Advertisement

الرسائل السياسية


الكتاب: الرسائل السياسية
المؤلف: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255هـ)
الناشر: دار ومكتبة الهلال، بيروت
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
[مقدمة التحقيق]
مقدمة عامة
هذه عشر رسائل انتهت الينا من مؤلفات الجاحظ السياسية العديدة. وقد ضاعت سائر الكتب التي عالجت موضوع السياسة ولا يعرف سوى عناوينها الواردة في لائحة كتبه. (انظر «كشاف آثار الجاحظ» الذي نشرناه) .
وتدور الرسائل حول ست مسائل أساسية. المسألة الاولى هي مفهوم السياسة واصولها وطريقة اقامة الرئيس. لقد فهم الجاحظ السياسة بمعنى التدبير، تدبير شؤون الناس ومعاشهم. وكثيرا ما يستعمل لفظة السياسة مقترنة بلفظة التدبير. وترجع السياسة الى اصلين هما الترغيب والترهيب. وفي ذلك تتفق السياسة الدنيوية مع السياسة الدينية: فكما رغب الله عباده بالجنة وخوفهم من النار، هكذا ينبغي ان يفعل الحاكم مع الرعية لكسب طاعتهم، عليه ان يرغبهم بما يحبونه، ويوفره لهم، كما عليه ان يحذرهم مما يكرهونه وينفذ ما حذر منه. وهذان الاصلان يقابلان أحد مبادىء المعتزلة الخمسة وهو الوعد والوعيد.
وقد اوضح الجاحظ مفهوم السياسية واصولها في رسالة المعاش والمعاد التي وجهها الى احد اولي الأمر، وهو قاضي القضاة محمد بن احمد بن ابي دؤاد الذي يشرف على الولاة والقضاة في الدولة العباسية.
وبصدد اقامة الرئيس، رئيس الدولة، جاء الجاحظ بنظرية جديدة تقول
(1/5)

ان العامة لا تصلح لاختيار الامام لجهلها وغلبة الا هواء عليها. وهذه المهمة ملقاة على عاتق الخاصة التي بوسعها معرفة من يستحق الامامة دون سواه.
والامام يفرض نفسه على الناس بسيرته واعماله ومواقفه واقواله، بحيث يدفعهم للاقرار بفضله وتقديمه على نحو ما قدم عمرو بن عبيد عند المعتزلة، ومرداس بن ادية عند الخوارج. وقد وردت هذه الآراء مفصلة في رسالة العثمانية ورسالة الحكمين.
المسألة الثانية هي الوطنية. وهي تعني تعلق الانسان بالارض التي يعيش عليها، بحيث يفضلها على غيرها من البلدان، ويتعصب لها ويدافع عنها ضد الاعداء او المغتصبين. عالج ابو عثمان هذه المسألة في رسالة الاوطان والبلدان، وعاد الى الحديث عليها في رسالة الترك وعامة جند الخلافة. ويمكن اعتبار الجاحظ رائدا في هذه القضية التي اكتسبت أهمية عظمى في العصر الحديث.
والمسألة الثالثة هي الصراع الحزبي الذي شغل ثلاث رسائل: العثمانية، والحكمين، والعباسية. كان يوجد ثلاثة احزاب هامة تصطرع على السلطة هي: الشيعة والعباسية والعثمانية. وقد شرح الجاحظ نظرية الشيعة في الامامة في رسالة استحقاق الامامة التي نشرناها ضمن رسائل الجاحظ الكلامية لأنه يعالجها هناك من منطلق كلامي. وعاد الى معالجة النظرية من منطلق سياسي في رسالة الحكمين ورسالة العثمانية. وشرح نظرية العباسية او حزب بني العباس في رسالة العباسية، كما شرح نظرية العثمانية او حزب ابي بكر وعمر وعثمان واتباعهم في رسالة العثمانية ورسالة العباسية. وهناك فئة من العثمانية سماهم الجاحظ بالسفيانية والغيلانية والمروانية والنابتة ايدوا خلافة معاوية، سرد آراءهم في رسالة الحكمين ورسالة النابتة التي نشرناها ضمن رسائل الجاحظ الكلامية لأنها تنطوي على قضايا تخص علم الكلام.
والمسألة الرابعة هي الصراع القبلي التمثل بالمنافسة القديمة التي ترقى الى العصر الجاهلي بين بطنين من بطون قريش على الحكم هما عبد شمس وهاشم.
(1/6)

وقد عرض الجاحظ صورة عن هذا الصراع في رسالة فضل هاشم على عبد شمس.
والمسألة الخامسة هي الشعوبية. ويبدو أنها استفحلت في عصر الجاحظ فحاول أن يكبح جماحها فخصص لها رسالة مناقب الترك، ورسالة فخر السودان على البيضان. كما تطرق اليها في كتاب البيان والتبيين. ونجد في هذه الكتب عرضا مفصلا لدعاوى الشعوب الاعجمية في تفوقهم على العرب والاشادة بماضيهم وخصالهم وافعالهم.
والمسألة السادسة والاخيرة تعتبر ملحقة بالسياسة لانها تدور حول عمل الموظفين الذين يساعدون الخليفة في ادارة الدولة وهم الحجاب والكتاب. ولا نجد للجاحظ آراء اصيلة حول هذه المسألة.
لم نحقق الرسائل السياسية، اذ سبقنا الى أداء هذا العمل العديد من الباحثين (انظر كتابنا كشاف آثار الجاحظ، الذي يتحدث على الطبعات المختلفة واصولها) . ولكننا قمنا بكتابة مقدمات لها تحللها وتلقي الضوء على فكر الجاحظ المتشعب المرامي والانحاء. كما وضعنا عناوين لفقرها تسهل القاء نظرة شاملة عليها وتبرز مطالبها، وشرحنا افكار الجاحظ وعلقنا عليها وربطناها فيما بينها، وغايتنا هي اماطة اللثام عن الجاحظ المتفلسف والمتكلم المتبحر، وهي الناحية التي اهملها الباحثون المحدثون.
وقد اعتمدنا في رسائل المعاش والمعاد، والاوطان والبلدان، ومناقب الترك، وفخر السودان على البيضان، والحجاب، وذم اخلاق الكتاب، على طبعة عبد السلام هارون الصادرة في القاهرة عن مكتبة الخانجي سنة 1964 و 1979 م، في اربعة اجزاء، بعنوان «رسائل الجاحظ» ، وقد اعتمد بدوره على مخطوطة مكتبة داماد ابراهيم بتركيا، رقم 949، وعلى مخطوطة المتحف البريطاني رقم 1129، وعلى مخطوطة المكتبة التيمورية المودعة بدار الكتب المصرية رقم 19.
وفي رسالة العثمانية اعتمدنا على طبعة عبد السلام هارون الصادرة في
(1/7)

القاهرة عن مطابع دار الكتاب العربي سنة 1955 م، وقد عول فيها على مخطوطة كوبريلي بتركيا، رقم 815.
وفي رسالة الحكمين عدنا الى طبعة المستشرق الفرنسي شارل بلا المنشورة في مجلة المشرق، عدد تموز- تشرين الاول، سنة 1958. وقد عاد فيها الى مخطوطة ميلان رقم 129..
اما في رسالة فضل هاشم على عبد شمس ورسالة العباسية فقد اعتمدنا على طبعة حسن السندوبي الصادرة عن المطبعة الرحمانية بمصر سنة 1933 م.
(1/8)

1- مقدمة رسالة المعاش والمعاد
الرسالة موجهة الى محمد بن احمد بن ابي دؤاد قاضي بغداد بعد والده احمد بين سنتي 233 و 237 هـ-. ولي وعزل من قبل المتوكل. وقد توثقت صلة الجاحظ بابيه وبه. وقد حاول الجاحظ أن يرشده ويوجهه نظرا لحداثة سنه فكتب اليه عدة رسائل منها رسالة المعاش والمعاد.
يستهل الرسالة بمقدمة اضافية يمتدح بها رجاحة عقل القاضي وكرم خلقه ويتزلف اليه قائلا «وخرجت نسيج وحدك أو حديا في عصرك، حكمت وكيل الله عندك- وهو عقلك- على هواك-..» . ويشكره على النعمة: «وكان من تمام شكري لربي ولي كل نعمة، والمبتدىء بكل احسان الشكر لك والقيام بمكافأتك بما امكن من قول او فعل» . ويهديه كتابا في الأدب جامعا لعلم كثير من المعاد والمعاش وعلل الاشياء.
ثم يحدد موضوع الكتاب بانه وصف للطبائع التي ركب عليها الخلق واسباب شهواتهم وكيف تستمال قلوبهم، وكيف يصرفون الطبائع المذمومة الى الشيم المحمودة.
ويعلن قاعدة عامة ينبغي مراعاتها هي الوحدة بين آداب الدين والدنيا لأن الآداب آلات) تصلح ان تستعمل في الدين كما تصلح ان تستعمل في الدنيا. فما
(1/9)

صح من اصول التدبير في الدين صح في الدنيا وما فسد هنا فسد هناك «وانما الفرق بين الدين والدنيا اختلاف الدارين من الدنيا والآخرة فقط، والحكم ها هنا الحكم هناك، ولولا ذلك ما قامت مملكة ولا ثبتت دولة ولا استقامت سياسة» .
والآداب وضعت على اساس الطبائع، واهم الطبائع اثنان هما حب المنافع وكره المضار. ويدخل في حب المنافع حب الراحة والدعة والازدياد والعلو والعز والغلبة وما تستلذ الحواس من المناظر والروائح والطعوم والاصوات والملامس.
ويدخل في المكاره اضداد هذه.
وإذا ترك الناس وطبائعهم انساقوا مع الهوى وابتعدوا عن الفضائل نظرا للانانية المستولية عليهم، فكان لا بد من وازع او رادع، ومن تربية وتأديب.
والتأديب يقوم على اصلين هما الترغيب والترهيب. وهذا الاصلان يصلحان في الدين والدنيا لأنهما اصلا كل تدبير وعليهما مدار كل سياسة كما يقول الجاحظ «فإذا كانوا لم يصلحوا لخالقهم ولم ينقادوا لأمره الا بما وصفت لك من الرغبة (بالجنة) والرهبة (من النار) ، فاعجز الناس رأيا وأخطأهم تدبيرا، واجهلهم بموارد الأمور ومصادرها، من أمل او ظن او رجا ان احدا من الخلق- فوقه او دونه او من نظرائه- يصلح له ضميره، او يصح له بخلاف ما دبرهم الله عليه، فيما بينه وبينهم، فالرغبة والرهبة اصلا كل تدبير وعليهما مدار كل سياسة عظمت او صغرت» .
بيد ان الرهبة والرغبة لا تصلحان الا اذا قرنتا بالعدل. فالعدل هو الاصل الثالث للسياسة. وهو يعني الانصاف والمساواة.
يضاف الى العدل الوعد والوعيد وهو الاصل الرابع في السياسة. وهذا يعني التنفيذ والاثابة على العمل الصالح والعقوبة على العمل الطالح «ليعمل كل عامل على ثقة مما وعده واعده» وتعلق قلوب العباد بالرغبة والرهبة، ويطرد التدبير وتستقيم السياسة لموافقتهما ما في الفطرة، وأخذهما بمجامع المصلحة» . ولهذا يوصي الجاحظ القاضي بالتزام العدل في معاملة الناس. كما يوصيه بالجود مع
(1/10)

تثمير المال وتجنب الفقر «لأن تثمير المال آلة للمكارم وعون على الدين والدنيا ومتألف للاخوان، ولان من فقد المال قلت الرغبة منه ومن لم يكن بموضع رغبة او رهبة استهان الناس بقدره» .
اما في معاملة العدو فينصح ابو عثمان بثلاث خلال: ان يبتدىء عدوه بالحسنى عله يحوله عن عداوته لأن كثرة الاعداء كريهة. وأن يكتم اسراره عنه ولا يطلعه على تدبيره، وان يستعد لمواجهته.
وفي معاملة الصديق ينصحه كما نصح ابن المقفع قبله بالاكثار من الاصدقاء لانهم جند معدون له وعون في الشدائد. ثم ان يحافظ عليهم.
ويحذره من ثلاث خلال هي الكذب الذي هو جماع كل شر، ثم الغضب لأنه لؤم وسوء مقدرة، ثم الجزع عند المصيبة التي لا ارتجاع لها.
كما يحذره من المفاخرة بالانساب لانها تورث العداوة بين الاخوان. ومن العتاب لأنه سبب للقطيعة، ومن المزاح لأن الافراط فيه يذهب بالبهاء. ثم الاعتداد بالنفس لان نشر المحاسن من صاحبها لا يليق به ولا يقبل. ثم حذره من ان يولي اموره الجسيمة امرأ لا يكون صلاحه متعلقا بصلاح الحاكم.
وفي النهاية يحث الجاحظ القاضي على استعمال الأدب والنصح في معاملة السلطان العادل، وعلى استعمال الحيلة والرفق في معاملة السلطان الاخرق.
(1/11)

2- مقدمة الاوطان والبلدان
يزعم الجاحظ في مقدمة الكتاب انه وضعه نزولا عند رغبة شخص سأله ان يكتب له كتابا في تفاضل البلدان وقناعة النفس بالاوطان، وأثر ملازمتها في الفشل والنقص، وأثر مبارحتها في التجارب والعقل.
ولكن الجاحظ يرى ان تأثير البلدان لا يقتصر على الفقر والغنى والمكاسب واغناء العلم بالتجارب، بل يتعداه الى الاخلاق والآداب واللغات والهيئات والصور لأنه يعتقد ان للبيئة دورا هاما في الانسان بمختلف قواه الجسمية والعاطفية والعقلية، وقد أوضح ذلك في اماكن عديدة من كتبه لأنه كان فيلسوفا طبيعيا. [1]
ان حب الاوطان طبيعة فطرها الله في الانسان ليعمر البلدان، فلولاها لما سكن الناس الفيافي والادغال وقلل الجبال والقفار الموحشة والبلدان المجدبة القاحلة، والاصقاع الباردة او الحارة. ولطلبوا جميعا السكن في البلاد المعتدلة المناخ، الخصية التربة.
__________
[1] انظر حول هذا الموضوع كتابنا «المناحي الفلسفية عند الجاحظ» المنحى الطبيعي، ص 66.
(1/13)

ولو راموا جميعا «اختيار ما هو ارفع ورفض ما هو اوضع من اسم او كنية وفي تجارة وصناعة، ومن شهوة وهمة، لذهبت المعاملات وبطل التمييز، ولوقع التجاذب والتغالب، ثم التحارب، ولصاروا عرضا للتفاني واكلة للبوار» .
فالجاحظ يربط حب الاوطان مهما كانت خصائصها من الرفعة او الضعة ومن الجمال او القبح ومن الصلاح او الطلاح بمبدأ عام يرجع الى حكمة الله في خلقه، هو الطبائع التي فطر عليها الناس. وفي هذا الرأي يعبر عن فلسفة الطبيعة احسن تعبير.
وحب الاوطان هو الذي يحفز الناس على الذود عنها والقتال في سبيل استرجاعها اذا اغتصبت. والى ذلك اشارت الآية الكريمة وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا
(البقرة: 246) .
وبما ان حب الاوطان فطرة طبيعية لذا يستوي فيها الانسان والحيوان.
ويلاحظ الجاحظ ان صاحب المنزل اذا هجر منزله واختار غيره لم يتبعه فرس ولا بغل ولا حمار ولا ديك ولا دجاجة ولا حمامة ولا هر ولا شاة ولا عصفور.
ويخصص الجاحظ قسما كبيرا من الرسالة للحديث عن مكة ولكنه يستطرد من ذكر مكة الى الكلام عن خصال قريش فخصال هاشم وهو يعترف بهذا الاستطراد المخل بالتأليف- والاستطراد سمة من سمات أسلوب الجاحظ في جميع لتبه- ويقول: «ولم يكن قصدنا في اول هذا الكتاب الى ذكر هاشم، وقد كان صدنا الاخبار عن مكة بما قد كتبناه في صدر هذا الكتاب، ولكن خصال مكة بر ذكر خصال قريش، وذكر خصال قريش جر ذكر خصال هاشم» . كما بقول انه عالج هذا الموضوع اي خصال هاشم في كتاب آخر، ذلك الكتاب هو على الارجح «فضل هاشم على عبد شمس» .
ان الخصال التي امتازت بها قريش عن سائر العرب هي رغبة جميع القبائل لانتساب اليها في حين لا نجد قرشيا انتسب الى قبيلة من قبائل العرب.
(1/14)

ومن صفات قريش انها اعز العرب واقواها لذلك لا نجد سبية من قريش، ولم تنهزم قريش في المعارك التي خاضتها مثل معركة الفجار وذات كهف.
ومن صفات قريش انهم تركوا الغزو وعملوا بالتجارة ومع ذلك لم يعترهم البخل الذي عرف به التجار لأن البخل خلقة في الطباع. وفي هذا القول يطبق الجاحظ فلسفة الطبيعة القائلة بان الاخلاق طباع.
من صفات قريش سمو الخلق ورجاجة العقل والحلم والوداعة والبعد عن الجفاء والغلظة، وطيب المأكل.
ومن صفاتها ايضا جمعها بين التدين والفروسية على عكس ما نرى في الروم والترك، فان هؤلاء عندما اعتنقوا النصرانية التي تنهي عن القتل والقتال والثأر صارت حالهم الى الجبن والقعود عن القتال. اما قريش فقد ظلوا رغم تشددهم في التدين وعزوفهم عن الغزو واشتغالهم بالتجارة على بسالتهم وفروسيتهم.
ويحاول الجاحظ أن يستخرج قانونا يحكم العلاقة بين التدين والبسالة ويطبقه على الخوارج الذين اشتهروا ببسالتهم في القتال فيقول ان سبب ذلك هو عقيدتهم الدينية التي تدعو الى الجهاد وبذل الروح للتخلص من الحاكم الظالم.
وهذا ما يفسر لنا استواءهم في النجدة والفروسية رغم اختلاف بلدانهم واعراقهم ولم يتوقف الجاحظ طويلا عند خصال هاشم لانه افاض بها في كتاب فضل هاشم على عبد لمس. وهو يختصر هنا ما اسهب به هناك. ان اهم خصال هاشم «النبوة التي هي جماع خصال الخير واعلاها وافضلها واجلها واسناها» .
ومن خصالهم الملك، وملكهم من مغرس النبوة لأن العباسيين استمدوا ملكهم من جدهم العباس، والعباس هو عم النبي، والعم وارث كالأب.
ومن خصال هاشم طول سني ملكهم الذي يناهز، عدا حكم علي بن ابي
(1/15)

طالب حتى ايام الجاحظ، مائة وست عشرة سنة.
ومن خصال هاشم ان الأذكار فيهم غالب، مع كثرة الولد وقد احصي آل ابي طالب فكانوا نحو الفين وثلاثماية. أما في سائر البلدان عدا خرسان فلا نجد الا مئناثا. ولذا كان عدد الاناث اكثر من عدد الذكور ولهذا السبب احل الله للرجل ان يتزوج اربع حرائر وما ملكت يمينه من الاماء لكي لا تبقى امرأة دون زوج.
ومن خصال هاشم الشجاعة ومنازلة الاقران والتقى. فكان علي بن ابي طالب اشجع الناس واكثرهم فتكا بالرؤساء والسادة والقادة. وكان اسبقهم الى الاسلام وازهدهم في الاموال.
اما مكة فهي المدينة المقدسة، وفيها بيت الله الحرام الذي يضم الحجر الاسود. وفيها ايضا بئر زمزم الذي يشرب منها البدو والحضر.
وبسبب قدسيتها لم يطأها عدو ظالم الا قهره الله. فصاحب الحبشة رام تدنيسها فارسل الله على جيشه جماعات الطير ترميهم بالحجارة. ولذا عاش اهلها احرارا لم يخضعوا لطاغية او غاز ولا يؤدون الاتاوة لأحد.
واذا دخلها ملك فلاجل تأدية فريضة الحج او التبرك والتعظيم كما فعل تبع ملك اليمن وبعض ملوك غسان ولخم.
ان الجاحظ يكتب صفحة من تاريخ مكة يحاول ان يظهر فيها ان تلك المدينة المحرمة لم تقهر ولم تغلب ولم تدسها اقدام الطغاة منذ القدم. وأن اهلها من قريش أعز الناس وأفضلهم أخلاقا.
بعد مكة يتحدث ابو عثمان عن المدينة، فيلاحظ انها تختص بخاصة فريدة هي طيب تربتها وهوائها. فان من يمر بها يشم رائحة زكية تفوح من حيطانها وارضها لا تشبهها رائحة في الدنيا. ولذا صنعوا الخرز والعقود من بلحها واترجها تحملها الصبيان والنساء في اعناقها. ولذا سميت طيبة.
(1/16)

وثمة ميزة اخرى للمدينة هي خلوها من الطاعون والجذام وهذا راجع الى طيب هوائها.
والميزة الثالثة التي نقع عليها في المدينة هي شهرتها في الفقه حتى قال عبد الملك بن مروان يمدح روح بن زنباع: «جمع ابو زرعة فقه الحجاز، ودهاء العراق، وطاعة اهل الشام» .
والبلد الثالث الذي تكلم عليه ابو عثمان هو مصر التي ورد ذكرها في القرآن.. وكان ملكها القديم يدعى فرعونا. وتشتهر مصر بمنف او قصر فرعون المصنوع من الحجر الصلد. كما تشتهر بمهارة اهلها في السحر. ويشير الجاحظ الى خراجها الضخم الذي يدل على خصبها والبالغ اربعة آلاف دينار.
وبعد مصر تحدث ابو عثمان على الكوفة والبصرة في العراق. واورد قول زياد الجامع في صفاتهما: «الكوفة جارية جميلة لا مال لها، فهي تخطب لجمالها، والبصرة عجوز شوهاء ذات مال فهي تخطب لمالها» . والبصرة خير من الكوفة لأنها اوسع ارضا واكثر عددا وادنى الى البحر وانقى هواء واخصب تربة واكثر عمرانا.
وماء البصرة عذب صاف عندما يبيت في القلى. والآجر الذي تصنع منه البيوت اصفر، وبين الآجر يوضع الجص الابيض فتبدوا المنازل اقرب الى الفضة بين تضاعيف الذهب.
وماء الكوفة أسرع الى الجفاف. ومعظم الكوفة خراب يباب تشبه قرية من القرى يسمع قربها ضباح الثعالب واصوات السباع.
ونخيل البصرة اكثف واجمل ولا تجد نخلة في الكوفة الا واعوجت كالمنجل.
واسواق الكوفة تدل على فقر اهلها، وهم يكرهون اهل البصرة اكثر مما يكرههم هؤلاء. وأهل البصرة احسن جوارا واقل بذخا واقل فخرا» .
(1/17)

ويتحدث الجاحظ على الأوضاع الاقتصادية في البصرة والكوفة ويقارنها باوضاع الشام ومصر وبغداد وغيرها. فيجد الأموال غزيرة في الشامات والاشياء رخيصة لبعد المنقل وقلة عدد السكان، ولأن ما تنتجه ارضهم يفضل عن حاجتهم اما الاهواز وبغداد والعسكر فكثيرة الدراهم والمبيع لكثرة عدد السكان. واما في البصرة فالاثمان مقبولة ويكلف بناء الدور نصف ما يكلف بناء مثلها في بغداد. ويدخل ميناءها كل يوم نحو الفي سفينة. ويوجز خصائص البصرة بقوله: «ولم نر بلدة قط تكون اسعارها ممكنة مع كثرة الجماجم بها الا البصرة: طعامهم اجود الطعام، وسعرهم أرخص الاسعار، وتمرهم أكثر التمور، وريع دبسهم اكثر، وعلى طول الزمان أصبر، يبقى تمرهم الشهريز عشرين سنة..» .
وفي آخر الرسالة شيء عن الحرة في العراق، وهي لا تحظى برضا الجاحظ، إنها بيضاء اللون، وتربتها غبراء مشربة سوادا، وهي باردة الطبقس شتاء، حارة صيفا. ولا يرى فيها دارا تذكر سوى دار عون النصراني العبادي.
وللجاحظ رسالة أخرى عنوانها «الحنين الى الاوطان» . وقد شك السندوبي في نسبتها الى الجاحظ بينما اكد عبد السلام هارون تلك النسبة ولم يقطع بروكلمان في الأمر. ويبدو لي انها منحولة لأن موضوعها أي تعلق الانسان بوطنه قد طرقه الجاحظ في كتاب: الأوطان والبلدان، وتناوله في القسم الأول منه. وليس من الحكمة في شيء اعادة معالجته مجددا. وهذه الرسالة اعني الحنين الى الاوطان تخلو من الاصالة الفكرية التي نلفيها في كتاب «الأوطان والبلدان» حيث نجد الجاحظ ينم عن عمق في التفكير وحرص على ربط الظواهر باسبابها.
اما في الرسالة فلا شيء سوى جمع اقوال واشعار وأحاديث تتعلق بحب الانسان وطنه.
وفي الرسالة نعرة شعوبية، والجاحظ كان خصما عنيدا للشعوبية. وهذه النعرة تبدو من قول منسوب الى اعرابي موجه للجاحظ ظاهر الاضطراب
(1/18)

والتناقض. فهو يقول للجاحظ: «لعن الله ارضا ليس بها عرب» ثم يقول: «ان هذه العريب في جميع الناس كمقدار القرحة في جلد الفرس، فلولا ان الله رق عليهم فجعلهم في حشاة لطمست هذه العجم آثارهم. أترى الاعيار اذا رأت العتاق لا ترى لها فضلا والله ما امر الله نبيه صلّى الله عليه وسلم بقتلهم، اذ لا يدينون بدين، الا لضنه بهم، ولا ترك قبول الجزية منهم الا تنزيها لهم» . وهو يتهمهم بالضعف: ولولا الفلاة التي تحميهم لقضى عليهم العجم، كما يتهمهم بالكفر. ولو كان الكتاب للجاحظ لرد على هذا الاعرابي. او اعترض على مزاعمه.
وتبدو الشعوبية في ناحية أخرى من الرسالة هي تمجيد الفرس واليهود وذكر مآثرهم واخبارهم وحبهم لاوطانهم رغم استيلائهم على بلدان كثيرة غريبة.
وثمة دليل آخر على نحل الكتاب هو كلف صاحبه بالالفاظ الغريبة المتكلفة التي يكرهها الجاحظ ويدعو الى الفصاحة في اللفظ، والابتعاد عن الاغراب والوحشية والتكلف البياني، مثل الجناس والطباق. وهذا التكلف يبدو في كلام الاعرابي «اني والله غاوي إعباب، لاصق القلب بالحجاب، مالي عهد بمضاغ الا شلو يربوع وجد معمعة مني، فانسلت، فاخذت منه بنافقائه وقاصعائه ودامائه وراهطائه..» .
(1/19)

4- مقدمة رسالة الحكمين وتصويب أمير المؤمنين علي بن ابي طالب في حكمه.
موضوع الرسالة سياسي، وهو الخلاف الذي نشب بين الامام علي بن ابي طالب ومعاوية بن ابي سفيان حول الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان الخليفة الثالث، والذي بلغ ذروته في معركة صفين وما آلت اليه من التحكيم الفاشل.
ويسارع الجاحظ الى التأكيد على انه لا يريد ان يبخس معاوية خصاله من العقل والحلم والدهاء والفهم والجزم والبيان وكتابة الوحي وتولية عمر اياه ارباع الشام وتثبيت عثمان ذلك له وتزكيته في حسن تدبيره الأمور. ولكن هذه الخصال لا تكفي لاستحقاق الامامة. فالامامة لا تستوجب الا بالتقدم في الفضل والسوابق، على ان يكون ذلك الفضل ظاهرا ومشهورا عند الناس، او بالشورى، أو بالميراث، او بالوصية، او باجتماع القرابة وحرمة العترة بالاضافة الى الخصال الكريمة. هذه الوجوه الخمسة لاقامة الامام عددها الجاحظ لانها تمثل آراء اهم الفرق في عصره. فالمعتزلة قالوا بالوجه الأول وقد عرضه الجاحظ في رسالة العثمانية، والعباسيون قالوا بالوجه الثالث وقد بسطه الجاحظ في رسالة العباسية، والشيعة الامامية قالوا بالوجه الرابع، والزيدية قالوا بالوجه الخامس.
اما الوجه الثاني او الشورى فقد نادى به اهل السنة والجماعة.
(1/29)

ومعاوية لا ينطبق عليه وجه من هذه الوجوه الخمسة، فهو لم يتقدم في الاسلام وليس من اصحاب السوابق وانما هو رجل من عرض المسلمين ومن الطلقاء، واذا كتب الوحي فقد شاركه فيه وسبقه اليه العديدون امثال ابن ابي سرح وزيد بن ثابت وحنظلة الأسدي وعلي ابن ابي طالب ولم يدع احدهم الامامة بسبب الكتابة. وليس من اهل الشورى ولا الميراث ولم يوص له بها.
وقد ادعى معاوية الخلافة زاعما انه اولى الناس بالمطالبة بدم عثمان ومن يطالب بدم الخليفة أحق الناس بالخلافة. وليس هذا سببا كافيا للامامة. وقد اعتمد معاوية على القوة والبطش للوصول الى الخلافة، كما استند الى موقف سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب. واستغل للوصول الى غايته انتشار جند علي وعدم تماسك جنده؛ ولجأ الى الترغيب بالمال والمناصب ليستميل الناس اليه. واحتال برفع المصاحف على رؤوس الرماح ليخدع جند علي ويشق صفوفهم، واستفاد من دهاء عمرو بن العاص ومواقف ابي موسى الاشعري في التحكيم او انقلابه على علي.
ويتوقف الجاحظ عند دور ابي موسى في التحكيم، ويرى كما رأى النظام قبله ان ابا موسى لم يكن غبيا كما يقول الشيعة بل كان عاقلا صحيح التدبير سديد الكيد متفقها في الدين عالما بالقياس والحجج مشهورا بالحلم وكان واليا ناجحا للخلفاء السابقين وقائدا للفتوح. كما يرى أنه خلع عليا في التحكيم لأنه انقلب عليه ومال الى موقف سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت ومحمد بن مسلمة وصهيب بن سنان وأسامة بن زيد من النهي عن القتال وتحريمه، واسر ان تصير الخلافة الى عبد الله بن عمر بن الخطاب. وفضل قحطان على عدنان.
واذا كان ابو موسى على هذه الحال فلم اختاره علي ليمثله في التحكيم؟.
وهنا يرفض الجاحظ كما رفض النظام استاذه دعوى الشيعة بانه حمل على القبول به حملا لا خيار له فيه نزولا عند رغبة اليمانية المؤيدين لابي موسى، لأن ابا موسى لم يكن له أنصار اقوياء يفرضونه فرضا على الخليفة، ولم يكن علي ضعيف
(1/30)

الرأي ليقبل ان يمثله في التحكيم عدو مرصد. وانما قبل علي بالتحكيم تلافيا للشقاق يدب في صفوف عسكره بسبب رفع المصاحف ويوم نادى منادي معاوية: «اخرجوا الينا قتلة عثمان» ، فابتلي علي «بعقد لا سبيل الى حله وبقفل لا حيلة في فتحه» فلو سلمهم قتلة عثمان لا متنعوا بعشائرهم الذين قالوا «كلنا قتال عثمان» ولتواثب بعض عسكره على بعض، ولا نقضّ عليهم معاوية وفتك بهم. ولو قال كذبوا لم يكن ذلك تدبيرا لأن السواد الأعظم ومنهم اصحاب الحديث والقضاة والنوابت استنكروا قتل عثمان وطالبوا بالاقتصاص من قتلته. وان قال صدقوا خلعه من يرى الوقوف في عثمان وعلي، ومن يرى تبرئة علي ويدعي ان قتل عثمان من طاعات الله وهم أشد أنصاره. فكان قبول التحكيم هو المخرج الوحيد المفتوح امامه.
والمسألة الثانية بعد التحكيم التي وقف عندها الجاحظ هي ترك علي للقتال. وقد اتهمه خصومه بانه ترك القتال اما جبنا واما طمعا في توبة معاوية وعمرو واما ندما على ما اراق من دماء. وكل هذا من سوء التدبير والعجز.
بيد ان الجاحظ يرد جميع هذه التهم لأن عليا «اشد الناس قلبا واشرا واكثرهم للاقران قتلا» . ولأنه كان يدرك خدعة معاوية وعمرو وقد حذر اتباعه في خطبه منها ودعاهم الى مواصلة القتال. ويرى ان عليا ترك القتال عندما تحقق من تفكك عسكره ومللهم الحرب، وسأمهم مقارعة الشر، وبعدهم عن اوطانهم وعيالهم، بعد ما قال كبراؤهم: «لا نعود حتى نشمر الكراع ونحد السلاح ونجبي المال» .
والمسألة الثالثة التي عالجها الجاحظ هي «كتاب القضية» وهو الاتفاق الذي زعم خصوم علي انه تم بين علي ومعاوية على تحكيم عمرو بن العاص وابي موسى الاشعري في ما شجر بينهما. وقد أثبت الجاحظ هذا النص وحلله فوجد انه مدخول وغير صحيح. فالفاظه تخلو من الفصاحة والبلاغة ويشيع فيها اللحن مما يدل على انها من كلام المولدين. والشهود مشكوك في نسبهم ومختلف في
(1/31)

إسمائهم، والسنة التي ارادوا الرجوع اليها لم يردنا ان الحكمين تذاكرا فيها أبدا.
والمسألة الرابعة التي توسع فيها الجاحظ هي احتجاجات السفيانية، اتباع معاوية، لحقه بالخلافة. لقد ذهبوا الى ان الخلافة شورى كما ارتأى عمر بن الخطاب عندما اختار ستة رجال وامرهم باختيار الخليفة بعده، منهم. ولم يبق منهم سوى اربعة وكلهم لا يصلحون للخلافة. فسعد بن ابي وقاص لا يستحقها لأنه «جليس لا يرى ان يدفع ضيما ولا يمنع حريما» . وطلحة والزبير لا يصلحان لها لأنهما بايعا عليا ثم نكثا البيعة. واما علي بن ابي طالب فقد سقط حقه فيها لاشتراكه بدم عثمان وحمايته قتلته ولأنه لم يعمل بالشورى ولم تجمع عليه.
الناس.
ومعاوية برأي اتباعه اولى بالخلافة من بقية الشورى لأنه ابرأهم ساحة من العيوب التي رموا بها ولأنه اولى من انتدب لحسم الخلاف وتسلم مقاليد الملك وتفريج الكرب عن الناس، ولأن عمر ولاه وعثمان زكاه، ولأنه اولى الناس بالمطالبة بدم عثمان الخ ...
وقد رد الجاحظ على هذه الحجج بقوله ان معاوية لم يدل بهذه الحجج التي تلهج بها السفيانة. ولو احتج بها معاوية لرواها اصحاب الاخبار والسير امثال الزهري ومحمد بن اسحق وقتادة وغيرهم. ويرى ان هذه الاحتجاجات من عمل المتكلمين المتأخرين.
ثم ان حجة السفيانية بان خلافة علي باطلة بسبب عدم توافر الاجماع عليها لا قيمة لها. لأن الاصل في القضية هو توافر الفضيلة، فاذا وجدت فعلى الناس الاجماع على صاحبها، فان اختلفوا فالحق لا يزول وعلى صاحبه الصبر. وقد كان فضل علي ظاهرا، واذا كانوا اختلفوا فيه فقد أصاب الموافق واخطأ المخالف ولم يضم ذلك عليا.
وكذلك حجة السفيانية بان خلافة علي باطلة لانها لم تنل بالشورى لأن
(1/32)

عليا لم يجمع بقية الشورى ليختاروه، ساقطة ايضا، لأن تلك الشورى ارتآها عمر وليس علي ملزما بالعمل بها.
واما حجة السفيانية بان حق علي بالخلافة قد سقط لاشتراكه بدم عثمان فتجن مطلق، لأن عليا لم يشترك بدم عثمان ولم يحرض على قتله ولم يعن عليه.
بقي الاعتراف بحق علي بالخلافة للقدم في الاسلام والفضائل التي انماز بها من زهد وفقه وشجاعة وتضحية في سبيل الدين اضف الى ذلك الرواية والقرابة.
واذا كان السفيانية قد ضلوا السبيل في موقعهم من علي ومناصبتهم إياه، فان الشيعة والخوارج قد غفلوا بدورهم عن تدبيره. فالشيعة اخطأوا في تأويلهم لتدبيره في قضية الحكمين وحرب صفين كما مر معنا، والخوارج جهلوا تدبيره ايضا مرتين الاولى عندما دعاهم الى مواصلة القتال إثر رفع المصاحف فاحجموا وقالوا لنحكم كتاب الله بيننا، والثانية عندما دعوه بعد التحكيم الى استئناف القتال فرفض لتشتت جيشه، فكفروه وحاربوه.
اما موقف الجاحظ الخاص فقد حدده بقوله انه ينطلق من مبدأ المعتزلة في المنزلة بين المنزلتين، اي التوسط في الاحكام بين الافراط والتفريط، وبين الايمان والكفر في حق مرتكب الكبيرة. فالمعتزلة لا يغلون كالخوارج فيكفرون عليا، ولا يقصرون كالمرجئة فيعلقون الحكم ويتركون الامر لله. وانما يقتصدون ويتوسطون «وهذا الاشتقاق، وهو التوسط والاقتصاد هو الاعتزال لغو من غلا وتقصير من قصر؛ والاصل الذي نبني عليه امورنا فيمن ليس عندنا كعلي وسابقته وأرومته وكامل خصاله بل في ادنى رجل من اوليائنا، انا متى وجدنا له عملا يحتمل الخطأ والصواب لم يكن لنا ان نجعل عمله خطأ حتى يعيينا فيه وجه الصواب، وليس لنا بعد ان قضينا بانه خطأ ان نقضي بانه خطيئة حتى يعيينا القدر بانه سليم من طريق المآثم، فان قضينا بانه اثم فليس لنا ان نقضي بانه ضلال ونحن نجد لصرف الدفع عنه انه ضلال الى الاثم متحملا، وان قضينا بانه ضلال فليس لنا
(1/33)

ان نقضي بانه كفر الا بعد ان نجد من ذلك بدا فيكون الحق احق ما قضي به وصبر عليه. فمن كانت- حفظك الله- هذه سيرته وطريقته في ادنى اوليائه، فكيف تظنه في ارفع اوليائه؟ فهذا ما لا يحل لي ان اظنه بعلي بن ابي طالب، فان كان عندك برهان واضح ودليل بين يكشف لنا عن الحال حتى يتبين به انه كان سببا في اراقة دمه، فعلينا السمع واليقين والاقرار، وعليك البيان والافهام بالدليل والحرص» .
لقد اوضح الجاحظ في هذا المقطع طريقة المعتزلة في الحكم على الناس بمن فيهم علي. وهي طريقة تتسم بالاعتدال وتتجنب الغلو والتقصير، وتضع درجات في سلم الأعمال تتوسط بين الكفر والايمان وهذه الدرجات هي الصواب والخطأ والخطيئة والاثم والضلال. ثم تلتزم بعدم اصدار الحكم الا بعد توافر الادلة التي تفضي الى اليقين.
وبناء على هذه القاعدة لا يجد الجاحظ دليلا كافيا يتبين منه ان عليا كان سببا في اراقة دم عثمان، فيصدر عليه حكما بالكفر. اما معاوية فلا يستحق الامامة لعدم توافر اسبابها فيه، وقد اغتصبها بالقوة والخديعة ومختلف الوسائل التي توافق الكتاب والسنة وتخالفهما على عكس علي الذي كان يلتزم الكتاب والسنة ولا يلجأ الى المكائد. واذا كان الجاحظ لم يجهر بالكفار معاوية في رسالة الحكمين فانه كفره صراحة في رسالة النابتة. لقد فسق وضل لاغتصابه الخلافة وكفر حين جحد حكم الرسول في ولد الفراش وادعى ان زياد بن سمية أخوه (انظر رسالة النابتة، ضمن رسائل الجاحظ الكلامية، التي نشرناها) .
والجاحظ يؤكد انه يلزم الحياد بين العلويين والعثمانيين وانه ليس ممن «يميل في شق عن شق، ويتعصب لبعض على بعض، ومن يبخس حق الدون، فكأنك به قد تبخس حق من فوقه حتى تصير الى أئمته المهتدين وخلفائه الراشدين، لست عمريا دون ان اكون علويا، ولا علويا دون ان اكون عثمانيا، اللهم الا بما اخص به العترة بسبب القرابة، واما في غير ذلك فليس
(1/34)

شأني الا محبة الجميع والتوفير على الكل ودفع الظلامة عن الكبير والضعيف على فدر ما شاهدنا عليه من الحالات..» .
وهو يعلن ان كتابه هذا ليس من كتب اصحاب الاهواء او المتكسبين او المتقربين، او من كتب المنافقين والمموهين للباطل. وان غايته هي تبيان الحق والدعوة اليه.
(1/35)

5 و 6- مقدمة رسالة فضل هاشم على عبد شمس ورسالة العباسية
في هاتين الرسالتين يصور الجاحظ الصراع المستحكم بين فخذين من افخاذ قريش على الخلافة. هذان الفخذان هما بنو هاشم وبنو عبد شمس. ويبدو الخلاف بينهما واضحا منذ العصر الجاهلي في تنافسهما على مقاليد السلطة في مكة الممثلة باللواء والندوة والسقاية والرفادة وزمزم والحجابة.. وحسم هذا الخلاف لصالح بني هاشم عندما ظهر النبي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي يحمل رسالة الاسلام ويبشر بها وينشرها. وبانتصاره على المشركين الذين كان يتزعمهم ابو سفيان بن حرب بن امية بن عبد شمس القرشي. والذي توج بفتح مكة وتسلم النبي محمد مفتاحها. بيد أن الامويين سكتوا على مضض حتى اذا خلف عثمان بن عفان قبضوا على مقاليد السلطة وتوزعوها فيما بينهم لأن عثمان ولى اقرباءه الامويين على الامصار واعتمد عليهم في الحكم. وعندما قتل عثمان على ايدي الثوار وبويع علي أعلن معاوية بن أبي سفيان الأموي العصيان وتمرد على سلطة الخليفة الهاشمي، وبعد حروب طويلة استتب الأمر لمعاوية على اثر مصرع علي على يد عبد الرحمن بن ملجم الخارجي. ولم ييأس بنو هاشم وراحوا يبثون دعوتهم سرا سحابة حكم بني أمية الذي دام زهاء قرن من الزمان
(1/37)

واستطاعوا اخيرا ان يعلنوا الثورة على الامويين ويقوضوا احكمهم سنة 750 م ويبطشوا ببني امية بطشا شديدا. وقد انقسم الهاشميون فرعين: ابناء علي بن أبي طالب، وابناء العباس عم النبي وكل منهما كان يدعو لنفسه ويدعي انه احق بالخلافة من الآخر. وقد اطلق على ابناء علي اسم العلويين وسمى انصارهم بالشيعة. واطلق على ابناء العباس اسم العباسيين. وقد استطاع العباسيون الاستئثار بالسلطة دون العلويين وتأسيس دولتهم الشامخة القوية التي عاشت نحو خمسة قرون من الزمان وانتهت على يد المغول سنة 1256 م.
وإبان الحكم العباسي لم يكف انصار الامويين عن النضال في سبيل السلطة والقضاء على الدولة العباسية. وكان هذا النضال يتخذ شكل الدعاية الفكرية السرية، او شكل الثورات العلنية الدموية. ويبدو من رسائل الجاحظ أن انصار الأمويين نشطوا في القرن التاسع الذي عاش فيه الجاحظ فكان يطلق عليهم اسم النابتة او العثمانية او العمرية او البكرية. فبادر العباسيون للرد عليهم ونقض حججهم، ولا سيما المأمون والمعتصم وتطوع الجاحظ للاضطلاع بمهمة الرد.
فكتب عدة رسائل حول هذا الموضوع، منها رسالة النابتة، ومنها رسالة العباسية، ومنها رسالة فضل هاشم على عبد الشمس. وقد فعل ذلك تقربا من العباسيين اصحاب السلطان.
وقد تكلمنا على رسالة النابتة في مقدمة رسائل الجاحظ الكلامية وقلنا ان الثابتة ينتصرون لبني امية ويحنون الى دولتهم، ويزينون أعمالهم ويدعون لهم.
فرد عليهم الجاحظ مبينا سيئاتهم وتهافت حجج انصارهم النابتة.
اما رسالة العباسية فقد وضعها الجاحظ ليبين ان العباسيين احق بالخلافة من سواهم. وبما أنهم أسندوا هذا الحق الى الوراثة، لذا يركز الجاحظ على هذا المبدأ ليوضح صحته. لقد اعتبر العباسيون الخلافة ارثا تحدر اليهم عن النبي، وهم احق بذلك الأرث من ابناء فاطمة بنت النبي لأن البنات لا يرثن الآباء، بينما الاعمام واولاد الاعمام يرثون.
(1/38)

وقد أنكر العثمانية او البكرية مبدأ الارث في الخلافة وقالوا إنها شورى، وان النبي لا يورث. واعتمدوا على موقف ابي بكر من فاطمة عندما منعها الأرث إثر موت والدها وقال لها عندما الحت بالطلب واحتجت وتظلمت إنه سمع رسول الله يقول «انا معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه، فهو صدقة» .
وهم يرون موقف أبي بكر من الأرث صحيحا والدليل على صحته ان الصحابة لم يستنكروه. فتجيب العباسية انه اذا كان ترك النكير دليلا على صدق دعوى ابي بكر وعمر، فان ترك النكير على المتظلمين والمحتجين والمطالبين دليل على صحة دعواهم او استحسانها. وقد طالبت فاطمة ابابكر بميراث والدها فمنعها إياه، فاحتجت والحت وشكت ووجدت ودعت على أبي بكر فلم يردعها احد من الصحابة ولم يصرفها عن الخطأ اذا كانت على خطأ.
وثمة دليل آخر على ان ترك النكير ليس حجة على صدق الدعوى، موقف عمر من المتعة وحصر الخلافة في قريش. لقد قال عمر من على المنبر: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، متعة النساء ومتعة الحج، انا انهى عنهما، واعاقب عليهما. فلم ينكر عليه أحد قوله ولا خطأه. وقال يوم السقيفة ان الخلافة في قريش لأن النبي قال: «الأئمة في قريش» . ولكنه خالف هذا المبدأ عندما قال شاكيا من الستة الذين حصر فيهم الشورى بعده «لو كان سالم حيا ما تخالجني فيه شك» وسالم ليس قريشا، بل هو عبد لامرأة من الانصار. ومع ذلك لم ينكر عليه أحد موقفه او دعواه.
وثمة دليل على صدق دعوى ابي بكر بمنع الأرث عن فاطمة أورده البكرية خصوم العباسيين هو احجام الصحابة عن خلعه والثورة عليه. ولو كان على خطأ لفعلوا به كما فعلوا بعثمان عندما وثبوا عليه وقتلوه.
هذا الدليل باطل بنظر العباسين لأن ابا بكر عندما منع الارث عن فاطمة لم يجحد التنزيل ولكنه ادعى حديثا نسبه الى النبي ليس محالا في العقل ولم يثر به الناس لأنهم صدقوه في حديثه لحسن ظنهم به. وقد ثاروا على عثمان ولم يثوروا
(1/39)

على ابي بكر لأن العامة والسفلة لم تهب عثمان كما هابت ابا بكر وعمر، ولم يستأثر ابو بكر وعمر بالفيء كما استأثر عثمان.
هذه حفنة من الآراء التي أدلى بها كل من العباسية والبكرية أو العثمانية حول أحقية الخلافة. ولم يصلنا من رسالة العباسية سوى بضع صفحات، ولكنها كافية لا عطائنا فكرة عن الرسالة كلها. إنها تدور حول موضوع واحد هو حق العباسيين في الخلافة دون سواهم، وان سياقها واحد هو الجدل وقرع الحجة بالحجة بين خصمين هما العباسيون من جهة وخصومهم العثمانية من جهة ثانية.
اما رسالة فضل هاشم على عبد شمس فمناظرة بين الهاشميين والامويين، كل منهم يفتخر بالرجال الذين انجبهم ويعد مآثرهم. فهاشم هو الجد المشترك للعلويين والعباسيين. وكان اسمه عمرا وهاشم لقب كريم لقب به لأنه كان يهشم الثريد لقومه في السنين العجاف.
وابنه عبد المطلب سيد الوادي واجمل الناس واجودهم، وصاحب الفيل وزمزم وساقي الحجيج، وقد ظهرت على يديه كرامات ككرامات الانبياء. فقد دعا الله ان ينصره على الاحباش الذين غزوا مكة فارسل الله عليهم طيرا ابابيل ترميهم بحجارة من سجيل واستجاب الله لدعائه.
وانجبت هاشم محمدا لنبي المصطفى. والنبوة اعظم هبة واقدسها. ولا يضارعها شيء. كما انجبت عبد الله بن عباس وعليا ابن ابي طالب، والمنصور والرشيد والمأمون والمعتصم وغيرهم من الخلفاء العظام.
واذا افتخر بنو أمية بانه خرج منهم ملوك كبار امثال معاوية ومروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان ويزيد بن عبد الملك والوليد بن يزيد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز. اجاب بنو هاشم بأن سني ملكهم اطول لأن دولة امية لم تعمر سوى اربع وتسعين سنة. وان اساس ملكهم امتن لأنهم بنوه على الميراث وحق العصبة والعمومة، وبناه الامويون على النسب القرشي.
(1/40)

ويلخص الجاحظ أسباب الخلافة التي نادى بها طلابها في عصره:
فالعلويون جعلوا الوصية والقرابة والسابقة سببا في الخلافة، والعباسيون جعلوا الوراثة سببا في الخلافة، والخوارج جعلوا السوابق والاعمال والجهاد سببا في الخلافة.
وفي جميع هذه الاحوال ليس للامويين فيها نصيب اذ ليس لهم قدم مذكور ولا يوم مشهور.
اضف الى ذلك أن ملوك بني امية اتوا من الشرور والآثام والظلم الشيء الكثير. لقد حاربوا عليا وسموا الحسن وقتلوا الحسين وحملوا النساء على الجمال حواسر وكشفوا عن عورة علي بن الحسين وضربوا علي بن عبد الله بن عباس بالسياط الخ. وهدموا الكعبة وحولوها وغيروا اوفات الصلاة.
وبسبب ما ارتكب بنو امية من مخاز وفجور دالت دولتهم بسرعة وانتزع العباسيون الملك من أيديهم بالبطش والحيلة.
اما المفاخر التي يعتز بها بنو هاشم فهي كثيرة العدد فان عدد اولاد علي بن عبد الله بن العباس يناهز عدد جميع ابناء امية وكذلك عدد ابناء الحسين بن علي إبن ابي طالب.
ويفخر بنو هاشم ايضا بالرأي السديد والعلم والفقه والتأويل والخطابة وقد نبغ منهم في ذلك كثيرون امثال عبد الله بن عباس وعلي بن ابي طالب.
ويفخرون بالفروسية والشجاعة وقد اطلعوا امثال حمزة بن عبد المطلب وعلي بن ابي طالب.
ويفخرون بالكرم والسماح وقد اشتهر منهم فيهما امثال عبد الله بن جعفر ابن ابي طالب، وعبيد الله بن العباس بن عبد المطلب.
ولم يكتف الجاحظ بايراد مفاخر الهاشميين بل اورد ايضا مفاخر الامويين المقابلة؛ لقد افتخر هؤلاء بانهم انجبوا نوادر الرجال في العقل والدهاء امثال
(1/41)

معاوية بن ابي سفيان وزياد ابن ابيه. وعبد الملك بن مروان.
وفخر الامويون برجال أجواد كانوا مضرب المثل امثال سعيد ابن العاص وعبد الله بن عامر.
وفخر الامويون بالفتوح التي تمت في دولتهم والحروب التي خاضوها في ارمينية وافريقيا والسند والهند.
كما افتخروا بنبوغهم في الشعر واهتمامهم بالعلوم. فكان يزيد بن معاوية شاعرا، والوليد بن يزيد شاعرا، ومروان بن الحكم وعبد الرحمن بن الحكم شاعرين. اما خالد بن يزيد بن معاوية فكان حكيما وهو اول من أجاز التراجمة والفلاسفة ليترجموا له الطب والكيمياء والآلات.
وفاخر الامويون بخطبائهم أمثال معاوية بن ابي سفيان وعبد الملك بن مروان وزياد ابن ابيه وسليمان بن عبد الملك والوليد بن يزيد بن عبد الملك بن معاوية، وعمر بن عبد الغزير.
وافتخر الامويون بالملك ولا سيما بمعاوية الذي حكم اربعين سنة منها عشرون واليا وعشرون خليفة. وعبد الملك بن مروان الذي انجب اربعة خلفاء هم الوليد وسليمان ويزيد وهشام.
وفاخر الامويون بالحسن الذي عرف به عبد الله بن عمرو بن عثمان الذي لقب بالمطرف لجماله. والمؤمل بن العباس بن الوليد بن عبد الملك.
لم يقتصر الهاشميون على تعداد مفاخرهم بل عمدوا الى تسفيه مفاخر خصومهم الامويين. فالدهاء الذي عرف به بنو أمية هو من اسماء فجار العقلاء. والذين عدوهم من الدهاة ابعد الناس عن التقى. ولم تكن حيل معاوية لتخفى على علي بن ابي طالب «ولكن الرجل الذي يحارب ولا يستعمل الا ما يحل له اقل مذاهب في وجوه الحيل والتدبير من الرجل الذي يستعمل ما يحل وما لا يحل» .
(1/42)

واذا ذكر الامويون في الجود سعيد بن العاص وعبد الله بن عامر فاين جودهما من جود عبد الله بن جعفر وعبيد الله بن العباس والحسن بن علي وجود خلفاء بني العباس كالمهدي والرشيد والمأمون.
وفي الخطابة لم ينبغ أحد من اولاد امية بن عبد شمس ولا يضارع أحد فيها علي بن ابي طالب وعبد الله بن العباس.
وفي الورع لا أحد يضاهي علي بن ابي طالب في زهده ودينه. وفي النسك ليس من شبيه لزين العابدين علي بن الحسين.
وفي الفقه والتفسير والتأويل ليس لاحد فيه أن ينافس علي بن ابي طالب وعبد الله بن عباس وجعفر الصادق.
وفي الشجاعة ليس من ند لعلي بن ابي طالب وحمزة ابن عبد المطلب، والحسين بن علي وزيد بن علي بن الحسين بن ابي طالب والمعتصم وعبد الله بن علي عم المنصور.
وفي الحسن لم يكن أحد أجمل من العباس بن عبد المطلب من بسطة جسمه وتمام قوامه.
واذا فاخرت أمية بعاتكة بنت يزيد بن معاوية، فاخرت هاشم بفاطمة بنت رسول الله سيدة نساء العالمين وبامها خديجة.
ويبدو ان الأمويين ارادوا إظهار الاعتدال فدعوا الى التسوية وقالوا ليس من احد افضل من الآخر، ونحن لا ننكر فضل هاشم في الاسلام، ولا فرق بيننا في الجاهلية فنحن وهاشم ابناء اب واحد وام واحدة.. ان عبد مناف هو جدنا المشترك، ولم يفرق الرسول بين هاشم وعبد شمس.
ولكن هاشم أبت التسوية وقالت ان أمية ليسوا اكفاءنا من كل وجه وان جمعنا جد واحد. وقد ميز الرسول بين هاشم عشيرته وسائر العشائر وقال الله في ذلك وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.
(1/43)

7- مقدمة مناقب الترك وعامة جند الخلافة
وضع الجاحظ قسما من هذا الكتاب في خلافة المعتصم ووضع القسم الثاني في خلافة المتوكل. والقسم الاول وجهه الى المعتصم فلم يصل اليه لاسباب لم يفصح عنها الجاحظ. اما القسم الثاني فوجهه الى وزير المتوكل الفتح بن خاقان التركي الاصل والذي عرف بادبه وشاعريته، وذكرت له بعض الكتب مثل كتاب اخلاق الملوك، وكتاب الروضة والزهر وكتاب الصيد والجارح. وقد قتل مع المتوكل سنة 247 هـ. ويصفه الجاحظ في مقدمة الرسالة بحسن اطاعته الخليفة، والدراية بالتدبير، والحرص من الوقوع في الهفوات التي يعاب بها.
والغرض الذي رمى اليه الجاحظ من الكتاب هو الألفة بين قلوب ابناء الشعوب التي تشكل الدولة العباسية. كانت تلك الدولة المترامية الاطراف تضم عدة شعوب مختلفة الاصل واللغة والاخلاق ولم يستطع الاسلام الذي اجتمعت عليه أن يصهرها صهرا كاملا في بوتقته، فظل كل شعب منها متعلقا بتراثه وماضيه ولغته وطباعه، ونشأت الخصومات بينهم على الصعيدين الفكري والعسكري.
واهم تلك الشعوب التي كونت الدولة العباسية العرب والفرس والاتراك والسودان اضف الى ذلك شعبين مولدين هما الموالي والأبناء. وكل من تلك
(1/45)

الشعوب يعتز بخصائصه ويتمسك بها ويدل فيها على الشعوب الأخرى. وقد تمثل ذلك في الجيش الذي كان يضم الخراساني والتركي والمولى والعربي والبنوي.
ويمكن ان نقسم الكتاب قسمين: قسما يتناول مفاخر كل شعب من هذه الشعوب، وقسما يحدد السياسة التي ينبغي أن تتبع للتقريب بينهم وتوحيد كلمتهم.
وفي القسم الاول نجد الخراسانيين يفخرون بانهم اصحاب الدعوة العباسية لأنها انطلقت من خراسان وقضت على دولة الامويين. فهم شيعة العباسيين وجنودهم وحملة راياتهم السوداء. كما يفخرون بعظم اجسامهم وطول سواعدهم وكثرة نسلهم وعددهم. ويعتزون بشجاعتهم وبلائهم في الحروب وانتصاراتهم وقدرتهم على قلب الدول. ولا ينسون براعتهم في الصناعات والعلوم والحكمة والأدب والحساب والهندسة والموسيقى والفقه والرواية.
اما العرب فيفخرون بانهم اهل الدولة واقدم الشعوب اسلاما. وهم اقدر الناس على نظم الشعر الموزون المقفى الذي لا يفنى ويخلد المآثر والاخبار، واحفظهم للانساب، واخطبهم على منبر بلسان امضى من السنان وارهف من السيف.
ويفتخرون ايضا بانهم قواد الدعوة العباسية لأنهم قدموا النقباء «وهل اكثر النقباء الا من صميم العرب ومن صليبة هذا النسب» ولم يقض على عمال الامويين وخليفتهم الأخير مروان بن محمد الا عرب الدعوة. ولم يفتح الهند الا موسى بن كعب، ولم يفتح افريقية الا محمد بن الاشعث وكلهم عرب أقحاح.
وبذا تسقط دعوى الفرس بانهم أصحاب الدعوة.
فاذا استمعنا الى الموالي نراهم يمتدحون انفسهم بالنصيحة والاخلاص في الخدمة وعدم افشاء السر والطاعة. وبانهم اطلعوا العديد من النقباء امثال ابي منصور مولى خزاعة. ولا يعابون من جهة النسب لأن الولاء لحمة كلحمة
(1/46)

النسب وبذا جمعوا بين النسب العربي والاصل الاعجمي.
اما الأبناء فيقولون أن أصلهم خراسان وفرعهم بغداد. وخراسان هي منبع الدعوة وبغداد مستقر الخلافة. ولذا فهم اعرق من الموالي والعرب. وهم قوام السلطة القائمة في بغداد وقد اجتمع لهم الاقدام في الحروب والاحتجاج والعقل والصبر على الزمان. ويبدو من كلام الجاحظ ان الابناء كانوا يسيطرون على بغداد وكان الخليفة يعتمد عليهم في فرض سلطته ونسمعه يقول «ولنا بغداد باسرها، تسكن ما سكنا، وتتحرك ما تحركنا، والدنيا كلها معلقة بها ...
ونحن بعد تربية الخلفاء وجيران الوزراء، ولدنا في افنية ملوكنا، ونحن اجنحة خلفائنا..» . والابناء مولدون من آباء فرس وامهات عربيات.
وننتهي اخيرا الى الاتراك الذين ذكر خصالهم في القسم الأخير من الكتاب واطال الحديث عنهم. والصفة الرئيسة التي يفتخرون بها هي البسالة في الحروب والبلاء في المعارك وهم يتفوقون بها على الخوارج الاعراب وعلى جميع الأمم. واذا عرف الخارجي بصدق الشدة عند الهجوم، والصبر على السير، وادراك ما يطلب، وقلة الامتعة فان التركي احمد شدة، واسرع حركة، واصعب مراما.
واذا كان الخوارج يقاتلون عن عقيدة دينية فان الاتراك لا يقاتلون على دين او تأويل او ملك او خراج او عصبية او وطن. بل يقاتلون على السلب.
ويعرف التركي بحب وطنه والحنين اليه. وهذا طبع في جميع الناس ولكنه في الترك اغلب.
وبعد عرض مفاخر الشعوب المختلفة يبدي الجاحظ رأيه الشخصي. إن سبب اختلاف الأمم في الخصال عائد الى طباع خصهم الله بها دون غيرهم.
وهذا ما يفسر لنا حذق اهل الصين في الصناعة، واليونانيين في الحكمة والعلم، والعرب في الأدب، والفرس بالملك، والاتراك في الحروب. فاليونانيون لم يكونوا تجارا ولا صناعا ولا فلاحين، فصرفوا همهم الى التفكير والتأمل فتوصلوا الى الطب والحساب والهندسة والموسيقى وآلات الحرب والساعات الخ كما انتجوا
(1/47)

الحكمة والعلم.
اما سكان الصين فقد مهروا بالسبك والصياغة والأصباغ العجيبة.
وكذلك العرب لم يكونوا تجارا ولا صناعا ولا اطباء ولا حسابا ولا اصحاب فلاحة وزرع لخوفهم من صغار الجزية، وانما اتجهوا نحو قرض الشعر وبلاغة القول، كما اهتموا بقيافة الأثر وحفظ النسب والبصر بالخيل فبلغوا شأوا عظيما.
والترك مثل العرب سكان فياف وقفار لذا دعوا باعراب العجم فلم يهتموا بصناعة او تجارة او هندسة او بنيان او زراعة، وصرفوا همهم الى ركوب الخيل ومقارعة الاعداء وطلب الغنائم فاشتهروا بالفروسية والحرب.
ان لكل امة حظا من الكمال ومقدارا من النقص، ولا تخلو أمة من النقص فتبلغ الكمال كله، «وانما يتفاضل الناس بكثرة المحاسن وقلة المساوىء» .
ثم ان السياسة تقضي بالامتناع عن التفاخر والتنابذ لأن الاسراف فيها يؤدي الى التناحر والتباغض بين جند الخلافة وبين ابناء مختلف الشعوب التي تتكون منها الخلافة.
ويرى الجاحظ أن الناس- وان تباينت اعراقهم وصورهم- متفقون في حقيقتهم. فالمولى الاعجمي يصبح عربيا بالولاء وليس هذا بعجيب لأنهم جعلوا الخال والدا «والحليف من الصميم» . كما جعلوا «ابن الاخت من القوم» واسماعيل الاعجمي الوالدين عربيا.
ثم ان الجميع من خلق الله، فله «ان يجعل من عباده من شاء عربيا ومن شاء عجميا ومن شاء قرشيا ومن شاء زنجيا، كما له ان يجعل من شاء ذكرا ومن شاء انثى ومن شاء خنثى.
وقد قسم الله الطبائع والخصال والصفات والقدرات بين الناس كما قسم طينة الأرض فجعل بعضها حجرا وبعضها ياقوتا وبعضها ذهبا وبعضها نحاسا الخ..
(1/48)

وينتهي الجاحظ الى التسوية والتوحيد بين الخراساني والبنوي والمولى والعربي قائلا: «واذا كان الأمر على ما وصفنا فالبنوي خراساني، واذا كان الخراساني مولى، والمولى عربي، فقد صار الخراساني والبنوي والمولى والعربي واحدا» .
وعلى هذا الاساس تصبح اسباب القربى والوفاق بين هذه الشعوب اكثر من اسباب الخلاف. «بل هم في معظم الأمر وفي كبر الشأن وعمود النسب متفقون. والأتراك خراسانية، وموالي الخلفاء قصرة، فقد صار التركي الى الجميع راجعا، وصار شرفه الى شرفهم زائدا» .
ويترتب على ذلك انتفاء الخلاف، وغلبة التسامح، وازالة الأضغان.
(1/49)

8- مقدمة فخر السودان على البيضان
هذا الكتاب يشبه كتاب مناقب الترك وعامة جند الخلافة في الموضوع والنوع. فهو يعدد مفاخر العرق الاسود كما عدد كتاب مناقب الترك وعامة جند الخلافة مفاخر البيضان من خراسانيين وعرب واتراك وابناء وموال. وهو ينطوي مع كتاب مناقب الترك في الغاية التي يرمي اليها الجاحظ وهي التسوية بين العرب وسائر الشعوب التي تشتمل عليها الدولة العباسية والتقريب بينها واستئصال الاحقاد من قلوب ابنائها، لتستطيع العيش بوئام وسلام. وهذه هي القاعدة التي تقوم عليها سياسة بني العباس والتي يؤيدها الجاحظ.
غير ان رسالة فخر السودان على البيضان كرسالة الترك تصور لنا الحركة الشعوبية تصويرا واضحا. ان هذه الشعوب تحاول ان تثبت وجودها وتمايزها وفضائلها ومآثرها وتفوقها على العرب.
ويوجه الجاحظ الكلام في مقدمة الرسالة الى شخص لم يذكر اسمه سأله ان يكتب كتابا في مفاخر السودان فيلبي الجاحظ طلبه ويؤلف هذه الرسالة التي يبدي فيها عطفا ظاهرا على السودان لأنه كان اسود اللون يمت اليهم بصلة القرابة.
وهو يعدد اولا الرجال العظام الذين انجبهم السودان، منهم لقمان الحكيم، وسعيد بن جبير المحدث الذي عاش في العصر الاموي وقتله الحجاج
(1/51)

في السنة التي مات بها. ومنهم بلال الحبشي مؤذن الرسول، ومنهم المقداد الذي عاش في عصر الرسول، ووحشي الذي قتل مسيلمة الكذاب. ومنهم مكحول الفقيه المتوفي سنة 112 هـ. ومنهم الحيقطان الشاعر والخطيب الذي عاش في العصر الاموي. ومنهم جليبيب الفارس الذي عاش في عصر الرسول، ومنهم عكيم الحبشي الشاعر.
ويذكر اسماء السودان الذين اشتهروا بالفروسية امثال خفاف بن ندبة، وعباس بن مرداس، وعنترة بن شداد، وسيلك بن السلكة، وعمير بن الحباب والحجاف بن حكيم وعامر بن فهيرة، والفداف ومريح الاشرم والمغلول وافلح الخ.
ثم يذكر ثانيا خصال السودان واهمها السخاء الذي يغلب عليهم ولا تنافسهم فيها أمة أخرى.
ومن خصالهم الرقص الموقع الموزون، فهم اطبع الناس على الايقاع والضرب بالطبل.
ومن خصالهم خفة لغتهم وذرابة السنتهم وخلوهم من الفأفأة والعي. وهم اخطب الشعوب، يقف الخطيب طوال النهار يتكلم دون تعب.
ومن خصال السودان قوة الابدان حتى ليستطيع الواحد منهم رفع الاثقال التي يعجز عنها جماعة الاعراب.
ومن خصالهم دماثة الخلق وطيب النفس وحسن الظن والنأي عن الأذى.
واجادة الطبخ، والامانة في الاعمال المصرفية.
وقد اعترض قوم على سخائهم فقالوا انه نتيجة ضعف عقولهم. فرد السودان قائلين لو كان الأمر كذلك لكان الصبيان والنساء اكرم من الرجال لانهم اضعف منهم عقولا. والعكس هو الصحيح.
ويرى الزنج وهم عرق من السودان انهم كانوا اكفاء العرب في الجاهلية
(1/52)

ولذا اكثروا من التزوج منهم، وفي الاسلام انكر العرب فضل السودان عليهم على الرغم من ضرب الامثال بملوك السودان وتقدمهم على ملوك العرب امثال ابرهة وابي يكسوم.
ثم انتقل الجاحظ الى الحديث عن اللون الاسود وقيمته ومنشئه وجماله، وأتى بآراء اجتماعية ونفسية طريفة. فهو يرى ان اللون الأسود اشد مهابة من اللون الابيض. والحيوانات والاشياء السوداء تتصف بالقوة والبهاء، فالخيل الدهم ابهى واقوى، والبقر السود احسن وجلودها اثمن وابقى وادسم لبنا.
وكل حجر اسود يكون اصلب، واشهى التمور واحلاها الاسود. واعلى العيدان واسلمها الأبنوس الاسود. واجمل الشعر الاسود، وحدقة العين السوداء أحسن ما في العين، والكحل الذي يكتحل به للتزين اسود اللون، وسويداء القلب اعز ما فيه، واطيب ما في المرأة شفتاها السوداوان. وقد قال الرسول: «بعثت الى الاحمر والاسود» ومعنى ذلك انه بعث الى السودان. والحجر الاسود اشرف ما في الكعبة. وام اسماعيل قبطية سوداء.
وعالج الجاحظ ناحية أخرى اجتماعية هي كثرة عدد السودان واتساع بلادهم في افريقيا وما وراء بلاد الحبشة. ويعزو الجاحظ ذلك الى قوة خصوبتهم وكثرة تناسلهم. «فالزنجية تلد نحوا من خمسين بطنا في نحو من خمسين عاما، في كل بطن اثنان فيكون ذلك اكثر من تسعين» .
ويلاحظ الجاحظ قلة الاقبال على الزواج من الزنجيات في المجتمع العباسي لأن الزنجية لا تكاد تنشط لغير الزنجي ولأن الأبيض لا ينشط للزنجية. ويعلل الجاحظ هذه الظاهرة بالعادة والتقليد. ولذا نرى اهل البصرة يحبون من النساء الهنديات، واهل اليمن يحبون منهن الحبشيات، واهل الشام يؤثرون الروميات.
فكل قوم يشتهون جلبهم وسبيهم.
وثمة سبب آخر لكثرة السودان هو ترامي اصقاعهم. فاذا كان البيضان يسكنون بلاد فارس وخراسان والروم وفرنجة، فالسودان يملأون بلاد الزنج
(1/53)

والحبشة وفزان وبربر والقبط والنوبة والسند والهند والصين. ثم ان العرب يعدون من السودان لأن لونهم اقرب اليهم من البيضان.
ويبحث الجاحظ اخيرا مسألة فلسفية خطيرة هي علة اختلاف الناس في ألوانهم. ويذهب الى ان الله لم يجعل السودان سودا والبيضان بيضا وانما البيئة الطبيعية التي يعيشون فيها هي التي تحيل الوانهم او تصبغ جلودهم بالوان مختلفة. ويقول على لسان السودان «ان الله تعالى لم يجعلنا سودا تشويها بخلقنا، ولكن البلد فعل ذلك بنا. والحجة في ذلك ان في العرب قبائل سودا كبني سليم ابن منصور. وكل من نزل الحرة من غير بني سليم كلهم سود» . وقد يأتي بنو سليم برعاة من الروم البيض فلا يمضي ثلاثة أجيال حتى يصبحون سودا، ثم ان جميع الحيوانات التي تعيش في الحرة من نعام وهوام وذباب وثعالب وشاء وحمير وخيل وطير، سود. وثمة دليل آخر على اثر البيئة في تشكيل الالوان هو اننا نرى جراد البقل وديدانه خضرا، كما نرى قمل الرأس الاسود سوداء، وقمل الرأس الاشيب بيضاء. وينتهي الجاحظ الى القول: «والسواد والبياض انما هما من قبل خلقة البلد وما طبع الله عليه الماء والتربة، ومن قبل قرب الشمس وبعدها وشدة حرها ولينها، وليس ذلك من قبل مسخ او عقوبة، ولا تشويه ولا تقصير» .
(1/54)

9- مقدمة كتاب الحجاب
يستهل الجاحظ الكتاب بمقدمة تقليدية يدعو فيها لمن يوجه اليه الكلام- وهو شخص لا يسميه- بطول البقاء والسعادة والهداية. ويحدد موضوع الكتاب وهو جمع «ما جاء في الحجاب من خبر وشعر ومعاتبة وعذر وتصريح وتعريض..» . والغاية التي يرمي اليها الارشاد والتنبيه الى مساوىء الحجاب.
الكتاب إذن عبارة عن مجموعة اخبار واشعار حول الحجاب، ولا ينطوي على افكار أصيلة ذات شأن ادى اليها تفكير الجاحظ. ولكنه يطلعنا على نظرة العرب الى هذا الموضوع السياسي. فنحن نستشف من خلال الاخبار والاقوال والاشعار التي ساقها الجاحظ كره العرب للحواجز التي توضع بين الحاكم والشعب- ومنها الحجاب- ورغبتهم في تمتين الصلة بينهما، وفي ذلك دلالة واضحة على الروح الديمو قراطية التي يصدرون عنها. تلك الروح التي تتجلى في اعتبار الحاكم ذا سلطة مستمدة من الشعب بموجب البيعة التي هي ضرب من الاقتراع. وقد عبر هانىء بن قبيصة عن هذه الروح في قوله ليزيد بن معاوية الذي احتجب عنه اياما ثم لقيه وهو راكب للصيد: «يا يزيد، ان الخليفة ليس بالمحتجب المتخلي، ولا المتطرف المتنحي، ولا الذي ينزل على الغدران والفلوات، ويخلو للذات والشهوات. وقد وليت امرنا فاقم بين اظهرنا، وسهل
(1/55)

اذننا، واعمل بكتاب الله فينا، فان كنت قد عجزت عما هنا فاردد بيعتنا نبايع من يعمل فينا ويقيمه لنا ثم عليك بخلواتك وصيدك وكلابك» .
فالخليفة واحد من ابناء الشعب بايعه الناس ليدبر امورهم فاذا عجز عن ذلك او احجم او انصرف الى اللهو والملذات او ابتعد عنهم واحتجب دونهم، وجب خلعه واقامة آخر مكانه.
وقد لخص النبي واجبات الحاكم بقوله «ثلاث من كن فيه من الولاة اضطلع بامانته وامره: اذا عدل في حكمه، ولم يحتجب دون غيره، واقام كتاب الله في القريب والبعيد» .
فعلى الحاكم أن يعدل ويقيم احكام القرآن ولا يستكبر على الناس.
وشدد عمر بن الخطاب على ضرورة بقاء الحاكم قريبا من الشعب، بعيدا عن الأبهة والبذخ قائلا لعماله: اياكم والاحتجاب وركوب البرذون واتخاذ الحاجب ولبس الكتان واكل الدرمك.
وقد راعى خلفاء الامويين والعباسيين هذا الأمر ولم يتشبهوا فيه بملوك الروم والفرس الذين احاطوا الملك بمظاهر الابهة والعظمة. فقال الخليفة العباسي موسى الهادي لحاجيه: «لا تحجب الناس عني فان ذلك يزيل التزكية ... ويهلك المملكة» .
وتحدث الجاحظ على واجبات الحاجب، فقال انه العين الذي ينظر فيها الحاكم، فعليه بالنظر الى الناس وابلاغهم عن الحاكم وابلاغ الحاكم عنهم، اي يكون صلة الوصل بين الحاكم والشعب.
ومن واجبات الحاجب احترام الناس ومعرفة اقدارهم وعدم احتقار احد لرثاثة ثوبه او دمامة وجهه.
وعليه ان يقابل الناس بوجه بشوش ولسان طلق ولا يميز بين الناس فيأذن لبعضهم ويمنع البعض الآخر، لأن الممنوع ينكسر خاطره ويضمر الحقد.
(1/56)

ثم تكلم على شروط الحاجب وقد لخصها المنصور في خطاب وجهه الى المهدي: «لا ينبغي ان يكون الحاجب جهولا، ولا غبيا، ولا عييا، ولا ذهولا، ولا متشاغلا، ولا خاملا، ولا محتقرا، ولا جهما ولا عبوسا..» .
والى هذا المعنى ذهب عبد الملك بن مروان عندما قال لأخيه عبد العزيز «انظر من تجعل حاجبك، ولا تجعله الا عاقلا فهما مفهما، صدوقا لا يورد عليك كذبا، يحسن الاداء اليك والاداء عنك. ومره الا يقف ببابك أحد من الاحرار الا اخبرك حتى تكون انت الآذن له او المانع، فانه ان لم يفعل كان هو الأمير وانت الحاجب. واذا خرجت الى اصحابك فسلم عليهم يأنسوا بك. واذا هممت بعقوبة فتأن بها فانك على استدراكها قبل فوتها اقدر منك على انتزاعها بعد فوتها» .
ويخصص الجاحظ القسم الأخير من كتابه لسرد اخبار واشعار كثيرة في العتاب والهجاء والمديح بسبب الحجاب. منها عدة قصائد للشاعر والكاتب العباسي ابي علي البصير، الفضل بن جعفر النخعي الذي عاش في عهد المتوكل وادرك المعتز. ومنها ابيات للبحتري، ودعبل وابي تمام وابي العتاهية وحماد عجره وغيرهم من الشعراء المغمورين.
(1/57)

10- مقدمة كتاب ذم اخلاق الكتّاب
لم يذكر الجاحظ اسم صاحب الرسالة التي الف كتابه الذي نحن بصدده اي «ذم اخلاق الكتاب» للرد عليها. ولكنه يذكر انه قرأ تلك الرسالة في مدح اخلاق الكتاب وفعالهم واخبارهم، فلم يعجبه تقريظ الكتاب والاطناب بمدحهم لما ينطوي عليه من زلل في الاحتجاج وغلط في الاعتلال وبعد عن الحقيقة.
فعزم على تبيان «رداءة مذاهب الكتاب وافعالهم، ولؤم طبائعهم واخلاقهم» .
وهذا هو غرض كتاب الجاحظ وموضوعه.
ولكن ثمة باعثا آخر حمل الجاحظ على وضع هذا الكتاب هو بغضه إياهم- اي الكتاب- والذين ترجموا له يخبروننا أن المأمون جعله كاتبا في ديوانه وهو في سن الشباب، فمكث في عمله ثلاثة أيام واستعفى لأنه لم يطق ذلك العمل.
ويمكن ان نضيف عاملا آخر يفسر حملة الجاحظ على الكتاب هو تأثره بالمعتزلة. فقد ذكر لنا في الكتاب عددا من رؤسائهم الذين يشاطرونه موقفه من الكتاب امثال ثمامة بن اشرس، وابي بكر الاصم وبشر بن المعتمر، وابي الهذيل العلاف.
ويقدم في مطلع الرسالة نماذج من الكتاب منهم عبد الله بن سعد بن ابي سرح كاتب رسول الله، وكان اول مرتد في الاسلام و «خالف في كتابه املاءه»
(1/59)

فانزل الله آيات تنهي عن استكتابه. ومنهم معاوية بن ابي سفيان الذي استكتبه رسول الله ايضا فكان «اول من غدر في الاسلام بامامه، وحاول نقض عرى الايمان بآثامه» . ومنهم زياد ابن ابيه الذي كتب لعمر بن الخطاب فكان شر ناشىء في الاسلام لأنه نقض السنة. ومنهم مروان بن الحكم الذي كتب لعثمان إبن عفان فخانه في خاتمه واهاج الرعية عليه.
والدليل على ان الكتابة ليست فضيلة هو عدم معرفة رسول الله بها، ولذا منع الله رسوله عنها «وجعل الحظ فيه دنيه» .
ويرى الجاحظ ان الكتاب في معظمهم من التابعين او الخدم: «ولم نر عظيما قط تولى كفاية نفسه، او شارك كاتبه في عمله» .
ثم ينتقل ابو عثمان الى الحديث على أخلاق الكتاب فينعتهم بالصلف والتيه والاعتداد بالنفس حتى ليظن الواحد منهم انه عمر بن الخطاب في حسن السياسة والتدبير، وابن عباس في العلم والتأويل، وعلي بن ابي طالب في القضاء والاحكام، وابو الهذيل العلاف في علم الكلام، والاصمعي في اللغة والانساب وهذا الغرور في التحصيل والعلم يدفع هؤلاء الكتاب الى انتقاد كل ذي علم ومعرفة، واحتقاره، حتى انهم يطعنون على القرآن ويدعون تناقضه، ويكذبون الاخبار والاحاديث، ويحتقرون شريحا القاضي وابن جبير الفقيه العابد الخ..
وثمة رذيلة اخرى في الكتاب هي جهلهم بالقرآن وتفسيره، وعدم المامهم بالفقه في الدين، وعدم اقبالهم على حفظ السنة والآثار.
ويذكر الجاحظ عيبا اخر في الكتاب هو قلة تعاطفهم فيما بينهم وزهدهم في المواصلة مما لا نعهده في جميع المهن وكأنهم في تباغضهم «اولاد علات وضرائر امهات» في عداوة بعضهم البعض وحنق بعضهم على بعض.
(1/60)

وتشتد حملة الجاحظ على الكتاب حتى يرميهم بالشؤم: فهذا عبد الحميد الكاتب الذي كتب لبني امية فانتقضت خراسان عليهم وزال ملكهم، وكتب عبد الله بن المقفع لبني العباس فاغرى بهم عبد الله بن علي فقتل وهدم البيت على صاحبه، وكتب زيد بن ايوب للمأمون وعمل في ديوان الجند اربعين سنة ثم «صار في آخر عمره قوادا ليحيى بن اكثم القاضي» .
(1/61)

[1- محتويات المعاش والمعاد]
(المعاش والمعاد)
(1/63)

[1- تقريظ محمد بن ابي دؤاد]
حفظك الله وأمتع بك.
أما بعد فإنّ جماعات أهل الحكمة قالوا: واجب على كلّ حكيم أن يحسن الارتياد لموضع البغية، وأن يبيّن أسباب الأمور ويمّهد لعواقبها. فإنّما حمدت العلماء بحسن التثبّت في أوائل الأمور، واستشفافهم بعقولهم ما تجيء به العواقب، فيعلمون عند استقبالها ما تؤول به الحالات في استدبارها. وبقدر تفاوتهم في ذلك تستبين فضائلهم. فأمّا معرفة الأمور عند تكشّفها وما يظهر من خفيّاتها فذاك أمر يعتدل فيه الفاضل والمفضول، والعالمون والجاهلون.
وإنّي عرفتك- أكرمك الله- في أيام الحداثة، وحيث سلطان اللهو المخلق للأعراض أغلب على نظرائك، وسكر الشباب والجدة المتحيّفين للدّين والمروءة مستول على لداتك فاختبرت أنت وهم [ففقتهم] ببسطة المقدرة وحميّا الحداثة، وطول الجدة، مع ما تقدّمتهم فيه من الوسامة في الصّورة، والجمال في الهيئة.
وهذه كلّها أسباب [تكاد أن] توجب الانقياد للهوى، ولجج من المهالك لا يسلم منها إلّا المنقطع القرين في صحّة الفطرة، وكمال العقل. فاستعبدتهم الشّهوات حتى أعطوها أزمّة أديانهم، وسلّطوها على مروءاتهم وأباحوها أعراضهم، فآلت بأكثرهم الحال إلى ذلّ العدم وفقد عزّ الغنى في العاجل،
(1/65)

والنّدامة الطويلة والحسرة في الآجل.
وخرجت نسيج وحدك، أوحديّا في عصرك، حكّمت وكيل الله عندك- وهو عقلك- على هواك، وألقيت إليه أزمّة أمرك، فسلك بك طريق السّلامة، وأسلمك إلى العاقبة المحمودة، وبلغ بك من نيل اللذّات أكثر مما بلغوا، ونال بك من الشّهوات أكثر مما نالوا، وصرّفك من صنوف النّعم أكثر مما تصرّفوا، وربط عليك من نعم الله التي خوّلك ما أطلقه من أيديهم إيثار اللهو وتسليطهم الهوى [على أنفسهم] ، فخاض بهم سبل تلك اللّجج، واستنقذك من تلك المعاطب، فأخرجك سليم الدّين، وافر المروءة، نقيّ العرض، كثير الثّراء، بيّن الجدة. وذلك سبيل من كان ميله إلى الله تعالى أكثر من ميله إلى هواه.
فلم أزل [أبقاك الله] في أحوالك تلك كلّها بفضيلتك عارفا، ولك بنعم الله عندك غابطا، أرى ظواهر أمورك المحمودة فتدعوني إلى الانقطاع إليك، وأسأل عن بواطن أحوالك فتزيدني رغبة في الاتّصال بك، ارتيادا مني لموضع الخيرة في الأخوّة، والتماسا لإصابة الاصطفاء في المودّة، وتخيّرا لمستودع الرّجاء في النّائبة.
فلما محضتك الخبرة، وكشفك الابتلاء عن المحمدة، وقضت لك التّجارب بالتّقدمة، وشهدت لك قلوب العامّة بالقبول والمحبّة، وقطع الله عذر كلّ من كان يطلب الاتّصال بك، طلبت الوسيلة إليك والاتّصال بحبلك، ومتتّ بحرمة الأدب وذمام كرمك. وكان من نعمة الله عندي أن جعل أبا عبد الله- حفظه الله- وسيلتي إليك، فوجدت المطلب سهلا والمراد محمودا، وأفضيت إلى ما يجوز الأمنيّة ويفوت الأمل، فوصلت إخاي بمودّتك، وخلطتني بنفسك، وأسمتني في مراعي ذوي الخاصّة بك، تفضّلا لا مجازاة، وتطوّلا لا مكافأة، فأمنت الخطوب، واعتليت على الزّمان، واتخذتك للأحداث عدّة، ومن نوائب الدهر حصنا منيعا.
(1/66)

فلمّا حزت المؤانسة، وتقلّبت من فضلك في صنوف النّعمة، وزاد بصري من مواهبك في السّرور والحبرة، أردت خبرة المشاهدة، فبلوت أخلاقك، وامتحنت شيمك، وعجمت مذاهبك على حين غفلاتك، وفي الأوقات التي يقلّ فيها تحفّظك، أراعي حركاتك، وأراقب مخارج أمرك ونهيك، فأرى [من] استصغارك لعظيم النّعم التي تنعم بها، واستكثارك لقليل الشّكر من شاكريك، ما أعرف به [و] بما قد بلوت من غيرك، وما قد شهدت لي به التّجارب، أنّ ذلك منك طبع غير تكلّف.
هيهات! ما يكاد ذو التكلّف أن يخفى على أهل الغباوة، فكيف على مثلي من المتصفّحين. فزادتني المؤانسة فيك رغبة، وطول العشرة لك محبّة، وامتحاني أفاعيلك لك تفضيلا، وبطاعتك دينونة.
وكان من تمام شكري لربّي وليّ كلّ نعمة، والمبتدىء بكلّ إحسان، الشكر لك والقيام بمكافأتك بما أمكن من قول وفعل، لأنّ الله تبارك وتعالى نظم الشّكر له بالشّكر لذي النّعمة من خلقه، وأبى أن يقبلهما إلّا معا، لأنّ أحدهما دليل على الآخر، وموصول به. فمن ضيّع شكر ذي نعمة من الخلق فأمر الله ضيّع، وبشاهده استخف.
ولقد جاء بذلك الخبر عن الطّاهر الصادق صلّى الله عليه وسلم، فقال صلّى الله عليه وسلم «من لم يشكر للناس لم يشكر لله» .
ولعمري إنّ ذلك لموجود في الفطرة، قائم في العقل: أنّ من كفر نعم الخلق كان لنعم الله أكفر، لأنّ الخلق يعطى بعضهم بعضا بالكلفة والمشقّة، وثقل العطية على القلوب، والله يعطي بلا كلفة. ولهذه العلّة جمع بين الشّكر له والشكر لذوي النّعم من خلقه.
فلما وجبت عليّ الحجّة بشكرك،! وقطع عذري في مكافأتك، اعترفت بالتقصير عن تقصيّ ذلك، إلّا أنّي بسطت لساني بتقريظك ونشر محاسنك.
موصول ذلك منّي عند السامعين بالاعتراف بالعجز عن إحصائها.
(1/67)

وقد روي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنّه قال: «من أودع عرفا فليشكره، فإن لم يمكنه فلينشره، فإذا نشره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره» .
ثم رأيت أن قد بقي عليّ أمر من الأمور يمكنني فيه برّك، وهو عندي عتيد، وأنت عنه غير مستغن، والمنفعة لك فيه عظيمة عاجلة وآجلة إن شاء الله.
ولم أزل أبقاك الله بالموضع الذي قد عرفت، من جمع الكتب ودراستها والنّظر فيها، ومعلوم أنّ طول دراستها إنما هو تصفّح عقول العالمين، والعلم بأخلاق النبيّين، وذوي الحكمة من الماضين والباقين من جميع الأمم، وكتب أهل الملل.
فرأيت أن أجمع لك كتابا من الأدب، جامعا لعلم كثير من المعاد والمعاش، أصف لك فيه علل الاشياء، وأخبرك بأسبابها وما اتفّقت اليه محاسن الأمم.
وعلمت أنّ ذلك من أعظم ما أبرك به، وأرجح ما أتقّرب به إليك.
وكان الذي حداني على ذلك ما رأيت الله قسم لك من الفهم والعقل، وركّب فيك من الطّبع الكريم.
وقد أجمعت الحكماء أنّ العقل المطبوع والكرم الغريزيّ لا يبلغان غاية الكمال إلّا بمعاونة العقل المكتسب. ومثلوا ذلك بالنّار والحطب، والمصباح والدّهن. وذلك أنّ العقل الغريزيّ آلة والمكتسب مادّة، وإنّما الأدب عقل غيرك تزيده في عقلك.
ورأيت كثيرا من واضعي الآداب قبلي قد عهدوا إلى الغابرين بعدهم في الآداب عهودا قاربوا فيها الحقّ، وأحسنوا فيها الدلالة، إلّا أنّي رأيت أكثر ما رسموا من ذلك فروعا لم يبيّنوا عللها، وصفات حسنة لم يكشفوا أسبابها، وأمورا محمودة لم يدلّوا على أصولها.
(1/68)

فإن كان ما فعلوا من ذلك [روايات رووها عن أسلافهم، و] وراثات ورثوها عن أكابرهم، فقد قاموا بأداء الأمانة، ولم يبلغوا فضيلة من استنبط.
وإن كانوا تركوا الدّلالة على علل الأمور التي بمعرفة عللها يوصل إلى مباشرة اليقين فيها، وينتهى إلى غاية الاستبصار منها، فلم يعدوا في ذلك منزلة الظنّ بها. ولن تجدوا وصايا انبياء الله أبدا إلّا مبيّنة الأسباب، مكشوفة العلل، مضروبة معها الأمثال.
[2 موضوع الكتاب]
فألفّت لك كتابي هذا إليك، وأنا واصف لك فيه الطباع التي ركب عليها الخلق، وفطرت عليها البرايا كلّهم، فهم فيها مستوون، وإلى وجودها في أنفسهم مضطرّون، وفي المعرفة بما يتولّد عنها متّفقون.
ثمّ مبيّن لك كيف تفترق بهم الحالات، وتفاوت بهم المنازل، وما العلل التي يوجب بعضها بعضا، وما الشيء الذي يكون سببا لغيره، متى كان الأوّل كان ما بعده، وما السّبب الذي لا يكون الثّاني فيه إلا بالأوّل، وربّما كان الأول ولم يكن الثاني. وفرق ما بين الطّبع الأول وبين الاكتساب والعادة التي تصير طبعا ثانيا. ولم اختلف ذلك؟ وكيف دواعي قلوب الناس، وما منها يمتنعون عنه، وما منها لا يمتنعون منه. وحتى تؤنس بعد الوحشة، وتسكن بعد النّفار؟ وكيف يتأتّى لينقض ما فيهم من الطباع المذمومة حتّى تصرف إلى الشّيم المحمودة؟ وراسم لك في ذلك أصولا، ومبيّن لك مع كلّ أصل منها علّته وسببه.
وقد علمت أنّ في كثير من الحقّ مشبّهات لا تستبان إلّا بعد النظر، وهناك يختل الشّيطان أهل الغفلة، وذاك أنّه لا يجد سبيلا إلى اختداعهم عن الأمور الظاهرة.
فلم أدع من تلك المواضع الخفيّة موضعا إلّا أقمت لك بازاء كلّ شبهة منه
(1/69)

دليلا، ومع كلّ خفيّ من الحقّ حجّة ظاهرة، تستنبط لها غوامض البرهان وتستبين بها دقاق الصّواب، وتستشفّ بها سرار القلوب، فتأتي ما تأتي عن بيّنة، وتدع ما تدع عن خبرة، ولا يكون بك وحشة إلى معرفة كثير مما يغيب عنك، إذا عرفت العلل والأسباب، حتّى كأنك مشاهد لضمير كل امريء لمعرفتك بطبعه وما ركّب عليه، وعوارض الأمور الداخلة عليه ثمّ، غير راض لك بالأصول حتّى أتقصى لك ما بلغه علمي من الفروع. ثم لا أرسم لك من ذلك [إلّا] الأمر المعقول في كل طبيعة، والموجود في فطر البرايا كلّها. فإن أحسنت [رعاية] ذلك وأقمته على حدوده، ونزّلته منازلة، كان عمرك- وإن قصرت أيامه- طويلا، وفارقت ما لا بدّ لك من فراقه محمودا، إن شاء الله.
[3- آداب الدين والدنيا واحدة]
واعلم أنّ الآداب إنّما هي آلات تصلح أن تستعمل في الدّين وتستعمل في الدنيا، وإنّما وضعت الآداب على أصول الطباع. وإنّما أصول أمور التدبير في الدّين والدّنيا واحدة، فما فسدت فيه المعاملة في الدّين فسدت فيه المعاملة في الدنيا، وكلّ أمر لم يصحّ في معاملات الدّنيا لم يصح في الدّين. وإنّما الفرق بين الدين والدّنيا اختلاف الدارين من الدّنيا والآخرة فقط، والحكم هاهنا الحكم هناك، ولولا ذلك ما قامت مملكة، ولا ثبتت دولة، ولا استقامت سياسة.
ولذلك قال الله عزّ وجل: وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
، قال ابن عباس في تفسيرها: من كان ليس له من العقل ما يعرف به كيف دبّرت أمور الدنيا، فكذلك هو إذا انتقل إلى الدّين، فإنّما ينتقل بذلك العقل. فبقدر جهله بالدّنيا يكون جهله بالآخرة أكثر، لأن هذه شاهدة وتلك غيب، فإذا جهل ما شاهد فهو بما غاب عنه أجهل.
فأوّل ما أوصيك به ونفسي تقوى الله، فإنّها جماع كلّ خير، وسبب كلّ نجاة، ولقاح كلّ رشد. هي أحرز حرز، وأقوى معين، وأمنع جنّة. هي
(1/70)

الجامعة محبة قلوب العباد، والمستقبلة بك محبّة قلوب من لا تجري عليهم نعمك. فاجعلها عدّتك وسلاحك، واجعل أمر الله ونهيه نصب عينيك.
وأحذّرك ونفسي الله والاغترار به، والإدهان في أمره، والاستهانة بعزامه، والأمن لمكره، فقد رأيت آثاره في أهل ولايته وعداوته، كيف جعلهم للماضين عبرة، وللغابرين مثلا.
واعلم أنّ خلقه كلّهم بريّته، ولا وصلة بينه وبين أحد منهم إلّا بالطاعة، فأولاهم به أكثرهم تزيّدا في طاعته، وما خالف هذا فإنّه أمانيّ وغرور.
وقد مكّن الله لك من أسباب المقدرة، ومهّد لك في تمكين الغنى والبسطة ما لم تنحله بحيلة، ولا بلغته بقوّة، لولا فضله وطوله. ولكنّه مكّنك ليبلو خبرك، ويختبر شكرك، ويحصي سعيك، ويكتب أثرك، ثم يوفّيك أجرك، ويأخذك بما اجترحت يدك أو يعفو، فأهل العفو هو.
ولله ابتلاء ان في خلقه- والأبتلاء هو الاختبار- ابتلاء بنعمة، وابتلاء بمصيبة.
وبقدر عظمها يجب التّكليف من الله عليها، فبقدر ما خوّلك من النعمة يستأديك الشّكر.
ولو تقصّى الله على خلقه لعذّبهم، ولذلك قال: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ
. ولكنّه قبل التّوبة، وأقال العثرة، وجعل بالحسنة أضعافها.
واعلم أنّ الحكم في الآخرة هو الحكم في الدّنيا: ميزان قسط، وحكم عدل. وقد قال الله تعالى: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ.
وهذا مثل ضربه الله، لأنّ الناس يعلمون أن لو وضع في إحدى كفّتي الميزان شيء ولم يك في الأخرى قليل ولا كثير، لم يكن للوزن معنى يعقل. وذلك أن أحدا من الخلق لا يخلو من هفوة زلّة أو غفلة، فأخبر أنّ من كان حسناته
(1/71)

الراجحة على سيئاته، مع النّدم على السّيئات، كان على سبيل النجاة، وطريق الفوز بالإفلاح. ومن مالت سيئاته بحسناته كان العطب والعذاب أولى به.
وكذلك حكمه في الدنيا، لأنّه قد تولّى أولياء من خلقه وشهد لهم بالعدالة، وقد عاتبهم في بعض الأمور لغلبة الصّلاح [في أفعالهم وإن هفوا، وتبرّأ من آخرين وعاداهم لغلبة الجور] على أفاعيلهم، وإن أحسنوا في بعض الأمور.
وكذلك جرت معاملات الخلق بينهم، يعدّلون العادل بالغالب من فعله وربّما أساء، ويفسّقون الفاسق وربّما أحسن. وإنما الأمور بعواقبها، وإنّما يقضى على كلّ امر بما شاكل أحواله.
فهذه الأمور قائمة في العقول، جرت عليها المعاملة، واستقامت بها السياسة، لا اختلاف بين الأمّة فيها.
فلا تغبننّ حظّك من دينك، وإن استطعت أن تبلغ من الطّاعة غاياتها فلنفسك تمهّد، وإلّا فاجهد أن يكون أغلب أفعالك عليك الطّاعة، مع الندامة عند الاساءة ويكون ميلك عند الإساءة، إلى الله أكثر. والله يوفّقك.
[4- طبع الناس على حب المنفعة ودفع الضرر]
اعلم أنّ الله جلّ ثناؤه خلق خلقه، ثمّ طبعهم على حبّ اجترار المنافع، ودفع المضارّ، وبغض ما كان بخلاف ذلك. هذا فيهم طبع مركّب، وجبلّة مفطورة، لا خلاف بين الخلق فيه، موجود في الإنس والحيوان، لم يدّع غيره مدّع من الأوّلين والآخرين. وبقدر زيادة ذلك ونقصانه تزيد المحبّة والبغضاء، [فنقصانه] كزيادته تميل الطّبيعة معهما كميل كفّتي الميزان، قلّ ذلك أو كثر.
وهاتان جملتان داخل فيهما جميع محابّ العباد ومكارههم. والنّفس في طبعها حبّ الرّاحة والدّعة، والازدياد والعلوّ، والعزّ والغلبة، والاستطراف والتّنّوق
(1/72)

وجميع ما تستلذ الحواسّ من المناظر الحسنة، والروائح العبقة، والطّعوم الطّيّبة، والأصوات المونقة، والملامس اللّذيذة. ومما كراهيته في طباعهم أضداد ما وصفت لك وخلافه.
فهذه الخلال التي تجمعها خلتان غراز في الفطر، وكوامن في الطّبع، جبلّة ثابتة، وشيمة مخلوقة. على أنّها في بعض أكثر منها في بعض، ولا يعلم قدر القلّة فيه والكثرة إلا الذي دبّرهم.
فلمّا كانت هذه طباعهم، أنشأ لهم من الأرض أرزاقهم، وجعل في ذلك ملاذّ لجميع حواسّهم، فتعلّقت به قلوبهم، وتطلّعت إليه أنفسهم. فلو تركهم وأصل الطبيعة، مع ما مكّن لهم من الأرزاق المشتهاة في طباعهم، صاروا إلى طاعة الهوى، وذهب التعاطف والتبارّ. وإذا ذهبا كان ذلك سببا للفساد، وانقطاع التّناسل، وفناء الدّنيا وأهلها، لأنّ طبع النفس لا يسلس بعطيّة قليل ولا كثير مما حوته، حتّى تعوّض أكثر مما تعطي، إمّا عاجلا وإما آجلا مما تستلذّه حواسّها.
[5- الرغبة والرهبة اساس السياسة]
فعلم الله أنّهم لا يتعاطفون ولا يتواصلون ولا ينقادون إلّا بالتأديب، وأنّ التأديب ليس إلّا بالأمر والنّهي، [وأنّ الأمر والنهي] غير ناجعين فيهم إلّا بالترغيب والترهيب اللذين في طباعهم. فدعاهم بالتّرغيب إلى جنّته، وجعلها عوضا ممّا تركوا في جنب طاعته، وزجرهم بالتّرهيب بالنار عن معصيته، وخوّفهم بعقابها على ترك أمره. ولو تركهم جلّ ثناؤه والطّباع الأوّل جروا على سنن الفطرة، وعادة الشّيمة.
ثم أقام الرّغبة والرّهبة على حدود العدل، وموازين النّصفة، وعدّلهم تعديلا متّفقا، فقال: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
(1/73)

ثم أخبر الله تبارك وتعالى أنّه غير داخل في تدبيره الخلل، ولا جائز عنده المحاباة، ليعمل كلّ عامل على ثقة ممّا وعده وأوعده، فتعلّقت قلوب العباد بالرغبة والرّهبة، فاطّرد التدبير، واستقامت السّياسة، لموافقتهما ما في الفطرة، وأخذهما بمجامع المصلحة.
ثمّ جعل أكثر طاعته فيما تستثقل النفوس، وأكثر معصيته فيما تلذّ. ولذلك قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «حفّت الجنة بالمكاره، والنّار بالشهوات» .
[يخبر أنّ الطريق إلى الجنّة احتمال المكاره، والطريق إلى النار اتباع الشهوات] .
فإذا كانوا لم يصلحوا لخالقهم ولم ينقادوا لأمره إلا بما وصفت لك من الرّغبة والرّهبة، فأعجز الناس رأيا وأخطؤهم تدبيرا، وأجهلهم بموارد الأمور ومصادرها، من أمّل أو ظنّ أورجا أنّ أحدا من الخلق- فوقه أو دونه أو من نظرائه- يصلح له ضميره، أو يصحّ له بخلاف ما دبرهم الله عليه، فيما بينه وبينهم.
فالرّغبة والرّهبة أصلا كلّ تدبير، وعليهما مدار كلّ سياسة، عظمت أو صغرت. فاجعلهما مثالك الذي تحتذي عليه، وركنك الذي تستند إليه. واعلم أنّك إن أهملت ما وصفت لك عرّضت تدبيرك للاختلاط وإن آثرت الهوينا واتّكلت على الكفاة في الأمر الذي لا يجوز فيه إلّا نظرك، وزجّيت أمورك على رأي مدخول، وأصل غير محكم، رجع ذلك عليك بما لو حكّم فيك عدوّك كان ذلك غاية أمنيّته، وشفاء غيظه.
[6- العدل اساس السياسة]
واعلم أنّ اجراءك الأمور مجاريها واستعمالك الأشياء على وجوهها، يجمع لك الفة القلوب، فيعاملك كلّ من عاملك بمودّة، أو أخذ أو إعطاء، وهو على ثقة من بصرك بمواضع الإنصاف، وعلمك بموارد الأمور.
(1/74)

واعلم أنّ أثرتك على غير النصيحة والشّفقة، والحرمة والكفاية، يوجب [لك] المباعدة وقلّة الثقة ممن آثرته أو آثرت عليه.
فاعرف لأهل البلاء- ممّن جرت بينك وبينه مودّق أو حرمه، ممن فوقك أو دونك أو نظرائك- أقدارهم ومنازلهم. ثمّ لتكن امورك معهم على قدر البلاء والاستحقاق، ولا تؤثر في ذلك أحدا لهوى، فإنّ الأثرة على الهوى توجب السّخطة، وتوجب استصغار عظيم النّعمة، ويمحق بها الإفضال، وتفسد عليها الطائفتان: من آثرت ومن آثرت عليه.
أما من آثرت فإنّه يعلم أنّك لم تؤثره باستحاق بل لهوى، فهو مترقّب أن ينتقل هواك إلى غيره، فتحول أثرتك حيث مال هواك. فهو مدخول القلب في مودّتك، غير آمن لتغيّرك.
وأمّا من آثرت عليه بعد الاستحقاق منه فقد جعلت له السبيل إلى الطّعن عليك، وأعطيته الحجّة على نفسك. فكلّ من يعمل على غير ثقة عاد ما أراد به النّفع ضررا والإصلاح [فيه] فسادا.
وربّما آثر الرجل المرء من إخوانه بالعطية السنيّة على بلاء أبلاه، فيعضم قدرها عنده حتّى لعلّه تطيب نفسه ببذل ماله ودمه دونه. فإن أعطى من أبى كبلائه وكانت له مثل دالّته، أكثر ممّا أعطاه، انتقل كلّ محمود من ذلك مذموما، وكل مستحسن مستقبحا. وكذلك الأمر في العقوبة، يجريان مجرى واحدا.
فاجعل العدل والنّصفة في الثّواب والعقاب حاكما بينك وبين إخوانك، فمن قدّمت منهم فقدّمه على الاستحقاق، وبصحة النّيّة في مودته، وخلوص نصيحته لك ممّا قد بلوت من أخلاقه وشيمه، وعلمت بتجربتك له، أنّه يعلم أنّ صلاحه موصول بصلاحك، وعطبه كائن مع عطبك، ففوّض الأمر إليه، وأشركه في خواصّ أمورك وخفيّ أسرارك، ثمّ أعرف قدره في مجلسك ومحاورتك ومعاملتك، في كلّ حالاتك ومزاولاتك في خلواتك معه، وبحضرة جلسائك، فإنّ ذلك زيادة في نيته، وداعية لمن دونه إلى التقرب إليك بمثل نصيحته.
(1/75)

فإن ابتليت في بعض الأوقات بمن يضرب بحرمة ويمتّ بدالّة، يطلب المكافأة بأكثر ممّا يستوجب، فدعاك الكرم والحيا إلى تفضيله على من [هو] أحقّ منه، إمّا تخوّفا من لسانه، أو مداراة لغيره، فلا تدع الأعتذار إلى من فوقه من أهل البلاء والنّصيحة وإظهار ما أردت من ذلك لهم، فإنّ أهل خاصّتك والمؤمنين على أسرارك، هم شركاؤك في العيش، فلا تستهيننّ بشيء من أمورهم، فإنّ الرّجل قد يترك الشىء من ذلك اتّكالا على حسن رأي أخيه، فلا يزال ذلك يجرح في القلب وينموه حتّى يولّد ضغنا ويحول عداوة.
فتحفّظ من هذا الباب، واحمل إخوانك عليه بجهدك.
وستجد في من يتّصل بك من يغلبه إفراط الحرص وحميّا الشّره، ولين جانبك له، على أن ينقم العافية، ويطلب اللّحوق بمنازل من ليس هو مثله، ولا له مثل دالّته، فتلقاه لما تصنع به مستقلّا، ولمعروفك مستصغرا. وصلاح من كانت هذه حاله بخلاف ما فسد عليه أمره. فاعرف طرائقهم وشيمهم، وداو كلّ من لا بدّ لك من معاشرته بالدواء الذي هو أنجع فيه، إن لينا فلينا، وإن شدّة فشدّة، فقد قيل في المثل:
من لا يؤدّبه الجميل ففي عقوبته صلاحه وقد قال بعض الحكماء:
«ليس بحكيم من لم يعاشر من لا يجد من معاشرته بدّا، بالعدل والنّصفة، حتّى يجعل الله له من أمره فرجا ومخرجا» .
[7- لائحة الاسباب والعواقب]
فاحفظ هذه الأبواب التي يوجب بعضها بعضا، وقد ضمنت لك أوائلها كون أواخرها. فاعرفها واقتبسها، واعلم أنّه متى كان الأوّل منها وجب ما بعده لا بدّ منه. فاحذر المقدّمات اللاتي يعقبها المكروه، واحرص على توطيد الأمور
(1/76)

التي على أثرها السّلامة، وألقح في البديّ الأمور التي نتاجها العافية.
فمن الأمور التي يوجب بعضها بعضا: المنفعة توجب المحبّة، والمضرة توجب البغضاء، والمضادّة توجب العداوة، وخلاف الهوى يوجب الاستثقال، ومتابعته توجب الالفة، والصّدق يوجب الثّقة، والكذب يورث التّهمة، والأمانة توجب الطّمأنينة، والعدل يوجب اجتماع القلوب، والجور يوجب الفرقة، وحسن الخلق يوجب المودّة، وسوء الخلق يوجب المباعدة، والانبساط يوجب المؤانسة، والانقباض يوجب الوحشة، والتكبّر يوجب المقت، والتواضع يوجب المقة، والجود بالقصد يوجب الحمد، والبخل يوجب المذمّة، والتواني يوجب التّضييع، والجدّ يوجب رخاء الأعمال، والهوينا تورث الحسرة، والحزم يورث السّرور، والتّغرير يوجب النّدامة، والحذر يوجب العذر، [وإصابة التدبير توجب بقاء النعمة] والاستهانة توجب التّباغي، والتّباغي مقدّمة الشّرّ وسبب البوار.
ولكلّ شيء من هذا إفراط وتقصير، وإنّما تصحّ نتائجها إذا أقيمت على حدودها، وبقدر ما يدخل من الخلل فيها يدخل فيما يتولّد منها، لا بدّ منه ولا مزحل عنه، عليه عادة الخلق، وبه جرت طباعهم، وتمام المنفعة بها إصابة مواضعها:
فالإفراط في الجود يوجب التّبذير، والإفراط في التواضع يوجب المذلّة، والإفراط في الكبر يدعو إلى مقت الخاصّة، والإفراط في المؤانسة يدعو خلطاء السّوء، والإفراط في الانقباض يوحش ذا النّصيحة. وآفة الأمانه ائتمان الخانة، وآفة الصّدق تصديق الكذبة، والإفراط في الحذر يدعو إلى ألّا يوثق بأحد، وذاك ما لا سبيل إليه. [والإفراط في المضرّة مبعثة على حربك] ، والإفراط في جرّ المنفعة غناء لمن أفرطت في نفعه عنك.
واحذر كل الحذر أن يختدعك الشيطان عن الحزم فيمثّل لك التّواني في صورة التوكّل، ويسلبك الحذر، ويورثك الهوينا بإحالتك على الأقدار، فإنّ الله
(1/77)

إنّما أمر بالتوكّل عند انقطاع الحيل، والتسليم للقضاء بعد الإعذار، بذلك أنزل كتابه،؛ وأمضى سنّته فقال: خُذُوا حِذْرَكُمْ*
، وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
. وقول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «اعقلها وتوكّل» . وسئل ما الحزم؟ فقال: الحذر.
فتحفّظ من هذا الباب وأحكم معرفته إن شاء الله تعالى.
واعلم أنّ أكثر الأمور إنّما هو على العادة وما تضرى عليه النّفوس، ولذلك قالت الحكماء: «العادة أملك بالأدب» .
فرض نفسك على كلّ أمر محمود العاقبة، وضرّها بكلّ ما لا يذمّ من الأخلاق يصر ذلك طباعا، وينسب إليك منه أكثر مما أنت عليه.
[8- الجود والبخل]
واعلم أنّ الذي يوجب لك اسم الجود القيام بواجب الحقوق عند النّوائب، مع بعض التّفضّل على الراغبين. وإذا أوجب لك اسم الجود زال عنك اسم البخل.
واعلم أنّ تثمير المال آلة للمكارم، وعون على الدّين، ومتألّف للإخوان، وأنّ من قد فقد المال قلّت الرغبة إليه، والرّهبة منه، ومن لم يكن بموضع رغبة ولا رهبة استهان النّاس بقدره.
فاجهد الجهد كله ألّا تزال القلوب معلّقة منك برغبة أو رهبة، في دين أو دنيا.
واعلم أنّ السّرف لا بقاء معه لكثير، ولا تثمير معه لقليل، ولا تصلح عليه دنيا ولا دين. وتأدّب بما أدّب الله تعالى به نبيّه فقال: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً.
وقالت الحكماء: «القصد أبقى للجمام» .
(1/78)

فداوم حالك وبقاء النّعمة عليك، بتقديرك أمورك على قدر الزمان، وبقدر الإمكان، فقد قال الشاعر:
من سابق الدّهر كبا كبوة ... لم يستقلها من خطى الدّهر
فاخط مع الدّهر على ما خطا ... واجر مع الدّهر كما يجري
[9- الصمت والمنطق]
واعلم أنّ الصمت في موضعه ربّما كان أنفع من الإبلاغ بالمنطق في موضعه، وعند إصابة فرصته. وذاك صمتك عند من يعلم أنّك لم تصمت عنه عيّا ولا رهبة. فليزدك في الصّمت رغبة ما ترى من كثرة فضائح المتكلّمين في غير الفرص، وهذر من أطلق لسانه بغير حاجة.
[10- الشجاعة]
واعلم أنّ الجبن جبنان، والشّجاعة شجاعتان، وليست تكون الشجاعة إلّا في كلّ أمر لا يدرى ما عاقبته، يخاطر فيه بالأنفس والأموال. فإذا أردت الحزم في ذلك فلا تشجّعنّ نفسك على أمر أبدا إلّا والذي ترجو من نفعه في العاقبة أعظم ممّا تبذل فيه في المستقبل، ثم يكون الرجاء في ذلك أغلب عليك من الخوف.
وهاهنا موضع يحتاج فيه إلى النظر: فإن كان ذلك أمرا واجبا في الدّين، أو خوفا لعار؟؟؟ بّ به الأعقاب فأنت معذور بالمخاطرة فيه بنفسك ومالك. وإن كان أمرا تعظم منفعته في الدنيا إلّا أنّك لا تناله إلّا بالخطار بمهجة نفسك أو بتعريض كلّ مالك للتّلف، فالإقدام على مثل هذا ليس بشجاعة، ولكن حماقة بيّنة عند الحكماء.
وقد قالت علماء أوائل الناس:
لا يرسل السّاق إلّا ممسكا ساقا
(1/79)

وقالوا: «لا تخرج الأمر كلّه من يدك وخذ بأحد جانبيه» . ثم الشجاعة والجبن في ذلك بقدر الحالات والأوقات.
[11- معاملة العدو]
واعلم أنّ أصل ما أنت مستظهر به على عدوّك ثلاث خلال:
أشرفها: أن تأخذ عليه بالفضل وتبتدئه بالحسنى، فتكون عليه رحمة ولنفسك ناظرا؛ فإنّ كثرة الأعداء تنغيص للسّرور، وقد قال الله تبارك وتعالى:
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.
فإن كان عدوّك مما لا يصلح على ذلك فحصّن عنه أسرارك، وعمّ عليه آثار تدبيرك، ولا يطّلعنّ على شيء من مكايدتك له بقول ولا فعل، فيأخذ حذره، ويعرف مواضع عوارك، فإنّ تحصين الأسرار أخذ بأزمّة التدبير، والإكثار من الوعيد للاعداء فشل. ولكن داج عدوّك ما داجاك، وأحص معايبه ما لا حاك.
وقال الشاعر:
كلّ يداجي على البغضاء صاحبه ... زكنت منهم على مثل الذي زكنوا
واعلم أنّ أعظم أعوانك عليه الحجج [ثم الفرصة] ، ثم لا تظهرن عليه حجّة، ولا تهتبل منه غرّة، ولا تطلبنّ له عثرة، ولا تهتكنّ له سترا [إلّا] عند الفرصة في ذلك كلّه، وفي المواضع التي يجب لك فيها العذر ويعظم فيها ضرره، إن كان العفو عنه شرّا له.
وإن كان ممن يظهر لك العداوة ويكشف لك قناع المحاربة، وكان ممن أعياك استصلاحه بالحلم والأناة، فلتكن في أمره بين حالين: استبطان الحذر منه، والاستعداد له وإظهار الاستهانة [به] . ولست مستظهرا عليه نفسك من الأدناس، وبراءتك من المعايب.
(1/80)

فلتكن هذه سيرتك في أعدائك.
واعلم أنّ إشاعة الأسرار فساد في كلّ وجه من الوجوه، من العدوّ والصديق. وقد روي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «استعينوا على الحوائج بسترها؛ فإنّ كلّ ذي نعمة محسود» .
وإذا أفشيت سرّك فجاءت الأمور على غير ما تقدّر كان ذلك منك فضلا من قولك على فعلك. وقد قيل في الأمثال: «من أفشى سرّه كثر المتآمرون عليه» .
فلا تضع سرّك إلّا عند من يضرّه نشره كما يضرّك، وينفعه ستره بحسب ما ينفعك.
[12- أجناس الناس]
واعلم أنّك ستصحب من الناس أجناسا متفرّقة حالاتهم، متفاوتة منازلهم، وكلّهم بك إليه حاجة، وكلّ طائفة تسدّ عنك كثيرا من المنافع لا يقوم به من فوقها، ولعلّهم مجتمعون على نصيحتك والشّفقة عليك. فمنهم من تريد منه الرأي والمشورة، [ومنهم من تريده للحفظ والأمانة] ، ومنهم من تريده للشّدّة والغلظة، ومنهم من تريده للمهنة. وكلّ يسدّ مسدّه على حياله. وقد قيل في الحكمة: «إنّ الخلال تنفع حيث لا ينفع السّيف» .
ولا تخلينّ أحدا منهم- عظم قدره أو صغرت منزلته- من عنايتك وتعهّدك بالجزاء على الحسنة، والمعاتبة عند العثرة؛ ليعلموا أنّهم منك بمرأى ومسمع. ثمّ لا تجوزنّ بأحد منهم حدّه، ولا تدخله فيما لا يصلح له، تستقم لك حاله، ويتّسق لك أمره.
واعلم أنّه سيمرّ بك في معاملات الناس حالات تحتاج فيها إلى مداراة أصناف الناس وطبقاتهم، يبلغ بك غاية الفضيلة فيها، وكمال العقل والأدب منها، أن تسالم أهلها وتملك نفسك عن هواها، وتكفّ من جماحها، بالأمر
(1/81)

الذي لا يحرجك في دينك ولا عرضك ولا بدنك، بل يفيدك عزّ الحلم، وهيبة الوقار. وهي أمور مختلفة، تجمعها حال واحدة.
منها: أن تأتي محفلا فيه جمع من الناس، فتجلس منه دون الموضع الذي تستحقّه حتى يكون أهله [الذين] يرفعونك، فتظهر جلالتك وعظم قدرك.
ومنها: أن يفيض القوم في حديث، عندك منه مثل ما عندهم أو أفضل، فيتنافسون في إظهار ما عندهم، فإن نافستهم كنت واحدا منهم، وإن أمسكت اقتضوك ذلك، فصرت كأنّك ممتنّ عليهم بحديثك، وأنصتوا لك ما لم ينصتوا لغيرك.
ومنها: أن يتمارى جلساؤك- والمراء نتاج اللّجاجة وثمرة أصلها الحميّة- فإن ضبطت نفسك كان تحاكمهم إليك، ومعوّلهم عليك.
واعلم أنّ طبع النّفوس- إذ كان على حسب العلوّ والغلبة- أنّ في تركيبها بغض من استطال عليها. فاستدع محّبة العامّة بالتّواضع، ومودّة الأخلّاء بالمؤانسة والاستشارة، والثّقة والطّمأنينة.
واعلم أنّ الذي تعامل به صديقك هو ضدّ ما تعامل به عدوّك. فالصّديق وجه معاملته المسالمة، والعدوّ وجه معاملته المداراة والمواربة، هما ضدّان يتنافيان، يفسد هذا ما أصلح هذا، وكلّما نقصت من أحد البابين زاد في صاحبه، إن قليل فقليل، وإن كثير فكثير. فلا تسلم بالمواربة صداقة، ولا تظفر بالعدوّ مع الاستسلام إليه. فضع الثّقة موضعها، وأقم الحذر مقامه، وأسرع إلى التفهّم بالثّقة، ولا تبادر إلى التّصديق، ولا سيّما بالمحال من الأمور.
[13- معرفة الأمور الغائبة]
واعلم أنّ كلّ علم بغائب، كائنا ما كان، إنّما يصاب من وجوه ثلاثة لا
(1/82)

رابع لها، ولا سبيل لك ولا لغيرك إلى غاية الإحاطات؛ لاستئثار الله بها. ولن تهنأ بعيش مع شدّة التحرّز، ولن يتّسق لك أمر مع التضييع. فاعرف أقدار ذلك.
فما غاب عنك مما قد رآه غيرك ممّا يدرك بالعيان، فسبيل العلم به الأخبار المتواترة، التي يحملها الوليّ والعدوّ، والصّالح والطّالح، المستفيضة في الناس، فتلك لا كلفة على سامعها من العلم بتصديقها. فهذا الوجه يستوي فيه العالم والجاهل.
وقد يجيء خبر أخصّ من هذا إلّا أنّه لا يعرف إلّا بالسّؤال عنه، والمفاجأة لأهله، كقوم نقلوا خبرا، ومثلك يحيط علمه أنّ مثلهم في تفاوت أحوالهم، وتباعدهم من التّعارف، لا يمكن في مثله التّواطؤ وإن جهل ذلك أكثر الناس.
وفي مثل هذا الخبر يمتنع الكذب، ولا يتهيّأ الاتفاق فيه على الباطل.
وقد يجيء خبر أخصّ من هذا، يحمله الرجل والرجلان ممن يجوز أن يصدق ويجوز أن يكذب، فصدق هذا الخبر في قلبك إنّما هو بحسن الظّنّ بالمخبر، والثّقة بعدالته. ولن يقوم هذا [الخبر] من قلبك ولا قلب غيرك مقام الخبرين الأوّلين [أبدا] . ولو كان ذلك كذلك بطل التصنّع بالدّين واستوى الظاهر والباطن من العالمين.
ولما أن كان موجودا في العقول أنّه قد يفتّش بعض الأمناء عن خيانة، وبعض الصّادقين عن كذب، وأنّ مثل الخبرين الأوّلين لم يتعقّب الناس في مثلهما كذبا قطّ، علم أنّ الخبر إذا جاء من مثلهما جاء مجيء اليقين، وأنّ ما علم من خبر الواحد فإنّما هو بحسن الظنّ والائتمان.
فهذه الأخبار عن الأمور التي تدركها الأبصار.
فأمّا العلم بما غاب مما لا يدركه أحد بعيان، مثل سرائر القلوب وما أشبهها، فإنّما يدرك علمها بآثار أفاعيلها وبالغالب من أمورها، على غير إحاطة كإحاطة الله بها.
(1/83)

وأوّل العلم بكلّ غائب الظّنون، والظّنون إنّما تقع في القلوب بالدّلائل، فكلّما زاد الدليل قوي الظنّ حتّى ينتهي إلى غاية تزول معها الشكوك عن القلوب؛ وذلك لكثرة الدلائل، [ولترادفها] .
فهذا غاية علم العبادة بالأمور الغائبة.
فمن عرف ما طبع عليه الخلق وجرت به عاداتهم، وعرف أسباب اتّصالهم واتّصاله بهم، وتقصّى علل ذلك، كان خليقا- إن لم يحط بعلم ما في قلوبهم- أن يقع من الإحاطة قريبا.
واعلم أن المقادير ربّما جرت بخلاف ما تقدّر الحكماء، فنال [بها] الجاهل في نفسه، المختلط في تدبيره، ما لا ينال الحازم الأريب الحذر. فلا يدعونّك ما ترى من ذلك إلى التّضييع والاتّكال على مثل تلك الحال؛ فإنّ الحكماء قد أجمعت أنّ من أخذ بالحزم وقدّم الحذر، فجاءت المقادير بخلاف ما قدّر، كان عندهم أحمد رأيا وأوجب عذرا، ممّن عمل بالتفريط وإن اتّفقت له الأمور على ما أراد.
[14- الصداقة]
ولعمري ما يكاد ذلك يجيء إلّا في أقلّ الأمور، [وما كثر مجيء السّلامات إلّا لمن أتى الأمور] من وجوهها وإنما الأشياء بعوامّها. فلا تكونن لشيء ممّا في يدك أشدّ ضنّا، ولا عليه أشدّ حدبا، منك بالأخ الذي قد بلوته في السّرّاء والضّرّاء، [فعرفت مذاهبه] وخبرت شيمه، وصحّ لك غيبه، وسلمت لك ناحيته؛ فإنما هو شقيق روحك وباب الرّوح إلى حياتك، ومستمدّ رأيك وتوأم عقلك. ولست منتفعا بعيش مع الوحدة. ولا بدّ من المؤانسة، وكثرة الاستبدال تهجم بصاحبه على المكروه. فإذا صفا لك أخ فكن به أشد ضنّا منك بنفائس أموالك، ثمّ لا يزهّدنّك فيه أن ترى منه خلقا أو خلقين تكرههما؛ فإنّ نفسك التي هي أخصّ النفوس بك لا تعطيك المقادة في كلّ ما تريد، فكيف
(1/84)

بنفس غيرك! وبحسبك أن يكون لك من أخيك أكثره، وقد قالت الحكماء: «من لك بأخيك كلّه» ، و «أيّ الرّجال المهذّب» .
ثم لا يمنعك ذلك من الاستكثار من الأصدقاء فإنهم جند معدّون [لك] ينشرون محاسنك، ويحاجّون عنك. ولا يحملنّك استطراف صديق ثان على ملالة للصّديق الأول؛ فإن ذلك سبيل أهل الجهالة، مع ما فيها من الدناءة وسوء التدبير، وزهد الأصدقاء جميعا في إخائك. والله يوفقك.
وستجد في الناس من قد جرّبته الرّجال قبلك، ومحضه اختبارهم لك.
فمن كان معروفا بالوفاء في أوقات الشّدّة وحالات الضرورة، فنافس فيه واسبق إليه؛ فإنّ اعتقاده أنفس العقد. ومن بلاه غيرك فكشف عن كفر النّعمة والغدر، لا يفي لأحد، وإنما يميل مع الرّجحان: يذلّ عند الحاجة ويشمخ مع الاستغناء.
[15- الخلال المذمومة]
فاحذر ذلك أشدّ الحذر. واعلم أنّ الحكماء لم تذم شيئا ذمّها أربع خلال:
الكذب فإنّه جماع كلّ شرّ. وقد قالوا: لم يكذب أحد قطّ إلّا لصغر قدر نفسه عنده.
والغضب فإنّه لؤم وسوء مقدرة؛ وذاك أنّ الغضب ثمرة لخلاف ما تهوى النفس، فإن جاء الإنسان خلاف ما يهوى ممّن فوقه أغضى وسمّى ذلك حزنا، وإن جاءه ذلك ممّن دونه لؤم النّفس وسوء الطّباع على الاستطالة بالغضب، والمقدرة والبسطة على البطش.
والجزع عند المصيبة التي لا ارتجاع لها؛ فإنّهم لم يجعلوا لصاحب الجزع في مثل هذا عذرا، لما يتعجّل من غمّ الجزع مع علمه بفوت المجزوع عليه.
(1/85)

وزعموا أن ذلك من إفراط الشّره، وأنّ أصل الشّره والحسد واحد وإن افترق فرعاهما.
وذمّوا الحسد كذمّهم الجزع، لما يتعجّل صاحبه من ثقل الاغتمام، وكلفة مقاساة الاهتمام، من غير أن يجدي عليه شيئا. فالحسد اغتمام، والغدر لؤم.
وقال بعض الحكماء: «الحسد خلق دنيء، ومن دناءته أنّه يبدأ بالأقرب فالأقرب» . وزعموا أنّه لم يغدر غادر قطّ إلّا لصغر همّته عن الوفاء، وخمول قدره عن احتمال المكاره في جنب نيل المكارم.
وبقدر ما ذمّت الحكماء هذه الأخلاق الأربعة، فكذلك حمدت أضدادها من الأخلاق، فأكثرت في تفضيلها الأقاويل، وضربت فيها الأمثال، وزعمت أنّها أصل لكل كرم، وجماع لكل خير، وأنّ بها تنال جسام الأمور في الدّنيا والدين.
فاجعل هذه الأخلاق إماما لك، ومثلا بين عينيك، ورض عليها نفسك، وحكّمها في أمرك، تفز بالرّاحة في العاجل، والكرامة في الآجل.
والصبر صبران: فأعلاهما أن تصبر على ما ترجو فيه الغنم في العاقبة.
والحلم حلمان: فأشرفهما حلمك عمّن هو دونك. والصّدق صدقان: أعظمهما صدقك فيما يضرّك. والوفاء وفاءان: أسناهما وفاؤك لمن لا ترجوه ولا تخافه.
فإنّ من عرف بالصّدق صار الناس له أتباعا، ومن نسب إلى الحلم ألبس ثوب الوقار والهيبة وأبّهة الجلالة، ومن عرف بالوفاء استنامت بالثّقة به الجماعات ومن استعزّ بالصبر نال جسيمات الأمور.
ولعمري ما غلطت الحكماء حين سمّتها أركان الدّين والدّنيا.
فالصّدق والوفاء توأمان، والصّبر والحلم توأمان، فهنّ تمام كلّ دين، وصلاح كلّ دنيا. وأضدادهنّ سبب كلّ فرقة، وأصل كلّ فساد.
واحذر خصلة رأيت الناس قد استهانوا بها، وضيّعوا النظر فيها، مع
(1/86)

اشتمالها على الفساد، وقدحها البغضاء في القلوب، والعداوة بين الأودّاء:
المفاخرة بالأنساب؛ فإنّه لم يغلط فيها عاقل قطّ،! مع اجتماع الإنس جميعا على الصورة وإقرارهم جميعا بتفرّق الأمور المحمودة والمذمومة من الجمال والدّمامة، واللّؤم والكرم، والجبن والشّجاعة، في كلّ حين، وانتقالها من أمّة إلى أمة، ووجود كلّ محمود ومذموم في أهل كلّ جنس من الآدميّين. وهذا غير مدفوع عند الجميع.
فلا تجعلنّ له من عقلك نصيبا، ولا من لسانك حظّا، تسلم بذلك على النّاس أجمعين، مع السّلامة في الدين.
واعلم أنّك موسوم بسيما من قارنت، ومنسوب إليك أفاعيل من صاحبت. فتحرّز من دخلاء السّوء، ومجالسة أهل الرّيب، وقد جرت لك في ذلك الأمثال، وسطّرت لك فيه الأقاويل، فقالوا: «المرء حيث يجعل نفسه» ، وقالوا: «يظنّ بالمرء ما ظنّ بقرينه» ، وقالوا: «المرء بشكله، والمرء بأليفه» .
ولن تقدر على التحرّز من جماعة الناس، ولكن أقلّ المؤانسة إلّا بأهل البراءة من كلّ دنس. واعلم أنّ المرء بقدر ما يسبق إليه يعرف، وبالمستفيض من أفعاله يوصف، وإن كان بين ذلك كثير من أفعاله ألغاه الناس وحكموا عليه بالغالب من أمره.
فاجهد أن يكون أغلب الأشياء على أفاعيلك كلّ ما تحمده العوامّ ولا تذمّه الجماعات، فإنّ ذلك يعفّي على كلّ خلل إن كان.
فبادر ألسنة الناس فاشغلها بمحاسنك، فإنهم إلى كلّ شيّء سراع، واستظهر على من دونك بالتّفضّل، [وعلى نظرائك] بالإنصاف، وعلى من فوقك بالإجلال. تأخذ بوثائق الأمور، وأزمّة التدبير.
واعلم أنّ كثرة العتاب سبب للقطيعة، واطّراحه كلّه دليل على قلّة الاكثرات لأمر الصّديق. فكن فيه بين أمرين: عاتبه فيما تشتركان في نفعه وضرّه
(1/87)

وذلك في الهيّنات، وتجاف له عن بعض غفلاته تسلم لك ناحيته. وبحسب ذلك فكن في زيارته، فإنّ الإلحاح في الزّيارة يذهب بالبهاء، وربّما أورث الملالة؛ وطول الهجران يعقب الجفوة، ويحلّ عقدة الإخاء، ويجعل صاحبه مدرجة للقطيعة وقد قال الشاعر:
إذا ما شئت أن تسلى حبيبا ... فأكثر دونه عدد اللّيالي
فما يسلي حبيبك مثل نأي ... ولا يبلي جديدك كابتذال
[وزر غبّا إذا أحببت خلّا ... فتحظى بالوداد مع اتصال]
واقتصد في مزاحك؛ فإنّ الإفراط فيه يذهب بالبهاء، ويجرّىء عليك أهل الدّناءة. وإنّ التقصير فيه يقبض عنك المؤانسين. فإن مزحت فلا تمزح بالذي يسوء معاشريك.
وأنا أوصيك بخلق قلّ من رأيته يتخلّق به، وذاك أنّ محمله شديد، ومرتقاه صعب، وبسبب ذلك يورث الشّرف وحميد الذّكر: ألّا يحدث لك انحطاط من حطّت الدّنيا من إخوانك استهانة به، ولا لحقّه إضاعة، ولما كنت تعلم من قدره استصغارا؛ بل إن زرته قليلا كان أشرف لك، وأعطف للقلوب عليك. ولا يحدث لك ارتفاع من رفعت الدنيا منهم تذلّلا وإيثارا له على نظرائه في الحفظ والإكرام؛ بل لو انقبضت عنه كان مادحك أكثر من ذامّك، وكان هو أولى بالتعطّف عليك، إلّا أن يكون مسلّطا تخاف شداه ومعرّته، وترجو عنده جرّ منفعة لصديق، أو دفع مضرّة عنه، أو كبتا لعدو وإنزال هوان به؛ فإنّ السّلطان وخيلاءه وزهوه يحتمل فيه ما لا يجوز في غيره، ويعذر فيه ما لا يعذر في سواه.
[16- إمتداح الذات]
واعلم أنّ نشر محاسنك لا يليق بك، ولا يقبل منك إلّا إذا كان القول لها على ألسن أهل المروءات، وذوي الصّدق والوفاء، ومن ينجع قوله في القلوب
(1/88)

ممّن يستنام إلى قوله، ويصدّق خبره، وممن إن قال صدق، أو مدح اقتصد، يثني بقدر البلاء، فإنّ إشراف [3] الثّناء على قدر النّعمة يولّد في القلوب التكذيب، ويدلّ على طلب المزايد.
فأمّا ثناء المادحين لك في وجهك، فإنّما تلك أسواق أقاموها للأرباح، وساهلوك في المبايعة، ولم يكن في الثّناء عليهم كلفة، لكساد أقاويلهم عند الناس. أولئك الصادّون عن طرق المكارم، والمثبّطون عن ابتناء المعالي.
فارتد لنعمك مغرسا تنمو فيه فروعها، وتزكو ثمرتها، لا تذهب نفقتك ضياعا، إمّا لعاجل تقدّمه، أو لآجل ثناء تنتفع به.
ولن تعدم أن يفجأك في بعض أحوالك حقوق تبهظك، وأحوال تفدحك، وأمور كلّها تتقسّم عنايتك، وفي التثبّت في مثلها تعرف فضيلتك، فلا تستقبلها بالتضجّع وتفتير الرأي، وابدأ منها بأعظمها منفعة، وأشدّها خوف ضرر. وكل ما أعجزك إلى الكفاة، واعتذر من تقصير إن كان؛ فإنّ الاعتذار يكسر حميّا اللائمة، ويردع شذاة الشّرّة.
ثمّ تلاف بعد انكشاف ذلك عنك ما فاتك، واجهد الجهد كلّه أن تكون مخارج الحقوق اللازمة لك من عندك سهلة، موصولة لأصحابها ببشرك وطلاقة وجهك؛ فقد زعمت الحكماء أنّ القليل مع طلاقة الوجه أوقع بقلوب ذوي المروءات من الكثير مع العبوس والانقباض.
وقد قال بعض الحكماء: «غاية الأحرار أن يلقوا ما يحبّون ويحرموا، أحبّ إليهم من أن يلقوا ما يكرهون ويعطوا» .
[وما أبعدوا عن الحق] ولا يدعونّك كفر كافر لبعض نعمك ممن آثر هواه على دينه ومروءته، أو غدرة غادر تصنّع لك وختلك عن مالك، أن تزهد في الإنعام، وتسيء بثقاتك الظنون، فإن هذا موضع يجد الشيطان في مثله الذريع إلى استفساد الصنّائع،
(1/89)

وتعطيل المكارم.
واعلم أنّ استصغارك نعمك يكبّرها عند ذوي العقول، وسترك لها نشر لها عندهم، فانشرها بسترها، وكبّرها باستصغارها.
واعلم أنّ من الفعل أفاعيل وإن عظمت منافعها. ومنافع أضدادها فلإيثارها فضيلة على كلّ حال. فاجعل صمتك أكثر من كلامك؛ فإنّه أدلّ على حكمتك. واجعل عفوك أكثر من عقوبتك، فإنّ ذلك أدلّ على كرمك. ولا تفرطنّ فيه كل الإفراط حتّى تطّرح الكلام في موضعه، والتأديب في أوانه.
واعلم أنّ لكلّ امرىء سيّدا من عمله، قد ساهلته فيه نفسه وسلس له فيه هواه، فتحفّظ ذلك من نفسك، وتقاضها الزيادة فيه، ورضها على تثميره والمواظبة عليه.
واحذر الحذر كلّه الاغترار بأمور ثلاثة؛ فإنّ من عطب بها كثير، وتلافيها صعب شديد.
أحدها: ألّا تولّي جسائم تصرّفك وتقلّد مهمّ أمورك ووثائق تدبيرك إلّا امرا صلاحه موصول بصلاحك، وبقاء النّعمة عليك هو بقاء النعمة عليه.
أو أن تأنس أو تغترّ بمن تعلم أنّ بصلاحك فساده، وبارتفاعك انحطاطه، وبسلامتك عطبه؛ فإنّ من كان هكذا فأنت ملك موته. فبحسب ذلك فليكن عندك.
أو أن تجعل مالك كلّه في عقدة واحدة، أو حيّز واحد، [أو وجه منفرد] ، إن اجتاحته جائحة أو نابته نائبة بقيت حسيرا. وقد قال بعض الحكماء: «فرّقوا المنيّة» ، و «اطلبوا الأرباح بكلّ شعب» .
واعلم أنّه ليس من الأخلاق التي ذمّتها الحكماء خلق إلّا وقد ينفع في بعض الحالات، ويردّ به شكله، ويقام بإزاء مثله، ويدافع به نظيره.
(1/90)

[17- سياسة السلطان]
إنّك ستمنى بصحبة السّلطان الحازم العادل، وبصحبة السّلطان الأخرق الجهول الغشوم. فالحازم العادل يسوسه لك الأدب والنّصح، والأخرق تسوسه لك الحيلة والرّفق. العادل يعضدك منه ثلاث، وتصبر نفسه لك على ثلاث:
فاللواتي يعضدنك: تسليط العدل وإنفاذ الحكومة- وفي ذلك صلاح الرعيّة- وإثابة المحسنين الذين إثابتهم تحصين البيضة والسّبل، والعفو ما بلغ به الإستصلاح، واكتفي به من البسط. واللّواتي تصبر نفسه لك عليهن: الهوى إلى ما وافق الرأي، وأمضى الرأي الا بعد التثبت حتّى تعاونه عليه النّصحاء.
ولكنّي أوصيك برياضة نفسك حتّى تذلّلها على الأمور المحمودة؛ فإنّ كلّ أمر ممدوح هو ممّا تستثقل النّفوس. [وممّا تسرّ به وتنقلب إليه الأخلاق المذمومة] . فإن أهملتها وإيّاها غلبت عليك، لأنها فيها طبيعة [مركبّة] ، وجبلّة مفطورة.
فلتكن المساهلة في أخلاقك أغلب عليك من المعاسرة، والحلم أولى بك من العجلة، والصّبر الحاكم عليك دون الجزع، والعفو أسبق إليك من المجازاة بالذّنوب، والمكافأة بالسّوء.
[وكذلك سائر الأخلاق المحمودة والمذمومة، فلتكن محموداتها غالبة على أفعالك، محكّمة في أمورك] . فإنّك إن ضبطت [ذلك، وقومت عليه] نفسك، عشت رخيّ البال، قليل الهموم، كثير الصديق قليل العدوّ، [سليم الدين، نقيّ العرض، محمود الفعال] ، جميل الأحدوثة في حياتك وبعد وفاتك، وكنت بموضع الرجاء أن يصل الله لك السلّامة الآجلة بالنّعمة العاجلة [إن شاء الله عزّ وجلّ] .
أسأل الله المبتدىء بكلّ نعمة، والمتولّي لكلّ إحسان، أن يصلّي على محمد خيرته من خلقه، وصفوته من بريّته، وأن يتمّ عليك نعمته، ويشفع لك ما
(1/91)

خوّلك من نعمته بالنّعمة التي يؤمن معها الزّوال، في جواره ومرافقة أنبيائه.
والسلام عليك ورحمة الله.
تمت الرسالة في الأخلاق المحمودة والمذمومة بعون الله ومنّه. والله الموفق للصواب، والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلامه.
يتلو هذه الرسالة:
كتاب كتمان السر وحفظ اللسان من كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أيضا. والله سبحانه المستعان على ذلك برحمته.
(1/92)

هامش رسالة المعاش والمعاد
(1) على الحكيم تبيان اسباب الامور وعواقبها. بهذا المعنى يقترب الجاحظ من ارسطو الذي حدد الحكيم بانه الذي يعرف علل الاشياء.
- العقل هو الذي يكبح الهوى ويسير بالانسان في الطريق المستقيم. فالجاحظ كبير الثقة بالعقل كالمعتزلة.
- ظواهر الامور وبواطنها. هذا التمييز الذي بدأه الجاحظ بلغ ذروته عند كانط وهيوم.
- ابو عبد الله، هو على الارجح احمد بن ابي دؤاد والد القاضي محمد الذي يوجه اليه الجاحظ الكلام. وقد كانت صلة الجاحظ به وطيدة قبل ان يصناب بالفالج ويحل ابنه مكانه في القضاء.
- ان ذلك طبع غير تكلف: فالطبع هنا معناه عدم التكلف او التصنع. يعني ما هو تلقائي أو مباشر.
- يشير الجاحظ هنا الى شغفه بالكتب يجمعها وينظر فيها لأن تصفحها يطلعنا على عقول العالمين. وقد عبر عن هذا الميل عنده في مقدمة كتاب الحيوان حيث كتب أجمل وصف للكتاب.
- يميز الجاحظ هنا بين نوعين من العقل: العقل المطبوع والعقل المكتسب. على نحو ما ميز ارسطو والفلاسفة العرب امثال الكندي والفارابي وابن سينا بين العقل الهيولاني او بالقوة، والعقل بالملكة او المستفاد او بالفعل. وقد اعترف الجاحظ بأن الحكماء هم الذين ذهبوا الى هذا التفريق بين انواع العقل، مما يدل على تأثره بهم.
(1/93)

- استنبط تعني استخرج علل الاشياء ولم يقتصر على وصفها او عرضها.
والجاحظ يذهب الى ان معرفة الاسباب تفضي الى اليقين. أما مجرد العرض والوصف فيقف بصاحبه عند الظن. ويقول ايضا ان احكام الدين مبينة الاسباب مكشوفة العلل. وبذلك يكون قد وحد بين الفلسفة والدين. وهذا ما اعتقده فعلا وصرح به في تعريفه لعلم الكلام.
(2) الطبائع جمع طبيعة وهي ما «ركتب عليه الخلق وفطرت عليه البرايا كلهم، فهم فيها مستوون والى وجودها في انفسهم مضطرون، وفي المعرفة بما يتولد عنها متفقون» . بهذا يلخص الجاحظ مذهبه الطبيعي. فهو يؤمن بوجود طبائع فطرية في الخلق سواء كانوا بشرا او حيوانات او جمادات. وهم مضطرون للخضوع الى هذه الطبائع وليسوا احرارا في مخالفتها. والقول في الطبائع يؤدي الى القول بالتولد أي صدور افاعيل عن الطبائع لا دخل لله فيها.
(3) يحدد الآداب بانها آلات او وسائل تستعمل لتدبير امور الانسان في الدنيا والآخرة وفي الدين والدنيا. هذه الآداب وضعت على اساس الطبائع.
- الفرق بين الدين والدنيا هو اختلاف الدارين فقط والآداب واحدة والحكم واحد. وبهذا وحد الجاحظ بين الدين والسياسة وخلط بينهما خلطا قويا.
- التكليف مرتبط بالابتلاء او الاختبار وهو مبدأ قال به معظم المعتزلة ومنهم الجاحظ.
(4) من طباع الناس الاساسية حب المنافع ودفع المضار ويؤكد الجاحظ على انهما فطرة في الانسان والحيوان.
- النفس طبعت على ميول اهمها حب الراحة، والعلو والغلبة والاستطراف، واللذة الحسية المتنوعة.
(5) السياسة تقوم على الترغيب والترهيب وهما غريزتان فطريتان في الانسان سبقت الاشارة اليهما (رقم 4) . وقد لجأ إليهما الدين عندما ذكر الجنة والنار، الجنة للترغيب والنار للترهيب.
- وارفق الترغيب والترهيب بمبدأ ثالث هو العدل.
- يقابل الترغيب والترهيب بمبدأ رابع هو الوعد والوعيد.
- السياسة تعني التدبير أي تدبير شؤون الناس. هذا ما يفهم من كلامه «فالرغبة والرهبة اصلا كل تدبير وعليهما مدار كل سياسة، عظمت او صغرت» .
(6) يحدد معنى العدل في الدنيا او في السياسة: وهو يعني الاثابة او الجزاء حسب الاستحقاق.
(7) لكل شيء افراط وتقصير، والفضيلة في ملازمة الحدود او في التوسط. وهذا مبدأ
(1/94)

من مبادىء المعتزلة عبر عنه بالمنزلة بين المنزلتين.
وفي هذا النص تطبيق صريح لمبدأ السببية الذي آمن به الجاحظ. وفي السببية والتولد والتوسط يلتقي الجاحظ مع ارسطو.
- التوكل لا يعني التواني والاعتماد على قوة أخرى ولا يعني الاحالة على الاقدار.
لقد امر الله بالتوكل عند انقطاع الحيل وبذل ما في الوسع. وبهذا يخالف الجاحظ الاشاعرة والمتصوفة.
(8) يحدد الجاحظ معنى الجود بانه مساعدة المحتاجين عند النوائب، والتفضل على الراغبين مع تجنب السرف. وينصح بتثمير المال لأن المال «آلة المكارم ومتألف للاخوان وعون على الدين» . وهو يردد ما سبق اليه ابن المقفع في الأدب الكبير والأدب الصغير وفي كليلة ودمنة.
(9) المنطق استعمل هنا بمعنى النطق وهو ضد الصمت. ولم يستعمل بمعنى العلم الذي ابتدعه ارسطو. والجاحظ ينصح بالاعتدال في الكلام والصمت اخذا بمذهبه الاعتزالي: التوسط.
(10) الشجاعة تعني المخاطرة في النفس والمال في كل أمر تجهل عاقبته. ولا تحمد الا اذا وجبت في الدين أو في سبيل درء العار. ولا تحمد اذا كانت في سبيل منفعة في الدنيا لانها تكون ضربا من الحماقة.
(11) في معاملة العدو يضع قواعد من الخير ويقارنها بقواعد او نصائح ابن المقفع. من مداراة، وحفظ سر الخ.
(12) يجعل الناس من حيث الخدمات التي يؤدونها للحاكم ثلاثة اجناس: اصحاب الرأي والمشورة، اهل الشدة والغلظة، اصحاب المهن المختلفة. وينبغي على الحاكم العناية بهم جميعا وتعهدهم بالثواب والجزاء.
(13) العلم بما غاب نحصل عليه بطرق ثلاث: «الاخبار المتواترة التي يحملها الولي والعدو والصالح والطالح. اي جميع الناس تقريبا.
2) الاخبار المتواطئة: التي يتفق عليها العدد الكبير من الناس وان جهلها معظمهم. وينبغي السؤال عن هذه الاخبار وتوجيهه الى عدة اقوام نقلوها. فاذا تواطأوا عليها على الرغم من تفاوت احوالهم اعتبرت صحيحة. وقد اعتمد الجاحظ هذه الطريقة في اثبات حجج النبوة (راجع رسالة حجج النبوة) .
3) الخبر المفرد الذي يجيء به الرجل او الرجلان، لا يصح تصديقه الا اذا كان المخبر عدلا وثقة.
هذا مما يدرك بالعيان. الغائب الذي لا يدرك بالعيان مثل سرائر القلب وما
(1/95)

اشبه فيدرك بوسيلة اخرى غير الخبر هي آثار افاعيلها الغالبة.
درجات العلم ثلاثة هي الشك فالظن فالعلم. اول العلم بالامور الشك فاذا ظهرت بعض الادلة زال الشك وحل مكانه الظن، فاذا قويت الادلة زال الظن وحل العلم اليقيني. وقد ردد الجاحظ هذه المراتب في عدة اماكن من كتبه مثل الحيوان وبعض الرسائل.
(14) الصداقة ضرورية للانسان لأن الصديق أخ ثان، «وشقيق الروح وتوأم العقل» وانيس العيش. وينبغي الحرص عليه والاكثار منه. وتجدر مقارنة اقوال الجاحظ حول الصداقة باقوال الامام علي بن ابي طالب، وابن المقفع.
(15) يمقت الجاحظ المفاخرة بالأنساب التي اعتد بها العرب. وعلى هذا الاساس يمكن معرفة الغرض الذي رمى اليه الجاحظ في رسالة «فضل هاشم على عبد شمس» ومثيلاتها من رسائل التفاخر بالانساب.
(16) مقت المداحين، وبالتالي الشعراء والكتاب الذين اكثروا من المديح. انه موقف خلقي وسياسي وفني يسجل للجاحظ «تلك اسواق اقاموها للارباح» .
(17) كيف نعامل السلطان العادل والسلطان الجاهل: نصائح قيمة يسديها للقاضي.
(1/96)

2- رسالة الاوطان والبلدان
(1/97)

[1- موضوع الكتاب: تفاضل البلدان وحب الاوطان]
فصل: زيّنك الله بالتّقوى، وكفاك المهمّ من أمر الآخرة والأولى، وأثلج صدرك باليقين، وأعزّك بالقناعة، وختم لك بالسّعادة، وجعلك من الشاكرين.
سألت- أبقاك الله- أن أكتب لك كتابا في تفاضل البلدان، وكيف قناعة النّفس بالأوطان، وما في لزومها من الفشل والنّقص، وما في الطّلب من علم التّجارب والعقل.
وذكرت أنّ طول المقام من أسباب الفقر، كما أنّ الحركة من أسباب اليسر، وذكرت قوم القائل: «الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم» .
ونسيت- أبقاك الله- عمل البلدان، وتصرّف الأزمان، وآثارهما في الصّور والأخلاق، وفي الشمائل والآداب، وفي اللّغات والشّهوات، وفي الهمم والهيئات، وفي المكاسب والصّناعات، على ما دبّر الله تعالى من ذلك بالحكمة اللطيفة، والتدابير العجيبة.
فسبحان من جعل بعض الاختلاف سببا للائتلاف، وجعل الشكّ داعية إلى اليقين، وسبحان من عرّفنا ما في الحيرة من الذّلّة، وما في الشّكّ من الوحشة، وما في اليقين من العزّ، وما في الإخلاص من الأنس.
(1/99)

وقلت: ابدأ لي بالشّام ومصر، وفضل ما بينهما، وتحصيل جمالهما، وذكرت أنّ ذلك سيجرّ العراق والحجاز، والنجود والأغوار، وذكر القرى والأمصار، والبراريّ والبحار.
واعلم- أبقاك الله- أنّا متى قدّمنا ذكر المؤخّر وأخّرنا ذكر المقدّم، فسد النّظام وذهبت المراتب. ولست أرى أن أقدّم شيئا من ذكر القرى على ذكر أمّ جميع القرى. وأولى الأمور بنا ذكر خصال مكّة، ثمّ خصال المدينة.
ولولا ما يجب من تقديم ما قدّم الله وتأخير ما أخرّ، لكان الغالب على النفوس ذكر الأوطان وموقعها من قلب الإنسان.
[2- حب الوطن طبع في الناس]
وقد قال الأوّل: «عمّر الله البلدان بحبّ الأوطان» ، وقال ابن الزّبير:
«ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم» .
[و] لولا ما منّ الله به على كلّ جيل منهم من الترغيب في كل ما تحت أيديهم، وتزيين كلّ ما اشتملت عليه قدرتهم، وكان ذلك مفوّضا إلى العقول، وإلى اختيارات النّفوس- ما سكن أهل الغياض والأدغال في الغمق واللّثق، ولما سكنوا مع البعوض والهمج، ولما سكن سكّان القلاع في قلل الجبال، ولما أقام أصحاب البراري مع الذّئاب والأفاعي وحيث من عزّ بزّ، ولا أقام أهل الأطراف في المخاوف والتّغرير، ولما رضي أهل الغيران وبطون الأودية بتلك المساكن، ولا لتمس الجميع السّكنى في الواسطة، وفي بيضة العرب، وفي دار الأمن والمنعة. وكذلك كانت تكون أحوالهم في اختيار المكاسب والصناعات وفي اختيار الأسماء والشّهوات. ولاختاروا الخطير على الحقير، والكبير على الصغير.
ألا تراهم قد اختاروا ما هو أقبح على ما هو أحسن من الأسماء والصّناعات،
(1/100)

ومن المنازل والدّيارات، من غير أن يكونوا خدعوا أو استكرهوا.
ولو اجتمعوا على اختيار ما هو أرفع، ورفض ما هو أوضع من اسم أو كنية، وفي تجارة وصناعة، ومن شهوة وهمّة، لذهبت المعاملات، وبطل التمييز، ولوقع التجاذب والتغالب، ثم التحارب، ولصاروا غرضا للتّفاني، وأكلة للبوار.
فالحمد لله أكثر الحمد وأطيبه على نعمه، ما ظهر منها وما بطن، وما جهل منها وما علم! ذكر الله تعالى الدّيار فخبّر عن موقعها من قلوب عباده، فقال: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ.
فسوّى بين موقع قتل أنفسهم وبين الخروج من ديارهم. وقال: وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا
. فسوّى بين موقع الخروج من ديارهم وبين موقع هلاك أبنائهم.
فصل منه:- فقسم الله تعالى المصالح بين المقام والظّعن، وبين الغربة وإلف الوطن، وبين ما هو أربح وأرفع، حين جعل مجاري الأرزاق مع الحركة والطّلب. وأكثر ذلك ما كان مع طول الاغتراب، والبعد في المسافة، ليفيدك الأمور، فيمكن الاختبار ويحسن الاختيار.
والعقل المولود متناهي الحدود، وعقل التجارب لا يوقف منه على حدّ.
ألا ترى أنّ الله لم يجعل إلف الوطن عليهم مفترضا، وقيدا مصمتا، ولم يجعل كفاياتهم مقصورة عليهم، محتسبة لهم في أوطانهم؟ ألا تراه يقول: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ، عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
. فقسّم الحاجات فجعل أكثرها في البعد. وقال عزّ ذكره: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
فأخرج الكلام والإطلاق على مخرج العموم، فلم يخصّ أرضا دون أرض، ولا قربا دون بعد.
(1/101)

فصل منه:- ونحن، وإن أطنبنا في ذكر جملة القول في الوطن، وما يعمل في الطبائع، فإنّا لم نذكر خصال بلدة بعينها، فنكون قد خالفنا إلى تقديم المؤخّر وتأخير المقدّم.
قالوا: ولم نجهل ولم ننكر أنّ نفس الإلف يكون من صلاح الطبيعة، حتى إنّ أصحاب الكلاب ليجعلون هذا من مفاخرها على جميع ما يعاشر النّاس في دورهم من أصناف الطير وذوات الأربع: وذلك أنّ صاحب المنزل إذا هجر منزله واختار غيره، لم يتبعه فرس ولا بغل ولا حمار، ولا ديك ولا دجاجة، ولا حمامة ولا حمام، ولا هرّ ولا هرّة، ولا شاة، ولا عصفور؛ فإنّ العصافير تألف دور النّاس، ولا تكاد تقيم فيها إذا خرجوا منها. والخطاطيف تقطع إليهم لتقيم فيها إلى أوان حاجتها إلى الرّجوع إلى أوطانها، وليس شيء من هذه الأنواع ممّا تبوّأ في الدّور باجتلابهم لها، ولا ما تبوّأ في دورهم مما ينزع إليهم أحنّ من الكلب، فإنّه يؤثره على وطنه، ويحميه ممن يغشاه.
فذكروا الكلب بهذا الخلق الذي تفرّد به دون جميع الحيوان.
وقالوا في وجه آخر: أكرم الصّفايا أشدّها ولها إلى أولادها، وأكرم الإبل أحنّها إلى أعطانها. وأكرم الأفلاء أشدّها ملازمة لأماتها، وخير النّاس آلفهم للنّاس.
[3- خصال قريش]
فصل منه: وقلتم: خبّرونا عن الخصال التي بانت بها قريش عن جميع الناس. وأنا أعلم أنّك لم ترد هذا. وإنّما أردت الخصال التي بانت بها قريش من سائر العرب، كما ذكرنا في الكتاب الأوّل الخصال التي بانت بها العرب عن العجم؛ لأنّ قريشا والعرب قد يستوون في مناقب كثيرة. قد يلفى في العرب الجواد المبّر وكذلك الحليم والشّجاع، حتى يأتي على خصال حميدة؛ ولكنا نريد الخصائص التي في قريش دون العرب.
فمن ذلك أنّا لم نر قريشيّا انتسب إلى قبيلة من قبائل العرب، وقد رأينا في قبائل
(1/102)

العرب الأشراف رجالا- إلى السّاعة- ينتسبون في قريش، كنحو الذي وجدنا في بني مرّة بن عوف، والذي وجدنا من ذلك في بني سليم، وفي خزاعة، وفي قبائل شريفة.
وممّا بانت قريش أنّها لم تلد في الجاهلية ولدا قطّ [لغيرها] ولقد أخذ ذلك منهم سكّان الطّائف، لقرب الجوار وبعض المصاهرة، ولأنّهم كانوا حمسا، وقريش حمّستهم.
وممّا بانت به قريش من سائر العرب أنّ الله تعالى جاء بالإسلام وليس في أيدي جميع العرب سبيّة من جميع نساء قريش، ولا وجدوا في جميع أيدي العرب ولدا من امرأة من قريش.
ومما بانت به قريش من سائر العرب أنّها لم تكن تزوّج أحدا من أشراف العرب إلّا على أن يتحمّس، وكانوا يزوّجون من غير أن يشترط عليهم، وهي عامر بن صعصعة، وثقيف. وخزاعة، والحارث ابن كعب، وكانوا ديانين، لذلك تركوا الغزو لما فيه من الغضب والغشم، واستحلال الأموال والفروج.
ومن العجب أنّهم مع تركهم الغزو كانوا أعزّ وأمثل؛ مثل أيّام الفجار وذات كهف.
ألا ترى أنّهم عند بنيان الكعبة قال رؤساؤهم: لا تخرجوا في نفقاتكم على هذا البيت إلّا من صدقات نسائكم، ومواريث أبائكم! أرادوا مالا لم يكسبوه ولا يشكّون أنه لم يدخله من الحرام شيء.
ومن العجب انّ كسبهم لمّا قلّ من قبل تركهم الغزو. ومالوا إلى الإيلاف والجهاد، لم يعترهم من بخل التجّار قليل ولا كثير، والبخل خلقة في الطّباع، فأعطوا الشّعراء كما يعطي الملوك، وقروا الأضياف، ووصلوا الأرحام قاموا بنوائب زوّار البيت، فكان أحدهم يحيس الحيسة في الأنطاع فيأكل منها القائم والقاعد، والراجل والرّاكب وأطعموا بدل الحيس الفالوذج. ألا ترى أميّة بن أبي
(1/103)

الصلت يقول، ويذكر عبد الله بن جدعان:
له داع بمكّة مشمعلّ ... وحفص فوق دارته ينادي
إلى ردح من الشّيزى ملاء ... لباب البرّ يلبك بالشّهاد
فلباب البرّ هو هذا النّشا، والشّهاد يعني به العسل.
ألا ترى أنّ عمر بن الخطاب يقول: «أتروني لا أعرف طيّب الطعام؟
لباب البرّ بصغار المعزى» ، يعني خبز الحوّاري بصغار الجداء.
ولقد مدحتهم الشّعراء كما يمدح الملوك، ومدحتهم الفرسان والأشراف وأخذوا جوائزهم؛ منهم: دريد بن الصّمّة، وأميّة بن أبي الصّلت.
ومن خصالهم أنّهم لم يشاركوا العرب والأعراب في شيء من جفائهم، وغلظ شهواتهم؛ وكانوا لا يأكلون الضّباب، ولا شيئا من الحشرات، ألا ترى أنّ النبي- صلّى الله عليه وسلم- أتوا خوانه بضبّ فقال: «ليس من طعام قومي» ، لأنّهم لم يكونوا يحرشون الضّباب، ويصيدون اليرابيع، ويملّون القنافذ، أصحاب الخمر والخمبر، وخبز التّنانير.
وقال رسول الله- صلّى الله عليه وسلم-: «أنا أفصح العرب بيد أنّي من قريش، ونشأت في بني سعد بن بكر» .
وذلك أنّ جميع قبائل العرب إنّما كانت القبيلة لا تكاد ترى وتسمع إلّا من قبيلتها ورجالها، فليس عندهم، إلّا عند قبيل واحد، من البيان والأدب والرأي والأخرق، والشمائل، والحلم والنّجدة والمعرفة، إلّا في الفرط.
وكانت العرب قاطبة ترد مكّة في أيّام الموسم، وترد أسواق عكاظ وذا المجاز؛ وتقيم هناك الأيّام الطّوال، فتعرف قريش، لاجتماع الأخلاق لهم [و] الشّمائل والألفاظ، والعقول والأحلام، وهي وادعة وذلك قائم لها، راهن عندها في كلّ عام، تتملّك عليهم فيقتسمونهم، فتكون غطفان للميرة، وبنو عامر لكذا، وتميم لكذا، تغلبها المناسك وتقوم بجميع شأنها.
(1/104)

[4- مكة]
فصل منه: وفتح مكة يسمّى فتح الفتوح؛ وفيها بيت الله، وأهله وحجّاجه زوّار الله؛ وهو البيت العتيق والبيت الحرام؛ وفيه الحجر، والحجر الأسود.
وله زمزم، وهي هزمة جبريل- صلوات الله عليه- ومقام إبراهيم، وماء زمزم لما شرب له، العاكف فيه والبادي سواء.
وبسبب كرامته أرسل الله طير الأبابيل وحجارة السّجّيل. وأهله حمس ولقاح لا يؤدّون إتاوة، ولهم السّقاية، ودار النّدوة، والرّفادة، والسّدانة.
قال: وأقسم الله تعالى بها، قال: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ. وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ
. وقوله جل ذكره: لا أُقْسِمُ
. أي: أقسم، وإنّما قوله «لا» في هذا الموضع صلة، ليس على معنى «لا» الذي هو خلاف «نعم» .
وقالوا: ولو كان قوله: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ
يراد به تقادم البنيان، وما تعاوره من كرور الزّمان، لم يكن فضله على سائر البلدان، لأنّ الدنيا لم تخل من بيت ودار، وسكّان وبنيان. وقد مرّت الأيّام على مصر، وحرّان، والحيرة، والسّوس الأقصى، وأشباه ذلك، فجعل البيت العتيق صفة له، ولو كان ذهب إلى ما يعنون، كان من قبل أن يعتق وتمرّ عليه الأزمنة ليس بعتيق. وهذا الاسم قد أطلق له إطلاقا، فاسمه البيت العتيق، كما أنّ اسمه بيت الله.
ومن زعم أن الله تعالى حرمه يوم خلق السموات والأرض، فقولنا هذا مصداق له.
ومن زعم أنّه إنّما صار حراما مذ حرّمه إبراهيم، كان قد زعم أنّه قد كان ولا يقال له عتيق ولا حرام.
قالوا: وممّا يصدّق تأويلنا أنّه لم يعرف إلّا وهو لقاح، ولا أدّى أهله إتاوة
(1/105)

قطّ، ولا وطئته الملوك بالتّمليك: أنّ سابور ذا الأكتاف، وبخت نصرّ وأبا يكسوم وغيرهم، قد أرادوه فحال الله تعالى دونه، فتلك عادة فيه، وسنّة جارية له.
ولولا أنّ تبّع أتاه حاجّا، على جهة التعظيم والتديّن بالطّواف، فحجّه وطاف به، وكساه الوصائل، لأخرجه الله منه.
وحجّه بعض ملوك غسان ولخم، وهم نصارى، تعظيما له، ولما جعل الله له في القلوب.
والعتيق يكون من رقّ العبوديّة، كالعبد يعتقه مولاه. ويكون عتيقا من النار، كالتائب من الكبائر، وكالرّجل يدعو إلى الإيمان فيستجاب له، ويتعلّم ناس على يده، فهم أيضا عتقاء.
ويكون الرّجل عتيقا من عتق الوجه.
وربّما كان عتيقا كما يقال للفرس عتيق وليس بهجين ولا مقرف. وقد سمّي أبو بكر بن أبي قحافة- رضوان الله عليه- عتيقا، من طريق عتق الوجه، ومن طريق أنّهم طلبوا المثالب والعيوب التي كانت تكون في الأمّهات والآباء فلم يجدوها، قالوا: ما هذا إلّا عتيق.
[5- خصال هاشم]
فصل منه:- قد قلنا في الخصال التي بانت بها قريش دون العرب، ونحن ذاكرون- وبالله التوفيق- الخصال التي بانت بها بنو هاشم دون قريش.
فأوّل ذلك النبوّة، التي هي جماع خصال الخير، وأعلاها وأفضلها، وأجلّها وأسناها.
ثمّ وجدنا فيهم ثلاثة رجال بني أعمام في زمان واحد، كلّهم يسمّى عليّا، وكلّ واحد من الثّلاثة سيّد فقيه، عالم عابد، يصلح للرّياسة والإمامة؛
(1/106)

مثل عليّ بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم، وعليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم، وعليّ ابن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم.
ثمّ وجدنا ثلاثة رجال بني أعمام، في زمان واحد، كلّهم يسمّى محمّدا، وكلّهم سيّد وفقيه عابد، يصلح للرياسة والإمامة، مثل محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس بن عبد المطلب بن هاشم، ومحمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلّب بن هاشم، ومثل محمّد بن عبد الله بن جعفر إبن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم.
وهذا من أغرب ما يتهيّا في العالم، ويتّفق في الأزمنة، وهذه لا يشركهم فيها أحد، ولا يستطيع أن يدّعي مثلها أحد.
ولبني هاشم واحد؟؟؟ رّزة، وثانية نادرة، يتقدّمون بها على جميع الناس. وذلك أنّا لا نعرف في جميع مملكة العرب، وفي جميع مملكة العجم؛ وفي جميع الأقاليم السّبعة، ملكا واحدا ملكه من نصاب واحد، وفي مغرس رسالة، إلّا من بني هاشم، فإنّ ملكهم العبّاس بن عبد المطلب، عمّ رسول الله- صلّى الله عليه وسلم، والعمّ وارث، والعمّ أبّ، ولا نعلم أمّة تدّعي مثل هذا لملكها.
وهذا شيء سمعته من أبي عبيدة، ومنه استمليت هذا المعنى.
ولبني هاشم- مذ ملكوا هذه الدّفعة- دون أيّام عليّ بن أبي طالب والحسين إبن عليّ إلى يومنا هذا مائة وستّ عشرة سنة، كان أوّل بركتهم أن الله- تعالى- رفع الطّواعين والموتان الجارف، فإنّهم كانوا يحصدون حصدا بعد حصد.
ثمّ الذي تهيّأ واتّفق، وخصّ به آل أبي طالب من الغرائب والعجائب والفضائل، ما لم نجده في أحد سواهم: وذلك أنّ أوّل هاشميّ هاشميّ الأبوين كان في الدنيا ولد لأبي طالب، لأنّ أباهم عبد مناف. وهو أبو طالب إبن شيبة- وهو عبد المطّلب- بن هاشم- وهو عمرو- وهو أبو شيبة. وشيبة هو عبد المطّلب. وهو أبو الحارث وسيّد الوادي غير مدافع، بن عمرو، وهو هاشم
(1/107)

إبن المغيرة، وهو عبد مناف.
ثم الذي تهيّأ لبني أبي طالب الأربعة: أنّ أربعة إخوة كان بين كلّ واحد منهم وبين أخيه في الميلاد عشر سنين سواء، وهذا عجب.
ومن الغرائب التي خصّوا بها، أعني ولد أبي طالب، أنّا لا نعلم الإذكار في بلد من البلدان، وفي جيل من الأجيال، [إلّا] أهل خراسان فمن دونهم، فإنّ الإذكار فيهم فاش؛ كما أنّك لا تجد من وراء بلاد مصر إلّا مثناثا، ثم لا ترى فيهنّ مفذّا، بل لا ترى إلّا الثؤام ومن البنات.
فتهيّا في آل أبي طالب من الإذكار ما لم نعرفه في قديم الدهر وحديثه، ولا فيما قرب من البلدان ولا فيما بعد.
وذلك أنّ آل أبي طالب أحصوا منذ أعوام وحصّلوا، فكانوا قريبا من ألفين وثلاثمائة، ثم لا يزيد عدد نسائهم على رجالهم إلّا دون العشر. وهذا عجب.
وإن كنت تريد أن تتعرّف فضل البنات على البنين، وفضل إناث الحيوانات على ذكورها، فابدأ فخذ أربعين ذراعا عن يمينك، وأربعين ذراعا عن يسارك، وأربعين خلفك، وأربعين أمامك، ثم عدّ الرّجال والنّساء حتّى تعرف ما قلنا، فتعلم أنّ الله تعالى لم يحلّل للرّجل الواحد من النّساء أربعا ثم أربعا، متى وقع بهن موت أو طلاق، ثم كذلك للواحد ما بين الواحدة من الإماء إلى ما يشاء من العدد، مجموعات ومفترقات، لئلا يبقين إلّا ذوات أزواج.
ثم انظر في شأن ذوات البيض وذوات الأولاد فإنّك سترى في دار خمسين دجاجة وديكا واحد، ومن الإبل الهجمة وفحلا واحدا، ومن الحمير العانة وعيرا واحدا. فلمّا حصلوا كل مئناث وكلّ مذكار، فوجدوا آل أبي طالب قد برعوا على الناس وفضلوهم، عرف الناس موضع الفضيلة له والخصوصيّة.
وفي ولد أبي طالب- أيضا- أعجوبة أخرى، وذلك أنّه لم يوجد قطّ في
(1/108)

أطفالهم طفل يحبو، بل يزحف زحفا لئلا ينكشف منه عن شيء يسوءه. ليكون أوفر لبهائه، وأدلّ على ما خصّوا به.
ولهم من الأعاجيب خصلة أخرى: وذلك أنّ عبيد الله بن زياد قتل الحسين في يوم عاشوراء، وقتله الله يوم عاشوراء في السّنة الأخرى.
وقالوا: لا نعلم موضع رجل من شجعان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم، كان له من عدد القتلى ما كان لعليّ رضوان الله عليه، ولا كان لأحد مع ذلك من قتل الرّؤساء والسّادة، والمتبوعين والقادة، ما كان لعليّ بن أبي طالب. وقتل رئيس واحد، وإن كان دون بعض الفرسان في الشّدّة، أشدّ؛ فإنّ قتل الرئيس أردّ على المسلمين وأقوى لهم من قتل الفارس الذي هو أشدّ من ذلك السيّد.
وأيضا- أنّه قد جمع بين قتل الرّؤساء وبين قتل الشّجعان.
وله أعجوبة أخرى؛ وذلك أنّه مع كثرة ما قتل وما بارز، وما مشى بالسيف إلى السّيف، لم يخرج قطّ ولا جرح إنسانا إلّا قتله، ولا نعلم في الأرض متى ذكر السّبق في الإسلام والتّقدّم فيه، ومتى ذكر الفقه في الدّين، ومتى ذكر الزّهد في الأموال التي تشاجر النّاس عليها، ومتى ذكر الإعطاء في الماعون، كان مذكورا في هذه الحالات كلّها- إلّا عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه.
قالوا: وكان الحسن يقول: قد يكون الرجل عالما وليس بعابد، وعابدا وليس بعالم، وعابدا وليس بعاقل، وعاقلا وليس بعابد. وسليمان ابن يسار عالم عاقل عابد، فانظر أين تقع خصال سليمان من خصال عليّ بن أبي طالب رضى الله عنه.
ولم يكن قصدنا في أوّل هذا الكتاب إلى ذكر هاشم، وقد كان قصدنا الإخبار عن مكّة بما قد كتبناه في صدر هذا الكتاب، ولكنّ ذكر خصال مكّة جرّ
(1/109)

ذكر خصال قريش، وذكر خصال قريش جرّ ذكر خصال بني هاشم.
فإن أحببت أن تعرف جملة القول في خصال بني هاشم فانظر في كتابي هذا الذي فرّقت فيه بين خصال بني عبد مناف وبين بني محزوم، وفرّقت ما بين عبد شمس؛ فإنّه هناك أوفر وأجمع، إن شاء الله تعالى.
[6- عودة الى خصال قريش]
فصل منه: قالوا: وقد تعجّب الناس من ثبات قريش، وجزالة عطاياهم، واحتمالهم المؤن الغلاظ في دوام كسبهم من التّجارة، وقد علموا أنّ البخل والبصر في الطّفيف مقرون في التجارة؛ وذلك خلق من أخلاقهم. وعلى ذلك شاهد أهل الترقيح والتكسّب والتّدنيق.
فكان في ثبات جودهم العالي على جود الأجواد، وهم قوم لا كسب لهم إلّا من التجارة، عجب من العجب.
ثمّ جاء ما هو أعجب من هذا وأطمّ، وذلك أنّا قد علمنا أنّ الرّوم قبل التديّن بالنّصرانيّة، كانت تنتصف من ملوك فارس، وكانت الحروب بينهم سجالا، فلمّا صارت لا تدين بالقتل والقتال، والقود والقصاص. اعتراهم مثل ما يعتري الجبناء حتّى صاروا يتكلّفون القتال تكلّفا. ولمّا خامرت طبائعهم تلك الدّيانة، وسرت في لحومهم ودمائهم فصارت تلك الدّيانة تعترض عليهم.
خرجوا من حدود الغالبيّة إلى أن صاروا مغلوبين.
وإلى مثل ذلك صارت حال الغّزغز من التّرك. بعد أن كانوا أنجادهم وحماتهم، وكانوا يتقدّمون الخرلخيّة، وان كانوا في العدد أضعافهم، فلما دانوا بالزّندقة- ودين الزّندقة في الكفّ والسّلم أسوأ من دين النّصارى- نقصت تلك الشّجاعة، وذهبت تلك الشهامة.
وقريش من بين جميع العرب دانوا بالتحمّس. وتشدّدوا في الدين، فتركوا
(1/110)

الغزو ولم تبق مكسبة سوى التّجارة، فضربوا في البلاد إلى قيصر بالرّوم، وإلى النجاشيّ بالحبشة. وإلى المقوقس بمصر، وصاروا بأجمعهم تجّارا خلطاء. وبانوا بالدّيانة والتحمّس، فحمّسوا بني عامر ابن صعصعة. وحمّسوا الحارث بن كعب، فكانوا- وإن كانوا حمسا- لا يتركون الغزو والسّبي ووطء النّساء، وأخذ الأموال، فكانت نجدتهم- وإن كان أنقص- فإنّها على حال النّجدة، ولهم في ذلك بقيّة.
وتركت قريش الغزو بتّة. فكانوا- مع طول ترك الغزو- إذا غزوا كالأسود على براثنها، مع الرأي الأصيل، والبصيرة النّافذة.
أفليس من العجب أن تبقى نجدتهم، وتثبت بسالتهم، ثم يعلون الأنجاد والأجواد، ويفرعون الشّجعان؟! وهاتان الأعجوبتان بيّنتان.
وقد علم أنّ سبب استفاضة النجدة في جميع أصناف الخوارج وتقدّمهم في ذلك، إنّما هو بسبب الدّيانة! لأنّا نجد عبيدهم ومواليهم ونساءهم، يقاتلون مثل قتالهم، ونجد السّجستانيّ وهو عجميّ، ونجد اليماميّ والبحرانيّ والخوزيّ [وهم غير] عرب، ونجد إباضيّة عمان وهي بلاد عرب، وإباضيّة تاهرت وهي بلاد عجم، كلّهم في القتال والنّجدة، وثبات العزيمة، والشّدّة في البأس سواء. فاستوت حالاتهم في النّجدة مع اختلاف أنسابهم وبلدانهم. أفما في هذا دليل على أنّ الذي سوّى بينهم التّديّن بالقتال، وضروب كثيرة من هذا الفنّ؟! وذلك كلّه مصوّر في كتبي، والحمد لله.
وقد تجدون عموم السّخف والجهل والكذب في المواعيد، والغشّ في الصناعة، في الحاكة، فدلّ استواء حالاتهم في ذلك على استواء عللهم. ليست هناك علّة إلّا الصّناعة؛ لأنّ الحاكة في كل بلد شيء واحد. وكذلك النّخّاس وصاحب الخلقان، وبيّاع السّمك. وكذلك الملّاحون وأصحاب السّماد، أوّلهم كآخرهم، وكهولهم كشبّانهم، ولكن قل في استواء الحجّامين في حبّ النبيذ!
(1/111)

[7- المدينة]
فصل منه:- وأمر المدينة عجب وفي تربها وترابها وهوائها دليل وشاهد وبرهان على قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «إنّها طيّبة تنفي خبثها وتنصع طيبها» لأنّ من دخلها أو أقام فيها، كائنا من كان من النّاس، فإنّه يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة، ليس لها اسم في الأراييح، وبذلك السبب طاب طيبها والمعجونات من الطّيب فيها. وكذلك العود وجميع البخور، يضاعف طيبها في تلك البلدة على كلّ بلد استعمل ذلك الطّيب بعينه فيها.
وكذلك صيّاحها والبلح والأترجّ والسّفرجل، أعني المجعول منها سخبا للصّبيان والنّساء.
فإن ذكروا طيب سابور فإنّما طيب سابور بطيب أرياح الرّياحين، وذلك من ريح رياحينها وبساتينها وأنوارها، ولذلك يقوى في زمان، ويضعف في زمان.
ونحن قد ندخل دجلة في نهر الأبلة بالأسحار، فنجد من تلك الحدائق، ونحن في وسط النهر، مثل ما يجد أهل سابور من تلك الرّائحة.
وطيبة التي يسمّونها المدينة، هذا الطّيب خلقة فيها، وجوهريّة منها، وموجود في جميع أحوالها. وإنّ الطّيب والمعجونات لتحمل إليها فتزداد فيها طيبا، وهو ضدّ قصبة الأهواز وأنطاكيّة، فإنّ الغوالى تستحيل الاستحالة الشّديدة.
ولسنا نشكّ أنّ ناسا ينتابون المواضع التي يباع فيها النّوى المنقع، فيستنشقون تلك الرائحة، يعجبون بها ويلتمسونها، بقدر فرارنا نحن من مواقع النّوى عندنا بالعراق، ولو كان من النّوى المعجوم ومن نوى الأفواه.
ونحن لا نشكّ أنّ الرجل الذي يأكل بالعراق أربع جرادق في مقعد واحد من الميساني والموصلّي، أنّه لا يأكل من أقراص المدينة قرصين؛ ولو كان ذلك
(1/112)

لغلظ فيه أو لفساد كان في حبّه وطحينه لظهر ذلك في التّخم وسوء الاستمراء، ولتولّد على طول الأيّام من ذلك أوجاع وفساد كثير.
ولم يكن بها طاعون قطّ ولا جذام.
وليس لبلدة من البلدان من الشّهرة في الفقه ما لهم ولرجالهم، وذكر عبد الملك إبن مروان روح بن زنباع فمدحه فقال: جمع أبو زرعة فقه الحجاز، ودهاء العراق، وطاعة أهل الشام.
[8- مصر]
فصل منه: قال أبو الخطّاب: لم يذكر الله جلّ وعز شيئا من البلدان باسمه في القرآن كما ذكر مصر، حيث يقول: وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ
. وقال: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
وقال: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً
وقال تعالى: اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ
وقال في آية: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي.
وذكر مصر في القرآن بالكناية عن خاصّة اسمها، فمن ذلك: وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ
قالوا: هي مدينة منف، وهو موضع منزل فرعون.
وأخبرني شيخ من آل أبي طالب من ولد عليّ صحيح الخبر: منف دار فرعون، ودرت في مجالسه ومثاويه وغرفه وصفافه، فإذا كلّه حجر واحد منقور؛ فإن كانوا هندموه وأحكموا بناءه حتّى صار في الملاسة واحدا لا يستبان فيه مجمع حجرين، ولا ملتقى صخرتين فهذا عجب. ولئن كان جبلا واحدا، ودكّا واحدا، فنقرته الرّجال بالمناقير حتّى خرقت فيه تلك المخاريق، إنّ هذا لأعجب.
(1/113)

وفي القرآن: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ.
قال: والأرض هاهنا مصر. وفي هذا الموضع كلام حسن. ولكنّا ندعه مخافة أن نخرج إلى غير الباب الذي ألّفنا له هذا الكتاب.
قالوا: وسمّى الله تعالى ملك مصر «العزيز» ، وهو صاحب يوسف، وسمّى صاحب موسى «فرعون» .
قالوا: وكان أصل عتوّ فرعون ملكه العظيم، ومملكته التي لا تشبهها مملكة.
قالوا: ومنهم مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم.
وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «سيّدة نساء العالم خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمّد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم» .
قال: ولّما هم فرعون بقتل موسى قالت آسية: لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً
وقالت: وكيف تقتله، والله ما يعرف الجمرة من التّمرة.
ومنهم السّحرة الذين كانوا قد أبرّوا على أهل الأرض، فلما أبصروا بالأعلام، وأيقنوا بالبرهان، استبصروا وتابوا توبة ما تابها ما عز بن مالك، ولا أحد من العالمين، حتّى قالوا لفرعون: فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ، إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ.
وجاء في الحديث: «من أخرب خزائن الله فعليه لعنة الله» . قالوا:
خزائن الله هي مصر، أما سمعتم قول يوسف: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ
؟.
وقال عبد الله بن عمرو: «البركة عشر بركات: تسع بمصر والواحدة في جميع الأرض» .
(1/114)

فصل منه: وقال أهل العراق: سألنا بطريق خرشنة عن خراج الرّوم، فذكر مقدارا من المال، وقال. هو كذا وكذا قنطارا. فنظر بعض الوزراء فإذا خراج مصر وحده يضعف على خراج بلاد الروم إذا جمعت أبواب المال من البلاد جميعا.
فصل منه: ولا أعلم الفرقة في المغرب إلا أكثر من الفرقة في المشرق، إلّا أنّ أهل المغرب إذا خرجوا لم يزيدوا على البدعة والضّلالة، والخارجيّ في المشرق لا يرضى بذلك حتّى يجوزه إلى الكفر، مثل المقنّع وشيبان والإصبهبذ وبابك، وهذا الضّرب.
فصل منه: وقد علمنا لجماعة بني هاشم طابعا في وجوههم يستبين به كرم العتق وكرم النّجار، وليس ذلك لغيرهم.
ولقد كادت الأهواز تفسد هذا المعنى على هاشميّة الأهواز، ولولا أنّ الله غالب على أمره لقد كادت طمست على ذلك العتق ومحته فتربتها خلاف تربة الرسول صلّى الله عليه وسلم: وذلك أنّ كلّ من تخرّق طرق المدينة وجد رائحة طيّبة ليست من الأراييح المعروفة الأسماء.
[9- الكوفة والبصرة]
فصل منه: قال زياد: الكوفة جارية جميلة لا مال لها، فهي تخطب لجمالها، والبصرة عجوز شوهاء ذات مال فهي تخطب لمالها.
فصل منه: والفرات خير من ماء النّيل. وامّا دجلة فإنّ ماءها يقطع شهوة الرّجال. ويذهب بصهيل الخيل، ولا يذهب بصهيلها إلّا مع ذهاب نشاطها، ونقصان قواها؛ وإن لم يتنسّم النازلون عليها أصابهم قحول في عظامهم، ويبس في جلودهم.
وجميع العرب النّازلين على شاطىء دجلة من بغداد إلى بلد لا يرعون الخيل
(1/115)

في الصّيف على أواريّها على شاطىء دجلة، ولا يسقونها من مائها، لما يخاف عليها من الصّدام، وغير ذلك من الآفات.
وأصحاب الخيل من العتاق والبراذين إنّما يسقونها بسرّ من رأى، ممّا احتفروها من كرابهم، ولا يسقونها من ماء دجلة؛ وذلك أنّ ماء دجلة مختلط.
وليس هو ماء واحدا، ينصب فيها من الزّابين والنّهروانات وماء الفرات، وغير ذلك من المياه.
واختلاف الطّعام إذا دخل جوف الانسان من ألوان الطّبيخ والإدام غير ضارّ، وإن دخل جوف الإنسان من شراب مختلف كنحو الخمر والسّكر ونبيذ التمر والدّاذيّ كان ضارّا. وكذلك الماء، لأنّه متى أراد أن يتجرّع جرعا من الماء الحارّ لصدره أو لغير ذلك، فإن أعجله أمر فبرّده بماء بارد ثم حساه ضرّه ذلك، وإن تركه حتّى يفتر ببرد الهواء لم يضرّه. وسبيل المشروب غير سبيل المأكول.
فإن كان هذا فضيلة مائنا على ماء دجلة فما ظنّك بفضله على ماء البصرة، وهو ماء مختلط من ماء البحر ومن الماء المستنقع في أصول القصب والبرديّ؟ قال الله تعالى: هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ.
والفرات أعذبها عذوبة، وإنما اشتقّ الفرات لكلّ ماء عذب، من فرات الكوفة.
فصل منه: كان يقال: الدّنيا البصرة.
وقال الأحنف لأهل الكوفة: «نحن أغذى منكم بريّة، وأكثر منكم بحريّة، وأبعد منكم سريّة، وأكثر منكم ذرّيّة» .
وقال الخليل بن أحمد في وصف القصر المذكور بالبصرة:
زر وادي القصر نعم القصر والوادي ... لا بدّ من زورة عن غير ميعاد
ترى بها السّفن والظّلمان واقفة ... والضّبّ والنّون والملّاح والحادي
(1/116)

ومن أتى هذا القصر وأتى قصر أنس رأى أرضا كالكافور، وتربة ثريّة، ورأى ضبّا يحترش، وغزالا يقتنص، وسمكا يصاد، ما بين صاحب شصّ وصاحب شبكة، ويسمع غناء ملّاح على سكّانه، وحداء جمّال على بعيره.
قالوا: وفي أعلى جبّانة البصرة موضع يقال له الحزيز يذكر الناس أنّهم لم يروا قطّ هواء أعدل، ولا نسيما أرقّ، ولا ماء أطيب منها في ذلك الموضع.
وقال جعفر بن سليمان: «العراق عين الدّنيا، والبصرة عين العراق، والمربد عين البصرة، وداري عين المربد» .
وقال أبو الحسن وأبو عبيدة: «بصّرت البصرة سنة أربع عشرة، وكوّفت الكوفة سنة سبع عشرة» .
فصل منه: زعم أهل الكوفة أنّ البصرة أسرع الأرض خرابا، وأخبثها ترابا، وأبعدها من السّماء وأسرعها غرقا، ومفيض مائها البحر، ثم يخرج ذلك إلى البحر الأعظم.
وكيف تغرق، وهم لا يستطيعون أن يوصلوا ماء الفيض إلى حياضهم إلّا بعد أن يرتفع ذلك الماء في الهواء ثلاثين ذراعا، في كلّ سقاية بعينها، لا لحوض بعينه.
وهذه أرض بغداد في كلّ زيادة ماء ينبع الماء في أجواف قصورهم الشّارعة بعد إحكام المسنّيات التي لا يقوى عليها إلّا الملوك، ثم يهدمون الدّار التي على دجلة فيكسون بها تلك السّكك، ويتوقّعون الغرق في كلّ ساعة.
قال: وهم يعيبون ماء البصرة، وماء البصرة رقيق قد ذهب عنه الطّين والرّمل المشوب بماء بغداد والكوفة، لطول مقامه بالبطيحة، وقد لان وصفا ورقّ.
وإن قلتم: إنّ الماء الجاري أمرأ من الساكن، فكيف يكون ساكنا مع تلك الأمواج العظام والرّياح العواصف، والماء المنقلب من العلو إلى السّفل؟
ومع هذا إنّه إذا سار من مخرجه إلى ناحية المذار ونهر أبي الأسد وسائر الأنهار،
(1/117)

وإذا بعد من مدخله إلى البصرة من الشّقّ القصير، جرى منقضّا إلى الصّخور والحجارة، فراسخ وفراسخ، حتّى ينتهي إلينا.
ويدلّ على صلاح مائهم كثرة دورهم، وطول أعمارهم، وحسن عقولهم، ورفق أكفّهم، وحذقهم لجميع الصناعات، وتقدّمهم في ذلك لجميع الناس.
ويستدلّ على كرم طينهم ببياض كيزانهم وعذوبة الماء البائت في قلالهم، وفي لون آجرّهم، كأنّما سبك من محّ بيض. وإذا رأيت بناءهم وبياض الجصّ الأبيض بين الآجرّ والأصفر لم تجد لذلك شبها أقرب من الفضّة بين تضاعيف الذهب.
فإذا كان زمان غلبة ماء البحر فإنّ مستقاهم من العذب الزّلال الصافي، النّمير في الأبدان، على أقلّ من فرسخ، وربّما كان أقلّ من ميل.
ونهر الكوفة الذي يسمّونه إنّما هو شعبة من أنهار الفرات، وربّما جفّ حتّى لا يكون لهم مستقىّ إلّا على رأس فرسخ، وأكثر من ذلك، حتّى يحفروا الآبار في بطون نهرهم، وحتّى يضرّ ذلك بخضرهم وأشجارهم. فلينظروا أيّما أضرّ وأيّما أعيب.
وليس نهر من الأنهار التي تصبّ في دجلة إلّا هو أعظم وأكبر وأعرض من موضع الجسر من نهر الكوفة، وإنّما جسره سبع سفائن، لا تمرّ عليه دابّة لأنها جذوع مقيّدة بلا طين، وما يمشي عليه الماشي إلا بالجهد، فما ظنّك بالحوافر والخفاف والأظلاف؟! وعامّة الكوفة خراب يباب، ومن بات فيها علم أنّه في قرية من القرى.
ورستاق من الرّساتيق، بما يسمع من صياح بنات آوى، وضباح الثّعالب، وأصوات السباع. وإنّما الفرات دمما إلى ما اتّصل به إلى بلاد الرّقّة، وفوق ذلك.
فأمّا نهرهم فالنّيل أكبر منه، وأكثر ماء، وأدوم جرية
(1/118)

وقد تعلمون كثرة عدد أنهار البصرة، وغلبة الماء، وتطفّح الأنهار.
وتبقى النّخلة عشرين ومائة سنة وكأنّها قدح. وليس يرى من قرب القرية التي يقال لها «النّيل» إلى أقصى أنهار الكوفة نخلة طالت شيئا إلا وهي معوجّة كالمنجل. ثم لم نر غارس نخل قطّ في أطراف الأرض يرغب في فسيل كوفي، لعلمه بخبث مغرسه، وسوء نشوّه، وفساد تربته، ولؤم طبعه.
وليس لليالي شهر رمضان في مسجدهم غضارة ولا بهاء، وليس منار مساجدهم على صور منار البصرة، ولكن على صور منار الملكانية واليعقوبيّة.
ورأينا بها مسجدا خرابا تأويه الكلاب والسّباع، وهو يضاف إلى عليّ بن أبي طالب، رضوان الله عليه.
ولو كان بالبصرة بيت دخله عليّ بن أبي طالب مارّا لتمسّحوا به وعمروه بأنفسهم وأموالهم.
وخبّرني من بات أنّه لم ير كواكبها زاهرة قطّ، وأنّه لم يرها إلّا ودونها هبوة، وكأنّ في مائهم مزاج دهن. وأسواقهم تشهد على أهلها بالفقر. وهم أشدّ بغضا لأهل البصرة من أهل البصرة لهم، وأهل البصرة هم أحسن جوارا، وأقلّ بذخا، وأقلّ فخرا.
ثم العجب من أهل بغداد وميلهم معهم. وعيبهم إيّانا في استعمال السّماد في أرضنا ولنخلنا، ونحن نراهم يسمّدون بقولهم بالعذرة اليابسة صرفا، فإذا طلع وصار له ورق ذرّوا عليه من تلك العذرة اليابسة حتّى يسكن في خلال ذلك الورق.
ويريد أحدهم أن يبني دارا فيجيء إلى مزبلة، فيضرب منها لبنا، فإن كانت داره مطمئنّة ذات قعر حشا من تلك المزبلة التي لو وجدها أصحاب السّماد عندنا لباعوها بالأموال النفيسة.
ثم يسجرون تنانيرهم بالكساحات التي فيها من كلّ شيء، وبالأبعار
(1/119)

والأخثاء، وكذلك مواقد الكيران.
وتمتلىء ركايا دورهم عذرة فلا يصيبون لها مكانا، فيحفرون لذلك في بيوتهم آبارا، حتّى ربما حفر أحدهم في مجلسه، وفي أنبل موضع من داره.
فليس ينبغي لمن كان كذلك أن يعيب البصريّين بالتّسميد.
فصل منه: وليس في الأرض بلدة أرفق بأهلها من بلدة لا يعزّ بها النّقد، وكلّ مبيع بها يمكن.
فالشّامات وأشباهها الدّينار والدّرهم بها عزيزان، والأشياء بها رخيصة لبعد المنقل، وقلّة عدد من يبتاع. ففي ما يخرج من أرضهم أبدا فضل عن حاجاتهم.
والأهواز، وبغداد، والعسكر، يكثر فيها الدّراهم ويعزّ فيها المبيع لكثرة عدد الناس وعدد الدراهم.
وبالبصرة الأثمان ممكنة والمثمّنات ممكنة، وكذلك الصّناعات، وأجور أصحاب الصناعات. وما ظنّك ببلدة يدخلها في البادي من أيّام الصّرام إلى بعد ذلك بأشهر، ما بين ألفي سفينة تمر أو أكثر في كلّ يوم، لا يبيت فيها سفينة واحدة، فإن باتت فإنّما صاحبها هو الذي يبيّتها. لأنّه لو كان حطّ في كلّ ألف رطل قيراطا لانتسفت انتسافا.
ولو أنّ رجلا ابتنى دارا يتمّمها ويكمّلها ببغداد، أو بالكوفة، أو بالأهواز، وفي موضع من هذه المواضع، فبلغت نفقتها مائة ألف درهم، فإنّ البصريّ إذا بنى مثلها بالبصرة لم ينفق خمسين ألفا، لأنّ الدّار إنّما يتمّ بناؤها بالطّين واللّبن، وبالآجرّ والجصّ، والأجذاع والسّاج والخشب، والحديد والصّنّاع، وكّل هذا يمكن بالبصرة على الشطّر مما يمكن في غيرها. وهذا معروف.
ولم نر بلدة قطّ تكون أسعارها ممكنة مع كثرة الجماجم بها إلّا البصرة:
(1/120)

طعامهم أجود الطّعام، وسعرهم أرخص الأسعار، وتمرهم أكثر التّمور، وريع دبسهم أكثر، وعلى طول الزّمان أصبر، يبقى تمرهم الشّهريز عشرين سنة، ثم بعد ذلك يخلط بغيره فيجيء له الدّبس الكثير، والعذب الحلو، والخاثر القويّ.
ومن يطمع من جميع أهل النّخل أن يبيع فسيلة بسبعين دينارا، أو بحونة بمائة دينار، أو جريبا بألف دينار غير أهل البصرة؟
فصل منه: ولأهل البصرة المدّ والجزر على حساب منازل القمر لا يغادران من ذلك شيئا. يأتيهم الماء حتّى يقف على أبوابهم؛ فإن شاءوا أذنوا، وإن شاءوا حجبوه.
ومن العجب لقوم يعيبون البصرة لقرب البحر والبطيحة ولو اجتهد أعلم النّاس وأنطق النّاس أن يجمع في كتاب واحد منافع هذه البطيحة، وهذه الأجمة، لما قدر عليها.
قال زياد: قصبة خير من نخلة.
وبحقّ أقول: لقد جهدت جهدي أن أجمع منافع القصب ومرافقه وأجناسه، وجميع تصرّفه وما يجيء منه، فما قدرت عليه حتّى قطعته رانا معترف بالعجز، مستسلم له.
فأمّا بحرنا هذا فقد طمّ على كلّ بحر وأوفى عليه، لأنّ كلّ بحر في الأرض لم يجعل الله فيه من الخيرات شيئا. إلّا بحرنا هذا. الموصول ببحر الهند إلى ما لا تذكر.
وأنت تسمع بملوحة ماء البحر، وتستسقطه وتزري عليه. والبحر هو الذي يخلق الله تعالى منه الدّرّ الذي بيعت الواحدة منه بخمسين ألف دينار، ويخلق في جوفه العنبر، وقد تعرفون قدر العنبر. فشيء يولّد هذين الجوهرين كيف يحقّر؟.
(1/121)

ولو أنّا أخذنا خصال هذه الأجمة وما عظّمنا من شأنها. فقذفنا بها في زاوية من زوايا بحرنا هذا لضلّت حتّى لا نجد لها حسّا، وهمّا لنا خالصان دونكم.
وليس يصل إليكم منهما شيء إلّا بسببنا وبعد أن فضل عنا.
وقال بعض خطبائنا: نحن أكرم بلادا، وأوسع سوادا، وأكثر ساجا وعاجا وديباجا، وأكثر خراجا.
لأنّ خراج العراق مائة ألف ألف واثنا عشر ألف ألف، وخراج البصرة من ذلك ستّون ألف ألف، وخراج الكوفة خمسون ألف ألف.
[10- الحيرة]
فصل منه: ورأيت الحيرة البيضاء وما جعلها الله بيضاء، وما رأيت فيها دارا يذكر إلّا دار عون النّصرانيّ العبادانيّ.
ورأيت التّربة التي بينها وبين قصبة الكوفة، ورأيت لون الأرض فإذا هو أكهب كثير الحصى، خشن الّمس.
والحيرة أرض باردة في الشّتاء، وفي الصّيف ينزعون ستور بيوتهم مخافة إحراق السّمائم لها.
(1/122)

هامش كتاب الاوطان والبلدان
(1) لاحظ اهتمام الجاحظ بتأثير البيئة على خلق الناس واخلاقهم ولغاتهم وعواطفهم وصناعاتهم. وهذا الاهتمام برره في اماكن عديدة من كتبه ورسائله، مما يبين لنا منحاه الطبيعي في فلسفته.
- ام القرى هي مكة المكرمة. وقد اوضح معناها في الجملة التالية.
(2) قال الاول: من الافضل قراءتها الاوائل. وقد ابدله في رسالة مناقب الترك بالعبدي حيث ورد: العبدي يقول «عمر الله البلدان بحب الاوطان» . وبدله في رسالة الحنين الى الاوطان بعمر بن الخطاب.
- الغمق واللثق: الندى الذي يؤدي الى فساد الريح والاوبئة.
- لا حظ كيف يفسر الجاحظ الحكمة من اختلاف الناس في ميولهم واعمالهم: لو اجمعوا كلهم على اختيار الشيء الواحد لوقع التغالب والتحارب بينهم. وقد اورد هذه الفكرة في اماكن أخرى من كتبه مثل حجج النبوة.
- العقل المولود وعقل التجارب اي العقل الغريزي الفطري الذي سماه الفلاسفة العقل الهيولاني او بالقوة؛ والعقل بالفعل المكتسب بالتجارب.
- ان حب الاوطان لا يقتصر بنظر الجاحظ على الانسان بل يتعداه الى الحيوانات، فهي تألف المكان الذي تقيم به اكثر من الانسان.
(3) الديانين: القضاة الذين يحاسبون أنفسهم، ولهذا انصرفوا عن الغزو لما فيه من ظلم واغتصاب اموال وفروج. وقد فسرت خطأ في نسخة عبد السلام هارون اذ جعلت الديانيين نسبة الى الديانة.
- الفجار: موقعة جرت بين قريش وكنانة وهوازن قبيل البعثة. ذات الكهف:
(1/123)

معركة أخرى بين قريش وبعض القبائل قبل البعثة أيضا.
- البخل طبع في بعض الناس لا يكتسب اكتسابا. وقد حاول اثبات هذه الفكرة في كتاب البخلاء، عملا بمذهبه الطبيعي القائل ان الاخلاق طباع.
- يحيس الحيسة بالانطاع: يعجن التمر والسمن في الجلود.
- دريد بن الصمة (630 م) وامية بن ابي الصلت (626 م) : شاعران جاهليان ادركا الاسلام ولم يسلما، كان دريد فارسا وكان امية تقيا اكثر من ذكر الآخرة.
- عكاظ وذو المجاز سوقان كانا يقامان في الجاهلية فيقصدهما الناس من الانحاء للتجارة وانشاد الشعر.
- تعرف قريش: تسود اي تكون سيدة على العرب.
(4) الصواب ان نقرأ: وفتح مكة يسمى فتح الفتوح، وفيها بيت الله.. الخ لا كما ورد في طبعة عبد السلام هارون: وهو بيت الله.
- هزمة جبريل: اي ضربة رجل جبريل التي ادت الى شق الارض وتفجر الماء، ماء زمزم في مكة.
- الطير الابابيل: كما ورد في القرآن، التي تأتي جماعات.
- اهله حمس ولقاح: أي اشداء لم يخضعوا للملوك.
- لاحظ التفسير الطريف الذي اعطاه الجاحظ لكلمة عتيق من الآية وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ.
(5) قوله: «وهذا الشيء سمعته من ابي عبيدة ومنه استمليت هذا المعنى» . دليل على ان الجاحظ أخذ عن ابي عبيدة الاخبار واللغة مباشرة. وابو عبيدة معمر بن المثنى التيمي بالولاء (110- 210 هـ) عالم باخبار العرب وأيامها ولغتها.
- لاحظ اعجاب الجاحظ بعلي بن ابي طالب وذكر مآثره في الشجاعة والفقه والزهد والكرم.
- وكان الحسن يقول: يعني على الارجح الحسن البصري.
- سليمان بن يسار من المدينة، مولى ميمونة، وكتب لام سلمة، كان عابدا زاهدا ثقة في الحديث والفقه، توفي سنة 107 هـ.
- اشارة الى كتابه «فضل هاشم على عبد شمس» .
(6) الخوارج: فرقة من المسلمين خرجوا على علي بن أبي طالب بعد ان كانوا من شيعته فدعوا بهذا الاسم. وكفروه لأنه قبل بالتحكيم. وقاموا بثورات عديدة في عهد علي وفي عهد الدولة الاموية وبعدها. وانقسموا فرقا عديدة. وقد تحدث عنهم الجاحظ في اماكن عديدة من كتبه، وعرفوا بشدتهم في الحروب ولجوئهم الى العنف
(1/124)

على مدى تاريخهم.
- «وذلك كله مصور في كتبي، والحمد لله» . يشير الجاحظ الى كلامه على فروسية الخوارج وسببها الذي هو العقيدة الدينية في كتبه ولا سيما في رسالة «مناقب الترك» .
(7) المدينة تدعى ايضا طيبة لطيب هوائها وروائحها.
(8) ابو الخطاب: هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري الاعمى (61- 117 هـ) كان نسابة وعالما بالحديث والفقه.
- ما عز بن مالك: احد الصحابة، زنى فاقر على نفسه لرسول الله وطلب حده فامر الرسول برجمه حتى مات.
- يشير الجاحظ الى انتشار البدع والفرق كما في المشرق ولكنهم في المغرب لا يلجأون الى العنف والثورة كما يفعلون في المشرق ويذكر امثلة على الذين يلجأون الى الثورات كالخوارج، والمقنع الخراساني الذي ثار ايام المهدي واستمرت ثورته 14 عاما حتى قتل سنة 163 هـ. وقد ذكره الجاحظ في كتاب البيان والتبين وغيره.
- وشيبان الخارجي اليشكري الذي خرج أيام مروان بن محمد في عمان حتى قتل سنة 129 هـ.
- والاصبهبذ الخراساني.
- بابك الخرمي، ثار ايام المعتصم فحاربه وقبض عليه وصلبه سنة 223 هـ.
(9) الخليل بن احمد الفراهيدي عالم باللغة والموسيقى وهو الذي وضع علم العروض وعلم الموسيقى، وعلم المعاجم. وهو يصف قصر اوس بن ثعلبة بن زفر بن ربيعة والي خراسان من قبل الامويين.
- الملكانية: فرقة نصرانية ظهرت اثر مجمع خلقيدونية سنة 451 هـ. وسموا بذلك لانهم تبعوا مذهب ملك الروم وقالوا بطبيعة المسيح البشرية او الناسوت.
- اليعقوبية: فرقة نصرانية ثانية نسبوا الى رئيسهم مار يعقوب راهب القسطنطينية الذي قال بطبيعة المسيح الالهية. (انظر الشهرستاني، الملل والنحل، الجزء الثاني، ص 27- 33) .
(10) الحيرة: الحيرة موطن عون النصراني العبادي. اشارة الى تنصر العديد من اهلها.
(1/125)

4- رسالة في الحكمين وتصويب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في فعله
(1/337)

1- موضوع الرسالة
وفّقك الله للسلامة والغنيمة، وأعزّك بالحقّ، وختم لك بالسعادة، وجعل لك من علمك واعظا ورقيبا [و] من نفسك سامعا ومطيعا؛ وجعل لك مع حزمك نصيبا من التوكل، ومع توكلك حظّا من التحذّر، حتى تقبل إذنه في الحذر وتطيع أمره في التوكّل؛ قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعقلها وتوكّل» ، فجمع بين الأمرين وسوّى بين الوصيّتين، وقال صلى الله عليه وسلم: «أبل الله من نفسك عذرا، فإذا أعجزك أمر فقل: الله حسبي» ، قال أبو عبيدة ابن الجرّاح لعمر بن الخطّاب حين خاف طواعين الشام فانكفأ راجعا إلى المدينة: «أتفرّ من قدر الله؟» - قال: «نعم، إلى قدر الله!» وقال له سعيد بن جرير: «قم، أينفع الحذر من القدر؟» - فقال: «لسنا ممّا هناك في شيء؛ إنّ الله لا يأمر بما لا ينفع ولا ينهى عمّا لا يضرّ» .
وقد كنت حذّرتك، يا ابن حسّان، أمورا، فكأني أغريتك بها، وآنستك بأمور، فكأني أوحشتك منها، وكنت لا أظنّ بك من النقصان إلّا ما كان عن بلوغ الكمال، ولا من التقصير إلّا ما كان عن التفضل، ولا من تضييع الرأي إلّا ما أمكن من استدراكه قبل الفوت، ولا من نكوب ما لا يبلغ الكثير إلّا ما لا يسبق الندم، ولا من النسيان إلّا ما لا يمنع من سرعة الانتباه، ولا من السآمة إلّا ما لا يقرّب من المعجزة، ولا من الحميّة إلا ما لا يخلط العصبيّة،
(1/339)

ولا من التنافس إلّا ما باعد عن التحاسد، وكنت عندي، إن لم تكن مع العلية، فلم تنحطّ عن الأوساط إلى السفلة، وإن رضيت بحال المنفصلين، لم ترض إلّا أن تكون مع المنصفين، وإن لم تكن غنيّا لمخالفيك عند مناظرتهم لك، ورائدا لموافقيك عند استعانتهم بك، وآلة لمن استملى منك، ومفزعا لمن سمع إليك، وحرزا لاسرار خصمك، وحائطا من وراء من ذهب من الناس عنك، لم تكن عندي بمخوف على ما انتهى إليّ من خبرك ولا على ما حكاه من لا يتّهم على مودّتك.
- عتبت عليك في مجادلة الرافضة، فأعتبتني بمماراة الغالية، وأنكرت منك مقارنة الخوارج، فأردفت ذلك بمسامحة النوابت، حين زعمت في جواب مسألة النابتيّ أنّ عليّا كان أحقّ بالإمامة من معاوية، وزعمت في جواب الخارجي أن رضاه كان هفوة منه ومكيدة من عدوّه، إلّا أنّها الهفوة التي تبلغ الضّلال، والفهمة التي لا تفسد الحكم، والنقصان الذي لا يكمل معه حل العقد، والتضييع الذي لا ينقض معه العهد.
ثمّ قطعت الشهادة وأوجبت الحكومة أنّ عليا قال عند موته وأقرّ عند زلله:
إنّي عثرت عثرة لا تنجيز ... سوف أكيس بعدها وأستمر
وأجمع الرأي الشتيت المنتشر
ثمّ قضيت بعد قطع الشهادة والحكم على غائب الفعل بأنه لم يعن بذلك القول إلّا الرضى بالحكمين، وجزمت على أنّه لا تأويل لذلك القول إلّا ما ذهبت إليه ولا معنى له إلا ما قضيت به.
فأجمع الآن بالك في الاستماع للحقّ كما جمعت بالك في الاجترام على الباطل، وفرّغ قلبك لما أنا واصفه لك ومقرّبه من عقلك؛ فإن أعجزك الفهم فليس يعجزك التفهّم، وأوّل منازل الإنصاف حسن التثبّت، ونعم الرائد التفهّم ونعم العون حبّ الإنصاف! وقال يزيد بن المهلّب: «هذا ابن
(1/340)

الأشعث غلب على النصر فغلب على الصبر» ؛ فأحذر أن يقال: «هذا ابن حسّان غلب على العلم فغلب على التعلّم!» ، وقد قال عامر بن عبد القيس:
«الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان» .
وقد علم أني شديد الحبّ إلى رشادك، حريص على هدايتك، وأنا بعد ذلك كله أسأل الله أن يديم لك العصمة وأن يوفقك للمعرفة، وقد قال بعض العلماء: «لا تستجب إلا لمخلص أو مظلوم» ؛ فأما نيّتي في تبصرتك باب الرشد من العيّ فقد تقدّم القول مني فيها بما سمعت؛ وأما الظلم فمن أظلم لصديقه ممّن أفسد نفسه عليه، ومن أجوز على وليّه ممّن دان بدين عدّوه؟ ومن التوفير على حظّ هذا الكتاب من الأفهام وعلى حظّك من التفهّم أن لا يهدّه القارىء هدا ولا ينثر كلامه نثرا، فلا يكون نصيب السمع منه إلّا صدى الصوت ولا حظّ العقل منه إلّا استحسان التأليف؛ فعليك بالتوقّف وحده بالترسّل والتثبّت مع تفريغ البال ونفي الاشغال ومع الاحتراس من دبيب الهوى وفراغ المنشإ.
[2- لا وجه للمقارنة بين علي ومعاوية]
خبّرني أيّ شيء نفيت لعلي بن أبي طالب من الفضل، وأيّ شيء نفيت على معاوية من النقص حتّى وضعت الخيار بينهما وأقررت الشبهة في أمرهما من غير إكراه ولا إحلال عذر؟ فمن أعجز رأيا ممّن زعم [أنّ ... ] أفضل من سمرة وأنّ سحبان أخطب من باقل، وأن زيادا أدهى من هبنقة، وأنّ أبا ذرّ أصدق من مسيلمة، وأنّ الجالينوس أطبّ من أبي دينار! وهل ذلك إلّا في مجرى من قال: «أيّما أصدق: المسيح بن مريم أو المسيح الدجال؟» ، وهل ذلك إلّا كقول القائل: «أيّما أحلى: العسل أم الخل؟» وليس للخلّ حظ في الحلاوة.
قلنا: فكيف تزعم أنّ عليّا أولى بالإمامة من معاوية وليس لمعاوية في
(1/341)

الإمامة حظّ؟ ولقد عجبت فطال تعجبي وشنّعت فاشتدّ تشنيعي على النجاشي حيث يقول بفخره على معاوية بعليّ:
نعم الفتى أنت، إلّا أنّ بينكما ... كما تفاضل قرن الشّمس والقمر
فمن هذا الذي يقرّ بانه ليس بين عليّ ومعاوية في الفضيلة واستحقاق الإمامة إلّا بقدر ما بين الشمس والقمر؟ بل نجعل لمعاوية في ذلك حظّا ونصيبا، إلّا أن نريد مزيد الفرق بين هاشم وعبد شمس، وبين عبد المطلب وحرب، وأبي طالب وأبي سفيان؛ ونذهب إلى البيان والفصاحة، والفصاحة ممّا قد يتفاضل فيه البرّ والفاجر ويتساوى فيه الجاهليّ والإسلاميّ؛ وإن أردتّ معرفة ذلك فانظر في كتابي الذي فرقت فيه بين قبائل قريش وميزت فيه بني عبد مناف وبيّنت فيه من فضل هاشم وأظهرت فيه جمال عبد المطلب.
أو لست، يا ابن حسّان، قد أطمعته في التمثيل بينهما وأقررت بالحاجة إلى تمييز حاليهما، وقد علمنا أنّ الله- تعالى قدره- قد قال: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ
؛ وقال: أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
؛ وليس ذلك في موضع الخيار وتمييز الحال من الحال ولا على الموازنة بين أتمّ الخيرين؛ [فلولا] اتقاء الله قلت مقالة تسير مع الركّبان [أفردها] بعليّ؛ وإنّ الرّبيع إبن زياد قال:
عمارة الوّهاب خير من علس ... وزرعة النسا (؟) شر من أنس
وأنا خير منك يا قتب الفرس
وإنما هذا على معنى قول عليّ لأجناده، وكخطبته على أصحابه عند استبطائه إيّاهم وتأنيبه لهم: «أبدلني الله بكم من هو خير لي منكم وأبدلكم بي من هو شرّ لكم منّي» ؛ والكلمة تكون جوابا فتدلّ على معنى، ثمّ تكون ابتداء فتدلّ على خلاف ذلك المعنى، وتدور دلالتها مع ظاهر الحالات على قدر ما يسبق من المثالات حتى تكون الكلمة كفرا في حال وإيمانا في حال.
(1/342)

فكذلك المجاز والتصحيح، والتقريب والتبعيد، والارتجال والتحرير، والكناية والإفصاح، والتعقيد والإسجاح، والخطل والإيجاز، والإفهام والإلغاز، والمعاريض والكنى والاستكراه والهذّ، وغير ذلك من أشكال الكلام وحدوده وصوره وأقسامه ودلائله؛ وقد قال كثير:
فهلّا فداك الموت من كل ريبة ... ومن هو أسوأ منك ذلّا وأقبح
وقال حسّان بن ثابت في بعض ما يصرخ وينافح عن النبي صلى الله عليه وسلّم:
أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء؟
وسمع أعرابيّ رجلا يقول: «الشحيح أعذر من الظالم» - فقال: «أخزى الله أمرين خيرهما الشحّ! وعتبت عليك في معاونة إبراهيم بن الحسن على ترك القنوت في مسجد ابن رغبان ومحلّة البصريين وزاد في التعجّب منك والإنكار عليك تخذيل خالد الأزلية، [....] عنه خبّرني، حدّثني [عن] غدرك إيّاه؛ فأنت معتزليّ نظامي:
فكانت محاباة خالد على نصيبه من مذهب البصريّين من القنوت- وليس القنوت من دينه- أوفر من محاباتك على نصيبك من مذهب المعتزلة في القنوت- وهو من دينك؛ وقد علمنا أنّ الذي بناه من ماله وأوقف عليه الغلّات لنوابته بصريّ ابن بصريّ ثمّ معتزليّ؛ على ذلك اشترى الأرض ووضع الأساس وشيّد البنيان وكتب عليه إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
، وهو الفضيل بن عبد الرحمن مولى بني سدوس؛ ولم يزل المسجد يقنت فيه الجبريّ كما يقنت فيه المعتزلي العدليّ، ويقنت فيه النابتيّ كما يقنت فيه المعتزليّ ومن صلّى فيه، حتى عرضت فيه بما دلّ خالدا- بزعمه- على رقّة دينك وسخافة عقلك وحلمك وانفساخ عقدك وسوء المحافظة على نحلتك، غير مكترث لما نال عرضك وغير محتفل بما ثلم دينك وساء وليّك وسرّ عدوّك.
(1/343)

[3- فضائل معاوية]
ولم أقل إنّ معاوية ليس بمذكور بالعقل والحلم وبالدهاء والفهم وبالنكرى والجزم والسودد والعزم، وبالبيان العجيب والغور البعيد، وإنّه لم يكن كاتب وحي الله وصاحب ديوان بيت مال الله، وإنّ أبا بكر لم يولّه مقدّمة أخيه، وإن عمر لم يجمع له أرباع الشامات وإنّه لم يعزله إلى أن توفي ولم يغضب عليه مذ رضي عنه، ولم يكتب له بفضل خصال القضاء وترتيب منازل الحكم، كما كتب إلى أبي موسى الاشعريّ وإلى قضاته في الأمصار ورجال الفتيا في الأطراف، وإنّ عثمان لم يؤكّد له ما تقدم منهما ويثبت له ما جرى له من قبلهما وزاد في تثبيت عدالته وتزكية بجالته في سني الجماعة وسني الاختلاف؛ وأدنى حالاته أن يكون مؤمنا غير فاسق ووليّا غير عدو وعدلا غير مزوّر، مع علمي بأنّهم لم يكونوا ليولوا الثغور والاحرام والإمارات العظام إلّا القويّ الأمين وصاحب الرأي الرصين.
[4- اسس استحقاق الامامة بنظر الجاحظ]
ولكنّ الخلافة، يا ابن حسّان، لا تستحقّ والامامة لا تستوجب إلّا بالتقدّم في الفضل والتقدّم في السوابق، وإلّا بان يكون الفضل إمّا ظاهرا للعيون ومشهورا عند جميع المسلمين قد أجمعوا على تقديم رجل وتأمير أمير من تلقاء أنفسهم بغير سيف ولا خوف ولا إكراه ظاهر ولا سبب يوجب سوء الظنّ فضلا على غير ذلك؛ وإمّا بأن يختاروه عن تشاور وتناظر ويظهر فضله بعد طول التخابر؛ أو يكون له ذلك [في] مصره دون رهطه بميراث العمومة ويستحقّها كما تستحقّ المقامات الموروثة؛ أو يكون ذلك من جهة وصيّة أو وراثة مشهورة؛ أو يكون ذلك نتيجة خصال كريمة لاقت القرابة وحرمة العترة، فبلغ صاحبها باجتماع الخصلتين ما لا يبلغه صاحب الواحدة ويكون مقنعا للإلف لأنّه أمسّ بالمعدن وأقرب من صاحب المقام وأحرى أن لا يخفى مكانه على بعيد
(1/344)

الدار، كما لا يأنف منه العظيم الكبير، وإن كان نصيبه من الطاعة دون نصيب كثير ممن لا يجري مجراه في شرفه ولا يشاكله في موضعه؛ وهذه الأركان تجتمع على جميع المقالات إلّا ما لا يعدّه المتكلمون قولا وكان عندهم عارضا بهرجا.
[5- معاوية لا يستحق الإمامة]
ولم نجدهم ادعوا لمعاوية إلّا أنه كان رجلا من عرض المسلمين وصالح الطلقاء وكاتب الوحي، فقد كتبه قبله من قد علمتم: ابن أبي سرح ثمّ كان من أمره ما كان، وكتبه علي بن أبي طالب وكتبه حنظلة الكاتب الأسيديّ وكتبه زيد بن ثابت، فلم نجد أحدا جعل كتابتهم للوحي سببا الى ادّعاء شيء من مراتب الإمامة وطبقات استحقاق الخلافة.
وأمّا قولهم «خال المؤمنين» ، فأنّه إنما يكون خالا لو كان كون ام حبيبة أمّا للمؤمنين من طريق النسب لا من طريق تحريم النكاح والتعظيم لحقوق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولو كان قولهم قياسا مقبولا وتأويلا معقولا لكان أبو بكر وعمر وأبو سفيان أجدادا للمسلمين، ولكان جميع ولد أبي بكر وعمر أخوالا للمسلمين، ولكان سالم بن عبد الله ابن خال المسلمين، وهذا حمل والاحتجاج به سفه والقائل به إما ساقط العقل وإمّا ظاهر العبث.
وإن كان معاوية قد كان سكن إلى هذا القول وكان هذا القول قد قيل في تلك الأيّام، فما كان ذلك منه إلّا من خوف شديد وحاجة مفرطة؛ ولو كان للمسلمات خالا لما جاز له أن ينكحهن، وهذا رأي ساقط ومذهب فاضح.
[6- معاوية يدعي استحقاقه الامامة لأنه يطالب عليا بدم عثمان]
وليس ينبغي لمعاوية ان يحمد على ما اتّفق له من أسباب القوّة وتهيّأ له من الملك إلّا قتلة عثمان والذين صاحوا يوم قالوا: «أخرجوا لنا قتلة عثمان!» .
(1/345)

- فقالوا: «كلّنا قتلة عثمان!» ، لانّ عثمان لو لم يقتل لم يمكنه أن يوهم أغمار الأمّة وأغثار أهل الشام والقابلين والمفتونين من الأعراب وأشباه العرب أنّ عليّا هو الذي قتله أو كان السبب [لقت] له عندهم من جهة الشبهة على أهل الغباء والغفلة أو على من يعميه هواه أو يلي جدّه، وصار من قتل إمام المسلمين يتبرّأ عندهم ممّن قتل رجلا من عرض المسلمين، وقاتل المؤمن عندهم ضالّ والضالّ لا يكون شاهدا فكيف يكون عندهم حاكما؟ ومن لا يجوز أن يكون عندهم حاكما فكيف يجوز أن يكون عندهم إماما؟
[7- معاوية يستغل موقف سعد وابن عمر ويفيد من اختلاف جند علي واتفاق جنده]
فلمّا فرغ من تثبيت ذلك عندهم وهمّهم أنّ من منع الضالّ من الإمامة أحقّ منه بالإمامة، وأنّ أولى الناس بمقام الإمام من انتدب للطلب بدمه وبذل في ذلك نفسه لأخذ الحقّ منه لولده ووليّ دمه، فلما فرغ من ذلك وهّمهم وثبتت عندهم أنّ من دان بدين سعد وذهب مذهب ابن عمر ممّن لا يرى قتال «الفئة الباغية» ويقول: «كن عبد الله المقتول» لا يرى طلبها ولا الدفع عنها إلّا بالكفّ دون البسط وإلّا بالجدال دون القتال- وعلى أنّ عليه إن ظنّ أنّ الجدال يؤدّي إلى شيء من القتال أن يكون أترك الناس للدعاء إليها والإحواج لها فضلا على غير ذلك من الأمور [ ... ] .
هذا مع ما عليه من طبائع الناس من حبّ المال والعلوّ في الحال وأنه متى لم يرعهم السوط وينهكهم السيف فالأمر مريج والفساد شامل والحرب أكيدة والفتن شائعة والأمر مضاع والحقّ مقموع، ومن عزّ بزّ ومن قلّ فلّ ومن فلّ أكل ومن ظهر قتل؛ فالإمام ما لم يحم مكانه وثغر سلطانه فمغلوب معزول ومطلوب مقتول، والرئيس ما لم يذد عن حوضه ويحام عن عشيرته فمسلوب مغلول أو [م] شلو [ل] مأكول على الدنيا ولم يكن معنى قطّ على هذه الصفة
(1/346)

ولا صحّت يوما قطّ إلّا على خلاف هذه الحال.
وممّا تهيّا له من الأسباب واتّفق له من العلل ما كان ظاهرا من رأي سعد وابن عمر في تحريم البسط والأمر بالكفّ والنهي عن حمل السلاح والإمكان من الحربة: فاجتمع له السبب الذي به يوهم موضع دم عثمان؛ فانّ سعدا، وإن كان بقيّة الشورى، فانّ الحق لا يغريه وإنّ الباطل لا يضل به؛ وعلى هذين الاصلين دار [..........] الطمع منه فيها واستجاز الطلب لها والحرص عليها.
ثمّ اتّفق أنّ جنده يمانية إلّا القليل، وجند عليّ نزاريّة إلّا القليل؛ واتّفق أن كان أهل العراق أصحاب الخواطر والنظر والتأويل والقياس، ومع هذه الصفة يكون الاختلاف إذ كانوا عربا وأعرابا وعهدهم بالجاهليّة قريب وتعظيم الرؤساء فيهم غير قديم؛ وأهل الشام هم في قلّة الخواطر والتنقير وفي قلّة الفطنة والتفتيش على خلاف ذلك؛ وكانوا ملوكا وأجناد ملوك أو قرابين ملوك، لا يعرفون إلّا طاعة الملوك والكبراء واتبّاع الرؤساء؛ وقد علمت أنه متى أطاع الجند الرئيس والرئيس يصيب الرأي، فكلّهم رئيس وكلّهم مصيب ومع الإنصاف تجتمع القوّة ويقوى الضعيف، ومع الاختلاف ينتثر الأمر وتنكبت القوّة؛ وقيل لرجل من عبس: «كيف نهضتم بالعمائر الكبار على الألوف؟» - قال: «كان لنا رئيس يصيب الرأي وكنّا له تبعا فكنّا ألف رئيس» .
وجند عليّ بن أبي طالب من ربيعة ومضر، وهم كانوا أصحاب التحارب في الجاهلية والتجاذب، وفيهم كان التحالف والتجاور، وهم كانوا أصحاب الغزو والغارات والسبي وطلب الطوائل، وأكثرهم أصحاب وبر وعمد وصحار، وأقلّهم أصحاب المدر والمحالّ، وأكثرهم أصحاب الحذر والنجعة والفقه والمواثبة [؟] ؛ ومع الحاجة يكون الطلب والحركة ومع الغناء والخصب يكون الحلم والمروّة والتثاقل عن الحركة؛ حتى كان رؤساؤهم يخرجون في الحروب والمغازي متسايرين، لكل رأس لواء ولكل سيّد معسكر؛ وما زال أصحاب التجارب
(1/347)

والعقول وأهل النظر والتحصيل من كل ملّة وأمة وقرن وبلدة يرون انّ الشرك في الحرب كالشرك في الملك وأنّهما كالشرك في الزوجة، وأنّ الخطأ في ذلك لا يستقال والوهن لا يستدرك، وأنّ هذه الخصال فاحشة الضرر سيئة الاثر، لا يثبت معها إلف ولا يصلح عليها تدبير؛ فاحتملوا ما في التشابه من ضرر التساند لنكود الاخلاق ولشرف الحميّة ولما كانوا عليه من حميّة الجاهلية.
ألا ترى أنّ مروان بن محمّد لما استبدل قيس عيلان الجند بقيس عيلان الجند، من أبناء قحطان، كيف ظهر انتشار أمره واضطرب حبله واختلفت الكلمة وتقطّع النظام وانحلّت العقد وأدبر الملك وركدت الريح؟ هذا وقيس عثمانية عند أنفسها جماعيّة دعاميّة فيما تذهب إليه سلطانيّة، كذلك اصطهرت إليها الملوك، يعني المصاهرة دون النزارية بالانفس، ووليت العراق المرار الكثيرة والثغور العظام والمهم من الأمور الجسام؛ ولم يفعلوا ذلك بتميم ولا بربيعة لما كان فيها من النزوح والخارجية، ولذلك قلت الفتوح في تميم وربيعة؛ وكانت قيس في جملة أمورها ومعظم تدبيرها زارية على الشيعة ناقمة عليها، نافرة من الخوارج ناهية عنها؛ وقد عرفت ما كان من شأن زفر ابن الحارث ومجاشع إبن مسعود وحاتم بن النعمان والجحّاف بن حكيم، وحال كلّ من سيّره عليّ من البصرة بعد وقعة الجمل الى الجزيرة؛ ثمّ مع ذلك ما برحت أن نزعها ذلك العزم وجذبها ذلك الطمع ولم تدعها الرحم من نزار، وعرف مروان فضل رأي أسلافه على رأيه وتدبيرهم على تدبيره.
ولعلّ قائلا يقول: «فأين ربيعة السامعة المطيعة وكانت شطر نزار ومعظم الفرسان؟ أو ما كانوا في طاعة عليّ مجتهدين وعلى معاوية مطيعين، حتى هجروا فيه الإخوان والجيران وفارقوا من أجله الأوطان كصنيع عجل بالبصرة وانتقالهم بعد نصرته يوم الجمل إلى الكوفة حتى نزلت ديارهم وصارت في ربوعهم الازد، يتقدّمها ابن نوح؟ قال في ذلك الشاعر:
وشيّب رأسي قبل حين مشيبه ... نزول العبيد في ديار بني عجل
(1/348)

قلنا لهم عند ذلك: قد كانوا كما وصفتم ثم صاروا شرّا من قيس وأكثر خلافا من تميم، على أنّهم بتميم أشبه؛ ولذلك قال الحجّاج: «الكوفة أشبه بالبصرة من بكر بن وائل بتميم» ؛ بل صارت رجال يمانية أسوأ طاعة وأكثر خلافا من رجال نزار، كالذي كان بين الأشتر والأشعث وكالذي كان بين الأشعث وحجر؛ وما تخفى عليك امور لهمدان وكندة في تلك الأيام، وحال سعيد بن قيس، وما كان من قول عبد الله بن بديل، هذا إن كان بعض ما ذكرنا يعرفها من قبل عليّ ومعاوية ابن ملجم، ومن إمداده الرأي ومن تشجيعه على الاقدام وإفساد يمانيته عليه فضلا على قيسيته؛ فقال يزيد بن حجبة قبل أن يكون إليه من عليّ بن أبي طالب ما كان:
عادت ربيعة قيسا بعد طاعتها ... حتّى اليمانيّ لا يبقي ولا يذر
ثم صرف إلى معاوية مع أكثر قومه من تيم اللات بن ثعلبة وقال:
وقالوا: عليّ ليس يقتل مسلما ... فمن ذا الّذي يحيي الرّفات ويقتل
ثمّ لحق بالشام خالد بن المعمّر في أكثر بني سّدوس، ولقدره ولقدر ما جلب إلى معاوية من القوّة قال قائلهم:
معاوي أمّر خالد بن معمّر ... فإنّك لولا خالد لم تعمّر
ثمّ لحق مصقلة بن هبيرة في عامّة بني شيبان في رجال كثير ورؤساء لا يحصون، معروف سبب هربهم وشهور تنقّمهم؛ وأمّا مصقلة بن هبيرة فانه طولب بما عليه من مال الله من ثمن من أعتق من بني ناجية؛ وأمّا يزيد بن حجبة ففرّ من الجيش لما كان فرّ من خراج المسلمين إلى ما لا يعرف من هرب النجاشيّ عند شرب الخمر.
(1/349)

[8- معاوية يلجأ الى الترغيب بالمال والتولية على عكس علي]
والجملة أنّ رجالات العرب ورؤساء الأعراب وكثيرا من أهل البأس والنجدة والرئاسة في المشيرة كان سوء معاويّة ومعاملته أحبّ إليهم من سوء عليّ إبن أبي طالب ومعاملته، لأنّ القوم، لمّا ثبت عندهم من إطعام خراج مصر عمرو بن العاص ما ثبت، ومن ضمانه لذي الكلاع سميفع بن ناكور ما ضمن، ولحبيب بن مسلمة ما قد علمت، ورأوا ما صنع عليّ بيزيد بن حجبة وسمعوا ردّ جوابه على من سأله أن يزيد في عطاء الحسن والحسين وكيف قال، ورأوا مع ذلك شدّته على الخائن وقمعه للظالم وأنّ الرجال أنّما تحظى عنده على قدر الزهد والفقه وعلى قدر الوفاء والنجدة وعلى قدر العلم بالكتاب والسنّة، لم يكن لهم همّ إلّا التخلّص إلى معاوية وإلّا أن يصيروا إلى من يرتع ويرتعون معه ويأخذ ويأخذون معه ويذهب مذهب التودّد والتحبّب والتألف ويدع مذهب الإمامة وإقامة جزاء الحسنة والسيّئة؛ وقد قال خالد ابن المعمّر لعلياء بن الهيثم: «اتّق الله في عشيرتك وانظر لنفسك ورحمك، ما يؤمل عند رجل أردتّه على أن يزيد في عطاء الحسن والحسين درّيهمات يسيرة ريثما يبلان بها من طريف عيشهما، فأبى وغضب؟» .
[9- حيلة المصاحف تنطلي على الناس]
فكلّ ما ذكرنا ممّا اتّفق له من غير اكتساب وتهيأ له من غير احتيال، فغير مكره- حفظك الله- معاوية على ما اتفق له ولا ملوم عليّ ابن أبي طالب على ما امتحن به فيهم؛ فعلى هذه العقدة دار الكلام؛ ثمّ اتفق له الخلاف الذي كان عن رفع المصاحف والانتشار الذي حدث عن ذلك التدبير والحيلة؛ فانظر هل ألفى عليّ عندها عاقلا أو صادف بها عزيزا؟ ولقد قال ثمّ أعاد القول ثمّ احتجّ وعرف وزجر وتوعّد وقال: «ويحكم! إنّها خدعة ومكيدة، وإنّها بعد دليل على الفشل وعلى انقطاع القوّة؛ فانتهزوا هذه الفرصة فقد دلّكم بها على موضع
(1/350)

العورة، وليس بينكم وبين الظفر إلا صبر ساعة» ؛ فكان أشدّ القوم عليه خلافا وأفحشهم عنودا الذين صاروا بعد إلى إكفاره وإلى البراءة منه بعد إقرارهم بانه كان المستبصر والمحدود والواعظ والمتوعّد، وأنّهم كانوا المخدوعين والمغرورين والمخذولين؛ فهذا هذا.
[10- دهاء عمرو بن العاص وغباء ابي موسى الاشعري]
وكان ما امتحن به عليّ واشتدّت البلوى على أصحابه فيه وعلى اصحاب النبيّ وعلى من معه من أجناده ومن خاصّة أهله، أن صار الحكم الموازي لعمرو بن العاص أبا موسى الأشعري، فكان من خدعه له ومن غدر عمرو به ما قد علمتم؛ ولم تجد الناس اقتصروا من أمرهما على أنّه خدعه بفضل أرب وكاده بعد غور واستنزله بفضل [........؛ فلولا يزال يكون مثلة يبين الرجال من رجال الرأي والدهاء والمادّة وجدتّ العامّة والطبقة التي تلي العامّة لا يشكّون أنّ أبا موسى كان أغبى «العالمين وأعيا الأوّلين والآخرين، وأنه فوق جهيزة في سقوط الرأي، وأسوأ حالا من دغة في الرّقاعة، وأكثر خطلا وأعجب خطأ وأغرب غلطا من جحا وأعيا لسانا من باقل.
[11- دوافع ابي موسى الى موقفه في التحكيم]
وليس يقول هذا- رحمك الله- إلّا من لا علم له ولا تحصيل عنده؛ قد عرفنا حال أبي موسى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند أبي بكر ومنزله من عمر بن الخطاب ومكانه من عثمان بن عفّان في كثرة فتوحه وصحّة تدبيره، ألا وإنّها عن مقارعة شديدة ومنافقة [؟] طويلة بالرأي السديد والكيد البعيد والسيوف الحداد وبالعدّة والعتاد وسياسة الأجناد ويمين الفتنة والسلامة العجيبة وحفظ الرعيّة والقسمة بالسويّة، ومع الفقه في الدين والعلم بالقياس والحجج في الفتيا؛ وكان سادس ستة ممن حصلوا من فقهاء الصحابة وأحد القضاة
(1/351)

وأحد الثلاثة، ولذلك قالوا: «ثلاثة أخذوا عن ثلاثة: ابن مسعود عن عمر، وأبو موسى عن عليّ، وزيد عن أبي» ؛ ويدلّ على ذلك قول الشاعر في مدح بلال ابن أبي بردة بن أبي موسى وكان قاضيا ابن قاض ابن قاض، قال له:
وأنت يا ابن قاضيين
وقال آخر في بلال:
قضيت على عرق بما لك صاعدا ... وأوتيت مزمارا وخطبة فيصل
(ذهب من المزمار الى ما كان أعطي أبو موسى في حنجرته من الصفا والشحا؛ وذهب من ذكر الخطبة الى ما كان أعطي في لسانه من البيان) .
- وكان مع ذلك مشهورا بالحلم ومذكورا بالفقه، من المعدودين في أصحاب الفتوح ومن المذكورين في الولاة والعمّال ومن المعروفين بالنزاهة وطيب الطعمة ومن المعروفين بصحة الرواية؛ ثم خصلة ما أقل ما تجدها وأكثر ما تفقدها وهي قلّة التغيّر مع طول الولاية والثبات على الأمر الأوّل مع كثرة الفتوح والفائدة، ولو كان أبو موسى كما يقولون غبيا منقوص العقل ضعيفا، لكان اللوم على تأميره [على] البلدان والأمصار وعلى الجيوش العظام وتسليطه على الأحكام، على من ولّاه دونه؛ ولو كان ذلك كذلك لكان لعليّ في ذلك أوفر الأقسام.
كلّا، ولكننا نقول فيه كما قال أهل العلم من أسلافنا وأهل العدالة من مشايخنا: نقطع الشهادة على كلّ ما أجمعوا عليه ونقف عند كلّ ما اختلفوا فيه، وقولي فيه، إن لم يكن قول أبي إسحق بعينه فما أقربه من قوله؛ قال أبو اسحق: كانت التي خلع بها علي بن أبي طالب دون عمرو وبعد التصادر على ذلك والتوكيد له نتيجة خمس خصال، منها انصرافه عن عليّ، والاخرى ميله الى رأي سعد بن ابي وقّاص وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت ومحمد بن مسلمة وصهيب بن سنان وأسامة بن زيد من الكفّ وتحريم القتال، ولذلك روى
(1/352)

بالكوفة ما روى حيث أقعد الناس عن عليّ بن أبي طالب ونصرته ومعاونته حتى جرى في ذلك بينه وبين الحسن وعمّار ما جرى حيث قال: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي [فيها] خير من الساعي» .
وخصلة اخرى وهي ميله من عدنان لقحطان ولذلك قال يومئذ: «لو كان هذا الأمر لا ينال إلّا بالقدم والشرف لكان رجل من أولاد أبرهة بن الصباح أولى بها منهما» ؛ وخصلة اخرى وهي نقصانه لا محالة عن مقدار عمرو في بعد الفكر وشدّة المكر، ولكن ليس من خدع مرّة او كان دون أدهى الناس فلا اسم له إلّا الغبيّ العييّ الجاهل المنقوص؛ وخصلة اخرى وهي ما كان إسرار قلبه من تصييرها الى ابن عمر بكل حيلة وبكل قيد وقوّة، ولذلك وافى ابن عمر دومة الجندل، والخصلة من هذه الخصال- رحمك الله- تصرف بنصيبها من إدخال الخطإ على العقل، فما ظنّك بها وقد اقبلت معا ثمّ صادفت عقلا مستهدفا وعرضا قريبا؟.
[12- لماذا قبل علي بابي موسى حكما]
وكان أبو اسحق يتعجب من قول من زعم أن عليا إنما اجبر على أبي موسى اجبارا ولم يوجه اختيارا لأنّ اليمانية أبت أن تكون إلّا ميزان نزاريين؛ قال أبو اسحق: قد علمنا أنّ من شأن طبائع الأزد وتميم وبكر ويربوع وتغلب وقيس وجملة عدنان وجملة قحطان أن تتفانى في أقلّ من هذا، وقد عرفنا سبب حرب البسوس وسبب حرب لبني قيلة وسبب حرب داحس والغبراء، وهي حرب الإخوة وأطول حرب كانت في الجاهلية وأشدّها ضغينة وأبعدها غاية في طلب الطائلة، وما كان بعد ذلك ممّا كان بين تغلب وقيس وابن أبي الهيذام وقبائل اليمن بالشام وغير ذلك، وكيف كان صغر الأمر في أوائلها وعظمه في أواخرها، وكيف طبائع العرب قاطبة والاعراب خاصة، وكيف نفوس الاجناد، وكيف حركة الاتباع، وكيف صبرت نزار كلّها، مع ما وصفنا، على هذه الذلّة
(1/353)

واغضت على هذا القذى وتعرضت لهذا التغيّر وكيف استنجدت وأطرقت وطايعت وسامحت حتى لم يختلف سيفان، والسيوف عتيدة، ولا اجتمعت في ذلك جماعة والخيام متقابلة.
ثمّ لم يقل فيه شاعر قصيدة واحدة ولا فخر به فاخر مرّة واحدة، فلا هؤلاء هجوا ولا هؤلاء مدحوا؛ وهل يعرف هذا من أخلاقهم وهل يظن هذا بهم؟ بل متى أغضت نزار من اليمن على مثلها؟ ولو كانت معاودة لذلك منها في جاهليّتها لما صبرت على ذاك بعد تحوّل الملك فيها والنبوّة إليها، وقد رأيناهم كيف كانوا يوم خزازى ويوم الكلاب والاخير ويوم شويحط ويوم اجتمعت تميم على زرارة ويوم اجتمعت على غزو اليمن في فكّ تميم من أيدي العباهلة والرئسان الاضبط بن قريع والنمر الحصاني، وكم قتلوا من الملوك عنوة وكم غزوا ديارهم لا يلتمسون حيا دونهم كعروة حذيفة بن زيد وحصن بن حذيفة وفلان وفلان.
واحتسبت كيف لم تتجمّد باحتمال ملالها ولم تتقرّب بذلك إلى عليّ ابن أبي طالب ولم تجنح بالورع وتدّع بغض الشرّ وكراهة الفتنة إن كان العجز قد قطعها والجبن قد خلع قلوبها. وكيف حمل على نفسه هذه الدنية وكيف [قبل] بالضغطة وكيف نزل على هذا الحكم وكيف أمكن من نفسه هذا التمكين وأغرى بها هذا الاغراء، وفي دون ذلك مرزية الأعداء وضراوة لأهل العصبيّة، وقد علم أنّ فطم العادة شديد وأنّ نزع صاحب الدربة عسير.
وقال أبو إسحق: احسبهم كانوا القاهرين والغالبين والمتحكمين المتهكمين ما خالف إلى أبي موسى وأي جمع كان هنالك من الأشعريّين وأيّ عز كان في ذلك العسكر لأهل بلده؟ وإن كان غبيا عند أصحابه مضعوفا قليل المعرفة مخدوعا، فماذا الذي اضطرّهم إليه؟ فأين كان الاشعث بن قيس؟ وأين كان سعد بن قيس؟ وأين كان عبد الله بن بديل؟ وأين كان قيس بن سعد؟ فان قلت إنّ القوم لم يرضوا إلّا بمن له صحبة، فما حدب لمعاوية هذا التحدب «على
(1/354)

الصحابة، وهذا التعظيم لمن له هذه الحرمة، وهذا التقديم لمن له هذه التقدمة؟ ولا بأس، فأين كان أبو أيّوب الأنصاريّ وأبو مسعود البدريّ؟ وأين كان عديّ بن حاتم؟ فإن أقرّت قحطان بانه لم يكن في جماعته رجل واحد كانت له صحبة يفي موازاة عمرو بن العاص، فقد أقرّوا بالخسيسة وسلّموا بالفضيلة.
ولعمري أن لو كان المسؤولون من نزار لذكروا رجالا قد جمعوا مع الصحبة العقل البارع والتجربة الكثيرة والرأي الاصيل والغور البعيد والحزم والعزم والعلم والنكرى والدهاء والرأي [.....] ، ولو كانت الحال قد بلغت بعليّ إلى أن صار لا يمتنع من قهر تلك اليمانية ومن غلبة بعض ذلك الجند، وذلك ظاهر لمعاوية ولجواسيسه السعية، ويزال عنه فرض الجهاد، فمن كان كذلك كان عن حلبة أهل الشام وأجناده المتناصرة بالأيدي المثقفة هو أعجز.
كلّا، ليس الأمر على ما قالوا وذكروا، فما دعا إذا معاوية إلى المحاكمه وكيف رضي بالنصفة؟ كان عليّ بن أبي طالب أشدّ ورعا وأثقب نظرا وألطف في الأمور تدخّلا من أن يوجّه مع عمرو بن العاص حكما وهو عنده عبد منقوص أو عدوّ مرصد، بل لا كرّر أن يقلده مثل ذلك الامر وهو عنده ظنين عليه، وكان الاقلّ من ذلك أن لا يدع الاحتجاج والتبيين والاعتذار الى غيره من رعيّته وأجناده؛ فمن أين اتى- يرحمك الله- أمن كلال وجمد وعيّ لسان، أم من قلّة معرفة وضعف مخبرة؟ أو من جبن قلب وشدّة هيبة؟ أم من خور في العرق؟ أم من فساد في أصل الطينة؟ أم من خبث في المنشإ والعادة؟ أم من قلّة ممارسة للحروب ومقارعة للابطال ومعاودة للقتال، مع قتل الفرسان والقادة والرؤساء والسادة، وهل ربيّ إلا فيها وهل نبت لحمه إلا عليها وهل يعرف شيئا سواها؟
ألا يدور ما يعرف منها على استفاضة علمه واتّساع معرفته؟
ولو لم يكن عليّ امتحن منها بشيء قطّ ولا اختبر بأمر قطّ إلا بما امتحن به يوم نادى منادي معاوية: «أخرجوا الينا قتلة عثمان!» ، لكان في ذلك أعظم
(1/355)

المحنة وأشدّ البلاء والفتنة، ولقد ابتلي عليّ بعقد لا سبيل إلى حلّه وبقفل لا حيلة في فتحه، ولو كان باب الحيلة فيه مغلقا ولم يكن [.....] مبهما، لكان أحقّ من [....] ذلك القفل و [.....] لذلك الغلق؛ ألا ترى أنّه لو أخرج إليهم طلبتهم والذين أوقعوا عليهم ظنونهم ومن هو عندهم قاتله إما معينا وإما متوليّا وإما بالهوى والمحبة والنحلة والديانة، لدفع إليهم محمد بن أبي بكر وكنانة بن بشر وعمرو بن الحمق وسودان بن حمران ومالك الاشتر وعبد الله بن عديس وعمرو بن زرارة وعمير بن ضابىء وفلانا وفلانا؟
ولو أخرجوهم إليهم لأمتنعوا بعشائرهم ولمنعتهم الذين قالوا: «كلّنا نصيحة واحدة، كلنا قتّال عثمان!» ؛ ولو كان كذلك لكان معاوية أوّل واثب بهم وكان ذلك من أكبر فريضة فيهم، ولو أخرجوهم إليهم وسلّموهم في أيديهم، لقتلوهم خبطا بالسيوف ورضخا بالجندل، ولأعجلوهم عن حكم الإمام القائم وعن التثبّت والتعرّف وعن تمييز ما بين الآمر والمحبّ والمعين والمتولّي والمتهم والمعترف بالدم.
ولو قام عليّ في كلّ عددهم وعدّتهم يردّ عليهم ويكذّبهم، لكان تواثب بعضهم إلى بعض بالجدال والقتال أقرب من وثوب معاوية بهم على قرب ذلك منهم، ولو جرى بينهم بعض ما هو دون السابقة والمتأخّرة لكان في تشاغلهم واضطراب حبلهم واختلاف كلمتهم وانتشار أمرهم ما يدعو أهل الشام إلى الوثوب بهم والشدّ عليهم، ولو فعل ذلك والحال كذلك لما كان دون البوار ستر ولا دون الظفر بهم مانع ولا حائل.
وقد علمت- حفظك الله- أنّ الناس في قتل عثمان على ثلاث طبقات:
فطبقة تدعي ان قتل علي لعثمان كان من اكبر طاعاته لله، وهذه الطبقة هم الشيعة والخوارج؛ وإنّ الطبقة الأخرى هي الذين يرون الوقوف فيه وفي عثمان، وفيه وفي طلحة والزّبير، ويتولّونهم على أصولهم ويقفون عند أحداثهم، والطبقة الثالثة وهم السواد الاعظم والجمهور الاكبر، منهم أصحاب الحديث
(1/356)

والقضاة والنوابت ومن زعم أنّ جميع أهل الكلام [.........] وأنّ الكفّ عن ذلك هو السنّة والجماعة.
فلو أنّ عليّا قال يوم ذلك: كذبوا، لم يكن ذلك تدبيرا، وقد ذكرنا ذلك وفسّرناه، ولو قال: صدقوا، لخلعه جميع من يرى الوقوف وجميع من يرى تبرئته ونفى تلك الدعوى عنه؛ ولو كان على سبيل من قتله لما كان عليه في ذلك اليوم الإقرار بقتله، إذ كان الاقرار فيه ليس بفرض واجب، ولا كان مأخوذا به، وفيه إفساد قلوب العامّة وبعض الخاصّة، وما كان إلّا كرجل قال إنّ السماء خضراء، فقد صدق، وليس عليه أن يقول في كل حين إنّ هذه سماء ولا إنّها خضراء، ولكن عليه، إن أثر أن يخبر، أن لا ينكر أنّها خضراء.
فكذلك كانت حال علي بن أبي طالب إن كان على سبيل من قتله وان لا يرى أنّ محلّه في تلك الحال المحلّ الذي لا يكون أضيق منه، إذ كان لا يمكنه في وجه التدبير أن يقول: صدقوا، ولا أن يقول: كذبوا، فهل ترى التدبير إلا ما صنع عليّ؟ ولذلك زعم بعض من يفضّل عليه أبا بكر وعمر أن ذلك الفضل لهما الى أن امتحن عليّ بما لم يبلغه امتحانهما، فصار أفضل منهما؛ ولولا أنّ الله قد علم أنّ إرادته في نفسه كانت أتمّ وعلمه أوسع وعزمه أقوى، لما اختبره بذلك ولا امتحنه إلا بمثل ما امتحن به الائمة قبله.
ولو كانت هذه الرسالة تحتمل [تخريج] القول في الحكمين والاحتجاج في جميع أبوابه لاستقصيت ذلك، ولكني سأومىء إليك- إن شاء الله- بجملة يكتفي بها من كان في دون حالك بعد أن يستصحب الإنصاف ويتحفّظ من الهوى ويتحذّ [ر من] السابق الى القلوب وهي فارغة.
[13- اسباب ترك علي القتال]
قد تبيّن للناس كلهم اختلاف أصحاب عليّ بعد رفع المصاحف وإخلادهم الى المقام بعد أن رجعوا إلى أوطانهم، وكيف ملّوا الحرب وسئموا طول مقارعة
(1/357)

الشرّ، بعد أن ذاقوا الخفض ووجدوا مسّ المهاد وشمّوا ريح الأولاد، وبعد ان عاينوا من عدد الجرحى والصرعى والقتلى، وبعد أن وجدوا خشونة المسّ ومنع الجانب، وبعد أن قال كبراؤهم: «لا نعود حتى نشمّر الكراع ونحدّ السلاح ونجبي المال» .
وأنا واصف لك جملة القول في الحكمين، إن كان كتابنا هذا يعجز عن التفسير، فأفهمه واعلم اني وجدتّ الذين خطؤوا عليّا في ذلك لم تجاوز تخطئتهم له ثلاثة أوجه: أحدها اختيار أبي موسى بعينه وفي العسكر من هو أدهى منه وأنصح، وقد قلنا في ذلك جملة كافية إن شاء الله؛ والوجه الآخر إنكارهم حكم الرجال في الأمر الذي قد بينه الكتاب وقطع عليه الشهادة وعرّفهم فيه وجه الحقّ وهو قوله: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما، فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ
، وإنّه مثل قوله: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ
؛ فكما أنه ليس لعليّ ولا لغيره أن يحكّم الرجال في قطع السارق وفي الامساك عنه وفي ضرب الاجل له، لما ظهر في الآية من الدلالة، فكذلك ليس له ولا لغيره أن يحكم في قتال الفئة الباغية ويترك ما ظهر في صورة الآية وفي ظاهر الكتاب.
والوجه الثالث أنهم قالوا: لم يكن يخلو عليّ في ترك قتالهم، وقد دعوناه إليه، من وجهين: إمّا أن يكون كان عاجزا معذورا أو قويّا غير معذور، فالعذر في ترك القتال واقع، بل قد فرض الله عليه أن لا يعرض قليل من معه لكثير من مع عدوّه من الاعداء، وعليه أن يعرف ذلك الجاهل ويكفّ عمّن عرف الغمر المتسرّع، فان قبلوا كان قد بلغ ما أراد من الشفقة والحيطة، وإن ردّوا ما قصده كان قد أعذر وأنذر، فظهر في العوامّ عذره وثبتت على سائر الانام حجّته، وإن كان قويا وكان بمثل عدده وعدّته يزال الظلم ويدحض الباطل ويقمع العدوّ، فعليه أن يقاتل: فإن ظفر كان مطيعا منصورا، وإن ظفر به كان مطيعا معذورا.
(1/358)

قد قلنا في تنازعهم واختلاف قلوبهم ونكوبهم إلى أوطانهم وفي سآمتهم بما قد سمعت، وقد علمنا أنّ من جمع بين القلوب المختلفة والقلوب المؤتلفة وإن كان عدّة المختلف فوق عدّة المؤتلف، إنه مذموم التدبير مسخوط التقدير؛ وإذا كانوا كذلك فالرأي ان يكتم الناس داءهم وعيبهم ولا يفطن لذلك عدوّهم بكلّ ما أمكن من الحيلة وبلغه التدبير، وأن يستأني بهم ويتلطف لهم وينتظر أوبتهم وإفاقتهم من سكرتهم وانتباههم من رقدتهم إلى غاية وإلى نهاية، ولا يعجل الى تفريقهم ما دام الطمع في تراجع قلوبهم ممكنا وكان الأمل في تعايرهم وتراجزهم مأمولا.
فان قال قائل: لا نستطيع أن ننكر أنّه قد كان هناك خلاف يوم رفع المصاحف، ولكنّا قد علمنا أنّ الذين عصوه يومئذ في قطع القتال هم الذين أطاعوه اليوم في معاودة القتال، نادمين على ما كان وسلف منهم، مقرّين بالخطإ على أنفسهم، مذعنين لصواب رأيه دونهم، وهم كانوا العصاة يوم عصوه، وصار هو العاصي يوم عصاهم، لأنه دعاهم للقتال فأمسكوا عند رؤية المصاحف، ثمّ دعوه بعد أن تبيّنوا المكيدة التي كانت بانت له يومئذ، فدخل في مثل ما دخلوا فيه؛ إلّا أنّ القوم كانوا أعذر منه لفضل علمه ونقصهم عن كماله وأنّ الشبهة عليهم يوم رفع المصاحف كانت أغمض والنفوس أشغل والرأي أقلّ من الشبهة عليه يوم جاوزوه نادمين سادمين ومقرّين متغايرين ومستغفرين نازعين؛ قلنا لهؤلاء القوم: إن كان الشأن في اختلاف ألسنتهم وقلوبهم وفي سوء طاعتهم وفي تثاقلهم عن قتال عدوّهم وركونهم الى المقام في أهلهم ليس على ما حكينا ولا على ما ثبت به الخبر عندنا، وإنما كان ذلك في قليل من كثير وفي مقدار لا ينقص الجمهور الاعظم ولا ينقض قوى السواد الاكبر، فهل يخلو تركه لقتالهم من وجوه أنا ذاكرها لكم؟ فان كان عندكم وجه غير ما ذكرنا أو نحن ذاكروه فاذكروه.
لا يخلو ترك عليّ لقتالهم، إن لم يكن ما قلنا حقّا، من أن يكون صار جبانا أو عاد منخوب القلب هيوبا بعد أن كان أشدّ الناس أشرا وقلبا
(1/359)

وأتمهم بصيرة وعزما؛ وإمّا أن يكون طمع في نزوع معاوية وتوبة عمرو، وإمّا أن يكون ذلك منه على طريق الندم على «ما أراق من الدماء ومن عدد القتلى، فتاب من ذلك إذ استبدل باليقين الشكّ وبالاستبصار الشبهة؛ وإمّا أن يكون الخرف عجل عليه قبل وقت لداته وقبل العادة المعرو [فة] في رهطه، فظهر ذلك في تدبيره وغلبه الاختلاط في قوله وعمله؛ وما علمنا أنّ احدا من المخالفين والموافقين ولا من أهل الوقت ولا ممّا ينسب إلى الحشو ادّعى ذلك عليه ولا قرفه به؛ وكيف يقول ذلك قائل ويطمع في القبول عنه طامع وهو يعلم أن قوله مر [دود] مكذّب ورأيه مسخوط معتلّ! فاختاروا خصلة من خصلتين: إمّا أن توجدوا وجها لم يذكر، وإمّا أن تثبتوا عبثا أنّ عليا قد كان اعتراه بعض ما ذكرنا من الجبن أو من الخرف أو الطمع في نزوع معاوية أو الندم على ما سلف منه؛ فعلى أي الخصال تعتمدون وأيّها تدعون؟ إن ادّعيتم الجبن على أشد الناس قلبا وأشرا وأكثرهم للاقران قتلا وأيمنهم نقيبة وأشدّهم بصيرة، أكذبتم الامّة وبهتتم حكم المعرفة؛ أمّا عد [د] قتلاه وجرحاه وصرعاه ومن فرّ منه وترك التعرض له، فلا أعلم ذكرهم إلّا فضلا من القول، وما ذلك إلا كمن التمس الزيادة في العامة إذا مدّ البحر بالفطن، وأمّا تتابع الظفر ويمن النقيبة فقد علمتم الذي تهيّأ له من قتل العظماء والسادة والنجباء وأنّ ذلك أعظم العناء، وأنه لم يتوجّه في جيش قطّ إلا كان هو المنصور وعدوّه المخذول، كشأنه وشأن بني زبيد، وكشأنه وشأن أصحاب الجمل، وكشأنه وشأن أصحاب النهروان، وهل قاومه عدوّ قطّ، إلّا ما كان في بعض ساعات أيّام صفّين؟ وهل أتى في ذلك من قبل نفسه ومن تدبيره وتصميمه ومن تعبئته؟ وهل أتي إلا من جنده؟ وهل منع من الظفر بهم إلا بما صنعوا بانفسهم؟
وقد علمتم ان معاوية قد كان القى بيده وأيس من نفسه حين أحدقت به الرماح وقصد له عبد الله بن بديل في أهل البصائر ومنعه من الفرار بزعمه الذي ذكر في شعر ابن الإطنابة بقوله:
(1/360)

أبت لي عفّتي وأبى حيائي ... وأخذي المجد بالثّمن الرّبيح
وقولي، كلّما جشأت، لنفسي ... مكانك تحمدي أو تستريحي
وهل نفس عن كربه ورفه عن خناقه وردّ عليه حشاشة روحه وابقى عليه علالة نفسه إلا ما كان من اعتزا [مهم] برفع المصاحف ومن تركهم القتال وهو يذكرهم بالله ويعظهم بالقرآن ويزجرهم بوعده؟ وسنذكر من كلامه الدالّ على شدّة اختلافهم عليه وإبطائهم عن عدوّه وركونهم إلى الراحة، المعروف من خطبه والمشهور من كلامه والمذكور من مقامه الذي لا تستطيعون أن تقولوا إنه ممّا رواه أبو مخنف أو صنعه ابن دأب أو ألّفه شوكر أو حيّره العتّابي وقبل ذلك رشيد الهجري، وهو قوله حين انكشف أمر الصحابة وظهر المكتوم من سرّه وسرّ عيوب أجناده: «أيّها الناس المجتمعة أبدانهم المتفرّقة أهواؤهم، ما عزّت دعوة من دعاكم و [لا] استراح قلب من قاساكم، كلامكم يوهي الصّمّ الصلاب وفعلكم يطمع فيكم عدوّكم؛ إذا أمرتكم بالمسير قلتم كيت وكيت [....] أعاليل بأضاليل وأضاليل [بأبا] طيل، وسألتموني التأخير، دفاع ذي الدين المطول، استخفّكم الجهل حيدي حياد، ولا يمنع الضيم الذليل ولا يدرك الحقّ إلّا بالجد، أيّ دار بعد داركم تمنعون [و] مع أيّ إمام بعدي تقاتلون؟ المغرور- والله- من غررتموه ومن فاز بكم فقد فاز [بال] سهم الأخيب! أصبحت- والله- لا أصدّق قولكم ولا أطمع في نصركم. فرق الله [بين] ي وبينكم وأعقبكم من هو شرّ لكم مني وأعقبني من هو خير لي منكم!» .
فلما نزل [قصد] وه يعتذرون إليه، فقال: «أما [إنكم]- والله- ستلقون بعدي ثلاثا: ذلا شاملا وسيفا قاتلا وأثرة [ ... ] يتخذها الظالمون عليكم سنّة فيتفرّق جمعكم وتبكي عيونكم ويدخل الفقر [ق] لوبكم فتمنون أنكم رأيتموني فتغنموني فلا يبعد الله إلّا من ظلم!» .
وقال في مقام [آ] خر: «وددتّ- والله- أنّ لي بكم ألف فارس من بني فراس
(1/361)

إبن غنم!» ، وقال في مقام آخر: «وددتّ- والله- أنّ لي بكل عشرة منكم فارسا من بني فراس بن غنم صرف الدينار بالدرهم» [ف] بلغ من تثبيتهم لهذا الخبر ان جعلوه حجة في صرف الدينار في ذلك الدهر؛ [و] قال في مقام آخر: «يا أهل الكوفة المنسر من مناسر أهل الشام أطلّ عليكم أغلق كلّ امرىء منكم بابه وانحجز في بيته انحجاز الضبع في وجارها ولمن رمى بكم لقد رمي بأفوق ناصل» ؛ ولابطائهم عن عدوّهم قال لهم: «ما قوتل قوم قطّ في عقر دراهم إلا ذلّوا» في كلام كثير مشهور معروف.
قد قلنا في العذر في اختيار أبي موسى وفي العذر في تأخير القتال بعد أن كان هو الداعي [إ] ليه والحاثّ عليه؛ ونحن قائلون في نفس التحكيم وبالله التوفيق؛ وجواب آخر: زعم أنّ عليّا لو وجّه الحسن او الحسين ابتداء او عبد الله بن عباس او عمّار بن [يا] سر أو مالكا الاشتر او قنبرا مولاه او أنصح الناس جيبا أو أيمنهم رأيا أو أشدّهم نبراسا أو أبعدهم غورا أو أقواهم عزما، لما استجاز أن يحكّمه بينه وبين معاوية؛ [و] كيف وهو على يقين أن معاوية لا يصلح للخلافة في حال من الأحوال، ليس لخوف التبديل به والاشفاق من ذلك الرأي عليهم، ولكن لانّ الدني والبعيد مانع من ذلك لأنّ الحقّ عنده أنّ أهل بدر والحديبية لو أطبقوا كلّهم على أنّ معاوية أولى بها منه أو على أنه يصلح لها في بعض الحالات، لكانوا ضلّالا غير مهتدين ولكانوا [مخ] طئين غير مصيبين؛ وإذا كان إنكارهم لحقه لا يحلّ عقدة الخلافة وإقرارهم به لا يثبت عقدة الخلافة، بل يكون ذاك منهم مؤكدا ومسدّدا ومريما ومركبا؛ أما أن يكون رضى رجل أو سخطه تبرّما ناقضا خلافته، فلا.
قد علمنا خلاف [ط] لحة والزّبير وسعد ومحمد بن مسلمة وصهيب ابن سنان وسلمة بن سلامة بن وقش وهم بدريّون، فلم يكن ذلك بناقض لإمامته ولا ناقص من بصيرته؛ [ف] القياس أنه لو لم يكن منه سبب تستحق به الإمامة إلا سبب هؤلاء له، أن إقرارهم غير مثبت كما أنّ إنكارهم غير ناقض، ولو بان عند الامام أنّ رجلا أكمل أهل محلّته كمالا ثم أبى إمامته من أهل ذلك المصلّى
(1/362)

عشرة من وجوههم لأجبرهم الامام عليه ولما التفت إلى ما كان من بغيهم عليه وغلطهم فيه.
ولكنا نزعم أنّ عليّا دافع بمعاريض الكلام وبالتورية وبما يشبه التوهيم وأعمل المكيدة عند الحاجة إلى المكيدة حين رأى اختلاف القلوب وانتشار الامور ونقصان البصائر والركون الى الراحة وطمع أن تكون عظته وتصرّفه وتعريفه وتخويفه ممّا ينفع فيهم ويسري في طبائعهم وينبههم من رقدتهم ويحرّك مواضع الأنفة من قلوبهم إلى انقضاء تلك المدّة وفي تلك المهلة والهدنة حين ارتبق فيهم حبله ولم يبق غاية، وبعد ان كتم الداء ودثر الدواء وأرفق العلاج؛ فلمّا أعضل الداء واستفحل البلاء وظهر العيب واستتمّ الفساد وصار ستره عيّا وكتمه عجزا، خطب بالموعظة على المنابر وقرع بالتأنيب في المحافل وأعذر عنه المقبل والمدبر، وكان على يقين من انهزامهم إن مضى بهم مكرهين غير متبصّرين ومختلفين غير متّفقين، هذا أسوأ ما كان [ ... ] فه الجيوش عنه فتظهر له الخلة وتتشنّع به المثلة.
[14- العمل عند المعتزلة كالقول]
وأعلم أنّ لصاحب الفتنة والمكر والمخبر من معاريض القول من التورية في الكلام ومن إضمار المعاني في الالفاظ إلى ما يخرجه من الكذب وإن وهّم ذلك القول السامع الطالب والمستحلف الغاصب الموافقة والرضى بحكمه ما ليس لغيره، وهذا هو المعنى في الفتنة التي أناخها الله تعالى بعباده، وقد كان له أن يتعبّدهم بالإفصاح وإن قتلوا عن آخرهم.
ونحن نزعم أنّ اليمين إذا كانت لازمة لك فهي على ضمير من استحلفك، وإذا كانت غير لازمة فهي على ضمير الحالف؛ وكذلك البيعة وجميع الكلام، والعمل عندنا في ذلك كالقول؛ ولو أنّ غاصبا أخذ عليك يمينا للبيعة له، كان لك أن تقول «نعم» ولست تريد التي هي خلاف «لا» ولكن تر [يد]
(1/363)

النّعم من الابل والبقر؛ وإن كنت تعدّ أنه يظنّ غير ما تعني، تقول أيضا عند استخلافه «نعم» وان وهّمت الكلمة معنى «نعم» التي هي خلاف «لا» وأنت تريد الطاعة؛ ولو قال لي بعض من أخافه على نفسي: «قل: المسيح ابن الله» ، لكان لي أن أقول [ذلك] وأنوي أنه كذلك عند النصارى، وإن علمت أنه لا يتوهّم إلا ما دلّ عليه [اللفظ] ؛ فان أمكن أن أنوي واوجّه الكلام واعمل الاضمار والاستثناء ولا عناء عليّ فيه ولا مشقة ولا تعتعة يرتاب بها، ثمّ لم اضمر خوفا من فطنته فقد شرحت بالكفر صدرا، فإذا جاز أن أقول إنّ مع الله إلاها آخر وإنّ محمدا- عليه السلام- كذّاب وإنّ مسيلمة صدوق إذا خفت على نفسي، بعد أن أضمر و [ ... ] وإن كان ظاهر قولي التكذيب لمحمّد صلى الله عليه وسلم، جاز أن أقول إنّ أبا موسى حكيم وله أن يحكم وأنا أنوي غير ما أظهر وأضمر غير ما أبدي إذا خفت على الناس الفتنة والهرج والفساد وتبديل الحكم.
[15- معاوية لم يخدع عليا بل كان هو المخدوع]
فلو لم يظنّ عليّ وطمع أنّ أصحابه سيعودون إلى بصائرهم وإلى ما يشبه أوّل حا [لهم] عند التخابر والتذاكر وعند قضاء الوطر من الزوجات والاوطان وبعض الملال من طول الاقامة وبعض الحياء من النعيم ومعه الانف من ظهور الاعداء وبعض التوقّع للبلاء إذا جرى عليهم حكم عدوّهم ولعلّهم أن يطالبوهم بطوائلهم ولم يأمنوا الوثبة بهم، لما جاز له ذلك ولما كان لصنيعه ذلك وجه؛ فالمخدوع في هذا الموضع معاوية والخادع عليّ، وعليّ صاحب المكيدة ومعاوية المستراب، لأنّه في ذلك ولو فطن لانتثار الامر على عليّ ثمّ غزاه بالقلوب المجتمعة والأهواء المتّفقة، لما كان دون الظفر مانع ولما كان بعد تلك الوقعة وقعة، فرأى عليّ أنّ التدبير في توهيمه وتوهيم أصحابه الرضى بالمساواة والاقرار بان في أمرهما من الشبهة ما يحتاج فيه الى نظر الرجال، وعلم أنه متى أعطاه ما كان لا يطمع فيه ولا يناله طرفه ولا أمنيّته ولم يزل يظن، بل لا يشك، أنه لا
(1/364)

يجيب إليه [.......] ولم يكن عرف من سرّ أصحابه مثل الذي عرفه عليّ فرأى أنه قد ربح وأنّ عليّا قد خسر؛ فما ينقضي تعجّبي من رضى معاوية بتلك الهدنة والمدّة مع ما قد كان ظهر من اختلاف أصحاب عليّ، وأرى الناس يتعجبون من رضى عليّ بها مع اختلاف أصحابه؛.
[16- معاوية ليس ادهى من علي ولكنه كان يستعمل جميع المكايد حلالها وحرامها بينما لم يستعمل علي الا ما وافق الكتاب والسنة]
اللهم إلا أن لا يكون عصى عليّ عندهم إلا في تحكيم الرجال دون تأخير القتال؛ فان كان ذلك كذلك فما قولهم وإكثارهم: «عصينا أمس حين قطعنا القتال وعصى عليّ حين رجعنا ندعوه إلى القتال [-] رأى؛ فقد ينبغي لنا الآن أن نقصد إلى الجواب في لفظ التحكيم: أيجوز أم لا يجوز، فندع ما سوى ذلك من الأمور؛ وإذا لم يبق إلا ذلك فقد سقط ثلاثة أرباع الخلاف، وليس على ذلك بنى القوم أمرهم وجرت عليه عادتهم؛ وربّما رأيت بعض من يظنّ أنه من الخاصة ويزعم ان معاوية كان أبعد غورا وأصحّ فكرا وأجود رويّة وأبعد غاية وأدقّ مسلكا، وليس الأمر كذلك، وسأومىء إليك بجملة تعرف بها موضع غلطه والمكان الذي دخل عليه الخطأ من قبله، فافهم ذلك.
كان عليّ لا يستعمل في حربه إلا ما عدّله ووافق فيه الكتاب والسنّة، وكان معاوية يستعمل خلاف الكتاب والسنّة ويستعمل جميع المكايد وجميع الخدع حلالها وحرامها، ويسير في الحرب سيرة ملك الهند إذا لاقى كسرى، وخاقان إذا لاقى زنبيل وفنغور إذا لاقى المهراج؛ وعليّ يقول: «لا تبدؤوهم بقتل حتى يبدؤوكم، ولا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تفتحوا بابا مغلقا» ؛ فهذه سيرته في ذي الكلاع وأبي الأعور السّلمي وعمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وجميع الرؤساء، كسيرته في الحاشية والحشو والاتباع والسفلة؛ وأصحاب الحروب ان قدروا على البيات بيّتوا، وأن قدروا على رضخ الجميع بالجندل وهم
(1/365)

نيام فعلوا، وإن أمكن ذلك في طرفة عين لم يؤخروه ساعة، وإن كان الحريق بالنار أعجل من الغرق لم يقتصروا على الغرق ولم يؤخروا الحريق إلى وقت الغرق، وإن أمكن الهدم لم يتكلّفوا الحصار ولا يدعون أن ينصبوا العرّادات والمجانيق والثقب والتسرّب والدبّابات والكمين، ولا يدعون دسّ السموم والتضريب بينهم بالكذب وطرح الكذب في عساكرهم بالسعايات وتوهيم الأمور وإيحاش بعضهم من بعض وقتلهم بكل آلة وحيلة وكيف [ما] وقع القتل وكيف [ما] دارت به الحال.
فمن اقتصر- حفظك الله- من التدبير على ما في الكتاب والسنّة كان قد منع نفسه الطويل العريض من التدبير وأما الاشاهي من المكايد؛ والكذب- حفظك الله- أكثر من الصدق، والحرام أكثر عددا من الحلال؛ ولو سمّى إنسان إنسانا باسم الانسان كان قد صدق وليس له اسم غيره؛ ولو قال: هو شيطان، أو كلب، أو حمار، أو شاة، أو بعير، لكان كاذبا في كلّ ذلك؛ فكذلك الايمان والكفر، وكذلك الطاعة والمعصية، وكذلك الحقّ والباطل، وكذلك السقم والصحة؛ وكذلك الصواب والخطأ.
فعليّ كان بالورع ملجما عن جميع القول إلّا ما هو لله رضى، ولا يرى الرضى إلا فيما دلّ عليه الكتاب والسنّة، وممنوع اليد من البطش إلا ما هو لله رضى دون ما يعول عليه أصحاب الدهاء والنكرى والمكايد والآراء؛ فلمّا أبصرت العوام- حفظك الله- بوادر معاوية في المكايد ومثابرة غوايته في الخدع وكثرة ما اتفق له وتهيأ على يده، ولم يروا مثل ذلك من عليّ، ظنّوا بقصور رأيهم وقلّة عقولهم أنّ ذلك من رجحان عند معاوية ونقصان عند عليّ؛ فانظر بعد ذلك هل بقي له إلا رفع المصاحف وهي من خدعه، ثمّ انظر هل خدع بها إلا من عصى عليّا ومال عن رأيه وخالف إذنه.
فان زعمت أنه نال ما أراد من الاختلاف فقد صدقت، وليس في هذا اختلفنا ولا عن غرارة أصحاب علي وعجلتهم وتسرّعهم وتنازعهم دفعنا، وإنما
(1/366)

كان القول في التمييز بينهما في الدهاء والنكرى وصحة العقل والرأي البر، لا على أنا لا نصف الصالحين بالدهاء والنكرى ولا نقول: «ما كان أنكر أبا بكر ابن أبي قحافة وما كان أنكر عمر بن الخطاب!» ، ولا يقول أحد عنده من الخبر شيء: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أدهى العرب والعجم وأنكر قريش وأمكر كنانة» لأنّ هذه الكلمة إنما وضعت في مديح أصحاب الأرب ومن يتعمّق في الرأي في توكيد أمر الدنيا وزبرجدها وتشديد أركانها؛ فأما أصحاب الآخرة الذين يرون الناس لا يصلحون على تدبير البشر وإنما يصلحون على تدبير الخالق للبشر، فانّ هؤلا لا يمدحون بالدهاء والنكرى ولم يمنعوا هذا إلا ليعطوا أفضل منه؛ ألا ترى أنّ المغيرة بن شعبة، وكان أحد الدّهاة، [قال] : «أنت كنت توهم شيئا فتلقيه عنك، ما رأيتك مستجليا أحدا إلا رجمته كائنا من كان ذلك الرجل، كان- والله- أعقل من أن يخدع وافضل من أن يخدع» ، ولم يذكره بالدهاء والنكرى، هذا مع عجبه باضافة الناس ذلك اليه؛ ولكن قد علم أنه إن أطلق على الائمة الألفاظ التي [لا] تصلح لاهل الطهارة كان ذلك غير مقبول منه، فهذا هذا.
وكذلك كان حكم قول معاوية للجمع: «أخرجوا إلينا قتلة عثمان نحن لكم سلم» ، فاجهد كلّ جهدك واستعن بمن شايعك إلى ان تتخلّص الى صواب رأي في ذلك الوقت أضله عليّ حتى تعلم أنّ معاوية خادع وان عليّا كان المخدوع؛ فإن قلت: وقد بلغ ما أراد ونال ما أحبّ، قلنا: وهل رأيت كتابا وضع لا على أنّ عليّا كان قد امتحن في أصحابه في دهره لما لم يمتحن به إمام قبله من الاختلاف والمنازعة والتشاجّ على الرئاسة والتسرّع والعجلة، وهل أتي إلا من هذا المكان؟ أو لسنا قد فرغنا من هذا مرّة؟ وقد علمنا أنّ ثلاثة نفر تواطؤوا وتتابعوا على قتل ثلاثة: فانفرد ابن ملجم بالتماس ذلك من عليّ، وانفرد [عمرو بن بكر التميمي] بالتماس ذلك من عمرو بن العاص وانفرد [البرك بن عبد الله الصريميّ] بالتماس ذلك من معاوية؛ فكان من الاتّفاق او من الامتحان أن كان عليّ المقتول من بينهم، وفي قياس مذهبكم أن
(1/367)

تزعموا أنّ سلامة معاوية وعمرو إنما كانت بحزم كان منهما، وان قتل عليّ إنما كان من تضييع كان منه، إذ قد تبيّن لكم من الابتلاء والامتحان في نفسه خلاف الذي قد شاهدتموه في عدوّه وكلّ شيء سوى ذلك فانما هو تبع للنفس، فهذا باب:
[17- كفر معاوية في ادعاء أخوة زياد بن أبيه]
والباب الآخر الذي عتبت عليك فيه، وهو زعمك ان معاوية قد ضلّ من وجوه وكفر من وجوه، فأخطأت في إكفاره ولم تصب الحقّ في تفسير بعض الوجوه؛ زعمت أنه كفر في حكمه بادّعاء زياد بن أبي سفيان وأن من جعل الولد للعاهر وجعل الحجر للفراش ومن ردّ الحكم المنصوص وبدّل هذا القول المفسّر فقد كفر؛ وهذا منك سرف وبعد، وهو شبيه بمذهب أصحاب التكلّف والتزّيد ومن يريد [ب] العفن الذي في نفسه والذلّة التي يجدها في قلبه والريبة التي تشتمل عليها أضلاعه أن يذلّ من حضره ويوهم من سمع كلامه، أنّه إنما يكفر من أكفر من فرط في تعظيمه لحرمات الله ومن شدّة غضبه على من عصى الله؛ وعهدي بك تشنع بذلك على العمريّة والرافضة وعلى الخوارج والبكريّة.
ولو كان معاوية صنع ما تقول على ما فسّرت ورد المنصوص على ما ذكرت، لكان جلّة السابقين وكبراء والتابعين وفقهاء المحدّثين قد سبقوك إلى إكفاره وتشريكه، بل كان أعداؤه وأهل الخلاف عليه قد أكفروه وسبقوا إلى ذلك فيه، فان زعمت أنه قد كان عند غالية الشيّع وعند جميع الخوارج كافرا، قلنا:
لعمري، لو كانوا لا يكفرونه على خصال كثيرة ولا ترى أنت وأصحابك أنه قد كفر من أجلها، ثم اكفروه على هذه الخصلة، لكان في ذلك متعلّق لهم ومصاب ومجال ومسبح؛ ولكن الفريقين جميعا يكفرانه على جميع خصاله التي أنت لا ترى بعضها إثما، فضلا عن أن تكون [عندك] فسقا، ولا تراها فسقا، فضلا عن ان تكون عندك كفرا.
(1/368)

ثمّ اعلم أنّه لا بدّ لك من الخبر على تأثيم من ترك إكفاره، بل على إكفار من ترك إكفاره، إذ كان إنما كفره بردّ المنصوص وما لا يحتمل التأويل؛ وأمّا أن تجرأ أن تدعّي عليهم من إكفاره خلاف ما ثبتت به الشهادة عنهم وخلاف المعروف من قولهم، فلو كان كذلك لكا [ن] الخبر به مشهورا ولكان معروفا مستفيضا؛ بل ينبغي أن يكون قد كان ثبت عنده أن وطيا قد كان، ورأى فيه الشبه والمخايل والاخلاق والشمائل وشبّه له القافة، وذهب في سبيل الفراسة وتأويل قول عمر وسمع كلام أبي مريم وقوّاه رأي المغيرة فقال: «هو ابن أبي سفيان» ، لم يذهب الى تثبيت حكم ولكنّه حبل كان عنده من نطفته فكأنه قال:
«هو من نطفة أبي سفيان» ، وكان أغلظ أحواله أن يكون كمن استلاط اليوم منّا رجلا أو أقرّ بولد عند موته ليصرف الميراث عن آخرين، ولم يعترض على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكمه وسنته بردّ ولا جحود؛ والحاكم عندك وعند أصحابك قد يعطل الحكم ويحكم بالهوى ويجلد من يستحقّ القطع ويقطع من يستحقّ الجلد؛ ثم أنتم لا ترون إكفاره ولا تشريكه.
[18- موقف الجاحظ الحيادي]
ولم أنصب نفسي- حفظك الله- لاحتجاج له إلّا بما يلزمني من الاحتجاج من لا يرى إكفاره من السلف، وإيّاهم أردت وعنهم دافعت؛ وعلى أنّي على كلّ حال أكره الزيادة والنقصان، والعدل أولى بنا وهو مذهب إخواننا ومشايخنا وسلفنا من المعتزلة في فرق ما بين الاكفار والتفسيق، وفي فرق ما بين التفسيق والتأثيم، ولسنا ممّن يميل في شقّ عن شقّ ويتعصّب لبعض على بعض ومن يبخس حقّ الدون، فكأنّك به قد تبخس حقّ من فوقه حتى تصير إلى أئمّته المهتدين وخلفائه الراشدين؛ لست عمريا دون أن أكون علويّا ولا علويّا دون أن أكون عثمانيّا، اللهمّ إلّا بما أخصّ به العترة بسبب القرابة، وأمّا في غير ذلك فليس شأني إلّا محبّة الجميع والتوفير على الكل ودفع الظلامة عن الكبير والضعيف على قدر ما شاهدنا عليه من الحالات؛ وليس هذا الكتاب من كتب
(1/369)

أصحاب الاهواء ولا من كتب المتكسّبين ولا المتقرّبين ولا من كتب المفلقين بالباطل ومن جرى من النفاق على أخبث منشإ وأسوإ عادة؛ فعليك [بسنة] أسلافك ودع عنك ما قد أخذ الناس فيه.
[19- السفيانية لا تضل معاوية لمبايعته ابنه يزيد]
وأمّا براءتك منه على قتل حجر وأصحابه وإطعام عمرو خراج، وعلى ادّعاء الخلافة وعلى الحكم بالهوى ونبذ كثير من أحكام الكتاب والسنّة، والسير في الحرب والسلم سيرة ملوك الغلبة، فهذا ما لم ألمك عليه ولم أنكره منك، وعلى ذلك مضى سلفك الصالح- نصر الله وجوههم-؛ ولكنّي عتبت عليك في قولك: «وضللته أيضا لبيعته لابنه» ، فان قلت: «وضللته أيضا بالمبايعة ليزيد لانه كان صاحب كذا وكذا ويقول كذا» ، لكان صوابا ولكان قولا عدلا ولكان مصفى مهذبا، وأجود العبارات ما كانت الدلالة فيها غير مستنكرة ويكون اللفظ للمعنى طبقا فاضلا ولا ناقصا، وأما أن تقول كلمة مرسلة الوجوه مطلقة [....... فلا] ضلّلته لانه بايع ابنه، وما باس بيعة الابن إذا كان لذلك مستحقّا؟ ما الابن ألّا كالأخ وما الأخ إلّا كابن العم؛ وما علمك؟ لعلّ عليّا قد بايع الحسن ولعلّ الحسن قد بايع الحسين؟ فأيّ حجّة تدفع ذلك وما البرهان على خلاف ما جاء من ذلك؟ وهل يعترض على هذا المذهب مسلم وهل يجهله عاقل؟ فايّاك أن تعود إلى هذا اللفظ مفسّرا أو مشروحا مثبتا؛ فكان من حقّ العلم عليك ومن شكر أياديه عندك ومن الصوت لعراضه والدفع لقدره أن تخلص الفاظك من كل هجنة وأن تصفّيها من كل كدر وان تتخيّر من الألفاظ أبهاها وأقربها دلالة وأن تقصد من المعاني لاطهرها شرفا وأرفعها قدرا وأكرمها منصبا، وقد يلزم من عبّر عن العلم وتوكّل به وأضاف نفسه إليه أن يعبّر عنه بأبين العبارات وأقرب الاختصار وأن يضعه في موضعه وأن يجري عليه كما ينبغي على نفسه وأن يحببه
(1/370)

إلى السامع بالإنصاف وينهيه عنده بالترسّل ويوتيه بالنصيحة، وأن يجعل قائده إلى القلوب والعمل وسائقه إلى العقول الانقطاع إليه، ولا يغالب خضمه ولا يناهب الكلام من ناقله ولا يعجله عن جوابه إذا فاتحه ولا يظهر تضجره إن هو أبطأ عنه ولا يغتنم بخلطه إن هوسها ولا بشيء يلفظه ظنّا وهو يجد له في الصواب محتملا.
[20- كتاب القضية مدخول لفظا وشهودا ومضمونا]
وزعمت أنّ كتاب القضيّة في الحكمين يثبت للخوارج حجّتهم وأنّ لفظه يمتنع فيه التوجيه والتورية، وسألتني أن أكتب لك الكتاب لتجمع بين مخارج لفظه ودلائل وصفه وبين احتجاجي له في ضماني عليه؛ والكتاب الذي يدور في صحف أصحاب الاخبار والاسناد هو هذا الكتاب الذي أنا مصوّره لك، ولكني بعد ذلك عائد إلى أسانيده بالتصفّح في التثبّت وعلى أصل مخرجه بالتفتيش والتنقير إن شاء الله:
بسم الله الرّحمن الرّحيم، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن عن الزّهري وحباب بن موسى وعليّ ومجاهد عن محمّد بن إسحق: بسم الله الرّحمن الرّحيم هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (قال معاوية: «لو سمّيتك بهذا لم أحاربك ولولا أنّك أسنّ منّي ما قدّمتك» ، فأبى عليّ مليّا من النهر ثم تسمّح وكتب: هذا ما تقاضى عليه عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان:
قاضى [عليّ بن أبي طالب] على أهل العراق [ومن كان معه] من شيعته من المؤمنين والمسلمين [وقاضى معاوية بن أبي سفيان على أهل الشام ومن كان معه من شيعته من المؤمنين والمسلمين] أنّا ننزل عند حكم الله في كتابه فيما اختلفنا فيه من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ما أحيا ونميت ما أمات، فما وجدنا في كتاب الله مسمّى أخذنا به، وما لم نجده في كتاب الله مسمّى فالسنّة العادلة الجامعة غير المفرقة فيما اختلفنا فيه؛ والحكمان عبد الله بن قيس الاشعريّ وعمرو بن
(1/371)

العاص؛ وأخذ علي ومعاوية عليهما عهد الله ليحكمان بما وجدا في كتاب الله وما لم يجدا في كتاب الله مسمّى فالسنّة العادلة الجامعة غير المفرقة؛ وأخذ الحكمان من عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان الذي يرضيان من العهد والميثاق ليرضيان بما يقضيانه فيهما من خلع من خلعا وتأمير من أمّرا؛ وأخذا من علي ومعاوية والجندين كليهما الذي يرضيانه من العهد والميثاق وأنّهما آمنان على أنفسهما وأموالهما، والامّة لهما أنصار على ما يقضيان به عليهما وأعوان على من بدّل وغيّر، وأنّه قد وجبت القضيّة من المؤمر والآمر والاستفاضة ورفع السلاح أين ما شاؤوا وكانوا على أنفسهم وأهاليهم وأموالهم وأرضهم وشاهدهم وغائبهم؛ وعلى عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه ليقضيان بين الأمة ولا يذراهم في الفرقة والحرب حتى يقضيا؛ وآخر أجل القضيّة بين الناس في انسلاخ شهر رمضان؛ فإن أحبّا أن يعجلا ذلك عجّلا، وإن أحبّا أن يؤخرّا ذلك عن ملاءمتهما وتراض أخّرا؛ وإن هلك أحد الحكمين فانّ أمير الشيعة والشيعة يختارون مكانه رجلا لا يألون عن أهل المعدلة والاقتصاد، وانّ ميعاد القضية أن يقضيا بمكان من أهل الكوفة وأهل الحجاز وأهل الشام سواء لا يحضرهما فيه إلّا من أراد، فان أحبّا أن يكون بأذرح وبدومة الجندل كان، وإن رضيا مكانا غيره حيث أحبّا فليقضيا على علي ومعاوية أن يجتمعا على الحكمين؛ شهد عبد الله بن عبّاس والاشعث بن قيس وسعيد بن قيس وورقاء بن [.........] البكريّ الخارفيّ وعبد الله بن طفيل البكاويّ و (يقال:
عبد الله بن طليق البكاوي) وجرير بن يزيد الكنديّ وعبد الله بن حجل العجليّ وعتبة بن زياد المذحجيّ (أو الانصاري) ومالك بن كعب النحلي (أو الهمداني ويقال: عتبة ابن زيد ويقال زياد بن كعب» .
- وأنا أقول- حفظك الله- أن كتاب القضية كتاب مدحول. منه ما يشبه ألفاظهم ولحنهم وطبع الفصاحة وقريحة البلاغة- وللقوم كلام معروف وجوهر معلوم متى تكلّف المولد لم يستطع تغليط الجهابذة فيه إذا طال شعره وامتدّت خطبته، وكذلك رسالته واحتجاجه، وقد يخفى ذلك في الشعر القصير والكلام
(1/372)

القليل-؛ وفي هذه القضيّة كلام ركيك ضعيف خفيف سخيف، وفيها ما يضارع العجمة ويناسب الضعة؛ وممّا يبهمه أيضا اختلاف الخوارج والشيعة وما بين أهل الشام واهل العراق من الزوائد والنقصان فيه مع ضعف أسانيده وحال رواته عند رواة الآثار وحمّال الأخبار وعند ناقلي الحلال والحرام، ولأنّ أبعد غاياتهم فيه الزّهريّ وأمتن ما يعتمدون عليه ابن اسحق وهذان لم يدركاه ولا شاهداه؛ فكلّ من روى ذلك عنهما فليس بالمحمود ولا المثبت المقبول؛ وليس العلم به وبصحّته كالخبر الذي ليست للخاصّة فيه فضيلة على العامّة وإنّما هو خبر يدرك عند من يطلب مثله؛ فإذا لم يجده في معدن الصحّة وفي جوهر الصدق ومصاب السلامة والبراءة من التهمة فكان معرضا لأصحاب الأهواء أو لمن له في النقصان منه والزيادة فيه وفي تحريفه وتبديله أقوى العلل؛ لم يكن لك ان تقضي به على عليّ بن أبي طالب في سابقته وشدّة ورعه واتسّاع معرفته وصحّة غريزته وثبات حجّته فكنت خليقا أن تردّ حكم ذلك إلى الأصل الذي به عرفت فضيلته ونقصان غيره عن درجته.
وعلى أنّ عامّة الشهود المذكورين فيه مشكوك في نسبهم، مختلف في أسمائهم، ثم لا تجدهم إلّا أقلّ القليل من وجوههم وذوي العدالة والأقدار منهم، حتى كان واصفه حيث وصفه وصفه [وصف] من له الخيار عليه: إن شاء أثبته وإن شاء أنكره؛ ونحن لا نشكّ أنّ عليّا إنّما أعطى القوم لفظا ليحكم واستحلّ ذلك التوهّم لما رجا في تلك المهلة والهدنة من رجوع بصائرهم إليهم ومن اجتماعهم بعد فرقتهم؛ وفي هذا الكتاب أنّ أجل القضيّة سلخ شهر رمضان، وهذا كلام ظاهره ينقض ظاهر التدبير الذي لا وجه للتحكيم غيره ولا عذر فيه سواه وليس نقضه له بما يعرف [بالاستنباط] وبعد التفكير فيدّعى فيه الغلط، بل هو ظاهر فيهما قائم بهما.
وقد قسمنا أقسام التدبير الذي لا يجوز على غيره وعددنا أبواب ذلك وسألنا المخالفين لنا أن يزيدوا فيها وينقصوا منها، فلم نجد ذلك بعد التفكير منها ومنهم وبعد أن مرّت عليه الدهور وبردت عليه الحقود؛ فكيف يجوز لنا أن نظن أنّ
(1/373)

عليّا وأصحابه تولّوا نقض تدبيرهم بأيديهم ولم يدفعوه ولم يحتالوا فيه وكيف سهلوا وكيف هان عليهم موقعه وهم لا يطمعون في سواه ولا حيلة لهم غيره؟ وبعد فمدار الكلام إنّما هو على أنّ عليهما أن ينظروا في كتاب الله وفي سنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، فإن دلّ الكتاب على أنّ عليا هو الإمام فعليّ هو الإمام وسبيل السنّة في ذلك سبيل الكتاب وكذلك حالهما في الحكم لمعاوية.
فخبّرني- رحمك الله- وقف عندما أسألك عنه عن الكتاب، كيف يجوز أن يدلّ على معاوية وكيف جواز ذلك وأين بابه وأين مفتاحه والطريق إليه، في أيّ سورة ذلك الدليل وفي [أيّ] آية ذلك البرهان يصاب؟ وأين تلك السنّة، وأين تطلب، ومن أيّ شكل هي، وما لفظها، وما أصل معناها؟ وقد علمت أنّ القرآن الذي أشاروا إليه هو الذي في مصاحفنا وإنّ السنن التي قصدوا إليها هي التي في صحفنا ممّا فرض الله في كتابه وسنّة النبيّ صلى الله عليه وسلم في أمّته؛ فانظر فيهما وتبينهما وفتشهما بالنظر الشافي والتقليب المستقصي: هل تجد فيهما اسم معاوية أو صفته او جليته او صفة عمله او جليّة عمله؟.
وقد علمنا ان الله الجليل قدره لم يقل في كتابه: «اقبلوا شهادة أبي بكر وعمر وعثمان» ولكنّ الله لمّا قال: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ
وجدناهم مرضيين نصّا فقبلنا شهادتهم؛ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليؤمّكم خياركم» ، فإذا كان الغرض الذي إليه ينزع الكلام ويشير القول إليه الخير دون الشرّ والفضل دون النقص، فكلّ من كان خيرا كان احقّ بتلك الإمامة؛ فإن كان كتاب القضيّة إنّما دعا الحكمين إلى هذا الجنس من النظر، فليس لمعاوية فيه درك، ولا متعلق ولا طمع، وإن كان على غير هذا الوجه فخبّرني ما هو وما شكله وأيّ صورة هو.
وقد قالوا في وصف السنّة فجعلوها العادلة والجامعة غير المفرقة، والسنن كلّها عادلة وكلّها جامعة غير مفرقة، فأيّتهنّ هي وما علامتها وما شبهتها؟
ويدلك على فساد هذا الأمر أنّه لم يأتنا قطّ أنّهما مذ نفذا إلى أن انقضى امرهما
(1/374)

تذاكرا شيئا من ذلك في خلاء ولا ملاء ولا التمسا تأويلا ولا خرّجا تفسيرا؛ ولا سمعنا في ذلك إلّا ما كان منهما عند المراوضة انّ الناس لا يكتبون بعد تفريقهم إلّا على رجل لم يخض في الدماء وليس لأحد قبله بيعة ولا وتر؛ فهذا خلاف الشريطة والذي وقعت فيه القضية وإنّما جعل إليهما سطرا في كتاب الله والسنّة على أيّهم أدلّ فقط، فتركا ذلك البتّة.
ثمّ ابتدءا بابا آخر لم يجر لهما ذكره ولا وقع عليه شرط؛ فلو ان أبا موسى قال: «قد صرفتها إلى ابن عمر» ، وقال عمرو: «قد صرفتها الى ابني عبد الله إبن عمرو ما كان إلّا كقول ابي موسى، وهذا عند جميع من شهد القضية خلاف ما وقع عليه شرط القضية، وهما- حفظك الله- لم يحكما على ان لهما ان نحرجاها إلى من أحبّا وإنّما جعل إليهما في ظاهر الكتاب أن يجتمعا على أحد الرجلين اللذين حكّماهما، فأمّا ان يقول له عمرو وهو يعرف رأيه في عمر وميله إلى ابن عمر: «ما لهذا الأمر خير من رجل لم يخض في الفتنة، له صحبة ولم يتلطّخ بالدماء وليست قبله تباعة ولا ضغينة، فيكون مرضيّا ابن مرضيّ» ثمّ توهّمه ذلك ليسكن إليه ويظهر أن الرأي في وضع شورى بين من كان هذا شكله وهذا صفته، وهذا خروج من حدّ القضية، وقد صارا حينئذ يختاران للأمّة، فلا يثبت ذلك الحكم منهما إلّا أن يكونا عن توكيل منهما لهما، أو يكون لأنّ مكانهما من الإسلام أن يضعا الإمامة حيث أحبّا؛ وإذا كانا كذلك فهما أحق بالإمامة ممّن يريان إقامته وتقويمه، فلا الأمّة وكّلتهما ولا مكانهما هذا المكان والحمد لله.
ووجه آخر تستدلّ به على صواب ما قلنا وتعرف به صحّة ما فسّرنا: كأن قائلا قال: كان عليّ قد كان علم انّ عمرا وأبا موسى يوم القضيّة وفي تلك الحال لم يكونا عند أهل العراق وأهل الحجاز عدلين مرضيين، وإذا لم يكونا مرضيين لم يكونا شاهدين، وإذا كانا بعيدين من جواز الشهادة كانا من جواز الحكم أبعد؛ فأظهر عليّ قولا يتوهّم المتوهّم معه أنه قد رضي بحكم عمرو وقد علم انّ في قلوب اصحابه منه ومن سقوط عدالته ما فيها، وعلم انّ عمرا وأبا موسى [إن]
(1/375)

اجتمعا على الحكم له فقد كفي القيل والقال، وإن اجتمعا على معاوية، وعمرو عندهم لا يجوز حكمه، كان على دارس أمره، لأنّ الحكم كان مجعولا إليهما ولا باجتماعهما يقع؛ ولا يقع أن يلزم عليّا حكم عمرو لمعاوية ولا يلزم معاوية حكم ابي موسى لعليّ، وإنّما الشرط ان يجتمعا ومن اجتمعا عليه فله إنكار ذلك الحكم إذ كان واحد من لا تتم الحكومة إلّا به فاسد الحكم؛ وإنّما استجاز علي ان يظهر كلاما ما، يحتمل الحكم الفاسد لمكان التقية، وليس هذا التدبير كان معروفا عنده؛ وهذا- أبقاك الله- تدبير معجب ورأي مؤنق في هذا المكان وعند هذه البلية وعند الضيقة والتقية والخوف من الفتنة لا كتدبير معاوية في ذلك، فانّا لا نجد له في ذلك مذهبا مرضيّا ولا تدبيرا صحيحا.
[21- عزل علي معاوية لضلاله فتمرد عليه]
وقد علمت- أبقاك الله- انّ الذي أخرج معاوية إلى حرب علي ولزوم محاربة عليّ عزل عليّ له حين بويع له وحين لم يستحلّ ان يدعه طرفة عين، ولذلك حين قيل له: «لو شئت ان تدعه حتى إذا تمكن الأمر ومهد وضرب الحقّ بجرانه عزلته» - قال: «ما كنت منجد المضلّين عضدا» ؛ فقد دلّ ذلك على ان رأيه كان فيهما متقدّما؛ فعليّ عند ما قال ذلك القول وصنع ذلك الصنيع الذي يتوهّم عنهما المتوهّم انّه قد رضي بعمرو حكما وكره أيضا بما اعطاه الله من صحّة الغريزة وقوّة القريحة وعجيب التدبير ان يجيء برجل غير ابي موسى ويجيء معاوية بغير عمرو، فكان إنكار حكم عمرو وإزالة جوره، إذ كان عند اهل العراق والحجاز ظنينا، أهون وأيسر من أن يرضى برجلين مسلمين صالحين بريّن تقيّين مسلمين سليمين طاهرين نقيّين؛ فإن هما غلطا او بدلا كان نفي حكمهما والسخط لما أبرما من قضيتهما أعسر وأضيق، بل قد اراد ان يجرّح شهادة ابي موسى ويسقط حكمه عند جميع الأمة لانه بالأمس قد كان روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الروايات في التثبيط عن عليّ وأنّ من سعى معه في تلك الجيوش والحروب مفتون، حتى جرى بينه وبين الحسين وعمّار ما قد
(1/376)

رواه الناس وشاع في الآفاق، وصار بعد ذلك حكما لهذا الفاتن ليحدّ إليه وإلى حبره.
كذلك كان ظاهر حالهما، فنفس حال أبي موسى كانت جارحة لشهادته مفسدة لحكمه، فأراد عليّ أن يكون بالخيار وكان ينبغي لمعاوية في الحزم أن يفطن لهذه المكيدة وأن يرتاب بظاهر رضاه بأبي موسى، والحال عنده معروفة وجواسيسه كثيرة ومن يكاتبه أكثر عددا.
[22- الشيعة والخوارج غافلون عن فهم علي]
والناس- حفظك الله وأرشدك- عن تدبير هذا الامام غافلون، لا الشيعة يعرفونه فيضيفونه اليه ويحتجون به على الخصوم ويوسعون الناس عذرا عند تضايق الأمر عليهم فيه، ولا الخوارج الذين هم عليه ينقمون والمكفرون له من هذه المارقة يعرفون ذلك التدبير، وهم كانوا من خاصّة جنده من المحقّقين وأصحاب البرانس وأصحاب السما دون غيرهم، فيرتدعون عن إكفاره وشتمه وخلعه؛ وقد كان ينبغي لمن خالف عليّا مرّة- حفظك الله- وهو مستبصر في نفسه ثمّ تبيّن أنّ الحق معه، أن يرتدع عن الاستبصار في أمر آخر فلا يدري لعلّ السبيل فيه كالسبيل فيما قبله.
[23- ضلال الخوارج في قضية التحكيم]
فلو قال لهم بعض نصحائهم: قد علمتم ما كان منّا يوم رفع المصاحف من إضلال وجه الرأي ومن خديعة معاوية إيّانا ومن إصابة عليّ وجه الرأي وتنبيهه لنا، فلعلّ الذي أعطى من نفسه في الحكمين من شكل ذلك التدبير؛ بل قد رأيتم وسمعتم ما كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قضيّة الحديبية حين ألغى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب اسم النبوة
(1/377)

وقاضاهم على أنّ من أتاه من عدوّه كان عليه ردّه، ومن صار إلى عدوه من اصحابه فليس عليهم ردّه، فماجوا وضاقت نفوسهم وقالوا: «هذه دنيّة» ، حتى قال أبو بكر: «لو كانت دنيّة ما أعطاها» ، ثمّ اقبل على عمرو وقال: الزم غرزه واعلم أنّه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعط دنيّة» ، فلم ير المسلمون قطّ قضية أعظم عليهم بركة منها؛ فلو فكّر القوم فيما أعطى الله أنبياءه وخلفاءه من صواب التدبير والرأي والمعرفة بغوامض الأمور لما تهوّروا تهوّر الأغمار ولا أقدموا على تخطئة الائمة إقدام من لا يحب التمكن ولا يعرف فضل عقل الإمام على رعيّته.
[24- موقف ابن عباس من عزل معاوية]
وأمّا ما رويتم عن ابن عبّاس أنه قال لعليّ حيث أبى إلّا عز له وقال: «ما له عندي إلا السيف حتى يغلبه الحق» - فقال له ابن عبّاس: «وما لك عنده إلّا السيف حتى يغلبك الباطل» ، فانّ باطل معاوية يوم عزم على عز له [لا] يتخوّفه على الخلافة ولا ظنّ أحد ولا دار في وهمه ولا خطر على باله ان الامور ستنفتح وان الحوادث ستنفتق بما تفتّحت وتفتّقت، ولا ظنوا ان تلك الأعاجيب كانت كامنة في تلك الحالات، ولا قدّر ذلك معاوية ولا ظنّه ولا طمع فيه، ولكنها أمور تناتجت وأعاجيب تلاقحت وامور كثيرة- حفظك الله- قد كانت محقّرة الاوائل مصغّرة الأسباب ثمّ ترامت بها أمواج البلاء وزخرت بها بحور الفتن حتى عتت وخرجت من الجبلة وطغت وامتنعت على الأطباء؛ وقد قال مجاشع الرّبعي: «ليس بكبير ما أصلحه المال» وقد يصلح المال الداء وينجع فيه الدواء وربّما أعضل الداء فامتنع الشفاء.
[25- العامة تستنكر مقتل عثمان فتميل الى معاوية]
وقد خبرتك أنّ دم عثمان كان من أمتن أسبابه وأجود
(1/378)

مصايده، وكان ذلك الدم دما أكثرته الجماعة واستفظعته الدهماء وكبر في نفوس العامة وفي نفوس اكثر الخاصة؛ وقد رووا انّ ابن عمر لما هجم على طارق مولى عثمان يأكل الطعام على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما ظننت ان العقوبة بقتل عثمان تبلغ ما أرى!» ، وقال عدي بن حاتم: «إنّكم إن قتلتم عثمان لم تحبق فيه عنز» ، فلما قتل ابنه وفقئت عينه ودخل بعد ذلك على معاوية وقد صار الأمر إليه وله، قال له: «هل حبقت العنز؟» - قال:
«أي- والله- والتيس الاضخم!» ؛ وزعموا أنهم حين سمعوا قول كثير في ولد عثمان:
وابن الذي عوقبت في قتله العرب
عجبوا ممّا ألهم؛ وقد قالوا لعليّ بن أبي طالب ولاصحابه يوم الجمل:
ردّوا علينا شيخنا ثم بجل ... ننعي ابن عفّان بأطراف الأسل
فإذا كان جند طلحة والزّبير وحالهما في دم عثمان والعون عليه وهو محصور حالهما وهم يقولون هذا القول ويطالبون عليّا بدمه هذه المطالبة، كيف تتعجب من معاوية وجنده وكيف لا يطالب معاوية عليّا بدم عثمان بأهل الشام إذ كان طلحة والزّبير يطالبان عليّا بدمه، وأصحاب طلحة والزبير يوم الجمل هم فتحوا هذا الباب لأصحاب معاوية يوم صفين؟ وإنما ذكرت لك هذا لتعلم أنّ معاوية يوم عز له عليّ لم يكن بالمخوف على ما تهيأ له وأنفق على يده؛ فإن قلت: فانّ أكثر الناس قد أكثروا في عليّ وقالوا: «قتل عثمان» ، وقال حسّان بن ثابت:
يا ليت شعري وليت الطير تخبرني ... ما كان شأن عليّ وابن عفانا
لتسمعنّ وشيكا في دياركم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا
وقال الوليد بن عقبة ايضا:
بني هاشم ردّوا سلاح ابن أختكم ... ولا تنهبوه لا تحلّ مناهبه
(1/379)

[26- المعتزلة يتوسطون الفرق]
قلت لك إني قد سمعت من هذا روايات ورويت فيه أشعارا وسمعت من الناس فيه خوضا كثيرا، وسأقيمك على الواضحة وأقف لك على الجادّة، بل على العلم العظيم والمنهج الفسيح إن شاء الله؛ وخير الاقاويل بل أعدلها وأرضاها عند الله أقصدها، ولذلك اخترنا الاعتزال مذهبا وجعلناه نحلة ومفخرا؛ وسنقدم قبل القول في هذه المسألة قولا، فافهمه، قالت الجهميّة:
«لا نقول إنّ الله معنى ولا نقول إنه شيء، ومتى أضفنا إليه شيئا فمتى نحن أضفناه إليه فذلك الشيء فعل من أفعاله، كذلك سمعه وبصره وعلمه وقدرته» . وقالت الرافضة: «هو جسم فضلا عن ان نقول إنّه شيء» ؛ وقالت المعتزلة: «هو شيء وليس كمثله شيء، وليس بجسم وليس علمه بفعل ولا صنع، وإنما قولنا: له علم، كقولنا: هو عالم، نريد أنه لا يخفى عليه خافية» .
وقالت المرجئة: «القاذف مؤمن» ، وقالت الخوارج: «القاذف كافر» ، وقال بعضهم: مشرك؛ وقالت البكريّة: «بل هو أسوأ حالا من المشرك، والمنافق أشدّ عذابا من الكافر» ؛ وقالت المعتزلة: «هو فاسق كما سمّاه نصّا ولا نسمّيه كافرا فيلزمنا أن نلزمه أحكام الكفّار وليس ذلك حكمه، ولا نقول:
مؤمن، فيلزمنا ولايته ومدحه وإيجاب الثواب له، وقد أخبرنا الله تعالى أنّه مشؤوم من أهل النار، فنزعم أنّه في النار مع الكافر وأنّه لا يجوز أن يكون في الجنّة مع المؤمن» .
وقالت الخوارج في قتال الفئة الباغية: «نسير فيها بالإكفار وبالسبي والغنائم وباتّباع المدبر والاجهاز على الجريح» ؛ وقالت المرجئة: «لا قتال» ؛ وقالت المعتزلة بالقول المرضي وهو إيجاب القتال على جهة الدفع لا على القصد إلى القتال ولا على السبي ولا على الاجهاز على الجرحى ولا على استحلال
(1/380)

الاموال، فلم نفرط إفراط الخوارج ولم نقصّر تقصير المرجئة، ودين الله بين المقصّر والغالي، وهذا الاشتقاق، وهو التوسّط والاقتصاد، هو الاعتزال لغلوّ من غلا وتقصير من قصّر؛ والاصل الذي نبني عليه أمورنا فيمن ليس عندنا كعليّ وسابقته وأرومته وكامل خصاله بل في أدنى رجل من أوليائنا، أنّا متى وجدنا له عملا يحتمل الخطأ والصواب لم يكن لنا ان نجعل عمله خطأ، حتى يعيينا فيه وجه الصواب، وليس لنا بعد ان قضينا بانه خطأ أن نقضي بأنه خطيئة حتى يعيينا القدر بانه سليم من طريق المآثم، فان قضينا بانه إثم فليس لنا أن نقضي بانه ضلال ونحن نجد لصرف الدفع عنه أنه ضلال الى الاثم محتملا، وإن قضينا بانه ضلال فليس لنا ان نقضي بانه كفر إلّا بعد ألّا نجد من ذلك بدّا فيكون الحقّ أحقّ ما قضي به وصبر عليه.
فمن كانت- حفظك الله- هذه سيرته وطريقته في أدنى أوليائه، فكيف تظنّه في أرفع أوليائه؟ فهذا ما لا يحلّ لي أن أظنه بعليّ بن أبي طالب؛ فان كان عندك برهان واضح ودليل بيّن يكشف لنا عن الحال فيه حتى يتبيّن به انه كان سببا من إراقة دمه، فعلينا السمع واليقين والاقرار وعليك البيان والافهام بالدليل والحرص.
واعلم أنّ الرجل المخوف على الملك قد يكون محبوسا عند الملك القائم فيموت حتف أنفه: فلا يشكّ الناس أن الملك هو الذي أمر بقتله، ويموت على فراشه وفي منزله: فلا يشكّون انه قد دسّ إليه السموم وأدبّ إليه العقارب، ويموت وهو ناء عنه: فلا يشكون انه قد احتال له وتقدّم في ذلك من أمره على يدي طبيب أو خادم أو طبّاخ أو صاحب شراب على بعد داره وشطون مزاره، ولو تمنّع مكانه واشتدّ احتراسه؛ ولو قتله هبوب الريح أو صعقته صاعقة لوجدت من يقول في ذلك قولا مرغوبا عنه.
وقد قال بعض العلماء ممن تعلم: «لقد عجز عن معرفة أمر عثمان من شهده، فكيف بمن غاب عنه؟» ؛ ولو كان معاوية القائم، بزعمه، بدمه هو
(1/381)

القائم بعده بالحجاز والعراق، لوجدت من يقول إنه قد كان دسّ عليه وربض به وأفسد عليه وأنغل، إن لم يجدوا شيئا ظاهرا؛ هكذا الناس فاعرفهم، إلّا من عصم الله ولا يعصم الا المخلصين.
[27- موقف علي والناس من مقتل عثمان]
وكان- حفظك الله- من أعظم ما أثنى به على عليّ في دم عثمان أنّ دهماء الامة كانوا يعظّمون شأن دمه ويبرثون عليّا منه، وكان اكثر أجناد الخلافة والقوّاد ورؤساء العشائر من سوء الرأي في عثمان وحسن الرأي في قاتليه على خلاف ذلك؛ ولم يكن للناس جند سواهم: فصار علي، إن هو أظهر الدلالة الصحيحة على البراءة من قاتليه، خاف أن يفسد عليه عامة أجناده؛ فكان يمسك من ذكره ما امكنه الامساك، فإذا اضطرّه القول قال قولا يحتمل رضى الفريقين، ولو شهدته- أرشدك الله- عذرته، ولو وّهمت نفسك حالاته التي كان يمتحن بها لصّوبته، بل لعلمت انه لا رأي ولا صواب إلّا ما اختار ولا رأي إلّا ما كان يفعله؛ واحذر- حفظك الله- تخطئة الائمة، فانّه [لو] لم ينزل ذلك إلّا لأنها كثيرا ما تظهر من تدبيرها شيئا تورى به عن شيء آخر مخافة في حال وطمعا [في] ان تكون مصلحة شأنه في ذلك التدبير، لوجب عليك ترك ذلك، ولذلك روي عن عليّ: «ما قتلته ولا امرت بقتله وما ساءني وما سرّني وروي عنه انه قال: «الله قتله وانا معه» ، في كلام كثير يحتمل التأويل.
[28- أنصار معاوية يحتجون له]
وزعمت أنّك سمعت رجالا من السّفيانيّة ممن يرى رأي المروانيّة وبعض من ينحل مذهب الغيلانية ومن أصحاب ثور بن يزيد والاوزاعي يذكرون حججا في تثبيت الخلافة لمعاوية وأن نسبه إليها أقرب من نسب الزّبير وطلحة، وأنّهم
(1/382)

كانوا يتعجّبون ممن رأى الوقوف في حرب عليّ والزبير وطلحة ولم يقف في حرب عليّ ومعاوية، وأن معاوية إمّا أن يكون على الحقّ وإمّا أن يكون أثبت على القياس وأبقى على المسائل من أمر طلحة والزّبير، وأنّ حجّته في قتال عليّ أصحّ من حجّة عبد الله بن وهب، وأنّ عذره أوضح من عذر أصحاب النهر، ولكنه لّما كان أهل الحجاز وأهل العراق لبغضتهم على أهل الشام ولطول محاربتهم لأجناد بني مروان وآل أبي سفيان أطلقوا] على عداوتهم البراءة منهم، صار من عرف حقّهم استعمل التقيّة ومن لم يعرفه قال: «تقول تلك الجماعة» ، إذ كان لا يرى الجماعة إلّا تلك الجماعة.
[29- موقف طلحة والزبير من علي]
وذلك أنّ عليّا سمّى أصحاب الجمل الناكثين لنكث طلحة والزّبير لبيعته، ولم يختلف الناس في بيعتهما له، ولا أنكر ذلك الزبير يوم واقفه عليّ بالبصرة وقد أقرّ بها طلحة ثمّ ادّعى الإكراه؛ ففي واجب الحكم أن يقضي عليه بإقراره وأن يسأل البيّنة على دعواه؛ ولم يستشهد إلّا أسامة، وليس في قول أسامة وحده حجة على أنّه لم يشهد عليّ، وأسامة ممّن ترك بيعة عليّ، ولو لم يدع بيعة عليّ لما كان في شهادة الواحد حجّة؛ على أنّه لم يشهد إلّا بأنه بايع وهو كاره، وهذا اللفظ يحتمل الوجوه، وهو بخلاف ما أراد طلحة اشبه.
والحقّ كله مرّ والباطل كله حلو؛ وقد خلق الله النار فحفها بالشهوات وخلق الجنة فحفها بالمكاره؛ ومن صفة الطاعة أن يحتمل فيها صاحبها الكلفة والمشقّة ومجانبة الهوى، ومن صفة المعصية أن يدخل فيها من طريق الشهوة لها والذهاب معها، وقد رجع الزّبير عند الاذكار، وتأخر طلحة الى خلاف موضع صاحب الاستبصار حتّى قتل في أخريات الناس، ولذلك قال بعض الناس:
«لله مصرع شيخ ما أضيعه» ، وهو لا يستطيع ان يدّعي على معاوية عقد بيعة ولا على أصحابه نكثا كما ادّعى على الزبير وأقرّ له بها طلحة.
(1/383)

[30- احتجاج السفيانية بان معاوية لم يكن قاسطا]
«ولو كان معاوية سيىء السيرة في أهل الشام سيىء النظر للعوام غير مصيب في سياسة الأجناد وفي ترتيب الأشراف وفي تقريب العلماء وفي رحمة المساكين ولم يكن عفيفا عن المال شديدا على الفاسد قامعا للظالم قويا في الحق سهل الحجاب معظّما للشريف منصفا للضعيف بصيرا بالحزم عالما بالحكم كثير الفتوح رحب العطن واسع الصدر ميمون النقيبة فاضل الحلم، قد جمع المحبة والهيبة، لما لقوا معه بجباههم ظباة السيوف وبنحورهم أطراف الأسنّة، ولمّا خلّفوا العيالات وراءهم [و] ملك الروم قد زحف اليهم، ولولا أنّ عدله عليهم وحسن سيرته فيهم قد كان دخل كلّ قلب وخصّ كلّ شخص وتمكّن من كلّ قلب، لكانت الملالة لطول الولاية والذي يعتري النفوس من الضجر والضعة عند السآمة قد منع من ذلك وأعان عليه من لم يعنه، ولكان أحسن حالاته أن ينجو منهم سالما لا له ولا عليه.
وهل رأيتم قطّ أو سمعتم برجل ولي مثل ما وليّ من أمر الناس أربعين سنة، عشرين سنة منها كان فيها أميرا وعشرين سنة كان فيها خليفة، وكانوا مع ذلك يوم فارقهم أضنّ به وأميل إليه منهم في ابتداء ولايته وفي أوّل ما أذاقهم من حلاوة إمرته، وقد رويتم أنّ عليّا قال: «لا تتمنّوا موت معاوية، فإنّه لو مات لرأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها» ؛ وقال معاوية: «لو أنّ شعرة طرفها في يدي وطرفها الآخر في أيدي الناس لما انقطعت أبدا» - قيل له: «وكيف ذلك؟» - قال: «كنت إذا مدّوا أرسلت وإذا أرسلوا مددتّ» .
فمن أين سمّاهم القاسطين، والقاسط هو الجائر؟ فأيّ جور كان رأى منه؟ ولو كان صاحب جور كان من أغضى له على ذلك الجور أجور، فهذا إسم أصحاب يوم الجمل اشتقّ لهم من النكث لنكث الرّجلين؛ وهذا اسم أصحاب النهر اشتقّ لهم اسم الحروريّة من نزولهم بحروراء، واسم المارقين لأنّهم مرقوا عنده من الحقّ مرّتين: مرّة حين عرّفهم أن رفع المصاحف خدعة، فعصوه
(1/384)

ومرقوا عن أمره، ومرّة لمسألتهم إيّاه العودة وهو يرى فيهم الوهن وفساد القلوب وضعف الركن.
خبّروني عن معاوية أيّ جور ظهر منه منذ ولّاه عمر إلى أن قتل عثمان، وعلى من كان جار، وأيّ شيء ذلك الجور، ومن يعرف ذلك ومن يشهد به عليه؟ فان زعمتم أنّ امتناعه من اعتزاله [عن] العمل هو جور فلذلك سمّاه قاسطا ثمّ عمّ به الجميع لطاعتهم له، فقد قلنا في ذلك ما قد سمعتم؛ وكيف ونحن لم نر أحدا من فقهائهم لم يأخذ منه عطاءه ولا أبى جائزته ولا أسقط اسمه من ديوانه «ولا ترك ابتياع السبي من مغنم عمّال ثغوره ولا ترك وطر ما يبيع من مقاسمه ولا ترك الأكل والبيع والابتياع من ثمار قطائعه، ولقد سمّوا العام الذي سلم إليه فيه الحسن الخلافة «عام الجماعة» ، ولقد دفع إليه عبد الرحمن إبن سمرة، وهو من كبار الصحابة، مالا كان عنده وعليّ حي، وقال: «جبيته في الجماعة فلم أكن لأدفعه إلّا في الجماعة» ؛ وقيل لابن عمر: «ما منعك من أخيك ابن الزّبير حين نصب نفسه للخلافة وخرج على يزيد بن معاوية؟» » - فقال: «إنّ أخي وضع يده في فرقة وإنّي لن أنزع يدي من جماعة وأضعها في فرقة» .
[31- احتجاج السفيانية بان عمر وعثمان وليا معاوية وان عليا لم ينل الخلافة بالتشاور والاجماع او النص]
وقلت: وكان ممّا احتجّوا به في استحقاق اسم الخلافة واستيجاب الإمامة أنّه قال: «هذا موضع وضعني به عمر بن الخطّاب، ولم يعزلني مذ ولّاني وقد كان لا يكاد يدع أميرا إلّا استبدل به وإلّا غضب عليه لبعض ما يكون منه، وربّما أمر بإشخاصه إليه، ولم يعزلني ولم يغضب عليّ مذ رضي عنّي ولا عزلني مذ ولّاني، ثمّ جمع لي الأرباع بعد أن كان ولّاني ربعا وقوّى أمري وثبت وطأتي، ثمّ أكد لي ذلك عثمان بن عفّان وشدّده وقوّى أمري ومكنّه، فلم يكن في سني
(1/385)

الاختلاف أكثر في ذلك منه في سني الائتلاف، ثمّ إنّك أمرتني بالاعتزال من غير أن أكون أحدثتّ حدثا أو أويت محدثا، وأنت لم تأخذها من جهة التشاور والتخاير كما أخذها عثمان، ولا نصّ عليك عثمان كما نص أبو بكر على عمر، ولا أجمعت عليك الأمّة من تلقاء أنفسها كما أجمعت على أبي بكر، فلم يكن لي أن أسلّم إليك علقا في الفرقة كنت تسلّمته من أهله في الجماعة؛ فإن حاربتني على ما في يدي، منعتك، وإن تركتني، سلمته إلى مثل من سلّمه إليّ، ولي أن امنعك بالسلاح إن شهرت عليّ السلاح، وأن أمنعك بالحجّة إن طلبته مني بالحجّة.
[32- احتجاج السفيانية بان ولاية معاوية صارت له بوضع اليد]
وزعمت أنّهم قالوا: وقال معاوية: «احسبوا أن هذا العلق الذي قد صار في يدي، وصار لي فيه حقّ صاحب اليد فيه، كان لقطة طلبها مني بعض من لم يثبت عندي أنّ اللقطة له، لا من طريق البينات التي لا معارض لها ولا من طريق العلامات التي يستحقّ بها اللقطة من جاء بمثل العلامات التي يستحقّ بها اللقطة: فأنا في منعك محقّ، وأنت في طلبها منّي مبطل، فإن قاتلتني قاتلتك دون حقّي، وان كففت عنّي انتظرت بها صاحبها متى أرادها مني؛ أو لك؟ فكذلك أنت في التماسك ما لو دفعته إليك كنت ظالما له؛ فإذا اجتمعتما على أمر، فعندها لك أن تأمر وتنهى؛ ولست في جهلي فضلك على سعد بأسوأ حالا من سعد حين جهل فضيلتك عليه، وقد أشكل عليّ كما أشكل على من قبلي؛ ولو كانت أقداركم عند عمر بن الخطاب متميزة وحالاتهم عند أنفسكم وعند الرقباء عليكم غير مشكلة، لكان تكلّف التشاور عيّا وعجزا، ولكان تكلّف عمر ذلك لكم جهلا وضعفا، وكيف أمسكت في ذلك الدهر عن إنكار مخايرة سعد وأنكرته في هذا الدهر؟ فأرنا الفضيلة التي حدثت لك والنقض الذي ظهر له!» .
(1/386)

[33- احتجاج السفيانية بان معاوية أولى الناس بمطالبة علي بدم عثمان]
وزعمت أنّهم قالوا: قال معاوية: «قتل إمامي وخليفتي مظلوما وقتل ابن عمّي ووليّ نعمتي مخذولا، ورأيت موضع قاتليه ومنتهكي حرماته في زمان مفتون ودهر اختلاف، واولياء دمه ضعفاء وهم لي أهل وأولياء: فإن أنا طلبتهم وحبستهم إلى أن يقوم إمام يحكم فيهم وكان ذلك منّي من طريق القيام بحق الحرمة والحسبة وما يجب من شكر النعمة، كان ذلك حسنا: فهو يحسن من طريق الدين والحسبة ومن طريق الوفاء والمودّة ومن طريق الأرحام الماسّة ومن طريق ما يوجبه شكر النعمة، وكيف يحسّن بي أو يستحسن لي ترك محاولة ذلك وتكلّفه وتعاطيه وامتحان الحال فيه مع ما معي من الآلة والقوّة والعدد والعتاد والعدّة، وقتلته معروفون ومكانهم مشهور؟ فإن حال بيني وبين الاستيثاق منهم أحد كان ظالما، وهل أنا في أخذهم إلّا كقوم مات إمامهم فشدّوا على من في محالّهم وعشائرهم من أهل الدّعارة والفساد ومن رجال الفتنة والفسّاق فحبسوهم إلى أن تجتمع جماعتهم وتتّفق كلمتهم؟ فإن منعني دون هؤلاء القتلة مانع بالسلاح، طلبتهم بالسلاح، وإذا فعل ذلك عدل زالت عدالته وتحوّل حكمه؛ ولا تجوز الإمامة إلّا العدل، بل لا تجوز لمن اشترك في دم أو أعان على قتل مسلم؟ أو منع وليّ الدم من أخذ قاتل وليّه إلى أن يسلّمه إلى من له أن يحكم فيه حكمه» .
[34- احتج السفيانية بأن الخلافة شورى ومعاوية أحق بها من بقية الشورى الاربعة]
. وزعمت أن أصحابه قالوا: «كيف جاز لسليمان بن صرد وللمسيّب بن نجبة ولعبد الله بن هلال أن يطلبوا بالسلاح قتلة الحسين بن عليّ، ولا يكون لمعاوية أن يطلب بالسلاح قتلة عثمان؟» ، وقلت: وزعموا أنّ معاوية زعم أنّه أحقّ
(1/387)

بالخلافة من جميع بقيّة الشورى: فأمّا سعد فلم يستحقّها قطّ لانّه كان جليسا لا يرى أن يدفع ضيما ولا يمنع حريما، وأن الدفع بالسلاح عمّن أراد السلطان بالسلاح بدعة وفسق وضلال وفجور، ولأنّه روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان آخى عليّا دون جميع الصحابة وقال له: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» ، فإن كان صادقا فهلّا روى هذه الرواية أيّام كان عليّ حيّا وهو يجاذبه الرئاسة ويأبى تقديمه الى مقام الإمامة ويزعم أنّه أحقّ بها منه ويدعوه إلى الشورى ويقول: «ما أنا بقميصي هذا أحقّ منّي بها» ؟ وهل يخلو من أن يكون في روايته كاذبا أو صادقا؟ فإن كان صادقا فقد ضلّ بامتناعه عن بيعة من هذه عنده صفته وترك تقديم من هذه الرواية فيه ومن مكانه من الرسول هذا المكان؛ وإن كان كاذبا فليس هذا النوع من الكذب من أخلاق الأئمّة ومن صفات الخلفاء، وعلى أنّ من أقرّ بأنّه قد ترك تقديم من هذه صفته، فقد أقرّ على نفسه بالمعاندة وبترك الإقرار لأهل الحق بحقّهم؛ ومتى ثبت ذلك عليه بطل خبره وردّت روايته، ومن كان مكذّبا في حديثه، فغير إمام ولا حاكم ولا شاهد، فافهم ذلك.
وأمّا طلحة والزبير، فإن كانا قد اهتديا في بيعته، فقد ضلّا في النكث عليه، وإن كانا قد ضلّا في بيعته، فما تابا من ضلالهما ولا خرجا من إدخال الشبهة على رعيّتهما، وإدخال شبهة تورث الفتنة أعظم من قتل رجل من المسلمين؛ وفي رجوع الزبير ونكوص طلحة وفيما كان من مسيرهما وتجاذبهما الإمامة فيما بينهما وتقديم أبنائهما الصلاة على النوب واختلاف أمرهما ما يدلّ على اختلاط التدبير؛ فإنّهما لم يكونا من أحلاس الخلافة ولا يتسمان لها ولا ينهضان بأعبائها، وإنّ الأمر لو أفضى إليهما ومات من ينازعهما، لكان كلّ واحد منهما أشدّ على صاحبه من العدوّ الذي مات عنه، ولو فرغا من حرب عليّ لألقيا للناس حربا أطول وفتنة أشنع وقتلا أذرع، ولو قتل كل واحد منهما صاحبه أو مات عنه حتف أنفه لجرى بين ابنيهما، إذ كان هذا يصلّي بالناس مرّة عن أبيه وهذا مرة عن أبيه، من الشرّ والمناصبة ومن القتال والمغالبة ما «هو أشنع وأفظع
(1/388)

وأدهى وأمرّ؛ ولو كان ذلك لأصابنا من أتباع أبناء الأبناء وسرعان الغوغاء ما ينسي ما قبله ويشغل عن ذكر ما تقدّم امامه، ومن كان كذلك حكم ارتحاله وحلّه وعقده ونقضه وإبرامه لم يستحقّ تلك المقادم ولم يستوجب تلك المراتب.
وقالوا: وأمّا عليّ بن أبي طالب فإنّه مع الشرك في دم عثمان والاشتمال على قتلته لم يزل لا يرى أن يعيد الأمر إلى الشورى وكان ذلك منه طعنا على عمر وزراية منه على أولئك الرقباء والأمناء وخلافا على رأي الجماعة، والطعن على هؤلاء ضلال والخلاف عليهم إثم كبير، وإنّما كان الإنصاف والإقرار بالحقّ والخضوع اللازم أن تجتمع بقيّة الشورى وهم أربعة فيشتوروا في التخيير كمشورتهم فيه وهم ستّة، ولأنّ ذلك الأمر إنّما كان مقصورا على قوم قد أجمعوا على تفضيلهم وتوليتهم وأنّه حقّ لنفر فلا يزول حقّ الحيّ لموت الميت، والجماعة الذين كانوا بالأمس راضين لم يتغيّروا ولم يتبدّلوا، وإنما كانوا ستّة فمات عبد الرحمن وقتل عثمان: فلو تركهم عليّ يجتمعون ولم يبتزّ الأمر وصيّره إلى التخاير والتشاور وإلى طلب من هو أردّ عليهم وأنفع لهم ولو بشيء يسير وذلك هو القياس، لما كان اختلاف كما لم يكن قبله اختلاف، وعلى أنّ المسلمين لم يتشاوروا قطّ في أمر الإمامة فما دونها فافترقوا إلّا عن غير اختلاف، وكيف يختلفون وقد أطاعوا ربّهم وكيف لا يعصمهم وقد اعتصموا بحبله وآثروا حقّه؟
قال الله: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ
، وقال: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
، وقال:
فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما
، ولا يجوز أن يضمن التوفيق لنفسين إذا أرادا الإصلاح ويخذل الجماعة، ولا يجوز أن يوفّق من كان من عرض الأمّة ويدع الأئمّة.
وبعد فهل خالف ذلك الرأي من عمر أحد؟ ولقد اتّفقوا عليه بعد موته كما اتّفقوا عليه قبل موته؛ ولقد خالف بعضهم أبا بكر في استخلاف عمر وما خالف أحد عمر في وضع الأمر في الستّة، ولم يقل أحد من الستّة: «فينا واحد لم يكن ينبغي أن يكون معنا» ، أو: «في الناس واحد كان ينبغي أن يكون
(1/389)

معنا» لا ولا قال احد من الأمناء ولا من جميع الجمهور والدهماء: «فيهم واحد لم يكن ينبغي أن يكون فيهم وفينا واحد كان ينبغي أن يكون معهم» ؛ فتمّت الكلمة وشاع الرضى واستفاض التسليم.
وقالوا: فعليّ لا يصلح لها من هذه الوجوه وطلحة والزبير لا يصلحان لها من حيث ذكرنا، وسعد هو الذي لا يجوز أن يجيء منه ملك ولا إمام في كفر ولا إسلام، لأنّ من لم يدفع عن بيضة الملك بالسيف فهو مقتول وأمره ضائع، ولم يطلب ملكك أحد فرضي بأخذه دون أن يأخذ نفسك مع الملك، وهذا قائم منذ كانت الدنيا، ولو أمّنه أن يثب به أو يثب من أجله واثب ما دام حيا لكان استبقاؤه أحبّ إليه وألذ له وأبلغ عنده فيما يريد.
[35- احتج السفيانية بانه لا بد من الدين والسيف في الملك]
وقالوا: ولو ادّعى رجل عندنا النبوّة وذكر أنّه يستشهد إحياء الموتى والمشي على الماء، ثمّ زعم أنّ الملك مستقيم دون منعه بالسيف والسوط، لعلمنا أنّه لم يكن ليأتي بعلامة أبدا ولا يقيم شاهدا على دعواه أبدا، إلا ان يأتي قوم طبائعهم على خلاف طبائعنا وحالاتهم على خلاف حالاتنا وعاداتهم على خلاف عاداتنا وأسبابهم على خلاف أسبابنا؛ فأمّا والأمر على ما شاهدنا من طبائع الناس اليوم وعلى ما سمعنا من طبائع العرب في جاهليّتها وإسلامها والعجم في سالف أيّامها، فانّ ذلك لا يجوز ولا يقوله من يعرف الدنيا وما فيها؛ ولذلك لم يكن للزنادقة مملكة قطّ ولا تكون أبدا، ولقد اضطرّ الأمر نصارى الروم ونصارى الحبشة إلى الدفع بالسيف حين رغبت في الملك ومالت إلى الدنيا مع علم جميع العالم أنّ القتال ليس من دينها ولا من مذهبها.
ألا ترى أنّ الله لم يخل الدنيا من أن يجعل فيها نبيّا يحمل السلاح ويقيم جزاء الحسنة والسيئة ويستعمل السيف والسوط، أو يضمّ إليه ملكا يذبّ عن النبوّة بعز الملك ويدعو النبيّ إلى طاعته برأفة النبوّة؛ فأمّا أن يرفع أحدهما من
(1/390)

العالم فلا بدّ من اجتماع اللين والشدّة إمّا في شخص واحد وإمّا في شخصين، وقد قال الله: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ
، وفي المثل المحمود: «قتل البعض إحياء الجميع» ، وليس في الأرض ملك إلّا وأطراف مملكته تنتهي إلى حدود ممالك الملوك، فهو وإن تنصّر فإنّ الملوك لا يتنصّرون معه، وإن تزندق لم يتزندقوا معه، على أنّ الملوك لم تنصب الأديان رغبة في الديانات ولكنها تعلم أنّها إن لم يكن لها دين لم تلزم بيعة ولم يثبت عقد أولى الملك من بعدها، ولم يتديّن الناس بقتال من يخرج عليها ويريد إزالتها؛ وإن لم يكن دين كانت الأموال منتهبة والزوجات مشتركة ولم يثبت نسب ولم يكن لأحد وارث ولم يكن تزويج ولا طلاق ولا ملك ولا عتاق ولم يثبت توكيل ولا أجرة ولا شهادة ولا وصية ولا شرط ولا عهد ولا حدود ولا قصاص ولا قود ولا حبس ولا إقرار ولا إنكار ولا دعوى ولا أيمان ولا بيع ولا شراء ولا ميراث؛ وإنّما يحرص عليه لأنّ به وفيه ثبات ملكه وتوكيد سلطانه، ثمّ لا يبالي ما قالوا في الله وما جوّزوا على الله وكيف وقعت الأمور بعد أن يستقيم له شيء يكون فيه وبه ثبات الملك.
فإن كنت تحبّ أن تعلم أنّ الذي أقول حقّ فتأمّل قول كسرى مع شدّة عقله في الله وفي إبليس وفي أعلام زرادشت وفي شرائعه من غشيان الأمهات والتوضؤ بالأبوال، وفي دين قيصر وقوله في الله وفي المسيح وفي بولص، وفي دين ملوك العرب وفي عبادة الحجارة، وفي ملوك الهند في البدّ وفي تعظيم الزنا، ودخول النيران، وهؤلاء رؤساء الأمم، فانظر كيف تجدهم في الأديان.
[36- اسباب صلاح معاوية للخلافة بنظر السفيانية]
وإذا كان هؤلاء وهم بقية الشورى لا يصلحون للإمامة فمن دونهم أجدر ألّا يصلح لها وكانوا منها أبعد؛ وقلت إنّ معاوية أولى بها منهم إذ كان أبرأهم ساحة من هذه العيوب وأسلمهم فناء من هذه اللوائم، ولأنّه أيضا أوّل
(1/391)

من انتدب؛ ولو أنّ جميع أهل بدر أمكنهم إنكار المنكر من ملك متغلّب إلّا أنّهم لم يتكلّفوا ذلك حتّى انتدب رجل من عرض المسلمين فبذل نفسه وأهله وماله ودياره وعشيرته وأصحابه وأمّل الناس فيه درك حاجتهم ورجوا الفرج على يديه، كان ذلك المنتدب- وإن كانت سابقة غيره أفضل- أولى بذلك منهم، ولعلّه أن يلحق بهم في الطاعة أو يجوزهم، كما عقد عمر بن الخطّاب لأبي عبيد ابن مسعود على أربعين من أهل بدر وعلى الجماعة الكثيرة من المهاجرين والانصار السابقين وليست له في ذلك علّة إلّا أنّه كان أوّل من انتدب، ولذلك كانوا رأوه وتحدثوا به، فساروا تحت لوائه وصلّوا خلفه وأطاعوا أمره وأكبروه بالخضوع له وأعظموه بالإطراق بين يديه والانتصاب له عند طلعته.
[37- رد الجاحظ على حجج السفيانية]
قد كتبت إليك، يا ابن حسّان ورسمت لك ما ألقيت إليّ من جمل دعواهم مفسّرا ومن حججهم مبيّنا، ولم أقتصر على مقدار ذلك حتى لم أدع لذي هوى نزاعا ولا لذي حيلة متعلّقا، لأن أحسم من قلبك هذا الداء وأقطع أصل هذه المادّة، ولولا أنّي- والحمد لله- على ثقة من سهولة الجواب وقرب المأخذ وظهور المعنى وقمع الحقّ للباطل وأنّه لا يتلقّاك إلا مكشوف القناع ناصع البياض مشرق اللون، لما رضيت أن أكون سببا لتنبّه العدوّ ومادّة لخواطر الأعداء، ولعلّ بعضهم أن يعدو عليّ بالسلاح الذي ألقيت إليه يوم الحفل ويلتمس به نحري على شغل منّي؛ فقف الآن على فصل فصل وانظر في باب باب، فإنّك ستفهمه ما لم تتشاغل تشاغل المستفرغ وتستبين ما لم تصدّ عنه صدود المتمقّه إن شاء الله.
[38- معاوية لم يحتج بحجج السفيانية]
. باسم الله الرحمن الرحيم فأول ما أبدؤك به وأوّل ما أذكره لك من هذه
(1/392)

الخصال، تعريفك أن معاوية لم يحتجّ بشيء من هذا قطّ ولا احتج له به في عصره أحد، ولا جرى لهذا الشكل ذكر قطّ ولا خطر على بال؛ فمنه ما تكلفه أعداء عليّ من المتكلمين وأهل السباب من الناصبة الملاعين، ومنه ما هو تخريج من أصحابنا لخصومهم على أنفسهم ليتقدّموا في الحجّة وفي العتاد والعدّة وفي الأخذ بالثقة كصنيعهم واعتلالهم بمذاهب المخالفين ودعوى جميع المبطلين، ومنه ما حضرني عند ابتدائي الإخبار عنهم وما عزمت عليه من استقصاء كلّ شيء لهم لتعرف قوّة أوليائك وعجز أعدائك، وتعلم أنّ من عرف من حجج الخصم أكثر مما يعرفه الخصم كان بحجج نفسه أعرف وعلى معاني حقّه أغوص وعلى غايته أقدر وأنضى، ولكان أيأس للمخالف وآنس للموافق، ولأن تعلم أنّ أولياءك لو لم يجدوا في أنفسهم فضلا لما أعاروا بعض قوّتهم أعداءهم، ولأن لا يبقى على من قرأ كتابي شبهة بعد قراءته، والله الموفّق للصواب، وهو على كلّ شيء قدير.
[39- اصحاب السير والاخبار لم يذكروا حجج السفيانية]
ولو كانت هذه الحجج قد احتجّ بها معاوية واحتجّ له بها أحد في ذلك الدهر، لكان ذلك مشهورا عند حمّال الآثار والمعروفين بالصدق من أصحاب الأخبار والنّقلة مثل الزهريّ ومحمد بن إسحق إمامي أهل الحجاز في علم السير ونقل الأخبار، ومثل قتادة صاحب الأخبار بالبصرة ومن كانت الملوك تكتب إليه من الشامات في المشكلات، ومثل سماك بن حرب بالكوفة، ومثل الشعبيّ وابن شبرمة والقاسم بن معن، وجملة من أهل [ع 18] البصرة مثل ابن أبي عيينة، ومثل مسلمة بن محارب، بل مثل أبي عمرو بن العلاء ويونس بن حبيب ومحمد إبن حفص وعبيد الله بن محمد بن حفص وأبي عبيدة وأبي اليقظان، ومثل مسمع وكردين وأبي عاصم النبيل، ومثل خلّاد بن يزيد والقحذميّ ومؤرّج وابن قنبر.
وسندع ذكر الأصحّاء والثقات وأصحاب التبريز في تصحيح
(1/393)

الروايات، ونذكر من دونهم ممّن قد يؤخذ عنه ويطعن عليه كالكلبيّ وابن الكلبيّ وعوانة والشرقيّ بن القطاميّ وأبي الحسن المدائني والهيثم بن عدي وأبي مخنف لوط بن يحيى وابن جعدبة؛ وكان لا أقلّ من أن يرويه شوكر وابن دأب والعتبيّ، أو لرواه رواة الخوارج كعمران بن حطّان. والمقعطل والضحّاك بن قيس وحبيب بن خدرة وأبي عبيدة كورين ومليل وأصغر بن عبد الرحمن ورعا ومسمار.
[40- حجج السفيانية من عمل المتكلمين]
وأنت تعلم اضطرارا أنّ هذه المسالك ليست مسالك الرواة وإنّما هي مسالك المتكلمين إذا كانوا رواة؛ وقد سمعت خطب معاوية ورسائله وكتاب القضيّة: أفظنّ أنّ معاوية كان عنده من هذه الحجج ومن هذه الاعتلالات شيء وهو يدع أن يخطب به ويشيعه ويدعو إليه ويعرضه على أصحابه؟ بل كان لا يدع أن يجعله في كتاب ويقرأه على أجناده في كلّ خميس واثنين؛ ولم أقل إنّ معاوية لم يكن فطنا أو بعيد الغور بيّنا، ولكن لو جمعت إلى عقله ودهائه عقل عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد والأحنف والمهلّب وأضعافهم من الرجال، لما عرفوا من هذا الشكل شيئا بطباعهم دون أن يستعملوا صناعة الكلام، كما أنّهم لو أرادوا الحساب والهندسة وعلم اللحون والطبّ وجميع العلوم لكانوا لا يدركون من ذلك حظّا دون كثرة التنقير والتفتيش وطول الدراسة للكتب ومنازعة الرجال؛ وما أشكّ أنّهم أحقّ بذلك من كثير ممّن قد رأيته من المعدودين في أهل النظر، فلا تنكر قولي إنّه لم يكن يعرف من هذا قليلا ولا كثيرا.
فدواؤك قبل كلّ شيء أن تخرج من قلبك أنّه كان يحسن هذا وأنّ عمرا كان يهتدي له؛ ثمّ أعلم أنّه مولّد خبيث ومموّه ضعيف، وسنوجدك ذلك فيه بابا بابا وفصلا فصلا؛ وقد يكون الكلام ظاهر العيوب بادي المقاتل مستهدفا
(1/394)

للمطاعن، ولا يفطن له الحازم من الرجال ويفطن له الخسيس العقل من أهل النظر؛ وإن خرّجنا كلّ شيء في هذا الباب كثر الكلام، وإذا كثر الكلام خرج الكتاب من حدّ الرسائل، ولم نأمن من ملالة القارىء ونعاس المستمع، وفيما نلقي إليك من الجمل ما يغني مثلك عن التفصيل، ولو كان المقصود إليه سواك لما وجدتّ بدّا من التفسير والتخريج وانتظام جميع الامّهات واستقصاء جميع الأبواب.
[41- حجة السفيانية بعدم توافر الاجماع على علي لا يطعن في خلافته لان الاجماع تابع لفضله]
أمّا قولهم بقول معاوية: «هذا موضع صرت إليه بالإجماع فلا أخرج منه في الفرقة» ، فإنّ أكثر الناس يغلطون في حكم الإجماع في هذا المكان ويلحقونه بغير شكله؛ نقول إن الناس إنما أجمعوا على تفضيل الفاضل لفضيلة وجدوها فيه، وليس أنهم وجدوا الفضيلة فيه لأنّهم أجمعوا على تفضيله، فالإجماع تبع للفضيلة الموجودة، وليست الفضيلة تبعا للإجماع الذي كان منهم؛ وإذا كان الفضل بارزا، فعليهم الإجماع عليه؛ فإن اختلفوا فلا يبعد الله إلّا من خالف، الحقّ حقّ الفاضل؛ وإن لم يصل إليه مع ضعف الموافق وقوة المخالف؛ فإن وافق صاحب الحق إجماعا فعليه الشكر والحقّ حقّه، وإن وافق اختلافا فالحقّ حقّه وعليه الصبر.
وقد كان فضل عليّ ظاهرا، فإن أجمعوا عليه فقد أصابوا حظوظهم ووافقوا محبّته إذ كان ذلك حقّا، وإن اختلفوا فقد أخطأ المخالف حظّه، ولم يضم ذلك عليّا لأنّ ثواب عليّ على الصبر على البلاء كثوابه على الشكر على الرخاء؛ والحق ليس يجب له بالإجماع بل إنّما كان ذلك دليلا على الاستحقاق وحكم مقام النبيّ صلى الله عليه وسلم وحكم مرتبة الإمام والتفضيل إلى أن نعلم أنّ أمرا قد اضطرّ إليه؛ فما لم نعلم، فالحكم بالتفضيل
(1/395)

لازم لظاهر الحال، وليس لنا أن نزيل حكم ظاهر الأمر ب «لعلّ» أو «عسى» ، وليس يزول اليقين إلّا باليقين، ومتى هجمنا على رجل قد أجمع الناس على تأميره طائعين غير مكرهين، ثمّ رأيناهم يدينون بطاعته ويتقرّبون إلى الله بنصيحته ويرون أنّه إذا ولّى رجلا صلاة الجمعة أن له أن يقصر وأن لهم أن يقصروا خلفه، وإن هو عزله كان عليه وعليهم أن يأتوا بخلاف ذلك، ومتى استعمل رجلا على ثغر دانوا بابتياع ذلك السبي ووطنه واستخدامه وبيعه والانتفاع بذلك المقسم وبابتياع العقد والعقارات والمستغلّات منه، ومتى عزله حرّموا ذلك وسقطوا من لم يجتنبه؛ ومتى استقضى رجلا لزم الناس حكمه ونفذ فيهم أمره ووجبت سجلّاته ولزمت قضاياه، ومتى قال: قد عزلتك، كان كالمفتي وكالمشير والمصلح، ثمّ تراهم إذا كان قاضيا يقومون فوق رأسه ولا يجلسون إلّا بأمره.
ولم نر عليّا لمّا عزل سعدا وولّى أبا موسى وعزل عمّارا وولّى المغيرة، قال المعزول: «لا أعتزل البتّة!» أو قال: «لا أعتزل حتّى أعرف لم عزلني ولم ولّى من أنا أعظم عناء منه وأجود سياسة منه وأشرف أرومة منه» ، أو قال: «أنا أسنّ منه وأكثر فقها وعلما منه» ، أو يدّعى أنّ أهل البلدة به أرضى وأنه لا يرضى أن يكون قد عانى خراب أرضها وفساد رجالها وضياع ثغرها، فلمّا عمّر البلدة وحصّن الثغر وأصلح الفاسد وقد كلف وتعب وسهر ونصب، بعثت رجلا يصير له مهنأها فيذهب ببردها وحلاوتها، وأنا قد صلبت بحرّها ومرارتها؛ بل تجد المعزول صابرا راضيا والمستعمل قابلا نافذا لأمره وقوله؛ فحكم ظاهر هذه الحال وحكم المرتبة التقديم لأهلها والتفضيل لأربابها حتى ثبتت الحجة ببعض ما يحطّه عن أعلى المراتب ويقتصر به على دون الكمال، فالإجماع تابع في هذا الموضع.
[42- حجة السفيانية بعدم عمل علي بالشورى لا يطعن في خلافته لأن شورى عمر لا تلزمه]
فأمّا من حيث ذهب القوم إليه فقد قلنا في ذلك؛ فان قال: «فهلّا
(1/396)

جعلها شورى بينه وبين طلحة والزّبير؟» - قلنا: قد زعمتم أنّهما قد بايعا فإن كانا قد ضلا بتلك البيعة فقد صارا لا يصلحان لإمامة، وإن كان ذلك منهما هدى فقد ضلّا بالصمت قبل الحديث؛ فإن قالوا: قد قلنا ذلك في طلحة والزبير ولكنّا قد علمنا أن سعدا لم يبايع وإنّما ضلّ عندنا بعد أن تبيّن لنا رايه في ترك البسط وفي روايته في تفضيل عليّ على نفسه بعد وفاة عليّ ولكن ما باله لم يدع إلى الشورى يومئذ، وتركه للشورى عندها ضغ [ينة] على عمر وتخطئة للجماعة؟ - قلنا: إنّ عمر لم يشترط ذلك الأبد، ولم يوجبه إلّا في الثلاثة الأ [يام] التي قال: «إن انقضت ولم يفرغوا، فاقتلوهم» ؛ وما علم عمر بما يكون من انحفاظ قوم وتبديلهم، وبأي وجه آخر يدل من تقدّمهم، وبما يحدث في أنصارهم من العمى الذي يمنع من الحكم، أو ممّا يعجل من [.......]
الذي يحول دون الخلافة، أو ليس الإمام الذي بعده قد كان له في رعيّته من التدبير مثل الذي كان لعمر في رعيّته؟.
أولستم تزعمون أنّ أبا بكر أقام عمر وأنّ عمر ترك سيرة أبي بكر وصار إلى الشورى ووضعها؟ فإن قلتم: «إنّما غيّر التدبير حين لم يجد واحدا [قادرا] قلت لكم: وكذلك من بعده فغيّر تدبير عمر كما غيّر عمر ذلك التدبير عن بعض ما شاهد أبو بكر من الحال المخالفة للحال الأخرى، فليس لنا أن نلزم عليّا الشورى إلّا بأن يوجد أنّ عمر قد كان جعل ذلك شرطا محدودا وأنّ الأمة تلقّت ذلك بالتصويب، فلم [يحدث] اختلاف وليس لعمر في سلطانه إلّا مثل ما للإمام [من] المصلحة على قدر ما شاهد من الحال؛ وإنّما تدبير الأمور على قدر اختلاف الأمور وقد وجدنا عليّا نفسه عند الحاجة والضرورة وعند الخطبة على الرعيّة قد أظهر الرضى بأن يكون أبو موسى وعمرو يتشاوران فيه، فكانا في موضع الشورى في ظاهر الحال وهما عنده على ما هما له عندنا، وكذلك معاوية وقد امتنع قبل ذلك أن يحبس نفسه بمخايرة طلحة والزبير وسعد [فحبسها] بحبالة أخرى أبعد من الأولى من كلّ ما ذكرنا؛ وإنّما كلّ ذلك بقدر ما يشاهد الإمام من الحال إذ كان ذلك إنّما يعرف صوابه من باب الرأي فقط.
(1/397)

[43- علي اولى بالخلافة للقرابة والرواية والقدم والزهد]
ويقال لهم: فإنّا نردّ الأمر إليكم: أرأيتم لو أمرتم ان تختاروا بين عليّ وسعد إماما كيف كنتم تصنعون حتى توجدونا أنّ سعدا أو [لى] من عليّ؟ قولوا كيف شئتم؛ قد علمتم أن هذا الأمر، إن كان بالحسب، فإنّ سعدا ليس من شكل عليّ، وعليّ هاشميّ الأبوين وكان أوّل هاشميّ الأبوين كان في الأرض، ولده أبو طالب بن عبد المطّلب بن هاشم من فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهم أربعة: عليّ وجعفر وعقيل وطالب؛ ثمّ هو صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن اخي حمزة والعبّاس؛ ثم الذي يجمع أبا النبي صلى الله عليه وسلم وأبا طالب [الجد] الأدني بالأمّ التي جمعهتهما.
فإن كان هذا الأمر إنّما يستحقّ بالرواية فليس لسعد في ذلك حرف واحد ممّا يوجب له الإمامة والتفضيل على جميع الأمّة وما أكثر [من] روى [فيه الرواية] ولكن تلك الرواية ليست من شكل الرواية في علي بن أبي طالب، [فإن] ذكرنا أهل التقدمة في الإسلام والسبق إليه فأدنى حالاته أن يكون مذكورا معهم، وإن ذكر أهل الزهد والتقشّف والظلف والنزاهة وقلّة الركون إلى الدنيا والميل لى اللذّات فأدنى [حالاته] أن يكون مذكورا معهم، وليس بعد هذه الأمّهات شيء يستحقّ به الخلافة إلّا ما حددنا وذكرنا، وكلّهنّ مجموعات في عليّ بن أبي طالب ومتفرّقات في سواه، فقد فوّضنا الأمر في سعد إليكم: فقولوا كيف شئتم: فإن سددتم قدمتم عليّا، وإن تركتم السد [د] كفيتمونا [....] فيكم وأعفيتمونا من ذكركم وشغل القلوب بكم.
[44- حق معاوية بالمطالبة بدم عثمان لا يمنحه الحق بالخلافة]
وأمّا طلبه بدم عثمان، فليس ذلك مستنكرا إذ كانت غايته الاستيثاق منهم إلى أن يقوم حاكم الجماعة؛ ونحن لا نخالفكم أنّ قاتل عثمان من
(1/398)

أهل النار من كان من العالمين، ولكنّ معاوية وأهل الشام لم [....]
عند علي بما هو بيّن [............... .......]
دون قيام الحجّة بالأمّ ولا بما هو [.........] ولا أن يقتلوا [............] قتله ومن أمر ومن أشار ومن أظهر محبّة ذلك وعلم أنّه لو درجهم إليهم إنّهم كانوا لا يقتصرون عليهم حتى يطمعهم ذلك في أكثر منه، كان له حين عرف [.......] أيّ معنى [......] وأيّ طريق يسلك ان يمنعه من ذلك...... بأهل [.....] فضلا عن أهل الصلاة ومن يشكّ ان عسكر عليّ قد كان يشتمل على قو [م.......] طوائل وفي رقابهم حقوق ومتى يتهيّأ أن يجمع منه ألف مقاتل ليس فيهم إلا مؤمن بريء الساحة [.....] العدالة.
[45- علي لم يقتل عثمان ولم يعن عليه]
وأمّا ما ادّعي عليه من قتل عثمان فقد قلنا في ذلك في صدر الكتاب بجملة كافية، وأمّا القنوت فإنّي سأقول فيه إن شاء الله وأحمد [....
....] أكثر ممّا قد كنت قد أوردته على ابن ابراهيم بن الحسين بحضرتك وحضرة [.....] شهادتك عليه بحب المغالبة وقلة التهيّب والمرافقة ويغيظك على [.....] يظهر في صدوده وشدّة عنوده، ولو كان القنوت وتركه
(1/399)

هامش رسالة الحكمين
(1) يوجه الجاحظ كلامه الى شخص يدعوه ابن حسان يبدو انه كان يميل الى العثمانية ويكره الشيعة، وكان معتزليا فانفصل عنهم «فانت معتزلي نظامي» اي من فرقا النظام استاذ الجاحظ، هكذا يخاطبه الجاحظ، ولكنه لم يحافظ على نحلة الاعتزال فعاون ابراهيم بن الحسن على ترك الصلاة في مسجد ابن رغبان بالبصرة الذي بناه احد المعتزلة الفضيل بن عبد الرحمن مولى بني سدوس. وكان هذا المسجد يقنت فيه ابناء جميع الفرق من الجبرية والنابتة والمعتزلة. وهذا العمل يدل في نظر الجاحظ على سخافة عقل ابن حسان وسوء المحافظة على نحلته.
ونستطيع ان نستنتج من هذه الحادثة ان الفرق الغالبة على البصرة عندما كتب الجاحظ هذه الرسالة قبل الانتقال الى بغداد هي الجبرية والنابتة والمعتزلة. وان التعصب كان على اشده بينها بحيث انها اقتسمت المساجد في البصرة.
(2) يبحث الجاحظ في شروط التمثيل بين شخصين او شيئين. وقد تحدث على هذه المسألة في رسائل أخرى (انظر رسالة التربيع والتدوير رقم 23) . ولا وجه للمقارنة بين علي ومعاوية لأنه لا شبه بينهما. ويستعين الجاحظ ببعض الامثال فيحورها لتتلاءم مع الفكرة التي يريد التعبير عنها فيقول ان سحبان اخطب من باقل، والاصل مثلان هما اخطب من سحبان واعيا من باقل، ويقول ان زيادا ادهى من هبنقة، والاصل مثلان هما: ادهى من زياد (يعني زياد ابن ابيه) واحمق من هبنقة (هبنقة رجل ضرب المثل بحمقه) . ويقول ان ابا ذر اصدق من مسيلمة والاصل مثلان هما: اصدق من ابي ذر واكذب من مسيلمة، (اي مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة بعيد موت النبي) . ويقول ان جالينوس اطب من ابي دينار، والاصل مثلان هما: اطب من جالينوس (الطبيب اليوناني الشهير) واجهل من ابي دينار (رجل يضرب المثل بجهله في الطب) .
(1/401)

(3) يجمل الجاحظ فضائل معاوية التي يقول بها ابن حسان والسفيانية. ويبدو ان النص حرف بحيث لا يظهر فيه رأي الجاحظ الحقيقي في معاوية. فحسب النص معاوية مؤمن عادل غير فاسق؛ ولكن حسب نص النابتة، معاوية فاسق وضال وكافر.
(4) يذكر الجاحظ طرق اختيار الامام او اقامته. وقد ذكر معظمها في كتاب العثمانية (راجع رسالة العثمانية ضمن هذا الكتاب) . وتبنى الاولى منها التي تقول «والامامة لا تستوجب الا بالتقدم في الفضل والتقدم في السوابق، والا بأن يكون الفضل اما ظاهرا للعيون ومشهورا عند جميع المسلمين قد اجمعوا على تقديم رجل وتأمير امير من تلقاء انفسهم بغير سيف ولا خوف ولا اكراه ظاهر ولا سبب يوجب سوء الظن فضلا على غير ذلك» .
(5) يعدد الجاحظ كتاب الوحي الذين سبقوا معاوية او عملوا معه وقد كان له رأي سيء بالكتاب عامة (راجع رسالة الكتاب ضمن كتابنا هذا «رسائل الجاحظ السياسية» ) .
(6) الجاحظ يريد أن يقول ان قتلة عثمان مهدوا الطريق له الى الخلافة اذ لولا قتل عثمان لما اوهم الناس باشتراك علي في قتله وتأليبهم عليه، ولما قال انه اولى بها لأنه انتدب نفسه للأخذ بثأره.
(7) موقف عضوي الشورى سعد بن ابي وقاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب الناهي عن القتال استغله معاوية خير استغلال لصالحه. كما افاد من تماسك جنده وتضعضع جند علي، وقد علل الجاحظ تضعضع جند علي لأنهم من النزارية اصحاب الاحقاد والعداوات القبلية الجاهلية، كما انهم من اهل العراق «اصحاب الخواطر والنظر والتأويل والقياس ومع هذه الصفة يكون الاختلاف ... » .
(8) يذكر الجاحظ سببا آخر ادى الى غلبة معاوية وهي اللجوء الى الترغيب بالمال والمناصب يغري بها اصحاب النفوس الضعيفة والدنيئة. بينما عرف عن علي شتده في بذل المال والضن به على غير مستحقيه.
(9) حيلة المصاحف لم تنطل على علي، ولكنها انطلت على جنده.
(10) دهاء عمرو بن العاص ادى الى ضعف موقف علي.
(11) الجاحظ يحلل موقف ابي موسى الاشعري، وينتهي الى نتيجة جديدة وهي أنه لم يكن غبيا فيخدع ولكنه انقلب على علي وحاول صرف الخلافة الى عبد الله بن عمر.
(12) أنظر موقف الجاحظ من قبول علي بابي موسى حكما، انه يتابع استاذه النظام في تعليل ذلك القبول وهو انه لم يرض به حكما لأنه قصير النظر عديم الفطنة، جاهل بما يضمر ابو موسى من عداوة له، ولا بسبب ضغط انصار ابي موسى اليمانية
(1/402)

عليه، ولكن خوفا من الخلاف في جيشه.
(13) اسباب ترك علي القتال هو ما لمسه من ميل جنده الى الراحة والملل من الحرب.
(14) يشرح الجاحظ مبدأ من مبادىء المعتزلة هو اقتران القول بالعمل. ويلمح الى التقية عند الشيعة.
(15) يرى الجاحظ ان عليا لم يخدع بحيلة معاوية وعمرو بن العاص.
(16) الفرق بين علي ومعاوية هو ان عليا كان يلزم في اعماله وتصرفاته الكتاب والسنة اي القرآن وسنة الرسول من قول وفعل وتقرير. اما معاوية فكان لا يتقيد بهما دائما.
(17) الجاحظ يشير الى ما قاله في رسالة النابتة من ان معاوية كفر لمخالفته سنة الرسول في ادعاء الولد (يعني زياد ابن ابيه الذي ادعى ابو سفيان انه ابنه وهو ابن قراش) .
(18) الجاحظ يعلن انه معتزلي وليس علويا او عثمانيا او بكريا، وهو لا يكره هؤلاء ولا اولئك ولا يميل الى اي فريق من الفريقين.
(19) السفيانية لا تحكم على معاوية بالضلال بسبب مبايعته ابنه يزيد. والجاحظ يخالفهم في ذلك.
(20) «كتاب القضية» هو نص الاتفاق على التحكيم بين علي ومعاوية. اثبت الجاحظ النص وحلله فوجده مزورا لفظا ومعنى او شكلا ومضمونا. وقد أحسن الجاحظ التحليل والنقد.
(21) سبب تمرد معاوية على علي عزله عن ولاية الشام.
(22) «الشيعة غافلون عن تدبير علي» رأي خطير اذا ثبت قلب مقاييس الشيعة راسا على عقب.
(23) خطأ الخوارج في موقفهم من علي: لم يفهموا تدبيره مرتين: عند ما دعاهم الى مواصلة القتال فابوا، وعند ما دعوه الى استئناف القتال فأبى.
(24) الجاحظ يميط اللثام عن موقف ابن عباس من عزل معاوية: لقد نصح عليا بعدم عزله فرفض الخليفة.
(25) سبب آخر ساعد معاوية في صراعه ضد الامام علي هو استنكار العامة لمقتل عثمان، والشك في موقف علي من مقتله.
(26) الجاحظ يحدد معنى الاعتزال بانه التوسط والاقتصاد بين غلو الخوارج وامثالهم وتقصير المرجئة وامثالهم في صفات الله والقاذف وقتال الفئة الباغية. «المنزلة بين المنزلتين»
(1/403)

(27) لماذا كان موقف علي من مقتل عثمان غامضا؟ لأن الناس انقسموا فئتين بشأن عثمان: فئة ناقمة على عثمان مثنية على قاتليه وهم اكثر الجنود والقواد ورؤساء العشائر. وفئة تعظم شأن دمه وتبرىء عليا منه وهم عامة الأمة. فاحتار علي فيما عساه يقول في مقتله: فاذا اظهر البراءة من قاتليه ثار به الجند. واذا اثنى على قاتليه نقمت عليه العامة. «فكان يمسك عن ذكره ما امكنه الامساك، فاذا اضطره القول قال قولا يحتمل رضى الفريقين» .
(28) يذكر الجاحظ اسماء الفئات التي تؤيد معاوية وتثبت حقه في الخلافة وهي:
السفيانية (نسبة الى ابي سفيان والد معاوية) والمروانية (نسبة الى مروان بن الحكم المؤسس الثاني للخلافة الاموية) . والغيلانية (نسبة الى غيلان الدمشقي المتكلم 723 م) واليزيدية اصحاب ثور بن يزيد (احد رجال الحديث (770 م)) والاوزاعي (احد فقهاء السنة في مطلع العصر العباسي، ولد في بعلبك ومات ودفن في محلة الاوزاعي بالقرب من بيروت سنة 774 م) .
(29) طلحة والزبير عضوا الشورى ومن كبار الصحابة بايعا عليا ثم نكثا البيعة وقادا الحرب ضده في معركة الجمل قرب البصرة.
(30) السفيانية تنكر ان يكون معاوية قاسطا او جائرا. ولو كان كذلك لما اطاعه الناس وحاربوا معه وضحوا بنفوسهم واموالهم من اجله.
(31) السفيانية تطعن في خلافة علي لأنه لم ينلها بالتشاور، ولم يجمع عليه الناس، ولم يرد فيه نص. اما معاوية فقد ولاه عمر وزكاه عثمان وكانا راضيين عنه.
(32) السفيانية تدعي ان ولاية معاوية صارت بوضع اليد كاللقطة ولو طلبها علي منه لم يثبت ان اللقطة له.
(33) السفيانية تزعم ان حق علي بالخلافة سقط لأنه اشترك في دم عثمان او اعان على قتله او منع ولي الدم من معاقبة القاتل.
(34) السفيانية تنفي صحة الحديث النبوي «انت مني بمنزلة هارون من موسى» لأنه لو كان صحيحا لاحتج به علي. ثم انها تقول ان الخلافة شورى، وعلي لم ينلها بالشورى.
(35) استندت السفيانية في حق معاوية بالخلافة إلى انتصاره على خصمه وقوته. والامام يجب ان يكون هو الأقوى ويجب أن يجمع الدين والسيف لتستقيم الامامة.
وكذلك النبوة فلا بد للنبي من ان يحمل السيف الى جانب الرسالة الدينية أو يؤيده ملك في دعواه ولكن هذا الزعم لا ينطبق على السيد المسيح وعلى موسى. ولا يؤيده الجاحظ الذي يرى في رسالة حجج النبوة أن يكون النبي اعتمد على
(1/404)

الارهاب لنشر دينه (انظر ايضا استحقاق الامامة) .
(36) ملخص حجج السفيانية في وجوب امامة معاوية: براءته من عيوب اعضاء الشورى، وانتدابه الى الثأر لدم عثمان.
(37) الجاحظ يعترف بأن حجج السفيانية القاها اليه ابن حسان مفسرة مستوفاة لكي لا يعتب عليه أحد.
(38) جميع حجج السفيانية لم يدل بها معاوية ولم يعرفها اهل عصره انها من تصنع المتكلمين المتأخرين من الناصبة.
(39) يذكر الجاحظ معظم المؤرخين العرب: الزهري ومحمد بن اسحق، امامي اهل الحجاز في علم السير والاخبار، وقتادة البصري، وسماك بن حرب الكوفي، وشبرمة والقاسم بن معن وابن ابي عنيسة البصريين الخ. وهؤلاء ثقات. ومثل الكلبي وابن الكلبي وعوانه والشرفي بن القطامي وابن الحسن المدائني والهيثم بن عدي الخ.. من غير الثقات. ويدل كلام الجاحظ على انه اطلع على كتبهم مما يبرهن على سعة ثقافته.
(40) الدليل على ان هذه الاحتجاجات التي قالت بها السفيانية في عصر معاوية من صنع المتكلمين المحدثين ان خطب معاوية ورسائله تخلو منها، وكذلك كتاب القضية.
(41) الرد على حجة السفيانية بعدم الاجماع على خلافته يدفع الجاحظ الى ايضاح مفهوم الاجماع وعلاقته باستحقاق الامامة. ان الاجماع بنظره ليس سبب الامامة سواء توافر ام لم يتوافر، ان سبب الامامة هو الفضل (راجع نظريته في الامامة في اواخر رسالة العثمانية، وفي كتابنا: المناحي الفلسفية عند الجاحظ) .
(42) الشورى ليست سبب الامامة بنظر الجاحظ، وقد عمل بها عمر وليس من الضروري اتباعها. فأبوبكر لم يعمل بها بل اقام عمر قبل وفاته.
(43) علي اولى بالخلافة بسبب القرابة والرواية والقدم والزهد. هذا الرأي قال به الشيعة ورفضه الجاحظ في «استحقاق الامامة» وكتب أخرى.
(44) الجاحظ لا يستنكر طلب معاوية بدم عثمان ويرى ان قاتل عثمان من اهل النار.
هذا الرأي اعلنه ايضا في رسالة النابتة. (راجعها ضمن رسائل الجاحظ الكلامية) .
(45) علي لم يقتل عثمان ولا اشترك في قتله. هذا الرأي ابداه الجاحظ في مطلع الرسالة (رقم 6) .
(1/405)

[5- محتويات رسالة فضل هاشم علي عبد شمس]
(- 5- كتاب فضل هاشم على عبد شمس)
(1/407)

قال أبو عثمان:
[1- خصال هاشم في الجاهلية]
إن أشرف خصال قريش في الجاهلية: أللواء والندوة والسقاية والرفادة وزمزم والحجابة، وهذه الخصال مقسومة في الجاهلية لبني هاشم وعبد الدار وعبد العزى دون بني عبد شمس. على أن معظم ذلك صار شرفه في الاسلام إلى بني هاشم. لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ملك مكة صار مفتاح الكعبة بيده، فدفعه إلى عثمان بن طلحة. فالشرف راجع إلى من ملك المفتاح لا إلى من دفع إليه. وكذلك دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مصعب بن عمير اللواء فالذي دفع اللواء إليه وأخذه مصعب من يديه أحق بشرفه وأولى بمجده، وشرفه راجع إلى رهطه من بني هاشم. قال: وكان محمد بن عيسى المخزومي أميرا على اليمن فهجاه أبيّ بن مدلج فقال:
قل لابن عيسى المستغي ... ث من السّهولة بالوعوره
النّاطق العوراء في ... جلّ الأمور بلا بصيره
ولد المغيرة تسعة ... كانوا صناديد العشيرة
وأبوك عاشرهم كما ... نبتت مع النّخل الشّعيره
إنّ النّبوّة والخلافة ... والسقاية والمشورة
في غيركم فاكفف اليك ... يدا مجذمة قصيرة
(1/409)

قال: فانبرى له [شاعر] من ولد كريز بن حبيب بن عبد شمس، وكان مع محمد بن عيسى باليمن، يهجو عنه ابن مدلج في كلمة له طويلة قال فيها:
لا لواء يعدّ بابن كريز ... لا ولا رفد بيته ذي السّناء
لا حجاب وليس فيكم سوى ال ... كبر وبغض النّبيّ والشّهداء
بين حاك ومخلج وطريد ... وقتيل يلعنه أهل السّماء
ولهم زمزم وجبرائيل ... ومجد السّقاية الغرّاء
قال أبو عثمان: فالشهداء: علي وحمزة وجعفر. والحاكي والمخلج هو الحكم ابن أبي العاص، كان يحكى مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتفت يوما فرآه فدعا عليه، فلم يزل مخلج المشية عقوبة من الله تعالى. والطريد:
إثنان، ألحكم ابن أبي العاص ومعاوية بن المغيرة بن أبي العاص. وهما جدا عبد الملك بن مروان من قبل أمه وأبيه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم طرد معاوية بن المغيرة هذا من المدينة وأجله ثلاثا فحيره الله ولم يزل يتردد في ضلاله حتى بعث في أثره عليا وعمارا فقتلاه. فأما القتلى فكثير: نحو شيبة وعتبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة وحنظلة بن أبي سفيان وعقبة بن أبي معيط والعاص بن سعيد بن أمية ومعاوية المغيرة وغيرهم.
[2- كرم هاشم]
قال أبو عثمان: وكان اسم هاشم عمرا، وهاشم لقب. وكان أيضا يقال له القمر. وفي ذلك يقول مطرود الخزاعيّ:
إلى القمر السّاري المنير دعوته ... ومطعمهم في الأزل من قمع الجزر
قال ذلك في شيء كان بينه وبين بعض قريش، فدعاه مطرود إلى المحاكمة إلى هاشم. وقال ابن الزّبعري:
كانت قريش ريضة فتلفّقت ... فالمحّ خالصه لعبد مناف
(1/410)

الرّائشون وليس يوجد رائش ... والقائلون هلمّ للأضياف
عمرو العلى هشم الثّريد لقومه ... ورجال مكّة مسنتون عجاف
فعم كما ترى أهل مكة بالأزل والعجف وجعله الذي هشم لهم الخبز ثريدا، فغلب هذا اللقب على اسمه حتى صار لا يعرف إلا به. وليس لعبد شمس لقب كريم ولا اشتق له من صالح أعماله اسم شريف، ولم يكن لعبد شمس ابن يأخذ بضبعه ويرفع من قدره ويزيد في ذكره.
[3- مزايا عبد المطلب]
ولهاشم عبد المطلب سيد الوادي غير مدافع، أجمل الناس جمالا وأظهرهم جودا وأكملهم كمالا، وهو صاحب الفيل والطير الأبابيل صاحب زمزم وساقي الحجيج. وولد عبد شمس أمية بن عبد شمس، وأمية في نفسه ليس هناك وإنما ذكر بأولاده ولا لقب له. ولعبد المطلب لقب شهير واسم شريف: شيبة الحمد. قال مطرود الخزاعي في مدحه:
يا شيبة الحمد الذي تثنى له ... أيّامه من خير ذخر الذّاخر
ألمجد ما حجّت قريش بيته ... ودعا هديل فوق غصن ناخر
والله لا أنساكم وفعالكم ... حتى أغيب في سفاة القابر
وقال حذافة بن غانم العدويّ وهو يمدح أبا لهب ويوصي ابنه خارجة بن حذافة بالانتماء إلى بني هاشم:
أخارج إمّا أهلكنّ فلا تزل ... لهم شاكرا حتى تغيّب في القبر
بني شيبة الحمد الكريم فعاله ... يضيء ظلام اللّيل كالقمر البدر
لساقي الحجيج ثم للشّيخ هاشم ... وعبد مناف ذلك السيد الغمر
أبو عتبة الملقى إليّ جواره ... أغرّ هجان اللّون من نفر غرّ
أبوهم قصيّ كان يدعى مجمعا ... به جمع الله القبائل من فهر
(1/411)

فأبو عتبة هو أبو لهب بن عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم وابناه عتبة وعتيبة: وقال العبدي حين احتفل في الجاهلية فلم يترك:
لا ترى في النّاس حيّا مثلنا ... ماخلا أولاد عبد المطّلب
وإنما شرف عبد شمس بأبيه عبد مناف بن قصي، وبني ابنه أمية بن عبد شمس. وهاشم شرف بنفسه وبأبيه عبد مناف وبابنه عبد المطلب. والأمر في هذا بيّن وهو كما أوضحه الشاعر في قوله:
إنما عبد مناف جوهر ... زيّن الجوهر عبد المطّلب
قال أبو عثمان: ولسنا نقول إن عبد شمس لم يكن شريفا في نفسه، ولكن الشرف يتفاضل، وقد أعطى الله عبد المطلب في زمانه وأجرى على يديه وأظهر من كرامته ما لا يعرف مثله إلا لنبي مرسل، وإن في كلامه لأبرهة صاحب الفيل وتوعده إياه برب الكعبة وتحقيق قولة من الله تعالى ونصرة وعيده بحبس الفيل وقتل أصحابه بالطير الأبابيل وحجارة السجيل حتى تركوا كالعصف المأكول، لأعجب البرهانات وأسنى الكرامات، وإنما كان ذلك إرهاصا لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وتأسيسا لما يريد الله به من الكرامة، وليجعل ذلك البهاء متقدما له ومردودا عليه، وليكون أشهر في الآفاق وأجل في صدور الفراعنة والجبابرة والأكاسرة، وأجدر أن يقهر المعاند ويكشف غباوة الجاهل.
[4- نبوة محمد]
وبعد، فمن ينهاهض أو يناضل رجالا ولدوا محمدا صلى الله عليه وسلم؟
ولو عزلنا ما أكرمه الله به من النبوة حتى نقتصر على أخلاقه ومذاهبه وشيمه لما وفى به بشريّ ولا عدله شيء؟ ولو شئنا أن نذكر ما أعطى الله عبد المطلب من تفجر العيون وينابيع الماء من تحت كلكل بعيره وأخفافه بالأرض القسى وبما أعطى يوم المساهمة وعند المقارعة من الأمور العجيبة والخصال البائنة لقلنا ولكنا
(1/412)

أحببنا أن لا نحتج عليكم إلا بالموجود في القرآن الحكيم والمشهور في الشعر القديم الظاهر على ألسنة الخاصة والعامة ورواة الأخبار وحمال الآثار.
[5- ايلاف قريش]
قال: ومما هو مذكور في القرآن- عدا حديث الفيل- قوله تعالى:
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ
ولقد أجمعت الرواة على أن أول من أخذ الايلاف لقريش هاشم بن عبد مناف. فلما مات قام أخوه المطلب مقامه، فلما مات قام عبد شمس مقامه، فلما مات قام نوفل مقامه- وكان أصغرهم- والايلاف هو أن هاشما كان رجلا كثير السفر والتجارة فكان يسافر في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام، وشرك في تجارته رؤساء القبائل من العرب ومن ملوك اليمن نحو العباهلة باليمن واليكسوم من بلاد الحبشة ونحو ملوك الروم بالشام، فجعل لهم معه ربحا فيما يربح وساق لهم إبلا مع إبله فكفاهم مؤنة الأسفار على أن يكفوه مؤنة الأعداء في طريقه ومنصرفه، فكان في ذلك صلاح عام للفريقين، وكان المقيم رابحا والمسافر محفوظا. فأخصبت قريش بذلك وحملت معه أموالها وأتاها الخير من البلاد السافلة والعالية وحسنت حالها وطاب عيشها. قال: وقد ذكر حديث الايلاف الحارث بن الحنش السلمي وهو خال هاشم والمطلب وعبد شمس فقال:-
إنّ أخي هاشما ليس أخا واحد ... الآخذ الإيلاف والقائم للقاعد
قال أبو عثمان) وقيل إن تفسير قوله تعالى: وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
هو خوف من كان هؤلاء الاخوة يمرون به من القبائل والأعداء وهم مغتربون ومعهم الأموال وهذا هو ما فسرنا به الإيلاف آنفا، وقد فسره قوم بغير ذلك قالوا: إن هاشما جعل على رؤساء القبائل ضرائب يؤدونها إليه ليحمي بها أهل مكة، فان ذؤبان العرب وصعاليك الأحياء وأصحاب الغارات وطلاب الطوائل كانوا لا
(1/413)

يؤمنون على الحرم لا سيما وناس من العرب كانوا لا يرون للحرم حرمة ولا للشهر الحرام قدرا، مثل طيء وخثعم وقضاعة وبعض بلحرث بن كعب، وكيفما كان الايلاف فإن هاشما كان القائم به دون غيره من إخوته.
[6- حلف الفضول]
قال أبو عثمان: ثم حلف الفضول وجلالته وعظمته، وهو أشرف حلف كان في العرب كلها وأكرم عقد عقدته قريش في قديمها وحديثها قبل الاسلام. لم يكن لبني عبد شمس فيه نصيب، قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يذكر حلف الفضول: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت إلى مثله في الاسلام لأجبت. ويكفي في جلالته وشرفه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شهده وهو غلام. وكان عتبة بن ربيعة يقول: لو أن رجلا خرج مما عليه قومه لدخلت في حلف الفضول لما أرى من كماله وشرفه ولما أعلم من قدره وفضيلته. قال: ولفضل ذلك الحلف وفضيلة أهله سمي «حلف الفضول» وسميت تلك القبائل «الفضول» فكان هذا الحلف في بني هاشم وبني المطلب وبني أسد بن عبد العزى وبني زهرة وبني تيم بن مرة. تعاقدوا في دار ابن جدعان في شهر حرام قياما يتماسحون بأكفهم صعدا ليكونن مع المظلوم حتى يؤدوا إليه حقه ما بل بحر صوفة، وفي التآسي في المعاش والتساهم بالمال.
وكانت النباهة في هذا الحلف للزّبير بن عبد المطلب ولعبد الله بن جدعان. أما ابن جدعان فلأن الحلف عقده في داره، وأما الزبير فلأنه هو الذي نهض فيه ودعا إليه وحث عليه، وهو الذي سماه «حلف الفضول» وذلك لأنه لما سمع الزبيدي المظلوم ثمن سلعته قد أوفى على أبي قبيس قبل طلوع الشمس رافعا عقيرته، وقريش في أنديتها، قائلا:
يا للرّجال لمظلوم بضاعته ... ببطن مكّة نائى الحيّ والنفر
إنّ الحرام لمن تمّت حرامته ... ولا حرام لثوبي لابس الغدر
(1/414)

حمي وحلف ليعقدن حلفا بينه وبين بطون من قريش يمنعون القوى من ظلم الضعيف، والقاطن من عنف الغريب. ثم قال:
حلفت لنعقدن حلفا عليهم ... وإن كنّا جميعا أهل دار
نسمّيه الفضول إذا عقدنا ... يعزّ به الغريب لدى الجوار
ويعلم من يطوف البيت أنّا ... أباة الضّيم نهجر كلّ عار
فبنو هاشم هم الذين سموا ذلك الحلف «حلف الفضول» وهم كانوا سببه والقائمين به دون جميع القبائل العاقدة له والشاهدة لأمره، فما ظنك بمن شهده ولم يقم بأمره؟
قال أبو عثمان: وكان الزبير بن عبد المطّلب شجاعا أبيا وجميلا بهيا، وكان خطيبا شاعرا وسيدا جوادا، وهو الذي يقول:
ولولا الحمس لم يلبس رجال ... ثياب أعزّة حتّى يموتوا
ثيابهم شمال أو عباء ... بها دنس كما دنس الحميت
ولكنّا خلقنا إذ خلقنا ... لنا الحبرات والمسك الفتيت
وكأس لو تبين لهم كلاما ... لقالت إنّما لهم سبيت
تبين لنا القذى إن كان فيها ... رصين الحلم يشربها هبيت
ويقطع نخوة المختال عنّا ... رقاق الحدّ ضربته صموت
بكفّ مجرّب لا عيب فيه ... إذا لقي الكريهة يستميت
قال: والزبير هو الذي يقول:
وأسحم من راح العراق مملا ... محيط عليه الخيش جلد مرائره
صبحت به طلقا يراح إلى النّدى ... إذا ما انتشى لم يختصره معاقره
ضعيف بجنب الكأس قبض بنانه ... كليل على جلد النّديم أظافره
قال: وبنو هاشم هم الذين ردوا على الزّبيدي ثمن بضاعته، وكانت عند
(1/415)

العاص بن وائل، وأخذوا للبارقي ثمن سلعته من أبي بن خلف الجمحي، وفي ذلك يقول البارقي:
ويأبى لكم حلف الفضول ظلامتي ... بنى جمح والحقّ يؤخذ بالغصب
وهم الذين انتزعوا من نبيه بن الحجّاج قتول الحسناء بنت التاجر الخثعمي، وكان كابره عليها حين رأى جمالها. وفي ذلك يقول نبيّه بن الحجاج:
وخشيت الفضول حين أتوني ... قد أرابى ولا أخاف الفضولا
إنّني والّذي يحجّ له ... شمط إياد وهلّلوا تهليلا
لبراء منّي قتيلة يا للنّاس ... هل يبتغون إلّا القتولا
وفيها أيضا يقول:
لولا الفضول وأنّه ... لا أمن من عدوائها
لدنوت من أبياتها ... ولطفت حول خبائها
في كلمته التي يقول فيها:
حيّ البخيلة إذ نأت ... منّا على عدوائها
لا بالفراق تنيلنا ... شيئا ولا بلقائها
حلّت بمكّة حلّة ... في مشيها ووطائها
في رجال كثير انتزعوا منهم الظلامات. ولم يكن يظلم بمكة إلا رجال أقوياء ولهم العدد والعارضة، منهم من ذكرنا قصته.
[7- حرب الفجار]
قال أبو عثمان: ولهاشم أخرى لا يعد أحد مثلها ولا يأتي بما يتعلق بها.
وذلك أن رؤساء قبائل قريش خرجوا إلى حرب بني عامر متساندين، فكان حرب إبن أمية على بني عبد شمس، وكان الزبير بن عبد المطلب على بني هاشم،
(1/416)

وكان عبد الله بن جدعان على بني تيم، وكان هاشم بن المغيرة على بني مخزوم.
وكان على كل قبيلة رئيس منها، فهم متكافئون في التساند ولم يحقق واحد منهم الرآسة على الجميع. ثم آب هاشم بما لا تبلغه يد متناول ولا يطمع فيه طامع، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: شهدت الفجار وأنا غلام فكنت أنبل فيه على عمومتي. فنفى مقامه عليه الصلاة والسلام أن تكون قريش هي التي فجرت، فسميت تلك الحرب «حرب الفجار» وثبت أن الفجور إنما كان ممن حاربهم. وصاروا بيمنه وبركته ولما يريد الله من إعزاز أمره وإعظام الغالبين العالمين. ولم يكن الله ليشهده فجرة ولا غدرة؟ فصار مشهده نصرا وموضعه فيهم حجة ودليلا.
[8- مخازي امية مقابل فضائل هاشم]
قال أبو عثمان: وشرف هاشم متصل، من حيث عددت كان الشرف معه كابرا عن كابر، وليس بنو عبد شمس كذلك، فإن الحكم بن أبي العاص كان عاريا في الاسلام ولم يكن له سناء في الجاهلية. وأما أمية فلم يكن في نفسه هناك، وإنما رفعه أبوه، وكان مضعوفا وكان صاحب عهار، يدل على ذلك قول نفيل بن عدي جد عمر بن الخطاب حين تنافر إليه حرب بن أمية وعبد المطلب ابن هاشم، فنفر عبد المطلب وتعجب من إقدام حرب عليه وقال له:
أبوك معاهر وأبوه عفّ ... وذاد الفيل عن بلد حرام
وذلك أن امية كان تعرض لامرأة من بني زهرة فضربه رجل منهم بالسيف، فاراد بنو امية ومن تبعهم إخراج بني زهرة من مكة فقام دونهم قيس إبن عدي السهمي، وكانوا أخواله وكان منيع الجانب شديد العارضة حميّ الأنف أبيّ النفس فقام دونهم وصاح: أصبح ليل. فذهبت مثلا. ونادى:
الآن الظاعن مقيم. وفي هذه القصة يقول وهب بن عبد مناف بن زهرة:
مهلا أميّ فإنّ البغي مهلكة ... لا يكسبنّك يوم شرّه ذكر
(1/417)

تبدو كواكبه والشّمس طالعة ... يصبّ في الكأس منه الصّاب والمقر
قال أبو عثمان: وصنع أمية في الجاهرية شيئا لم يصنعه أحد من العرب، زوج أبا عمرو امرأته في حياته منه، فأولدها أبا معيط بن أبي عمرو بن أمية.
والمقيتون في الاسلام هم الذين نكحوا نساء آبائهم بعد موتهم. فأما أن يتزوجها في حياة الأب ويبنى عليها وهو يراه فإنه شيء لم يكن قط.
قال أبو عثمان: وقد أقر معاوية على نفسه ورهطه لبني هاشم حين قيل له: أيهما كان أسود في الجاهلية، أنتم أم بنو هاشم؟ فقال: كانوا أسود منا واحدا، وكنا أكثر منهم سيدا. فأقرّ وأدّعى، فهو في إقراره بالنقص مخصوم، وفي ادعائه الفضل خصيم وقال جحش بن رئاب الأسدي حين نزل مكة بعد موت عبد المطلب: والله لأتزوجن ابنة أكرم أهل هذا الوادي ولأحالفن أعزهم.
فتزوج أميمة بنت عبد المطلب وحالف أبا سفيان بن حرب. وقد يمكن أن يكون أعزهم ليس بأكرمهم، ولا يمكن أن يكون أكرمهم ليس بأعزهم. وقد أقر أبو جهل على نفسه ورهطه من بني مخزوم حين قال: تحاربنا نحن وهم حتى إذا صرنا كهاتين جاءنا نبي. فأقر بالتقصير ثم ادعى المساواة، ألا تراه كيف أقر أنه لم يزل يطلب شأوهم ثم ادعى أنه لحقهم؟ فهو مخصوم في إقراره، خصيم في دعواه. وقد حكم لهاشم دغفل بن حنظلة النسابة حين سأله معاوية عن بني هاشم فقال: هم أطعم للطعام وأضرب للهام. وهاتان خصلتان يجمعان أكثر الشرف.
قال أبو عثمان: والعجب من منافرة حرب بن أمية عبد المطلب بن هاشم وقد لطم حرب جارا لخلف بن أسعد جد طلحة الطلحات فجاء جاره فشكا ذلك إليه، فمشى خلف إلى حرف وهو جالس عند الحجر فلطم وجهه عنوة من غير تحاكم ولا تراض، فما انتطح فيه عنزان. ثم قام أبو سفيان بن حرب مقام أبيه بعد موته فحالفه أبو الأزيهر الدوسي، وكان عظيم الشأن في الأزد، وكانت بينه وبين بني الوليد بن المغيرة محاكمة في مصاهرة كانت بين الوليد وبينه، فجاءه
(1/418)

هشام بن الوليد وأبو الأزيهر قاعد في مقعد أبي سفيان بذي المجاز فضرب عنقه، فلم يدرك به أبو سفيان عقلا ولا قودا في بني المغيرة. وقال حسان بن ثابت يذكر ذلك:
غدا أهل حصنى ذي المجاز بسحرة ... وجار ابن حرب لا يروح ولا يغدو
كساك هشام بن الوليد ثيابه ... فأبل وأخلق مثلها جددا بعد
[9- ملوك هاشم اعظم من ملوك أمية]
قال أبو عثمان: فإن قالت أمية: لنا الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي.
أربعة خلفاء في نسق. قلنا لهم: ولبني هاشم: هرون الواثق بن محمد المعتصم بن هرون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد الكامل بن علي السجاد- كان يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة، فكان يقال له السجاد لعبادته وفضله، وكان أجمل قرشي على وجه الأرض وأوسمه، ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب فسمي باسمه كنّي بكنيته فقال عبد الملك: لا والله لا أحتمل لك الاسم والكنية فغير أحدهما؟ فغير الكنية فصيرها أبا محمد- ابن عبد الله وهو البحر وهو حبر قريش وهو المفقه في الدين المعلم التأويل، ابن العباس ذي الرأي وحليم قريش، ابن شيبة الحمد وهو عبد المطلب سيد الوادي، ابن عمرو وهو هاشم هشم الثريد وهو القمر سمي بذلك لجماله ولأنهم كانوا يقتدون به ويهتدون برأيه، ابن المغيرة وهو عبد مناف بن زيد وهو قصي وهو مجمع.
فهؤلاء ثلاثة عشر سيدا لم يخرم منهم واحد ولا قصر عن الغاية. وليس منهم واحد إلا وهو ملقب بلقب اشتق له من فعله الكريم، ومن خلقه الجميل، وليس منهم إلا خليفة أو موضع للخلافة أو سيد في قديم الدهر متبع أو ناسك مقدم أو فقيه بارع أو حليم ظاهر الزكانة. وليس هذا لأحد سواهم. ومنهم خمسة خلفاء في نسق، وهم أكثر مما عدته الأموية. ولم يكن مروان كالمنصور،
(1/419)

لأن المنصور ملك البلاد ودوخ الأقطار وضبط الأطراف اثنتين وعشرين سنة، وكانت خلافة مروان على خلاف ذلك كله، وإنما بقي في الخلافة تسعة أشهر حتى قتلته امرأته عاتكة بنت يزيد بن معاوية حين قال لابنها خالد من بعلها الأول: يا ابن الرطبة. ولئن كان مروان مستوجبا لاسم الخلافة مع قلة الأيام وكثرة الاختلاف واضطراب البلدان فضلا عن الأطراف، فابن الزبير أولى بذلك منه، فقد كان ملك الأرض إلا بعض الأردن. ولكن سلطان عبد الملك وأولاده لما اتصل بسلطان مروان، اتصل عند القوم ما انقطع منه وأخفى موضع الوهن عند من لا علم له. وسنّو المهدي كانت سني سلامة، وما زال ملك عبد الملك في انتقاض وانتكاس، ولم يكن ملك يزيد كملك هرون، ولا ملك الوليد كملك المعتصم.
[10- هاشم احق بالخلافة]
قال أبو عثمان: وتفخر عليهم بنو هاشم بأن سنيّ ملكهم أكثر ومدته أطول، فإنه قد بلغت مدة ملكهم إلى اليوم أربعا وتسعين سنة. ويفخرون أيضا عليهم بأنهم ملكوا بالميراث وبحق العصبة والعمومة، وأن ملكهم في مغرس نبوة، وأن أسبابهم غير أسباب بني مروان، بل ليس لبني مروان فيها سبب ولا بينهم وبينها نسب، إلا أن يقولوا إنا من قريش. فيساووا في هذا الاسم قريش الظواهر. لأن رواية الراوي: الأئمة من قريش. واقعة على كل قريش.
وأسباب الخلافة معروفة وما يدعيه كل جيل معلوم، وإلى كل ذلك قد ذهب الناس فمنهم من ادعاه لعلي لاجتماع القرابة والسابقة والوصية. فإن كان الأمر كذلك فليس لآل أبي سفيان ولا لآل مروان فيها دعوى، وإن كانت إنما تنال بالوراثة وتستحق بالعمومة وتستوجب بحق العصبة، فليس لهم أيضا فيها دعوى، وإن كانت لا تنال إلا بالسوابق والأعمال والجهاد، فليس لهم في ذلك قدم مذكور ولا يوم مشهور، بل كانوا إذ لم يكن لهم سابقة ولم يكن فيهم ما يستحقون به الخلافة ولم يكن فيهم ما يمنعهم منها أشد المنع لكان أهون ولكان
(1/420)

الأمر عليهم أيسر. قد عرفنا كيف كان أبو سفيان في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وفي محاربته له وإجلابه عليه وغزوه إياه، وعرفنا إسلامه كيف أسلم وإخلاصه كيف أخلص ومعنى كلمته يوم الفتح حين رأى الجنود وكلامه يوم حنين وقوله يوم صعد بلال على الكعبة فأذن، على أنه إنما أسلم على يد العباس، والعباس هو الذي منع الناس من قتله وجاء به رديفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله فيه أن يشرفه وأن يكرمه وينوه به. وتلك يد بيضاء ونعمة غراء ومقام مشهود، ويوم حنين غير مجحود.
[11- جور أمية]
فكان جزاء بني هاشم من بنيه أن حاربوا عليا، وسموا الحسن وقتلوا الحسين وحملوا النساء على الأقتاب حواسر وكشفوا عن عورة علي بن الحسين حين أشكل عليهم بلوغه كما يصنع بذراري المشركين إذا دخلت دورهم عنوة. وبعث معاوية بسر بن أرطاة إلى اليمن فقتل ابني عبيد الله بن العباس، وهما غلامان لم يبلغا الحلم. وقتل عبيد الله بن زياد يوم الطف تسعة من صلب علي وسبعة من صلب عقيل، ولذلك قال ناعيهم:
عين جودي بعبرة وعويل ... واندبي إن ندبت آل الرّسول
تسعة كلّهم لصلب عليّ ... قد أصيبوا وسبعة لعقيل
ثم إن بني أمية تزعم أن عقيلا أعان معاوية على علي، فإن كانوا كاذبين فما أولاهم بالكذب، وإن كانوا صادقين فما جازوا عقيلا بما صنع. وضرب عنق مسلم ابن عقيل صبرا وغدرا بعد الأمان، وقتلوا معه هاني بن عروة لأنه آواه ونصره، ولذلك قال الشاعر:
فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانيء في السّوق وابن عقيل
تري بطلا قد هشّم السّيف وجهه ... وآخر يهوي من طمار قتيل
(1/421)

وأكلت هند كبد حمزة، فمنهم آكلة الأكباد، ومنهم كهف النفاق، ومنهم من نقر بين ثنيتي الحسين بالقضيب، ومنهم القاتل يوم الحرّة عون بن عبد الله ابن جعفر، ويوم الطفّ أبا بكر بن عبد الله بن جعفر، وقتل يوم الحرة أيضا من بني هاشم: الفضل بن عباد بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب، والعباس بن عتبة بن أبى لهب بن عبد المطلب، وعبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب.
قال أبو عثمان: وقالت هاشم لأمية: قد علم الناس ما صنعتم بنا من القتل والتشريد لا لذنب أتيناه إليكم، ضربتم عليّ بن عبد الله بن عباس بالسياط مرتين على أن تزوج بنت عمه الجعفرية التي كانت عند عبد الملك وعلى أن نحلتموه قتل سليط، وسممتم أبا هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب، ونبشتم زيدا وصلبتموه وألقيتم رأسه في عرصة الدار توطأ بالأقدام، وينقر دماغه الدجاج حتى قال القائل:
إطردوا الدّيك عن ذؤابة زيد ... طالما كان لا تطأه الدّجاج
وقال شاعركم أيضا:
صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة ... ولم نر مهديّا على الجذع يصلب
وقستم بعثمان عليّا سفاهة ... وعثمان خير من عليّ وأطيب
فروى أن بعض الصالحين من أهل البيت قال: اللهم إن كان كاذبا فسلط عليه كلبا من كلابك. فخرج يوما بسفر له فعرض له الأسد فافترسه. وقتلتم الامام جعفر الصادق، وقتلتم يحيى بن زيد وسميتم قاتله ثائر مروان وناصر الدين. هذا الى ما صنع سليمان بن حبيب بن المهلب عن أمركم وقولكم بعبد الله أبي جعفر المنصور قبل الخلافة، وما صنع مروان بابراهيم الإمام أدخل رأسه في جراب نورة حتى مات. فإن أنشدتم:
أفاض المدامع قتلى كدى ... وقتلى بكثوة لم ترمس
(1/422)

وبالزّابيين نفوس ثوت ... وأخرى بنهر أبي فطرس
أنشدنا نحن:
واذكروا مصرع الحسين وزيدا ... وقتيلا بجانب المهراس
والقتيل الذي بنجران أمسى ... ثاويا بين غربة وتناس
وقد علمتم حال مروان أبيكم وضعفه وأنه كان رجلا لا فقه له ولم يعرف بالزهد ولا بالصلاح ولا برواية الآثار ولا بصحبة ولا ببعد همة، وإنما ولى رستاقا من رساتيق دار أبجرد لابن عامر ثم ولى البحرين لمعاوية. وقد كان جميع أصحابه ومن تابعه يبايع لعبد الله بن الزبير حتى رده عبيد الله بن زياد. وقال يوم مرج راهط والرؤوس تندر عن كواهلها في طاعته:
وما ضرّهم عند حين النفوس أي غلامي قريش غلب وهذا قول من لا يستحق أن يلي ربعا من الأرباع ولا خمسا من الأخماس، وهو أحد من قتلته النساء لكلمة كان حتفه فيها. وأما أبوه الحكم بن أبي العاص فهو طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعينه والمتخلج في مشيته الحاكي لرسول الله والمتسمع عليه ساعة خلوته، ثم صار طريدا لأبي بكر وعمر، امتنعا عن إعادته إلى المدينة ولم يقبلا فيه شفاعة عثمان، فلما ولى أدخله فكان أعظم الناس شؤما عليه ومن أكبر الحجج في قتله وخلعه من الخلافة.
فعبد الملك أبو هؤلاء الملوك الذين تفتخر الأموية بهم أعرق الناس في الكفر، لأن أحد أبويه هذا والآخر من قبل أمه معاوية بن المغيرة بن أبي العاص كان النبي صلى الله عليه وسلم طرده من المدينة وأجله ثلاثا فحيره الله حين خرج وبقي مترددا متلددا حولها لا يهتدي لسبيله حتى أرسل في أثره عليا وعمارا فقتلاه، فأنتم أعرق الناس في الكفر، ونحن أعرق الناس في الايمان، ولا يكون أمير المؤمنين إلا أولاهم بالايمان وأقدمهم فيه.
قال أبو عثمان: وتفخر هاشم بأن أحدا لم يجد تسعين عاما لا طواعين
(1/423)

فيها إلا منذ ملكوا. قالوا: لو لم يكن من بركة دعوتنا إلا أن تعذيب الأمراء لعمال الخراج بالتعليق والرهق والتجريد والتسهير والمسال والنورة والجورتين والعذراء والجامعة والتشطيب قد ارتفع لكان ذلك خيرا كثيرا. وفي الطاعون يقول العماني الراجز يذكر دولتنا:
قد رفع الله رماح الجنّ ... وأذهب التّعذيب والتجنيّ
والعرب تسمي الطواعين رماح الجن. وفي ذلك يقول الشاعر:
لعمرك ما خشيت على أبيّ ... رماح بني مقيّدة الحمار
ولكنّي خشيت على أبيّ ... رماح الجنّ أو إيّاك حار
يقوله بعض بني أسد للحرث الغساني الملك.
قال أبو عثمان: وتفخر هاشم عليهم بأنهم لم يهدموا الكعبة، ولم يحولوا القبلة، ولم يجعلوا الرسول دون الخليفة، ولم يختموا في أعناق الصحابة، ولم يغيروا أوقات الصلاة، ولم ينقشوا أكف المسلمين، ولم يأكلوا الطعام ويشربوا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينهبوا الحرم ولم يطؤوا المسلمات في دار الإسلام بالسباء.
[12- هاشم تنتزع الملك من أمية]
قال أبو عثمان: ويفخر بنو العباس على بني مروان، وهاشم على عبد شمس بأن الملك كان في أيديهم فانتزعوه منهم وغلبوهم عليه بالبطش الشديد وبالحيلة اللطيفة ثم لم ينزعوه إلا من يد أشجعهم شجاعة وأشدهم تدبيرا وأبعدهم غورا ومن نشأ في الحروب وربى في الثغور ومن لا يعرف إلا الفتوح وسياسة الجنود، ثم أعطى الوفاء من أصحابه والصبر من قواده فلم يغدر منهم غادر ولا قصر منهم مقصر، كما قد بلغك عن حنظلة بن نباتة وعامر بن ضبارة ويزيد بن عمرو بن هبيرة ولا من سائر قواده حتى أحبابه وكتابه، كعبد الحميد
(1/424)

الكاتب، ثم لم يلقه ولا لقى تلك الحروب في عامة تلك الأيام إلا رجال ولد العباس بأنفسهم، ولا قام بأثر الدولة إلا مشايخهم كعبد الله بن علي، وصالح إبن علي، وداود بن علي، وعبد الصمد بن علي، وقد لقيهم المنصور نفسه.
قال: وتفخر هاشم أيضا عليهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدق: «نقلت من الأصلاب الزاكية الى الأرحام الطاهرة وما افترقت فرقتان إلا كنت في خيرهما» . وقوله: «بعثت من خيرة قريش» . ومعلوم أن بني عبد مناف افترقوا فكانت هاشم والمطلب يدا، وعبد شمس ونوفل يدا.
[13- مفاخر هاشم بعد الاسلام: الفخر بكثرة الولد]
قال: وإن كان الفخر بكثرة العدد، فإنه من أعظم مفاخر العرب، فولد علي بن عبد الله بن العباس اليوم مثل جميع بني عبد شمس. وكذلك ولد الحسين بن علي بن أبي طالب. هذا مع قرب ميلادهما. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «شوهاء ولود خير من حسناء عقيم» . وقال: «أنا مكاثر بكم الأمم» . وقد روى الشعبي عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم من سفر فأراد الرجال أن يطرقوا النساء ليلا فقال: «أمهلوا حتى تمتشط الشّعثة وتستجد المغيبة، فإذا قدمتم فالكيس الكيس» . قالوا: ذهب إلى طلب الولد. وكانت العرب تفخر بكثرة الولد وتمدح الفحل القبيس وتذم العاقر والعقيم. قال عامر بن الطفيل يعني نفسه:
لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا ... جبانا فما عذري لدى كلّ محضر
وقال علقمة بن علاثة يفخر على عامر: آمنت وكفر، ووفيت وغدر، وولدت وعقر وقال الزّبرقان:
فاسأل بني سعد وغيرهم ... يوم الفخار فعندهم خبري
أيّ امرىء أنا حين يحضرني ... رفد العطاء وطالب النّصر
(1/425)

وإذا هلكت تركت وسطهم ... ولدي الكرام ونابه الذّكر
وقال طرفة بن العبد:
فلو شاء ربي كنت قيس بن خالد ... ولو شاء ربّي كنت عمرو بن مرثد
فأصبحت ذا مال كثير وعادني ... بنون كرام سادة لمسوّد
ومدح النابغة الذبيّاني ناسا فقال:
لم يحرموا طيب النّساء وأمّهم، طفحت عليك بناطق مذكار وقال نهشل بن حري:
علّ بنيّ يشدّ الله عظمهم ... والنّبع ينبت قضبانا فيكتهل
ومكث الفرزدق زمانا لا يولد له فعيرته امرأته فقال:
قالت أراه واحدا لا أخا له ... يؤمّله في الوارثين الأباعد
لعلّك يوما أن تريني كأنّما ... بنيّ حواليّ اللّيوث الحوارد
فإنّ تميما قبل ان يلد الحصا ... أقام زمانا وهو في النّاس واحد
وقال آخر- وقد مات اخوته وملأ حوضه ليستقي فجاء رجل صاحب عشيرة وعترة فأخذ بضبعه فنحاه ثم قال لراعيه: إسق إبلك-:
لو كان حوض حمار ما شربت به ... إلّا بإذن حمار آخر الأبد
لكنّه حوض من أودى بإخوته ... ريب المنون فأمسى بيضة البلد
لو كان يشكى إلى الأموات ما لقي الأ ... حياء بعدهم من قلّة العدد
ثمّ اشتكيت لأشكاني وأنجدني ... قبر بسنجار أو قبر على فحد
وقال الأعشى وهو يذكر الكثرة:
(1/426)

ولست بالأكثر منهم حصا ... وإنّما العزّة للكاثر
قال: وقد ولد رجال من العرب كل منهم يلد لصلبه أكثر من مائة، فصاروا بذلك مفخرا، منهم: عبد الله بن عمير الليثي، وأنس بن مالك الأنصاري وخليفة بن بر السعدي. أتى على عامتهم الموت الجارف. ومات جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس عن ثلاثة وأربعين ذكرا وخمس وثلاثين امرأة كلهم لصلبه، فما ظنك بمن مات من ولده في حياته؟
وليس طبقة من طبقات الأسنان ألموت إليها أسرع وفيها أعم وأفشى من سن الطفولية. وأمر جعفر بن سليمان قد عاينه عالم من الناس وعامتهم أحياء.
وليس خبر جعفر كخبر غيره من الناس. قال الهيثم بن عدي: أفضى الملك إلى ولد العباس وجميع ولد العباس يومئذ من الذكور ثلاثة وأربعون رجلا، ومات جعفر بن سليمان وحده عن مثل هذا العدد من الرجال. وممن قرب ميلاده وكثر نسله حتى صار كبعض القبائل والعمائر: أبو بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمهلب بن أبي صفرة، ومسلم بن عمرو الباهلي، وزياد بن عبيد أمير العراق، ومالك بن مسمع. وولد جعفر بن سليمان الوم أكثر عددا من أهل هذه القبائل. وأربعة من قريش ترك كل واحد منهم عشرة بنين معروفين، وهم: عبد المطلب بن هاشم، والمطلب بن عبد مناف، وأمية بن عبد شمس، والمغيرة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
وليس على ظهر الأرض هاشمي إلا من ولد عبد المطلب. ولا يشك أحد أن عدد الهاشميين شبيه بعدد الجميع. فهذا ما في الكثرة والقلة.
[14- الفخر بالحكمة]
قال: وإن كان الفخر بنبل الرأي وصواب القول، فمن مثل عباس بن عبد المطلب وعبد الله بن العباس؟ وإن كان في الحكم والسؤدد وأصالة الرأي والغناء العظيم، فمن مثل عبد المطلب؟ وإن كان إلى الفقه والعلم بالتأويل
(1/427)

ومعرفة التنزيل، وإلى القياس السديد وإلى الألسنة الحداد والخطب الطوال، فمن مثل علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس؟ قالوا: خطبنا عبد الله بن عباس خطبة بمكة أيام حصار عثمان لو شهدها الترك والديلم لأسلموا. وفي عبد الله بن العباس يقول حسان بن ثابت:
إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتقطات لا ترى بيننها فصلا
شفى وكفى ما في النّفوس فلم يدع ... لذي إربة في القول جدّا ولا هزلا
وهو البحر، وهو الحبر، وكان عمر يقول له في حداثته عند إجالة الرأي:
غص غواص. وكان يقدمه على جلة السلف.
[15- فخر هاشم بالبسالة]
قال: وإن كان الفخر في البسالة والنجدة وقتل الأقران وجزر الفرسان، فمن كحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب؟ وكان الأحنف إذا ذكر حمزة قال: أليس. وكان لا يرضى أن يقول شجاع، لأن العرب كانت تجعل ذلك أربع طبقات فتقول: شجاع. فإذا كان فوق ذلك قالت: بطل. فإذا كان فوق ذلك قال: بهمة. فإذا كان فوق ذلك قالت: أليس. وقال العجاج: «أليس عن حوبائه سخى» . وهل أكثر ما يعد الناس من جرحاهما وصرعاهما إلا ساداتكم وأعلامكم؟ قتل حمزة وعلي عتبة والوليد، وقتلا شيبة أيضا شركا عبيدة بن الحارث فيه، وقتل علي حنظلة بن أبي سفيان. فأما آباء ملوككم من بني مروان فانهم كما قال عبد الله بن الزبير لما أتاه خبر المصعب: إنا والله ما نموت إلا قتلا، قعصا بالرماح وموتا تحت ظلال السيوف. قال أبو عثمان: كأنه لم يعد قتل معاوية بن المغيرة بن أبي العاص قتلا، إذ كان إنما قتل في غير معركة، وكذلك قتل عثمان بن عفان إذا كان إنما قتل محاصرا، ولا قتل مروان بن الحكم لأنه قتل خنقا، خنقته النساء؟ قال: وإنما فخر عبد الله بن الزبير بما في بني
(1/428)

أسد بن عبد العزى من القتلى، لأن من شأن العرب أن تفخر بذلك كيف كانوا قاتلين أو مقتولين. ألا ترى أنك لا تصيب كثرة القتلى إلا في القوم المعروفين باليأس والنجدة وبكثرة اللقاء والمحاربة؟ كآل أبي طالب، وآل الزبير، وآل المهلب؟ قال: وفي آل الزبير خاصة سبعة مقتولون في نسق، ولم يوجد ذلك في غيرهم: قتل عمارة وحمزة ابنا عبد الله بن الزبير يوم قديد في المعركة، قتلهما الأباضية، وقتل عبد الله بن الزبير في محاربة الحجاج، وقتل مصعب بن الزبير بدير الجاثليق في المعركة أكرم قتل، وبازائه عبد الملك بن مروان، وقتل الزبير بوادي السباع منصرفه من وقعة الجمل، وقتل العوام بن خويلد في حرب الفجار، وقتل خويلد بن أسد بن عبد العزى في حرب خزاعة. فهؤلاء سبعة في نسق. قال: وفي بني أسد بن عبد العزى قتلى كثيرون غير هؤلاء: قتل المنذر بن الزبير بمكة، قتله أهل الشام في حرب الحجاج وهو على بغل ورد كان نفر به فأصعد به في الجبل. وإياه يعني يزيد بن مفرغ الحميري وهو يهجو صاحبكم عبيد الله بن زياد ويعيره بقراره يوم البصرة:
لابن الزّبير غداة تدمر منذرا ... أولى بكل حفيظة وزماع
وقتل عمرو بن الزبير قتله أخوه عبد الله بن الزبير وكان في جوار أخيه عبيدة بن الزبير فلم يغن عنه، فقال الشاعر يحرض عبيدة على قتل أخيه عبد الله بن الزبير ويعيره باخفاره جوار عمرو أخيهما:
أعبيد لو كان المجير لولولت ... بعد الهدوء برنّة أسماء
أعبيد إنّك قد أجرت وجاركم ... تحت الصفيح تنوبه الأصداء
إضرب بسيفك ضربة مذكورة ... فيها أداء أمانة ووفاء
وقتل بجير بن العوام أخو الزبير بن العوام، قتله سعد بن صفح الدوسي جد أبي هريرة من قبل أمه بناحية اليمامة، وقتل معه أصرم وبعكك ابني العوام إبن خويلد. وقد قتل منهم في محاربة النبي صلى الله عليه وسلم قوم متهورون منهم: زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، وكان شريفا، قتل
(1/429)

يوم بدر. وأبوه الأسود كان المثل يضرب بعزته بمكة، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يذكر عاقر الناقة: كان عزيزا منيعا كأبي زمعة ويكنى زمعة إبن الأسود أبا حكيمة. وقتل الحرث بن الأسود بن المطلب يوم بدر أيضا، وقتل عبد الله بن زمعة بن الأسود، ضرب عنقه مسرف بن عقبة صبرا، قال له:
بايع لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية على أنك عبد قن له؟ قال: بل أبايعه على أني أخوه وابن عمه. فضرب عنقه. وقتل اسماعيل بن هبار بن الأسود ليلا وكان دعا حيلة فخرج مصرخا لمن استصرخه فقتل فاتهم به مصعب بن عبد الله بن عبد الرحمن فأحلفه معاوية خمسين يمينا وخلى سبيله. فقال الشاعر:
ولا أجيب بليل داعيا أبدا ... أخشى الغرور كما غرّ ابن هبّار
باتوا يجرّونه في الخبث منعفرا ... بئس الهديّة لابن العمّ والجار
وقتل عبد الرحمن بن العوام بن خويلد في خلافة عمر بن الخطاب في بعض المغازي. وقتل ابنه عبد الله يوم الدار مع عثمان. فعبد الله بن عبد الرحمن بن العوام بن خويلد، قتيل ابن قتيل ابن قتيل ابن قتيل، أربعة في نسق.
ومن قتلاهم: عيسى بن مصعب بن الزبير، قتل بين يدي أبيه بمسكن في حرب عبد الملك، وكان مصعب يكنى أبا عيسى، وعيسى كلاهما: موالي قريش كهلها وصميمها. ومنهم مصعب بن عكاشة بن مصعب بن الزيبير، قتل يوم قديد في حرب الخوارج وقد ذكره الشاعر:
قمن فاندبن رجالا قتلوا ... بقديد ولنقصان العدد
ثم لا تعدلن فيها مصعبا ... حين يبكى من قتيل بأحد
انّه قد كان فيها باسلا ... صارما يقدم إقدام الأسد
ومنهم خالد بن عثمان بن خالد بن الزبير، خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن فقتله أبو جعفر وصلبه. ومنهم عتيق بن عامر بن عبد الله بن الزبير، قتل بقديد أيضا، وسمى عتيقا باسم جده أبى بكر الصديق.
(1/430)

[16- فخر هاشم بالكرم]
قال: وإن كان الفخر والفضل في الجود والسماح، فمن مثل عبد الله بن جعفر بن أبي طالب؟ ومن مثل عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب؟ - وقد اعترضت الأموية هذا الموضع فقالت: إنما كان عبد الله بن جعفر يهب مما كان معاوية ويزيد يهبانه له، فمن فضل جودنا جاد، قالوا: ومعاوية أول رجل في الأرض وهب ألف ألف درهم، وابنه يزيد أول من ضاعف ذلك. فإنه كان يجيز الحسن والحسين ابني علي في كل عام لكل واحد منهما بألف ألف درهم، وكذلك كان يجيز عبد الله بن العباس وعبد الله بن جعفر، فلما مات وقام يزيد وفد عليه عبد الله بن جعفر فقال له: إن أمير المؤمنين معاوية كان يصل رحمي في كل سنة بألف ألف درهم؟ قال: فلك ألفا ألف درهم! فقال: بأبي أنت وأمي؟ أما إني ما قلتها لابن أنثى قبلك! قال: فلك أربعة آلاف ألف درهم- وهذا الاعتراض ساقط، لأن [هذا] إن صح لم يعد جودا ولا جائزة ولا صلة رحم، هؤلاء قوم كان يخافهم على ملكه ويعرف حقهم فيه وموقعهم من قلوب الأمة، فكان يدبر في ذلك تدبيرا ويريغ أمورا ويصانع عن دولته وملكه. ونحن لم نعد قط ما أعطى خلفاء بني هاشم قوادهم وكتابهم وبني عمهم جودا، فقد وهب المأمون للحسن بن سهل غلة عشرة آلاف ألف فما عد ذلك منه مكرمة، وكذلك كل ما يكون داخلا في باب التجارة واستمالة القلوب وتدبير الدولة، وإنما يكون الجود ما يدفعه الملوك إلى الوفود والخطباء والشعراء والأشراف والأدباء والسمار ونحوه؟ ولولا ذلك لكان الخليفة إذا وفى الجند أعطياتهم احتسب ذلك في جوده! فالعمالات شيء والإعطاء على دفع المكروه شيء، والتفضل والجود شيء.
ثم إن الذين أعطاهم معاوية ويزيد هو بعض حقهم، والذي فضل عليهما أكثر مما خرج منهما. وإن أريد الموازنة بين ملوك بني العباس وملوك بني أمية في العطاء افتضح بنو أمية وناصروهم فضيحة ظاهرة. فإن نساء خلفاء بني العباس
(1/431)

اكثر معروفا من رجال بني أمية، ولو ذكرت معروف أم جعفر وحدها لآتى ذلك على جميع صنائع بني مروان. وذلك معروف. ولو ذكرت معروف الخيزران وسلسبيل لملأت الطوامير الكثيرة به، وما نظن خالصة مولاتهم إلا فوق أجواد أجوادهم. وإن شئت أن تذكر مواليهم وكتابهم فاذكر عيسى بن ماهان، وابنه عليا، وخالد بن برمك، وابنه يحيى، وابنيه جعفرا والفضل، وكاتبهم منصور بن زيدا، ومحمد بن منصور فتى العسكر، فإنك تجد لكل واحد من هؤلاء ما يحيط بجميع صنائع بني عبد شمس.
فأما ملوك الأموية فليس منهم إلا من كان يبخل على الطعام- وكان جعفر بن سليمان كثيرا ما يذكر ذلك- وكان معاوية يبغض الرجل النهم على مائدته. وكان المنصور إذا ذكرهم يقول: كان عبد الملك جبارا لا يبالي ما صنع، وكان الوليد مجنونا، وكان سليمان همه بطنه وفرجه، وكان عمر أعور بين عميان، وكان هشام رجل القوم. وكان لا يذكر ابن عاتكة. ولقد كان هشام- مع ما استثناه به- يقال هو الأحول السراق، ما زال يدخل أعطيات الجند شهرا في شهر وشهرا في شهر حتى أخذ لنفسه مقدار رزق سنة. وأنشده أبو النجم العجلي أرجوزته التي أولها «الحمد لله الوهوب المجزل» فما زال يصفق بيديه استحسانا لها حتى صار إلى ذكر الشمس فقال «والشمس في الأفق كعين الأحول» فأمر بوجء عنقه وإخراجه. وهذا ضعف شديد وجهل عظيم. وقال خاله ابراهيم بن هشام المخزومي: ما رأيت من هشام خطأ قط إلا مرتين: حدا به الحادي مرة فقال:
إنّ عليك أيها البختيّ ... أكرم من تمشي به المطيّ
فقال: صدقت! وقال مرة: والله لأشكون سليمان يوم القيامة إلى أمير المؤمنين عبد الملك! وهذا ضعف شديد وجهل مفرط.
قال أبو عثمان: وكان هشام يقول: والله إني لأستحي أن أعطي رجلا أكثر من أربعة آلاف درهم. ثم أعطى عبد الله بن الحسن أربعة آلاف دينار
(1/432)

فاعتدها في جوده وتوسعه. وإنما اشترى بها ملكه وحصن بها عن نفسه وما في يديه. قال له أخوه مسلمة: أتطمع أن تلي الخلافة وأنت بخيل جبان؟ فقال:
ولكني حليم عفيف. فاعترف بالجبن والبخل. وهل تقوم الخلافة مع واحد منهما؟ وإن قامت فلا تقوم إلا مع الخطر العظيم والتغرير الشديد، ولو سلمت من الفساد لم تسلم من العيب. ولقد قدم المنصور عليهم عمر بن عبد العزيز بقوله: أعور بين عميان. وزعمتم أنه كان ناسكا ورعا تقيا، فكيف وقد جلد خبيب بن عبد الله بن الزبير مائة جلده وصب على رأسه جرة من ماء بارد في يوم شات حتى كز فمات، فما أقر بدمه ولا خرج لوليه من حقه ولا أعطى عقلا ولا قودا، ولا كان خبيب ممن أتت عليه حدود الله وأحكامه وقصاصه فيقال كان مطيعا بإقامتها وأنه أزهق الحد نفسه؟ واحسبوا الضرب كان أدبا وتعزيرا فما عذره في الماء البارد في الشتاء على إثر جلد شديد؟ ولقد بلغه أن سليمان بن عبد الملك يوصي فجاء حتى جلس على طريق من يجلس عنده أو يدخل إليه فقال لرجاء بن حيوة في بعض ما يدخل وما يخرج من شأنه: نشدتك الله أن تذكرني لهذا الأمر وتشير بي في هذا الشأن فوالله مالي عليه من طاقة؟ فقال له رجاء: قاتلك الله ما أحرصك عليها! ولما جاء الوليد بن عبد الملك بنعي الحجاج قال له الوليد:
مات الحجاج يا أبا حفص؟ فقال: وهل كان الحجاج إلا رجلا منا أهل البيت؟
وقال في خلافته: لولا بيعة في أعناق الناس ليزيد بن عاتكة لجعلت هذا الأمر شورى بين صاحب الأعواص إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد الأشدق، وبين أحمس قريش القاسم بن محمد بن أبي بكر، وبين سالم بن عبد الله بن عمر. فما كان عليه من الضرر والحرج، وكان عليه من الوكف والنقص لو قال: بين علي بن عبد الله بن عباس، وعلي بن الحسين بن علي؟ على أنه لم يرد التيمي ولا العدوى، وإنما دبر الأمر للأموي. ولم يكن عنده أحد من هاشم يصلح للشورى ثم دبر الأمر ليبايع لأخيه أبى بكر بن عبد العزيز من بعده حتى عوجل بالسم:؟ وقدم عليه عبد الله بن حسن بن حسن فلما رأى كماله وبيانه وعرف نسبه ومركبه وموضعه وكيف ذلك من قلوب المسلمين وفي صدور المؤمنين
(1/433)

لم يدعه يبيت بالشام ليلة واحدة وقال له: إلحق بأهلك فإنك لم تغنمهم شيئا هو أنفس منك ولا أرد عليهم من حياتك، أخاف عليك طواعين الشام، وستلحقك الحوائج على ما تشتهي وتحب. وإنما كره أن يروه ويسمعوا كلامه فلعله أن يبذر في قلوبهم بذرا، ويغرس في صدورهم غرسا. وكان أعظم خلق الله قولا بالجبر حتى يتجاوز الجهمية ويربي على كل ذي غاية صاحب شنعة، وكان يصنع في ذلك الكتب مع جهله بالكلام وقلة اختلافه إلى أهل النظر. وقال له شوذب الخارجي: لم لا تلعن رهطك وتذكر أباك إن كانوا عندك ظلمة فجرة؟
فقال عمر: متى عهدك بلعن فرعون؟ قال: ما لي به عهد. قال: أفيسعك أن تمسك عن لعن فرعون ولا يسعني أن أمسك عن لعن آبائي!؟؟ فرأى أنه قد خصمه وقطع حجته، وكذلك يظن كل من قصر عن مقدار العالم وجاوز مقدار الجاهل! وأي شبه لفرعون بآل مروان وآل أبي سفيان؟ هؤلاء قوم لهم حزب وشيعة وناس كثير يدينون بتفضيلهم وقد اعتورتهم الشبه في أمرهم، وفرعون على خلاف ذلك وضده، لا شيعة له ولا حزب ولا نسل ولا موالي ولا صنائع ولا في أمره شبهة؟ ثم إن عمر ظنين في أمر أهله فيحتاج إلى غسل ذلك عنه بالبراءة منهم. وشوذب ليس بظنين في أمر فرعون. وليس الإمساك عن لعن فرعون والبراءة منه مما يعرفه الخوارج. فكيف استويا عنده!؟. وشكا إليه رجل من رهطه دينا فادحا وعيالا كثيرا فاعتل عليه، فقال له: هلا اعتللت على عبد الله بن الحسن؟ قال: ومتى شاورتك في أمري؟ قال: أو مشيرا تراني؟ قال:
وهل أعطيته إلا بعض حقه؟ قال: ولم قصرت عن كله؟! فأمر باخراجه وما زال إلى أن مات محروما منه. وكان عمال أهله على البلاد عماله وأصحابه.
والذي حسن أمره وشبه على الأغبياء حاله أنه قام بعقب قوم قد بدلوا عامة شرائع الدين وسنن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الناس قبله من الظلم والجور والتهاون بالاسلام في أمر صغر في جنبه ما عاينوا منه وآلفوه عليه.
فجعلوه بما نقص من تلك الأمور الفظيعة، في عداد الأئمة الراشدين. وحسبك من ذلك أنهم كانوا يلعنون عليا على منابرهم فلما نهى عمر عن ذلك عد محسنا.
(1/434)

ويشهد لذلك قول كثير فيه:
وليت فلم تشتم عليّا ولم تخف ... بريّا ولم تتبع مقالة مجرم
وهذا الشعر يدل على أن شتم علي قد كان لهم عادة حتى مدح من كف عنه. ولما ولى خالد بن عبد الله القسري مكة- وكان إذا خطب بها لعن عليا والحسن والحسين- قال عبيد الله بن كثير السهمي:
لعن الله من يسبّ عليّا ... وحسينا من سوقة وإمام
أيسبّ المطهّرون جدودا ... والكرام الأباء والأعمام
يأمن الطير والحمام ولا يأ ... من آل الرسول عند المقام
طبت بيتا وطاب أهلك أهلا ... أهل بيت النّبيّ والإسلام
رحمة الله والسلام عليهم ... كلّما قام قائم بسلام
وقام عبد الله بن الوليد بن عثمان بن عفان- وكان ممن يتأله بزعمهم- إلى هشام بن عبد الملك وهو يخطب على المنبر بعرفة فقال: يا أمير المؤمنين، هذا يوم كانت الخلفاء تستحب فيه لعن أبي تراب؟ فقال هشام: ليس لهذا جئنا. ألا ترى أن ذلك يدل على أنه قد كان لعنه فيهم فاشيا ظاهرا؟ وكان عبد الله بن الوليد هذا يلعن عليا ويقول: قتل جديّ جميعا الزبير وعثمان. وقال المغيرة وهو عامل معاوية يومئذ لصعصعة بن صوحان: قم فالعن عليّا؟ فقام فقال: إن أميركم هذا أمرني أن ألعن عليا فالعنوه لعنه الله- وهو يضمر المغيرة.
وأما عبد الملك فحسبك من جهله تبديل شرائع الدين والإسلام وهو يريد أن يلي أمور أصحابها بذلك الدين بعينه! وحسبك من جهله أنه رأى من أبلغ التدبير في منع بني هاشم الخلافة أن يلعن علي بن أبي طالب على منابره ويرمى بالفجور في مجالسه، وهذا قرة عين عدوه وعير عين وليه، وحسبك من جهله قيامه على منبر الخلافة قائلا إني والله ما أنا بالخليفة المستضعف، ولا بالخليفة المداهن، ولا بالخليفة المأفون. وهؤلاء سلفه وأئمته، وبشفعتهم قام ذلك
(1/435)

المقام، وبتقديمهم وتأسيسهم نال تلك الرئاسة، ولولا القادة المتقدمة والأجناد المجندة والصنائع القائمة لكان أبعد خلق الله من ذلك المقام وأقربهم إلى الهلكة إن رام ذلك الشرف. وعنى بالمستضعف عثمان، وبالمداهن معاوية، وبالمأفون يزيد بن معاوية. وهذا الكلام نقض لسلطانه، وعداوة لأهله، وإفساد لقلوب شيعته، ولو لم يكن من عجز رأيه إلا انه لم يقدر على إظهار قوته إلا بأن يظهر عجز أئمته لكفاك ذلك منه ... فهذا ما ذكرته هاشم لأنفسها.
[17- مفاخر أمية بالدهاء والحروب والعلم والشعر]
قالت أمية: لنا من نوادر الرجال في العقل والدهاء والأرب والنكر ما ليس لأحد. ولنا من الأجواد وأصحاب الصنائع ما ليس لأحد. زعم الناس أن الدهاة أربعة: معاوية بن أبي سفيان، وزياد، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة. فمنا رجلان ومن سائر الناس رجلان. ولنا في الأجواد: سعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر، لم يوجد لهما نظير إلى الساعة. وأما نوادر الرجال في الرأي والتدبير: فأبو سفيان بن حرب، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الملك ابن مروان، ومسلمة بن عبد الملك. وعلى أنهم يعدون في الحلماء والرؤساء.
فأهل الحجاز يضربون المثل في الحلم بمعاوية كما يضرب أهل العراق المثل فيه بالأحنف. فأما الفتوح والتدبير في الحرب فلمعاوية غير مدافع، وكان خطيبا مصقعا ومحربا مظفرا. وكان مسلمة شجاعا مدبرا وسائسا مقدما، وكثير الفتوح كثير الأدب. وكان يزيد بن معاوية خطيبا شاعرا. وكان الوليد بن يزيد خطيبا شاعرا. وكان مروان بن الحكم وعبد الرحمن بن الحكم شاعرين. وكان بشر بن مروان شاعرا ناسبا وأديبا عالما. وكان خالد بن يزيد بن معاوية خطيبا شاعرا وجيد الرأي أريبا كثير الأدب حكيما، وكان أول من أعطى التراجمة والفلاسفة وقرب أهل الحكمة ورؤساء أهل كل صناعة، وترجم كتب النجوم والطب والكيمياء والحروب والآداب والآلات والصناعات. وقالوا: وإن ذكرت البأس والشجاعة فالعباس بن الوليد بن عبد الملك، ومروان بن محمد، وأبوه محمد بن
(1/436)

مروان بن الحكم وهو صاحب مصعب. وهؤلاء قوم لهم آثار بالروم لا تجهل وآثار بإرمينية لا تنكر، ولهم يوم العقر شهده مسلمة والعباس بن الوليد. قالوا:
ولنا الفتوح العظام، ولنا فارس وخراسان، وإرمينية وسجستان، وأفريقية وجميع فتوح عثمان. فأما فتوح بني مروان فاكثر وأعم وأشهر من أن تحتاج إلى عد أو إلى شاهد، والذين بلغوا في ذلك الزمان أقصى ما يمكن صاحب خف وحافر أن يبلغه، حتى لم يحتجز منهم إلا ببحر أو خليج بحر أو غياض أو عقاب أو حصون وصياصي ثلاثة رجال: قتيبة بن مسلم بخراسان، وموسى بن نصير بأفريقية، والقاسم بن محمد بن القاسم الثقفي بالسند والهند. وهؤلاء كلهم عمالنا وصنائعنا. ويقال: إن البصرة كانت صنائع ثلاثة رجال: عبد الله بن عامر، وزياد، والحجاج، فرجلان من أنفسنا والثالث صنيعتنا. قالوا: ولنا في الأجواد وأهل الأقدار: عبد الله بن خالد بن أسيد بن أمية، وأخوه خالد، وفي خالد يقول الشاعر:
إلى خالد حتّى أنخنا بخالد ... فنعم الفتى يرجى ونعم المؤمل
ولنا سعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وهو عقيد النّدى، كان يسبت ستة أشهر ويفيق ستة أشهر، ويرى كحيلا من غير اكتحال، ودهينا من غير تدهين، وله يقول: موسى شهوات.
أبا خالد أعني سعيد بن خالد ... أخا العرف لا أعنى ابن بنت سعيد
ولكنني أعني ابن عائشة الذي ... أبو أبويه خالد ابن أسيد
عقيد النّدى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات لم يرض الندى بعقيد
قالوا: وإنما تمكن فينا الشعر وجاد ليس من قبل أن الذين مدحونا ما كانوا غير من مدح الناس، ولكن لما وجدوا فينا مما يتسع لأجله القول ويصدق فيه القائل. قد مدح عبيد الله بن قيس الرّقيات من الناس آل الزبير عبد الله ومصعبا وغيرهما. فكان يقول كما يقول غيره. فلما صار إلينا قال:
ما نقموا من بني أميّة إلّا ... أنّهم يحلمون إن غضبوا
(1/437)

وأنّهم معدن الملوك فما ... تصلح إلّا عليهم العرب
وقال نصيب:
من النّفر الشم الذين اذا انتجوا ... أقرّت لنجواهم لؤيّ بن غالب
يحيّون بسّامين طورا وتارة ... يحيون عبّاسين شوس الحواجب
وقال الأخطل:
شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم النّاس أحلاما إذا قدروا
قالوا: وفينا يقول شاعركم والمتشيع لكم الكميت بن زيد:
فالآن صرت إلى أميّة ... والأمور لها مصاير
وفي معاوية يقول لأبو الجهم العدويّ:
تقلّبه لنخبر حالتيه ... فنخبر منهما كرما ولينا
نميل على جوانبنا كانّا ... إذا ملنا نميل على أبينا
وفيه يقول:
تريغ إليه هوادى الكلام ... إذا ضلّ خطبته المهذر
قالوا: وإذا نظرتم في امتداح الشعراء عبد العزيز بن مروان عرفتم صدق ما نقوله:
قالوا: وفي إرسال النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة عثمان واستعماله عتاب بن أسيد وهو ابن اثنين وعشرين سنة دليل على موضع المنعة ومن تهاب العرب وتعز قريش. وقال النبي صلى الله عليه وسلم قبل الفتح:
«فتيان أضن بهما على النار عتاب بن أسيد وجبير بن مطعم» فولى عتابا وترك جبير. وقال الشّعبي: لو ولد لي مائة ابن لسميتهم كلهم «عبد الرحمن» للذي رأيت في قريش من أصحاب هذا الإسم. ثم عد: عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، وعبد الرحمن بن الحرث بن هشام، وعبد الرحمن بن الحكم بن أبي
(1/438)

العاص. فأما عبد الرحمن بن عتاب فانه صاحب الخيل يوم الجمل، وهو صاحب الكف والخاتم، وهو الذي مر به علي وهو قتيل فقال: لهفي عليك يعسوب قريش! هذا اللباب المحض من بني عبد مناف! فقال له قائل: لشد ما أبنته اليوم يا أمير المؤمنين! قال: إنه قام عني وعنه نسوة لم يقمن عنك.
[18- فخر عبد شمس بالخطابة]
قالوا: ولنا من الخطباء معاوية بن أبي سفيان، أخطب الناس قائما وقاعدا وعلى منبر وفي خطبة نكاح! وقال عمر بن الخطاب: ما يتصعدني شيء من الكلام كما تتصعدني خطبة النكاح. وقد يكون خطيبا من ليس عنده في حديثه ووصفه للشيء واحتجاجه في الأمر لسان بارع. وكان معاوية يجري مع ذلك كله.
قالوا: ومن خطبائنا يزيد بن معاوية، كان أعرابي اللسان بدوي اللهجة.
قال معاوية- وخطب عنده خطيب فأجاد- لأرمينه بالخطيب الأشدق. يريد يزيد إبن معاوية. ومن خطبائنا سعيد بن العاص، لم يوجد كتحبيره تحبير ولا كارتجاله ارتجال. ومنا عمرو بن سعيد الأشدق، لقب بذلك لأنه حيث دخل على معاوية وهو غلام بعد وفاة أبيه فسمع كلامه فقال: إن ابن سعيد هذا لأشدق: وقال له معاوية: إلى من أوصى بك أبوك؟ قال: إن أبي أوصى إلي ولم يوص بى! قال: فما أوصى إليك؟ قال: أن لا يفقد إخوانه منه إلا وجهه.
قالوا: ومنا سعيد بن عمرو بن سعيد، خطيب إبن خطيب ابن خطيب.
تكلم الناس عند عبد الملك قياما وتكلم قاعدا، قال عبد الملك: فتكلم وأنا والله أحب عثرته وإسكاته، فأحسن حتى استنطقته واستزدته. وكان عبد الملك خطيبا خطب الناس مرة فقال: ما أنصفتمونا معشر رعيتنا، طلبتم منا أن نسير فيكم وفي أنفسنا سيرة أبي بكر وعمر في أنفسهما ورعيتهما، ولم تسيروا فينا ولا في أنفسكم سيرة رعية أبي بكر وعمر فيهما وفي أنفسهما، ولكل من النصفة نصيب.
قالوا: فكانت خطبته نافعة.
(1/439)

قالوا: ولنا زياد وعبيد الله بن زياد، وكانا غايتين في صحة المعاني وجودة اللفظ. ولهما كلام كثير محفوظ.
قالوا: ومن خطبائنا سليمان بن عبد الملك، والوليد بن يزيد بن عبد الملك. ومن خطبائنا ونساكنا يزيد بن الوليد الناقص. قال عيسى بن حاضر:
قلت لعمرو بن عبيد: ما قولك في عمر بن عبد العزيز؟ فكلح ثم صرف وجهه عني. قلت: فما قولك في يزيد الناقص؟ فقال: أو الكامل، قال بالعدل وعمل بالعدل وبذل نفسه وشرى وقتل ابن عمه في طاعة ربه، وكان نكالا لأهله، ونقص من أعطياتهم ما زادته الجبابرة، وأظهر البراءة من آبائه، وجعل في عهده شرطا ولم يجعله جزما. لا والله لكأنه ينطق عن لسان أبي سعيد- يريد الحسن البصري- قال: وكان الحسن من أنطق الناس. قالوا: وقد قريء في الكتب القديمة: يا مبذر الكنوز ويا ساجدا بالأسحار، كانت ولايتك رحمة وعليهم حجة. قالوا: هو يزيد بن الوليد. ومن خطبائنا ثم من ولد سعيد بن العاص: عمرو بن خولة، كان ناسبا فصيحا خطيبا. وقال ابن عائشة الأكبر:
ما شهد خطيبا قط إلا لجلج هيبة له ومعرفة بانتقاده. ومن خطبائنا عبد الله بن عامر، وعبد الآعلى بن عبد الله بن عامر، وكانا من أكرم الناس وأبين الناس.
كان مسلمة بن عبد الملك يقول: إني لأنحى كور عمامتي عن أذني لأسمع كلام عبد الأعلى. وكانوا يقولون: أشبه قريش نعمة وجهارة واقتدارا وبيانا بعمرو بن سعيد: عبد الأعلى بن عبد الله.
[19- فخر عبد شمس بالورع والنسك]
قالوا: ومن أكثر نساك الملوك منا؟. منا معاوية بن يزيد بن معاوية، وهو الذي قيل له في مرضه الذي مات فيه: لو أقمت للناس وليّ عهد؟ قال: ومن جعل لي هذا العهد في أعناق الناس! والله لولا خوف الفتنة لما أقمت عليها طرفة عين! والله لا أذهب بمرارتها وتذهبون بحلاوتها! فقالت له أمه: لوددت أنك حيضة. قال: أنا والله وددت ذلك.
(1/440)

قالوا: ومنا سليمان بن عبد الملك الذي هدم الديماس ورد المسيّرين وأخرج المسجونين وترك القريب واختار عمر بن عبد العزيز، وكان سليمان جوادا خطيبا جميلا صاحب سلامة ودعة وحب للعافية وقرب من الناس حتى سمي المهدي وقيلت الأشعار في ذلك.
قالوا: ولنا عمر بن عبد العزيز شبيه عمر بن الخطاب، قد ولده عمر وباسمه سمى، وهو أشج قريش المذكور في الآثار المنقولة، العدل في أشد الزمان، وظلف نفسه بعد اعتياد النعم حتى صار مثلا ومفخرا. وقيل للحسن:
أما رويت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزداد الزمان إلا شدة والناس إلا شحا ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق» ؟ قال: بلى. قيل: فما بال عمر بن عبد العزيز وعدله وسيرته؟ فقال: لا بد للناس من متنفس. وكان مذكورا مع الخطباء ومع النساك ومع الفقهاء.
قالوا: ولنا ابنه عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، كان ناسكا زكيا طاهرا، وكان من أتّقى الناس وأحسنهم معونة لأبيه، وكان كثيرا ما يعظ أباه وينهاه.
قالوا: ولنا من لا نظير له في جميع أموره، وهو ضاحب الأعواص اسماعيل ابن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص، وهو الذي قال فيه عمر بن عبد العزيز: لو كان إليّ من الأمر شيء لجعلتها شورى بين القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله، وصاحب الأعواص.
قالوا: ومن نساكنا أبو حراب من بني أمية الصغرى، قتله داود بن علي.
ومن نساكنا يزيد بن محمد بن مروان، كان لا يهدب ثوبا ولا يصبغه ولا يتخلق بخلوق ولا اختار طعاما على طعام ما أطعم أكله، وكان يكره التكلف وينهى عنه. قالوا: ومن نساكنا أبو بكر بن عبد العزيز بن مروان، أراد عمر أخوه أن يجعله ولي عهده لما رأى من فضله وزهده، فسما جميعا. ومن نساكنا عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان، كان يصلي كل يوم ألف ركعة وكان كثير
(1/441)

الصدقة وكان إذا تصدق بصدقة قال: اللهم إن هذا لوجهك فخفف عني الموت. فانطلق حاجا ثم تصبح بالنوم فذهبوا ينبهونه للرحيل فوجدوه ميتا.
فأقاموا عليه المأتم بالمدينة، وجاء أشعب فدخل إلى المأتم وعلى رأسه كبة من طين فالتدم مع النساء، وكان إليه محسنا. ومن نساكنا عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.
قالوا: فنحن نعد من الصلاح والفضل ما سمعتموه، وما لم نذكره أكثر.
وأنتم تقولون: أمية هي الشجرة الملعونة في القرآن وزعمتم أن الشجرة الخبيثة لا تثمر الطيب كما أن الطيب لا يثمر الخبيث. فإن كان الأمر كما تقولون فعثمان بن عفان ثمرة خبيثة، وينبغي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم دفع ابنتيه الى خبيث؟ وكذلك يزيد بن أبي سفيان صاحب مقدمة أبي بكر الصديق على جيوش الشام؟ وينبغي لأبي العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون كذلك؟ وينبغي لمحمد بن عبد الله المدبج أن يكون كذلك وإن ولدته فاطمة عليها السلام، لأنه من بني أمية! وكذلك عبد الله بن عثمان سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي مات بعد أن شدن، نقر الديك عينه فمات، لأنه من بني أمية. وكذلك ينبغي أن يكون عتّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم: ولاه مكة أم القرى وقبلة الاسلام مع قوله صلى الله عليه وسلم: فتيان أضن بهما على النار، عتاب بن أسيد وجبير بن مطعم. كذلك وينبغي أن يكون عمر بن عبد العزيز شبيه عمر بن الخطاب، وكذلك معاوية بن يزيد بن معاوية، وكذلك يزيد الناقص؟ وينبغي أن لا يكون النبي صلى الله عليه وسلم عد عثمان في العشرة الذين بشرهم بالجنة؟ وينبغي أن يكون خالد بن سعيد بن العاص شهيد يوم مرج الصفر والحبيس في سبيل الله ووالي النبي صلى الله عليه وسلم على اليمن ووالي أبى بكر على جميع أجناد الشام ورابع أربعة في الاسلام والمهاجر الى أرض الحبشة، كذلك! وكذلك أبان بن سعيد بن العاص المهاجر إلى المدينة والقديم الاسلام والحبس على الجهاد يجب أن يكون ملعونا خبيثا! وكذلك أبو حذيفة بن
(1/442)

عتبة بن ربيعة وهو بدري من المهاجرين الأولين، وكذلك أمامة بنت أبي العاص إبن الربيع وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم! وكذلك أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخرجها في المغازي ويضرب لها بسهم ويصافحها؟ وكذلك فاطمة بنت أبي معيط من مهاجرة الحبشة.
[20- مفاخر امية بالملك]
قالوا: ومما نفخر به وليس لبني هاشم مثله أن منا رجلا ولي أربعين سنة منها عشرون سنة خليفة، وهو معاوية بن أبي سفيان. ولنا أربعة أخوة خلفاء:
الوليد وسليمان ويزيد وهشام بنو عبد الملك. وليس لكم إلا ثلاثة: محمد وعبد الله وأبو إسحق، أولاد هرون.
قالوا: ومنا رجل ولده سبعة من الخلفاء، وهو عبد الله بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، أبوه يزيد بن عاتكة خليفة، وجده عبد الملك خليفة، وأبو جده مروان بن الحكم خليفة، وجده من قبل عاتكة ابنة يزيد بن معاوية أبوها يزيد بن معاوية وهو خليفة، ومعاوية بن أبي سفيان وهو خليفة. فهؤلاء خمسة. وأم عبد الله هذا عاتكة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وحفصة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب. فهذان خليفتان. فهذه سبعة من الخلفاء ولدوا هذا الرجل.
قالوا: ومنا امرأة أبوها خليفة، وجدها خليفة، وابنها خليفة، وأخوها خليفة وبعلها خليفة، فهؤلاء خمسة. وهي عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. أبوها يزيد بن معاوية خليفة، وجدها معاوية بن أبي سفيان خليفة، وابنها يزيد بن عبد الملك بن مروان خليفة، وأخوها معاوية بن يزيد خليفة، وبعلها عبد الملك بن مروان خليفة.
قالوا: ومن ولد المدبج محمد بن عبد الله الأصفر امرأة ولدها النبي صلى
(1/443)

الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، وهي عائشة بنت محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وأمها خديجة بنت عثمان بن عروة بن الزبير، وأم عروة أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر الصديق، وأم محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو المدبج، فاطمة بنت الحسين بن علي، وأم الحسين بن علي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأم فاطمة بنت الحسين بن علي أم اسحق بنت طلحة بن عبيد الله، وأم عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان حفصة بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب.
[21- فخر أمية بالحسن]
قالوا: ولنا في الجمال والحسن ما ليس لكم. منا المدبج والديباج، قيل ذلك لجماله، ومنا المطرف، ومنا الأرجوان، فالمطرف وهو عبد الله بن عمرو بن عثمان، سمي المطرف لجماله، وفيه يقول الفرزدق:
نما الفاروق أنّك وابن أروى ... أبوك فأنت منصدع النهار
والمدبج هو الديباج، كان أطول الناس قياما في الصلاة، وهلك في سجن المنصور.
قالوا: ومنا ابن الخلائف الأربعة، دعي بذلك وشهر به، وهو المؤمل بن العباس بن الوليد بن عبد الملك. كان هو وأخوه الحارث ابني العباس بن الوليد من الفجاءة بنت قطري بن الفجاءة إمام الخوارج، وكانت سبيت فوقعت إليه، فلما قام عمر بن عبد العزيز أتت وجوه بني مازن وفيهم حاجب بن ذبيان المازني الشاعر فقال حاجب:
أتيناك زوّارا ووفدا إلى التي ... أضاءت فلا يخفى على الناس نورها
أبوها عميد الحيّ جمعا وأمّها ... من الحنظليّات الكرام حجورها
فإن تك صارت حين صارت فإنّها ... إلى نسب زاك كرام تغيرها
(1/444)

فبعث عمر بن عبد العزيز الى العباس بن الوليد: إما أن تردها إلى أهلها وإما أن تتزوجها. قال قائل ذات يوم للمؤمل: يا ابن الخلائف الأربعة! قال:
ويلك، من الرابع؟ قال: قطري. فأما الثلاثة فالوليد وعبد الملك ومروان، وأما قطري فبويع بالخلافة. وفيه يقول الشاعر:
وابوا نعامة سيّد الكفّار
قالوا: ومن أين صار محمد بن علي بن عبد الله بن العباس أحق بالدعوة والخلافة من سائر إخوته؟ ومن أين كان له أن يضعها في بنيه دون أخوته، وكيف صار بنو الأخ أحق بها من الأعمام! قالوا: إن يكن هذا الأمر إنما يستحق بالميراث فالأقرب إلى العباس أحق، وإن كان بالسن والتجربة فالعموم بذلك أولى!
[22- مفاخر امية قبل الإسلام]
قالوا: فقد ذكرنا جملا من حال رجالنا في الاسلام. وأما الجاهلية، فلنا الأعياص، والعنابس، ولنا ذو العصابة أبو أحيحة سعيد بن العاص، كان إذا أعتم لم يعتم بمكة أحد، ولنا حرب بن أمية رئيس يوم الفجار، ولنا أبو سفيان بن حرب رئيس أحد والخندق وسيد قريش كلها في زمانه. وقال أبو الجهم بن حذيفة العدوى لعمر- حين رأى العباس وأبا سفيان على فراشه دون الناس-: ما نرانا نستريح من بني عبد مناف على حال؟ قال عمر: بئس أخو العشيرة أنت؟ هذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا سيد قريش! قالوا: ولنا عتبة بن ربيعة، ساد مملقا ولا يكون السيد إلا مترفا، لولا ما رأوا عنده من البراعة والنبل والكمال، وهو الذي تحاكمت بجيلة وكلب في منافرة جرير والفرافصة وتراهنوا بسوق عكاظ وضعوا الرّهن على يده دون جميع من شهد على ذلك المشهد. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- ونظر إلى قريش مقبلة يوم بدر-: إن يكن منهم عند أحد خير فعند صاحب الجمل
(1/445)

الأحمر! وما ظنك بشيخ طلبوا له من جميع العسكر عند المبارزة بيضة فلم يقدروا على بيضة يدخل رأسه فيها؟ وقد قال الشاعر:
وإنّا أناس يملأ البيض هامنا
قالوا: وأمية الأكبر صنفان: الأعياص والعنابس. قال الشاعر:
من الأعياص أو من آل حرب ... أغرّ كغرّة الفرس الجواد
سموا بذلك في حرب الفجار حين حفروا لأرجلهم الحفائر وثبتوا فيها وقالوا نموت جميعا أو نظفر. وإنما سموا بالعنابس لأنها أسماء الأسود، وإنما سموا الأعياص لأنها أسماء الأصول. فالعنابس: حرب وأبو حرب، وسفيان وأبو سفيان، وعمرو. والأعياص: العيص وأبو العيص، والعاص وأبو العاص، وأبو عمرو. ولم يعقب من العنابس إلا حرب، وما عقب الأعياص إلا العيص. ولذلك كان معاوية يشكو القلة. قالوا: وليس لبني هاشم والمطلب مثل هذه القسمة، ولا مثل هذا اللقب المشهور.
[23- رد هاشم على ادعاءات أمية الدهاء]
قالت هاشم:
أما ما ذكرتم من الدهاء والنكر، فان ذلك من أسماء فجار العقلاء، وليس من أسماء أهل الصواب في الرأي من العقلاء والأبرار. قد بلغ أبو بكر وعمر من التدبير وصواب الرأي والخبرة بالأمور العامة، وليس من أوصافهما ولا من أسمائهما أن يقال كانا داهيين ولا كانا مكيرين؟ وما عامل معاوية وعمرو بن العاص عليا قط بمعاملة إلا وكان علي أعلم بها منهما، ولكن الرجل الذي يحارب ولا يستعمل إلا ما يحل له أقل مذاهب في وجوه الحيل والتدبير من الرجل الذي يستعمل ما يحل وما لا يحل؟ وكذلك من حدث وأخبر، ألا ترى أن الكذاب ليس لكذبه غاية ولا لما يولد ويصنع نهاية؟ والصدوق إنما يحدث عن شيء
(1/446)

معروف ومعنى محدود؟ ويدل على ما قلنا أنكم عددتم أربعة في الدهاء ليس واحد منهم عند المسلمين في طريق المتقين. ولو كان الدهاء مرتبة والمكر منزلة لكان تقدم هؤلاء الجميع السابقين الأولين عيبا شديدا في السابقين الأولين، ولو أن إنسانا أراد أن يمدح أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ثم قال: الدهاء أربعة وعدهم، لكان قد قال قولا مرغوبا عنه، لأن الدهاء والمكر ليس من صفات الصالحين، وإن علموا من غامض الأمور ما يجهله جميع العقلاء! ألا ترى أنه قد يحسن أن يقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم الناس، وأحلم الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس. ولا يجوز أن يقال: كان أمكر الناس وأدهى الناس؟ وإن علمنا أن علمه قد أحاط بكل مكر وخديعة، وبكل أرب ومكيدة؟؟
[24- رد هاشم على ادعاء أمية الجود]
وأما ما ذكرتم من جود سعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر، فأين أنتم من جود عبد الله بن جعفر وعبيد الله بن العباس، والحسن بن علي؟ وأين أنتم من جود خلفاء بني العباس كمحمد المهدي، وهرون، ومحمد بن زبيدة، وعبد الله المأمون، بل لعل جود بعض صنائع هؤلاء كبني برمك أعظم من جود الرجلين اللذين ذكرتموهما، بل من جميع ما جاء به خلفاء بني أمية.
[25- رد هاشم على ادعاء امية الحلم]
وأما ما ذكرتم من حلم معاوية فلو شئنا أن نجعل جميع ساداتنا حلماء لكانوا محتملين لذلك، ولكن الوجه في هذا أن لا يشتق للرجل إسم إلا من أشرف أعماله وأكرم أخلاقه، وإلا أن يبين بذلك عند أصحابه حتى يصير بذلك إسما يسمى به ويصير معروفا به كما عرف الأحنف بالحلم، وكما عرف حاتم بالجود، وكذلك هرم، قالوا: هرم الجواد؟ ولو قلتم كان أبو العاص بن أمية أحلم الناس لقلنا ولعله يكون قد كان حليما ولكن ليس كل حلم يكون صاحبه
(1/447)

به مذكورا ومن أشكاله بائنا. وإنكم لتظلمون خصومكم في تسميتكم معاوية بالحلم، فكيف من دونه؟ لأن العرب تقول: أحلم الحلمين أن لا يتعرض ثم يحلم. ولم يكن في الأرض رجل أكثر تعرضا من معاوية؟ والتعرض هو السفه.
فإن ادعيتم أن الأخبار التي جاءت في تعرضه كلها باطل، إن لقائل أن يقول:
وكل خبر رويتموه في حلمه باطل! ولقد شهر الأحنف بالحلم ولكنه تكلم بكلام كثير يجرح في الحلم ويثلم في العرض. ولا يستطيع أحد أن يحكي عن العباس بن عبد المطلب ولا عن الحسن بن علي بن أبي طالب لفظا فاحشا ولا كلمة ساقطة ولا حرفا واحدا مما يحكى عن الأحنف ومعاوية! وكان المأمون أحلم الناس، وكان عبد الله السفاح أحلم الناس. وبعد، فمن يستطيع أن يصف هاشما أو عبد المطلب بالحلم دون غيره من الأخلاق والأفعال حتى يسميه بذلك ويخصه به دون كل شيء فيه من الفضل؟ وكيف وأخلاقهما متساوية وكلها في الغاية؟ ولو أن رجلا كان أظهر الناس زهدا وأصدقهم للعدو لقاء وأصدق الناس لسانا وأجود الناس كفا وأفصحهم منطقا وكان بكل ذلك مشهورا، لمنع بعض ذلك من بعض ولما كان له إلا إسم السيد المقدم والكامل المعظم، ولم يكن الجود أغلب على إسمه، ولا البيان ولا النجدة.
[26- رد هاشم على ادعاء امية الخطابة]
وأما ما ذكرتم من الخطابة والفصاحة والسؤدد والعلم بالأدب والنسب، فقد علم الناس أن بني هاشم في الجملة أرق ألسنة من بني أمية. كان أبو طالب والزبير شاعرين، وكان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب شاعرا. ولم يكن في أولاد أمية بن عبد شمس لصلبه شاعر، ولم يكن في أولاد أمية إلا أن تعدوا في الاسلام العرجى من ولد عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن الحكم. فنعد نحن الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، وعبد الله بن معاوية بن عبد الله إبن جعفر. وإن عددتم الخطابة والبيان والفصاحة لم تعدوا كعلي بن أبي طالب ولا كعبد الله بن العباس. ولنا من الخطباء: زيد بن علي بن الحسين، وعبد
(1/448)

الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، وجعفر بن الحسين بن الحسن، وداود بن علي بن عبد الله بن العباس وداود وسليمان ابنا جعفر بن سليمان. قالوا: كان جعفر بن الحسين ابن الحسن ينازع زيد بن علي بن الحسين في الوصية، وكان الناس يجتمعون ليستمعوا محاورتهما، وكان سليمان بن جعفر بن سليمان بن علي والي مكة، فكان أهل مكة يقولون: لم يرد علينا أمير إلا وسليمان أبين منه قاعدا، وأخطب منه قائما. وكان داود إذا خطب اسحنفر فلم يرده شيء.
قالوا: ولنا عبد الملك بن صالح بن علي، كان خطيبا بليغا، وسأله الرشيد- وسليمان بن أبي جعفر وعيسى بن جعفر حاضران- فقال له كيف رأيت أرض كذا؟ قال: ماء في ريح ومنابت شيح. قال: فأرض كذا؟ قال: هضبات حمر وربوات عفر. حتى أتى على جميع ما سأله عنه. فقال عيسى لسليمان: والله ما ينبغي لنا أن نرضى لأنفسنا بالدون من الكلام.
[27- رد هاشم على ادعاء أمية الورع]
قالوا: وأما ما ذكرتم من نساك الملوك، فلنا علي بن أبي طالب، وبزهده وبدينه يضرب المثل. وإن عددتم النساك من غير الملوك، فأين أنتم عن علي بن الحسين زين العابدين الذي كان يقال له: علي الخير وعلي الأغر وعلي العابد، وما أقسم على الله بشيء إلا وأبر قسمه؟ وأين أنتم عن علي بن عبد الله بن العباس؟ وأين أنتم عن موسى بن جعفر بن محمد؟ وأين أنتم عن علي بن محمد الرضا، لابس الصوف طول عمره مع سعة أمواله وكثرة ضياعه وغلاته؟
وأما ما ذكرتم من الفتوح، فلنا الفتوح المعتصمية التي سارت بها الركبان وضربت بها الأمثال، ولنا فتوح الرشيد، ولنا الآثار الشريفة في قتل بابك الخرمي بعد أن دامت فتنته في دار الإسلام نحو ثلاثين سنة.
[28- رد هاشم على ادعاء امية الفقه]
فأما الفقه والعلم والتفسير والتأويل، فإن ذكرتموه لم يكن لكم فيه أحد
(1/449)

وكان لنا فيه مثل علي بن أبي طالب، وعبد الله بن العباس، وزيد ومحمد ابني علي بن الحسين بن علي، وجعفر بن محمد الذي ملأ الدنيا علمه وفقهه- ويقال إن أبا حنيفة من تلامذته وكذلك سفيان الثوري، وحسبك بهما في هذا الباب، ولذلك نسب سفيان إلى أنه زيدي المذهب وكذلك أبو حنيفة- ومن مثل علي بن الحسين زين العابدين، وقال الشافعي في الرسالة في إثبات خبر الواحد: وجدت علي بن الحسين- وهو أفقه أهل المدينة- يعول على أخبار الآحاد. ومن مثل محمد بن الحنفية وإبنه أبي هاشم الذي قرر علوم التوحيد والعدل حتى قالت المعتزلة: غلبنا الناس كلهم بأبي هاشم الأول!
[29- رد هاشم على ادعاء أمية البسالة]
وإن ذكرتم النجدة والبسالة والشجاعة، فمن مثل علي بن أبي طالب؟ وقد وقع اتفاق أوليائه وأعدائه على أنه أشجع البشر. ومن مثل حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله؟ ومن مثل الحسين بن علي! قالوا يوم الطف:
ما رأينا مكثورا قد أفرد من إخوته وأهله وأنصاره أشجع منه، كان كالليث المجرّب يحطم الفرسان حطما، وما ظنك برجل أبت نفسه الدنية وأن يعطى بيده فقاتل حتى قتل هو وبنوه وإخوته وبنو عمه بعد بذل الأمان لهم والتوثقة بالأيمان المغلظة، وهو الذي سن للعرب الإباء واقتدى بعده أبناء الزبير وبنو المهلب وغيرهم. ومن لكم مثل محمد وإبراهيم ابني عبد الله؟ ومن لكم مثل زيد بن علي، وقد علمتم كلمته التي قالها حيث خرج من عند هشام:- ما أحب الحياة إلا من ذل. فلما بلغت هشاما قال: خارج ورب الكعبة. فخرج بالسيف ونهى عن المنكر ودعا إلى إقامة شعائر الله حتى قتل صابرا محتسبا. وقد بلغتكم شجاعة أبى إسحق المعتصم ووقوفه في مشاهد الحروب بنفسه حتى فتح الفتوح الجليلة، وبلغتكم شجاعة عبد الله بن علي وهو الذي أزال ملك بني مروان وشهد الحروب بنفسه. وكذلك صالح بن علي وهو الذي تبع مروان بن محمد إلى مصر حتى قتله.
(1/450)

[30- رد هاشم على ادعاء امية التواضع]
قالوا: وإن كان الفضل والفخر في تواضع الشريف وإنصاف السيد وسجاحه الخلق ولين الجانب للعشيرة والموالى، فليس لأحد من ذلك ما لبني العباس. ولقد سألنا طارق بن المبارك- وهو مولى لبني أمية وصنيعة من صنائعهم- فقلنا: أي القبيلين أشد نخوة وأعظم كبرياء وجبرية! أبنو مروان أم بنو العباس؟ فقال: والله لبنو مروان في غير دولتهم أعظم كبرياء من بني العباس في دولتهم. وقد كان أدرك الدولتين. ولذلك قال شاعرهم:
إذا تائه من عبد شمس رأيته ... يتيه فرشّحه لكلّ عظيم
وإن تاه تيّاه سواهم فإنّما ... يتيه لنوك أو يتيه للوم
ومن كلامهم: من لم يكن من بني أمية تياها فهو دعي.
قالوا: وإن كان الكبر مفخرا يمدح به الرجال ويعد من خصال الشرف والفضل، فمولانا عمارة بن حمزة أعظم كبرا من كل أموي كان ويكون في الدنيا، وأخباره في كبره وتيهه مشهورة متعالية.
[31- رد هاشم على ادعاء امية الحسن]
قالوا: وإن كان الشرف والفخر في الجمال والكمال وفي البسطة في الجسم وتمام القوام، فمن كان كالعباس بن عبد المطلب! قالوا: رأينا العباس يطوف بالبيت وكأنه فسطاط أبيض. ومن مثل علي بن عبد الله بن العباس وولده، وكان كل واحد منهم إذا قام إلى جنب أبيه كان رأسه عند شحمة أذنه، وكانوا من أطول الناس، وإنك لتجد ميراث ذلك اليوم في أولادهم. ثم الذي رواه أصحاب الأخبار وحمال الآثار في عبد المطلب من التماء والقوام والجمال والبهاء، وما كان من لقب هاشم بالقمر لجماله ولأنهم يستضيئون برأيه، وكما رواه الناس
(1/451)

أن عبد المطلب ولد عشرة كان الرجل منهم يأكل في المجلس الجذعة ويشرب الفرق وترد أنفهم قبل شفاههم، وأن عامر بن مالك لما رآهم يطوفون بالبيت كأنهم جمال جون قال: بهؤلاء تمنع مكة وتشرف مكة، وقد سمعتم ما ذكره الناس من جمال السفاح وحسنه، وكذلك المهدي، وابنه هرون الرشيد، وابنه محمد بن زبيدة الى الواثق، وكان الحسن بن علي أصبح الناس وجها، كان يشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك عبد الله بن الحسن المحض.
وقالوا: ولنا ثلاثة في عصر كلهم يسمى عليا، وكلهم كان يصلح للخلافة بالفقه والنسك والمركب والرأي والتجربة والحال الرفيعة بين الناس: علي بن الحسين بن علي، وعلي بن عبد الله بن العباس، وعلي بن عبد الله بن جعفر.
كل هؤلاء كان تاما كاملا بارعا جامعا. وكانت لبابة بنت عبد الله بن العباس عند علي بن عبد الله بن جعفر. قالت: ما رأيته ضاحكا قط ولا قط قاطبا ولا قال شيئا احتاج إلى أن يعتذر منه ولا ضرب عبدا قط ولا ملكه أكثر من سنة.
قالوا: وبعد هؤلاء ثلاثة بنو عم، وهم بنو هؤلاء الثلاثة، وكلهم يسمى محمدا، كما أن كل واحد من أولئك يسمى عليا، وكلهم يصلح للخلافة بكرم النسب وشرف الخصال: محمد بن علي بن الحسين بن علي، ومحمد بن علي بن عبد الله بن العباس ومحمد بن علي بن عبد الله جعفر، قالوا: كان محمد إبن علي بن الحسين لا يسمع المبتلى الاستعاذة، وكان ينهى الجارية والغلام أن يقولا للمسكين: يا سائل، وهو سيد فقهاء الحجاز، ومنه ومن ابنه جعفر تعلم الناس الفقه، وهو الملقب بالباقر، باقر العلم، لقبه به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يخلق بعد، وبشر به ووعد جابر بن عبد الله برؤيته وقال: ستراه طفلا فإذا رأيته فأبلغه عني السلام، فعاش جابر حتى رآه وقال له ما وصى به. وتوعد خالد بن عبد الله القسري هشام بن عبد الملك في رسالة له إليه وقال: والله إني لأعرف رجلا حجازي الأصل شامي الدار عراقي الهوى! يريد محمد بن علي بن عبد الله بن العباس.
(1/452)

[32- رد هاشم على مفاخرة امية بالنساء]
وأما ما ذكرتم من أمر عاتكة بنت يزيد بن معاوية، فإنا نذكر فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي سيدة نساء العالمين، وأمها خديجة سيدة نساء العالمين، وبعلها علي بن أبي طالب سيد المسلمين كافة، وابن عمها جعفر ذو الجناحين وذو الهجرتين، وابناها حسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وجدهما أبو طالب بن عبد المطلب أشد الناس عارضة وشكيمة وأجودهم رأيا وأشهمهم نفسا وأمنعهم لما وراء ظهره، منع النبي صلى الله عليه وسلم من جميع قريش ثم بني هاشم وبني المطلب، ثم منع بني إخوته من بني أخوته من بني مخزوم الذين أسلموا، وهو أحد الذين سادوا مع الإقلال. وهو مع هذا شاعر خطيب. ومن يطيق أن يفاخر بني أبي طالب وأمهم فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، وهي التي ربى رسول الله في حجرها وكان يدعوها: أمي، ونزل في قبرها وكان يوجب حقها كما يوجب حق الأم؟ من يستطيع أن يسامي رجالا ولدهم هاشم مرتين من قبل أبيهم ومن قبل أمهم؟
قالوا: ومن العجائب أنها ولدت أربعة كل منهم أسن من الآخر بعشر سنين:
طالب وعقيل وجعفر وعلي. ومن الذي يعد من قريش أو من غيرهم ما يعده الطالبيون عشرة في نسق كل واحد منهم عالم زاهد ناسك شجاع جواد طاهر زاك؟ فمنهم خلفاء، ومنهم مرشحون، ابن ابن ابن ابن هكذا إلى عشرة.
وهم: الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي. وهذا لم يتفق لبيت من بيوت العرب ولا من بيوت العجم.
قالوا: فإن فخرتم بأن منكم اثنتين من أمهات المؤمنين: أم حبيبة بنت أبي سفيان وزينب بنت جحش، فزينب امرأة من بني أسد بن خزيمة ادعيتموها بالحلف لا بالولادة؟ وفينا رجل ولدته أمان من أمهات المؤمنين: محمد بن عبد الله بن الحسن المحض. ولدته خديجة أم المؤمنين، وأم سلمة أم المؤمنين، وولدته مع ذلك فاطمة بنت الحسين بن علي، وفاطمة سيدة نساء العالمين ابنة رسول
(1/453)

الله، وفاطمة بنت أسد بن هاشم. وكان يقال: خير النساء الفواطم والعواتك. وهن أمهاته.
قالوا: ونحن إذا ذكرنا إنسانا فقبل أن نعد من ولده نأتي به شريفا في نفسه مذكورا بما فيه دون ما في غيره. قلتم: لنا عاتكة بنت يزيد، وعاتكة في نفسها كامرأة من عرض قريش ليس فيها في نفسها خاصة أمر تستوجب به المفاخرة. ونحن نقول: منا فاطمة، وفاطمة سيدة نساء العالمين، وكذلك أمها خديجة الكبرى. وإنما تذكران مع مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم اللتين ذكرهما النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر إحداهما في القرآن، وهي المذكورات من جميع نساء العالم من العرب والعجم. وقلتم: لنا عبد الله بن يزيد بن عبد الملك بن مروان، ولده سبعة من الخلفاء. وعبد الله هذا في نفسه ليس هناك.
ونحن نقول: منا محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، كلهم سيد، وأمه العالية بنت عبد الله بن العباس، وأخوته: داود وصالح وسليمان وعبد الله رجال كلهم أغر محجل، ثم ولد الرؤساء إبراهيم الإمام وأخويه أبا العباس وأبا جعفر ومن جاء بعدهما من خلفاء بني العباس.
وقلتم: منا عبد الله بن يزيد. وقلنا: منا الحسين بن علي سيد شباب أهل الجنة وأولى الناس بكل مكرمة وأطهرهم طهارة، مع النجدة والبصيرة والفقه والصبر والحلم والأنف، وأخوه الحسن سيد شباب أهل الجنة وأرفع الناس درجة وأشبههم برسول الله خلقا وخلقا، وأبوهما علي بن أبي طالب وهو الذي ترك وصفه أبلغ في وصفه، وعمهما ذو الجناحين، وأمهما فاطمة، وجدتهما خديجة، وأخوالهما: القاسم وعبد الله وابراهيم، وخالاتهما زينب ورقية وأم كلثوم، وجدتاهما: آمنة بنت وهب والدة رسول الله، وفاطمة بنت أسد بن هاشم، وجدهما رسول الله صلى الله عليه وسلم المخرس لكل مفاخر والغالب لكل منافر.
قل ما شئت واذكر أي باب شئت من الفضل فإنك تجدهم قد حازوه.
(1/454)

[33- رد أمية على هاشم والدعوة الى التسوية]
قالت أمية:
نحن لا ننكر فخر بني هاشم وفضلهم في الإسلام، ولكن لا فرق بيننا في الجاهلية إذ كان الناس في ذلك الدهر لا يقولون: هاشم وعبد شمس، ولا هاشم وأمية، بل كانوا لا يزيدون في الجميع على عبد مناف، حتى كان أيام تميزهم في أمر علي وعثمان في الشورى، ثم ما كان في أيام تحزبهم وحربهم مع علي ومعاوية. ومن تأمل الأخبار والآثار علم أنه ما كان يذكر فرق بين البيتين، وإنما يقال: بنو عبد مناف. ألا ترى أن أبا قحافة سمع رجة شديدة وأصواتا مرتفعة- وهو يومئذ شيخ كبير مكفوف- فقال: ما هذا! قالوا: قبض رسول الله. قال: فما صنعت قريش؟ قالوا: ولوا الأمر ابنك. قال: ورضيت بذلك عبد مناف؟ قالوا: نعم. قال: فلا مانع لما أعطى الله ولا معطى لما منع..
ولم يقل أرضى بذلك بنو هاشم، أرضى بذلك بنو عبد شمس! وإنما جمعهم على عبد مناف؟ لأنه كذلك كان يقال. وهكذا قال أبو سفيان بن حرب لعلي وقد سخط إمارة أبي بكر: أرضيتم يا بني عبد مناف أن تلي عليكم تيم؟! ولم يقل أرضيتم يا بني هاشم! وكذلك قال خالد بن سعيد بن العاص حين قدم من اليمن وقد استخلف أبو بكر: أرضيتم معشر بني عبد مناف أن تلي عليكم تيم؟! قالوا: وكيف يفرقون بين هاشم وعبد شمس وهما أخوان لأب وأم! ويدل أن أمرهما كان واحدا وأن اسمهما كان جامعا قول النبي صلى الله عليه وسلم وصنيعه حين قال: مناخير فارس في العرب عكاشه بن محصن. وكان أسديا، وكان حليفا لبني عبد شمس- وكل من شهد بدرا من بني كثير بن داود وكانوا حلفاء بني عبد شمس- فقال ضرار بن الأزور الأسدي: ذاك منا يا رسول الله! فقال عليه الصلاة والسلام: بل هو منا بالحلف. فجعل حليف بني عبد شمس حليف بني هاشم. وهذا بين لا يحتاج صاحب هذه الصفة إلى أكثر منه. قالوا:
ولهذا نكح هذا البيت في هذا البيت، فكيف صرنا نتزوج بنات النبي وبنات بني
(1/455)

هاشم على وجه الدهر إلا ونحن أكفاء وأمرنا واحد؟ وقد سمعتم إسحق بن عيسى يقول لمحمد بن الحارث أحد بني عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد: لولا حي أكرمهم الله بالرسالة لزعمت أنك أشرف الناس. أفلا ترى أنه لم يقدم علينا رهطه إلا بالرسالة؟
[34- جواب هاشم الأخير: لا تسوية بيننا]
قالت هاشم:
قلتم: لولا أنا كنا أكفاءكم لما أنكحتمونا نساءكم. فقد نجد القوم يستوون في حسب الأب ويتفرقون في حسب الأنفس. وربما استووا في حسب أبي القبيلة كاستواء قريش في النضر بن كنانة، ويختلفون كاختلاف كعب بن لؤى وعمر بن لؤى، وكاختلاف أبناء قصي عبد مناف وعبد الدار وعبد العزي.
والقوم قد يساوي بعضهم بعضا في وجوه ويفارقونهم في وجوه ويستجيزون بذلك القدر مناكحتهم وإن كانت معاني الشرف لم تتكامل فيهم كما تكاملت فيمن زوجهم. وقد يزوج السيد ابن أخيه وهو حارض بن حارض، على وجه صلة الرحم فيكون ذلك جائزا عندهم. ووجوه في هذا الباب كثيرة. فليس لكم أن تزعموا أنكم أكفاؤنا من كل وجه وإن كنا قد زوجناكم وساويناكم في بعض الآباء والأجداد وبعد، فأنتم في الجاهلية والإسلام قد أخرجتم بناتكم إلى سائر قريش وإلى سائر العرب: أفتزعمون أنهم أكفاؤكم عينا بعين؟
وأما قولكم إن الحيين كان يقال لهما عبد مناف. فقد كان يقال لهما ايضا مع غيرهما من قريش وبنيها: بنو النضر. وقال الله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
فلم يدع النبي صلى الله عليه وسلم أحدا من بني عبد شمس، وكانت عشيرته الأقربون بني هاشم وبني عبد المطلب، وعشيرته فوق ذلك عبد مناف، وفوق ذلك قصي. ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتي بعبد
(1/456)

الله بن عامر بن كريز بن حبيب بن شمس، وأم عامر بن كريز أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم قال: هذا أشبه بنا منه بكم. ثم تفل في فيه فازدرده، فقال: أرجو أن تكون مسقيا. فكان كما قال: ففي قوله: هو أشبه بنا منه بكم. خصلتان إحداهما أن عبد شمس وهاشما لو كانا شيئا واحدا كما أن بني عبد المطلب شيء واحد لما قال هو بنا أشبه به منكم. والأخرى إن في هذا القول تفضيلا لبني هاشم على بني عبد شمس، ألا ترون أنه خرج خطيبا جوادا نبيلا وسيدا مسقيا له مصانع وآثار كريمة! لأنه قال: هو بنا أشبه به منكم؟.
وأتى عبد المطلب بعامر بن كريز- وهو ابن ابنته أم حكيم البيضاء- فتأمله وقال:
وعظام هاشم ما ولدنا ولدا أحرض منه. فكان كما قال. ولم يقل: وعظام عبد مناف. لأن شرف جده عبد مناف له فيه شركاء، وشرف هاشم أبيه خالص له.
وأما ما ذكرتم من قول أبي سفيان وخالد بن سعيد: أرضيتم معشر بني عبد مناف أن تلي عليكم تيم؟ فهذه الكلمة كلمة تحريض وتهييج، فكان الأبلغ فيما يريد من اجتماع قلوب الفريقين أن يدعوهم لأب وأن يجمعهم على واحد، وإن كانا مفترقين. وهذا المذهب سديد وهذا التدبير صحيح. قال معاوية بن صعصعة للأشهب بن رميلة وهو نهشلي، وللفرزدق بن غالب وهو مجاشعي، ولمسكين بن أنيف وهو عبدلي: أرضيتم معشر بني دارم أن يسب آباءكم ويشتم أعراضكم كلب بني كلب؟ وإنما نسبهم إلى دارم الأب الأكبر المشتمل على آباء قبائلهم ليستووا في الحمية ويتفقوا على الأنف، وهذا في مثل هذا الموضع تدبير صحيح.
قالوا: ويدل على ما قلنا ما قاله الشعراء في هذا الباب قبل مقتل عثمان وقبل صفين. قال حسان بن ثابت لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:
وأنت منوط نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الرّاكب القدح الفرد
ولم يقل: نيط في آل عبد مناف! وقال آخر:
(1/457)

ما أنت من هاشم في بيت مكرمة ... ولا بنى جمح الخضر الجلاعيد
ولم يقل: ما أنت من آل عبد مناف. وكيف يقولون هذا وقد علم الناس أن عبد مناف ولد أربعة: هاشما والمطلب وعبد شمس ونوفلا؟ وأن هاشما والمطلب كانا يدا واحدة، وأن عبد شمس ونوفلا كانا يدا واحدة. وكان مما أبطأ ببني نوفل عن الإسلام إبطاء إخوتهم من بني عبد شمس، وكان مما حث بني المطلب على الإسلام فضل محبتهم لبني هاشم. لأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم كان بينا، وإنما كانوا يمتنعون منه من طريق الحسد والبغضة. فمن لم يكن فيه هذه العلة لم يكن له دون الإسلام مانع. ولذلك لم يصحب النبي صلّى الله عليه وسلم من بني نوفل أحد، فضلا عن أن يشهدوا معه المشاهد الكريمة، وإنما صحبه حلفاؤهم كيعلى بن منبه، وعتبة بن غزوان وغيرهما. وبنو الحارث بن المطلب كلهم بدري: عبيدة وطفيل وحصين. ومن بني المطلب:
مسطح بن أثاثة بدري؟ وكيف يكون الأمر كما قلتم وأبو طالب يقول لمطعم بن عدي بن نوفل في أمر النبي لما تمالأت قريش عليه:
جزى الله عنّا عبد شمس ونوفلا ... جزاء مسيء عاجلا غير آجل
أمطعم إمّا سامني القوم خطّة ... فإنّي متى أوكل فلست بآكلّيّ
أمطعم لم أخذ لك في يوم شدّة ... ولا مشهد عند الأمور الجلائل
ولقد قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسمة فجعلها في بني هاشم وبني المطلب فأتاه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف وجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف فقالا له: يا رسول الله إن قرابتنا منك وقرابة بني المطلب واحدة، فكيف أعطيتهم دوننا؟ فقال النبي: إنا لم نزل وبني المطلب كهاتين. وشبك بين أصابعه. فكيف تقولون كنا شيئا واحدا، وكان الاسم الذي يجمعنا واحدا؟؟
قالت هاشم:
وإن كان الفخر بالأيد والقوة واهتصار الأقران ومباطشة الرجال، فمن أين
(1/458)

لكم كمحمد بن الحنفية! وقد سمعتم أخباره وأنه قبض على درع فاضلة فجذبها فقطع ذيلها ما استدار منه كله. وسمعتم حديث الأيد القوي الذي أرسله ملك الروم إلى معاوية يفخر به على العرب، وأن محمدا قعد له ليقيمه فلم يستطع فكأنما يحرك جبلا، وأن الرومي قعد ليقيمه محمد فرفعه فوق رأسه ثم جلد به الأرض. هذا مع الشجاعة المشهورة والفقه في الدين والحلم والصبر والفصاحة والعلم بالملاحم والإخبار عن الغيوب حتى ادعى له أنه المهدي. وقد سمعتم أحاديث أبي اسحق المعتصم وأن أحمد بن أبي دؤاد عض ساعده بأسنانه أشد العض فلم يؤثر فيه، وأنه قال: ما أظن الأسنة ولا السهام تؤثر في جسده؟! وإن كان الفخر بالبشر وطلاقة الأوجه وسجاحة الأخلاق، فمن مثل علي بن أبي طالب؟ وقد بلغ من سجاحة خلقه وطلاقة وجهه أن عيب بالدعابة. ومن الذي يسوى بين عبد شمس وهاشم في ذلك! كان الوليد جبارا، وكان هشام شرس الأخلاق، وكان مروان بن محمد لا يزال قاطبا عابسا، وكذلك كان يزيد بن الوليد الناقص. وكان المهدي بن المنصور أسرى خلق الله وألطفهم خلقا، وكذلك محمد الأمين وأخوه المأمون. وكان السفاح يضرب به المثل في السّرو وسجاحة الخلق.
قالوا: ولنا من أفراد الرجال من ليس لكم مثله. منا يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، كان شجاعا [جريئا] ، وهو الذي ولى الموصل لأخيه السفاح فاستعرض أهلها حتى ساخت الأقدام في الدم. ومنا يعقوب بن ابراهيم بن عيسى بن أبي جعفر المنصور، كان شاعرا فصيحا، وهو المعروف بأبي الأسباط. ومنا محمد وجعفر ابنا سليمان بن علي، كانا أعظم من ملوك بني أمية وأجل قدرا وأكثر أموالا ومكانا عند الناس. وأهدى محمد بن سليمان من البصرة إلى الخيزران مائة وصيفة في يد كل واحدة منهن جام من ذهب وزنه ألف مثقال مملوء مسكا. وكان لجعفر بن سليمان ألفا عبد من السودان خاصة، فكم يكون ليت شعري غيرهم من البيض ومن الإماء! وما رؤى جعفر بن محمد راكبا قط إلا ظن أنه الخليفة. ومن رجالنا محمد بن السفاح، كان جوادا أيّدا شديد
(1/459)

البطش. قالوا: ما رؤى أخوان أشد قوة من محمد وريطة أخته ولدى أبي العباس السفاح، كان محمد يأخذ الحديد فيلويه فتأخذه هي فترده. ومن رجالنا محمد بن ابراهيم طباطبا صاحب أبي السرايا، كان ناسكا عابدا فقيها عظيم القدر عند أهل بيته وعند الزيدية. ومن رجالنا عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وهو الذي شيد ملك المنصور وحارب ابنى عبد الله بن حسن وأقام عمود الخلافة بعد اضطرابه، وكان فصيحا أديبا شاعرا.
ومن رجالنا عبد الوهاب بن ابراهيم الامام، حج بالناس ووليّ الشام، وكان فصيحا خطيبا. ومن رجالنا عبد الله بن موسى الهادي، كان أكرم الناس، وجوادا ممدّحا أديبا شاعرا. وأخوه علي بن موسى الهادي، كان أكرم الناس وأجود الناس، كان يلبس الثياب وقد حدد ظفره فيخرقها بظفره لئلا تعاد إليه.
وعبد الله بن احمد بن عبد الله بن موسى الهادي، كان أديبا ظريفا.
قالوا: وقلتم: لنا عاتكة بنت يزيد يكتنفها خمسة من الخلفاء. ونحن نقول: لنا زبيدة بنت جعفر يكتنفها ثمانية من الخلفاء: جدها المنصور خليفة، وعم أبيها السفاح خليفة، وعمها المهدي خليفة، وابن عمها الهادي خليفة، وبعلها الرشيد خليفة، وابنها الأمين خليفة، وابنا بعلها المأمون والمعتصم خليفتان.
قالوا: وأما ما ذكرتم من الأعياص والعنابس، فلسنا نصدقكم فيما زعمتموه أصلا لهذه التسمية، وإنما سموا الأعياص لمكان العيص، وأبى العيص، والعاص وأبى العاص. وهذه أسماؤهم الأعلام ليست مشتقة من أفعال لهم كريمة ولا خسيسة. وأما العنابس. فانما سموا بذلك لأن حرب بن أمية كان اسمه عنبسة، وأما حرب فلقبه. ولما كان حرب أمثلهم سموا جماعتهم باسمه فقيل «العنابس» كما يقال «المهالبة» و «المناذرة» ولهذا المعنى سمى أبو سفيان بن حرب: ابن عنبسة. وسمى سعيد بن العاص: ابن عنبسة.
*** وهذا آخر ما عثرت عليه من هذا الكتاب استخلصته بعد جهد وعناء.
(1/460)

هامش كتاب فضل هاشم على عبد شمس
(1) يخلو الكتاب من المقدمة التقليدية التي نعهدها في رسائل الجاحظ مما يدل على ان قسما من الكتاب قد بتر.
- يعدد الجاحظ الوظائف التي كانت تضطلع بها بطون قريش في الجاهلية وهي اللواء والندوة والسقاية والرفادة وزمزم والحجابة. واللواء: تولى القيادة في الحرب، والندوة: تولي الاجتماعات التي كانت تعقدها قريش في دار الندوة للتداول في الامور. والسقاية: تولي أمر سقي الحجاج الماء المحلى بالزبيب أثناء الموسم. والرفادة: تولي جمع المال من القرشيين لاطعام الحجاج. والحجابة والسدانة: تولي خدمة الكعبة.
(2) المقارنة بين هاشم وأخيه عبد شمس وكلاهما ابنا عبد مناف. اشتهر هاشم بجماله حتى لقب بالقمر كما اشتهر بجوده واطعامه بني قومه الثريد في الأيام العجاف ومن ثم اشتق لقبه. اما عبد شمس فهو على العكس «ليس له لقب كريم ولا اشتق من صالح اعماله اسم شريف» .
(3) عبد المطلب هو ابن هاشم وجد النبي محمد. وهو سيد وادي مكة واجمل الناس واكرمهم. وهو صاحب كرامات لا تعرف الا للأنبياء منها الابتهال الى الله أن ينصره على جيش الحبشة الذي عزم على الإناخة على مكة فاستجاب الله لدعائه ورمى الاحباش بطير ابابيل ترميهم بحجارة من سجيل كما جاء في القرآن. وظهور الكرامات على يدي عبد المطلب مهدت السبيل لنبوة حفيده محمد. ومن كراماته تفجر العيون تحت اخفاف بعيره.
(4) النبي محمد الهاشمي جمع ميزتين لا يضارعه فيهما أحد: الرسالة وكرم الاخلاق.
(5) إيلاف قريش المذكور في القرآن بدأه هاشم ودر على قريش الاموال الطائلة. وقد فسر الجاحظ الايلاف على وجهين: الوجه الاول هو إتفاق هاشم مع ملوك اليمن
(1/461)

والشام والحبشة على الاشتراك في تسيير القوافل التجارية بين مكة واليمن والشام وضمان عدم الاعتداء عليها.. والوجه الثاني هو فرض ضرائب على قبائل قريش ليحمى بها هاشم أهل مكة وقوافلهم التجارية من غارات سائر القبائل مثل طيء وقضاعة وخثعم.
(6) يلقى الجاحظ ضوءا على حلف الفضول الذي قام به بنو هاشم وسمى حلف الفضول لفضله وفضيلته. وقد تعاقد أفخاذ هاشم: بنو المطلب، وبنو اسد، وبنو زهرة، وبنو تيم بن مرة في دار عبد الله بن جدعان على احقاق الحق ونصرة المظلوم والضرب على ايدي الظالم، سواء كان قريبا او غريبا. وكان الزبير بن عبد المطلب هو الذي دعا الى قيام ذلك الحلف.
(7) حرب الفجار جرت بين قريش وعامر في زمن الزبير بن عبد المطلب عم النبي.
وقد شهد النبي المعركة اذ كان ينبل فيها على عمومته. وسميت بذلك لان عامر هي التي فجرت.
(8) يقابل هذه المكارم الهاشمية مخازي امية. فامية كان مضعوفا وصاحب عهار (تعرض لامرأة من بني زهرة فضربه احدهم بالسيف، فلم يستطع قومه الثأر له) . وابنه حرب كان مقيتا (اي تزوج امرأة ابيه أمية في حياته) والمقيتون هم الذين ينكحون نساء ابائهم بعد موتهم. وابو سفيان بن حرب ضربت عنق حليفه ابي الازيهر الدوسي الازدي ولم يدرك به قودا.
(9) مقارنة بين خلفاء بني هاشم العباسيين امثال المنصور والرشيد والمعتصم والواثق، وخلفاء أمية امثال مروان بن الحكم ومعاوية ويزيد وعبد الملك الخ.... تبين عظمة العباسيين وقدرتهم وضعف الامويين.
(10) الهاشميون أحق بالخلافة من الامويين لأنهم ملكوا بالميراث وحق العصبة والعمومة، اما الامويون فملكوا لانهم قرشيون، وفي هذا يفضلهم العلويون الذين ادعوا الملك بسبب القرابة السابقة والوصية، ويفضلهم العباسيون الذين اعتمدوا الوراثة، ويسبقهم سائر القرشية، اذا كان الملك لا ينال الا بالسوابق والأعمال والجهاد.
والجاحظ يلخص هنا مختلف الدعاوي بالامامة او الخلافة التي كان ينادي بها كل من العلويين والعباسيين وغيرهم.
(11) يعدد الجاحظ اعمال بني أمية وجورهم على بني هاشم، ابتداء من محاربة علي، الى سم الحسن، وقتل الحسين، وسم ابي هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن ابي طالب، وضرب الكعبة وتغيير موعد الصلاة. وقد وردت معظم هذه التهم في
(1/462)

رسالة النابتة التي نشرناها ضمن رسائل الجاحظ الكلامية. وقد كررها الجاحظ هنا للتركيز عليها والتذكير بها.
(12) انتزاع العباسيين الملك من بني امية بفضل شجاعتهم وحنكتهم. وقد تولى ولد العباس بانفسهم الحرب امثال عبد الله بن علي، وصالح بن علي، وداود بن علي، وعبد الصمد بن علي، والمنصور. وفي هذا اسقاط للدعوة التي تقول ان الفرس هم الذين اسقطوا دولة الامويين.
(13) خصال هاشم في الاسلام هو القسم الثاني من الكتاب. والقسم الاول خصصه كما رأينا للكلام على خصال هاشم في الجاهلية.
- وقد بدأه بالفخر بكثرة العدد. واورد ابياتا في الشعر تبين تعظيم العرب لكثرة العدد وتعتبره شرفا.
(14) الفخر بالحكمة اي نبل الرأي وصواب القول، وقد ذكر من ابواب الحكمة الفقه والعلم والتأويل ومعرفة التنزيل والقياس والخطابة. واشتهر بها عبد الله بن عباس وعلي بن ابي طالب.
(15) الفخر بالبسالة أي الشجاعة والنجدة وقتل الاقران وجزر الفرسان وقد اشتهر فيها حمزة عم النبي وعلي بن أبي طالب.
(16) الفخر بالكرم أي الفضل في الجود والسماح، وقد عرف به عبد الله بن جعفر وعبيد الله بن العباس.
17- مفاخر أمية في الدهاء والحروب والعلم والشعر:
يذكر الجاحظ من انجبتهم امية في هذه الميادين. فمن الدهاة معاوية بن ابي سفيان، وزياد ابن ابيه، ومن الشعراء والخطباء يزيد بن معاوية والوليد بن يزيد ومروان بن الحكم وابنه عبد الرحمن وبشر بن مروان. وفي العلم نبغ خالد بن يزيد الذي ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء. وفي الشجاعة نبغ العباس بن الوليد بن عبد الملك، ومروان بن محمد وعبد الملك بن مروان.
(18) مفاخر بني أمية في النسك والورع: يقدم الجاحظ لائحة باسماء عدد من النساك الورعين امثال معاوية بن يزيد بن معاوية، وسليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز وابنه عبد الملك.
(20) فخر امية بالجمال طريف، ويذكر منهم المدبج والديباج والمطرف عبد الله بن عمرو بن عثمان.
(21) مفاخر امية قبل الاسلام: لا ينسى الجاحظ مفاخر الامويين قبل الاسلام ردا على مفاخر الهاشميين قبل الاسلام لتتم الموازنة. وامية تفتخر قبل الاسلام بجدودها
(1/463)

امثال حرب بن امية رئيس يوم الفجار، وابي سفيان بن حرب رئيس احد والخندق وسيد قريش كلها في زمانه. وقد سموا بالعنابس لانها اسماء الاسود، وسموا بالاعياص لانها اسماء الاصول.
(22) رد هاشم على ادعاءات امية في الدهاء والحلم والخطابة والورع والفقه والبسالة والتواضع والجمال والنساء يتضمن تعداد رجالات هاشم الذين اشتهروا بهذه الصفات وتفوقهم على رجالات عبد شمس. ومعظمه تكرار لما سبق.
(23) رد أمية على هاشم ودعوتها الى التسوية ووقف التنافس لانهما ابناء عمومة ولا فضل لاحدهما على الآخر.
(24) رد هاشم الأخير: لا تسوية بيننا.
(1/464)

6- رسالة العباسية
(1/465)

قال أبو عثمان:
وقد زعم أناس أن الدليل على صدق خبرهما (يعني أبا بكر وعمر) في منع الميراث وبراءة ساحتهما، ترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم النكير عليهما.! قد يقال لهم: لئن كان ترك النكير دليلا على صدقهما، إن ترك النكير على المتظلمين والمحتجين عليهما والمطالبين لهما دليل على صدق دعواهم أو استحسان مقالتهم، ولا سيما وقد طالت المناجاة وكثرت المراجعة والملاحاة، وظهرت الشكية واشتدت الموجدة. وقد بلغ ذلك من فاطمة أنها أوصت أن لا يصلي عليها أبو بكر. ولقد كانت قالت له حين أتته مطالبة بحقها ومحتجة لرهطها: من يرثك يا أبا بكر إذا مت؟ قال: أهلي وولدي. قالت: فما بالئا لا نرث النبي صلى الله عليه وسلم؟! فلما منعها ميراثها وبخسها حقها واعتل عليها وجلح أمرها وعاينت التهضم وأيست في التورع ووجدت نشوة الضعف وقلة الناصر قالت: والله لأدعون الله عليك. قال: والله لأدعون الله لك.
قالت: والله لا كلمتك أبدا. قال: والله لا أهجرك أبدا. فان يكن ترك النكير على أبى بكر دليلا على صواب منعها، إن في ترك النكير على فاطمة دليلا على صواب طلبها؟ وأدنى ما كان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جهلت وتذكيرها ما نسيت وصرفها عن الخطأ ورفع قدرها عن البذاء وأن تقول هجرا وتجوّر عادلا أو تقطع واصلا؟ فإذا لم تجدهم أنكروا على الخصمين جميعا فقد تكافأت الأمور واستوت الأسباب. والرجوع إلى أصل حكم الله في المواريث أولى بنا وبكم، وأوجب علينا وعليكم.
(1/467)

فان قالوا: كيف تظن به ظلمها والتعدي عليها، وكلما ازدادت عليه غلظة ازداد لها لينا ورقة، حيث تقول له: والله لا أكلمك أبدا فيقول والله لا أهجرك أبدا. ثم تقول والله لأدعون الله عليك فيقول والله لأدعون الله لك.
ثم يتحمل منها هذا الكلام الغليظ والقول الشديد في دار الخلافة وبحضرة قريش والصحابة مع حاجة الخلافة إلى البهاء والتنزيه وما يجب لها من الرفعة والهيبة، ثم لم يمنعه ذلك أن قال معتذرا متقربا كلام المعظم لحقها، المكبر لمقامها الصائن لوجهها، المتحن عليها. ما أحد أعز عليّ منك فقرا ولا أحب إلي منك غنى! ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة» ؟.
قيل لهم: ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم والسلامة من الجور، وقد يبلغ من مكر الظالم ودهاء الماكر إذا كان أريبا وللخصومة معتادا أن يظهر كلام المظلوم وذلة المنتصف وحدب الوامق ومقة المحق. وكيف جعلتم ترك النكير حجة قاطعة ودلالة واضحة وقد زعمتم أن عمر قال على منبره: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، متعة النساء ومتعة الحج، أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما، فما وجدتم أحدا أنكر قوله ولا استشنع مخرج نهيه ولا خطأه في معناه ولا تعجب منه ولا استفهمه؟ وكيف تقضون بترك النكير، وقد شهد عمر يوم السقيفة وبعد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الأئمة من قريش» . ثم قال في شكاته: لو كان سالم حيا ما تخالجني فيه شك. حين أظهر الشك في استحقاق كل واحد من الستة الذين جعلهم شورى! وسالم عبد لامرأة من الأنصار وهي أعتقته وحازت ميراثه. ثم لم ينكر ذلك من قوله منكر ولا قابل إنسان بين قوله ولا تعجب منه! وإنما يكون ترك النكير على من لا رغبة ولا رهبة عنده دليلا على صدق قوله وصواب عمله، فأما ترك النكير على من يملك الضعة والرفعة والأمر والنهي والقتل والاستحياء والحبس والاطلاق، فليس بحجة تشفى ولا دلالة تضيء.
وقال آخرون: بل الدليل على صدق قولهما وصواب عملهما إمساك
(1/468)

الصحابة عن خلعهما والخروج عليهما، وهم الذين وثبوا على عثمان في أيسر من جحد التنزيل ورد النصوص، ولو كان كما تقولون وما تصفون ما كان سبيل الأمة فيهما إلا كسبيلها فيه، وعثمان كان أعز نفرا، وأشرف رهطا، وأكثر عددا وثروة وأقوى عدة؟
قلنا: إنهما لم يجحدا التنزيل ولم ينكرا النصوص، ولكنهما بعد اقرارهما بحكم الميراث وما عليه الظاهر من الشريعة، ادعيا رواية وتحدثا بحديث لم يكن محالا كونه ولا ممتنعا في حجج العقول مجيئه، وشهد لهما عليه من علته مثل علتهما فيه، ولعل بعضهم كان يرى تصديق الرجل إذ كان عدلا في رهطه مأمونا في ظاهره، ولم يكن قبل ذلك عرفه بفجرة ولا جرب عليه غدرة، فيكون تصديقه له على جهة حسن الظن وتعديل الشاهد، ولأنه لم يكن كثير منهم يعرف حقائق الحجج والذي يقطع بشهادته على الغيب، وكان ذلك شبهة على أكثرهم.
فلذلك قلّ النكير وتواكل الناس فاشتبه الأمر فصار لا يتخلص إلى معرفة حق ذلك من باطله إلا العالم المتقدم، أو المؤيد المرشد. ولأنه لم يكن لعثمان في صدور العوام وقلوب السفلة والطغام ما كان لهما من المحبة والهيبة، ولأنهما كانا أقل استئثارا بالفيء وتفضلا بمال الله منه. ومن شأن الناس إهمال السلطان ما وفر عليهم أموالهم ولم يستأثر بخراجهم ولم يعطل ثغورهم، ولأن الذي صنع أبو بكر من منع العترة حقها والعمومة ميراثها قد كان موافقا لجلة قريش وكبراء العرب، ولأن عثمان أيضا كان مضعوفا في نفسه مستخفا بقدره لا يمنع ضيما ولا يقمع عدوا، ولقد وثب ناس على عثمان بالشتم والقذع والتشنيع والنكير لأمور لو أتى أضعافها وبلغ أقصاها لما اجترأوا على اغتيابه فضلا على مباداته والإغراء به ومواجهته، كما أغلظ عيينة بن حصن له فقال له: أما لو كان عمر لقمعك ومنعك! فقال عيينة: إن عمر كان خيرا لي منك، رهبني فاتقاني وأعطاني فاغناني.
والعجب أنا وجدنا جميع من خالفنا في الميراث على اختلافهم في التشبيه والقدر والوعيد يرد كل صنف منهم من أحاديث مخالفيه وخصومه ما هو أقرب
(1/469)

إسنادا وأصح رجالا وأحسن اتصالا، حتى إذا صاروا إلى القول في ميراث النبي صلى الله عليه وسلم نسخوا الكتاب وخصوا الخبر العام بما لا يداني بعض ما ردوه وأكذبوا قائليه، وذلك أن كل إنسان منهم إنما يجرى إلى هواه ويصدق ما وافق رضاه.
(1/470)

[7- محتويات رسالة مناقب الترك]
(- 7- مناقب الترك)
(1/471)

[1- مقدمة]
وفقك الله لرشدك، وأعان على شكرك، وأصلحك وأصلح على يديك، وجعلنا وإيّاك ممّن يقول بالحقّ ويعمل به، ويؤثره ويحتمل ما فيه [ممّا قد يصدّه عنه] ، ولا يكون حظّه منه الوصف له والمعرفة به، دون الحثّ عليه والانقطاع إليه، وكشف القناع فيه، [وإيصاله إلى أهله، والصّبر على المحافظة في ألّا يصل إلى غيرهم، والتثبّت في تحقيقه لديهم] ؛ فإنّ الله تعالى لم يعلّم الناس ليكونوا عالمين دون أن يكونوا عاملين، بل علّمهم ليعملوا، وبيّن لهم ليتّقوا التورّط في وسط الخوف، والوقوع في المضارّ، والتوسّط في المهالك.
[فلذلك] طلب الناس التبيّن، ولحبّ السلامة من الهلكة، والرّغبة في المنفعة، احتملوا ثقل العلم، وتعجّلوا مكروه المعاناة. ولقلّة العاملين وكثرة الواصفين [قال الأوّلون: العارفون أكثر من الواصفين، والواصفون أكثر من العاملين. وإنّما] كثّرت الصّفات وقلّت الموصوفات، لأنّ ثواب العمل مؤجّل، واحتمال ما فيه معجّل.
[2- أعداء السلطان]
وقد أعجبني ما رأيت من شغفك بطاعة إمامك، والمحاماة لتدبير
(1/473)

خليفتك، وإشفاقك من كل خلل وخلّة دخل على ملكه وإن دقّ، ونال سلطانه وإن صغر، ومن كلّ أمر خالفه وإن خفي مكانه، وجانب وإن قلّ ضرره؛ ومن تخوّفك أن يجد المتأوّل إليه طريقا والعدوّ عليه متعلّقا؛ فإنّ السلطان لا يخلو من متأوّل ناقم، ومن محكوم عليه ساخط، ومن معدول عن الحكم زار، ومن متعطّل متصفّح، ومن معجب برأيه ذي خطل في بيانه، مولع بتهجين الصّواب، وبالاعتراض على التّدبير، حتّى كأنه رائد لجميع الأمّة، ووكيل لسكان جميع المملكة؛ يضع نفسه في موضع الرّقباء، وفي موضع التصفّح على الخلفاء والوزراء؛ لا يعذر وإن كان مجاز العذر واضحا، ولا يقف فيما يكون للشكّ محتملا، ولا يصدّق بأنّ الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وأنّه لا يعرف مصادر الرّأي من لم يشهد موارده، ومستدبره من لم يعرف مستقبله. ومن محروم قد أضغنه الحرمان، ومن لئيم قد أفسده الإحسان. ومن مستبطىء قد أخذ أضعاف حقّه، وهو لجهله بقدره، ولضيق ذرعه وقلّة شكره، يظنّ أن الذي بقي له أكثر، وأنّ حقّه أوجب. ومن مستزيد لو ارتجع السلطان سالف أياديه البيض عنده، ونعمه السّالفة عليه، لكان لذلك أهلا، وله مستحقّا قد غرّه الإملاء، وأبطره دوام الكفاية، وأفسده طول الفراغ. ومن صاحب فتنة خامل في الجماعة، رئيس في الفرقة، نعّاق في الهرج، قد أقصاه السلطان، وأقام صغوه ثقاف الأدب، وأذلّه الحكم بالحقّ، فهو مغيظ لا يجد غير التشنيع، ولا يتشفّى بغير الإرجاف، ولا يستريح إلّا إلى الأماني، ولا يأنس إلّا بكلّ مرجف كذّاب، ومفتون مرتاب، وخارص لا خير فيه، وخالف لا غناء عنده، يريد أن يسوّى بالكفاة، ويرفع فوق الحماة؛ لأمر [ما] سلف له، ولإحسان كان من غيره، وليس ممّن يربّ قديما بحديث، ولا يحفل بدروس شرف، ولا يفصل بين ثواب المحتسبين، وبين الحفظ لأبناء المحسنين.
وكيف يعرف فرق ما بين حقّ الذّمام وثواب الكفاية، من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله.
ثم أعلمتني بذلك أنّك بنفسك بدأت في تعظيم امامك، والحفظ لمناقب
(1/474)

أنصار خليفتك، وإيّاها حطت بحياطتك لأشياعه، واحتجاجك لأوليائه. ونعم العون أنت إن شاء الله على ملازمة الطّاعة، والمؤازرة على الخير، والمكانفة لأهل الحق.
وقد استدللت بالذي أرى من شدّة عنايتك، وفرط اكتراثك، وتفقّدك لأخابير الأعداء وبحثك عن مناقب الأولياء، على أن ما ظهر من نصحك أمم، في جنب ما بطن من إخلاصك.
فأمتع الله بك خليفته، ومنحنا وإياك محبّته، وأعاذنا وإيّاك من قول الزّور، والتقرّب بالباطل، إنّه حميد مجيد، فعّال لما يريد.
[3- اقسام جند الخلافة الخمسة]
وذكرت أبقاك الله أنّك جالست أخلاطا من جند الخلافة، وجماعة من أبناء الدّعوة، وشيوخا من جلّة الشّيعة، وكهولا من أبناء رجال الدّولة، والمنسوبين إلى الطاعة والمناصحة، [والمحبّة] الدّينية، دون محبة الرغبة والرهبة، وأنّ رجلا من عرض تلك الجماعة، ومن حاشية تلك الجلّة ارتجل الكلام ارتجال مستبدّ، وتفرد به تفرّد معجب، وأنّه لم يستأمر زعماءهم، ولم يراقب خطباءهم، وأنه تعسّف المعانى وتهجّم على الألفاظ، وزعم أنّ جند الخلافة اليوم على خمسة أقسام: خراساني، وتركيّ، ومولى، وعربيّ، وبنويّ. وأنّه أكثر من حمد الله وشكره على إحسانه ومننه، وعلى جميع أياديه وسابغ نعمه، وعلى شمول عافيته وجزيل مواهبه، حين ألّف على الطاعة هذه القلوب المختلفة، والأجناس المتباينة، والأهواء المتفرّقة. وأنّك اعترضت على هذا المتكلم المستبدّ، وعلى هذا القائل المتكلّف، الذي قسّم هذه الأقسام، وخالف [بين] هذه الأركان، وفصّل بين أنسابهم، وفرّق بين أجناسهم، وباعد بين أسبابهم.
(1/475)

[4- لا فرق بين الخراساني والتركي]
وأنّك أنكرت ذلك عليه أشدّ الإنكار، وقذعته أشدّ القذع، وزعمت أنّهم لم يخرجوا من الاتّفاق أو من شيء يقرب من الاتّفاق. وأنّك أنكرت التّباعد في النّسب، والتّباين في السّبب. وقلت: بل أزعم أنّ الخراسانيّ والتركيّ أخوان، وأن الحيّز واحد، وأن [حكم ذلك الشّرق، والقضيّة على] ذلك الصّقع متّفق غير مختلف، ومتقارب غير متفاوت. وأنّ الأعراق في الأصل إن لا تكن [كانت] راسخة فقد كانت متشابهة، وحدود البلاد المشتملة عليهم إن لا تكن متساوية فإنّها متناسبة؛ وكلّهم خراسانيّ في الجملة وإن تميّزوا ببعض الخصائص، فافترقوا ببعض الوجوه.
وزعمت أنّ اختلاف التركي والخراساني ليس كالاختلاف بين العجمي والعربيّ، ولا كالاختلاف بين الرّومي والصّقلبيّ، والزّنجيّ والحبشي، فضلا هما هو أبعد جوهرا وأشدّ خلافا. بل كاختلاف ما بين المكّي والمدني، والبدويّ والحضري، والسّهلي والجبلي، وكاختلاف ما بين الطائيّ الجبليّ والطائيّ السّهلي، وكما يقال: أنّ هذيلا أكراد العرب، وكاختلاف ما بين من نزل البطون وبين من نزل الحزون، وبين من نزل النّجود وبين من نزل الأغوار.
[5- العرب أمة واحدة]
وزعمت أنّ هؤلاء وإن اختلفوا في بعض اللّغة، وفارق بعضهم بعضا في بعض الصّور، فقد تخالفت عليا تميم، وسفلى قيس، وعجز هوازن وفصحاء الحجاز، في اللّغة، وهي في أكثرها على خلاف لغة حمير، وسكان مخاليف اليمن، وكذلك في الصّورة والشمائل والأخلاق. وكلّهم مع ذلك عربيّ خالص، غير مشوب ولا معلهج ولا مذرّع ولا مزلّج. ولم يختلفوا اختلاف ما بين بني قحطان وبني عدنان، من قبل ما طبع الله عليه تلك البريّة من خصائص
(1/476)

الغرائز، وما قسم الله تعالى لأهل كلّ جيزة من الشّكل والصّورة ومن الأخلاق واللّغة.
فإن قلت: فكيف كان أولادهما جميعا عربا مع اختلاف الأبوّة.
قلنا: إنّ العرب لما كانت واحدة فاستووا في التّربة وفي اللغة، والشّمائل والهمّة، وفي الأنف والحميّة، وفي الأخلاق والسّجيّة، فسبكوا سبكا واحدا، وأفرغوا إفراغا واحدا، وكان القالب واحدا، تشابهت الأجزاء وتناسب الأخلاط، وحين صار ذلك أشدّ تشابها في باب الأعمّ والأخصّ وفي باب الوفاق والمباينة من بعض ذوي الأرحام، جرى عليهم حكم الاتّفاق في الحسب، وصارت هذه الأسباب ولادة أخرى حتّى تناكحوا عليها، وتصاهروا من أجلها، وامتنعت عدنان قاطبة من مناكحة بني إسحاق وهو أخو إسماعيل، وجادوا بذلك في جميع الدهر لبني قحطان- وهو ابن عابر- ففي إجماع الفريقين على التناكح والمصاهرة، ومنعهما من ذلك جميع الأمم: كسرى فمن دونه، دليل على أنّ النسب عندهم متّفق، وأنّ هذه المعانى قد قامت عندهم مقام الولادة والأرحام الماسّة.
[6- البنوي خراساني]
وزعمت أنه أراد الفرقة والتّحزيب، وأنّك أردت الألفة والتّقريب.
وزعمت أيضا أنّ البنويّ خراساني، وأنّ نسب الأبناء نسب آبائهم، وأنّ حسن صنيع الآباء، وقديم فعال الأجداد، هو حسب الأبناء. وأنّ الموالى بالعرب أشبه، وإليهم أقرب، وبهم أمسّ؛ لأن السّنّة جعلتهم منهم. فقلت: إنّ الموالي أقرب إلى العرب في كثير من المعاني؛ لأنّهم عرب في المدّعى، وفي العاقلة، وفي الوراثة. وهذا تأويل قوله «مولى القوم منهم» و «مولى القوم من أنفسهم» ، و «الولاء لحمة كلحمة النّسب» . وعلى شبيه ذلك صار حليف
(1/477)

القوم منهم، وحكمه حكمهم، فصار الأخنس بن شريق وهو رجل من ثقيف، وكذلك يعلى بن منية وهو رجل من بلعدويّة، وكذلك خالد بن عرفطة وهو رجل من عذرة من قريش. وبذلك النّسب حرمت الصّدقة على موالي بني هاشم؛ فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم أجراهم في باب التنزيه والتطهير مجرى مواليهم.
وبذلك السّبب قدّم النبيّ صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب على بني عبد شمس، وقرابتهم سواء ونسبهم واحد، للعقد المتقدّم، وللأيدي المتّفقة.
وقال صلى الله عليه وسلم: «منّا خير فارس في العرب: عكاشة بن محصن» ، فقال ضرار بن الأزور الأسديّ: ذاك رجل منّا يا رسول الله. قال:
«بل هو منّا بالحلف» . فجعل حليف القوم منهم، كما جعل ابن أخت القوم منهم.
ثم زعمت أنّ الأتراك قد شاركوا هؤلاء القوم في هذا النّسب، وصاروا من العرب بهذا السّبب، مع الذي بانوا به من الخلال، وحبوا به من شرف الخصال.
على أنّ ولاء الّا تراك لباب قريش، ولمصاص عبد مناف، و [هم] في سرّ بني هاشم، [وهاشم] موضع العذار من خد الفرس، والعقد من لبّة الكاعب، والجوهر المكنون، والذّهب المصفّى، وموضع المحّة من البيضة، والعين في الرأس، والرّوح من البدن؛ وهم الأنف المقدّم، والسّنام الأكبر، والدّرّة الزهراء، والرّوضة الخضراء، والذّهب الأحمر. فقد شاركوا العرب في أنسابهم، والموالي في أسبابهم، وفصلوهم بهذا الفضل الذي لا يبلغه فضل وإن برع، بل لا يعشره شرف وإن عظم، ولا مجد وإن قدم.
فزعمت أنّ انساب الجميع متقاربة غير متباعدة، وعلى حسب ذلك التّقارب تكون المؤازرة والمكاتفة، والطاعة والمناصحة، والمحبة للخلفاء والأئمة.
(1/478)

[7- مفاخر الخراسانيين]
وذكرت أنّه ذكر جملا من مفاخرة الأجناس، وجمهرة من مناقب هذه الأصناف، وأنه جمع ذلك وفصّله وفسّره، وأنه ألغى ذكر الأتراك فلم يعرض لهم، وأضرب عنهم صفحا، يخبر عنهم كما أخبر عن حجّة كلّ جيل، وعن برهان كلّ صنف، وذكر أنّ الخراسانيّ يقول: نحن النّقباء وأبناء النقباء؛ ونحن النّجباء وأبناء النّجباء، ومنّا الدّعاة، قبل أن تظهر نقابة، أو تعرف نجابة، وقبل المغالبة والمباراة، وقبل كشف القناع وزوال التّقيّة وزوال ملك أعدائنا عن مستقرّه، وثبات ملك أوليائنا في نصابه. وبين ذلك ما قتلنا وشرّدنا، ونهكنا ضربا وبضعنا بالسّيوف الحداد، وعذّبنا بألوان العذاب.
وبنا شفى الله الصّدور، وأدرك الثأر. ومنّا الاثنا عشر النّقباء، والسّبعون النّجباء. ونحن الخندقيّة، ونحن الكفّيّة وأبناء الكفية، ومنا المستجيبة ومن يهرج التيمية ومنّا نيم خزان وأصحاب الجوربين ومنا الزّغنديّة والآزاذمردية.
ونحن فتحنا البلاد وقتلنا العباد، وأبدنا العدوّ بكلّ واد. ونحن أهل هذه الدولة، وأصحاب هذه الدعوة، ومنبت هذه الشجرة. ومن عندنا هبّت هذه الرّيح.
والأنصار أنصاران: الأوس والخزرج نصروا النبي صلى الله عليه وسلم في أوّل الزمان، وأهل خراسان نصروا ورثته في آخر الزّمان. غذانا بذلك آباؤنا وغذونا به أبناءنا وصار لنا نسبا لا نعرف إلّا به، ودينا لا نوالي إلّا عليه.
ثم نحن على وتيرة واحدة، ومنهاج غير مشترك؛ نعرف بالشيعة، وندين بالطّاعة، ونقتل فيها ونموت عليها. سيمانا موصوف، ولباسنا معروف. ونحن أصحاب الرّايات السّود، والروايات الصحيحة، والأحاديث المأثورة، والذين يهدّمون مدن الجبابرة، وينزعون الملك من أيدي الظّلمة، وفينا تقدّم الخبر، وصحّ الأثر. وجاء في الحديث صفة الذين يفتحون عمّوريّة ويظهرون عليها،
(1/479)

ويقتلون مقاتليها ويسبون ذراريها، حيث قالوا في نعتهم: «شعورهم شعور النساء، وثيابهم ثياب الرهبان» . فصدّق الفعل القول، وحقّق الخبر العيان.
ونحن الذين ذكرنا وذكر بلاءنا امام الأئمة، وأبو الخلائق العشرة: محمّد ابن علي، حين أراد توجيه الدّعاة إلى الآفاق، وتفريق شيعته في البلاد، أن قال:
أما البصرة وسوادها فقد غلب عليها عثمان وصنائع عثمان، فليس بها من شيعتنا إلّا القليل. وأمّا الشام فشيعة بني مروان وآل أبي سفيان. وأمّا الجزيرة فحروريّة شارية، وخارجة مارقة، ولكن عليكم بهذا الشّرق؛ فإنّ هناك صدورا سليمة وقلوبا باسلة، لم تفسدها الأهواء، ولم تخامرها الأدواء، ولم تعتقبها البدع، وهم مغيظون موتورون. وهناك العدد [والعدّة] ، والعتاد والنّجدة.
ثم قال: [وأنا أتفاءل] إلى حيث يطلع منه النهار. فكنّا خير جند لخير إمام؛ فصدّقنا ظنّه، وثبّتنا رأيه، وصوّبنا فراسته.
وقال مرّة أخرى:
أمرنا هذا شرقيّ لا غربيّ، ومقبل لا مدبر، يطلع كطلوع الشمس، ويمتدّ على الآفاق امتداد النهار، حتّى يبلغ حيث تبلغه الأخفاف، وتناله الحوافر.
قالوا: ونحن قتلنا الصّحصحيّة، والدّالقية، والذّكوانيّة، والرّاشديّة.
ونحن أيضا أصحاب الخنادق أيّام نصر بن سيّار. وابن جديع الكرمانيّ، وشيبان بن سلمة الخارجي. ونحن أصحاب نباتة بن حنظلة، وعامر بن ضبارة، وأصحاب ابن هبيرة. فلنا قديم هذا الأمر وحديثه، وأوّله وآخره ومنّا قاتل مروان.
ونحن قوم لنا أجسام وأجرام، وشعور وهام، ومناكب عظام، وجباه عراض، وقصر غلاظ، وسواعد طوال.
ونحن أولد للذّكورة، وأنسل بعولة. وأقلّ ضوى وضؤولة، وأقلّ إتاما
(1/480)

وأنتق أرحاما، وأشدّ عصبا وأتمّ عظاما، وأبداننا أحمل للسلاح، وتجفافنا أملأ للعيون.
ونحن أكثر مادّة، وأكثر عددا وعدّة.
ولو أنّ يأجوج ومأجوج كاثروا من وراء النّهر منّا لظهروا عليهم بالعدد.
فأمّا الأيد وشدّة الأسر، فليس لأحد بعد عاد وثمود والعمالقة والكنعانيّين مثل أيدنا وأسرنا.
ولو أن خيول الأرض وفرسان جميع الأطراف جمعوا في حلبة واحدة، لكنّا أكثر في العيون، وأهول في الصّدور.
ومتى رأيت مواكبنا وفرساننا، وبنودنا التي لا يحملها غيرنا، علمت أننا لم نخلق إلّا لقلب الدّول، وطاعة الخلفاء، وتأييد السلطان.
ولو أنّ أهل التبت ورجال الزابج، وفرسان الهند، وحلبة الرّوم، هجم عليهم هاشم بن أشتا خنج لما امتنعوا من طرح السّلاح والهرب في البلاد.
ونحن أصحاب اللّحى وأرباب النّهى، وأهل الحلم والحجا، وأهل الثّخانة في الرأي، والبعد من الطّيش. ولسنا كجند الشّام المتعرّضين للحرم، والمنتهكين لكلّ محرم.
ونحن ناس لنا أمانة وفينا عفّة. ونحن نجمع بين النّزاهة والقناعة والصّبر على الخدمة، والتجمير عند بعد الشّقّة. ولنا الطّبول المهولة العظام والبنود، ونحن أصحاب التجافيف والأجراس، والبازيكند واللّبود الطّوال، والأغماد المعقّفة والشّوارب المعقربة، والقلانس الشاشيّة، والخيول الشهرية، والكافر كوبات والطّبرزينات [في الأكفّ] ، والخناجر في الأوساط. ولنا حسن الجلسة على ظهور الخيل. ولنا الأصوات التي تسقط منها الحبالى.
وليس في الأرض صناعة غريبة من أدب وحكمة، وحساب وهندسة،
(1/481)

وإيقاع وصنعة، وفقه ورواية، نظرت فيها الخراسانية إلّا فرعت فيها الرّؤساء، وبزّت فيها العلماء.
ولنا صنعة السّلاح من لبد وركاب ودرع. ولنا مما جعلناه رياضة وتمرينا، وإرهاصا للحرب، وتثقيفا ودربة للمجاولة والمشاولة، [و] للكرّ بعد الكرّ:
مثل الدّبّوق، والنزو على الخيل صغارا، ومثل الطّبطاب والصّوالجة الكبار، ثم رمي المجثّمة، والبرجاس والطائر الخطّاف.
فنحن أحقّ بالأثرة، وأولى بشرف المنزلة.
[8- مفاخر العرب]
ثم قلت: وزعم أنّ القربة تستحقّ بالأسباب الثابتة، وبالأرحام الشابكة، وبالقدمة، والطاعة للآباء والعشيرة، وبالشكر النافع، والمديح الكافي بالشّعر الموزون الذي يبقى بقاء الدهر، ويلوح ما لاح نجم، وينشد ما أهلّ بالحج، وما هبّت الصّبا، وما كان للزّيت عاصر؛ وبالكلام المنثور والقول المأثور. أو بصفة مخرج الدولة والاحتجاج للدعوة، وتقييد المآثر، إذ لم يكن [ذلك من] عادة العجم، ولا كان يحفظ ذلك معروفا لسوى العرب. ونحن نرتبطها بالشعر المقفّى، ونصلها بحفظ الأمّيّين. [الذين لا يتكلون على الكتب المدوّنة، والخطوط المطرّسة. ونحن أصحاب التفاخر والتنافر، والتنازع في الشّرف، والتحاكم إلى كلّ حكم مقنع وكاهن سجاع. ولنا التعاير بالمثالب، والتفاخر بالمناقب. ونحن أحفظ لأنسابنا، وأرعى لحقوقنا وتقييدها أيضا بالمنثور المرسل، بعد الموزون المعدّل، بلسان أمضى من السّنان، وأرهف من السّيف الحسام، حتى نذكّرهم ما قد درس رسمه، وعفا أثره.
وبين القتال من جهة الرغبة والرهبة فرق، وليس المعرق في الحفاظ كمن هذا فيه حادث. وهذا باب يتقدّم فيه التالد القديم الطارف الحديث.
(1/482)

وطلّاب الطوائل رجلان: سجستاني وأعرابيّ. وهل أكثر النقباء إلّا من صميم العرب، ومن صليبة هذا النّسب، كأبي عبد الحميد قحطبة بن شبيب الطائي، وأبي محمد سليمان بن كثير الخزاعي، وأبي نصر مالك بن الهيثم الخزاعي، وأبي داود خالد بن إبراهيم الذّهلي، وكأبي عمرو لاهز بن قريظ المرئيّ، وأبي عتيبة موسى بن كعب المرئيّ، وأبي سهل القاسم بن مجاشع المزني؛ ومن كان يجري مجرى النّقباء ولم يدخل فيهما، مثل مالك بن الطواف المزنّى.
وبعد فمن هذا الذي باشر قتل مروان، ومن هزم ابن هبيرة، ومن قتل ابن ضبارة، ومن قتل نباتة بن حنظلة، إلّا عرب الدّعوة، والصّميم من أهل الدولة؟! ومن فتح السّند إلا موسى بن كعب، ومن فتح إفريقيّة إلّا محمد بن الأشعث؟!
[9- مفاخر الموالي]
وقلت: وقال: وتقول الموالي: لنا النصيحة الخالصة، والمحبة الراسخة، ونحن موضع الثقة عند الشدّة. وعلل المولى من تحت موجبة لمحبّة المولى من فوق، لأنّ شرف مولاه راجع إليه، وكرمه زائد في كرمه، وخموله مسقط لقدره. وبودّه أنّ خصال الكرام كلّها اجتمعت فيه؛ لأنّه كلّما كان مولاه أكبر وأشرف وأظهر، كان هو بها أشرف وأنبل. ومولاك أسلم لك صدرا، وأردّ ضميرا، وأقلّ حسدا.
وبعد فالولاء لحمة كلحمة النّسب، فقد صار لنا النسب الذي يصوّبه العربيّ، ولنا الأصل الذي يفتخر به العجمي.
قال: والصّبر ضروب، فأكرمها كلها الصّبر على إفشاء السر. وللمولى في هذه المكرمة ما ليس لأحد.
ونحن أخصّ مدخلا، وألطف في الخدمة مسلكا. ولنا مع الطاعة والخدمة
(1/483)

والاخلاص وحسن النيّة، خدمة الأبناء للآباء، والآباء للأجداد، وهم بمواليهم آنس، وبناحيتهم أوثق، وبكفايتهم أسرّ.
وقد كان المنصور، ومحمد بن علي، وعلي بن عبد الله، يخصّون مواليهم بالمواكلة والبسط والإيناس، لا يبهرجون الأسود لسواده، ولا الدميم لدمامته، ولا الصناعة الدنيئة لدناءتها. ويوصون بحفظهم أكابر أولادهم، ويجعلون لكثير من موتاهم الصلاة على جنائزهم، وذلك بحضرة من العمومة وبني الأعمام والأخوة.
ويتذاكرون إكرام رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة مولاه، حين عقد له يوم مؤتة على جلّة بني هاشم، وجعله أمير كلّ بلدة يطؤها.
ويتذاكرون حبّه لأسامة بن زيد، وهو الحبّ ابن الحب. وعقد له على عظماء المهاجرين وأكابر الأنصار.
ويتذاكرون صنيعه بسائر مواليه، كأبي أنسة، وشقران، وفلان وفلان.
قالوا: ولنا من رؤوس النقباء أبو منصور مولى خزاعة، وأبو الحكم عيسى بن أعين مولى خزاعة، وأبو النجم عمران بن إسماعيل مولى آل أبي معيط. فلنا مناقب الخراسانية، ولنا مناقب الموالي في هذه الدعوة، ونحن منهم وإليهم، ومن أنفسهم، لا يدفع ذلك مسلم ولا ينكره مؤمن، خدمناهم كبارا وحملناهم على عواتقنا صغارا. هذا مع حقّ الرّضاع والخؤولة، والنشوء في الكتّاب، والتقلّب في تلك العراص التي لم يبلغها إلّا كلّ سعيد الجدّ، وجيه في الملوك. فقد شاركنا العربيّ في فخره، والخراسانيّ في مجده، والنبويّ في فضله، ثم تفرّدنا بما لم يشاركونا فيه، ولا سبقونا إليه.
قالوا: ونحن أشكل بالرعيّة، وأقرب إلى طباع الدّهماء؛ وهم بنا آنس وإلينا أسكن، وإلى لقائنا أحنّ؛ ونحن بهم أرحم، وعليهم أعطف، وبهم أشبه. فمن أحقّ بالأثرة، وأولى بحسن المنزلة ممّن هذه الخصال له، وهذه الخلال فيه.
(1/484)

[10- مفاخر البنوي]
وقلت وذكرت أن البنويّ قال:
أنا أصلي خراسان، وهي مخرج الدّولة ومطلع الدّعوة؛ ومنها نجم هذا القرن، وصبأ هذا الناب، وتفجّر هذا الينبوع، واستفاض هذا البحر، حتى ضرب الحقّ بجرانه، وطبّق الآفاق بضيائه، فأبرأ من السّقم القديم، وشفى من الداء العضال، وأغنى من العيلة، وبصّر من العمى قال: وفرعى بغداد، وهي مستقرّ الخلافة، والقرار بعد الحولة، وفيها بقيّة رجال الدعوة، وابناء الشّيعة، وهي خراسان العراق؛ وبيت الخلافة، وموضع المادّة.
قال: وأنا أعرق في هذا الأمر من أبي، وأكثر تردادا فيه من جدّي، وأحقّ في هذا الفضل من المولى والعربيّ. ولنا بعد في انفسنا ما لا ينكر من الصبر تحت ظلال السّيوف القصار والرّماح الطوال. [ولنا معانقة الأبطال عند تحطّم القنا وانقطاع الصفائح. ولنا المواجأة بالسكاكين، وتلقي الخناجر بالعيون، ونحن حماة المستلحم؛ وأبناء المضايق. ونحن أهل الثبات عند الجولة، والمعرفة عند الحيرة، وأصحاب المشهّرات، وزينة العساكر وحلى الجيوش، ومن يمشي في الرّمح، ويختال بين الصّفّين. ونحن اصحاب الفتك والإقدام، ولنا بعد التسلّق، ونقب المدن، والتقحّم على ظبات السّيوف وأطراف الرّماح، ورضخ الجندل، وهشم العمد، والصبر على الجراح وعلى جرّ السّلاح إذا طار قلب الأعرابيّ، وساء ظنّ الخراساني. ثم الصّبر تحت العقوبة، والاحتجاج عند المساءلة، واجتماع العقل، وصحّة الطّرف، وثبات القدمين، وقلّة التكفّي بحبل العقابين، والبعد من الإقرار، وقلّة الخضوع للدهر والخضوع عند جفوة الزّوار وجفاء الأقارب والإخوان.
ولنا القتال عند أبواب الخنادق، ورؤوس القناطر. ونحن الموت الأحمر
(1/485)

عند أبواب النّقب. ولنا المواجأة في الأزقّة، والصّبر على قتال السّجون.
فسل عن ذلك الخليدية، والكتفية، والبلاليّة، والخريبية. ونحن أصحاب المكابدات وأرباب البيات، وقتل الناس جهارا في الأسواق والطّرقات.
ونحن نجمع بين السّلّة والمزاحفة. ونحن أصحاب القنا الطّوال ما كنّا رجّالة، والمطارد القصار ما كنّا فرسانا. فإن صرنا كمنا فالحتف القاضي، والسمّ الذّعاف. وإن كنّا طلائع فكلّنا يقوم مقام أمير الجيش. نقاتل بالليل كما نقاتل بالنهار، ونقاتل في الماء كما نقاتل على الأرض، ونقاتل في القرية كما نقاتل في المحلة.
ونحن أفتك وأخشب، ونحن أقطع للطريق وأذكر في الثّغور، مع حسن القدود وجودة الخطر ومقادير اللّحى، وحسن العمّة، والنفس المرّة.
وأصحاب الباطل والفتوّة، ثم الخطّ والكتابة، والفقه والرّواية.
ولنا بغداد باسرها، تسكن ما سكنّا، وتتحرّك ما تحرّكنا. والدّنيا كلها معلقة بها، وصائرة الى معناها. فإذا كان هذا أمرها وقدرها فجميع الدّنيا تبع لها] . وكذلك أهلها لأهلها، وفتّاكها لفتّاكها، وخلّاعها لخلّاعها، ورؤساؤها لرؤسائها، وصلحاؤها لصلحائها.
ونحن بعد تربية الخلفاء، وجيران الوزراء، ولدنا في أفنية ملوكنا، ونحن أجنحة خلفائنا؛ فأخذنا بآثارهم واحتذينا على مثالهم، فلسنا نعرف سواهم، ولا نعرف بغيرهم، ولا يطمع فينا أحد قطّ من خطّاب ملكهم، وممن يترشّح للاعتراض عليهم. فمن أحقّ بالأثرة، وأولى بالقرب في المنزلة ممّن هذه الخصال فيه، وهذه الخلال له.
[11- الغاية من وضع الكتاب]
إن ذهبنا حفظك الله بعقب هذه الاحتجاجات، وعند مقطع هذه
(1/486)

الاستدلالات، نستعمل هذه المعارضة بمناقب الأتراك، والموازنة بين خصالهم وخصال كلّ صنف من هذه الأصناف، سلكنا في هذا الكتاب سبيل أصحاب الخصومات في كتبهم، وطريق أصحاب الأهواء في الاختلاف الذي بينهم.
وكتابنا هذا إنّما تكلّفناه لنؤلّف بين قلوبهم التي كانت مختلفة، ولنزيد الألفة إن كانت مؤتلفة، ولنخبر عن اتّفاق أسبابهم لتجتمع كلمتهم، ولتسلم صدورهم، وليعرف من كان لا يعرف منهم موضع التفاوت في النسب، وكم مقدار الخلاف في الحسب، فلا يغيّر بعضهم مغيّر، ولا يفسده عدوّ بأباطيل مموّهة وشبها مزوّرة؛ فإنّ المنافق العليم، والعدوّ ذا الكيد العظيم، قد يصوّر لهم الباطل في صورة الحقّ، ويلبس الاضاعة ثياب الحزم. إلا أنّا على حال سنذكر جملا من أحاديث رويناها ووعيناها، وأمور رأيناها وشاهدناها، وفضائل تلقّفناها من أفواه الرجال وسمعناها.
وسنذكر جميع ما في هذه الأصناف من الآلات والأدوات، ثم ننظر أيّهم لها أشدّ استعمالا، وبها أشدّ استقلالا، ومن أثقب كيسا وأفتح عينا وأذكى يقينا، وابعد غورا وأجمع أمرا، وأعمّ خواطر وأكثر غرائب، وأبدع طريقا، وأدوم نفعا في الحروب؛ وأضرى وأدرب دربة، وأغمض مكيدة، وأشدّ احتراسا وألطف احتيالا؛ حتّى يكون الخيار في يد الناظر المتصفّح لمعانيه، والمقلّب لوجوهه، والمفكّر في أبوابه، والمقابل بين أوّله وآخره، فلا نكون نحن انتحلنا شيئا دون شيء، وتقلّدنا تفضيل بعض على بعض، بل [لعلّنا أن لا] نخبر عن خاصّة ما عندنا بحرف واحد.
فإذا دبّرنا كتابنا هذا التدبير، وكان موضوعه على هذه الصّفة، كان أبعد له من مذاهب الجدال والمراء، واستعمال الهوى.
وقد ظنّ ناس أنّ أسماء أصناف الأجناس كما اختلفت في الصّورة والخطّ والهجاء، أن حقائقها ومعانيها على حسب ذلك. وليس الأمر على حسب ما توهّمه؛ ألا ترى أنّ اسم الشّاكريّة وإن خالف في الصّورة والهجاء اسم
(1/487)

الجند، فإنّ المعنى فيهما ليس ببعيد؛ لأنّهم يرجعون إلى معنى واحد وعمل واحد. والذي يرجعون إليه طاعة الخلفاء، وتأييد السلطان.
وإذا كان المولى منقولا الى العرب في أكثر المعاني، ومجعولا منهم في عامّة الأسباب، لم يكن ذلك بأعجب ممّن جعل الخال والدا، والحليف من الصّميم، وابن الأخت من القوم.
وقد جعل إبن الملاعنة المولود على فراش البعل منسوبا الى أمّه.
وقد جعلوا اسماعيل وهو ابن عجميّين عربيّا؛ لأنّ الله تعالى فتق لهاته بالعربيّة المبينة على غير التلقين والترتيب، ثمّ فطره على الفصاحة العجيبة على غير النشوّ والتّقدير، وسلخ طباعه من طبائع العجم، ونقل إلى بدنه تلك الأجزاء، [وركّبه اختراعا] على ذلك التركيب، وسوّاه تلك التسوية، وصاغه تلك الصّياغة، ثم حباه من طبائعهم ومنحه من أخلاقهم وشمائلهم، وطبعه من كرمهم وأنفتهم وهممهم على أكرمها وأمكنها، وأشرفها وأعلاها، وجعل ذلك برهانا على رسالته، ودليلا على نبوّته؛ فكان أحقّ بذلك النّسب، وأولى بشرف ذلك الحسب.
وكما جعل ابراهيم أبا لمن لم يلده، فالبنويّ خراسانيّ من جهة الولادة، والمولى عربيّ من جهة المدّعى والعاقلة. وإن أحاط علمنا بأنّ زيدا لم يخلق من نجل عمرو إلّا عهارا لنفيناه عنه، وإن وثقنا أنّه لم يخلق من صلبه.
وكما جعل النبيّ صلى الله عليه وسلم أزواجه أمّهات المؤمنين وهنّ لم يلدنهم ولا أرضعنهم، وفي بعض القراءات: (وأزواجه أمّهاتهم وهو أب لهم) ، على قوله: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ
. وجعل المرأة من جهة الرّضاع أمّا، وجعل [امرأة] البعل أمّ ولد البعل من غيرها، [وجعل] الرابّ والدا، وجل العمّ أبا [في كتاب الله] . وهم عبيده لا يتقلّبون إلّا فيما قلّبهم فيه. وله أن يجعل من عباده من شاء عربيّا ومن شاء عجميّا، ومن شاء قرشيّا، ومن شاء زنجيّا؛ كما له أن يجعل من شاء ذكرا ومن شاء أنثى،
(1/488)

[ومن شاء خنثى] ، ومن شاء أفرده من ذلك فجعله لا ذكرا ولا أنثى ولا خنثى.
وكذلك خلق الملائكة وهم أكرم على الله من جميع الخليقة. وخلق آدم فلم يجعل له أبا ولا أمّا، وخلقه من طين ونسبه اليه، وخلق حوّاء من ضلع آدم وجعلها له زوجا وسكنا. وخلق عيسى من غير ذكر ونسبه إلى أمّه التي خلقه منها. وخلق الجانّ من نار السّموم، وآدم من طين، وعيسى من غير نطفة. وخلق السّماء من دخان، والأرض من الماء، وخلق اسحاق من عاقر. وأنطق عيسى في المهد، وأنطق يحيى بالحكمة وهو صغير، وعلّم سليمان منطق الطّير، وكلام النّمل، وعلّم الحفظة من الملائكة جميع الألسنة حتّى كتبوا بكلّ خطّ، ونطقوا بكلّ لسان. وأنطق ذئب أهبان بن أوس.
والمؤمنون من جميع الأمم إذا دخلوا الجنّة، وكذلك أطفالهم والمجانين [منهم] ، يتكلّمون ساعة يدخلون الجنة بلسان أهل الجنّة، على غير الترتيب والتنزيل، والتعليم على طول الأيّام والتا؟؟ ين. فكيف يتعجّب الجاهلون من [نطق] اسماعيل بالعربية على غير تعليم الآباء، وتأديب الحواضن؟! وهذه المسألة ربّما سأل عنها بعض القحطانية، ممن لا علم له، بعض العدنانية، وهي على القحطانيّ أشدّ. فأمّا جواب العدنانيّ فسلس النّظام سهل المخرج، قريب المعنى؛ لأنّ بني قحطان لا يدّعون لقحطان نبوّة فيعطيه الله مثل هذه الأعجوبة.
وما الذي قسم الله- عزّ اسمه- بين الناس من ذلك، إلّا كما صنع في طينة الأرض، فجعل بعضها حجرا، وبعض الحجر ياقوتا، وبعضه ذهبا، وبعضه نحاسا، وبعضه رصاصا، وبعضه حديدا، وبعضه ترابا، وبعضه فخّارا. وكذلك الزّاج، والمغرة، والزّرنيخ، والمرتك، والكبريت، والقار والتّوتيا، والنوشادر، والمرقشيثا، والمغناطيس.
ومن يحصى عددا أجزاء الأرض، وأصناف الفلزّ؟!
(1/489)

وإذا كان الأمر على ما وصفنا فالبنويّ خراسانيّ. وإذا كان الخرسانيّ موليّ، والمولى عربيّ- فقد صار الخرسانيّ والبنويّ والمولى والعربيّ واحدا.
وأدنى ذلك أن يكون الذي معهم من خصال الوفاق غامرا ما معهم من خصال الخلاف، بل هم في معظم الأمر وفي كبر الشّأن وعمود النّسب متّفقون. والأتراك خراسانية وموالي الخلفاء قصرة، فقد صار التركيّ الى الجميع راجعا، وصار شرفه إلى شرفهم زائدا.
وإذا عرف سائر ذلك سامحت النّفوس، وذهب التّعقيد، ومات الضّغن، وانقطع سبب الاستثقال؛ فلم يبق إلّا التحاسد والتّنافس الذي لا يزال يكون بين المتقاربين في القرابة وفي المجاورة.
على أنّ التّوازر والتسالم في الرابات وفي بني الأعمام والعشائر، أفشى وأعمّ من البعداء.
ولخوف التّخاذل ولحبّ التناصر، والحاجة إلى التّعاون- انضمّ بعض القبائل في البوادي الى بعض، ينزلون معا ويظعنون معا. ومن فارق أصحابه أقلّ، [و] من نصر ابن عمّه أثر. ومن اغتبط بنعمته وتمنّى بقاءها والزيادة فيها اكثر ممّن بغاها الغوائل، وطلب انقطاعها وزوالها. ولا بدّ في أضعاف ذلك من بعض التّنافس والتخاذل، إلّا أنّ ذلك قليل من كثير.
وليس يجوز أن تصفو الدّنيا وتنقى من الفساد والمكروه حتّى يموت جميع الخلائق، وتستوي لأهلها، وتتمهّد لسكّانها على ما يشتهون ويهوون؛ لأن ذلك من صفة دار الجزاء، وليس كذلك صفة دار العمل.
(1/490)

[12- موضوع الكتاب]
هذا كتاب كنت كتبته أيّام المعتصم بالله، رضي الله عنه، فلم يصل إليه، لأسباب يطول شرحها، فلذلك لم أعرض للإخبار عنها. وأحببت أن يكون كتابا قصدا، ومذهبا عدلا، ولا يكون كتاب إسراف في مديح قوم، وإغراق في هجاء آخرين، وإن كان الكتاب كذلك شابه الكذب، وخالطه التزيّد، وبنى أساسه على التكلّف، وخرج كلامه مخرج الاستكراه والتّدليق.
وأنفع المدائح للمادح وأجداها على الممدوح، وأبقاها أثرا وأحسنها ذكرا: أن يكون المديح صدقا، وللظّاهر من حال الممدوح موافقا، وبه لاثقا، حتّى لا يكون من المعبّر عنه والواصف [له] إلّا الإشارة اليه، والتنبيه عليه.
وأنا أقول: إن كان لا يمكن ذلك في مناقب الأتراك إلّا بذكر مثالب سائر الأجناد، فترك ذكر الجميع أصوب، والاضراب عن [هذا الكتاب أحزم، وذكر الكثير من] هذه الأصناف بالجميل، لا يقوم بالقليل من ذكر بعضهم بالقبيح، لأنّ ذكر الأكثر بالجميل نافلة، وباب من التطوّع، وذكر الأقلّ بالقبيح معصية، وباب من ترك الواجب. وقليل الفريضة أجدى علينا من كثير التطوّع.
ولكلّ نصيب من المساوىء ومقدار من الذّنوب؛ وإنّما يتفاضل الناس بكثرة المحاسن وقلّة المساوي. فأمّا الاشتمال على جميع المحاسن، والسّلامة من جميع المساويء دقيقها وجليلها، وظاهرها وخفيّها، فهذا لا يعرف.
وقد قال النابغة:
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث، أيّ الرّجال المهذّب
وقال حريش السّعدي:
(1/491)

أخ لي كأيّام الحياة إخاؤه ... تلوّن ألوانا عليّ خطوبها
إذا عبت منه خلّة فتركته ... دعتني إليه خلّة لا أعيبها
وقال بشّار:
إذا كنت في كلّ الأمور معاتبا ... خليلك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحدا أو صل أخاك فإنّه ... مقارف ذنب مرّة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأيّ الناس تصفو مشاربه
وقال مطيع بن إياس اللّيثيّ:
ولئن كنت لا تصاحب الّا ... صاحبا لا تزلّ، ما عاش، نعله
لم تجده ولو جهدت وأنّى ... بالذي لا يكون يوجد مثله
وقال محمد بن سعيد، وهو رجل من الجند:
سأشكر عمرا إن تراخت منيّتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلّت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشّكوى إذا النعل زلّت
رأى خلّتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلّت
فإذا كان الخلطاء من جمهور الناس، وأصحاب المعايش من دهماء الجماعة، يرون ذلك واجبا وتدبيرا في التعامل، على ما هم فيه من مشاركة الخطأ للصواب، وامتزاج الضّعف بالقوّة، فلسنا نشكّ أنّ الامام الأكبر والرّئيس الأعظم، مع الأعراق الكريمة والأخلاق الرفيعة، والتّمام في الحلم والعلم، والكمال في الحزم والعزم، مع التمكين والقدرة، والفضيلة والرّياسة [والسّيادة] ، والخصائص التي معه من التّوفيق والعصمة، والتأييد وحسن المعونة، أنّ الله جلّ اسمه لم يكن ليجلّله باسم الخلافة، ويحبوه بتاج الإمامة، وبأعظم نعمة وأسبغها، وأفضل كرامة وأسناها، ثم وصل طاعته بطاعته، ومعصيته بمعصيته، إلّا ومعه من الحلم في موضع الحلم، والعفو في موضع العفو، والتّغافل في موضع التّغافل، ما لا يبلغه فضل ذي فضل،
(1/492)

ولا حلم ذي حلم.
[13- مناسبة تأليف الكتاب]
ونحن قائلون، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله، فيما انتهى الينا في أمر الأتراك:
زعم محمّد بن الجهم، وثمامة بن أشرس، والقاسم بن سيّار، في جماعة ممن يغشى دار الخلافة، وهي دار العامّة، قالوا جميعا:
بينا حميد بن عبد الحميد جالسا ومعه بخشاد الصّغديّ، وأبو شجاع [شبيب] بن بخار اخداي البلخيّ، ويحيى بن معاذ، ورجال من المعدودين المتقدّمين في العلم بالحرب [من أصحاب التجارب والمراس، وطول المعالجة والمعاناة] في صناعات الحرب، إذ خرج رسول المأمون فقال لهم: نقول لكم متفرّقين ومجتمعين: ليكتب كلّ رجل منكم دعواه وحجته، وليقل أيّما أحبّ إلى [كلّ] قائد منكم إذا كان في عدّته من صحبه وثقاته: أن يلقى مائة تركيّ أو مائة خارجيّ؟ فقال القوم جميعا: [لأن] نلقى مائة تركيّ أحبّ إلينا من أن نلقى مائة خارجيّ! وحميد ساكت.
فلما فرغ القوم [جميعا] من حججهم، قال الرّسول: قد قال القوم فقل واكتب قولك، وليكن حجّة لك أو عليك. قال: بل ألقى مائة خارجيّ أحبّ إليّ؛ لأنّني وجدت الخصال التي يفضل بها الخارجيّ جمع المقاتلة غير تامّة في الخارجيّ، ووجدتها تامّة في التّركي. ففضل التركيّ على الخارجيّ بقدر فضل الخارجيّ على سائر المقاتلة، ثمّ بان التركيّ عن الخارجيّ بأمور ليس فيها للخارجيّ دعوى ولا متعلّق. على أن هذه الأمور التي بان بها التركيّ عن الخارجيّ، أعظم خطرا وأكثر نفعا، مما شاركه الخارجيّ في بعضها.
[14- خصال الخوارج]
ثم قال حميد: والخصال التي يصول بها الخارجيّ على سائر الناس صدق
(1/493)

الشّدّة عند أوّل وهلة، وهي الدّفعة التي يبلغون بها ما أرادوا، وينالون الذي أمّلوا.
والثانية: الصّبر على الخبب وعلى طول السّرى، حتّى يصبح القوم [الذين مرقوا بهم] غارّين فيهجموا عليهم وهم بسوء، ولحم على وضم، يتعجّلونهم عن الرّويّة، وعن ردّ النفس عن النّزوة والجولة؛ لا يظنّون أنّ أحدا يقطع في ذلك المقدار من الزّمان ذلك المقدار من البلاد.
والثالثة: أنّ الخارجيّ موصوف عند الناس بأنّه إن طلب أدرك، وإن طلب فات.
والرابعة: خفّة الأزواد وقلّة الأمتعة، وأنّها تجنب الخيل وتركب البغال، وإن احتاجت أمست بأرض وأصبحت بأخرى، وأنّهم قوم حين خرجوا لم يخلّفوا الأموال الكثيرة، والجنان الملتفّة، والدّور المشيّدة، ولا ضياعا ولا مستغلّات، ولا جواري مطهّمات، و [أنهم] لا سلب لهم ولا مال معهم فيرغب الجند في لقائهم، وإنّما هم كالطّير لا تدّخر ولا تهتمّ لغد، ولها في كلّ أرض من المياه والأقوات ما تتبلّغ به، وإن لم تجد ذلك في بعض البلاد فأجنحتها تقرّب لها البعيد، وتسهّل لها الحزون. وكذلك الخوارج لا يمتنع عليهم القرى والمطعم، وإن تمنّع عليهم ففي بنات شحّاج وبنات صهّال، وخفّة الأثقال على طول الخبب، ما يسهّل أقواتها، ويكثّر من أرزاقها.
والخامسة: أن الملوك إن أرسلوا إليهم اعدادهم ليكونوا في خفّة أوزارهم وأثقالهم، وليقووا على التنقّل كقوّتهم، لم يقووا عليهم؛ لأن مائة من الجند لا يقومون لمائة من الخوارج؛ وإن كثّفوا الجيش بالجيش، وضاعفوا العدد [بالعدد] ثقلوا عن طلبهم، وعن الفوت إن طلبهم عدوّهم. ومتى شاء الخارجيّ أن يقرب منهم ليتطرّفهم أو ليصيب الغرّة منهم، أو ليسلبهم، فعل ذلك ثقة بأنّه يغنم عند الفرصة ورؤية العورة، ويمكنه الهرب عند
(1/494)

الخوف. وإن شاء كبسهم ليقطع نظامهم، أو ليقتطع القطعة منهم.
قال حميد: فهذه هي مفاخرهم وخصالهم، التي لها كره القوّاد لقاءهم.
قال قاسم بن سيّار: وخصلة أخرى، وهي التي رعبت القلوب وخلعتها، ونقضت العزائم وفسختها، وهو ما تسمع الأجناد ومقاتلة العوامّ، من ضرب المثل بالخوارج، كقول الشاعر:
إذا ما البخيل والمحاذر للقرى ... رأى الضّيف مثل الأزرقيّ المجفّف
وكقول الآخر:
وقلب ودّ حال عن عهده ... والسّيف ينبو بيد الشّاري
وكقول الآخر:
لقاء الأسد أهون من لقاه ... إذا التحكيم يسهر بالأصيل
فهذه زيادة قاسم بن سيّار.
[15- خصال الاتراك]
فأمّا حميد فإنّه قال:
الشّدّة الأولى التركيّ فيها أحمد [أثرا، وأجمع] أمرا، وأحكم شأنا؛ لأنّ التركيّ من أجل أن تصدق شدّته ويتمكّن عزمه، ولا يكون مشترك العزم ولا منقسم لخواطر، قد عوّد برذونه ألّا ينثني وإن ثناه، أن يملا فروجه للأمر يديره مرّة أو مرّتين، وإلّا فإنّه لا يدع سننه، ولا يقطع ركضه. وإنّما أراد التركيّ أن يوئس نفسه من البدوات، ومن أن يعتريه التكذيب بعد الاعتزام، لهول [اللقا] ، وحبّ الحياة؛ لأنّه إذا علم أنه قد صيّر برذونه إلى هذه الغاية حتّى لا ينثني ولا يجيبه إلى التصرّف معه إلّا بأن يصنع شيئا بين الصّفّين فيه عطبه، لم يقدم على الشّدّة إلّا بعد إحكام الأمر، والبصرة
(1/495)

بالعورة. وإنّما يريد أن يشبّه نفسه بالمحرج الذي إذا رأى أشدّ القتال لم يدع جهدا ولم يدّخر حيلة، ولينفى عن قلبه خواطر الفرار، ودواعي الرّجوع.
وقال: الخارجيّ عند الشّدّة إنّما يعتمد على الطّعان، والأتراك تطعن طعن الخوارج، وإن شدّ منهم ألف فارس فرموا رشقا واحدا صرعوا ألف فارس، فما بقاء جيش على هذا النّوع من الشّدّة! والخوارج والأعراب ليست لهم رماية مذكورة على ظهور الخيل، والتركيّ يرمي الوحش والطّير، والبرجاس، والناس، والمجثّمة، والمثل الموضوعة، ويرمى وقد ملأ فروج دابّته مدبرا ومقبلا، ويمنة ويسرة، وصعدا وسفلا، ويرمي بعشرة أسهم قبل أن يفوّق الخارجيّ سهما واحدا، ويركض دابّته منحدرا من جبل، أو مستفلا إلى بطن واد بأكثر مما يمكن الخارجيّ على بسيط الأرض.
وللتركيّ أربعة أعين: عينان في وجهه، وعينان في قفاه. وللخارجيّ عين في مستدبر الحرب، وللخراسانيّ عين في مستقبل الحرب. فعيب الخراسانيّة أنّ لها جولة عند أوّل الالتقاء، وإن ركبوا [كسأهم] كانت هزيمتهم، وكثيرا ما يثوبون، وذاك [بعد] الخطار بالعسكر، وإطماع العدوّ في الشّدّة.
والخوارج إذا ولّوا فقد ولّوا وليس لهم بعد الفرّ كرّ، إلّا ما لا يعدّ.
والتركيّ ليست له جولة الخراسانيّ، وإذا أدبر فهو السّمّ الناقع، والحتف القاضي؛ لأنه يصيب بسهمه وهو مدبر كما يصيب به وهو مقبل، ولا يؤمن وهقه، ولا انتساف الفرس، واختطاف الفارس بتلك الرّكضة.
ولم يفلت من الوهق في جميع الدّهر إلّا المهلّب بن أبي صفرة، والحريش هلال، وعبّاد بن الحصين. وربّما رمى بالوهق وله فيه تدبير آخر وإن لم يجنب المرميّ معه، يوهم الجاهل أنّ ذلك إنما كان لخرق التّركي، أو لحذق المرميّ.
(1/496)

قال: وهم علّموا الفرسان حمل قوسين وثلاثة قسيّ، ومن الأوتار على حسب ذلك.
قال: والتركيّ في حال شدّته، معه كلّ شيء يحتاج اليه لنفسه وسلاحه ودابّته وأداة دابّته. فأمّا الصّبر على الخبب وعلى مواصلة السّفر، وعلى طول السّرى وقطع البلاغ، فعجيب جدا.
فواحدا: أنّ فرس الخارجيّ لا يصبر صبر برذون التّركي.
والخارجيّ لا يحسن أن يعالج فرسه إلّا معالجة الفرسان لخيولهم والتّركي أحذق من البيطار، وأجود تقويما لبرذونه على ما يريده من الرّاضة [وهو استنتجه] ، وهو ربّاه فلوا، وتتّبعه إن سماه، وإن ركض ركض خلفه. وقد عوّده ذلك حتّى عرفه، كما يعرف الفرس أقدم، والنّاقة حل، والجمل جاه، والبغل عدس، والحمار ساسا، وكما يعرف المجنون لقبه والصبيّ اسمه.
ولو حصّلت عمر التركيّ وحسبت أيامه لوجدت جلوسه على ظهر دابّته اكثر من جلوسه على ظهر الأرض. والتركيّ يركب فحلا أو رمكة، ويخرج غازيا أو مسافرا، أو متباعدا في طلب صيد، أو سبب من الأسباب، فتتبعه الرّمكة وأفلاؤها، إن أعياه اصطياد الناس اصطاد الوحش، وإن أخفق منها أو احتاج الى طعام فصد دابّة من دوابّه، وإن عطش حلب رمكة من رماكه، وإن أراح واحدة تحته ركب أخرى من غير أن ينزل الى الأرض. وليس في الأرض أحد إلّا وبدنه ينتقض على إقتيات اللّحم وحده غيره؛ وكذلك دابّته تكتفي بالعنقر والعشب والشّجر، لا يظلّها من شمس ولا يكنّها من برد.
قال: وأما الصّبر على الخبب فإنّ الثّغريّين، والفرانقيّين، والخصيان والخوارج، لو اجتمعت قواهم في شخص واحد لما وفوا بتركيّ واحد.
والتركيّ لا يبقى معه على طول الغاية إلّا الصّميم من دوابّه. [و] الذي يقتله التركيّ بإتعابه له، وبنفيه عند غزاته، هو الذي لا يصبر معه فرس
(1/497)

الخارجيّ، ولا يبقى معه كلّ برذون بخاريّ. ولو ساير خارجيّا لاستفرغ وسعه قبل أن يبلغ الخارجيّ عفوه.
والتّركي هو الراعي، وهو السائس وهو الرائض، وهو النّخّاس، وهو البيطار، وهو الفارس. والتركيّ الواحد أمّة على حدة.
قال: وإذا سار التركيّ في غير عساكر التّرك، فسار القوم عشرة أميال سار عشرين ميلا؛ لأنه ينقطع عن العسكر يمنة ويسرع في ذرى الجبال، ويستبطن قعور الأودية في طلب الصّيد؛ وهو في ذلك يرمي [كلّ] ما دبّ ودرج، وطار ووقع.
قال: والتركيّ لم يسر في العساكر سير النّاس قطّ، ولا سار مستقيما قطّ.
قالوا: وإذا طالت الدّلجة واشتدّ السير، وبعد المنزل، وانتصف النّهار، واشتدّ التّعب، وشغل الناس الكلال، وصمت المتسايرون فلم ينطقوا، وقطعهم ما هم فيه عن التّشاغل بالحديث، وتفسّخ كلّ شيء من شدّة الحر، وخمد كلّ شيء من شدّة البرد، وتمنّى كلّ جليد القوى على طول السّرى أن تطوى له الأرض، وكلّما رأى خيالا أو أبصر علما سرّ به واستبشر، وظنّ أنّه قد بلغ المنزل؛ فإذا بلغه الفارس نزل وهو متفحّج كأنّه صبيّ محقون، يئنّ أنين المريض، ويستريح الى التثاؤب، ويتداوى مما به بالتمطّي والتضجّع. وترى التركيّ في تلك الحال وقد سار ضعف ما ساروا وقد أتعب منكبيه كثرة النّزع، يرى قرب المنزل عيرا أو ظبيا، أو عرض له ثعلب أو أرنب، فيركض ركض مبتدىء مستأنف، كأنّ الذي سار ذلك السّير وتعب ذلك التّعب غيره.
وإن بلغ الناس واديا فازدحموا على مسلكه أو [على] قنطرته، بطن برذونه فأقحمه ثم طلع من الجانب الآخر كأنّه كوكب. وإن انتهوا إلى عقبة صعبة ترك السّنن وذهب في الجبل صعدا، ثم تدلى من موضع يعجز عنه
(1/498)

الوعل؛ وأنت تحسبه مخاطرا بنفسه، للذي ترى من مطّلعه. ولو كان في كلّ ذلك مخاطرا لما دامت له السلامة مع تتابع ذلك منه.
قال: ويفخر الخارجيّ بأنّه إذا طلب أدرك، وإذا طلب لم يدرك.
والتركيّ ليس يحوج إلى أن يفوت؛ لأنه لا يطلب ولا يرام. ومن يروم [ما لا يطمع فيه] ؟! فهذا. على أنّا قد علمنا أنّ العلّة التي عمّت الخوارج بالنّجدة استواء حالاتهم في الدّيانة، واعتقادهم أنّ القتال دين؛ لأنّنا حين وجدنا السّجستانيّ والخراساني والجزريّ واليماميّ والمغربيّ والعمانيّ، والأزرقيّ منهم والنّجديّ والإباضيّ والصّفريّ، والمولى والعربيّ، والعجميّ والأعرابيّ، والعبيد والنّساء، والحائك والفلّاح، كلّهم يقاتل مع اختلاف الأنساب وتباين البلدان- علمنا أنّ الدّيانة هي التي سوّت بينهم، ووفّقت بينهم في ذلك. كما أنّ كلّ حجّام في الأرض من أيّ جنس كان، ومن أي بلد كان، فهو يحبّ النّبيذ، وكما أنّ أصحاب الخلقان والسّماكين والنّخّاسين والحاكة في كلّ بلد من كلّ جنس، شرار خلق الله في المبايعة والمعاملة. فعلمنا بذلك أنّ ذلك خلقة في هذه الصناعات، وبنية في هذه التّجارات، حين صاروا من بين جميع الناس كذلك.
قال: ورأينا التركيّ في بلاده ليس يقاتل على دين ولا على تأويل، ولا على ملك ولا على خراج، ولا على عصبيّة ولا على غيرة دون الحرمة والمحرم، ولا على حميّة ولا على عداوة، ولا على وطن ومنع دار ولا مال؛ وإنّما يقاتل على السّلب والخيار في يده. وليس يخاف الوعيد إن هرب، ولا يرجو الوعد إن أبلى عذرا. وكذلك هم في بلادهم وغاراتهم وحروبهم. وهو الطالب غير المطلوب؛ ومن كان كذلك فإنّما يأخذ العفو من قوّته، ولا يحتاج إلى [مجهوده] . ثم هو مع ذلك لا يقوم له شيء ولا يطمع فيه أحد، فما ظنّك بمن هذه صفته أن لو اضطرّه إحراج أو غيره أو غضب أو تديّن، أو
(1/499)

عرض له بعض ما يصحب المقاتل المحامى من العلل والأسباب.
قال: وقناة الخارجيّ طويلة صمّاء، وقناة التّركيّ مطرد أجوف. والقنيّ المجوّفة القصار أشدّ طعنة وأخفّ في المحمل. والعجم تجعل القنيّ الطّوال للرّجّالة، وهي قنيّ الأبناء، على أبواب الخنادق والمضايق. والأبناء في هذا الباب لا يجرون مع الأتراك والخراسانيّة؛ لأنّ الغالب على الأبناء المطاعنة على أبواب الخنادق وفي المضايق، وهؤلاء أصحاب الخيل والفرسان وعلى الخيل والفرسان تدور الجيوش، لهم الكرّ والفرّ. والفارس هو الذي يطوي الجيش طيّ السجلّ، ويفرّقهم تفريق الشعر. وليس يكون الكمين إلّا منهم ولا الطّليعة ولا السّاقة. وهم أصحاب الأيّام المذكورة والحروب الكبار والفتوح العظام، ولا تكون المقانب والكتائب الّا منهم. ومنهم من يحمل البنود والرّايات، والطّبول والتجافيف والاجراس. وهم أصحاب الصّهيل والقتام، وزجر الخيل، وقعقعة الريح في الثّياب والسّلاح ووقع الحوافر، والإدراك إذا طلبوا، والغوث إذا طلبوا. ولم يجعل النبيّ صلى الله عليه وسلم للفارس سهمين وللراجل من المقاتلة سهما واحدا إلّا لتضاعيف الردّ في القتل والفتوح، والنّهبة والمغانم.
ثم قال: ولعمري إنّ للأبناء من القتال في السّكك والسّجون والمضايق ما ليس لغيرهم. ولكن الرجّالة أبدا أتباع ومأمورون ومنقادون، وقائد الرّجّالة لا يكون [إلّا] فارسا، وقائد الفرسان من الممتنع أن يكون راجلا.
ومن تعوّد الطّعان والضّرب والرمي راكبا إن اضطرّ الى الطّعن والضّرب والرمي راجلا كان على ذاك أدفع عن نفسه، وأردّ عن أصحابه، من الراجل إذا احتاج أن يستعمل سلاحه فارسا. وعلى أنّه ما أكثر ما ينزلون ويقاتلون.
وقد قال الشاعر:
لم يطيقوا أن ينزلوا ونزلنا ... وأخو الحرب من أطاق النّزولا
وقال الضّبيّ:
(1/500)

وعلام أركبه إذا لم أنزل
وقال آخر:
فمعانق ومنازل
وقال حميد: وليس في الأرض قوم إلّا والتّساند في الحروب، والاشتراك في الرّياسة ضارّ لهم، إلّا الأتراك. على أنّ الأتراك لا يتساندون ولا يتشاركون؛ وذلك أنّ الذي يكره من المساندة والمشاركة اختلاف الرأي، والتنافس في السّرّ، والتحاسد بين الأشكال، والتواكل فيما بين المشتركين.
والأتراك إذا صافّوا جيشا إن كان في القوم موضع عورة فكلهم قد أبصرها وعرفها؛ وإن لم تكن هناك عورة ولم يكن فيهم مطمع، وكان الرأي الانصراف، فكلّهم قد رأى ذلك الرأي وعرف الصواب فيه. وخواطرهم واحدة، ودواعيهم مستوية بإقبالهم معا. وليس هم أصحاب تأويلات ولا أصحاب تفاخر وتناشد، وإنّما شأنهم إحكام أمرهم؛ فالاختلاف يقلّ بينهم.
وكانت الفرس تعيب العرب إذا خرجوا إلى الحرب متساندين، وكانت تقول: الاشتراك في الحرب وفي الزّوجة وفي الإمرة سواء.
وقال حميد: فما ظنّك بقوم إذا تساندوا لم يضرّهم التّساند، فكيف يكونون إذا تحاسدوا.
فلما انتهى الخبر إلى المأمون قال: ليست بالتّرك حاجة الى حكم حاكم بعد حميد؛ فإنّ حميدا قد مارس الفريقين، وحميد خراسانيّ وحميد عربيّ، فليس للتّهمة عليه طريق.
قالوا: وأتى الخبر ذا اليمينين طاهر بن الحسين فقال: ما أحسن ما قال حميد. أما إنه لم يقصّر ولم يفرّط.
فهذا قول الخليفة المأمون، وحكم حميد، وتصويب طاهر.
(1/501)

وخبّرني رجل من أهل خراسان أو من بني سدوس قال: سمعت أبا البطّ يقول: ويلكم، كيف أصنع بفارس يملأ فروج دابّته منحدرا من جبل، أو مصعدا في مقطع عقير، ويمكنه على ظهر الفرس ما لا يمكن الرّقّاص الأبلّيّ على ظهر الأرض.
قال: وقال سعيد بن عقبة بن سلم الهنائيّ، وكان ذا رأي في الحرب وابن ذي رأي فيها: فرق ما بيننا وبين التّرك أن التّرك لم تغز قوما قطّ، ولا صافّت جيشا ولا هجمت على عدوّ كانوا عربا أو عجما، فأخرجوا إليهم أعدادهم ولقوهم بمثلهم. وليس غايتهم إلّا أن ينقادوا ليكفّوا عنهم بأسهم ومعرّتهم، ويصرفوا عنهم كيدهم. فإن هم امتنعوا من الصّلح واعتزموا إلى الحرب فليس شأنهم والذي يدور عليه أمرهم إلّا منع أنفسهم وتحصين عسكرهم، والاحتراس منهم. فأمّا أن ترقى هممهم وتسمو أنفسهم إلى الاحتيال عليهم، والتماس غرّتهم، فإنّ هذا شيء لا يخطر على بال من يحاربهم.
ثم قال: وقد عرفتم حيلهم في دخول المدن من جهة حيطانها المصمتة العريضة، وحيلتهم في عبور نهر بلخ.
وسعيد هذا هو الذي قال: إذا حاربتم وكنتم ثلاثة فاجعلوا واحدا مددا، وآخر كمينا. وله كلام في الحرب غير هذا كثير.
قال سعيد: وأخبرني أبي قال: شهدت أبا الخطّاب يزيد بن قتادة بن دعامة الفقيه، وذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في التّرك حيث قال:
«عدوّ شديد طلبه، قليل سلبه» ، فقال رجل من العالية: نهى عمر أبا زبيد الطائيّ عن وصف الأسد، لأن ذلك مما يزيد في رعب الجبان، وفي هول الجنان، ويقلّ من رغب الشّجاع، وقد وصف التّرك بأشدّ من وصف أبي زبيد الأسد.
وقال سعيد في حديثه يومئذ، وقد قطعت شرذمة منهم بلاد أبي خزيمة- يريد حمزة بن أدرك الخارجيّ- وما والى خراسان [في] بعض الأمر، وحمزة في
(1/502)

معظم الناس، فقال لأصحابه: أفرجوا لهم ما تركوكم، ولا تتعرّضوا لهم؛ فإنّه قد قيل: «تاركوهم ما تاركوكم» .
فهذا قول سعيد بن عقبة ورأيه وحديثه؛ وهو عربيّ خراساني وذكر يزيد بن مزيد الوقعة التي قتل فيها يولبا التركيّ الوليد بن طريف الخارجيّ، فقال في بعض ما يصف من شأن التّرك: ليس لبدن التّركي على ظهر الدابّة ثقل، ولا لمشيه على الأرض وقع، وإنّه ليرى وهو مدبر ما لا يرى الفارس منّا وهو مقبل. وهو يرى الفارس منا صيدا ويعدّ نفسه فهدا، ويعدّه ظبيا ويعدّ نفسه كلبا. والله لو رمي به في قعر بئر مكتوفا لما أعجزته الحيلة؟ ولولا أنّ أعمار عامّتهم تقصر دون الجبل- يعني جبل حلوان- ثم همّوا بنا، لألقوا لنا شغلا طويلا.
وأنشد رجل من أصحابه:
هب الدنيا تساق إليك عفوا ... أليس مصير ذاك إلى زوال
قال: أمّا التّركي فلأن ينال الكفاف غصبا أحبّ إليه من أن ينال الملك عفوا. ولم يتهنّ تركيّ بطعام إلّا أن يكون صيدا أو مغنما، ولا يعزّ على ظهر دابّته طالبا كان أو مطلوبا.
وقال ثمامة بن أشرس، وكان مثل محمّد بن الجهم في كثرة ذكره للتّرك.
قال ثمامة: التركيّ لا يخاف إلّا مخوفا ولا يطمع في غير مطمع، ولا يكفّه عن الطّلب إلّا اليأس صرفا، ولا يدع القليل حتّى يصيب أكثر منه، وان قدر أن يجمعها لم يفرّط في واحد منهما. والباب الذي لا يحسنه لا يحسن منه شيئا، والباب الذي يحسنه قد أحكمه بأسره وأمرّه وخفيّه عنده كظاهره، ولا يتشاغل بشيء ليس فيه شيء، ولا على نفسه من شيء. فلولا أن يجمّ نفسه بالنّوم لما نام، على إنّ نومه مشوب باليقظة، ويقظته سليمة من الوسنة. ولو كان في شقّهم أنبياء، وفي أرضهم حكماء، وكانت هذه الخواطر قد مرّت على قلوبهم، وقرعت أسماعهم، لأنسوك أدب البصريّين، وحكمة اليونانيّين، وصنعة أهل
(1/503)

الصّين.
وقال ثمامة: عرض لنا في طريق خراسان تركيّ ومعنا قائد يصول بنفسه ورجاله، وبيننا وبين التركيّ واد، فسأله أن يبارزه فارس من القوم، فأخرج له رجلا لم أر قطّ أكمل منه، ولا أحسن تماما وقواما منه، فاحتال حتّى عبر إليهم الفارس، فتجاولا ساعة، ولا نظنّ إلّا أنّ صاحبنا يفي بأضعافه، وهو في ذلك يتباعد عنّا. فبينا هما في ذلك إذ ولّى عنه التّركي كالهارب منه، وفعل ذلك في موضع ظنّنا أنّ صاحبنا قد ظهر عليه، وأتبعه الفارس لا نشكّ إلّا أنّه سيأتينا برأسه، أو يأتينا به مجنوبا إلى فرسه، [فلم نشعر] إلّا وصاحبنا قد أفلت عن فرسه وغاب عنه، فنزل التركيّ إليه فأخذ سلبه وقتله، ثم عارض فرسه فجنبه إليه معه.
قال ثمامة: ثم رأيت بعد ذلك التركيّ قد جيء به أسيرا إلى دار الفضل ابن سهل، فقلت له: كيف صنعت يومئذ، وكيف طاولته ثمّ علاك ثم وليت عنه هاربا ثم قتلته؟ قال: أما إنّي لو شئت أن أقتله حين عبر؛ وقد كان مقتله بارزا لي، ولكنّي احتلت عليه حتّى نحّيته عن أصحابه لأجوّزه، فلا يحال بيني وبين فرسه وسلبه.
قال ثمامة: وإذا هو يدير الفارس من سائر الناس ويريغه كيف شاء وأحب.
قال ثمامة: وقد غبرت في أيديهم أسيرا فما رأيت كإكرامهم وتحفهم وألطافهم.
فهذا ثمامة بن أشرس، وهو عربيّ لا يتّهم في الإخبار عنهم.
وأنا أخبرك أنّي قد رأيت منهم شيئا عجيبا وأمرا غريبا: رأيت في بعض غزوات المأمون سماطي خيل على جنبتي الطّريق بقرب المنزل، مائة فارس من الأتراك في الجانب الأيمن، ومائة من سائر الناس في الجانب الأيسر، وإذا هم قد اصطفوا ينتظرون مجيء المأمون، وقد انتصف النّهار واشتدّ الحر. فورد عليهم
(1/504)

وجمع الأتراك جلوس على ظهور خيولهم إلّا ثلاثة أو أربعة، وجميع تلك الأخلاط من الجند قد رموا بنفوسهم الى الأرض إلّا ثلاثة أو أربعة. فقلت لصاحب لي: انظر أيّ شيء اتّفق لنا. أشهد أنّ المعتصم كان أعرف بهم حين جمعهم واصطنعهم.
وأردت مرة القاطول- وهي المباركة- وأنا خارج من بغداد، وأرى فوارس من أهل خراسان والأبناء وغيرهم من أصناف الجند، قد عار لهم فرس، وهم على خيل عتاق يريغونه فلا يقدرون على أخذه، ومرّ تركيّ ولم يكن من ذوي هيئاتهم وذوي القدر منهم، وهو على برذون له خسيس، وهم على الخيول المطهّمة، فاعترض الفرس اعتراضا، وقتله قتلا وحيّا؛ وأتاه من زجره بشيء، فوقف أولئك الجند وصاروا نظّارة، فقال بعضهم ممن كان يزري على ذلك التركيّ: هذا وأبيك التكلّف والتعرّض: أنّ فرسا قد أعجزهم وهم أسد البلاد، وجاء هذا مع قصر قامته وضعف دابّته، فطمع أن يأخذه. فما انقضى كلامه حتّى أقبل به ثمّ سلّمه إليهم ومضى لطلبته، لم ينتظر ثناءهم ولا دعاءهم، ولا أراهم أنّه قد صنع شيئا، أو أتى إليهم معروفا.
والأتراك قوم لا يعرفون الملق ولا الخلابة، ولا النّفاق ولا السّعاية، ولا التصنّع ولا النّميمة ولا الرّياء، ولا البذخ على الأولياء، ولا البغي على الخلطاء، ولا يعرفون البدع، ولم تفسدهم الأهواء، ولا يستحلّون الأموال على التأوّل، وإنما كان عيبهم، والذي يوحش منهم، الحنين إلى الأوطان، وحبّ التقلّب في البلدان، والصّبابة بالغارات، والشّغف بالنّهب، وشدّة الإلف للعادة، مع ما كانوا يتذاكرون من سرور الظفر وتتابعه، وحلاوة المغنم وكثرته، وملاعبهم في تلك الصّحاري، وتردّدهم في تلك المروج، وألّا يذهب بطول الفراغ فضل نجدتهم باطلا، ويصير حدّهم على طول الأيام كليلا.
ومن حذق شيئا لم يصبر عنه، ومن كره أمرا فرّ منه.
.. وإنّما خصّوا بالحنين من بين جميع العجم لأنّ في تركيبهم وأخلاط طبائعهم
(1/505)

من تركيب بلدهم وتربيتهم، ومشاكلة مياههم ومناسبة إخوانهم، ما ليس مع أحد سواهم، ألا ترى أنّك ترى البصريّ فلا تدري أبصريّ هو أم كوفيّ، وترى المكّيّ فلا تدري أمكّيّ هو أم مدنيّ. وترى الجبليّ فلا تدري أجبليّ هو أم خراسانيّ، وترى الجزريّ فلا تدري أجزريّ هو أم شاميّ. وأنت لا تغلط في التركيّ، ولا تحتاج فيه إلى قيافة ولا إلى فراسة، ولا إلى مساءلة. ونساؤهم كرجالهم، ودوابّهم تركيّة مثلهم.
وهكذا طبع الله تلك البلدة، وقسم لتلك التّربة. وجميع دور الدنيا ونشوّها إلى منتهى قواها ومدّة أجلها، جارية على عللها، وعلى مقدار أسبابها، على قدر ما خصّها الله تعالى به وأبانها، وجعل فيها. فإذا صاروا إلى دار الجزاء، فهي كما قال الله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً.
وكذلك ترى أبناء العرب والأعراب الذين نزلوا خراسان، لا تفصل بين من نزل أبوه بفرغانة وبين أهل فرغانة، ولا ترى بينهم فرقا في السّبال الصّهب والجلود القشرة، والأقفاء العظيمة، والاكسية الفرغانية. وكذلك جميع تلك الارباع، لا تفصل بين أبناء النازلة وبين أبناء النّابتة.
ومحبّة الوطن شيء شامل لجميع الناس، وغالب على جميع الجيرة. ولكن ذاك في التّرك أغلب، وفيها أرسخ؛ لما معها من خاصّة المشاكلة والمناسبة، واستواء الشّبه، وتكافي التركيب. ألا ترى أنّ العبديّ يقول: «عمّر الله البلدان بحبّ الأوطان» ، وأنّ ابن الزّبير قال: «ليس الناس بشيء من اقسامهم أقنع منهم بأوطانهم» ، وأنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:
«لولا تفرّق أهواء العباد لما عمّر الله البلاد» ، وأنّ جمعة الإياديّة قالت: «لولا ما أوصى الله به العباد من قفر البلاد، لما وسعهم واد ولا كفاهم زاد» .
وذكر قتيبة بن مسلم التّرك فقال: «هم والله أحنّ من الإبل المعقّلة إلى أوطانها» ؛ لأنّ البعير يحنّ إلى وطنه وعطنه، وهو بعمان، من ظهر البصرة، فهو يخبط كلّ شيء ويستبطن كلّ واد، حتّى يأتي مكانه؛ على أنّه طريق لم يسلكه إلّا
(1/506)

مرة واحدة، فلا يزال بالشّمّ والاسترواح وحسن الاستدلال، وبالطبيعة المخصوص بها حتّى يأتي مبركه، على بعد ما بين عمان والبصرة.
فلذلك ضرب به قتيبة المثل.
والشّحّ على الوطن [والحنين إليه] ، والصّبابة به، مذكورة في القرآن، مخطوطة في [الصّحف بين] جميع الناس. غير أنّ التركيّ للعلل التي ذكرناها أشدّ حنينا وأكثر نزوعا.
وباب آخر، ممّا كان يدعوهم الى الرجوع قبل العزم الثابت، والعادة المنقوضة: وذلك أنّ التّرك قوم يشتدّ عليهم الحصر [والجثوم] ، وطول اللّبث والمكث، وقلّة التصرّف والتحرّك، وأصل بنيتهم إنّما وضع على الحركة، وليس للسكون فيها نصيب، وفي قوى أنفسهم فضل على قوى أبدانهم، وهم أصحاب توقّد وحرارة واشتعال وفطنة، كثيرة خواطرهم، سريع لحظهم، وكانوا يرون الكفاية معجزة، وطول المقام بلادة، والراحة عقلة، والقناعة من قصر الهمّة؛ وأنّ ترك الغزو يورث الذّلّة.
وقد قالت العرب في مثل ذلك: قال عبد الله بن وهب الراسبيّ: «حب الهوينا يكسب النّصب» . والعرب تقول: «من غلا دماغه في الصّيف غلت قدره في الشّتاء» . وقال أكثم بن صيفيّ: «ما أحبّ أنّي مكفيّ كلّ أمر الدنيا» . قيل: ولم؟ قال: «أخاف العجز» .
فهذه كانت علل التّرك في حبّ الرّجوع والحنين إلى الوطن.
ومن أعظم ما كان يدعوهم إلى الشّرود ويبعثهم على الرجوع، ويكرّه عندهم المقام، ما كانوا فيه من جهل قوّادهم بأقدارهم، وقلّة معرفتهم بأخطارهم، وإغفالهم موضع الرّد عليهم والانفتاع بهم، حتّى جعلوهم أسوة أجنادهم، ولم يقنعوا أن يكونوا في الحاشية والحشوة، وفي غمار العامّة ومن عرض العساكر، وأنفوا من ذلك لأنفسهم، وذكروا ما يجب لهم، ورأوا أنّ
(1/507)

الضّيم لا يليق بهم؛ وأنّ الخمول لا يجوز عليهم، وأنهم في المقام على من لا يعرف حقّهم ألوم ممّن منعهم حقّهم، فلمّا صادفوا ملكا حكيما، وبأقدار النّاس عليما، لا يميل إلى [سوء] عادة ولا يجنح إلى هوى، ولا يتعصّب لبلد على بلد؛ يدور مع التدبير حيثما دار، ويقيم مع الحقّ حيثما أقام، أقاموا إقامة من قد فهم الحظّ، ودان بالحقّ ونبذ العادة، وآثر الحقيقة، ورحل نفسه لقطيعة وطنه، وآثر الإمامة على ملك الجبريّة، واختار الصّواب على الإلف.
[16- مقارنة الأمم]
ثم اعلم بعد هذا كلّه أنّ كلّ أمة وقرن، وكلّ جيل وبني أب وجدتهم قد برعوا في الصّناعات، وفضلوا النّاس في البيان، أو فاقوهم في الآداب، وفي تأسيس الملك، وفي البصر بالحرب؛ فإنّك لا تجدهم في الغاية وفي أقصى النهاية، إلّا أن يكون الله قد سخّرهم لذلك المعنى بالأسباب، [وقصرهم] عليه بالعلل التي تقابل تلك الأمور، وتصلح لتلك المعاين؛ لأنّ من كان متقسّم الهوى، مشترك الرّأي، ومتشعّب النفس، غير مؤفّر على ذلك الشّيء ولا مهيّأ له، لم يحذق من تلك الأشياء [شيئا] بأسره، ولم يبلغ فيه غايته، كأهل الصين في الصناعات، واليونانيّين في الحكم والآداب، والعرب فيما نحن فيه ذاكروه في موضعه، وآل ساسان في الملك، والأتراك في الحروب. ألا ترى أنّ اليونانيين الذين نظروا في العلل لم يكونوا تجّارا ولا صنّاعا بأكفّهم، ولا أصحاب زرع ولا فلاحة وبناء وغرس، ولا أصحاب جمع ومنع، وحرص وكدّ، وكانت الملوك تفرّغهم، وتجرى عليهم كفايتهم، فنظروا حين نظروا بأنفس مجتمعة، وقوّة وافرة، وأذهان فارغة، حتّى استخرجوا الآلات والأدوات، والملاهي التي تكون جماما للنّفس، وراحة بعد الكدّ، وسرورا يداوي قرح الهموم، فصنعوا من المرافق، وصاغوا من المنافع كالقرصطونات، والقبّانات، والأسطرلابات، وآلة الساعات، والكالكونيا والكشيزان والبركار وكأصناف المزامير والمعازف، وكالطبّ والحساب والهندسة واللّحون، وآلات الحرب كالمجانيق، والعرّادات،
(1/508)

والرّتيلات، والدّبّابات، وآلة النّفّاط، وغير ذلك ممّا يطول ذكره.
وكانوا أصحاب حكمة ولم يكونوا فعلة؛ يصوّرون الآلة، ويخرطون الأداة، ويصوغون المثل ولا يحسنون العمل بها، ويشيرون إليها ولا يمسّونها، ويرغّبون في العلم ويرغبون عن العمل.
فأمّا سكّان الصين فهم أصحاب السّبك والصياغة، والإفراغ والإذابة والأصباغ العجيبة، وأصحاب الخرط والنّحت والتصاوير، والنّسخ والخطّ، ورفق الكفّ في كلّ شيء يتولّونه ويعانونه، وإن اختلف جوهره، وتباينت صنعته، وتفاوت ثمنه.
واليونانيون يعرفون الفلك، لأنّ أولئك حكماء وهؤلاء فعلة. وكذلك العرب، لم يكونوا تجّارا ولا صنّاعا، ولا أطبّاء ولا حسّابا، ولا أصحاب فلاحة فيكونون مهنة، ولا أصحاب زرع، لخوفهم من صغار الجزية. ولم يكونوا أصحاب جمع وكسب، ولا أصحاب احتكار لما في أيديهم وطلب ما عند غيرهم، ولا طلبوا المعاش من ألسنة الموازين ورؤوس المكاييل، [ولا عرفوا الدّوانيق والقراريط، ولم يفتقروا الفقر المدقع الذي يشغل عن المعرفة] ، ولم يستغنوا الغنى الذي يورث البلدة، والثروة التي تحدث الغرّة، ولم يحتملوا ذلّا قطّ فيميت قلوبهم ويصغّر عندهم أنفسم. وكانوا سكان فياف وتربية العراء، ولا يعرفون الغمق ولا اللنق، ولا البخار ولا الغلظ ولا العفن، ولا التّخم. أذهان جداد، ونفوس منكرة، فحين حملوا حدّهم ووجّهوا قواهم لقول الشّعر وبلاغة المنطق، وتشقيق اللغة وتصاريف الكلام، بعد قيافة الأثر وحفظ النّسب، والاهتداء بالنجوم، والاستدلال بالآفاق، وتعرّف الأنواء، والبصر بالخيل والسّلاح وآلة الحرب، والحفظ لكلّ مسموع والاعتبار بكلّ محسوس، وإحكام شأن المثالب والمناقب، بلغوا في ذلك الغاية، وحازوا كلّ أمنيّة. وببعض هذه العلل صارت نفوسهم أكبر، وهممهم أرفع من جميع الأمم وأفخر، ولأيّامهم أحفظ وأذكر.
(1/509)

وكذلك التّرك أصحاب عمد وسكّان فياف وأرباب مواش، وهم أعراب العجم كما أنّ هذيلا أكراد العرب. فحين لم تشغلهم الصّناعات والتّجارات، والطّبّ والفلاحة والهندسة؛ ولا غرس ولا بنيان، ولا شقّ أنهار، ولا جباية غلّات، ولم يكن همّهم غير الغزو والغارة والصّيد وركوب الخيل، ومقارعة الأبطال، وطلب الغنائم وتدويخ البلدان، وكانت هممهم إلى ذلك مصروفة وكانت لهذه المعاني والأسباب مسخّرة ومقصورة عليها، وموصولة بها، أحكموا ذلك الأمر بأسره، وأتوا على آخره، و] صار ذلك هو صناعتهم وتجارتهم، [ولذّتهم] وفخرهم، وحديثهم وسمرهم.
فلمّا كانوا كذلك صاروا في الحرب كاليونانيين في الحكمة، وأهل الصّين في الصناعات، والأعراب فيما عددنا ونزّلنا، وكآل ساسان في الملك والرياسة.
ومما يستدلّ به على أنّهم قد استقصوا هذا الباب واستغرقوه، وبلغوا أقصى غايته وتعرّفوه، أنّ السّيف إلى أن يتقلّده متقلّد، أو يضرب به ضارب، قد مرّ على أيد كثيرة، وعلى طبقات من الصّنّاع، كلّ واحد منهم لا يعمل عمل صاحبه، ولا يحسنه ولا يدّعيه ولا يتكلّفه، لأنّ الذي يذيب حديد السّيف ويطبعه، ويصفّيه ويهذّبه، غير الذي يمدّه ويمطله؛ والذي يمدّه ويمطله غير الذي يطبعه ويسوّي متنه، ويقيم خشيبته؛ والذي يطبعه ويسوّي متنه غير الذي يسقيه ويرهفه، والذي يرهفه غير الذي ي يركّب قبيعته ويستوثق من سيلانه، والذي يعمل مسامير السّيلان و [شاربي] القبيعة ونصل السيف غير الذي ينحت خشب غمده، والذي ينحت خشب غمده غير الذي يدبغ جلده، والذي يدبغ جلده غير الذي يحلّيه، والذي يحلّيه ويركّب نعله غير الذي يخرز حمائله.
وكذلك السّرج، وحالات السّهم والجعبة والرّمح وجميع السلاح، مما هو جارح أو جنّة.
والتركيّ يعمل هذا كلّه لنفسه من ابتدائه الى غايته، فلا يستعين برفيق، ولا يفزع فيه إلى صديق، ولا يختلف إلى صانع، ولا يشغل قلبه بمطاله وتسويفه، وأكاذيب مواعيده، وبغرم كرائه.
(1/510)

وحين بلغ أوس بن حجر صفة القانص، وبلغ له الغاية في جمعه لأبواب الكفاية بنفسه، قال:
قصيّ مبيت اللّيل للصّيد مطعم ... لأسهمه غار وبار وراصف
وليس أنه ليس في الأرض تركيّ إلّا وهو كما وصفنا، كما أنّه ليس كل يونانيّ حكيما ولا كل صينيّ غاية في الحذق، ولا كلّ أعرابيّ شاعرا قائفا، ولكنّ هذه الأمور في هؤلاء أعمّ وأتمّ، وهي فيهم أظهر وأكثر.
قد قلنا في السبب الذي تكاملت به النّجدة والفروسيّة في التّرك دون جميع الأمم، وفي العلل التي من أجلها انتظموا جميع معاني الحرب، وهي معان تشتمل على مذاهب غريبة، وخصال عجيبة.
فمنها: ما يقضى لأهله بالكرم وببعد الهمّة وطلب الغاية. ومنها: ما يدلّ على الأدب السّديد والرأي الأصيل، والفطنة الثاقبة والبصيرة النافذة. [ألا ترى أنّه ليس بدّ لصاحب الحرب من الحلم والعلم، والحزم والعزم، والصبر والكتمان، ومن الثقافة] ، وقلّة الغفلة وكثرة التجربة. ولا بدّ من البصر بالخيل والسلاح، [والخبرة] بالرّجال وبالبلاد، والعلم بالمكان والزّمان والمكايد، وبما فيه صلاح هذه الأمور كلّها.
والملك يحتاج إلى أواخ شداد وأسباب متان، ومن أتمّها سببا وأعمقها نفعا ما ثبّته في نصابه، وأقرّه وسكّنه في قراره، وزاد في تمكّنه وبهائه، وقطع أسباب المطمعة فيه، ومنع أيدي البغاة من الأشارة اليه فضلا عن البسط عليه.
قال: ثم إنّ التّرك عطفت على العرب بالمحاجّة والمقايسة، وقالوا: قلتم إن تكن القرابة مما يستحقّ بالكفاية فنحن أقدم في الطّاعة والودّ والمناصحة، وإن تكن تستحقّ بالقرابة فنحن أقرب قرابة.
قالوا: والعرب بعد هذا صنفان: عدنان وقحطان. فأمّا القحطانيّ فنسبتنا إلى الخلفاء أقرب من نسبتهم، ونحن أمسّ بهم رحما؛ لأن الخليفة من ولد
(1/511)

اسماعيل بن ابراهيم، دون قحطان وعابر. وولد إبراهيم عليه السلام إسماعيل، وأمّه هاجر، وهي قبطيّة. وإسحاق وأمّه سارة وهي سريانيّة.
والستّة الباقون أمّهم قطورا بنت مفطون عربيّة، من العرب العاربة.
وفي قول القحطانية: إنّ أمّنا أشرف في الحسب إذ كانت عربية. وأربعة من الستّة هم الذين وقعوا بخراسان، فأولدوا ترك خراسان. فهذا قولنا للقحطانيّ.
وأما قولنا للعدنانيّ، فإبراهيم أبونا، وإسماعيل عمّنا، وقرابتنا من إسماعيل كقرابتهم.
قال الهيثم بن عديّ: قيل لمبارك التّركي، وعنده حمّاد التركي: إنّكم من مذحج. قال: ومذحج هذا من هو ذاك؟ وما نعرف إلّا إبراهيم خليل الله وأمير المؤمنين.
قال الهيثم: وقد كان سقط إلى بلاد الترك رجل من مذحج فأنسل نسلا كثيرا، ولذلك قال شاعر الشّعوبية للعرب في قصيدة طويلة:
زعمتم بأنّ الترك أبناء مذحج ... وبينكم قربى وبين البرابر
وذلكم نسل ابن ضبّة باسل ... وصوفان أنسال كثير الجرائر
وقال آخر:
متى كانت الأتراك أبناء مذحج ... ألا إنّ في الدنيا عجيبا لمن عجب
وقد سمعتم ما جاء في سدّ بني قطورا وشأن خيولهم بنخل السّواد، وإنّما كان الحديث على وجه التّهويل والتخويف بهم لجميع الناس، فصاروا للإسلام مادّة [و] جندا كثيفا، وللخلفاء وقاية وموئلا وجنّة حصينة، وشعارا دون الدّثار.
وفي المأثور من الخبر: «تاركوا التّرك ما تاركوكم» . وهذه وصيّة لجميع العرب؛ فإنّ الرأي متاركتنا ومسالمتنا. وما ظنّكم بقوم لم يعرض لهم ذو
(1/512)

القرنين. وبقوله «اتركوهم» سمّوا التّرك. هذا بعد أن غلب على جميع الأرض غلبة وقسرا، وعنوة وقهرا.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «هذا عدوّ شديد كلبه، قليل سلبه» . فنهى كما ترى عن التعرّض لهم؛ بأحسن كناية.
والعرب إذا ضربت المثل في العداوة الشديدة قالوا: ما هم إلّا التّرك والدّيلم.
قال عملس بن عقيل بن علفة:
تبدّلت منه بعد ما شاب مفرقي ... عداوة تركيّ وبغض أبي حسل
وأبو حسل هو الضّبّ. والعرب تقول: «هو أعقّ من ضبّ» : لأنّه يأكل أولاده.
ولم يرعب قلوب أجناد العرب مثل التّرك. وقال خلف الأحمر:
كأنّي حين أرهنهم بنيّي ... دفعتهم إلى صهب السّبال
قال: وإياهم عنى أوس بن حجر:
نكّبتها ماءهم لما رأيتهم ... شهب السّبال بأيديهم بيازير
وحدثني ابراهيم بن السّندي مولى أمير المؤمنين، وكان عالما بالدّولة، شديد الحبّ لأبناء الدّعوة، وكان يحوط مواليه ويحفظ أيّامهم، ويدعو الناس إلى طاعتهم، ويدرسهم منقابهم، وكان فخم المعاني فخم الألفاظ، لو قلت لسانه كان أردّ على هذا الملك من عشرة آلاف سيف شهير، وسنان طرير، لكان ذلك قولا ومذهبا.
قال: حدّثني عبد الملك بن صالح، عن أبيه صالح بن علي، أنّ خاقان ملك الترك واقف مرة الجنيد بن عبد الرحمن أمير خراسان، وقد كان الجنيد هاله أمره، وأفزعه شأنه، وتعاظمه جموعه وجمعه، وبعل به، وفطن به خاقان وعرف ما قد وقع فيه، فأرسل اليه:
(1/513)

«إنّي لم أقف هذا الموقف وأمسك هذا الإمساك وأنا أريد مكروها، فلا ترع. ولو كنت أريد غلبة أو مكروها لقد كنت انتسفت عسكرك انتسافا أعجلك فيه عن الرويّة وقد أبصرت موضع العورة. ولولا أن تعرف هذه المكيدة فتعود بها على غيري من الأتراك، لعرّفتك موضع الانتشار والخلل والخطأ في عسكرك وتعبيتك. وقد بلغني أنّك رجل عاقل، وأنّ لك شرفا في بيتك وفضلا في نفسك، وعلما بدينك، وقد أحببت أن أسأل عن شيء من أحكامكم لأعرف به مذهبكم، فاخرج إليّ في خاصّتك لأخرج إليك وحدي، وأسائلك عما أحتاج إليه بنفسي. ولا تحتفل ولا تحترس؛ فليس مثلي من غدر، وليس مثلي يؤمن من نفسه، ومن مكره وكيده، ثم ينكث بوعده. ونحن قوم لا نخدع بالعمل، ولا نستحسن الخديعة إلّا في الحرب، ولو استقام أمر الحرب بغير خديعة لما جوّزنا ذلك لأنفسنا» .
فأبى الجنيد أن يخرج اليه إلّا وحده، ففصلا من الصّوف. وقال: سل عمّا أحببت، فإن كان عندي جواب أرضاه أجبتك، وإلّا أشرت عليك بمن هو أبصر بذلك منّي.
قال: ما حكمكم في الزّاني؟
قال الجنيد: الزّاني عندنا رجلان: رجل دفعنا إليه امرأة تغنيه عن حرم النّاس، وتكفّه عن حرم الجيران؛ ورجل لم نعطه ذلك، ولم نحل بينه وبين أن يفعل ذلك لنفسه. فأمّا الذي لا زوجة له فإنّا نجلده مائة جلدة ونحضر ذلك الجماعة من الناس لنشهّره ونحذّره به، ونغرّبه في البلدان لنزيد في شهرته وفي التّحذير منه، ولينزجر بذلك كلّ من كان يهمّ بمثل عمله. فأما الذي قد [أغنيناه] فإنا نرجمه بالجندل حتّى نقتله.
قال: حسن جميل، وتدبير كبير، فما قولكم في الذي يقذف عفيفا بالزّنى؟
قال: يجلد ثمانين جلدة، ولا نقبل له شهادة، ولا نصدّق له حديثا.
(1/514)

قال: حسن جميل، وتدبير كبير، فما حكمكم في السارق؟
قال: السّارق عندنا رجلان: رجل يحتال لما قد أحرزه الناس من أموالهم حتّى يأخذها بنقب حيطانهم وبالتسلّق من أعالي دورهم؛ فهذا نقطع يده التي سرق بها، ونقب بها، واعتمد عليها. ورجل آخر يخيف السبيل، وبقطع الطّريق، ويكايد على الأموال، ويشهر السّلاح فإن منعه صاحب المتاع قتله، فهذا نقتله ونصلبه على المناهج والطّرق.
قال: حسن جميل، وتدبير كبير. قال: فما حكمكم في الغاصب والمستلب؟
قال: كلّ ما فيه الشّبهة ويجوز فيه الغلط والوجوه، كالغصب والاستلاب، والجناية، والسّرقة لما يؤكل أو يشرب فإنا لا نقطع فيما فيه شبهة ونتمحّل لذلك وجها غير السّرقة.
قال: حسن جميل وتدبير كبير. قال: فما حكمحم في القاتل وقاطع الأذن والأنف؟
قال: النّفس بالنّفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف. وإن قتل رجلا عشرة قتلناهم. ونقتل القويّ البدن بالضّعيف البدن، وكذلك اليد والرّجل.
قال: حسن جميل وتدبير كبير. قال: فما تقولون في الكذّاب والنّمّام والضّراط.
قال: عندنا فيهم الإقصاء لهم وإبعادهم وإهانتهم، ولا نقبل شهادتهم، ولا نصدّق أحكامهم.
قال: وليس إلّا هذا؟
قال: هذا جوابنا على ديننا.
قال له: أمّا النمام عندي، هو الذي يضرّب بين الناس، فإنّي أحبسه في مكان لا يرى فيه أحدا. وأمّا الضّرّاط فإنّي أكوي استه، وأعاقب ذلك المكان
(1/515)

فيه. وأمّا الكذّاب فإنّي أقطع الجارحة التي بها يكذب، كما قطعتم اليد التي بها يسرق، وأمّا الذي يضحك الناس ويعوّدهم السّخف فإنّي أخرجه من سلطاني، وأصلح بإخراجه عقول رعيتي.
قال: فقال الجنيد بن عبد الرحمن: أنتم قوم تردّون أحكامكم إلى جواز العقول، وإلى ما يحسن في ظاهر الرأي؛ ونحن قوم نتبع الأنبياء، ونرى أن لم نصلح على تدبير العباد. وذلك أنّ الله تعالى أعلم بغيب المصالح وسرّ الأمر وحقائقه، ومحصوله وعواقبه، والناس لا يعلمون ولا يرون الحزم إلّا على ظاهر الأمور. وكم من مضيع يسلم، وحازم يعطب.
قال: ما قلت كلاما أشرف من هذا، ولقد ألقيت لي فكرا طويلا.
قال إبراهيم: قال عبد الملك: قال صالح: قال الجنيد: فلم أر أوفى ولا أنصف ولا أفهم ولا أذكى منه. ولقد واقفته ثلاث ساعات من النهار وما تحرّك منه شيء إلّا لسانه، وما منّي شيء لم أحرّكه.
وهكذا يصفون ملوك التّرك، يزعمون أنّ ساسان وخاقان الأكبر، تواقفا ببعض الكسور، وفصلا من الصّفّين، وطالت المناجاة، فلما انفتلا قالوا: كان خاقان أركن وآدب، وكان مركب كسرى أركن وآدب، ولم يتحرّك من خاقان إلّا لسانه، وكان برذونه يرفع قائمة ويضع أخرى، وكان مركب كسرى كأنّما صبّ صبّا، وكان كسرى يحرّك رأسه ويشير بيده.
قالوا: ومن الأعاجيب أنّ الحارث بن كعب لا يقوم لحزم، وحزم لا تقوم لكندة، وكندة لا تقوم للحارث بن كعب.
قالوا: ومثل ذلك من الأعاجيب في الحارث: أنّ العرب لا تقوم للتّرك، والتّرك لا تقوم للرّوم، والرّوم لا تقوم للعرب.
قال جهم بن صفوان الترمذيّ: قد عرفنا ما كان بين فارس والتّرك من الحرب، حتّى تزوّج كسرى أبرويز، خاتون بنت خاقان، يستميله بذلك
(1/516)

الصّهر، ويدفع بأسه عنه. وقد عرفنا الحروب التي كانت بين فارس والرّوم، وكيف تساجلوا الظفر، وبأيّ سبب غرس الزّيتون بالمدائن وسوسا، وبأيّ سبب بنيت الرّوميّة ولم سمّيت بذلك، ولم بنى كسرى على الخليج قبالة قسطنطينيّة النّواويس وبيوت النار. ولكن متى ظهرت الرّوم على ترك خراسان ظهورا مواليا، ضربوا بها المثل إلى آخر دار مسه، ومن هناك من الأشباه، ومن يتخلّل هذا النسب.
وكانت خاتون بنت خاقان عند أبرويز فولدت له شيرويه. وقد ملك شيرويه بعد أبرويز، فتزوّج شيرويه مريم بنت قيصر، فولدت له فيروزا شاهي أمّ يزيد الناقص والوليد. وكان يقول: ولدني أربعة أملاك: كسرى، وخاقان، وقيصر، ومروان. وكان يرتجز في حروبه التي قتل فيها الوليد بن يزيد بن عاتكة:
أنا ابن كسرى وأبي خاقان ... وقيصر جدّي وجدّي مروان
فلما صار إلى الافتخار في شعره بالنّجدة والثّفافة بالحرب، لم يفخر إلّا بخاقان فقط فقال:
فإن كنت أرمي مقبلا ثم مدبرا ... وأطلع من طود زليق على مهر
فخاقان جدّي فاعرفي ذاك واذكري ... أخابيره في السّهل والجبل الوعر
قوله «وأطلع» يريد: وأنزل، وهي لغة أهل الشام وأخذوها من نازلة العرب في أوّل الدهر. وجعل دابّته مهرا، لأنّ ذلك أشدّ وأشقّ.
وقال الفضل بن العبّاس بن رزين: أتانا ذات يوم فرسان من التّرك، فلم يبق أحد ممن كان خارجا إلّا دخل حصنه وأغلق بابه، وأحاطوا بحصن من تلك الحصون، وأبصر فارس منهم شيخا يطّلع إليهم من فوق، فقال له التركيّ:
لئن لم تنزل إليّ لأقتلنّك قتلة ما قتلتها أحدا! قال: فنزل إليه وفتح له الباب، ودخلوا الحصن، واكتسحوا كلّ شيء فيه، فضحك من نزوله إليه وفتحه له وهو
(1/517)

في أحصن موضع وأمنع مكان، ثم أقبل به إلى حصن أنا فيه فقال: اشتروه منّي. قلنا: لا حاجة لنا في ذلك. قال: فإنّي أبيعه بدرهم واحد. فرمينا إليه بدرهم فخلّى سبيله، ثمّ أدبر عنا ومضى مع أصحابه، فما لبث إلّا قليلا حتّى عاد إلينا فوقف حيث نسمع كلامه، فراعنا ذلك، فأخرج الدّرهم من فمه وكسره بنصفين. وقال: لا يسوى درهما، وهذا غبن فاحش، فخذوا هذا النّصف، وهو على كلّ حال غال جدّا بالنّصف الآخر.
قال: فإذا هو أظرف الخلق.
قال: وكنّا نعرف ذلك الرجل بالجبن، وقد كان سمع باحتيال التّرك في دخول المدن وعبور الأنهار في الحروب، فتوهّم أنه لم يتوعّد بفتح الباب.
وقال ثمامة: ما شبّهت الذّرّ إلّا بالتّرك؛ لأنّ كلّ ذرّة على حدتها معها من المعرفة بادّخار الطّعم، ومن الشّمّ والاسترواح، ونجب المدّخر حتّى لا ينبت في جحره، ثم الاحتيال للناس في الاحتيال لها بالصّمامة والعفاص والمزدجر، وتعليق الطّعام على الأوتاد والبرّادات، مثل الذّرّ مع صاحبتها.
وقال أبو موسى الأشعري: كل جنس يحتاج الى أمير ورئيس ومدبّر، حتّى الذّرّ.
وروى أبو عمر الضّرير، أن رئيس الذّرّ الرّائد الذي يخرج أوّلا لشيء قد شمّه دون أصحابه، لخصوصيّة خصّه الله تعالى بها، ولطافة الحسّ، فإذا حاول حمله وتعاطى نقله، وأعجزه ذلك بعد أن يبلي عذرا، أتاهنّ فأخبرهنّ فرجع، وخرجت بعده كأنّها خيط أسود ممدود. وليست ذرّة أبدا تستقبل ذرّة أخرى إلّا واقفتها وسارّتها بشيء ثم انصرفت عنها.
وكذلك الأتراك كلّ واحد منهم غير عاجز عن معرفة مصلحة أمره، إلّا أنّ التفاضل واجب في جميع أصناف الأشياء والنّبات والموات. وقد تختلف الجواهر وكلّها كريم، وتتفاضل العتاق وكلّها جواد.
(1/518)

وقد قلنا في مناقب جميع الأصناف بجمل ما انتهى الينا وبلغه علمنا؛ فإن وقع ذلك بالموفقة فبتوفيق الله وصنعه، وإن قصّر دون ذلك فالذي قصّر بنا نقصان علمنا، وقلّة حفظنا وسماعنا. فأمّا حسن النّيّة، والذي نضمر من المحبّة والاجتهاد في القربة، فإنا لا نرجع في ذلك إلى أنفسنا بلائمة. وبين التقصير من جهة التفريط والتّضييع، وبين التقصير من جهة العجز وضعف العزم، فرق.
ولو كان هذا الكتاب من كتب المناقضات، وكتب المسائل والجوابات، وكان كلّ صنف من هذه الأصناف يريد الاستقصاء على صاحبه، ويكون غايته إظهار فضل نفسه وإن لم يصل إلى ذلك إلّا بإظهار نقص أخيه ووليّه، لكان كتابا كبيرا، كثير الورق عظيما، ولكان العدد الذين يقضون لمؤلّفه بالعلم والاتّساع في المعرفة أكثر وأظهر، ولكنّا رأينا أنّ القليل الذي يجمع خير من الكثير الذي يفرّق.
ونحن نعوذ بالله من هذا المذهب، ونسأله العون والتسديد، إنه سميع قريب، فعّال لما يريد.
تم الكتاب والله المنة، وبيده الحول والقوة والله الموفق للصواب الحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله الطيبين الطاهرين وسلامه وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1/519)

هامش رسالة مناقب الترك وعامة جند الخلافة
(1) يجب اقتران القول بالفعل، او المعرفة بالعمل. وقد كثر العارفون وقل العاملون بين الناس. وقد سبق ابن المقفع في كليلة ودمنة الى التأكيد على هذه الفكرة.
(2) المتأول: الذي يفسر الأمور كما يحلو له. قارن معنى التأويل عند الجاحظ ومعناه الذي انتهى اليه ابن رشد الذي يقول ان التأويل هو ارجاع اللفظ من المعنى الحقيقي الى المعنى المجازي.
- المحكوم عليه: الذي صدر حكم إدانة بحقه.
- معدول عن الحكم: الذي نحي عن الحكم.
- المتعطل والمتصفح: الذي لا يعمل شيئا ويكتفي بالمراقبة.
- المعجب برأيه: الذي يحب الاعتراض والنقد، ويعتبر نفسه قائدا للناس ووكيلا عنهم يدافع عن حقوقهم. يشك في كل شيء، ولا يصدق احدا.
- المحروم: الذي لم ينل حقوقه.
- اللئيم الذي يفسده الاحسان، يشبه قول الامام علي بن ابي طالب: اتق شر من احسنت اليه.
- المستبطىء والمستزيد: يعني الناس الذين يغلب عليهم الطمع فلا يرضون بما ينالون من السلطان مهما عظم شأنه.
- صاحبه الفتنة: الانسان الذي ينزع الى اثارة الفتن. ويكون هذا رئيس فرقة سياسية او كلامية ابعده السلطان فاغتاظ وعمد الى التشنيع على السلطان واثارة الريب والاكاذيب والظنون به.
وتضم لائحة اعداء السلطان تسعة اصناف اجاد الجاحظ حصرهم.
(1/521)

(3) جند الخلافة العباسية مكون من خمسة أقسام: خراساني وتركي ومولى وعربي وبنوي. ولم يلحظ الجاحظ نسبة الاقسام الى بعضها البعض، وغلبة العنصر التركي عليها في عهد المعتصم والبنوي من كان ابوه فارسيا وامه عربية فهو مولد. والمولى هو الاعجمي الأصل الذي وقع في الاسر او السبي واصبح عبدا للعربي. وقد اشار الجاحظ الى اللحمة الجامعة التي نادى بها العباسيون لتكون رابطة توحدهم وهي الطاعة والمحبة الدينية. ولهذا يعترض على هذا التصيف الذي زعمه بعضهم- ولم يسم اسمه- واتهمه بالاستبداد بالرأي والتفرد به وبالتعسف في المعاني. وقال الجاحظ إنهم متفقون.
(4) لاحظ كيف يوفق بين الخراساني والتركي. إنهم اخوان لأن بلادهم متقاربة، ولأن الاعراق في البدء كانت متشابهة (5) العرب امة واحدة رغم اختلاف اللغة بين عدنان وقحطان وتميم وقيس وهوازن.
ويعني هنا باختلاف اللغة اختلاف اللهجات. وهذا ما يفسر قوله في الفقرة التالية: ان العرب لما كانت واحدة إستووا في التربة وفي اللغة. وهذا يعني ان اللغة العربية واحدة ولكنها ذات لهجات مختلفة.
ويشير الجاحظ الى مقومات وحدة العرب القومية وهي التربية واللغة والاخلاق والنسب. وبهذه المقومات «سبكوا سبكا واحدا، وافرغوا افراغا واحدا، وكان القالب واحدا» .. وبهذا يكون الجاحظ أقدم مفكر تكلم على وحدة العرب القومية.
- وقد ميز بين العربي الخالص والمعلهج الهجين ذي الام غير العربية، والمذرع ذي الام العربية والأب الاعجمي، والمزلج اي الدعي.
(6) البنوي خراساني الاصل لأن نسب الابناء نسب آبائهم. بهذا يحدد الجاحظ معنى الابناء. فالابناء هم ابناء الفرس الذين جاؤوا مقاتلين الى اليمن لنصرة ابن ذي يزن ضد الاحباش قبل الفتح الاسلامي. وقد اقام هؤلاء المقاتلون هناك وتزوجوا من نساء عربيات فسمي اولادهم ابناء. ويمكن أن نعمم هذا الحكم على جميع الاولاد الذين ولدوا من آباء فرس وامهات عربيات في العصر الاسلامي والاموي والعباسي.
وعلى هذا الاساس يصبح الابناء والخراسانيين عرقا واحدا لأن نسب الابناء نسب آبائهم.
- المولى عربي: والسبب في ذلك هو ان «لحمة الولاء كلحمة النسب» . تخريجا لقول النبي «مولى القوم منهم» .
(1/522)

- «حليف القوم منهم» قول نسب للنبي وهو سبب آخر في النسب كسبب الولاء وهذا الحكم ينطبق على الاتراك. فهؤلاء صاروا من العرب بسبب الحلف.
(7) الخراسانيون يؤكدون على فضلهم على العباسيين لانهم نصروهم ضد الامويين عند ما ثاروا بقيادة ابي مسلم الخراساني وزحفوا نحو الشام لا سقاط الدولة الاموية.
ويذكرون الرتب العسكرية التي تدل على تنظيمهم من نقباء ونجباء وخندقية وكفية والرغندية والازاذمردية.
- الشيعة هنا لا تعني الفرقة الاسلامية التي تتبع علي بن ابي طالب. وانما تعني الانصار أو المؤيدين بشكل مطلق.
- لاحظ توزع الاحزاب والفرق في البلاد الاسلامية في مطلع الدولة العباسية او نهاية الدولة الأموية: العثمانية في البصرة، والمروانية في الشام، والخوارج في الجزيرة العربية. اما بلاد فارس فلم تنتشر فيها الفرق ولم يغلب عليهم أحد.
- الصحصحية والدالقية والذكوانية والراشدية، فرق كلامية أو حزبية ظهرت في العصر الأموي.
- لاحظ النزعة الشعوبية: تفضيل الخراسانيين على جند الشام العرب.
- لاحظ انواع الاسلحة التي كان يستعملها الفرس: الحطبول، والبنود، والاجراس، والبازيكند (كساء يوضع على الكتف) ، واللبود، والسيوف المعقوفة، والقلانس، والخيول الشهرية (البراذين) ، والكافر كوبات (المقارع) ، والطبرزينات (الفؤوس) ، والخناجر، والدرع، والركاب. عداتك التي تستعمل في التمارين العسكرية مثل الدبوق (لعبة للصبيان) ، والنزو على الخيل، والطبطاب (مضرب الكرة) والصولجان، والمحتمة (ما نصب من الحيوان للرمي والقتل) والبرجاس (غرض في الهواء على رأس رمح) والطائر الخطاف.
(8) مفاخر العرب تقتصر على الشعر الموزون، وقرابة النبي والسبق الى الدين الاسلامي وحمل لوائه، والانساب النقية، والخطابة. ورد دعوى الخراسانيين بانهم اصحاب الدعوة العباسية. ان قواد تلك الدعوة من العرب وقد سمى أهمهم امثال قحطبة إبن شبيب الطائي، وسليمان بن كثير الخزاعي الخ..
(9) مفاخر الموالي تجمع النسب الذي يعتز به العرب لانهم عرب بالولاء، والاصل الذي يفتخر به العجمي اي الفارسي.
ويفخرون بحب النبي اياهم، فقد عقد لاسامة بن زيد وهو مولى على عظماء المهاجرين والانصار وقال عنه انه «الحب ابن الحب» .
(10) مفاخر الابناء تنحصر في الشجاعة والاقدام في الحروب والفتك وقمع الثورات
(1/523)

واعمال الشغب. ويبدو ان الخليدية والكتفية والبلالية والخريبية حركات تمرد قمعها الابناء.
(11) يؤكد الجاحظ من جديد اتفاق الاعراق والاجناس التي تتشكل منها الدولة العباسية. فليس الاختلاف في الاسم دليلا على الاختلاف في الحقيقة. والروابط التي توحدهم هي الولاء والحلف والاصل الواحد لجميع البشر من آدم وحواء.
- ان الناس جميعا عبيد الله يقلبهم كيف يشاء ويخلقهم، كيف يشاء. وله ان يجعل من شاء عربيا ومن شاء عجميا، من شاء ذكرا ومن شاء انثى؛ وهو الذي خلق آدم من غير أب وام وخلق حواء من ضلعه، وخلق عيسى من غير ذكر، وخلق الجان من النار وخلق السماء من دخان والارض من ماء، وعلم سليمان منطق الطير.
والجاحظ يذكر مشيئة الله في خلقه ليبين انه لا فضل لمخلوق على آخر. وقد ميز بين الاعراق والاجناس كما ميز بين اصناف المعادن ولنلاحظ قوله مثل طاليس ان الماء أصل العالم.
(12) «هذا كتاب كنت قد كتبته ايام المعتصم رضي الله عنه فلم يصل اليه» . هذه العبارة تدل على تاريخ تأليف الكتاب او قسم منه في عهد الخليفة المعتصم.
والقسم الاول الذي ينتهي هنا قد وضع ايام المتوكل. واذا كان القسم الذي وضع في عهد المعتصم يتناول مفاخر الاتراك (لأن الاتراك غلبوا على السلطة ايام المعتصم وكثر عدوهم في الجيش) فان القسم الاول الذي وضع ايام المتوكل يتناول مفاخر الخراسانيين والعرب والموالي والابناء (لأن المتوكل حاول ايجاد التوازن في الجيش بين مختلف الاجناس) .
وعلى هذا الاساس ينبغي اعادة ترتيب مادة الكتاب. بحيث يوضع القسم الثاني.
الذي يبدأ بعبارة: «هذا كتاب كنت كتبته ايام المعتصم» في أول الكتاب.
(13) يذكر الجاحظ مناسبة تأليف الكتاب وهي السؤال الذي طرحه الخليفة المأمون على قواده والمقربين اليه امثال محمد بن حميد الطوسي والأخشيد وابي شجاع ويحيى بن معاذ: ايهما اشجع التركي او الخارجي.
(14) خصال الخوارج: صدق الاقدام، والصبر، والنصر، وقلة الامتعة.
الحزون جمع حزن هو المرتفع.
بنات شحاج: البغال.
بنات صهال: الخيول.
(15) للتركي اربعة عيون: عينان في وجهه وعينان في قفاه، وللخارجي عين- ولا عيب-
(1/524)

في مستدير الحرب وللخراساني عين في مستقبل الحرب. وبذا يصح المعنى. والعين هنا استعملت بمعنى البصر في الأمر والعلم به. فالتركي يتحسن الحرب في جميع الجهات والخارجي يحسن الكر الى الامام والخراساني الكر الى الامام.
الوهق: الحبل. الانتساف: الاقتلاع.
المهلب بن ابي صفرة، الخريش بن هلال وعباد بن الحصين التميميان، من الفرسان المشهورين. وكان المهلب واليا على خراسان ابان الدولة الاموية.
- الخوارج جمعوا في صفوفهم اجناسا مختلفة من اصقاع متباينة وانقسموا الى فرق عدة. فكان منهم اعداد من سجستان وخراسان والجزيرة واليمامة والمغرب وعمان، وانضوى تحت لوائهم العربي والموالى والعجمي والاعرابي والعبد والمرأة والحائك والفلاح.
وقد انقسموا الى فرق ذكر منها الجاحظ هنا الازارقة والنجدات والاباضية والصفرية.
الازارقة نسبة الى رئيسهم نافع بن الازرق الحنفي، قالوا بتكفير علي بن ابي طالب وكل مرتكب كبيرة، وكل قاعد عن الجهاد.
وفرقة النجدات او النجدية نسبة الى رئيسهم نجدة بن عامر الحنفي. قالوا يجب على المسلمين معرفة الله ورسله وتحريم دماء المسلمين واموالهم. وما سوى ذلك فالناس معذورون فيه بجهلهم.
وفرقة الصفرية نسبة الى عبد الله بن الأصفر قالوا ان جميع مخالفيهم كفار يحل قتلهم.
- حمزة بن ادرك الخارجي: صاحب احدى فرق العجاردة من الخوارج، خرج في خراسان ايام الرشيد وبقي يقاتل حتى ايام المأمون.
- الوليد بن طريف أحد رؤساء الخوارج قتله يزيد بن مزيد القائد العباسي.
- ثمامة بن اشرس احد شيوخ المعتزلة ومعاصر الجاحظ، هو كما يقول الجاحظ عربي بيد انه معجب الاتراك. وقد وقع في اسرهم مرة فاكرموه، وشهد بعض وقائعهم- الجاحظ يذكر انه رافق المأمون في بعض غزواته. ويبرر اصطناع المعتصم للأتراك عند ما تولى الخلافة لشدة بطشهم وصبرهم على القتال. ويذكر ايضا ما شاهده من انفلات فرس من الجنود الخراسانيين وغيرهم وعجزهم عن اخذها حتى جاء تركي فقبض عليها وسلمهم اياها.
- لاحظ كيف يفسر الجاحظ ظاهرة تعلق الاتراك بوطنهم وحنينهم اليه اكثر من
(1/525)

العرب وسائر الأمم. لأن تركيبتهم وطبيعتهم من تركيب بلادهم. وقد اورد بعض هذه الافكار في كتاب الاوطان والبلدان.
(16) قارن الجاحظ بين مختلف الأمم من عرب ويونانيين وأتراك وفرس وصينيين وخلص الى القول ان الاتراك تفوقوا في الحرب تفوق اليونانيين بالحكمة واهل الصين في الصناعة، والعرب بالأدب، وآل ساسان في الرياسة. وقد مهد السبيل في هذه المقارنة الى ابن صاعد الاندلسي صاحب كتاب طبقات الامم.
- لاحظ انساب العرب والاتراك واليهود. كلهم ينتهون الى جد مشترك هو ابراهيم ويتحدرون من ثلاث امهات تزوجهن ابراهيم: هاجر القبطية، وسارة السريانية، وقطورا بنت مفطون العربية.
- اسم الاتراك جاء من الترك تبعا للحديث المأثور: تاركوا الترك ما تاركوكم.
وبقوله «اتركوهم سموا الترك» .
- الجاحظ يترجم لابراهيم بن السندي مولى امير المؤمنين المعتصم. وقد حدثه عن خاقان ملك الترك الذي حارب الجنيد بن عبد الرحمن المري امير خراسان من قبل هشام بن عبد الملك الخليفة الاموي. ويروي ما دار بينهما من حديث حول احكام الدين الاسلامي في الزنا والسرقة والسلب والقتل الخ ...
- الفرق بين العقل والنقل: اصحاب العقل يردون احكامهم الى جواز العقول وما يحسن في الرأي. واصحاب النقل يتبعون ما ورد في كتب الانبياء لعلمهم أن الله ادرى بصالح الخلق.
- جهم بن صفوان (128 هـ) مؤسس فرقة الجهمية. قال بالجبرية والاضطرار وانكر حرية الانسان او قدرته على فعل اعماله. وقال ان الايمان هو المعرفة بالله والكفر هو الجهل به، وقتل في اواخر الدولة الاموية.
(1/526)

[8- محتويات رسالة فخر السودان على البيضان]
(- 8- فخر السودان على البيضان)
(1/527)

[1- مقدمة]
تولاك الله وحفظك، وأسعدك بطاعته، وجعلك من الفائزين برحمته.
ذكرت- أعاذك الله من الغشّ- أنّك قرأت كتابي في محاجّة الصّرحاء للهجناء، وردّ الهجناء، وجواب أخوال الهجناء، وأنّي لم أذكر فيه شيئا من مفاخر السّودان. فاعلم حفظك الله أنّي أخّرت ذلك متعمّدا.
وذكرت أنّك أحببت أن أكتب لك مفاخر السّودان، فقد كتبت لك ما حضرني من مفاخرهم.
قال الأصمعيّ: قال الفزر عبد فزارة وكانت في أذنه خربة: إنّ الوئام يتترّع في جميع الطّمش: لا يقرب العنز الضّأن ما وجدت الماعز، وتنفر الشّاء من المخلب ولا تأنس بالخفّ.
وأنشد أبو زيد النّحويّ:
لولا الوئام هلك الإنسان
وقال شدّاد الحارثيّ- وكان خطيبا عالما-: قلت لأمة سوداء بالبادية:
لمن أنت يا سوداء؟ قالت: لسيّد الحضر يا أصلع. قال: قلت أولست سوداء؟ قالت: أولست أصلع؟ قلت: ما أغضبك من الحق. قالت:
(1/529)

الحقّ أغضبك، لا تشتم حتى ترهب، ولأن تتركه أمثل.
وقال شدّاد: لقد كلّمتها وأنا أظنّ أنّي أفي بأهل نجد، وما نزعت عنّي إلّا وأنا عند نفسي لا أفي بأمتي.
وقال الأصمعيّ: قال عيسى بن عمر: قال ذو الرّمّة: قاتل الله أمة آل فلان السّوداء، ما كان أفصحها وأبلغها! سألتها كيف كان المطر عندكم؟ قالت: غثنا ما شئنا.
[2- نجباء السودان]
أنّ لقمان الحكيم منهم، وهو الذي يقول: ثلاثة لا تعرفهم إلّا عند ثلاثة: الحليم عند الغضب، والشّجاع عند الخوف، والأخ عند حاجتك.
وقال لابنه: إذا أردت أن تخالط رجلا فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك وإلّا فاحذره.
ولم يرووا ذلك عنه إلّا وله أشياء كثيرة. وأكثر من هذا مدح الله إيّاه وتسميته الحكيم، وما أوصى به ابنه.
ومنهم: سعيد بن جبير، قتله الحجّاج قبل موته بستّة أشهر وهو ابن تسع وأربعين سنة، ومات الحجّاج وهو ابن ثلاث وخمسين سنة. وكان سعيد أورع الخلق وأتقاهم، وكان أعظم أصحاب ابن عبّاس. وأصحاب الحديث يطعنون في الذي يجيء من قبل أصحاب ابن عباس حتى يجيء [من] سعيد إبن جبير. وأبوه مولى بني أسد، وهو مولى بني أميّة، وقتل يوم قتل والناس يقولون: كلّنا محتاج إليه.
ومنهم: بلال الحبشيّ رضي الله عنه، الذي يقول فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن أبا بكر سيّدنا وأعتق سيّدنا، وهو ثلث الإسلام.
ومنهم: مهجع، وهو أوّل قتيل قتل بين الصّفّين في سبيل الله.
(1/530)

ومنهم: المقداد، وهو أوّل من عدا به فرسه في سبيل الله.
ومنهم: وحشيّ قاتل مسيلمة الكذّاب. وكان يقول: قتلت خير الناس- يعني حمزة بن عبد المطّلب رضي الله عنه- وقتلت شرّ الناس- يعني مسيلمة الكذّاب.
ومنهم: مكحول الفقيه.
ومنهم: الحيقطان الشّاعر، الذي كان يفضل في رأيه وعقله وهمّته.
وهو الذي يقول في الإخوان: لا تعرف الأخ حتّى ترافقه في الحضر، وتزامله في السّفر.
ومنهم: جليبيب الذي تحدّثت الرّواة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في غزاة فقال لأصحابه: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلانا وفلانا. ثم خرج فقال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلانا وفلانا.
ثم خرج فقال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا في الثالثة: لا. قال: لكنّي أفقد جليبيبا، اطلبوه. فطلبوه فوجدوه بين سبعة قد قتلهم ثمّ قتل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قتل سبعة ثمّ قتلوه. هذا منّي وأنا منه» .
قال: ثمّ حمله على ساعديه حتّى حفروا له، ماله سرير غير ساعدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ولم يذكروا غسلا.
ومنهم: فرج الحجّام وكان من أهل العدالة، والمقدّمين في الشّهادة.
أعتقه جعفر بن سليمان؛ وذلك أنّه خدمه دهرا يصلح شاربه ولحيته ويهيّئه، فلم يره أخطأ في قول ولا عمل، فقال: والله لأمتحننّه، فإن كان ما أرى منه عن تدبير وقصد لأعتقنّه ولأزوّجنّه ولأغنينّه. وإن كان على غير ذلك عرفت الصّنع فيه. فقال له ذات يوم وهو يحجمه: يا غلام، أتحتجم؟
قال: نعم. قال: ومتى؟ قال: عند الحاجة. قال: وتعرف ذلك؟ قال:
أعرف أكثره وربّما غلطت. قال: فأيّ شيء تأكل؟ قال: أمّا في الشتاء فداكبراه خائرة حلوة. وأمّا في الصّيف فسكباجة حامضة عذبة. فبلغ به جعفر
(1/531)

ابن سليمان ما قال. وهو الذي يقول فيه أبو فرعون:
خلّوا الطّريق زوجتي أمامي ... أنا حميم فرج الحجّام
قال: وبلغ من عدالته ونبله في نفسه وتوقّيه وورعه، أنّ مواليه من ولد جعفر وكبار أهل المربد، كانوا لا يطمعون أن يشهدوه إلّا على أمر صحيح لا اختلاف فيه.
وأمّا الحيقطان فقال قصيدة تحتجّ بها اليمانية على قريش ومضر، ويحتجّ بها العجم والحبش على العرب، وكان جرير رآه يوم عيد في قميص أبيض وهو اسود، فقال:
كأنه لما بدا للناس ... أير حمار لفّ في قرطاس.
فلما سمع بذلك الحيقطان وكان باليمامة، دخل الى منزله فقال هذا الشعر:
لئن كنت جعد الرّأس والجلد فاحم ... فإنّي لسبط الكفّ والعرض أزهر
وإنّ سواد اللّون ليس بضائري ... إذا كنت يوم الرّوع بالسّيف أخطر
فإن كنت تبغي الفخر في غير كنهه ... فرهط النّجاشي منك في الناس أفخر
تأبّى الجلندى وابن كسرى وحارث ... وهوذة والقبطيّ والشيخ قيصر
وفاز بها دون الملوك سعادة ... فدام له الملك المنيع الموفّر
ولقمان منهم وابنه وابن أمّه ... وأبرهة الملك الذي ليس ينكر
غزاكم أبو يكسوم في أمّ داركم ... وأنتم كقبض الرّمل أو هو أكثر
وأنتم كطير الماء لّما هوى لها ... ببلقعة، حجن المخالب أكدر
فلو كان غير الله رام دفاعه ... علمت وذو التّجريب بالناس أخبر
وما الفخر إلّا أن تبيتوا إزاءه ... وأنتم قريب ناركم تتسعّر
ويدلف منكم قائد ذو حفيظة ... نكافحه طورا وطورا يدبّر
فأما التي قلتم فتلكم نبوّة ... وليس بكم صون الحرام المستّر
(1/532)

وقلتم لقاح لا نؤدّي إتاوة ... فإعطاء أريان من الفرّ أيسر
ولو كان فيها رغبة لمتوّج ... إذا لأتتها بالمقاول حمير
وليس بها مشتى ولا متصيّف ... ولا كجؤاثا ماؤها يتفجّر
ولا مرتع للعين أو متقنّص ... ولكنّ تجرا، والتجارة تحقر
ألست كليبيّا وأمّك نعجة ... لكم في سمان الضّان عار ومفخر
أما قوله:
تأبّى الجلندى وابن كسرى وحارث ... وهوذة والقبطيّ والشيخ قيصر
فإنّه يقول: كتب النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى بني الجلندى فلم يؤمنوا وكذلك كسرى، وكذلك الحارث بن أبي شمر، وكذلك هوذة بن علي الحنفيّ، وكذلك المقوقس عظيم القبط صاحب الإسكندرية، وكذلك قيصر ملك الرّوم. على أنّ بني الجلندي قد أسلموا من بعد ذلك الكتاب، ولكنّ النّجاشيّ أسلم قبل الفتح، فدام له ملكه ونزع الله من هؤلاء النّعمة.
وقيصر إن كان قد بقي من ملكه شيء فقد أخرجوه من كلّ مكان يبلغه ظلف أو حافر، وصار لا يتمنّع إلّا بالخليج وبالعقاب والحصون وبالشّتاء والثّلوج والأمطار.
وفخر بلقمان وابنه.
وأمّا قوله:
غزاكم أبو يكسوم في أمّ داركم ... وأنتم كقبض الرّمل أو هو أكثر
فإنّه يعنى صاحب الفيل حين أتى مكّة ليهدم الكعبة. يقول: كنتم في عدد الرّمل، فلم فررتم منه ولم يلقه أحد منكم حتّى أفضى إلى مكّة، ومكة أمّ القرى، ودار العرب هي جزيرة العرب، ومكة قرية من قراها، ولكن لما كانت أقدمها قدما، وأعظمها خطرا، جعلت لها أمّا. ولذلك قيل لفتح مكّة: فتح الفتوح. وعلى مثل ذلك سمّيت فاتحة الكتاب: أمّ الكتاب.
(1/533)

والعرب قد تجعل الشيء أمّ ما لم يلد. من ذلك قولهم: ضربه على أمّ رأسه، وكذلك أمّ الهاوية. والضّيف يسمى ربّة منزله أمّ مثواي.
وقال أعرابيّ وقد أصابته براغيث عند امرأة كان نزل بها:
يا أمّ مثواي عدمت وجهك ... أنقذني ربّ العلا من مصرك
ولذع برغوث أراه مهلكي ... أبيت ليلي دائب التحكّك
تحكّك الأجرب عند المبرك
وقد أبان الله تعالى مكة والبيت حين قال: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ.
يقول: فإذا غزيت- وهي أمّ القرى وفيها البيت الحرام الذي هو شرفكم- فقد غزي جميعكم.
وأمّا قوله:
وأما التي قلتم فتلكم نبوّة ... وليس بكم صون الحرام المستّر
وقلتم لقاح لا نؤدّي إتاوة ... فإعطاء أريان من الفرّ أيسر
فاللّقاح: البلد الذي لا يؤدّي إلى الملوك الأريان. والأريان: هو الخراج، وهو الإتاوة. وفي ذلك يقول عبيد بن الأبرص:
أبوا دين الملوك فهم لقاح ... إذا ندبوا إلى حرب أجابوا
قال: فقلتم إنّا لقاح ولسنا نؤدّي الخراج والأريان.
قال: فإعطاء الخراج أهون من الفرار وإسلام الدار وأنتم مثل عدد من جاءكم المرار الكثيرة.
وأمّا قوله:
وليس بها مشتى ولا متصيّف ... ولا كجؤاثا ماؤها يتفجّر
(1/534)

يقول: ليس في الغلبة على مكّة رغبة، ولولا ذلك لغزاها أهل اليمن وغيرهم. وليس بها مشتى ولا متصيّف؛ لأنهم يتبرّدون بالطائف ويتدفّون بجدّة. وجؤاثا: عين بالبحرين. وليس بمكّة شيء يداني ذلك.
وقال:
ولا مرتع للعين أو متقنّص ... ولكنّ تجرا والتّجارة تحقر
يقول: ليس بها متنزّهات، وصيدها حرام، وإنّما تجّار والتّجّار يحقرون.
يقول: هم عند الناس في حدّ الضعف ولا يستجيز ملك أخذ الذي به يتعيّشون، ولا يكون ما يؤخذ منهم يقوم بنوائب الملوك، وهم قوم ليس عندهم امتناع. ولذلك يقول الشاعر معاوية بن أوس، وهو جاهليّ:
وزقّ سبأت لدى متجر ... أسيود كالرّجل الأسحم
ضربت بفيه على نحره ... وقائمه كيد الأجذم
إلى التّاجر العربيّ الشحي ... ح أو خمر ذي النّطف الطّمطم
أراد بهذا كلّه قريشا. يقول: هم تجّار وقد اعتصموا بالبيت، وإذا خرجوا علّقوا عليهم المقل ولحاء الشّجر حتّى يعرفوا فلا يقتلهم أحد.
وأما قوله:
ألست كليبيّا وأمّك نعجة ... لكم في سمان الضّأن عار ومفخر
فإنّ بني كليب يرمون بإتيان الضّأن، وكذلك بنو الأعرج، وسليم.
وأشجع ترمى بإتيان المعز.
وقال النّجاشيّ:
ولو شتمتني من قريش قبيلة ... سوى ناكة المعزى سليم وأشجع
(1/535)

وقال الفرزدق:
ولست مضحّيّا ما دمت حيّا ... بشاة من حلوبة أعرجيّ
فما أدرى إذا أنفقت مالي ... لعلّ الشاة تبقر عن صبيّ
وقال الآخر:
إذا أحببت أن تغلي أتانا ... فدلّ الدارميّ على شراها
يقبّل ظهرها ويكاد لولا ... قحول الظّهر يدنو من قفاها
وودّ الدارميّ لو أنّ فاه ... إذا نال الحمارة نال فاها
وقال عبد بن رشيد:
قبيلة سوء خيرهم مثل شرّهم ... ترى منهم للضأن فحلا وراعيا
إذا جليت فيهم عروس لبعلها ... ترى النّعجة البقعاء أبكى البواكيا
ولذلك قال الأخطل:
فانعق بضأنك يا جرير فإنّما ... منّتك نفسك في الخلاء ضلالا
ولذلك قال الحيقطان:
ألست كليبيّا وأمّك نعجة ... لها في سمان الضّأن عار ومفخر
أمّا العار فالذي شاع عليهم من ذكر النّعاج. وأما المفخر يقول: إذا فخروا فخروا بالشّاء، ولا يبلغون إلى حدّ الإبل.
ومن مفاخر السّودان والزّنج والحبش مع ما ذكرنا من قصيدة الحيقطان، أنّ جرير بن الخطفى لمّا هجا بني تغلب [و] قال:
لا تطلبنّ خؤولة في تغلب ... فالزّنج أكرم منهم أخوالا
غضب سنيح بن رباح شار، فهجا جريرا، وفخر عليه بالزّنج فقال:
ما بال كلب من كليب سبّنا ... أن لم يوازن حاجبا وعقالا
(1/536)

إنّ امرأ جعل المراغة وابنها ... مثل الفرزدق جائر قد قالا
والزّنج لو لاقيتهم في صفّهم ... لاقيت ثمّ جحاجحا أبطالا
فسل ابن عمرو حين رام رماحهم ... أرأى رماح الزّنج ثمّ طوالا
فجعوا زيادا بابنه وتنازلوا ... لما دعوا لنزال ثمّ نزالا
ومربّطين خيولهم بفنائهم ... وربطت حولك شيّها وسخالا
كان ابن ندبة فيكم من نجلنا ... وخفاف المتحمّل الأثقالا
وابنا زبيبة: عنتر وهراسة ... ما إن نرى فيكم لهم أمثالا
سل ابن جيفر حين رام بلادنا ... فرأى بغزوتهم عليه خبالا
وسليك اللّيث الهزبر إذا عدا ... والقرم عبّاس علوك فعالا
هذا ابن خازم ابن عجلى منهم ... غلب القبائل نجدة ونوالا
أبناء كلّ نجيبة لنجيبة ... أسد تربّب عندها الأشبالا
فلنحن أنجب من كليب خؤولة ... ولأنت الأم منهم أخوالا
وبنو الحباب مطاعن ومطاعم ... عند الشّتاء إذا تهبّ شمالا
أما ابن عمرو الذي ذكر، فهو حفص بن زياد بن عمرو العتكيّ، كان خليفة أبيه على شرطة الحجاج، فغلب رباح شار الزّنجي على الفرات، فتوجّه إليه حفص بن زياد فقتله رباح وقتل أصحابه واستباح عسكره.
وأمّا ابن جيفر فهو النّعمان بن جيفر بن عباد بن جيفر بن الجلندى.
كان غزا بلاد الزّنج فقتلوه وغنموا عسكره.
ثم ذكر أبناء الزّنجيات حين نزعوا إلى الزّنج في البسالة والأنفة. فذكر خفاف بن ندبة، وعبّاس بن مرداس، وابني شدّاد: عنترة الفوارس وأخاه هراسة، وسليك بن السّلكة. فهؤلاء أسد الرجال، وأشدّهم قلوبا وأشجعهم بأسا، وبهم يضرب المثل.
ومنهم: عبد الله بن خازم السّلمي، وبنو الحباب: عمير بن الحباب وإخوته.
(1/537)

وكان أيضا منهم: الجحّاف بن حكيم.
وهم أيضا يفخرون برباح أخي بلال وحاله وصلاحه.
ويفخرون بعامر بن فهيرة، بدريّ استشهد يوم بئر معونة، فرآه الناس قد رفعه الله بين السّماء والأرض، فليس له في الأرض قبر.
ومنهم: آل ياسر.
قالوا: ومنّا الغداف صاحب عبيد الله بن الحر. لم يكن في الأرض أشدّ منه: كان يقطع على القافلة وحده بما فيها من الحماة والخفراء.
وكعبويه صاحب المغيرة بن الفزر، كان مثلا في الشّجاعة.
ويقولون: ومنّا مربح الأشرم، غلام أبي بحر القائد، الذي كان قدم من الشام أيام قتيبة بن مسلم، وكان لا يرام لقاؤه، وأمره مشهور.
قالوا: ومنا المغلول وبنوه، وهم من الخول، ليس في الأرض أعرف ولا أثقف ولا أعلم بالبادية منهم.
قالوا: ومنّا أفلح، الذي قطع على القوافل بخراسان وحده عشرين سنة. قالوا: وإنّما قتله مالك بن الرّيب، لأنّه وطئه في جوف اللّيل وهو سكران خائر. والشاهد على قولنا قول ابنه:
أمالك لولا السّكر أيقنت أنّه ... أخو الورد أو يربي على الأسد الورد
قالوا: ونحن قد ملكنا بلاد العرب من لدن الحبشة إلى مكّة، وجرت أحكامنا في ذلك أجمع. وهزمنا ذا نواس، وقتلنا أقيال حمير. وأنتم لم تملكوا بلادنا. وقد قال شاعركم:
وخرّب غمدانا وهدّم سقفه ... رباط بأجناد وصولته هصر
أطافت به الأحبوش ليلا فقوّضوا ... بنا شدّة الأقيال في سالف الدّهر
بجمع من اليكسوم سود كأنّهم ... أسود الشّرى اجتابت جلودا من المر
(1/538)

قالوا: ومنا كباجلا، لم يصعد نهر؟؟؟ مان ولا قاتل في المخارجات أحد قطّ يشبهه.
قالوا: ومنّا الأربعون الذين خرجوا بالفرات أيّام سوّار بن عبد الله القاضي، فأجلوا أهل الفرات عن منازلهم، وقتلوا من أهل الأبلّة مقتلة عظيمة.
قالوا: ومنّا الذي ضرب عنق عيسى بن جعفر بعمان، بمنجل بحرانيّ، بعد أن لم يجسر عليه أحد.
[3- خصال السودان]
قالوا: والناس مجمعون على أنّه ليس في الأرض أمّة السّخاء فيها أعمّ، وعليها أغلب من الزّنج. وهاتان الخلّتان لم توجدا قطّ إلّا في كريم.
وهي أطبع الخلق على الرّقص الموقّع الموزون، والضّرب بالطّبل على الإيقاع الموزون، من غير تأديب ولا تعليم.
وليس في الأرض أحسن حلوقا منهم. وليس في الأرض لغة أخفّ على اللسان من لغتهم، ولا في الأرض قوم أذرب ألسنة، ولا أقلّ تمطيطا منهم.
وليس في الأرض قوم إلّا وأنت تصيب فيهم الأرتّ والفأفاء والعييّ، ومن في لسانه حبسة، غيرهم.
والرجل منهم يخطب عند الملك بالزّنج من لدن طلوع الشّمس إلى غروبها، فلا يستعين بالتفاتة ولا بسكتة حتّى يفرغ من كلامه.
وليس في الأرض أمّة في شدّة الأبدان وقوّة الأسر أعمّ منهم فيهما.
وإنّ الرّجل ليرفع الحجر الثّقيل الذي تعجز عنه الجماعة من الأعراب وغيرهم. وهم شجعاء أشداء الأبدان أسخياء. وهذه هي خصال الشرف.
(1/539)

[والزنجيّ] مع حسن الخلق وقلّة الأذى، لا تراه أبدا إلّا طيّب النفس، ضحوك السّنّ، حسن الظّن. وهذا هو الشرف.
وقد قال ناس: إنّهم صاروا أسخياء لضعف عقولهم، ولقصر رويّاتهم، ولجهلهم بالعواقب.
فقلنا لهم: بئس ما أثنيتم على السّخاء والأثرة، وينبغي في هذا القياس أن يكون أوفر النّاس عقلا وأكثر النّاس علما أبخل النّاس بخلا وأقلّهم خيرا.
وقد رأينا الصّقالبة أبخل من الرّوم، والرّوم أبعد رويّة وأشدّ عقولا وعلى قياس قولكم أن قد كان ينبغي أن تكون الصّقالبة أسخى أنفسا وأسمح أكفّا منهم.
وقد رأينا النّساء أضعف من الرّجال عقولا، والصّبيان أضعف عقولا منهم، وهم أبخل من النّساء، والنّساء أضعف عقولا من الرجال. ولو كان العقل كلّما كان أشدّ كان صاحبه أبخل، كان ينبغي أن يكون الصبيّ أكرم الناس خصالا. ولا نعلم في الأرض شرّا من صبيّ: هو أكذب النّاس وأنمّ النّاس، وأشره النّاس وأبخل النّاس، وأقلّ النّاس خيرا وأقسى الناس قسوة.
وإنّما يخرج الصبيّ من هذه الخلال أوّلا فأوّلا، على قدر ما يزداد من العقل فيزداد من الأفعال الجميلة.
فكيف صارت قلّة العقل [هي] سبب سخاء الزّنج، وقد أقررتم لهم بالسّخاء ثم ادّعيتم ما لا يعرف. وقد وقّفناكم على إدحاض حجتكم في ذلك بالقياس الصّحيح.
وهذا القول يوجب أن يكون الجبان أعقل من الشّجاع، والغادر أعقل من الوفيّ. وينبغي أن يكون الجزوع أعقل من الصّبور. فهذا ما لا حجّة فيه
(1/540)

لكم، بل ذلك هبة في النّاس من الله. والعقل هبة، وحسن الخلق هبة، والسّخاء والشجاعة كذلك.
وقد قالت الزّنج للعرب: من جهلكم أنّكم رأيتمونا لكم أكفاء في الجاهلية في نسائكم، فلمّا جاء عدل الإسلام رأيتم ذلك فاسدا، و [ما] بنا الرّغبة عنكم. مع أنّ البادية منّا ملأى ممّن قد تزوّج ورأس وساد، ومنع الذّمار، وكنفكم من العدوّ.
قال: وقد ضربتم بنا الأمثال وعظّمتم أمر ملوكنا، وقدّمتموهم في كثير من المواضع على ملوككم. ولو لم تروا الفضل لنا في ذلك عليكم لما فعلتم.
وقال النّمر بن تولب:
أتى ملكه ما أتى تبّعا ... وأبرهة الملك الأعظما
فرفعه على ملوك قومه.
وقال لبيد بن ربيعة:
لو كان حيّ في الحياة مخلّدّا ... في الدّهر أدركه أبو يكسوم
وهذا شيء من وصف الفضل لم يوصف أحد بمثله.
قالوا: ومما قدّمتم به ملوكنا على ملوككم قوله:
غلب الليالي خلف آل محرّق ... وكما فعلن بتبّع وبهر قل
وغلبن أبرهة الذي ألفيته ... قد كان خلّد فوق غرفة موكل
فقدّم أبرهة وأراد التّسوية.
قالوا: ومن الحبشة عكيم الحبشيّ، وكان أفصح من العجّاج. وكان علماء أهل الشام يأخذون عنه كما أخذ علماء أهل العراق من المنتجع بن نبهان.
وكان المنتجع سنديّا في أذنه خربة، وقع إلى البادية وهو صبيّ، فخرج
(1/541)

أفصح من رؤبة.
ولما قال حكيم بن عيّاش الكلبيّ:
لا تفخرنّ بخال من بني أسد ... فإنّ أكرم منها الزّنج والنّوب
اعترض عليه عكيم الحبشيّ، فقال:
ويوم غمدان كنّا الأسد قد علموا ... ويوم يثرب كنّا فحلة العرب
وليلة الفيل إذ طارت قلوبهم ... وكلّهم هارب موف على قتب
منّا النّجاشي وذو العقصين صهركم ... وجدّ أبرهة الحامي أبي طلب
هبني غفرت لعدنان تهتكهم ... فما لحمير والمقوال في النسب
حمّارة جمعت من كلّ محربة ... جمع الشّبيكة نون الزّاخر اللّجب
غمدان: حصن كان ينزله الملك الذي يكون على اليمن، وكان عجميّا، فلما ملكت الحبشة اليمن أخربته إلّا بقايا هدمها عثمان بن عفّان رضي الله عنه في الإسلام. وقال: «ينبغي لمآثر الجاهليّة أن تمحى» . وكان في الحصن مصنعة عليها قبة من طلق، وفيها يقول خلف الأحمر:
ومصنعة الطّلق أودى بها ... عوادي الأحابيش بالصّيدن
وفيها يقول قدامة حكيم المشرق، وكان صاحب كيمياء:
فأوقد فيها ناره ولو أنّها ... أقامت كعمر الدهر لم تتصرّم
لأنّ الطّلق لو أوقد عليه ألف عام لم يسخن. وبه يتطلّى النّفّاطون إذا أرادوا الدّخول في النار.
وقال لبيد:
أصاح ترى بريقا هبّ وهنا ... كمصباح الشّعيلة في الذّبال
أرقت له وأنجد بعد هدء ... وأصحابي على شعب الرّحال
يضيء ربابه في المزن حبشا ... قياما بالحراب وبالإلال
(1/542)

وقال ذلك لبيد لأنّهم إذا أقبلوا بحرابهم ورماحهم وقسيّهم وسيوفهم، وراياتهم، وخيولهم وفيولهم، مع سواد ألوانهم وضخم أبدانهم- رأيت هؤلا لم تر مثله ولم تسمع به، ولم تتوهّمه.
وأمّا قوله:
ويوم يثرب كنّا فحلة العرب
فإنّ مسرف بن عقبة المرّيّ، حين كان أباح المدينة، زعموا أنّه قد كان هناك أمر قبيح من السودان والجند؛ وفي ذلك يقول شاعر من شعراء مضر:
فسائل مسرف المرّيّ عنكم ... غداة أباح للجند العذاري
فما زجكم على حنق زنوج ... وفزّ الشّام كالأسد الضّواري
ودافع وهرز والفرس عنكم ... ورأس الحبش يحكم في ذمار
فأفسد نسلكم بسواد لون ... وأير مثل غرمول الحمار
فذكر إباحة الحبش لليمن كما ذكر إباحة مسرف للمدينة.
وأمّا قوله:
حمّارة جمعت من كلّ محزوة ... جمع الشّبيكة نون الزاخر اللّجب
فإنّه ذهب إلى ما تقول الرّواة أنّ حمير كانت حمّارة.
وأمّا الشّبيكة فأراد الشبكة.
وقال السّران: فهذا الفضل فينا، ولم يصلّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قط إلّا على جنازة أو قبر، إلّا النّجاشيّ فإنّه صلّى عليه وهو بالمدينة وقبر النّجاشيّ بالحبشة.
قالوا: والنجاشيّ هو كان زوّج أمّ حبيبة بنت أبي سفيان من النبيّ صلى الله عليه وسلم، ودعا خالد بن سعيد فجعله وليّهما، وأصدق عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أربعمائة دينار.
(1/543)

قالوا: وثلاثة أشياء جاءتكم من قبلنا. منها الغالية. وهي أطيب الطّيب وأفخره وأكرمه. ومنها النّعش وهو أستر للنّساء وأصون للحرم. ومنها المصحف، وهو أوقى لما فيه وأحصن له، وأبهى وأهيأ.
[4- مزايا اللون الاسود]
قالوا: ونحن أهول في الصّدور وأملا للعيون، كما أنّ المسودّة أهول في العيون وأملا للصّدور من المبيّضة، وكما أنّ الليل أهول من النهار.
قالوا: والسّواد أبدا أهول. وإنّ العرب لتصف الإبل فتقول: الصّهب سرع، والحمر غزر، والسّود بهى. فهذا في الإبل.
قالوا: ودهم الخيل أبهى وأقوى، والبقر السّود أحسن وأبهى، وجلودها أثمن وأنفع وأبقى. والحمر السّود أثمن وأحسن وأقوى. وسود الشّاء أدسم ألبانا وأكثر زبدا، والدّبس أغزر من الحمر.
وكلّ جبل وكلّ حجر إذا كان أسود كان أصلب صلابة وأشدّ يبوسة.
والأسد الأسود لا يقوم له شيء.
وليس من التّمر شيء أحلى حلاوة من الأسود، ولا أعمّ منفعة ولا أبقى على الدّهر. والنّخيل أقوى ما تكون إذا كانت سود الجذوع.
وجاء: «عليكم بالسّواد الأعظم» ، وقال الأنصاريّ:
أدين وما ديني عليّ بمغرم ... ولكن على الشّمّ الطّوال القراوح
على كلّ خوار كأنّ جذوعها ... طلين بقار أو بدمّ ذبائح
قالوا: وأحسن الخضرة ما ضارع السّواد. قال الله جلّ وعلا: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ
، ثم قال لمّا وصفهما وشوّق إليهما: مُدْهامَّتانِ
قال ابن عباس: خضراوان من الرّيّ سوداوان.
(1/544)

وليس في الأرض عود أحسن خشبا ولا أغلى ثمنا، ولا أثقل وزنا ولا أسلم من القوادح، ولا أجدر أن ينشب فيه الخطّ من الآبنوس. ولقد بلغ من اكتنازه والتئامه وملوسته وشدّة تداخله، أنه يرسب في الماء دون جميع العيدان والخشب. ولقد غلب بذلك بعض الحجارة؛ إذ صار يرسب وذلك الحجر لا يرسب.
والإنسان أحسن ما يكون في العين ما دام أسود الشعر. وكذلك شعورهم في الجنّة.
وأكرم ما في الإنسان حدقتاه؛ وهما سوداوان. وأكرم الأكحال الإثمد، وهو أسود. ولذلك جاء أنّ الله يدخل جميع المؤمنين الجنة جردا مردا مكحّلين.
وأنفع ما في الإنسان له كبده التي بها تصلح معدته، وينهضم طعامه، وبصلاح ذلك قام بدنه، والكبد سوداء.
وأنفس ما في الإنسان وأعزّه سويداء قلبه، وهي علقة سوداء تكون في جوف فؤاده، تقوم في القلب مقام الدّماغ من الرأس.
ومن أطيب ما في المرأة وأشهاه شفتاها للتقبيل، وأحسن ما تكونان إذا ضارعتا السّواد.
وقال ذو الرّمّة:
لمياء في شفتيها حوّة لعس ... وفي اللّثاث وفي أنيابها شنب
وأطيب الظّلّ وأبرده ما كان أسود. وقال الراجز:
سود غرابيب كأظلال الحجر
وقال حميد بن ثور:
ظللنا إلى كهف وظلّت ركابنا ... إلى مستكفّات لهنّ غروب
(1/545)

إلى شجر ألمى الظّلال كأنّه ... رواهب أحرمن الشّراب عذوب
وجعل الله اللّيل سكنا وجماما، والنّهار للكسب والكدّ.
والذي يدلّ على أنّ السّواد في وجه آخر مقرون بالشدّة والصّرامة، والهيج والحركة، انتشار الحيّات والعقارب وشدّة سمومها باللّيل، وهيج السّباع واستكلابها باللّيل. وتحرّك الأوجاع وظهور الغيلان، هذه كلّها بالليل.
قال: وأشبهنا اللّيل من هذا الوجه.
قالوا: وأبلغ ما تكون القائلة وأشفاها للنّفس، وأسرع لمجيئها إذا أردتها، وأبطأ لذهابها إذا كرهتها، ما كان منها في الظّلمة، عند إسببال السّتور وإغلاق الأبواب.
قالوا: وليس لون أرسخ في جوهره وأثبت في حسنه من سواد.
وقد جرى المثل في تبعيد الشيء: «لا ترى ذلك حتّى يبيّض القار، وحتّى يشيب الغراب» .
وهو العرض الملاء عند الحكماء.
وأكرم العطر المسك والعنبر، وهما أسودان.
وأصلب الأحجار سودها. وقال أبو دهبل الجمحيّ يمدح الأزرق المخزوميّ، وهو عبد الله بن عبد شمس بن المغيرة:
فإنّ شكرك عندي لا انقضاء له ... ما دام بالجزع من لبنان جلمود
أنت الممدح والمغلى به ثمنا ... إذ لا يعاتب صخر الجندل السّود
والعرب تفخر بسواد اللّون. فإن قال: فعلام ذلك وهي تقول: فلان هجان، وأزهر وأبيض، وأغرّ؟ قلنا: ليس تريد بهذا بياض الجلد، إنّما تريد به كرم الجوهر ونقاءه. وقد فخرت خضر محارب بأنّها سود، والسّود عند
(1/546)

العرب الخضر. وقال الشّماخ بن ضرار:
وراحت رواحا من زرود فنازعت ... زبالة جلبابا من اللّيل أخضرا
وقال الراجز:
حتّى انتضاني الصّبح من ليل خضر ... مثل انتضاء البطل السيف الذّكر
وهم يسمّون الحديد أخضر لأنّه صلب؛ لأن الأخضر أسود.
وقال الحارث بن حلّزة:
إذ رفعنا الجمال من سعف البح ... رين سيرا حتى نهاها الحساء
فهزمنا جمع ابن أمّ قطام ... وله فارسيّة خضراء
وقال المحاربيّ وهو يفخر بأنّه من الخضر:
في خضر قيس نماني كلّ ذي فخر ... صعب المقادة آبي الضّيم شعشاع
وبنو المغيرة خضر بني مخزوم. قال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخوميّ- ويقال إنّها للفضل بن العبّاس اللهبي:
وأنا الأخضر من يعرفني ... أخضر الجلدة في بيت العرب
من يساجلني يساجل ماجدا ... يملأ الدّلو إلى عقد الكرب
وخضر غسّان بنو جفنة الملوك؛ قال الغسّانيّ:
إنّ الخضارمة الخضر الذين ودوا ... أهل البريص نماني منهم الحكم
وقد ذكر حسان أو غيره الخضر من بني عكيم حين قال:
ولست من بني هاشم في بيت مكرمة ... ولا بني جمح الخضر الجلاعيد
قالوا: وكان ولد عبد المطلب العشرة السّادة دلما ضخما، نظر إليهم عامر بن الطّفيل يطوفون كأنّهم جمال جون، فقال: بهؤلاء تمنع السّدانة.
(1/547)

وكان عبد الله بن عباس أدلم ضخما. وآل أبي طالب أشرف الخلق، وهم سود وأدم ودلم.
قالوا: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بعثت إلى الأحمر والأسود» .
وقد علمت أنّه لا يقال للزّنج والحبشة والنّوبة بيض ولا حمر، وليس لهم اسم إلّا السّود.
وقد علمنا أنّ الله عزّ وجل بعث نبيّه [إلى الناس] كافة، وإلى العرب والعجم جميعا. فإذا قال: «بعثت إلى الأحمر والأسود» ولسنا عنده حمر ولا بيض، فقد بعث إلينا، فإنما عنانا بقوله «الأسود» . ولا يخرج الناس من هذين الاسمين، فإن كانت العرب من الأحمر، فقد دخلت في عداد الرّوم والصّقالبة، وفارس وخراسان. وإن كانت من السّود، فقد اشتقّ لها هذا الاسم من اسمنا. وإنما قيل لهم وهم أدم وسمر سود، حين دخلوا معنا في جملتنا، كما يجعل العرب الإناث من الذكور ذكورا.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنّ الزّنج والحبشة والنّوبة ليسوا بحمر ولا بيض، وأنّهم سود، وقد بعثه الله تعالى إلى الأسود والأحمر، فقد جعلنا والعرب سواء، ونكون نحن السّود دونهم. فإن كان اسم أسود وقع علينا فنحن السّودان الخلّص، والعرب أشباه الخلّص. فنحن المتقدّمون في الدّعوة. وإذا كان اسمهم محمولا على اسمنا؛ إذ كنّا وحدنا يقال لنا سود، ولا يقال لهم سود إلّا أن يكونوا معنا.
[5- كثرة عدد السودان واتساع بلدانهم]
قالوا: وأنتم ترون كثرة العدد مجدا، ونحن أكثر النّاس عددا وولدا.
قالوا: ونحن صنفان: النّمل والكلاب.
قالوا: ولو عدلتم بالنّمل العرب كلّها لأربت عليها. فكيف إذا قرنت
(1/548)

إليها الكلاب؟ ثم كيف إذا ضممتم إليها الحبشة والنّوبة وفزّان ومرو وزغاوة وغير ذلك من أنواع السّودان؟
وليست قحطان من عدنان في شيء. ونحن بالحبشة أشبه، وأرحامنا بهم أمسّ من عدنان بقحطان. وإن ذكرتم اختلاف اللّغات؛ فإنّ لغة عجز هوازن، وقد تختلف اللّغات والأصل واحد، وقد تتّفق والنّجر مختلف. ومن دخل أوائل خراسان وأواخرها، وأوائل الجبال وفارس وأواخرها، علم أنّ اللّغات قد تختلف لاختلاف طبائع البلدان والأصل واحد.
قالوا: وأنتم لم تروا الزّنج الذين هم الزنج قطّ، وإنّما رأيتم السّبي يجيء من سواحل قنبلة وغياضها وأوديتها، ومن مهنتنا وسفلتنا وعبيدنا، وليس لأهل قنبلة جمال ولا عقول. وقنبلة: اسم الموضع الذي تزفّون منه سفنكم إلى ساحله. لأنّ الزّنج ضربان: قنبلة ولنجوية، كما أنّ العرب ضربان: قحطان وعدنان. وأنتم لم تروا من أهل لنجوية أحدا قطّ، لا من السّواحل ولا من أهل الجوف، ولو رأيتموهم نسيتم الجمال والكمال.
فإن قلتم: وكيف ونحن لم نر زنجيّا قطّ له عقل صبيّ أو امرأة؟
قلنا لكم: ومتى رأيتم من سبى السّند والهند قوما لهم عقول وعلم وأدب وأخلاق حتّى تطلبوا ذلك فيما سقط إليكم من الزنج. وقد تعلمون ما في الهند من الحساب وعلم النجوم وأسرار الطّبّ، والخرط والنّجر، والتّصاوير والصناعات الكثيرة العجيبة، فكيف لم يتّفق لكم مع كثرة ما سبيتم منهم واحد على هذه الصّفة، أو بعشر هذه الصّفة؟
فإن قلتم: أهل الشّرف والعقل والعلم إنّما ينزلون الواسطة، وبقرب دار الملك، وهؤلاء حاشية وأعلاج وأكره، ونزّال السّواحل والآجام والفيوض والجزائر، من أكار ومن صيّاد.
(1/549)

قلنا: وذلك من رأيتم ومن لم تروا منا. وجوابنا هو جوابكم لنا.
قالوا: ولو أنّ الزّنجيّ والزنجيّة إذا تناكحا بقيت أولادهما بعد الحيض والاحتلام ببلاد العراق، كانوا قد غلبوا على الدّار بالعدد والجلد، والعلم والتدبير، ولكنّ ولد الهنديّ والهنديّة، والروميّ والروميّة، والخراسانيّ والخراسانيّة، يبقون فيكم وفي بلادكم كبقاء آبائهم وأمّهاتهم، ولا يبقى ولد الزّنجيّين بعد الحيض والاحتلام. على اننا لا نصيب في عشرة آلاف، واحد يبلغ ما ذكرنا، إلّا أن يضرب الزنجيّ في غير الزّنجيات، والزّنجية في غير الزّنج. ولولا أنّ الزنجيّ والزّنجيّة قليلا ما يريدان من الغرائب والغرباء، لكنّا على حال سنرى لرجال الزّنج نسلا كثيرا. ولكنّ الزنجية لا تكاد تنشط لغير الزنجيّ.
قالوا: وكذلك البيضان منكم، لا يكادون ينشطون لطلب النّسل من الزّنجيات. والزّنجية أيضا من الزّنجيّ أسرع لقاحا منها من الأبيض.
قالوا: وأنتم لا تكادون تعدّون ممّن ولد له من صلبه مائة ولد إلّا أن يكون خليفة، فيكون ذلك لكثرة الطّروقة، ولا تجدون ذلك في سائركم.
والزّنج لا تستكثر هذا ولا تستعظمه؛ لكثرته في بلادهم، لأنّ الزنجية تلد نحوا من خمسين بطنا في نحو من خمسين عاما، في كلّ بطن اثنين، فيكون ذلك أكثر من تسعين. لأنّه يقال إنّ النساء لا يلدن إذا بلغن السّتين إلّا ما يحكى عن نساء قريش خاصّة.
والزّنج أحرص من خلق الله على نسائهم، ونساؤهم لهم كذلك، وهنّ أطيب من غيرهنّ.
قالوا: فتأمّلوا قولنا واحتجاجنا، فإنّا قد روينا الأخبار وقلنا الأشعار، وعرفناكم وعرفنا الأمم.
وقد كان الفرزدق أعلم النّاس بالنّساء، وكان قد جرّب الأجناس كلّها
(1/550)

فلم يجد مثلهنّ، ولذلك تزوج أم مكيّة الزنجيّة وأقام عليها، وترك النّساء، للذي وجد عندها. وفي ذلك يقول:
يا ربّ خود من بنات الزّنج ... تمشي بتنّور شديد الوهج
أخثم مثل القدح الخلنج
وكانت دنانير بنت كعبوية الزّنجيّ عند أعشى سليم، وكانت شديدة السّواد، فرآها يوما وقد خضبت يديها بالحنّاء، واكتحلت بالإثمد، فقال:
تخضب كفّا بتكت من زندها ... فتخضب الحنّاء من مسودّها
كأنّها والكحل في مرودها ... تكحل عينيها ببعض جلدها
فلما سمعت ذلك قالت:
وأقبح من لوني سواد عجانه ... على بشر كالقلب أو هو أنصع
فسمّوه أسود، وصاح به الصبيّان فطلّقها. وقد كان صبيحة عرسها قال:
إنّ الدّنانير تكون سودا
فقالت:
بياض الرأس أقبح من سوادي ... وشيب الحاجبين هو الفضوح
فأمسك عنها حينا ثم عاودها، فلما فضحته طلّقها.
قالوا: وإن نظر البيضان إلى نساء السّودان بغير عين الشهوة فكذلك السّودان في نساء البيضان. على أنّ الشّهوات عادات وأكثرها تقليد. من ذلك أنّ أهل البصرة أشهى النّساء عندهم الهنديّات وبنات الهنديّات والأغوار. واليمن أشهى النّساء عندهم الحبشيّات وبنات الحبشيات. وأهل الشّام أشهى النّساء عندهم الرّوميّات وبنات الروميّات. وكلّ قوم فإنّما يشتهون جلبهم وسبيهم. إلّا الشاذّ، وليس على الشاذّ قياس.
(1/551)

قالوا: وأطيب الأفواه نكهة، وأشدّها عذوبة، وأكثرها ريقا؛ أفواه الزنج. والكلاب من بين السّباع أطيب أفواها منها.
قالوا: والسواد ملاوم للعين، وإذا اعتلّت فخيف عليها لم يكن لها دواء خير من القعود في الظّلمة وفي يد صاحبها خرقة سوداء. فالسّواد للإبصار، وخير ما في الإنسان البصر.
وقالوا: والسّودان أكثر من البيضان، لأنّ أكثر ما يعدّ البيضان فارس والجبال وخراسان، والرّوم والصّقالبة وفرنجة والأبر، وشيئا بعد ذلك قليلا غير كثير. والسّودان يعدّون الزّنج والحبشة، وفزّان وبربر، والقبط والنّوبة، وزغاوة ومرر، والسّند والهند، والقمار والدّبيلا، والصّين وماصين. والبحر أكثر من البرّ، وجزائر البحر ما بين الصّين والزّنج مملوءة سودانا، كسرنديب، وكله، وأمل، وزابج وجزائرها إلى الهند إلى الصين إلى كابل وتلك السواحل.
قالوا: وكان الأعمى الاشتيام يقول: السّودان أكثر من البيضان، والصّخر أكثر من الوحل، والرّمل أكثر من التّراب، والماء المالح أكثر من العذب.
قالوا: ومنّا العرب لا من البيضان؛ لقرب ألوانهم من ألواننا. والهند أسفر ألوانا من العرب، وهم من السّودان. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت إلى الأحمر والأسود» وقد علم النّاس أنّ العرب ليست بحمر كما ذكرنا قبل هذا.
قال: فهذا المفخر لنا وللعرب على جميع البيضان إن أحبّت ذلك العرب؛ وإن كرهته فإنّ المفخر لنا بالذي ذكرنا على الجميع.
قالوا: ولولا لم نكثركم إلّا بالزابج وحدها لفضلناكم بهم فضلا مبينا؛ وذلك أنّ ملك الزابج إن غضب على أهل مملكة ولم يتّقوه بالخراج بعث ألف
(1/552)

سنبوقة في كلّ سنبوقة ألف رجل على أن [لا] يجلدوهم ولا يقاتلوهم، ولكن يأمرهم أن يقيموا أبدا فيهم حتّى يتّقوهم بالخراج، فيكون ما يأكلون ويشربون ويغذون ويلبسون، أضرّ عليهم من مقدار الخراج المرار الكثيرة.
فإن اتّقوهم بالخراج وإلّا أرسل إليهم ألف سنبوقة أخرى، فلا يجد ذلك الملك بدّا من أن يتّقيه بكلّ ما طلب، ولا يأمن أن يغضب فيأتي عليه وعلى أهل مملكته.
قالوا: ولقد نزل ملك الزابج على خليج مرّة والخليج فراسخ في فراسخ، فبينا هو على مائدته وفي سرادقه على شاطىء الخليج، إذ سمع صارخة فقال: ما هذا؟ وقطع الأكل. قالوا: امرأة سقط ابنها في هذا الخليج فأكله التمساح. قال: وفي مكان أنا فيه شيء يشاركني في قتل النّاس! ثم وثب فإذا هو في الخليج. فلما [رآه] الناس سقطوا عن آخرهم، فخضخضوه وهو فراسخ في فراسخ، حتّى أخذوا كلّ تمساح فيه أخذ يد.
فيقال: إنّ أهل الزابج وأغبابها أكثر من شطر أهل الأرض.
قالوا: وآخر العمران كلّه سودان، وما استدار من أقاصي العمران أكثر من أهل الواسطة، كطوق الرّحى الذي يلي الهواء، الذي هو أوسع وأكثر ذرعا مما قصر عنه من فلك الرّحى ولنعتبر ذلك بالجناح المطيف، لا يرى أحد ذرعه مع قلّة عرضه، ونجده أكثر ذرعا من نفس الدار.
وليس خلف الزابج بيضان، وكذلك جميع بلاد السودان السّاكنة في الأطراف وفي آخر أطواق العمران.
قالوا: فهذا دليل على أنّا أكثر، وإذا كنّا أكثر كنا أفخر. وقد قال شاعركم:
ولست بالأكثر منه حصى ... وإنّما العزة للكاثر
قالوا: والقبط جنس من السودان وقد طلب منهم خليل الرحمن
(1/553)

[الولد] فولد له منهم نبيّ عظيم الشأن، وهو أبو العرب إسماعيل عليه السلام. وطلب النبيّ صلى الله عليه وسلم منهم الولد، وولد له إبراهيم، وكنّاه به جبريل.
قالوا: والحجر الأسود من الجنّة. والنّحاس إذا اشتدّ سواده كان أثمن وأجود. فمن استنكر لون السواد فما في فرنجة والرّوم والصّقالبة من إفراط سبوطة الشّعر والرّقّة والصّهوبة، والحمرة في شعر الرّأس واللحية، وبياض الحواجب والأشفار، أقبح وأسمج. وليس في السّودان مغرب، ليس المغرب إلّا فيكم. ولا سواء من لم تنضجه الأرحام وما جازت به حدّ التمام.
[6- اثر البيئة في لون السودان والبيضان]
قالوا: ولنا بعد معرفة بالتفلسف والنّظر، ونحن أثقف النّاس. ولنا في الأسرار حجة. ونحن نقول: إنّ الله تعالى لم يجعلنا سودا تشويها بخلقنا، ولكنّ البلد فعل ذلك بنا. والحجّة في ذلك أنّ في العرب قبائل سودا كبني سليم بن منصور. وكلّ من نزل الحرّة من غير بني سليم كلّهم سود. وإنّهم ليتخذون المماليك للرعي والسّقاء، والمهنة والخدمة، من الأشبانيّين ومن الرّوم نسائهم، فما يتوالدون ثلاثة أبطن حتّى تنقلهم الحرّة إلى ألوان بني سليم.
ولقد بلغ من أمر تلك الحرّة أنّ ظباءها ونعامها، وهوامّها وذبابها وثعالبها وشاءها وحميرها، وخيلها، وطيرها كلّها سود. والسّواد والبياض إنّما هما من قبل خلقة البلدة، وما طبع الله عليه الماء والتّربة، ومن قبل قرب الشّمس وبعدها، وشدّة حرّها. وليس ذلك من قبل مسخ ولا عقوبة، ولا تشويه ولا تقصير.
على أنّ بلاد بني سليم تجري مجرى بلاد التّرك. ومن رأى إبلهم ودوابّهم وكلّ شيء لهم تركيّ رآه شيئا واحدا. وكلّ شيء لهم تركيّ المنظر.
وربّما رأى الغزاة دون العواصم أخلاط غنم الرّوم فلا يخفى عليهم غنم الرّوم
(1/554)

من غنم الشّام، للرّوميّة التي يرونها فيها.
وقد نرى الناس أبناء الأعراب والأعرابيات الذين وقعوا إلى خراسان فلا نشكّ أنّهم علوج القرى. وهذا موجود في كل شيء. وقد نرى جراد البقل والرّيحان وديدانهما خضرا، ونرى قمل رأس الشّابّ سودا، ونراها إذا ابيضّ رأسه بيضا، ونراها إذا خضبت حمرا.
فليس سوادنا، معشر الزّنج، إلّا كسواد بني سليم ومن عددنا عليكم من قبائل العرب في صدر هذا الكلام.
وما إفراط سواد من اسودّ من الناس إلّا كإفراط بياض من ابيضّ من الناس. وكذلك السّمرة المتولّدة من بينهما، وكذلك الزّيّ والهيئات، وكذلك الصّناعات، وكذلك المطاعم والشّهوات.
وقد ذكر الشاعر، حين مدح أسيلم بن الأحنف الأسديّ، سواد اليمانية فقال:
أسيلم ذاكم لا خفا بمكانه ... لعين تداحى أو لأذن تسمّع
من النّفر الشّمّ الذين إذا انتموا ... وهاب الرّجال حلقة الباب قعقعوا
جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقه ... وطيب الدّهان رأسه وهو أنزع
إذا النّفر السّود اليمانون حاولوا ... له حوك برديه أرقّوا وأوسعوا
وقد عاب بعض البيضان عبد بني جعدة بلونه، فقال:
قد عاب لوني أقوام فقلت لهم ... ما عاب لوني إلّا مفرط الحمق
إن كان لوني فيه دعجة كلف ... حزن الإهاب فإنّي أبيض الخلق
أرضي الصّديق وأحمي الظّعن معترضا ... صدر القناة وأكنى كنه السّرق
وكانت امرأة عمرو بن شاس تجفو عرار بن عمرو، وكان ابن سوداء، فقال عمرو بن شاس في ذلك، وفي صفة أبناء الحبشيّات والزّنجيات:
(1/555)

ألم يأتها أنّي صحوت وأنّني ... تخشّعت حتّى ما أعارم من عرم
وأطرق إطراق الشّجاع، ولو يرى ... مساغا لنابيه الشّجاع لقد أزم
أرادت عرارا بالهوان ومن يرد ... عرارا لعمري بالهوان فقد ظلم
وإنّ عرارا إن يكن غير واضح ... فإنّي أحبّ الجون ذا المنكب العمم
فإن كنت منّي أو تحبّين شيمتي ... فكوني له كالسّمن ربّت له الأدم
وإلّا فبيني مثل ما بان راكب ... تزوّد خمسا ليس في سيره أتم
وأمّا الهند فوجدناهم يقدّمون في النّجوم والحساب، ولهم الخطّ الهنديّ خاصّة، ويقدّمون في الطبّ، ولهم أسرار الطبّ وعلاج فاحش الأدواء خاصة. ولهم خرط التماثيل ونحت الصّور بالأصباغ تتّخذ في المحاريب وأشباه ذلك. ولهم الشّطرنج، وهي أشرف لعبة وأكثرها تدبيرا وفطنة. ولهم السّيوف القلعيّة، وهم ألعب النّاس بها وأحذقهم ضربا بها. ولهم الرّيى النّافذة في السّموم وفي الأوجاع. ولهم غناء معجب. ولهم الكنكلة، وهي وتر واحد يمدّ على قرعة فيقوم مقام أوتار العود والصّنج. ولهم ضروب الرّقص والخفّة، ولهم الثّقافة عند الثّقاف خاصة، ولهم معرفة المناصفة، ولهم السّحر والتّدخين والدمازكية. ولهم خطّ جامع لحروف اللّغات، وخطوط أيضا كثيرة، ولهم شعر كثير وخطب طوال، وطبّ في الفلسفة والأدب. وعنهم أخذ كتاب كليلة ودمنة. ولهم رأي ونجدة، وليس لأحد من أهل الصّبر ما لهم. ولهم من الزّيّ الحسن والأخلاق المحمودة مثل الأخلّة والقرن والسّواك، والاحتباء، والفرق والخضاب. وفيهم جمال وملح واعتدال وطيب عرق.
وإلى نسائهم يضرب الأمثال. ومن عندهم جاءوا الملوك بالعود الهنديّ الذي لا يعدله عود. ومن عندهم خرج علم الفكر، وما إذا تكلّم به على السّمّ لم يضرّ. وأصل حساب النّجوم من عندهم أخذه النّاس خاصّة. وآدم عليه السلام إنّما هبط من الجنّة فصار ببلادهم.
قالوا: ومن مفاخر الزنج حسن الحلق، وجودة الصّوت. وإنّك لتجد
(1/556)

ذلك في القيان إذا كنّ من بنات السّند.
وخصلة أخرى: أنّه لا يوجد في العبيد أطبخ من السّنديّ، هو أطبع على طيّب الطّبخ كلّه.
ومن مفاخرهم أنّ الصّيارفة لا يولّون أكيستهم وبيوت صروفهم إلّا السّند وأولاد السّند؛ لأنّهم وجدوهم أنفذ في أمور الصّرف، وأحفظ وآمن. ولا يكاد أحد أن يجد صاحب كيس صيرفيّ ومفاتيحه ابن روميّ ولا ابن خراسانيّ.
ولقد بلغ من تبرّك التجار بهم أنّ صيارفة البصرة وبنادرة البربهارات، لمّا رأوا ما كسب فرج أبو روح السّنديّ لمولاه من المال والأرضين اشترى كلّ امرىء منهم غلاما سنديّا، طمعا فيما كسب أبو روح لمولاه.
قال: وكان عبد الملك بن مروان يقول: «الأدغم سيّد أهل المشرق» يعني عبيد الله بن أبي بكرة. وكان أشدّ السّودان سوادا. وإيّاه يعني عبد الله ابن خازم حيث يقول:
حبشيّ حبشته حبشة
فهذا جملة ما حضرنا من مفاخر السّودان. وقد قلنا قبل هذا في مفاخر قحطان، وسنقول في فخر عدنان على قحطان في كثير مما قالوا إن شاء الله.
(1/557)

هامش كتاب فخر السودان على البيضان
(1) يذكر الجاحظ اسم احد كتبه الذي ذكره في مقدمة كتاب الحيوان اعني كتاب الصرحاء والهجناء. والصريح هو العربي الأب والام. والهجين هو العربي الأب ولكن امه أمة غير عربية.
- ينبغي ملاحظة الالفاظ الغريبة في كلام الأصمعي العالم اللغوي والرواية المشهور وقد أخذ عنه الجاحظ. امثال الخربة اي الثقب، والتترع اي التسرع، والطمش اي الخلق: ولكن استعمال تترع بمعنى تسرع غير موافق لمعنى الجملة او المثل الذي ضربه: لا يقرب العنز الضأن ما وجدت الماعز، وتنفر الشاة من المخلب ولا تأنس بالحف. وربما كان استبدالها بكلمة ينتزع افضل.
(2) لقمان الحكيم تضاربت الآراء حول شخصيته وهويته، وقد ورد اسمه في القرآن، ونسبت اليه حكم ووصايا كثيرة لابنه.
- مهجع هو مولى عمر، وقد قتل يوم بدر.
- المقداد: هو المقداد بن الاسود الكندي ابوه عمرو بن ثعلبة حليف كنده. حسن اسلامه وناضل في سبيل الدين وقتل في خلافة عثمان سنة 33 هـ.
- وحشي بن حرب الحبشي مولى بني نوفل.
- مكحول بن سهراب، عرف بفقهه وتوفي سنة 112 هـ.
- الحيقطان شاعر عاش في العصر الأموي وتبادل الهجاء مع جرير وتفوح من شعره رائحة الشعوبية. وقد اثبت له الجاحظ في كتاب فخر السودان على البيضان قصيدة رائية يفخر فيها بقومه ويهجو جريرا.
- سنيح بن رباح شار: شاعر اسود عاش ايضا في العصر الأموي وتبادل الهجاء مع جرير، والقصيدة التي اثبتها الجاحظ له هنا تبين نزعته الشعوبية واعتداده بقومه السود. ولا حاجة لشرح معانيها لأن الجاحظ اعفانا من هذه المهمة فشرحها باسهاب.
(1/559)

(3) القياس: سمى الجاحظ قياسا الجملة السابقة وهي: «انهم صاروا اسخياء لضعف عقولهم ولقصر رواياتهم ولجهلهم بالعواقب» ومعنى ذلك ان كل ضعيف العقل سخي. والزنج اسخياء لانهم ضعاف العقول. فالعلة في السخاء هي ضعف العقل والعلة في البخل هي رجاحة العقل.
بيد ان هذا القياس لا ينطبق على الصقالبة والروم ولا على النساء والصبيان.
فالصقالبة ابخل من الروم مع انهم اضعف عقولا منهم. والنساء والصبيان ابخل من الرجال مع انهم اضعف عقولا منهم.
ان القياس يعني إذا بناء على هذه الامثلة التي ذكرها الجاحظ نقل الحكم من شيء الى آخر للعلة ذاتها. ولكن الجاحظ يعتبر قياس خصوم الزنج غير صحيح لأنهم قلبوا القياس وبدأوا بالنتيجة بدل البدء بالمقدمة العامة.
- ان السخاء او البخل، والخلق عامة، وكذلك العقل، هبة من الله او فطرة اودعها الله في الناس. وهذا هو المبدأ الفلسفي الذي نادى به الجاحظ. فليس السخاء الذي نلفيه في الزنج او عند بعض الاشخاص نتيجة ضعف العقل او غير ذلك من الاسباب.
- عكيم الحبشي شاعر من السودان الاحباش عاصر الكميت الاسدي. وقد اثبت له الجاحظ هنا خمسة ابيات يفتخر بها ببلاء السودان في المعارك.
(4) «سويداء القلب وهي علقة سوداء تكون في جوفه، تقوم في القلب مقام الدماغ من الرأس» . لم يوضح الجاحظ ماذا يعني بذلك، وما هو الشبه بين سويداء القلب ودماغ الرأس.
- لاحظ النعرة الشعوبية في تفسير قول النبي «بعثت الى الاحمر والأسود» . ان السود هم اصحاب الدعوة بنظر هؤلاء وهم المتقدمون على العرب.
(5) لاحظ المبالغة في العصبية الشعوبية التي دفعت السودان الى اعتبار الصين والهند والعرب ومرو من بلاد السودان. والقمار والدبيلا وكلة وزابج من بلاد الهند.
(6) انظر كيف يفسر الجاحظ اختلاف الوان البشر. انه تفسير طبيعي محض يتفق مع فلسفته الطبيعية. فالبيئة هي التي صيرت لون السودان اسود ولون البيضان أبيض بسبب شدة الحر او شدة البرد الخ..
(7) عدد علوم الهند لأنه اعتبر الهنود من السود. ولم يترك علما لم ينسبه اليهم:
الحساب، الفلك، الخط، الطب، صناعة الادوية، النحت، الشطرنج، صنع السيوف، الموسيقى وآلاتها، الرقص، السحر، الشعر، الخطابة، الفلسفة، الأدب.
(1/560)

- علم الفكر: احد علوم الهند، وهو كلام يتلى على السم فيصبح غير ضار.
- كليلة ودمنة اصله هندي برأي الجاحظ، وهو أقدم من أشار الى ذلك.
- الدمازكية: لفظة هندية على الأرجح.
- اعمال الصيرفة كانت رائجة في البصرة وبغداد في عصر الجاحظ. وقد برع فيها الموالي من اصل سندي.
- بنادرة البربهارات: تجار العقاقير او التوابل.
- حبشي حبشته حبشة: اي اسود من بلاد الحبشة، ولدته امرأة حبشية. يعنى به عبد الله بن ابي بكرة الذي عاش في العصر الأموي. والشعر لعبد الله بن خازم البصري امير خراسان لبني أمية وقد ثار به اهل خراسان وقتلوه سنة 72 هـ.
- يشير الى كتابين من كتبه هما: فخر قحطان، وفخر عدنان على قحطان. انظر كشاف آثار الجاحظ.
(1/561)

[9- محتويات رسالة الحجاب]
(- 9- كتاب الحجاب)
(1/563)

1- مقدمة
أطال الله بقاءك، وجعلني من كل سوء فداءك، وأسعدك بطاعته وتولّاك بكرامته، ووالى إليك مزيده.
إنه يقال- أكرمك الله- «إن السّعيد من وعظ بغيره، وأن الحكيم من أحكمته تجاربه» . وقد قيل: «كفاك أدبا لنفسك ما كرهت من غيرك» وقيل: «كفاك من سوء سماعه» ، وقيل: «إنّ يقظة الفهم للواعظ ممّا يدعو النّفس إلى الحذر من الخطأ، والعقل إلى تصفيته من القذى» .
وكانت الملوك إذا أتت ما يجلّ عن المعاتبة عليه ضربت لها الأمثال، وعرّض لها بالحديث. وقال الشاعر:
العبد يقرع بالعصا ... والحرّ تكفيه الملامة
وقال آخر:
ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها
وقال عبد المسيح المتلمّس:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علّم الإنسان إلّا ليعلما
وقال بعضهم: «في خفيّ التعريض ما أغنى عن شنيع التّصريح» .
(1/565)

وقد جمعت في كتابي هذا ما جاء في الحجاب من خبر وشعر، ومعاتبة وعذر، وتصريح وتعريض، وفيه ما كفى. وبالله التوفيق:
وقد قلت:
كفى أدبا لنفسك ما تراه ... لغيرك شائنا بين الأنام
[2- النهي عن الحجاب]
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاث من كنّ فيه من الولاة اضطلع بأمانته وأمره: إذا عدل في حكمه، ولم يحتجب دون غيره، وأقام كتاب الله في القريب والبعيد» .
وروي عنه عليه السلام أنّه وجّه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه إلى بعض الوجوه، فقال له فيما أوصاه به: «إنّي قد بعثتك وأنا بك ضنين فابرز للناس، وقدّم الوضيع على الشّريف، والضّعيف على القويّ، والنّساء قبل الرجال، ولا تدخلنّ أحدا يغلبك على أمرك، وشاور القرآن فإنّه إمامك» .
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا استعمل عاملا شرط عليه أربعا: لا يركب برذونا، ولا يتّخذ حاجبا، ولا يلبس كتّانا، ولا يأكل درمكا.
ويوصي عمّاله فيقول: إيّاكم والحجاب، وأظهروا أمركم بالبراز، وخذوا الذي لكم وأعطوا الذي عليكم، فإنّ امرأ ظلم حقّه مضطرّ حتى يغدو به مع الغادين.
وكتب عمر رضوان الله عليه إلى معاوية وهو عامله على الشام:
«أمّا بعد فإنّي لم آلك في كتابي إليك ونفسي خيرا. إيّاك والاحتجاب دون الناس، وأذن للضعيف وأدنه حتى ينبسط لسانه، ويجترىء قلبه، وتعهّد الغريب فإنّه إذا طال حبسه وضاق إذنه ترك حقّه، وضعف قلبه، وإنما أثوى
(1/566)

حقّه من حبسه. واحرص على الصّلح بين الناس ما لم يستبن لك القضاء.
وإذا حضرك الخصمان بالبيّنة العادلة والأيمان القاطعة فأمض الحكم.
والسلام» .
وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري:
«آس بين الناس في نظرك وحجابك وإذنك، حتّى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. وأعلم أن أسعد الناس عند الله تعالى يوم القيامة من سعد به النّاس، وأشقاهم من شقوا به» .
وروى الهيثم بن عديّ عن ابن عباس قال: قال لي عبيد الله بن أبي المخارق القينيّ:
استعملني الحجاج على الفلّوجة العليا، فقلت: أما هاهنا دهقان يعاش بعقله ورأيه؟ فقيل لي: بلى، هاهنا جميل بن بصهرّى. فقلت: عليّ به. فأتاني فقلت: إن الحجّاج استعملني على غير قرابة ولا دالّة ولا وسيلة، فأشر عليّ. قال:
لا يكون لك بوّاب حتّى إذا تذكّر الرجل من أهل عملك بابك لم يخف حجّابك، وإذا حضرك شريف لم يتأخّر عن لقائك ولم يحكم على شرفك حاجبك. وليطل جلوسك لأهل عملك يهبك عمّالك، ويبقى مكانك ولا يختلف لك حكم على شريف ولا وضيع، ليكن حكمك واحدا على الجميع، يثق الناس بعقلك. ولا تقبل من أحد هديّة فإنّ صاحبها لا يرضى بأضعافها مع ما فيها من الشّهرة.
قال موسى الهادي لحاجبه: لا تحجب الناس عنّي، فإنّ ذلك يزيل التزكية، ولا تلق إليّ أمرا إذا كشفته وجدته باطلا، فإنّ ذلك يوتغ المملكة.
وقال بعض الخلفاء لحاجبه: إذا جلست فأذن للناس جميعا عليّ، وأبرز لهم وجهي، وسكّن عنهم الأحراس، واخفض لهم الجناح، وأطب لهم
(1/567)

بشرك، وألن لهم في المسألة والمنطق، وارفع لهم الحوائج، وسوّ بينهم في المراتب، وقدّمهم على الكفاية والغناء، لا على الميل والهوى.
[3- واجبات الحاجب]
وقال آخر لحاجبه: إنّك عيني التي أنظر بها، وجنّة أستنيم إليها، وقد ولّيتك بابي فما تراك صانعا برعيتي؟
قال: أنظر إليهم بعينك، وأحملهم على قدر منازلهم عندك، وأضعهم لك في إبطائهم عن بابك ولزومهم خدمتك مواضع استحقاقهم، وأرتّبهم حيث وضعهم ترتيبك، وأحسن إبلاغك عنهم وإبلاغهم عنك.
قال: قد وفيت بما عليك ولك قولا، إن وفيت به فعلا. والله وليّ كفايتك ومعونتك.
وعهد أمير إلى حاجبه فقال: إنّ أداء الأمانة في الأعراض أوجب منها في الأموال، وذلك أنّ الأموال وقاية للأعراض، وليست الأعراض بوقاية للأموال. وقد ائتمنتك على أعراض الغاشين لبابي، وإنّما أعراضهم أقدارهم، فصنها لهم، ووفّرها عليهم. وصن بذلك عرضي، فلعمري إنّ صيانتك أعراضهم صيانة لعرضي، ووقايتك أقدارهم وقاية لقدري؛ إذ كنت الحظيّ بزين إنصافهم إن أنصفوا، والمبتلى بشين ظلمهم إن ظلموا في غشيانهم بابي، وحضورهم فنائي.
أوف كلّ أمرىء قدره، ولا تجاوز به حدّه، وتوقّ الجور في ذلك التوقّي كلّه. أقبل على من تحجب بإبداء البشر وحلاوة العذر، وطلاقة الوجه ولين القول، وإظهار الودّ، حتّى يكون رضاه عنك لما يرى من بشاشتك به وطلاقتك له، كرضا من تأذن له عنك لما يمنحه من التكريم، ويحويه من التعظيم؛ فإنّ المنع عند الممنوع في لين المقالة يكاد يكون كالنّيل عند العظماء
(1/568)

في نفع المنالة.
أنّه إليّ حالات كلّ من يغشى بابي من وجيه وخامل، وذي هيئة وأخي رثاثة، فيما يحضرون له بابي، ويتعلّقون به من إتياني.
لا تحتقرنّ من تقتحمه العيون لرثاثة ثوب أو لدمامة وجه، احتقارا يخفى عليّ أثره، فربّما بذّ مثله بمخبره من يروق العيون منظره.
إنّك إن نقصت الكريم ما يستحقّه من مال لم يغضب بعد أن تستوهبه منه، وإن نقصته من قدره أسخطته أشدّ الإسخاط، إذ كان يريد دنياه ليصون بها قدره، ولا يريد قدره ليبقي به دنياه. فكن لتحيّف عرضه أشدّ توقّيّا منك لتحيّف ماله.
إن المحجوب وإن كان عدلنا في حجابه كعدلنا على المأذون له في إذنه، يتداخله انكسار إذا حجب ورأى غيره قد أذن له. فاختصّه لذلك من بشاشتك به، وطلاقتك له، بما يتحلّل به عنه انكساره. فلعمري لو عرف أنّ صوابنا في حجابه كصوابنا في الإذن لمن نأذن له، ما احتجنا إلى ما أوصيناك به من اختصاصه بالبشر دون المأذون له.
إن اجتمع الأعلون والأوسطون والأدنون، فدعوت بواحد منهم دون من يعلوه في القدر، لأمر لا بدّ من الدعاء به له، فأظهر العذر في ذلك لئلا تخبث نفس من علاه؛ فإنّ الناس يتغالب لمثل ذلك عليهم سوء الظّنون.
والواجب على من ساسهم التوقّي على نفسه سوء ظنونهم، وعليهم تقويم نفوسهم؛ إذ هو كالرأس يألم لألم الأعضاء، وهم كالأعضاء يألمون لألم الرأس.
المدائني قال: قال زياد ابن أبيه لحاجبه:
يا عجلان: قد ولّيتك بابي، وعزلتك عن أربعة: طارق ليل؛ فشرّ ما جاء به أو خير. ورسول صاحب الثغر؛ فإنّه إن تأخّر ساعة بطل به؟؟؟
(1/569)

عمل سنة. وهذا المنادي بالصلاة. وصاحب الطّعام؛ فإنّ الطعام إذا ترك برد، وإذا أعيد عليه التسخين فسد.
الهيثم بن عديّ قال: قال خالد بن عبد الله القسريّ لحاجبه: لا تحجبنّ عنّي أحدا إذا أخذت مجلسي؛ فإن الوالي لا يحتجب إلّا عن ثلاث: إمّا رجل عييّ يكره أن يطّلع على عيّه، وإمّا رجل مشتمل على سوءة، أو رجل بخيل يكره أن يدخل عليه إنسان يسأله شيئا.
أنشدني محمود الورّاق لنفسه في هذا المعنى:
إذا اعتصم الوالي بإغلاق بابه ... وردّ ذوي الحاجات دون حجابه
وأنشدني بعض المحدثين في ابن المدبّر:
لولا مقارفة الرّيب ... ما كنت ممّن يحتجب
أولا فعيّ منك أو ... بخل على أهل الطّلب
فاكشف لنا وجه الحجا ... ب ولا تبال من عتب
[4- شروط الحاجب]
قال المنصور للمهديّ: لا ينبغي أن يكون الحاجب جهولا، ولا غبيّا، ولا عييّا، ولا ذهولا ولا متشاغلا، ولا خاملا ولا محتقرا، ولا جهما ولا عبوسا. فإنّه إن كان جهولا أدخل على صاحبه الضّرر من حيث يقدّر المنفعة، وإن كان عيّيا لم يؤدّ إلى صاحبه ولم يؤدّ عنه، وإن كان غبيّا جهل مكان الشريف فأحلّه غير منزلته، وحطّه عن مرتبته، وقدّم الوضيع عليه، وجهل ما عليه وماله. وإن كان ذهولا متشاغلا أخلّ بما يحتاج إليه صاحبه في وقته، وأضاع حقوق الغاشين لبابه، واستدعى الذّمّ من الناس له، وأذن عليه لمن لا يحتاج إلى لقائه ولا ينتفع بمكانه. وإذا كان خاملا محتقرا أحلّ الناس صاحبه في محلّه وقضوا عليه به. وإذا كان جهما عبوسا تلقّى كل طبقة
(1/570)

من الناس بالمكروه، فترك أهل النصائح نصائحهم. وأخلّ بذوي الحاجات في حوائجهم، وقلّت الغاشية لباب صاحبه، فرارا من لقائه.
الهيثم بن عديّ عن مجالد عن الشّعبيّ، أن عبد الملك بن مروان قال لأخيه عبد العزيز بن مروان، حين ولّاه مصر:
إنّ الناس قد أكثروا عليك، ولعلك لا تحفظ، فاحفظ عنّي ثلاثا.
قال: قل يا أمير المؤمنين.
قال: انظر من تجعل حاجبك، ولا تجعله إلّا عاقلا فهما مفهما، صدوقا لا يورد عليك كذبا، يحسن الأداء إليك والأداء عنك. ومره ألّا يقف ببابك أحد من الأحرار إلّا أخبرك، حتى تكون أنت الآذان له أو المانع؛ فإنه إن لم يفعل كان هو الأمير وأنت الحاجب. وإذا خرجت إلى أصحابك فسلّم عليهم يأنسوا بك. وإذا هممت بعقوبة فتأنّ فيها؛ فإنّك على استدراكها قبل فوتها أقدر منك على انتزاعها بعد فوتها.
وقال سهل بن هارون للفضل بن سهل:
إنّ الحاجب أحد وجهي الملك، يعتبر عليه برأفته، ويلحقه ما كان في غلظته وفظاظته. فاتخذ حاجبك سهل الطبيعة، معروفا بالرأفة، مألوفا منه البرّ والرّحمة. وليكن جميل الهيئة حسن البسطة، ذا قصد في نيّته وصالح أفعاله. ومره فليضع الناس على مراتبهم، وليأذن لهم في تفاضل منازلهم، وليعط كلّا بقسطه من وجهه، ويستعطف قلوب الجميع إليه، حتى لا يغشى الباب أحد وهو يخاف أن يقصّر به عن مرتبته، ولا أن يمنع في مدخل أو مجلس أو موضع إذن شيئا يستحقّه، ولا أن يمنع أحدا مرتبته. وليضع كلّا عندك على منزلته. وتعهدّه فإن قصّر مقصّر قام بحسن خلافته وتزيين أمره.
وقال كسرى أنوشروان في كتابه المسمى «شاهيني» :
ينبغى أن يكون صاحب إذن الخاصّة رجلا شريف البيت، بعيد الهمّة،
(1/571)

بارغ الكرم، متواضعا طلقا، معتدل الجسم بهيّ المنظر، ليّن الجانب، ليس ببذخ ولا بطر ولا مرح، ليّن الكلام، طالبا للذّكر الحسن، مشتاقا إلى محادثة العلماء ومجالسة الصّلحاء، محبّا لكلّ ما زين عمله، معاندا للسّعاة، مجانبا للكذّابين، صدوقا إذا حدّث، وفيّا إذا وعد، متفهّما إذا خوطب، مجيبا بالصواب إذا روجع، منصفا إذا عامل، آنسا مؤنسا، محبّا للأخيار، شديد الحنوّ على المملكة، أديبا له لطافة في الخدمة، وذكاء في الفهم، وبسطة في المنطق، ورفق في المحاورة، وعلم بأقدار الرجال وأخطارها.
وقال في حاجب العامّة:
ينبغي أن يكون حاجب العامّة رجلا عبد الطّاعة، دائم الحراسة للملك، مخوف اليد، خشن الكلام مروّعا، غير باطش إلّا بالحقّ، ولا أنيسا ولا مأنوسا، دائم العبوس، شديدا على المريب، غير مستخفّ بخاصّة الملك ومن يهوى ويقرّ، من بطانته.
قال عبد الملك لأخيه عبد العزيز، حين وجّهه إلى مصر:
اعرف حاجبك، وجليسك، وكاتبك. فإنّ الغائب يخبره عنك كاتبك، والمتوسّم يعرفك بحاجبك، والخارج من عندك يعرفك بجليسك.
وقال يزيد بن المهلب لابنه مخلد حين ولّاه جرجان: استطرف كاتبك، واستعقل حاجبك.
وقال الحجّاج: حاجب الرجل وجهه، وكاتبه كلّه.
وقال ابن أبي زرعة: [قال] رجل من أهل الشام، لأبي الخطاب لحسن بن محمد الطائي يعاتبه [في حجابه] :
هذا أبو الخطاب بدر طالع ... من دون مطلعه حجاب مظلم
ويقال وجه المرء حاجبه كما ... بلسان كاتبه الفتى يتكلّم
أدنيت من قبل اللّقاء، وبعده ... أقصيت، هل يرضى بذا من يفهم
(1/572)

وإذا رأيت من الكريم فظاظة ... فإليه من أخلاقه أتظلّم
وقال الفضل بن يحيى: إنّ حاجب الرجل عامله على عرضه، وإنّه لا عوض لحرّ من نفسه، ولا قيمة عنده لحرّيّته وقدره.
وأنشدني ابن أبي كامل في هذا المعنى:
واعلمن إن كنت تجهله ... أنّ عرض المرء حاجبه
فبه تبدو محاسنه ... وبه تبدو معايبه
[5- أخبار وأشعار عتاب وهجاء ومديح في الحجاب]
إسحاق الموصليّ عن ابن كناسة قال:
خبّرت أنّ هانىء بن قبيصة وفد على يزيد بن معاوية، فاحتجب عنه أياما، ثم إنّ يزيد ركب يوما يتصيّد فتلّقاه هانيء فقال: يا يزيد، إنّ الخليفة ليس بالمحتجب المتخلّي، ولا المتطرّف المتنحّي، ولا الذي ينزل على الغدران والفلوات، ويخلو للّذّات والشّهوات. وقد وليت أمرنا فأقم بين أظهرنا، وسهّل إذننا، واعمل بكتاب الله فينا. فإن كنت قد عجزت عمّا هنا فاردد علينا بيعتنا نبايع من يعمل بذلك فينا، ويقيمه لنا. ثم عليك بخلواتك وصيدك وكلابك.
قال: فغضب يزيد وقال: والله لولا أن أسنّ بالشام سنّة العراق لأقمت أودك.
ثم انصرف وما هاجه بشيء، وأذن له، ولم تتغيّر منزلته عنده، وترك كثيرا مما كان عليه.
الموصليّ قال: كان سعيد بن سلم واليا على أرمينية، فورد عليه أبو دهمان الغلّابي، فلم يصل إليه إلّا بعد حين، فلما وصل قال- وقد مثل بين السّماطين-:
(1/573)

والله إنّي لأعرف أقواما لو علموا أنّ سفّ التّراب يقيم من أود أصلابهم لجعلوه مسكة لأرماقهم، إيثارا للتنزّه عن العيش الرقيق الحواشي. والله إني لبعيد الوثبة، بطيء العطفة إنّه والله ما يثنيني عليك إلّا مثل ما يصرفني عنك، ولأن اكون مملقا مقرّبا أحبّ إليّ من أن أكون مكثرا مبعدا.
والله ما نسأل عملا لا نضبطه ولا مالا إلّا ونحن أكثر منه، وإنّ الذي صار في يدك قد كان في يد غيرك، فأمسوا والله حديثا، إن خيرا فخيرا، وإن شرّا فشرّا. فتحبّب إلى عباد الله بحسن البشر، ولين الحجاب؛ فإنّ حبّ عباد الله موصول بحبّ الله، وهم شهداء الله على خلقه، وأمناؤه على من اعوجّ عن سبيله.
إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال:
استبطأني جعفر بن يحيى، وشكا ذلك إلى أبي، فدخلت عليه- وكان شديد الحجاب- فاعتذرت إليه وأعلمته أنّي أتيته مرارا للسّلام فحجبني نافذ غلامه. فقال لي وهو مازح: متى حجبك فنكه. فأتيته بعد ذلك للسلام فحجبني، فكتبت إليه رقعة فيها:
جعلت فداءك من كلّ سوء ... إلى حسن رأيك أشكو أناسا
يحولون بيني وبين السّلام ... فما إن أسلّم إلّا اختلاسا
وأنفذت رأيك في نافذ ... فما زاده ذاك إلّا شماسا
وسألت نافذا أن يوصّلها ففعل، فلما قرأها ضحك حتى فحص برجليه وقال: لا تحجبه أيّ وقت جاء. فصرت لا أحجب.
وحجب أحمد بن أبي طاهر ببا بعض الكتّاب فكتب إليه:
ليس لحرّ من نفسه عوض، ولا من قدره خطر، ولا لبذل حرّيتّه ثمن. وكلّ ممنوع فمستغنى عنه بغيره، وكلّ مانع ما عنده ففي الأرض عوض منه، ومندوحة عنه. وقد قيل: أرخص ما يكون الشيء عند غلائه.
(1/574)

وقال بشار:
والدّرّ يترك من غلائه
ونحن نعوذ بالله من المطامع الدنيّة، والهمّة القصيرة، ومن ابتذال الحرّية، فإنّ نفسي والله أبيّة، ما سقطت وراء همّة، ولا خذلها ناصر عند نازلة، ولا استرقّها طمع، ولا طبعت على طبع. وقد رأيتك ولّيت عرضك من لا يصونه، ووكّلت ببابك من يشينه، وجعلت ترجمان كرمك من يكثر من أعدائك، وينقص من أوليائك، ويسيء العبارة عن معروفك، ويوجّه وفود الذّمّ إليك، ويضغن قلوب إخوانك عليه؛ إذ كان لا يعرف لشريف قدرا، ولا لصديق منزلة، ويزيل المراتب عن جهاتها ودرجاتها، فيحطّ العليّ إلى مرتبة الوضيع، ويرفع الدنيّ إلى مرتبة الرفيع، ويقبل الرّشى، ويقدّم على الهوى. وذلك إليك منسوب، وبرأسك معصوب، يلزمك ذنبه، ويحلّ عليك تقصيره.
وقد أنشدني أبو عليّ البصير:
كم من فتى تحمد أخلاقه ... وتسكن الأحرار في ذمّته
قد كثّر الحاجب أعداءه ... وأحقد الناس على نعمته
وأنشدت لبعضهم:
يدلّ على سرو الفتى واحتماله ... إذا كان سهلا دونه إذن حاجبه
وقد قيل ما البوّاب إلا كربّه ... إذا كان سهلا كان سهلا كصاحبه
وقال الطائي:
حشم الصّديق عيونهم بحاثة ... لصديقه عن صدقه ونفاقه
فلينظرنّ المرء من غلمانه ... فهم خلائفه على أخلاقه
وقال آخر:
اعرف مكانك من أخي ... ك ومن صديقك بالحشم
(1/575)

وقال ابن أبي عيينة:
إنّ وجه الغلام يخبر عمّا ... في ضمير المولى من الكتمان
فإذا ما جهلت ودّ صديق ... فامتحن ما أردت بالغلمان
وقال آخر:
ومحنة الزائرين بيّنة ... تعرف قبل اللقاء بالحشم
وأنشدني عبد الله بن أحمد المهزميّ في عليّ بن الجهم:
أعليّ دونك يا عليّ حجاب ... يدنى البعيد وتحجب الأصحاب
هذا بإذنك أم برأيك أم رأى ... هذا عليك العبد والبوّاب
إنّ الشريف إذا أمور عبيده ... غلبت عليه فأمره مرتاب
وأخذه من قول الطائيّ:
أبا جعفر وأصول الفتى ... تدلّ عليه بأغصانه
أليس عجيبا بأنّ أمرأ ... رجاك لحادث أزمانه
فتأمر أنت بإعطائه ... ويأمر فتح بحرمانه
ولست أحبّ الشريف الظريف ... يكون غلاما لغلمانه
وحجب ابن أبي طاهر بباب بعض الكتاب، فكتب إليه:
«إنه من لم يرفعه الإذن لم يضعه الحجاب، وأنا أرفعك عن هذه المنزلة، وأربأ بعدوّك عن هذه الخليقة، وما أحد أقام في منزله- عظم أو صغر قدره- إلّا ولو حاول حجاب الخليفة عنه لأمكنه. فتأمّل هذه الحال وانظر إليها بعين النّصفة، ترها في أقبح صورة، وأدنى منزلة. وقد قلت:
إذا كنت تأتي المرء تعظم حقّه ... ويجهل منك الحقّ فالهجر أوسع
ففي الناس أبدال وفي العزّ راحة ... وفي اليأس عمّن لا يواتيك مقنع
وإنّ امرأ يرضى الهوان لنفسه ... حريّ بجدع الأنف والجدع أشنع
فدع عنك أفعالا يشينك فعلها ... وسهّل حجابا إذنه ليس ينفع
(1/576)

وحدّثني عبد الله بن أبي مروان الفارسيّ قال:
ركبت مع ثمامة بن أشرس إلى أبي عبّاد الكاتب، في حوائج كتب إليّ فيها أهل إرمينيّة من المعتزلة والشيعة، فأتيناه فأعظم ثمامة وأقعده في صدر المجلس وجلس قبالته، وعنده جماعة من الوجوه، فتحدّثنا ساعة ثم كلّمه ثمامة في حاجتي، وأخرجت كتب القوم فقرأها، وقد كانوا كتبوا إلى أبي عبّاد كتبا، وكانوا أصدقاءه أيّام كونه بإرمينية، فقال لي: بكّر إليّ غدا حتّى أكتب جواباتها إن شاء الله. فقلت: جعلني الله فداك، تأمر الحاجب إذا جئت أن يأذن لي. فغضب من قولي واستشاط وقال: ومتى حجبت أنا، أولي حاجب، أو لأحد عليّ حجاب!.
قال عبد الله: وقد كنت أتيته فحجبني بعض غلمانه، فحلف بالأيمان المغلّظة أن يقلع عيني من حجبني، ثم قال: يا غلام، لا يبق في الدار غلام ولا منقطع إلينا إلّا أحضرتمونيه الساعة! قال: فأتى بغلمانه وهم نحو من ثلاثمائة، فقال: أشر إلى من شئت فيهم. فغمزني ثمامة فقلت: جعلت فداك لا أعرف الغلام بعينه. فقال: ما كان لي حاجب قطّ، ولا احتجبت، وذلك لأنّه سبق منّي قول، لأنّي كنت وأنا بالريّ وقد مات أبي وخلّف لي بها ضياعا فاحتجب إلى ملاقاة الرجال والسّلطان فيما كان لنا، فكنت أنظر إلى الناس يدخلون ويصلون وأحجب أنا وأقصى، فتتقاصر إليّ نفسي، ويضيق صدري، فآليت على نفسي إن صرت إلى أمر من السّلطان ألّا أحتجب أبدا.
وحدّثني الزّبير بن بكّار قال:
استأذن نافع بن جبير بن مطعم على معاوية، فمنعه الحاجب فدقّ أنفه، فغضب معاوية وكان جبير عنده، فقال معاوية: يا نفاع، أتفعل هذا بحاجبي؟ قال: وما يمنعني منه وقد أساء أدبه وأسأت اختياره؟! ثم أنا بالمكان الذي أنا به منك. فقال جبير: فضّ الله فاك، ألا تقول: وأنا بالمكان الذي أنا به من عبد مناف؟! قال: فتبسّم معاوية وأعرض عنه.
(1/577)

قال: وفد رجل من الأكاسرة على بعض ملوكهم، فأقام ببابه حولا لا يصل إليه، فكلّم الحاجب فأوصل له رقعة فيها أربعة أسطر:
السطر الأول فيه: الأمل والضرورة أقدماني إليك.
وفي الثاني: ليس على العديم صبر على المطالبة.
وفي الثالث: الرجوع بلا فائدة شماتة العدوّ والقريب.
وفي الرابع: إمّا «نعم» مثمرة، وإمّا «لا» مؤيسة، ولا معنى للحجاب بينهما.
فوقّع تحت كل سطر منها: «زه» .
وأنشد الوليد بن عبيد البحتريّ في ابن المدبر يهجو غلامه بشرا:
وكم جئت مشتاقا على بعد غاية ... إلى غير مشتاق وكم ردّني بشر
وما باله يأبى دخولي وقد رأى ... خروجي من أبوابه ويدي صفر
وأنشدت لبعضهم:
لعمري لئن حجبتني العبيد ... ببابك ما يحجبوا القافيه
سأرمي بها من وراء الحجاب ... جزاء قروض لكم وافيه
تصمّ السّميع وتعمي البصير ... ويسأل من أجلها العافية
وأنشدني أحمد بن أبي فنن، في محمد بن حمدون بن إسماعيل:
ولقد رأيت بباب دارك جفوة ... فيها لحسن صنيعة تكدير
ما بال دارك حين تدخل جنّة ... وبباب دارك منكر ونكير
وأنشدني أبو علي الدّرهمي اليماميّ في أبي الحسن علي بن يحيى:
لا يشبه الرجل الكريم نجاره ... ذا اللّبّ غير بشاشة الحجاب
وبباب دارك من إذا حيّيته ... جعل التبرّم والعبوس ثوابي
أوصيته بالإذن لي فكأنّما ... أوصيته متعمّدا لحجابي
وأنشدني أبو علي البصير في أبي الحسن علي بن يحيى:
(1/578)

في كلّ يوم لي ببابك وقفة ... أطوى إليها سائر الأبواب
فإذا حضرت وغبت عنك فإنّه ... ذنب عقوبته على البوّاب
وأنشدني أبو علي اليمامي، وعاتب بعض أهل العسكر في حاجبه، فلم يأذن له الحاجب بعد ذلك، فكتب إليه:
صار العتاب يزيدني بعدا ... ويزيد من عاتبته صدّا
وإذا شكوت إليه حاجبه ... أغراه ذاك فزادني ردّا
وأنشدني العجينيّ في بعض أهل العسكر، يعاتبه في حجابه ويهجو حاجبه:
إنما يحسن المديح إذا ما ... أنشد المادح الفتى الممدوحا
وأراني بباب دارك عمّر ... ت طويلا مقصى مهانا طريحا
إنّ بالباب حاجبا لك أمسى ... منكر عنده ظريفا مليحا
ما سألناه عنك قطّ وإلّا ... ردّ من بغضه مردّا قبيحا
وأنشدت لبعضهم في هجاء حاجب:
سأترك بابا أنت تملك إذنه ... ولو كنت أعمى عن جميع المسالك
فلو كنت بوّاب الجنان تركتها ... وحوّلت رحلي مسرعا نحو مالك
وكتب بعض الكتّاب إلى الحسن بن وهب، في بوّابه:
قد كنت أحسب أنّ طرفك ملّني ... ورميت منك بجفوة وعذاب
فإذا هواك على الذي قد كان لي ... وإذا بليتنا من البوّاب
فاعلم- جعلت فداك- غير معلّم ... أنّ الأديب مؤدّب الحجّاب
وقال رزين العروضيّ لجعفر بن محمد بن الأشعث:
إن كنت تحجبني للذئب مزدهيا ... فقد لعمري أبوكم كلّم الذيبا
فكيف لو كلّم الليث الهصور إذا ... تركتم الناس مأمولا ومشروبا
(1/579)

هذا السّنيديّ ما ساوى إتاوته ... يكلّم الفيل تصعيدا وتصويبا
اذهب إليك فما آسى عليك وما ... ألقى ببابك طلّابا ومطلوبا
المدائني قال: كان يزيد بن عمر الأسيدي على شرطة البصرة، فأتاه الفرزدق في جماعة فوقف ببابه، فأبطأ عليه إذنه، فقال- وكان [ابن] عمر يلقّب الوقاح-:
ألم يك من نكس الزّمان على استه ... وقوفي على باب الوقاح أسائله
فإن تك شرطيّا فإني لغالب ... إذا نزلت أركان فخّ منازله
وقال أبو عليّ البصير، وحجبه محمد بن غسّان، بعد أنس كان بينهما:
قد أتينا للوعد صدر النّهار ... فدفعنا من دون باب الدار
وسمعنا، من غير قصد لأن نس ... مع، صوت الغناء والأوتار
فأحطنا بكل ما غاب من شأ ... نك عنّا خبرا بلا استخبار
فإذا أنت قد وصلت صبوحا ... بغبوق ودلجة بابتكار
وإذا نحن لا تخاطبنا الغل ... مان إلّا بالجحد والإنكار
فانصرفنا وطالما قد تلقّو ... نا بأنس منهم وباستبشار
ذاك إذ كان مرّة لك فينا ... وطر فانقضى من الأوطار
حين كنّا المقدّمين على النا ... س وكنّا الشّعار دون الدّثار
كم تأنّيت وانتظرت فأفني ... ت تأنّيّ كلّه وانتظاري
فعليك السلام كنّا من الأه ... ل فصرنا كسائر الزّوّار
وله إليه أيضا:
قد أطلنا بالباب أمس القعودا ... وجفينا به جفاء شديدا
وذممنا العبيد حتى إذا نح ... ن بلونا المولى عذرنا العبيدا
وعلى موعد أتيناك معلو ... م وأمر مؤكّد تأكيدا
فأقمنا لا الإذن جاء ولا جا ... ء رسول قال انصرف مطرودا
(1/580)

وصبرنا حتّى رأينا قبيل ال ... ظّهر برذون بعضهم مردودا
واستقرّ المكان بالقوم والغل ... مان في ذاك يمنحونا صدودا
ويشيرون بالمضيّ فلّما ... أحرجوا جرّدوا لنا تجريدا
فانصرفنا في ساعة لو طرحت ال ... لّحم فيها نيّا كفيت الوقودا
فلعمري لو كنت تعتدّ لي ذن ... با عظيما وكنت فظّا حقودا
وطلبت المزيد لي في عذاب ... فوق هذا لما وجدت مزيدا
كان ظنّي بك الجميل فألفي ... تك من كلّ ما ظننت بعيدا
فعليك السلام تسليم من لا ... يضمن الدهر بعدها أن يعودا
وله في أحمد بن داود السّيبي وقصد إليه بكتاب إسحاق بن سعد الكاتب:
يا ابن سعد إن العقوبة لا تل ... زم إلّا من ناله الإعذار
وابن داود مستخفّ وقدوا ... فته مشحوذة عليه الشّفار
فاهده للتي يكون له من ... ها مفرّ ما دام ينجي الفرار
سامنى أحمد بن داود أمرا ... ما على مثله لديّ اصطبار
لي إليه في كلّ يوم جديد ... روحة ما أغبّها وابتكار
ووقوف ببابه أمنع الإذ ... ن عليه ويدخل الزّوّار
خطّة من يقم عليها من النا ... س ففيها ذلّ له وصغار
لو ينال الغنى لما كان في ذ ... لك حظّ يناله مختار
عزب الرأي فيّ عنه وعزّت ... هـ أناة طويلة وانتظار
ضو حجب بباب بعض الكتّاب فكتب إليه:
أقمت ببابك في جفوة ... يلوّن لي قوله الحاجب
فيطمعني تارة في الوصول ... وربّتما قال لي: راكب
فأعلم عند اختلاف الكلام ... وتخليطه أنّه كاذب
وأعزم عزما فيأبى عل ... يّ إمضاءه رأيي الثاقب
(1/581)

وإنّي أراقب حتى يثو ... ب للحرّ من رأيه ثائب
فإن تعتذر تلفني عاذرا ... صفوحا وذاك هو الواجب
وإلا فإني إذا ما الحبا ... ل رثّت قواها، لها قاضب
وقال لعليّ بن يعقوب الكاتب وحجب ببابه:
قد أتيناك للسّلام فصادف ... نا على غير ما عهدنا الغلاما
وسألناه عنك فاعتلّ بالنّو ... م وما كان منكرا أن تناما
غير أنّ الجواب كان جوابا ... سيئا يعقب الصّديق احتشاما
فانصرفنا نوجّه العذر إلّا ... أنّ في مضمر القلوب اضطراما
يا ابن يعقوب لا يلومنّ إلّا ... نفسه بعد هذه من ألاما
وقال لعلي بن يحيى المنجّم، وحجبه غلامه:
ليس يرضى الحرّ الكريم ولو أق ... طعته الأرض أن يذلّ لعبد
فعليك السلام إلّا على الطّر ... ق وحبّي كما علمت وودّي
وقال أبو هفّان لعلي بن يحيى، يعاتبه في حجابه:
أبا حسن وفّنا حقّنا ... بحقّ مكارمك الوافية
أأحجب دونك شرّ الحجاب ... ويدخل دوني بنو العافية
أعوذ بفضلك من أن أساء ... وأسأل ربّي لك العافية
فإني امرؤ تتّقيني الملوك ... وتدخل في حلقي الضّافيه
كتبت على نفس من رامني ... ببعض الأذى للردّى صافيه
وأنشدت لبرقوق الأخطل وحجب بباب بعض الكتّاب:
قد حجبنا وكان خطبا جليلا ... وقليل الجفاء ليس قليلا
لم أكن قبلها ثقيلا وهل يث ... قل من خاف أن يكون ثقيلا
غير أني أظنّ لا زال ذاك ال ... ظّنّ ينقاد أن يكون ملولا
وأخذه من قول الآخر:
(1/582)

لما تحاجبت وقد خفت أن ... تدنو من ودّك بالمقبل
أقللت إتيانكم إنّه ... من خاف أن ينقل لم يثقل
وأنشدني أبو عبد الرحمن العطويّ:
لأبي بكر خليلي ... حسن رأي في الحجاب
يا أبا بكر سقاك اللّ ... هـ من صوب السّحاب
لن تراني بعدها من ... بعدها قارع باب
إن ينب خطب ففي الرّس ... ل بلاغ والكتاب
ولخالد الكاتب في جعفر بن محمود:
احتجب الكاتب في دهرنا ... وكان لا يحتجب الكاتب
القوم يخلون لحجابهم ... فينكح المحجوب والحاجب
ولأبي سعد المخزوميّ في الحسن بن سهل:
ترهّب بعدك الحسن بن سهل ... فأغلق بابه دون المديح
كذبت له ولم أكذب عليه ... كما كذب النّصارى للمسيح
وأنشدني البلاذريّ في بعض كتاب أهل العسكر:
أيحجبني من ليس من دون عرسه ... حجاب ولا من دون وجعائه ستر
ومن لو أمات الله أهون خلقه ... عليه لأضحى قد تضمّنه قبر
وأنشدني حبيب بن أوس، في موسى بن إبراهيم، أبي المغيث:
أمويس لا يغني اعتذارك طالبا ... ودّي فما بعد الهجاء عتاب
هب من له شيء يريد حجابه ... ما بال لا شيء عليه حجاب
ما إن سمعت ولا أراني سامعا ... يوما بصحراء عليها باب
من كان مفقود الحياء فوجهه ... من غير بوّاب له بوّاب
ولآخر:
(1/583)

بخل الأمير بإذنه ... فجلست في بيتي أميرا
وتركت إمرته له ... والله محمود كثيرا
وأنشدني الزّبير بن بكّار لبعض الشعراء:
سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتّى يلين قليلا
إذا لم نجد للإذن عندك سلّما ... وجدنا إلى ترك المجيء سبيلا
الزّبير بن بكّار قال: وفد ابن عمّ لداود بن يزيد المهلّبيّ عليه فحجبه، وجعل يمطله بحاجته، فكتب إليه:
أبا سليمان وعدا غير مكذوب ... اليأس أروح من آمال عرقوب
أرى حمامة مطل غير طائرة ... حتى تنقّب عن بعض الأعاجيب
لا تركبنّ بشعري غير مركبه ... فيركب الشّعر ظهرا غير مركوب
لئن حجبت فلم تأذن عليك فما ... شعري إذا سار عن أذن بمحجوب
إن ضاق بابك عن إذن شددت غدا ... رحلي إلى المطربّين المناجيب
قوم إذا سئلوا رقّت وجوههم ... لا يستقيدون إلّا للمواهيب
وللأحوص بن محمد الأنصاريّ في أبي بكر بن حزم:
أعجبت أن ركب ابن حزم بغلة ... فركوبه فوق المنابر أعجب
وعجبت أن جعل ابن حزم حاجبا ... سبحان من جعل ابن حزم يحجب
وأنشدت لابن حازم يعاتب رجلا في حجابه:
صحبتك إذ أنت لا تصحب ... وإذ أنت لا غيرك الموكب
واذ أنت تفرح بالزائرين ... ونفسك نفسك تستحجب
وإذ أنت تكثر ذمّ الزمان ... ومشيك أضعاف ما تركب
فقلت: كريم له همّة ... تنال فأدرك ما أطلب
فنلت فأقصيتني عامدا ... كأنّي ذو عرّة أجرب
وأصبحت عنك إذا ما أتي ... ت دون الورى كلّهم أحجب
(1/584)

وأنشدني أبو تمّام الطائيّ:
ومحجّب حاولته فوجدته ... نجما عن الرّكب العفاة شسوعا
لما عدمت نواله أعدمته ... شكري فرحنا معدمين جميعا
ووقف العتبيّ بباب إسماعيل بن جعفر يطلب إذنه، فأعلمه الحاجب أنّه في الحمّام، فقال:
وأمير إذا أردنا طعاما ... قال حجّابه أتى الحمّاما
فيكون الجواب منّى للحا ... جب ما إن أردت إلّا السّلاما
لست آتيكم من الدّهر إلّا ... كلّ يوم نويت فيه الصّياما
إنّني قد جعلت كلّ طعام ... كان حلّا لكم عليّ حراما
وأنشدني إسحاق بن خلف البصريّ له:
أيحجبني أبو الحسن ... وهذا ليس بالحسن
وليس حجابه إلّا ... عن الزّيتون والجبن
وأنشدني بعضهم:
لا تتّخذ بابا ولا حاجبا ... عليك من وجهك بوّاب
أنت ولو كنت بدوّيّة ... عليك أبواب وحجّاب
ولعلي بن جبلة في الحسن بن سهل:
اليأس عزّ والذّلة الطّمع ... يضيق أمر يوما ويتّسع
لا تستريثنّ إذن محتجب ... إن لم تكن بالدّخول تنتفع
أحقّ شيء بطول مهجرة ... من ليس فيه ريّ ولا شبع
قل لابن سهل فإنّني رجل ... إن لم تدعني فإنني أدع
اليأس مالي وجنّتي كرم ... والصّبر وال عليّ لا الجزع
ولأبي تمام الطائيّ في أبي المغيث:
(1/585)

لا تكلفنّ وأرض وجهك وجهه ... في غير منفعة، مؤونة حاجب
لا تمتهنّي بالحجاب فإنني ... فطن البديهة عالم بمواربي
ولبعض الشعراء في العباس بن خالد، وخبّرت أنّه لابن الأعمش:
أتحجبني فليس لديك نيل ... وقد ضيّعت مكرمة ومجدا
وفي الآفاق أبدال ورزق ... وفي الدّنيا مراح لي ومغدى
وأنشدني أبو الخطاب، لدعبل، في غسّان بن عباد:
لقطع الرمال ونقل الجبال ... وشرب البحار التي تصطخب
وكشف الغطاء عن الجنّ أو ... صعود السّماء لمن يرتقب
وإحصاء لؤم سعيد لنا ... أو الثّكل في ولد منتجب
أخفّ على المرء من حاجة ... تكلّف غشيانها مرتقب
له حاجب دونه حاجب ... وحاجب حاجبه محتجب
ولمرداس بن حزام الأسدي، في بشير بن جرير بن عبد الله:
أتيت بشيرا زائرا فوجدته ... أخا كبرياء عالما بالمعاذر
فصدّ وأبدى غلظة وتجهّما ... وأغلق باب العرف عن كلّ زائر
حجابا لحرّ لا جوادا بماله ... ولا صابرا عند اختلاف البواتر
وحجب أبو العتاهية بباب أحمد بن يوسف الكاتب، فكتب إليه:
ألم تر أنّ الفقر يرجى له الغنى ... وأنّ الغنى يخشى عليه من الفقر
فإن نلت تيها بالذي نلت من غنى ... فإنّ غناي بالتكرّم والصّبر
وله أيضا فيه:
إنّي أتيتك للسّلا ... م تكلّفا مني وحمقا
فصددت عنّي نخوة ... وتجبّرا ولويت شدقا
فلو أنّ رزقي في يدي ... ك لما طلبت الدّهر رزقا
(1/586)

ولأحمد بن أبي طاهر:
ليس العجيب بأن أرى لك حاجبا ... ولأنت عندي من حجابك أعجب
فلئن حجبت لقد حجبت معاشرا ... ما كان مثلهم ببابك يحجب
وله في بعض الكتاب:
ردّني بالذّلّ صاحبه ... إذا رأى أنّي أطالبه
ليس كشخانا فأشتمه ... إنما الكشخان صاحبه
وله أيضا في علي بن يحيى يعاتبه في بعض قصائده:
أصوابا تراه أصلحك الله ... فما إن رأيته بصواب
صرت أدعوك من وراء حجاب ... ولقد كنت حاجب الحجّاب
أتى أبو العتاهية باب أحمد بن يوسف الكاتب في حاجة فلم يؤذن له، فقال:
لئن عدت بعد اليوم إنّي لظالم ... سأصرف وجهي حيث تبغى المكارم
متى ينجح الغادي إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم
ولآخر:
رأيتك تطردنا بالحجا ... ب عنك برفقك طردا جميلا
ولكنّ في طمع الطامعي ... ن والحرّ من ذا يفكّ العقولا
فهل لك في الإذن لي بالرّحي ... ل فقد أبت النفس إلا الرحيلا
وحدّثني أبو عليّ البصير قال: حدّثني محمد بن غسّان بن عباد قال: كنت بالرّقّة، وكان بها موسوس يقول الشّعر المحال والمنكر، فغدّيته يومّا معي احتسابا للثواب، فأتاني من غد وعندي جماعة من العمّال، فحجبه الغلام، فلمّا كان من غد وقف على الباب وصاح:
عليك إذن فإنّا قد تغدّينا ... لسنا نعود لأكل قد تغدّينا
(1/587)

يا أكلة سلفت أبقت حرارتها ... داء بقلبك ما صمنا وصلّينا
قال: وما علمته قال شعرا على استواء غيره، ولكنّي وعظت به فوقع مكروهي على لساني.
وأنشدت لحمّاد عجرد يعاتب بعض الملوك:
إذا كنت مكتفيا بالكتا ... ب دون اللّمام تركت اللّماما
وإلّا فأوص هداك الملي ... ك بوّابكم بي وأوص الغلاما
فإن كنت أدخلت في الزائري ... ن، إمّا قعودا وإما قياما
وإن لم أكن منك أهلا لذاك ... فلا لوم لست أحبّ الملاما
فإنّي أذمّ إليك الأنا ... م أخزاهم الله ربّي أناما
فإنّي وجدتهم كلّهم ... يميتون مجدا ويحيون ذامّا
ولأبي الأسد الشّيبانيّ، يعاتب أبا دلف في حجابه:
ليت شعري أضاقت الأرض عنّي ... أم نفيّ من البلاد طريد
أم قدار أم الحبابة أم أح ... مر لاقت به البلاء ثمود
أم أنا قانع بأدنى معاش ... همّتي القوت والقليل الزهيد
مقولي قاطع وسيفي حسام ... ويدي حرّة وقلبي شديد
ربّ باب أعزّ من بابك اليو ... م عليه عساكر وجنود
قد ولجناه داخلين غدوّا ... ورواحا وأنت عنه مذود
فاكفف اليوم من حجابك إذ لس ... ت أميرا، ولا خميسا تقود
لن يقيم العزيز في البلد الهو ... ن ولا يكسد الأديب الجليد
كل من فرّ من هوان فإن ال ... رّحب يلقاه والفضاء العتيد
ولعليّ بن جبلة في بعض الملوك:
حجابك ضيّق ونداك نزر ... وإذنك قد يراد عليه أجر
وذلّ أن يقوم إليك حرّ ... وطلّاب الثواب لديك نقر
(1/588)

وأنشدني اليماميّ في أبي الصّقر إسماعيل بن بلبل، يعاتبه في حجابه:
لكلّ مؤمّل جدوى كريم ... على تأميله يوما ثواب
وأنت الحرّ ما خانتك نفس ... ولا أصل إذا وقع انتساب
وشكري ظاهر ورجاي جزل ... ففيم جزاي من ذلّ حجاب
وحقّي أن تكافئني مزيدا ... بشكري إذ به نزل الكتاب
وأنشدت لأبي مالك الأعرج:
علّقت عيني بباب الدار منتظرا ... منك الرسول فخلّصها من الباب
لّما رأيت رسولي لا سبيل له ... الى لقائك من دفع وحجاب
صانعت فيك بمثلي ما أؤمّله ... فيه لديك وهذا سعي خيّاب
ولبشّار بن برد، في عبيد الله بن قزعة:
إذا سئل المعروف أغلق بابه ... فلم تلقه إلّا وأنت كمين
كأنّ عبيد الله لم ير ماجدا ... ولم يدر أنّ المكرمات تكون
فقل لأبي يحيى متى تدرك العلا ... وفي كلّ معروف عليك يمين
وأنشد لأبي زرعة- رجل من أهل الشام- في أبي الجهم بن سيف:
ولكن أبو الجهم إن جئته ... لهيفا حجبت عن الحاجب
وليس بذي موعد صادق ... ويبخل بالموعد الكاذب
وحجب سعيد بن حميد بباب الحسن بن مخلد، فكتب إليه:
ربّ بشر يصيّر الحرّ عبدا ... لك غالته جفوة في الحجاب
وفتى ذي خلائق معجبات ... أفسدتها خلائق البوّاب
وكريم قد قصّرت بأيادي ... هـ عبيد تسيء للآداب
لا أرى للكريم أن يشتري الدن ... يا جميعا بوقفة بالباب
إن تركت العبيد والحكم فينا ... صار فصل الرءوس للأذناب
(1/589)

فأحلّوا أشكالهم رتب الفض ... ل، وحظّ الأحرار غفر التّراب
وأنشدت لعبد الله بن العباس:
أنا بالباب واقف منذ أصبح ... ت على السّرج ممسك بعناني
وبعين البوّاب كلّ الذي بي ... ويراني كأنّه لا يراني
وأنشدت لأبي عيينة المهلّبي- واسمه عبد الله بن محمد- يعاتب رجلا من قومه:
أتيتك زائرا لقضاء حقّ ... فحال السّتر دونك والحجاب
ولست بساقط في قدر قوم ... وإن كرهوا كما يقع الذباب
ورائي مذهب عن كلّ ناء ... بجانبه إذا عزّ الذّهاب
وأنشدني ابن أبي فنن:
ما ضاقت الأرض على راغب ... يطّلب الرزق ولا ذاهب
بل ضاقت الأرض على صابر ... أصبح يشكو جذوة الصّاحب
من شتم الحاجب في ذنبه ... فإنّما يقصد للصّاحب
فارغب إلى الله وإحسانه ... لا تطلب الرزق من الطالب
قال المدائني: أتى عويف القوافي باب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فحجب أيّاما، ثم استأذن له حبيش صاحب إذن عمر، فلمّا قام بين يديه قال:
أجبني أبا حفص، لقيت محمّدا ... على حوضه مستبشرا بدعاكا
فقال عمر: أقول لبيّك وسعديك! فقال:
وأنت امرؤ كلتا يديك طليقة ... شمالك خير من يمين سواكا
علام حجابي، زادك الله رفعة ... وفضلا، وماذا للحجاب دعاكا
فقال: ليس ذاك إلّا لخير! وأمر له بصلة.
المدائني قال: أقام عبد العزيز بن زرارة الكلابيّ، بباب معاوية حينا لا
(1/590)

يؤذن له، ثم دخل فقال:
دخلت على معاوية بن حرب ... وكنت وقد يئست من الدخول
رأيت الحظّ يستر عيب قوم ... وأيهات الحظوظ من العقول
قيل لحبّى المدنيّة: ما الجرح الذي لا يندمل؟ قالت: حاجة الكريم إلى اللئيم ثم لا يجدى عليه. قيل لها: فما الذّلّ؟ قالت: وقوف الشريف بباب الدنيّ ثم لا يؤذن له. قيل لها: فما الشّرف؟ قالت: اعتقاد المنن في أعناق الرجال، تبقي للأعقاب في الأعقاب.
وقيل لعبوة بن عديّ بن حاتم وهو صبيّ، في وليمة كانت لهم: قف بالباب فاحجب من لا تعرف وائذن لمن تعرف. فقال: لا يكون- والله- أوّل شيء استكفيته منع الناس من الطّعام.
وأنشدت لأبي عيينة المهلّبيّ:
بلغة تحجب الفتى عن دناة ... وعتاب يخاف أو لا يخاف
هو خير من الرّكوب إلى با ... ب حجاب عنوانه الانصراف
بئس للدولة التي ترفع السّف ... لة فيها وتسقط الأشراف
وأنشدت لموسى بن جابر الحنفي:
لا أشتهي يا قوم إلّا مكرها ... باب الأمير ولا دفاع الحاجب
ومن الرّجال أسنّة مذروبة ... ومزنّدون شهودهم كالغائب
منهم أسود لا ترام، ومنهم ... ممّا قمشت وضمّ حبل الحاطب
وأنشدني بعض أصحابنا:
إني امرؤ لا أرى بالباب أقرعه ... إذا تنمّر دوني حاجب الباب
ولا ألوم امرأ في ودّ ذي شرف ... ولا أطالب ودّ العكاره الابي
وأنشدني ابن أبي فنن:
(1/591)

الموت أهون من طول الوقوف على ... باب، عليّ لبوّاب عليه يد
ما لي أقيم على ذلّ الحجاب كأن ... قد ملّني وطن أو ضاق بي بلد
وأنشدني الزبير بن بكّار لجعفر بن الزّبير:
إنّ وقوفي من وراء الباب ... يعدل عندي قلع بعض أنياب
وأنشد لمحمود الورّاق:
شاد الملوك حصونهم وتحصّنوا ... من كل طالب حاجة أو راغب
عالوا بأبواب الحديد لعزّها ... وتنوّقوا في قبح وجه الحاجب
فإذا تلطّف للدخول إليهم ... راج تلّقوه بوعد كاذب
فاضرع إلى ملك الملوك ولا تكن ... بادي الضّراعة طالبا من طالب
وأنشدني أبو موسى المكفوف:
لن تراني لك العيون بباب ... ليس مثلي يطيق ذلّ الحجاب
يا أميرا على جريب من الأر ... ض له تسعة من الحجّاب
قاعدا في الحرب تحجب عنّا ... ما سمعنا إمارة في خراب
وأنشدني أبو قنبر الكوفيّ:
ولست بمتّخذ صاحبا ... يقيم على بابه حاجبا
إذا جئته قيل لي نائم ... وإن غبت ألفيته عاتبا
ويلزم إخوانه حقّه ... وليس يرى حقّهم واجبا
لست بلاقيه حتّى الممات ... إذا أنا لم ألقه راكبا
وأنشدني أبو بكر محمد بن أحمد، من أهل رأس العين- لنفسه في بعض بني عمران بن محمد الموصليّ:
يابا الفوارس أنت أنت فتى النّدى ... شهدت بذاك ولم تزل قحطان
فلايّ شيء دون بابك حاجب ... من بعضه يتخبّط الشّيطان
(1/592)

فإذا رآني مال عنّي معرضا ... فكأنّني من خوفه سرطان
قال الأشهب بن رميلة:
أبلغ أبا داود أنّي ابن عمّه ... وأنّ البعيث من بني عمّ سالم
أتولج باب الملك من ليس أهله ... وريش الذّنابى تابع للقوادم
وقال عاصم الزّمّانيّ، من بني زمّان:
أبلغ أبا مسمع عني مغلغلة ... وفي العتاب حياة بين أقوام
أدخلت قبلي رجالا لم يكن لهم ... في الحقّ أن يلجوا الأواب قدامي
فقد جعلت إذا ما حاجة عرضت ... بباب دارك أدلوها بأقوام
وقال هشام بن أبيض، من بني عبد شمس:
وليس يزيدني حسبي هوانا ... عليّ ولا تراني مستكينا
فإن قدمتم قبلي رجالا ... أراني فوقهم حسبا ودينا
ألسنا عائدين إذا رجعنا ... إلى ما كان قدّم أوّلونا
فأرجع في أرومة عبشميّ ... ترى لي المجد والحسب السّمينا
وقال دينار بن نعيم الكلبيّ:
أبلغ أمير المؤمنين ودونه ... فراسخ تطوي الطّرف وهو حديد
بأنّي لدى عبد العزيز مدفّع ... يقدّم قبلي راسب وسعيد
وإنّي لأدنى في القرابة منهما ... وأشرف إن كنت الشريف تريد
المدائني قال: أتى ابن فضالة بن عبد الله الغنويّ باب قتيبة بن مسلم، فأساء إذنه فقال:
كيف المقام أبا حفص بساحتكم ... وأنت تكرم أصحابي وتجفوني
أراهم حين أغشى باب حجرتكم ... تدعوهم النّقرى دوني ويقصوني
كم من أمير كفاني الله سخطته ... مذ ذاك أوليته ما كان يوليني
(1/593)

إنّي أبى لي أن أرضى بمنقصة ... عمّ كريم وخال غير مأفون
خالي كريم وعمّي غير مؤتشب ... ضخم الحمالة أبّاء على الهون
المدائني قال: كان مسلمة بن عبد الملك تزوج ابنة زفر بن الحارث الكلابيّ، وكان ببابه عاصم بن يزيد الهلاليّ، والهذيل وكوثر ابنا زفر، فكان يأذن لهما قبل عاصم، فقال:
أمسلم قد منّيتني ووعدتني ... مواعد صدق إن رجعت مؤمّرا
أيدعى هذيل ثمّ أدعى وراءه ... فيا لك مدعيّ ما أذلّ وأحقرا
وكيف ولم يشفع لي اللّيل كلّه ... شفيع وقد ألقى قناعا ومئزرا
فلست براض عنك حتّى تحبّني ... كحبّك صهريك الهذيل وكوثرا
وقال الأصحم، أحد بني سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، يذكر خالد بن عبد الله القسريّ، وأبان بن الوليد البجلّيّ، وحجبه خالد:
ومنزلة ليست بدار تئيّة ... أطال بها حبسي أبان وخالده
فإن أنا لم أنزل بلادا هما بها ... فلا ساغ لي من أعذب الماء بارده
إذا ما أتيت الباب صادفت عنده ... بجيلة، أمثال الكلاب، تراصده
عليهم ثياب الخزّ تبكي كما بكت ... كراسيّه، من لؤمه، ووسائده
ويدعون قدّامى ويجعل دوننا ... من السّاج مسمورا تئطّ حدائده
المدائني قال: كان تميم بن راشد مولى باهلة، حاجبا لقتيبة بن مسلم بخراسان، فكان يأذن لسويد بن هوبر النّهشليّ، ومجفر بن جزيّ الكلابي، قبل الحصين بن المنذر الرقاشي، فقال الحصين:
إنّي لألقى من تميم وبابه ... عناء ويدعو مجفرا وابن هوبرا
نزيعين من حيّين شتّى كأنّما ... يرى بهما البوّاب كسرى وقيصرا
وقال عبيد الله بن الحرّ الفاتك، لعبد الله بن الزّبير، وشكا إليه مصعبا وحجّابه:
(1/594)

أبلغ أمير المؤمنين نصيحتي ... فلست على رأي قبيح أواربه
أفي الحقّ أن أجفى ويجعل مصعب ... وزيريه من قد كنت فيه أحاربه
وما لا مرىء إلّا الذي الله سائق ... إليه وما قد خطّ في الزّبر كاتبه
إذا ما أتيت الباب يدخل مسلم ... ويمنعني أن أدخل الباب حاجبه
لقد رابني من مصعب أنّ مصعبا ... لدى كلّ ذي غشّ لنا هو صاحبه
وقال ابن نوفل لخالد بن عبد الله القسريّ، وحجبه:
فلو كنت غوثيّا لأدنيت مجلسي ... إليك، أخا قسر، ولكنّني فحل
رأيتك تدني ناشئا ذا عجيزة ... بمحجر عينيه وحاجبه كحل
فوالله ما أدري إذا ما خلوتما ... وأرخيت الأستار أيّكما الفحل
وقال عمرو بن الوليد، في عقية بن أبي معيط:
أفي الحق أن ندنى إذا ما فزعتم ... ونقصى إذا ما تأمنون ونحجب
ويجعل فوقي من يودّ لو أنّكم ... شهاب بكفّي قابس يتلهّب
فها أنتم داويتم الكلم ظاهرا ... فمن لكلوم في الصّدور تحوّب
فقلت وقد أغضبتموني بفعلكم ... وكنت امرأ ذا مرّة حين أغضب
أمالي في أعداد قومي راحة ... ولا عند قومي إن تعتّبت معتب
المدائنيّ قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج أن يستعمل مسمع ابن مالك على سجستان، فولّاه إياها، فأتاه الضّحّاك بن هشام فلم ينله خيرا وأقصاه، فقال:
وما كنت أخشى يا ابن كبشة أن أرى ... لبابك بوّابا ولإستك منبرا
وما شجر الوادي دعوت ولا الحصى ... ولكن دعوت الحرقتين وجحدرا
أخذنا بآفاق السماء فلم ندع ... لعينك في آفاقها الخضر منظرا
قال أيمن بن خريم في بشر بن مروان:
(1/595)

ولو شاء بشر كان من دون بابه ... طماطم سود أو صقالبة حمر
ولكنّ بشرا أسهل الباب للتي ... يكون له من دونها الحمد والشّكر
بعيد مراد الطّرف ما ردّ طرفه ... حذار الغواشي باب دار ولا ستر
وله أيضا في عبد العزيز:
لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم منن ظاهره
فبابك ألين أبوابهم ... ودارك مأهولة عامرة
وكلبك أرأف بالمعتفين ... من الأمّ بابنتها الزّائرة
وكفّك حين ترى السائلي ... ن أندى من اللّيلة الماطرة
فمنك العطاء ومنّا الثناء ... بكل مخبّرة سائرة
ولآخر أيضا:
مالي أرى أبوابهم مهجورة ... وكأنّ بابك مجمع الأسواق
إنّي رأيتك للمكارم عاشقا ... والمكرمات قليلة العشّاق
وللتميمّي:
يزدحم الناس على بابه ... والمنهل العذب كثير الزّحام
ولأشجع بن عمرو السّلميّ:
على باب ابن منصور ... علامات من البذل
جماعات وحسب البا ... ب جودا كثرة الأهل
وأنشدت لعمارة بن عقيل، في خالد بن يزيد:
تأبى خلائق خالد وفعاله ... إلّا تجنّب كلّ أمر عائب
وإذا حضرنا الباب عند غدائه ... أذن الغداء برغم أنف الحاجب
وأنشدت لبعضهم:
أبلج بين حاجبيه نوره ... إذا تغذّى رفعت ستوره
(1/596)

ولثابت قطنة، في يزيد بن المهلّب:
أبا خالد زدت الحياة محبّة ... إلى الناس أن كنت الأمير المتوجا
وحقّ لهم أن يرغبوا في حياتهم ... وبابك مفتوح لمن خاف أو رجا
تزيد الذي يرجو نداك تفضّلا ... وتؤمن ذا الإجرام إن كان محرجا
المدائني قال: حضر أبو سفيان بن حرب باب عثمان بن عفّان رضي الله عنه، فحجب عنه، فقال له رجل يغريه به: حجبك أمير المؤمنين يا أبا سفيان؟ فقال: لا عدمت من قومي من إذا شاء أن يحجبني حجبني.
وأنشدني الطائيّ في إسحاق بن إبراهيم الموصليّ:
يا أيّها المأمول نائله ... وجوده لمراعي جوده كثب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إنّ السماء ترجّى حين تحتجب
وله أيضا في مالك بن طوق:
قل لابن طوق رحى سعد، إذا خبطت ... حوادث الدهر أعلاها وأسفلها
أصبحت حاتمها جودا، وأحنفها ... حلما، وكيّسها علما ودغفلها
مالي أرى الحجرة الفيحاء مقفلة ... عنّي وقد طال ما استفتحت مقفلها
كأنّها جنّة الفردوس معرضة ... وليس لي عمل زاك فأدخلها
ولأبي عبد الرحمن العطويّ في ابن المدبّر:
إذا أنت لم ترسل وجئت فلم أصل ... ملأت بعذر منك سمع لبيب
قصدتك مشتاقا فلم أر حاجبا ... ولا ناظرا إلّا بعين غضوب
كأني غريم مقتض أو كأنّني ... طلوع رقيب أو نهوض حبيب
عليّ له الإخلاص ما ردع الهوى ... أصالة رأي أو وقار مشيب
وأنشدني الخثعميّ:
كيفما شئت فاحتجب يا أبا اللي ... ث ومن شئت فاتّخذ بوّابا
(1/597)

أنت لو كنت دون أعراض قحطا ... ن وأسبلت دونها الأحسابا
لرأيناك في مرايا أيادي ... ك يقينا ولو أطلت الحجابا
وأنشدني البلاذريّ في عبيد الله بن يحيى بن خاقان:
قالوا اصطبارك للحجاب وذلّه ... عار عليك يد الزّمان وعاب
فأجبتهم ولكلّ قول صادق ... أو كاذب عند الكريم جواب
إنّي لأغتفر الحجاب لماجد ... ليست له منن عليّ رغاب
قد يرفع المرء اللثيم حجابه ... ضعة، ودون العرف منه حجاب
والحرّ مبتذل النّوال وإن بدا ... من دونه ستر وأغلق باب
*** تمّ كتاب الحجاب، ولله الحمد والمنّة، وبيده الحول والقوّة، والله سبحانه الموفّق للصواب برحمته.
يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب «مفاخرة الغلمان والجواري» من كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أيضا، والله المستعان وعليه التّكلان، إنّه سميع مجيب الدعاء.
والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلامه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1/598)

هامش كتاب الحجاب
(1) معنى «الحكيم من أحكمته التجارب» ، من الخير مقارنته بما ورد عند الفلاسفة، امثال ارسطو والكندي والفارابي وابن رشد. الحكيم عند ارسطو هو من يعرف كل شيء على قدر الامكان، والحكمة علم يبحث في بعض العلل وبعض المبادىء.
والحكيم بنظر الكندي هو الذي يعلم الاشياء بحقائقها. والحكيم برأي الفارابي هو الفيلسوف ويعني من يحب الحكمة. اما ابن رشد فيعرف الحكيم بانه الناظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع.
- و «تصفية العقل من القذى» تعني نفي الاوهام عنه.
- العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الملامة.
هذا البيت نسبه الجاحظ في البيان والتبيين (ج 3 ص 36) الى الشاعر يزيد بن مفرغ.
وان قراب البطن يكفيك ملؤه ... ويكفيك سؤات الأمور اجتنابها
وهذا البيت الذي اورد الجاحظ صدره في كتاب الحيوان (ج 1 ص 283) ، نسب الى الشاعر هلال بن خثعم! وهلال بن جشم كما في عيون الاخبار.
(2) «أقام كتاب الله في القريب والبعيد» يعني طبق الاحكام الواردة في القرآن على الناس جميعا دون التفات الى القرابة.
- «وشاور القرآن فانه إمامك» يعني طبق احكام القرآن فهو مرجعك وهاديك الى طريق الصواب، ومنهاجك. (الامام: المنهاج) .
- نلاحظ من اقوال الرسول وعمر بن الخطاب التركيز على ثلاثة أمور تشكل أسس السياسة هي: العدل، وعدم الاحتجاب عن الرعية، والمساواة بين الناس.
(1/599)

(3) «انك عيني التي انظر بها وجنته التي استنيم اليها وقد وليتك بابي ... » . يعني أن الحاجب بمثابة عين الحاكم التي يرى فيها الأمور، وهو يشبه الدرع التي تقي الحاكم. وتوليه الباب تعني توليه الحجابة.
يعني ب «اخي الرثاثة» الفقير البالي الثياب.
- ابن المدبر هو ابراهيم بن محمد بن عبيد الله. كان شاعرا وكاتبا كبيرا ووزر للمعتمد على الله والمعتضد وتوفي سنة 279 هـ. ويريد الشاعر ان يقول في الابيات الثلاثة التي يهجو فيها ابن المدبر ان سبب احتجابه هو الخوف من انكشاف عيوبه او عيه او بخله.
(4) لاحظ تمييز العقل والفهم.
(5) الموصلي هو اسحق بن ابراهيم الموصلي راوية الشعر والاخباري المشهور توفي سنة 235 هـ.
- سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي عالم بالحديث واللغة، اخذ عنه ابن الاعرابي، عاش في العصر العباسي الاول.
- ابو دهمان شاعر بصري عاش بين دولتي بني امية وبني العباس واشتهر بظرفه.
وغلا عليك طلابه ... والدر يترك من غلائه
نسب هذا البيت الى بشار بن برد الشاعر العباسي الذي اشتهر بهجائه ومديحه وقتل متهما بالزندقة.
- ابو عبد الرحمن العطوي نسبة الى عطية، شاعر ومتكلم معتزلي عاصر الجاحظ واتصل بابن ابي دؤاد. وقال مثل الحسين النجار بخلق الافعال.
- حبيب بن اوس الطائي هو الشاعر العباسي الكبير ابو تمام الذي اكثر من مديح المعتصم وبائيته في فتح عمورية آية في هذا الفن. وقد عرف الجاحظ وروى له.
- مرداس بن حازم الاسدي شاعر اسلامي كوفي اشتهر بخبثه وفحشه في الهجاء.
- ابو الاسد الشيباني هو الشاعر نباتة بن عبد الله الحماني، عرف بنوادره وملحه وهجائه الخبيث، وبالطبيعة في الشعر. وقد عاش في عهد دولة بني العباس.
- أبو مالك الاعرج هو النضر بن ابي النضر التميمي، مدح الرشيد ونال عطاءه.
- عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع بن يونس بن ابي فروة. اشتهر بشعره المطبوع وغنائه الحسن. ادرك الخليفة المنتصر العباسي.
- موسى بن جابر الحنفي الملقب بازيرق اليمامة والمكنى بابن الفريعة شاعر جاهلي غزير الشعر.
(1/600)

- ايمن بن خريم بن الاخرم من شعراء الدولة الأموية.
- ثابت قطنة فارس وشاعر عاش في الدولة الأموية وكان يغطي عينه المصابة بقطنة فلقب بذلك اللقب.
(1/601)

[10- محتويات رسالة ذم أخلاق الكتاب]
(- 10- ذم اخلاق الكتّاب)
(1/603)

[1- المقدمة]
حفظك الله وأبقاك وامتع بك.
قد قرأت كتابك ومدحتك أخلاق الكتّاب وأفعالهم، ووصّفك فضائلهم وأيّامهم، وفهمته.
ومتى وقع الوصف من القائل تقصّيا، والنّعت من الواصف تألّفا، قل شهداؤه وكثر خصماؤه، وخفّت المؤونة على مجاوبيه في دعواه، وسهلت مناسبة الأدنياء له في معناه. لأنّ أغلظ المحن ما عرض على المشهود فأزاله، وتصفّحه المعقول فأحاله.
وأضعف العلل ما التمس بعد المعلول، ونصبت له علما على الموجود بعد الوجود. وإذا تقدّم المعلول علّته والمخبر عنه خبره، استغني عن الحاكم، وظهر عوار الشّاهد.
فقد رأيتك أطنبت بإحماد هذا الصّنف من الناس، وحكمت بفضيلة هذه الطبقة من الخلق، فعلمت أنّ فرط الإعجاب عن القائل متى وافق صناعة المادع رسخ في التركيب هواه، ورسبت في القلوب أوتاده، واشتدّ على المناظر إفهامه، وعلى المخاصم بالحقّ توقيفه، وكان حكمه في صعوبة فسخه وتعذّر دفعه حكم الإجماع إذا لاقى محكم التنزيل.
ولست أدع مع ذلك توقيفك على موضع زللك في الاحتجاج، وتنبيهك على النكتة من غلطك في الاعتلال، بما لا يمكن السامع إنكاره ولا ينساغ له
(1/605)

إبطاله. وأبيّن مع ذلك رداءة مذاهب الكتّاب وأفعالهم، ولؤم طبائعهم وأخلاقهم بما تعلم أنت والناظر في كتابي هذا: أنّي لم أقل إلّا بعد الحجّة، ولم أحتجّ إلّا مع ظهور العلّة، ثم أستشهد مع ذلك الأضداد تبيانا، وأجمع عليه الأعداء إنصافا، إذ كان في ذلك من التبيان ما يبهرهم، ومن القول ما يسكتهم.
[2- نماذج سيئة من الكتاب]
ثم أقول: ما ظنّك بقوم منهم أوّل مرتّدّ كان في الإسلام، كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فخالف في كتابه إملاءه، فأنزل الله فيه آيات من القرآن نهى فيه عن اتخاذه كاتبا، فهرب حتّى مات بجزيرة العرب كافرا، وهو عبد الله بن أبي سرح.
ثم استكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده معاوية بن أبي سفيان، فكان أوّل من غدر في الإسلام بإمامه، وحاول نقض عرى الإيمان بأثامه.
وكتب عثمان بن عفّان لأبي بكر رضوان الله عليهما- مع طهارة أخلاقه وفضائل أيّامه- فلم يمت حتى أداه عرق الكتابة إلى ذمّ من ذمّه من أوليائه.
ثم كتب لعمر بن الخطّاب رضي الله عنه زياد بن أبيه، فانعكس شرّ ناشيء في الإسلام، نقضت بدعوته السّنّة، وظهرت في أيّام ولايته بالعراق الجبرية.
ثم كتب لعثمان بن عفان رضي الله عنه مروان بن الحكم، فخانه في خاتمه، وأشعل الرّعيّة حربا عليه في ملكه.
ثم أفضى الأمر إلى علي بن أبي طالب رضوان الله عنه، فتبيّن من البصيرة في الكتّاب ما لم ير التنويه بذكر كاتب حتّى مات.
[3- الرسول لم يعرف الكتابة]
ولو كانت الكتابة شريفة والخطّ فضيلة كان أحقّ الخلق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أولى الناس ببلوغ الغاية فيها ساداتهم وذوو القدر
(1/606)

والشرف فيهم. ولكنّ الله منع نبيّه صلى الله عليه وسلم ذلك، وجعل الخطّ فيه دنيّة، وصدّ العلم به عن النبوّة. ثم صيّر الملك في ملكه، والشّريف في قومه يتبجّح برداءة الخط، وينبل بشنج الكتاب. وإنّ بعضهم كان يقصد لتقبيح خطه وإن كان حلوا، ويرتفع عن الكتاب بيده- وإن كان ماهرا- وكان ذلك عليه سهلا- فيكلّفه تابعه، ويحتشم من تقليده الخطير من جلسائه.
وكتب أحمد بن يوسف يوما بين يدي المأمون خطّا أعجبه فقال: وددت والله أنّي كتبت مثله وأنّي مغرّم ألف ألف. فقال له أحمد بن يوسف: لا تأس عليه يا أمير المؤمنين، فإنّه لو كان حظّا ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
[4- الكتاب اتباع وخدم]
ومع ذلك إنّ سنخ الكتابة بني على أنّه لا يتقلّدها إلّا تابع، ولا يتولّاها إلّا من هو في معنى الخادم. ولم نر عظيما قطّ تولّى كفاية نفسه، أو شارك كاتبه في عمله. وكلّ كاتب فمحكوم عليه بالوفاء، ومطلوب منه الصّبر على اللأواء.
وتلك شروط متنوّعة عليه، ومحنة مستكملة لديه.
وليس للكاتب اشتراط شيء من ذلك، بل يناله الاستبطاء عند أول الزّلّة وإن أكدى، ويدركه العدل بأوّل هفوة وإن لم يرض.
يجب للعبد استزادة السيّد بالشكوى، والاستبدال به إذا اشتهى. وليس للكاتب تقاضى فائته إذا أبطأ، ولا التحوّل عن صاحبه إذا التوى. فأحكامه أحكام الأرقّاء، ومحلّه من الخدمة محل الأغبياء.
ثم هو مع ذلك في الذّروة القصوى من الصّلف، والسّنام الأعلى من البذخ، وفي البحر الطامي من التّيه والسّرف. يتوهّم الواحد منهم إذا عرّض جبّته وطوّل ذيله، وعقص على خدّه صدغه، وتحذف الشابورتين على وجهه، أنّه المتبوع ليس التابع، والمليك فوق المالك.
(1/607)

[5- تكبر الكتاب وادعاؤهم العلم]
ثم الناشيء فيهم إذا وطىء مقعد الرياسة، وتورّك مشورة الخلافة، وحجزت السّلّة دونه، وصارت الدواة أمامه، وحفظ من الكلام فتيقه، ومن العلم ملحه، وروى لبزرجمهر أمثاله، ولأردشير عهده، ولعبد الحميد رسائله، ولابن المقفّع أدبه، وصيّر كتاب مزدك معدن علمه، ودفتر كليلة ودمنة كنز حكمته-[ظنّ] أنّه الفاروق الأكبر في التدبير، وابن عبّاس في العلم بالتأويل، ومعاذ بن جبل في العلم بالحلال والحرام، وعليّ ابن أبي طالب في الجرأة على القضاء والأحكام، وأبو الهذيل العلّاف في الجزء والطّفرة، وإبراهيم بن سيار النظّام في المكامنات والمجانسات، وحسين النّجّار في العبارات والقول بالإثبات، والأصمعيّ وأبو عبيدة في معرفة اللغات والعلم بالأنساب. فيكون أوّل بدوه الطعن على القرآن في تأليفه، والقضاء عليه بتناقضه. ثم يظهر ظرفه بتكذيب الأخبار، وتهجين من نقل الآثار. فإن استرجح أحد عنده أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فتل عند ذكرهم شدقه، ولوى عند محاسنهم كشحه. وإن ذكر عنده شريح جرّحه، وإن نعت له الحسن استثقله، وإن وصف له الشعبيّ استحمقه، وإن قيل له ابن جبير استجهله، وإن قدّم عنده النّخعيّ استصغره.
ثم يقطع ذلك من مجلسه سياسة أردشير بابكان، وتدبير أنوشروان، واستقامة البلاد لآل ساسان.
فإن حذر العيون وتفقّده المسلمون، رجع بذكر السّنن إلى المعقول، ومحكم القرآن إلى المنسوخ، ونفى ما لا يدرك بالعيان، وشبّه بالشاهد الغائب. لا يرتضي من الكتب إلّا المنطق، ولا يحمد إلّا الواقف، ولا يستجيد منها إلا السّائر.
هذا هو المشهور من أفعالهم والموصوف من أخلاقهم.
(1/608)

[6- فسق الكتاب]
ومن الدليل على ذلك، أنّه لم ير كاتب قطّ جعل القرآن سميره، ولا علمه تفسيره، ولا التفقّه في الدّين شعاره، ولا الحفظ للسّنن والآثار عماده، فإن وجد الواحد منهم ذاكرا شيئا من ذلك لم يكن لدوران فكّيه به طلاقة، ولا لمجيئه منه حلاوة. وإن آثر الفرد منهم السّعي في طلب الحديث، والتشاغل بذكر كتب المتفقّهين، استثقله أقرانه، واستوخمه ألّافه، وقضوا عليه بالإدبار في معيشته، والحرفة في صناعته، حين حاول ما ليس من طبعه، ورام ما ليس من شكله.
قال الزّهريّ لرجل: أيعجبك الحديث؟ قال: نعم. قال: أما إنّه لا يعجب إلّا الفحول من الرّجال، ولا يبغضه إلّا إناثهم! ولئن وافق هذا القول من الزّهري فيهم مذهبا، إنّ ذلك لبيّن في شمائلهم، مفهوم في إشاراتهم.
[7- المعتزلة يكرهون الكتاب]
وسئل ثمامة بن أشرس يوما، وقد خرج من عند عمرو بن مسعدة، فقيل له: يا أبا معن، ما رأيت من معرفة هذا الرّجل وبلوت من فهمه؟
فقال: ما رأيت قوما نفرت طبائعهم عن قبول العلوم، وصغرت هممهم عن احتمال لطائف التمييز- فصار العلم سبب جهلهم، والبيان علم ضلالتهم، والفحص والنظر قائد غيّهم، والحكمة معدن شبههم-[أكثر] من الكتّاب.
وذكر أبو بكر الأصمّ ابن المقفّع فقال: ما رأيت شيئا إلّا وقليله أخفّ من كثيره إلّا العلم، فإنّه كلّما كثر خفّ محمله. ولقد رأيت عبد الله ابن المقفّع هذا في غزارة علمه وكثرة روايته، كما قال الله عزّ ذكره: كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
. قد أوهنه علمه، وأذهله حلمه، وأعمته حكمته،
(1/609)

وحيّرته بصيرته.
وكنّا في مجلس بشر بن المعتمر يوما وعنده المردار، وثمامة، والعلّاف، في جماعة من المعتزلة وأصحاب الكلام، فتذاكروا العوامّ واستحواذ الفتنة عليهم في التقليد، واستغلاق قلوبهم بكثير مما ليس في طبعهم، فتعظّمهم وتقضى لكلّ من نبل منهم بالصّواب في قوله وإن لم يعلموا. لا يدينون بالحقيقة، ولا يحمدون إلا ظاهر الحلية.
ومن الدليل على نذالة طبعهم، والعلم بفسالة رأيهم، تقديمهم بالفضل لمن لا يفهمونه، وقضاؤهم بالعلم لمن لا يعرفونه، حتّى إنهم يضربون بالكاتب فيما بينهم المثل، ويحكمون له بالبصيرة في الأدب، على غير معاشرة جرت بينهم، ولا محبّة ظهرت له منهم. ليس إلّا أنّ هممهم صغرت عنهم، وامتلأت قلوبهم منهم، فصار المحفوظ من أقوالهم، والذي يدينون به من مذاهبهم: كيف لا يأمن فلان الخطأ مع جلالته، وكيف ينساغ لأحد تجهيله مع نبله. فإن وقفوا على تمييزه هابوه، وإن دعوا إلى تفهّمه أكبروه، وقالوا: لم ينصب هذا بموضعه إلّا لخاصّة فيه وإن جهلناها، وفضيلة موسومة وإن قصر علمنا عنهم. ولعلّه عمر بن فرج في السّفه والمباهتة، وإبراهيم ابن العبّاس في الشّره والرّقاعة، ونجاح بن سلمة في (الطّيش) والسخافة، وأحمد بن الخصيب في اللّؤم والجهالة، وآل وهب في النّهم والنّذالة، ويحيى بن خاقان في الذّلّ والفاقة، وموسى بن عبد الملك في الوخم والبلادة، وابن المدبّر في الخبّ والمكابرة، والفضل بن مروان في الفدامة مقصورة.
وفي عمر بن فرج يقول الشاعر:
لا تطلب الخير من بني فرج ... لا بارك الله في بني فرج
والعن إذا ما لقيته عمرا ... لعبا يقينا بأعظم الهرج
فلعنة إن لعنتها عمرا ... تعدل مقبولة من الحجج
ليس على المفتري على عمر ... من ضرب حدّ يخشى ولا حرج
(1/610)

وخبّرت أنّ أبا العتاهية أتى يحيى بن خاقان يوما ليسلّم عليه، فلم يأذن له حاجبه فانصرف، وأتاه يوما آخر فصادفه حين نزل فسلّم عليه، ودخل يحيى إلى منزله ولم يأذن له، فكتب إليه أبو العتاهية من ساعته رقعة فيها:
أراك تراع حين ترى خيالي ... فما هذا يروعك من خيالي
لعلك خائف منّي سؤالا ... ألا فلك الأمان من السّؤال
كفيتك إنّ حالك لم تمل بي ... لأطلب مثلها بدلا بحالي
وإنّ العسر مثل اليسر عندي ... بأيّهما منيت فما أبالي
فلما قرأ يحيى بن خاقان رقعته ووثق بأمانه من السّؤال أذن له، فخرج الحاجب فوجده قد انصرف، ولم يعد إليه، ولا التقيا بعد ذلك.
وجلس الجاحظ يوما في بعض الدوواين، فتأمّل الكتّاب فقال: خلق حلوة، وشمائل معشوقة، وتطرّف أهل الفهم، ووقار أهل العلم، فإن ألقيت عليهم الإخلاص وجدتهم كالزّبد يذهب جفاء، وكنبتة الرّبيع يحرقها الهيف من الرياح؛ لا يستندون من العلم إلى وثيقة، ولا يدينون بحقيقة؛ أخفر الخلق لأماناتهم؛ وأشراهم بالثمن الخسيس لعهودهم؛ الويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون.
[8- قلة تعاطف الكتاب]
ثم وصف أصحاب الصناعات، وذكر تعاطف أهلها على نظرائهم، وتعصّب رجالها على غيرهم فقال:
لا أعلم أهل صناعة إلا وهم يجرون في ذلك إلى غاية محمودة، ويأتون منه آية مذكورة، إلا الكتّاب، فإنّ أحدهم يتحاذق عند نظرائه بالاستقصاء على مثله، ويسترجح رأيه إذا بلغ في نكاية رجل من أهل صناعته.
(1/611)

ثم ضرب لهم في ذلك مثلا، ثم قال: هم كالهرمة من الكلاب في مرابضها، يمرّ بها أصناف الناس فلا تحرّك، وإن مرّ بها كلب مثلها نهضت إليه بأجمعها حتّى تقتله.
وحدّثني عمر بن سيف، أنه حضر مجلس أبي عبّاد ثابت بن يحيى يوما في منزله، وعنده جماعة من الكتاب فذكر ما هم عليه من ملائم الأخلاق ومدانس الأفعال، قال: ووصف تقاطعهم عند الاحتياج، و [عدم] تعاطفهم عند الاختلال، وزهدهم في المواصلة فقال:
معاشر الكتاب، ما أعلم أهل صناعة أملأ لقلوب العامّة منكم، ولا النعم على قوم أظهر منها عليكم. ثم إنّكم في غاية التقاطع عند الاحتياج، وفي ذروة الزّهد في التعاطف عند الاختلال. وإنّه ليبلغني أنّ رجلا من القصابين يكون في سوقه، فيتلف ما في يديه، فيخلّي له القصّابون سوقهم يوما، ويجعلون له أرباحهم، فيكون بربحها منفردا، وبالبيع مفردا، فيسدّون بذلك خلّته، ويجبرون منه كسره. وإنّكم لتناكرون عند الاجتماع والتعارف، تناكر الضّباب والسّلاحف، ثم مع استحواذكم على صناعتكم، وقلّة ملابسة أهل الصناعات لها معكم، لم أرصناعة من الصناعات إلّا وقد يجمع أهلها غيرها إليها فيعانونها جميعا، وينزلون لضرب من التجارات معا، إلّا صناعتكم هذه؛ فإنّ المتعاطي لها منكم؛ والمتسمّي بها من نظرائكم، لا يليق به ملابسة سواها، ولا ينساغ له التّساغل بغيرها ثم كأنكم أولاد علّات، وضرائر أمّهات، في عداوة بعضكم بعضا، وحنق بعضكم على بعض. أفّ لكم ولأخلاقكم! إنّ للكتّاب طبائع لئيمة، ولولا ذلك لم يكن سائر أهل التجارات والمكاسب بنظرائهم بررة، ومن ورائهم لهم حفظة، وأنتم لأشكالكم مذلّون، ولأهل صنائعكم قالون. قبح الله الذي يقول قضينا في الأمور بالأغلب.
(1/612)

وعرفنا علل الناس في مكاسبهم وتعاملهم، فمن كانت علّته أكرم كان كرم فعاله أعمّ.
ولست أعلم علّة في مكتسب أنبل عند الخاصّة من مكسبكم.
[9- شؤم الكتاب]
ثمّ وصف من سلف من هذه الطّبقة يوما فقال: كتب سالم لهشام بن عبد الملك، وكان أشدّ الناس غلطا، وأضعفهم رأيا، وكان هشام يحضره فيسمع من ضعفه ويستميحه الرأي، يهزأ به.
ثم كتب لهم مسعدة وكان مؤدّبا، وكانت ضعفة المؤدّبين فيه.
ثم كتب لهم عبد الحميد وكان معلّما، وبتحامله على نصر بن سيار انتقضت خراسان، وزال ملك بني مروان.
ثم كتب لبني العباس عبد الله بن المقفّع، فأغرى بهم عبد الله بن علي، ففطن له وقتل وهدم البيت على صاحبه.
ثم كتب لهم يونس بن أبي فروة، وكان زنديقا، فطلب فاختفى بالكوفة والنّيل حتّى هلك.
واستكتب الرشيد أزدانقاذار على ديوان الخراج، وكان ثنويّا.
ثم لم ينوّهوا بذكر كاتب حتّى ولى المأمون، فقدم معه ابن أبي العباس الطّوسي، فبه انتشرت السّعاية بالعراق.
واستكتب أبا عبّاد، وكان بالرّي مؤدّبا، وكان سخيفا حديدا، ولم يزل بمكانه في ديوانه قيّما لابن أبي خالد الأحول والاسم له.
ثم كتب له رجاء بن أبي الضحّاك، وكان أظلمهم وأغشمهم، واستخلف حفصويه على ديوان الخراج، وكان ركيكا لسعايته.
(1/613)

ثم كتب لهم ابن يزداد، وكان أشقاهم، حتّى هلك.
وكتب لهم عمرو بن مسعدة، وكان رسائليا فقط.
واسترجح المأمون وهو بخراسان قبل مقدمه من كتاب العراق على غير بلوى إبراهيم بن إسماعيل بن داود، وأحمد بن يوسف، فلما قدم امتحنهما فتعنّتا، فاستنهضهما في الأعمال ففشلا، فلم يعملا على شيء حتّى هلكا.
وكان إبراهيم شعوبيا، وكان يتهم بالثّنويّة. فإن كان ذلك صحيحا فقد كانت صبابته بها على جهة التقليد فيها، لا على جهة التفتيش والاحتجاج فيها. وهذه علة المرتدّ من سائر الكتّاب.
وقد قال أهل الفطن: إنّ محض العمى التقليد في الزندقة؛ لأنّها إذا رسخت في قلب امرىء تقليدا أطالت جرأته، واستغلق على أهل الجدل إفهامه.
وكان أحمد بن يوسف مأفونا، وهو أول من قرف بالآفة المخالفة لطبع الكتّاب.
واستقضى على ديوان الخراج والجند إبراهيم الحاسب، والحسن بن أبي المشرف. فلقن إبراهيم من سائر الآداب والعلوم علم الحساب فقط، ولم يفزع إليه في قضية ولا رأي حتّى هلك، فكان الذي وضعه وأدناه شرهه، وهي علّة قائمة في كتّاب الجند خاصة.
واستضعف ولاة الدواوين الحسن بن أبي المشرف عند قول الفضل [ابن] مروان له وهو على الوزارة: «يا حسن، احتجنا إلى رجل جزل في رأيه، متوّفر لأمانته، متصرّف في الأمور بتجربته، مستقدر على الأعمال بعلمه، تصف لنا مكانه، وتشير علينا به، فنقلّده جسيما من عملنا» . فأجابه سريعا قال: وجدته لك- أصلحك الله- كذلك. قال: من هو؟ قال: أنا. وألحّ
(1/614)

عليه في قوله، فتبسّم الفضل وقال: هذا من غيرك فيك أحسن منك بلسانك لك، نعود وننظر إن شاء الله!
[10- خساسة ارزاق الكتاب]
وحسبك بقوم أنبلهم أخسّهم في الرّزق مرتبة، وأعظمهم غناء أقلّهم عند السّلطان عقلا. يرزق صاحب ديوان الرسائل- وبلسانه يخاطب الخلق- العشر من رزق صاحب الخراج. ويرزق المحرّر- وبخطّه يكون جمال كتب الخليفة- الجزء من رزق صاحب النّسخ في ديوان الخراج. لا يحضر كاتب الرسائل لنائبة، ولا يفزع إليه في حادثة. فإذا أبرم الوزراء التدبير ووقفوا منها على التقدير، طرحت إليه رقعة بمعاني الأمر لينسّق فيه القول، فإذا فرغ من نظامه واستوى له كلامه، أحضر له محرّره فجلس في أقرب المواطن من الخليفة، وأمنع المنازل من المختلفة، فإذا تقضيّ ذلك فهما والعوام سواء.
هذا وليست صناعتهما بفاشية في الكتّاب، ولا بموجودة في العوامّ؛ فأغزرهم علما أمهنهم، وأقربهم من الخليفة أهونهم. فكيف بكاتب الخراج الذي علمه ليس بمحظور واشراك الناس فيه ليس بممنوع، يصلح لموضعه كل من عمل وعمل عليه، أحمد أحواله عند نفسه التعقّد على الخصوم، وأسعد أموره التي يرجو بها البلوغ الشّره ومنع الحقوق. وأحذق ما يكون بصناعته عند نفسه حين يأخذ بإبطال السّنن، ويعمل بفلتات الدفوع.
ولذلك ما ذكر أنّ بعض رجال الشّعبيّ قال له: يا أبا عمرو، الكتّاب شرار خلق الله! فقال: لا تفعل.
ولكنّ الشعبيّ كان لسلطانه مداريا.
(1/615)

[11- بعض اخبار الكتاب]
ومن كتاب الجند: محمود بن عبد الكريم، كان حميد بن عبد الحميد عند دخول المأمون مدينة السلام وبعد سكون الهيج وخمود النّائرة، رفع إلى المأمون يذكر أن في الجند دغلا كثيرا ممن دخل فيهم بسبب تلك الحروب في أيام الأجناد-[وهم] قوم من غير أهل خراسان ممّن تشبّه بهم وادّعى إليهم من الأعراب والدّعّار، وممن لا يستحقّ الدّيوان، وقوم من أهل خراسان صارت لهم الخواصّ السّنيّة، [و] لم يكن لهم من الغناء ما يستحقّون به مثلها- وذكر أنّ بيت المال لا يحتمل ذلك، وسأل المأمون أن يولّيه تصنيف الجند. ولم يكن مذهب حميد في ذلك التوفير على المأمون، ولا الشفقة على بيت مال المسلمين، ولكنه تعصّب على أبناء أهل خراسان، واضطغن عليهم محاربتهم إياه أيّام الحسن بن سهل مع ولد محمد بن أبي خالد وغيرهم، وما كانوا قد انتحوه به من تلك الوقائع والهزائم، وما ذهب له من الأموال بذلك السّبب.
فولّاه المأمون التصنيف، وأمر للجند برزق شهرين، فولّى حميد العطاء والتصنيف محمود بن عبد الكريم الكاتب، وعرف محمود ما غزا حميد، فتحامل على الناس واستعمل فيهم الأحقاد والدّمن، فخفض الأرزاق، وأسقط الخواصّ، وبعث في الكور وأنحى على أهل الشّرف والبيوتات، حسدا لهم وإشفاء لغليل صاحبه منهم، فقصد لهم بالمكروه والتعنّت، فامتنعت طائفة من الناس من التقدّم إلى العطاء وتركوا أسماءهم، وطائفة انتدبوا مع طاهر بن الحسين بخراسان، فسقط بذلك السبب بشر كثير.
ثم إنّ المأمون أمر للناس بتمام عطاياهم؛ واكتسب محمود بن عبد الكريم المذمّة، وصار ملعنة في محال بغداد وفي مجالسها وطرقها.
(1/616)

ومنهم: زيد بن أيوب الكاتب، عمل في ديوان الجند أربعين سنة، ثم صار في آخر عمره قوّادا ليحيى بن أكثم القاضي. وذلك أن المأمون أمر له بفرض، فصيّر يحيى بن أكثم أمر ذلك الفرض إلى زيد بن أيوب، وأمره ألّا يفرض إلّا لأمرد بارع الجمال، حسن القدّ والصّورة. فكان امر ذلك الفرض مشهورا متعالما. ففي ذلك يقول الحسن بن علي الحرمازيّ لزيد بن أيوب:
يا زيد يا كاتب فرض الفراش ... أكلّ هذا طلب للمعاش
مالي أرى فرضك حملانهم ... يثبت في القرنين قبل الكباش
وعلى ذلك فإنّه لم يبلغني أنّه كان في ولاة ديوان الجند ولا في كتّابهم مثل المعلّى بن أيوب في نبله وارتفاع همته، وكرم صحبته، وعفافه، وجميل مذهبه، وشدة محاماته عمن صحبه وتحرّم به. فكان المأمون يعرف له ذلك ومن بعده من الخفاء، فثبتت وطأته، ودامت ولايته، وحمد أثره.
*** قد أتينا على بعض ما أردنا فيما له قصدنا، ولم نستعمل الانتزاعات فيما ذكرنا، وأعرضنا عن التأويلات فيما وصفنا، وقصدنا إلى المأثور فحكيناه، وإلى المذكور في الأزمنة فأجريناه، لئلا يجد الطاعن فيما وصفنا مقالا، والمنكر لذم ما ذممنا مساغا، وعلمنا أنّ من عاند مع ذلك فقد دفع عيانا وأنكر كائنا مذكورا. وفي ذلك دليل باهر على اضمحلاله، وشاهد عدل لأضداده.
ولو حكينا كلّ ما في هذا الجنس من الأقوال، وما يدخله من المقايسات والأشكال، لطال الكتاب، ولملّه الناظر المعجاب، فاكتفينا بالجزء من الكتاب، والبعض دون التمام، وعلمنا أنّ الناظر فيه إن كان فطنا أقنعه القليل فقضى، وإن كان بليدا جهولا لم يزده الإكثار إلّا عيّا،
(1/617)

ومن العلم بما له قصدنا إلّا بعدا. وبالله الكفاية والتوفيق.
*** تمّ كتاب «ذم أخلاق الكتّاب» بعون الله ومنّه ومشيئته وتوفيقه، والله تعالى الموّفق للصواب. والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وأصحابه الطيبين الطاهرين وسلامه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(1/618)

[هامش كتاب ذم اخلاق الكتاب]
(1) لا حظ غموض الفكرة في هذا المقطع. ويبدو ان الجاحظ يريد ان يقول ان الاسراف في الاستقصاء يعرض صاحبه للنقد من قبل الخصوم لأن الشيء المستقصى في الوصف يغدو سهل المتناول مكشوفا للناقد.
- الوجود لا يحتاج إلى برهان، وبهذا يسبق الجاحظ هيغل. واذا وجد الموجود لم نعد بحاجة الى البحث عن العلة، لأن المعلول يخبر عن العلة.
- اذا اجتمع الاعجاب في الشيء مع المديح- أي مديح الشيء- غدا من العسير ازالة الاعجاب والتحول عنه. ويشبه اجتماع الاعجاب مع المديح اجتماع الاجماع مع محكم التنزيل.
- الاعتلال هو التفتيش عن العلة او السبب، والاحتجاج هو التفتيش عن الحجة.
والحجة تثبت صحة الشيء، اما العلة فتثبت وجوده. راجع حول مفهوم العلة والحجة عند الجاحظ كتابنا المناحي الفلسفية عند الجاحظ.
(2) هناك شك في رواية الجاحظ عن عبد الله بن ابي سرح. انظر الاستيعاب لابن عبد البر، طبعة حيدرآباد سنة 1388 ص 1553. وهو يذهب الى انه لم يمت كافرا.
- يتهم الجاحظ معاوية بن ابي سفيان بالغدر بعلي بن ابي طالب امامه، كما يرميه بالاثم، وقد عدد آثامه في رسالة النابتة ضمن مجموعة رسائل الجاحظ الكلامية.
- زياد ابن ابيه عمل كاتبا لعمر بن الخطاب ثم واليا لعلي بن ابي طالب ثم لمعاوية إبن ابي سفيان وقد ادعى معاوية انه أخوه اخذا بقول والده ابي سفيان ونقض بادعائه السنة او خالفها.
والجبرية فرقة كلامية ظهرت في العصر الأموي ذهبت الى ان الانسان ليس حرا في اعماله بل هو مجبر وافعاله من صنع الله. واشهر رؤسائهم الجهم بن صفوان الذي قتل في آخر خلافة بني أمية.
(1/619)


(3) لاحظ تعليل الجاحظ الاعتباطي لجهل النبي الكتابة.
(4) لاحظ خطأ الجاحظ في رأيه أن الكتاب كانوا جميعا تابعين أو خدما.
(5) انظر وصف الجاحظ لباس الكاتب: الجبة العريضة الطويلة، والشعر المعقوص على الصدغ الخ ...
- ثقافة الكاتب تتناول حفظ الكلام الفصيح او الفتيق، وامثال بزرجمهر الحكيم الفارسي الذي وزر لكسرى، ورسائل عبد الحميد الكاتب الذي كتب لمروان بن محمد آخر خلفاء بني امية، وكتب ابن المقفع الذي كتب لاعمام المنصور وقتل بسبب كتاب العهد الذي خطه على المنصور أمانا لعمه عبد الله بن علي؛ وقد ترجم كتاب كليلة ودمنة عن الفارسية، وكتب الأدب الكبير والأدب الصغير، وكتاب مزدك.
- وهو يعني بالفاروق عمر بن الخطاب ويعني بالتدبير السياسة.
- ويعني بابن عباس عبد الله بن العباس الفقيه والخطيب وقد ولي لعلي بن ابي طالب واشتهر بالعلم والتأويل: والتأويل هو تفسير آيات القرآن.
- أبو الهذيل العلاف (849 م) احد شيوخ المعتزلة الكبار، قال ان الاجسام تتألف من أجزاء لا تتجزأ او جواهر فردة او ذرات، وعارض النظام لقوله بالطفرة أي قطع المسافة من مكان الى ثالث دون المرور بالمكان الثاني. وكان ابو الهذيل والنظام معاصرين للجاحظ واكبر منه سنا. وكان النظام أستاذ الجاحظ قال بان الجسم يمكن تجزئته الى غير نهاية كما قال بالكمون أي وجود شيء في شيء آخر يظهر متى ذهب المانع، مثل كمون النار في الحطب. وقال ايضا: بالمجانسات اي تقسيم الاشياء والحيوانات الى أجناس يشترك كل جنس بخصائص معينة موجودة في جميع افراد الجنس.
- وحسين النجار صاحب فرقة النجارية بحث في العبادات وقال بالتعطيل كالمعتزلة.
- والاصمعي، عبد الله بن قريب الباهلي (216 هـ) كان اماما في الاخبار والنوادر.
- وابو عبيدة معمر بن مثنى التيمي بالولاء (210 هـ) كان راوية ولغويا كبيرا كالاصمعي واخذ عنه الجاحظ الكثير.
- وشريح بن الحارث الكوفي القاضي جعله عمر بن الخطاب قاضيا على الكوفة واثبته عثمان وعلي في عمله وولاه زياد ابن ابيه القضاء على البصرة وتوفي سنة 72 هـ.
(1/620)

- ويعني بالحسن (وان نعت له الحسن استثقله) الحسن البصري المتكلم والفقيه والواعظ المشهور وقد عاش في العصر الأموي.
- ابن جبير هو سعيد بن جبير الاسدي الكوفي مولى بني أسد كان فقيها عابدا وكتب في الدواوين القضائية، وقتل لدى خروجه مع ابن الاشعث سنة 95 هـ.
- النخعي هو ابراهيم بن يزيد النخعي. كان فقيها وتوفي سنة 96 هـ.
(6) عدم اهتمام الكتاب لعلوم التفسير والفقه والحديث يثير الدهشة.
(7) ثمامة بن اشرس، احد ائمة المعتزلة توفي سنة 828 م. وقد اكثر الجاحظ من ذكره في كتبه ويبدو انه كان مقربا من الخلفاء.
- وعمرو بن مسعدة احد الكتاب في عصر المأمون، توفي سنة 217 هـ.
- وابو بكر الاصم معاصر الجاحظ واحد شيوخ المعتزلة.
بشر بن المعتمر معاصر الجاحظ واحد شيوخ المعتزلة توفي سنة 825 م.
- وابو موسى المرداد معاصر الجاحظ واحد ائمة المعتزلة توفي سنة 841 م.
- عمر بن سرح وابراهيم بن العباس ونجاح بن سلمة واحمد بن الخصيب وآل وهب ويحيى بن خاقان، وموسى بن عبد الملك، وابن المدبر والفضل بن مروان من اعلام الكتاب في العصر العباسي.
- ابو العتاهية الشاعر العباسي المشهور بزهدياته ورقة شعره عاش في العصر العباسي الأول.
- «وجلس الجاحظ يوما في بعض الدواوين» هذه الجملة دخيلة على الكتاب لأن الجاحظ لا يمكن ان يقول عن نفسه ذلك. ويمكنه ان يتحدث بضمير المتكلم فيقول جلست يوما في بعض الدواوين فتأملت الكتاب وقلت ...
(8) اولاد علات: من امهات مختلفات ضرائر.
وضرائر أمهات: النساء اللواتي يكن لزوج واحد ولهن اولاد.
(9) سالم الكاتب عمل في ديوان هشام بن الحكم والوليد بن يزيد.
- ويونس بن ابن فروة احد كتاب العباسيين.
- وابو عباد هو ثابت بن يحيى، كان مقربا من المأمون.
- رجاء بن ابي الضحاك هو والد الحسن بن رجاء. ولي على الخراج في عهد المعتصم، وكان يقرض الشعر.
- ابن يزداد هو محمد بن يزداد بن سويد استعمله المأمون.
(10) لنلاحظ ان معظم الكتاب كانوا من اصل فارسي، وقد اتهم اكثرهم بالشعوبية والزندقة امثال ابن المقفع، ويونس بن ابي فروة، وازدا نقاذار وابراهيم بن
(1/621)

اسماعيل بن داود.
(11) محمود بن الكريم احد الكتاب في عهد المأمون.
- وحميد بن عبد الحميد من كتاب الجند في عهد المأمون.
- يحيى بن اكثم بن صيفي ينتهي بنسبه الى اكثم بن صيفي الحكيم والخطيب الجاهلي المشهور. اشتهر بفقهه وسعة علمه. ولاه المأمون القضاء وتدبير السياسة.
وقد احله المتوكل مكان محمد بن احمد بن ابي دؤاد، ثم عز له وتوفي سنة 246 هـ.
(1/622)

[الفهارس]
فهرس الاعلام [1]
- أ-
آدم 275، 276، 489، 556.
اباضية 111.
ابراهيم 110، 276، 277.
خالد بن ابراهيم 483.
عبيد بن الأبرص 534.
ابرهة 412.
الأبلة 112.
أنباء 500.
هشام بن أبيض 593.
زياد ابن ابيه 115، 569.
أحد: 145، 166.
ابو بكر محمد بن أحمد 592.
الخليل بن أحمد 116.
خلف الاحمر 513، 542.
الاحنف 116.
الاحوص 548.
شبيب بن نجار أخداي 493.
الاخطل 438، 536.
برقوق الاخطل 528.
مرداس بن أدبة 317.
خباب بن الارث 129، 130، 141، 142، 145.
ابو ازمهر 143.
اسامة 168، 181، 229، 244، 245، 250، 281، 310، 352، 484.
ابن اسحق 144، 371، 373، 393.
اسحق: 477، 489، 512.
ابو سلمة بن عبد الأسد 142.
اسماعيل 477، 488، 502.
هاشم بن اشتاحج 481.
الاشتر 349، 356.
__________
[1] لا يتناول هذا الفهرس رسالة فضل هاشم على عبد شمس.
(1/623)

ثمامة بن اشرس 493، 503، 504، 518، 577، 609، 610.
مريج الأشرم 538.
الاشعث: 349، 483.
ابو موسى الاشعري: 301، 351، 352، 353، 371- 376، 518، 567.
الاصبهبد 115.
الاصمعي 529، 530، 608
ابو بكر الاصم 609.
ابو مالك الاعرج 589.
الاعشى 426.
اعشى (سليم) 426.
الاعمش 227
افلح 598
يحيى بن اكثم 617
الله: 70، 71، 73، 78، 80، 101، 105، 113، 114، 116، 148، 149، 151، 156، 161، 170، 177، 179، 188، 195، 204، 205، 206، 207، 208، 210، 239، 264، 274، 275، 276، 342،
389. (كل رقم يدل على آية قرآنية) .
امية: 411، 417، 418، 419،
أنس 220، 231، 232.
كسرى او شروان 571.
الاهواز 112، 115، 120.
الاوزاعي 382.
حبيب بن اوس الطائي (ابو تمام) 575، 576، 583، 585، 597.
ذئب اهبان بن اوس 489.
معاوية بن اوس 535.
الاوس 479.
مطيع بن اياس 492.
زيد بن أيوب 617.
المعلى بن ايوب 617.
- ب-
بابك 115
البارقي 215، 416.
البحتري 578
بخت نصر 106
بخشاد الصفدي 493
بدر 155، 160، 161، 169، 304
عبد الله بن بديل 360
ابو برزة 192
(1/624)

بزرجمهر 608
بشار 492، 575، 589
البصرة 115، 116، 117، 118، 119، 120، 121، 122، 480، 551
ابو علي البصير 575، 578، 580، 582، 587
بغداد: 115، 117، 119، 120، 486، 616
ابو بكر: 106، 129- 328، 142، 143، 144، 151، 158، 159، 170، 171، 175، 179، 257، 292، 293، 323، 344، 378، 385، 4674، 469، 606
البكرية: 368، 380
اسماء بنت ابي بكر 146، 159، 185
عائشة بنت ابي بكر 134، 159، 161، 185، 203
عبد الرحمن بن ابي بكر 165
محمد بن ابي بكر 356
البلاذري 559
بلال 145، 146، 253، 530
كعب بن مرة البهزي 248
- ت-
تاهرت 111
التبت 481
تبوك 234
الترك (الاتراك) 478، 479، 495، 496، 497، 498، 499، 500، 501، 502، 518
التقية 288، 299، 300، 314، 315
التمرية: 368
تميم: 348، 476
النمر بن تولب 541
عمرو بن بكر التيمي 367
- ث-
زيد بن ثابت 141، 142، 228، 345، 352
ثقيف: 103
- ج-
موسى بن جابر 591
جبريل 160، 242
الجبرية 313، 343
علي بن جبلة 585
سعيد بن جبير 145، 530، 608
جدة 533
(1/625)

عبد الله بن جدعان 104
ابو عبيدة بن الجراح 166، 171، 292، 293، 294
جرير 532، 536
جليبب 531
الجهل 133، 284
ابو جهل 149، 196، 205، 418
علي بن الجهم 576
محمد بن الجهم 492، 503
الجهمية 380
ابن جيفر 537
- ح-
عبوة بن عدي بن حاتم 591
زفر بن الحارث 348
زيد بن حارثة 129
ابراهيم الحاسب 614
الحبشة 111، 532، 538، 549
يونس بن حبيب 393
يزيد بن حجبة 349، 350
الحجاج 232، 233، 567، 572
نبيه بن الحجاج 416
حجاز 100، 113، 476
الحديبية 171، 176
حران 105
حرورية 480
مرداس بن حزام 586
حسان بن ثابت 173، 202، 214، 240، 343، 379، 547
عبد الله بن حسن بن الحسن 433
الحشوية 213
عينية بن حصن 469
عباد بن الحصين 496
عبد الله بن حفص 393
محمد بن حفص 393
حفصوية 613
عمران بن حطان 394
مروان بن الحكم 214، 4232، 606
الحجاف بن حكيم 348، 538
سعيد بن حميد 589
حميد بن عبد الحميد 493، 501، 616
الحارث بن حلزة 547
سوداء بن حمران 356
حمزة 133، 422
حمير 476
عمرو بن الحمق 356
محمد بن الحنفية 450
سهل بن حنيف 239، 240
يوم حنين 168
حواء 489
الحسن بن حي 317
(1/626)

الحيرة 105، 122
الحيقطان 53، 532
- خ-
عبد الله بن خازم 557
خاقان 513، 516، 517
الخثعمي 597
خراسان 108، 479، 506
خرشبة 115
أيمن بن خريم 595
خزاعة 103
الخزرج 475
عمر بن الخطاب: 104، 130، 149، 150، 167، 169، 170، 171، 172، 175، 178، 179، 256، 268، 293، 339، 344، 378، 469، 502، 506، 513، 566، 567، 608
الخندق 145
الخوارج: 111، 115، 317، 340، 348، 356، 368، 371، 373، 377، 380، 444، 480، 493، 494، 497، 500
نوفل بن خويلد 144
- د-
ابراهيم بن اسماعيل بن داود 614
ابو علي الدرهمي 578
ابو دجانة 155، 157، 166
دجلة 112، 115، 116، 118
دعبل 586
الفضل بن دلهم 205
ابو دهبل (الجمحي) 546
- ذ-
النابغة الذبياني 317، 426، 491
ابو ذر 145، 223، 256
- ر-
عمر بن ابي ربيعة 547
لبيد بن ربيعة 541، 542، 543
ربيعة 348
الفضل بن العباس بن رزين 517
رسول الله: 68، 81، 136، 144، 153، 606
عبد بن رشيد 536
الحصين بن المنذر الرقاشي 594
عبيد الله بن قيس الرقيات 437
ذو الرمة 545
الاشهب بن رميلة 593
(1/627)

الرافضة (الروافض) 133، 139، 140، 153، 180، 182، 215، 231، 280، 288، 224، 224، 340، 368، 380
الروم 110، 111، 115، 168، 301، 481، 540
- ز-
الزايج 481، 553، 553
ابن الزبعري 410
الزبير 100، 134، 146، 150، 157، 163، 285، 286، 287، 323، 379، 382، 383، 385، 390، 506
زرادشت 391
عمرو بن زرارة 356
عبد العزيز بن زرارة 356
ابن أبي زرعة 572، 589
زغاوة 549
يحيى بن زكريا 132، 134
عاصم الزماني 593
زمزم 105، 388
روح بن زنباع 113
الزنج 535- 556
الزندقة 110
زنيرة 147
الزهري 148، 371، 373، 393
قيس بن زهير 317
وهب بن زهر 417
عبيد الله بن زياد 109
سعيد بن زيد 167
زيد 422، 484
الكمبيت بن زيد 438
الزيدية 253، 317، 324، 460
- س-
سابور 106، 112
ساسان 508، 510، 516، 517
ساعدة 251
سالم 468، 614
ابو اسحق السبيعي 207
عبد الله بن ابي سرح 347، 606
سعد: 1436، 170
عامر بن سعد 239
ابو سفيان 164، 172، 252، 418، 421، 480
السفيانية 382
عبد الله بن سلمة 188
اشجع السلمي 596
سليمان: 247، 270، 250، 252، 253، 256، 258
جعفر بن سليمان 117، 346، 347
(1/628)

بنو سليم 103، 554، 555
صهيب بن سنان 250، 281، 352
هرم بن سنان 317
السند 557
ابراهيم بن السندي 513
السوس الاقصى 105
القاسم بن سيار 493، 395
ابن سيرين 250
- ش-
سفيح بن رياح شار 536، 537
عمرو بن شأس 555
الشام 100، 113، 120، 171، 347، 371، 480، 551
قحطبة بن شبيب (الطائي) 483
شداد (الحارثي) 529، 530
عنترة بن شداد 537
الشعبي 185، 186، 188، 210، 250، 608.
الشعوبية 512
شوكر 394، 615
الشيعة: 135، 138، 139، 157، 180، 223، 356، 373، 377، 475
- ص-
سليمان بن صرد 387
البرك الصريمي 367
عامر بن صعصعة 103
المهلب بن ابي صفرة 416
الجهم بن صفوان 516
امية بن أبي الصلت 103، 104
دريد بن الصمة 104
زيد بن صوحان 306
الصين 508، 509، 510
- ض-
الشماخ بن ضرار 547
- ط-
الطائف 103، 535
ابو طالب 107، 108، 113، 132، 196
علي بن أبي طالب: 107، 109، 119، 130- 328، 131، 132، 133، 138، 144، 151، 175، 177، 231، 295، 296، 323، 340- 400، 566، 606، 608
احمد بن ابي طاهر 574، 576، 587
عامر بن الطفيل 425، 547
(1/629)

طلحة 134، 144، 146، 157، 166، 248، 250، 323، 379، 382
طليحة 184، 257
ابن ابي العباس الطوسي 613
طيبة 112
- ظ-
الحارث بن ظالم 307، 383، 388، 390
- ع-
الحكم بن ابي العاص 410، 417
عمرو بن العاص 135، 294، 350، 351، 355، 370، 371.
ابو عباد 613
عبد الله بن عباس 145، 205، 378، 427، 428، 548، 590، 608
العباسية 258، 259
طرفة بن العبد 426
ابو عبدة 107، 117، 166، 167، 393، 608
ابو عبد الرحمن (العطوي) 593، 597،
الجنيد بن عبد الرحمن 513، 516
عمرو بن عبيد 317
عبد شمس 409- 459
عمر بن عبد العزيز 434، 435
عبد العزى 409
محمود بن عبد الكريم 616
عبد المطلب 107، 142، 411، 412، 478
ابو العتاهية 586، 587، 611
ابو حذيفة بن عتبة 146
العتبي 585
عثمان بن عفان 130، 146، 167، 169، 171، 175، 178، 179، 257، 268، 284، 287، 301، 320، 324، 344، 378، 379، 385، 469، 480، 606
العثمانية 129، 138، 139، 175، 208، 210، 213، 223، 231، 259، 272، 273، 287: 288، 325، 348، 369
حماد عجرد 588
العجم: 107، 111، 258، 278، 279، 283، 285، 390، 488
(1/630)

عبد الحميد (الكاتب) 608، 613
عدنان 476، 477، 489، 549
الهيثم بن عدي: 394، 512، 467، 570، 576
العراق 100، 112، 113، 115، 117، 122، 347، 371
العرب: 103، 104، 107، 258، 259، 476، 477، 478، 482، 488، 508، 509، 510، 532، 541، 548
رزين العروضي 579
العسكر 120
عكاظ 104
سعيد بن عقبة 502، 503
عقيل 421
عمارة بن عقيل 421
الوليد بن عقبة 379
عكيم (الحبشي) 541، 542
علقمة بن علاثة 425
ابو الهذيل العلاف 508، 510
عملس بن عقيل بن علف 51
محمد بن علي 480، 484
الحسين بن علي 109، 450
العلوية 139، 224، 285، 369
عمان 111
ابن عمر 346، 347، 352، 385
عبد الله بن عمر 114، 248.
سهيل بن عمر 171، 176
مريم بنت عمران 114.
عمري 224، 286، 369، 445
عبد الرحمن بن عوف 268، 294
عيسى 132، 134، 489
ابن ابي عيينة 576
ابو عيينة (المهلبي) 590
- غ-
الغار 154، 155، 161
الغالية 340
الغداب 538
الغزغر 110
غسان 106
الغطاريف 143
غطفان 104
غمدان 543
غيلان الدمشقي 317
الغيلانية 382
- ف-
فارس 110، 549
فاطمة بنت النبي 467
قطري بن الفجاءة 444، 445
الفجار 103، 164، 416، 445 446
الفرات 115، 116، 118
(1/631)

فرج (الحجام) 531
الفرزدق 426، 536، 550، 580
فرعون 113
ابو فرعون 532
فرغانة 506
يونس بن فروة 613
فزان 549
الفضول (حلف) 414، 415، 416
احمد بن فنن 578، 590
عامر بن فهيرة 147، 159
- ق-
القادسية 279، 280
القبط 553
هانىء بن قبيصة 573
قحطان 476، 477، 489، 512، 549
ابو قحافة 173
قداحة حكيم المشرق 542
قريش 102، 103، 110، 132، 468، 469، 478
ايلاف قريش 413
لاهز بن قريط 483
ثابت قطنة 597
خالد بن عبد الله القسري 570
ابن قينبر 393
قنبلة 549
عويف للقوافي 590
قيس (قبيلة 348، 476
الاخنف بن قيس 192
الضحاك بن قيس 394
عامر بن عبد القيس 340
قيصر 111، 533
- ك-
سليمان بن كثير 483
عبد الله بن كثير 435
كردين 393
كسرى 533
الحارث بن كعب 103
موسى بن كعب 483
الكعبة 103
الكلبي 394
دنيار بن نعيم الكلبي 593
الحارث بن كلدة 317
ذات كهف 103
الكوفة 115، 117، 118، 119، 122، 225
ابو قنبر الكوفي 592
- ل-
اللات 135، 146، 147
لبنان 546
(1/632)

لخم 106
لقمان الحكيم 530
لنجويه 549
ابو لهب 196
لوط 276
- م-
مأجوح 481
المأمون 501، 504، 607
البراء بن مالك 155
كعب بن مالك 203
المتلمس 565
ابو محجن 202، 214
ابو مخنف 394
المدائني 394، 569
ابن المدبر 570
ابي بن مدلج 409
حبى المدنيّة 591
مذحج 512
المدينة 100، 112، 115، 145، 266، 542، 543
المربد 117
مرجئة 180، 231، 380
مرحب 163
عباس بن مرداس 264، 537
مرو 549
المروانية 382، 480
عبد الملك بن مروان 410، 435، 453، 571
آمنة بنت مزاحم 114
يزيد بن فريد 503
مسعدة 513
عمرو بن مسعدة 614
عبد الله بن مسعود 286، 294
عروة بن مسعود 167
مسطح 161، 203
قتيبة بن مسلم 506
المسيح 391
مسيلمة 184، 257، 531
محمد بن مسيلمة 155، 171، 249، 350، 352
الحسين بن ابي المشرف 614
مصر 108، 111، 113، 114، 115، 350، 370
جبير بن مطعم 143
يحيى بن معاذ 493
سعد بن معاذ 160، 162، 163
معاوية 133، 134، 157، 340- 400، 418، 566، 577، 606
المعتزلة 317، 343، 369، 380، 450، 577، 610
المعتصم 489
بشر بن المعتمر 610
(1/633)

المغلول 538
المقداد 254، 531
ابن المقفع 608، 609، 613
المقنع 115
المقوقس 111، 533
مكة: 100، 104، 105، 109، 132، 145، 409،
533- 538
مكحول (الفقيه) 531
ابو موسى المكفوف 592
عبد الرحمن بن ملجم 367
الملكانية 119
منف 113
المهدي 570
مهجع 530
يزيد بن المهلب 340، 572
اسحق الموصلي 573، 545
ابو عيينة (المهلبي) 570، 591
- ن-
النابتة 340، 343
النبي 74، 78، 104، 112، 114، 143، 151، 184، 220، 221، 222، 224، 225، 231، 274، 275، 294، 339، 425، 566
(كل رقم يدل على حديث شريف) المنتجع بن نبهان 541
النجاشي 111، 203، 342، 535، 543
حسين النجار 608
خفاف بن ندبة 537
النصارى 110، 268، 303، 390
ابو اسحق النظام 352، 353، 354، 608
عمرو بن نفيل 167، 225
النهدية 148
النهروان 360
النوبة 549
نوح 276
ابن نوفل 595
النيل 115، 118، 119
- هـ-
سهل بن هارون 571
موسى الهادي 567
هاشم 106، 107، 109، 110 115، 142، 409 459، 478، 481
شريح بن هانىء 213
ابن هبيرة 482
الحارث بن هشام 214
(1/634)

الضحاك بن هشام 595
ابو هفان 582
سعيد بن عقبة (الهنائي) 502
عبد الله بن هلال 387
عاصم بن يزيد الهلالي 594
الهند 391، 549، 556
مالك بن الهيثم 483
- و
الواقدي 144
محمود الوراق 570، 592
بديل بن ورقاء 167
وحشي 531
سعد بن ابي وقاص 167، 248، 324، 352، 388، 390، 396، 397
خالد بن الوليد 184، 262، 263، 305.
عمرو بن الوليد 595
عبد الله بن وهب 157
- ي-
يأجوج 481
عمار بن ياسر 145، 255
يثرب 152
يزداد 614
ثور بن يزيد 382
خلاد بن يزيد 393
يحيى (بن زكريا) 289
جعفر بن يحيى 574
الفضل بن يحيى 573
سليمان بن يسار 109
اليعقوبية 119
ابو يكسوم 106، 533
اليمن 476، 535، 542، 543، 551
اليونان 518، 509، 510
(1/635)

فهرس المحتويات
مقدمة عامة 5
مقدمة رسالة المعاش والمعاد 9
مقدمة كتاب الاوطان والبلدان 13
مقدمة العثمانية 21
مقدمة رسالة الحكمين 29
مقدمة رسالة فضل هاشم والعباسية 37
مقدمة مناقب الترك 45
مقدمة فخر السودان على البيضان 51
مقدمة كتاب الحجاب 55
مقدمة كتاب ذم اخلاق الكتاب 59
محتويات المعاش والمعاد (63- 92)
1- تقريظ محمد بن ابي دؤاد 65
2- موضوع الكتاب 69
3- آداب الدين والدنيا واحدة 70
4- طبع الناس على حب المنفعة ودفع الضرر 72
5- الرغبة والرهبة اساس السياسة 73
6- العدل اساس السياسة 74
(1/637)

7- لائحة الاسباب والعواقب 76
8- الجود والبخل 78
9- الصمت والمنطق 79
10- الشجاعة 79
11- معاملة العدو 80
12- اجناس الناس 81
13- معرفة الأمور الغائبة 82
14- الصداقة 84
15- الخلال المذمومة 85
16- امتداح الذات 88
17- سياسة السلطان 91
هامش رسالة المعاش والمعاد 93
محتويات رسالة الاوطان والبلدان (97- 122)
1- موضوع الكتاب 99
2- حب الوطن طبع في الناس 100
3- خصال قريش 102
4- مكة 105
5- خصال هاشم 106
6- عودة الى قريش 110
7- المدينة 112
8- مصر 113
9- الكوفة والبصرة 115
10- الحيرة 122
هامش الاوطان والبلدان 123
(1/638)

محتويات رسالة العثمانية (127- 328)
1- مقدمة 129
2- اسلام ابي بكر أفضل من اسلام علي 129
3- اسلام علي اتى عن تربية وتأديب 130
4- حكم الطباع هو الصحيح 131
5- لو عرف علي هذا التمييز المبكر لاحتج هو بهذه الآية ولذكرها القرآن والاخبار 132
7- أدلة الشيعة على قدم اسلام علي وفضله ورد العثمانية عليهم 138
8- أسلم علي وهو يعلم ان له ظهرا يحميه 141
9- كان ابو بكر ذا ثراء وجاه فلم يخش عليهما، بينما لم يكن علي ذا مال فيخشى عليه 142
10- ابو بكر تحمل التنكيل في سبيل الاسلام بينما كان علي وادع البال 144
11- ابو بكر يدعو الناس الى الاسلام فيستجاب له، ويعتق العبيد 146
12- ابو بكر انفق ماله في سبيل الاسلام، بينما لم يكن لعلي مال فينفقه 148
13- قتال علي في سبيل الاسلام لا يضارع احتمال ابي بكر 151
14- صحبة ابي بكر في الغار ونوم علي في الفراش 153
15- فروسية علي ليست افضل من رباطة جأش ابي بكر وحزمه في مواجهه المعضلات 155
16- حكمة ابي بكر افضل من فقه علي 174
17- حكمة ابي بكر يوم صلح الحديبية 176
18- حكمة ابي بكر عند موت النبي 178
19- حكمة ابي بكر في الزكاة 180
20- حكمة أبي بكر في انقاذ جيش أسامة 181
21- حكمة ابي بكر في مكان قبر النبي 182
22- شهادة علي في أبي بكر 182
23- صدق ظن ابي بكر 185
24- فقهاء الاسلام، عودة الى فقه علي 185
25- علي ليس افقه الناس 189
26- قصور علي في التدبير والسياسة 190
(1/639)

27- ابو بكر ازهد من علي 192
28- علي مزواج على خلاف ابي بكر 193
29- تقاضي علي عمالته من الخزينة على عكس ابي بكر 193
30- انزلت الآي في ابي بكر تكريما له 194
31- آية الغار 195
32- آية الصفح عن مسطح بسبب قرف عائشة 203
33- آيات أخرى في ابي بكر 204
34- آية طاعة الرسول واولي الأمر ليست في علي وحده 206
35- آية الدخول في السلم ليست في علي 207
36- تأويل آية يقيمون الصلاة ويأتون الزكاة وهم راكعون 208
37- تأويل آية وكفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب 210
38- تسمية ابي بكر بالصديق دليل على فضله 211
39- تأمير ابي بكر الحج دون علي 216
40- النبي يعهد الى أبي بكر بام الناس في الصلاة يوم شكاته 217
41- حجج الشيعة في تفضيل علي من الاحاديث 220
42- حجج العثمانية في تفضيل ابي بكر من الاحاديث 221
43- موقف الجاحظ من التعضيل 222
44- تأويل العثمانية لحديث: «من كنت مولاه فعلي مولاه» 227
45- تأويل العثمانية لحديث «انت مني كهارون من موسى» 234
46- تأويل الشيعة لحديث إمرة ابي بكر في الصلاة ورد العثمانية 241
47- الرد على احتجاج الشيعة بان الناس لم يجمعوا على امامة ابي بكر 247
48- تأويل قول ابي بكر: منا امير ومنكم امير 250
49- تأويل قول سلمان: كرداذ ونكرداذ 251
50- موقف بلال من بيعة ابي بكر 253
51- موقف المقداد من خلافة ابي بكر 254
52- موقف عمار بن ياسر من خلافة ابي بكر 255
53- موقف ابي ذر من عمر 256
54- عودة الى اسلام سلمان 256
(1/640)

55- موقف خالد من بيعة ابي بكر 261
56- يستحيل اجماع الناس على الخلافة، وعلي كان اقل الخلفاء اجماعا 264
57- تأويل قول ابي بكر: كانت بيعتي فلتة 265
58- الرياسة عند العثمانية لا تنال بالقرابة بل بالدين 272
59- احتجاج العثمانية للتسوية بين الناس 273
60- رد العثمانية على ادعاء الشيعة ان عمر لم يأخذ بالتسوية 277
61- الرد على ادعاء الشيعة ان عليا عمل بالتسوية دون عمر 283
62- رد العثمانية على ادعاء الشيعة ان الزبير سل سيفه انتصارا لعلي 285
63- تأويل قول ابي بكر «وليتكم ولست خيرا منكم» 289
64- تأويل قول أبي بكر: بايعوا اي هذين شئتم 292
65- خلاصة آراء الشيعة والعثمانية 297
67- جدل الشيعة والعثمانية حول صحة اسلام ابي بكر 301
68- العامة لا تصلح لا قامة الامام 307
69- تكليف الخاصة باقامة الامام 314
70- معرفة الامام 316
71- وجوه ثلاثة لاقامة الامام 320
72- رفض نظرية الشيعة في النص على الامام 321
73- خاتمة 327
هامش رسالة العثمانية 329
محتويات رسالة الحكمين وتصويب علي بن ابي طالب في فعله (337- 399)
1- موضوع الرسالة 339
2- لا وجه للمقارنة بين علي ومعاوية 341
3- فضائل معاوية 344
4- اسس استحقاق الامامة بنظر الجاحظ 344
5- معاوية لا يستحق الامامة 345
(1/641)

6- معاوية يدعي استحقاق الامامة لانه يطالب عليا بدم عثمان 345
7- معاوية يستغل موقف سعد وابن عمر ويفيد من اختلاف جند علي واتفاق جنده 346
8- معاوية يلجأ الى الترغيب بالمال والتولية على عكس علي 350
9- حيلة المصاحف تنطلي على الناس 350
10- دعاء عمرو بن العاص وغباء ابي موسى الاشعري 351
11- دوافع ابي موسى الى موقفه من التحكم 353
12- لماذا قبل علي بابي موسى حكما 353
13- اسباب ترك علي القتال 357
14- العمل عند المعتزلة كالقول 363
15- معاوية لم يخدع عليا بل كان هو المخدوع 364
16- معاوية ليس ادهى من علي ولكنه كان يستعمل جميع المكايد حلالها وحرامها بينما لم يستعمل علي الا ما وافق الكتاب والسنة 365
17- كفر معاوية في ادعاء اخوة زياد ابن ابيه 368
18- موقف الجاحظ الحيادي 369
19- السفيانية لا تضل معاوية لمبايعته يزيد 370
20- كتاب القضية مدخول لفظا وشهودا ومضمونا 371
21- عزل علي معاوية لضلاله فتمرد عليه 376
22- الشيعة والخوارج غافلون عن فهم علي 377
23- ضلال الخوارج في قضية التحكيم 377
24- موقف ابن عباس من عزل معاوية 378
25- العامة تستنكر مقتل عثمان فتميل الى معاوية 378
26- المعتزلة يتوسطون الفرق 380
27- موقف علي والناس من فضل عثمان 382
28- أنصار معاوية يحتجون له 382
29- موقف طلحة والزبير من علي 383
30- احتجاج السفيانية بان معاوية لم يكن قاسطا 384
31- احتجاج السفيانية بان عمر وعثمان وليا معاوية وان عليا لم ينل الخلافة بالتشاور والاجماع او النص 385
(1/642)

32- احتجاج السفيانية بان ولاية معاوية صارت له بوضع اليد 386
33- احتجاج السفيانية بان معاوية اولى الناس بمطالبة علي بدم عثمان 387
34- احتجاج السفيانية بان الخلافة شورى، وان معاوية احق بها من بقية الشورى 387
35- احتجاج السفيانيه بانه لا بد من الدين والسيف في الملك 390
36- اسباب صلاح معاوية للخلافة بنظر السفيانية 391
37- رد الجاحظ على حجج السفيانية 392
38- معاوية لم يحتج بحجج السفيانية 392
39- اصحاب السير والاخبار لم يذكروا حجج السفيانية 393
40- حجج السفيانية من عمل المتكلمين 394
41- حجة السفيانية بعدم توافر الاجماع على علي لا تطعن في خلافته 395
42- حجة السفيانية بعدم عمل علي بالشورى لا تطعن في خلافته 396
43- علي اولى بالخلافة للقرابة والرواية وتقدم والزهد 398
44- حق معاوية بالمطالبة بدم عثمان لا يمنحه الحق بالخلافة 398
45- علي لم يقتل عثمان ولم يعن عليه 399
هامش رسالة الحكمين 401
محتويات رسالة فضل هاشم على عبد شمس (407- 460)
1- خصال هاشم في الجاهلية 409
2- كرم هاشم 410
3- مزايا عبد المطلب 411
4- نبوة محمد 412
5- ايلاف قريش 413
6- حلف الفضول 414
7- حرب الفجار 416
8- مخازي امية مقابل فضائل هاشم 417
9- ملوك هاشم اعظم من ملوك امية 419
10- هاشم احق بالخلافة 420
(1/643)

11- جور أمية 421
12- هاشم تنتزع الملك من أمية 424
13- مفاخر هاشم بعد الاسلام: الفخر بكثرة الولد 425
14- الفخر بالحكمة 427
15- فخر هاشم بالبسالة 428
16- فخر هاشم بالكرم 431
17- مفاخر امية بالدهاء والحروب والعلم والشعر 436
18- فخر عبد شمس بالخطابة 439
19- فخر عبد شمس بالورع والنسك 440
20- فخر امية بالملك 443
21- فخر امية بالحسن 444
22- مفاخر امية قبل الاسلام 445
23- رد هاشم على ادعاءات امية الدهاء 446
24- رد هاشم على ادعاء امية الجود 447
25- رد هاشم على ادعاء امية الحلم 447
26- رد هاشم على ادعاء امية الخطابة 448
27- رد هاشم على ادعاء امية الورع 449
28- رد هاشم على ادعاء امية الفقه 449
29- رد هاشم على ادعاء امية البسالة 450
30- رد هاشم على ادعاء امية التواضع 451
31- رد هاشم على ادعاء امية الحسن 451
32- رد هاشم على مفاخرة امية بالنساء 453
33- رد امية على هاشم والدعوة الى التسوية 455
34- جواب هاشم الأخير: لا تسوية بيننا 456
هامش كتاب فضل هاشم على عبد شمس 461
محتويات رسالة العباسية (465- 470)
(1/644)

محتويات رسالة مناقب الترك (471- 519)
1- مقدمة 473
2- اعداء السلطان 373
3- اقسام جند الخلافة الخمسة 475
4- لا فرق بين الخراساني والتركي 476
5- العرب امة واحدة 476
6- البنوي خراساني 477
7- مفاخر الخراسانيين 479
8- مفاخر العرب 482
9- مفاخر الموالي 483
10- مفاخر البنوي 485
11- الغاية من وضع الكتاب 486
12- موضوع الكتاب 491
13- مناسبة تأليف الكتاب 493
14- خصال الخوارج 493
15- خصال الاتراك 495
16- مقارنة الامم 508
هامش رسالة مناقب الترك وعامة جند الخلافة 521
محتويات رسالة فخر السودان على البيضان (527- 557)
1- مقدمة 529
2- نجباء السوداء 530
3- خصال السودان 539
4- مزايا اللون الاسود 544
5- كثرة عدد السودان واتساع بلدانهم 548
(1/645)

6- أثر البيئة في لون السودان والبيضان 554
هامش رسالة فخر السودان على البيضان 559
محتويات رسالة الحجاب (563- 598)
1- مقدمة 565
2- النهي عن الحجاب 566
3- شروط الحاجب 570
5- اخبار واشعار عتاب وهجاء ومديح في الحجاب 573
هامش رسالة الحجاب 599
محتويات رسالة ذم أخلاق الكتاب (603- 618)
1- المقدمة 605
2- نماذج سيئة من الكتاب 606
3- الرسول لم يعرف الكتابة 606
4- الكتاب اتباع وخدم 607
5- تكبر الكتاب وادعاؤهم العلم 608
6- فسق الكتاب 609
7- المعتزلة يكرهون الكتاب 609
8- قلة تعاطف الكتاب 611
9- شؤم الكتاب 613
10- خساسة ارزاق الكتاب 615
11- بعض اخبار الكتاب 616
(1/646)