Advertisement

المستطرف في كل فن مستطرف



اسم الكتاب: المستطرف في كل فن مستطرف
المؤلف: شهاب الدين محمد بن أحمد بن منصور الأبشيهي أبو الفتح (المتوفى: 852هـ)
الناشر: عالم الكتب - بيروت
الطبعة: الأولى، 1419 هـ
عدد الأجزاء:1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
مقدّمة [التحقيق]
الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين في كل حين، وعليه نتوكل وإليه ننيب، نحمده حمد المقر بنعمه المستغفر لذنبه، الراغب بقربه، الراجي لعفوه سبحانه وتعالى هو الغفور الرحيم.
والصلاة والسلام على المصطفى من العرب والعجم من باتّباع دعوته ننجو من النّقم، نبي الرحمة، البشير النذير والسراج المنير، والداعي إلى الله بإذنه، من أرسله الله بدين الهدى والحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، النبيّ الأميّ الطاهر الأمين، سيد ولد آدم، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد عزيزي القارىء.
امتاز الأدب العربي عن سواه من الآداب العالمية بمصنفات جمع فيها مؤلفوها مادة أدبية ليست من إنتاجهم، وأشعارا ليست من نظمهم.
وقد تنوعت هذه المصنفات، فمنها ما اختص بالشعر الجاهلي مثلا، كجمع الزوزني للمعلقات وشرحها، ومنها من اختص بشعر الحماسة كحماسة أبي تمام، ومنها ما اختص بجمع طرائف أخبار النحويين أو الأعراب أو اللغة، أو ما استعجم من الألفاظ. إلخ ... ، ومنها ما اختص بجمع أخبار فئة معينة ككتب الجاحظ.
إلا أن هذه الجمع والتصنيف الذي اصطبغ في أكثره بصبغة معجمية تبعه جمع آخر وتصنيف مختلف، فظهرت في فترة لاحقة مصنفات جمعت من كل باب من أبواب الأدب أطرفه ومن كل فن أظرفه.
وقد اختار كل مؤلف ومصنف منهجا عمل من خلاله، لذلك نجد أنه رغم كثرة المصنفات في هذا اللون من ألوان الأدب فإن لكل منها نكهة مختلفة وفي كلّ منها مادة جديدة لم تذكرها المصنّفات الأخرى، مما يجعل كل مصنف منها فريدا في بابه، لا يغني عن سواه ولا يغني سواه عنه.
إلا أن أقرب هذه المصنفات إلى قلوب القراء عبر العصور، وأكثرها تداولا هو كتاب «المستطرف في كل فن مستظرف» الذي أعده وجمع مادته وألّف بين أخباره ونوادره وحكمه ومواعظه شهاب الدين محمد بن أحمد أبي الفتح الأشبيهي.
ولقد لقي هذا الكتاب من عناية المحققين المعاصرين ما جعله يصدر في طبعات كثيرة تتفاوت في قيمتها ودقتها لرغبة القراء في اقتنائه ورغبة الناشرين بإصداره.
(1/5)

لذا رأينا أنه لا بد من تحقيقه على أصول معتمدة لتنقيته من شوائب الأخطاء والتصحيف التي امتلأت بها طبعاته المختلفة، وأنه لا بد أن نقوم على تصحيحه بأنفسنا لكي لا تفسد أخطاء التنضيد ما أصلحناه من شوائب النسخ والتصحيف.
ولم نكتف بذلك، فالكتاب صار في متناول كل يد وكل أسرة، وكل فرد من أفراد الأسرة، وما يقرأه البعض ويستحسنه لا يصح أن يقرأه الكل، وفي الكتاب من الشعر ما لا يستحب نشره فكيف بقراءته لذا قمنا بتهذيب الكتاب وتنقيته فحذفنا ما وجب حذفه دون أن نخل بترتيب الأبواب أو الفصول وهذبنا ما وجب تهذيبه دون أن نفقد الطرفة طرافتها ولا الخبر ظرفه ولا الحكاية معناها وفحواها وهدفها، ثم شرحنا ما يدق معناه ويستغرب لفظه فلم نغرق في شروح تبعد الكتاب عن مقصده ككتاب لإمتاع الأسماع بما لذ وطاب من طرائف الأخبار والأشعار، ويحوله إلى كتاب تعليمي بحت.
إن كل كتاب أدبي هو شاهد على العصر الذي ألّف فيه، وكتاب المستظرف، شاهد على عصره في أخباره وطرائفه ونوادره وأشعاره، وهو مع ذلك ما يزال حيّا يقرأ في كل عصر وكأنه كتب بالأمس القريب.
نأمل أن يحقق الجهد الذي أوليناه لهذا الكتاب غايته، والاهتمام الذي بذلناه هدفه، بنيل إعجاب وتقدير وتشجيع القارىء العزيز، على الله توكلنا وإليه أنبنا هو نعم المولى ونعم النصير.
سعيد محمد اللحام
(1/6)

[مقدمة التأليف]
بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الملك العظيم العلي الكبير، الغني اللطيف الخبير، المنفرد بالعز والبقاء، والإرادة والتدبير، الحي العليم الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، تبارك الذي بيده الملك، وهو على كل شيء قدير، أحمده حمد عبد معترف بالعجز والتقصير، وأشكره على ما أعان عليه على قصد ويسر من عسير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مشير، ولا ظهير له ولا وزير، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله البشير النذير السراج المنير، المبعوث إلى كافة الخلق من غني وفقير، ومأمور وأمير، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه صلاة يفوز قائلها من الله بمغفرة وأجر كبير، وينجو بها في الآخرة من عذاب السعير، وحسبنا الله ونعم الوكيل فنعم المولى ونعم النصير.
أمّا بعد: فقد رأيت جماعة من ذوي الهمم، جمعوا أشياء كثيرة من الآداب والمواعظ والحكم، وبسطوا مجلدات في التواريخ والنوادر، والأخبار، والحكايات، واللطائف، ورقائق الأشعار، وألفوا في ذلك كتبا كثيرة، وتفرد كل منها بفرائد فوائد لم تكن في غيره من الكتب محصورة، فاستخرت الله تعالى وجمعت من جموعها هذا المجموع اللطيف، وجعلته مشتملا على كل فن ظريف، (وسميته المستطرف، في كل فن مستظرف) واستدللت فيه بآيات كثيرة من القرآن العظيم. وأحاديث صحيحة من أحاديث النبي الكريم، وطرزته بحكايات حسنة عن الصالحين الأخيار، ونقلت فيه كثيرا مما أودعه الزمخشري في كتابه «ربيع الأبرار» وكثيرا مما نقله ابن عبد ربه في كتابه «العقد الفريد» ورجوت أن يجد مطالعه فيه كل ما يقصد ويريد، وجمعت فيه لطائف وظرائف عديدة، من منتخبات الكتب النفيسة المفيدة، وأودعته من الأحاديث النبوية، والأمثال الشعرية، والألفاظ اللغوية، والحكايات الجدية، والنوادر الهزلية، ومن الغرائب والدقائق، والأشعار والرقائق، ما تشنف بذكره الأسماع وتقر برؤيته العيون، وينشرح بمطالعته كل قلب محزون (شعر) .
من كلّ معنى يكاد الميت يفهمه ... حسنا ويعشقه القرطاس والقلم
وجعلته يشتمل على أربعة وثمانين بابا من أحسن الفنون، متوجة بألفاظ كأنها الدر المكنون، كما قال بعضهم شعرا في المعنى:
ففي كل باب منه درّ مؤلف ... كنظم عقود زيّنتها الجواهر
فإن نظم العقد الذي فيه جوهر على غير تأليف فما الدرّ فاخر وضمنته كل لطيفة، ونظمته بكل ظريفة، وقرنت الأصول فيه بالفصول، ورجوت أن يتيسر لي ما رمته من الوصول. وجعلت أبوابه مقدمة، وفصلتها في مواضعها مرتبة منظمة، ليقصد الطالب إلى كل باب منها عند الاحتياج إليه، ويعرف مكانه بالاستدلال عليه، فيجد كل معنى في بابه إن شاء الله تعالى والله المسؤول في تيسير المطلوب، وأن يلهم الناظر فيه ستر ما يراه من خلل وعيوب، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير، وهذه فهرست الكتاب والله سبحانه المهون للصعاب.
(الباب الأول) في مباني الإسلام: وفيه خمسة فصول، (الباب الثاني) في العقل والذكاء والحمق والذم وغير ذلك. (الباب الثالث) في القرآن العظيم وفضله وحرمته وما أعد الله تعالى لقارئه من الثواب العظيم، والأجر الجسيم. (الباب الرابع) في العلم والأدب وفضل العالم والمتعلم. (الباب الخامس) في الآداب والحكم وما أشبه ذلك. (الباب السادس) في الأمثال السائرة وفيه فصول.
(الباب السابع) في البيان والبلاغة والفصاحة، وذكر الفصحاء من الرجال والنساء، وفيه فصول. (الباب الثامن) في الأجوبة المسكتة والمستحسنة، ورشقات اللسان وما جرى مجرى ذلك. (الباب التاسع) في ذكر الخطب والخطباء، والشعراء، وسرقاتهم، وكبوات الجياد،
(1/7)

وهفوات الأمجاد. (الباب العاشر) في التوكل على الله تعالى، والرضا بما قسم والقناعة، وذم الحرص والطمع، وما أشبه ذلك وفيه فصول، (الباب الحادي عشر) في المشورة والنصيحة، والتجارب، والنظر في العواقب.
(الباب الثاني عشر) في الوصايا الحسنة، والمواعظ المستحسنة، وما أشبه ذلك. (الباب الثالث عشر) في الصمت وصون اللسان، والنهي عن الغيبة والسعي بالنميمة، ومدح العزلة وذم الشهرة، وفيه فصول. (الباب الرابع عشر) في الملك والسلطان وطاعة ولاة أمور الإسلام، وما يجب للسلطان على الرعية، وما يجب لهم عليه. (الباب الخامس عشر) فيما يجب على من صحب السلطان والتحذير من صحبته. (الباب السادس عشر) في الوزراء وصفاتهم وأحوالهم، وما أشبه ذلك. (الباب السابع عشر) في ذكر الحجاب والولاية، وما فيها من الغرور والخطر. (الباب الثامن عشر) فيما جاء في القضاء وذكر القضاة، وقبول الرشوة والهدية على الحكم، وما يتعلق بالديون، وذكر القصاص والمتصوفة وفيه فصول، (الباب التاسع عشر) في العدل والإحسان والإنصاف، وغير ذلك. (الباب العشرون) في الظلم وشؤمه وسوء عواقبه، وذكر الظلمة وأحوالهم وغير ذلك. (الباب الحادي والعشرون) في بيان الشروط التي تؤخذ على العمال، وسيرة السلطان في استجباء الخراج وأحكام أهل الذمة وفيه فصلان. (الباب الثاني والعشرون) في اصطناع المعروف، وإغاثة الملهوف، وقضاء الحوائج للمسلمين، وإدخال السرور عليهم. (الباب الثالث والعشرون) في محاسن الأخلاق ومساويها. (الباب الرابع والعشرون) في حسن المعاشرة، والمودة، والأخوة، والزيارة، وما أشبه ذلك. (الباب الخامس والعشرون) في الشفقة على خلق الله تعالى والرحمة بهم، وفضل الشفاعة وإصلاح ذات البين، وفيه فصلان. (الباب السادس والعشرون) في الحياء والتواضع، ولين الجانب وخفض الجناح، وفيه فصلان: (الباب السابع والعشرون) في العجب والكبر والخيلاء، وما أشبه ذلك. (الباب الثامن والعشرون) في الفخر والمفاخرة والتفاضل والتفاوت. (الباب التاسع والعشرون) في الشرف والسؤدد وعلو الهمة. (الباب الثلاثون) في الخير والصلاح، وذكر السادة الصحابة وذكر الأولياء والصالحين، رضي الله عنهم أجمعين. (الباب الحادي والثلاثون) في مناقب الصالحين وكرامات الأولياء، رضي الله عنهم. (الباب الثاني والثلاثون) في ذكر الأشرار والفجّار، وما يرتكبون من الفواحش والوقاحة والسفاهة. (الباب الثالث والثلاثون) في الجود والسخاء والكرم، ومكارم الأخلاق واصطناع المعروف، وذكر الأمجاد وأحاديث الأجواد. (الباب الرابع والثلاثون) في البخل والشح وذكر البخلاء، وأخبارهم وما جاء عنهم.
(الباب الخامس والثلاثون) في الطعام وآدابه والضيافة وآداب المضيف والضيف، وأخبار الأكلة وما جاء عنهم وغير ذلك. (الباب السادس والثلاثون) في العفو والحلم والصفح، وكظم الغيظ، والاعتذار وقبول المعذرة، والعتاب، وما أشبه ذلك. (الباب السابع والثلاثون) في الوفاء بالوعد وحسن العهد ورعاية الذمم. (الباب الثامن والثلاثون) في كتمان السر وتحصينه، وذم إفشائه. (الباب التاسع والثلاثون) في الغدر والخيانة والسرقة والعداوة والبغضاء والحسد، وفيه فصول. (الباب الأربعون) في الشجاعة وثمرتها والحروب وتدبيرها وفضل الجهاد.
وشدة البأس والتحريض على القتال، وفيه فصول. (الباب الحادي والأربعون) في ذكر أسماء الشجعان، ذكر الأبطال وطبقاتهم وأخبارهم، وذكر الجبناء وأخبارهم، وذم الجبن. (الباب الثاني والأربعون) في المدح والثناء وشكر النعمة، والمكافأة، وفيه فصول. (الباب الثالث والأربعون) في الهجاء ومقدماته. (الباب الرابع والأربعون) في الصدق والكذب، وفيه فصلان. (الباب الخامس والأربعون) في بر الوالدين وذم العقوق وذكر الأولاد وما يجب لهم وعليهم، وصلة الرحم والقرابات، وذكر الأنساب، وفيه فصول. (الباب السادس والأربعون) في الخلق وصفاتهم وأحوالهم، وذكر الحسن والقبح والطول والقصر والألوان واللباس، وما أشبه ذلك.
(الباب السابع والأربعون) في ذكر الحلي والمصوغ والطيب والتطييب، وما جاء في التختم. (الباب الثامن والأربعون) في الشباب والشيب والصحة والعافية وأخبار المعمرين، وما أشبه ذلك، وفيه فصول. (الباب التاسع والأربعون) في الأسماء والكنى والألقاب، وما استحسن منها. (الباب الخمسون) في الأسفار والاغتراب، وما قيل في الوداع والفراق والحث على ترك الإقامة بدار الهوان، وحب الوطن والحنين إلى الأوطان. (الباب الحادي والخمسون) في ذكر الغنى وحب المال والافتخار بجمعه.
(الباب الثاني والخمسون) في ذكر الفقر ومدحه. (الباب الثالث والخمسون) في ذكر التلطف في السؤال، وذكر من سئل فجاد. (الباب الرابع والخمسون) في ذكر الهدايا
(1/8)

والتحف، وما أشبه ذلك. (الباب الخامس والخمسون) في العمل والكسب والصناعات والحرف، والعجز والتواني وما أشبه ذلك. (الباب السادس والخمسون) في شكوى الزمان وانقلابه بأهله، والصبر على المكاره، والتسلي عن نوائب الدهر، وفيه ثلاثة فصول. (الباب السابع والخمسون) فيما جاء في اليسر بعد العسر والفرج بعد الشدة، والسرور بعد الحزن، ونحو ذلك. (الباب الثامن والخمسون) في ذكر العبيد والإماء والخدم، وفيه فصلان.
(الباب التاسع والخمسون) في أخبار العرب، وذكر غرائب من عوائدهم وعجائب أمرهم. (الباب الستون) في الكهانة والقيافة والزجر والعرافة والفأل والطيرة والفراسة والنوم والرؤيا. (الباب الحادي والستون) في الحيل والخدائع المتوصل بها إلى بلوغ المقاصد، والتيقظ والتبصر، ونحو ذلك. (الباب الثاني والستون) في ذكر الدواب والوحوش والطير والهوام والحشرات، مرتبا على حروف المعجم.
(الباب الثالث والستون) في ذكر نبذة من عجائب المخلوقات وصفاتهم. (الباب الرابع والستون) في خلق الجان وصفاتهم (الباب الخامس والستون) في ذكر البحار وما فيها من العجائب، وذكر الأنهار والآبار، وفيه فصول.
(الباب السادس والستون) في ذكر عجائب الأرض وما فيها من الجبال والبلدان وغرائب البنيان، وفيه فصول. (الباب السابع والستون) في ذكر المعادن والأحجار وخواصها.
(الباب الثامن والستون) في ذكر الأصوات والألحان وذكر الغناء واختلاف الناس، ومن كرهه واستحسنه. (الباب التاسع والستون) في ذكر المغنين والمطربين وأخبارهم، ونوادر الجلساء في مجالس الخلفاء. (الباب السبعون) في ذكر القينات والأغاني. (الباب الحادي والسبعون) في ذكر العشق ومن بلي به، والافتخار به والعفاف، وأخبار من مات بالعشق، وما في معنى ذلك، وفيه فصول. (الباب الثاني والسبعون) في ذكر رقائق الشعر والمواليا والدوبيت، وكان وكان، والموشحات، والزجل، والقومة، والألغاز، ومدح الأسماء والصفات، وفيه فصول. (الباب الثالث والسبعون) في ذكر النساء وصفاتهن ونكاحهن وطلاقهن، وما يمدح وما يذم من عشرتهن، وفيه فصول، (الباب الرابع والسبعون) في ذم الخمر وتحريمها والنهي عنها. (الباب الخامس والسبعون) في المزاح والنهي عنه، وما جاء في الترخيص فيه، والبسط والتنعم، وفيه فصول. (الباب السادس والسبعون) في النوادر والحكايات، وفيه فصول. (الباب السابع والسبعون) في الدعاء وآدابه وشروطه، وفيه فصول.
(الباب الثامن والسبعون) في القضاء والقدر وأحكامهما والتوكل على الله تعالى. (الباب التاسع والسبعون) في التوبة وشروطها والندم والاستغفار. (الباب الثمانون) في ذكر الأمراض والعلل والطب والدواء، والسنة والعيادة وثوابها، وما أشبه ذلك، وفيه فصول. (الباب الحادي والثمانون) في ذكر الموت وما يتصل به من القبر وأحواله.
(الباب الثاني والثمانون) في الصبر والتأسي والتعازي والمراثي ونحو ذلك وفيه فصول (الباب الثالث والثمانون) في ذكر الدنيا وأحوالها وتقلبها بأهلها والزهد فيها، ونحو ذلك. (الباب الرابع والثمانون) في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخر الأبواب، ختمتها بالصلاة على سيد العباد. أرجو بذلك شفاعته صلى الله عليه وسلم يوم المعاد.
(1/9)

بسم الله الرّحمن الرّحيم
الباب الأول في مباني الإسلام
وفيه خمسة فصول
الفصل الأول في الإخلاص لله تعالى والثناء عليه
وهو أن تعلم أن الله تعالى واحد لا شريك له. فرد لا مثل له. صمد لا ند له. أزلي قائم، أبدي دائم، لا أول لوجوده، ولا آخر لأبديته. قيوم لا يفنيه الأبد، ولا يغيره الأمد، بل هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، منزه عن الجسمية لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
«1» ، وهو فوق كل شيء، فوقيته لا تزيده بعدا عن عباده، وهو أَقْرَبُ
إلى العبيد مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
«2» ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
«3» ، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
«4» ، لا يشابه قربه قرب الأجسام، كما لا تشابه ذاته ذوات الأجرام «5» ، منزه عن أن يحده زمان، مقدس عن أن يحيط به مكان، تراه أبصار الأبرار في دار القرار، على ما دلت عليه الآيات والأخبار، حيّ قادر جبار قاهر لا يعتريه عجز ولا قصور، لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
«6» ، له الملكوت والعزة والجبروت، خلق الخلق وأعمالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، لا تحصى مقدوراته «7» ، ولا تتناهى معلوماته، عالم بجميع المعلومات، لا يعزب عنه «8» مثقال ذرة في الأرض ولا في السموات، يعلم السر وأخفى «9» ، ويطلع على هواجس الضمائر وخفيات السرائر، مريد للكائنات، مدبر للحادثات، لا يجري في ملكه قليل ولا كثير، ولا جليل ولا حقير، خير أو شر، نفع أو ضر، إلا بقضائه وقدره وحكمه ومشيئته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فهو المبدىء المعيد «10» ، الفاعل لما يريد، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، ولا مهرب لعبد عن معصيته إلا بتوفيقه ورحمته، ولا قوة له على طاعته إلا بمحبته وإرادته. لو اجتمع الإنس والجن والملائكة والشياطين على أن يحركوا في العالم ذرة أو يسكنوها دون إرادته لعجزوا «11» . سميع بصير متكلم بكلام لا يشبه كلام خلقه، وكل ما سواه سبحانه وتعالى، فهو حادث أوجده بقدرته، وما من حركة ولا سكون إلا وله في ذلك حكمة دالة على وحدانيته، قال الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
«12» الآية. وقال أبو العتاهية:
فيا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد
ولله في كلّ تحريكة ... وتسكينة في الورى شاهد
وقال غيره:
(1/11)

كلّ ما ترتقي إليه بوهم «1» ... من جلال وقدرة وسناء
فالذي أبدع البرية أعلى ... منه، سبحان مبدع الأشياء
وقال علي رضي الله عنه في بعض وصاياه لولده: «إعلم يا بني أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت أفعاله وصفاته، ولكنه إله واحد لا يضاده في ملكه أحد» . وعنه عليه الصلاة والسلام:
«كل ما يتصور في الأذهان فالله سبحانه بخلافه» .
وقال لبيد بن ربيعة:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل «2»
وكلّ ابن أنثى لو تطاول عمره ... إلى الغاية القصوى فللقبر آيل
وكلّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية «3» تصفرّ منها الأنامل
وكلّ امرىء يوما سيعرف سعيه ... إذا حصلت عند الإله الحصائل
وروي أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر: أن أشعر كلمة قالتها العرب: «ألا كل شيء ما خلا الله باطل» .
ثم بعد هذا الاعتقاد الإقرار بالشهادة بأن محمدا رسول الله بعثه برسالته إلى الخلائق كافة وجعله خاتم الأنبياء، ونسخ بشريعته الشرائع وجعله سيد البشر والشفيع المشفّع في المحشر، وأوجب على الخلق تصديقه فيما أخبر عنه من أمور الدنيا والآخرة، فلا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بما أخبر به بعد الموت، من سؤال منكر ونكير، وهما ملكان من ملائكة الله تعالى يسألان العبد في قبره عن التوحيد والرسالة، ويقولان له: منّ ربك وما دينك ومن نبيّك. ويؤمن بعذاب القبر وأنه حق، وأن الميزان حق، والصراط حق، والحساب حق، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الله تعالى يدخل الجنة من يشاء بغير حساب وهم المقرّبون، وأنه يخرج عصاة الموحدين من النار بعد الانتقام، حتى لا يبقى في جهنم من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان. ويؤمن بشفاعة الأنبياء ثم بشفاعة العلماء ثم بشفاعة الشهداء، وأن يعتقد فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ويحسن الظن بجميعهم على ما وردت به الأخبار وشهدت به الآثار. فمن اعتقد جميع ذلك مؤمنا به موقنا فهو من أهل الحق والسنة، مفارق لعصابة الضلال والبدعة.
رزقنا الله الثبات على هذه العقيدة، وجعلنا من أهلها، ووفقنا للدوام إلى الممات على التمسك والاعتصام بحبلها، إنه سميع مجيب. فهذه العقيدة قد اشتملت على أحد أركان الإسلام الخمسة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» .
الفصل الثاني في الصلاة وفضلها
قال الله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ 238
«4» . وقال تعالى:
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
«5» وقال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً 103
«6» واختلفوا في اشتقاق اسم الصلاة مم هو، فقيل هو من الدعاء، وتسمية الصلاة دعاء، معروفة في كلام العرب، فسميت الصلاة صلاة لما فيها من الدعاء. وقيل: سميت بذلك من الرحمة. قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ
«7» فهي من الله رحمة ومن الملائكة استغفار، ومن الناس دعاء. قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم صل على آل أبي أوفى أي ارحمهم» «8» . وقيل: سميت بذلك من الاستقامة من قولهم صليت العود على النار إذا قومته، والصلاة تقيم العبد على طاعة الله وخدمته وتنهاه عن خلافه، قال الله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
«9» وقيل لأنها صلة بين العبد وربه.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «علم الأيمان الصلاة، فمن فرغ لها قلبه وحافظ عليها بحدودها فهو مؤمن» . وعن عمر بن
(1/12)

الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال وهو على المنبر: «إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام وما أكمل لله تعالى صلاة» قيل: وكيف ذلك؟ قال: «لا يتم ركوعها وسجودها وخشوعها وتواضعه وإقباله على الله فيها» . وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه» . وقيل للحسن «1» : ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجوها؟
فقال: «لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره» . وقال بعضهم: «لا تفوت أحدا صلاة في جماعة إلا بذنب» .
وكانت رابعة العدوية تصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وتقول: والله ما أريد بها ثوابا ولكن ليسر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول للأنبياء عليهم الصلاة والسلام:
أنظروا إلى امرأة من أمتي هذا عملها في اليوم والليلة. وقال بعضهم: صليت خلف ذي النون المصري، فلما أراد أن يكبر رفع يديه وقال: «الله» ثم بهت وبقي كأنه جسد لا روح فيه إعظاما لربه جل وعلا، ثم قال: «الله أكبر» فظننت أن قلبي انخلع من هيبة تكبيره. وقيل: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: يا داود كذب من ادّعى محبتي. وإذا جنّ عليه الليل نام عني، أليس كل محب يحب الخلوة بحبيبه؟.
ولعبد الله بن المبارك رضي الله تعالى عنه:
إذا ما الليل أظلم كابدوه ... فيسفر عنهم وهم ركوع «2»
أطار الخوف نومهم فقاموا ... وأهل الأمن في الدنيا هجوع «3»
وكان سيدي الشيخ الإمام العلامة فتح الدين بن أمين الدين الحكم التحريري رحمه الله، كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات:
يا أيها الراكد كم ترقد ... قم يا حبيبي قد دنا الموعد
وخذ من الليل ولو ساعة ... تحظى إذا ما هجع الرقد
من نام حتى ينقضي ليله ... لم يبلغ المنزل لو يجهد
وكان سيدي أويس القرني «4» لا ينام ليلة ويقول: «ما بال الملائكة لا يفترون ونحن نفتر» وقال حذيفة رضي الله عنه:
«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» «5» وقال هشام بن عروة: «كان أبي يطيل المكتوبة «6» ويقول هي رأس المال» .
وقال أبو الطفيل: «سمعت أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يقول: «يا أيها الناس قوموا إلى نيرانكم فأطفئوها، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر» . وجزّأ محمد بن المنكدر، عليه وعلى أمه وعلى أخته، الليل أثلاثا، فماتت أخته. فجزأه عليه وعلى أمه، فماتت أمه. فقام الليل كله.
وكان مسلم بن بشار إذا أراد أن يصلي في بيته يقول لأهله:
تحدثوا فلست أسمع حديثكم. وكان إذا دخل البيت سكت أهله فلا يسمع لهم كلام. فإذا قام إلى الصلاة تحدثوا وضحكوا ووقع حريق إلى جنبه وهو في الصلاة فما شعر به حتى أطفىء، وكان الحمام يقع على رأس ابن الزبير في المسجد الحرام يحسبه جذعا منصوبا لطول انتصابه في الصلاة. وكانت العصافير تقع على ظهر إبراهيم بن شريك وهو ساجد كما تقع على الحائط.
وختم القرآن في ركعة واحدة، أربعة من الأئمة:
عثمان بن عفان وتميم الداري، وسعيد بن جبير وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنهم.
ورأى الأوزاعي شابا بين القبر والمنبر، فلما طلع الفجر استلقى ثم قال: عند الصباح يحمد القوم السّرى «7» .
فقال: يا ابن أخي لك ولأصحابك لا للجمّالين.
وكان خلف بن أيوب لا يطرد الذباب عن وجهه في الصلاة، فقيل له: كيف تصبر؟ فقال: «بلغني أن الفساق
(1/13)

يتصبرون تحت السياط ليقال فلان صبور. وأنا بين يدي ربي أفلا أصبر على ذباب يقع علي.
وقال أبو صفوان بن عوانة: «ما من منظر أحسن من رجل عليه ثياب بيض وهو قائم يصلي في القمر كأنه يشبه الملائكة» وقال الحسن: «ما كان في هذه الأمة أعبد من فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت تقوم بالأسحار حتى تورمت قدماها» . وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه، وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وكانت دموعه تقع في مصلاه كوكف المطر «1» ، وكان إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام يسمع لقلبه خفقان وغليان، هذا خوف الحبيب والخليل مع ما أعطيا من الإجلال والإكرام وشرف المقام. فالعجب كيف يطمئن قلب من أزعجته الآثام.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل قال له: ادع الله أن يجعلني رفيقك في الجنة؟ فقال: «أعني على نفسك بكثرة السجود» .
وقال حاتم الأصم رحمه الله تعالى: «فاتتني صلاة الجماعة مرة فعزّاني أبو إسحق البخاري وحده، ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشرة آلاف لأن مصيبة الدين عندهم أهون من مصيبة الدنيا» وكان السلف رضي الله تعالى عنهم يعزون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم التكبيرة الأولى، وسبعا إذا فاتتهم الجماعة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «ركعتان مقتصدتان في تفكر، خير من قيام ليلة والقلب ساه» .
(وأنشد بعضهم) :
خسر الذي ترك الصلاة وخابا ... وأبى معادا صالحا ومآبا
إن كان يجحدها «2» فحسبك أنّه ... أضحى بربّك كافرا مرتابا
أو كان يتركها لنوع تكاسل ... غطّى على وجه الصواب حجابا
فالشافعي ومالك رأيا له ... إن لم يتب حدّ الحسام عقابا
والرأي عندي للإمام عذابه ... بجميع تأديب يراه صوابا
اللهم أعنّا على الصلاة وتقبلها منا بكرمك ولا تجعلنا من الغافلين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
ومما يستحسن إلحاقه بهذا الفصل ذكر شيء من فضل السواك والأذان.
أما السواك: فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» . وقال أيضا:
«صلاة على أثر سواك أفضل من خمس وسبعين صلاة على غير سواك» . وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام ليتهجد شاص فاه «3» بالسواك» .
وقال صلى الله عليه وسلم: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» . وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو يعلم الناس ما في السواك لبات مع الرجل في لحافه» . وقال أيضا: «أفواهكم طرق لكلام ربكم فنظفوها» . والاختيار في السواك أن يكون بعود الأراك «4» .
ويجزي بغيره من العيدان وبالسعد والأشنان «5» ، والخرقة الخشنة وغير ذلك مما ينظف. ويستاك عرضا مبتدئا بالجانب الأيمن من فيه، وينوي به الإتيان بالسنة.
والسواك بعود الزيتون يزيل الحفر من الأسنان. وقال الأصحاب يقول عند السواك: «اللهم بارك لي فيه يا أرحم الراحمين» . ويستاك في ظاهر الأسنان وباطنها، ويمر السواك على أطراف أسنانه وأضراسه وسقف حلقه إمرارا لطيفا، ويستاك بعود متوسط لا شديد اليبوسة ولا شديد اللين، فإن اشتد يبسه لينه بالماء، وقد قيل: إن من فضائل السواك أنه يذكر الشهادة عند الموت ويسهل خروج الروح.
وأما الأذان فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يد الرحمن على رأس المؤذن حتى يفرغ من أذانه» . قيل في قوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً
«6» . نزلت في المؤذنين.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يغفر الله للمؤذن مدى صوته، ويشهد له ما سمعه من رطب ويابس» . وعن معاوية رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة» . رواه مسلم.
(1/14)

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين» . رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا أنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» رواه البخاري.
والأحاديث في فضله كثيرة مشهورة والله سبحانه وتعالى أعلم.
الفصل الثالث في الزكاة وفضلها
قرن الله سبحانه وتعالى الزكاة بالصلاة في مواضع شتى من كتابه. قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
«1» . وقال تعالى: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ
«2» . وقال تعالى:
وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ
«3» . وعن بريدة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما حبس قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر» «4» ، وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما خالطت الزكاة مالا قط إلا أهلكته» «5» . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان عنده ما يزكي ولم يزك ومن كان عنده ما يحج ولم يحج سأل الرجعة» «6» . يعني قوله تعالى: قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ 99 لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ
«7» .
ولنلحق بهذا الفصل ذكر شيء من الصدقة وفضلها وما جاء فيها وما أعد الله تعالى للمتصدقين من الأجر والثواب، ودفع البلاء. قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ
«8» . وقال تعالى: وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ
الآية «9» . والآيات الكريمة في ذلك كثيرة، والأحاديث الصحيحة فيه مشهورة، وروى الترمذي في جامعه بسنده، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» . وفي صحيح مسلم، وموطأ مالك، وجامع الترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نقص مال من صدقة» . أو قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع عبد إلا رفعه الله تعالى» .
ودخلت امرأة شلّاء على عائشة رضي الله عنها فقالت:
«كان أبي يحب الصدقة وأمي تبغضها، لم تتصدق في عمرها إلا بقطعة شحم وخلقة «10» ، فرأيت في المنام كأن القيامة قد قامت، وكأن أمي قد غطت عورتها بالخلقة وفي يدها الشحمة تلحسها من العطش، فذهبت إلى أبي وهو على حافة حوض يسقي الناس، فطلبت منه قدحا من ماء فسقيت أمي، فنوديت من فوقي ألا من سقاها، فشل الله يدها فانتبهت كما ترين» .
ووقف سائل على امرأة وهي تتعشى فقامت فوضعت لقمة في فيه، ثم بكرت إلى زوجها في مزرعته، فوضعت ولدها عنده وقامت لحاجة تريد قضاءها، فاختلسه الذئب. فوقفت وقالت: «يا رب ولدي» ، فأتاها آت فأخذ بعنق الذئب، فاستخرجت ولدها من غير أذى ولا ضرر، فقال لها: «هذه اللقمة بتلك اللقمة التي وضعتها في فم السائل» .
وعشش ورشان «11» في شجرة في دار رجل، فلما همت أفراخه بالطيران زينت امرأة ذلك الرجل له، أخذ أفراخ ذلك الورشان، ففعل ذلك مرارا، وكلما فرخ الورشان أخذوا أفراخه، فشكا الورشان ذلك إلى سليمان عليه السلام وقال: «يا رسول الله أردت أن يكون لي أولاد يذكرون الله تعالى من بعدي، فأخذها الرجل بأمر امرأته، ثم أعاد الورشان الشكوى، فقال سليمان لشيطانين: «إذا رأيتماه يصعد الشجرة، فشقاه نصفين» . فلما أراد الرجل أن يصعد الشجرة اعترضه سائل فأطعمه كسرة من خبز شعير، ثم صعد وأخذ الأفراخ على عادته. فشكا الورشان ذلك إلى سليمان عليه السلام، فقال للشيطانين: «ألم
(1/15)

تفعلا ما أمرتكما به؟» فقال: «اعترضنا ملكان فطرحانا في الخافقين» .
وقال النخعي: «كانوا يرون أن الرجل المظلوم إذا تصدق بشيء دفع عنه البلاء» . وكان الرجل يضع الصدقة في يد الفقير ويتمثل قائما بين يديه ويسأله قبولها حتى يكون هو في صورة السائل، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الصدقة تسد سبعين بابا من الشر» . وعنه صلى الله عليه وسلم قال: «ردوا صدمة البلاء ولو بمثل رأس الطائر من الطعام» . وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» «1» . وقال عيسى صلوات الله وسلامه عليه: «من رد سائلا خائبا لم تغش الملائكة ذلك البيت «2» سبعة أيام» . وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يناول المسكين بيده، وعنه صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يكسو مسلما ثوبا إلا كان في حفظ الله ما كانت عليه منه رقعة» .
وقال عبد العزيز بن عمير: «الصلاة تبلغك نصف الطريق والصوم يبلغك باب الملك والصدقة تدخلك عليه» .
وعن الربيع بن خيثم أنه خرج في ليلة شاتية وعليه برنس خز «3» ، فرأى سائلا فأعطاه إياه، وتلا قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
«4» . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر وإن سوء الخلق شؤم وحسن الملكة نماء، والصدقة تدفع ميتة السوء» .
وقال يحيى بن معاذ: «ما أعرف حبة تزن جبال الدنيا إلا من الصدقة» ، وعن عمر رضي الله عنه: «أن الأعمال تباهت فقالت الصدقة: أنا أفضلكن» .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«تداركوا الهموم والغموم بالصدقات يدفع الله ضركم وينصركم على عدوكم» ، وعن عبيد بن عمير قال: «يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط، وأعطش ما كانوا قط، فمن أطعم لله أشبعه الله، ومن سقى لله سقاه الله، ومن كسا لله كساه الله» .
وقال الشعبي: «من لم ير نفسه إلى ثواب الصدقة أحوج من الفقير إلى صدقته فقد أبطل صدقته وضرب بها وجهه» .
وكان الحسن بن صالح إذا جاءه سائل، فإن كان عنده ذهب أو فضة أو طعام أعطاه، فإن لم يكن عنده من ذلك شيء أعطاه دهنا أو غيره مما ينتفع به، فإن لم يكن عنده شيء أعطاه كحلا أو أخرج إبرة وخيطا فرقع بهما ثوب السائل.
ووجّه رجل ابنه في تجارة فمضت أشهر ولم يقع له على خبر، فتصدق برغيفين وأرخ ذلك اليوم، فلما كان بعد سنة رجع ابنه سالما رابحا، فسأله أبوه: هل أصابك في سفرك بلاء؟ قال: نعم غرقت السفينة بنا في وسط البحر، وغرقت في جملة الناس، وإذا بشابين أخذاني فطرحاني على الشط، وقالا لي: قل لوالدك هذا برغيفين فكيف لو تصدقت بأكثر من ذلك؟! وقال علي رضي الله تعالى عنه وكرم الله وجهه: «إذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك فيوافيك به حيث تحتاج إليه، فاغتنم حمله إياه» «5» .
لله در القائل حيث قال:
يبكي على الذاهب من ماله ... وإنما يبقى الذي يذهب
وحكي أن رجلا عبد الله سبعين سنة، فبينما هو في معبده ذات ليلة إذ وقفت به امرأة جميلة فسألته أن يفتح لها، وكانت ليلة شاتية فلم يلتفت إليها، وأقبل على عبادته، فولت المرأة، فنظر إليها، فأعجبته فملكت قلبه وسلبت لبه، فترك العبادة وتبعها وقال: إلى أين؟ فقالت:
إلى حيث أريد. فقال: هيهات صار المراد مريدا والأحرار عبيدا. ثم جذبها فأدخلها مكانه، فأقامت عنده سبعة أيام، فعند ذلك تذكر ما كان فيه من العبادة، وكيف باع عبادة سبعين سنة بمعصية سبعة أيام، فبكى حتى غشي عليه، فلما أفاق قالت له: يا هذا والله أنت ما عصيت الله مع غيري، وأنا ما عصيت الله مع غيرك، وإني أرى في وجهك أثر الصلاح، فبالله عليك إذا صالحك مولاك فاذكرني. قال فخرج هائما على وجهه. فآواه الليل إلى خربة فيها عشرة عميان، وكان بالقرب منهم راهب يبعث إليهم في كل ليلة بعشرة أرغفة، فجاء غلام الراهب على عادته بالخبز، فمد ذلك الرجل العاصي يده، فأخذ رغيفا، فبقي منهم رجلا لم يأخذ شيئا، فقال: أين رغيفي؟ فقال الغلام: قد فرقت عليكم العشرة. فقال: أبيت طاويا،
(1/16)

فبكى الرجل العاصي وناول الرغيف لصاحبه وقال لنفسه:
أنا أحق أن أبيت طاويا لأنني عاص، وهذا مطيع، فنام واشتد به الجوع حتى أشرف على الهلاك. فأمر الله تعالى ملك الموت بقبض روحه فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. فقالت ملائكة الرحمة: هذا رجل فر من ذنبه، وجاء طائعا. وقالت ملائكة العذاب: بل هو رجل عاص، فأوحى الله تعالى إليهم أن زنوا عبادة السبعين سنة بمعصية السبع ليال، فوزنوها فرجحت المعصية على عبادة السبعين سنة، فأوحى الله إليهم أن زنوا معصية السبع ليال بالرغيف الذي آثر به على نفسه. فوزنوا ذلك، فرجح الرغيف فتوفته ملائكة الرحمة، وقبل الله توبته.
وحكي أن رجلا جلس يوما يأكل هو وزوجته وبين أيديهما دجاجة مشوية، فوقف سائل ببابه، فخرج إليه وانتهره، فذهب، فاتفق بعد ذلك أن الرجل افتقر وزالت نعمته، وطلق زوجته، وتزوجت بعده برجل آخر، فجلس يأكل معها في بعض الأيام وبين أيديهما دجاجة مشوية، وإذا بسائل يطرق الباب، فقال الرجل لزوجته ادفعي إليه هذه الدجاجة، فخرجت بها إليه فإذا هو زوجها الأول، فدفعت إليه الدجاجة ورجعت وهي باكية، فسألها زوجها عن بكائها، فأخبرته أن السائل كان زوجها، وذكرت له قصتها مع ذلك السائل الذي انتهره زوجها الأول، فقال لها زوجها: أنا والله ذلك السائل.
وذكر عن مكحول أن رجلا أتى إلى أبي هريرة رضي الله عنه فقال: ادع الله لا بني فقد وقع في نفسي الخوف من هلاكه. فقال له: ألا أدلك على ما هو أنفع من دعائي وأنجع وأسرع إجابة؟ قال: بلى. قال: تصدق عنه بصدقة تنوي بها نجاة ولدك وسلامة ما معه، فخرج الرجل من عنده، وتصدق على سائل بدرهم وقال: هذا خلاص ولدي وسلامته وما معه، فنادى في تلك الساعة مناد في البحر: ألا إن الفداء مقبول وزيد مغاث. فلما قدم سأله أبوه عن حاله فقال: يا أبت لقد رأيت في البحر عجبا يوم كذا وكذا في وقت كذا وكذا. وهو اليوم الذي تصدق فيه والده عنه بالدرهم، وذلك أنّا أشرفنا على الهلاك والتلف، فسمعنا صوتا من الهواء: ألا أن الفداء مقبول وزيد مغاث.
وجاءنا رجال عليهم ثياب بيض فقدموا السفينة إلى جزيرة كانت بالقرب منا وسلمنا وصرنا بخير أجمعين. والآثار والحكايات في ذلك كثيرة وفيما أشرت إليه كفاية لمن وعى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى والله أعلم.
الفصل الرابع في الصوم وفضله وما أعد الله للصائم من الأجر والثواب
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ 183
«1» . قيل: الصوم عموم وخصوص وخصوص الخصوص: فصوم العموم هو كف البطن والفرج وسائر الجوارح عن قصد الشهوة، وصوم الخصوص هو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، وصوم خصوص الخصوص هو صوم القلب عن الهمم الدنية وكفه عما سوى الله بالكلية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «زكاة الجسد الصيام» .
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه» ، وقال وكيع في قوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ 24
«2» . إنها أيام الصوم تركوا فيها الأكل والشرب.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«من أفطر يوما في رمضان من غير رخصة رخصها الله له، لم يقض عنه صيام الدهر» . وروي في صحيح النسائي عنه أيضا صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين» .
وروى الزهري أن تسبيحة واحدة في شهر رمضان أفضل من ألف تسبيحة في غيره.
وروي عن قتادة أنه كان يقول: من لم يغفر له في شهر رمضان فلن يغفر له في غيره. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم الناس ما في شهر رمضان من الخير لتمنت أمتي أن يكون رمضان السنة كلها، ولو أذن الله للسموات والأرض أن تتكلما لشهدتا لمن صام رمضان بالجنة» . وقال صلى الله عليه وسلم:
«ليس من عبد يصلي في ليلة من شهر رمضان إلا كتب الله له بكل ركعة ألفا وخمسمائة حسنة، وبنى له بيتا في الجنة من ياقوتة حمراء لها سبعون ألف باب، لكل باب منها مصراعان من ذهب، وله بكل سجدة يسجدها شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام» .
وقال صلى الله عليه وسلم: «إن لكل صائم دعوة فإذا أراد أن تقبل، فليقل في كل ليلة عند فطره: يا واسع المغفرة اغفر لي» .
(1/17)

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «من صام يوما من رمضان خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فإذا انسلخ عنه الشهر وهو حي لم يكتب عليه خطيئة حتى الحول، ومن عطش نفسه لله في يوم شديد الحر من أيام الدنيا كان حقا على الله أن يرويه يوم القيامة» .
وقال بعضهم: الصيام زكاة البدن ومن صام الدهر فقد وهب نفسه لله تعالى» .
وروي في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» .
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهر» وهي الأيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر.
وفي صحيح البخاري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» .
وفضل الصوم غزير لأنه خصه الله تعالى بالإضافة إليه كما ثبت في الصحيح من الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مخبرا عن ربه عز وجل: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» . وقد يكتفى في فضله بهذا الحديث الجليل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
الفصل الخامس في الحج وفضله
قال الله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
«1» . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من خرج من بيته حاجا أو معتمرا فمات. أجرى الله له أجر الحاج والمعتمر إلى يوم القيامة» . وقال صلى الله عليه وسلم: «من استطاع الحج ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا» .
وفي الحديث: «إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا الوقوف بعرفة» . وفيه: أعظم الناس ذنوبا من وقف بعرفة فظن أن الله لم يغفر له وهو أفضل يوم في الدنيا» . وفي الخبر: إن الحجر الأسود ياقوتة من يواقيت الجنة، وأنه يبعثه الله يوم القيامة وله عينان ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق وصدق.
وجاء في الحديث الصحيح: أن آدم عليه الصلاة والسلام لما قضى مناسكه لقيته الملائكة. فقالوا: يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام.
وقال مجاهد: إن الحجّاج إذا قدموا مكة لحقتهم الملائكة فسلموا على ركبان الإبل، وصافحوا ركبان الحمر، واعتنقوا المشاة اعتناقا. وكان من سنة السلف رضي الله عنهم أن يشيعوا الغزاة، ويستقبلوا الحجاج ويقبلوهم بين أعينهم، ويسألوهم الدعاء لهم، ويبادروا ذلك قبل أن يتدنسوا بالآثام.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله قد وعد هذا البيت أن يحجه كل سنة ستمائة ألف، فإن نقصوا كملهم الله تعالى من الملائكة، وإن الكعبة تحشر كالعروس المزفوفة فكل من حجها يتعلق بأستارها ويسعى حولها حتى تدخل الجنة فيدخل معها.
وحكي أن جميلة الموصلية بنت ناصر الدولة أبي محمد بن حمدان حجت سنة ست وثمانين وثلاثمائة فصارت تاريخا مذكورا. قيل إنها سقت أهل الموسم كلهم السويق بالطبرزد والثلج، واستصحبت البقول المرزوعة في المراكن على الجمال، وأعدت خمسمائة راحلة للمنقطعين، ونثرت على الكعبة عشرة آلاف دينار، ولم تستصبح فيها وعندها إلا بشموع العنبر، وأعتقت ثلاثمائة عبد ومائتي جارية، وأغنت الفقراء والمجاورين.
ولما بنى آدم عليه الصلاة والسلام البيت وقال: يا رب إن لكل عامل أجرا، فما أجر عملي؟ قال: إذا طفت به غفرت لك ذنوبك. قال: زدني. قال: جعلته قبلة لك ولأولادك، قال: يا رب زدني. قال: أغفر لكل من استغفرني من الطائفين به من أهل التوحيد من أولادك.
قال: يا رب حسبي.
وفي الحديث: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» .
وقيل للحسن: ما الحج المبرور؟ قال: أن ترجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة.
وأول من كسا الكعبة الديباج عبد الله بن الزبير، وكانت كسوتها المسوح والأنطاع «2» وكان يطيبها حتى يوجد ريحها من خارج الحرم. وكان حكيم بن حزام يقيم عشية
(1/18)

عرفة مائة بدنة ومائة رقبة، فيعتق الرقاب عشية عرفة وينحر البدن يوم النحر، وكان يطوف بالبيت فيقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له نعم الرب ونعم الإله أحبه وأخشاه.
ورؤي الحسن بن علي رضي الله عنهما يطوف بالبيت، ثم صار إلى المقام فصلى ركعتين، ثم وضع خده على المقام فجعل يبكي ويقول: عبيدك ببابك خويدمك ببابك سائلك ببابك مسيكينك ببابك «1» . يردد ذلك مرارا ثم انصرف رضي الله عنه، فمر بمساكين معهم فلق خبز يأكلون، فسلم عليهم فدعوه إلى الطعام، فجلس معهم، وقال: لولا أنه صدقة لأكلت معكم. ثم قال: قوموا بنا إلى منزلي. فتوجهوا معه، فأطعمهم وكساهم وأمر لهم بدارهم.
وحج عبد الله بن جعفر رضي الله عنه ومعه ثلاثون راحلة وهو يمشي على رجليه حتى وقف بعرفات فأعتق ثلاثين مملوكا وحملهم على ثلاثين راحلة وأمر لهم بثلاثين ألفا، وقال: أعتقهم لله تعالى لعله يعتقني من النار. وقال الحسن بن علي رضي الله عنهما: إني لأستحي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته، فمشى من المدينة إلى مكة عشرين مرة.
ومن لطيف ما أنشد عمرو بن حبان الضرير حين لم يهد إليه الحجاج شيئا:
كأنّ الحجيج الآن لم يقربوا منى ... ولم يحملوا منها سواكا ولا نعلا
أتونا فما جادوا بعود أراكة ... ولا وضعوا في كفّ طفل لنا نقلا «2»
وقال غيره:
يحجون بالمال الذي يجمعونه ... حراما إلى البيت العتيق المحرّم
ويزعم كلّ منهمو أنّ وزره ... يحطّ ولكن فوقه في جهنم «3»
وقال آخر:
حجّ في الدهر حجة ... حجّ فيها وأحرما
وأتانا من الحجا ... ز كما راح محرما
فهو ذو الحجة الذي ... ما توقى محرّما
وتخاصم بدوي مع حاجّ عند منصرف الناس فقيل له أتخاصم رجلا من الحجاج فقال:
يحجّ لكيما يغفر الله ذنبه ... ويرجع قد حطت عليه ذنوب «4»
وقال أبو الشمقمق:
إذا حججت بمال أصله دنس ... فما حججت ولكن حجّت العير «5»
ما يقبل الله إلّا كلّ طيبة ... ما كلّ من حجّ بيت الله مبرور
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الباب الثاني في العقل والذكاء والحمق وذمه وغير ذلك
نص الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز ومنزل خطابه الوجيز على شرف العقل، وقد ضرب الله سبحانه وتعالى الأمثال وأوضحها، وبيّن بدائع مصنوعاته وشرحها، فقال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ 12
«6» .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أوّل ما خلق الله تعالى العقل فقال له: أقبل، فأقبل ثم قال له: أدبر، فأدبر، فقال
(1/19)

عز من قائل: «وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعز عليّ منك. بك آخذ وبك أعطي وبك أحاسب وبك أعاقب» «1» .
وقال أهل المعرفة والعلم: العقل جوهر مضيء خلقه الله عز وجل في الدماغ، وجعل نوره في القلب يدرك به المعلومات بالوسائط والمحسوسات بالمشاهدة.
واعلم أن العقل ينقسم إلى قسمين: قسم لا يقبل الزيادة والنقصان، وقسم يقبلهما. فأما الأول فهو العقل الغريزي المشترك بين العقلاء. وأما الثاني فهو العقل التجريبي وهو مكتسب، وتحصل زيادته بكثرة التجارب والوقائع، وباعتبار هذه الحالة يقال أن الشيخ أكمل عقلا وأتم دراية، وإن صاحب التجارب أكثر فهما وأرجح معرفة، ولهذا قيل: من بيّضت الحوادث سواد لمته «2» ، وأخلقت التجارب لباس جدته، وأراه الله تعالى لكثرة ممارسته، تصاريف أقداره وأقضيته كان جديرا برزانة العقل ورجاحة الدراية. وقد يخص الله تعالى بألطافه الخفية من يشاء من عباده، فيفيض عليه من خزائن مواهبه رزانة عقل وزيادة معرفة تخرجه عن حد الاكتساب ويصير بها راجحا على ذوي التجارب والآداب، ويدل على ذلك قصة يحيى بن زكريا عليهما السلام فيما أخبر الله تعالى به في محكم كتابه العزيز حيث يقول: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
«3» . فمن سبقت له سابقة من الله تعالى في قسم السعادة، وأدركته عناية أزلية، أشرقت على باطنه أنوار ملكوتية وهداية ربانية، فاتصف بالذكاء والفطنة قلبه، وأسفر عن وجه الإصابة ظنه، وإن كان حديث السن قليل التجربة، كما نقل في قصة سليمان بن داود عليهما السلام وهو صبي حيث رد حكم أبيه داود عليه السلام في أمر الغنم والحرث.
وشرح ذلك فيما نقله المفسرون أن رجلين دخلا على داود عليه السلام أحدهما صاحب غنم، والآخر صاحب حرث «4» . فقال أحدهما: إن هذا دخلت غنمه بالليل إلى حرثي فأهلكته وأكلته ولم تبق لي فيه شيئا، فقال داود عليه السلام: الغنم لصاحب الحرث عوضا عن حرثه، فلما خرجا من عنده مرا على سليمان عليه السلام، وكان عمره إذ ذاك على ما نقله أئمة التفسير إحدى عشرة سنة، فقال لهما: ما حكم بينكما الملك؟ فذكرا له ذلك. فقال: غير هذا أرفق بالفريقين. فعادا إلى داود عليه السلام وقالا له ما قاله ولده سليمان عليه السلام فدعاه داود عليه السلام وقال له: ما هو الأرفق بالفريقين؟ فقال سليمان: تسلم الغنم إلى صاحب الحرث.- وكان الحرث كرما قد تدلت عناقيده في قول أكثر المفسرين- فيأخذ صاحب الكرم الأغنام يأكل لبنها وينتفع بدرها ونسلها، ويسلم الكرم إلى صاحب الأغنام ليقوم به، فإذا عاد الكرم إلى هيئته وصورته التي كان عليها ليلة دخلت الغنم إليه سلّم صاحب الكرم الغنم إلى صاحبها وتسلم كرمه كما كان بعناقيده وصورته، فقال له داود: القضاء كما قلت. وحكم به كما قال سليمان عليه السلام.
وفي هذه القصة نزل قوله تعالى: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ 78 فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
«5» . فهذه المعرفة والدراية لم تحصل لسليمان بكثرة التجربة وطول المدة، بل حصلت بعناية ربانية وألطاف إلهية، وإذا قذف الله تعالى شيئا من أنوار مواهبه في قلب من يشاء من خلقه اهتدى إلى مواقع الصواب، ورجح على ذوي التجارب والاكتساب في كثير من الأسباب، ويستدل على حصول كمال العقل في الرجل بما يوجد منه وما يصد عنه، فإن العقل معنى لا يمكن مشاهدته، فإن المشاهدة من خصائص الأجسام.
فأقول: يستدل على عقل الرجل بأمور متعددة منها:
ميله إلى محاسن الأخلاق وإعراضه عن رذائل الأعمال، ورغبته في إسداء صنائع المعروف وتجنبه ما يكسبه عارا ويورثه سوء السمعة.
وقد قيل لبعض الحكماء: بم يعرف عقل الرجل؟
فقال: بقلة سقطه في الكلام، وكثرة إصابته فيه. فقيل له:
فإن كان غائبا، فقال؛ بإحدى ثلاث إما برسوله وإما بكتابه وإما بهديته، فإن رسوله قائم مقام نفسه، وكتابه يصف نطق لسانه، وهديته عنوان همّته، فبقدر ما يكون فيها من نقص يحكم به على صاحبها.
وقيل: من أكبر الأشياء شهادة على عقل الرجل حسن
(1/20)

مداراته للناس، ويكفي أن حسن المداراة يشهد لصاحبه بتوفيق الله تعالى إياه؛ فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«من حرم مداراة الناس فقد حرم التوفيق» فمقتضاه أن من رزق المداراة لم يحرم التوفيق.
وقالوا: العاقل الذي يحسن المداراة مع أهل زمانه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجنة مائة درجة تسعة وتسعون منها لأهل العقل وواحدة لسائر الناس» وقال علي بن عبيدة، العقل ملك والخصال رعية، فإذا ضعف عن القيام عليها وصل الخلل إليها. فسمعه أعرابي فقال: هذا كلام يقطر عسله.
وقيل: بأيدي العقول تمسك أعنّة النفوس «1» ، وكل شيء إذا كثر رخص إلا العقل فإنه كلما كثر غلا. وقيل:
لكل شيء غاية وحدّ، والعقل لا غاية له ولا حدّ، ولكن الناس يتفاوتون فيه تفاوت الأزهار في المروج «2» .
واختلف الحكماء في ماهيته فقال قوم: هو نور وضعه الله طبعا وغريزة في القلب كالنور في العين. وهو يزيد وينقص ويذهب ويعود وكما يدرك بالبصر شواهد الأمور كذلك يدرك بنور القلب المحجوب والمستور، وعمى القلب كعمى البصر. قال الله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
«3» . وقيل محل العقل الدماغ وهو قول أبو حنيفة رحمه الله تعالى.
وذهب جماعة إلى أنه في القلب كما روي عن الشافعي رحمه الله تعالى واستدلوا بقوله تعالى: فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها
«4» . وبقوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ
«5» . أي عقل، وقالوا: التجربة مرآة العقل، ولذلك حمدت آراء المشايخ حتى قالوا: المشايخ أشجار الوقار لا يطيش لهم سهم ولا يسقط لهم فهم وعليكم بآراء الشيوخ فإنهم إن عدموا ذكاء الطبع فقد أفادتهم الأيام حيلة وتجربة.
قال الشاعر:
ألم تر أنّ العقل زين لأهله ... ولكن تمام العقل طول التجارب
وقال آخر:
إذا طال عمر المرء في غير آفة ... أفادت له الأيام في كرّها عقلا
وقال عامر بن عبد قيس: إذا عقلك عقلك «6» عما لا يعنيك فأنت عاقل. ويقال: لا شرف إلا شرف العقل ولا غنى إلا غنى النفس. وقيل: يعيش العاقل بعقله حيث كان كما يعيش الأسد بقوته حيث كان. قال الشاعر:
إذا لم يكن للمرء عقل فإنّه ... وإن كان ذا بيت على الناس هيّن
ومن كان ذا عقل أجلّ لعقله ... وأفضل عقل عقل من يتدين
وقالوا العاقل لا تبطره المنزلة السنية، كالجبل لا يتزعزع وإن اشتدت عليه الريح، والجاهل تبطره»
أدنى منزلة كالحشيش يحركه أدنى ريح.
وقيل لعلي رضي الله عنه: صف لنا العاقل؟ قال: هو الذي يضع الشيء مواضعه. قيل: فصف لنا الجاهل؟
قال: قد فعلت. يعني الذي لا يضع الشيء مواضعه.
وقال المنصور لولده: خذ عني ثنتين: لا تقل من غير تفكير ولا تعمل بغير تدبير. وقال أزدشير: أربعة تحتاج إلى أربعة: الحسب إلى الأدب، والسرور إلى الأمن، والقرابة إلى المودة، والعقل إلى التجربة.
وقال كسرى أنوشروان: أربعة تؤدي إلى أربعة: العقل إلى الرياسة، والرأي إلى السياسة، والعلم إلى التصدير، والحلم إلى التوقير.
وقال القاسم بن محمد: من لم يكن عقله أغلب الخصال عليه كان حتفه من أغلب الخصال عليه.
وقيل: أفضل العقل معرفة العاقل بنفسه. وقيل: ثلاثة هن رأس العقل: مداراة الناس، والاقتصاد في المعيشة، والتحبب إلى الناس. وقيل: من أعجب برأي نفسه بطل رأيه، ومن ترك الاستماع من ذوي العقول مات عقله.
وعن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أنه قال: أهل مصر أعقل الناس صغارا، وأرحمهم كبارا.
(1/21)

وقيل: العاقل المحروم خير من الأحمق المرزوق «1» .
وقيل: لا ينبغي للعاقل أن يمدح امرأة حتى تموت، ولا طعاما حتى يستمرئه، ولا يثق بخليل حتى يستقرضه «2» .
وقيل: طول اللحية أمان من العقل. وسئل بعضهم:
أيما أحمد في الصبا الحياء أم الخوف؟ قال: الحياء لأن الحياء يدل على العقل، والخوف يدل على الخبن. وقيل:
غضب العاقل على فعله وغضب الجاهل على قوله.
وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عويمر ازدد عقلا تزدد من الله تعالى قربا» قلت: بأبي وأمي ومن لي بالعقل؟ قال: «اجتنب محارم الله تعالى وأدّ فرائض الله تعالى تكن عاقلا، ثم تنقل إلى صالح الأعمال تزدد في الدنيا عقلا، وتزدد من الله قربا وعزا» .
وحكى بعض أهل المعرفة قال: حياة النفس بالروح، وحياة الروح بالذكر، وحياة القلب بالعقل، وحياة العقل بالعلم. ويروى عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه كان ينشد هذه الأبيات ويترنم بها:
إنّ المكارم أخلاق مطهرة ... فالعقل أوّلها والدين ثانيها
والعلم ثالثها والحلم رابعها ... والجود خامسها والعرف ساديها «3»
والبر سابعها والصبر ثامنها ... والشكر تاسعها واللين عاشيها «4»
والعين تعلم من عينيّ محدثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها
والنفس تعلم أني لا أصدقها ... ولست أرشد إلا حين أعصيها
وقال بعض الحكماء: العاقل من عقله في إرشاد، ورأيه في إمداد، فقوله سديد، وفعله حميد. والجاهل من جهله في إغراء، فقوله سقيم، وفعله ذميم. ولا يكتفي في الدلالة على عقل الرجل الاغترار بحسن ملبسه وملاحة سمته وتسريح لحيته وكثرة صلفته ونظافة بزته، إذ كم من كنيف مبيض، وجلد مفضّض. وقد قال الأصمعي: رأيت بالبصرة شيخا له منظر حسن وعليه ثياب فاخرة، وحوله حاشية وهرج، وعنده دخل وخرج، فأردت أن أختبر عقله، فسلمت عليه وقلت: ما كنية سيدنا؟ فقال: أبو عبد الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، قال الأصمعي:
فضحكت منه وعلمت قلة عقله وكثرة جهله، ولم يدفع ذلك عنه غزارة خرجه ودخله. وقد يكون الرجل موسوما بالعقل مرموقا بعين الفضل، فيصدر منه حالة تكشف عن حقيقة حاله وتشهد عليه بقلة عقله واختلاله.
وقيل: إن إياس بن معاوية القاضي كان من أكابر العقلاء، وكان عقله يهديه إلى سلوك طرق لا يكاد يسلكها من لم يهتد إليها، فكان من جملة الوقائع التي صدرت منه وشهدت له بالعقل الراجع والفكر القادح أنه كان في زمانه رجل مشهور بين الناس بالأمانة، فاتفق أن رجلا أراد أن يحج. فأودع عند ذلك الرجل الأمين كيسا فيه جملة من الذهب، ثم حج فلما عاد من حجه جاء إلى ذلك الرجل وطلب كيسه منه فأنكره وجحده، فجاء إلى القاضي إياس وقص عليه القصة، فقال القاضي: هل أخبرت بذلك أحدا غيري؟ قال: لا. قال: فهل علم الرجل أنك أتيت إلي؟ قال: لا. قال: انصرف وأكتم أمرك، ثم عد إلي بعد غد. فانصرف. ثم إن القاضي دعا ذلك الرجل المستودع فقال: قد حصل عندي أموال كثيرة ورأيت أن أودعها عندك فاذهب وهيىء لها موضعا حصينا. فمضى ذلك الرجل وحضر صاحب الوديعة بعد ذهاب الرجل، فقال له القاضي إياس: امض إلى خصمك واطلب منه وديعتك، فإن جحدك فقل له امض معي إلى القاضي إياس أتحاكم أنا وأنت عنده، فلما جاء إليه دفع إليه وديعته فجاء إلى القاضي وأعلمه بذلك. ثم إن ذلك الرجل المستودع جاء إلى القاضي طامعا في تسليم المال، فسبه القاضي وطرده. وكانت هذه الواقعة مما تدل على عقله وصحة فكره.
ولما مات بعض الخلفاء اختلفت الروم واجتمعت ملوكها. فقال: الآن يشتغل المسلمون بعضهم ببعض، فتمكننا الغرة منهم «5» والوثبة عليهم، وعقدوا لذلك المشورات، وتراجعوا فيه بالمناظرات، وأجمعوا على أنه فرصة الدهر. وكان رجل منهم من ذوي العقل والمعرفة
(1/22)

والرأي غائبا عنهم، فقالوا: من الحزم عرض الرأي عليه.
فلما أخبروه بما أجمعوا عليه قال: لا أرى ذلك صوابا.
فسألوه عن علة ذلك فقال: في غد أخبركم إن شاء الله تعالى. فلما أصبحوا أتوا إليه وقالوا: قد وعدتنا أن تخبرنا في هذا اليوم بما عولنا عليه، فقال: سمعا وطاعة. وأمر بإحضار كلبين عظيمين كان قد أعدهما، ثم حرض بينهما وحرض كل واحد منهما على الآخر، فتواثبا وتهارشا حتى سالت دماؤهما، فلما بلغا الغاية فتح باب بيت عنده وأرسل على الكلبين ذئبا كان قد أعده لذلك، فلما أبصراه تركا ما كانا عليه وتآلفت قلوبهما ووثبا جميعا على الذئب فقتلاه. فأقبل الرجل على أهل الجمع فقال: مثلكم مع المسلمين مثل هذا الذئب مع الكلاب، لا يزال الهرج «1» بين المسلمين ما لم يظهر لهم عدو من غيرهم، فإذا ظهر تركوا العداوة بينهم وتألفوا على العدو. فاستحسنوا قوله واستصوبوا رأيه فهذه صفة العقلاء.
وأما ذم الأحمق: فقد قال ابن الأعرابي «2» : الحماقة مأخوذة من حمقت السوق إذا كسدت فكأنه كاسد العقل والرأي، فلا يشاور ولا يلتفت إليه في أمر من الأمور.
والحق غريزة لا تنفع فيها الحيلة وهو داء دواؤه الموت.
قال الشاعر:
لكلّ داء دواء يستطبّ به ... إلّا الحماقة أعيت من يداويها
والحمق مذموم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأحمق أبغض الخلق إلى الله تعالى إذ حرمه أعز الأشياء عليه وهو العقل» ويستدل على صفة الأحمق من حيث الصورة بطول اللحية لأن مخرجها من الدماغ، فمن أفرط طول لحيته قل دماغه، ومن قل دماغه قل عقله، ومن قل عقله فهو أحمق. وأما صفته من حيث الأفعال فترك نظره في العواقب وثقته بمن لا يعرفه، والعجب وكثرة الكلام وسرعة الجواب، وكثرة الالتفات والخلو من العلم، والعجلة والخفة والسفه والظلم والغفلة والسهو والخيلاء، إن استغنى بطر وإن افتقر قنط، وإن قال أفحش وإن سئل بخل، وإن سأل ألحّ، وإن قال لم يحسن، وإن قيل له لم يفقه، وإن ضحك قهقه، وإن بكى صرخ، وإن اعتبرنا هذه الخلال وجدناها في كثير من الناس، فلا يكاد يعرف العاقل من الأحمق.
قال عيسى عليه السلام: «عالجت الأبرص والأكمه فأبرأتهما، وعالجت الأحمق فأعياني» والسكوت عند الأحمق جوابه. ونظر بعض الحكماء إلى أحمق على حجر فقال: حجر على حجر.
وحكي أن أحمقين اصطحبا في طريق، فقال أحدهما للآخر: تعالى نتمن على الله فإن الطريق تقطع بالحديث.
فقال أحدهما: أنا أتمنى قطائع غنم أنتفع بلبنها ولحمها وصوفها. وقال الآخر: أنا أتمنى قطائع ذئاب أرسلها على غنمك حتى لا تترك منها شيئا. قال: ويحك أهذا من حق الصحبة وحرمة العشرة. فتصايحا وتخاصما، واشتدت الخصومة بينهما حتى تماسكا بالأطواق، ثم تراضيا من أن أول من يطلع عليهما يكون حكما بينهما، فطلع عليهما شيخ بحمار عليه زقان من عسل، فحدثاه بحديثهما، فنزل بالزقين وفتحهما حتى سال العسل على التراب، قال:
صب الله دمي مثل هذا العسل إن لم تكونا أحمقين.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان رجل يتعبد في صومعة فأمطرت السماء، وأعشبت الأرض، فرأى حماره يرعى في ذلك العشب فقال: يا رب لو كان لك حمار لرعيته مع حماري هذا، فبلغ ذلك بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهم أن يدعو عليه، فأوحى الله إليه: لا تدع عليه فإني أجازي العباد على قدر عقولهم.
ويقال فلان ذو حمق وافر وعقل نافر ليس معه من العقل إلا ما يوجب حجة الله عليه. وخطب سهل هند ابنة عتبة فحمقته فقال:
وما هو جي يا هند إلّا سجيّة ... أجرّ لها ذيلي بحسن الخلائق «3»
ولو شئت خادعت الفتى عن قلوصه ... ولا طمت في البطحاء من كلّ طارق «4»
ويقال للإبله السليم القلب هو من بقر الجنة لا ينطح ولا يرمح، والأحمق المؤذي هو من بقر سقر «5» والله سبحانه
(1/23)

وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الثالث في القرآن وفضله وحرمته وما أعد الله تعالى لقارئه من الثواب العظيم والأجر الجسيم
قال الله تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ 17
«1» وسمى الله تعالى القرآن كريما فقال تعالى:
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ 77
«2» وسماه حكيما، فقال تعالى:
يس 1 وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ 2
«3» . وسماه مجيدا فقال تعالى:
ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ 1
«4» . أنزله الله تعالى على سيد الأنام وخاتم الأنبياء الكرام عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، فكان من أعظم معجزاته أن أعجز الله الفصحاء عن معارضته وعن الإتيان بآية من مثله، قال تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
«5» . وقال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً 88
«6» فهو النور المبين والحق المستبين لا شيء أسطع من أعلامه ولا أصدع من أحكامه ولا أفصح من بلاغته ولا أرجح من فصاحته ولا أكثر من إفادته ولا ألذّ من تلاوته، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القرآن فيه خبر من قبلكم ونبأ من بعدكم وحكم ما بينكم» . وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: «أصغر البيوت بيت صغّر من كتاب الله تعالى» .
وقال الشعبي: الذي يقرأ القرآن إنما يحدث عن ربه عز وجل، ووفد غالب بن صعصعة على عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، ومعه ابنه الفرزدق فقال له: من أنت؟
قال: غالب بن صعصعة. قال: ذو الإبل الكثيرة؟ قال:
نعم. قال: فما فعلت بإبلك؟ قال؛ أذهبتها النوائب «7» وزعزعتها الحقوق «8» ، قال: ذلك خير سبلها. ثم قال له:
يا أبا الأخطل من هذا الذي معك؟ قال: ابني وهو شاعر.
قال: علمه القرآن فهو خير له من الشعر. فكان ذلك في نفس الفرزدق حتى قيد نفسه وآلى على نفسه أن لا يحل قيده حتى يحفظ القرآن فحفظه في سنة وفي ذلك قال:
وما صبّ رجلي في حديد مجاشع ... مع القيد إلا حاجة لي أريدها
وقال أنس: رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بني لا تغفل عن قراءة القرآن إذا أصبحت وإذا أمسيت، فإن القرآن يحيي القلب الميت، وينهى عن الفحشاء والمنكر» .
وحكى الزمخشري في كتابه ربيع الأبرار قال: ومن حكايات الحشوية ما قيل إن إبراهيم الخواص مر بمصروع فأذن في أذنه فناداه الشيطان من جوفه دعني أقتله فإنه يقول القرآن مخلوق.
وكان سفيان الثوري رحمه الله تعالى إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة، وأقبل على قراءة القرآن.
وكان الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى إذا دخل شهر رمضان يفر من مذاكرة الحديث ومجالسة أهل العلم، ويقبل على القراءة في المصحف.
وكان أبو حنيفة والشعبي رحمهما الله تعالى يختمان في رمضان ستين ختمة. وقال عليّ رضي الله تعالى عنه: من قرأ القرآن فمات فدخل النار فهو ممن كان يتخذ آيات الله هزوّا.
وقال الشعبي: اللسان عدل على الأذن والقلب فاقرأ قراءة تسمعها أذنك ويفهمها قلبك.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ القرآن ثم رأى أن أحدا أوتي أعظم مما أوتي فقد استصغر ما عظم الله» . وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد» . قيل يا رسول الله وما جلاؤها؟ قال: «قراءة القرآن وذكر الموت» .
وقال عمر بن ميمون: من نشر مصحفا حين يصلي الصبح فقرأ مائة آية رفع الله له مثل عمل جميع أهل الدنيا.
وقال عليّ كرم الله وجهه: من قرأ القرآن وهو قائم في الصلاة كان له بكل حرف مائة حسنة، ومن قرأه وهو جالس في الصلاة فله بكل حرف خمسون حسنة، ومن
(1/24)

قرأه في غير صلاة وهو على وضوء فخمسة وعشرون حسنة، ومن قرأه على غير وضوء فعشر حسنات.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لأن أقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما وأتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله هذرمة «1» .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا» . وعن صالح المزني. قال: قرأت القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: يا صالح هذه القراءة فأين البكاء؟
وكان عثمان رضي الله عنه يفتتح ليلة الجمعة بالبقرة إلى المائدة وليلة السبت بالأنعام إلى هود وليلة الأحد بيوسف إلى مريم وليلة الاثنين بطه إلى طسم نبأ موسى وفرعون وليلة الثلاثاء بالعنكبوت إلى ص وليلة الأربعاء بتنزيل إلى الرحمن ويختم ليلة الخميس.
وعن علي رضي الله عنه لا خير في عبادة لا فقه فيها، ولا خير في قراءة لا تدبّر فيها. وكان عكرمة بن أبي جهل رضي الله تعالى عنه ولعن أباه، إذا نشر المصحف أغمي عليه ويقول: هو كلام ربي.
وأبطأت عائشة رضي الله عنها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فقال: ما حبسك؟ قالت: قراءة رجل ما سمعت أحسن صوتا منه فقام فاستمع إليه طويلا ثم قال: هذا سالم مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثله.
وقال ابن عيينة، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت يا رسول الله قد اختلفت علي القراءات فعلى قراءة من تأمرني فقال: على قراءة أبي عمرو «2» . وعن أبي عمرو أني لم أزل أطلب أن أقرأه كما قرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما أنزل عليه فقدمت مكة فلقيت بها عدة من التابعين ممن قرأ على الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فقرأت عليهم فاشدد بها يدك. فينبغي للإنسان أن يحافظ على تلاوة القرآن ليلا ونهارا، سفرا وحضرا.
وقال الشيخ محيى الدين النووي رحمه الله تعالى في كتابه الأذكار: قد كان للسلف رضي الله عنهم عادات مختلفة في القدر الذي يختمون فيه، فكانت جماعة منهم يختمون في كل شهر ختمة وآخرون في كل عشر ليال ختمة، وآخرون في كل ثلاث ليال ختمة، وكان كثيرون في كل يوم وليلة ختمة، وختم جماعة في كل يوم وليلة ختمتين، وختم بعضهم في اليوم والليلة ثمان ختمات، أربعا في الليل، وأربعا في النهار.
وروي أن مجاهدا رحمه الله تعالى كان يختم القرآن في شهر رمضان فيما بين المغرب والعشاء. وأما الذين ختموا القرآن في ركعة فلا يحصون لكثرتهم، فمنهم عثمان بن عفان، وتميم الداري، وسعيد بن جبير رضي الله تعالى عنهم، وروينا في مسند الإمام المجمع على حفظه وجلاله وإتقانه وبراعته أبي محمد الدارمي رحمه الله، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: إذا وافق ختم القرآن أول الليل، صلت عليه الملائكة حتى يصبح، وإذا وافق أول النهار، صلت عليه الملائكة حتى يمسي، قال الدارمي:
هذا حديث حسن عن سعد، وأفضل القراءة ما كان في الصلاة وأما في غير الصلاة فأفضلها قراءة الليل، والنصف الأخير منه أفضل من الأول، والقراءة بين المغرب والعشاء محبوبة، وأما قراءة النهار فأفضلها بعد الصبح، ولا كراهة في وقت من الأوقات، ولا في أوقات النهي عن الصلاة، ويستحب الاجتماع عند الختم لحصول البركة.
وقيل: إن الدعاء يستجاب عند ختم القرآن، وإن الرحمة تنزل عند ختمه، ويستحب الدعاء عقب الختم استحبابا مؤكدا تأكيدا شديدا، ويجب على القارىء الإخلاص في قراءته، وأن يريد بها وجه الله تعالى وأن لا يقصد بها توصلا إلى شيء سوى ذلك، وأن يتأدب مع القرآن ويستحضر في ذهنه أنه يناجي ربه سبحانه وتعالى، ويتلو كتابه فيقرأ على حالة من يرى الله تعالى، فإنه إن لم يكن يراه فإن الله يراه، وينبغي للقارىء إذا أراد القراءة أن ينظف فمه بالسواك وأن يكون شأنه الخشوع والتدبر والخضوع فهذا هو المقصود المطلوب وبه تنشرح الصدور ويتيسر المرغوب، ودلائله أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر، وقد كان الواحد من السلف رضي الله عنهم يتلو آية واحدة ليلة كاملة يتدبرها ويستحب البكاء والتباكي لمن لا يقدر على البكاء فإن البكاء عند القراءة صفة العارفين، وشعار عباد الله الصالحين، قال الله تعالى: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً 109
«3» .
وقال السيد الجليل صاحب الكرامات والمعارف
(1/25)

والمواهب واللطائف إبراهيم الخواص رضي الله تعالى عنه: دواء القلب خمسة أشياء، قراءة القرآن بالتدبر وخلو البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين.
وقد جاءت آثار بفضيلة رفع الصوت بالقراءة، وآثار بفضيلة الإسرار، قال العلماء: إن أراد القارىء بالإسرار بعد الرياء فهو أفضل في حق من يخاف ذلك، فإن لم يخف الرياء فالجهر أفضل بشرط أن لا يؤذي غيره، من مصلّ أو نائم أو غيرهما، والأحاديث في فضل القراءة وآداب حملة القرآن كثيرة غير محصورة، من أراد الزيادة فلينظر في كتاب التبيان في آداب حملة القرآن لشيخ مشايخ الإسلام محيى الدين النووي قدس الله روحه ونور ضريحه، وقد جاء في فضل القرآن أحاديث كثيرة.
وروي في فضل قراءة سور من القرآن في اليوم والليلة فضل كبير، منها يس، وتبارك الملك، والواقعة، والدخان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قرأ يس في يوم وليلة ابتغاء وجه الله تعالى غفر له، وفي رواية له، من قرأ سورة الدخان في ليلة أصبح مغفورا له.
وفي رواية عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة.
وعن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينام كل ليلة حتى يقرأ ألم تنزيل الكتاب، وتبارك الملك.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: من قرأ في ليلة إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ
«1» كان له كعدل «2» نصف القرآن، ومن قرأ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ 1
«3» كانت له كعدل ربع القرآن، ومن قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ 1
«4» كانت له كعدل الثلث، والأحاديث بنحو ما ذكرناه كثيرة، وقد أشرنا إلى المقاصد منها، والله تعالى أعلم بالصواب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الرابع في العلم والأدب وفضل العالم والمتعلم
قال الله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
«5» وقال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ
«6» وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعلّموا العلم فإن تعلمه لله حسنة ودراسته تسبيح» ، والبحث عنه جهاد، وطلبه عبادة، وتعليمه صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، وبيان سبيل الجنة، والمؤنس في الوحشة، والمحدّث في الخلوة، والجليس في الوحدة، والصاحب في الغربة، والدليل على السراء، والمعين على الضراء، والزين عند الأخلّاء، والسلاح على الأعداء، بالعلم يبلغ العبد منازل الأخيار في الدرجات العلى، ومجالسة الملوك في الدنيا، ومرافقة الأبرار في الآخرة، والفكر في العلم يعدل الصيام، ومذاكرته تعدل القيام، وبالعلم توصل الأرحام وتفصل الأحكام، وبه يعرف الحلال والحرام، وبالعلم يعرف الله ويوحّد، وبالعلم يطاع الله ويعبد.
قيل: العلم درك حقائق الأشياء مسموعا ومعقولا.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الدنيا والآخرة مع العلم وشر الدنيا والآخرة مع الجهل» ، وعنه عليه الصلاة والسلام، يوزن مداد العماء ودماء الشهداء يوم القيامة فلا يفضل أحدهما على الآخر، ولغدوة في طلب العلم أحب إلى الله من مائة غزوة، ولا يخرج أحد في طلب العلم إلا وملك موكل به يبشره بالجنة، ومن مات وميراثه المحابر والأقلام دخل الجنة.
وقال علي كرم الله وجهه: أقل الناس قيمة أقلهم علما، وقال أيضا رضي الله عنه: العلم نهر والحكمة بحر والعلماء حول النهر يطوفون والحكماء وسط البحر يغوصون والعارفون في سفن النجاة يسيرون.
وقال موسى عليه السلام في مناجاته: إلهي من أحب الناس إليك؟ قال: عالم يطلب علما، وقال بعض السلف
(1/26)

رضي الله عنهم: العلوم أربعة: الفقه للأديان، والطب للأبدان، والنجوم للأزمان، والنحو للّسان، وقيل: العالم طبيب هذه الأمة والدنيا داؤها، فإذا كان الطبيب يطلب الداء فمتى يبرىء غيره.
وسئل الشعبي عن مسألة فقال: لا علم لي بها، فقيل له: لا تستحي، فقال: ولم أستحي مما لم تستح الملائكة منه حين قالت لا علم لنا، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» ، وروي: كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب.
وقال علي كرم الله وجهه: من نصّب نفسه للناس إماما فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، وقيل: مؤدب نفسه ومعلمها أحق بالإجلال من مؤدب الناس ومعلمهم.
وأنشدوا:
يا أيّها الرّجل المعلّم غيره ... هلّا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضّنى ... كيما يصحّ به وأنت سقيم «1»
ونراك تصلح بالرشاد عقولنا ... أبدا وأنت من الرشاد عديم
فابدأ بنفسك فانهها عن غيّها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما تقول ويهتدى ... بالقول منك وينفع التّعليم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
وقال بعضهم:
إنّي رأيت الناس في عصرنا ... لا يطلبون العلم للعلم
إلّا مباهاة لأصحابه ... وعدّة للغشّ والظّلم
نظر رجل إلى امرأته وهي صاعدة في السلم، فقال لها:
أنت طالق إن صعدت، وطالق إن نزلت، وطالق إن وقفت، فرمت نفسها إلى الأرض، فقال لها: فداك أبي وأمي إن مات الإمام مالك أحتاج إليك أهل المدينة في أحكامهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هلاك أمتي في شيئين: ترك العلم وجمع المال» .
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال فقال: العلم بالله، والفقه في دينه، وكررها عليه، فقال يا رسول الله:
أسألك عن العمل، فتخبرني عن العلم، فقال: «إن العلم ينفعك معه قليل العمل، وإن الجهل لا ينفعك معه كثير العمل» .
وقال عيسى عليه السلام: من علم وعمل عد في الملكوت الأعظم عظيما.
وقال الخليل عليه السلام: العلوم أقفال والأسئلة مفاتيحها، وعنه عليه السلام: زلة العالم مضروب بها الطبل «2» ، وزلة الجاهل يخفيها الجهل «3» .
وقال الحسن: رأيت أقواما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: من عمل بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه، والعامل بغير علم كالسائر على غير طريق «4» ، فاطلبوا العلم طلبا لا يضر بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبا لا يضر بالعلم.
وقال يزيد بن ميسرة: من أراد بعلمه وجه الله تعالى أقبل الله بوجهه ووجوه العباد إليه، ومن أراد بعلمه غير وجه الله صرف الله وجهه ووجوه العباد عنه.
وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ألا أخبركم بأجود الأجواد، قالوا: بلى يا رسول الله. قال:
الله أجود الأجواد، وأنا أجود ولد آدم، وأجود من بعدي رجل علم علما فنشره، يبعث يوم القيامة أمة وحده، ورجل جاد بنفسه في سبيل الله حتى قتل.
وقال الثوري: كان يقال: العالم الفاجر فتنة لكل مفتون.
عن الفضيل رحمه الله تعالى أنه قال: لو أن أهل العلم أكرموا أنفسهم وأعزوا هذا العلم وصانوه وأنزلوه حيث أنزله الله إذا لخضعت لهم رقاب الجبابرة وانقاد لهم الناس، وكانوا لهم تبعا، ولكنهم أذلوا أنفسهم وبذلوا علمهم لأبناء الدنيا فهانوا وذلوا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فأعظم بها مصيبة والله أعلم.
(1/27)

وللقاضي العلامة أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني «1» وقد أحسن كل الإحسان كأنما طرزت في خلع حسان:
(شعر) :
ولم أقض حق العلم إن كنت كلما ... بدا طمع صيّرته لي سلّما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لآخذ من لاقيت لكن لأخدما
أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة ... إذا فأتّباع الجهل قد كان أسلما
فإن قلت زند العلم كاب فإنّما ... كبا حين لم نحرس حماه وأظلما «2»
لو أنّ أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظّموه في النفوس لعظّما
ولكن أهانوه فهونوا ودنّسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهّما
وقيل: من لم يتعلم في صغره لم يتقدم في كبره، وقال الفضيل: شر العلماء من يجالس الأمراء، وخير الأمراء من يجالس العلماء «3» .
وقال لقمان: جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بماء السماء.
قيل: من عرف بالحكمة لاحظته العيون بالوقار، وكان ابن مسعود رضي الله عنه إذا رأى طالبي العلم قال: مرحبا بكم ينابيع الحكمة ومصابيح الظلمة، خلقان الثياب جدد القلوب، رياحين كل قبيلة.
وقال علي رضي الله عنه: كفى بالعلم شرفا أن يدعيه من لا يحسنه، ويفرح به إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ضعة أن يتبرأ منه من هو فيه ويغضب إذا نسب إليه.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم ما آتى الله أحدا علما إلا أخذ عليه الميثاق أن لا يكتمه أحدا. ودعا بعضهم لآخر فقال:
جعلك الله ممن يطلب العلم رعاية لا رواية، وممن يظهر حقيقة ما يعلمه بما يعمله.
وعن عمر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: على باب الجنة شجرة تحمل ثمارا كثدي النساء، يخرج من تحتها عين ماء يشرب منها العلماء والمتعلمون مثل اللبن الحليب، والناس عطاش.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه، من تعلم بابا من العلم ليعلمه للناس ابتغاء وجه الله أعطاه الله أجر سبعين نبيا.
وعن أنس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، «ويل لأمتي من علماء السوء، يتخذون العلم تجارة يبيعونها لا أربح الله تجارتهم» .
شعر:
العلم أنفس شيء أنت داخره ... من يدرس العلم لم تدرس مفاخره «4»
أقبل على العلم واستقبل مقاصده ... فأول العلم إقبال وآخره
قال الشعبي: دخلت على الحجاج حين قدم العراق، فسألني عن اسمي، فأخبرته، ثم قال: يا شعبي: كيف علمك بكتاب الله؟ قلت: عنّي يؤخذ، قال: كيف علمك بالفرائض؟ قلت: إليّ فيها المنتهى، قال: كيف علمك بأنساب الناس؟ قلت: أنا الفيصل فيها، قال: كيف علمك بالشعر؟ قلت: أنا ديوانه، قال: لله أبوك، وفرض لي أموالا، وسوّدني على قومي «5» ، فدخلت عليه وأنا صعلوك من صعاليك همدان، وخرجت وأنا سيدهم.
قال البستي:
إذا لم يزد علم الفتى قلبه هدى ... وسيرته عدلا وأخلاقه حسنا
فبشّره أنّ الله أولاه فتنة ... تغشّيه حرمانا وتوسعه حزنا
وقال الهيثم بن جميل: شهدت مالك بن أنس رضي الله عنه، سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها لا أدري.
وقال الأوزاعي: شكت النواويس إلى الله تعالى ما تجد
(1/28)

من نتن ريح الكفار، فأوحى الله إليها أنّ بطون علماء السوء أنتن مما أنتم فيه.
وقال علي رضي الله عنه: من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض.
ولصالح اللخمي (شعر) :
تعلّم إذا ما كنت لست بعالم ... فما العلم إلا عند أهل التّعلم
تعلم فإن العلم أزين للفتى ... من الحلّة الحسناء عند التكلم
ودخل عبد الله بن مسلم الهذلي على المهدي في القراءة فأخذ عشرة آلاف درهم، ثم دخل في الرماة، فأخذ عشرة آلاف درهم، ثم دخل في المغنين فأخذ كذلك، ثم دخل في القصاص فأخذ كذلك، فقال المهدي: لم أر كاليوم أجمع لما يجمع الله في أحد منك.
وملّ جماعة من الحكماء مجالسة رجل فتواروا عنه في بيت فرقي السطح، وجعل يستمع من كوة، حتى وقع عليه الثلج، فصبر، فشكر الله ذلك، فجعله إمام الحكماء لا يختلفون في شيء إلا صدروا عن رأيه.
وشكا رجل إلى وكيع بن الجراح سوء الحفظ، فقال له: استعن على الحفظ بترك المعاصي، فأنشأ يقول:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وذلك أنّ حفظ العلم فضل ... وفضل الله لا يؤتى لعاصي «1»
ووجد في بعض الآثار عن بعضهم أنه قال: إذا أردت أن تكون أحفظ الناس فقل عند رفع الكتاب أو المصحف أو ابتداء القراءة في كل شيء أردت، بسم الله وسبحان الله، ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عدد كل حرف كتب ويكتب أبد الآبدين، ودهر الداهرين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
قيل: وإذا أردت أن لا تنسى حرفا فقل قبل القراءة:
اللهم افتح علينا حكمتك، وانشر علينا رحمتك يا ذا الجلال والإكرام. وإذا أردت أن ترزق الحفظ فقل خلف كل صلاة مكتوبة: آمنت بالله الواحد الأحد الحق لا شريك له وكفرت بما سواه.
ومن فوائد سيدي الشيخ صالح شهاب الدين أحمد بن موسى بن عجيل رحمه الله تعالى في الحفظ: يقرأ في كل يوم عشر مرات فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
«2» إلى قوله تعالى: وَكُنَّا فاعِلِينَ
«3» يا حي يا قيوم يا رب موسى وهارون، ويا رب إبراهيم، ويا رب محمد عليه وعليهم الصلاة والسلام، ألزمني الفهم وارزقني العلم والحكمة والعقل، برحمتك يا أرحم الراحمين.
وعن أبي يوسف قال: مات لي ولد فأمرت من يتولى دفنه ولم أدع مجلس أبي حنيفة خوفا أن يفوتني منه يوم.
وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بالحديث، ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري حتى كان يقال: إن حديثا لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث.
وقال البخاري رحمه الله تعالى: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح، وقال ما وضعت في كتابي الصحيح حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين، وقال: أخرجته من ستمائة ألف حديث، وصنفته في ست عشرة سنة، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى.
وقال مجاهد: أتينا عمر بن عبد العزيز لنعلّمه، فما برحنا حتى تعلّمنا منه، وكان يقال: الليث بن سعد رحمه الله تعالى ذهب علمه كله بموته، ولهذا قال الشافعي لما قدم مصر بعد موته: والله لأنت أعلم من مالك وإنما أصحابك ضيعوك، وقال الليث بن سعد: ما هلك عالم قط إلا ذهب ثلثا علمه ولو حرص الناس.
ويقال: إذا سئل العالم فلا تجب أنت، فإن ذلك استخفاف بالسائل والمسؤول، وقالوا: من خدم المحابر خدمته المنابر.
(شعر) :
لا تدّخر غير العلو ... م فإنّها نعم الذّخائر
فالمرء لو ربح البقا ... ء مع الجهالة كان خاسر
(1/29)

وللشافعي رضي الله تعالى عنه:
أخي لن تنال العلم إلّا بستّة ... سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة ... وصحبة أستاذ وطول زمان «1»
وقال الزهري: العلماء أربعة، سعيد بن المسيب بالمدينة، وعامر الشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، ومكحول بالشام.
وقال بعضهم: العلماء سرج الأزمنة، كل عالم سراج زمانه يستضيء به أهل عصره.
وقيل لإبراهيم بن عيينة: أي الناس أطول ندامة؟ قال:
أما في الدنيا فصانع المعروف إلى من لا يشكره، وأما في الآخرة فعالم مفرط «2» .
(شعر) :
كن عالما وارض بصفّ النعّال ... ولا تكن صدرا بغير الكمال
فإن تصدّرت بلا آلة ... صيّرت ذاك الصّدر صفّ النّعال
وقيل: لما اجتمع موسى بالخضر عليهما السلام، جاء عصفور فأخذ بمنقاره من البحر قطرة ثم حط على ورك الخضر، ثم طار فنظر الخضر إلى موسى عليه السلام وقال: يا نبي الله إن هذا العصفور يقول: يا موسى أنت على علم من علم الله علمكه الله لا يعلمه الخضر، والخضر على علم من علم الله علمه إياه لا تعلمه أنت وأنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه أنت ولا الخضر، وما علمي وعلمك وعلم الخضر في علم الله إلا كهذه القطرة من هذا البحر.
قال الله تعالى: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ
«3» وقال تعالى: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ
«4» .
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: خلق الله تعالى أربعين ألف عالم، الإنس والجن عالمان، والبواقي لا يعلمها إلا هو «5» .
وقال موسى عليه السلام: يا رب قد قلت للسموات والأرض ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
«6» ، فلو لم تطعك السموات والأرض ماذا كنت فاعلا بهما؟ قال:
يا موسى كنت آمر دابة من دوابي أن تبتلعهما، قال موسى: يا رب وأين تلك الدابة؟ قال: في مرج من مروجي، قال موسى: يا رب وأين ذلك المرج؟ قال: في علم من علمي لا يعلمه إلا أنا. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في فكرة، فقال: فيم تفكرون؟ تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله، فإن الله خلق من جانب الغرب «7» أرضا يقال لها البيضاء، تقطعها الشمس في أربعين يوما «8» ، فيها خلق ما عصوا الله طرفة عين، فقال ابن عمر: يا رسول الله أين إبليس منهم؟ قال: ما علموا بإبليس خلق أم لا. قال:
أمن بني آدم؟ قال: ما علموا بآدم خلق أم لا» «9» ، فهذه كلها مما أعدها الله في علم غيبه، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون.
وقال قتادة: لو كان أحد منا مكتفيا من العلم لاكتفى نبي الله موسى عليه السلام إذ قال: قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً 66
«10» . وقال الحكماء: أفضل العلم وقوف العالم عند علمه. وقال بعضهم: ليس العلم ما خزنته الدفاتر وإنما العلم ما خزنته الصدور. وقيل:
العلم يؤدي إلى التصدير، وقيل: من تواضع للعلم ناله ومن لم يتواضع له لم ينله. وقيل: من برق علمه برق
(1/30)

وجهه ومن لم يستفد بالعلم مالا اكتسب به جمالا، العلم نور وهدى، والجهل غي وردى.
وقال بعضهم: العالم يعرف الجاهل والجاهل لا يعرف العالم، لأن العالم كان جاهلا، والجاهل لم يكن عالما.
وقيل: أربعة يسوّدون العبد «1» : العلم والأدب والصدق والأمانة.
وقيل: أهل العراق أطلب الناس للعلم.
وقال حماد بن سلمة: مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو كمثل الحمار عليه مخلاة لا شعير فيها.
ولإبراهيم بن خلف المهراني:
النحو يصلح من لسان الألكن ... والمرء تكرمه إذا لم يلحن
وإذا طلبت من العلوم أجلّها ... فأجلّها منها مقيم الألسن
وقال علي بن بشار:
رأيت لسان المرء آية عقله ... وعنوانه فانظر بماذا تعنون
ولا تعد إصلاح اللسان فإنّه ... يخبّر عمّا عنده ويبيّن
ويعجبني زيّ الفتى وجماله ... فيسقط من عينيّ ساعة يلحن
ودخل أعرابي السوق فوجدهم يلحنون فقال: سبحان الله يلحنون ويربحون.
وكلّم أبو موسى بعض قواده فلحن، فقال: لم لا تنظر في العربية؟ فقال: بلغني أن من نظر فيها قلّ كلامه، فقال:
ويحك لأن يقل كلامك بالصواب خير لك من أن يكثر كلامك بالخطأ. وكان يقال: مجالسة الجاهل مرض للعاقل. وقال أبو الأسود الدؤلي: إذا أردت أن تعذب عالما فأرفق به جاهلا «2» .
وقال الشاعر:
جهلت ولا تدري بأنّك جاهل ... ومن لي بأن تدري بأنّك لا تدري
وقال رجل للحسن أنا أفصح الناس. قال: لا تقل هذا، قال: فخذ عليّ كلمة واحدة، قال: هذه واحدة، أبو جهل كناه المسلمون بذلك وكانت قريش تكنيه أبا الحكم، فقال حسان رضي الله تعالى عنه:
الناس كنوه أبا حكم ... والله كنّاه أبا جهل
وأما ما جاء في الأدب: فقد قال بعض الحكماء العقل يحتاج إلى مادة من الأدب كما تحتاج الأبدان إلى قوتها من الطعام.
وقال علي كرم الله وجهه: الأدب كنز عند الحاجة، عون على المروءة، صاحب في المجلس، أنيس في الوحدة، تعمر به القلوب الواهية، وتحيا به الألباب الميتة، وينال به الطالبون ما حاولوا.
وقيل: عقل بلا أدب كشجاع بلا سلاح.
وحكي أن رجلا تكلم بين يدي المأمون فأحسن، فقال:
ابن من أنت؟ قال: ابن الأدب يا أمير المؤمنين، قال: نعم النسب انتسبت إليه، ولهذا قيل: المرء من حيث يثبت لا من حيث ينبت، ومن حيث يوجد لا من حيث يولد.
قال الشاعر:
كن ابن من شئت واكتسب أدبا ... يغنيك محموده عن النسب
إنّ الفتى من يقول ها أنذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي
وقال بعض الحكماء: من كثر أدبه كثر شرفه، وإن كان وضيعا، وبعد صيته، وإن كان خاملا، وساد وإن كان غريبا وكثرت حوائج الناس إليه، وإن كان فقيرا.
قال بعض الشعراء:
لكلّ شيء زينة في الورى ... وزينة المرء تمام الأدب
قد يشرف المرء بآدابه ... فينا وإن كان وضيع الأب
وقال بعض الأعاجم مفتخرا:
مالي عقلي وهمتي حسبي ... ما أنا مولى وما أنا عربي
إذا انتمى منتم إلى أحد ... فإنّني منتم إلى أدبي
وقيل: الفضل بالعقل والأدب لا بالأصل والحسب، وقيل: المرء بفضيلته لا بفصيلته وبكماله لا بجماله،
(1/31)

وبآدابه لا بثيابه. وقيل لرجل: من أدبك؟ قال: رأيت جهل الجهال قبيحا فاجتنبته فتأدبت، ومن أدب ولده صغيرا سرّ به كبيرا، من عرف الأدب اكتسب به المال والجاه.. خير الخلال الأدب، وشر المقال الكذب.. وقيل لبقراط ما الفرق بين من له أدب ومن لا أدب له؟ قال: كالفرق بين الحيوان الناطق والحيوان الذي ليس بناطق.. ودخل أبو العالية على ابن عباس رضي الله عنهما فأقعده معه على السرير وأقعد رجالا من قريش تحته، فرأى سوء نظرهم إليه وحموضة وجوههم «1» ، فقال: ما لكم تنظرون إليّ نظر الشحيح إلى الغريم المفلس، هكذا الأدب يشرف الصغير على الكبير ويرفع المملوك على المولى، ويقعد العبيد على الأسرة.
وقال جالينوس: إن ابن الوضيع إذا كان أديبا كان نقص أبيه زائدا في منزلته، وابن الشريف إذا كان غير أديب كان شرف أبيه زائدا في سقوطه.. وقيل: أحسن الأدب أن لا يفتخر المرء بأدبه.
وسمع معاوية رجلا يقول أنا غريب فقال: كلّا، الغريب من لا أدب له.
ويقال: إذا فاتك الأدب فالزم الصمت فهو من أعظم الآداب.
ولعبد الملك بن صالح:
في الناس قوم أضاعوا مجد أوّلهم ... ما في المكارم والتقوى لهم أرب
سوء التأدّب أرداهم وأرذلهم ... وقد يزين صحيح المنصب الأدب «2»
- وقيل: أربعة تسوّد العبد: الأدب والعلم والصدق والأمانة.
- وقال بعض الحكماء: خمسة لا تتم إلا بخمسة:
لا يتم الحسب إلا بالأدب، ولا يتم الجمال إلا بالحلاوة، ولا يتم الغنى إلا بالجود، ولا يتم البطش إلا بالجرأة، ولا يتم الجهاد إلا بالتوفيق.
والله تعالى أعلم.
الباب الخامس في الآداب والحكم وما أشبه ذلك
قال الحكماء:
- إذا أراد الله بعبد خيرا ألهمه الطاعة، وألزمه القناعة، وفقهه في الدين، وعضده باليقين، فاكتفى بالكفاف، واكتسى بالعفاف، وإذا أراد به شرا حبب إليه المال، وبسط منه الآمال، وشغله بدنياه ووكله إلى هواه، فركب الفساد وظلم العباد.- الثقة بالله أزكى أمل والتوكل عليه أوفى عمل،- من لم يكن له من دينه واعظ لم تنفعه المواعظ،- من سره الفساد ساءه المعاد،- كل يحصد ما زرع ويجزى بما صنع.- لا يغرنك صحة نفسك وسلامة أمسك، فمدة العمر قليلة وصحة النفس مستحيلة.- من أطاع هواه باع دينه بدنياه،- ثمرة العلوم العمل بالمعلوم- من رضي بقضاء الله لم يسخطه أحد، ومن قنع بعطائه لم يدخله حسد- أفضل الناس من لم تفسد الشهوة دينه- خير الناس من أخرج الحرص من قلبه، وعصى هواه في طاعة ربه.- نصرة الحق شرف ونصرة الباطل سرف.- البخيل حارس نعمته وخازن لورثته.- من لزم الطمع عدم الورع،- إذا ذهب الحياء حل البلاء.- علم لا ينفع كدواء لا ينجع- من جهل المرء أن يعصي ربه في طاعة هواه، ويهين نفسه في إكرام دنياه.- أيام الدهر ثلاثة: يوم مضى لا يعود إليك، ويوم أنت فيه لا يدوم عليك، ويوم مستقبل لا ندري ما حاله ولا تعرف من أهله.- من كثر ابتهاجه بالمواهب اشتد انزعاجه للمصائب.- لا تبت على غير وصية وإن كنت من جسمك في صحة، ومن عمرك في فسحة.- عظ المسيء بحسن أفعالك ودل على الجميل بجميل خلالك.- إياك وفضول الكلام «3» فإنه يظهر من عيوبك ما بطن «4» ، ويحرك من عدوك ما سكن «5» .-
لا يجد العجول فرحا ولا الغضوب سرورا ولا الملول صديقا.- حسن النية من العبادة.- حسن الجلوس من السياسة.- من زاد في خلقه نقص في حظه.- من ائتمن
(1/32)

الزمان خانه.- أظهر الناس محبة أحسنهم لقاء،- لا يكمل للإنسان دينه حتى يكون فيه أربع خصال: يقطع رجاءه مما في أيدي الناس، ويسمع شتم نفسه ويصبر، ويحب للناس ما يحب لنفسه، ويثق بمواعيد الله.- إياك والحسد فإنه يفسد الدين، ويضعف اليقين، ويذهب المروءة.
- قيل لأفلاطون: ما الشيء الذي لا يحسن أن يقال، وإن كان حقا؟ قال: مدح الإنسان نفسه.
- أربعة تؤدي إلى أربعة: الصمت إلى السلامة، والبر إلى الكرامة، والجود إلى السيادة، والشكر إلى الزيادة.
- من ساء تدبيره أهلكه جده «1» - الغرة ثمرة الجهل،- آفة القوة استضعاف الخصم.
- آفة النعم قبيح المن.- آفة الذنب حسن الظن- الحزم أسد الآراء والغفلة أضر الأعداء.
- من قعد عن حيلته أقامته الشدائد، ومن نام عن عدوه أيقظته المكايد.
- من قرب السفلة واطرح ذوي الأحساب والمروءات استحق الخذلان.
- من عفا تفضّل ومن كظم غيظه فقد حلم. ومن حلم فقد صبر، ومن صبر فقد ظفر.
- من ملك نفسه عند أربع حرمه الله على النار حين يغضب وحين يرغب وحين يرهب وحين يشتهي.
- من طلب الدنيا بعمل الآخرة فقد خسرهما، ومن طلب الآخرة بعمل الدنيا فقد ربحهما.- كلام المرء بيان فضله وترجمان عقله فاقصره على الجميل، واقتصر منه على القليل.
- كل امرىء يعرف بقوله، ويوصف بفعله فقل سديدا وافعل حميدا.
- من عرف شأنه وحفظ لسانه وأعرض عما لا يعنيه وكف عن عرض أخيه دامت سلامته، وقلّت ندامته.
- كن صموتا وصدوقا، فالصمت حرز، والصدق عز.-
من أكثر مقاله سئم، ومن أكثر سؤاله حرم.- من استخف بإخوانه خذل، ومن اجترأ على سلطانه قتل.- ما عز من أذل جيرانه، ولا سعد من حرم إخوانه.
- خير النوال ما وصل قبل السؤال.- أولى الناس بالنوال أزهدهم في السؤال.- من حسن صفاؤه وجب اصطفاؤه،- من غاظك بقبيح الشتم منه فغظه بحسن الحلم عنه.- من يبخل بماله على نفسه جاد به على زوج عرسه «2» .- إذا اصطنعت المعروف فاستره، وإذا اصطنع إليك فانشره.
من جاور الكرام أمن من الإعدام. من طاب أصله زكا فرعه.- من أنكر الصنيعة استوجب القطيعة.- من منّ بمعروفه سقط شكره، ومن أعجب بعمله حبط أجره.-
من رضي من نفسه بالإساءة شهد على أصله بالرداءة.- من رجع في هبته بالغ في خسته.- من رقي في درجات الهمم عظم في عيوان الأمم.- من كبرت همته كثرت قيمته.-
من ساء خلقه ضاق رزقه.- من صدق في مقاله زاد في جماله.- من هان عليه المال توجهت إليه الآمال.- من جاد بماله جلّ، ومن جاد بعرضه ذل.- خير المال ما أخذ من الحلال، وصرف في النوال، وشر المال ما أخذ من الحرام، وصرف في الآثام.- أفضل المعروف إغاثة الملهوف.- من تمام المروءة أن تنسى الحق لك، وتذكر الحق عليك، وتستكبر الإساءة منك، وتستصغرها من غيرك.- من أحسن المكارم عفو المقتدر.- جود الرجل يحببه إلى أصدقائه، وبخله يبغضه إلى أودّائه «3» .-
لا تسىء إلى من أحسن إليك، ولا تعن على من أنعم عليك.- من كثر ظلمه واعتداؤه قرب هلاكه وفناؤه.- من طال تعدّيه كثرت أعاديه.- شر الناس من ينصر الظّلوم، ويخذل المظلوم.- من حفر حفيرا لأخيه كان حتفه فيه.-
من سل سيف العدوان أغمد في رأسه.- من لم يرحم العبرة سلب النعمة، ومن لم يقل العثرة سلب القدرة.-
لا تحاج من يذهلك خوفه، ويملكك سيفه،- صمت تسلم به خير من نطق تندم عليه،- من قال ما لا ينبغي سمع ما لا يشتهي.- جرح الكلام أصعب من جرح الحسام.- من سكت عن جاهل فقد أوسعه جوابا، وأوجعه عتابا.- من أمات شهوته أحيا مروءته.- من كثرت عوارفه كثرت معارفه.- من لم تقبل توبته عظمت خطيئته.- إياك والبغي فإنه يصرع الرجال، ويقطع الآجال.
- الناس في الخير أربعة أقسام: منهم من يفعله ابتداء، ومنهم من يفعله اقتداء، ومنهم من يتركه حرمانا، ومنهم من يتركه استحسانا. فمن فعله ابتداء فهو كريم، ومن فعله
(1/33)

اقتداء فهو حكيم، ومن تركه حرمانا فهو شقي، ومن تركه استحسانا فهو دني.
- من سالم سلم، ومن قدم الخير غنم، ومن لزم الرقاد عدم المراد. ومن دام كسله خاب أمله.
- العجول مخطىء وإن ملك، والمتأني مصيب وإن هلك.
- من أمارات الخذلان معاداة الإخوان،- استفساد الصديق من عدم التوفيق.- الرفق مفتاح الرزق.- من نظر في العواقب سلم من النوائب، ومن أسرع في الجواب أخطأ في الصواب.- من ركب العجل أدركه الزلل.- من ضعفت آراؤه قويت أعداؤه.- من قلت فضائله ضعفت وسائله.- من فعل ما شاء لقي ما ساء.- من كثر اعتباره قل عثاره.- من ركب جده «1» غلب ضده.- القليل مع التدبير أبقى من الكثير مع التبذير.- ظن العاقل أصح من يقين الجاهل.- قليل تحمد آخرته خير من كثير تذم عاقبته.- من خاف سطوتك تمنى موتتك.- إذا استشرت الجاهل اختار لك الباطل.- من أعجبته آراؤه غلبته أعداؤه.- من قصر عن السياسة صغر عن الرياسة.-
لا تشتك ضعفك إلى عدوك، فإنك تشمته بك، وتطمعه فيك.- من لم يعمل لنفسه عمل للناس، ومن لم يصبر على كده صبر على الإفلاس.- من أفشى سره أفسد أمره.
- الحازم من حفظ ما في يده، ولم يؤخر شغل يومه لغده.
- من طلب ما لا يكون طال تعبه.- لا تفتح بابا يعييك «2» سده، ولا ترم سهما يعجزك رده.- سوء التدبير سبب التدمير.- أغمد سيفك ما ناب عنك لسانك،- ليس العجب من جاهل يصحب جاهلا، ولكن العجب من عاقل يصحبه، لأن كل شيء يفر من ضده، ويميل إلى جنسه.- إذا نزل القدر بطل الحذر،- رب عطب تحت طلب، ومنية تحت أمنية.- لا يخلو المرء من ودود يمدح، وعدو يقدح.- الجوع خير الخضوع.- الكذوب متهم وإن صدقت لهجته، ووضحت حجته.- من طاوعه طرفه اشتد حتفه.- من لم تسرّ حياته لم تغمّ وفاته.- من أعظم الذنوب تحسين العيوب.- الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية.- إذا ملك الأراذل هلك الأفاضل.- من ساءت أخلاقه طاب فراقه.- من حسنت خصاله طاب وصاله.- بعد يورث الصفا خير من قرب يوجب الجفا.-
اللسان سيف قاطع لا يؤمن حده، والكلام سهم نافذ لا يمكن رده.- من اطلع على جاره انهتكت حجب أستاره.- أجهل الناس من قل صوابه، وكثر إعجابه.-
أظهر الناس نفاقا من أمر بالطاعة، ولم يأتمر بها، ونهى عن المعصية، ولم ينته عنها.- من سلا عن المسلوب كمن لم يسلب، ومن صبر على النكبة كمن لا ينكب،- الفضيلة بكثرة الآداب لا بفراهة الدواب- من زادت شهوته نقصت مروءته.- من عرف بشيء نسب إليه، ومن اعتاد شيئا حرص عليه.- عند الجدال يظهر فضل الرجال.- من أخّر الأكل لذ طعامه، ومن أخر النوم طاب منامه.- موت في دولة وعز خير من حياة في ذلة وعجز.- مقاساة الفقر هي الموت الأحمر، ومسألة الناس هي العار الأكبر.-
حق يضر خير من باطل يسر.- كم من مرغوب فيه يسوء ولا يسر، ومرهوب منه ينفع ولا يضر.- عثرة الرجل تزيل القدم، وعثرة اللسان تزيل النعم.- المزاح يورث الضغائن- من حلم ساد ومن تفهم ازداد.- معاشرة ذوي الألباب عمارة القلوب.- شر ما صحب المرء الحسد ربما أصاب الأعمى رشده، وأخطأ البصير قصده.- اليأس خير من التضرع إلى الناس.- لا تكن ضاحكا في غير عجب ولا ماشيا في غير أرب.- من سعى بالنميمة حذره القريب ومقته الغريب.- الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استبد برأيه.- أشرف الغنى ترك المنى.- من ضاق خلقه مله أهله.- الحسد للصديق من سقم المودة.- كل الناس راض عن عقله.- دنياك كلها وقتك الذي أنت فيه.- استر سوأة أخيك، لما يعلم فيك.- خمول الذكر أسنى من الذكر الذميم.- العجلة أخت الندامة.
- من كرم أصله لان قلبه ومن قلّ لبه زاد عجبه «3» .-
ربما أدرك بالظن الصواب.- ليس لمعجب رأي، ولا لمتكبر صديق.- سل عن الرفيق قبل الطريق، وعن الجار قبل الدار.- لا تعادين أحدا، فإنك لا تخلو من عداوة جاهل أو عاقل، فالحذر من حكمة العاقل وجهل الجاهل.- ضاحك معترف بذنبه خير من باك مدلّ على ربه.- من قل سروره كان الموت راحته. لا تردنّ على ذي خطأ خطأه، فيستفيد منك علما، ويتخذك عدوا.- استحي
(1/34)

من ذم من لو كان حاضرا لبالغت في مدحه، ومدح من لو كان غائبا، لسارعت إلى ذمه «1» .
- وقيل: المنفعة توجب المحبة، والمضرة توجب البغضة، والمخالفة توجب العداوة، والمتابعة توجب الألفة، والعدل يوجب اجتماع القلوب، والجور يوجب الفرقة، وحسن الخلق يوجب المودة، وسوء الخلق يوجب المباعدة، والانبساط يوجب المؤانسة، والانقباض يوجب الوحشة، والكبر يوجب المقت «2» ، والتواضع يوجب الرفعة، والجود يوجب المدح، والبخل يوجب الذم، والتواني يوجب التضييع، والحزم يوجب السرور، والحذر يوجب السلامة، وإصابة التدبير توجب بقاء النعمة، وبالتأني تسهل المطالب، وبحسن المعاشرة تدوم المحبة، وبخفض الجانب تأنس النفوس، وبسعة خلق المرء يطيب عيشه، والاستهانة توجب التباعد، وبكثرة الصمت تكون الهيبة، وبعدل المنطق تجلب الجلالة، وبالنصفة تكثر المواصلة، وبالأفضال يعظم القدر، وبصالح الأخلاق تزكو الأعمال، وباحتمال المؤن يجب السؤدد، وبالحلم على السفيه تكثر أنصارك عليه. وبالرفق والتودد تستحق اسم الكرامة وبترك ما لا يعنيك يتم لك الفضل.
واعلم أن السياسة «3» تكسو أهلها المحبة. ومن صغر الهمة الحسد للصديق على النعمة. والنظر في العواقب نجاة. ومن لم يحلم ندم. ومن صبر غنم. ومن سكت سلم. ومن اعتبر أبصر. ومن أبصر فهم. ومن فهم علم.
ومن أطاع هواه ضل. ومع العجلة الندامة ومع التأني السلامة. وزارع البر يحصد السرور. وصاحب العقل مغبوط. وصداقة الجاهل تعب.
إذا جهلت فاسأل، وإذا زللت فارجع، وإذا أسأت فاندم، وإذا ندمت فأقلع.
المروءات كلها تبع للعقل، والرأي تبع للتجربة، والعقل أصله التثبت وثمرته السلامة، والأعمال كلها تتبع القدر.
واختار العلماء أربع كلمات من أربع كتب فمن التوراة:
من قنع شبع. ومن الإنجيل من اعتزل نجا. ومن الزبور:
من سكت سلم. ومن القرآن: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
«4» .
واجتمعت حكماء العرب والعجم على أربع كلمات، لا تحمل بظنك ما لا يطيق. ولا تعمل عملا لا ينفعك.
ولا تغتر بامرأة. ولا تثق بمال ولو كثر. والله تعالى أعلم.
الباب السادس في الأمثال السائرة
وفيه فصول
الفصل الأول فيما جاء من ذلك في القرآن العظيم وأحاديث النبي الكريم
اعلم أن الأمثال من أشرف ما وصل به اللبيب خطابه، وحلّى بجواهره كتابه. وقد نطق كتاب الله تعالى، وهو أشرف الكتب المنزلة بكثير منها، ولم يخل كلام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها، وهو أفصح العرب لسانا، وأكملهم بيانا، فكم في إيراده وإصداره من مثل يعجز عن مباراته في البلاغة كل بطل. وسنذكر إن شاء الله تعالى بعد ذلك نبذة من أمثال العرب والمولدين والعامة.
فمن أمثال كتاب الله تعالى قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
«5» ، الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُ
«6» ، قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ
«7» ، أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ
«8» ، ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ
«9» ، لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ 58
«10» ، أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
«11» ، وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ
«12» ، لِكُلِ
(1/35)

نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ
«1» ، قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
«2» ، فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً
«3» ، وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها
«4» ، كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ 38
«5» ، حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
«6» . وما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ
«7» .
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ
«8» . ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ
«9» تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى
«10» . هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ 60
«11» . وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ
«12» وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ
«13» كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
«14» . لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
«15» .
لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ
«16» . فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ
«17» . وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
«18» . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ 2
«19» . أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ
«20» . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
«21» ، وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ 4
«22» . وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا
لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
«23» . اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 98
«24» . وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ 75
«25» .
فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ 21 لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ 22
«26» . إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
«27» . يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ
«28» . فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ 36
«29» .
لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ
«30» ، فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى
«31» كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
«32» فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ 50
«33» . وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
«34» .
وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا
«35» . مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها
«36» . إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ
«37» ، فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ
«38» . وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ
«39» . ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ
«40» ، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ 88
«41» ، وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً
«42» لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ 61
«43» . كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ 26
«44» . كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
«45» .
(1/36)

أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ 15
«1» .
ومن الأمثال من الحديث النبوي: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى» . «نية المرء خير من عمله» . «آفة العلم النسيان» . «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» . «أنزلوا الناس منازلهم» . «اليد العليا خير من اليد السفلى» . «من مات غريبا مات شهيدا» . «مطل الغني ظلم» . «يد الله مع الجماعة» . «الجار قبل الدار» . والرفيق قبل الطريق» . «من غشنا فليس منا» . «سيد القوم خادمهم» . «الحياء شعبة من الإيمان» . «تخيروا لنطفكم» . «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» . «حدّث عن البحر ولا حرج» . «المجالس بالأمانات» . «كل ميسر لما خلق له» . «أطلبوا الخير من حسان الوجوه» . «إياك وما يعتذر منه» «الوحدة خير من الجليس السوء» . «إستعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان» . «الندم توبة» . «لا يكون المؤمن طعانا ولا لعانا» . «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» . «من كثّر سواد قوم فهو منهم» . «أنصف أخاك ظالما أو مظلوما» . «انتظار الفرج عبادة» . «كاد الفقر أن يكون كفرا» . «نعم صومعة المرء بيته» . «الأعمال بخواتيمها» .
الفصل الثاني في أمثال العرب
- إن من البيان لسحرا.- إن الجواد قد يعثر.- إن البلاء موكل بالمنطق.- إن أخا الهيجاء من يسعى معك، ومن يضر نفسه لينفعك.- أنف في السماء وإست في الماء.- إن الذليل الذي ليست له عضد.- أي الرجال المهذب- إنما هو كبرق خلب.- إذا أدبر الدهر عن قوم كفى عدوهم أمرهم.- إياك أعني فاسمعي يا جارة.- إن لم يكن وفاق ففراق.- إنك لا تجني من الشوك العنب.- إذا حان القضاء ضاق الفضاء.- إن المناكح خيرها الأبكار.- إذا كنت مناطحا فناطح بذوات القرون،- أوى إلى ركن بلا قواعد.- إياك أن تضرب بلسانك عنقك.- أكل وحمد خير من أكل وذم.- آفة المروءة خلف الوعد.- إذا قلت له زن طأطأ رأسه وحزن.- إذا أتاك أحد الخصمين وقد فقئت عينه، فلا تقض له حتى يأتيك خصمه فلعله فقئت عيناه.-
ترك الذنب أيسر من طلب التوبة.- اتق شر من تحسن إليه.
الناس إخوان، وشتى في الشّيم- بلغ السيل الزبى.- أجع كلبك يتبعك.- حافظ على الصديق، ولو في الحريق.-
إشتدي أزمة تنفرجي.- أتبع السيئة الحسنة تمحها.- الخيل أعرف بفرسانها.- رمتني بطرفها وانسلت.- ربّ رمية من غير رام.- الرباح مع السماح.- رب أكلة تمنع أكلات.-
استراح من لا عقل له.
- رب أخ لك لم تلده أمك.- رب طمع أدى إلى عطب.- ربما كان السكوت جوابا.- رب ملوم لا ذنب له.- رب عين أنم من لسان.- رحم الله من أهدى إليّ عيوبي.- ركوب الخنافس ولا المشي على الطنافس.
- سبق السيف العذل.- زوج من عود خير من قعود.-
سبّك من بلغك السبّ.- سحابة صيف عن قليل تقشع.-
شر أيام الديك يوم تغسل رجلاه.- طاعة النساء ندامة.-
أطلب تظفر.- طرف الفتى يخبر عن لسانه.- ظاهر العتاب خير من باطن الحقد.- عند الصباح يحمد القوم السّرى «2» .- الظلم مرتعه وخيم.- عند النطاح يغلب الكبش الأجم.
العبد يقرع بالعصا ... والحرّ تكفيه الملامة
- أعقل وتوكل.- العتاب قبل العقاب.- عند الرهان تعرف السوابق.- عند الامتحان يكرم المرء أو يهان.-
عند النازلة تعرف أخاك.- في القمر ضياء، والشمس أضوأ منه.- القول ما قالت حذام.- لقد أسمعت لو ناديت حيا.- أقلل طعامك يحمد منامك.- كل فتاة بأبيها معجبة.- كل كلب ببابه نبّاح.- كاد العروس أن يكون ملكا.- كثرة العتاب توجب البغضاء.- أكثر مصارع الرجال تحت بروق المطامع.- الكلام أنثى، والجواب ذكر.- كل إناء يرشح بما فيه.- كما تزرع تحصد.- كل امرىء في بيته صبي.- كلب جوال غير من أسد رابض.- لقد ذل من بالت عليه الثعالب.- ليس الخبر كالعيان.- لكل صارم نبوة، ولكل جواد كبوة.- لكل قادم دهشة- لعل لها عذرا وأنت تلوم.- لكل ساقطة لاقطة.- لكل مقام مقال.- لك لسان من رطب ويدان من خشب.- للباطل جولة ثم يضمحل.-
ليست النائحة الثكلى مثل المستأجرة.- لكل غد طعام.-
لكل دهر دولة ورجال.- لا عطر بعد عروس.- لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.- لا يضر السحاب نباح الكلاب.- لا تقتن من كلب سوء جروا.- مقتل الرجل بين
(1/37)

فكيه،- ما كحك جلدك مثل ظفرك.- من عتب على الدهر طال عتبه.- معاتبة الإخوان خير من فقدهم.- النفس مولعة بحب العاجل- هذه بتلك، والبادي أظلم.- يا حبذا الإمارة ولو على الحجارة.- يكسو الناس وإسته عارية.-
يدك منك وإن كانت شلاء
الفصل الثالث في أمثال العامة والمولدين
- التسلط على المماليك دناءة.- اجلس حيث يؤخذ بيدك وتبر «1» ، ولا تجلس حيث يؤخذ برجلك وتجر «2» .-
أجرأ الناس على الأسد أكثرهم له رؤية.- الحاجة تفتق الحيلة.- الحاوي لا ينجو من الحيات.- الحبة تدور وإلى الرحى ترجع.- المؤذي ردي كلما جلوته صدي.-
الأسواق موائد الله في أرضه.- السلامة إحدى الغنيمتين.-
الشاة المذبوحة لا يؤلمها السلخ.- الطير بالطير يصاد.-
اطلع القرد في الكنيف فقال: هذه المرآة لهذا الوجه الظريف.- العادة طبيعة خامسة.- الغائب حجته معه.-
الخضوع عند الحاجة رجولة.- الناس أتباع لمن غلب.-
النكاح يفسد الحب.- النصح بين الملأ تقريع.- الحر حر وإن مسه الضر. والعبد عبد وإن ملك الدر.- الثقيل إذا تخفف صار طاعونا.- أضيع من حلي على زنجية.- العمل للزرنيخ، والإسم للنورة.- أنشط من أير دخل نصفه.-
البغل الهرم لا يفزعه صوت الجلجل.- بدن وافر، وقلب كافر.
- تزاوروا ولا تجاوروا.- تعاشروا كالإخوان، وتعاملوا كالأجانب.- ثمرة العجلة الندامة،- جواهر الأخلاق تفضحها المعاشرة.- حيثما سقط لقط.- خذ اللص قبل أن يأخذك.- خذ القليل من اللئيم وذمه.- ذل من لا سفيه له.- ريق العدو سم قاتل.- رب ساع لقاعد.- زكاة البدن العلل.- زلق الحمار وكان من سهوة المكاري.- زلة الرجل عظم يجبر، وزلة اللسان لا تبقي ولا تذر.- سلطان غشوم خير من فتنة تدوم.- سواء قوله وبوله.- سفير السوء يفسد ذات البين.- شهر ليس لك فيه رزق لا تعد أيامه.-
صديق الوالد عم الولد.- ضرب الطبل تحت الكسا.-
طاعة الولاة بقاء العز- طفيلي ويقترح.- عناية القاضي خير من شاهدي عدل.- دلت على أهلها براقش. (وهو اسم كلبة نبحت فدلت على الجيش فقتلوهم) .
- غش القلوب يظهر في فلتات الألسن وصفحات الوجوه.- غنى المرء في الغربة وطن.- فر من الموت وفي الموت وقع.- فم يسبح وقلب يذبح.- فلان كالكعبة يزار ولا يزور.- قيل للزمّار: تهيأ للزمر، قال: المزمار في كمي والريح في فمي «3» .- كل قليلا تعش كثيرا.- كلامه ريح في قفص.- كالإبرة تكسو الناس وهي عريانة.- كلمة حكمة من جوف خرب.- كاد المريب أن يقول:
خذوني.- كنت سندانا فصرت مطرقة.- كل ما فاتك من الدنيا فهو غنيمة.- كلما طار قصوا جناحه.- لو كان المزاح فحلا لم ينتج إلا شرا.- لسان الجاهل مفتاح حتفه.- لكل جديد لذة.- لو ضاعت صفعة ما وجدت إلا في قفاه.- لو كان في البوم خير ما فات الصياد.- من اعتمد على شرف آبائه فقد عقهم.- من سعادة المرء أن يكون خصمه عاقلا.
وبالله التوفيق.
الفصل الرابع في الأمثال من الشعر المنظوم مرتبة على حروف المعجم
(حرف الألف)
- ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل ... وكلّ نعيم لا محالة زائل
- إذا جاء موسى وألقى العصا ... فقد بطل السحر والساحر
- إذا لم يكن فيكنّ ظلّ ولا خبا ... فأبعدكن الله من سمرات
- إذا كنت في فكري وقلبي ومقلتي ... فأيّ مكان من مكانك ألطف
- إذا أراد كريم نفع صاحبه ... فليس يخفى عليه كيف ينفعه
- إذا ما أتيت الأمر من غير بابه ... ضللت وإن تقصد إلى الباب تهتد
- إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل
- إذا لم يكن عندي نوال هجرتني ... وإن كان لي مال فأنت صديقي
(1/38)

- الناس في طلب المعاش وإنما ... بالجدّ «1» يرزق منهم من يرزق
- أيّها السائل عمّا قد مضى ... هل جديد مثل ملبوس خلق
- إنما أنفسنا عارية «2» ... والعواري حكمها أن تسترد
- إن العدو وإن أبدى مسالمة ... إذا رأى منك يوما غرّة وثبا
- أتمنى على الزمان محالا ... أن ترى مقلتاي طلعة حرّ «3»
- إذا ملك لم يكن ذا هبة ... فدعه فدولته ذاهبه
- إذا ثارت خطوب الدهر يوما ... عليك فكن لها ثبت الجنان
- إذا كنت لا ترضى بما قد ترى ... فدونك الحبل به فاختنق
- إن الأمور إذا بدت لزوالها ... فعلامة الإدبار فيها تظهر
- إذا ضاع شيء بين أمّ وبنتها ... فإحداهما لا شكّ ذلك آخذه
- إذا كان رب البيت بالطبل ضاربا ... فلا تلم الصبيان فيه على الرقص «4»
- إذا ما أراد الله إهلاك نملة ... سمت بجناحيها إلى الجو تصعد
- إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا «5» ... أصبت حليما أو أصابك جاهل
- إذا لم تستطع أمرا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
- إذا صوّت العصفور طار فؤاده ... ولكن حديد الناب عند الثرائد «6»
- أهن عامرا تكرم عليه فإنما ... أخو عامر من مسّه بهوان
- إذا محاسني اللاتي أتيت بها ... عدّت ذنوبا فقل لي كيف أعتذر
- إخوان صدق ما رأوك بغبطة ... فإذا افتقرت فقد هوى بك من هوى
- إذا اعتاد الفتى خوض المنايا ... فأيسر ما يمرّ به الوحول
- ألم تر أن المرء تدوى يمينه ... فيقطعها عمدا ليسلم سائره
- إذا أنت لم تعلم طبيبك كلّ ما ... يسؤك أبعدت الدواء عن السقم
- إذا أنت حمّلت الخؤون أمانة ... فإنك قد أسندتها شرّ مسند
- أكلّ خليل هكذا غير منصف ... وكلّ زمان للكرام بخيل
- إذا أنت عبت المرء ثم أتيته ... فأنت ومن تزري عليه سواء
- أسأت إذ أحسنت ظنّي بكم ... والحزم سوء الظنّ بالناس
- الحادثات إذا ألمّ خطوبها ... فلها مساو مرّة ومحاسن
- الخير لا يأتيك متصلا ... والشرّ يسبق سيله مطره «7»
- العلم ينهض بالخسيس إلى العلا ... والجهل يقعد بالفتى المنسوب
- الكفر بالنعمة يدعو إلى ... زوالها والشكر أبقى لها
- أيا دارهم ما كنت أنت بدارهم ... ولا أنا مذ سار الركاب بهم أنا
- أقلّب طرفي لا أرى غير صاحب ... يميل مع النعماء حيث تميل
(1/39)

- إذا ما قضيت الدّين بالدّين لم يكن ... قضاء ولكن ذاك غرم على غرم
(حرف الباء الموحدة)
- بنا فوق ما تشكو فصبرا لعلنا ... نرى فرجا يشفي السقام قريبا
- بالملح نصلح ما نخشى تغيّره ... فكيف بالملح إن حلّت به الغير «1»
- بني عمنا إنّ العداوة شأنها ... ضغائن تبقى في نفوس الأقارب
(حرف التاء المثناة الفوقية)
- تحنّ إليه أفئدة البرايا ... وتهواه الخلائق للسماع
- تلوم على القطيعة من أتاها ... وأنت سننتها للناس قبلي
- تلجي الضرورات في الأمور إلى ... سلوك ما لا يليق بالأدب
- تفرقت الظباء على حراش ... وما يدري حراش ما يصيد «2»
- تجتلي الأذن منه أحسن مما ... تجتلي العين من وجوه البدور «3»
(حرف الجيم)
- جنّ له الدهر فنال الغنى ... آه لمن أغفله الدهر
- جربت أهلي وأهليه فما تركت ... إلى التجارب في ودّ امرىء غرضا
(حرف الحا المهملة)
- حيّاك من لم تكن ترجو تحيته ... لولا الدراهم ما حيّاك إنسان
(حرف الخاء المعجمة)
- خفّض الجأش واصبرنّ رويدا ... فالرزايا إذا توالت تولت «4»
- خليليّ إنّ الحبّ صعب مراسه ... وإن عزيز القوم فيه يهان
- خاطر بنفسك كي تصيب غنيمة ... إن الجلوس مع العيال قبيح
- خيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب؟
- خن من أمنت ولا تركن إلى أحد ... فما نصحتك إلا بعد تجريبي
(حرف الدال المهملة)
- داود محمود وأنت مذمم ... عجبا لذاك وأنتما من عود
- دعيني أنهب الأموال حتى ... أعفّ الأكرمين عن اللئام
(حرف الدال المعجمة)
- ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاء منعّم «5»
(حرف الراء)
- ربّ مهزول سمين عرضه ... وسمين الجسم مهزول الحسب
- ردّوا عليّ صحائفا سودتها ... فيكم بلا حق ولا استحقاق
- رضيت ولا أرضى إذا كان مسخطي ... من الأمر ما فيه رضا صاحب الأمر
- ربّ يوم بكيت منه فلما ... صرت في غيره بكيت عليه
(حرف الزاي)
- زنيم ليس يعرف من أبوه ... بغيّ الأم ذو حسب لئيم
(حرف السين المهملة)
- سروري أن نبقى بخير ونعمة ... وإني من الدنيا بذلك قانع
(1/40)

- سوء حظّي أنالني منك هجرا ... فعلى الحظ لا عليك العتاب
- سبكناه ونحسبه لجينا ... فأبدى الكير عن خبث الحديد «1»
- ستذكرني إذا جرّبت غيري ... وتعلم أنّني نعم الصديق
(حرف الشين المعجمة)
- شفيعي إليك الله لا ربّ غيره ... وليس إلى رد الشفيع سبيل
- شكرتك قبل الخير إن كنت واثقا ... بأني بعد الخير لا شكّ شاكر
(حرف الصاد المهملة)
- صحّح لنا والده أولا ... وأنت في حل من الوالده
(حرف الضاد المعجمة)
- ضاقت ولو لم تضق لما انفرجت ... والسرّ مفتاح كل ميسور «2»
(حرف الطاء المهملة)
- طويل عمر المعالي والندى أبدا ... قصير عمر الأعادي والمواعيد
- طوبى لأعين قوم أنت بينهم ... القوم في نزهة من وجهك الحسن
(حرف الظاء المشالة)
- ظهرت خيانات الثقات وغيرهم ... حتّى اتّهمنا رؤية الأبصار
- ظلمت أمرأ كلّفته غير خلقه ... وهل كانت الأخلاق إلا غرائز
(حرف العين المهملة) :
- علم الله كيف أنت فأعطا ... ك المحلّ الجليل من سلطانه
- على المرء أن يسعى لما فيه نفعه ... وليس عليه أن يساعده الدهر
- عسى فرج يأتي به الله إنّه ... له كل يوم في خليقته أمر
- عتبت على عمرو فلما تركته ... وجربت أقواما بكيت على عمرو
(حرف الغين المعجمة)
- غنيّ بلا دين عن الخلق كلّهم ... وإنّ الغنى إلا عن الشيء لا به
- غلام أتاه اللؤم من شطر نفسه ... ولم يأته من شطر أم ولا أب
(حرف الفاء)
- فلم أر كالأيام للمرء واعظا ... ولا كصروف الدهر للمرء هاديا
- فنفسك أكرمها فإنك إن تهن ... عليك فلن تلقى لها الدهر مكرما
- فصبر جميل إنّ في اليأس راحة ... إذا الغيث لم يمطر بلادك ماطره
- فما أكثر الأصحاب حين تعدّهم ... ولكنهم في النائبات قليل
- فإن كانت الأجسام منّا تباعدت ... فإن المدى بين القلوب قريب
- فلو كان حمدا يخلد المرء لم يمت ... ولكن حمد المرء غير مخلّد
- فإن تفق الأنام «3» وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
(حرف القاف)
- قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه
- قد زال ملك سليمان فعاوده ... والشمس تنحطّ في المجرى وترتفع
- قد يدرك المتأنّي نجح حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزّلل
- قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه ... خلق وجيب قميصه مرقوع
(1/41)

(حرف الكاف)
- كلوا اليوم من رزق الإله وأبشروا ... فإنّ على الخلّاق رزقكم غدا
- كفى زاجرا للمرء أيام دهره ... تروح له بالواعظات وتغتدي
- كنت من كربتي أفرّ إليهم ... فهم كربتي اليوم فأين الفرار
- كانوا بني أم ففرق شملهم ... عدم العقول وخفة الأحلام
- كلّ المصائب قد تمرّ على الفتى ... فتهون غير شماتة الأعداء
- كأنّك من كل النفوس مركب ... فأنت إلى كل الأنام حبيب
- كالكلب إن جاع لم يمنعك بصبصة ... وإن ينل شبعا ينبح من الأشر
(حرف اللام)
- لعمرك ما يدري الفتى كيف يتّقي ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا
- لعمري ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكنّ أخلاق الرجال تضيق
- للموت فينا سهام وهي صائبة ... من فاته اليوم سهم لم يفته غدا
- لو أن خفة عقله في رجله ... سبق الغزال ولم يفته الأرنب
- لو كان ما بي في صخر لأنحله ... فكيف يحمله خلق من الطّين
- لعمرك ما الأيام إلا معارة ... فما استطعت من معروفها فتزوّد
- لكل امرىء حالان بؤس ونعمة ... وأعطفهم في النائبات أقاربه
(حرف الميم)
- من يحمد الناس يحمدوه ... والناس من عابهم يعاب
- من لم يعدنا إذا مرضنا ... إن مات لم نشهد الجنازه
- متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
- من كان فوق محل الشمس رتبته ... فليس يرفعه شيء ولا يضع
- من الناس من يغشى الأباعد نفعه ... ويشقى به حتى الممات أقاربه
- ما كان في المخدع من أمركم ... فإنه في المسجد الجامع «1»
- ما قام عمرو في الولا ... ية قائما حتى قعد «2»
(حرف النون)
- نسوّد أعلاها وتأبى أصولها «3» ... وليس إلى رد الشباب سبيل
- نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف ما لا بدّ من شربه
- ندمت ندامة الكسعيّ لمّا ... رأت عيناه ما صنعت يداه «4»
(حرف الهاء)
- هنّاكم الله بالدنيا ومتعكم ... بما تحب لكم منها ونرضاه
- هل بالحوادث والأيام من عجب ... أم هل إلى رد ما قد فات من طلب
- هب الدنيا تقاد إليك عفوا ... أليس مصير ذاك إلى الزوال
- هنيئا لمن لا ذاق للدهر لوعة ... ولم تأخذ الأيام منه نصيبا
- هم يحسدوني على موتي فواحزني ... حتى على الموت لا أخلو من الحسد
(1/42)

(حرف الواو)
- ولم أر كالمعروف أمّا مذاقه ... فحلو وأمّا وجهه فجميل
- وإذا خشيت من الأمور مقدرّا ... وهربت منه فنحوه تتوجّه
- والرزق يخطىء باب عاقل قومه ... ويبيت بوّابا بباب الأحمق
- ولا يغررك طول الحلم منّي ... فما أبدا تصادفني حليما
- ولا خير فيمن لا يوطّن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب
- وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأنّي كامل
- وما للمرء خير في حياة ... إذا ما عدّ من سقط المتاع
- وما المرء إلا كالهلال وضوئه ... يوافي تمام الشهر ثم يغيب
- وقد تسلب الأيام حالات أهلها ... وتعدو على أسد الرجال الثعالب
- ومن يأمن الدهر الخؤون فإنني ... برأي الذي لا يأمن الدهر أقتدي
- وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخرا يكون كصالح الأعمال
- ومن يكن الغراب له دليلا ... يمرّ به على جيف الكلاب
- ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا «1» ... من الزاد يطرح نفسه أيّ مطرح
- ولربما منع الكريم وما به ... بخل ولكن سوء حظ الطالب
- ولا بات يسقينا سوى الماء وحده ... وهذا جزا من بات ضيف الضفادع
- ومن عاش في الدنيا فلا بدّ أن يرى ... من العيش ما يصفو وما يتكدر
- ولو دامت الدولات دامت لغيرنا ... رعايا ولكن ما لهنّ دوام
- وأحسن فإنّ المرء لا بدّ ميّت ... وأنّك مجزيّ بما كنت ساعيا
- ولا ترينّ الناس إلّا تجملا ... وإن كنت صفر الكفّ والبطن طاويا
- وما لا مرىء طول الخلود وإنّما ... يخلّده طول الثناء فيخلد
- ولربّ نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعا وعند الله منها المخرج
- وكان رجائي أن أعود ممتّعا ... فصار رجائي أن أعود مسلّما
- وتجلّدي «2» للشامتين أريهم ... أنّي لريب الدهر لا أتضعضع
- ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة ... يواسيك أو يسليك أو يتوجع
- وهوّن حزني عن خليلي أنّني ... إذا شئت لاقيت الذي مات صاحبه
- ويوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر
(حرف اللام ألف)
- لا تنظرنّ إلى الجهالة والحجى «3» ... وانظر إلى الإقبال والإدبار
- لا يسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهد من الخبر
- لا يصبر الحر تحت ضيم ... وإنما يصبر الحمار
- لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
- لا يبالي الشتم عرض ... كلّه شتم وذمّ
- لا تنظرنّ إلى امرىء ما أصله ... وانظر إلى أفعاله ثم احكم
- لا يسكن المرء في أرض يهان بها ... إلا من العجز أو من قلّة الحيل
- لا يقبلون الشكر ما لم ينعموا ... نعما يكون لها الثناء تبيعا
(1/43)

- لا أسأل الناس عمّا في ضمائرهم ... ما في ضميري لهم من ذاك يكفيني
(حرف الياء المثناة التحتية)
- يفرّ من المنية كلّ حي ... ولا ينجي من القدر الحذار «1»
- يريك الرضا والغلّ حشو جفونه ... وقد تنطق العينان والفم ساكت «2»
- يهمهم للشعير إذا رآه ... ويعبس إن رأى وجه اللجام
- يفارقني من لا أطيق فراقه ... ويصحبني في الناس من لا أريده
- يزيد تفضّلا وأزيد شكرا ... وذلك دأبه أبدا ودأبي
- يواسي الغراب الذئب في كل صيده ... وما صارت الغربان في سعف النخل
- يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتسلم أعراض لنا وعقول
- يغرّ الفتى مرّ الليالي سليمة ... وهنّ به عمّا قليل غوائر
- يغيظني وهو على رسله ... والمرء في غيظ سواه حليم
- يريك البشاشة عند اللقا ... ويبريك في السر بري القلم
الفصل الخامس في الأمثال السائرة بين الرجال والنساء مرتبة على حروف المعجم
(حرف الألف)
- إن كنت ما تعمل جميل اعمل كما يعمل معك.- إذا أبغضك جارك، حوّل باب دارك.- إذا كان صاحبك عسل، لا تلحسه كله.- المستعجل والبطيء عند المعدية «3» .- تلتقي ألف ذقن، ولا سلام عليكم.- ألف ذقن ولا ذقني.- إذا غاب عنك أصله، كانت دلائل نسبته فعله.- إذا وصلت وسلم الله بع بما قسم الله.- إذا كنت أعمى وأطروش شم رائحة النقوش.- إذا كان النبيذ دردي «4» ، والعشيق كردي، والبقل فول حار، والعشاء بيسار «5» إيش يكون الحال.- إذا كان القطن أحمر، والمغسل أعور، والدكة مخلعة، والنعش مكسر، اعلم أن الميت من أهل سقر، والوادي الأحمر.- إيش ينفع الضراط عند طلوع الروح، قال تقريف للحاضرين وتفريق للملائكة.- الفشر والنشر والعشا خبيزة.- أكل الدقة والنوم في الأزقة ولا دجاجة محمرة يعقبها مشقة. إيش أنت في الحارة يا منخل بلا طارة.- الرجم بالطوب ولا الهروب.-
إذا وقعت يا فصيح لا تصيح.- أقرع يقول لأقرع امش بنا نزرع في بركة القرعان إيش ما يطلع يطلع النصف لي والربع لي والثمن لي والثمن الآخر لك.- والله العدو ما يبقى حبيب حتى يصير الحمار طبيب.- أقعد يا حمار حتى ينبت لك الشعير. أي موضع راح الحزين يلقى جنازة «6» .
قال الشاعر:
- إن دام هذا السير يا مسعود ... لا جمل يبقى ولا قعود
غيره:
- إذا لم تكن لي والزمان شرم برم ... فلا خير فيك والزمان ترللّي «7»
غيره:
- إذا أقبلت كادت تقاد بشعرة ... وإن أدبرت كادت تقدّ السلاسلا
(حرف الباء الموحدة)
بينما يتروى البخيل قضى الكريم حاجته.- بينما يسعد المعتر فرغ عمره.- بينما أصل قبره نسيت همّه. بينما يعدل المعتر حاله جاء الموت شاله.- بينما يخلص ربنا حقي اتفرقعت جوزة حلقي. بينما يقطع الجريد يفعل الله ما
(1/44)

يريد.- بينما يجيء الترياق من العراق يكون الملسوع مات.- بين حانة وبانة حلقت لحانا.- بدوي مقروح لقي التمر مطروح، أين يخلي ويروح.- بدال لحمتك وقلقاسك هات لك شد على راسك.- بدال اللحمة والباذنجان هات لك قميص يا عريان.- بدال لحمتك التلاتة هات لك شد يا شماتة.- بقى للكلب سرج وغاشية وغلمان وحاشية.- بقي للخرا مرا وصار يحلف بالطلاق «1» .- بعد الجوع والقلة بقي لك حمار وبغلة.
(حرف التاء المثناة من فوق)
- تموت الحدادي وعينها في الصيد.- تعالوا بنا نقتبح ونرجع غدا نصطلح.- تدحرج الخرا لعند البعر قال له:
إيش أنت قال له بزم قردش.- ترك الفضول من حزم العقول.- تراب العمل ولا زعفران الباطلة.- تسكر وتخانق ما هو شيء موافق.- تجارة الأحمق على أهل بيته.
- تضارب الريح مع الموج جاء الهم على النواتية «2» .-
تزاوروا ولا تجاوروا.- تبات نار تصبح رماد، لها رب يدبرها.
(حرف الثاء المثلثة)
- ثوب العيرة ما يدفي.- ثقيل واسمه صخر بن جبل.-
ثور علّقوه أغمي عليه قال: حتى يطلع شيء يرشوه عليه.-
ثور عاجز ما يدور ساقية ثقيلة- من أولاد الزنا مر العنا- ثوب عليه وثوب على الوتد، قال: أنا اليوم أحسن من كل من في البلد.
(حرف الجيم)
- جور القط ولا عدل الفار.- جمل موضع جمل يبرك.-
جهد المقل دموعه.- جمل بحبه قال: وأين المحبة- جيت أصطاد صادوني.- جار له حق وجار ما له حق وجار لا صحبته عافية.- جارك مرآك إن لم ينظر وجهك نظر قفاك. جا «3» كتاب من عند خاله قال كل من هو في حاله.
جا «4» كتاب من عند عمه قال كل من هو ملهي بهمه.-
جاءوا ينعلوا خيل الباشا مدت أم قويق رجلها.- جوزوها له ما لها إلا له.- جوزوا مشكاح لريمة ما على الاثنين قيمة.
(حرف الهاء المهملة)
- حاجة لا تهمك وصّي عليها زوج أمك.- حوّل حبيبي ما عونه وقدرته مع كانونه.- حمار حنكوه بالتوت على باب الغيط يموت.- حلينا القلوع وأرسينا وأصبحنا على ما أمسينا.- حب وداري واكره وداري.- حدثتني ونصحتني عايرتني وجرصتني.- حط فليساتك في كمك واشتر أبوك وأمك.- حبة قرض تخرب أرض.
(حرف الخاء المعجمة)
- خديني وارغبي فيه أنا حصاد ملوخية وعند الخبز آكل مية وعند الشغل ما لي نية.- خبثت لي وصلحت لك.
- خذ ذا الصبي فوق صبيانك تمام لأحزانك.- خزينة في جرة وملحه في صرة.- خبزه بلا إدام ويعزم على الجيران.
(حرف الدال المهملة)
- دار الظالم خراب ولو بعد حين.- درهم لك ودرهم عليك ودرهم لا لك ولا عليك.- دواء ما لا تشتهي النفوس تعجيل الفراق.
(حرف الذال المعجمة)
- ذا درب ما يسد ريح.- ذي ما هي رمانة إلا قلوب ملآنة.- ذا لي وذا أيدي عليه.- ذي مائدة ما يقعد عليها طفيلي.- ذا الخبز ما هو من دار العميان.- الولد خرا من ظرفه كل من شال رجليه حك أنفه- ذكروا مصر القاهرة قامت باب اللوق بحشايشها.- ذكروا المدن جاءت القرى تحجل.
(حرف الراء المهملة)
- راح ذاك الزمان بناسه، وجا هذا الزمان بفاسه، وكل من تكلم بالحق كسروا راسه.- رأوا حجّار راكب حيط قالوا: إلى أين يا حجّار قال: مسافر. قالوا: من كانت هذه المطية مطيته لا يشرق ولا يغرب- رأوا سكران يقرأ قالوا:
غنّ تشاكل روحك.- رأوا شيخا يتهجّى قالوا: يختم على الصراط.- رأوا وردانة على سنداس قالوا: ما لذي الفسيقة إلا ذي البليطة.- رأوا على قبره مكتوب يا سعادة ساكنه قالوا أبصر من يزاحمه.- راكب بلاش ويناغش مراة الريس.- ركبتك وراي حطيت يدك في الخرج.- راح الجندي وخلى خلقه عندي.- رزق الكلاب على المجانين.- راسين في عمامة ما يكون.- راحت على جمل، وجاءت على قطة قال ما لذي الشيلة إلا ذي الحطة.
(1/45)

قال الشاعر:
راح الذي كنا نعي ... ش بفضله بين الورى
وبقي الذين حياتهم ... ووجودهم مثل الخرا
(حرف الزاي المعجمة)
- زقزوق على بركة يضحك وهو ضحكة.- زاوية بلا عيش بنيت ليش.- زوج القصيرة يحسبها صغيرة. زوجت بنتي أقعد في دارها جاتني وأربعة وراها «1» .
قال الشاعر:
زوجت بنتي تنستر ... ويمتلي بيتي قماش
جا غزلها في أكلها ... ونيكها طلع بلاش
- زنبور زن على حجر مسن، قال له: إيش تريد قال:
ألحسك قال له: أنا ألحس البولاد.- زنبور زن على فلس جحش، قال له: إيش تطلب قال له: عسل. قال له:
قصدت معدن يا دندن.
(حرف السين المهملة)
- سل المجرب ولا تنس الطبيب.- سمّوك مسحر قال فرغ رمضان.- سموك حبل قال وطولت.- سمّوك راجح قال إن شاء الله تجي الحق.- سبع وزر ولا انستر.
(قال الشاعر) :
سيغني الله عن بقراط دنّ ... ويأتي الله باللبن الحليب
وقال آخر:
سيغني الله عن زيد وعمرو ... ويأتي الله بالفرج القريب
(حرف الشين المعجمة)
- شره ووضيع ويغضب سريع.- شيء ما نابه وتقطعت ثيابه.- شعر يحلق وشعر ما يحلق.- شرب السموم القاتلة ولا الحاجة إلى السفل.- شمني ولا تدعكني.- شيء ما يجيء على القلب عنايته صعبة.- شرا العبد ولا تربيته.-
شخت بغلة عامت زبلة.- ركبت خنفسة زمر زنبور قال: ما هذا الجوق الجليل إلا لمقطعات النيل.
(حرف الصاد المهملة)
- صام سنة وفطر على بصلة.- صبري على الحبيب ولا فقده.- صاحب يضر عدو مبين.- صباح الفوّال ولا صباح العطّار.- صباحك يا أعور قال ذي خناقة بايتة.- صباح الخير يا جاري قال: أنت في دارك وأنا في داري.
(حرف الضاد المعجمة)
- ضرب الحبيب كأكل الزبيب.- ضربتين في الرأس تعمي»
.- ضرب وبكي وسبق يشتكي.- ضربة على كيس غيري كأنها في عدل حنا، ضمّنوا حدّاية لغراب قال: الكل يطيروا.- ضربوا بياع الكسبرة خري بياع التوم، قال: ذي داهية جات على الخضرية.
(حرف الطاء المهملة)
- طارت الطيور بأرزاقها.- طفيلي ويجلس في الصدر.- طفيلي ويقترح- طويل الكم خطار قليل الفرح في الدار.- طبق وجارية على صحن بسارية.- طبلوا جاكم عثمان يد من ورا ويد من قدام.- طعامك ما جاني ودخانك عماني.- طار طيرك وأخذه غيرك.- طول ما أعيش يكفيني رعي الحشيش.- طوّل الغيبة وجانا بالخيبة.
(حرف الظاء المعجمة)
- ظهرك عندي نصف الليل.
(حرف العين المهملة) :
- عنقود مدلّى في الهوا من لا يصل إليه يقول حامض ولا استوى.- عشق بداله لا أباله.- عاشق ما يسمع بكا صغير.- عاشق ما يسمع كلام مفارق.- عاشق مقل شيء ما زرع إيش جا يستغل.- عزومة حسبت عليك كل وبحلق عينيك.- عند المخاضة يبان القيليط.- عند الطعان يبان الفارس من الجبان.- عريان التينة وفي حزامه سكينة.-
عريان وفي كمه ميزان.
(حرف الغين المعجمة)
- غابت السباع ولعبت الضباع.- غربة وكربة ما يحمل الحال.- غطّاس وقلقاس نحسين في قدرة.- غالي السوق ولا رخيص البيت.
(حرف الفاء)
- فرجة بلا كسر تعمي البصر.- فقير ونقير وكلامه كثير
(1/46)

ويقول هاتوا عشا من يخني.- فوق الشراطة ملخ ودانه.-
فارس خرا ويسوق في الوحل.- فارس خرا واسمه عنتر.-
فارس خرا ويسابق الخيل.- فرد ضربة في الرأس تكفي.-
فصدوا قرد ضرط قالوا به دم زايد.- فرغت الرعانة يا جانم.
(حرف القاف)
- قالوا للأعمى زوّق عصاتك قال هو أنا محب فيها.-
قالوا للحمار اجتر قال مضغ المحال ما ينطلي.- قالوا للقرد شب أيادي ملاح وتمسك الماصول.- قالوا للقرد اطلب من ربك قال هو أنا عنده بوجه يبسط.- قالوا للجمل زمّر قال لا شفف ملمومة ولا أيادي مفرودة.-
قالوا للدبة طرزي قالت: ذي خفة أيادي.- قالوا للكلاب احرثوا قالوا: ما جرت بهذا عادة.- قالوا للغراب ما لك تسرق الصابون قال الأذى طبعي.- قالوا لبقر الديوان إذا متم يكفنوكم في حرير قالوا اشتهينا نروح بجلودنا.- قالوا للغزالة احركي حركت ذنبها.
(حرف الكاف)
- كل من عودته بأكلك كلما نظرك جاع.- كشكار دايم ولا علامة مقطوعة «1» .- كل كرها واشرب كرها ولا تعاشر كرها.- كل هم كاوي عند همي ياوي.- كل شيء لا يشبه قانيه حرام.- كل مائة عصفور ما يجو حداية.- كل ألف مصة ما يجو بغصّة. كل ألف بوسة ما يجو بعبوسة.-
كملت يا لحمان بالشعرة والصنان- كمل حبيبي كل المعاني أعرج وقيليط ومعجباني- كمل حبيبي وأكمل أعرج وقيليط وأحول وفيه عادة أخرى لمن يواصل يخرا- كأنه خان للغجر ولا يوحشه من غاب ولا يؤانسه من حضر- كأنه من طواحين الكشكار داير على رجل الفار. كأنه عصفور ينيك بلاش ويأوي في الأعشاش.
(حرف اللام)
- لولاك يا كمي ما أكلت يا فمي- لولاك يا لساني ما انسكيت يا قفاي «2» - لولا الغيرة والحسد كانت عجوزة كفت بلد- لولا أختك ما صرت ابن عمتك- لو قليناها بلية ما جات هكذا- لو كان فيها خير ما رماها طير- لك وعليك ما يصعب عليك- لك أسوة بغيرك- لقمة بدقة ولا خروف بزقة- لقمة تحت حيطة ولا خروف بعيطة- لو سلم الكرم من حارسه طابت مغارسه- لو تقطع يده وتدليها من فيه صنعة ما يخليها- لو عمل لي من الذهب وليمة هو عندي بتلك العين القديمة- لو شال رأسه إلى السما كأنه عصيدة بما «3» - لو نظر الجمل لصنمه كان كدمه- لولا الكشط والبراية ما كانت لأولاد الخرا كتاب.
(حرف الميم)
- محبة بلا حبة ما تساوي حبة- ما شلتك يا دمعتي إلا لشدتي- من عاشر غير جنسه دق الهم صدره- من قدم النحس تعب في تأخيره ومن عاشر الحداد احترق بناره- من عاشر الزبداني فاحت عليه روايحه. من ركب في غير سرجه وغرزه دخل الهوا إسته وهزه- من لا يحط يده لزنده ما يعرف حره من برده- ما رأيتك يا نور حتى ابيضت العيون- ما لي على فراقكم جلد إلا هجاجي من البلد- ما كفانا هم أبونا قام أبونا جاب أبوه، قال خذوا جدكم ربوه- من عدم نابه ونصابه وثيابه وشبابه كان الموت أولى به- من يكلم القبح يروح عرضه وينفضح. ما تنقدوهم كلهم زغليه ما فيهم من يعجب النقاد.
(حرف النون)
- نواية تسند الجرة قال وتسند الزير الكبير- نفسك أتلفت أي شيء أخلفت- نصف البلا ولا البلا كله- ناقص ونحّاس- ناموسة باتت على شجرة أصبحت تقول خاطرك قالت لها وأنت كنت على أي ورقة- نيتك مطيتك- نسيت يا فلاح ما كنت فيه، كعبك المشقق والوحل فيه- نيك حتى تبقى ديك.
(حرف الهاء)
- هانت الزلابية حتى أكلها بنو وائل- هان المسك وانتثر- هدية تعرّ قومها تخليتها ولا لومها- هدية الأحباب على ورق السداب- قال هو أعمى عن ورق الموز- هو عرس تأكل وتنسل- أهدوا هدية وأعينهم فيها يقولوا الله يردها- هاتوا ذا الغزل المخبل لذا القلب المدبل.
(حرف الواو)
- واحد نتفه وآخر لقفه وقال آخر يا قريب الفرج- واحد بيخطبوا له وهو قائم عليه قال أنا في حاجتك- واحد جائز رأى قرد يجرش ترمس قال ما لذي الفاكهة البدرية إلا ذي الصورة القمرية- واحد سموه عنبر وصنعته سرباتي، قال الذي كسبه في الاسم خسره في الصنعة- وحش ويكش ويقعد في الوش ويغني بلينا بكم- وقت أكل الدجاج ما
(1/47)

يفتكروني وفي وقت شيل التراب هات يدك- وإيش قام على تومه بفصل الحكومة- وقت الشوا واليخني ما قلت يا أخي الحقني ووقت ضرب الدرة قلت اصفعوه واصفعوني.
(حرف اللام ألف)
- لا تعيرني ولا أعيرك الدهر حيرني وحيرك «1» - لا أصل شريف ولا وجه ظريف- لا أخوك ولا ابن عمك تشقق ثوبك على إيش.- لا عاش بليق.- لا حراس ولا دراس.- لا عاش العار ولا بنى له دار.- لا ربح ثوابه ولا خلاه لأصحابه.- لا في الفراق نجد راحة ولا في الوصل.- لا تشكرن فتى حتى تجربه.- لا تفرح لمن يروح حتى تنظر من يجي.- لا يضر السحاب نبح الكلاب.-
لا يغرك تظريفي الأصل في ريفي.
(حرف الياء)
- يا شب مليح ما أحسن وصفك لا في يدك ولا في طرفك.- يا ويل من ذاق الغنى بعد جوعة يموت وفي قلبه من الهم واجس.- يا طارق الباب بعد العشي لا تطرق الباب ما تم شي.- يا من ملّنا ما كان حلّنا، لسا ما لنا في العشرة سنة.- يهنيكم قدومه قد جاكم بشومه.- يا ليتنا انكسرنا ولا بك انتصرنا.- يا ويل من كان عشيه من بيت خيه.- يا طالب الشر بلا أصل تعال للصائم بعد العصر.
[الفصل السادس فى] أمثال النساء
(حرف الألف)
- أحبك يا سواري مثل معصمي لا.- الذي في قلب أم حنين تحلم به في الليل.- إن كنتي حرة لا تضيعي نقابك بره.- إن لم تعملي وتفتخري وإلا انهري وانعفري.- إن كانت الداية أحن من الوالدة قال ذي داهيه عيارة.- الكلام لك يا جارة إلا أنت حمارة.- إيش تعمل الماشطة في الوجه المشؤوم.- إيش قام على الحزينة بالنقش والزينة.-
إيش ينفع النفخ في الوجه الأصم.- أرملة عدس ومتزوجة عدس، أقعدي بعدسكي الاسم زوج والطعم الترمل.
- العاقلة فينا تزني بيقطينا.- إذا كان زوجي راضي إيش فضول القاضي.- استعارت الرعنه شيء حسبته لها أخذت المقص ودارته لها.- اقعدي في عشك حتى يجي حد ينشك.
(حرف الباء الموحدة)
- بعد أن كنتي لي وحدي بقيت أسمع أخبارك.- بعد سنة وشهرين جابت بنت بشفرين.- بعد أن كان زوجها بقي طباخ في عرسها.- بعد مشيك في الحلقة بقالك سلالم وغرفة واسم ستيتة.- بعد أمي وأختي الكل جيراني.- بينما تتنقب الحولة انصرف القاضي.- بنت الخرا تزف لابن الخرا بدف.- باتت ناموسة على جميزة قالت صبحك الله بالخير قالت من درى بك قبلا.- بدال ما تمشي وتهزي كتفك رقعي فردة خفك.- بخرا «2» وتزاحم بالبوس. بقي لأم سيسي برقع وللضفدعة زمارة.- بعد مشيك في الخلافي لبستي الصافي.- بعيد على الحزينة تستعمل الزينة.
(حرف التاء)
- تابت القحبة يوم وليلة قالت ما بقي في البلد حكام.-
تضاربت المجنونة والحمقا حسبته الرعنة من حقا.-
تضارب وتتعرى وتصيح يا قلة رجالي.- تأخذوا أبونا وتكابرونا.- ترتانة وبيبانة ومفاتيح الخزانة.- تباهت الرعنة بشعر بنت أختها.- تخلوني وإلا استحل بجارنا قالت إذا كان ذا قبلك خذيه بلا استحلال.- تتغمّى بالخرج ولا تخلي الغنج.- تقعد عيوشة في ديارتها ما لا حد حاجة في زيارتها.
(حرف الثاء)
- ثوب سيدي ثوب حبيبي، ثوب ستي ثوب قحبة.
(حرف الجيم)
- جارة بجارة والعداوة خسارة.- جاني عذولي ورتالي ما هي محبة إلا شماتة لي.- جارية وزبدية على باذنجانة مقلية.- جاتنا العدوة مكحلة قطران ما هي إلا غيرة وقلبها فرحان.- جاب ثيابه يغسلهم بلا صابونة معهم.
(حرف الحاء المهملة)
- حولة وتنتقب بنخ.- حزانى ما عندهم دقيق اشتروا لهم منخل رقيق.- حزانى ما عندهم خبز اشتروا لهم بعشرة ملوخية.- حزينة وواعية.- حبلة ومرضعة وعلى كتفها أربعة، وطلعت الجبل تجيب دوا للحبل.- حولة ونصرانية لا مليحة ولا أصل طيب.- حزينة ما لها مملوك سمت زنبورها خوش كلدم. حزينة مالها ملك اكترت لها بواب.-
حزينة ما لها كاملية طلبت لها خف وشعرية.
(حرف الخاء المعجمة)
- خطبوها تعززت وكان زمان البوار.- خلت زوجها
(1/48)

مكروب وراحت تشوف المصلوب.- خذي قطيفة واكتمي سري قالت ما يطاوعني قلبي.- خلت ما يعنيها واتبعت حك رجليها.
(حرف الدال المهملة)
- دري زوجك بكتبتك تمي نهارك مع ليلتك.- دق من أسفل ولا تطلع ما أنت على القلب.
(حرف الذال المعجمة)
- ذكرت العجوز أطلالها.
(حرف الراء)
- رقصتي ما أحسنتي كان قعادك أجمل.- رعنا يضحكوا بها ومن تضحك تساعدهم.- رأوا جاموسة منقبة بحصير قالوا ما لذا الشكل الوضيع إلا دا القماش الرفيع- راحت تبيع ربعة غابت جمعة- راحت رجال الهيبة وبقيت رجال الخيبة- راحت رجال اللحم والقلقاس وبقيت رجال الخبز بالفسفاس- رأوا خنفسة على مكنسة قالوا ما لذي الوصيفة إلا ذا الحمار الأزعر.
(حرف الزاي)
- زمر بالزميميرة تبان لك العاقلة من المجينينه- زوجي ما حكم علي قام لي عشيقي بشمعة- زوجوا بنت نشادري لسرباتي قالوا قليلات الخرا تتدحرج لبعضها.
(حرف السين المهملة)
- سودا وتتنقش بسباخ سودا- منقبة قفل على خزانة- سألوها عن أبيها قالت جدي شعيب.
(حرف الشين المعجمة)
شدي قرطاسك من عند موسه قالوا دا شي ما فرحتي به وأنتي عروسة.- شامتة ومعزية.
(حرف الصاد المهملة)
- صارت القحبة واعظة- صارت القويقة شاعرة.
(حرف الضاد المعجمة)
- ضحك ابن سنة غمي على أمه قالت ما أخف دمه.
(حرف الطاء المهملة)
- طلعت تترحم نزلت تتوحم.
(حرف الظاء المعجمة) :
- ظريفة وعفيفة ولها نفس شريفة.
(حرف العين المهملة)
- عميا تحفف مجنونة وتقول حواجبك سود مقرونة- عاقلة وجابت طفلة وجاتها خطّار واشتروا لها قلقاس ذكر وحطب أخضر في نهار مطر وقالوا لها اطبخي- على قدر لمحة تقع الصلحة- عجوزة وجابت غلام إذا جنت لا تلام- عجوزة وخرفانة دي داهية كمانة.
(حرف الغين المعجمة)
- غيرك يقوم مقامك عليش قلبي أعذبه.
(حرف الفاء)
- فرحت حزينة خربت مدينة.
(حرف القاف)
قالوا للمغاني اتزوقوا قلبوا عصايبهم- قحبة ما كنست بيتها كنست المسجد، قالوا دي قحبة تطلب الثواب-.
(حرف الكاف)
- كل من تبعت هواها صارت سراويلها رداها- كبرتي يا برقوقة وبقي لك دبوقة- كانوا مغاني صاروا ملاهي- لا راحت ولا جات كما هي- كلي قليه وباتي هنيه- كأنها من الباسطية قماش على جريدة- كأنها حزمة فجل أصفر وعرقها أخضر- كأنها من عمايم اليهود صفرا طويلة رفيعة- كأنها من بيت الوالي ما يتحدث فيها سوى الحاشية- كأنها ضبة جعيدي مخلوعة ولا تاخذ شي.
(حرف اللام)
لو كان ما ينقش إلا السّمان بارت المواشط من زمان- للساعة ما حبلت جابت المرسين- لولا المعاير ما كانت الحراير.
(حرف الميم)
- ماشطة وتمشط بنتها- من افتكرنا بياسمينا ما نسينا.
(حرف النون)
- نواية تسند الجرة قال وتسند الزير الكبير.
(حرف الهاء)
- هش يا دبانا أنا حبلي من مولانا.
(حرف الواو)
- وجه لا يرى بالذهب يشترى.
(حرف اللام ألف)
- لا أنتي مليحة ولا تغني بإيش تدلي.
(حرف الياء)
- يعيش المدلل بلا مكلل- يا غزالة الأقمار أين كنتي
(1/49)

بالنهار- يا ما تحت النقاب والشعرية من كل بلية- يا من ملّنا ما كان حلّنا للساعة ما لنا في العشرة سنة.
الباب السابع في البيان والبلاغة والفصاحة وذكر الفصحاء من الرجال والنساء
وفيه فصول
الفصل الأول في البيان والبلاغة
أما البيان فقد قال الله تعالى: الرَّحْمنُ 1 عَلَّمَ الْقُرْآنَ 2 خَلَقَ الْإِنْسانَ 3 عَلَّمَهُ الْبَيانَ 4
«1» وقال صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحرا» . قال ابن المعتز: البيان ترجمان القلوب وصيقل العقول. وأما حده فقد قال الجاحظ: البيان اسم جامع لكل ما كشف لك عن المعنى.
وأما البلاغة فإنها من حيث اللغة هي أن يقال: بلغت المكان إذا أشرفت عليه وإن لم تدخله. قال الله تعالى:
فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ
«2» . وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ
«3» .
أي وثيقة كأنها قد بلغت النهاية.
وقال اليوناني: البلاغة وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة. وقال الهندي: البلاغة تصحيح الأقسام، واختيار الكلام.
وقال الكندي: يجب للبليغ أن يكون قليل اللفظ كثير المعاني.
وقيل: إن معاوية سأل عمرو بن العاص من أبلغ الناس؟ فقال: أقلهم لفظا، وأسهلهم معنى، وأحسنهم بديهة. ولو لم يكن في ذلك الفخر الكامل لما خص به سيد العرب والعجم صلى الله عليه وسلم وافتخر به حيث يقول: «نصرت بالرّعب وأوتيت جوامع الكلم» . وذلك أنه كان عليه الصلاة والسلام يتلفظ باللفظ اليسير الدال على المعاني الكثيرة.
وقيل: ثلاثة تدل على عقول أصحابها، الرسول على عقل المرسل، والهدية على عقل المهدي، والكتاب على عقل الكاتب.
وقال أبو عبد الله وزير المهدي: البلاغة ما فهمته العامة ورضيت به الخاصة. وقال البحتري: خير الكلام ما قل وجل ودل ولم يمل.
وقالوا: البلاغة ميدان لا يقطع إلا بسوابق الأذهان، ولا يسلك إلا ببصائر البيان.
وقال الشاعر:
لك البلاغة ميدان نشأت به ... وكلّنا بقصور عنك نعترف
مهّد لي العذر في نظم بعثت به ... من عنده الدرّ لا يهدى له الصّدف
وروي أن ليلى الأخيلية مدحت الحجاج فقال يا غلام:
اذهب إلى فلان، فقل له يقطع لسانها، قال: فطلب حجاما فقالت: ثكلتك أمك إنما أمرك أن تقطع لساني بالصلة، فلولا تبصرها بأنحاء الكلام ومذاهب العرب والتوسعة في اللفظ ومعاني الخطاب لتم عليها جهل هذا الرجل.
وقال الثعالبي: البليغ من يحول الكلام على حسب الأمالي، ويخيط الألفاظ على قدر المعاني. والكلام البليغ ما كان لفظه فحلا، ومعناه بكرا.
وقال الإمام فخر الدين الرازي رحمة الله تعالى عليه في حد البلاغة: إنها بلوغ الرجل بعبارته كنه ما في قلبه مع الاحتراز عن الإيجاز المخل، والتطويل الممل، ولهذه الأصول شعب وفصول لا يحتمل كشفها هذا المجموع ويحصل الغرض بهذا القدر وبالله التوفيق إلى أقوم طريق.
الفصل الثاني في الفصاحة
قال الإمام فخر الدين الرازي رحمة الله تعالى عليه: إعلم أن الفصاحة خلوص الكلام من التعقيد، وأصلها من قولهم أفصح اللبن إذا أخذت عنه الرغوة. وأكثر البلغاء لا يكادون يفرقون بين البلاغة والفصاحة، بل يستعملونهما استعمال الشيئين المترادفين على معنى واحدة في تسوية الحكم بينهما. ويزعم بعضهم أن البلاغة في المعاني، والفصاحة في الألفاظ، ويستدل بقولهم معنى بليغ ولفظ فصيح.
وقال يحيى بن خالد: ما رأيت رجلا قط إلا هبته حتى
(1/50)

يتكلم، فإن كان فصيحا عظم في صدري، وإن قصر سقط من عيني.
وقد اختلف الناس في الفصاحة، فمنهم من قال: إنها راجعة إلى الألفاظ دون المعاني، ومنهم من قال: إنها لا تخص الألفاظ وحدها. واحتج من خص الفصاحة بالألفاظ بأن قال: نرى الناس يقولون هذا لفظ فصيح، وهذه الألفاظ فصيحة، ولا نرى قائلا يقول: هذا معنى فصيح، فدل على أن الفصاحة من صفات الألفاظ دون المعاني.
وإن قلنا إنها تشمل اللفظ والمعنى لزم من ذلك تسمية المعنى بالفصيح، وذلك غير مألوف في كلام الناس، والذي أراه في ذلك أن الفصيح هو اللفظ الحسن المألوف في الاستعمال بشرط أن يكون معناه المفهوم منه صحيحا حسنا.
ومن المستحسن في الألفاظ تباعد مخارج الحروف، فإذا كانت بعيدة المخارج جاءت الحروف متمكنة في مواضعها غير قلقة ولا مكدودة، والمعيب من ذلك كقول القائل:
لو كنت كنت كتمت الحبّ كنت كما ... كنّا وكنت ولكن ذاك لم يكن
وكقول بعضهم أيضا:
ولا الضعف حتى يبلغ الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف
وكقول الآخر:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر
قيل: إن هذا البيت لا يمكن إنشاده في الغالب عشر مرات متوالية إلا ويغلط المنشد فيه لأن القرب في المخارج يحدث ثقلا في النطق به.
وقيل: من عرف بفصاحة اللسان لحظته العيون بالوقار.
وبالفصاحة والبيان استولى يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام على مصر وملك زمام الأمور وأطلعه ملكها على الخفي من أمره والمستور.
قال الشاعر:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلّا صورة اللّحم والدّم
وسمع النبي صلى الله عليه وسلم من عمه العباس كلاما فصيحا فقال: بارك الله لك يا عم في جمالك. أي فصاحتك.
وعرضت على المتوكل جارية شاعرة، فقال أبو العيناء «1» يستجيزها: أحمد الله كثيرا. فقالت: حيت أنشاك ضريرا. فقال: يا أمير المؤمنين قد أحسنت في إساءتها فاشترها.
وقال فيلسوف: كما أن الآنية تمتحن بأطيانها، فيعرف صحيحها من مكسورها، فكذلك الإنسان يعرف حاله من منطقه.
وقال المبرد: قلت للمجنون: أجزني هذا البيت:
أرى اليوم يوما قد تكاثف غيمه ... وإبراقه فاليوم لا شك ماطر
فقال:
وقد حجبت فيه السحائب شمسه ... كما حجبت ورد الخدود المحاجر
وقال عبد الملك لرجل: حدثني، فقال: يا أمير المؤمنين افتتح، فإن الحديث يفتح بعضه بعضا.
وقال الهيثم بن صالح لابنه: يا بني إذا أقللت من الكلام أكثرت من الصواب، قال: يا أبت فإن أنا أكثرت وأكثرت؟، يعني كلاما وصوابا، قال: يا بني، ما رأيت موعوظا أحق بأن يكون واعظا منك.
وقال الشعبي: كنت أحدث عبد الملك بن مروان وهو يأكل فيحبس اللقمة فأقول: أجزها أصلحك الله، فإن الحديث من وراء ذلك، فيقول: والله لحديثك أحب إليّ منها.
وقال ابن عيينة: الصمت منام العلم، والنطق يقظته، ولا منام إلا بتيقظ ولا يقظة إلا بمنام.
قال ابن المبارك:
وهذا اللسان بريد الفؤاد ... يدلّ الرجال على عقله
ومر رجل بأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، ومعه ثوب، فقال له أبو بكر رضي الله عنه: أتبيعه؟ فقال: لا، رحمك الله، فقال أبو بكر: لو تستقيمون لقوّمت ألسنتكم، هلّا قلت: لا ورحمك الله.
ومنه: ما حكي أن المأمون سأل يحيى بن أكثم عن
(1/51)

شيء، فقال: لا، وأيد الله أمير المؤمنين، فقال المأمون:
ما أظرف هذه الواو وأحسن موقعها.
وكان الصاحب يقول: هذه الواو أحسن من واوات الأصداغ. ويقال: اللسان سبع صغير الجرم عظيم الجرم «1» .
وقال بعضهم شعرا:
سحبان يقصر عن بحور بيانه ... عجزا ويغرق منه تحت عباب
وكذاك قسّ ناطق بعكاظه ... يعيا لديه بحجة وجواب «2»
وقيل أنه حج مع ابن المنكدر شابان، فكانا إذا رأيا امرأة جميلة قالا: قد أبرقنا، وهما يظنان أن ابن المنكدر لا يفطن، فرأيا قبة فيها امرأة، فقالا: بارقة، وكانت قبيحة، فقال ابن المنكدر: بل صاعقة.
وكان أصحاب أبي علي الثقفي إذا رأوا امرأة جميلة يقولون: حجّة، فعرضت لهم قبيحة، فقالوا: داحضة «3» .
وكتب إبراهيم بن المهدي: إياك والتتبع لوحشيّ الكلام طمعا في نيل البلاغة، فإن ذلك العناء الأكبر، وعليك بما سهل مع تجنبك الألفاظ السفل.
ويقال: القول على حسب همة القائل يقع والسيف بقدر عضد الضارب يقطع.
وقال الأحنف: سمعت كلام أبي بكر حتى مضى، وكلام عمر حتى مضى، وكلام عثمان حتى مضى، وكلام علي حتى مضى رضي الله تعالى عنهم، ولا والله ما رأيت فيهم أبلغ من عائشة.
وقال معاوية رضي الله تعالى عنه: ما رأيت أبلغ من عائشة رضي الله تعالى عنها، ما أغلقت بابا فأرادت فتحه إلا فتحته، ولا فتحت بابا فأرادت إغلاقه إلا أغلقته.
ومن غريب الكنايات الواردة على سبيل الرمز، وهو من الذكاء والفصاحة: ما حكي أن رجلا كان أسيرا في بني بكر بن وائل وعزموا على غزو قومه، فسألهم في رسول يرسله إلى قومه، فقالوا: لا ترسله إلا بحضرتنا لئلا تنذرهم وتحذرهم، فجاءوا بعبد أسود، فقال له: أتعقل ما أقوله لك، قال: نعم إني لعاقل، فأشار بيده إلى الليل، فقال: ما هذا؟ قال: الليل. قال: ما أراك إلا عاقلا، ثم ملأ كفيه من الرمل وقال: كم هذا؟ قال: لا أدري وإنه لكثير، فقال: أيما أكثر، النجوم أم النيران؟ قال: كلّ كثير، فقال: أبلغ قومي التحية، وقل لهم يكرموا فلانا يعني أسيرا كان في أيديهم من بكر بن وائل، فإن قومه لي مكرمون، وقل لهم إن العرفج قد دنا وشكت النساء، وأمرهم أن يعروا ناقتي الحمراء فقد أطالوا ركوبها، وأن يركبوا جملي الأصهب بأمارة ما أكلت معكم حيسا، واسألوا عن خبري أخي الحارث. فلما أدى العبد الرسالة إليهم قالوا: لقد جنّ الأعور، والله ما نعرف له ناقة حمراء ولا جملا أصهب، ثم دعوا بأخيه الحارث فقصوا عليه القصة، فقال: قد أنذركم، أما قوله: قد دنا العرفج، يريد أن الرجال قد استلأموا ولبسوا السلاح وأما قوله: شكت النساء أي أخذت الشكاء للسفر، وأما قوله: أعروا ناقتي الحمراء أي ارتحلوا عن الدهناء، واركبوا الجمل الأصهب، أي الجبل. وأما قوله: أكلت معكم حيسا، أي أن أخلاطا من الناس قد عزموا على غزوكم لأن الحيس يجمع التمر والسمن والأقط، فامتثلوا أمره وعرفوا لحن الكلام وعملوا به فنجوا.
وأسرت طيء غلاما من العرب، فقدم أبوه ليفديه، فاشتطوا عليه، فقال أبوه: والذي جعل الفرقدين يمسيان ويصبحان على جبل طيء ما عندي غير ما بذلته ثم انصرف، وقال: لقد أعطيته كلاما إن كان فيه خير فهمه، فكأنه قال له: إلزم الفرقدين يعني في هروبك على جبل طيء، ففهم الإبن ما أراده أبوه وفعل ذلك فنجى.
وكانت علية بنت المهدي تهوى غلاما خادما اسمه طل، فحلف الرشيد أن لا تكلمه ولا تذكرة في شعرها، فاطلع الرشيد يوما عليها وهي تقرأ في آخر سورة البقرة، فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ
، فالذي نهى عنه أمير المؤمنين.
ومن ذلك قولهم: تركت فلانا يأمر وينهى وهو على شرف الموت، أي يأمر بالوصية وينهى عن النوح، ويقال:
ما رأيت فلانا، أي ما ضربته في رئته، ولا كلّمته أي ما جرحته، فإن الكلوم الجراح، وما رأيت ربيعا، فالربيع حظ الأرض من الماء، والربيع النهر، وما رأيت كافرا ولا فاسقا، فالكافر السحاب والفاسق الذي تجرد من ثيابه، وما رأيت فلانا راكعا ولا ساجدا ولا مصلّيا، فالراكع العاثر الذي كبا لوجهه، والساجد المدمن النظر، والمصلّي الذي يجيء بعد السابق، وما أخذت لفلان دجاجة ولا فروجا،
(1/52)

فالدجاجة الكبة من الغزل، والفروجة الدراعة، وما أخذت لفلان بقرة ولا ثورا. فالبقرة العيال الكثيرة. يقال: جاء فلان يسوق بقرة، أي عياله، والثور القطعة الكبيرة من الأقط.
وحكي أن معاوية رضي الله تعالى عنه بينما هو جالس في بعض مجالسه وعنده وجوه الناس فيهم الأحنف بن قيس إذ دخل رجل من أهل الشام، فقام خطيبا، وكان آخر كلامه أن لعن عليا رضي الله تعالى عنه ولعن لاعنه، فقال الأحنف: يا أمير المؤمنين إن هذا القائل لو يعلم أن رضاك في لعن المرسلين للعنهم، فاتق الله يا أمير المؤمنين ودع عنك عليا رضي الله تعالى عنه، فلقد لقي ربه، وأفرد في قبره، وخلا بعمله، وكان والله المبرور سيفه الطاهر ثوبه العظيمة مصيبته، فقال معاوية: يا أحنف لقد تكلمت بما تكلمت، وأيم الله لتصعدن على المنبر فتلعنه طوعا أو كرها، فقال له الأحنف: يا أمير المؤمنين إن تعفي فهو خير لك وإن تجبرني على ذلك، فو الله لا تجري شفتاي به أبدا، فقال: قم فاصعد، قال: أما والله لأنصفنك في القول، والفعل، قال: وما أنت قائل إن أنصفتني، قال:
أصعد المنبر، فأحمد الله وأثني عليه، وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ثم أقول: أيها الناس، إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن عليا، ألا وإن معاوية وعليا اقتتلا فاختلفا، فادعى كل واحد منهما أنه مبغي عليه وعلى فئته، فإذا دعوت فأمنوا رحمكم الله، ثم أقول اللهم العن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية، اللهم العنهم لعنا كثيرا أمنوا رحمكم الله. يا معاوية لا أزيد على هذا ولا أنقص حرفا ولو كان فيه ذهاب روحي. فقال معاوية: إذا نعفيك يا أبا بحر.
وقال معاوية لعقيل بن أبي طالب: إن عليا قد قطعك وأنا وصلتك ولا يرضيني منك إلا أن تلعنه على المنبر قال: أفعل، فصعد المنبر، ثم قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم: أيها الناس إن معاوية بن أبي سفيان قد أمرني أن ألعن علي بن أبي طالب، فالعنوه فعليه لعنة الله، ثم نزل، فقال له معاوية: إنك لم تبين من لعنت منهما بيّنه، فقال: والله لا زدت حرفا ولا نقصت حرفا، والكلام إلى نية المتكلّم.
ودخلت امرأة على هرون الرشيد وعنده جماعة من وجوه أصحابه، فقالت: يا أمير المؤمنين: أقر الله عينك، وفرحك بما آتاك، وأتم سعدك لقد حكمت فقسطت، فقال لها: من تكونين أيتها المرأة. فقالت: من آل برمك ممن قتلت رجالهم، وأخذت أموالهم، وسلبت نوالهم.
فقال: أما الرجال فقد مضى فيهم أمر الله، ونفذ فيهم قدره، وأما المال فمردود إليك، ثم التفت إلى الحاضرين من أصحابه، فقال: أتدرون ما قالت هذه المرأة، فقالوا:
ما نراها قالت إلا خيرا. قال: ما أظنكم فهمتم ذلك، أما قولها أقر الله عينك، أي أسكنها عن الحركة، وإذا سكنت العين عن الحركة عميت، وأما قولها: وفرّحك بما آتاك، فأخذته من قوله تعالى: حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
«1» وأما قولها: وأتم الله سعدك، فأخذته من قول الشاعر:
إذا تمّ أمر بدا نقصه ... ترقّب زوالا إذا قيل، تم
وأما قولها لقد حكمت فقسطت، فأخذته من قوله تعالى: أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً 15
«2» ، فتعجبوا من ذلك.
وحكي: أن بعضهم دخل على عدوه من النصارى، فقال له: أطال الله بقاءك، وأقر عينك، وجعل يومي قبل يومك، والله إنه ليسرني ما يسرك، فأحسن إليه، وأجازه على دعائه، وأمر له بصلة، وكان ذلك دعاء عليه لأن معنى قوله: أطال الله بقاءك، حصول منفعة المسلمين به في أداء الجزية، وأما قوله: وأقر عينك، فمعناه سكن الله حركتها أي أعماها، وأما قوله: وجعل يومي قبل يومك، أي جعل الله يومي الذي أدخل فيه الجنة قبل يومك الذي تدخل فيه النار، وأما قوله: إنه ليسرني ما يسرك، فإن العافية تسره كما تسر الآخر. فانظر إلى الاشتراك وفائدته، ولولا الاشتراك ما تهيأ لمتستر مراد ولا سلم له في التخلص قياد.
وكان حماد الراوية لا يقرأ القرآن، فكلفه بعض الخلفاء القراءة في المصحف، فصحف في نيف وعشرين موضعا من جملتها قوله تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ 68
«3» بالغين المعجمة والسين المهملة «4» . وقوله: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ
(1/53)

لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ
«1» بالباء الموحدة لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
«2» بالباء الموحدة. وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ
«3» بالجيم والباء الموحدة هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً
«4» بالزاي وترك الهمزة عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ
«5» بالسين المهملة صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً
«6» بالنون والعين المهملة.
سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي
«7» بإسقاط التاء. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ 2
«8» بالغين المعجمة والراء المهملة قرن الشقاق بالغرة، وهذا لا يقع إلا من الأذكياء.
وحكي أن المأمون ولّى عاملا على بلاد، وكان يعرف منه الجور في حكمه، فأرسل إليه رجلا من أرباب دولته ليمتحنه، فلما قدم عليه أظهر له أنه قدم في تجارة لنفسه، ولم يعلمه أن أمير المؤمنين عنده علم منه، فأكرم نزله وأحسن إليه، وسأله أن يكتب كتابا إلى أمير المؤمنين المأمون يشكر سيرته عنده ليزداد فيه أمير المؤمنين رغبة، فكتب كتابا فيه بعد الثناء على أمير المؤمنين: أما بعد، فقد قدمنا على فلان، فوجدناه آخذا بالعزم، عاملا بالحزم، قد عدل بين رعيته، وساوى في أقضيته، أغنى القاصد، وأرضى الوارد، وأنزلهم منه منازل الأولاد، وأذهب ما بينهم من الضغائن والأحقاد، وعمّر منهم المساجد الدائرة، وأفرغهم من عمل الدنيا، وشغلهم بعمل الآخرة، وهم مع ذلك داعون لأمير المؤمنين يريدون النظر إلى وجهه والسلام. فكان معنى قوله: اخذا بالعزم، أي إذا عزم على ظلم أو جور، فعله في الحال، وقوله: قد عدل بين رعيته وساوى في أقضيته، أي أخذ كل ما معهم حتى ساوى بين الغني والفقير، وقوله: عمّر منهم المساجد الدائرة، وأفرغهم من عمل الدنيا، وشغلهم بعمل الآخرة، يعني أن الكل صاروا فقراء لا يملكون شيئا من الدنيا، ومعنى قوله: يريدون النظر إلى وجه أمير المؤمنين، أي ليشكوا حالهم وما نزل بهم. فلما جاء الكتاب إلى المأمون عزله عنهم لوقته، وولّى عليهم غيره.
ومن ذلك ما حكي أن القاضي الفاضل كان له صديق خصيص «9» به، وكان صديقه هذا قريبا من الملك الناصر صلاح الدين، وكان فيه فضيلة تامة، فوقع بينه وبين الملك أمر، فغضب عليه، وهمّ بقتله، فتسحب إلى بلاد التتر، وتوصل إلى أن صار وزيرا عندهم، وصار يعرف التتر كيف يتوصل إلى الملك الناصر بما يؤذيه، فلما بلغه ذلك نفر منه وقال للفاضل: اكتب إليه كتابا عرّفه فيه أنني أرضى عليه، واستعطفه غاية الاستعطاف إلى أن يحضر، فإذا حضر قتلته، واسترحت منه، فتحير الفاضل بين الاثنين، صديقه يعز عليه، والملك لا يمكنه مخالفته، فكتب إليه كتابا واستعطفه غاية الاستعطاف، ووعده بكل خير من الملك، فلما انتهى الكتاب ختمه بالحمدلة والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم وكتب إن شاء الله تعالى كما جرت به العادة في الكتب، فشدد «إن» ثم أوقف الملك على الكتاب قبل ختمه، فقرأه في غاية الكمال وما فهم إن، وكان قصد الفاضل إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ
«10» ، فلما وصل الكتاب إلى الرجل فهمه، وكتب جوابه بأنه سيحضر عاجلا، فلما أراد أن ينهي الكتاب، ويكتب إن شاء تعالى مد النون وجعل في آخرها ألفا وأراد بذلك إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها
«11» فلما وصل الكتاب إلى الفاضل فهم الإشارة، ثم أوقف الملك على الجواب بخطه، ففرح بذلك.
وحكي: أن بعض الملوك طلع يوما إلى أعلى قصره يتفرج، فلاحت منه التفاتة، فرأى إمرأة على سطح دار إلى جانب قصره لم ير الراؤون أحسن منها، فالتفت إلى بعض جواريه، فقال لها: لمن هذه؟ فقالت: يا مولاي هذه زوجة غلامك فيروز، قال: فنزل الملك وقد خامره حبها، وشغف بها، فاستدعى بفيروز، وقال له: يا فيروز، قال:
لبيك يا مولاي، قال: خذ هذا الكتاب وامض به إلى البلد الفلانية، وائتني بالجواب، فأخذ فيروز الكتاب، وتوجه إلى منزله، فوضع الكتاب تحت رأسه، وجهّز أمره، وبات ليلته، فلما أصبح ودع أهله وسار طالبا لحاجة الملك، ولم يعلم بما قد دبره الملك، وأما الملك فإنه لما توجه فيروز قام مسرعا وتوجه متخفيا إلى دار فيروز، فقرع الباب قرعا خفيفا، فقالت امرأة فيروز: من بالباب؟ قال: أنا
(1/54)

الملك سيد زوجك، ففتحت له، فدخل وجلس، فقالت له: أرى مولانا اليوم عندنا، فقال: زائر. فقالت: أعوذ بالله من هذه الزيارة. وما أظن فيها خيرا، فقال لها:
ويحك إنني الملك سيد زوجك، وما أظنك عرفتني فقالت: بل عرفتك يا مولاي، ولقد علمت أنك الملك، ولكن سبقتك الأوائل في قولهم:
سأترك ماءكم من غير ورد ... وذاك لكثرة الورّاد فيه «1»
إذا سقط الذباب على طعام ... رفعت يدي ونفسي تشتهيه
وتجتنب الأسود ورود ماء ... إذا كان الكلاب ولغن فيه «2»
ويرتجع الكريم خميص بطن ... ولا يرضى مساهمة السفيه «3»
وما أحسن يا مولاي قول الشاعر:
قل للذي شفّه الغرام بنا ... وصاحب الغدر غير مصحوب
والله لا قال قائل أبدا ... قد أكل الليث فضلة الذيب
ثم قالت: أيها الملك تأتي إلى موضع شرب كلبك تشرب منه، قال: فاستحيا الملك من كلامها وخرج وتركها، فنسي نعله في الدار، هذا ما كان من الملك.
وأما ما كان من فيروز، فإنه لما خرج وسار تفقد الكتاب، فلم يجده معه في رأسه، فتذكر أنه نسيه تحت فراشه، فرجع إلى داره، فوافق وصوله عقب خروج الملك من داره، فوجد نعل الملك في الدار، فطاش عقله، وعلم أن الملك لم يرسله في هذه السفرة إلا لأمر يفعله، فسكت ولم يبد كلاما، وأخذ الكتاب، وسار إلى حاجة الملك، فقضاها، ثم عاد إليه، فأنعم عليه بمائة دينار، فمضى فيروز إلى السوق، واشترى ما يليق بالنساء، وهيأ هدية حسنة وأتى إلى زوجته، فسلم عليها، وقال لها: قومي إلى زيارة بيت أبيك، قالت وما ذاك؟ قال: إن الملك أنعم علينا وأريد أن تظهري لأهلك ذلك.
قالت: حبا وكرامة، ثم قامت من ساعتها، وتوجهت إلى بيت أبيها، ففرحوا بها، وبما جاءت به معها، فأقامت عند أهلها شهرا، فلم يذكرها زوجها ولا ألم بها، فأتى إليه أخوها، وقال له يا فيروز: إما أن تخبرنا بسبب غضبك، وإما أن تحاكمنا إلى الملك، فقال: إن شئتم الحكم، فافعلوا، فما تركت لها عليّ حقا، فطلبوه إلى الحكم، فأتى معهم.
وكان القاضي إذ ذاك عند الملك جالسا إلى جانبه، فقال أخو الصبية: أيد الله مولانا قاضي القضاة إني أجّرت هذا الغلام بستانا سالم الحيطان ببئر ماء معين عامرة، وأشجار مثمرة، فأكل ثمره، وهدم حيطانه، وأخرب بئره، فالتفت القاضي إلى فيروز، وقال له: ما تقول يا غلام؟
فقال فيروز: أيها القاضي قد تسلمت هذا البستان وسلمته إليه أحسن ما كان، فقال القاضي: هل سلم إليك البستان كما كان؟
قال: نعم، ولكن أريد منه السبب لرده.
قال القاضي: ما قولك؟
قال: والله يا مولاي ما رددت البستان كراهة فيه، وإنما جئت يوما من الأيام، فوجدت فيه أثر الأسد، فخفت أن يغتالني، فحرمت دخول البستان إكراما للأسد، قال:
وكان الملك متكئا فاستوى جالسا، وقال: يا فيروز ارجع إلى بستانك آمنا مطمئنا، فو الله إن الأسد دخل البستان ولم يؤثر فيه أثرا، ولا التمس منه ورقا، ولا ثمرا ولا شيئا، ولم يلبث فيه غير لحظة يسيرة، وخرج من غير بأس، وو الله ما رأيت مثل بستانك، ولا أشد احترازا من حيطانه على شجره، قال: فرجع فيروز إلى داره، ورد زوجته، ولم يعلم القاضي ولا غيره بشيء من ذلك والله أعلم.
وهذا كله مما يأتي به الإنسان من غرائب الكنايات الواردة على سبيل الرمز، ومنه ما يجده المتستر في أمره من الراحة في كتمان حاله مع لزوم الصدق، ورضا الخصم بما وافق مراده لأن في المعاريض مندوحة عن الكذب.
كما روي في غزوة بدر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان سائرا بأصحابه يقصد بدرا، فلقيهم رجل من العرب فقال: ممن القوم؟
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من ماء. أخذ ذلك الرجل يفكر ويقول: من ماء من ماء يرددها لينظر أي العرب يقال لهم ماء، فسار النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه لوجهته، وكان قصده أن يكتم أمره وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله، فإن الله عز وجل قال: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ 5 خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ 6
«4» .
(1/55)

وكما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال للكافر الذي سأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت ذهابهما إلى الغار: هو رجل يهديني السبيل، وقد صدق فيما قال رضي الله عنه، فقد هداه الله وهدانا السبيل، ولا سبيل أوضح ولا أقوم من الإسلام.
وكما حكي عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه لما سأله بعض المعتزلة بحضرة الرشيد ما تقول في القرآن؟
فقال الشافعي: إياي تعني، قال: نعم. قال: مخلوق، فرضي خصمه منه بذلك، ولم يرد الشافعي إلا نفسه.
وكما حكي عن ابن الجوزي رحمه الله تعالى أنه سئل وهو على المنبر وتحته جماعة من مماليك الخليفة وخاصته، وهم فريقان قوم سنية وقوم شيعة، فقيل له: من أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر أم علي رضي الله عنهما، فقال: أفضلهما بعده من كانت ابنته تحته، فأرضى الفريقين ولم يرد إلا أبا بكر رضي الله عنه لأن الضمير في ابنته يعود إلى أبي بكر رضي الله عنه، وهي عائشة رضي الله عنها، وكانت تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشيعة ظنوا أن الضمير في ابنته يعود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي فاطمة رضي الله عنها، وكانت تحت علي رضي الله عنه، فهذه منه جيدة حسنة وكلمة باتت جفون الفريقين منها وسنة، والله أعلم.
الفصل الثالث في ذكر الفصحاء من الرجال
دخل الحسن بن الفضل على بعض الخلفاء وعنده كثير من أهل العلم، فأحب الحسن أن يتكلم، فزجره وقال:
يا صبي تتكلم في هذا المقام؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت صبيا، فلست بأصغر من هدهد سليمان ولا أنت بأكبر من سليمان عليه السلام حين قال: أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ
»
، ثم قال: ألم تر أن الله فهم الحكم سليمان ولو كان الأمر بالكبر لكان داود أولى.
ولما أفضت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز، أتته الوفود، فإذا فيهم وفد الحجاز، فنظر إلى صبي صغير السن، وقد أراد أن يتكلم فقال: ليتكلم من هو أسن منك، فإنه أحق بالكلام منك، فقال الصبي: يا أمير المؤمنين لو كان القول كما تقول لكان في مجلسك هذا من هو أحق به منك، قال: صدقت، فتكلم، فقال: يا أمير المؤمنين: إنا قدمنا عليك من بلد تحمد الله الذي منّ علينا بك، ما قدمنا عليك رغبة منا ولا رهبة منك، أما عدم الرغبة، فقد أمنا بك في منازلنا، وأما عدم الرهبة، فقد أمنا جورك بعدلك، فنحن وفد الشكر والسلام. فقال له عمر رضي الله عنه:
عظني يا غلام. فقال: يا أمير المؤمنين إن أناسا غرّهم حلم الله وثناء الناس عليهم، فلا تكن ممن يغره حلم الله وثناء الناس عليه، فتزل قدمك وتكون من الذين قال الله فيهم وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ 21
«2» . فنظر عمر في سن الغلام فإذا له اثنتا عشرة سنة، فأنشدهم عمر رضي الله تعالى عنه:
تعلّم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل
فإنّ كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفّت عليه المحافل
وحكي: أن البادية قحطت في أيام هشام، فقدمت عليه العرب، فهابوا أن يكلموه، وكان فيهم درواس بن حبيب، وهو ابن ست عشرة سنة، له ذؤابة، وعليه شملتان، فوقعت عليه عين هشام، فقال لحاجبه: ما شاء أحد أن يدخل عليّ إلا دخل، حتى الصبيان، فوثب درواس حتى وقف بين يديه مطرقا فقال: يا أمير المؤمنين إن للكلام نشرا وطيا، وإنه لا يعرف ما في طيه إلا بنشره، فإن أذن لي أمير المؤمنين أن أنشره نشرته، فأعجبه كلامه، وقال له: انشره لله درك، فقال: يا أمير المؤمنين إنه أصابتنا سنون ثلاث، سنة أذابت الشحم وسنة أكلت اللحم، وسنة دقت العظم، وفي أيديكم فضول مال، فإن كانت لله ففرقوها على عباده، وإن كانت لهم، فعلام تحبسونها عنهم، وإن كانت لكم، فتصدقوا بها عليهم، فإن الله يجزي المتصدقين، فقال هشام: ما ترك الغلام لنا في واحدة من الثلاث عذرا، فأمر للبوادي بمائة ألف دينار، وله بمائة ألف درهم، ثم قال له: ألك حاجة؟ قال: ما لي حاجة في خاصة نفسي دون عامة المسلمين، فخرج من عنده وهو من أجلّ القوم.
وقيل: إن سعد بن ضمرة الأسدي لم يزل يغير على النعمان بن المنذر يستلب أمواله حتى عيل صبره «3» ، فبعث إليه يقول إن لك عندي ألف ناقة على أنك تدخل في طاعتي، فوفد عليه وكان صغير الجثة، اقتحمته عينه
(1/56)

وتنقصه «1» ، فقال: مهلا أيها الملك إن الرجال ليسوا بعظم أجسامهم، وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، إن نطق نطق ببيان، وإن صال صال بجنان «2» ، ثم أنشأ يقول:
يا أيّها الملك المرجوّ نائله ... إنّي لمن معشر شمّ الذرى زهر «3»
فلا تغرّنّك الأجسام إنّ لنا ... أحلام عاد وإن كنّا إلى قصر
فكم طويل إذا أبصرت جثته ... تقول هذا غداة الروع ذو ظفر «4»
فإن ألمّ به أمر فأفظعه ... رأيته خاذلا بالأهل والزّمر «5»
فقال: صدقت، فهل لك علم بالأمور، قال: إني لأنقض منها المفتول، وأبرم منها المحلول، وأجيلها حتى تجول، ثم أنظر فيها إلى ما تؤول، وليس للدهر بصاحب من لا ينظر في العواقب. قال: فتعجب النعمان من فصاحته وعقله، ثم أمر له بألف ناقة وقال له: يا سعد إن أقمت واسيناك، وإن رحلت وصلناك، فقال: قرب الملك أحب إليّ من الدنيا وما فيها، فأنعم عليه وأدناه، وجعله من أخص ندمائه.
وحكي: أن هرقل ملك الروم كتب إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه يسأله عن الشيء ولا شيء، وعن دين لا يقبل الله غيره، وعن مفتاح الصلاة، وعن غرس الجنة، وعن صلاة كل شيء، وعن أربعة فيهم الروح، ولم يركضوا في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وعن رجل لا أب له، وعن رجل لا أم له، وعن قبر جرى بصاحبه، وعن قوس قزح ما هو، وعن بقعة طلعت عليها الشمس مرة واحدة ولم تطلع عليها قبلها ولا بعدها، وعن ظاعن ظعن مرة واحدة، ولم يظعن قبلها ولا بعدها، وعن شجرة نبتت من غير ماء، وعن شيء تنفس ولا روح له، وعن اليوم وأمس وغد وبعد غد، وعن البرق والرعد وصوته، وعن المحو الذي في القمر. فقيل لمعاوية لست هناك ومتى أخطأت في شيء من ذلك سقطت من عينه، فاكتب إلى ابن عباس يخبرك عن هذه المسائل، فكتب إليه، فأجابه، أما الشيء فالماء، قال الله تعالى: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ
«6» . وأما لا شيء فإنها الدنيا تبيد وتفنى، وأما دين لا يقبل الله غيره، فلا إله إلا الله، وأما مفتاح الصلاة، فالله أكبر، وأما غرس الجنة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأما صلاة كل شيء، فسبحان الله وبحمده، وأما الأربعة الذين فيهم الروح، ولم يركضوا في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فآدم وحواء وناقة صالح وكبش إسماعيل، وأما الرجل الذي لا أب له فالمسيح، وأما الرجل الذي لا أم له، فآدم عليه السلام، وأما القبر الذي جرى بصاحبه، فحوت يونس عليه السلام سار به في البحر. وأما قوس قزح فأمان من الله لعباده من الغرق، وأما البقعة التي طلعت عليها الشمس مرة واحدة، فبطن البحر حين انفلق لبني إسرائيل، وأما الظاعن الذي ظعن مرة ولم يظعن قبلها ولا بعدها، فجبل طور سيناء كان بينه وبين الأرض المقدسة أربع ليال، فلما عصت بنو إسرائيل أطاره الله تعالى بجناحين، فنادى مناد إن قبلتم التوراة كشفته عنكم ولا ألقيته عليكم، فأخذوا التوراة معذرين، فرده الله تعالى إلى موضعه، فلذلك قوله تعالى:
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ
«7» الآية. وأما الشجرة التي نبتت من غير ماء، فشجرة اليقطين التي أنبتها الله تعالى على يونس عليه السلام، وأما الشيء الذي يتنفس بلا روح، فالصبح. قال الله تعالى: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ 18
«8» . وأما اليوم، فعمل، وأمس فمثل، وغد فأجل، وبعد غد فأمل. وأما البرق فمخاريق بأيدي الملائكة تضرب بها السحاب، وأما الرعد، فاسم الملك الذي يسوق السحاب وصوته زجره، وأما المحو الذي في القمر، فقول الله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً
«9» . ولولا ذلك المحو لم يعرف الليل من النهار، ولا النهار من الليل.
ودعا بعض البلغاء لصديق له، فقال: تمم الله عليك ما أنت فيه، وحقق ظنك فيما ترجوه، وتفضل عليك بما لم تحتسبه.
(1/57)

وحكي: أن الحجاج سأل يوما الغضبان بن القبعثري عن مسائل يمتحنه فيها من جملتها أن قال له: من أكرم الناس؟
قال: أفقههم في الدين وأصدقهم لليمين، وأبذلهم للمسلمين، وأكرمهم للمهانين، وأطعمهم للمساكين.
قال: فمن ألأم الناس؟ قال: المعطي على الهوان، المقتر على الإخوان، الكثير الألوان. قال: فمن شر الناس؟
قال: أطولهم جفوة، وأدومهم صبوة، وأكثرهم خلوة، وأشدهم قسوة. قال: فمن أشجع الناس؟ قال: أضربهم بالسيف. وأقراهم للضيف. وأتركهم للحيف. قال: فمن أجبن الناس؟ قال: المتأخر عن الصفوف المنقبض عن الزحوف، المرتعش عند الوقوف، المحب ظلال السقوف الكاره لضرب السيوف.
قال: فمن أثقل الناس؟
قال: المتفنن في الملام، الضنين بالسلام، المهذار في الكلام، المقبقب على الطعام.
قال: فمن خير الناس؟
قال: أكثرهم إحسانا وأقومهم ميزانا، وأدومهم غفرانا، وأوسعهم ميدانا.
قال: لله أبوك، فكيف يعرف الرجل الغريب، أحسيب هو أم غير حسيب؟
قال: أصلح الله الأمير إن الرجل الحسيب يدلك أدبه وعقله وشمائله وعزة نفسه وكثرة احتماله وبشاشته وحسن مداورته على أصله، فالعاقل البصير بالأحساب يعرف شمائله، والنذل الجاهل يجهله، فمثله كمثل الدرة إذا وقعت عند من لا يعرفها ازدراها، وإذا نظر إليها العقلاء عرفوها وأكرموها، فهي عندهم لمعرفتهم بها حسنة نفيسة.
فقال الحجاج: لله أبوك، فما العاقل والجاهل؟
قال: أصلح الله الأمير، العاقل الذي لا يتكلم هذرا، ولا ينظر شزرا، ولا يضمر غدرا، ولا يطلب عذرا، والجاهل هو المهذر في كلامه، المنان بطعامه، الضنين بسلامه المتطاول على إمامه، الفاحش على غلامه.
قال: لله أبوك، فما الحازم الكيس؟
قال: المقبل على شأنه، التارك لما لا يعنيه، قال:
العاجز؟
قال: المعجب بآرائه الملتفت إلى ورائه.
قال: هل عندك من النساء خير؟
قال: أصلح الله الأمير إني بشأنهن خبير إن شاء الله تعالى. إن النساء من أمهات الأولاد بمنزلة الأضلاع إن عدلتها انكسرت، ولهن جوهر لا يصلح إلا على المداراة، فمن داراهن انتفع بهن وقرت عينه، ومن شاورهن كدرن عيشه، وتكدرت عليه حياته، وتنغصت لذاته، فأكرمهن أعفهن، وأفخر أحسابهن العفة، فإذا زلن عنها فهن أنتن من الجيفة.
فقال له الحجاج: يا غضبان إني موجهك إلى ابن الأشعث وافد، فماذا أنت قائل له؟ قال: أصلح الله الأمير أقول ما يرديه ويؤذيه ويضنيه، فقال: إني أظنك لا تقول له ما قلت وكأني بصوت جلا جلك تجلجل في قصري هذا، قال: كلا أصلح الله الأمير سأحدد له لساني، وأجريه في ميداني، قال: فعند ذلك أمره بالمسير إلى كرمان، فلما توجه إلى ابن الأشعث وهو على كرمان بعث الحجاج عينا عليه أي جاسوسا، وكان يفعل ذلك مع جميع رسله، فلما قدم الغضبان على ابن الأشعث قال له: إن الحجاج قد همّ بخلعك وعزلك، فخذ حذرك، وتغدّ به قبل أن يتعشى بك، فأخذ حذره عند ذلك، ثم أمر للغضبان بجائزة سنية، وخلع فاخرة، فأخذها وانصرف راجعا، فأتى إلى رملة كرمان في شدة الحر القيظ وهي رملة شديد الرمضاء، فضرب قبته فيها، وحط عن رواحله فبينما هو كذلك إذا بأعرابي من بني بكر بن وائل قد أقبل على بعير قاصدا نحوه وقد اشتد الحر وحميت الغزالة وقت الظهيرة، وقد ظمىء ظمأ شديدا، فقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فقال الغضبان: هذه سنة وردها فريضة قد فاز قائلها وخسر تاركها، ما حاجتك يا أعرابي؟
قال: أصابتني الرمضاء وشدة الحر والظمأ، فيممت قبتك أرجو بركتها.
قال الغضبان: فهلا تيممت قبة أكبر من هذه وأعظم.
قال: أيتهن تعني؟
قال: قبة الأمير بن الأشعث.
قال: تلك لا يوصل إليها.
قال: إن هذه أمنع منها.
فقال الأعرابي: ما اسمك يا عبد الله؟.
قال: آخذ، فقال: وما تعطي؟
قال: أكره أن يكون لي إسمان.
قال: بالله من أين أنت؟
(1/58)

قال: من الأرض.
قال: فأين تريد؟
قال: أمشي في مناكبها.
فقال الأعرابي وهو يرفع رجلا ويضع أخرى من شدة الحر: أتقرض الشعر؟ قال: إنما يقرض الفأر.
فقال: أفتسجع؟
قال: إنما تسجع الحمامة.
فقال: يا هذا ائذن لي أن أدخل قبتك.
قال: خلفك أوسع لك.
فقال: قد أحرقني حر الشمس.
قال: ما لي عليها من سلطان.
فقال: الرمضاء أحرقت قدمي.
قال: بل عليها تبرد.
فقال: إني لا أريد طعامك، ولا شرابك.
قال: لا تتعرض لما لا تصل إليه، ولو تلفت روحك.
فقال الأعرابي: سبحان الله.
قال: نعم من قبل أن تطلع أضراسك.
فقال الأعرابي: هل عندك غير هذا؟
قال: بلى. هراوة أضرب بها رأسك.
فاستغاث الأعرابي يا جار بني كعب.
قال الغضبان: بئس الشيخ أنت، فو الله ما ظلمك أحد فتستغيث.
فقال الأعرابي: ما رأيت رجلا أقسى منك أتيتك مستغيثا فحجبتني وطردتني، هلا أدخلتني قبتك وطارحتني القريض؟
قال: ما لي بمحادثتك من حاجة.
فقال الأعرابي: بالله ما اسمك، ومن أنت؟
فقال: الغضبان بن القبعثري.
فقال: اسمان منكران خلقا من غضب.
قال: قف متوكئا على باب قبتي برجلك هذه العوجاء.
فقال: قطعها الله إن لم تكن خيرا من رجلك هذه الشنعاء.
قال الغضبان: لو كنت حاكما لجرت في حكومتك لأن رجلي في الظل قاعدة ورجلك في الرمضاء قائمة.
فقال الأعرابي: إني لأظنك حروريا.
قال: اللهم اجعلني ممن يتحرى الخير ويريده، فقال: إني لأظن عنصرك فاسدا.
قال: ما أقدرني على إصلاحه.
فقال الأعرابي: لا أرضاك الله ولا حياك ثم ولى، وهو يقول:
لا بارك الله في قوم تسودهم ... إني اظنّك والرحمن شيطانا
أتيت قبّته أرجو ضيافته ... فأظهر الشيخ ذو القرنين حرمانا
فلما قدم الغضبان على الحجاج وقد بلّغه الجاسوس ما جرى بينه وبين ابن الأشعث وبين الأعرابي قال له الحجاج: يا غضبان كيف وجدت أرض كرمان؟
قال: أصلح الله الأمير أرض يابسة الجيش، بها ضعاف هؤلاء إن كثروا جاعوا، وإن قلوا ضاعوا.
فقال له الحجاج: ألست صاحب الكلمة التي بلغتني أنك قلت لابن الأشعث تغدّ بالحجاج قبل أن يتعشى بك، فو الله لأحبسنك عن الوساد، ولأنزلنك عن الجياد، ولأشهرنك في البلاد.
قال: الأمان أيها الأمير، فوالله ما ضرت من قيلت فيه ولا نفعت من قيلت له.
فقال له: ألم أقل لك كأني بصوت جلاجلك تجلجل في قصري هذا، اذهبوا به إلى السجن، فذهبوا به، فقيد وسجن، فمكث ما شاء الله، ثم إن الحجاج ابتنى الخضراء بواسط فأعجب بها، فقال لمن حوله: كيف ترون قبتي هذه وبناءها؟
فقالوا: أيها الأمير إنها حصينة مباركة منيعة، نضرة بهجة، قليل عيبها، كثير خيرها.
قال: لم لم تخبروني بنصح؟
قالوا: لا يصفها لك إلا الغضبان، فبعث إلى الغضبان، فأحضره، وقال له: كيف ترى قبتي هذه وبناءها؟
قال: أصلح الله الأمير بنيتها في غير بلدك لا لك ولا لولدك لا تدوم لك، ولا يسكنها وارثك، ولا تبقى لك، وما أنت لها بباق.
فقال الحجاج: قد صدق الغضبان ردوه إلى السجن، فلما حملوه قال: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
«1» ، فقال: أنزلوه، فلما أنزلوه قال: رَبِ
(1/59)

أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
«1» فقال: اضربوا به الأرض، فلما ضربوا به الأرض قال: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى 55
«2» فقال: جروه، فأقبلوا يجرونه وهو يقول: بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ 41
«3» فقال الحجاج: ويلكم اتركوه فقد غلبني دهاء وخبثا، ثم عفا عنه، وأنعم عليه، وخلى سبيله.
وحدث الزبير قال: دخل محمد بن عبد الملك بن صالح على المأمون، وقد كانت ضياعهم أخذت، فقال:
السلام عليك يا أمير المؤمنين. محمد بن عبد الملك بين يديك سليل نعمتك وغصن من أغصان دوحتك، أتأذن له في الكلام، فقال: تكلم. قال: الحمد لله رب العالمين ولا إله إلا الله رب العرش العظيم، وصلى الله والملائكة على محمد خاتم النبيين، ونستمتع الله لحياطة ديننا ودنيانا، ورعاية أدنانا وأقصانا ببقائك يا أمير المؤمنين، ونسأل الله أن يمد في عمرك من أعمارنا، وأن يقيك الأذى بأسماعنا وأبصارنا، فإن الحق لا تعفو آثاره، ولا ينهدم مناره، ولا ينبت حبله، ولا يزول ما دمت بين الله وبين عباده، والأمين على بلاده يا أمير المؤمنين. هذا المقام مقام العائذ بظلك، الهارب إلى كنفك، الفقير إلى رحمتك وعدلك من تعاود النوائب وسهام المصائب وكلب الدهر، وذهاب النعمة، وفي نظر أمير المؤمنين ما يفرج كربة المكروب، ويبرد غليل القلوب، وقد نفذ أمر أمير المؤمنين في الضياع التي أفادناها نعم آبائه الطيبين، ونوافل أسلافه الطاهرين الراشدين، وقد قمت مقامي هذا متوسلا إليك بآبائك الطيبين وبالرشيد خير الهداة الراشدين، والمهدي ناصر المسلمين، والمنصور منكل الظالمين، ومحمد خير المحمدين بعد خاتم النبيين مزدلفا إليك بالطاعة التي أفرع عليها غصني واحتنكت بها سني، وريّش بها جناحي، متعوذا من شماتة الأعداء وحلول البلاء، ومقارفة الشدة بعد الرخاء، يا أمير المؤمنين قد مضى جدك المنصور وعمك صالح بن علي جدي وبينهما من الرضاع والنسب ما علمه أمير المؤمنين، وعرفه، وقد أثبت الله الحق في نصابه، وأقره في داره، وأربابه، يا أمير المؤمنين إن الدهر ذو اغتيال، وقد يقلب حالا بعد حال فارحم يا أمير المؤمنين الصبية الصغار، والعجائز الكبار الذين سقاهم الدهر كدرا بعد صفو، ومرا بعد حلو، وهبنا نعم آبائك اللاتي غذتنا صغارا وكبارا وشبابا وأشياخا وأمشاجا في الأصلاب، ونطفا في الأرحام، وقدمنا في القرابة حيث قدمنا الله منك في الرحم، فإن رقابنا قد ذلت لسخطك، ووجوهنا قد عنت لطاعتك، فأقلنا عثرتنا يا أمير المؤمنين، إن الله قد سهل بك الوعور وجلا بك الديجور وملأ من خوفك القلوب والصدور، بك يرع الفاسق ويقمع بك المنافق، فارتبط نعم الله عندك بالعفو والإحسان فإن كل راع مسؤول عن رعيته، وإن النعم لا ينقطع المزيد فيها حتى ينقطع الشكر عليها، يا أمير المؤمنين إنه لا عفو أعظم من عفو إمام قادر عن مذنب عاثر، وقد قال الله جل ثناؤه، وتعالت قدرته: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
«4» أحاط الله أمير المؤمنين بستره الواقي ومنعه الكافي ثم أنشد يقول:
أمير المؤمنين أتاك ركب ... لهم قربى وليس لهم تلاد «5»
هم الصدر المقدّم من قريش ... وأنت الرأس تتبعك العباد
لقد طابت بك الدنيا ولذّت ... وأرجو أن يطيب بك المعاد
فكيف تنالكم لحظات عين ... وكيف يقلّ سؤددك البلاد
قال: فاستحسن المأمون كلامه وأمر له بالحلل الفاخرة والجوائز السنية، وأمر برد ضياعه وقرب منزلته وأدناه، ودفع إليه من المال ما أغناه.
ومن حكايات الفصحاء ونوادر البلغاء ما حكي أن عبد الملك بن مروان جلس يوما وعنده جماعة من خواصه وأهل مسامرته، فقال: أيكم يأتيني بحروف المعجم في بدنه وله عليّ ما يتمناه، فقام إليه سويد بن غفلة، فقال: أنا لها يا أمير المؤمنين، قال: هات. فقال: نعم يا أمير المؤمنين. أنف بطن ترقوة ثغر جمجمة حلق خد دماغ ذكر رقبة زند ساق شفة صدر ضلع طحال ظهر عين غبب فم قفا كف لسان منخر نغنوغ هامة، وجه يد، وهذه آخر حروف المعجم، والسلام على أمير المؤمنين.
(1/60)

فقام بعض أصحاب عبد الملك، وقال: يا أمير المؤمنين أنا أقولها من جسد الإنسان مرتين، فضحك عبد الملك وقال لسويد: أسمعت ما قال: قال: أصلح الله الأمير أنا أقولها ثلاثا، فقال: هات ولك ما تتمناه، فابتدأ يقول: أنف أسنان أذن، بطن بنصر بزة، ترقوة تمرة تينة، ثغر ثنايا ثدي، جمجمة جنب جبهة، حلق حنك حاجب، خد خنصر خاصرة، دبر دماغ درادير، ذقن ذكر ذراع، رقبة رأس ركبة، زند زردمة زب، فهناك ضحك عبد الملك حتى استلقى على قفاه، ساق سرة سبابة، شفة شفر شارب، صدر صدع صلعة، ضلع ضفيرة ضرس، طحال طرة طرف، ظهر ظفر ظلم، عين عنق عاتق، غبب غلصمة غنة، فم فك فؤاد، قلب قفا قدم، كف كتف كعب لسان لحية لوح، منخر مرفق منكب، نغنوغ ناب نن، هامة هيئة هيف وجه وجنة ورك، يمين يسار يافوخ. ثم نهض مسرعا، فقبل الأرض بين يدي أمير المؤمنين قال: فعندها ضحك عبد الملك وقال: والله ما تزيدنا عليها شيئا أعطوه ما يتمناه، ثم أجازه وأنعم عليه، وبالغ في الإحسان إليه.
وكان الحجاج بن يوسف الثقفي من الفصحاء، وكان على عتوه وإسرافه جوادا، وكان إذا ضحك واستغرق في الضحك أتبع ذلك الاستغفار مرات، وكان يطعم على ألف خوان، وكان يطوف على الموائد ويقول: يا أهل الشام مزقوا الخبز لئلا يعود إليكم ثانيا، وكان يجلس على كل مائدة عشرة رجال، وذلك في كل يوم وكان يقول: أرى الناس يتخلفون عن طعامي، فقيل له: إنهم يكرهون الحضور قبل أن يدعوا، فقال: قد جعلت رسولي إليهم كل يوم الشمس إذا طلعت وعند المساء إذا غربت.
حكي عن عبد الملك بن عمير أنه قال: لما بلغ أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان اضطراب أهل العراق جمع أهل بيته وأولي النجدة من جنده، وقال: أيها الناس، إن العراق كدر ماؤها، وكثر غوغاؤها، وأملولح عذبها، وعظم خطبها، وظهر ضرامها، وعسر إخماد نيرانها فهل من ممهد لهم بسيف قاطع، وذهن جامع، وقلب ذكي، وأنف حمي، فيخمد نيرانها، ويردع غيلانها، وينصف مظلومها، ويداوي الجرح حتى يندمل فتصفو البلاد، وتأمن العباد، فسكت القوم، ولم يتكلم أحد.
فقام الحجاج وقال: يا أمير المؤمنين أنا للعراق. قال:
ومن أنت لله أبوك؟ قال: أنا الليث الضمضام، والهزبر الهشام، أنا الحجاج بن يوسف. قال: ومن أين؟ قال: من ثقيف كهوف الضيوف ومستعمل السيوف. قال: أجلس لا أم لك، فلست هناك.
ثم قال: ما لي أرى الرؤوس مطرقة والألسن معتقلة، فلم يجبه أحد، فقام إليه الحجاج وقال: أنا مجندل الفساق، ومطفىء نار النفاق، قال: ومن أنت؟ قال: أنا قاصم الظلمة، ومعدن الحكمة الحجاج بن يوسف معدن العفو والعقوبة، آفة الكفر والريبة، قال إليك عني، وذاك، فلست هناك.
ثم قال: من للعراق؟ فسكت القوم، وقام الحجاج وقال: أنا للعراق، فقال: إذن أظنك صاحبها والظافر بغنائمها وإن لكل شيء يا ابن يوسف آية وعلامة. فما آيتك وما علامتك؟ قال: العقوبة والعفو، والاقتدار والبسط، والازورار والإدناء، والابعاد والجفاء، والبر والتأهب، والحزم وخوض غمرات الحروب بجنان غير هيوب، فمن جادلني قطعته، ومن نازعني قصمته، ومن خالفني نزعته، ومن دنا مني أكرمته، ومن طلب الأمان أعطيته، ومن سارع إلى الطاعة بجلته، فهذه آيتي وعلامتي، وما عليك يا أمير المؤمنين أن تبلوني، فإن كنت للأعناق قطاعا، وللأموال جماعا، وللأرواح نزاعا، ولك في الأشياء نفاعا. وإلا فليستبدل بي أمير المؤمنين، فإن الناس كثير، ولكن من يقوم بهذا الأمر قليل.
فقال عبد الملك: أنت لها، فما الذي تحتاج إليه؟ قال:
قليل من الجند والمال، فدعا عبد الملك صاحب جنده فقال: هيىء له من الجند شهوته وألزمهم طاعته، وحذرهم مخالفته، ثم دعا الخازن، فأمره بمثل ذلك، فخرج الحجاج قاصدا نحو العراق.
قال عبد الملك بن عمير: فبينما نحن في المسجد الجامع بالكوفة إذا أتانا آت فقال: هذا الحجاج قدم أميرا على العراق، فتطاولت الأعناق نحوه وأفرجوا له عن صحن المسجد، فإذا نحن به يمشي وعليه عمامة حمراء متلثما بها، ثم صعد المنبر، فلم يتكلم كلمة واحدة، ولا نطق بحرف حتى غص المسجد بأهله، وأهل الكوفة يومئذ ذوو حالة حسنة وهيئة جميلة، فكان الواحد منهم يدخل المسجد ومعه العشرون والثلاثون من أهل بيته ومواليه وأتباعه عليهم الخز والديباج قال: وكان في المسجد يومئذ عمير بن صابىء التميمي، فلما رأى الحجاج على المنبر قال لصاحب له: أحصبه لكم؟
قال: اكفف حتى نسمع ما يقول، فأبى ابن صابىء وقال: لعن الله بني أمية حيث يولون ويستعملون مثل هذا
(1/61)

على العراق، وضيع الله العراق حيث يكون هذا أميرها، فوالله لو دام هذا أميرا كما هو ما كان بشيء، والحجاج ساكت ينظر يمينا وشمالا، فلما رأى المسجد قد غص بأهله قال: هل اجتمعتم؟
فلم يرد عليه أحد شيئا، فقال: إني لا أعرف قدر اجتماعكم، فهل اجتمعتم؟
فقال رجل من القوم: قد اجتمعنا أصلح الله الأمير، فكشف عن لثامه، ونهض قائما فكان أول شيء نطق به أن قال: والله إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها، وإني لأرى الدماء ترقرق بين العمائم واللحى، والله يا أهل العراق إن أمير المؤمنين نثر كنانة بين يديه فعجم عيدانها، فوجدني أمرّها عودا، وأصلبها مكسرا، فرماكم بي لأنكم طالما أثرتم الفتنة، واضطجعتم في مراقد الضلال، والله لأنكلن بكم في البلاد، ولأجعلنكم مثلا في كل واد، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، وإني يا أهل العراق لا أعد إلّا وفيت، ولا أعزم إلا أمضيت، فإياي وهذه الزرافات والجماعات، وقيل وقال، وكان ويكون، يا أهل العراق: إنما أنتم أهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فكفرت بأنعم الله، فأتاها وعيد القرى من ربها، فاستوثقوا واستقيموا، واعملوا، ولا تميلوا، وتابعوا، وبايعوا، واجتمعوا، واستمعوا، فليس مني الإهدار والإكثار إنما هو هذا السيف، ثم لا ينسلخ الشتاء من الصيف حتى يذل الله لأمير المؤمنين صعبكم، ويقيم له أودكم؛ ثم إني وجدت الصدق مع البر ووجدت البر في الجنة، ووجدت الكذب مع الفجور، ووجدت الفجور في النار، وقد وجهني أمير المؤمنين إليكم، وأمرني أن أنفق فيكم وأوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أبي صفرة، وإني أقسم بالله لا أجد رجلا يتخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا ضربت عنقه، يا غلام: اقرأ كتاب أمير المؤمنين.
فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عبد الملك بن مروان إلى من بالكوفة من المسلمين سلام عليكم، فلم يرد أحد شيئا.
فقال الحجاج: اكفف يا غلام، ثم أقبل على الناس فقال: أيسلم عليكم أمير المؤمنين فلا تردون شيئا عليه؟
هذا أدبكم الذي تأدبتم به، أما والله لأؤدبنكم أدبا غير هذا الأدب، اقرأ يا غلام، فقرأ حتى بلغ قوله: سلام عليكم فلم يبق أحد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام، ثم نزل بعدما فرغ من خطبته وقراءته، ووضع للناس عطاياهم، فجعلوا يأخذونها حتى أتاه شيخ يرعش، فقال: أيها الأمير إني على الضعف كما ترى، ولي ابن هو أقوى مني على الأسفار، أفتقبله بديلا مني؟ فقال: نقبله أيها الشيخ، فلما ولى قال له قائل: أتدري من هذا أيها الأمير؟ قال: لا.
قال: هذا ابن صابىء الذي يقول:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله «1»
ولقد دخل هذا الشيخ على عثمان رضي الله عنه وهو مقتول، فوطىء في بطنه، فكسر ضلعين من أضلاعه، فقال الحجاج: ردوه فلمّا ردوه قال له الحجاج: أنت الفاعل بأمير المؤمنين عثمان ما فعلت يوم قتل في الدار؟
إن في قتلك أيها الشيخ إصلاحا للمسلمين. يا سياف أضرب عنقه، فضرب عنقه، وكان من أمره بعد ذلك ما عرف وسطر.
ومن حكايات الحجاج ما حكي أنه لما أسرف في قتل أسرى دير الجماجم، وأعطى الأموال، بلغ ذلك أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، فشق عليه، وكتب إليه، أما بعد، فقد بلغني عنك إسراف في الدماء، وتبذير في العطاء، وقد حكمت عليك في الدماء في الخطأ بالدية، وفي العمد بالقود، وفي الأموال أن تردها إلى مواضعها، ثم تعمل فيها برأيي، فإنما هو مال الله تعالى، ونحن أمناؤه، فإن كنت أردت الناس لي فما أغناني عنهم، وإن كنت أردتهم لنفسك فما أغناك عنهم، وسيأتيك عني أمران: لين وشدة، فلا يؤمننك إلا الطاعة، ولا يوحشنك إلا المعصية، وإذا أعطاك الله عز وجل الظفر، فلا تقتلن جانحا، ولا أسيرا، وكتب في أسفل الكتاب:
إذا أنت لم تترك أمورا كرهتها ... وتطلب رضائي بالذي أنا طالبه
فإن تر منّي غفلة قرشية ... فيا ربما قد غصّ بالماء شاربه «2»
وأن تر منّي وثبة أموية ... فهذا وهذا كلّ ذا أنا صاحبه
(1/62)

فلا تأمننّي والحوادث جمة ... فإنك تجزي بالذي أنت كاسبه
فلا تعد ما يأتيك منّي وإن تعد ... يقمن به يوما عليك نوادبه «1»
فلا تمنعنّ الناس حقا علمته ... ولا تعطين ما ليس للناس واجبه
فإنك إن تعطي الحقوق فإنّما ... النّوافل شيء لا يثيبك واهبه «2»
فلما ورد الكتاب على الحجاج كتب إلى أمير المؤمنين أما بعد، فقد ورد كتاب أمير المؤمنين بذكر إسرافي وتبذيري في الأموال. ولعمري ما بلغت في عقوبة أهل المعصية، ولا قضيت حقوق أهل الطاعة، فإن كان قتلي العصاة إسرافا وإعطائي المطيعين تبذيرا، فليمض لي أمير المؤمنين ما سلف والله ما أصبت القوم خطأ فأوديهم ولا ظلمتهم عمدا فأقاديهم ولا قتلت إلا لك، ولا أعطيت إلا فيك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، وكتب في أسفل الكتاب:
إذا أنا لا أبغي رضاك وأتّقي ... أذاك فليلي لا توارى كواكبه
وما لامرىء بعد الخليفة جنّة ... تقيه من الأمر الذي هو راكبه
إذا قارف الحجاج فيك خطيئة ... لقامت عليه بالصباح نوادبه
إذا أنا لم أدن الشفيق لنصحه ... واقص الذي تسري إليّ عقاربه
وأعط المواسي في البلاء عطية ... لردّ الذي ضاقت عليّ مذاهبه
فمن يتّقي بؤسي ويرجو مودتي ... ويخشى غدا والدهر جم نوائبه
وأمري إليك اليوم ما قلت قلته ... وما لم تقله لم أقل ما يقاربه
ومهما أردت اليوم مني أردته ... وما لم ترده اليوم إنّي مجانبه
وقف بي على حدّ الرضا لا أجوزه ... مدى الدهر حتى يرجع الدرّ حالبه «3»
وإلّا فدعني والأمور فإنّني ... شفيق رفيق أحكمته تجاربه
فلما انتهى الكتاب إلى عبد الملك قال: خاف أبو محمد صولتي ولن يعاود لأمر كرهته إن شاء الله تعالى، فمن يلومني على محبته، يا غلام أكتب إليه: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب وأنت أعلى عينا بما هناك.
وفي مروج الذهب للمسعودي: أن أم الحجاج وهي الفارعة بنت همام، ولدته مشوها لا دبر له، فثقب له دبر وأبى أن يقبل الثدي وأعياهم أمره، فيقال: إن الشيطان تصور لهم في صورة الحارث بن كلدة حكيم العرب، فسألهم عن ذلك، فأخبره مخبر من أهله، فقال لهم:
اذبحوا له تيسا وألعقوه من دمه، وأولغوه فيه، ثم أطلوا به وجهه، ففعلوا ذلك، فقبل الثدي، فلأجل ذلك كان لا يصبر عن سفك الدماء، وكان يخبر عن نفسه أن أكبر لذاته سفك الدماء وارتكاب أمور لا يقدر غيره عليها، وكانت أمه متزوجة قبل أبيه الحارث بن كلدة، فدخل عليها يوما في السحر، فوجدها تخلل أسنانها فطلقها، فسألته لم فعل؟ فقال لها: إن كنت باكرت الغداء فأنت شرهة، وإن كان بقايا طعام بفيك، فأنت قذرة، فقالت:
كل ذلك لم يكن، وإنما تخللت من شظايا السواك، فقال:
قضي الأمر، فتزوجها بعده يوسف بن عقيل الثقفي فأولدها الحجاج.
وقيل إن الحجاج تقلد الإمارة وهو ابن عشرين سنة، ومات وله ثلاث وخمسون سنة، وكان من عنف السياسة، وثقل الوطأة، وظلم الرعية، والإسراف في القتل على ما لا يبلغه وصف، أحصي من قتله الحجاج بأمره سوى من قتله في حروبه فكانوا مائة ألف وعشرين ألفا، ووجد في سجنه خمسون ألف رجل، وثلاثون ألف امرأة، لم يجب على أحد منهم قطع ولا قتل، وكان يحبس الرجال والنساء في موضع واحد، ولم يكن لحبسه سقف يستر الناس من الحر والبرد.
وقيل للشعبي، أكان الحجاج مؤمنا؟ قال: نعم بالطاغوت، وقال: لو جاءت كل أمة بخبيثها وفاسقها
(1/63)

وجئنا بالحجاج وحده لزدنا عليهم والله أعلم.
وقد مضى القول في ذكر الفصحاء من الرجال وحكاياتهم وما أعان الله تعالى عليه واستحضرته من أخبارهم، وأنا قائل إن شاء الله تعالى ما استحضرته من ذكر فصحاء النساء وأخبارهن وحكاياتهن والله المستعان.
[الفصل الرابع فى] ذكر فصحاء النساء وحكاياتهن
حكي عن أبي عبد الله النميري أنه قال: كنت يوما مع المأمون وكان بالكوفة، فركب للصيد ومعه سرية من العسكر، فبينما هو سائر إذ لاحت له طريدة، فأطلق عنان جواده وكان على سابق من الخيل، فأشرف على نهر ماء من الفرات، فإذا هو بجارية عربية خماسية القد، قاعدة النهد، كأنها القمر ليلة تمامه، وبيدها قربة قد ملأتها وحملتها على كتفها، وصعدت من حافة النهر، فانحل وكاؤها «1» فصاحت برفيع صوتها: يا أبت أدرك فاها قد غلبني فوها لا طاقة لي بفيها.
قال: فعجب المأمون من فصاحتها ورمت الجارية القربة من يدها، فقال لها المأمون: يا جارية من أي العرب أنت؟ قالت: أنا من بني كلاب، قال: وما الذي حملك أن تكوني من الكلاب؟ فقالت: والله لست من الكلاب وإنما أنا من قوم كرام غير لئام يقرون الضيف «2» ، ويضربون بالسيف، ثم قالت: يا فتى من أي الناس أنت؟ فقال:
أو عندك علم بالأنساب؟ قالت: نعم. قال لها: أنا من مضر الحمراء «3» ، قالت: من أي مضر؟ قال: من أكرمها نسبا، وأعظمها حسبا، وخيرها أما وأبا، وممن تهابه مضر كلها قالت: أظنك من كنانة، قال: أنا من كنانة، قالت:
فمن أي كنانة؟ قال: من أكرمها مولدا وأشرفها محتدا وأطولها في المكرمات يدا، ممن تهابه كنانة وتخافه، فقالت: إذن أنت من قريش، قال: أنا من قريش، قالت:
من أي قريش؟ قال: من أجملها ذكرا وأعظمها فخرا، ممن تهابه قريش كلها وتخشاه، قالت: أنت والله من بني هاشم، قال: أنا من بني هاشم، قالت: من أي هاشم؟
قال: من أعلاها منزلة، وأشرفها قبيلة، ممن تهابه هاشم وتخافه، فعند ذلك قبلت الأرض، وقالت السلام عليك يا أمير المؤمنين، وخليفة رب العالمين. قال: فعجب المأمون وطرب طربا عظيما وقال: والله لأتزوجن بهذه الجارية لأنها من أكبر الغنائم، ووقف حتى تلاحقته العساكر، فنزل هناك، وأنفذ خلف أبيها وخطبها منه، فزوجه بها وأخذها وعاد مسرورا، وهي والدة ولده العباس والله أعلم.
وحكي أن هند ابنة النعمان «4» كانت أحسن أهل زمانها، فوصف للحجاج حسنها، فأنفذ إليها يخطبها، وبذل لها مالا جزيلا، وتزوج بها، وشرط لها عليه بعد الصداق مائتي ألف درهم ودخل بها، ثم إنها انحدرت معه إلى بلد أبيها المعرة وكانت هند فصيحة أديبة، فأقام بها الحجاج بالمعرة مدة طويلة، ثم إن الحجاج رحل بها إلى العراق فأقامت معه ما شاء الله، ثم دخل عليها في بعض الأيام وهي تنظر في المرآة وتقول:
وما هند إلّا مهرة عربية ... سليلة أفراس تحلّلها بغل
فإن ولدت فحلا فلله درّها ... وإن ولدت بغلا فجاء به البغل
فانصرف الحجاج راجعا ولم يدخل عليها، ولم تكن علمت به، فأراد الحجاج طلاقها، فأنفذ إليها عبد الله بن طاهر، وأنفذ لها معه مائتي ألف درهم، وهي التي كانت لها عليه، وقال: يا ابن طاهر طلقها بكلمتين، ولا تزد عليهما، فدخل عبد الله بن طاهر عليها، فقال لها: يقول لك أبو محمد الحجاج كنت فبنت، وهذه المائتا ألف درهم التي كانت لك قبله، فقالت: إعلم يا ابن طاهر أنا والله كنا فما حمدنا، وبنا فما ندمنا، وهذه المائتا ألف درهم التي جئت بها بشارة لك بخلاصي من كلب بني ثقيف.
ثم بعد ذلك بلغ أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان خبرها ووصف له جمالها، فأرسل إليها يخطبها، فأرسلت إليه كتابا تقول فيه بعد الثناء عليه: إعلم يا أمير المؤمنين، أن الإناء ولغ فيه الكلب فلما قرأ عبد الملك الكتاب ضحك من قولها، وكتب إليها يقول: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهن بالتراب، فاغسلي الإناء يحل الاستعمال، فلما قرأت كتاب أمير المؤمنين لم
(1/64)

يمكنها المخالفة، فكتبت إليه بعد الثناء عليه، يا أمير المؤمنين، والله لا أحل العقد إلا بشرط، فإن قلت ما هو الشرط؟ قلت: أن يقود الحجاج محملي من المعرة إلى بلدك التي أنت فيها، ويكون ماشيا حافيا بحليته التي كان فيها أولا، فلما قرأ عبد الملك ذلك الكتاب ضحك ضحكا شديدا، وأنفذ إلى الحجاج وأمره بذلك، فلما قرأ الحجاج رسالة أمير المؤمنين أجاب وامتثل الأمر ولم يخالف، وأنفذ إلى هند يأمرها بالتجهز، فتجهزت، وسار الحجاج في موكبه حتى وصل المعرة بلد هند، فركبت هند في محمل الزفاف، وركب حولها جواريها وخدمها، وأخذ الحجاج بزمام البعير يقوده ويسير بها فجعلت هند تتواغد عليه وتضحك مع الهيفاء دايتها، ثم إنها قالت للهيفاء: يا دابة إكشفي لي سجف المحمل «1» ، فكشفته، فوقع وجهها في وجه الحجاج، فضحكت عليه، فأنشأ يقول:
فإن تضحكي مني فيا طول ليلة ... تركتك فيها كالقباء المفرّج
فأجابته هند تقول:
وما نبالي إذا أرواحنا سلمت ... بما فقدناه من مال ومن نشب
فالمال مكتسب والعز مرتجع ... إذا النفوس وقاها الله من عطب
ولم تزل كذلك تضحك وتلعب إلى أن قربت من بلد الخليفة، فرمت بدينار على الأرض، ونادت: يا جمّال إنه قد سقط منا درهم، فارفعه إلينا، فنظر الحجاج إلى الأرض، فلم يجد إلا دينارا، فقال: إنما هو دينار، فقالت: بل هو درهم قال: بل دينار، فقالت: الحمد لله سقط منا درهم، فعوضنا الله دينارا، فخجل الحجاج وسكت، ولم يرد جوابا، ثم دخل بها على عبد الملك بن مروان، فتزوج بها، وكان من أمرها ما كان، وقد وجدت في بعض النسخ ما هو أوسع من هذا ولكن اقتصرت على القليل منه إذ فيه الغرض والله أعلم.
وقيل: إن جارية عرضت على الرشيد ليشتريها، فتأملها وقال لمولاها: خذ جاريتك، فلولا كلف بوجهها وخنس بأنفها لاشتريتها، فلما سمعت الجارية مقالة أمير المؤمنين قالت مبادرة: يا أمير المؤمنين اسمع مني ما أقول، فقال:
قولي، فأنشدت تقول:
ما سلم الظبي على حسنه ... كلا ولا البدر الذي يوصف
الظبي فيه خنس بيّن ... والبدر فيه كلف يعرف
قال: فعجب من فصاحتها وأمر بشرائها. وقيل:
عرضت على المأمون جارية بارعة الجمال فائقة في الكمال، غير أنها كانت تعرج برجلها، فقال لمولاها: خذ بيدها وارجع، فلولا عرج بها لاشتريتها فقالت الجارية:
يا أمير المؤمنين إنه في وقت حاجتك لا يكون بحيث تراه، فأعجبه سرعة جوابها وأمر بشرائها.
ومن ذلك ما حكي أن كريم الملك كان من ظرفاء الكتاب، فعبر يوما تحت جوسق ببستان، فرأى جارية ذات وجه زاهر، وكمال باهر، لا يستطيع أحد وصفها، فلما نظر إليها ذهل عقله، وطار لبه، فعاد إلى منزله وأرسل إليها هدية نفيسة مع عجوز كانت تخدمه، وكانت الجارية عزباء. وكتب إليها رقعة يعرّض إليها بالزيارة في جوسقها، فلما قرأت الرقعة قبلت الهدية، ثم أرسلت إليه مع العجوز عنبرا، وجعلت فيه زر ذهب، وربطت ذلك على منديل، وقالت للعجوز: هذا جواب رقعته، فلما رأى كريم الملك ذلك لم يفهم معناه، وتحير في أمره، وكانت له ابنة صغيرة السن، فلما رأت أباها متحيرا في ذلك قالت له: يا أبت أنا علمت معناه قال: وما هو لله درك؟ قالت:
أهدت لك العنبر في جوفه ... زر من التبر خفي اللّحام
فالزر والعنبر معناهما ... زر هكذا مختفيا في الظلام
قال، فعجب من فطنتها وفصاحتها واستحسن ذلك منها.
وحكي إن طائفة من بني تميم كانوا يكسرون أول الفعل، فمرت فتاة منهم جميلة الصورة على جماعة، فناداها شخص منهم وأراد أن يوقعها فيما ينسب إليهم من كسر الفعل، فقال: لأي شيء يا بني تميم ما تكتنون؟
فقالت: ولم لا نكتني وكسرت الفعل، فضحك عليها، وقال أفعل إن شاء الله، فخجلت من قوله وتغير وجهها،
(1/65)

وأرادت أن توقعه كما أوقعها، فقالت له: هل تحسن شيئا من العروض؟ قال: نعم. قالت قطع لي:
حولوا عنا كنيستكم ... يا بني حمالة الحطب
فقطعه، فوقف على عن ثم ابتدأ بالنون والألف مع بقية الحروف فضحكت عليه، وأضحكت أصحابه، فقال:
ويحك لم تبرحي حتى أخذت ثأرك.
وحكي إن شاعرا كان له عدو، فبينما هو سائر ذات يوم في بعض الطرق إذا هو بعدوه، فعلم الشاعر أن عدوه قاتله لامحالة، فقال له يا هذا: أنا أعلم أن المنية قد حضرت، ولكن سألتك الله إذا أنت قتلتني أمض إلى داري وقف بالباب وقل: «ألا أيها البنتان إن أباكما» . فقال: سمعا وطاعة، ثم إنه قتله، فلما فرغ من قتله أتى إلى داره، ووقف بالباب وقال: ألا أيها البنتان إن أباكما. وكان للشاعر ابنتان فلما سمعتا قول الرجل: ألا أيها البنتان إن أباكما. أجابتا بفم واحد: قتيل خذا بالثأر ممن أتاكما- ثم تعلقتا بالرجل، ورفعتاه إلى الحاكم فاستقرره فأقر بقتله فقتله «1» ، والله أعلم.
وقيل: بينما كثير عزة مار بالطريق يوما إذا هو بعجوز عمياء على قارعة الطريق تمشي، فقال لها تنحي عن الطريق، فقالت له: ويحك ومن تكون؟ قال: أنا كثير عزة «2» . قالت: قبحك الله، وهل مثلك يتنحى له عن الطريق، قال: ولم؟ قالت: ألست القائل:
وما روضة بالحسن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها «3»
بأطيب من أردان عزة موهنا ... إذا أوقدت بالمجمر اللّدن نارها «4»
ويحك يا هذا! لو تبخر بالمجمر اللدن مثلي ومثل أمك لطاب ريحها، لم لا قلت مثل سيدك أمرىء القيس:
وكنت إذا ما جئت بالليل طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب
فقطعته ولم يرد جوابا. وقيل: أتى الحجاج بامرأة من الخوارج، فقال لأصحابه: ما تقولون فيها؟ قالوا: عاجلها بالقتل أيها الأمير. فقالت الخارجية «5» : لقد كان وزراء صاحبك خيرا من وزرائك يا حجاج. قال: ومن هو صاحبي؟ قالت: فرعون استشارهم في موسى عليه السلام فقالوا: أرجه وأخاه.
وأتي بأخرى من الخوارج، فجعل يكلمها وهي لا تنظر إليه، فقيل لها: الأمير بكلمك، وأنت لا تنظرين إليه، فقالت: إني لأستحي أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه.
وحكى ابن الجوزي في كتابه المنتظم في مناقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما ولي عمر رضي الله عنه الخلافة بلغه أن أصدقة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة درهم، وأن فاطمة رضي الله عنها كان صداقها على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أربعمائة درهم، فأدى اجتهاد أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه أن لا يزيد أحد على صداق البضعة النبوية فاطمة رضي الله عنها، فصعد المنبر وحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: أيها الناس لا تزيدوا في مهور النساء على أربعمائة درهم، فمن زاد ألقيت زيادته في بيت مال المسلمين، فهاب الناس أن يكلموه، فقامت امرأة في يدها طول، فقالت له: كيف يحل لك هذا، والله تعالى يقول: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً
«6» فقال عمر رضي الله عنه: امرأة أصابت ورجل أخطأ. وقيل: جاءت امرأة إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، فقالت: يا أمير المؤمنين إن زوجي يصوم النهار، ويقوم الليل، فقال لها: نعم الرجل زوجك، وكان في مجلسه رجل يسمى كعبا، فقال: يا أمير المؤمنين: إن هذه المرأة تشكو زوجها في أمر مباعدته إياها عن فراشه، فقال له: كما فهمت كلامها احكم بينهما، فقال كعب: عليّ بزوجها، فأحضر، فقال له: إن هذه المرأة تشكوك، قال:
أفي أمر طعام أم شراب؟ قال: بل في أمر مباعدتك إياها عن فراشك، فأنشدت المرأة تقول:
يا أيّها القاضي الحكيم أنشده ... ألهى خليلي عن فراشي مسجده
نهاره وليله لا يرقده ... فلست في أمر النساء أحمده
(1/66)

فأنشأ الزوج يقول:
زهّدني في فرشها وفي الحلل ... أنّي امرؤ أذهلني ما قد نزل
في سورة النمل وفي السبع الطول ... وفي كتاب الله تخويف يجل
فقال له القاضي:
إنّ لها عليك حقّا لم يزل ... في أربع نصيبها لمن عقل
فعاطها ذاك ودع عنك العلل ثم قال: إن الله تعالى أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع، فلك ثلاثة أيام بلياليهن ولها يوم وليلة، فقال عمر رضي الله عنه: لا أدري من أيكم أعجب أمن كلامها أم من حكمك بينهما، إذهب فقد وليتك البصرة.
حكاية المتكلمة بالقرآن
قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: خرجت حاجا إلى بيت الله الحرام وزيارة قبر نبيه عليه الصلاة والسلام، فبينما أنا في بعض الطريق إذا أنا بسواد على الطريق، فتميزت ذاك، فإذا هي عجوز عليها درع من صوف وخمار من صوف، فقلت: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقالت: سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ 58
«1» ، قال: فقلت لها: يرحمك الله ما تصنعين في هذا المكان؟ قالت: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ
«2» ، فعلمت أنها ضالة عن الطريق، فقلت لها: أين تريدين؟ قالت: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
«3» ، فعلمت أنها قد قضت حجها، وهي تريد بيت المقدس، فقلت لها: أنت منذ كم في هذا الموضع؟
قالت: ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا
«4» ، فقلت: ما أرى معك طعاما تأكلين؟ قالت: هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ
«5» فقلت:
فبأي شيء تتوضئين؟ قالت: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً
«6» ، فقلت لها: إن معي طعاما، فهل لك في الأكل؟ قالت: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ
«7» ، فقلت:
ليس هذا شهر رمضان. قالت: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ
«8» ، فقلت: قد أبيح لنا الإفطار في السفر.
قالت: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
«9» ، فقلت: لم لا تكلميني مثل ما أكلمك؟ قالت: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ 18
«10» ، فقلت: فمن أي الناس أنت؟ قالت: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا 36
«11» فقلت:
قد أخطأت فاجعليني في حل، قالت: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ
«12» فقلت: فهل لك أن أحملك على ناقتي هذه فتدركي القافلة، قالت: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ
«13» قال: فانخت ناقتي، قالت: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ
«14» فغضضت بصري عنها وقلت لها: اركبي، فلما أرادت أن تركب نفرت الناقة فمزقت ثيابها فقالت: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
«15» فقلت لها: اصبري حتى أعقلها، قالت: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ
«16» فعقلت الناقة وقلت لها:
اركبي فلما ركبت قالت: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ 13 وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ 14
«17» قال:
فأخذت بزمام الناقة، وجعلت أسعى وأصيح فقالت:
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ
«18» فجعلت أمشي رويدا رويدا وأترنم بالشعر، فقالت: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ
«19» فقلت لها: لقد أوتيت خيرا كثيرا، قالت:
وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
«20» فلما مشيت بها قليلا قلت: ألك زوج؟ قالت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
«21» فسكت، ولم أكلمها حتى أدركت بها القافلة، فقلت لها: هذه القافلة فمن لك
(1/67)

فيها؟ فقالت: الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا
«1» فعلمت أن لها أولاد فقلت: وما شأنهم في الحج؟ قالت:
وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ 16
«2» فعلمت أنهم أدلاء الركب، فقصدت بها القباب والعمارات فقلت: هذه القباب فمن لك فيها؟ قالت: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا
«3» وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
«4» يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ
«5» فناديت يا إبراهيم يا موسى يا يحيى فإذا أنا بشبان كأنهم الأقمار قد أقبلوا، فلما استقر بهم الجلوس قالت: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ
«6» فمضى أحدهم فاشترى طعاما فقدموه بين يدي فقالت:
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ 24
«7» فقلت: الآن طعامكم علي حرام حتى تخبروني بأمرها، فقالوا: هذه أمنا لها منذ أربعين سنة لم تتكلم إلا بالقرآن مخافة أن تزل فيسخط عليها الرحمن، فسبحان القادر على ما يشاء، فقلت: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
«8» والله أعلم بالصواب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الثامن في الأجوبة المسكتة والمستحسنة ورشقات اللسان وما جرى مجرى ذلك
قيل: أن معن بن زائدة دخل على المنصور، فقال له:
هيه يا معن تعطي مروان بن أبي حفصة مائة ألف على قوله:
معن بن زائدة الذي زادت به ... شرفا على شرف بنو شيبان
فقال كلا يا أمير المؤمنين إنما أعطيته على قوله:
ما زلت يوم الهاشمية معلنا ... بالسيف دون خليفة الرحمن
فمنعت حوزته وكنت وقاءه ... من وقع كلّ مهند وسنان «9»
فقال: أحسنت والله يا معن وأمر له بالجوائز والخلع.
ووفد ابن أبي محجن على معاوية، فقام خطيبا فأحسن، فحسده معاوية وأراد أن يوقعه، فقال له: أنت الذي أوصاك أبوك بقوله:
إذا متّ فادفني إلى جنب كرمة ... تروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها
وقال: بل أنا الذي يقول أبي:
لا تسأل الناس ما مالي وكثرته ... وسائل الناس ما جودي وما خلقي
أعطي الحسام غداة الروع حصّته ... وعامل الرمح أرويه من العلق «10»
وأطعن الطعنة النجلاء عن عرض ... وأكتم السرّ فيه ضربة العنق
ويعلم الناس أنّي من سراتهم ... إذا سما بصر الرعديد بالفرق «11»
فقال له معاوية: أحسنت والله يا ابن أبي محجن، وأمر له بصلة وجائزة.
وقيل: أخذ عبد الملك بن مروان بعض أصحاب شبيب الخارجي «12» ، فقال له: ألست القائل:
ومنّا شريد والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب
فقال: يا أمير المؤمنين إنما قلت ومنا يا أمير المؤمنين شبيب، وأردت بذلك مناداة لك. فكان ذلك سببا لنجاته.
ودخل شريك بن الأعور على معاوية وكان دميما، فقال
(1/68)

له معاوية: إنك لدميم والجميل خير من الدميم وإنك لشريك وما لله من شريك، وإن أباك لأعور والصحيح خير من الأعور، فكيف سدت قومك؟ فقال له: إنك معاوية وما معاوية إلا كلبة عوت فاستعوت لها الكلاب، وإنك لابن صخر، والسهل خير من الصخر، وإنك لابن حرب والسلم خير من الحرب، وإنك لابن أمية وما أمية إلا أمة صغّرت، فكيف صرت أمير المؤمنين؟ ثم خرج وهو يقول:
أيشتمني معاوية بن حرب ... وسيفي صارم ومعي لساني
وحولي من ذوي يزن ليوث ... ضراغمة تهشّ إلى الطّعان «1»
يعير بالدمامة من سفاه ... وربات الحجال من الغواني
ودخل يزيد بن أبي مسلم صاحب شرطة الحجاج على سليمان بن عبد الملك بعد موت الحجاج، فقال له سليمان: قبّح الله رجلا أجرّك رسنه، وأولاك أمانته.
فقال: يا أمير المؤمنين رأيتني والأمر لك وهو عني مدبر، فلو رأيتني وهو علي مقبل لاستكبرت مني ما استصغرت، واستعظمت مني ما استعظمت.
فقال سليمان: أترى الحجاج استقرّ في جهنم! فقال:
يا أمير المؤمنين لا تقل ذلك، فإن الحجاج وطّأ لكم المنابر، وأذل لكم الجبابرة، وهو يجيء يوم القيامة عن يمين أبيك وشمال أخيك، فحيثما كانا كان.
وقال يهودي لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما لكم لم تلبثوا بعد نبيكم إلا خمس عشرة سنة حتى تقاتلتم، فقال علي كرم الله وجهه: ولم أنتم لم تجف أقدامكم من البلل حتى قلتم يا موسى أجعل لنا إلها كما لهم آلهة.
ووجد الحجاج على منبره مكتوبا قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ
«2» ، فكتب تحته قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
«3» .
ودخل عقيل على معاوية وقد كف بصره، فأجلسه معه على سريره ثم قال له: أنتم معشر بني هاشم تصابون في أبصاركم، فقال له عقيل: وأنتم معشر بني أمية تصابون في بصائركم.
وقيل: اجتمعت بنو هاشم يوما عند معاوية فأقبل عليهم وقال: يا بني هاشم إن خيري لكم لممنوح، وإن بابي لكم لمفتوح فلا يقطع خيري عنكم، ولا يرد بابي دونكم، ولما نظرت في أمري وأمركم رأيت أمرا مختلفا، إنكم ترون أنكم أحق بما في يدي مني، وإذا أعطيتكم عطية فيها قضاء حقوقكم قلتم: أعطانا دون حقنا، وقصّر بنا عن قدرنا، فصرت كالمسلوب والمسلوب لا حمد له، هذا مع إنصاف قائلكم وإسعاف سائلكم، قال: فأقبل عليه ابن عباس رضي الله عنهما فقال: والله ما منحتنا شيئا حتى سألناه، ولا فتحت لنا بابا حتى قرعناه، ولئن قطعت عنا خيرك فخير الله أوسع منك، ولئن أغلقت دوننا بابا لنكففن أنفسنا عنك، وأما هذا المال فليس لك منه إلا ما للرجل من المسلمين ولولا حقنا في هذا المال لم يأتك منا زائر يحمله خف، ولا حافر «4» أكفاك أم أزيدك؟ قال: كفاني يا ابن عباس. وقال معاوية يومها: أيها الناس إن الله حبا قريش بثلاث فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ 214
«5» ونحن عشيرته الأقربون، وقال تعالى:
وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ
«6» . ونحن قومه، وقال:
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ 1 إِيلافِهِمْ
«7» . ونحن قريش، فأجابه رجل من الأنصار فقال: على رسلك يا معاوية فإن الله تعالى يقول: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُ
«8» . وأنتم قومه. وقال تعالى: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ 57
«9» وأنتم قومه وقال تعالى:
وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً 30
«10» وأنتم قومه ثلاثة بثلاثة ولو زدتنا لزدناك.
وقال معاوية أيضا لرجل من اليمن: ما كان أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة! فقال: أجهل من قومي قومك الذين قالوا حين دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
«11» . ولم يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه.
(1/69)

وقال يوما لجارية بن قدامة: ما كان أهونك على قومك إذ سمّوك جارية! فقال: ما كان أهونك على قومك إذ سموك معاوية وهي الأنثى من الكلاب! قال: اسكت لا أم لك. قال: لي أم ولدتني، أما والله إن القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا، والسيوف التي قاتلناك بها لفي أيدينا، وإنك لم تهلكنا قسوة، ولم تملكنا عنوة، ولكنك أعطيتنا عهدا وميثاقا، وأعطيناك سمعا وطاعة، فإن وفيت لنا وفينا لك، وإن نزعت إلى غير ذلك فإنّا تركنا وراءنا رجالا شدادا، وأسنة حدادا، فقال معاوية: لا أكثر الله في الناس مثلك يا جارية، فقال له: قل معروفا فإن شر الدعاء محيط بأهله.
وخطب معاوية يوما فقال: إن الله تعالى يقول: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ 21
«1» فعلام تلوموني إذا قصرت في عطاياكم؟
فقال له الأحنف: وإنا والله لا نلومك على ما في خزائن الله ولكن على ما أنزله الله لنا من خزائنه فجعلته في خزائنك وحلت بيننا وبينه.
وقيل: دخل مجنون الطاق يوما إلى الحمام وكان بغير مئزر فرآه أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وكان في الحمام فغمض عينيه فقال المجنون: متى أعماك الله؟ قال: حين هتك سترك.
ومن ذلك ما حكي أن الحجاج خرج يوما متنزها فلما فرغ من نزهته صرف عنه أصحابه، وانفرد بنفسه، فإذا هو بشيخ من بني عجل فقال له: من أين أيها الشيخ؟ قال: من هذه القرية، قال: كيف ترون عمالكم؟ قال: شرّ عمال، يظلمون الناس، ويستحلون أموالهم. قال: فكيف قولك في الحجاج؟ قال: ذاك ما ولي العراق شر منه، قبّحه الله، وقبّح من استعمله، قال: أتعرف من أنا؟ قال: لا، قال:
أنا الحجاج، قال: جعلت فداك أو تعرف من أنا؟ قال:
لا. قال: فلان بن فلان مجنون بني عجل أصرع في كل يوم مرتين، قال: فضحك الحجاج منه وأمر له بصلة.
وقال رجل لصاحب منزل: أصلح خشب هذا السقف فإنه يقرقع. قال: لا تخف فإنه يسبّح. قال: إني أخاف أن تدركه رقة فيسجد.
وقالت عجوز لزوجها: أما تستحي أن تزني ولك حلال طيب؟ قال: أما حلال فنعم، وأما طيّب فلا.
وقال مالك لوزيره: ما خير ما يرزقه العبد؟ قال: عقل يعيش به، قال: فإن عدمه، قال: أدب يتحلّى به، قال:
فإن عدمه؟ قال: مال يستره، قال: فإن عدمه؟ قال:
فصاعقة تحرقه وتريح منه العباد والبلاد.
وتنبأ رجل في زمن المنصور فقال له المنصور: أنت نبي سفلة؟ فقال: جعلت فداك كل نبي يبعث إلى شكله.
ومن الأجوبة المسكتة المستحسنة:
ما ذكر أن إبراهيم مغني الرشيد غنّى يوما بين يديه فقال له: أحسنت أحسن الله إليك، فقال له: يا أمير المؤمنين إنما يحسن الله إلي بك، فأمر له بمائة ألف درهم.
وقال رجل لبعض العلوية: أنت بستان، فقال العلوي:
وأنت النهر الذي يسقى منه البستان.
وذبحت عائشة رضي الله تعالى عنها شاة وتصدقت بها وأفضلت منها كتفا، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «ما عندك منها؟
فقالت: ما بقي منها إلا كتف، فقال: كلها إلا كتفا» «2» .
وقال عبد الله بن يحيى لأبي العيناء: كيف الحال؟ قال:
أنت الحال. فانظر كيف أنت لنا، فأمر له بمال جزيل وأحسن صلته.
وكان عمرو بن سعد بن سالم في حرس المأمون ليلة فخرج المأمون يتفقد الحرس، فقال لعمرو: من أنت؟
قال: عمرو عمرك الله بن سعد أسعدك الله بن سالم سلّمك الله. قال: أنت تكلأنا «3» الليلة؟ قال: الله يكلأك يا أمير المؤمنين وهو خير حافظا وهو أرحم الراحمين فقال المأمون:
إن أخا الهيجاء من يسعى معك ... ومن يضرّ نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتت فيك شمله ليجمعك
ودفع إليه أربعة آلاف دينار. قال عمرو: وددت لو أن الأبيات طالت.
وقال المعتصم للفتح بن خاقان وهو صبي صغير:
أرأيت يا فتح أحسن من هذا الفص، لفص كان في يده؟
قال: نعم يا أمير المؤمنين: اليد التي هو فيها أحسن منه، فأعجبه جوابه وأمر له بصلة وكسوة.
وقيل إن رجلا سأل العباس رضي الله عنه: أأنت أكبر أم
(1/70)

رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر وأنا ولدت قبله.
وقال معاوية لسعيد بن مرة الكندي: أأنت سعيد؟ قال:
أمير المؤمنين السعيد وأنا ابن مرة، وقال المأمون للسيد بن أنس: أأنت السيد؟ قال: أمير المؤمنين السيد وأنا ابن أنس.
قال الحجاج للمهلب وهو يماشيه: أأنا أطول أم أنت؟
قال: الأمير أطول، وأنا أبسط قامة، أراد الطول وهو الفضل.
والأجوبة بهذا المعنى كثيرة لو تتبعتها لعجزت عنها ولكني اقتصرت على هذا وأوجزت، وفيما ذكرته من ذلك كفاية وأسأل الله تعالى العون والعناية.
الباب التاسع في ذكر الخطب والخطباء والشعر والشعراء وسرقاتهم وكبوات الجياد وهفوات الأمجاد
قيل: خطب المأمون فقال: اتقوا الله عباد الله وأنتم في مهل، بادروا الأجل ولا يغرّنكم الأمل، فكأني بالموت قد نزل، فشغلت المرء شواغله، وتولت عنه فواصله، وهيئت أكفانه، وبكاه جيرانه، وصار إلى التراب الخالي بجسده البالي، فهو في التراب عفير، وإلى ما قدم فقير.
وقال الشعبي: ما سمعت أحدا يخطب إلا تمنيت أن يسكت مخافة أن يخطىء ما خلا زيادا فإنه لا يزداد إكثارا إلا ازداد إحسانا.
وخطب علي رضي الله عنه فقال في خطبته: عباد الله الموت الموت ليس منه فوت، إن أقمتم أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، الموت معقود بنواصيكم، فالنجا النجا والوحا الوحا، فإن وراءكم طالبا حثيثا وهو القبر، ألا وإن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، ألا وإنه يتكلم في كل يوم ثلاث كلمات فيقول: أنا بيت الظلمة، أنا بيت الوحشة، أنا بيت الديدان ألا وإن وراء ذلك اليوم يوما أشد منه يوما يشيب فيه الصغير، ويسكر فيه الكبير تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
«1» . ألا وإن وراء ذلك اليوم يوما أشد منه؛ فيه نار تتسعر، حرّها شديد وقعرها بعيد، وحليها حديد، وماؤها صديد، ليس لله فيها رحمة، قال: فبكى المسلمون بكاء شديدا، ثم قال: ألا وإن وراء ذلك اليوم وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
«2» أدخلنا الله وإياكم دار النعيم، وأجارنا وإياكم من العذاب الأليم.
وخطب الحجاج بن يوسف فقال في بعض خطبه: إن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن رضي الله عنه خطب بالبصرة فقال: أيها الناس كل كلام في غير ذكر فهو لغو، وكل صمت في غير فكر فهو سهو، والدنيا حلم والآخرة يقظة، والموت متوسط بينهما، ونحن في أضغاث أحلام.
قيل: اجتمع الناس عند معاوية وقام الخطباء لبيعة يزيد، وأظهر قوم الكراهة، فقام رجل من الخطباء من عذرة يقال له يزيد بن المقنع فاخترط من سيفه شبرا ثم قال: أمير المؤمنين هذا وأشار إلى معاوية، ثم قال: فإن يهلك، فهذا وأشار إلى يزيد، ثم قال: فمن أبى فهذا، وأشار إلى سيفه، فقال له معاوية: أنت سيد الخطباء.
فصل في ذكر الشعر والشعراء وسرقاتهم
قيل: ما استدعي شارد الشعر بمثل الماء الجاري والشرف العالي، والمكان الخضر الخالي.
وقيل: أمسك على النابغة الجعدي أربعين يوما فلم ينطق بالشعر، ثم أن بني جعدة غزوا، فظفروا، فاستخفه الطرب والفرح، فرام الشعر، فذلّ له ما استصعب عليه، فقال له قومه: والله لنحن بإطلاق لسان شاعرنا أسرّ منا بالظفر بعدونا.
وقال أبو نؤاس: ما قلت الشعر حتى رويت لستين امرأة منهن الخنساء وليلى، فما ظنك بالرجال؟ وقال: الرجال الشعراء أمراء الكلام يتصرفون فيه كيف شاءوا، جائز لهم فيه ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تسهيل اللفظ وتعقيده.
وقيل: وفد زياد بن عبد الله على معاوية فقال له: أقرأت القرآن؟ قال نعم. قال: أقرضت القريض؟ قال: نعم.
(1/71)

قال: أرويت الشعر؟ قال: لا. فكتب إلى عبد الله: أبا زياد بارك الله لك في ابنك فأروه الشعر، فقد وجدته كاملا، وإني سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: أرووا الشعر فإنه يدل على محاسن الأخلاق، ويقي مساويها، وتعلموا الأنساب فربّ رحم مجهولة قد وصفت بعريان النسب، وتعلموا من النجوم ما يدلكم على سبلكم في البر والبحر، ولقد هممت بالهرب يوم صفين، فما ثبتني إلا قول القائل:
أقول لها إذا جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي «1»
وقيل: لم ير قط أعلم بالشعر والشعراء من خلف الأحمر، كان يعمل الشعر على ألسنة الفحول من القدماء، فلا يتميز عن مقولهم، ثم تنسك، فكان يختم القرآن كل يوم وليلة، وبذل له بعض الملوك مالا جزيلا على أن يتكلم في بيت من الشعر شكّوا فيه فأبى.
وكان الحسن بن علي رضي الله عنه يعطي الشعراء، فقيل له في ذلك، فقال: خير مالك ما وقيت به عرضك.
وقال أبو الزناد: ما رأيت أروى للشعر من عروة قلت له: ما أرواك يا أبا عبد الله؟ فقال: وما روايتي مع رواية عائشة رضي الله عنها ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرا.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بقول القائل: كفى الإسلام والشيب للمرء ناهيا، ولم ينطق به موزونا، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أشهد أنك رسول الله حقا وتلا قوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي
«2» .
ولنذكر نبذة من سرقات الشعراء وسقطاتهم:
فمن ذلك قول قيس بن الخطيم وهو شاعر الأوس وشجاعها «3» :
وما المال والأخلاق إلّا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزوّد
وكيف يخفى ما أخذه مع اشتهار قصيدة طرفة بن العبد وهي معلقة على الكعبة يقول فيها:
لعمرك ما الأيام إلّا معارة ... فما استطعت من معروفها فتزود
ومن ذلك قول عبدة بن الطيب:
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدّما
أخذه من قول امرىء القيس:
فلو أنها نفسي تموت شريتها ... ولكنها نفس تساقط أنفسا
ويقال من سرق شيئا واسترقّه، فقد استحقه، وهو أن يسرق الشاعر المعنى دون اللفظ. فمن السرقة الفاحشة قول كثير في عبد الملك بن مروان:
إذا ما أراد الغزو لم يثن همه ... حصان عليها عقد در يزينها «4»
أخذه من قول الحطيئة ولم يغير سوى الروي:
إذا ما أراد الغزو لم يثن همه ... حصان عليها لؤلؤ وشنوف «5»
وجرير على سعة تبحره وقدرته على غرر الشعر وابتكار الكلام نقل قوله:
فلو كان الخلود بفضل قوم ... على قوم لكان لنا الخلود
من قول زهير وهو شعر مشهور يحفظه الصبيان وترويه النسوان وهو:
فلو كان حمد يخلد المرء لم يمت ... ولكنّ حمد المرء غير مخلد
وقد قال الشماخ:
وأمر ترجّي النفس ليس بنافع ... وآخر تخشى ضيره لا يضيرها
وهو مأخوذ من قول الآخر:
ترجّي النفوس الشيء لا تستطيعه ... وتخشى من الأشياء ما لا يضيرها
وأبو تمام مع قوته وقدرته على الكلام يقول:
وأحسن من نور تفتّحه الصبا ... بياض العطايا في سواد المطالب
(1/72)

أخذه من قول الأخطل:
رأيت بياضا في سواد كأنه ... بياض العطايا في سواد المطالب
ومن سقطات الشعراء:
ما قيل: أن أبا العتاهية كان مع تقدمه في الشعر كثير السقط، روي أنه لقي محمد بن مبادر بمكة، فمازحه وضاحكه، ثم إنه دخل على الرشيد فقال: يا أمير المؤمنين هذا شاعر البصرة يقول قصيدة في كل سنة، وأنا أقول في كل سنة مائتي قصيدة، فأدخله الرشيد إليه وقال: ما هذا الذي يقول أبو العتاهية، فقال: يا أمير المؤمنين لو كنت أقول كما يقول:
ألا يا عتبة الساعة ... أموت الساعة الساعة
لقلت كثيرا ولكني أقول:
ابن عبد الحميد يوم توفى ... هدّ ركنا ما كان بالمهدود
ما درى نعشه ولا حاملوه ... ما على النعش من عفاف وجود
فأعجب الرشيد قوله وأمر له بعشرة آلاف درهم، فكاد أبو العتاهية يموت غما وأسفا.
وكان بشّار بن برد يسمونه أبا المحدثين، ويسلمون إليه في الفضيلة والسبق، وبعض أهل اللغة يستشهد بشعره ومع ذلك قال:
إنما عظم سليمى حبتي ... قصب السكر لا عظم الحمل
وإذا أدنيت منها بصلا ... غلب المسك على ريح البصل
هذا مع قوله:
إذا قامت لمشيتها تثنّت ... كأن عظامها من خيزران
ومع قوله في الفخر:
كأنّ مثار النقع «1» فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
ومع قوله أيضا:
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
وأبو الطيب المتنبي في فضله المشهور وأخذه بزمام الكلام، وقوته على رقائق المعاني وعلى ما في شعره من الحكم والأمثال السائرة يقول:
وضاقت الأرض حتى صار هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا
وغير شيء معناه المعدوم، والمعدوم لا يرى فهذا سقط فاحش. ومما يستهجن من قوله وتكاد أن تمجه الأسماع قوله:
تقلقلت بالهمّ الذي قلقل الحشا ... قلاقل عيش كلّهن قلاقل
وقوله وقد جمع بين قبح اللفظ وبرودة المعنى:
إن كان مثلك كان أو هو كائن ... فبرئت حينئذ من الإسلام
ومن معانيه المسروقة قوله:
ونهب نفوس أهل النهب أولى ... بأهل المجد من نهب القماش
أخذه من قول أبي تمام:
إن الأسود أسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب
قال أبو عبد الله الزبيري: اجتمع راوية جرير، وراوية كثير، وراوية جميل، وراوية الأحوص، وراوية نصيب، فافتخر كل منهم وقال: صاحبي أشعر، فحكموا السيدة سكينة بنت الحسين رضي الله تعالى عنهما بينهم لعقلها وتبصرها بالشعر، فخرجوا حتى استأذنوا عليها، وذكروا لها أمرهم فقالت لراوية جرير أليس صاحبك الذي يقول:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام
وأي ساعة أحلى من الزيارة بالطروق! قبح الله صاحبك وقبح شعره فهلا قال: فادخلي بسلام.
ثم قالت لراوية كثير أليس صاحبك الذي يقول:
يقرّ بعيني ما يقرّ بعينها ... وأحسن شيء ما به العين قرت
وليس شيء أقر بعينها من النكاح، أيحب صاحبك أن ينكح! قبح الله صاحبك وقبح شعره.
(1/73)

ثم قالت لراوية جميل أليس صاحبك الذي يقول:
فلو تركت عقلي معي ما طلبتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلي
فما أراه هوي، وإنما طلب عقله. قبح الله صاحبك وقبح شعره. ثم قالت لراوية نصيب أليس صاحبك الذي يقول:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فوا حزني من ذا يهيم بها بعدي
فما له همة إلا من يتعشقها بعده. قبحه الله وقبح شعره هلّا قال:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فلا صلحت دعد لذي خلّة بعدي
ثم قالت لراوية الأحوص أليس صاحبك الذي يقول:
من عاشقين تواعدا وتراسلا ... ليلا إذا نجم الثريا حلّقا
باتا بأنعم ليلة وألذها ... حتى إذا وضح الصباح تفرقا
قبحه الله وقبح شعره. هلا قال: تعانقا. فلم تثن على واحد منهم، وأحجم رواتهم عن جوابها رضي الله عنها.
وروى ابن الكلبي قال: لما أفضت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز وفدت إليه الشعراء كما كانت تفد على الخلفاء من قبله، فأقاموا ببابه أياما لا يؤذن لهم في الدخول حتى قدم عدي بن أرطأة عليه وكان منه بمكانة فتعرض له جرير وقال:
يا أيّها الرجل المزجي مطيّته «1» ... هذا زمانك إنّي قد خلا زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه ... أنّي لدى الباب كالمشدود في قرن «2»
لا تنس حاجتنا لاقيت مغفرة ... قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني
فقال: نعم يا أبا عبد الله، فلما دخل على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال: يا أمير المؤمنين، الشعراء ببابك، وألسنتهم مسمومة، وسهامهم صائبة، فقال عمر رضي الله عنه: مالي وللشعراء، فقال: يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدح فأعطى، وفيه أسوة لكل مسلم، قال:
صدقت، فمن بالباب منهم؟ قال: ابن عمك عمر بن أبي ربيعة القرشي قال: لا قرب الله قرابته ولا حيّا وجهه، أليس هو القائل:
ألا ليتني في يوم تدنو منيتي ... شممت الذي ما بين عينيك والفم
وليت طهوري كان ريقك كله ... وليت حنوطي من مشاشك والدم
ويا ليت سلمى في القبور ضجيعتي ... هنالك إن في جنّة أو جهنّم
فليته عدو الله تمنى لقاءها في الدنيا، ثم يعمل عملا صالحا، والله لا يدخل عليّ أبدا، فمن بالباب غيره ممن ذكرت؟ قال جميل بن معمر العذري قال: أليس هو القائل:
ألا ليتنا نحيا جميعا فإن نمت ... يوافي لدى الموتى ضريحي ضريحها
فما أنا في طول الحياة براغب ... إذا قيل قد سوّي عليها صفيحها «3»
أظلّ نهاري لا أراها وتلتقي ... مع الليل روحي في المنام وروحها
والله لا يدخل عليّ أبدا، فمن بالباب غيره ممن ذكرت؟
قال: كثير عزة قال: أليس هو القائل:
رهبان مدين والذين عهدتهم ... يبكون من حذر الفراق قعودا
لو يسمعون كما سمعت حديثها ... خروا لعزّة ركّعا وسجودا
أبعده الله، فوالله لا يدخل عليّ أبدا، فمن بالباب غيره ممن ذكرت؟ قال: الأحوص الأنصاري قال: أبعده الله، والله لا يدخل عليّ أبدا، أليس هو القائل، وقد أفسد على رجل من أهل المدينة جاريته حتى هرب بها منه:
الله بيني وبين سيّدها ... يفرّ منّي بها وأتبعه
فمن بالباب غيره ممن ذكرت؟ قال: همام بن غالب الفرزدق. قال: أليس هو القائل يفتخر بالزنا في قوله:
هما دلّياني من ثمانين قامة ... كما انقضّ باز ليّن الريش كاسره
(1/74)

فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا ... أحيّ فيرجى أم قتيل نحاذره
فقلت ارفعوا الأجراس لا يفطنوا بنا ... وولّيت في أعقاب ليل أبادره
والله لا دخل عليّ أبدا، فمن بالباب غيره ممن ذكرت؟
قال: الأخطل التغلبي. قال: أليس هو القائل:
ولست بصائم رمضان عمري ... ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بزاجر عيسا بكورا ... إلى أطلال مكّة بالنّجاح
ولست بقائم كالعبد يدعو ... قبيل الصبح حيّ على الفلاح
ولكنّي سأشربها شمولا ... وأسجد عند منبلج الصباح «1»
أبعده الله عني، فو الله لا دخل عليّ أبدا، ولا وطىء لي بساطا، وهو كافر، فمن بالباب غيره من الشعراء ممن ذكرت؟ قال: جرير. قال: أليس هو القائل:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام
فإن كان ولا بد، فهذا، فأذن له قال عدي بن أرطأة:
فخرجت فقلت: أدخل يا جرير، فدخل وهو يقول:
إنّ الذي بعث النبي محمدا ... جعل الخلافة في الإمام العادل
وسع الخلائق عدله ووقاره ... حتى ارعووا وأقام ميل المائل «2»
إني لأرجو منه نفعا عاجلا ... والنفس مولعة بحبّ العاجل
والله أنزل في الكتاب فريضة ... لابن السبيل وللفقير العائل
فلما مثل بين يديه قال: يا جرير اتق الله ولا تقل إلا حقا، فأنشأ يقول:
كم باليمامة من شعثاء أرملة ... ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر
ممّن بعدلك يكفى فقد والده ... كالفرخ في العشّ لم يدرج ولم يطر
أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت ... أم قد كفاني ما بلّغت من خبري
إنّا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر
إن الخلافة جاءته على قدر ... كما أتى ربّه موسى على قدر
هذي الأرامل قد قضّيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
الخير مادمت حيّا لا يفارقنا ... بوركت يا عمر الخيرات من عمر
فقال: والله يا جرير لقد وافيت الأمر، ولا أملك إلا ثلاثين دينارا فعشرة أخذها عبد الله ابني، وعشرة أخذتها أم عبد الله، ثم قال لخادمه: ادفع إليه العشرة الثالثة، فقال:
والله يا أمير المؤمنين أنها لأحب مال اكتسبته، ثم خرج فقال له الشعراء: ما وراءك يا جرير؟ فقال: ورائي ما يسوءكم خرجت من عند أمير يعطي الفقراء ويمنع الشعراء، وإنني عنه لراض، ثم أنشأ يقول:
رأيت رقى الجنّ لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا
ومما جاء في كبوات الجياد وهفوات الأمجاد قال الأحنف الشريف: من عدت سقطاته، قلت عثراته، وقالوا: كل صارم ينبو، وكل جواد يكبو، وكان الأحنف بن قيس حليما سيدا يضرب به المثل، وقد عدت له سقطة وهو أن عمرو بن الأهتم دس إليه رجلا يسفهه فقال: يا أبا بحر ما كان أبوك في قومه؟ قال: كان أوسطهم وسيدهم، ولم يتخلف عنهم، فرجع إليه ثانيا، ففطن أنه من قبل عمرو بن الأهتم، فقال: ما كان أبوك؟ قال: كانت له فتوة ومروءة، ومكارم أخلاق، ولم يكن أهتم سلّاجا.
وقال سعيد بن المسيب: ما فاتني الأذان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أربعين سنة، ثم قام يريد الصلاة فوجد الناس قد خرجوا من المسجد.
وقال قتادة: ما نسيت شيئا قط، ثم قال: يا غلام ناولني نعلي. قال: النعل في رجلك.
وكان هشام بن عبد الملك من رجال بني أمية ودهاتهم، وقد عدت له سقطات منها: أن الحادي حدا به يوما فقال:
إني عليك أيها النجيّ ... أكرم من يمشي به المطيّ
(1/75)

فقال هشام: صدقت. وذكر عنده سليمان أخوه، فقال:
والله لأشكونه يوم القيامة إلى أمير المؤمنين عبد الملك، ولما ولي الخلافة قال: الحمد لله الذي أنقذني من النار بهذا المقام. قال النابغة: أي الرجال المهذب «1» ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب العاشر في التوكل على الله تعالى والرضا بما قسم والقناعة وذم الحرص والطمع وما أشبه ذلك
وفيه فصول
الفصل الأول في التوكل على الله تعالى
قال الله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ
«2» .
وقال تعالى: وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
«3» . وقال تعالى:
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
«4» .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير» . رواه مسلم قيل: معناه متوكلون، وقيل: قلوبهم رقيقة.
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصا وتعود بطانا» «5» .
وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: يا داود من دعاني أجبته، ومن استغاثني أغثته، ومن استنصرني نصرته، ومن توكل عليّ كفيته، فأنا كافي المتوكلين وناصر المستنصرين، وغياث المستغيثين، ومجيب الداعين.
وحكي أنه كان في زمن هارون الرشيد قد حصل للناس غلاء سعر، وضيق حال حتى اشتد الكرب على الناس اشتدادا عظيما، فأمر الخليفة هارون الرشيد الناس بكثرة الدعاء والبكاء، وأمر بكسر آلات الطرب، ففي بعض الأيام رؤي عبد يصفق ويرقص ويغني، فحمل إلى الخليفة هارون الرشيد، فسأله عن فعله ذلك من دون الناس، فقال: إن سيدي عنده خزانة بر، وأنا متوكل عليه أن يطعمني منها، فلهذا أنا إذا لا أبالي فأنا أرقص وأفرح، فعند ذلك قال الخليفة: إذا كان هذا قد توكل على مخلوق مثله، فالتوكل على الله أولى، فسلّم للناس أحوالهم، وأمرهم بالتوكل على الله تعالى.
وحكي أن حاتما الأصم كان رجلا كثير العيال، وكان له أولاد ذكور وإناث، ولم يكن يملك حبة واحدة، وكان قدمه التوكل فجلس ذات ليلة مع أصحابه يتحدث معهم، فتعرضوا لذكر الحج، فداخل الشوق قلبه، ثم دخل على أولاده، فجلس معهم يحدثهم، ثم قال لهم: لو أذنتم لأبيكم أن يذهب إلى بيت ربه في هذا العام حاجا، ويدعو لكم ماذا عليكم لو فعلتم؟ فقالت زوجته وأولاده: أنت على هذه الحالة لا تملك شيئا ونحن على ما ترى من الفاقة، فكيف تريد ذلك ونحن بهذه الحالة؟
وكان له ابنة صغيرة فقالت: ماذا عليكم لو أذنتم له ولا يهمكم ذلك، دعوه يذهب حيث شاء، فإنه مناول للرزق، وليس برزاق، فذكّرتهم ذلك، فقالوا: صدقت والله هذه الصغيرة، يا أبانا انطلق حيث أحببت، فقام من وقته وساعته وأحرم بالحج، وخرج مسافرا، وأصبح أهل بيته يدخل عليهم جيرانهم يوبخونهم كيف أذنوا له بالحج، وتأسف على فراقه أصحابه وجيرانه، فجعل أولاده يلومون تلك الصغيرة ويقولون: لو سكتّ ما تكلمنا، فرفعت الصغيرة طرفها إلى السماء، وقالت: إلهي وسيدي ومولاي عودت القوم بفضلك وأنك لا تضيعهم فلا تخيبهم، ولا تخجلني معهم، فبينما هم على هذه الحالة إذ خرج أمير البلدة متصيدا، فانقطع عن عسكره وأصحابه، فحصل له عطش شديد، فاجتاز بيت الرجل الصالح حاتم الأصم، فاستسقى منهم ماء، وقرع الباب فقالوا: من أنت؟ قال: الأمير ببابكم يستسقيكم، فرفعت زوجة حاتم رأسها إلى السماء وقالت: إلهي وسيدي سبحانك البارحة بتنا جياعا، واليوم يقف الأمير على بابنا يستسقينا، ثم إنها أخذت كوزا جديدا وملأته ماء، وقالت للمتناول منها:
اعذرونا، فأخذ الأمير الكوز وشرب منه، فاستطاب الشرب من ذلك الماء فقال: هذه الدار لأمير؟ فقالوا: لا والله بل لعبد من عباد الله الصالحين يعرف بحاتم الأصم.
فقال الأمير: لقد سمعت به.
(1/76)

فقال الوزير: يا سيدي لقد سمعت أنه البارحة أحرم بالحج وسافر ولم يخلف لعياله شيئا، وأخبرت أنهم البارحة باتوا جياعا، فقال الأمير: ونحن أيضا قد ثقلنا عليهم اليوم، وليس من المروءة أن يثقل مثلنا على مثلهم، ثم حل الأمير منطقته من وسطه ورمى بها في الدار، ثم قال لأصحابه: من أحبني، فليلق منطقته، فحل جميع أصحابه مناطقهم ورموا بها إليهم، ثم انصرفوا، فقال الوزير: السلام عليكم أهل البيت، لآتينكم الساعة بثمن هذه المناطق، فلما أنزل الأمير رجع إليهم الوزير، ودفع إليهم ثمن المناطق مالا جزيلا واستردها منهم، فلما رأت الصبية الصغيرة ذلك بكت بكاء شديدا، فقالوا لها: ما هذا البكاء؟ إنما يجب أن تفرحي، فإن الله قد وسّع علينا، فقالت: يا أم، والله إنما بكائي كيف بتنا البارحة جياعا، فنظر إلينا مخلوق نظرة واحدة، فأغنانا بعد فقرنا، فالكريم الخالق إذا نظر إلينا لا يكلنا إلى أحد طرفة عين، اللهم انظر إلى أبينا، ودبره بأحسن التدبير، هذا ما كان من أمرهم.
وأما ما كان من أمر حاتم أبيهم، فإنه لما خرج محرما ولحق بالقوم توجع أمير الركب، فطلبوا له طبيبا، فلم يجدوا، فقال: هل من عبد صالح، فدل على حاتم، فلما دخل عليه وكلمه دعا له فعوفي الأمير من وقته، فأمر له بما يركب، وما يأكل، وما يشرب، فنام تلك الليلة مفكرا في أمر عياله، فقيل له في منامه: يا حاتم من أصلح معاملته معنا أصلحنا معاملتنا معه، ثم أخبر بما كان من أمر عياله، فأكثر الثناء على الله تعالى، فلما قضى حجه ورجع تلقته أولاده، فعانق الصبية الصغيرة وبكى، ثم قال: صغار قوم كبار قوم آخرين. إن الله لا ينظر إلى أكبركم ولكن ينظر إلى أعرفكم به، فعليكم بمعرفته والاتكال عليه فإنه من توكل على الله فهو حسبه.
ومن كلام الحكماء:
من أيقن أن الرزق الذي قسم له لا يفوته تعجل الراحة، ومن علم أن الذي قضي عليه لم يكن ليخطئه فقد استراح من الجزع، ومن علم أن مولاه خير له من العبادة، فقصده كفاه همه وجمع شمله.
وفي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال: يا غلام إني أعلمك كلمات:
احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت، فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن تنفعك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن تضرك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الصحف وجفت الأقلام.
ورفع إلى الرشيد أن بدمشق رجلا من بني أمية عظيم المال والجاه كثير الخيل والجند، يخشى على المملكة منه، وكان الرشيد يومئذ بالكوفة. قال منارة خادم الرشيد:
فاستدعاني الرشيد وقال: اركب الساعة إلى دمشق وخذ معك مائة غلام وائتني بفلان الأموي، وهذا كتابي إلى العامل لا توصله له إلا إذا امتنع عليك، فإذا أجاب فقيّده وعادله بعد أن تحصي جميع ما تراه وما يتكلم به، واذكر لي حاله ومآله، وقد أجلتك لذهابك ستا، ولمجيئك ستا، ولإقامتك يوما، أفهمت؟ قلت: نعم. قال: فسر على بركة الله، فخرجت أطوي المنازل ليلا ونهارا لا أنزل إلا للصلاة أو لقضاء حاجة حتى وصلت ليلة السابع باب دمشق، فلما فتح الباب دخلت قاصدا نحو دار الأموي، فإذا هي دار عظيمة هائلة، ونعمة طائلة، وخدم وحشم، وهيبة ظاهرة، وحشمة وافرة، ومصاطب متسعة، وغلمان فيها جلوس، فهجمت على الدار بغير إذن، فبهتوا وسألوا عني، فقيل لهم: إن هذا رسول أمير المؤمنين، فلما صرت في وسط الدار رأيت أقواما محتشمين، فظننت أن المطلوب فيهم، فسألت عنه، فقيل لي: هو في الحمام، فأكرموني، وأجلسوني، وأمروا بمن معي ومن صحبني إلى مكان آخر، وأنا أنتقد الدار، وأتأمل الأحوال، حتى أقبل الرجل من الحمام ومعه جماعة كثيرة من كهول وشبان وحفدة وغلمان، فسلم عليّ وسألني عن أمير المؤمنين، فأخبرته وأنه بعافية، فحمد الله تعالى، ثم أحضرت له أطباق الفاكهة فقال: تقدم يا منارة كل معنا، فتأملت تأملا كثيرا إذ لم يكنني، فقلت: ما آكل، فلم يعاودني.
ورأيت ما لم أره إلا في دار الخلافة، ثم قدم الطعام، فو الله ما رأيت أحسن ترتيبا، ولا أعطر رائحة، ولا أكثر آنية منه، فقال: تقدم يا منارة، فكل. قلت: ليس لي به حاجة، فلم يعاودني.
ونظرت إلى أصحابي فلم أجد أحدا منهم عندي، فحرت لكثرة حفدته، وعدم من عندي، فلما غسل يديه أحضر له البخور فتبخر، ثم قام فصلى الظهر، فأتم الركوع والسجود، وأكثر من الركوع بعدها، فلما فرغ استقبلني وقال: ما أقدمك يا منارة؟
فناولته كتاب أمير المؤمنين، فقبله ووضعه على رأسه، ثم فضّه وقرأه، فلما فرغ من قراءته استدعى جميع بنيه وخواص أصحابه وغلمانه وسائر عياله، فضاقت الدار بهم
(1/77)

على سعتها، فطار عقلي، وما شككت أنه يريد القبض عليّ، فقال: الطلاق يلزمه والحج والعتق والصدقة، وسائر أيمان البيعة لا يجتمع منكم اثنان في مكان واحد حتى ينكشف أمره، ثم أوصاهم على الحريم ثم استقبلني وقدم رجليه وقال: هات يا منارة قيودك، فدعوت الحداد فقيده وحمل حتى وضع في المحمل وركبت معه في المحمل، وسرنا، فلما صرنا في ظاهر دمشق ابتدأ يحدثني بانبساط ويقول: هذه الضيعة لي تعمل في كل سنة بكذا وكذا، وهذا البستان لي وفيه من غرائب الأشجار وطيب الثمار كذا وكذا، وهذه المزارع يحصل لي منها كل سنة كذا وكذا، فقلت: يا هذا ألست تعلم أن أمير المؤمنين أهمّه أمرك حتى أنفذني خلفك وهو بالكوفة ينتظرك، وأنت ذاهب إليه ما تدري ما تقدم عليه، وقد أخرجتك من منزلك ومن بين أهلك ونعمتك وحيدا فريدا، وأنت تحدثني حديثا غير مفيد ولا نافع لك ولا سألتك عنه، وكان شغلك بنفسك أولى بك:
فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد أخطأت فراستي فيك يا منارة ما ظننت أنك عند الخليفة بهذه المكانة إلا لوفور عقلك، فإذا أنت جاهل عامي لا تصلح لمخاطبة الخلفاء، أما خروجي على ما ذكرت فإني على ثقة من ربي الذي بيده ناصيتي وناصية أمير المؤمنين، فهو لا يضر ولا ينفع إلا بمشيئة الله تعالى، فإن كان قد قضي علي بأمر فلا حيلة لي بدفعه ولا قدرة لي على منعه، وإن لم يكن قد قدر علي بشيء فلو اجتمع أمير المؤمنين وسائر من على وجه الأرض على أن يضروني لم يستطيعوا ذلك إلا بإذن الله تعالى، وما لي ذنب فأخاف، وإنما هذا واش وشى عند أمير المؤمنين ببهتان «1» ، وأمير المؤمنين كامل العقل، فإذا اطّلع على براءتي فهو لا يستحل مضرتي، وعلي عهد الله لا كلمتك بعدها إلا جوابا.
ثم أعرض عني وأقبل على التلاوة وما زال كذلك حتى وافينا الكوفة بكرة اليوم الثالث عشر، وإذا النجب قد استقبلتنا من عند أمير المؤمنين تكشف عن أخبارنا، فلما دخلت على الرشيد قبلت الأرض، فقال: هات يا منارة أخبرني من يوم خروجك عني إلى يوم قدومك عليّ، فابتدأت أحدثه بأموري كلها مفصلة والغضب يظهر في وجهه، فلما انتهيت إلى جمعه لأولاده وغلمانه، وخواصه وضيق الدار بهم، وتفقدي لأصحابي، فلم أجد منهم أحدا أسودّ وجهه، فلما ذكرت يمينه عليهم تلك الأيمان المغلظة تهلّل وجهه، فلما قلت إنه قدم رجليه أسفر وجهه واستبشر، فلما أخبرته بحديثي معه في ضياعه وبساتينه وما قلت له، وما قال لي فقال: هذا رجل محسود على نعمته، ومكذوب عليه، وقد أزعجناه وأرعبناه وشوشنا عليه وعلى أولاده وأهله، أخرج إليه، وانزع قيوده، وفكه وأدخله عليّ مكرما، ففعلت، فلما دخل قبّل الأرض، فرحب به أمير المؤمنين وأجلسه، واعتذر إليه، فتكلم بكلام صحيح، فقال له أمير المؤمنين: سل حوائجك، فقال:
سرعة رجوعي إلى بلدي وجمع شملي بأهلي وولدي قال: هذا كائن، فسل غيره؟ قال: عدل أمير المؤمنين في عماله ما أحوجني إلى سؤال. قال: فخلع عليه أمير المؤمنين، ثم قال: يا منارة اركب الساعة معه حتى ترده إلى المكان الذي أخذته منه. قم في حفظ الله وودائعه ورعايته ولا تقطع أخبارك عنا وحوائجك، فانظر حسن توكله على خالقه، فإنه من توكل عليه كفاه ومن دعاه لبّاه، ومن سأله أعطاه ما تمناه.
وروي أن هذه الكلمات وجدها كعب الأحبار مكتوبة في التوراة فكتبها وهي: يا ابن آدم لا تخافن من ذي سلطان ما دام سلطاني باقيا، وسلطاني لا ينفد أبدا، يا ابن آدم لا تخش من ضيق الرزق ما دامت خزائني ملآنة، وخزائني لا تنفد أبدا، يا ابن آدم لا تأنس بغيري، وأنا لك، فإن طلبتني وجدتني، وإن أنست بغيري فتّك وفاتك الخير كله، يا ابن آدم خلقتك لعبادتي، فلا تلعب، وقسمت رزقك فلا تتعب، وفي أكثر منه فلا تطمع، ومن أقل منه فلا تجزع، فإن أنت رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك، وكنت عندي محمودا، وإن لم ترض بما قسمته لك فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البر ولا ينالك منها إلا ما قد قسمته لك، وكنت عندي مذموما، يا ابن آدم خلقت السموات السبع والأرضين السبع، ولم أعي بخلقهن أيعينني رغيف أسوقه لك من غير تعب، يا ابن آدم أنا لك محب، فبحقي عليك كن لي محبا، يا ابن آدم لا تطالبني برزق غد كما لا أطالبك بعمل غد، فإني لم أنس من عصاني، فكيف من أطاعني وأنا على كل شيء قدير، وبكل شيء محيط.
قال الشاعر:
وما ثمّ إلّا الله في كلّ حالة ... فلا تتكل يوما على غير لطفه
(1/78)

فكم حالة تأتي ويكرهها الفتى ... وخيرته فيها على رغم أنفه
ولمؤلفه رحمه الله تعالى:
توكّل على الرحمن في الأمر كلّه ... فما خاب حقا من عليه توكّلا
وكن واثقا بالله واصبر لحكمه ... تفز بالذي ترجوه منه تفضّلا
الفصل الثاني في القناعة والرضا بما قسم الله تعالى
جاء في تفسير قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
«1» . أن المراد بها القناعة.
وقال صلى الله عليه وسلم: «القناعة مال لا ينفذ» . وقيل: يا رسول الله ما القناعة؟ قال: «الأياس مما في أيدي الناس وإياكم والطمع فإنه الفقر الحاضر» .
وكان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من القناعة بالجانب الأوفر، وإنه كان يشتهي الشيء فيدافعه سنة.
قال الكندي:
العبد حر ما قنع ... والحرّ عبد ما طمع
وقال بشر بن الحارث: خرج فتى في طلب الرزق، فبينما هو يمشي فأعيا، فآوى إلى خراب يستريح فيه، فبينما هو يدير بصره إذ وقعت عيناه على أسطر مكتوبة على حائط، فتأملها فإذا هي:
إني رأيتك قاعدا مستقبلي ... فعلمت أنك للهموم قرين
هوّن عليك وكن بربّك واثقا ... فأخو التوكّل شأنه التهوين
طرح الأذى عن نفسه في رزقه ... لمّا تيقن أنّه مضمون
قال: فرجع الفتى إلى بيته، ولزم التوكل وقال: اللهم أدّبنا أنت.
قال الجاحظ: إنما خالف الله تعالى بين طبائع الناس ليوفق بينهم في مصالحهم، ولولا ذلك لاختاروا كلهم الملك والسياسة والتجارة والفلاحة وفي ذلك بطلان المصالح، وذهب المعايش، فكل صنف من الناس مزين لهم ما هم فيه، فالحائك إذا رأى من صاحبه تقصيرا أو خلفا قال: ويلك يا حجّام والحجام إذا رأى مثل ذلك من صاحبه قال: ويلك يا حائك، فجعل الله تعالى الاختلاف سببا للائتلاف، فسبحانه من مدبر قادر حكيم، ألا ترى إلى البدوي في بيت من قطعة خيش معمد بعظام الجيف كلبه معه في بيته لباسه شملة من وبر أو شعر، ودواؤه بعر الإبل وطيبه القطران وبعر الظباء، وحليّ زوجته الودع، وثماره المقل، وصيده اليربوع «2» وهو في مفازة «3» لا يسمع فيها إلا صوت بومة، وعواء ذئب وهو قانع بذلك مفتخر به.
وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: يا بني إذا طلبت الغنى، فاطلبه في القناعة، فإنها مال لا ينفذ، وإياك والطمع فإنه فقر حاضر، وعليك باليأس، فإنك لم تيأس من شيء إلا أغناك الله عنه.
وأصاب داود الطائي فاقة كبيرة، فجاءه حماد بن أبي حنيفة رضي الله عنه بأربعمائة درهم من تركة أبيه وقال:
هي من مال رجل ما أقدم عليه أحد في زهده وورعه وطيب كسبه، فقال: لو كنت أقبل من أحد شيئا لقبلتها تعظيما للميت، وإكراما للحي، ولكني أحب أن أعيش في عز القناعة.
وقال عيسى عليه الصلاة والسلام: اتخذوا البيوت منازل، والمساجد مساكن، وكلوا من بقل البرية، واشربوا من الماء القراح، واخرجوا من الدنيا بسلام.
وأنشد المبرد:
إن ضنّ زيد بما في بطن راحته ... فالأرض واسعة والرزق مبسوط
إنّ الذي قدّر الأشيا بحكمته ... لم ينسني قاعدا والرحل محطوط
قال عبد الواحد بن زيد: ما أحسب أن شيئا من الأعمال يتقدم الصبر إلا الرضا، ولا أعلم درجة أرفع من الرضا وهو رأس المحبة، قيل له: متى يكون العبد راضيا عن ربه؟
قال: إذا سرته المصيبة كما تسره النعمة.
(1/79)

وكان عبد الله بن مرزوق من ندماء المهدي، فسكر يوما ففاتته الصلاة فجاءته جارية له بجمرة، فوضعتها على رجله، فانتبه مذعورا فقالت له: إذا لم تصبر على نار الدنيا، فكيف تصبر على نار الآخرة. فقام فصلّى الصلوات، وتصدق بما يملكه وذهب يبيع البقل، فدخل عليه فضيل وابن عيينة، فإذا تحت رأسه لبنة وما تحت جنبه شيء، فقالا له: إنه لم يدع أحد شيئا إلا عوضه الله منه بديلا، فما عوضك عما تركت له؟ قال: الرضا بما أنا فيه.
وقال الثوري: ما وضع أحد يده في قصعة غيره إلا ذلّ له، وقال الفضيل: من رضي بما قسم الله له بارك الله له فيه.
وكان عيسى عليه الصلاة والسلام يقول: الشمس في الشتاء جلالي، ونور القمر سراجي، وبقل البرية فاكهتي، وشعر الغنم لباسي، أبيت حيث يدركني الليل ليس لي ولد يموت، ولا بيت يخرب، أنا الذي كببت الدنيا على وجهها.
(بيت مفرد) ؛
إنّ القناعة من يحلل بساحتها ... لم يلق في ظلّها همّا يؤرّقه «1»
وقال عيسى عليه الصلاة والسلام: أنظروا إلى الطير تغدو وتروح ليس معها شيء من أرزاقها، لا تحرث، ولا تحصد، والله يرزقها، فإن زعمتم أنكم أكبر بطونا من الطير، فهذه الوحوش والبقر والحمر لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها.
وقيل: وفد عروة بن أذينة على هشام بن عبد الملك، فشكا إليه خلّته «2» ، فقال له القائل:
لقد علمت وما الإسراف من خلقي ... أنّ الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى إليه فيعييني تطلّبه ... ولو قعدت أتاني ليس يعييني
وقد جئت من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق فقال:
يا أمير المؤمنين لقد وعظت فأبلغت، وخرج، فركب ناقته وكرّ إلى الحجاز راجعا، فلما كان من الليل نام هشام على فراشه، فذكر عروة، فقال في نفسه رجل قرشي قال حكمة ووفد علي، فجبهته ورددته خائبا، فلما أصبح وجه إليه بألفي دينار، فقرع عليه الرسول باب داره بالمدينة، وأعطاه المال، فقال: أبلغ أمير المؤمنين مني السلام وقل له:
كيف رأيت قولي سعيت، فأكديت، فرجعت، فأتاني رزقي في منزلي.
ولما ولي عبد الله بن عامر العراق قصده صديقان له أنصاري وثقفي، فلما سارا تخلف الأنصاري وقال: الذي أعطى ابن عامر العراق قادر على أن يعطيني، فوفد الثقفي وقال: أحوز الحظين، فلما دخل على عبد الله بن عامر قال له: ما فعل زميلك الأنصاري؟ قال: رجع إلى أهله، فأمر للثقفي بأربعة آلاف دينار [وللأنصاري بمثلها] فخرج الثقفي وهو يقول:
فو الله ما حرص الحريص بنافع ... فيغني ولا زهد القنوع بضائر
خرجنا جميعا من مساقط روسنا ... على ثقة منا بجود ابن عامر
فلما أنخنا الناجعات ببابه ... تخلف عني اليثربيّ ابن جابر
وقال ستكفيني عطية قادر ... على ما يشاء اليوم للخلق قاهر
فإن الذي أعطى العراق ابن عامر ... لربّي الذي أرجو لسدّ مفاقري
فقلت خلالي وجهه ولعله ... سيجعل لي حظّ الفتى المتزاور
فلما رآني سال عنه صبابة ... إليه كما حنت ظؤار الأباعر «3»
فأبت وقد أيقنت أن ليس نافعا ... ولا ضائرا شيء خلاف المقادر
قيل: أوحى الله تعالى إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه: أتدري لم رزقت الأحمق؟ قال: لا يا رب. قال:
ليعلم العاقل أن طلب الرزق ليس بالاحتيال.
ولبعض العرب:
ولا تجزع إذا أعسرت يوما ... فقد أيسرت في الزمن الطويل
ولا تظنن بربّك ظنّ سوء ... فإنّ الله أولى بالجميل
(1/80)

وإنّ العسر يتبعه يسار ... وقول الله أصدق كلّ قيل
فلو أن العقول تسوق رزقا ... لكان المال عند ذوي العقول
وأوحى الله تعالى إلى يوسف عليه الصلاة والسلام:
أنظر إلى الأرض فنظر إليها، فانفجرت، فرأى دودة على صخرة، ومعها الطعام، فقال له: أتراني لم أغفل عنها، وأغفل عنك، وأنت نبي وابن نبي.
ودخل علي بن أبي طالب رضي الله عنه المسجد وقال لرجل كان واقفا على باب المسجد: أمسك عليّ بغلتي، فأخذ الرجل لجامها، ومضى وترك البغلة، فخرج علي وفي يده درهمان ليكافىء بها الرجل على إمساكه بغلته فوجد البغلة واقفة بغير لجام، فركبها ومضى، ودفع لغلامه درهمين يشتري بهما لجاما، فوجد الغلام اللجام في السوق قد باعه السارق بدرهمين فقال علي رضي الله عنه:
أن العبد ليحرم نفسه الرزق الحلال بترك الصبر ولا يزداد على ما قدر له.
وقيل لراهب: من أين تأكل؟ فأشار إلى فيه وقال: الذي خلق هذه الرحى يأتيها بالطحين.
وقال سليم بن المهاجر الجيلي:
كسوت جميل الصبر وجهي فصانه ... به الله عن غشيان كلّ بخيل
فما عشت لم آت البخيل ولم أقم ... على بابه يوما مقام ذليل
وإنّ قليلا يستر الوجه أن يرى ... إلى الناس مبذولا لغير قليل
وصلّى معروف الكرخي خلف إمام، فلما فرغ من صلاته قال الإمام لمعروف: من أين تأكل؟ قال: أصبر حتى أعيد صلاتي التي صليتها خلفك. قال: ولم؟ قال:
لأن من شك في رزقه شك في خالقه.
وقال أبو حازم: ما لم يكتب لي لو ركبت الريح ما أدركته.
وقال عمر بن أبي عمر اليوناني:
غلا السعر في بغداد من بعد رخصة ... وإنّي في الحالين بالله واثق
فلست أخاف الضيق والله واسع ... غناه ولا الحرمان، والله رازق
وقال القهستاني:
غنيّ بلا دنيا عن الخلق كلّهم ... وأنّ الغنى الأعلى عن الشيء لا به
وقال منصور الفقيه:
الموت أسهل عندي ... بين القنا والأسنّة
والخيل تجري سراعا ... مقطّعات الأعنّة
من أن يكون لنذل ... عليّ فضل ومنّة
وأنشد أعرابي:
أيا مالك لا تسأل الناس والتمس ... بكفّيك فضل الله فالله أوسع
ولو تسأل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملّوا ويمنعوا
وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوصني قال: عليك باليأس مما في أيدي الناس، وإياك والطمع فإنه فقر حاضر.
وقيل: إذا وجدت الشيء في السوق، فلا تطلبه من صديقك.
وقيل لأعرابية: من أين معاشكم؟ قالت: لو لم نعش إلا من حيث نعلم لم نعش.
وقال أعرابي: أحسن الأحوال حال يغبطك بها من دونك ولا يحقرك معها من فوقك.
وقال المعري:
إذا كنت تبغي العيش فابغ توسّطا ... فعند التناهي يقصر المتطاول
توقّى البدور النقص وهي أهلّة ... ويدركها النقصان وهي كوامل
وقال آخر:
اقنع بأيسر رزق أنت نائله ... واحذر ولا تتعرض للإرادات
فما صفا البحر إلّا وهو منتقص ... ولا تعكّر إلا في الزيادات
وقال أعرابي: استظهر على الدهر بخفة الظهر.
قال هشام بن إبراهيم البصري:
وكم ملك جانبته عن كراهة ... لإغلاق باب أو لتشديد حاجب
(1/81)

ولي في غنى نفسي مراد ومذهب ... إذا انصرفت عنّي وجوه المذاهب
وقيل: ينبغي أن يكون المرء في دنياه كالمدعو إلى الوليمة أن أتته صحفة تناولها، وإن لم تأته لم يرصدها ولم يطلبها.
وقال شقيق بن إبراهيم البلخي: قال لي إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: أخبرني عما أنت عليه. قلت: إن رزقت أكلت، وإن منعت صبرت. قال: هكذا تعمل كلاب بلخ؟ فقلت: كيف تعمل أنت؟ قال: إن رزقت آثرت، وإن منعت شكرت.
وقال بعضهم:
هي القناعة فالزمها تعش ملكا ... لو لم يكن منك إلا راحة البدن
وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها ... هل راح منها بغير القطن والكفن
(وقال آخر) :
وإنّ القناعة كنز الغنى ... فصرت بأذيالها ممتسك
فلا ذا يراني على بابه ... ولا ذا يراني له منهمك
فصرت غنيّا بلا درهم ... أمرّ على الناس شبه الملك
جاء فتح الموصلي إلى أهله بعد العتمة، فلم يجد عندهم شيئا للعشاء ووجدهم بغير سراج، فجلس ليلته يبكي من الفرح ويقول: بأي يد كانت مني تركت مثلي على هذه الحالة. والله تعالى أعلم.
الفصل الثالث في ذم الحرص والطمع وطول الأمل
قال الله تعالى: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ 1 حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ 2
«1» .
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ 1 حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ 2
«2» قال: يقول ابن آدم مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت، وتصدقت فأمضيت.
وروى عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا عائشة إن أردت اللحوق بي، فليكفك من الدنيا كزاد الراكب، وإياك ومجالسة الأغنياء، ولا تستخلقي ثوبا حتى ترقعيه» «3» .
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، وهلاك آخره هذه الأمة بالبخل والأمل» .
وقيل: الحرص ينقص من قدر الإنسان ولا يزيد في رزقه، وقيل لحكيم: ما بال الشيخ أحرص على الدنيا من الشاب؟ قال: لأنه ذاق من طعم الدنيا ما لم يذقه الشاب.
وما أحسن ما قال بعضهم:
إذا طاوعت حرصك كنت عبدا ... لكلّ دنيئة تدعى إليها
وقال آخر وأجاد:
قد شاب رأسي ورأس الدهر لم يشب ... إن الحريص على الدنيا لفي تعب
وقيل للإسكندر: ما سرور الدنيا؟ قال: الرضا بما رزقت منها. قيل: فما غمها؟ قال: الحرص عليها.
وقال الحسن: لو رأيت الأجل ومروره لنسيت الأمل وغروره.
وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: إشترى أسامة بن زيد وليدة بمائة دينار إلى شهر، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ألا تعجبون من أسامة اشترى إلى شهر؟ إن أسامة لطويل الأمل.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يخرج فيبول ثم يمسح بالتراب، فأقول: إن الماء منك قريب، فيقول: ما يدريني لعلي ما أبلغه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه: لا يزال الكبير شابا في اثنين، حب المال وطول الأمل.
وقيل لمحمد بن واسع: كيف تجدك؟ قال: قصير الأجل، طويل الأمل، مسيء العمل، وقيل: من جرى في عنان أمله كان عاثرا بأجله، لو ظهرت الآجال لافتضحت الآمال.
ولقد أحسن أبو العباس أحمد بن مروان في قوله:
(1/82)

وذي حرص تراه يلمّ وفرا ... لوارثه ويدفع عن حماه
ككلب الصيد يمسك وهو طاو ... فريسته ليأكلها سواه
ولقد أحسن من قال في الجناس الحقيقي:
إذا ما نازعتك النفس حرصا ... فأمسكها عن الشهوات أمسك
ولا تحرص ليوم أنت فيه ... وعدّ فرزق يومك رزق أمسك
ومن كلام الحكماء: إياكم وطول الأمل، فإن من ألهاه أمله أخزاه عمله.
قال عبد الصمد بن المعدل:
ولي أمل قد قطعت به الليالي ... أراني قد فنيت به وداما
قال الحسن: إياكم وهذه الأماني، فإنه لم يعط أحد بالأمنية خيرا قط في الدنيا ولا في الآخرة.
وقال قس بن ساعدة:
وما قد تولى فهو لا شك فائت ... فهل ينفعنّي ليتني ولعلّني
وقال آخر:
ولا تتعلّل بالأماني فإنّها ... عطايا أحاديث النفوس الكواذب
وقال آخر وأجاد:
الله أصدق والآمال كاذبة ... وجلّ هذي المنى في الصّدر وسواس
(وقال آخر) :
شطّ المزار بسعدى «1» وانتهى الأمل ... فلا خيال ولا رسم ولا طلل «2»
إلّا رجاء فما ندري أندركه ... أم يستمرّ فيأتي دونه الأجل
وقال أبو العتاهية:
لقد لعبت وجدّ الموت في طلبي ... وأن في الموت لي شغلا عن اللعب
ولو سمت فكرتي فيما خلقت له ... ما اشتدّ حرصي على الدنيا ولا طلبي
وله أيضا:
تعالى الله يا سلم بن عمرو ... أذلّ الحرص أعناق الرجال
هب الدنيا تقاد إليك عفوا ... أليس مصير ذلك للزوال
وقد ضمّنت البيت الأخير فقلت:
أيا من عاش في الدنيا طويلا ... وأفنى العمر في قيل وقال
وأتعب نفسه فيما سيفنى ... وجمّع من حرام أو حلال
هب الدنيا تقاد إليك عفوا ... أليس مصير ذلك للزوال
ومما جاء في الطمع وذمه:
قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع، وقال رضي الله عنه: ما الخمر صرفا بأذهب لعقول الرجال من الطمع.
وفي الحديث: «إياك والطمع فإنه الفقر الحاضر» . وقال فيلسوف: العبيد ثلاثة: عبد رقّ، وعبد شهوة، وعبد طمع «3» . وقال بعضهم: من أراد أن يعيش حرا أيام حياته فلا يسكن قلبه الطمع.
وقيل: اجتمع كعب وعبد الله بن سلّام فقال له كعب: يا ابن سلّام من أرباب العلم؟ قال: الذين يعملون به، قال:
فما أذهب العلم عن قلوب العلماء بعد أن علموه، قال:
الطمع وشره النفس، وطلب الحوائج إلى الناس.
واجتمع الفضل وسفيان وابن كريمة اليربوعي، فتواصوا ثم افترقوا وهم مجمعون على أن أفضل الأعمال الحلم عند الغضب، والصبر عند الطمع.
وقيل: لما خلق الله آدم عليه السلام عجن بطينته ثلاثة أشياء: الحرص، والطمع، والحسد فهي تجري في أولاده
(1/83)

إلى يوم القيامة، فالعاقل يخفيها، والجاهل يبديها، ومعناه أن الله تعالى خلق شهوتها فيه.
قال إسماعيل بن قطري القراطيسي:
حسبي بعلمي إن نفع ... ما الذلّ إلّا في الطمع
من راقب الله نزع ... عن سوء ما كان صنع «1»
ما طار طير وارتفع ... إلا كما طار وقع
وقال سابق البربري:
يخادع ريب الدهر عن نفسه الفتى ... سفاها وريب الدهر عنها يخادعه
ويطمع في سوف ويهلك دونها ... وكم من حريص أهلكته مطامعه
وقيل لأشعب: ما بلغ من طمعك؟ قال: أرى دخان جاري فأفت خبزي، وقال أيضا: ما رأيت رجلين يتسارّان في جنازة إلا قدرت أن الميت أوصى لي بشيء من ماله، وما زفت عروس إلا كنست بيتي رجاء أن يغلطوا فيدخلوا بها إليّ.
قال بعضهم:
لا تغضبنّ على امرىء ... لك مانع ما في يديه
واغضب على الطّمع الذي است ... دعاك تطلب ما لديه
والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الحادي عشر في المشورة والنصيحة والتجارب والنظر في العواقب
قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
«2» .
واختلف أهل التأويل في أمره بالمشاورة مع ما أمده الله تعالى من التوفيق على ثلاثة أوجه:
أحدها أنه أمره بها في الحرب ليستقر له الرأي الصحيح، فيعمل عليه، وهذا قول الحسن.
ثانيها: أنه أمره بالمشاورة لما علم فيها من الفضل، وهذا قول الضحاك.
ثالثها: أنه أمره بمشاورتهم ليستن به المسلمون وإن كان في غنية عن مشورتهم، وهذا قول سفيان.
وقال ابن عيينة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أمرا شاور فيه الرجال، وكيف يحتاج إلى مشاورة المخلوقين من الخالق مدبر أمره، ولكنه تعليم منه ليشاور الرجل الناس، وإن كان عالما.
وقال عليه الصلاة والسلام: «ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا افتقر من اقتصد» . وقال عليه الصلاة والسلام: «من أعجب برأيه ضلّ، ومن استغنى بعقله زلّ» .
وكان يقال: ما استنبط الصواب بمثل المشاورة. وقال حكيم: المشورة موكل بها التوفيق لصواب الرأي.
وقال الحسن: الناس ثلاثة، فرجل رجل، ورجل نصف رجل، ورجل لا رجل. فأما الرجل الرجل فذو الرأي والمشورة، وأما الرجل الذي هو نصف رجل، فالذي له رأي ولا يشاور، وأما الرجل الذي ليس برجل، فالذي ليس له رأي ولا يشاور.
وقال المنصور لولده: خذ عني اثنتين: لا تقل في غير تفكير، ولا تعمل بغير تدبير.
وقال الفضل: المشورة فيها بركة وإني لأستشير حتى هذه الحبشية الأعجمية.
وقال أعرابي: لا مال أوفر من العقل، ولا فقر أعظم من الجهل، ولا ظهر أقوى من المشورة. وقيل: من بدأ بالاستخارة، وثنّى بالاستشارة، فحقيق أن لا يخيب رأيه.
وقيل: الرأي السديد أحمى من البطل الشديد.
قال أبو القاسم النهروندي:
وما ألف مطرور السّنان «3» مسدّد ... يعارض يوم الروع رأيا مسددا
وقال علي رضي الله عنه: خاطر من استغنى برأيه.
وسمع محمد بن داود وزير المأمون قول القائل:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإن فساد الرأي أن يتردّدا
(1/84)

فأضاف إليه قوله:
وإن كنت ذا عزم فانفذه عاجلا ... فإن فساد العزم أن يتقيّدا
ولمحمد بن إدريس الطائي:
ذهب الصواب برأيه فكأنّما ... آراؤه اشتقت من التأييد
فإذا دجا خطب تبلّج رأيه ... صبحا من التوفيق والتسديد «1»
ولمحمد الوراق:
إنّ البيب إذا تفرّق أمره ... فتق الأمور مناظرا ومشاورا
وأخو الجهالة يستبدّ برأيه ... فتراه يعتسف الأمور مخاطرا
وقال الرشيد حين بدا له تقديم الأمين على المأمون في العهد:
لقد بان وجه الرأي لي غير أنّني ... عدلت عن الأمر الذي كان أحزما «2»
فكيف يردّ الدرّ في الضرع بعدما ... توزّع حتى صار نهبا مقسّما
أخاف التواء الأمر بعد استوائه ... وأن ينقض الحبل الذي كان أبرما
وقال آخر:
خليليّ ليس الرأي في جنب واحد ... أشيرا عليّ اليوم ما تريان
ووصف رجل عضد الدولة فقال له: وجه فيه ألف عين، وفم فيه ألف لسان، وصدر فيه ألف قلب.
وقال أزدشير بن بابك: أربعة تحتاج إلى أربعة.
الحسب إلى الأدب، والسرور إلى الأمن، والقرابة إلى المودة، والعقل إلى التجربة. وقال: لا تستحقر الرأي الجزيل من الرجل الحقير، فإن الدرّة لا يستهان بها لهوان غائصها.
وقال جعفر بن محمد: لا تكونن أول مشير، وإياك والرأي الخطير، وتجنب ارتجال الكلام، ولا تشيرن على مستبد برأيه، ولا على متلون، ولا على لحوح.
وقيل: ينبغي أن يكون المستشار صحيح العلم، مهذب الرأي، فليس كل عالم يعرف الرأي الصائب، وكم ناقد في شيء ضعيف في غيره.
قال أبو الأسود الدؤلي:
وما كلّ ذي نصح بمؤتيك نصحه ... وما كلّ مؤت نصحه بلبيب
ولكن إذا ما استجمعا عند واحد ... فحقّ له من طاعة بنصيب
وكان اليونان والفرس لا يجمعون وزراءهم على أمر يستشيرونهم فيه وإنما يستشيرون الواحد منهم من غير أن يعلم الآخر به لمعان شتى، منها:
لئلا يقع بين المستشارين منافسة، فتذهب إصابة الرأي، لأن من طباع المشتركين في الأمر التنافس والطعن من بعضهم في بعض.
وربما سبق أحدهم بالرأي الصواب فحسدوه وعارضوه.
وفي اجتماعهم أيضا للمشورة تعريض السر للإذاعة، فإذا كان كذلك وأذيع السر لم يقدر الملك على مقابلة من أذاعه للإبهام «3» . فإن عاقب الكل عاقبهم بذنب واحد، وإن عفا عنهم ألحق الجاني بمن لا ذنب له.
وقيل: إذا أشار عليك صاحبك برأي ولم تحمد عاقبته فلا تجعلن ذلك عليه لوما وعتابا بأن تقول: أنت فعلت، وأنت أمرتني، ولولا أنت، فهذا كله ضجر ولوم وخفة «4» .
وقال أفلاطون: إذا استشارك عدوك، فجرّد له النصيحة «5» لأنه بالاستشارة قد خرج عن عداوتك إلى موالاتك.
وقيل: من بذل نصحه واجتهاده لمن لا يشكره فهو كمن بذر في السباخ «6» .
قال الشاعر يمدح من له رأي وبصيرة:
بصير بأعقاب الأمور كأنّما ... يخاطبه من كل أمر عواقبه «7»
(1/85)

وقال ابن المعتز: المشورة راحة لك، وتعب على غيرك. وقال الأحنف: لا تشاور الجائع حتى يشبع، ولا العطشان حتى يروى، ولا الأسير حتى يطلق، ولا المقل حتى يجد «1» .
ولما أراد نوح بن مريم قاضي مروان أن يزوج ابنته استشار جارا له مجوسيا، فقال: سبحان الله! الناس يستفتونك وأنك تستفتيني. قال: لا بد أن تشير عليّ.
قال: إن رئيس الفرس كسرى كان يختار المال، ورئيس الروم قيصر كان يختار الجمال، ورئيس العرب كان يختار الحسب، ورئيسكم محمد كان يختار الدين، فانظر لنفسك بمن تقتدي.
وكان يقال: من أعطى أربعا لم يمنع أربعا، من أعطى الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطى التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطى الاستخارة لم يمنع الخيرة، ومن أعطى المشورة لم يمنع الصواب.
وقيل: إذا استخار الرجل ربه واستشار صحبه وأجهد رأيه فقد قضى ما عليه، ويقضي الله تعالى في أمره ما يحب.
وقال بعضهم: خمير الرأي خير من فطيره «2» ، وتقديمه خير من تأخيره.
وقالت الحكماء: لا تشاور معلما، ولا راعي غنم، ولا كثير القعود مع النساء، ولا صاحب حاجة يريد قضاءها، ولا خائفا، ولا حاقنا «3» . وقيل: سبعة لا ينبغي لصاحب أن يشاورهم. جاهل، وعدو وحسود، ومراء، وجبان، وبخيل، وذو هوى، فإن الجاهل يضل، والعدو يريد الهلاك، والحسود يتمنّى زوال النعمة، والمرائي واقف مع رضا الناس، والجبان من رأيه الهرب، والبخيل حريص على جمع المال فلا رأي له في غيره، وذو الهوى أسير هواه فلا يقدر على مخالفته.
وحكي أن رجلا من أهل يثرب يعرف بالأسلمي قال:
ركبني دين أثقل كاهلي، وطالبني به مستحقوه، واشتدت حاجتي إلى ما لا بد منه، وضاقت عليّ الأرض، ولم أهتد إلى ما أصنع، فشاورت من أثق به من ذوي المودة والرأي، فأشار عليّ بقصد المهلب بن أبي صفرة بالعراق، فقلت له: تمنعني المشقة وبعد الشقة وتيه المهلب، ثم إني عدلت عن ذلك المشير إلى استشارة غيره، فلا والله ما زادني على ما ذكره الصديق الأول، فرأيت أن قبول المشورة خير من مخالفتها، فركبت ناقتي وصحبت رفقة في الطريق، وقصدت العراق، فلما وصلت دخلت على المهلب، فسلمت عليه وقلت له: أصلح الله الأمير إني قطعت إليك الدهناء «4» ، وضربت أكباد الإبل من يثرب، فإنه أشار عليّ بعض ذوي الحجى والرأي بقصدك لقضاء حاجتي، فقال: هل أتيتنا بوسيلة أو بقرابة وعشيرة، فقلت: لا. ولكني رأيتك أهلا لقضاء حاجتي، فإن قمت بها فأهل لذلك أنت، وأن يحل دونها حائل لم أذم يومك، ولم أيأس من غدك، فقال المهلب لحاجبه: اذهب به وادفع إليه ما في خزانة مالنا الساعة، فأخذني معه، فوجدت في خزانته ثمانين ألف درهم، فدفعها إليّ، فلما رأيت ذلك لم أملك نفسي فرحا وسرورا، ثم عاد الحاجب بي إليه مسرعا، فقال: هل ما وصلك يقوم بقضاء حاجتك؟ فقلت: نعم أيها الأمير وزيادة، فقال: الحمد لله على نجح سعيك، واجتنائك جني مشورتك، وتحقق ظن من أشار عليك بقصدنا، قال الأسلمي: فلما سمعت كلامه وقد أحرزت صلته أنشدته وأنا واقف بين يديه:
يا من على الجود صاغ الله راحته ... فليس يحسن غير البذل والجود
عمّت عطاياك أهل الأرض قاطبة ... فأنت والجود منحوتان من عود
من استشار فباب النجح منفتح ... لديه فيما ابتغاه غير مردود
ثم عدت إلى المدينة فقضيت ديني، ووسعت على أهلي، وجازيت المشير عليّ، وعاهدت الله تعالى أن لا أترك الاستشارة في جميع أموري ما عشت.
وحكي عن الخليفة المنصور أنه كان صدر من عمه عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس أمور مؤلمة لا تحتملها حراسة الخلافة ولا تتجاوز عنها سياسة الملك، فحبسه عنده، ثم بلغه عن ابن عمه عيسى بن موسى بن علي، وكان واليا على الكوفة ما أفسد عقيدته
(1/86)

فيه، وأوحشه منه، وصرف وجه ميله إليه عنه، فتألم المنصور من ذلك وساء ظنه، وتأرق جفنه، وقلّ أمنه، وتزايد خوفه، وحزنه، فأدته فكرته إلى أمر دبره وكتمه عن جميع حاشيته وستره، واستحضر ابن عمه عيسى بن موسى وأجراه على عادة إكرامه، ثم أخرج من كان بحضرته وأقبل على عيسى وقال له: يا ابن العم إني مطلعك على أمر لا أجد غيرك من أهله، ولا أرى سواك مساعدا لي على حمل ثقله، فهل أنت في موضع ظني بك، وعامل ما فيه بقاء نعمتك التي هي منوطة ببقاء ملكي، فقال له عيسى بن موسى: أنا عبد أمير المؤمنين ونفسي طوع أمره ونهيه، فقال: إن عمي وعمك عبد الله قد فسدت بطانته، واعتمد على ما بعضه يبيح دمه، وفي قتله صلاح ملكنا، فخذه إليك واقتله سرا، ثم سلمه إليه، وعزم المنصور على الحج مضمرا أن ابن عمه عيسى إذا قتل عمه عبد الله ألزمه القصاص، وسلمه إلى أعمامه أخوة عبد الله ليقتلوه به قصاصا، فيكون قد استراح من الاثنين عبد الله وعيسى. قال عيسى: فلما أخذت عمي وفكرت في قتله رأيت من الرأي أن أشاور في قضيته من له رأي عسى أن أصيب الصواب في ذلك، فأحضرت يونس ابن قرة الكاتب، وكان لي حسن ظن في رأيه، وعقيدة صالحة في معروفه، فقلت له: إن أمير المؤمنين دفع إليّ عمه عبد الله وأمرني بقتله وإخفاء أمره، فما رأيك في ذلك وما تشير به؟
فقال لي يونس: أيها الأمير احفظ نفسك يحفظ عمك وعم أمير المؤمنين، فإني أرى لك أن تدخله في مكان داخل دارك وتكتم أمره عن كل أحد ممن عندك، وتتولى بنفسك حمل طعامه وشرابه إليه، وتجعل دونه مغالق وأبوابا، وأظهر لأمير المؤمنين أنك قتلته وأنفذت أمره فيه، وانتهيت إلى العمل بطاعته، فكأني به إذا تحقق منك أنك فعلت ما أمرك به، وقتلت عمه أمرك بإحضاره على رؤوس الأشهاد، فإن اعترفت أنك قتلته بأمره أنكر أمره لك وآخذك بقتله وقتلك.
قال عيسى بن موسى: فقبلت مشورة يونس وعملت بها، وأظهرت لأمير المؤمنين أني أنفذت أمره، ثم حج المنصور، فلما قدم من حجه وقد استقر في نفسه أنني قد قتلت عمه عبد الله دسّ إليّ عمومته أخوة عبد الله، وحثهم على أن يسألوه في أخيهم، ويستوهبوه منه، فجاءوا إليه وقد جلس والناس بين يديه على مراتبهم، فسألوه في عبد الله فقال: نعم إن حقوقكم تقتضي إسعافكم بحاجتكم كيف وفيها صلة رحم وإحسان إلى من هو في مقام الوالد، ثم أمر بإحضار عيسى بن موسى، فأحضر لوقته فقال:
يا عيسى كنت دفعت إليك قبل خروجي إلى الحج عمي عبد الله ليكون عندك في منزلك إلى حين رجوعي، فقال عيسى: قد فعلت يا أمير المؤمنين. فقال المنصور: وقد سألني فيه عمومتك وقد رأيت الصفح عنه وقضاء حاجتهم وصلة الرحم بإجابة سؤالهم فيه، فائتنا به الساعة.
قال عيسى: فقلت يا أمير المؤمنين ألم تأمرني بقتله والمبادرة إلى ذلك؟ قال: كذبت لم آمرك بذلك ولو أردت قتله لأسلمته إلى من هو بصدد ذلك، ثم أظهر الغيظ، وقال لعمومته: قد أقر بقتل أخيكم مدعيا أنني أمرته بقتله، وقد كذب عليّ.
قالوا: يا أمير المؤمنين فادفعه إلينا لنقتله به ونقتص منه، فقال: شأنكم به. قال عيسى: فأخذوني إلى الرحبة واجتمع الناس عليّ، فقام واحد من عمومتي إلي وسل سيفه ليضربني به، فقلت له: يا عم أفاعل أنت؟ قال: أي والله كيف لا أقتلك وقد قتلت أخي فقال لهم: لا تعجلوا وردوني إلى أمير المؤمنين فردوني إليه فقلت: يا أمير المؤمنين إنما أردت قتلي بقتله، والذي دبرته علي عصمني الله تعالى من فعله، وهذا عمك باق حي سوي، فإن أمرتني بدفعه إليهم دفعته الساعة.
فأطرق المنصور، وعلم أن ريح فكره صادفت إعصارا وأن انفراده بتدبيره قارف خسارا، ثم رفع رأسه وقال: ائتنا به، فمضى عيسى وأحضر عبد الله، فلما رآه المنصور قال لعمومته: اتركوه عندي وانصرفوا حتى أرى فيه رأيا. قال عيسى: فتركته وانصرفت وانصرف إخوته، فسلمت روحي، وزالت كربتي، وكان ذلك ببركة الاستشارة بيونس وقبول مشورته والعمل بها، ثم إن المنصور أسكن عبد الله في بيت أساسه قد بني على الملح ثم أرسل الماء حوله ليلا فذاب الملح وسقط البيت، فمات عبد الله، ودفن بمقابر باب الشام، وسلم عيسى من هذه المكيدة ومن سهام مراميها البعيدة.
ومما جاء في النصيحة: إعلموا أن النصيحة للمسلمين وللخلائق أجمعين من سنن المرسلين، قال الله تعالى إخبارا عن نوح عليه الصلاة والسلام: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ 34
«1» . وقال شعيب عليه السلام:
(1/87)

وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ
«1» .
وقال صالح عليه السلام: وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ
«2» .
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة» .
قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم.
فالنصح لله هو وصفه بما هو أهله وتنزيهه عما ليس له بأهل، والقيام بتعظيمه، والخضوع له ظاهرا وباطنا، والرغبة في محابه والبعد عن مساخطه، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، والجهاد في رد العصاة إلى طاعته قولا وفعلا. والنصيحة لكتابه إقامته في التلاوة، وتحسينه عند القراءة. وتفهم ما فيه، والذب عنه من تأويل المحدثين وطعن الطاعنين، وتعليم ما فيه للخلائق أجمعين. قال الله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
«3» . والنصيحة للرسول عليه السلام إحياء سنته بالطلب لها وإحياء طريقته في بث الدعوى، وتأليف الكلمة، والتخلق بالأخلاق الطاهرة، والنصيحة للأئمة معاونتهم على ما كلفوا القيام به بتنبيههم عند الغفلة، وإرشادهم عند الهفوة، وتعليمهم ما جهلوا، وتحذيرهم ممن يريد بهم السوء، وإعلامهم بأخلاق عمالهم وسيرتهم في الرعية، وسد خلتهم عند الحاجة، ورد القلوب النافرة إليهم. والنصيحة العامة للمسلمين الشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم والرحمة لصغيرهم وتفريج كربهم وتوقي ما يشغل خواطرهم، ويفتح باب الوسواس عليهم.
واعلم أن جرعة النصيحة مرّة لا يقبلها إلا أولو العزم.
وقال ميمون بن مهران: قال لي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: قل لي في وجهي ما أكره، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره.
وفي منثور الحكم: ودّك من نصحك وقلاك من مشى في هواك «4» . وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: إن شئتم لأنصحن لكم إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله تعالى إلى عباده ويعملون في الأرض نصحا.
ولورقة بن نوفل:
لقد نصحت لأقوام وقلت لهم ... إنّي النذير فلا يغرركم أحد
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته ... إلا الإله ويردى «5» المال والولد
لم تغن عن هرمز يوما ذخائره ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
وقال بعض الخلفاء لجرير بن يزيد: إني قد أعددتك لأمر. قال: يا أمير المؤمنين. إن الله تعالى قد أعد لك مني قلبا معقودا بنصحيتك، ويدا مبسوطة لطاعتك، وسيفا مجردا على عدوك.
وأنشد الأصمعي:
النصح أرخص ما باع الرجال فلا ... تردد على ناصح نصحا ولا تلم
إنّ النصائح لا تخفى مناهلها ... على الرجال ذوي الألباب والفهم «6»
ولمعاذ بن مسلم:
نصحتك والنصيحة إن تعدّت ... هوى المنصوح عزّ لها القبول «7»
فخالفت الذي لك فيه حظ ... فنالك دون ما أمّلت غول
وقيل: أشار فيروز بن حصين على يزيد بن المهلب أن لا يضع يده في يد الحجاج فلم يقبل منه، وسار إليه، فحبسه وحبس أهله فقال فيروز:
أمرتك أمرا حازما فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما
أمرتك بالحجاج إذ أنت قادر ... فنفسك أولي اللوم إن كنت لائما
فما أنا الباكي عليك صبابة ... وما أنا بالدّاعي لترجع سالما
ويقال: من اصفرّ وجهه من النصيحة، اسودّ لونه من الفضيحة.
(1/88)

وقال طرفة:
ولا ترفدنّ النصح «1» من ليس أهله «2» وكن حين تستغني برأيك غانيا
وإنّ امرأ يوما تولّى برأيه ... فدعه يصيب الرشد أو يك غاويا
وفي مثله قال بعضهم:
من الناس من أن يستشرك فتجتهد ... له الرأي يستغششك ما لم تتابعه
فلا تمنحن الرأي من ليس أهله ... فلا أنت محمود ولا الرأي نافعه
والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الثاني عشر في الوصايا الحسنة والمواعظ المستحسنة وما أشبه ذلك
قال الله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
«3» وقال الله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ 90
«4» . وقال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
«5» . وقال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
«6» . وقال تعالى:
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ
«7» . والآيات في ذلك كثيرة مشهورة وفوائدها جمة منشورة.
وروينا في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» .
وقال شيخنا محيى الدين النووي رحمة الله تعالى عليه في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
«8» . إن هذه الآية الكريمة مما يغتر بها أكثر الجاهلين ويحملونها على غير وجهها بل الصواب في معناها أنكم إذا فعلتم ما أمرتم به لا يضركم ضلالة من ضل.
ومن جملة ما أمروا به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآية مرتبة في المعنى على قوله تعالى: ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ
«9» .
وقال محمد بن تمام: الموعظة جند من جنود الله تعالى، ومثلها مثل الطين يضرب به على الحائط إن استمسك نفع وإن وقع أثر.
ومن كلام عليّ رضي الله تعالى عنه: لا تكونن ممن لا تنفعه الموعظة إلا إذا بالغت في إيلامه، فإن العاقل يتعظ بالأدب، والبهائم لا تتعظ إلا بالضرب.
وأنشد الجاحظ:
وليس يزجركم ما توعظون به ... والبهم يزجرها الراعي فتنزجر
وكتب رجل إلى صديق له: أما بعد، فعظ الناس بفعلك ولا تعظهم بقولك «10» ، واستح من الله بقدر قربه منك، وخفه بقدر قدرته عليك والسلام. وقيل: من كان له من نفسه واعظ كان له من الله حافظ، وقال لقمان: الموعظة تشق على السفيه كما يشق صعود الوعر على الشيخ الكبير. قيل: أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: إنك إن أتيتني بعبد آبق «11» كتبتك عندي حميدا، ومن كتبته عندي حميدا لم أعذبه بعدها أبدا.
وقال الرشيد لمنصور بن عمار: عظني وأوجز، فقال:
يا أمير المؤمنين: هل أحد أحب إليك من نفسك، قال:
(1/89)

لا. قال: إن أردت أن لا تسيء إلى من تحب فافعل.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في بعض خطبه: أيها الناس الأيام تطوى، والأعمار تفنى، والأبدان في الثرى تبلى، وأن الليل والنهار يتراكضان تراكض البريد «1» ، ويقربان كل بعيد، ويخلقان كل جديد، وفي ذلك عباد الله ما ألهى عن الشهوات ورغب في الباقيات الصالحات.
ولما لقي ميمون بن مهران الحسن البصري قال له: لقد كنت أحب أن ألقاك فعظني، فقرأ الحسن البصري:
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
«2» . أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ 205 ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ 206 ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ 207
«3» . فقال: عليك السلام أبا سعيد لقد وعظتني أحسن موعظة.
ولما ضرب ابن ملجم لعنه الله عليا رضي الله عنه، دخل منزله فاعترته غشية ثم أفاق، فدعا الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما وقال: أوصيكما بتقوى الله تعالى، والرغبة في الآخرة، والزهد في الدنيا، ولا تأسفا على شيء فاتكما منها، فإنكما عنها راحلان. افعلا الخير وكونا للظالم خصما، وللمظلوم عونا، ثم دعا محمدا ولده «4» وقال له:
أما سمعت ما أوصيت به أخويك، قال: بلى. قال: فإني أوصيك به، وعليك ببر أخويك وتوقيرهما، ومعرفة فضلهما، ولا تقطع أمرا دونهما، ثم أقبل عليهما وقال:
أوصيكما به خيرا، فإنه أخوكما وابن أبيكما وأنتما تعلمان أن أباه كان يحبه، فأحباه، ثم قال: يا بني أوصيكم بتقوى الله في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الصديق والعدو، والعمل في النشاط والكسل، والرضا عن الله في الشدة والرخاء، يا بني ما شرّ بعده الجنة بشر، ولا خير بعده النار بخير، وكل نعيم دون الجنة حقير، وكل بلاء دون النار عافية، يا بني من أبصر عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره، ومن رضي بما قسم الله له لم يحزن على ما فاته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر لأخيه بئرا وقع فيها، ومن هتك حجاب أخيه هتكت عورات بنيه، ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره، ومن أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل، ومن خالط الأنذال احتقر، ومن دخل مداخل السوءاتهم، ومن جالس العلماء وقر، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر خطؤه وقل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار، يا بني الأدب ميزان الرجل، وحسن الخلق خير قرين «5» ، يا بني العافية عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت إلا عن ذكر الله تعالى، وواحدة في ترك مجالسة السفهاء، يا بني زينة الفقر الصبر، وزينة الغنى الشكر. يا بني لا شرف أعلى من الإسلام ولا كرم أعز من التقوى ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا لباس أجمل من العافية. يا بني الحرص مفتاح التعب ومطية النّصب.
ولما حضرت هشام بن عبد الملك الوفاة، نظر إلى أهله يبكون حوله فقال: جاد لكم هشام بالدنيا، وجدتم له بالبكاء، وترك لكم جميع ما جمع، وتركتم عليه ما حمل، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له.
وقال الأوزاعي للمنصور في بعض كلامه: يا أمير المؤمنين أما علمت أنه كان بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم جريدة يابسة يستاك بها «6» ويردع بها المنافقين، فأتاه جبريل عليه السلام. فقال: يا محمد ما هذه الجريدة التي بيدك؟ اقذفها لا تمتلأ قلوبهم رعبا، فكيف بمن سفك دماء المسلمين، وانتهب أموالهم، يا أمير المؤمنين: إن المغفور له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر دعا إلى القصاص من نفسه بخدشة خدشها أعرابيا من غير تعمد. يا أمير المؤمنين: لو أن ذنوبا «7» من النار صبّ، ووضع على الأرض لأحرقها، فكيف بمن يتجرعه، ولو أن ثوبا من النار وضع على الأرض لأحرقها، فكيف بمن يتقمصه «8» ، ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبل لذاب، فكيف بمن يتسلسل بها، ويرد فضلها على عاتقه.
وروى زياد عن مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
لما بعث أبو جعفر إلى مالك بن أنس وابن طاوس قال:
دخلنا عليه وهو جالس على فرش، وبين يديه أنطاع قد
(1/90)

بسطت، وجلادون بأيديهم السيوف يضربون الأعناق، فأومأ إلينا أن اجلسا فجلسنا، فأطرق زمانا طويلا ثم رفع رأسه والتفت إلى ابن طاوس وقال: حدثني عن أبيك.
قال: سمعت أبي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله تعالى في ملكه، فأدخل عليه الجور في حكمه» . فأمسك أبو جعفر ساعة حتى اسود ما بيننا وبينه قال مالك: فضممت ثيابي مخافة أن ينالها شيء من دم ابن طاوس، ثم قال: يا ابن طاوس ناولني هذه الدواة. فأمسك عنه، فقال: ما يمنعك أن تناولنيها، قال: أخاف أن تكتب بها معصية، فأكون شريكك فيها. فلما سمع ذلك قال: قوما عني. فقال ابن طاوس: ذلك ما كنا نبغي. قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضله من ذلك اليوم.
وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لكعب الأحبار: يا كعب خوّفنا. قال: أو ليس فيكم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى يا كعب، ولكن خوفنا. فقال:
يا أمير المؤمنين اعمل، فإنك لو وافيت يوم القيامة بعمل سبعين نبيا، لازدريت عملهم مما ترى، فنكس عمر رضي الله عنه رأسه، وأطرق مليا، ثم رفع رأسه، وقال: يا كعب خوّفنا. فقال: يا أمير المؤمنين: لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه، حتى يسيل من حرها، فنكس عمر رأسه ثم أفاق، فقال:
يا كعب زدنا، فقال: يا أمير المؤمنين إن جهنم لتزفر زفرة يوم القيامة، فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه يقول: يا رب لا أسألك اليوم إلا نفسي.
وقال سيدي الشيخ أبو بكر الطرطوشي رحمه الله تعالى عليه: دخلت على الأفضل بن أمير الجيوش، وهو أمير على مصر، فقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد السلام على نحو ما سلمت ردا جميلا، وأكرمني إكراما جزيلا، وأمرني بدخول مجلسه، وأمرني بالجلوس فيه. فقلت: أيها الملك إن الله تعالى قد أحلك محلا عليا شامخا، وأنزلك منزلا شريفا باذخا، وملكك طائفة من ملكه، وأشركك في حكمه، ولم يرض أن يكون أمر أحد فوق أمرك، فلا ترض أن يكون أحد أولى بالشكر منك، وليس الشكر باللسان، وإنما هو بالفعال والإحسان. قال الله تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً
«1» ، واعلم أن هذا الذي أصبحت فيه من الملك إنما صار إليك بموت من كان قبلك، وهو خارج عنك بمثل ما صار إليك، فاتق الله فيما خولك من هذه الأمة، فإن الله تعالى سائلك عن الفتيل والنقير والقطمير. قال الله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ 92 عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ 93
«2» ، وقال تعالى: وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
«3» ، واعلم أيها الملك أن الله تعالى قد آتى ملك الدنيا بحذافيرها سليمان بن داود عليه السلام، فسخر له الإنس والجن والشياطين والطير والوحش والبهائم، وسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، ثم رفع عنه حساب ذلك أجمع فقال له: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ
«4» ، فو الله ما عدها نعمة كما عددتموها، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها، بل خاف أن تكون استدراجا من الله تعالى، ومكرا به. فقال: هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ
«5» . فافتح الباب، وسهل الحجاب، وانصر المظلوم، وأغث الملهوف، أعانك الله على نصر المظلوم، وجعلك كهفا للملهوف وأمانا للخائف. ثم أتممت المجلس بأن قلت قد جبت البلاد شرقا وغربا، فما اخترت مملكة وارتحت إليها، ولذّت لي الإقامة فيها غير هذه المملكة، ثم أنشدته:
والناس أكيس من أن يحمدوا رجلا ... حتى يروا عنده آثار إحسان «6»
وقال الفضل بن الربيع: حج هارون الرشيد سنة من السنين، فبينما أنا نائم ذات ليلة إذ سمعت قرع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أجب أمير المؤمنين، فخرجت مسرعا، فقلت، يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك، فقال: ويحك قد حاك في نفسي شيء لا يخرجه إلا عالم، فانظر لي رجلا أسأله عنه، فقلت ههنا سفيان بن عيينة، فقال امض بنا إليه، فأتيناه، فقرعت عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعا، فقال:
يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليّ أتيتك، فقال: جد لما جئنا له، فحادثه ساعة، ثم قال له: أعليك دين؟ قال: نعم.
فقال: يا أبا العباس اقض دينه ثم انصرفنا.
فقال: ما أغنى عني صاحبك شيئا، فانظر لي رجلا
(1/91)

أسأله، فقلت: ههنا عبد الرزاق بن همام، فقال: امض بنا إليه، فأتيناه، فقرعت عليه الباب فقال: من هذا؟ قلت:
أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعا، فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك، فقال جد لما جئنا به، فحادثه ساعة، ثم قال له: أعليك دين؟ قال: نعم. فقال:
يا أبا العباس اقض دينه، ثم انصرفنا. فقال ما أغنى عني صاحبك شيئا، فانظر لي رجلا أسأله.
فقلت: ههنا الفضيل بن عياض، فقال، امض بنا إليه، فأتيناه، فإذا هو قائم يصلي في غرفته يتلو آية من كتاب الله تعالى وهو يرددها، فقرعت عليه الباب، فقال: من هذا؟
فقلت: أجب أمير المؤمنين، فقال: ما لي ولأمير المؤمنين، فقلت: سبحان الله! أما تجب عليك طاعته؟
ففتح الباب ثم ارتقى إلى أعلى الغرفة، فأطفأ السراج ثم التجأ إلى زاوية من زوايا الغرفة، فجعلنا نجول عليه بأيدينا، فسبقت كف الرشيد كفي إليه، فقال: أواه من كف ما ألينها إن نجت غدا من عذاب الله تعالى؟
فقلت في نفسي: ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب نقي، فقال: جد لما جئنا له رحمك الله تعالى، فقال: وفيم جئت حملت على نفسك، وجميع من معك حملوا عليك، حتى لو سألتهم أن يتحملوا عنك شقصا «1» من ذنب ما فعلوا ولكان أشدهم حبا لك أشدهم هربا منك.
ثم قال: إن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة، فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء، فأشيروا عليّ.
فعدّ الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة.
فقال سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله، فصم عن الدنيا، وليكن إفطارك فيها على الموت.
وقال محمد بن كعب: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله تعالى، فليكن كبير المسلمين عندك أبا، وأوسطهم عندك أخا، وأصغرهم عندك ولدا، فبر أباك، وارحم أخاك، وتحنن على ولدك.
وقال رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله تعالى، فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم متى شئت مت.
وإني لأقول هذا، وإني لأخاف عليك أشد الخوف يوم تزل الأقدام، فهل معك رحمك الله مثل هؤلاء القوم من يأمرك بمثل هذا. فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا حتى غشي عليه، فقلت له: ارفق يا أمير المؤمنين، فقال: يا ابن الربيع قتلته أنت وأصحابك، وأرفق به أنا، ثم أفاق هارون الرشيد، فقال: زدني. فقال: يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه شكا إليه سهرا، فكتب له عمر يقول: يا أخي اذكر سهر أهل النار في النار وخلود الأبدان، فإن ذلك يطرد بك إلى ربك نائما ويقظان، وإياك أن تزل قدمك عن هذا السبيل، فيكون آخر العهد بك ومنقطع الرجاء منك، فلما قرأ كتابه طوى البلاد حتى قدم عليه، فقال له عمر: ما أقدمك؟ فقال له: لقد خلعت قلبي بكتابك لا وليت ولاية أبدا حتى ألقى الله عز وجل.
فبكي هارون بكاء شديدا، ثم قال: زدني. قال يا أمير المؤمنين: إن العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم جاء إليه، فقال يا رسول الله أمّرني إمارة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا عباس:
نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها. إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل.
فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا، ثم قال: زدني يرحمك الله. فقال: يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل، وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لرعيتك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة، فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا، ثم قال له: أعليك دين؟ قال: نعم دين لربي يحاسبني عليه، فالويل لي إن ناقشني. والويل إن سألني، والويل لي إن لم يلهمني حجتي، قال هارون:
إنما أعني دين العباد. قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، أو إنما أمرني أن أصدق وعده وأطيع أمره. قال تعالى:
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ 56 ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ 57 إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ 58
«2» . فقال له هارون: هذه ألف دينار، فخذها وأنفقها على عيالك وتقوّ بها على عبادة ربك، فقال:
سبحان الله أنا دللتك على سبيل الرشاد تكافئني أنت بمثل هذا سلمك الله ووفقك، ثم صمت، فلم يكلمنا، فخرجنا
(1/92)

من عنده، فقال لي هارون إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا، فإن هذا سيد المسلمين اليوم.
واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له شروط وصفات، قال سليمان الخواص: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه، فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الأشهاد فإنما بكّته.
وقالت أم الدرداء رضي الله تعالى عنها: من وعظ أخاه سرا فقد سره وزانه، ومن وعظه علانية فقد ساءه وشانه، ويقال: من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وسره، ومن وعظه جهرا فضحه وضرّه.
وعن عبد العزيز بن أبي داود قال: كان الرجل إذا رأى من أخيه شيئا أمره في ستر، ونهاه في ستر، فيؤجر في ستره ويؤجر في أمره، ويؤجر في نهيه.
وعن عمر رضي الله تعالى عنه: إذا رأيتم أخاكم ذا زلة فقوموه وسددوه، وادعوا الله أن يرجع به إلى التوبة، فيتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان على أخيكم.
وبالله التوفيق إلى أقوم طريق، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الثالث عشر في الصمت وصون اللسان والنهي عن الغيبة والسعي بالنميمة ومدح العزلة وذم الشهرة
وفيه فصول
الفصل الأول في الصمت وصون اللسان
قال الله تعالى: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ 18
«1» ، وقال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ 14
«2» .
واعلم أنه ينبغي للعاقل المكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاما تظهر المصلحة فيه، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد يجر الكلام والمباح إلى حرام أو مكروه بل هذا كثير وغالب في العادة والسلامة لا يعادلها شيء، وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت» .
قال الشافعي رضي الله تعالى عنه في الكلام: إذا أراد أحدكم الكلام فعليه أن يفكر في كلامه فإن ظهرت المصلحة تكلم، وإن شك لم يتكلم حتى تظهر.
وروينا في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله: أي المسلمين أفضل؟ قال: «من سلم الناس من لسانه ويده» .
وروينا في كتاب الترمذي عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله: ما النجاة؟
قال: «أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك» . قال الترمذي حديث حسن. وروينا في كتاب الترمذي، وابن ماجة، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .
والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة، وفيما أشرت كفاية لمن وفقه الله تعالى.
وأمّا الآثار عن السلف وغيرهم في هذا الباب فكثيرة لا تحصر لكن ننبه على شيء منها.
فمما جاء من ذلك ما بلغنا أن قس بن ساعدة، وأكثم بن صيفي اجتمعا، فقال أحدهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ فقال: هي أكثر من أن تحصر، وقد وجدت خصلة إن استعملها الإنسان سترت العيوب كلها. قال: وما هي؟ قال: حفظ اللسان.
وقال الإمام الشافعي رضي الله عنه لصاحبه الربيع:
يا ربيع لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنك إذا تكلمت بالكلمة ملكتك ولم تملكها، وقال بعضهم: مثل اللسان مثل السبع، إن لم توثقه عدا عليك ولحقك شره.
ومما أنشدوه في هذا الباب:
إحفظ لسانك أيّها الإنسان ... لا يلدغنّك إنّه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه ... كانت تهاب لقاءه الشجعان
وقال الفارسي:
(1/93)

لعمرك إن في ذنبي لشغلا ... لنفسي عن ذنوب بني أميه
على ربي حسابهم إليه ... تناهى علم ذلك لا إليه
وقال علي رضي الله عنه: إذا تم العقل نقص الكلام.
وقال أعرابي: رب منطق صدع جمعا «1» وسكوت شعب صدعا «2» ، وقال وهب بن الورد: بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت، والعاشر في عزلة الناس، وقال علي بن هشام رحمة الله تعالى عليه:
لعمرك إنّ الحلم زين لأهله ... وما الحلم إلّا عادة وتحلّم
إذا لم يكن صمت الفتى عن ندامة ... وعيّ فإن الصمت أولى وأسلم
وقال ابن عيينة: من حرم الخير فليصمت، فإن حرمهما فالموت خير له، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي ذر رضي الله عنه: «عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مطردة للشيطان، وعون على أمر دينك» .
ومن كلام الحكماء: من نطق في غير خير فقد لغا «3» ، ومن نظر في غير اعتبار فقد سها، ومن سكت في غير فكر فقد لها، وقيل: لو قرأت صحيفتك لأغمدت صفيحتك «4» ولو رأيت ما في ميزانك لختمت على لسانك.
ولمّا خرج يونس عليك السلام من بطن الحوت طال صمته، فقيل له: ألا تتكلم؟ فقال: الكلام صيرني في بطن الحوت. وقال حكيم: إذا أعجبك الكلام فاصمت، وإذا أعجبك الصمت فتكلم.
وكان يقال: من السكوت ما هو أبلغ من الكلام لأن السفيه إذا سكت عنه كان في اغتنام «5» .
وقيل لرجل: بم سادكم الأحنف، فو الله ما كان بأكبركم سنا، ولا بأكثركم مالا؟ فقال: بقوة سلطانه على لسانه.
وقيل: الكلمة أسيرة في وثاق الرجل، فإذا تكلم بها صار في وثاقها.
وقيل: اجتمع أربعة ملوك، فتكلموا، فقال ملك الفرس: ما ندمت على ما لم أقل مرة، وندمت على ما قلت مرارا، وقال قيصر: أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت، وقال ملك الصين: ما لم أتكلم بكلمة ملكتها، فإذا تكلمت بها ملكتني، وقال ملك الهند:
العجيب ممن يتكلم بكلمة إن رفعت ضرت وإن لم ترفع لم تنفع. وكان بهرام جالسا ذات ليلة تحت شجرة، فسمع منها صوت طائر، فرماه، فأصابه، فقال: ما أحسن حفظ اللسان بالطائر والإنسان. لو حفظ هذا لسانه ما هلك.
وقال علي رضي الله تعالى عنه: بكثرة الصمت تكون الهيبة. وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه: الكلام كالدواء إن أقللت منه نفع، وإن أكثرت منه قتل. وقال لقمان لولده: يا بني إذا افتخر الناس بحسن كلامهم، فافتخر أنت بحسن صمتك، يقول اللسان كل صباح وكل مساء للجوارح كيف أنتن، فيقلن بخير إن تركتنا.
قال الشاعر:
احفظ لسانك لا تقول فتبتلي ... إن البلاء موكّل بالمنطق
الفصل الثاني في تحريم الغيبة
اعلم أن الغيبة من أقبح القبائح وأكثرها انتشارا في الناس حتى لا يسلم منها إلا القليل من الناس وهي ذكرك الإنسان بما يكره ولو بما فيه سواء كان في دينه أو بدنه أو نفسه أو خلقه أو خلقه أو ماله أو ولده أو والده أو زوجته أو خادمه أو عمامته أو ثوبه أو مشيته أو حركته أو بشاشته أو خلاعته أو غير ذلك مما يتعلق به سواء ذكرته بلفظك أو بكتابك أو رمزت إليه بعينك أو يدك أو رأسك أو نحو ذلك.
فأما الدّين فكقولك سارق، خائن، ظالم، متهاون بالصلاة، متساهل في النجاسات، ليس بارا بوالديه، قليل الأدب، لا يضع الزكاة مواضعها، ولا يجتنب الغيبة.
وأما البدن فكقولك: أعمى، أو أعرج، أو أعمش، أو قصيرا، أو طويلا، أو أسود، أو أصفر.
وأما غيرهما فكقولك: فلان قليل الأدب، متهاون بالناس لا يرى لأحد عليه حقا، كثير النوم، كثير الأكل وما أشبه ذلك، أو كقولك فلان أبوه نجار أو إسكاف أو حداد أو حائك، تريد تنقيصه بذلك أو فلان سيء الخلق متكبر، مراء، معجب، عجول، جبار، ونحو ذلك. أو فلان
(1/94)

واسع الكم، طويل الذيل، وسخ الثوب، ونحو ذلك.
وقد روينا في صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره» قيل: وإن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته» قال الترمذي حديث حسن صحيح.
وروينا في سنن أبي داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا. قال بعض الرواة تعني قصيرة. فقال: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» أي خالطته مخالطة يتغير بها طعمه وريحه لكثرة نتنها.
وروينا في سنن أبي داود عن أنس رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لما عرج بي إلى السماء مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» .
وروي عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرجل ليزني فيتوب، فيتوب الله عليه وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبها» .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: من اغتاب المسلمين وأكل لحومهم بغير حق وسعى بهم إلى السلطان، جيء به يوم القيامة مزرقة عيناه ينادي بالويل والثبور ويعرف أهله ولا يعرفونه.
وقال معاوية بن قرة: أفضل النس عند الله أسلمهم صدرا وأقلهم غيبة، وقال الأحنف: فيّ خصلتان: لا أغتاب جليسي إذا غاب عني، ولا أدخل في أمر قوم لا يدخلوني فيه.
وقيل للربيع بن خيثم: ما نراك تعيب أحدا فقال: لست عن نفسي راضيا فأتفرغ لذم الناس وأنشد:
لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها ... لنفسي من نفسي عن الناس شاغل
وقال كثيّر عزة:
وسعى إليّ بعيب عزّة نسوة ... جعل الإله خدودهنّ نعالها
وقال محمد بن حزم: أول من عمل الصابون سليمان وأول من عمل السويق «1» ذو القرنين وأول من عمل الحيس «2» يوسف، وأول من عمل خبز الجرادق «3» نمروذ، وأول من كتب في القراطيس الحجاج، وأول من اغتاب إبليس لعنه الله اغتاب آدم عليه السلام.
وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه الصلاة والسلام: أن المغتاب إذا تاب فهو آخر من يدخل الجنة، وإن أصر فهو أول من يدخل النار.
ويقال: لا تأمن من كذب لك أن يكذب عليك، ومن اغتاب عندك غيرك، أن يغتابك عند غيرك.
وقيل للحسن البصري رضي الله تعالى عنه: إن فلانا اغتابك، فأهدى إليه طبقا من رطب فأتاه الرجل وقال له:
اغتبتك فأهديت إلي، فقال الحسن: أهديت إلي حسناتك فأردت أن أكافئك.
وعن ابن المبارك رحمه الله تعالى قال: لو كنت مغتابا أحدا لاغتبت والدي لأنهما أحق بحسناتي، وإذا حاكى إنسان إنسانا بأن يمشي متعارجا أو متطأطئا أو غير ذلك من الهيئات، يريد تنقيصه بذلك فهو حرام، وبعض المتفقهين والمتعبدين يعرضون بالغيبة تعريضا تفهم به كما تفهم بالتصريح، فيقال لأحدهم كيف حال فلان فيقول الله يصلحنا، الله يغفر لنا، الله يصلحه، نسأل الله العافية، نحمد الله الذي لم يبتلنا بالدخول على الظلمة، نعوذ بالله من الكبر، يعافينا الله من قلة الحياء، الله يتوب علينا ...
وما أشبه ذلك مما يفهم تنقيصه فكل ذلك غيبة محرمة.
واعلم أنه كما يحرم على المغتاب ذكر الغيبة كذلك يحرم على السامع استماعها، فيجب على من يستمع إنسانا يبتدىء بغيبة أن ينهاه إن لم يخف ضررا، فإن خافه وجب عليه الإنكار بقلبه ومفارقة ذلك المجلس إن تمكن من مفارقته، فإن قال بلسانه أسكت وقلبه يشتهي سماع ذلك، قال بعض العلماء، إن ذلك نفاق. قال الله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ
«4» ومما أنشدوه في هذا المعنى:
وسمعك صن عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن النطق به
(1/95)

فإنك عند سماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه
وكم أزعج الحرص من طالب ... فوافى المنيّة في مطلبه
الفصل الثالث في تحريم السعاية بالنميمة
قال الله تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ 10 هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ 11
«1» الآية. وحسبك بالنمام خسة ورذيلة، سقوطه وضعته والهماز المغتاب الذي يأكل لحوم الناس، الطاعن فيهم.
وقال الحسن البصري، هو الذي يغمز بأخيه في المجلس وهو الهمزة اللمزة. وقال علي والحسن البصري رضي الله عنهما: العتل الفاحش السيىء الخلق، قال ابن عباس رضي الله عنهما: العتل: الفاتك الشديد المنافق، وقال عبيد بن عمير: العتل: الأكول الشروب القوي الشديد، يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة. وقال الكلبي:
هو الشديد في كفره. وقيل: العتل: الشديد الخصومة بالباطل، والزنيم هو الذي لا يعرف من أبوه. قال الشاعر:
زنيم ليس يعرف من أبوه ... بغيّ الأم ذو حسب لئيم
وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة نمام» .
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من بوله» .
قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمة الله تعالى عليه:
«النميمة إنما تطلق في الغالب على من ينم قول الغير إلى المقول فيه كقوله فلان يقول فيك كذا، فينبغي للإنسان أن يسكت عن كل ما رآه من أحوال الناس إلا ما في حكايته فائدة لمسلم أو دفع معصية، وينبغي لمن حملت إليه النميمة وقيل له قال فيك فلان كذا أن لا يصدق من نم إليه لأن النمام فاسق، وهو مردود الخبر، وأن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبح فعله ويبغضه في الله تعالى، فإنه بغيض عند الله والبغض في الله واجب، وأن لا يظن بالمنقول عنه السوء، لقول الله تعالى: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ
الظَّنِّ إِثْمٌ
«2» . وسعى رجل إلى بلال بن أبي بردة برجل وكان أمير البصرة، فقال له انصرف حتى أكشف عنك، فكشف عنه فإذا هو ابن بغي يعني ولد زنا. قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: «لا ينم على الناس إلا ولد بغي» .
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بشراركم، قالوا:
بلى يا رسول الله، قال: شراركم المشاءون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة والباغون العيوب» .
وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«ملعون ذو الوجهين ملعون ذو اللسانين ملعون كل شغاز، ملعون كل قتات، ملعون كل نمام، ملعون كل منان» .
والشغاز المحرش بين الناس يلقي بينهم العداوة، والقتات: النمام، والمنان: الذي يعمل الخير ويمن به.
وأما السعاية إلى السلطان وإلى كل ذي قدرة فهي المهلكة والحالقة التي تجمع الخصال الذميمة، من الغيبة وشؤم النميمة والتغرير بالنفوس والأموال في النوازل والأحوال، وتسلب العزيز عزه وتحط المسكين عن مكانته والسيد عن مرتبته، فكم دم أراقه سعي ساع، وكم حريم استبيح بنميمة نمام، وكم من صفيين تباعدا وكم من متواصلين تقاطعا، وكم من محبين افترقا، وكم من إلفين تهاجرا وكم من زوجين تطالقا. ليتق الله ربه عز وجل، رجل ساعدته الأيام وتراخت عنه الأقدار أن يصغي لساع أو يستمع لنمام.
ووجد في حكم القدماء أبغض الناس إلى الله المثلث.
قال الأصمعي: «هو الرجل يسعى بأخيه إلى الأمام فيهلك نفسه وأخاه وإمامه» .
وقال بعض الحكماء: «احذروا أعداء العقول ولصوص المودات وهم السعاة والنمامون، إذا سرق اللصوص المتاع سرقوا هم المودات.
وفي المثل السائر «من أطاع الواشي ضيّع الصديق» ، وقد تقطع الشجرة فتنبت، ويقطع اللحم السيف فيندمل، واللسان لا يندمل جرحه. ودفع إنسان رقعة إلى الصاحب بن عباد يحثه فيها على أخذ مال يتيم وكان مالا كثيرا، فكتب إليه على ظهرها: النميمة قبيحة وإن كانت صحيحة، والميت رحمه الله واليتيم جبره الله والساعي لعنه الله ولا حول ولا قوة إلا بالله» .
وروينا في كتاب أبي داود والترمذي عن ابن مسعود
(1/96)

رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» . ومن الناس من يتلون ألوانا ويكون بوجهين ولسانين، فيأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، وذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها.
قال صالح بن عبد القدوس رحمه الله تعالى:
قل للذي لست أدري من تلوّنه ... أناصح أم على غش يناجيني
إني لأكثر مما سمتني عجبا ... يدّ تشحّ وأخرى منك تأسوني
تغتابني عند أقوام وتمدحني ... في آخرين وكلّ عنك يأتيني
هذان شيئان قد نافيت بينهما ... فاكفف لسانك عن شتمي وتزييني
وقيل: «لإلف «1» لحوح جموح خير من واحد متلون» .
وكان يشبه المتلون بأبي براقش، وأبي قلمون، فأبو براقش طائر منقط بألوان النقوش يتلون في اليوم ألوانا وأبو قلمون ضرب من ثياب الحرير ينسج بالروم يتلون ألوانا. ويقال للطائش الذي لا ثبات معه أبو رياح، تشبيها بمثال فارس من نحاس بمدينة حمص على عمود حديد فوق قبة بباب الجامع يدور مع الريح ويمناه ممدودة وأصابعها مضمومة إلا السبابة، فإذا أشكل عليهم مهب الريح عرفوه به، فإنه يدور بأضعف نسيم يصيبه، والذي يعمله الصبيان من قرطاس على قصبة، يسمى أبا رياح، أيضا، ويقال:
أخلاق الملوك مثل في المتلون.
قال بعضهم:
ويوم كأخلاق الملوك تلونا ... فصحو وتغييم وطلّ ووابل «2»
أشبهه إياك من صفاته ... دنوّ وإعراض ومنع ونائل
وكلم معاوية الأحنف في شيء بلغه عنه، فأنكره الأحنف، فقال له معاوية: بلّغني عنك الثقة، فقال له الأحنف: إن الثقة لا يبلغ مكروها.
وكان الفضل بن سهل يبغض السعاية «3» ، وإذا أتاه ساع يقول له: «إن صدقتنا أبغضناك، وإن كذبتنا عاقبناك، وإن استقلتنا أقلناك» .
وكتب في جواب كتاب ساع: «نحن نرى أن قبول السعاية شر من السعاية لأن السعاية دلالة والقبول إجازة، وليس من دل على شيء وأخبر به كمن قبله وأجازه، فاتقوا الساعي فإنه لو كان في سعايته صادقا لكان في صدقه لئيما إذ لم يحفظ الحرمة ولم يستر العورة.
وقيل: من سعى بالنميمة حذره الغريب ومقته القريب.
وقال المأمون: النميمة لا تقرب مودة إلا أفسدتها، ولا عداوة إلا جددتها، ولا جماعة إلا بددتها، ثم لا بد لمن عرف بها ونسب إليها، أن يجتنب ويخاف من معرفته ولا يوثق بمكانه.
وأنشد بعضهم:
من نمّ في الناس لم تؤمن عقاربه ... على الصديق ولم تؤمن أفاعيه
كالسّيل بالليل لا يدري به أحد ... من أين جاء ولا من أين يأتيه
الويل للعهد منه كيف ينقضه ... والويل للودّ منه كيف يفنيه
وقال آخر:
يسعى عليك كما يسعى إليك فلا ... تأمن غوائل ذي وجهين كيّاد
وقال صالح بن عبد القدوس رحمه الله تعالى:
من يخبّرك بشتم عن أخ ... فهو الشاتم لا من شتمك
ذاك شيء لم يواجهك به ... إنما اللوم على من أعلمك
وقال آخر:
إن يعلموا الخير أخفوه وإن علموا ... شرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا
وقال آخر:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... منّي وما سمعوا من صالح دفنوا «4»
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا «5»
(1/97)

وقال الحسن: ستر ما عاينت أحسن من إشاعة ما ظننت. وقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه:
من سمع بفاحشة فأفشاها فهو كالذي أتاها.
ومما جاء في النهي عن اللعن ما روينا في صحيح البخاري ومسلم عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن المؤمن كقتله» «1» .
وروينا في صحيح مسلم أيضا عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة» .
وروينا في سنن أبي داود، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينا وشمالا فإذا لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن إن كان أهلا لذلك، وإلا رجعت إلى قائلها» . ويجوز لعن أصحاب الأوصاف المذمومة على العموم كقوله: لعن الله الظالمين، لعن الله الكافرين، لعن الله اليهود، والنصارى، لعن الله الفاسقين، لعن الله المصورين ونحو ذلك.
وثبت في الأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
لعن الله الواصلة والمستوصلة «2» ، وأنه قال: لعن الله آكل الربا، وأنه قال: لعن الله المصوّرين، وأنه قال: لعن الله من لعن والديه، وأنه قال: لعن الله من ذبح لغير الله، وأنه قال: لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وأنه قال: لعن الله المتشبهين من الرجال والنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، وجميع هذه الألفاظ في البخاري ومسلم، بعضها فيهما، وبعضها في أحدهما، والله أعلم.
ومما جاء في العزلة ومدح الخمول وذم الشهرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخمول نعمة، وكل يتبرأ والظهور «3» نقمة وكل يتمنى» .
وقال بعضهم:
تلحّف بالخمول «4» تعش سليما ... وجالس كل ذي أدب كريم
وقال جعفر بن الفراء:
من أخمل النفس أحياها وروّحها ... ولم يبت طاويا منها على ضجر
إن الرياح إذا اشتدت عواصفها ... فليس ترمي سوى العالي من الشجر
وقال أعرابي: رب وحدة أنفع من جليس ووحشة أنفع من أنيس «5» . وكان أبو معاوية الضرير يقول: فيّ خصلتان، ما يسرني بهما رد بصري: قلة الإعجاب بنفسي، وخلو قلبي من اجتماع الناس إليّ. وقال عمر رضي الله عنه: خذوا حظكم من العزلة. وصعد حسان على أطم «6» من آطام المدينة ونادى بأعلى صوته يا صباحاه، فاجتمعت الخزرج، فقالوا ما عندك؟ قال:
قلت: بيت شعر، فأحببت أن تسمعوه قالوا: هات يا حسان. فقال:
وإنّ امرءا أمسى وأصبح سالما ... من الناس إلا ما جنى لسعيد
ولما بنى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه منزله بالعقيق قيل له: تركت منازل إخوانك وأسواق الناس ونزلت بالعقيق، فقال: رأيت أسواقهم لاغية ومجالسهم لاهية، فوجدت الاعتزال فيما هنالك عافية.
وقيل لعروة أخي مرداس: ألا تحدثنا ببعض ما عندك من العلم، فقال: أكره أن يميل قلبي باجتماعكم إلى حب الرياسة، فأخسر الدارين.
وقال سفيان بن عيينة: دخلنا على الفضل في مرضه نعوده، فقال: ما جاء بكم، والله لو لم تجيئوا لكان أحب إليّ، ثم قال: نعم الشيء المرض لولا العبادة.
وقيل للفضل: إن ابنك يقول: وددت لو أني بالمكان الذي أرى الناس فيه، ولا يروني، فقال: ويح ابني لم لا أتمها، فقال: لا أراهم ولا يروني.
وقال علي رضي الله تعالى عنه: طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وطوبى لمن لزم بيته، وأكل قوته، واشتغل بطاعته، وبكى على خطيئته، فكان من نفسه في
(1/98)

شغل، والناس منه في راحة.
وقال سفيان: الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس.
وقيل لراهب في صومعته: ألا تنزل، فقال: من مشى على وجه الأرض عثر «1» . والكلام في مثل هذا كثير، وقد اكتفينا بهذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الرابع عشر في الملك والسلطان وطاعة ولاة أمور الإسلام وما يجب للسلطان على الرعية وما يجب لهم عليه
روي عن الحسن أنه قال للحجاج: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وقّروا السلاطين وبجّلوهم، فإنهم عز الله وظله في الأرض إذا كانوا عدولا» ، فقال الحجاج: ألم نكن فيهم إذا كانوا عدولا؟ قال: قلت: بلى.
وعن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم:
أخبرني عن هذا السلطان الذي ذلّت له الرقاب وخضعت له الأجساد ما هو؟ قال: ظل الله في الأرض، فإذا أحسن فله الأجر وعليكم الشكر، وإذا أساء فعليه الإصر «2» وعليكم الصبر.
وعنه عليه الصلاة والسلام: أيما راع استرعى رعيته، ولم يحطها بالأمانة والنصيحة من ورائها إلا ضاقت عليه رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء.
وقال مالك بن دينار رضي الله تعالى عنه: وجدت في بعض الكتب: يقول الله تعالى: أنا ملك الملوك، رقاب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، لا تشغلوا ألسنتكم بسب الملوك، ولكن توبوا إلى الله يعطفهم عليكم.
وقال جعفر بن محمد رحمة الله تعالى عليه: كفّارة عمل السلطان الإحسان إلى الإخوان. وقال كسرى لسيرين: ما أحسن هذا الملك لو دام، فقال: لو دام لأحد ما انتقل إلينا. ومر طارق السرطي بابن شبرمة في موكبه فقال:
أراها وإن كانت تحبّ فإنّها ... سحابة صيف عن قليل تقشّع «3»
وجلس الإسكندر يوما فما رفع إليه حاجة فقال: لا أعد هذا اليوم من أيام ملكي. وقال الجاحظ: ليس شيء ألذ ولا أسر من عز الأمر والنهي، ومن الظفر بالأعداء، ومن تقليد المن أعناق الرجال لأن هذه الأمور تصيب الروح، وحظ الذهن وقسمة النفس.
وقيل: الملك خليفة الله في عباده، ولن يستقيم أمر خلافته مع مخالفته. وقال الحجاج: سلطان تخافه الرعية خير من سلطان يخافها. وقال أردشير لابنه: يا بني:
الملك والدين أخوان لا غنى لأحدهما عن الآخر، فالدين أس والملك حارس، وما لم يكن له أس فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع. قيل: لما دنت وفاة هرمز وامرأته حامل، عقد التاج على بطنها وأمر الوزراء بتدبير المملكة حتى يولد له ولد، فتملك، وأغار العرب على نواحي فارس في صباه، فلما أدرك ركب، وانتخب من أهل النجدة فرسانا وأغار على العرب، فانتهكهم بالقتل، ثم خلع أكتاف سبعين ألفا، فقيل له: ذو الأكتاف، وأمر العرب حينئذ بإرخاء الشعور ولبس المصبغات، وأن يسكنوا بيوت الشعر، وأن لا يركبوا الخيل إلا عراة «4» .
وقيل: من أخلاق الملوك حب التفرد.
كان أردشير إذا وضع التاج على رأسه لم يضع أحد على رأسه قضيب ريحان، وإذا لبس حلة لم ير أحد مثلها، وإذا تختم بخاتم كان حراما على أهل المملكة أن يتختموا بمثله.
وكان سعيد بن العاص بمكة إذا اعتمّ لم يعتم أحد بمثل عمامته ما دامت على رأسه. وكان الحجاج إذا وضع على رأسه عمامة لم يجترىء أحد من خلق الله أن يدخل عليه بمثلها. وكان عبد الملك إذا لبس الخف الأصفر لم يلبس
(1/99)

أحد مثله حتى ينزعه. وأخبرني من سافر إلى اليمن أنه لا يأكل الأوز بها أحد غير الملك.
وقيل: من حق الملك أن يفحص عن أسرار الرعية فحص المرضعة عن ابنها، وكان أردشير متى شاء قال لأرفع أهل مملكته وأوضعهم: كان عندك في هذه الليلة كيت وكيت، حتى كان يقال يأتيه ملك من السماء، وما ذاك إلا بتفحصه وتيقظه.
وكان علم عمر رضي الله عنه بمن نأى عنه كعلمه بمن بات معه على وساد واحد. ولقد اقتفى معاوية أثره.
وتعرّف إلى زياد رجل «1» ، فقال: أتتعرف إليّ وأنا أعرف بك من أبيك وأمك، وأعرف هذا البرد الذي عليك؟ ففزع الرجل حتى ارتعد من كلامه.
وعن بعض العباسيين قال: كلمت المأمون رحمة الله تعالى في امرأة خطبتها، وسألته النظر إليها، فقال: يا أبا فلان من قصتها وحليتها وفعلها وشأنها كيت وكيت، فو الله ما زال يصفها ويصف أحوالها حتى أبهتني «2» .
ومما جاء في طاعة ولاة أمور الإسلام:
أمر الله تعالى بذلك في كتابه العزيز على لسان نبيه الكريم فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
«3» .
وروينا في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والسمع والطاعة، والنصح لكل مسلم.
وسئل كعب الأحبار عن السلطان، فقال: ظل الله في أرضه، من ناصحه اهتدى، ومن غشّه ضل. وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، لا تسبوا السلطان فإنه ظل الله في الأرض، به يقوم الحق ويظهر الدين، وبه يدفع الله الظلم ويهلك الفاسقين.
وقال عمر بن عبد العزيز لمؤدبه، كيف كانت طاعتي لك؟ قال: أحسن طاعة. قال: فأطعني كما كنت أطيعك، خذ من شاربك حتى تبدو شفتاك، ومن ثوبك حتى تبدو عقباك «4» .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني «5» ، ومن عصى أميري فقد عصاني.
وقد ورد في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالسمع والطاعة لولي الأمر ومناصحته ومحبته والدعاء له.
ولو تتبعت ذلك لطال الكلام، لكن اعلم أرشدني الله وإياك إلى الاتباع، وجنبنا الزيغ والابتداع، أن من قواعد الشريعة المطهرة والملة الحنيفية المحرزة أن طاعة الأئمة فرض على كل الرعية، وأن طاعة السلطان تؤلف شمل الدين وتنظم أمور المسلمين، وأن عصيان السلطان يهدم أركان الملة، وأن أرفع منازل السعادة طاعة السلطان، وأن طاعته عصمة من كل فتنة، وبطاعة السلطان تقام الحدود وتؤدى الفروض، وتحقن الدماء، وتؤمن السبل، وما أحسن ما قالت العلماء: إن طاعة السلطان هدى لمن استضاء بنورها وإن الخارج عن طاعة السلطان منقطع العصمة بريء من الذمة، وإن طاعة السلطان حبل الله المتين ودينه القويم، وإن الخروج منها خروج من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ومن غش السلطان ضلّ وزلّ، ومن أخلص له المحبة والنصح حل من الدين والدنيا في أرفع محل، وإن طاعة السلطان واجبة أمر الله تعالى بها في كتابه العظيم المنزل على نبيه الكريم. وقد اقتصر في ذلك على ما أوردناه واكتفينا بما بيناه، ونسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا وأن يعيذنا من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، وأن يصلح شأننا إنه قريب مجيب، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
الباب الخامس عشر فيما يجب على من صحب السلطان والتحذير من صحبته
أما صحبة السلطان: فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما، قال لي أبي: يا بني إني أرى أمير المؤمنين يستخليك ويستشيرك «6» ويقدمك على الأكابر من أصحاب
(1/100)

محمد صلى الله عليه وسلم، وإني أوصيك بخلال ثلاث: لا تفشين له سرا، ولا تجرين عليه كذبا، ولا تغتابن عنده أحدا، قال الشعبي رحمه الله تعالى: قلت لابن عباس كل واحدة منهن «1» خير من ألف، فقال: أي والله، ومن عشرة آلاف.
وقال بعض الحكماء: إذا زادك السلطان تأنيسا فزده إجلالا، وإذا جعلك أخا، فاجعله أبا، وإذا زادك إحسانا، فزده فعل العبد مع سيده، وإذا ابتليت بالدخول على السلطان مع الناس، فأخذوا في الثناء عليه، فعليك بالدعاء له ولا تكثر في الدعاء له عند كل كلمة، فإن ذلك تنبيه بالوحشة والغربة.
وقال مسلم بن عمر لمن خدم السلطان: لا تغتر بالسلطان إذا أدناك ولا تتغير منه إذا أقصاك.
وروي أن بعض الملوك استصحب حكيما، فقال له:
أصحبك على ثلاث خصال، قال: وما هن؟ قال:
لا تهتك لي سترا، ولا تشتم لي عرضا، ولا تقبل فيّ قول قائل حتى تستشيرني، قال: هذا لك. فماذا لي عليك؟
قال: لا أفشي لك سرا، ولا أدخر عنك نصيحة، ولا أوثر عليك أحدا، قال: نعم الصاحب للمستصحب أنت.
وقال بزرجمهر: إذا خدمت ملكا من الملوك، فلا تطعه في معصية خالقك، فإن إحسانه إليك فوق إحسان الملك، وإيقاعه بك أغلظ من إيقاعه.
وقالوا: إصحب الملوك بالهيبة لهم والوقار لأنهم إنما احتجبوا عن الناس لقيام الهيبة وإن طال أنسك بهم تزدد غما.
وقالوا: علّم السلطان وكأنك تتعلم منه، وأشر عليه وكأنك تستشيره، وإذا أحلّك السلطان من نفسه بحيث يسمع منك، ويثق بك، فإياك والدخول بينه وبين بطانته «2» ، فإنك لا تدري متى يتغير منك، فيكونون عونا عليك، وإياك أن تعادي من إذا شاء أن يطرح ثيابه، ويدخل مع الملك في ثيابه فعل.
وفي الأمثال القديمة: احذروا زمارة المخدة «3» وفيه قيل:
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
وقال يحيى بن خالد: إذا صحبت السلطان فداره مداراة المرأة العاقلة لصحبة الزوج الأحمق.
وأما ما جاء في التحذير من صحبة السلطان:
فقد اتفقت حكماء العرب والعجم على النهي عن صحبة السلطان، قال في كتاب كليلة ودمنة: ثلاثة لا يسلم عليها إلا القليل: صحبة السلطان وإئتمان النساء على الأسرار، وشرب السم على التجربة.
وكان يقال: قد خاطر بنفسه من ركب البحر، وأعظم منه خطرا من صحب السلطان.
وكان بعض الحكماء يقول: أحق الأمور بالتثبت فيها أمور السلطان، فإن من صحب السلطان بغير عقل، فقد لبس الشعار «4» الغرور. وفي حكم الهند: صحبة السلطان على ما فيها من العز والثروة عظيمة الخطر.
وقيل للعتابي: لم لا تصحب السلطان على ما فيك من الأدب، قال: لأني رأيته يعطي عشرة آلاف في غير شيء، ويرمي من السور في غير شيء، ولا أدري أي الرجلين أكون.
وقال معاوية لرجل من قريش: إياك والسلطان فإنه يغضب غضب الصبي، ويبطش بطش الأسد. وقال ميمون بن مهران: قال لي عمر بن عبد العزيز: يا ميمون احفظ عني أربعا: لا تصحبن السلطان، وإن أمرته بالمعروف ونهيته عن المنكر، ولا تخلون بامرأة، وإن أقرأتها القرآن، ولا تصل من قطع رحمه، فإنه لك أقطع، ولا تتكلم بكلام اليوم تعتذر منه غدا.
وكم رأينا، وبلغنا ممن صحب السلطان من أهل الفضل والعقل والعلم والدين ليصلحه ففسد هو به، فكان كما قيل:
عدوى البليد إلى الجليد سريعة ... والجمر يوضع في الرماد فيخمد
ومثل من صحب السلطان ليصلحه، مثل من ذهب ليقيم حائطا مائلا، فاعتمد عليه ليقيمه، فخر الحائط عليه فأهلكه.
قال الشاعر:
(1/101)

ومعاشر السلطان شبه سفينة ... في البحر ترجف دائما من خوفه
إن أدخلت من مائه في جوفها ... يغتالها مع مائها في جوفه
وفي كتاب كليلة ودمنة: لا يسعد من ابتلي بصحبة الملوك، فإنهم لا عهد لهم ولا وفاء ولا قريب ولا حميم، ولا يرغبون فيك إلا أن يطعموا فيما عندك، فيقربوك عند ذلك، فإذا قضوا حاجتهم منك تركوك ورفضوك، ولا ود للسلطان ولا إخاء، والذنب عنده لا يغفر.
وقالت الحكماء: صاحب السلطان كراكب الأسد يخافه الناس وهو لمركوبه أخوف. وقال محمد بن واسع، والله لسف التراب ولقضم العظم خير من الدنو من أبواب السلاطين. وقال محمد بن السمّاك: الذباب على العذرة خير من العابر على أبواب الملوك. وقيل: من صحب السلطان قبل أن يتأدب، فقد غرر بنفسه. وقال ابن المعتز:
من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة، وعنه: إذا زادك السلطان تأنيسا وإكراما فزده تهيبا واحتشاما.
وقال أبو علي الصغاني: إياك والملوك، فإن من والاهم أخذوا ماله ومن عاداهم أخذوا رأسه. وقيل: مكتوب على باب قرية من قرى بلخ اسمها بهار، أبواب الملوك تحتاج إلى ثلاثة: عقل، وصبر، ومال، وتحته مكتوب: كذب عدو الله من كان له واحد منها لم يقرب باب السلطان.
وقال حسان بن ربيع الحميري: لا تثقن بالملك فإنه ملول، ولا بالمرأة فإنها خؤون ولا بالدابة فإنها شرود.
وقال عبيد بن عمير: ما ازداد رجل من السلطان قربا إلا ازداد من الله بعدا، ولا كثرت أتباعه إلا كثرت شياطينه، ولا كثر ماله إلا كثر حسابه.
وقال ابن المبارك رحمه الله:
أرى الملوك بأدنى الدّين قد قنعوا ... ولا أراهم رضوا في العيش بالدّون
فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما اس ... تغنى الملوك بدنياهم عن الدّين
وقال بعضهم في ولاة بني مروان:
إذا ما قطعتم ليلكم بمدامكم «1» ... وأفنيتمو أيامكم بمنام «2»
فمن ذا الذي يغشاكم في ملمّة ... ومن ذا الذي يغشاكم بسلام
رضيتم من الدنيا بأيسر بلغة «3» ... بلثم غلام أو بشرب مدام
ولم تعلموا أنّ اللسان موكّل ... بمدح كرام أو بذمّ لئام
نهت الحكماء عن خدمة الملوك فقالوا: إن الملوك يستعظمون في الثواب رد الجواب، ويستقلون في العقاب ضرب الرقاب، وقيل: شر الملوك من أمنه الجريء وخافه البريء. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وحسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب السادس عشر في ذكر الوزراء وصفاتهم وأحوالهم وما أشبه ذلك
قال الله تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي 29
«4» . فلو كان السلطان يستغني عن الوزراء لكان أحق الناس بذلك كليم الله موسى بن عمران عليه السلام. ثم ذكر حكمة الوزارة، فقال: اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي 31 وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي 32
«5» دلت هذه الآية على أن الوزارة تشد قواعد المملكة، وأن يفوض إليه السلطان إذا استكملت فيه الخصال المحمودة، ثم قال: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً 33 وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً 34
«6» . دلت هذه الآية على أن بصحبة العلماء والصالحين أهل الخبرة والمعرفة، تنتظم أمور الدنيا والآخرة، وكما يحتاج أشجع الناس إلى السلاح، وأفره الخيل إلى السوط، وأحدّ الشفار إلى المسن، كذلك يحتاج أجل الملوك وأعظمهم وأعلمهم إلى الوزير.
(1/102)

وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضّه عليه، والمعصوم من عصمه الله.
وقال وهب بن منبه، قال موسى لفرعون: آمن ولك الجنة ولك ملكك. قال: حتى أشاور هامان، فشاوره في ذلك، فقال له هامان: بينما أنت إله تعبد إذ صرت تعبد.
فأنف واستكبر، وكان من أمره ما كان.
وعلى هذا النمط كان وزير الحجاج يزيد بن مسلم لا يألوه خبالا. ولبئس القرناء شر قرين لشر خدين، وأشرف منازل الآدميين النبوة ثم الخلافة ثم الوزارة، وفي الأمثال: نعم الظهير الوزير. وأول ما يظهر نبل السلطان وقوة تمييزه وجودة عقله في انتخاب الوزراء واستنقاء الجلساء ومحادثة العقلاء، فهذه ثلاث خلال تدل على كماله، وبهذه الخلال يجمل في الخلق ذكره، وترسخ في النفوس عظمته، والمرء موسوم بقرينه، وكان يقال حلية الملوك وزينتهم وزراؤهم.
وفي كتاب كليلة ودمنة: لا يصلح السلطان إلا بالوزراء والأعوان. وقال شريح بن عبيد: لم يكن في بني إسرائيل ملك إلا معه رجل حكيم إذا رآه غضبان كتب إليه صحائف، وفي كل صحيفة: إرحم المسكين واخش الموت، واذكر الآخرة، فكلما غضب الملك ناوله الحكيم صحيفة حتى يسكن غضبه، ومثل الملك الخير والوزير السوء الذي يمنع الناس خيره ولا يمكنهم من الدنو منه، كالماء الصافي فيه التمساح، فلا يستطيع المرء دخوله، وإن كان سابحا وإلى الماء محتاجا، ومثل السلطان كمثل الطبيب، ومثل الرعية كمثل المرضى، ومثل الوزير كمثل السفير بين المرضى والأطباء، فإذا كذب السفير بطل التدبير. وكما أن السفير إذا أراد أن يقتل أحدا من المرضى وصف للطبيب نقيض دائه، فإذا سقاه الطبيب على صفة السفير هلك العليل، كذلك الوزير ينقل إلى الملك ما ليس في الرجل، فيقتله الملك، فمن ههنا شرط في الوزير أن يكون صدوقا في لسانه، عدلا في دينه، مأمونا في أخلاقه، بصيرا بأمور الرعية، وتكون بطانة الوزير أيضا من أهل الأمانة والبصيرة، وليحذر الملك أن يولّي الوزارة لئيما، فاللئيم إذا ارتفع جفا أقاربه وأنكر معارفه، واستخف بالأشراف وتكبر على ذوي الفضل.
ودخل بعض الوزراء على بعض الخلفاء وكان الوزير من أهل العقل والأدب، فوجد عنده رجلا ذميا كان الخليفة يميل إليه ويقربه، فقال الوزير منشدا:
يا ملكا طاعته لازمه ... وحبّه مفترض واجب
إن الذي شرّفت من أجله ... يزعم هذا أنّه كاذب
وأشار إلى الذمي، فاسأله يا أمير المؤمنين عن ذلك، فسأله، فلم يجد بدا من أن يقول هو صادق، فاعترف بالإسلام.
وكان بعض الملوك قد كتب ثلاث رقاع، وقال لوزيره إذا رأيتني غضبان، فادفع إليّ رقعة بعد رقعة، وكان في الأولى إنك لست بإله، وإنك ستموت، وتعود إلى التراب، فيأكل بعضك بعضا، وفي الثانية: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء، وفي الثالثة: اقض بين الناس بحكم الله، فإنهم لا يصلحهم إلا ذلك.
ولمّا كانت أمور المملكة عائدة إلى الوزراء، وأزمّة «1» الملوك في أكف الوزراء سبق فيهم من العقلاء المثل السائر، فقالوا: لا تغتر بمودة الأمير إذا غشك الوزير، وإذا أحبك الوزير، فنم لا تخش الأمير، ومثل السلطان كالدار والوزير بابها، فمن أتى الدار من بابها ولج ومن أتاها من غير بابها انزعج. وموقع الوزارة من المملكة كموقع المرآة من البصر، فكما أن من لم ينظر في المرآة لا يرى محاسن وجهه وعيوبه، كذلك السلطان إذا لم يكن له وزير لا يعلم محاسن دولته وعيوبها. ومن شروط الوزير أن يكون كثير الرحمة للخلق رؤوفا بهم ...
واعلم أنه ليس للوزير أن يكتم عن السلطان نصيحة، وإن استقلّها، وموضع الوزير من المملكة كموضع العينين من الرأس، وكما أن المرآة لا تريك وجهك إلا بصفاء جوهرها وجودة صقلها ونقائها من الصدأ، كذلك السلطان لا يكمل أمره إلا بجودة عقل الوزير، وصحة فهمه، ونقاء قلبه. والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
(1/103)

الباب السابع عشر في ذكر الحجاب والولاية وما فيها من الغرر والخطر
أما الحجّاب:
فقد قيل: لا شيء أضيع للمملكة وأهلك للرعية من شدة الحجّاب. وقيل: إذا سهل الحجّاب أحجمت الرعية عن الظلم، وإذ عظم الحجّاب هجمت على الظلم.
وقال ميمون بن مهران، كنت عند عمر بن عبد العزيز، فقال لحاجبه: من بالباب؟ فقال: رجل أناخ ناقته الآن، يزعم أنه ابن بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأذن له أن يدخل، فلما دخل قال: حدثني أبي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من ولي شيئا من أمور المسلمين ثم حجبهم عنه حجبه الله عنه يوم القيامة، فقال عمر لحاجبه:
إلزم بيتك، فما رؤي على بابه بعد ذلك حاجب.
وكان خالد بن عبد الله القشيري يقول لحاجبه: إذا أخذت مجلسي فلا تحجبن عني أحدا. فإن الوالي لا يحتجب إلا لثلاث: عيب يكره أن يطلع عليه أحد، أو ريبة يخاف منها أن تظهر، أو بخل يكره معه أن يسأل شيئا.
وكانت العجم تقول: لا شيء أضيع للمملكة من شدة حجّاب الملك، ولا شيء أهيب للرعية وأكف لهم عن الظلم من سهولته. وقيل لبعض الحكماء: ما الجرح الذي لا يندمل؟ قال: حاجة الكريم إلى اللئيم، ثم يرده بغير قضائها. قيل: فما الذي هو أشد منه؟ قال: وقوف الشريف بباب الدنيء ثم لا يؤذن له.
ووقف عبد الله بن العباس العلوي على باب المأمون يوما، فنظر إليه الحاجب ثم أطرق، فقال عبد الله لقوم معه: إنه لو أذن لنا لدخلنا، ولو صرفنا لانصرفنا، ولو اعتذر إلينا لقبلنا، وأما النظرة بعد النظرة والتوقف بعد التعرف فلا أفهم معناه، ثم تمثل بهذا البيت.
وما عن رضى كان الحمار مطيتي ... ولكنّ من يمشي سيرضى بما ركب
ثم انصرف، فبلغ ذلك المأمون، فضرب الحاجب ضربا شديدا، وأمر لعبد الله بصلة جزيلة وعشر دواب.
قال الشاعر:
رأيت أناسا يسرعون تبادرا ... إذا فتح البواب بابك أصبعا
ونحن جلوس ساكتون رزانة ... وحلما إلى أن يفتح الباب أجمعا
ووقف رجل خراساني بباب أبي دلف العجلي حينا فلم يؤذن له فكتب رقعة وتلطف في وصولها إليه وفيها:
إذا كان الكريم له حجاب ... فما فضل الكريم على اللئيم «1»
فأجابه أبو دلف بقوله:
إذا كان الكريم قليل مال ... ولم يعذر تعلّل بالحجاب
وأبواب الملوك محجّبات ... فلا تستنكرنّ حجاب بابي
ومن محاسن النظم في ذم الاحتجاب قول بعضهم:
سأهجركم حتى يلين حجابكم ... على أنه لا بدّ سوف يلين
خذوا حذركم من صفوة الدهر إنها ... وإن لم تكن خانت فسوف تخون «2»
وقال آخر:
ماذا على بوّاب داركم الذي ... لم يعطنا إذنا ولا يستأذن
لو ردّنا ردا جميلا عنكم ... أو كان يدفع بالتي هي أحسن
وقال آخر:
أمرت بالتّسهيل في الإذن لي ... ولم ير الحاجب أن يأذنا
فلن تراني بعدها عائدا ... ولن تراه بعد مستأذنا «3»
وقال آخر:
ولقد رأيت بباب دارك جفوة ... فيها لحسن صنيعك التكدير «4»
(1/104)

ما بال دارك حين تدخل جنّة ... وبباب دارك منكر ونكير
وقال آخر:
إذا جئت ألقى عند بابك حاجبا ... محيّاه من فرط الجهالة حالك
ومن عجب مغناك جنّة قاصد ... وحاجبها من دون رضوان مالك «1»
وقال آخر:
سأترك بابا أنت تملك إذنه ... ولو كنت أعمى عن جميع المسالك
فلو كنت بوّاب الجنان تركتها ... وحوّلت رجلي مسرعا نحو مالك «2»
وقال آخر:
ماذا يفيدك أن تكون محجّبا ... والعبد بالباب الكريم يلوذ
ما أنت إلّا في الحصار معي فلا ... تتعب فكلّ محاصر مأخوذ
وقال أبو تمام:
سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى يلين قليلا
فما خاب من لم يأته متعمّدا ... ولا فاز من قد نال منه وصولا
إذا لم نجد للإذن عندك موضعا ... وجدنا إلى ترك المجيء سبيلا
واستأذن رجل على أمير، فقال للحاجب: قل له إن الكرى قد خطب إلي نفسي وإنما هي هجعة وأهب، فخرج الحاجب، فقال له الرجل: ما الذي قال لك؟ قال:
قال كلاما لا أفهمه وهو يريد أن لا يأذن لك.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنما أمهل فرعون مع دعواه الألوهية لسهولة إذنه وبذل طعامه.
وقال عمرو بن مرة الجهني لمعاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من أمير يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة «3» والمسألة إلا أغلق الله أبواب السموات دون حاجته وخلته ومسألته، وجاء النامي الشاعر لبعض الأمراء فحجبه، فقال:
سأصبر إن جفوت فكم صبرنا ... لمثلك من أمير أو وزير
رجوناهم فلما أخلفونا ... تمادت فيهم غير الدهور
فبتنا بالسلامة وهي غنم ... وباتوا في المحابس والقبور
ولمّا لم ننل منهم سرورا ... رأينا فيهم كلّ السرور
وأنشدوا في ذلك أيضا:
قل للذين تحجبوا عن راغب ... بمنازل من دونها الحجّاب
إن حال عن لقياكم بوابكم ... فالله ليس لبابه بواب
واستأذن سعد بن مالك «4» على معاوية، فحجبه، فهتف بالبكاء، فأتى الناس وفيهم كعب «5» فقال: وما يبكيك يا سعد؟ فقال: وما لي لا أبكي وقد ذهب الأعلام من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاوية يلعب بهذه الأمة؟ فقال كعب: لا تبك، فإن في الجنة قصرا من ذهب يقال له عدن أهله الصدّيقون والشهداء، وأنا أرجو أن تكون من أهله.
واستأذن بعضهم على خليفة كريم وحاجبه لئيم، فحجبه فقال:
في كلّ يوم لي ببابك وقفة ... أطوي إليه سائر الأبواب «6»
وإذا حضرت رغبت عنك فإنه ... ذنب عقوبته على البوّاب «7»
وأما ذكر الولايات وما فيها من الخطر العظيم:
فقد قال الله تعالى لداود عليه السلام: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ
«8» .
(1/105)

جاء في التفسير: إن من اتباع الهوى أن يحضر الخصمان بين يديك فتود أن يكون الحق للذي في قلبك محبة خاصة، وبهذا سلب سليمان بن داود ملكه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان الذي أصاب سليمان بن داود عليهما السلام أن ناسا من أهل جرادة امرأته، وكانت من أكرم نسائه عليه، تحاكموا إليه مع غيرهم، فأحب أن يكون الحق لأهل جرادة فيقضي لهم، فعوقب بسبب ذلك حيث لم يكن هواه فيهم واحدا.
وروي عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال:
قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليه. وقال معقل بن يسار رضي الله عنه، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد يسترعيه الله رعية، فلم يحطها بنصيحته إلا لم يجد رائحة الجنة.
وفي الحديث: «من ولي من أمور المسلمين شيئا ثم لم يحطهم بنصيحته كما يحوط أهل بيته، فليتبوأ مقعده من النار.
وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث إلى عاصم يستعمله على الصدقة، فأبى، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا كان يوم القيامة يؤتى بالوالي فيقف على جسر جهنم، فيأمر الله تعالى الجسر فينتفض انتفاضة فيزول كل عضو منه عن مكانه، ثم يأمر الله تعالى بالعظام، فترجع إلى أماكنها، فإن كان لله مطيعا أخذ بيده، وأعطاه كفلين من رحمته، وإن كان لله عاصيا انخرق به الجسر فهوى به في نار جهنم مقدار سبعين خريفا، فقال عمر رضي الله عنه سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم ما لم أسمع قال:
نعم. وكان سلمان وأبو ذر حاضرين، فقال سلمان: أي والله يا عمر ومع السبعين سبعون خريفا في واد يلتهب التهابا، فضرب عمر رضي الله عنه بيده على جبهته وقال:
إنا لله وإنا إليه راجعون: من يأخذها بما فيها، فقال سلمان من أرغم الله أنفه وألصق خده بالأرض.
وروى أبو داود في السنن قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أبي عريف على الماء، وإني أسألك أن تجعل لي العرافة من بعده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم العرفاء في النار.
وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الإمام الجائر. وقالت عائشة رضي الله عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة، فيلقى من شدة الحساب ما يود أنه لم يقض بين اثنين في تمرة.
وقال الحسن البصري: إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عبد الرحمن بن سمرة يستعمله، فقال: يا رسول الله خر لي، فقال: أقعد في بيتك. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: ما من أمير يؤمر على عشرة إلا جيء به يوم القيامة مغلولا، أنجاه عمله أو أهلكه.
وقال طاوس لسليمان بن عبد الملك: هل تدري يا أمير المؤمنين من أشد الناس عذابا يوم القيامة؟ قال سليمان: قل. فقال طاوس: أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله في ملكه فجار في حكمه، فاستلقى سليمان على سريره وهو يبكي، فما زال يبكي حتى قام عنه جلساؤه.
وقال ابن سيرين: جاء صبيان إلى أبي عبيدة السلماني يتخيرون إليه في ألواحهم، فلم ينظر إليها، وقال: هذا حكم، لا أتولى حكما أبدا. وقال أبو بكر بن أبي مريم:
حجّ قوم، فمات صاحب لهم بأرض فلاة، فلم يجدوا ماء، فأتاهم رجل فقالوا له: دلنا على الماء. فقال: احلفوا لي ثلاثا وثلاثين يمينا أنه لم يكن صرّافا ولا مكاسا «1» ولا عريفا، ويروى ولا عرافا، ولا بريدا، وأنا أدلكم على الماء، فحلفوا له ثلاثا وثلاثين يمينا كما تقدم، فحلفوا له، فأعانهم على غسله، ثم قالوا له: تقدم فصلّ عليه، فقال:
لا، حتى تحلفوا لي ثلاثا وثلاثين يمينا كما تقدم، فحلفوا له فصلى عليه، ثم التفتوا فلم يجدوا أحدا، فكانوا يرون أنه الخضر عليه السلام.
وقال أبو ذر رضي الله عنه، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
يا أبا ذر إني أحب لك ما أحب لنفسي، وإني أراك ضعيفا، فلا تتأمرن على اثنين ولا تلينّ مال يتيم.
ومن غريب ما اتفق وعجيب ما سبق: ما حكي أن ملكا من ملوك الفرس يقال له أردشير، وكان ذا مملكة متسعة وجند كثير، وكان ذا بأس شديد، قد وصف له بنت ملك بحر الأردن بالجمال البارع، وأن هذه البنت بكر ذات خدر، فسيّر أردشير من يخطبها من أبيها، فامتنع من إجابته، ولم يرض بذلك، فعظم ذلك على أردشير، وأقسم بالأيمان المغلظة ليغزون الملك أبا البنت، وليقتلنه
(1/106)

هو وابنته شر قتلة، وليمثلن بهما أخبث مثلة.
فسار إليه أردشير في جيوشه، فقاتله، فقتله أردشير وقتل سائر خواصه، ثم سأل عن ابنته المخطوبة، فبرزت إليه جارية من القصر من أجمل النساء وأكمل البنات حسنا وجمالا وقدرا واعتدالا، فبهت أردشير من رؤيته إياها، فقالت له: أيها الملك إنني ابنة الملك الفلاني ملك المدينة الفلانية، وأن الملك الذي قتلته أنت قد غزا بلدنا وقتل أبي وقتل سائر أصحابه قبل أن تقتله أنت، وأنه أسرني في جملة الأسارى وأتى بي في هذا القصر، فلما رأتني ابنته التي أرسلت تخطبها أحبتني، وسألت أباها أن يتركني عندها لتأنس بي، فتركني لها، فكنت أنا وهي كأننا روحان في جسد واحد، فلما أرسلت تخطبها خاف أبوها عليها منك فأرسلها إلى بعض الجزائر في البحر الملح عند بعض أقاربه من الملوك.
فقال أردشير: وددت لو أني ظفرت بها فكنت أقتلها شر قتلة، ثم أنه تأمل الجارية فرآها فائقة في الجمال، فمالت نفسه إليها، فأخذها للتسري، وقال هذه أجنبية من الملك ولا أحنث في يميني بأخذها، ثم إنه واقعها وأزال بكارتها، فحملت منه، فلما ظهر عليها الحمل، اتفق أنها تحدثت معه يوما، وقد رأته منشرح الصدر، فقالت له:
أنت غلبت أبي وأنا غلبتك، فقال لها: ومن أبوك؟ فقالت له: هو ملك بحر الأردن، وأنا ابنته التي خطبتها منه، وإنني سمعت أنك أقسمت لتقتلني فتحيلت عليك بما سمعت، والآن هذا ولدك في بطني، فلا يتهيأ لك قتلي.
فعظم ذلك على أردشير إذ قهرته امرأة وتحيلت عليه حتى تخلصت من يديه، فانتهرها، وخرج من عندها مغضبا، وعوّل على قتلها، ثم ذكر لوزيره ما اتفق له معها، فلما رأى الوزير عزمه قويا على قتلها خشي أن تتحدث الملوك عنه بمثل هذا، وأنه لا يقبل فيها شفاعة شافع، فقال أيها الملك: إن الرأي هو الذي خطر لك والمصلحة هي التي رأيتها أنت، وقتل هذه الجارية في هذا الوقت أولى وهو عين الصواب لأنه أحق من أن يقال أن امرأة قهرت رأي الملك وحنّثته في يمينه «1» لأجل شهوة النفس، ثم قال أيها الملك: إن صورتها مرحومة وحمل الملك معها، وهي أولى بالستر، ولا أرى في قتلها أستر ولا أهون عليها من الغرق، فقال لها الملك: نعم ما رأيت خذها غرقها، فأخذها الوزير ثم خرج بها ليلا إلى بحر الأردن ومعه ضوء ورجال وأعوان، فتحيّل إلى أن طرح شيئا في البحر أوهم من كان معه أنها الجارية، ثم إنه أخفاها عنده، فلما أصبح جاء إلى الملك، فأخبره أنه غرّقها، فشكره على ما فعل.
ثم إن الوزير ناول الملك حقا «2» مختوما وقال أيها الملك إني نظرت مولدي، فرأيت أجلي قد دنا على ما يقتضيه حساب حكماء الفرس في النجوم، وإن لي أولادا وعندي مال قد ادخرته من نعمتك، فخذه إذا أنا مت إن رأيت، وهذا الحق فيه جوهر أسأل الملك أن يقسمه بين أولادي بالسوية فإنه إرثي الذي قد ورثته من أبي وليس عندي شيء مما اكتسبته منه إلا هذا الجوهر.
فقال له الملك: يطول الرب في عمرك ومالك لك ولأولادك سواء كنت حيا أو ميتا. فألح عليه الوزير أن يجعل الحق عنده وديعة فأخذه الملك وأودعه عنده في صندوق، ثم مضت أشهر الجارية، فوضعت ولدا ذكرا جميلا حسن الخلقة مثل فلقة القمر، فلاحظ الوزير جانب الأدب في تسميته، فرأى أنه إن اخترع له إسما وسماه به، وظهر لوالده بعد ذلك، فيكون قد أساء الأدب، وإن هو تركه بلا إسم لم يتهيأ له ذلك، فسماه شاه بور ومعنى شاه بور بالفارسية ابن ملك، فإن شاه ملك، وبور ابن، ولغتهم مبنية على تأخير المتقدم وتقديم المتأخر، وهذه تسمية ليس فيها مؤاخذة.
ولم يزل الوزير يلاطف الجارية والولد إلى أن بلغ الولد حد التعليم، فعلمه كل ما يصلح لأولاد الملوك من الخط والحكمة والفروسية، وهو يوهم أنه مملوك له اسمه شاه بور، إلى ان راهق البلوغ.
هذا كله وأردشير ليس له ولد، وقد طعن في السن وأقعده الهرم، فمرض وأشرف على الموت، فقال للوزير: أيها الوزير: قد هرم جسمي وضعفت قوتي وإني أرى أني ميت لا محالة، وهذا الملك يأخذه من بعدي من قضي له به. فقال الوزير: لو شاء الله أن يكون للملك ولد كان قد ولي بعده الملك، ثم ذكره بأمر بنت ملك بحر الأردن وبحملها، فقال الملك: لقد ندمت على تغريقها.
ولو كنت أبقيتها حتى تضع، فلعل حملها يكون ذكرا.
فلما شاهد الوزير من الملك الرضا، قال: أيها الملك إنها عندي حية ولقد ولدت وضعت ولدا ذكرا من أحسن
(1/107)

الغلمان خلقا وخلقا، فقال الملك: أحق ما تقول: فأقسم الوزير أن نعم، ثم قال: أيها الملك إن في الولد روحانية تشهد بأبوة الأب وفي الوالد روحانية تشهد ببنوة الإبن، لا يكاد ذلك ينخرم أبدا «1» ، وإنني آتي بهذا الغلام بين عشرين غلاما في سنه وهيئته ولباسه، وكلهم ذوو آباء معروفين خلا هو. وإني أعطي كل واحد منهم صولجانا وكرة وآمرهم أن يلعبوا بين يديك في مجلسك هذا، ويتأمل الملك صورهم، وخلقتهم وشمائلهم، فكل من مالت إليه نفسه وروحانيته فهو هو، فقال الملك: نعم التدبير الذي قلت.
فأحضرهم الوزير على هذه الصورة ولعبوا بين يدي الملك، فكان الصبي منهم إذا ضرب الكرة وقربت من مجلس الملك تمنعه الهيبة أن يتقدم ليأخذها إلا شاه بور، فإنه كان إذا ضربها، وجاءت عند مرتبة أبيه تقدم، فأخذها ولا تأخذه الهيبة منه، فلاحظ أردشير ذلك منه مرارا، فقال أيها الغلام ما اسمك؟ قال: شاه بور، فقال له: صدقت أنت ابني حقا، ثم ضمه إليه وقبله بين عينيه.
فقال له الوزير: هذا هو ابنك أيها الملك، ثم أحضر بقية الصبيان ومعهم عدول فأثبت لكل صبي منهم والدا بحضرة الملك، فتحقق الصدق في ذلك، ثم جاءت الجارية وقد تضاعف حسنها وجمالها، فقبلت يد الملك، فرضي عنها.
فقال الوزير: أيها الملك قد دعت الضرورة في هذا الوقت إلى إحضار الحق المختوم، فأمر الملك بإحضاره، ثم أخذه الوزير وفك ختمه وفتحه فإذا فيه ذكر الوزير وأنثياه مقطوعة مصانه فيه من قبل أن يتسلم الجارية من الملك، وأحضر عدولا من الحكماء وهم الذين كانوا فعلوا به ذلك، فشهدوا عند الملك بأن هذا الفعل فعلناه به من قبل أن يتسلم الجارية بليلة واحدة، قال: فدهش الملك أردشي روبهت لما أبداه هذا الوزير من قوة النفس في الخدمة، وشدة مناصحته، فزاد سروره وتضاعف فرحه لصيانة الجارية وإثبات نسب الولد ولحوقه به، ثم إن الملك عوفي من مرضه الذي كان به وصح جسمه، ولم يزل يتقلب في نعمه وهو مسرور بابنه إلى أن حضرته الوفاة، ورجع الملك إلى ابنه شاه بور بعد موت أبيه، وصار ذلك الوزير يخدم ابن الملك أردشير وشاه بور يحفظ مقامه ويرعى منزلته حتى توفاه الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
الباب الثامن عشر فيما جاء في القضاء وذكر القضاة وقبول الرشوة والهدية على الحكم وما يتعلق بالديون وذكر القصاص والمتصوفة
وفيه فصول
الفصل الأول فيما جاء في القضاء وذكر القضاة وأحوالهم وما يجب عليهم
قال الله تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ
«2» . وقال تعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ
«3» . وقال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
«4» . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حكم بين اثنين تحاكما إليه وارتضياه، فلم يقض بينهما بالحق، فعليه لعنة الله. وعن أبي حازم، قال: دخل عمر على أبي بكر رضوان الله عليهما، فسلّم عليه، فلم يرد عليه، فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف: أخاف أن يكون وجد عليّ «5» خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلم عبد الرحمن أبا بكر، فقال: أتاني، وبين يدي خصمان قد فرغت لهما قلبي وسمعي وبصري، وعلمت أن الله سائلي عنهما وعما قالا وقلت. وادعى رجل على عليّ عند عمر رضي الله عنهما وعليّ جالس، فالتفت عمر إليه وقال: يا أبا الحسن
(1/108)

قم فاجلس مع خصمك، فتناظرا، وانصرف الرجل، ورجع عليّ إلى مجلسه، فتبين لعمر التغير في وجه عليّ، فقال يا أبا الحسن ما لي أراك متغيرا، أكرهت ما كان؟
قال: نعم. قال: وما ذاك؟ قال: كنيتني بحضرة خصمي.
هلا قلت يا علي قم، فاجلس مع خصمك، فأخذ عمر برأس علي رضي الله عنهما، فقبله بين عينيه، ثم قال بأبي أنتم بكم هدانا الله وبكم أخرجنا من الظلمات إلى النور.
وعن أبي حنيفة رضي الله عنه: القاضي كالغريق في البحر الأخضر «1» إلى متى يسبح وإن كان سابحا. وأراد عمر بن هبيرة أن يولي أبا حنيفة القضاء، فأبى، فحلف ليضربنه بالسياط، وليسجننه، فضربه حتى انتفخ وجه أبي حنيفة ورأسه من الضرب، فقال: الضرب بالسياط في الدنيا أهون عليّ من الضرب بمقامع الحديد في الآخرة.
وعن عبد الملك بن عمير عن رجل من أهل اليمن قال:
أقبل سيل باليمن في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فكتب إلينا، لا تحركوه حتى يقدم إليكم كتابي، ثم فتح، فإذا برجل على سرير عليه سبعون حلة منسوجة بالذهب وفي يده اليمنى لوح مكتوب فيه هذان البيتان:
إذا خان الأمير وكاتباه ... وقاضي الأرض داهن في القضاء «2»
فويل ثم ويل ثم ويل ... لقاضي الأرض من قاضي السماء
وإذا عند رأسه سيف أشد خضرة من البقلة مكتوب عليه هذا سيف عاد بن إرم.
عن ابن أبي أوفى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار برىء الله منه ولزمه الشيطان.
وقال محمد بن حريث: بلغني أن نصر بن علي راودوه على القضاء بالبصرة، واجتمع الناس إليه فكان لا يجيبهم فلما ألحوا عليه دخل بيته ونام على ظهره وألقى ملاءة على وجهه وقال: اللهم إن كنت تعلم أني لهذا الأمر كاره فاقبضني إليك، فقبض.
وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم القضاة جسور للناس يمرون على ظهورهم يوم القيامة.
وقال حفص بن غياث لرجل كان يسأله عن مسائل القضاء: لعلك تريد أن تكون قاضيا، لأن يدخل الرجل أصبعه في عينيه فيقلعهما ويرمي بهما خير له من أن يكون قاضيا.
وقيل أول من أظهر الجور من القضاة بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، كان أمير البصرة وقاضيا فيها وكان يقول إن الرجلين يتقدمان إلي فأجد أحدهما أخف على قلبي من الآخر فأقضي له.
وتقدم المأمون بين يدي القاضي يحيى بن أكثم مع رجل ادعى عليه بثلاثين ألف دينار، فطرح للمأمون مصلّى يجلس عليه فقال له يحيى: لا تأخذ على خصمك شرف المجلس، ولم يكن للرجل بينة، فأراد أن يحلف المأمون فدفع إليه المأمون ثلاثين ألف دينار وقال: والله ما دفعت لك هذا المال إلا خشية أن تقول العامة أني تناولتك من جهة القدرة ثم أمر ليحيى بمال وأجزل عطاءه.
وقدم خادم من وجوه خدم المعتضد بالله إلى أبي يوسف بن يعقوب في حكم فارتفع الخادم على خصمه في المجلس فزجره الحاجب عن ذلك فلم يقبل، فقال أبو يوسف: قم، أتؤمر أن تقف بمساواة خصمك في المجلس فتمتنع، يا غلام ائتني بعمرو بن أبي عمرو النخّاس «3» فإنه إن قدم عليّ الساعة أمرته ببيع هذا العبد وحمل ثمنه إلى أمير المؤمنين، ثم إن الحاجب أخذ بيده حتى أوقفه بمساواة خصمه فلما انقضى الحكم رجع الخادم إلى المعتضد وبكى بين يديه وأخبره بالقصة، فقال له: لو باعك لأجزت بيعه ولم أردك إلى ملكي، فليست منزلتك عندي تزن رتبة المساواة بين الخصمين في الحكم فإن ذلك عمود السلطان وقوام الأديان. والله تعالى أعلم.
وقال العكلي يمدح بعض القضاة:
رفضت وعطلت الحكومة قبله ... في آخرين وملّها روّاضها
حتى إذا ما قام ألّف بينها ... بالحق حتى جمّعت أوفاضها «4»
وفي ضد ذلك قول بعضهم:
أبكي وأندب ملّة الإسلام ... إذ صرت تقعد مقعد الحكّام
إنّ الحوادث ما علمت كبيرة ... وأراك بعض حوادث الأيام
(1/109)

وتقدمت إمرأة إلى قاض، فقال لها: جامعك شهودك، فسكتت، فقال كاتبه: إن القاضي يقول لك جاء شهودك معك، قالت: نعم، هلا قلت مثل ما قال كاتبك كبر سنّك وقلّ عقلك وعظمت لحيتك حتى غطت على لبك، ما رأيت ميتا يقضي بين الأحياء غيرك.
وقيل: المضروب بهم المثل في الجهل وتحريف الأحكام، قاضي منى وقاضي كسكر وقاضي أيدج، وهو الذي قال فيه أبو إسحاق الصابي:
يا ربّ علج أعلج ... مثل البعير الأهوج «1»
رأيته مطلعا ... من خلف باب مرتج «2»
وخلفه عذيبة ... تذهب طورا وتجي «3»
فقلت من هذا ترى ... فقيل قاضي أيدج
وقاضي شلبة وهو الذي قال فيه أبو الحسن الجوهري:
رأيت رأسا كدبّه ... ولحية كالمذبة «4»
فقلت من أنت قل لي ... فقال قاضي شلبه
وتقدمت امرأة جميلة إلى الشعبي فادّعت عنده فقضى لها، فقال هذيل الأشجعي:
فتن الشعبيّ لما ... رفع الطرف إليها
فتنته ببنان ... كيف لو رأى معصميها
ومشت مشيا رويدا ... ثم هزت منكبيها
فقضى جورا على الخصم ... ولم يقض عليها
فتناشدها الناس وتداولوها حتى بلغت الشعبي فضرب الأشجعي ثلاثين سوطا.
وحكى ابن أبي ليلى قال: انصرف الشعبي يوما من مجلس القضاء ونحن معه فمررنا بخادمة تغسل الثياب وهي تقول: فتن الشعبي لما. وأعادته ولم تعرف بقية البيت فلقنها الشعبي وقال: رفع الطرف إليها. ثم قال أبعده الله أما أنا فما قضيت إلا بالحق. وأنشد بعضهم في أمين الحكم:
تتماوتنّ إذا مشيت تخشّعا ... حتّى تصيب وديعة ليتيم
الفصل الثاني في الرشوة والهدية على الحكم وما جاء في الديون
أما الرشوة، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لعن الله الراشي والمرتشي. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا تولوا اليهود ولا النصارى فإنهم يقبلون الرشا ولا يحل في دين الله الرشا، قال الشهيدي: وأصحابنا اليوم أقبل للرشا منهم.
وفي نوابغ الحكم: «إن البراطيل تنصر الأباطيل» .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: من شفع شفاعة ليرد بها حقا أو يدفع بها ظلما، فأهدي له فقبل فذلك السحت «5» ، فقيل له، ما كنا نرى السحت إلا الأخذ على الحكم، قال: الأخذ على الحكم كفر.
وأنشد المبرد رحمه الله تعالى:
وكنت إذا خاصمت خصما كببته ... على الوجه حتى خاصمتني الدراهم
فلما تنازعنا الحكومة غلّبت ... عليّ وقالت: قم فإنك ظالم
وأما الدين وما جاء فيه نعوذ بالله من غلبة الدين وقدر الرجال فقد روي عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من تداين بدين وفي نفسه وفاؤه ثم مات، تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء. ومن تداين بدين وليس في نفسه وفاؤه ثم مات، اقتص الله لغريمه منه يوم القيامة.
رواه الحاكم.
(1/110)

وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي له بجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل، ويسأل عن دينه فإن قيل عليه دين كف عن الصلاة عليه، وإن قيل ليس عليه دين صلّى عليه، فأتي بجنازة، فلما قام ليكبر صلى الله عليه وسلم قال: هل على صاحبكم من دين؟ فقالوا: ديناران يا رسول الله، فعدل النبي صلى الله عليه وسلم عنه وقال: صلوا على صاحبكم، فقال علي كرم الله وجهه:
هما عليّ يا رسول الله وهو بريء منهما، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلّى عليه، ثم قال لعلي رضي الله عنه:
جزاك الله عنه خيرا، فك الله رهانك كما فككت رهان أخيك، إنه ليس من ميت يموت وعليه دين إلا وهو مرتهن بدينه، ومن فك رهان ميت فك الله رهانه يوم القيامة.
وقال بعض الحكماء: الدين هم بالليل وذل بالنهار، وهو غل «1» جعله الله في أرضه، فإذا أراد الله أن يذل عبدا جعله طوقا في عنقه.
وجاء سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يتقاضى دينا له على رجل، فقالوا: خرج إلى الغزو، فقال أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو أن رجلا قتل في سبيل الله، ثم أحيي، ثم قتل لم يدخل الجنة حتى يقضي دينه.
وعن الزهري قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على أحد عليه دين، ثم قال بعد: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم من مات وعليه دين فعليّ قضاؤه» ثم صلى عليهم.
وعن جابر: لا همّ إلا هم الدين ولا وجع إلا وجع العين. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
من تزوج امرأة بصداق ينوي أن لا يؤديه إليها، فهو زان، ومن استدان دينا ينوي أن لا يقضيه فهو سارق، وقال حبيب بن ثابت: ما احتجت إلى شيء أستقرضه إلا استقرضته من نفسي، أراد أنه يصبر إلى أن تمكن الميسرة، ونظيره قول القائل:
وإذا غلا شيء عليّ تركته ... فيكون أرخص ما يكون إذا غلا
وقال بعضهم أيضا:
لقد كان القريض سمير قلبي ... فألهتني القروض عن القريض
وقال غيلان بن مرة التميمي:
وإني لأقضي الدّين بالدين بعدما ... يرى طالبي بالدين أن لست قاضيا
فأجابه ثعلبة بن عمير:
إذا ما قضيت الدين بالدين لم يكن ... قضاء ولكن ذاك غرم على غرم
واستقرض من الأصمعي خليل له فقال: حبا وكرامة، ولكن سكّن قلبي برهن يساوي ضعف ما تطلبه، فقال: يا أبا سعيد أما تثق بي؟ قال: بلى، وإن خليل الله كان واثقا بربه، وقد قال له: وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
«2» ، اللهم أوف عنّا دين الدنيا بالميسرة، ودين الآخرة بالمغفرة، برحمتك يا أرحم الراحمين.
الفصل الثالث في ذكر القصّاص والمتصوفة وما جاء في الرياء ونحو ذلك
أما ما جاء في ذكر القصاص والمتصوفة:
فقد روي عن خباب بن الأرت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بني إسرائيل لما قصّوا هلكوا. وروي أن كعبا كان يقص، فلما سمع الحديث ترك القصص.
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: لم يقص أحد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وإنما كان القصص حين كانت الفتنة.
وقال ابن المبارك: سألت الثوري، من الناس؟ قال العلماء، قلت: فمن الأشراف؟ قال: المتقون، قلت:
فمن الملوك؟ قال: الزهاد، قلت: فمن الغوغاء؟ قال:
القصّاص الذين يستأصلون أموال الناس بالكلام، قلت:
فمن السفهاء؟ قال: الظلمة. قيل: وهب رجل لقاص خاتما بلا فص، فقال وهب الله لك في الجنة غرفة بلا سقف. وقال قيس بن جبير النهشلي، الصعقة التي عند القصاص من الشيطان. وقيل لعائشة رضي الله عنها: إن أقواما إذا سمعوا القرآن صعقوا، فقالت: القرآن أكرم وأعظم من أن تذهب منه عقول الرجال. وسئل ابن سيرين عن أقوام يصعقون عند سماع القرآن، فقال: ميعاد ما بيننا وبينهم أن يجلسوا على حائط، فيقرأ عليهم القرآن من أوله إلى آخره فإن صعقوا، فهو كما قالوا. وكان بمرو قاص يبكي بمواعظه، فإذا طال مجلسه بالبكاء أخرج من كمه طنبورا صغيرا فيحركه ويقول: مع هذا الغم الطويل يحتاج إلى فرح ساعة.
وقال بعضهم: قلت لصوفي بعني جبتك، فقال: إذا باع
(1/111)

الصياد شبكته فبأي شيء يصيد. وسئل بعض العلماء عن المتصوفة، فقال: أكلة رقصة، ووعظ عيسى عليه السلام بني إسرائيل، فأقبلوا يمزقون الثياب، فقال: ما ذنب الثياب، أقبلوا على القلوب فعاتبوها.
وأما ما جاء في الرياء:
فقد قال الله تعالى: يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
«1» .
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معاذ احذر أن يرى عليك آثار المحسنين، وأنت تخلو من ذلك فتحشر مع المرائين» .
وقيل: لو أن رجلا عمل عملا من البر فكتمه ثم أحب أن يعلم الناس أنه كتمه، فهو من أقبح الرياء.
وقيل: كل ورع يحب صاحبه أن يعلمه غير الله، فليس من الله في شيء. وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» ، قالوا: ما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال:
«الرياء» «2» . وقيل: بينما عابد يمشي ومعه غمامة على رأسه تظله، فجاء رجل يريد أن يستظل معه، فمنعه. وقال إن أقمت معي لم يعلم الناس أن الغمامة تظلني، فقال له الرجل قد علم الناس أنني لست ممن تظله الغمامة، فحولها الله تعالى إلى ذلك الرجل.
وقال عبد الأعلى السلمي يوما: الناس يزعمون أني مراء وكنت أمس والله صائما ولا أخبرت بذلك أحدا. اللهم أصلح فساد قلوبنا واستر فضائحنا برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب التاسع عشر في العدل والإحسان والإنصاف وغير ذلك
إعلم أرشدك الله أن الله تعالى أمر بالعدل، ثم علم سبحانه وتعالى أنه ليس كل النفوس تصلح على العدل بل تطلب الإحسان وهو فوق العدل فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى
«3» الآية. فلو وسع الخلائق العدل ما قرن الله به الإحسان. والعدل ميزان الله تعالى في الأرض الذي يؤخذ به للضعيف من القوي والمحق من المبطل.
واعلم أن عدل الملك يوجب محبته، وجوره يوجب الافتراق عنه، وأفضل الأزمنة ثوابا أيام العدل.
وروينا من طريق أبي نعيم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لعمل الإمام العادل في رعيته يوما واحدا أفضل من عمل العابد في أهله مائة عام أو خمسين عاما» «4» .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة» . وروينا في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماء» .
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لكعب الأحبار: أخبرني عن جنة عدن، قال: يا أمير المؤمنين لا يسكنها إلا نبي أو صديق أو شهيد أو إمام عادل، فقال عمر: والله ما أنا نبي، وقد صدقت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما الإمام العادل، فإني أرجو أن لا أجور، وأما الشهادة فأنّى لي بها. قال الحسن: فجعله الله صديقا شهيدا حكما عدلا.
وسأل الإسكندر حكماء أهل بابل: إيما أبلغ عندكم؟
الشجاعة أو العدل، قالوا إذا استعملنا العدل استغنينا به عن الشجاعة.
ويقال: عدل السلطان أنفع من خصب الزمان. وقيل:
إذا رغب السلطان عن العدل رغبت الرعية عن طاعته.
وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يشكو إليه من خراب مدينته ويسأله مالا يرمّها به «5» ، فكتب إليه عمر قد فهمت كتابك، فإذا قرأت كتابي، فحصن مدينتك بالعدل، ونق طرقها من الظلم، فإنه مرمتها والسلام. ويقال: إن الحاصل من خراج سواد العراق في
(1/112)

زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان مائة ألف ألف وسبعة وثلاثين ألف ألف، فلم يزل يتناقص حتى صار في زمن الحجاج ثمانية عشر ألف ألف. فلما ولي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ارتفع في السنة الأولى إلى ثلاثين ألف ألف، وفي الثانية إلى ستين ألف ألف، وقيل أكثر. وقال: إن عشت لأبلغنه إلى ما كان في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فمات في تلك السنة.
ومن كلام كسرى: لا ملك إلا بالجند، ولا جند إلا بالمال، ولا مال إلا بالبلاد ولا بلاد إلا بالرعايا، ولا رعايا إلا بالعدل.
ولما مات سلمة بن سعيد كان عليه ديون للناس ولأمير المؤمنين المنصور، فكتب المنصور لعامله استوف لأمير المؤمنين حقه، وفرق ما بقي بين الغرماء، فلم يلتفت إلى كتابه، وضرب للمنصور بسهم من المال، كما ضرب لأحد الغرماء، ثم كتب للمنصور: إني رأيت أمير المؤمنين كأحد الغرماء، فكتب إليه المنصور: ملئت الأرض بك عدلا.
وكان أحمد بن طولون والي مصر متحليا بالعدل مع تجبره وسفكه للدماء، وكان يجلس للمظالم وينصف المظلوم من الظالم.
حكي أن ولده العباس استدعى بمغنية وهو يصطبح يوما، فلقيها بعض صالحي مصر ومعها غلام يحمل عودها فكسره، فدخل العباس إليه وخبره بذلك، فأمره بإحضار ذلك الرجل الصالح، فلما أحضر إليه قال: أنت الذي كسرت العود، قال: نعم. قال: أفعلمت لمن هو؟ قال:
نعم هو لابنك العباس، قال: أفما أكرمته لي، قال أكرمه لك بمعصية الله عز وجل، والله تعالى يقول: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
«1» . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فأطرق أحمد بن طولون عند ذلك، ثم قال: كل منكر رأيته فغيره وأنا من ورائك «2» . ووقف يهودي لعبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين إن بعض خاصتك ظلمني فأنصفني منه وأذقني حلاوة العدل، فأعرض عنه، فوقف له ثانيا، فلم يلتفت إليه، فوقف له مرة ثالثة، وقال يا أمير المؤمنين إنا نجد في التوراة المنزّلة على كليم الله موسى صلوات الله وسلامه عليه: إن الإمام لا يكون شريكا في ظلم أحد حتى يرفع إليه فإذا رفع إليه ذلك ولم يزله، فقد شاركه في الظلم والجور. فلما سمع عبد الملك كلامه فزع وبعث في الحال إلى من ظلمه، فعزله وأخذ لليهودي حقه منه.
وروي أن رجلا من العقلاء غصبه بعض الولاة ضيعة له، فأتى إلى المنصور، فقال له: أصلحك الله يا أمير المؤمنين أأذكر لك حاجتي أم أضرب لك قبلها مثلا؟
فقال: بل اضرب المثل. فقال: إن الطفل الصغير إذا نابه أمر يكرهه فإنما يفزع إلى أمه إذ لا يعرف غيرها وظنا منه أن لا ناصر له غيرها، فإذا ترعرع واشتد كان فراره إلى أبيه، فإذا بلغ وصار رجلا وحدث به أمر شكاه إلى الوالي لعلمه أنه أقوى من أبيه، فإذا زاد عقله شكاه إلى السلطان لعلمه أنه أقوى مما سواه، فإن لم ينصفه السلطان شكاه إلى الله تعالى لعلمه أنه أقوى من السلطان، وقد نزلت بي نازلة، وليس أحد فوقك أقوى منك إلا الله تعالى، فإن أنصفتني وإلا رفعت أمري إلى الله تعالى في الموسم، فإني متوجه إلى بيته وحرمه. فقال المنصور: بل ننصفك، وأمر أن يكتب إلى واليه بردّ ضيعته إليه.
وكان الإسكندر يقول: «يا عباد الله إنما إلهكم الله الذي في السماء الذي نصر نوحا بعد حين، الذي يسقيكم الغيث عند الحاجة، وإليه مفزعكم «3» عند الكرب، والله لا يبلغني أن الله تعالى أحب شيئا إلا أحببته واستعملته إلى يوم أجلي، ولا أبغض شيئا إلا أبغضته وهجرته إلى يوم أجلي، وقد أنبئت أن الله تعالى يحب العدل في عباده ويبغض الجور من بعضهم على بعض، فويل للظالم من سيفي وسوطي، ومن ظهر منه العدل من عمالي، فليتكىء في مجلسي كيف شاء، وليتمن على ما شاء فلن تخطئه أمنيته، والله تعالى المجازي كلا بعمله «4» .
ويقال: إذا لم يعمر الملك ملكه بالإنصاف خرب ملكه بالعصيان.
وقيل: مات بعض الأكاسرة فوجدوا له سفطا، ففتح، فوجد فيه حبة رمان كأكبر ما يكون من النوى معها رقعة مكتوب فيها: هذه من حب رمان عمل في خراجه بالعدل.
(1/113)

وقيل: تظلّم أهل الكوفة من واليهم، فشكوه إلى المأمون، فقال ما علمت في عمالي أعدل ولا أقوم بأمر الرعية وأعود بالرفق عليهم منه، فقال رجل منهم: يا أمير المؤمنين ما أحد أولى بالعدل والإنصاف منك، فإن كان بهذه الصفة فعلى أمير المؤمنين أن يوليه بلدا بلدا حتى يلحق كل بلد من عدله مثل الذي لحقنا ويأخذ بقسطه منه كما أخذنا، وإذا فعل ذلك لم يصبنا منه أكثر من ثلاث سنين، فضحك المأمون من قوله وعزله عنهم.
وقدم المنصور البصرة قبل الخلافة، فنزل بواصل بن عطاء «1» وقال: بلغني أبيات عن سليم بن يزيد العدوي في العدل، فقم بنا إليه، فأشرف عليهم من غرفة، فقال لواصل من هذا الذي معك؟ قال: عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم، فقال: رحب على رحب، وقرب على قرب، فقال: أنه يحب أن يسمع أبياتك في العدل، فقال: سمعا وطاعة، وأنشد يقول:
حتى متى لا نرى عدلا نسرّ به ... ولا نرى لولاة الحق أعوانا
مستمسكين بحق قائمين به ... إذا تلوّن أهل الجور ألوانا
يا للرجال لداء لا دواء له ... وقائد ذي عمىّ يقتاد عميانا
فقال المنصور: وددت لو أني رأيت يوم عدل «2» ثم مت.
وقيل: لما ولي عمر بن عبد العزيز أخذ في رد المظالم، فابتدأ بأهل بيته، فاجتمعوا إلى عمة له كان يكرمها وسألوها أن تكلمه، فقال لها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سلك طريقا، فلما قبض سلك أصحابه ذلك الطريق الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قضي الأمر إلى معاوية جره يمينا وشمالا، وأيم الله لئن مدّ في عمري لأردنه إلى ذلك الطريق الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فقالت له: يا ابن أخي إني أخاف عليك منهم يوما عصيبا، فقال كل يوم أخافه دون يوم القيامة، فلا أمننيه الله.
وقال وهب بن منبه: إذا هم الوالي بالجور أو عمل به أدخل الله النقص في أهل مملكته في الأسواق والزروع والضروع «3» وكل شيء، وإذا همّ بالخير والعدل أو عمل به أدخل الله البركة في أهل مملكته كذلك.
قال الوليد بن هشام: إن الرعية لتصلح بصلاح الوالي وتفسد بفساده.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أن ملكا من الملوك خرج يسير في مملكته متنكرا، فنزل على رجل له بقرة تحلب قدر ثلاث بقرات، فتعجب الملك من ذلك وحدثته نفسه بأخذها، فلما كان من الغد حلبت له النصف مما حلبت بالأمس، فقال له الملك: ما بال حلبها نقص أرعت في غير مرعاها بالأمس؟ فقال: لا ولكن أظن أن ملكنا رآها أو وصله خبرها فهمّ بأخذها، فنقص لبنها، فإن الملك إذا ظلم أو همّ بالظلم ذهبت البركة. فتاب الملك وعاهد ربه في نفسه أن لا يأخذها ولا يحسد أحدا من الرعية، فلما كان من الغد حلبت عادتها.
ومن المشهور بأرض المغرب أن السلطان بلغه أن امرأة لها حديقة فيها القصب الحلو وأن كل قصبة منها تعصر قدحا، فعزم الملك على أخذها منها، ثم أتاها وسألها عن ذلك، فقالت: نعم، ثم إنها عصرت قصبة، فلم يخرج منها نصف قدح، فقال لها: أين الذي كان يقال؟
فقالت: هو الذي بلغك إلا أن يكون السلطان قد عزم على أخذها مني، فارتفعت البركة منها، فتاب الملك وأخلص لله النية وعاهد الله أن لا يأخذها منها أبدا، ثم أمرها فعصرت قصبة منها فجات ملء قدح.
وحكى سيدي أبو بكر الطرطوشي رحمه الله في كتابه «سراج الملوك» قال: حدثني بعض الشيوخ ممن كان يروي الأخبار بمصر قال: كان بصعيد مصر نخلة تحمل عشرة أرادب ولم يكن في ذلك الزمان نخلة تحمل نصف ذلك، فغصبها السلطان، فلم تحمل شيئا في ذلك العام، ولا تمرة واحدة. وقال لي شيخ من أشياخ الصعيد: أعرف هذه النخلة وقد شاهدتها وهي تحمل عشرة أرادب وستين ويبة وكان صاحبها يبيعها في سني الغلاء كل ويبة بدينار.
وحكي أيضا رحمه الله تعالى قال: شهدت في الإسكندرية والصيد مطلق للرعية السمك يطفو على الماء لكثرته، وكانت الأطفال تصيده بالخرق من جانب البحر، ثم حجزه الوالي ومنع الناس من صيده، فذهب السمك حتى لا يكاد يوجد إلى يومنا هذا، وهكذا تتعدى سرائر الملوك وعزائمهم ومكنون ضمائرهم إلى الرعية إن خيرا
(1/114)

فخير وإن شرا فشر.
وروى أصحاب التواريخ في كتبهم قالوا كان الناس إذا أصبحوا في زمان الحجاج يتساءلون إذا تلاقوا من قتل البارحة ومن صلب ومن جلد ومن قطع وما أشبه ذلك، وكان الوليد بن هشام صاحب ضياع واتخاذ مصانع فكان الناس يتساءلون في زمانه عن البنيان والمصانع والضياع وشق الأنهار وغرس الأشجار، ولما ولي سليمان بن عبد الملك وكان صاحب طعام ونكاح كان الناس يتحدثون ويتساءلون في الأطعمة الرفيعة ويتغالون في المناكح والسراري ويعمرون مجالستهم بذكر ذلك، ولما ولي عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه كان الناس يتساءلون كم تحفظ من القرآن وكم وردك كل ليلة وكم يحفظ فلان وكم يختم وكم يصوم من الشهر وما أشبه ذلك «1» .
فينبغي للإمام أن يكون على طريقة الصحابة والسلف رضي الله عنهم ويقتدي بهم في الأقوال والأفعال فمن خالف ذلك فهو لا محالة هالك وليس فوق السلطان العادل منزلة إلا نبي مرسل أو ملك مقرب.
وقد قيل إن مثله كمثل الرياح التي يرسلها الله تعالى بشرا بين يدي رحمته فيسوق بها السحاب ويجعلها لقاحا للثمرات وروحا للعباد.
ولو تتبعت ما جاء في العدل والإنصاف وفضل الإمام العادل لألّفت في ذلك مجموعا جامعا لهذا المعنى ولكن اقتصرت على ما ذكرته مخافة أن يمله الناظر ويسأمه السامع، وبالله التوفيق إلى أقوم طريق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب العشرون في الظلم وشؤمه وسوء عواقبه وذكر الظلمة وأحوالهم وغير ذلك
قال الله تعالى: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
«2» وقال تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
«3» قيل: هذا تسلية للمظلوم ووعيد للظالم وقال تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها
«4» وقال تعالى:
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
«5» .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم خرج من الإسلام» . وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: «رحم الله عبدا كان لأخيه قبله مظلمة في عرض أو مال فأتاه فتحلله منها قبل أن يأتي يوم القيامة وليس معه دينار ولا درهم» . وقال أيضا: صلى الله عليه وسلم «من اقتطع حق امرىء مسلم أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة» ، فقال له رجل: يا رسول الله ولو كان شيئا يسيرا، قال: «ولو كان قضيبا من أراك» .
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أوحى الله تعالى إلي يا أخا المرسلين يا أخا المنذرين أنذر قومك فلا يدخلوا بيتا من بيوتي ولأحد من عبادي عند أحد منهم مظلمة، فإني ألعنه ما دام قائما يصلي بين يدي حتى يرد تلك الظلامة إلى أهلها فأكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويكون من أوليائي وأصفيائي ويكون جاري مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الجنة» .
وعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إياك ودعوة المظلوم فإنما يسأل الله تعالى حقه» ، وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من عبد ظلم فشخص ببصره إلى السماء «6» إلا قال الله عز وجل لبيك عبدي حقا لأنصرنك ولو بعد حين» ، وعنه أيضا أنه قال: ألا إن الظلم ثلاثة فظلم لا يغفر وظلم لا يترك وظلم مغفور لا يطلب، فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله والعياذ بالله تعالى، قال الله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
«7» وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا «8» ، وأما الظلم المغفور الذي لا يطلب فظلم العبد نفسه.
ومر رجل برجل قد صلبه الحجاج فقال: يا رب إن
(1/115)

حلمك على الظالمين قد أضر بالمظلومين، فنام تلك الليلة فرأى في منامه أن القيامة قد قامت وكأنه قد دخل الجنة، فرأى ذلك المصلوب في أعلى عليين وإذا مناد ينادي حلمي على الظالمين أحل المظلومين في أعلى عليين.
وقيل: من سلب نعمة غيره سلب نعمته غيره. وسمع مسلم بن بشار رجلا يدعو على من ظلمه فقال له كل الظالم إلى ظلمه فهو أسرع فيه من دعائك «1» .
ويقال: من طال عدوانه زال سلطانه، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم، ورئي لوح في أفق السماء مكتوب فيه لا إله إلا الله محمد رسول الله وتحته هذا البيت:
فلم أر مثل العدل للمرء رافعا ... ولم أر مثل الجور للمرء واضعا
وقال الشاعر:
كنت الصحيح وكنّا منك في سقم ... فإن سقمت فإنا السالمون غدا
دعت عليك أكف طالما ظلمت ... ولن تردّ يد مظلومة أبدا
وكان معاوية يقول: إني لأستحي أن أظلم من لا يجد عليّ ناصرا إلا الله، وقال أبو العيناء كان لي خصوم ظلمة فشكوتهم إلى أحمد بن أبي دؤاد وقلت: قد تضافروا علي وصاروا يدا واحدة، فقال: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
«2» فقلت له: إن لهم مكرا، فقال: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
«3» ، قلت: هم فئة كثيرة فقال: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ
«4» .
وقال يوسف بن أسباط: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه وإن كان أخاه لأبيه وأمه» ، وقال مجاهد:
يسلط الله على أهل النار الجرب فيحكوم أجسادهم حتى تبدو العظام فيقال لهم: هل يؤذيكم هذا فيقولون: إي والله فيقال لهم هذا بما كنتم تؤذون المؤمنين.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لما كشف الله العذاب عن قوم يوسف عليه السلام ترادوا المظالم بينهم حتى كان الرجل ليقلع الحجر من أساسه فيرده إلى صاحبه.
وقال أبو ثور بن يزيد: الحجر في البنيان من غير حلّه عربون على خرابه. وقال غيره: لو أن الجنة وهي دار البقاء أسست على حجر من الظلم لأوشك أن تخرب.
وقال بعض الحكماء: اذكر عند الظلم عدل الله فيك وعند القدرة قدرة الله عليك، لا يعجبك رحب الذراعين سفّاك الدماء فإن له قاتلا لا يموت.
وقال سحنون بن سعيد: كان يزيد بن حاتم يقول: ما هبت شيئا قط هيبتي من رجل ظلمته وأنا أعلم أن لا ناصر له إلا الله فيقول حسبك الله، الله بيني وبينك.
وقال بلاد بن مسعود: اتق الله فيمن لا ناصر له إلا الله.
وبكى علي بن الفضل يوما فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي على من ظلمني إذا وقف غدا بين يدي الله تعالى ولم تكن له حجة.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد له ناصرا غيري» . ونادى رجل سليمان بن عبد الملك وهو على المنبر: يا سليمان اذكر يوم الأذان، فنزل سليمان من على المنبر ودعا بالرجل فقال له ما يوم الأذان؟ فقال: قال الله تعالى: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
«5» قال: فما ظلامتك؟
قال: أرض لي بمكان كذا وكذا أخذها وكيلك، فكتب إلى وكيله: ادفع إليه أرضه وأرضا مع أرضه.
وروي أن كسرى أنوشروان كان له معلم حسن التأديب يعلمه حتى فاق في العلوم فضربه المعلم يوما من غير ذنب فأوجعه فحقد أنوشروان عليه، فلما ولي الملك قال للمعلم: ما حملك على ضربي يوم كذا وكذا ظلما؟ فقال له: لما رأيتك ترغب في العلم رجوت لك الملك بعد أبيك فأحببت أن أذيقك ظعم الظلم لئلا تظلم، فقال أنوشروان: زه زه «6» .
وقال محمد سويد وزير المأمون:
فلا تأمننّ الدّهر حرّا ظلمته ... فما ليل حرّ إن ظلمت بنائم
وروي أن بعض الملوك رقم على بساطه:
(1/116)

لا تظلمنّ إذا ما كنت مقتدرا ... فالظلم مصدره يفضي إلى النّدم
تنام عيناك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم
وما أحسن ما قال الآخر:
أتهزأ بالدعاء وتزدريه ... وما تدري بما صنع الدعاء
سهام الليل نافذة ولكن ... لها أمد «1» وللأمد انقضاء
فيمسكها إذا ما شاء ربيّ ... ويرسلها إذا نفذ القضاء «2»
وقال أبو الدرداء: إياك ودمعة اليتيم ودعوة المظلوم فإنها تسري بالليل والناس نيام، وقال الهيثم بن فراس السامي من بني سامة بن لؤي في الفضل بن مروان:
تجبرت يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل
ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... أبادهم الموت المشتّت والقتل
يريد الفضل بن الربيع والفضل بن يحيى والفضل بن سهل.
ووجد تحت فراش يحيى بن خالد البرمكي رقعة مكتوب فيها:
وحق الله إنّ الظلم لؤم ... وأنّ الظلم مرتعه وخيم
إلى ديّان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم
ووجد القاسم بن عبيد الله وزير المكتفي في مصلاه رقعة مكتوبا فيها:
بغى وللبغي سهام تنتظر أنفذ في الأحشاء من وخز الإبر سهام أيدي القانتين في السحر وقال المنصور بن المعتمر لابن هبيرة حين أراد أن يوليه القضاء: ما كنت لألي «3» هذا بعدما حدثني إبراهيم، قال:
وما حدثك إبراهيم؟ قال: حدثني عن علقمة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الظلمة وأعوان الظلمة وأشياع الظلمة حتى من برى لهم قلما أو لاق «4» لهم دواة، فيجمعون في تابوت من حديد ثم يرمى بهم في نار جهنم.
وروى هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال:
جلس أبي للمظالم يوما فلما انقضى المجلس رأى رجلا جالسا فقال له: ألك حاجة؟ قال: نعم. أدنني إليك فإني مظلوم وقد أعوزني العدل والإنصاف.
قال: ومن ظلمك؟
قال: أنت ولست أصل إليك فأذكر حاجتي.
قال: وما يحجبك، وقد ترى مجلسي مبذولا؟
قال: يحجبني عنك هيبتك وطول لسانك وفصاحتك.
قال: ففيم ظلمتك؟
قال: في ضيعتي الفلانية أخذها وكيلك غصبا مني بغير ثمن فإذا وجب عليها خراج أديته باسمي لئلا يثبت لك اسم في ملكها فيبطل ملكي فوكيلك يأخذ غلتها وأنا أؤدي خراجها وهذا لم يسمع بمثله في المظالم.
فقال له محمد: هذا قول تحتاج معه إلى بينة وشهود وأشياء.
فقال له الرجل: أيؤمنني الوزير من غضبه حتى أجيب؟
قال: نعم قد أمنتك. قال: البينة هم الشهود وإذا شهدوا فليس يحتاج معهم إلى شيء آخر فما معنى قولك بينة وشهود وأشياء وأي شيء هذه الأشياء إن هي إلا الجور وعدولك عن العدل؟
فضحك محمد وقال: صدقت والبلاء موكل بالمنطق وإني لأرى فيك مصطنعا ثم وقع له مائة دينار يستعين بها على عمارة ضيعته وصيره من أصحابه فكان قبل أن يتوصل إلى الإنصاف واعادة ضيعته له، يقال له يا فلان كيف الناس فيقول: بشر بين مظلوم لا ينصر وظالم لا ينتصر، فلما صار من أصحاب محمد بن عبد الملك ورد عليه ضيعته وأنصفه قال له ليلة: كيف الناس الآن؟
قال: بخير.
قال: اعتمدت معهم الإنصاف ورفعت عنهم الإجحاف ورددت عليهم الغصوب وكشفت عنهم الكروب وأنا أرجو
(1/117)

لهم ببقائك نيل كل مرغوب والفوز بكل مطلوب.
ومما نقل في الآثار الإسرائيلية في زمان موسى صلوات الله وسلامه عليه أن رجلا من ضعفاء بني إسرائيل كان له عائلة وكان صيادا يصطاد السمك ويقوت منه أطفاله وزوجته؛ فخرج يوما للصيد فوقع في شبكته سمكة كبيرة ففرح بها ثم أخذها ومضى إلى السوق ليبيعها ويصرف ثمنها في مصالح عياله، فلقيه بعض العوانية فرأى السمكة معه فأراد أخذها منه فمنعه الصياد، فرفع العواني خشبة كانت بيده فضرب بها رأس الصياد ضربة موجعة وأخذ السمكة منه غصبا بلا ثمن. فدعا الصياد عليه وقال: إلهي جعلتني ضعيفا وجعلته قويا عنيفا، فخذ لي بحقي منه عاجلا فقد ظلمني ولا صبر لي إلى الآخرة، ثم إن ذلك الغاصب الظالم انطلق بالسمكة إلى منزله وسلمها إلى زوجته وأمرها أن تشويها فلما شوتها قدمتها له ووضعتها بين يديه على المائدة ليأكل منها ففتحت السمكة فاها ونكزته في أصبع يده نكزة طار بها عقله وصار لا يقر بها قراره فقام وشكا إلى الطبيب ألم يده وما حل به فلما رآها قال له: دواؤها أن تقطع الأصبع لئلا يسري الألم إلى بقية الكف، فقطع أصبعه فانتقل الألم والوجع إلى الكف واليد وازداد التألم وارتعدت من خوفه فرائصه فقال له الطبيب ينبغي أن تقطع اليد إلى المعصم لئلا يسري الألم إلى الساعد فقطعها فانتقل الألم إلى الساعد فما زال هكذا كلما قطع عضوا انتقل الألم إلى العضو الآخر الذي يليه.
فخرج هائما على وجهه مستغيثا إلى ربه ليكشف عنه ما نزل به، فرأى شجرة فقصدها فأخذه النوم عندها فنام فرأى في منامه قائلا يقول: يا مسكين إلى كم تقطع أعضاءك، امض إلى خصمك الذي ظلمته فأرضه، فانتبه من النوم وفكر في أمره فعلم أن الذي أصابه من جهة الصياد، فدخل المدينة وسأل عن الصياد وأتى إليه فوقع بين يديه يتمرغ على رجليه وطلب منه الإقالة مما جناه «1» ، ودفع إليه شيئا من ماله وتاب من فعله فرضي عنه خصمه الصياد فسكن في الحال ألمه وبات تلك الليلة فرد الله تعالى عليه يده كما كانت. ونزل الوحي على موسى عليه السلام يا موسى وعزتي وجلالي لولا أن ذلك الرجل أرضى خصمه لعذبته مهما امتدت به حياته.
ومما تضمنته أخبار الأخيار ما رواه أنس رضي الله عنه قال: بينما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قاعد إذ جاءه رجل من أهل مصر فقال: يا أمير المؤمنين هذا مقام العائذ بك.
فقال عمر رضي الله عنه: لقد عذت بمجير فما شأنك؟
فقال: سابقت بفرسي ابنا لعمرو بن العاص، وهو يومئذ أمير على مصر، فجعل يقنعني «2» بسوطه ويقول أنا ابن الأكرمين فبلغ ذلك عمرا أباه فخشي أن آتيك فحبسني في السجن فانفلتّ منه، فهذا الحين أتيتك.
فكتب إلى عمرو بن العاص إذا أتاك كتابي هذا فاشهد الموسم أنت وولدك فلان، وقال للمصري: أقم حتى يأتيك، فأقام حتى قدم عمرو وشهد موسم الحج فلما قضى عمر الحج وهو قاعد مع الناس وعمرو بن العاص وابنه إلى جانبه قام المصري فرمى إليه عمر رضي الله عنه بالدرة، قال أنس رضي الله عنه: فلقد ضربه ونحن نشتهي أن يضربه فلم ينزع حتى أحببنا أن ينزع من كثرة ما ضربه، وعمر يقول: إضرب ابن الأكرمين.
قال: يا أمير المؤمنين قد استوفيت واشتفيت.
قال: ضعها على ضلع عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين:
لقد ضربت الذي ضربني، قال: أما والله لو فعلت ما منعك أحد حتى تكون أنت الذي تنزع؛ ثم أقبل على عمرو بن العاص وقال: يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟
فجعل عمرو يعتذر إليه ويقول: إني لم أشعر بهذا.
وقيل: لما ظلم أحمد بن طولون قبل أن يعدل استغاث الناس من ظلمه وتوجهوا إلى السيدة نفيسة يشكونه إليها فقالت لهم: متى يركب؟ قالوا: في غد.
فكتبت رقعة ووقفت بها في طريقه وقالت: يا أحمد يا ابن طولون فلما رآها عرفها فترجل عن فرسه وأخذ منها الرقعة وقرأها فإذا فيها: ملكتم فأسرتم وقدرتم فقهرتم وخولتم فعسفتم، وردت إليكم الأرزاق فقطعتم، هذا وقد علمتم أن سهام الأسحار «3» نافذة غير مخطئة لا سيما من قلوب أو جعتموها وأكباد جوعتموها وأجساد عريتموها، فمحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم، إعملوا ما شئتم فإنا صابرون وجوروا فإنا بالله مستجيرون واظلموا فإنا إلى
(1/118)

الله متظلمون وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ
«1» قال: فعدل لوقته.
وحكي أن الحجاج حبس رجلا في حبسه ظلما فكتب إليه رقعة فيها: قد مضى من بؤسنا أيام ومن نعيمك أيام والموعد القيامة والسجن جهنم والحاكم لا يحتاج إلى بينة، وكتب في آخرها:
ستعلم يا نؤوم إذا التقينا ... غدا عند الإله من الظلوم
أما والله إن الظلم لؤم ... وما زال الظلوم هو الملوم
سينقطع التلذّذ عن أناس ... أداموه وينقطع النعيم
إلى ديّان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصوم
وحكى أبو محمد الحسين بن محمد الصالحي قال: كنا حول سرير المعتضد بالله ذات يوم نصف النهار فنام بعد أن أكل، فانتبه منزعجا وقال: يا خدم، فأسرعنا الجواب فقال: ويلكم أعينوني والحقوا بالشط فأول ملاح ترونه منحدرا في سفينة فارغة فاقبضوا عليه وائتوني به ووكلوا بالسفينة من يحفظها.
فأسرعنا فوجدنا ملاحا في سفينة منحدرة وهي فارغة فقبضنا عليه ووكلنا بها من يحفظها وصعدنا به إلى المعتضد.
فلما رآه الملاح كاد يتلف فصاح عليه المعتضد صيحة عظيمة كادت روحه تذهب منها وقال: أصدقني يا ملعون عن قضيتك مع المرأة التي قتلتها اليوم وإلا ضربت عنقك:
فتلعثم، وقال: نعم كنت سحرا في المشرعة الفلانية فنزلت إمرأة لم أر مثلها عليها ثياب فاخرة وحلى كثيرة وجواهر فطمعت فيها واحتلت عليها حتى سددت فمها وغرّقتها وأخذت جميع ما كان عليها ثم طرحتها في الماء ولم أجسر على حمل سلبها إلى داري لئلا يفشوا الخبر علي، فعولت على الهروب والانحدار إلى واسط فصبرت إلى أن خلا الشط في هذه الساعة من الملاحين وأخذت في الانحدار فتعلق بي هؤلاء القوم فحملوني إليك، فقال:
وأين الحلى والسلب؟ قال: في صدر السفينة تحت البواري.
قال المعتضد: علي به الساعة، فحضروا به فأمر بتغريق الملاح ثم أمر أن ينادى ببغداد من خرجت له امرأة إلى المشرعة الفلانية سحرا وعليها ثياب فاخرة وحلى فليحضر، فحضر في اليوم الثاني ثلاثة من أهلها وأعطوا صفتها وصفة ما كان عليها فسلم ذلك إليهم.
قال: فقلت يا مولاي من أين علمت أو أوحي إليك بهذه الحالة وأمر هذه الصبية فقال: بل رأيت في منامي رجلا شيخا أبيض الرأس واللحية والثياب وهو ينادي: يا أحمد أول ملاح ينحدر الساعة فاقبض عليه وقرره على المرأة التي قتلها اليوم ظلما وسلبها ثيابها وأقم عليه الحد ولا يفتك، فكان ما شاهدتم. فيتعين على كل ولي أمر أن يعدل في الأحكام، وأن يتبصر في رعيته وعلى كل غافل أن يكف يده عن الظلم ويسلك سنن العدل ويعامل بالنصفة ويراقب الله في السر والعلانية ويعلم أن الله يجازي على الخير والشر ويعاقب الظالم على ظلمه وينتصر للمظلوم ويأخذ له حقه ممن ظلمه، وإذا أخذ الظالم لم يفلته.
والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وليه المرجع والمآب وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.
الباب الحادي والعشرون في بيان الشروط التي تؤخذ على العمال وسيرة السلطان في استجباء الخراج وأحكام أهل الذمة
وفيه فصلان
الفصل الأول في سيرة السلطان في استجباء الخراج والانفاق من بيت المال وسيرة العمال
قال جعفر بن يحيى: الخراج عماد الملوك وما استغزوا بمثل العدل وما استنذروا بمثل الظلم، وأسرع الأمور في خراب البلاد تعطيل الأرضين وهلاك الرعية وانكسار
(1/119)

الخراج من الجور «1» .
ومثل السلطان إذا أجحف بأهل الخراج حتى يضعفوا عن عمارة الأرضين مثل من يقطع لحمه ويأكله من الجوع فهو إن شبع من ناحية فقد ضعف من ناحية أخرى، وما أدخل على نفسه من الضعف والوجع أعظم مما دفع عن نفسه من ألم الجوع.
ومثل من كلف الرعية فوق طاقتهم كالذي يطين سطحه بتراب أساس بيته. وإذا ضعف المزارعون عجزوا عن عمارة الأرضين فيتركونها فتخرب الأرض ويهرب المزارعون فتضعف العمارة ويضعف الخراج وينتج من ذلك ضعف الأجناد وإذا ضعف الجند طمع الأعداء في السلطان.
وروي أن المأمون أرق ذات ليلة فاستدعى سميرا يحدثه فقال يا أمير المؤمنين كان بالموصل بومة وبالبصرة بومة فخطبت بومة الموصل بنت بومة البصرة لابنها، فقالت بومة البصرة لا أجيب خطبة ابنك حتى تجعلي في صداق ابنتي مائة ضيعة خربة، فقالت بومة الموصل لا أقدر عليها لكن إن دام وإلينا سلمه الله علينا سنة واحدة فعلت ذلك، قال: فاستيقظ لها المأمون وجلس للمظالم وأنصف الناس بعضهم من بعض وتفقد أمور الولاة والعمال والرعية.
وقال أبو الحسن بن علي الأسدي: أخبرني أبي قال:
وجدت في كتاب قبطي باللغة الصعيدية مما نقل بالعربية أن مبلغ ما كان يستخرج لفرعون في زمن يوسف الصديق صلوات الله وسلامه عليه من أموال مصر لخراج سنة واحدة من الذهب العين أربعة وعشرون ألف ألف وأربعمائة دينار «2» ، من ذلك ما ينصرف في عمارة البلاد كحفر الخلجان والانفاق على الجسور وسد الترع وتقوية من يحتاج إلى التقوية من غير رجوع عليه بها لأقامة العوامل والتوسعة في البلدان وغير ذلك من الآلات وأجرة من يستعان به لحمل البذر وسائر نفقات تطبيق الأرض، ثمانمائة ألف دينار ولما ينصرف للأرامل والأيتام وإن كانوا غير محتاجين حتى لا يخلو أمثالهم من بر فرعون أربعمائة ألف دينار، ولما ينصرف لكهنتهم وبيوت صلاتهم مائتا ألف دينار، ولما ينصرف في الصدقات مما يصب صبا وينادى عليه، برئت الذمة من رجل كشف وجهه لفاقة ولم يحضر، فيحضر لذلك جمع كثير، مائتا ألف دينار. فإذا فرقت الأموال على أربابها دخل أمناء فرعون إليه وهنّأوه بتفرقة الأموال ودعوا له بطول البقاء ودوام العز والنعماء والسلامة، ثم نهوا إليه حال الفقراء فيأمر باحضارهم وتغيير شعثهم ويمد لهم السماط فيأكلون بين يديه ويشربون ويستفهم من كل واحد منهم عن سبب فاقته فإن كان ذلك من آفة الزمان زاد عليه مثل الذي كان له، ولما ينصرف في نفقات فرعون الراتبة في كل سنة مائتا ألف دينار ويفضل بعد ذلك مما يتسلمه يوسف الصديق عليه السلام للملك ويجعله في بيت المال لنوائب الزمان أربعة عشر ألف ألف وستمائة ألف دينار.
وقال أبو رهم كانت أرض مصر أرضا مدبرة حتى أن الماء ليجري تحت منازلها وأفنيتها فيحبسونه حيث شاءوا ويرسلونه حيث شاءوا، وذلك قول فرعون: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي
«3» . الآية.
وكان ملك مصر عظيما لم يكن في الأرض أعظم منه ملكا وكانت الجنان بحافتي النيل متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء، والزروع كذلك من أسوان إلى رشيد وكانت أرض مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعا لما دبروا من جسورها وحافاتها والزروع ما بين الجبلين من أولها إلى آخرها، وذلك قوله تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ 25 وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ 26
«4» .
وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: استعمل فرعون هامان على حفر خليج سردوس فأخذ في حفره وتدبيره، فجعل أهل القرى يسألونه أن يجري لهم الخليج تحت قراهم ويعطوه مالا فكان يذهب به من قرية إلى قرية من المشرق إلى المغرب ومن الشمال إلى القبلة ويسوقه كيف أراد وإلى حيث قصد، فليس خليج بمصر أكثر عطوفا منه فاجتمع له من ذلك أموال عظيمة جزيلة فحملها إلى فرعون وأخبره بالخبر، فقال له فرعون: إنه ينبغي للسيد أن يعطف على عبده ويفيض عليه من خزائنه وذخائره ولا يرغب فيما
(1/120)

بأيديهم، رد على أهل القرى أموالهم، فرد عليهم ما أخذه منهم.
فإذا كانت هذه سيرة من لا يعرف الله ولا يرجو لقاءه ولا يخاف عذابه ولا يؤمن بيوم الحساب، فكيف تكون سيرة من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ويوقن بالحساب والثواب والعقاب.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:
اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ
«1» . قال: هي خزائن مصر، ولما استوثق أمر مصر ليوسف عليه السلام، وكمل، وصارت الأشياء إليه وأراد الله تعالى أن يعوضه على صبره، لما لم يرتكب محارمه وكانت مصر أربعين فرسخا في مثلها، وما أطاع يوسف فرعون وهو الريان بن مصعب وناب عنه إلا بعد أن دعاه إلى الإسلام فأسلم، وكانت السنون التي حصل فيها الغلاء والجوع مات العزيز وتملك يوسف، وافتقرت زليخا، وعمي بصرها فجعلت تتكفّف الناس «2» فقيل لها: لو تعرضت للملك ربما يرحمك ويعينك ويغنيك فطالما كنت تحفظينه وتكرمينه، ثم قيل لها لا تفعلي لأنه ربما يتذكر ما كان منك إليه من المراودة والحبس فيسيء إليك ويكافئك على ما سبق منك إليه.
فقالت: أنا أعلم بحلمه وكرمه، فجلست له على رابية في طريقه يوم خروجه وكان يركب في زهاء مائة ألف من عظماء قومه وأهل مملكته، فلما أحست به قامت ونادت سبحان من جعل الملوك عبيدا بمعصيتهم والعبيد ملوكا بطاعتهم.
فقال يوسف عليه السلام: من أنت؟
فقالت: أنا التي كنت أخدمك بنفسي وأرجّل «3» شعرك بيدي وأكرم مثواك بجهدي وكان مني ما كان، وقد ذقت وبال أمري وذهبت قوتي وتلف مالي وعمي بصري وصرت أسأل الناس، فمنهم من يرحمني ومنهم من لا يرحمني، وبعدما كنت مغبوطة أهل مصر «4» كلها صرت مرحومتهم بل محرومتهم وهذا جزاء المفسدين، فبكى يوسف عليه السلام بكا، شديدا وقال لها: هل في قلبك من حبك إياي شيء؟ قالت: نعم والذي اتخذ إبراهيم خليلا لنظرة إليك أحب إلي من ملء الأرض ذهبا وفضة، فمضى يوسف وأرسل إليها يقول إن كنت أيّما تزوجناك وإن كنت ذات بعل أغنيناك. فقالت لرسول الملك: أنا أعرف أنه يستهزىء بي هو لم يردني في أيام شبابي وجمالي، فكيف يقبلني وأنا عجوز عمياء فقيرة؟
فأمر بها يوسف عليه السلام فجهزت وتزوج بها وأدخلت عليه فصف يوسف عليه السلام قدميه وقام يصلي ودعا الله تعالى باسمه العظيم الأعظم، فرد الله عليها حسنها وجمالها وشبابها وبصرها كهيئتها يوم راودته فواقعها، فإذا هي بكر فولدت له إفرائيم بن يوسف ومنشا بن يوسف وطاب في الإسلام عيشهما حتى فرق الموت بينهما.
فينبغي للقوي أن لا ينسى الضعيف وللغني أن لا ينسى الفقير، فرب مطلوب يصير طالبا ومرغوب فيه يصير راغبا، ومسؤول يصير سائلا، وراحم يصير مرحوما، فنسأل الله تعالى أن يرحمنا برحمته ويغنينا بفضله.
ولما ملك يوسف عليه السلام خزائن الأرض كان يجوع ويأكل من خبز الشعير، فقيل له: أتجوع وبيدك خزائن الأرض؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع.
ومن حسن سيرة العمال ما روي أن عمر رضي الله عنه استعمل على حمص رجلا يقال له: عمير بن سعد، فلما مضت السنة كتب إليه عمر رضي الله عنه إن أقدم علينا، فلم يشعر عمر إلا وقد قدم عليه ماشيا حافيا عكازته بيده وإداوته «5» ومزوده «6» وقصعته على ظهره، فلما نظر إليه عمر قال له: يا عمير أأجبتنا أم البلاد بلاد سوء؟ فقال يا أمير المؤمنين: أما نهاك الله أن تجهر بالسوء، وعن سوء الظن؟ وقد جئت إليك بالدنيا أجرّها بقرابها، فقال له: وما معك من الدنيا؟ قال: عكازة أتوكأ عليها وأدفع بها عدوا إن لقيته ومزود أحمل فيه طعامي وإداوة أحمل فيها ماء لشربي ولطهوري، وقصعة أتوضأ فيها وأغسل فيها رأسي وآكل فيها طعامي، فو الله يا أمير المؤمنين ما الدنيا بعد إلا تبع لما معي.
قال: فقام عمر رضي الله عنه من مجلسه إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه، فبكى بكاء شديدا، ثم قال: اللهم ألحقني بصاحبي غير مفتضح ولا مبدل، ثم عاد إلى مجلسه، فقال: ما صنعت في عملك
(1/121)

يا عمير، فقال: أخذت الإبل من أهل الإبل، والجزية من أهل الذمة عن يد وهم صاغرون ثم قسمتها بين الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، فو الله يا أمير المؤمنين لو بقي عندي منها شيء لأتيتك به.
فقال عمر: عد إلى عملك يا عمير، قال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تردني إلى أهلي، فأذن له فأتى أهله، فبعث عمر رجلا يقال له حبيب بمائة دينار وقال له: اختبر لي عميرا وأنزل عليه ثلاثة أيام حتى ترى حاله هل هو في سعة أم ضيق، فإن كان في ضيق فادفع إليه المائة دينار، فأتاه حبيب، فنزل به ثلاثا، فلم ير له عيشا إلا الشعير والزيت، فلما مضت ثلاثة أيام قال: يا حبيب، إن رأيت أن تتحول إلى جيراننا فلعلهم أن يكونوا أوسع عيشا منا، فإننا والله وتالله لو كان عندنا غير هذا لآثرناك به.
قال: فدفع إليه المائة دينار، وقال: قد بعث بها أمير المؤمنين إليك، فدعا بفرو خلق لامرأته، فجعل يصر منها الخمسة دنانير والستة والسبعة، ويبعث بها إلى إخوانه من الفقراء إلى أن أنفذها، فقدم حبيب على عمر، وقال:
جئتك يا أمير المؤمنين من عند أزهد الناس وما عنده من الدنيا قليل ولا كثير، فأمر له عمر بوسقين «1» من طعام وثوبين، فقال يا أمير المؤمنين أما الثوبان فأقبلهما، وأما الوسقان فلا حاجة لي بهما عند أهلي صاع من بر هو كافيهم حتى أرجع إليهم.
وروي أن عمر رضي الله عنه صرّ أربعمائة دينار وقال للغلام: إذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تربص عنده في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع بها، فذهب بها الغلام إليه، وقال له: يقول لك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب اجعل هذه في بعض حوائجك قال: وصله الله ورحمه، ثم دعا بجاريته وقال لها: اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفذها، فرجع الغلام إلى عمر وأخبره فوجده قد عد مثلها لمعاذ بن جبل، فقال له: انطلق بها إلى معاذ بن جبل، وانظر ما يكون من أمره، فمضى إليه وقال له كما قال لأبي عبيدة بن الجراح ففعل معاذ كما فعل أبو عبيدة، فرجع الغلام فأخبر عمر، فقال:
إنهم إخوة، بعضهم من بعض رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
الفصل الثاني في أحكام أهل الذمة
روي عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتبنا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين صالح نصارى أهل الشام.
بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من نصارى مدينة كذا إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث في مدائننا ولا فيما حواليها كنيسة ولا ديرا ولا قلية ولا صومعة راهب ولا نجدد ما خرب منها ولا ما كان مختطا منها في خطط المسلمين في ليل ولا في نهار، وإن نوسع أبوابها للمار وابن السبيل وأن ننزل من مر بنا من المسلمين ثلاث ليال نطعمهم، ولا نؤوي في كنائسنا ولا في منازلنا جاسوسا ولا نكتمه عن المسلمين، ولا نعلم أولادنا القرآن ولا نظهر شرعنا ولا ندعو إليه أحدا ولا نمنع أحدا من ذوي قراباتنا الدخول في دين الإسلام إن أراده، وأن نوقر المسلمين ونقوم لهم من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس وأن لا نتشبه بالمسلمين في شيء من ملابسهم من قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا نتكلم بكلامهم ولا نتكنى بكناهم ولا نركب في السروج ولا نتقلد بالسيوف ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله معنا ولا ننقش على خواتمنا بالعربية ولا نبيع الخمر وأن تجز مقادم رؤوسنا ونلزم زيّنا حيثما كنا، وأن نشد الزنار على أوساطنا ولا نظهر صلباننا ولا كتبنا في شيء من أسواق المسلمين وطرقهم، ولا نضرب بالنواقيس في كنائسنا إلا ضربا خفيفا ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نجاورهم بموتانا ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، ولا نتطلع على منازلهم، وقد شرطنا ذلك على أنفسنا وعلى أهل ملتنا وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم، وضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا وقد حل بنا ما يحل بأهل المعاندة والشقاق.
فكتب إليه عمر رضي الله عنه أن امض ما سألوه والحق فيه حرفين واشترطهما عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم، أن لا يشتروا شيئا من سبايا المسلمين ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده.
وروي أن بني ثعلبة دخلوا على عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فقالوا يا أمير المؤمنين إنا قوم من العرب افرض لنا.
(1/122)

قال: نصارى؟
قالوا: نصارى.
قال: ادعوا إلي حجاما، ففعلوا فجز نواصيهم وشق من أرديتهم حزما يحتزمون بها، وأمرهم أن لا يركبوا بالسروج وأن يركبوا على الأكف من شق واحد.
وروي أن أمير المؤمنين الخليفة جعفرا المتوكل أقصى اليهود والنصارى ولم يستعملهم وأذلهم وأبعدهم وخالف بين زيهم وزي المسلمين وقرب منه أهل الحق وأبعد عنه أهل الباطل، فأحيا الله به الحق وأمات به الباطل، فهو يذكر بذلك، ويترحم عليه ما دامت الدنيا.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:
لا تستعملوا اليهود والنصارى، فإنهم أهل رشا في دينهم ولا يحل في دين الله الرشا.
ولما استقدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبا موسى الأشعري رضي الله عنه من البصرة وكان عاملا بها للحساب، دخل على عمر وهو في المسجد فاستأذن لكاتبه وكان نصرانيا، فقال له عمر: قاتلك الله وضرب بيده على فخذه، ولّيت ذميا على المسلمين، أما سمعت الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
«1» . الآية. هلا اتّخذت حنيفيا؟ فقال:
يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه، فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزّهم إذ أذلهم الله ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله.
وكتب بعض العمال إلى عمر رضي الله عنه: إن العدو قد كثر وإن الجزية قد كثرت، أفنستعين بالأعاجم؟ فكتب إليه: إنهم أعداء الله وإنهم لنا غششة فأنزلوهم حيث أنزلهم الله.
ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر لحقه رجل من المشركين عند الحرة فقال: إني أريد أن أتبعك وأصيب معك. قال: أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: ارجع، فلن نستعين بمشرك، ثم لحقه عند الشجرة فقال: جئتك لأتبعك وأصيب معك. قال: أتؤمن بالله ورسوله؟ قال:
لا. قال: فارجع، فلن أستعين بمشرك، ثم لحقه عند ظهر البيداء، فقال له مثل ذلك، فأجابه بمثل الأول، فقال:
نعم. فخرج به وفرح به المسلمون، وكان له قوة وجلد.
وهذا أصل عظيم في أن لا يستعان بكافر، وهذا وقد خرج ليقاتل بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ويراق دمه، فكيف استعمالهم على رقاب المسلمين.
وكتب عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه إلى عماله أن لا تولوا على أعمالنا إلا أهل القرآن، فكتبوا إليه إنا قد وجدنا فيهم خيانة، فكتب إليهم إن لم يكن في أهل القرآن خير، فأجدر أن لا يكون في غيرهم.
قال أصحاب الشافعي: ويلزمهم أن يتميزوا في اللباس عن المسلمين، وأن يلبسوا قلانس يميزونها عن قلانس المسلمين بالحمرة، ويشد الزنانير على أوساطهم ويكون في رقابهم خاتم من نحاس أو رصاص أو جرس يدخلون به الحمام، وليس لهم أن يلبسوا العمائم ولا الطيلسانات، وأما المرأة فإنها تشد الزنار تحت الإزار، وقيل فوق الإزار وهو الأولى، ويكون في عنقها خاتم تدخل به الحمام، ويكون أحد خفيها أسود والآخر أبيض، ولا يركبون الخيل ولا البغال، ولا الحمير بالأكف عرضا ولا يركبون بالسروج، ولا يتصدرون في المجالس ولا يبدأون بالسلام، ويلجأون إلى أضيق الطرق ويمنعون أن يتطاولوا على المسلمين في البناء، وتجوز المساواة، وقيل:
لا تجوز. وإن تملكوا دارا عالية أقرّوا عليها، ويمنعون من إظهار المنكر كالخمر والخنزير والناقوس والجهر بالتوراة والإنجيل، ويمنعون من المقام في أرض الحجاز وهي مكة والمدينة واليمامة وإن امتنعوا من أداء الجزية والتزام أحكام أهل الملة انتقض عهدهم، وإن زنى أحد منهم بمسلمة أو أصابها بنكاح أو آوى عينا «2» للكفار أو دل على عورة المسلمين «3» أو فتن مسلما عن دينه أو قتله أو قطع عليه الطريق تنتقض ذمته.
وفي تقدير الجزية اختلاف بين العلماء، فمنهم من قال إنها مقارة الأقل والأكثر على ما كتب به عمر رضي الله عنه إلى عثمان بن حنيف بالكوفة، فوضع على الغني ثمانية وأربعين درهما وعلى من دونه أربعة وعشرين درهما، وعلى من دونه اثني عشر درهما، وذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ولم يخالفه أحد وكان الصرف اثنا عشر بدينار، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل، وأحد قولي الشافعي، ويجوز للإمام أن يزيد على ما قدره عمر، ولا يجوز أن ينقص عنه ولا جزية على النساء والمماليك والصبيان والمجانين.
وأما الكنائس، فأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن
(1/123)

تهدم كل كنيسة بعد الإسلام، ومنع أن تجدد كنيسة، وأمر أن لا تظهر عليه خارجة من كنيسة ولا يظهر صليب خارج من كنيسة إلّا كسر على رأس صاحبه، وكان عروة بن محمد يهدمها بصنعاء وهذا مذهب علماء المسلمين أجمعين.
وشدد في ذلك عمر بن عبد العزيز وأمر أن لا يترك في دار الإسلام بيعة «1» ولا كنيسة بحال قديمة ولا حديثة.
والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الثاني والعشرون في اصطناع المعروف وإغاثة الملهوف وقضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم
قال الله تعالى: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ
«2» . وقال تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى
«3» .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مشى في عون أخيه ومنفعته، فله ثواب المجاهدين في سبيل الله، وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخلق كلهم عيال الله، فأحب خلقه إليه أنفعهم لعياله» ، رواه الزار والطبراني في معجمه، ومعنى عيال الله فقراء الله تعالى، والخلق كلهم فقراء الله تعالى، وهو يعولهم.
وروينا في مسند الشهاب عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير الناس أنفعهم للناس» .
وعن كثير بن عبيد بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن لله خلقا خلقهم لقضاء حوائج الناس، آلى على نفسه أن لا يعذبهم بالنار، فإذا كان يوم القيامة وضعت لهم منابر من نور يحدثون الله تعالى والناس في الحساب.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سعى لأخيه المسلم في حاجة، فقضيت له أو لم تقض غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وكتب له براءتان براءة من النار وبراءة من النفاق.
وعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قضى لأخيه المسلم حاجة كنت واقفا عند ميزانه، فإن رجح وإلا شفعت له» . رواه أبو نعيم في الحلية.
وروينا في مكارم الأخلاق لأبي بكر الخرائطي، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من مشى في حاجة أخيه المسلم كتب الله له بكل خطوة سبعين حسنة وكفّر عنه سبعين سيئة، فإن قضيت حاجته على يديه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فإن مات في خلال ذلك دخل الجنة بغير حساب» .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال:
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مشى مع أخيه في حاجة فناصحه فيها جعل الله بينه وبين الناس سبع خنادق ما بين الخندق والخندق كما بين السماء والأرض» . رواه أبو نعيم وابن أبي الدنيا.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله عند أقوام نعما يقرّها عندهم ما داموا في حوائج الناس ما لم يملوا فإذا ملوا نقلها الله إلى غيرهم» رواه الطبراني.
وروينا من طريق الطبراني بإسناد جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد أنعم الله عليه نعمة، فأسبغها عليه ثم جعل حوائج الناس إليه، فتبرّم، فقد عرض تلك النعمة للزوال» . وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«من أغاث ملهوفا كتب الله له ثلاثا وسبعين حسنة: واحدة منها يصلح بها آخرته ودنياه والباقي في الدرجات» .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما يقول الأسد في زئيره؟ قالوا:
الله ورسوله أعلم. قال: يقول: اللهم لا تسلطني على أحد من أهل المعروف» . رواه أبو منصور الديلمي، في مسند الفردوس. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قيل: يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ قال: أنفع الناس للناس، قيل: يا رسول الله، فأي الأعمال أفضل؟ قال:
إدخال السرور على المؤمن، قيل: وما سرور المؤمن؟
قال: إشباع جوعته وتنفيس كربته، وقضاء دينه، ومن
(1/124)

مشى مع أخيه في حاجة كان كصيام شهر واعتكافه، ومن مشى مع مظلوم يعينه ثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام، ومن كف غضبه ستر الله عورته، وإن الخلق السيء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل.
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لقي أخاه المسلم بما يحب ليسره بذلك سره الله يوم القيامة، رواه الطبراني في الصغير بإسناد حسن، وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أدخل على أهل بيت من المسلمين سرورا لم يرض الله له سرورا دون الجنة» ، رواه الطبراني. وعن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أدخل رجل على المؤمن سرورا إلا خلق الله من ذلك السرور ملكا يعبد الله تعالى ويوحده، فإذا صار العبد في قبره أتاه ذلك السرور، فيقول له: أما تعرفني، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا السرور الذي أدخلتني على فلان. أنا اليوم أؤانس وحشتك وألقنك حجتك وأثبتك بالقول الثابت، وأشهد مشاهدك يوم القيامة وأشفع لك إلى ربك وأريك منزلك في الجنة» ، رواه ابن أبي الدنيا.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه يرفعه: «إذا أراد أحدكم الحاجة فليبكر لها يوم الخميس وليقرأ إذا خرج من منزله آخر سورة آل عمران، وآية الكرسي، وإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ 1
«1» ، وأم الكتاب «2» ، فإن فيها حوائج الدنيا والآخرة، وهو حديث مرفوع» .
ومن كلام الحكماء: إذا سألت كريما حاجة، فدعه يفكر فإنه لا يفكر إلا في خير وإذا سألت لئيما حاجة فعاجله، لئلا يشير عليه طبعه أن لا يفعل. وسأل رجل رجلا حاجة، ثم توانى عن طلبها، فقال له المسؤول:
أنمت عن حاجتك؟ فقال: ما نام عن حاجته من أسهرك لها، ولا عدل بها عن محجة النجح من قصدك بها، فعجب من فصاحته وقضى حاجته وأمر له بمال جزيل.
وقال مسلمة لنصيب: سلني، فقال: كفك بالعطية أبسط من لساني بالمسألة، فأمر له بألف دينار. وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها، وعنه أيضا قال: لا تكثر على أخيك بالحوائج فإن العجل إذا أفرط في مص ثدي أمه نطحته.
وقال ذو الرياستين لثمامة بن أشرس: ما أدري ما أصنع بكثرة الطلاب؟ فقال: زل عن موضعك وعليّ أن لا يلقاك منهم أحد، فقال له: صدقت، وجلس لهم في قضاء حوائجهم.
وحدّث أبو جعفر محمد بن القاسم الكرخي قال:
عرضت على أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات رقعة في حاجة لي، فقرأها ووضعها من يده، ولم يوقع فيها بشيء، فأخذتها وقمت وأنا أقول متمثلا من حيث يسمع هذين البيتين:
وإذا خطبت إلى كريم حاجة ... وأبى فلا تقعد عليه بحاجب
فلربّما منع الكريم وما به ... بخل ولكن سوء حظّ الطالب
فقال: وقد سمع ما قلت، ارجع يا أبا جعفر، بغير سوء حظ الطالب ولكن إذا سألتمونا الحاجة، فعاودونا، فإن القلوب بيد الله تعالى، فأخذ الرقعة ووقع فيها بما أردت.
وسأل إسحاق بن ربعي، إسحاق بن إبراهيم المصعبي أن يوصل له رقعة إلى المأمون، فقال لكاتبه: ضمها إلى رقعة فلان، فقال:
تأنّ لحاجتي واشدد عراها ... فقد أضحت بمنزلة الضياع
إذا شاركتها بلبان أخرى ... أضرّ بها مشاركة الرّضاع
وقال أبو دقاقة البصري:
أضحت حوائجنا إليك مناخة ... معقولة برحابك الوصّال «3»
أطلق فديتك بالنجاح عقالها ... حتى تثور معا بغير عقال
وقال سلم الخاسر:
إذا أذن الله في حاجة ... أتاك النجاح على رسله
فلا تسأل الناس من فضلهم ... ولكن سل الله من فضله
ولله در القائل حيث قال:
أيّها المادح العباد ليعطى ... إن لله ما بأيدي العباد
(1/125)

فاسأل الله ما طلبت إليهم ... وارج فرض المقسّم الجوّاد
وعن عبد الله بن الحسن بن الحسين رضي الله تعالى عنهم قال: أتيت باب عمر بن عبد العزيز في حاجة، فقال: إذا كانت لك حاجة إليّ، فأرسل إليّ رسولا أو أكتب لي كتابا، فإني لأستحي من الله أن يراك ببابي.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: والذي وسع سمعه الأصوات، ما من أحد أودع قلبا سرورا إلا خلق الله تعالى من ذلك السرور لطفا، فإذا نزلت به نائبة جرى إليها كالماء في انحداره حتى يطردها عنه كما تطرد غريبة الإبل، وقال لجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما: يا جابر من كثرت نعم الله عليه كثرت حوائج الناس إليه، فإن قام بما يجب لله فيها عرّضها للدوام والبقاء، وإن لم يقم فيها بما يجب لله عرّضها للزوال.
نعوذ بالله من زوال النعمة ونسأل التوفيق والعصمة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.
الباب الثالث والعشرون في محاسن الأخلاق ومساويها
قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ 4
«1» .
فخص الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من كريم الطباع ومحاسن الأخلاق، من الحياء والكرم والصفح وحسن العهد بما لم يؤته غيره، ثم ما أثنى الله تعالى عليه بشيء من فضائله بمثل ما أثنى عليه بحسن الخلق، فقال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ 4
«2» .
قال عائشة رضي الله عنها: كان خلقه القرآن، يغضب لغضبه ويرضى لرضاه، وكان الحسن رضي الله عنه إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أكرم ولد آدم على الله عز وجل وأعظم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام منزلة عند الله، أتي بمفاتيح الدنيا فاختار ما عند الله تعالى، وكان يأكل على الأرض ويجلس على الأرض ويقول: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» ، ولا يأكل متكئا ولا على خوان، وكان يأكل خبز الشعير غير منخول، وكان يأكل القثاء بالرطب ويقول: «برد هذا يطفىء حر هذا» ، وكان أحب الطعام إليه اللحم، ويقول:
«هذا يزيد في السمع، ولو سألت ربي أن يطعمنيه كل يوم لفعل» ، وكان يحب الدباء، ويقول: «يا عائشة إذا طبختم قدرا، فأكثروا فيه من الدباء، فإنها تشد قلب الحزين» ، وكان يقول: «إذا طبختم الدباء فأكثروا من مرقها» ، وكان يكتحل بالإثمد «3» ولا يفارقه في سفره قارورة الدهن والكحل والمرآة والمشط والإبرة يخيط ثوبه بيده، وكان يضحك من غير قهقهة ويرى اللعب المباح ولا ينكره، وكان يسابق أهله؛ قالت عائشة رضي الله عنها سابقته، فسبقته، فلما كثر لحمي سابقته فسبقني فضرب بكتفي وقال: «هذه بتلك» ، وكان له عبيد وإماء لا يرتفع على أحد منهم في مأكل ولا مشرب ولا ملبس وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، نشأ في بلاد الجهل والصحارى يتيما لا أب له ولا أم، فعلمه الله تعالى جميع محاسن الأخلاق، وكان أفصح الناس منطقا وأحلاهم كلاما، وكان يقول: «أنا أفصح العرب» .
وقال أنس رضي الله عنه: والذي بعثه بالحق نبيا ما قال لي في شيء قط كرهه لم فعلته ولا في شيء لم أفعله لم لا فعلته ولا لامني أحد من أهله إلا قال دعوه إنما كان هذا بقضاء وقدر.
وقال بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى: لا مانع من أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا هضم نفسه وتواضع لا يمنع من المرتبة التي هي أعلى مرتبة من العبودية فالنبي صلى الله عليه وسلم أعطاه الله تعالى مرتبة الملك مع كونه عبدا له متواضعا، فحاز المرتبتين مرتبة العبودة ومرتبة الملكية، ومع ذلك كان يلبس المرقع والصوف ويرقع ثوبه ويخصف نعله ويركب الحمار بلا إكاف ويردف خلفه، ويأكل الخشن من الطعام وما شبع قط من خبز بر ثلاثة أيام متوالية حتى لقي الله تعالى. من دعاه لبّاه «4» ومن صافحه لم يرفع يده حتى يكون هو الذي يرفعها، يعود المريض «5» ويتبع الجنائز ويجالس الفقراء،
(1/126)

أعظم الناس من الله مخافة وأتعبهم لله عز وجل بدنا، وأجدّهم في أمر الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أما والله ما كان تغلق من دونه الأبواب ولا كان دونه حجاب صلى الله عليه وسلم.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة قط ولا خادما له، ولا ضرب بيده شيئا إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون إثما أو قطيعة رحم فيكون أبعد الناس منه.
وقال إبراهيم بن عباس: لو وزنت كلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحاسن الناس لرجحت، وهي قوله عليه الصلاة والسلام: «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم» ، وفي رواية أخرى فسعوهم ببسط الوجه والخلق الحسن.
وعنه صلى الله عليه وسلم: «حسن الخلق زمام من رحمة الله تعالى في أنف صاحبه، والزمام بيد الملك، والملك يجره إلى الخير والخير يجره إلى الجنة، وسوء الخلق زمام من عذاب الله تعالى في أنف صاحبه، والزمام بيد الشيطان، والشيطان يجره إلى الشر، والشر يجره إلى النار.
وقال بعض السلف: الحسن الخلق ذو قرابة عند الأجانب والسيء الخلق أجنبي عند أهله.
وقال الفضيل: لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إليّ من أن يصحبني عابد سيء الخلق، لأن الفاجر إذا حسن خلقه خف على الناس وأحبوه، والعابد إذا ساء خلقه مقتوه.
(بيت منفرد) :
إذا رام التخلّق جاذبته ... خلائقه إلى الطبع القديم «1»
قيل: أبى الله لسيء الخلق التوبة لأنه لا يخرج من ذنب إلا دخل في ذنب آخر لسوء خلقه.
وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل شيء لم يقل ما بال فلان، ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون، حتى لا يفضح أحدا، وعنه صلى الله عليه وسلم: «ما شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق» ، وعنه أيضا صلى الله عليه وسلم قال:
«ثلاث من كن فيه كن له، من صدق لسانه زكا عمله، ومن حسنت نيّته زيد في رزقه، ومن حسن برّه لأهل بيته زيد له في عمره، ثم قال: وحسن الخلق وكف الأذى يزيدان في الرزق.
وقيل: سوء الخلق يعدي لأنه يدعو إلى أن يقابل بمثله.
وكتب الحسن بن علي إلى أخيه الحسين رضي الله عنهم في إعطائه الشعراء، فكتب إليه الحسين: أنت أعلم مني بأن خير المال ما وقي به العرض. فانظر إلى شرف أدبه، وحسن خلقه كيف ابتدأ كتابه بأنت أعلم مني، وكان بينه وبين أخيه كلام، فقيل له: ادخل على أخيك، فهو أكبر منك، فقال: إني سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيما اثنين جرى بينهما كلام، فطلب أحدهما رضا الآخر كان سابقه إلى الجنة وأنا أكره أن أسبق أخي الأكبر إلى الجنة، فبلغ ذلك الحسن، فجاءه عاجلا رضي الله عنهما، وأنشد في المعنى:
وإنّي لألقى المرء أعلم أنّه ... عدوّ وفي أحشائه الضّغن كامن
فأمنحه بشرا فيرجع قلبه ... سليما وقد ماتت لديه الضغائن
وسرق بعض حاشية جعفر بن سليمان جوهرة نفيسة وباعها بمال جزيل، فأنفذ إلى الجوهريين بصفتها، فقالوا باعها فلان من مدة، ثم إن ذلك الرجل الذي سرقها قبض عليه وأحضر بين يدي جعفر، فلما رأى ما ظهر عليه قال له: أراك قد تغير لونك ألست يوم كذا طلبت مني هذه الجوهرة فوهبتها لك، وأقسم بالله لقد أنسيت هذا، ثم أمر للجوهري بثمنها، وقال للرجل: خذها الآن حلالا طيبا وبعها بالثمن الذي يطيب خاطرك به، لا تبع بيع خائف.
ودخل محمد بن عباد على المأمون، فجعل يعممه بيده وجارية على رأسه تتبسم، فقال لها المأمون: ممّ تضحكين؟ فقال ابن عباد: أنا أخبرك يا أمير المؤمنين تتعجب من قبحي وإكرامك إياي، فقال: لا تعجبي فإن تحت هذه العمامة كرما ومجدا.
قال الشاعر:
وهل ينفع الفتيان حسن وجوههم ... إذا كانت الأعراض غير حسان
فلا تجعل الحسن الدليل على الفتى ... فما كلّ مصقول الحديد يماني «2»
(1/127)

وحكي أن بهرام الملك خرج يوما للصيد فانفرد عن أصحابه، فرأى صيدا، فتبعه طامعا في لحاقه حتى بعد عن عسكره، فنظر إلى راع تحت شجرة، فنزل عن فرسه ليبول، وقال للراعي: احفظ علي فرسي حتى أبول، فعمد الراعي إلى العنان وكان ملبسا ذهبا كثيرا، فاستغفل بهرام وأخرج سكينا، فقطع أطراف اللجام وأخذ الذهب الذي عليه، فرفع بهرام نظره إليه، فرآه فغضّ بصره «1» وأطرق برأسه إلى الأرض وأطال الجلوس حتى أخذ الرجل حاجته، ثم قام بهرام، فوضع يده على عينيه، وقال للراعي قدم إليّ فرسي، فإنه قد دخل في عيني من مسافي «2» الريح، فلا أقدر على فتحهما، فقدمه إليه، فركب وسار إلى أن وصل إلى عسكره، فقال لصاحب مراكبه: إن أطراف اللجام قد وهبتها، فلا تتهمن بها أحدا.
وذكر أن أنو شروان وضع الموائد للناس في يوم نوروز «3» وجلس، ودخل وجوه أهل مملكته في الإيوان، فلما فرغوا من الطعام جاءوا بالشراب وأحضرت الفواكه والمشموم «4» في آنية الذهب والفضة، فلما رفعت آنية المجلس أخذ بعض من حضر جام ذهب وزنه ألف مثقال «5» وخبأه تحت ثيابه وأنوشروان يراه، فلما فقده الشرابي صاح بصوت عال: لا يخرجن أحد حتى يفتش، فقال كسرى: ولم؟ فأخبره بالقضية، فقال: قد أخذه من لا يرده ورآه من لا ينم عليه «6» ، فلا تفتش أحدا فأخذ الرجل الجام ومضى فكسره، وصاغ منه منطقة وحلية لسيفه وجدد له كسوة جميلة.
فلما كان في مثل ذلك اليوم «7» جلس الملك ودخل ذلك الرجل بتلك الحلية، فدعاه كسرى، وقال له: هذا من ذاك؟ فقبّل الأرض، وقال: نعم، أصلحك الله.
وقال عبد الله بن طاهر: كنا عند المأمون يوما، فنادى بالخادم: يا غلام، فلم يجبه أحد، ثم نادى ثانيا، وصاح يا غلام، فدخل غلام تركي وهو يقول: ما ينبغي للغلام أن يأكل ويشرب كلما خرجنا من عندك تصيح يا غلام يا غلام إلى كم يا غلام، فنكس المأمون رأسه طويلا، فما شككت أنه يأمرني بضرب عنقه، ثم نظر إليّ فقال:
يا عبد الله إن الرجل إذا حسنت أخلاقه ساءت أخلاق خدمه، وإذا ساءت أخلاقه حسن أخلاق خدمه، وإنا لا نستطيع أن نسيء أخلاقنا لنحسن أخلاق خدمنا.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ورد علينا الوليد بن عتبة بن أبي سفيان المدينة واليا، وكأن وجهه ورقة من ورق المصحف، فوالله ما ترك فينا فقيرا إلا أغناه، ولا مديونا إلا أدى عنه دينه، وكان ينظر إلينا بعين أرق من الماء، ويكلمنا بكلام أحلى من الجنيّ «8» ولقد شهدت منه مشهدا لو كان من معاوية لذكرته، تغدينا يوما عنده، فأقبل الفراش بصحفة، فعثر في وسادة، فوقعت الصحفة من يده، فوالله ما ردها إلا ذقن الوليد، وانكب جميع ما فيها في حجره فبقي الغلام متمثلا واقفا ما معه من روحه إلا ما يقيم رجليه، فقام الوليد فدخل، فغيّر ثيابه، وأقبل علينا تبرق أسارير جبهته، فأقبل على الفراش وقال يا بائس ما أرانا إلا روّعناك، إذهب، فأنت وأولادك أحرار لوجه الله تعالى.
ومرض أحمد بن أبي دؤاد، فعاده المعتصم، وقال:
نذرت إن عافاك الله تعالى أن أتصدق بعشرة آلاف دينار، فقال أحمد: يا أمير المؤمنين، فاجعلها في أهل الحرمين، فقد لقوا من غلاء الأسعار شدة، فقال: نويت أن أتصدق بها على من ههنا، وأطلق لأهل الحرمين مثلها، فقال أحمد: متّع الله الإسلام وأهله بك يا أمير المؤمنين، فإنك كما قال النميري لأبيك الرشيد رحمة الله تعالى عليه:
إن المكارم والمعروف أودية ... أحلّك الله منها حيث تجتمع
من لم يكن بأمين الله معتصما ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع
وقيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت حسن الخلق؟
فقال: من قيس بن عاصم، بينما هو ذات يوم جالس في داره إذ جاءته خادم له بسفود عليه شواء حار، فنزعت السفود من اللحم وألقته خلف ظهرها فوقع على ابن له، فقتله لوقته، فدهشت الجارية «9» ، فقال: لا روع عليك أنت حرة لوجه الله تعالى.
(1/128)

وكان ابن عمر رضي الله عنه إذا رأى أحدا من عبيده يحسن صلاته يعتقه، فعرفوا ذلك من خلقه، فكانوا يحسنون الصلاة مراءاة له، فكان يعتقهم، فقيل له في ذلك، فقال: من خدعنا في الله انخدعنا له.
وروي أن أبا عثمان الزاهد اجتاز ببعض الشوارع في وقت الهاجرة، فألقي عليه من فوق سطح طست رماد، فتغير أصحابه، وبسطوا ألسنتهم في الملقي للرماد، فقال أبو عثمان: لا تقولوا شيئا، فإن من استحق أن يصب عليه النار، فصولح بالرماد لم يجز له أن يغضب.
وقيل لإبراهيم بن أدهم «1» تغمده الله تعالى برحمته: هل فرحت في الدنيا قط؟ فقال: نعم مرتين إحداهما أني كنت قاعدا ذات يوم، فجاء إنسان فبال عليّ، والثانية كنت جالسا فجاء إنسان فصفعني.
وروي أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه دعا غلاما له، فلم يجبه، فدعاه ثانيا وثالثا فرآه مضطجعا، فقال: أما تسمع يا غلام؟ قال: نعم. قال: فما حملك على ترك جوابي؟ قال: أمنت عقوبتك، فتكاسلت، فقال: اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى.
وحكي أن أبا عثمان الحيري دعاه إنسان إلى ضيافة، فلما وافى باب الدار قال له الرجل: يا أستاذ ليس لي وجه في دخولك، فانصرف رحمك الله، فانصرف أبو عثمان، فلما وافى منزله عاد الرجل إليه، وقال: يا أستاذ ندمت وأخذ يعتذر له، وقال: احضر الساعة، فقام معه فلما وافى داره قال له مثل ما قال في الأولى، ثم فعل به ذلك أربع مرات، وأبو عثمان ينصرف ويحضر، ثم قال: يا أستاذ إنما أردت بذلك اختبارك والوقوف على أخلاقك، ثم جعل يعتذر له ويمدحه. فقال أبو عثمان: لا تمدحني على خلق تجده في الكلاب، فإن الكلب إذا دعي حضر وإذا زجر انزجر.
وقال الحارث بن قصي: يعجبني من القرّاء كل فصيح مضحاك، فأما الذي تلقاه ببشر ويلقاك بوجه عبوس فلا كثّر الله في المسلمين مثله.
ومن محاسن الأخلاق ما حكي عن القاضي يحيى بن أكثم قال: كنت نائما ذات ليلة عند المأمون، فعطش، فامتنع أن يصيح بغلام يسقيه، وأنا نائم، فينغص عليّ نومي، فرأيته وقد قام يمشي على أطراف أصابعه حتى أتى موضع الماء وبينه وبين المكان الذي فيه الكيزان نحو من ثلاثمائة خطوة، فأخذ منها كوزا، فشرب، ثم رجع يمشي على أطراف أصابعه حتى قرب من الفراش الذي أنا عليه، فخطا خطوات خائف لئلا ينبهني حتى صار إلى فراشه، ثم رأيته آخر الليل قام يبول، وكان يقوم في أول الليل وآخره، فقعد طويلا يحاول أن أتحرك فيصيح بالغلام، فلما تحركت وثب قائما وصاح يا غلام، وتأهب للصلاة. ثم جاءني، فقال لي: كيف أصبحت يا أبا محمد، وكيف كان مبيتك؟
قلت: خير مبيت جعلني الله فداك يا أمير المؤمنين، قال:
لقد استيقظت للصلاة، فكرهت أن أصيح بالغلام، فأزعجك، فقلت يا أمير المؤمنين قد خصك الله تعالى بأخلاق الأنبياء، وأحب لك سيرتهم، فهنّاك الله تعالى بهذه النعمة، وأتمها عليك، فأمر لي بألف دينار، فأخذتها وانصرفت.
قال: وبت عنده ذات ليلة، فانتبه وقد عرض له السعال، فجعلت أرمقه، وهو يحشو فمه بكم قميصه يدفع به السعال حتى غلبه، فسعل وأكب على الأرض لئلا يعلو صوته، فأنتبه.
قال يحيى، وكنت معه يوما في بستان ندور فيه، فجعلنا نمر بالريحان، فيأخذ من الطاقة والطاقتين ويقول لقيم البستان: أصلح هذا الحوض، ولا تغرس في هذا الحوض شيئا من البقول، قال يحيى: ومشينا في البستان من أوله إلى آخره، وكنت أنا مما يلي الشمس والمأمون مما يلي الظل، فكان يجذبني أن أتحول أنا في الظل، ويكون هو في الشمس، فأمتنع من ذلك حتى بلغنا آخر البستان، فلما رجعنا قال: يا يحيى والله لتكونن في مكاني ولأكونن في مكانك حتى آخذ نصيبي من الشمس كما أخذت نصيبك، وتأخذ نصيبك من الظل كما أخذت نصيبي. فقلت: والله يا أمير المؤمنين لو قدرت أن أقيك يوم الهول بنفسي لفعلت، فلم يزل بي حتى تحولت إلى الظل وتحول هو إلى الشمس، ووضع يده على عاتقي، وقال: بحياتي عليك إلا ما وضعت يدك على عاتقي مثل ما فعلت أنا، فإنه لا خير في صحبة من لا ينصف.
انظر إلى أخلاقهم رضي الله تعالى عنهم ما أحسنها
(1/129)

وإلى أفعالهم ما أزينها، نسأل الله تعالى أن يحسن أخلاقنا، وأن يبارك لنا في أرزاقنا إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الرابع والعشرون في حسن المعاشرة والمودة والأخوة والزيارة وما أشبه ذلك
اعلم أن المودة والأخوة والزيارة سبب التآلف، والتآلف سبب القوة، والقوة سبب التقوى، والتقوى حصن منيع وركن شديد بها يمنع الضيم وتنال الرغائب وتنجع المقاصد، وقد منّ الله تعالى على قوم وذكرهم نعمته عليهم بأن جمع قلوبهم على الصفا وردها بعد الفرقة إلى الألفة والإخاء، فقال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
«1» .
ووصف نعيم الجنة وما أعد فيها لأوليائه من الكرامة، إذ جعلهم إخوانا على سرر متقابلين، وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الإخاء وندب إليه، وآخى بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وقد ذكر الله تعالى أهل جهنم وما يلقون فيها من الألم إذ يقولون: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ 100 وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ 101
«2» .
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه:
الرجل بلا أخ كشمال بلا يمين، وأنشدوا في ذلك:
وما المرء إلا بإخوانه ... كما يقبض الكفّ بالمعصم
ولا خير في الكفّ مقطوعة ... ولا خير في الساعد الأجذم
وقال زياد: خير ما اكتسب المرء الإخوان فإنهم معونة على حوادث الزمان ونوائب الحدثان، وعون في السراء والضراء.
ومن كلام علي رضي الله عنه وكرم وجهه:
عليك بإخوان الصفاء فإنّهم ... عماد إذا استنجدتهم وظهور
وإنّ قليلا ألف خلّ وصاحب ... وإنّ عدوا واحدا لكثير
وقال الأوزاعي: الصاحب للصاحب كالرقعة في الثوب إن لم تكن مثله شانته. وقال عبد الله بن طاهر: المال غاد ورائح والسلطان ظل زائل والإخوان كنوز وافرة.
وقال المأمون للحسن بن سهل: نظرت في اللذات فوجدتها كلها مملولة سوى سبعة، قال: وما السبعة يا أمير المؤمنين؟ قال: خبز الحنطة، ولحم الغنم، والماء البارد، والثوب الناعم، والرائحة الطيبة والفراش الواطىء، والنظر إلى الحسن من كل شيء، قال: فأين أنت يا أمير المؤمنين من محادثة الرجال؟ قال: صدقت، وهي أولاهن وقال سليمان بن عبد الملك: أكلت الطيب ولبست اللبن وركبت الفاره «3» وافتضضت العذراء، فلم يبق من لذاتي إلا صديق أطرح معه مؤنة التحفظ.
وكذلك قال معاوية رضي الله عنه: نكحت النساء حتى ما أفرق بين امرأة وحائط، وأكلت الطعام حتى لا أجد ما استمرئه، وشربت الأشربة حتى رجعت إلى الماء، وركبت المطايا حتى اخترت نعلي، ولبست الثياب حتى اخترت البياض، فما بقي من اللذات ما تتوق إليه نفسي إلا محادثة أخ كريم.
وأنشدوا في معنى ذلك:
وما بقيت من اللّذات إلّا ... محادثة الرجال ذوي العقول
وقد كنّا نعدّهم قليلا ... فقد صاروا أقلّ من القليل
وقال لبيد:
ما عاتب المرء اللبيب كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح
وقال آخر:
إذا ما أتت من صاحب لك زلة ... فكن أنت محتالا لزلّته عذرا «4»
وقيل لابن السماك: أي الإخوان أحق ببقاء المودة؟
قال: الوافر دينه، الوافي عقله، الذي لا يملّك على القرب ولا ينساك على البعد، إن دنوت منه داناك، وإن بعدت عنه
(1/130)

راعاك، وإن استعنت به عضدك، وإن احتجت إليه رفدك، وتكون مودة فعله أكثر من مودة قوله. وأنشدوا في المعنى:
إن أخاك الصدق من يسعى معك ... ومن يضرّ نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتّت فيك شمله ليجمعك «1»
وليس أخي من ودّني بلسانه ... ولكنّ أخي من ودّني وهو غائب
ومن ماله مالي إذا كنت معدما ... ومالي له إن أعوزته النّوائب
وقال أبو تمام:
من لي بإنسان إذا أغضبته ... وجهلت كان الحلم ردّ جوابه
وإذا صبوت إلى المدام شربت من ... أخلاقه وسكرت من آدابه «2»
وتراه يصغي للحديث بطرفه ... وبقلبه ولعلّه أدرى به «3»
وقيل لخالد بن صفوان: أي إخوانك أحب إليك؟ قال:
الذي يسد خلتي «4» ويغفر زلتي ويقيل عثرتي. وقيل: من لا يؤاخي إلا من لا عيب فيه قلّ صديقه، ومن لم يرض من صديقه إلا بإيثاره على نفسه دام سخطه، ومن عاتب على كل ذنب ضاع عتبه، وكثر تعبه.
قال الشاعر:
ومن لم يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
وقال آخر:
إذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
وإن أنت لم تشرب مرارا على الأذى ... ظمئت وأيّ الناس تصفو مشاربه
وقال: إذا رأيت من أخيك أمرا تكرهه أو خلة لا تحبها فلا تقطع حبله ولا تصرم وده، ولكن داو كلمته «5» واستر عورته وأبقه وأبرأ من عمله.
قال الله تعالى: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ 216
«6» فلم يأمره بقطعهم، وإنما أمره بالبراءة من عملهم السيء.
وقال صلى الله عليه وسلم: «الأرواح أجناد مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» . وقال عليه الصلاة والسلام: إن روحي المؤمنين ليلتقيان من مسيرة يوم ما رأى أحدهما صاحبه.
وفي ذلك قال بعضهم:
هويتكم بالسّمع قبل لقائكم ... وسمع الفتى يهوى لعمري كطرفه «7»
وخبّرت عنكم كلّ جود ورفعة ... فلما التقينا كنتم فوق وصفه
وقال آخر:
تبسّم الثغر عن أوصافكم فغدا ... من طيب ذكركم نشرا فأحيانا «8»
فمن هناك عشقناكم ولم نركم ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
[وقيل] : ما تحاب اثنان في الله إلا كان أفضلهما عند الله أشدهما حبا لصاحبه.
ما زار أخ أخا في الله شوقا إليه ورغبة في لقائه إلا نادته ملائكة من ورائه طبت وطابت لك الجنة.
وقالوا: ليس سرور يعدل لقاء الإخوان، ولا غم يعدل فراقهم. وقالوا: شر الإخوان الواصل في الرخاء، الخاذل عند الشدة. وقالوا: إن من الوفاء أن تكون لصديق صديقك صديقا، ولعدو صديقك عدوا. وقالوا: أعجب الأشياء ودّ من يهودي وحفظ من نصراني، ورياضة من دهري «9» ، وكرم من أعجمي، والحذر من الكريم إذا أهنته، واللئيم إذا أكرمته، والعاقل إذا أحرجته، والأحمق
(1/131)

إذا مازحته، والفاجر إذا عاشرته.
وقالوا: إصحب من الإخوان من أولاك جمائل كثيرة فكافأته بجميلة واحدة، فنسي جمائله وبقي شاكرا ناشرا ذاكرا لجميلتك، يوليك عليها الإحسان الكثير الجزيل ويجعل أنه ما بلغ من مكافأتك القليل.
وقال ابن عائشة: لقاء الخليل شفاء الغليل. وقال بعض الحكماء: إذا وقع بصرك على شخص فكرهته، فاحذره جهدك.
قال عبد الله بن طاهر:
خليليّ للبغضاء حال مبينة ... وللحب آثار ترى ومعارف
فما تنكر العينان فالقلب منكر ... وما تعرف العينان فالقلب عارف
وقال آخر:
وكنت إذا الصديق أراد غيظي ... وشرّقني على ظمإ بريقي «1»
غفرت ذنوبه وكظمت غيظي ... مخافة أن أعيش بلا صديق
وقال آخر:
وليس فتى الفتيان من جلّ همّه ... صبوح وإن أمسى ففضل غبوق «2»
ولكن فتى الفتيان من راح أو غدا ... لضر عدو أو لنفع صديق
وأما آداب المعاشرة: فالبشاشة والبشر وحسن الخلق والأدب، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أخلاق النبيين والصديقين البشاشة إذا تراءوا والمصافحة إذا تلاقوا وكان القعقاع بن ثور الهذلي إذا جالسه رجل يجعل له نصيبا من ماله ويعينه على حوائجه، ودخل يوما على معاوية، فأمر له بألف دينار وكان هناك رجل قد فسح له في المجلس، فدفعها للذي فسح له، فقال:
وكنت جليس قعقاع بن ثور ... وما يشقى بقعقاع جليس
ضحوك السن إن نطقوا بخير ... وعند الشر مطراق عبوس
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لجليسي عليّ ثلاث:
أن أرمقه بطرفي إذا أقبل، وأوسع له إذا جلس، وأصغي له إذا حدث. ويقال: لكل شيء محل، ومحل العقل مجالسته الناس، ومثل الجليس الحسن كالعطار إن لم يصبك من عطره أصابك من رائحته. ومثل الجليس السوء، مثل الكبريت إن لم يحرق ثوبك بناره آذاك بدخانه.
وكانت تحية العرب: «صبحتك الأنعمة وطيب الأطعمة» وتقول أيضا: «صبحتك الأفالح وكل طير صالح» . ووصف المأمون ثمامة بحسن المعاشرة، فقال:
إنه يتصرف مع القلوب تصرف السحاب مع الجنوب «3» .
وقيل: أول ما يتعين على الجليس الإنصاف في المجالسة بأن يلحظ بعين الأدب مكانه من مكان جليسه فيكون كل منهما في محله. وقال صلى الله عليه وسلم: ذو العلم والسلطان أحق بشرف المنزل.
وقال جعفر الصادق رضي الله عنه، إذا دخلت منزل أخيك فاقبل كرامته كلها ما عدا الجلوس في الصدور وينبغي للإنسان أن لا يقبل بحديثه على من لا يقبل عليه، فقد قيل إن نشاط المتكلم بقدر إقبال السامع، ويتعين عليه أن يحدث المستمع على قدر عقله ولا يبتدع كلاما لا يليق بالمجلس، فقد قيل لكل مقام مقال، وخير القول ما وافق الحال. وأوجبوا على المستمع أنه إذا ورد عليه من المتكلم ما كان مر بسمعه أولا أن لا يقطع عليه ما يقوله، بل يسكت إلى أن يستوعب منه القول، وعدوا ذلك من باب الأدب، ولعله إذا صبر وسكت استفاد من ذلك زيادة فائدة لم تكن في حفظه.
وقيل: ثمانية إن أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم: الجالس في مجلس ليس له بأهل، والمقبل بحديثه على من لا يسمعه، والداخل بين اثنين في حديثهما ولم يدخلاه فيه، والمتعرض لما لا يعنيه، والمتأمّر على رب البيت في بيته، والآتي إلى مائدة بلا دعوة، وطالب الخير من أعدائه، والمستخف بقدر السلطان.
ويتعين على الجليس أن يراعي ألفاظه ويكون على حذر أن يعثر لسانه خصوصا إذا كان جليسه ذا هيبة، فقد قيل:
رب كلمة سلبت نعمة.
وقال أبو العباس السفاح: ما رأيت أغزر من فكر أبي
(1/132)

بكر الهذلي لم يعد علي حديثا قط. وقيل إن أبا العباس كان يحدثه يوما إذ عصفت الريح فأرمت طستا من سطح إلى المجلس، فارتاع من حضر ولم يتحرك الهذلي ولم تزل عينه مطابقة لعين السفاح فقال: ما أعجب شأنك يا هذلي، فقال: إن الله يقول: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
«1» . وإنما لي قلب واحد، فلما غمره النور بمحادثة أمير المؤمنين لم يكن فيه لحادث مجال، فلو انقلبت الخضراء على الغبراء «2» ما أحسست بها ولا وجمت لها «3» ، فقال السفاح لئن بقيت لك لأرفعن مكانك، ثم أمر له بمال جزيل وصلة كبيرة. وكان ابن خارجة يقول: ما غلبني أحد قط غلبة رجل يصغي إلى حديثي.
وفي نوابغ الحكم: أكرم حديث أخيك بانصاتك وصنه من وصمة التفاتك. وقيل: من حق الملك إذا تثاءب أو ألقى المروحة من يده أو مدّ رجليه أو تمطّى «4» أو اتكأ أو فعل ما يدل على كسله أن يقوم من بحضرته، وكان أردشير إذا تمطّى قام سمّاره «5» .
ومن حق الملك أن لا يعاد عليه حديث وإن طال الدهر. قال روح بن زنباع أقمت مع عبد الملك سبع عشرة سنة، فما أعدت عليه حديثا إلا مرة واحدة، فقال لي: قد سمعته منك. وعن الشعبي قال: ما حدثت بحديث مرتين رجلا بعينه. وقال عطاء بن أبي رباح: إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأني لم أسمعه قط، وقد سمعت به من قبل أن يولد.
وقيل: المودة طلاقة الوجه والتودد إلى الناس. وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: إن المسلمين إذا التقيا، فضحك كل واحد منهما في وجه صاحبه ثم أخذ بيده تحاتت ذنوبهما كتحاتّ ورق الشجر، وقيل: البشر يدل على السخاء كما يدل النور على الثمر. وقيل: من السنّة إذا حدثت القوم أن لا تقبل على واحد منهم، ولكن اجعل لكل واحد منهم نصيبا.
وقالوا: إذا أردت حسن المعاشرة فالق عدوك وصديقك بالطلاقة ووجه الرضا والبشاشة ولا تنظر في عطفيك «6» ولا تكثر الالتفات ولا تقف على الجماعات، وإذا جلست فلا تتكبر على أحد وتحفّظ من تشبيك أصابعك، ومن العبث بلحيتك، ومن اللعب بخاتمك، وتخليل أسنانك، وإدخال أصبعك في أنفك، وكثرة بصاقك، وكثرة التمطي والتثاؤب في وجوه الناس وفي الصلاة، وليكن مجلسك هادئا وحديثك منظوما مرتبا، واصغ إلى كلام مجالسك واسكت عن المضاحك ولا تتصنع تصنع المرأة في التزين، ولا تلح في الحاجات ولا تشجع أحدا على الظلم ولا تهازل أمتك ولا عبدك، فيسقط وقارك عندهما، وإذا خاصمت فانصف وتحفظ من جهلك وتجنب عجلتك وتفكر في حجّتك، ولا تكثر الإشارة بيدك ولا الالتفات إلى من وراءك واهدىء غضبك وتكلم، وإذا قرّبك سلطان فكن منه على حذر، واحذر انقلابه عليك وكلمه بما يشتهي ولا يحملنك لطفه بك على أن تدخل بينه وبين أهله وحشمه، وإن كنت لذلك مستحقا عنده.
وإياك وصديق العافية «7» فإنه أعدى الأعداء ولا تجعل مالك أكرم من عرضك، ولا تجالس الملوك فإن فعلت فالتزم ترك الغيبة ومجانبة الكذب وصيانة السر وقلة الحوائج وتهذيب الألفاظ والمذاكرة بأخلاق الملوك والحذر منهم. وإن ظهرت المودة، ولا تتجشأ بحضرتهم ولا تخلل أسنانك بعد الأكل عندهم، ولا تجالس العامة فإن فعلت فآداب ذلك ترك الخوض في حديثهم وقلة الإصغاء إلى أراجيفهم والتغافل عما يجري من سوء ألفاظهم.
وإياك أن تمازح لبيبا أو سفيها، فإن اللبيب يحقد عليك والسفيه يتجرأ عليك، ولأن المزاح يخرق الهيبة ويذهب بماء الوجه ويعقب الحقد ويذهب بحلاوة الإيمان والود ويشين فقه الفقيه ويجرّىء السفيه ويميت القلب ويباعد عن الرب تعالى ويكسب الغفلة والذلة، ومن بلي في مجلس بمزاح أو لغط، فليذكر الله عند قيامه، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، غفر له ما كان في مجلسه ذلك.
(1/133)

وأما آداب المسايرة فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعاقب هو وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورجل آخر من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في سفر على بعير، فكان إذا جاءت نوبته في المشي مشى، فيعزمان عليه أن لا يمشي فيأبى ويقول:
ما أنتم بأقدر مني على مشي وما أنا بأغنى منكم عن أجر، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا ظهور الدواب كراسي» .
وقيل: لا تتقدم الأصاغر على الأكابر إلا في ثلاث: إذا ساروا ليلا أو خاضوا سيلا أو واجهوا خيلا. وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ أخاه في ثلاث، في نكبته وغيبته ووفاته.
وأما ما جاء في الإخوان القليلي الموافاة العديمي المكافأة الذين ليس عندهم لصديق مصافاة:
فقال وهب بن منبه: صحبت الناس خمسين سنة فما وجدت رجلا غفر لي زلة ولا أقالني عثرة ولا ستر لي عورة. وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إذا كان الغدر طبعا، فالثقة بكل أحد عجز. وقيل لبعضهم: ما الصديق؟ قال: اسم وضع على غير مسمى وحيوان غير موجود «1» .
قال الشاعر:
سمعنا بالصديق ولا نراه ... على التحقيق يوجد في الأنام
وأحسبه محالا نمّقوه ... على وجه المجاز من الكلام «2»
وقال أبو الدرداء: كان الناس ورقا لا شوك فيه، فصاروا شوكا لا ورق فيه، وقال جعفر الصادق لبعض إخوانه: أقلل من معرفة الناس وأنكر من عرفت منهم، وإن كان مائة صديق فاطرح تسعة وتسعين وكن من الواحد على حذر.
وقيل لبعض الولاة: كم لك صديق؟ فقال أما في حال الولاية فكثير، وأنشد:
الناس إخوان من دامت له نعم ... والويل للمرء إن زلّت به القدم
ولما نكب علي بن عيسى الوزير لم ينظر ببابه أحدا من أصحابه الذين كانوا يألفونه في ولايته، فلما ردت إليه الوزارة وقف أصحابه ببابه ثانيا فقال:
ما الناس إلّا مع الدنيا وصاحبها ... فكلما انقلبت يوما به انقلبوا
يعظّمون أخا الدنيا فإن وثبت ... يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا
وقال آخر:
فما أكثر الأصحاب حين نعدّهم ... ولكنّهم في النائبات قليل
وقال البحتري:
إيّاك تغترّ أو تخدعك بارقة ... من ذي خداع يري بشرا وألطافا
فلو قلبت جميع الأرض قاطبة ... وسرت في الأرض أوساطا وأطرافا
لم تلق فيها صديقا صادقا أبدا ... ولا أخا يبذل الإنصاف إن صافى «3»
وقال بعضهم في المعنى أيضا:
خليليّ جربت الزمان وأهله ... فما نالني منهم سوى الهمّ والعنا «4»
وعاشرت أبناء الزمان فلم أجد ... خليلا يوفيّ بالعهود ولا أنا
وقال آخر:
لما رأيت بني الزّمان وما بهم ... خلّ وفيّ للشدائد أصطفي «5»
فعلمت أنّ المستحيل ثلاثة ... الغول والعنقاء والخلّ الوفي
بيت مفرد:
وكلّ خليل ليس في الله ودّه ... فإنّي به في ودّه غير واثق
قال آخر:
إذا ما كنت متّخذا خليلا ... فلا تأمن خليلك أن يخونا
(1/134)

فإنّك لم يخنك أخ أمين ... ولكن قلّما تلقى أمينا
وقال آخر:
تحبّ عدوي ثم تزعم أنّني ... أودّك إن الرأي عنك لعازب «1»
وليس أخي من ودّني بلسانه ... ولكن أخي من ودّني وهو غائب
ومن ماله مالي إذا كنت معدما ... ومالي له إن أعوزته النوائب «2»
ولما غضب السلطان على الوزير ابن مقلة وأمر بقطع يده لما بلغه أنه زوّر عنه كتابا إلى أعدائه وعزله، لم يأت إليه أحد ممن كان يصحبه ولا توجع له، ثم إن السلطان ظهر له في بقية يومه أنه بريء مما نسب إليه فخلع عليه ورد إليه وظائفه، فأنشد يقول هذه الأبيات:
تحالف الناس والزمان ... فحيث كان الزمان كانوا
عاداني الدهر نصف يوم ... فانكشف النّاس لي وبانوا
يا أيّها المعرضون عنّا ... عودوا فقد عاد لي الزمان
ومثله في المعنى:
أخوك أخوك من يدنو وترجو ... مودّته وإن دعي استجابا
إذا حاربت حارب من تعادي ... وزاد سلاحه منك اقترابا
وقال أبو بكر الخالدي:
وأخ رخصت عليه حتى ملّني ... والشيء مملول إذا ما يرخص
ما في زمانك من يعزّ وجوده ... إن رمته إلّا صدق مخلص «3»
فيجب على الإنسان أن لا يصحب إلا من له دين وتقوى، فإن المحبة في الله تنفع في الدنيا والآخرة وما أحسن ما قال بعضهم:
وكلّ محبّة في الله تبقى ... على الحالين من فرج وضيق
وكلّ محبّة فيما سواه ... فكالحلفاء في لهب الحريق «4»
فينبغي للإنسان أن يجتنب معاشرة الأشرار ويترك مصاحبة الفجار ويهجر من ساءت خلته وقبحت بين الناس سيرته. قال الله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ 67
«5» . وقال تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ
«6» فأثبت الله المماثلة بيننا وبين البهائم وذلك إنما هو في الأخلاق خاصة، فليس أحد من الخلق إلا وفيه خلق من أخلاق البهائم، ولهذا تجد أخلاق الخلائق مختلفة فإذا رأيت الرجل جاهلا في خلائقة غليظا في طبائعه قويا في بدنه لا تؤمن ضغائنه فألحقه بعالم النمورة «7» ، والعرب تقول:
أجهل من نمر وإذا رأيت الرجل هجاما على أعراض الناس فقد ماثل عالم الكلاب فإن دأب الكلب أن يجفو من لا يجفوه ويؤذي من لا يوذيه، فعامله بما كنت تعامل به الكلب إذا نبح، ألست تذهب وتتركه؟
وإذا رأيت إنسانا قد جبل على الخلاف إن قلت نعم قال لا، وإن قلت لا قال نعم، فألحقه بعالم الحمير، فإن دأب الحمار إن أدنيته بعد وإن أبعدته قرب، فلا تنتفع به ولا يمكنك مفارقته.
وإن رأيت إنسانا يهجم على الأموال والأرواح فألحقه بعالم الأسود وخذ حذرك منه كما تأخذ حذرك من الأسد.
وإذا بليت بإنسان خبيث كثير الروغان فألحقه بعالم الثعالب.
وإذا رأيت من يمشي بين الناس بالنميمة ويفرق بين الأحبة فألحقه بعالم الظربان، وهي دابة صغيرة تقول العرب عند تفرق الجماعة مشى بينهم ظربان فتفرقوا.
وإذا رأيت إنسانا لا يسمع الحكمة والعلم وينفر من مجالسة العلماء ويألف أخبار أهل الدنيا، فألحقه بعالم الخنافس، فإنه يعجبها أكل العذرات وملامسة النجاسات
(1/135)

وتنفر من ريح المسك والورد وإذا شمت الرائحة الطيبة ماتت لوقتها.
وإذا رأيت الرجل يصنع بنفسه كما تصنع المرأة لبعلها، يبيض ثيابه ويعدل عمامته وينظر في عطفيه، فألحقه بعالم الطواويس.
وإذا بليت بإنسان حقود لا ينسى الهفوات ويجازي بعد المدة الطويلة على السقطات، فألحقه بعالم الجمال، والعرب تقول أحقد من جمل، فتجنب قرب الرجل الحقود.
وعلى هذا النمط فليحترز العاقل من صحبة الأشرار وأهل الغدر ومن لا وفاء لهم فإنه إذا فعل ذلك سلم من مكائد الخلق وأراح قلبه وبدنه والله أعلم.
وأما الزيارة والاستدعاء إليها فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيّ والمتباذلين فيّ والمتزاورين فيّ، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» . وقال صلى الله عليه وسلم: «من عاد مريضا أو زار أخا نادى مناد أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا» . وقيل: المحبة شجرة أصلها الزيارة.
قال الشاعر:
زر من تحبّ وإن شطّت بك الدار ... وحال من دونه حجب وأستار «1»
لا يمنعنّك بعد من زيارته ... إن المحبّ لمن يهواه زوّار
ولكن الزيارة غبا لقوله صلى الله عليه وسلم: «زر غبا تزدد حبّا» «2» .
قال الشاعر في معنى ذلك:
عليك بإغباب الزيارة إنّها ... إذا كثرت صارت إلى الهجر مسلكا
ألم تر أن الغيث يسأم دائما ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
ويقال الإكثار من الزيارة ممل، والإقلال منها مخل «3» .
وكتب صديق إلى صديقه هذا البيت:
إذا ما تقاطعنا ونحن ببلدة ... فما فضل قرب الدار منّا على البعد
وقال آخر:
وإن مروري بالديار التي بها ... سليمى ولم ألمم بها لجفاء
وقال آخر:
قد أتانا من آل سعدى رسول ... حبّذا ما يقول لي وأقول
وقال آخر:
أزور بيوتا لاصقات ببيتها ... وقلبي في البيت الذي لا أزوره
وزار محمد بن يزيد المهلبي المستعين ووهب له مائتي ألف درهم، وأقطعه أرضا فقال:
وخصصتني بزيارة أضحى لنا ... مجدي بها طول الزمان مؤثل
وقضيت ديني وهو دين وافر ... لم يقضه مع جوده المتوكّل
وكتب المأمون إلى جاريته الخيزران «4» يستدعيها للزيارة:
نحن في أفضل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتمّ السرور
عيب ما نحن فيه يا أهل ودي ... أنّكم غبتم ونحن حضور
فأجدّوا المسير بل إن قدرتم ... أن تطيروا مع الرياح فطيروا
وقيل لفيلسوف: أي الرسل أنجح؟ قال: الذي له جمال وعقل. وقيل: إذا أرسلتم رسولا في حاجة، فاتخذوه حسن الوجه حسن الاسم. وقال لقمان لابنه: يا بني لا تبعث رسولا جاهلا، فإن لم تجد حكيما عارفا، فكن رسول نفسك.
وقال بعضهم:
إذا أبطأ الرسول فقل نجاح ... ولا تفرح إذا عجل الرسول
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(1/136)

الباب الخامس والعشرون في الشفقة على خلق الله تعالى والرحمة بهم وفضل الشفاعة وإصلاح ذات البين
وفيه فصلان
الفصل الأول في الشفقة على خلق الله تعالى والرحمة بهم
قال الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
«1» . ووصف الله نفسه لعباده فقال عز وجل:
إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
«2» . وقال الله تعالى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ 2 الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ 3
«3» .
قال المفسرون: «الرحمن» اسم رقيق يدل على العطف والرقة واللطف والكرم والمنّة والحلم عن الخلق، والرحيم مثله. وقيل: يقال رحمن الدنيا ورحيم الآخرة.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يضع الله الرحمة إلا على رحيم، قلنا: يا رسول الله كلنا رحيم، قال: ليس الرحيم الذي يرحم نفسه وأهله خاصة، ولكن الرحيم الذي يرحم المسلمين» رواه أبو يعلى والطبراني.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«من لا يرحم لا يرحم، ومن لا يغفر لا يغفر له» .
وعنه صلى الله عليه وسلم قال: «إرحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم» .
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: «إن كنتم تريدون رحمتي فارحموا خلقي» ، رواه أبو محمد بن عدي في كتاب الكامل.
وروينا من طريق الطبراني، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتواصلهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» ، قال الطبراني: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فسألته عن هذا الحديث، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، وأشار بيده صحيح صحيح صحيح ثلاثا.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مسح على رأس يتيم كان له بكل شعرة تمر عليها يده نور يوم القيامة» . ودخل عامل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فوجده مستلقيا على ظهره وصبيانه يلعبون على بطنه، فأنكر ذلك عليه، فقال له عمر: كيف أنت مع أهلك؟ قال:
إذا دخلت سكت الناطق. فقال له: اعتزل فإنك لا ترفق بأهلك وولدك، فكيف ترفق بأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أبدال أمتي لن يدخلوا الجنة بالأعمال ولكن يدخلونها برحمة الله وسخاوة النفس وسلامة الصدور والرحمة لجميع المسلمين» .
الفصل الثاني في الشفاعة وإصلاح ذات البين
قال الله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً 85
«4» .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يسأل العبد عن جاهه كما يسأله عن عمره، فيقول له جعلت لك جاها، فهل نصرت به مظلوما أو قمعت به ظالما أو أغثت به مكروبا» ؟
وقال صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة أن تعين بجاهك من لا جاه له» . وعن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءني طالب حاجة فاشفعوا له لكي تؤجروا، ويقضي الله تعالى على لسان نبيه ما شاء» .
وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة صدقة اللسان، قيل: يا رسول الله، وما صدقة اللسان؟ قال: الشفاعة تفك بها الأسير وتحقن بها الدماء، وتجرّ بها المعروف إلى أخيك، وتدفع عنه بها كريهة» . رواه الطبراني في المكارم.
(1/137)

وقال علي رضي الله عنه: الشفيع جناح الطالب. وقال رجل لبعض الولاة: إن الناس يتوسلون إليك بغيرك، فينالون معروفك ويشكرون غيرك، وأنا أتوسل إليك بك ليكون شكري لك لا لغيرك.
وقيل: كان المنصور معجبا بمحادثة محمد بن جعفر بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم، وكان الناس لعظم قدره يفزعون إليه في الشفاعات، فثقل ذلك على المنصور، فحجبه مدة، ثم لم يصبر عنه، فأمر الربيع أن يكلمه في ذلك، فكلمه، وقال: اعف أمير المؤمنين لا تثقل عليه في الشفاعات، فقبل ذلك منه، فلما توجه إلى الباب اعترضه قوم من قريش معهم رقاع، فسألوه إيصالها إلى المنصور، فقص عليهم القصة، فأبوا إلا أن يأخذها، فقال: أقذفوها في كمي، ثم دخل عليه وهو في الخضراء مشرف على مدينة السلام وما حولها من البساتين، فقال له: أما ترى إلى حسنها يا أبا عبد الله؟
فقال له: يا أمير المؤمنين بارك الله لك فيما آتاك وهنأك بإتمام نعمتك عليك فيما أعطاك، فما بنت العرب في دولة الإسلام ولا العجم في سالف الأيام أحصن ولا أحسن من مدينتك ولكن سمجتها في عيني خصلة، قال: وما هي؟
قال: ليس لي فيها ضيعة، فتبسم، وقال: قد حسنتها في عينك بثلاث ضياع قد أقطعتكها، فقال: أنت والله يا أمير المؤمنين شريف الموارد كريم المصادر، فجعل الله تعالى باقي عمرك أكثر من ماضيه، ثم أقام معه يومه ذلك، فلما نهض ليقوم بدت الرقاع من كمه، فجعل يردهن ويقول:
ارجعن خائبات خاسرات.
فضحك المنصور وقال: بحقي عليك ألا أخبرتني وأعلمتني بخبر هذه الرقاع، فأعلمه، وقال ما أتيت يا ابن معلم الخير إلا كريما، وتمثل بقول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:
لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوما على الأحساب نتّكل
نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا
وتصفح الرقاع وقضى حوائجهم عن آخرها، قال محمد: فخرجت من عنده وقد ربحت وأربحت.
وقال المبرد أتاني رجل لأشفع له في حاجة، فأنشدني لنفسه:
إنّي قصدتك لا أدلي بمعرفة ... ولا بقرب ولكن قد فشت نعمك «1»
فبتّ حيران مكروبا يؤرّقني ... ذلّ الغريب ويغشيني الكرى كرمك
ما زلت أنكب حتى زلزلت قدمي ... فاحتل لتثبيتها لا زلزلت قدمك «2»
فلو هممت بغير العرف ما علقت ... به يداك ولا انقادت له شيمك
قال: فشفعت له وأنلته من الإحسان ما قدرت عليه.
وكتب رجل إلى يحيى بن خالد رقعة فيها هذا البيت:
شفيعي إليك الله لا شيء غيره ... وليس إلى رد الشفيع سبيل
فأمره بلزوم الدهليز، فكان يعطيه كل يوم عند الصباح ألف درهم فلما استوفى ثلاثين ألفا، ذهب الرجل، فقال يحيى والله لو أقام إلى آخر عمره ما قطعتها عنه:
(شعر) :
وقد جئتكم بالمصطفى متشفّعا ... وما خاب من بالمصطفى يتشفّع
إلى باب مولانا رفعت ظلامتي ... عسى الهمّ عنّي والمصائب ترفع
وقال آخر:
تشفّع بالنبي فكلّ عبد ... يجار إذا تشفّع بالنبيّ
ولا تجزع إذا ضاقت أمور ... فكم لله من لطف خفيّ
وروي أن جبريل عليه السلام قال: يا محمد لو كانت عبادتنا لله تعالى على وجه الأرض لعملنا ثلاث خصال:
سقي الماء للمسلمين، وإعانة أصحاب العيال، وستر الذنوب على المسلمين إذا أذنبوا.
اللهم استر ذنوبنا واقض عنا تبعاتنا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(1/138)

الباب السادس والعشرون في الحياء والتواضع ولين الجانب وخفض الجناح
وفيه فصلان
الفصل الأول في الحياء
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: مكارم الأخلاق عشرة: صدق الحديث، وصدق اللسان، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، والمكافأة بالصنيع، وبذل المعروف، وحفظ الذمام للجار، وحفظ الذمام للصاحب وقرى الضيف ورأسهن الحياء.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحياء شعبة من الإيمان. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» .
وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: من كسا بالحياء ثوبه لم ير الناس عيبه. وعن زيد بن علي عن آبائه يرفعونه:
من لم يستح فهو كافر.
قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: إني لأدخل البيت المظلم أغتسل فيه من الجنابة فأحني فيه صلبي حياء من ربي، وقال بعضهم: الوجه المصون بالحياء كالجوهر المكنون في الوعاء.
وقال الخواص: إن العباد عملوا على أربع منازل، على الخوف والرجاء والتعظيم والحياء، فأرفعها منزلة الحياء لما أيقنوا أن الله يراهم على كل حال قالوا: سواء علينا رأيناه أو رآنا، وكان الحاجز لهم عن معاصيه الحياء منه.
ويقال: القناعة دليل الأمانة، والأمانة دليل الشكر، والشكر دليل الزيادة، والزيادة دليل بقاء النعمة، والحياء دليل الخير كله.
الفصل الثاني في التواضع ولين الجانب وخفض الجناح
قال الله تعالى: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
«1» . وقال تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ 83
«2» . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل العبادة التواضع» . وقال صلى الله عليه وسلم:
«لا ترفعوني فوق قدري، فتقولوا فيّ ما قالت النصارى في المسيح، فإن الله عز وجل اتخذني عبدا قبل أن يتخذني رسولا» ، وأتاه صلى الله عليه وسلم رجل فكلمه فأخذته رعدة، فقال صلى الله عليه وسلم له: «هوّن عليك، فإني لست بملك إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد» «3» ، وكان صلى الله عليه وسلم يرقع ثوبه، ويخصف نعله «4» ، ويخدم في مهنة أهله ولم يكن متكبرا ولا متجبرا، أشد الناس حياء وأكثرهم تواضعا، وكان إذا حدث بشيء مما أتاه الله تعالى قال: ولا فخر.
وقال صلى الله عليه وسلم: «إن العفو لا يزيد العبد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله، وإن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة، فتواضعوا يرفعكم الله، وإن الصدقة لا تزيد المال إلا نماء فتصدقوا يزدكم الله» .
وقال عدي بن أرطأة لإياس بن معاوية: إنك لسريع المشية، قال: ذلك أبعد من الكبر وأسرع في الحاجة.
وخرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر، فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر: اجلس، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار» .
وقيل: التواضع سلم الشرف. ولبس مطرف بن عبد الله الصوف وجلس مع المساكين، فقيل له في ذلك، فقال: إن أبي كان جبارا، فأحببت أن أتواضع لربي لعله أن يخفف عن أبي تجبره.
وقال مجاهد: إن الله تعالى لما أغرق قوم نوح شمخت الجبال وتواضع الجودي فرفعه فوق الجبال، وجعل قرار السفينة عليه.
وقال الله تعالى لموسى عليه السلام: هل تعرف لم كلمتك من بين الناس؟ قال: لا يا رب. قال: لأني رأيتك تتمرغ بين يدي في التراب تواضعا لي. وقيل: من رفع نفسه فوق قدره استجلب مقت الناس «5» .
وقال أبو مسلم صاحب الذخيرة: ما تاه إلا وضيع ولا فاخر إلا لقيط، وكل من تواضع لله رفعه الله. فسبحان من
(1/139)

تواضع كل شيء لعز جبروت عظمته، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب السابع والعشرون في العجب والكبر والخيلاء وما أشبه ذلك
إعلم أن الكبر والإعجاب يسلبان الفضائل ويكسيان الرذائل، وحسبك من رذيلة تمنع من سماع النصح وقبول التأديب، والكبر يكسب المقت، ويمنع من التألف.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر» ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جرّ ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه» .
وقال الأحنف بن قيس: ما تكبر أحد إلا من ذلة يجدها في نفسه. ولم تزل الحكماء تتحامى الكبر وتأنف منه.
ونظر أفلاطون إلى رجل جاهل معجب بنفسه فقال:
وددت أني مثلك في ظنك وأن أعدائي مثلك في الحقيقة.
ورأى رجل رجلا يختال في مشيه، فقال: جعلني الله مثلك في نفسك ولا جعلني مثلك في نفسي.
وقال الأحنف: عجبت لمن جرى في مجرى البول مرتين كيف يتكبر. ومر بعض أولاد المهلب بمالك بن دينار وهو يتبختر في مشيه، فقال له مالك: يا بني لو تركت هذه الخيلاء لكان أجمل بك، فقال: أو ما تعرفني «1» ؟ قال: أعرفك معرفة أكيدة أوّلك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك تحمل العذرة، فأرخى الفتى رأسه وكف عما كان عليه.
وقالوا: لا يدوم الملك مع الكبر وحسبك من رذيلة تسلب الرياسة والسيادة، وأعظم من ذلك أن الله تعالى حرّم الجنة على المتكبرين، فقال تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً
«2» ، فقرن الكبر بالفساد. وقال تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِ
«3» . قال بعض الحكماء:
ما رأيت متكبرا إلا ما تحول ما به بي، يعني أتكبر عليه.
واعلم أن الكبر يوجب المقت ومن مقته رجاله لم يستقم حاله، والعرب تجعل جذيمة الأبرش غاية في الكبر، يقال إنه كان لا ينادم أحدا لتكبره ويقول: إنما ينادمني الفرقدان.
وكان ابن عوانة من أقبح الناس كبرا. روي أنه قال لغلامه: اسقني ماء، فقال: نعم، فقال: إنما يقول نعم من يقدر أن يقول: لا، اصفعوه، فصفع. ودعا أكارا فكلمه، فلما فرغ دعا بماء فتمضمض به استقذارا لمخاطبته.
ويقال: فلان وضع نفسه في درجة لو سقط منها لتكسر.
قال الجاحظ: المشهورون بالكبر من قريش بنو مخزوم، وبنو أمية. ومن العرب: بنو جعفر بن كلاب، وبنو زرارة بن عدي، وأما الأكاسرة فكانوا لا يعدون الناس إلا عبيدا وأنفسهم إلا أربابا، وقيل لرجل من بني عبد الدار: ألا تأتي الخليفة، فقال: أخاف أن لا يحمل الجسر شرفي.
وقيل للحجاج بن أرطأة: ما لك لا تحضر الجماعة «4» ؟ قال: أخشى أن يزاحمني البقالون. وقيل:
أتى وائل بن حجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأقطعه أرضا، وقال لمعاوية: أعرض عن هذه الأرض عليه وأكتبها له، فخرج معه معاوية في هاجرة شديدة، ومشى خلف ناقته فأحرقه حر الشمس، فقال له: أردفني خلفك على ناقتك، قال:
لست من أرداف الملوك، قال: فأعطني نعليك. قال: ما بخل يمنعني يا ابن أبي سفيان، ولكن أكره أن يبلغ أقيال اليمن «5» أنك لبست نعلي. ولكن أمش في ظل ناقتي فحسبك بها شرفا، وقيل: أنه لحق زمن معاوية ودخل عليه، فأقعده معه على السرير وحدثه.
وقال المسرور بن هند لرجل: أتعرفني؟ قال: لا، قال:
أنا المسرور بن هند، قال: ما أعرفك. قال: فتعسا ونكسا لمن لم يعرف القمر.
قال الشاعر:
قولا لأحمق يلوي التيه أخدعه ... لو كنت تعلم ما في التيه لم تته «6»
التيه مفسدة للدين منقصة ... للعقل مهلكة للعرض فانتبه
(1/140)

وقيل: لا يتكبر إلا كل وضيع، ولا يتواضع إلا كل رفيع، والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الثامن والعشرون في الفخر والمفاخرة والتفاضل والتفاوت
فمن شواهد المفاخرة قوله تعالى: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ 18
«1» . نزلت في علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وعقبة بن أبي معيط، وكانا تفاخرا، وقوله تعالى: أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ
«2» . نزلت في أبي جهل، وعمار بن ياسر، والنسب إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف الأنساب، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» ، وقد نفى الله تعالى الفخر بالأنساب بقوله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
«3» . فالفخر في الإسلام بالتقوى.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن نبيكم واحد وإن أباكم واحد، وأنه لا فضل لعربي على عجمي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، ألا هل بلغت» ؟» .
وقال الأصمعي: بينما أنا أطوف بالبيت ذات ليلة إذ رأيت شابا متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول:
يا من يجيب دعا المضطر في الظّلم ... يا كاشف الضر والبلوى مع السقم
قد نام وفدك حول البيت وانتبهوا ... وأنت يا حيّ يا قيوم لم تنم
أدعوك ربّي حزينا هائما قلقا ... فارحم بكائي بحق البيت والحرم
إن كان جودك لا يرجوه ذو سفه ... فمن يجود على العاصين بالكرم
ثم بكى بكاء شديدا وأنشد يقول:
ألا أيّها المقصود في كلّ حاجتي ... شكوت إليك الضرّ فارحم شكايتي
ألا يا رجائي أنت تكشف كربتي ... فهب لي ذنوبي كلها واقض حاجتي
أتيت بأعمال قباح رديئة ... وما في الورى عبد جنى كجنايتي «4»
أتحرقني بالنار يا غاية المنى ... فأين رجائي ثم أين مخافتي
ثم سقط على الأرض مغشيا عليه، فدنوت منه، فإذا هو زين العابدين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، فرفعت رأسه في حجري وبكيت، فقطرت دمعة من دموعي على خده ففتح عينيه وقال: من هذا الذي يهجم علينا؟ قلت: عبيدك الأصمعي، سيدي ما هذا البكاء والجزع، وأنت من أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة؟ أليس الله تعالى يقول:
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
«5» . فقال: هيهات هيهات يا أصمعيّ إن الله خلق الجنة لمن أطاعه، ولو كان عبدا حبشيا، وخلق النار لمن عصاه ولو كان حرا قرشيا، أليس الله تعالى يقول: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ 101 فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 102 وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ 103
«6» .
والفخر وإن نهت عنه الأخبار النبوية ومجّته العقول الذكية إلا أن العرب كانت تفتخر بما فيها من البيان طبعا لا تكلفا، وجبلة «7» لا تعلما، ولم يكن لهم من ينطق بفضلهم إلا هم ولا ينبه على مناقبهم سواهم.
وكان كعب بن زهير إذا أنشد شعرا قال لنفسه: أحسنت وجاوزت والله الإحسان، فيقال له: أتحلف على شعرك؟
فيقول: نعم لأني أبصر به منكم. وكان الكميت إذا قال قصيدة صنع لها خطبة في الثناء عليها، ويقول عند إنشادها: أي علم بين جنبي وأي لسان بين فكي.
وقال الجاحظ، ولم يصف الطبيب مصالح دوائه للمعالجين ما وجد له طالب. ولما أبدع ابن المقفع في رسالته التي سماها باليتيمة تنزيها لها عن المثل، سكنت
(1/141)

من النفوس موضع إرادته من تعظيمها، ولو لم ينحلها هذا الاسم لكانت كسائر رسائله.
وسنذكر في هذا الباب إن شاء الله تعالى شيئا من نظم البلغاء ونثرهم في الافتخار ومن تفاخر منهم بعون الله وفضله وتيسيره.
قال أبو بكر الهذلي: سايرت المنصور فعرض لنا رجل على ناقة حمراء تطوي الفلاة وعليه جبة حمراء وعمامة عدنية، وفي يده سوط يكاد يمس الأرض، فلما رآه المنصور أمرني بإحضاره، فدعوته، وسألته عن نسبه وبلاده وعن قومه وعشيرته وعن ولاة الصدقة، فأحسن الجواب، فأعجبه ما رأى منه، فقال أنشدني شعرا، فأنشده شعر الأوس بن حجر وغيره من الشعراء من بني عمرو بن تميم، وحدثه حتى أتى على بيت شعر لطريف بن تميم وهو قوله:
إن الأمور إذا أوردتها صدرت ... إن الأمور لها ورد وإصدار
فقال: ويحك ما كان طريف فيكم حيث قال هذا البيت؟
قال: كان أثقل العرب على عدوه وطأة وأقراهم لضيفه، وأحوطهم من وراء جاره «1» ، اجتمعت العرب بعكاظ، فكلهم أقروا له بهذه الخلال، فقال له: والله يا أخا بني تميم لقد أحسنت إذ وصفت صاحبك، ولكني أحق ببيته منه ومن شعر أبي الطحان:
وإنّي من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم سيّد قام صاحبه
نجوم سماء كلمّا غاب كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه «2»
وما زال فيهم حيث كان مسوّدا ... تسير المنايا حيث سارت ركائبه
ولما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فخطب وقال: من ابن علي رضي الله تعالى عنه؟ فقام الحسن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله عز وجل لم يبعث بعثا إلا جعل له عدوا من المجرمين، فأنا ابن علي وأنت ابن صخر وأمك هند وأمي فاطمة وجدتك قيلة وجدتي خديجة، فلعن الله ألأمنا حسبا وأخملنا ذكرا وأعظمنا كفرا وأشدنا نفاقا، فصاح أهل المسجد آمين آمين، فقطع معاوية خطبته ودخل منزله.
وروي أن معاوية خرج حاجّا فمر بالمدينة ففرق على أهلها أموالا ولم يحضر الحسن بن علي رضي الله عنهما، فلما خرج من المدينة اعترضه الحسن بن علي فقال له معاوية: مرحبا برجل تركنا حتى نفد ما عندنا وتعرض لنا ليبخلنا، فقال له الحسن: ولم ينفد ما عندك وخراج الدنيا يجي إليك، فقال معاوية: إني قد أمرت لك بمثل ما أمرت به لأهل المدينة وأنا ابن هند، فقال الحسن: قد رددته عليك وأنا ابن فاطمة.
ودخل الحسين يوما على يزيد بن معاوية فجعل يزيد يفتخر ويقول: نحن ونحن ولنا من الفخر والشرف كذا وكذا والحسين ساكت فأذن المؤذن فلما قال: أشهد أن محمدا رسول الله قال الحسين: يا يزيد جدّ من هذا؟
فخجل يزيد ولم يرد جوابا. وفي ذلك يقول علي بن محمد بن جعفر:
لقد فاخرتنا من قريش عصابة ... بمطّ خدود وامتداد أصابع
فلما تنازعنا الفخار قضى لنا ... عليهم بما نهوى نداء الصوامع
ترانا سكوتا والشهيد بفضلنا ... عليهم جهير الصوت من كل جامع
وله أيضا:
إني وقوميّ من أنساب قومهم ... كمسجد الخيف من بحبوحة الخيف
ما علق السيف منا بابن عاشرة ... إلا وهمته أمضى من السيف
وتفاخر العباس بن عبد المطلب وطلحة بن شيبة وعلي بن أبي طالب، فقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها، وقال طلحة: أنا خادم البيت ومعي مفتاحه، فقال علي: ما أدري ما تقولان أنا صليت إلى هذه القبلة قبلكما بستة أشهر، فنزلت أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
«3» .
الآية.
(1/142)

وتفاخر رجلان على عهد موسى عليه السلام فقال أحدهما: أنا فلان بن فلان حتى عد تسعة آباء مشركين، فقال الآخر: أنا ابن فلان ولولا أنه مسلم ما ذكرته، فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أما الذي عد تسعة آباء مشركين فحق على الله أن يجعل عاشرهم في النار، والذي انتسب إلى أب مسلم فحق على الله أن يجعله مع أبيه المسلم في الجنة. قال سلمان الفارسي:
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم
وتفاخر جرير والفرزدق عند سليمان بن عبد الملك، فقال الفرزدق: أنا ابن محي الموتى، فأنكر سليمان قوله، فقال يا أمير المؤمنين قال الله تعالى: وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً
«1» وجدي فدى الموءودات فاستحياهن، فقال سليمان: إنك مع شعرك لفقيه. وكان صعصعة جد الفرزدق أول من فدى الموءودات.
وللعباس بن عبد المطلب:
إن القبائل من قريش كلّها ... ليرون أنّا هام أهل الأبطح
وترى لنا فضلا على ساداتها ... فضل المنار على الطريق الأوضح
وكتب الحكم بن عبد الرحمن المرواني من الأندلس إلى صاحب مصر يفتخر:
ألسنا بني مروان كيف تبدلت ... بنا الحال أو دارت علينا الدوائر
إذا ولد المولود منها تهلّلت ... له الأرض واهتزت إليه المنابر
وكتب إليه كتابا يهجوه فيه ويسبه، فكتب إليه صاحب مصر: أما بعد: فإنك عرفتنا فهجوتنا ولو عرفناك لأجبناك والسلام.
وكان أبو العباس السفاح يعجبه السّمر «2» ومنازعة الرجال بعضهم بعضا، فحضر عنده ذات ليلة إبراهيم بن مخرمة الكندي وخالد بن صفوان بن الأهتم فخاضوا في الحديث وتذاكروا مصر واليمن، فقال إبراهيم بن مخرمة:
يا أمير المؤمنين إن أهل اليمن هم العرب الذين دانت لهم الدنيا ولم يزالوا ملوكا ورثوا الملك كابرا عن كابر وآخرا عن أول منهم النعمان والمنذر ومنهم عياض صاحب البحرين ومنهم من كان كل يأخذ سفينة غصبا وليس من شيء له خطر إلا إليهم ينسب، إن سئلوا أعطوا وإن نزل بهم ضيف قروه، فهم العرب العاربة وغيرهم المتعربة.
فقال أبو العباس: ما أظن التميمي رضي بقولك.
ثم قال: ما تقول أنت يا خالد؟ قال: إن أذن لي أمير المؤمنين في الكلام تكلمت، قال: تكلم ولا تهب أحدا، وقال: أخطأ المقتحم بغير علم «3» ، ونطق بغير صواب، وكيف يكون ذلك لقوم ليس لهم ألسن فصيحة، ولا لغة صحيحة نزل بها كتاب ولا جاءت بها سنّة، يفتخرون علينا بالنعمان والمنذر ونفتخر عليهم بخير الأنام وأكرم الكرام سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، فلله المنة به علينا وعليهم، فمنا النبي المصطفى والخليفة المرتضى ولنا البيت المعمور وزمزم، والحطيم، والمقام، والحجابة، والبطحاء، وما لا يحصى من المآثر، ومنا الصديق والفاروق وذو النورين، والرضا والولي وأسد الله وسيد الشهداء، وبنا عرفوا الدين، وأتاهم اليقين، فمن زاحمنا زاحمناه ومن عادانا اصطلمناه «4» ، ثم أقبل خالد على إبراهيم فقال: ألك علم بلغة قومك؟ قال: نعم. قال: فما اسم العين عندكم؟ قال: الجمجمة، قال: فما اسم السن؟
قال: الميدن، قال: فما اسم الأذن؟ قال: الصنارة، قال:
فما اسم الأصابع؟ قال: الشناتير، قال: فما اسم الذئب؟
قال: الكنع، قال: أفعالم أنت بكتاب الله عز وجل؟ قال:
نعم. قال: فإن الله تعالى يقول: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا
«5» وقال تعالى: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ 195
«6» وقال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ
«7» ، فنحن العرب والقرآن بلساننا أنزل، ألم تر أن الله تعالى قال: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ
«8» ولم يقل، والجمجمة بالجمجمة، وقال تعالى: وَالسِّنَّ بِالسِّنِ
«9» ولم يقل والميدن بالميدن.
وقال تعالى: وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ
«10» ولم يقل والصنارة بالصنارة، وقال تعالى: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي
(1/143)

آذانِهِمْ
«1» ولم يقل شناتيرهم في صناراتهم، وقال تعالى:
فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ
«2» ولم يقل الكنع، ثم قال لإبراهيم إني أسألك عن أربع إن أقررت بهن قهرت وإن جحدتهن كفرت، قال: وما هن؟ قال: الرسول منا أو منكم؟ قال:
منكم. قال: فالقرآن أنزل علينا أو عليكم؟ قال: عليكم.
قال: فالمنبر فينا أو فيكم؟ قال: فيكم. قال: فالبيت لنا أو لكم؟ قال: لكم. قال: فاذهب فما كان بعد هؤلاء فهو لكم، بل ما أنتم إلا سائس قرد، أو دابغ جلد أو ناسج برد، قال: فضحك أبو العباس، وأقرّ لخالد وحباهما جميعا.
وقال بشار بن برد يفتخر:
إذا نحن صلنا صولة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما
إذا ما أعرنا سيدا من قبيلة ... ذرا منبر صلّى علينا وسلما
وقال السموأل بن عادياء «3» :
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكلّ رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل
تعيّرنا أنّا قليل عديدنا ... فقلت لها إنّ الكرام قليل
وما قلّ من كانت بقاياه مثلنا ... شباب تسامى للعلا وكهول
وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
لنا جبل يحتلّه من بحيره ... منيع يردّ الطرف وهو كليل
سرى أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرع لا يزال طويل
وإنّا أناس لا نرى القتل سبّة ... إذا ما رأته عامر وسلول
يقرب حبّ الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منّا سيّد حتف أنفه ... ولا طلّ منا حيث كان قتيل
تسيل على حدّ الظّبات «4» نفوسنا ... وليست على غير الظّبات تسيل
ونحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل «5»
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول
إذا سيّد منّا خلا قام سيّد ... قؤول بما قال الكرام فعول
وما خمدت نار لنا دون طارق «6» ... ولا ذمّنا في النازلين نزيل
وأيامنا مشهورة في عدوّنا ... لها غرر مشهورة وحجول «7»
وأسيافنا في كلّ شرق ومغرب ... بها من قراع الدارعين فلول «8»
معوّدة أن لا تسلّ نصالها ... فتغمد حتى يستباح قتيل
سلي إن جهلت النّاس عنّا وعنهم ... فليس سواء عالم وجهول
فإنّا بني الريان قطب لقومهم ... تدور رحاهم حولهم وتجول
ولما قدم وفد تميم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم خطيبهم وشاعرهم، خطب خطيبهم، فافتخر، فلما سكت، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس أن يخطب بمعنى ما خطب به خطيبهم، فخطب ثابت بن قيس فأحسن، ثم قام شاعرهم وهو الزبرقان بن بدر فقال:
(1/144)

نحن الملوك فلا حيّ يفاخرنا ... فينا العلاء وفينا تنصب البيع
ونحن نطعمهم في القحط ما أكلوا ... من العبيط «1» إذا لم يؤنس الفزع
وننحر الكوم «2» عبطا في أرومتنا ... للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا
تلك المكارم حزناها مقارعة ... إذا الكرام على أمثالها اقترعوا
ثم جلس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت قم، فقام فقال:
إن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بيّنوا سننا للناس تتبع «3»
يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا
قوم إذا حاربوا ضرّوا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا «4»
سجية تلك منهم غير محدثة ... إنّ الخلائق فاعلم شرّها البدع
لو كان في الناس سبّاقون بعدهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
لا يرفع الناس ما أوهت أكفّهم ... عند الدفاع ولا يوهون ما رفعوا
ولا يضنّون عن جار بفضلهم ... ولا يمسهم في مطمع طمع «5»
خذ منهم ما أتوا عفوا إذا عطفوا ... ولا يكن همّك الأمر الذي منعوا
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفرّقت الأهواء والشيّع
فقال التميميون عند ذلك: وربكم إن خطيب القوم أخطب من خطيبنا وإن شاعرهم أشعر من شاعرنا، وما انتصفنا ولا قاربنا.
وقال شاعر من بني تميم:
أيبغي آل شداد علينا ... وما يرعى لشداد فصيل
فإن تغمد مناصلنا نجدها ... غلاظا في أنامل من يصول
وقال سالم بن أبي وابصة:
عليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إن التخلق يأتي دونه الخلق
وموقف مثل حد السيف قمت به ... أحمي الذمار وترميني به الحدق «6»
فما زلقت ولا أبديت فاحشة ... إذا الرجال على أمثالها زلقوا «7»
وأما التفاضل والتفاوت:
فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نظر لخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل قال: يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، لأنهما كانا من خيار الصحابة وأبواهما أعدى عدو لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم «8» .
ومن كلام علي رضي الله عنه لمعاوية رضي الله عنه:
أما قولك إنّا بنو عبد مناف فكذلك نحن، ولكن ليس أمية كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب.
وقال أحمد بن سهل: الرجال ثلاثة: سابق ولاحق وما حق، فالسابق الذي سبق بفضله، واللاحق الذي لحق بأبيه في شرفه، والماحق الذي محق شرف آبائه.
وقيل: إن عائشة بنت عثمان كفلت أبا الزناد صاحب الحديث، وأشعب الطماع وربتهما، قال أشعب: فكنت أسفل وكان يعلو حتى بلغت أنا وهو هاتين الغايتين.
وقال أبو العواذل زكريا بن هارون:
عليّ وعبد الله بينهما أب ... وشتّان ما بين الطبائع والفعل
ألم تر عبد الله يلحى على الندى ... عليا ويلحاه علي على البخل «9»
(1/145)

وحج أبو الأسود الدؤلي بامرأته وكانت شابة جميلة فعرض لها عمر بن أبي ربيعة، فغازلها، فأخبرت أبا الأسود، فأتاه فقال:
وإنّي لينهاني عن الجهل والخنا ... وعن شتم أقوام خلائق أربع «1»
حياء وإسلام وتقوى وأنّني ... كريم ومثلي من يضرّ وينفع
فشتّان ما بيني وبينك إنني ... على كلّ حال أستقيم وتضلع «2»
وقال ربيعة الرقّي:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأعزّ بن حاتم
يزيد سليم سالم المال والفتى ... فتى الأزد للأموال غير مسالم «3»
فهمّ الفتى الأزدي إتلاف ماله ... وهمّ الفتى القيسي جمع الدراهم
فلا يحسب القيسيّ أنّي هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في أخيه الحسين:
يقول أنا الكبير فعظّموني ... ألا ثكلتك أمّك من كبير
إذا كان الصغير أعمّ نفعا ... وأجلد عند نائبة الأمور
ولم يأت الكبير بيوم خير ... فما فضل الكبير على الصغير
والله أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب التاسع والعشرون في الشرف والسؤدد وعلو الهمة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رزقه الله مالا فبذل معروفه وكف أذاه فذلك السيد.
وقيل لقيس بن عاصم: بم سدت قومك؟ قال: لم أخاصم أحدا إلا تركت للصلح موضعا. وقال سعيد بن العاص: ما شاتمت رجلا مذ كنت رجلا لأني لا أشاتم إلا أحد رجلين إما كريم، فأنا أحق أن أجلّه، وإمّا لئيم فأنا أولى أن أرفع نفسي عنه.
وقالوا: من نعت السيد أن يكون يملأ العين جمالا، والسمع مقالا. وقيل: قدم وفد من العرب على معاوية وفيهم الأحنف بن قيس، فقال الحاجب: إن أمير المؤمنين يعزم عليكم أن لا يتكلم منكم أحد إلا لنفسه، فلما وصلوا إليه قال الأحنف: لولا عزم أمير المؤمنين لأخبرته أن رادفة ردفت «4» ونازلة نزلت «5» ، ونائبة نابت، الكل بهم حاجة إلى المعروف من أمير المؤمنين، فقال له معاوية: حسبك يا أبا بحر، فقد كفيت الشاهد والغائب.
وقال رجل للأحنف: بم سدت قومك، وما أنت بأشرفهم بيتا، ولا أصبحهم وجها، ولا أحسنهم خلقا؟
فقال: بخلاف ما فيك، قال: وما ذاك؟ قال: تركي من أمرك ما لا يعنيني، كما عناك من أمري ما لا يعنيك.
وقيل: السيد من يكون للأولياء كالغيث الغادي «6» ، وعلى الأعداء كالليث العادي.
وكان سبب ارتفاع عرابة الأوسي وسؤدده أنه قدم من سفر، فجمعه والشماخ بن ضرار المزني الطريق، فتحادثا، فقال له عرابة: ما الذي أقدمك المدينة يا شماخ؟
قال: قدمتها لأمتار «7» منها، فملأ له عرابة رواحله برّا وتمرا وأتحفه بتحف غير ذلك، فأنشد يقول:
رأيت عرابة الأوسيّ يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين
وأما علو الهمة فهو أصل الرياسة فممن علت همته وشرفت نفسه عمارة بن حمزة، قيل:
إنه دخل يوما على المنصور، وقعد في مجلسه، فقام رجل، وقال: مظلوم يا أمير المؤمنين، قال: من ظلمك؟
(1/146)

قال: عمارة بن حمزة غصبني ضيعتي، فقال المنصور: يا عمارة قم، فاقعد مع خصمك، فقال: ما هو لي بخصم إن كانت الضيعة له، فلست أنازعه فيها، وإن كانت لي فقد وهبتها له، ولا أقوم من مقام شرفني به أمير المؤمنين ورفعني، وأقعد في أدنى منه لأجل ضيعة.
وتحدث السفاح هو وأم سلمة يوما في نزاهة نفس عمارة وكبره، فقالت له: ادع به وأنا أهب له سبحتي هذه، فإن ثمنها خمسون ألف دينار، فإن هو قبلها علمنا أنه غير نزه النفس، فوجه إليه فحضر، فحادثته ساعة، ثم رمت إليه بالسبحة، وقالت: هي من الطرف «1» وهي لك، فجعلها عمارة بين يديه، ثم قام وتركها، فقالت: لعله نسيها، فبعثت بها إليه مع خادم فقام للخادم: هي لك، فرجع الخادم فقال: قد وهبها لي، فأعطت أم سلمة للخادم ألف دينار واستعادتها منه.
وأهدى عبيد الله بن السري إلى عبد الله بن طاهر لما ولي مصر مائة وصيف مع كل وصيف ألف دينار، ووجه إليه بذلك ليلا فرده وكتب إليه لو قبلت هديتك ليلا لقبلتها نهارا فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ
«2» .
وكان سبب فتح المعتصم عمورية أن امرأة من الثغر سبيت، فنادت وامحمداه وامعتصماه، فبلغه الخبر، فركب لوقته وتبعه الجيش فلما فتحها قال: لبيك أيتها المنادية.
وكان سعيد بن عمرو بن العاص ذا نخوة وهمة، قيل له في مرضه: إن المريض يستريح إلى الأنين وإلى شرح ما به إلى الطبيب، فقال: أما الأنين، فهو جزع وعار، والله لا يسمع الله مني أنينا، فأكون عنده جزوعا، وأما وصف ما بي إلى الطبيب، فو الله لا يحكم غير الله في نفسي إن شاء أمسكها، وإن شاء قبضها.
ومن كبر النفس ما روي عن قيس بن زهير أنه أصابته الفاقة واحتاج فكان يأكل الحنظل «3» حتى قتله، ولم يخبر أحدا بحاجته.
ومن الشرف والرياسة حفظ الجوار، وحمى الذمار.
وكانت العرب ترى ذلك دينا تدعو إليه وحقا واجبا تحافظ عليه، وكان أبو سفيان بن حرب إذا نزل به جار قال: يا هذا إنك اخترتني جارا أو اخترت داري دارا، فجناية يدك عليّ دونك وإن جنت عليك يد، فاحتكم حكم الصبي على أهله.
وكان الفرزدق يجير من عاذ بقبر أبيه غالب بن صعصعة، فمن استجار بقبر أبيه فأجاره امرأة من بني جعفر بن كلاب خافت لما هجا الفرزدق بني جعفر أن يسميها وينسبها، فعاذت بقبر أبيه، فلم يذكر لها اسما ولا نسبا، ولكن قال:
عجوز تصلي الخمس عاذت بغالب ... فلا والذي عاذت به لا أضيرها «4»
وقال مروان بن أبي حفصة:
هم يمنعون الجار حتى كأنّما ... لجارهم بين السماكين منزل «5»
وقال ابن نباتة:
ولو يكون سواد الشعر في ذمم ... ما كان للشيب سلطان على القمم
وقيل: إن الحجاج أخذ يزيد بن المهلب بن أبي صفرة وعذبه واستأصل موجوده وسجنه، فتوصل يزيد بحسن تلطفه وأرغب السجان واستماله، وهرب هو والسجان، وقصد الشام إلى سليمان بن عبد الملك بن مروان، وكان الخليفة في ذلك الوقت الوليد بن عبد الملك، فلما وصل يزيد بن المهلب إلى سليمان بن عبد الملك أكرمه وأحسن إليه، وأقامه عنده، فكتب الحجاج إلى الوليد يعلمه أن يزيد هرب من السجن وأنه عند سليمان بن عبد الملك أخي أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين وأن أمير المؤمنين أعلى رأيا. فكتب الوليد إلى أخيه سليمان بذلك، فكتب سليمان إلى أخيه يقول: يا أمير المؤمنين إني ما أجرت يزيد بن المهلب إلا لأنه هو وأبوه وإخوته من صنائعنا قديما وحديثا، ولم أجر عدوا لأمير المؤمنين، وقد كان الحجاج فصده وعذبه وأغرمه أربعة آلاف ألف درهم ظلما، ثم طالبه بعدها بثلاثة آلاف ألف درهم وقد صار إلي واستجار بي، فأجرته وأنا أغرم عنه هذه الثلاثة آلاف ألف درهم، فإن رأى أمير المؤمنين، أن لا يخزيني في ضيفي فليفعل، فإنه أهل الفضل والكرم.
فكتب إليه الوليد إنه لا بد أن ترسل إليّ يزيد مغلولا
(1/147)

مقيدا، فلما ورد ذلك على سليمان أحضر ولده أيوب فقيده ودعا يزيد بن المهلب فقيده، ثم شد قيد هذا إلى قيد هذا بسلسلة وغلهما جميعا بغلين وأرسلهما إلى أخيه الوليد، وكتب إليه: أما بعد، يا أمير المؤمنين فقد وجهت إليك يزيد وابن أخيك أيوب بن سليمان، ولقد هممت أن أكون ثالثهما، فإن هممت يا أمير المؤمنين بقتل يزيد، فبالله عليك إبدأ بأيوب من قبله، ثم اجعل يزيد ثانيا واجعلني إذا شئت ثالثا والسلام.
فلما دخل يزيد بن المهلب وأيوب بن سليمان في سلسلة واحدة أطرق الوليد استحياء وقال: لقد أسأنا إلى أبي أيوب إذ بلغنا به هذا المبلغ، فأخذ يزيد ليتكلم ويحتج لنفسه فقال له الوليد: ما يحتاج إلى كلام فقد قبلنا عذرك وعلمنا ظلم الحجاج. ثم إنه أحضر حدادا وأزال عنهما الحديد وأحسن إليهما ووصل أيوب ابن أخيه بثلاثين ألف درهم ووصل يزيد بن المهلب بعشرين ألف درهم وردهما إلى سليمان، وكتب كتابا إلى الحجاج يقول له: لا سبيل لك على يزيد بن المهلب فإياك أن تعاودني فيه بعد اليوم.
فسار يزيد إلى سليمان بن عبد الملك وأقام عنده في أعلى المراتب وأرفع المنازل.
وحكي: أن رجلا من الشيعة كان يسعى في فساد الدولة فجعل المهدي لمن دل عليه أو أتى به مائة ألف درهم، فأخذه رجل من بغداد فأيس من نفسه فمر به معن بن زائدة فقال له: يا أبا الوليد أجرني أجارك الله.
فقال معن للرجل: مالك وماله؟ فقال: إن أمير المؤمنين طالبه قال: خل سبيله، قال: لا أفعل، فأمر معن غلمانه فأخذوه غصبا وأردفه بعضهم خلفه. ومضى الرجل فأخبر أمير المؤمنين المهدي بالقصة، فأرسل خلف معن فأحضره فلما دخل عليه قال له: يا معن أتجير علي، قال: نعم يا أمير المؤمنين قتلت في يوم واحد في طاعتكم خمسة آلاف رجل هذا مع أيام كثيرة تقدمت فيها طاعتي أفما تروني أهلا أن تجيروا إلي رجلا واحدا استجار بي، فاستحيا المهدي وأطرق طويلا ثم رفع رأسه وقال: قد أجرنا من أجرت يا أبا الوليد، قال: إن رأى أمير المؤمنين أن يصل من استجار بي فيكون قد أجاره وحباه، قال: قد أمرت له بخمسين ألف درهم. فقال معن: يا أمير المؤمنين ينبغي أن تكون صلات الخلفاء على قدر جنايات الرعية وإن ذنب الرجل عظيم فإن رأى أمير المؤمنين أن يجزل صلته فليفعل، قال: قد أمرت له بمائة ألف درهم، فرجع معن إلى منزله ودعا بالرجل ودفع له المال ووعظه وقال له: لا تتعرض لمساخط الخلفاء.
وكان جعفر بن أبي طالب يقول لأبيه: يا أبت إني لأستحي أن أطعم طعاما وجيراني لا يقدرون على مثله، فكان أبوه يقول إني لأرجو أن يكون فيك خلف من عبد المطلب.
وسقط الجراد قريبا من بيت بعض العرب فجاء أهل الحي فقالوا: نريد جارك فقال: أما إذ جعلتموه جاري فوالله لا تصلون إليه، وأجاره حتى طار فسمّي مجير الجراد، وقيل هو أبو حنبل.
والحكايات في معنى ذلك كثيرة والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الثلاثون في الخير والصلاح وذكر السادة الصحابة وذكر الأولياء والصالحين رضي الله تعالى عنهم أجمعين
اعلم.. أن أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم أجمعين، وفضائلهم أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر، وإني والله أحبهم وأحب من يحبهم، وأسأل الله أن يميتني على محبة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومحبتهم وأن يحشرنا في زمرتهم وتحت ألويتهم إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.
شعر:
إني أحب أبا حفص «1» وشيعته ... كما أحبّ عتيقا صاحب الغار «2»
وقد رضيت عليا قدوة علما ... وما رضيت بقتل الشيخ في الدار «3»
كلّ الصحابة ساداتي ومعتقدي ... فهل عليّ بهذا القول من عار
(1/148)

وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصبح منكم اليوم صائما؟ فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن أطعم اليوم منكم مسكينا؟ فقال أبو بكر: أنا، قال فمن عاد منكم اليوم مريضا؟ قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في أحد إلا دخل الجنة.
وقال صلى الله عليه وسلم: لو كان بعدي نبي لكان عمر، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: والذي بعثني بالحق بشيرا ما سلكت واديا إلا سلك الشيطان واديا غيره، ولما أسلم رضي الله عنه قال: يا رسول الله ألسنا على الحق، قال: بلى، قال: والذي بعثك بالحق نبيا لا نعبد الله سرا بعد هذا اليوم.
ولما قدم عمر رضي الله عنه الشام وقف على طور سيناء فأرسل البطريق عظيما لهم وقال: أنظر إلى ملك العرب فرآه على فرس وعليه جبة صوف مرقعة مستقبل الشمس بوجهه ومخلاته في قربوس السرج وعمر يدخل يده فيها ويخرج فلق خبز يابس يمسحها من التبن ويلوكها، فوصفه البطريق فقال: لا ترى بمحاربة هذا طاقة أعطوه ما شاء.
وأما أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه ففضائله كثيرة ومناقبه شهيرة فهو جامع القرآن، ومن استحيت منه ملائكة الرحمن رضي الله عنه.
وقال جميع بن عمير: دخلت على عائشة رضي الله عنها فقلت لها: أخبريني من كان أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: فاطمة. قلت: إنما أسألك عن الرجال قالت: زوجها، فو الله لقد كان صواما قواما. ولقد سالت نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده فردها إلى فيه، قلت:
فما حملك على ما كان فأرسلت خمارها على وجهها وبكت وقالت: أمر قضي عليّ.
وقال معاوية لضرار بن حمزة الكناني: صف لي عليا فاستعفى فألح عليه فقال: أما إذن فلا بد إنه والله كان بعيد المدى شديد القوى يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير العبرة طويل الفكرة يقلب كفه ويعاتب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، وكان والله يجيبنا إذا سألناه، ويأتينا إذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين ويحب المساكين، لا يطمع القويّ في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد الله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وقد مثل في محرابه قابضا على لحيته يتململ تململ الخائف ويبكي بكاء الحزين، فكأني الآن أسمعه يقول: يا دنيا إلي تعرضت أم إلي تشّوقت هيهات غرّي غيري لقد أبنتك ثلاثا لا رجعة لي فيك فعمرك قصير وعيشك حقير، وخطرك كبير، آه من قلة الزاد ووحشة الطريق، قال: فوكفت دموع معاوية حتى ما يملكها على لحيته وهو يمسحها وقد اختنق القوم بالبكاء، وقال: رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال حزني عليه والله حزن من ذبح ولدها في حجرها فلا ترقأ عبرتها ولا تسكن حيرتها ثم قام فخرج.
وقيل أول من سل سيفا في سبيل الله تعالى الزبير بن العوام رضي الله عنه، وذلك أنه صاح على أهل مكة ليلا صائح، فقال: قتل محمد، فخرج متجردا وسيفه معه صلتا فتلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما لك يا زبير؟ قال: سمعت أنك قتلت، قال: فماذا أردت أن تصنع قال: أردت والله أن أستعرض على أهل مكة «1» . وروي: أحبط بسيفي من قدرت عليه فضمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه إزارا له فاستتر به وقال له: أنت حواريي ودعا له.
قال الأوزاعي: كان للزبير ألف مملوك يؤدون الضريبة لا يدخل بيت ماله منها درهم بل كان يتصدق بها، وباع دارا له بستمائة ألف درهم فقيل له يا أبا عبد الله غبنت «2» ، قال: كلا والله لم أغبن أشهدكم أنها في سبيل الله تعالى.
وهبط جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقال من حملك على ظهره؟ وكان حمله على ظهره طلحة حتى استقل على الصخر، قال: طلحة، قال: أقرئه السلام وأعلمه أني لا أراه يوم القيامة في هول من أهوالها إلا استنقذته منه. من هذا الذي عن يمينك؟ قال: المقداد بن الأسود، قال: إن الله يحبه ويأمرك أن تحبه. من هذا الذي بين يديك يتقي عنك؟ قال: عمار بن ياسر قال: بشره بالجنة حرمت النار عليه. ومر أبو ذر على النبي صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي فلم يسلم، فقال جبريل: هذا أبو ذر لو سلم لرددنا عليه فقال: أتعرفه يا جبريل؟ قال: والذي بعثك بالحق نبيا لهو في ملكوت السموات السبع أشهر منه في الأرض، قال: بم نال هذه المنزلة؟ قال: بزهده في هذه الحطام الفانية. وقال ابن عمر رضي الله عنهما: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن
(1/149)

الله ليدفع بالمسلم الصالح عن ألف بيت من جيرانه البلاء، ثمّ قرأ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
«1» الآية.
وقال أبو بكر السفاح لأبي بكر الهذلي: بم بلغ الحسن ما بلغ قال: جمع كتاب الله تعالى وهو ابن اثنتي عشرة سنة لم يجاوز سورة إلى غيرها حتى يعرف تأويلها، ولم يقلب درهما قط في تجارة ولم يل عملا لسلطان ولم يأمر بشيء حتى يفعله ولم ينه عن شيء حتى يدعه، قال السفاح: بهذا بلغ.
وقال الجاحظ: كان الحسن يستثنى من كل غاية فيقال فلان أزهد الناس إلا الحسن وأفقه الناس إلا الحسن وأفصح الناس إلا الحسن وأخطب الناس إلا الحسن.
وقال بعضهم: كان عمر بن عبد العزيز أزهد من أويس لأن عمر ملك الدنيا فزهد فيها وأويس لم يملكها، فقيل:
لو ملكها لفعل كما فعل عمر فقال: ليس من لم يجرب كمن جرب.
وقال أنس في ثابت البناني: إن للخير مفاتيح وإن ثابتا من مفاتيح الخير. وكان حبيب الفارسي من أخيار الناس وهو الذي اشترى نفسه من ربه أربع مرات بأربعين ألفا، كان يخرج البدرة فيقول: يا رب اشتريت نفسي منك بهذه ثم يتصدق بها.
وكان أيوب السختياني من أزهد الناس وأورعهم، ذكر عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى فقال: رحم الله أيوب لقد شهدت منه مقاما عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم لا أذكر ذلك المقام إلا اقشعر جلدي.
وقال سفيان الثوري: جهدت جهدي على أن أكون في السنة ثلاثة أيام على ما عليه ابن المبارك فلم أقدر.
وكان الخليل بن أحمد النحوي من أزهد الناس وأعلاهم نفسا وكان الملوك يقصدونه ويبذلون له الأموال فلا يقبل منها شيئا، وكان يحج سنة ويغزو سنة حتى مات رحمه الله.
وقال ابن خارجة: جالست ابن عون عشرين سنة فما أظن الملكين كتبا عليه شيئا، وروى أنه غسل كرز بن وبرة فلم يوجد على جسده مثقال لحم.
وعن محمد بن الحسن «2» قال: كان أبو حنيفة واحد زمانه، لو انشقت عنه الأرض لانشقت عن جبل من الجبال في العلم والكرم والزهد والورع.
وحج وكيع بن الجراح أربعين حجة ورابط في عبادان أربعين ليلة وختم بها القرآن أربعين ختمة وتصدق بأربعين ألفا وروى أربعة آلاف حديث، وما رؤي واضعا جنبه قط.
ووقف عمر بن عبد العزيز على عطاء بن أبي رباح وهو أسود مفلفل الشعر، يفتي الناس في الحلال والحرام فتمثل يقول: تلك المكارم لا قعبان من لبن «3» .
ومن مشايخ الرسالة رضوان الله عليهم أجمعين سيدي أبو عبد الله محمد بن إسماعيل المغربي أستاذ إبراهيم بن شيبان، كان عجيب الشأن لم يأكل مما وصلت إليه أيدي بني آدم سنين كثيرة وكان أكله من أصول العشب شيئا تعود أكله.
ومنهم سيدي فتح بن شحرف بن داود: يكنى أبا نصر من الزاهدين الورعين، لم يأكل الخبز ثلاثين سنة، قال أحمد بن عبد الجبار: سمعت أبي يقول: صحبت فتح بن شحرف ثلاثين سنة فلم أره رفع رأسه إلى السماء، ثم رفعها يوما فقال: طال شوقي إليك فعجّل قدومي عليك.
وقال محمد بن جعفر: سمعت إنسانا يقول غسلنا فتح بن شحرف فرأينا مكتوبا على فخذه لا إله إلا الله فتوهمناه مكتوبا وإذا هو عرق داخل الجلد، ومات ببغداد فصلّي عليه ثلاثا وثلاثين مرة أقل قوم كانوا يصلون عليه كانوا نحو من خمسة وعشرين ألفا إلى ثلاثين ألفا.
ومنهم سيدي فتح بن سعيد الموصلي: يكنى أبا نصر من أقران بشر الحافي وسري السقطي كبير الشأن في باب الورع والمجاهدات. قال إبراهيم بن نوح الموصلي:
رجع فتح الموصلي إلى أهله بعد صلاة العتمة وكان صائما فقال: عشوني فقالوا: ما عندنا شيء نعشيك به، فقال: ما بالكم جلوس في الظلمة؟ فقالوا: ما عندنا شيء نسرج به، فجعل يبكي من الفرح ويقول: إلهي مثلي يترك بلا عشاء ولا سراج بأي يد كانت مني، فما زال يبكي إلى الصباح.
وقال فتح: رأيت بالبادية غلاما لم يبلغ الحلم وهو يمشي وحده ويحرك شفتيه فسلمت عليه فرد علي السلام، فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى بيت ربي عز وجل فقلت:
بماذا تحرك شفتيك؟ قال أتلو كلام ربي، فقلت: إنه لم يجر عليك قلم التكليف؟ قال: رأيت الموت يأخذ من هو
(1/150)

أصغر سنا مني، فقلت: خطاك قصيرة وطريقك بعيدة، فقال: إنما علي نقل الخطا وعليه البلاغ، فقلت: أين الزاد والراحلة؟ قال: زادي يقيني وراحلتي رجلاي، فقلت:
أسألك عن الخبز والماء، قال: يا عماه أرأيت لو دعاك مخلوق إلى منزله أكان يجمل بك أن تحمل زادك إلى منزله، قلت: لا، فقال: إن سيدي دعا عباده إلى بيته وأذن لهم في زيارته فحملهم ضعف يقينهم على حمل أزوادهم وإني استقبحت ذلك فحفظت الأدب معه، أفتراه يضيعني؟
فقلت: حاشا وكلا ثم غاب عن بصري فلم أره إلا بمكة فلما رآني قال: أيها الشيخ بعدك على ذلك الضعف من اليقين؟
ومنهم سيدي أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري:
صحب شاه الكرماني ويحيى بن معاذ الرازي وكان يقال:
في الدنيا ثلاثة لا رابع لهم، أبو عثمان الحيري بنيسابور والجنيد ببغداد وأبو عبد الله الحلاج بالشام، ومن كلامه:
لا يكمل الرجل حتى يستوي في قلبه أربعة أشياء: المنع والعطاء والعز والذل، وقال: منذ أربعين سنة ما أقامني الله تعالى في حال فكرهته، ولا نقلني إلى شيء فسخطته.
ومنهم سيدي سليمان الخواص: يكنى أبا تراب كان أحد الزهاد المعروفين والعباد الموصوفين سكن الشام ودخل بيروت وكان أكثر مقامه بيت المقدس. قيل:
اجتمع حذيفة المرعشي وإبراهيم بن أدهم ويوسف بن أسباط فتذاكروا الفقر والغنى وسليمان ساكت، فقال بعضهم: الغني من كان له بيت يسكنه وثوب يستره وسداد من عيش يكفه عن فضول الدنيا، وقال بعضهم: الغني من لم يحتج إلى الناس. فقيل لسليمان: ما تقول أنت في ذلك فبكى وقال: رأيت جوامع الغنى في التوكل ورأيت جوامع الفقر في القنوط «1» والغنى حق الغنى من أسكن الله في قلبه من غناه يقينا ومن معرفته توكلا، ومن قسمته رضا فذلك الغني حق الغنى وإن أمسى طاويا «2» وأصبح معوزا «3» فبكى القوم من كلامه.
ومنهم سيدي أبو سليمان بن عبد الرحمن بن أحمد بن عطية الداراني: أحد رجال الطريقة قدس الله سره، كان من أجل السادات وأرباب الجد في المجاهدات. ومن كلامه:
من أحسن في نهاره كفي في ليله ومن أحسن في ليله كفي في نهاره، ومن صدق في ترك شهوة ذهب الله بها من قلبه، والله تعالى أكرم من أن يعذب قلبا بشهوة تركت له، وقال: لكل شيء علامة وعلامة الخذلان ترك البكاء، وقال: لكل شيء صدأ وصدأ نور القلب شبع البطن. وقال أحمد بن أبي الحواري: شكوت إلى أبي سليمان الوسواس فقال: إذا أردت أن ينقطع عنك فأي وقت أحسست به فافرح فإنك إذا فرحت به انقطع عنك لأنه لا شيء أبغض إلى الشيطان من سرور المؤمن، وإذا اغتممت به زادك. وقال ذو النون المصري رحمه الله تعالى:
اجتمعوا ليلا على أبي سليمان الداراني فسمعوه يقول:
يا رب إن طالبتني بسريرتي طالبتك بتوحيدك، وإن طالبتني بذنوبي طالبتك بكرمك، وإن جعلتني من أهل النار أخبرت أهل النار بحبي إياك.
وقال علي بن الحسين الحداد: سألت أبا سليمان بأي شيء تعرف الأبرار؟ قال: بكتمان المصائب وصيانة الكرامات.
وروي عنه أن قال: نمت ليلة عن وردي فإذا حوراء تقول لي: أو تنام وأنا أربّى لك في الخدور منذ خمسمائة عام.
ومنهم سيدي أبو محمد عبد الله بن حنيف: من زهاد المتصوفة كوفي الأصل ولكنه سكن انطاكية. ومن كلامه:
لا تغتم إلا من شيء يضرك غدا ولا تفرح إلا بشيء يسرك غدا، وله كرامات ظاهرة وبركات متواترة.
ومنهم سيدي أبو عبد الله محمد بن يوسف البناء:
أصبهاني الأصل كتب عن ستمائة شيخ ثم غلب عليه الانفراد والخلوة إلى أن خرج إلى مكة بشرط التصوف وقطع البادية على التجريد، وكان في ابتداء أمره يكسب في كل يوم ثلاثة دراهم وثلثا فيأخذ من ذلك لنفسه دانقا ويتصدق بالباقي، ويختم مع العمل كل يوم ختمة فإذا صلى العتمة في مسجده خرج إلى الجبل إلى قريب الصبح ثم يرجع إلى العمل، وكان يقول في الجبل: يا رب إما أن تهب لي معرفتك أو تأمر الجبل أن ينطبق علي فإني لا أريد الحياة بلا معرفتك.
ومنهم سيدي يحيى بن معاذ الرازي قدس الله سره يكنى أبا زكرياء أحد رجال الطريق كان أوحد وقته، ومن كلامه:
لا تكن ممن يفضحه يوم موته ميراثه، ويوم حشره ميزانه، وقال: ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال: إن لم تنفعه فلا تضره وإن لم تسره فلا تغمه وإن لم تمدحه فلا تذمه،
(1/151)

وقال: الصبر على الخلوة من علامات الإخلاص، وقال:
بئس الصديق صديقا يحتاج إلى أن يقال له إذكرني في دعائك، وقال: على قدر حبك لله يحبك الخلق وعلى قدر خوفك من الله تهابك الخلق وعلى قدر شغلك بالله تشتغل في أمرك الخلق، وقال: من كان غناه في كيسه لم يزل فقيرا، ومن كان غناه في قلبه لم يزل غنيا، ومن قصد بحوائجه المخلوقين لم يزل محروما.
وروي أنه قدم شيرازا فجعل يتكلم على الناس في علم الأسرار، فأتته امرأة من نسائها فقالت: كم تأخذ من هذه البلدة؟ قال: ثلاثون ألفا أصرفها في دين علي بخراسان، فقالت: لك علي ذلك على أن تأخذها وتخرج من ساعتك فرضي بذلك فحملت إليه المال فخرج من الغد فعوتبت تلك المرأة فيما فعلت فقالت: إنه كان يظهر أسرار أولياء الله تعالى للسوقة والعامة فغرت على ذلك.
ومنهم سيدي يوسف بن الحسين الرازي: يكنى أبا يعقوب كان وحيد وقته في إسقاط التصنع، عالما أديبا صحب ذا النون المصري وأبا تراب النخشبي. من كلامه:
إذا أردت أن تعلم العاقل من الأحمق فحدثه بالمحال فإن قبل فاعلم أنه أحمق. وقال: إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص فاعلم أنه لا يجيء منه شيء، وقال: لأن ألقى الله تعالى بجميع المعاصي أحب من أن ألقاه بذرة من التصنع، وقال أبو الحسن الدارج: قصدت زيارة ابن الرازي من بغداد فلما دخلت بلده سألت عن منزله فكل من سألته يقول: أي شيء تريد من هذا الزنديق فضيقوا صدري حتى عزمت على الانصراف، فبت تلك الليلة في مسجد ثم قلت في نفسي: جئت هذه البلدة فلا أقل من زيارته فلم أزل أسأل عنه حتى وصلت إلى مسجده فوجدته جالسا في المحراب وبين يديه مصحف يقرأ فيه فدنوت منه وسلمت عليه فرد علي السلام وقال: من أين؟ قلت: من بغداد، فقال: أتحسن من قولهم شيئا؟ قلت: نعم، وأنشدته:
رأيتك تبني دائما في قطيعتي ... ولو كنت ذا حزم لهدّمت ما تبني
فأطبق المصحف ولم يزل يبكي حتى ابتلت لحيته وثوبه ورحمته من كثرة بكائه ثم التفت إلي وقال: يا بني أتلوم أهل البلد على قولهم يوسف بن الحسين زنديق وها أناذا من وقت صلاة الصبح أقرأ القرآن ولم تقطر من عيني قطرة وقد قامت علي القيامة بهذا البيت.
ومنهم سيدي حاتم بن علوان الأصم قدس الله سره: يكنى أبا عبد الرحمن من أكابر مشايخ خراسان صاحب شقيق البلخي، ومن كلامه: إلزم خدمة مولاك تأتك الدنيا راغمة والآخرة راغبة، وقال: من ادعى ثلاثا بغير ثلاث فهو كذاب، من ادعى حب الله تعالى من غير ورع عن محارمه فهو كذاب، ومن ادعى محبة النبي صلى الله عليه وسلم من غير محبة الفقر فهو كذاب، ومن ادعى حب الجنة من غير إنفاق ماله فهو كذاب. وسأله رجل: علام بنيت أمرك في التوكل على الله عز وجل قال: على أربع خصال: علمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأنت به نفسي، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة فأنا أبادره، وعلمت أني لا أخلو من عين الله عز وجل حيث كنت فأنا أستحي منه.
وسبب تسميته بالأصم ما حكاه أبو علي الدقاق أن امرأة جاءت تسأله عن مسألة، فاتفق أنه خرج منها صوت ريح فخجلت المرأة، فقال حاتم: ارفعي صوتك وأراها أنه أصم فسرت المرأة بذلك وقالت: إنه لم يسمع الصوت، فغلب عليه هذا الاسم رحمة الله تعالى عليه.
ومنهم الحسن بن أحمد الكاتب: من كبار مشايخ المصريين صحب أبا بكر المصري وأبا علي الروذباري وكان أوحد مشايخ وقته، من كلامه: روائح نسيم المحبة تفوح من المحبين وإن كتموها وتظهر عليهم دلائلها وإن أخفوها وتدل عليهم وإن ستروها، وأنشدوا في هذا المعنى:
إذا ما أسرّت أنفس الناس ذكره ... تبيّنه فيهم ولم يتكلموا
تطيب به أنفاسهم فتذيعها ... وهل سرّ مسك أودع الريح يكتم
ومن كلامه أيضا: إذا انقطع العبد إلى الله تعالى بالكلية، فأول ما يفيده الاستغناء عن الناس. وقال: صحبة الفساق داء ودواؤها مفارقتهم، وقال: إذا سكن الخوف في القلب لا ينطق اللسان بما لا يعنيه.
ومنهم سيدي جعفر بن نصر الخلدي: يكنى بأبي محمد، بغدادي المنشأ والمولد، صحب الجنيد وانتمى إليه وحج قريبا من ستين حجة، روي أنه مر بمقبرة الشونيزية وامرأة على قبر تندب وتبكي بكاء بحرقة، فقال لها: ما لك تبكين؟ فقالت: ثكلى ولدي، فأنشأ يقول:
يقولون ثكلى ومن لم يذق ... فراق الأحبّة لم يثكل
(1/152)

لقد جرّعتني ليالي الفراق ... شرابا أمرّ من الحنظل
وروي أنه كان له فص فوقع منه يوما في الدجلة، وكان عنده دعاء مجرب لرد الضالة إذا دعا به عادت، فدعا به فوجد الفص في وسط أوراق كان يتفحصها، وصورة الدعاء أن تقول: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه إجمع عليّ ضالتي. وقد روي أنه يقرأ قبله سورة الضحى ثلاثا، وروى الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخه قال: ودعت في بعض حجاتي المزين الكبير الصوفي، فقلت: زودني شيئا فقال: إن فقدت شيئا أو أردت أن يجمع الله بيني وبينك أو بينك وبين إنسان، فقل: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع بيني وبين كذا، فإن الله يجمع بينك وبين ذلك الشيء أو الإنسان.
ومنهم سيدي معروف بن فيروز الكرخي. قدس الله سره: يكنى أبا محفوظ من كبار المشايخ مجاب الدعوة وهو أستاذ السرّي، وكان أبواه نصرانيين، فأسلماه إلى مؤدبهم وهو صبي، فكان المؤدب يقول له: قل هو ثالث ثلاثة، فيقول: بل هو الواحد الصمد، فضربه المؤدب على ذلك ضربا وجيعا، فهرب منه، فكان أبواه يقولان:
ليته يرجع إلينا على أي دين شاء، فنوافقه عليه، فرجع إلى أبويه، فدق الباب فقيل: من بالباب، فقال: معروف، فقيل: على أي دين، فقال: على دين الإسلام، فأسلم أبواه، وكان مشهورا بإجابة الدعوة، ومن كلامه رضي الله عنه: إذا أراد الله بعبد خيرا فتح له باب العمل، وأغلق باب الفترة والكسل، وكان يعاتب نفسه ويقول:
يا مسكين كم تبكي وتندب أخلص تخلص، وقال سري:
سألت معروفا عن الطائعين لله بأي شيء قدروا على الطاعات لله عز وجل؟ قال: بخروج حب الدنيا من قلوبهم ولو كانت في قلوبهم لما صحت لهم سجدة، ومن إنشاداته:
الماء يغسل ما بالثوب من درن «1» ... وليس يغسل قلب المذنب الماء
وقال إبراهيم الأطروش: كان معروف قاعدا يوما على الدجلة ببغداد، فمر بنا صبيان في زورق يضربون بالملاهي ويشربون، فقال له أصحابه: أما ترى هؤلاء يعصون الله تعالى على هذا الماء؟ فادع عليهم، فرفع يديه إلى السماء وقال: إلهي وسيدي كما فرحتهم في الدنيا أسألك أن تفرحهم في الآخرة، فقال له أصحابه: إنما سألناك أن تدعو عليهم، ولم نقل لك ادع لهم، فقال: إذا فرحهم في الآخرة تاب عليهم في الدنيا ولم يضركم ذلك.
وقال سري: رأيت معروفا في المنام كأنه تحت العرش والله تعالى يقول لملائكته: من هذا؟ فقالوا: أنت أعلم يا رب، قال: هذا معروف الكرخي سكر بحبي لا يفيق إلا بلقائي، وقيل له في مرضه: أوص، فقال: إذا مت فتصدقوا بقميصي هذا، فإني أحب أن أخرج من الدنيا عريانا كما دخلتها عريانا. وقال أبو بكر الخياط: رأيت في المنام كأني دخلت المقابر، فإذا أهل القبور جلوس على قبورهم وبين أيديهم الريحان، وإذا أنا بمعروف الكرخي بينهم يذهب ويجيء، فقلت: يا أبا محفوظ؛ ما فعل الله بك؟ أو ليس قد مت؟ قال: بلى. ثم أنشد يقول:
موت التقيّ حياة لا نفاد لها ... قد مات قوم وهم في الناس أحياء
ومنهم قاسم بن عثمان الكرخي: يكنى أبا عبد الملك من أجلاء المشايخ صحب أبا سليمان الداراني وغيره، وكان من أقران السري والحارث المحاسبي، وكان أبو تراب النخشبي يصحبه، ومن كلامه: من أصلح فيما بقي من عمره غفر له ما مضى وما بقي، ومن أفسد فيما بقي من عمره أخذ بما مضى وما بقي.
وقال: السلامة كلها في اعتزال الناس، والفرح كله في الخلوة بالله عز وجل، وسئل عن التوبة، فقال: التوبة رد المظالم وترك المعاصي وطلب الحلال وأداء الفرائض.
وقال لأصحابه: أوصيكم بخمس: إن ظلمتم فلا تظلموا، وإن مدحتم فلا تفرحوا، وإن ذممتم فلا تحزنوا، وإن كذّبتم فلا تغضبوا، وإن خانوكم فلا تخونوا.
وقال محمد بن الفرج: سمعت قاسم بن عثمان يقول:
إن لله عبادا قصدوا الله بهممهم فأفردوه بطاعتهم واكتفوا به في توكلهم، ورضوا به عوضا عن كل ما خطر على قلوبهم من أمر الدنيا، فليس لهم حبيب غيره، ولا قرة عين إلا فيما قرب إليه، وكان يقول: قليل العمل مع المعرفة خير من كثير العمل بلا معرفة، ثم قال: اعرف وضع رأسك ونم، فما عبد الله الخلق بشيء أفضل من المعرفة.
وروي عنه أنه قال: رأيت في الطواف حول البيت رجلا فتقربت منه، فإذا هو لا يزيد على قوله: اللهم قضيت حاجة المحتاجين وحاجتي لم تقض، فقلت له: ما لك لا تزيد على هذا الكلام؟ فقال: أحدثك، كنا سبعة رفقاء
(1/153)

من بلاد شتى غزونا أرض العدو فاستأسرونا كلنا، فاعتزل بنا لتضرب أعناقنا، فنظرت إلى السماء، فإذا سبعة أبواب مفتحة عليها سبع جوار من الحور العين في كل باب جارية، فقدم رجل منا فضربت عنقه، فرأيت جارية في يدها منديل قد هبطت إلى الأرض، فضربت أعناق الستة وبقيت أنا، وبقي باب وجارية، فلما قدمت لتضرب عنقي استوهبني بعض خواس الملك، فوهبني له، فسمعتها تقول: بأي شيء فاتك هذا يا محروم؟ وأغلقت الباب، فأنا يا أخي متحسر على ما فاتني قال قاسم بن عثمان: أراه أفضلهم لأنه رأى ما لم يروا وترك يعمل على الشوق.
ومنهم سيدي أبو بكر دلف بن جحدر الشبلي: كان جليل القدر مالكي المذهب، عظيم الشأن. صحب الجنيد، ومن في عصره، وكان يبالغ في تعظيم الشرع المطهر، وكان إذا دخل شهر رمضان المعظم جد في الطاعات، ويقول: هذا شهر عظمه ربي، فأنا أولى بتعظيمه. وسئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: خير عمل المرء كسب يمينه، فقال: إذا كان الليل، فخذ ماء وتهيأ للصلاة، وصل ما شئت، ومد يديك، وسل الله عز وجل، فذلك كسب يمينك، ولما حج ورأى مكة المشرفة شرفها الله تعالى وقع مغشيا عليه، فلما أفاق أنشد يقول:
هذه دارهم وأنت محبّ ... ما بقاء الدموع في الآماق
وروي أنه قال: كنت يوما جالسا، فجرى في خاطري أني بخيل، فقلت: مهما فتح الله عليّ به اليوم أدفعه إلى أول فقير يلقاني، قال: فبينما أنا متفكر إذ دخل عليّ شخص ومعه خمسون دينارا، فقال: اجعل هذه في مصالحك، فأخذتها وخرجت، وإذا أنا بفقير مكفوف بين يدي مزين يحلق رأسه، فتقدمت إليه وناولته الصرة، فقال لي: ادفعها للمزين، فقلت له: إنها دنانير، فقال: إنك لبخيل، قال: فناولتها للمزين، فقال المزين: إن من عاداتنا أن الفقير إذا جلس بين أيدينا لا نأخذ منه أجرا، قال: فرميتها في الدجلة، وقلت: ما أعزك أحد إلا أذله الله تعالى.
ومنهم سيدي زرقان بن محمد أخو ذي النون المصري صاحب سياحة كان بجبل لبنان.
حكي عن يوسف بن الحسين الرازي قال: بينما أنا بجبل لبنان أدور إذ أبصرت زرقان أخا ذي النون المصري جالسا على عين ماء وقت صلاة العصر، فسلمت عليه وجلست من ورائه، فالتفت إليّ وقال: ما حاجتك؟
فقلت: بيتا شعر سمعتهما من أخيك ذي النون المصري أعرضهما عليك، فقال: قل. فقلت سمعته يقول:
قد بقينا مذبذبين حيارى ... نطلب الوصل ما إليه سبيل
فدواعي الهوى تخفّ علينا ... وخلاف الهوى علينا ثقيل
فقال زرقان ولكني أقول:
قد بقينا مذهّلين حيارى ... حسبنا ربّنا ونعم الوكيل
حيثما الفوز كان ذاك منانا ... وإليه في كل أمر نميل
فعرضت أقوالهما على طاهر المقدسي، فقال: رحم الله ذا النون المصري. رجع إلى نفسه، فقال ما قال، ورجع زرقان إلى ربه، فقال ما قال. وقال أبو عبد الرحمن السلمي: زرقان بن محمد أخو ذي النون المصري، وأظن أنه أخوه مؤاخاة لا أخوة نسب، وكان من أقرانه ورفقائه.
ومنهم: سيدي أبو عبد الله النباجي سعيد بن بريد: كان من أقران ذي النون المصري، ومن أقران أستاذي أحمد بن أبي الحواري، له كلام حسن في المعرفة وغيرها، روي عنه أنه قال: أصابني ضيق وشدة فبت وأنا مفكر في المسير إلى بعض أخواني، فسمعت قائلا يقول لي في النوم: أيجمل بالحر المريد إذا وجد عند الله ما يريد أن يميل بقلبه إلى العبيد، فانتبهت وأنا من أغنى الناس.
ومنهم: سيدي بشر بن الحارث قدس الله روحه يكنى أبا نصر أحد رجال الطريقة، أصله من مرو وسكن بغداد وكان من كبار الصالحين وأعيان الأتقياء المتورعين، صحب الفضيل بن عياض، وروى عن سري السقطي وغيره.
ومن كلامه: لا تكون كاملا حتى يأمنك عدوك، وكيف يكون فيك خير وأنت لا يأمنك صديقك. وقال: أول عقوبة يعاقبها ابن آدم في الدنيا مفارقة الأحباب، وقال:
غنيمة المؤمن غفلة الناس عنه وخفاء مكانه عنهم. وقال:
التكبر على المتكبر من التواضع. وسئل عن الصبر الجميل، فقال: هو الذي لا شكوى فيه إلى الناس. وقيل:
إنه لقي رجلا سكران، فجعل الرجل يقبل يد بشر ويقول:
يا سيدي يا أبا نصر، وبشر لا يدفعه عن نفسه، فلما ولّى الرجل تغرغرت عينا بشر وجعل يقول: رجل أحب رجلا على خير توهمه لعل المحب قد نجا والمحبوب لا يدري
(1/154)

ما حاله، وروي أن امرأة جاءت إلى أحمد بن حنبل تسأله، فقالت: إني امرأة أغزل بالليل والنهار، وأبيعه ولا أبين غزل الليل من غزل النهار، فهل على ذلك شيء؟ فقال:
يجب أن تبيني، فلما انصرفت قال أحمد لابنه: اذهب، فانظر أين تدخل، فرجع، فقال: دخلت دار بشر، فقال:
قد عجبت أن تكون هذه السائلة من غير بيت بشر. ولما مرض مرضه الذي مات فيه قال له أهله: نرفع ماءك إلى الطبيب قال: أنا بعين الطبيب يفعل بي ما يريد، فألحوا عليه، فقال لأخته: ادفعي إليهم الماء فدفعته إليهم في قارورة، وكان بالقرب منهم طبيب نصراني، فدفعوا إليه القارورة، فقال: حركوا الماء، فحركوه، فقال: ضعوه فوضعوه، فقالوا له: ما بهذا وصفت لنا. قال: وبماذا وصفت لكم؟ قالوا: وصفت بأنك أحذق أهل زمانك في الطب، قال: هو كما وصفت لكم إن هذا الماء إن كان ماء نصراني، فهو ماء راهب قد فتت الخوف كبده وإن كان ماء مسلم، فماء بشر الحافي لأن ما في زمانه أخوف منه، قالوا: هو ماء بشر، فقال: أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فلما رجعوا إلى بشر قال لهم: أسلم الطبيب. قالوا له: ومن أعلمك بهذا؟ قال: لما خرجتم من عندي نوديت يا بشر ببركة مائك أسلم الطبيب. توفي سنة سبع وعشرين ومائتين.
ومنهم سيدي أبو زيد طيغور بن عيسى البسطامي: من أجلّ المشايخ كبير الشأن، ومن كلامه: ما زلت أسوق إلى الله تعالى نفسي وهي تبكي إلى أن سقتها وهي تضحك.
وسئل: بأي شيء وجدت هذه المعرفة؟ فقال: ببطن جائع وبدن عار، وقيل له: ما أشد ما لقيت في سبيل الله تعالى؟
فقال: لا يمكن وصفه، فقيل له: ما أهون ما لقيته نفسك منك؟ فقال: أما هذا فنعم دعوتها إلى شيء من الطاعات، فلم تجبني، فمنعتها الماء سنة، وقال: الناس كلهم يهربون من الحساب، ويتجافون عنه، وأنا أسأل الله تعالى أن يحاسبني، فقيل له: لم؟ فقال لعله يقول فيما بين ذلك يا عبدي، فأقول لبيك، فقوله لي عبدي أحب إليّ من الدنيا وما فيها، ثم بعد ذلك يفعل بي ما يشاء. وقال له رجل: دلني على عمل أتقرب به إلى ربي، فقال: أحب أولياء الله ليحبوك فإن الله تعالى ينظر إلى قلوب أوليائه، فلعله ينظر إلى إسمك في قلب وليّ، فيغفر لك. وسئل عن المحبة، فقال: استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك. توفي سنة إحدى وستين ومائتين رحمه الله تعالى. ومنهم شيخ الطائفة سيدي أبو القاسم الجنيد بن محمد القواريري: شيخ وقته وفريد عصره، أصله من نهاوند ومولده ومنشؤه ببغداد صحب جماعة من المشايخ، وصحب خاله السري، والحارث المحاسبي ودرس الفقه على أبي ثور، وكان يفتي في مجلسه بحضرته وهو ابن عشرين سنة. ومن كلامه رضي الله عنه: علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن يشغله بما لا يعنيه، وقال: الأدب أدبان: أدب السر وأدب العلانية، فأدب السر طهارة القلوب، وأدب العلانية حفظ الجوارح من الذنوب.
ورؤي في يده يوما سبحة، فقيل له: أنت مع تمكنك وشرفك تأخذ بيدك سبحة؟ فقال: نعم سبب وصلنا به إلى ما وصلنا لا نتركه أبدا. وقال حسن بن محمد السراج:
سمعت الجنيد يقول: رأيت إبليس في منامي، وكأنه عريان، فقلت له: ألا تستحي من الناس؟ فقال: بالله هؤلاء عندك من الناس لو كانوا من الناس ما تلاعبت بهم كما يتلاعب الصبيان بالكرة، ولكن الناس عندي ثلاثة نفر: فقلت: ومن هم؟ قال: في مسجد الشونيزي قد أضنوا قلبي وأنحلوا جسمي كلما هممت بهم أشاروا إلى الله عز وجل، فأكاد أن أحرق، قال الجنيد: فانتبهت من نومي، ولبست ثيابي وجئت إلى مسجد الشونيزي بليل، فلما دخلت أخرج أحدهم رأسه وقال: يا أبا القاسم أنت كلما قيل لك شيء تقبل. قيل: إن الثلاثة الذين كانوا في مسجد الشونيزي أبو حمزة، وأبو الحسن الثوري، وأبو بكر الدقاق رضي الله عنهم، وقال محمد بن قاسم الفارسي: بات الجنيد ليلة العيد في الموضع الذي كان يعتاده في البرية، فإذا هو وقت السحر بشاب ملتف في عباءة وهو يبكي ويقول:
بحرمة غربتي كم ذا الصدود ... ألا تحنوا عليّ ألا تجودوا
سرور العيد قد عمّ النواحي ... وحزني في ازدياد لا يبيد
فإن كنت اقترفت خلال سوء ... فعذري في الهوى أن لا أعود
توفي الجنيد رحمه الله تعالى سنة سبع وتسعين ومائتين ببغداد وصلى عليه نحو ستين ألفا رضوان الله عليهم أجمعين. وممن صحبته وانتفعت بصحبته وفاضت الخيرات عليّ ببركته سيدي الشيخ الإمام العالم العامل أبو المعالي وأبو الصدق أبو بكر بن عمر الطريني المالكي
(1/155)

قدس الله سره وروحه ونور ضريحه، كان أوحد زمانه في الزهد والورع قامعا لأهل الضلال والبدع، وله أسرار ظاهرة وبركات متواترة. قد أطاع أمره الخلائق عجما وعربا، وانتشر ذكره في البلاد شرقا وغربا وأتت الملوك إلى بابه واختاروا أن يكونوا من جملة أصحابه، ما أتاه مكروب إلا فرج الله كربته ولا طالب حاجة إلا قضى الله حاجته، كان محافظا على النوافل ملازما للفرض، وكان أكثر أكله من المباح من نبات الأرض، لم يمنع نفسه في الدنيا بالمآكل والمشارب اللذيذة بل قيل: إنه غضب على نفسه مرة فمنعها شرب الماء شهورا عديدة، وكان رضي الله عنه كثير الشفقة والحنو على أصحابه نصوحا لجميع خلق الله من أعدائه وأحبابه، يدخل عليه أعدى عدوه، فيقبل ببشره وبره عليه، فيخرج عنده وهو أحب الناس إليه، كما قال بعضهم:
وإني لألقى المرء أعلم أنّه ... عدوي وفي أحشائه الضغن كامن
فأمنحه بشري فيرجع قلبه ... سليما وقد ماتت لديه الضغائن
وكانت حملة أهل زمانه عليه وأحوالهم في كل أمر راجعة إليه، وكنت كثيرا ما أسمعه يتمثل بهذا البيت:
وما حمّلوني الضيم إلّا حملته ... لأني محبّ والمحبّ حمول
وكان رضي الله عنه كثير المصافاة عظيم الموافاة، شأنه الحلم والستر لم يهتك حرمة مسلم ولا فضحه، وما استشاره أحد في أمر إلا أرشده إلى الخير ونصحه، صحبته رضي الله عنه نحو خمس عشرة سنة، فكأنها من طيبها كانت سنة، ما قطع بره يوما واحدا عني حتى كنت أظن أن ليس عنده أخص مني، وكان ذلك فعله مع جميع أصحابه قاطبة. بيّض الله وجهه في القيامة، وبلغه من فضل ربه مآربه، وكان رضي الله عنه فقيها في مذهب الإمام مالك، إمام كبير لم ير له في زمانه من شبيه ولا نظير، وله في علم الحقيقة أقوال، وكم رأينا له من مكاشفات وأحوال ولو تتبعت مناقبه لا تسع الكلام، ولكني أقول: كان أوحد عصره والسلام.
عاش رضي الله عنه نيفا وستين سنة، وكان الناس في زمانه في عيشة راضية، وأحوال حسنة، وكان رضي الله عنه كثير الأمراض والأسقام حصل له في آخر عمره ضعف شديد أقام به نحو سنة، ثم تزايد مرضه في العشر الأول من ذي الحجة الحرام، فلما كانت ليلة الحادي عشر اشتد به الأمر واحتضر، ولم يزل في النزع إلى ثلث الليل الأول من الليلة المذكورة، ثم توفي رحمه الله تعالى سعيدا حميدا في ليلة الجمعة حادي عشر ذي الحجة الحرام سنة سبعة وعشرين وثمانمائة، ولما أخبر الناس بوفاته عظم مصابه على المسلمين، ووقع النوح والبكاء والأسف في أقطار البلدان حتى طوائف المخالفين للملة من النصارى وغيرهم، وصاروا يبكون ويتوجعون ويتأسفون على فراقه، وكيف لا، وهو إمام العصر، علامة الدهر حق فيه قول القائل:
حلف الزمان ليأتين بمثله ... حنثت يمينك يا زمان فكفّر
رضي الله عنه ورضي عنا به، ونفعنا ببركته في الدين والدنيا والآخرة، فشرعوا في تجهيزه وغسله، فكنت ممن حضر غسله، ولكن لم يكن ذهني معي في تلك الساعة لما جرى علينا من المصيبة بفقده، كيف لا، وقد كان والدا شفوقا وبارا محسنا عشوقا، فلما انتهى غسله رضي الله عنه جاء القضاء والنواب والكشاف والولاة وحملوه على أعناقهم ومضوا به إلى جامع الخطبة بالمحلة فضاق بهم الجامع على سعته، وضاقت بهم الشوارع والسكك والطرقات من كثرة الناس، فلم ير أكثر جمعا ولا أغزرها دمعا من ذلك اليوم، وهذا دليل على أنه كان قطب أهل زمانه.
قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: بيننا وبينهم الجنائز. يريد بذلك اجتماع الناس، والله أعلم. فارتفع نعشه على أعناقهم وتقدم للصلاة شيخه العارف بالله تعالى سيدي سليمان الدواخلي نفعنا الله ببركته، ودفن يوم الجمعة بزاويته التي أنشأها بسندفا مع والده الشيخ الإمام العالم العلامة مفتي المسلمين سراج الدين أبي حفص عمر الطريني المالكي في قبر واحد. نفعنا الله ببركته، وجعل الجنة منقلبه ومثواه، وحشرنا وإياه في زمرة سيد الأولين والآخرين محمد خاتم النبيين، وأفضل المسلمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ونسأله لنا التوفيق والإعانة، وأن يمتع المسلمين بطول بقاء أخيه سيدنا ومولانا الشيخ شمس الدين محمد الطريني أدام الله أيامه للمسلمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1/156)

الباب الحادي والثلاثون في مناقب الصالحين وكرامات الأولياء رضي الله عنهم
إعلم أن كرامات الأولياء لا تنكر ومناقبهم أكثر من أن تحصر، نسأل الله تعالى أن يحشرنا معهم في زمرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوم المحشر إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
حكاية:
قال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: احتبس عنا المطر بالبصرة فخرجنا نستسقي مرارا، فلم نر للإجابة أثرا، فخرجت أنا وعطاء السلمي، وثابت البناني، ويحيى البكاء، ومحمد بن واسع، وأبو محمد السختياني، وحبيب الفارسي، وحسان بن ثابت بن أبي سنان، وعتبة الغلام، وصالح المزني، حتى إذا صرنا إلى المصلى بالبصرة خرج الصبيان من المكاتب «1» ، ثم استسقينا، فلم نر للإجابة أثرا حتى انتصف النهار وانصرف الناس وبقيت أنا، وثابت البناني بالمصّلى، فلما أظلم الليل إذا أنا بعبد أسود مليح رقيق الساقين عليه جبة صوف قوّمت «2» ما عليه بدرهمين، فجاء بماء فتوضأ، ثم جاء إلى المحراب، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال:
إلهي وسيدي ومولاي إلى كم تردّ عبادك فيما لا ينفعك، أنفذ ما عندك أم نقص ما في خزائنك، أقسمت عليك بحبك لي إلا ما أسقيتنا غيثك الساعة. قال: فما تم كلامه حتى تغيمت السماء وجاءت بمطر كأفواه القرب.
قال مالك: فتعرضت له، وقلت له: يا أسود أما تستحي مما قلت؟
قال: وما قلت؟ قلت قولك بحبك لي وما يدريك أنه يحبك؟
قال: تنح عني يا من اشتغل عنه بنفسه، أفتراه بدأني بذلك إلا لمحبته إياي؟ ثم قال: محبته لي على قدره، ومحبتي له على قدري.
فقلت له: يرحمك الله ارفق قليلا.
فقال: إني مملوك وعليّ فرض من طاعة مالكي الصغير. قال: فانصرف وجعلنا نقفوا أثره «3» على البعد حتى دخل دار نخّاس «4» .
فلما أصبحنا أتينا النخاس، فقلت: يرحمك الله. أعندك غلام تبيعه منا للخدمة؟ قال: نعم عندي مائة غلام للبيع، فجعل يعرض علينا غلاما بعد غلام حتى عرض علينا سبعين غلاما، فلم ألق حبيبي فيهم، فقال عودا إليّ في غير هذا الوقت، فلما أردنا الخروج من عنده دخلنا حجرة خربة خلف داره، وإذا بالأسود قائم يصلي، فقلت:
حبيبي ورب الكعبة.
فجئت إلى النخاس، فقلت له: بعني هذا الغلام، فقال: يا أبا يحيى: هذا الغلام ليست له همة في الليل إلا البكاء، وفي النهار إلا الخلوة والوحدة، فقلت له: لا بد من أخذه منك ولك الثمن، وما عليك منه، فدعاه، فجاء وهو يتناعس، فقال: خذه بما شئت بعد أن تبرئني من عيوبه كلها، فاشتريته منه بعشرين دينارا، وقلت له: ما اسمك؟ قال: ميمون، فأخذت بيده أريد المنزل، فالتفت إليّ وقال: يا مولاي الصغير: لماذا اشتريتني، وأنا لا أصلح لخدمة المخلوقين؟
فقلت له: والله يا سيدي إنما اشتريتك لأخدمك بنفسي، قال: ولم ذلك؟ فقلت: ألست صاحبنا البارحة بالمصلى؟ قال: بلى، وقد أطلعت على ذلك، قلت:
نعم، وأنا الذي عارضتك البارحة في الكلام بالمصلى.
قال: فجعل يمشي حتى أتى إلى مسجد، فاستأذنني ودخل المسجد، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم رفع طرفه إلى السماء، وقال: إلهي وسيدي ومولاي، سرّ كان بيني وبينك أطلعت عليه غيرك، فكيف يطيب الآن عيشي.
أقسمت عليك بك إلا ما قبضتني إليك الساعة، ثم سجد، فانتظرته ساعة، فلم يرفع رأسه، فجئت إليه وحركته، فإذا هو قد مات رحمة الله تعالى عليه.
قال: فمددت يديه ورجليه، فإذا هو ضاحك مستبشر، وقد غلب البياض على السواد ووجهه كالقمر ليلة البدر، وإذا شاب قد دخل من الباب، وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أعظم الله أجورنا وأجوركم في أخينا ميمون، هاكم الكفن، فناولني ثوبين ما رأيت مثلهما قط، فغسلناه وكفناه فيهما ودفناه. قال مالك بن دينار: فبقبره
(1/157)

نستسقي إلى الآن، ونطلب الحوائج من الله تعالى رحمة الله عليه.
وحكى عن حذيفة المرعشي رضي الله عنه، وكان خدم إبراهيم الخواص «1» رضي الله عنه وصحبه مدة، فقيل له:
ما أعجب ما رأيت منه؟ فقال: بقينا في طريق مكة أياما لم نأكل طعاما، فدخلنا الكوفة، فأوينا إلى مسجد خرب، فنظر إليّ إبراهيم وقال: يا حذيفة أرى بك أثر الجوع، فقلت: هو كما ترى، فقال: عليّ بدواة وقرطاس، فأحضرتهما إليه، فكتب بسم الله الرحمن الرحيم، أنت المقصود بكل حال، والمشار إليه بكل معنى ثم قال:
أنا حامد أنا شاكر أنا ذاكر ... أنا جائع أنا ضائع أنا عاري
هي ستّة وأنا الضمين لنصفها ... فكن الضمين لنصفها يا باري
مدحي لغيرك لهب نار خضتها ... فأجر عبيدك من لهيب النار
قال حذيفة: ثم دفع إليّ الرقعة، وقال: اخرج بها ولا تعلق قلبك بغير الله تعالى، وادفعها إلى أول من يلقاك، قال: فخرجت، فأول من لقيني رجل على بغلة، فناولته الرقعة، فأخذها، فقرأها وبكى، وقال: ما فعل بصاحب هذه الرقعة؟
قلت: هو في المسجد الفلاني، فدفع إليّ صرة فيها ستمائة درهم، فأخذتها ومضيت، فوجدت رجلا، فسألته من هذا الراكب على البغلة؟ فقال: هو رجل نصراني، قال: فجئت إبراهيم وأخبرته بالقصة، فقال: لا تمس الدراهم، فإن صاحبها يأتي الساعة، فلما كان بعد الساعة أقبل النصراني راكبا على بغلته، فترجل على باب المسجد، ودخل، فأكب على إبراهيم يقبل رأسه ويديه ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال: فبكى إبراهيم الخواص فرحا به وسرورا، وقال الحمد لله الذي هداك للإسلام وشريعة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
وحكي أن بعضهم كان ملّاحا ببحر النيل المبارك بمصر، قال: كنت أعدّي «2» من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي، ومن الشرقي إلى الجانب الغربي، فبينما أنا ذات يوم في الزورق إذا بشيخ مشرق الوجه عليه مهابة، فقال: السلام عليكم، فرددت عليه السلام، فقال:
أتحملني إلى الجانب الغربي لله تعالى، فقلت: نعم، فطلع إلى الزورق وعديت به إلى الجانب الغربي، وكان على ذلك الفقير مرقعة وبيده ركوة وعصا، فلما أراد الخروج من الزورق قال: إني أريد أن أحملك أمانة، قلت وما هي؟ قال: إذا كان غدا وقت الظهر تجدني عند تلك الشجرة ميتا وستنسى، فإذا ألهمت، فأتني وغسلني وكفني في الكفن الذي تجده عند رأسي، وصلّ عليّ وادفني تحت الشجرة، وهذه المرقعة والعصا والركوة يأتيك من يطلبها منك، فادفعها إليه، ولا تحتقره.
قال الملاح: ثم ذهب وتركني، فتعجبت من قوله، وبت تلك الليلة، فلما أصبحت انتظرت الوقت الذي قال لي، فلما جاء وقت الظهر نسيت، فما تذكرت إلا قريب العصر، فسرت بسرعة، فوجدته تحت الشجرة ميتا ووجدت كفنا جديدا عند رأسه تفوح منه رائحة المسك، فغسلته وكفنته فلما فرغت من غسله حضر عندي جماعة عظيمة لم أعرف منهم أحدا فصلينا عليه، ودفنته تحت الشجرة، كما عهد إليّ ثم عدت إلى الجانب الشرقي، وقد دخل الليل، فنمت.
فلمّا طلع الفجر وبانت الوجوه إذ أنا بشاب قد أقبل عليّ، فحققت النظر في وجهه، فإذا هو من صبيان الملاهي كان يخدمهم، فأقبل وعليه ثياب رقاق، وهو مخضوب الكفين وطاره تحت إبطه، فسلم عليّ، فرددت عليه السلام، فقال: يا ملاح أنت فلان بن فلان. قلت نعم. قال: هات الوديعة التي عندك. قلت: من أين لك هذا «3» ؟ قال: لا تسأل، فقلت لا بد أن تخبرني، فقال لا أدري. إلا أني البارحة كنت في عرس فلان التاجر، فسهرنا نرقص ونغني إلى أن ذكر الله الذاكرون على المآذن، فنمت لأستريح، وإذا برجل قد أيقظني وقال: إن الله تعالى قد قبض فلانا الولي وأقامك مقامه، فسر إلى فلان بن فلان صاحب الزورق، فإن الشيخ أودع لك عنده كيت وكيت، قال: فدفعتها له، فخلع أثوابه الرقاق ورمى بها في الزورق، وقال: تصدق بها على من شئت، وأخذ
(1/158)

الركوة والعصا ولبس المرقعة وسار، وتركني أتحرق وأبكي لما حرمت من ذلك، وأقمت يومي ذلك أبكي إلى الليل، ثم نمت فرأيت رب العزة جل جلاله في النوم، فقال:
يا عبدي أثقل عليك إن مننت على عبد عاص بالرجوع إليّ، إنما ذلك فضلي أوتيه من أشاء من عبادي، وأنا ذو الفضل العظيم.
وحكى أبو إسحاق الصعلوكي قال: خرجت سنة إلى الحج، فبينما أنا في البادية تائه، وقد جن الليل وكانت ليلة مقمرة إذ سمعت صوت شخص ضعيف يقول: يا أبا إسحاق قد انتظرتك من الغداة، فدنوت منه فإذا هو شاب نحيف الجسم قد أشرف على الموت، وحوله رياحين كثيرة منها ما أعرف ومنها ما لا أعرف، فقلت له: من أنت، ومن أين أنت؟ قال: من مدينة شمشاط كنت في عزة ورفعة، فطالبتني نفسي بالغربة والعزلة، فخرجت، وقد أشرفت الآن على الموت فدعوت الله تعالى أن يقيض لي وليا من أوليائه وأرجو أن تكون أنت هو.
فقلت: ألك حاجة؟ قال: نعم لي والدة وأخوة وأخوات، فقلت: هل اشتقت إليهم قط؟ قال: لا. إلا اليوم اشتقت أن أشم ريحهم، فهممت أريدهم فاحتوشتني السباع «1» والهوام وبكين معي، وحملوا إليّ هذه الرياحين التي تراها.
قال أبو إسحاق: فبينما أنا معه يرق له قلبي وإذا بحية عظيمة في فمها باقة نرجس كبيرة، فقالت: دع ولي الله تعالى، فإن الله يغار على أوليائه، قال: فغشي عليه، وغشي عليّ، فما أفقت إلا وهو قد خرجت روحه رحمه الله، قال: فدخلت مدينة شمشاط بعدما حججت فاستقبلتني امرأة بيدها ركوة ما رأيت أشبه بالشاب منها، فلما رأتني نادت: يا أبا إسحاق ما شأن الشاب الغريب الذي مات غريبا، فإني منتظرتك منذ كذا «2» ؟
فذكرت لها القصة إلى أن قلت لها أشم ريحهم، فصاحت أواه أواه قد بلغ والله الشم، ثم شهقت شهقة خرجت روحها فخرج إليها بنات أتراب عليهن مرقعات ومروط «3» ، فكفلن أمرها وتولين دفنها وهن مستترات رضوان الله على الجميع.
(شعر) :
يا نسيما هبّ من وادي قبا ... خبريني كيف حال الغربا
كم سألت الدهر أن يجمعنا ... مثل ما كنّا عليه فأبى
وحكي أن رجلا كان يعرف بدينار العيّار «4» وكان له والدة صالحة تعظه وهو لا يتعظ، فمر في بعض الأيام بمقبرة، فأخذ منها عظما، فتفتت في يده، ففكر في نفسه وقال: ويحك يا دينار كأني بك وقد صار عظمك هكذا رفاتا والجسم ترابا، فندم على تفريطه وعزم على التوبة، ورفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي وسيدي ألقيت إليك مقاليد أمري فاقبلني وارحمني.
ثم أقبل نحو أمه متغير اللون منكسر القلب، فقال:
يا أماه ما يصنع بالعبد الآبق «5» إذا أخذه سيده؟ قالت:
يخشن ملبسه ومطعمه ويغل يديه وقدميه، فقال: أريد جبة من صوف وأقراصا من شعير، وغلّين وافعلي بي كما يفعل بالعبد الآبق لعل مولاي يرى ذلي فيرحمني ففعلت به ما أراد، فكان إذا جنّ عليه الليل أخذ في البكاء والعويل ويقول لنفسه: ويحك يا دينار ألك قوة على النار؟ كيف تعرضت لغضب الجبار، ولا يزال كذلك إلى الصباح.
فقالت له أمه: يا بني أرفق بنفسك، فقال: دعيني أتعب قليلا لعلي أستريح طويلا، يا أماه إن لي غدا موقفا طويلا بين يدي رب جليل ولا أدري أيؤمر بي إلى ظل ظليل أو إلى شر مقيل، قالت: يا بني خذ لنفسك راحة، قال:
لست للراحة أطلب، كأنك يا أماه غدا بالخلائق يساقون إلى الجنة وأنا أساق إلى النار مع أهلها، فتركته وما هو عليه.
فأخذ في البكاء والعبادة وقراءة القرآن، فقرأ في بعض الليالي فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ 92 عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ 93
«6» . ففكر فيها وجعل يبكي حتى غشي عليه، فجاءت أمه إليه، فنادته، فلم يجبها، فقالت له: يا حبيبي وقرة عيني أين الملتقى؟ فقال بصوت ضعيف يا أماه: إن لم تجديني في عرصات «7» القيامة، فاسألي مالكا خازن النار عني، ثم شهق شهقة، فمات رحمه الله تعالى.
فغسلته أمه وجهزته، وخرجت تنادي: أيها الناس هلموا
(1/159)

إلى الصلاة على قتيل النار، فجاء الناس من كل جانب، فلم ير أكثر جمعا ولا أغزر دمعا من ذلك اليوم فلما دفنوه نام بعض أصدقائه تلك الليلة، فرآه يتبختر في الجنة وعليه حلة خضراء، وهو يقرأ الآية فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ 92 عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ 93
«1» ، ويقول: وعزته وجلاله سألني ورحمني وغفر لي وتجاوز عني ألا أخبروا عني والدتي بذلك.
وحكي عن الحسن البصري قال: نزل سائل «2» بمسجد، فسأل الناس أن يطعموه كسرة، فلم يطعموه، فقال الله تعالى لملك الموت: اقبض روحه، فإنه جائع، فقبض روحه، فلما جاء المؤذن رآه ميتا، فأخبر الناس بذلك، فتعاونوا على دفنه، فلما دخل المؤذن المسجد وجد الكفن في المحراب مكتوبا عليه: هذا الكفن مردود عليكم بئس القوم أنتم استطعمكم فقير، فلم تطعموه حتى مات جوعا، من كان من أحبابنا لا نكله إلى غيرنا.
وحكى أبو علي المصري قال: كان لي جار شيخ يغسل الموتى فقلت له يوما: حدثني أعجب ما رأيت من الموتى، فقال: جاءني شاب في بعض الأيام مليح الوجه حسن الثياب، فقال لي: أتغسل لنا هذا الميت؟ قلت:
نعم. فتبعته حتى أوقفني على باب، فدخل هنيهة، فإذا بجارية هي أشبه الناس بالشاب قد خرجت وهي تمسح عينيها، فقالت: أنت الغاسل؟ قلت: نعم. قالت: بسم الله أدخل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فدخلت الدار وإذا أنا بالشاب الذي جاءني يعالج سكرات الموت، وروحه في لبته، وقد شخص بصره، وقد وضع كفنه وحنوطه عند رأسه، فلم أجلس إليه حتى قبض، فقلت: سبحان الله هذا ولي من أولياء الله تعالى حيث عرف وقت وفاته، فأخذت في غسله، وأنا أرتعد، فلما أدرجته أتت الجارية وهي أخته، فقبلته، وقالت: أما إني سألحق بك عن قريب، فلما أردت الانصراف شكرت لي، وقالت: أرسل إلي زوجتك إن كانت تحسن ما تحسنه أنت، فارتعدت من كلامها وعلمت أنها لاحقة به.
فلما فرغت من دفنه جئت أهلي فقصصت عليها القصة وأتيت بها إلى تلك الجارية، فوقفت بالباب واستأذنت، فقالت: بسم الله تدخل زوجتك، فدخلت زوجتي وإذا بالجارية مستقبلة القبلة وقد ماتت، فغسلتها زوجتي وأنزلتها على أخيها رحمة الله عليهما.
(شعر) :
أأحبابنا بنتم عن الدار فاشتكت ... لبعدكم آصالها وضحاها «3»
وفارقتم الدار الأنيسة فاستوت ... رسوم مبانيها وفاح كلاها «4»
كأنّكم يوم الفراق رحلتم ... بنومي فعيني لا تصيب كراها «5»
وكنت شحيحا من دموعي بقطرة ... فقد صرت سمحا بعدكم بدماها
يراني بسّاما خليلي يظنّ بي ... سرورا وأحشائي السّقام ملاها
وكم ضحكة في القلب منها حرارة ... يشبّ لظاها لو كشفت غطاها «6»
رعى الله أياما بطيب حديثكم ... تقضّت وحيّاها الحيا وسقاها «7»
فما قلت إيها بعدها لمسامر ... من الناس إلا قال قلبي آها «8»
وحكي سري السقطي رحمه الله تعالى قال: أرقت ليلة ولم أقدر على النوم فلما طلع الفجر صليت، فلما أصبحت دخلت المارستان «9» فإذا أنا بجارية مقيدة مغلولة «10» وهي تقول:
تغلّ يدي إلى عنقي ... وما خانت وما سرقت
وبين جوانحي كبد ... أحسّ بها قد احترقت
(1/160)

قال، فقلت للقيم «1» : ما هذه الجارية؟ قال: هذه جارية اختلّ عقلها، فحبست لعلها تصلح، فلما سمعت كلامه تبسمت وقالت:
معشر الناس ما جننت ولكن ... أنا سكرانة وقلبي صاحي
لم غللتم يدي ولم آت ذنبا ... غير هتكي في حبّه وافتضاحي
أنا مفتونة بحبّ حبيب ... لست أبغي عن بابه من براح «2»
ما على من أحبّ مولى الموالي ... وارتضاه لنفسه من جناح «3»
قال: فلما سمعت كلامها بكيت بكاءا شديدا، فقالت:
يا سري هذا بكاؤك من الصفة، فكيف لو عرفته حق المعرفة؟ قال: فبينما هي تكلمني إذا جاء سيدها، فلما رآني عظمني، فقلت: والله هي أحق مني بالتعظيم، فلم فعلت بها هذا؟ قال: لتقصيرها في الخدمة، وكثرة بكائها وشدة حنينها وأنينها كأنها ثكلى «4» لا تنام ولا تدعنا ننام، وقد اشتريتها بعشرين ألف درهم لصناعتها فإنها مطربة، قلت: فما كان بدء أمرها؟ قال: كان العود في حجرها يوما، فجعلت تقول:
وحقّك لا نقضت الدّهر عهدا ... ولا كدّرت بعد الصفو ودّا
ملأت جوانحي والقلب وجدا ... فكيف أقرّ يا سكني وأهدا
فيا من ليس لي مولى سواه ... تراك رضيتني بالباب عبدا
فقلت لسيدها: أطلقها وعليّ ثمنها، فصاح وافقراه من أين لك عشرون ألفا يا سري؟ فقلت: لا تعجل عليّ، فقال: تكون في المارستان حتى توفيني ثمنها، فقلت:
نعم، قال سري: فانصرفت وعيني تدمع وقلبي يخشع، وأنا والله ما عندي درهم من ثمنها، فبت طول ليلتي أتضرع إلى الله تعالى، فإذا بطارق يطرق الباب، ففتحت، فدخل عليّ رجل ومعه ستة من الخدم ومعهم خمس بدر «5» ، فقال: أتعرفني يا سري؟ قلت: لا، قال: أنا أحمد بن المثنى كنت نائما، فهتف بي هاتف وقال لي: يا أحمد هل لك في معاملتنا؟ فقلت: ومن أولى مني بذلك؟ فقال:
احمل إلى سري السقطي خمس بدر من أجل الجارية الفلانية، فإن لنا بها عناية، قال سري: فسجدت لله شكرا وجلست أتوقع طلوع الفجر، فلما طلع صلينا وذكرنا، وانصرفنا نحوها، فسمعناها تقول:
قد تصبّرت إلى أن ... عيل من حبّك صبري «6»
ضاق من غلّي وقيدي ... وامتهاني منك صدري
ليس يخفى عنك أمري ... يا منى قلبي وذخري
أنت قد تعتق رقّي ... وتفكّ اليوم أسري
قال سري: فبينما أنا أسمعها، وإذا بمولاها قد جاء وهو يبكي، فقلت: لا بأس عليك قد جئناك برأس مالك وربح عشرة آلاف درهم، فقال: والله لا فعلت ذلك. قلت:
نزيدك. قال: والله لو أعطيتني ما بين الخافقين «7» ما فعلت، وهي حرة لوجه الله تعالى، فقال: فتعجبت من ذلك، وقلت: ما كان هذا كلامك بالأمس، فقال: حبيبي لا توبخني فالذي وقع لي من التوبيخ كفاني، وأشهدك أني قد خرجت من جميع مالي صدقة في سبيل الله تعالى، وإني هارب إلى الله تعالى، فبالله لا تردني عن صحبتك، فقلت نعم. ثم التفت، فرأيت صاحب المال يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قال: يا أستاذي ما قبلني مولاي لما ندبني إليه ورد عليّ ما بذلت أشهدك أني قد خرجت من جميع ما أملكه لله تعالى في سبيل الله، وكل عبد أملكه وجارية أحرار لوجه الله تعالى.
قال سري: فقلت: ما أعظم بركتك يا جارية. قال:
فنزعنا الغل من عنقها، والقيد من رجلها، وأخرجناها من المارستان، فنزعت ما كان عليها من ناعم الثياب، ولبست خمارا من صوف ومدرّعة «8» من شعر وولت، وقال
(1/161)

سري: فتوجهت أنا ومولاها وصاحب المال إلى مكة، فبينما نحن نطوف إذ سمعنا صوتا، فتبعناه فإذا هي امرأة كالخيال، فلما رأتني قالت: السلام عليك يا سري، فقلت لها: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته من أنت؟ فقالت:
لا إله إلا الله وقع الشك بعد المعرفة، فتأملتها، فإذا هي الجارية، فقلت لها: ما الذي أفادك الحق بعد انفرادك عن الخلق؟
فقالت: أنسي به ووحشتي من غيره، ثم توجهت إلى البيت، وقالت: إلهي كم تخلفني في دار لا أرى فيها أنيسا، قد طال شوقي، فعجل قدومي عليك، ثم شهقت شهقة وخرّت ميتة رحمة الله تعالى عليها، فلما نظر إليها مولاها بكى وجعل يدعو ويضعف كلاما إلى أن خرّ إلى جانبها ميتا، رحمة الله عليه، فدفناهما في قبر واحد.
شعر:
بحرمة ما قد كان بيني وبينكم ... من الودّ إلا ما رجعتم إلى وصلي
ولا تحرموني نظرة من جمالكم ... فلن تجدوا عبدا ذليلا لكم مثلي
فو الله ما يهوي فؤادي سواكم ... ولو رشقوه بالأسنّة والنبل
وحكي أنه كان في زمن بني إسرائيل رجل من العباد الموصوفين بالزهد، وكان قد سخر الله له سحابة تسير معه حيث يسير، فاعتراه فتور في بعض الأيام، فأزال الله عنه سحابته وحجب إجابته، فكثر لذلك حزنه وشجونه، وطال كمده وأنينه، وما زال يشتاق إلى زمن الكرامة ويبكي ويتأسف ويتحسر ويتلهف، فقام ليلة من الليالي، فصلى ما شاء الله وبكى وتضرّع «1» ودعا الله تعالى ونام.
فقيل له في المنام: إذا أردت أن يرد الله تعالى عليك سحابتك، فائت الملك الفلاني في بلد كذا واسأله أن يدعو الله لك أن يرد عليك سحابتك، قال: فسار الرجل يقطع الأرض حتى وصل إلى تلك البلد التي ذكرت له في المنام، فدخلها وسأل من يرشده إلى قصر الملك، فجاء إلى القصر وإذا عند بابه غلام جالس على كرسي عظيم من الذهب الأحمر مرصع بالدر والجوهر والناس بين يديه يسألونه حوائجهم، وهو يصرف الناس، فوقف الرجل الصالح بين يديه وسلم عليه، فقال له الغلام: من أين أنت، وما حاجتك؟ فقال من بلاد بعيدة، وقصدي الاجتماع بالملك، فقال له الغلام: لا سبيل لك اليوم، فسل حاجتك أقضها لك إن استطعت، فقال: إن حاجتي لا يقضيها إلا الملك، فقال الغلام: إن الملك ليس له إلا يوم واحد في الجمعة يجتمع إليه الناس فيه، فاذهب حتى يأتي ذلك، فانصرف الرجل إلى مسجد داثر «2» ، وأقام يعبد الله تعالى فيه، وأنكر على الملك لاحتجابه عن الناس، فلما كان ذلك اليوم الذي يجلس فيه الملك جاء إلى القصر، فوجد خلقا كثيرا عند الباب ينتظرون الإذن، فوقف مع جملة الناس.
فلما خرج الوزير أذن للناس في الدخول، فدخل أرباب الحوائج، ودخل صاحب السحابة معهم، وإذا بالملك جالس وبين يديه أرباب دولته على قدر مراتبهم، فجعل رأس النوبة يقدم الناس واحدا بعد واحد حتى وصلت النوبة لصاحب السحابة، فلما نظر إليه الملك قال: مرحبا بصاحب السحابة، اجلس حتى أفرغ من حوائج الناس، وأنظر في أمرك. قال: فتحير صاحب السحابة في أمره، فلما فرغ الملك من حوائج الناس قام من مجلسه، فأخذ بيد صاحب السحابة وأدخله معه إلى قصره، ثم مشى به في دهليز القصر، فلم يجد في طريقه إلا مملوكا واحدا، فسار به حتى انتهى إلى باب من جريد، وإذا به بناء مهدوم وحيطان مائلة، وبيت خرب فيه برش «3» وليس هناك ما يساوي عشرة دراهم إلا سجّادة خلقة. وقدح للوضوء وحصيرة رثة وشيء من الخوص «4» فانخلع الملك من ثياب الملك، ولبس مرقعة من صوف وجعل على رأسه قلنسوة من شعر، ثم جلس وأجلس صاحب السحابة، ونادى يا فلانة، قالت: لبيك. قال: أتدرين من هو الليلة ضيفنا؟ قالت: نعم صاحب السحابة، فدعا بها لحاجة، فخرجت، فإذا هي امرأة كالشن البالي «5» عليها مسح من شعر خشن «6» ، وهي شابة صغيرة، قال الرجل: فالتفت إلى الملك، وقال يا أخي نطلعك على حالنا، أو نقضي حاجتك وتنصرف.
فقلت: والله لقد شغلني حالكما عما جئت بسببه، فقال الملك: الله يعلم أنه كان لي في هذا الأمر آباء كرام صالحون يتوارثون المملكة كابرا عن كابر، فلما توفوا إلى
(1/162)

رحمة الله تعالى، ووصل الأمر إليّ بغّص الله إليّ الدنيا وأهلها فأردت أن أسيح في الأرض «1» وأترك الناس ينظرون لهم من يسوس «2» أمرهم، فيملكونه عليهم، فخفت عليهم دخول الفتنة، وتضييع الدين، والشرائع، وتبديل شمل الدين فبايعوني وأنا والله كاره، فتركت أمورهم على ما كانت عليه، وجعلت السّماط على عادته، والحراس على حالها، والمماليك على دأبها، ولم أغيّر شيئا، وأقعدت المماليك على الأبواب بالسلاح إرهابا لأهل الشرور وردعا عن أهل الخير وتركت القصر مزينا على حاله وفتحت له بابا وهو الذي رأيته يوصلني إلى هذه الخربة، فأدخل فيها وأنزع ثياب الملك وألبس هذا، وأضفر الخوص وأبيعه، وأتقوت من ثمنه أنا وزوجتي هذه التي رأيتها هي ابنة عمي زهدت في الدنيا كزهدي واجتهدت حتى صارت كالشن البالي، والناس لا يعلمون ما نحن فيه ثم إني أقمت لي نائبا ينوب عني طول الجمعة، وعلمت أني مسؤول، فجعلت لي يوما في الجمعة أبرز للناس فيه وأكشف مظالمهم كما رأيت، وأنا على هذه الحالة مدة، فأقم عندنا يرحمك الله حتى نبيع خويصاتنا ونبتاع من ثمنها طعاما وتفطر معنا، وتبيت عندنا الليلة ثم تنصرف بحاجتك إن شاء الله تعالى.
فلما كان آخر النهار دخل علينا غلام خماسي العمر، فأخذ ما عملاه من خوص وسار به إلى السوق، فباعه واشترى من ثمنه خبزا وفولا واشترى بباقي ثمنه خوصا، فلما كان عند الغروب أفطرا وأفطرت معهما وبت عندهما. قال: فقاما في نصف الليل يصليان ويبكيان، فلما كان السحر قال الملك: اللهم إن عبدك هذا يطلب منك رد سحابته وإنك قد دللته علينا، اللهم ارددها عليه إنك على كل شيء قدير، والمرأة تؤمّن على دعائه، وإذا بالسحابة قد طلعت من قبل السماء فقال لي: لك البشارة بقضاء حاجتك وتعجيل إجابتك. قال: فودعتهما وانصرفت والسحابة معي كما كانت، فأنا بعد ذلك لا أسأل الله تعالى بسرهما شيئا إلا أعطاني إياه رحمة الله تعالى عليهما.
شعر:
استعمل الصبر تجني بعده العسلا ... ولازم الباب حتى تبلغ الأملا
ومرّغ الخدّ في أعتابه سحرا ... واحمل لمرضاته في الحبّ كلّ بلا
فما يفوز بوصل يا أخيّ سوى ... صبّ لثقل الهوى والوجد قد حملا
هذا الحبيب ينادي في الدّجى سحرا ... فانهض وكن رجلا بالسعي قد وصلا
وحكي عن مالك بن دينار «3» رحمه الله تعالى قال:
خرجت إلى مكة حاجا، فبينما أنا سائر إذ رأيت شابا ساكتا لا يذكر الله تعالى، فلما جن الليل رفع وجهه نحو السماء وقال: يا من لا تسره الطاعات، ولا تضره المعاصي، هب لي ما لا يسرك، واغفر لي ما لا يضرك. ثم رأيته بذي الحليفة وقد لبس إحرامه والناس يلبون وهو لا يلبي، فقلت هذا جاهل، فدنوت منه، فقلت له يا فتى، قال:
لبيك، قلت له: لم لا تلبي؟ فقال يا شيخ: وما تغني التلبية، وقد بارزته بذنوب سالفات وجرائم مكتوبات، والله أني لأخشى أن أقول لبيك، فيقول لا لبيك ولا سعديك لا أسمع كلامك، ولا أنظر إليك، فقلت له:
لا تقل ذلك، فإنه حليم إذا غضب رضي، وإذا رضي لم يغضب، وإذا وعد وفى ومتى توعّد عفا، فقال يا شيخ أتشير عليّ بالتلبية؟ قلت: نعم، فبادر إلى الأرض واضطجع ووضع خده على التراب وأخذ حجرا فوضعه على خده الآخر، وأسبل دموعه وقال: لبيك اللهم لبيك قد خضعت لك وهذا مصرعي بين يديك، فأقام كذلك ساعة، ثم مضى، فما رأيته إلا بمنى وهو يقول: اللهم إن الناس ذبحوا ونحروا، وتقربوا إليك، وليس لي شيء أن أتقرب به سوى نفسي، فتقبلها مني ثم شهق شهقة وخرّ ميتا رحمة الله تعالى عليه.
وحكي أنه كان بمدينة بغداد رجل يعرف بأبي عبد الله الأندلسي، وكان شيخا لكل من بالعراق وكان يحفظ ثلاثين ألف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يقرأ بجميع الروايات، فخرج في بعض السنين إلى السياحة، ومعه جماعة من أصحابه مثل الجنيد والشبلي وغيرهما من مشايخ العراق. قال الشبلي: فلم نزل في خدمته، ونحن مكرمون بعناية الله تعالى إلى أن وصلنا إلى قرية من قرى الكفار فطلبنا ماء نتوضأ به، فلم نجد، فجعلنا ندور بتلك القرية، وإذا نحن بكنائس وبها شمامسة، وقساوسة
(1/163)

ورهبان، وهم يعبدون الأصنام، والصلبان، فتعجبنا منهم ومن قلة عقلهم.
ثم انصرفنا إلى بئر في آخر القرية، وإذ نحن بجوار يستقين الماء على البئر وبينهن جارية حسنة الوجه ما فيهن أحسن ولا أجمل منها وفي عنقها قلائد الذهب.
فلما رآها الشيخ تغير وجهه، وقال: هذه ابنة من؟ فقيل له: هذه ابنة ملك هذه القرية، فقال الشيخ: فلم لا يدللها أبوها ويكرمها ولا يدعها تستقي الماء؟ فقيل له: أبوها يفعل ذلك بها حتى إذا تزوجها رجل أكرمته وخدمته ولا تعجبها نفسها، فجلس الشيخ ونكس رأسه، ثم أقام ثلاثة أيام لا يأكل ولا يشرب، ولا يكلم أحدا، غير أنه يؤدي الفريضة، والمشايخ واقفون بين يديه، ولا يدرون ما يصنعون، قال الشبلي: فتقدمت إليه، وقلت له: يا سيدي إن أصحابك ومريديك يتعجبون من سكوتك ثلاثة أيام وأنت ساكت لم تكلم أحدا، قال: فأقبل علينا، وقال:
يا قوم: إعلموا أن الجارية التي رأيتها بالأمس قد شغفت بها حبا، واشتغل بها قلبي، وما بقيت أقدر أفارق هذه الأرض.
قال الشبلي، فقلت يا سيدي: أنت شيخ أهل العراق ومعروف بالزهد في سائر الآفاق، وعدد مريديك اثنا عشر ألفا، فلا تفضحنا وإياهم بحرمة الكتاب العزيز. فقال يا قوم: جرى القلم بما حكم، ووقعت في بحار العدم وقد انحلت عني عرى الولاية، وطويت عني أعلام الهداية، ثم إنه بكى بكاء شديدا، وقال يا قوم: انصرفوا، فقد نفذ القضاء والقدر، فتعجبنا من أمره، وسألنا الله تعالى أن يجيرنا من مكره، ثم بكينا وبكى حتى أروى التراب.
ثم انصرفنا عنه راجعين إلى بغداد، فخرج الناس إلى لقائه، ومريدوه في جملة الناس، فلم يروه، فسألوا عنه، فعرفناهم بما جرى، فمات من مريديه جماعة كثيرة حزنا عليه وأسفا، وجعل الناس يبكون ويتضرعون إلى الله تعالى أن يرده عليهم وغلقت الرباطات، والزوايا والخوانق، ولحق الناس حزن عظيم فأقمنا سنة كاملة، وخرجت مع بعض أصحابي نكشف خبره، فأتينا القرية، فسألنا عن الشيخ، فقيل لنا: إنه في البرية يرعى الخنازير، قلنا: وما السبب في ذلك؟ قالوا: إنه خطب الجارية من أبيها، فأبى أن يزوجها إلا ممن هو على دينها ويلبس العباءة ويشد الزنار، ويخدم الكنائس ويرعى الخنازير، ففعل ذلك كله، وهو في البرية يرعى الخنازير. قال الشبلي: فانصدعت قلوبنا، وانهملت بالبكاء عيوننا، وسرنا إليه، وإذا به قائم قدام الخنازير، فلما رآنا نكس رأسه، وإذا عليه قلنسوة النصارى، وفي وسطه زنار، وهو متوكىء على العصا التي كان يتوكأ عليها إذا قام إلى المحراب، فسلمنا عليه، فرد علينا السلام، فقلنا:
يا شيخ ما ذاك وماذا وما هذه الكروب والهموم بعد تلك الأحاديث والعلوم؟ فقال: يا إخواني وأحبابي ليس لي من الأمر شيء، سيدي تصرف في كيف شاء، وحيث أراد أبعدني عن بابه بعد إن كنت من جملة أحبابه، فالحذر الحذر يا أهل وداده من صده وإبعاده، والحذر الحذر يا أهل المودة والصفاء من القطيعة والجفاء، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: يا مولاي ما كان ظني فيك هذا، ثم جعل يستغيث ويبكي ونادى: يا شبلي اتعظ بغيرك.
فنادى الشبلي بأعلى صوته: بك المستعان وأنت المستغاث، وعليك التكلان. إكشف عنا هذه الغمة بحلمك، فقد دهمنا أمر لا كاشف له غيرك، قال: فلما سمعت الخنازير بكاءهم، وضجيجهم أقبلت إليهم وجعلت تمرغ وجوهها بين أيديهم وزعقت زعقة واحدة دويت منها الجبال.
قال الشبلي: فظننت أن القيامة قد قامت، ثم إن الشيخ بكى بكاء شديدا. قال الشبلي: فقلنا له هل لك أن ترجع معنا إلى بغداد؟ فقال: كيف لي بذلك، وقد استرعيت الخنازير بعد أن كنت أرعى القلوب؟ فقلت يا شيخ كنت تحفظ القرآن وتقرأه بالسبع فهل بقيت تحفظ منه شيئا؟
فقال: نسيته كله إلا آيتين، فقلت: وما هما؟ قال: قوله تعالى: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ
«1» . والثانية قوله تعالى: وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ
«2» . فقلت: يا شيخ كنت تحفظ ثلاثين ألف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل تحفظ منها شيئا؟ قال: حديثا واحدا، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه» .
قال الشبلي: فتركناه، وانصرفنا، ونحن متعجبون من أمره، فسرنا ثلاثة أيام وإذا نحن به أمامنا قد تطهر من نهر وطلع، وهو يشهد شهادة الحق، ويجدد إسلامه، فلما رأيناه لم نملك أنفسنا من الفرح والسرور، فنظر إلينا، وقال: يا قوم اعطوني ثوبا طاهرا، فأعطيناه ثوبا، فلبسه،
(1/164)

ثم صلى وجلس، فقلنا له: الحمد لله الذي ردك علينا، وجمع شملنا بك، فصف لنا ما جرى لك، وكيف كان أمرك؟ فقال يا قوم: لما وليتم من عندي سألته بالوداد القديم، وقلت له يا مولاي أنا المذنب الجاني، فعفا عني بجوده، وبستره غطاني، فقلنا له: بالله نسألك هل كان لمحنتك من سبب؟ قال: نعم. لما وردنا القرية، وجعلتم تدورون حول الكنائس قلت في نفسي: ما قدر هؤلاء عندي، وأنا مؤمن موحّد، فنوديت في سري ليس هذا منك، ولو شئت عرّفناك، ثم أحسست بطائر قد خرج من قلبي، فكان ذلك الطائر هو الإيمان.
قال الشبلي: ففرحنا به فرحا شديدا، وكان يوم دخولنا يوما عظيما مشهودا، وفتحت الزوايا، والرباطات والخوانق، ونزل الخليفة للقاء الشيخ، وأرسل إليه الهدايا، وصار يجتمع عنده لسماع علمه أربعون ألفا، وأقام على ذلك زمانا طويلا ورد الله عليه ما كان نسيه من القرآن والحديث، وزاده على ذلك.
فبينما نحن جلوس عنده في بعض الأيام بعد صلاة الصبح، وإذا نحن بطارق يطرق باب الزاوية، فنظرت من الباب، فإذا شخص ملتف بكساء أسود، فقلت له: ما الذي تريد؟ فقال: قل لشيخكم إن الجارية الرومية التي تركتها بالقرية الفلانية قد جاءت لخدمتك.
قال: فدخلت فعرفت الشيخ، فاصفر لونه وارتعد، ثم أمر بدخولها، فلما دخلت عليه بكت بكاء شديدا، فقال لها الشيخ: كيف كان مجيئك، ومن أوصلك إلى ههنا؟
قالت: يا سيدي لما وليت من قريتنا جاءني من أخبرني بك، فبت ولم يأخذني قرار، فرأيت في منامي شخصا وهو يقول: إن أحببت أن تكوني من المؤمنات، فاتركي ما أنت عليه من عبادة الأصنام، واتبعي ذلك الشيخ، وادخلي في دينه، فقلت: وما دينه؟ قال: دين الإسلام، قلت: وما هو؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فقلت: كيف لي بالوصول إليه؟ قال: اغمضي عينيك، واعطيني يدك، ففعلت، فمشى قليلا، ثم قال:
افتحي عينيك، ففتحتهما، فإذا أنا بشاطىء الدجلة، فقال:
امضي إلى تلك الزاوية، واقرئي مني الشيخ السلام، وقولي له إن أخاك الخضر يسلم عليك، قال: فأدخلها الشيخ إلى جواره، وقال: تعبدي ههنا. فكانت أعبد أهل زمانها تصوم النهار وتقوم الليل حتى نحل جسمها، وتغير لونها، فمرضت مرض الموت، وأشرفت على الوفاة، ومع ذلك لم يرها الشيخ، فقالت: قولوا للشيخ يدخل عليّ قبل الموت، فلما بلغ الشيخ ذلك دخل عليها، فلما رأته بكت، فقال لها: لا تبكي، فإن اجتماعنا غدا في القيامة في دار الكرامة، ثم انتقلت إلى رحمة الله تعالى، فلم يلبث الشيخ بعدها إلا أياما قلائل حتى مات رحمة الله تعالى عليه.
قال الشبلي: فرأيته في المنام، وقد تزوج بسبعين حوراء وأول ما تزوج بالجارية، وهما مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، ذلك الفضل من الله، وكفى بالله عليما. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الثاني والثلاثون في ذكر الأشرار والفجار وما يرتكبون من الفواحش والوقاحة والسفاهة
عن النواس بن سمعان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قبل قيام الساعة يرسل الله ريحا باردة طيبة، فتقبض روح كل مؤمن ويبقى شرار الخلق يتهارجون تهارج الحمير، وعليهم تقوم الساعة» . وقال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: كفى بالمرء شرا أن لا يكون صالحا ويقع في الصالحين.
وقال لقمان لابنه: يا بني كذب من قال الشر يطفىء الشر، فإن كان صادقا فليوقد نارين ثم ينظر هل تطفىء إحداهما الأخرى، وإنما يطفىء الشر الخير كما يطفىء الماء النار. ووصف بعضهم رجلا من أهل الشر فقال:
فلان عري من حلة التقوى ومحي عنه طابع الهدى، لا تثنيه يد المراقبة، ولا تكفه خيفة المحاسبة، وهو لدعائم دينه مضيع ولدواعي شيطانه مطيع.
شعر:
كأنّه التيس قد أودى به هرم ... فلا لحم ولا صوف ولا ثمر
وقيل: من فعل ما شاء لقي ما ساء. وقيل: زنى رجل بجارية فأحبلها، فقالوا له: يا عدو الله هلّا إذا ابتليت بفاحشة عزلت؟ قال: قد بلغني أن العزل مكروه، قالوا:
فما بلغك أن الزنا حرام؟
(1/165)

وقيل لأعرابي كان يتعشق قينة: ما يضرك لو اشتريتها ببعض ما تنفق عليها، قال: فمن لي إذ ذاك بلذة الخلسة ولقاء المسارقة وانتظار الموعد.
وقال أبو العيناء: رأيت جارية مع النخاس وهي تحلف أن لا ترجع لمولاها، فسألتها عن ذلك، فقالت: يا سيدي إنه يواقعني من قيام، ويصلي من قعود، ويشتمني بإعراب، ويلحن في القرآن، ويصوم الخميس والاثنين، ويفطر رمضان، ويصلي الضّحى، ويترك الفرض. فقلت:
لا أكثر الله في المسلمين مثله.
وكانت ظلمة القوّادة وهي صغيرة في المكتب تسرق دويات الصبيان وأقلامهم، فلما شبت زنت، فلما كبرت قادت. وقال صاحب المسالك والممالك إن عامة ملوك الهند يرون الزنا مباحا، خلا ملك قمار، قال الزمخشري رحمه الله: أقمت بقمار سنين، فلم أر ملكا أغير منه، وكان يعاقب على الزنا وشرب الخمر بالقتل. وقمار ينسب إليها العود القماري كما ينسب إلى مندل، قال مسكين الدارمي:
ولا ذنب للعود القماريّ إنّه ... يحرّق إن نمّت عليه روائحه «1»
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: عهدت الناس وهواهم تبع لأديانهم، وإن الناس اليوم أديانهم تبع لأهوائهم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم» .
ما جاء في الوقاحة والسفاهة وذكر الغوغاء:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» ، وفي ذلك قيل:
إذا لم تصن عرضا ولم تخش خالقا ... وتستح مخلوقا فما شئت فاصنع
وقال ابن سلام: العاقل شجاع القلب والأحمق شجاع الوجه. وذم رجل قوما، فقال: وجوههم وأيديهم حديد أي وقاح بخلاء. ووصف رجل وقحا فقال: لو دق الحجارة بوجهه لرضها ولو خلا بأستار الكعبة لسرقها.
قال الشاعر:
لو أن لي من جلد وجهك رقعة ... لجعلت منها حافرا للأشهب «2»
وقال آخر:
إذا رزق الفتى وجها وقاحا ... تقلّب في الأمور كما يشاء
وقال أنو شروان: أربعة قبائح وهي في أربعة أقبح، البخل في الملوك والكذب في القضاة، والحسد في العلماء، والوقاحة في النساء. ويقال من جسر أيسر ومن هاب خاب.
قال الشاعر:
لا تكوننّ في الأمور هيوبا ... فإلى هيبة يصير الهبوب
وقال عليّ رضي الله عنه: إذا هبت أمرا فقع فيه، فإنّ شرّ توقّيه أعظم مما تخاف منه «3» . وقال رضي الله عنه: الغوغاء إذا اجتمعوا ضروا، وإذا افترقوا نفعوا، فقيل: قد علمنا مضرة اجتماعهم فما منفعة افتراقهم؟ قال: يرجع أهل المهن إلى مهنهم، فينتفع الناس بهم كرجوع البنّاء إلى بنائه والنسّاج إلى منسجه، والخبّاز إلى مخبزه.
وقال بعض السلف: لا تسبّوا الغوغاء، فإنهم يطفئون الحريق ويخرجون الغريق. وقال الأحنف: ما قل سفهاء قوم إلا ذلوا. وقال حكيم: لا يخرجن أحد من بيته إلا وقد أخذ في حجره قيراطين من جهل، فإن الجاهل لا يدفعه إلا الجهل أراد السفه.
قال الشاعر:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا «4»
وقيل: الجاهل من لا جاهل له. أي: من لا سفيه له يدفع عنه. وقيل: بينما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه جالس، إذ جاء أعرابي، فلطمه، فقام إليه واقد بن عمرو، فجلد به الأرض، فقال عمر: ليس بعزيز من ليس في قومه سفيه.
وقال الشاعر:
ولا يلبث الجهّال أن يتهضّموا ... أخا الحلم ما لم يستعن بجهول «5»
وقال صالح بن جناح:
(1/166)

إذا كنت بين الجهل والحلم قاعدا ... وخيّرت أنّى شئت فالحلم أفضل
ولكن إذا أنصفت من ليس منصفا ... ولم يرض منك الحلم فالجهل أمثل
وقال الأحنف بن قيس «1» :
وذي ضغن أبيت القول عنه ... بحلم فاستمرّ على المقال
ومن يحلم وليس له سفيه ... يلاق المعضلات من الرجال
وقال آخر:
فإن كنت محتاجا إلى الحلم إنّني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
ولي فرس للخير بالخير ملجم ... ولي فرس للشرّ بالشرّ مسرج
فمن رام تقويمي فإنّي مقوّم ... ومن رام تعويجي فإنّي معوّج
وقال آخر:
فإن قيل حلم قلت للحلم موضع ... وحلم الفتى في غير موضعه جهل
اللهم إنا نعوذ بك أن نجهل أو يجهل علينا برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الثالث والثلاثون في الجود والسخاء والكرم ومكارم الأخلاق واصطناع المعروف وذكر الأمجاد وأحاديث الأجواد
اعلم أن الجود بذل المال، وأنفعه ما صرف في وجه استحقاقه، وقد ندب الله تعالى إليه في قوله تعالى: لَنْ
تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
«2» .
قيل: إن الجود والسخاء والإيثار بمعنى واحد. وقيل:
من أعطى البعض وأمسك البعض فهو صاحب سخاء، ومن بذل الأكثر فهو صاحب جود، ومن آثر غيره بالحاضر، وبقي هو في مقاساة الضرر فهو صاحب إيثار.
وأصل السخاء هو السماحة، وقد يكون المعطي بخيلا إذا صعب عليه البذل، والممسك حيا إذا كان لا يستصعب العطاء.
فمن الإيثار ما حكي عن حذيفة العدوي أنه قال:
انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي في القتلى ومعي شيء من الماء، وأنا أقول، إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به بين القتلى، فقلت له: أسقيك، فأشار إليّ أن نعم، فإذا برجل يقول: آه، فأشار إليّ ابن عمي أن انطلق إليه واسقه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك، فأشار إليّ أن نعم. فسمع آخر يقول: آه، فأشار إليّ أن انطلق إليه، فجئته، فإذا هو قد مات. فرجعت إلى هشام، فإذا هو قد مات. فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات.
ومن عجائب ما ذكر في الإيثار:
ما حكاه أبو محمد الأزدي قال: لما احترق المسجد بمرو، ظن المسلمون أن النصارى أحرقوه، فأحرقوا خاناتهم، فقبض السلطان على جماعة من الذين أحرقوا الخانات، وكتب رقاعا فيها القطع والجلد والقتل ونثرها عليهم، فمن وقع عليه رقعة فعل به ما فيها. فوقعت رقعة فيها القتل بيد رجل، فقال: والله ما كنت أبالي لولا أمّ لي.
وكان بجنبه بعض الفتيان، فقال له: في رقعتي الجلد وليس لي أم، فخذ أنت رقعتي وأعطني رقعتك. ففعل، فقتل ذلك الفتى وتخلص هذا الرجل.
وقيل لقيس بن سعد: هل رأيت قط أسخى منك؟ قال:
نعم، نزلنا بالبادية على امرأة، فجاء زوجها، فقالت له: إنه نزل بنا ضيفان، فجاءنا بناقة فنحرها، وقال: شأنكم. فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها، وقال: شأنكم، فقلنا:
ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا القليل، فقال إني لا أطعم ضيفاني البائت. فبقينا عنده أياما، والسماء تمطر وهو يفعل كذلك، فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته، وقلنا للمرأة اعتذري لنا إليه ومضينا، فلما ارتفع النهار إذا برجل يصيح خلفنا: قفوا أيها الركب اللئام،
(1/167)

أعطيتمونا ثمن قرانا «1» ، ثم إنه لحقنا، وقال: خذوها وإلا طعنتكم برمحي هذا، فأخذناها وانصرفنا.
وقال بعض الحكماء: أصل المحاسن كلها الكرم، وأصل الكرم نزاهة النفس عن الحرام وسخاؤها بما تملك على الخاص والعام، وجميع خصال الخير من فروعه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تجاوزوا عن ذنب السخي فإن الله آخذ بيده كلما عثر وفاتح له كلما افتقر» .
وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط، فقال لا. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، بعيد من الجنة قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل» . وقال بعض السلف: منع الموجود سوء ظن بالمعبود. تلا قوله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
«2» . وقال الفضيل: ما كانوا يعدون القرض معروفا. وقال أكثم بن صيفي:
صاحب المعروف لا يقع وإن وقع وجد له متكأ. وقيل للحسن بن سهل: لا خير في السرف «3» ، فقال: لا سرف في الخير، فقلب اللفظ واستوفى المعنى.
ووجد مكتوبا على حجر: «انتهز الفرص عند إمكانها ولا تحمل نفسك هم ما لم يأتك، واعلم أن تقتيرك على نفسك توفير لخزانة غيرك، فكم من جامع لبعل حليلته» «4» .
وقال علي رضي الله تعالى عنه: ما جمعت من المال فوق قوتك فإنما أنت فيه خازن لغيرك. وقال النعمان بن المنذر يوما لجلسائه: من أفضل الناس عيشا وأنعمهم بالا وأكرمهم طباعا، وأجلهم في النفوس قدرا؟ فسكت القوم، فقام فتى فقال: أبيت اللعن، أفضل الناس من عاش الناس من فضله. فقال: صدقت.
وكان أسماء بن خارجة يقول: ما أحب أن أرد أحدا عن حاجة، لأنه إن كان كريما أصون عرضه أو لئيما أصون عنه عرضي. وكان مورق العجلي يتلطف في إدخال السرور والرفق على إخوانه، فيضع عند أحدهم البدرة، ويقول له أمسكها حتى أعود إليك، ثم يرسل يقول له أنت منها في حل.
وقال الحسن رضي الله عنه: باع طلحة بن عثمان رضي الله تعالى عنه أرضا بسبعمائة ألف درهم، فلما جاء المال قال: إن رجلا يبيت هذا عنده لا يدري ما يطرقه لغرير بالله تعالى ثم قسمه في المسلمين.
ولما دخل المنكدر على عائشة رضي الله عنها قال لها:
يا أم المؤمنين أصابتني فاقة «5» فقالت: ما عندي شيء، فلو كان عندي عشرة آلاف درهم لبعثت بها إليك. فلما خرج من عندها جاءتها عشرة آلاف درهم من عند خالد بن أسيد فأرسلت بها إليه في أثره، فأخذها ودخل بها السوق، فاشترى جارية بألف درهم، فولدت له ثلاثة أولاد، فكانوا عبّاد المدينة، وهم: محمد وأبو بكر، وعمر بنو المنكدر.
وأكرم العرب في الإسلام طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه، جاء إليه رجل، فسأله برحم بينه وبينه، فقال هذا حائطي بمكان كذا وكذا، وقد أعطيت فيه مائة ألف درهم، يراح إلي المال بالعشية، فإن شئت فالمال، وإن شئت فالحائط. وقال زياد بن جرير: رأيت طلحة بن عبيد الله فرّق مائة ألف في مجلس وإنه ليخيط إزاره بيده.
وذكر الإمام أبو علي القالي في كتاب الأمالي أن رجلا جاء إلى معاوية رضي الله تعالى عنه فقال له: سألتك بالرحم التي بيني وبينك إلّا ما قضيت حاجتي، فقال له معاوية: أمن قريش أنت؟ قال: لا، قال: فأي رحم بيني وبينك؟ قال: رحم آدم عليه السلام. قال: رحم مجفوة «6» والله لأكونن أول من وصلها، ثم قضى حاجته.
وروي أن الأشعث بن قيس أرسل إلى عدي بن حاتم يستعير منه قدورا كانت لأبيه حاتم، فملأها مالا وبعث بها إليه، وقال: إنا لا نعيرها فارغة. وكان الأستاذ أبو سهل الصعلوكي من الأجواد، ولم يناول أحدا شيئا وإنما كان يطرحه في الأرض، فيتناوله الآخذ من الأرض، وكان يقول: الدنيا أقل خطرا من أن ترى من أجلها يد فوق يد أخرى. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اليد العليا خير من اليد السفلى» .
وسأل معاوية الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهم، عن الكرم فقال: هو التبرع بالمعروف قبل السؤال، والرأفة
(1/168)

بالسائل مع البذل. وقدم رجل من قريش من سفر، فمر على رجل من الأعراب على قارعة الطريق قد أقعده الدهر وأضرّ به المرض، فقال له: يا هذا أعنا على الدهر، فقال لغلامه: ما بقي معك من النفقة، فادفعه إليه، فصب في حجره أربعة آلاف درهم فهمّ ليقوم، فلم يقدر من الضعف فبكى، فقال له الرجل: ما يبكيك لعلك استقللت ما دفعناه إليك؟ فقال: لا والله ولكن ذكرت ما تأكل الأرض من كرمك فأبكاني.
وقال بعضهم: قصد رجل إلى صديق له فدق عليه الباب، فخرج إليه وسأله عن حاجته، فقال: علي دين كذا وكذا، فدخل الدار وأخرج إليه ما كان عليه، ثم دخل الدار باكيا، فقالت له زوجته: هلا تعللت حيث شقّت عليك الإجابة «1» ، فقال: إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إليّ أن سألني.
ويروى أن عبد الله بن أبي بكر، وكان من أجود الأجواد، عطش يوما في طريقه، فاستسقى من منزل امرأة، فأخرجت له كوزا، وقامت خلف الباب وقالت:
تنحوا عن الباب، وليأخذه بعض غلمانكم، فإنني امرأة عزب مات زوجي منذ أيام، فشرب عبد الله الماء وقال:
يا غلام احمل إليها عشرة آلاف درهم، فقالت: سبحان الله أتسخر مني؟ فقال: يا غلام احمل إليها عشرين ألفا، فقالت: أسأل الله العافية، فقال: يا غلام احمل إليها ثلاثين، فما أمست، حتى كثر خطابها. وكان رضي الله تعالى عنه ينفق على أربعين دارا من جيرانه عن يمينه، وأربعين عن يساره، وأربعين أمامه، وأربعين خلفه، ويبعث إليهم بالأضاحي والكسوة في الأعياد، ويعتق في كل عيد مائة مملوك رضي الله تعالى عنه.
ولما مرض قيس بن سعد بن عبادة استبطأ إخوانه في العيادة، فسأل عنهم فقيل له: إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين. فقال: أخزى الله مالا يمنع عني الإخوان من الزيارة، ثم أمر مناديا ينادي من كان لقيس عنده مال، فهو منه في حل. فكسرت عتبة بابه بالعشي لكثرة العواد.
وكان عبد الله بن جعفر من الجود بالمكان المشهود وله فيه أخبار يكاد سامعها ينكرها لبعدها عن المعهود، وكان معاوية يعطيه ألف ألف درهم في كل سنة، فيفرقها في الناس ولا يرى إلا وعليه دين.
وسمّن رجل بهيمة ثم خرج بها ليبيعها، فمر بعبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنه، فقال: يا صاحب البهيمة أتبيعها؟ قال: لا، ولكنها هي لك هبة، ثم تركها له، وانصرف إلى بيته، فلم يلبث إلا يسيرا، وإذا بالحمالين على بابه عشرين نفرا. عشرة منهم يحملون حنطة، وخمسة لحما وكسوة، وأربعة يحملون فاكهة ونقلا، وواحد يحمل مالا، فأعطاه جميع ذلك، واعتذر إليه رضي الله تعالى عنه.
ولما مات معاوية رضي الله تعالى عنه، وفد عبد الله بن جعفر على يزيد ابنه، فقال: كم كان أمير المؤمنين معاوية يعطيك، فقال: كان رحمه الله يعطيني ألف ألف، فقال يزيد قد زدناك لترحمك عليه ألف ألف. فقال: بأبي وأمي أنت، فقال، ولهذه ألف ألف، فقال: أما أني لا أقولها لأحد بعدك، فقيل ليزيد: أعطيت هذا المال كله من مال المسلمين لرجل واحد، فقال: والله ما أعطيته إلا لجميع أهل المدينة، ثم وكّل به يزيد من صحبه وهو لا يعلم لينظر ما يفعل، فلما وصل المدينة فرّق جميع المال حتى احتاج بعد شهر إلى الدين.
وخرج رضي الله تعالى عنه وهو والحسنان، وأبو دحية الأنصاري رضي الله تعالى عنهم من مكة إلى المدينة، فأصابتهم السماء بمطر، فلجئوا إلى خباء أعرابي، فأقاموا عنده ثلاثة أيام حتى سكنت السماء «2» ، فذبح لهم الأعرابي شاة، فلما ارتحلوا قال عبد الله للأعرابي: إن قدمت المدينة، فسل عنا، فاحتاج الأعرابي بعد سنين، فقالت له امرأته: لو أتيت المدينة، فلقيت أولئك الفتيان، فقال: قد نسيت أسماءهم، فقالت: سل عن ابن الطيار، فأتى المدينة، فلقي سيدنا الحسن رضي الله تعالى عنه، فأمر له بمائة ناقة بفحولها ورعاتها، ثم أتى الحسين رضي الله تعالى عنه، فقال: كفانا أبو محمد مؤونة الإبل، فأمر له بألف شاة، ثم أتى عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنه، فقال: كفاني أخواني الإبل والشياه، فأمر له بمائة ألف درهم. ثم أتى أبا دحية رضي الله تعالى عنه، فقال: والله ما عندي مثل ما أعطوك، ولكن ائتني بابلك، فأوقرها لك تمرا. فلم يزل اليسار في عقب الأعرابي من ذلك اليوم.
وقال الحسن والحسين يوما لعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم: إنك قد أسرفت في بذل المال، فقال: بأبي أنتما.
إن الله عز وجل عوّدني أن يتفضّل عليّ، وعودته أن أتفضل على عباده، فأخاف أن أقطع العادة، فيقطع عني المادة.
(1/169)

وامتدحه نصيب، فأمر له بخيل، وأثاث، ودنانير ودراهم. فقال له رجل: مثل هذا الأسود تعطي له هذا المال؟ فقال: إن كان أسود فإن ثناه أبيض، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال، وهل أعطيناه إلا ثيابا تبلى ومالا يفنى، وأعطانا مدحا يروى وثناء يبقى؟
وخرج عبد الله رضي الله تعالى عنه يوما إلى ضيعة له، فنزل على حائط به نخيل لقوم، وفيه غلام أسود يقوم عليه، فأتي بقوته ثلاثة أقراص، فدخل كلب، فدنا من الغلام، فرمى إليه بقرص، فأكله، ثم رمى إليه بالثاني والثالث، فأكلهما. وعبد الله ينظر إليه، فقال: يا غلام.
كم قوتك كل يوم؟ قال: ما رأيت؟ قال: فلم آثرت هذا الكلب؟ قال: أرضنا ما هي بأرض كلاب، وأنه جاء من مسافة بعيدة جائعا، فكرهت أن أرده، قال: فما أنت صانع اليوم؟ قال: أطوي يومي هذا، فقال عبد الله بن جعفر:
ألام على السخاء، وإن هذا لأسخى مني، فاشترى الحائط، وما فيه من النخيل والآلات واشترى الغلام، ثم أعتقه، ووهبه الحائط بما فيه من النخيل، والآلات. فقال الغلام: إن كان ذلك لي فهو في سبيل الله تعالى، فاستعظم عبد الله ذلك منه، فقال: يجود هذا وأبخل أنا؟ لا كان ذلك أبدا.
وكان عبيد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما من الأجواد، أتاه رجل وهو بفناء داره، فقام بين يديه، قال: يا ابن عباس إن لي عندك يدا وقد احتجت إليها، فصعد فيه بصره، فلم يعرفه، فقال: ما يدك؟ قال: رأيتك واقفا بفناء زمزم وغلامك يمتح لك من مائها «1» ، والشمس قد صهرتك، فظللتك بفضل كسائي حتى شربت، فقال:
أجل إني لأذكر ذلك، ثم قال لغلامه: ما عندك؟ قال:
مائتا دينار، وعشرة آلاف درهم. فقال: إدفعها إليه، وما أراها تفي بحق يده.
وقدم عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما على معاوية مرة، فأهدى إليه من هدايا النوروز حللا كثيرة ومسكا، وآنية من ذهب وفضة، ووجهها إليه مع حاجبه، فلما وضعها بين يديه نظر إلى الحاجب، وهو ينظر إليها، فقال له: هل في نفسك منها شيء؟ قال: نعم، والله إن في نفسي منها ما كان في نفس يعقوب من يوسف عليهما الصلاة والسلام، فضحك عبد الله، وقال: خذها، فهي لك، قال: جعلت فداءك أخاف أن يبلغ ذلك معاوية، فيحقد عليّ، قال: فاختمها بخاتمك، وسلمها إلى الخازن، فإذا كان وقت خروجنا حملناها إليك ليلا، فقال الحاجب: والله لهذه الحيلة في الكرم أكثر من الكرم.
وحبس معاوية عن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما صلاته «2» ، فقيل: لو وجهت إلى ابن عمك عبد الله بن عباس، فإنه قدم بنحو ألف ألف، فقال الحسين وأنى تقع ألف ألف من عبد الله، فو الله لهو أجود من الريح إذا عصفت، وأسخى من البحر إذا زخر، ثم وجه إليه مع رسوله بكتاب يذكر فيه حبس معاوية صلاته عنه، وضيق حاله وأنه يحتاج إلى مائة ألف درهم، فلما قرأ عبد الله كتابه انهملت عيناه، وقال: ويلك يا معاوية أصبحت لين المهاد، رفيع العماد، والحسين يشكو ضيق الحال، وكثرة العيال؟ ثم قال لوكيله: أحمل إلى الحسين نصف ما أملكه من ذهب وفضة ودواب، وأخبره أني شاطرته «3» ، فإن كفاه وإلا أحمل إليه النصف الثاني، فلما أتاه الرسول قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. ثقلت والله على ابن عمي، وما حسبت أنه يسمح لنا بهذا كله. رضوان الله عليهم أجمعين.
وجاء رجل من الأنصار إلى عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال له: يا ابن عم محمد صلى الله عليه وسلم إنه ولد لي في هذه الليلة مولود، وإني سميته باسمك تبركا بك، وإن أمه ماتت، فقال له: بارك الله لك في الهبة، وآجرك على المصيبة، ثم دعا بوكيله، وقال له: انطلق الساعة فاشتر للمولود جارية تحضنه، وادفع لأبيه مائتي دينار لينفقها على تربيته، ثم قال للأنصاري: عد إلينا بعد أيام، فإنك جئتنا، وفي العيش يبس وفي المال قلة، فقال الأنصاري: جعلت فداءك لو سبقت حاتما بيوم ما ذكرته العرب.
وقال أبو جهم بن حذيفة يوما لمعاوية: أنت عندنا يا أمير المؤمنين كما قال ابن عبد كلال:
يقينا ما نخاف وإن ظننّا ... به خيرا أراناه يقينا
نميل على جوانبه كأنّا ... إذا ملنا نميل على أبينا
(1/170)

نقلّبه لنخبر حالتيه ... فنخبر منهما كرما ولينا
فأمر له بمائة ألف درهم، وأنشده عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما:
بلوت الناس قرنا بعد قرن ... فلم أر غير ختّال وقال «1»
ولم أر في الخطوب أشدّ وقعا ... وأمضى من معاداة الرجال «2»
وذقت مرارة الأشياء طرّا ... فما شيء أمرّ من السؤال «3»
فأعطاه مائة ألف درهم.
ودخل عليه الحسن يوما وهو مضطجع على سريره، فسلم عليه، وأقعده عند رجليه وقال: ألا تعجب من قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تزعم أني لست للخلافة أهلا، ولا لها موضعا؟ فقال الحسن: أو عجبا مما قالت؟
قال: كل العجب. قال الحسن: وأعجب من هذا كله جلوسي عند رجليك، فاستحيا معاوية، واستوى جالسا، ثم قال: أقسمت عليك يا أبا محمد إلا ما أخبرتني كم عليك دينا؟ قال: مائة ألف درهم، فقال يا غلام: أعط أبا محمد ثلاثمائة ألف يقضي بها دينه، ومائة ألف يفرقها على مواليه، ومائة ألف يستعين بها على نوائبه، وسوّغها إليه الساعة «4» .
وكان معن بن زائدة من الأجواد وكان عاملا على العراق بالبصرة، قيل: إنه أتى إليه بعض الشعراء، فأقام ببابه مدة يريد الدخول عليه، فلم يتهيأ له ذلك، فقال يوما لبعض الخدم: إذا دخل الأمير البستان، فعرّفني، فلما دخل أعلمه بذلك، فكتب الشاعر بيتا ونقشه على خشبة وألقاها في الماء الذي يدخل البستان، وكان معن جالسا على القناة، فلما رأى الخشبة أخذها، وقرأها فإذا فيها بيت مفرد:
أيا جود معن ناج معنا بحاجتي ... فليس إلى معن سواك شفيع «5»
فقال: من الرجل صاحب هذه؟ فأتي به إليه، فقال:
كيف قلت؟ فأنشده البيت، فأمر له بعشر بدر، فأخذها وانصرف. ووضع معن الخشبة تحت بساطه، فلما كان اليوم الثاني أخرجها من تحت البساط ونظر فيها، وقال:
عليّ بالرجل صاحب هذه، فأتي به، فقال له: كيف قلت؟
فأنشده البيت، فأمر له بعشر بدر، فأخذها وانصرف.
ووضع معن الخشبة تحت بساطه، فلما كان في اليوم الثالث أخرجها، ونظر فيها، وقال: عليّ بالرجل صاحب هذه، فاتي به إليه، فقال له: كيف قلت؟ فأنشده البيت، فأمر له بعشر بدر، فأخذها وتفكر في نفسه وخاف أن يأخذ منه ما أعطاه، فخرج من البلد بما معه، فلما كان في اليوم الرابع طلب الرجل فلم يجده، فقال معن: لقد ساء والله ظنه، ولقد هممت أن أعطيه حتى لا يبقى في بيت مالي درهم، ولا دينار. وفيه يقول القائل:
يقولون معن لا زكاة لماله ... وكيف يزكّي المال من هو باذله
إذا حال حول لم تجد في دياره ... من المال إلا ذكره وجمائله
تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنّك تعطيه الذي أنت نائله
تعوّد بسط الكف حتى لو أنه ... أراد انقباضا لم تطعه أنامله
فلو لم يكن في كفّه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله
ومن قول معن:
دعيني أنهب الأموال حتى ... أعفّ الأكرمين عن اللئام
وكان يزيد بن المهلب من الأجواد الأسخياء، وله أخبار في الجود عجيبة. من ذلك ما حكاه عقيل بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: لما أراد يزيد بن المهلب الخروج إلى واسط أتيته، فقلت: أيها الأمير إن رأيت أن تأذن لي، فأصحبك، قال: إذا قدمت واسط، فائتنا إن شاء الله تعالى، فسافر، وأقمت، فقال لي بعض إخواني إذهب إليه، فقلت: كان جوابه فيه ضعف، قالوا: أتريد من يزيد جوابا أكثر مما قال؟ قال: فسرت حتى قدمت عليه، فلما كان في الليل دعيت إلى السمر، فتحدث القوم حتى ذكروا الجواري، فالتفت إلى يزيد، وقال: إيه يا عقيل، فقلت:
أفاض القوم في ذكر الجواري ... فأما الأعزبون فلن يقولوا
(1/171)

قال: إنك لم تبق عزبا. فلما رجعت إلى منزلي إذا أنا بخادم قد أتاني ومعه جارية وفرش بيت وبدرة عشرة آلاف درهم، وفي الليلة الثانية كذلك، فمكثت عشر ليالي، وأنا على هذه الحالة، فلما رأيت ذلك دخلت عليه في اليوم العاشر، فقلت أيها الأمير: قد والله أغنيت وأقنيت، فإن رأيت أن تأذن لي في الرجوع، فأكبت عدوي وأسر صديقي، فقال: إنما أخيرك بين خلتين إما أن تقيم فنولّيك، أو ترحل فنغنيك. فقلت: أو لم تغنني أيها الأمير؟ قال: إنما هذا أثاث المنزل، ومصلحة القدوم، فنالني من فضله ما لا أقدر على وصفه.
وحدث أبو اليقظان عن أبيه قال: حج يزيد بن المهلب، فطلب حلاقا يحلق رأسه، فجاءه بحلاق، فحلق رأسه، فأمر له بخمسة آلاف درهم، فتحير الحلاق ودهش، وقال: آخذ هذه الخمسة الآلاف وأمضي إلى أم فلان أخبرها أني قد استغنيت؟ فقال: أعطوه خمسة آلاف أخرى، فقال: امرأته طالق إن حلقت رأس أحد بعدك.
وقيل: إن الحجاج حبسه على خراج وجب عليه، مقداره مائة ألف درهم، فجمعت له، وهو في السجن، فجاءه الفرزدق يزوره، فقال للحاجب: استأذن لي عليه، فقال: إنه في مكان لا يمكن الدخول عليه فيه، فقال الفرزدق: إنما أتيت متوجعا لما فيه، ولم آت ممتدحا، فأذن له، فلما أبصره قال:
أبا خالد ضاقت خراسان بعدكم ... وقال ذوو الحاجات أين يزيد
فما قطرت بالشرق بعدك قطرة ... ولا أخضرّ بالمروين بعدك عود «1»
وما لسرور بعد عزّك بهجة ... وما لجواد بعد جودك جود
فقال يزيد للحاجب: إدفع إليه المائة ألف درهم التي جمعت لنا ودع الحجاج ولحمي يفعل فيه ما يشاء، فقال الحاجب للفرزدق: هذا الذي خفت منه لما منعتك من دخولك عليه، ثم دفعها إليه، فأخذها وانصرف.
ومر يزيد بن المهلب عند خروجه من سجن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، بعجوز أعرابية، فذبحت له عنزا، فقال لابنه: ما معك من النفقة؟ قال: مائة دينار.
قال: ادفعها إليها، فقال: هذه يرضيها اليسير وهي لا تعرفك. قال: إن كان يرضيها اليسير، فأنا لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي.
وقال مروان بن أبي الحبوب الشاعر: أمر لي المتوكل بمائة وعشرين ألفا وخمسين ثوبا، ورواحل كثيرة، فقلت أبياتا في شكره، فلما بلغت قولي:
فأمسك ندى كفيّك عني ولا تزد ... فقد خفت أن أطغى وأن أتجبرا
فقال: والله لا أمسك حتى أغرقك بجودي، وأمر له بضياع تقوّم بألف ألف.
وقال أبو العيناء: تذاكروا السخاء، فاتفقوا على آل المهلب في الدولة المروانية، وعلى البرامكة في الدولة العباسية، ثم اتفقوا على أن أحمد بن أبي داود أسخى منهم جميعا وأفضل.
وسئل إسحاق الموصلي عن سخاء أولاد يحيى بن خالد، فقال: أما الفضل فيرضيك فعله، وأما جعفر، فيرضيك قوله، وأما محمد فيفعل بحسب ما يجد، وفي يحيى يقول القائل:
سألت الندى هل أنت حرّ فقال لا ... ولكنّني عبد ليحيى بن خالد
فقلت شراء قال لا بل وراثة ... توارثني من والد بعد والد
وفي الفضل يقول القائل:
إذا نزل الفضل بن يحيى ببلدة ... رأيت بها غيث السماحة ينبت
فليس بسعّال إذا سيل حاجة ... ولا بمكبّ في ثرى الأرض ينكت
وفي محمد يقول القائل:
سألت الندى والجود مالي أراكما ... تبدّلتما عزّا بذل مؤبّد
وما بال ركن المجد أمسى مهدّما ... فقال أصبنا بابن يحيى محمد
فقلت فهلا متمّا بعد موته ... وقد كنتما عبديه في كل مشهد
فقالا أقمنا كي نعزّي بفقده ... مسافة يوم ثم نتلوه في غد «2»
(1/172)

وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وكرم الله وجهه: من كانت له حاجة فليرفعها إليّ في كتاب لأصون وجهه عن المسألة. وجاءه رضي الله تعالى عنه أعرابي، فقال يا أمير المؤمنين: إن لي إليك حاجة، الحياء يمنعني أن أذكرها، فقال: خطها في الأرض، فكتب إني فقير فقال: يا قنبر اكسه حلتي، فقال الأعرابي:
كسوتني حلّة تبلى محاسنها ... فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا
إن نلت حسن الثنا قد نلت مكرمة ... وليس تبغي بما قدمته بدلا
إن الثناء ليحي ذكر صاحبه ... كالغيث يحي نداه السهل والجبلا
لا تزهد الدهر في عرف بدأت به ... كلّ امرىء سوف يجزى بالذي فعلا
فقال: يا قنبر زده مائة دينار، فقال يا أمير المؤمنين: لو فرقتها في المسلمين لأصلحت بها من شأنهم. فقال رضي الله تعالى عنه: صه يا قنبر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أشكروا لمن أثنى عليكم وإذا أتاكم كريم قوم، فأكرموه.
ولعبد الله بن جدعان:
إني وإن لم ينل مالي مداخلتي ... وهّاب ما ملكت كفّي من المال
لا أحبس المال إلا حيث أنفقه ... ولا يغيّرني حال إلى حال «1»
وقال بعض العرب لولده: يا بني لا تزهدن في معروف فإن الدهر ذو صروف فكم راغب كان مرغوبا إليه، وطالب كان مطلوبا ما لديه، وكن كما قال القائل:
وعدّ من الرحمن فضلا ونعمة ... عليك إذا ما جاء للخير طالب
ولا تمنعن ذا حاجة جاء راغبا ... فإنّك لا تدري متى أنت راغب
وقال بعضهم:
أبيت خميص البطن عريان طاويا ... وأوثر بالزاد الرفيق على نفسي
وأمنحه فرشي وأفترش الثرى ... وأجعل ستر الليل من دونه لبسي «2»
حذار أحاديث المحافل في غد ... إذا ضمّني يوما إلى صدره رمسي «3»
وقال يحيى البرمكي: أعط من الدنيا وهي مقبلة، فإن ذلك لا ينقصك منها شيئا، واعط منها وهي مدبرة فإن منعك لا يبقى عليك منها شيئا، فكان الحسن بن سهل يتعجب من ذلك، ويقول: لله دره ما أطبعه على الكرم، وأعلمه بالدنيا، وقد أمر يحيى من نظمه فقال:
لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينقصها التبذير والسرف
فإن تولت فأحرى أن تجود بها ... فليس تبقى ولكن شكرها خلف
وقال يحيى لولده جعفر: يا بني ما دام قلمك يرعد فأمطره معروفا وقال بعضهم:
لا تكثري في الجود لائمتي ... وإذا بخلت فأكثري لومي
كفّى فلست بحامل أبدا ... ما عشت همّ غد إلى يومي
وقال عليّ رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه: لا تستح من عطاء القليل، فالحرمان أقل منه. وسئل إسحاق الموصلي عن المخلوع «4» ، فقال: كان أمره كله عجبا، كان لا يبالي أين يقعد مع جلسائه، وكان عطاؤه عطاء من لا يخاف الفقر. كان عنده سليمان بن أبي جعفر يوما، فأراد الرجوع إلى أهله، فقال له: سفر البر أحب إليك أم سفر البحر؟ قال: البحر ألين عليّ. فقال: أوقروا له زورقه ذهبا وأمر له بألف ألف درهم.
وشكا سعيد بن عمرو بن عثمان بن عفان، موسى شهوات إلى سليمان بن عبد الملك، وقال: قد هجاني يا أمير المؤمنين، فاستحضره سليمان، وقال: لا أم لك أتهجو سعيدا؟ قال يا أمير المؤمنين: أخبرك الخبر عشقت جارية مدنية، وأتيت سعيدا، فقلت إني أحب هذه الجارية وإن مولاتها أعطيت فيها مائتي دينار وقد أتيتك، فقال لي:
(1/173)

بورك فيك، فقال سليمان: ليس هذا موضع بورك فيك.
قال: فأتيت يا أمير المؤمنين سعيد بن خالد، فذكرت له حالي، فقال: يا جارية هاتي مطرفا، فأتته بمطرف خز، فصر لي في كل زاوية مائتي دينار، فخرجت وأنا أقول:
أبا خالد أعني سعيد بن خالد ... أخا العرف لا أعني ابن بنت سعيد
ولكنني أعني ابن عائشة الذي ... أبو أبويه خالد بن أسيد
عقيد الندى ما عاش يرضى به الندى ... فإن مات لم يرض الندى بعقيد
ذروه ذروه إنكم قد رقدتموا ... وما هو عن إحسانكم برقود
فقال سليمان: قل ما شئت. وكتب كلثوم بن عمر إلى بعض الكرماء رقعة فيها:
إذا تكرّهت أن تعطي القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود
بثّ النّوال ولا تمنعك قلته ... فكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود
فشاطره ماله حتى بعث إليه بنصف خاتمه وفردة نعله.
وباع عبد الله بن عتبة بن مسعود أرضا بثمانين ألفا، فقيل له: لو اتخذت لولدك من هذا المال ذخرا؟ فقال: بل اجعله ذخرا لي، وأجعل الله ذخرا لولدي، وقسمه بين ذوي الحاجات.
وكان ابن مالك القشيري من الأجواد، قيل أنه أنهب الناس ماله بعكاظ ثلاث مرات، فعاتبه خاله، فقال:
يا خال ذرني وما لي ما فعلت به ... وخذ نصيبك منه إنني مودي «1»
فلن أطيعك إلّا أن تخلّدني ... فانظر بكيدك هل تستطيع تخليدي «2»
الحمد لا يشترى إلا بمكرمة ... ولن أعيش بمال غير محمود
وقال المهلب: عجبت لمن يشتري الممالك بماله كيف لا يشتري الأحرار بفعاله. ونزل بأبي البحتري وهب بن وهب القرشي ضيفا، فسارع عبيده إلى إنزاله وخدموه أحسن خدمة، وفعلوا به كل جميل، فلما همّ بالرحيل لم يقربه أحد منهم وتجنبوه، فأنكر ذلك عليهم، فقالوا: نحن إنما نعين النازل على الإقامة ولا نعينه على الرحيل.
ووفدت ليلى الأخيلية «3» على الحجاج، فقالت فيه:
إذا ورد الحجاج أرضا مريضة ... تتبّع أقصى دائها فشفاها «4»
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هزّ القناة سقاها
فقال: لا تقولي غلام، ولكن قولي همام. يا غلام:
أعطها خمسمائة فقالت: أيها الأمير اجعلها نعما، فجعلها إبلا إناثا، وقال أبو الفياض الطبري:
والعزّ ضيف لا يراه بربعه ... من لا يرى بذل التلاد تلادا «5»
والجود أعلى كعب كعب قبلنا ... فمضى جوادا يوم مات جوادا
وقال آخر:
أيقنت أن من السماح شجاعة ... وعلمت أنّ من السماحة جودا
وقال أحمد بن حمدون النديم: عملت أم المستعين بساطا على صورة كل حيوان من جميع الأجناس، وصورة كل طائر من ذهب، وأعينهم يواقيت وجواهر، أنفقت عليه مائة ألف ألف دينار وثلاثين ألف دينار، وسألته أن يقف عليه، وينظر إليه، فكسل ذلك اليوم عن رؤيته. قال أحمد بن حمدون: فقال لي، ولأترجة الهاشمي: اذهبا، فانظرا إليه، وكان معنا الحاجب، فمضينا ورأيناه، فو الله ما رأينا في الدنيا شيئا أحسن منه، ولا شيئا حسنا إلا وقد عمل فيه، فمددت أنا يدي إلى غزال من ذهب عيناه ياقوتتان، فوضعته في كمي، ثم جئناه، فوصفنا له حسن ما رأيناه، فقال أترجة: يا أمير المؤمنين: إنه قد سرق منه شيئا، وغمزه على كمي، فأريته الغزال، فقال: بحياتي عليكما ارجعا، فخذا ما أحببتما، فمضينا، فملأنا أكمامنا
(1/174)

وأقبيتنا وأقبلنا نمشي كالحبالى، فلما رآنا ضحك، فقال بقية الجلساء: ونحن فما ذنبنا يا أمير المؤمنين؟ فقال:
قوموا، فخذوا ما شئتم، ثم قام، فوقف على الطريق ينظر كيف يحملون ويضحك.
ونظر يزيد المهلبي سطلا من ذهب مملوءا مسكا، فأخذه بيده وخرج، فقال له المستعين: إلى أين؟ فقال:
إلى الحمام يا أمير المؤمنين. فضحك من قوله، وأمر الفراشين والخدم أن ينتهبوا الباقي، فانتهبوه، فوجهت إليه أمه تقول: سرّ الله أمير المؤمنين لقد كنت أحب أن يراه قبل أن يفرقه، فإنني أنفقت عليه مائة ألف ألف وثلاثين ألف دينار، فقال: يحمل إليها مثل ذلك حتى تعيد مثله، ففعلت، ومضى حتى رآه، وفعل به كفعله بالأول.
ودخل طلحة بن عبد الله بن عوف السوق يوما، فوافق فيه الفرزدق، فقال يا أبا فراس: اختر عشرا من الإبل، ففعل، فقال ضم إليها مثلها، فلم يزل يقول مثل ذلك حتى بلغت مائة، فقال: هي لك، فقال:
يا طلح أنت أخو الندى وعقيده ... إن الندى ما مات طلحة ماتا
إن الندى ألقى إليك رحاله ... فبحيث بتّ من المنازل باتا
وقدم زياد الأعجم على عبد الله بن الحشرج بنيسابور، فأكرمه، وأنعم عليه، وبعث إليه بألف دينار، فقال:
إن السماحة والمروءة والندى ... في قبّة ضربت على ابن الحشرج
فقال: زدني، فقال: كل شيء وثمنه. ووفد أبو عطاء السدي على نصر بن سيار بخراسان مع رفيقين له، فأنزله، وأحسن إليه، وقال: ما عندك يا أبا عطاء؟ فقال: وما عسى أن أقول، وأنت أشعر العرب غير أني قلت بيتين.
قال: هات ما قلت فقال:
يا طالب الجود إمّا كنت تطلبه ... فاطلب على بابه نصر بن سيّار
الواهب الخيل تغدو في أعنّتها ... مع القيان وفيها ألف دينار
فأعطاه ألف دينار، ووصائف، وكساه كسوة جميلة، فقسم ذلك بين رفيقيه، ولم يأخذ منه شيئا، فبلغ ذلك نصرا، فقال: يا له، قاتله الله من سيد، ما أضخم قدره، ثم أمر له بمثله. وقال العتبي: أشرف عمرو بن هبيرة يوما من قصره، فإذا هو بأعرابي يرقل قلوصه، فقال عمرو لحاجبه: إن أرادني هذا الأعرابي، فأوصله إليّ، فلما وصل الأعرابي سأله الحاجب، فقال: أردت الأمير، فدخل به إليه، فلما مثل بين يديه قال له: ما حاجتك؟ فأنشد الأعرابي يقول:
أصلحك الله قلّ ما بيدي ... ولا أطيق العيال إذ كثروا
أناخ دهري عليّ كلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا
فأخذت عمر الأريحية، فجعل يهتز في مجلسه ثم قال:
أرسلوك إليّ وانتظروا إذن والله لا تجلس حتى ترجع إليهم، ثم أمر له بألف دينار. وقيل: أراد ابن عامر أن يكتب لرجل بخمسين ألف درهم، فجرى القلم بخمسمائة ألف، فراجعه الخازن في ذلك، فقال: انفذه، فما بقي إلا نفاذه، وإن خروج المال أحب إليّ من الاعتذار. فاستشرفه الخازن فقال: إذا أراد الله بعبد خيرا صرف القلم عن مجرى إرادة كاتبه إلى إرادته، وأنا أردت شيئا وأراد الجواد الكريم أن يعطي عبده عشرة أضعافه، فكانت إرادة الله الغالبة، وأمره النافذ.
ووقف أعرابي على ابن عامر، فقال: يا قمر البصرة، وشمس الحجاز، ويا ابن ذروة العرب، وابن بطحاء مكة، برحت بي الحاجة، وأكدّت بي الآمال إلا بفنائك، فامنحني بقدر الطاقة لا بقدر المجد والشرف والهمة، فأمر له بمائتي ألف درهم. وسمع المأمون قول عمارة بن عقيل:
أأترك إن قلّت دراهم خالد ... زيارته إنّي إذا للئيم
فقال: أو قلت دراهم خالد إحملوا إليه مائة ألف درهم، فبعثها خالد بن يحيى إلى عمارة بن عقيل، وقال: هذه قطرة من سحابك. ولما عزل عبد الرحمن بن الضحاك عن المدينة بكى، ثم قال: والله ما بكائي جزعا من العزل، ولا أسفا على الولاية، ولكن أخاف على هذه الوجوه أن يلي أمرها من لا يعرف لها حقا.
وأراد الرشيد أن يخرج إلى بعض المتفرجات، فقال يحيى بن خالد لرجاء بن عبد العزيز وكان على نفقاته: ما عند وكلائنا من الأموال؟ قال: سبعمائة ألف درهم. قال:
فاقبضها إليك يا رجاء. فلما كان من الغد دخل عليه رجاء، فقبل يده وعنده منصور بن زياد، فلما خرج رجاء
(1/175)

قال يحيى لمنصور: قد ظننت أن رجاء توهم أنا قد وهبناه المال، وإنما أمرناه بقبضه من الوكلاء ليحفظه علينا لحاجتنا إليه في وجهنا هذا، فقال منصور: أنا استخبر لك هذا. فقال يحيى: إذن يقول لك: قل له يقبل يدي كما قبلت يده، فلا تقل له شيئا، فقد تركتها له.
وقيل: إن الرشيد وصل في يوم واحد بألف ألف وثلاثمائة ألف وخمسين ألفا. ووصل المنصور في يوم واحد لبني هاشم، ووجوه قواده بعشرة آلاف ألف دينار على ما ذكر.
وعن الأخفش الصغير قال: كان أسيد بن عنقاء الفزاري من أكبر أهل زمانه قدرا وأكثرهم أدبا، وأفصحهم لسانا، وأثبتهم جنانا، فطال عمره ونكبه دهره «1» ، فخرج عشية ينتفل لأهله «2» ، فمر به عميلة الفزاري، فسلم عليه، وقال: ما أصارك يا عم إلى ما أرى؟ فقال: بخل مثلك بماله وصون وجهي عن مسألة الناس، قال: والله لئن بقيت إلى غد لأغيرن ما أرى من حالك، فرجع ابن عنقاء إلى أهله، فأخبرها بما قال له عميلة، فقالت له: لقد غرك كلام غلام في جنح الليل. قال: فكأنما ألقمت فاه حجرا وبات متململا بين رجاء ويأس، فلما كان وقت السحر سمع رغاء الإبل وصهيل الخيل تحت الأموال، فقال: ما هذا؟ قالوا: عميلة قد قسم ماله شطرين، وبعث إليك بشطره، فأنشأ يقول:
رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ماله حالي فواسى وما هجر
ولما رأى المجد استعيرت ثيابه ... تردّى رداء سابغ الذيل واتزر «3»
غلام حباه الله بالحسن يافعا ... له سيمياء لا تشقّ على البصر
كأنّ الثريا علّقت في جبينه ... وفي أنفه الشعرى وفي جيده القمر «4»
وكان عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي من الأجواد.
قيل: إنه كان لرجل جارية يهواها، فاحتاج إلى بيعها، فابتاعها منه ابن معمر بمال جزيل، فلما قبض ثمنها أنشأت تقول:
هنيئا لك المال الذي قد قبضته ... ولم يبق في كفّيّ غير التّحسّر
أبوء بحزن من فراقك موجع ... أناجي به صدرا طويل التّفكّر
فأجابها بقوله:
ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري
عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلّا أن يشاء ابن معمر
فقال ابن معمر: قد شئت وقد وهبتك الجارية وثمنها، فخذها وانصرف.
ووفد أبو الشمقمق إلى مدينة سابور يريد محمد بن عبد السلام فلما دخلها توجه إلى منزله، فوجده في دار الخراج يطالب، فدخل عليه يتوجع له، فلما رآه محمد قال:
وقد قدمت على رجال طالما ... قدم الرجال عليهم فتموّلوا
أخنى الزمان عليهم فكأنّما ... كانوا بأرض أقفرت فتحوّلوا
فقال أبو الشمقمق:
الجود أفلسهم وأذهب مالهم ... فاليوم إن راموا السماحة يبخلوا
قال: فخلع محمد ثوبه وخاتمه ودفعهما إليه، فكتب بذلك مستوفي الخراج إلى الخليفة، فوقع إلى عامله بإسقاط الخراج عن محمد بن عبد السلام في تلك السنة، وإسقاط ما عليه من البقايا، وأمر له بمائة ألف درهم معونة على مروءته.
وقال أبو العيناء: حصلت لي ضيقة شديدة، فكتمتها عن أصدقائي، فدخلت يوما على يحيى بن أكثم القاضي، فقال إن أمير المؤمنين جلس للمظالم، وأخذ القصص، فهل لك في الحضور؟ قلت: نعم، فمضيت معه إلى دار أمير المؤمنين، فلما دخلنا عليه أجلسه وأجلسني، ثم قال: يا أبا العيناء، بالألفة والمحبة ما الذي جاء بك في هذه الساعة؟ فأنشدته:
(1/176)

لقد رجوتك دون النّاس كلّهم ... وللرجاء حقوق كلّها تجب
إن لم يكن لي أسباب أعيش بها ... ففي العلا لك أخلاق هي السبب
فقال: يا سلامة أنظر أي شيء في بيت مالنا دون مال المسلمين، فقال: بقية من مال. قال: فادفع له منها مائة ألف درهم، وابعث له بمثلها في كل شهر. فلما كان بعد أحد عشر شهرا مات المأمون، فبكى عليه أبو العيناء، حتى تقرّحت أجفانه، فدخل عليه بعض أولاده، فقال:
يا أبتاه بعد ذهاب العين ماذا ينفع البكاء، فأنشأ أبو العيناء يقول:
شيئان لو بكت الدماء عليهما ... عيناي حتى يؤذنا بذهاب
لم يبلغا المعشار من حقيهما ... فقد الشباب وفرقة الأحباب
وكان أحمد بن طولون كثير الصدقة، وكان راتبه منها في الشهر ألف دينار سوى ما يطرأ عليه من نذر أو صلة، وسوى ما يطبخ في دار الصدقة. وكان الموكل بصدقته سليم الخادم، فقال له سليم يوما: أيها الأمير إني أطوف القبائل، وأدق الأبواب لصدقاتك، وإن اليد تمد إليّ، وفيها الحناء، وربما كان فيها الخاتم الذهب والسوار الذهب، أفأعطي أم أرد؟ قال: فأطرق طويلا، ثم قال:
كل يد امتدت إليك فلا تردها.
وقال سلمة بن عياش في جعفر بن سليمان:
وما شمّ أنفي ريح كف شممتها ... من الناس إلّا ريح كفّك أطيب
فأمر له بألف دينار ومائة مثقال مسك ومائة مثقال عنبر.
وكان عبد العزيز بن عبد الله جوادا. مضيافا، فتعذى عنده أعرابي يوما، فلما كان من الغد مر على بابه، فرأى الناس في الدخول على هيئتهم بالأمس، فقال: أو كل يوم يطعم الأمير الناس؟ قالوا: نعم، فأنشأ يقول:
أكلّ يوم كأنّه عيد أضحى ... عند عبد العزيز أو عيد فطر
وله ألف جفنة مترعات ... كل قدر يمدها ألف قدر «1»
وتعشّى الناس ليلة عند سعيد بن العاص، فلما خرجوا بقي فتى من الشام قاعدا، فقال له سعيد: ألك حاجة؟
وأطفأ الشمعة كراهة أن يخجل الفتى، فذكر أن أباه مات، وخلف دينا وعيالا، وسأله أن يكتب له كتابا إلى أهل دمشق ليقوموا ببعض إصلاح حاله، فدفع له عشرة آلاف دينار وقال له: لا أدعك تقاسي الذل على أبوابهم.
ودخل رجل على علي بن سليمان الوزير، فقال له:
سألتك بالله العظيم ونبيه الكريم إلا ما أجرتني من خصمي، فقال: ومن خصمك حتى أجيرك منه؟، فقال:
الفقر، فأطرق الوزير ساعة، وقال: قد أمرت لك بمائة ألف درهم، فأخذها وانصرف. فبينما هو في الطريق إذ أمر الوزير برده إليه، فلما رجع قال له: سألتك بالله العظيم ونبيه الكريم متى أتاك خصمك معنّفا، فارجع إلينا متظلما.
وقال الأعمش: كانت عندي شاة، فمرضت، وفقدت الصبيان لبنها، فكان خيثمة بن عبد الرحمن يعودها بالغداة والعشي ويسألني. هل أسوفت علفها؟ وكيف صبر الصبيان منذ فقدوا لبنها، وكانت تحتي لبد أجلس عليه، فكان إذا خرج يقول: خذ ما تحت اللبد حتى وصل من علة الشاة أكثر من ثلاثمائة دينار من بره حتى تمنيت أن الشاة لم تبرأ.
وحكى أبو قدامة القشيري قال: كنا مع يزيد بن مزيد يوما، فسمع صائحا يقول: يا يزيد بن مزيد، فطلبه فأتي به إليه، فقال: ما حملك على هذا الصياح؟ قال: فقدت دابتي ونفدت نفقتي، وسمعت قول الشاعر:
إذا قيل من للجود والمجد والندى ... فنادي بصوت يا يزيد بن مزيد
فأمر له بفرس أبلق كان معجبا به، وبمائة دينار، وخلعة سنية فأخذها وانصرف.
وحكي: أن قوما من العرب جاءوا إلى قبر بعض أسخيائهم يزورونه فباتوا عند قبره، فرأى رجل منهم صاحب القبر في المنام وهو يقول له: هل لك أن تبيعني بعيرك بنجيبي «2» ؟ وكان الميت قد خلف نجيبا، وكان للرائي بعير سمين، فقال: نعم، وباعه في النوم بعيره بنجيبه، فلما وقع بينهما عقد البيع عمد صاحب القبر إلى البعير، فنحره في النوم، فانتبه الرائي من نومه، فوجد الدم يسيح من نحر بعيره، فقام وأتم نحره وقطع لحمه وطبخوه وأكلوا، ثم رحلوا وساروا، فلما كان اليوم الثاني وهم في
(1/177)


الطريق سائرون استقبلهم ركب، فتقدم منهم شاب، فنادى، هل فيكم فلان ابن فلان؟ فقال صاحب البعير:
نعم ها أنا فلان ابن فلان فقال: هل بعت من فلان الميت شيئا؟ قال: نعم. بعته بعيري بنجيبه في النوم، فقال: هذا نجيبه، فخذه، وأنا ولده، وقد رأيته في النوم، وهو يقول: إن كنت ولدي، فادفع نجيبي إلى فلان. فانظر إلى هذا الرجل الكريم كيف أكرم أضيافه بعد موته «1» .
وروي عن الهيثم بن عدي أنه قال: تمارى ثلاثة نفر في الأجواد، فقال رجل: أسخى الناس في عصرنا هذا عبد الله بن جعفر، فقال الآخر: أسخى الناس: قيس بن سعيد بن عبادة، فقال الآخر: بل أسخى الناس اليوم عرابة الأوسي، فتنازعوا بفناء الكعبة، فقال لهم رجل: لقد أفرطتم في الكلام، فليمض كل واحد منكم إلى صاحبه يسأله حتى ننظر بما يعود، فنحكم على العيان. فقام صاحب ابن جعفر فوافاه، وقد وضع رجله في ركاب راحلته يريد ضيعة له، فقال الرجل: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن سبيل ومنقطع به، قال: فأخرج رجله، وقال: ضع رجلك واستو على الناقة، وخذ ما في الحقيبة، وكان فيها مطارف خز وأربعة آلاف دينار.
ومضى صاحب قيس، فوجده نائما فقالت له جارية لقيس:
ما حاجتك؟ فقال: ابن سبيل ومنقطع به، فقالت له الجارية: حاجتك أهون من إيقاظه، هذا كيس فيه سبعمائة دينار ما في دار قيس اليوم غيرها، وامض إلى معاطن الإبل «2» ، فخذ راحلة من رواحله، وما يصلحها، وعبدا، وامض لشأنك، قيل: إن قيسا لما انتبه أخبرته الجارية بما صنعت، فأعتقها، ولو لم تعلم أن ذلك يرضيه ما جسرت أن تفعله، فخلق خدم الرجل مقتبس من خلقه. قال بعض الشعراء:
وإذا ما اختبرت ودّ صديق ... فاختبر ودّه من الغلمان
ومضى صاحب عرابة، فوجده قد خرج من منزله يريد الصلاة، فقال: يا عرابة ابن سبيل ومنقطع به. وكان معه عبدان، فصفق بيده اليمنى على اليسرى، وقال: أواه أواه، والله ما أصبح ولا أمسى الليلة عند عرابة شيء، ولا تركت له الحقوق مالا، ولكن خذ هذين العبدين، فقال الرجل:
والله ما كنت بالذي يسلبك عبديك، فقال: إن أخذتهما، وإلا فهما حران لوجه الله تعالى، فإن شئت، فأعتق، فأخذ الرجل العبدين ومضى. ثم اجتمعوا وذكروا قصة كل واحد، فحكموا لعرابة لأنه أعطى على جهد.
قيل: إن شاعرا قصد خالد بن يزيد، فأنشده شعرا يقول فيه:
سألت الندى والجود حرّان أنتما ... فقالا يقينا إنّنا لعبيد
فقلت ومن مولاكما فتطاولا ... إليّ وقالا خالد ويزيد
فقال: يا غلام أعطه مائة ألف درهم، وقل له: إن زدتنا زدناك فأنشد يقول:
كريم كريم الأمهات مهذّب ... تدفّق يمناه الندى وشمائله
هو البحر من أي الجهات أتيته ... فلجّته المعروف والجود ساحله
جواد بسيط الكف حتى لو انه ... دعاها لقبض لم تجبه أنامله
فقال يا غلام: أعطه مائة ألف درهم، وقل له إن زدتنا زدناك، فأنشد يقول:
تبرّعت لي بالجود حتى نعشتني ... وأعطيتني حتى حسبتك تلعب
وأنبتّ ريشا في الجناحين بعدما ... تساقط مني الريش أو كاد يذهب
فأنت الندى وابن الندى وأخو الندى ... حليف الندى ما للندى عنك مذهب
فقال يا غلام: اعطه مائة ألف درهم وقل له: إن زدتنا زدناك، فقال: حسب الأمير ما سمع، وحسبي ما أخذت وانصرف.
وأما الذين انتهى إليهم الجود في الجاهلية
فهو حاتم بن عبد الله الطائي، وهرم ابن سنان، وخالد بن عبيد الله وكعب بن أمامة الأيادي. وضرب المثل بحاتم وكعب، وحاتم أشهرهما، فأما كعب، فجاد بنفسه، وآثر رفيقيه بالماء في المفازة، ومات عطشا، وليس له خبر مشهور. وأما خالد بن عبيد الله، فإنه جاء إليه بعض الشعراء ورجله في الركاب يريد الغزو، فقال له:
إني قلت فيك بيتين من الشعر، فقال: في مثل هذا الحال؟
قال: نعم، فقال: هاتهما، فأنشده يقول:
(1/178)

يا واحد العرب الذي ... ما في الأنام له نظير
لو كان مثلك آخر ... ما كان في الدنيا فقير
فقال يا غلام: أعطه عشرين ألف دينار، فأخذها وانصرف. وأما حاتم، فأخباره كثيرة، وآثاره في الجود شهيرة، ويكنى أبا سفانة وأبا عبدي، وكان يسير في قومه بالمرباع والمرباع ربع الغنيمة، وكان ولده عدي يعادي النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا إلى طي، فهرب عدي بأهله وولده ولحق بالشام، وخلف أخته سفانة، فأسرتها خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أتي بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت:
يا محمد هلك الوالد، وغاب الرافد، فإن رأيت أن تخلي عني، ولا تشمت بي أحياء العرب، فإن أبي كان سيد قومه يفك العاني، ويقتل الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجة فرده خائبا، أنا بنت حاتم الطائي، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: يا جارية هذه صفات المؤمنين حقا، لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه. خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق. وقال فيها: ارحموا عزيزا ذل وغنيا افتقر، وعالما ضاع بين جهال. فأطلقها ومنّ عليها، فاستأذنته في الدعاء له، فأذن له، وقال لأصحابه اسمعوا وعوا، فقالت: أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا وجعلك سببا في ردها عليه. فلما أطلقها صلى الله عليه وسلم رجعت إلى قومها، فأتت أخاها عديا وهو بدومة الجندل، فقالت له يا أخي: ائت هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله، فاني قد رأيت هديا ورأيا سيغلب أهل الغلبة رأيت خصالا تعجبني. رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير ويرحم الصغير ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه صلى الله عليه وسلم. وإني أرى أن تلحق به، فإن يك نبيا فللسابق فضله، وإن يك ملكا فلن يذل في عز اليمن.
فقدم عدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فألقى له وسادة محشوة ليفا، وجلس النبي صلى الله عليه وسلم على الأرض، فأسلم عدي بن حاتم، وأسلمت أخته سفانة بنت حاتم المتقدم ذكرها، وكانت من أجود نساء العرب، وكان أبوها يعطيها الضريبة من إبله فتهبها وتعطيها الناس، فقال لها أبوها: يا بنية إن الكريمين إذا اجتمعا في المال أتلفاه، فأما أن أعطي وتمسكي، وأما أن أمسك وتعطي، فإنه لا يبقى على هذا شيء، فقالت له: منك تعلمت مكارم الأخلاق. قال ابن الأعرابي: كان حاتم الطائي من شعراء الجاهلية، وكان جوادا يشبه جوده شعره ويصدق قوله فعله، وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان مظفرا إذا قاتل غلب، وإذا سئل وهب، وإذا سابق سبق وإذا أسر أطلق، وكان إذا أهلّ رجب الذي كانت تعظمه مضر في الجاهلية نحر كل يوم عشرا من الإبل وأطعم الناس، واجتمعوا إليه.
وكان قد تزوج ماوية بنت عفير، وكانت تلومه على إتلاف المال، فلا يلتفت لقولها. وكان لها ابن عم يقال له مالك، فقال لها يوما: ما تصنعين بحاتم، فو الله لئن وجد مالا ليتلفنّه، وإن لم يجد ليتكلّفن ولئن مات ليتركنّ أولادا عالة على قومك. فقالت ماوية: صدقت إنه كذلك.
وكانت النساء يطلّقن الرجال في الجاهلية وكان طلاقهن أن يكن في بيوت من شعر، فإن كان باب البيت من قبل المشرق حولته إلى المغرب، وإن كان من قبل المغرب حولته إلى المشرق، وإن كان من قبل اليمن حولته إلى الشام، وإن كان من قبل الشام حولته إلى اليمن، فإذا رأى الرجل ذلك علم إنها طلقته، فلم يأتها، ثم قال لها ابن عمها: طلقي حاتما وأنا أتزوجك، وأنا خير لك منه، وأكثر مالا، وأنا أمسك عليك، وعلى ولدك. فلم يزل بها حتى طلّقته، فأتاها حاتم وقد حولت باب الخباء، فقال حاتم لولده: يا عدي ما ترى ما فعلت أمك؟ فقال: قد رأيت ذلك. قال: فأخذ ابنه وهبط بطن واد، فنزل فيه، فجاءه قوم، فنزلوا على باب الخباء كما كانوا ينزلون، وكان عدتهم خمسين فارسا، فضاقت بهم ماوية ذرعا وقالت لجاريتها: اذهبي إلى ابن عمي مالك، وقولي له:
إن أضيافا لحاتم قد نزلوا بنا وهم خمسون رجلا، فأرسل إلينا بشيء نقريهم ولبن نسقيهم، وقالت لها: انظري إلى جبينه وفمه، فإن شافهك بالمعروف فاقبلي منه، وإن ضرب بلحيته على زوره «1» ، ولطم رأسه، فأقبلي ودعيه.
فلما أتته وجدته متوسدا وطبا من لبن «2» فأيقظته وأبلغته الرسالة وقالت له: إنما هي الليلة حتى يعلم الناس مكان حاتم، فلطم رأسه بيده وضرب بلحيته، وقال: اقرئيها السلام وقولي لها: هذا الذي أمرتك أن تطلقي حاتما لأجله، وما عندي لبن يكفي أضياف حاتم.
فرجعت الجارية، فأخبرتها بما رأت وبما قال لها،
(1/179)

فقالت لها: اذهبي إلى حاتم وقولي له إن أضيافك قد نزلوا بنا الليلة ولم يعلموا مكانك فأرسل إلينا بناقة نقريهم ولبن نسقيهم.
فأتت الجارية حاتما، فصاحت به، فقالت: لبيك قريبا دعوت، فأخبرته بما جاءت بسببه، فقال لها: حبا وكرامة، ثم قام إلى الإبل، فأطلق اثنتين من عقالهما وصاح بهما حتى أتيا الخباء، ثم ضرب عراقيبهما «1» ، فطفقت ماوية تصيح: هذا الذي طلقتك بسببه. نترك أولادنا وليس لهم شيء. فقال لها: ويحك يا ماوية الذي خلقهم وخلق الخلق متكفل بأرزاقهم.
وكان إذا اشتد البرد وغلب الشتاء أمر غلمانه بنار فيوقدونها في بقاع الأرض لينظر إليها من ضل عن الطريق ليلا، فيقصدها، ولم يكن حاتم يمسك شيئا ما عدا فرسه وسلاحه، فإنه كان لا يجوز بهما، ثم جاد بفرسه في سنة مجدبة.
حكي أن ملكان ابن أخي ماوية قال: قلت لها يوما: يا عمة حدثيني ببعض عجائب حاتم وبعض مكارم أخلاقه، فقالت: يا ابن أخي أعجب ما رأيت منه أصابت الناس سنة أذهبت الخف والظلف «2» ، وقد أخذني وإياه الجوع وأسهرنا، فأخذت سفانة، وأخذ عديا، وجعلنا نعللهما حتى ناما، فأقبل عليّ يحدثني ويعللني بالحديث حتى أنام، فرفقت به لما به من الجوع، فأمسكت عن كلامه لينام، فقال لي: أنمت؟ فلم أجبه.
فسكت ونظر في فناء الخباء، فإذا شيء قد أقبل، فرفع رأسه، فإذا امرأة فقال: ما هذا؟ فقالت: يا أبا عدي أتيتك من عند صبية يتعاوون كالكلاب أو كالذئاب جوعا، فقال لها: أحضري صبيانك، فوالله لأشبعنهم، فقامت سريعة لأولادها، فرفعت رأسي وقلت له يا حاتم: بماذا تشبع أطفالها، فو الله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعليل، فقال: والله لأشبعنك وأشبعن صبيانك وصبيانها، فلما جاءت المرأة نهض قائما، وأخذ المدية بيده وعمد إلى فرسه، فذبحه، ثم أجج نارا ودفع إليها شفرة، وقال:
قطعي واشوي وكلي واطعمي صبيانك، فأكلت المرأة وأشبعت صبيانها، فأيقظت أولادي وأكلت وأطعمتهم، فقال: والله إن هذا لهو اللؤم تأكلون وأهل الحي حالهم مثل حالكم، ثم أتى الحي بيتا بيتا يقول لهم انهضوا بالنار، فاجتمعوا حول الفرس، وتقنّع حاتم بكسائه وجلس ناحية، فو الله ما أصبحوا وعلى وجه الأرض منها قليل ولا كثير إلا العظم والحافر، ولا والله ما ذاقها حاتم، وإنه لأشدهم جوعا.
وأخباره كثيرة مشهورة ومن شعره:
أماويّ إنّ المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر
وقد علم الأقوام لو أنّ حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر «3»
وأغار قوم على طيء، فركب حاتم فرسه وأخذ رمحه ونادى في جيشه وأهل عشيرته، ولقي القوم، فهزمهم وتبعهم، فقال له كبيرهم: يا حاتم هب لي رمحك، فرمى به إليه، فقيل لحاتم: عرضت نفسك للهلاك، ولو عطف عليك لقتلك. فقال: قد علمت ذلك، ولكن ما جواب من يقول هب لي؟
ولما مات عظم على طيء موته، فادعى أخوه أنه يخلفه، فقالت له أمه: هيهات شتان والله ما بين خلقتيكما، وضعته، فبقي والله سبعة أيام لا يرضع حتى ألقمت إحدى ثديي طفلا من الجيران، وكنت أنت ترضع ثديا ويدك على الآخر، فأنّى لك ذلك. قال الشاعر:
يعيش الندى ما عاش حاتم طيّء ... وإن مات قامت للسخاء مآتم
وكانت العرب تسمي الكلب داعي الضمير، ومتمم النعم، ومشيد الذكر لما يجلب من الأضياف بنباحه.
والضمير: الغريب، وكانوا إذا اشتد البرد وهبت الرياح، ولم تشبّ النيران فرقوا الكلاب حوالي الحي وربطوها إلى العمد لتستوحش فتنبح، فتهتدي الضلّال وتأتي الأضياف على نباحها.
والحكايات في ذكر الأجواد والكرماء والأسخياء وأهل المعروف وما كانوا عليه من السخاء والكرم أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر. ففي مثل هذه المناقب فليتنافس المتنافسون ولمثلها فليعمل العاملون، فإن فيها عز الدنيا وشرف الآخرة، وحسن الصيت وخلود جميل الذكر، فإنا لم نجد شيئا يبقى على ممر الدهر إلا الذكر حسنا كان أو قبيحا.
(1/180)

وقد قال الشاعر:
ولا شيء يدوم فكن حديثا ... جميل الذكر فالدنيا حديث
فانتهز فرصة العمر ومساعدة الدنيا ونفوذ الأمر وقدم لنفسك كما قدموا، تذكر بالصالحات كما ذكروا، وادّخر نفسك في القيامة كما ادّخروا، واعلم أن المأكول للبدن والموهوب للمعاد والمتروك للعدو، فاختر أي الثلاث شئت.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الرابع والثلاثون في البخل والشح وذكر البخلاء وأخبارهم وما جاء عنهم
قال الله تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
«1» الآية.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إيّاكم والشّحّ فإن الشح أهلك من كان قبلكم» وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «البخل جامع لمساوىء القلوب وهو زمام يقاد به إلى كل سوء» . وقالت أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنهما: إن البخل لو كان قميصا ما لبسته أو كان طريقا ما سلكته.
وقيل: بخلاء العرب أربعة: الحطيئة وحميد الأرقط وأبو الأسود الدؤلي وخالد بن صفوان. فأما الحطيئة فمرّ به إنسان وهو على باب داره وبيده عصا، فقال: أنا ضيف فأشار إلى العصا وقال: لكعاب الضيفان أعددتها. وأما حميد الأرقط، فكان هجاء للضيفان فحّاشا عليهم، نزل به مرة أضياف، فأطعمهم تمرا، وهجاهم وذكر أنهم أكلوه بنواه. وأما أبو الأسود، فتصدّق على سائل بتمرة، فقال له: جعل الله نصيبك من الجنة مثلها. وكان يقول: لو أطعنا المساكين في أموالنا كنا أسوأ حالا منهم. وأما خالد بن صفوان، فكان يقول للدرهم إذا دخل عليه:
يا عيّار كم تعير وكم تطرف وتطير، لأطيلن حبسك. ثم يطرحه في الصندوق ويقفل عليه. وقيل له: لم لا تنفق، ومالك عريض؟ فقال: الدهر أعرض منه.
وأنشد بعضهم:
وهبني جمعت المال ثم خزنته ... وحانت وفاتي هل أزاد به عمرا
إذا خزّن المال البخيل فإنّه ... سيورثه غمّا ويعقبه وزرا «2»
واستأذن حنظلة على صديق له بخيل، فقيل: هو محموم، فقال: كلوا بين يديه حتى يعرق. وكتب سهل بن هارون كتابا في مدح البخل وأهداه إلى الحسن بن سهل فوقع على ظهره، «قد جعلنا ثوابك عليه ما أمرت به فيه» «3» .
وقال ابن أبي فنن:
ذريني وإتلافي لمالي فإنّني ... أحبّ من الأخلاق ما هو أجمل
وإنّ أحقّ الناس باللوم شاعر ... يلوم على البخل الرجال ويبخل
وكان عمر بن يزيد الأسدي بخيلا جدا، أصابه القولنج «4» في بطنه فحقنه الطبيب بدهن كثير فانحل ما في بطنه في الطست، فقال لغلامه: اجمع الدهن الذي نزل من الحقنة وأسرج به. وكان المنصور شديد البخل جدا، مر به مسلم الحادي في طريقه إلى الحج، فحدا له يوما بقول الشاعر:
أغرّ بين الحاجبين نوره ... يزينه حياؤه وخيره «5»
ومسكه يشوبه كافوره ... إذا تغذّى رفعت ستوره «6»
فطرب حتى ضرب برجله المحمل ثم قال: يا ربيع أعطه نصف درهم، فقال مسلم: نصف درهم! يا أمير المؤمنين، والله لقد حدوت لهشام، فأمر لي بثلاثين ألف درهم. فقال: تأخذ من بيت مال المسلمين ثلاثين ألف درهم، يا ربيع: وكّل به من يستخلص منه هذا المال. قال
(1/181)

الربيع: فما زلت أمشي بينهما وأروضه حتى شرط مسلم على نفسه أن يحدو له في ذهابه وإيابه بغير مؤنة.
وكان أبو العتاهية، ومروان بن أبي حفصة بخيلين يضرب ببخلهما المثل، قال مروان: ما فرحت بشيء أشد مما فرحت بمائة ألف درهم وهبها لي المهدي، فوزنتها فرجحت درهما، فاشتريت به لحما. واشترى يوما لحما بدرهم، فلما وضعه في القدر دعاه صديقه، فرد اللحم على القصاب بنقصان دانقين، فجعل القصاب ينادي على اللحم ويقول: هذا لحم مروان، واجتاز يوما بأعرابية، فأضافته، فقال: إن وهب لي أمير المؤمنين مائة ألف درهم وهبت لك درهما، فوهبه سبعين ألف درهم، فوهبها أربعة دوانق.
ومن الموصوفين بالبخل: أهل مرو، يقال إن عادتهم إذا ترافقوا في سفر أن يشتري كل واحد منهم قطعة لحم ويشكها في خيط ويجمعون اللحم كله في قدر، ويمسك كل واحد منهم طرف خيطه، فإذا استوى جر كل منهم خيطه وأكل لحمه وتقاسموا المرق.
وقيل لبخيل: من أشجع الناس؟ قال: من سمع وقع أضراس الناس على طعامه ولم تنشق مرارته. وقيل لبعضهم: أما يكسوك محمد بن يحيى؟ فقال: والله لو كان له بيت مملوء إبرا، وجاء يعقوب ومعه الأنبياء شفعاء والملائكة ضمناء يستعير منه إبرة ليخيط بها قميص يوسف الذي قدّ من دبر «1» ، ما أعاره إياها، فكيف يكسوني؟ وقد نظم ذلك من قال:
لو أن دارك أنبتت لك واحتشت ... إبرا يضيق بها فناء المنزل
وأتاك يوسف يستعيرك إبرة ... ليخيط قدّ قميصه لم تفعل
وكان المتنبي بخيلا جدا مدحه إنسان بقصيدة، فقال له:
كم أمّلت منا على مدحك؟ قال: عشرة دنانير. قال له:
والله لو ندفت قطن الأرض بقوس السماء على جباه الملائكة ما دفعت لك دانقا.
وقال دعبل: كنا عند سهل بن هارون، فلم نبرح حتى كاد يموت من الجوع، فقال: ويلك يا غلام آتنا غداءنا، فأتي بقصعة فيها ديك مطبوخ تحته ثريد قليل، فتأمل الديك فرآه بغير رأس، فقال لغلامه: وأين الرأس؟ فقال:
رميته، فقال: والله إني لأكره من يرمي برجله، فكيف برأسه؟ ويحك أما علمت أن الرأس رئيس الأعضاء ومنه يصيح الديك ولولا صوته ما أريد، وفيه فرقه الذي يتبرك به وعينه التي يضرب بها المثل، فيقال: شراب كعين الديك، ودماغه عجيب لوجع الكلية، ولم نر عظما أهش تحت الأسنان من عظم رأسه، وهبك ظننت أني لا آكله، أما قلت عنده من يأكله. أنظر في أي مكان رميته فأتني به.
فقال: والله لا أدري أين رميته، فقال: ولكني أنا أعرف أين رميته. رميته في بطنك، الله حسبك.
وقيل: من الناس من يبخل بالطعام ويجود بالمال وبالعكس. قال بعضهم في أبي دلف:
أبو دلف يضيّع ألف ألف ... ويضرب بالحسام على الرّغيف
أبو دلف لمطبخه قتار ... ولكن دونه سلّ السيوف «2»
واشتكى رجل مروزي صدره من سعال، فوصفوا له سويق اللوز فاستثقل النفقة، ورأى الصبر على الوجع أخف عليه من الدواء، فبينما هو يماطل الأيام ويدافع الآلام إذ أتاه بعض أصدقائه، فوصف له ماء النّخالة، وقال: إنه يجلو الصدر، فأمر بالنخالة فطبخت له وشرب من مائها، فجلا صدره ووجده يعصم «3» ، فلما حضر غداؤه أمر به، فرفع إلى العشاء، وقال لامرأته: اطبخي لأهل بيتنا النخالة فإني وجدت ماءها يعصم ويجلو الصدور. فقالت: لقد جمع الله لك بهذه النخالة بين دواء وغذاء، فالحمد لله على هذه النعمة «4» .
وعن خاقان بن صبح قال: دخلت على رجل من أهل خراسان ليلا فأتانا بمسرجة فيها فتيلة في غاية الرقة، وقد علق فيها عودا بخيط، فقلت له: ما بال هذا العود مربوطا؟
قال: قد شرب الدهن وإذا ضاع ولم نحفظه احتجنا إلى غيره، فلا نجد إلا عودا عطشانا، ونخشى أن يشرب الدهن.
قال: فبينما أنا أتعجب وأسأل الله العافية إذ دخل علينا شيخ من أهل مرو، فنظر إلى العود، فقال الرجل: يا فلان
(1/182)

لقد فررت من شيء ووقعت فيما هو شر منه، أما علمت أن الريح والشمس يأخذان من سائر الأشياء وينشفان هذا العود، لم لا اتخذت مكان هذا العود إبرة من حديد، فإن الحديد أملس وهو مع ذلك غير نشاف، والعود أيضا ربما يتعلق به شعرة من قطن الفتيلة فينقصها. فقال له الرجل الخراساني: أرشدك الله، ونفع بك، فلقد كنت في ذلك من المسرفين.
وقال الهيثم بن عدي: نزل على أبي حفصة الشاعر رجل من اليمامة، فأخلى له المنزل ثم هرب مخافة أن يلزمه قراه في هذه الليلة فخرج الضيف واشترى ما احتاج إليه، ثم رجع وكتب إليه:
يا أيها الخارج من بيته ... وهاربا من شدة الخوف
ضيفك قد جاء بزاد له ... فارجع وكن ضيفا على الضيف
واشترى رجل من البخلاء دارا وانتقل إليها، فوقف ببابه سائل فقال له: فتح الله عليك. ثم وقف ثان، فقال له مثل ذلك، ثم وقف ثالث، فقال له مثل ذلك، ثم التفت إلى ابنته، فقال لها: ما أكثر السّؤال في هذا المكان. قالت:
يا أبت ما دمت مستمسكا لهم بهذه الكلمة فما تبال كثروا أم قلوا. وألأم اللئام وأبخلهم حميد الأرقط الذي يقال له هجّاء الأضياف، وهو القائل في ضيف له يصف أكله بهذا البيت من قصيدة له:
ما بين لقمته الأولى إذا انحدرت ... وبين أخرى تليها قيد أظفور
وقال فيه أيضا:
تجهز كفّاه ويحدر حلقه ... إلى الزور ما ضمّت عليه الأنامل «1»
وأكل أعرابي مع أبي الأسود رطبا فأكثر، ومد أبو الأسود يده إلى رطبة ليأخذها فسبقه الأعرابي إليها فسقطت منه في التراب، فأخذها أبو الأسود وقال: لا أدعها للشيطان يأكلها، فقال الأعرابي: والله ولا لجبريل وميكائيل لو نزل من السماء ما تركها.
وقال أعرابي لنزيل نزل به: نزل بواد غير ممطور ورجل بك غير مسرور، فأقم بعدم أو ارحل بندم.
وللحمدوني:
رأيت أبا زرارة قال يوما ... لحاجبه وفي يده الحسام
لئن وضع الخوان ولاح شخص ... لاختطفن رأسك والسلام
فقال سوى أبيك فذاك شيخ ... بغيض ليس يردعه الكلام
فقام وقال من حنق إليه ... ببيت لم يرد فيه القيام
أبي وابنا أبي والكلب عندي ... بمنزلة إذا حضر الطعام
وقال له أبن لي يا ابن كلب ... على خبزي أصادر أو أضام
إذا حضر الطعام فلا حقوق ... علي لوالديّ ولا ذمام
فما في الأرض أقبح من خوان ... عليه الخبز يحضره الزحام
فأين هذا من القائل:
بخيل يرى في الجود عارا وإنما ... يرى المرء عارا أن يضنّ ويبخلا
إذا المرء أثرى ثم لم يرج نفعه ... صديق فلاقته المنية أوّلا
وقال آخر:
وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فليس إليه ما حييت سبيل
أرى الناس إخوان الكريم وما أرى ... بخيلا له في العالمين خليل
وقالوا: إذا سألت لئيما شيئا فعاجله ولا تدعه يفكر، فإنه كلما فكّر ازداد بعدا وقال ربعي الهمداني:
جمعت صنوف المال من كلّ وجهة ... وما نلتها إلّا بكفّ كريم
وإني لأرجو أن أموت وتنقضي ... حياتي وما عندي يد للئيم
وأنشد الجاحظ لأبي الشمقمق:
ممّن تعلمت هذا ... أن لا تجود بشي
(1/183)

أما مررت بعبدة ... لعبد حاتم طي
ومما قالته الشعراء في البخلاء وطعامهم، فمن أهجى ما قيل فيهم بيت جرير في بني تغلب:
والتغلبي إذا تنحنح للقرى ... حكّ أسته وتمثّل الأمثالا
وله أيضا فيهم:
قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج الباب والدار
قوم إذا استنبح الضيفان كلبهم ... قالوا لأمّهم بولي على النار
فتمنع البول شحّا أن تجود به ... وما تبول لهم إلّا بمقدار
والخبز كالعنبر الهندي عندهم ... والقمح خمسون إردبّا بدينار
فأين هؤلاء من الذي قال فيه الشاعر:
أبلج بين حاجبيه نوره ... إذا تغدى رفعت ستوره
وقال بعضهم في بخيل:
أتانا بخيل بخبز له ... كمثل الدراهم في رقته
إذا ما تنفس حول الخوان ... تطاير في البيت من خفّته
وقال آخر:
تراهم خشية الأضياف خرسا ... يقيمون الصلاة بلا أذان
وقال آخر وقد بات عند بخيل:
فبتنا كأنّا بينهم أهل مأتم ... على ميّت مستودع بطن ملحد
يحدّث بعضا بعضنا بمصابه ... ويأمر بعضا بعضنا بالتجلد «1»
وقال آخر:
وجيرة لا ترى في الناس مثلهم ... إذا يكون لهم عيد وإفطار
إن يوقدوا يوسعونا من دخانهم ... وليس يبلغنا ما تطبخ النار
وقال آخر وأجاد:
فصدّق أيمانه إن قال مجتهدا ... لا والرغيف فذاك البرّ من قسمه
فإن هممت به فاعبث بخبزته ... فإنّ موقعها من لحمه ودمه
قد كان يعجبني لو أنّ غيرته ... على جرادقه «2» كانت على حرمه
وقال آخر:
ذهب الكرام فلا كرام ... وبقي العضاريط اللّئام
من لا يقيل ولا يني ... ل ولا يشمّ له طعام
وقال آخر:
خليلي من كعب أعينا أخاكما ... على دهره إنّ الكريم معين
ولا تبخلا بخل ابن قزعة إنه ... مخافة أن يرجى نداء حزين
إذا جئته في حاجة سدّ بابه ... فلم تلقه إلّا وأنت كمين «3»
وقال آخر:
له يومان يوم ندى ويومّ ... يسل السيف فيه من القراب «4»
فأما جوده فعلى قحاب ... وأما سيفه فعلى الكلاب
وقال آخر:
زففت إلى نبهان من صفو فكرتي ... عروسا غدا بطن الكتاب لها صدرا
فقبّلها عشرا وهام بحبها ... فلما ذكرت المهر طلّقها عشرا
(1/184)

وقال آخر:
لو عبر البحر بأمواجه ... في ليلة مظلمة باردة
وكفّه مملوءة خردلا ... ما سقطت من كفّه واحدة «1»
وقال آخر:
يا قائما في داره قاعدا ... من غير معنى لا ولا فائدة
قد مات أضيافك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائدة
وقال آخر:
نوالك دونه شوك القتاد ... وخبزك كالثريا في البعاد «2»
فلو أبصرت ضيفا في منام ... لحرمت الرّقاد إلى العباد
وقال آخر:
لا تعجبنّ لخبز زلّ من يده ... فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا
وقال ابن أبي حازم:
وقالوا قد مدحت فتى كريما ... فقلت وكيف لي بفتى كريم
بلوت ومرّ بي خمسون حولا ... وحسبك بالمجرب من عليم
فلا أحد يعدّ ليوم خير ... ولا أحد يجود على عديم «3»
ومن رؤساء أهل البخل محمد بن الجهم، وهو الذي قال: وددت لو أن عشرة من الفقهاء وعشرة من الخطباء وعشرة من الشعراء وعشرة من الأدباء تواطأوا على ذمي واستسهلوا شتمي حتى ينتشر ذلك في الآفاق، فلا يمتد إلي أمل آمل ولا يبسط نحوي رجاء راج. وقال له أصحابه يوما إنّا نخشى أن نقعد عندك فوق مقدار شهوتك، فلو جعلت لنا علامة نعرف بها وقت استثقالك لمجالستنا، فقال: علامة ذلك أن أقول يا غلام هات الغداء.
وقال عمر بن ميمون مررت ببعض طرق الكوفة فإذا أنا برجل يخاصم جارا له، فقلت: ما بالكما؟ فقال أحدهما:
إن صديقا لي زارني فاشتهى رأسا فاشتريته وتغدينا وأخذت عظامه فوضعتها على باب داري أتجمل بها فجاء هذا فأخذها ووضعها على باب داره يوهم الناس أنه هو الذي اشترى الرأس.
قال رجل من البخلاء لأولاده: اشتروا لي لحما، فاشتروه، فأمر بطبخه فلما استوى أكله جميعه حتى لم يبق في يده إلا عظمة، وعيون أولاده ترمقه «4» . فقال ما أعطي أحدا منكم هذه العظمة حتى يحسن وصف أكلها. فقال ولده الأكبر: أمشمشها يا أبت وأمصها حتى لا أدع للذر «5» فيها مقيلا «6» قال: لست بصاحبها.
فقال الأوسط: ألوكها يا أبت وألحسها حتى لا يدري أحد لعام هي أم لعامين. قال لست بصاحبها.
فقال الأصغر: يا أبت أمصها ثم أدقها وأسفها سفا.
قال: أنت صاحبها، وهي لك زادك الله معرفة وحزما.
ووقف أعرابي على باب أبي الأسود وهي يتغدى، فسلم فرد عليه ثم أقبل على الأكل ولم يعزم عليه، فقال له الأعرابي: أما أني قد مررت بأهلك، قال: كذلك كان طريقك. قال: وامرأتك حبلى، قال: كذلك كان عهدي بها. قال: قد ولدت، قال: كان لا بد لها أن تلد. قال:
ولدت غلامين. قال: كذلك كانت أمها. قال: مات أحدهما. قال: ما كانت تقوى على إرضاع اثنين. قال: ثم مات الآخر. قال: ما كان ليبقى بعد موت أخيه. وقال:
ماتت الأم. قال: حزنا على ولديها. قال: ما أطيب طعامك. قال: لأجل ذلك أكلته وحدي وو الله لا ذقته يا أعرابي.
وقيل: خرج أعرابي قد ولّاه الحجاج بعض النواحي فأقام بها مدة طويلة، فلما كان في بعض الأيام ورد عليه أعرابي من حيه فقدم إليه الطعام وكان إذ ذاك جائعا، فسأله عن أهله وقال: ما حال ابني عمير؟ قال: على ما تحب قد
(1/185)

ملأ الأرض والحي رجالا ونساء. قال: فما فعلت أم عمير؟ قال: صالحة أيضا. قال: فما حال الدار؟ قال:
عامرة بأهلها. قال: وكلبنا إيقاع؟ قال: قد ملأ الحي نبحا، قال: فما حال جملي زريق؟ قال: على ما يسرك.
قال: فالتفت إلى خادمه وقال: ارفع الطعام فرفعه ولم يشبع الأعرابي ثم أقبل عليه يسأله وقال: يا مبارك الناصية أعد علي ما ذكرت، قال: سل عما بدا لك، قال: فما حال كلبي إيقاع؟ قال: مات. قال: وما الذي أماته؟ قال:
اختنق بعظمة من عظام جملك زريق فمات. قال: أو مات جملي زريق؟ قال: نعم. قال: وما الذي أماته؟ قال: كثرة نقل الماء إلى قبر أم عمير. قال: أو ماتت أم عمير؟ قال:
نعم. قال: وما الذي أماتها؟ قال: كثرة بكائها على عمير.
قال: أو مات عمير؟ قال: نعم. قال: وما الذي أماته؟
قال: سقطت عليه الدار. قال: أو سقطت الدار؟ قال:
نعم. قال: فقام له بالعصا ضاربا فولى من بين يديه هاربا.
وحكى بعضهم قال: كنت في سفر فضلك عن الطريق فرأيت بيتا في الفلاة فأتيته، فإذا به أعرابية فلما رأتني قالت: من تكون؟ قلت: ضيف. قالت: أهلا ومرحبا بالضيف، إنزل على الرحب والسعة، قال: فنزلت فقدمت لي طعاما فأكلت، وماء فشربت، فبينما أنا على ذلك إذ أقبل صاحب البيت فقال: من هذا؟ فقالت: ضيف.
فقال: لا أهلا ولا مرحبا ما لنا وللضيف، فلما سمعت كلامه ركبت من ساعتي وسرت فلما كان من الغد رأيت بيتا في الفلاة فقصدته، فإذا فيه أعرابية فلما رأتني قالت:
من تكون؟ قلت: ضيف، قالت: لا أهلا ولا مرحبا بالضيف ما لنا وللضيف؟ فبينما هي تكلمني إذ أقبل صاحب البيت فلما رآني قال: من هذا؟ قالت: ضيف.
قال: مرحبا وأهلا بالضيف. ثم أتى بطعام حسن فأكلت وماء فشربت فتذكرت ما مر بي بالأمس فتبسمت، فقال:
مم تبسمك؟ فقصصت عليه ما اتفق لي مع تلك الأعرابية وبعلها وما سمعت منه ومن زوجته، فقال: لا تعجب إن تلك الأعرابية التي رأيتها هي أختي وإن بعلها أخو امرأتي هذه، فغلب على كلّ طبع أهله.
وحكايات هؤلاء وأمثالهم كثيرة وأخبارهم ونوادرهم شهيرة، وفيما ذكرته كفاية. وأسأل الله تعالى التوفيق والهداية إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الخامس والثلاثون في الطعام وآدابه والضيافة وآداب المضيف وأخبار الأكلة وما جاء عنهم وغير ذلك
أما إباحة الطيب من المطاعم
فقد قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
«1» وقال تعالى: يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ
«2» وقال تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ
«3» وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «محرّم الحلال كمحلّل الحرام» .
وقال عليه الصلاة والسلام: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده في مأكله ومشربه. وكان الحسن رضي الله تعالى عنه يقول: ليس في اتخاذ الطعام سرف.
وسئل الفضيل عمن يترك الطيبات من اللحم والخبيص «4» للزهد، فقال: ما للزهد وأكل الخبيص؟ ليتك تأكل وتتقي الله إن الله لا يكره أن تأكل الحلال إذا اتقيت الحرام، انظر كيف برك بوالديك وصلتك للرحم وكيف عطفك على الجار وكيف رحمتك للمسلمين وكيف كظمك للغيظ وكيف عفوك عمن ظلمك وكيف إحسانك إلى من أساء إليك وكيف صبرك واحتمالك للأذى، أنت إلى إحكام هذا أحوج من ترك الخبيص.
وأما نعوت الأطعمة وما جاء في فيها
فقد نقل عن الرشيد أنه سأل أبا الحارث عن الفالوذج واللوزينج أيهما أطيب، فقال: يا أمير المؤمنين لا أقضي على غائب. فأحضرهما إليه، فجعل يأكل من هذا لقمة ومن هذا لقمة ثم قال: يا أمير المؤمنين كلّما أردت أن أقضي لأحدهما أتى الآخر بحجته.
(1/186)

واختلف الرشيد وأم جعفر في الفالوذج واللوزينج أيهما أطيب فحضر أبو يوسف القاضي فسأله الرشيد عن ذلك فقال: يا أمير المؤمنين لا يقضى على غائب فأحضرهما فأكل حتى اكتفى، فقال له الرشيد: احكم. قال: قد اصطلح الخصمان يا أمير المؤمنين. فضحك الرشيد وأمر له بألف دينار، فبلغ ذلك زبيدة فأمرت له بألف دينار إلا دينارا.
وسمع الحسن البصري رجلا يعيب الفالوذج فقال:
لباب البر بلعاب النحل بخالص السمن ما أظن عاقلا يعيبه. وقال الأصمعي: أول من صنع الفالوذج عبد الله بن جدعان. وأتي أعرابي بفالوذج فأكل منه لقمة فقيل له: هل تعرف هذا؟ فقال: هذا وحياتك الصراط المستقيم.
وكان أحب الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللحم. وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة اللحم. وكان صلى الله عليه وسلم يقول: هو سيد الطعام في الدنيا والآخرة وهو يزيد في السمع ولو سألت ربي أن يطعمنيه كل يوم لفعل. وكان صلى الله عليه وسلم يحب الدّبّاء «1» ويقول: يا عائشة إذا طبختي قدرا فأكثروا فيها من الدباء فأنها تشد القلب الحزين وهي شجرة أخي يونس.
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: عليكم بالقرع فإنه يشد الفؤاد ويزيد في الدماغ، وعليكم بالعدس فإنه يرق القلب ويغزر الدمعة.
وعن أبي رافع قال: كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: أكل التمر أمان من القولنج وشرب العسل على الريق أمان من الفالج، وأكل السفرجل يحسن الولد وأكل الرمان يصلح الكبد والزبيب يشد العصب ويذهب بالنصب والوصب «2» والكرفس يقوي المعدة ويطيب النكهة، وأطيب اللحم الكتف. وكان يديم أكل الهريسة»
وكان يأكل على سماط معاوية ويصلي خلف علي ويجلس وحده. فسئل عن ذلك فقال: طعام معاوية أدسم، والصلاة خلف علي أفضل، وهو أعلم والجلوس وحدي لي أسلم. وسميت المتوكلية بالمتوكل والمأمونية بالمأمون «4» .
وقال الحسن بن سهل يوما على مائدة المأمون: الأرز يزيد في العمر فسأله المأمون عن ذلك فقال: يا أمير المؤمنين أن طب الهند صحيح وهم يقولون أن الأرز يري منامات حسنة، ومن رأى مناما حسنا كان في نهارين.
فاستحسن قوله ووصله.
وقال أبو صفوان: الأرز الأبيض بالسمن والسكر «5» ليس من طعام أهل الدنيا. وقيل لأبي الحارث: ما تقول في الفالوذجة؟ قال: وددت لو أنها وملك الموت اعتلجا في صدري، والله لو أن موسى لقي فرعون بالفالوذجة لآمن ولكنه لقيه بعصا. وكانت العرب لا تعرف الألوان إنما كان طعامهم اللحم بطبخ بالماء والملح، حتى كان زمن معاوية رضي الله تعالى عنه فاتّخذ الألوان.
ويقال للمرقة المسخنة، بنت نارين وكان بعض المترفهين يقول: جنبوا مائدتي بنت نارين. وقالوا: كل طعام أعيد عليه التسخين مرتين فهو فاسد «6» . وقيل إذا ألقي اللحم في العسل ثم أخرج بعد شهر طريا فإنه لا يتغير «7» .
ويقال للسكباج سيد المرق وشيخ الأطعمة وزين الموائد. ويقال إذا طبخت اللحم بالخل فقد ألقيت عن معدتك ثلث المؤنة، ويقال للخبز ابن حبة. قال بعضهم:
في حبّة القلب مني ... زرعت حبّ ابن حبه
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما رفعه: «أكرموا الخبز» قالوا: وما كرامته يا رسول الله؟ قال لا ينتظر به الأدام إذا وجدتم الخبز فكلوه حتى تؤتوا بغيره. وفي
(1/187)

الحديث: «من داوم على اللحم أربعين يوما قسا قلبه ومن تركه أربعين يوما ساء خلقه» ، وقيل: المائدة التي أنزلت على بني إسرائيل كان عليها كل البقول إلا الكرّاث، وسمكة عند رأسها خل وعند ذنبها ملح وسبعة أرغفة على كل واحد زيتون وحب رمان.
ودخل ابن قزعة يوما على عز الدولة وبين يديه طبق فيه موز فتأخر عن استدعائه، فقال ما بال مولانا ليس يدعوني إلى الفوز بأكل الموز؟ فقال: صفه حتى أطعمك منه فقال: ما الذي أصف من حسن لونه، فيه سبائك ذهبية كأنها حشيت زبدا وعسلا، أطيب الثمر كأنه مخ الشحم، سهل المقشرلين المكسر عذب المطعم بين الطعوم، سلس في الحلقوم، ثم مد يده وأكل.
وسمع رجلا يذم الزبد فقال له: ما الذي ذممت منه سواد لونه أم بشاعة طعمه أم صعوبة مدخله أم خشونة ملمسه؟
وقيل له: ما تقول في الباذنجان فقال: أذناب المحاجم وبطون العقارب وبزور الزقوم. قيل له أنه يحشى باللحم فيكون طيبا، فقال لو حشي بالتقوى والمغفرة ما أفلح.
وصنع الحجاج وليمة واحتفل فيها ثم قال لزاذان: هل عمل كسرى مثلها؟ فاستعفاه، فأقسم عليه فقال: أو لم عبد عند كسرى فأقام على رؤوس الناس ألف وصيفة، في يد كل واحد إبريق من ذهب. فقال الحجاج: أف والله ما تركت فارس لمن بعدها من الملوك شرفا.
وأهدى رجل إلى آخر فالوذجة زنخة وكتب إليه: إني اخترت لعملها السكر السوسي والعسل المارداني والزعفران الأصبهاني، فأجابه: والله العظيم ما عملت إلا قبل أن توجد أصبهان وقبل أن تفتح السوس وقبل أن يوحي ربك إلى النحل.
وقيل أن أبا جهنم بن عطية كان عينا لأبي مسلم الخولاني على المنصور، فأحس المنصور بذلك فطاوله الحديث يوما حتى عطش، فاستسقى فدعا له بقدح من سويق اللوز فيه السم فناوله إياه فشرب منه فما بلغ داره حتى مات، فقيل في ذلك:
تجنّب سويق اللوز لا تقربنّه ... فشرب سويق اللوز أردى أبا جهم
وقال أبو طالب المأموني:
فما حملت كفّ أمرىء متطعما ... ألذّ وأشهى من أصابع زينب
وأصابع زينب «1» ضرب من الحلوى يعمل ببغداد، يشبه أصابع النساء المنقوشة. ودخل السائب على علي رضي الله تعالى عنه في يوم شات، فناوله قدحا فيه عسل وسمن ولبن، فأباه «2» فقال أما أنك لو شربته لم تزل دفئا شبعان سائر يومك.
وعن نافع بن أبي نعيم قال: كان أبو طالب يعطي عليا قدحا من اللبن يصبه على اللات، فكان علي يشرب اللبن ويبول على اللات.
وأما الزهد في المآكل:
فقد زهد فيه كثير من الأخيار مع القدرة عليه، ومنهم من لا يقدر عليه. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها، والذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق ما كان لنا منخل ولا أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم خبزا منخولا منذ بعثه الله تعالى إلى أن قبض، قيل: فكيف كنتم تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نقول أف أف.
وعن جابر رضي الله تعالى عنه رفعه: نعم الأدم الخل وكفى بالمرء سرفا أن يتسخط ما قرب إليه. وقال عمر رضي الله تعالى عنه: ما اجتمع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أدمان إلا أكل أحدهما وتصدق بالآخر. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها ما كان يجتمع لونان في لقمة في فم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان لحما لم يكن خبزا وإن كان خبزا لم يكن لحما.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يا علي ابدأ بالملح واختم به فإن فيه شفاء من سبعين داء. وروي أن نبيا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام شكا إلى الله الضعف فأمره أن يطبخ اللحم باللبن فإن القوة فيهما. وسنذكر فضل الزهد في المآكل والمشارب في باب مدح الفقراء إن شاء الله تعالى.
وأما ما جاء في آداب الأكل
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال عند مطعمه ومشربه بسم الله خير الأسماء بسم الله رب الأرض والسماء لم يضره ما أكل وما شرب» . وكان صلى الله عليه وسلم إذا وضع بين يديه الطعام قال: بسم الله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وعليك خلفه.
(1/188)

وقال صلى الله عليه وسلم: من أكل طعاما فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن لبس ثوبا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي في أوله فليقل بسم الله أوله وآخره. وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب، وقال صلى الله عليه وسلم الأكل في السوق دناءة.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائما قال: فسألناه عن الأكل قائما فقال: هو شر من الشرب.
وأوصى رجل من خدم الملوك ابنه فقال إذا أكلت فضم شفتيك، ولا تلتفتن يمينا ولا شمالا ولا تلقمن بسكين ولا تجلس فوق من هو أشرف منك وأرفع منزلة، ولا تبصق في الأماكن النظيفة. ومن هذا ما رواه الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النفخ في الطعام والشراب.
وقال علي رضي الله تعالى عنه: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤكل الطعام حارّا. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم طعاما قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه. وقال عمر بن هبيرة: عليكم بمباكرة الغداء فإن مباكرته تطيب النكهة وتعين على المروءة، قيل وما إعانته على المروءة؟ قال: أن لا تتوق نفسك إلى طعام غيرك.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أكل من سقط المائدة عاش في سعة وعوفي في ولده وولد ولده من الحمق، وعنه صلى الله عليه وسلم:
من سقط شيئا من الطعام فأكله حرم الله جلده على النار.
وكان الحارث بن كلدة يقول: إذا تغدى أحدكم فلينم على غدائه، وإذا تعشى فليخط أربعين خطوة. وقيل: خير الغداء بواكره وخير العشاء سوافره «1» .
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتبع الرجل بصره لقمة أخيه. وقال الحجاج لأعرابي يوما على سماطه: أرفق بنفسك، فقال:
وأنت يا حجاج اغضض من بصرك. وقال معاوية لرجل على مائدته: خذ الشعرة من لقمتك فقال: وإنك تراعيني مراعاة من يرى الشعرة في لقمتي، لا أكلت لك طعاما أبدا. ووضع معاوية بين يدي الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما دجاجة، ففكها، فقال معاوية: هل بينك وبين أمها عداوة؟ فقال الحسن: فهل بينك وبين أمها قرابة؟ أراد معاوية أن الحسن يوقر مجلسه كما توقر مجالس الملوك، والحسن أعلم منه بالآداب والرسوم المستحسنة رضي الله تعالى عنهما.
وأحضر أعرابيّ على مائدة بعض الخلفاء فقدم جدي مشوي فجعل الأعرابي يسرع في أكله منه، فقال له الخليفة أراك تأكله بحرد كأن أمه نطحتك، فقال: أراك تشفق عليه كأن أمه أرضعتك.
وأما ما جاء في كثرة الأكل
فقد روي عن حذيفة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
من قل طعامه صح بطنه وصفا قلبه، ومن كثر طعامه سقم بطنه «2» وقسا قلبه. وعنه صلى الله عليه وسلم: لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب فإن القلب كالزرع إذا كثر عليه الماء مات.
وقال صلى الله عليه وسلم: ما زين الله رجلا بزينة أفضل من عفاف بطنه. وقال عمرو بن عبيد: ما رأيت الحسن ضاحكا إلا مرة واحدة، قال رجل من جلسائه ما آذاني طعام قط، فقال له آخر: أنت لو كانت في معدتك الحجارة لطحنتها.
وقال علي كرم الله وجهه: «البطنة «3» تذهب الفطنة» .
وقال ابن المقفع: كانت ملوك الأعاجم إذا رأت الرجل نهما شرها أخرجوه من طبقة الجدّ إلى باب الهزل، ومن باب التعظيم إلى باب الاحتقار. وتقول العرب أقلل طعاما تحمد مناما، وكانت العرب تعير بعضها بكثرة الأكل وأنشدوا:
لست بأكّال كأكل العبد ... ولا بنوام كنوم الفهد
وأنشد الأصمعي لرجل من بني فهد:
إذا لم أزر إلا لآكل أكلة ... فلا رفعت كفي إلي طعامي
فما أكلة إن نلتها بغنيمة ... ولا جوعة إن جعتها بغرام «4»
(1/189)

وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشتري غلاما فألقى بين يديه تمرا فأكل فأكثر فقال صلى الله عليه وسلم:
إن كثرة الأكل شؤم. وقالوا: الوحدة خير من الجليس السوء، والجليس السوء خير من الأكيل السوء. وشكا أبو العيناء إلى صديق له سوء الحال، فقال: أشكر، فإن الله قد رزقك الإسلام والعافية، قال: أجل، ولكن بينهما جوع يقلقل الكبد.
ودعت أبا الحارث حبيبة له، فحادثته ساعة، فجاع فطلب الأكل فقالت له: أمّا في وجهي ما يشغلك عن الأكل، قال: جعلت فداءك لو أن جميلا وبثينة قعدا ساعة لا يأكلان لبصق كل منهما في وجه صاحبه وافترقا.
وأما أخبار الأكلة
فقد قيل إن وهب بن جرير سأل ميسرة البراش عن أعجب ما أكل، فقال: أكلت مائة رغيف بمكوك بلح.
ومرّ ميسرة المذكور يوما بقوم وهو راكب حمارا، فدعوه للضيافة، فذبحوا له حماره وطبخوه، وقدموه له، فأكله كله، فلما أصبح طلب حماره ليركبه، فقيل له: هو في بطنك.
وقال المعتمر بن سليمان: قلت لهلال المازني: ما أكلة بلغتني عنك، قال: جعت مرة ومعي بعير لي، فنحرته وشويته وأكلته، ولم أبق منه إلا شيئا يسيرا حملته على ظهري، فلما كان الليل أردت أن أجامع أمة لي، فلم أقدر أن أصل إليها، فقالت كيف تصل إليّ وبيننا جمل، فقلت له: كم تكفيك هذه الأكلة، فقال: أربعة أيام.
وقال الأصمعي أن سليمان بن عبد الملك كان شرها نهما وكان من شرهه أنه إذا أتى بالسفود وعليه الدجاج السمين المشوي لا يصبر إلى أن يبرد، ولا أن يؤتى بمنديل، فيأخذ بكمه، فيأكل واحدة واحدة حتى يأتي عليها، فقال الرشيد: ويحك يا أصمعي ما أعلمك بأخبار الناس إني عرضت على جباب سليمان، فرأيت فيها آثار الدهن، فظننته طيبا حتى حدثتني، ثم أمر لي بجبة منها، فكنت إذا لبستها أقول هذه جبة سليمان بن عبد الملك.
وقال الشمردل وكيل عمرو بن العاص: قدم سليمان بن عبد الملك الطائف، فدخل هو وعمر بن عبد العزيز إليّ، وقال: يا شمردل: ما عندك ما تطعمني؟ قلت: عندي جدي كأعظم ما يكون سمنا، قال: عجّل به فأتيته به كأنه عكة سمن «1» ، فجعل يأكل منه ولا يدعو عمر حتى إذا لم يبق منه إلا فخذا قال: هلم يا أبا جعفر، فقال: إني صائم فأكله، ثم قال: يا شمردل: ويلك أما عندك شيء؟ قلت:
ست دجاجات كأنهن أفخاذ نعام، فأتيته بهن فأتى عليهن، ثم قال: يا شمردل أما عندك شيء؟ قلت: سويق كأنه قراضة الذهب، فأتيته به، فعبه حتى أتى عليه، ثم قال يا غلام: أفرغت من غذائنا؟ قال: نعم. قال: ما هو؟
قال: نيف وثلاثون قدرا، قال: ائتني بقدر قدر، فأتاه بها ومعه الرقاق، فأكل من كل قدر ثلثه، ثم مسح يده واستلقى على فراشه وأذن للناس فدخلوا، وصف الخوان، فقعد وأكل مع الناس. وكان هلال بن الأسعر يضع القمع على فيه ويصب اللبن أو النبيذ، وكان غليظا عتلا «2» . وقال أعرابي لرجل رآه سمينا: أرى عليك قطيفة من نسج أضراسك.
وقال المحمر الأعرابي: كانت لي بنت تجلس على المائدة فتبرز كفّا كأنها صلفة «3» في ذراع كأنه جمارة «4» ، فلا تقع عينها على لقمة نفيسة إلا خصتني بها، فكبرت وزوجتها، وصرت أجلس على المائدة مع ابن لي فيبرز كفا كأنها كرنافة «5» ، فوالله لن تسبق عيني إلى لقمة طيبة إلا سبقت يده إليها.
وقال مسلم بن قتيبة: عددت للحاج أربعة وثمانين رغيفا مع كل رغيف سمكة. ويقال: فلان يحاكي حوت يونس في جودة الالتقام، وعصا موسى في سرعة الالتهام.
وقيل لأبي مرة: أي الطعام أحب إليك؟ قال: لحم سمين وخبز سميد أضرب فيه ضرب ولي السوء في مال اليتيم. وقال صدقة بن عبيد المازني: أولم لي أبي لما تزوجت، فعمل عشر جفان ثريد من جزور، فكان أول من جاءنا هلال المازني، فقدمنا له جفنة مترعة، فأكلها، ثم أخرى، فأكلها، حتى أتى على الجميع، ثم أتى بقربة مملوءة من النبيذ، فوضع طرفها في شدقه وفرغها في جوفه، ثم قام فخرج واستأنفنا عمل الطعام. وكان عبيد الله بن زياد يأكل في كل يوم خمس أكلات، فخرج يوما يريد الكوفة، فقال له رجل من بني شيبان: الغداء أصلح الله الأمير، فنزل، فذبح له عشرين طائرا من الأوز، فأكلها، ثم قدم الطعام، فأكل، ثم أتي بزنبيلين في أحدهما تين، وفي الآخر بيض، فجعل يأكل من هذا تينة، ومن
(1/190)

هذا بيضة حتى أتى على ذلك جميعه، ثم رجع وهو جائع.
وكان ميسرة البراش يأكل الكبش العظيم ومائة رغيف، فذكر ذلك للمهدي، فقال: دعوت يوما بالفيل وأمرت، فألقي إليه رغيف رغيف، فأكل تسعة وتسعين، وألقي إليه تمام المائة، فلم يأكله.
وحدث الشيخ نبيه الدين الجوهري أنه سمع الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام يقول: إن معاوية بن أبي سفيان كان يأكل في كل يوم مائة رطل بالدمشقي ولا يشبع. ونزل رجل بصومعة راهب، فقدم إليه الراهب أربعة أرغفة، وذهب ليحضر إليه العدس، فحمله وجاء، فوجده قد أكل الخبز، فذهب، فأتى بخبز فوجده قد أكل العدس، ففعل معه ذلك عشر مرات، فسأله الراهب: أين مقصدك؟ قال: إلى الأردن. قال: لماذا؟ قال: بلغني أن بها طبيبا حاذقا أسأله عما يصلح معدتي، فإني قليل الشهوة للطعام، فقال له الراهب: إن لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: إذا ذهبت وأصلحت معدتك، فلا تجعل رجوعك عليّ.
وأما المهازلة على الطعام:
فقد روي عن يحيى بن عبد الرحمن رضي الله تعالى عنه قال: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: كان عندي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسودة فصنعت حريرة، فجئت به، فقلت لسودة: كلي، فقالت: لا أحبه، فقلت: والله لتأكلين أو لألطخن وجهك، فقالت: ما أنا بذائقته، فأخذت من الصحفة شيئا، فلطخت به وجهها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بيني وبينها، فتناولت من الصحفة شيئا، فلطخت به وجهها، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك.
واشترى غندر يوما سمكا وقال لأهله: أصلحوه، ونام، فأكل عياله السمك ولطخوا يده، فلما انتبه قال: قدّموا إليّ السمك، قالوا: قد أكلت. قال: لا، قالوا: شم يدك، ففعل، فقال: صدقتم، ولكن ما شبعت. ودخل الحمدوني على رجل وعنده أقوام بين أيديهم أطباق الحلوى ولا يمدون أيديهم، فقال: لقد ذكرتموني ضيف إبراهيم وقول الله تعالى: فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً
«1» ثم قال: كلوا رحمكم الله فضحكوا، وأكلوا. والحكايات في ذلك كثيرة.
وأما الضيافة وإطعام الطعام:
فقد قال الله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ
الْمُكْرَمِينَ 24
«2» وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ولا يؤذ جاره» . وقال صلى الله عليه وسلم: «من أكل وذو عينين ينظر إليه ولم يواسه ابتلي بداء لا دواء له» .
وقال الحسن: كنا نسمع أن إحدى مواجب الرحمة إطعام الأخ المسلم الجائع. وقيل لإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام: بم اتخذك الله خليلا؟ قال: بثلاث: ما خيرت بين شيئين إلا اخترت الذي لله على غيره، ولا اهتممت بما تكفل لي به، ولا تغديت ولا تعشيت إلا مع ضيف.
ويقولون: ما خلا مضيف الخليل عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا ليلة واحدة من ضيف.
وكان الزهري إذا لم يأكل أحد من أصحابه من طعامه حلف لا يحدثه عشرة أيام. وقالوا: المائدة مرزوقة. أي من كان مضيافا وسع الله عليه، وقالوا: أول من سن القرى إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، وأول من ثرد الثريد وهشمه هاشم، وأول من أفطر جيرانه على طعامه في الإسلام عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو أول من وضع موائده على الطريق، وكان إذا خرج من بيته طعام لا يعود منه شيء، فإن لم يجد من يأكله تركه على الطريق.
وقيل لبعض الكرماء: كيف اكتسبت مكارم الأخلاق، والتأدب مع الأضياف؟ فقال: كانت الأسفار تحوجني إلى أن أفد على الناس، فما استحسنته من أخلاقهم اتبعته وما استقبحته اجتنبته.
وأما آداب المضيف
فهو أن يخدم أضيافه ويظهر لهم الغنى وبسط الوجه.
فقد قيل: البشاشة في الوجه خير من القرى، قالوا:
فكيف بمن يأتي بها وهو ضاحك؟ وقد ضمن الشيخ شمس الدين البديوي رحمه الله هذا الكلام بأبيات، فقال:
إذا المرء وافى منزلا منك قاصدا ... قراك وأرمته لديك المسالك
فكن باسما في وجهه متهلّلا ... وقل مرحبا أهلا ويوم مبارك
وقدّم له ما تستطيع من القرى ... عجولا ولا تبخل بما هو هالك
فقد قيل بيت سالف متقدّم ... تداوله زيد وعمرو ومالك
(1/191)

بشاشة وجه المرء خير من القرى ... فكيف بمن يأتي به وهو ضاحك
وقالت العرب: تمام الضيافة الطلاقة عند أول وهلة وإطالة الحديث عند المؤاكلة، وقال حاتم الطائي:
سلي الطارق المعتّر يا أمّ مالك ... إذا ما أتاني بين ناري ومجزري «1»
أأبسط وجهي إنه أول القرى ... وأبذل معروفي له دون منكري
وقال آخر في عبد الله بن جعفر:
إنك يا ابن جعفر خير فتى ... وخيرهم لطارق إذا أتى «2»
ولله در القائل:
الله يعلم أنّه ما سرّني ... شيء كطارقة الضيوف النزّل
ما زلت بالترحيب حتى خلتني ... ضيفا له والضيف ربّ المنزل
أخذه من قول الشاعر:
يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا ... نحن الضيوف وأنت ربّ المنزل
وما أحسن ما قال سيف الدولة بن حمدان:
منزلنا رحب لمن زاره ... نحن سواء فيه والطارق
وكلّ ما فيه حلال له ... إلّا الذي حرّمه الخالق
وقال الأصمعي: سألت عيينة بن وهب الدارمي عن مكارم الأخلاق فقال: أو ما سمعت قول عاصم بن وائل:
وإنّا لنقري الضيف قبل نزوله ... ونشبعه بالبشر من وجه ضاحك
وقال بعض الكرام:
أضاحك ضيفي قبل أن أنزل رحله ... ويخصب عندي والمحلّ جديب
وما الخصب للأضياف أن تكثر القرى ... ولكنّما وجه الكريم خصيب
وقال آخر:
عودت نفسي إذا ما الضيف نبّهني ... عقر العشار على عسر وإيسار «3»
ومن آداب الضيف أن يتفقد دابة ضيفه ويكرمها قبل إكرام الضيف قال الشاعر:
مطية الضيف عندي تلو صاحبها ... لن يأمن الضيف حتى تكرم الفرسا
وقال علي بن الحسين رضي الله تعالى عنها: من تمام المروءة خدمة الرجل ضيفه كما خدمهم أبونا إبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه بنفسه وأهله. أما سمعت قول الله عز وجل؟ وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ
«4» . ومن آداب المضيف أن يحدث أضيافه بما تميل إليه نفوسهم، ولا ينام قبلهم، ولا يشكو الزمان بحضورهم، ويبش عند قدومهم، ويتألم عند وداعهم، وأن لا يحدث بما يروعهم به.
كما حكى بعضهم قال: استدعاني إسحاق بن إبراهيم الظاهري إلى أكل هريسة في بكرة نهار فدخلت، فأحضرت لنا الهريسة فأكلنا، فإذا شعرة قد جاءت على لقمة غفل عنها طباخه، فاستدعى خادمه، فأسر إليه شيئا لم نعلمه، فعاد الخادم ومعه صينية مغطاة، فكشف عن الصينية، فإذا يد الطباخ مقطوعة تختلج، فتكدر علينا عيشنا وقمنا من عنده ونحن لا نعقل. فيجب على المضيف أن يراعي خواطر أضيافه كيفما أمكن ولا يغضب على أحد بحضورهم، ولا ينغص عيشهم بما يكرهونه، ولا يعبس بوجهه ولا يظهر نكدا، ولا ينهر أحدا ولا يشتمه بحضرتهم، بل يدخل على قلوبهم السرور بكل ما أمكن.
كما حكي عن بعض الكرام أنه دعا جماعة من أصحابه إلى بستانه وعمل لهم سماطا وكان له ولد جميل الطلعة، فكان الولد في أول النهار يخدم القوم ويأنسون به، ففي آخر النهار صعد إلى السطح، فسقط فمات لوقته، فحلف أبوه على أمه بالطلاق الثلاث أن لا تصرخ ولا تبكي إلى أن تصبح، فلما كان الليل سأله أضيافه عن ولده، فقال:
هو نائم، فلما أصبحوا وأرادوا الخروج قال لهم: إن رأيتم أن نصلي على ولدي، فإنه بالأمس سقط من على السطح، فمات لساعته، فقالوا له: لم لا أخبرتنا حين سألناك؟
(1/192)

فقال: ما ينبغي لعاقل أن ينغص على أضيافه في التذاذهم ولا يكدر عليهم في عيشهم، فتعجبوا من صبره وتجلده، ومكارم أخلاقه، ثم صلوا على الغلام وحضروا دفنه وبكوا عليه وانصرفوا.
وعلى المضيف أن يأمر غلمانه بحفظ نعال أضيافه وتفقد غلمانهم بما يكفيهم، ويسهل حجابه وقت الطعام ولا يمنع واردا.
وقيل لبعض الأمراء الكرام: لا بأس بالحجاب لئلا يدخل من لا يعرفه الأمير ويحترز عن العدو، فقال: إن عدوا يأكل طعامنا ولا ينخدع لا يمكّنه الله منا، الأليق بالكريم الرئيس أن يمنع حاجبه من الوقوف ببابه عند حضور الطعام، فإنه ذلك أول الشناعة عليه، وعليه أن يسهر مع أضيافه ويؤانسهم بلذيذ المحادثة وغريب الحكايات، وأن يستميل قلوبهم بالبذل لهم من غرائب الطرف إن كان من أهل ذلك، وأن يري أضيافه مكان الخلاء «1» ، فقد قيل عن ملك الهند أنه قال: إذا ضافك أحد فأره الكنيف «2» فإني ابتليت به مرة، فوضعته في قلنسوتي. وقالوا لا بأس أن يدخل دار أخيه يستطعم للصداقة الوكيدة.
وقد قصد النبي صلى الله عليه وسلم والشيخان منزل الهيثم بن التيهان وأبي أيوب الأنصاري، وكذلك كانت عادة السلف رضي الله تعالى عنهم. وكان لعون بن عبد الله المسعودي ثلاثمائة وستون صديقا، فكان يدور عليهم في السنة، ولا بأس أن يدخل الرجل بيت صديقه، فيأكل وهو غائب، فقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار بريرة رضي الله عنها، فأكل طعامها وهي غائبة.
وكان الحسن رضي الله عنه يوما عند بقال، فجعل يأخذ من هذه الجونة «3» تينة ومن هذه فستقة فيأكلها، فقال له هشام: ما بدا لك يا أبا سعيد في الورع؟ فقال له: يا لكع اتل عليّ آية الأكل، فتلا: وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ
إلى قوله: أَوْ صَدِيقِكُمْ
«4» فقال الصديق: من استروحت إليه النفس واطمأن إليه القلب، وعلى المضيف الكريم أن لا يتأخر عن أضيافه ولا يمنعه عن ذلك قلة ما في يده بل يحضر إليهم ما وجد. فقد جاء عن أنس وغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم كانوا يقدمون الكسرة اليابسة وحشف التمر. ويقولون: ما ندري أيهما أعظم وزرا الذي يحتقر ما قدم إليه أو الذي يحتقر ما عنده أن يقدمه. وعن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ألقم أخاه لقمة حلوة صرف الله عنه مرارة الموقف» .
حكي عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه كان نازلا عند الزعفراني ببغداد، فكان الزعفراني يكتب في كل يوم رقعة بما يطبخ من الألوان ويدفعها إلى الجارية، فأخذها الشافعي منها يوما وألحق فيها لونا آخر، فعرف الزعفراني ذلك، فأعتق الجارية سرورا بذلك، وكانت سنّة السلف رضي الله عنهم أن يقدموا جملة الألوان دفعة ليأكل كل شخص ما يشتهي. ومن السنّة أن يشيع المضيف الضيف إلى باب الدار، وعلى المضيف إذا قدم الطعام إلى أضيافه أن لا ينتظر من يحضر من عشيرته، فقد قيل: ثلاثة تضني:
سراج لا يضيء ورسول بطيء ومائدة ينتظر لها من يجيء، ونزل الإمام الشافعي رضي الله عنه بالإمام مالك رضي الله عنه، فصب بنفسه الماء على يديه وقال له: لا يرعك ما رأيت مني، فخدمة الضيف على المضيف فرض:
أعرض طعامك وابذله لمن أكلا ... واحلف على من أبى واشكر لمن فعلا
ولا تكن سابري العرض محتشما ... من القليل فلست الدهر محتفلا
ومن البلاء من يعزم على الضيف، فيعتذر له، فيمسك عنه بمجرد الاعتذار، كأنه تخلص من ورطة، وقيل لبعض البخلاء: ما الفرج بعد الشدة؟ قال: أن يعتذر الضيف بالصوم. ومن البخلاء من يعجبه طعامه ويصف زبادية ويشتهي أن تبقى على حالها، ومنهم من يحضر طعامه فإذا رآه ضيوفه أمر بأن يرفع منها أطيبها وأشهاها إلى النفوس، ويعتذر أن في أصحابه من يحضر بالغداة عنده.
وحكي عن بعض البخلاء أنه استأذن عليه ضيف وبين يديه خبز وزبدية فيها عسل نحل، فرفع الخبز وأراد أن يرفع العسل، فدخل الضيف من قبل أن يرفعه، فظن البخيل أن ضيفه لا يأكل العسل بلا خبز، فقال له: ترى أن تأكل عسلا بلا خبز، قال: نعم، وجعل يلعق العسل لعقة بعد لعقة، فقال له البخيل: مهلا يا أخي والله أنه يحرق القلب، قال: نعم صدقت، ولكنه قلبك.
وحكي عن بعضهم أنه قال: غلب عليّ الجوع مرة،
(1/193)

فقلت: أمضي إلى دار فلان لأتغدى عنده، فجئت إلى باب بيته، فوجدت غلامه، فقلت له: أين سيدك؟ فقال، والله لا قلت لك عليه إلا أن أعطيتني كسرة، قال: فرجعت هاربا.
ومن البخل تقديم الشيء اليسير وتفخيمه.
حكي عن بعض البخلاء أنه حلف يوما على صديقه، وأحضر له خبزا وجبنا وقال له: لا تستقل الجبن، فإن الرطل منه بثلاثة دراهم، فقال له ضيفه: أنا أجعله بدرهم ونصف، قال: وكيف ذلك؟ قال: آكل لقمة بجبن ولقمة بلا جبن، فأين هؤلاء من الذي يقول:
قالت أما ترحل تبغي الغنى ... قلت فمن للطارق المعتم
قالت فهل عندك شيء له ... قلت نعم جهد الفتى المعدم
فكم وحق الله من ليلة ... قد أطعم الضيف ولم أطعم
إنّ الغنى بالنفس يا هذه ... ليس الغنى بالمال والدرهم
وقال بعض البخلاء:
سرى نحونا يبغي القرى طاوي الحشى ... لقد علمت فيه الظنون الكواذب
فبات له منّا إلى الصّبح شاتم ... يعدد تطفيل الضيوف وضارب
فشتان ما بين القائلين.
وأما آداب الضيف
فهو أن يبادر إلى موافقة المضيف في أمور منها: أكل الطعام، ولا يعتذر بشبع بل يأكل كيف أمكن. فقد حكي أنه ورد على بعض الأعراب ضيف، فدخل به إلى بيته وقدم له الطعام، فقال الضيف لست بجائع، وإنما أحتاج إلى مكان أبيت فيه، فقال الأعرابي: إذا كان هذا، فكن ضيف غيري، فإني لا أرى أن تمدحني في البلاد وتهجوني فيما بيني وبينك.
وحكي عن بعض التجار قال: استدعاني أبو حفص محمد بن القاسم الكرخي لأعرض عليه قماشا من تجارتي، فبينما أنا بين يديه، وإذا بأطباق الفاكهة قد حضرت فقمت من مجلسه، فقال: يا فلان. ما هذا الخلق العامي؟ اجلس، فجلست وتحققت كرمه وجعلت آكل الكمثراة في لقمة والتفاحة في لقمة، ثم قدم الطعام وكنت جائعا فأكلت جيدا ثم انصرفت، فلم أشعر في اليوم الثاني إلا وقد جاءني غلامه ببغلته، فاستدعاني إليه، فقال:
يا فلان إني قليل الأكل بطيء الهضم، ولقد طابت لي مؤاكلتك بالأمس، فأريد أن لا تنقطع بعدها عني، قال، فكنت متى انقطعت حضر غلامه في طلبي، فحصل له بقربي منه مال كثير وجاه عريض.
ومن آداب الضيف أيضا أن لا يسأل صاحب المنزل عن شيء من داره سوى القبلة، وموضع قضاء الحاجة، وأن لا يتطلع إلى ناحية الحريم وأن لا يخالفه إذا أجلسه في مكان وأكرمه به، وأن لا يمتنع من غسل يديه. وإذا رأى صاحب المنزل قد تحرك بحركة فلا يمنعه منها. فقد نقل في بعض المجاميع أن بعض الكرماء كان عربيدا على أضيافه سيىء الخلق بهم، فبلغ ذلك بعض الأذكياء، فقال: الذي يظهر لي من هذا الرجل أنه كريم الأخلاق، وما أظن سوء أخلاقه إلا لسوء أدب الأضياف، ولا بد أن أتطفل عليه لأرى حقيقة أمره، قال: فقصدته وسلمت عليه، فقال: هل لك أن تكون ضيفي. قلت: نعم، فسار بين يدي إلى أن جاء إلى باب داره، فأذن لي، فدخلت، فأجلسني في صدر مجلسه، فجلست حيث أجلسني، وأعطاني مسندا، فاستندت إليه، فأخرج لي شطرنجا، وقال: أتتقن شيئا؟ قلت: نعم. فلعبت معه، فلما حضر الطعام جعل يقدم لي ما استطابه، وأنا آكل، فلما فرغنا قدم طستا وإبريقا وأراد أن يسكب الماء على يدي، فلم أمنعه من ذلك، وأراد الخروج من بين يدي بعد أن قدم نعلي، فلم أرده عن ذلك، فلما أراد الرجوع. قلت: يا سيدي أنشدك الله إلا فرجت عني كربة؟ قال: وما هي؟
فأخبرته الخبر، فقال: والله ما يحوجني لذلك إلا سوء أدبهم، يصل الضيف إلى داري، فأجلسه في الصدر، فيأبى ذلك، ثم أقدم إليه الطعام، فلا أتحفه بشيء مستظرف إلا رده عليّ، ثم أريد أن أصب الماء على يديه عند الغسل، فيحلف بالطلاق الثلاث ما تفعل، ثم أريد أن أشيعه، فلا يمكنني من ذلك، فأقول في نفسي لا يحكم الإنسان على نفسه حتى في بيته، فعند ذلك أشتمه وألعنه وأضربه.
وفي معنى ذلك يقول بعضهم:
لا ينبغي للضيف أن يعترض ... إن كان ذا حزم وطبع لطيف
فالأمر للإنسان في بيته ... إن شاء أن ينصف أو أن يحيف
(1/194)

ومما يعاب على الضيف أمور منها كثرة الأكل المفرط، إلا أن يكون بدويا، فإنها عادته، ومنها أن يتتبع طريق الشرهين كمن يتخذ معه خريطة مشمعة يقلب فيها الزبادي والأمراق والحلوى وغير ذلك، ومنها أن يأخذ معه ولده الصغير ويعلمه أن يبكي وقت الانصراف من الطعام ليعطى على اسم ولده الصغير.
ومنها قبح المؤاكلة، وقد عد فيها عيوب كثيرة، فمنها:
المتشاوف والعداد والجراف والرشاف والنفاض والقراض والبهات واللتات والعوام والقسام والمخلل والمزبد والمرنخ والمرشش والمفتش والمنشف والملبب والصباغ والنفاخ والحامي والمجنح والشطرنجي والمهندس والمتمني والفضولي.
فأما المتشاوف: فهو الذي يستحكم جوعه قبل فراغ الطعام، فلا تراه إلا متطلعا لناحية الباب يظن أن ما دخل هو الطعام.
وأما العداد، فهو الذي يستغرق في عد الزبادي ويعد على أصابعه، ويشير إليه، وينسى نفسه.
والجراف: هو الذي يجعل اللقم في جانب الزبدية ويجرف بها إلى الجانب الآخر.
والرشّاف: هو الذي يجعل اللقمة في فيه ويرتشفها، فيسمع لها حين البلع حس لا يخفى على جلسائه، وهو يلتذ بذلك.
والنفّاض: هو الذي يقرض اللقمة بأطراف أسنانه حتى يهذبها ويضعها في الطعام بعد ذلك.
والبهات: هو الذي يبهت في وجوه الآكلين حتى يبهتهم، ويأخذ اللحم من بين أيديهم.
واللتات: هو الذي يلت اللقمة بأطراف أصابعه قبل وضعها في الطعام.
والعوام: هو الذي يميل ذراعيه يمنة ويسرة لأخذ الزبادي.
والقسام: هو الذي يأكل نصف اللقمة ويعيد باقيها في الطعام من فيه.
والمخلل: هو الذي يخلل أسنانه بأظفاره، والمزبد: هو الذي يحمل معه الطعام.
والمرنخ: هو الذي يرنخ اللقمة في الأمراق، فلا يبلغ الأولى حتى تلين الثانية.
والمرشش: هو الذي يفسخ الدجاج بغير خبرة فيرش على مؤاكليه.
والمفتش: هو الذي يفتش على اللحم بأصابعه. والمنشف: هو الذي ينشف يديه من الدهن باللقم ثم يأكلها.
والملبب: هو الذي يملأ الطعام لبابا.
والصباغ: هو الذي ينقل الطعام من زبدية إلى زبدية ليبرده.
والنفاخ: هو الذي ينفخ في الطعام.
والحامي: هو الذي يجعل اللحم بين يديه فيحميه من مؤاكليه.
والمجنح: هو الذي يزاحم مؤاكليه بجناحيه حتى يفسح له في المجلس، فلا يشق عليه الأكل.
والشطرنجي: هو الذي يرفع زبدية ويضع زبدية أخرى مكانها.
والمهندس: هو الذي يقول لمن يضع الزبادي ضع هذه هنا وهذه ههنا، حتى يأتي قدامه ما يحب.
والمتمني: هو الذي يقول: ليتني لم يكن معي من يأكل.
والفضولي: هو الذي يقول لصاحب المنزل عند فراغ الطعام، إن كان قد بقي عندك في القدور شيء، فأطعم الناس، فإن فيهم من لم يأكل.
ومن الأضياف من لا يلذ له حديث إلا وقت غسل يديه، فيبقى الغلام واقفا والإبريق في يده والناس ينتظرونه.
ومنهم من يغسل يديه بالأشنان مرة واحدة، فإذا اجتمع الوسخ والزفر تسوك بهما. ومنهم من يدخل الدار فيبتدىء بالهندسة أولا، فيقول كان ينبغي أن يكون باب المجلس من ههنا، والإيوان كان ينبغي أن يكون من ههنا، وينتقل من الهندسة إلى ترتيب المجلس، فينقل الفاكهة من موضعها إلى موضع آخر، وإن كان قد استحكم جوعه استعفى من الطعام، وذهل عن بقية الأضياف وشدة جوعهم. ومنهم من يخرج فيطوف على أصدقاء صاحب الدعوة، فيتألم عن انقطاعهم ويستوحش من غيبتهم ويسلطهم على عرض صاحبهم.
ولقد حكي عن مغن غير مجيد أنه لم يبطل ولا ليلة واحدة، وما ذاك إلا أنه كان إذا سئل أين كنت قال: كنت عند الناس، وطذا قيل له: أين أكلت؟ قال: أكلت في بطني، وإذا قيل له: أين شربت؟ قال: شربت في فمي.
ومنهم من يفهم عن صاحب الدعوة أنه يقول لغلامه اشتر كذا، فيقول، والله العظيم أو الطلاق الثلاث يلزمه ما يشتري شيئا فأذوقه، فيعجز صاحب المنزل ويخجله إذا لم
(1/195)

يكن في بيته شيء موجود، وليت شعري إذا كان لا يأكل فلأي شيء حضر.
ومنهم من يرى صاحب البيت قد أسرّ إلى صديقه شيئا، فيقول: ما الذي قال المولى لصاحبنا، وهو لا يريد أن يعلمه، ومنهم من يستعجل صاحب المنزل بالأكل ويشكو الجوع ويظن أن ذلك بسط مكارم أخلاق، وإنما ذلك يكون في بيته لا في بيوت الناس.
ومنهم من يقول لصاحب الدعوة: من يغني لنا، فيقول فلان، فيقول له: غلطت لم لا دعوت فلانا.
ومنهم من يسأل صاحب البيت، كيف قوته في النكاح، فيقول له: أنا رجل كبير قد ضعفت قوتي وشهوتي، أو يقول ما لي قوة طائلة في ذلك، فيقول: أنا والله كلما مر عليّ عام تزايدت شهوتي وكثر لهذا الفن تشوّفي «1» ، ويعلن بذلك حتى تسمعه صاحبة البيت.
ومنهم من يشكو حاله مع أهل بيته ويذكر نفقته عليهن وكسوته لهن وكثرة إنعامه وإحسانه إليهن، وما عليه زوجته من سوء الأخلاق وكبر النفس، لتستقل زوجة صاحب البيت ما هي فيه مع زوجها، وربما كان ذلك سببا لفراقها منه.
ومنهم من تعجبه نفسه ويستحسن لباسه، ويستطيب رائحته، وإذا سمع الغناء تواجد، وأظهر الطرب، وحرك رأسه، ويقوم قائما يتمايل حتى يرى أهل الرجل أنه لطيف الشكل بديع الحركات، ويظن في نفسه أنه يعشق وأن رسول صاحبة البيت لا يبطىء عنه.
ومنهم من يقال له: إلعب الشطرنج، فيأباه ويشتغل بالدندنة، فيقع في الفضول. ومنهم من يتأمر على غلمان صاحب البيت ويهين أولاده، ويظن أنه يدل عليهم «2» .
ومنهم من يقول له صاحب البيت كل، فيقول: ما آكل إلا أنا ورفيقي. ومنهم من يسمع السائل على الباب، فيتصدق عليه من مال صاحب البيت بغير إذنه أو يقول للسائل فتح الله عليك.
ومنهم من يدعو الناس لصاحب الوليمة بغير إذنه ويقلده بذلك المنن وأكثر الناس واقع في ذلك.
نسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا وأن يعيذنا من شرور أنفسنا بمنه وكرمه إنه جواد كريم رؤوف رحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب السادس والثلاثون في العفو والحلم والصفح وكظم الغيظ والاعتذار وقبول المعذرة والعتاب وما أشبه ذلك
قد ندب الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم إلى الصفح والعفو بقوله تعالى: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ
«3» . قيل: هو الرضا بلا عتب. وقال تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ 199
«4» . وقال تعالى: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
«5» وقال تعالى: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ
«6» إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
» .
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت قصورا مشرفة على الجنة، فقلت:
يا جبريل لمن هذه؟ قال: للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس» .
وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال: ما زال جبريل عليه السلام يوصيني بالعفو، فلولا علمي بالله لظننت أنه يوصيني بترك الحدود.
وقال الحسن بن أبي الحسن إذا كان يوم القيامة نادى مناد، من كان له على الله أجر فليقم، فلا يقوم إلا العافون عن الناس، وتلا قوله تعالى: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
«8» .
وقال علي كرم الله وجهه: أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة. وكان المأمون رحمه الله تعالى يحب العفو ويؤثره، ويقول: لقد حبب إليّ العفو حتى أني أخاف أن لا أثاب عليه، وكان يقول: لو علم أهل الجرائم لذتي في العوف لارتكبوها، وقال: لو علم الناس حبي للعفو لما
(1/196)

تقربوا إليّ إلا بالجنايات.
وقال علي كرم الله وجهه: إذا قدرت على عدوك، فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه، وقال رضي الله تعالى عنه: أقيلوا ذوي المروءات عثراتهم، فما يعثر منهم عاثرا إلا ويده بيد الله يرفعه، وقال رضي الله عنه: إن أول عوض الحليم عن حلمه، إن الناس أنصار له على الجاهل.
وقال المنتصر: لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، ولذة التشفي «1» يلحقها ذم الندم.
وقال ابن المعتز: لا تشن وجه العفو بالتقريع به «2» .
وقيل: ما عفا عن الذنب من قرّع به. وقال رجل لرجل سبه: إياك أعني، فقال له، وعنك أعرض.
وكان الأحنف رحمه الله تعالى كثير العفو والحلم وكان يقول: ما آذاني أحد إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفت له فضله، وإن كان مثلي تفضلت عليه، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه. وكان مشهورا بين الناس بالحلم وبذلك ساد عشيرته، وكان يقول: وجدت الاحتمال أنصر لي من الرجال. وقيل له: ممن تعلمت الحلم؟ فقال: من قيس بن عاصم. كنا نختلف إليه في الحلم كما يختلف إلى الفقهاء في الفقه، ولقد حضرت عنده يوما، وقد أتوه بأخ له قد قتل ابنه، فجاءوا به مكتوفا، فقال: ذعرتم أخي أطلقوه، وأحملوا إلى أم ولدي ديته، فإنها ليست من قومنا، ثم أنشأ يقول:
أقول للنفس تصبيرا وتعزية ... إحدى يديّ أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
وقيل: من عادة الكريم إذا قدر غفر، وإذا رأى زلة ستر. وقالوا: ليس من عادة الكرام سرعة الغضب والانتقام. وقيل: من انتقم فقد شفى غيظه، وأخذ حقه، فلم يجب شكره، ولم يحمد في العالمين ذكره. والعرب تقول: لا سؤدد مع الانتقام، والذي يجب على العاقل إذا أمكنه الله تعالى أن لا يجعل العقوبة شيمته «3» ، وإن كان ولا بد من الانتقام، فليرفق في انتقامه إلا أن يكون حدا من حدود الله تعالى.
وقال المنصور لجان عجز عن العذر: ما هذا الوجوم وعهدي بك خطيبا لسنا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ليس هذا موقف مباهاة، ولكنه موقف توبة، والتوبة بالاستكانة والخضوع، فرق له وعفا عنه.
وسعي إلى المنصور برجل من ولد الأشتر النخعي، ذكر له عنه أنه يميل إلى بني علي والتعصب لهم، فأمر بإحضاره، فلما مثل بين يديه قال: يا أمير المؤمنين، ذنبي أعظم من نقمتك، وعفوك أعظم من ذنبي، ثم قال:
فهبني مسيئا كالذي قلت ظالما ... فعفوا جميلا كي يكون لك الفضل
فإن لم أكن للعفو منك لسوء ما ... أتيت به أهلا فأنت له أهل
فعفا عنه، وأمر له بصلة.
وأحضر إلى المأمون رجل قد أذنب ذنبا، فقال له: أنت الذي فعلت كذا وكذا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين أنا ذاك الذي أسرف على نفسه واتكل على عفوك، فعفا عنه وخلى سبيله.
وأحضر إلى الهادي رجل من أصحاب عبد الله بن مالك، فوبخه على ذنب، فقال: يا أمير المؤمنين، إن إقراراي يلزمني ذنبا لم أفعله، ويلحق بي جرما لم أقف عليه، وإنكاري رد عليك، ومعارضة لك، ولكني أقول:
فإن كنت تبغي بالعقاب تشفيّا ... فلا تزهدن عند التجاوز في الأجر
فقال: لله درك من معتذر بحق أو باطل، ما أمضى لسانك، وأثبت جنانك وعفا عنه وخلى سبيله.
وركب يوما عمرو بن العاص رضي الله عنه بغلة له شهباء، ومر على قوم فقال بعضهم: من يقوم للأمير، فيسأله عن أمه وله عشرة آلاف؟ فقال واحد منهم: أنا، فقام وأخذ بعنان بغلته، وقال: أصلح الله الأمير، أنت أكرم الناس خيلا، فلم ركبت دابة أشهابّ وجهها؟ فقال:
إني لا أمل دابتي حتى تملني، ولا أمل رفيقي حتى يملني.
فقال: أصلح الله الأمير، أما العاص فقد عرفناه وعلمنا شرفه، فمن الأم؟ قال: على الخبير سقطت. أمي النابغة بنت حرملة بن عزة سبتها رماح العرب، فأتي بها سوق عكاظ، فبيعت، فاشتراها عبد الله بن جدعان، ووهبها للعاص بن وائل، فولدت، وأنجبت، فإن كان قد جعل لك جعل، فارجع وخذه، وأرسل عنان الدابة. وقيل: إن أمه كانت بغيا عند عبد الله بن جدعان، فوطئها في طهر واحد أبو لهب وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب،
(1/197)

والعاص بن وائل، فولدت عمرا، فادعاه كلهم، فحكمت فيه أمه، فقالت: هو للعاص، لأن العاص هو الذي كان ينفق عليها. وقالوا: كان أشبه بأبي سفيان.
وكان الواثق يتشبه بالمأمون في أخلاقه وحلمه، وكان يقال له: المأمون الصغير. نقل عنه أنه دخلت عليه ابنة مروان بن محمد، فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال: لست به، فقالت: السلام عليك أيها الأمير، فقال لها، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فقالت: ليسعنا عدلكم، فقال: إذا لا يبقى على وجه الأرض منكم أحد لأنكم حاربتم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه، ومنعتم حقه، وسممتم الحسن رضي الله عنه، ونقضتم شرطه، وقتلتم الحسين رضي الله عنه، وسبيتم أهله، ولعنتم علي بن أبي طالب رضي الله عنه على منابركم وضربتم علي بن عبد الله ظلما بسياطكم، فعدلنا لا يبقي منكم أحدا، فقالت: فليسعنا عفوكم، قال: أما هذا، فنعم، وأمر برد أموالها عليها، وبالغ في الإحسان إليها.
وكان معاوية رضي الله عنه يعرف بالحلم، وله فيه أخبار مشهورة وآثار مذكورة، وكان يقول: إني لآنف أن يكون في الأرض جهل لا يسعه حلمي، وذنب لا يسعه عفوي، وحاجة لا يسعها جودي، وهذه مروءة عالية المرتبة. وقال له رجل يوما: ما أشبه أستك بإست أمك، فقال: ذاك الذي أعجب أبا سفيان منها.
وكتب معاوية إلى عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه يعتذر إليه من شيء جرى بينهما، يقول: من معاوية بن أبي سفيان إلى عقيل بن أبي طالب أما بعد، يا بني عبد المطلب، فأنتم والله فروع قصي ولباب عبد مناف وصفوة هاشم، فأين أخلاقكم الراسية وعقولكم الكاسية؟
وقد والله أساء أمير المؤمنين ما كان جرى، ولن يعود لمثله إلى أن يغيّب في الثرى، فكتب إليه عقيل يقول:
صدقت وقلت حقّا غير أني ... أرى أن لا أراك ولا تراني
ولست أقول سوء في صديقي ... ولكنّي أصد إذا جفاني
فركب إليه معاوية رضي الله عنه، وناشده في الصفح عنه، واستعطفه حتى رجع.
وحكي عنه رضي الله عنه أنه لما ولي الخلافة، وانتظمت إليه الأمور وامتلأت منه الصدور، وأذعن لأمره الجمهور، وساعده في مراده القدر المقدور، استحضر ليلة خواص أصحابه وذاكرهم وقائع أيام صفين، ومن كان يتولى كبر الكريهة من المعروفين، فانهمكوا في القول الصحيح والمريض وآل حديثهم إلى من كان يجتهد في إيقاد نار الحرب عليهم بزيادة التحريض، فقالوا: امرأة من أهل الكوفة تسمى الزرقاء بنت عدي كانت تتعمد الوقوف بين الصفوف وترفع صوتها صارخة: يا أصحاب علي، تسمعهم كلاما كالصوارم، مستحثة لهم بقول لو سمعه الجبان لقاتل، والمدبر لقابل، والمسلم لحارب، والفار لكرّ، والمتزلزل لاستقر.
فقال لهم معاوية رضي الله عنكم. أيكم يحفظ كلامها؟
فقالوا: كلنا نحفظه، قال: فما تشيرون عليّ فيها؟ قالوا:
نشير بقتلها، فإنها أهل لذلك. فقال لهم معاوية رضي الله عنه: بئسما أشرتم، وقبحا لما قلتم. أيحسن أن يشتهر عني أنني بعدما ظفرت وقدرت قتلت امرأة قد وفت لصاحبها، إني إذا للئيم، لا والله لا فعلت ذلك أبدا. ثم دعا بكاتبه فكتب كتابا إلى واليه بالكوفة أن أنفذ إليّ الزرقاء بنت عدي مع نفر من عشيرتها وفرسان من قومها، ومهّد لها وطاء لينا ومركبا ذلولا، فلما ورد عليه الكتاب ركب إليها وقرأ عليها، فقالت بعد قراءة الكتاب: ما أنا بزائغة عن الطاعة، فحملها في هودج، وجعل غشاءه خزا مبطنا، ثم أحسن صحبتها، فلما قدمت على معاوية قال لها:
مرحبا وأهلا خير مقدم قدمه وافد، كيف حالك يا خالة، وكيف رأيت سيرك؟ قالت: خير مسير، فقال: هل تعلمين لم بعثت إليك؟ قالت: لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه وتعالى. قال: ألست راكبة الجمل الأحمر يوم صفين، وأنت بين الصفوف توقدين نار الحرب، وتحرضين على القتال؟ قالت: نعم، قال: فما حملك على ذلك؟ قالت يا أمير المؤمنين: إنه قد مات الرأس وبتر الذنب، والدهر ذو غير «1» ومن تفكر أبصر، والأمر يحدث بعده الأمر. فقال:
صدقت، فهل تعرفين كلامك، وتحفظين ما قلت؟ قالت:
لا والله، قال: لله أبوك، فلقد سمعتك تقولين: أيها الناس إن المصباح لا يضيء في الشمس، وأن الكواكب لا تضيء مع القمر، وأن البغل لا يسبق الفرس، ولا يقطع الحديد إلا بالحديد، ألا من استرشدنا أرشدناه، ومن سألنا أخبرناه إن الحق كان يطلب ضالة فأصابها، فصبرا يا معشر المهاجرين والأنصار، فكأنكم وقد التأم شمل الشتات،
(1/198)

وظهرت كلمة العدل وغلب الحق باطله، فإنه لا يستوي المحق والمبطل، فمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون، فالنزال النزال، والصبر الصبر، ألا وإن خضاب النساء الحناء، وخضاب الرجال الدماء، والصبر خير الأمور عاقبة، ائتوا الحرب غير ناكصين، فهذا يوم له ما بعده. يا زرقاء. أليس هذا قولك وتحريضك؟
قالت: لقد كان ذلك، قال: لقد شاركت عليا في كل دم سفكه، فقالت: أحسن الله بشارتك يا أمير المؤمنين، وأدام سلامتك. مثلك من يبشر بخير ويسر جليسه، فقال معاوية:
أوقد سرك ذلك؟ قالت: نعم، والله لقد سرني قولك وأنى لي بتصديقه، فقال لها معاوية: والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب إليّ من حبكم له في حياته، فاذكري حوائجك تقض.
فقالت يا أمير المؤمنين إني آليت على نفسي أن لا أسأل أحدا بعد علي حاجة، فقال: قد أشار عليّ بعض من عرفك بقتلك، فقالت: لؤم من المشير، ولو أطعته لشاركته، قال: كلا بل نعفو عنك ونحسن إليك ونرعاك، فقالت: يا أمير المؤمنين كرم منك، ومثلك من قدر فعفا، وتجاوز عمن أساء وأعطى من غير مسألة، قال: فأعطاها كسوة ودراهم، وأقطعها ضيعة تغل كل سنة عشرة آلاف درهم، وأعادها إلى وطنها سالمة، وكتب إلى والي الكوفة بالوصية بها وبعشيرتها.
وقيل: كان لعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أرض وكان له فيها عبيد يعملون فيها، وإلى جانبها أرض لمعاوية وفيها أيضا عبيد يعملون فيها، فدخل عبيد معاوية في أرض عبد الله بن الزبير، فكتب عبد الله كتابا إلى معاوية يقول له فيه أما بعد، يا معاوية: إن عبيدك قد دخلوا في أرضي، فانههم عن ذلك، وإلا كان لي ولك شأن، والسلام. فلما وقف معاوية على كتابه، وقرأه دفعه إلى ولده يزيد، فلما قرأه قال له معاوية: يا بني ما ترى؟ قال:
أرى أن تبعث إليه جيشا يكون أوله عنده وآخره عندك يأتونك برأسه. فقال: بل غير ذلك خير منه يا بني، ثم أخذ ورقة، وكتب فيها جواب كتاب عبد الله بن الزبير، يقول فيه: أما بعد، فقد وقفت على كتاب ولد حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وساءني ما ساءه، والدنيا بأسره هينة عندي في جنب رضاه، نزلت عن أرضي لك فأضفها إلى أرضك بما فيها من العبيد والأموال والسلام. فلما وقف عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما على كتاب معاوية رضي الله عنه، كتب إليه: قد وقفت على كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، ولا أعدمه الرأي الذي أحله من قريش هذا المحل والسلام.
فلما وقف معاوية على كتاب عبد الله بن الزبير، وقرأه رمى به إلى ابنه يزيد، فلما قرأه تهلل وجهه، وأسفر، فقال له أبوه: يا بني من عفا ساد، ومن حلم عظم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب، فإذا ابتليت بشيء من هذه الأدواء فداوه بمثل هذا الدواء.
ولما دخل الفيل من دمشق واجتمع الناس لرؤيته صعد معاوية في مكان مرتفع ينظر إليه، فبينما هو كذلك إذ نظر في بعض الحجر من قصره رجلا مع بعض حرمه، فأتى الحجرة ودق الباب، فلم يكن من فتحه بد، فوقعت عينه على الرجل، فقال له: يا هذا في قصري، وتحت جناحي تهتك حرمتي، وأنت في قبضتي، ما حملك على هذا؟
قال: فبهت «1» الرجل، وقال: حلمك أوقعني، فقال له معاوية، فإن عفوت عنك تسترها عليّ، قال: نعم. فعفا عنه وخلّى سبيله. وهذا من الحلم الواسع أن يطلب الستر من الجاني، وهو عروض قول الشاعر:
إذا مرضتم أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم ونعتذر
وحكي عن الربيع مولى الخليفة المنصور قال: ما رأيت رجلا أربط جأشا، وأثبت جنانا من رجل سعي به إلى المنصور، أن عنده ودائع وأموالا لبني أمية، فأمرني بإحضاره، فأحضرته إليه، فقال له المنصور: قد رفع إلينا خبر الودائع، والأموال التي عندك لبني أمية، فأخرج لنا منها، وأحضرها، ولا تكتم منها شيئا، فقال يا أمير المؤمنين، وأنت وارث بني أمية، قال: لا، قال: فوصي لهم في أموالهم ورباعهم؟ قال: لا، قال: فما مسألتك عما في يدي من ذلك؟ قال: فأطرق المنصور، وتفكر ساعة، ثم رفع رأسه وقال: إن بني أمية ظلموا المسلمين فيها، وأنا وكيل المسلمين في حقوقهم، وأريد أن آخذ ما ظلموا المسلمين فيه، فاجعله في بيت أموالهم. فقال: يا أمير المؤمنين، فيحتاج إلى إقامة بيّنة عادلة أن ما في يدي لبني أمية مما خانوه وظلموه، فإن بني أمية قد كانت لهم أموال غير أموال المسلمين. قال: فأطرق المنصور ساعة، ثم رفع رأسه وقال: يا ربيع: ما أرى الشيخ إلا قد صدق، وما يجب عليه شيء، وما يسعنا إلا أن نعفو عما قيل عنه، ثم قال: هل لك من حاجة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين أن
(1/199)

تجمع بيني وبين من سعى بي إليك، فو الله الذي لا إله إلا هو ما في يدي لبني أمية مال ولا وديعة، ولكنني لما مثلت بين يديك وسألتني عما سألتني عنه قابلت بين هذا القول الذي ذكرته الآن، وبين ذلك القول الذي ذكرته أولا، فرأيت ذلك أقرب إلى الخلاص والنجاة. فقال: يا ربيع اجمع بينه وبين من سعى به، فجمعت بينهما، فلما رآه قال: هذا غلامي اختلس لي ثلاثة آلاف دينار من مالي وأبق مني وخاف من طلبي له، فسعى بي عند أمير المؤمنين. قال: فشدد المنصور على الغلام وخوفه، فأقر بأنه غلامه، وأنه أخذ المال الذي ذكره وسعى به كذبا عليه وخوفا من أن يقع في يده، فقال له المنصور: سألتك أيها الشيخ أن تعفو عنه، فقال: قد عفوت عنه، وأعتقته ووهبته الثلاثة آلاف التي أخذها وثلاثة آلاف أخرى أدفعها إليه.
فقال له المنصور: ما على ما فعلت من مزيد؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين إن هذا كله لقليل في مقابلة كلامك لي وعفوك عني، ثم انصرف. قال الربيع: فكان المنصور يتعجب منه، وكلما ذكره يقول: ما رأيت مثل هذا الشيخ يا ربيع.
وغضب الرشيد على حميد الطوسي، فدعا له بالنطع «1» والسيف فبكى، فقال له: ما يبكيك؟ فقال، والله يا أمير المؤمنين: ما أفزع من الموت لأنه لا بد منه، وإنما بكيت أسفا على خروجي من الدنيا، وأمير المؤمنين ساخط عليّ، فضحك وعفى عنه، وقال: إن الكريم إذا خادعته انخدع.
وأمر زياد بضرب عنق رجل، فقال: أيها الأمير إن لي بك حرمة، قال: وما هي؟ قال: إني جارك بالبصرة، قال: ومن أبوك؟ قال: يا مولاي إني نسيت اسم نفسي، فكيف لا أنسى اسم أبي؟ فرد زياد كمه على فمه، وضحك وعفا عنه.
وأمر الحجاج بقتل رجل فقال: أسألك بالذي أنت غدا بين يديه أذل موقفا مني بين يديك إلا عفوت عني، فعفا عنه. ولما ضرب الحجاج رقاب أصحاب ابن الأشعث أتي برجل من بني تميم، فقال: والله يا حجاج لئن كنا أسأنا في الذنب ما أحسنت في العفو، فقال الحجاج: أف لهذه الجيف! أما كان فيهم من يحسن الكلام مثل هذا؟ وعفا عنه وخلّى سبيله.
وكان إبراهيم بن المهدي يقول: والله ما عفا عني المأمون تقربا إلى الله تعالى، ولا صلة الرحم، ولكن له سوق في العفو يكره أن تكسد بقتلي «2» . وسئل الفضل عن الفتوة، فقال: الصفح عن عثرات الأخوان. وفي بعض الكتب المنزلة. إن كثرة العفو زيادة في العمر. وأصله قوله تعالى: وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
«3» . وقال يزيد بن مزيد: أرسل إليّ الرشيد ليلا يدعوني، فأوجست منه خيفة، فقال لي: أنت القائل: أنا ركن الدولة والثائر لها، والضارب أعناق بغاتها؟ لا أم لك، أي ركن، وأي ثائر أنت؟ قلت يا أمير المؤمنين: ما قلت هذا، إنما قلت:
أنا عبد الدولة، والثائر لها، فأطرق وجعل ينحلّ غضبه عن وجهه، ثم ضحك، فقلت أحسن من هذا قولي:
خلافة الله في هارون ثابتة ... وفي بنيه إلى أن ينفخ الصّور
فقال: يا فضل أعطه مائتي ألف درهم قبل أن يصبح.
وأمر مصعب بن الزبير بقتل رجل، فقال: ما أقبح بي أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة، ووجهك هذا الذي يستضاء به، فأتعلق بأطواقك وأقول: أي رب سل مصعبا لم قتلني؟ فقال: أطلقوه، فلما أطلقوه، قال: أيها الأمير اجعل ما وهبت لي من حياتك في خفض عيش.
قال قد أمرت لك بمائة ألف درهم، فقال:
أيا المذنب الخطّاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو
وتغيظ عبد الملك بن مروان على رجل، فقال: والله لئن أمكنني الله منه لأفعلن به كذا وكذا، فلما صار بين يديه قال رجاء بن حيوة: يا أمير المؤمنين قد صنع الله ما أحببت، فاصنع ما أحب الله، فعفا عنه وأمر له بصلة.
وقال الحسن: