء، وتصفّح دواوين الحكماء، ليستفيد المعاني، فهو على سبيل صواب. ومن نظر فيها ليستفيد الألفاظ فهو على سبيل الخطأ.
والخسران ها هنا في وزن الرّبح هناك؛ لأنّ من كانت غايته انتزاع الألفاظ حمله الحرص عليها، والاستهتار بها إلى أن يستعملها قبل وقتها، ويضعها في غير مكانها. ولذلك قال بعض الشّعراء لصاحبه: أنا أشعر منك! قال صاحبه: ولم ذاك؟ قال: لأنّي أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمّه.
وإنّما هي رياضة وسياسة، والرفيق: مصلح وآخر مفسد. ولا بدّ من هدان وطبيعة مناسبة.
وسماع الألفاظ ضارّ ونافع.
فالوجه النافع: أن يدور في مسامعه، ويغبّ في قلبه، ويختمر في صدره، فإذا طال مكثها تناكحت ثم تلاقحت فكانت نتيجتها أكرم نتيجة، وثمرتها أطيب ثمرة؛ لأنّها حينئذ تخرج غير مسترقة ولا مختلسة ولا مغتصبة، ولا دالّة على فقر؛ إذ لم يكن القصد إلى شيء بعينه، والاعتماد عليه دون غيره. وبين الشيء إذا عشّش في الصّدر ثم باض، ثم فرّخ ثم نهض، وبين أن يكون الخاطر مختارا، واللفظ اعتسافا واغتصابا، فرق بيّن.
(1/207)

ومتى اتّكل صاحب البلاغة على الهوينى والوكال، وعلى السّرقة والاحتيال، لم ينل طائلا، وشقّ عليه النزوع، واستولى عليه الهوان، واستهلكه سوء العادة.
والوجه الضارّ: أن يتحفّظ ألفاظا بعينها من كتاب بعينه، أو من لفظ رجل، ثم يريد أن يعدّ لتلك الألفاظ قسمها من المعاني، فهذا لا يكون إلا بخيلا فقيرا، وحائفا سروقا، ولا يكون إلّا مستكرها لألفاظه، متكلّفا لمعانيه، مضطرب التأليف منقطع النظام. فإذا مرّ كلامه بنقّاد الألفاظ وجهابذة المعاني استخفّوا عقله، وبهرجوا علمه.
ثم اعلم أنّ الاستكراه في كل شيء سمج، وحيث ما وقع فهو مذموم، وهو في الطّرف أسمج، وفي البلاغة أقبح. وما أحسن حاله ما دامت الألفاظ مسموعة من فمه، مسرودة في نفسه، ولم تكن مخلّدة في كتبه.
وخير الكتب ما إذا أعدت النّظر فيه زادك في حسنه، وأوقفك على حدّه.
[12- عبد الله بن المقفع]
فصل منه: ومن المعلمين ثم من البلغاء المتأدّبين: عبد الله بن المقفّع، ويكنى أبا عمرو، وكان يتولّى لآل الأهتم، وكان مقدّما في بلاغة اللسان والقلم والتّرجمة، واختراع المعاني وابتداع السّير. وكان جوادا فارسا جميلا، وكان إذا شاء أن يقول الشعر قاله، وكان يتعاطى الكلام. ولم يكن يحسن منه لا قليلا ولا كثيرا. وكان ضابطا لحكايات المقالات، ولا يعرف من أين غرّ المغترّ ووثق الواثق. وإذا أردت أن تعتبر ذلك، إن كنت من خلّص المتكلّمين ومن النّظّارين، فاعتبر ذلك بأن تنظر في آخر رسالته (الهاشمية) ، فإنّك تجده جيّد الحكاية لدعوى القوم، رديّ المدخل في مواضع الطّعن
(1/208)

عليهم.
وقد يكون الرجل يحسن الصّنف والصنفين من العلم، فيظنّ بنفسه عند ذلك أنّه لا يحمل عقله على شيء إلّا نفذ به فيه، كالذي اعترى الخليل بن أحمد بعد إحسانه في النحو والعروض، أن ادّعى العلم بالكلام وبأوزان الأغاني، فخرج من الجهل إلى مقدار لا يبلغه أحد إلّا بخذلان الله تعالى.
فلا حرمنا الله تعالى عصمته، ولا ابتلانا بخذلانه.
فصل منه: وهذان الشاعران جاهليّان، بعيدان من التوليد، وبنجوة من التكليف.
[13- تعلم التجارة والصيرفة افضل من عمل السلطان]
فصل منه: ومن خصال العبادة وإن كانت كلّها راجحة فليس فيها شيء أردّ في عاجل، ولا أفضل في آجل من حسن الظنّ بالله تعالى وعزّ.
ثم اعلم أنّ أعقل النّاس السّلطان ومن احتاج إلى معاملته، وعلى قدر الحاجة إليه ينفتح له باب الحيلة، والاهتداء إلى مواضع الحجة. وما أقرب فضل الرّاعي على الرعية من فضل السّائس على الدابّة. ولولا السّلطان لأكل النّاس بعضهم بعضا، كما أنّه لولا المسيم لوثب السّباع على السّوام.
ودعني من تدريسه كتب أبي حنيفة، ودعني من قولهم: اصرفه إلى الصّيارفة؛ فإنّ صناعة الصّرف تجمع مع الكتاب والحساب المعرفة بأصناف الأموال، ولا تجد بدّا من حلّة السّلطان.
ودعني من قول من يقول: قد كانت قريش تجّارا؛ فإن هذا باب لا ينقاس ولا يطّرد. ومن قاس تجّار الكرخ وباعته، وتجّار الأهواز والبصرة، على تجّار قريش، فقد أخطأ مواضع القياس، وجهل أقدار العلل.
(1/209)

قريش قوم لم يزل الله تعالى يقلّبهم في الأرحام البريئة من الآفات، وينقلهم من الأصلاب السليمة من العاهات، ويعبّيهم لكل جسيم، ويربّيهم لكل عظيم.
ولو علم هذا القائل ما كانت قريش عليه في التّحارة لعرف اختلاف السّبل، وتفاوت ما بين الطّرق. ولو كانت علّتهم في ذلك كعلّة تجّار الأبلّة، ومحتكري أهل الحيرة، لثلمت دقّة التجارة في أعراضهم ولنهك سخف التربّح من مروءاتهم، ولصغّر ذلك من أقدارهم في صدور العرب، ولوضع من علوّهم عند أهل الشرف. وكيف وقد ارتحلت أليهم الشّعراء كما ارتحلت الى الملوك العظماء، فأسنوا لهم العطيّة، ولم يقصّروا عن غاية، فسقوا الحجيج وأقاموا القرى لزوّار الله تعالى، وهم بواد غير ذي زرع. فلو أنّه كان معهم من الفضل ما يبهر العقول، ومن المجد ما تحرج فيه العيون، لما أصلح طبائعهم الشيء الذي يفسد جميع الأمة. ولقد أورث ذلك صدورهم من السّعة بقدر ما أورث غيرهم من الضّيق. ولو كانت سبلهم عند الملوك إذا وفدوا عليهم، أو وردوا بلادهم بالتجارات، سبل غيرهم من التّجّار لما أوجهوهم وقرّبوهم، ولما أقاموا لهم قرى الملوك وحبوهم بكرامة الخاصّ.
وإذا كانت قريش حمسا تنسّك في دينها، وتتألّه في عبادتها وكان مانعا.
لهم من الغارات والسّباء، ومن وطء النّساء من جهة المغنم، ولذلك لم يئدوا البنات ولا ولدت منهم امرأة غيرهم من جهة السّباء، ولا زوّجوا أحدا من العرب حتّى يتحمّس ويدين بدينهم. ولذلك لمّا صاروا إلى بناء الكعبة لم يخرجوا في بنائها من أموالهم إلّا مواريث آبائهم ونسائهم، خوفا من أن يخالطه شيء حرام، إذ كانت أرباح التجارات مخوفا عليها ذلك. فلما كانوا بواد غير ذي زرع ويحتاجون إلى الأقوات، وإقامة القرى، لم يجدوا بدا من أن يتكلّفوا ما يعيشهم ويصلح شأنهم، فأخذوا الإيلاف، ورحلوا إلى الملوك
(1/210)

بالتّجارات. فهذا هو السبب.
فانظر كم بين علّتهم وعلّة غيرهم! فيسرّك بعد هذا أن يتحوّل ابنك في مسلاخ صالح الزّرازريشي، أو في طباع ابن بادام، أو في عقل ابن سامري.
فإن زعموا أنّ أصحاب السلطان بعرض مكروه فليعلموا أنّ كلّ مسافر فبعرض مكروه، وقد قال بعض الحكماء: «المسافر ومتاعه على قلت إلا من حفظ الله» ، يعني على هلاك.
وراكب البحر أشدّ خطرا، ومشتري طعام الأهواز أشدّ تهوّرا، ورافع الشّراع بعرض هلكة. والمتعرّض للملاحة والمعرّض نفسه للسّباع أقلّ شفقة.
وسكان الجزائر والسواحل أحقّ بالتعرّض، وأولى بالخوف. والمنهوم بالطعام الرديّ، والمدمن للشّراب أشبه بأصحاب التغرير، والمتباري في ذلك والمتزيّد منه أحقّ بتوقّع الحدثان وحوادث الأزمان، قد جرت عليه عادة الدهر وسيرة الأيام. وهذا كلّه أحقّ بالاهتمام.
وإن كنت إلى الإشفاق تذهب، وإلى إعطاء الحزم أكثر من نصيبه، وكيف دار الأمر فإنّ التاجر قد استشعر الذّلّ، وتغشّى ثوب المذلّة.
وصاحب السلطان قد تجاوز حدّ العزّ والهيبة. وإنما عيبه سكر السّلطان، وإفراط التعظيم. قد استبطن بالعزّ، وظاهر (بالبشر واستحكمت تجربته، وبعدت بصيرته حتّى عرف مصلحة كلّ مصر، وإصلاح كلّ فاسد، وإقامة كلّ معوجّ، وعمارة كلّ خرب.
ولا أعلم في الأرض أعمّ إفلاسا ولا أشدّ نكبة، ولا أكثر تحوّلا من يسر إلى عسر، ولا رأينا الجوائح إلى أحد أهدى منها إلى أموال الصّيارفة. فكيف يقاس شأن قوم تعمّهم المعاطب بشأن قوم أهل السّلامة فيهم أكثر، والنّكبات فيهم أقلّ.
(1/211)

وبعد هذا فإني أرى ألّا تستكرهه فتبغّض إليه الأدب، ولا تهمله فيعتاد اللهو.
على أنّي لا أعلم في جميع الأرض شيئا أجلب لجميع الفساد من قرناء السّوء، والفراغ الفاضل عن الجمام.
درّسه العلم ما كان فارغا من أشغال الرجال، ومطالب ذوي الهمم.
واحتل في أن تكون أحبّ إليه من أمّه. ولا تستطيع أن يمحضك المقة، ويصفي لك المودّة مع كراهته لما تحمل إليه من ثقل التأديب عند من لم يبلغ حال العارف بفضله.
فاستخرج مكنون محبّته ببرّ اللّسان، وبذل المال. ولهذا مقدار من جازه أفرط. والإفراط سرف. ومن قصّر عنه فرّط، والمفرّط مضياع.
ولا تستكثرنّ هذا كلّه فإنّ بعض النّعمة فيه تأتي على أضعاف النعامة، والذي تحاول من صلاح أمر من تؤمّل فيه أن يقوم في أهلك مقامك، وإصلاح ما خلّفت كقيامك، لحقيق بالحيطة عليه، وبإعطائه المجهود من نفسك.
وقال زكريا عليه السلام: رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ.
فعلم الله تبارك وتعالى، فوهب له غلاما، وقال الله عزّ وجلّ: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى.
اعلم أنّه أعطاك ولدا عبرة عين العدوّ، وقرّة عين الصديق الوليّ.
فاحمد الله وأخلص في الدّعاء، وأكثر من الخير إن شاء الله تعالى.
(1/212)

6- هامش كتاب المعلمين
(1) يهجو الجاحظ شخصا ذم المعلمين ويتهمه بالسفه والجهل والبذاءة والغرور.
(2) فوائد الكتاب في حفظ العلم والاخبار عن الماضي الخ ... وقد عدد الجاحظ فوائد الكتاب في مقدمة كتاب الحيوان حيث أبدع في ذلك.
(3) الاستنباط تعني التفكير والحكماء هم اصحاب الاستنباط اما الحفظ فمن عمل المقلدين. لاحظ تأثر الجاحظ بالفلسفة.
- القضية تعني الحكم. والحكم عند المنطقيين مؤلف من قضية.
- لاحظ الآراء التربوية حول طبيعة الحفظ وزمانها ومكانها وطبيعة التفكير.
(4) الفرضيين: علماء الميراث وتقسيم الارث على الورثة.
- القضية: معناها هنا الحكم ايضا.
(5) الجاحظ لا يتورع عن استعمال الالفاظ الاعجمية مثل التنبوك (القوس) البنجكاز (خمس اخشاب، فارسية مثل التنبوك) . كما يستعمل كلمات عربية اصبحت غريبة بالنسبة لنا لعدم استعمالها مثل الدبوق (لعبة للصبيان) والسبطانة (قناة جوفاء يرمى بها الطير) والمجتمة (حيوان ينصب ويرمى ويقتل) .
(6) الانسان عالم صغير: وردت هذه الفكرة مع شرحها في الحيوان ج 1 ص 212 طبعة عبد السلام هارون.
البابة الباب والوجه.
(7) المعلم مشتق من العلم. والمؤدب مشتق من الأدب. والعلم أصل والأدب فرع.
- الادب له معنيان: معنى خلقي تأديبي، ومعنى تعليمي.
(1/213)

(8) الحرف الحرمان. الادب لا يشبع ولا يغني من جوع.
(9) ناطق: تكلم او حدث.
- توخى حكاية مقادير عقول الصبيان: راعى مستوى عقولهم.
(10) اللحن: الخطأ في تحريك الكلمات.
(11) استكراه العبارة: استعمال العبارة الكريهة.
- التأويل: التفسير.
- الطبع: الموهبة الادبية- القريحة.
(12) عبد الله بن المقفع: يقدم الجاحظ ترجمة موجزة له. والجديد في هذه الترجمة قوله أنه اشتغل بعلم الكلام دون اجادة فيه.
(132) التجار وعمال السلطان: هذه الفقرة مشتركة بين كتاب المعلمين وكتاب «مدح التجار وذم السلطان» . وفيه يمدح قريشا وخصالها ومهارتها في التجارة ويتحدث عن الايلاف الذي عقدته مع ملوك اليمن والحبشة والشام وفارس. ونجد كلاما مشابها عن خصال قريش في كتاب الاوطان والبلدان، وكتاب فضل هاشم على بني عبد شمس.
(1/214)

[7- رسالة طبقات المغنين]
(- 7- طبقات المغنين)
(1/215)

[1- تصنيف العلوم]
فصل منه: ثمّ إنّا وجدنا الفلاسفة المتقدّمين في الحكمة، المحيطين بالأمور معرفة، ذكروا أنّ أصول الآداب التي منها يتفرّع العلم لذوي الألباب أربعة:
فمنها النّجوم وبروجها، وحسابها الذي يعرف به الأوقات والأزمنة، وعليها مزاج الطّبائع وأيّام السّنة.
ومنها الهندسة وما اتّصل بها من المساحة والوزن والتقدير، وما أشبه ذلك.
ومنها الكيمياء والطّبّ اللّذان بهما صلاح المعاش وقوام الأبدان، وعلاج الأسقام، وما يتشعّب من ذلك.
ومنها اللّحون ومعرفة أجزائها وقسمها، ومقاطعها ومخارجها ووزنها، حتّى يستوي على الإيقاع ويدخل في الوتر وغير ذلك ممّا اقتصرنا من ذكره على أسمائه وجمله، اجتنابا للتّطويل، وتوخّيا للاختصار. وقصدنا للأمر الذي إليه انتهينا، وإيّاه أردنا. والله الموفق وهو المستعان.
(1/217)

[2- الخليل يضع علمي الغناء والعروض]
ولم يزل أهل كلّ علم فيما خلا من الأزمنة يركبون منهاجه، ويسلكون طريقه، ويعرفون غامضه، ويسهّلون سبيل المعرفة بدلائله، خلا الغناء، فإنّهم لم يكونوا عرفوا علله وأسبابه ووزنه وتصاريفه، وكان علمهم به على الهاجس وعلى ما يسمعون من الفارسيّة والهندية إلى أن نظر الخليل البصريّ في الشّعر ووزنه، ومخارج ألفاظه، وميّز ما قالت العرب منه، وجمعه وألّفه، ووضع فيه الكتاب الذي سمّاه العروض، وذلك أنّه عرض جميع ما روي من الشّعر وما كان به عالما، على الأصول التي رسمها، والعلل التي بيّنها، فلم يجد أحدا من العرب خرج منها، ولا قصّر دونها. فلمّا أحكم وبلغ منه ما بلغ، أخذ في تفسير النّغم واللّحون، فاستدرك منه شيئا، ورسم له رسما احتذى عليه من حلفه، واستتمّه من عني به.
[3- ابراهيم الموصلي يتم علم الغناء]
وكان إسحاق بن إبراهيم الموصليّ أوّل من حذا حذوه، وامتثل هديه، واجتمعت له في ذلك آلات لم تجتمع للخليل بن أحمد قبله، منها معرفته بالغناء، وكثرة استماعه إيّاه وعلمه بحسنه من قبيحه، وصحيحه من سقيمه.
ومنها حذقه بالضّرب والإيقاع، وعلمه بوزنها. وألّف في ذلك كتبا معجبة، وسهل له فيها ما كان مستصعبا على غيره، فصنع الغناء بعلم فاضل، وحذق راجح، ووزن صحيح، وعلى أصل مستحكم له دلائل صحيحة واضحة، وشواهد عادلة. ولم نر أحدا وجد سبيلا إلى الطّعن عليه والعيب له.
(1/218)

وصنع كثير من أهل زمانه أغانيّ كثيرة بهاجس طبعهم والاتّباع لمن سبقهم، فبعض أصاب وجه صوابه، وبعض أخطأ، وبعض قصّر في بعض وأحسن في بعض.
[4- طبقات المغنين في عصر الجاحظ]
ووجدنا لكلّ دهر دولة للمغنّين يحملون الغناء عنهم، ويطارحون به فتيان زمانهم، وجواري عصرهم. وكان يكون في كلّ وقت من الأوقات قوم يتنادمون، ويستحسنون الغناء، ويميّزون رديّه من جيّده، وصوابه من خطائه، ويجمعون إلى ذلك محاسن كثيرة في آدابهم وأخلاقهم، وروائهم وهيئاتهم، فلم نجد هذه الطبقة ذكروا. ووجدنا ذكر الغناء وأهله باقيا.
وخصصنا في أيّامنا وزماننا بفتية أشراف، وخلّان نظاف، انتظم لهم من آلات الفتوّة وأسباب المروءة ما كان محجوبا عن غيرهم، معدوما من سواهم، فحملني الكلف والمودّة لهم والسّرور بتخليد فخرهم وتشييد ذكرهم والحرص على تقويم أود ذي الأود منهم حتّى يلحق بأهل الكمال في صناعته، والفضل في معرفته، على تمييز طبقة [على] طبقة منهم، وتسمية أهل كلّ طبقة بأوصافهم، وآلاتهم وأدواتهم، والمذاهب التي نسبوا إليها أنفسهم، واحتملهم إخوانهم عليها. وخلطنا جدّا بهزل، ومزجنا تقريعا بتعريض، ولم نرد بأحد ممّن سمّينا سوءا، ولا تعمّدنا نقدا ولا تجاوزنا حدّا.
ولو استعملنا غير الصّدق لفضّلنا قوما وحابينا آخرين. ولم نفعل ذلك؛ تجنّبا للحيف، وقصدا للإنصاف. وقد نعلم أنّ كثيرا منهم سيبالغ في الذمّ، ويحتفل في الشتم، ويذهب في ذلك غير مذهبنا.
وما أيسر ذلك فيما يجب من حقوق الفتيان وتفكيههم، والله حسيب من ظلم، عليه نتوكل وبه نستعين، وهو ربّ العرش العظيم.
(1/219)

ولم نقصد في وصف من وصفنا من الطبقات التي صنّفنا منهم، إلّا لمن أدركنا من أهل زماننا ممّن حصل بمدينة السلام، إذ من خرج عنها ونزع إلى الفتوّة بعد التّوبة، وإلى أخلاق الحداثة بعد الحنكة، وذلك في سنة خمس عشرة ومائتين. فرحم الله امرأ أحسن في ذلك أمرنا، وحذا فيه حذونا، ولم يعجل إلى ذمّنا، ودعا بالمغفرة والرحمة لنا.
[5- طريقة تأليف الكتاب]
وقد تركنا في كلّ باب من الأبواب التي صنّفنا في كتابنا، فرجا لزيادة إن زادت، ولاحقة إن لحقت، أو نابتة إن نبتت. ومن عسى أن ينتقل به الحذق من مرتبته إلى ما هو أعلى منها، أو يعجز به القصور عمّا هو عليه منها إلى ما هو دونها، إلى مكانه الذي إليه نقله ارتفاع درجة أو انحطاطها، ومن لعلّنا نصير إلى ذكره ممن عزب عنّا ذكره، وأنسينا اسمه، ولم يحط علمنا به، فنصيّره في موضعه، ونلحقه بأصحابه.
وليس لأحد أن يثبت شيئا من هذه الأصناف إلّا بعلمنا، ولا يستبدّ بأمر فيه دوننا. ويورد ذلك علينا فنمتحنه، ونعرّفه بما عنده، ويصير إلى ترتيبه في المرتبة التي يستحقّها، والطّبقة التي يحتملها.
[6- الاحتياط من العيب]
فلما استتبّ لنا الفراغ مما أردنا من ذلك خطر ببالنا كثرة العيّابين من الجهّال بربّ العالمين، فلم نأمن أن يسرعوا بسفه رأيهم وخفّة أحلامهم إلى نقض كتابنا وتبديله، وتحريفه عن مواضعه، وإزالته عن أماكنه التي عليها رسمنا، وأن يقول كلّ امرىء منهم في ذلك على حاله، وبقدر هواه ورأيه،
(1/220)

وموافقته ومخالفته، والميل في ذلك إلى بعض، والذمّ لطبقة والحمد لأخرى، فيهجّنوا كتابنا، ويلحقوا بنا ما ليس من شأننا.
وأحببنا أن نأخذ في ذلك بالحزم، وأن نحتاط فيه لأنفسنا ومن ضمّه كتابنا، ونبادر إلى تفريق نسخ منها وتصييرها في أيدي الثّقات والمستبصرين، الذين كانوا في هذا الشأن، ثم ختموا ذلك بالعزلة والتّوبة منه، كصالح بن أبي صالح، وكأحمد بن سلّام، وصالح مولى رشيدة.
ففعلنا ذلك وصيّرناه أمانة في أعناقهم، ونسخة باقية في أيديهم، ووثقنا بهم أمناء ومستودعين وحفظة غير مضيّعين ولا متّهمين. وعلمنا أنّهم لا يدعون صيانة ما استودعوا، وحفظ ما عليه ائتمنوا.
فإن شيب به شوب يخالفه، وأضيف إليه ما لا يلائمه، رجعنا إلى النّسخة المنصوبة، والأصول المخلّدة عند ذوي الأمانة والثّقة، واقتصرنا عليها، واستعلينا بها على المبطلين، ودفعنا بها إدغال المدغلين، وتحريف المحرّفين، وتزيّد المتزيّدين، إن شاء الله.
ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.
(1/221)

7- هامش كتاب طبقات المغنين
(1) الكتاب يخلو من المقدمة التقليدية التي عهدناها في مؤلفات الجاحظ كالدعوة الى الهداية والسلامة والتوفيق الخ..
- الفلاسفة: هم الذين تقدموا في الحكمة واحاطوا بمعرفة الامور.
- الآداب: تتفرع منها العلوم. الفلاسفة كانوا يجعلون الفلسفة ام العلوم ومنها تتفرع. ولكن هنا تحل لفظة الآداب محل الفلسفة وتعتبر الاصول التي تتفرع منها العلوم. الخلط ظاهر بين المفهومين.
(2) الخليل البصري: هو الخليل بن احمد الفراهيدي الذي وضع اسس علم الموسيقى العربي، واكتشف علم العروض، واسهم في بناء علم النحو وعلم المعاجم. عاش في البصرة وتوفي فيها سنة 786 م.
(3) اسحق بن ابراهيم الموصلي قلد الخليل واكمل علم الموسيقى والغناء. نشأ ومات في بغداد (772- 850 م) ونادم الخلفاء. وترك عدة كتب في الموسيقى والأدب.
(4) طبقات المغنين في عصر الجاحظ وفي بغداد يقسمون الى فئتين. فئة تركت الغناء وتابت يذكر منهم ثلاثة هم صالح بن ابي صالح، واحمد بن سلام، وصالح مولى رشيدة. وفئة لا تزال تمارس الغناء وهم فتية يعطف عليهم الجاحظ ولكنه لم يذكر هنا احدا منهم.
(5) طريقة تأليف الكتاب ليست جديدة على الجاحظ فقد اتبعها في البيان والتبين، او خطط لها ولكن لم يتقيد بها نظرا لميله الى الاستطراد.
(1/223)

(6) خوف الجاحظ من العيابين الذين يسفهون كتابه او يسرعون الى نقضه وتحريفه عن مواضعه هو الذي حداه على ايداع نسخ يرجع اليها لدى حدوث ذلك.
هذا التدبير يثير العجب ويدعو الى الشك في صحة ما وصلنا من الكتاب ذاته.
(1/224)

[8- رسالة الوكلاء]
(- 8- الوكلاء)
(1/225)

[1- المقدمة]
فصل منه: وفّقك الله للطّاعة، وعصمك من الشّبهة، وأفلجك بالحجّة، وختم لك بالسعادة.
[2- يجب التثبت في الأمور]
غبرت- أصلحك الله- أزمان وأنت عندي ممّن لا يمضي القول إلّا بعد التثبّت، ولا يخرج الكتاب إلّا بعد التصفّح، وكنت حريّا بتهيئة الرأي الفطير، جديرا أن تميّل بنفسك عاقبة التّفريط. ولولا كثرة مرور أيّام المطالبة عليك لما ثقل عليك التثبّت، ولولا قصر أيّام التحصيل لما وثقت بأوّل خاطر، ولولا سوء العادة لما كذبك رائد النّظر واتّهمت الرأي.
[3- ينبغي عدم الانقياد مع الهوى]
واعترام الغضبان يهوّر الأعمار، فإنّ الغضبان أسوأ أثرا على نفسه من
(1/227)

لسّكران، ولولا أنّ نار الغضب تخبو قبل إفاقة المعتوه، وضباب السّكر ينكشف قبل انكشاف غروب عقل المذلّه، وأنّ حكم الظاعن خلاف حكم المقيم، وقضيّة المجتاز خلاف قضيّة الماكث، لكانت حال الغضبان أسوأ مغبّة، وجهله أوبأ، على أنّ الحكم له ألزم والنّاس له ألوم.
وما أكثر ما يقحم الغضب المقاحم التي لا يبلغها جناية الجنون، وفرط جهل المصروع.
فصل منه: وإنّ الغمر لا يكون إلّا عديم الآلة، منقطع المادّة، يرى الغيّ رشدا والغلوّ قصدا. فلو كنت إذا جنيت لم تقم على الجناية، وإذا عزمت على القول لم تخلّده في الكتب، وإذا خلّدته لم تظهر التبجّح به، والاستبصار فيه، كان علاج ذلك أيسر، وكانت أيّام سقمك أقصر.
فأخزى الله التصميم إلّا مع الحزم، والاعتزام إلّا بعد التثبّت والعلم إلّا مع القريحة المحمودة، والنّظر إلّا مع استقصاء الرويّة.
وأخلق بمن كان في صفتك، وأحر بمن جرى على دربك، ألّا يكون سبب تسرّعه، وعلّة تشحّنه إلّا من ضيق الصّدر.
وجميع الخير راجع إلى سعة الصدر. فقد صحّ الآن أنّ سعة الصّدر أصل، وما سوى ذلك من أصناف الخير فرع.
[4- ينبغي الاحتراز من اصدار الآراء الفطيرة]
وقد رأيتك- حفظك الله- خوّنت جميع الوكلاء وفجّرتهم، وشنّعت على جميع الورّاقين وظلمتهم، وجمعت المعلّمين وهجوتهم، وحفظت مساويهم، وتناسيت محاسنهم، واقتصرت على ذكر مثالب الأعلام والجلّة، حتّى صوّب نفسك عند السّامع لكلامك، والقارىء كتابك، أنّك ممن ينكر الحقّ جهلا،
(1/228)

أو يتركه معاندة له. وقد علم النّاس أنّ من تركه جهلا به أصغر إثما ممن تركه عمدا.
ولعمري إنّ العلم لطوع يديك، والمتصرّف مع خواطرك، والمستملي من بديهتك، كما يستملي من ثمرة فكرك، والمحصّل من رويّتك. ولكنّ الرأي لك أن لا تثق بما يرسمه العلم في الخلاء، وتتوقّاه في الملاء.
اعلم أنّك متى تفرّدت بعلمك استرسلت إليه. ومتى ائتمنت على نفسك نواجم خواطرك، فقد أمكنت العدوّ من ربقة عنقك. وبنية الطّبائع وتركيب النفوس، والذي جرت عليه العادة، إهمال النّفس في الحلا، واعتقالها في الملا.
فتوقّف عند العادة، واتّهم النّفس عند الاسترسال والثّقة. قال ابن هرمة:
إنّ الحديث تغرّ القوم خلوته ... حتّى يكون له عيّ وإكثار
وبئس الشيء العجب، وحسن الظّنّ بالبديهة! واعلم أنّ هذه الحال التي ارتضيتها لشأنك هي أمنيّة العدوّ، ونهزة الخصم، ومتى أبرزت كتابك على هذه الصّورة وأفرغته هذا الإفراغ، ثم سبكته هذا السّبك، فليس بعدوّك حاجة إلى التكذيب عليك، وقول الزّور فيك، لأنّك قد مكّنته من عرضك، وحكّمته في نفسك.
وبعد، فمن يعجز عن عيب كتاب لم يحرس بالتثبّت، ولم يحصّن بالتصفّح، ولم يغبّ بالمعاودة والنّظر، ولم يقلّب فيه الطّرف من جهة الإشفاق والحذر. فكيف يوفّق الله الواثق بنفسه، والمستبدّ برأيه لأدب ربّه، ولما وصّى به نبيّه صلّى الله عليه وسلم [حين قال لرجل خاصم عنده رجلا فقال في بعض كلامه: حسبي الله! فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم] : «أبل الله
(1/229)

من نفسك عذرا، فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله» .
وزعمت في أوّل تشنيعك عليهم، فقلت: قال يعقوب بن عبيد لبعض ولده حين قال له في مرضه: أيّ شيء تشتهي؟ قال: كبد وكيل.
وقد كان ترك التّجارة من سوء معاملتهم وفحش خبائثهم.
[5- لا ينبغي تعميم الحكم على جميع الوكلاء]
فصل منه: قد فهمنا عذرك وسمعنا قولك، فاسمع الآن ما نقول:
اعلم أنّ الوكيل، والأجير، والأمين، والوصيّ، في جملة الأمر، يجرون مجرى واحدا. فأيش لك أن تقضي على الجميع بإساءة البعض. ولو بهرجنا جميع الوكلاء وخوّنّا جميع الأمناء، واتّهمنا جميع الأوصياء وأسقطناهم، ومنعنا الناس الارتفاق بهم، لظهرت الخلّة وشاعت المعجزة، وبطلت العقد وفسدت المستغلّات، واضطربت التّجارات، وعادت النّعمة بليّة والمعونة حرمانا، والأمر مهملا، والعهد مريجا.
ولو أنّ التّجّار وأهل الجهاز صاحبوا الجمّالين والمكارين والملّاحين، حتّى يعاينوا ما نزل بأموالهم في تلك الطّرق والمياه، والمسالك والخانات، لكان عسى أن يترك أكثرهم الجهاز.
فصل منه: وقد قال الله عز وجل: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ
، وقال: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
وقال: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ.
وقال يوسف النبيّ صلى الله عليه وسلم لفرعون وفرعون كافر:
(1/230)

اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ.
وقالت بنت شعيب في موسى بن عمران: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ
: فجمع جميع ما يحتاج إليه في الكلمتين.
وفي قياسك هذا إسقاط جميع ما أدّبنا الله به، وجعله رباطا لمراشدنا في ديننا، ونظاما لمصالحنا في دنيانا.
والذي يلزمني لك أن لا أعمّهم بالبراءة، والذي لزمك أن لا تعمّهم بالتّهمة، وأن تعلم أنّ نفعهم عامّ، وخيرهم خاصّ.
وقالوا: مثل الإمام الجائر مثل المطر، فإنّه يهدم على الضعيف، ويمنع المسافر.
وقال النبي- صلى الله عليه وسلم- «حوالينا ولا علينا» .
والمطر وإن أفسد بعض الثّمار، وأضرّ ببعض الأكرة فإنّ نفعه غامر لضرره.
وليس شيء من الدّنيا يكون نفعه محضا، وشرّه صرفا. وكذلك الإمام الجائر، وإن استأثر ببعض الفيء، وعطّل بعض الحكم، فإنّ مضارّه مغمورة بمنافعه.
قالوا: وكذلك أمر الوكلاء والأوصياء والأمناء، لا تعلم قوما الشرّ فيهم أعتم ولا الغشّ فيهم أكثر من الأكرة، وما يجوز لنا مع هذا أن نعمّهم بالحكم مع إنّ الحاجة إليهم شديدة، ونزع هذه العادة [وهذا] الخلق منهم أشدّ.
فصل منه: وأنّا أظنّ أنّ الذنب مقسوم بينك وبين وكلائك. فارجع إلى نفسك فلعلّك أن ترى أنّك إنّما أتيت من قبل الفراسة، أو من قبل أنّك لم تقطع لهم الأجرة السنيّة، وحملتهم على غاية المشقّة في أداء الأمانة وتمام
(1/231)

النّصيحة.
[6- لا بد من صحة الفراسة في معرفة الرجال]
فصل منه: ولابدّ في باب البصر بجواهر الرجال من صدق الحسّ، ومن صحّة الفراسة، ومن الاستدلال في البعض على الكلّ، كما استدلّت بنت شعيب- صلوات الله عليه- حين قضت لموسى- عليه السلام بالأمانة والقوّة، وهما الرّكنان اللذان تبنى عليهما الوكالة.
[7- خطر قول «ما ترك الاول للآخر شيئا» ]
فصل منه: وقد قالوا: ليس ممّا يستعمل الناس كلمة أضرّ بالعلم والعلماء، ولا أضرّ بالخاصّة والعامّة، من قولهم: «ما ترك الأوّل للآخر شيئا» .
ولو استعمل النّاس معنى هذا الكلام فتركوا جميع التكلّف، ولم يتعاطوا إلّا مقدار ما كان في أيديهم لفقدوا علما جمّا ومرافق لا تحصى، ولكن أبى الله إلّا أن يقسم نعمه بين طبقات جميع عباده قسمة عدل، يعطى كلّ قرن وكلّ أمّة حصّتها ونصيبها؛ على تمام مراشد الدّين، وكمال مصالح الدنيا.
فهؤلاء ملوك فارس نزلوا على شاطىء الدّجلة، من دون الصّراة إلى فوق بغداد، في القصور والبساتين؛ وكانوا أصحاب نظر وفكر، واستخراج واستنباط، من لدن أزدشير بن بابك إلى فيروز بن يزدجرد.
وقبل ذلك ما نزلها ملوك الأشكان، بعد ملوك الأردوان.
فهل رأيتم أحدا اتّخذ حرّاقة، أو زلّالة، أو قاربا؟! وهل عرفوا الحنش مع حرّ البلاد ووقع السّموم؟!
(1/232)

وهل عرفوا الجمّازات لأسفارهم ومنتزهاتهم؟! وهل عرف فلّاحوهم الثّمار المطعّمة، وغراس النخل على الكردات المسطّرة؟.
وأين كانوا عن استخراج فوه العصفر؟ وأين كانوا عن تغليق الدّور والمدن، وإقامة ميل الحيطان والسّواري المائلة الرؤوس، الرفيعة السّموك المركّبة بعضها على بعض؟! وأين كانوا عن مراكب البحر في ممارسة العدو الذي في البحر، إن طارت البوارج أدركتها، وإن أكرهتها فاتتها بعد أن كان القوم أسرى في بلاد الهند، يتحكّمون عليهم ويتلعّبون بهم؟
وأين كانوا عن الرّمي بالنيران؟! نعم، وكانوا يتّخذون الأحصار وينفقون عليها الأموال، رجالهم دسم العمائم، وسخة القلانس، وكان الرّجل منهم إذا مرّ بالعطار، أو جلس إليه، فأراد كرامته دهن رأسه ولحيته، لا يحتشم من ذلك الكبير، وكان أهل البيت إذا طبخوا اللّحم غرفوا للجار والجارة غرفة غرفة.
(1/233)

8- هامش كتاب الوكلاء
(1) افلجك بالحجة او افلحك بالحجة: يراد به منحك الحجة والبينة في اعمالك.
(2) التثبت: التحقيق.
التصفح: المراجعة واعادة النظر، وتقليبه.
الرأي الفطير: الرأي الفج الذي لم ينضج.
(3) يهور: يتلف، يقضي.
الغمر: الجاهل، وعديم التجربة او الخبرة.
(4) العلم طوع يديك والمتصرف مع خواطرك: يراد به انه من صنعك.
- الملأ: الجمع من الناس.
- نهزة: المناسبة الموافقة للغاية.
(5) ايش لك: تخفيف للكلمتين: اي شيء. مثل ويلمه بدل ويل لأمه.
- العقد: العقود، الاتفاقات.
(6) «ولا بد ... ومن الاستدلال في البعض على الكل» هذا يناقض كل ما قاله الجاحظ في الفقرة السابقة من عدم تعميم الحكم. ويبدو ان بعض التحريف في أجزاء العبارة ادى الى ان يكون معناها مناقضا لمعنى الفقرة السابقة.
(7) التكلف: لا يراد بها التصنع، بل تحمل الكلفة والمشقة او التعب في سبيل البحث والاستنباط.
(1/235)

- ملوك الاشكان بعد ملوك الاردوان: طائفتان من ملوك الفرس حكموا بعد اجتياح الاسكندر ايران وموافقة منه.
- حراقة، زلالة: نوعان من السفن السريعة الحركة.- الحنيش: ثياب رقيقة من الكتان.
- الجمازات: الابل.
- الكردات: القنوات التي تجريها المياه بين المزارع.
(1/236)

[9- رسالة مدح التجار وذم عمل السلطان]
(- 9- مدح التجار وذم عمل السلطان)
(1/237)

[1- مقدمة]
فصل منه: أدام الله لك السّلّامة، وأسعدك بالنّعمة، وختم لك بالسّعادة، وجعلك من الفائزين.
فهمت كتاب صاحبك، ووقفت منه على تعدّ في القول، وحيف في الحكم؛ وسمعت قوله. وهو على كلّ حال حائر، وطريقه طريقهم، وكتبه تشاكل كتبهم، وألفاظه تطابق ألفاظهم.
وكذلك حالنا وحال صاحب كتابك فيما يسخطه من أمرنا، أنّي لا أعتذر منه، وأستنكف من الانتساب إليه، بل أستحي من الكتابة، وأستنكف بأن أنسب إليها من البلاغة أن أعرف بها في غير موضعها، ومن السّجع أن يظهر منّي، ومن الصّنعة أن تعرف في كتبي، ومن العجب بكثير ما يكون منّي.
وقديما كره ذلك أهل المروءة والأنفة، وأهل الاختيار للصّواب والصّدّ عن الخطإ، حتّى إنّ معاوية مع تخلّفه عن مراتب أهل السّابقة، أملى كتابا إلى رجل فقال فيه: «لهو أهون عليّ من ذرّة، أو كلب من كلاب الحرّة» ثم قال: «امح: من كلاب الحرّة، واكتب: من الكلاب» . كأنّه كره اتّصال
(1/239)

الكلام والمزاوجة وما أشبه السّجع، وأري أنّه ليس في موضعه
[2- فضيلة التجار]
فصل منه: وهذا الكلام لا يزال ينجم من حشوة أتباع السّلطان. فأمّا عليتهم ومصاصهم، وذوو البصائر والتمييز منهم، ومن فتقته الفطنة، وأرهفه التأديب، وأرهقه طول الفكر وجرى فيه الحياء وأحكمته التجارب، فعرف العواقب وأحكم التفصيل وتبطّن غوامض التحصيل، فإنهم يعترفون بفضيلة التّجّار ويتمنّون حالهم، ويحكمون لهم بالسّلامة في الدّين، وطيب الطّعمة، ويعلمون أنّهم أودع النّاس بدنا وأهنؤهم عيشا، وآمنهم سربا، لأنهم في أفنيتهم كالملوك على أسرّتهم، يرغب إليهم أهل الحاجات، وينزع إليهم ملتمسو البياعات، لا تلحقهم الذّلّة في مكاسبهم، ولا يستعبدهم الضّرع لمعاملاتهم.
[3- ذل رجال السلطان]
وليس هكذا من لابس السّلطان بنفسه، وقاربه بخدمته؛ فإنّ أولئك لباسهم الذّلّة، وشعارهم الملق، وقلوبهم ممّن هم لهم خول مملوءة، قد لبسها الرّعب، وألفها الذّلّ، وصاحبها ترقّب الاحتياج؛ فهم مع هذا في تكدير وتنغيص، خوفا من سطوة الرّئيس وتنكيل الصاحب، وتغيير الدّول، واعتراض حلول المحن. فإن هي حلّت بهم، وكثيرا ما تحلّ، فناهيك بهم مرحومين يرقّ لهم الأعداء فضلا عن الأولياء.
فكيف لا يميّز بين من هذا ثمرة اختياره وغاية تحصيله، وبين من قد نال الرّفاهية والدّعة، وسلم من البوائق، مع كثرة الإثراء وقضاء اللّذّات، من غير منّة لأحد، ولا منّة يعتدّ بها رئيس ومن هو من نعم المفضلين خليّ، وبين
(1/240)

من قد استرقّه المعروف، واستعبده الطّمع، ولزمه ثقل الصّنيعة، وطوّق عنقه الامتنان، واسترهن بتحمّل الشّكر.
[4- شهرة قريش بالتجارة]
فصل منه: وقد علم المسلمون أنّ خيرة الله تعالى من خلقه، وصفيّه من عباده، والمؤتمن على وحيه، من أهل بيت التّجارة، وهي معوّلهم وعليها معتمدهم، وهي صناعة سلفهم، وسيرة خلفهم.
ولقد بلغتك بسالتهم، ووصفت لك جلادتهم، ونعتت لك أحلامهم، وتقرّر لك سخاؤهم وضيافتهم، وبذلهم ومواساتهم. وبالتّجارة كانوا يعرفون.
ولذلك قالت كاهنة اليمن «لله درّ الدّيار لقريش التّجّار» .
وليس قولهم: قرشيّ كقولهم: هاشمي، وزهري وتيمي، لأنّه لم يكن لهم أب يسمّى قريشا فينتسبون إليه، ولكنّه اسم اشتقّ لهم من التجارة والتّقريش، فهو أفخم أسمائهم وأشرف أنسابهم، وهو الاسم الذي نوّه الله تعالى به في كتابه، وخصّهم به في محكم وحيه وتنزيله، فجعله قرآنا عربيّا يتلى في المساجد، ويكتب في المصاحف، ويجهر به في الفرائض، وحظوة على الحبيب والخالص.
ولهم سوق عكاظ، وفيهم يقول أبو ذؤيب:
إذا ضربوا القباب على عكاظ ... وقام البيع واجتمع الألوف
وقد غبر النبيّ صلى الله عليه وسلم برهة من دهره تاجرا، وشخص فيه مسافرا، وباع واشترى حاضرا، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
ولم يقسم الله مذهبا رضيّا، ولا خلقا زكيّا ولا عملا مرضيّا إلّا وحظّه منه أوفر الحظوظ، وقسمه فيه أجزل الأقسام.
(1/241)

ولشهرة أمره في البيع والشّراء قال المشركون: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ
، فأوحى الله إليه: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ
. فأخبر أنّ الأنبياء قبله كانت لهم صناعات وتجارات.
[5- التجار لا تعدوهم العلوم]
فصل منه: وإنّ الذي دعا صاحبك إلى ذمّ التجارة توهمه بقلّة تحصيله، انها تنقص من العلم والأدب وتقتطع دونهما وتمنع منهما. فأيّ صنف من العلم لم يبلغ التّجّار فيه غاية، أو يأخذوا منه بنصيب، أو يكونوا رؤساء أهله وعليتهم؟! هل كان في التابعين أعلم من سعيد بن المسيّب أو أنبل؟ وقد كان تاجرا يبيع ويشتري، وهو الذي يقول: ما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا عليّ- رضوان الله عليهم- قضاء إلّا وقد علمته.
وكان أعبر النّاس للرّؤيا وأعلمهم بأنساب قريش، وهو من كان يفتي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم متوافرون. وله بعد علم بأخبار الجاهليّة والإسلام، مع خشوعه وشدّة اجتهاده وعبادته، وأمره بالمعروف، وجلالته في أعين الخلفاء، وتقدّمه على الجبّارين.
ومحمّد بن سيرين في فقهه وورعه وطهارته.
ومسلم بن يسار في علمه وعبادته، واشتغاله بطاعة ربّه.
وأيّوب السّختيانيّ، ويونس بن عبيد، في فضلهما وورعهما.
(1/242)

9- هامش كتاب مدح التجار وذم عمل السلطان
(1) السجع: اتفاق اللفظ في آخر الجمل بالحرف الواحد. وقد اعطى مثلا عليه كلام معاوية «لهو اهون علي من ذرة، او كلب من كلاب الحرة» . ينفي عن نفسه تهمة الاهتمام به او تكلفه.
(2) الحشوة: العامة والطبقة السفلى يقابلها العلية.
تبطن الامر: تعمق فيه.
الطعمة: الكسب.
الضرع والتضرع الخضوع والاستكانة.
الافنية جمع فناء: البيت.
(3) لابس: قاربه ولصق به كاللباس الذي يلتصق بالجسم.
(4) قريش: مشتقة من قرش وتقرش تقريشا اي حسب القروش وجمعها.
سوق عكاظ: سوق عامة كانت تقام في الجاهلية في الجزيرة العربية للتجارة وقرض الشعر، تقع قريبا من مكة، وتدوم شهرا.
يمشي في الاسواق: أي يتجر ويعمل في البيع والشراء.
(5) تجار علماء أمثال سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين الخ..
- كان اعبر للرؤيا: أجود تفسيرا للأحلام.
(1/243)

10- رسالة الفتيا
(1/245)

[1- مدخل في مدح احمد بن أبي دؤاد]
. أطال الله بقاءك وأعزّك، وأصلح على يديك.
كان يقال: السّلطان سوق، وإنّما يجلب إلى كلّ سوق ما ينفق فيها.
وأنت أيّها العالم معلّم الخير وطالبه، والدّاعي إليه، وحامل النّاس عليه- من موضع السّلطان بأرفع المكان؛ لأنّ من جعل الله إليه مظالم العباد، ومصالح البلاد، وجعله متصفّحا على القضاة، وعتادا على الولاة، ثمّ جعله الله منزع العلماء، ومفزع الضّعفاء، ومستراح الحكماء، فقد وضعه بأرفع المنازل، وأسنى المراتب.
وقد قال أهل العلم، وأهل التّجربة والفهم: «لما يزع الله بالسّلطان أكثر ممّا يزع بالقرآن» .
وقد كان يقال: شيئان متباينان، إن صلح أحدهما صلح الآخر:
السّلطان والرعيّة.
فقد صلح السّلطان، وعلى الله تمام النّعمة في صلاح الرعية، حتى يحقق الأثر، وتصدق الشّهادة في الخبر.
(1/247)

[2- صناعة الجاحظ]
فنسأل الذي منحك حسن الرّعاية أن يمنحنا حسن الطّاعة.
وقد نظرت في التّجارة التي اخترتها، والسّوق التي أقمتها، فلم أر فيها شيئا ينفق إلّا العلم والبيان عنه، وإلّا العمل الصالح والدّعاء إليه، وإلّا التّعاون على مصلحة العباد، ونفي الفساد عن البلاد.
وأنا- مدّ الله في عمرك- رجل من أهل النّظر، ومن حمّال الأثر، ولا أكمل لكلّ ذلك ولا أفي؛ إلّا أنّي في سبيل أهله وعلى منهاج أصحابه.
والمرء مع من أحبّ، وله ما اكتسب.
[3- التعريف بكتاب أصول الفتيا]
وعندي- أبقاك الله- كتاب جامع لاختلاف النّاس في أصول الفتيا، التي عليها اختلفت الفروع وتضادّت الأحكام، وقد جمعت فيه جميع الدّعاوي مع جميع العلل. وليس يكون الكتاب تامّا، ولحاجة الناس إليه جامعا، حتّى تحتجّ لكلّ قول بما لا يصاب عند صاحبه، ولا يبلغه أهله؛ وحتّى لا ترضى بكشف قناع الباطل دون تجريده، ولا بتوهينه دون إبطاله. وقد قال رسول ربّ العالمين وخاتم النبيّين، محمد صلى الله عليه وسلم: «تهادوا تحابّوا» .
فحثّ على الهديّة وإن كان كراعا وشيئا يسيرا. وإذا دعا إلى اليسير الحقير فهو إلى الثّمين الخطير أدعى، وبه أرضى.
ولا أعلم شيئا أدعى إلى التحابّ، وأوجب في التّهادي، وأعلى منزلة وأشرف مرتبة، من العلم الذي جعل الله العمل له تبعا، والجنّة له ثوابا.
ولا عذر لمن كتب كتابا وقد غاب عنه خصمه، وقد تكفّل بالإخبار
(1/248)

عنه، في ترك الحيطة له، والقيام بكلّ ما احتمله قوله. كما أنّه لا عذر له في التقصير عن فساد كلّ قول خالف عليه، وضادّ مذهبه، عند من قرأ كتابه وتفهّم أدخاله، لأنّ أقلّ ما يزيل عذره ويزيح علّته، أنّ قول خصمه قد استهدف لخصمه، وأصحر للسانه ومكّنه من نفسه، وسلّطه على إظهار عورته. فإذا استراح واضع الكتاب من شغب خصمه ومداراة جليسه، فلم يبق إلّا أن يقوى على كسر الباطل أو يعجز عنه.
ومن شكر المعرفة بمغاوي الناس ومراشدهم، ومضارّهم ومنافعهم، أن تحتمل ثقل مؤونتهم في تعريفهم، وأن تتوخّى إرشادهم، وإن جهلوا فضل ما يسدى إليهم.
[4- الكتاب افضل من صاحبه]
ولم يصن العلم بمثل بذله، ولم يستبق بمثل نشره. على أنّ قراءة الكتب أبلغ في إرشادهم من تلاقيهم، إذ كان مع التلاقي يكثر التّظالم، وتفرط النّصرة، وتشتدّ الحميّة. وعند المواجهة يفرط حبّ الغلبة، وشهوة المباهاة والرّياسة، مع الاستحياء من الرجوع، والأنفة من الخضوع. وعن جميع ذلك تحدث الضّغائن، ويظهر التّباين. وإذا كانت القلوب على هذه الصّفة وهذه الحلية، امتنعت من المعرفة، وعميت عن الدّلالة.
وليست في الكتب علّة تمنع من درك البغية، وإصابة الحجّة؛ لأنّ المتوحّد بقراءتها، والمتفرّد بفهم معانيها، لا يباهي نفسه، ولا يغالب عقله.
والكتاب قد يفضل صاحبه، ويرجح على واضعه بأمور:
منها أنّه يوجد مع كل زمان على تفاوت الأعصار، وبعد ما بين الأمصار. وذلك أمر يستحيل في واضع الكتاب، والمنازع بالمسألة والجواب. وقد يذهب العالم وتبقى كتبه، ويفنى المعقّب ويبقى أثره. ولولا
(1/249)

ما رسمت لنا الأوائل في كتبها، وخلّدت من عجيب حكمها، ودوّنت من أنواع سيرها؛ حتّى شاهدنا بها ما غاب عنا، وفتحنا بها المستغلق علينا، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلّا بهم- لقد خسّ حظّنا في الحكمة، وانقطع سببنا من المعرفة، وقصرت الهمّة، وضعفت النيّة، فاعتقم الرّأي وماتت الخواطر، ونبا العقل.
[5- يجب على العالم اظهار ما عنده]
وأكثر كتبهم نفعا، وأحسن ما تكلّموا به موقعا، كتب الله التي فيها الهدى والرحمة، والإخبار عن كلّ عبرة، وتعريف كلّ سيّئة وحسنة.
فينبغي أن يكون سبيلنا فيمن بعدنا كسبيل من قبلنا فينا. على أنّا قد وجدنا من العبرة أكثر ممّا وجدوا، كما أنّ من بعدنا يجد من العبرة أكثر مما وجدنا.
فما ينتظر العالم بإظهار ما عنده، والنّاشر للحقّ من القيام بما يلزمه.
فقد أمكن القول وصلح الدهر، وخوى نجم التّقيّة، وهبّت ريح العلماء، وكسد الجهل والعيّ وقامت سوق العلم والبيان.
وهذا الكتاب- أرشدك الله- وإن حسن في عيني، وحلا في صدري، فلست آمن أن يعتريني فيه من الغلط ما يعتري الأب في ابنه، والشّاعر في قريضه.
[6- غرض الجاحظ من هذه الرسالة مساعدة القاضي وثوابه]
والذي دعاني إلى وضعه مع إشفاقي منه، وهيبتي لتصفّحك له، أنّي حين علمت أنّ الغالب على إرادتك، والمستولى على مذهبك، تقريب العالم وإقصاء الجاهل، وأنّك متى قرأت كتابا أو سمعت كلاما، كنت من وراء ما
(1/250)

فيه من نقص أو فضل، باتّساع الفهم، وصحة العلم؛ وأنّك متى رأيت زللا غفرته وقوّمت صاحبه، ولم تقرّعه به، ولم تخرمه له. ومتى رأيت صوابا أعلنته ورعيته، فدعوت إليه وأثبت عليه. ولأنّي حين أمنت عقاب الإساءة، [و] وثقت بثواب الإحسان، كان ذلك موجبا لوضعه، ولم أستكره نفسي عليه، وصار ذلك موجبا لنظمه وموحيا للتقرّب به. والسّبب أحقّ بالتّفضيل من المسبّب؛ لأنّ الفعل محمول على سببه، ومضاف إليه، وعيال عليه، ومضمّن به.
وإحساني- مدّ الله في عمرك- في كتابي هذا إن كنت محسا، صغير في جنب إحسانك، إذ كنت المثير له من مراقبه، والباعث له من مراقده.
فلذلك صار أوفر النصيبين لك، وأمتن السببين مضافا إليك. وإن كنت قد قصّرت عن الغاية، فأنا المضيّع دونك. وإن كنت قد بلغتها ففضلك أظهر وحظّك أوفر. لأنّي لم أنشط له إلّا بك، ولا اعتمدت فيه إلّا عليك.
ولولا سوقك التي لا ينفق فيها إلّا إقامة السنّة، وإماتة البدعة، ودفع الظّلامة، والنظر في صلاح الأمّة- لكانت هذه السّلعة باثرة، وهذا الجلب مدفوعا، وهذا العلق خسيسا.
فالحمد لله الذي عمر الدّنيا بك، وأخذ لمظلومها على يديك، وأيّد هذا الملك بيمنك، وصدّق فراسة الإمام فيك.
وأيّة منزلة أرفع وأيّة حالة أحمد ممّن ليس على ظهرها عالم إلّا وهو يحنّ إليه، أو قد رحل إليه، أو قد صار إلى كنفه وتحت جناحه. وليس على ظهرها ظالم إلّا وهو يتّقيه، ولا مظلوم إلّا وهو يستعديه.
ومن يقف على قدر ثواب من هذا قدره، وهذه حاله؟!
(1/251)

[7- لدى الجاحظ كتب أخرى]
وعندي- مدّ الله في عمرك- كتب سوى هذا الكتاب، وليس يمنعني من أن أهديها إليك معا إلّا ما أعرفه من كثرة شغلك، وكثرة ما يلزمك من التّدبير في ليلك ونهارك. والعلم وإن كان حياة العقل، كما أنّ العقل حياة الروح، والرّوح حياة البدن، فإنّ حكمه حكم الماء وجميع الغذاء، الذي إذا فضل عن مقدار الحاجة عاد ذلك ضررا. وإنّما يسوغ الشّراب ويستمرأ الطّعام الأوّل فالأوّل. فكذلك العلم يجري مجراه، ويذهب مذهبه.
ومن شأن النّفوس الملالة لما طال عليها، وكثر عندها. فليس لنا أن نكون من الأعوان على ذلك، ومن الجاهلين بما عليه طبائع البشر؛ فإنّ أقواهم ضعيف، وأنشطهم سؤوم؛ وإن كانت حالاتهم متفاوتة فإنّ الضّعف لهم شامل، وعليهم غالب.
فإذا قرىء عليك- أيّدك الله- هذا الكتاب التمسنا أوقات الجمام وساعات الفراغ، بقدر ما يمكن من ذلك ويتهيّأ. والله الموفّق لذلك، والمهيّىء له.
ثمّ أتبعنا كلّ كتاب بما يليه إن شاء الله.
وليست بحمد الله من باب الطّفرة والمداخلة، ولا من باب الجوهر والعرض، بل كلّها في الكتاب والسّنّة، وبجميع الأمّة إليها أعظم الحاجة.
ثم نسأل الذي عرّفنا فضلك، أن يصل حبلنا بحبلك، وأن يجعلنا من صالحي أعوانك، المستمعين منك، والناظرين معك؛ وأن يحسّن في عينك ويزيّن في سمعك، ما تقرّبنا به إليك، والتمسنا الدنوّ منك، إنّه قريب مجيب، فعال لما يريد.
أطال الله بقاءك، وأتمّ نعمته عليك، وكرامته لك في الدّنيا والآخرة.
(1/252)

تمت الرسالة بعون الله تعالى ومنّه وتوفيقه. والله الموفق للصواب.
والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه الطيبين الطاهرين وسلامه.
(1/253)

10- هامش رسالة الفتيا
(1) القاضي احمد بن ابي دؤاد عالم، انه شيخ من شيوخ المعتزلة. ومنصب قاضي القضاة هام جدا لأنه يشرف على الولاة والقضاة ويدبر شؤون الناس، انه يتصفح القضاة أي يراقب اعمالهم.
- قوله «لما يزع الله بالسلطان اكثر مما يزع بالقرآن» يراد به أن من يكف من الناس عن ارتكاب العظائم خوفا من السلطان اكثر ممن يكف عن ارتكابها خوفا من نهي القرآن وامره وانذاره.
(2) قوله «انا رجل من اهل النظر، ومن حمال الأثر» يراد به انه من اهل الفكر والعلم (النظر) . والحديث (الاثر) .
(3) لاحظ اسلوب الجاحظ في البحث الذي عبرت عنه الجملة التالية: «وليس يكون الكتاب تاما، ولحاجة الناس اليه جامعا، حتى تحتج لكل قول بما لا يصاب عند صاحبه، ولا يبلغه اهله، وحتى لا ترضى بكشف قناع الباطل دون تجريده، ولا بتوهينه دون ابطاله» .
(4) قوله «وليست في الكتب علة تمنع من درن البغية» العلة تعني السبب وليس الخلل.
- المتوحد بقراءتها: المنفرد.
(5) يجب على العالم اظهار ما عنده خير تعبير عن مبدأ الالتزام. ينبغي ان يكون سبيلنا فيمن بعدنا كسبيل من قبلنا فينا: اي تحصيل العلم ونشره.
(1/255)

(6) لاحظ موقف القاضي من الكتب التي تعرض عليه او تؤلف: انه يقرأها ليطلع على ما فيها ويراقبها، فيقرع على الخطأ او يصفح، ويشجع على الصواب ويكافىء. هذا يعني ان الدولة كانت تمارس رقابة على المنشورات والمؤلفات.
- قوله «ولولا سوقك التي لا ينفق فيها الا اقامة السنة، واماتة البدعة، ودفع الظلامة، والنظر في صلاح الامة..» . يعني حرص القاضي على العمل بالشريعة الاسلامية وعدم الابتعاد عنها، واحقاق الحق ورفع الظلم، واصلاح الرعية.
- «صدق فراسة الامام فيك» : الخليفة.
- لاحظ احترام الجاحظ لعلم احمد بن ابي دؤاد وخشية سطوته.
(7) كثرة كتب الجاحظ تستفاد من هذه العبارة «وعندي مد الله من عمرك- كتب سوى هذا الكتاب» . لقد وصلتنا اسماء نحو مائتي رسالة وكتاب.
- العلم حياة العقل، والعقل حياة الروح، والروح حياة البدن. انه يميز بين العقل والروح والبدن. ويجعل الروح وسطا بين العقل والبدن.
- العلم اذا زاد مقداره على العقل كالطعام اذا زاد مقداره على الجسد يعود ضررا. قاعدة تربوية ينبغي الانتباه اليها.
- «من شأن النفوس الملالة لما طال عليها، فكرة يتذرع بها الجاحظ في معظم كتبه، اما ليبرر عدم اطالة الكتاب، واما ليبرر مزج الجد بالهزل، او الاستطراد.
- «الكتاب ليس من باب الطفرة والمداخلة ولا من باب الجوهر والعرض» . اربع مسائل بحثها المتكلمون، الطفرة: انتقال جسم من المكان الاول الى المكان الثالث دون المرور بالمكان الثاني، قال فيها النظام. المداخلة: دخول اجزاء الجسم في اجزاء الجسم الأخرى. الجوهر: هو ما قام بنفسه. العرض هو ما قام بالجوهر. (راجع كتابنا: المناحي الفلسفية عند الجاحظ، باب المنحى الطبيعي) .
(1/256)

[11- رسالة مدح النبيذ وصفة أصحابه]
(- 11- مدح النبيذ وصفة اصحابه)
(1/257)

[1- وصف النبيذ لا يفيه حقه]
أنا- أبقاك الله- الطالب المشغول، والقائل المعذور، فإن رأيت خطأ فلا تنكر فإنّي بصدده وبعرض منه، بل في الحال التي توجبه، والسّبب الذي يؤدّي إليه. وإن سمعت تسديدا فهو الغريب الذي لا نجده. اللهم إلّا أن يكون من بركة مكاتبتك، ويمن مطالبتك. ولأنّ ذكرك يشحذ الذّهن، ويصوّرك في الوهم، ويجلو العقل؛ وتأميلك ينفي الشّغل.
ولا يعجبني ما رأيت من قلّة إطنابك في هذا النّبيذ، وقلّة تلهّيك بهذا الشراب وأنت تجد من فضل القول وحسن الوصف ما لا يصاب عند خطيب، ولا يوجد عند بليغ. وأنت ولو مشيت الخيلاء، وحقّرت العظماء، وأرغبت الشعراء، وأعطيت الخطباء، ليكون القول منهم موصولا غير مقطوع، ومبسوطا غير مقصور، لكنت بعد مقصّرا في أمره، مفرّطا في واجب حقّه.
فلا تأديب الله قبلت، ولا قول الناصح سمعت.
قال الله تبارك وتعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
. وقال الأوّل:
«استدم النّعمة بإظهارها، واستزد الواهب بإدامة شكره» .
(1/259)

[2- النبيذ دواء يشفي من الامراض]
بل كيف أنست بالجلساء، وأرسلت إلى الأطبّاء ولم يكن في قربك [منه] ما يغنيك، وفي النظر إليه ما يشفيك؟ ولم ملكت نفسك دون أن تهذي، ولم رأيت الوقار مروءة قبل أن تستخفّ ولم كان الهذيان هو الهذيان، والسّخف هو المروءة، والتّناقض هو الصّحّة وإلّا بأيّ شيء خصصت، وبأيّ معنى أتيت، ولم لم تخلع فيه العذار، ولم تخرج فيه عن كل مقدار.
وأيّ شيء أجرب جلدك وأمات حالك، وأضعف مسرّتك، وأوحش منك رفيقك، إلّا العقوبة المحضة، وإلّا الغضب والعقاب، وحرمك الثّواب إلّا التهاون في أمره، وقلّة الرّعاية لحقّه.
وكيف صارت أمراضي أمراض الأغنياء وأمراضك أمراض الفقراء إلّا لمعرفتي بفضله، واستخفافك بقدره. ألا ترى أنّي منقرس مفلوج، وأنت أجرب مبسور.
فإن تبت فما أقرب الفرج، وأسرع الإجابة. وسنفرغ لك إن شاء الله قريبا، وتفلح سريعا.
وإن أصررت وتتايعت وتماديت أتاك والله من سفلة الأدواء، وزوي عنك من علية الأمراض، ما يضعك موضعا لا ارتفاع معه، ويلزق بعقبك عارا لا زوال له. ثم تتبع أشياخك السّبّة، وتتبعهم المذمّة.
[3- النبيذ شقيقك الذي شغلت عنه]
علم الله أنّه استظرفك واستملحك، واستحسن قدّك، واسترجح عقلك، وأحسن بك ظنّا، ورآك لنفسه أهلا، ولاتّخاذه موضعا، وللأنس به
(1/260)

مكانا، وأنت لاه عنه زار عليه متهاون به، قد اقبلت على ديوانك تشغل بملازمته وتدع ما يجب عليك من صفاته، والدّعاء إلى تعظيمه. بل هل كنت من شيعته والذابّين عن دولته، والمعروفين بالانقطاع إليه، والانبتات في حبله، إلّا أن يكون عندك التقصير لحقّه، والتّهاون بأمره اللازم، ونهي الناس عنه.
ولو خرجت إلى هذا لخرجت من جميع الأخلاق المحمودة، والأفعال المرضية. وأحسب أنّك لا تعظّمه ولا ترقّ له. ولو لم تتعصّب إلّا لجماله وحسنه، ولو لم تحافظ على نقائه وعتقه لكان ذلك واجبا، وأمرا معروفا.
فكيف مع المناسبة التي بينكما، والشّكل الذي يجمعكما. فإن كان بعضك لا يصون بعضا وأنت لا تعظّم شقيقا، فأنت والله من حفظ العشيرة أبعد، ولمعرفة الصّديق أنكر.
ولقد نعيت إليّ لبّك، وأثكلتني حفاظك، وأفسدت عندي كلّ صحيح.
وقد كان يقال: «لا يزال النّاس بخير ما تعجّبوا من العجب» . قال الشاعر:
وهلك الفتى أن لا يراح إلى النّدى ... وأن لا يرى شيئا عجيبا فيعجبا
قال بكر بن عبد الله المزنيّ: «كنا نتعجّب من دهر لا يتعجّب أهله من العجب فقد صرنا في دهر لا يستحسن أهله الحسن. ومن لا يستحسن الحسن لم يستقبح القبيح» .
وقال بعضهم: «العجب ترك التعجّب من العجب» .
ولم أقل ذلك إلّا لأن تكون به ضنينا، وبما يجب له عارفا. ولكنّك لم توفّر حقّه ولم توف نصيبه.
فإن قلت: ومن يقضي واجب حقّه، وينتهض بجميع شكره؟ قلنا:
فهل أعذرت في الاجتهاد حتّى لا يذمّ إلّا تعجّبك، وهل استغرقت الاعتذار
(1/261)

حتّى لا تعاب إلّا بما زاد على قوّتك. ولولا أنك عين الجواد لم نطلبه منك. ولولا ظنّك لم نحمدك عليه. ولولا معرفتك بفضله لم نعجب من تقصيرك في حقّه، ولولا أنّ الخطأ فيك أقبح، والقبيح منك أسمج، وهو فيك أبين والنّاس به أكلف، والعيون إليه أسرع- لكان كتابنا كتاب مطالبة، ولم يكن كتاب معاتبة، ولشغلنا الحلم لك عن الحلم عليك، والقول لك عن القول فيك.
وقد كنت أهابك بفضل هيبتي لك، وأجترىء عليك بفضل بسطك لي، فمنعني حرص الممنوع، وخوف المشفق، وأمن الواثق، وقناعة الراضي.
[4- الجاحظ يطلب النبيذ ويخشى أن يرد طلبه]
وبعد فمن طلب ما لا يجاد به، وسأل ما لا يوهب مثله ممّن يجود بكلّ ثمين، ويهب كلّ خطير، فواجب أن يكون من الردّ مشفقا، وبالنّجح موقنا.
وإن كان، أبقاك الله، أهلا لأن يمنع، وكنت حفظك الله أهلا أن تبذل، وجب أن تكون باذلا مانعا، وساكنا مطمئنا، إلّا أن يكون الحرب سلما سجالا، والحالات دولا.
ولهذه الخصال ما وقع الطّلب، وشاع الطمع.
فإن منعت فعذرك مبسوط عند من عرف قدره، وإن بذلت فلم تعد الذي أنت أهله عند من عرف قدرك، إلّا أنّه لا يجود بمثله إلّا غنيّ عند جميع الناس، أو عاقل فوق جميع الناس.
وكيف لا أطلب طلب الجريء المتهوّر، وأمسك إمساك الهائب الموقّر.
وليس في الأرض خلق يغتفر في وصفه المحال ولا يستحسن الهذيان سواه؟!
(1/262)

على أنّ من الهذيان ما يكون مفهوما، ومن المحال ما يكون مسموعا.
فمن جهل ذلك ولم يعرفه، وقصّر ولم يبلغه، فليسمع كلام اللهفان والثّكلان، والغضبان والغيران، ومرقّصة الصّبيان، والمنعظ إذا دنا منه الحلقي.
حتّى إذا استوهبك لم تهب له منه حتّى تقف وقفة، وتطرق ساعة، ثم تستحسن وتستشير، ثم تشفّع على مستوهبه، وتعجّب من شاربه، ثم تطيل الكتاب بالامتنان، وتسطّر فيه بتعظيم الإنعام مع ذكر مناقه، ونشر محاسنه بقدر الطاقة. وإن لم تبلغ الغاية فاعرف وزنه، واشهد بطيبه، وأرّخ ساعته، واشهر في النّاس يومه.
وما ظنّك بشيء لا تقدر أن تشرد في ذكره وتفرّط في مدحه، وتقصيرك واضح في لونه، مكتوب في طعمه، موجود في رائحته، إذ كان كلّ ممدوح يقصر عن مدحه وقدره، ويصغر في جنبه.
ولو لم يستدلّ على سعادة جدّك، وإقبال أمرك، وأنّ لك زيّ صدق في المعلوم، وحظّا في الرّزق المقسوم، وأنّك ممن تبقى نعمه، ويدوم شكره، ويفهم النّعمة ويروبّها، ويدرأ عنها ويستديمها، إلّا أنّه وقع في قسمك، وكان في نصيبك- لكان ذلك أعظم البرهان، وأوضح الدلالة.
بل لا نقول: إنّه وقع اتفاقا وغرسا نادرا، حتّى يكون التّوفيق هو الذي قصد به، والصّنع هو الذي دلّ عليه.
[5- النبيذ غنى لمالكه وفقر لفاقده]
ولو لم تملك غيره لكنت غنيّا، ولو ملكت كلّ شيء سواه لكنت فقيرا.
وكيف لا يكون كذلك وهو مستراح قلبك، ومجال عقلك، ومرتع عينك،
(1/263)

وموضع أنسك، ومستنبط لذّتك، وينبوع سرورك، ومصباحك في الظّلام، وشعارك من جميع الأقسام.
وكيف وقد جمع أهبة الجلال، ورشاقة الخلال، ووقار البهاء، وشرف الخير، وعزّ المجاهرة ولذّة الاختلاس، وحلاوة الدّبيب.
[6- النبيذ يطرد الهم ويعيد الشباب]
وسأصف لك شرف النبيذ في نفسه، وفضيلته على غيره، ثم أصف فضل شرابك على سائر الأشربة، كما أصف فضل النّبيذ على سائر الأنبذة؛ لأنّ النبيذ إذا تمشّى في عظامك، والتبس بأجزائك، ودبّ في جنانك، منحك صدق الحسّ، وفراغ النفس، وجعلك رخيّ البال، خليّ الذّرع، قليل الشّواغل، قرير العين، واسع الصّدر، فسيح الهمم حسن الظنّ. ثم سدّ عليك أبواب التّهم، وحسّن دونك الظّنّ وخواطر الفهم، وكفاك مؤونة الحراسة، وألم الشّفقة، وخوف الحدثان، وذلّ الطمع وكدّ الطلب، وكلّ ما اعترض على السّرور وأفسد اللّذّة، وقاسم الشهوة، وأخلّ بالنعمة.
وهو الذي يردّ الشّيوخ في طبائع الشّبان، ويردّ الشّبّان في نشاط الصّبيان، وليس يخاف شاربه إلّا مجاوزة السّرور إلى الأشر، ومجاوزة الأشر إلى البطر.
[7- النبيذ يبعث على الظرف والضحك في كل وقت]
ولو لم يكن من أياديه ومننه، ومن جميل آلائه ونعمه، إلّا أنّك ما دمت تمزجه بروحك، وتزاوج بينه وبين دمك فقد أعفاك من الجد ونصبه، وحبّب إليك المزاح والفكاهة، وبغّض إليك الاستقصاء والمحاولة، وأزال عنك تعقّد الحشمة وكدّ المروءة، وصار يومه جمالا لأيّام الفكرة، وتسهيلا لمعاودة الرّويّة، لكان في ذلك ما يوجب الشّكر، ويطيب الذكر. مع أنّ جميع ما
(1/264)

وصفناه وأخبرنا به عنه يقوم بأيسر الجرم، وأقلّ الثمن.
ثم يعطيك في السّفر ما يعطيك في الحضر، وسواء عليك البساتين والجنان. ويصلح بالليل كما يصلح بالنهار، ويطيب في الصّحو كما يطيب في الدّجن، ويلذّ في الصيف كما يلذّ في الشتاء، ويجري مع كلّ حال. وكلّ شيء سواه فإنّما يصلح في بعض الأحوال.
ويدفع مضرّة الخمار، كما يجلب منفعة السّرور.
إن كنت جذلا [كان] بارّا بك، وإن كنت ذا همّ نفاه عنك.
وما الغيث في الحرث بأنفع منه في البدن، وما الرّيش السّخام بأدفأ منه للمقرور.
ويستمرأ به الغذاء ويدفع به ثقل الماء، وتعالج به الأدواء، وتحمّر به الوجنتان، ويعدل به قضاء الدّين.
[8- النبيذ يسبب السرور ويحث على الجود]
إن انفردت به ألهاك، وإن نادمت به سوّاك.
ثم هو أصنع للسّرور من زلزل، وأشدّ إطرابا من مخارق، وقدر احتياجهما إليه كقدر استغنائه عنهما؛ لأنّه أصل اللذات وهي فرعه، وأوّل السرور ونتاجه.
ولله درّ أوّل من عمله وصنعه، وسقيا لمن استنبطه وأظهره. ماذا دبّر؟
وعلى أيّ شيء دلّ؟ وبأيّ معنىّ أنعم؟ وأيّ دفين أثار؟ وأيّ كنز استخرج.
ومن استغناء النّبيذ بنفسه، وقلّة احتياجه إلى غيره، أنّ جميع ما سواه من الشراب يصلحه اللّج، ولا يطيب إلّا به.
(1/265)

وأوّل ما يثنى عليه به، ويذكر منه، أنّه كريم الجوهر، شريف النّفس، رفيع القدر، بعيد الهم، وكذلك طبيعته المعروفة وسجيّته الموصوفة. وأنّه يسرّ النفوس ويحبّب إليها الجود، ويزيّن لها الإحسان، ويرغّبها في التوسّع، ويورثها الغنى، وينفي عنها الفقر، ويملؤها عزّا، ويعدها خيرا، ويحسّن المسارّة، ويصير به النّبت خصبا والجناب مريعا، ومأهولا معشبا.
[9- النبيذ يجمع الندماء ويرفق بالسكارى]
وليس شيء من المأكول والمشروب أجمع للظّرفاء، ولا أشدّ تألّفا للأدباء، ولا أجلب للمؤنسين، ولا أدعى إلى خلاف الممتعين، ولا أجدر أن يستدام به حديثهم ويخرج مكنونهم، ويطول به مجلسهم، منه.
وإنّ كلّ شراب كان حلا ورقّ، وصفا ودقّ، وطاب وعذب، وبرد ونقخ، فإنّ استطابتك لأوّل جرعة منه أكثر، ويكون من طبائعك أوقع. ثم لا يزال في نقصان إلى أن يعود مكروها وبليّة، إلا النبيذ، فإنّ القدح الثاني أسهل من الأوّل، والثالث أيسر، والرابع ألذّ، والخامس أسلس، والسادس أطرب، إلى أن يسلمك إلى النّوم الذي هو حياتك، أو أحد أقواتك. ولا خير فيه إذا كان إسكاره تغلّبا، وأخذه بالرأس تعسّفا، حتّى يميت الحسّ بحدّته، ويصرع الشارب بسورته، ويورث البهر بكظّته، ولا يسري في العروق لغلظه، ولا يجري في البدن لركوده، ولا يدخل في العمق ولا يدخل الصّميم.
ولا والله حتّى يغازل العقل ويعارضه، ويدغدغه ويخادعه، فيسرّه ثمّ يهزّه، فإذا امتلأ سرورا وعاد ملكا محبورا، خاتله السّكر وراوغه، وداراه وماكره، وهازله وغانجه. وليس كما يغتصب السّكر، ويعتسف الداذيّ، ويفترس الزّبيب؛ ولكن بالتفتير والغمز، والحيلة والختل، وتحبيب النوم،
(1/266)

وتزيين الصّمت.
وهذه صفة شرابك إلّا ما لا نحيط به، ونعوته تتبدّل إلّا ما يقبح منها الجهل به.
وخير الأشربة ما جمع المحمود من خصالها وخصال غيرها. وشرابك هذا قد أخذ من الخمر دبيبها في المفاصل، وتمشّيها في العظام ولونها الغريب؛ وأخذ برد الماء ورقّة الهواء، وحركة النار، وحمرة خدّك إذا خجلت، وصفرة لونك إذا فزعت، وبياض عارضيك إذا ضحكت.
[10- مديح الحسن بن وهب]
وحسبي بصفاتك عوضا من كلّ حسن، وخلفا من كلّ صالح. ولا تعجب أن كانت نهاية الهمّة وغاية المنية؛ فإنّ حسن الوجوه إذا وافق حسن القوام وشدّة العقل، وجودة الرأي، وكثرة الفضل وسعة الخلق، والمغرس الطيّب والنصاب الكريم، والظّرف الناصع، واللّسان الفخم والمخرج السّهل والحديث المونق، مع الإشارة الحسنة والنّبل في الجلسة، والحركة الرّشيقة واللهجة الفصيحة، والتمهّل في المحاورة والهزّ عند المناقلة، والبديه البديع والفكر الصحيح، والمعنى الشريف، واللفظ المحذوف، والإيجاز يوم الإيجاز والإطناب يوم الإطناب، يفلّ الحزّ ويصيب المفصل، ويبلغ بالعفو ما يقصّر عنه الجهد، كان أكثر لتضاعف الحسن، وأحقّ بالكمال. والحمد لله.
وإنّ التاج بهيّ وهو في رأس الملوك أبهى، والياقوت الكريم حسن وهو في جيد المرأة الحسناء أحسن، والشّعر الفاخر حسن وهو من فم الأعرابيّ أحسن. فإن كان من قول المنشد وقريضه، ومن نحته وتحبيره، فقد بلغ الغاية وأقام النهاية.
(1/267)

[11- اهداء النبيذ دليل على المودة والتقدير]
وهذا الشراب حسن وهو عندك أحسن، والهديّة منه شريفة وهي منك أشرف.
وإن كنت قدّرت أنّي إنّما طلبته منك لأشربه أو لأسقيه، أو لأهبه، أو لأتحسّاه في الخلا، أو أديره في الملا أو لأنافس فيه الأكفاء، واجترّ زيادة الخلطاء، أو لأبتذله لعيون النّدماء، أو أعرّضه لنوائب الأصدقاء فقد أسأت بي الظنّ، وذهبت من الإساءة بي في كلّ فنّ، وقصّرت به فهو أشدّ عليك، ووضعت منه فهو أضرّ بك.
وإن ظننت أنّي إنما أريده لأطرف به معشوقة، أو لأستميل به هوى ملك، أو لأغسل به أوضار الأفئدة، أو أداوي به خطايا الأشربة، أو لأجلو به الأبصار العليلة، وأصلح به الأبدان الفاسدة، أو لأتطوّع به على شاعر مفلق أو خطيب مصقع، أو أديب مدقع، ليفتق لهم المعاني، وليخرج المذاهب، ولما في جانبهم من الأجر، وفي أعناقهم من الشكر، ولينفضوا ما قالت الشعراء في الحمد، وليرتجعوا ما شاع لهم من الذّكر؛ فإنيّ أريد أن أضع من قدرها، وإن أكسر من بالها، فقد تاهت وتيه بها. أو لأن أتفاءل برؤيته وأتبرّك بمكانه، وآنس بقربه، أو لأشفي به الظماء، أو أجعله إكسير أصحاب الكيمياء، أو لأن أذكرك كلّما رأيته، وأداعبك كلّما قابلته أو لأجتلب به اليسر وأنفي العسر. ولأنّه والفقر لا يجتمعان في دار، ولا يقيمان في ربع.
ولأتعرّف به حسن اختيارك، وأتذكّر به جودة اجتبائك. أو لأن أستدلّ به على خالص حبّك، وعلى معرفتك بفضلي، وقيامك بواجب حقّي- فقد أحسنت بي الظنّ، وذكرت من الإحسان في كلّ فن. بل هو الذي أصونه صيانة الأعراض، وأغار عليه غيرة الأزواج.
(1/268)

واعلم أنّك إن أكثرت لي منه خرجت إلى الفساد، وإن أقللت أقسمت على الاقتصاد.
وأنا رجل من بني كنانة، وللخلافة قرابة، ولي فيها شفعة، وهم بعد جنس وعصبة، فأقلّ ما أصنع إن أكثرت لي منه أن أطلب المملك، وأقلّ ما يصنعون بي أن أنفى من الأرض. فإن أقللت فإنّك الولد الناصح، وإن أكثرت فإنّك الغاشّ الكاشح. والسلام.
(1/269)

11- هامش رسالة مدح النبيذ وصفة اصحابه
(1) «ان الطالب المشغول والقائل المعذور» يلخص موضوع الرسالة. فهو يطلب من مخاطبه الحسن بن وهب النبيذ، ويصفه ويمدحه.
(2) «اني منقرس مفلوج، وانت أجرب ميسور» اشارة الى مرضي الجاحظ اللذين اصيب بهما في شيخوخته وهما النقرس والفالج. مما يدل على تاريخ وضع الرسالة المتأخر. اما مرض الحسن بن وهب فهو البواسير. وكأن الجاحظ يحاول ان يقنع الحسن بن وهب بأن النبيذ يساعد على الامراض المذكورة.
(3) لاحظ كيف يحث الجاحظ على اقتناء النبيذ ويحسنه. انه بمثابة الصديق الذي ينبغي المحافظة عليه والضن به.
- اقبلت على ديوانك تشغل بملازمته: اشارة الى عمل الحسن بن وهب كاتبا في ديوان الخليفة.
(4) لاحظ كيف يصف تردد المرء اذا سئل شيئا عزيزا عليه «وحتى اذا استوهبك لم تهب منه حتى تقف وقفة، وتطرق ساعة، ثم تستحسن وتستشير، ثم تشفع على مستوهبه، وتعجب من شاربه..» .
(5) النبيذ غنى لمالكه وفقر لفاقده؛ لماذا؟ لأنه «مستراح قلبك وجمال عقلك، ومرتع عينيك، وموضع انسك، ومستنبط لذتك، وينبوع سرورك، ومصباحك في الظلام، وشعارك في جميع الاقسام» . هذه ذروة البلاغة.
(6) تأثير النبيذ في النفس: يطرد الهم ويريح النفس ويعيد الشباب لمن فقده.
- الذرع: الطاقة والوسع.
(1/271)

(7) النبيذ يحبب الظرف والفكاهة. والجاحظ يشدد على هذه الصفة لأنه مطبوع على الظرف كلف به.
- وما الريش السخام (اللين) بادفأ منه للمقرور: إشارة الى خاصة النبيذ في اثارة الدفء في الجسم ابان البرد.
- تعالج به الادواء: ترديد للفكرة التي اشرنا إليها.
(8) اصنع للسرور من زلزل واشد اطرابا من مخارق: زلزل مغن مشهور عاش في عصر الرشيد واخذ عن ابراهيم الموصلي.
- اما مخارق: فمغن عباسي آخر معاصر لزلزل والجاحظ.
(9) النبيذ يجمع الندامى ويرفق بالسكارى؛ لاحظ جمال الوصف.
الداذي: شراب يستخرج من حب كالشعير طيب الرائحة.
(10) مديح الحسن بن وهب يحيط بجميع النواحي الجسمية والخلقية والعقلية، والنفسية والفنية عنده. ان ادبه كأدب الجاحظ يتصف «بالبديه البديع والفكر الصحيح، والمعنى الشريف، واللفظ المحذوف، والايجاز يوم الايجاز، والاطناب يوم الاطناب..» . وراجع مفهوم البلاغة عند الجاحظ في رسالة البلاغة والايجاز ضمن هذا الكتاب اي رسائل الجاحظ الأدبية.
(11) لاحظ براعة الجاحظ في تبرير غايته.
- اكسير اصحاب الكيمياء: يدعى ايضا حجر الفلاسفة، وهو مادة كيمياوية اعتقد القدماء انها تحول المعادن الرخيصة الى ذهب.
- انا رجل من بني كنانة: يشير الى أصله ويعتز به. وهو لم يذكر انه مولى كما زعم البعض. مما يدل على صحة نسبه العربي.
(1/272)

[12- رسالة الشارب والمشروب]
(- 12- الشارب والمشروب)
(1/273)

[1- موضوع الكتاب]
فصل منه: سألت- أكرم الله وجهك، وأدام رشدك، ولطاعته توفيقك، حتّى تبلغ من مصالح دينك ودنياك منازل ذوي الألباب، ودرجات أهل الثّواب- أن أكتب لك صفات الشّارب والمشروب وما فيهما من المدح والعيوب، وأن أميّز لك بين الأنبذة والخمر، وأن أقفك على حدّ السّكر، وان أعرّفك السّبب الذي يرغّب في شرب الأنبذة وما فيها من اجتلاب المنفعة، وما يكره من نبيذ الأوعية.
وقلت: وما فرق ما بين الجرّ والسّقاء، والمزفّت والحنتم والدّبّاء، وما القول في الممتلّ والمكسوب، وما فرق ما بين النّقيع والدّاذيّ، وما المطبوخ والباذق، وما الغربيّ والمروّق، وما الذي يحلّ من الطّبيخ، وما القول في شرب الفضيخ، وهل يكره نبيذ العكر، وما القول في عتيق السّكر، وأنبذة الجرار، وما يعمل من السكّر، ولم كره النّقير والمقيّر.
وسألت عن نبيذ العسل والعرطبات وعن رزين سوق الأهواز، وعن نبيذ أبي يوسف وجمهور، والمعلّق والمسحوم. والحلو والتّرش شيرين ونبيذ
(1/275)

الكشمش والتّين، ولم كره الجلوس على البواطي والرّياحين.
وقلت: وما نصيب الشّيطان، وما حاصل الإنسان؟
وسألت عمّن شرب الأنبذة أو كرهها من الأوائل، وما جرى بينهم فيها من الأجوبة والمسائل، وما كانوا عليه فيها من الآراء، وتشبّثوا فيها من الأهواء، ولأيّ سبب تضادّت فيها الآثار، واختلفت فيها الأخبار.
[2- منافع النبيذ]
وسألت أن أقصد فى ذلك إلى الإيجاز والاختصار، وحذف الإكثار.
وقلت: وإذ جعل الله تعالى للعباد عن الخمر المندوحة بالأشربة الهنيّة الممدوحة، فما تقول فيما حسن من الأنبذة صفاه، وبعد مداه، واشتدّت قواه، وعتق حتّى جاد، وعاد بعد قدم الكون صافي اللّون، هل يحلّ إليه الاجتماع، وفيه الاكتراع، إذ كان يهضم الطّعام ويوطّىء المنام. وهو في لطائف الجسم سار، وفي خفيّات العروق جار، ولا يضرّ معه برغوث ولا يعوض ولا جرجس عضوض.
وقلت: وكيف يحلّ لك ترك شربه إذا كان لك موافقا، ولجسمك ملائما. ولم لا فلت: إنّ تارك شربه كتارك العلاج من أدوإ الأدواء وإنّه كالمعين على نفسه إذا ترك شربه أفحش الدّاء. وأنت تعلم أنّك إذا شربته عدّلت به طبيعتك، وأصلحت به صفار جسمك، وأظهرت به حمرة لونك، فاستبدلت به من السّقم صحّة، ومن حلول العجز قوّة، ومن الكسل نشاطا، وإلى اللّذّة انبساطا، ومن الغمّ فرجا، ومن الجمود تحرّكا، ومن الوحشة أنسا، وهو في الخلوة خير مسامر، وعند الحاجة خير ناصر. يترك الضّعيف وهو مثل أسد
(1/276)

العرين يلان له ولا يلين.
وقلت: الجيّد من الأنبذة يصفّي الذّهن ويقوّي الرّكن، ويشدّ القلب والظّهر، ويمنع الضّيم والقهر، ويشحذ المعدة، ويهيّج للطعام الشّهوة، ويقطع عن إكثار الماء الذي منه جلّ الأدواء، ويحدر رطوبة الرّأس، ويهيّج العطاس، ويشدّ البضعة، ويزيد في النّطفة، وينفي القرقرة والرّياح، ويبعث الجود والسّماح، ويمنع الطّحال من العظم، والمعدة من التّخم، ويحدر المرّة والبلغم، ويلطّف دم العروق ويجريه، ويرقّه ويصفّيه، ويبسط الآمال، وينعم البال، ويغشّي الغلظ في الرّثة، ويصفّي البشرة ويترك اللّون كالعصفر، ويحدر أذى الرّأس في المنخر، ويموّه الوجه ويسخّن الكلية، ويلذّ النّوم ويحلّل التّخم، ويذهب بالإعياء، ويغذو لطيف الغداء، ويطيّب الأنفاس، ويطرد الوسواس، ويطرب النّفس، ويؤنس من الوحشة، ويسكّن الرّوعة، ويذهب الحشمة، ويقذف فضول الصّلب بالإنشاط للجماع، وفصول المعدة بالهراع، ويشجّع المرتاع ويزهي الذّليل، ويكثّر القليل، ويزيد في جمال الجميل، ويسلّي الحزن، ويجمع الذّهن، وينفي الهمّ، ويطرد الغمّ، ويكشف عن قناع الحزم، ويولّد في الحليم الحلم، ويكفي أضغاث الحلم، ويحثّ على الصّبر، ويصحّح من الفكر، ويرجّي القانط، ويرضي الساخط، ويغني عن الجليس، ويقوم مقام الأنيس وحتّى إن عزّ لم يقنط منه، وإن حضر لم يصبر عنه، يدفع النوازل العظيمة، وينقّي الصّدر من الخصومة، ويزيد في المساغ، وسخونة الدماغ، وينشّط الباه حتّى لا يزيّف شيئا يراه، وتقبله جميع الطّبائع، ويمتزج به صنوف البدائع، من اللّذّة والسّرور، والنّضرة والحبور. وحتّى سمّي شربه قصفا، وسمى فقده خسفا. وإن شرب منه الصّرف بغير مزاج، تحلّل بغير علاج. ويكفي الأحزان والهموم، ويدفع الأهواء والسّموم، ويفتح الذّهن، ويمنع الغبن، ويلقّن الجواب، ولا يكيد منه العتاب، به تمام اللذّات، وكمال المروءات. ليس لشيء كحلاوته في
(1/277)

النّفوس، وكسطوته في الجباه والرّوس، وكإنشاطه للحديث والجلوس، يحمّر الألوان، ويرطّب الأبدان، ويخلع عن الطّرب الأرسان.
[3- مساوىء النبيذ]
وقلت: ومع كل ذلك فهو يلجلج اللسان، ويكثر الهذيان، ويظهر الفضول والأخلاط، ويناوب الكسل بعد النّشاط. فأمّا إذا تبيّن في الرأس الميلان، واختلف عند المشي الرجلان، وأكثر الإخفاق، والتنخّع والبصاق، واشتملت عليه الغفلة، وجاءت الزّلّة بعد الزّلّة ولا سواء إن دسع بطعامه، أو سال على الصّدر لعابه، وصار في حدّ المخرفين، لا يفهم ولا يبين، فتلك دلالات النّكر، وظهور علامات السّكر، ينسي الذكر، ويورث الفكر، ويهتك السّتر، ويسقط من الجدار، ويهوّر في الآبار، ويغرق في الأنهار، ويصرف عن المعروف، ويعرّض للحتوف، ويحمل على الهفوة، ويؤكّد الغفلة، ويورث الصّباح أو الصّمات، ويصرع الفهم للسّبات فلغير معنى يضحك، ولغير سبب يمحك، ويحيد عن الإنصاف، وينقلب على الساكت الكافّ. ثم يظهر السّرائر، ويطلع على ما في الضمائر، من مكنون الأحقاد، وخفيّ الاعتقاد.
وقد يقلّ على السّكر المتاع، ويطول منه الأرق والصّداع، ثم يورث بالغدوات الخمار، ويختل سائر النّهار ويمنع من إقامة الصّلوات، وفهم الأوقات، ويعقب السّلّ، ويعقب في القلوب الغلّ، ويجفّف النّطفة، ويورث الرّعشة، ويولّد الصّفار، وضروب العلل في الإبصار، ويعقب الهزال، ويجحف بالمال ويجفّف الطبيعة ويقوّي الفاسد من المرّة ويذيل النفس، ويفسد مزاج الحسّ، ويحدث الفتور في القلب، ويبطىء عند الجماع الصّبّ، حتّى يحدث من أجله الفتق، الذي ليس له رتق، ويحمل على
(1/278)

المظالم، وركوب المآثم، وتضييع الحقوق حتّى يقتل من غير علم، ويكفر من غير فهم.
[4- انواع النبيذ]
فصل منه: وقلت: ومن الحلو في المعد التّخم، وفي الأبدان الوخم، وللتّرش شيرين رياح كمثل رياح العدس، وحموضة تولّد في الأسنان الضّرس.
والسّكر فحسبك بفرط مرارته، وكسوف لونه، وبشاعة مذاقه، ونفار الطّبيعة عنه.
وأنواع ما يعالج من التّمور والحبوب فشربها الدّاء العضال.
وللمسجور، والبتى، وأشباهها كدورة ترسب في المعدة، وتولّد بين الجلدتين الحكّة. وأشباه هذا كثيرة تركت ذكرها، لأنّي لم أقصدك بالمسألة أبتغي منك تحليل ما يجلب المضرة.
ولكن ما تقول فيما يسرّك ولا يسوءك، وما إذا شربته تلقّته العروق فاتحة أفواهها كأفواه الفراخ، محسّنا للّون ملذّة للنّفس، يجثم على المعدة، ويرود في العروق، ويقصد إلى القلب فيولّد فيه اللّذّة، وفي المعدة الهضم، وهو غسولها ونضوحها، ويسرع إلى طاعة الكبد، ويفيض بالعجل إلى الطّحال، وينتفخ منه العروق، وتظهر حمرته بين الجلدتين، ويزيد في اللّون، ويولّد الشّجاعة والسّخاء، ويريح من اكتنان الضّغن، ويعفّي على تغيّر النّكهة، وينفي الذّفر، ويسرع إلى الجبهة، ويغني عن الصّلاء، ويمنع القرّ؟! وما تقول في نبيذ الزّبيب الحمصيّ والعسل الماذّي إذا تورّد لونه، وتقادم كونه، ورأيت حمرته في صفرته تلوح. تراه في الكأس لكأنّه بالشّمس
(1/279)

ملتحف، شعاعه يضحك في الأكفّ؟
وما تقول في عصير الكرم إذا أجدت طبخه وأنعمت إنضاجه، وأحسن الدّنّ نتاجه، فإذا فضّ عن غضارة قد صار في لون البجاديّ في صفاء ياقوتة تلمع في الأكفّ لمع الدّنانير، ويضيء كالشّهاب المتّقد.
وما تقول في نبيذ عسل مصر، فإنّه يؤدّي إلى شاربه الصّحيح من طعم الزّعفران، لا يلبس الخلقان ولا يجود إلّا في جدد الدّنان، ولا يستخدم الأنجاس ولا يألف الأرجاس. وكذلك لا يزكو على علاج الجنب والحائض، ولا ينقض على شيء من الأجسام لونه حتّى لو غمس فيه قطن لخرج أبيض يققا. وحسبك به في رقّة الهواء، يكدّره صافي الماء، وهو مع ذلك كالهزبر ذي الأشبال، المفترس للأقران، من عاقره عقره، ومن صارعه صرعه؟! وما تقول في رزين الأهواز من زبيب الداقياد إذ يعود صلبا من غير أن يسلّ سلافه، أو يماط عنه ثفله، حتّى يعود كلون العقيق، في رائحة المسك العتيق. أصلب الأنبذة عريكة، وأصلبها صلابة، وأشدّها خشونة. ثمّ لا يستعين بعسل ولا سكّر ولا دوشاب. وما ظنّك به وهو زبيب نقيع، لا يشتدّ ولا يجود إلّا بالضّرب الوجيع؟! وما تقول في الدّوشاب البستانيّ، سلالة الرّطب الجنيّ بالحبّ الرتيليّ، إذا أوجع ضربا، وأطيل حبسا، وأعطى صفوه ومنح رفده، وبذل ما عنده، فإذا كشف عنه قناع الطّين ظهر في لون الشّقر والكمت وسطع برائحة كالمسك. وإذا هجم على المعدة لانت له الطّبائع، وسلست له الأمعاء، وأيس الحصر، وانقطع طمع القولنج، وانقادت له اليبوسة، وأذعنت له بالطّاعة، وابتلّ به الجلد القحل، وارتحل عنه الباسور، وكفى شاربه الوخز.
فإذا شجّ بماء تلظّى ورمى بشرره، هل يحلّ أن يشعشع إذا سكن جأشه، وآب إليه حلمه.
(1/280)

وما تقول في المعتّق من أنبذة التّمر، فإنّك تنظر إليه وكأنّ النّيران تلمع من جوفه. قد ركد ركود الزلال حتّى لكأنّ شاربه يكرع في شهاب، ولكأنه فرند في وجه سيف. وله صفيحة مرآة مجلوّة تحكي الوجوه في الزّجاجة، حتّى يهم فيها الجلّاس؟! وما تقول في نبيذ الجزر، الذي منه تمتدّ النّطفة وتشتدّ النّقطة، يجلب الأحلام، ويركد في مخّ العظام؟! وما تقول في نبيذ الكشمش الذي لونه لون زمرّدة خضراء صافية، محكم الصّلابة، مفرط الحرارة، حديد السّورة، سريع الإفاقة عظيم المؤونة، قصير العمر، كثير العلل، جمّ البدوات تطمع الآفات فيه، وتسرع إليه؟! وما تقول في نبيذ التّين فإنّك تعلم أنّه مع حرارته ليّن العريكة، سلس الطّبيعة، عذب المذاق، سريع الإطلاق، مرهم للعروق، نضوح للكبد فتّاح للسّدد، غسّال للأمعاء، هيّاج للباه، أخّاذ للثّمن، جلّاب للمؤن، مع كسوف لون وقبح منظر؟! وما تقول في نبيذ السكّر الذي ليس مقدار المنفعة به على قدر المؤونة فيه، هل يوجد في المحصول لشربه معنى معقول؟! وما تقول في المروّق والغربيّ والفضيح؟ ألذّ مشروبات في أزمانها وانفع مأخوذات في إبّانها. أقلّ شيء مؤونة، وأحسنه معونة، وأكثر شيء قنوعا، وأسرعه بلوغا، ضموزات عروفات للرجل ألوفات. ولها أراييح على الشاهسفرم كأذكى رائحة تشمّ، أقلّ المشروبات صداعا، وأشدّهن خداعا.
فصل منه: وكرهت أيضا تقليد المختلف من الآثار فأكون كحاطب ليل، دون التأمّل والاعتبار بأنّ ظلام الشّكّ لا يجلوه إلّا مفتاح اليقين.
(1/281)

[5- الرد على اسئلة السائل]
قد فهمت- أسعدك الله تعالى بطاعته- جميع ما ذكرت من أنواع الأنبذة، وبديع صفاتها، والفصل بين جيّدها ورديّها، ونافعها وضارّها، وما سألت من الوقوف على حدودها. ولا زلت من عداد من يسأل ويبحث، ولا زلنا في عداد من يشرح ويفصح.
[6- هناك فرق بين الخمر والنبيذ]
اعلم- أكرمك الله- أنّك لو بحثت عن أحوال من يؤثر شرب الخمور على الأنبذة، لم تجد إلّا جاهلا مخذولا، أو حدثا مغرورا، أو خليعا ماجنا، أو رعاعا همجا؛ ومن إذا غدا بهيمة، وإذا راح نعامة، ليس عنده من المعرفة أكثر من انتحال القول بالجماعة؛ قد مزج له الصّحيح بالمحال، فهو مدين بتقليد الرّجال، يشعشع الرّاح، ويحرّم المباح، فمتى عذله عاذل ووعظه واعظ قال: الأشربة كلّها خمر، فلا أشرب إلّا أجودها.
وقد أحببت- أيّدك الله- التّوثّق من إصغاء فهمك، وسؤت ظنّا بالتغرير فقدّمت لك من التّوطئة ما يسهّل [لك] سبيل المعرفة. وذلك إلى مثلك من مثلي حزم سيّما فيما خفيت معالمه ودرست مناهجه، وكثرت شبهه، واشتدّ غموضه.
ولو لم يكن ذلك وكان قد اعتاص عليّ البرهان في إظهاره، واحتجت في الإبانة عنه إلى ذكر ضدّه، ونظيره وشكله، لم أحتشم من الاستعانة بكلّ ذلك. فكيف والقدرة- بحمد الله- وافرة، والحجّة واضحة.
قد يكون الشيء من جنس الحرام فيعالج بضرب من العلاج حتّى يتغيّر
(1/282)

بلون يحدث له، ورائحة وطعم ونحو ذلك، فيتغيّر لذلك اسمه، ويصير حلالا بعد أن كان حراما.
فصل منه: فإن قال لنا قائل: ما تدرون، لعلّ الأنبذة قد دخلت في ذكر تحريم الخمر، ولكن لمّا كان الابتداء أجري في ذكر تحريم الخمر، خرج التحريم عليها وحدها في ظاهر المخاطبة، ودخل سائر الأشربة في التّحريم بالقصد والإرادة.
قلنا: قد علمنا أنّ ذلك على خلاف ما ذكر السّائل، لأسباب موجودة، وعلل معروفة.
[7- الصحابة ميزوا بين الفرائض والمسكرات]
منها: أنّ الصّحابة الذين شهدوا نزول الفرائض، والتابعين من بعدهم، لم يختلفوا في قاذف المحصنين أنّ عليه الحدّ، واختلفوا في الأشربة التي تسكر، ليس لجهلهم أسماء الخمور ومعانيها، ولكن للأخبار المرويّة في تحريم المسكر، والواردة في تحليلها.
ولو كانت الأشربة كلّها عند أهل اللّغة في القديم خمرا لما احتاجوا إلى أهل الرّوايات في الخمر، أيّ الأجناس من الأشربة هي؟ كما لم يخرجوا إلى طلب معرفة العبيد من الإماء.
وهذا باب يطول شرحه إن استقصيت جميع ما فيه من المسألة والجواب.
وما ينكر من خالفنا في تحليل الأنبذة مع إقراره أنّ الأشربة المسكرة الكثيرة لم تزل معروفة بأسمائها واعيانها، وأجناسها وبلدانها، وأنّ الله تعالى قصد للخمر من بين جميعها فحرّمها، وترك سائر الأشربة طلقا مع أجناس
(1/283)

سائر المباح.
[8- حرم الله اشياء وحلل سائر اجناسها]
والدّليل على تجويز ذلك أنّ الله تعالى ما حرّم على الناس شيئا من الأشياء في القديم والحديث إلّا (أطلق لهم من جنسه، وأباح من سنخه ونظيره وشبهه، ما يعمل مثل عمله أو قريبا منه، ليغنيهم بالحلال عن الحرام. أعني ما حرّم بالسّمع دون المحرّم بالعقل. قد حرّم من الدم المسفوح، وأباح غير المسفوح، كجامد دم الطّحال والكبد وما أشبههما، وحرّم الميتة وأباح الذكيّة. وأباح أيضا ميتة البحر وغير البحر، كالجراد وشبهه، وحرّم الرّبا وأباح البيع، وحرّم بيع ما ليس عندك وأباح السّلم، وحرّم الضّيم وأباح الصّلح، وحرّم السّفاح وأباح النّكاح. وحرّم الخنزير وأباح الجدي الرّضيع، والخروف والحوار.
والحلال في كلّ ذلك أعظم موقعا من الحرام.
[9- اهل المدينة حرموا النبيذ ولكنهم ليسوا حجة]
فصل منه: ولعلّ قائلا يقول: وأهل مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وسكان حرمه ودار هجرته، أبصر بالحلال والحرام، والمسكر والخمر، وما أباح الرّسول وما حظره، وكيف لا يكون كذلك والدّين ومعالمه من عندهم خرج إلى النّاس؛ والوحي عليهم نزل، والنبي صلى الله عليه وسلم فيهم دفن. وهم المهاجرون السّابقون، والأنصار المؤثرون على أنفسهم. وكلّهم مجمع على تحريم الأنبذة المسكرة، وأنّها كالخمر.
وخلفهم على منهاج سلفهم إلى هذه الغاية، حتّى إنّهم جلدوا على
(1/284)

الريح الخفيّ.
وكيف لا يفعلون ذلك ويدينون به وقد شهدوا من شهد النبيّ صلى الله عليه وسلم قد حرّمها وذمّها، وأمر بجلد شاربها.
ثمّ كذلك فعل أئمّة الهدى من بعده. فهم إلى يوم الناس على رأي واحد، وأمر متّفق، ينهون عن شربها، ويجلدون عليها.
وإنّا نقول في ذلك: إنّ عظم حقّ البلدة لا يحلّ شيئا ولا يحرّمه، وإنّما يعرف الحلال والحرام بالكتاب الناطق، والسّنّة المجمع عليها، والعقول الصّحيحة، والمقاييس المصيبة.
وبعد، فمن هذا المهاجريّ أو الأنصاريّ، الذي رووا عنه تحريم الأنبذة ثم لم يرووا عنه التحليل؟ بل لو أنصف القائل لعلم أنّ الذين من أهل المدينة حرّموا الأنبذة ليسوا بأفضل من الذين أحلّوا النّكاح في أدبار النّساء، كما استحلّ قوم من أهل مكّة عاريّة الفروج، وحرّم بعضهم ذبائح الزّنوج، لأنّهم فيما زعموا مشوّهو الخلق. ثم حكموا بالشّاهد واليمين خلافا لظاهر التنزيل. وأهل المدينة وإن كانوا جلدوا على الرّيح الخفي فقد جلدوا على حمل الزّقّ الفارغ؛ لأنّهم زعموا أنّه آلة الخمر، حتّى قال بعض من ينكر عليهم: فهلّا جلدوا أنفسهم؟ لأنّه ليس منهم إلّا ومعه آلة الزّنى! وكان يجب على هذا المثال أن يحكم بمثل ذلك على حامل السّيف والسّكّين والسّمّ القاتل، في نظائر ذلك؛ لأنّ هذه كلّها آلات القتل.
[10- مغنو المدينة شربوا الخمر ولم يحدهم أهلها]
وبعد، فأهل المدينة لم يخرجوا من طبائع الإنس إلى طبع الملائكة.
ولو كان كلّ ما يقولونه حقّا وصوابا لجلدوا من كان في دار معبد، والغريض، وابن سريج، ودحمان وابن محرز وعلّويه وابن جامع، ومخارق، وشريك،
(1/285)

ووكيع، وحمّاد، وإبراهيم وجماعة التابعين، والسّلف والمتقدّمين؛ لأنّ هؤلاء فيما زعموا كانوا يشربون الأنبذة التي هي عندهم خمر؛ وأولئك كانوا يعالجون الأغاني التي هي حلّ طلق، على نقر العيدان والطّنابير، والنّايات والصّنج والزّنج، والمعازف التي ليست محرّمة ولا منهيّا عن شيء منها.
ولو كان ما خالفونا فيه من تحليل الأنبذة وتحريمها، كالاختلاف في الأغاني وصفاتها وأوزانها، واختلاف مخارجها، ووجوه مصارفها ومجاريها، وما يدمج ويوصل منها، وما للحنجرة والحنك والنّفس واللهوات وتحت اللّسان من نغمها. وأيّ الدّساتين أطرب، وأيّ أصوب، وما يحفز بالهمز أو يحرّك بالضّمّ؛ وكالقول بأنّ الهزج بالبنصر أطيب، أو بالوسطى؟ والسّريع على الزّير ألذّ، أو على المثنى؟ والمصعّد في لين أطرب أم المحدر في الشّدّة؟ لسهل ذلك ولسلّمنا علمه لمن يدّعيه، ولم نجاذب من يدّعي دوننا معرفته.
فصل منه: ولهج أصحاب الحديث بحكم لم أسمع بمثله في تزييف الرّجال، وتصحيح الأخبار. وإنما أكثروا في ذلك، لتعلم حيدهم عن التّفتيش، وميلهم عن التنقير، وانحرافهم عن الإنصاف.
[11- غرض الكتاب الاساسي]
فصل منه: والذي دعاني إلى وضع جميع هذه الأشربة والوقوف على أجناسها وبلدانها، مخافة أن يقع هذا الكتاب عند بعض من عساه لا يعرف جميعها، ولم يسمع بذكرها، فيتوهّم أنّي في ذكر أجناسها المستشنعة وأنواعها المبتدعة، كالهاذي برقية العقرب، وإن كان قصدي لذكرها في صدر الكتاب لأقف على حلالها وحرامها، وكيف اختلفت الأمّة فيها، وما سبب اعتراض الشّكّ واستكمان الشّبهة؛ ولأن أحتجّ للمباح وأعطيه حقّه، وأكشف أيضا عن
(1/286)

المحظور فأقسم له قسطه، فأكون قد سلكت بالحرام سبيله، وبالحلال منهجه، اقتداء مني بقول الله عزّ وجلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
وقد كتبت لك- أكرمك الله- في هذا الكتاب ما فيه الجزاية والكفاية، ولو بسطت القول لوجدته متّسعا، ولأتاك منه الدّهم. وربّما [كان] الإقلال في إيجاز أجدى من إكثار يخاف عليه الملل. فخلطت لك جدّا بهزل، وقرنت لك حجّة بملحة، لتخفّ مؤونة الكتاب على القارىء، وليزيد ذلك في نشاط المستمع، فجعلت الهزل بعد الجدّ جماما، والملحة بعد الحجّة مستراحا.
(1/287)

12- هامش رسالة الشارب والمشروب
(1) الجر والسقاء والمزفت والحنتم والدبّاء: انواع من الجرار والاوعية التي يوضع فيها النبيذ.
- الممثل والمكسوب: النبيذ المعالج بالرماد والحرارة.
- الداذي: نبات عنقودي حبه يشبه الشعير، له رائحة زكية.
- الباذق: الخمر الاحمر.
- الغربي: النبيذ المصنوع من عصير العنب وحده.
- المروق: المصفى.
- الفضيخ: نوع من النبيذ المصنوع من عصير العنب؛ الغربي الفضيخ.
- النقير: اصل النخلة ينقر ويتخذ وعاء للنبيذ.
- المقير: الزق المطلي بالقار.
- الترش شيرين: الحامض والحلو.
(2) منافع النبيذ، ورد معظمها في رسالة مدح النبيذ وصفة اهله منها الشفاء من الامراض، وشحذ الذهن، وراحة البال، والدفء والبعث على السرور، والجود والظرف، ونسيان الهموم.
(3) مساوىء النبيذ: الجاحظ يقول الشيء وضده عملا بمنهجه الجدلي: ان مساوىء الخمر هي السكر والهذيان، والكسل، والاستفراغ او التقيؤ، وإفشاء الاسرار، والمنع من اداء الصلاة.
(4) انواع النبيذ: شرحنا معانيها في الفقرة الاولى.
(1/289)

(5) الرد على اسئلة السائل: هذه هي طريقة الجاحظ: يتخيل شخصا يطرح عليه المسائل في صدر الرسالة، فيجيب عليها في مؤخرتها.
(6) «ليس عنده من المعرفة اكثر من انتحال القول بالجماعة» : يراد بالجماعة اهل السنة والجماعة. ويبدو انهم تشددوا في شرب النبيذ واعتبروه خمرا مسكرا.
(7) اختلف المسلمون في مسألة تحريم المسكرات، ورووا اخبارا متناقضة بعضها يحلل وبعضها يحرم.
ورأي الجاحظ هو ان الاشربة ليست كلها خمرا والدليل على ذلك تمييز اهل اللغة بينها وبين اجناسها.
(8) الامثلة التي يسوقها الجاحظ على المحللات والمحرمات التي تنتمي الى اصل واحد تدل على مقدرته الجدلية: الدم المسفوح وغير المسفوح، الميتة والذكية، ميتة البحر وغير البحر. النكاح والسفاح، الربا والبيع، الخنزير والجدي.
(9) المرجع في التمييز بين الحلال والحرام هو القرآن والسنة والعقل والقياس.
وهي اصول الفقه الاربعة الى جانب الاجماع. والعقل يقابل الاجتهاد.
(10) اهل المدينة معرضون كسائر الناس للخطأ، وقياسهم غير صحيح.
- معبد بن وهب عاش في مطلع دولة بني أمية وادرك دولة بني العباس. من كبار المغنين.
- الغريض: مغن جميل الوجه يجيد ضرب العود والدف توفي عام 95 هـ-- ابن سريج: مغن مات في خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان.
- دحمان، عبد الملك بن عمرو، عاش في مطلع الدولة العباسية واعطاه المهدي خمسين الف دينار في ليلة واحدة.
- محرز: مسلم بن محرز، لقب بصناجة العرب، وجاب بلاد العراق والفرس والشام.
- علوية، علي بن عبد الله بن يوسف، تتلمذ على ابراهيم الموصلي وغنى للامين وعاش حتى ادرك المتوكل.
- ابن جامع: مغن ورع وفقيه، غنى للرشيد- مخارق الجزار: مغن ومولى للرشيد.
- شريك النخعي توفي سنة 177 هـ- وكيع الرؤاسي الكوفي توفي سنة 196 هـ- فقيه
(1/290)

- حماد بن سلمة بن دينار البصري توفي سنة 167 هـ- فقيه.- ابراهيم النخعي (815) فقيه ورع.
- الدساتين: رباطات الأوتار- الزير، المثنى، المصعد: من اوتار العود.
(11) الدهم: الكثير، الجزاية: الاجزاء.
(1/291)

[13- رسالة البلاغة والإيجاب]
(- 13- البلاغة والإيجاز)
(1/293)

فصل منه: قال عمرو بن بحر الجاحظ: درجت الأرض من العرب والعجم على إيثار الإيجاز، وحمد الاختصار، وذمّ الإكثار والتّطويل والتكرار، وكلّ ما فضل عن المقدار.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم طويل الصّمت، دائم السّكت يتكلّم بجوامع الكلم، لا فضل ولا تقصير، وكان يبغض الثّرثارين المتشدّقين.
وكان يقال: أفصح الناس أسهلهم لفظا، وأحسنهم بديهة.
والبلاغة إصابة المعنى والقصد إلى الحجّة مع الإيجاز، ومعرفة الفصل من الوصل.
وقيل: العاقل من خزن لسانه، ووزن كلامه، وخاف النّدامة.
وحسن البيان محمود، وحسن الصّمت حكم.
وربّما كان الإيجاز محمودا، والإكثار مذموما. وربّما رأيت الإكثار أحمد من الإيجاز. ولكلّ مذهب ووجه عند العاقل. ولكلّ مكان مقال، ولكلّ كلام
(1/295)

جواب. مع أنّ الإيجاز أسهل مراما وأيسر مطلبا من الاطناب، ومن قدر على الكثير كان على القليل أقدر.
والتّقليل للتخفيف، والتّطويل للتعريف، والتّكرار للتوكيد، والإكثار للتشديد.
فصل منه: وأمّا المذموم من المقال، فما دعا إلى الملال، وجاوز المقدار، واشتمل على الإكثار، وخرج من مجرى العادة.
وكلّ شيء أفرط في طبعه، وتجاوز مقدار وسعه، عاد إلى ضدّ طباعه، فتحوّل البارد حارّا، ويصير النافع ضارا، كالصّندل البارد إن أفرط في حكّه عاد حارّا مؤذيا، [و] كالثلج يطفىء قليله الحرارة، وكثيرة يحرّكها.
وكذلك القرد لمّا فرط قبحه، وتناهت سماجته استملح واستطرف.
وإلى هذا ذهب من عدّ الإكثار عيّا، والإيجاز بلاغة.
(1/296)

[14- رسالة تفضيل النطق على الصمت]
(- 14- تفضيل النطق على الصمت)
(1/297)

[1- مدخل: كتاب تلقاه يمدح الصمت ويذم الكلام]
فصل منه: أمتع الله بك وأبقى نعمه عندك؛ وجعلك ممّن إذا عرف الحقّ انقاد له، وإذا رأى الباطل أنكره وتزحزح عنه.
قد قرأت كتابك فيما وصفت من فضيلة الصّمت، وشرحت من مناقب السّكوت، ولخّصت من وضوح أسبابهما، وأحمدت من منفعة عاقبتهما وجريت في مجرى فنون الأقاويل فيهما، وذكرت أنّك وجدت الصّمت أفضل من الكلام في مواطن كثيرة وإن كان صوابا، وألفيت السّكوت أحمد من المنطق في مواضع جمّة، وإن كان حقّا.
وزعمت أنّ اللّسان من مسالك الخنا، الجالب على صاحبه البلا.
وقلت: إنّ حفظ اللسان أمثل من التورّط في الكلام.
وسمّيت الغبيّ عاقلا، والصّامت حليما، والساكت لبيبا، والمطرق مفكّرا. وسمّيت البليغ مكثارا والخطيب مهذارا والفصيح مفرطا، والمنطيق مطنبا.
(1/299)

وقلت: إنّك لم تندم على الصّمت قطّ وإن كان منك عيّا، وأنّك ندمت على الكلام مرارا وإن كان [منك] صوابا.
واحتجاجك في ذلك بقول كسرى أنو شروان، واعتصامك فيها بما سار من أقاويل الشّعراء والمتّسق من كلام الأدباء، وإفراطهم في مذمّة الكلام، وإطنابهم في محمدة السّكوت.
وأتيت- حفظك الله- على جميع ما ذكرت من ذلك، ووصفت ولخّصت، وشرحت وأطنبت فيها وفرطت بالفهم، وتصفّحتها بالعلم، وبحثت بالحزم، ووعيت بالعزم، فوجدتها كلام امرىء قد أعجب برأيه وارتطم في هواه، وظنّ أنّه قد نسج فيها كلاما، وألّف ألفاظا ونسق له معاني على نحو مأخذه.
ومقصده أن لا يلفي له ناقضا في دهره بعد أن أبرمها، ولا يجد فيها مناويا في عصره بعد أن أحكمها. وأنّ حجّته قد لزمت جميع الأنام، ودحضت حجّة قاطبة أهل الأديان، لما شرح فيها من البرهان، وأوضح بالبيان. وحتّى كان القول من القائل نقضا، ورفع الوصف من الواصف تغلّبا، وكان في موضع لا ينازعه فيه أحد، وقلّما يجد من يخاصمه، ولا يلفى أبدا من يناضله، وصار فلجا [بحجّته] أو حديّا في لهجته، إذ كان محلّه محلّ الوحدة، والأنس بالخلوة، وكان مثله في ذلك [مثل] من تخلّص إلى الحاكم وحده فلجّ بحجّته.
وإنّي سأوضّح ذلك ببرهان قاطع، وبيان ساطع، وأشرح فيه من الحجج ما يظهر، ومن الحقّ ما يقهر، بقدر ما أتت عليه معرفتي، وبلغته قوّتي، وملكته طاقتي، بما لا يستطيع أحد ردّه، ولا يمكنه إنكاره وجحده. ولا قوة إلّا بالله، وبه أستعين، وعليه أتوكّل وإليه أنيب.
(1/300)

[2- الكلام اداة التعبير عن الحاجات]
إنّي وجدت فضيلة الكلام باهرة، ومنقبة المنطق ظاهرة، في خلال كثيرة، وخصال معروفة.
منها: أنّك لا تؤدّي شكر الله ولا تقدر على إظهاره إلّا بالكلام.
ومنها: أنّك لا تستطيع العبارة عن حاجاتك والإبانة عن مأربك إلّا باللّسان. وهذان في العاجل والآجل مع أشياء كثيرة لو ينحوها الإنسان لوجدها في المعقول موجودة، وفي المحصول معلومة وعند الحقائق مشتهرة، وفي التّدبير ظاهرة.
[3- الكلام يميز الانسان عن الحيوانات والجمادات]
ولم أجد للصّمت فضلا على الكلام ممّا يحتمله القياس، لأنّك تصف الصمت [بالكلام، ولا تصف الكلام به. ولو كان الصّمت] أفضل والسّكوت أمثل لما عزف للآدميّين فضل على غيرهم، ولا فرق بينهم وبين شيء من أنواع الحيوان وأخياف الخلق في أصناف جواهرها واختلاف طبائعها، وافتراق حالاتها وأجناس أبدانها في أعيانها وألوانها. بل لم يمكن أن يميّز بينهم وبين الأصنام المنصوبة والأوثان المنحوتة، وكان كلّ قائم وقاعد، ومتحرّك وساكن، ومنصوب وثابت، في شرع سواء ومنزلة واحدة، وقسمة مشاكلة؛ إذ كانوا في معنى الصّمت بالجثّة واحدا، وفي معنى الكلام بالمنطق متباينا.
ولذلك صارت الأشياء مختلفة في المعاني، مؤتلفة الأشكال، إذ كانت في أشكال خلقتها متّفقة بتركيب جواهرها، وتأليف أجزائها، وكمال أبدانها، وفي معنى الكمال متباينة عند مفهوم نغماتها، ومنظوم ألفاظها، وبيان معالمها وعدل شواهدها.
(1/301)

مع أنّي لم أنكر فضيلة الصّمت، ولم أهجّن ذكره إلّا أنّ فضله خاصّ دون عام، وفضل الكلام خاصّ وعام، وأن الاثنين إذا اشتمل عليهما فضل كان حظّهما أكثر، ونصيبهما [أوفر من الواحد. ولعلّه أن يكون بكلمة واحدة نجاة] خلق، وخلاص أمّة.
ومن أكثر ما يذكر للسّاكت من الفضل، ويوصف له من المنقبة أن يقال يسكت ليتوقّى به عن الإثم، وذلك فضل خاصّ دون عامّ.
ومن أقلّ ما يحتكم عليه أن يقال غبيّ أو جاهل، فيكون في ذلك لازم ذنب على التوهّم به، فيجتمع مع وقوع اسم الجاهل عليه ما ورّط فيه صاحبه من الوزر.
والذي ذكر من تفضيل الكلام ما ينطق به القرآن، وجاءت فيه الرّوايات عن الثّقات، في الأحاديث المنقولات، والأقاصيص المرويّات، والسّمر والحكايات، وما تكلّمت به الخطباء ونطقت فيه البلغاء- أكثر من أن يبلغ آخرها، ويدرك أوّلها، ولكن قد ذكرت من ذلك على قدر الكفاية، ومن الله التوفيق والهداية.
ولم نر الصّمت- أسعدك الله- أحمد في موضع إلّا وكان الكلام فيه أحمد، لتسارع النّاس إلى تفضيل الكلام، لظهور علّته، ووضوح جليّته، ومغبّة نفعه.
[4- الكلام ينجي صاحبه]
وقد ذكر الله جلّ وعزّ في قصّة إبراهيم عليه السلام حين كسّر الأصنام وجعلها جذاذا، فقال حكاية عنهم: قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ. قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
. فكان كلامه
(1/302)

سببا لنجاته، وعلّة لخلاصه، وكان كلامه عند ذلك أحمد من صمت غيره في مثل ذلك الموضع، لأنّه عليه السلام لو سكت عند سؤالهم إيّاه لم يكن سكوته إلّا على بصر وعلم، وإنّما تكلّم لأنّه رأى الكلام أفضل، وأنّ من تكلّم فأحسن قدر أن يسكت فيحسن، وليس من سكت فأحسن قدر أن يتكلّم فيحسن.
واعلم- حفظك الله- أنّ الكلام سبب لإيجاب الفضل، وهداية إلى معرفة أهل الطّول.
[5- الكلام يبين فضل صاحبه]
ولولا الكلام لم يكن يعرف الفاضل من المفضول، في معان كثيرة، لقول الله عزّ وجلّ، في بيان يوسف عليه السلام وكلامه عند عزيز مصر، لمّا كلّمه فقال: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ
. فلو لم يكن يوسف عليه السلام أظهر فضله بالكلام، والإفصاح بالبيان، مع محاسنه المونقة، وأخلاقه الطّاهرة، وطبائعه الشريفة، لما عرف العزيز فضله، ولا بلغ تلك المنزلة لديه، ولا حلّ ذلك المحلّ منه، ولا صار عنده بموضع الأمانة، ولكان في عداد غيره ومنزلة سواه عند العزيز. ولكنّ الله جعل كلامه سببا لرفع منزلته، وعلوّ مرتبته، وعلّة لمعرفة فضيلته، ووسيلة لتفضيل العزيز إيّاه.
[6- الكلام دليل على الايمان والشريعة]
ولم أر للصّمت فضيلة في معنى ولا للسّكوت منقبة في شيء إلّا وفضيلة الكلام فيها أكثر، ونصيب المنطق عندها أوفر، واللّفظ بها أشهر. وكفى بالكلام فضلا، وبالمنطق منقبة، أن جعل الله الكلام سبيل تهليله وتحميده، والدّالّ على معالم دينه وشرائع إيمانه، والدّليل إلى رضوانه. ولم يرض من
(1/303)

أحد من خلقه إيمانا إلّا بالإقرار، وجعل مسلكه اللّسان، ومجراه فيه البيان، وصيّره المعبّر عمّا يضمره والمبين عمّا يخبره، والمنبىء عن ما لا يستطيع بيانه إلّا به. وهو ترجمان القلب. والقلب وعاء واع.
ولم يحمد الصّمت من أحد إلّا توقّيا لعجزه عن إدراك الحقّ والصّواب في إصابة المعنى. وإنّما قاتل النبيّ صلى الله عليه وسلم المشركين عند جهلهم الله تعالى وإنكارهم إياه، ليقرّوا به، فإذا فعلوه حقنت دماؤهم، وحرّمت أموالهم، ورعيت ذمّتهم. ولو أنّهم سكتوا ضنّا بدينهم لم يكن سبيلهم إلّا العطب.
فاعلم أنّ الكلام من أسباب الخير لا من [أسباب] الشر.
والكلام- أبقاك الله- سبيل التمييز بين الناس والبهائم، وسبب المعرفة.
لفضل الآدميّين على سائر الحيوان، قال الله عز وجلّ: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
. كرّمهم باللسان وجمّلهم بالتدبّر.
[7- الكلام آلة الشكر]
ولو لم يكن الكلام لما استوجب أحد النّعمة، ولا أقام على أداء ما وجب عليه من الشّكر سببا للزّيادة، وعلّة لامتحان قلوب العباد. والشكر بالإظهار في القول، والإبانة باللّسان. ولا يعرف الشكر إلّا بهما.
والله تعالى يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
، فجعل الشّكر علّة لوجوب الزّيادة، عند إظهاره بالقول، والحمد مفتاحا للنّعمة.
وقد جاء في بعض الآثار: لو أنّ رجلا ذكر الله تعالى وآخر يسمع له كان المعدود للمستمع من الأجر، والمذكور له من الثّواب واحدا وللمتكلّم به عشرة أو أكثر.
(1/304)

فهل ترى- أبقاك الله- أنّه وجب لصاحب العشر ذلك وفضل به على صاحبه إلّا عند استعماله بالنّطق به لسانه. ولم يلزم الصّمت أحد إلّا على حسب وقوع الجهل عليه. فأمّا إذا كان الرّجل نبيها مميّزا، عالما مفوّها فالصّمت مهجّن لعلمه وسائر لفضله. كالقدّاحة لم يستبن نفعها دون تزنيدها.
ولذلك قيل: «من جهل علما عاداه» .
[8- فضيلة الخطباء قائمة على بيانهم]
فصل منها: ولم أجد الصّامت مستعانا به في شيء من المعاني، ولا مذكورا في المحافل.
ولم يذكر الخطباء ولا قدّمتهم الوفود عند الخلفاء إلّا لما عرفوه من فضل لسانهم وفضيلة بيانهم. وإنّ أصحّ ما يوجد في المعقول، وأوضح ما يعدّ في المحصول للعرب من الفضل، فصاحتها وحسن منطقها، بعد فضائلها المذكورة، وأيّامها المشهورة.
[9- انزل الله القرآن بلسان عربي مبين]
ولفضل الفصاحة وحسن البيان بعث الله تعالى أفضل أنبيائه وأكرم رسله من العرب، وجعل لسانه عربيّا، وأنزل عليه قرآنه عربيّا، كما قال الله تعالى: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
. فلم يخصّ اللسان بالبيان، ولم يحمد بالبرهان إلّا عند وجود الفضل في الكلام، وحسن العبارة عند المنطق، وحلاوة اللّفظ عند السّمع.
[10- النبي افصح العرب]
واعلم أنّ الله تعالى لم يرسل رسولا ولا بعث نبيّا إلّا من كان فضله في
(1/305)

كلامه وبيانه كفضله على المبعوث إليه، فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم أفصح العرب لسانا، وأحسنهم بيانا، وأسهلهم مخارج للكلام وأكثرهم فوائد من المعاني؛ لأنه كان من جماهير العرب، مولده في بني هاشم، وأخواله من بني زهرة، ورضاعه في بني سعد بن بكر، ومنشؤه في قريش، ومتزوّجه في بني أسد بن عبد العزّى، ومهاجره إلى بني عمرو، وهم الأوس والخزرج من الأنصار. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أفصح العرب بيد أنّي من قريش، ونشأت في بني سعد بن بكر» .
ولو لم يكن ممّا عددنا من هؤلاء الأحياء إلّا قريش وحدها لكان فيها مستغنى عن غيرها، وكفاية عن من سواها، لأنّ قريشا أفصح العرب لسانا وأفضلها بيانا، وأحضرها جوابا، وأحسنها بديهة، وأجمعها عند الكلام قلبا.
ثم للعرب أيضا خصال كثيرة، ومشاهد كثيرة، ممّا يشاكل هذا الباب، ويضارع هذا المثال، حذفت ذكرها خوف التطويل فيها.
فصل منه: فهذه كلّها دلائل على دحض حجّتك ونقض قضيّتك.
وإنّما أرسل الله تعالى رسله مبشّرين ومنذرين الأمم، وأمرهم بالإبلاغ ليلزمهم الحجّة بالكلام لا بالصّمت، إذ لا يكون للرّسالة بلاغ ولا للحجّة لزوم ولا للعلّة ظهور إلّا بالنّطق.
فصل منه: وليس يقوى على ذلك إلّا امرؤ في طبيعته فضل عن احتمال نحيزته وفي قريحته زيادة من القوّة على صناعته، ويكون حظّه من الاقتدار في المنطق فوق قسطه من التغلّب في الكلام، حتّى لا يضع اللّفظ الحرّ النبيل إلّا على مثله من المعنى، ولا اللفظ الشريف الفخم إلّا على مثله من المعنى.
نعم، وحتّى يعطى اللّفظ حقّه من البيان، ويوفّر على الحديث قسطه من الصّواب، ويجزل للكلام حظّه من المعنى، ويضع جميعها مواضعها، ويصفها بصفتها، ويوفّر عليها حقوقها من الإعراب والإفصاح.
(1/306)

[11- علم الكلام جليل لأنه يثبت وجود الله ويبين صفاته]
فصل منه: وبعد، فأيّ شيء أشهر منقبة وأرفع درجة وأكمل فضلا، وأظهر نفعا، وأعظم حرمة، من شيء لولا مكانه لم يثبت لله ربوبيّة ولا لنبيّ حجة، ولم يفصل بين حجّة وشبهة، وبين الدّليل وما يتجلّى في صورة الدّليل.
ثم به يعرف فضل الجماعة من الفرقة، والشّبهة من البدعة، والشّذوذ من الاستفاضة.
والكلام سبب لتعرّف حقائق الأديان، والقياس في تثبيت الرّبوبيّة وتصديق الرسالة، والامتحان للتّعديل والتجوير والاضطرار والاختيار.
(1/307)

14- هامش رسالة تفضيل النطق على الصمت
(1) يستعمل الجاحظ الصمت مرادفا للسكوت. ولا يوافق صاحب الرسالة التي تلقاها في تفضيل الصمت وعلى نعت البليغ بالمكثار والخطيب بالمهذار والفصيح بالمفرط والمنطيق بالمطنب. لأن معاني هذه الكلمات لا تعني الاوصاف التي نعتها بها، فالبلاغة لا تعني كثرة الكلام، والفصاحة لا تعني الافراط (راجع معاني البلاغة والفصاحة عند الجاحظ في كتاب البيان والتبيين، وفي كتابنا المناحي الفلسفية عند الجاحظ) .
(2) يستعمل ابو عثمان العبارة بمعنى الابانة، والحاجة بمعنى المأرب. ويستعمل المعقول في مقابل المحصول، ويعني بهما ما يتوصل اليه العقل المفكر وما يجيء به النقل.
(3) يستعمل القياس هنا بمعنى التمثيل والتشبيه والمقارنة بين شيئين وهما الصمت والكلام. وقد تحدث عن شروط التمثيل في اماكن اخرى من كتبه مثل رسالة التربيع والتدوير.
ويستعمل كلمة جواهر بمعنى الطبائع، وبمعنى الاجسام.
(4) السبب معناه العلة، والبصر معناه العلم.
(5) عزيز مصر: الفرعون- الكلام: الافصاح بالبيان.
(6) المنطق معناه الكلام وليس علم المنطق.
الايمان يساوي الاقرار باللسان او تلاوة الشهادة.
(7) العشر يعني عشرة اضعاف الأجر الذي للمستمع.
لا يلزم الصمت الا من يجهل الجواب. اما العالم فينبغي الافصاح عن علمه.
(1/309)

(8) فضل العرب يرتكز على بيانهم وحسن منطقهم ومقدرتهم الخطابية. والجاحظ يعتقد ان العرب اخطب الامم (راجع كتاب البيان والتبين) .
(9) النبي محمد افضل الانبياء، واللغة العربية افصح اللغات ولهذا نزل القرآن بها.
(10) النبي محمد افصح العرب، وقريش افصح القبائل. لاحظ هذه الترجمة البليغة لحياة النبي محمد. راجح هذا الرأي في كتاب البيان والتبين.
(11) الكلام يعني هنا علم الكلام الذي دافع عنه الجاحظ في رسالة فضل صناعة الكلام (راجعها ضمن رسائل الجاحظ الكلامية التي نشرناها) .
- تصديق الرسالة اي رسالة النبي.
- امتحان التعديل والتجوير: اثبات عدل الله وعدم جوره وهو احد مبادىء المعتزلة الخمسة.
والاضطرار والاختيار: الاختيار القول بحرية الانسان في أفعاله. والاضطرار:
القول بان الانسان ليس حرا في افعاله، وانما هي من خلق الله. المعتزلة قالوا بالإختيار والجبرية قالوا بالاضطرار.
(1/310)

[15- رسالة صناعة القواد]
(- 15- صناعة القواد)
(1/311)

[1- حسنات اللسان]
أرشدك الله للصّواب، وعرّفك فضل أولى الألباب، ووهب لك جميل الآداب، وجعلك ممن يعرف عزّ الأدب كما تعرف زوائد الغنى.
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: دخلت على أمير المؤمنين المعتصم بالله فقلت له: يا أمير المؤمنين، في اللسان عشر خصال: أداة يظهر بها البيان، وشاهد يخبر عن الضمير، وحاكم يفصل بين الخطاب، وناطق يردّ به الجواب، وشافع تدرك به الحاجة، وواصف تعرف به الأشياء، وواعظ يعرف به القبيح، ومعزّ يردّ به الأحزان، وخاصّة يزهى بالصّنيعة، ومله يونق الأسماع.
وقال الحسن البصري: إنّ الله تعالى رفع درجة اللسان، فليس من الأعضاء شيء ينطق بذكره غيره.
وقال بعض العلماء: أفضل شيء للرجل عقل يولد معه، فإن فاته ذلك فمال يعظّم به، فإن فاته ذلك فعلم يعيش به، فإن فاته ذلك فموت يجتثّ أصله.
(1/313)

وقال خالد بن صفوان: ما الإنسان لولا اللّسان إلّا ضالّة. أو بهيمة مرسلة، أو صورة ممثّلة.
وذكر الصّمت والنطق عند الأحنف فقال رجل: الصّمت أفضل وأحمد.
فقال: صاحب الصمت لا يتعدّاه نفعه، وصاحب المنطق ينتفع به غيره.
والمنطق الصّواب أفضل.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رحم الله امرأ أصلح من لسانه» .
قال: وسمع عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه رجلا يتكلّم فأبلغ في حاجته، فقال عمر: هذا والله السّحر الحلال.
وقال مسلمة بن عبد الملك: إنّ الرجل ليسألني الحاجة فتستجيب نفسي له بها، فإذا لحن انصرفت نفسي عنها.
وتقدم رجل إلى زياد فقال: أصلح الله الأمير، إنّ أبينا هلك، وإن أخونا غصبنا ميراثه. فقال زياد: الذي ضيعت من لسانك أكثر مما ضيّعت من مالك.
وقال بعض الحكماء لأولاده: يا بنيّ أصلحوا من ألسنتكم، فإنّ الرجل لتنوبه النائبة فيستعير الدابّة والثياب، ولا يقدر أن يستعير اللّسان.
وقال شبيب بن شيبة ورأى رجلا يتكلّم فأساء القول، فقال: يا ابن أخي، الأدب الصالح خير من المال المضاعف.
وقال الشاعر:
وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلّم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلّا صورة اللحم والدّم
(1/314)

فخذ يا أمير المؤمنين أولادك بأن يتعلموا من كلّ الأدب؛ فإنّك إن أفردتهم بشيء واحد ثم سئلوا عن غيره لم يحسنوه.
[2- قول القائد في الحرب والغزل]
وذلك أنّي لقيت حزاما حين قدم أمير المؤمنين من بلاد الرّوم، فسألته عن الحرب كيف كانت هناك؟ فقال:
لقيناهم في مقدار صحن الإصطبل، فما كان بقدر ما يحسّ الرجل دابّته حتّى تركناهم في أضيق من ممرغة. وقتلناهم فجعلناهم كأنهم أنابير سرجين، فلو طرحت روثة ما سقطت إلّا على ذنب دابّة.
وعمل أبياتا في الغزل فكانت:
إن يهدم الصدّ من جسمي معالفه ... فإن قلبي بقتّ الوجد معمور
إنّي امرؤ في وثاق الحبّ يكبحه ... لجام هجر على الأسقام معذور
علّل بجلّ نبيل من وصالك أو ... حسن الرّقاد فإنّ النّوم مأسور
أصاب حبل شكال الوصل حين بدا ... ومبضع الصدّ في كفيه مشهور
لبست برقع هجر بعد ذلك في ... إصطبل ودّ فروث الحبّ منثور
[3- قول الطبيب في الحرب والغزل]
قال: وسألت بختيشوع [الطبيب] عن مثل ذلك فقال:
لقيناهم في مقدار صحن البيمارستان، فما كان بقدر ما يختلف الرجل مقعدين حتى تركناهم في أضيق من محقنة، فقتلناهم فلو طرحت مبضعا ما سقط إلّا على أكحل رجل.
وعمل أبياتا في الغزل فكانت:
(1/315)

شرب الوصل دستج الهجر فاست ... طلق بطن الوصال بالإسهال
ورماني حبّي بقولنج بين ... مذهل عن ملامة العذّال
ففؤاد الحبيب ينحله السّ ... لّ وقلبي معذّب بالملال
وفؤادي مبرسم ذو سقام ... يابن، ماسويه ضلّ عنّي احتيالي
لو ببقراط كان ما بي وجالي ... نوس باتا منه بأكسف بال
[4- قول الخياط في الحرب والغزل]
قال: وسألت جعفرا الخياط عن مثل ذلك فقال:
لقيناهم في مقدار سوق الخلقان، فما كان بقدر ما يخيط الرجل درزا حتّى قتلناهم وتركناهم في أضيق من جربّان، فلو طرحت إبرة ما سقطت إلّا على رأس رجل.
وعمل أبياتا في الغزل فكانت:
فتقت بالهجر دروز الهوى ... إذ وخزتني إبرة الصّدّ
فالقلب من ضيق سراويله ... يعثر في بايكة الجهد
جشّمتني يا طيلسان النوى ... منك على شوزكتي وجدي
أزرار عيني فيك موصلة ... بعروة الدمع على خدّي
يا كستبان القلب يا زيقه ... عذّبني التّذكار بالوعد
قد قصّ ما يعهد من وصله ... مقراض بين مرهف الحدّ
يا حجزة النّفس ويا ذيلها ... مالي من وصلك من بدّ
ويا جربّان سروري ويا ... جيب حياتي حلت عن عهدي
[5- قول الزارع في الحرب والغزل]
قال: وسألت إسحاق بن إبراهيم عن مثل ذلك- وكان زرّاعا- فقال:
(1/316)

لقيناهم في مقدار جريبين من الأرض، فما كان بقدر ما يسقى الرجل مشارة حتّى قتلناهم، فتركناهم في أضيق من باب، وكأنّهم أنابير سنبل، فلو طرح فدّان ما سقط إلّا على ظهر رجل.
وعمل أبياتا في الغزل فكانت:
زرعت هواه في كراب من الصّفا ... وأسقيته ماء الدوام على العهد
وسرجنته بالوصل لم آل جاهدا ... ليحرزه السّرجين من آفة الصّدّ
فلمّا تعالى النّبت واخضرّ يانعا ... جرى يرقان البين في سنبل الودّ
[6- قول الخباز في الحرب والغزل]
قال: وسألت فرجا الرّخّجيّ عن مثل ذلك- وكان خبّازا- فقال:
لقيناهم في مقدار بيت التّنّور، فما كان بقدر ما يخبز الرجل خمسة أرغفة حتى تركناهم في أضيق من حجر تنّور، فلو سقطت جمرة ما وقعت إلّا في جفنة خبّاز.
وعمل أبياتا في الغزل فكانت:
قد عجن الهجر دقيق الهوى ... في جفنة من خشب الصدّ
واختمر البين فنار الهوى ... تذكى بسرجين من البعد
وأقبل الهجر بمحراكه ... يفحص عن أرغفة الوجد
جرادق الموعد مسمومة ... مثرودة في قصعة الجهد
[7- قول المؤدب في الحرب والغزل]
قال: وسألت عبد الله بن عبد الصمد بن أبي داود عن مثل ذلك- وكان مؤدّبا- فقال:
(1/317)

لقيناهم في مقدار صحن الكتّاب، فما كان بقدر ما يقرأ الصبيّ إمامه حتى ألجأناهم إلى أضيق من رقم فقتلناهم، فلو سقطت دواة ما وقعت إلّا في حجر صبيّ.
وعمل أبياتا في الغزل فكانت:
قد أمات الهجران صبيان قلبي ... ففؤادي معذّب في خبال
كسر البين لوح كبدي فما أط ... مع ممن هويته في وصال
رفع الرقم من حياتي وقد أط ... لق مولاي حبله من حبالي
مشق الحبّ في فؤادي لوحي ... ن فأغرى جوانحي بالسّلال
لاق قلبي بنانه فمداد ال ... عين من هجر مالكي في انهمال
كرسف البين سوّد الوجه من وص ... لي فقلبي بالبين في إشعال
[8- قول صاحب الحمام في الحرب والغزل]
قال: وسألت عليّ بن الجهم بن يزيد- وكان صاحب حمام- عن مثل ذلك فقال:
لقيناهم في مثل بيت الأنبار، فما كان إلّا بقدر ما يغسل الرجل رأسه حتى تركناهم في أضيق من باب الأتّون، فلو طرحت ليفة ما وقعت إلّا على رأس رجل.
وعمل أبياتا في الغزل فكانت:
يا نورة الهجر حلقت الصّفا ... لما بدت لي ليفة الصّدّ
يا مئزر الأسقام حتّى متى ... تنقع في حوض من الجهد
أو قد أتون الوصل لي مرّة ... منك بزنبيل من الودّ
فالبين مذ أوقد حمّامه ... قد هاج قلبي مسلخ الوجد
أفسد خطميّ الصّفا والهوى ... نخالة النّاقض للعهد
(1/318)

[9- قول الكناس في الحرب والغزل]
قال: وسألت الحسن بن أبي قماشة عن مثل ذلك- وكان كنّاسا- فقال:
لقيناهم في مقدار سطح الإيوان، فما كان إلّا بقدر ما يكنس الرجل زبيلا حتّى تركناهم في أضيق من جحر المخرج، ثم قتلناهم بقدر ما يشارط الرجل على كنس كنيف، فلو رميت بابنة وردانة ما سقطت إلّا على فم بالوعة.
وعمل أبياتا فكانت:
أصبح قلبي بربخا للهوى ... تسلح فيه فقحة الهجر
بنات وردان الهوى للبلى ... أصبر من ذا الوجد في صدري
خنافس الهجران أثكلنني ... يوم تولّى معرضا صبري
أسقم ديدان الهوى مهجتي ... إذ سلح البين على عمري
[10- قول الشرابي في الحرب والغزل]
قال: وسألت أحمد الشّرابيّ عن مثل ذلك فقال:
لقيناهم في مقدار صحن بيت الشّراب، فما كان بقدر ما يصفّي الرجل دنّا حتى تركناهم في أضيق من رطليّة فقتلناهم، فلو رميت تفّاحة ما وقعت إلا على أنف سكران.
وعمل أبياتا في الغزل فكانت:
شربت بكأس للهوى نبذة معا ... ورقرقت خمر الوصل في قدح الهجر
فمالت دنان البين يدفعها الصّبا ... فكسّرن قرّابات حزني على صدري
وكان مزاج الكأس غلّة لوعة ... ودورق هجران وقنّينتي غدر
(1/319)

[11- قول الطباخ في الحرب والغزل]
قال: وسألت عبد الله بن طاهر عن مثل ذلك- وكان طبّاخا- فقال:
لقيناهم في مقدار صحن المطبخ، فما كان بقدر ما يشوي الرجل حملا حتّى تركناهم في أضيق من موقد نار، فقتلناهم فلو سقطت مغرفة ما وقعت إلا في قدر.
وعمل أبياتا في الغزل فكانت:
يا شبيه الفالوذ في حمرة الخ ... دّ ولوزينج النّفوس الظّماء
أنت جوزينج القلوب وفي اللّي ... ن كلين الخبيصة البيضاء
عدت مستهترا بسكباج ودّ ... بعد جوذابة بجنب شواء
يا نسيم القدور في يوم عرس ... وشبيها بشهدة صفراء
أنت أشهى إلى القلوب من الزّب ... د مع النّرسيان بعد الغداء
أطعم الحاسدون ألوان غمّ ... في قصاع الأحزان والأدواء
قد غلا القلب مذ نأت عنك داري ... غليان القدور عند الصّلاء
هام قلبي لمّا كسرن غضارا ... ت سروري مغارف الشّحناء
فتفضّل على العميد بيوم ... جد بوصل يكبت به أعدائي
وتفضّل على الكئيب ببز ما ... ورد وصل يشفي من الأدواء
[12- قول الفراش في الحرب والغزل]
قال: وسألت- أطال الله بقاءك- محمد بن داود الطوسيّ عن مثل ذلك- وكان فرّاشا- فقال:
لقيناهم في مقدار صحن بساط، فما كان إلا بقدر ما يفرش الرجل بيتا
(1/320)

حتّى تركناهم في أضيق من منصّة فقتلناهم، فلو سقطت مخدّة ما وقعت إلّا على رأس رجل.
ثم عمل أبياتا في الغزل فكانت:
كسح الهجر ساحة الوصل لمّا ... غبّر البين في وجوه الصّفاء
وجرى البين في مرافق ريش ... هي مذخورة ليوم اللقاء
فرش الهجر في بيوت هموم ... تحت رأسي وسادة البرحاء
حين هيّأت بيت خيش من الوص ... ل لأبوابه ستور البهاء
فرش البحر لي بيوت مسوح ... متّكاها مطارح الحصباء
رقّ للصبّ من براغيث وجد ... تعتري جلده صباح مساء
قال: فضحك المعتصم حتى استلقى، ثم دعا مؤدّب ولده فأمره أن يأخذهم بتعليم جميع العلوم.
تم كتاب الجاحظ ولله المنة، وبيده الحول والقوة، والله سبحانه الموفق للصواب. والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلامه. بعد زيادات ليست للجاحظ.
(1/321)

15- هامش رسالة صناعة القواد
(1) «قال ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ» جملة مقحمة.
«دخلت على امير المؤمنين المعتصم» تشير الى تاريخ كتابة الرسالة.
البيتان الواردان في النص للشاعر الجاهلي الحكيم زهير بن ابي سلمى، وردا في المعلقة:
وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته او نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق الا صورة اللحم والدم
(2) «حين قدم امير المؤمنين من بلاد الروم» إشارة الى غزو المعتصم بلاد الروم.
أنابير سرجين: اكداس زبل.
يحسّ دابته: ينفض عنها التراب.
الشكال: حبل تشد به قائمة الدابة.
(3) بخشيشوع: طبيب وفد الى بغداد من نيسابور في مطلع الدولة العباسية وجعله الخلفاء طبيبهم ومات في خلافة المتوكل سنة 256 هـ-.
- اختلف الرجل: ذهب الى المتوضأ.
- الاكحل: عرق في اليد.
- الدستج: آنية.
(4) الدرز: موضع الخياطة- الجربان: جيب القميص.
(1/323)

(5) المشارة: مقبعة الأرض.
اليرقان: دود ينمو في الزرع ثم يصير فراشا.
(6) الجرادق: جمع جردق، الرغيف (كلمة فارسية معربة) .
(7) المؤدب: المعلم.
الكتّاب: المدرسة.
- الامام: البرنامج.
(8) الأتون: الموقد.
الزنبيل: الفقة.
(9) الزبيل: القفة مثل الزنبيل.
- بنت وردان: الخنفس- البرينج: مجرى البول.
- يسلح: ينجو.
(10) الرطيلة وعاء يسع رطلا من الشراب.
القرابات: ضرب من الاواني.
11- السكباج لحم يعالج بالخل والتوابل.
النرسيان: نوع من التمر الجيد.
(12) الغضارات: الصحاف المتخذة من الغضار اي الطين.
- البزماورد: نوع من الخبز يحشى بالشواء.
(1/324)

16- رسالة الجد والهزل
(1/325)

[1- أسباب معاقبة ابن الزيات للجاحظ وعدم عدالة العقوبة]
جعلت فداك. ليس من أجل اختياري النّخل على الزّرع أقصيتني، ولا على ميل إلى الصّدقة دون إعطائي الخراج عاقبتني، ولا لبغضي دفع الإتاوة والرضا بالجزية حرمتني.
ولست أدري لم كرهت قربي وهويت بعدي، واستثقلت روحي ونفسي واستطلت عمري وأيام مقامي. ولم سرّتك سيّئتي ومصيبتي وساءتك حسنتي وسلامتي، حتّى ساءك تجمّلي بقدر ما سرّك جزعي وتضجّري، وحتى تمنّيت أن أخطىء عليك فتجعل خطيئي حجّة لك في إبعادي، وكرهت صوابي فيك خوفا من أن تجعله ذريعة لك إلى تقريبي.
فإن كان ذلك هو الذي أغضبك، وكان هو السبب لموجدتك (فليس- جعلت فداك- هذا الحقد في طبقة هذا الذّنب، ولا هذه المطالبة من شكل هذه الجريمة.
ولو كان إذ لم يكن في وزنه وقع قريبا، وإذ لم يكن عدله وقع مشبها كان أهون في موضع الضّرر، وأسهل في مخرج السّماع.
(1/327)

فأيّ شيء بقّيت للعدوّ المكاشف والمنافق الملاطف، وللمعتمد المصرّ وللقادر المدلّ.
ومن عاقب على الصّغير بعقوبة الكبير، وعلى الهفوة بعقوبة الإصرار، وعلى الخطأ بعقوبة العمد، وعلى معصية المتستّر بعقوبة معصية المعلن، ومن لم يفرق بين الأعالي والأسافل، وبين الأقاصي والأداني، عاقب على الزّنى بعقوبة السّرق، وعلى القتل بعقوبة القذف. ومن خرج إلى ذلك في باب العقاب خرج إلى مثله في باب الثّواب. ومن خرج من جميع الأوزان وخالف جميع التعديل، كان بغاية العقاب أحقّ، وبه أولى.
والدّليل على شدّة غيظك وغليان صدرك قوّة حركتك وإبطاء فترتك، وبعد الغاية في احتيالك. ومن البرهان على ثبات الغضب، وعلى كظم الذنب تمكّن الحقد ورسوخ الغيظ، وبعد الوثبة وشدّة الصّولة.
[2- ذم الغيظ]
وهذا البرهان صحيح ما صحّ النظم، وقام التعديل، واستوت الأسباب.
ولا أعلم نارا أبلغ في إحراق أهلها من نار الغيظ، ولا حركة أنقض لقوّة الأبدان من طلب الطوائل مع قلة الهدوء والجهل بمنافع الجمام، وإعطاء الحالات أقسامها من التدبير.
ولا أعلم تجارة أكثر خسرانا ولا أخفّ ميزانا من عداوة العاقل [العالم] ، وإطلاق لسان الجليس المداخل، والشّعار دون الدّثار، والخاصّ دون العامّ.
والطالب- جعلت فداك- بعرض ظفر ما لم يخرج المطلوب، وإليه الخيار ما لم تقع المنازلة. ومن الحزم ألّا تخرج إلى العدوّ إلّا ومعك من
(1/328)

القوى ما يغمر الفضلة التي ينتجها له الإخراج. ولا بدّ أيضا من حزم يحذّرك مصارع البغي، ويخوّفك ناصر المطلوب.
وبعد- أبقاك الله- فأنت على يقين من موضع ألم الغيظ من نفسك، والغيظ عذاب. ولربّما زاد التشفّي في الغيظ ولم ينقص منه. ولست على يقين من نفوذ سهمك في صيدك [كما أيقنت بموضع الغيظ من صدرك] .
والحازم لا يلتمس شفاء غيظه باجتلاب ضعفه، ولا يطفىء نار غضبه تأخّر عقوبة من أغضبه، ولا يسدّد سهمه إلّا والغرض ممكن، والغاية قريبة، ولا يهرب إلّا والمهرب معجزة.
إنّ سلطان الغيظ غشوم، وإنّ حكم الغضب جائر، وأضعف ما يكون العزم على التصرّف أضعف ما يكون الحزم. والغضب في طباع شيطان، والهوى يتصوّر في صورة امرأة، فلا يبصر مساقط العيب ومواقع الشّرف إلّا كلّ معتدل الطباع، ومعتدل الأخلاط مستوي الأسباب.
والله لقد كنت أكره لك سرف الرضا مخافة جواذبه إلى سرف الهوى.
فما ظنّك بسرف الغضب، وبغلبة الغيظ، ولا سيّما ممّن قد تعوّد إهمال النّفس ولم يعوّدها الصبر، ولم يعرّفها موضع الحظّ في تجرّع مرارة العفو، وأن المراد من الأمور عواقبها لا عواجلها.
ولقد كنت أشفق عليك من إفراط السّرور فما ظنّك بإفراط الغيظ. وقد قال بعض الناس: لا خير في طول الرّاحة إذا كان يورث الغفلة، ولا في الكفاية إذا كان يؤدّي إلى المعجزة، ولا في كثرة الغنى إذا كان يخرج إلى البلدة.
جعلت فداك. إنّ داء الحزن وإن كان قاتلا فإنه داء مماطل، وسقمه سقم مطاول، ومعه من التمهّل بقدر قسطه من أناة المرّة السوداء. وداء الغيظ
(1/329)

سفيه طيّاش، وعجول فحّاش، يعجل عن التوبة، ويقطع دون الوصيّة، ومعه من الخرق بقدر قسطه من التهاب المرّة الحمراء. [والعجول يخطىء وإن ظفر، فكيف به إذا أخفق. على أنّ إخفاقه يزيد في حقيقة خطئه كما أنّ ظفره لا ينتقص من مقدار زلله] . وأنت روح كما أنت وحشيّ من قرنك إلى قدمك. وعمل الآفة في الدّقاق والعتاق أسرع، وحدّها عن الغلاظ الجفاة أكلّ؛ فلذلك اشتدّ جزعي لك من سلطان الغيظ وغلبته.
والله لو كنت ابتلعت مزار بابك، وأبطلت بمر الباطل، ووردت الفظائع كلّها، ونقضت الشّروط بأسرها، وأفسدت نتاجك، وقتلت كلّ شطرنجيّ لك، ورفعت من الدنيا فراهة الخيل، وجعلت المروج كلّها حمىّ، وكنت صداق المرادين، وبرسام الأولاد، ومسخت جميع الجواري في صورة أبي رملة ورددت شطاط خلقك إلى جعودة أبي حثّة وكنت أول من سنّ بيع الرجال في النخّاسين، وفتح باب الظّلم لأصحاب المظالم، وحوّلت إليك عقل أبي دينار، وطبعت على بيان ما نويه، وأعنت على موت المعتصم، وغضبت لمصرع الأفشين، واستجبت للديك الأبيض الأفرق وأحببت صالح بن حنين، وأحوجتك إلى حاتم الرّيش، وكان أبو الشّماخ صديقي، والفارسيّ من شيعتي- لكان ما تركبني به سرفا، ولكنت في هذا العتاب متعدّيا.
[3- يجب التمييز في العداوة بين الاخيار والاشرار والمحبين والمبغضين]
جعلت فداك، لا تتعرض لعداوة عقلاء الرّواة، ولضغينة حفّاظ المثالب، وللسان من قد عرف بالصّدق والتوخّي، وبقلّة الخطل والتنكّب، ما وجدت عن ذلك مندوحة، ووجدت المذهب عنه واسعا. ولا تعاقب وادّا وإن اضطرّك الوادّ، ولا تجعل طول الصّحبة سببا للتضجّر، واصبر على خلقه فإنّ
(1/330)

خلقه خير من جديد غيره. وصداقة المتطرّف غرور، وملالة الصّديق أفن، والعلم بأقدار الذّنوب غامض، وحدود الذنوب في العقاب خفيّة. ولن يعرف العقاب من يجهل قدر الذّنب. والأجرام كثيرة الأشكال، ومتفاوتة في الأقدار. وإذا أردت أن تعرف مقدار الذنب إليك من مقدار عقابك عليه فانظر في علّته وسببه، وإلى معدنه الذي منه نجم، وعشّه الذي منه درج، ومغرسه الذي منه نبت، وإلى جهة صاحبه في التّتابع والتّترّع، وفي النزوع والثّبات، وإلى قحته عند التقريع، وإلى حيائه عند التعريض، وإلى فطنته عند الرشق والتورية؛ فإنّ فضل الفطنة ربّما دلّ على فرط الاكتراث، وعلى قدر الاكتراث يكون الإقدام والإحجام. فكلّ ذنب كان سببه الدالّة وضيق صدر وغلظ طباع وحدّة مرار، من جهة تأويل أو من جهة غلط في المقادير، أو من طريق [فرط] الأنفة وغلبة طباع الحميّة من بعض الجفوة أو لبعض الأثرة، أو من جهة استحقاقه عند نفسه وفيما زيّن له من عمله، وأنّه مقصّر به مؤخّر عن مرتبته، أو كان مبلّغا عنه أو مكذوبا عليه، وكان ذلك جائزا عليه غير ممتنع فيه- فإذا كانت ذنوبه من هذا الشكل وعلى هذه الأسباب، وفي هذه المجاري، فليس يقف عليها كريم، [ولا يلتفت لها حليم] .
ولست أسمّيه بكثرة معروفه كريما حتى يكون عقله غامرا لعلمه، وعلمه غالبا لطبعه، وحتى يكون عالما بما ترك، وعارفا بما أخذ. واسم الحليم جامع للكظم، والقدرة، والفهم.
فإذا وجدت الذنب بعد ذلك لا سبب له إلّا البغضة فلو لم ترض لصاحبه بعقاب دون قعر جهنم لعذرك كثير من العقلاء، ولصوّب رأيك عالم من الأشراف.
ومتى كانت (علّته طبيعة البذاء، وخلقه الشّرارة والتسرّع، فاقتله قتل العقارب، وادمغه دمغ رؤوس الحيات.
(1/331)

وإذا كان ممن لا يسيء فيك القول، ولا يرصدك بالمكروه إلّا لتعطيه على الخوف، وتمنع عرضك من جهبة التقيّة فامنعه جميل رفدك، واحتل في منعه من قبل غيرك؛ فإنّك إن أعطيته على هذه الشريطة، وأعظمته من هذه الحكومة فقد شاركته في سبّ نفسك، واستدعيت الألسنة البذيّة إلى عرضك، وكنت عونا لهم عليك.
وكيف تعاقبه على ذنب لك شطره، وأنت فيه قسيمه، إلا أنّ عليك غرمه ولك غنمه.
ومن العدل المحض والإنصاف الصحيح أن تحطّ عن الحسود نصف عقابه، وأن تقتصر على [بعض] مقداره، لأنّ ألم حسده لك قد كفاك مؤونة شطر غيظك عليه.
وأما الوادّ فلا تعرض له البتة، [ولا تلتفت لفته] ، ولو أتى على الحرث والنسل، وحتى على الرّوح والقلب. ولا تغتر بقوله إنّي وادّ، ولا تحكم له بدعواه بأنى جدّ وامق. وانظر أنت في حديثه وإلى مخارج لفظه، وإلى لحن قوله، وإلى طريقته وطبيعته، وإلى خلقه وخليقته، وإلى تصرّفه وتصميمه وإلى توقّفه وتهوّره. وتأمّل مقدار جزعه من قلة اكتراثه، وانظر إلى غضبه فيك ولك، وإلى انصرافه عمن انصرف عنك وميله إلى من مال إليك، وإلى تسلّمه من الشر وتعرّضه له، وإلى مداهنته وكشف قناعه. بل لا تقض له بجماع ذلك ما كان ذلك في أيام دولتك ومع إقبال من أمرك، وإن طالت الأيام وكثرت الشهور، حتى تنتظم الحالات، وتستوي فيه الأزمان.
نعم، ثمّ لا تحكم له بذلك حتى تكون حاله مقصورة على محبّتك، ومحنوّة على نصيحتك، بالعلل التي توجب الأفعال. والأسباب التي تسخّر القلوب للمودّات، كالعلل الثابتة في الصنيعة، والأسباب الموجودة مع مولى العتاقة؛ فإنّ عللهما خلاف علل مولى الكلالة، وخلاف علل الصّديق الذي
(1/332)

لم يزل يرى أنّه مثلك، وأنه يستوجب منك استيجابك، ولا سيما إذا كانت الصنيعة أنت ابتدأتها، وأنت أبو عذرتها.
فإن أنت لم تحكم له بالغاية مع اجتماع هذه العلل فيه، ومع توافيها إليه، ولم تقض له بأقصى الغاية مع ترادف هذه الأسباب وتكامل هذه الدلائل، وتعاون هذه البرهانات، فكل خبر بيّنه زور، وكلّ دلالة فاسدة.
وقد قال الأول: «دلائل الأمور أشد تثبيتا من شهادات الرجال» . إلّا أن يكون في الخبر دليل، ومع الشّهادة برهان؛ لأنّ الدليل لا يكذب ولا ينافق ولا يزيد ولا يبدّل، وشهادة الإنسان لا تمتنع من ذلك، وليس معها أمان من فساد ما كان الإمكان قائما.
[4- تفضيل النخل على الزرع سبب سخيف للعداوة]
وبعد متى صار اختيار النّخل على الزرع يحقد الإخوان، ومتى صار تفضيل الحبّ وتقريظ الثّمر يورث الهجران، ومتى تميّزوا هذا التميّز وتهالكوا هذا التهالك؟ ومتى صار تقديم النحلة ملّة، وتفضيل السنبلة نحلة؟ ومتى صار الحكم للنّعجة نسبا وللكرمة صهرا، ومتى تكون فيها ديانة وتستحكم فيها بصيرة، ويحدث عنها حميّة.
وقد كنا نعجب من حرب البسوس في ضرع ناب، ومن حرب بعاث في مخرف تمر، ومن حرب غطفان في سبق دابّة. فجئتنا أنت بنوع من العجب أبطل كلّ عجب، وآنسنا بكل غريب، وحسّن عندنا كلّ قبيح، وقرّب عندنا كلّ بعيد.
فإن جهلت- أعزّك الله- غضبك فمثلي جهل ما لا علّة له، وإن عجزت عن احتمال عقابك فمثلي ضجّ مما لا يطيق حمله. ولا عار على جازع إلّا فيما يمكن في مثله الصبر، ولا لوم على جاهل فيما لا ينجح في مثله الفكر.
(1/333)

وليس هذا أوّل شرك نصبته، ولا أوّل كيد أرغته، ولا هي بأول زبية غطّيتها وسترتها، وحيلة أكمنتها وربصتها.
وقد كانت التقيّة والاقتصاد أسلم، بل كان العفو أرحم، والتغافل أكرم.
[5- ذم العجلة]
ولا خير في عقوبة تشمت العدوّ المتقادم، وينادي بها العدوّ الحادث.
والأناة أبلغ في الحزم، وأبعد من الذمّ، وأحمد مغبّة وأبعد من خرق العجلة.
وقد قال الأول: «عليك بالأناة؛ فإنك على إيقاع ما أنت موقعه أقدر منك على ردّ ما قد أوقعته» . فقد أخطأ من قال:
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
بل لو قال: والمتأنّي بدرك حاجاته أحقّ، والمستعجل بفوت حاجاته خلق، لكان قد وفّى المعنى حقّه، وأعطى اللّفظ حظّه، و [إن] كان القول لأوّل موزونا والثاني منثورا. ولولا أنه اشتقّ المستعجل من العجلة لما قرنه مالمتأنّي. وينبغي أن يكون الذي غلّطه قولهم: «ربّ عجلة تهب ريثا» .
فجعل الكلام الذي خرج جوابا عندما يعرض من السبب، كالكلام الذي خرج رتجالا، وجعله صاحبه مثلا عاما. فإذا سمّيت العمل عجلة وريثا فاقض على الريث بكثرة الفوت، وبقدر ذلك من العجز، وعلى العجلة بقلّة النّجح، بقدر ذلك من الخرق.
والرّيث والأناة في بلوغ الأمل وإدراك النّعمة كانتهاز الفرصة واهتبال لغرّة. والأناة وإن طالت [فليست من جنس الريث] ، وانتهاز الفرصة وإن كان في غاية السّرعة فليس من جنس العجلة.
وربّت كلمة لا توضع إلّا على معناها الذي جعلت حظّه، وصارت هي
(1/334)

حقّه والدالّة عليه دون غيره، كالحزم والعلم، والحلم والرّفق، والأناة والمداراة، والقصد والعدل والاهتبال، وكاليأس والأمل، وكالخرق والعجلة، والمداهنة والتسرّع، والغلوّ والتقصير.
وربّت كلمة تدور مع خلّتها، وتتقلّب مع جاراتها، وإزاء صاحبتها، وعلى قدر ما تقابل من الحالات، وتلاقي من الأسباب، كالحبّ والبغض، والغضب والرّضا، والعزم والإرادة، والإقبال والإدبار، والجدّ والفتور؛ لأن هذا الباب الأخير يكون في الخير والشرّ، ويكون محمودا ويكون مذموما.
وصاحب العجلة- أعزّك الله- صاحب تغرير ومخاطرة، إن ظفر لم يحمده عالم، وإن لم يظفر قطعته الملاوم. والرّيث أخو المعجزة، ومقرون بالحسرة، وعلى مدرجة اللائمة. وصاحب الأناة إن ظفر نفع غيره بالغنم، ونفع نفسه بثمرة العلم، وأطاب ذكره دوام شكره، وحفظ فيه ولده. وإن حرم فمبسوط عذره، ومصوّب رأيه مع انتفاعه بعلمه وما يجد من عزّ حزمه ونبل صوابه، ومع علمه بالذي له عند العقلاء، وبعذره عند الأولياء والأعداء.
وما عندي لك إلّا ما قال الدّهقان لأسد بن عبد الله وهو على خراسان، حين مرّ به وهو يدهق في حبسه:
إن كنت تعطي من ترحم فارحم من تظلم. إنّ السموات تنفرج لدعوة المظلوم، فاحذر من ليس له ناصر إلّا الله، ولا جنّة إلا الثّقة بنزول الغير، ولا سلاح إلّا الابتهال إلى مولى لا يعجزه شيء.
يا أسد، إنّ البغي يصرع أهله، وإنّ الظّلم مرتعه وخيم، فلا تغترّ بإبطاء العقاب من ناصر متى شاء أن يغيث أغاث. وقد أملى لقوم كي يزدادوا إثما. وجميع أهل السّعادة إمّا سالم من ذنب، وإما تارك لإصرار. ومن رغب عن التمادي فقد نال أحد الغنمين، ومن خرج من السعادة فلا غاية له إلا دار
(1/335)

الندوة. وسواء- جعلت فداك- ظلمت بالبطش والغشم، أو ظلمت بالدّحس والدّسّ. فشاور لبّك، وناظر حزمك، وقف قبل الوثبة، واحذر زلّة العالم.
وقد قال صاحبكم: من استشار الملالة وقلّد طبيعته الاستطراف، وجعل الخطرة ذنبا، والذنب ذنوبا، ومقدار الطّرفة إصرارا، والصّغير كبيرا، والقليل كثيرا، عاقب على المتروك الذي لا يعبأ به، وبلغ بالبطش إلى حيث لا بقيّة معه، ورأى أن القطيعة التي لا صلة معها، والتخليج الذي لا تجمّل معه، الحزم المحمود؛ وأنّ الاعتزام في كلّ موضع هو الرأي الأصيل.
وقال أيضا: من كانت طبيعته مأمونة عليه عند نفسه، وكان هواه رائده الذي لا يكذبه، والمتأمّر عليه دون عقله، ولم يتوكّل لما لا يهواه على ما يهواه، ولم ينصر تالد الإخوان على الطارف، ولم ينصف المملول المبعد من المستطرف المقرّب، ولم يخف أن تجتذبه العادة، وتتحكم عليه الطبيعة، فليرسم حججهما، ويصوّر صورهما، في كتاب مفرد أو لفظ مسموع، ثم يعرضهما على جهابذة المعاني وأطباء أدواء العقول، على ألا يختار إلّا من لا يدري أيّ النوعين يبغي، وعلى أيّهما يحامي، وأيّهما دواؤه وأيّهما داؤه. فإن لم يستعمل ذلك بما فضل له من سكر سوء العادة، لم يزل متورّطا في الخطاء مغمورا بالذمّ.
[6- ابن الزيات يعرض بالجاحظ لاهماله تجليد كتبه ونظمها]
سمعتك وأنت تريدني وكأنّك تريد غيري، وكأنّك تشير عليّ من غير أن تنصّني. وتقول: إنّي لأعجب ممّن ترك دفاتر علمه متفرّقة مبثوثة، وكراريس درسه غير مجموعة ولا منظومة، كيف يعرّضها للتجرّم، وكيف لا يمنعها من التفرّق. وعلى أنّ الدفتر إذا انقطعت حزامته، وانحلّ شداده، وتخرّمت ربطه، ولم يكن دونه وقاية ولا جنّة، تفرّق ورقه؛ وإذا تفرّق ورقه اشتدّ
(1/336)

جمعه، وعسر نظمه، وامتنع تأليفه، وربّما ضاع أكثره. والدّفّتان أجمع، وضمّ الجلود إليها أصون، والحزم لها أصلح. وينبغي للأشكال أن تنظم وللأشباه أن تؤلّف؛ فإنّ التأليف يزيد الأجزاء الحسنة حسنا، والاجتماع يحدث للمتساوي في الضعف قوة، فإذا فعلت ذلك صرت متى وجدت بعضها فقد وجدت كلّها، ومتى رأيت أدناها فقد رأيت أقصاها؛ فإن نشطت لقراءة جميعها مضيت فيها.
وإذا كانت منظومة، ومعروفة المواضع معلومة، لم تحتج إلى تقليب القماطر على كثرتها، ولا تفتيش الصناديق مع تفاوت مواضعها، وخفّت عليك مؤونتها وقلت فكرتك فيها، وصرفت تلك العناية إلى بعض أمرك، وادّخرت تلك القوّة لنوائب غدك.
وعلى أن ذلك أدلّ على حبّك للعلم، واصطناعك للكتب، وعلى حسن السياسة، والتقدم في إحكام الصناعة.
وقلت: لأمر ما جمعوا أسباع القرآن وسوره في مصحف، ولم يدعوا ما فيه مفرّقا في الصّدور، ولا مبدّدا في الدفاتر، ومفرّقا في القماطر. على ذلك أجمع المسلمون، والسابقون الأولون، والأئمة الرشيدة، والجماعة المحمودة، فتوارثه خلف عن سلف، وتابع عن سابق، وصغير عن كبير، وحديث عن قديم.
ولم أشكّ في أنها نصيحة حازم، ومشورة وامق، أو رأي حضر أو حكمة نبغت، أو صدر جاش فلم يملك، أو علم فاض فلم يردّ، استعمله من استعمله، وتركه من تركه.
فلما أخذت بقولك، وصرت إلى مشورتك وأكثرت حمد الله على إفادتك من العلم وحظّ عنايتك من النّقل، وجمعت البعض إلى البعض،
(1/337)

والشّكل إلى الشّكل، وتقدّمت في استجادة الجلود، وفي تمييز الصنّاع، وفي تخيّر البياعات، وغرمت المال، وشغلت البال، وجعلتها مصحفا مصحفا، وأجملتها صنفا صنفا؛ ورأيت أنّي قد أحكمت شأني، وجمعت إليّ أقطاري، رأيت أن أنظر فيها وأنا مستلق ولا أنظر فيها وأنا منتصب، استظهارا على تعب البدن؛ إذ كانت الأسافل مثقلة بالأعالي، وإذ كان الانتصاب يسرع في إدخال الوهن على الأصلاب؛ ولأنّ ذلك أبقى على نور البصر، وأصلح لقوّة الناظر؛ إذ كلّ واحد من هذه المصاحف قد أعجز يدي بثقل جرمه، وضيّق صدري بجفاء حجمه. وإذا ثقل أنكأ الصدر، وأوهن العظم.
وإذا أنا نظرت فيها وأنا جالس سدرت عيني، وتقوّس ظهري، واجتمع الدم في وجهي، وأكرهت بصري على غير جهته، وأجريت شعاع ناظري في غير مجراه.
وقد علمت- أبقاك الله- مع خبرتك بمقابح الأمور، ومواقع المنافع والمضارّ، ثم بمصالح العباد والبلاد، أنّ من كان على مقطع جبل، أو على شرفات قصر، فأراد رؤية السماء على بعدها، وجد ذلك على العين سهلا خفيفا، وإن أراد أن يرى الأرض على قربها، وجد ذلك على العين عبئا ثقيلا. فإن بدا لي أن يقابل عيني به العبد، أو تواجهني به الأمة، كلّفت أخرق النّاس كفّا، وأقلّهم وفقا، وأكثرهم التفاتا، وأحضرهم نعاسا، وأقلّهم على حال واحدة ثباتا، وأجهلهم بمقدار الموافقة، ولمقادير المقابلة، وبحطّ اليد ورفعها، وإمالتها ونصبها. ثم رأيت في تضجّرهم وتكرّههم وفرارهم منه، ما صيّر تجشّمي لثقل وزنه، ومقاساتي لجفاء حجمه، أهون على يدي، وأخفّ على قلبي. فإن تعاطيته عند ذلك بنفسي فشقاء حاضر، وإن ألزمته غيري فغيظ قاتل. وحتّى صارت الحال فيها داعية إلى ترك درسها والمعاودة لقراءتها، مع ما كان فيها من الفائدة الحسنة، والمنافع الجامعة،
(1/338)

ومن شحذ الطبيعة، وتمكين حسن العادة.
ولو لم يكن في ذلك إلا الشّغل عن خوض الخائضين، والبعد عن لهو اللّاهين، ومن الغيبة للناس والتمنّي لما في أيديهم، لقد كان نفع ذلك كثيرا، وموقعه من الدّين والفرض عظيما.
ومتى ثقل الدرس تثاقلت النفس، وتقاعسته الطبيعة. ومتى دام الاستثقال احدث الهجران. وإذا تطاول الكدّ رسخ الزهد. وفي ترك النظر عمى البصر، وفي اهمال الطبيعة كلال حد (الطبيعة. وعلى قدر الحاجات تكون الخواطر، كما انه على قدر غريزة العقل تصح الحوائج وتسقم، وعلى قدر كثرة الحاجة تتحرك الجارحة ويتصرف اللسان، ومع قلة الحركة وبعد العهد بالتصرف يحدث العي ويظهر العجز ويبطىء الخاطر. ومع ذهاب البيان يفسد البرهان. وفي فساد البرهان هلاك الدّنيا وفساد الدين.
فقد بلغت ما أردت، ونلت ما حاولت، فحسبك الآن من شج من بأسوك، ومن قتل من يقتل فيك.
جعلت فداك. إنه ليس يومي منك بواجد، وأنا على عقابك أوجد. وليس ينجي منك معقل وعل، ولا مفازة سبع، ولا قعر بحر، ولا رأس طود، ولا دغل ولا دحل، ولا نفق ولا مغارة ولا مطمورة. وليس ينجيني منك إلا مفازة المهلّب. فان اعرتني قلبه وعلمتني حيلته، وأمكنتّني من سكينه.
وإلا فأنا أوّل من ابتلعته تلك الحية. ولا والله إن بي قوة على الثّعبان، فكيف التّنّين. أعفني من حيّة المهلّب ثم اقتلني أيّ قتلة شئت.
إن احترست منك ألفيت لنفسي كدّا شديدا، وغما طويلا، وطال اغترابي وافتراق الافي، وتعرضت للعدو، وتحرّشت بالسباع. فإن استرسلت اليك لم تر أن تقتلني إلا شرّ قتلة وآلمها، ولم تعذبني إلا باشد النقم وأطولها. ولو اردت ذبحي لاخترت الكليل على المرهف، والتطويل
(1/339)

على التذفيف، حتى كأني علمت عليك «شاه مات» ، أو أكلت سبعة وأطعمتك واحدة.
[7- ابن الزيات يكيد للجاحظ]
ولقد تقدّمت في المكر واستظهرت عليّ في الكيد، حتى توليّت ذلك في صغار كتبي وفيما لا تحفل به من دوام أمري، وعلمت ان الدّرس لليل وأن الإستراحة للنهار، وأن الكتاب لا يقرأ إلّا ليلا والنّيران زاهرة، والمصابيح مقرّبة. وعلمت أنّ كلّ من ضعف بصره وكلّ نظره، فإنه أبدا أقرب مصباحا وأعظم نارا وأن المحرور المحترق، والممرور الملتهب، والبائس المتهافت، إذا كان صاحب كتب ودرس، أنّه لا يجد بدّا من الصبر على ما يحرقه ويعميه، أو الترك للقراءة فيها والتعرّض لها. فخيّرتني بين العمى والجهل. وما فيهما حظّ لمختار.
وقلت: إذا سخن بدنه سجن بوله، وإذا سجن بوله جرح مثانته وأحرق كليته، وطبخ فضول غذائه، وجفّف ما فضل عن استمرائه فأحاله حصى قاتلا وصخرا جامدا، وهو دقيق القضيب ضيّق الإحليل، فإذا حصاه يورث الأسر، وفي ذلك الأسر تلف النفس أو غاية التعذيب.
وقلت: فإن ابتليت بطول عمره أقام فينا مشغولا بنفسه، وإن ذهب عنّا فقد كفانا مؤونة الحيلة في أمره.
جعلت فداك، ما هذا الاستقصاء وما هذا البلاء؟! وما هذا التتبّع لغوامض المسألة، والتعرّض لدقائق المكروه؟! وما هذا التغلغل في كل شيء يخمل ذكري؟! وما هذا الترقّي إلى كلّ ما يحطّ من قدري؟!
(1/340)

[8- ابن الزيات يعيب ورق كتب الجاحظ]
وما عليك أن تكون كتبي كلها من الورق الصّينيّ، ومن الكاغد الخراسانيّ؟! قل لي: لم زيّنت النّسخ في الجلود، ولم حثثتني على الأدم، وأنت تعلم أنّ الجلود جافية الحجم، ثقيلة الوزن، إن أصابها الماء بطلت، وإن كان يوم لثق استرخت. ولو لم يكن فيها إلّا أنّها تبغّض إلى أربابها نزول الغيث، وتكرّه إلى مالكيها الحيا، لكان في ذلك ما كفى ومنع منها.
قد علمت أنّ الورّاق. لا يخطّ في تلك الأيام سطرا، ولا يقطع فيها جلدا. وإن نديت- فضلا على أن تمطر، وفضلا على أن تغرق- استرسلت فامتدّت. ومتى جفّت لم تعد إلى حالها إلّا مع تقبّض شديد، وتشنّج قبيح.
وهي أنتن ريحا وأكثر ثمنا، وأحمل للغش: يغشّ الكوفيّ بالواسطيّ، والواسطيّ بالبصريّ، وتعتّق لكي يذهب ريحها وينجاب شعرها. وهي أكثر عقدا وعجرا، وأكثر خباطا وأسقاطا، والصّفرة إليها أسرع، وسرعة انسحاق الخطّ فيها أعمّ. ولو أراد صاحب علم أن يحمل منها قدر ما يكفيه في سفره لما كفاه حمل بعير. ولو أراد مثل ذلك من القطنيّ لكفاه ما يحمل مع زاده.
وقلت لي: عليك بها فإنها أحمل للحكّ والتغيير، وأبقى على تعاور العاريّة وعلى تقليب الأيدي، ولرديدها ثمن، ولطرسها مرجوع، والمعاد منها ينوب عن الجدد. وليس لدفاتر القطنيّ أثمان في السّوق وإن كان فيها كلّ حديث طريف، ولطف مليح، وعلم نفيس. ولو عرضت عليهم عدلها في عدد الورق جلودا ثم كان فيها كلّ شعر بارد وكلّ حديث غثّ، لكانت أثمن، ولكانوا عليها أسرع.
وقلت: وعلى الجلود يعتمد في حساب الدواوين، وفي الصّكاك
(1/341)

والعهود، وفي الشّروط وصور العقارات. وفيها تكون نموذجات النقوش، ومنها تكون خرائط البرد. وهنّ أصلح للجرب ولعفاص الجرّة وسداد القارورة. وزعمت أنّ الأرضة إلى الكاغد أسرع، وأنكرت أن تكون الفأرة إلى الجلود أسرع، بل زعمت أنها إلى الكاغد أسرع وله أفسد، فكنت سبب المضرّة في اتّخاذ الجلود والاستبدال بالكاغد، وكنت سبب البليّة في تحويل الدفاتر الخفاف في المحمل، إلى المصاحف التي تثقل الأيدي وتحطّم الصدور، وتقوّس الظهور، وتعمي الأبصار.
وقد كان في الواجب أن يدع الناس اسم المصحف للشيء الذي جمع القرآن دون كل مجلّد، وألّا يروموا جمع شيء من أبواب التعلّم بين الدّفّتين، فيلحقوا بما جعله السّلف للقرآن غير ذلك من العلوم.
[9- ابن الزيات يشمت بعدم انجاب الجاحظ]
دع عنك كلّ شيء. ما كان عليك أن يكون لي ولد يحيي ذكري ويحوي ميراثي، ولا أخرج من الدنيا بحسرتي، ولا يأكله مراء يرصدني، وابن عمّ يحسدني، ولا يرتع فيه المعدّلون في زمان السّوء، ولا تصطنع فيه الرجال، ويقضى به الذّمام. فقد رأيت صنيعهم في مال المفقود والمناسخة والوارث الضعيف، ومن مات بغير وصية.
جعلت فداك، إن النفوس لا تجود لمولى الكلالة بما تجود به لأولاد الأصلاب وما مسّ تلك الأصلاب؛ لأنّ الرحم الماسّة والقرابة الملتصقة، واللّحمة الملتحمة، وإن أمّلت التركة ونازعت إلى المورّث، فمعها ما يأطرها ويثنيها، ويحزنها ويبكيها، ويحرّك دمها ويستغزر دمعها. وقد يشفع للولد إلى أبيه حال أبيّة كانت من أبيه.
وابن العمّ الذي ليس بالبعيد فيحتّك من جسده، وليس بالقريب المحنوّ
(1/342)

على رحمه، وسببه الجاذب له إلى تمنّي مماتي أمتن من سببه إلى تمنّي بقائي، وهو إلى الحال الموجبة للقسوة والغلظة أقرب منه إلى الحال الموجبة للرقّة والعطف. وليس ينصرك إذا نصرك ولا يحامي عليك لقرابته منك، ولكن لعلمه بأنّه متى خذلك حلّ به ضعفك، واجترأ بعد ضعفك عليه عدوّه. فهو يريد بنصره من لا يجب عليه شكره، ويقوّي ضعف غيره بدفع الضعف عن نفسه.
جعلت فداك. ما كان عليك من بنيّ صغير يكون لي، ولا سيّما ولست عندك ممن يدرك كسبه أو تبلغ نصرته، أو يعاين برّه أو يؤمّل إمتاعه.
وما كان عليك مع كبر سنّي وضعف ركني، أن يكون لي ريحانة أشمّها وتمرة أضمّها، وأن أجد إلى الأماني به سببا، وإلى التلهّي سلّما، وأن تكثر لي من جنس سرور الحالم، وبقدر ما يمتّع به راجي السّراب اللامع، حتّى حببت قصر عمري إلى وليّي، وشوّقته إلى ابن عمّي؛ وحتّى زدت فيما عنده مع كثرة ما عنده، وحتّى صيّرني حبّه لموتي إلى حبّ موته، وتأميل مالي [إلى] تأميل فقره؛ وحتى شغلتني عمّن كان يشغل عدوّي عني.
وسواء أعبت عليّ ألا يكون لي ولد قبل أن يكون، أو عبت عليّ ألا يكون بعد أن كان. وإنما يعذّب الله على النيّة والقصد، وعلى التوخّي والعمد.
وكما أنّه سواء أن تحتال في ألا يكون لي مال قبل أن أملكه. أو احتلت في ألا يكون بعد أن ملكته.
وكنت لا أدري ما كان وجه حبّك لإعناتي، والتشييد بذكر ثرائي، والتنويه باسمي، ولا لم زهّدتني في طلب الولد، ورغّبتني في سيرة الرهبان.
(1/343)

[10- ابن الزيات يتمنى موت الجاحظ]
فإذا أنت لم ترفع ذكري في الأغنياء إلّا لتعرض ذنبي للفقراء، ولم تكثّر مالي إلّا لتقوّي العلّة في قتلي، فيا لها مكيدة ما أبعد غورها، ويا لها حفرة ما أبعد قعرها. لقد جمع هذا التدبير لطافة الشّخص ودقّة المسلك، وبعد الغاية.
والله لو دبّرها الإسنكدر على دارا بن دارا، أو استخرجها المهلّب على سفيان بن الأبرد، وفتحت على هرثمة في مكيدة خازم بن خزيمة، ولو دبّرها لقيم بن لقمان على لقمان بن عاد، ولو أراغها قيس بن زهير على حصن بن حذيفة، ولو توجّهت لكهّان بني أسد على دهاة قريش- لقد كان ذلك من تدبيرهم نادرا [بديعا] ، ولكان في مكايدهم شاذّا غريبا. وإنّها لترتفع عن قصير في كيد الزّباء، وعن جذيمة في مشاورة قصير. وما إخالها إلّا ستدقّ على ابن العاص، وتغمض على ابن هند، ويكلّ عنها أخو ثقيف، ويستسلم لها ابن سميّة.
هذا والله التّدبير لا مخاريق العرّاف، وتزاويق الكاهن، وتهاويل الحاوي، ولا ما ينتحلها صاحب الرّئيّ؛ بل تضلّ فيها رقى الهند، وتقرّبها سحرة بابل.
فلو كنت إذ أردت ما أردت، وحاولت ما حاولت، رفعت قبل كلّ شيء المؤانسة، ثم أبيت المؤاكلة، ثم قطعت البرّ، ثم أذنت مع العامّة، ثم أعملت الحرمان، ثم صرّحت بالجفوة، ثم أمرت بالحجاب، ثم صرمت الحبل، ثم عاديت واقتصدت، ثم من بعد ذلك كلّه أسرفت واعتديت، لكنت واحدا ممّن يصبر أو يجزع، فلعلّي كنت أعيش بالرّفق، وأتبلّغ بحشاشة النفس، وأعلّل نفسي بالطمع الكاذب. ولكن فجاءات الحوادث وبغتات البلاء
(1/344)

لا يقوم لها الحجر القاسي، ولا الجبل الراسي. فلم تدع غاية في صرف ما بين طبقات التعذيب إلّا أتيت عليها، ولا فضول ما بين قواصم الظهر إلّا بلغتها. فقد متّ الآن فمع من تعيش؟ [بل قد قتلتني فمن الآن تعاشر!] ، كما قال ديوست المغنّي لكسرى حين أمر بقتله لقتله تلميذه بلهبذ: قتلت أنا بلهبذ، وتقتلني، فمن يطربك؟ قال: خلّوا سبيله؛ فإنّ الذي بقي من عمره هو الذي أنطقه بهذه الحجّة.
ولكنّي أقول: قد قتلتني فمع من تعيش؟ أمع الشّطرنجيّين؟! فقد قال جالينوس: إيّاك والاستمتاع بشيء لا يعمّ نفعه.
إنّ الكلام إنما صار أفضل من الصّمت؛ لأنّ نفع الصمت لا يكاد يعدو الصّامت، ونفع الكلام يعمّ القائل والسامع، والغائب والشاهد، والراهن والغابر.
وقالوا: ومما يدلّ من فضل الكلام على الصمت، أنّك بالكلام تخبر عن الصّمت وفضله، ولا تخبر بالصّمت عن فضل الكلام. ولو كان الصمت أفضل لكانت الرسالة صمتا، ولكان عدم القرآن أفضل من القرآن.
وقد فرّق بينهما رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفصّل وميّز وحصّل، حيث قال: «رحم الله امرأ قال خيرا فغنم، أو سكت فسلم» .
فجعل حظّ السكوت السلامة وحدها، وجعل حظّ القول الجمع بين الغنيمة والسلامة. وقد يسلم من لا يغنم، ولا يغنم إلّا من سلم.
فأمّا الدوابّ فمن يضع المركب الكريم إلى الصّاحب الكريم؟ ومن يعدل إمتاع بهيمة بإمتاع أديب.
قالت ابنة النّعمان: لم نر فيما جرّبنا من جميع الأصناف أبلغ في خير وشرّ من صاحب.
(1/345)

ولمّا عزم ابن زياد على الحقنة بعد أن كان تفحّشها قال له حارثة بن بدر: ما أجد أولى بتولّي ذلك من الطبيب. قال عبيد الله: كلّا، فأين الصاحب.
والله أن لو نتجت في كلّ عام ألف شبديز، وأحبلت في كل ليلة أربعة آلاف ربرب، وصار لك كلّ نهر المبارك بدلا من بعض بابك وأكلت رأس الجنيد بن حاق الأشيم، وأحبلت ابن ألغز من إفراط الشّبق، لما كان ينبغي لك أن تعاملنا بهذه المعاملة، ولا كان ينبغي أن تقتلنا هذه القتلة، ولو اقتصرت من العقوبة على شيء دون شيء لكان أعدل، ولو عفوت البتّة لكان أمثل.
[11- ذم الغضب]
إنّ الاعتزام على قليل العقاب يدعو إلى كثيره، ومبتدىء العقاب بعرض لجاج. وليس يعاقب إلّا غضبان.
والغضب يغلب العزم على قدر ما مكّن، ويحيّر اللّبّ بقدر ما سلّط.
والغضب يصوّر لصاحبه مثل ما يصوّر السّكر لأهله.
والغضبان يشعله الغضب، ويغلي به الغيظ، وتستفرغه الحركة، ويمتلىء بدنه رعدة، وتتزايل أخلاطه، وتنحلّ عقده، ولا يعتريه من الخواطر إلّا ما يزيده في دائه، ولا يسمع من جليسه إلّا ما يكون مادّة لفساده، وعلى أنّه ربّما استفرغ حتّى لا يسمع، واحترق حتّى لا يفهم.
ولولا أنّ الشيطان يريد ألّا يخلو من عمله، ولا يقصّر في عادته، لما وسوس إلى الغضبان ولا زيّن له، ولما أغراه ولا فتح عليه؛ إذ كان قد كفاه، وبلغ أقصى مناه.
(1/346)

وليس يصارع الغضب أيام شبابه وغرب نابه شيء إلّا صرعه، ولا ينازعه قبل انتهائه وإدباره شيء إلّا قهره. وإنّما يحتال له قبل هيجه، ويتوثّق منه قبل حركته، ويتقدّم في حسم أسبابه وفي قطع علله- فأمّا إذا تمكّن واستفحل، وأذكى ناره واشتعل، ثم لاقى ذلك من صاحبه قدرة، ومن أعوانه سمعا وطاعة، فلو سعطته بالتوراة، ووجرته بالإنجيل، ولددته بالزّبور، وأفرغت على رأسه القرآن إفراغا، وأتيته بآدم عليه السلام شفيعا لما قصّر دون أقصى قوّته، ولتمنّى أن يعار أضعاف قدرته.
وقد جاء في الأثر: أن أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب.
قال قتادة: ليس يسكن الغضب إلّا ذكر غضب الرحمن عزّ وجلّ.
وقال عمرو بن عبيد: ذكر غضب الربّ يمنع من الغضب. إلّا أن يريد الذكر باللسان.
ويسمّى المتوجّد غضبان، والذّكور حقودا.
فلا تقف- حفظك الله- بعد مضيّك في عقابي التماسا للعفو عنيّ، ولا تقصّر عن إفراطك من طريق الرحمة لي؛ ولكن قف وقفة من يتّهم الغضب على عقله، والشيطان على دينه، ويعلم أنّ للعقل خصوما، وللكرم أعداء.
وإنّ من النّصف أن تنتصف لعقلك من خصمه، وتنتصف لكرمك من عدوّه، وتمسك إمساك من لا يبرّىء نفسه من الهوى، ولا يبرّىء الهوى من الخطأ.
[12- علاقة الاسماء بالمعاني]
ولا تنكر لنفسك أن تزلّ، ولعقلك أن يهفو؛ فقد زلّ آدم عليه السلام وهفا، وعصى ربّه وغوى، وغرّه عدوّه وخدعه خصمه، وعيب باختلال عزمه
(1/347)

وسكون قلبه إلى خلاف ثقته. هذا وقد خلقه الله بيده، وأسكنه في دار أمنه، وأسجد له ملائكته، ورفع فوق العالمين درجته، وعلّمه جميع الأسماء بجميع المعاني. ولا يجوز أن يعلّمه الاسم ويدع المعنى، ويعلّمه الدلالة ولا يضع له المدلول عليه. والاسم بلا معنى لغو، كالظّرف الخالي. والأسماء في معنى الأبدان والمعاني في معنى الأرواح. اللّفظ للمعنى بدن، والمعنى للّفظ روح. ولو أعطاه الأسماء بلا معان لكان كمن وهب شيئا جامدا لا حركة له، وشيئا لا حسّ فيه، وشيئا لا منفعة عنده.
ولا يكون اللفظ اسما إلّا وهو مضمّن بمعنى، وقد يكون المعنى ولا اسم له، ولا يكون اسم إلّا وله معنى.
في قوله جلّ ذكره: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
إخبار أنّه قد علّمه المعاني كلّها. ولسنا نعني معاني تراكيب الألوان والطّعوم والأراييح، وتضاعيف الأعداد التي لا تنتهي ولا تتناهى. وليس لما فضل عن مقدار المصلحة ونهاية الرسم اسم إلّا أن تدخله في باب العلم فتقول: شيء، ومعنى.
الأسماء التي تدور بين الناس إنّما وضعت علامات لخصائص الحالات، لا لنتائج التركيبات. وكذلك خاصّ الخاصّ لا اسم له إلّا أن تجعل الإشارة المقرونة باللفظ اسما.
وإنما تقع الأسماء على العلوم المقصورة، ولعمري إنّها لتحيط بها وتشتمل. فأما العلوم المبسوطة فإنّها تبلغ مبالغ الحاجات ثم تنتهي.
فإذا زعمت أنّ الله تبارك وتعالى علّم آدم الأسماء كلّها بمعانيها، فإنّما تعني نهاية المصلحة لا غير ذلك. هذا وآدم هو الشجرة وأنت ثمرة، وهو سماويّ وأنت أرضيّ، وهو الأصل وأنت الفرع، والأصل أحقّ بالقوّة والفرع
(1/348)

أولى بالضّعف.
فلست أسألك أن تمسك إلّا ريثما تسكن إليك نفسك، ويرتدّ إليك ذهنك، وحتّى توازن بين شفاء الغيظ والانتفاع بثواب العفو، وترى الحلم وما يجلب من السلامة وطيب الأحدوثة، وترى تضرّم الغضب وما يفضى لأهله من فضل القوّة.
على أنّ العقل إذا تخلّص من سكر الغضب أصابه ما يصيب المخمور إذا خرج من سكر شرابه، والمنهزم إذا عاد إلى أهله، والمبرسم إذا أفاق من برسامه.
وما أشكّ أنّ العقل حين يطلق من إساره كالمقيّد حين يفكّ من قيوده؛ يمشي كالنّزيف، ويحجل كالغراب. فإذا وجب عليك أن تحذر على عقلك مخامرة داء الغضب بعد تخلّصه، وأن تتعمّده بالعلاج بعد مباينته له وتخلّصه من يده، فما ظنّك به وهو أسير في ملكه، وصريع تحت كلكله، وقد غطّه في بحره، وغمره بفضل قوّته.
وقد زعموا أنّ الحسن حضر أميرا قد أفرط في عقوبة بعض المذنبين، فكلّمه فلم يحفل بكلامه، وخوّفه فلم يتّعظ بزجره، فقال: إنّك إنما تضرب نفسك، فإن شئت الآن فأقلّ، وإن شئت فأكثر.
ومعاذ الله أن أقول لك كما قال الحسن لذلك الظالم المعتدي، والمصمّم القاسي، ولكنّي أقول: اعلم أنّك تضرب من قد جعلك من قتله في حلّ. وإن كان القتل يحّل بإحلال المقتول، ويسقط عنه عقابه بهبة المظلوم؛ ولو أمكن في الدين تواهب قصاص الآخرة في الدّنيا؛ وإن كان ذلك مما تجود به النفس يوم الحاجة إلى الثواب وإلى رفع العقاب، وكان الوفاء مضمونا- لكنت أوّل من أسمحت بذلك نفسه، وانشرح به صدره.
(1/349)

[13- اسباب التعادي غير متوافرة بين الجاحظ وابن الزيات]
جعلت فداك، إنّي قد أحصيت جميع أسباب التعادي، وحصّلت جميع علل التضاغن، إلّا علّة عداوة الشيطان للإنسان؛ فإنّي لا أعرف إلّا مجازها في الجملة ولا أحقّ خاصّتها على التحصيل. وعلى حال فقد عرفتها من طريق الجملة وإن جهلتها من طريق التفصيل. فأما هذا التجنّي فلم أعرفه في خاصّ ولا عامّ.
فمن أسباب العداوات تنافس الجيران والقرابات، وتحاسد الأشكال في الصناعات. ومن أمتن أسبابهم إلى الشرّ وأسرعها إلى المروءة والعقل، وأقدحها في العرض وأحطبها على الدين، التشاحّ على المواريث، والتنازع في تخوم الأرضين. فإن اتّفق أن يكون بين المتشاكلين في القرابة كان السبب أقوى، والداء أدوى. وعلى حساب ذلك إن جمعت هذه الخصومة مع الجوار والقرابة واستواء الحظّ في الصناعة. ولذلك كتب عمر رضي الله عنه إلى قضاته: أن ردّوا القرابات عن حرا القضاء فإن ذلك يورث التضاغن.
ولم أعجب من دوام ظلمك، وثباتك على غضبك، وغلظ قلبك، ودورنا بالعسكر متجاورة، ومنازلنا بمدينة السّلام متقابلة، ونحن ننظر في علم واحد، ونرجع في النحلة إلى مذهب واحد؛ ولكن اشتدّ عجبي منك اليوم وأنا بفرغانة وأنت بالأندلس، وأنا صاحب كلام وأنت صاحب نتاج، وصناعتك جودة الخطّ وصناعتي جودة المحو، وأنت كاتب وأنا أمّي، وأنت خراجيّ وأنا عشريّ، وأنت زرعيّ وأنا نخليّ. فلو كنت إذ كنت من بكر كنت من تميم، كان ذلك إلى العداوة سببا، وإلى المنافسة سلّما.
أنت أبقاك الله شاعر وأنا راوية، وأنت طويل وأنا قصير، وأنت أصلع وأنا أنزع، وأنت صاحب براذين وأنا صاحب حمير، وأنت ركين وأنا عجول،
(1/350)

وأنت تدبر لنفسك وتقيم أود غيرك، وتتّسع لجميع الرعيّة، وتبلغ بتدبيرك أقصى الأمة، وأنا أعجز عن نفسي وعن تدبير أمتي وعبدي. وأنت منعم وأنا شاكر، وأنت ملك وأنا سوقة، وأنت مصطنع وأنا صنيعة، وأنت تفعل وأنا أصف، وأنت مقدّم وأنا تابع، وأنت إذا نازعت الرجال وناهضت الأكفاء لم تقل بعد فراغك وانقطاع كلامك: لو كنت قلت كذا كان أجود، ولو تركت قول كذا لكان أحسن؛ وأمضيت الأمور على حقائقها، وسلّمت إليها أقساطها على مقادير حقوقها؛ فلم تندم بعد قول، ولم تأسف بعد سكوت. وأنا إن تكلّمت ندمت، [وإن جاريت أبدعت] ورأيي كلّه دبريّ. وأنت تعدّ في الشطرنج زبر، وأنا في الشّطرنج لا أحد.
وما أعرف ها هنا اجتماعا على مشاكلة إلا في الإيثار بخبز الخشكار على الحوّارى، والباقلّى على الجوزينج، وأنّا جميعا ندّعي الهندسة. فقد بلغ الآن من جرمي في مساواتك في خبز الخشكار، وإيثاري الباقلّى، والمعرفة بتقدير المدن وإجراء القنى، أن أنفى من جميع الأرض، وأن تجعل في دمي الجعائل؛ فإنيّ قد هجرت الخبز البتّة إلى مواصلة التّمر، ونزلت الوبر بدلا من المدر.
دعنا الآن فإنّك فارغ. إن الله يعلم- وكفى به عليما، وكفى به شهيدا، وكفى به حفيظا ووكيلا، وكفى بجرأة من يعلّمه ما لا يعلم جرأة وتعرّضا، وكفى بحاله عند الله بعدا ومقتا- لقد أردت أن أفديك بنفسي في بعض كتبي، وكنت عند نفسي في عداد الموتى وفي حيّز الهلكى، فرأيت أنّ من الخيانة لك ومن اللؤم في معاملتك، أن أفديك بنفسي ميتة، وأن أريك أنّي قد جدت لك بأنفس علق والعلق معدوم. ليس أنّ من قد فدّاك فقد جعل فداك، ولكنها نهاية من نهايات التعظيم، ودليل من دلائل الاجتهاد. ومن أعلن الاجتهاد لك واستسرّ خلاف ذلك فقد نافق وخان، وغشّ وألام. وأخلق بمن أخلّ بهذه ألّا
(1/351)

يرعى حقّا، ولا يرجع إلى صحّة ولا إلى حقيقة.
ثم أنت لا يشفيك منّي السمّ المجهز، ولا السمّ الساري؛ فإنه أبعد غاية في التطويل وأبلغ في التعذيب. لا ولا لعاب الأفاعي وداهية الدّواهي، فإنّه يعجز الرّقى ويفوت ذرع الأطبّاء. لا ولا نار الدّنيا، بل لا يشفيك من نار الآخرة إلّا الجحيم، ولا يشفيك من الجحيم الا أن أرى في سوائه وفي أصطمّة ناره، وفي معظم حريقه، وفي موضع الصّميم من لهيبه. بل لا تكتفي بذلك دون الدّرك الأسفل، بل لا يرضيك شيء سوى الهاوية، بل لا ترضى إلّا بعذاب آل فرعون، أشدّ العذاب، بل لا يرضيك إلّا عذاب إبليس الذي زيّن الختر للعباد، وبثّه في البلاد، والذي خطّأ الربّ وعانده وردّ قوله، وغيّر عليه تدبيره، ولم يزده إلّا شكّا ولجاجة، وتماديا وإصرارا. ثم لم يرض من الجدّ في مخالفة أمره، وخلع العذار في شدّة الخلاف عليه إلّا بأن يحلف على شدّة اجتهاده في ذلك بعزّته، فجعل العزّة المانعة من إسخاطه سبيلا إلى إسخاطه، والقسم الحاجز دون إغضابه وسيلة إلى إغضابه، حيث قال:
فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ.
فعليك عافاك الله بإبليس إن كنت لله تغضب، أو عليك بالأكفاء إن كنت لنفسك تتشفّى.
[14- ابن الزيات استضعف الجاحظ فوصفه]
لا ولكنّك استغمرتني واستضعفتني، وجعلتني فرّوج الرفّاء، وتريد أن تتعلّم فيّ معاقبة الأعداء. فإن كنت إلى هذا تذهب فجعفر بن معروف أضعف مني، وعبد الله بن عيسى أسوأ خبرا منّي.
سبحان الله، يسلم عليك حيدر الأفشين، ويهلك عليك عمرو الجاحظ، ويسعد بك أبعد البعداء ويشقى بك أقرب القرباء. وتتغافل عن مثل
(1/352)

الجبال التماسا للتسلّم وحبّا للسلامة، وتغلغل إلى المحقّرات طلبا للتعرّض وحبّا للشرّ.
ومتى قدرت على عدوّك فلم تجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه، ومتى لم تتغافل عنه تكرّما أو تدعه احتقارا، ومتى اكترثت لكبير وضاق صدرك عن شيء عظيم فهأنذا بين يديك، فكلني بخلّ وخردل؛ فو الله إنّك لتأكل غثّا غير مريء، وخبيثا غير شهيّ.
لا والله، لكأنّك وقعت على مطمورة، وظفرت برأس خاقان. كنت أظنّ أنّ الرشاقة والحلم لا يجتمعان، وأنّ ظرف الإنسان وأصالة الرأي لا يفترقان، وأنّ النّزق والخفّة مقرونان بخفّة البدن، وأنّ الرّكانة والأناة مجموعتان لصاحب السّمن، حتى رأيتك فاعتقدت بك خلاف ذلك الرأي، واستبدلت فيك ضدّ ذلك الظّن. فتركتني حتى إذا نازعت الرجال، وتعرّضت للشّجى، وشغلت نفسي بثلب الخصام، وانقطعت إلى أصحاب القدود، وجعلت عدوائي في تقديم القضاف، وطال لساني، وأظهرت الاستبصار في فضلك، وجعلت مزاج أخلاطك هو الحجة، واعتدالك هو النهاية، وطبيعتك هي المسكة؛ وزعمت أنّ منظرك يغني عن مخبرك، وأنّ أوّلك يجلّي عن آخرك- شددت عليّ شدّة المهر الأرن، وتسرّعت إليّ تسرّع الغرّ النّزق، وألححت [عليّ] إلحاح اللّجوج الحنق. كأنّك لم تحفل بما يشيع لك من اسم المتسرّع، وبما تضاف إليه من سخف المتترّع، بعد أن تكذّب قولي وتفنّد خبري.
وقد تقدمت التجربة أن الحديد لا يكون حقودا، وأن المصطنع لا يكون للصنيعة حاسدا، فقصدت على رأس إلى القياس الممتحن فأفسدته، وإلى الطبائع المعتدلة فنقضتها، وإلى القضايا الصحيحة فرددتها.
وقالوا بأجمعهم: حالان لا تقبلان الحسد، ولا يخلوان من الرّشد:
(1/353)

حال الصّنيعة لمصطنعه، وحال المولى لمعتقه. فكيف إذا كان الصّنيعة صديقا، وكان للخاصّة محتملا.
[15- ما يصيب الانسان يصيب صديقه]
وإنما صارت- أبقاك الله- أجزاء النفس وأعضاء الجسد مع كثرة عددها، واختلاف أخلاطها، وتباعد أماكنها، نفسا واحدة وجسدا واحدا، لاستواء الخواطر، ولاتفاقها على الإرادة. فأنت وصديقك الموافق، وخليلك ذو الشكل المطابق، مستويان في المحابّ، متّفقان في الهوى، متشاكلان في الشّهوة؛ وتعاونكما كتعاون جوارح أحدكما، وتسالمكما كتسالم المتّفق من طبائعكما. فإذا بان منك صديقك فقد بان منك شطرك، وإذا اعتلّ خليلك فقد اعتلّ نصفك، بل النفوس المضمّنة كالمعاني المضمّنة، فذهاب بعضها هو ذهاب جميعها. فموتي هو موت صديقي، وحياتي هي حياة صديقي. فلا تبعدنّه من قلبك بعد بدنه من بدنك؛ فقد يقرب البغيض وينأى الحبيب.
ولعلّ بعض طبائعك المخالط لروحك، أن يكون أعدى من كلّ عدو، وأقطع من كلّ سيف، وأخوف عليك من الأسد الضاري، ومن السمّ الساري.
ثم اعلم أنّ الموثّق بمودّته قليل، وقد صار اليوم المعتمد عليه في صحة العقدة، وفي كرم الغيب والعشرة، عنقاء مغرب. ولا أعلم الكبريت الأحمر إلّا أوجد منه. وإني لأظنّ القناعة أكثر منه. وما أكثر من جعل انقطاع سببه وضعف طمعه لانقطاع سببه قناعة:
وقيل ليحيى بن خالد: أي شيء أقل؟ قال: قناعة ذي الهمّة البعيدة بالعيش الدّون، وصديق قليل الآفات كثير الإمتاع، شكور النفس، ويصيب مواضع المدح.
(1/354)

لا والله إن تعرف على ظهرها موضعا للسرّ، ولا مكانا للشكوى، ولا روحا تأنس بها، ولا نفسا تسكن إليها. ولو أردت أن تعرّفني من جميع العالمين رجلا لما قدرت على أحد يحتمل الغنى. ومحتمل الفقر قليل، ومحتمل الغنى عديم.
إنّ الخير- أبقاك الله- في أيام كثرته كان قليلا فما ظنّك به في أيام قلّته، وإن الشرّ في أيام قلّته كان كثيرا فما ظنّك به في أيّام كثرته، وأنت غريب في المصطنعين، وأنا غريب في الصنائع، والغريب للغريب نسيب، ونسب المشاكلة وقرابة الطبيعة الموافقة، أقرب من نسب الرحم؛ لأنّ الأرحام مولعة بالتحاسد، لهجة بالتقاطع، وأن التحابّ على طبع المشاكلة. والتلاقي على وفاق من الطبيعة، أبعد من التفاسد، وأبعد من التعادي. وسبب التعادي عرض في طبائع الغرباء، وجوهر في طبائع الأقرباء.
واعلم أنّك لا تزال في وحشة إلى وحشة، وفي غربة إلى غربة، وفي تنكّر العيش وتسخّط الحال، حتى تجد من تشكو إليه بثّك، وتفضي إليه بذات نفسك. ومتى رأيت عجبا لم تضحك رؤيتك له بقدر ما يضحكك إخبارك إياه. فمن أغلب عليك ممّن كانت هذه حاله منك، وموقعه من نفسك.
[16- الجاحظ يستعطف ابن الزيات بشيخوخته وافضاله عليه ابان شبابه]
ولو أنّ شيبتي التي بها استعطفتك، وكبرة سنيّ التي بها استرحمتك، اللتان لم يحدثا عليّ إلّا وأنا في ذراك، ولم يحلّا بي إلّا وأنا في ظلّك، لكان في شفاعة الكبرة، واسترحام الضّعف والوهنة، ما يردعك عنّي أشدّ الردع، ويؤثّر في طباعك أبين الأثر. فكيف وقد أكرمتني جديدا، ثم تريد أن
(1/355)

تهينني خلقا، وقوّيت عظمي أغلظ ما كان، ثم تريد أن توهنه أرقّ ما كان.
وهل هرمت إلّا في طاعتك، وهل أخلقني إلّا معاناة خدمتك!.
قال علي بن أبي طالب: رأي الشّيخ الضّعيف أحبّ إلينا من جلد الشابّ القويّ.
وأنا أقول كما قال أخو ثقيف: مودّة الأخ التالد وإن أخلق خير من من مودّة الطارف وإن ظهرت بشاشته، وراعتك جدّته.
وقال عبد الملك بن مروان: رأي الشيخ أحبّ إلينا من مشهد الغلام.
وقال بعضهم: ليس بغائب من شهد رأيه، وليس بفان من بقي أثره.
وما كمّل العقل ولا وفّر التجربة شيء كنقصان البدن، وكأخذ الأيّام من قوى الأعضاء.
وقال آخر: ما قبّح الرجال شيء كالوكال، ولا أفسد الكريم شيء كحبّ الاستطراف. وخير الناس من أتبع العقاب مواقع الغضب، ولم يتبع الغضب مواقع الهوى.
ولقد منحتك جلد شبابي كملا، وغرب نشاطي مقتبلا، وكان لك مهناه، وثمرة قواه، واحتملت دونك عرامه وغربه، وكان لك غنمه وعليّ غرمه، وأعطيتك عند إدبار بدني قوّة رأيي، وعند تكامل معرفتي نتيجة تجربتي، واحتملت دونك وهن الكبر وإسقام الهرم.
وخير شركائك من أعطاك ما صفا، وأخذ لنفسه ما كدر. وأفضل خلطائك من كفاك مؤونته، وأحضرك معونته، وكان كلاله عليه، ونشاطه لك.
وأكرم دخلائك وأشكر مؤمّليك من لا يظنّ أنك تسمّي جزيل ما تحتمل في بذلك ومواساتك مؤونة، ولا تتابع إحسانك إليه نعمة، بل يرى أنّ نعمة الشاكر فوق نعمة الواهب، ونعمة الوادّ المخلص فوق نعمة الجواد المغنى؛ وأنّه لا
(1/356)

يبلغ في إعطاء المجهود من نفسه في خلع جميع ما له إلى مؤملّيه والمتحرّمين به، حسن نيّة الشاكر الوامق، وحقّ تمنّي الوادّ العارف.
ولو اقتضيت جميع حقوقك عليّ، وأنكرت جميع حقوقي عليك، أو جعلت حقّي عليك حقّا لك، ثمّ زعمت أنّ حقّك لا يؤدّي إلى شكره، وأنّ حقّي لا يلزم حكمه، وأنّ إحساني إساءة، وأنّ الصغير من ذنوبي كبير، وأنّ اللّمم منّي إصرار، وأنّ خطائي عمد، وأنّ عمدي كلّه كفر، وأنّ كفري يوجب القمع ويمنع من النّزوع لما كان عندك. وما اتّسع قولي لأكثر من هذا العقاب، ولا أشدّ من هذا الغضب. وما ينبغي أن يكون هذا المقدار من النّقم إلّا لبارىء النّسم في دار البقاء، لا في دار الفناء. [و] الذي يجوز بين العباد إنّما هو تعزير أو حدّ، أو قود أو قصاص، أو حبس أو تغريب، أو إغرام أو إسقاط عدالة، أو إلزام اسم العداوة، أو عقاب يجمع الألم والتّقويم والتنكيل، فيكون مضض الألم جزاء له ومعدّلا أسبابه.
وربّما قصر الإيقاع على السّخط وجاوز حدّ الغضب. وربّما كان مقصورا على مقدارهما، ومحبوسا على نهاية حالهما.
وليس كلّ عقاب نتيجة سخط، وقد لا يسمّى ذلك الموقع والمعاقب واجدا كما يسمّى ساخطا، ولا يسمّى عاتبا كما يسمّى غضبان، فيخرج كما ترى من أن يسمّى سخطا أو موجدة وغضبا، كما خرج عقاب آدم عليه السلام من هاتين الصّفتين، ومن جميع القسمين. وعلى أنه كان إخراجا من دار الخلد والكرامة إلى دار الابتلاء والمحنة؛ ومع ما في ذلك من إعراء الجلد، والتّسمية بالظلم، مع الوصف له بضعف العزم، والاغترار بيمين الخصم.
والعجب أنك تضجر من طول مسألتنا لعفوك مع حاجتنا إلى عاجل عفوك، ولا تضجر بطول تشاغلك بظلم صديقك مع استغنائك عن ظلم صديقك. فلو كنت إنّما تفعل ذلك لأنّك تلذّ ضرب السّياط ورضّ العظام،
(1/357)

فجنب «دندن» أحمل، والسّوط في ظهر قاسم أحسن، وأبدانهما تحت السّياط أثبت، وإنّ أرواحهما أبقى، وهي بأرواح الكلاب أشبه، وإلى طبائع الضّباب أقرب، وأرحامهم بالحمير أمسّ، ومن يشير فيهم بذلك أكثر، والأجر في ضربهم أعظم. فاستدم اللذّة بطريق اللّذّة، وضع الأمور في مواضعها يطل سرورك بها.
إنّ عتاق الخيل وأحرار الطّير أدقّ حسّا، وأشدّ اكتراثا. والكوادن الغلاظ والمحامر الثّقال، أكلّ حسّا وأقلّ اكتراثا. وليس الصّبر بالصّمت والسكوت، ولا بقلّة الصّياح والضّموز. وقد يصيح تحت السّوط من لا يقرّ على صاحبه، ولا يدلّ على عورة نفسه. والكلب المضروب يجمع الصّياح والهرب، والفرس العتيق يعدو ولا يصيح، والحافر كلّه كظوم ضامز، والمخلب كلّه ضجور صيّاح، والضّجر في الخفّ عامّ، والبخاتيّ أضجر. فسمن الظلف عامّ، وهو في الضّأن أخفى، وكلّ مضروب هارب صيّاح، ومنها ما يجمع الخصال كالكلب والبعير. والهرب من المكروه محمود، والمقام عليه مذموم؛ كالذي يعتري العير السقيم وتجده في الفرس الكريم، من قلة الاكتراث وشدته.
وصبر البدن غير صبر النفس. وليس بقاء الأرواح المنعقدة تحت الضرب الشديد من اعتزام النفس، ولا يدلّ على الكرم.
وفي المثل: «ما روح فلان إلّا روح كلب» . وتقول العرب: «الضّبّ أطول شيء ذماء» . والكلب لئيم، والضبّ غير كريم.
والبازي أكرم من الصّقر وأشدّ وأكثر ثمنا، وأجمل جمالا، وأعفى صيدا، وأنبل نبلا؛ إن قبض عليه قتله، وإن لم ينحّ كندرته عن قربه أوهن نفسه. ثم بلغ من رقة طبع البازي وعتقه أنه ينقطع بردّ البازيار له إلى مسقطه من يده. والصّقر يتعلّق بسباقيه من رجل حمل بدرع فيضطرب منكّسا إلى
(1/358)

الصّبح، ثم تجده وكأنّه لم يزل على كندرته وعلى مسقطه الذي يؤتّى له.
فليس بدني من أبدان الاحتمال فأمتعك بطول ثباته لك، ولا أثبت لك ثبات العير الكليل الحسّ، ولا أجعل الصّياح دليلا على الإقرار، فيكون ذلك أحد ما تتمتّع به، وتدرك به حاجات نفسك.
[17- عليك بمن احتجن اموال الدولة]
وقد دللتك على ناس يجمعون لك الخصال التي فيها دوام لذّتك، وتمام شهوتك؛ فإن زعمت أنّ الذي يثبت روح دندن في بدنه، وروح القاسم في جسمه، سرورهما بما قد احتجنا من كنوز الخلافة وأموال الرعيّة، وليس ذلك من رسوخ أرواحهما في أبدانهما، ومن شدة الاحتجان وقوة الاكتناز، ففرّق بينهما وبين تلك الأموال التي تمسك أرواحهما بالحيل اللّطيفة، والتدبير النافذ، وبأن تمضي فيهما حكم الكتاب والسّنّة؛ فإنّه سيحلّ عقدة أرواحهما عقدا عقدا، فيعظم أجرك، ويطيب ذكرك، وتطيع الخليفة، وتتحبّب به إلى الأمة؛ فتكون قد أحسنت في صرف الضّرب إلى أهله، وأرحت منه غير أهله.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
تمت الرسالة بعون الله ومنّه وتوفيقه، والله الموفّق للصواب برحمته، والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه، وآله الطيبين الطاهرين وسلامه.
(1/359)

16- هامش رسالة الجد والهزل
(1) لم يمهد للرسالة بالمقدمة التقليدية التي عودنا عليها الجاحظ.
- «ومن خرج من جميع الاوزان وخالف جميع التعديل» يراد به ضرورة وجود توازن بين الذنب والعقوبة.
(2) الطوائل: جمع طائلة، الوتر.
- لاحظ الوصف النفسي الدقيق للغيظ.
(3) التمييز بين الصديق والعدو، والمحب والمبغض، والخير والشرير، ضرورية في العقوبة. والجاحظ يريد ان يقول انه صديق ودود وصاحب خير، وبالتالي لا ينبغي عداوته وانزال العقاب فيه.
- التتابع والتترع: التهافت والتسرع.
(4) حرب البسوس نشبت في الجاهلية بين قبيلتي بكر وتغلب بسبب رمي كليب ضرع ناقة البسوس، خالة جساس، مما حمل جساسا على قتل كليب. فاستعرت الحرب بين قبيلة (تغلب) وقبيلة جساس (بكر) .
- حرب داحس والغبراء نشبت بين قبيلتي عبس وذبيان (من قحطان) بسبب نزاع على سبق الخيل بين الغبراء فرس سيد ذبيان وداحس حصان قيس بن زهير سيد عبس.
(5) لاحظ كيف يميز لغويا بين الاناة والريث. ويستنتج ان للكلمات استعمالين:
استعمال وضعي واستعمال قيمي، يعني بالاول استعمال الكلمة بمعناها الذي وضعت له اصلا، وبالثاني استعمال الكلمة بالمعنى الذي يتناسب مع اخواتها
(1/361)

في الجملة. وهذا ما انتهى اليه سوسير عندما تحدث عن قيمة الوحدات اللغوية (راجع كتاب: محاضرات في الالسنية العامة) .
- الدهقان: زعيم الفلاحين الفرس.
(6) اسباب جمع القرآن في مصحف هي حفظه من الضياع.
- الجاحظ يجمع كتبه في اواخر أيامه وينظمها.
- الجاحظ يقرأ كتبه وهو مستلق بسبب عجزه عن الانتصاب.
- لاحظ تأثره بالنابغة في تصوير فزعه من ابن الزيات كما فزع النابغة الشاعر الجاهلي من النعمان ملك الحيرة:
وانك كالليل الذي هو مدركي ... وان خلت ان المنتأى عنك واسع
وبت كاني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في انيابها السم ناقع
(7) ابن الزيات يكيد للجاحظ صحيا وعقليا: يبدو ان الوزير نصح الجاحظ بعدم ادمان القراءة في الليل اشفاقا من العمى. ولكن الجاحظ ظن أنه يريد ان يتركه جاهلا.
(8) لاحظ الاشارة الى انواع الورق المستعمل في الكتابة: الورق الصيني، الكاغد الخراساني، الجلود.
(9) ابن الزيات يشمت لعدم انجاب الجاحظ الاولاد: لاحظ المرارة التي تعتصر قلب الجاحظ بسبب ذلك «ما كان عليك ان يكون لي ولد يحيي ذكري ويحوي ميراثي، ولا اخرج من الدنيا بحسرتي» او يقول معيرا من حسرته تلك «وما كان عليك مع كبر سني وضعف ركني ان يكون لي ريحانة أشمها وثمرة اضمها وان اجد الى الاماني سببا» .
(10) الجاحظ يتهم ابن الزيات بالكيد لقتله.
- الزباء: ملكة تدمر- ابن العاص: عمرو بن العاص- ابن هند: عمرو بن هند ملك الحيرة اخو ثقيف: الحجاج بن يوسف الثقفي- ابن سمية: زياد ابن ابيه.
(11) ذم الغضب: استطراد، لأنه تكلم عليه في صدر الرسالة.
(12) يطرق الجاحظ هنا موضوعا لغويا هاما هو علاقة الاسماء بالمعاني. انظر تشبيهه المعنى بالروح، والاسم بالجسد. وقد ورد هذا الشبه ايضا في البيان والتبيين (13) اسباب العداوات: تنافس الجيران والاقارب، تحاسد اصحاب الصناعات، تكلم عليها في اماكن اخرى من كتبه- النحلة التي يجمعها الوزير والجاحظ هي الاعتزال.
(1/362)

- الزبر: العقل والرأي وقد وردت خطأ زبرب في طبعة عبد السلام هارون.
(14) «استغمرتني واستضعفتني وجعلتني فروج الرفاء» تعبير نجده عند المعري.
(15) تعاون الاصدقاء كتعاون جوارح الجسم؟
(16) «اني استرحمك بكبرة سني» : لاحظ ضعف الشيخوخة.
(17) القاسم وديدن: يبدو أنهما ممن احتجن مال الدولة، وهما يستحقان العقاب بنظر الجاحظ وليس هو.
(1/363)

[17- رسالة فصل ما بين العداوة والحسد]
(- 17- فصل ما بين العداوة والحسد)
(1/365)

[1- فضل هذا الكتاب]
أصحب الله مدّتك السعادة والسّلامة، وقرنها بالعافية والسّرور، ووصلها بالنعمة التي لا تزول، والكرامة التي لا تحول.
هذا كتاب- أطال الله بقاءك- نبيل بارع، فصل فيه بين الحسد والعداوة، ولم يسبقني إليه أحد ولا إلى كتاب فضل الوعد الذي تقدّم هذا الكتاب، ولا إلى كتاب أخلاق الوزراء الذي تقدّم كتاب فضل الوعد.
وإنّما نبلت هذه الكتب وحسنت وبرعت، وبذّت غيرها لمشاكلتها شرف الأشراف، بما فيها من الأخبار الأنيقة الغريبة، والآثار الحسنة اللّطيفة، والأحاديث الباعثة على الأخلاق المحمودة، والمكارم الباقية المأثورة، مع ما تضمّنته من سير الملوك والخلفاء ووزرائهم وأتباعهم، وما جرت عليه أحوالهم.
فأنا أسألك بساطع كرمك وناصع فضلك، لمّا امتننت عليّ بصرف عنايتك إلى قراءتها، فإن لم يمكنك تبحّرها والتقصّي لجميعها، للأشغال التي تعروك، فبحسبك أن تقف على حدودها، وتتعرّف معاني أبوابها بتصفّح
(1/367)

أوائلها؛ فإنّ معك قلبا به من اليقظة والذكاء، والتوقّد والحفظ، ما يكفي معه النّظر الخاطف.
[2- حساد المؤلفين]
إنه لم يخل زمن من الأزمان فيما مضى من القرون الذاهبة إلّا وفيه علماء محقّون، قد قرأوا كتب من تقدّمهم، ودارسوا أهلها، ومارسوا [الموافقين] لهم، وعانوا المخالفين عليهم، فمخضوا الحكمة وعجموا عيدانها، ووقفوا على حدود العلوم، فحفظوا الأمّهات والأصول، وعرفوا الشرائع والفروع، ففرقوا ما بين الأشباه والنظائر، وصاقبوا بين الأشكال والأجناس، ووصلوا بين المتجاور والمتوازي، واستنبطوا الغامض الباطن بالظاهر البيّن، واستظهروا على الخفيّ المشكل بالمكشوف المعروف، وعرفوا بالفهم الثّاقب والعلم الناصع، وقضت لهم المحنة بالذكاء والفطنة، فوضعوا الكتب في ضروب العلوم وفنون الآداب لأهل زمانهم، والأخلاف من بعدهم.
يزدلفون بذلك إلى الممتنّ عليهم بفضل المعرفة التي ركّبها الله فيهم، وأبانهم من غيرهم، وفضّلهم عليهم، ويباهون به الأمم المخالفة لهم، ويتبارون بذلك فيما بينهم، ولهم حسّاد معارضون من أهل زمانهم في تلك العلوم والكتب، منتحلة يدّعون مثل دعاويهم، قد وسموا أنفسهم بسمات الباطل، وتسمّوا بأسماء العلم على المجاز من غير حقيقة، ولبسوا لباس الزّور متزخرفين متشبّعين بما لا محصول له، يحتذون أمثلة المحقّين في زيّهم وهديهم، ويقتفون آثارهم في ألفاظهم وألحاظهم، وحركاتهم وإشاراتهم، لينسبوا إليهم ويحلّوا محلّهم، فاستمالوا بهذه الحيلة قلوب ضعفاء العامّة، وجهلاء الملوك، واتّخذهم المعادون للعلماء المحقّين عدّة يستظهرون بهم عند العامّة. وحمل المدّعية للعلم المزوّر الحسد على بهت العلماء المحقّين،
(1/368)

وعضههم والطّعن عليهم، وجرّأهم على ذلك ما رأوا من صفو ضعفة القلوب واذلّة الناس إليهم، وميل جهلاء الملوك معهم عليهم، وأمّلوا أن ينالوا بذلك بشاشة العامة، وتستوي لهم الرّياسة على طغام الناس ورعاعهم، ويستخولوا رعاتهم وقومهم، فهمروا وهدروا وتورّدوا على أهل العلم بغباوتهم، وكشفوا أغطية الجهل عن أنفسهم، وهتكوا سترا كان مسدلا عليهم بالصّمت. فقد قيل: «الصمت زين العالم، وستر الجاهل» ؛ طمعا في الرياسة وحبّا لها.
وقد قيل:
حبّ الرياسة داء لا دواء له ... وقلّما تجد الراضين بالقسم
ولم يخل زمن من الأزمنة من هذه الطبقة ولا يخلو. وهلاك من هلك من الأمم فيما سلف بحبّ الرياسة. وكذلك من يهلك إلى انقضاء الدّهر فبحبّ الرياسة.
وقد قيل: هلاك الناس منذ كانوا إلى أن تأتي الساعة بحبّ الأمر والنّهي، وحبّ السّمع والطاعة.
فأشكل على العامّة أمر العالم الحقيقيّ والمدّعي المجاري المنتحل للزّور والباطل؛ ثم ترادف عليهم من هذه العلل التي يعمى لها السبيل الواضح والطّريق المنشأ، على الجاهل المستضعف؛ وذي الغباء المسترهف.
[3- منتحلو كتب الجاحظ]
ولست آمن- جعلني الله فداك- أن تكون هذه الكتب التي أعنى بتأليفها، وأتأنّق في ترصيفها، يتولّى عرضها عليك من قد لبس لباس الزّور في انتحال وضع مثلها، ونسب نفسه إلى القوّة على نظائرها، والمعرفة بما يقاربها، إن لم يكن أخاها فابن عمّها، وتشبّع بما لم يطعمه الله منها.
(1/369)

ولعلّ بعض من حوله، أو بعض من يهزل به، ويرتع في عقله ويلهو بلبّه، ويضعه على طبطابة اللّعب، وفي أرجوحة العبث، يوهمه الحسد له على ما يدّعي من ذلك، ويتقدّم إلى آخرين في إيهامهم إياه ذلك، فيزيده فعلهم ضراوة بادّعاء ما ليس معه وهو منه عار. فإذا رجع إلى الحقائق علم أنّ مثله كما قد قيل:
ومن يسكن البحرين يعظم طحاله ... ويغبط بما في البطن والبطن جائع
وقد قيل: «الذئب يغبط وهو جائع» . فيلتوي في قراءتها، ويقبض لسانه عن بسط ما يحتاج أن ينشره منها، ويقصّر في تفخيم حروفها ولا يملأ فمه منها.
[4- الطاعنون على كتب الجاحظ]
بل لا آمن أن يتجاوز ذلك إلى الطّعن عليها بقول أو إشارة، فيوهم فساد معانيها ويومي إلى سقوط ألفاظها، من غير أن يظهر المعاداة لها، والحسد لمؤلفها، والحمل عليها بقول يكون دليلا على ما يضمر، وهو أبلغ ما يكون من قلب المستمع وأنجعه فيه، فيقع ذلك بخلده. وقد قيل: «من يسمع يخل» .
وليس يقابله أحد بردّ، ولا يوازيه بنزاع، فيزداد نشاطا عندما يرى من خلاء الأمر. وقد قيل: «كلّ مجر في الخلاء يسرّ» وكلّ مناظر متفرّد بالنظر مسرور، وإنّما يعرف جري الخيل عند المسابقة، وبراعة النظر عند المخاصمة.
وقال لي بشر المريسي: عرض كتابي على المأمون في تحليل النّبيذ،
(1/370)

وبحضرته محمد بن أبي العبّاس الطّوسي، فانبرى للطّعن عليه والمعارضة للحجج التي فيه، وأسهب في ذلك وخطب، وأكثر وأطنب، فقلق المأمون واحتدم، وهاج واضطرم؛ لاستحقار الطّوسي وخلاء المجلس له، وكان يحبّ أن يزعه وازع يكفّه بحجّة تسكته، فلما لم ير أحدا بحضرته يذبّ عن كتابي قال متمثلا:
يا لك من قبّرة بمعمر ... خلا لك الجوّ فبيضي واصفري
ونقرّي ما شئت أن تنقّري
فما كان إلّا ريث فراغه من التمثّل بهذه الأبيات حتى استؤذن لي فدخلت عليه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما تقول في النبيذ؟ فقلت: حلّ طلق يا أمير المؤمنين. فقال: فما تقول فيما أسكر كثيره؟ قلت: لعن الله قليله إذا لم يسكر [إلّا] كثيره. ثم قال: إنّ محمدا يخالفك. فأقبلت على ابن أبي العباس فقلت له: ما تقول فيما قال أمير المؤمنين؟ قال: لا خلاف بيني وبينك [و] كلاما يوهم به أهل المجلس، حبّا للتسلّم منّي والتخلّص من مناظرتي، لا على حقيقة التحليل له. فاستغنمت ذلك منه وقلت له: فما لي لا أرى أثر قواه في عقلك؟ فضحك المأمون، فلمّا رأيت ضحكه أطنبت في معاني تحليل النبيذ، وابن أبي العباس ساكت لا ينطق، وكان قبل دخولي ناطقا لا يسكت. فلما رأى المأمون سكوته عند حضوري مع كثرة كلامه في ثلب كتابي وعيبه- كان- قبل دخولي، قال متمثّلا:
ما لك لا تنبح يا كلب الدّوم ... قد كنت نبّاحا فما لك اليوم
[5- ابناء النعم محسودون]
ثم نظر إليّ فقال: إنّ الكتب عقول قوم وراءها عندهم حجج لها، فما
(1/371)

ينبغي أن يقضى على كتاب إلّا إذا كان له دافع عنه، وخصم يبين عمّا فيه؛ فإنّ أبناء النّعم وأولاد الأسد محسودون.
ثم قال: يا أبا عبد الرحمن، بإزاء كل حاسد راهن.
وقد قيل في مثل من الأمثال: «الحسن محسود» . وفي مثل آخر:
«لن تعدم الحسناء ذاما» . وقال الأحنف بن قيس:
ولن تصادف مرعى ممرعا أبدا ... إلّا وجدت به آثار مأكول
يقول: يعاث في كلّ [مرعى] حسن ويؤكل منه، فيعيبه ذلك.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ما أحدث الله لعبد نعمة إلّا وجدت له عليها حاسدا. ولو أنّ امرأ كان أقوم من القدح لوجدت له غامزا» .
وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: الحاسد لا يملك إلا عنان حسده؛ لأنّه مغلوب على نفسه.
وقال الخطّاب بن نمير السّعديّ: الحاسد مجنون؛ لأنه يحسد الحسن والقبيح.
[6- فصل ما بين العداوة والحسد]
وقال المهلّب بن أبي صفرة: الحسد شهاب لا يبالي من أصاب، وعلى من وقع.
والعداوة لها عقل تسوس به نفسها فينجم قرنها، وتبدي صفحتها في أوقات الهتر. وإلّا فإنها كامنة تنتهز أزمنة الفرض. والحسد مسلوب المعقول بإزاء الضّمير في كلّ حين وزمان ووقت.
(1/372)

ومن لؤم الحسد أنه موكّل بالأدنى فالأدنى، والأخصّ فالأخصّ. والعداوة وإن كانت تقبّح الحسن فهي دون الحسد؛ لأنّ العدوّ المباين قد يحول وليّا منافقا، كما يحول المولى المنافق عدوّا مباينا.
والحاسد لا يزول عن طريقته إلّا بزوال المحسود عليه عنده. والعداوة تحدث لعلّة، فإذا زالت العلّة زالت معها. والحسد تركيب لعلة يحسد عليها فهو لا يزول إلّا بزوالها. ومن هذا قال معاوية رحمه الله: يمكنني أن أرضي الناس كلّهم إلّا حاسد نعمة، فإنّه لا يرضيه منها إلّا زوالها.
وأعداء النّعمة إذا شوركوا فيها ونالوا منها تزحزحوا عن عداوتها، وكانوا من أهلها المحامين عنها، والدافعين عن حماها.
ومن هذا قال المغيرة بن شعبة: النعمة التي يعاش فيها نعمة محروسة ليس عليها ثائر يغتالها، ولا ذو حسد يحتال في غيرها.
وقال قتيبة بن مسلم: خير الخير وأحصنه خير عيش فيه. وكلّ خير كان يرضخ بذلا كان من المتألف ممنوعا، ومن الغير آمنا.
وحسّاد النعمة إن أعطوا منها وتبحبحوا فيها، ازدادوا عليها غيظا وبها إغراء.
والعداوة تخلق وتملّ، والحسد غضّ جديد، حرم أو أعطي، لا يبيد.
فكل حاسد عدوّ، وليس كل عدوّ بحاسد. وإنّما حمل اليهود على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم- وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم أنّه نبيّ صادق ورسول محقّ، يقرأون بعثه في توراتهم، ويتدارسونه في بيت مدراسهم- الحسد، وحجز بين علمائهم والإيمان به، ثم نتج لهم الحسد عداوته.
ومن الدليل على أنّ الحسد آلم وآذى وأوجع وأوضع من العداوة، أنّه مغرى بفعل الله عزّ وجلّ، والعداوة عارية من ذلك لا تّتّصل إذا اتّصلت إلّا
(1/373)

بأفعال العباد. ولا يعادى على فعل الله تباركت أسماؤه ألا ترى أنك لم تسمع أحدا عادى أحدا لأنّه حسن الصورة جميل المحاسن، فصيح اللسان حسن البيان. وقد رأيت حاسد هذه الطبقة وسمعت به، وهم كثير تعرفهم بالخبر والمشاهدة.
فهذا دليل على أن الحسد لا يكون إلّا عن فساد الطبع، واعوجاج التركيب، واضطراب السّوس.
والحسد أخو الكذب، يجريان في مضما واحد؛ فهما أليفان لا يفترقان، وضجيعان لا يتباينان. والعداوة قد تخلو من الكذب؛ ألا ترى أنّ أولياء الله قد عادو أعداء الله إذ لم يستحلّوا أن يكذبوا عليهم؟! والحسد لا يبرأ من البهت، وكيف يبرأ منه وهو عموده الذي عليه يعتمد، وأساسه الذي به البناء يعقد. وأنشد:
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... كذبا ورورا إنّه لدميم
والحسد نار وقوده الرّوح، لا تبوخ أبدا أو يفنى الوقود. والحسد لا يبلى إلّا ببلي المحسود أو الحاسد. والعداوة جمر يوقده الغضب، ويطفئه الرّضا.، فهو مؤمّل الرّجوع مرجوّ الإنابة. والحسد جوهر والعداوة اكتساب.
وقال بعضهم: الحسد أنثى، لأنّه ذليل؛ والعداوة ذكر فحل، لأنّها عزيزة.
والحسد وإن كان موكّلا بالأدنى فالأدنى فإنّه لم يعر منه الأبعد فالأبعد.
فقد رأينا وشاهدنا من كان يسكن العراق وينتحل العلم والأدب، انتهى إليه خبر مشارك له في الصناعة من أهل خراسان وجنبة بلخ من اتّساق الرياسة في بلده، وجميل حاله ونبيل محلّه عند أهل مصره، وطاعة العامّة له، وترادف الناس عليه، فطار قلبه فرقا، وأخذته الأرباء، وتنفّس الصّعداء وانتفض
(1/374)

انتفاض المفلس الممطور، فقال لي رجل من إخواني كان عن يميني، حين رأى ما رأى منه: بحقّ قال من قال: «لم ير ظالم أشبه بمظلوم من حاسد نعمة؛ فإنّ نفسه متّصل، وكربه دائم، وفكرته لا تنام» .
وهو في أهل العلم أكثر، وعليهم أغلب، وبهم أشدّ لصوقا منه بغيرهم من الملوك والسّوقة. وكأنّ من ناله التقصير في صناعة العلم عن غايته القصوى قد استشعر حسد كلّ ما يرد عليه من طريف أدب، أو أنيق كلام، أو بديع معنى. بل قد وقع بخلده لضعفه، وقرّ في روعه لخساسته، أنّه لا ينال أحد منهم رياسة في صناعة، ولا يتهيّأ له سياسة أهلها، إلّا بالطّعن على نواصيهم، والعيب لجلّتهم، والتحيّف لحقوقهم.
قال لي مسلم بن الوليد الأنصاري الشاعر، الذي يعرف بصريع الغواني: خيّل إلى نوكى الشّعراء أنّهم لا يقضى لهم بجودة الشّعر إلّا بهجائي والطّعن في شعري، ولسان يهجى به عرضي، لا أنفكّ متّهما من غير جرم، إلّا ما سبق إلى قلوبهم من وساوس الظنون والخواطر التي أوهمتهم أنه لا يسجّل لهم بجودة الشعر إلّا إذا استعملوا فيّ ما خيّل إليهم.
وأخبرني أشياخنا من أهل خراسان أنّ أبا الصّلت الهرويّ كان عند الفضل بن سهل ذي الرياستين بمرو، فقرأ عليه كتابا ألّفه النّضر بن شميل، فطعن أبو الصّلت فيه، وكان الفضل عارفا بالنضر الشّميلي، واثقا بعلمه، مائلا إليه، فأقبل على أبي الصّلت وقال له: إن يحيى بن خالد قال يوما: إنّ كتبي لتعرض على من يغلظ فهمه عن معرفتها، ويجسو ذهنه عنها، ولا يبلغ أقصى علمه ما فيها- يعرّض بإسماعيل بن صبيح- فيطعن فيها ولا يدري ما يقرأ عليه منها. إلّا أن نار الحسد تلهبه فيهذي هذيان المريض، ويهمز همزات الغيرى، ثم لا يرضى أن يقف عند أوّل الطعن ويميل عنه حتّى يستقصي على نفسه إظهار جهله عند أهل المعرفة، باستيعابه الطّعن على ما
(1/375)

لم يبلغ درايته، ولم يحط به علمه، ثم ينسيه جهله الطّعن الذي تقدّم منه فيها، ويحمله نوكه على استعمال معانيها وألفاظها، في كتبه إلى إخوانه وأعوانه الذين شهدوه في أوان طعنه عليها، وحين ثلبه لها.
[7- بعض الكتاب يسرقون كتب الجاحظ أو قسما منها]
وقد عرفت حقيقة ما قال يحيى بن خالد بالتّجربة والابتلاء. وإنّي ربّما ألّفت الكتاب المحكم المتقن في الدّين والفقه، والرسائل والسّيرة، والخطب والخراج والأحكام، وسائر فنون الحكمة، وأنسبه إلى نفسي، فيتواطأ على الطّعن فيه جماعة من أهل العلم، بالحسد المركّب فيهم، وهم يعرفون براعته ونصاعته. وأكثر ما يكون هذا منهم إذا كان الكتاب مؤلّفا لملك معه المقدرة على التقديم والتأخير، والحطّ والرّفع، [والترغيب] والترهيب، فإنّهم يهتاجون عند ذلك اهتياج الإبل المغتلمة، فإن أمكنتهم حيلة في إسقاط ذلك الكتاب عند السيّد الذي ألّف له فهو الذي قصدوه وأرادوه، وإن كان السيّد المؤلّف فيه الكتاب نحريرا نقابا، ونقريسا بليغا، وحاذقا فطنا، وأعجزتهم الحيلة، سرقوا معاني ذلك الكتاب وألّفوا من أعراضه وحواشيه كتابا، وأهدوه إلى ملك آخر، ومتّوا إليه به، وهم قد ذمّوه وثلبوه لمّا رأوه منسوبا إليّ، وموسوما بي.
[8- الجاحظ ينحل كتبه غيره لتروج]
وربّما ألّفت الكتاب الذي هو دونه في معانيه وألفاظه، فأترجمه باسم غيري، وأحيله على من تقدّمني عصره مثل ابن المقفّع والخليل، وسلم صاحب بيت الحكمة، ويحيى بن خالد، والعتّابيّ، ومن أشبه هؤلاء من مؤلّفي الكتب، فيأتيني أولئك القوم بأعيانهم الطاعنون على الكتاب الذي كان
(1/376)

أحكم من هذا الكتاب، لاستنساخ هذا الكتاب وقراءته عليّ، ويكتبونه بخطوطهم، ويصيّرونه إماما يقتدون به، ويتدارسونه بينهم، ويتأدّبون به، ويستعملون ألفاظه ومعانيه في كتبهم وخطاباتهم، ويروونه عنّي لغيرهم من طلّاب ذلك الجنس فتثبت لهم به رياسة، [و] يأتمّ بهم قوم فيه؛ لأنه لم يترجم باسمي، ولم ينسب إلى تأليفي.
[9- الجاحظ يترك بعض الكتب غفلا اشفاقا من الطعن عليها]
ولربّما خرج الكتاب من تحت يدي محصفا كأنّه متن حجر أملس، بمعان لطيفة محكمة، وألفاظ شريفة فصيحة، فأخاف عليه طعن الحاسدين إن أنا نسبته إلى نفسي، وأحسد عليه من أهمّ بنسبته إليه لجودة نظامه وحسن كلامه، فأظهره مبهما غفلا في أعراض أصول الكتب التي لا يعرف وضّاعها، فينهالون عليه انهيال الرّمل، ويستبقون إلى قراءته سباق الخيل يوم الحلبة إلى غايتها.
[10- عودة الى الحسد والعداوة]
وحسد الجاهل أهون شوكة وأذلّ محنا، من حسد العارف الفطن؛ لأنّ الحاسد الجاهل يبتدر إلى الطّعن على الكتاب في أوّل وهلة يقرأ عليه، من قبل استتمام قراءته ورقة واحدة؛ ثم لا يرضى بأيسر الطعن وأخفّه حتّى يبلغ منه إلى أشدّه وأغلظه، من قبل أن يقف على فصوله وحدوده. وليس ثلبه مفسّرا مفصّلا، ولكنه يجمل ذلك ويقول: هذا خطأ من أوّله إلى آخره، وباطل من ابتدائه إلى انقضائه، ويحسب أنّه كلما ازداد إغراقا وطعنا وإطنابا في الحمل على واضع الكتاب، كان ذلك أقرب إلى القبول منه. وهو لا يعلم أنّ المستمع إليه إذا ظهر منه على هذه المنزلة استخفّ به، وبكّته بالجهل،
(1/377)

وعلم أنّه قد حكم من غير استبراء، وقضى بغير رويّة، فسقط عنه وبطل.
والحاسد العارف الذي فيه تقيّة ومعه مسكة، وبه طعم أو حياة، إذا أراد أن يغتال الكتاب ويحتال في إسقاطه، تصفّح أوراقه ووقف على حدوده ومفاصله، وردّد فيه بصره وراجع فكره، وأظهر عند السيّد الذي هو بحضرته وجلسائه، من التثبّت والتأنّي حبالة يقتنص بها قلوبهم، وسببا يسترعي به ألبابهم، وسلّما يرتقي به إلى مراده منهم، وبساطا يفرش عليه مصارع الخدع. فيوهم به القصد إلى الحقّ والاجتباء له. فربّما استرعى بهذه المخاتل والخدع قلب السيّد الحازم.
فمن أعظم البلايا وأكبر المصائب على مؤلّفي الكتب إذا كان العارض لها على السيّد الذي منه ترجى أثمانها، وعنده تنفق بضائع أهلها، على هذه الصّفة التي وصفتها من الحسد والحذق بأسبابه، والمعرفة بالوجوه التي تثلم المحسود وتهدّه، وتضع منه ومن كتبه: لا سيما إن كان مع استبطان الحسد واستعمال الدهاء والذّكاء جليسا لازما، وتابعا لا يفارق، ومحدّثا لا يريم، وليست له رعة تحجره عن الباطل، ولا معه حذر يبعثه على الفكر في العواقب؛ فإنّ هذا ربّما وافق فترة السيّد بطول ترداد الكلام، وكثرة تكراره عليه، من تأكيد خطائه، ونصرته قوله، وذياده عنه، واحتجاجه فيه، فيؤثّر في قلبه، ويضجّع رأيه. فليس للسيّد الذي يحبّ أن تصير إليه الأمور على حقائقها، وتصوّر له الأشياء على هيئاتها، حيلة في ذلك إلّا حسم مادّة هذا من أهل الحسد، بالإعراض عنهم، والاحتجاز دونهم.
وربّما بلغ من الحاسد جهد الحسد إذا لم يعمل بشهوته، ولم تنفذ سهام لطائفه، أن يقرّ على نفسه بالخطأ، ويعترف أنّ الطّعن الذي كان منه في الكتاب عن سهو وغفلة، وأنّه لم يكن بلغ منه في الاستقصاء ما أراد، وكان مشغول الفكر مقسّم الذهن، فلمّا فرغ له ذهنه وانفرد له همّه راجع ما
(1/378)

كان بدر منه، لتظنّ به الرّعة، ويقال إنّه لم يرجع عن قوله واعترف بالخطأ إلّا من عقل وازع، ودين خالص. وإنما ذلك حيلة منه ودهاء قدّمه أمام ما يريد أن يوكّد لنفسه ويوطّد لها، من قبول القول في سائر ما يرد عليه من الكتب عن غير مواقفة على مواضع، ويجعل ما قد تقدّم له من الرّجوع عن قوله عند ما تبيّن له خلاف ما قال، أوثق أسباب عدالته، وأحكم عرى نصفته.
وكان يقال: من لطيف ما يستدعي به الصّدق إظهار الشك في الخبر الذي [لا] يشكّ فيه.
وكان يقال: من غامض الرياء أن ترى بأنك لا ترائي. ومن أبلغ الطّعن على ما تريد الطّعن عليه أن تطعن ثم تستغفر الله، ثم تتمهّل فترة، ثم تعود لطعن هو أعظم منه وأطمّ من الأوّل؛ ليوثق بك فيه، ويقال: إنّ هذا لو كان عن حسد ما رجع عن الطعن الأوّل.
وقد قيل: ذو الغيبة المشهور بها المنسوب إليها يقلّ ضرره، ويضعف كيده، لما شاع له في الناس وانتشر منه، فكان عندهم ظنينا متّهما، ومطبوعا عليها، يستمعون منه على قضاء ذمام المجالسة والتلذّذ به، من غير قبول ولا اصطفاء له.
وإنما البليّة في غيبة حذّاق المغتابين الذين يسمعون، فيضحكون ولا يتكلّمون. وأحذق منهم الذين يستمعون ويسكتون القائل ويدعون الله بالصّلاح للمقول فيه، فهم قد أسكتوا القائل المغتاب ودعوا للمقول فيه، وأوكدوا قول القائل؛ لأنّه لو حلّ عندهم محلّ البراءة مما قيل له لجبّه القائل وردع عن قوله.
وقد قال بعض العلماء: إنّ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كان من نبلاء المغتابين وحذّاقهم حيث يقول:
(1/379)

مسّا تراب الأرض، منه خلقتما ... وفيها المعاد والمصير إلى الحشر
ولا تعجبا أن تؤتيا وتعظّما ... فما حشي الإنسان شرّا من الكبر
فلو شئت أدلى فيكما غير واحد ... علانية أو قال ذلك في سرّ
فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما ... ضحكت له حتّى يلجّ فيستشري
ومن هذا سرق العتابيّ المعنى حيث يقول:
إن كنت لا تحذر شتمي لما ... تعرف من صفحي عن الجاهل
فاخش سكوتي سامعا ضاحكا ... فيك لمشنوع من القائل
مقالة السّوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل
ومن دعا الناس إلى ذمّه ... ذمّوه بالحق وبالباطل
وسئل القاسم بن معن عن ابن أبي ليلى، فقلّب كفّيه وقال:
من الناس من يخفى أبوه وجدّه ... وجدّ أبي ليلى كالبدر ظاهر
فلم تثبت عليه به حجة في ذمّ له ولا مدح. وقد بلغ ما أراد.
وسئل يوما عن علمه فقال: أوعوه وطبا، فإن كان محضا أو مشوبا أظهره الوطب وما خضوه.
فإن قدح- جعلني الله فداك- بالحسد قادح فيما أؤلفه من كتابي لك، وسبق إلى وهمك شكّ فيه، أعلمتني النّكتة التي قدح فيها، ثم قابله بجوابي، فإني أرجو ألّا تحتاج إلى حاكم عند تجاثي القولين بين يديك، لعلوّ الحقّ على الباطل، ودموغه إيّاه.
والحسد أذلّ نفسا من أن يجاثي أحدا، والعداوة إنّما قدّمت عليه لأنها عزيزة منيعة.
(1/380)

ويقال: الحسد لا يبدو إلّا في العين وعلى اللسان المقصور عند أهله المؤتلفين على ... والعداوة تبدو وتنجم قرونها وينبسط لسانها عند الموافقين له والمخالفين عليه.
وسئل خالد بن صفوان عن شبيب بن شيبة فقال: ذاك امرؤ سيط بالحسد وجبل عليه، فليس له أخ في السرّ ولا عدوّ في العلانية.
وسئل العتّابي عن أهل بغداد فقال: حسّاد، إخوان العلانية، وأعداء السّريرة، يعطونك الكلّ ويمنعونك القلّ.
ومما يدلّك على أنّ الحسد أخسّ وأغبن من العداوة، أنّ الملل كلّها ذمّته وعابته. ولا تعلم أنّ شاذّا من الشواذّ، وشاردا من الشّرّاد، فضلا عن جيل من الأجيال، أمر بالحسد؛ كما قيل: «عاد من عاداك، وقارع بالعداوة أهلها» . ثم عظم شأن العداوة عندهم، وجلّ قدرها لديهم، حتّى اختلفوا في وجوه العمل فيها؛ فمنهم من أمر بها على الحزم والعقل.
وقال الشّعبيّ لبشر بن مروان: لو وجّهت إلى عمرو بن محمد بن عقيل مولى آل الزّبير- وكان شتمه- من يأتيك به سحبا وجرّا! فقال بشر: إنّي مستعمل في عدوّي قول القائل:
وعاد إذا عاديت بالحزم والنّهى ... تنل ظفرا ممن تريد وتغلب
فكان بهذا ممن يرى المعاداة بالحزم، ويغتالها بالعقل والتأنّي.
وكان عروة بن المغيرة يقول: شرّ العداوة ما ستر بالمداراة، وأشقاها للأنفس ما قرع بمثلها باديا. وكان ينشد:
لا أتّقي حسك الضّغائن بالرّقي ... فعل الذليل ولو بقيت وحيدا
لكن أعدّ لها ضغائن مثلها ... حتّى أداوي بالحقود حقودا
كالخمر خير دوائها منها بها ... تشفي السّقيم وتبريء المنجودا
(1/381)

فانتهى قوله إلى ابن شبرمة فقال: «لله درّ عروة، هذه أنفس العرب!» .
فهؤلاء رأوا كشف المعاداة ولم يروا التأنّي.
ومنهم من رأى المعاداة بعد الفرار منها والإعذار فيها، فإن هي أبت إلا المقارنة قارنوها بمثلها.
قال شبيب بن شيبة: إذا رأيت الشرّ قد أقبل إليك فتطامن له حتّى يتخطّاك، ولا تهجه ولا تبحث عنه؛ فإن أبى إلّا أن يبرك عليك فكن من الأرض نارا ساطعة تتلظّى. وأنشد:
إذا عاداك محتنك لبيب ... فعاد النّوم واحترس البياتا
ولا تثر الرّبوض وخلّ عنها ... وإن ثارت فكن شبحا مواتا
تجزك إلى سواك ونحّ عنها ... فخير الشرّ أسرعه فواتا
وإن مالت عليك وخفت منها ... فواجهها مجاهرة صلاتا
ومنهم من أمر بقبول الإنصاف وترك المحاسبة. قال عبيد الله بن عبد الله ابن [عتبة بن] مسعود: إنّ الملامات والمذمّات كلّها قبيحة، وأقبح الملامة والمذمّة ما كانتا في ترك نصفة أو شدّة منافسة في تعداد الذّنوب. وأنشد:
منافسة العدوّ أو الصديق ... تجرّ إلى المذمّة والملامه
إذا أعطاك نصفا ذو وداد ... وبعض النّصف فانتهز السّلامة
ومنهم من قال: لا ترض من عدوّك إلّا بالظّلم، ولا تقبل إنصافه ونافسه في ذلك. قال العباس بن عبد المطلب:
أبا طالب لا تقبل النّصف منهم ... ولو أنصفوا حتى تعقّ وتظلما
ومنهم من أمر بمعونة الدهر على العدّوّ إذا حمل عليه. قال: حدثني
(1/382)

إبراهيم بن شعبة المخزومي قال: سمعت من حكى لي عن مصعب بن الزبير قال: إذا رأيت يد الدهر قد لطمت عدوّك فبادره برجلك، فإن سلم من الدّهر لم يسلم منك. وأنشد:
إذا برك الزّمان على عدوّ ... بنكبته أعنت له الزّمانا
قال العتّابي: قلت لطوق بن مالك: إنّ من شرط الدهر ومن صناعة الزمان السّلب، فإذا حملت الأيام على عدوّك ثقلا وأمتك منه فزده ثقلا إلى ثقله. قال: فقال لي طوق: من لم ينتهز من عدوّه انتهز منه، وحالت الأيام التي كانت بيضا عليه سودا. وأنشد:
لله درّك ما ظننت بثائر ... حرّان ليس على التّراب براقد
أحقدته ثم اضطجعت ولم ينم ... أسفا عليك وكيف نوم الحاقد
إن تمكن الأيام منك، وعلّها، ... يوما نوفّك بالصّواع الزائد
ولئن سلمت لأتركنّك عارضا ... بعدي لكل مسالم ومعاند
ومنهم من كان يرى جبر كسر العدوّ وإقالة عثرته، ونصرته عند وثوب الدّهر عليه.
قال: حدثني ابن عبد الحميد قال ابن شبرمة: كانت الحرب يوم صفّين بين العرب محضة لا شوب فيها، فكانت محاربتهم كداما واعتناقا، وكانوا إدا مرّوا برجل جريح كانوا يقولون: خذله قومه فانصروه، وألقاه دهره بمضيعة فردّوه إلى أهله.
وقال ابن شبرمة: ما زلنا نسمع أنّ المصيبات تنزع السجيّات.
قال: وأنشدني بعض أهل العلم في هذا المعنى:
فلو بي بدأتم قبل من قد دعوتم ... لفرّجتها وحدي ولو بلغت جهدي
(1/383)

إذا المرء ذو القربى وذو الحقد أجحفت ... به سنة سلّت مصيبته حقدي
ومنهم من رأى الإفضال على عدوّه وترك مجازاته. وهذا كثير لا يحتاج فيه الى استقصاء شواهده.
قال غيلان بن خرشة الضّبيّ- وقال بعضهم: بل الأحنف بن قيس- لا تزال العرب بخير ما لبست العمائم وتقلّدت السيوف وركبت الخيل، ولم تأخذها حميّة الأوغاد. قيل: وما حميّة الأوغاد؟ قال: أن يروا الحلم ذلّا، والتّواهب ضيما.
وقال الشّعبيّ لرجل قال له: ألا تنتقم من فلان فقد عاداك ونصب لك؟
فقال:
ليست الأحلام في حال الرّضا ... إنّما الأحلام في حال الغضب
وأنشدني بعض العلماء بيتين وقال: إنّ الزّبيريّ كان كثيرا ما يتمثّل بهما:
وإنّي لأعدائي على المقت والقلى ... بني العمّ منهم كاشح وحسود
أذبّ وأرمي بالحصى من ورائهم ... وأبدأ بالحسنى لهم وأعود
وكان عبد الملك بن مروان إذا أنشد:
إني وإن كان ابن عمي كاشحا ... لمراجم من دونه وورائه
ومعيره نصري وإن كان امرأ ... متزحزحا في أرضه وسمائه
وإن اكتسى ثوبا نفيسا لم أقل ... يا ليت أنّ عليّ حسن ردائه
وإذا تخرّق في غناه وفرته ... واذا تصعلك كنت من قرنائه
قال: هذا والله من شعر الأشراف. نفى عن نفسه الحسد واللؤم
(1/384)

والانتقام عند الإمكان، والمسألة عند الحاجة.
ومنهم من أمر بالسّفه في العداوة واستعمال الخرق فيها.
حدّثني نوح بن أحمد عن أبيه عن ابن عبّاس قال: جاء النابغة الجعديّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هل معك من الشّعر ما عفا الله عنه؟ قال: نعم. قال: أنشدني منه. فأنشده:
وإنّا لقوم ما نعوّد خيلنا ... إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا
وتنكر يوم الرّوع ألوان خيلنا ... من الطّعن حتى تحسب الجون أشقرا
وليس بمعروف لنا أن نردّها ... صحاحا ولا مستنكرا أن تعقّرا
بلغنا السّماء مجدنا وسناؤنا ... وإنّا لنبغي فوق ذلك مظهرا
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلى أين يا أبا ليلى؟ فقال:
إلى الجنّة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إلى الجنّة إن شاء الله» .
ثم رجع في قصيدته فقال:
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا فضّ الله فاك!» . قال:
فأتت عليه عشرون ومائة سنة، كلّما سقطت له سنّ اثّغرت أخرى مكانها؛ لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذا أحسن ما روي في البادرة التي يصان بها الحلم.
وقال الشاعر الجاهليّ:
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا: القوم إخوان
(1/385)

عسى الأيّام أن يرجع ... ن حيّا كالذي كانوا
فلما صرّح الشّرّ ... وأمسى وهو عريان
مشينا مشية الليث ... بدا واللّيث غضبان
يضرب فيه توهين ... وتضجيع وإذعان
وطعن كفم الزّق ... وهى والزّق ملان
وفي الشرّ نجاة حي ... ن لا ينجيك إحسان
حدثنا أبو مسهر عن أبيه عن خالد بن عمرو الكلبيّ قال:
كنّا مع أبي برزة الأسلميّ في غزاة، فكان منّا رجل يمتار لنا الميرة ويقوم بحوائجنا، فإذا أقبل قلنا: جزاك الله خيرا. فغضب لدعائنا، فشكونا ذلك إلى أبي برزة، فقال أبو برزة: كنّا نسمع أنّ من لم يصلحه الخير أصلحه الشرّ، فاقلبوا له. فكنّا نقول له إذا أتانا بالحوائج: جزاك الله شرّا وعرّا، فيضحك لذلك.
وأنشدني رجل عن بعض الأعراب:
أرى الحلم في بعض المواطن ذلّة ... وفي بعضها عزّا يشرّف فاعله
إذا أنت لم تدفع بحلمك جاهلا ... سفيها ولم تقرن به من يجاهله
لبست له ثوب المذلّة صاغرا ... فأصبح قد أودى بحقّك باطله
فأبق على جهّال قومك إنّه ... لكلّ حليم موطن هو جاهله
وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «استوصوا بالغوغاء خيرا، فإنهم يطفئون الحريق، ويسدّون البثوق» .
وقال أبو سلمى في الجاهلية:
لا بدّ للسّودد من رماح ... ومن عديد يتّقى بالراح
ومن كلاب جمّة النّباح
(1/386)

وقال مسلم بن الوليد:
حلفت لئن لم تلقني سفهاؤها ... خزاعة والحيّان عوف وأسلم
لأرتجعنّ الودّ بيني وبينها ... بقافية تفري العروق فتحسم
من اللاء لا يرجعن إلّا شواردا ... لهنّ بأفواه الرجال تهمهم
أصابوا حليما فاستعدّوا بجاهل ... إذا الحلم لم يمنعك فالجهل أحزم
ولم نستقص الأبواب كلّها بالمعارضة في هذا الكتاب، ولو استقصينا لطالت بنا الأيّام وتراخت الليالي إلى بلوغ الغاية في تمام الكتاب. وإنّما ذكرنا من كل باب عرض فيه ما دلّ على معناه الذي إليه قصد.
ولم نر الحسد أمر به أحد من العرب والعجم في حال من الأحوال، ولا ندب إليه ونبّه عليه. وقد نبّه على العداوة وفصّل بين أحوالها بما قد بيّنّاه، فظهر فضلها على الحسد بذلك.
[11- الكتاب يطلبون من الجاحظ ان يشاطروه فيء كتبه]
وكنت امرأ قليل الحسّاد حتّى اعتصمت بعروتك، واستمسكت بحبلك واستذريت في ظلّك، فتراكم عليّ الحسّاد وازدحموا، ورموني بسهامهم من كل أوب وأفق، وتتايعوا عليّ تتايع الدّثر على مشتار العسل. ولئن كثروا لقد كثر بهبوب ريحك إخواني، وبنضرة أيامك وزهرة دولتك خلّاني. وأنا كما قلت:
فأكثرت حسّادي وأكثرت خلّتي ... وكنت وحسّادي قليل وخلّاني
فلمّا بلغت هذا الفصل من تأليف هذا الكتاب دخل عليّ عشرة نفر من الكتّاب قد شملهم معروفك، ورفع مراتبهم جميل نظرك، فهم من طاعتك
(1/387)

والمحبّة لك على حسب ما أوليتهم من إحسانك وجزيل فوائدك، فأفاضوا في حديث من أحاديث الحسد، فشعّب لهم ذلك الحديث شعوبا افتنّوا فيها- والحديث ذو شجون- فما برحوا حتّى أتتني رقعة أناسية من الحسّاد فيها سهام الوعيد، ومقدّمات التهديد والتحذير والتخويف، للطّعن على ما ألّفت من الكتب إن أنا لم أضمن لهم الشركة فيما يجرى عليّ، فدفعت رقعتهم إلى من قرب إليّ منهم، فقرأها ثم قال: «قاتلهم الله! أبظلم يرومون النّيل ويلتمسون الشركة في المعروف! لنزع الرّوح بالكلاليب أهون من بذل معروف بترهيب» . وأنشأ يقول:
أبقى الحوادث من خلي ... لك مثل جندلة المراجم
قد رامني الأعداء قب ... لك فامتنعت من المظالم
ودفعها إلى من قرب منه فقرأها. وقال الثاني: «صكّة جلمود، لكل مرعد حسود، يمتطر العرف بالتهديد. خلّ الوعيد، يذهب في البيد» .
وأنشأ يقول:
أبرق وأرعد يا يزي ... د فما وعيدك لي بضائر
ودفعها إلى الثالث فقرأها وقال: «سألوا ظلما، وخوّفوا هضما، لقوا حربا ولقيت سلما» . وأنشأ يقول:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع
ودفعها إلى الرابع فقرأها وقال: «قول الذّليل وبوله سيّان» . وأنشأ يقول:
ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران
ودفعها إلى الخامس فقرأها وقال: «نهيق الحمار، ودم الأعيار جبار
(1/388)

جبار» . وأنشأ يقول:
ما أبالي أنبّ بالحزن تيس ... أم لحاني بظهر غيب لئيم
ودفعها إلى السادس فقرأها وقال: «إذا علقتك الأمجاد، فليهن عليك الحسّاد» . وأنشأ يقول:
إذا أهل الكرامة أكرموني ... فلا أخشى الهوان من اللّئام
ودفعها إلى السابع فقرأها وقال: «كيف يخاف الصّرعة، من هو في ذي المنعة» . وأنشأ يقول:
كم تنبحون وما يغني نباحكم ... ما يملك الكلب غير النّبح من ضرر
ودفعها إلى العاشر فقرأها وقال: «نوكى هلكى، لم يعرفوا خبرك، ولا دروا أمرك» . وأنشأ يقول:
فلو علم الكلاب بنو الكلاب ... بحالك عند سيّدنا لذلّوا
وعندي صديق لي من السّوقة له أدب، فقال لي بعقب فراغهم مسرّا:
إنّ هؤلاء الكتّاب قد أظهروا الاستخفاف بقول الحسّاد، وضربوا الأمثال في هوانهم عليك، وعرفوا أنّك في منعة من عزّ أبي الحسن أطال الله بقاءه، ومعقل لا يسامى ولا ينال. وأنا أقول بالشّفعة:
توقّ قوما من الحسّاد قد قصدوا ... لحطّ قدرك في سرّ وفي علن
فقلت له: إنّي أقول بيتين هما جوابك وجواب الحسّاد:
إنّ ابن يحيى عبيد الله أمنني ... من الحوادث بعد الخوف من زمني
فلست أحذر حسّادي وإن كثروا ... ما دمت ممسك حبل من أبي الحسن
(1/389)

فلما رأى صديقي اقتفائي آثار الكتّاب، باستهانتي للحساد عند اعتلاقي حبائلك أعزّك الله، أنشأ متمثّلا بقول نصر بن سيّار:
إنّي نشأت وحسّادي ذوو عدد ... يا ذا المعارج لا تنقص لهم أحدا
إن يحسدوني على ما قد بنيت لهم ... فمثل حسن بلائي جرّ لي الحسدا
وليس العجب أن يكثروا وأنا أنعق بمحاسنك، وأهتف بشكرك، ولكن العجب كيف لا تتفتّت أكبادهم كمدا.
وكان بعضهم يقول: اللهمّ كثّر حسّاد ولدي؛ فإنّهم لا يكثرون إلّا بكثرة النّعمة.
فإن كان والدي سبق منه هذا الدّعاء، فإنّ الإجابة كانت مخبوءة إلى زمان عزّك؛ فقد رأينا تباشيرها، وبدت لنا عند عنايتك غايتها.
وكان بعض الصالحين يقول: اللهم اجعل ولدي محسودين، ولا تجعلهم مرحومين؛ فإنّ يوم المحسود يوم عزّة، ويوم الحاسد يوم ذلّة.
ويقال: إنّه لمّا مات الحجّاج سمعوا جارية خلف جنازته وهي تقول:
اليوم يرحمنا من كان يحسدنا ... واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا
ويقال: إنّ زياد ابن أبيه قال لحرقة ابنة النعمان: أخبريني بحالكم.
قالت: إن شئت أجملت وإن شئت فسّرت. فقال لها: أجملي، فقالت: «بتنا نحسد، وأصبحنا نرحم» . فخطبها زياد وكانت في دير لها فكشفت عن رأسها، فإذا رأس محلوق، فقالت: أرأس عروس كما ترى يا زياد؟ وأعطاها دنانير فأخذتها وقالت: جزتك يد افتقرت بعد غنى، ولا جزتك يد استغنت بعد فقر! ولا نعلم الحسد جاء فيه شيء أكثر من حديث روى عن النبي صلى الله
(1/390)

عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله حفظ القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النّهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه في وجوه البرّ آناء الليل وآناء النهار» .
فهذا الحسد إنّما هو في طاعة الله عزّ وجلّ، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقال بعض الأشراف:
احسد على نيل المكارم والعلى ... إذ لم تكن في حالة المحسود
حسد الفتى بالمكرمات لغيره ... كرم ولكن ليس بالمعدود
فهذا ما انتهى إلينا من أخبار الحسد، وزادك الله شرفا وفضلا، وعلما ومعرفة، ولا زلت بالمكان الذي يهدى إليك [فيه] الكتب، وتتحف بنوادر العلوم وفرائد الآداب، إنّه قريب مجيب.
تم الكتاب ولله المنة، وبيده الحول والقوة تتلوه رسالة من كلام أبي عثمان أيضا في ذم القواد والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وسلامه.
(1/391)

17- هامش فصل ما بين العداوة والحسد
. (1) كتاب فضل الوعد ربما كان كتاب استنجاز الوعد الذي وصل الينا قسم منه. ولم يصلنا شيء غيره حول موضوع الوعد. كما لم يصلنا شيء من كتاب اخلاق الوزراء.
(2) الحكمة: الفلسفة. بعض افكار هذه الفقرة وبعض تعابيرها يحتمل ان تكون مدسوسة على الجاحظ.
(3) «إن لم يكن أخاها فابن عمها» يراد به شبيهها.
(4) الطاعنون على كتب الجاحظ من جهة اللفظ ومن جهة المعنى.
(5) بشر المريسي: احد شيوخ المعتزلة، توفي سنة 218 هـ.
- لاحظ مناصرة المأمون للمعتزلة ومكانة هؤلاء عنده امثال بشر المريسي والجاحظ.
- الرجز: «يا لك من قبره بمعمر ... » للشاعر الجاهلي طرفة بن العبد نظمه وهو حدث يصطاد القبر.
(6) القدح: السهم.
- يعاث: يعبث.
- لاحظ كثرة الاستشهاد بالشعر والامثال والاقوال المأثورة.
(7) قارن بين آراء الجاحظ في الحسد هنا وآرائه في كتاب الحاسد والمحسود:
الحسد موكل بالأدنى فالادنى والأخص فالأخص. سبب الحسد النعمة لدى المحسود.
- مسلم بن الوليد الانصاري الشاعر عرف بصريع العنواني لأنه كان متيما بحبه
(1/393)

عاصر الجاحظ وتوفي عام 208 هـ وتولى بريد جرحان حيث مات.
- اسماعيل بن صبيح كاتب يحيى بن خالد البرمكي في عهد الرشيد وتولى ديوان الشام.
(8) النحرير: جمع نحارير، الحاذق، الفطن.
النقريس: الطبيب الماهر المدقق.
(9) ابن المقفع والخليل بن احمد الفراهيدي وسلم صاحب بيت الحكمة التي اسسها المأمون سنة 830 م ويحيى بن خالد والعتابي. عاشوا جميعا في صدر الدولة العباسية.
(10) الكتاب الغفل: الذي لم يذكر اسم مؤلفه.
الكتاب المحصف: المحكم الخالي من الخلل.
(11) الرعة: الورع.
الخطاء الخطأ.
- ابو برزة الاسلمي، هو نضلة بن عبيد الاسلمي، نزل البصرة وشهد وقعة النهروان، وهو صحابي جليل، مات بالبصرة سنة 60 هـ-.
- الشاعر الجاهلي الذي قال: «صفحنا عن بني ذهل ... » . هو الفند الزماني، شهل بن شيبان، شهد حرب البسوس.
(12) الجاحظ يشكو كثرة الحساد الذين لم يكتفوا بالاغارة على كتبه سرقة وطعنا وتشويها، بل طلبوا ان يشاركهم فيما تدره عليه من مال.
- «تتايعوا علي تتايع الدبر على مشتار العسل» : تهافتوا عليه مثل جماعة النحل على العسل.
- أناسية: جمع انسي او اناس.
يبدو لي ان قصّة الكتاب العشرة الذين دخلوا على الجاحظ مقحمة على كتاب الجاحظ. كما ان كثيرا مما ورد في هذا الكتاب قد أضيف عليه.
(1/394)

18- رسالة الى ابي الفرج
(1/395)

[1- المدخل التقليدي]
جعلت فداك، وأطال الله بقاك، وأعزّك وأكرمك، وأتمّ نعمته عليك وأيدك.
[2- اسماء من كني بابي عثمان]
قد نسخت لك- أعزّ الله- في صدر هذا الكتاب قصيدة قيلت في أبي الفرج أدام الله عزّه، ذكروا أن قائلها رجل يكنى أبا عثمان، ولا أدري أهو أبو عثمان هشام بن المغيرة، أم أبو عثمان عفّان بن أبي العاص.
ولا أدري أهو أبو عثمان عنبسة بن أبي سفيان، أم أبو عثمان سعيد ابن عثمان، ولا أدري أهو أبو عثمان النّهدي عبد الرحمن بن ملّ، أم أبو عثمان ربيعة الرأي بن أبي عبد الرحمن.
ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن خالد بن أسيد، أم أبو عثمان إسحاق إبن الأشعث بن قيس.
(1/397)

ولا أدري أهو أبو عثمان المنذر بن الزّبير بن العوّام، أم أبو عثمان عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك.
ولا أدري أهو أبو عثمان عبد الله بن خالد بن أسيد، أم أبو عثمان أبو العاص بن [بشر بن] عبد دهمان، وهو اسمه.
ولا أدري أهو أبو عثمان عبد الله بن عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، أم أبو عثمان عبد الله بن عامر بن كريز.
ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن أسعد بن إمام المسجد الجامع الأعظم، أم أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب.
ولا أدري أهو أبو عثمان فيروز حصين العنبريّ، أم أبو عثمان بن عمر إبن أبي عثمان الشّمّريّ.
ولا أدري أهو أبو عثمان خالد بن الحارث بن سليمان الهجيميّ، أم أبو عثمان أبو العاص بن عبد الوهاب الثقفيّ.
ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن وهب الشاعر، أم أبو عثمان عمرو الأعور الخاركي.
ولا أدري أهو أبو عثمان الحكم بن صخر الثّقفي، أم أبو عثمان عمرو إبن بكر المازنيّ.
ولا أدري أهو أبو عثمان الأعور النحويّ، أم أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ.
والذي لا أشك فيه أنّه لم يقرضها أبو عثمان عمرو بن حزرة، ولا أبو عثمان عمرو المخلخل، ولا أبو عثمان إبراهيم بن يزيد المتطبّب، ولا أبو عثمان سعيد بن حيان البزاز.
(1/398)

وقد بلغني عن أبي عثمان هذا المجهول موضعه، المغمور نسبه، أنه قال: ما راكب الأسد الأسود، والبحر الأخضر، والمصبور على السّيف الحسام، بأحقّ بجهد البلاء وشماتة الأعداء، ممّن تعرّض للمتصفّحين، وتحكّك بالعيّابين، وحكّم في عرض الحسدة المغتابين.
فإن سلم فبحسن النيّة، ولأنه مدح كريما، ووصف حليما. والكريم صفوح، والحليم متغافل. وإن ابتلي فبذنب، وما عفا الله عنه أكبر.
وقال: اللهمّ اجعل هذا القول حسنا في عينه، خفيفا على سمعه، وألهمه حسن الظنّ به، وبسط العذر له، إنّك سميع الدعاء، رحيم بالضعفاء.
[3- وصف جال الجاحظ]
والقصيدة هي قوله:
أقام بدار الخفض راض بحظّه ... وذو الحرص بسري حين لا أحد يسري
يظنّ الرّضا بالقسم شيئا مهوّنا ... ودون الرضا كأس أمرّ من الصّبر
جزعت فلم أعتب فلو كنت ذا حجا ... لقنّعت نفسي بالقليل من الوفر
أظنّ غبيّ القوم أرغد عيشة ... وأجذل في حال اليسارة والعسر
تمرّ به الأحداث ترعد مرّة ... وتبرق أخرى بالخطوب وما يدري
سواء على الأيام صاحب حنكة ... وآخر كاب لا يريش ولا يبري
فلو شاء ربّي لم أكن ذا حفيظة ... طلوبا لغايات المكارم والفخر
خضعت لبعض القوم أرجو نواله ... وقد كنت لا أعطي الدنيّة بالقسر
فلمّا رأيت المرء يبذل بشره ... ويجعل حسن البشر واقية التّبر
ربعت على ظلعي وراجعت منزلي ... فصرت حليفا للدراسة والفكر
وشاورت إخواني فقال حكيمهم ... عليك الفتى المرّيّ ذا الخلق الغمر
(1/399)

فتى لم يقف في الدهر موقف ظنّة ... فيحتاج فيه للتّنصّل والعذر
[4- الجاحظ يطلب إجراء الرزق عليه]
أعيذك بالرحمن من قول شامت ... أبو الفرج المأمول يزهد في عمرو
ولو كان فيه راغبا لرأيته ... كما كان دهرا في الرّخاء وفي اليسر
أترضى- فدتك اليوم نفسي وأسرتي- ... بتأخير أرزاقي وأنت تلي أمري
[5- مدح ابي الفرج]
ألا يا فتى الكتّاب والعسكر الذي ... تأزّر بالحسنى وأيّد بالنّصر
أخاف عليك العين أو نفس وامق ... وذو الودّ منخوب الفؤاد من الذّعر
وعهدي به والله يرشد أمره ... ويحفظه في القاطنين وفي السّفر
مطلّا على التدبير ما يستفزّه ... مكايد محتال عقاربه تسري
برأي يزيل الطّود من مستقرّه ... وأوضح عند الخصم من وضح الفجر
وعزم كغرب المشرفيّ مصمّم ... وقلب ربيط الجأش منثلج الصدر
فيا ابن نجاح أنجح الله سعيكم ... وأيّدكم بالنّصر والعدد الدّثر
قعدت فلم أطلب وجلت فلم أصب ... خليلا يواسيني ويرغب في شكري
وإن أخفقت كفّي وقد علقتكم ... فقد قال رأيي واستنمت إلى شعري
أعيذك بالرحمن أن تشمت العدى ... فللفقر خير من شماتة ذي الغمر
فإن ترع ودّي بالقبول فأهله ... ولا يعرف الأقدار غير ذوي القدر
وحسبك بي إن شئت ودّا وخلّة ... وحسبك بي يوم النّزاهة والصّبر
ألا ربّ شكر داثر الرسم دارس ... وشكر كنقش الحميريّة في الصّخر
[6- الاعتذار عن التقصير في المديح]
قال أبو عثمان المجهول: إذا كان الممدوح ظاهر المحاسن كثير المناقب
(1/400)

فلم يجد الشاعر [إن] كان ألوم.
ونعوذ بالله أن يكون فيكم ما يستدعي الألفاظ الشريفة والمعاني النفيسة، ويكون التقصير منّي.
وكيفما تصرّفت بي الحال فإنّي لم أخرج من جهد المجتهدين الراغبين المخلصين. فإن وقعت هذه القصيدة والتي قدّمنا قبلها بالموافقة فالحمد لله.
وإن خالفت فنستغفر الله. وإن شيّعتم ضعفها بقوّة كرمكم، وقوّمتم أودها بفضل حلمكم، كان في ذلك بلاغ لما أمّلنا. والله الموفّق.
تمت الرسالة بعون الله وتوفيقه، والله الموفّق للصواب برحمته والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله الطيبين الطاهرين وسلامه.
(1/401)

18- هامش رسالة الى ابي الفرج
(1) هذه قصيدة يمدح فيها الجاحظ ابا الفرج بن نجاح الكاتب. ولكنه قدم لها بمقدمة تقليدية «جعلت فداك، واطال الله بقاك الخ..» .
(2) لائحة بالذين يحملون كنية ابي عثمان تدل على ثقافة الجاحظ الواسعة المحيطة بالأدب والانساب والاخبار والكلام. ولن نعرف باصحابها ونحيل القارىء الى كتاب جمهره انساب العرب وغيره.
(3) مطلع القصيدة يذكرنا بقصيدة الحطيئة: وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل البيتان السابع والثامن نجد معناهما تقريبا عند المتنبي في تعبيره عن طموحه وخيبة امله في الممدوحين.
(4) لم يفصح الجاحظ عن ارزاقه التي أخرت عنه من قبل ذوي الأمر. وربما كانت الدولة تدفع له راتبا ايام عز المعتزلة وسيطرتهم على زمام السلطة. فلما دالت دولتهم منذ عهد المتوكل قطعت عنه.
(5) مديح أبي الفرج: تجد المعاني ذاتها التي اضفاها على الممدوح في رسالتي استنجاز الوعد، والمودة والخلطة.
(6) عودة الى النثر يدل على غلبة الأدب عنده على الشعر. ومن ثم ندر شعره ولم يصلنا منه سوى النزر القليل بينما غزر النثر فبلغ مئات الكتب. وربما دلنا ذلك على خوف الجاحظ من الافصاح عن نسبة القصيدة اليه.
(1/403)

[19- رسالة المودة والخلطة]
(- 19- المودة والخلطة)
(1/405)

[1- المديح الخادع ليس من بضاعة الجاحظ]
فصل منه: أطال الله بقاءك، وأعزّك وأكرمك، وأتمّ نعمته عليك.
زعم- أبقاك الله- كثير ممّن يقرض الشّعر ويروي معانيه، ويتكلّف الأدب ويجتبيه، أنّه قد يمدح المرجوّ المأمول، والمغشىّ المزور بأن يكون مخدوعا، وعمي الطّرف مغفّلا، وسليم الصّدر للراغبين وحسن الظّنّ بالطالبين، قليل الفطنة لأبواب الاعتذار، عاجزا عن التخلّص إلى معاني الاعتلال، قليل الحذق بردّ الشّفعاء، شديد الخوف من مياسم الشّعراء، حصرا عند الاحتجاج للمنع، سلس القياد إذا نبّهته للبذل، واحتجّوا بقول الشاعر:
ايت الخليفة فاخدعه بمسألة ... إنّ الخليفة للسّؤّال ينخدع
فانتحال المأمول للغفلة التي تعتري الكرام، وانخداع الجواد لخدع الطالبين ومخاريق المستميحين، باب من التكرّم، ومن استدعاء الرّاغب، والتعرّض للمجتدى، والتلطّف لاستخراج الأموال، والاحتيال لحلّ عقد الأشحّاء، وتهييج طبائع الكرام.
وأنا أزعم- أبقاك الله- أنّ إقرار المسؤول بما ينحل من ذلك نوك،
(1/407)

وإضماره لؤم، حتّى تصحّ القسمة، ويعتدل الوزن.
وأنا أعوذ بالله من تذكير يناسب الاقتضاء، ومن اقتضاء يضارع الإلحاح.
ومن حرص يعود إلى الحرمان، ومن رسالة ظاهرها زهد، وباطنها رغبة. فإنّ أسقط الكلام وأوغده، وأبعده من السّعادة وأنكده، ما أظهر النّزاهة وأضمر الحرص، وتجلّى للعيون بعين القناعة، واستشعر ذلّة الافتقار.
وأشنع من ذلك، وأقبح منه وأفحش، أن يظنّ صاحبه أنّ معناه خفيّ وهو ظاهر، وتأويله بعيد الغور وهو قريب القعر.
فنسأل الله تعالى السّلامة فإنّها أصل النّعمة عليكم، ونحمده على اتّصال نعمتنا بنعمتكم، وما ألهمنا الله من وصف محاسنكم.
والحمد لله الذي جعل الحمد مستفتح كتابه، وآخر دعوى أهل جنّته.
ولو أنّ رجلا اجتهد في عبادة ربّه، واستفرغ مجهوده في طاعة سيّده، ليهب له الإخلاص في الدّعاء لمن أنعم عليه، وأحسن إليه، لكان حريّا بذلك أن يدرك أقصى غاية الكرم في العاجل، وأرفع درجات الكرامة في الآجل.
[2- واجبات المداح والممدوح]
وعلى أنّي لا أعرف معنى أجمع لخصال الشّكر، ولا أذلّ على جماع الفضل، من سخاوة النّفس بأداء الواجب.
ونحن وإن لم نكن أعطينا الإخلاص جميع حقّه، فإنّ المرء مع من أحبّ، وله ما احتسب.
ولا أعلم شيئا أزيد في السّيّئة من استصغارها، ولا أحبط للحسنة من العجب بها.
(1/408)

ومما يستديم الخطأ لبث التّقصير وإهمال النّفس، وترك التوقّف، وقلّة المحاسبة، وبعد العهد بالتثبّت. ومهما رجعنا إليه من ضعف في عزم، وهان علينا ما نفقد من مناقل الحلم، فإنّا لا نجمع بين التّقصير والإنكار.
ونعوذ بالله أن نقصّر في ثناء على محسن، أو دعاء لمنعم. ولئن اعتذرنا لأنفسنا بصدق المودّة- وبجميل الذّكر، فلما يعدّ لكم، من تحقّق الآمال، والنّهوض بالأثقال أكثر.
على أنّكم لم تحملونا إلّا الخفّ، وقد حمّلناكم الثّقل. ولم تسألونا الجزاء على إحسانكم، وقد سألناكم الجزاء على ما سألناكم. ولم تكلّفونا ما يجب لكم، وكلّفناكم ما لا يجب.
ومن إفراط الجهل أن نتذكّر حقّنا في حسن الظّنّ، ولا نتذكّر حقّكم في تصديق ذلك الظّنّ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما عظمت نعمة الله على أحد إلّا عظمت عليه مؤونة النّاس» .
وأنا أسأل الله الذي ألزمكم المؤن الثّقال، ووصل بكم آمال الرّجال، وامتحنكم بالصّبر على تجرّع المرار، وكلّفكم مفارقة المحبوب من الأموال، أن يسهّلها عليكم، ويحبّبها إليكم، حتّى يكون شغفكم بالإحسان الداعي.
إليه، وصبابتكم بالمعروف الحامل عليه، وحتّى يكون حبّ التفضّل والمحبّة لاعتقاد المنن الغاية التي تستدعي المدبّر، والنهاية التي تعذر المقصّر، وحتى تكرهوا الى الخير من أخطأ حظّه، وتفتحوا باب الطّلب لمن قصّر به العجز.
ثم اعلم- أصلحك الله- أنّ الذي وجد في العبرة، وجرت عليه التّجرية، واتّسق به النظم، وقام عليه وزن الحكم، واطّرد منه النّسق، وأثبته الفحص، وشهدت له العقول، أنّ من أوّل أسباب الخلطة، والدّواعي إلى المحبّة، ما يوجد الى بعض النّاس من القبول عند أوّل وهلة وقلّة انقباض
(1/409)

النّفوس مع أوّل لحظة، ثم اتّفاق الأسباب التي تقع بالموافقة عند أوّل المجالسة، وتلاقي النّفوس بالمشاكلة عند أوّل الخلطة.
[3- أصول المديح والطلب]
والأدب أدبان: أدب خلق، وأدب رواية ولا تكمل أمور صاحب الأدب إلّا بهما، ولا يجتمع له أسباب التّمام إلّا من أجلهما، ولا يعدّ في الرّؤساء، ولا يثنى به الخنصر في الأدباء، حتّى يكون عقله المتأمّر عليهما، والسائس لهما.
فصل منه: فإن تمّت بعد ذلك أسباب الملاقاة تمت المصافاة، وحنّ الإلف إلى سكنه. والشّأن قبل ذلك لما يسبق إلى القلب، ويخفّ على النّفس، ولذلك احترس الحازم المستعدى عليه من السّابق إلى قلب الحاكم عليه.
وكذلك التمسوا الرّفق والتّوفيق، والإيجاز وحسن الاختصار، وانخفاض الصّوت، وأن يخرج الظّالم كلامه مخرج لفظ المظلوم:
نعم، وحتّى يترك اللّحن بحجّته بعد، ويخلّف الدّاهية كثيرا من أدبه، ويغضّ من محاسن منطقه، التماسا لمواساة خصمه في ضعف الحيلة، والتشبّه به في قلّة الفطنة.
نعم، وحتّى يكتب كتاب سعاية ومحل وإغراق وتحدّ، فيلحن في إعرابه، ويستخف في ألفاظه، ويتجنّب القصد، ويهرب من اللّفظ المعجب ليخفي مكان حذقه، ويستر موضع رفقه، حتّى لا يحترس منه الخصم، ولا يتحفّظ منه صاحب الحكم، بعد أن لا يضرّ بعين معناه، ولا يقصّر في الإفصاح عن تفسير مغزاه، وهذا هو الموضع الذي يكون العيّ فيه أبين، وذو
(1/410)

الغباوة أفطن، والرديّ أجود، والأنوك أحزم، والمضيّع أحكم. إذ كان غرضه الذي إيّاه يرمي، وغايته التي إليها يجري، الانتفاع بالمعنى المتخيّر دون المباهاة باللّفظ، وإنّما كان غايته إيصال المعنى إلى القلب دون نصيب السّمع من اللفظ المونق أو المعنى المتخيّر، بل ربّما لم يرض باللّفظ السّليم حتّى يسقمه ليقع العجز موقع القوّة، ويعرض العيّ في محلّ البلاغة. إذا كان حقّ ذلك المكان اللّفظ الدّون، والمعنى الغفل.
هذا إذا كان صاحب القصّة ومؤلّف لفظ المحل والسّعاية، ممّن يتصرّف قلمه، ويعلّل لسانه، ويلتزق في مذاهبه، ويكون في سعة وحلّ لأن يحطّ نفسه إلى طبقة الذّلّ وهو عزيز، ومحلّ العيّ وهو بليغ، ويتحوّل في هيئة المظلوم وهو ظالم، ويمكنه تصوير الباطل في صورة الحقّ، وستر العيوب بزخرف القول، وإذا شاء طفا، وإذا شاء رسب، وإذا شاء أخرجه غفلا صحيحا.
وما أكثر من لا يحسن إلّا الجيّد، فإن طلب الردىّ جاوزه. كما أنّه ما أكثر من لا يستطيع إلا الردىّ، فإن طلب الجيّد قصّر عنه.
وليس كلّ بليغ يكون بذلك الطّباع، وميسّر الأداة وموسّعا عليه في تصريف اللّسان، وممنونا عليه في تحويل القلم.
وما أكثر من البصراء من يحكي العميان، ويحوّل لسانه إلى صورة لفظ الفأفاء بما لا يبلغه الفأفاء ولا يحسنه التّمتام. وقد نجد من هو أبسط لسانا وأبلغ قلما، لا يستطيع مجاوزة ما يشركه، والخروج مما قصّر عنه.
فصل منه: ولولا الحدود المحصّلة والأقسام المعدّلة، لكانت الأمور سدى، والتّدابير مهملة، ولكانت عورة الحكيم بادية، ولاختلطت السافلة بالعالية.
(1/411)

[4- لا خير في صاحب لا يساعد صاحبه اذا خلصت المودة]
وأنا أقول بعد هذا كلّه: لو لم أضمر لكم محبّة قديمة، ولم أضر بكم بشفيع من المشاكلة، ولا سبب الأديب إلى الأديب، ولم يكن عليّ قبول، ولا عليّ حلاوة عند المحصول، ولم أكن إلّا رجلا من عرض المعارف، ومن جمهور الأتباع- لكان في إحسانكم إلينا، وإنعامكم علينا، دليل على أنا قد أخلصنا المحبّة، وأصفينا لكم المودّة.
وإذا عرفتم ذلك بالدليل النّيّر الذي أنتم سببه، والبرهان الواضح الذي إليكم مرجعه، لم يكن لنا عند الناس إلّا توقّع ثمرة الحبّ، ونتيجة جميل الرّأي، وانتظار ما عليه مجازاة القلوب.
وبقدر الإنعام تجود النّفوس بالمودّة، وبقدر المودّة تنطلق الألسن بالمدحة.
وهذه الوسيلة أكثر الوسائل وأقواها في نفسي: أنّي لم أصل بي بمحّرم غمر ولا بمبخّل غفل، ولا بضيّق العطن حديث الغنى ولا بزمر المروّة مستنبط الثّرى، بل وصلته بحمّال أثقال ومقارع أبطال، وبمن ولد في اليسر وربي فيه، وجرى منه على عرق ونزع إليه.
فصل منه: ولا خير في سمين لا يحتمل هزال أخيه، وصحيح لا يجبر كسر صاحبه.
فصل منه: وقد تنقسم المودّة إلى ثلاث منازل:
منها: ما يكون على اهتزاز الأريحيّة وطبع الحرّيّة.
ومنها: ما يكون على قدر فرط وسائل الفاقة.
(1/412)

ومنها: ما يحسن موقعه على قدر طباع الحرص وجشع النّفس.
فأرفعها منازل حبّ المشغوف شكر النّعمة. وهو الذي يدوم شكره، ويبقى على الأيام ودّه. والثاني هو الذي إنّما اشتدّ حبّه على قدر موضع المال من قلب الحريص الجشع، واللّئيم الطّمع. فهذا الذي لا يشكر، وإن شكر لم يشكر إلّا ليستزيد، ولم يمدح إلّا ليستمدّ. وعلى أنّه لا يأتي الحمد إلّا زحفا، ولا يفعله إلّا تكلّفا.
وأنا أسأل الله الذي قسم له أفضل الحظوظ في الإنعام، أن يقسم لنا أفضل الحظوظ في الشّكر. وما غاية قولنا هذا ومدار أمرنا إلّا على طاعة توجب الدّعاء، وحرّيّة توجب الثّناء، شاكرين كنّا أو منعمين، وراجين كنّا أو مرجويّن.
ومن صرف الله حاجته إلى الكرام، وعدل به عن اللّئام فلا يعدّنّ نفسه في الرّاغبين ولا في الطّالبين المؤمّلين، لأنّ من لم يجرع مرارة المطال، ولم يمدّ للرّحيل التّسويف، ويقطع عنقه بطول الانتظار، ويحمل مكروه ذلّ السؤال، ويحمل على طمع يحثّه يأس، كان خارجا من حدود المؤمّلين.
ومن استولى على طمعه الثّقة بالإنجاز، وعلى طلبته اليقين بسرعة الظّفر، وعلى ظفره الجزيل من الإفضال، وعلى إفضاله العلم بقلّة التثريب، وبالسّلامة من التّنغيص بالتماس الشكر، وبالبكور وبالرّواح وبالخضوع إذا دخل، والاستكانة إذا جلس. ثم مع ذلك لم يكن ما أنعم به عليه ثوابا لسالف يد، ولا تعويضا من كدّ، كانت النعمة محضة خالصة، ومهذّبة صافية، وهي نعمتكم التي ابتدأتمونا بها.
ولا تكون النّعمة سابغة ولا الأيدي شاملة، ولا السّتر كثيفا ذيّالا، وكثير العرض مطبقا، ودون الفقر حاجزا، وعلى الغنى ملتحفا، حتّى يخرج من عندكم، ثم يحتسب إلى شاكر حرّ.
(1/413)

[5- مزايا ابي الفرج]
فصل منها: وأنتم قوم تقدّمتم بابتناء المكارم في حال المهلة، وأخذتم لأنفسكم فيها بالثّقة على مقادير ما مكّنتم الأواخيّ، ومددتم الأطناب، وثبتتم القواعد. ولذلك قال الأوّل:
عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسوّد من يسود
وأبو الفرج- أعزّه الله- فتى العسكرين، وأديب المصرين. جمع أريحيّة الشباب، ونجابة الكهول، ومحبّة السّادة، وبهاء القادة وأخلاق الأدباء، ورشاقة عقول الكتّاب والتّغلغل إلى دقائق الصّواب، والحلاوة في الصّدور، والمهابة في العيون، والتقدّم في الصّناعة، والسّبق عند المحاورة، شقيق أبيه وشبه جدّه، حذو النّعل بالنّعل، والقذّة بالقذّة لم يتأخّر عنهما إلّا فيما لا يجوز أن يتقدّمهما فيه، ولم يقصّر عن شأوهما إلّا بقدر ما قصّرا عن سنخهما وهم وإن قصّروا عن مدى آبائهم، وعن غايات أوائلهم، فلم يقصّروا عن جلّة الرّؤساء، وأهل السّوابق من الكبراء، ولست ترى تاليهم إلّا سابقا، ومصلّيهم إلّا للغاية مجاوزا. ليس فيهم سكّيت ولا مبهور ولا منقطع، قد نقّحت أعراقهم من الإقراف والهجنة، ومن الشّوب ولؤم العجمة.
ومتى عاينت أبا الفرج وكماله، ورأيت ديباجته وجماله، علمت أنّه لم يكن في ضرائبهم وقديم نجلهم، خارجيّ النّسب، ولا مجهول المركّب، ولا بهيم مصمت، ولا كثير الأوضاح مغرب، بل لا ترى إلّا كلّ أغرّ محجّل، وكل ضخم المحزم هيكل.
إنّي لست أخبر عن الموتى ولا استشهد الغيب، ولا أستدلّ بالمختلف فيه ولا الغامض الذي تعظم المؤونة في تعرّفه، والشّاهد لقولي يلوح في
(1/414)

وجوههم، والبرهان على دعواي ظاهر في شمائلهم، والأخبار مستفيضة، والشّهود متعاونة.
وأنت حين ترى عتق تلك الدّيباجة، ورونق ذلك المنظر، علمت أنّ التالد هو قياد هذا الطّارف.
أمّا أنا فلم أر لأبي الفرج- أدام الله كرامته- ذامّا ولا شانئا ولا عائبا ولا هاجيا، بل لم أجد مادحا قطّ إلّا ومن سمع تسابق إلى تلك المعاني، ولا رأيت واصفا له قطّ إلّا وكلّ من حضر يهشّ له ويرتاح لقوله. قال الطّرمّاح:
هل المجد إلّا السّودد العود والنّدى ... ورأب الثّأى والصّبر عند المواطن
ولكن هل المجد إلّا كرم الأرومة والحسب وبعد الهمّة، وكثرة الأدب، والثّبات على العهد إذا زلّت الأقدام، وتوكيد العقد إذا انحلّت معاقد الكرام، وإلّا التّواضع عند حدوث النّعمة، واحتمال كلّ العثرة، والنّفاذ في الكتابة، والإشراف على الصّناعة.
والكتاب هو القطب الذي عليه مدار علم ما في العالم وآداب الملوك، وتلخيص الألفاظ، والغوص على المعاني السّداد، والتخلّص الى إظهار ما في الضّمائر بأسهل القول، والتمييز بين الحجّة والشّبهة وبين المفرد والمشترك، وبين المقصور والمبسوط، وبين ما يحتمل التأويل ممّا لا يحتمله، وبين السّليم والمعتلّ.
فبارك الله لهم فيما أعطاهم ورزقهم الشّكر على ما خوّلهم، وجعل ذلك موصولا بالسّلامة، وبما خطّ لهم من السّعادة، إنّه سميع قريب، فعّال لما يريد.
(1/415)

19- هامش رسالة في المودة والخلطة
. (1) يتكلف الادب ويجتبيه: يتصنعه ويحصله.
- الاعتلال: بيان العلة او السبب.
- مياسم الشعراء: هجاؤهم اللاسع. والميسم هو المكواة في الاصل.
- النوك: الحمق.
(2) مناقل الحلم: مراحله.
- لاحظ جهره بالسؤال.
(3) الادب أدبان: أدب خلق وادب رواية. ورد هذا القول في رسالة المعلمين.
للادب معنيان: المعنى الخلقي والمعنى الفني.
- اللحن: الخطأ في حركات الالفاظ النحوية.
- القصة: الخبر والقضية.
- الجاحظ يردد هنا مفهوم البلاغة الذي اعتمده في اماكن عدة من كتبه:
الحيوان، البيان والتبين، رسالة المعلمين الخ.
(4) المحرم الغمر: البدوي الذي لم يخالط الحضر.
- ثمرة الحب: هي العطاء.
- أقسام المودة: انواعها او البواعث اليها وهي ثلاثة: الاريحية او الحرية، والفاقة، الجشع. تقسيم يدل على قدرة الجاحظ على التحليل النفسي.
(5) الاواخي جمع أخية: طنب البيت.
- الأول، يراد به الشاعر انس بن مدركة الخثعمي، انظر الحيوان ج 1، ص 81.
(1/417)

- العسكرين: يريد بهما باب البصرة الذي بناه المنصور في بغداد، والرصافة الواقعة في الجانب الشرقي منها.
- المصران: الكوفة والبصرة.
- الهجنة والعجمة: الهجين هو الذي يكون والده عربيا وامه اعجمية.
والعجمة: الاصل الاعجمي.
- خارجي النسب: لا يعني نسبته الى الخوارج بل الاصل الاعجمي الغريب الخارج عن العروبة.
- أغر محجل: فيه بقع بيضاء على رأسه (أغر) وعلى قوائمه (محجل) .
- المخرم، هيكل: الجواد الضخم.
- الشانىء: المبغض.
(1/418)

[20- رسالة استنجاز الوعد]
(- 20- استنجاز الوعد)
(1/419)

[1- الجاحظ يسأل ويمدح]
: فصل منه: قد شاع الخبر وسار المثل بقولهم: «اطلبوا الحاجات من حسان الوجوه» .
فإن كان الوجه إنّما وقع على الوجه الذي فيه النّاظر والسامع، والشّامّ والذّائق، إذا كان حسنا جميلا، وعتيقا بهيّا، فوجهك الذي لا يخيل على أحد كماله، لا يخطيء حواله.
وإن كان ذكر الوجه: إنّما يقع على حسن وجه المطلب وجماله على جهة الرّغبة، وإن كان ذلك على طريق المثل، وعلى سبيل اللفظ المشتقّ من اللفظ، والفرع المأخوذ من الأصل، فوجه المطلب إليك أفضل الوجوه وأسناها، وأصونها وأرضاها. وهو المنهج الفسيح والمتجر الرّبيح، وجمياله ظاهر، ونفعه حاضر، وخيره غامر، إلّا أنّ الله تعالى قرنه مع ذلك باليمن، وسهّله باليسر، وحبّبه بالبشر الحسن، ودعا إليه بلين الخطاب، وأظهر في أسمائكم وأسماء آبائكم وفي كناكم وكنى إخوانكم، من برهان الفأل الحسن ونفى الطيرة السيّئة ما جمع لكم به صنوف الأمل، وصرف إليكم وجوه
(1/421)

المطالب، فاجتمع فيكم تمام القوام وبراعة الجمال، والبشر عند اللّقاء، ولين الخطاب والكنف للخلطاء، وقلّة البذخ بالمرتبة الرّفيعة، والزّيادة في الإنصاف عند النعمة الحادثة. فجعل النّاس وعدكم من أكرم الوعد، وعقدكم من أوثق العقد، وإطماعكم من أصحّ الإنجاز. وعلموا أنّكم تؤيسون في مواضع اليأس، وتطمعون في مواضع الضّمان، وأنّ الأمور عندكم موزونة معدّلة، والأسباب مقدّرة محصّلة.
هذا مع الصّولة والتّصميم في موضع التّصميم.
والتقية أحزم، والصّفح إذا كان الصفح أكرم، والرّحمة لمن استرحم، والعقاب لمن صمّم.
ثم المعرفة بفرق ما بين اعتزام الغمر واعتزام المستبصر، وفصل ما بين اعتزام الشجاع والبطل، وبين إقدام الجاهل المتهوّر.
وقد علم الناس بما شاهدوه منكم، وعاينوه من تدبير، وعرفوه من تصرّف حالاتكم، أنّي لم أتزيّد لكم، ولم أتكلّف فيكم ما ليس عندكم.
وخير المديح ما وافق جمال الممدوح، وأصدق الصّفات ما شاكل مذهب الموصوف، وشهد له أهل العيان الظّاهر، والخبر المتظاهر. ومتى خالف هذه القضيّة وجانب الحقيقة، ضارّ المادح ولم ينفع الممدوح.
هذا إلى الثّبات على العهد، وإحكام العقد، مع الوفاء العجيب، والرّأي المصيب، وتمام ذلك وكماله، وسناء ذلك وبهائه، وكثرة الشّهود لكم، وإجماع النّاس على ذلك فيكم.
[2- ذم المديح الكاذب]
ومن قبل لنفسه مديحا لا يعرف [به] كان كمادح نفسه. ومن أثاب
(1/422)

الكذّابين على كذبهم كان شريكهم في إثمهم، وشقيقهم في سخفهم، بل كان المحتقب لكبره، المحتمل لوزره، إذ كان المثيب عليه والداعي إليه.
معاذ الله أن نقول إلّا معروفا غير مجهول، ونصف إلّا صحيحا غير مدخول، أو نكون ممن يتودّد بالملق، ويتقحّم على أهل الأقدار شرها إلى مال، أو حرصا على تقريب. وأبعد الله الحرص وأخزى الشّره والطّمع! فإن شكّ شاكّ أو توقّف مرتاب فليعترض العامّة. وليتصفّح ما عند الخاصّة حتّى يتبيّن الصّبح.
[3- الممدوح يجمع الطارف والتليد]
وقالوا في تأديب الولاة وتقديم تدبير الكفاة: «إذا أبردتم البريد فاجعلوه حسن الوجه، حسن الاسم» . فكيف إذا قارن حسن الوجه وحسن الاسم كرم الضّريبة، وشرف العرق.
وأعيان الأعراق الكريمة، والأخلاق الشريفة، إذا استجمعت هذا الاستجماع، وإقترنت هذا الاقتران، كان أتمّ للنّعمة، وأبرع للفضيلة وكانت الوسيلة إليها أسهل، والمأخذ نحوها أقرب، والأسباب أمتن.
فإذا انتظمت في هذا السّلك، وجمعها هذا النّظم، كان الذي يبرد البريد أولى بها من البريد، وكان مقوّم البلاد أحقّ بها من حاشيته الكفاة، إذ التأميل لا يجمع أوجه الصّواب، ولا يحصي مخارج الأسباب، ولا يظهر برهانه ويقوى سلطانه، حتّى يصيب المعدن. ولن يكون موضع الرّغبة معدنا إلّا بعد اشتماله على ترادف خصال الشّرف وبعد أن يتوافى إليه معاني الكرم بالأعراق الكريمة، والعادات الحسنة، على حادث يشهد لمتقادم، وطارف يدلّ على تالد.
(1/423)

فإذا كان الأمل يخبر بالحسب فالحسب ثاقب، والمجد راسخ. وإن كان الشّأن في صناعة الكلام وفي القدم والرّياسة، وفي خلف يأثره عن سلف، وآخر يلقاه عن أوّل، فلكم ما لا يذهب عنه جاحد، ولا يستطيع جحده معاند.
فصل منه: وأسماؤكم وكناكم بين فرج ونجح، وبين سلامة وفضل، ووجوهكم وفق أسمائكم، وأخلاقكم وفق أعراقكم، لم يضرب التفاوت فيكم بنصيب.
وبعد هذا فإنّي أستغفر الله من تفريطي في حقوقكم، وأستوهبه طول رقدتي عما فرضته لكم.
ولا ضير إن كان هذا الذي قلنا على إخلاص وصحّة عهد، وعلى صدق سيرة وثبات عقد. ينبو السّيف وهو حسام، ويكبو الطّرف وهو جواد، وينسى الذّكور، ويغفل الفطن.
ونعوذ بالله تعالى من العمى بعد البصيرة، والحيرة بعد لزوم الجادّة.
[4- والد الممدوح يشبهه]
كان أبو الفضل- أعزّه الله- على ما قد بلغك من التبرّع بالوعد وسرعة الإنجاز وتمام الضّمان وعلى الله تمام النّعمة والعافية.
وكان- أيدّه الله- في حاجتي، كما وصف زيد الخيل نفسه حين يقول:
وموعدتي حقّ كأن قد فعلتها ... متى ما أعد شيئا فإني لغارم
وتقول العرب: «من أشبه أباه فما ظلم» ، تقول: لم يضع الشّبه إلّا في موضعه، لأنّه لا شاهد أصدق على غيب نسبه وخفيّ نجله من الشّبه
(1/424)

القائم فيه، الظّاهر عليه.
وقد تقيّلت- أبقاك الله- شيخك: خلقه وخلقه، وفعله وعزمه، وعزّ الشّهامة، والنّفس التّامّة.
ومرجع الأفعال إلى الطبائع، ومدار الطبائع على جودة اليقين وقوّة المنّة، وبهما تتمّ العزيمة، وتنفذ البصيرة.
هذا مع ما قسم الله لك من المحبّة ومنحك من المقة، وسلّمك عنه من المذمّة.
والله لو لم يكن فيكم من خصال الحريّة وخلال النّفوس الأبيّة إلّا أنّكم لا تدينون بالنّفاق، ولا تعدون الكذب ولا تستعملون المواربة في موضع الاستقامة، وحيث تجب الثّقة.
ولا يكون حظّ الأحرار بالمواعيد صرفا ولا تتّكلون على ملالة الطالب، ولا عجز الرّاغب، إذا استنفدت أيّامه، وعجزت نفقته، وماتت أسبابه، بل تعجّلون لهم الرّاحة عند تعذّر الأمور إليكم بالإياس، وتحقّقون أطماعهم عند إمكان الأمور لكم بالإنجاح.
[5- الممدوح لا يستحق الشكر الا اذا انعم وانجز ما وعد]
فصل منه: وإنّك والله- أيّها الكريم المأمول، والمستعطب المسؤول- لا تزرع المحبّة إلّا وتحصد الشّكر، ولا تكثر المودّات إلّا إذا أكثر النّاس الأموال، ولا يشبع لك طيب الأحدوثة وجمال الحال في العشيرة، إلّا لتجرّع مرار المكروه. ولن تنهض بأعباء المكارم التي توجبها النّعمة وتفرضها المرتبة حتّى تستشعر التفكّر في التّخلّص إلى إغنائهم، والقيام بحسن ظنّهم، وحتّى ترحمهم من طول الانتظار، وترقّ عليهم من موت الأمل وإحياء القنوط،
(1/425)

وحتى تتغلغل ذلك بالحيل اللّطيفة، والعناية الشّديدة الشريفة، وحتى تتوخّى السّاعات وتنتهز الفرص في الحالات، وتتخيّر من الألفاظ أرقّها مسلكا وأحسنها قبولا، وأجودها وقوعا.
(1/426)

20- هامش استنجاز الوعد
. (1) حواله: طالبه.
- «واظهر في اسمائكم واسماء آبائكم وفي كناكم وكنى اخوانكم من برهان الفأل الحسن ونفي الطيرة السيئة ما جمع لكم فيه صنوف الأمل» . يشير الجاحظ الى اسماء عائلة الممدوح التي تدل على اليمن: نجاح، سلمة، ابو الفرج، ابو الفضل (لقب والده) الخ.. وهذا ما اوضحه بعد قليل بقوله: «واسماؤكم وكناكم بين فرج ونجح، وبين سلامة وفضل.. الخ» .
(2) المحتقب لكبره: الجامع والحامل ومنها الحقيبة.
(3) الطارف والتليد: الحديث والقديم.
(4) «من اشبه اباه فما ظلم، مثل يضرب في شدة الشبه بين الأب والابن. راجع مجمع الامثال للميداني.
- الحرية: ضد العبودية- كرم الأصل.
- خلال: جمع خلة: الصفة.
(5) الاحدوثة: السيرة.
- التخلص الى اغنائهم: سد حاجتهم.
(1/427)

[21- رسالة التربيع والتدوير]
(- 21- كتاب التربيع والتدوير)
(1/429)

قال ابو عثمان:
[1- التعريف باحمد بن عبد الوهاب وذكر موضوع الرسالة]
كان أحمد بن عبد الوهاب مفرط القصر ويدّعي أنه مفرط الطول. وكان مربعا وتحسبه لسعة جفرته واستفاضة خاصرته مدورا. وكان جعد الأطراف قصير الأصابع، وهو في ذلك يدعي السباطة والرشاقة، وأنه عتيق الوجه أخمص البطن معتدل القامة تام العظم. وكان طويل الظهر قصير عظم الفخذ، وهو مع قصر عظم ساقه يدّعي أنه طويل الباد رفيع العماد عادي القامة عظيم الهامة، قد أعطي البسطة في الجسم والسعة في العلم. وكان كبير السن متقادم الميلاد، وهو يدعي أنه معتدل الشباب حديث الميلاد. وكان أدعاؤه لأصناف العلم على قدر جهله بها، وتكلفه للإنابة عنها على قدر غباوته فيها.
وكان كثير الاعتراض، لهجا بالمراء، شديد الخلاف، كلفا بالمجاذبة، متتايعا في العنود، مؤثرا للمغالبة، مع إضلال الحجة والجهل بموضع الشبهة، والخطرفة عند قصر الزاد، والعجز عند التوقف، والمحاكمة مع الجهل بثمرة المراء [ومحنة] فساد القلوب ونكد الخلاف، وما في الخوف من
(1/431)

اللغو الداعي إلى السهو، وما في المعاندة من الاثم الداعي إلى النار، وما في المجاذبة من النكد، وما في المغالبة من فقدان الصواب. وكان قليل السماع غمرا وصحفيا غفلا لا ينطق عن فكر ويثق بأول خاطر ولا يفصل بين اعتزام الغمر واستبصار المحق. يعد أسماء الكتب ولا يفهم معانيها، ويحسد العلماء من غير أن يتعلق منهم بسبب، وليس في يده من جميع الآداب إلا الإنتحال لاسم الأدب.
فلما طال اصطبارنا حتى بلغ المجهود منا، وكدنا نعتاد مذهبه ونألف سبيله، رأيت أن أكشف قناعه، وأبدي صفحته للحاضر والبادي وسكان كل ثغر وكل مصر، بأن أسأله عن مائة مسألة أهزأ فيها وأعرف الناس مقدار جهله، وليسأله عنها كل من كان في مكة ليكفوا عنا من غربه، وليردوه بذلك إلى ما هو أولى به. كأنه لم يسمع بقول النبي صلى الله عليه وسلم في السائب بن صيفي: «هذا شريكي الذي لا يشاري ولا يماري» . ولا بقول عثمان: إذا كان لك صديق فلا تماره ولا تشاره، ولا بقول ابن أبي ليلى: لا أماري أخي إما أن أكذبه وإما أن أغضبه. ولا بقول ابن عمر: لا يصيب الرجل حقيقة الايمان حتى يترك المراء وهو محق. وكأنه لم يسمع بقول الشاعر:
خلافا علينا من فيالة رأيه ... كما قيل قبل اليوم خالف فتذكرا
ولم يسمع بقول الأول: رآه معدّا للخلاف. ألبيت. ولا بقول الآخر:
لنا حاجب مولع بالخلاف ... كثير المراء قليل الصّواب
ألجّ لجاجا من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب
وقالوا: فلان أخلف من بول الجمل. ولذلك قال الشاعر:
واخلف من بول البعير فإنّه ... إذا قيل للاقبال أقبل أدبرا
(1/432)

قال رجل لزهير البابي: أين نبت المراء؟ قال: عند أصحاب الأهواء.
وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل. وكان عمر بن هبيرة يقول: أللهم إني أعوذ بك من المراء وقلة خيره، ومن اللجاج وتندم أهله. وقال بعض المذكورين: أللهم إنا نعوذ بك من المراء وقلة خيره وسوء أثره على أهله، فانه يهلك المروءة ويذهب المحبة ويفسد الصداقة ويورث القسوة ويضرّي على القحة، حتى يصير الموجز خطلا والحليم نزقا والمتوقي خبوطا، والصدوق كذوبا. والمراء من أسباب النضب، وأقرب ما يكون الرجل من غضب الله إذا غضب كما أنه أقرب ما يكون من رحمة الله إذا سجد. لقول الله عز وجل: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ.
وقال لقمان لابنه: إياك والمراء فإنه لا تعقل حكمته ولا تؤمن لهجته.
وقال آخر: ألمراء غضبة والصمت حكمة، ولو كان المراء فحلا والفخر أما ما ألقحا إلا الشر. وقال الشعبي: إني لاستحيي من الحق أن أعرفه ثم لا أرجع إليه. وقال ابن عيينة قال الحسن: ما رأيت فقيها قط يداري ولا يماري، إنما ينشر حكمته فان قبلت حمد الله وإن ردت حمد الله. عن ابراهيم بن إسماعيل بن عائذ بن المبارك بن سعيد قال: قال مجاهد: صحبت رجلا من قريش ونحن نريد الحج فقلت له يوما: هلم نتفاتح الرأي؟ فقال: دع الود كما هو. فعلمت والله أن القرشي قد غلبني. وقال إسحاق الموصلي: كثرة الخلاف حرب، وكثرة المتابعة غش.
[2- وصف ساخر لجسم أحمد بن عبد الوهاب المربع المدور]
بسم الله الرحمن الرحيم: أطال الله بقاءك وأتم نعمته عليك وكرامته لك. قد علمت حفظك الله أنك لا تحسد على شيء حسدك على حسن القامة، وضخم الهامة، وعلى حور العين، وجودة القد، وعلى طيب
(1/433)

الأحدوثة، والصنيعة المشكورة، وأن هذه الأمور هي خصائصك التي بها تكلف، ومعانيك التي بها تلهج، وإنما يحسد أبقاك الله المرء شقيقه في النسب، وشفيعه في الصناعة، ونظيره في الجوار، على طارف قدره أو تالد حظه، أو على كرم في أصل تركيبه ومجاري أعراقه وأنت تزعم أن هذه المعاني خالصة لك مقصورة عليك، وأنها لا تليق إلا بك ولا تحسن إلا فيك، وأن لك الكل وللناس البعض، وأن لك الصافي ولهم المشوب. هذا سوى الغريب الذي لا نعرفه، والبديع الذي لا نبلغه. فما هذا الغيظ الذي أنضجك، وما هذا الحسد الذي أكمدك، وما هذا الإطراق الذي قد اعتراك، وما هذا الهم الذي قد أضناك؟ وهل رأيت أخسر صفقة ولا أوهن قوة ممن يجري العتاق مع الكوادن، والروائع مع الحواسر، وممن حاكم من يسالمه، وجاذب من يقلده؟ وهل رأيت مكينا يقلق ومصنوعا له يسخط، وهل زدت على أن أطمعت في نفسك ومكنت للشبهة في أمرك، وأنشأت للخامل ذكرا وللوضيع قدرا؟ إنك لا تعرف الأمور ما لم تعرف أشباهها، ولا عواقبها ما لم تعرف أقدارها ولن يعرف الحق من يجهل الباطل، ولا يعرف الخطأ من يجهل الصواب، ولا يعرف الموارد من يجهل المصادر! فانظر لم تسالمت النفوس مع تفاوت منازلها، ولم تجاذبت عند تقارب مراتبها، ولم اختلف الكثير واتفق القليل، ولم كانت الكثرة علة للتخاذل والقلة سببا للتناصر. وما فرق ما بين المجاراة والتحاسد وبين المنافسة والتغالب؟ فإنك متى عرفت ذلك استرحت منا ورجونا أن نستريح منك، وكيف يعرف السبب من يجهل المسبب، وكيف يعرف الوصل من يجهل الفصل وكيف يعرف الحدود من لم يسمع الفصول، وكيف يعرف الحجة من الشبهة والعذر من الحيلة والواجب من الممكن والغفل من الموسوم والمعقول من الموهوم، والمحال من الصحيح والأسرار المجهولة من ذوات الدلائل الخفية، وما يعلم ما لا يعلم وما يعلم باللفظ دون الإشارة مما لا يعلم إلا بالاشارة دون اللفظ، وما يعلم معتقدا مما لا يعلم مكينا وما
(1/434)

يعلم مكينا مما لا يعلم معتقدا، وما المستغلق الذي يجوز أن يفارقه استغلاقه والمستبهم الذي لا يفارقه استبهامه، ومن هو طائر مع العوام حيث طارت وساقط معها حيث سقطت مع الزراية عليها والرغبة عنها، قد ظلمها بفضل ظلمه لنفسه وجرى معها بقدر مناسبتها القدرة. فاعرف الجنس من الصنف والقسم من النصف، وفرق ما بين الذم واللوم، وفصل ما بين الحمد والشكر وحد الاختيار من الإمكان والاضطرار من الايجاب. وسنعرفك من جملة ما ذكرنا بابا أنت إليه أحوج وهو علينا أردّ.
إعلم أن الحسد اسم لما فضل عن المنافسة، كما أن الجبن اسم لما فضل عن التوقي والبخل اسم لما قصر عن الإقتصاد، والسّرف ما جاوز الجود. وأنت جعلت فداك لا تعرف هذا ولو أدخلتك الكير ونفخت عليك إلى يوم ينفخ في الصور. وهل في الأرض إقرار أثبت أو دليل أوضح أو شاهد أصدق من شاهدي على ما ادعيت لنفسك من الرفعة مع ما ظهر من حسدك لأهل الضعة؟ وهل تكون بعد ذلك إلا فاسد الحس ظاهر العنود أو جاهلا بالمحال..!؟
وبعد فأنت أبقاك الله في يدك قياس لا ينكسر، وجواب لا ينقطع، ولك حد لا يفل، وغرب لا ينثني. وهو قياسك الذي إليه تنسب ومذهبك الذي إليه تذهب، أن تقول: وما عليّ أن يراني الناس عريضا وأكون في حكمهم غليظا وأنا عند الله طويل جميل وفي الحقيقة مقدود رشيق! فقد علموا حفظك الله أن لك مع طول الباد راكبا طول الظهر جالسا، ولكن بينهم فيك اذا قمت اختلاف، وعليك لهم إذا اضطجعت مسائل. ومن غريب ما أعطيت وبديع ما أوتيت أنا لم نر مقدودا واسع الجفرة غيرك، ولا رشيقا مستفي الخاصرة سواك! فأنت المديد، وأنت البسيط، وأنت الطويل، وأنت المتقارب.
فيا شعرا جمع الأعاريض ويا شخصا جمع الاستدارة والطول! بل ما يهمك
(1/435)

من أقاويلهم ويتعاظمك من اختلافهم والراسخون في العلم والناطقون بالفهم يعلمون أن استفاضة عرضك قد أدخلت الضيم على ارتفاع سمكك، وأن ما ذهب منك عرضا قد استغرق ما ذهب منك طولا. ولئن اختلفوا في طولك لقد اتفقوا في عرضك. وإذ قد سلّموا لك بالرغم شطرا ومنعوك بالظلم شطرا فقد حصلت ما سلّموا وأنت على دعواك فيما لم يسلّموا. ولعمري إن العيون لتخطيء، وإن الحواس لتكذب، وما الحكم القاطع إلا للذهن، وما الاستبانة الصحيحة الا للعقل إذ كان زماما على الأعضاء وعيارا على الحواس. ومما يثبت أيضا أن ظاهر عرضك مانع من إدراك حقيقة طولك قول أبي دواد الإيادي في إبله:
سمنت واستحشّ أكرعها ... لا النّيّ نيّ ولا السّنام سنام
وقول رافع بن هريم:
أدقّ شواها عند بهرة جوفها ... سنام كقصر الهاجريّ مقرمد
ولو لم يكن من العجب إلا أنك أول من تعبده الله تعالى بالصبر على خطأ الحس وبالشكر على صواب الذهن، لقد كنت في طولك آية للسابلين، وفي عرضك منارا للضالين: وقد تظلم المربوع مثلي من الطويل مثل محمد ومن القصير مثل أحمد إذ زعم محمد أنه إنما أفرط في الرشاقة ونسب إلى القضافة لأن إفراط طوله غمر الإعتدال من عرضه. وزعم أحمد أنه إنما أفرط في العرض ونسب إلى الغلظ لأن افراط عرضه غمر الإعتدال من طوله. وكلاهما يحتاج إلى الاعتذار ويفتقر إلى الاعتلال. والمربوع بحمد الله قد اعتدلت أجزاؤه في الحقيقة كما اعتدلت في المنظر! فقد استغنى بعز الحقيقة عن الاعتذار وبحكم الظاهر عن الاعتلال. وقد سمعنا من يذم الطوال كما سمعنا من يزري
(1/436)

على القصار، ولم نسمع أحدا ذم المربوع ولا أزرى عليه ولا وقف عنده ولا شك فيه، ومن يذمه إلا من ذم الاعتدال، ومن يزري عليه إلا من أزرى على الاقتصاد، ومن ينصب للصواب الظاهر إلا المعاند، ومن يماري في العيان إلا الجاهل! بل من يزري على أحد بتفاقم التركيب وبسوء التنضيد مع قول الله جل ثناؤه «ما ترى في خلق الرّحمن من تفاوت» .
وبعد، فأي قدّ أردى وأي نظام أفسد من عرض مجاوز للقدر وطول مجاوز للقصد؟ ومتى لم يضرب العرض بسهمه على قدر حقه ويأخذ الطول من نصيبه على مثل وزنه خرج الجسد من التقدير وجاوز التعديل. وإذا خرج من التقدير تفاسد، وإذا جاوز التعديل تباين! ولئن جاز هذا الوصف وحسن هذا النعت كان لقاسم التّمّار من الفضيلة ما ليس لأحمد بن عبد الوهاب.
وهذا كله بعد أن يصدقوك على ما ادعيت لطولك في الحقيقة واحتججت لعرضك في الحكومة. على أنك باعتلالك لما ينفيه العيان واستشهادك لما تنكره الأذهان متعرض للصدق من المتكرم ومتحكك بالحكم من المتغافل! وأي صامت لا ينطقه هذا المذهب، وأي ناطق لا يغريه هذا القول! وإذا كان هذا ناقضا لعزم المتسلم فما ظنك بعادة المتكلف! فأنشدك الله أن تغري بك السفهاء أو تنقض عزائم الحلماء! وما أدري حفظك الله في أي الأمرين أنت أعظم إثما، وفي أيهما أنت أفحش ظلما، أبتعرضك للعوام، أم بافسادك حكم الخواص.
وبعد، فما يحوجك إلى هذا وما يدعوك إليه، وأشباهك من القصار كثير، ومن ينصرك منهم غير قليل. وقد رأيتك زمانا تحتج بالنعمان بن المنذر، وبضمرة بن ضمرة، وبمجّاعة بن مرارة وبمجّاعة بن سعر، وبأوفى بن زرارة، وبعبد الله بن الجارود، وبعلباء بن الهيثم، وبسعيد بن قيس، وبأبي اليسر كعب بن عمرو، وبحسكة بن عتّاب، وبمخارق بن غفار، وبعمران بن
(1/437)

حطّان، وبيوسف بن عمر، وباياس بن معاوية، وبمعن بن زائدة، وبعقبة بن سلم، وبرجال ناهيك بهم رجالا وبأعلام كفاك بهم أعلاما.
ورأيتك تقول: إن كان الفضل في النكاية وفي الشدة والصلابة فقصار كل شيء أشد ضررا وأدق مدخلا وأظهر قوة وجلدا، كالحجارة أصلبها الحصى، وكالحيات أقتلها الأفعى، وكالبعوض أضرها القرقس وكالعقارب أقتلها الجرارات وكذلك أحرار الطير وبغاثها وصغار البراغيث وكبارها.
وقلت: إن كان الفضل في العدد فمنا يأجوج ومأجوج، ومنا الذر والفراش، ومنا الدعاميص والبعوض، ومنا الرمل والتراب وقطر السحاب.
واحتججت بأن الحسن والفضل لصغار ما في الأنسان كالناظرين والانثيين وحبة القلب وأم الدماغ. وزعمت أن الإنسان إذا طال جسمه وامتد شخصه أسرع الإنهدام إلى بدنه والإنحناء إلى ظهره، وأن القصير لا يتقوس ظهره ولا يميل عنقه ولا يضطرب شخصه ولا تعوج عظامه، ويسعه كل باب ويقطعه كل ثوب ولا تخرج رجلاه من النعش ولا تفضلا عن الفراش، وهو بعد أخف على القلوب وأخلط بالنفوس وأبعد من السماجة وأدخل في كل باب ملاحة.
وقلت: وتقول الناس: ما هو إلا فلفلة، وما هو إلا زنبقة، وما هو إلا شرارة، وما لسانه إلا لسان ضبة. ولم أزل أراك تقدم العرض على الطول وتزعم أن الأرض لم توصف بالعرض دون الطول إلا لفضيلة العرض على الطول. وذلك كقول الشعراء ووصف العلماء، وقال الشاعر:
كأنّ بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفّة حابل
ولم يقل: كأن بلاد الله وهي طويلة. وقال آخر:
وفي الأرض للمرء العريضة مذهب
(1/438)

ولم يقل: الطويلة. وقال:
ولا تحسداني بارك الله فيكما ... على الأرض ذات العرض أن توسعا
وقال الراجز:
تقطع أرضا وتلاقي أرضا ... إنّ البلاد غلبتني عرضا
ولم يقل: طولا. وقلت: لولا فضيلة العرض على الطول لما وصف الله الجنة بالعرض دون الطول حيث يقول جل ثناؤه: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
. فهذه براهينك الواضحة ودلائلك الظاهرة، ولو لم يكن فيك من الرضا والتسليم ومن القناعة والإخلاص إلا أنك ترى أن ما عند الله خير لك مما عند الناس، وأن الطول الخفي أحب إليك من الطول الظاهر، لكان في ذلك ما يقضي لك بالإنصاف ويحكم لك بالتوفيق.
وأنا أبقاك الله أتعشق إنصافك كما أتعشق المرأة الحسناء، وأتعلم خضوعك للحق كما أتعلم التفقه في الدين، ولربما ظننت أن جورك إنصاف قوم آخرين، وأن تعقدك سماح رجال منصفين، وما أظنك صرت إلى معارضة الحجة بالشبهة ومقابلة الإختيار بالاضطرار واليقين بالشك واليقظة بالحلم، إلا للذي خصصت به من إيثار الحق وألهمته من فضيلة الإنصاف، حتى صرت أحوج ما تكون إلى الإنكار أذعن ما تكون بالإقرار، وأشد ما تكون إلى الحيلة فقرا أشد ما تكون للحجة طلبا، إلا أن ذلك بطرف ساكن وصوت خافض وقلب جامع وجأش رابط وبنية حسنة وإرادة تامة مع غفلة كريم وفطنة عليم! إن انقطع خصمك تغافلت، وإن خرق ترفقت، غير منخوب ولا متشعب ولا مدخول ولا مشترك ولا ناقص النفس ولا واهن العزم ولا حسود ولا منافس ولا مغالب ولا معاقب، تفل الحز وتصيب المفصل وتقرب البعيد وتظهر الخفي وتميز الملتبس وتخلص المشكل، وتعطي المعنى حقه من اللفظ كما تعطي
(1/439)

اللفظ حقه من المعنى، وتحب المعنى إذا كان حيا يلوح وظاهرا يصيح، وتبغضه إذا كان مستهلكا بالتعقيد ومستورا بالتغريب. وتزعم أن شر الألفاظ ما أغرق المعاني وأخفاها وأسرها وعمّاها وإن راقت سمع الغمر واستمالت قلب الريض. واعجب الألفاظ عندك مارق وعذب وخف وسهل وكان موقوفا على معناه ومقصورا عليه دون ما سواه، لا فاضل ولا مقصر ولا مشترك ولا مستغلق، قد جمع خصال البلاغة واستوفى خلال المعرفة. فإذا كان الكلام على هذه الصفة وألف على هذه الشريطة لم يكن اللفظ أسرع إلى السمع من المعنى إلى القلب، وصار السامع كالقائل والمتعلم كالمعلم، وخفت المؤونة واستغني عن الفكرة وماتت الشبهة وظهرت الحجة، واستبدلوا بالخلاف وفاقا وبالمجاذبة موادعة، وتهنؤوا بالعلم وتشفوا ببرد اليقين واطمأنوا بثلج الصدور، وبان المنصف من المعاند وتميز الناقص من الوافر وذل المخطل وعز المحصل وبدت عورة المبطل وظهرت براءة المحق.
وقلت: والناس وإن قالوا في الحسن: كأنه طاقة ريحان، وكأنه خوط بان، وكأنه قضيب خيزران، وكأنه غصن بان، وكأنه رمح رديني، وكأنه صفيحة يمانية، وكأنه سيف هندواني، وكأنها جان، وكأنها جدل عنان. فقد قالوا. وكأنه المشتري، وكأن وجهه دينار هرقلي، وما هو إلا البحر، وما هو إلا الغيث وكأنه الشمس، وكأنها دارة قمر، وكأنها الزهرة، وكأنها درة، وكأنها غمامة، وكأنها مهاة. فقد تراهم وصفوا المستدير والعريض بأكثر مما وصفوا به القضيف والطويل:
وقلت: وجدنا الأفلاك وما فيها والأرض وما عليها على التدوير دون التطويل، وكذلك الورق والتمر والحب والثمر والشجر.
وقلت: والرمح وإن طال فان التدوير عليه أغلب، لأن التدوير قائم فيه موصولا ومفصلا، والطول لا يوجد فيه إلا موصولا. وكذلك الانسان وجميع
(1/440)

الحيوان.
وقلت: ولا يوجد التربيع إلا في المصنوع دون المخلوق، وفيما أكره على تركيبه دون ما (خلي وسوم طبيعته، وعلى أن كل مربع ففي جوفه مدور.
فقد بان المدور بفضله وشارك المطول في حصته. ومن العجب أنك تزعم انك طويل في الحقيقة ثم تحتج للإستدارة والعرض، فقد أضربت عما عند الله صفحا، ولهجت بما عند الناس. فأما حور العين فقد انفردت بحسنه وذهبت ببهجته وملحه، إلى ما أبانك الله به من الشكلة فانها لا تكون في اللئام ولا تفارق الكرام. وقال الشاعر:
ولا عيب فيها غير شكلة عينها ... كذاك عتاق الطّير شكل عيونها
وقال آخر:
وشكلة سين لو حبيت ببعضها ... لكنت مكان النّجم مرأى ومسمعا
فأما سواد الناظر وحسن المحاجر وهدب الأشفار ورقة حواشي الأجفان، فعلى أصل عنصرك ومجاري أعراقك. وأما إدراكك الشخص البعيد وقراءتك الكتاب الدقيق ونقش الخاتم قبل الطبع وفهم المشكل قبل التأمل، مع وهن الكبر وتقادم الميلاد، ومع تخون الأيام وتنقص الأزمان، فمن توتياء الهند وترك الجماع، ومن الحمية الشديدة وطول استقبال الخضرة. فأنت يا عم حين تصلح ما أفسد الدهر وتسترجع ما أخذت منك الأيام، لكما قال الشاعر:
عجوز ترجّى أن تكون فتيّة ... وقد لحب الجنبان واحدودب الظّهر
تدسّ إلى العطّار ميرة أهلها ... وهل يصلح العطّار ما أفسد الدّهر
[3- مراء احمد بن عبد الوهاب]
وكيف أطمع في نزوعك عن اللجاج وقد سقيته قبل المجاج، وكيف
(1/441)

أرجو إقرارك جهرا وقد أبيته سرا، وكيف تجود به صحيحا مطمعا وقد بخلت به مريضا مؤيسا، وكيف يرجو خيرك من يراك تطاول أبا جعفر وتخاشنه وتنافره وتراهنه، ثم لا تفعل ذلك إلا في المحافل العظام وبحضرة كبار الحكام، ثم تستغرب ضحكا من طمعه فيك وتعجب الناس من مجاراته لك، وأشهد لك بعد هذا أنك ستخاشن عمرو بن بحر وتعاقله ثم تظارفه وتطاوله، وتغني مع مخارق وتنكر فضل زرزور، وتستجهل النظّام وتستبرد الأصمعي، وتستغبي قيس بن زهير، وتستخف الأحنف ابن قيس، وتبارز أبا الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ثم تخرج من حد الغلبة إلى حد المراء، ومن حد الأحياء إلى حدود الموتى! هذا وليس لك مساعد ولا معك شاهد واحد ولا رأيت أحدا يقف في الحكم عليك أو ينتظر تحقيق دعواك، ولا رأيت مبصّرا يخليك من التأنيب، ولا مؤنبا يخليك من الوعيد، ولا متوعدا يخليك من الإيقاع، ولا موقعا يرثي لك، ولا شافعا يشفع فيك.
[4- الهزء من كبر سن احمد بن عبد الوهاب]
يا عم لم تحملنا على الصدق، ولم تجر عنا مرارة الحق، ولم تعرضنا لأداء الواجب، ولم تستكثر من الشهود عليك، ولم تحمل الاخوان على خلاف محبتهم لك؟ إجعل بدل ما تجني على نفسك أن تجني على عدوك، وبدل ما تضطر الناس إلى أن يصدقوا فيك أن تضطرهم إلى أن يمسكوا عنك.
ولا بد يرحمك الله لمن فاته الطول من أن يلقي بيده أو من أن يقول بخلاف ما يجد في نفسه. فو الله إنك لجيد الهامة، وفي ذلك خلف من حسن القامة، وإنك لحسن الحظ، وفي ذلك عوض من حسن اللفظ، وإنك لقليل الشيب قليل البول، وإنك لتجد مقالا، وإنك لتعد خصالا. فقل معروفا فإنا من أعوانك، وأقتصد فإنا من أنصارك، وهات فانك لو أسرفت لقلنا قد اقتصدت، ولو جرت لقلنا قد اهتديت. ولكنك تجيء بشيء: تَكادُ
(1/442)

السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا
ولو غششناك لساعدناك، ولو نافقناك لأغريناك، ولربما عذرتك ولان جانبي لك فأقول:
خرف الشيخ إذا كان جادا، وعبث إن كان هازلا. وقد يعجل الخرف إلى أحدث منك سنا ويبطيء عن أطول منك عمرا. بل من هذا الذي يعد من السنين ما تعد وبلغ من الكبر ما بلغت؟ وعند من يدرك هذا العلم إلا عند النجوم أو عند إبليس الرجيم، بل من يعرف ذلك إلا فاطر السموات والأرض. لو عرفت عقبان خطفة ونسور السراة وأحناش الرمل وعير العانة وورشان الغابة وشيوخ اليمامة وهرمي فرغانة، إنك لا تعد عمر نوح عمرا ولا النجوم يوما، وإنك قد فت التاريخات وجزت حساب الباورات واستقللت الأحقاب وخرجت من خطوط الهند لما استطالت بأعمارها ولا فرحت بطول أيامها! فيا قعيد الفلك كيف أمسيت، ويا قوة الهيولى كيف أصبحت، ويا نسر لقمان كيف ظهرت، ويا أقدم من دوس ويا أسن من لبد ويا صفي المشقر ويا صاحب المسند.
[5- اسئلة على الطوفان]
حدثني كيف رأيت الطوفان، ومتى كان سيل العرم، ومذ كم مات عوج، ومتى تبلبلت الألسن، وما حبس غراب نوح، وكم لبثتم في السفينة، ومذ كم كان زمان الخنان ويوم السلان ويوم خزاز ووقعة البيداء. هيهات! أين عاد وثمود، وأين طسم وجديس، وأين أميم ووبار، وأين جرهم وجاسم، أيام كانت الحجارة رطبة وإذ كل شيء ينطق، ومذ كم ظهرت الجبال ونضب الماء عن اللحف، وأي هذه الأودية أقدم، أنهر بلخ أم النيل أم الفرات أم دجلة أم جيحان أم سيحان أم مكران، وأين تراب هذه الأودية، وأين طين ما بين سفوح الجبال إلى أعاليها، في أي بحر كبست وفي أي هبطة شحنت، وكم نشأ لذلك من أرض وحدث من عين؟
(1/443)

[6- اسئلة تاريخية]
جعلت فداك، من أبو جرهم، ومن رهط الدجال، وهل تعرف له شبيها؟ أين طويس، وما قصة ابن صائد، ومن سوشى المنتظر. وخبرني عن هرمس أهو إدريس؟ وعن أرميا أهو الخضر؟ وعن يحيى بن زكريا أهو إيليا؟ وعن ذي القرنين أهو الإسكندر؟ ومن أبوه ومن أمه، ومن قيرى وعيرى، ومن جلندى، ومن أولاد الناس من السعالي، وما الحوش من الابل، وخبرني عن قحطان، ألعابر هو أم لإسماعيل. وعن قضاعة، ألمعدّ بن عدنان أم لمالك بن حمير. ومتى تخزعت خزاعة، ومتى طوت المناهل طيء، ومن ابن بنصر، وما تلك السبيل، وما قصة الزهرة، وما شأن سهيل، وما القول في هاروت وماروت، وما شأن الإربيانة، وما قصة الفأرة وجرم الوزغة، وما إحسان الحمامة، وما تفريط العظاية، وما خصب الضفادع، وما تسبيح الصرد، وما عداوة ما بين الديك والغراب، وما صداقة ما بين الجن والأروية، ومن أين لها الماء، وما بلغ من عقل الهدهد، وأين قبر أمه، ولم نتنت ريحه.
وخبرني عن الأمة التي مسخت ثم فقدت، ممن كانت وإلى أي شيء صارت! أأخذت برا أم بحرا؟ فإن كانت بحريّة أفهي الجرّيّ، وإن كانت برية أفهي الضباب؟ وما آوى، وما حبين، وما عرس، وما أوبر، وما وردان، وما قصة الطراثيث، وما سبب كون السنانير، وما علة خلق الخنزير، وكيف اجتمع في الذبابة سم وشفاء؟ وكيف لم يقتل الأفعى سمها، وكيف لم يحرق الشمس ما عند قرصها.
وخبرني عن الأبدال، أهم اليوم بالعرج أم ببيسان أم كما كانوا متفرقين، وخبرني أكلهم موال أم كلهم عرب أم هم أخلاط، وما فعل صاحب إنطاكية
(1/444)

ولم أقيم سلمان بعد بلال، ومن جعل بعد سلمان، ومن عشائرهم وأين دورهم وأين أهلوهم، وكيف لم يتقدموهم ويتفقدوهم، وكيف صارت بيسان لسان الأرض يوم القيامة! وكيف صارت كبد الحوت أول طعام أهل الجنة، ولم تسمى نونا، وهل الرجفة من حركته، وهل الزلزلة من تنقله، وما الخسف، وكيف شاهدت المسخ على طول الأيام، أنقلبت خلقتهم أم صار ذلك ضربة واحدة، وهل عاشوا أم أبلسوا أم تركوا ثلاثا ثم أبطلوا، وهل كانوا يتعارفون بعد المسخ ويعرفون بعض ما قد نزل بهم بعد القلب.
وخبرني عن بحار بنطس، وعن قبيس وعن الأصم وعن المظلم، وعن جبل الماس، وعن الباكي، وعن قاف، وأين كنت عام الجحاف، ومذ كم كان زمن الفطحل، وأين كان ملك الأزد، وأين كان من ملك الإشكان، وأين كان من ملك بني ساسان، وأين كان خره أردشير من استاشف، وأين كان أبرويز من أنو شروان، وأين جذيمة من تبّع، وأين الفتجب من بلهره، وأين بغبور من قيصر. وخبرني عن الفراعنة، أهم من نسل العمالقة؟ وعن العمالقة أهم من قوم عاد. وخبرني أهم من عاد الأولى أو من عاد الأخرى؟ وخبرني عن عطارد الهندي وجوابه لعطارد السماوي حين هبط إليه من فلكه، وهل جرى بينهما إلا ما سمعنا ومذ كم كان ذلك.
وخبرني: كيف كان أصل الماء في ابتدائه في أول ما أفرغ في إنائه، أكان بحرا أجاجا استحال عذبا زلالا، أم كان زلالا عذبا استحال أجاجا بحرا؟
خبرني: كيف صار الماء أبعد من الفلك ولا يكون إلا في بطن الأرض، وهو أشبه بالهواء كما أن الهواء أشبه بالنار، وكيف يكون أحق بالوسط والأرض أبعد من سية الفلك، وكيف طمع جعلت فداك الدهري في مسألة العلاة والمطرقة وفي البيضة والدجاجة، مع تقادم ميلادك ومرور الأشياء
(1/445)

على بدنك، وكيف كان بدء أمر البدّ في الهند، وعبادة الأصنام في الأمم، وقصة عمرو بن لحى في العرب.
وخبرني عن عناق بنت آدم، وعن ميسرة ومسرة، وعن مهنه ومهنينة، وعن بهيا وطبحيا، ومذ كم عمرت جزيرة العرب، ومذ كم بادت يونان، وعن فصل ما بين السند والهند، والهند والميد، وعن جميع من هلك بالرّعاف، وعن من أفناهم النمل، وعن من أجحف بهم السيل، وعن أصحاب النعمان كم صنفهم، وما تقول في الرجم السماوي أكان من عظام البرد أم كحجارة الطير الأبابيل التي خلقت من سجيل؟
[7- اسئلة طبيعية]
وخبرني: عن معنى الفرات على حقه وصدقه، وعن نضوب البحر، وعن تنقص الأرض، ولم عمل الفلك في هذا العالم وليس بينهما شبه! وهلا عمل فيه بقدرة منه، وهل يجوز أن يعمل شيء في شيء إلا والآخر يعمل فيه. وخبرني: مذ كم كان الناس أمة واحدة ولغاتهم متساوية، وبعد كم بطن أسودّ الزنجي وابيض الصقلبي، ولم صار اللون أسرع تنقصا من الجمود، ولم كان الولد يجيء على شبه ما في أبيه من الأمور الحادثة في بدنه غير القديمة في أصل تركيبه، ومع ذلك لم يولد صبي قط في العرب مجنونا، وما هذه الخاصية التي منعت من هذا المعنى؟. وفي كم تمت لكل فرقة بعد التبلبل لغتها واستفاض لسانها.
[8- اسئلة على علم الحياة]
خبرني: جعلت فداك، أيما أطول عمرا: الناس أم عير العانة أم الحية
(1/446)

أم الضب، ومتى تستغني الحية عن الغذاء، ومتى ينتفع الضب بالنسيم، ومتى ينقطع النسر عن السفاد، وكيف صار البغل لا ينسل وهو ولد الرمكة من العير، وكذلك السّمع لا ينسل وهو ولد الضبع من الذئب، والراعبي ينسل وهو ولد الحمام من الورشان، والبختي ينسل وهو من ولد [الغراب] من الفوالج، ولم يسمع في الظلف إذا اختلفت ولم يسمع في الحافر ولا في الخف إذا اختلف. وخبرني عن الزّرافة أمن ولد الناقة أم من الضبع، وعن الشّبّوط أمن ولد البنّي من الزّجر. وخبرني: ما عنقاء مغرب وما أبوها وما أمها، وهل خلقت وحدها أم من ذكر وأنثى، ولم جعلوها عقيما وجعلوها أنثى، ومتى تمهد لذلك الصبي، ومتى تظل بجناحها شيعة الإمام، ومتى يلقى في فيها اللجام، ومتى يباع له الكبريت الأحمر ويساق إليه جبل الماس.
وخبرني عن بناء سور الأبلة وعمن حير الحيرة، ومن أنشأ بنيان مصر، ومن صاحب كربنداذ ومدينة سمرقند. وخبرني: عن البناء الذي يضاف بالمدائن إلى سام، أهو لسام؟ وعن تدمر أهو لسليمان! وأين ملك أخاذ بن عمري من ملك نمرود الخاطيء، وأين وقع ملك ذي القرنين من ملك سليمان.
وقد كنت أطال الله بقاءك في الطول زاهدا وعن القصر راغبا، وكنت أمدح المربوع وأحمد الاعتدال، ولا والله أن يقوم خير الاعتدال بشر قصر العمر، ولا جمال المربوع بما يفوت من منفعة العلم، فأما اليوم فيا ليتني كنت أقصر منك وأضوى، وأقل منك وأقمى، وليس دعائي لك بطول البقاء طلبا للزيادة، ولكن على جهة التعبد والاستكانة، فإذا سمعتني أقول أطال الله بقاءك، فهذا المعنى أريد، وإذا رأيتني أقول لا أخلى الله مكانك، فإلى هذا المعنى أذهب. وقد زعموا جعلت فداك أن كل ما طال عمره من الحيوان زائد في شدة الأركان وفي طول العمر وصحة الأبدان، كالورشان، والضبّاب، وحمر
(1/447)

الوحش، وكلحم النسر لمن أكله، ولحم الحية لمن استحله، فإن كان هذا الأمر حقا وكان هذا العلاج نافعا وكنت له مستعملا وفيه متقدما وتراه رأيا وإن كنت عنه غنيا، أخذنا منه بنصيب وتعلقنا منه بسبب. وكيف لي بذلك وأنا صغير الأذن وأذنك أذن أبي سهيل، وأنا دقيق العنق وعنقك عنق قاسم التمار، وأنا صغير الرأس ورأسك رأس جالوت، وفيك أمران غريبان وشاهدان بديعان: جواز الكون والفساد عليك، وتعاور النقصان والزيادة إياك. جوهرك فلكي وتركيبك أرضي، ففيك طول البقاء ومعك دليل الفناء. فأنت علة للمتضاد وسبب للمتنافي. وما ظنك بخلق لا تضره الإحالة ولا يفسده التناقض..!؟
جعلت فداك ما لقي منك الذهب، وأي بلاء دخل بك على الخمر، كانا يتيهان بطول العمر ويبهجان ببقاء الحسن وبأن الدهر يحدث لهما الجدّة إذا أحدث لجميع الأشياء الخلوقة، فلما أربى حسنك على حسنهما وعمر طول عمرك أعمارهما ذلا بعد العز وهانا بعد الكرامة، ومالي فيك قول إلا قول الاعرابي حين ضل الطريق في الظلمة فلما عرف قصده عند طلوع القمر رفع رأسه شاكرا وهو يقول: ما أقول! أقول رفعك الله وقد رفعك، أم أقول جملك الله وقد جملك، أم أقول عمرك الله وقد عمرك؟ .. ولكن أقول:
وهل أنطق إن نطقت إلا رجيعا، وأقول ما قلت إلا لغوا. وقد زعم ناس ممن ينتحل الاعتبار ويتعاطى الحكمة ويطلب أسرار الأمور أنه ليس شيء مما يساكن الانسان في منزله وربعه وفي داره وموضع منقلبه إلا والانسان يفضله في طول العمر وفي البقاء على وجه الدهر، كالحمام والدجاج والسنانير والكلاب والبقر والغنم والحمير والخيل والجواميس والابل. وزعموا أن أقصرها أعمارا العصافير، وأن أطولها أعمارا البغال، وأن العلة في طول بقاء البغل قلة السفاد، وفي قصر عمر العصافير كثرة السفاد. وأن مما يقضي بهذه العلة ويثبت هذه القضية ما يعم الخصيان من طول العمر، ويعم الفحولة من قصر
(1/448)

العمر. وما أرى حفظك الله بهذا القياس بأسا في ظاهر الرأي وما أجده بعيدا في أغلب الظن، ولو كنت أقتل ذلك علما وأعلمه يقينا لكان أحب الأمور إلى أن يكون لي فيه سلف صدق وإمام لا يغلط، وأن أحكيه عن معدل وأسنده إلى مقنع! فقل نسمع وأشر نتبع! يعجبني- جعلت فداك- منك بغض الشهرة ودبيبك في غمار الحشوية استغناء بنفسك، وصونا لقدرك، ومعرفة بما أعطيت، وثقة بالذي أوتيت. وما أقل بحمد الله ما سبقك به إبليس، وما أيسر ما فاتك به آدم. فزاد الله شاكرك نعمة وناصرك عزة. وقد ذكرت الرواة في المعمرين وصنعت في ذلك أخبارا، ولم نجد على ذلك شهادة قاطعة ولا دلالة قائمة، ولا نقدر على ردها بجواز معناها، ولا على تثبيتها إذ لم يكن معها دليل يثبتها، وقد تعرف ما في الشك من الحيرة، وما في الحيرة من القلق، وما في القلق من النصب، وما في النصب من طول الفكرة وما في طول الفكرة من الوحشة، وما في طول الوحشة من التعرض للوساوس والخفقة وما في إتعاب القلب وإنضاء النفس من كلال الحد، وما في الإلحاح من دواعي الضجر، وما في الجهل من النقص، وما في نزاع النفس من الكد. فافتح لبيتك بابا نسترح إليه، وأقم له علما نقف عنده. فقد علمت ما ذكروا من عمر نابغة بني جعدة، ومالك ذي الرقيبة، ونصر بن دهمان، وابن بقيلة الغساني، والربيع بن ضبيع، ودويد بن نهد. وأنت أبقاك الله تعرف ميلاد آبائهم وأجدادهم وقبائلهم وعمائرهم وأصولهم وأجذامهم، فخبرني أكذبوا أم صدقوا، أم اقتصدوا أم أسرفوا.
فأما ما رووا لأجسام الناس من الطول والعرض، وثبتوا لهم من السمن والعظم والضخم سوى ما نطق به الكتاب عن أجسام عاد، فالشاهد على كذبهم حاضر، والدليل على فساد عقولهم ظاهر، كالذي رأينا من أقدار سيوف الأشراف وأزجّة رماح الفرسان، وكتيجان الملوك التي في الكعبة، وكضيق أوابهم وقصر سمك عتب درجهم في قصورهم العادية ومدنهم
(1/449)

العدمليّة، ويدل على ذلك الجرون التي كانت مقابرهم وأبواب مدافنهم في بطون أرضيهم وشعف جبالهم ومطاميرهم ومواضع قناديل كنائسهم ومجالسهم وبيوت عباداتهم وملاعبهم من قمم رؤوسهم. ولو حضرنا من الشواهد على ما ادعوا من أعمارهم مثل الذي حضرنا من الشواهد على تكذيبهم في طول قاماتهم إذا لما عنيناك ولا ابتذلناك، وعلى أنه لو كان السبب في طول قاماتهم وضخم أبدانهم تقادم ميلادهم وحدة قوة الأرض قبل أن تخلق وشبابها قبل أن تهرم، لكان ينبغي لمن كان قبلهم أن يكون أعظم منهم، ولكان نقصان من بعدهم ممن يلي عصرهم ومن يلي أولئك على حساب ذلك.
[9- اسئلة على الآثار القديمة]
وخبرني أبقاك الله من كان باني ريام، ومن أنشأ كعبة نجران، ومن صاحب غمدان، ومن باني تدمر، ومن صاحب الهرمين، ومنذكم بنيت مأرب، وأين كان الأبلق الفرد من المشقر، وأين قصر النوبهار من قصر سنداد، ومن صاحب عقرقوف ولم قضيت جعلت فداك لخمعة الإيادية على بنت الخس ولابن شرية على شقّ وللنخار على ابن النطاح، ولابن الكيس على ابن لسان الحمّرة؛ وأين كانت الزباء من ملكة سبأ، وأين خاتون من بوران، وأين جلندى من أسباد، وأين حذيم من أفعى، وأين كان لقيم من لقمان، وأين كان كرز بن علقمة من مجزّز المدلجي. وأين كان رافع المخش من دعيميص الرمل؟.
[10- اسئلة على الاقاليم والسكان]
وخبرني عن عظامة أقاليم الخراب وعن خلاء شق الجنوب، أذلك قائم مذ دار الفلك وكان النمو، أو الدول بينهما مقسومة والأيام عليهما موقوفة! ولم
(1/450)

قدمت إقليم دوس على إقليم بابل. وخبرني عن الشهب أتكون نهارا أم تكون ليلا، ولم قدمت الروم في الصنعة على أهل الصين، ولم قدمت تبّت على الزابج، ولم فضلت السكون على الحركة، ولم جعلت السكون فسادا والافتراق اجتماعا.؟ قد وجدتك جعلت فداك خفت أن تكون ابن صائد، ورجوت أن تكون الدجال، ولعلك دابة الأرض، وما أدري لعلك سوشى! ولست بحمد الله الخضر. والذي لا أشك فيه أنك غير المسيح، وأظن روحك روح شيقرة بل روح بلعذبون، بل روح دلالا، وأنك الأركون المنتظر.
[11- اسئلة على الأوثان]
واحتمل لي مسألة واحدة ولا أعود وسأجعلها طويلة ولا ازيد: كم بين ود وسواع ويغوث ويعوق، وبين مناة والعزى والغبغب وعائم، وبين مناف ونهم وسعد ومنهب، ومذ كم نكح أساف نائلة، ومذ كم مسخا في الكعبة؟ وخبرني عن برهوت وبلهوت، وعن الجابية وموضع الطاغية، وعن سيف الصاعقة، ومن ألقى ذلك إلى الرافضة، وما كان مال قارون، وما كان كنز النطف، ولمن كانت البليهة، وما قرط مارية، وما أصل مال ابن جدعان وكيف كان مشورة أمه. وخبرني عن ذلك المال الذي من أخذ منه ندم ومن تركه ندم.
[12- اسئلة على الفراسة ومعرفة الغيب والرئي]
جعلت فداك قد شاهدت الإنس مذ خلقوا، ورأيت الجن قبل أن يحجبوا، ووجدت الأشياء بنفسك خالصة وممزوجة وأغفالا وموسومة وسالمة ومدخولة، فما تخفى عليك الحجة من الشبهة، ولا السقم من الصحة، ولا الممكن من الممتنع، ولا المستغلق من المستبهم، ولا النادر من البديع، ولا
(1/451)

شبه الدليل من الدليل. وعرفت علامة الثقة من علامة الريبة، حتى صارت الأقسام عندك محصورة، والحدود محفوظة، والطبقات معلومة، والدنيا بحذافيرها مصورة، ووجدت السبب كما وجدت المسبب، وعرفت الاعتلال كما عرفت الإحتجاج، وشاهدت العلل وهي تولد والأسباب وهي تصنع، فعرفت المصنوع من المخلوق، والحقيقة من التمويه. فما تقول في الرئي وما تقول في الرؤيا، وما تقول في أكسير الكيمياء، وما تقول في كيموس الصنعة وما تقول في الزجر، وما تقول في الفراسة، وما تقول في الفأل، وما تقول في الطّيرة وما تقول في نمت الطلم؟ وما تقول في معنى البركة، وما تقول في النجوم، وما تقول في الخيلان، وما تقول في أسرار الكف، وما تقول في النظر في الأكتاف، وما تقول في قرض الفأرة، وما تقول في إلحاح الخنفساء، وما تقول في دوائر الرأس، وفي أوضاح الخيل، وفي النمس والسنور، وفي الديك الأفرق والسنور الأسود، وفي البول في النفق، وفي الإطلاع في عاديّ الآبار، وفي النوم بين البابين، وما تقول في التميمة وفي الرتيمة وفي تعليق كعب الأرنب، وفي حلى السليم، وفي البلايا والولايا، وما تقول في الهامّ والاستمطار بالسّلع والعشر، وما تقول في شق البرقع، وفي بدر الرداء، وفي كي الصحيح عن ذي العر، وفي فقء العين للسواف وفي نزع المسر للعارة، وما تقول في الآمر والناهي والمتربص، وفي النطيح والقعيد والسانح والبارح، وما تقول في وطء المقلات للقتلى، وفي دماء الملوك للكلبى، وما تقول في صرع الشيطان، وفي تلون الغيلان، وفي عزيف الجنان، وفي ظهور العمّار، وفي طاعتهم للعزائم، وفي رئي المأمور الحارثي وعتيبة بن الحارث اليربوعي وما فصل ما بين العراف والكاهن والحازي والمتبوع، وما تقول في تحول إبليس في صورة سراقة المدلجى وفي صورة الشيخ النجدي؟ وخبرني عن شنقناق وشيصبان. وعن سملقة وزوبعة، وعن المذهب والسعلاة وعن بركوير ودركاذاب، وأين كان مسحل شيطان الأعشى من عمرو شيطان المنخلّ.!؟
(1/452)

قد والله عافانا الله بك وابتلى، وأنعم بك وانتقم، فدحّا لمن زهد فيك وسقيا لمن رغب إليك وويل لمن جهل فضلك، بل الويل لمن أنكر فضلك.
إنك جعلت فداك كما لم تكن فكنت فكذا لا تكون بعد أن كنت، وكما زدت في الدهر الطويل فكذا تنقص في الدهر الطويل، إذ كل طويل فهو قصير، وكل متناه فهو قليل، فإياك أن تظن أنك قديم فتكفر، وإياك أن تنكر أنك محدث فتشرك، فان للشيطان في مثلك أطماعا لا يصيبها في سواك، ويجد فيك عللا لا يجدها في غيرك.
ولست جعلت فداك كابليس وقد تقدم الخبر في بقائه إلى انقضاء أمر العالم وفنائه، ولولا الخمر لما قدمته عليك ولا ساويته بك، وأنت أحق من عذر وأولى من ستر، ولو ظهر لي لما سألته كسؤالي إياك، ولما ناقلته الكلام كما قلتي لك، وإن كان في التجاذب مثلك فهو في النصيحة على خلافك، ولأنك إن منعت شيئا فمن طريق التأديب أو التقويم، وهو إن منع منع بالغش والإرصاد، وأنت على حال أشكل، ونحن نرجع إلى أصل ونلتقي إلى أب ويجمع بيننا دين.
[13- اسئلة على معتقدات الشيعة]
وخبرني عن الشق، وعن واقواق، وعن النسناس، وعن دوالباي، وعن الكركدن، وعن عنقاء مغرب، وعن الكبريت الأحمر، وعن ثور الله في الأرض؟ وحدثني عن شعب رضوى، وعن جبال حسمى ومتى ترى الماء الأسود والجو الأكلف والطين الأزرق، وكيف ذلك النمر، وهل يظمأ ذلك الأسد، وهل باض الخفاش، وهل أمنت الحبارى، ومتى تتعلم ما في الجفر وتحكم ما في الزبر، وما فعل فحل وبار، ونعاج أبي المرقال، وما الحجة في الرجعة، والقول في المناسخة، ومن أين قلتم بالبداء، ومن أين جعلتم
(1/453)

العلا فعلا والزيادة فلتا، وما القول في النفس؟
وخبرني ما السحر وما الطلسم، وما الدنهش وما الخلقطير، وما الهيكل، وما الطوالق، وما قولهم في اللبان الذكر، وفي مراعاة المشتري، ولم توحشوا من الناس ولم باتوا بالبراح وأقاموا بالخراب واغتسلوا بالماء القراح، ولم قدموا التصديق وأخرجوا الصرة، ولم أجابوا وأكرموا، ولم منعوا وقتلوا.!؟
[14- اسئلة على الجن]
وخبرني من خانق الغريض وقاتل سعد يوم النفق، ومن الذي استهوى عمرو بن عدي، ومن صاحب عمارة بن الوليد، ومن يصرع منهم الأصحاء، ومن يبريء المرضى ويستوهي العقلاء، وعن فصل ما بين الشيطان والجني وما بين الجن والجن ومن طعامه الجدف. وخبرني عن أشعار الهاتف وما يسمع بالليل من جوائب الأخبار. وخبرني عن النميري صاحب الورقة، وعن تميم الداري صاحب الردم. وخبرني عن شقلون، وعن أهرمن، وعن كان وكان، ومره، وايددش، وافردش، وابرشارش، وابربارش، وخونرت بام، وكيف صارت خونرث هذه أعمر العوالم، وأيما أكثر يأجوج أم مأجوج، وأيما أقصر وأيما أطول عمارا، وأيما أفضل منكر أم نكير، وأيما أخبث هاروت أم ماروت، وأي حوت ابتلع يونس، وأي حية ابتلعت المهلب، ومن أي حية كانت سفينة نوح، ولم ملح الحمض، ولم طوقت الحمامة!
[15- أسئلة على الكيمياء]
وما فرق بين الطاس والكاس، وما كان سبب اتخاذ الأقبية، وما سبب صنعة الزجاج، وما قصة الرخام أكيمياء أم مخلوق، ولم امتنع عمل الذهب والزجاج أعجب منه، ومن صاحب المينا وتودين الحجارة، ومن صاحب التلطف، ومن صاحب النوشاذر، وما تقول في التنين وما فرانقث الاسد، وما
(1/454)

صداقة ما بين الخنفساء والعقرب، وما بال السواد يصبغ ولا ينصبغ وما بال البياض ينصبغ ولا يصبغ، ومن صاحب الاصطرلاب، ومن صاحب القرسطون.
ولم أسألك عن الحداد وإنما سألتك عن الفيلسوف وعن علته في المد والجزر.
وخبرني عن جوهر الأرض وعن جميع الفلز أشيء مفروغ من خلقه أم أرض يستحيل إليه، ولم عمل بعض السم في العصب وبعضه في الدم وبعضه فيهما جميعا، ولم كان بعضه سم نجاز وبعضه سم جهاز، ولم صار لا يقتل مع العادة وقتل قبل العادة، ألأنّ الطبائع تنكر الشيء الغريب أم لأنه ضد في نفسه، وكيف صار مع ريق الأفعى ريق بعض الناس في القتل وفي أيهما سم، ولم خالف البيش في العصب والدم، ولم يقتل العقرب إنسانا ويقتله آخر، ولم صارت الأفعى قاتلة وتأكلها القنافذ ولا تضرها وتأكلها الأروى فلا تتأذى بها، ولم صارت الهندية تقتل كل شيء ولا يقتلها شيء ولا يستمرئها شيء، ولم خالف النيل جميع الأودية في النقصان والزيادة، ولم بلغت جريته الشمال، ولم صار أقصاه كأدناه، ومتى يدال منه ومتى يحوله الامام..!؟
وقد علمت جعلت فداك أن الخبر إذا صح أصله وكان للناس علة في نشره وكان في الدلالة على الحق كالعيان وفي الشفاه كالسماع، على أن الخبر لا يعرف به تكيف الأمور لكن يعرف به جمل الأشياء إلا خبرك فإنك لا تحتاج إلى إشارة ولا إلى اعادة ولا إلى [علة ولا إلى] تفسير حتى يقوم خبرك في الشفاه وفي كيفية الشيء مقام العيان. وقد كنت أتعجب من محمد بن عبد الملك وأقول: ما تقولون في رجل لم يقل قط بعد انقضاء خصومته وذهاب خصمه: لو كنت قلت كذا كان أفضل، أو كنت لم أقل كذا كان أمثل، فما بال عفوه أكثر من جهدكم وبديهته أبعد من أقصى فكرتكم؟ فلما رأيتك علمت أنك عذاب صبه الله على كل رفيع، ورحمة أنشأها لكل وضيع.
(1/455)

[16- اسئلة على الفلسفة]
فخبرني ما كان بينك وبين هرمس في طبيعة الفلك، وعن سماعك من أفلاطون وما دار في ذلك بينك وبين أرسطا طاليس، وأي نوع اعتقدت، وأي شيء اخترت فقد أبت نفسي غيرك وأبت أن تشتفي إلا بخبرك، ولولا أني كاف برواية الأقاويل ومغرم بمعرفة الاختلاف، وأني أستجير مسألتك عن كل شيء وابتذالك في كل أمر، لما سمعت من أحد سواك، ولما انقطعت إلى أحد غيرك.
[17- مساوىء المزاح]
واعلم جعلت فداك أني لم أرد بمزاحك إلا ضحك سنك، ولا كانت غايتي فيك إلا لأنفق عندك، وقد كنت خفت ألا أكون وقفت على حده وأشفقت من المجاوزة لقدره. والمزاح باب ليس المخوف فيه التقصير، ولا يكون الخطأ فيه من جهة النقصان. وهو باب متى فتحه فاتح وطرّق له مطرّق لم يملك من سده مثل الذي يملك من فتحه، ولا يخرج منه بقدر ما كان قدم من نفسه، لأنه باب أصل بنائه على الخطأ، ولا يخالطه من الأخلاق إلا ما سخف، ومن شأنه التزيد وأن يكون صاحبه قليل التحفظ، ولم نر شيئا أبعد من شر ولا أطول له صحبة ولا أشد خلافا ولا أكثر خلطا من الجد والمزاح والمناظرة والمراء. قال القعقاع بن شور: ليس لمزّاح مروءة ولا لممار خلة.
وقال معاوية: المزاح هو الشنار الأصغر. وقال الحسن بن حي: المزاح استدراج من الشيطان واختداع من الهوى. وعاب عمر بعض العظماء فقال: ذلك رجل فيه دعابة. وقال الشاعر: «وجد القول يقدمه المزاح» وقال الآخر «رب كبير ساقة صغير» وقال الآخر «رب جد ساقه اللعب» .
(1/456)

فان كنت لم أقصر عن الغاية، ولم أتجاوز حد النهاية، فبما أعرف من يمن مكالمتك وبركة مكاتبتك، ومن حسن تقويمك وجودة تثقيفك. وإن كنت قد أخطأت الطريق، وجاوزت حد المقدار، فما كان ذلك عن جهل بفضلك ولا إنكار لحقك، ولكن حدود الأشياء إذا خفيت ومقاديرها إذا أشكلت، ولم يكن مع الناظر فيها مثل تمامك، ولا مع المتكلف لها مثل كمالك، دخل عليه من الخلل بقدر عجزه، وسلم منه بقدر نفاذه، نعم ولو كان من العلماء الموصوفين والأدباء المذكورين.
ومن المزاح جعلت فداك باب مكر وجنس خدع يتكل المرء في إساءته إلى جليسه وإسماعه لصديقه على أن يقول: مزحت، وعلى أن يقول عند المحاكمة: عبثت، وعلى أن يقول: من يغضب من المزاح إلا كز الخلق، ومن يرغب عن المفاكهة إلا ضيق العطن. وبعد فمتى أعدت النفس عذرا كانت إلى القبيح أسرع ومتى لم تجده كانت عنه أبطأ. ومن أسباب الغلط فيه ومن دواعي الخطأ إليه أن كثيرا ممن تمازحه يضحك وإن كنت قد أغضبته، ولا يقطع مزاحك وإن كنت قد أوجعته، فإن حقد ففي الحقد الداء، وإن عجل فذلك البلاء.
فان قلت: فما أدخلك في شيء هذا سبيله وهكذا جوهره وطريقه؟
قلت: لأني حين أمنت عقاب الإساءة ووثقت بثواب الإحسان وعلمت أنك لا تقص إلا على العمد، ولا تعذب إلا على القصد، صار الأمن سائقا والأمل قائدا. وأي عمل أردّ وأي متجر أربح مما جمع السلامة والغنيمة والأمن والمثوبة. ولو كان هذا ذنبا لكنت شريكي فيه، ولو كان تقصيرا لكنت سببي إليه، لأن دوام التغافل شبيه بالإهمال، وترك التعريف يورث الإغفال، والعفو المتتابع والبشر الدائم يؤمنان من المكافأة ويذهبان بالتحفظ. ولذلك قال عيينة بن حصن لعثمان بن عفان رضي الله عنه: عمر كان خيرا لي منك،
(1/457)

رهبني فاتقاني وأعطاني فأغناني. فإن كنت اجترأت عليك فلم أجتريء عليك إلا بك، وإن كنت أخطأت فلم أخطيء عليك إلا لك، لأن حسن الظن بك والثقة بعفوك سبب في قلة التحفظ وداعية إلى ترك التحرز.
[18- طلب العفو من احمد بن عبد الوهاب على مزاح الجاحظ وسخريته]
وبعد، فمن وهب الكبير فكيف يقف عند الصغير، ومن لم يزل يعفو عن العمد كيف يعاقب على السهو؟ ولو كان عظم قدري هو الذي عظم ذنبي لكان عظم قدرك هو الذي شفع لي، ولو استحققت عقابك باقدامي عليك مع خوفي لك لاستوجبت عفوك عن إقدامي عليك بحسن ظني بك. على أني متى أوجبت لك العفو فقد أوجبت لك الفضل، ومتى أضفت إليك العقاب فقد وصفتك بالانصاف، ولا أعلم حال الفضل إلا أشرف من حال العدل، ولا الحال التي توجب لك الشكر إلا أرفع من الحال التي توجب لك الصبر. وإن كنت لا تهب عقابي لحرمتي فهبه لأياديك عندي، فان النعمة تشفع في النعمة، فإن لم تفعل ذلك للحرمة فافعله لحسن الأحدوثة، وإن لم تفعل ذلك لحسن الأحدوثة فعد إلى حسن العادة وإن لم تفعله لحسن العادة فأت ما أنت أهله. واعلم أني وإياك متى تحاكمنا إلى كرمك قضى لي عليك ومتى ارتفعنا إلى عقلك حسن العفو عني عندك. وفصل ما بيننا وبينك وفرق ما بين أقدارنا وقدرك انا نسيء وتغفر، ونذنب وتستر، ونعوج وتقوم، ونجهل وتحلم، وإن عليك الانعام وعلينا الشكر، ومن صفاتك أن تفعل ومن صفاتنا أن نصف، فإذا فعلت ما تقدر عليه من العقاب كنت كمن فعل ما يقدر عليه من التعرض، وصرت ترغب عن الشكر كما رغبنا عن السلم، وصار التعرض لعفوك بالأمن باطلا، والتعرض لعقابك بالخوف حقا، ورغبت عن النبل والبهاء وعن السؤدد
(1/458)

والسناء، وصرت كمن يشفي غيظا أو يداوي حقدا أو يظهر القدرة أو يجب أن يذكر بالصولة. ولم نجدهم أبقاك الله يحمدون القدرة إلا عند استعمالها في الخير، ولا يذمون العجز إلا لما يفوت به من إتيان الجميل. وأنى لك بالعقاب وأنت خير كلك، ومن أين اعتراك المنع وأنت أنهجت الجود لأهله، وهل عندك إلا ما في طبعك، وكيف لك بخلاف عادتك، ولم تستكره نفسك على المكافأة وطباعها الصفح، ولم تكدّها بالمنافسة ومذهبها المسامحة؟! فسبحان من جعل أخلاقك وفق أعراقك وقولك وفق عملك، ومن جعل ظنك أكثر من يقيننا، وفراستك أثبت من عياننا، وعفوك أرجح من جهدنا، وبداهتك أجود من تفكرنا، وفعلك أرفع من وصفنا، وغيبتك أهيب من حضور السادة، وعتبك أشد من عقاب الظلمة. وسبحان من جعلك تعفو عن المتعمد، وتتجافى عن عقاب المصرّ، وتتغافل عن المباديء، وتصفح عن المتهاون، حتى إذا صرت إلى من ذنبه نسيان وتوبته إخلاص وهفوته بكر وشفيعه الحرمة، ومن لا يعرف الشكر إلا لك، ولا الأنعام إلا منك، ولا العلم إلا من تأديبك، ولا الأخلاق إلا من تقويمك، لم يقصر في بعض طاعتك إلا لما رأى من احتمالك، ولا نسي بعض ما يجب لك إلا لما داخله من تعظيمك، صرت تتوعد بالصرم وهو دليل كل بلية، وتستعمل الإعراض وهو قائد كل هلكة. وقد علمت أن عتابك أشد من الصريمة، وأن تأنيبك أغلظ من العقوبة، وأن منعك إذا منعت في وزن إعطائك إذا أعطيت، وأن عقابك على حسب ثوابك، وأن جزعي من حرمانك في وزن سروري بفوائدك، وأن شين غضبك كزين رضاك، وأن موت ذكري بانقطاع سببي منك كحياة ذكري مع اتصال سببي بك، ومالي اليوم عمل أنا إليه أسكن ولا شفيع أنا به أوثق من شدة جزعي من عتبك وإفراط هلعي من خوفك، ولست ممن إذا جاد بالصفح ومنّ بالعفو لم يكن لصاحبه منه إلا السلامة وإلا النجاة من الهلكة، بل تشفع ذلك بالمراتب الرفيعة والعطايا الجزيلة والعز في العشيرة
(1/459)

والهيبة في الخاصة والعامة، مع طيب الذكر وشرف العقب ومحبة الناس.
[19- محاسن المزاح]
وأما ذكري القد والخرط والطول والعرض وما بيننا وبينك في ذلك من التنازع والتشاجر والتحاكم والتنافر، فإن الكلام قد يكون في لفظ الجد ومعناه معنى الهزل، كما يكون في لفظ الهزل ومعناه معنى الجد. ولو استعمل الناس الدّعابة في كل حال والجد في كل مقال وتركوا التسمح والتسهيل وعقدوا في كل دقيق وجليل لكان السفه صراحا خيرا لهم، والباطل محضا أردّ عليهم. ولكن لكل شيء قدر ولكل حال شكل. فالضحك في موضعه كالبكاء في موضعه. والتبسم في موضعه كالقطوب في موضعه، وكذلك المنع والبذل والعقاب والعفو وجميع القبض والبسط. فإن ذممنا المزاح ففيه لعمري ما يذم، وإن حمدناه ففيه ما يحمد. وفصل ما بينه وبين الجد أن الخطأ إلى المزاح أسرع وحاله بحال السخف أشبه، فأما أن يذم حتى يكون كالظلم وينفى حتى يصير كالغدر، فلا لأن المزاح مما يكون مرة قبيحا ومرة حسنا، والظلم لا يكون مرة قبيحا ومرة حسنا.
[20- مديح احمد بن عبد الوهاب الساخر]
فاذا ملنا إلى الجد ورغبنا عن الهزل وتركنا المزاح وجلسنا للحكمة فقد أغناك الله عن الحجة كما سلمك من الشبهة، ولم يكلفك الاحتجاج كما رغب بك عن الإعتلال، فأصبحت لا محتجا ولا محجوجا، ولا غفلا ولا موسوما ولا ملوما ولا معذورا، ولا فيك اختلاف ولا بك حاجة إلى إئتلاف، وليس مع العيان وحشة ولا مع الضرورة وجمة ولا دون اليقين وقفة. وهل في تمامك
(1/460)

ريب حتى تعالج بالحجة؟ وهل رد فضلك جاحد حتى يثبت بالبينة، وهل لك خصم في العلم أو ند في الفهم أو مجار في الحكم أو ضد في العزم؟ وهل يبلغك الحسد، أو تضرك العين، أو تسمو إليك المنى، أو يطمع فيك طامع، أو يتعاطى شأوك باغ؟ وهل يطمع فاضل أن يفوقك، أو يأنف شريف أن يقصر دونك، أو يخشع عالم أن يأخذ عنك؟ وهل غاية الجميل إلا وصفك؟ وهل زين البليغ إلا مدحك، وهل يأمل الشريف إلا اصطناعك؟
وهل يقدر الملهوف إلا غياثك؟ وهل لطلاب غرض سواك؟ وهل للغواني مثل غيرك؟ وهل للمادح رجز لا فيك وهل يحدو الحادي إلا بذكرك؟ فلولا أن يأخذ الواصف بنصيبه منك وبحصته من الصدق فيك، وبسهمه من الشكر لك، لكان الإطناب عندهم في وصفك لغوا، وكان تشقيق الكلام عجزا، ولكان تكلفه فضلا، ومن هذا الذي يضعه أن يكون دونك، أو يمتحن بالتسليم لك، أو يعد إقراره إحسانا وخضوعه إنصافا؟ وهل تقع الأبصار إلا عليك؟ وهل تصرف الإشارة إلا إليك؟ أم من الشبيه لك في منزلتك؟ ألست خلف الأخيار وبقية الأبرار؟ وأي أمرك ليس بغاية، وأي شيء منك ليس في النهاية؟ وهل فيك شيء يفوق شيئا أو يفوقه شيء أو يقال لو لم يكن كذا لكان أحسن أو لو كان كذا لكان أتم؟ وأين الحسن الخالص والجمال الفائق والملح المحض والحلاوة التي لا تستحيل والتمام الذي لا يحيل إلا فيك أو عندك أو لك أو معك، خالصة لك ومقصورة عليك، لا تليق إلا بك ولا تحسن إلا فيك، فلك منه الكل وللناس البعض، ولك الصافي وللناس المشوب؟! هذا سوى الغريب الذي لا نعرفه، والبديع الذي لا نبلغه، لا بل أين الحسن المصمت، والجمال المفرد، والقد العجيب، والكمال الغريب، والملح المنثور، والفضل المشهور إلا لك وفيك؟ وهل على ظهرها جميل حسيب أو عالم أريب إلا وظلك أكبر من شخصه، وظنك أكثر من علمه، وإسمك أفضل من معناه، وحكمك أثبت من نجواه، وصمتك أفضل من فحواه؟ وهل
(1/461)

في الأرض حليم سواك، وهل أظلت الخضراء ذا لهجة أصدق منك، وهل حملت النساء أجل منك!
[21- جمال احمد بن عبد الوهاب المعكوس]
ولربما رأيت الرجل حسنا جميلا وحلوا مليحا وعتيقا رشيقا وفخما نبيلا ثم لا يكون موزون الأعضاء ولا مقدور الأجزاء، وقد تكون أيضا الأقدار متساوية غير متقاربة ولا متفاوتة، ويكون قصدا ومقدارا عدلا، وإن كانت هناك دقائق خفية لا يراها إلا الألمعي، ولطائف غامضة لا يعرفها إلا الذكي. فأما الوزن المحقق والتعديل المصحح والتركيب الذي لا يفضحه التفرس ولا يحصره التعنت ولا يتعلل جاذبه ولا يطمع في التمويه ناعته، فهو الذي خصصت به دون الأنام ودام لك على الايام. كذا الحسن إذا كان حرا مرسلا وعتيقا مطبقا لا يتحكم عليه الدهر ولا يذيله الزمان ولا يحتاج إلى تعليق التمائم ولا إلى الصون والسكن ولا إلى المناقش والكحل، ولو لم يكن لحسن وجهك إلا أنه قد سهل في العيون تسهيلا وحبب إلى القلوب تحبيبا وقرب إلى النفوس تقريبا، حتى امتزج بالأرواح وخالط الدماء وجرى في العروق وتمشى في العظم بحيث لا يبلغه السم ولا الوهم ولا السرور الشديد ولا الشراب الرقيق، لكان في ذلك المزية الظاهرة والفضيلة البينة. ولو لم يكن لك إلا أنا لا نستطيع أن نقول في الجملة وعند الوصف والمدحة: هو أحسن من القمر وأضوأ من الشمس وأبهى من الغيث، ولهو أحسن من يوم الحلبة، وأنا لا نستطيع أن نقول في التفاريق؛ كأن عنقه إبربق فضة، وكأن قدمه لسان حية، وكأن وجهه ماوية، وكأن بطنه قبطية، وكأن ساقه بردية، وكأن لسانه ورقة، وكأن أنفه حد سيف، وكأن حاجبه خط بقلم، وكأن لونه الذهب، وكأن عوارضه البرد وكأن فاه خاتم، وكأن جبينه هلال، ولهو أطهر من الماء
(1/462)

وأرق طباعا من الهواء، ولهو أمضى من السيل وأهدى من النجم، لكان في ذلك البرهان النير والدليل البين. وكيف لا تكون كذلك وأنت الغاية في كل فضل، والنهاية في كل شكل. وأما قول الشاعر:
يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدتّه نظرا
وقول الدمشقيين: ما تأملنا قط تأليف مسجدنا وتركيب محرابنا وقبة مصلانا إلا أثار لنا التأمل واستخرج لنا التفرس غرائب حسن لم نعرفها وعجائب صنعة لم نقف عليها، وما ندري أجواهر مقطعاته أكرم في الجواهر أم تنضيد أجزائه في تنضيد الأجزاء. فان ذلك معنى مسروق مني في وصفك ومأخوذ من كتبي في مدحك. والجملة التي تنفي الجدال وتقطع القيل والقال أني لم أرك قط إلا ذكرت الجنة، ولا رأيت أجمل الناس في عقب رؤيتك إلا ذكرت النار.
والعجب أيها السامع أني مقصر، وإذا رأيته علمت أني فيما يجب له مفرط، وهو رجل طينته حرة وعرقه كريم ومغرسه طيب ومنشؤه محمود، غذي بالنعمة وعاش في الغبطة وأرهفه التأديب ولطفه طول التفكير وخامره الأدب وجرى فيه ماء الحياء وأحكمته التجارب وعرف العواقب، فأفعاله كأخلاقه، وأخلاقه كأعراقه، وعادته كطبيعته وآخره كأوله. تحكي اختياراته التوفيق ومذاهبه التسديد. لا يعرف التكلف ويرغب عن التجوز وينبل عن ترك الإنصاف، ولا يمتنع عليه معرفة المبهم ولا يلتحج باستبانة المشكل، يتخير من الألفاظ أرقها مخرجا ومن المعاني أدقها مسلكا، وأحسنها قبولا، وأجودها وقوعا وأتمها إطماعا، بأقوى الكلام وأوجزه وأعذبه وأحسنه، يقلل عدد حروفه ويكثر عدد معانيه. ومن الفعل بعد ذلك أكمله تحقيقا إذا أقبل هبناه، وإذا أدبر اغتبناه، مع تمكنه وعقله وسعة صدره. وبعد [نظره] ولا يعرف الشك إلا في غيره ولا العي إلا سماعا. فمن يطمع في عيبك بل من يطمع في قدرك؟ وكيف وقد أصبحت وما على ظهرها خود إلا وهي تعثر باسمك، ولا قينة إلا وهي تغني
(1/463)

بمدحك، ولا فتاة إلا وتشكو تباريح حبك، ولا محجوبة إلا وهي تثقب الخروق لممرك، ولا عجوز إلا وهي تدعو لك، ولا غيور إلا وقد شقي بك، فكم من كبد حرّى منضجة، ومصدوعة مفرثة، وكم من حشا خافق، وقلب هائم، وكم عين ساهرة وأخرى جامدة وأخرى باكية، وكم عبرى مولهة، وفتاة معذبة، قد أقرح قلبها الحزن وأجمد عينها الكمد، قد استبدلت بالحلي العطلة، وبالأنس الوحشة، وبالتكحيل المره، فأصبحت والهة مبهوتة، وهائمة مجهودة، بعد طرف ناصع، وسن ضاحك، وغنج ساحر، وبعد أن كانت نارا تتوقد، وشعلة تتوهج؟
وليس حسنك أبقاك الله الحسن الذي تبقى معه توبة، أو تصح معه عقيدة، أو يدوم معه عهد، أو يثبت معه عزم، أو يمهل صاحبه للتثبت، أو يتسع للتخير، أو ينهنهه زجر، أو يهذبه خوف. هو أعزك الله شيء ينقض العادة، ويفسخ المنّة، ويعجل عن الرويّة، ويطرح بالعرا، وتنسى معه العواقب، ولو أدركك عمر بن الخطاب لصنع بك أعظم مما صنع بنصر بن الحجاج، ولركبك بأعظم مما ركب به جعدة السلمي، بل لدعاه الشغل بك إلى ترك التشاغل بهما، والغيظ عليك إلى الرحمة لهما. فمن كان عيب حسنه الإفراط عليه من جهة الزيادة، كيف يرومه عاقل أو ينتقصه عالم. فلا تعجب إن كنت نهاية الهمة وغاية الأمنية، فإن حسن الوجه إذا وافق حسن القوام، وجودة الرأي، وكثرة العلم، وسعة الخلق، والمغرس الطيب، والنصاب الكريم، والطرف الناصع، واللسان البين، والنعمة البهجة والمخرج السهل، والحديث المونق، مع الإشارة الحسنة، والنبل في الجلسة، والحركة الرشيقة، واللهجة الفصيحة، والتمهل في المحاورة، والهذ عند المناقلة والبديه البديع، والفكر الصحيح، والمعنى الشريف، واللفظ المحذوف، والايجاز يوم الإيجاز، والإطناب يوم الاطناب، يفل الحز، ويصيب المفصل، ويبلغ بالعفو ما يقصر عنه الجهد، كان أكثر لتضاعف
(1/464)

الحسن، وأحق بالكمال والحمد. والتاج بهيّ، وهو على رأس الملك أبهى، والياقوت كريم حسن، وهو على جيد المرأة الحسناء أحسن، والشعر الفاخر حسن، وهو من فم المنشد أحسن، وإن كان قول المنشد فريضة من نجثه ومختبره فقد بلغ الغاية وقام على النهاية.
وما ندري في أي الحالين أنت أجمل، وفي أي المنزلتين أنت أكمل، إذا فرقناك أم إذا جمعناك، وإذا ذكرنا كلك أم إذا تأملنا بعضك؟ فأما كفك فهي التي لم تخلق إلا للتقبيل والتوقيع، وهي التي يحسن بحسنها كل ما اتصل بها، ويختال بها كل ما صار فيها، كما أصبحنا وما ندري: الكأس في يدك احسن ام القلم ام الرمح الذي تحمله، ام المخصرة ام العنان الذي تمسكه، ام السوط الذي تعلقه، وكما اصبحنا وما ندري أي الأمور المتصلة برأيك أحسن وايها اجمل وأشكل اللمة أم مخطّ اللحية، أم الإكليل أم العصابة أم التاج، أم العمامة، أم القناع، أم القلنسوة! فأما قدمك فهي التي يعلم الجاهل كما يعلم العالم ويعلم البعيد الأقصى كما يعلم القريب الأدنى، انها لم تخلق إلا لمنبر ثغر عظيم، أو ركاب طرف كريم. أما فوك فهو الذي لا ندري أي الذي تتفوه به أحسن، وأيّ الذي يبدأ به أجمل: الحديث، أم الشعر، أم الاحتجاج، أم الأمر والنهي، أم التعليم والوصف. وعلى أننا ما ندري أي السنتك أبلغ، وأي بيانك أشفى، أقلمك أم خطك، أم لفظك، أم إشارتك، أم عقدك. وهل البيان إلا لفظ أو خط أو إشارة أو عقد؟ وأنت في ذلك فوقهم والحمد لله، وواحدهم وأعيذك بالله، وأنت تجوز الغاية، وتفوق النهاية.
وقد علمنا أن القمر هو الذي تضرب به الأمثال، ويشبه به أهل الجمال وهو مع ذلك يبدو ضيئلا نضوا، ويظهر معوجا شختا وأنت أبدا قمر بدر وفخم غمر. ثم مع ذلك يحترق في السرار ويتشاءم به في المحاق، ويكون نحسا
(1/465)

كما يكون سعدا، ويكون نفعا كما يكون ضرا، ويقرض الكتان، ويشحب الألوان، ويخمّ فيه اللحم. وأنت دائم اليمن، ظاهر السعادة، ثابت الكمال، شائع النفع، تكسو من أعراه، وتكن من أشحبه، وعلى أنه قد محق حسنه المحاق وشانه الكلف، وليس بذي توقد واشتعال ولا خالص البياض ولا متلأليء، ويعلوه برد ويكسوه ظل الأرض. ثم لا يعتريه ذلك إلا عند كماله وليلة فخره واحتفاله، وكثيرا ما يعتريه الصفار من بخار البحار.
وأنت ظاهر التمام، دائم الكمال، سليم الجوهر، كريم العنصر، ناري التوقد، هوائي الذهن، دري اللون، روحاني البدن. وإن احتجوا عليك بالجزر والمد، احتججت عليهم بالعلم والحلم، وبأن طاعتك اختيار واعتبار، وطاعته طباع واضطرار، وبأن له سيرة قد قصر عليها، ومنازل لا يجاوزها، ولا تمكنه البدوات، وليس في قواه فضل للتصرف، وعلى أن ضياءه مستعار من الشمس، وضياؤك عارية عند جميع الخلق. فكم بين المعير والمستعير، والمتبين والمتحير، وبين العالم وما لا حس فيه. ولا زالت الأرض بك مشرقة، والدنيا معمورة، ومجالس الخير مأهولة، ونسيم الهواء طببا، وتراب الأرض عبقا. إن تفتيت فالرشاقة والملح، وإن تمسكنت فالرهبانية والأخلاص، وإن ترزنت «فثهلان ذو الهضبات ما يتحلحل» .
وطباعك جعلت فداك طباع الخمر إلا أنك حلال كلك، وجوهرك جوهر الذهب إلا أنك روح كما أنت. وقد حويت خصال الياقوت إلا ما زادك الله عليه، وأخذت خصال المشتري إلا ما فضلك الله به، وجمعت خلال الدر إلا ما خصصت به دونه. فلك من كل شيء صفوته ولبابه وشرفه وبهاؤه. وهل يضر القمر نباح الكلب، وهل يزعزع النخلة سقوط البعوضة عليها.؟
[22- عودة الى قيمة المزاح والجد]
فأما القول في المزاح فقد بقي أكثره ومضى أقله. وقد ذهب الناس في
(1/466)

المزاح إلى مذاهب متضادة، وسلكوا منه في طرق مختلفة. فزعم بعضهم أن جميع المزاح خير من جميع الجد. وزعم آخرون أن الخير والشر عليهما مقسومان، وأن الحمد والذم بينهما نصفان.
وسنأتي على هذه الأقاويل ثم نذكر ما نقول إن شاء الله.
فأما المحامي على الهزل والمفضل للمزح فانه قال: أول ما أذكر من خصال الهزل ومن فضائل المزح أنه دليل على حسن الحال وفراغ البال، وأن الجد لا يكون إلا من فضل الحاجة، والمزح لا يكون إلا من فضل الغنى.
وأن الجد غضب والمزح جمام. والجد مبغضة والمزح محبة. وصاحب الجد في بلاء ما كان فيه وصاحب المزح في رخاء إلى أن يخرج منه. والجد مؤلم وربما عرضك لأشد منه، والمزح ملذ وربما عرضك لألذ منه. والجد مألم التعريض للخير والشر، وباينه بتعجيل الخير دون الشر. وإنما تشاغل الناس ليفرغوا، وجدوا ليهزلوا، كما تذللوا ليعزوا وكدوا ليستريحوا. وإن كان المزاح إنما صار معيبا، والهزل إنما صار مذموما لأن صاحبه لا يكون معرضا لمجاوزة القدر ومخاطرا بمودة الصديق. فالجد داعية الى الإفراط كما أن المزاح داعية إلى مجاوزة القدر. والتجاوز للحد قاطع بين القرينين في جميع النوعين. فقد ساواه المزاح فيما هو له وباينه فيما ليس له. وإن كان المزح قبيحا لأنه يورث الجد، فأقبح من المزح ما صير المزح قبيحا، لأن الذي يكون بعده الجد، ولم يصير الجد قبيحا لأن الذي بعده المزح، كان الجد في هذا الوزن أقبح من المزح، وكان المزح على هذا التقدير أحسن من الجد، لأن ما جعل الشيء قبيحا أقبح من الشيء، كما أن ما جعل الشيء حسنا أحسن من الشيء.
وأما الذي عدل بينهما فإنه زعم أن المزح في موضعه كالجد في موضعه، كما أن المنع في حقه كالبذل في حقه. قال: ولكل شيء موضع
(1/467)

وليس شيء يصلح في كل موضع. وقد قسم الله الخير على المعدلة، وأجرى جميع الأمور إلى غاية المصلحة، وقسط أجزاء المثوبة على العزيمة والرخصة وعلى الإعلان والتقية، فأمر بالمداراة كما أمر بالمباداة، وجوز المعاريض كما أمر بالإفصاح، وسوغ في المباح كما شدد في المفروض، وجعل المباح جماما للقلوب وراحة للأبدان وعونا على معاودة الأعمال. فصار الإطلاق كالحظر والصبر كالشكر. وليس للإنسان من الخيرة في الذكر شيء إلا وله في النسيان مثله، ولا في الفطنة شيء إلا وله في الغفلة مثله، ولا في السراء شيء إلا وله في الضراء مثله، ولو لم يرزق الله العباد إلا بالصواب محضا وبالصدق صرفا وبمر الحق صفحا، لهلك العوام وانتقض أمر الخواص. ولو ذكر الإنسان كل ما أنسيه لشقي، ولوجد في كل شيء لانتكث. وقد يكون الذكر إلى الهلكة سلما كما يكون النسيان للسلامة سببا. وسبيل المزاح والجد كسبيل المنع والبذل. وعلى ذلك مجرى جميع القبض والبسط. فهذا وما قبله جمل أقاويل القوم.
ونحن نعوذ بالله أن نجعل المزح في الجملة كالجد في الجملة، بل نزعم أن بعض المزح خير من بعض الجد، وعامة الجد خير من عامة المزح، والحق أن ينضح عن بعض المزح ويحتج لجمهور الجد، وكيف لنا بذم جميع المزح مع ما نحن ذاكرون قال الشاعر:
«وذو باطل إن شئت ألهاك باطله»
وقال آخر:
أخو الجدّ إن يجدد فما من وتيرة ... لديه وإن يهزل يعللك باطله
وإن كانوا قد تسموا بعابس وعباس وشتيم وكالح وقاطب وحرب ومرة وصخر وحنظلة وحزن وحجر وقرد وخنزير، فقد تسموا بالضحاك والبطال وبسام
(1/468)

وهزال ونشيط. وقد مزح رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يقال كان فيه مزاح، وكذلك لا يقال مزّاح. وكذلك الأئمة ومن هزل في بعض الحالات من أهل الحلم والوقار. فما روي عنه صلى الله عليه وسلم قوله: «يا أبا عمير ما فعل النّغير» وقوله: «لا تدخل الجنة عجوز» وقوله: «زوجك الذي في عينيه بياض» وقد كان علي رضي الله عنه يمزح. وقال عمر: إنا إذا خلونا كنا كأحدكم. وقد كان عمر عبوسا قطوبا. وقد كان زياد مع كلوحه وقطوبه يمازح أهله في الخلا كما يجد في الملا. وكان الحجاج مع عتوه وطغيانه وتمرده وشدة سلطانه يمازح أزواجه ويرقص صبيانه. وقال له قائل: أيمازح الأمير أهله؟ فقال: والله إن تروني إلا شيطانا، والله لربما رأيتني وإني أقبل رجل إحداهن! فقد ذكرنا خير العالمين وجلة من خيار المسلمين وجبارا عنيدا وكافرا لعينا.
وبعد، فمن حرم المزاح وهو شعبة من شعب السهولة وفرع من فروع الطلاقة! وقد أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة ولم يأتنا بالانقباض والقسوة وقد أمرنا بافشاء السلام وبالبشر عند التلاقي وأمرنا بالتوادد والتصافح والتهادي. قالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك تبسما. وقالوا: كان لا يستغرق ضحكا. وقال: «دففوا على صاحبكم» .
وقال: «هذه أيام أكل وشرب وتعلل» وسمع جواري تضرب الكبر عند عائشة فلم ينكره وضحك في قيافة مجزز المدلجي ومن الاعرابي صاحب الدجال.
قد اعتذرنا من معصيتك والخلاف على محبتك مرة بالمزح ومرة بالنسيان ومرة بالاتكال على عفوك وعلى ما هو أولى بك. على اني لم ارد بمزاحك الا ضحك سنك، انظر هل هرمت إلا في طاعتك، وهل أخلقني إلا معاناة خدمتك؟ وفي الجملة إنا لو تعمدنا ثم أصررنا ثم أنكرنا لكان في فضلك ما يتغمدنا، وفي كرمك ما يوجب التغافل عنا. فكيف وإنما سهونا ثم تذكرنا ثم اعتذرنا ثم أطنبنا، فإن تقبل فحظك أصبت ولنفسك نظرت، وإن لم تقبل
(1/469)

فاجهل جهدك ثم أجهد جهدك، ولا أبقى الله عليك إن أبقيت، ولا عفا عنك إن عفوت، وأقول كما قال أخو بني منقر:
فما بقيا عليّ تركتماني ... ولكن خفتما صرد النّبال
والله لئن رميتني ببجيلة لأرمينك بكنانة، ولئن نهضت بصالح بن علي لأنهضن بأحمد بن خلف وباسماعيل بن علي، ولئن صلت عليّ بسليمان بن وهب لأدمغنك بالحسن بن وهب، ولئن تهت علي بمنادمة جعفر الخياط لأتيهن عليك بحسة وهب الدلال! وأنا أرى لك أن تقبل العافية وترغب الى الله تعالى في طول السلامة، واحذر البغي فان مصرعه وخيم، واتق الظلم فان مرعاه وبيل، وإياك أن نتعرض لجرير إذا هجا، وللفرزدق إذا فخر، ولهرثمة إذا دبر ولقيس بن زهير إذا مكر، وللأغلب إذا كر. ولطاهر إذا صال، ومن عرف قدره عرف قدر خصمه، ومن جهل قدر نفسه لم يعرف قدر غيره.
وقد رعيت لك حق نبيذك وحسن شرابك وإن كان فوق العيوق ودونه بيض الأنوق، وحق توتيائك وإن بعثت به ممزوجا فكيف لو بعثت به خالصا.
وعليك بالجد فانه خير لك، ودع البيات فانه أمثل بك، فأنت والله يا أخي تعلم علم الاضطرار وعلم الاختيار وعلم الإخبار أني أشد منك عقلا، وأظهر منك حزما وألطف كيدا، وأكثر علما، وأوزن حلما وأخف روحا، وأكرم عينا، وأقل غشا، وأجل قدا وأبعد غورا، وأجمل وجها، وأنصع ظرفا، وأكثر ملحا، وأنطق لسانا، وأحسن بيانا وأجهر جهارة، وأحسن إشارة. وأنت رجل تشدو من العلم وتنتف من الأخبار، وتموه نفسك، وتغر من قدرك، وتتهيأ بالثياب، وتتنبل بالمراكب، وتتحبب بحسن اللقاء. ليس عندك إلا ذلك. فلم تزاحم البحار بالجداول، والأجسام بالأعراض، وما لا يتناهى بالجزء الذي لا يتجزأ..!؟
(1/470)

[23- شروط التمثيل وانواع الخطأ]
فأما الباد والقامة فمن يعدل بين القناة والكرة، ومن يمثل بين النخلة والدكان وبين رحى الطحان وسيف يمان! وإنما يكون التمثيل بين أتم الخيرين وأنقص الشرين، وبين المتقاربين دون المتقاوتين، فأما الخل والعسل، والحصاة والجبل، والسم والغذاء، والفقر والغنى، فهذا ما لا يخطيء فيه الذهن ولا يكذب فيه الحس، والخطأ ثلاث: خطأ الحس، وخطأ الوهم، وخطأ الرأي، كل ذلك سبيله التنبيه والتذكير والتقويم والتأنيب، والعمد نوع واحد وسبيله القمع والحظر والضرب والقتل، وأول ذلك أن يهجره صاحب الحكمة ولا يطمعه في وعظ ولا مجالسة. وقد رأيت من يعاند الحق إذا كانت المعرفة به استنباطا، ولم أر من يعاند الحق إذا كانت المعرفة به عيانا. وأنت لا ترضى بجحد العيان حتى تدعو اليه، ولا ترضى بالدعاء إليه حتى تعادي فيه، ولا ترضى بالعداوة فيه حتى تكون لك فيه الرئاسة، ولا ترضى بالرئاسة دون السابقة، ولا بالطارف دون التالد، ولا بالتالد دون الأعراق التي تسري والمواليد التي تنمى، ولا ترضى أن تكون أولا حتى تكون آخرا، ولا بالمداراة دون المباداة، ولا بالجدال دون القتال. وحتى ترى أن التقية حرام، وأن التقصير كفر.
[24- الامام عند الشيعة]
وحتى لو كنت إمام الرافضة لقتلت في طرفة، ولو قتلت في طرفة لهلكت الأمة. لأنك رجل لا عقب لك، والإمامة اليوم لا تصلح في الاخوة ولو صلحت في الأخوة كانت تصلح في ابن العم، ثم إنها دنت من الأرحام بعد ذلك فصارت لا تصلح إلا في الولد، وفي هذا القياس إنها بعد أعوام لا
(1/471)

تصلح إلا ببقاء الإمام نفسه آخر الأبد. وهذا هو علة أصحاب التناسخ وأنت رافضي، ولم يكن هذا عندك. فاهد اليّ الآن من خالص التوتياء كما أهديت اليك باب التناسخ. وأنت ترى القتل في حق المعاندة شهادة، وترى أن مباينة المنصفين في تعظيم العنود سعادة، وأن الرئاسة في دفع الحقائق مرتبة، وأن الإقرار بما يظهر للعيون ضعة، وأن الشهرة بالمبالغة رفعة. أظهر القوم عندك حجة أرفعهم صوتا، وأخلقهم للمثوبة أصلبهم وجها، وأحسنهم تقية أقلهم حرجا، وأكثرهم عندك إنصافا أشدهم شغبا. تعشق المتهور وتكلف بالجموح وتصافي الوقاح. والأديب عندك من عاب أحاديث الجلساء، واعترض على نوادر الإخوان، وغمز في قفا النديم، ونصب للعالم، وأبغض العاقل، واستثقل الظريف، وحسد على كلّ نعمة، وأنكر كل حقيقة.
[25- علة الاستطراد]
جعلت فداك، إنما أخرجك من شيء إلى شيء، وأورد عليك الباب بعد الباب، لأن من شأن الناس ملالة الكثير واستثقال الطويل وإن كثرت محاسنه وجمت فوائده، وإنما أردت أن يكون استطرافك للآتي قبل أن ينقضي استطرافك للماضي، لأنك متى كنت للشيء منتظرا وله متوقعا كان أحظى لما يرد عليك واشهى لما يهدى إليك، وكل منتظر معظم، وكل مأمول مكرم.
كل ذلك رغبة في الفائدة، وصبابة بالعلم، وكلفا بالاقتباس، وشحا على نصيبي منك، وضنا بما أؤمله عندك، ومداراة لطباعك، واستزادة من نشاطك. ولأنك على كل حال بشر، ولأنك متناهي القوة مدبر.
[26- اسئلة على الأنبياء والمتنبئين]
خبرني: كيف كانت خدائع المتنبئين، ومخاريق الكذابين ممن قد كان
(1/472)

ترشح للتنبوء، ومن لم يظهر دعوته، ومن دعا واجتهد، ومن أجيب، ومن لم يجب. وصف لي أبواب مصايدهم وأجناس كيدهم وحيلهم، وعن اعتمادهم على المواطأة، وعن تقدمهم في الحجة، وعمن ذهب في طريق التفهم، وعن أصحاب الزّجر والتنجيم، وعن أصحاب الاسترحام، وعن إظهار الزهد وتحريم الاستمتاع، ومن وافق صورته وحاله بعض ما في البشارات المتقدمة وما في الكتب الصحيحة، ومن اتفق له غير ذلك من الشبهة. فقل في شيث بن آدم، وقل في زرادشت، وفي ماني، وفي فولس، وفيما ادّعي لمرقس ومتّى ولوقا ويوحنا. وخبرني عن الأسود العنسي، ومسيلمة الحنفي، وطليحة الأسدي، وبنت عقفان، وربعي، وأمية بن أبي الصلت، وما قصة الطائرين الاخضرين، وما كان شأن الرماح. وخبرني عن سلمى بن جندل، وما قال الهند في نزول البدّ، وقصة ابن ديصان، وما قول عبدة الكيان وعباد قوة الهيولى وأصحاب البيضة، ومن عبد النجوم وثبت لها الحس والعلم والنفع والضر، ومن جعل كل داع إلى الله بالصواب والعدل وصلة الرحم ونفي الجهل نبيا، ومن أنكر أصل النبوة البتة، وما تقول في حنظلة بن صفوان، وخالد بن سنان؟ وقل في الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها، وهل يجوز أن يكفر نبي أو يشرك أو يضل بعد هدايته، ويصير عدوا بعد ولايته، ويدل الله على كذبه كما دل على صدقه؟ وكيف صار النبي عندكم يعصي ويخطيء والإمام لا يعصي ولا يخطيء؟ وكيف ساغ ذلك في جميع النبيين وأمكن في جميع المرسلين، على كثرة عدد النبيين والمرسلين، ولم يجز ذلك في إمام واحد مع قلة عدد الأئمة مذ كانوا؟
[27- اسئلة على الاديان]
وخبرني لم تنصر النعمان ويزيد بن الحارث، وتهود ذو نواس،
(1/473)

وتمجست ملوك سبأ؟ وكيف صارت العرب فرقا بين محلّ ومحرم وأحمسي، سوى تفرقهم في الملل، وكيف لم نر أمة قط دهرية وقد علمنا أنه لا يجوز أن يتنبأ دهري؟ وكيف لم يتدهر ملك، وكيف لم نجد قول الدهرية إلا في الخاص والشاذ والرجل النادر؟ ولم كان لجميع أهل الاديان مملكة وملوك إلا الزنادقة ولم قتلهم جميع الأمم السالفة؟ ولم قضيت بهذا وقد رأينا المصدقية والدّيناوريّة والتّغزغزية! فإن قلت: لأن من لم يكن من دينه القتال ولا من غريزته البأس فهو مسلوب أو مسترق، فما بال الروم تمنع أن تسترق وأن تسلب وليس في دينهم قتال ولا جدال ولا مكافأة ولا دفع.
[28- اسئلة على العرافة والسحر]
جعلت فداك، أين كان عبد الله بن هلال الحميري صديق إبليس من كردباش الهندي، وأين كان يقع منهما صالح المديبري، وأين عبيد مج من البطيحي، وأين عبد الوارث من الهجيمي، وأين كان أبو منصور المخاريقي من جرمي، وأين بامونة من حسده، وأين قشة اليهودي من كشة، وما فصل ما بين الكهانة والشعبذة، وما فصل ما بين الحازي والعراف، وأين كان عزّي سلمة من سطيح الدئبي، وأين كان الأبلق الأسدي من رياح بن كهيلة، وأين كاهن سعد هذيم من حليس الخطاط. وحدثني عن ساحرة حفصة وساحرة عائشة [أقتلتا] باقرار منهما بكيفية السحر؟. وحدثني عن صاحب جندب بن زهير باقرار قتله أم عن معرفة منه بمعنى السحر؟. وهل ثبت جعلت فداك أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر في جف طلعة ووضع تحت راعوفة البئر أم لا؟
وخبرني: ما البحر باي، وما البارباي، وما الكروريات، وما الخواتيم، وما المناديل والسعي والأمر الذي كان في خاتم سليمان، وما
(1/474)

السكينة التي كانت في التابوت، فقد اختلف المفسرون فيها وزعموا أنها كانت رأس هر. وما سعسف ياسينية، وما الفتل، وما التوجيه؟ وخبرني: ما تأويل الزّمزمة، وما فعل المال الذي من أخذ منه ندم ومن لم يأخذ منه ندم.
وخبرني عن قول الخليل في الوهم القديم؟
[29- اسئلة على التذكر والنسيان]
وخبرني جعلت فداك عن قولك في الشعر الذي ننشده في المنام مما لم نسمع بأجود منه في اليقظة، وعن الشعر الذي نخترعه عن مناقلة الكلام وموازنة الأمور وحال النوم، وحال الآفة والنقص وصاحبه مغمور أم شبيه بالمغمور ولا يجري عليه قلم ولا يلام ولا يشكر، ولم صرنا نتذكر الشيء المهم فلا نقدر عليه حتى ندعه فأيسنا منه أجمع ما نكون أنفسا وأحسن ما نكون تذكرا، ثم يعارضنا ويخطر على بالنا في حال سهر أو في حال نوم وأغنى ما نكون عنه وأقل ما نكون احتفالا به، ولم صرنا ننسى من القصيدة بيتا أو آية من جميع السورة أو كلمة من جميع كلام الخطبة، ولم صار البلغم بالباء أولى منه بالتاء، ولم كانت المرّة السوداء بالجيم أولى منها بالحاء، وكذلك القلب المانع من الحفظ. وهل بد للحقيقة من خصائص أسباب وأعيان علل؟ وإلا فقد يجوز أن تنسى هذه القصيدة بدل تلك، ولم صار بعض الناس أحفظ للنسب وبعضهم أحفظ للاسناد، وبعضهم أحفظ للمعاني، وبعضهم أحفظ للالفاظ. ولم صرنا لا ننسى السباحة وبالاكتساب عرفناها والعادة أن المكتسب قد ينسى ويجهل، وأن الضروريات لا تجهل. وقل لي لم لم تضرب السامري، ولم لم تعض ماني وتمضه، ولم لم تبزق في وجه فرعون. أم إن الطبيعة التي هيبتك من هشام بن خلف بن قواله الكناني حين قال على رأس النعمان وأنت رجل يمان هي التي منعتك من أن تبزق في وجه
(1/475)

فرعون وأنت سمعته يقول: «وما رب العالمين» ؟ ولم أزعم أنك رجل يمان لولادة لك في قحطان، كيف وأنت أقدم من قحطان ومعد بن عدنان، ومن القرون التي خبر الله عن كثرتها وعن آبائها وأجدادها! ولكنك منهم بالهوى والنصرة، ولأنهم كانوا لك أحشاما وصنيعة.
وقل لم صار جميع الحيوان يسبح إلا الانسان والقرد والعقرب والفرس الأعسر؟ وأي شيء عندك في آصف، وفي سفر آدم، وفي جراب موسى، وفي درسب، وفي شنلة، وفي كتاب الأسماء، وفي قولهم دعا فلان باسم الله الاعظم، وما تقول في ابن عقيب، وفي أشج بن عمرو، وفي شعيب وصالح، وفي السفياني، وفي الأصفر القحطاني.
[30- اسئلة على الرياضيات]
وخبرني جعلت فداك مذ كم صنعت حساب الهسمرح، ومن صاحب خطوط الهند، وأين كتب قوم صنعة السند هند والأركند وحساب كلا سفر؟
ومذ كم عمل الباب الجامع، ومذ كم عمل الارتماطيقي، ومن سمى الجبر بالجبر، والجذر بالجذر، والنشاذر بالبارود، والأكدرية من أي شيء اشتقت، وما تأويل الدحال، وما تأويل الجمل، ومن أول من عد إلى عشرة وجعل العشرة منتهى وغاية، ثم ضاعفها وجعل غايات الأعداد عشر العشرات وعشرات عشرات العشرات أبدا، ثم كسر على العشرة مما دون أعدادها، لأن الأصابع عشرة، وكيف لم يجعل الغاية ما له نصف وثلث وربع وسدس وثمن، أم رأى أن التضعيف أبدا لا يكون إلا للعشرات، فقد نجده في عشر العشرات، أم القول الأول الأشياء كلها عشرات، ولست أعرف جعلت فداك قوله إن الانسان عشرة أشياء، كما لم أعرف قول الفزاري أن العقل كريّ، وقد علمت أن القلب كري، وأن الرأس الذي جمع الحواس كري. فأما
(1/476)

العلم والقول وما أشبههما فإنا لا نعرف هذه الأمور إلا على خلاف الأجرام الموصولة والمقطوعة، وقد شدوت من الموسيقى ولم أبلغ منه شهوتي.
[31- اسئلة على الموسيقى وبعض الكتب المعربة]
فخبرني أين كان أقليدس وميرسطوس من فيثاغورس، وأين تلامذتهما من تلامذته، وهلا قدمتم أقليدس مع صنعة البرابط والمعارف؟ وأين أرشخانس من مورسطس، وأين ريوشت من فلهوذ، ولم قتله وهو فوقه في الإطراب والصنعة وفي الرواية والرئاسة، ولم عفا سابور عن قتله بعد إقراره بقتله وبعد أن سحب الى الفيلة وعزم على إمضاء الحكم. وأين كانت هر وفرتنا من الجرادتين، وأبو طيبة والرباب من السردان والمهراس، وأين حبابة من سلّامة صاحبتي يزيد، وأين عزة الميلاء من جميلة الحدباء، وأين حيية من الميلاء.
وخبرني عن غناء الركبانية للمصطلق أخذته منه الركبان أم للركبان وهل رجعه بخسر المصطلق، وزعمت أن الاهراج لليمن، وأن النصب للقينات، فلمن السناد؟ فخبرني أين كان ضبيس بن حرام من المصطلق بن سعيدة، ولم جعل المعلم النغم يعد لليوناني ست عشرة نغمة؟ ألأنه لم يدرك أكثر منها أم لأنه ليس في الحلقة إلا ما أدرك، ولم جعل الرعب للسوداء، والحزن للبلغم، والجرأة للصفراء، والسرور للدم. ولم فسر الأوتار على ذلك فجعل الزير للصفراء، والمثنى للدم، والمثلث للبلغم، والبم للسوداء! وقال: ألزير لطيف ناري خفيف، والمثنى هوائيّ بين طبيعة النار وهو دون النار في الخفة وبين طبيعة الماء وهو فوق الماء في الخفة، والمثلث كالماء، والبم كالأرض، وفي المثنى ضعف وزن الزير، وفي المثلث ضعفا وزن الزير، وفي البم ثلاثة أضعاف. ولم زعم أن من اللحون ما يقلق ويفرق فإن زيد فيه نقض وإن قوي قتل. وأن فيها ما يغير فان زيد فيه غشىّ وإن قوي أجمد فإن
(1/477)

قوي قتل. فجعل لحنا مطلقا يقتل بالإذابة، وجعل لحنا يقتل بالاجماد. ولم وصف اللحون بالإجماد والاضاعة كما توصف السموم القاتلة؟. خبرني عن صنعة البربط، للمك أم لرفائيل أم لأقليدس؟ وما تقول في قولهم إن لمكا عمل العود على صورة فخذ ابنه ساقها وقدمها وأصابعها وأنه جعل الصدر الفخذ، والساق الإبريق، والقدم المشط، والأصابع الملاوي، والأوتار العصب والعروق.
جعلت فداك كيف حفظك لكتاب كاوريد، وقد خبرني بعض المتكلمين أنه رأى بسيراف مجوسيا يحفظه وهو في ألف جلد بخط مقارب. وكيف حفظك لكتاب الطرف وهل لقيت واضعه أيام أدخلك بلاد الروم نزول عطارد؟
وخبرني عن أسرار الهند ألرجل بعينه أم لشورى؟ ولم زعموا أن العقوق يورث البرص، وهذا مما لا يعرف في الطب. ومن صاحب الشطرنج، ومن صاحب كليلة ودمنة، ومن واضع الكوكلة، ومن طبع القلعة، ولم صار الهندي والرومي لا يحفلان بالسندي في حال الأسر ويرغبان عنه في حال القتال. وقد اختلفوا علينا في النعال السندية فزعم قوم أن صاحب كتاب الباه كان قصيرا منكرا وكان بالنساء مستهترا وأنه احتال بها لجسمه حتى وصلها برجله ليكون ثخنها زائدا في طوله فلما طالت الأيام ومضت الدهور ظن من لا علم له أنها اتخذت للزينة أو لضرب من المرفق. وقال آخرون: بل اتخذت للعقارب ليلا وللطين نهارا، فلما طال عليها نسي السبب، وذلك أن أكثر الرداغ لا تستغرق ثخنها وابرة العقرب لا تكاد تجاوزها وقال آخرون: بل إنما اتخذتها ملوكها لمكان أصواتها وصريرها استئذانا على أزواجها وأمهات أولادها وعلى جميع محارمها لحالات تكنّ عليها وأمور تكن فيها، فصار صريرها تدنأ واستئذانا.
وزعم إسماعيل بن علي أنك أنت الذي كنت أمرت باتخاذها وأشرت بصنعها، وأنك تكتم السر الذي فيه، وأنك الذي علمتهم مضغ التانبول ودبغ تحمير الاسنان، وتطيب النكهة، وأكل السعد لما أنت أعلم به، والتصندل لما لا
(1/478)

يجوز المكاتبة فيه، وأنك أول من احتبى هناك واستاك وفرق شعره وعلم الخضاب أهله. وكيف وقد زعمت أن الاحتباء إنما صار فيهم وفي العرب لأن نازلة العمد والصحاري وسكان الفيافي والبراري وكل من ليس لشماله مرفقة ولا لظهره مسندة ولا لفخذه جنة لا بد أن يشتكي ظهره إذا طال انتصابه وكثر جلوسه، ومن احتاج احتال، ومن استغنى تبلد. فأخرجت لهم الحبكة للحبوة حتى قامت لهم مكان المتكأ والمسند. فقد قال لك كسرى: فما بال الترك والخزر وجميع أهل الصحاري والعمد لا يعرفون الاحتباء، والحاجة واحدة والعقول سليمة، فلم أمسكت يومئذ عن الجواب؟ ألأنه استفهم استفهام الراد أو نفست به على من شهد ذلك المشهد؟
[32- اسئلة على المعرفة وطرقها]
وأنا جعلت فداك أعلم إنّي أسمع ولا أعقل كيفية السمع، وأعلم أني أبصر ولا أعقل كيفية البصر، ولا أدري أمعدن العقل الدماغ والقلب بابه وطريقه، كما أن معدن اللون جميع النفس والعين بابه وطريقه، أم معدن العقل القلب دون الدماغ أو لعلهما موصولان غير مقطوعين. وقد اعتل قوم للدماغ بأن جميع الحواس في الرأس. واعتل قوم بالحس وبما يجدون في قلوبهم من الرعب والإضطراب وغير ذلك. فكيف القول فيه وعلام عزمت منه. وكيف صار الناظر يبتدي من جهة وإن كان يعرف الله فكيف عرفه، أباضطرار أم باكتساب. وكيف جهل سليمان موضع ملكة سبأ، وهو ملك وشأنه عظيم والجن له مسخرة والطير له برد والريح له أداة، وكيف جهل يوسف مكان أبيه وحاله في الحزن عليه حاله وهو ملك نبي، وكيف جهل أبوه مكانه وهو نبي، وليس أنبه من نبي، وملك هذا بالشام والآخر بمصر. وما تقول في أهل التيه وعن ترددهم أربعين عاما في مكان واحد وعقولهم معهم،
(1/479)

وإنما يجولون ليقفوا على الطريق، فكيف أضل الجميع الطريق مع ارتفاع الذكر وشدة الطلب. وخبرني عن كلام عيسى في بطن أمه ثم في المهد، وعن عقل يحيى في حال الصبا، أكانا في حالهما يتعقلان ما لا يعلمان أم ينطقان بما يعلمان؟ وكيف علما، أبتجربة واستنباط وعن تمام أداة وكمال آلة، أم من طريق الإلهام والإخراج من العادة.
وقد تعجب ناس من إطالتي ومن كثرة مسألتي، وتعجبي من تعجبهم أشد والذي كان من إنكارهم أعظم ولو رغبوا في العلم رغبتي ورأوا فيه مثل رأيي وكانوا قرأوا كتابي إليك في شيبتي وأيام شباب رغبتي لاستقلوا من ذلك ما استكثروا ولا ستقصروا منه ما استطالوا. فإن أذنت لي أظهرته، وإن تجد علي أعلنته.
وسنقول: ما دعاك إلى التنويه بذكري وتعريف الناس مكاني، وقد تعرف حشمتي وانقباضي ونفوري واستيحاشي! ولولا أنك جعلت فداك مسؤول في كل زمان والغاية في كل دهر لما تفردتك بهذا الكتاب، ولما أطمعت نفسي في الجواب. ولكنك قد كنت أذنت في مثلها لهرمس، ثم لافلاطون، ثم لأرسطاطاليس، ثم أحببت معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، وعمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء، وإبراهيم بن سيار، وعلي بن خالد الاسواري، فتربية كفك والناشي تحت جناحك أحق بذلك وأولى، وقد كان يجب أن تكون على ذلك أحرص وبه أعنى.
[33- اسئلة على المرائي والابصار]
وخبرني عن المرائي كيف صارت ترى الوجوه ويبصر فيها الخلق وكذلك كل أملس صقيل وصاف ساكن، كالسيف، والوذيلة، والقوارير، والماء الراكد، حتى الحبر البراق، والحدقة السوداء إذا كان الناظر في الحدقة أبيض
(1/480)

والحدقة المغربة إذا كان الناظر فيها أسود. وكيف صار الماء الجاري والنار الملتهبة والشمس ذات الشعاع لا تقبل الصورة ولا يثبت فيها الخلق. وعن قول من زعم أنه ليس في القمر محق ثابت، ولا كمد جامد، ولا سواد واكد، وإنما ذلك شيء رآه الناس فيه إذ كان أملس صقيلا بمقابلة الأرض وما فيها كما يرى من قابل الحدقة صورة إنسان، وليس هناك صورة، وإنما هو شيء يوجد عند المقابلة. ولم صار بعض المرائي يرى الوجه والقفا ويرى الرأس منكسا، ولم كنت لا تجد كتاب الستور والمطارح فيها أبدا إلا مقلوبا، وما تلك الصورة الثابتة في المرآة أعرض أم جوهر أم أي شيء، وحقيقة أم تخييل، والذي نرى أهو وجهك أو غير وجهك فان كان عرضا فما الذي ولده وما الذي أوجبه والوجه لم يماسه ولم يعمل فيه. وهل أبطلت تلك الصورة المرئية صورة مكانها في المرآة، ولم وأنت لست تراها في نفس صفيحة المرآة، ولم وكأنك تراها في هواء خلف جوفها، وهل أبطل ذلك اللون الذي هو في مثال لونك لون المرآة؟ فإن لم يكن أبطله فهناك إذا صورتان في جسم في حال واحد، أو لونان في جوهر واحد. وإن كان قد أبطل لون الحديد فكيف أبطله من غير أن يكون عمل فيه، وكيف يعمل فيه وحيزه غير حيزه وهو لا مماسّ ولا متصل ولا مصادم. وسواء ذكرنا صفيحة الحديد أم ما خلفها من الهواء وما قدامها من الفرجة، كل ذلك جسم ذو لون. فان اعتللت بالشعاع الفاصل والشعاع يخالف في الحس، كذلك الحساس وكذلك المحسوس، وكيف نرى المخالف وكيف والشعاع لون وبياض والنفس الحساسة لا تدرك بشيء من الحواس وما الفرق بين الأثعبان والاحللان وعن قول ما بين السمون والحفرة.
وخبرني عن القرسطون كيف أخرج أحد رأسيه ثلاثمائة رطل زاد ذلك أم نقص ووزن جميعه ثلاثون رطلا زاد ذلك أم نقص. وما تقول في السراب، وما تقول في الصدى، وما تقول في القوس، وما تقول في طريقة الحمرة،
(1/481)

وفي طريقة الخضرة، وكيف اختلفتا والهواء واحد وما يقابلهما واحد، وهل ذلك اللون حقيقة أم تخييل.
[34- اسئلة على الالوان]
وخبرني عن لون ذنب الطاووس ما هو، أتقول بأنه لا حقيقة له وإنما يتلون بقدر المقابلة أم تقول إن هناك لونا بعينه والباقي تخييل! وما تقول في عس الماء كيف اشتد صوته بلا باب والصوت لا بد له من هواء، وإذا اشتد فلا بد له من باب، وما نقول في خضر السماء، أهو خضر جلدها كما تقول، أم ذلك لحر الهواء كما يقول خصمنا؟ وهل تزعم أن الأفلاك ذات لون؟ فان كان لها لون فقد احتملت جميع الأشكال، وهذا خلاف ما يقولون. وإن لم تكن ذات لون فالسماء إذا غير الفلك فهذا هذا. ونقول أيضا إن كنا لا نرى القرى المستطيلة البنيان المختلفة من البعد إلا مستديرة فلعل الشمس مصلبة والكواكب مربعة. وما تقول في المد والجزر، أمن ملك يضع رجلا ويرفع رجلا، فان كان كذلك فلعل مدبر الفلك ملك ولعل صوت الرعد صوت زجر ملك، فندع الفلسفة ونأخذ بقول الجماعة، أم نزعم أن المد والجزر من نفس الجواذب إذا جذب وإذا رفع! وما تقول في قول من زعم أن القمر مائي وأشبه الكواكب بطبيعة الأرض، فانما يكون الجزر والمد على مقادير جذبه للماء وإرساله له، ذلك معروف في منازله ومجاريه يعرف ذلك أهل الجزر والمد.
[35- اسئلة على القيافة والظلام]
وخبرني كيف صارت القيافة في النسبة وفي الماء والجو والتربة، وليست القيافة تكلفا وصنعة، ولا عرفت بالاستنباط والفكرة، فتكون لمن تعلم دون
(1/482)

من يتعلم، نجدها في بني مدلج، ثم في خاص من خثعم، وكذلك خزاعة، وهي في قريش أقل. وهي في بني أسد أقل، وليس هؤلاء لأب ولا يجمعهم بلد، وليس فيما بين البلدين قافة وهي فيهم على هذه الصفة. وكيف لم يختلفوا في لغتهم فينطق بعضهم بالزنجية وبعضهم بالنبطية وبعضهم بالفارسية. فان قلت فارقهم المعجم والشاعر والبكي والغرير، فان الشاعر وإن كان القريض عليه اسهل وهو على القوافي أقدر فإنه يتروى الشعر ويصنعه ويتفرد له ويفكر فيه، وكيف صار الانسان يعيش حيث تعيش النار ويموت حيث تموت النار، يصاب علم ذلك في الحباب وفي الغيران، ولم صار يبصر النجوم من قعر البئر العميقة ولا يبصرها أبدا إلا وهو خالص الظلمة. وخبرني عن الظلام أجسم موجود عند زوال الضوء، أم تأويل قولنا ظلام إنما نريد به دفع الضوء! فإن كان الظلام معنى أفتراه انقمع في الأرض وكمن عند انبساط الضوء وردع الشعاع، أم الأرض قرص للضلام كما أن عين الشمس قرص للضياء، وإن كان قائما فكيف لم يتنافيا. وإن كانا قد تداخلا فكيف لم نجدهما على منظر الأعين، ولو كان الأمر كذلك فنحن إذا لم نر ضياء قط ولا ظلاما.
[36- اسئلة على نقص الاعضاء الداخلية]
وخبرني جعلت فداك لم زعمت أن الحس للعصب، وأن الشر عصب جامد وأن الرئة لا حس لها، وأن من أدام سف اللبان لم يؤلمه المؤلم وألذه الملذ، وكيف يلذ من لا يألم، ولو جاز ذلك لعرف الصواب من يجهل الخطأ، ولعرف الصدق من يجهل الكذب. هذا ما عندي من العلم البراني وأنت أبصر بالعلم الجواني.
وزعم بعض تلاميذك أنك تعلم لم كان الفرس لا طحال له، ولم صار
(1/483)

البعير لا مرارة له، ولم كانت السمكة لا رئة لها، ولم كانت حيتان البحر لا ألسنة لها، ولم حاضت الأرنب ولم اجترت، ولم كان قضيبه من عظام ولم كانت علائق أجواف السبع أفرادا إلا الكلية. وزعمت أنك تعرف في الخفاش سبعين أعجوبة، ونحن لا نعرف إلا سبعا، وأنك تعرف في الذهب مائة خصلة كريمة، والناس لا يعرفون إلا عشرا، وأنك تعرف في البعير ألف داء ودواء والأعراب لا تدعي إلا مائة داء غير دواء.
[37- اسئلة على السحر والشيطان]
جعلت فداك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كاد البيان أن يكون سحرا» وقال: «إن من البيان لسحرا» وقال عمر بن عبد العزيز وسمع رجلا يتكلم بكلام بليغ عجيب لطيف رقيق: هذا والله السحر الحلال. وقال الناس لذي المكر والخلابة ولذي الرفق والتأتي: ما هو إلا ساحر، وقد سحر بكلامه. وقالوا للمرأة: ساحرة العينين. وقد ذكر الله السحرة في القرآن وأخبر عن هاروت وماروت وخبر عن النفاثات في العقد. وقال الناس: لهو أقبح من السحر. إذا أرادوا نفس المعنى المشبه به والمعنى المحصول عليه والسحر نفسه. وما الذي اشتقت منه هذه الأمثال؟ ولم تجدهم أبقاك الله سموا كهان العرب سحرة، ولا العرّاف ساحرا، ولا الحازي، ولا صاحب الطّرق، ولا من كان معه رئيّ، ولا من ادعى تابعة من لدن عمرو بن لحيّ إلى يومنا هذا.
وما قاله [الساحر] اذا عقد عقدا أو دفن صورة بالأندلس لرجل بفرغانة وإذا صور شمعتين وخرطهما على مثال إنسانين ودفنهما وخبأ مكانهما وقابل بين وجوههما تقابلا بالمودة، وإن دابر بينهما تدابرا بالعداوة. وقل لي من يتولى هذا له ومن يقوم له به ومن يتطوع به عليه، فإن قلت الشيطان، فلم فعل هذا له وأول شيطنته أن لا يطيع من هو فوقه، فإن قلت: بالعزائم التي لا ترد
(1/484)

والأيمان التي لا تدفع، فقد عزم الله عليه بالقرآن والتوراة والانجيل فلم يجده يحفل بذلك ولا يرى له قدرا ولا يكترث له ولا يراه سببا. وأخبرني ما هذه العزيمة التي إذا سمع بها أجاب، وإذا ظهرت له أناب، ومن أين عرف الإنسان هذه العزيمة، ومن أين وقع عليها، ومن له بها، أهو صنعها أم صنعت له فإن يكن الشيطان هو الذي ابتدأه بها فقد ابتدأه إذا بتعريف العزيمة قبل أن يعزم عليه، وقد تطوع بأعظم الأمور، فما الذي يحوجه الى العزيمة في أصغرها، فقل في هذا. وإن زعمت أن العازم صاحبه دون الشيطان، والعازم مسلم وإن كان مسلما ولذلك أجاب العزيمة وعظم الإخلاف، فلم يخبل له الأصحاء ويقتل المرضى ولم يحبّب ويبغض، ولم يفرق بين المرء وأهله، وبين الولد البارّ وأمه، ولم يجتلب العفائف إلى الزناة، ولم يعذب ويقتل؟ وهذا متناقض.
[38- اسئلة على بعض عجائب الحيوانات]
ولم قيل أعق من ضب وأبر من هرة، وهما جميعا يأكلان أولادهما، ولم عال الذئب أولاد الضبع إذا قتلت أو ماتت حتى قال الشاعر: «حتى عال أوس عيالها» وهل يفهم الضبع قولهم: خامري أم عامر؟ وما بال الظبي لا يدخل كناسه إلا مستدبرا وهل يجوز قولهم في نوم الذئب قال الشاعر:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... المنايا بأخرى فهو يقظان هاجع
ولم نامت الأرنب مفتوحة العينين، ولم أكل الذئب صاحبه إذا رأى به دما، وما بال الجن والثيران، وما بال الشياطين والورشان، وهل في الحيات جنان. وما معنى قولهم: كأنما كسر فجبر. وما تأويل الحديث: يؤخذ للجماء من القرناء. ويكلف أن يعقد بين شعيرتين.
(1/485)

[39- الجواب على هذه الأسئلة موجود في كتب الجاحظ]
ولم زعمت أن عمر نوح أطول الأعمار مع قولك أن جميع الأنبياء قد حذرت من الدجال، وأن الدجال إنسان. وقد سألتك وإن كنت أعلم أنك لا تحسن من هذا قليلا ولا كثيرا، فإن أردت أن تعرف حق هذه المسائل وباطلها وما فيها خرافة وما فيها محال وما فيها صحيح وما فيها فاسد، فالزم نفسك قراءة كتبي ولزوم بابي وابتدىء بنفي التشبيه والقول بالبداء واستبدل بالرفض الأعتزال، وأن أتنكر منعك بعد التمكين والبذل وبعد التقريع والشحذ فلا يبعد الله إلا من ظلم.
[40- مجموعة من حكم الفلاسفة]
وقد بقيت لي عليك مسائل وهي خاتمة الكتاب ومنتهى المسائل: أيهما أحسن قول بقراط مفسرا: العمر قصير والصناعة طويلة والزمان جديد والتجربة خطأ والقضاء عسر، أم قول أفلاطون مجملا: لولا أن في قولي أني لا أعلم تثبيتا لأني أعلم لقلت إني لا أعلم، أم تواضع أرشخانس حيث يقول: ليس معي من فضيلة العلوم إلا علمي بأني لست بعالم. فانظر في آخر هؤلاء ثم انظر في قول ديمقراط: عالم معاند خير من عالم منصف جاهل، وفي قول تلميذه الأول: الجاهل لا يكون منصفا والعالم لا يكون معاندا وقد يكون العالم معاندا. ثم انظر في قول ريسموس: لولا العمل لم يطلب علم، ولولا العلم لم يطلب عمل، ولأن أدع الحق جهلا به أحب الي من أن أدعه زهدا فيه، وإن كان الجهل لا يكون إلا من نقصان في آلة الحس فإن المعاندة [هي] زيادة في آلة الشر، ولأن أترك جميع الخير أحب إلي من أن أفعل بعض الشر، ثم انظر في قول تومقراط؛ العلم روح والعمل بدن، والعلم أصل
(1/486)

والعمل فرع، والعلم والد العمل مولود، وكان العمل لمكان العلم ولم يكن العلم لمكان العمل. فالسبب الجالب خير من السبب المجلوب، والغالب خير من المغلوب. وانظر في قول اقليمون: ألعلم كان من العمل والعمل غاية، والعلم رائد والعمل مرشد. ثم انظر في قول ارسطاطاليس: ليس طلبي العلم طمعا في بلوغ قاصيته ولا سبيلا إلى غايته ولكن التمس ما لا يسع جهله ولا يحسن بالعاقل خلافه. ثم انظر في قوله: قد عرفت الارتماطيقى، وأيقنت معرفة الموسيقى، وعرفت المساحة، فلم يبق إلا علم الآلهي ومعرفة الاصلاح. ثم انظر في قول مورسطوس: عرفت أكثر المقصود وأقل ما يوقف عليه من المبسوط، وقليل الكثير كثير، وكثير القليل كثير.
ثم انظر في قول اقليمون: ما أقل منفعة كثير المعرفة مع شرف الطبيعة واقتصاد الشهوة. ثم انظر في قول تلميذه الأول: غلبة الطبيعة تبطل المعرفة وتنسى العاقبة ولو كانت المعرفة ثابتة لكانت هي الغالبة. ثم انظر في قول تلميذه الثاني: ليس بعلم ما كان مغلوبا وليس بفهم ما كان مغمورا بل لا يكون مغلوبا إلا بالنقص والخبال ولا مغمورا إلا بالغلبة والانتقاض. ثم انظر في قول ما سرجس: من قصر عن طلب العلم لرغبة أو رهبة أو منافسة أو شهرة. كان حظه من الرغبة وحظه من الرهبة على مقدار حق الرهبة. ومن طلب العلم لكرم العلم والتمسه لفضل الإستبانة كان حظه منه بقدر كرمه وقدره، وانتفاعه به على حسب استحقاقه في نفسه.
وقد اختلفوا في العقل بأكثر من اختلافهم في العلم، فمنعني من ذكره لك غموضه عليك واستتاره عنك، وعلمت أني لا أقدر أن أصوره لك دون دهر طويل، ولا أضمنك معناه دون تربيب كثير.
[41- فوائد هذا الكتاب]
هذا الكتاب مرض مع ما فيه من الأخلاط من أشكال وأضداد، ومن
(1/487)

الجد والهزل، ومن الحظر والإطلاق، ومن الاستئناف والقطع، ومن التحفظ والتضييع، ومن التثبيت والتهاون، إذا أريد به تقريع معجب أو تكشيف مموه، أو امتحان مشكل، أو تخجيل وقاح، أو قمع ممار، أو ممازحة ظريف، أو مساءلة عالم، أو مدارسة حافظ، أو تنبيها على الطريق، أو تجديدا للذهن.
[42- حاجة العقل الى الشحذ]
والعقل حفظك الله أطول رقدة من العين، وأحوج الى الشحذ من السيف، وأفقر الى التعهد، وأسرع الى التغير، وأدواؤه أقتل، وأطباؤه أقل، وعلاجه أعضل. فمن تداركه قبل التفاقم أدرك أكثر حاجته، ومن رامه بعد التفاقم لم يدرك شيئا من حاجته. ومن أكبر أسباب العلم كثرة الخواطر ثم معرفة وجوه المطالب، ثم في الخواطر الغث والسمين، والفاسد والصحيح والمسرع إليك والبطيء عنك، والدقيق الذي لا يكاد يفهم، والجليل الذي لا يلقى الفهم. ثم هي على طبقاتها في التقديم والتأخير، وعلى منازلها في التباين والتمييز. والمطالب طرق، ولدرك الحقائق أبواب، فمن أخطأها وانتظر كان أسوأ حالا ممن لم يخطئها ولم ينتظر. وعلى قدر صحة العقل يصح الخاطر، وعلى قدر التفرغ يكون التنبه- هذا جماع هذا الباب وجمهوره وأقسامه وجملته. ثم من أنفع أسبابه الحفظ لما قد حصل والتقييد لما ورد والانتظار لما يرد أن لا تخلي نفسك من الفكرة إلا بقدر جمام الطبيعة، وأن تعلم أن مكان الدرس من الحفظ كمكان الحفظ من العلم، وأن تعرف فضل ما بين طلب العلم للمنافسة والشهرة وبين طلبه للرغبة والرهبة، وأن تعلم أن العلم لا يجود بمكنونه ولا يسمح بسره ومخزونه إلا لمن رغب فيه لكرم عنصره، وفضله لحقيقة جوهره، ورفعه عن التكسب وصانه عن التبذل، وأنه لا يعطيك خالص الحكمة حتى تعطيه خالص المحبة. وكان يقال: من شاب
(1/488)

شيب له وخصلة ينبغي ان تعرفها وتصطنعها وتذكرها وتقف عندها وهي ان تبدأ من العلوم بالمهم، وان تختار من صنوفه ما انت له انشط والطبيعة به اعنى، فإن القبول على قدر النشاط، والبلوغ فيه على قدر العناية. ثم من أفضل أسبابه تخليص أخلاطه وتمييز أجناسه والمعرفة باقداره حتى تعطي كل معنى حقه من التقريب والرفعة، وقسطه من الإبعاد والضعة وحتى لا تتشاغل إلا بالسمين الثمين وبالخيطر النفيس، ولا تلقى إلا الغث الخسيس والحقير السخيف، فانك متى كنت كذلك لم تميز فضل ما بين النظرين ولا فرق ما بين النعتين. والكيس كل الكيس والحذق كل الحذق أن لا تعجل ولا تبطيء وأن تعلم أن السرعة غير العجلة، وأن تعلم أن الأناة خلاف الإبطاء، وأن تكون على يقين من درك الحق إذا وفيته شرطه، وعلى ثقة من ثواب النظر إذا أعطيته حقه.
[43- الخاتمة!
هذا جملة العذر في هذه الرسالة، وجملة الحجة فيما قدمنا من الافتنان والإطالة. فان كنا أصبنا فالصواب أردنا وإلى غايته أجرينا، وإن كنا قد أخطأنا فما ذلك عن فساد من الضمير ولا عن قلة احتفال بالتقصير. ولعل طبيعة خانت، أو لعل علة حدثت، أو لعل سهوا اعترض، أو لعل شغلا منع.
خفض عليك أيها السامع فان الخطأ كثير غامر ومستول غالب، والصواب قليل خاص ومقموع مستخف. فوجه اللائمة الى أهلها وألزمها من هو أحق بها، فإنهم كثير ومكانهم مشهور. كنت أتعجب من كل فعل خرج من العادة فلما خرجت الأفعال باسرها من العادة صارت بأسرها عجبا، فبدخول كلها في باب التعجب خرجت بأجمعها من باب العجب. وقد ذكر الله تعالى التعجب في كتابه، وقد تعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمانه، وفي الناس يومئذ
(1/489)

الناقص والوافر والمشوب والخالص والمستقيم والمعوج. قال الله تبارك وتعالى لنبيه وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ
وقال بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ
واعلم أنه لم يبق من المتعجب القائل إلا نصيب اللسان، ولا من المستمع القائل إلا حصة السمع. وأما القلوب فخاوية قاسية وراكدة جامدة، لا تسمع داعيا ولا تجيب سائلا قد أغفلها سوء العادة واستولى عليها سلطان السكرة. فدع عنك ما لست منه فان فيما أورده عليك شغلا وهما داخلا.
إعلم أن الله تعالى قد مسخ الدنيا بحذافيرها، وسلخها من جميع معانيها، ولو مسخها كما مسخ بعض المشركين قردة، أو كما مسخ بعض الأمم خنازير، لكان قد بقي بعض أمورها وحبس عليها بعض أعراضها، كبقية ما مع القرد في ظاهره من شبه الآدمي، وبقية ما مع الخنزير في باطنه من شبه البشري، لكنه جل ذكره مسخ الدنيا مسخا متتبعا ومستقصى مستفرغا، فبين حاليهما جميع التضاد، وبين معنييهما غاية الخلاف. فالصواب اليوم غريب وصاحبه مجهول. فالعجب ممن يصيب وهو مغمور، ويقول وهو ممنوع، فإن صرت عونا عليه مع الزمان قتلته، وإن أمسكت عنه فقد رفدته، ولسنا نريد منك النصرة ولا المعونة ولا التأنيس ولا التعزية، وكيف أطلب منك ما قد انقطع سببه وأجتث أصله. وقد كان يقال: من طلب عيبا وجده. هذا في الدهر الصالح دون الفاسد. فان أنصفت فقد أغربت، وإن جرت فلم تعد ما عليه الزمان. وهب الله لنا ولك الإنصاف وأعاذنا وإياك من الظلم.
والحمد لله كما هو أهله، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1/490)

21- هامش كتاب التربيع والتدوير
(1) لم يبدأ الكتاب بالمقدمة التقليدية التي عهدناها في كتب الجاحظ. هذا يدل على انها حذفت، وان قسما من الكتاب بتر. ومطلع الكتاب المتعلق بالتعريف باحمد بن عبد الوهاب المثبت هنا (حوالي اربع صفحات ساقط من طبعة عبد السلام هارون وموجود في طبعة السندوبي) .
(2) نجد مقدمة مبتسرة هنا: «بسم الله الرحمن الرحيم: اطال الله بقاءك واتم نعمته عليك وكرامته لك» . هذه المقدمة ارجح انها مقحمة من قبل الناسخ وليست للجاحظ.
(3) قوله ان احمد بن عبد الوهاب لا يتورع عن مطاولة ابي جعفر اي محمد بن عبد الملك الزيات ومخاشنته ومنافرته في المجالس الحافلة بكبار الحكام، ولا تحدي الجاحظ والتطاول عليه، يبين لنا الدافع الذي حفزه على كتابة هذه الرسالة. لقد ضاق ذرعا من تطاول هذا الكاتب المعتد بنفسه فشن عليه هذه الحملة من السخرية والاستهزاء والتقبيح والتشنيع.
(4) لاحظ كيف يهزأ من كبرسن احمد بن عبد الوهاب فيتهمه بالخرف ويقارن عمره المديد باعمار الهيولى (المادة الأولى للعالم عند ارسطو والمشائين وهي قديمة وليست حادثة) ونسر لقمان.
(5) الطوفان كما جاء في الكتاب المقدس والقرآن. وسيل العرم الذي نتج عن انهيار سد مأرب في اليمن. وقد القى الجاحظ اضواء على ما يتعلق بالطوفان مثل سفينة نوح وغرابه، والقبائل التي بادت بسببه.
(6) معلومات تاريخية قديمة تتعلق بجرهم وطويس وهرمس وارميا او الخضر ويحيى
(1/491)

إبن زكريا وسوس المنتظر، وقير وعيرى، واولاد السعالى، وقحطان وعدنان وقضاعة وحمير وطيء وهاروت وماروت.
(7) في الطبيعة يطرح اسئلة محيرة مثل الماء وتكونه ونضوبه، وعمل الفلك في عالم الارض، وكيف تفرق الناس الى اعراق مختلفة الالوان، وسر الوراثة والشبه بين الاب والابن.
(8) علم الحياة يطرقه باب الجاحظ فيتساءل عن أطول المخلوقات عمرا: الانسان ام الحية ام الضب. ومتى يتوقف النسر عن السفاد والتناسل، ولم لا ينسل البغل.
(9) وعلم الآثار يحتل مركزه من اهتمام الجاحظ، فيسأل عن باقي كعبة نجران، وغمدان، وتدمر، والهرمين، ومأرب، والابلق الفرد في الحيرة ...
(10) اثر الأقليم في البشر، وعلى اي اساس قسمت الارض الى اقاليم، وما هو السبب في اختصاص سكان اقليم بمهنة دون أخرى.
(11) الاوثان ومكانها وزمانها مثل ود وسواع ويغوث ويعوق ومناة والعزى والغبغب وعائم واساف ونائلة الخ..
(12) الفراسة والفأل والشجم او معرفة الغيب تشغل بال الجاحظ ايضا. فيسأل عن أسرار الكيمياء، والزجر، واسرار الكف، والنظر في الاكتاف، وقرض الفأرة، ودوائر الرأس، والتنجيم، والسبانح والبارح، ودماء الملوك للكلبي، وصرع الشيطان، وتلوث الغيلان الخ.
(13) الاسئلة حول معتقدات الشيعة تدل على شك الجاحظ فيها مثل عنفاء مغرب والشق الاحمر وثور الله في الارض وشعب رضوى وبيض الخفاش والجفر والرجعة والمناسخة والبداء.
(14) الجن وطبيعتهم وعملهم بالناس او علاقتهم بهم وبعض اسمائهم مثل شقلون واهرمن وافردش وابر شارش الخ..
(15) الكيمياء ومسائلها وادواتها وعناصرها يلم بها الجاحظ امثال الفرق بين الطاس والكأس، والاقبية، وصنعة الزجاج، والرخام، وصنع الذهب، والنوشاذر، والاصباغ الخ.
(16) هرمس الحكيم واهتمامه بالفلك، وافلاطون ومخالفته ارسطو اسئلة تدل على اطلاع الجاحظ عليهم.
(17) مساوىء المزاح كثيرة: السخف، التزيد، المكر، الخداع الخ.
(18) الجاحظ يطلب العفو من احمد بن عبد الوهاب لأنه مزح معه او سخر منه.
(19) للمزاح محاسن الى جانب المساوىء. لاحظ جدل الجاحظ.
(1/492)

(20) الجاحظ يعمد الى مديح احمد بن عبد الوهاب ليكفر عن اساءته اليه بسخريته، ولكن مديحه جاء ساخرا او مقلوبا مثل مديح المتنبي لكافور الاخشيدي.
(21) لاحظ جمال احمد بن عبد الوهاب وتطبيق مفهوم الجاحظ الجمالي عليه «الاعضاء الموزونة والاجزاء المقدودة مع عدم التفاوت في الاحجام. (راجع نظرية الجاحظ الجمالية في كتابنا «نحو رؤية جديدة لفلسفة الفن) ولكن السخرية تبدو واضحة في قوله مثلا «وما ندري في اي الحالين انت أجمل، وفي اي المنزلين انت اكمل، اذا فرقناك ام اذا جمعناك، اذا ذكرنا كلك ام اذا تأملنا بعضك؟ فاما كفك فهي التي لم تخلق الا للتقبيل والتوقيع، وهي التي يحسن بحسنها كل ما اتصل بها ويختال بها كل ما صار فيها..» .
(22) العودة الى حديث المزاح والجد برهان على خاصة الجاحظ الاستطرادية التي اتسمت بها آثاره الادبية خاصة.
(23) من شروط التمثيل ان يكون الشيئان متقاربين.
وانواع الخطأ ثلاثة: خطأ الحس وخطأ الوهم وخطأ الرأي. والمعرفة نوعان:
استنباطية وعيانية. (راجع نظريته في المعرفة وشروطها في كتابنا (المناحي الفلسفية عند الجاحظ، نظرية المعرفة) .
(24) الامامة عند الشيعة: يعود الجاحظ الى هذا الموضوع مرة ثانية لأن احمد بن عبد الوهاب كان شيعيا. وتجدر الاشارة هنا الى نبوءة الجاحظ بما آلت اليه الامامة عندهم وهي غيبة الامام الثاني عشر وهو المهدي المنتظر.
(25) يحتج الجاحظ لخاصة الاستطراد في أدبه بقوله ان الناس يملون الشيء الكثير ويستثقلون الطويل وان كثرت محاسنه وفوائده.
(26) الاسئلة حول المتنبي والنبي ودلائل النبوة بحثها الجاحظ واجاب عليها في كتاب حجج النبوة. فليراجع في كتاب رسائل الجاحظ الكلامية.
(27) انتشار الاديان بين الشعوب والقبائل مثل تنصر النعمان ملك الحيرة، وتهود ذي نواس ملك اليمن، وتمجس ملوك سبأ في اليمن.
(28) عودة الى الحديث عن العرافة والسحر عملا بالاستطراد الجاحظي.
(29) الاسئلة حول الذاكرة وعوامل النسيان تدل على اهتمام ابي عثمان بعلم النفس وقضاياه. وينبغي ان يكون قد بحث هذا الموضوع في بعض كتبه الضائعة.
(30) علم الرياضة لم يهمله الجاحظ وينبغي ان يكون قد الف فيه كما نستشف من اسماء كتبه الضائعة. وفي كلامه اشارة الى مصادر هذا العلم: الحساب اخذ عن
(1/493)

الهند، والجبر ساهم به العرب لأن اسمه عربي.
(31) فن الموسيقى احبه الجاحظ ولكن لم يبلغ شهوته منه لماذا؟ ومن اعلامه فيثاغورس واقليدس وغيرهم. وممن اشتهر في الطرب والموسيقى الجرادتان وابو طيبة والسرباب وحبابّة وسلامة وعزة الميلاء وجميلة الحدباء الخ..
يذكر الجاحظ اسماء عدد من الكتب المعربة التي لم يعرف اصحابها امثال كتاب كلوريد الضخم (الف مجلد) المجوسي الاصل، وكتاب الطرق الرومي الاصل، وكتاب اسرار الهند، ولعبة الشطرنج، وكتاب كليلة ودمنة.
(32) موضوع المعرفة حظي باهتمام الجاحظ كموضوع مستقل. ويبدو الجاحظ حائرا في تحديد مركز العقل هل هو الدماغ او القلب. ودور الحواس في المعرفة.
(راجع رسالة الجوابات في المعرفة، ضمن رسائل الجاحظ الكلامية) .
(33) علم البصريات والمرائي (جمع مرآة) لم ينسه الجاحظ. وهو يسأل عن طبيعة الصورة الثابتة في المرأة، هل هي عرض او جوهر وحقيقة او تخييل.
(34) الالوان وحقيقتها بحثها الجاحظ في كتاب الحيوان. وهو يسال عن الوان الكواكب، وعلاقة الاشكال بالالوان. والوان القمر وشبهه بالأرض.
(35) القيافة او علم تتبع الأثر، في التراب والجو والماء، ومن اشتهر بها من بني مدلج وخثعم وخزاعة وقريش.
ويطرح اسئلة على طبيعة الظلام.
(36) أسئلة فزيولوجية حول وجود وعدم وجود بعض الاعضاء الداخلية في اجسام حيوانات معينة كالفرس الذي لا طحال له، والبعير بلا مرارة، والسمكة بلا رئة الخ. وقد وردت هذه المسائل في كتاب الحيوان للجاحظ.
(37) عودة الى الشيطان والسحر مرة ثالثة دليل على شك الجاحظ في الموضوع، وعلى نهجه الاستطرادي.
(38) الاسئلة التي يطرحها هنا على عجائب الحيوانات شكلت الغرض الاساسي في كتابه الحيوان. وقد كان كلفا باستقصاء تلك العجائب لاظهار حكمة الله في خلقه.
(39) يخبرنا الجاحظ ان جميع هذه المسائل قد بحثها في كتبه المختلفة ومن يقرأها يعثر على الاجوبة المطلوبة. ويحث على قراءتها.
(40) هذه المجموعة من حكم الفلاسفة تبرهن على اهتمام الجاحظ بالفلسفة اليونانية وموضوعاتها.
(41) لا ينسى الجاحظ ان يمتدح كتابه ويبين فوائده بايجاز. فهو على الرغم مما فيه
(1/494)

من اخلاط واضداد وسخرية واستطراد ينفع في مساءلة العالم وممازحة الظريف ومدارسة المتعلم، ثم هو يشحذ الذهن.
(42) ان العقل بحاجة الى شحذ اكثر من السيف. هذا الرأي ابداه الجاحظ اكثر من مرة في كتبه، راجع حجج النبوة، والمعرفة الخ ...
(43) في الخاتمة يعتذر الجاحظ من الاطالة والافتنان والجدل والخطأ بسبب علة حدثت او سهو اعترض او شغل منع.
(1/495)

[الفهارس]
فهرس الاعلام
- أ-
آدم: 317، 431.
آدم، عناق بنت: 404.
آل ساسان: 136.
الأبدال: 402.
ابراهيم (المغني) : 263.
ابراهيم (الموصلي) 206.
ابراهيم (النبي) 276.
ابر بارش: 412.
ابر شارش: 412.
الأبلة: 200، 405.
الابلق الأسدي: 432.
الأبلق الفرد: 408.
إبليس: 134، 135، 322، 410، 411.
الأبرد: سفيان بن: 314.
ابي صالح، ابن: 209.
ابي صفرة، ابن: 338.
ابي الصلت: أبن: 431.
ابي طالب: علي ابن 155، 156، 161، 190، 326، 400، 427.
ابي ليلى، ابن: 390.
أبي، ابن: 116.
أبيه، زياد ابن: 356.
الأحنف: 130، 136، 286، 400.
أدريس: 402.
الأردوان: 218.
ارسطاطاليس: 445.
ارشخانس: 435، 444.
الأركون: 409.
أرميا: 402.
الأزد: 137، 173.
أساف: 409.
اسباد: 408.
(1/497)

اسعد، بنو: 441.
الاسكندر: 402.
اسماعيل: 402.
الاسود العنسي: 431.
أسيد، خالد بن: 361.
الأشكات 218.
اشيم، صلة بن: 173.
الاصمعي 400.
الاصم: 403.
الاعتزال: 444.
الاعشى: 170، 410.
الاعمش: 92، 118.
الاعور، ابو عثمان: 362.
افعى: 408.
افلاطون: 444.
اقليدس: 435.
اقليمون: 445.
الله: 99، 101، 102، 104، 108، 114، 121، 131، 145، 146، 158، 160، 195، 202، 216، 226، 239، 265، 277، 278، 391، 395، 448.
امرؤ القيس: 92، 118.
امام المسجد، سعيد بن اسعد بن:
362.
ام سلمة: 162.
اميم: 401.
الاندلس: 442.
انس: 162.
انطاكية: 402.
انو شروان: 136.
اهرمن: 412.
أوس: 109.
أويس القرني: 173.
الايادي: 394.
ايدرش: 412.
ايليا: 402.
- ب-
باب، عمرو بن عبيد بن: 362.
بابل: 314، 408.
بابك، ازدشير بن: 136، 218.
البابي: زهير: 391.
باقل: 121.
بام: 412.
ابا مونة: 432.
بجيلة 428.
بخثيشوع: 287.
بدر، حارثة بن: 316.
بدر، حذيفة بن: 137.
بنديل، ورقاء بن: 156.
برزه، ابو: 352.
بركوبر: 410.
برهوت: 409.
البسوس: 303
(1/498)

بشر المريسي 236.
البطيحي: 432.
بعاث: 303.
بغاد: 218، 279.
بقراط: 444.
بكر، قبيلة: 129، 137، 320.
بكر، أبو: 156، 161.
بلال: 403.
بلخ: 340، 401.
بلفيدون: 409.
نصر، ابن، 402.
بنطس: 403.
شهرام: 107.
نبهيا: 404.
بوران: 408.
- ت-
تبت: 409.
تدمر: 405، 408.
التشبيه: 444.
التغزغزية: 432.
تغلب، قبيلة: 109.
التمار، قاسم: 395.
تميم، قبيلة: 320.
توقراط: 444.
- ث-
الثقفي، ابو العاص: 362.
الثقفي، الحكم بن صخر: 36.
ثمود: 401.
- ج-
الجاحظ: 362، 285، 322، 362.
جاسم: 401.
جالينوس: 288.
جامع: بن: 263.
جبل، معاذ بن: 108.
جبل الماس: 403.
جبير، سعيد بن: 118.
جدعان، بن: 409.
جريس: 401.
الجرادتان: 435.
جري: 432.
جرهم: 401.
جرير: 170، 428.
جعفر، أبو: 400.
جميلة: 435.
الجنة: 121.
جندل، ابن: 43.
- ح-
حاتم الريش: 300.
الحارث، النعمان بن: 431.
الحارثي: 410.
حازم، ابن: 157.
حباب، صالح بن: 118.
الحباب، واببة بن: 158، 159.
(1/499)

حبابة: 435.
حثة، أبو: 300.
الحجاج: 95، 195، 427،
احزام، قبيس بن: 435.
الحراة: 200.
حذيفة، حصن ابن: 314.
حذيم: 408.
حزام القائد: 287.
حسده: 432.
الحسن: 114، 285، 319، 391.
حطان، عمران بن: 395.
حفصة: 432.
حنيفة، ابو: 99.
حنين، صالح ابن: 300.
حيية: 435.
- خ-
الخاركي، عمرو الأعور: 362.
خاتون: 408.
ابن خاقان، الاشيم: 316.
ابن خاقان، يحيى: 324.
خثعم: 441.
خراسان: 137، 340.
الخزاز: 167.
الخريمي: 194.
خزاعة: 402، 441.
خزرج، قبيلة: 109، 280.
الخس: 408.
الخضر: 402، 409.
الخطاب، عمر بن: 97، 118، 150، 163،-؟؟، 422، 428.
الخليل البصري: 206، 342.
خلف، احمد بن: 428.
خمعة: 408.
خيثم، الربيع بن: 173.
- د-
دارا: 314.
الدارمي، مسكين: 96.
داود، سليمان بن: 95.
داود: 160.
الدجال: 402، 409.
دجلة: 218، 401.
دحمان: 263.
الدرداء، ابو: 155.
دركاذاب: 410.
دعيميص الرمل: 408.
دلالا: 409.
دمقراط: 444.
الدنياورية: 432.
الدهرية: 432.
دوالباي: 411.
دوس: 409 4010.
ديصان، ابن: 431، 396.
ديك: 185.
دينار، ابو: 300.
(1/500)

ديوست المغني: 315.
- ذ-
ذؤيب: ابو: 225.
ذبيان: 109.
ذو نواس: 431.
- ر-
الرافضة: 409، 429.
الرباب: 435.
ربعي: 431.
ربيعة الرأي: 361.
رسول الله: 96، 99، 103، 107، 108، 118، 160، 230، 315، 427، 444.
رضوي: 411.
الرفض: 444.
الرقاش: 169.
الرقاع: 431.
رملة، أبو: 300.
روم: 136، 409، 432،.
ايام: 408.
ريموس: 44.
- ز-
زائدة، عمر بن: 117، 118، 107،.
الزابج: 409.
الزباء: 408.
الزبير، ابن: 117، 118.
زرادشت: 431.
زرارة، أوفى بن: 395.
زرزور: 400.
زكريا، يحيى بن: 402.
زكزل: 245.
زهرة، بنو: 280.
الزهرة: 402.
الزهري: 157، 161.
زهير، جندب بن: 432.
زهير، قيس بن: 314، 428.
زياد: 316، 286، 427،.
- س-
سام: 405.
السامري: 430.
ساموره: 435.
سبأ: 408، 432.
السختياني، ايوب: 226، 391.
السروان: 435.
سعد، بنو: 280.
سعد: 409، 412.
السعدي: 338.
سعر، مجاعة بن: 395.
السعلاة: 410.
سفيان، أبو، 137.
سفيان، عنبسة بن ابي: 361.
سطيح: 432.
(1/501)

سلام، احمد بن: 209.
سلامة: 435.
سلم، عقبة بن: 396.
سلم: 342.
سلمان: 402.
سمرقند: 405.
سنان، خالد بن: 430.
سنداد، 408.
سهل، الفضل بن: 431.
سواع: 409.
سوشي: 402، 409.
سياه: 185.
سيمان: 401.
سيرين، محمد بن: 430.
سيل العرم: 401.
- ش-
شبرمة، بن: 348.
شريه، بن: 408.
شريك: 263.
شعبة، بن: 339.
الشعبي: 156، 347، 350، 391،.
شق: 408.
شقلون: 412.
الشماع، ابو: 300.
الشمري، عمر بن ابي عثمان:
362.
شنقناق: 410.
شيبة، ابن: 286، 347، 348
شور، إبن: 414.
شيصبان: 410.
شيقرة: 409.
- ص-
صائد، ابن: 431.
صالح: 209.
صبيح، ابن: 341.
صفوان، خالد بن: 347، 286.
صفوان: حنظلة بن: 431.
صيفي، السائب بن: 390.
الصين، 409.
- ض-
ضمرة، ضمرة بن: 395.
- ط-
الطائف: 162.
طاهر: 428.
طبيحا: 404.
الطرماح: 377.
طسم: 401.
الطفيل، عامر بن: 137.
طلحة: 431.
الطوسي: 377.
طويس: 402.
طيء: 402.
طيبة، ابن: 435.
(1/502)

- ع-
عائشة: 157، 432.
عائم: 409.
عاد: 401.
العاص، عمرو بن: 92.
العاص، عفان بن ابي: 361.
عابر: 402.
عباس، ابن: 118، 156.
عبد الله اسد بن: 305.
عبد دهمان، بشر بن: 362.
عبد شمس: 88.
عبد شمس، عبد الله بن: 362.
عبد العزيز، عمر بن: 286، 338، 391، 442.
عبد القيس، ابن: 173.
عبد المطلب، حمزة بن: 156.
عبد الملك، مسلمة بن: 286.
عبد الملك، هشام بن: 105، 161.
عبد الملك، عبد الواحد بن سليمان بن: 362.
عبدة، علقمة بن: 160.
عبد الوارث: 432.
عبد الوهاب، أحمد: 395.
عبس: 109.
عبيد، عمرو بن: 104، 317.
عبيد، يونس بن: 226.
عتاب، حسكة بن: 395.
العتابي: 342، 346، 347، 349.
عثمان، سعيد بن: 261.
العجم: 109، 140، 353، 269.
عدي، عمرو بن: 412.
العرق: 181، 340.
العرب: 19، 140، 200، 206، 269، 279، 353، 384، 404، 432، 442.
عرج: 402.
عروة: 164.
عزة الميلاء: 435.
عري سلمة: 432.
العري: 409.
عقرمون: 408.
عقفان: 432.
العلاء، ابو عمرو بن: 137.
علقمة، كرز بن: 408.
علي، اسماعيل بن: 428.
علي، صالح بن: 428.
عمر: 414، 427.
عمر، كعب بن: 3295.
عمر، يوسف بن: 136، 150، 390، 396.
عمران، موسى بن: 217.
عمرو: 410.
عمري: احاد بن: 405.
(1/503)


العوام، المنذر بن الزبير بن: 362.
عوج: 401.
عيري: 402.
العنبري، فيروز حصين: 362.
- غ-
غبغث: 409.
غراب نوح: 401.
الغريض: 263، 412.
الغز، ابن: 316.
غطفان: 303.
غفار، نمارق بن: 395.
غمدان: 408.
- ف-
فارس: 218.
الفجار، حرب: 109.
فرتنا: 435.
الفرات: 401، 404.
الفرزدق: 428.
الفرس: 136.
فرعون: 216، 422، 442.
فرغانة: 401، 442.
الفزاري: 434.
الفطحل: 403.
فيثاغورس: 435.
- ق-
قارون: 409.
قاف: 403.
قبيس: 403.
قتادة: 317.
قحطان: 402، 434.
قرسطون: 43.
قريش: 173، 199، 200، 225، 280، ذظ؟، 441.
قشة: 432.
قضاعة: 402.
القطامي: 170.
قيس، سعيد بن: 395.
قيس: 164.
قيس، اسحق بن الاشعث بن:
361.
قيري: 402.
- ك-
كثير: 164.
كريز، عبد الله بن عامر بن: 362.
الكعبة: 200.
كهيلة، رباح بن: 432.
الكيس، ابن: 408.
- ل-
لبد: 401.
لحي، عمرو بن: 402، 442.
لسان الحمرة، ابن: 408.
لقمان: 314، 391، 408.
(1/504)

لوقا: 431.
- م-
ماروت: 402، 412.
مارية: 409.
المازني، عمرو بن بكر: 362.
ماسرجس: 445.
مانوية: 300.
ماني: 431، 433.
مأجوج: 412.
مارب: 408.
المأمون: 337.
متى: 431.
مج، عبيد: 432.
مجاهد: 391، 164.
مجزز المدلجي: 408.
مجنون بن غافر: 164.
محرز، ابن: 263.
مخارق: 245، 263، 400.
المخاريقي: 432.
المخش، رافع: 408.
مخنف: 172.
المدائن: 405.
مدلج: 441.
المدلجي، سراقة: 409.
المديبري: 432.
المدنية: 262.
مرارة، مجاعة: 395.
مرقس: 431.
مروان، عبد الملك بن: 350.
مريم، عيسى بن: 103، 104، 108.
المزني، بكر بن عبد الله: 241.
مسحل: 410.
مسعود، ابن: 63.
مسلم، قتيبة بن: 339، 137.
مسهر: 118.
المسيب، سعيد بن: 226.
المسيح: 49.
المشقر: 408.
مصر: 277.
المصدقية: 432.
المصطلق: 435.
معاذ: 163.
معاوية، اياس بن: 396.
معاوية: 92، 105، 173، 414.
- ن-
نائلة: 409.
النابغة الجعدي: 351.
النبي: 113، 116، 117، 131، 162، 217، 149، 225، 279، 280، 286، 432.
نجاح، ابو الفرج بن: 376، 377.
نجاح: ابو الفضل بن: 376، 377.
نجران: 408.
(1/505)

النسناس: 411.
النظام: 166، 400.
النعمان: 431، 433.
نمرود: 405.
نهر بابل: 316.
نهر المبارك: 316.
نواس، ابو: 165، 166، 167، 169، 170.
نوح: 401.
النيل: 401.
- هـ-
هاروت: 402، 412.
هاشم، بنو: 118، 137.
هبيرة، عمر بن: 391.
الهجمي، خالد بن الحارث: 362.
هذيم، سعد: 432.
هر: 435.
هرثمة: 428، 314.
هرم: 121.
هرمة، ابن: 215.
هرمس: 402.
هريم، رافع بن: 394.
هلال، عبد الله بن: 432.
هيست: 162.
الهيثم، عليا بن: 395.
- و
واقواق: 411.
وبارا: 401.
ود: 409.
وكيع: 263، 137.
الوليد، عمارة بن: 412.
الوليد، مسلم بن: 353.
وهب: الحسن بن: 428.
وهب: سليمان بن: 428.
وهب بن، سعيد بن: 362.
- ي-
يأجوج: 412.
اليربوعي: 410.
يزدجرد، فيروز بن: 218.
يسار، مسلم بن: 226.
يعوق: 409.
يغوث: 409.
اليمامة: 401.
يونان: 404.
اليهود: 339.
يوحنا: 431.
يوسف: 118، 119، 216، 277،.
يوسف لقوة: 168.
(1/506)

فهرس المحتويات
الموضوع الصفحة
مقدمات عامة 5
مقدمة كتمان السر وحفظ اللسان 11
مقدمة الحاسد والمحسود 15
مقدمة النبل والتنبل وذم الكبر 17
مقدمة مفاخرة الجواري والغلمان 21
مقدمة تفضيل البطن على الظهر 25
مقدمة كتاب المعلمين 27
مقدمة طبقات المغنين 31
مقدمة الوكلاء 35
مقدمة مدح التجار وذم السلطان 39
مقدمة رسالة الفتيا 41
مقدمة مدح النبيذ وصفة اصحابه 45
مقدمة الشارب والمشروب! ذ مقدمة البلاغة والايجاز 53
مقدمة تفضيل النطق على الصمت 55
مقدمة رسالة في صناعة القواد 59
مقدمة رسالة الجد والهزل 63
مقدمة فصل ما بين العداوة والحسد 67
مقدمة رسالة في استنجاز الوعد 71
(1/507)

الموضوع الصفحة
مقدمة رسالة الى ابي الفرج بن نجاح الكاتب 73
مقدمة رسالة في المودة والخلطة 77
مقدمة التربيع والتدوير 79
رسالة كتمان السر وحفظ اللسان [87- 110]
1- موضوع الكتاب 87
2- العقل واللسان 88
3- حب الاخبار 90
4- مساوىء افشاء السر 92
5- من يذيع الاخبار 95
6- كل ممنوع مرغوب 97
7- اكثر الأمور عرضة لافشاء السر 100
8- الغيبة 101
9- العدل 102
10- الفضول 104
11- عودة الى الغيبة 105
12- حفظ اللسان 107
رسالة الحاسد والمحسود [111- 123]
1- موضوع الكتاب 113
2- تعريف الحسد 113
3- اسباب الحسد 114
4- عواقب الحسد 114
5- رأي الحاسد في المحسود 115
6- حسد الجيران 117
7- الحسود لا يستطيع كتمان سره 117
(1/508)

الموضوع الصفحة
8- معاملة الصديق الحسود 119
9- لا خير يرتجى من الحسود 120
10- الجنة حيث لا حسد 121
11- السلامة في الابتعاد عن الحسود 112
رسالة النبل والتنبل وذم الكبر [125- 140]
1- مقدمة يحرض فيها على مخاطبة اناس تكبروا عليه 127
2- شروط النبل 128
3- نبل السيد 129
4- صفات النبل 130
5- التكبر قبيح في الانسان 130
6- مواضع استحسان الكبر 132
7- صفات اللئيم 132
8- عواقب الكبر 133
9- الكبر رذيلة تعتري مختلف طبقات الناس 135
10- الكبر ليس من سياسة الملوك 136
رسالة تفضيل البطن على الظهر [141- 152]
1- مناسبة الرسالة 143
2- الجاحظ يرجو الهداية لصاحب الكتاب 144
3- الشريعة تنهى عن الظهور 145
4- فضائل البطون في القرآن والسنة والحكم 146
5- حرم الله اتيان النساء من دبرهن 148
6- محاسن المرأة من جهة البطن لا الظهر 149
7- حد الزاني واللوطي 149
8- تفضيل الظهر على البطن يثير الشك 150
9- فصل في ذم اللواط 152
(1/509)

الموضوع الصفحة
رسالة مفاخرة الجواري والغلمان [153- 187]
1- موضوع الكتاب ومبررات مزج الجد بالهزل 155
2- ذكر الولدان والجواري في القرآن 158
3- ذكر الغلمان والجواري في الحديث النبوي 160
4- حد الزنى واللواط 160
5- النبي يحث على الزواج والانجاب 162
6- عيوب الزنا 163
7- حب النساء يتيم صاحبه بعكس حب الغلمان 164
8- اشعار في الغلمان والجواري 165
9- صفات المرأة الجميلة 171
10- مفاخرة اهل البصرة والكوفة 172
11- فضل الجارية على الغلام 174
12- الخصيان 175
13- مقطعات في احاديث البطالين 177
رسالة المعلمين [187- 208]
1- مدخل 189
2- فضل المعلم 189
3- الحفظ والاستنباط 190
4- اكثر العظماء كانوا معلمين 191
5- لجميع اصناف العلوم معلمون 192
6- الانسان عالم صغير 193
7- معنى المعلم والمؤدب؟! ظ
8- فقر الأدباء 194
9- المعلم يراعي مستوى الصبي العقلي 194
10- تعليم النحو والرياضة 195
11- تعليم صناعة الكتابة 196
(1/510)

الموضوع الصفحة
12- عبد الله بن المقفع المعلم 198
13- تعليم التجارة والصيرفة افضل من عمل السلطان 199
رسالة طبقات المغني [203- 208]
1- تصنيف العلوم 205
2- الخليل يضع علمي الغناء والعروض 206
3- ابراهيم الموصلي يتم علم الغناء 206
4- طبقات المغنين في عصر الجاحظ 207
5- طريقة تأليف الكتاب 208
6- الاحتياط من العيب 208
رسالة الوكلاء [211- 219]
1- مقدمة 213
2- يجب التثبت في الأمور 213
3- ينبغي عدم الانقياد مع الهوى 213
4- لا ينبغي الاحتراز من اصدار الآراء الفطيرة 214
5- لا ينبغي تعميم الحكم على جميع الوكلاء 216
6- لابد من صحة الفراسة في معرفة الرجال 218
7- خطر قول: «ما ترك الاول للآخر شيئا» 218
رسالة مدح التجار وذم عمل السلطان [221- 227]
1- مقدمة 223
2- فضيلة التجار 224
3- ذل رجال السلطان 224
4- شهرة تجار قريش 225
5- التجار لا تعدوهم العلوم 226
(1/511)

الموضوع الصفحة
رسالة الفتيا [227- 234]
1- مدح في مدح أحمد بن ابي دؤاد 229
2- صناعة الجاحظ 230
3- التعريف بكتاب اصول الفتيا 230
4- الكتاب أفضل من صاحبه 231
5- يجب على العالم اظهار ما عنده 232
6- غرض الجاحظ في هذه الرسالة مساعدة القاضي وثوابه 232
7- لدى الجاحظ كتب أخرى 234
رسالة مدح النبيذ وصفة أصحابه [237- 249]
1- وصف النبيذ لا يفيه حقه 239
2- النبيذ دواء يشفي من الامراض 240
3- النبيذ شقيقك الذي شغلت عنه 240
4- الجاحظ يطلب النبيذ ويخشى ان يرد طلبه 242
5- النبيذ غنى لمالكه وفقر لفاقده 243
6- النبيذ يطرد الهم ويعيد الشباب ذذط
7- النبيذ يبعث على الظرف والضحك في كل وقت 244
8- النبيذ يسبب السرور ويحث على الجود 245
9- النبيذ يجمع الندماء ويرفق بالسكارى 246
10- مديح الحسن بن وهب 247
11- اهداء النبيذ دليل على المودة والتقدير 248
رسالة الشارب والمشروب [251- 265]
(1/512)

الموضوع الصفحة
1- موضوع الكتاب 253
2- منافع النبيذ 254
3- مساوىء النبيذ 256
4- انواع النبيذ 257
5- الرد على اسئلة السائل 260
6- هناك فرق بين الخمر والنبيذ 260
7- الصحابة ميزوا بين الفرائض والمسكرات 261
8- حرم الله اشياء وحلل سائر اجناسها 262
9- اهل المدينة حرموا النبيذ ولكنهم ليسوا حجة 262
10- مغنوا المدينة شربوا الخمر ولم يحدهم اهلها 263
11- غرض الكتاب الاساسي 264
رسالة البلاغة والايجاز [267- 270]
رسالة تفضيل النطق على الصمت [271- 281]
1- مدخل: كتاب تلقاه يمدح الصمت ويذم الكلام 273
2- الكلام اداة التعبير عن الحاجات 275
3- الكلام يميز الانسان عن الحيوانات والجمادات 275
4- الكلام ينجي صاحبه 276
5- الكلام يبين فضل صاحبه 277
6- الكلام دليل على الايمان والشريعة 277
7- الكلام آلة الشكر 278
8- فضيلة الخطباء قائمة على بيانهم 279
(1/513)

الموضوع الصفحة
9- انزال القرآن بلسان عربي مبين 279
10- النبي أفصح العرب 279
11- علم الكلام جليل لأنه يثبت وجود الله ويبين صفاته 281
رسالة صناعة القواد [283- 2293]
1- حسنات اللسان 285
2- قول القائد في الحرب والغزل 287
3- قول الطبيب في الحرب والغزل 287
4- قول الخياط في الحرب والغزل 288
5- قول الزارع في الحرب والغزل 288
6- قول الخباز في الحرب والغزل 289
7- قول المؤدب في الحرب والغزل 289
8- قول صاحب الحمام في الحرب والغزل 290
9- قول الكناس في الحرب والغزل 291
10- قول الشرابي في الحرب والغزل 291
11- قول الطباخ في الحرب والغزل 292
12- قول الفراش في الحرب والغزل 292
رسالة الجد والهزل [295- 329]
1- اسباب معاقبة ابن الزيات للجاحظ وعدم العقوبة 297
2- ذم الغيظ والاشرار 298
3- يجب التمييز بين الاخيار والاشرار والمحبين والمبغضين 300
4- تفضيل النخل على الزرع سبب سخيف للعداوة 303
(1/514)

الموضوع الصفحة
5- ذم العجلة 304
6- ابن الزيات يعرض بالجاحظ لأهماله تجليد كتبه ونظمها 306
7- ابن الزيات يكيد للجاحظ 310
8- ابن الزيات يعيب ورق كتب الجاحظ 311
9- ابن الزيات يشمت بعدم انجاب الجاحظ 312
10- ابن الزيات يتمنى موت الجاحظ 314
11- ذم الغضب 316
12- علاقة الاسماء بالمعاني 317
13- اسباب التعادي غير متوافرة بين الجاحظ وابن الزيات 320
14- ابن الزيات استضعف الجاحظ فوصفه 322
15- ما يصيب الانسان يصيب صديقه 324
16- الجاحظ يستعطف ابن الزيات بشيخوخته وافضاله 325
17- عليك بمن احتجن اموال الدولة 329
رسالة فصل ما بين العداوة والحسد [331- 357]
1- فضل هذا الكتاب 333
2- حساد المؤلفين 334
3- منتحلو كتب الجاحظ 335
4- الطاعنون على كتب الجاحظ 336
5- ابناء النعم محسودون 337
6- فصل ما بين العداوة والحسد 338
7- بعض الكتاب يسرقون كتب الجاحظ أو قسما منها 342
8- الجاحظ ينحل كتبه غيره لتروج 342
(1/515)

الموضوع الصفحة
9- الجاحظ يترك بعض الكتب غفلا اشفاقا من الطعن عليها 343
10- عودة الى الحسد والعداوة 343
11- الكتاب يطلبون من الجاحظ ان يشاطروه في كتبه 353
رسالة الى ابي الفرج 359- 365]
1- المدخل التقليدي 361
2- اسماء من كني بابي عثمان 361
3- وصف حال الجاحظ 363
4- الجاحظ يطلب اجراء الرزق عليه 364
5- مدح ابي الفرج 364
6- الاعتذار عن التقصير في المديح 364
رسالة المودة والخلطة [367- 377]
1- المديح الخادع ليس من بضاعة الجاحظ 369
2- واجبات المداح والممدوح 370
3- اصول المديح والطلب 372
4- لا خير في صاحب لا يساعد صاحبه 374
5- مزايا ابي الفرج 376
رسالة استنجاز الوعد [379- 376]
1- الجاحظ يسأل ويمدح 381
2- ذم المديح الكاذب 382
3- الممدوح يجمع الطارف والتليد 383
(1/516)

الموضوع الصفحة
4- والد الممدوح يشبهه 384
5- الممدوح لا يستحق الشكر الا اذا نعم وانجز ما وعد 385
رسالة التربيع والتدوير [387- 448]
1- التعريف باحمد بن عبد الوهاب وذكر موضوع الرسالة 389
2- وصف ساحر لجسم احمد بن عبد الوهاب المربع المدور 391
3- مراء احمد بن عبد الوهاب 399
4- الهزء من كبر سن احمد بن عبد الوهاب 400
5- اسئلة على الطوفان 401
6- اسئلة تاريخية 402
7- اسئلة طبيعية 404
8- اسئلة على علم الحياة 404
9- اسئلة على الآثار القديمة 408
10- اسئلة على الاقاليم والسكان 408
11- اسئلة على الاوثان 409
12- اسئلة على الفراسة ومعرفة الغيب والرئي 409
13- اسئلة على معتقدات الشيعة 411
14- اسئلة على الجن 412
15- اسئلة على الكيمياء 412
16- اسئلة على الفلسفة 414
17- مساوىء المزاح 414
18- طلب العفو على مزاح الجاحظ وسخريته 316
19- محاسن المزاح 318
(1/517)

الموضوع الصفحة
20- مديح احمد بن عبد الوهاب المعكوس 320
22- عودة الى قيمة المزاح والجد 424
23- شروط التمثيل وانواع الخطأ 429
24- الامام عند الشيعة 429
25- علة الاستطراد 430
26- اسئلة على الانبياء والمتنبئين 430
27- اسئلة على الاديان 431
28- اسئلة على العرافة والسحر 432
29- اسئلة على التذكر والنسيان 433
30- اسئلة على الرياضيات 434
31- اسئلة على الموسيقى وبعض الكتب المعربة 435
32- اسئلة على المعرفة وطرقها 437
33- اسئلة على المرائي والأبصار 438
34- اسئلة على الالوان 440
35- اسئلة على القيافة والظلام 440
36- اسئلة على نقص الاعضاء الداخلية 441
37- اسئلة على السحر والشيطان 442
38- اسئلة على بعض عجائب الحيوانات 443
39- الجواب على هذه الاسئلة موجود في كتب الجاحظ 444
40- مجموعة من حكم الفلاسفة 444
41- فوائد هذا الكتاب 445
42- حاجة العقل الى الشحذ 446
(1/518)

الموضوع الصفحة
43- الخاتمة 447
فهرس الاعلام [498- 507]
(1/519)