Advertisement

المجموع اللفيف



الكتاب: المجموع اللفيف
المؤلف: أمين الدولة محمد بن محمد بن هبة الله العلوي الحسيني أبو جعفر الأفطسي الطرابلسي (المتوفى: بعد 515هـ)
الناشر: دار الغرب الإسلامي، بيروت
الطبعة: الأولى، 1425 هـ
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
مقدمة
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
فهذا مجموع ثري نفيس سماه مؤلفه القاضي أمين الدولة محمد بن محمد بن هبة الله الأفطسي المتوفى سنة 518 هـ، (المجموع اللفيف) ، وهو من اسمه يضم فوائد ونوادر واختيارات من عيون الشعر وروائع النثر من الخطب والرسائل والمواعظ والأحاديث والمسائل الدينية واللغوية والمعارف والثقافات الأدبية والتاريخية، والقصص والروايات، والنوادر وأخبار الناس وأجناسهم وعاداتهم، ومجالس العلم والعلماء وما إلى ذلك.
وكان مؤلف الكتاب أديبا شاعرا نسّابة فقيها قاضيا، عالما باللغة والأدب وعلوم الدين والدنيا وقد ظهر أثر ثقافتة وذوقه في هذا الكتاب من خلال اختيارته وتعليقاته وطريقته في التأليف والتصنيف.
استقى المؤلف مادة كتابه من كتب التراث، فمنها المتيسر المعروف وكثير منها المفقود أو الذي ما زال مجهولا أو مخطوطا، أو وصلت أجزاء ونتف من بعض مصادره، فقد حفظ هذا المجموع ثروة أدبية وتاريخية ولغوية وثقافية في شتى فروع العلم والمعرفة، وتعود نفاسة هذا الكتاب إلى أنه جاء بخط مؤلفه مع قراءة وتعليقات نفيسة للوزير المغربي وبخطه أيضا.
ويلا حظ أن كثيرا من مواد الكتاب جاءت مختارات قصيرة وفوائد
(1/5)

موجزة في الثقافة العربية والإسلامية من الحديث والتفسير والوعظ والزهد والحكم الوصايا، والأنساب والمواضع والديار وأخبار الخلفاء والأمم والشعوب، والخط والرسائل والرحلات، ومعارف عن السماء والنجوم والبحار والجبار والجواهر وأشراف الناس وعامتهم في حروبهم وفي سلمهم، على أن بعض النصوص والرسائل والخطب والرحلات جاءت طويلة تبلغ صفحات عدة.
وامتاز هذا المجموع بالثروة الشعرية حيث حوى مختارات وشواهد شعرية كثيرة في شتى الأغراض والفنون، وكثير من هذا الشعر لشعراء معروفين أو مجهولين وفيه كمّ كبير من الشعر الذي لم تحفظه الدواوين وكتب الأدب والمختارات الشعرية، وبعض هذا الشعر لشعراء مجهولين، ويكوّن هذا القدر من الشعر في هذا الكتاب ديوانا ضخما جاوز عدد أبياته الألف وتسعمائه بيت.
لقد بذلت في تحقيق هذا الكتاب ما استطعت من جهد بما أتيح لي من مصادر، وقضيت في تصحيحه وصقله سنوات عزيرة من سني العمر الفاني، وإن كنت لا أزكى أي عمل من أعمالي التي أعانني الله سبحانه على خدمتها وإخراجها للناس، فلله الحمد والشكر على ما أعان ووفق، فمنه العون وبه التوفيق.
والحمد لله أولا وآخرا 23 من رمضان المبارك 1424 هـ 18 تشرين الثاني 2003 م يحيى بن وهيب الجبوري نزيل الأردن- إربد ص ب 150519 الرمز البريدي 41/211 هاتف- فاكس 7251193 9622..
(1/6)

المؤلف
ذكر المقريزي نسبه وترجمته ولم ترد له ترجمة في الكتب الأخرى غير ترجمة موجزة في تاريخ دمشق لابن عساكر [1] .
هو: محمد بن محمد بن هبة الله بن علي بن الحسين بن محمد بن علي ابن محمد بن علي بن عمر بن الحسن بن علي بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، أبو جعفر، العلوي الحسيني الطرابلسي، النسابة، المقلب بالزّكيّ، أمين الدولة، عرف بالأفطسي.
ولد بطرابلس الشام في سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وأخذ علم النسب عن علي بن محمد بن بلقطة العلوي النسابة بطرابلس، وقرأ بها العربية على الطليطلي، وكتب على طريقة أبي عبد الله ابن مقلة، وقال الشعر، ومدح بطرابلس أبا الحسن علي بن محمد بن عماد، وغيره في سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وهو أول ما ظهر شعره، ثم اعتقله فخر الدولة أبو علي عامر بن محمد بن عمّار مدة، وأفرج عنه، فخرج من طرابلس، وقدم القاهرة في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، ومدح الأفضل شاهنشاه ابن أمير الجيوش، بدر الجمالي، ثم عاد إلى طرابلس، وقدم عليه بأهله وبنيه سنة ثلاث وخمسمائة، ومدحه ولزمه.
__________
[1] كتاب المقفّي الكبير، لتقي الدين المقريزي، تحقيق محمد اليعلاوي، ط- دار الغرب الإسلامي، بيروت 1991 م ترجمة رقم 3181 الجزء 7 ص 96- 98. وتاريخ دمشق لابن عساكر تحقيق علي عاشور الجنوبي، ط- دار إحياء التراث العربي، بيروت 2001، ترجمة رقم 7093 الجزء 58 ص 157- 158.
(1/7)

وولي قضاء مدينة عسقلان في سنة عشر وخمسمائة، ثم صرف في سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وعاد إلى القاهرة، فولي صاحب ديوان الأحباش، والجامع العتيق، والأوقاف، والمواريث، بمصر والقاهرة وأعمالها، في سنة خمس عشرة وخمسمائة، ثم ولي قضاء المحلّة والغربيّة من بحري الفسطاط، ورشّح إلى ولاية نقابة الأشراف.
ولما بنى الأفضل ابن أمير الجيوش جامع القبلة، مات ولم يكمله، فأتمّه الوزير المأمون ابن البطائحي، واستخدم فيه خطيبا الشريف أبا جعفر هذا، وحضر سائر وجوه الدولة ورؤسائها لسماع خطبته، فلما رقي المنبر قال: الحمد لله، ولم يزل يكررها إلى أن ضجر من حضر ونزل وقد حمّ، فصلى بالناس قيّم الجامع، ومضى الشريف إلى داره، ولم يزل عليلا حتى مات سنة عشر، وقيل خمس عشرة، وقيل سبع عشرة، وقيل ثماني عشرة وخمسمائة، وهو الصحيح.
وقال فيه القاضي الرشيد أبو الحسن أحمد بن الزبير، في كتاب (جان الجنان ورياض الأذهان) : من القضاة الأدباء، والشيوخ الظرفاء، شاهدته بمصر في سنة سبع عشرة وخمسمائة، فرأيت شخصا كامل الأدوات، قد أحرز الفضل من كل الجهات، ومحلّة في الأدب، يوازي محلّه في العلم والنسب.
وقال ابن عساكر [1] : كان من أهل الأدب، وله معرفة بأنساب قريش، توجّه إلى مصر، وكان قدم دمشق سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
ومن شعره وقد نام مع جارية على سطوح داره بطرابلس، فطلع القمر عليهما، فارتاع من كشف الجيران إياهما، ونزلا فقال: [2] [الطويل]
ولما تلاقينا وغاب رقيبنا ... ورمت التّشكّي في خلاء وفي سرّ
بدا ضوء بدر فافترقنا لضوئه ... فيا من رأى بدرا ينمّ على بدر
__________
[1] تاريخ دمشق 58/157.
[2] البيتان والأبيات التالية في كتاب المقفى الكبير 7/97- 98.
(1/8)

وله ديوان شعر، أكثره في مدح فخر الملك علي بن عمّار صاحب طرابلس، وفي مدح الأفضل أمير الجيوش، والمأمون البطائحي، ومن جيد شعره: [الطويل]
أأحبابنا لو سرتم سيرة الهوى ... لكنتم لقلبي مثلما لكم قلبي
عتبتم وما ذنبي سوى البعد عنكم ... وإنّي لأهواكم على البعد والقرب
فلا تجمعوا بين الفراق وعتبكم ... ولا تجعلوا ذنب المقادير من ذنبي
وروى له ابن عساكر قطعتين، قال: أنشدني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الحسين بن البقار، مما أنشده (أي الأفطسي) لنفسه: [1] [الطويل]
بنفسي ممنوع المزار محجّب ... وإن لام [فينا] عاذل أو مؤنّب [2]
وقال اسل عنه أو تسلّ بغيره ... وما كلّ ملثوم ثناياه أشنب
لي الصبر إلا أن تعود كليلة ... قطعنا دجاها والرقيب مغيّب
جعلنا التشاكي موضع العيب بيننا ... فأصدق في دعوى الغرام ويكذب
قال: وأنشدني له من قصيدة يرثى بها فخر الملك ابن عمّار: [الكامل]
أمّ المعالي بعد يومك ثاكل ... والدهر حرب والتجّلد خاذل
يا نصل قلّل غربة من بعدها ... طلبت به عند الأنام طوائل
والآن بعدك لا أراعي لنازل ... فليفعل الحدثان ما هو فاعل
المجموع اللفيف ومحتوياته:
الكتاب من اسمه (المجموع اللفيف) أي أنه جمع من علوم وفنون شتى على غير منهج أو تبويب، اختار مؤلفه من كتب كثيرة علوما وأخبارا، وأحاديث ومواعظ، وقصصا وخطبا، ورسائل وأشعارا، ولغة وطرائف ونوادر وفوائد، وما إلى ذلك، تنتظم أحيانا، وليس لها نظام في أحايين أخر، قد تطول هذه الأفكار فتبلغ صفحات، وقد تكتفي بسطر أو سطور.
__________
[1] تاريخ دمشق 58/158.
[2] جاء عجز البيت ناقصا، وبإضافة ما بين المعقوفتين يستقيم الوزن.
(1/9)

والكتاب في كل أحواله بستان فيه ما راق وشاق وعلّم وهذّب، فهو بحق بستان فيه ألوان الورود، والشجر والثمر والنبات، وأسباب الحياة، فقد حوى كل شئ من الثقافة الإسلامية والعربية في التفسير والحديث والأحكام الشرعية، واللغة والنحو والبلاغة والخطب والأخبار والرسائل، وأحوال الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين وأخبارهم ومجالسهم وحروبهم، وهناك نقول من التوراة والإنجيل وأخبار الأمم الشعوب الأخرى، فيه الثقافة العامة المتعلقة بالإنسان والحيوان والسماء، والبروج والنجوم، والأنساب والقبائل، وأخبار الخطباء والوعاظ والقصاص، والقصص والنوادر والرسائل والرحلات، وأهل الفرق والشعوب وأصولها، وأخبار الأمم البائدة من الفراعنة والنماردة، وأصول الأقوام مثل الديلم والكرد وتحقيق ذلك، وأخبار الزهاد ومواعظهم، وأخبار النساء والحب والعشق، وكما عنى بشعر الرجال في شتى الموضوعات، فقد عنى بشعر النساء وأخبار الشاعرات فتمثل بمجموعة من أشعارهن، وكان للأعراب وشعرهم، وأقوالهم ونوادرهم، مكانا بارزا وعناية واضحة، والمروءة وما يستحسن من الأفعال، بالإضافة إلى أخبار العور والعميان ومن قتل وصلب، والأشراف والمنجبات وغيرهم. مع عناية بالمسائل اللغوية فدقق في أسماء النجوم والسماء والأشهر، ووقف عند طبيعة الأرض فذكر حرار العرب المشهورة وجبالها وتحديد مواضعها ونسبتها إلى قبائلها، والتفت إلى الجواهر والأحجار الكريمة وصيد اللؤلؤ، والعلاج والأدوية، وكذلك الخرافات والطيرة والمتطيرين وما إلى ذلك.
ومن مزايا هذا المجموع أنه نقل معلومات وفوائد من كتب فقدت ولم تصل، وحوى أشعارا مختارة في شتى الفنون لشعراء قدامى ومحدثين، فقدت دواوينهم، ولم تذكر في كتب الأدب والمختارات الشعرية، وقد جمع بين دفتيه من الشعر ما يكون ديوانا ضخما تبلغ أبياته آلاف الأبيات.
ولعل المؤلف أراد بهذا المجموع، وما فيه من مختارات ومنوعات ثقافية، أو ينشط القارئ والسامع ويدفع عنه الملل والسأم حين يقرأ في الموضوعات الطويلة والرتيبة، فجعل كتابه منوعات ثقافية فيها الفوائد
(1/10)

والنوادر، ومختلف الأفكار والأسمار والأشعار، دون تنسيق أو تبويب.
وإذا حاولنا التعرف على مواد الكتاب بنظرة سريعة كاشفة نجد: القضايا الإسلامية مما يتعلق بالقرآن الكريم من حيث نزوله وقراءته، وأحكامه وتفسير آياته، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وهجرته إلى المدينة، وبناء المسجد النبوي، ومنبر الرسول ومن جلس مجلسه، والأماكن التي مر بها، وآداب المسجد والبخور والإنارة فيه، وإنشاد الشعراء فيه، وتوسعة المسجد في عهود الخلفاء وفضائل المدينة وفضائل مكة والبيت الحرام، وأطم المدينة ودور الأنصار.
أما اللغة فقد ذكر كثيرا من دقائقها، ومعاني الكلمات، وتفسير الغامض منها، ودلالات الألفاظ والجمل، وجعل للرسائل والخطب والرحلات والمواعظ حيزا كبيرا، وقد أعجب المؤلف بكتاب البيان والتبيين فنقل منه نصوصا مطولة، واتبع طريقته في اختيار الموضوعات وانتقاء الفوائد والطرائف، وكذلك فعل حين أختار وأقتبس ولخص من كتاب المحبر لابن حبيب، ونقل من كتب ضاعت أو وصل قسم منها مثل أمالي ابن دريد الذي لم يصل منه غير الجزء السابع [1] .
وفي الكتاب اهتمام متميز بالوصايا وخاصة وصايا الآباء لأبنائهم، ووصايا العلماء والفقهاء، والحكمة والمواعظ، وآداب المجالس، مجالس الملوك والخلفاء والعلماء، وصون اللسان، والكرامة وعزة النفس وحسن الجواب، وآداب الزيارة وعيادة المرضى، وكذلك آداب السفر، وما إلى ذلك.
والاختيارات كثيرة من بديع الكلام وجوامع الحكم، والأجوية المسكتة وبراعة الجواب، ويقابل ذلك عيوب الكلام من العي والتقصير في الكلام وسوء النطق، ولا يخلو الكتاب من أخبار النوكى والحمقى والموسوسين.
__________
[1] وصل من أمالي ابن دريد الجزء السابع فقط، وهو مخطوط صغير في خزانة الرباط كتب في دمشق سنة 641 هـ. الأعلام 6/80 في ترجمة ابن دريد.
(1/11)

وفي الكتاب عناية واهتمام بالفروسية والقتال، وركوب الخيل والوثب على الفرس، وأصول القتال والطعن والضرب، ووصل الخطى بالسيف، والرماح والقتال في الليل. ووقف عند بعض الأمثال فذكر معناها وقصتها وفيمن قيلت.
ووقف عند الأشراف والنجباء والمنجبات وأسمائهن وأخبارهن وأولادهن، وكذلك عنى بالأشراف من العميان والعور، والبرص، والحولان، والفقم والثّطّ والكواسجة، والعرجان وغيرهم، وذكر أبناء النصرانيات وأبناء الحبشيات، ولم ينس المعلمين ومن صلب من الأشراف ومن نصب رأسه وطيف به.
أما أرض العرب فقد ذكر حرارها وجبالها ومسالكها، والمواضع التي يمر بها الحاج من أقصى المشرق حتى مكة المكرمة، وفي ذلك تفصيل في الرحلة ومشاقها إلى البيت الحرام.
وكان آخر الموضوعات مقتبسات من كتاب يعقوب بن إسحاق الكندي في معرفة الجواهر، ومواضع صيدها، والغوص عليها، والبحار والغواصين، وأشكال اللآلي وصفاتها وما يتعلق بها.
وصف المخطوطة:
المخطوطة من مقتنيات المكتبة الوطنية بباريس تحت رقم 3388 وتقع في 197 ورقة في 404 صفحات، وجعلها المؤلف في جزئين يستغرق الجزء الأول ثلثي الكتاب (145 ورقة) ، والجزء الثاني ثلث الكتاب (54 ورقة) .
وجاءت المخطوطة بخط المؤلف نفسه، خطها نسخ جميل واضح، فيه شكل كثير ولكن هذا الشكل لا يخلو من الخطأ، وكثير من كلمات المخطوطة غير معجمة، وتحتمل أكثر من قراءة.
في الصفحة 15 سطرا وفي السطر 14 كلمة.
(1/12)

فيها تعليقات في الحواشي منها استدراكات للمؤلف، ومنها تعليقات بخط مختلف هو خط الوزير المغربي [1] الذي قرأ النسخة وعلق عليها، وينقل المؤلف عن الوزير المغربي آراءه وأشعاره.
تبدأ المخطوطة:
(بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله وحده، انظر إلى قوله الله عز وجل: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا
) .
ويبدأ الجزء الثاني بقوله:
(بسم الله الرحمن الرحيم، وبه الثقة، وهو حسبي ونعم الوكيل. قال قتيبة للحضين بن المنذر: ما السرور؟ قال: امرأة حسناء، ودار قوراء، وفرس مرتبط بالفناء. وقيل لضرار بن الحضين: ما السرور؟ قال: لواء منشور، وجلوس على السرير، والسلام عليك أيها الأمير) .
أما نهاية المخطوطة فليس فيها تاريخ النسخ أو الانتهاء من تأليفها لأنها بخط المؤلف. وآخرها الكلام عن الجواهر واصطياد اللؤلؤ وإخراجه من المحار، وتنتهي المخطوطة بقوله:
(ومنها الكروش لها جلد واحد وداخلها ماء وقشور رقاق سود، فيثقب فيخرج ما فيها من الماء والقشور الداخلة، وربما كان الذي فيها منتن الريح،
__________
[1] الوزير المغربي هو أبو القاسم الحسين بن علي 370- 418 هـ، وقد ذكرت ترجمته في موضعها مع تراجم الكتاب، والمغربي لقب جده علي بن محمد الذي كانت له ولاية في الجانب الغربي من بغداد، والوزير عراقي بغدادي، وكان من العلماء النابهين وقد برع في اللغة والأدب وله شعر جيد، ترجم له الأستاذ الشيخ حمد الجاسر رحمه الله في كتاب (الإيناس في علم الأنساب) وكتاب (أدب الخواص وكلا هما بتحقيق الشيخ الجاسر طبع النادي الأدبي في الرياض سنة 1400 هـ/ 1980 م، وأفرد له الدكتور إحسان عباس كتابا بعنوان (الوزير المغربي العالم الشاعر، الناثر الثائر) طبع بدار الشرق بيروت 1988 م.
(1/13)

ثم تعالج وتحشى بالمصطكي المصفى، ومنها النفخة وهي إحدى جانبيها أجوف) .
وبعد ذلك يختم النسخة بقوله:
(تمت النسخة المباركة من الجزئين من المجموع اللفيف ببقاء مالكها. وصلى الله على النبيّ وآله) وجاءت ورقة العنوان وما فيها من كتابات وتعليقات فهي على الوجه الآتي:
(الجزء الأول من المجموع اللفيف تأليف الشريف الأجل الحسيب النسيب القاضي أمين الدولة محمد بن محمد ابن هبة الله الحسيني الأفطسي النسّابة من نسخته، بخطه رحمه الله برسم الخزانة المعمورة السلطانية، خلد الله ملك مالكها وأيده بالنصر والتوفيق والعز والتمكين وحفظه مما حفظ به....
ومتع ببقائه الإسلام والمسلمين آمين آمين آمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وآله وسلم وعليه مطالعات منها: لأحمد الأزهري. وتمليك بالابتياع الشرعي من سوق الكتب بالقاهرة المحروسة عمر بن شيخ بهي الحي القاري.
وعليه آيات قرآنية وأشعار منها:
ومن عجب أن السيوف لديهم ... يحضن دماء والسيوف ذكور
وأعجب من ذا أنها بأكفهم ... تؤجج نارا والأكفّ نحور
وبيت آخر:
ووضع الندى في موضع السيف للعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى
وفي الجانب اليسر من الصفحة فوق اسم الكتاب دعاء لعائشة أم المؤمنين:
(1/14)

وكانت والسيدة عائشة رضي الله عنها إذا أخذت مصحفها قالت: (اللهم إني أسألك رؤيا صالحة صادقة غير كاذبة، نافعة غير ضارة حافظة غير ناسية) .
إلى غير ذلك من الكتابات
منهج التحقيق:
* خرّجت الأحاديث النبوية بالرجوع إلى كتب الحديث المعتمدة.
* قومت النصوص وصححت ما فيها من وهم وخطأ وتصحيف وتحريف ونقص بمقابلتها على المصادر والمعجمات المعتمدة.
* جاءت بعض الأبيات ناقصة أو فيها خلل في الوزن فأقمت أعوجاجها وأزلت ما فيها من نقص وخرجتها على الدواوين وكتب الأدب واللغة ومصادر التخريج.
* بيّنت بحور الأشعار ووضعت ذلك بين معقوفتين.
* قابلت النصوص على مصادرها وبينت ما فيها من خلاف ونقص وتصحيف أو تحريف، وأوضحت ذلك في الهوامش.
* ضبطت الشعر والنصوص بالشكل بالصورة التي تزيل اللبس والإبهام عن الكلمات والمعاني.
* جاءت بعض الأشعار غير معزاة لقائل، فعزوتها لقائليها وخرجتها على ما تيسر لي من المصادر والدواوين، وبينت خلاف الروايات حين تقتضي الحاجة إلى ذلك، ونوهت بالشعر الذي انفردت به المخطوطة وهو كثير.
* وثقت الروايات والخطب والرسائل التي لها أصل في المصادر، وبينت خلاف القراءة والنقص أو الزيادة في الروايات.
* جاءت كثير من نصوص الأصل مهملة غير معجمة، وهي مظنة للوهم واللبس، فاعجمت النص وفق المعنى المراد، وبالاستعانة بمصادر التخريج.
* إن طبيعة الكتاب موضوعات مختلفة ومنوعة ومختارات وتعليقات،
(1/15)

ولذلك يصعب الوصول إلى الموضوع المراد، ولذلك جعلت لكل موضوع أو فكرة عنوانا يناسبه مستقى من معنى النص، ووضعت ذلك بين معقوفتين.
* ترجمت للأعلام الذين لهم صلة بالأحداث وفي هذه التراجم إثراء للمعنى وإيضاح لمجرى الأحداث.
* ترجمت للمواضع والبلدان وحددت أماكنها وكذلك ترجمت للقبائل بالقدر الذي يخدم النصوص ويوضحها.
* بينت معاني الكلمات الصعبة أو التي تلتبس، وأو ضحت المراد من المعاني البعيدة والغامضة في الشعر والنثر.
* صنعت فهارس شاملة تيسر للباحثين الوصول إلى الموضوعات والفوائد المبتغاة.
(1/16)

صور من الأصل المخطوط
(1/17)

الفصل الأول من المجموع اللّفيف
«مختارات تراثيّة في الأدب والفكر والحضارة» تأليف القاضي أمين الدّولة محمّد بن محمّد بن هبة الله الحسيني الأفطسي المتوفى بعد 515 هـ/ 1121 م تحقيق الدكتور يحيى وهيب الجبوري أستاذ بجامعة إربد الأهلية
(1/25)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
والحمد لله وحده.
[دعاء إبراهيم]
انظر إلى قول الله عز وجل: (وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا)
[1] ، ضيّق إبراهيم، واشترط الرزق للمؤمنين، فوسع الله عز وجل، المولى الكريم، وقال:
(وَمَنْ كَفَرَ) *
فسبحان من هو كما قال بعض الصالحين: «أنا في جراية من إذا غضب رزق» ، وقد فسّر قوله عز وجل: (خَيْرُ الرَّازِقِينَ) *
[2] على هذا النحو.
قال الوزير الكامل أبو القاسم الحسين بن علي بن الحسين المغربي [3] رضي الله عنه، فيما رأيته بخطه: «رأيت في سورة الحديد شيئا كأنه موعظة لي ولأشباهي، قوله الله عز وجل: (يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ
__________
[1] البقرة 126.
[2] المؤمنون 72، سبأ 39، الجمعة 11.
[3] الحسين بن علي المغربي: الوزير المغربي الحسين بن علي بن الحسين، أبو القاسم، وزير، من الدهاة الأدباء، ولد بمصر، وقتل الحاكم الفاطمي أباه فهرب إلى الشام، ثم رحل إلى بغداد، واستوزره مشرف الدولة البويهي ببغداد، له من الكتب: (اختيار شعر أبي تمام) ، و (اختيار شعر البحتري) ، و (اختيار شعر المتنبي والطعن عليه) ، و (أدب الخواص) ، و (الإيناس) ، وغيرها، توفي سنة 418 هـ- ودفن بالكوفة.
(لسان الميزان 2/301، وفيات الأعيان 1/155، شذرات الذهب 3/210، أعتاب الكتاب ص 26، الوزير المغربي- إحسان عباس ط- دار الشروق، عمان 1988) .
(1/27)

أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا)
[1] ، يدلك أن الخطاب الأول للمسلمين المتربصين بالعبادة مثلي، فواحسرتا إن لم يغفر الله ويتداركنا برحمته.
قال عبد الملك لزفر بن الحارث الكلابي [2] : بلغني أن كندة [3] تدّعيك، قال: وما خير رجل لا يدّعى [1 ظ] رغبة، أو ينتفى منه حسدا.
[أولاد الديلميات]
ومن العرب أولاد الديلميات [4] : حوشب بن يزيد (بكري) [5] ، ومطرف ابن المغيرة بن شعبة (ثقفي) [6] ، وخالد بن عتاب بن ورقاء (تميمي) [7] ، وسالم
__________
[1] الحديد 14 و 15.
[2] زفر بن الحارث بن عبد عمرو الكلابي: أبو الهذيل، أمير من التابعين من أهل الجزيرة، شهد صفين مع معاوية أميرا على أهل قنسرين، توفي في زمن عبد الملك بن مروان سنة 75 هـ.
(خزانة الأدب 1/393، شرح شافية ابن الحاجب ص 300) .
[3] كندة: قبيلة من قبائل اليمن، نسبة إلى كندة بن عفير بن عدي بن الحارث. (جمهرة أنساب العرب ص 425) .
[4] الديلم: جيل من العجم كانوا يسكنون نواحي أذربيجان.
[5] لم أجد لحوشب بن يزيد ترجمة فيما يتاح لي من المصادر، وسنترجم للأعلام الذين لهم صلة بالموضوع أو يكون في ترجمتهم إيضاح وإثراء للمعنى المراد، ونتجنب ذكر الأعلام المشهورين.
[6] مطرف بن المغيرة بن شعبة: من أتقياء الولاة والأمراء، ولاه الحجاج على المدائن، فصلحت سيرته، وزحف عليه شبيب بن زيد الخارجي، فخرج لقتاله، وبعث إليه رجالا من رجاله لمعرفة ما يدعون إليه، فلما عرف بدعوتهم مال إليهم، وخلع عبد الملك والحجاج، وخرج بأصحابه، فبعث الحجاج إليه من قاتله، وقتل في بعض جهات أصبهان سنة 77 هـ.
(الطبري 7/258، ابن الأثير 4/168) .
[7] خالد بن عتاب بن ورقاء الرباحي: من أشراف الكوفة، حارب شبيبا الخارجي في جيش الحجاج، وقتل مصادا أخا شبيب وغزالة، والتحم معه أصحاب شبيب في معركه بناحية المدائن، فانهزم أصحابه، فتراجع خالد حتى أشرف على دجلة، فألقى
(1/28)

ابن قتيبة (باهلي) ، وسالم بن قتيبة (باهلي) [1] .
قال بعض الفلاسفة: طول الحمية منهكة، وتركها مهلكة.
[قال] أرسطاليس [2] : الملك الذي يعمّر بيوت أمواله بخراب بلدانه، مثل المطيّن سطح بيته من أساس حيطانه.
قال تميم بن نصر بن سيار لأعرابي: أأصابتك تخمة قط؟ قال: أما من مالك ومال أبيك فلا.
[تفسير آية]
انظر وأعجب من قول الله عز وجل: (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ)
[3] ، وكيف لم يقل: حطب جهنم، فإنه لو قال: حطب جهنم، لدل على انقضاء العذاب، كما يفنى الحطب في النار، فدل على الخلود فيها، نعوذ بالله منه، بقوله حصب، وأراد أنهم في النار بمنزلة الحصباء في معادنها، ثباتا وخلودا، وأن كان فناء بطيئا، بل أراد أنهم بمنزلة الحصى من الأرض، نسأل الله توفيقا لما أغرب عن ذلك المقام، وأعفى من ذلك الغرام، ونتوجه إليه بمحمد وآله عليهم أفضل الصلاة والسلام» . هذا كلام الوزير رحمه
__________
نفسه فيها بفرسه، ولواؤه بيده، فغرق سنة 77 هـ-.
(جمهرة أنساب العرب ص 216، الكامل لابن الأثير 4/165- 166) .
[1] سالم بن قتيبة: هو سلم بن قتيبة- كما في جمهرة الأنساب- ولي البصرة ليزيد بن عمر بن هبيرة في أيام مروان بن محمد، ثم وليها في أيام أبي جعفر المنصور، وكان من عقلاء الأمراء، عظيم القدر، مات بالري سنة 149 هـ.
(جمهرة أنساب العرب ص 324، النجوم الزاهرة 2/11، ابن الأثير 5/218) .
[2] أرسطاليس: هو أرسطو، الفيلسوف اليوناني، تتلمذ على أفلاطون، وعلّم الإسكندر الأكبر، وأسّس (اللوقيون) حيث كان يحاضر ماشيا، فسمّي هو وأتباعه بالمشائين، له كتب في الأخلاق والسياسة والخطابة والشعر، توفي سنة 322 ق. م.
(الموسوعة العربية الميسرة 1/117) .
[3] سورة الأنبياء 28.
(1/29)

الله، وحكاية ما نقلته بخطه.
قال رحمه الله: «مسألتان في سورة الروم تحتاجان [2 و] إلى فكر طويل، فانظر فيهما إن شاء الله، قوله عز وجل: (وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ)
[1] ، وقوله عز وجل: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ)
[2] » .
قال: أنشدونا: [المتقارب]
أحبوا البنات فحبّ البنات ... فرض على كلّ نفس كريمه
فانّ شعيبا لأجل البنات ... أخدمه الله موسى كليمه
ويروى لعلي عليه السلام، من قصيدة طويلة، وليس له: [3] [الرجز]
وشرّ ما يبلى به ... الفتى الصدر الحرج
إن سامه الصبر أبى ... وأنّ ضيقا ونشج
كالجمل السّوء إذا ... حمّلته رغا وضج
[شعر لأبي العميثل]
قال أبو العميثل: [4]
__________
[1] الروم 7.
[2] الروم 49.
[3] لم أجد الأشطار فيما نسب لعلي بن أبي طالب في الدواوين المطبوعة، والشطران الأولان غير موزونين، وقد أشار المؤلف إلى أنه ليس لعلي رضي الله عنه.
[4] أبو العميثل: عبد الله بن خليد بن سعد، مولى لبني العباس، مؤدب من الشعراء، أصله من الري ونشأ في البادية، واتصل بالأمير طاهر بن الحسين، فاستكتبه طاهر وعهد إليه بتأديب ولده عبد الله، ثم كان كاتب عبد الله بن طاهر وشاعره إلى أن توفي سنة 240 هـ-، له من الكتب: (الأبيات السائرة) ، و (معاني الشعر) ، و (المأثور في اللغة) وغيرها.
(وفيات الأعيان 1/262، سمط اللآلىء 308، البيان والتبيين 1/280، هبة الأيام للبديعي ص 139) .
ولم أجد هذا الشعر فيما جمعه جاسر أبو صفية بعنوان (أبو العميثل الأعرابي وما تبقى من شعره) ، مجلة أبحاث اليرموك م 19 العدد 2 سنة 2001 ص 241- 274.
(1/30)

أقوى من آل أمامة المروّت ... فالمرّ فالثلمان فالثلبوت [1]
يا راكبا بكرت به ليزورهم ... ببلادهم شدنيّة تربوت [2]
نجد فأكناف الحجاز فغوره ... منهم بلاقع كالأكفّ مروت [3]
بكروا كأنّ حدوجهم بحرية ... يعلو بها ثبج الفرات النوت [4]
رعبت لجيرتنا الذين تحملوا ... قلب بمدفع ثادق وقلوت [5]
بانوا ولم يأووا لدى كلف بهم ... أسوان يحيى مرة ويموت [2 ظ-]
ولقد طلبتهم لأدرك حاجة ... عوصاء أعلم أنّها ستفوت
وإذا طمعت بها تعرّض دونها ... كره اللقاء يرونني مذعوت [6]
ووراءه يا ليت ذلك دونه ... ظبيّ عليه الدرّ والياقوت
يسبي القلوب له أنامل طفلة ... حمر كأنّ خضابهنّ التوت
ومعكّف قرن الغزالة تحته ... وحف وطرف خلّب خلبوت [7]
وكأنّ رقدتها لآخر رقدة ... راح وماء غمامة بيّوت
راح تضمّن حرسها بختامه ... عامين بعد ختامها الحانوت [8]
وكأنّ منطقها من السحر الذي ... روّى ببابل أهلها هاروت [9]
__________
[1] المروت والمر والثلمان والثلبوت: مواضع في نجد وديار غسان.
[2] الشدنية الناقة الفتية القوية.
[3] البلاقع: الأراضي الخالية القفراء. المروت: المفازة بلا نبات، والأرض لا يجف ثراها ولا ينبت مرعاها.
(القاموس المحيط: مرت) .
[4] ثج الفرات: غوارب أمواجه. النوت: أراد النواتي، الملاحون في البحر، والنوت أيضا: التمايل من ضعف.
[5] في حاشية الأصل: (في بني أسد) ، أي مواضع في بني أسد.
[6] مذعوت: مدفوع، ذعته: دفعه دفعا عنيفا.
[7] وحف: الشعر الكثير الأسود. خلبوت: خداعة، خلبة خلابة: خدعه.
[8] الحرس: الدهر، تضمن حرسها: قدمها، والأحرس: القديم العادي الذي أتى عليه الحرس.
[9] هاروت: هاروت وماروت ملكان مذكوران في القرآن الكريم: (وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ)
(1/31)

ولها وشاح ذو وساوس جائل ... سلس وحجل لا يجول صموت
قصر الحياء حجابه منها على ... عصماء معقل غفرها المأموت [1]
غرثى الوشاح وكلّ نقبة كاعب ... عنها مقصّرة اللفاق فلوت [2]
لا تبكها فتلام وابك أخا على ... حجرات جثوة قنوة الينبوت [3]
متلاف ما جمعت يداه له فلا ... مال أخو فنخ ولا سبروت [4]
يكفيه بعد قضاء ما ينتابه ... من حقّ مختبط أتاه القوت [5]
والجار لا مقصى المحلّ ولا إذا ... قرب المحلّ ببيته مقتوت [6] [و] [7]
والسمّ والسلع الأمرّ لمن قلى ... ولمن يود السمن والسنوت [8]
فاغتاله هار الجوانب مظلم ... فيه صداه ولوحه المنحوت [9]
__________
(البقرة 102) ، يعلمان السحر، وهما مسلسلان معذبان في بئر بأرض بابل منكسين إلى يوم القيامة، فتنتهما امرأة جميلة، فاختارا عذاب الدنيا.
(الموسوعة العربية الميسرة 2/1881) .
[1] غفرها: خمارها، والمغفر: خرقة توفي بها المرأة خمارها من الدهن.
[2] غرثى الوشاح: دقيقة الخصر. النقبة: ثوب كالإزار تجعل له حجزة مخيطة من غير نيفق، اللفاق: ثوبان يلفق أحدهما بالآخر. فلوت: كساء فلوت، لا ينضم طرفاه من صغره.
[3] في حاشية الأصل: (يعني أحمد بن يوسف رثاه وكان بينهما مودة) .
[4] أحمد بن يوسف: بن القاسم بن صبيح الكاتب، وزير من كبار الكتاب من أهل الكوفة، ولي ديوان الرسائل للمأمون، توفي ببغداد وكان فصيحا قوي البديهة يقول الشعر الجيد له رسائل مدونة، توفي سنة 213 هـ. (الوزراء والكتاب ص 304، معجم الأدباء 2/160، تاريخ بغداد 5/216 النجوم الزاهرة 2/206، أمراء البيان 1/218- 243) .
[5] أخو فنخ: رخو مستضعف. السبروت: الفقير المسكين.
[6] المختبط: سائل المعروف.
[7] في الحاشية: (مستمع عليه) . قتّ فلان بين الناس: استمع أحاديثهم من حيث لا يعلمون سواء أنمّها أم لم ينمّها.
وقت الحديث: أبلغه على جهة الفساد.
[8] السنوت: الكمون.
[9] هار الجوانب: القبر. صداه: الصدى: جسد الإنسان بعد موته.
(1/32)

إنّ المنيّة لا يعزّى سوقة ... منها ولا ملك له جبروت
اللزاق: النكاح، وأنشد: [الرجز]
لمّا رأت أنّك بئس الساقي ... ولست بالمحمود في اللزاق
[قال ديك الجن]
لديك الجن: [1] [الطويل]
وإني لأستحييك أن أنطق الهوى ... وأن أتعدى خلسة اللحظات
وأن أطلق الأمر الذي فيه سبّة ... عليك ولو قطّعتني حسرات
سأطوي الهوى تحت الحشا طيّ نازح ... قضى وطرا إن لم تبح عبراتي
فأصبر للهجران حتى تملّني ... وأدفع عنك الحقّ بالشّبهات
وأنشد: [الطويل]
حليم مع التقوى شجاع مع النّهى ... ند حين لا يندى السحاب سكوب
شديد نياط القلب في الموقف الذي ... به لقلوب العالمين وجيب
وأنشد [الطويل]
وأحسن ثوبيك الذي هو لابس ... أخوك ومهريك الذي هو راكب [3 ظ]
[شمر الحميري]
بعض ملوك اليمن يقال له شمّر الحميري [2] ، لما رأى من بنيه ما سرّه قال: [مخلع البسيط]
__________
[1] ديك الجن: عبد السلام بن رغبان بن عبد السلام الكلبي، سمّي بديك الجن لأن عينيه كانتا خضراوين، أو لأنه رثى ديكا، أصله من سلمية (قرب حماة) ، شاعر مجيد في شعره مجون، لم يتكسب بشعره، توفي سنة 235 هـ.
(وفيات الأعيان 1/293، الأغاني 14/52- 53) .
والأبيات مما انفردت بها المخطوطة، ولم ترد في ديوانه المطبوع، جمع وتحقيق مظهر الحجي، ط- وزارة الثقافة، دمشق 1987 م.
[2] شمر الحميري: من ملوك اليمن، لعله شمر برعش بن ناشر الحميري، أخر تبابعة اليمن في الجاهلية، يلقب بملك سبأ وريدان، توفي سنة 352 ق. هـ/ 281 م.
(1/33)

هوّن فقد الحياة أنّي ... خلّفت ذكرا على الزمان
فالآن فلترشف المنايا ... ما أسأر الدهر من حناني [1]
عبد الله بن وهب [2] : إياكم والغيبة فانها جهد العاجز.
وأنشد: [مجزوء الوافر]
كأنّ فؤادة قلقا ... لسان الحيّة الفرق
قيل للجماز [3] : ويلك، كم تلوط، إنّ اللواط إذا استحكم صار حلاقا [4] ، قال: هيهات، هذا من أراجيف الزّناة.
أول ما يبدأ السّمن في اللسان والكرش، فآخر ما يبقى في السّلامى والعين، والسلامى: عظام صغار على طول الإصبع أو قريب منها، في كل يد أو رجل أربع سلاميات.
[وصية لعلي بن أبي طالب]
كميل بن زياد النخعي [5] قال: أخذ بيدي أمير المؤمنين عليّ صلوات الله
__________
(جمهرة أنساب العرب ص 411، التيجان ص 220- 238، الإكليل 8/208- 215، تاريخ العرب قبل الإسلام- جواد علي 1/30) .
[1] أسأر الدهر: أبقى، وفي الحديث: (إذا شربتم فأسئروا) أي أبقوا بقية. (اللسان: سأر) .
[2] عبد الله بن وهب بن زمعة بن الأسود الأسدي القرشي: صحابي من الشعراء، أسلم يوم الفتح سنة 8 هـ، وقتل يوم الدار يوم حصر عثمان في داره سنة 35 هـ. (الإصابة ت 5018، تهذيب التهذيب 6/70- 71) .
[3] الجماز: محمد بن عمرو بن حماد بن عطاء، وهو ابن أخت (ابن أخ) سلم الخاسر، قال السمعاني في حقه: كان خبيث اللسان حسن النادرة، وكان أكبر من أبي نواس، توفي سنة 255 هـ.
(وفيات الأعيان 7/70 إحسان عباس، طبقات ابن المعتز ص 371- 374، تاريخ التراث العربي 4/58) .
[4] الحلاق: صفة سوء، والحلقي المخنث. (الحيوان 6/488، اللسان: حلق) .
[5] كميل بن زياد بن نهيك النخعي: تابعي ثقة، من رواة الحديث، ومن أصحاب علي بن أبي طالب، شهد صفين مع علي، وسكن الكوفة، قتله الحجاج صبرا سنة 82 هـ. المجموع اللفيف 2
(1/34)

عليه، فأخرجني إلى الجبّان، فلما أصحر [1] تنفّس الصّعداء، ثم قال: [2] ((يا كميل بن زياد، إنّ هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، فاحفظ ما أقول لك:
الناس ثلاثة؛ فعالم ربّاني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، يا كميل بن زياد [4 و] العلم خير من المال، العلم يحرسك، والمال تحرسه [3] ، والمال تنقصه النّفقة، والعلم يزكو على الإنفاق [4] ، والعلم حاكم، والمال محكوم عليه، يا كميل بن زياد، هلك خزّان الأموال، والعلم باق والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وآثارهم موجودة، ها إنّ هنا لعلما جمّا- وأشار إلى صدر- لو أصبت له حملة، بلى أصبت لقنا غير مأمون، مستعملا آلة الدين للدنيا، ومستظهرا بنعم الله على أوليائه [5] ، ويحججه على دينه، أو منقادا لأهل الحق لا بصيرة له في إحنائه، ينقدح الشكّ في قلبه الأول عارض من شبهة، ألا، لا ذا ولا ذاك، أم منهوما باللذة، سلس القياد للشهوة، أم مغرما [6] بالجمع والإدخار، ليسا من رعاة الدين في شيء، أقرب شبها بهم الأنعام السائمة [7] ، اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحججه، إما ظاهرا [مشهورا] أو خائفا مغمورا، لئلا تبطل حجج الله وبيّناته، وكم ذا، وأين أولئك، الأقلون عددا، الأعظمون قدرا بهم يحفظ الله حججه وبيّناته، حتى يودعوها في قلوب أشباهم [8] ، هجم بهم العلم على
__________
(الإصابة ت 753، تهذيب التهذيب 8/447، جمهرة الأنساب ص 390) .
[1] الجبّان والجبانة: المقبرة. أصحر: خرج إلى الصحراء.
[2] الوصية في نهج البلاغة ص 712- 714 ط مؤسسة المعارف، بيروت 1996 م.
[3] في نهج البلاغة: (والعلم يحرسك، وأنت تحرس المال) .
[4] بعدها في نهج البلاغة: (وصنيع المال يزول بزواله) ، وما بعدها خلاف كثير في الرواية.
[5] في نهج البلاغة: (على عباده، وبحججه على أوليائه) .
[6] في النهج: (أو منهوما.... أو مغرما) .
[7] بعدها في النهج: (كذلك يموت العلم بموت حامليه) .
[8] في النهج: (حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم) .
(1/35)

حقيقة البصيرة، وباشروا أرواح اليقين، واستلانوا ما استوعر المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة [4 ظ] إلى دينه، آه آه شوقا إلى رؤيتهم، انصرف إذا شئت)) [1]
[من خطب النبيّ صلى الله عليه وسلم]
خطب رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: [2] (يا أيها الناس، كأن الموت على غيرنا كتب، وكأن الحق على غيرنا وجب، وكأن الذين نشيّع من الأموات سفر، عمّا قليل إلينا راجعون، نبوّؤهم أجداثهم، ونأكل تراثهم، كأنّا مخلّدون بعدهم، قد نسينا كل واعظة، وأمنّا كلّ جائحة [3] ، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وأنفق في مال اكتسبه من غير معصية، ورحم أهل الضّرّ والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة، طوبى لمن ذلّ في نفسه، وحسنت خليقته، وصلحت سريرته، وزالت عن الناس شرّته، طوبى لمن عمل بعلم، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السّنّة، ولم يعدها إلى بدعة) .
أوحى الله تعالى إلى موسى بن عمران عليه السلام: «يعزّ عن الشيء إذا منعته لعلمك بقلة ما يصحبك إذا أعطيته» .
[قال الأصمعي]
الأصمعي [4] قال: قلت لأعرابي: ما الذي غيرك؟ قال: سوء الغذاء،
__________
[1] في النهج: (انصرف يا كميل إذا شئت) .
[2] الخطبة في صبح الأعشى 1/213، وجمهرة خطب العرب 1/153 مع خلاف يسير في اللفظ.
[3] الجائحة: الأمر المهلك، الجوح: الإهلاك والاسئصال، كالاجتياح.
[4] الأصمعي: عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي، أبو سعيد، رواية وأحد أئمة العلم باللغة والشعر والبلدان، كان كثير التطواف في البراري يقتبس علومها
(1/36)

وجدوبة المرعى، وطوال تناجي الهموم في صدري. اللهم احفظني من بوائق [1] الثقات، وعداوة القربات.
[رسالة لعلي بن أبي طالب]
قال ابن عباس [2] رضي الله عنه: ما انتفعت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلام كلمات كتب بهن إليّ أمير المؤمنين [5 و] عليه السلام، كتب إليّ: [3] «أما بعد فإن المرء قد يسره [درك] [4] ما لم يكن ليفوته، وسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلته من آخرتك، وليكن جزعك [5] على ما فاتك منها، وما نلت من دنياك، ولا تكثر به فرحا، وما فاتك فلا تكثر عليه ترحا [6] ، وليكن همّك فيما بعد الموت» .
__________
ويتحف بها الخلفاء، فيكافأ بالعطايا الوافرة، له تصانيف كثيرة منها: (الإبل) ، و (الأضداد) ، و (خلق الإنسان) ، و (الفرق) ، و (الخيل) ، و (الدارات) ، وغيرها، توفي سنة 216 هـ-.
(وفيات الأعيان 1/288، تاريخ بغداد 10/410، نزهة الألبا ص 150، إنباه الرواة 2/197- 205) .
[1] البوائق: الدواهي والشر، جمع بائقة.
[2] ابن عباس: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، حبر الأمة، الصحابي الجليل، ولد بمكة ونشأ في بدء عصر النبوة، فلازم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورورى عنه الأحاديث الصحيحة، وشهد مع علي الجمل وصفين، وكفّ بصره في آخر عمره، فسكن الطائف وتوفي بها سنة 68 هـ.
(نسب قريش ص 26، المحبر ص 289، الإصابة ت 4772، حلية الأولياء 1/314، نكت الهميان ص 180) .
[3] الرسالة في نهج البلاغة ص 556- 557.
[4] الزيادة من نهج البلاغة.
[5] في نهج البلاغة: (أسفك) .
[6] في نهج البلاغة: (وما فاتك منها فلا تأس عليه جزعا) .
(1/37)

[بعض الحكماء]
قال بعض الحكماء: ليس أحد أنصفه زمانه فتصرفت به الحال حسب استحقاقه، ولن نجد الناس إلا أحد رجلين؛ إما متأخر في نفسه قدّمه حظه، أو متقدم في نفسه أخره دهره، فارض بالحال التي أنت فيها، وإن كانت دون أملك واستحقاقك اختيارا، وإلا رضيت بها اضطرارا.
[أبو العيناء]
قال أبو العيناء: [1] رأيت صيادا معه بومتان [2] فساومته بهما، قال:
الكبرى بدرهمين، والصغرى بثلاثة، قلت: وكيف صارت الصغرى أغلى من الكبرى؟ قال: لأن شؤمها في إقبال.
[مختارات شعرية]
أنشد: [الطويل]
كتمت الهوى الأعداء حتى تبينت ... لهم بالبكاء عين مريع سجومها
كشمّة ممتاح إذا الماء بلّها ... أرشّ بما فيها عليه هزومها
على كبدي منكم صدوع قديمة ... وحادثة لمّا تجفّ كلومها
الحارث بن المصرّف العقيلي: [5 ظ] [الطويل]
ألا ليت شعري هل أسوقنّ بالحمى ... وبالهضب أنقاضا مبينا كلالهما
وقد زوّدتني الوالبيّة نظرة ... طويلا على مرّ الليالي مطالها
بمكحولة بالسّحر وسنان طرفها ... شديد على لبّ الحليم استمالها
ومن يبتذل عينيه في الناس لا يزل ... يرى حاجة محجوبة لا ينالها
قيل لبعض الشيعة: معاوية خالك؟ قال أمي نصرانية، والأمر إليه. لابن
__________
[1] أبو العيناء: محمد بن القاسم بن خلاد بن ياسر الهاشمي بالولاء، أديب فصيح من الظرفاء، اشتهر بنوادره ولطائفه، وكان ذكيا جدا، كف بصره بعد الأربعين، توفي سنة 283 هـ.
(نكت الهيمان ص 265، وفيات الأعيان 1/504، تاريخ بغداد 3/170) .
[2] لم أجد هذا الخبر في كتاب (أبو العيناء) لأنور سويلم، ط- دار عمار، عمان 1990 م.
(1/38)

حميس [1] يمدح الجعفريين: [الكامل]
لو كان يوجد عرف عود قبلهم ... لوجدته منهم على أميال
لو جئتهم لرأيت بين بيوتهم ... كرما يقيك مواقف التسآل
نور النبوّة والمكارم فيهم ... متصرّف في الشّيب والأطفال
أعرابي: [الطويل]
محا حبّ ليلى ذنب ليلى فأصبحت ... إذا لم تجد ذنبا عليّ تجنّت
فيا حبذا إدلال ليلى وقولها ... هممت بهجري وهي بالهجر همّت
فما أمّ سقب هالك بمضلّة ... إذا ذكرته آخر الليل حنّت
بأفضل منّي لوعة غير أنّني ... أطامن أحشائي على ما أجنّت
[قال الكندي]
قال الكندي [2] : ما أكثر ما نسمع من الطرائف، فمن ذلك [6 و] ما عندكم من الأوصاف للسواك ومنفعته، وهو يذهب ماء الوجه، ويقلقل الأسنان ويرقها، ويوسع خصاص الأضراس، ويورث ضعف البصر وضمور الدماغ، وبحسبك أنّ بعض الشعراء يقول قديما: [الطويل]
وما أهلك الديلي إلا سواكه ... وما أهلك الأسنان إلا التخلخل
ابن الطثرية: [3] [الوافر]
__________
[1] كذا جاء الاسم ولم أجد له ترجمة، ولعله محرف من ابن حمديس الأزدي الصقلي المتوفى سنة 527 هـ، وهو معاصر للمؤلف الأفطسي.
[2] الكندي: يعقوب بن إسحاق الصباح، فيلسوف العرب والإسلام في عصره، وأحد أبناء الملوك من كندة، نشأ في البصرة وانتقل إلى بغداد، فتعلم واشتهر بالطب والفلسفة والموسيقى والهندسة والفلك، وألف وترجم وشرح كتبا كثيرة زيد عددها على ثلاث مئة، لقي عند المأمون منزلة كبيرة، ولكن المتوكل سمع فيه رأى الوشاة فضرب وأخذت كتبه، ثم ردت إليه، توفي سنة 260 هـ. (طبقات الأطباء 1/206- 214، الفهرست ص 255- 261، تاريخ حكماء الإسلام للبيهقي ص 41، أخبار الحكماء للقفطي ص 240- 247) .
[3] ابن الطثرية: يزيد بن سلمة بن سمرة القشيري الكعبي من عامر بن صعصعة، نسبته
(1/39)

أروّع حين يأتيني رسول ... وأكمد حين لا يأتي رسول
أؤمّلكم وقد أيقنت أنّي ... إلى تكذيب آمالي أأول
[المأمون وإبراهيم بن المهدي]
قال المأمون لإبراهيم بن المهدي [1] : اعترف بذنبك أولا، ثم اعتذر منه، فقال إبراهيم: ذنبي أعظم من أن أنطق فيه بعذر، وعفو أمير المؤمنين أجل [من] أن أتفوه فيه بشكر، فقال المأمون: هذا والله كلام يميت الأحقاد.
[روى أبو عمرو بن العلاء]
قال: أخبرنا عبد الرحمن عن عمه، عن أبي عمرو بن العلاء [2] قال:
رأيت غلاما من جرم باليمن ينشد عنزا، فقلت: صفها لي يا غلام، قال:
حسراء مقبلة، شعراء مدبرة، ما بين غثرة الدهسة، وقنوّ الدّبسة، سجماء الخدين، خطلاء الأذنين، ما لها أمّ عيال، وثمال مال.
غثرة: كدرة، الدهسة: لون الدهاس من الرمل، والقنو: شدة الحمرة، والدبسة: [6 ظ] حمرة تعلوها غبرة.
__________
إلى أمه من بني (طثر) ، من شعراء بني أمية، قتله بنو حنيفة في يوم الفلج من نواحي اليمامة سنة 126 هـ-.
(معجم الأدباء 7/299، الشعر والشعراء 392، الأغاني 8/155 ط- الدار) .
[1] ابراهيم بن المهدي: ابراهيم بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور، يقال له (ابن شكله) وهي أمه، أمة سوداء، وهو أخو هارون الرشيد، انتهز فرصة الخلاف بين الأمين والمأمون فدعا بالخلافة لنفسه، وبايعه أهل بغداد، فلما انتصر المأمون طلبه فاستتر، ثم جاء مستسلما، واعتذر فعفا عنه، كان أسود عظيم الجثة فصيحا، له شعر، يجيد صنعة الغناء، توفي سنة 224 هـ- (الأغاني 10/69، 94، وفيات الأعيان 1/8، تاريخ بغداد 6/142) .
[2] أبو عمرو بن العلاء: زيّان بن عمّار التميمي المازني البصري، من أئمة اللغة والأدب، وأحد القراء السبعة، كان أعلم الناس بالعربية والأدب والقرآن والشعر، وكانت عامة أخباره عن أعراب أدركوا الجاهلية، توفي سنة 154 هـ-.
(وفيات الأعيان 1/386، نزهة الألبا ص 31، غاية النهاية 1/288) .
(1/40)

[ثقل المروءة]
قال محمد بن عمران التيمي قاضي أهل المدينة: ما شيء أثقل من حمل المروءة، قيل: وأي شيء المروءة؟ قال: ألا تعمل شيئا في السرّ تستحي منه في العلانية وأنشد: [الطويل]
حديث الغنى نزر العطاء يزيده ... على المال شحّا طول ما عالج الفقرا
ومثله: [الطويل]
سل الخير أهل الخير قدما ولا تسل ... فتى ذاق طعم العيش منذ قريب
[كسرى وهوذة الحنفي]
قال كسرى لهوذة بن علي الحنفي: [1] ما لك من البنين؟ قال: عشرة، قال: فأيّهم أحبّ إليك؟ قال: الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يقدم، والمريض حتى يبرأ، قال: فما غذاؤك في بلدك؟ قال: البرّ [2] ، قال: هذا عقله.
طلحة بن عبد الله [3] ابن أخي عبد الرحمن بن عوف [4] .
__________
[1] هوذة بن علي الحنفي: من بكر بن وائل، صاحب اليمامة بنجد، شاعر بني حنيفة وخطيبها قبل الإسلام، كان ممن يزور كسرى في المهمات، كان يقال له: (ذو التاج) لأن كسرى عقد على رأسه عقدا من الدر، أدرك الإسلام ولم يسلم، توفي سنة 8 هـ-.
(جمهرة أنساب العرب ص 292، الروض الأنف 2/253، عيون الأثر 2/269) .
[2] البرّ: حب القمح، وابن برّة: الخبز.
[3] طلحة بن عبد الله بن عوف: من بني زهرة، قاض ممن اشتهروا بالكرم، سمّي طلحة الندى، ولي قضاء المدينة، وتوفي بها سنة 97 هـ-. (طبقات ابن سعد 5/119، المحبر ص 150، 356) .
[4] عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي: صحابي، وأحد العشرة المبشرة بالجنة، وأحد السابقين إلى الإسلام، كان جوادا شجاعا، شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها، كان يحترف التجارة، فاجتمعت له ثروة كبيرة، وكان كثير الصدقة، توفي سنة 32 هـ-.
(حلية الأولياء 1/98، صفة الصفوة 1/135، البدء والتاريخ 5/86) .
(1/41)

[ابن برّة]
. شعر: [البسيط]
وفارس كالشهاب ترهبه ال ... فرسان يدعى من بأسه حطمه
يمّمني ويكتني عليّ فلم ... تسمع له بعد طعنتي كلمه
دونك لا تكتني عليّ فما ... تقتلني إن قتلتني ابن أمه
برّة أمّي إذا انتسبت وبال ... بطحاء داري بالبلدة التّهمه
بازيّة بين بازيّتين ولم ... تخلق بغاثا أمّي ولا رخمه
[للشطرنجي]
لأبي حفص الشطرنجي [1] في الشكر: [الطويل]
دعيني أسيّر شكره وثناءه ... إذا لم يكن لي بالجزاء يدان
وإنّي إذا أوفى الصنيعة حقّها ... وهيهات لا تجزى يد بلسان
[أبو نواس وأبو عبيدة]
روي أنّ أبا نواس [2] جاء إلى حلقة أبي عبيدة [3] ، وهو في صفة المعادن، يقول: معدن بني سليم ينبت فيه الذهب، مثل عنق البعير، ومعدن
__________
[1] أبو حفص الشطرنجي: عمر بن عبد العزيز الشطرنجي، شاعر عليّة بنت المهدي، كان منقطعا إليها، شغف بالشطرنج فنسب إليه، كان أدبيا غزلا ظريفا، له شعر في كتب الأدب، توفي سنة 210 هـ-.
(الأغاني 19/69، سمط اللآلئ 517، فوات الوفيات 3/135) .
[2] أبو نواس: الحسن بن هاني، شاعر الخمرة والمجون، أشهر من أن يعرف به، توفي سنة 198 هـ-.
[3] أبو عبيدة: معمر بن المثنى التيمي بالولاء، من أئمة العلم والأدب واللغة في البصرة، كان إباضيا شعوبيا، صنّف في مثالب العرب، له نحو مائتي مؤلف، منها: (نقائض جرير والفرزدق) ، و (مجاز القرآن) ، و (أيام العرب) ، و (الخيل) ، وغيرها، توفي سنة 209 هـ-.
(معجم الأدباء 7/164- 170، بغية الوعاة 395، وفيات الأعيان 2/105، تاريخ بغداد 13/252) .
(1/42)

كذا ينبت فيه كذا، وجعل يصف المعادن وما ينبت فيها، فأخرج أبو نواس ذكره، ثم قال: في أي معدن ينبت هذا يا أبا عبيدة؟ فقال له: قم أخزاك الله، فقال له: يا خلف [1] ما عليك لو قلت: في حر أمّك.
[مكاسب الأنذال]
أنشد ثعلب [2] : [الكامل]
سقطت نفوس ذوي العقول فأصبحوا ... يستحسنون مكاسب الأنذال
ولعلّ ما عثر الزمان فساءني ... إلا صبرت وإن أضرّ بحالي
رأي الحسن رجلا طريرا [3] له هيئة، فقال: ما هذا؟ فقالوا: يضرط للملوك، فقال: لله أبوه، ما طلب أحد الدنيا بما يشبهها إلا هذا.
[ابن القريّة والحجاج]
قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة، عن يونس، قال: كان أيوب بن القرّية [4]
__________
[1] في الأصل (خلف) بكسر الخاء، أي المختلف، ولعلها (خلف) بفتح الخاء، أي الولد الطالح والرديء، ومنه المثل: (سكت ألفا ونطق خلفا) ، يضرب للرجل يطيل الصمت، فإذا تكلم تكلم بالخطأ.
(مجمع الأمثال 1/330، المستقصى 2/119، اللسان: خلف) .
[2] ثعلب: أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني بالولاء، أبو العباس، إمام الكوفيين في اللغة والنحو، رواية للشعر محدث حجة، من كتبه: (الفصيح) ، و (معاني القرآن) وشرح عدة دواوين، توفي سنة 291 هـ-.
(وفيات الأعيان 1/30، نزهة الألبا 293، إنباه الرواة 1/138، بغية الوعاة 172) .
[3] الطرير: ذو المنظر والرواء والهيئة الحسنة.
[4] ابن القريّة: أيوب بن زيد بن قيس بن زرارة الهلالي، خطيب يضرب به المثل، يقال:
(أبلغ من ابن القرية) ، والقريّة أمه، كان أعرابيا أميّا، اتصل بالحجاج وأرسله إلى ابن الأشعث رسولا، فانضم إليه، فلما هزم ابن الأشعث جيء بابن القرية أسيرا، فقتله الحجاج صبرا سنة 84 هـ-.
(وفيات الأعيان 1/82، تاريخ الإسلام 3/234، الطبري وابن الأثير حوادث سنة 84 هـ-) .
(1/43)

أعرابيا أميّا، أصابته السنة [1] ، فقدم عين التمر [2] ، وعليها عامل للحجاج بن يوسف، وكان العامل يغدّي كل يوم ويعشّي، فوقف ابن القرّية ببابه [7 ظ] فرأى الناس يدخلون، فقال: أين يدخل هؤلاء؟ قالوا: إلى طعام الأمير، فدخل فتغدى، فقال: أكل يوم يصنع الأمير ما أرى؟ فقيل: نعم، فكان يأتي كل يوم بابه للغداء والعشاء، إلى أن ورد كتاب من الحجاج على العامل عربيّ غريب لا يدرى ما هو، فأخّر لذلك طعامه، وجاء ابن القرية فلم ير العامل يتغدى، فقال: ما بال الأمير اليوم لا يأكل ولا يطعم؟ قالوا: أغتمّ لكتاب ورد عليه من الحجاج عربي غريب، لا يدري ما هو، قال: ليقرئني الأمير الكتاب، فأنا أفسّره إن شاء الله، فذكر ذلك للوالي، فدعا به، فلما قرأ عليه الكتاب عرف ابن القرية الكلام، واستدل ببعض المعاني على بعض، وفسّر ذلك للوالي، حتى عرّفه جميع كتابه، فقال له: أفتقدر على جوابه؟ فقال: لست أقرأ ولا أكتب، ولكن أقعد بين يديّ كاتبين، يقرأ أحدهما ويكتب الآخر، ففعل، فكتب جواب الكتاب، فلما قرئ الكتاب على الحجاج رأى كلاما غريبا، فعلم أنه ليس من كلام كتّاب الخراج، فدعا برسائل عامل عين التمر فنظر فيها، فإذا هي ليست ككتاب ابن القرّية، فكتب الحجاج إلى العامل: أما بعد، فقد أتاني كتابك بعيدا من جوابك بمنطق غيرك، فإذا نظرت في كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تبعث إليّ بالرجل الذي صدر [8 و] لك الكلام والسلام.
فقرأ العامل الكتاب على ابن القرية فقال: أقلني، قال: لا بأس عليك، وأمر له بكسوة ونفقة، وحمله إلى الحجاج، فلما دخل عليه قال: ما اسمك؟
قال: أيوب، قال: اسم نبيّ، وأظنك أميّا تحاول فلا يستصعب عليك المقال، وأمر له بنزل ومنزل، فلم يزل يزداد به عجبا حتى أوفده على عبد الملك بن
__________
[1] السنة: الجدب والقحط.
[2] عين التمر: بلدة قريبة من الأنبار، غربي الكوفة، بقربها موضع يقال له (شفاثا) ، وهي على طريق البرية، افتتحها المسلمون في أيام أبي بكر سنة 12 هـ-. (ياقوت: عين التمر) .
(1/44)

مروان، فلما خلع ابن الأشعث [1] بسجستان [2] بعثه الحجاج إليه، فلما دخل عليه قال: لتقومنّ خطيبا ولتخلعنّ عبد الملك، ولتسبّنّ الحجاج، أو لأضربنّ عنقك، قال: أيها الأمير، إنما أنا رسول، قال: هو ما أقول لك، فخطب فخلع عبد الملك وشتم الحجاج، وأقام هنالك، فلما انصرف ابن الأشعث كتب الحجاج إلى عماله بالري [3] وأصفهان [4] وما يليهما يأمرهم ألا يمر بهم أحد من قبل ابن الأشعث إلا بعثوا به اليه، وأخذا ابن القرية فيمن أخذ، فلما أدخل إلى الحجاج قال: أخبرني عمّا أسألك عنه، قال: سلني عمّ شئت، قال: أخبرني عن أهل العراق؟ قال: أعلم الناس بحق وباطل، قال: فأهل الحجاز؟ قال: أسر الناس إلى فتنة، وأعجزهم فيها، قال: أهل الشام؟ قال:
__________
[1] ابن الأشعث: عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، أمير من القادة الشجعان، سيّره الحجاج بجيش لغزو بلاد رتبيل (ملك الترك) فغزا بعض أطرافها، وكتب إلى الحجاج بعدم التوغل في بلاد لا يعرف مداخلها ومخارجها، فاتهمه الحجاج بالضعف، فاتفق ابن الأشعث ومن معه على نبذ طاعة الحجاج وخلعوه وخلوا عبد الملك بن مروان، وزحف إلى العراق لقتال الحجاج سنة 81 هـ-، وحدثت بينهم موقعة (دير الجماجم) فهزم جيش ابن الأشعث، ولجأ إلى رتبيل، فقتله وبعث برأسه إلى الحجاج بعد أن هدده سنة 85 هـ-.
(الطبري 8/39، ابن الأثير 4/192، الأخبار الطوار 306) .
[2] سجستان: ناحية كبيرة وولاية واسعة، وقيل: إن سجستان اسم للناحية وإن اسم مدينتها (زرنج) ، وبينها وبين هراة عشرة أيام ثمانون فرسخا، وهي جنوبي هراة، وأرضها كلها سبخة. (ياقوت: سجستان) .
[3] الري: مدينة مشهورة من أمهات البلاد وأعلام المدن، بينها وبين نيسابور مائة وستون فرسخا، وإلى قزوين سبعة وعشرون فرسخا، فتحها عروة بن زيد الطائي سنة 20 هـ- بأمر عمر بن الخطاب.
(ياقوت: الري) .
[4] أصفهان: أو أصبهان، مدينة عظيمة مشهورة من أعلام المدن وأعيانها، وأصبهان اسم للإقليم بأسره، وكانت مدينتها أولا جيّا، ثم صارت اليهودية، وهي من نوحي الجبل في آخر الإقليم فتحت في زمن عمر بن الخطاب سنة 19 هـ-، فتحها عبد الله بن عبد الله بن عتبان. (ياقوت: أصبهان) .
(1/45)

أطوع الناس لحلفائهم، قال: أهل مصر؟ قال: عبيد من غلب، قال: فأهل البحرين؟ قال: نبيط [1] استعربوا، قال: فأهل عمان؟ قال: عرب استنبطوا [8 ظ] ، قال: فأهل الموصل؟ قال: أشجع فرسان، وأقتل للأقران، قال: فأهل اليمن؟ قال: أهل سمع وطاعة، ولزوم للجماعة، قال: فأهل اليمامة؟ قال: أهل جفاء واختلاف أهواء، وأصبر عند اللقاء، قال: فأهل فارس؟ قال: أهل بأس شديد، وشر عتيد، وريف كبير، وقرى يسير، قال: فأخبرني عن العرب؟ قال:
سلني؟ قال: قريش؟ قال: أعظمها أحلاما، وأكرمها مقاما، قال: بنو عامر بن صعصعة؟ قال: أطولها رماحا، وأكرمها صباحا، قال: فبنو سليم؟ قال: أعظمها مجالس، وأكرمها محابس، قال: فثقيف؟ قال: أكرمها جدودا وأكثرها وفودا، قال: فبنو زبيد؟ قال: ألزمها للرايات، وأدركها للترات، قال: فقضاعة؟ قال:
أعظمها أخطارا، وأكرمها نجارا، وأبعدها آثارا، قال: فالأنصار؟ قال: أثبتها مقاما، وأحسنها إسلاما، وأكرمها أياما، قال: فتميم؟ قال: أطهرها جلدا، وأثراها عددا، قال: فبكر بن وائل؟ قال: أثبتها صفوفا، وأحدّها سيوفا، قال:
فعبد القيس؟ قال: أسبقها إلى الغايات، وأضرها تحت الرايات، قال: فبنو أسد؟ قال: أهل عدد وجلد، وعسر ونكد، قال: فلخم؟ قال: ملوك وفيهم نوك [2] . قال: فجذام؟ قال: يوقدون الحرب ويسعرونها ثم يمرونها [3] ، قال:
فبنو الحارث؟ قال: رعاة للقديم، حماة عن الحريم، قال: فعكّ؟ [9 و] قال:
ليوث جاهدة، في قلوب فاسدة، قال: فتغلب؟ قال: يصدقون إذا لقوا ضربا، ويسعرون الأعداء حربا، قال: فغسان؟ قال: أكرم العرب أحسابا، وأثبتها أنسابا، قال: فأي العرب في الجاهلية كانت أمنع من أن تضام؟ قال: قريش،
__________
[1] النبيط، والنبط والأنباط: جيل ينزلون بالبطائح بين العراقين (القامون: نبط) والأنباط: جيل سامي كانت له دولة في شمال شبه الجزيرة العربية، وعاصمتهم سلع، وتعرف اليوم بالبتراء، والمشتغلون بالزراعة، وتستعمل أخيرا في أخلاط الناس من غير العرب. (المعجم الوسيط: نبط) .
[2] النوك: الحمق، والأنوك: الأحمق الجاهل العاجز العيي في كلامه.
[3] يمرونها: يستدرونها ويستخرجونها.
(1/46)

كانوا أهل رهوة [1] لا يستطاع ارتعاؤها، وهضبة لا يرام انتزاؤها [2] في بلدة حمى الله ذمارها، ومنع جارها، قال: فأخبرني عن مآثر العرب في الجاهلية؟
قال: كانت العرب تقول: حمير أرباب الملك، وكندة لباب الملوك، ومذحج أهل الطّعان، وهمدان أحلاس الخيل [3] ، والأزد آساد الناس.
قال: فأخبرني عن الأرضين؟ قال: سلني؟ قال: الهند؟ قال: بحرها درّ، وجبلها ياقوت، وشجرها عود، وورقها عطر، وأهلها طغام [4] ، كقطع الجمام [5] ، قال: فخرسان؟ قال: ماؤها جامد، وعدوها جاهد، قال: فعمان؟
قال: حرّها شديد، وصيدها عتيد، قال: فالبحران؟ [6] قال: كناسة بين المصرين، قال: فاليمن؟ قال: أصل العرب، وأهل البيوتات والحسب، قال:
فمكة؟ قال: رجالها علماء جفاة، ونساؤها كساة عراة، قال: فالمدينة؟ قال:
رسخ العلم فيها، وظهر منها، قال: فالبصرة؟ قال: شتاؤها جليد، وحرها شديد، وماؤها ملح، وحربها صلح، قال: فالكوفة؟ قال: ارتفعت عن حرّ البحر، وسفلت عن برد الشام، فطام ليلها، وكثر خيرها، قال: فواسط؟ قال:
جنّة بين حماة وكنّة، قال: وما حماتها وكنتها؟ [9 ظ] قال: البصرة والكوفة يحسدانها، وما ضرّها ودجلة والزاب [7] يتجاريان با؟؟ فاضة الخير عليها، قال: فالشام؟ قال: عروس بين نسوة جلوس.
قال: ثكلتك أمك يا ابن القرّية، لولا اتباعك لأهل العراق، وقد كنت
__________
[1] الرهوة: المكان المنخفض يجتمع فيه الماء.
[2] انتزاؤها: أخذها، وأكمة نازية: مرتفعة عما حولها.
[3] أحلاس الخيل: ملازمون لظهورها، أو رياضتها.
[4] الطغام: أراذل الناس وأوغادهم.
[5] الجمام: النبت الكثير المنتشر، والجميم: ما غطى الأرض من النبات.
[6] البحران: لعله يريد البحرين فرفعها بالألف.
[7] في الأصل: (الزات) ، وهو تصحيف، قال ياقوت: وبين بغداد وواسط زابان آخرن أيضا، ويسميان الزاب الأعلى والزاب الأسفل، أما الأعلى فهو عند قوسين، وأظن مأخذه من الفرات، ويصب عند زرفامية وقصبة كورة النعمانية على دجلة، وأما الزاب الأسفل من هذين، فقصبته نهر سابس قرب مدينة واسط. (معجم البلدان: الزاب) .
(1/47)

أنهاك عنهم أن تتبعهم فتأخذ من نفاقهم، ثم دعا بالسيف وأومى [1] إلى السياف أن أمسك، فقال ابن القرّية: ثلاث كلمات أصلح الله الأمير كأنهن ركب وقوف يكنّ مثلا بعدي، قال: هات، قال: لكل جواد كبوة، ولكل صارم نبوة، ولكل حليم هفوة، قال الحجاج: ليس هذا وقت المزاح، يا غلام أوجب جرحه، فضرب عنقه.
وقيل: إنه لما أراد قتله قال له [2] : العرب تزعم أنّ لكل شئ آفة، قال:
صدقت العرب أصلح الله الأمير، قال: فما آفة الحلم؟ قال: الغضب، قال:
فما آفة العقل؟ قال: العجب، قال: فما آفة العلم؟ قال: النسيان، قال: فما آفة السخاء؟ قال: المنّ، قال: فما آفة الكرام؟ قال: مجاورة اللئام، قال: فما آفة الشجاعة؟ قال البغي، قال: فما آفة العبادة؟ قال: الفترة، قال: فما آفة الذهن؟ قال: حديث النفس، قال: فما آفة الحديث؟ قال: الكذب، قال: فما آفة المال؟ قال: سوء التدبير، قال: فما آفة الكامل من الرجال؟ قال: العدم، قال: فما آفة الحجاج بن يوسف؟ قال: أصلح الله الأمير، لا آفة لمن كرم حسبه، وطاب نسبه، وزكا فرعه، [10 و] قال: امتلأت شقاقا، وأظهرت نفاقا، اضربوا عنقه، فلما رآه قتيلا ندم.
[طاووس وأبو جعفر الباقر]
سأل طاووس [3] أبا جعفر [4] عليه السلام فقال: أخبرني متى أهلك الله
__________
[1] أومى: لغة في أومأ.
[2] قال له: أي الحجاج.
[3] طاووس: طاووس بن كيسان الخولاني الهمداني بالولاء، أبو عبد الرحمن من أكابر التابعين تفقها بالدين ورواية للحديث، وتقشفا في العيش، وجرأة في وعظ الخلفاء، كان يأبى القرب من الملوك والأمراء، قال ابن عيينة: متجنبو السلطان ثلاثة؛ أبو ذر، وطاووس، والثوري، توفي طاووس حاجا بالمزدلفة أو منى سنة 106 هـ-.
(حلية الأولياء 4/3، تهذيب التهذيب 5/8، صفة الصفوة 2/160) .
[4] أبو جعفر: أرجح أن يكون أبا جعفر الباقر، محمد بن علي زين العابدين بن الحسين
(1/48)

ثلث الناس؟ قال: وهمت أيها الشيخ، إنما أردت أن تقول: متى هلك ربع الناس؟ وذلك يوم قتل قابيل هابيل، وكانوا أربعة أولاد، فذهب ربعهم، قال:
فأيّهم كان أبا الناس، القاتل أم المقتول؟ قال: بل أبوهم شيث بن آدم، قال:
فلم سمّي آدم آدم؟ قال: لأنه وقعت طينته من الأرض السّفلى التي تسمى الأديم، قال: ولم سمّيت حوّاء حواء؟ قال: من الحوّة، وهي الحمرة يخلطها سواد، قال فلم سمّي إبليس إبليس؟ قال: لأنه أبلس [1] من رحمة الله ولا يرجوها، قال: ولم سمّي الجنّ الجنّ؟ قال: لأنهم استجنوا فلم يروا، قال:
أخبرني عن أول كذبة من صاحبها؟ قال: إبليس، حين قال: [أنا خير منه] [2] ، قال: أخبرني عن رجل أدخل الجنّة ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله أن يعمل عمله؟ قال: ذلك يونس عليه السلام، قال عز وجل: (وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ)
[3] ، قال: فأخبرني عن ظاعن ظعن مرة فعاد ولم يظعن قبلها، ولا يظعن بعدها؟ قال: ذلك جبل طور سيناء، أظله الله على بني إسرائيل بأنواع العذاب، حتى قبلوا التوبة، وذلك قوله تعالى (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ)
[4] قال: فاخبرني عن قوم شهدوا بالحق فأكذبهم الله؟
قال: أولئك [10 ظ] المنافقون: (إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ)
[5] ، قال: فأخبرني عن رسول بعثه ليس من الإنس ولا من الجن ولا الملائكة؟ قال: ذاك غراب قابيل بعثه الله ليريه كيف يواري سوأة أخيه، قال: فأخبرني عن من أنذر قومه،
__________
- الطالبي الهاشمي، خامس الأئمة الإثني عشر عند الإمامية، كان ناسكا عابدا له في العلم وتفسير القرآن أراء وأقوال، توفي بالحميمة، ودفن بالمدينة سنة 114 هـ-.
(وفيات الأعيان 1/450، تهذيب التهذيب 9/350، صفة الصفوة 2/60) .
[1] أبلس: سكت لحيرة أو انقطاع حجة، وفي التنزيل (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ)
(الروم 12) .
[2] سورة ص آية 76 (قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) *.
[3] القلم 48، قوله تعالى: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ) .
[4] الأعراف 171 وتتمة الآية: (خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) *.
[5] المنافقون 1.
(1/49)

وليس من الإنس ولا من الجنّ؟ قال: النملة، إذ تقول: (يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ)
[1] ، قال: فأخبرني عن شىء كذب عليه ليس من الإنس ولا من الجن؟ قال: الذئب الذي كذب عليه إخوة يوسف، قال: فأخبرني عن ميّت أحيي به ميت؟ قال: هي بقرة بني إسرائيل التي ذبحت، قال الله تعالى: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى)
[2] ، قال:
فأخبرني عن شىء قليله حلال، وكثيره حرام؟ قال: ذلك نهر طالوت قال الله تعالى: (إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)
[3] ، قال: فأخبرني عن صلاة مفروضة تصلّى بلا وضوء، وصوم لا يحجب عن أكل ولا شرب؟ قال: أما الصلاة، فالصلاة على النبيّ صلى الله عليه وآله، وأما الصوم، فصوم مريم، إذ قالت:
(إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا)
[4] ، قال: فأخبرني عن شيء يزيد وينقص، وعن شيء ينقص ولا يزيد؟ قال: أما الشيء الذي يزيد وينقص فالقمر، والذي ينقص ولا يزيد فالعمر، قال فعرفني أي موضع طلعت [11 و] فيه الشمس ساعة ثم لم تطلع ولا تطلع إلا أن يشاء الله عز وجل؟ قال: البحر حيث شقّ لموسى عليه السلام.
[فتوى شعرية]
أنشد: [5] [الطويل]
سألنت الفتى المكيّ هل في تزاور ... وقبله مشتاق الفؤاد جناح [6]
__________
[1] النمل 18.
[2] البقرة 73 تتمة الآية (وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) .
[3] البقرة 249.
[4] مريم 26.
[5] البيتان في معجم الأدباء 6/2406 في ترجمة الشافعي ط إحسان عباس، وكامل المبرد 1/379- 380، والمختار من شعر بشار للخالديين شرح التجيبي ص 48، وتزيين الأسواق ص 7.
[6] في معجم الأدباء والكامل: (سل المفتي المكي) .
معجم الأدباء: (وضمة مشتاق الفؤاد) ، الكامل: (ونظرة مشتاق الفؤاد) .-
(1/50)

فقال معاذ الله أن يذهب التّقى ... تلاصق أكباد بهنّ جناح
[أعرابي والمرأة العامرية]
نزل أعرابي على قوم من بني عامر، فأخذ في حطّ رحله وهو يقول من غير أن يعلم ممن القوم: [1] [الطويل]
لعمرك ما تبلى سرابيل عامر ... من اللؤم ما دامت عليها جلودها [2]
فخرجت امرأة منهم فقالت: ممن الدجل؟ فقال: من طيء، قالت: فمن الذي يقول: [الطويل] .
وما طيّء إلا نبيط تجمعوا ... فقالوا طيانا كلمة فاستمرت [3]
قال: لست من طيء، ولكني من تميم، قالت: فمن الذي يقول [الطويل]
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلّت [4]
قال: لست من تميم، ولكني من نمير، قالت: فمن الذي يقول [الوافر]
فغض الطّرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا [5]
__________
- المختار من شعر بشار: (سلوا المفتي المكي هل في تزاور وضمة محزون الفؤاد جناح) .
في معجم الأدبا: وحدث الربيع بن سليمان قال: كنا عند الشافعي، إذ جاءه رجل برقعة، فنظر فيها وتبسم، ثم كتب فيها ودفعها إليه، قال فقلنا: يسأل الشافعي عن مسألة لا ننظر فيها وفي جوابها؟ فلحقنا الرجل وأخذنا الرفعة وقرأناها وإذا فيها:
سل المفتي المكي هل في تزاور ... وضمة مشتاق الفؤاد جناح.
قال: وإذا أجابه أسفل من ذلك:
أقول معاذ الله أن يذهب التقى ... تلاصق أكباد بهن جراح
[1] الرواية كلها في مروح الذهب 3/285- 292 مع خلاف يسير وتقديم وتأخير في ذكر أسماء القبائل والأبيات التي قيلت فيها. وفي أكبر الظن أن هذه الروايات وأمثالها من الشعر الموضوع في مثالب العرب.
[2] في مروج الذهب: (سرائر عامر) .
[3] في مروح الذهب بعده بيت هو:
ولو أنّ حرقوصا يمد جناحه ... على جبلي طيء إذا لاستظلت
[4] في المروح: أنشدت المرأة ثلاثة أبيات أخر.
[5] في المروح بعده بيت هو:
فلو وضعت فقاح بني نمير ... على خبث الحديد إذا لذابا
(1/51)

قال: لست من نمير، ولكني من بني سعد [1] ، قالت: فمن الذي يقول:
[الطويل]
على كلّ سعديّ رداء لأمّة ... تموت وتبلى والرداء جديد
قال: لست من بني سعد، ولكني من بني عجل، قالت: فمن الذي يقول: [11 ظ] [الطويل]
أرى الناس يعطون المئين وإنّما ... عطايا بني عجل ثلاث وأربع [2]
قال: لست من بني عجل، ولكني من ضبّة، قالت: فمن الذي يقول: [الطويل]
لقد رزقت عيناك يا ابن معكبر ... كما كلّ ضبّي من اللؤم أزرق
قال: لست من بني ضبّة، ولكني من الحبطات [3] ، قالت: فمن الذي يقول: [الطويل]
ألستم شرّ من ركب المطايا ... كما الحبطات شرّ بني تميم
قال: لست من الحبطات، ولكني من هزّان [4] ، قالت: فمن الذي يقول؟
[الطويل]
تجاوز لؤم الناس كلّ قبيلة ... فلما أتى هزّان ألقى المراسيا
قال: لست من هزان، ولكني من فزارة، قالت: من الذي يقول؟
[البسيط]
لا تأمننّ فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار [5]
__________
[1] لم يرد في المروح ذكر بني سعد ولا البيت المذكور.
[2] في المروح:
(يعطون الجزيل وإنما ... عطاء بني عجل ثلاث أربع)
. وبعده بيت هو:
إذا مات عجليّ بأرض فإنما ... يشقّ له منها ذراع وإصبع
[3] لم يرد ذكر الحبطات ولا البيت بعدها في مروج الذهب
[4] لم يرد ذكر هزان ولا البيت في المروج.
[5] في مروج الذهب، بعد البيت بيتان آخران.
(1/52)

قال: لست من فزارة، ولكني من عبد القيس، قالت: فمن الذي يقول [الوافر]
وعبد القيس مصفر لحاها ... كأنّ فساءها قطع الضّباب [1]
قال: لست من عبد القيس، ولكني من بني أسد [2] ، قالت: فمن الذي يقول [البسيط]
لو كان يخفى على الرحمن خافية ... من خلقه خفيت عنه بنو أسد
قال: فركب راحلته وقال: أنا مستجير بك منك، قالت: لا أبعد الله غيرك.
[أشعار مختارة]
علي بن الجهم: [3] [12 و] [الطويل]
سأصبر صبرا يعلم الصبر أنّني ... أخوه الذي ضمّت عليه جوانحه [4]
ولا ذنب للعود القماريّ إنّما ... تحرّق إن نمّت عليه روائحه [5]
__________
[1] لم يرد هذا البيت في ذكر عبد القيس في مروج الذهب، وجاءت خمسة أشطر من الرجز، هي:
رأيت عبد القيس لاقت ذلا ... إذا أصابوا بصلا وخلا
وما لحا مصنّعا قد طلا ... باتو يسلون النساء سلا
سلّ النبيط القصب المبتلا
[2] لا ذكر لبني أسد ولا للبيت بعده في رواية مروج الذهب.
أقول: والرواية في المروج أطول مما ههنا، وفيها أشعار عن قبائل هي: يشكر، وباهلة، وثقيف، وعبس، وثعلبة، وغني، ومرة، وبجيلة، والأزد، وخزاعة، وسليم، ولقيط، وكندة، وخثعم، والنخع، وأود، ولخم، وجذام، وتنوخ، وحمير، ويحابر، وقشير، وأمية، وأشم، وهمدان، وقضاعة، وشيبان، وتغلب، ومجاشع، وكلب، وتيم، والموالي، والخوز، وحام.
[3] البيتان لعلي بن الجهم في ديوانه ص 64- 66.
[4] الديوان: (تطوى عليه جوانحه) .
[5] الديوان:
(ولا ذنب للعود الذماري إنما ... يحرق من دلت عليه روائحه)
.-
(1/53)

محمد بن حازم الباهلي: [1] [الطويل]
صن النفس واحملها على ما يزينها ... تهش سالما والقول فيك جميل
ولا ترينّ الناس إلا تجمّلا ... نبا بك دهر أو جفاك خليل
فان ضاق رزق اليوم فاصبر إلى غد ... عسى نكبات الدهر عنك تزول
ولا تثقنّ الدهر إلا بصاحب ... على النّصح منه شاهد ودليل
فما أكثر الأخوان حين تعدّهم ... ولكنّهم عند الوفاء قليل
ولا خير في ودّ امرىء متلون ... إذا الرى مالت مال حيث تميل
جواد إذا استغنيت عنه بماله ... وعند احتمال النائبات بخيل
[عفو المتقين]
يقال: إن رجلا أراد أن يضرب عبدا له، فقال له: أنشدك الله إلا ما سمعت مني، قال: هات، قال: أنا أطوع لك أم أنت لربك؟ قال: أنت لي، قال: فأنت أعطى لربك أم أنا لك؟ قال: أنا لربي، قال: أفتحب أن يعفو الله عنك؟ قال: نعم فاعف عني. قال: فاعف عني، قال: قد فعلت، وأنت حر.
[رأي الحسن البصري في معاوية]
ذكر معاوية عند الحسن البصري [2] ، فقال: لو لم يكن فيه إلا أربع، لكانت واحدة منهن موبقة له، تنزّيه على الناس السفهاء [12 ظ] حتى ملك
__________
- الذماري: نسبة إلى ذمار، وهي قرية باليمن على مرحلتين من صنعاء (ياقوت:
ذمار) .
[1] البيت والثالث والخامس دون نسبة في الدر الفريد 4/34.
[2] الحسن البصري: الحسن بن يسار البصري، أبو سعيد، تابعي، كان إمام أهل البصرة وحبر الأمة في زمانه، وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النساك، شب في كنف علي بن أبي طالب، وكان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم، وله مع الحجاج مواقف جريئة، وفضائله وأقواله كثيرة، توفي بالبصرة سنة 110 هـ.
(تهذيب التهذيب 2/263- 265، ميزان الاعتدال 1/254، حلية الأولياء 2/131، ذيل المذيل ص 93، أمالي المرتضى 1/106) .
(1/54)

الأمر بغير مشورة، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه ابنه من بعده وهو سكّير خمّير، يلبس الحرير ويضرب له بالطنابير، وادّعاؤه زيادا خلافا على حكم الله عز وجل، وقتله حجر بن عديّ وأصحابه بغير حقّ.
وقيل لبعضهم: ما السرور؟ قال: الغنى عمّا في أيدي الناس، ولقاء الأحبة يعد اليأس.
قال ابن المقفع: [1] أنبل الأشياء قدرا طاعة القلب في اتباع الرشد، وانطلاق اللسان في وقت الحاجة.
[أبو نواس]
روي أن أبا نواس ولد بالأهواز [2] في سنة ست وثلاثين ومئة، ومات ببغداد سنة خمس وتسعين ومئة، فكان عمره تسعا وخمسين سنة، ودفن في تل اليهود، وأمة أهوازية اسمها جلبان، وكان أبوه من جند مروان [3] من أهل دمشق، وكان قدم الأهواز للرباط، فتزوج بجلبان، فأولدها عدة أولاد، منهم أبو نواس، وأبو معاذ، وكان يؤدب ولد فرح الدحجي، فأما أبو نواس، فأسلمته أمه إلى بعض العطارين، فرآه والبة بن الحباب فاستحلاه، فقال له:
إنّي أرى فيك مخايل، أرى لك ألا تضيعها، وستقول الشعر، فاصحبني أخرّجك، فقال له: ومن أنت؟ قال: أبو أسامة، قال: والبة؟ [4] قال: نعم،
__________
[1] ابن المقفع: عبد الله بن المقفع، أصله من الفرس، كان محبوسيا وأسلم على يد عيسى بن علي عم السفاح، وولي كتابة الديوان للمنصور، ترجم كتب المنطق اليونانية، وترجم عن الفارسية كتاب كليلة ودمنة، وله رسائل منها: (الأدب الصغير) و (الأدب الكبير) ، اتهم بالزندقة، وقتل سنة 142 هـ.
(أخبار الحكماء ص 148، لسان الميزان 3/366، أمالي المرتضى 1/94، أمراء البيان ص 99- 158) .
[2] الأهواز: أصلها أحواز، فقلبت هاء، لأنه ليس في كلام الفرس حاء مهملة، كان إسم الأهواز قبل الإسلام خوزستان، والأهواز: سبع كور بين البصرة وفارس، فتحت على يد حرقوص بن زهير، أثناء إمارة عتبة بن غزوان على البصرة سنة 15 هـ. (ياقوت: الأهواز) .
[3] مروان: هو مروان بن محمد آخر خلفاء الدولة الأموية، قتل سنة 132 هـ.
[4] والبة بن الحباب: الأسدي الكوفي، شاعر غزل ماجن من أهل الكوفة، وهو أستاذ-
(1/55)

قال: أنا والله في طلبك، ولقد أردت الخروج إلى الكوفة بسببك [13 و] لأن أراك، وأسمع من شعرك، فصار أبو نواس معه، وقدم به بغداد، فكان أول ما قاله أبو نواس من الشعر وهو صبي، هذا: [1] [مجزوء الخفيف]
حامل الهوى تعب ... يسخفّه الطّرب
إن شكى فحقّ له ... ليس ما به عجب [2]
تضحكين لأهية ... والمحبّ ينتحب
كلّما انقضى سبب ... منك عاد لي سبب
روى أن الخصيب [3] سأل أبا نواس عن نسبه، فقال: أغناني أدبي عن نسبي، فأمسك عنه.
وقال إسماعيل بن نوبخت [4] : ما رأيت قط أوسع علما من أبي نواس، ولا أحفظّ منه مع قلة كتبه، ولقد فتّشنا بمنزله بعد موته، فما وجدنا له إلا قمطرا [5] ، وليس فيها إلا جزاز فيه غريب ونحو فقط.
[طبيعة الغراب]
أنشدني في المعنى: [الخفيف]
كنت أرجوه والرجاء قريب ... فاذا عهده كعهد الغراب
__________
- أبي نواس، صحب أبا نواس إلى الأهواز والكوفة وبغداد، كان أبيض اللون أشقر الشعر، هاجى بشارا وأبا العتاهية، وفي سنة 170 هـ.
(الأغاني 16/142 ط ساسي، تاريخ بغداد 13/487- 490، طبقات الشعراء لابن المعتز ص 87- 89، الموشح ص 272) .
[1] ديوان أبي نواس ص 227 ط الغزالي، بيروت د. ت.
[2] الديوان:
(إن بكى يحق له ... ليس ما به لعب) .
[3] الخصيب: الخصيب بن عبد الحميد والي الخراج بمصر، كان فارسيّ الأصل، وهو ممدوح أبي نواس، والرواية في وفيات الأعيان 2/96.
[4] وفيات الأعيان 2/96.
[5] القمطر: ما تصان به الكتب، جمعه قماطر.
(1/56)

العرب تزعم أن الغراب إذا باضت طائرته لم يعد إليها.
[إبراهيم بن المهدي]
قال إسحاق الموصلي: [1] صرت إلى إبراهيم بن المهدي [2] في يوم دجن، فدعا بالصبوح [3] ، وجاء رجل زبيري، فعرض عليه المقام، فقال: معي جماعة طالبين في حاجة، وإن قعدت عنهم تعرضت لذمهم، مع الضغن السالف بيننا وبينهم، وفي تركي ما عرضت على الحسرة والندامة، فقال له إبراهيم: فنحن منتظروك إلى آخر أوقات الصبوح [13 ظ] ، فان أتيت، وإلا أخذنا في شأننا، ففارقه الزبيري على ذلك، ولم نزل منتظريه إلى آخر النهار، فلما لم نره أكلنا وشربنا وسمعنا، ثم وافى الزبيري فاستأذن له الحاجب، فقال له إبراهيم: إرجع إليه فقل له: حدّدنا لك وقتا فتجاوزته، وجئتنا في الوقت الذي قتل فيه ابن جرموز [4] أباك، فقال الزبيري: أرجع إليه فقل له: أفأردتني في الوقت الذي قتل ابن ملجم [5] عمّك، فقال له إبراهيم، أرجع إليه فقل له:
__________
[1] إسحاق الموصلي: إسحاق بن إبراهيم بن ميمون الموصلي، من أشهر ندماء الخلفاء، تفرد بصناعة الغناء، وكان عالما باللغة والموسيقى والتاريخ وعلوم الدين وعلوم الكلام، راويا للشعر شاعرا، فارسي الأصل، مولده ووفاته بغداد، نادم الرشيد والمأمون والواثق، له مؤلفات منها: (كتاب أغانيه) ، و (أخبار عزة الميلاء) ، و (أغاني معبد) ، و (أخبار حماد عجرد) ، وغيرها، توفي سنة 235 هـ.
(وفيات الأعيان 1/65، الأغاني 2685- 435 ط دار الكتب، تاريخ بغداد 6/338، الأعلام 1/292) .
[2] ابراهيم بن المهدي: سبقت ترجمته.
[3] الصبوح: شراب الصباح، وأكثر ما يطلق على شرب الخمر، وهو خلاف الغبوق الذي يشرب بالعشي (الصحاح: غبق) .
[4] ابن جرموز: عمير بن جرموز من بني تميم، لحق الزبير بن العوام وهو راجع بعد موقعة الجمل فطعنه، وكان مع ابن جرموز فضالة بن حابس ونفيع، فحملوا عليه فقتلوه سنة 36 هـ.
(الطبري 4/499، حوادث سنة 36 هـ، طبقات ابن سعد 3/78) .
[5] ابن ملجم: عبد الرحمن بن ملجم المرادي الحميري، فارس أدرك الجاهلية-
(1/57)

أما نحن فأصبنا ثأرنا، وقتلنا قاتل صاحبنا، وأما أنتم فلم تدركوا ثأرا، ولم تغسلوا عارا، فقال الزبيري: ارجع إليه فقل له: ذاك لأنكم وجدتم قاتل صاحبكم كفأ له وقتله بواء به وإنّا لم نر صاحبنا نظيرا له فيقيده منه، قال إبراهيم: ارجع إليه فقل له: ل، اولكنّا علمنا أن قاتل صاحبنا يصير إلى النار فعجلناه إليها، وأنكم لم تدروا علام يرد قاتل صاحبكم من ثواب أو عقاب، فتركتموه مهملا، فقال الزبيري: ارجع إليه فقل له: يشهد للزبير بالجنة، ولقاتله بالنار قول النبي صلى الله عليه وسلم برواية صاحبكم: بشّر قاتل ابن صفية بالنار [1] ، ولم يقل: بشر ابن صفية بالجنة، وقد يقتل الكافر الكافر فيكونان جميعا في النار، فقال الزبيري: ارجع إليه وقل له: قد والله يا سيدي [14 و] انقطعت، فلا تجمع عليّ وحشة الانقطاع مع ضرر الحرمان، فأذن له، فعاشرنا منه في يومنا أمنع عشير وأملح نديم.
[علي بن أبي طالب وابنه الحسين]
قال أمير المؤمنين لابنه أبي عبد الله [2] صلوات الله عليهما، وهو يومئذ غلام: قم يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاخطب لأسمع كلامك
__________
- وتالإسلام، كان من القراء وأهل الفقه، كان من شيعة علي بن أبي طالب، شهد معه صفين، ثم خرج عليه، واتفق مع (البرك) و (عمرو بن بكر) على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص في ليلة واحدة (17 رمضان) فكمن ابن ملجم لعلي عند صلاة الفجر، فضربه في مقدم رأسه وتوفي بعدها علي من أثر الضربة، ونجا معاوية وعمرو بن العاص، ثم قتل ابن ملجم سنة 40 هـ.
(طبقات ابن سعد 3/23، لسان الميزان 3/439، الطبري وابن الأثير حوادث سنة 40، الكامل للمبرد 2/136) .
[1] الحديث في تفسير القرطبي 16/321، والبداية والنهاية 7/250.
[2] أبو عبد الله: الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو عبد الله السبط الشهيد، ابن فاطمة الزهراء، نشأ في بيت النبوة، وإليه نسبة كثير من الحسينيين، خرج ثائرا على يزيد، وكاتبه أهل الكوفة، فحشد له عبيد الله بن زياد جيشا كثيفا قاتله وأهله في موقعة كربلاء، وحمل رأسه إلى يزيد بن معاوية سنة 61 هـ.
(الطبري 6/215، ابن الأثير 4/19، مقاتل الطالبيين ص 54، 67، تهذيب ابن عساكر 4/311، صفة الصفوة 1/321) .
(1/58)

قبل موتي، فقام فقال: الحمد لله الذي من تكلم سمعه، ومن سكت علم في نفسه، ومن عاش فعليه رزقه، ومن مات فإليه معاده، أما بعد فإن الموت غايتنا، والله عارضنا، إنّ عليّا باب، من دخله كان آمنا، ومن خرج عنه كان كافرا، فقام إليه أمير المؤمنين عليه السلام فالتزمه، وقبّل بين عينيه، وقال:
بأبي أنت وأمي [ذريّة بعضها من بعض والله سميع عليم] [1]
[شعر حمد بن مهران]
كتب حمد بن مهران [2] إلى بعض أهل أصفهان يستهديه نبيذا، فبعث إليه منه ما لم يحمده، فقال:
كيف الوفاء بشكر خلّ صانني ... عن مأثم وانتاشني من منكر
لمّا رأى أنّ الرواية حقّقت ... بالنّهي عن شرب الحرام المسكر
أهدى نبيذا لو- تعلّ بعوضة ... منه بألفي جرّة لم تسكر
وافى بخاتمه ففضّ ختامه ... عن لون زنجيّ ونكهة أبخر
فلأشكرنّ وإن ظمئت صنيعه ... لا خير في المعروف ما لم يشكر
[14 ظ]
[أشعار مختارة]
أنشد المبرد: [3] [المديد]
ما لعيني كحلت بالسّهاد ... ولجنبي نابيا عن وسادي
ما أذوق النوم إلا غرارا ... مثل حسو الطير ماء الثّماد [4]
__________
[1] آل عمران 34.
[2] حمد بن مهران: أو حميد بن مهران الكاتب، أصفهاني المولد، صار كاتبا للبرامكة، له كتاب رسائل، وله ديوان شعر لم يصل، له أبيات في مدح أبي أيوب الهاشمي في معجم الأدباء 4/1668 ط إحسان وعباس، وانظر تاريخ التراث العربي- سزكين 2/217 الترجمة العربية.
[3] الأبيات أنشدها المبرد عن الزيادي، وهي لأعرابي، في الكامل 1/57 ط محمد الدالي بيروت 1997.
[4] الكامل: (ما أذوق) .
حسو الطير: أخذه الماء بفيه. الثماد: اسم للماء القليل يبقى في الأرض الجلد.
(1/59)

أبتغي صلاح سعدي بجهدي ... وهي تسعى جهدها في فسادي
فتتاركنا على غير شيء ... ربّما أفسد طول التّمادي
ابن الرومي: [1] [الطويل]
أحلّ العراقيّ النبيذ وشربه ... وقال الحرامان المدامة والسّكر
وقال الحجازيّ الشرابان واحد ... فحلّت لنا بين اختلافهما الخمر
سآخذ من قوليهما طرفيهما ... وأشربها لا فارق الوازر الوزر
أنشد أبو حاتم عن أبي زبد: [الوافر]
ألا أبلغ أخا قيس رسولا ... بأنّي لم أخنك ولم تخنّي
ولكني طويت الكشح لمّا ... رأيتك قد طويت الكشح عنّي
فلست بمدرك ما فات منّي ... بلهف ولا بليت ولا لو انّي
ولست بآمن أبدا خليلا ... على شيء إذا لم يأتمنّي
فان أعطف عليك بفضل حلمي ... فما قلبي إليك بمطمئنّ
وصلتك ثم عاد الوصل إنّي ... قرعت ندامة من ذاك سنّي
[أبو المعافى يمدح مالك بن أنس]
لأبي المعافى يعقوب بن إسماعيل بن رافع [2] ، مولى مزينة، يمدح مالك ابن أنس [3] : [15 و] [الطويل]
__________
[1] الأبيات لابن الرومي في ديوانه 2/61 ط دار الكتب العلمية، بيروت 1994.
[2] يعقوب بن اسماعيل بن رافع المزني: أبو المعافى، شاعر من أبناء العصر العباسي، كان من أصحاب العباس بن محمد الهاشمي في الشام والعراق، له ديوان صغير لم يصل، توفي سنة 180 هـ.
(معجم الشعراء ص 54، تاريخ التراث العربي 2/11) .
[3] مالك بن أنس: الإمام مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، إمام دار الهجرة، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، وإليه تنسب المالكية، كان صلبا في دينه، بعيدا عن الأمراء والخلفاء، وشي به إلى جعفر عم المنصور العباسي، فضرب سياطا انخلعت لها كتفه، طلبه الرشيد ليحدثه فقال: العلم يؤتى، فقصد الرشيد منزله فحدثه-
(1/60)

ألا إنّ فقد العلم في فقد مالك ... فلا زال فينا صالح الحال مالك
يقيم سبيل الحقّ والحقّ واضح ... ويهدي كما تهدي النجوم الشوابك
عشونا إليه نبتغي ضوء رأيه ... وقد لزم الغيّ اللجوج المماحك
فجاء برأي مثله يقتدى به ... كنظم جمان فضّلته السبائك
[معاوية وغلام من نزار]
روى صعصعة بن صوحان [1] : أنه دخل على معاوية غلام، فلم يسلّم عليه بالخلافة، فقال: ممن أنت؟ قال: من نزار، قال: وما نزار؟ قال: إذا غزا احتوش [2] ، وإذا انصرف انكمش، وإذا لقي افترس قال: من أي ولده أنت؟ قال: من ربيعة، قال: وما ربيعة؟ قال: كان يغزو بالخيل، ويجود بالنيل، ويغير بالليل، قال: من أي ولده أنت؟ قال: من أسد، قال: وما أسد؟ قال: كان إذا طلب أفضى، وإذا أدرك أرضى، وإذا أصاب أنضى، قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من دعمي، قال: وما دعمى؟ قال: كان يطيل النّجاد، ويجيد الجلاد، قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من أفصى، قال: وما أفصى؟ قال: كان يباشر القتال، ويعانق الأبطال، ويبذر الأموال، قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من عجل، قال: وما عجل؟ قال: أسود ضراغمة، قروم
__________
- وسمع منه، له من الكتب: (الموطأ) ، ورسالة في (الوعظ) ، وكتاب في (المسائل) ، وكتاب في (تفسير غريب القرآن) ، وغيرها، كتب عنه القدماء والمحدثون، توفي سنة 179 هـ.
(تهذيب التهذيب 10/5، صفة الصفوة 2/99، حلية الأولياء 6/316، اللباب 3/86، وفيات الأعيان 1/439) .
[1] صعصعة بن صوحان بن حجر بن الحارث العبدي: من سادات عبد القيس من أهل الكوفة، كان خطيبا بليغا عاقلا، شهد صفين مع علي بن أبي طالب، وله مع معاوية مواقف، قال الشعبي: كنت أتعلم منه الخطب، نفاه المغيرة بن شعبة بأمر معاوية إلى جزيرة (أوال) بالبحرين، فتوفي فيها سنة 56 هـ عن نحو سبعين سنة.
(ابن عساكر 6/423، الإصابة ت 4125، تاريخ الكوفة ص 46، رغبة الآمل 4/195) .
[2] احتوش الشيى: جمعه وأحاط به.
(1/61)

قشاعمة [1] ، ملوك قماقمة [2] ، قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من كعب، قال:
وما كعب؟ قال: ينشىء الحرب، ويكشف الكرب [15 ظ] قال: فمن أي ولده أنت؟ قال: من مالك، قال: وما مالك؟ قال: الهمام القمقام، قال: فما تركت لهذا الحي من قريش شيئا؟ قال: بلى، تركت لهم الوبر والمدر [3] والأبيض والأصفر، والمشعر [4] والمنحر، والملك إلى المحشر.
[أبو نواس يعشق جارية]
قال سليمان بن أبي سهل [5] بن نوبخت: سألت أبا نواس أن يشرب عندي يوما ففعل، فلما أخذ في الشرب، جعل يشكو وجده بجارية قد قتله حبّها، فقلت: سمّها لي، وعرّفني من هي لأعاونك عليها، وأعمل لك في أمرها، فاستحيا مني، وجعل يقول: لست تعرفها، ولا أعرف أيضا اسمها، فقلت له: صف لي خلقها، فلعلّي أقع عليها، فقال: [6] [السريع]
أكثر ما أبلغ من وصفها ... تحدّثي عن قلبها القاسي [7]
أغار أن أنعت منها الذي ... يذكره الناس من الناس [8]
__________
[1] القروم: جمع قرم، السيد المعظم، وأصله من الفحول الذي يترك من الركوب والعمل، ويودع للضراب. (اللسان: قرم) . القشاعمة: جمع القشعم، الضخم المسن، ويقال للمنية والداهية (أم قشمعم) . (اللسان: قشعم) .
[2] قماقمة: جمع قمقم، السيد الجامع للسيادة، الواسع الخير. (اللسان (قمقم) .
[3] الوبر: يراد به البادية، وأهل الوبر: البدو.
المدر: سكان البيوت المبنية، خلاف البدو سكان الخيام، وأصل المدر الطين اللزج المتماسك، القطعة منه مدرة.
[4] المشعر: موضع مناسك الحج، والمشعر الحرام: المزدلفة.
[5] في الأصل: (سليمان بن أبي سهل) ، وفي الأغاني: سهل بن أبي سهل، وهو صديق أبي نواس، وأحد المتعاطين يعلم الكلام، وأخذ عنه الناشى الأصغر، والرواية التالية عن سهل بن أبي سهل في الأغاني 25/80- 82، ط دار الكتب العلمية بيروت 1992.
[6] الأبيات غير الثالث في ديوان أبي نواس ص 284.
[7] الديوان:
(أكثر ما أبلغ من نعته ... تحدثي عن قلبه القاسي)
[8] الديوان: (ينعته الناس من الناس) .
(1/62)

ولم أر العشّاق قبلي رأوا ... بوصف من يهوون من باس
كلّ أحاديثي سوى حبّها ... منكشف منّي لجلّاسي [1]
لا حبّذا الشركة في حبّها ... وحبّذا الشّركة في الكاسي
فلما رأيته لا يحبّ أن يعلمني من هي، أمسكت، فلما كان في الليل سكرنا، ونام من كان معي، وأغفيت إغفاءة، وانتبهت فإذا هو قاعد وحده، فقلت: أبا علي [16 و] ما لي أراك ساهرا؟ لعلّه فكرة في ذلك الرجل؟ قال:
إي والله، ثم أنشدني: [2] [الكامل]
رسم الكرى بين الجفون محيل ... عفّى عليه بكا عليه طويل [3]
يا ناظرا ما أقلعت لحظاته ... حتى تشحّط بينهنّ قتيل [4]
فوق القصيرة والطويلة فوقها ... دون السمين ودونها المهزول
فقلت: قد ذكرت قدّها، وأحسبني قد عرفتها، فقال: هيهات، يوئسني من أن أعرفها، وقد كنت أراه يحدّ النظر إلى جارية لبعض أهلنا يقال لها نرجس، تجيئنا بالطّرفة بعد الطّرفة من عند مولاتها، فقلت في نفسي: أراد غيرها، ثم أمسكت عنه، فلما كان من الغد، قعدنا على شرابنا، فقلت للساقي: مل على أبي نواس بالنبيذ، ففعل، فسكر سكرا عظيما، ثم أنشأ يقول: [5] [الخفيف]
أحرف أربع سبين فؤادي ... لم أذق بعدهنّ طعم الرّقاد
خفت إظهارهنّ خشية واش ... واتّقاء العداة والحسّاد
غير أنّي أحتال فيهنّ معنى ... وأحاجي به جميع العباد [6]
اشتهي النون من نوار وأهوى ... من سواها باقي حروف مراد
__________
[1] الديوان: (كل أحاديثي سوى ذكرها) ، وفي الأغاني 25/80: (سوى نعتها) .
[2] الأبيات في ديوان أبي نواس ص 255، والأغاني 25/81.
[3] الديوان: (بكا عليك طويل) .
[4] تشحط: تضرج بالدم، واضطراب فيه.
[5] ليست الأبيات في ديوان أبي نواس، والبيتان الأول والثالث في الأغاني 25/81.
[6] في الأغاني: (وأعادي به جميع العباد) .
(1/63)

وجنان قد شفّني مبتداها ... وسعاد فديت مبدى سعاد [16 ظ]
لا تراني أحبّ خلقا سواها ... أبدا ما حييت حتى التنادي
قال: فتيقنت عند ذلك أنّ نرجسا صاحبته، فوجهت إلى مولاتها فاشتريتها منها بمئتي دينار، فلما أفاق أبو نواس، وأصبحنا، قلت له بعد أن شرب أرطالا: أتحبّ اليوم أن تشرب مع حبيبتك؟ فقال: خذ فيما يكون، فقلت: يا غلام، أحضر ذلك الغلام، فدخلت نرجس، فلما رآها بهت، فقلت له: لا تطوّل، هي لك، فضحك ثم قال: تملكها حتى تهبها؟ قلت: نعم اعلم أنّك قلت البارحة وأنت سكران: كذا وكذا، فتيقنت أنك إيّاها أردت، فاشتريتها من مولاتها وجعلتها خلعتي عليك في صبوحنا، فتلألأ وجهه سرورا، ووثب إليّ فقبّل رأسي، ثم أقعدها إلى جانبه، وجعل كلما شرب قبّلها، ثم قال: [1] [السريع]
ما لي في الناس كلّهم مثل ... مائي خمر ونقلي القبل [2]
يومي حتى إذا العيون هدت ... وحان نومي فمفرشي كفل [3]
يا أيها الناس اسمعوا عظتي ... فكلّ نفس وراءها أجل [4]
فليحمد الله منكم رجل ... ساعده في حبيبه الأمل
فلما أمسى قال: قد جدت بالظبي [5] ، فالتمام الآن في الانصراف، قلت: في حفظ الله.
__________
[1] الأبيات لأبي نواس في ديوانه ص 371، مع خلاف في الرواية، والأبيات في الأغاني 25/82.
[2] الديوان: (مائي عقار) . النّقل: ما يتنقل به على الشراب من فواكه وجوز ولوز وبندق وغيره.
[3] الديوان: (كذلك حتى إذا العيون غفت) ، الأغاني: (فعرسي ثعل) .
[4] الديوان: (يا أيها الناس بادروا أجلا) .
[5] في الأغاني: (قد جدت بالمنى، والتمام الأذن في الانصراف) .
(1/64)

[مختارات شعرية]
الأحوص: [1] [الطويل] [17 و]
إذا ما أتى من نحو أرضك راكب ... تعرّضت فاستخبرت والقلب موجع
فأبدا إذا استخبرت عمدا بغيرها ... ليخفي حديثي والمخادع يخدع [2]
أعرابي: [3] [الطويل]
أيا ربّ أنت المستعان على نوى ... لعزّة قد أزرى بجسمي حذارها
أسائل عنهم أهل مكّة كلّهم ... بحيث التقت حجّاجها وتجارها
عسى خبر منها يصادف رفقة ... مخلّفة أو حيث ترمى جمارها
ومعتمر في ركب عزّة لم يكن ... له حاجة في الحجّ إلا اعتمارها
لئن عزفت يا عزّ نفسي عنكم ... لبعد أشدّ الوجد كان اصطبارها
أعشى همدان: [4] [البسيط]
فما تزوّد ممّا كان يجمعه ... إلا حنوطا غداة البين مع خرق [5]
بأيّما بلدة تقدر منيّته ... إلا يبادر إليها طائعا يسق
أنشد: [الكامل]
سير النّواعج بالململمة التي ... يضحي الدليل بها على بلبال [6]
خير من الطمع الدّنيّ وموقف ... بفناء لا طلق ولا مفضال
__________
[1] البيتان من قطعة للأحوض الأنصاري في ديوانه ص 173- 174، تحقيق عادل سليمان، ط الخانجي، مصر، د. ت.
[2] فأبدا: سهّل همزة أبدأ لإقامة الوزن.
[3] ليست الأبيات لكثير عزة.
[4] البيت الأول فقط من قطعة لأعشى همدان في كتاب الصبح المنير ص 336.
[5] في الصبح المنير: (إلا حنوطا وما واراه من خرق) .
الحنوط والحناط: كل ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى خاصة، من مسك وذريرة وصندل وعنبر وكافور، وغير ذلك.
[6] في الأصل: (بالملمة) ، وهو تحريف.
النواعج من الإبل: السرا. ع الململمة: الصخرة المستديرة الملساء.
المجموع اللفيف 3
(1/65)

[علي بن أبي طالب وفتح خيبر]
حدّت إبراهيم بن هاشم قال: حضرت الواقدي، وقوم يعرضون عليه غزاة خبير [1] قال: [17 ظ] فمر ذكر علي بن أبي طالب صلوات الله عليه مع مرحب وما فعل به، وذكر الرمد الذي كان به [2] ، فقلت له: يا أبا عبد الله، ما هذا الذي تحدثون به، تزعمون أن عليا لم ينهزم قط ولم يجرح؟ قال: فسكت عني، فلما تفرق من المجلس، قال لي: يا أبا إسحاق، لا تريد جواب مسألتك؟ قلت: بلى: قال: كان أصحابنا يتحدثون أن عليا عليه السلام آية رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثل ما أوتي موسى العصا وعيسى إحياء الموتى، وسليمان الملك.
[أشعار منتخبة]
مسكين الدارمي: [3] [السريع]
ما أحسن الغيرة في وقتها ... وأقبح الغيرة في كلّ حين
من لم يزل متهما عرسه ... مراميا فيها لرجم الظنون
يوشك أن يغر بها بالتي ... يخاف أن يبرزها للعيون
العباس بن الحسن الوزير: [4] [المتقارب]
__________
[1] غزاة خيبر: كانت في المحرم سنة سبع من الهجرة. (السيرة النبوية 2/328- 345) .
[2] في السيرة النبوية في فتح خيبر قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، بفتح الله على يديه، ليس بفرار، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضوان الله عليه وهو أرمد، فتفل في عينه، ثم قال:
خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك» . (السيرة النبوية 2/334) .
[3] مسكين الدارمي: ربيعة بن عامر بن أبي أنيف الدارمي التميمي، شاعر عراقي شجاع، من أشراف تميم، لقب مسكينا لقوله (أنا مسكين لمن أنكرني) له أخبار مع معاوية، وكان متصلا بزياد بن أبيه، توفي سنة 89 هـ-.
(سمط اللآلئ 186، معجم الأدباء 4/204، الشعر والشعراء 215، خزامة الأدب 1/467) .
[4] العباس بن الحسن الوزير: العباس بن الحسن بن أيوب الجرجرائي، أبو أحمد، من وزراء الدولة العباسية، كان أديبا بليغا، استوزره المكتفي، ولما مات المكتفي قام-
(1/66)

على حسب شرعة عقد الأمور ... يكون التّسرّع في حلّها
ثبات الأمور على أصلها ... وميل الرجال إلى شكلها
أنشد: [الوافر]
خرجنا في طلاب الرزق حرصا ... وخلّفنا القناعة في الإقامه
فأبنا خائبين وقد سلمنا ... وما خاب امرؤ رزق السلامه
الوزير أبو القاسم الغربي: أنشدنا أبو النجيب شداد بن إبراهيم الظاهر لنفسه: [الوافر]
أرى خيل التصوّف شرّ خيل ... فقل لهم وأهون في الحلول
أقال الله حين عشقتموه، كلوا أكل البهائم وارقصوا لي ومن شعر الظاهر الجزري، مما أظنه في الملك عضد الدولة [1] :
[الكامل]
سمّاه قوم بالذي هو دونه ... ظلموا وقل لي أين من يتحرّج
عضد لأي يد وتاج جبين من ... وبما يتوّج ذا الهمام الأبلج [2]
من كان منتعلا بشامخة العلا ... فبأيّ شيء بعدها يتتوّج
وللظاهر الجزري [3] في أمير المؤمنين صلوات الله عليه: [الطويل]
__________
-؟؟ العباس بالبيعة للمقتدر، وانفرد بأعمال الدولة، إلى أن قتله حسين بن حمدان من رجال ابن المعتز غيلة سنة 296 هـ-.
(تهذيب سير أعلام النبلاء 1/563، الأعلام 3/359) .
[1] عضد الدولة: فنا خسرو بن الحسن بن بويه الديلمي، أبو شجاع أحد المتغلبين على الملك في عهد الدولة العباسية بالعراق، تولى ملك فارس ثم الموصل وبلاد الجزيرة، وهو أول من لقّب (شاهنشاه) في الإسلام، كان شديد الهيبة جبارا عسوفا أديبا عالما بالعربية، مدحه الشعراء، كان كثير العمران، توفي سنة 372 هـ-.
(و؟؟ فيات الأعيان 1/416، البداية والنهاية 11/199، مرآة الجنان 2/398) .
[2] الهمام: السيد الشجاع السخي. الأبلج: المسفر النضر المسرور، وكل واضح أبلج، والمشرق بين الحاجبين.
[3] لم أهتد لترجمة الظاهر الجزري.
(1/67)

وقالوا دماء المسلمين أراقها ... عليّ بظلم منه والظلم مظلم
أراق دماء المسلمين فو الذي ... هدانا به ما كان في القوم مسلم
على كلّ مقتول بغرب حسامه ... من اللعن ما تعتاض منه جهنم [1]
ويا ليتني فيها شريك مريقها ... فأبريه ممّا تحمّل منهم
ومن قال أقضاهم عليّ إذا قضى ... عليّ بظلم كان منه التظلّم [18 ظ]
عدي بن زيد [2] في دير علقمة [3] بن عدي اللخمي: [4] [السريع]
نادمت بالدير بني علقما ... عاطيتهم مشمولة عندما [5]
من سرّه العيش ولذّاته ... فليجعل الراح له سلّما
قال إسحاق الموصلي: كان لنا جار يعرف بأبي حفص اللوطي، فمرض جار لنا آخر، فدخل إليه فقال: كيف تجدك؟، أما تعرفني؟ فقال له المريض بصوت ضعيف: بلى، أنت أبو حفص اللوطي، فقال: تجاوزت حدّ المعرفة لا رفع الله جنبك.
لابن حازم الباهلي: [6] [البسيط]
__________
[1] غرب حسامه: سيفه القاطع الحاد، سيف غرب: قاطع حاد.
[2] عدي بن زيد العبادي: شاعر جاهلي من أهل الحيرة، كان يحسن العربية والفارسية، وهو أول من كتب بالعربية في ديوان كسرى، قتله النعمان بن المنذر سنة 35 ق.
هـ-./ 590 م.
(الأغاني 2/97، خزانة الأدب 1/184- 186، الشعر والشعراء ص 63، سمط اللآلئ ص 221) .
[3] دير علقمة بن عدي اللخمي: دير بالحيرة منسوب إلى علقمة بن عدي، جاء في شعر عدي بن زيد أعلاه.
(ياقوت: دير علقمة) .
[4] البيتان من أربعة في معجم البلدان 2/524.
[5] العندم: دم الأخوين، أبو البقم.
[6] ابن حازم الباهلي: محمد بن حازم بن عمرو الباهلي بالولاء، أبو جعفر، شاعر مطبوع كثير الهجاء، لم يمدح الخلفاء غير المأمون العباسي، ولد ونشأ في البصرة وسكن بغداد، أكثر شعره في القناعة ومدح التصوف وذم الحرص والطمع، توفي سنة 215 هـ-.
(معجم الشعراء، ص 429، تاريخ بغداد 2/295، الورقة ص 109، الديارات ص 177) .
(1/68)

لا ترض عيشا على امتهان ... ولا تردّ وصل ذي امتنان
أشدّ من عيلة وضرّ ... إغضاء حرّ على هوان [1]
إذا نبا منزل بحرّ ... فمن مكان إلى مكان
[أبو دلف العجلي والمأمون]
ترحّل أبو دلف [2] للمأمون في موكب لقيه فيه، فقال: ما أخّرك عنّا؟ فقال:
علّة عرضت لي، فقال: شفاك الله وعافاك، اركب، فوثب من الأرض على الفرس، فقال له المأمون: ما هذه و؟؟ ثبة عليل، فقال: شفيت بدعاء أمير المؤمنين.
[أشعار في عيادة المرضى]
كثير لعبد العزيز: [3] [الوافر]
ونعود سيّدنا وسيّد غيرنا ... ليت التّشكّي كان بالعوّاد [19 و]
لو كان يقبل فدية لفديته ... بالمصطفى من طارفي وتلاد [19 و]
للقاسم بن محمد الكرخي: [4] [الخفيف]
__________
[1] العيلة: الفقر والحاجة.
[2] أبو دلف العجلي: القاسم بن عيسى بن ادريس بن معقل، من بني عجل بن لجيم، أمير الكرج وسيد قومه، كان جوادا شجاعا شاعرا، قلده الرشيد العباسي أعمال الجبل، ثم كان من قادة جيش المأمون، مدحه الشعراء لكرمه وشجاعته، له من المؤلفات: (سياسة الملوك) ، و (البزاة والصيد) ، وله باع بصناعة الشعر والغناء، توفي سنة 226 هـ-.
الأغاني 8/248، سمط اللآلئ ص 331، و؟؟ فيات الأعيان 1/423، تاريخ بغداد 12/416) .
[3] هو كثير عزة: كثير بن عبد الرحمن، وقد عاد الأمير عبد العزيز بن مروان في مرضه، فسلاه وأضحكه، والبيتان في ديوان كثير عزة ص 139 ط دار الجيل، بيروت 1995.
[4] القاسم بن محمد الكرخي: أبو محمد القاسم (بن علي) بن محمد الكرخي، كان شيعيا مغاليا من موظفي الدولة، أديبا، توفي آخر القرن الثالث هـ-.
(معجم الشعراء ص 337، نشوار المحاضرة- التنوخي 2/135، تاريخ التراث العربي ص 4/227) .
(1/69)

سرّت الشمس إذ حممت شماتا ... هكذا الضرّة الحقود الحسود
ليت حمّاك بي وأنت صحيح ... تتخطّى إليّ فيمن تعود
أعرابي: [الطويل]
برى جاحم الحمّى عن العظم لحمه ... فلم يبق إلا جلده وعروق
جعلت وما عاينت عطرا كأنّما ... جرى بين جلدي والعظام خلوق [1]
عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: [2] [المتقارب]
عجبت لحمّاي إذا أقبلت ... تقبّل شيخا قصير الأمل
فإن كنت مغرمة بالشباب ... فدونك غيري بتلك القبل
وإن كنت عامدة للشيوخ ... فانّي أخاف عليك الملل
[في صفة العين]
في صفة العين لبدوي، أنشده أبو زيد: [الوافر]
وباسطة بلا ريش جناحا ... وتسبق ما يطير ولا تطير
إذا أمسستها الحجر اطمأنّت ... وتألم أن يلامسها الحرير [3]
أنشد ثعلب: [4] [الطويل]
ولا توعدونا بالغزاة فأنّكم ... غزوتم فكانت أشأم الغزوات
__________
[1] الخلوق والخلاق: ضرب من الطيب، أعظم أجزائه الزعفران.
[2] في الأصل: (عبد الله) وهو عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي:
ويعرف بابن طاهر، أمير من الأدباء الشعراء، انتهت إليه رياسة أسرته، ولي شرطة بغداد، كان مهيبا رفيع المنزلة عند المعتضد العباسي، له تصانيف منها: (السياسة الملوكية) و (الإشارة) في أخبار الشعراء، و (البراعة والفصاحة) وغيرها، توفي سنة 300 هـ-.
(الأغاني 9/40 ط الدار، وفيات الأعيان 1/273، الديارات ص 71- 79، تاريخ بغداد 10/340) .
[3] الحجر: حجر ميل الكحل.
[4] أبو العباس ثعلب: سبقت ترجمته.
(1/70)

ولو أنّ سافي الريح يحملكم قذى ... لأعيننا ما كنتم بقذات [19 ظ]
الأوزاعي: [1] كتب عمر بن عبد العزيز: ألّا تجعل في الدرياق [2] إلا ما ذكّي من الأفاعي، فلم تعدّها العلماء شيئا.
كتب الحسن بن وهب [3] إلى بعض إخوانه: إن الذي يعلم خلّتي إلى بقائك، قادر على المدافعة لي عن جوابك، ولو قلت إلا الحقّ قد سقط عنّي في عيادتك لأني عليل بعلّتك، لصدقني الشاهد العدل من ضميرك، والأثر البادي منّي لعينك.
ابن واصلة الحلبي: [مخلع البسيط]
من شاب قد مات وهو حيّ ... يمشي على الأرض وهو هالك
لو كان عمر الفتى حسابا ... كان له شيبه فذلك
آخر محدث: [الوافر]
أقول لها وقد سكر الندامى ... ألا ردّي فؤاد المستهام
فقالت من فقلت أنا فقالت ... متى أدخلت نفسك في الزحام
__________
[1] الأوزاعي: عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد، من قبيلة الأوزاع، أبو عمرو، إمام الديار الشامية في الفقه والزهد، وأحد الكتّاب المترسلين، كان عظيم الشأن، عرض عليه القضاء فامتنع، له من الكتب: (السنن) في الفقه، و (المسائل) ، توفي في بيروت سنة 157 هـ-.
(و؟؟ فيات الأعيان 1/275، حلية الأولياء 6/135، المعارف ص 217، تاريخ بيروت ص 15، الشذرات 1/241) .
[2] الدرياق والترياق: دواء السموم، فارسي معرب، والعرب تسمي الخمر ترياقا وترياقة، لأنها تذهب الهمّ.
(الصحاح: ترياق) .
[3] الحسن بن وهب بن سعيد بن عمرو الحارثي: أبو علي، كاتب من الشعراء، كان معاصرا لأبي تمام، وله معه أخبار، استكتبه الخلفاء، ومدحه أبو تمام، وهو أخو سليمان بن وهب وزير المعتز والمهدي العباسي، توفي سنة 250 هـ-.
(فوات الوفيات 1/136، سمط اللآلئ ص 506، الأعلام 2/226) .
(1/71)

[الإيجاز البليغ]
ذكروا أن فتى من أبناء فارس أصابته خصاصة، فرحل إلى ملك فارس، فأقام ببابه حتى نفدت نفقته، فكتب رقعة إلى الملك فيها: الضرورة والأمل أقدماني عليك، وقلة الفائدة تمنعني من المقام ببابك، والرجوع بلا فائدة شماتة الأعداء، فامّا نعم مثمرة وإلا (لا) مريحة [1] ، فوقع الملك في رقعته:
بل نعم مثمرة، وتعجيل ثمرتها ألف مثقال، وعقد تأميل. فقال أبو الحسن بن سعيد: ما رأيت [20 و] رجلا أوجز ولا أنصف من هذا سأل فأوجز، وطلب فاستعطف وتنجز، فاستهدف لإسعاف أو أياس، وأنشد: [الطويل]
سأمنح مالي كلّ من جاء طالبا ... وأتركه وقفا على الفرض والقرض
فامّا كريما صنت بالبذل عرضه ... وإمّا لئيما صنت عن لؤمه عرضي
[وصية أمير لحاجبه]
عهد أمير إلى حاجبه فقال: إنّ أداء الأمانة في الأعراض أوجب منه في الأموال، لأنّ الأموال وقاية للأعراض، وليست الأعراض وقاية للأموال، ولذلك لا يرضى الحر إلا بالمال عوضا عن عرضه، وقد ائتمنتك على أعراض الغاشين لبابي، وإنّما أعراضهم أقدارهم، فصنها لهم ووفّرها عليهم، وصن بذلك عرضي ووفّره عليّ.
وقال زياد بن أبيه [2] لحاجبه: عجلان يا عجلان، قد و؟؟ ليتك بابي،
__________
[1] وإلا لا مريحة: أي الرفض الذي يريح بقطع الأمل.
[2] زياد بن أبيه: أمير من القادة الدهاة من أهل الطائف، اختلفوا في اسم أبيه، فقيل عبيد الثقفي، وقيل أبو سفيان، ولدته أمه سميّة (جارية الحارث بن كلدة الثقفي) ، أسلم في عهد أبي بكر، وكان كاتبا للمغيرة بن شعبة، ثم لأبي موسى الأشعري أيام إمرته على البصرة، و؟؟ لاه علي بن أبي طالب إمرة فارس، ولما توفي علي بن أبي طالب استلحقه معاوية بنسبه، وولاه البصرة والكوفة وسائر العراق، كان خطيبا حازما، وهو أول من اتخذ العسس والحرس في الإسلام، توفي سنة 53 هـ-.
(الطبري 6/162، ابن الأثير 3/195، تاريخ ابن خلدون 3/5- 15، لسان الميزان 2/493) .
(1/72)

وعزلتك عن أربعة، طارق ليل، فشر ما جاء به أو خير، ورسول صاحب الثغر، فإنّ تأخير ساعة تفسد عمل سنة، وهذا المنادي بالصلاة، وصاحب الطعام، فإن الطعام إذا أعيد عليه الإسخان فسد.
حدث أبو عبد [الله] الضرير قال: حدثني محمد بن غسان بن عبّاد قال:
كنت بالرقّة [1] ، وكان بها موسوس يعمل الشعر المحال، والمكسّر، فغديته مرة معي احتسابا للثواب، فأتاني من الغد، وعندي جماعة من العمال، فحجبه الغلام، فوقف بالباب وصاح: [البسيط] [20 ظ]
عليك إذن فانّا قد تغدينا ... لسنا نعود فانّا قد تعدّينا
يا أكلة سلفت أبقت حرارتها ... داء بقلبك ما صمنا وصلينا
قال: وما علمته قال شعرا عليه استواء غيره، ولكني و؟؟ عظت به، ووقع مكروهي على لسانه.
[أبيات في الحكمة]
وأنشد: [الطويل]
وما كنت أخشى أن ترى لي زلّة ... ولكن قضاء الله ما عنه مهرب
إذا اعتذر الجاني محا الغدر ذنبه ... وكلّ امرئ لا يقبل العذر مذنب
أنشد: [السريع]
تقول سلمى كم تمنينا ... و؟؟ عدك و؟؟ عد ليس يأتينا
يا قانعا بالضّنك من عيشة ... حتى متى تقعد مسكيسنا
فحرّكت أشوس ذا مرّة ... يعدّ إحدى وثلاثينا [2]
ما إن تركنا لك في عذلنا ... عذرا فلا تسحنفري فينا [3]
__________
[1] الرقة: مدينة مشهورة على الفرات، بينها وبين حرّان ثلاثة أيام، معدودة في بلاد الجزيرة، لأنها من جانب الفرات الشرقي. (ياقوت: الرقة 3/58- 59) .
[2] الأشوس: الشجاع المتكبر، ذو مرّة: قو قوة، وشدة العقل.
[3] اسحنفر: مضى مسرعا، والمسحنفر: الرجل الحاذق. (الصحاح: سحر) .
(1/73)

فانّما الأرزاق مقسومة ... يقسمها الله ويعطينا
يا ربّ طلّاب ذوي غربة ... أصحاب أسفار مجدّينا
لم يدركوا في طول أتعابهم ... خفضا من العيش ولا لينا
ويسّر الله باحسانه ... ما حاولوه للمقيمينا [21 و]
إن كنت قصّرت ولم أجتهد ... في طلب الرزق فلو؟؟ مينا
وأيّ باب يرتجى نيله ... إلا قرعناه بأيدينا
وأنشد [مجزوء الرمل]
يطمع المرء ولا يق ... نعة النّيل الجزيل
وإذا أيأسه من ... كلّ ما يرجو المنيل
ردّه اليأس إلى أن ... صار يرضيه القليل
أنشد: [الرمل]
أصحب الأخيار وارغب فيهم ... ربّ من صاحبته مثل الجرب
و؟؟ دع الناس ولا تشتمهم ... وإذا شاتمت فاشتم ذا حسب
إنّ من سبّ لئيما كالذي ... يشتري الصّفر بأعيان الذّهب
قال الوزير أبو القاسم المغربي [1] ، فيما و؟؟ جدته بخطه: أنشدني بعض أصدقائنا حفظهم الله، عن صديقنا أبي القاسم الحسن بن علي بن أبي أسامة الحلبي أعزه الله، لنفسه: [البسيط]
يا من إذا ما تجنّى خلت من حذر ... على مودّته أنّي تجنّيت
لا تحسبنّي وإن طال التّهاجر بي ... أنّي مللت ولا أنّي تناسيت
إذا الكريم رأى ما لا يلائمه ... فخير ما صان فيه نفسه البيت [21 ظ]
وقال العتّابي [2] : [الطويل]
__________
[1] الوزير المغربي: سبقت ترجمته.
[2] العتّابي: كلثوم بن عمرو بن أيوب التغلبي، أبو عمرو، من بني عتّاب بن سعد، كاتب حسن الترسل، وشاعر مجيد، يتصل نسبه بعمرو بن كلثوم الشاعر، كان من أهل الشام ينزل قنسرين، وسكن بغداد، مدح الرشيد واختص بالبرامكة، وصحب طاهر بن الحسين، صنف كتبا منها: (فنون الحكم) ، و (الأداب) ، و (الخيل) ، و (الأجواد) ،-
(1/74)

يعدّ رفيع القوم من كان عاقلا ... وإن لم يكن في قومه بحسيب
وإن حلّ أرضا عاش فيها بعقله ... وما عاقل في بلدة بغريب
وأنشد: [الطويل]
ليهنك إنّ الودّ بعدك كالذي ... عهدت- ولم يذهبه- أشياء مرّت
ولا النفس بالهجران بعدك سامحت ... ولا العين بالأبدان بعدك قرّت
وأنشد: [الطويل]
أموت وسيفي مغمد في قرابه؟ ... ليوجد بعدي مغمدا غير منتضى
فلم طال حملي نصله وقرابه ... إذا أنا لم أضرب به من تعرّضا
[الترف مفسدة]
قال إفلاطون [1] : «الشدائد تصلح من النفس بمقدار ما يفسد من العيش، والتترّف [2] يفسد من النفس بقدر ما يصلح من العيش» . وقال: «حافظ على كل صديق أهدته إليك الشدّة، واله عن كل صديق أهدته إليك النعمة» .
وقال أردشير: [3] «الشدّة كحل ترى به ما يرى في النعمة» . لبعضهم:
[الرمل]
__________
-؟؟ وغيرها، توفي سنة 220 هـ-.
(معجم الشعراء ص 351، معجم الأدباء 6/212، الشعر والشعراء ص 260، تاريخ بغداد 12/488، الموشح ص 293- 295) .
[1] إفلاطون: فيلسوف يوناني تتلمذ على سقراط، له مؤلفات كثيرة منها: (الجمهورية) ، و (القوانين) ، و (المأدبة) ، وغيرها، وتدور فلسفة إفلاطون على الجدل والطبيعة والأخلاق، والجدل عنده هو التفكير المنطقي أيا كان، وتنفرد فلسفته بنظرية المثل، أي أن المعاني الكلية ذات وجود في الخارج مستقل عن وجود الحزئيات، التي تتمثل بها تلك المعاني، توفي إفلاطون نحو سنة 347 قبل الميلاد. (الموسوعة العربية الميسرة 1/81) .
[2] التترف: تكلف الترف وكثرته.
[3] أردشير: ملك فارس، أعاد بناء فارس بعد انحلال السلوقيين، وهو مؤسس الأسرة الساسانية، قويت دولته بتأييد الكهنة، وبعثت الزرادشتية، شهر أردشير لكونه ملكا عادلا قويا، توفي سنة 240 م.
(الموسوعة العربية الميسرة 1/115) .
(1/75)

كلّ شيء منك في عيني حسن ... ونصيبي منك همّ وحزن
لا تظنّي أنّه غيّرني ... قدم الدّهر ولا طول الزّمن
[سوء العشرة]
حدّث الثوري [1] : أنّ رجلا جالس قوما من بني مخزوم بن يقظة، فأساؤوا عشرته، وسعوا به إلى معاوية، فقال: [2] [الوافر]
شقيت بكم وكنت لكم جليسا ... فلست جليس قعقاع بن شور [3] [22 و]
ومن جهل أبو جهل أخوكم ... غزا بدرا بمجمرة وتور [4]
[حديث نبوي]
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من سرّه أن يكون أعزّ الناس، فليتّق الله، ومن سرّه أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن سرّه أن يكون أغنى الناس، فليكن بما أيدي الله أوثق مما في يده) [5] .
__________
[1] الثوري: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، من بني ثور بن عبد مناة، أبو عبد الله، أمير المؤمنين في الحديث، كان سيد زمانه في علوم الدين والتقوى، ولد ونشأ في الكوفة، أراده المنصور أن يلي الحكم فأبى، وخرج من الكوفة فسكن مكة والمدينة، ثم طلبه المهدي فتوارى، وانتقل إلى البصرة، فمات فيها متواريا، له من الكتب:
(الجامع الكبير) ، و (الجامع الصغير) ، في الحديث، وكتاب في (الفرائض) ، توفي بسنة 161 هـ-.
(الجواهر المضيئة 1/250، طبقات ابن سعد 6/257، تهذيب التهذيب 4/111- 115، دول الإسلام 841) .
[2] الرواية والشعر في كامل المبرد 1/231 ط الدالي.
[3] قعقاع بن شور الهذلي: من بني بكر بن وائل، تابعي من الأجواد، كان في زمن معاوية بن أبي سفيان، يضرب به المثل في الجود وحسن المجاورة (ثمار القلوب ص 100، التاج 5/477، رغبة الآمل 2/205) .
[4] التّور: إناء يشرب فيه. (الصحاح: تور) .
[5] الحديث مفرق في: المغني عن حمل الأسفار للعراقي 4/239، إتحاف السادة المتقين للزبيدي 9/388، كنز العمال 5686، الزهد لأحمد بن حنبل 295، تاريخ أصبهان لأبي نعيم 2/363.
(1/76)

[قيس تعود جريرا]
ومرض جرير مرضة شديدة، فعادته قيس، فقال: [1] [البسيط]
نفسي الفداء لقوم زيّنوا حسبي ... وإن مرضت فهم أهلي وعوّ ادي
لو خفت ليثا أبا شبلين ذا لبد ... ما أسلموني لليث الغابة العادي
إن تجر طير بأمر فيه عافية ... أو بالرحيل فقد أحسنتم زادي [2]
[عمرو بن العاص: الملل من كواذب الأخلاق]
وحدّت العباس بن الفرج [3] في إسناد ذكره، قال: نظر إلى عمرو بن العاص على بغلة قد شمط وجهها [4] هرما، فقيل له: أتركب هذه البغلة وأنت على أكرم ناخرة [5] بمصر قادر؟ فقال: لا ملل عندي لدابتي ما حملت رجلي، ولا لا مرأتي ما أحسنت عشرتي، ولا لصديقي ما حفظ سري، إن الملل من كواذب الأخلاق.
وقال عمرو لعائشة: «لوددت أنّك قتلت يوم الجمل، قالت: ولم لا أبا لك؟ قال: كنت تموتين بأجلك، وتدخلين الجنة، ونجعلك أكبر التشنيع على عليّ «صلى الله عليه» . [6]
[مبارة لغوية متخيّلة]
روى أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الرفاعي، عن أبي الطيّب [22 ظ] ،
__________
[1] الأبيات لجرير في ديوانه ص 150- 151 ط دار الكتاب العربي، بيروت 1994 م.
[2] في الديوان: (أبو بالفراق) .
[3] العباس بن الفرج بن علي بن عبد الله الرياشي البصري: لغوي راوية عارف بأيام العرب، من أهل البصرة، له كتاب (الخيل) ، وكتاب (الإبل) ، و (ما اختلفت أسماؤه من كلام العرب) ، وغير ذلك، قتل أيام فتنة صاحب الزنج سنة 257 هـ-.
(بغية الوعاة ص 275، تاريخ بغداد 12/138، و؟؟ فيات الأعيان 1/246) .
[4] شمط وجهها: اختلف سواد وجهها وبياضه من الهرم.
[5] الناخرة: الدابة من الخيل والحمير.
[6] قوله: (صلى الله عليه وسلم) من كلام المؤلف وليس من كلام عمرو بن العاص.
(1/77)

عن العفّار بن عبد الله السري الحصيني، عن أبي بكر محمد بن الحسن ابن زيد الأزدي، قال: أخبرني عمّي الحسين بن دريد قال: أخبرنا رجل من رحبة [1] وهم بطن من حمير، قال: بينا أنا أسير في بعض مفاوز اليمن، وقد سرت ثلاثا، وقد ظمئت وأكللت، إذ هبطت إلى واد ذي شجر، وظلّ وماء معين، وإذا أنا بشيخ يصلي بقراب ما يتغلغل بين شجرات عمّ، وعليه حلّة كأنّها فارقت في يومها الصّيان [2] ، وبين يديه نعلان حضر؟؟ ميان، كأن لم ينالا بوطء، فدنوت منه فسلمت عليه، وجلست، فلما أحسّ بجلوسي، ركع وسجد وسلّم، والتفت إليّ، وأقبل عليّ وقال: من أي أوضح الراكب؟ فقلت: من رمع [3] ، فقال: ما بالك على غير سمت؟ قلت: ما زلت على لقم لهجم [4] ، أأمّ قوادم الفجر الأشمل، ومنكب الأريب الأيمن، حتى هبطت بالأمس غوطا ملطاطا [5] ، حين طفل الأصيل [6] ، فبتّ حين طخطخ الليل [7] بصري، فلما تهوّر الليل [8] ............... ............... ............... .....
__________
[1] رحبة: بطن من حمير، وهم بنور رحبة بن زرعة بن الأصغر بن سبأ، وفي جمهرة الأنساب: ظالم ونباتة من ولد قحطان، دخل بنوه أي نباتة في الرحبة من حمير (جمهرة أنساب العرب ص 329، اللسان 1/400، تاج العروس 1/268، معجم قبائل العرب 2/249) .
[2] فارقت في يومها الصيان: أي لبسها لأول مرة، وكانت مصونة في الحفظ لم تستهمل.
[3] رمع: موضع، وأصله الحصى البيض التي تتلألأ في الشمس، الواحدة رمعة.
(ياقوت: رماع) .
[4] لقم لهجم: طريق واسع مذلل، اللقم: معظم الطريق أو وسطه. اللهجم: الطريق الواسع المذلل.
(القاموس المحيط: لقم، لهجم) .
[5] الغوط: الواسع المطمئن من الأرض.
الملطاط: حرف من أعلى الجبل وجانبه. (القاموس: لطط) .
[6] طفل الأصيل: مال إلى الغروب.
[7] طخطخ الليل: أظلم واشتد ظلامه.
[8] تهور الليل: بلغ أقل من نصفه.
(1/78)

شبّه لي تائية رعاء [1] ، واختلاط رغاء [2] ، ففثأ [3] ذلك بعض ما كان يشئزني [4] ، فقمت فغيّرت على بعيري، وتنكّبت الطريق فركبته أأمّ الأصوات، وكأنّني في أكساء أهلها، وما تزداد مني إلا بعدا، بين بعاف متواصية [5] ، وغيطان متواصلة، فما زلت أجزعها [6] سواد ليلي، وسحابة يومي متوسما [7] تارة، ومتعسّفا أخرى [8] ، حتى تجهت إليك من نقب ذلك القفّ [9] [23 و] ، فأضافني إليك هذا الضوج [10] ، فقال: حسبك بواقية الموقى جنّة، ولو كنت ذا معرفة بكنه خطر ما هجمت عليه، ما بتّ للنوم سميرا، فقابل النعمة في السلامة بشكرها، فقلت: إني أراك في هذه إليهماء [11] المتقاذفة الأرجاء، كأنك برزت من سجوف خدر [12] ، أو قرام ستر [13] . فقال: يا ابن أخي، السماء غطاء، والأرض و؟؟ طاء، وأنا موطن وراء هذا الضراء [14] ، فتداخلني منه و؟؟ حشة، فقلت: يا عمّ، هل أنت مخبري بما رأيته في مدّة أيامك، وسالف
__________
[1] تائبة: سابقة، ولعلها (ثاغية) أي أصوات الغنم.
[2] الرغاء: صوت الإبل.
[3] فثأ: فتر وسكن.
[4] يشئزني: يقلقني ويرعبني (القاموس: شئز) .
[5] في الأصل: (نغاف) بالغين المعجمة، وصوابها: نعاف، جمع النعف، وهو ما انحدر من حزونة الجبل، وارتفع من منحدر الوادي. متواصية: متصلة نباتاتها.
[6] أجزعها: أقطعها.
[7] متوسما: متفرسا ومتخيلا.
[8] متعسفا: متكلفا يسير على غير هدى.
[9] القفّ: ما ارتفع من الأرض وصلبت حجارته.
[10] الضوج: منعطف الوادي ومنحاه، جمعه: أضواج.
[11] اليهماء: الفلاة لا يهتدى فيها.
[12] سجوف خدر: ستائر البيت، والخدر: ستر يمد للمرأة في ناحية البيت.
(13) القرام: ستر فيه رقم ونقوش، وثوب غليظ من صوف ذي ألوان يتخذ سترا ويتخذ فراشا في الهودج، جمعه: قرم.
(14) الضراء: الفضاء، والأرض المستوية فيها شجر تأويه السباع، وما وارى وستر من شجر وغيره.
(1/79)

أعوامك، وما مضى من عصرك، وما انقرض من دهرك؟ فقال: نعم، يا ابن أخي، أرأيت البيضة الفيحاء [1] التي جزعتها [2] سائر يومك؟ فقلت: نعم، فقال: عهدي بها مجادل [3] كالشناخيب [4] ، مشرفات المحاريب، يرى الراكب شعافها من مسيرة ثلاثة أيام، محفوفة بالجحافل الململمة، والكتائب المسومة، على أبوابها الأحبوش، تهزّ الإلال [5] ، تخوض إليها الآمال للأموال، بقناء ذي وثاب [6] ، وما ذو وثاب، الأسد الضرغام الأبلج القمقام [7] ، تخضع لهيبته الأذقان، وتذعر لصولته الجنّان [8] ، عطاؤه إنعام، وأخذه اصطلام [9] ، فعبر بذلك سبعين خريفا وأربعا، ثم شصا [10] له يوم من الدهر فبدّد شمل الرياش، وكدّر صفو المعاش، ثم اقتعد مطية تلك النعمة ذو هلاهلة [11] ، فقمع الأضداد، وغمز الأنداد، وأنشأ المصانع [12] ، وبثّ الصنائع، عطاؤه غمر، وأخذه قهر، فعمّر بذلك أربعين عاما وأربعة من [23 ظ] العدد، لا تروعه حادثة، ولا تعارضه هايثة [13] ، ولا تعيّن له عايثة [14] ، ثم كشّرت له عن أنيابها
__________
[1] البيضة الفيحاء: الأرض المخصبة الواسعة.
[2] جزعتها: قطعتها.
[3] مجادل: قصور عالية، جمع مجدل.
[4] الشناخيب: رؤوس الجبال، جمع الشّنخوب والشنخوبة. (القاموس: شخب) .
[5] الإلال: الحراب العريضة النصل، أو اللامعة، واحدتها: ألّة.
[6] ذو وثاب: أحد حكام العرب في الجاهلية.
[7] القمقام: السيد الجامع للسيادة، الواسع الخير.
[8] الجنّان: ضرب من الحيات أكحل العينين، يضرب إلى الصفرة لا يؤذي، واحدها:
جان، وفي التنزيل: (فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ، وَلَّى مُدْبِراً) *
(النمل 10) ، وفي الحديث: (إنّ فيها جنّانا كثيرا) . (المعجم الوسيط: جنن) .
[9] اصطلام: قطع واستئصال.
[10] شصا: ارتفع وشخص.
[11] ذو هلاهلة: أحد حكام اليمن في الجاهلية.
[12] المصانع: المباني من القصور والحصون والقرى والآبار وغيرها من الأمكنة العظيمة، وفي التنزيل: (وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ)
(الشعراء 129) .
(13) الهايثة: الجلبة عند الخصومة.
(14) العايثة: الأمر المفسد.
(1/80)

أم اللهيم [1] ، فرمته بأقصد سهامها [2] ، ورهقته [3] بأقطع أيامها، وغافصت [4] غرّته فحطته عن وثابه [5] دون حجّابه، لم يمنعه العزّ الصّتم [6] ، ولا العديد الدّهم [7] ، ثم سحب والله الزمان على آثارهم ذيول البلاء، و؟؟ طخهم بكلاكل الفناء، فأصبحت الآثار هامدة، والعزّة بائدة، وفي ذلك يقول شاعر من غابرهم، شعر: [الخفيف]
اسأل الريح إن أحارت جوابا ... واسألن إن أجاب عنا السحابا
هل جرى ذيل تلك أو جاد هذا ... لأناس أعزّ منّا جنابا
خلق الناس سوقة وعبيدا ... وخلقنا الملوك والأربابا
كان ذو ثاب الهمام ربيعا ... يحسب الناس سيبه إحسابا [8]
يمطر البؤس والنعيم وتندى ... راحتاه مثوية وعقابا
وطئ الأرض بالجنود اقتدارا ... واقتسارا حتى أذلّ الصّعابا
حلّ صرواح فابتنى في ذراه ... حيث أعلى شعافه محرابا [9]
__________
[1] أم اللهيم: الداهية، والحمّة، والمنيّة.
[2] أقصد السهم: أصاب، والقاصد من السهام: المستوي نحو الرميّة.
[3] رهقته: حملته ما لا يطبق.
[4] غافصته: فاجأته وأخذته على غرّة، فركبته بمساءة.
[5] وثابه: مقعده، وثب في لغة حمير: قعد، يقال: وثب فلان على السرير قعد عليه واستقرّ، والموثبان في لغة حمير: الملك الذي يقعد ويلزم السرير ولا يغزو.
(المعجم الوسيط: وثب) .
[6] الصتم: الصلب الشديد
[7] الدهم: العدد الكثير
[8] الهمام: السيد الشجاع السخي من الرجال، السيب: العطاء والمعروف والنافلة.
[9] في هامش الأصل وبخط مختلف: (صرواح قصر لهم) .
صرواح: حصن باليمن قرب مأرب، يقال: إنه من بناء سليمان بن داود عليه السلام، وأنشد ابن دريد لبعضهم في أماليه:
حل صرواح فابتنى في ذراه ... حيث أعلى شعافه محرابا
(معجم البلدان- يقاوت: صرواح 3/402) .
(1/81)

حوله الصّهب والجعاد يخالو ... ن لدى بابه الليوث الغضابا [1]
فرقة تمغط القسيّ وأخرى ... بين أيديهم تهزّ الحرابا [24 و]
وتغضّ العيون من دونه الأملاك ... إمّا بدا وتحنو الرقابا
فرماه الزمان منه بيوم ... غادر المعمر الخصيب يبابا
قال: ثم التفتّ عن يميني وشمالي فلم أر أحدا.
[صبي أسود بيده ثلج]
أنشدني صبي من أولاد أبي الطيب الشنداني [2] بمصر، في خادم أسود مرّ بنا، وفي يده ثلج: [الرمل]
طاف بالثلج فصدري قد ثلج ... ضدّ لون الثلج و؟؟ فق للسّبج [3]
قال لي اشرب قلت خير منه لي ... برد يلمع من هذا الفلج [4]
قال فامزجه بما قلت ولا ... إنما من فيك يحلو لو مزج
قال قد ذاب بكفّي قلت بل ... قلبي الذائب لكن لا حرج
فانثنى مبتسما في غبشة ... يخلط الشرّ فتونا بالدعج
[5]
[من أقوال الإمام عليّ]
روي عن أمير المؤمنين صلى الله عليه، أنّه قال: «ما أحسن تواضع
__________
[1] الصهب: جمع أصهب، ذو اللون الأصفر الضارب إلى شيء من الحمرة والبياض، ويراد بهم الروم.
الجعاد: ذوو الشعر القصير المتقبض، كناية عن العرب، أي أن حراسه من الروم والعرب. تمغط القسي: تمدها، أي تمد و؟؟ تر القوس.
[2] أبو الطيب الشنداني: لم أقف على ترجمته فيما تيسر لي من مصادر.
[3] السّبج: خرز أسود
[4] الفلج: تباعد ما بين الأسنان.
[5] الغبشة: الغش والخدعة. الدعج: شدة سواد العين وبياضها مع سعتها، ورجل أدعج: أسود.
(1/82)

الأغنياء في مجالس الفقراء، خضوعا منهم لله، وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء ثقة منهم بالله» .
وسأله صلى الله عليه بعض الناس فقال له: يا أمير المؤمنين عظني وأوجز، فقال عليه السلام: «الدنيا ساعة، فاجعلها طاعة» ، وسأله رجل في مثل هذا فقال: يا أمير المؤمنين، عظني وأوجز، فقال: [24 ظ] » حلالها حساب، وحرامها عقاب» .
[ابن لسان الحمرة]
ابن لسان الحمرة [1] : عبد الله بن حصين، وهو لسان الحمرة بن ربيعة بن صعير بن كلاب بن عامر بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة، وزيد بن الكيس النمري.
[أشعار مختارة]
أبو فراس رضي الله عنه: [2] [الخفيف]
قل لإخواننا الجفاة رويدا ... درّ؟؟ جونال على احتمال الملال [3]
إنّ ذاك الجفاء من غير جرم ... لم يدع فيّ موضعا للوصال [4]
أحسنوا في فعالكم أو أسيئوا ... لا عدمناكم على كلّ حال [5]
__________
[1] ابن لسان الحمرة: عبد الله بن حصين بن ربيعة التيمي، وقيل هو ورقاء بن الأشعر، كان خطيبا بليغا نسّابة، ضرب به المثل، فقيل: (هو أنسب من ابن لسان الحمرة) .
(مجمع الأمثال 2/347، الدرة الفاخرة 2/291، له خبر مع المغيرة بن شعبة في الأغاني 16/99) .
[2] ديوان أبي فراس ص 169- 170 ط دار الشرق العربي بيروت 1992.
[3] الديوان: (قل لأحبابنا الجفاة) .
[4] الديوان: (إن ذاك الصدود) ، الديوان: (فيّ مطمعا بالوصال) .
[5] في الديوان: (في فعالكم) . والصواب: فعالكم، وناشر الديوان لم يرجع إلى مخطوطة وطبعته رديئة كأكثر طبعات بيروت التي تعتمد على الطبعات السابقة وتنتحلها.
(1/83)

وله رحمه الله: [1] [الكامل]
ما لي مرضت فلم يعدني عائد ... ممّن قضيت حقوقهم فيما مضى
إنّ الحقوق وإن تقادم عهدها ... دين يحلّ وواجبات تقتضى
لولا المودة والحفاظ عليكم ... يا ظالمين لقلت لا بعد القضا
الأمير تميم: [2] [السريع]
سمعتها تبكي فيا ليلها ... بكاء امرئ سير بأحبابه
رقّ لها الليل فظلا معا ... يفنى بها الليل وتفني به
الصنوبري [3] في النرجس: [4] [الوافر]
قضيب زمرّد تعلو عليه ... عيورن لم تذق طعم اغتماض [25 و]
تو؟؟ هّمت السّحاب لها رقيبا ... فنكّست الرؤوس على الرياض
وله أيضا: [5] [مجزوء الكامل]
أذهب كؤوسك يا غلام ... فانّ ذا يوم مفضّض
الزهر يجلي في الريا ... ض وفي حليّ الدّرّ يعرض [6]
__________
[1] لم ترد الأبيات في ديوان أبي فراس.
[2] تميم: تميم بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي الفاطمي، أمير كان أبوه صاحب الديار المصرية بالمغرب، كان فاضلا لم يل المملكة لأن ولاية العهد كانت لأخيه نزار، له شعر رقيق وديوان، توفي بمصر سنة 374 هـ-.
(و؟؟ فيات الأعيان 1/301- 303 ط إحسان عباس يتيمة الدهر 1/347- 374، المنتظم 7/93) .
[3] الصنوبري: أحمد بن محمد بن الحسن الضبي الحلبي الإنطاكي، أبو بكر، شاعر اقتصر أكثر شعره على و؟؟ صف الرياض والأزهار، وكان ممن يحضر مجالس سيف الدولة، توفي سنة 334 هـ-.
(أعلام النبلاء 4/23، البداية والنهاية 11/119، الديارات ص 140- 144، اللباب 2/61) .
[4] لم أجد البيتين في ديوان الصنوبري، ط إحسان عباس، صادر بيروت 1998.
[5] الأبيات للصنوبري في ديوانه ص 221.
[6] في الديوان: (والجو يجلى) .
(1/84)

ورد الربيع مورد ... والورد في كانون أبيض [1]
أبو العباس النامي: [2] [المنسرح]
رأيت في الرأس شعرة بقيت ... سوداء عيني تحبّ رؤيتها
فقلت للبيض إذ تروّعها ... بالله إلّا رحمت وحدتها
وقلّ لبث السواد في وطن ... تظلّ فيه البيضاء ضرّتها
قال أبو العباس النامي: دخلت إلى سيف الدولة وعنده المتنبي، وقد وجد تشكّيا، فقال: اعملوا في هذا- لي وللمتنبي ولمن كان حاضرا- قال:
فجذب المتنبي الدواة إليه، فعملت من غير أن أكتب: [الكامل]
و؟؟ عك تعرّضه كطيف خيال ... ما زار إلا موذنا بزيال
شكوى الأمير بيومه شكوى الندى ... وكلا؟؟ كما غاد على الإبلال
فانهض ببرء كارتقائك في العلى ... والبسه لبسك حلّة الإفضال
[25 ظ] عين الزمان رنت إليك فغضّها ... إذ عوّدتك مكارم ومعالي
قال ابن المعتز: عادني البحتري، فلما أراد أن يقوم أنشدني بيتين عملهما في ذلك الوقت: [3] [البسيط]
إذا اعتللت ذممنا العيش وهو ند ... طلق الجوانب صاف ظلّه رغد
لو أنّ أنفسنا اسطاعت و؟؟ قيت بها ... حتى يكون بنا الشكو الذي تجد [4]
آخر: [المنسرح] [5]
__________
[1] الديوان: (ورد الربيع ملون) .
[2] أبو العباس النامي: أحمد بن محمد الدارمي المصيصي، شاعر رقيق الشعر، من أهل المصيصة قرب طرسوس، اتصل بسيف الدولة الحمداني، كان واسع الاطلاع في اللغة والأدب، له مع المتنبي معارضات، توفي في حلب سنة 399 هـ-.
(و؟؟ فيات الأعيان 1/38، يتيمة الدهر 1/164) .
[3] البيتان من قصيدة في ديوان البحتري 1/283، ط دار الشرق العربي، بيروت 1999.
[4] في الأصل (الشكوى الذي تجد) .
[5] الخيرية: واحدة الخيري، نبات له زهر وغلب على أصفره، لأنه الذي يستخرج دهنه ويدخل في الأدوية، ويقال للخزامى خيري البر، لأنه أزكى نبات البادية.
(1/85)

منثور خيريّة على طبق ... يعجب من حسنه على طبقه
قد نفض العاشقون ما صنع ال ... هجر بألوانهم على و؟؟ رقه
حكومة ديوانية
كان ضامن جند الأردن ضمنه لسنة سبع وثمانين وثلاث مئة الخراجية، يحمله عين عينها في خطّه، وحكى فيه أن يكون المدى [1] الحنطة بثلاثة دنانير ونصف، فإن زاد السعر كان الفضل للسلطان، أعزّ الله نصره، وحصر في آخر السنة، لرفع حسابه، وقد نزل السعر المذكور وانحط، واحتسب في محاسبته بالفضل بين ما باع به وبين السعر الذي ذكره في خطه، وثمن الغلّات التي أطلقها وأنفقها، وقوي بها بالسعر الأوفر الثابت في شريطة ضمانه، فردّ الكاتب عليه ما احتسب به عن الفضل، وسعر الغلات بسعر الوقت [26 و] ، واحتجّ عليه بأنّه لم يذكر في خطه، فإن نقص عن هذا السعر، كان محسوبا لي من ضماني، وحكّم أبو الحسن ابن طاهر الكاتب [2] ، فحكم أن يحسب له جميع ما قام به غلّة بسجل، وخرج وتوقيع بالسعر الذي تضمّنه خطّه، وما تصرّف هو فيه وباعه، وأنفقه في حوادث وتقويه، فيحسب بسعر الوقت، وترجّح الكلام في الشعير، لأنّ الخط كان خاليا من ذكره، فحكم أيضا فيه بهذا الحكم، وعلى أن تكون قيمة المدى منه نصف قيمة المدى الحنطة.
[مدح الوزير المغربي]
أبو حبيب تمام بن عبد السلام اللخمي، من قصيدة مدح بها الوزير أبا القاسم بن المغربي: [السريع]
جاءت هباتك فلتة غننا ... لا المطل يقدمها ولا الوعد
__________
[1] المدى: المدّ، مكيال قديم اختلف الفقهاء في تقديره بالكيل المصري، فقدره الشافعية بنصف قدح، وقدره المالكية بنحو ذلك، وهو رطل وثلث عند أهل الحجاز، وعند أهل العراق رطلان، جمع أمداد ومداد. (المعجم الوسيط: مدد) .
قلت: ولا يمكن أن يكون المد بثلاثة دنانير ونصف، ولعله المدى: المسافة والغاية، ويراد مسافة من زراعة الحنطة معينة بذلك السعر.
[2] لم أتعرف عليه من خلال ما تيسر لي من مصادر.
(1/86)

لله فعلتك التي حسنت ... في الدهر فهي لجيده عقد
أسمعتموا بالغيث جاء ولم ... يؤذن به برق ولا رعد
ما كان يعرف عند غيركم ... قبل المديح يقدّم الرفد
قال الوزبير أبو القاسم رحمه الله: أنشدني علي بن الحسين المخزومي لنفسه: [الوافر]
كذاك الغانيات رضى وسخط ... وأيام الفتى سعة وضيق
وأقبح ما يكون فتى غنيّ ... له خدن يصاقبه مضيق [1]
[مدائح]
وقال: أنشدني أبو طاهر تميم بن سلمان بن جعفر بن فلاح، للقائد أبي تميم [26 ظ] أبيه في ركوب الحاكم مع العزيز، أول ما أبرزه للناس، ونصّ عليه: [الكامل]
لله أيّ مواقف ومشاهد ... نطق الهدى فيها بأعدل شاهد
ما استصرخ الإنذار أسماع الورى ... حتى أجابت عن ضمير واحد
نوران من قدس النبّوّة صوّرا ... أكرم بذا ولذا وذا من والد
فاستنجز الرحمن صادق وعده ... في شدّ أزرك بالأمير الماجد
وأنشد له أيضا: [البسيط]
شغلتم بدموعي عن مساءلتي ... فصار إعلان دمع العين كتمانا
عذلت بالدمع عذالي على عذلي ... فصار أعذرنا بالحبّ ألحانا [2]
علي بن الحسين بن نجبة بن عامر بن هارون بن ضرار بن لطيفة بن عامر ابن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، من قصيدة يمدح بها مفرغ بن دغفل: [3] [الطويل]
__________
[1] الخدن: الصديق، والصديق في السر (للذكر والأنثى) ، صاقبه: قاربه وواجهه.
[2] ألحانا: أشدنا ملاحاة، لا؟؟ حاه ملاحاة ولحاء: نازعه وخاصمه ولامه.
[3] مفرغ بن دغفل بن جراح: من طيئ، أمير بادية الشام في أيام الفاطميين، كان من أقطاعه (الرملة) بفلسطين، وقبض على (أفتكين) مولى بني بويه لما انهزم بالعراق مع مولاه بختيار، وجاء به المعز الفاطمي فأكرمه ورقاه في دولته، واستمر في إمارته إلى أن توفي سنة 404 هـ-.
(تاريخ ابن خلدون 5/437، الأعلام 7/278) .
(1/87)

عسفن بنا مجهول بيد ترى بها ... ترابا يسدّى بالرياح وينسج
وعاد الفتى عند النزول كأنّه ... إذا ما مشى من عادة الرجل أعرج
نسخه رقعة محمد بن علي بن غرس الموصلي:
فارقت حضرة مولاي الشيخ أطال الله بقاءه، وأدام تمكينه، وحرس نعماه، مثقل الظهر بحمد أياديه، ثمل النفس بكرم أخلاقه، مخدوع البصيرة بفائض أنعامه [27 و] ، قد استفزني تطوّله، فاستزلّني عن طبعي و؟؟ عدك بي عن مذهبي، فاشتملت ثوب عجب بنفسي، لم تكن لي عادة بمثله، ولا كنت أراها قبل ذلك من أهله لتلقيه أدام الله علّوّه، ما أشدته على ضعفه ورداءته، وخجلي من إنشاد مثله بحضرته بالقبول والإحماد، اللذين خيّلا لي أنه من المرضيّ المستجاد، إذا كان أدام الله حراسته واحد عصره، وقريع دهره، وكان قدره، يجلّ عن أن يداجى، وفضله يرتفع عن أن يحابى، على أنني لولا طاعة أمره في ذلك، لما قدمت عليه، ولا هممت به، ولا خففت إليه، ولكن أمرا لم يجز لي خلافه، وإن كان عالاني [1] على مركب صعب، أسكرتني فيه خمرة خلائقه المعطورة، واستهوتني أخذة لفظاته المعسولة، فسلكت غير الطريق، وأخذت برأي غير زنيق [2] ، حتى إذا وقعت من طيرة [3] الحيرة، وأفقت من وسن الغفلة، تأملت ما كنت أنشدته بعين المفتقد، ولحظته بطرف المنتقد، فانقلبت المسرّة وجلا، واستحال العجب خجلا، ورجعت نفسي بمضّ العذل [4] ، فهربت منه إلى اللياذ بالجذل، وكان في أثناء جوابها [5] ما دلّ على خطئي وصوابه، وهو أن قالت: سئلت فاستنزلتك الهيبة فاعترفت، ثم أمرت فعادتك الطاعة، فاستجب وأعطيت ما لا يستحقه من الإحماد فقبلت، ثم
__________
[1] عالاني: رفعني، وعالى الشيء وبه: صعده.
[2] رأي غير زنبق: غير محكم، والزنبق: الرصين المحكم. (القاموس: زنق) .
[3] الطيرة: ما يتشاءم منه، أو يتفاءل به.
[4] ممض العذل: اللوم الشديد.
[5] جوابها: الهاء تعود إلى (نفسي) في قوله: ورجعت نفسي.
(1/88)

استمدت منك الزيادة فوعدت [27 ظ] جاريا طلق الجموح [1] ، أضرم السوط ناره، وأجدّ الخوف إحضاره [2] ، لا يرى ما قطع، ولا يعلم فيم وقع.
فعد على خاطر خانتك نصرته، وقعرت بك لمّا لزّك القرن [3] ، على أن ذاك ممّا قد حيل فيه بين الخاطر والجولان، كما (حيل بين العنز والنزوان) [4] ، بما اختص الله تعالى ذلك السيد به من مواهبه التي تقود كلّ راكب في محاورته مركب التغرير [5] ، إلى أن يكونوا محجوجين بصنوف التقصير، فما يلقاه أحد منهم إلا معترفا بفضله، حامدا لإحسانه وتطوّله، مضطرا إلى حال تكون القدرة له فيها عليه، والخيار في الصفح والموافقة إليه، فأما أنا فخجلة وإن لم أهجن حصره، وإن لم أوبخ، أجول في خناق ضيّق، وإن أطيل لي ريش المسامحة، وأعثر في دهش دحض [6] ، وإن أوسع ميدان الإحسان، فانظر لحاضر ما قد لزمك، واله عن غائب ما فاتك، والتمس للخلاص من عدّتك وجها بوفاء صريح، أو عذر فصيح، فارتكاب الإخلاف يجمع والعذر دليلا على ذليل القصور، فدعتني بوضوح الحجة إلى ركوب المحجّة، وتخفيف زلّة الاقتراف بذلة الاعتراف، وأيقظتني لأمر قد كانت سكرة الوهلة [7] أذهلتني عن مراعاته، وشغلتني عن أخذ الأهبة له، فلما جذب تنبيهها بضبعي [8] من
__________
[1] جاريا طلق الجموح: شبه الرأي بفرس مسرع شديد العدو جامحا، راكبا هواه لا يمكن رده.
[2] الإحضار: شدة العدو، وعدو ذو وثب.
[3] لزك القرن: شده وألصقه، ولزك بالرمح طعنك، والقرن (بالكسر) الكفء، والنظير في الشجاعة.
[4] قوله: حيل بين العنز والنزوان، هذا مثل، يضرب في منع الرجل مراده، والمثل في:
(المستقصى في الأمثال 2/70 جمهرة الأمثال 1/371، تمثال الأمثال ص 430) .
[5] التغرير: الكلمة في الأصل غير معجمة تحتمل (التغرير) بمعنى التحريض، أو (التعزير) بمعنى المكافأة أو العقوبة.
[6] دهش دحض: ذو زلق، أدحضه: دفعه وزحزحه وأزلقه.
[7] الوهلة: أول شيء، وأول ما تراه، ووهل: سها، ووهل إلى الشيء: ذهب وهمه إليه وهو يريد غيره، والوهل: لغلط والنسيان. (اللسان: وهل) .
[8] الضّبع: ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاها، وهما ضبعان.
(1/89)

زللي، أزمعت إمضاء الوفاء بالعدّة [28 و] على الوجه الذي سبق القول به فيها، فوجدت الخاطر قد ثقفته زلّته وهذّبته عثرته، فأذكرني قول أبي عثمان الخالدي [1] لأبي الفرج الببغاء [2] في أبيات داعبه فيها، وقد رأى شيئا من شعره عند بعض إخوانه بخط غلامه: [3] [الخفيف]
أرنا نسخة لشعرك في العالم ... تقرا بغير خطّ غلامك
فضاق، عند ذكراه عليّ فيما كنت هممت به المذهب، ولم يمكّن من الوفاء، بوعده- أدام الله حراسته- المهرب، وحاولت من أكلّفه نسخ ذلك أو يحفظه ليقوم بايصاله إلى حضرته، وينوب عني في أيراده، بعرضه أو إنشاده، فاعترضني الخوف من أن تغلبني فضائله أدام الله تمكينه عليه، فيعود عليّ إلبا، ولي خصما، يراني بعين العجز، ويسمني بميسم التقصير، ويزيد فسادا ما رجوته لصلاحه، وينصرف تحسين أمري إلى استقباحه، فيكون حالي معه حال المتنبي في قوله: [4] [الخفيف]
كلّما عاد من بعثت إليها ... غار منّي وخان فيما يقول
ثم لاح شهاب الحزم، واستمسكت عقدة العزم، فعدلت إلى الإستعانة بمن يبلغ ما لا يتهمه، وينطق بما لا يعلمه، وأمن منه ميل المقة، وأسلم فيه
__________
[1] أبو عثمان الخالدي: سعيد بن هاشم بن وعلة من بني عبد القيس، شاعر أديب، اشتهر هو وأخوه محمد الخالديين، وكانا آية في الحفط والبديهة، اشتركا في قول الشعر وتصنيف الكتب، منها: (الأشباه والنظائر) المعروف بحماسة الخالديين، و (أخبار أبي تمام) و (أخبار الموصل) وغيرها، توفي أبو عثمان 371 هـ-. (اليتيمة 1/471، فوات الوفيات 1/170، معجم الأدباء 11/208) .
[2] أبو الفرج الببغاء: عبد الواحد بن نصر بن محمد المخزومي، شاعر كاتب مترسل من أهل نصيبين، اتصل بسيف الدولة الحمداني، ونادم الملوك والرؤساء في الموصل وبغداد، له ديوان شعر، توفي سنة 398 هـ-. (و؟؟ فيات الأعيان 1/298، المنتظم 7/241، تاريخ بغداد 11/11، نزهة الجليس 2/319) .
[3] لم أجد البيت في ديوان الخالديين، جمع وتحقيق سامي الدهان، ط بيروت 1992.
[4] البيت للمتنبي في ديوانه 3/148 شرح العكبري، تحقيق السقا والإبياري وشلبي، ط مصر.
(1/90)

من حيف الصّبوة: [الطويل]
وصيّرت رسلي حين لم يغن حيلتي ... وضاقت عليّ في الخلاف المذاهب
أنا بيب أقلام وسمت صدورها ... بما فيه لي بعض الذي أنا طالب
[28 ظ] تبلّغ قولي وهي عنه ذواهل ... ويوضح عذري وهي عنه نواكب
جماد، ألا تميل ولا تتحيّر ولا تتحوّل ولا تتغيّر أفئدتها جلودها، وألسنتها برودها، تنطق بالمراد وإن لم ترد، وتأتي على البغية، وإن لم تعتمد، قوّلتها أبياتا تظنّ مقالها، وتعجز أمثالها، جعلتها إنجازا للوعد، ووفاء بالعهد، لا تزال خرسا عن سواها، حتى بلغ مدة صحتها مداها، فإذا طمع فيها الرّدى، وانتحت عليا المدى [1] ، فأشبهت صدورها أنصاف مناقير الغربان، وأعجازها أطراف مضاريب العيدان، وأكرهتها الأنامل على امتطائها، واستعانت النفوس بها على أهوائها، ثم رويت من الأنفاس، وأدنيت من القرطاس، وآملت عليها الخواطر، وقوّمت زيغها النواظر، فهمت وحي القلوب، فهم المسترق للسمع، وخبّرت عن مضمرات الأفكار بمثل الجاري من الدمع، وفاضت عبراتها من نواحي شؤون الرؤوس على صفحات خدود الطروس، فأسمعت منطقها من بعد محلّه، ونأى مزاره، وبلّغت معملها مأربه:
[الطويل]
وما زال من ضاقت مقاليد ذرعه ... إذا لم يطق ما نابه يتحيّل [2]
أمّلت أن يأمر- أدام الله تمكينه- بايداعها الدواة [3] بحضرته، لتكون مذكّرة بولائي، كلّما تأمّلها نابته عني في خدمته كلما أعملها، واستظهرت باثبات أبيات أنا موردها هذا المكان من رقعتي، تزول بها أسباب التأول في إخلاف العدّة عني، وهي: [29 و] [الطويل]
__________
[1] انتحت: مالت إليه وقصدته، المدى: جمع المدية، الشفرة الكبيرة، السكين.
[2] الذرع: الطاقة والوسع.
[3] الدواة: المحبرة، يريد أن توضع هذه الرسالة في هيكل الدواة حيث يوضع الورق، لتكون أمامه كلما أراد الكتابة، فيتذكرها.
(1/91)

ومستحسن شعري وللشّعر زينة ... بألفاظه لم يؤتها قطّ قبله
يلقّنه الله التفضّل ديّنا ... على كلّ من لاقى ليظهر فضله
أقول لنفسي حين تاهت بقوله ... رويدك أعطيت الذي لست أهله
فردّي الذي أوتيته ردّ شاكر ... فانّ أخا النّعمى أعارك رحله [1]
فان رأى مولاي الشيخ- كبت الله عداته- أن يقف على ما كتبت به، ويتمّم إنعامه بالصفح عن تصفّحه، والإضراب عن مظان المطاعن فيه، وترك التنبيه على معانيه، والإرشاد إلى مثاله: [الطويل]
فما كلّ من رام التّتبّع يهتدي ... لموقع ما يأتي وما يتجنّب
ويجعل ذلك خاتمة إحسانه، وتهنية امتنانه، ويؤمنني بعد ذلك من إعادة قول في معانيه، فلو؟؟ لا ما التزمه من طاعة أوامره ما أوضعت [2] الآن فيه، ويكمل برّه بالصفح عنه، فأني لست منه ولا إليه، فعل إن شاء الله.
وقد أثبتّ الأبيات المكتوبة على الأقلام، ترفيها لخاطره، وصيانة لناظره من تكلف قراءتها. قلم: [مجزوء الكامل]
سقيا لكفّ صافحت ... ني كالسحابة للمعالي
من حامل لي حامل ... بي ثقل أحرار الرجال
يقرا لحاظ مؤملي ... هـ فتبتديهم بالنّوال
ويصون وجه المعتفي ... هـ عن المذلّة بالسّؤال
قلم: [البسيط]
كم روضة نبتت في الطّرس أنبتها ... خطي تذلّ لها من حسنها الخصر
لها السطور غصون والحروف بها ... زهر وزهر المعاني بينها ثمر
تضئ فيها المعاني وهي حالكة ... سوداء تعجب من إشراقها القمر
__________
[1] في الأصل: (فاني أخا النعمى) وهو تحريف (إن) فإذا كانت (إني) يكون ما بعدها (أخو النعمي) .
[2] أوضع: أسرع في السير.
(1/92)

تبقى على غابر الأيام ناضرة ... ولا تجول إذا ما صوّح الشجر [1]
قلم: [البسيط]
كلّ اليراع أنابيب إذا تركت ... كانت حطاما فلم تنفع ولم تضر
فان غدت وهي أقلام رأيت لها ... تحكّما نافذا يمضي على البشر
تجري بخير وشرّ لا تزيّدها ... لكنّها- رسل في ذاك للقدر
والحمد والذمّ معقود بحاملها ... فخف شداها وكن منها على حذر [2]
قلم: [المتقارب]
إذا ما تأملتني عاثرا ... قليل الغنا في يد الكاتب [3]
فكن عالما أنّني معمل ... بشيء بعيد من الواجب
وإلا بعذر إلى طالب ... يموّه بالحلف الكاذب [30 و]
قلم: [البسيط]
كلّ الأنابيب أقلام فان بريت ... صارت سحائب من نفع وإضرار [4]
إذا استطالت دواوين الملوك بها ... حلّت عزاليها بالماء والنار [5]
قلم: [مجزوء الخفيف]
اعرفوا حال حاملي ... أبدا من مواقفي
أنا في كفّ ذي السّما ... ح سحاب المنافع
وبكفّ اللئيم قا ... طع سبل الصنائع
وبكفّ الظلوم مف ... تاح باب الفجائع
__________
[1] صوح الشجر: يبس حتى تشقق.
[2] شداها: قوتها وحدها، الشدا: الطرف من القوة، يقال: لم يبق من قوته إلا شدا، وحدّ كل شيء شداه.
[3] الغنا: أصله الغناء ضد الفقر، والنفع والكفاية، يقال: هذا شيء لا غناء فيه.
[4] الأنابيب: جمع الأنبوب والأنبوبة: ما بين العقدتين في القصب والقنا، وكل مستدير أجوف كالقصب، تصنع منه الأقلام.
[5] العزالي: جمع العزلاء، مصب الماء من القرية ونحوها، يقال: أرسلت السماء عزاليها إذا انهمرت بالمطر.
(1/93)

بي إذا ما جريت يع ... رف سرّ الطبائع
قلم: [مجزوء الخفيف]
أيها السائلي بفك ... رته عن سرائري
جملة الأمر أنّني ... ترجمان الخواطر
وإذا ما جريت كن ... ت محلّ الجواهر
وفي آخر الرقعة إلحاق:
ومن وهل خاطري [1] وغفلته، وإسلامه إياي عند كل ما أحتاج فيه إلى نصرته، ذهوله عن أهم فصول رقعتي، حتى أخّرت ما كان يجب تقديمه، وقد أعدت الأبيات التي سلف مني إنشادها على النظام الذي كان عليه ميلادها، لأني و؟؟ جدته- أدام الله علّوّه- وقد انصرفت عناية حفظه فيها إلى ما فيه إسجال [2] على تمحّض الصّبوة [3] ، وصدقت عما قد قمت فيه [30 ظ] لنفسي ببعض المعذرة، وأوردتها على وجهها ليكون الذنب في بعضها مقترنا بالمخرج منه، غير محتاج إلى دليل على الإقلاع عنه، فان رواها راو كانت غير ناطقة بريب، ولا موجبة لعيب.
وهي هذه: [البسيط]
قالوا صبا بعد ما لاح المشيب به ... فقلت بالقلب أصبو ليس بالشّعر
عيني ترى وفؤادي يستهام وما ... يسطو المشيب على قلب ولا بصر
سرّي عفيف وثوبي طاهر كرما ... وليس يملكني شيء سوى النّظر
ما زلت والله محمودا بنعمته ... منزّها في فتاء السّنّ والكبر [4]
ما زادني الشيب في حلمي ولا جذبت ... ثوب الصيانة عنّي سكرة الصّغر
حالي على سائر الحالات واحدة ... ما حلت مذ كنت عن رأي ولا وطر [5]
__________
[1] وهل خاطري: سهو فكري، وهل إلى الشيء: ذهب وهمه إليه، وهو يريد غيره.
[2] إسجال: إرسال وإطلاق وإباحة.
[3] تمحض الصبوة: خلوصها من العيوب، والصبوة: الميل إلى اللهو والحنين والشوق.
[4] الفتاء: سن الشباب، يقال: فتي فتى، فهو فتيّ السن بيّن الفتاء. (الصحاح: فتى) .
[5] ما حلت: ما تغيرت. الوطر: الحاجة فيها مأرب وهمّة.
(1/94)

أرى المليح فيصبيني ويعجبني ... الصوت الشجيّ وأهوى نغمة الوتر
نعم وأحذر ما يصدي به حسبي ... وما يدّنّس عرضي غاية الحذر [1]
وليس ذلّ رياء الناس من خلقي ... ما يعلم الله لا يخفي على البشر
[شعر لابن و؟؟ اصلة]
لابن و؟؟ اصلة الحلبي، قال الوزير: أنشدناه ابنه وكتبه لنا بمصر:
[الطويل]
ولما تلاقينا وغاب رقيبنا ... ورمت التّشكّي في خفاء وفي ستر
بدا ضوء بدر فافترقنا لضوئه ... فيا من رأى بدرا رقيبا على بدر [31 و]
وله أيضا: [البسيط]
قالت ومدّت يدا نحوي تودعني ... وحيرة الدمع تأبى أن أمدّ يدا
أميّت أنت أم حيّ فقلت لها ... من لم يمت يوم بين لم يمت أبدا
وله أيضا: [الوافر]
كتبت ولست أدري ما أقول ... وجسمي قد تحرّمه النحول [2]
فلو أنّ البعوضة عرّست بي ... لآذتني وكدت بها أميل [3]
فهل لك أن أزورك في كياني ... ولا يدري بحملاني الرسول
[المولد المبارك]
بسم الله الرحمن الرحيم
المولد المبارك السعيد بالأهواز [4] ، وقيل بسرّ من رأى [5] ، في ليلة
__________
[1] يصدي بن حسبي: ينتقص من شرفه، ومنه: أصم الله صداه، أهلكه.
[2] تحرمه: تنقّصه ومنعه. وقد تكون الكلمة (تخرمني) بالخاء، وهي بمعنى الأول.
[3] عرست بي: نزلت، وعرّس في المكان نزل به للراحة، والمعرّس: المكان ينزل به المسافر آخر الليل.
[4] الأهواز: سبق التعريف بها.
[5] سر من رأى: سامراء، بلد على دجلة فوق بغداد بثلاثين فرسخا، بين بغداد وتكريت، بناها المعتصم ونزلها سنة 221 هـ-، وكان سبب بنائها أن جيوش المعتصم من-
(1/95)

السبت، لليلة بقيت من شعبان سنة خمس وستين ومئتين لهجرة النبيّ صلى الله عليه وآله، ووافق ذلك روز أبان من ماه، فروز وين سنة 2401 ويوم كه من نيسان سة غقصه، وما مضى من الليل من الساعات المستوية ح نه، والطالع ومواضع الكواكب بالزيج السند هند، عمل علي محمد المغربي، ومنقول من خطه نثرا ونظما، وذكر في النسخة أن الأسم هارون وسعيد وعبد الله، وبالله التوفيق [31 ظ]
[صورة الزيج كما جاءت في الأصل]
__________
- الأتراك كثروا حتى بلغ عدد مماليكه سبعين ألفا، فمدوا أيديهم إلى حرم الناس، وسعوا فيها الفساد، فاجتمع العامة ووقفوا للمعتصم وشكوا إليه غلمانه، وسار إلى سامراء وبنى بها دارا وأمر عسكره بمثل ذلك، فعمّر الناس حول قصره، حتى صارت أعظم بلاد الله، وبعد المعتصم بنى الواثق بها أبنية، وكذلك فعل المتوكل، وبنى بها القصور والمسجد الجامع ومنارته المشهورة، وخربت في زمن المعتضد بسبب تنافس أمراء الأتراك، وللشعراء في وصفها أشعار كثيرة. (ياقوت: سامراء) .
(1/96)

قال: نظرت في هذا المولد المبارك إلى الطالع وأوتاده، ومواضع النجوم وما تدل عليه بإذن الله، فوجدت الطالع الحمل، وفيه زحل وعطارد والقمر و؟؟ سهم السعادة، وسهم السلطان و؟؟ ريّه في البيت الثاني مغرّب مع الشمس والمشتري في الوتد السابع مع الرأس والزهرة في درجة شرفها سريعة الدخول إلى الطالع، ووجدت الطالع برجا ملوكيا، وفيه زحل مشرّق، وهو رب العاشر ودليل الملة خاصة، ومعه عطارد والقمر، وسهم السعادة، وسهم السلان، فدل على أنّ المولود [32 و] يبلغ المرتبة العالية من إرث النبوة وشرف الخلافة، وأنّه يضطلع بأعباء الملك، ويقيم أوده، ويجدد ما دثر من رسمه، وينشر العدل والإحسان في الرعية، ويفوق في ذلك من مضى قبله من الملوك، ويبعد صيته، ويعلو ذكره، ويهابه ملوك الأطراف، وتثقل وطأته على الأعداء، ويظفر بمن ناوأه، ولا يبدي صفحته أحد بالعداوة له إلا قهره، وتفضي الخلافة من بعده إلى بعض ولده من أولاد الحرائر، ودون الإماء، ويكون مكثه في الخلافة دور المريخ الأصغر أعواما، وهي خمس عشرة سنة [1] ، أو مثل دور الشمس الأصغر تسع عشرة سنة وقد نظمت ما ذكرته من هذا الحكم في شعر ليكون أبقى لذكره، وهو: [البسيط]
نظرت في مولد الميمون طائره ... وباسط العدل بعد الجور في العصر
والطالع الكبش والبدر المنير مع ... الشيخ الأجلّ ونجم العلم والظّفر
والشمس مع جسد المريخ وهو إذا ... حصّلته ربّ بيت البدر ذي البهر
والزهرة السّعد بيت السعد في ... شرف تزهى به دون تلك الستة الأخر
والمشتري حلّ بيت السعد في وتد ... مع المظفّر نجم الجاه والخطر
ذلّت مواقع أرباب البروج وما ... تنبي به من خفيّات عن البشر
إنّ الخلافة من بعد النبيّ إلى ... هارون تفضي سليل السادة العذر
[2] [32 ظ] يحوزها دور بهرام الصغير أو ... الشمس المنيرة أعواما على قدر
فيملا الأرض إحسانا ومعدلة ... وينشر الدين في بدو وفي حضر
__________
[1] في الأصل: (خمسة عشر سنة) .
[2] السادة العذر: الشديد والعزيمة.
(1/97)

ويشعر الخوف من يعصيه منحرفا ... عن هديه ويشيع الحقّ في زمر
هذي مقالة من يزهى بحكمته ... على الأنام صدوق عند مختبر
لا يبتغي نازلا فيما يقول ولا ... يخصّ بالمدح إلا كلّ ذي خطر
تم الحكم والأبيات
[شكوى إلى عمر بن الخطاب]
روى جرير بن حازم الأزدي، ومجالد بن سعيد الناعطي، والهيثم بن عدي الطائي، وأبو الحسن المدائني مولى بني أميّة: أن عمر بن الخطاب و؟؟ لّى أبا موسى عبد الله بن قيس الأشعري [1] البصرة وجندها، ففتح سوق الأهواز وكورها السبع، وأضافها إلى البصرة، وولّى عليها عمالا من قبله، وذلك قبل استكمال فتح بلد فارس وإضافته إلى سواد البصرة، فسعى أبو المختار الكلابي أحد بني الصّعق إلى عمر بن الخطاب بعمّال أبي موسى، فقال: [الطويل]
أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... فأنت أمين الله في السرّ والجهر
وأنت أمين الله فينا ومن يكن ... أمينا لربّ الناس يسلم له صدري
فلا تدعن أهل الرساتيق والقرى ... يهبلون مال الله في الأزم والوفر
[2] [33 و] نسير إذا ساروا ونغزوا إذا غزوا ... فأنّى لهم مال ولسنا ذوي وفر [3]
__________
[1] أبو موسى الأشعري: عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب من بني الأشعر، صحابي من الولاة الشجعان الفاتحين، وأحد الحكمين اللذين رضي بهما علي ومعاوية بعد حرب صفين، أسلم وهاجر إلى الحبشة، ثم استعمله الرسول صلى الله عليه وسلم على زبيد وعدن، وولاه عمر بن الخطاب البصرة سنة 17 هـ-، فافتتح أصبهان والأهواز، وبقي واليا على الكوفة، وفيها توفي سنة 44 هـ-.
(طبقات ابن سعد 4/79، صفة الصفوة 1/225، حلية الأولياء 1/256) .
[2] الرساتيق: جمع رستاق ورزداق: السواد والقرى، معرف: رستا، وفي المعرب:
الرزدق: السطر المحدود، وهو فارسي معرب، وأصله بالفارسية (رسته) . (المعرب ص 157، القاموس المحيط: رزدق) .
يهبلون: يكسبون، يقال: تهبل لأهله: تكسب، واهتبل الفرصة، اغتنمها.
في الأزم: في الأصل (بالأدم) بالدال، ولعلها (في الأزم) بالزاي، أي الشدة.
[3] البيت في العقد الفريد 6/131 ط بيروت 1997، ورواية العقد:-
(1/98)

ترى الخيل والعقبان والبيض كالدّمى ... وما لا يعدّ من قرام ومن سنر [1]
ومن حلّة مطويّة في صوانها ... ومن طيّ أثواب معصفرة صفر [2]
إذا التاجر الهندي جاء بفارة ... من المسك راحت في مفارقهم تجري [3]
فأرسل إلى الحجاج فاعمل حسابه ... وأرسل إلى حرّ وأرسل إلى بشر [4]
ولا تدعنّ النافعين كليهما ... ولا ابن غلاب من سراة بني نصر
وحصنا هناك المال وابن محرّش ... وذاك الذي في السوق مولى بني بدر
فخذهم هناك الله واعلم بأنّهم ... سيرضون إن قاسمتهم منك بالشطر [5]
فدعاهم عمر وقال: إمّا نزلتم عن شطور أموالكم، وإلا كشفت العورة، وتتبّعت الأثر، فشاطروه إلا نافع بن الحرث بن كلدة [6] ، فإنه قال: تتبّع الأثر، واكشف العورة، فو الله لا ترزؤني من مالي شيئا، لأني ما أخذت من مال الله
__________
-؟؟
نحج إذا حجوا ونغزوا إذا غزوا ... فأنّى لهم وفر ولسنا بذي وفر
[1] العقيان: ذهب متكائف في مناجمه، خالص مما يختلط به من الرمال والحجارة.
القرام: ستر رقم ونقوش.
[2] الصّوان: ما يصان به أو فيه الكتب والملابس ونحوها. معصفرة: مصبوغة بالعصفر، والعصفر: نبات يستخرج منه صبغ أحمر يصبغ به الحرير ونحوه.
[3] البيت من ثلاثة أبيات في العقد الفريد 6/131.
[4] في هامش الأصل: (الحجاج بن علاط السلمي، وحر بن معاوية عم الأحنف بن قيس، وبشر بن الحنفز المزني، نافع بن الحرث وأخوه أبو بكر، وحصن بن أبي الحرّ العنبري، عامل بيسان، وابن محرس أبو مريم الحنفي عامل رامهرمز، تولى بني بدر عامل سوق الأهواز، وكان صهرا لهما) .
[5] في العقد الفريد:
فدونك مال الله حيث و؟؟ جدته ... سيرضون إن شاطرتهم منك بالشّطر
قال: فشاطرهم عمر أموالهم.
[6] نافع بن الحارث بن كلدة: صهر عتبة بن غزوان، تزوج عتبة أخت نافع، فلما و؟؟ لي عتبة البصرة، انحدر معه أصهاره: أبو بكرة ونافع وشبل بن معبد البجلي (الطبري 3/597) ، وكان نافع بن الحراث وأبو بكرة وزياد وشبل بن معبد البجلي ممن شهدوا على المغيرة بن شعبة، وكان واليا على البصرة بحادثة الزنى، فأمر عمر بجلد ثلاثة منهم، إلا زيادا، بعد أن ساءلهم عمر. (الطبري 4/71- 72) .
(1/99)

شيئا، فتركه عمر وقال: أنت إمّا أمين مدل، أو فاجر مبلّ [1] ، وأنفذ عمر إلى عمرو بن العاص محمد بن مسلمة [2] فشاطره ماله بمصر، وأنفذ إلى أبي هريرة إلى البحرين [3] فطالبه باثني عشر ألف دينار.
[الحجاج وحريث بن محفص]
خطب الحجاج فحضّ أهل الشام على قتال ابن الأشعث [4] ، وتمثل: [5] [الطويل]
بني المجد لم تقعد بهم أمهاتهم ... واباؤهم آباء صدق فأنجبوا
[33 ظ] فقام إليه شيخ كبير فقال: لمن هذا أيها الأمير؟ قال: لحريث بن محفّض المازني، ثم نزل، فقال: عليّ بالشيخ، فقال: لم جبهتني وأنا على المنبر بهذه المسألة، أو كلّ من تمثّل بشعر يعرف قائله؟ قال: تعرفني أيها
__________
[1] فاجر مبل: فاجر الخصومة داة، والبلّ: اللهج بالشيء، ومن يمنع بالحلف ما عنده من حقوق الناس (القامونس المحيط: بلل) .
[2] محمد بن مسلمة الأوسي الأنصاري: صحابي من الأمراء، استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة في بعض غزواته، وولاه عمر على صدقات جهينة، وكان يعده لكشف أمور الولاة في البلاد، توفي بالمدينة سنة 43 هـ-. (كامل ابن الأثير 3/2، الإصابة ت 77808، مجمع الزوائد، 9/319، البدء والتاريخ 5/120) .
[3] كان عمر بن الخطاب قد استعمل أبا هريرة على البحرين واليمامة سنة 21 هـ-،) الطبري 4/112) ، وفي طبقات ابن سعد قال: عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: كنت عاملا بالبحرين، فقدمت على عمر بن الخطاب فقال: عدوا لله وللإسلام، أو قال: عدوا لله ولكتابه، سرقت مال الله، قلت: لا ولكني عدو من عاداهما، خيل لي تناتجت، وسهام لي اجتمعت، فأخذ مني اثني عشر ألفا.
(الطبقات الكبرى 4/249- 250 ط دار الكتب العلمية بيروت 1990) .
[4] عبد الرحمن بن الأشعث: سبقت ترجمته.
[5] البيت من ثلاثة أبيات في ديل الأمالي 3/81، والشعر والشعراء ص 536، وطبقات فحول الشعراء ص 194 وخزانة الأدب 6/33، وحريث بن محفض: شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية. والرواية في المصادر المذكورة: (بنو الحرب لم تقعد بهم أمهاتهم) .
(1/100)

الأمير؟ قال: لا، قال: أنا حريث بن محفض، فدخلتني الأريحية، فلم أملك نفسي أن قمت فسألتك، فخلّى سبيله.
[عند وفاة النبيّ]
ذكر البخاري في كتاب الصحيح، عن يحيى بن سليمان عن ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: لما اشتد بالنبيّ صلى الله عليه وآله و؟؟ جعه قال: أيتوني بكتاب [1] أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبيّ صلى الله عليه غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغظ، قال: قوموا عني، لا ينبغي عند النبيّ التنازع، فخرج ابن عباس يقول: إن الرزّية كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين كتابه.
[بريدة وعلي بن أبي طالب]
و؟؟ جدت بخط الوزير رحمه الله: حدثني القاضي أبو القاسم الحسن بن الحسن بن المنذر في داري بميافارقين [2] في شهر رمضان سنة ست وأربع مئة، قال: حدثنا محمد بن علي بن دحيم بالكوفة، قال: حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة، قال: حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال: حدثنا ابن أبي غنيّة عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، عن بريدة [3] ، قال: بعثني رسول الله
__________
[1] في طبقات ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر حدثني ابراهيم بن اسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال في مرضه الذي مات فيه: (ائتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا) (الطبقات الكبرى 2/188، صحيح مسلم: الوصية 20، مسند أحمد 1/222) وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (هلمّ اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده) فقال عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله.
[2] ميا فارقين: أشهر مدينة بديار بكر، وهي من أبنية الروم لأنها في بلادهم، فتحت في زمن عمر بن الخطاب، وأرسل عمر عياض بن غنم بجيش كثيف إلى أرض الجزيرة، فجعل يفتحها موضعا موضعا. (ياقوت: ميافارقين) .
[3] بريدة: هو بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث بن الأعرج، يكنى أبا-
(1/101)

صلى الله عليه وآله، مع عليّ عليه السلام إلى اليمن، فرأيت منه جفوة، فقلت: لئن رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، [34 و] ، فذكرت عليا لأقعنّ فيه، فلما رجعت ذكرت عليا عليه السلام فنلت منه، فقال لي النبيّ صلى الله عليه وسلم: (يا بريدة و؟؟ ليّ كلّ مؤمن بعدي) [1] .
[هذا و؟؟ ليكم بعدي]
قال: حدثنا القاضي قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغوي، قال: حدثنا ابن أبي العوّام الرياحي بشر من رأى سنة إحدى وسبعين ومئتين، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا معن بن عيسى [2] ، قال: حدثنا موسى بن يعقوب عن المهاجر بن مسمار، عن عائشة بنت سعد، أو عار بن سعد [3] : أن رسول الله صلى الله عليه وآله خطب فقال: (أما بعد، أفلست و؟؟ ليكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنّ هذا و؟؟ ليكم بعدي) [4] وأخذ بيد علي بن أبي طالب.
حدثنا عبد الله بن إسحاق البغوي، قال: حدثنا محمد بن الهيثم بن حمّاد، أبو الأحوص، قال: حدثنا ابن أبي السري، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمّر عن أبي طاووس عن أبيه عن بريدة قال: قال رسول الله
__________
-؟؟ عبد الله، أسلم حين مرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة، وأقرأه صدرا من سورة مريم، ثم قدم عليه المدينة مهاجرا بعد أحد، وغزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مغازيه بعد ذلك، وسكن المدينة إلى أن توفي الرسول، فلما فتحت البصرة ومصّرت تحول إليها، فاختط بها دارا، ثم خرج منها غازيا إلى خراسان فمات بمرو في خلافة يزيد بن بمعاوية وبقي ولده بها، وفاته سنة 63 هـ-.
(ابن سعد 7/5، 259) .
[1] في كنز العمال 32963 برواية (يا بريدة إن عليا و؟؟ ليكم) وانظر تهذيب خصائص علي للنسائي 48 وفيه: (يا بريدة من كنت مولاه فعلي مولاه) .
[2] في هامش الأصل: (قال الوزير: معن بن عيسى صاحب مالك بن أنس) .
[3] كذا جاء في الأصل ولم أهتد إلى صحة الاسم.
[4] الحديث في تهذيب خصائص علي للنسائي 48.
(1/102)

صلى الله عليه وآله وسلم: (من كنت مولاه فإن عليا بعدي مولاه) [1] .
[أنت و؟؟ لي كل مؤمن]
حدثنا عبد الله بن إسحاق البغوي، قال: حدثنا إبراهيم بن هشام بن الحسن، قال: حدثنا كبير بن يحيى أبو مالك، قال أبو عوانة، عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون، قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه تسعة نفر قبل أن يعمى، فقالوا: يا ابن عباس، قم معنا، فقام معهم، ثم رجع ينفض ثوبه ويقول: أفّ أفّ، و؟؟ قعوا في رجل كان أول من أسلم بعد خديجة، وقال له النبيّ صلى الله عليه وآله: (أما ترضى أن تكون مني [34 ظ] بمنزلة هارون من موسى، إلا أنك لست بنبيّ) [2] . وقال له: (أنت و؟؟ ليّ كل مؤمن بعدي) [3] ، ولبس ثوب النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم نام مكانه، فجاء أبو بكر فقال: أي رسول الله، وهو يحسبه نبي الله، فقال له علي: إن رسول الله قد انطلق نحو بئر ميمون [4] ، فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار، ورمي علي بالحجارة، كما كان رسول الله يرمى، وهو يتضور، قد لف رأسه في الثوب حتى أصبح.
[في اللغة]
البركار: هو الدرقاش [5] .
__________
[1] الحديث في سنن الترمذي 3713 ومسند أحمد بن حنبل 1/84، 118، 119.
[2] الحديث بأسانيد عدة في طبقات ابن سعد 3/16- 17، وفي صحيح البخاري 5/43، وصحيح مسلم: فضائل الصحابة، ومسند أحمد 1/173، 175 و 182..
[3] الحديث في مجمع الزوائد 9/120، ومنحة المعبود للساعاتي 2652، والبداية والنهاية 7/339، 346، والمعجم الكبير 12/99.
[4] بئر ميمون: بمكة، منسوبة إلى ميمون بن خالد بن عامر الحضرمي، وقيل: إن ميمونا صاحب البئر هو أخو العلاء بن الحضرمي والي اليمن، حفرها بأعلى مكة في الجاهلية، وعندها قبر أبي جعفر المنصور. (ياقوت: بئر ميمون) .
[5] البركار: البرجل، آلة مركبة من ساقين متصلين تثبت إحداهما وتدور حولها الأخرى، ترسم الدوائر والأقواس، ويقولون له: بركار وفرجار، وهو في الفارسية بركار (بالباء تحتها ثلاث نقاط) . (المعجم الوسيط: بركار، برجل) .
(1/103)

عن أبي أسامة عن الأزهري، قال أبو أسامة: مأقي العين، اختلفوا فيه، فقال ابن السكيت: وزنه مفعل، مثل: مأوي الإبل، واشتقاقه عنده من أقى يقي، وأقى يقي لغة في وقى يقي [1] . وقال ابن المسيب: اشتقاقه من مقا يمقو، مقوت الطست ومقيته، جلوته، فهو على ماقّ فاعل [2] .
[برادة الفضة]
تؤخذ الفضة فتحطّ برادة لينة بمبرد ليّن برد التشريب ويلقى عليها ثلاثة أمثالها زئبق، ويلقى على الجميع ملح جريش، ويسحق الجميع حتى يسودّ، ويخرج السواد بالماء، ثم يجدّد عليه ملح جريش ويسحق فلا يزال كذلك حتى نرضى لونها، ثم ننشفها في خرق نظاف حتى لا يبقى فيها بلّة، ويختم بها على سحاءة [3] فأنها تقبل الختم، وكلما بقيت جفت. وكان في الحاشية:
ويلقى على كل خمسة دراهم درهم قزدير [4] .
[مختارات شعرية]
بخط الوزير للسلامى [5] [السريع]
__________
[1] قال ابن السكيت: ليس في ذوات الأربع مفعل بكسر العين إلا حرفان: مأقي العين، ومأوي الإبل (إصلاح المنطق ص) . قلت: جعل الفيروز ابادي موق العين في مادة (مأق) وكذلك فعل الجوهري في الصحاح، أما ابن منظور في اللسان، وابن فارس في مجمل اللغة، فجعلاها في (موق) .
[2] قال الفيروز آبادي: مقيت أسناني: مقوتها، ومقى الطست مقيأ جلاه، و؟؟ امقه مقيتك مالك، أي صنه، والمقية: الماق (القاموس المحيط: مقا، وانظر الصحاح: مقا) .
[3] السحاء: قشر كل شيء، الواحدة سحاءة وسحاية، وأسحى الكتاب: شده بسحاءة:
(القاموس المحيط: سحا) .
[4] قوله: (في الحاشية) ، يريد حاشية الكتاب الذي ينقل عنه، وليس هذا الأصل الذي نحققه.
[5] السلامي: محمد بن عبد الله بن محمد المخزومي القرشي، أبو الحسن، من شعراء العراق، سمي السلامي نسبة إلى دار السلام، ولد في كرخ بغداد وانتقل إلى الموصل ثم إلى أصبهان واتصل بالصاحب بن عباد فرفع منزلته وجعله من خاصته، ثم قصد-
(1/104)

قال السلامي إذا شئت أن ... تنصر مرحوما ومسكينا
فذاك من لم تر في كمّه ... في زمن التنطيح سكّينا
مثله: [السريع]
قال البديعيّ إذا شئت أن ... تنصر منحوسا ومرّيخا [1]
فذاك من لم تر في بيته ... في زمن البطيخ بطيخا
قال: والبديعي رجل خراساني منجم، وصل إلينا في السنة التي حج فيها حنك، ووصل إلى بغداد في سنة خمس عشرة وأربع مئة.
آخر: [الطويل]
جرى السيل فاستبكاني السيل إذ جرى ... وفاضت له من مقلتيّ غروب [2]
وما ذاك إلا حين خبّرت أنّه ... تمرّ بواد أنت فيه قريب
يكون أجاجا دونكم فاذا انتهى ... إليكم تلقى طنبكم فيطيب [3]
أيا ساكني شرقيّ أيلة كلكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيب [4]
الوزير أبو القاسم: أنشدنا ابن دقاقة الهاشمي الحراني لنفسه بمصر:
[البسيط]
قالوا المنى هذيان النفس قلت لهم ... لولا المنى لم يطب عيش المفاليس
يا ربّ ليل طويل بتّ فيه مها ... جمّ الثراء وكان المال في كيسي [5]
أعطي وآخذ مسرورا ولو أخذت ... منّى المنى بتّ في عدم وفي بوسي
__________
- عضد الدولة بشيراز فحظي عنده ونادمه، ولما مات عضد الدولة ساءت أحوال السلامي، توفي السلامي سنة 393 هـ- (وفيات الأعيان 1/524، الامتاع والمؤانسة 1/134، يتيمة الدهر 2/157- 188، تاريخ بغداد 2/335) .
[1] المريخ: الرجل الأحمق، ومن الشجر اللين الرقيق. (اللسان والقاموس: مرخ) .
[2] الغروب: الدموع، واحدها غرب.
[3] الطنب: حبل يشد به الخباء والسرادق ونحو؟؟ هما.
[4] أيلة: مدينة على ساحل بحر القلزم، مما يلي الشام، وقيل: هي آخر الحجاز وأول الشام، وقال أبو زيد: أيلة مدينة صغيرة عامرة بها زرع يسير. (معجم البلدان: أيلة) .
[5] مها: كذا بالأصل، ولعله يريد: مهنأ.
(1/105)

[في البروج]
في كتاب أبي قماش: إذا نزل المشتري [1] إلى برج الجوزاء [2] ونظر إليه زحل [3] والمريخ [4] أيّ نظر كان، دلّ [35 ظ] على موت الكلاب. قال الوزير: وجربناه.
إذا نزل زحل [إلى برج] الأسد تحركت البربر [5] ، وقابل وجوهها وجوه أهل المشرق.
__________
[1] المشتري: أكبر الكواكب السيارة، وهو في الأساطير: كبير الآلهة.
[2] الجوزاء: نجم يقال إنها تعترض في جوز السماء، والجوزاء التوأمان الكوكبة البروجية الثالثة، تحل الشمس فيها قرب المنقلب الصيفي، صورها القدماء في صورة توأمين (المقدم والمؤخر) في رأسيهما ألمع نجمتين في الكوكبة، ويسمى أحدهما رأس التوأم المقدم، ويقع في الشمال الشرقي في رأس التوأم المؤخر، الأول مزدوج بصري، كل فرد فيه مزدوج طيفي، أما الثاني فيتكون من ستة أفراد على الأقل، وبالكوكبة منزلتان قمريتان هما الذراع والهنعة.
(الموسوعة العربية الميسرة 1/665) .
[3] زحل: أبعد الكواكب السيارة في النظام الشمسي، وفي الأساطير الإغريفية كبير الآلهة، وزحل أحد الكواكب الكبرى، ترتيبه السادس من الشمس، يدور حول الشمس في ثلاثين عاما، ويبلغ حجمه 734 مرة من حجم الأرض، ويدور حوله تسعة أقمار، وتوجد حول زحل مجموعة حلقات في مستوى خط الاستواء.
(الموسوعة العربية الميسرة 1/921) .
[4] المريخ: أكد كواكب المجموعة الشمسية، يقول القدماء: إنه في السماء الخامسة، وهو بالفارسية (بهرام) ، وإله الحرب في الأساطير، وهو (مارس) ، وهو رابع كوكب في البعد عن الشمس، والتالي بعد الأرض، لونه أحمر برتقالي، ويظن أن فيه مخلوقات ذكية، وللمريخ قمران هما (ديموس) و (فوبس) .
(الموسوعة العربية الميسرة 2/1689) .
[5] البربر: شعب أكثره قبائل تسكن الجبال في شمالي أفريقية، ويسمون شعب أمازيغ (الأشراف الأحرار) لهم لغة متميزة بذاتها، اعتنق أكثرهم الإسلام في القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، وينتشرون في الشمال الأفريقي والصحراء الكبرى، وفي ليبيا وتونس والجزائر والمغرب، كانت لهم دول منهم الموحدون والمرابطون.
(الموسوعة العربية الميسرة 1/342) .
(1/106)

[شعر لعبد السلام الكاتب]
قال: لأبي القاسم علي بن عبد السلام الكاتب أيده الله: [الخفيف]
ومن الجور ضيعتي في بلاد ... أنت فيها زعيم ربّ العباد
وعجيب يفوق كلّ عجيب ... سقم حالي وأنت من عوّداي
وكثير يبدي التعجب منّي ... كيف والبحر عرضتي أنا صاد
قال الوزير: قال ثعلب [1] مما نقل من خطه: الزمين شهر، والزمن شهران، والزمان أربعة أشهر [2] .
[أشعار مختارة]
قال أبو جعفر محمد بن حمدان الضرير من أهل الموصل: [الرجز]
إنّ الذي أقام أسواق الوغى ... بالضرب مذ أنفق أسواق الأدب [3]
له حسامان فذا يسيل في ال ... كتائب الشّهب وهذا في الكتب
لأبي تميم سلمان بن فلاح في العزيز: [4] [الكامل]
تلك المعالي لم ينلها سابقا ... إلا العزيز ومن يحاولها ورا
__________
[1] أبو العباس ثعلب: سبقت ترجمته.
[2] وفي اللسان: الزمن والزمان: اسم لقليل الوقت وكثيرة، وفي المحكم: الزمن والزمان: العصر، والجمع أزمن وأزمان وأزمنة، وزمن زامن: شديد، ويكون الزمان شهرين إلى ستة أشهر، قال أبو منصور: الدهر عند العرب يقع على وقت الزمان من الأزمنة وعلى مدة الدنيا كلها، والزّمنة: البرهة، وأقام زمنة بفتح الزاي أي زمنا، ولقيته ذات الزّمين: أي في ساعة لها أعداد، يريد بذلك تراخي الوقت، كما يقال:
لقيت ذات العويم، أي بين الأعوام. (اللسان: زمن) .
[3] في الأصل: (إلى الذي) ولا معنى لها.
[4] العزيز: بالله نزار بن معد (المعز لدين الله) بن المنصور العبيدي الفاطمي، أبو منصور صاحب مصر والمغرب، بويع بعد وفاة أبيه سنة 365 هـ-، وكانت في أيامه فتن وقلاقل، وكان كريم الأخلاق حليما يكره سفك الدماء، أديبا أضلا، توفي سنة 386 هـ-.
(مورد اللطافة- ابن تغري بردي ص 4- 6، و؟؟ فيات الأعيان 2/152، تاريخ ابن خلدون 4/51، بلغة الظرفاء ص 71) .
(1/107)

فلا نثرنّ فرائد الدهر التي ... من حقّها في وصفه أن تنثرا
بل لا أزال مدى حياتي داعيا ... ألّا يزال مملّكا ومعمّرا [36 و]
والله أهل أن يخيب دعاء من ... لو أنّه يهديه كونا قصّرا
قال الوزير: هذا بيت بديع غريب المعنى، وهو كما قال.
قال: أنشدنا أبو محمد عبد الوهاب بن الحسن بن جعفر الحاجب بمصر لنفسه: [السريع]
انظر إلى الهرمين إذ برزا ... للعين في علو وفي صعد
وكأنّما الأرض العريضة إذ ... ظمئت لفرط الحرّ والومد [1]
حسرت عن التدبير بارزة ... يدعو الإله لرحمة البلد
فأجابها بالنيل يوسعها ... ريّا ويشفيها من الكمد
لكرامة المولى المقيم بها ... مولى الأنام مقوّم الأود [2]
قال: وأنشدني لنفسه: [السريع]
منارة الإسكندر المرتضى ... إذا رآها سالك القفر [3]
أيقن باللّقيا لأحبابه ... واستنشق الأرواح من مصر [4]
كأنّها حسناء عريانة ... تريد أن تسبح في البحر
أو جدول فجّر من كوثر ... فانحطّ من جوّ السّما يجري
أو بارق يلمع في مزنه ... أو لائح من فلق الفجر
وإصبع من راحة بضّة ... تومي بتسليم إلى السّفر [5] [36 ظ]
__________
[1] الومد: شدة حر اليوم والليل، وندى يجيء في صميم الحر من قبل البحر مع سكون الريح، وهو ما يعبر عنه اليوم بالرطوبة.
[2] الأود: الاعوجاج، وأقام أوده: قوّم اعوجاجه.
[3] في الأصل: (الفقر) وهو تصحيف: الفقر.
[4] الأرواح: جمع الريح، الهواء إذا تحرك، الجمع رياح وأرواح وأرياح، وتطلق الريح مجازا على الرحمة والقوة والنصر والغلبة والدولة.
[5] بضة: ممتلئة نضرة رقيقة. السّفر: جماعة المسافرين.
(1/108)

أو صارم أبرزه صيقل ... يبغي به السّوم على التّجر [1]
كأنما تسمو بأشرافها ... إلى اعتياق الأنجم الزّهر [2]
علت على كلّ بناء كما ... علا عزيز الدين في الفخر
دعاء لقيام الليل:
اللهمّ إني في أمانك وضمانك ورجائك، لا تؤمنّي مكرك، ولا تنسني ذكرك، أنبهني لأحبّ ساعاتها إليك، حتى أقوم إلى طاعتك، أقوم إن شاء الله وقت كذا وكذا.
[مختارات شعرية]
آخر: [الطويل]
وقبلي أبكى كلّ من كان ذا هوى ... هتوف البواكي والديار البلاقع [3]
بواك على الأطلال من كلّ جانب ... نوائح ما تخضلّ منها المدامع
مزبرجة الأعناق خضر ظهورها ... مخطّمة بالدرّ غر روائع [4]
لها طرز فوق الخوافي كأنّها ... خوافي برود أحكمتها الوشائع [5]
ومن قطع الياقوت صيغت عيونها ... خواضب بالحنّاء منها الأصابع
آخر: [الطويل]
حمامة وادي السّدر مالك كلّما ... تغنّيت في رأد الضّحى هجت لي نصبا [6]
__________
[1] الصيقل: الصقّال، الحداد الذي يجلو السيوف.
السوم: تقويم ثمن السلعة والمغالاة بها. التجر: التجار، جمع تاجر.
[2] الاعتياق: الحبس والصّرف والتثبيق. الزهر: البيض، الناصعات البياض.
[3] هتوف البواكي: نواح الباكيات. الديار البلاقع: الخالية المقفرة.
[4] مزبرجة الأعناق: محسّنة ومزينة، والزبرج: الحلية والزينة من وشي أو جوهر أو نحو ذلك.
مخطّمة: على أنوفها حلية من الدر كالخطام.
[5] البرود: جمع البرد، كساء مخطط يلتحف به.
الوشائع: جمع الوشيعة، الطريقة في البرد، والوشيعة: المكوك، وهو خشبة يلف عليها ألوان الغزل.
[6] السدر: شجر النّبق واحدته سدرة: رأد الضحى: انبساط شمسه وارتفاع نهاره.
النصب: التعب والإعياء. الفنن: الغصن المستقيم من الشجرة، جمعه أفنان.
(1/109)

أبيني لنا لا زال ريشك وافيا ... ولا زلت تستعلين ذا الفنن الرّطبا [37 و]
أبيني فقد طالت مناجاة بيننا ... أشرقا توخى أهل سمراء أم غربا
وهل موقف في رسم دار محيلة ... مسل هوى أم زائد أهلها قربا [1]
آخر: [الطويل]
أما ودعاء المحرمين عيشّة ... إذا ما علوا بطحاء مكّة أو جمعا [2]
لقد تركتني ما أرى رسم منزل ... تهوّمته إلا سكبت به دمعا [3]
أقامت على قلبي رقيبا من الهوى ... وطيفا على طرفي وأشغلت السّمعا [4]
إذا قلت داوى الصبر صدعا ثنى الهوى ... إلى كبد حتى يجيد به صدعا
لعمرك ما يخفى وإن كان كاتما ... على صحبتي ما بي إذا علوا الجزعا [5]
قال الوزير أبو القاسم مما نقلته من خطه: هذا شاهد على أشغلت، وهو بخط قديم لشاعر قديم [6] آخر: [الطويل]
سرت في سواد القلب حتى إذا انتهى ... بها السير و؟؟ ارتادت حمى النفس حلّت
وللعين تهمال إذا ما ذكرتها ... وللقلب وسواس إذا العين ملّت [7]
ولآخر: [البسيط]
نبّئت أنّ رجالا فيّ قد و؟؟ قعوا ... عند الأمير وما لحمي بمأكول [8]
__________
[1] الدار المحيلة: التي تغيرت وأتى عليها أحوال، وهي السنون.
[2] الجمع: يوم عرفة، وكذلك أيام منى.
[3] تهومته: تحيرت فيه، وهمت فيه عشقا.
[4] في حاشية الأصل: (مهمة في صحة كلمة أشغلت) .
[5] الجزع: منعطف الوادي ووسطه.
[6] يريد ما جاء في البيت الثالث: (أقامت على قلبي ... وأشغلت السمعا) .
[7] الوسواس: حديث النفس بما لا نفع فيه ولا خير، ووسوس: اختلط كلامه ودهش.
والوسواس: بفتح الواو، الشيطان.
[8] في الأصل: (فيّ قد و؟؟ قعوا) .
(1/110)

والسمّ أسهل شئ في حلوقهم ... إذا تكشّف عن مرّي ومعسولي [37 ظ]
أين المدلّي يدا عسماء في جحر ... إلى شبيه بثني البرد مسدول [1]
ما زال في صخرة صمّاء في حجر ... داني له من حجاج الجول والجول [2]
يكاد يقلبها عنه تنفّسه ... لولا تحرّزها بالعرض والطول
حتى إذا فتق المقدار جانبها ... من مستقلّ على البطحاء هذلول [3]
لا يسمع الصوت إلا أن يحركّه ... ويبصر الشخص من ميل إلى ميل
لو مرّ في أجم البحرين أحرقه ... أو حجّ في النيل أفنى ساكن النّيل [4]
[جمام العقل]
إبراهيم بن المنذر، قال: حدثني جعفر بن كثير، قال: سمعت أبا عوانة الأنصاري وهو يقول: إنّ للعقل جماما [5] بالغدوات وليس له بالعشيّ.
[تفسير آية]
عبد الله بن النعمان بن عكرمة، أنه سئل عن قول الله تعالى: (ذَواتا أَفْنانٍ)
[6] ، قال: الفنن ظل الأغصان على الحيطان، أما سمعت قول الشاعر:
[السريع]
ما هاج شوقك من هديل حمامة ... تدعو على فنن الغصون حماما
__________
[1] يد عسماء: يا؟؟ بسة، عسمت اليد عسما: يبس مفصل رسغها فعوجت، فالرجل أعسم والمرأة عسماء.
[2] الجول: ما تجول به الريح على وجه الأرض من تراب ونحوه، والقطيع ذو العدد من الماشية ونحوها، والصخرة في أسفل البئر يكون عليها البناء، وهذا المعنى الأخير هو المراد هنا.
[3] الهذلول: الرجل الخفيف، والمكان المنخفض في الصحراء لا يشعر به الإنسان حتى يشرف عليه.
[4] أجم الماء: أجن وتغيّر.
[5] الجمام: الراحة وذهاب الإعياء.
[6] الرحمن 48.
(1/111)

تدعو أبا فرخين صادت طاويا ... ذا مخلبين من الصقور قطاما [1]
[شعر شريح القاضي]
حديث مجالد عن الشعبي قال: كان شريح [2] يقول الشعر، ومن قوله:
[الطويل]
تصوّنّ واستصعدن حتى كأنّما ... يطأن برضراض الحصى جاحم الجمر [3]
ومن قوله: [38 و] [الطويل]
رأيت رجالا يضربون نساءهم ... فشلّت يميني يوم أضرب زينبا
[الطيرة لا ترد القضاء]
مسعود بن عيسى بن إسماعيل العبدي، عن موسى بن عبد الله التيمي قال: كتب العتّابي [4] كلثوم بن عمرو إلى رجل من هل حوّان [5] ، يسأله حاجة، فكتب إليه يعتاق [6] بالأربعاء، وأنه موجّه يوم الخميس لغد، فرد عليه العتابي: كتبت تذكر عوائق الأربعاء، على أنّ الأيام والشهور والساعات لله
__________
[1] القطام: الصقر، وقطم الصقر إلى اللحم: اشتهاه.
[2] شريح القاضي: شريح بن الحارث بن قيس الكندي، أبو أميّة، من أشهر القضاة الفقهاء، في صدر الإسلام، أصله من اليمن، ولي قضاء الكوفة في زمن عمر وعثمان وعلي ومعاوية، واستعفى في أيام الحجاج فأعفاه، كان ثقة في الحديث، مأمونا في القضاء، له علم بالشعر والأدب، وعمّر طويلا، توفي بالكوفة سنة 78 هـ.
(طبقات ابن سعد 6/90- 100، وفيات الأعيان 1/224، حلية الأولياء 4/132) .
[3] الرضراض: الحصى الصغار في مجاري الماء، والحجارة تتحرك على وجه الأرض وتترجرج.
جاحم الجمر: الجمر الشديد الاشتعال، والجحمة: النار الشديدة التأجج.
[4] العتابي: سبقت ترجمته.
[5] حوّان: بالضم وتشديد الواو، كأنه هجمع أحوى، نحو أسود وسودان، وهو لون تخالطه الكتمة، اسم جبل.
(ياقوت: حوان) . قلت: لعل الكلمة محرفة من (حوران) .
[6] يعتاق: يجده عائقا، وعاقه عيفا: منعه وشغله وصرفه.
(1/112)

تجري بأقدار معلومة، وأسباب محتومة، خير موصول بشرّ، لا ينقضي عنك إول حتى ترادفه أخير، ولذلك أقول: [1] [الخفيف]
طيرة المرء لا تردّ قضاء ... فاعذر الدهر لا تشبّه بلوم
أيّ يوم تخصّه بسعود ... والمنايا ينزلنّ في كلّ يوم
ليس يوم إلا وفيه سعود ... ونحوس تجري لقوم فقوم
[تطير سليمان بن عبد الملك]
قال: لبس سليمان بن عبد الله الملك [2] الخضرة، وهو يريد أن يركب، فلما نظر إلى نفسه وقد تلبّس، أعجبته، فقال: لأنا الملك الشاب، فقالت له مقيّنته جاريته التي تلبسه: أنت والله يا أمير المؤمنين أحقّ ببيتي الشاعر حيث يقول: [3] [الخفيف]
أنت خير المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
ليس فيما بدا لنا منك عيب ... عابه الناس غير أنّك فان [4]
فقال: ويحك، خبّثت عليّ، انزعي عنّي، قال: فخلع ثيابه فلم يركب حتى مات [38 ظ] ، وكان يسمّى مفتاح الخير، لأنه استخلف عمر بن عبد العزيز.
__________
[1] ليست الأبيات في مجموع شعر العتابي، جمع ناصر حلاوي، ط- البصرة.
[2] سليمان بن عبد الملك بن مروان: الخليفة الأموي، ولي بعد وفاة أخيه الوليد سنة 96 هـ، فأحسن السيرة وأطلق من في السجون، وأحسن إلى الناس، كان عاقلا فصيحا محبا للفتوح، فتحت في عهده جرجان وطبرستان، وكانتا في أيدي الترك، كانت خلافته سنتين وثمانية أشهر، توفي سنة 99 هـ.
(الطبري 8/126، ابن الأثير 5/14، اليعقوبي 3/36، تاريخ الخميس 2/314) .
[3] البيتان لمروان بن يحيى المنجم في المنتخل للميكالي 2/691 تحقيق يحيى الجبوري، ط- دار الغرب الإسلامي، بيروت 2000 م، وانظر فيه تخريج البيتين.
[4] المنتخل: (ليس فيما علمته لك عيب) .
(1/113)

[الحجاج يهزأ من مفتيين]
قال: أشرف الحجاج فإذا هو بحلقتين في المسجد، فقال: ما هاتان الحلقتان؟ قالوا: هذا أبو جبيرة الأنصاري [1] ، وعبد الله بن شداد [2] ، فأنشأ يقول: [البسيط]
أدبر الأمر حتى ظل محتبيا ... أبو جبيرة يفتي وابن شدّاد [3]
[عمر بن عبد العزيز ينصف مظلوما]
قال: أقبل رجل من أهل اليمن عليه ثوبان قطريان [4] إلى عمر بن عبد العزيز، فلقي عمر وهو على بغل، فقال: [البسيط]
أمرت حرّان مظلوما ليأتيكم ... فقد أتاك بعيد الدار مظلوم
فلما سمعها عمر نزل عن بغلته، فقال: ما ظلامتك؟ فقال: أرض اغتصبها الوليد وسليمان ابنا عبد الملك، قال: ألك بذلك بيّنة؟ قال: نعم، فقال: يا غلام، أكتب له إلى صاحب اليمن أن يدعوه ببيّنته، فاذا أحضر بيّنته سلّم إليه أرضه، قال: فلما ولّى عنه، دعا به فقال: هل نقب [5] لك بعير أو
__________
[1] أبو جبيرة بن الحصين الأنصاري الأوسي، مذكور في الصحابة، وأبو جبيرة الضحاك ابن خليفة بن ثعلبة الأنصاري أخو ثابت بن الضحاك، ولد بعد الهجرة، قال بعضهم له صحبة، ولا ندري أيهما المقصود.
(أسد الغابة 4/398، 399، الاستيعاب 4/1619) .
[2] عبد الله بن شداد بن أسامة بن عمرو الكناني الليثي: ولد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وروى عن أبيه وعن عمر وعلي، وروى عنه الشعبي واسماعيل بن محمد بن سعد وغيرهما.
(أسد الغابة 2/620- 621، الاستيعاب 3/926) .
[3] احتبى الرجل: جلس على إليتيه وضم فخذيه وساقيه إلى بطنه بذراعيه ليستند، ويقال:
احتبى بالثوب: إذا أداره على ساقيه وظهره وهو جالس على نحو ما سبق ليستند.
(المعجم الوسيط: حبا) .
[4] ثوب قطري: قال أبو منصور: في أعراض البحرين على سيف الخط بين عمان والعقير، قرية يقال لها قطر، وأحسب الثياب القطرية تنسب إليها، والبرود القطرية حمر لها أعلام فيها بعض الخشونة. (ياقوت: قطر) .
[5] نقب البعير: رقّت أخفافه وحفي.
(1/114)

أخلق لك ثوب؟ قال: نعم، فحسب ذلك فبلغ عشرين دينارا، فأمر له بها من بيت المال.
[من مغنج الكلام]
أنشد هريم بن زيد اليربوعي ليزيد بن الطثرية، وطثر حيّ من اليمن، وقال أبو محضة الأعرابي: هذه والله من مغنج الكلام: [1] [الطويل]
بنفسي من لو مرّ برد بنانه ... على كبدي كانت شفاء أنامله [39 و]
ومن هابني في كلّ شيء وهبته ... فلا هو يعطيني ولا أنا سائله
[زبيدة وشاعر غث]
جاء شاعر من غثاث الشعراء إلى زبيدة [2] فامتدحها فقال: [مجزوء الكامل]
أزبيدة ابنة جعفر ... طوبي لشاعرك المثاب
تعطين من رجليك ما ... تعطي الأكفّ من الرغاب
قال: فهمّ به الحشم، فقالت: لا تفعلوا، فإنه إنما أراد الخير فأخطأ، ومن أراد الخير فأخطا أحبّ إلينا ممن أراد الشرّ فأصاب، وإنما أراد أن يربي على قول الشاعر: [الطويل]
شمالك أجود من يمين غيرك ... وقفاك أحسن من وجه سواك
فظن أنه إذا ذكر الرجلين أبلغ في المدح، وأمرت له بجائزة. قال محمد
__________
[1] البيتان ليزيد بن الطثرية في الأغاني 8/172، 179.
[2] زبيدة: أمة العزيز، زبيدة بنت جعفر بن المنصور الهاشمية والعباسية، أم جعفر، زوجة هارون الرشيد وبنت عمه، وأم الأمين، من فضليات النساء، كانت ذات ثروة واسعة جعلتها في فعل الخير، تنسب لها عين زبيدة في مكة، وبنت المصانع والبرك والآبار التي بين بغداد ومكة، توفيت سنة 216 هـ.
(تاريخ بغداد 14/433، وفيات الأعيان 1/189، النجوم الزاهرة 2/213، أعلام النساء 1/430) .
(1/115)

ابن الحسن، قال عمرو مولى مزلاج، فقال أبو نواس: فلقد ورد عليها شيء لو ورد على العباس بن المطلب ما كان عنده من الحلم والاحتمال وتسهيل الأمر، أكثر مما كان عندها.
[معاوية يحكم بين متفاخرين]
قال: افتخر رجلان بباب معاوية، رجل من بني شيبان، ورجل من بني عامر بن صعصعة، فقال العامري: أنا أعدّ عشرة من بني عامر، فعدّ عشرة من بني شيبان، قال الشيباني: عد على اسم الله، قال العامري: عامر بن مالك ملاعب الأسنة [1] ، وطفيل بن مالك قائد هوازن، ومعاوية بن مالك معوّد الحكماء [2] ، وربيعة بن مالك [3] فارس يوم ذي علق [39 ظ] ، وعامر بن الطفيل [4] ، وعلقمة بن علاثة، وعوف بن الأحوض داعي الشرف، وعتبة بن سنان، ويزيد بن الصعق، وأربد بن قيس وهو أربد الحتوف.
قال الشيباني: خذ قيس بن مسعود [5] رهينة بكر بن وائل، وبسطام بن
__________
[1] عامر بن مالك ملاعب الأسنة: أبو براء، فارس قيس وأحد أبطال العرب في الجاهلية، وهو خال عامر بن الطفيل، أدرك الإسلام وتوفي سنة 10 هـ. (الإصابة ت 4417، المحبر ص 472، خزانة الأدب 1/338) .
[2] معاوية بن مالك: بن جعفر بن كلاب معود الحكماء، من أشراف العرب في الجاهلية، وهو أخو عامر بن مالك ملاعب الأسنة، وعم لبيد بن ربيعة الشاعر، توفي في الجاهلية.
(المحبر ص 458، خزانة الأدب 4/174، جمهرة الأنساب ص 226) .
[3] ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب: والد لبيد بن ربيعة الشاعر ويسمى ربيع المقترين لكرمه، قتل يوم ذي علق، قتله منقذ بن طريف الأسدي، وكان ربيعة شاعرا توفي في الجاهلية. (جمهرة الأنساب ص 285) .
[4] عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر، فارس وأحد فتاك العرب وشعرائهم، أدرك الإسلام ووفد على النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة يريد الغدر به، وهو ابن عم لبيد الشاعر، توفي سنة 11 هـ.
(خزانة الأدب 1/471- 474، الإصابة ت 6550، الشعر والشعراء ص 118) .
[5] قيس بن مسعود بن قيس الشيباني: كان عاملا لكسرى، وهو شاعر، وأبو الشاعر-
(1/116)

قيس سيد فتيان ربيعة، والحوفزان بن شريك فارس بكر بن وائل، وهانىء بن قبيصة [1] أمين النعمان، وهانىء بن مسعود وافد المنذر، ومفروق بن عمرو، حاضن الأيتام والأسود بن شريك، ضامن الدهر، والأصم عمرو بن قيس، صاحب رؤوس بني تميم، قال: كان الأصم قتل من بني تميم مئة رجل على دم واحد، وعمران بن مرّة الذي أسر يزيد بن الصّعق مرتين، فافتدى نفسه مرة، ومنّ عليه في الأخرى، وعوف بن النعمان الذي كانت العرب تسميه الحياز لوفائه.
فتلاحيا وتواثبا حتى أدمى كلّ واحد منهما صاحبه، فخرج حاجب معاوية فرآهما على تلك الحال، فدخل فأخبر معاوية بذلك، فأمر بهما أن يدخلا عليه، فلما دخلا عليه، ساءلهما فانتسبا، فقال: عامر أخفر هوازن، وشيبان أفخر ربيعة، وقد كفاكم الله المؤونة، هذا عدي بن حاتم الطائي [2] ، وشريك بن الأعور الحارثي [3] يحكمان بينكما عندي، ثم قال للشيباني: من تعنّى [4] لعامر بن مالك؟ قال: أصم بني ربيعة، واسمه عمرو بن قيس، قال
__________
- بسطام بن قيس الشيباني، حبسه كسرى إلى أن مات. (معجم الشعراء ص 324، الأعلام 5/208) .
[1] هانىء بن قبيصة بن مسعود الشيباني: أحد الشجعان الفصحاء في أواخر العصر الجاهلي، وهو صاحب وقعة ذي قار.
(جمهرة الأنساب ص 305، البيان والتبيين 3/161) .
[2] عدي بن حاتم الطائي: أمير صحابي من الأجواد العقلاء، كان رئيس طيء في الجاهلية والإسلام، له في حروب الردة أعمال كبيرة، أسلم سنة 9 هـ، وشهد فتح العراق، سكن الكوفة وشهد الجمل وصفين مع علي بن أبي طالب، عاش أكثر من مئة سنة، وهو ابن حاتم الطائي الذي يضرب المثل بكرمه، توفي سنة 68 هـ.
(حسن الصحابة ص 38، الإصابة ت 5477، خزانة الأدب 1/139، الروض الأنف 2/343، امتاع الأسماع 1/509) .
[3] شريك بن الأعور الحارثي: كان بصحبة عبيد الله بن زياد حين قدم من البصرة إلى الكوفة لمقاتلة مسلم بن عقيل.
(الإصابة 6/445) .
[4] تعنّى: تكلف الأمر على مشقة.
(1/117)

معاوية [40 و] : ما تقولان؟ قال الحكمان: رجح الأصم على عامر.
قال معاوية: فمن تعنّى لعامر بن الطفيل؟ قال الشيباني: الحوفزان بن شريك [1] ، قال الحكمان: رجح الحوفزان، قال: فلمن تعنّى لعلقمة بن علاثة؟
قال الشيباني: بسطام بن قيس، قال الحكمان: رجح بسطام. قال معاوية:
فمن تعنّى لعتبة بن سنان؟ قال الشيباني: مفروق بن عمرو، قال الحكمان:
اعتدلا. قال معاوية: فمن تعنّى لطفيل بن مالك؟ قال الشيباني: عمران بن مرة، قال: الحكمان: رجح طفيل. قال: فمن تعنّى لمعاوية بن مالك؟ قال الشيباني: عوف بن النعمان، قال الحكمان: اعتدلا. قال: فمن تعنّى لعوف بن الأحوص؟ قال الشيباني: قبيصة بن مسعود، قال الحكمان: اعتدلا. قال:
فمن تعنّى لربيعة بن مالك؟ قال الشيباني: هانىء بن قبيصة، قال الحكمان:
رجح هانىء. قال: فمن تعنّى ليزيد بن الصّعق؟ قال الشيباني: سنان بن مفروق، قال الحكمان: اعتدلا. قال: فمن تعنّى لإربد بن قيس؟ قال الشيباني: الأسود بن شريد، قال الحكمان: رجح إربد. قال معاوية للشيباني:
فلم نسيت قيس بن مسعود؟ قال الشيباني: أصلحك الله، إنّ قيسا ليس في هذه الطبقة، فاتهم قيس مجدا وطولا، فقال معاوية للحكمين: ما تقولان؟ قالا:
كلا الحيين أنجاب كرام، ولكن لبكر حظهما بيوم ذي قار. [2]
[افتراء عثمان بن حيان]
الشعبي قال: لما استخلف سليمان بن عبد الملك [40 ظ] عزل عثمان ابن حيان [3] المري عن المدينة، وأغرمه مئة ألف درهم، ومحا اسمه من
__________
[1] الحوفزان: الحارث بن شريك بن عمرو الشيباني، فارس شاعر جاهلي من سادات بني شيبان، كان غزّاء من الجرارين، والجرار الذي يرأس ألفا من الفرسان، مدحه عبد الله بن عتمة الضبي.
(الاشتقاق ص 358، المحبر ص 250، طبقات الشعراء ص 334) .
[2] ذو قار: ماء لبكر بن وائل قريب من الكوفة، بينها وبين واسط، وحنو ذي قار على ليلة منه، وفيه الوقعة المشهورة بين بكر بن وائل والفرس. (معجم البلدان: ذو قار) .
[3] عثمان بن حيان المري: وال من الغزاة من أهل دمشق، استعمله الوليد الأموي على-
(1/118)

الديوان، غضبا عليه في شأن عمر بن عبد العزيز، فلما بعث سليمان في ذلك أرجف به [1] أهل المدينة، فبلغه، فصعد المنبر فتشهد ثم قال: يا أهل المدينة، قد بلغني قولكم، فلم يعزلني أمير المؤمنين، فو الله لأنا الكبير من الصغر، والصغير من الكبر، قال: ونزل فطرقه رسول العامل من الليل، فأوثقه، فقال والقيد يشدّ في رجله: [المديد]
لا يغرّنك عشاء صالح ... قد توافي بالمنيات السّحر
قال خالد، قلت للشعبي، لم غضب عليه سليمان في شأن عمر؟ [2] قال: بينما عمر عند الوليد بن عبد الملك، وعنده عبّاد بن زياد بن أبيه [3] ، إذ جاء كتاب عثمان بن حيان: «أما بعد، فأني أخبر أمير المؤمنين، أنّ عمر بن عبد العزيز، كان أوقع في قلوب أهل المدينة رأي الخوارج، وإني لم أزل أداري ذلك منهم، حتى سلمت صدورهم، وصحت نصيحتهم والسلام» ، فقال عباد بن زياد: يا أمير المؤمنين، صدق ابن حيان، إن الله خلط النصيحة لأمير المؤمنين بلحم ابن حيان ودمه، قال: فنظر عمر بن عبد العزيز إلى عبّاد، وقال للوليد: يا أمير المؤمنين، إن الله حمل مع نوح في السفينة من كل زوجين اثنين، إلا ولد الزنى، فإنه لم يكن فيمن حمل، قال: فغضب الوليد وقال:
والله ما تزال ترمي بالكلمة تسوؤني بها، مرة في الحجاج، ومرة في عبّاد، والله لقد [41 و] هممت بك، فقام عمر وقال: بم تخوفني، فو الله إنّ الله لمانعك من ظلمي، فأطرق الوليد، ولم تزل في نفس سليمان على ابن حيّان حتى صنع به ما صنع.
__________
- المدينة سنة 93 هـ، وكان في سيرته عنف، فعزله سليمان بن عبد الملك، توفي سنة 150 (2) هـ، (تهذيب التهذيب 7/113، خلاصة تهذيب الكمال 2 219) .
[1] أرجف: أرجف القوم خاضوا في الأخبار السيئة وذكر الفتن، والإرجاف: الخبر الكاذب المثير للفتن والاضطراب.
[2] عمر: هو عمر بن عبد العزيز الخليفة العادل، توفي سنة 101 هـ.
[3] عباد بن زياد بن أبيه: أمير، كانت إقامته بالبصرة، ولاه معاوية سجستان سنة 53 هـ، فغزا بلاد الهند وكان في الشام أيام عبد الملك بن مروان، توفي سنة 100 هـ.
(تهذيب التهذيب 5/93، ميزان الاعتدال 2/9، العقد الفريد 5/8) .
(1/119)

[رؤيا كعب بن ربيعة]
كعب الأسدي قال: كنا عند مروان بن الحكم وهو على المدينة، فذكر بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، فقال: إن كعبا ولد ستة [1] ، عقيلا وقشيرا وجعدة والحريش وعبد الله وحبيبا، وإنه أتي في المنام فقيل له: إنك قد كبرت سنّك، ورقّ عظمك، وحضر أجلك، فادع بنيك فمرهم فليتمنّوا ما أحبوا، فإنه لا يتمنى رجل منهم أمنية إلا أعطيها، فدعاهم فأخبرهم بما رأى، ثم قال لعقيل: تمنّه، فقال: أتمنى العدد والسّدد [2] ، قال: فليس في بني كعب بطن أعدّ ولا أكثر ولا أرمى من عقيل.
ثم دعا قشيرا فقال: تمنّه، فقال: أتمنى الجمال والبقاء، قال: فليس في بني كعب بطن أجمل نساء وأطول أعمارا من قشير. قال الكلبي: وعلامة ذلك أن مالكا ذا الرقيبة [3] بن سلمة بن قشير عاش حتى أدرك معاوية بن أبي سفيان، ومعه ألف ظعينة، كل واحدة تقول: يا أبتاه، ويا جداه، وعاش جدّه معاوية بن قشير دهرا حتى أدرك زمان أسد [4] بخراسان، قال الكلبي: ولقد رأيته شيخا كبيرا، وإن علامة ذلك في نسائهم أنه كانت منهم ضباعة بنت قرط [5] بن عامر بن سلمة بن قشير، وكانت من أجمل نساء العرب، فتزوجها هوذة بن علي الحنفي [6] [41 ظ] ، فمات عنها فخلف عليها عبد الله بن
__________
[1] جمهرة أنساب العرب ص 288.
[2] السدد والسداد: الاستقامة والقصد والصواب من القول والفعل.
[3] مالك ذو الرقيبة بن سلمة بن قشير، كان قد أسر حاجب بن زرارة يوم جبلة. (جمهرة أنساب العرب ص 289) .
[4] أسد: هو أسد بن عبد الله القسري، أمير من الأجواد الشجعان، ولي خراسان سنة 108 هـ، توفي سنة 120 هـ.
(ابن الأثير 5/79، الطبري 8/247، ابن خلدون 3/96) .
[5] ضباعة بنت قرط بن سلمة الخير: من بني قشير، شاعرة صحابية أسلمت بمكة، كانت من الشهيرات بالجمال في صباها، توفيت نحو سنة 10 هـ. (بلاغات النساء لابن أبي طاهر ص 178، الإصابة، كتاب النساء ص 670) .
[6] هوذة بن علي الحنفي: سبقت ترجمته.
(1/120)

جدعان [1] ، فطلقها فتزوجها هشام بن المغيرة [2] ، فولدت له سلمة بن هشام بن المغيرة، ثم دعا كعب بن جعدة فقال: تمنّه، فقال: أتمنى التمر واللبن، قال الكلبي: فهم أهل الفلج [3] أكثر أرض الله شاة ونخلة، ثم دعا الحريش فقال:
تمنّه، فقال: أتمنى النّعظ، قال: فهم أنكح الناس، وأنكح حيّ في بني كعب، ثم دعا عبد الله أبا بني العجلان، فقال: تمنّه، فقال: أتمنى الإبل، قال: فهم أكثر بني كعب إبلا، ثم دعا حبيبا فقال: تمنّه، فقال: أتمنى المحبّة من أخوتي، فكل بني كعب تصل بني حبيب وتبرّهم وتعطف عليهم. قال مروان بن الحكم: فأضحوا كما تمنّوا في قومهم.
[الفراعنة]
هشام بن محمد بن السائب الكلبي [4] عن أبيه، وعن الشرقي بن القطامي [5] ، قالا: كانت الفراعنة ثلاثة نفر، فاول: يقال له شنان الأشل بن
__________
[1] عبد الله بن جدعان التيمي القرشي: أحد الأجواد المشهورين في الجاهلية، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، أخباره كثيرة في الجود. (الأغاني في أجزاء متعددة، المحبر ص 137، خزانة الأدب 3/537) .
[2] هشام بن المغيرة المخزومي: من سادات العرب في الجاهلية، من أهل مكة، كان ممن شهد حرب الفجار رئيسا على بني مخزوم، لم يدرك الإسلام. (المحبر ص 139، 457، نسب قريش ص 300- 301، ثمار القلوب ص 238) .
[3] الفلج: مدينة بأرض اليمامة لبني جعدة وقشير وكعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وفلج: مدينة قيس بن عيلان بن مضر بن نزار، ويقال لها فلج الأفلاج، وكل ما يجري سيحا من عين فهو فلج، وكل جدول شقّ من عين على وجه الأرض فهو فلج.
(ياقوت: فلج) .
[4] هشام بن محمد بن السائب الكلبي: مؤرخ عالم بالأنساب وأخبار العرب وأيامها، له تصانيف كثيرة، من أهل الكوفة، وكذلك كان أبوه مؤرخا عالما بالأنساب والأيام، توفي هشام في الكوفة سنة 204 هـ.
(وفيات الأعيان 2/195- 196، معجم الأدباء 7/250- 254، الفهرست 1/95، نزهة الألباء ص 116) .
[5] الشرقي بن القطامي: الوليد بن حصين الملقب بالقطامي ابن حبيب الكلبي، عالم بالأدب والنسب من أهل الكوفة، استقدمه المنصور العباسي إلى بغداد ليعلم ابنه-
(1/121)

علوان بن العبيد بن عريج بن عمليق بن يلمع بن عابر بن اسليحا بن لوذ بن سام بن نوح صلى الله عليه وسلم، وهو فرعون إبراهيم عليه السلام.
والثاني: يقال له الريان بن الوليد بن ليث بن فاران بن عمرو بن عمليق ابن يلمع بن عابر بن اسليحا بن لوذ بن سام بن نوح صلى الله عليه وسلم، وهو فرعون يوسف النبي صلى الله عليه وسلم.
والثالث: يقال له الوليد بن صعب بن معاوية بن أهون بن الهلوات بن فاران بن عمرو بن عمليق بن يلمع بن عامر بن اسليحا بن لوذ بن سام بن نوح صلى الله عليه، ووهو صاحب موسى صلى الله عليه، وهو الذي [42 و] غرقه الله في البحر.
[النماردة]
قال علي بن الصباح: كنية فرعون موسى أبو العباس: قال: وكان النماردة [1] ستة نفر، فالأول: يقال له نمروذ كنعان بن حام بن نوح صلى الله عليه، وهو أحد الذين ملكوا الدنيا، والثاني: يقال له نمروذ بن كوش بن حام بن نوح صلى الله عليه، وهو صاحب النسور التي طارت به في التابوت، وأمه قرتين بنت مأرب بن الدر مسيل بن محويل بن أخنخ، وهو خنوخ، وهو إدريس النبيّ صلى الله عليه. والثالث: يقال له نمروذ بن ماس بن سام بن نوح عليه السلام. والرابع: نمروذ بن سنحاريب بن نمروذ [2] بن كوش بن حام بن نوح صلى الله عليه وسلم. والخامس: يقال له نمروذ بن ساروخ بن أراغوا بن فالغ بن عابر [3] بن ارفخشد بن سام بن نوح صلى الله عليه وسلم. والسادس:
__________
- المهدي الأدب، توفي سنة 155 هـ.
(نزهة الألباء ص 42، تاريخ بغداد 9/278، المعارف ص 234، اللباب 2/17) .
[1] نمروذ (بالذال) المعجمة: من الجبابرة، وجاءت في القاموس نمرود (بالدال) المهملة، وجاءت في المزهر بالوجهين.
[2] في طبقات ابن سعد: نمروذ بن كوش بن كنعانين حام بن نوح. (الطبقات 1/37) .
[3] في الطبقات: يقطن بن عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح، وفي الطبقات:
فالغ وهو فالخ.
(1/122)

يقال له نمروذ بن كنعان بن المضاض بن يقطن بن عابر بن ارفخشد بن سام ابن نوح عليه السلام، فهم ستة نفر، ثلاثة من ولد حام، وثلاثة من ولد سام.
[كنائن نوح]
على بن الصباح قال: حدثنا أبو المنذر هشام بن محمد قال: حدثني أبي الكلبي أن أسماء كنائن [1] نوح صلى الله عليه [2] ، قال: اسم امرأة سام بن نوح عليه السلام محلث نجو [42 ظ] ، واسم امرأة حام أدنف نشا، واسم امرأة يافث زدقث نبث [3] .
[النهي عن حبس الحمام]
قال هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ لله من كل شيء صفوة، وإنّ صفوته من الطير الحمام، فلا تحبسوها) [4] .
[أقوال مأثورة]
خليفة بن حزوة قال: حدثني أبو مروان قال: سمعت مروان بن محمد السنجاري يقول: كنا عند سفيان بن عيينة [5] ، فحدث بحديث، فقال له رجل يا أبا محمد، إن مالكا [6] يخالفك في هذا الحديث، فأطرق مليا، ثم رفع رأسه وهو يقول [7] [البسيط]
__________
[1] كنائن: جمع كنّة، وهي امرأة الابن أو الأخ.
[2] في الأصل عبارة مقحمة فيها: (إذا كتب في زوايا برج حمام نمت الفراخ وسلمت من الآفات، قال هشام: قد جربته أنا وغيري فوجدته كما قال أبي) .
[3] الكلمة غير معجمة وأعجمناها تقديرا.
[4] لم أجد هذا الحديث في كتب الحديث المعتمدة.
[5] سفيان بن عيينة بن ميمون الهلالي: أبو محمد، محدث الحرم المكي، من الموالي، ولد بالكوفة وسكن مكة، كان حافظا ثقة، واسع العلم، كبير القدر، له (الجامع) في الحديث، وكتاب في (التفسير) توفي سنة 198 هـ.
(صفة الصفوة 2/130، تذكرة الحفاظ 1/242، حلية الأولياء 7/270) .
[6] مالك: هو الصحابي مالك بن أنس، سبقت ترجمته.
[7] البيت لجرير في ديوانه ص 352 من قصيدة، والمنتخل للميكالي 2/590.-
(1/123)

وابن اللبون إذا ما لزّ في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
ثم قال: إنما أنا ابن لبون إلى مالك.
قال: ودخل إلى يحيى بن خالد [1] رجل فقال يحيى للرجل: أنت أقل من الوفاء فقال الرجل: أنا أكثر من الطمع.
[علل البرامكة]
قال: كان الفضل بن يحيى [2] بن خالد بن برمك منتن الطّفّة [3] ، فكان إذا جامع المرأة وجدت في البيت رائحة كرائحة البيت المصلّ [4] ، فجهد يحيى بسلطانه وتطببه إن يزيل تلك الرائحة، فلم يقدر على ذلك، وأصاب ابنه جعفرا. [5] برص في مراقه [6] ، تحت سرّته وفي شفتيه السفلى من داخل، فعالجه أبوه بضروب العلاج، فذهب الذي في شفته، وبقي الذي في بطنه،
__________
- ابن اللبون: من لا يعرف أباه، البزل: الإبل الشديدة. القناعيس: الشديدة المنع.
لزّ: ضيّق عليه.
[1] يحيى بن خالد البرمكي: معلم الرشيد ومربيه وصاحب خاتمه بعد الخلافة، وهو والد جعفر والفضل، توفي سنة 190 هـ.
(وفيات الأعيان 2/243، معجم الأدباء 7/272، البداية والنهاية 10/204، تاريخ بغداد 14/128) .
[2] الفضل بن يحيى البرمكي: وزير الرشيد وأخوه في الرضاع، كان من أجود الناس، استوزره الرشيد، ثم ولاه خراسان فحسنت سيرته، سجنه الرشيد مع أبيه واستصفى أموالهما في النكبة، توفي سنة 193 هـ.
(وفيات الأعيان 1/408، تاريخ بغداد 12/334، ابن الأثير 6/69) .
[3] الطفة: كذا بالأصل، ولعلها: الطفطفة وهي الخاصرة أو أطراف الجنب المتصلة بالأضلاع، أو كل لحم مضطرب، أو الرخص من مراق البطن، الجمع طفاطف.
(القاموس المحيط: طفف) .
[4] المصل: الذي يسيل من جسمه سائل، مصل الجرح: سال منه شيء يسير.
[5] جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي: وزير الرشيد، وكان يدعوه أخي، فانقادت له الدولة، إلى أن نقم الرشيد على البرامكة فقتله سنة 187 هـ.
(الطبري حوادث سنة 187 هـ، البيان والتبيين 1/58، تاريخ بغداد 7/152) .
[6] مراق البطن: ما رق منه ولان في أسافله ونحوها.
(1/124)

فلما أعياه العلاج قال لشيخ من مشايخ متطببي الروم: ويحك قد أعيانا داء هذا الفتى، فقال: [43 و] أمّا كلّ علاج يعالج به مثله فقد عالجناه به، ونحن نجد في بعض كتب النبوة أنه لا يصيب هذا أحدا فلا يقلع عنه إلا بذنب، ومن ذلك العقوق، فدعاه أبوه فقال: ما تسمع ما يقول فلان؟ فبكى وقال:
لئن كان ذلك كذلك، لقد عققتك، وسعيت في سفك دمك، أتذكر ما وقفك عليه الرشيد في باب كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: فأنا كنت سببه، حتّى عدّ له أشياء في ذلك الباب، فكان ذلك الداء به حتى قتل.
[مثل في الوفاء]
قال: كان رجل ممن يبيع حليّ الصبيان المعمول من الطين، قال: فأوي يوما إلى في [1] قصر الفضل بن يحيى، وغلبته عيناه فنام، وخرج الفضل بن يحيى راجلا بين يديه، وخلفه الخدم يريد بعض منازلهم، فلما قربوا من الرجل صاحوا به، فوثب مذعورا، وتناول ما كان بين يديه فسقط لفرعه [2] فزجرهم الفضل عنه، ووقف عليه فقال: ما هذا معك؟ فقال: حليّ الصبيان أعمله من الطين يشتري منه الصبي بالكسرة والفلس وما أشبه ذلك، قال:
أفيأتيك منه قوت؟ قال فقال: ربّما أتى، وربّما قصّر، قال: احملوا ما معه، قال: فحمل ودخل إلى جواربه، فلما رأينه استبشرن وجعلن يضحكن، قال فقال: من منكن تريد منه شيئا، قال: فابتدرن كلهنّ، فقال: لا، من أخذت منه شيئا فلتضع مكانه من حليها مثله، فابتدرن إلى ذلك توخيا لموافقته، ثم قال: احملوه إليه، إلى الرجل، فأخذ ما لا يعرف [43 ظ] له قيمة كبيرة، فلم يزل من مياسير أهل زمانه، حتى بلي البرامكة، فلما بلوا جاء فاتخذ دكانا فأقام [3] بازاء حبسهم، فلم يزل مقيما فيه ينفق عليهم حتى أنفد ما كان معه.
[مختارات شعرية]
وأنشد: [البسيط]
__________
[1] الفيء: الظل بعد الزوال ينبسط شرقا.
[2] الفرع: الطول، أي سقط من طوله.
[3] في الأصل: (فاتخذ دكان فامي) وهو تحريف.
(1/125)

من كان يعجبه في صحن عارضه ... مسك يطيّب منه الريح والنّسما [1]
فأنّ مسكى مداد فوق أنملتى ... إذا الأصابع منّي مسّت القلما
سلم الخاسر [2] في موسى الهادي: [3] [الرجز على جزء واحد]
موسى المطر ... غيث بكر
ثم انهمر ... ألوى المرر
كم اقتسر [4] ... وكم قدر
ثم غفر ... عدل السير
فرع مضر ... بدر بدرلمن نظر
هو الوزر ... لمن حضر
والمتفخر ... لمن غبر
يحيى بن علي المنجم [5] في المعتضد: [الرجز على جزء واحد]
طيف ألم ... بذي سلم
من الخيم ... جاد بفم
تشفي السّقم ... لمن لثم
وملتزم ... إذا يضم
داوى الألم ... فلم أنم
شوقا وغم ... أحمد لم
كلّ الثلم ... حمى الحرم
فلم يرم
__________
[1] العارض: صفحة الخد، وصفحة العنق.
[2] سلم الخاسر: سلم بن عمرو بن حماد، شاعر خليع ماجن من أهل البصرة، من الموالي، سكن بغداد، له مدائح في المهدي والرشيد، وأخبار مع بشار وأبي العتاهية، سمي الخاسر لأنه باع مصحفا واشترى بثمنه طنبورا، توفي سنة 186 هـ.
(وفيات الأعيان 1/198، تاريخ بغداد 9/136) .
[3] الرجز في العمدة 1/160، وفي (شعراء عباسون) جمع غوستاف غرنباوم ص 99.
[4] في شعراء عباسيون: (ثم اعتسر) ، وبعدها: (ثم اتّسر) .
[5] يحيى بن علي المنجم: نديم أديب متكلم من فضلاء المعتزلة، نادم الموفق بالله العباسي وخلفاء آخرين، آخرهم المكتفي، له كتب منها: كتاب (النغم) و (الباهر) ، في أخبار الشعراء من مخضرمي الدولتين العباسية والأموية، وآل المنجم من بيوت العلم بالعراق، توفي سنة 300 هـ.
(وفيات الأعيان 2/235، معجم الأدباء 7/287، تاريخ بغداد 14/230) .
(1/126)

حجت عتبة [1] فحجّ أبو العتاهية للنظر إليها لا للحجّ، فاعترض لها بين الصفا والمروة، وقال: [2]
أيا قمر الموسم ... بالله لا تظلمي
أللحج جئت أم ... جئت تجري دمي
فلم تحببه، فقال: [3] [البسيط]
إني مررت بكمّون بمزرعة ... وبالأمانيّ تحيي كلّ كمّون
[44 و]
[هند بنت أسماء بن خارجة]
كانت أم بشر بن مروان، أخي عبد الملك بن مروان قطبة [4] ابنة بشر بن عامر بن مالك ملاعب الأسنة، وأمّ عبد الملك بن بشر بن مروان هند ابنة أسماء بن خارجة [5] الفزاري، وكانت قبل بشر تحت عبيد الله بن زياد، وكان أبا عذرتها، فولدت غلاما وجارية، ثم صارت إلى بشر، فلما حملت عبد الملك قالت لبشر: ما حملت حملا أثقل من حملي هذا، قال: إنك والله ما حملت عربيا قبله، إنما كنت تحملينهم (......) [6] كأنهم الريش، ثم تزوجها الحجاج بن يوسف، فلما خطبت بعده قالت: لا أتزوج إلا من لا ترد قضاياه، ولا تودى قتلاه.
__________
[1] عتبة: جارية المهدي العباسي، كان يتعشقها أبو العتاهية، أخبارها مع أبي العتاهية في الأغاني 3/249- 251، وأجزاء أخرى ينظر فهرسته.
[2] لم أجد الشعر في ديوان أبي العتاهية، ط دار الكتاب العربي بيروت 1995.
[3] ليس الشعر في ديوانه.
[4] تهذيب تاريخ ابن عساكر ص 251.
[5] أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة الفزتري: تابعي من أهل الكوفة، كان جوادا مقدما عند الخلفاء، كان سيد قومه، توفي سنة 66 هـ.
(ابن الأثير حوادث سنة 66 هـ، النجوم الزاهرة 1/179، فوات الوفيات 1/11، تاريخ الإسلام 2/372) .
[6] الكلمة في الأصل غير معجمة (ميليانين) ولم أتبين وجهها.
(1/127)

[حكمة مروان بن محمد]
قال عمرو بن سعيد [1] الأموي: كنت عند مروان بن محمد، فأتاه آذنه فقال: هذا عبد الرحمن بن عطية الثعلبي، قال: ائذن له، فدخل عليه، فلما كان على طرف البساط تكلم، فملأ سرورا، ثم قال: ائذن لي يا أمير المؤمنين فأدنو منك فأقبّل يدك، فأعرض عنه، ثم أقبل عليه فقال: قد عرف أمير المؤمنين موضعك في قومك، وفضلك في نفسك، وإنما القبلة من المسلم ذلّة، ومن الذميّ خديعة، ولا حاجة لك أن تذلّ ولا تخدع، ثم أشار له إلى المجلس فجلس فيه.
[ثميرة والقميص]
قال أبو الجراح العقيلي: كان عندنا أخوان في الحي، يقال لأحدهما ثميرة، وكان قصيرا، وكان الآخر جسيما، وكان للجسيم قميص يصونه، لا يلبسه إلا في الأعياد وإذا غشي السلطان، وربما [44 ظ] استعارة الحيّ في ولائمهم ونوائبهم، فجعل ثميرة يخالف إليه فيلبسه وينتطق عليه بعقال، ويأتي النساء فيتحدث إليهنّ فيه، فلم يشعر أخوه بالقميص حتى أخلق وتقطّع، فلام امرأته وسألها عنه، فأخبرتة بقصة القميص، وبخبر لبس ثميرة له، فقال:
[الطويل]
ألهفي لثوب ظلّ يسحب فضله ... ثميرة حينا والأمور تضيع
يشدّ عليه بالتنطّق بعد ما ... تغمده فرع اليدين وسيع
عليّ إذا تيّمت قلب خريدة ... ثمانون بدنا نحرهنّ جميع
[2]
__________
[1] قلت: في هذه الرواة إشكال وخطأ، لأن عمرو بن سعيد الأموي المعروف بالأشدق ولد سنة 3 هـ، وتوفي سنة 70 هـ، ومروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين ولد سنة 132 هـ وتوفي سنة 132 هـ، أي عند ما توفي عمرو بن سعيد كان عمر مروان سنة واحدة، وقد يكون عمرو بن سعيد شخصا آخر.
[2] الخريدة: اللؤلؤة لم تثقب، وكل عذراء خريدة، والحيية من النساء.
البدن: جمع البدنة، ناقة أو بقرة تنحر بمكة قربانا، وكانوا يسمنونها.
(1/128)

فرفع ثميرة وأخوه إلى وال في قتل، فقتل أخاه وأطلقه احتقارا له، فلما أجنّه الليل، عمد إلى السيف الذي قتل به أخاه فتيمّم به الوالي، وهو يقول [الكامل]
لله درّك ما أردت لثائر ... حرّان ليس عن التراب براقد
أحقدتم ثم اضطجعت ولم تنم ... أسفا عليك وأين نوم الحاقد
فقال له الوالي: ويلك يا ثميرة، اقتل أخي كما قتلت أخاك واستبقني، فقال: كلا والله إنك قتلت أخي استكبارا، وتركتني احتقارا. ثم قتله، وانصرف إلى أهله، فخطبه النساء ورغبن فيه، فقال: لا أفعل حتى أفي بنذر أخي، فمضى إلى عبد الله بن جعفر [1] ، فقصده حتى نحر ثمانين بدنة.
[قضاء ابن بيض]
نازع هشام بن عبد الملك [2] مسلمة بن عبد الملك [3] في بيت من الشعر، فقال له مسلمة [45 و] : بيني وبينك ابن بيض، قال: وأين هو؟ قال:
بالباب، قال: فادخلوه، وأنشد البيت، وأخبر بقولهما، فقال: من يقول بقولك يا أمير المؤمنين أكثر ممن يقول بقوله، فقال: قضى لي وربّ الكعبة، فقال مسلمة: بل قضى لي ورب الكعبة، فقال هشام: وكيف؟ قال يزعم أنّ الجهّال أكثر من العلماء، فقال: أكذلك يا ابن بيض؟ قال: كذاك قال مسلمة.
__________
[1] عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي: صحابي، ولد بأرض الحبشة لما هاجر أبوه إليها، كان كريما يسمى (بحر الجود) ، وللشعراء فيه مدائح، وكان أحد الأمراء في جيش علي يوم (صفين) توفي بالمدينة سنة 80 هـ.
(الإصابة ت 4582، فوات الوفيات 1/209، ذيل المذيل ص 32) .
[2] هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم: من خلفاء الأمويين، كان حسن السياسة، يباشر الأمور بنفسه، توفي سنة 125 هـ. (الطبري 8/284، ابن الأثير 5/96، ابن خلدون 3/80- 130) .
[3] مسلمة بن عبد الملك بن مروان بن الحكم: أمير من بني أمية بدمشق، له فتوحات مشهورة، توفي بالشام سنة 120 هـ (نسب قريش ص 165، دول الإسلام 1/62، تهذيب التهذيب 10/144) .
(1/129)

[أبو السائب والماشطة]
دخل أبو السائب [1] على امرأته وهي تمشط، فجلس قريبا منها، فتمثلت الماشطة بهذا البيت: [الطويل]
لم أر مثل الليل لم يعطه الرشا ... ذوو الحاج حتى يصبح الليل راضيا
فقال لامرأته: أنت طلاق إن لم تعطيها كلّ شىء تملكينه من المال، فلم تملك إلا درهمين، فدفعتهما إليها.
[سعيد بن العاص ومعاوية]
قدم سعيد بن العاص [2] على معاوية، ولم يكن شهد صفين، فقال له معاوية: يا أبا عثمان، غبت عنّا، وإنما طلبنا بدم ابن عمك، قال: يا أمير المؤمنين، قد غبت عنك واكتفيت، ولو دعوت لأجبت، ولو ثلمت لرقعت، قال: كيف تركت مروان؟ وكان عامله على المدينة، قال: سامعا مطيعا، قد كفاك ما قبله، قال: أما سامع مطيع فنصب عيني، وأما كفاني ما قبله وأنا كفيته ذاك، وإنما مثله مثل آكل خبزة قد خبزها غيره. قال: يا أمير المؤمنين، لا تقل هذا، فأني خلّفت قوما لا يحلّ لهم السيف، ولا يجمل بهم [45 ظ] السوط، يتهادون من الكلام مثل قلاع الصخر، دلو لك ودلو عليك، قال: فما الذي باعد بينك وبين مروان؟ قال: خافني على شرفه، وخفته على مثل ذلك، وإني لأحبّ أن ينال منه، فاذا كان ذلك غضب له، وإني لأسوؤه شاهدا،
__________
[1] أبو السائب: عتبة بن عبيد الله بن موسى الهمذاني، قاض من أهل همدان، تفقه على مذهب الشافعي، كان قاضي القضاة ببغداد سنة 338 هـ، توفي سنة 350 هـ.
(طبقات السبكي 2/244، تاريخ بغداد 12/320، شذرات الذهب 3/5) .
[2] سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية: صحابي من الأمراء الولاة الفاتحين، ربي في حجر عمر بن الخطاب، ولاه عثمان الكوفة وهو شاب، ثم ولاه معاوية المدينة، وهو فاتح طبرستان، وأحد الذين كتبوا المصحف لعثمان، اعتزل فتنة الجمل وصفين، كان قويا فيه تجبر وشدة، سخيا فصيحا، توفي سنة 59 هـ.
(طبقات ابن سعد 5/19، الإصابة ت 3261، تهذيب ابن عساكر 6/131- 145) .
(1/130)

وأسرّه غائبا، فأقبل معاوية على من كان عنده من الأشراف [من] أهل الشام، فقال: هكذا كلام قومي.
[علي بن أبي طالب سيد العرب]
عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة ادعي لي سيد العرب، قالت يا رسول الله، أو لست سيد العرب؟ قال: أنا سيد ولد آدم، وعليّ سيد العرب) [1]
[قتل الحبيبة ضنا بها]
قال أعرابي وخطب ابنة عم له، ووعده أبوها أن يزوجه إياها وقال:
اذهب فاكسب مالا لأزوجكما، فغاب الأعرابي في طلب الرزق ثم انصرف فوجدها قد تزوجت، ووافق قدومه ليلة أراد زوجها أن يبتني بها، فختلها فضربها بالسيف فقتلها، وقال: [الطويل]
لعمرك ما جللتها السيف عن قلى ... ولا شنآن في الفؤاد ولا غمر [2]
ولكن أنفنا أن ترى أمّ سالم ... عروسا تمشّى الخيزلى في بني عمرو [3]
[أشعار مختارة]
وقال مكي سوادة وكان رجل من أهل البصرة يبرّد الماء ويسقيه أصحابه، يسمى سهلا: [الطويل]
وما نطفة زرقاء في مشمخرّها ... بأطيب من ماء يجىء به سهل [4]
تراه إذا ما صبّ في الصحن صافيا ... يسيل كما ينسلّ من غمده النصل
[46 و]
__________
[1] كنز العمال 33006، 36448، لسان الميزان 4/826، مستدرك الحاكم 3/124، المعجم الكبير للطبراني 3/90.
[2] الشنآن: البغض والتجنب. القلى: الهجر والبغض. الغمر: الغل والحقد.
[3] الخيزلى: مشية فيها تثاقل وتبختر.
[4] المشمخر الشديد الارتفاع.
(1/131)

كان روح بن حاتم [1] إذا أنشد هذا البيت: [2] [الطويل]
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم شعث يبتن خمائصا [3]
يقول: هذا رأي الجماعة اليوم.
أبو العتاهية: [4] [الطويل]
أخلاي بي شجو وليس بكم شجو ... وكل امرئ عن شجو صاحبه خلو
ولا حسن نأتي به تقتلونه ... ولا إن أسأنا كان عندكم عفو [5]
وما من محبّ نال ممّن يحبّه ... هوى صادقا إلا سيدخله زهو
رأيت الهوى جمر الغضا غير أنّه ... على حرّه في صدر صاحبه خلو [6]
الوزير أبو القاسم قال: أنشدني الوزير أبو الفضل ابن الفرات [7] رضي الله عنه: [الوافر]
أئن ناصى سواد الرأس شيب ... فزعت إلى التعلّل بالخضاب
فكنت كمن أناف على عذاب ... ففرّ من العذاب إلى العذاب
__________
[1] روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب الأزدي: أمير من الأجواد الممدوحين، كان حاجبا للمنصور العباسي، ولي عدة ولايات في السند والكوفة وفلسطين والقيروان، كان موصوفا بالعلم والشجاعة والحزم، توفي سنة 174 هـ.
(وفيات الأعيان 1/188، البيان المغرب 1/84، تهذيب ابن عساكر 5/336) .
[2] البيت للأعشى في ديوانه (الصبح المنير) ص 109 من قصيدة، وفي الأغاني 9/142 يهجو علقمة بن علاثة، ولما سمع علقمة هذا البيت قال: لعنه الله إن كان كاذبا، أنحن نفعل هذا بجاراتنا.
[3] في الديوان: (وجاراتكم جوعى يبتن خمائصا) .
في الأغاني: (وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا) .
[4] الأبيات لأبي العتاهية في ديوانه ص 430.
[5] لم يرد هذا البيت في الديوان.
[6] في الديوان: (على كل حال عند صاحبه حلو) .
[7] قلت: ليس هذا الوزير ابن الفرات علي بن محمد بن موسى أبا القاسم المتوفى سنة 312 هـ، وإنما هو رجل آخر لم أقف على ترجمته، لأن الوزير أبا القاسم المغربي الذي يروي عنه توفي سنة 418 هـ. فلا يمكن أن يروي عن رجل بينهما مائة سنة.
(1/132)

[من الأجوبة المسكتة]
قال أبو هفّان: رأيت مروان بن أبي الجنوب [1] وهو يقول للحسن بن شهريار الكاتب: بلغني أنك تنيك غلامك هذا بالليل، فقال له الحسن: وأنا بلغني أن غلامك هذا ينيكك بالنهار، فأسكته
[أجساد الصالحين]
في كتاب الموفق بالله إلى أهل الأمصار بخبر تل بني شقيق، كتبه الأصبهاني الكاتب: «الحمد لله مقيم أعلام الحجّة، مبين آثار القدرة، محدث بدائع الصنعة، قاهر الأمور بالعز [46 ظ] والغلبة، مالك تقلبها وتدبيرها بالحكمة، محيي النفوس بعد إماتتها، وممضي الأمور في حالتي ابتدائها وإعادتها، إن الخبر ورد علينا، وكتب عمالنا، وصاحب بريدنا بكور كسكر [2] أنّ تلا يعرف بتل بني شقيق، انفرج عن سبع حفر، فيها أبدان ناس وجدت غضّة طريّة كأبدان الأحياء، عليها أكفان بيض جدد لينة، لها أهداب وروائحها كروائح المسك، والسبعة أبدان على هيئة واحدة، ومنهم شاب شعراني رأي رجل من أهل الناحية في منامه يقول له: قل لهذا العامل: أنا ابن خالد بن الوليد، فليكشف عني لينظر الناس من أمري إلى عجب، فصار إلى العامل فأخبره، فأمر بكشف وجهه وبدنه للناس، فوجدت جبهته صحيحة، وكذلك أذناه، ومسّ خداه فإذا هما ألين من خدود الأحياء، وأكثر لحما، ووجد أنفه صحيحا، وكذلك منخراه وشفتاه وذقنه وحنكه، وهو أسمر اللون كأنه في هيئة
__________
[1] مروان بن أبي الجنوب: وأبو الجنوب كنية أبيه يحيى بن مروان، وال من الشعراء، اتصل بالمتوكل، وقلده اليمامة والبحرين وطريق مكة، توفي سنة 240 هـ. (معجم الشعراء ص 399، وفيات الأعيان 2/90- 91) .
[2] كسكر: كورة واسعة ينسب إليها الفراريج الكسكرية لأنها تكثر بها جدا، وقصبتها اليوم واسط، القصبة التي بين الكوفة والبصرة، وكانت قصبتها قبل أن يمصر الحجاج واسطا خسرو سابور.
(ياقوت: كسكر) .
(1/133)

من قد خطّ شاربه وابتدت عنفقته [1] ، وفي ذقنه سواد، ورأى الراؤون على شفته بللا كأنه إنسان قد شرب ماء أو تكلم فابتلت شفتاه [2] ، ورأوا شحمة أذنيه كما هي لم يذب منهما قليل ولا كثير، وأشفار عينيه صحيحة، وكأنما قد كحل بكحل أشدّ سوادا من المداد، وفي خاصرته قرينة من الأضلاع. فردّ عليه الكفن، وغطّي وجهه.
وكثر الناس عليه من النواحي، فمن مريض يبرأ [47 و] وسقيم يشفى، وزمن [3] يعافى فأمر العامل ببناء قبّة عليه، فلم يتهيّأ للفعلة العمل في بنائها لكثرة الناس واتصال البكاء.
[في الإنجيل]
كردوس بن هانئ التغلبي قال: كنت أجد في الإنجيل وكنت أقرأه: أن الله ليصيب العبد بالأمر الذي يكرهه، وأنه ليحبّه لينظر كيف تضرعه إليه.
[قصة مثل]
عن أبي عبيدة [4] قال: سئل يونس [5] يوما عن المثل: (مجير أم عامر) [6] [7]
__________
[1] العنفقة: شعيرات بين الشفة السفلى والذقن لخفة شعرها، والجمع عنافق.
[2] في حاشية الأصل وبخط أحدث: (كتب بخط الوزير أبي القاسم المغربي في الحاشية عند هذا الخبر: صحيح) .
[3] الزمن: الذي مرض مرضا يدوم زمنا طويلا، فهو زمن وزمين.
[4] أبو عبيدة معمر بن المثنى. شبقت ترجمته.
[5] يونس: هو يونس بن حبيب الضبي بالولاء، ويعرف بالنحوي، عالم بالأدب، كان إمام نحاة البصرة في عصره، أخذ عنه سيبويه والكسائي والفراء وغيرهم، كانت له حلقة في البصرة يحضرها أهل الأدب والفصاحة، له من الكتب: (معاني القرآن) ، و (اللغات) ، و (النوادر) ، و (الأمثال) ، توفي سنة 182 هـ، (نزهة الألباب ص 59، المزهر 2/231، معجم الأدباء 7/310) .
[6] المثل: (كمجير أم عامر) يضرب للذي يحسن فيكافأ بالإساءة، وأم عامر: الضبع، ينظر: مجمع الأمثال 2/144، المستقصى 2/232.
[7] في هامش الأصل: (من ها هنا أمالي أبي العباس التميمي) .
(1/134)

فقال: خرج فتيان من العرب للصيد، فأثاروا ضبعا، فانفلتت منهم ودخلت خباء بعض العرب، فخرج إليهم فقال: والله لا تصلون إليها وقد استجارت بي، فخلوا بينه وبينها، فعمد إلى خبز ولبن وسمن فثرده وقربه إليها، فأكلت حتى شبعت، وتمددت في جانب الخباء، وغلب الأعرابي النوم، فلما استثقل وثبت عليه فقرضت حلقه، وبقرت بطنه، فأكلت حشوته، وخرجت تسعى [1] ، وجاء أخ للأعرابي [2] ، فلما نظر إليه أنشأ يقول: [3] [الطويل]
ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاق الذي لاقى مجير أم عامر [4]
أعدّ لها حين استجارت ببيته ... قراها من البان اللقاح البهازر [5]
فأشبعها حتى إذا ما تملأت ... فرته بأنياب لها وأظافر [6]
فقل لذوي المعروف هذا جزاء من ... يجود بمعروف على غير شاكر [7]
[أسماء السماء]
(وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ)
[8] ، قال أبو عمرو بن العلاء [9] : هو الحسن بلغة أهل اليمن [10] [47 ظ] همدان، وأعضاد السماء نواحيها، وقوس قزح هي
__________
[1] في هذا النص تفصيل أكثر مما في كتب الأمثال.
[2] في الأصل: (للآبي) والكلمة ناقصة، وأصلها: الأعرابي.
وفي المستقصى: (وأخذ ابن عم له قوسه وكنانته، فلم يزل في طلبها حتى قتلها، وأنشأ يقول: ... الأبيات.
[3] الأبيات في المستقصى 2/233، والبيت الأول في البيان والتبيين 2/109.
[4] في المستقصى: (يجازي الذي لاقى) .
[5] في الأصل: (اللقاح البهاذر) بالذال، والصواب البهازر: الإبل والنخيل العظام المواقير، الواحدة بهزرة: الناقة العظيمة الجسيمة الضخمة الصفية. (اللسان: بهزر) .
وفي المستقصى: (ألبان اللقاح الدرائر) ، أي التي تدر اللبن.
[6] في المستقصى: (فأسمنها حتى إذا ما تكاملت) .
[7] في المستقصى: (بدا يصنع المعروف مع غير شاكر) .
[8] الذاريات 7.
[9] أبو عمرو بن العلاء: سبقت ترجمته.
[10] في اللسان: وحبك السماء طرائقها، وفي التنزيل: (وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ)
يعني طرائق-
(1/135)

النّدأة [1] وهي قوس الله، وهي قوس المزن، وظهر السماء ما ظهر منها على الأرض، وبطنها ما واجه السماء الثانية، وبلغ فلان كبد السماء وكس السماء، والجوبة [2] من السماء، المكان لا غيم فيه وقد أحاط به الغيم، ويقال للسماء: الجرباء [3] والجرداء.
وقد روى بعض رقعاء أهل اللغة أسماء للسموات لم نر التكثير بذكرها من لغة العبرانية. والجارية: اسم الشمس، والعبّ [4] حف ضوئها وحسنها، والهلهل [5] : الذي يتطاير في حيال الشمس، وزهرته الشمس لوّحته.
وأنشد: [الرمل]
وإذا ما أقبلت من خدرها ... أو تبدّت لك من دون وجاح [6]
قلت أزميم بدا من أفقه ... لاح في المشكاة أو قرن براح [7]
__________
- النجوم، واحدتها حبيكة، قال الفراء في قوله: (وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ)
قال: تكسر كل شيء كالرملة إذا مرت عليها الريح الساكنة، والماء القائم إذا مرت به الريح، والدرع من الحديد لها حبك أيضا، وروي عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ)
. الخلق الحسن، قال أبو إسحاق: وأهل اللغة يقولون: ذات الطرائق الحسنة.
(اللسان: حبك) .
[1] الندأة: الحمرة تكون حول الشمس في غروبها أو طلوعها.
[2] الجوبة: الفرجة في السحاب وفي الجبال، وكل منفتق متسع من الأرض بلا بناء.
[3] الجرباء: السماء أو الناحية التي يدور فيها فلك الشمس والقمر، والأرض المقحوطة.
(القاموي المحيط: جرب) .
[4] عبّ الشمس، ويخفف: ضوؤها.
[5] الهلهل: الخفيف الرقيق الذي يتطاير.
[6] الوجاح: الستر.
[7] الإزميم: الهلال آخر الشهر، وليلة من ليالي المحاق. (القاموس: زمم) .
وفي هامش الأصل: (الإميم: الهلال) .
قرن براح: وبراح من أسماء الشمس، براح مثل قطام اسم للشمس، يقال: دلكت براح: غابت الشمس.
(الصحاح وأساس البلاغة: برح) .
(1/136)

والنحر: [1] الهلال، قال الوزير عرفه أبو الحسن أعزّه الله، والعسقلان [2] : القمر، والطوس: الهلال [3] ، والجلم: الهلال [4] ، وفي أيمانهم: لا والقمر الطاحي، وهي المنبسط الضوء.
يونس النحوي [5] : الواحد من بنات نعش [6] ابن نعش. وقال الراعي:
[7] [البسيط]
وشربة من شراب غير ذي نفس ... في كوكب في شهور الصيف وهّاج [8]
سقيتها صاديا تهوي مسامعه ... قد ظنّ أن ليس من أصحابه ناج [48 و]
مثل الدوي [9] . الطرمساء والطرفساء [10] واحد، وما في السماء طحرية وطهلية [11] .
[من أسماء الأشهر]
قال المفضل: قرأت في كتاب الحلف بين اليمن وربيعة وتبّع، وكنت في
__________
[1] لم أجد هذا التعريف في المعجمات، ولكن المراد هو أول الشهر أو آخره، ففي اللسان: نحر النهار. أوله، ونحور الشهور: أوائلها، والنحيرة: أول يوم من الشهر، ويقال لآخر ليلة من الشهر نحيرة، لأنها تنحر الهلال. (اللسان: نحر) .
[2] لم أجد العسقلان بمعنى القمر، وفي المعاجم: الغاسق، القمر أول الليل إذا غاب الشفق.
[3] الطوس: القمر. (الصحاح والقاموس: طوس)
[4] الجلم: الهلال. (القاموس: جلم)
[5] يونس النحوي: هو يونس بن حبيب، سبقت ترجمته.
[6] بنات نعش: سبعة كواكب تشاهد جهة القطب الشمالي، شبهت بحملة النعش.
[7] البيتان للراعي في ديوانه ص 31 من قصيدة.
[8] في الديوان: (في كوكب من نجوم القيظ وهاج) .
[9] الدوى: المرض والسل، وداء باطن في الصدر.
[10] الطرمساء والطرفساء: الظلمة، أو تراكمها، والسحاب الرقيق والغبار. (القاموس المحيط: طرمس، طرفس)
[11] طحرية: أي لطخ من السحاب، والطهلية السحابة، ويقال: ما في السماء طهلئة، أي سحابة.
(1/137)

شهر ناجر [1] وهو رجب، شهر الله الأصم سنة ست من ملك تبّع [2] . عمران بن حطان: [3] [الكامل]
فلم أر كالدنيا ولا كانقلابها ... يؤمّل فيها قابل وقباقب [4]
والرابع: مقبقب.
[في الأمثال]
يقال: لا آتيه ما كان الماء أسمرا [5] ، قال الشاعر: [الطويل]
فانّ سلام الله غاد عليهم ... ورحمته ما أصبح الماء أسمرا
وحتى يؤوب القارظان [6] ، أحدهما خزيمة بن نهد، والآخر عنزة، هو
__________
[1] ناجر: رجب أو صفر، وكل شهر من شهور الصيف. (القاموس: نجر) .
[2] تبّع: هو تبع بن حسان بن تبان، من ملوك حمير في اليمن، قيل: اسمه مرثد، وهو تبع الأصغر آخر التبابعة، ملك بعد عبد كلال، وعقد الحلف بين اليمن وربيعة، وسار إلى يثرب، وشكال إليه قوم من حمير سوء مجاورة اليهود، فبعث إلى اليهود وقتل منهم ثلاث مئة وذللها لهم، كان ملكه 78 سنة. (كتاب التيجان ص 299، الأعلام 2/83) .
[3] عمران بن حطان بن ظبيان الدوسي الشيباني: رأس القعدة من الصفرية الخوارج، كان شاعرا مفلقا مكثرا، توفي سنة 84 هـ-. (الإصابة ت 6877، ميزان الاعتدال 2/276، خزانة الأدب 2/436- 441) .
لم أجد البيت في ديوان الخوارج جمع إحسان عباس، ط دار الشروق بيروت 1982.
[4] قباقب: القباقب بالضم، العام المقبل، ويقال: إنك لم تفلح العام ولا قابل، ولا قابّ ولا قباقب ولا مقبقب، كل منها اسم لسنة بعد سنة. (القاموس: قبب) .
وفي الأصل كتب فوق كلمة قابل (الثاني) ، وفوق قباقب (الثالث) .
[5] لم أجده في كتب الأمثال.
[6] المثل في مجمع الأمثال 1/211، والمستقصى 2/58، وفصل المقال ص 473، وسمط اللآلئ ص 99، وفي مفصل المقال: قال ابن الكلبي: من أمثالهم في هذا قولهم: (إذا القارظ العنزي آبا) قال: وهما قارظان، كلاهما من عنزة، فالأكبر منهما هو يذكر (ابن عنزة، والأصغر هو رهم بن عامر من عنزة) .
والقارظ: الذي يجني القرظ، وهو شجر يدبغ بورقه، والقارظ العنزي: رجل من عنزة-
(1/138)

أبوهم، وفيه قال بشر: [1] [الوافر]
فرجّي الخير وانتظري إيابي ... إذا ما القارظ العنزي آبا
وحتى يؤوب المنخل [2] ، وهو عاشق المتجردة. وحتى يؤوب المثلّم [3] ، وهو رجل من باهلة كان قتل خارجيا يقال له خليد بن عبادة السدوسي، فعدا عليه خارجيّ يقال له حريث بن حجل فقتله، فقال الشاعر: [الكامل]
آليت لا أمشي إلى ربّ لقحة ... لأستامها حتى يؤوب المثلم [4] [48 ظ]
وهذا قرّ قمطرير وخمطرير [5] ، وأنشد:
يا ربّ بيضاء من العطامس ... تضحك عن ذي برد عضارس [6]
__________
- خرج يطلب القرظ فمات ولم يرجع إلى أهله، فرضبته العرب مثلا للمفقود الذي لا يرجع.
[1] البيت لبشر بن أبي خازم في ديوانه ص 74، من قصيدة.
[2] المثل في: جمهرة الأمثال 1/361، والمستقصى 2/58، وتمثال الأمثال ص 418، وأمثال أبي عبيد ص 346.
واللسان: نخل.
والمنخل اليشكري: هو المنخل بن مسعود بن عامر، شاعر جاهلي كان ينادم النعمان ابن المنذر، وهو الذي سعى بالنابغة الذبياني في أمر المتجردة، وكانت المتجردة امرأة النعمان قد شغفت بالمنخل، وعرف النعمان بأمرهما فقتله وضربت به العرب المثل في الغائب الذي لا يرجى إيابه، قتل حوالي سنة 20 ق هـ 603 م.
(أسماء المغتالين- ابن حبيب، في نوادر المخطوطات 2/239، الأغاني 9/158- 159، المؤتلف والمختلف ص 178، الأعلام 7/291) .
[3] المثل في مجمع الأمثال 1/215، وتمثال الأمثار ص 416.
[4] اللقحة: الناقة الحلوب الغزيرة اللبن. أستامها: طلب بيعها، ساومه مساومة وسواما:
فاوضه في البيع والابتياع.
[5] القر: البرد. القمطرير: الشديد، ومنه قوله تعالى: (إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً)
(الإنسان 10) .
الخمطرير: المر (القاموس المحيط: قمطر) .
[6] العطامس: جمع العيطموس، وهو جمع نادر، والعيطموس: التامة الخلق من الإبل والنساء، والمرأة الجميلة، أو الحسنة الطويلة التارة العاقر. (القاموس: عطمس) .-
(1/139)

عذب المذاق أعجف المغارس ... لاقت غلاما خلق المدارس [1]
يعدو على زمزمة مهارس [2]
[حرار العرب]
[حرار العرب المذكورة:] حرة بني سلم [3] ، ويقال لها شوران [4] ، قال: [البسيط]
أقبلتها الخلّ من شوران صادرة ... إنّي لأزري عليها وهي تنطلق
وحرة ليلى [5] ، وحرة الرجلاء [6] ،
__________
- عضارس: ثغر عضارس، بارد عذب، قال:
ممكورة غرثى الوشاح الشاكس ... تضحك عن ذي أشر عضارس
وحكاه ابن جني بالعين والغين، قال ابن سيدة: والعضرس والعضارس: الماء البارد العذب، وقوله: تضحك عن ذي أشر عضارس، أراد عن ثغر عذب. (اللسان:
عضرس، غضرس) .
[1] أعجف المغارس: رقيق مغارس الأسنان، وشفة عجفاء: رقيقة.
المدارس: الثياب الخلقة البالية.
[2] الزمزمة: جماعة الإبل. المهارس: الشديدة الأكل من الإبل.
[3] حرة سليم: هو سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان، قال أبو منصور: جرة النار لبني سليم، وتسمى أم صبّار. وقال: حرّة ليلى وحرة شوران، وحرة بني سليم في عالية نجد. (ياقوت: حرة سليم) .
[4] قلت: وشوران أيضا جبل، قال عرام: عبر جبلان أحمران من عن يمينك وأنت ببطن العقيق تريد مكة، وعن يسارك شوران، وهو جبل مطل على السد. (ياقوت: حرة شوران) .
[5] حرة ليلى: لبني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان، يطؤها الحاج في طريقهم إلى المدينة، وعن بعضهم أن حرة ليلى من وراء وادي القرى من جهة المدينة، فيها نخل وعيون، وقال السكري: حرة ليلى معروفة في بلاد بني كلاب.
(ياقوت: حرة ليلى) .
[6] الحرة الرجلاء: في ديار بني القين بن جسر بين المدينة والشام، ومعنى الرجلاء:
الصلبة الشديدة، أو التي أعلاها أسود وأسفلها أبيض. (ياقوت: الحرة الرجلاء) .
(1/140)

وحرة المدينة [1] وحرة النار [2] وحرة واقم [3] بالمدينة، وهي التي قتل عليها مسرف لعنه الله أهل المدينة.
[جبال العرب]
[جبال العرب المشهورة:] سلمى [4] وأجأ [5] وحيّة لطئ.
وبسيان [6] ............... ..
__________
[1] حرة المدينة: وفيها كانت وقعة الحرة المشهورة في أيام يزيد بن معاوية سنة 63 هـ-، وأمير الجيش من قبل يزيد مسلم بن عقبة المرى، وسموه لقبيح صنعه مسرفا.
(ياقوت: حرة المدينة) .
[2] حرة النار: قريبة من حرة ليلى، قرب المدينة، وقيل هي حرة لبنى سليم، وفي كتاب نصر: حرة النار بين وادي القرى وتيماء من ديار غطفان. (ياقوت: حرة النار) .
[3] حرة واقم: إحدى حرتي المدينة، وهي الشرقية، سميت باسم رجل من العماليق اسمه واقم، وكان قد نزلها في الدهر الأول وقيل: واقم اسم اطم من آطام المدينة إليه تضاف الحرة، وفي هذه الحرة كانت وقعة جيش يزيد على أهل المدينة.
(ياقوت: حرة واقم) .
[4] سلمى: أحد جبلي طيء، وهما أجأ وسلمى، وهو جبل وعربه واد يقال له رك، به نخل وآبار مطوية بالصخر، طيبة الماء، وقال السكوني: سلمى جبل يقرب من فيد عن يمين القاصد مكة. (ياقوت: سلمى) .
[5] أجأ: قال الزمخشري: أجأ وسلمى جبلان عن يسار سميراء- وقد رأيتهما- شاهقان، وقا أبو عبيد السكوني: أجأ أحد جلبي طيء، وهو غربي فيد، وبينهما مسير ليلتين، وفيه قرى كثيرة. (ياقوت: أجأ) .
[6] بسيان: قال الأصمعي: بسّ وبسبان جبلان في أرض بني جشم ونصر ابني معاوية بن بكر بن هوازن، قال ذو الرمة:
سرت من منى جنح الظلام فأصبحت ... ببسبان أيديها مع الفجر تلمع
(1/141)

جبل صغير لبني سعد ذكره غيلان [1] .
والبشر [2] جبل بالحزن ذكره الصّمّة [3] .
وكير [4] .
وخزازى [5] لبني دارم.
والقعاقع [6] ،............... ............... ...............
__________
- وفي كتاب نصر: أن بسبان موضع فيه برك وأنهار على أحد وعشرين ميلا من الشبيكة، بينها وبين وجرة.
(ياقوت: بسيان) .
[1] غيلان: هو ذو الرمة صاحب البيت السابق.
[2] البشر: جبل يمتد من عرض الفرات من أرض الشام من جهة البادية، وهو من منازل بني تغلب بن وائل، وقد أوقع الجحاف ببني تغلب في هذا الموضع، فقال الأخطل:
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعوّل
[3] وكان الصمة بن عبد الله القشيري يهوى ابنة عمه، فتماكس أبوه وعمه في المهر، ولجّ كل واحد منهما، فتركها الصمة وانصرف إلى الشام وكتب نفسه في الجند، وقال:
ولما رأيت البشر قد حال بيننا ... وجالت بنات الشوق في الصدر نزّعا
تلفتّ نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا
(ياقوت: البشر، الأغاني 6/9) .
[4] يريد قول الصمة بن عبد الله القشيري السابق. (وانظر الأغاني 6/9) .
كبر: قال السيرافي: وكبر جبلان في أرض غطفان، قال عروة بن الورد:
سقى سلمى وأين محلّ سلمى ... إذا حلّت مجاورة السرير
إذا حلّت بأرض بني عليّ ... وأهلك بين إمّرة وكبر
ذكرت منازلا من آل وهب ... محلّ الحيّ أسفل ذي نقير
(يقاوت: كير، وديوان عروة بن الورد ص 37- 38) .
[5] خزارى: خزار وخزارى هما لغتان، واختلفت العبارات في موضعه، فقال بعضهم:
هو جبل بين منعج وعاقل بإزاء حمى ضربة، وقال أبو عبيدة: كان يوم خزاز يعقب السّلان، وخزاز وكير ومتالع أجبال ثلاثة بخطفة ما بين البصرة إلى مكة. (ياقوت: خزاز) .
[6] القعاقع: قال: وبالشّريف من بلاد قيس مواضع يقال لها القعاقع عن الأزهري، وقال-
(1/142)

ويذبل، وابنا شمام [1] لباهلة.
وسواج [2] لغني، وجبلة [3] وجمران [4] ، وبا عنون ويقال باعنين [5] .
وينصوب [6] نحو الحمى.
__________
- أبو زياد الكلابي: القعاقع بلاد كثيرة من بلاد عجلان، وقال البعيث:
أزارتك ليلى والرفاق بغمرة ... وقد بهر الليل النجوم الطوالع
وأنى اهتدت ليلى لعوج مناخه ... ومن دون ليلى بذيل فالقعاقع
(ياقوت: القعاقع) .
[1] ابنا شمام: يروى شمام مثل قطام مبني على الكسر، ويروى بصيغة ما لا ينصرف من أسماء الأعلام، وهو اسم جبل لباهلة، قال جرير:
عاينت مشعلة الرعال كأنها ... طير تغاول في شمام وكورا.
وله رأسان يسميان ابني شمام، قال لبيد:
فهل نبّئت عن أخوين داما ... على الأحداث إلا ابني شمام
وإلا الفرقدين وآل نعش ... خوالد ما تحدث بانهدام
(ياقوت: شمام) .
[2] سواج: هو جبل لغني، قال أبو زياد: سواج من جبال غني وهو خيال من أخيلة حمى ضربة، والخيال ثنية تكون كالحد بين الحمى وغير الحمى. (ياقوت: سواج) .
[3] جبلة: جبل طويل له شعب عظيم واسع لا يرقى الجبل إلا من قبل الشعب، والشعب متقارب، وداخله متسع، وبه عرينة بطن من بجبلة. (ياقوت: جبلة)
[4] جمران: في الأصل (حمران) غير معجة، وجمران بالجيم، جبل بحمى ضربة، وقال نصر: جمران جبل أسود بين اليمامة وفيد من ديار تميم أو نمير بني عامر (ياقوت: جمران) .
[5] لم أجد باعنون أو باعنين في معجم البلدان وغيره.
[6] في الأصل: (ينضوب) بالضاد المعجمة، وفي معجم البلدان: ينصوب بالصاد المهملة، قال: مكان في قول عدي بن زيد العبادي، وكانت لأبيه إبل فبعث بها عدي إلى الحمى، فغضب عليه أبوه فردها، فلقيتها خيل فأخذتها، وسار عدي فاستنقذها، وقال:
للشرف العود وأكنافه ... ما بين جمران فينصوب
خير لها إن خشيت حجرة ... من ربّها زيد بن أيوب
متكئا تصرف أبوابه ... يسعى عليه العبد بالكوب
(ياقوت: ينصوب) .
(1/143)

وواسط [1] ، وعسعس [2] في أرض بني غني.
ورهوة [3] في أرض جشم. والأنعمان [4] في أرض عبس.
وهضب القليب [5] بين بني سليم وبين بني عامر.
وثهلان جبل [6] ، وشرورى [7] [49 و] في أرض بني سليم.
__________
[1] واسط: قال الفاكهي في كتاب مكة: واسط قرن كان أسفل من جمرة العقبة بين المأزمين، فضرب حتى ذهب، وقال: ويقال له واسط لأنه بين الجبلين اللذين دون العقبة، وقال ابن إدريس قال الحميدي: واسط الجبل الذي يجلس عنده المساكين إذا ذهبت إلى منى، قال عمرو بن مضاض الجرهمي:
ولم يتربع واسطا وجنوبه ... إلى المنحنى من ذي الأراكة حاضر
(ياقوت: واسط) .
[2] عسعس: موضع بالبادية، وقال الخارزنجي: عسعس جبل طويل على فرسخ من وراء ضرية لبني عامر، ودارة عسعس لبني جعفر، وقال نصر: عسعس: جبل لبني دبير في بلاد بني جعفر بن كلاب وبأصله ماء الناصفة. (ياقوت: عسعس) .
[3] في الأصل: (زهوة) بالزاي، وفي معجم البلدان: رهوة بالراء المهملة، قال الأصمعي: رهوة في أرض بني جشم ونصر ابني معاوية بن بكر بن هوازن، والرهوة صحراء قرب خلاط. (ياقوت: رهوة) .
[4] الأنعمان: جبل لبني عبس، وقال رجل من بني عقيل يتشوّقه:
وإنّ بجنب الأنعمين أراكة ... عداني عنها الخوف دان ظلالها
(ياقوت: الأنعمان) .
[5] هضب القليب: علم فيه شعاب كثيرة، قال الأصمعي: هضب القليب بنجد، والهضب جبال صغار، والقليب في وسط هذا الموضع يقال له ذات الإصاد، وهو من أسمائها، وعنده جرى داحس والغبراء، قال العامري: هضب القليب نصف ما بيننا وبين بني سليم، حاجز فيما بيننا، والقليب الذي ينسب إليه بئر لهم. (ياقوت: هضب القليب) .
[6] ثهلان: جبل ضخم بالعالية، وثهلان جبل في بلاد بني نمير، طوله في الأرض مسيرة ليلتين، وقال نصر: ثهلان جبل لبني نمير بن عامر بن صعصعة بناحية الشّريف، به ماء ونخل. (يقاوت: ثهلان) .
[7] شرورى: قال القاضي أبو القاسم بن أبي جرادة: رأيت شرورى، وهو جبل مطل على تبوك في شرقيها، وفي كتاب الأصمعي: شرورى لبني سليم، وقال الأصمعي:
شرورى ورحرحان في أرض بني سليم. (ياقوت شرورى) .
(1/144)

وأوارة [1] لبني سليم، والخال [2] والدفينة [3] في أرض سليم.
والأشعر [4] ، وركوبة [5] ، وورقان [6] ، وثافل [7] كلها بين مكة والمدينة.
__________
[1] أوارة: اسم ماء أو جبل لبني تميم، وقيل بناحية البحرين، وهو الموضع الذي حرق فيه عمرو بن هند بني تميم.
(ياقوت: أوارة) . قلت: لم أجد أوارة منسوبة لبني سليم، ولعل المؤلف سها فنسبها لبني سليم وهي لتميم.
[2] الخال: اسم جبل تلقاء الدثينة لبني سليم، وقيل في أرض غطفان وأنشد:
أهاجك بالخال الحمول الدوافع ... فأنت لمهواها من الأرض نازع
(ياقوت: الخال) .
[3] الدفينة: مكان لبني سليم، ويروى بالقاف، قال السكري في قول جرير:
ورّعت ركبي بالدفينة بعد ما ... ناقلن من وسط الكراع نقيلا
قال: الدفينة بالفاء، ماء لبني سليم على خمس مراحل من مكة إلى البصرة. (ياقوت:
الدفينة) .
[4] الأشعر والأقرع: جبلان معروفان بالحجاز، قال أبو هريرة: خير الجبال أحد والأشعر وورقان، وهي بين مكة والمدينة. وقال ابن السكيت: الأشعر جبل جهينة ينحدر على ينبع من أعلاه، وقال نصر: الأشعر والأبيض جبلان يشرفان على سبوحة وحنين، والأشعر والأجرد جبلا جهينة بين المدينة والشام. (ياقوت: الأشعر) .
[5] ركوبة: ثنية بين مكة والمدينة عند العرج صعبة، سلكها النبي صلى الله عليه وسلم عند مهاجرته إلى المدينة قرب جبل ورقان وقدس الأبيض، وكان معه صلى الله عليه وسلم ذو البجاد. (ياقوت:
ركوبة) .
[6] ورقان: في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه: خير الجبال أحد والأشعر وورقان، وهو جبل أسود بين العرج والرويثة على يمين المصعد من المدينة إلى مكة، ينصب ماؤه إلى رثم، قال عرام بن الأصبغ في أسماء تهامة: ولمن صدر من المدينة مصعدا أول جبل يلقاه من عن يساره ورقان، وهو جبل عظيم أسود كأعظم ما يكون من الجبال، ينقاد من سيالة إلى المتعشّى بين العرج والرويثة. (ياقوت: ورقان) .
[7] في الأصل: (ثاقل) ، والصواب (ثافل) بالفاء.
ثافل: قال عرام بن الأصبغ وهو يذكر جبال تهامة: ويلتو تليلا جبلان، يقال لأحدهما ثافل الأكبر، وللآخر ثافل الأصغر، وهما لبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة ابن كنانة بن خزيمة بن مدركة، وهم أصحاب جلال ورغبة ويسار، وبينهما ثنية لا تكون رمية سهم، وبينها وبين رضوى وغرور ليلتان. (ياقوت: ثافل) .
(1/145)

وكبكب [1] نحو عرفة، وتهلل [2] إلى جنب كبكب. ورأس الكلب [3] جبل باليمامة، قال الأعشى: [4] [البسيط] ورفّع الآل رأس الكلب فارتفعا.
والعارض [5] والعرض، جبلان باليمامة.
وابنا طمر [6] ببطن نخلة. وأبان الأبيض [7] وأبان الأسود في أرض غطفان.
وكسير [8] وعوير جبلان في البحر، بحذاء عمان، إذا مرت السفينة بينهما
__________
[1] كبكب: جبل خلف عرفات مشرف عليها، قيل: هو الجبل الأحمر الذي في ظهرك إذا وقفت بعرفة، وهما كبكبان: فكبكب من ناحية الصفراء، وهو نقب يطلعك على بدر، وكبكب آخر يطلعك على العرج، وهو نقب لهذيل، قال الأصمعي: ولهذيل جبل يقال له كبب، وهو مشرف على موقف عرفة. (ياقوت: كبكب) .
[2] تهلل: موضع قريب من الريف، وقد روي بالثاء المثلثة، قال مزاحم العقيلي:
فليت ليالينا بطخفة فاللوى ... رجعن وأياما قصارا بمأسل
فإن تؤثري بالود مولاك لا أقل ... أسأت وإن تستبدلي أتبدل
عذاريّ لم يأكلن بطيخ قرية ... ولم يتجنبن العرار بثهلل
(ياقوت: تهلل، ثهلل) .
[3] رأس الكلب: جبل باليمامة، ويقال: إنما هي قارات تسمى رأس الكلب، وقلعة بقومس أيضا تسمى رأس الكلب على يسار القاصد إلى نيسابور. (ياقوت: رأس لكلب) .
[4] البيت للأعشى في ديوانه ص 153 تحقيق محمد حسين، وتمامه:
إذ نظرت نظرة ليست بكاذبة ... إذ يرفع الآل رأس الكلب فارتفعا
[5] العارض: اسم للجبل المعترض، ومنه سمي عارض اليمامة، وهو جبلها، وقال الحفصي: العارض جبال مسيرة ثلاثة أيام، قال: وأوله خزير وهو أنف الجبل، قال أبو زياد: العارض باليمامة. (ياقوت: العارض) .
أما العرض: فهو واد باليمامة، وليس جبلا، ويقال لكل واد فيه قرى ومياه عرض، قال أبو عبيد السكوني: عرض اليمامة، وادي اليمامة. (ياقوت: العرض) .
[6] ابنا طمر: جبلان معروفان ببطن نخلة. (ياقوت: طمر) .
[7] أبان الأبيض وأبان الأسود: فأبان الأبيض شرقي الحاجر فيه نخل وماء، يقال له أكرة، وهو العلم لبني فزارة وعبس، أبان الأسود جبل لبني فزارة خاصة، وبينه وبين الأبيض ميلان. (ياقوت: أبان) .
[8] كسير وعوير: جبلان عظيمان مشرفان على أقصى بحر عمان، صعبة المسلك، وعرة-
(1/146)

لم تكد تسلم. قال: والثور العرمض [1] ، وأنشد للجعدي: [2] [الوافر]
أتترك معشرا قتلوا هزولا ... وتوعدني بقتلى من جذام
كذلك يضرب الثور المعنّى ... ليشرب وارد البقر الحيام [3]
كذا وجدته بخط الوزير رحمه الله، وليس فيه شاهد على ما تقدمه
[من أمالي الأنباري]
وبخطه قال: من أمالي أبي بكر محمد بن القاسم الأنباري: [الرجز]
يتبعهنّ جروّيا إذا هبن قدم ... كأنّه بالليل مستعشى ضرم
قال: دليل من جروة بطن من كلب، قلت: ويمكن أن يكون منسوبا إلى جروة بطن من أسيد بن عمرو [4] بن تميم، وهم رهط أكثم بن صيفي، وأوس ابن حجر [49 ظ] ، يقول: كأنه من هدايته بالليل مستضي بشعلة.
الخليل بن أحمد [5] ............... ............... ..............
__________
- المقصد، صعبة المنجى، فلذلك سميت بهذا الإسم، يقولون: كسير وعوير وثالث ليس فيه خير. (ياقوت: كسير وعوير) .
[1] العرمض: من شجر العضاه أو صغار السدر والأراك.
قلت: ولعل العبارة مقحمة في غير موضعها، بدليل قوله بعد البيتين: كذا وجدته بخط الوزير رحمه الله، وليس فيه شاهد على ما تقدمه.
[2] الجعدي: النابغة الجعدي، قيس بن عبد الله الجعدي العامري، أبو ليلى، شاعر صحابي من المعمرين، اشتهر في الجاهلية وأدرك الإسلام، فأسلم وشارك في معركة صفين مع علي بن أبي طالب، توفي سنة 50 هـ-.
(الإصابة 3/537، ة الموشح ص 64، أمالي المرتضى 1/190، طبقات الشعراء ص 103) .
[3] هو تضمين لمعنى المثل: (كالثور يضرب لما عاقت البقر) . المثل في: فصل المقال ص 387، المستقصى 2/204) .
[4] قلت: لعل في اسم (جروة) تحريف عن (جردة) ، وجردة بن أو سيد بن عمرو بن تميم (جمهرة أنساب العرب ص 210) .
[5] الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي، من أئمة اللغة والأدب وواضع علم-
(1/147)

إلى سليمان بن حبيب [1] بن المهلب، لما عرض عليه صحبته: [2] [البسيط]
أبلغ سليمان أني عنه في سعة ... وفي غنى غير أنّي لست ذا مال
سخّى بنفسي أني لا أرى أحدا ... يموت هزلا ولا يبقى على حال [3]
والرزق عن قدر لا العجز ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول محتال [4]
والفقر في النفس لا في المال نعرفه ... ومثل ذاك الغني في النفس لا المال
ويقال إنه كتب بها إلى سليمان بن علي [5] بن عبد الله بن عباس.
لأمّ معدان الأنصارية، في أبيات: [البسيط]
ميت بمصر وميت بالعراق ومي ... ت بالحجاز منايا بينهم بدد
__________
- العروض، وهو أستاذ سيبويه، عاش فقيرا صابرا، عفيف النفس، له من الكتب:
(العين) ، و (معاني الحروف) ، و (كتاب العروض) ، و (النغم) ، وغيرها، توفي في البصرة سنة 170 هـ-.
(وفيات الأعيان 1/172، أنباه الرواة 1/341، الحور العين ص 112) .
[1] سليمان بن حبيبين المهلب بن أبي صفرة الأزدي: كان والي فارس والأهواز، فكتب إلى الخليل بن أحمد يستدعيه، وكان له راتب على سليمان، فقطع سليمان عنه الراتب، فكتب إليه الخليل البيتين، ثم اعتذر له سليمان، وأضعف له راتبه، والبيتان هما:
إن الذي شقّ فمي ضامن ... للرزق حتى يتوفاني
حرمتني مالا قليلا فما ... زادك في مالك حرماني
(وفيات الأعيان 1/243)
[2] الشعر للخليل بن أحمد في معجم الأدباء ص 1263 ط إحسان عباس، والأبيات غير الرابع في عيون الأخبار 2/191، ط دار الكتاب العربي، وأمالي القالي 2/269.
[3] في الأمالي: (شجى بنفسي) ، وفي عيون الأخبار: (شحّا بنفسي) .
[4] عيون الأخبار: (فالرزق عن قدر لا الضعف يمنعه) .
[5] سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس: أمير عباسي، من الأجواد الممدوحين، ولاه ابن أخيه (السفاح) إمارة البصرة وأعمالها، وكور دجلة والبحرين وعمان (سنة 133 هـ-) فأقام فيها إلى أن عزله المنصور (سنة 139 هـ-) ، فلم يزل في البصرة إلى أن توفي سنة 142 هـ-. (دول الإسلام للذهبي 1/73، الطبري 9/179، تهذيب ابن عساكر 6/281، فوات الوفيات 1/177) .
(1/148)

رعوا من المجد أكنافا إلى أجل ... حتى إذا بلغت أظماؤها وردوا
كانت لهم همم فرّقن بينهم ... إذا الرعاديد عن أمثالها قعدوا
بذل الجميل وتفريج الجليل وإع ... طاء الجزيل الذي لم يعطه أحد
قال أبو بكر بن الأنباري، في قوله عز وجل: (وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً)
[1] ، خمسة أقوال، أولها الطعام، قال الشاعر: [50 و] [الخفيف]
فظللنا بنعمة واتكأنا ... وشربنا الحلال من قلله
أي ظللنا فأكلنا وشربنا، والثاني: المتكأ المجلي، والثالتث: النمارق، والرابع: أنه المتك [2] قاله الفراء [3] ، وهو الأترجّ، قال الشاعر: [الخفيف]
نشرب الإثم بالصواع جهارا ... وترى المتك بيننا مستعارا [4]
والخامس: أنه الزّماورد [5] ، وهو الذي تسميه العامة البزماورد.
[ابن المعتز وعلي بن أبي طالب]
قال الصولي: [6] قلت لعبد الله بن المعتز [7] : قد أكثر الناس عليك في
__________
[1] يوسف 31.
[2] المتك: ثمرة الأترج.
[3] الفرّاء: يحيى بن زياد بن عبد الله الديلمي، مولى بني أسد، أبو زكرياء، إمام الكوفيين وأعلمهم بالنحو واللغة والأدب، ولد بالكوفة وانتقل إلى بغداد، وعهد إليه المأمون بتربية ابنيه، له كتب منها (المقصور والممدود) ، و (معاني القرآن) و (المذكر والمؤنث) ، وغيرها. توفي في طريق مكة سنة 207 هـ-. (وفيات الأعيان 2/228، معجم الأدباء 7/276، الفهرست ص 66- 67. نزهة الألبا ص 126، مراتب النحويين ص 86- 98) .
[4] الإثم: أراد به الخمر، لأن شربه إثم، الصواع: المكيال أو الإناء يشرب به.
[5] الزماورد: بضم الزاي، طعام من البيض واللحم، معرّب، والعامة يقولون:
(بزماورد) . (القاموس المحيط: ورد)
[6] الصولي: إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول، أبو إسحاق، كاتب العراق في عصره، أصله من خراسان، نشأ في بغداد، فكان كاتبا للمعتصم والواثق والمتوكل، له ديوان شعر، وديوان رسائل، توفي سنة 243 هـ-.
(معجم الأدباء 1/261، وفيات الأعيان 1/9، تاريخ بغداد 6/117) .
[7] ابن المعتز: عبد الله بن المعتز الشاعر، خليفة يوم وليلة، توفي سنة 296 هـ-.
(1/149)

علي بن أبي طالب، اتهموك بتنقصه، فوجم ساعة ثم قال: اكتب: [1] [الرمل]
قيل لي إني لعليّ مبغض ... مصّ من يزعم هذا ودخل [2]
لعنة الله على مبغضه ... كلما صلّى مصل وابتهل
والذي ز وّ ر قولا كاذبا ... أنبت الله له قرن وعل [3]
وهو عندي فرخ سوء حملت ... أمّه لا شكّ من ذاك العمل
[الرياشي وشعر أبي نواس]
ابن دريد قال: سمع الرياشي بعض من في مجلسه يقول: أخذ أبو نواس قوله: [4] [الطويل]
وسيّارة ضلّت عن القصد بعد ما ... ترادفهم جنح من الليل مظلم [5]
أصاخو إلى صوت ونحن عصابة ... وفينا فتى من سكره يترنّم [6]
ولاحت لهم منا على النأي قهوة ... كأنّ سناها ضوء نار تضرّم [50 ظ]
إذا ما حسوناها أقاموا مكانهم ... وإن صفّفت حثّوا الركاب ويمّموا [7]
من قوله الله عز وجل (كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا)
[8] ، فقال: ما سرقه من القرآن، ولا كرامة له، بل سرقه من قول الشاعر: [9] [الطويل]
__________
[1] الأبيات لعبد الله بن المعتز في ديوان شعر ابن المعتز 1/773- 774 تحقيق يونس السامرائي ط عالم الكتب، بيروت 1997.
[2] عجز البيت شتم لمن يتهمه ببغض على بن أبي الب رضي الله عنه.
[3] في الديوان: (اثبت الله) بالثاء، ورواية المخطوطة أصح (أنبت) .
[4] الأبيات في ديوان أبي نواس ص 45، مع خلاف في الرواية.
[5] في الديوان: (ترادفهم أفق من الليل) .
[6] الديوان: (فأصغوا إلى صوت) .
[7] الديوان: (وإن مزجت حثوا) .
[8] البقرة 20.
[9] الرواية في نهاية الأرب السفر الرابع ص 98، إن الحسين بن الضحاك قال: كنت مع أبي نواس عام حجّ، فسمع صبيا يقرأ: (يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم-
(1/150)

وليل بهيم كلّما قلت غوّرت ... كواكبه عادت فما تتزيّل [1]
به الركب إمّا لوّح البرق يمّموا ... وإن لم يلح فالقوم بالأرض جهّل [2]
[حنين أبي عمرو بن العلاء]
الأصمعي قال غاب أبو عمرو بن العلاء عن حلقته بالبصرة عشرين سنة، ثم قدم البصرة، فجلس في الحلقة ففقد أصحابه ومن كان يجالسه، فقال:
[مجزوء الكامل]
يا منزل الحيّ الذي ... ن تفرقت بهم المنازل
أصبحت بعد عمارة ... قفرا تهبّ به الشّمائل
فلئن رأيتك موحشا ... لبما أراك وأنت آهل
[المنصور يرثي عمرو بن عبيد]
أنشد أبو محمد القوهستاني للمنصور في عمرو بن عبيد [3] : [الكامل]
__________
- مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم أقاموا) فقال أبو نواس: في مثل هذا يجيء للخمر صفة حسنة، ففكر ساعة، ثم أنشد: وسيارة ضلت ... الخ، قال: فحدثت بهذا الحديث محمد بن الحسين فقال: لا ولا كرامة ما سرقه من القرآن، ولكن من قول الشاعر:
وليل بهيم ... البيتان.
[1] في نهاية الأرب: (عادت لنا تتذبل) ، بالذال، والصواب بالزاي.
[2] في نهاية الأرب: (به الركب إما أومض البرق ... فالقوم بالسير جهّل) .
[3] عمرو بن عبيد التيمي: أبو عثمان البصري، شيخ المعتزلة في عصره، وأحد الزهاد المشهورين، أخباره كثيرة مع المنصور العباسي، ومن قول المنصور فيه: (كلكم طالب صيد، إلا عمرو بن عبيد) ، له رسائل وخطب وكتب، منها: (التفسير) ، و (الرد على القدرية) ، توفي بمرّان قرب مكة سنة 144 هـ-، ورثاه المنصور، ولم يسمع بخليفة رثى من دونه سواه.
(وفيات الأعيان 1/384، ميزان الاعتدال 2/294، الحور العين ص 110، أمالي المرتضى 1/117، تاريخ بغداد 12/166- 188) .
الأبيات للمنصور في عيون الأخبار 1/241، والأبيات غير الثالث في معجم البلدان:
مران.
(1/151)

صلّى الإله عليك من متوسّد ... قبرا مررت به على مرّان [1]
قبرا تضمّن مؤمنا متخشّعا ... صان العلوم ودان بالفرقان [2]
وإذا الرجال تنازعت آراءها ... فصل الخطاب بحكمة وبيان [3]
ولو أنّ هذا الدهر أبقى واحدا ... أبقى لنا عمرا أبا عثمان
[4] [51 و]
[معنى البعجدة]
جحظة قال: كنا في مجلس أبي العباس، يعني ثعلبا [5] ، فقام رجل فقال: أيها الأستاذ ما البعجدة؟ فقال: ما سمعتها في كلام العرب، قال الرجل: بلى، قد جاءت في شعر عبد الصمد بن المعذّل [6] ، في قوله:
أعاذلتي أقصري ... أبع جدّتي بالمنن
قال: فاغتاظ أبو العباس غيظا شديدا، وأمر بعرك أذنيه، وألا يدخل مجلسه، قال أبو العباس التميمي: وأول هذه الأبيات: أنشدناها الصولي قال؛
__________
[1] مرّان: قال السكري: هو على أربع مراحل من مكة إلى البصرة، وقيل: بينه وبين مكة ثمانية عشر ميلا، وقال الحازمي: بين البصرة ومكة لبني هلال من بني عامر.
(ياقوت: مران) .
[2] في عيون الأخبار، ومعجم البلدان: (مؤمنا متحنفا صدق الإله ودان بالقرآن) .
[3] في عيون الأخبار ومعجم البلدان: (أبقى صالحا) ، وفي عيون الأخبار: (أبقى لنا حيا أبا عثمان) .
[4] جحظة البرمكي: أحمد بن جعفر بن موسى بن الوزير يحيى بن خالد بن برمك، أبو الحسن، نديم أديب مغن، من بقايا البرامكة، كان في عينيه نتوء، فلقبه ابن المعتز بجحظة، كان كثير الرواية للأخبار متصرفا في فنون من العلم كاللغة والنجوم والشعر والموسيقى والغناء، نادم ابن المعتز والمعتمد العباسيين، وله بعض الكتب، توفي سنة 324 هـ-.
(معجم البلدان 1/383، تاريخ بغداد 4/65، وفيات الأعيان 1/41) .
[5] أبو العباس ثعلب: مضت ترجمته.
[6] عبد الصمد بن المعذل بن غيلان بن عبد الحكم العبدي: من بني عبد القيس، من شعراء الدولة العباسية، ولد ونشأ بالبصرة، كان هجاء سكيرا، توفي سنة 240 هـ-.
(الموشح- المرزباني ص 246، سمط اللآلئ ص 325، فوات الوفيات 1/277) .
(1/152)

أنشدنا المبرد لعبد الصمد: [1] [مجزوء الكامل]
أعاذلتي أقصري ... أبع جدّتي بالمنن
ذريني إجد بالثرا ... ء حمدا فنعم الثّمن
أرى الناس أحدوثة ... فكوني حديثا حسن
فما منك دهر خلا ... ولا لك باقي الزمن
وليس حياة الفتى ... سوى ساعة لم تبن
كأن لم يزل ما أتى ... وما قد مضى لم يكن
يعيش الفتى حاسرا ... ويتلف تحت الجبن
ويخطئه خوفه و ... يصرعه ما أمن
وكل أمري بالردى ... إلى أجل مرتهن
بلوت صروف الزمان ... في فرحي والحزن
فسرّ فلم أبتهج ... وساء فلم أستكن
[ماردة أم المعتصم]
قال صالح التركي مولى رشيد الخادم، وكان المعتصم في حجره، فقال: اشترى الرشيد ماردة بنت شبيب [2] أم أبي إسحاق المعتصم، فعشقها عشقا مبرّحا، وقال فيها شعرا، فمما قال فيها: [51 ظ] [السريع]
وإذا نظرت إلى محاسنها ... فبكلّ موقع نظرة نبل
وتنال منك بحدّ مقلتها ... ما لا ينال بحدّه النّصل
شغلتك وهي لكلّ ذي بصر ... لاقى محاسن وجهها شغل
فلقلبها حلم تباعدها ... عن ذي الهوى ولطرفها جهل
ولوجهها من وجهها قمر ... وليينها من عينها كحل
__________
[1] جاءت خمسة أبيات فقط من القصيدة في ديوان عبد الصمد بن المعذل ص 180، تحقيق زهير غازي زاهد، ط صادر 1998.
[2] ماردة بنت شبيب: جارية أم ولد، تزوجها الرشيد فولدت له محمدا المعتصم، وأم حبيب أخت المعتصم، وماردة من مولدات الكوفة، وهي سغدية ونشأ أبوها في السواد (الطبري 8/360، 9/123) .
(1/153)

[أشعار في الغزل]
ابن عبد كان [1] الكاتب: [الرمل]
وكلانا مرتد صاحبه ... كارتداء السيف في يوم الوغا
بخدود شافيات من جوى ... وشفاه مرويات من ظما
نتساقى الريق فيما بيننا ... زقّ أمّات القطا زعب القطا
[عريب الشاعرة]
أبو عبد الله بن حمدون، قال: كانت عريب [2] تتعشق حامدا الخاقاني [3] ، فطرقته ليلة فجعل يعاتبها، فقالت له: يا جاهل، دع العتاب للكتاب، وأجعل قميصي مخنقي [4] .
أبو جعفر الوراق، وكان ينزل درب سليمان، قال: سمعت فتح بن سحرب يقول: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: أبو عبيد أعلم مني ومن الشافعي.
__________
[1] ابن عبد كان الكاتب: محمد بن عبد الله بن محمد، أبو جعفر المعروف بابن عبد كان، كاتب من كبار المنشئين، ولي البريد بدمشق وحمص، ثم كان على المكاتبات والترسل منذ أيام أحمد بن طولون إلى آخر أيام خمارويه بن أحمد، رسائله مدونة في عشر مجلدات، وله شعر، توفي سنة 270 هـ-. (الوافي بالوفيات 3/315) .
[2] عريب المأمونية: جارية المأمون، من أحسن النساء وجها، وأفصحهن لسانا، وأبلغهن بيانا، وأصنعهن كفا، وكانت شاعرة مفلقة، وكان المأمون يتعشقها وهي عند مولاها، توفيت سنة 277 هـ- عن 96 عاما.
(طبقات شعراء ابن المعتز ص 425- 426، الإماء الشواعر ص 135- 148، المستطرف من أخبار الجواري ص 37) .
[3] في الأغاني: محمد بن حامد.
[4] في الأغاني تفصيل وإيضاح أكثر، قالت: يا عاجز، خذ بنا فيما نحن فيه، وفيما جئنا إليه، وقال جحظة في خبره: اجعل سراويلي مخنقي، وألصق خلخالي بقرطي، فإذا كان غد فاكتب إليّ بعتابك في طومار. (الأغاني 21/83) .
المخنقة: القلادة، والطومار: الصحيفة، ودعوتها إلى المنكر واضحة.
(1/154)

لأبي بكر الصولي: [1] [الرجز]
وشعر حين بدا ... في صحن خدّ حسن
مثل الفريد لائحا ... في متن سيف يمني
ممّا تولّت غرسه ... فيه أكفّ الزّمن
[التفكر بأحوال الدنيا]
أبو العباس أحمد بن الحسين بن حمدان التميمي: [مجزوء الهزج]
أراني مهلكا نفسي ... بأطماع من الحدس
وما أصحى من الأطما ... ع إلا بالذي أمسي
مسافات من العمر ... تقضّيها منى النّفس
ألا هل موقظ قلبا ... رقود الفكر والحسّ
ليوم تصبح الأرض ... كأن لم تغن بالأمس
قال أبو العباس: حضر جماعة من الكتاب وكنت حاضرا، فقالوا: كنا نحبّ أن يكون قول الناس: كاف خائن خير من أمين مضيّع في نظم، فقالت جماعة من أهل الأدب في ذلك، وقلت هذه الأبيات: فاستحسنت واختيرت، وهي: [الخفيف]
صدق القائلون كاف خؤون ... حين يختار لا مضيع أمين
يتقصّى الكافي فان خان شيئا ... كان في جنب فضل لا يبين
والأمين المهين قد ضيّع الأص ... ل مدلا بقولهم فيه دين
__________
[1] أبو بكر الصولي: محمد بن يحيى بن عبد الله، نديم من أكابر علماء الأدب، نادم من الخلفاء العباسيين: الراضي والمكتفي والمقتدر، وله كتب منها: (الأوراق) في أخبار آل العباس وأشعارهم، و (أخبار الراضي والمتقي) و (أخبار الشعراء المحدثين) ، و (أدب الكاتب) ، وغيرها، توفي بالبصرة سنة 335 هـ-.
(تاريخ بغداد 3/427، وفيات الأعيان 1/508، نزهة الألبا ص 343، لسان الميزان 5/427) .
(1/155)

جحظة قال: كان يقال: الخرق [1] العجلة قبل الاستمكان، والدالة على السلطان. الصولي [2] : [مجزوء الوافر]
نصير شقائق الوجنات ... عذب مناهل القبل [52 ظ-]
قبول اللحظ والحركات ... غاية منتهى الأمل
[نصيحة عمرو بن عتبة]
ابن أبي خالد عن أبيه، قال: عمرو بن عتبة ورجل: تشتم بين يديّ رجلا ويلك، وما قالها لي قبلها ولا بعدها، نزّه سمعك عن استماع الخنا، كما تنزّه لسانك عن الكلام به، قال: السامع شريك القائل، وإنما نظر إلى شرّ ما في وعائه فافرغه في وعائك، ولو ردّت كلمة جاهل في فيه لسعد رادّها، كما شقي قائلها.
[موعظة سبيع الحنفي]
عبد الرحمن عن عمّه قال: أحسن ما قيل لمن أشير عليه يقبل الرأي، قول سبيع الحنفي لأهل اليمامة: يا بني حنيفة، بعدا لكم كما بعدت عاد [3] وثمود [4] ، والله لقد أنبأتكم بالأمر قبل وقوعه، كأني أسمع
__________
[1] الخرق: الجهل والحمق.
[2] الصولي: هو إبراهيم بن العباس أبو إسحاق، وقد مضت ترجمته، ولم أجد البيتين في ديوانه ضمن كتاب (الطرائف الأدبية) لعبد العزيز الميمني، ط- لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1937.
[3] عاد: نسبة إلى عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، جد جاهلي قديم، يقال إنه كان في بابل، ورحل بأهله إلى اليمن وكانت له ولبنيه عناية بالحضارة والعمران.
(المحبر ص 395 تاج العروس: (عاد) ، معجم البلدان: (حش إرم) ، الأعلام 3/242) .
[4] ثمود: نسبة إلى ثمود بن عابر بن إرم من بني سام بن نوح، كانت إقامته في بابل، ورحل عنها بعشيرته إلى الحجر (بين المدينة والشام) ثم انتشروا بين الشام والحجاز، وبقيت آثارهم في الحجر المعروفة اليوم بمدائن صالح.
(تاريخ العرب قبل الإسلام- جواد علي 1/250، 2/313- 137، مروح الذهب 1/77، الأعلام 1/101) .
(1/156)

جرسه [1] ، وأبصر غيبه، ولكنكم أبيتم النصيحة فاجتنبتم الندم، فأصبحتم وفي أيديكم من تكذيبي التصديق، ومن تهمتي الندامة، وأصبح في يدي من هلاككم البكا، ومن دلّكم [2] الجزع، وأصبح ما فات غير مردود، وما بقي غير مأمون، وإني لما رأيتكم تتهمون النّصح، وتسفهون الحليم، استشعرت منكم الناس، وخفت عليكم البلاء، والله ما منعكم الله عز وجل التوبة، ولا أخذكم على غرّة، ولقد امهلكم حتى ملّ الواعظ، ووهن الموعظ، وكنتم كأنما يعني بما أنتم فيه غيركم.
[من شعر ابن دريد]
لأبي بكر ابن دريد من أبيات: [3] [53 و] [الخفيف]
وحديث ألذ من رقدة الفج ... ر وأذكى من نفحة الروض طيبا
قد ترشّفته بسمعي والليل ... يصادي نجومه أن تغيبا [4]
وعقار تعلّم القبس المش ... عل منها شعاعها واللهيبا
قد هتكنا حجابها وهو ذنب ... وعسى الله أن يقيل الذنوبا
قال أعرابي لآخر: أراك لا تزال رطب اللسان من عيوب أصدقائك، فلا تردهم في إعدائك.
[متيم الهاشمية]
محمد بن سعد الكراني: [5] ............... .....
__________
[1] الجرس: الصوت، أو الصوت الخفي.
[2] الدّل: دل عليه، وثق بمحبته فأفرط عليه واجترأ عليه.
[3] لم ترد الأبيات في ديوان ابن دريد جمع راجي الأسمر، دار الكتاب العربي، بيروت 1995.
[4] يصادي: ينظر إليه ويتعرض له.
[5] في حاشية الأصل: (من ههنا من أمالي ابن الأنباري) .
ابن الأنباري: هو محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر الأنباري، من أعلم أهل زمانه في الأدب واللغة، ومن أكثر الناس حفظا للشعر والأخبار، توفي-
(1/157)

قال: كانت بالبصرة قينة يقال لها متيم [1] ، وكانت موصوفة بالجمال والحذق، فجاءت إلى الحسن بن عبيد الله العنبري، قاضي البصرة- وكان المعتصم ولاه- تستبيع [2] وتظهر التوبة، فباعها الحسن على مولاها، فلما كشفت عن وجهها افتتن الناس بها، مالت نفس القاضي إليها، فقال عبد الصمد بن المعذل: [3] [الطويل]
ولما سرت عنها القناع متيّم ... تروّح منها العنبريّ متيّما [4]
رأى ابن عبيد الله وهو محكّم ... عليها لها طرفا عليه محكّما
فان يصب قلب العنبريّ فقبله ... صبا باليتامى قلب يحيى بن أكثما [5]
[الحسن البصري مثال نادر]
حميد الطويل، قال: خطب رجل إلى الحسن [6] بنته، وكتب السفير
__________
- سنة 328 هـ، وكتاب الأمالي المذكور لم يطبع، قال الزركلي: وله الأمالي، اطلعت على قطعة منه كتبت في المدرسة النظامية، وعليها خط الحافظ عبد العزيز ابن الأخضر سنة 609 هـ- (الأعلام 6/334) .
قلت: لم يذكر الزركلي مكان وجوده هذه القطعة.
[1] متيم: هي متيم الهاشمية، كانت صفراء من مولدات البصرة، اشتراها علي بن هشام، وطلب المأمون أن يهبها له، فدافعه عن ذلك، كانت تقول الشعر (المستظرف من أخبار الجواري ص 62- 63) .
[2] تستبيع: توافق على البيع.
[3] عبد الصمد بن المعذل: سبقت ترجمته، والأبيات في ديوانه ص 174- 175.
[4] متيم الأولى: هي متيم الهاشمية السابق ذكرها، ومتيم الثانية من تيمه الحب، أي ذلله وولهه، والعنبري: قاضي البصرة الذي أمرها بأن تكشف قناعها عن وجهها.
[5] يحيى بن أكثم بن محمد التميمي: أبو محمد، قاض رفيع القدر، ولد بمرو واتصل بالمأمون فولاه قضاء البصرة، ثم قضاء القضاة في بغداد، ولما ولي المعتصم عزله عن القضاء، وفي زمن المتوكل رده إلى القضاء، ثم عزله وصادره، أخباره كثيرة، توفي سنة 242 هـ. (وفيات الأعيان 2/217، أخبار القضاة لوكيع 2/161- 167، ثمار القلوب ص 122) .
[6] الحسن: هو الحسن بن يسار البصري الواعظ الزاهد المتوفى سنة 110 هـ، سبقت ترجمته.
(1/158)

بينهما، قال: فانثنيت [53 ظ] عليه ذات يوم فقلت له: يا أبا سعيد، إنّ له خمسين ألفا، قال: فقال: ثبت [1] خمسون ألفا، ما اجتمعت من حلال، قال:
فقلت: يا أبا سعيد، إنه والله ما علمت لورع مسلم، قال: لئن كان جمعها من حلال، لقد ضنّ بها عن الحق، لا يجري الله بيننا وبينه صهر أبدا.
دعاء
اللهمّ قرّ عيني لما خلقتني له، ولا تشغلني بما تكلفت لي به، ولا تحرمني وأنا أسألك، ولا تعذبني وأنا استغفرك.
[من شعر عنترة]
محمد بن محمد، بن الزبير، قال: كان موسى بن جعفر [2] بن محمد عليه السلام يتشهّى هذا الشعر، ويقترحه لعنترة: [3] [الكامل]
وأنا المجرّب في المواطن كلّها ... من آل عبس منصبي وفعالي
ولئن صرمت الحبل يا ابنة مالك ... وسمعت فيّ مقالة العذّال
فلربّ حرب قد شددت ضرامها ... ومضيت قبل تلاحق الأبطال
قال لقمان لابنه: ذقت المرار، فلم أذق شيئا أمرّ من الفقر. [4]
__________
[1] في الأصل الكلمة غير معجمة إلا حرف التاء (ثبت) فقدرتها ثبت.
[2] موسى بن جعفر بن محمد: موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر، أبو الحسن سابع الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، كان من سادات بني هاشم، ومن أعبد أهل زمانه، وأحد كبار العلماء الأجواد، حبسه الرشيد في البصرة ثم نقله إلى بغداد، فتوفي فيها في السجن، وقيل قتل سنة 183 هـ. (وفيات الأعيان 2/131، صفة الصفوة 1/103، مقاتل الطالبيين ص 331، ميزان الاعتدال 3/29، تاريخ بغداد 13/27) .
[3] البيتان غير الثالث لعنترة في ديوانه ص 106 ط- دار الكتب العلمية بيروت 1992.
[4] قوله: (قال لقمان لابنه ... من الفقر) خرجة من الحاشية.
(1/159)

[توجيه بيتين في الشيب]
لبعضهم: [الخفيف]
خمّر الشيب لمّتي تخميرا ... وحدا بي إلى القبور البعيرا [1]
ليت شعري إذا القيامة قامت ... ودعي بالحساب أين المصيرا
نصيب (المصير) بشعري، وبناه على ليتني أشعر المصير أين هو، وحدا فعل للشيب، واللّمّة الشعر المجموع في الرأس ودونه الجمّة الوفرة [2] ، قالت عائشة: شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم دون الجمّة وفوق الوفرة. [54 و]
[حسين مني وأنا من حسين]
سعيد بن أبي راشد، أنه حدث، يعني ابن مرّة، أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطعام دعوا له، فإذا الحسين عليه السلام يلعب في صبية في السكة، فاستنتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام القوم، فبسط يديه، فطفق الغلام يفر هاهنا وهاهنا، ويضاحكه رسول الله صلى الله عليه، حتى أخذه، فجعل إحدى يديه تحت ذقنه، والأخري في فأس رأسه [3] ، ثم أقنعه فقبّله، قال: (حسين مني وأنا من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسينا، حسين سبط من الأسباط) [4] . استنسل: تقدم، وأقنعه: رفعه، ويقال: هم صبوة وصبية بالياء والواو.
__________
[1] خمّر الشيب لمتي: غير لونها وغطاها، واللمة: شعر الرأس المجاور شحمة الأذن، وهي دون الجمة. (اللسان: لمم) .
[2] الجمّة: مجتمع شعر الرأس، وهي أكثر من الوفرة، وقيل: الجمة من شعر الرأس ما سقط على المنكبين. والوفرة: الشعر المجتمع على الرأس، وقيل: ما سال على الأذنين من الشعر، والجمع وفار. (اللسان: جمم، وفر) .
وانظر في أوصاف الشعر: الزينة في الشعر الجاهلي- يحيى الجبوري ص 79- 82.
[3] فأس الرأس: طرف مؤخره المشرف على القفا.
[4] الحديث غير الجزء الأخير: (حسين سبط من الأسباط) في سنن الترمذي 3775، ومسند أحمد 4/172، ومجمع الزوائد 9/181، والجزء الأخير: في موارد الضمآن للهيثمي 2240، والسلسلة الصحيحة للألباني 1227، وتهذيب تاريخ دمشق 4/318.
(1/160)

[استسقاء عبد المطلب]
العباس بن هشام عن أبيه عن معروف بن خربوذ [1] المكي، قال:
قحطت بلاد قيس [2] ، فلم يكن لها مرعى، ولم تنبت كلا، فاجتمعت قيس للمشهورة وإجالة الرأي، فقالت فرقة منهم: انتجعوا [3] وادي تميم وبلاد بني العنبر، وقالت فرقة: إنّ تميما عدد كبير لا يفضل منهم ما يكفيكم، وقالت فرقة: لينتجع كل ولد أب منكم ولد أب من غيركم، فاعقدوا بينكم وبينهم حلفا يشركوكم في ريفهم، فقام رجل مجتمع الخلق، حسن الوجه، جيد الرأي [فقال] [4] : إنّ سيد البطحاء استسقى فسقي، واستشفع فشفّع، فاجعلوا قصدكم إليه، واعتمادكم عليه، فأنه أنجح للطلب، وأقرب للسبب. فارتحلت قيس وأسد وهذيل ومن داناهم [54 ظ] من مضر، حتى دخلوا على عبد المطلب بن هشام [5] ، فسلموا عليه وعظموه، فقال لهم: أفلحت الوجوه، فتكلم ذلك الرجل المشير، فقال: يا أبا الحارث، نحن ذوو أرحامك الواشجات [6] ، أصابتنا سنون مجدبات، أفقرن الغنيّ منا، وأهزلن السمين من شائنا وإبلنا، وقد بلغنا خبرك، وبان لنا أثرك، فاشفع لنا إلى مشفّعك، فقال: بالرحب
__________
[1] معروف بن خربوذ المكي: مولى عثمان، روى عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، وأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، وغيرهما، وذكره ابن حبان في الثقات. (تهذيب التهذيب 10 (230- 231) .
[2] قيس: قيس عيلان بن مضر بن نزار من عدنان، جد جاهلي، بنوه قبائل كثيرة منها هوازن وسليم وغطفان وفهم وعدوان وغني وباهلة. (جمهرة- زنساب العرب ص 480- 483) .
[3] انتجعوا: طلبوا الكلأ في مواضعه.
[4] ما بين معقوفتين زبادة يقتضيها السياق.
[5] عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف: أبو الحارث، زعيم قريش في الجاهلية، وأحد سادات العرب ومقدميهم، كانت له السيادة والرفادة، وهو جد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل:
اسمه شيبة، و (عبد المطلب) لقب غلب عليه، توفي بمكة سنة 45 ق هـ/ 579 م.
(الطبري 2/176، تاريخ الخميس 1/253، سيرة ابن هشام 4/57) .
[6] الواشجات: الأرحام المشتبكة المتصلة.
المجموع اللفيف* 6
(1/161)

والكرامة، والبركة والسلامة، إلهنا عظيم، وسيدنا كريم، يجيب الدعاء، ويشكف البلاء، موعدكم موعدكم [1] في غد جبل عرفات، ثم غدا في ولده وولد أبيه من بني عبد مناف، فصعد الجبل، ثم صفّ ولده مما يلي، وولد أبيه خلفهم، وسائر بطون العرب خلف ولد أبيه، ثم تقدمهم عبد المطلب حاسرا، ثم قال: اللهمّ ربّ البرق الخاطف، والريح العاصف، والرعد القاصف، مالك الرقاب، ومسبّب الأسباب، هذه مضر خير البشر، قد شعثت شعورها، ودبّت ظهورها، وغارت عيونها، ويبست جلودها، قد صاروا أنضاء بعد نعيم رغد وعيش في خفض [2] ، قد جاءوا إليك، وأناخوا بفنائك، يشكون سوء الحال، وشدة الزمان، وضعفا من الهزال، قد خلّفوا نساء صلعا، وأطفالا رضّعا، وبهائم رتعا، فافتح لهم اللهمّ ريحا ذرّارة، وسماء خرّارة [3] ، تضحك أرضهم، وتذهب ضرّهم، بسحابات مزن، تفرغ مطرا سحّا متداركا [4] ، متدفقا رويّا. فما فرغ عبد المطلب [55 و] من كلامه، حتى نشأت سحابة دكناء، لها دويّ، فرفع عبد المطلب رأسه فقال: إيه، هذا أوان خروجك فسحّي سحّا، يا معشر قيس، أرجعوا فقد سقيتم، فرجعت قيس وقد كثرت مياهها، واخضرّت أرضها، فلما مات عبد المطلب، زارت قيس قبره، فأقاموا عليه ثلاثا، ونحروا عنده البدن [5] ، وقالوا لا تلبسنّ النعال بمكة، فلم يزالوا كذلك حتى استسقى أبو طالب فسقي، فلبست قيس النّعال.
قال العباس بن هشام قال: وإنما سقي عبد المطلب وأبو طالب ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن عباس قال: لما مات جدي عبد المطلب بن هاشم نفرت قيس
__________
[1] كذا في الأصل الكلمة مكررة مرتين.
[2] الخفض: الدعة وسعة العيش.
[3] الخرارة: التي يجري ماؤها جريا شديدا.
[4] سحا: أي مطرا منصبا متتابعا. متداركا: يتبع بعضه بعضا.
[5] البدن: بسكون الدال وضمها، جمع البدنة، ناقة أو بقرة تنحر بمكة قربانا، وكانوا يسمنونها لذلك.
(1/162)

وهذيل ومن داناهم من مضر، وأقاموا على قبره أياما، وتحالفوا ألا يدخلوا مكة إلا حفاة، فدخلوا على عبد مناف بن عبد المطلب، وهو أبو طالب [1] يعزونه، ولم يكن له إذ ذاك ولد أسنّ منه فتكلمت هذيل فقالوا: يا أبا طالب:
هدمتنا مصيبتك، وهدّتنا رزيّتك، فخطب لعمرك جسيم، ومصاب عظيم، مات ربيع الناس، ومعوّذ الناس [2] ، ذو الوجه الأغر، ملك فقدر، وولد فأكثر، فعظّم الله أجرك، وجبر كسرك، فأنت أبا طالب. خير خلف من أكرم سلف.
ثم تكلمت بنو أسد فقالوا: يا أبا طالب، علينا بعقد أبي الحارث ساقي الحرم، ومعلم الكرم، عاش فحمد، ومات ففقد، مصيبته عظيمة: [55 ظ] ورزيّته جسيمة وأنت وارث الجود، ومعدن الوفود، ولا تجري الأسود إلا مع الأسود.
ثم تكلمت غطفان فقالوا: أبا طالب، وترنا الزمان [3] ، واجتاحنا الحدثان، [4] ، بالأغرّ الأبلج [5] ، والملك المتوجّ، علن الجود إذا علن، وفقد الجود إذا هلك، ولنعم الثّمرة أنت من تلك الشجرة.
ثم تكلمت هوازن فقالوا: يا أبا طالب، موت أبي الحارث خطب جليل ثقيل، كان شفيعا لمن شفع، عزّا لمن شسع، لا تخمد ناره، ولا يخاف جاره، وأنت بعده تمنع فقده، وتشد عقده.
ثم تكلم أبو عفير، فقال: أبا طالب، أصبحت رأس الحسب، وسيد
__________
[1] أبو طالب: عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم القرشي، والد علي رضي الله عنه، وعم النبي صلى الله عليه وسلم، وكافله ومربيه وناصره، كان من رؤساء بن هاشم والخطباء العقلاء، وله تجارة سائر قريش، توفي سنة 3 ق هـ/ 620 م.
(طبقات ابن سعد 1/75، ابن الأثير 2/34، تاريخ الخميس 1/299) .
[2] المعوذ: الذي يستجير به الناس، ويلتجئون إليه.
[3] وترنا الزمان: أصابنا بمكروه
[4] الحدثان: الليل والنهار
[5] الأغر: المشهور والمبارك، النضر: المسرور الواضح.
(1/163)

العرب، فاشدد حبوة المجد، واعقد تاج السؤدد، ولمأثرات عبد المطلب.
فقال أبو طالب في ذلك: [1] [الطويل]
أبو نا شفيع الناس حتى سقاهم ... من الغيث رجاف العشيّ بكور
ونحن سنين المحل قام شفيعنا ... بمكّة يدعو والمياه تغور
فلم تبرح الأقدام حتى رأت بها ... سحابات مزن صوبهنّ درور
فما برحت حتى سقى الله أرضها ... بشيبة غيثا فانبات نضير [2]
[شعر للفضل بن العباس]
وقال الفضل بن العباس [3] بن عتبة بن أبي لهب: [الكامل]
جدي الذي حجّت نزار قبره ... جزعا عليه فما تريد زيالا
وله تحالفت القبائل كلّها ... أن يخلعوا جزعا عليه نعالا
[56 و]
[تأويل وتفسير]
قال أبو بكر: ويروى بيت أبو طالب [4] رضي الله عنه:
إبونا شفيع الناس حتى سقوا به ... من الغيث رجاف العشيّ بكور
فرجاف يرتفع بفعل مقدر: حتى سقوا به من الغيث سقاهم رجّاف، كما قالت العرب: أكل طعامك عبد الله بن، بدون أكله عبد الله، وكما قرأ أبو
__________
[1] هذه الأبيات لم يحوها ديوان أبي طالب جمع محمد التونجي ط- طار الكتاب العربي، بيروت 1997، ولا غيره.
[2] شيبة: هو عبد المطلب بن عبد مناف. سبقت ترجمته.
[3] الفضل بن العباس بن عتيبة بن أبي لهب: من قريش، شاعر من فصحاء بني هاشم، كان معاصرا للفرزدق والأحوص، وله معهما أخبار، مدح عبد الملك بن مروان، وهو أول هاشمي مدح أمويا فأكرمه، يقال له (الأخضر) لأنه كان شديد السمرة، جاءته من جدته الحبشية، توفي سنة 95 هـ.
(نسب قريش ص 90، سمط اللآلئ ص 701، سرح العيون ص 191) .
[4] رفع (أبو طالب) على الحكاية، وحقه الجر بالإضافة.
(1/164)

طالوت [1] : (وما يخدعون إلا أنفسهم) [2] ، ويروي بيت توبة بن الحميّر [3] :
[الطويل]
حمامة بطن الواديين ترنّمي ... سقيت من الغرّ الغوادي مطيرها [4]
بمعنى سقيت من الغوادي سقاك مطيرها.
[حكيم يوصي بنيه]
الأصمعي عن أبيه قال: قال بعض الحكماء لبنيه: يا بنيّ، تجنبوا ثماني خصال، فمن تعرّض لواحدة منهنّ فلا يلومنّ إلا نفسه، لا يكوننّ منكم الحدّث من لا يسمع منه، ولا داخل بين اثنين لم يدخلاه بينهما، ولا من يأتي دعوة لم يدع إليها، ولا من يجلس في مجلس لا يستحقه، ولا طالب للفضل من أيدي اللئام، ولا متعرّض للخير من يد عدوه، ولا المتحمّق بالدالّة، ولا المتكلف ما لا يعنيه.
[مقتل أبي مسلم الخراساني]
الفضل بن الربيع [5] عن أبيه قال: لمّا همّ أبو جعفر المنصور بقتل أبي
__________
[1] أبو طالوت الشامي: في طبقات ابن سعد: أخبرنا قتيبة بن سعد اللخمي، أخبرنا ليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن أبي طالوت قال: دخلت على أنس بن مالك وهو يأكل القرع، وهو يقول: يا لك شجيرة ما أحبك إليّ لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياك.
(طبقات ابن سعد 1/299، وفي التهذيب 12/136: أبو طالوت الشامي عن أنس في أكل القرع، وعن معاوية بن صالح الحضرمي، قلت: قال الذهبي (لا يدرى من هو) .
[2] البقرة 9.
[3] البيت من قصيدة لتوبة بن الحمير في ديوانه ص 36 تحقيق خليل العطية، ط- بغداد 1968.
[4] في الديوان:
(الواديين ألا انعمي ... سقاك من الغر) .
الغوادي: ما أمطر في الغداة، والروائح بالعشي، والسواري بالليل.
[5] الفضل بن الربيع بن يونس: أبو العباس، وزير أديب حازم، كان أبوه وزيرا للمنصور العباسي، استحجبه المنصور، وفي زمن الرشيد كان من كبار خصوم البرامكة، فلما-
(1/165)

مسلم [1] [2] ، وهو بالرومية، رومية المدائن [3] ، قال: فقال لعثمان بن نهيك وللمسيّب: كونا من وراء المضرب [4] ، فاذا أنا صفقت بيدي فاخرجا إليه بسيفيكما، قال: واتخذ سيفا تحت ثني فراشه وانتضاه، قال، وقال لي [56 ظ] : إذا هو أتاك فسكّنه وأعلمه أني نائم، ثم استأذن له عليّ، قال: فلما أقبل أبو مسلم إلى باب المضرب تلقاه عثمان بن نهيك [قائلا] : كأنك أكلت الدفلى [5] ، فقال: خير أصلح الله الأمير، قال: فقال للربيع: استأذن لي، قال، فقال: أمير المؤمنين نائم، فتنزل أصلح الله الأمير ثم أستأذن لك عليه، قال، فقال: أعود، ومضى إلى عيسى بن موسى [6] ، فتحدث عنده، قال: ثم
__________
- نكبهم الرشيد، كان الفضل قد نكّل بهم، انضم إلى الأمين في صراعه مع المأمون، ولما ظفر المأمون استتر الفضل ثم عفا عنه المأمون، وأهمله بقية حياته، توفي بطوس سنة 208 هـ.
(وفيات الأعيان 1/412، البداية والنهاية 10/263، تاريخ بغداد 12/343) .
[1] أبو مسلم الخراساني: عبد الرحمن بن مسلم، مؤسس الدولة العباسية، وأحد كبار القادة، اتصل بابراهيم بن الإمام، فأرسله إبراهيم إلى خراسان داعية، وقاد جيشا لمقاتلة مروان بن محمد فهزمه، خاف أبو جعفر المنصور من طموح أبي مسلم، فقتله غدرا برومة المدائن، كان فصيحا بالعربية والفارسية داهية حازما، قتل سنة 137 هـ.
(وفيات الأعيان 1/280، الطبري 9/159، البدء والتاريخ 6/78- 95) .
[2] وانظر في قتل المنصور لأبي مسلم، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار لابن فضل الله العمري السفر الرابع والعشرين تحقيق يحيى الجبوري، ط- المجمع الثقافي، أبو ظبي.
[3] رومية المدائن مسكن الملوك من الأكاسرة الساسانية، فكان كل واحد إذا ملك بنى لنفسه مدينة إلى جنب التي قبلها، وسماها باسم، منها طيسفون ثم اسفانير، ثم مدينة يقال لها رومية، فسميت المدائن بذلك، وكان فتح المدائن على يد سعد بن أبي وقاص سنة 16 هـ، في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه. (ياقوت: المدائن) .
[4] المضرب: الفسطاط العظيم.
[5] الدفلى: نبت مر زهره كالورد الأحمر، يتخذ للزينة.
[6] عيسى بن موسى بن محمد العباسي: أمير من الولاة القادة، وهو ابن أخي السفاح، ولاه عمه الكوفة وسوادها سنة 132 هـ، وجعله ولي عهد المنصور، فاستنزله المنصور عن ولاية العهد سنة 147 هـ، وعزله عن الكوفة، وجعل ولاية العهد لابنه-
(1/166)

أرسل إلى الربيع [1] : إذا انتبه أمير المؤمنين فابعث إليه، قال: فلما انتبه أرسل إليه، وكان أبو جعفر تقدّم إليّ فقال: إذا صار أبو مسلم بين السترين وانقطع من أصحابه، فخذ السيف من عنقه، قال: فأقبل فقال له: ادخل أصلح الله الأمير، فلما صار بين السترين وانقطع من أصحابه، وقد كان أبو جعفر أعدّ فيه الرجال من خاصّته، قال: فتناولت سيفه، فقال: خلّ لا أمّ لك، قال قلت: أصلح الله الأمير، إنّ هذا أمر جدّ بعدك، ليس يدخل على أمير المؤمنين أحد بسيف، قال: فأخذته من عنقه قال: فدخل، وإذا أبو جعفر قد جعل رجليه مما يلي الباب وهو مستلق، وقد ألقي مقعد دون الفراش، قال:
فسلّم، فلم يردد [2] عليه السلام، يوهمه أنه نائم، قال: فصار أبو مسلم في المقعد، وتناول رجل أبي جعفر ليقبّلها، قال: فدفعه برجله، ثم استوى جالسا، قال: فعاتبه مليا، حتى قال: فيم قتلت فلانا؟ قال: أمرني الإمام أن أقتل كلّ من أتّهمه، وإني اتّهمته فقتلته، قال فقال: [57 و] له: كتبت يا ابن اللخناء [3] كان خيرا منك، قال: يا أمير المؤمنين، إنك قد غضبت، فتأذن لي فانصرف، ثم آتيك [وأنت] راض، قال، فقال: كلا، ثم صفّق بيديه فهابه الرجلان، قال: فوثب أبو جعفر إلى السيف فأخذه من ثني فراشه، ثم علاه به، قال، فقال: استبقني يا أمير المؤمنين، قال، فقال: لا أبقاني الله إذن، قال: وسمع الرجلان وقع السيف بأبي مسلم، المسيّب وعثمان بن نهيك،
__________
- المهدي، فلما ولي المهدي خلعه بعد تهديد ووعيد، فأقام بالكوفة إلى أن توفى سنة 167 هـ.
(ابن الأثير 6/25، الطبري 10/8. دول الإسلام للذهبي وفيات سنة 168، أشعار أولاد الخلفاء ص 309- 323) .
[1] الربيع بن يونس بن محمد بن أبي فروة: من موالي بن العباس، أبو الفضل، وزير من العقلاء، اتخذه المنصور حاجبا، ثم استوزره، عاش إلى خلافة المهدي، وحظي عنده، توفي سنة 169 هـ.
(تاريخ بغداد 8/414، وفيات الأعيان 1/185، تهذيب ابن عساكر 5/308) .
[2] كذا جاءت بالأصل (يردد) ، والوجه (يردّ) .
[3] اللخناء: المنتنة، وهي كلمة يراد بها السباب والشتيمة.
(1/167)

فخرجا يبتدرانه بسيفيهما، قال، فقال: إليكما عني لا نصر الله من نصرتما، قال: فلم يزل يضربه بسيفه حتى برد. قال الأصمعي: كان المنصور أشدّ من الحارث بن ظالم [1] .
[بنو نمير وبنو قشير]
العتبي قال: زعم أبو أمية القرشي قال: اجتمع قوم في حلقة في المسجد الجامع بالبصرة، فأنشد رجل منهم من بني قشير بيت زياد الأعجم [2] وقلبه: [الوافر]
لعمرك ما رماح بني قشير ... بطائشة الصدور ولا قصار
وإنما قال زياد: لعمرك ما رماح بني نمير [3] وفي الحلقة رجل من بني نمير، فأنشد النميري: [4] [الوافر]
فغض الطّرف إنّك من قشير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
فقال القشيري: هذا والله من بني نمير، فقال النميري: هما والله من قبيلة واحدة [5] ، فان شئت فخذهما جميعا، وإن شئت فدعهما جميعا.
__________
[1] الحارث بن ظالم بن غيظ المري: أشد فتاك العرب في الجاهلية، نشأ يتيما، قتل أبوه وهو طفل، وشبّ فآلت إليه سيادة غطفان بعد مقتل زهير بن جذيمة، وفد على النعمان فالتقى بقاتل أبيه جعفر بن خالد العامري، ثم قتله، ونشبت لأجل ذلك معارك، قتل في حوران سنة 22 ق هـ/ 600 م.
(ابن الأثير 1/200- 204، المحبر ص 192 أمثال الميداني 2/24، خزانة الأدب 3/185) .
[2] زياد الأعجم: زياد بن سليمان، أبو أمامة العبدي، مولى عبد القيس، من شعراء الدولة الأموية، فصيح الشعر، كانت في لسانه عجمة فلقب بالأعجم، كان هجّاء، وأكثر شعره في مدح أمراء عصره، وهجاء بخلائهم، توفي سنة 100 هـ.
(معجم الشعراء 4/221، الأغاني 14/98- 105، خزانة الأدب 4/193) .
[3] البيت من قطعة لزياد الأعجم في مجموع شعره ص 119 ط- دمشق 1983.
[4] البيت لجرير من قصيدة في هجاء الراعي النميري في ديوانه ص 63 ط- صادر، برواية: فغض الطرف إنك من نمير.
[5] بنو نمير من عامر بن صعصعة (جمهرة الأنساب ص 279) ، وبنو قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة..
(1/168)

[العظاءة]
قال أبو بكر: في العظاية ثلاث لغات، يقال: هي العظاءة [1] ، وهي أفصحها، وهي العظاية والعظاء، قصروا والثالثة أردؤها [57 ظ]
[جنازة ابن هرمة]
عن شيخ يقال له: أبو بكارة أنه قال وذكر بيت ابن هرمة: [2] [الخفيف]
ما أظنّ الزمان يا أمّ عمرو ... تاركا إن هلكت من يبكيني
قال أبو بكار: فرأيت جنازة ابن هرمة يحملها أربعة [3]
[جزاء من نسي الجائزة]
محمد بن عمر، وكان أديبا، قال: قدم على عبد الله بن مالك [4] رجل فمدحه، فأقام ببابه ينتظر صلته، فسها عنه حتى عقد له هارون في جيش عظيم ليخرج إلى خراشة [5] ، وركب هارون يشيّعه، فقصد له الشاعر وقال: يا أمير المؤمنين، نصيحة، قال: وما هي؟ قال: [الكامل]
لا ترسلنّ إلى ربيعة غيرها ... إنّ الحديد بغيره لا يقطع
__________
- (جمهرة الأنساب ص 289) فكلا القبيلتين من أصل من أصل واحد هو عامر بن صعصعة.
[1] العظاءة: دوبية من الزواحف ذوات الأربع، تعرف في مصر بالسحلية، وفي سواحل الشام بالسقاية، ومن أنواعها الصّباب وسوام أبرص. (المعجم الوسيط: عطى) .
[2] البيت من قطعة لابن هرمة في شعره ص 218، ط- دمشق، مجمع اللغة الغعربية.
[3] الخبر في الأغاني 4/389، عن الزبير بن بكار، وذكر البيت، قال: (فكان والله كذلك، لقد مات فأخبرني من رأى جنازته ما يحملها إلا أربعة نفر، حتى دفن بالبقيع) ، البقيع: مقبرة أهل المدينة. (ياقوت: البقيع) .
[4] عبد الله بن مالك: قائد من قواد المهدي العباسي، وكان على الشرطة في زمن الهادي سنة 169 هـ، وللمهدي سنة 170 هـ، أدرك زمن الأمين وكان من قواده سنة 197 هـ. (الطبري 8/175، 185، 371، 372) .
[5] في حاشية الأصل: (بخط الوزير، قال عيسى النسابة: هو خراشة الشيباني الشاري) .
خراشة الشيباني: خرج محكّما، فقتله مسلم بن بكار العقيلي في سنة 180 هـ (الوافي بالوفيات- الصفدي 13/301، والخبر في الطبري 8/266) .
(1/169)

ارسل يزيد فانّه يكفيكها ... ماذا بقتل خراش جندك تصنع
لو كنت فيهم كان عودي ناضرا ... بل حالفت قومي خلائق أربع
صعر الرؤوس وذلّة ومهانة ... ولدى الحروب من الثعالب أخشع [1]
قال: وكان الرجل من اليمن، فدعا هارون يزيد فولاه الجيش، وعقد له، وردّ عبد الله معه، وأمر للشاعر بمئة ألف، وأمر له يزيد بمثلها [2] .
[مصرع بطل من الشراة]
عن أحمد بن سيّار قال، قال يزيد بن مزيد لأصحابه، وهو [يريد أن يواقع] [3] الوليد بن طريف من الغداة، وكان بنصيبين [4] ، وولد له خالد بن يزيد في تلك الليلة: ابشروا، فإنه لم يولد لي غلام قط في حرب إلا رزقت الظّفر، وكان الوليد بكفر توثا [5] ، وكان هارون قد أرسل [58 و] مع يزيد رجلا من أهل بخارى في فرسان من أهل بلاده عينا على يزيد ومحاربا [6]
__________
[1] صعر الرؤوس: أي بهم ذلة مائلة رؤوسهم، والصّعر: داء في العنق لا يستطاع معه الإلتفات.
[2] يزيد: هو يزيد بن مزيد بن زائدة الشيباني، أبو خالد، أمير من القادة الشجعان، كان واليا على أرمينية وأذربيجان وانتدبه هارون الرشيد لقتال الوليد بن طريف الشيباني عظيم الخوارج في عهده، فقتل ابن طريف سنة 179 هـ، وعاد إلى أرمينية، وكان فيما وليه اليمن، وأخبار شجاعته وكرمه كثيرة، توفي في أذربيجان سنة 185 هـ. (تاريخ بغداد 14/334، وفيات الأعيان 2/283، مرآة الجنان 1/400) .
[3] العبارة في الأصل: (وهو على بن واقع الوليد) ، والاضطراب واضح.
[4] نصيبين: مدينة عامرة من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من الموصل إلى الشام، وفيها وفي قراها أربعون ألف بستان، بينها وبين سنجار تسعة فراسخ. (ياقوت: نصيبين) .
[5] كفر توثا: قرية كبيرة من أعمال الجزيرة، بينها وبين دارا خمسة فراسخ، وهي بين دارا ورأس عين، بينسب إليها قوم من أهل العلم، وكفر توثا أيضا من قرى فلسطين.
(ياقوت كفر توثا) .
[6] الوليد بن طريف بن الصلت التغلبي الشيباني: ثائر من الأبطال، كان رأس الشراة في زمنه، خرج بالجزيرة الفراتية سنة 177 هـ في خلافة هارون الرشيد، وحشد جموعا كثيرة، وكان يتنقل بين نصيبين والخابور وتلك النواخي، فسيّر الرشيد إليه جيشا بقيادة يزيد بن مزيد الشيباني، فظهر عليه يزيد بعد حرب شديدة سنة 179 هـ، وقد رثته-
(1/170)

للوليد، ولم يكن تحت يد يزيد، فلما نظر إلى الوليد، قال البخاري ليزيد:
دعني وإياه، فقال له يزيد: أنا أبصر بقتال العرب منكم، إنّكم ترمونهم بالنشاب، وإنهم يداخلونكم بالسيوف والرماح، قال: هذا حسد منكم لأهل خراسان، ومحاباة لابن عمك [1] قال له: فدونك.
فلقي الوليد فهزمه الوليد، وقتل في أصحابه، والتقى يزيد والوليد، فكانت الحرب بينهما على السواء، وخرج رجل من أصحاب الوليد، فدعا البراز، فخرج إليه، يزيد فقتله، فانهزم الوليد،. وعدّوا القتلى بينهما، فاذا ثلاثون قتيلا من أصحاب يزيد، وثلاثون رجلا من أصحاب الوليد، وعبر الوليد الفرات، وتبعه يزيد، وقد كان أسد بن يزيد أصابته ضربة في جبينه في ذلك اليوم، قال محمد بن عبد الله فحدثني هدبة أخو مهدي الشاري قال:
ضرب أسدا تلك الضربة حوقل، وكان لحوقل سيف يقال له النحّار، لا يمرّ بشيء إلا هتكه، فرجع أسد ألى أبيه وبه تلك الضربة، والدماء على وجهه، فقال: من ضربك هذه الضربة؟ قال: حوقل، قال: ما يسرني أنها في الحائط دون جبينك، عد إلى الحرب، والله لئن عدت إليّ لأضربنّ عنقك.
قال: وتبع يزيد الوليد، وعبر الفرات خلفه، وأرسل أسدا ابنه، وبكر بن مزيد أخاه ينفضان الطريق، ويتعرفان خبر الوليد، فلقيهما أعرابي [58 ظ] راجل، فقالا له: ممن أنت؟ قال: من بني شيبان، قالا: ونحن من بني شيبان، أنا أسد بن يزيد، وهذا بكر عمّي: فأنفسكما من الوليد، فاني تركته مع أصحابه بالحديثة، [2] قد حطّوا عن دوابهم.
__________
- أخته الفارعة بقصيدة منها البيت المشهور:
أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنّك لم تجزع على ابن طريف
(ابن الأثير 6/47، النجوم الزاهرة 2/95، وفيات الأعيان 2/179) .
[1] قوله: لابن عمك، يريد أن يزيد بن مزيد والوليد بن طريف كلاهما من شيبان.
[2] الحديثة: حديثة الموصل، وهي بليدة كانت على دجلة بالجانب الشرقي قرب الزاب الأعلى، وكانت مدينة قديمة فخربت، وبقيت آثارها، فأعادها مروان بن محمد إلى العمارة. حديثة الفرات: وتعرف بحديثة النورة، وهي على فراسخ من الأنبار، وبها قلعة حصينة في وسط الفرات والماء يحيط بها. (ياقوت: الحديثة) .
(1/171)

قال: فقصده يزيد بن مزيد، وركب الوليد بن طريف مع ركب معه من أصحابه، فقال لهم الوليد: من صدقت نيّته، وعزم على أن يموت فليتبعني، ومن ظنّ أنه لا يصبر فليدعني فأقبل في نفر يسير، فلما بدا له علم يزيد قال:
هذا علم الشيخ، وحمل على خيل يزيد، وهو يقول: [1] [الطويل]
إذا كنت مقتولا فكن أنت قاتلي ... وبعض منايا اليوم أكرم من بعض
وكرّ عليه بكر بن مزيد، وأسد بن يزيد وعدّة من أصحاب يزيد، فضربوه على رأسه فقتلوه، فبعث يزيد برأسه مع شراحيل بن معن بن زائدة إلى هارون الرشيد، فسجد هارون عند ذلك.
قال أحمد بن سيار، وقال مروان بن أبي حفصه: [2] [الطويل]
أتانا شراحيل بن معن برأسه ... وشرّ رؤوس القوم رأس وليد
فقال يزيد لمروان: لم هجوتني حين زعمت أنّي قتلت شرّ الناس؟ كان ينبغي أن تمدحه بالشجاعة، ثم تذكر قتلي إياه.
فلما دخل يزيد بغداد، لم تبق عذراء إلا ما شاء الله، ولا امرأة ولا رجل إلا وقفوا ليزيد ويشرفوا عليه من السطوح، وبلغ عند هارون مبلغا عظيما.
[أخت الوليد بن طريف ترثيه]
لأخت الوليد بن طريف الشاري ترثيه: [3] [الطويل]
بتلّ نهاكى رسم قبر كأنّه ... على جبل فوق الجبال منيف [4]
__________
[1] انظر خبر مقتله في الطبري 8/361، حوادث سنة 179 هـ.
[2] لم أجد البيت في شعر مروان بن أبي حفصة، ط- دار الكتاب العربي بيروت 1993.
[3] القصيدة في وفيات الأعيان 6/32- 33 بزيادة أبيات، وكذلك في حماسة البحتري ص 276، وحماسة ابن الشجري ص 89، والأغاني 12/113- 115 ط- بيروت، ومعاهد التنصيص 3/159- 161، والحماسة البصرية 2/228، مع زيادة أو نقص في أبيات القصيدة، وبعضها في زهر الآداب 4/1036، وأمالي القالي 2/274.
[4] لم أجد (تل نهاكي) في معجم البلدان، وفي حماسة البحتري (تل نباثا) أو (تل تباثا) .
(1/172)

تضمّن مجدا عدمليا وسؤددا ... وهمّة مقدام ورأي حصيف [1]
فيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنّك لم تحزن على ابن طريف [2]
فتى لا يحبّ الزاد إلا من التّقى ... ولا الكنز إلا من قنا وسيوف [3]
ولا المال إلا كلّ جرداء شطبة ... معاودة للكرّ بين صفوف [4]
كأنّك لم تشهد هناك ولم تقم ... مقاما على الأعداء غير خفيف
ولم تستلم يوما لورد كريهة ... من السّرد في خضراء ذات رفيق
ولم تسع يوم الحرب والحرب لا قح ... وسمر القنا ينهزنها بأنوف
حليف الندى ما عاش يرضى به الندى ... فان مات لا يرضى الندى بحليف
فقدناك فقدان الربيع وليتنا ... فديناك من فتياننا بألوف
إلا يا لقوم للحمام وللبلى ... وللأرض همّت بعده برجوف [5]
وللبدر من بين الكواكب إذ هوى ... وللشمس لّما أزمعت بكسوف [6]
ولليث كلّ الليث إذ يحملونه ... إلى حفرة ملحودة وسقيف
فان يك أراده يزيد بن مزيد ... فربّ زحوف لفّها بزحوف
ولا تجزعا يا ابني طريف فانّنى ... أرى الموت وقّاعا بكلّ شريف [7]
__________
[1] العدملي: كل مسن قديم. (القاموس: عدمل) .
وفي المصادر الأخرى:
(تضمن جودا حاتميا ونائلا ... وسورة مقدام ورأي حصيف)
[2] الخابور: نهر كبير بين رأس عين والفرات من أرض الجزيرة، وولاية واسعة، وبلدان جمة غلب عليها اسمه، قال ياقوت: وفيه من أبيات أخت الوليد بن طريف ترثي أخاها، وذكر بيتين. (ياقوت: الخابور) .
[3] في المصادر: (ولا المال إلا من قنا وسيوف)
[4] في الوفيات ومعاهد التنصيص: (ولا الذخر إلا كل جرداء صلدم) .
وفي الأغاني:
(ولا الخيل إلا كل جرداء شطبة ... وكل حصان باليدين عزوف)
الجرداء: القصيرة الشعر، والشطبة من الخيل: السبطة اللحم الطويلة.
[5] في معاهد التنصيص: (همّت بعده برجيف) .
[6] في الأغاني: (وللشمس همت بعده بكسوف) .
[7] في الوفيات والحماسة البصرية ومعاهد التنصيص: (عليه سلام الله وقفا فإنني) .
(1/173)

[أبيات مختارة] [59 ظ]
عن أبي عكرمة الضبي قال: قال بعض العرب: كان لنا نوتيّ [1] يسنو على سانية لنا، فاذا كان الليل، رطن برطانة له، يأخذه عليها طرب، فمرّ بنا نوتي يحسن العربية، فسألناه: ما يقول؟ فقال: يقول: [الطويل]
فقلت لها أنّى اهتديت لفتية ... أناخوا بجعجاع قلائص سهّما [2]
فقالت: كذاك العاشقون ومن يخف ... عيون الأعادي يجعل الليل سلّما
أنشد أبو العباس أحمد بن يحيى: [3] [الطويل]
ولما أبت إلا صدودا بودّها ... وتكديرها الشّرب الذي كان صافيا
شربنا برنق من هواها مكدّر ... وليس يعاف الرّنق من كان صاديا [4]
قال لبيد: [5] [الطويل]
تخاف ابنتاى أن يموت أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر [6]
وفي ابني نزار أسوة إن نظرتما ... وإن تسألاهم تلقيا فيهم الخبر [7]
فان حان يوما أن يموت أبوكما ... فلا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر [8]
__________
[1] النوتي الملاح الذي يدير السفينة في البحر، والمراد هنا الذي يخرج الماء من البئر.
يسنو: يخرج الماء من البئر أو النهر ويسقي بالدواليب ونحوها.
[2] الجعجاع: الأرض، ومناخ سوء لا يقر فيه صاحبه (القاموس: جعع) القلائص: جمع القلوص من الإبل الفتية المجتمعة الخلق: السهّم: الإبل الضامرة التي غيرها التعب والجهد.
[3] أبو العباس ثعلب: مضت ترجمته، والبيتان في وفيات الأعيان في ترجمة الأصمعي 3/174 ط- إحسان عباس.
[4] الرنق: الماء الكدر فيه قذى.
[5] القطعة للبيد بن ربيعة العامري في ديوانه ص 213.
[6] في الديوان: (تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما)
[7] في الديوان:
(وفي ابني نزلر أسوة إن جزعتما ... وإن تسألاهم تخبرا فيهم الخبر)
[8] في الديوان:
(فقوما فقولا بالذي قد علمتما ... ولا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر) .
ورواية الأصل جاءت في الموشح أيضا ص 7 والأغاني 14/98.
(1/174)

وقولا هو المرء الذي لا كريمة ... أضاع ولا خان الأمين ولا غدر [1]
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
كمسمعتين يندبان بعاقل ... أخا ثقة لا عين منه ولا أثر [2]
[الأحنف يسكت معاوية]
ابن زنجويه باسناد له قال: قام معاوية خطيبا فقال: [وإن من شئ إلا عند الله خزائنه، وما ننزّله إلا بقدر معلوم] [3] [60 و] ، فلم نلام نحن؟ فقال إليه الأحنف بن قيس [4] فقال: يا معاوية، إنّا والله ما نلومك على ما في خزائن الله تعالى، إنما نلومك على ما أنزل الله علينا من خزائنه فأغلقت بابك عليه، فسكت معاوية.
[بثينة في نظر جميل]
عن جعفر بن كثير قال: [5] دخلت حماما بمصر يعرف بحمام التين،
__________
[1] في الديوان:
(الذي لا خليله ... أضاع ولا خان الصديق ولا غدر) .
[2] في الديوان:
(ونائحتان تندبان بعاقلأ ... خا ثقة لا عين منه ولا أثر) .
عاقل: واد لبني أبان بن دارم من دون بطن الرمة، وهو يناوح منعجا من قدامه وعن يمينه، أي يحاذيه، وقال ابن الكلبي: عاقل جبل كان يسكنه الحارث آكل المرار جد امرئ القيس، ويقال: عاقل واد بنجد. (ياقوت: عاقل) .
[3] الحجر 21.
[4] الأحنف بن قيس بن معاوية المنقري السعدي التميمي: أبو بحر سيد تميم، وأحد الدهاة الفصحاء الشجعان الفاتحين، يضرب به المثل في الحلم، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وفد على عمر بن الخطاب، شهد الفتوح واعتزل الفتنة يوم الجمل، ثم شهد صفين مع علي بن أبي طالب، كانت له مواقف مع معاوية وجدل، وكان معاوية يحتمله لمكانته في قومه، وكان معاوية يقول: هذا إذا غضب غضب له مائة ألف سيف لا يدرون فيم غضب، توفي سنة 72 هـ. (وفيات الأعيان 1/230، طبقات ابن سعد 7/66، تهذيب ابن عساكر 7/10) .
[5] في حاشية الأصل: (من ههنا من أمالي ابن دريد) . قال الزركلي: ولم يصل منه غير الجزء السابع، وهو مخطوط في خزانة الرباط، وهو صغير كتب في دمشق سنة 641 هـ. (الأعلام في ترجمة ابن دريد 6/80) .
(1/175)

فبينا أنا فيه، إذ دخل رجل ما رأيت مثل جماله وجسمه لرجل، فقلت له: من أنت؟ أنا جميل، فقلت جميل بثينة؟ [1] فقال: نعم، فقلت: قد ملأت بها بلاد الله تنويها، وصار اسمها لك نسبا، وإني لأظنها حديدة العرقوب، دقيقة الظنبوت [2] ، كثيرة وسخ المرافق، فضحك وقال: يا ابن أخي، لو رأيتها لوددت أنّك تلقى الله زانيا بها، مصرّا غير تائب، ولو كبّك الله على منخريك في النار.
[وعد شاعرة ظريفة]
عن ابن سلام قال: أخبرني على بن عثّام، أو من أخبره عنه قال: كان بالكوفة رجل يكنّى أبا الشعثاء، عفيفا مزّاحا، وكان يدخل على سراة أهل الكوفة، فمزح مع جارية لبعضهم، وأخبرها أنّه يهواها، وكانت شاعرة ظريفة، فقالت: [الرمل]
لأبي الشعثاء حبّ باطن ... ليس فيه تهمة للمتّهم
يا فؤادي فازدجر عنه وإن ... عبث الحبّ به فاقعد وقم
جاءني منه كلام صائب ... ورسالات المحبين الكلم [60 ظ]
صلّ إن أحببت أن تعطي المنى ... يا أبا الشعثاء لله وصم
ثم ميعادك بعد الموت في ... جنّة الخلد إن الله رحم
حيث نلقاك غلاما ناشئا ... ناعما قد كملت فيك النّعم
الحرمازي قال: سمعت شبيب بن شيبة، وذكروا أحسن ما قيل في النساء، فقال: قول الشاعر: [السريع]
__________
[1] جميل بثينة: جميل بن عبد الله بن معمر العذري، شاعر من عشاق العرب، افتتن ببثينة من فتيات قومه، أكثر شعره في الغزل والفخر، توفي سنة 72 هـ.
(وفيات الأعيان 1/115، الأغاني 8/90 ط- دار الكتب، تزيين الأسواق 1/38- 47) .
[2] العرقوب من الإنسان: وتر غليظ فوق عقبه، والظنبوب: حرف الساق من قدم، ويقال: قرع لهذا الأمر ظنبوبه: أي جدّ فيه ولم يفتر.
(1/176)

جارية أحسن من حليها ... والحلي فيه الدرّ والجوهر
وريحها أطيب من طيبها ... والطّيب فيه المسك والعنبر
دخل ثابت بن عبد الله بن الزبير على عبد الملك بن مروان، فقال: ما ثابت من الأسماء؟ والله ما هو باسم رجل ولا امرأة، فقال: لا ذنب يا أمير المؤمنين للرجل فيما سمّاه أبواه، ولو كان اسمي إليّ لتسميت زينب حتى تحبني، يعرض له بزينب التي يقال: زينب وكعكتان
[موعظة حكيم]
عبد الرحمن عن عمه قال: قال بعض حكماء العرب لابنه، وهو يعظه، يا بنيّ، إنّ التواضع مع البخل وسوء الأدب، أحمد عند العلماء من التجبّر مع السخاء وحسن الأدب، وأعظم بها حسنة عفّت عن صاحبها سيّئتين، وأكبرها من خطيئة أفسدت على صاحبها من حسنتين.
[هجاء دعبل لإبراهيم بن المهدي]
عن ابن أبي داود [1] قال: دخلت على المعتصم، فقال لي: يا أبا عبد الله، أيظنّ دعبل [2] أنّه يجد عندي من الاحتمال، ما كان يجده عند المأمون؟
__________
[1] في الأصل ابن أبي داود، والصواب: ابن أبي داود، بتقديم الواو في (داود) .
أحمد بن أبي دواد الإيادي: أحد القضاة المشهورين من المعتزلة، ورأس فتنة القول بخلق القرآن، كان فصيحا عارفا بالأخبار والأنساب، شديد الدهاء، اتصل بالمأمون ثم صار قاضي القضاة في زمن المعتصم، ثم اعتمد الواثق على رأيه، وأصيب بالفلج في زمن المتوكل، وهو الذي حمل الخلفاء على امتحان الناس بخلق القرآن، توفي سنة 240 هـ.
(تاريخ بغداد 4/141- 156، وفيات الأعيان 1/22، لسان الميزان 1/171) .
[2] دعبل الخزاعي: دعبل بن علي بن رزين، أبو علي، أصله من الكوفة، وأقام ببغداد، شاعر هجّاء جيد الشعر، كان مولعا بالهجاء والحط من أقدار الناس وهجاء الخلفاء، الرشيد والمأمون والمعتصم والواثق، صنف كتابا في طبقات الشعراء، توفي سنة 246 هـ، (وفيات الأعيان 12/178، الشعر والشعراء ص 350، تاريخ بغداد 8/382) .
(1/177)

فقلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ [61 و] ، قال: أخبرني عمي إبراهيم [1] أنّه هجاني، قلت: يا أمير المؤمنين، دعبل أقلّ قدرا، وأوضع خطرا من أن يبلغ بك الغضب، هذا وإبراهيم بن المهدي متّهم في دعبل، قال: ولم؟ قلت: لأنّه هجاه، قال: بماذا؟ قلت: في قوله: [2] [الكامل]
إن كان إبراهيم مضطلعا بها ... فلتصلحن من بعده لمخارق [3]
ولتصلحنّ من بعد ذاك لزرزر ... ولتصلحنّ من بعده للمارقي [4]
حتى يكون وليس ذاك بكائن ... يرث الخلافة فاسق عن فاسق [5]
فضحك وقال: صدق دعبل، فخرجت من عنده فلقيت دعبلا بالباب، فأخبرته وقلت: لا تبق بهذا منه، فلحق بالسند [6] .
[من رقيق الغزل]
لطفيل بن الأخرم المازني من بني تميم: [الطويل]
سبا القلب إلا أنّ فيّ جلادة ... غزال غداة المائحين ربيب
__________
[1] إبراهيم بن المهدي: أخو هارون الرشيد، سبقت ترجمته.
[2] الأبيات لدعبل الخزاعي في ديوانه ص 116، من قطعة، ط- صادر 1962 مع اختلاف في ترتيب الأبيات.
[3] مخارق: أبو المهنّا ابن يحيى الجزار، إمام عصره في الغناء، ومن أطيب الناس صوتا، كان الرئيد يعجب به ويكرمه ثم اتصل بالمأمون، كان مملوكا لعاتكة بنت شهدة بالكوفة وهي التي علمته الغناء والضرب على العود، ثم اتصل بابراهيم بن المهدي فأعتقه وأغناه، توفي بسامراء سنة 231 هـ.
(الأغاني 3/71 ط- الدار ومواضع أخرى، النجوم الزاهرة 2/260، الطبري 11/21) .
[4] في الديوان: ولتصلحن بعد ذاك لزلزل.
[5] في الديوان: (أنّى يكون وليس ذاك بكائن) .
[6] السند: بلاد بين بلاد الهند وكرمان وسجستان، وقصبة السند: مدينة يقال لها المنصورة، ومن مدنها دبيل، وهي على ضفة بحر الهند والتيز، وهي أيضا على ساحل البحر، فتحت في أيام الحجاج بن يوسف. (ياقوت: السند) .
(1/178)

فيا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... وشاحي خود كالغزال لعوب [1]
وهل أسلبنّ الناشئ العزّ ثوبه ... وليس علينا يوم ذاك رقيب
وهل يرفعن رأسي الوساد ودونه ... بنان كهدّاب الدّمقس خضيب [2]
أبيني لنا ما تفعلن سقاكم ... هزيم أذرّته صبا وجنوب [3]
لبعض قضاعة: [الوافر]
كأنّك مزنة برقت بليل ... بحرّان يضئ له سناها
فلم تمطر عليه وجاوزته ... وقد أشفى عليه أو رجاها [61 ظ]
[حدّث الأصمعي]
عبد الرحمن عن عمّه [4] قال: وكان يقال: مستتمّ الصنيعة، من عدّل زيغها، وأقام أودها، صيانة لمعروفه، ونصرة لرأيه، فإنّ أول المعروف مستخف، وآخره مستقل، تكاد أوائله تكون للهوى [دون] [5] الرأي، وأواخره للرأي دون الهوى، ولذلك قيل: ردّ الصنيعة أشدّ من ابتدائها.
[نصيحة شريف تحقن الدماء]
عبد الرحمن بن عبد الله عن عمّه قال: لمّا عزم داود بن علي [6] أن يقتل
__________
[1] الخود: الشابة الناعمة الحسنة الخلق
[2] الهزيم: صوت الرعد
[3] الصّبا: ريح وجهها من مشرق الشمس، إذا استوى الليل والنهار.
[4] عبد الرحمن: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب، ذكره الزبيدي في طبقات اللغويين والنحاة البصريين في الطبقة الخامسة، ويروي عن عمه الأصمعي وعن غيره من الرواة (طبقات اللغويين والنحويين- الزبيدي ص 197 تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط- السعادة مصر 1954، بغية الوعاة- السيوطي 2/82، وفيات الأعيان في ترجمة الأصمعي) .
[5] كلمة (دون) ساقطة من الأصل.
[6] داود بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب: أمير من العباسيين، وهو عم السفاح، كان خطيبا فصيحا من كبار القائمين بالثورة على بني أمية، ولاه السفاح إمارة الكوفة ثم إمارة المدينة ومكة واليمن والطائف، وأقام بالمدينة، وتوفي فيها سنة 133 هـ. (الطبري 9/147، ميزان الاعتدال 1/321، تهذيب ابن عساكر 5/203) .
(1/179)

بني أمية بالحجاز، قال له عبد الله بن الحسن بن الحسن [1] : يا عمّ، إذا أسرعت في قتل أكفائك، فمن تباهي بسلطانك، فاعف يعف الله عنك، فأضرب عمّا كان عزم عليه.
[هجاء أهل الغنى]
لمجنون من أهل البصرة: [السريع]
رفضت بالبصرة أهل الغنى ... إني لأمثالهم رافض
فيهم أناس لا أسميهم ... طعم الندى عندهم حامض
[بخل خالد بن صفوان]
أبو عبيد قال: قيل لخالد بن صفوان [2] : ما لك لا تبذل مالك؟ ولا تقوم بحوائج قومك؟ قال: أما مالي، فما أحب أن يطمع فيه طامع، وأما بحوائج قومي عند السلطان، فما كنت لأفسد جاهي بحوائجهم، قيل: فما يرجو منك قومك؟ قال: الحديث والماء البارد، قال بعض تميم: إذن يفي بالحديث ولا يفي بالماء البارد [3] .
__________
[1] عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب: أبو محمد، تابعي من أهل المدينة، كان ذا عارضة وهيبة ولسان وشرف، وكانت له منزلة عند عمر بن عبد العزيز، ولما ظهر العباسيون،. قدم مع جماعة من الطالبيين على السفاح فأعطاه ألف ألف درهم، وعاد إلى المدينة، حبسه المنصور سنوات من أجل ابنيه محمد وإبراهيم، ونقله إلى الكوفة، فمات سجينا فيها سنة 145 هـ.
(مقاتل الطالبيين ص 128، الإصابة ت 6587، تاريخ بغداد 9/431) .
[2] خالد بن صفوان بن عبد الله بن عمرو بن الأهتم التميمي: من فصحاء العرب المشهورين، ولد ونشأ بالبصرة، وكان أيسر أهلها مالا، ولكنه كان بخيلا، كان يجالس الخلفاء عمر بن عبد العزيز وهشام بن عبد الملك، أدرك زمن السفاح وحظي عنده، وكان لفصاحته أقدر الناس على مدح الشيء وذمه، توفي سنة 133 هـ.
(وفيات الأعيان 1/243 في ترجمة ابن أبي بردة الأشعري، أمالي المرتضى 4/172، نكت الهميان ص 148) .
[3] في الأصل، قوله: (إذن يفي بالحديث ولا يفي بالماء البارد) ، خرجة من الحاشية، وبعدها (صح) .
(1/180)

[من حكم الأعراب]
عبد الرحمن عن عمه [1] قال: سمعت أعرابيا يقول: يا ابن أخي، يسار النفس أفضل من يسار المال، فإن لم ترزق غنى فلا تحرمنّ تقوى، فربّ شبعان من النّعم غرثان من الكرم.
عبد الرحمن عن عمّه، قال: أخبرني من سمع أعرابيا يقول لقريب له:
يا ابن عمّ، مالك أسرع [62 و] إلى ما أكره من الماء إلى قراره، ولولا ضني باخائك ما أسرعت إلى عتابك، فقال الآخر: يا ابن عمّ، والله ما أعلم تقصيرا فأقلع، ولا ذنبا فأعتب، ولست أقول إنك كذبت، ولا أني أذنبت.
[عواقب الأمور]
أنشد أبو حاتم: [2] [مجزوء الكامل]
لا تعتبنّ على النوائب ... فالدهر يرغم كلّ عاتب
واصبر على حدثانه ... إنّ الأمور لها عواقب
ما كلّ ما أنكرته ... ورأيت جفوته تعاتب
فالدهر أولى ما صبر ... ت له على رنق المشارب
فلكلّ صافية قذى ... ولكلّ خالصة شوائب
كم فرجة مطوّية ... لك بين أثناء النوائب
ومسرّة قد أقبلت ... من حيث تنتظر المصائب
__________
[1] عن عمه: أي الأصمعي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن قريب، سبق التعريف به.
[2] أبو حاتم: الراجح أنه أبو حاتم السجستاني، سهل بن محمد بن عثمان الجشمي، من كبار العلماء باللغة والشعر، من أهل البصرة، كان المبرد يلازم القراءة عليه، له كتب كثيرة، منها: كتاب (المعمرين) ، و (ما تلحن فيه العامة) و (الشجر والنبات) ، و (الوحوش) ، و (الشوق إلى الوطن) وغيرها، وله شعر جيد، توفي سنة 248 هـ.
(وفيات الأعيان 1/218، بغية الوعاة ص 256، انباه الرواة 2/58، الفهرست 1/58) .
(1/181)

[وأين مكوكبها؟]
عبد الرحمن عن عمّه قال: أخبرني من سمع أعرابيا يقول: خرجت في بعض الليالي الظلم، فاذا أنا بجارية كأنها علم، فأردتها، فقالت: ويلك، أما لك زاجر من عقل إذا لم يكن لك ناه من دين؟ فقلت لها: إنّه والله ما يرانا إلا الكواكب، فقالت: وأين مكوكبها؟
[خير الشرين]
الأصمعي قال: قال عمرو بن العاص [1] : ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل الذي يعرف خير الشرين.
الأصمعي [62 ظ] قال: سمعت الحارث بن عمير يحدّث عن عاصم الجحدري، قال: جاءت بيعة يزيد وأنا أكتب في المصحف: (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ)
[2] .
عن عروة قال: ما رفع أحد نفسه بعد الإيمان بالله بمثل منكح صدق، ولا وضع نفسه بعد الكفر بالله تعالى بمثل منكح سوء، ثم قال: لعن الله فلانة ألقت بني فلان بيضا طوالا، فقلبتهم سودا قصارا.
[أمّ تفدي ابنها بقطع ثدييها]
أبو عبيدة قال: لما قتلت بنو تميم أسعد بن عمرو بن هند [3] ، ووجدت
__________
[1] عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي، أحد الدهاة والحزم والمكيدة، كان في الجاهلية من الأشداء على الإسلام، أسلم في هدنة الحديبية، كان من أمراء الجيوش في فتح الشام زمن عمر، ولاه عمر فلسطين ثم مصر فافتتحها، كان مع معاوية في حربه ضد علي بن أبي طالب، وكافأه معاوية بولاية مصر وخراجها لمدة ست سنوات، فجمع أموالا طائلة، توفي بالقاهرة سنة 43 هـ (الإصابة 5884، تاريخ الإسلام للذهبي 2/235- 240، المغرب في حلى المغرب القسم الخاص بمصر ص 13- 54) .
[2] الانشقاق 1.
[3] عمرو بن هند بن المنذر اللخمي: ملك الحيرة في الجاهلية، عرف بنسبته إلى أمه هند (عمه امرئ القيس الشاعر) ويلقب بالمحرّق الثاني، لإحراقه بعض بني تميم في جناية-
(1/182)

فعله فيهم، غزاهم عمرو بن هند فأحمى لهم الصّفا [1] ومشّاهم عليه، فندب غلام من بني طهيّة ليمشي على الصفا، فأقبلت أمّه وقد قطعت ثدييها فألقتهما إليه وقالت: وقّ بثديي قدمك، ليت يجدي ألمك، ثم أنشأت تقول: [الكامل]
أبنيّ لو قبل الفداء لجدت بال ... كبد التي أضحت عليك تقطّع
يا ليت لذع النار باشر مقلتي ... أو ليت قلبي دون رجلك تلذع
فرقّ لها الملك، فوهب لها من بقي من قومها، ورفع عنهم العذاب.
[ندم المخبل السعدي]
قال: بينما المخبّل السعدي [2] يسير في عشيّة من عشاياه، إذ أدركه الليل عند قبّة ضخمة، فنزل فأكرم وذبح له، فبات بليلة نعيم، وغدا على مثل ذلك، فلما أراد أن يرتحل سأل عن صاحب القبّة وقال: والله لقد أكرمتموني وأحسنتم وأجملتم في القرى، ولا بدّ والله من أن أعرف صاحب هذا البيت، فكلّمته خليدة [63 و] من خلف السّتر، فقالت: أنا رهوى، فقال: ومن سمّاك رهوى؟ [3] قالت: أنت سميتني رهوى، فعرف فاستحيا، وقال: واسوأتاه، قد كان بيني وبين أخيك ما يكون بين الرجال، فجهدت عليه، وعليّ والله لا أعود بعدها أبدا، وأنا استغفر الله، وقال: [4] [الطويل]
__________
- واحد منهم قتل ابنه الصغير سعدا، اشتهر عمرو في وقائعه مع الروم والغسانيين، وهو صاحب صحيفة المتلمس، وقاتل طرفة بن العبد الشاعر، كان كثير الفتك وهابته العرب، قتله عمرو بن كلثوم الشاعر صاحب المعلقة سنة 45 ق هـ/ 578 م.
(تاريخ ابن الأثير 1/154، 147، ابن خلدون 2/265، العرب قبل الإسلام ص 208) .
[1] الصفا: جمع الصفاة، الحجر العريض الأملس، ومنه الصفا والمروة.
[2] المخبل السعدي: ربيع (أبو ربيعة) بن مالك بن ربيعة السعدي، من بني أنف الناقة من تميم، شاعر فحل من مخضرمي الجاهلية والإسلام، هاجر إلى البصرة، وعمر طويلا، له شعر كثير، عده ابن سلام من شعراء الطبقة الخامسة من الجاهلين، مات في خلافة عمر، أو عثمان. (الشعر والشعراء 159، الأغاني 12/38- 42، خزانة الأدب 2/535- 536، طبقات الشعراء 149، المفضليات ص 21) .
[3] معنى الرهوى: الواسعة، وهي كلمة شتم.
[4] البيتان في الأغاني 13/218، والشعر والشعراء ص 420، وخزانة الأدب 2/536، والمخصص 4/12.
(1/183)

لقد ضلّ حلمي في خليدة إنني ... سأعتب قومي بعدها وأتوب
فأقسم بالرحمن أن قد ظلمتها ... وجرت عليها والهجاء كذوب [1]
ومعنى قولها رهوى، لأن المخبل يقول لأخيها: [2] [الطويل]
وأنكحت هزالا خليدة بعدها ... زعمت برأس العين أنّك قاتله [3]
فأنكحته رهوى كأنّ عجانها ... مشقّ إهاب أوسع السّلخ ناجله [4]
يلاعبها فوق الفراش وجاركم ... بذي شبرمان لم تزيّل مفاصله [5]
[في فضائل الإمام علي]
عن أنس قال: نظر النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى عليّ صلوات الله عليه، فقال: (أنا وهذا حجّة الله على خلقه) [6] .
عن أم عطية قالت: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّا في سرية، فسمعته يقول:
(اللهم لا تمتني حتى تريني عليّا) [7]
[أعرابي يصف رجلا]
الأصمعي قال: وصف أعرابي رجلا فقال: هو والله مضغة، من ذاقها لفظها، وجمرة من مسّها كرهها، على أنّه مع هذا عذب في أفواه الأصدقاء ليّن للاولياء.
__________
[1] في الشعر والشعراء:
(وأشهد والمستغفر الله أنني ... كذبت عليها والهجاء كذوب) .
[2] الأبيات في الأغاني 13/214.
[3] في الأغاني:
(أأنكحت هزالا خليدة بعد ما ... زعمت يظهر الغيب أنك قاتله)
[4] العجان: الإست. الناجل: الذي يشق الجلد.
[5] في الأصل: (لم تزل مفاصله) وهو تحريف تزيّل شبرمان: موضع ذكره ياقوت، ولم يوضحه، واستشهد به بعجز هذا البيت. (ياقوت:
شبرمان) .
[6] الحديث في ميزان الاعتدال 8590.
[7] الحديث في سنن الترمذي 3737، ومشكاة المصابيح 6090، والتاريخ الكبير للبخاري 9/20، والبداية والنهاية لابن كثير 7/357.
(1/184)

[حكايات عن الأعراب]
الأصمعي قال: دخل أعرابي على رجل من عمّال السلطان وهو يشرب [63 ظ] فجعل ينشده ويحدّثه، ثم سقاه مما يشرب، فقال الأعرابي: هي والله أيها الأمير، أي هي الخمر، فقال: كلا، ولكنها زبيب وعسل، فشرب الأعرابي، فلما طرب قال له الرجل: قل فيها، فقال: [الطويل]
أتانا بها صفراء يزعم أنّها ... زبيب فصدّقناه وهو كذوب
فهل هي إلا ليلة غاب نحسها ... أواقع فيها الذنب ثم أتوب
عبد الرحمن عن عمه، قال: عشق أعرابيّ يكنّى أبا الصبّاح أعرابية، فجعل يطلبها ولا تمكّنه، حتى تزوجها، فلما أرادها عجز عنها، فقالت:
[الرجز]
كان أبو الصبّاح ينزو في وهق [1] ... من شدّة النعظ ومن طول القلق
حتى إذا صادف ححرا ذا طبق [2] ... ماوسه حتى إذا ارفضّ العرق [3]
انكسر المفتاح واستدّ الغلق
أنشد أعرابي في بنته: [الطويل]
رزقتك بعد الأربعين وبعد ما ... علا شامل في الرأس فوق المفارق
أحبّك والرحمن يعلم أنّني ... بموتك مسرور حذار البوائق [4]
ابن غنّام العامري في ابن له: [الرجز]
__________
[1] الوهق: القيد، والحبل في أحد طرفيه أنشوطة يطرح في عنق الدابة أو الإنسان حتى يؤخذ.
[2] الححر والحر والحرح: فرج المرأة.
[3] ماوس: لعله من رجل ماس، الخفيف الطائش، والذي لا خير فيه، أو من الميس:
اللين والتثني وهو أقرب إلى معنى الشطر.
[4] البوائق: الدواهي، جمع البائقة.
(1/185)

ظني إذا القوم تجاثوا للرّكب ... أن سوف يلقى إربة من الإرب [1]
ألوى إذا خاف ردى الصّدق كذب [2]
[في حب البنات]
رجل من بحتر [3] في بنته: [الرجز]
جارية يحبّها أبوها ... مليحة العينين عذب فوها
لا تحسن السّبّ ولو سبّوها
[64 و] وقال فيها [الرجز]
يا بنت من لم يك يهوى بنتا ... ما كان إلا خمسة وستّا
حتّى حللت في الحشى وحتّى ... لأبت خير من غلام أبتا
يبيت سكران ويضحي سبتا
أبت يأبت أبتا: إذا قدم على الآثام بحرّة، وقوله: سبتا، يريد منسبتا على الناس، بمعنى جرى عليهم [4] .
[امرؤ القيس السائح]
عن ابن الكلبي عن ابنه قال: كان امرؤ القيس البدي [5] ، وهو محرّق
__________
[1] تجاثوا: جلسوا على ركبهم، وجثا بعضهم لبعض للخصومة.
الإربة: الحاجة، والدهاء والفطنة.
[2] ألوى: فتر وضعف وقصّر وأبطأ.
[3] بحتر: بطن من بني سلامان بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيء. (جمهرة أنساب العرب ص 400- 401)
[4] في حاشية الأصل: (مأخوذ من السبنتي: الجريء والنمر) ، وانظر القاموس: سبت.
[5] في الأصل: (البدي) وفي تاريخ الطبري 2/53، 61: (البدء) ، وفي نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب لابن سعيد الأندلسي 1/271- 275: ولما مات عمرو بن عدي ملك بعده ابنه امرؤ القيس بن عمرو مائة وأربع عشرة سنة، في زمن سابور بن أردسير، ثم ملك بعده ابنه عمرو بن امرئ القيس في زمن سابور ذي الأكتاف ...
فتولى الحيرة والعرب امرؤ القيس بن عمرو بن امرئ القيس، ويقال له محرّق الأول،-
(1/186)

الأول ابن عمرو بن امرئ القيس، وأمّه الشقيقة بنت أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، وهو الذي تعبّد وساح، فلا يدرى إلى ما صار أمره.
قال ابن الكلبي: كالن امرؤ القيس هذا ذا جمال ومنطق، وكان طويل المصاحبة للذات، كثير العكوف على اللهو، وكان مع ذلك يرجع إلى عقل أصيل، ورأي ثابت، فخرج يوما في بعض ملاهيه، إمّا متبدّيا أو متصيّدا، فانقطع عن أصحابه، فاذا هو برجل كالمفآد [1] عليه أطمار، قد جمع عظاما من عظام الموتى، وهي بين يديه، فقال له الملك: ما قصتك أيها الرجل؟ وما بلغ بك ما أرى من سوء الحال، وشسوف [2] الجسم، وتلويح اللون، والانفراد بهذه الفلاة؟ فقال له الرجل: أمّا ما ترى من تغيّر حالي، ونحول جسمي وشحوبي، فأني على جناح سفر بعيد، وبي موكلان مزعجان يحدوان بي إلى منزل ضنك المحلّ، مظلم القعر، كريه المقرّ، ثم يسلماني إلى مصاحبة البلى، ومجاورة الهلكى، بين أطباق الثّرى، فلو تركت بذلك المضجع [64 ظ] مع جفائه وضيقه ووحشته، ويقطع أعضائي فيه، وارتعاء، أحناش الأرض [3] في لحمي وعصبي وعظامي، حتى أعود رفاتا، وتصير
__________
- وهو أول من عاقب بالنار، ولذلك قيل له: محرّق وكان ملكه خمسا وعشرين سنة، ولما مات ولي مكانه ابنه النعمان بن امرئ القيس، وهو ابن الشقيقة، قال الطبري:
هي شقيقة بنت أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، وهو صاحب حليمة، وصاحب الخورنق ... وهو الذي ترك ملكه ولبس المسوح وخرج مستخفيا هاربا لا يعلم به، وأصبح الناس لا يعلمون بحاله إلى أن علموه ... وكان ملكه إلى أن ساح في الأرض ثلاثين سنة، ويقال له السائح الأعور، وهو باني الخورنق والسدير في جهة الحيرة على مياه الفرات. (المصدران السابقان باختصار، وتاريخ ملوك سني الأرض لحمزة الأصفهاني ص 88 ط- دار مكتبة الحياة، بيروت د. ت) .
[1] المفآد: أداة يشوى بها اللحم، وأداة يحرك بها التنور، يريد أنه ضامر هزيل مسودّ كالمفآد.
[2] شسوف الجسم: يبسه، والشسيف: اللحم يكاد ييبس.
[3] أحناش الأرض: أفاعيها، والحنش: حيّة عظيمة سوداء ليست من ذوات السموم، وارتعاؤها: أي تأكل لحمه، فجسمه لها كالمرعى.
(1/187)

أعظمي رماما، كان للبلى انقضاء، وللشقاء نهاية، ولكني أرفع بعد ذلك إلى صحيحة الحشر، فأرد أهوال مواقف الجزاء، ثم لا أدري إلى أي الدارين يؤمر بي، فأيّ عيش يلتذ من يكون إلى هذا الشأن صيّوره [1] .
فلما سمع الملك هذه المقالة، ألقى نفسه عن فرسه، وعقد بين يدي الرجل وقال له: يا هذا، لقد كدّر مقالك عليّ صفو عيشي، وملك الإشفاق قلبي، فأعد عليّ بعض قولك، واشرع [2] لي دينك، قال له الرجل: أما ترى هذه العظام التي بين يدي؟ قال: بلى، قال هذه عظام ملوك، غرّتهم الدنيا بزخرفها، واستحوذت على قلوبهم بغرورها، وألهتهم عن التأهب لهذه المصارع، حتى فاجأتهم الآجال، وخذلتهم الآمال، وعصبتهم عزّة الملك، وسلبتهم بها النعيم، وأودعتهم أطباق الأرض، حتى صيّرتهم إلى ما ترى، وستنشر هذه العظام فتعود أجساما، ثم تجازى بأعمالها، فأما إلى دار القرار، وأما إلى محلّ البوار، ثم امتلس [3] الرجل فلم ير له أثر، وتلاحق أصحاب الملك به وقد أمتقع لونه، وتواصلت عبراته، فركب وقيذا [4] ، فلما جنّ عليه ألقى ما كان عليه من لباس الملك، ولبس طمرين، وخرج تحت الليل، فكان آخر العهد به.
[لا سبية من قريش]
قال: ليس في الأرض [65 و] عربي يدّعي أنّ له أمّا من قريش أو الأنصار أو ثقيف سبيّة، إلا مبطل، وذاك أنّ قريشا [5] ، كانت في الحرم، فلم تغز ولم تسب، وكانت ثقيف في حصن منيع، فلم تغز ولم تسب، واشتغلت
__________
[1] صيّورة: عاقبته، الصيّور: منتهى الأمر وعاقبته كالمصير.
[2] كذا بالأصل: (واشرع) أي بيّن شرعته، وقد تكون: (واشرح) .
[3] امتلس: ذهب ذهابا سريعا، وذهابا سهلا رفيقا.
[4] الوقيذ: الذي يغشى عليه، لا يدرى أميت هو أم حيّ، والشديد المرض المشرف على الموت.
[5] في الأصل: (أن قريش) وهو لحن.
(1/188)

الأنصار بحروبهم بينهم، فلم يغزهم أحد من العرب، ولم يغزوه.
[بنو الأصفر]
عن العباس عن أبيه، قال: انخرق ملك الروم في الزمان الأول، فبقيت منهم امرأة، فتنافسوا في الملك حتى وقع بينهم شرّ، فاصطلحوا أن يملّكوا أول من يشرف عليهم، فجلسوا مجلسا لذلك، وأقبل رجل من اليمن معه عبد له حبشي يريد الروم، فأبق [1] منه العبد، فأشرف عليهم، فقالوا: انظروا في أي شئ وقعتم، فزوجوه تلك المرأة، فولدت غلاما فسمّوه الأصفر، فخاصمهم المولى، فقال الغلام: صدق، أنا عبده، فأرضوه وأعطوه حتى رضي.
[هذا زمان الحمقى]
عبد الرحمن عن عمه [2] ، قال: كان بالمدينة غلام يحمّق، فقال لأمّه:
يوشك أن تريني عظيم الشأن، فقالت: وكيف؟ فو الله ما بين لابّتيها [3] أحمق منك، فقال: والله ما رجوت هذا الأمر إلا من حيث يئست منه، قال: أفما علمت أنّ هذا زمان الحمقى، وأنا أحدهم.
[ابن المتمنية]
عن أبي عبيدة قال: كلّم عروة بن الزبير عبد الملك بن مروان، بكلام غليظ، والحجاج قائم على رأسه، فقال: يا ابن العمياء، أتكلّم أمير المؤمنين بمثل ما أسمع؟ قال عروة: يا ابن المتمنّية [4] ، ما ذكرك عجائز الجنّة، وكانت
__________
[1] أبق العبد: هرب
[2] عبد الرحمن بن عبد الله ابن أخي الأصمعي، والأصمعي عمه يروي عنه، وقد سبق التنويه بذلك مرارا.
[3] اللابة: الحرّة من الأرض، وهي الأرض ذات الحجارة السود.
[4] المتمنية: ذكر ابن الجوزي في كتابه تلقيح فهوم أهل الأثر: أن الفارعة أم الحجاج بن يوسف هي المتمنية، ولما تمنت كانت تحت المغيرة بن شعبة، وذكر ابن خلكان-
(1/189)

جدة الحجاج القائلة: [65 ظ] [البسيط]
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج
فقال له عبد الملك: أقسمت عليك بالله ألا أمسكت.
[فتوى في حب الحسان]
الأصمعي قال: قال رجل لمالك بن أنس [1] : قلت أبيات شعر وذكرتك فيها، فاجعلني في حلّ، قال: أنت في حلّ، قال: أحبّ أن تسمعها، قال:
لا حاجة لي بذلك، قال: بلى، قال: هات إذن، فأنشده: [2] [الطويل]
سلوا مالك المفتي عن اللهو والصّبا ... وحبّ الحسان المنجبات الفوارك
ينبّئكم أني مصيب وإنّما ... أسلّي هموم النفس عنّي بذلك
فهل من محبّ يكتم الحبّ والهوى ... أثام وهل في ضمّة المتهالك
فضحك مالك، وكان يظن أنه قد هجاه.
[موعظة أويس القرني]
الأصمعي قال: بلغني أنّ هرم بن حيّان [3] .........
__________
- قصتها مختصرة، قال: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، طاف ليلة في المدينة، فسمع امرأة تنشد في خدرها:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج
فقال عمر رضي الله عنه: لا أرى معي في المدينة رجلا تهتف به العواتق في خدورهن، عليّ بنصر بن حجاج، فإذا هو أحسن الناس وجها وأحسنهم شعرا، فنفاه عمر إلى البصرة، وقيل: إن المتمنية هي جدة الحجاج أم أبيه، وهي كنانية.
(وفيات الأعيان 2/31- 32 ط- إحسان عباس) .
[1] مالك بن أنس: سبقت ترجمته.
[2] الأبيات في الظرف والظرفاء- الوشاء ص 160، وفي تزيين الأسواق- داود الأنطاكي ص 16، منسوبة لابن سحنون، وفي مصارع العشاق- السراج 2/185 منسوبة لابن سرجون، وفي الروايات اختلاف يسير.
[3] هرم بن حيان العبدي الأزدي من بني عبد القيس: قائد فاتح من كبار النساك من-
(1/190)

قال لأويس القرني [1] رضي الله عنه: إنني آنس بك، فقال أويس: ما كنت أحسب أنّ أحدا يستوحش مع الله عز وجل: قال: فأين تأمرني أن أنزل؟
فقال: عليك بالشام، فانزل سيف بحرها، قال: فكيف بالمعاش؟ قال: أفّ، خالط اليأس القلوب، فما ينفعها موعظة، تفرّ إلى الله بدينك، وتتّهمه في رزقك؟
[أنشد الأصمعي]
أنشد عبد الرحمن عن عمّه: [الطويل]
تقول سليمى سار أهلك فارتحل ... فقلت وهل تدرين ويحك من أهلي
فهل لي أهل غير ظهر مطيّتي ... أروح وأغدر ما يفارقها رحلي
[خيانات الولاة]
القاسم بن عدي قال: كتب عدي بن أرطاة [2] إلى عمر بن عبد العزيز:
أما بعد: [66 و] فإن قبلي ناسا من العمال، قد اقتطعوا من مال الله مالا عظيما، لست أقدر على استخراجه من أيديهم، إلا أن يمسّهم شيء من
__________
- التابعين، ولي بعض الحروب في أيام عمر وعثمان بأرض فارس، يعد من الزهاد الثمانية، من كبار التابعين من أهل البيان، وتوفي في إحدى غزواته سنة 29 هـ.
(طبقات ابن سعد 7/95، أسد الغابة 5/57، الإصابة ت 8948، صفة الصفوة 3/137، البيان والتبيين 1/363) .
[1] أويس القرني بن عامر بن جزء بن مالك القرني: أحد النسّاك العبّاد المقدمين، من سادات التابعين، أصله من اليمن، يسكن القفار والرمال، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وفد على عمر بن الخطاب، ثم سكن الكوفة، شهد وقعة صفين مع علي بن أبي طالب، ويرجح أنه قتل فيها سنة 37 هـ. (طبقات ابن سعد 6/111، ميزان الاعتدال ص 129، حلية الأولياء 2/79، لسان الميزان 1/471، ابن عساكر 3/157) .
[2] عدي بن أرطاة الفزاري: أبو واثلة، أمير من أهل دمشق، كان من العقلاء الشجعان، ولاه عمر بن عبد العزيز على البصرة سنة 99 هـ، فاستمر إلى أن قتله معاوية بن يزيد بن المهلب بواسط في فتنة أبيه يزيد بالعراق سنة 102 هـ.
(الكامل للمبرد 2/149، تاريخ اليعقوبي 3/53) .
(1/191)

العذاب، فان رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك فعل، فكتب إليه عمر:
أما بعد، فالعجب، كلّ العجب من استيذانك إياي في عذاب بشر، كان لك جنّة من عذاب الله، وكان رضاي ينجيك من سخط الله، فانر فمن قامت عليه البيّنة فخذه بما قامت به عليه، ومن أقرّ لك بشيء فخذه بما أقرّ به، ومن أنكر فاستحلفه بالله، وخلّ سبيله، فو الله لأن يلقوا الله بخياناتهم أحبّ إليّ من أن ألقى الله بدمائهم.
[بخيل الأغنياء يخيب]
أنشد أبو حاتم ولم يسم قائلها: [الطويل]
لا تعديني الفقر يا أمّ مالك ... فانّ الغنى للمنفقين قريب
وللمال اشراك وإن ضنّ ربّه ... يصاب الفتى من ماله ويصيب
فما السائل المحروم يرجع خائبا ... ولكن بخيل الأغنياء يخيب
[موعظة علي بن أبي طالب]
عن يونس قال: بلغني أن ابن عباس رضي الله عنه كان يقول: كتب إليّ عليّ بن أبي طالب صلى الله عليه بموعظة، ما سررت بموعظة سروري بها: [1] أما بعد فإن المرء يسرهّ درك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فما نالك من دنياك فلا تكثر به فرحا، وما فاتك منها فلا [66 ظ] تتبعه أسفا، وليكن سرورك بما قدمت، وأسفك على ما خلّفت، وهمّك فيما بعد الموت.
[وصية زياد بن أبيه]
عن يونس قال: كان زياد إذا ولّى رجلا عملا قال له: [2] خذ عهدك، وسر إلى عملك، واعلم أنّك مصروف رأس سنتك، وأنّك تصير إلى أربع
__________
[1] الموعظة في نهج البلاغة ص 556- 557، ط- مؤسسة المعارف، بيروت 1996، مع خلاف في العبارة وتقديم وتأخير فيها، وانظر ص 667 أيضا.
[2] وصية زياد بن أبيه في الأمالي 2/80، وجمهرة خطب العرب 2/277- 278، وفيهما خلاف يسير في العبارة.
(1/192)

خلال، فاختر لنفسك؛ إنّا إن وجدناك أمينا ضعيفا استبدلنا بك لضعفك، وسلمت من معرّتنا [1] بأمانتك، وإن وجدناك قويّا خائنا استهنّا بقوتك، وأحسنّا على خيانتك أدبك، وأوجعنا ظهرك، وأثقلنا غرمك وإن جمعت علينا الجرمين، جمعنا عليك المضرّتين، وإن وجدناك أمينا قويا زدناك في عملك، ورفعنا ذكرك، وكثّرنا مالك، وأوطأنا عقبك.
[حين يفتي الأعرابي؟]
الأصمعي قال: [2] كان أبو العاج السّلمي أعرابيا جافيا، فولي البصرة، فأتي برجل من النصارى، فقال: ما اسمك؟ قال: بندار شهر بندار، فقال:
اسم ثلاثة وجزية واحدة، ولا والله العظيم، فأخذ منه ثلاث جزى.
[في تعجيل الطلب]
عن العتبي قال: وعد رجل أعرابيا فكثر تردده إليه، فقال: [الطويل]
إذا كنت مطلوبا فعجّل لطالب ... بحاجته كيلا تذمّ وتحمدا
فأنّك لو أصبحت طالب حاجة ... لسرّك أن تقضى ولا تتردّدا
[بطون غطفان]
عن أبي عبيدة قال: قال بعض ملوك غسان للحكم بن مروان العبسي:
أخبرني عن غطفان [3] ، قال: فزارة، فرس أكلّ عنه الخيل، وثعلبه بن سعد؛ جمل حجازي يشمّ آباط الإبل [67 و] ولا يشمّ أبطه، وعوف بن سعد؛ (لا حرّ بوادي عوف) [4] ، وأنمار بن بغيض؛ خيار في أحسابهم، شرار في
__________
[1] المعرّة: الأذى والمساءة والمكر والغرم.
[2] الرواية في عيون الأخبار 1/116، ط- دار الكتاب العربي، بيروت 1997.
[3] في عيون الأخبار: (بنداذ شهر بنداذ) .
انظر في بطون غطفان: جمهرة أنساب العرب ص 248- 250.
[4] لا حر بوادي عوف: مثل يضرب للعزيز الذي بذل له الأعداء. (مجمع الأمثال 2/236، فصل المقال ص 115، جمهرة الأمثال 2/401) .
(1/193)

أخلافهم، وأشجع؛ أفعى الطريق، وإن وطئتها نشطتك [1] ، وإن تركتها تركتك، وعبد الله بن غطفان؛ سبع في غيضة، لا يخرج منها. قال الملك:
فعبس؟ قال: رمح حديد، لا تسوّى طعنته. قال الملك: ما سمّتك أمّك حكما باطلا.
[غيبة السفلة]
عن عبد الرحمن عن عمّه قال: رأيت أبا طفيلة الحرمازي [2] متعلقا بأستار الكعبة، وهو يقول: اللهم إني استغفرك من كل ذنب، إلا من غيبة السفّل [3] ، فانها أحلى من لحم العصفور
[كرم ابن أبي بكرة]
عبد الرحمن عن عمه [4] ، عن أبي الجنوب: أن عبيد الله بن أبي بكرة [5] أمر لسائل سأله بعشرة آلاف درهم، فصبّ في حجره، فتخرق ثوبه، فبكى، فقال:
__________
[1] نشطتك: سلعتك
[2] لم أجد لأبي طفيلة الحرمازي ترجمة، ولعله أبو علي الحسن بن علي الحرمازي:
كان تلميذا لأبي عبيدة وغيره، ورورى الشعر والأخبار، له روايات كثيرة في الأغاني، وانظر فيه تاريخ التراث العربي 5/214.
[3] السفّل: والسفال والسفلة، جمع سافل، وهو النذل الخسيس.
[4] عمه: أي الأصمعي، كما سبق التنويه.
[5] في الأصل: (عبد الله) وهو عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي، أبو حاتم أول من قرأ القرآن بالألحان، تابعي ثقة، من أهل البصرة، كان أمير سجستان، ثم ولي قضاء البصرة، وكان أسود اللون، وهو ابن الصحابي أبي بكرة نفيع بن الحارث، وكانت لعبيد الله ثروة واسعة، فاشتهر بأخبار من الجود شبه الخيال، نقل الذهبي أنه كان ينفق على جيرانه، ينفق على أربعين دارا عن يمينه، وأربعين عن يساره وأربعين أمامه وأربعين وراءه، سائر نفقاتهم ويبعث إليهم بالتحف والكسوة، ويزوج من أراد منهم الزواج، ويعتق في كل عيد مئة عبد، مدحه الشعراء، توفي سنة 79 هـ.
(تاريخ الإسلام للذهبي 3/189، النجوم الزاهرة 1/202، المعارف ص 232، الأعلام 4/191- 192) .
(1/194)

أعلى قميصك تبكي؟ قال: لا والله، ولكن على ما يأكل التراب من كرمك.
[كرم عبيد الله بن عباس]
لقي عبيد الله بن العباس رضي الله عنه معن بن أوس المزني [1] ، فسأله عن حاله، فقال له: كثر ديني، وقلّ عيني، ثم قال: [2] [الطويل]
أخذت بأصل المال حتى نهكته ... وداينت حتى ما أكاد أدان [3]
وحتى طلبت المال عند ذوي الغنى ... وردّ فلان حاجتي وفلان [4]
فقال عبيد الله: [5] كم دينك؟ قال: عشرة آلاف درهم، فأمر له بها، ثم قال: أمرنا لك بلقمة وإن لكتها انتزعت من فيك، فلما لعيالك؟ فأمر له بمثلها.
[أيام السرور]
عن أبي البيداء الرياحي [6] ، قال: سرور ساعة النكاح، وسرور يوم
__________
[1] معن بن أوس بن نصر المزني، شاعر من مخضرمي الجاهلية والإسلام، له مدائح في جماعة من الصحابة، رحل إلى الشام والبصرة، وكف بصره في آخر أيامه، وكان يتردد إلى عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب فيبالغان في إكرامه، له أخبار مع عمر بن الخطاب، توفي بالمدينة سنة 64 هـ.
(سمط اللآلئ ص 733، شرح الشواهد ص 273، خزانة الأدب 3/258، رغبة الآمل 5/190، 6/97) .
[2] البيتان في ديوانه ص 114، والخبر والبيتان في الأغاني 12/72، ونكت الهميان ص 294، ومعاهد التنصيص 4/25- 26، وخزانة الأدب 7/237.
[3] في الديوان والمصادر الأخرى: (أخذت بعين المال حتى نهكته وبالدين) .
[4] في المصادر السابقة: (وحتى سألت القرض عند ذوي الغنى) .
[5] عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب: أبو محمد، وال، كان أصغر من أخيه عبد الله بن عباس بسنة، استعمله علي بن أبي طالب على اليمن، وكان على مقدمة الحسن بن علي إلى معاوية، كان سخيا جوادا ينحر كل يوم جزورا، وقيل: هو أول من وضع الموائد على الطرق، توفي بالمدينة سنة 87 هـ.
(خزانة الأدب 3/256- 258، ذيل المذيل ص 29، رغبة الآمل 8/156، 158) .
[6] أبو البيداء الرياحي: أسعد بن أبي عصمة، قيل: إنه زوج أم أبي مالك عمرو بن-
(1/195)

النورة [1] وسرور [67 ظ] جمعة غسل الثوب، وسرور شهر الثوب الجديد، وسرور سنة التزويج، وسرور إلى انقضاء الأجل صديق موات، وسرور لا انقطاع له الجنة.
[صورة رجل فريد]
عبد الرحمن عن عمه عن أبيه، قال: ذم أبو طفيلة الحرمازي رجلا فقال: فيه كياد مخنّث، وحسد نائحة، وشره قوّادة وذلّ قابلة، وملق دأية [2] ، وبخل كلب، وخرس نبّاش.
[است نادمة]
عن ابن عياش [3] : قالت امرأة مريد له: طلقني، فطلقها، فخرّت ساجدة، فقال: أما والله، لئن خضّعت رأس خاشعة، لقد رفعت أست نادمة.
[مرحبا بحسنة لأعلمها]
يونس بن عبيد، عن الحسن [4] ، وقيل له: إنّ فلانا يغتابك، فقال:
مرحبا بحسنة لم أعلمها، ولم أتعب فيها، ولم يدخل فيها عجب ولا رياء.
__________
- كركرة، وكان أبو مالك رواية أبي البيداء، وهو أعرابي نزل البصرة وكان يعلم الصبيان بالأجرة، له روايات في البيان والتبيين. (الفهرست لابن النديم ص 66، البيان والتبيين 1/66، 252) .
[1] النورة: من حجر الكلس، ما يزال بها شعر العانة، ولعله أراد بيوم النورة: يوم الزفاف والتهيؤ للزواج.
[2] الدأية: الحاضنة غير الأم.
[3] ابن عيّاش: اسماعيل بن سليم العنسي، أبو عتبة، عالم الشام ومحدثها في عصره، من أهل حمص، رحل إلى العراق وولاه المنصور خزانة الكسوة، وكان محتشما نبيلا جوادا، توفي سنة 182 هـ. (تذكرة الحفاظ 1/233، تهذيب ابن عساكر 2) 3/39، الأعلام 1/320)
[4] الحسن: هو الحسن البصري من كبار التابعين، مرت ترجمته.
(1/196)

[إكرام العلم]
عن عمرو بن عليّ قال: سمعت أبا معاوية الضرير [1] يقول: تغديت مع أمير المؤمنين هارون الرشيد بالرقّة [2] ، فلما أردت غسل يدي، إذا أنا بإنسان يصبّ عليّ، فلما قاربت الفراغ قال: أتدري من يصبّ عليك أبا معاوية؟
قلت: لا، قال: أنا أمير المؤمنين، قلت: أكرمك الله كما أكرمت العلم، قال: ما أردت غير ذلك.
[من تؤاخي من الناس؟]
عن الحسن قال: واخ من الناس من يعينك على نفسك، ولا تواخ من الناس من حظك عنده مقدار حاجته إليك، فإذا انقطعت حاجته منك، انقطعت مودتك من قلبه.
[لذائذ العيش]
قال الحجاج لخريم الناعم [3] : صف لي العيش، فقال: الأمن، فإني رأيت الخائف لا يلذ عيشا، قال: زدني، قال: والعافية، فأني [68 و] [رأيت] [4] العليل لا يلذ عيشا، قال: زدني: قال: والشباب، فإني رأيت الشيخ لا يلذ عيشا، قال: زدني: قال: لا مزيد.
__________
[1] أبو معاوية الضرير: محمد بن خازن التميمي السعدي بالولاء، حافظ للحديث، من أهل الكوفة، عمي صغيرا، روى الحديث وأقرأه، قال ابن المديني: كتبنا عن أبي معاوية ألفا وخمسمائة حديث، وكان مرجئا، توفي سنة 195 هـ. (تهذيب التهذيب 9/137، تاريخ بغداد 5/242، الأعلام 6/112)
[2] الرقّة: مدينة مشهورة على الفرات، بينها وبين حرّان ثلاثة أيام، معدودة في بلاد الجزيرة، لأنها من جانب الفرات الشرقي. (ياقوت: الرقة)
[3] خريم الناعم: خريم بن خليف بن الحارث بن خارجة الغطفاني، يضرب به المثل في التنعم، فيقال: (أنعم من خريم) كان معاصرا الحجاج الثقفي، وله معه خبر، لا تعرف سنة وفاته.
[4] (جمهرة أنساب العرب ص 241، مجمع الأمثال 2/209، تاج العروس (خرم) الأعلام 2/304)
(1/197)

[عذر متنبئ]
أبو هفّان قال: تنبأ رجل على عهد المهدي وأدخل عليه، فقال له: أنت نبيّ؟ قال: نعم، قال: إلى من أرسلت؟ قال: وتركتموني أذهب إلى إنسان؟
بعثت بالغداة، وأخذتموني بالعشيّ، قال: صدقت، لقد عاجلناك، وأمر له بنفقة وكسوة، وخلّى سبيله.
[من خصال الأحنف بن قيس]
قال الأحنف بن قيس [1] : ثلاث ما أقولهنّ إلا ليعتبر معتبر، وما أتيت بها هؤلاء- يعني السلطان- إلا أن أدعى إليه، ولا دخلت بين أثنين حتى يكونا هما يدخلانني، وما ذكرت أحدا بعد أن يقوم من عندي إلا بخير.
وقال: طوبى لمن قدم على ربّه بخير، وخلّف عياله بشرّ، والويل لمن قدم على ربه بشر، وخلّف عياله بخير.
[قاض يمدح نفسه]
قال: كان عبد الرحمن بن مسهر، أخو علي بن مسهر [2] قاضيا على المبارك [3] ، فبلغه خروج الرشيد إلى البصرة، ومعه أبو يوسف القاضي [4] في
__________
[1] الأحنف بن قيس سيد تميم: سبقت ترجمته.
[2] علي بن مسهر: القرشي بالولاء أبو الحسن الكوفي، قاض من حفاظ الحديث، جمع الحديث والفقه، وولي القضاء بالموصل، ثم بأرمينية، وعمي فيها، فرجع إلى الكوفة، توفي سنة 189 هـ.
(نكت الهميان ص 219، تهذيب التهذيب 7/383)
[3] المبارك: نهر بالبصرة احتفرة خالد بن عبد الله القسري، والمبارك أيضا: نهر وقرية وقوق واسط، بينهما ثلاثة فراسخ، وقال هلال بن المحسن: المبارك قرية بين واسط وفم الصلح. (ياقوت: المبارك)
[4] أبو يوسف القاضي: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي، صاحب الإمام أبي حنيفة وتلميذه، وأول من نشر مذهبه، كان فقيها علامة من حفاظ الحديث، ولد بالكوفة، وتفقه بالحديث والرواية، ولزم أبا حنيفة، فغلب عليه (الرأي) -
(1/198)

الحراقة [1] ، فقال عبد الرحمن القاضي لأهل المبارك: اثنوا عليّ عند أمير المؤمنين، وعند القاضي، فأبوا عليه، فلبس ثيابه وقلنسوة طويلة وطيلسانا أسود، وجاء إلى الشريعة، فلما أقبلت الحراقة، رفع صوته، وقال: يا أمير المؤمنين، نعم القاضي قاضينا، قاضي صدق، ثم مضى إلى شريعة أخرى فقال مثل مقالته الأولى، فالتفت هارون الرشيد إلى أبي يوسف وقال: يا يعقوب، هذا شرّ قاض في الأرض، قاض [68 ظ] في موضع لا يثني عليه إلا رجل واحد، فقال أبو يوسف: وأعجب من هذا يا أمير المؤمنين، هو القاضي يثني على نفسه، قال: فضحك هارون وقال: هذا أظرف الناس، هذا لا يعزل أبدا، فكان إذا ذكره قال: هذا لا يعزل أبدا.
وقيل لأبي يوسف: وتولّي مثل هذا القضاء؟ فقال: إنه أقام ببابي مدة وشكا إلىّ الحاجة فولّيته.
[الرشيد ومدعي النبوة]
عبد الرحيم بن موسى الشيباني قال: كنت عند الرشيد، فأدخل إليه رجل في عنقه حبل أسود، وهو مغلول مقيّد يدّعي النبوة، فضحك الرشيد وقال: ما تقول؟ قال: أقول كما قال أخي نوح: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ)
[2] ، فقال الرشيد:
من أنت من الأنبياء؟ قال: شمعون، قال: يا شمعون، ما حجتك؟ قال:
جعلت فداك، أمرت بالرسالة، ولم أؤمر بالمناظرة، ولو جعلت إليّ مناظرتك
__________
- ولي القضاء ببغداد في أيام المهدي والهادي والرشيد، وهو أول من دعي (قاضي القضاء) ، له كتب منها: (الرأي) ولي القضاء ببغداد في أيام المهدي والهادي والرشيد، وهو أول من دعي (قاضي القضاة) ، له كتب منها (الخراج) ، و (الآثار) ، وهو مسند أبي حنيفة، و (أدب القاضي) ، و (الفرائض) ، و (البيوع) وغيرها، توفي سنة 182 هـ (أخبار القضاء لوكيع 3/254، النجوم الزاهرة 2/107، تاريخ بغداد 4/242، مفتاح السعادة 2/100- 107، وفيات الأعيان 2/303)
[1] الحراقة: ضرب من السفن فيها مرامي نيران، يرمى بها العدو في البحر، وسفينة خفيفة المرّ. (المعجم الوسيط: حرق)
[2] القمر 10.
(1/199)

لناظرتك، فقال له: لكل نبي آية، فما آيتك؟ قال: أعلم الغيب، قال: وكيف ذلك؟ قال: أعلم ما في نفسك، قال: فما في نفسي؟ قال إن أخبرتك تؤمن بي؟ قال: نعم، قال: أضمرت في نفسك أني كذاب، قال: صدقت، وأجازه وخلّى سبيله.
[من نوادر الأزواج]
عن الزبير [1] قال: حدثنا عمي قال: حدثني بعض أصحابنا قال: غاب رجل عن زوجته، فلما قدم دنا منها، فقالت: [الرجز]
ما مسّني بعدك يا صفيّ ... غير غلام واحد فتيّ
وآخران من بني عديّ ... وستة كانوا على الرّكيّ
[69 و] فوثب وأخذ العصا يضربها، وقال: لو تركتها لعدّت ربيعة ومضر.
[لا يؤم الولد أباه]
عن عطاء [2] قال: لا يؤمّ الرجل أباه وإن كان أفقه منه.
[من وصايا المهلب]
قال: كان المهلب [3] يقول: إذا أخطأت الصنيعة عند ذي دين،
__________
[1] الزبير: هو الزبير بن بكار عبد الله القرشي الأسدي، من أحفاد الزبير بن العوام، عالم بالإنساب وأخبار العرب، راوية، ولي قضاء مكة، له تصانيف منها: (أخبار العرب وأيامها) ، و (نسب قريش وأخبارها) ، و (الأوس والخزرج) ، و (وفود النعمان على كسرى) ، وغيرها، توفي سنة 256 هـ (تاريخ بغداد 8/467، وفيات الأعيان 1/189، آداب اللغة العربية 2/193)
[2] عطاء: هو عطاء بن أبي رباح، أسلم بن صفوان، تابعي من أجلاء الفقهاء، كان عبدا أسود، ولد في (جند) باليمن، ونشأ بمكة فكان مفتي أهلها ومحدثهم، توفي بمكة سنة 114 هـ.
(تذكرة الخفاظ 1/92، التهذيب 7/199، صفة الصفوة 2/199، حلية الأولياء 3/130، وفيات الأعيان 1/318)
[3] الملهب بن أبي صفرة: ظالم بن سرق الأزدي، أمير بطاش جواد، قال فيه عبد الله-
(1/200)

فاصطنعها عند من يتّقي العار، وكان يقول لبنيه: يا بنيّ، لا تقفوا في الأسواق إلا على زرّاد أو ورّاق [1] .
[زوجة عرجاء]
قال: زوّج أبو سويد السعدي يتيمة كانت عنده لرجل، فلما دخلت عليه رآها عرجاء، فقدّمه الرجل إلى القاضي وقال: أعز الله القاضي، هذا زوجني امرأة عرجاء، فقال له القاضي: ما تقول فيما ادّعى عليك؟ فقال: أعز الله القاضي، هذا زوّجته امرأة ينيكها، ولم أزوجه جملا يحجّ عليه.
[جميل وبثينة]
رجل من بني عامر قال: إن جميلا أتى بثينة زائرا بعد ما زوّجت، وهو لا يعلم بذلك، فلما رأته أنشأت تقول مازحة: [2] [الطويل]
ألم تر أنّ الماء بدّل حاضرا ... وأنّ شعاب القلب بعدك حلّت [3]
فأجابها وهو يقول: [4] [الطويل]
فان تك حلّت فالشّعاب كثيرة ... وقد نهلت منها قلوصي وعلّت
ثم خرج من عندها، فلم يرها حتى فارق الدنيا، والدليل على ذلك قوله: [5] [الطويل]
__________
- ابن الزبير: هذا سيد أهل العراق نشأ بالبصرة وولي إمارتها لمصعب بن الزبير، وقاتل الأزارقة تسعة عشر عاما، لقي منهم الأهوال، ولاه عبد الملك بن مروان ولاية خراسان، وتوفي فيها سنة 83 هـ.
(وفيات الأعيان 2/145، تاريخ ابن الأثير 4/173، الطبري 8/19، المحير ص 261، الإصابة ت 8635، الأغاني في مواضع كثيرة)
[1] الزراد: صانع الدروع والمغافر، والوراق: بائع الكتب وناسخها.
[2] البيت في ديوان جميل بثينة ص 35، ط- عالم الكتب، بيروت 1996.
[3] في الديوان: (ألم تر أن الماء غيّر بعدكم) .
[4] ديوان جميل ص 36.
[5] البيتان من قصيدة في ديوانه ص 218.
(1/201)

ولست وإن عزوا عليّ بقائل ... لها بعد صرم يا بثين صليني
[1] [69 ظ] لحى الله من لا ينفع الودّ عنده ... ومن حبله إن مدّ غير متين
[كسرى وحاجب بن زرارة]
قال: أقام حاجب بن زرارة [2] بباب كسرى لا يؤذن له، ثم بعث إليه:
أنت سيد العرب؟ قال: لا، قال: فسيد قومك أنت؟ قال: لا، ثم أذن له، فلما دخل عليه قال: من أنت؟ قال: أنا سيّد سيد العرب، قال: أما سألتك فزعمت أن لا؟ قال: صرت سيّدهم بكلامك، فقال كسرى: زه، وملأ فاه جوهرا.
[وجه أبي شراعة]
الرياشي [3] قال: نظر أبو شراعة المري وجهه في المرآة، وكان سمجا [4] فقال: الحمد لله الذي لا يحمد على المكروه غيره. وقال: [المنسرح]
من كان يبكي الشباب من جزع ... فلست أبكي الشباب من جزع
لأنّ وجهي لقبح صورته ... ما زال لي كالمشيب والصّلع
أشبّ ما كنت قطّ أهرم ما ... كنت فسبحان خالق البدع
إذا أخذت المرآة أذهلني ... قبحي فناديت هول مطّلعي
__________
[1] في الديوان: ولست وإن عزت عليّ بقائل)
[2] حاجب بن زرارة بن عدس الدارمي التميمي: من سادات العرب في الجاهلية، كان رئيس تميم في عدة مواطن، وهو الذي رهن قوسه عند كسرى على مال عظيم ووفى به، وحضر يوم شعب جبلة، أدرك الإسلام وأسلم، وبعثه النبيّ صلى الله عليه وسلم على صدقات بني تميم، توفي سنة 3 هـ. (الإصابة 1/273، 2/187، الأغاني 11/150 ط- الدار)
[3] الرياشي: العباس بن الفرج بن علي البصري، من الموالي، لغوي راوية عارف بأباب العرب، من أهل البصرة، له كتاب (الخيل) ، وكتاب (الإبل) ، و (ما اختلفت أسماؤه من كلام العرب) وغيرها، قتل في فتة صاحب الزنج سنة 257 هـ. (تهذيب التهذيب 5/124، بغية الوعاء ص 275، تاريخ بغداد 12/138، وفيات الأعيان 1/246، نزه الألباء ص 262) .
[4] السمج: القبيح، واللبن الخبيث الطعم أو الرائحة.
(1/202)

شغفت باللهو والقيان وما ... يصلح وجهي إلا لذي ورع
كي يعبد الله في الفلاة ولا ... يشهد فيه مشاهد الجمع
[من نوادر الأعراب]
الأصمعي قال: رأيت أعرابيا وقد حفر حفرة في يوم شديد البرد، فقلت: ما هذا يا أعرابي؟ قال: من شدة البرد، فقلت: هل قلت في ذلك شيئا؟ قال: نعم، فأنشأ يقول: [الطويل]
فيا ربّ إنّ البر أصبح كالحا ... وأنت بحالي عالم لا تعلّم [70 و]
فان كنت يوما مدخلي في جهنّم ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنّم
قال الأصمعي: سمعت أعرابيا وهو يقول: إلهي ما توهمت سعة رحمتك يوم القيامة إلا وكأنّ نعمة عفوك تملأ مسامعي بأن قد غفرت لي، فلا تخيّب سعة أملي، وصدّق حسن ظني.
[النظر إلى الثقيل]
الهيثم بن عدي، عن الأعمش، قال جالينوس [1] : لكل شيء حمّى، وحمى العين النظر إلى الثقيل.
[عائشة وليلة القدر]
الأصمعي قال: ذكر لرجل من أهل المدينة من أهل المدينة قول عائشة:
لو رأيت ليلة القدر ما سألت الله إلا العافية، فقال المديني: والظفر يوم الجمل [2]
__________
[1] جالينوس: طبيب وكاتب يوناني، له مؤفات كثيرة في الطب والفلسفة، توفي سنة 200 م. (الموسوعة العربية الميسرة 1/597)
[2] يوم الجمل: المعركة التي حدثت في البصرة بين جيش علي بن أبي طالب، وجيش طلحة والزبير اللذين أخرجا عائشة معهما، وكانت على جمل، وكان الظفر لجيش عليّ، وعادت عائشة نادمة، وقد قتل طلحة والزبير. (الطبري وابن الأثير حوادث سنة 36 هـ)
(1/203)

[الجاحظ ونصائح إبليس]
عمرو بن بحر الجاحظ قال: رأيت إبليس في النوم كأنه راكب على كركيّ [1] أبيض، ملجم بأفعى، يسوقه بأخرى، فاستوقفته، فوقف لي، فأفحمت عن كلامه، فعرف ذلك وقال لي: ويلك يا عمرو، احفظ عني ما أقول، ثم أنشأ يقول: [السريع]
ألم ير القاضي وأصحابه ... ما يفعل الله بأهل القرى
بلى ولكن ليس من ساقط ... إلا إذا استعلى أذل الورى
فليتني قد كنت فيمن مضى ... ولم أعش حتى أرى ما أرى
وكلّ ذي خفض وذي رفعة ... لا بد أنّ يعلو عليه الثّرى
ثم قال لي: ويلك يا عمرو، احفظ عني: لا تحسد الناس، فالحسد أقامني مقام الخزي [70 ظ] ، واغششن بني آدم تعش بينهم محببا، ثم قال:
[السريع]
مخرق على الناس ومخرق بهم ... فانّما الناس مخاريق [2]
قال: ثم ضرب الكركي بالأفعى، ومضى وتركني.
[لا سلام ولا كلام]
عبد الله بن عبيد الله الرازي، عن الحسن بن علي عليهما سلام، قال:
ليس في الحمّام سلام ولا كلام.
[ذنب الجاهل وذنب العال]
أبو عبيدة عن فضيل بن عياش [3] قال: قال أبي: يغفر الله للجاهل
__________
[1] الكركي: طائر كبير أغبر الون، طويل العنق والرجلين، أبتر الذنب قليل اللحم، يأوي إلى الماء أحيانا.
[2] الخرق: الحمق والجهل والكذب.
[3] الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي: شيخ الحرم المكي، من أكابر العبّاد الصلحاء كان ثقة في الحديث، أخذ عنه خلق منهم الإمام الشافعي، ولد في سمرقند، ونشأ-
(1/204)

سبعين ذنبا من قبل أن يغفر للعالم ذنبا واحدا.
[النعمان بن المنذر]
المدائني قال: خرج النعمان بن المنذر [1] ذات يوم في عقب سماء، فمر برجل من بني يشكر، جالس على غدير، فقال له: أتعرف النعمان؟ قال اليشكري: أليس ابن سلمى؟ قال: نعم، قال: ولله لربما مررت يدي على فرجها، قال: ويحك، [أمّ] [2] النعمان بن المنذر؟ قال: قد أخبرتك، فما انقضى كلامه حتى لحقته الخيل، وحيّوه بتحية الملك، فقال له: كيف قلت؟
قال: أبيت اللعن، والله ما رأيت شيخا أكذب ولا ألأم ولا أوضع ولا أخسّ ولا أعضّ ببظر أمّة من شيخ بين يديك، فقال النعمان: دعوه، ثم قال: [3] [مجزوء الكامل]
تعفو الملوك عن العظي ... م من الذنوب لفضلها
ولقد تعاقب في اليسي ... ر وليس ذاك لجهلها
إلا ليعرف فضلها ... ويخاف شدّة نكلها
[71 و]
[الخلق الحسن]
ابن عباس قال: لكلّ شيء أساس، وأساس الإسلام الخلق الحسن، وكان يتمثل بشعر الأعشى: [الكامل] [4]
__________
- بأبيورد، ودخل الكوفة وهو كبير، وأصله من الكوفة، ثم سكن مكة، وتوفي بها سنة 187 هـ. (طبقات الصوفي ص 6- 14، تذكرة الحفاظ 1/225، تهذيب التهذيب 8/294، صفة الصفوة 2/134، وفيات الأعيان 1/415)
[1] النعمان بن المنذر بن عمرو بن المنذر بن الأسود، آخر ملوك الحيرة، (جمهرة أنساب العرب ص 422- 423)
[2] ساقطة من الأصل.
[3] الأبيات في المنتخل للميكالي 2/882، وعيون الأخبار 1/100، ومروج الذهب 3/58، ومحاضرة الأدباء، 1/44، وحماسة الظرفاء ص 178.
[4] لم أجد الأبيات في ديوان الأعشى.
(1/205)

ما كلّ من تهوى يحبّك قلبه ... ولا كلّ من صافيته لك منصف
إذا المرء لم يحببك إلا تكلّفا ... فذره إذا ما قلّ منه التّعطّف
فما الناس بالناس الذين عهد تهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعرف [1]
[لا حرمة للفاجر]
عن الحسن [2] قال: لا حرمة للفاجر، قال قتادة: كأنه يرى أنّك إذا اغتبت الفاجر أنه لا بأس به.
[أبو الأسود الدؤلي]
قال: زوّج أبو الأسود الدؤلي [3] رضي الله عنه ابنته، فلما أراد إهداءها إلى زوجها قال لها: يا ينيّة، إنّ أطيب الطّيب الماء، وإنّ أحسن الحسن الدهن، وإنّ أحلى الحلاوة الكحل، يا بنيّة، لا تكثري مباشرة زوجك فيملّك، ولا تباعدي منه فيجفوك، وكوني كما قلت لأمّك: [4] [الطويل]
خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في صولتي حين أغضب [5]
ولا تنقريني نقرة الدّفّ مرة ... فانّك لا تدرين كيف المغيّب
فأني رأيت الحبّ في الصدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحبّ يذهب
__________
[1] البيت في منتخل الميكالي 2/542، والمحاسن والمساوئ ص 35.
[2] الحسن: هو الحسن البصري، وقد سبقت ترجمته.
[3] أبو الأسود الدؤلي: ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلي الكناني، واضع علم النحو، كان معدودا في الفقهاء والأعيان والشعراء، من التابعين، رسم له علي بن أبي طالب شيئا من أصول النحو، فكتب فيه أبو الأسود، وأخذه عنه جماعة، سكن البصرة في خلافة عمر، وولي إمارتها في أيام علي، ولم يزل في الإمارة إلى أن قتل علي بن أبي طالب، وكان قد شهد صفين مع علي، وأبو الأسود أول من نقط المصحف، وله شعر جيد، توفي في البصرة سنة 69 هـ. (الإصابة ت 4322، تهذيب ابن عساكر 7/104، خزانة الأدب 1/136، الذريعة 1/314، صبح الأعشى 3/161)
[4] الخبر في الأغاني 20/385، والأبيات في الأغاني 20/385، الأبيات في الأغاني 20/376 منسوبة لأسماء بن خارجة.
[5] في الأغاني: (في سورتي) . والسورة: شدة الغضب والسطوة.
(1/206)

[لا يحل المكر]
عن عليّ صلى الله عليه، قال: لو استحللت المكر ما مكرني معاوية. [1]
[لمن الحكمة؟]
عن أبي حازم، قال: من يعرض الحكمة على من لا يريدها، فهو كالمغني عند رأس الميت.
[من حكم الأعراب]
عن الأصمعي قال: وقفت على أعرابي نائم في ظل شجرة [71 ظ] ، فقلت:
أين أهلك؟ فقال: في ملك المليك، فقلت: ما مالك؟ فأنشأ يقول: [البسيط]
للناس مال ولي مالان ما لهما ... إذا تحارس أهل المال حرّاس
مالي الرضا بالذي أصبحت أملكه ... ومالي اليأس ممّا يملك الناس
قال: فأخرجت درهما ودفعته إليه، فقال: يا فتى، هذا من مالي الذي أخبرتك.
[أصول الوعظ]
سليمان الخواص [2] قال: من وعظ أخاه بينه وبينه فقد نصحه، ومن وعظه بين الناس فقد بكّته [3] .
[من وصايا المهلب]
الهيثم بن عدي قال: المهلب بن أبي صفرة [4] لبعض ولده: إياك
__________
[1] لم أجد قول علي بن أبي طالب في نهج البلاغة.
[2] في الأصل: سليمان الخواص، ولم أجد له ترجمة، ولعله إبراهيم الخواص الصوفي كان أحد المشايخ من أقران الجنيد، ولد في سامرا، وتوفي في جامع الري سنة 291 هـ. (طبقات الصوفية، تاريخ بغداد 6/7، طبقات الشعراني 1/83)
[3] بكّته: قرّعه ووبّخه.
[4] الملهب بن أبي صفرة: سبقت ترجمته.
(1/207)

والسرعة بنعم، فانّ أولها سهل، ومخرجها ثقيل في فعلها.
[من شعر المبرد]
أنشد المبرد [1] لنفسه: [البسيط]
اسم المبرد في معناه مقتضب ... حقا كما اشتق داجي الليل من نسبه
وقلّ ما أبصرت عيناك ذا لقب ... إلا ومعناه إن فكّرت في لقبه
[طلب واستعطاف]
رسالة لبعضهم
الآمال أعزك الله قرائن النّعم، لا ينفكّ منها، ولا يتحول عنها، إلا إذا حمى الشّحّ أكنافها، ومنع حوزتها، وصار حاجزا دونها، وحاشى لما أودعك الله من نعمه، وخوّلك من مواهبه، أن تكون حمى على الآمال أن تردّه، وعلى الرجاء [72 و] أن يسترفده، لأن ذلك ذخيرة من توفّي نعمته على همّته، ويزيد حظّه على أمنيّته، ويرى الاحتفاظ بما في يده من أعدّ عدده على نوائب دهره، فأما من كانت نفسه فوق ما خوّل، وقسمه دون ما يؤمّل، ومن يرى البقاء الذي لا يغتاله الغناء، والذخر الذي لا يتخوّنه الدهر، أحدوثة حسنة توثر، وذكرا جميلا ينشر، وصنيعة تسدى وتستثمر، فليس يرضى أن تذود عن فنائه أملا [أن] يجد له على ما قبله معوّلا، ولا بأن يجعل المعاذير جنّة، وهو يجد على ماله وجاهه وماله محتملا، وقد جعل الله كذلك فسهّل الله لك ما تحاوله، ولا قصّر بك عن غاية ما تؤمّله، وذو الحرمة ملوم على الإفراط في الدالة، كما أنّ المتجرّم به مذموم على التناسي والإذالة، ومن مذهبي الوقوف
__________
[1] المبرد: محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي، أبو العباس، إمام العربية ببغداد في زمنه، وأحد أئمة الأدب والأخبار، مولده بالبصرة، له كتب منها:
(الكامل) ، و (المذكر والمؤنث) ، و (المقتضب) ، و (التعازي والمرائي) وغيرها، توفي ببغداد سنة 286 هـ (وفيات الأعيان (1/45، بغية الوعاة ص 116، تاريخ بغداد 3/380، نزهة الألبا ص 279)
(1/208)

بنفسي دون الغاية التي يقدمني إليها حقي، ويشرف بي عليها استحقاقي لأمرين، أولهما: أنّ الرضا بدون الحق أزيد في الحق، والثاني: أني أرى النفس في الحظ زهيدا إذا أتى من جهة الإرهاق، والكف لي ذمام المودّة الصادقة، التي كلّ حرمة تبع لها، ومطّرح معها، وحقّ الشكر الذي جعله الله وفاء بالنّعم، وإن جلّ قدرها، وانتهت الآمال دونها، وأنت أعزّك الله فراعي المعالي، وحافظ بغية التّكرّم، أن تخترمها [1] الأيام والليالي، فأيّ سبيل للعذر، أم أيّ موضع للإكداء [2] ، [72 ظ] بين حرمتي ورعايتك، وذمامي وكرمك، لا والله ما أعرف إلا أن تأتي الأقدار بما لا يقع في ظنّ الحازم، ولا تبلغه إنذار الخائف، والله يعيذك ومؤمليك من ذلك، ومن أن أكون أول من يستثنى به عند وصف مساعيك، وذكر منّتك وأياديك بخيبته عليك لسان القادح، وقول العدو الكاشح.
ولئن تقادم عهد حاجتي وطالت مدتها، وتراخى النّجح عنها، إنّ ثقتي بك لتامّة وافية، غير منهوكة [3] بالظنون السيئة، لأني لا أرى لسوء الظن مجازا إليك، ولا متقدما على فضلك، ولا بد من الأدّكار مع ما تعتورك من الأمور التي لا ينكر مع استبدادها وغلبتها عليك، أن تسقط عند بعض الفرائض التي لا يسع إغفالها، فضلا عما هو دونها، وأنت أعزك الله عارف أنّني فسحت للعذر سبيله، وكثّرت طرقه ووجوهه في مفتتح هذه الحاجة، ولم يكن تمهيدي إياه لنبوة خفتها منك، ولا لأني لم أجد للقول مصرفا فيما حاولته قبلك، ولكنني نزهتك عن التجمّل لي بوعد يطول به المدى، ويعتزله الوفاء، وأحببت أن يتقرّر عندك أملي فيك، أبعد من أن اختلس الأمور منك، اختلاس من يرى أنّ في عاجلك عوضا من آجلك، وأنشد: [73 و] [السريع]
إنّ الذي شقّ فمي ضامن ... للرزق حتى يتوفاني
__________
[1] تخترما الأيام: تأخذها والخرم، الشق والقطع والنقص.
[2] الإكداء: الفقر بعد الغنى، والخيبة والفقر.
[3] المنهوكة: المنتقصة.
(1/209)

أنشد: [الطويل]
شفيعي شفيع لا يردّ له أمر ... فياليت شعري هل يساعدني الدهر
إذا الشافع استقصى لك الأمر كلّه ... وإن لم يكن نجح فقد وجب الشكر
[الفروق في اللغة]
أحققت الحديث: إذا لم يكن عندك حقّا، ثم صار حقا، وحقّقته:
حفظته. يقال: ماء شروب: إذا كان عذبا، وماء شريب [1] ، إذا لم يكن طيبا، وكان بين الملح والعذب.
إياك والأهلب [2] ؛ يقال للرجل إذا حذّر من آخر لشرّه أو لعداوته.
قال: ليس في القرآن لام تعجب إلا لِإِيلافِ قُرَيْشٍ
[3] ، يقول:
تعجّبوا لما أعطيت قريشا. حصبوه: رموه، وأحصبوا عنه: ولّوا عنه. أزهرت الأرض، وزهرت النار. جهنّم [4] : من الجهنام، وهي البئر البعيدة القعر [5] .
أتانا وقد نام ظالع الكلاب، عند هدوّ جميع الحيوان. سكرا بزيم [6] من البزم، وهو العضّ، وإبزين خطأ [7] .
يقال: فلان أمّة؛ إذا كان علما في الخير، ولا يقال ذلك في الشر،
__________
[1] في الأصل: (شربت) ، والصواب: شريب، وفي اللسان: الماء الشريب: الذي ليس فيه عذوبة، وقد يشريه الناس على ما فيه. (اللسان: شرب)
[2] الأهلب الكثير الشعر، وفي المثل: (إياك وأهلب العضرط) يضرب لمعجب بنفسه.
(مجمع الأمثال 1/22، والمستقصى 1/451) (2) قريش 1.
[3] جهنّم: كعملّس، بعيدة القعر، به سميت جهنم، (القاموس المحيط: جهم)
[4] في حاشية الأصل: (قال الوزير: يجوز على البدل، قلت: فيما قاله نظر) .
[5] سكرا: من السكر شرب الخمرة. بزيم: شديد، وأصل البزم: العض بمقدم الأسنان.
(اللسان: بزم)
[6] قلت: ليس خطأ، ففي اللسان: ويقال للقفل أيضا الإبزيم، لأن الإبزيم هو إفعيل من بزم إذا عضّ، ويقال أيضا: إبزي بالنون، قال أبو دواد:
من كل جرداء قد طارت عتيقتها ... وكلّ أجرد مسترخي الأبازين
[7] (اللسان: بزم)
(1/210)

ومعناه: أنه يؤتمّ به، والشرّ لا يقتدى بصاحبه. ما أدرى أغاز أم ماز [1] الغور: تهامة وما وراء نجد [2] ، كما تقول: ما أدري أين سلك. في مثل: فهما يتنازعان جلد الظربان، إذا استبّا [3] . [73 ظ] فلان منقطع القبال [4] ، إذا لا رأي له. يوم أهلب [5] ؛ إذا كان كثير المطر. الأنين: من مرض، والأليل: من حزن [6] . والشخير: من الحلق، والنخير: من الرأس.
هذا سيف مسقى، وهو أفصح من: مسقيّ، لأن أسقيت يتضمّن معنى إدامة السقي.
ويله وويحه وويبه وويسه، فالويل: من لا وأل [7] ، والويح: من التوحية، والويب: [8] من الحافر الوأب [9] ، ...
__________
[1] ماز الشيء: عزه وفرزه، وماز الأذى عن الطريق، نحّاه وأزاله، وماز فلانا عليه:
فضله عليه.
[2] قال الأزهري: الغور تهامة وما يلي اليمن، الأصمعي: ما بين ذات عرق إلى البحر غور تهامة. (ياقوت: الغور)
[3] في المثل: (هما يتماشنان جلد الظّربان) يضرب للمتفاحشين، من امتشيت منه شيئا:
أخذت. (مجمع الأمثال 2/393) ، المستقصى 2/392، اللسان: ظرب)
[4] القبال: قبال النعل، زمامها، وقيل: هو مثل الزمام بين الإصبع الوسطى والتي تليها، ورجل منقطع القبال: سئ الرأي، عن ابن الأعرابي. (اللسان: قبل)
[5] الهلب: الشعر كله، وقيل: ما غلظ من الشعر، ويوم هلّاب، وعام هلّاب: الكثير المطر والريح. (اللسان: هلب)
[6] الأليل: ألّ المريض والحزين يئلّ ألا، وأليلا: أنّ وحنّ ورفع صوته بالدعاء، وصرخ عند المصيبة: (القاموس المحيط: ألل) .
[7] الوأل: الموئل، وهو الملجأ. وويل: كلمة عذاب، وواد في جهنم، (القاموس المحيط: وأل، ويل)
[8] الويب: كلمة مثل ويل.
[9] الوأب: حافر وأب، شدي منضم السنابك خفيف، وقيل: هو الجيد القدر. (اللسان:
وأب)
(1/211)

والويس: [1] من الأوس [2] ، وهو العوض من الخير الشر.
العرب تقول: العرق طلوب، والخال [3] جدوب، والشّبه غلوب.
عال يعيل: افتقر، ويعول: يقوم بأمر عياله. هين لين: بالتخفيف، مدح، وهيّين ليّن، بالتشديد: ذم. المتقهّل [4] : المبالغ في لبسه وزينته.
[من جيد المدح]
لكثير: [5] [الطويل]
قليل الألايا حافظ ليمينه ... إذا سمعت منه الألية برّت [6]
حلم رزين ذو أناة وأربة ... بصير إذا ما كفّة الحبل جرّت [7]
[صبر الأعراب على الجوع]
أعرابي من أهل فيد: [8] [الطويل]
إذا لم يكن للمرء جدي يناله ... ولا تحف ممّا تحوز الموائد
وكان له خبز وملح ففيهما ... له مقنع حتى تجئ الفوائد
__________
[1] الويس: ويس، كلمة تستعمل في موضع رأفة واستملاح للصبي، والويس: الفقر، ما يريده الإنسان، وقد لقي ويسأ، أي لقي ما يريده. (القاموس المحيط: ويس)
[2] اوس: الإعطاء والتعويض من الشئ والذنب (القاموي: أوس)
[3] الخال: سحاب لا يخلف مطره، أو لا مطر فيه. (القاموس: خال)
[4] المتقهل: الذي لا يتعهد جسده بالماء، والنظافة، والتقهّل: رثاتة الملبس والهيئة، ورجل متقهل: إذا كان رثّ الهيئ متقشفا. (اللسان: قهل)
[5] البيتان لكثير عزة في ديواته ص 59 من قصيدة.
[6] الديوان: (فإن سبقت منه الألية برت) . الألايا: جم ألوة وهي اليمين، وما يقسم به، الألية: القسم.
[7] الديوان: (حليم كريم) . الأناة: الصبر، الكفّة: كفة الصائد، وهو حبل يستعمله ليخدع صيده.
[8] فيد: منزل بطريق مكة عامرة يودع الحاج فيها أزوادهم وما يثقل من أمتعتهم عند أهلها، فإذا رجعوا أخذوا أزوادهم ووهبوا لمن أودعوها شيئا من ذلك. وفيد: نصف طريق الحاج من الكوفة إلى مكة. (ياقوت: فيد)
(1/212)

فما هي إلا جوعة إن سددتها ... فكل طعام بين جنبيك واحد
اختلط المرعى بالهمل: إذا اختلط الأشراف والخسّاس.
[يا حمام الأيك]
خرج عوف [1] بن محلم [74 و] مع عبد الله بن طاهر [2] لما أراد خراسان، فلما صار بالري، نزل تحت دوحة، وجاء عوف فأخذ يحادثه تحتها، فبينا هما كذلك، إذ صدح طائر من الدوحة، فقال عبد الله: يا عوف،
__________
[1] هناك اثنان باسم عوف بن محلم، الأول وهو غير المراد هنا هو: عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان: من أشراف العرب في الجاهلية، كان مطاعا في قومه، قويا في عصبيته، طلب منه الملك عمرو بن هند رجلا كان قد أجاره فمنعه، فقال الملك: (لا حر بوادي عوف) أي: لا سيد فيه يناوئه، فسارت مثلا، وفيه المثل (أوفى من عوف بن محلم) ، وكانت تضرب له قبة في عكاظ، توفي سنة 45 ق. هـ. نحو 580 م.
(المحبر ص 349، مجمع الأمثال 2/124، 222، نقائض جرير والفرزدق ص 1094 ط؛ ليدن) .
أما عوف بن محلم الآخر وهو المراد هنا، فهو: عوف بن محلم الخزاعي، أبو المنهال، أحمد العلماء الأدباء الرواة الندماء الشعراء، أصله من حران من موالي بني أمية أو بني شيبان، انتقل إلى العراق فاختصه طاهر بن الحسين لمنادمته، فبقي معه ثلاثين سنة لا يفارقه، ومات طاهر فقربه ابنه عبد الله، وجعل له منزلته عند أبيه، وبقي في صحبته إلى أن كبر وتجاوز الثمانين، وهو صاحب البيت المشهور:
إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
توفي في طريقه إلى حران سة 220 هـ.
(معجم الأدباء 6/95، سمط اللآلئ ص 198، فوات الوفيات 2/118، الأزمنة والأمكنة 2/258)
[2] عبد الله بن طاهر بن الحسين الخزاعي: أمير خراسان ومن أشهر الولاة في العصر العباسي، ولي إمرة الشام ثم مصر ثم الدينور، وولاه المأمون خراسان، كان من أكثر الناس بذلا للمال مع علم ومعرفة وتجربة، وللشعراء فيه مراث كثيرة، توفي سنة 230 هـ. (الطبري 11/13، ابن الأثير 7/5. وفيات الأعيان 1/260 تاريخ بغداد 9/483، الولاة والقضاء ص 180، المحبر ص 376) .
(1/213)

قاتل الله أبا كبير الهذلي [1] حيث يقول: [2] [الطويل]
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك ميّاد ففيم تنوح
أفق لا تنح من غير شئ فانّني ... بكيت زمانا والفؤاد صحيح
ولوعا فشطّت غربة دار زينب ... فها أنا أبكي والفؤاد قريح
فقال عوف: والله أيها الأمير، لقد أحسن، فقال عبد الله: أجز يا عوف، فقال: أيها الأمير، إن شعري قد رقّ، فيمهلني الأمير، ففعل، فغدا عليه فأنشده: [3] [الطويل]
أفي كل عام غربة ونزوح ... أما للنّوى من ونية فتروح [4]
لقد طلّح البين المشتّ ركائبي ... فهل أرينّ البين وهو طليح
وأرّقنى بالريّ نوح حمامة ... فنحت وذو الشّجو القريح ينوح [5]
على أنّها ناحت ولم تذر دمعة ... ونحت وأسراب الدموع سفوح [6]
__________
[1] أبو كبير الهذلي: عامر بن الحليس، شاعر فحل من شعراء الحماسة، يقال إنه أدرك الإسلام وله خير مع النبيّ صلّى الله عليه وسلم، له ديوان شعر، وشرح لأبي سعيد السكري، لا تعرف وفاته تحديدا.
(الشعر والشعراء ص 257 خزانة الأدب 3/473، سمط الآلئ ص 387)
[2] الأبيات لأبي كبير الهذلي في الحماسة البصرية 2/153 ومعجم الأدباء، 5/2138 ط إحسان عباس، ومعاهد التنصيص 1/138)
[3] الأبيات مع بيتين آخرين لعوف بن محلم في معجم الأدباء 5/2138، وطبقات ابن المعتز ص 187، والأبيات الثلاثة الأولى في الحماسة البصرية 2/153- 154، والبيتان الرابع والخامس في الحماسة البصرية أيضا 2/141، وجاء البيتان الرابع والخامس في ديوان عمر بن أبي ربيعة مع بيت ثالث ص 488 ط- عبد الحميد، ونسبت الأبيات إلى أبي دهبل الجمحي في ديوانه ص 76 تحقيق عبد العظيم عبد المحسن، وانظر تخريجه.
[4] في معجم الأدباء وطبقات ابن المعتز: (من ونية فتريح) .
[5] في معجم الأدباء: (وذو البث الغريب ينوح) ، في طبقات ابن المعتز: (وذو اللب الحزين ينوح) .
[6] في طبقات ابن المعتز: (على أنها ناحت فلم تر عبرة)
(1/214)

عسى جود عبد الله أن يعكس النّوى ... فتلقي عصا التطواف وهي طريح [1]
فانّ الغنى يدني الفتى من صديقه ... وإنّ النوى بالمقترين طروح [2]
[74 ظ] فأمر له عبد الله بعشرة آلاف درهم، وقال: قد عكسنا عنك النوى، فان شئت فكن معنا، وإن شئت فألمّ بأهلك والحق بنا، ففعل.
[لوعة الوداع]
أنشد: [الطويل]
فوا عجبا ممّن يمدّ يمينه ... إلى إلفه عند الوداع فيسرع
ضعفت عن التوديع حين أردته ... فودّعته بالقلب والعين تدمع
وأنشد [الكامل]
ومودع يوم الفراق بطرفه ... شرق من العبرات ما يتكلّم
متلفت نحو الحبيب بغصّة ... لا يستطيع وداعه فيسلّم
خالد الكاتب: [3] [المتقارب]
ولما التقينا وقد مزّقت ... جلابيب صبرى يدا هجره
وقد كان يعذر في وعده ... فكذّب ما كان من غدره
عقدت يدي على خصره ... وألصقت نحري على نحره
وأقبلت أروي صدى مهجتي ... ببرد المراشف من ثغره
وقلت ألا ليت إنّ الصباح ... إلى الحشر يغفل عن فجره
__________
[1] في طبقات ابن المعتز: (فتضحي عصا التسيار) .
[2] في معجم البلدان: (وعدم الغنى بالمقترين طروح) . في طبقات ابن المعتز: (وعدم الغنى للمعسرين طروح) .
[3] خالد الكاتب: خالد بن يزيد البغدادي، أبو الهيثم المعروف بالكاتب، شاعر غزل من الكتّاب، أصله من خراسان، عاش وتوفي في بغداد، كان أحد كتاب الجيش في أيام المتصم العباسي، وكان يهاجي أبا تمام، وغلبت عليه السوداء، وعاش عمرا طويلا حتى دقّ عظمه ورق جلده، أكثر شعره غزل رقيق، توفي سنة 262 هـ.
(المنتظم لابن الجوزي 5/35، النجوم الزاهرة 3/36، معجم الأدباء، 4/171، تاريخ بغداد 8/308، الأغاني 21/31)
(1/215)

[مختارات غزلية]
ابن ميادة [1] : [الطويل]
فيا ليت حظي من نوالك أنه ... يبلّغ حاجاتي إليك رسول [75 و]
لكي تعلمي أنّ الذي قلت صادق ... وأنّك مخلاف العدات مطول
أنلت قليلا ثم أسرعت منّة ... ونيلك ممنون كذاك قليل
أنشد: [الطويل]
بليغ إذا يشكو إلى غيرها الهوى ... وإن هو لاقاها فغير بليغ
كأنّك ظمآن يطالب موردا ... فان نال ريّا كان غير مسيغ
أنشد أبو عطاء: [الطويل]
بنفسي من لا تقنع النفس دونه ... بشيء ولا يسلى مودّته الهجر
فيا ربّ هل في طول كتماني الهوى ... وصبرى على ما أنت تعلمه أجر
قال محمد بن يزيد الأزدي [2] : دخلت على عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وهو مفتصد [3] ، فذهبت أدعو له لفصده، فقال: يا أبا العباس، لم يكن ذاك من علّة، فانظر ما تحت المصلّى، فنظرت فاذا رقعة مكتوب فيها: [4] [السريع]
حلف المحبّ ليقطعن يده ... إذا مسّ من يهواه بالألم
حتى إذا ضاق الوفاء به ... جعل الفصاد تحلّة القسم
__________
[1] ابن ميادة: الرماح بن أبرد من ثوبان الذبياني، شاعر رقيق هجّاء من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسي، مدح الخلفاء الأمويين والعباسين، وكان مقامه بنجد، يفد على الخلفاء والأمراء ويعود، اشتهر بنسبته إلى أمه ميادة، وأخباره كثيرة، توفي سنة 149 هـ. (معجم الأدباء 4/212، الأغاني 2/85- 116، تهذيب ابن عساكر 5/328، سمط اللآلئ ص 306، خزانة الأدب 1/77)
[2] محمد بن يزيد الأزدي: هو أبو العباس المبرد، وقد مرت ترجمته.
[3] عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: سبقت ترجمته، مفتصد: من الفصد، وهو إخراج مقدار من دم الوريد بقصد العلاج.
[4] البيتان في ثمار القلوب ص 667، ط- مصر 1965.
(1/216)

فقلت له: فكيف كان هذا؟ فقال: إني ضربت جارية لي أحبّها البارحة، فأشرقت، فحلفت أن أقطع يدي، فاستفتيت، فقيل لي بالفصد.
من إنشاد أبي علي: [75 ظ] [المديد]
والذي يعطيني الأملا ... ما ابتعت نفسي بكم بدلا
ولقد أصبحت في شغل ... ولقد أمسيت لي شغلا
فدعي سوء الظنون بنا ... فلقد صيّرتني مثلا
يوم أجفوكم وأقطعكم ... فرأيت الموت بي نزلا
وأنشد: [البسيط]
إنّا من الدرب أقبلنا نؤمكم ... أنضاء شوق على أنضاء أسفار
لا يد للصّبّ أن تبدو صبابته ... إذا تبدّل غير الدار بالدار
وأنشد: [المتقارب]
عتبت عليّ ولا ذنب لي ... وللذنب كان ولا شكّ لك
تخوّفت لومي فبادرتني ... إلى اللوم من قبل أن يأخذك
آخر:
الذنب للأيام ليس لمن ... تجوز عليه ذنب
لا خير في طول الحياة لمن ... يحبّ ولا يحبّ
للمنتصر بالله [1] ، وهو محمد بن جعفر المتوكل بن المعتصم بن هارون الرشيد: [الطويل]
متى ترفع الأيام من قد وضعنه ... وينقاد لي دهر عليّ جموح
__________
[1] المنتصر بالله بن المتوكل: من خلفاء الدولة العباسية، بويع بالخلافة بعد أن قتل أباه المتوكل سنة 247 هـ بالاستعانة بالعساكر الأتراك، وفي أيامه قويت سلطة الغلمان، فحرضوه على خلع أخويه المعتز والمؤيد، وكانا وليي عهده فخلعهما، وهو أول من عدا على أبيه من بني العباس، لم تطل مدته، وقيل: مات مسموما بمبضع طبيب، وكانت مدة خلاقته ستة أشهر، وفاته سنة 248 هـ. (الطبري 11/69- 81، ابن الأثير 7/32، 36، الأغاني 9/300، تاريخ الخميس 2/339 تاريخ بغداد 2/119)
(1/217)

أعلل نفسي بالرجاء وإنني ... لأغدو على ما ساءني وأروح
[76 و]
[حاله بعد الموت]
كبة الكاتب، واسمه محمد بن هارون، أخو ميمون بن هارون، متوكلي، يقول في رواية أبي هفّان:
كأني بأخواني على حافتي قبري ... يهيلونه فوقي وأعينهم تجري
عفا الله عنّى يوم أصبح ثاويا ... أزار فلا أدري وأجفا فلا أدري
[منية العشاق]
أبو الفتح محمد بن الفتح بن خاقان، صاحب المتوكل: [الكامل]
وغريرة شغل الجمال بصنعها ... عيش الهوى ومنية العشّاق
شغلت بتنفيض الدموع شمالها ... ويمينها مشغولة بعناق [1]
[بكي لي عذالي]
أبو نصر العسقلاني، واسمه محمد بن أحمد الكتاني، يقول: [البسيط]
قد جاء بعدك عذّالي فما برحوا ... حتى بكى لي مع الباكين عذّالي
[شربة من الراح]
وزير بن عمرو الجذامي من أهل فلسطين: [الطويل]
سقاني أبو بشر من الراح شربة ... لها لذّة ما ذقتها لشراب
وما طبخوها غير أنّ غلامهم ... سعى في نواحي كرمها بشهاب
[عازفة العود]
العباس المرأه [2] عن أبي أسامة جنادة، للراضي [3] أبي العباس محمد
__________
[1] في حاشية الأصل: (كذا وجدته في نسخة الوزير رحمه الله. وشغلت (بتنغيض) أجود وأكثر استعمالا.
[2] كذا جاءت الكلمة، ولم أهتد لوجهها.
[3] الراضي بالله: محمد بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد بالله أحمد، أبو العباس، خليفة عباسي، كانت أيام سلفيه (القاهر والمقتدر) أيام ضعف، امتنع فيها أمراء البلاد عن الطاعة، واستقل كثير من الولاة بما كانت يلون، وتفككت الدولة في أيام الراضي. وهو آخر خليفة له شعر مدون، وآخر خليفة كان يجيد الخطبة على المنبر
(1/218)

ابن جعفر المقتدر بالله، أكثر الخلفاء شعرا وأوسعهم افتنانا: [السريع]
قد أفصحت بالوتر الأعجم ... وأفهمت من كان لم يفهم [76 ظ]
جارية تخلق من لطفها ... مخاطبا ينطق لا من فم
جسّت من العود مجاري الهوى ... جسّ الأطبّاء مجاري الدم
[في مجلس معاوية]
الأعشى بن عوف بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، واسمه يزيد، وقيل: إن معاوية بن أبي سفيان رحمه الله أنشدها: [1] [السريع]
يا أيها السائل عمّا مضى ... من ريب هذا الزمن الذاهب [2]
إن كنت تبغي العلم أو نحوه ... أو شاهدا يخبر عن غائب [3]
فاعتبر الأرض بأسمائها ... واعتبر الصاحب بالصاحب [4]
__________
- يوم الجمعة، توفي ببغداد سنة 329 هـ. (ابن الأثير 8/89، البداية والنهاية 11/196، تاريخ بغداد 2/142، مروج الذهب 2/404- 412)
[1] الأبيات في البيان والتبيين 1/54، وذكر الجاحظ مناسبتها فقال: ودخل الأحنف بن قيس على معاوية بن أبي سفيان، فأشار له إلى الوساد، فقال له: أجلس، فجلس على الأرض، فقال له معاوية: وما منعك يا أحنف من الجلوس على الوساد؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن فيما أوصى به قيس بن عاصم المنقري ولده أن قال: «لا تغش السلطان حتى يملّك، لا تقطعه حتى ينساك، ولا تجلس على فراش ولا وساد، وأجعل بينك وبينه مجلس رجل أو رجلين: فإنه عسى أن يأتي من هو أولى بذلك المجلس منك فتقام له، فيكون قيامك زيادة له ونقصانا عليك» . حسبي بذا المجلس يا أمير المؤمنين، ولعله أن يأتي من هو أولى بذلك المجلس مني؛ فقال معاوية: «لقد أوتيت تميم الحكمة، مع رقة حواشي الكلم» ، وأنشأ يقول: ... الأبيات.
[2] في البيان والتبيين: (وعلم هذا الزمن العائب) .
[3] البيان: (تبغي العلم أو أهله) .
[4] البيان: (فاعتبر الأرض بسكانها)
(1/219)

[شعر ليزيد في الخمرة]
ليزيد بن معاوية يقوله للحسين بن علي عليه سلام، ودعاه إلى مجالسة على شرابه، فأبى عليه: [1] [مجزوء الوافر]
ألا يا صاح للعجب ... دعوتك ثم لم تجب
إلى اللذات والقينا ... ت والنشوات والطرب [2]
وباطية مكلّلة ... عليها سادة العرب
وفيهنّ التي تبلت ... فؤادك ثم لم تثب
فقال له الحسين عليه السلام: بل فؤادك يا يزيد.
[الحلم عن السفهاء]
ليحيى بن منصور [3] بن سماعة الذهلي وكان شاعرا ناقض الفرزدق، وكان خطيبا، وتكلم عند سليمان بن عبد الملك، وعند هشام بعده، وطال عمره إلى أن أدرك الدولة العباسية [77 و] كبرا، ومات في آخر أيام المنصور: [الوافر]
__________
[1] الأبيات ليزيد في الأغاني 15/191- 192، مع رواية أوسع مما هنا، وشعر يزيد من معاوية ص 51 جمع وتحقيق صلاح الدين المنجد، في القسم المشكوك بصحته، مع ذكر رواية الأغاني، وقد يصح الشعر ليزيد، ولكن الروابة عن حضور الحسين مجلس يزيد مشكوك فيها، وقد فند المنجد هذه الرواية تفنيدا وافيا. ونثبت هنا رواية الأغاني: (عن المدائني: لما رجع يزيد في خلافة أبيه، جلس بالمدينة على شراب، فاستأذن عليه عبد الله بن عباس، والحسين بن علي، فأمر بشرابه فرفع، وقيل له: إن ابن عباس إن وجد ريح شرابك عرفه، فحجبه، وأذن للحسين، فلما دخل وجد رائحة الشراب مع الطيب فقال: لله در طيبك هذا ما أطيبه، وما كنت أحسب أحدا يتقدمنا في صنعة الطيب، فما هذا يا ابن معاوية؟ فقال: اسق أبا عبد الله يا غلام فقال الحسين: عليك شرابك أيها المرء، لا عين عليك مني، فشرب وقال: ... الأبيات، فوثب الحسين عليه السلام وقال: بل فؤادك يا ابن معاوية» .
[2] الأغاني: (إلى القينات واللذات) .
[3] ليحيى بن منصور الهذلي خبر وشعر في الأغاني 10/115، في مدح معن بن زائدة.
(1/220)

أطيل الحلم عن سفهاء قومي ... ولكني سأغشم في انتصاري
وأعرض عن قوارص مؤذيات ... إذا ما لم يكن إحدى الكبار
على مضض وأدفعهنّ حتى ... يفرّخ بيضها عمّا أداري
أعيّرتنا لنحلم عن رجال ... وليس الحلم عن رهطي بعار
أقيل المرء ذا العثرات منهم ... ولا يخشون قد علموا عثاري
وقد أكفي مقام الكره منهم ... أخا الضّغن المبيّن والضّرار
وإني قد أهين لهن تلادي ... وأبرز مجلسي وتشبّ ناري
[في الحكمة والنصيحة]
وهب بن جرير بن حازم الجهضمي البصري، أحد رواة الحديث، وهو القائل في عبد الرحمن بن مهدي، من قصيدة: [البسيط]
لا يلهينّك دنيا طال ما لعبت ... بالناس قبلك فيها أيّما لعب
غرّارة، أهلها منها على وجل ... أيّ امرئ بسهام الموت لم يصب
لا تأمننّ انقلاب الدهر إنّ له ... تصرّفا لم يزل في سائر الحقب
دع المزاح فقد يزري بصاحبه ... وربّما آلت العقبى إلى غضب
[من جيد التشبيهات]
للقاضي أبي الحسن علي [1] بن النعمان: [77 ظ] [البسيط]
وشاكلت ملح في الحبّ مونقة ... ما في الرياض وفي الأشجار من ملح
ثغر وخذّ ونهد واختضاب يد ... كالطّلع والورد والرمان والبلح [2]
__________
[1] القاضي علي بن النعمان بن محمد بن حيّون: أبو الحسن، من قضاة مصر، كان فقيها عالما بالأدب، وافر الحرمة عند الفاطميين، له شعر جيد، قدم مع (المعز) من المغرب إلى مصر، ونظر في الحكم، ثم ولي القضاء، ولقب بقاضي القضاة، توفي سنة 374 هـ. (فيات الأعيان 2/167، الولاة والقضاء ص 495، 589)
[2] الطلع: غلاف يشبه الكوز ينفتح عن حب منضود، فيه مادة إخصاب النخلة.
(1/221)

[دلالة الفاكهة]
آخر: [البسيط]
حافت فأكبرها من أن يقول لها ... حافت فأهدى لها في السرّ تفّاحا
فأرسلت نحوه الأترجّ تعلمه ... أن جرت فاختصما سرا وما باحا
فما أراد بمعكوس اسم ما بعثا ... إلا لما أفسد الواشون إصلاحا
[مختارات شعرية]
يروى لسيف الدولة بن حمدان [1] رضي الله عنه: [البسيط]
يا طلعة الشمس لما وافقت خللا ... من السحاب على أرض من الزهر
بدرت والبدر نحو الحسن في قرن ... فجئت قامرة يا قامر القمر [2]
لابن الرومي: [3] [الطويل]
إذا أنا نالتني فواضل منعم ... فأهلا بها ما لم تكن بهوان
ومن ذا الذي يلتذّ شهدا بعلقم ... أبت لهواتي ذاك والشّفتان
ولا أنّني أغشى المعايش كلّها ... ومالي بأن أغشى الهوان يدان
أريد مكانا من كريم يصونني ... وإلا فلي رزق بكلّ مكان
تذكّرت أنّي هالك وابن هالك ... فهانت عليّ الأرض والثّقلان
لمنصور الفقيه [4] : [78 و] [الوافر]
__________
[1] سيف الدول الحمداني علي بن عبد الله بن حمدان التغلبي: أبو الحسن، صاحب المتنبي وممدوحه، يقال: لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع بباب سيف الدولة من شيوخ العلم ونجوم الدهر، نشأ سيف الدولة شجاعا مهذبا عالي الهمة ملك واسطا وما جاورها، ومال إلى الشام فامتلك دمشق، وعاد إلى حلب فملكها، أخباره ووقائعه مع الروم كثيرة، له شعر جيد، وله أخبار كثيرة مع الشعراء، وخاصة مع المتنبي والسري الرفاء والنامي والببغاء والوأواء وغيرهم، توفي في حلب سنة 356 هـ. (وفيات الأعيان 1/364، زبدة الحلب 1/111- 152، يتيمة الدهر 1/8- 22)
[2] قامرة: من قمر فلانا إذا غلبه في لعب القمار، وقمرت فلانا قلبه: شغفته حبا وقمرت: أضاءت بنور القمر.
[3] لم أجد الأبيات في ديوان ابن الرومي.
[4] منصور الفقيه: منصور بن إسماعيل بن عمر التميمي، أبو الحسن، فقيه شافعي من الشعراء، ضرير، أصله من رأس العين (بالجزيرة) رحل إلى بغداد في شبابه ومدح-
(1/222)

وقال نبيّنا فيما رواه ... عن الرحمن من علم الغيوب
محال أن ينال العفو من لا ... يمنّ به على أهل الذنوب
وله أيضا: [مجزوء الكامل]
ما كالعيون مخبّر ... عمّا تضمّنت القلوب
فصن الجيب بغضّها ... عنه إذا حضر الرقيب
وله أيضا: [الطويل]
بصغاء من تهوي اليك بخدّه ... لتلثمه يوم الفراق على رعب
تجاوز لنا عن سالف الذنب منعما ... وزرنا فقد تبنا إليك من الذنب
سترت شيبي عن الغواني ... فدلّسلوني مع الشباب
وله أيضا: [الطويل]
وانتقدوني فصيّروني ... في الردّ لّما رأوا خضابي
وله أيضا: [الكامل]
إتظنّني من زلّة أتعتّب ... قلبي عليك أرقّ ممّا تحسب
روحي وقلبي في يديك وإنّما ... أنت الحياة فأين عنك المذهب
وله أيضا: [78 ظ] [السريع]
قد قلت للقلب وعاتبته ... على التّصابي ما أتى مرّه
يا قلب دع عنك طلاب الصّبا ... ما كلّ عام تسلم الجرّه
وله أيضا: [مجزوء الرمل]
قلت للمعجب لمّا ... قال مثلي لا تراجع
يا قريب العهد بالمخ ... رج لم لا تتواضع
__________
- الخليفة المعتز: ثم سكن مصر، كان خبيث اللسان في الهجاء، نقل عنه كلام في الدين، وشهد عليه بذلك شاهد، فقال القاضي (أبو عبيد) : إن شهد عليه ثان ضربت عنقه، فاستولى عليه الخوف ومات، له كتب منها: (الواجب) ، و (المستعمل) ، و (الهداية) في الفقه، و (زاد المسافر) ، توفي سنة 206 هـ. (وفيات الأعيان 7/185- 189، المغرب في حلى المغرب، قسم مصر 1/262)
(1/223)

آخر: [السريع]
بدر يخاف البدر من حسنه ... فضيحة فهو له ضدّ
في جيده خشف وفي لحظه ... سحر وفي نكهته ندّ
في ريقه خمر وفي قدّه ... غصن وفي خدّيه لي ورد
جحظة: [1] [البسيط]
جاء الشتاء وما عندي له ورق ... ممّا وهبت ولا عندي له خلع
كانت ففرّقها جود ولعت به ... وللمقلن أيضا بالنّدى ولع [2]
بكر بن النطاح: [3] [الطويل]
كفى حزنا أنّ الغنى متعذّر ... عليّ وأني بالمكارم مغرم
فو الله ما قصّرت في نيل غاية ... ولكنني أسعى إليها فأحرم
الوزير المغربي رحمه الله: [79 و] [الطويل]
ولو لم أسمك الوصل إلا لأنه ... أمين على سرّ الوداد نصيح
تسرّ قلوب العاشقين فلا ترى ... عليهم علامات الغرام تلوح
ولم أر مثل الهجر للسرّ فاضحا ... يعلّم جفن العين كيف يبوح
[فطنة أعرابية]
الأصمعي قال: بينا أنا بطريق مكة مع أصحاب لي، إذ مرّ بنا أعرابيّ وهو يقول: من أحسّ من جمل أحمر بعنقه علاط [4] ، وبأنفه خزامة [5] ، يتبعه بكرتان سمراوان، عهد العاهد به عند البئر؟ قال، فقلنا: جمع الله عليك، وحفظ علينا،
__________
[1] جحظة البرمكي: سبقت ترجمته، والبيتان في ديوانه ص 123.
[2] الديوان: (وللمساكين أيضا) .
[3] في الأصل: (أبو بكر) ، وهو: بكر بن النطاح الحنفي: أبو وائل، شاعر غزل من فرسان بني حنيف، من أهل اليمامة، انتقل إلى بغداد في زمن الرشيد، وتصل بأبي دلف العجلي، فجعل له رزقا سلطانيا عاش به إلى أن توفي سنة 192 هـ. (تاريخ بغداد 7/90، البداية والنهاية 10/208، سمط اللآلئ ص 520، شرح ديوان الحماسة 3/140)
[4] العلاط: جانب العنق، وهما علاطان، وحبل يحيط بالعنق.
[5] الخزامة: حلقة من شعر توضع في ثقب أنف البعير، يشدّ بها الزمام.
(1/224)

والله ما احسسنا شيئا، ولا رأينا جملا هذه صفته. قال: وجويرية على حوض لها تمدره، فقالت: لا حفظ الله عليك يا فاسق، أغرب قبّحك الله عنا، فقلت:
ما تريدين من رجل ينشد ضالّته؟ فقالت: والله ما ينشد إلا أيره وخصيته!!
[خالد القسري]
جمح بخالد بن عبد الله [1] بغل على جسر واسط [2] ، فوثب رجل وأخذ بعنانه، فأمسكه، فسلم، فلما سلم قال: من أنت فقد عظمت يدك؟ قال: أنا الذي ضربته ألف سوط وحبسته، قال: حلّ عن اللجام، فنعم مستودع الهوان اللئام.
[أمّ تشفع لولدها]
قال: أخذ مالك بن طوق [3] رجلين قد عاثا في بلده، يقال لأحدهما زيد
__________
[1] خالد: هو خالد من عبد الله بن يزيد من أسد القسري، من بجيلة، أمير العراقين، كان خطيبا جوادا، أصله من اليمن من أهل دمشق، ولي مكة للوليد بن عبد الله ثم ولاه هشام العراقين (الكوفة والبصرة) سنة 105 هـ، فأقام بالكوفة، وطالت مدته إلى أن عزله هشام سنة 120 هـ، وولى مكانه يوسف بن عمر الثقفي، وأمره أن يحاسبه، فسجنه يوسف وعذبه بالحيرة ثم قتله في أيام الوليد بن يزيد، وكان خالد يرمى بالزندقة وللفرزدق هجاء فيه قتل سنة 126 هـ.
(تاريخ ابن الأثير 4/205، 5/101، الأغاني 19/53، تهذيب ابن عساكر 5/67 تاريخ ابن خلدون 3/105)
[2] واسط: في مواضع متعددة والمراد هنا واسط الحجاج، سميت بواسط لأنها متوسطة بين الكوفة والبصرة، بناها الحجاج بين سنتي 84- 86 هـ. (ياقوت: واسط)
[3] مالك بن طوق بن عتّاب التغلبي: أبو كلثون، أمير من الأشراف الفرسان الأجواد، ولي إمرة دمشق للمتوكل العباسي، وبنى بمساعدة الرشيد بلدة (الرحبة) التي على الفرات، وتعرف برحبة مالك، نسبة إليه، وكثر سكانها في أيامه، كان فصيحا وله شعر، توفي سنة 259 هـ.
(النجوم الزاهرة 3/32، معجم البلدان 4/136، فوات الوفيات 2/142، دول الإسلا للذهبي 1/123) المجموع اللفيف* 8
(1/225)

ابن عامر الكلبي، وللآخر الوليد بن همام الشيباني، فأما زيد، فركب في رجال من كلب فوهبه لهم، وأما الوليد، فلجّ فيه، وعدّد عليه ذنوبا أسلفها إليه، قال حسين لخادم: فبينا نحن كذلك [79 ظ] إذ أقبلت أمّ الوليد، فأعلمها طوق ما سلفت بيديه الوليد من ذنوب، وأنه على قتله واستئصال ما بقي من قومه، فأشفقت من ذلك، وبكيت بكاء شديدا، وأنشأت تقول: [الطويل]
بني عمّنا لا تبعثوا الحرب بيننا ... وإلا خشينا أن يميل عمودنا
ولا تقطعوا الأرحام بعد اشتباكها ... فيسخط مولانا ويرضى حسودنا
وكن مثل جدّيك اللذين تقدّما ... نكن مثل ما كانت عليه جدودنا
إذا نحن لم تذنب لديك غواتنا ... ولم يبد منّا حدّنا وحديدنا
ولم تغض عن زلّاتنا يا ابن مالك ... وعمّا بدا منّا فكيف يسودنا
وكيف يرجّي جارنا فضل عزّنا ... وكيف يرجّي الخير منا بعيدنا
فتملك بالنّعمى عليه رقابنا ... وتنشر في الآفاق عنك وفودنا
قال: فضحك طوق عجبا منها ومن شعرها، وقال: يا أمّ الوليد، قد وهبت لك ذنوب الوليد، ثم أمر به فأحضر يرفل في قيوده، ففكّها عنه وخلع عليه من ثيابه، وأثبته في وجوه رجاله.
[العفو وبلاغة الاعتذار]
حدث ابن كشمرد [1] قال: لما خرج [80 و] تميم بن جميل الأوسي على المعتصم بالله، وكان قد عاث على شاطئ الفرات، كتب المعتصم إلى مالك بن طوق أن يسري إليه [2] ويقبض عليه، فسار مالك حتى نزل الرّحبة فامتثل فيه أمر المعتصم، وحمله مكبّلا بالحديد، قال علّان بن كشمرد:
فحدثني أبو عبد الله أحمد بن أبي دواد القاضي [3] قال: كنت في اليوم الذي
__________
[1] في الأصل: ابن كسمرد) الكلمة غير معجمة ككثير من كلمات المخطوطة، وفي الطبري 10/131: علّان بن كشمرد الكردي.
[2] يسري إليه: يباغته ليلا.
[3] أحمد بن أبي دواد: سبقت ترجمته.
(1/226)

أتى به على باب المعتصم، فأدخل عليه، فدخلت معه في أثره، فلما مثل بين يديه، أمر فبسط له النّطع، وانتضي له السيف، وان تميم رجلا عظاما جسما، فأحبّ المعتصم [1] أن يعلم أين جنانه وبيانه من جثّته وجثمانه، فقال له:
يا تميم هيه، إن كانت لك حجّة فأت بها، أو عذر فادل به، قال أحمد بن أبي دواد: فو الله ما رأيت رجلا عاين الموت فما ذهله ولا شغله عمّا أراد أن يفعله حتى فعله غيره، فقال تميم: أمّا إذا أذن أمير المؤمنين بالكلام فأقول:
الحمد لله الذي أحسن كلّ شئ خلقه، وبدأ خلق الإنسان من طين [2] ، ثم جعل نسله من ماء مهين جبر الله بك يا أمير المؤمنين صدع الدين، ولمّ بك شعث الأمّة، أخمد بك شهاب الباطل، وأنار بك سبل الحق، إنّ الذنوب تخرس الألسنة، وتصدع الأفئدة، وأيم الله لقد عظمت الجريرة، وساء الظنّ، وانقطعت الحجّة، ولم يبق إلا عفوك وانتقامك، وأرجو [80 ظ] أن يكون أقربهما منك، أولاهما بخلائقك، وأشببها بسؤددك العفو، ثم أطرق ورفع رأسه وأنشأ يقول [3] : [الطويل]
أرى الموت بين السيف والنّطع كامنا ... يلاحظني من حيثما أتلفّت
وأكبر ظنّي أنّك اليوم قاتلي ... وأيّ امرئ ممّا قضى الله يفلت
وأيّ امرئ يدلي بعذر وحجّة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت
يعزّ على الأوس بن تغلب موقف ... يهزّ عليّ السيف فيه وأسكت
وما جزعي من أن أموت وإنّني ... لأعلم أنّ الموت حتم مؤقّت
ولكنّ خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتّت
كأنّي أراهم حين أنعي إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوّتوا
__________
[1] الرواية باختصار في كتاب العفو والاعتذار لأبي الحسن محمد بن عمران العبدي المعروف بالرّقام البصري، تحقيق عبد القدوس أبو صالح ط- 3 دار البشير عمان 1993 2/563- 565، وفيه أن القصة مع هارون الرشيد وليس المعتصم، وفي معجم البلدان 2/765، إن القصة بين مالك بن طوق والرشيد، وفي زهر الآداب 3/200. والعقد الفريد 2/158، والعمدة 1/130 أنه خرج على المعتصم.
[2] سورة السجد 7.
[3] الأبيات في كتاب العفو والاعتذار 2/564- 565، مع خلاف يسير.
(1/227)

فان عشت عاشوا خافضين بغبطة ... أذود الرّدى عنهم وإن مت موّتوا
وكم قائل لا يبعد الله داره ... وآخر جذلان يسرّ ويشمت
فتبسّم المعتصم وقال: يا تميم، قد عفوت عن الهفوة، ووهبتك للصّبية، ثم أمر فحلّ وثاقه وخلع عليه، وعقد له ولاية على الفرات وما أخذ أخذه.
[من سيرة الإمام علي]
سلمان الفارسي [1] رحمة الله عليه، قال: دخلت على مولاي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، ليلة من الليالي وهو جالس ينظر في حساب، وبين يديه [81 و] مصابح يقد فجلست إليه مليّا، فلما فرغ من حسابه أطفأ المصباح وأمر باشعال غيره، فقلت: يا أمير المؤمنين، رأيت عجبا، فقال: يا سلمان، أتراك تشير إلى المصباح، فقلت: أجل، فقال: هو زيت المسلمين وحسابهم، فلما فرغ أطفأته، ثم لبس نعليه وخرج إلى باحة الدار وتبعته، فنظر إلى السماء مليّا وتنفس الصعداء، ثم قال: يا سلمان، إنّ بين جنبيّ علما جمّا، لو أجد له جملة، ثم أنشأ يقول: [2] [البسيط]
ما أكثر الناس لا بل ما أقلّهم ... الله أعلم أنّي لم أقل فندا
إنّي لأفتح عيني حين أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا
__________
[1] سلمان الفارسي: صحابي متقدم الإسلام، كان يسمي نفسه سلمان الإسلام، أصله من مجوس أصبهان، عاش عمرا طويلا، وتنقل بين قريته جيان والشام والموصل ونصيبين فعمورية، وقرأ كتب الفرس والروم واليهود، وقصد بلاد العرب، فلقيه ركب من بني كلب فاستخدموه ثم استعبدوه وباعوه، فاشتراه رجل من قريظة فجاء به إلى المدينة، وعلم بخبر الإسلام فقصد النبيّ صلّى الله عليه وسلم بقباء، فأعانه المسلمون على شراء نفسه من صاحبه اليهودي وأسلم، كان قوي الجسم صحيح الرأي، توفي سنة 36 هـ. (طبقات ابن سعد 4/53- 67، الإصابة ت 3350، حلي الأولياء 1/185، تهذيب ابن عساكر 6/188، صفة الصفوة 1/210، الذريعة 1/332- 333) .
[2] البيتان في ديوان علي بن أبي طالب ص 63 ط- دار الكتاب العربي، بيروت 1998.
(1/228)

[عشرة أعضاء أولها كاف]
قال عبد الملك بن مروان لسويد بن غفلة [1] : أخبرني عن عشرة أشياء في جسدي أوائل أسمائها (كاف) ، ولك ألف درهم ودست ثياب، فقال:
هي: الكفّ، والكوع، والكرسوع [2] ، والكتف، والكتد [3] ، والكاهل، والكبد، والكرش، والكلية، والكعب. فقال: أخطأت، ليس للإنسان كرش، وإنما هي أعفاج [4] ، هات تمام العشرة، قال: ابلعني ريقي، قال: قد أبلعتك الفرات، ولن تأتي بها، فقام سويد ليبول، فلما حلّ سراويله ذكر بطنه إلى إحليله، فجعل يعدد محلول السراويل وهو يقول: خذ بيدك: الكمرة [5] ، فهي تمام العشرة، فقال عبد الملك أعطها [6] . [81 ظ]
[لحية ابن عياش]
قال المنصور يوما لعبد الله بن عيّاش [7] المنتوف: قد بغّضت إليّ صورتك عشرتك، وأقسمت بالله لئن نتفت شعرة من لحيتك لأقطعنّ يدك فأعفاها حتى اتصلت وخرجت، وكان عنده يوما يحدثه بأحاديث استحسنها
__________
[1] سويد بن غفلة الجعفي: معمّر، كان شريكا لعمر بن الخطاب في الجاهلية، وعاش في البادية، أسلم ودخل المدينة يوم وفاة النبيّ صلّى الله عليه وسلم، وشهد القادسية، ثم كان مع علي يوم صفين. سكن الكوفة ومات فيها في زمن الحجاج، كان فقيها إماما قوي الساعد، ضرب الأسد على رأسه فمر سيفه في فقار ظهره وخرج من عكوة ذنبه، توفي سنة 81 هـ. (الإصابة 2/118) ، الاستيعاب بهامش الإصابة 2/116، العبر للذهبي 1/93)
[2] في الأصل: (الكرسوم) ، وهو تحريف، والكرسوع: طرف الزند الذي يلي الخنصر، وهو الناتئ عند الرسغ، والكوع: طرف الزند الذي يلي الإبهام.
[3] الكتد: مجمع الكتفين من الإنسان والفرس، أو الكاهل.
[4] الأعفاج: الأمعاء، واحدها العفج.
[5] الكمرة: محركة، رأس الذكر، والجمع: كمر. (القاموس المحيط: كمر)
[6] بعد هذا صفحة ناقصة من الأصل.
[7] عبد الله بن عياش: راو من محدثي الخلفاء، ولقب بالمنتوف، كان حيا زمن وفاة المنصور سنة 158 هـ. (الطبري 8/111) .
(1/229)

واستفادها، فقال: سلني حاجتك، قال: نعم يا أمير المؤمنين، تعطيني لحيتي أفعل بها ما أريد، فضحك المنصور، وقال: قد فعلت.
[الأعراب تسلب الخليع]
للخليع الشامي [1] : [2] [السريع]
أنا شاعر أنا ناثر أنا شاكر ... أنا جائع أنا راجل أنا عاري
هي ستة وأنا الضمين لنصفها ... فكن الضمين لنصفها بغيار
والنار عندي كالسؤال فهل ترى ... ألّا تكلفني دخول النار [3]
[أبو البختري]
دخل الرشيد يوما إلى دور حرمه، وهو آخذ بيد أبي البختري، وهب بن وهب [4] ، فتوقف أبو البختري، فقال له الرشيد: ادخل، فدخل معه، فقال
__________
[1] الخليع الشامي: ويعرف بالخليع الأصغر، تفريقا له عن الخليع أبي علي الحسن بن الضحاك الباهلي من شعراء الدولة العباسية المتوفى سنة 250 هـ.
والخليع الأصغر هذا: هو محمد بن أحمد من ولد عبيد الله بن قيس الرقيات، شاعر من أهل مدينة (الرقة) بالشام، أورد المرزباني قطعتين من شعره، وقال: مات بعد سنة 280 هـ أو فيها.
(معجم الشعراء ص 410 تحقيق عبد الستار فراج، ط- مصر 1960) .
[2] الأبيات في معجم الشعراء ص 410، وكان الأعراب قد قطعوا عليه الطريق بنواحي حرّان، فدخل على ابن الأغر السلمي، واسمه خليفة بالدهناء، فأنشده الأبيات ارتجالا.
[3] في معجم الشعراء برواية: (فالعار في مدحي لغيرك فاكفني بالجود منك تعرّضي للعار) .
[4] أبو البختري: وهب بن وهب بن كبير بن عبد الله بن زمعة، من بني المطلب بن أسد من قريش، قاض من العلماء بالأخبار والأنساب، ولد ونشأ في المدينة، انتقل إلى بغداد في خلافة هارون الرشيد، فولاه القضاء بعسكر المهدي (في شرقي بغداد) ، ثم قضاء المدينة، وعزل فعاد إلى بغداد فتوفي بها، كان جوادا كثير العطاء للشعراء، صنف كتبا منها: (فضائل الأنصار) ، و (نسب ولد إسماعيل) ، و (الرايات) وغيرها،
(1/230)

الرشيد: والله يا أبا البختري، إنّ هذا مدخل ما دخله غيرك، قال: لا جرم أنّ المنّة لي فيه يا أمير المؤمنين، قال: كيف ويحك؟ قال: يدخل أمير المؤمنين كأنّه قمر زاهر، وأدخل [82 و] أنا معه وأنا شيخ أصلع قصير بطين أزرق، فوالله ما يظنّ كلّ من في القصر إلا أنّ كلّ من وراء هذه الخدر [1] من الرجال مثلي، قال: فضحك الرشيد وأمر له بجائزة.
[تعليق للوزير المغربي]
ووجدت بخط الوزير أبي القاسم المغربي رحمه الله في الحاشية عند هذا البيت: [البسيط]
لا تمسكي بعرى أحلامه سفها ... كم قد أوى ووأى مينا ومخترصا [2]
ما أدري إيش قال، وهذا البيت من قصيدة للقاضي أبي تغلب الواسطي أنفذها إليه، جوابا عن قصيدة للوزير على هذا الوزن والقافية.
[حومل]
قال العتبي: سأل أبي أبا وائل الأعرابي: كيف وجدك بحومل؟ [3] فقال: ما أمّ واحد بين صفّي بأشفق مني عليها، وإني لأذكرها وبيني وبينها
__________
- روى الحديث وكان متهما فيه، ويروي منكرات، فترك حديثه، توفي سنة 200 هـ.
(معجم الأدباء 7/232، نسب قريش ص 22، وفيات الأعيان 2/181، تاريخ بغداد 13/451) .
[1] كذا جاء الخدر مؤنثا (هذه الخدر) ولعله أراد الجمع، فقال: (خدر) ، وجمع الخدر:
خدور وأخدار، والخدر: ستر المرأة، ولعل في العبارة تحريفا من سهو الناسخ، وأصل العبارة (هذا الخدر) .
[2] وأى: وأى فلانا يئيه وأيا: وعده، والوأي: الوعد الذي يوثّقه المرء على نفسه، ويقال: لا خير في وأي إنجازه بعد لأي. المين: الكذب. اخترص القول: افتعله.
[3] حومل: موضع بين إمرة وأسود العين، وجاءت في شعر امرىء القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
(ياقوت: حومل، وديوان امرىء القيس صص 8) .
(1/231)

عقبة الطير [1] ، فأجد من ذكرها ريح المسك، ولئن لم يكن الحبّ من الجنون إنه لعصارة السحر.
[لا تعجل بحمد أو ذم]
ابن مسعود: [2] لا تعجّل بحمد أحد ولا بذمّه، فربّ من يسوؤك اليوم يسرّك غدا، وربّ من يسرك اليوم يسوؤك غدا.
[من شعر الحسين اليمامي]
قال الوزير رحمه الله: أنشدنا أبو عبد الله الحسين بن علي بن إسماعيل بن رحمة اليوسفي اليمامي من بني حسن عليهم السلام لنفسه: [الطويل]
لئن عتمت رجلي وقمت على العصا ... ولم يشتعني لمّة الحدثان [3]
أجب داعي الشوق الذي لا يجيبه ... ضعيف ولا رثّ القوى متوان
إذا استظهر الجبس الدّنيّ لحافه ... عليه وغطّى الليل كلّ جنان
[4] [82 ظ] تبرّأت إلّا من قميصي وصارم ... من المشرفيّات العتاق يمان
وقمت ولي في ساحة الحيّ صاحب ... مقرّ بعيني منذ كنت وكان
قال الوزير: وكان قد عرج من ضربات لحقته، فأقام أخا فراش سنة لا
__________
[1] عقبة الطير: مسافة ما بين ارتفاعه وانحطاطه. (اللسان: عقب) .
[2] ابن مسعود: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، صحابي من أكابرهم فضلا وعقلا وقربا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من أهل مكة، ومن السابقين للإسلام، وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة، كان خادم الرسول الأمين، وصاحب سره ورفيقه في حله وترحاله وغزواته، نظر إليه عمر بن الخطاب يوما، وقال: (وعاء مليء علما) ، ولي بعد وفاة الرسول بيت مال الكوفة، ثم قدم المدينة في خلافة عثمان، فتوفي فيها عن نحو ستين عاما، كان قصيرا جدا يكاد الجلوس يوارونه، وكان يحب التطيب، له 848 حديثا، توفي سنة 32 هـ.
(الإصابة ت 4955، صفة الصفو، 1/154، حلية الأولياء 1/124، البدء والتاريخ 5/97) .
[3] عتمت رجلي: أبطأت وتأخرت. لمّة الحدثان: شدته.
[4] الجبس: اللئيم والغبي.
(1/232)

يقوم على رجله، ثم قام ومشى على عرجة شنيعة رأيناها به، حفظه الله.
قلت: وإنما نقلت هذه الأبيات، وحكاية الوزير عنه لأوردهما عند ذكره في جملة نسب بني حسن بن حسن إن شاء الله.
روي أنه ما كان أحد قطّ يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا في رأسه، إلا قال له احتجم، ولا في رجله، إلا قال اخضبها.
[مزاعم النساء]
النساء يزعمن أنّ العقارب كان بينها وبين نوح عليه السلام عهد، فاذا ذكر لهنّ لم يلسعن، فخرجت جارية للجمّاز [1] تفتح الباب وهي تقول: سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ
[2] ، فلسعتها عقرب فصاحت، فقال لها الجماز: نفسك، تتركين محمدا عليه الصلاة والسلام وتطلبين الفضول؟
[إنما أنت حية]
بدوي: [الطويل]
ثمانين حولا لا أرى منك راحة ... لهنّك في الدنيا لباقية العمر [3]
وما لك عمر إنّما أنت حيّة ... إذا هي لم تقتل تعش آخر الدهر
[قصيدة لبعض الحسينيين]
قال الوزير: أنشدني الأمير أبو الفتوح حرسه الله، يعني صاحب مكة
__________
[1] الجماز: أبو عبد الله محمد بن عمرو بن حمّاد، هو ابن أخي سلم الخاسر، ومن تلامذة أبي عببيدة، عاش في البصرة، كان صاحب مقطعات في الهجاء زار بغداد في زمن هارون الرشيد والمتوكل، عرف أبا نواس، وروى أخباره، توفي سنة 255 هـ.
(معجم الشعراء ص 431، الأغاني 4/79، 19/270، 20/290، طبقات ابن المعتز ص 99، 371- 374) .
[2] الصافات 79.
[3] لهنك: بكسر الهاء، كلمة تستعمل تأكيدا، أصلها: لأنّك، فأبدلت هاء، كاياك وهيّاك. (القاموس المحيط: لهن) .
(1/233)

[83 و] لبعض الحسينيين من أهل المدينة، في حرب بينهم، فقال: [الطويل]
أيا عترة الطّهر التي بسقت لها ... شوامخ مجد لا يمارى حسيبها [1]
أفي أن دعوناكم لنصر عشيركم ... على حين نار الحرب هرّ كليبها
وأجمعت الإخوان من آل جعفر ... علينا فهبّ المرد منها وشيبها
قلبتم لنا ظهر المجنّ وأشعلت ... قصائد مكروه الأذايا شبوبها [2]
وأتيتم فينا الشهادات أنّنا ... نهبّ إذا العيدان حان هبوبها
فقل واستعن بالصدق يا با محمد ... فمن شرّ أقوال العشير كذوبها
وسل عالما في حلمنا يا ابن يوسف ... وحلمك والأبناء تنمى خطوبها
أنحن هببنا بالرّعاع عليهم ... أم أنت ببدر يوم طار عكوبها [3]
صبحتهم جأواء من آل تبّع ... قليل تناهيها سريع وثوبها [4]
ولولا رجال من عليّ لأصبحت ... على حالة تشكو الهوان حريبها
فألّا نهاك الحلم عنهم فلم تطع ... لسورتها نفسا شديدا شغوبها
معوّذة ألّا تطا الحشف ما بدت ... شماريخ رضوى ربدها وفنودها [5]
وكم قد رمونا قبلها يا ابن يوسف ... بموبقة أعيى دواها طبيبها
__________
[1] العترة: نسل الرجل ورهطه وعشيرته، وما تفرعت من الشعب.
[2] قلب له ظهر المجن: هذا مثل، أي عاداه بعد مودة، والمجن: الترس، المثل في:
(مجمع الأمثال 2/32، جمهرة الأمثال 2/125، اللسان: جنن) .
[3] الرعاع من الناس: الغوغاء، الواحد رعاعة، والرعاعة: من لا قلب له ولا عقل.
طار عكوبها: ثار غبارها أو دخانها، والعكاب: الغبار والدخان وشدة الغليان.
(اللسان: عكب) .
[4] الجأواء: الكتيبة الضخمة القوية.
[5] شماريخ رضوى: فروعها وعذوقها. رضوى: جبل بالمدينة، وهو من ينبع على مسيرة يوم، ومن المدينة على سبع مراحل ميامنة طريق مكة، وهو على ليلتين من البحر.
(ياقوت: رضوى) .
فنودها: الحجارة العظيمة الناتئة في الجبل، وغصون الشجر: أفنادها.
قلت: وقد خالف الشاعر حرف القافية في هذا البيت، إذ أن قافية القصيدة حرف الباء وهاء بعده.
(1/234)

حلمنا لها والحلم منّا سجيّة ... لدى الرحم عاد صابا حليبها
[83 ظ] فلما رأينا أنّه لا يصدّهم ... عن الجهل إلا خطّة وركوبها
قد عناهم عنا بكلّ مهنّد ... وخطّيّة سمر لدان كعوبها [1]
وقمنا فنادينا عليّا فأقفصت ... لنا جعفر حضّارها وغريبها [2]
فيا ليتنا كنّا بكينا ولم نكن ... دعونا عليّا دعوة لا نخيبها
وهذه نقلتها لأوردها في موضعها من كتاب النسب إن شاء الله تعالى.
[تحقيق نسب ابن مسعود]
عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن فار [3] بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تيم بن سعد بن هذيل. وقالوا: قار، وهو خطأ بالقاف، وقالوا: فار بالفاء وهو صحيح، وقد ذكر ابن حبيب، وفار بن شمخ في رواية أخرى.
[وصية إبي نواس]
لما حضرت أبا نواس الوفاة، كان له خاتمان؛ أحدهما حديد صيني مربع عليه مكتوب: (الحسن بن هاني يشهد أن لا إله إلا الله مخلصا) ، والآخر عقيق أحمر مربع عليه مكتوب: [4] [الطويل]
يعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربّي كان عفوك أعظما
فقال: إذا متّ فاقلع الفصّ الحديد واغسله وصيّره في فمي، وخلّني وربّي.
__________
[1] قد عناهم: كففناهم ومنعناهم. الخطية: الرماح المنسوبة إلى الخط، وهو موضع ببلاد البحرين.
لدان كعوبها: ليّنة المهزّة
[2] أقفصت: تجمعت.
[3] في الأصل: (فاير) ، وفي الإصابة: حبيب بن شمخ بن فار بن مخزوم (الإصابة ت 4970) وقد سبقت ترجمته.
[4] ليس البيت في ديوان أبي نواس.
(1/235)

[من شعر المأمون]
للمأمون: [الخفيف]
عرفت حاجتي إليها فضنّت ... ورأت طاعتي لها فتجنّت
وإذا النفس رامت الصّبر عنها ... ذكرت حسرة الفراق فجنّت
[84 و] لا تلومنّ غير نفسك فيها ... أنت حنّنتها عليك فجنّت
[مقتل أعشى همدان]
محمد بن سلام عن أبان بن عثمان، قال: كان أعشى همدان [1] مع ابن الأشعث [2] وقال له: [3] [الكامل]
ولقد سألت المجد أين محلّه ... فالمجد بين محمد وسعيد
بين الأشج وبين قيس بيته ... بخ بخ لوالده وللمولود [4]
فلما أتى به الحجاج بعد هزيمة ابن الأشعث قال له: أنت المبخبخ بهجائك؟ قال: أنا الذي يقول [5] : [الطويل]
أبى الله إلا أن يتمّم نوره ... ويطفيء نار الفاسقين فتخمدا
__________
[1] أعشى همدان: عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث الهمداني، شاعر اليمانيين بالكوفة وفارسهم في عصره، وهو من شعراء الدولة الأموية، كان أحد الفقهاء القرّاء، وقال الشعر فعرف به، وكان من الغزاة في أيام الحجاج، ولما خرج عبد الرحمن بن الأشعث انحاز الأعشى إليه، واستولى على سجستان معه، وقاتل رجال الحجاج الثقفي، ثم جيء به إلى الحجاج أسيرا بعد مقتل ابن الأشعث، فأمر به فضربت عنقه سنة 83 هـ.
(الأغاني 5/138- 153، الإكليل 10/58، اللباب 2/107) .
[2] عبد الرحمن بن الأشعث: سبقت ترجمته.
[3] البيتان من قصيدة لأعشى همدان في الصبح المنير ص 223، والأغاني 6/71.
[4] في الصبح المنير والأغاني: (وبين قيس باذخ) .
[5] البيت مطلع قصيدة في الصبح المنير ص 320، والأغاني 6/69.
(1/236)

قال: اقعد يا غلام، اكتبها، فلما فرغ منها قال: يا غلام، اضرب عنقه، والله لا تبخبخ بعده لأحد.
[منصور النمري]
أنشد منصور النمري [1] الرشيد يوما من الأيام قصيدة يقول فيها: [2] [الوافر]
بني حسن ورهط بني حسين ... عليكم بالسّداد من الأمور
فقد ذقتم قراع بني أبيكم ... غداة الرّوع بالبيض الذكور
وحين شفوكم من كلّ وغم ... وضمّوكم إلى كنف وثير [3]
وجادتكم على ظمأ قديم ... سماء من نوالهم الغزير [4]
وما كان العقوق لهم جزاء ... بنعمتهم إدراك الثّؤور [5]
وإنّك حين تبلغهم أذاة ... وإن ظلموا لمحزون الضمير
[84 ظ] قال: فقال هارون: كأنك والله في قلبي [6] .
__________
[1] منصور النمري: منصور بن الزبرقان بن سلمة بن شريك النمري، من بني النمر بن قاسط، شاعر من أهل الجزيرة الفراتية، كان تلميذ كلثوم بن عمرو العتابي، واتصل بهارون الرشيد فمدحه وفاز بعطاياه، وكان النمري يظهر للرشيد أنه عباسي منافر للشيعة العلوية، وله شعر في ذلك، وروى العتابي أبياتا للنمري فيها تشيع للعلوية، فغضب الرشيد وأرسل من يجيئه برأسه من بلدته برأس العين في الجزيرة، فوصل الرسول في اليوم الذي مات فيه النمري سنة 190 هـ.
(جمهرة الأنساب ص 284، الشعر والشعراء ص 835- 838، تاريخ بغداد 13/65- 66، الأغاني 12/16- 24، سمط اللآلىء ص 336، النويري 6/213) .
[2] الأبيات من قصيدة في مدح هارون الرشيد في شعر منصور النمري ص 77- 88، جمع وتحقيق الطيب العشاش، ط- مجمع اللغة العربية، بدمش 1981.
[3] الوغم: الحقد والحمق، وفي شعر النمري: (من كل وتر) .
[4] في شعر النمري: (على ظمأ شديد سقيتم من نوالهم الغزير) .
[5] في شعر النمري: (بفعلهم وآدى للثؤور) .
[6] وقيل: إن الرشيد حين سمع القصيدة قال للفضل بن الربيع: خذ بيد النمري فأدخله بيت المال، ودعه يأخذ ما شاء، فأدخلني وليس فيه إلا سبع وعشرون بدرة، فاحتملتها. (طبقات ابن المعتز ص 245) .
(1/237)

[عزل قاضي دمشق]
محمد بن عمران الأحتسي قال: أظنه عن إبراهيم الموصلي، قال: كنا قدّام المأمون بدمشق، فتغنى علويه [1] فقال: [2] [الطويل]
برئت من الإسلام إن كان ذا الذي ... أتاك به الواشون عنّي كما قالوا
ولكنّهم لما رأوك شريعة ... إليّ تواصوا بالنميمة واحتالوا [3]
فقد صرت للواشين أذنا سميعة ... ينالون من عرضي ولو شئت ما نالوا
قال المأمون: يا علويه، لمن هذا الشعر؟ قال: للقاضي، قال: أيّ قاض ويحك؟ قال: قاضي دمشق، فقال: اعزلوه، قال: فعزل، ثم قال:
ليحضر الساعة، فأحضر شيخ قصير مخضوب، فقال له المأمون: من أنت؟
قال: فلان بن فلان الفلاني، قال: أتقول الشعر؟ قال: كنت أقوله في حداثتي، قال: يا علويه أنشده، فقال: هذا الشعر لك؟ قال: نعم، قال فقال: يا إسحاق، اعزله، فما كنت لأولّي رقاب المسلمين من يبدأ في هزله بالبراءة من الإسلام.
[كسرى وسيف بن ذي يزن]
قال: لما وفد سيف بن ذي يزن [4] على كسرى وهو في القصر الأبيض
__________
[1] علويه: كنفطويه، علي بن عبد الله بن سيف أو يوسف المعروف بعلويه، موسيقي بغدادي، أصله من السغد (بين بخارى وسمرقند) تخرج على إبراهيم الموصلي، وبرع في الغناء والتلحين والضرب بالعود، وغنى للأمين العباسي، وعاش إلى أيام المتوكل، له أخبار مع الخلفاء وغيرهم، توفي سنة 236 هـ. (الأغاني 11/333- 362 ط- دار الكتب) .
[2] الأبيات للقاضي عبد الله بن محمد الخلنجي ابن أخت علويه في الأغاني 11/341،
[3] الأغاني: (لما رأوك غرية بهجري تواصوا بالنميمة واحتالوا) .
[4] سيف بن ذي يزن الحميري: من ملوك العرب اليمانيين ودهاتهم، قيل اسمه معديكرب، ولد ونشأ بصنعاء، وكان الأحباش قد ملكوا اليمن في أوائل القرن السادي الميلادي، وقتلوا أكثر ملوكها من آل حمير، فنهض سيف وقصد انطاكية وفيه قيصر ملك الروم، فشكا إليه ما أصاب اليمن، فلم يلتفت إليه، فقصد النعمان بن-
(1/238)

بالمدائن [1] ، فأذن له فدخل منكّس الرأس من باب الإيوان، وهو رجل حيدر أي قصير [2] ، فقام خطيبا، فبينا هو في كلامه إذ سقطت مخصرته [3] من يده، قال: فقطع الكلام حتى ردّت عليه، ثم مضى في كلامه، فلما صار إلى حاجته قال: استنصرك بالقرابة، فأقعده إلى جانبه، ثم قال: إني قد أنكرت عليك مذ رأيتك ثلاثا [85 و] ، قال: يسألني الملك عنهنّ أطلعه ثباتا هنّ، قال: رأيتك حين دخلت نكست رأسك من إيواني، وأنت ما رأيت قطّ أطول منه، ولم آر قطّ أقصر منك، قال: هذه واحدة، قال: والثانية أنك تكلمت بأحسن كلام وأبلغه، فوقعت المخصرة من يدك فقطعت كلامك حتى ردّت عليك، قال:
والثالثة قولك: واستنصرك بالقرابة، وأنت رجل من العرب، وأنا رجل من الفرس، قال: صدقت، أما مطأطأتي رأسي عن إيوانك على ما ترى من قصري، فانما طأطأته بهمّتي لا ببدني، قال: زه، وكان إذا قال للرجل زه أعطي أربعة ألف واف، فأخذها، قال: وأما قطعي الكلام عند سقوط المخصرة، فاني ابتدأت كلامي على أمر فكرهت أن ينقطع إلا عليه، فأعاد
__________
- المنذر (عامل كسرى على الحيرة والعراق) فأوصله إلى كسرى أنو شروان ملك الفرس، فحدثه بأمره، فبعث كسرى معه ثماني مئة رجل ممن كانوا في سجونه، فسار بهم إلى اليمن وحاربوا مع اليمنيين الأحباش وقتلوا ملك الحبشة مسروق بن إبرهة، وكتبوا بالنصر إلى كسرى فألحقت اليمن ببلاد الفرس على أن يكون المتصرف بها سيف بن ذي يزن، وبقي في الحكم نحو خمس وعشرين سنة ثم قتله بقايا الأحباش سنة 50 ق. هـ. (سيرة ابن هشام 1/22، التيجان ص 303 ابن الأثير 1/158 مروج الذهب 3/162- 172، الأخبار الطوال ص 63 نهاية الارب 15/309) .
[1] المدائن: مدينة بالعراق فتحها سعد بن أبي وقاص سنة 16 هـ في أيام عمر بن الخطاب، واسمها بالفارسية (توسفون) وعربوه على (طيسفون) ، وسمتها العرب المدائن، لأنها سبع مدائن بين كل مدينة إلى أخرى مسافة بعيدة أو قريبة، وآثارها وأسماؤها باقية. (ياقوت: المدائن) .
[2] الحيدر والحيدرة: الأسد، والغلام السمين أو الحسن الجميل. (القاموس المحيط:
حدر) .
[3] المخصرة: ما يتوكأ عليها كالعصا ونحوها، وقضيب يشار به في أثناء الخطاب والكلام، وكان يتخذه الملوك والخطباء.
(1/239)

عليه زه، فأعيدت عليه الدراهم أربعة آلاف واف، فأخذها، قال: وأما استنصاري إياك بالقرابة وأنا رجل من العرب وأنت رجل من فارس، فاني أبيض الجلدة وأنت أبيض الجلدة، وأستنصرك على قوم سود الجلود، قال:
زه، فأعطي أربعة آلاف واف. قال: ثم حضر غداؤه، فأمر كسرى فوضعت بين يدي كل رجل ممن معه دجاجة، مع ما يختلف به عليهم من الطعام، فغمز كسرى أصحابه ليتحرّشوا به، فتناول رجل منهم الدجاجة التي بين يدي سيف، فرفع سيف مخصرته فقنّع بها كفه، فقال كسرى: هذه التي لا تخرج منها، قال: هذه التي أخرج منها، لو أقررت عليّ الضّيم في بلادي لم آتك في بلادك [85 ظ] استنصرك فيها، قال: زه، فأخذ آربعة ألف واف، وخرج بالمال معه، فلما صار بالباب أنهبه، فأتي كسرى فأعلم بذلك، فقال: هذه التي لا تخرج منها، قال: هذه التي أخرج منها، ما أرجو أنا بالمال، وإنما أنا طالب ثار، وأنا أدعوك إلى أرض ترابها المال. قال: فما استماله بشيء ولا استعطفه بأمر مثل هذه الكلمة، فوجّه معه ست مئة كانوا عنده في الحبوس [1] ، فحملهم في البحر، وقيل له: أنت تريد قتلهم، فان غرقوا فهو الذي أردت، وإن سلموا فقتلوا فهو ما أردت، وإن ينجوا وظفروا فهو ما أردت، وسلموا وفتحوا، وغلبوا على الحبشة، وقد كان كسرى تقدم إلى صاحبه: إذا فتحت فانظر، فان كان سيف له موضع شرف يصلح أن يولى مثله، فولّه، فولاه وكان من أمره وأمر الحبشة ما كان.
[الحذر من الأعداء]
فضيل بن عبسي قال: أنشدني بعض إخواني: [2] [الطويل]
__________
[1] في الأصل (في الجيوش) وهو تصحيف، والحبوس جمع حبس، أي السجون، والرواية باختصار في الطبري 2/140.
[2] البيتان لابن الرومي في الدر الفريد 3/161، وليسا في ديوانه، وفي حاشية الدر الفريد: (يروى عن داود النبي أنه قال لولده سليمان عليهما السلام: يا بنيّ لا تستكثرنّ أن يكون لك ألف صديق، ولا تستقلن أن يكون لك عدو واحد) ، أخذه ابن الرومي فنظمه، وهذا من باب نظم المنثور.
(1/240)

تكثّر من الإخوان جهدك إنّهم ... بطون إذا استنجدتهم وظهور
وإنّ قليلا ألف خلّ لعاقل ... وإنّ عدوا واحدا لكثير
[في اللغة]
أنا آتيك عصرا أو قصرا [1] ؛ العصر بعد الظهر، والقصر بعد العصر، وأقصرنا دخلنا في حدود المغرب [2] ، المجمد الأمين، والجامد البخيل [3] .
[الشماتة بالعدو]
إبراهيم بن المدبر [4] : [الوافر]
يقول العاذلون تسلّ عنها ... وأطف غليل قلبك بالسّلوّ
[86 و] وكيف ونظرة منها اختلاسا ... ألذّ من الشماتة بالعدوّ
[أبو علي البصير]
أبو علي البصير [5] في عليّ ابنه: [البسيط]
__________
[1] في اللسان: القصر والمقصر والمقصر والمقصرة: العشي، والمقاصر والمقاصير:
العشايا، وقصرنا وأقصرنا قصرا دخلنا في قصر العشي، كما تقول: أمسينا من المساء. (اللسان: قصر) .
[2] في الأصل: (العرب) وهو تحريف.
[3] في اللسان: رجل جماد الكف: بخيل، وقد جمد يجمد: بخل، وهو جامد إذا بخل بما يلزمه من الحق، والجامد البخيل، والمجمد: البرم (اللسان: جمد) .
[4] ابن المدبر: إبراهيم بن محمد بن عبيد الله، أيو إسحاق، وزير من الكتاب المترسلين الشعراء، من أهل بغداد، تولى ولايات كثيرة، استوزره المعتمد العباسي لما خرج من سامراء يريد مصر سنة 269، وتوفي ببغداد متقلدا ديوان الضياع للمعتضد سنة 279 هـ. (الولاة والقضاة ص 214، الطبري 11/341، معجم الأدباء 1/226- 232، النجوم الزاهرة 3/43، الوزراء والكتاب ص 102) .
[5] أبو علي البصير: الفضل بن جعفر بن الفضل بن يونس النخعي، شاعر ضرير من الكتاب البلغاء المترسلين الظرفاء، فارسي الأصل، انتقل أسلافه من الأنبار إلى الكوفة وجاوروا بني النخع فنسبوا إليهم، نشأ الفضل بالكوفة، ثم سكن بغداد أول-
(1/241)

ارحم أبا واحد يا ربّ ليس له ... علق سواه يرجّيه ويدّخر
عوّضت من بصري لمّا فجعت به ... من لو أطاق فداه السّمع والبصر
عزّيت عنّي ولا عزّيت عنك فان ... ن العيش بعدك مرّ طعمه كدر
[عروة بن أذينة]
لبعض القرشيين: [1] [الكامل]
وقفوا ثلاث منى بمنزل غبطة ... وهم على غرض هنالك ما هم [2]
متجاورين بغير دار إقامة ... لو قد أجدّ تفرّق لم يندموا [3]
ولهنّ بالبيت العتيق لبانة ... والركن يعرفهنّ لو يتكلّم [4]
لو كان حيّا قبلهنّ ظعائنا ... حيّا الحطيم وجوههنّ وزمزم
عن نصر بن سيّار: إن فلانا يكتب، قال: تلك الزمانة [5] الخفية.
[علي وأذى أصحابه]
قال: كان عليّ صلوات الله عليه إذا آذاه أصحابه وشغبوا عليه يقول: [6] [الرجز]
خلوا سبيل العير يأتي أهله ... سوف ترون فعلكم وفعله
__________
- خلافة المعتصم، ومدحه ومدح المتوكل والفتح ابن خاقان وبعض القواد، توفي بسامراء سنة 255 هـ. (نكت الهميان ص 225، سمط اللآلىء ص 266، معجم الشعراء ص 314) .
[1] الشاعر هو عروة بن أذينة من شعراء الغزل في العصر الأموي من أهل المدينة، معدود في الفقهاء والمحدثين، توفي سنة 130 هـ، والأبيات في شعر عروة بن أذينة ص 367- 368 تحقيق يحيى الجبوري، ط- بيروت 1981.
[2] في شعر عروة: (لبثوا ثلاث منى) .
[3] في شعر عروة: (لو قد أجدّ رحيلهم) .
[4] في شعر عروة: (والبيت يعرفهن) .
[5] الزمانة: مرض يدوم.
[6] ليس الرجز في ديوان علي بن أبي طالب، ولعله لغيره وتمثل به.
(1/242)

[في الأمثال]
ذكر المفضل: أن سعد بن زيد مناة حضر عكاظ، ومعه غنم له، فقال لابنه: اسرح، فقال: والله لا أسرح فيها سنّ الحسل [1] ، والحسل: ولد الضّبّ، فقال للآخر: اسرح [86 ظ] معزاك، فقال: لا والله لا أسرح ألوة الفتى هبيرة بن سعد [2] ، فأنهبها الناس وقال: أقسم على رجل أن يدع أن يأخذ منها، وأقسم على رجل أن يجمع بين اثنتين، فأنهبها الناس، فلذلك قالوا في المثل: (حتى يجتمع معزى الفزر [3] ) ، وبهذا قيل له الفزر.
[التفاؤل بالأسماء]
أنشد: [الطويل]
وسمّيته يحيى ليحيا ولم يكن ... إلى ردّ أمر الله فيه سبيل
توخيت فيه الفأل أبغي حياته ... ولم أدر أنّ الفأل فيه مغيل
[في الاعتذار من البكاء]
وأنشد وهو لبشار: [4] [الوافر]
__________
[1] في المثل: (لا أفعل ذلك سن الحسل) ، الحسل: الضب طويل العمر، ولا تسقط له سن أبدا.
(المستقصى في الأمثال 2/244) .
[2] في المثل: (لا أفعل ذلك هبيرة بن سعد وألوة بن هبيرة) (المستقصى 2/251) .
[3] في المثل: (لا آتيك معزى الفزر) (مجمع الأمثال 2/212) ، و (لا أفعل ذلك معزى الفزر) (المستقصى 2/251، فصل المقال ص 134، 511، أمثال أبي عبيد ص 384)
[4] لم أجد القصيدة في ديوان بشار ط- الطاهر ابن عاشور. والأبيات الثلاثة 7، 7، 9 لأبي العتاهية في ترجمته بوفيات الأعيان 1/224 ط- إحسان عباس، والأبيات الثلاثة في ديوان أبي العتاهية ص 140- 141 ط- دار الكتاب العربي، بيروت. 1997 وجاء الوهم في نسبة الأبيات لبشار في الأصل المخطوط من رواية ابن خلكان قال:
(وحكى صاعد اللغوي في كتاب الفصوص، أن أبا العتاهية زار يوما بشار بن برد،-
(1/243)

وناداني أميركم نداء ... وفيه عن مشاورتي صدود
أنظعن أم نقيم فقد أردنا ... بلادا كلها حال مجود [1]
وأبرزت الهوادج ناعمات ... عليهنّ المجاسد والبرود
فلما ودّعونا واستقلّت ... بهم صهب هواديهنّ قود [2]
كتمت عواذلي ما في فؤادي ... وقلت لهنّ ليتهم بعيد
وفاضت عبرة من ماء عيني ... كأنّ وكيف وابلها الفريد [3]
فقلن لقد بكيت فقلت كلا ... وهل يبكي من الطّرب الجليد [4]
ولكني أصاب سواد عيني ... عويد قذى له طرف حديد [5] [87 و]
فقلن ما لدمعهما سواء ... أكلتا مقلتيك أصاب عود [6]
لقيل دموع عينك خبّرينا ... بما جمحت بزفرتك الصعود
__________
- فقال أبو العتاهية: إني لأستحسن قولك اعتذارا من البكاء إذ تقول: [مجزوء الكامل]
كم من صديق لي أسا ... رقه البكاء من الحياء
وإذا تفطّن لا مني ... فأقول ما بي من بكاء
لكن ذهبت لأرتدي ... فطرفت عيني بالرداء
فقال له: أيها الشيخ، ما غرفته إلا من بحرك، ولا نحتّه إلا من قدحك، وأنت السابق حيث تقول:
وقالوا قد بكيت فقلت كلا.... الأبيات.
قال صاعد: وتقدمهما إلى هذا المعنى الحطيئة حيث يقول: (ديوان الحطيئة ص 59) [الوافر] إذا ما العين فاض الدمع منها أقول بها قذى وهو البكاء
[1] كلها حال: أي فيه حلية وأصلها (حالي) فيه خير وغناء.
مجود: كثير المطر، من جاد المطر إذا كثر.
[2] هواديهن قود: طوال الأعناق، الهوادي: الأعناق، القود: الطوال الظهور أو الأعناق.
[3] وكيف وابلها: الدمع الغزير المنهمل كالمطر. الفريد: اللؤلؤ.
[4] الوفيات والديوان: (وقالوا قد بكيت.... من الجزع الجليد) .
[5] الوفيات: (ولكن قد أصاب سواد عيني) ، الديوان: (ولكن قد أصاب صواب عيني) .
[6] الوفيات والديوان: (فقالوا ما لدمعهما سواء) .
(1/244)

[زهد الفضيل بن عياض]
عن سفيان بن عيينة [1] ، قال: دعانا هارون- يعني هارون الرشيد- فدخلنا عليه، فدخل الفضيل [2] آخرنا مقنّعا رأسه بردائه، فالتفت إليّ فقال:
يا سفيان، أيّهم أمير المؤمنين؟ قال: قلت له هذا، فقال [3] : أنت هو يا حسن الوجه، الذي تقلدت أمر هذه الرعية في عنقك، لقد تقلدت أمرا عظيما، قال: فبكى فضيل وبكى هارون معه، قال: ثم أتى كل واحد منا ببدرة فوضعت بين يديه، فكلنا حمل بدرته إلا فضيلا، فقال له هارون يومئذ: يا أبا علي- قال سفيان والأيمان مهيب-: إن لم يستحلك أخذها منا- يعني لنفسك- فخذها واعطها مديونا وأشبع بها جائعا، اكس بها عاريا، فرّج بها عن مكروب، فقال: ولا هذا، اعفنا منه يا أمير المؤمنين، فقال سفيان: فلما خرجنا قلت له: يا أبا علي، أخطأت اليوم، قال: وكيف؟ قلت: هذه إذا لم تقبلها نهلا، أخذتها فقضيت عن مديون، أو أشبعت جائعا، أو فرّجت عن مكروب. قال سفيان: فأخذ بأطراف لحيتي فقال: يا أبا محمد، أنت فقيه البلد، والمنظور إليه، تغلط هذا الغلط، لو طابت لأولئك لطابت لي. قال سفيان: فصغّر والله إليّ نفسي.
[بلال بن أبي بردة]
قيل لذي الرمة: لم اختصصت بلالا [4] بالمدح؟ قال: لا والله، وطّأ مضجعي، وأكرم مجلسي. [87 ظ]
__________
[1] سفيان بن عيينة: سبقت ترجمته.
[2] الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي اليربرعي: شيخ الحرم المكي، من أكابر العباد الصلحاء، كان ثقة في الحديث، ولد في سمرقند، ونشأ بأبيور، ودخل الكوفة وهو كبير، وأصله منها، ثم سكن مكة وتوفي فيها سنة 187 هـ.
(تهذيب التهذيب 8/294، صفة الصفوة 2/134، وفيات الأعيان 1/415، طبقات الصوفية ص 6- 14)
[3] الرواية في وفيات الأعيان 4/47- 48 ترجمة الفضيل بن عياض، ط- إحسان عباس.
[4] بلال: هو بلال بن أبي بردة، عامر بن أبي موسى الأشعري أمير البصرة وقاضيها،-
(1/245)

[أرق لبيتين من الشعر]
أبو بكر العمري قال: أنشد الحسن بن زيد أبا السائب المخزومي [1]- وكان ظريفا- بالليل وهما على العشاء بيتين يعجبانه، فانصرف إلى منزله فتذكّرهما، فلم يذكرهما، فأرّقاه، فخرج بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، حتى دقّ عليه الباب وقد نام، فخرجت الجارية فقالت: هو نائم، فقال: ما نائم، لا أنام الله عينك، أفنام ولا أنام أنا؟ فانتبه فقال: ادخلوه، ما جاء به إلا حادث، فدخل عليه فقال: البيتين اللذين أنشدتني أعدهما، قال ويحك، أنبهتني لبيتين؟ قال: أفتنام أنت وأسهر أنا؟
[قاضي حمص]
رجل من أهل حمص قال: كتب سليمان بن عبد الملك إلى واليه بحمص [2] : أن ابعث إليّ بأعقل رجلين بحمص، قال: فوقف على باب المسجد الجامع، فنظر إلى رجلين نبيلين عليهما ثياب جياد وقلنسوتان طويلتان، وهيئة حسنة، فقال لهما: أجيبا أمير المؤمنين، قال: فشخصا إلى سليمان، فقدما إليه، وسليمان في غرفة يتشرّف [3] ، فلما نظرا إلى سليمان همس أحدهما إلى صاحبه بشىء، ثم صعدا إلى سليمان، وهو وحده، وفي حجره صبي، فقال أحدهما لصاحبه: أيّهما هو؟ فقال له الآخر: أبو الصبي،
__________
- كان راوية فصيحا أديبا، وهو ممدوح ذي الرمة، توفي سنة 126 هـ. (تهذيب التهذيب 1/500، خزانة الأدب 1/452، وفيات الأعيان في ترجمة أبيه عامر بن أبي موسى، الأعلام 2/72)
[1] أبو السائب المخزومي: من أهل الفضل والنسك، ومن محبي الغناء، أخباره وذكره كثير في الأغاني، انظر فهرسته.
[2] حمص: بلد قديم مشهور مسوّر، وفي طرفه القبلي قلعة حصينة على تل عال كبيرة، وهي بين دمشق وحلب في نصف الطريق، يؤنث ويذكر، بناه رجل يقال له: حمص بن مكنف العمليقي، فتح حمص خالد بن الوليد بقيادة أبي عبيدة بن الجراح.
(ياقوت: حمص)
[3] يتشرف: يتطلع من الشرفة.
(1/246)

فقال لهما سليمان: ما قال أحدكما لصاحبه حيت رأيتماني؟ قالا: خيرا، قال: عليّ ذلك، قال: شبّهك صاحبي بأبي حيرون بيطار عندنا، قال:
اخرجا، فخرجا، وكتب إلى واليه أن ابعث لي بقاضي حمص، فبعث بالقاضي، فقدم على سليمان، فسلّم، وسأله فقال: ما اسمك؟ قال: يا أمير المؤمنين، اسم قديم، قال: واخبرني به [88 و] قال: حمران، قال: فأبو من؟ قال: فأبو الهواء، قال: فنظر إلى خاتم في يده كبير الفصّ، فقال له:
هذا خاتمك؟ الذي تختم به للقضاء؟ قال: نعم، قال: أيّ شيء عليه؟ قال:
ثبت الحبّ ودام، وعلى الله التمام، قال: اخرج قبّحك الله. [1]
[رسالة]
هذه رسالة إلى الأستاذ أبي الحسن علي بن أحمد بن أبي خالد، كتبها إليه أبو الحسن علي بن الحسين [2] الأمير، ابن اخت العصفري. كذا استلوحت [3] من خط الوزير أبي القاسم على هذه الرسالة، لأن المجلد كان حاف بالقطع عليه فلم يبق منه إلا التوهم، وذكر أنه لما كتب هذه الرسالة كان وزير فضلون بجنزة [4] ، والله أعلم. [88 ظ]
__________
[1] بعد هذا بياض بقدر ثلث الصفحة، من غير نقص، ثم تأتي الرسالة.
[2] علي بن الحسين المغربي الكاتب: ابو الحسن، من وجوه الدولة الحاكمية الفاطمية بمصر، كان من أصحاب سيف الدولة علي بن حمدان وخواصه، استوزره سعد الدولة (ابن سيف الدولة) ، ثم وقعت بينهما وحشة، فرحل المغربي من حلب إلى مصر، واتصل بخدمة الدولة الفاطمية سنة 381 هـ، فولي نظر الشام وتدبير الرجال والأموال سنة 383 هـ، وصار من جلساء الحاكم الفاطمي، ثم تغير عليه الحاكم فقتله سنة 400 هـ.
(الإشارة إلى من نال الوزارة ص 47، زبدة الحلب 1/188، الأعلام 4/278)
[3] استلوحت: ظهرت وبدت.
[4] جنزة: أعظم مدينة بأرّان، وهي بين شروان وأذربيجان، وهي التي تسميها العامة (كنجة) بينها وبين برذعة ستة عشر فرسخا، خرج منها جماعة من أهل العلم.
(ياقوت: جنزة)
(1/247)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه محمد وآله الطيبين، صلاة دائمة إلى يوم الدين، أما بعد، أعاذك الله من سلطان الهوى، وأشعر قلبك عز التقوى، وجنّبك موارد الزّيغ والزلل، وألهمك الإنصاف في القول والعمل، وعمر بك مواسم الأدب، ودفع عنك محاذر النّوب، وثلج ببرد اليقين صدرك، ورفع في درج المتقين ذكرك، وكان غير هذا الخطاب أولى بك وأدعى إلى استمالة سمعك، ولكني أستحسن مبادي رقاع أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وكتبه مفاتيح رسائله وخطبه، وأسلك أن يحملني على ذلك الأسلوب، وتعلم أني من المقدرين به، والآخذين عنه، والمنقطعين إليه، فان أصبت فمنه، وإن أخطأت فعليه، فاني كنت أرى أصحابنا من كتّاب أذربيجان في منصرفي من العراق، يرون البلاغة هذرا، والإسهاب خرقا، والإطالة ملقا، والفصاحة هجنة، والذلاقة وصمة، والسلاطة نقيصة، والبيان رعونة، والغيّ فضلا، والحصر عقلا، حتى أنار بك دجاها، ودارت عليك رحاها، وانجاب برأيك ظلامها، وأشرقت بايحائك أيّامها، وطلعت شمس الفضائل بعد أن طال أفولها، ولاحت غرر المناقب وحجولها، وورت زنود المعالي والرتب، وكبت جدود المخازي والريب، واحتجنا أن نطلق المقاول من عقالها، ونرسل الخواطر عن [89 و] كلالها، ونجيد سهام المجادلة، ونرهف شباة المساجلة، ونعود إلى عادة اللّسن، وننتهي عن دناءة اللّكن، ونقول للقرائح استيقظي، فقد طال رقادك، وللجوارح هبّي فقد ساء اعتيادك، فهنيئا لدهر لا تغفر ذنوبه إلا بك، ولا توهب حرائره إلا لك، ولا تصدر محاسنه إلا عنك، ولا تنسب مآثره إلا إليك، لا تعرف له حسنة سواك، ولا تنشر عنه منقبة غيرك.
فقد حدثني [1] على إملاء هذه الرسالة في إيجاب الحجة، وإيضاح المحجّة أمور أوّلها: أنّي منذ عرفتك قبل أن أيفعت وإلى حين الاكتهال، ومنذ لدن نشأت إلى حد الاكمال، والعلم غايتك التي إليها تجري، وغرضك
__________
[1] كذا بالأصل، ولعلها (حثّني) .
(1/248)

الذي إليه ترمي، وحليتك التي بها تروّيت، وشيمتك التي إليها اعتزيت، وكنزك الذي له تدّخر، وعزّك الذي تفتخر، عليه شدّ نطاقك، وإليه نزعت أعراقك، فكيف الآن وقد بلغت أشدّك، وعضضت ناجذك، وامتطيت كاهل الزمان حنكة، وحلبت أشطر الدهر دربة، ثم إني صورت لك هذا المسعى الأنجح، والمتجر الأربح، حتى إذا فتح الله عليك ما أغلق، ودفع عنك ما عوّق، كنت كالشاهد لمنازله ومياهه وعقاته [1] ورماله ومفاوزه وجباله وحياضه، وحفارة ومعالمه وآثاره، فتردّ على نصيره، وتقدم على وثيقه، فقد قيل: (قتل أرضا عالمها) [2] ، و (قتلت أرض جاهلها) [3] ، وأيضا فانّ تحديد النظر، وما يزف إلى ثاقب رأيك من بنات [89 ظ] الفكر، والدلائل عيانا من المواعظ والعبر، تشحذ بصيرتك، وتوقظ عزيمتك، لا نتهاز الفرصة، وتقديم العدّة ليوم الشدة، فان ظلمة الشك لا تنجلي إلا بمصباح اليقين، ومنها أنّ أبي رضي الله عنه، سمعته يقول: عاد رجل من حجه فتهافت عليه إخوانه، وتواتر إليه جيرانه، يسألونه عن خبره وحاله في سفره، حتى قطعوه عن مهمّه، فأخذ صحيفة وأودعها قصّته مشوقة، وصورته مشروحة، فكان إذا أتاه آت يستخبرونه، رمى نحوه الصحيفة، ونبذ إليه الدّرج، وقال: هذا أعلم، فتداوله القوم قراءة وتصفحا، واستراح منهم.
ولذكر البادية حرس الله النعمة عليك، وعلينا بك، بداهة يرتاع لها الصّرورة [4] إذا سمع بها، وهيبة يجزع منها الفروقة [5] إذا خبّر عنها، وأيم الله
__________
[1] الكلمة في الأصل غير معجمة، وعقاته جمع العقّة وهي الحفرة العميقة في الأرض.
[2] قتل أرضا عالمها؛ هذا مثل، والقتل هنا التذليل، يضرب في مدح العلم، والمثل في: مجمع الأمثال 2/118، المستقصى 2/188، جمهرة الأمثال 2/121، البيان والتبيين 2/. 318
[3] قتلت أرض جاهلها؛ هذا مثل، يضرب لمن يباشر أمرا لا علم له به، والمثل في:
مجمع الأمثال 2/108، المستقصى 2/188، البيان والتبيين 2/318.
[4] في الأصل: (الضرورة) والصواب الصرورة بالصاد المهملة، وهو الذي لم يحج أو لم يتزوج.
[5] الفروقة: الشديد الفزع.
(1/249)

ما سافر امرؤ سفرا أسعد وأيمن منه وأرفق، وإنّ كان الله عزّ اسمه خبّرنا في محكم كتابه أنه لا يبلغ إلا بشق الأنفس [1] ، تصديقا لقول أصدق القائلين:
(فانما هي الشقة يجدها المسافر في كل طريق نازح) [2] ، وأما النسيم العليل والهواء الرقيق، والماء العذب، والصحة من غير سقم، وملاذ المأكل والمشرب من غير بشم، فكل ذلك موجود بلا اختلاف، وأنا أسأل الله أن يختم مساعيك الحميدة به وينشر لك الأمل فيه، ولنا الرجعى إليه.
[إذا الله سنى عقد أمر تيسرا]
أخبرنا محمد بن محمد النّسوي، من نسا خراسان [3] ، عن ابن مقسم، عن أبي بكر محمد بن مجاهد، في عرض حديث [90 و] رفعه باسناد أخره ابن عباس رحمة الله عليه: (إذا أحب الله أمرا سهّل دواعيه وكثّر أسبابه) [4] ، وقديما قالت العرب: [5] [الطويل]
إذا الله سنّى عقد أمر تيسّرا
فأما من حجب فلم يصل، ومنع فلم ينل، وانتجع فرجع، وسار فحار، وشخص فنكص، ونهض فاندحض، فأكثر من أن يحصى.
[ذكريات حاج]
حدثني غير واحد من حاج خراسان، منهم أبو بكر الفقيه النيسابوري،
__________
[1] يريد قوله تعالى: وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
(النحل 7) .
[2] لم أجد الحديث بهذا اللفظ.
[3] نسا: مدينة بخراسان، بينها وبين سرخس يومان، وبينها وبين مرو خمسة أيام، وهي مدينة وبئة جدا. (ياقوت: نسا)
[4] لم أجد الحديث بهذا اللفظ.
[5] هذا عجز بيت، وتمامه: فلا تيأسا واستغورا الله إنّه إذا الله سنى عقد أمر تيسرا استغورا: سألاه الغيرة، وهي الميرة، أي سلاه الرزق، والبيت في أمالي القالي 1/235، وسمط اللآلىء ص 356، 537، 889.
(1/250)

عن رجل من مياسيرهم، أنه حجب ثلاث دفعات، ما فيهن واحدة إلا وقد أجهد فيها نفسه، وأنفق ماله، وأما إحداهن فانه نزل لبعض أمره بعقبة إبليس [1] ، وللناس وجيف [2] في المصعد، فانما هي أيام معدودة يخشى فوتها، فما ملك نفسه نعاسا حتى ثوّروا، واحتاج أن يعود إلى الكوفة بعد اللتيّا والتي.
وأما الثانية: فانه بلغ ذات عرق [3] فمرض بها وأقام، فما ضحّى الناس حتى عاد كالظليم، ورجع وقد فاته الحجّ.
وأما الثالثة: فانّ طيّئا عرضت بالهبير [4] بحاج خراسان، فما قطع إلا قطاره [5] دون الخلق، وسار الناس، وبقي في تلك الحال تائها، فأقول: ما جربت ما جربت من بركات العترة [6] الطاهرة من آل محمد عليه السلام وعليهم، الذين هم سرج الدين اللائحة، وطرق النجاة الواضحة، ومنار الحق، ومظان الوحي، والحجّة في الأرض، والشفعاء يوم العرض، كنت بالزي بعد مضي شاهنشاه، وأنا مترجّح تائه من أشغال [90 ظ] لا آمن غوائلها، وأعمال لا أحمد عواقبها، وحجّ قد جدّ جدّه، ولا يؤذن لي فيه، فلجأت إلى المشهد، مشهد الشريف عبد العظيم رحمه الله، ظهيرة يوم
__________
[1] أراد موضع رمي الحجارة بمنى حيث يرجم الشيطان بالحصى.
[2] الوجيف: السرعة في السير.
[3] ذات عرق: مهلّ أهل العراق، وهو الحد بين نجد وتهامة، وقيل: عرق جبل بطريق مكة ومنه ذات عرق، وقال الأصمعي: ما ارتفع من بطن الرمة فهو نجد إلى ثنايا ذات عرق. (ياقوت: عرق)
[4] الهبير: رمل زرود في طريق مكة، كانت عنده وقعة ابن أبي سعيد الجنّابي القرمطي بالحاج، يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة 312 هـ، قتلهم وسباهم وأخذ أموالهم. (ياقوت: الهبير)
[5] القطار من الإبل: عدد منها بعضه خلف بعض على نسق واحد.
[6] العترة: ما تفرعت منه الشعب، ونسل الرجل ورهطه وعشيرته، ويريد هنا آل النبي صلى الله عليه وسلم.
(1/251)

الجمعة، وركعت ركعات، وتشفّعت بذلك الجدث المطهّر، وأكثرت التضرّع في سجودي، وعدت إلى داري لا أعقل ما أطأ وجوما وحيرة، وأعدت الاستئذان والناس لي غالب، وكلّ في الإلحاح عليّ عاتب، فوالذي شقّهنّ خمسا من واحدة، ما كان بأسرع وأوحى [1] من أن أتاني الإذن مهنّئا، والمال معجّلا، والكتب مؤكّدة، وسأذكر في هذا الباب ما ليس منه بسبب:
كنت في النصف من شعبان سنة إحدى وسبعين في الاعتقال العضدي الصعب بمدينة السلام، على أقوى درجات اليأس، وكانت طائفة من أصحابنا الشيعة تغشاني، وأنا باك لفوت الزيارة، لاه عمّا فجأني من البشارة، لا أطمع غير الذّماء [2] ، ولا أرجو سوى البقاء، فكلّ أشار بأن أصلي ركعتين وأقوم كأني سائر زائر، وأخطو خطوات، فاذا ردني الموكلون من الباب قلت: اللهم إنك ترى، وتكون القصة إلى الشهيد بكربلاء عليه السلام، مكتوبة تحمّلها من يزور عني، ففعلت ذلك، فوالله ما وصلت حتى أتاني البشير برفع القيد، فجذبني من كنت على حبل ذراعه من ولاة الأمر، إنهم أمروا بذلك فجأة من غير ذكر تقدّم، وبغتة من غير خلق تكلم.
وكنت دخلت الزيّ [3] [91 و] في آخر سنة خمس وستين، فاستقبلني بعض أشراف العلويين، فسألته عن أحمد بن محمد بن بندار، وكان لي دون أبي صديقا، فقال: وقيذ [4] من ضربة أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فما زادني في قوله على التعجب مرة والتكذيب أخرى، ودخلت يوم ذاك وقد قضى أبو العباس نحبه، وطالت على الأيام،
__________
[1] أوحى: أسرع وأعجل.
[2] الذماء: بقية الروح في المذبوح وغيره، وقوة القلب.
[3] كذا جاءت الكلمة (الزي) بالزاي، ولعله يريد الهيئة والمنظر، أي اتخذ الزي العلوي.
وقد تكررت.
[4] الوقيذ: الذي يغشى عليه، لا يدرى أميت هو أم حي، والشديد المرض المشرف على الموت.
(1/252)

حتى أتيت الشريف أبا محمد بالدينور فأخبرته، وكان المرء لا يمين [1] في القول، ولا يدين إلا بالحق، فقال: سهرنا ذات ليلة في مجلس الأستاذ ذي الكفايتين [2] وأبو العباس حاضر، وجرت مسألة في الإمامة تنازعها الأقوام، وطال فيها الخصام، إلا أن أبا العباس دون الجماعة تقلد المناصبة وأعلن الخلاف، رافعا عقيرته بالتشغيب منهم، ومظهرا شكيمته في التعصّب عليهم، وتقوّض الليل وانفضت الجماعة، وقمنا معاشر أل أبي طالب، وكلّ منه مغتاظ، وعليه محنق، فجمعتنا الدار من غد للعادة، وقد حضر الطعام، وأحمد في جملة الأدباء منتظر، فعاد داعيه بهذه الرقعة، وعرضها عليّ، وأنا قرأتها بخطه الذي أعرفه إليّ، وهو اليوم محتفظ عند القوم بالدينور، وهذا ما أحضر الذكر منها، عدنا عن مجلس مولانا البارحة، وقد اشتدت شكيمتي على الجماعة الحاضرة من آل أبي طالب عليهم السلام، عند المسألة التي جرت في الإمامة، واضطجعت مهموما، فاذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه [91 ظ] ، قد هجم عليّ آخذا بعضادتي الباب، متقلدا سيفين؛ قضيبا وصمصامة [3] ، وصرخ بي متلظيا: يا أحمد، ما بالي وبالك، ما أردت من ولدي البارحة، فكأني كنت ألجأ إلى الأستاذ وأتعلق
__________
[1] لا يمين: لا يكذب، والمين الكذب.
[2] ذو الكفايتين: علي بن محمد بن الحسين، أبو الفتح ابن العميد، وزير من الكتاب الشعراء الأذكياء، يلقب بذي الكفايتين، وهو ابن أبي الفضل (ابن العميد) الوزير المشهور (المتوفى سنة 360 هـ) خلف أباه في وزارة ركن الدولة البويهي بالري ونواحيها سنة 360 هـ، ولقبه الخليفة الطائع لله بذي الكفايتين (السيف والقلم) واستمر إلى أيام مؤيد الدولة (ابن ركن الدولة) ، وأحبته العساكر وقواد الديلم لكرمه وطيب أخلاقه، فخاف آل بويه العاقبة، فقبض عليه مؤيد الدولة وعذبه ثم قتله سنة 366 هـ.
(معجم الأدباء 5/347- 375، يتيمة الدهر 3/25، الامتاع والمؤانسة 1/66، نكت الهميان ص 215، الأعلام 4/325)
[3] القضيب: اللطيف من السيوف، والقوس، والسيف القطاع.
الصمصامة: السيف لا ينثني، والسيف القاطع يمر في العظام، ويمضي في الضريبة.
(القاموس المحيط: قضب، صمم)
(1/253)

بثوبه، مستغيثا به أن امنعني، فكأنه نفضني نفضة وقال: ويحك، من يجير من علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين عليه السلام، فعندها نفحني بقائم سيفه مغمودا، ما أدري أيهما كان، فانتبهت وقيذا والأثر في جنبي ظاهر، فليغثني بطيب، وما زال في انتكاسه حتى مضى.
وكان بماه الكوفة [1] أخوان،؛ أحدهما عريف بالباب، والآخر على خزانة السروج يسمّى مسعرا، وضرب الدهر ضربة على عادته، وتقلّبت بنا الأحوال، وإني لسائر بمدينة السلام يوم الجمعة إلى المسجد الجامع ببراثا [2] ، وإذا مسعر مكفوف أكمه [3] يقوده قائده على لقم الطريق [4] في زمن السؤال، ودلني عليه أحد من سايرني من غلماني، معجبا ومتوجّعا، فعجت عليه بما حضر من بر، واستوصفت دارنا فكان يغشاها، فيستعين باللهنة [5] ، ويتبلغ بالكثبة [6] ، ثم انقطع غير كثير، فاذا هو قد أتاني مصحّحا
__________
[1] ماه الكوفة: هي الدينور، قيل: نهاوند من فتوح أهل الكوفة، والدينور من فتوح أهل البصرة، فلما كثر الناس بالكوفة احتاجوا إلى أن يرتادوا من النواحي التي صولح على خراجها، فصيرت لهم الدينور، وعوض أهل البصرة نهاوند لأنها قريبة من أصبهان، فصار فضل ما بين خراج الدينور ونهاوند لأهل الكوفة، فسميت نهاوند ماه البصرة، والدينور ماه الكوفة، وذلك في أيام معاوية بن أبي سفيان. (ياقوت: ماه الكوفة، ونهاوند)
[2] الكلمة في الأصل مهملة.
براثا: محلة كانت في طرف بغداد في قبلة الكرخ وجنوبي باب محوّل، وكان لها جامع مفرد تصلي فيه الشيعة، وقد خرب عن آخره، وكذلك المحلة لم يبق لها أثر. (ياقوت: براثا)
[3] الأكمه: الأعمى، والكمه: العمى يولد به الإنسان، وكمه (كفرح) عمي وصار أعشى، وكمه بصره: اعترته ظلمة. (القاموس: كمه)
[4] اللقم: الطريق الواضح، يقال: خذ هذا اللّقم.
[5] اللهنة: ما تهديه للرجل إذا قدم من سفر، وما يهديه المسافر إذا قدم من سفره، والطعام الذي يتعلّل به قبل الغداء، وما يتبلّغ به، والمعنى الأخير هو المراد هنا.
[6] الكثبة: كل قليل مجتمع من طعام أو لبن أو عير ذلك.
(1/254)

بعيني جؤذر [1] ، ملتمسا كتابا إلى الديلم [2] ، قلت خبّرني أولا عن نفسك؟
قال: سئمت العيش، وجلت كثيرا، فأشار عليّ من رحمني بقصد كربلاء، والتوسل بساكنيه عليهم السلام، فاعتكفت في قبّة المصرع ثلاثا، أصومها نهارا، وأقومها ليلا، وأجأر إلى مواليّ [92 و] صلوات الله عليهم، وأتضرّع، فرأيت في الليلة الثالثة طيرا أبيض قد طلع من خوخة [3] هناك وصفها لي، وقد رأيتها وأنا بين النائم واليقظان، فهبط عليّ ومسح بأحد جناحيه عيني، فانتبهت كما ترى.
وليس هذا من الباب الذي قصدنا، وإياه أردنا، ولكنه يتعلق منه بسبب، والحديث ذو شجون.
[فضائل البيت العتيق]
فأما فضائل البيت المعمور ومناقبه ومعجزاته ومفاخره، وما ورد فيه من الآيات المسطورة في الكتاب المنزل، والأحاديث المأثورة عن النبي المرسل، صلوات الله عليه وآله، فلو جعلنا صفحات الأرض قرطاسا، ومهابّ الرياح الأربع ألفاظا وأنفاسا، ثم أردنا جمعه على استقصاء أبوابه، واستيفاء شوارده، لما بلغنا المعشار منه، وإنما الشرط أن نذكر ما أدركه العيان والمشاهدة، ونتوخّى الإيجاز [4] ، حتى لا تخرج هذه الرسالة عن نمط الترسل، وتنتهي إلى حد التعمّل، وبالله التوفيق.
قال الله عز وجل ذاكرا شرفه وقدمه: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
الآية [5] ، وقال تعالى:
__________
[1] الجؤذر: ولد البقرة الوحشية.
[2] الديلم: جيل من العجم كانوا يسكنون نواحي أذربيجان.
[3] الخوخة: كوّة في البيت تؤدي إليه الضوء.
[4] في الأصل: (الإنجاز) وهو تصحيف.
[5] آل عمران 96. إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ.
(1/255)

وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
[1] ، وقرن به العمرة، فقال: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
[2] ، ثم بيّن شهوره ومواقيته، فقال: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ
الآية [3] .
حدثنا عمر بن الحسن في الحرم تجاه مقام إبراهيم عليه السلام، قال:
حدثنا محمد بن الحسن الأجري [92 ظ] قال: حدثنا المروزي عن عاصم بن علي، عن المسعودي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حجة مبرورة غير مردودة خير مما طلعت عليه الشمس، وما جزاء الحجة المبرورة إلا الجنة) [4] .
حدثنا أبو الحسن علي بن عبد الرحمن السرّي بالكوفة، قال: حدثنا القاضي أبو حصين قال: حدثنا أحمد بن يونس عن أبيه قال: حدثنا إسرائيل [5] عن أنس بن مالك، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من مات في أحد الحرمين بعثه الله آمنا) [6] .
وإذا كان الغرض في هذه الرسالة الإيجاز، وهو الأسّ الذي عليه بنينا، والغاية التي إليها أجرينا، لئلا تدخل في غمار تصانيف العامة المؤلفة، وكتبها المتكلفة، فليكن [ما] نضمّنه إياها ذكر ما شاهده العيان، ليرد ما يرد على سمعك
__________
[1] آل عمران 97.
[2] البقرة 196.
[3] البقرة 197.
[4] في الأصل: (حجة مردودة غير مقبولة) وهو تحريف. ولم أجد الحديث بهذه الصيغة، والجزء الثاني من الحديث:
(الحجة المبرورة ليس لها جزاء إلا الجنة) في مسند أحمد بن حنبل 3/412، والاتحافات السنية 1/272.
[5] إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق الهمداني السبيعي: أبو يوسف الكوفي، توفي سنة 160 هـ، وقيل 162 هـ، ينظر في ترجمته: (تهذيب الكمال للمزي 2/515- 524، وسير أعلام النبلاء 7/355)
[6] الحديث: (من مات في أحد الحرمين بعث آمنا يوم القيامة) في الدر المنثور للسيوطي 2/55، كنز العمال 35005، تذكرة الموضوعات ص 72) .
(1/256)

منها بديعا غير مبتذل، وبكرا غير مفترع، وتلذّه المسامع، وتهشّ له الطبائع.
وبعد، فما عسى يبلغ مدح المادح، وجهد الواصف من كنه الثناء على بيت عظّمته الملائكة، وطافت به الجنّ والإنس، ثم الأمم على اختلاف مذاهبها، وتباين عقائدها، ولم يقع على قديم الدهر في تعظيمه وتقديسه وتفخيم شأنه واستلام أركانه، اختلاف من الموحّد والملحد، وأهل الشّرك والإيمان، فكلّ في المذاهب والملل، والشرائع والنّحل، والوسائط والرّسل، مختلف، وإلى تفضيله داع، وإلى الطواف به والصلاة فيه شاع، وبالإذعان [93 و] له مقرّ، وعلى التوسل به مستمر، وما ظنّك ببيت تجافى عنه طوفان نوح، وردّ دونه فيل الحبشة، وخاب عن ثلمه كيد الفراعنة، وثبت فيه مقام إبراهيم، وأشرفت نبوّة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ودرجت عنه الأئمّة الزّهر، والذي يذكره المشاهد بالعيان، وما يحقّقه حاضر الامتحان لتكون أردّ على المنكر، وأقطع بحجّة المخالف، وأشحذ لنيّة المؤمنين، وأقرّ لعين المهتدين، فأول ذلك أنه لم يضق قطّ عن الحجيج، وأكثر الروايات الصحيحة بالإجماع، أنه لن يتمّ موسما بدون الأربع مئة ألف نسمة، فان نقصت العدّة تمّمتها الملائكة، ثم إنّ أهل النظر والتبيين، والفحص والتبحّث، يعتبرون في ابتداء كل عام، إذا دخلت الشمس رأس النقطة الا عتدالية من الحمل، فان نشأت السحائب من تلقاء الركن العراقي، كان الخصب في العراق، وإن نشأت من تجاه الركن اليماني كان الخصب باليمن، وإن نشأت من إزاء الركن الشامي، كان الخصب بالشام، وإن عمّت السحائب من الأركان الأربعة كان الخصب ذلك العام عاما.
ثم إنه معلوم أنّ حجة لا تتمّ إلا برمي الجمار، وعلى كل مسلم رمى إحدى وسبعين حصاة، وقد ذكرنا الرواية في عدد من يتكامل به الموسم، وذلك أنّ من لدن آدم، وإلى حيث زماننا هذا، فلو اجتمع بالمزدلفة [1] لكان جبلا لا
__________
[1] المزدلفة: هو مبيت للحاج ومجمع الصلاة إذا صدروا من عرفات، وهو مكان بين بطن محسّر والمأزمين، والمزدلفة: المشعر الحرام، ومصلى الإمام، يصلى فيه العشاء والمغرب والصبح. (ياقوت: المزدلفة) .
المجموع اللفيف* 9
(1/257)

يبلغه ثبير [1] ، ولا يعشره يلملم [2] ، ولا تبلغه هضبات يذبل [3] [93 ظ] ذي يفاع الأطول، لولا معجزة الله بها أعلم، والأحاديث عنها تكثر، ومنها أنّا لا نرى لأربع مئة ألف ضحية تنحر في صعيد واحد كل سنة من فرث أو دم، أو ما يتولد من الذبائح والمقاذر والروائح شيئا تأباه النفس، وتنبو عنه العين، وأنت لو اعتبرت ذلك في مدينة يذبح قصّابوها الأعداد اليسيرة، لرأيت ما يغضّ الناظر، ويشمئزّ منه الخاطر، ويدل ذلك على موضع الإعجاز والإعجاب، فانّه أمر لا يخفى إلا على عديم حسّ، وسقيم نفس، ثم إني اعتبرت في مقامي أمر الحمام، مع كثرة العدد ونميّه على طول الأبد، وهو لا يعرض له خارج، ولا يذعره صائد ولا ذابح، ولا نرى حمامة طارت على سطح الكعبة، إلا أن تكون عليلة، فترى هناك طريحة كالمستشفية حتى تبرأ، ثم تعود إلى عادتها.
حدثني شيخ من أهل المدينة يكنّى أبا القاسم، ونحن في الروضة ما بين القبر والمنبر، وهو يقسم بهما، أنّ ختنا [4] له يكنّى أبا الطيب الدينوري، كان مجاورا بمكة ثلاثين سنة، قال: فزرته في بعض السنين التي حججت فيها في منزله، فقلت: أبا الطيب قد أخذت من المجاورة بنصيب، فلو عدت بأهلك إلى مسقط رأسك، فان تلق منيّة ففي غير غربة، وحيث يشاهدك ذووك، ولا يعرف عنك أقربوك، فقال: أصبت ما في نفسي، وكان موسرا، فحاسب معامليه، وجمع حاشيته، وعمل على الرجوع، فبينا هو كذلك في المسجد،
__________
[1] ثبير: من أعظم جبال مكة، بينها وبين عرفة. (يافقوت: ثبير)
[2] يلملم: موضع على ليلتين من مكة وهو ميقات أهل اليمن، وفيه مسجد معاذ بن جبل، وقال المرزوقي: هو جبل من الطائف على ليلتين أو ثلاث، وقيل: هو واد هناك «ياقوت: يلملم)
[3] يذبل: جبل مشهور الذكر بنجد في طريقها، قال أبو زياد: يذبل جبل لباهلة، مضارع يذبل إذا استرخى، وله ذكر في شعرهم. (ياقوت: يذبل)
[4] الختن: كل من كان من قبل المرأة كأبيها وأخيها، وكذلك زوج البنت أو زوج الأخت، والجمع أختان.
(1/258)

طائفا به للتوديع حين خفّ أهله عند [94 و] الهاجرة، وقد انتعل كلّ شيء ظلّه، حتى رأى غزالا هبط من أعلى أبي قبيس [1] ، ودخل من باب إبراهيم عليه السلام، وطاف بالبيت سبعا، ثم سما إلى الحجر الأسود يرومه بأظلافه، وهو لا يكاد يبلغه، فاشتمله ثم رجع على أدراجه، صاعدا إلى أبي قبيس، فقال لي: يا أبا القاسم، يستجير به الوحش، وأرحل أنا عنه!! كلا، والذي عظّمه وكرّمه، فأقام مجاورا إلى أن قضى نحبه.
ولو لم يكن لهذا البيت إلا أنه بلد لقاح لم يملكه أحد على وجه الأرض، ولم تطل عليه يد، ولم يزل مضافا إلى الله تعالى، فيقال: بيت الله، وحرم الله، وكعبة الله، ويدعى سكانه جيرة الله، وأهله أهل الله، لكان ناهيك به فضلا، وحسبك به فخرا ونبلا، ثم إن العرب كانت تنتمي إليه، وتسمي أولادها به، تنويها بهم، وتفخيما لهم، وكان عثمان بن عامر أبو قحافة [2] ، سمّى ولده في الجاهلية عبد الكعبة، حتى أتى الله تبارك وتعالى بالإسلام، فسمّاه النبي صلى الله عليه عبد الله، وكانت لعبد المطلب عدّة كنى، وكان أشرفها عندهم (أبو البطحاء) ، يرون الانتماء له إلى ملك الأباطح منقبة لا توازيها المناقب، ونسبا لا تدانيه المناسب، وكم من مولدي الإسلام يسمّى بالمكّي والمدني والحجاج والحاجي.
حدثنا المروزي، من حاج خراسان، عن فقيه ذكره، قال: رأيت في المرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، مقبلا [94 ظ] في أصحابه، فقلت:
يا رسول الله، هل يقبل منّا حجّنا؟ فقال: كيف لا يقبل وأنا معكم، أو فيكم الشكّ مني؟
__________
[1] أبو قبيس: جبل مشرف على مسجد مكة، وجهه إلى قعيقعان، ومكة بينهما، أبو قبيس من شرقيها، وقعيقعان من غربيها. (ياقوت: أبو قبيس)
[2] أبو قحافة: عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب التيمي القرشي والد أبي بكر الصديق، كان من سادات قريش في الجاهلية أسلم يوم فتح مكة، وتوفي ولده أبو بكر قبله، كانت وفاة أبي قحافة سنة 14 هـ (الإصابة ت 5444، نكت الهميان 199) .
(1/259)

وحدثنا القاضي التراسي حين بدأنا بالبادية، سائرين من القادسية، قال:
جرت البارحة بيني وبين طائفة من بلدي منازعة، فقال غمر من أغمارهم: هذا دهليز المنيّة، وأول أبواب الشقوة، ومفتاح التغرير بالمهجة، فقلت: كلا، بل هو باب الرحمة والطريق إلى الجنة، وفاتحة العفو والمغفرة، قال: فهوّمت في محملي، وفي قلبي هاجس من ذلك، فأريت أرض البادية كلها كصفائح الفضّة المجلوّة، والسيوف البواتر المصقولة، أو كالصرح الممرّد بعجيب الصنعة، وعن اليمين والشمال قباب شامخة، وقناديل معلّقة زاهرة، وكأنّ هاتفا يهتف بي ويقول: ما قلت اليوم وما قيل لك؟ فأعدت ما جرى، فقال:
القول ما قلته، فسكن روعي وقلت: ما هذه القناديل والقباب؟ قال: هي للحاج كل سنة.
[في الطريق إلى مكة]
المنازل بين همذان [1] ومكة وأوصافها سرنا منها إلى أسد آباذ [2] ، وإلى قصر اللصوص [3] وإلى العيون [4] ،......
__________
[1] همذان: أكبر مدينة بالجبال، وكانت أربعة فراسخ في مثلها، طولها من الجبل إلى قرية يقال لها زينوآباذ، فتحت سنة 24 هـ. (ياقوت: همذان)
[2] أسد اباذ: مدينة بينها وبين همذان مرحلة واحدة نحو العراق، وبينها وبين مطابخ كسرى ثلاثة فراسخ، وإلى قصر اللصوص أربعة فواسخ، قيل: إنها بلدة عمّرها أسد بن ذي السرو الحميري في اجتيازه مع تبّع، فنسبت إليه.
(ياقوت: أسد اباذ)
[3] قصر اللصوص: قال صاحب الفتوح: لما فتحت نهاوند، سار جيش من جيوش المسلمين إلى همذان فنزلوا كنكور، فسرقت دوابّ من دواب المسلمين، فسمّي يومئذ قصر اللصوص، وبقي اسمه إلى الآن، وهو في الأصل موضع قصر كنكور، وهو قصر شيرين، وكان هذا القصر معقل أبرويز ومسكنه ومتنزهه. (ياقوت: قصر اللصوص)
[4] العيون: مواضع من أشهرها عند العرب، قال السكوني: من واسط إلى مكة طريق يخرجون إليه من واسط فينزلون العيون، وهي صماخ وأدم ومشرجة، وبالبحرين موضع يقال له العيون. (ياقوت: العيون)
(1/260)

وإلى حيار نسر [1] وإلى قرمسين [2] ، إلى قصر عمرو [3] ، ثم إلى المرج [4] وحلوان [5] ، وهو آخر الأعمال البدرية التي أفاض الله عزّ اسمه عليها العدل وأشملها الخصب، وما زلنا بها في خير لا يطير غرابه [6] ، ولا يخشى انقضاؤه، والذئب والنعجة في سقيفة، واللص والتاجر في قطيفة [7] ، وسرنا [95 و] من حلوان إلى قصر شيرين [8] ، ومنها إلى خانقين [9] ، ومنها إلى جلولاء [10] ، ...
__________
[1] حيار نسر: الكلمة في الأصل مهملة غير معجمة، ولعلها كذلك. ولم أجد حيار مضافة إلى نسر.
الحيار: جمع حير، وهو شبه الحظيرة أو الحمى، وحيار بني القعقاع: صقع من برية قنّسرين، كان الوليد بن عبد الملك أقطعه القعقاع بن خليد، بينه وبين حلب يومان.
نسر: النسر ضيعة من ضياع نيسابور. (ياقوت: الحيار، نسر)
[2] قرميسين: هو تعريب كرمان شاه، بلد معروف بينه وبين همذان ثلاثون فرسخا قرب الدينور، وهي بين همذان وحلوان على جادة الحاج. (ياقوت: قرميسين)
[3] قصر عمرو: لم أجده بين القصور.
[4] المرج: مواضع كثيرة، ولعل المراد مرج القلعة، لأنه قريب من حلوان، بينه وبين حلوان منزل. (ياقوت: المرج)
[5] حلوان: في عدة مواضع، وحلوان العراق في آخر حدود السواد مما يلي الجبال من بغداد، وكانت مدينة عامرة كبيرة وهي بقرب الجبل، فتحها المسلمون لما فرغوا من فتح جلولاء سنة 19 هـ. (ياقوت: حلوان)
[6] لا يطار غرابه: مثل يضرب للكثرة. (جمهرة الأمثال 2/407، اللسان: طير)
[7] القطيفة: كساء له أهداب، ودثار أو فراش ذو أهداب كأهداب الطنافس، ونسيج من الحرير أو القطن صفيق، تتخذ منه ثياب وفرش.
[8] قصر شيرين: موضع قريب من قرمسين، بين همذان وحلوان في طريق بغداد إلى همذان، وفيه أبنية عظيمة شاهقة، يكلّ الطّرف عن تحديدها، ويضيق الفكر عن الإحاطة بها. (ياقوت: قصر شيرين)
[9] خانقين: بلدة من نواحي السواد في طريق همذان من بغداد، بينها وبين قصر شيرين ستة فراسخ لمن يريد الجبال، ومن قصر شيرين إلى حلوان ستة فراسخ. (ياقوت:
خانقين)
[10] جلولاء: طسوج من طساسيج السواد في طريق خراسان، وبينها وبين خانقين سبعة-
(1/261)

ثم إلى دسكرة [1] وجللتا [2] والنهروان [3] ومدينة السلام، وما زال الحاج في مثل برائن الأسود، وأفواه الدواهي السود، ظلما لا ينجلي ظلامه، وغشما [4] لا ينقشع غمامه، ونيران شرّ تستعر، وسيوف شغب تسهر، وحروبا تتلظّى نارها، ولا يطفأ أوارها، وأفعالا دنيّة، تردّ طرف الإسلام غضيضا، وأحكاما سدومية [5] تذر الليالي البيض سودا، فلما شارفتها، رأيت المنايا على الحوايا [6] ، فقلت أرجع على أدراجي، متأدبا بآداب الله تعالى في قوله:
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
[7] ، فاستقبلني نفر من غلمان لنا أتراك، كنت
__________
- فراسخ، وهو نهر عظيم يمتد إلى بعقوبا، ويجرى بين منازل أهل بعقوبا، ويحمل السفن إلى باجسرا، وبها كانت الوقعة المشهورة على الفرس للمسلمين سنة 16 هـ، فاستباحهم المسلمون فسميت جلولاء الوقيعة، لما أوقع بهم المسلمون. (ياقوت:
جلولاء)
[1] دسكرة: الدسكرة في اللغة الأرض المستوية، قرية كبيرة ذات منبر بنواحي نهر الملك من غربي بغداد، والدسكرة أيضا: قرية في طريق خراسان قريبة من شهر ابان (المقدادية الآن) ، وهي دسكرة الملك، كان هرمز بن سابور بن أردشير يكثر المقام فيها فسميت بذلك. (ياقوت: الدسكرة)
[2] جللتا: في الأصل الكلمة غير معجمة، وجللنا: قرية مشهورة من قرى النهروان، ينسب إليها أبو طالب المحسن بن علي بن شهفيروز الجللتاني، من فقهاء أصحاب الشافعي. (ياقوت: جللتا)
[3] النهروان: وهي ثلاثة نهروانات؛ الأعلى والأوسط والأسفل، وهي كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي، حدها الأعلى متصل ببغداد، وفيها عدة بلاد متوسطة، منها: إسكاف وجرجرايا والصافية ودير قنّى، وغير ذلك، وكان بها وقعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع الخوارج مشهورة. (ياقوت:
نهروان)
[4] الغشم: الظلم، وغشم الحاطب، احتطب ليلا فقطعكل ما قدر عليه بلا نظر ولا فكر.
[5] سدومية: نسبة إلى سدوم، قرية لقوم لوط.
[6] المنايا على الحوايا: هذا مثل يضرب في الهلاك والخوف الشديد، والمثل في:
مجمع الأمثال 2/303، جمهرة الأمثال 2/275، المستقصى 1/350، اللسان:
(حوا.)
[7] البقرة 195.
(1/262)

تركتهم صغارا، وما فيهم اليوم إلا حاجب ذو مهابة، أو قائد ذو عصابة، فاستمر بي العزم استظهارا بهم: (إنّ الذليل الذي ليست له عضد) [1] ، وما زال الحاج في سخطه من ظلم السلطان، وبغداد كأسوأ المدن حالا، وما بقي في جانب الشرقي إلا بقايا دمن، ومكامن ريب وفتن، وخشارات [2] لم أعهدها أيام الخير والعمارة، وزمن العدل والنضارة، ورأيت دوري على الشط بقصر عيسى [3] ، والبصر بين مسافي ريح ومنابت شيح، ومنها إلى صرصر [4] فطلعت علينا بعدك العرب سعود وشموس، وانكشفت عنا نحوس ونحوس، ومنها إلى كوثى [5] ، والقصر والحمام، والكوفة والقادسية [6] ولحجنا [7] في البادية، وللإبل رغاء وعجيج [8] [95 ظ] ، وللناس بكاء وضجيج، فرقا من ذلك البر
__________
[1] إن الذليل الذي ليست له عضد: هذا مثل، يضرب لمن يخذله ناصره. (مجمع الأمثال 1/21، المستقصى 1/404)
[2] الخشارات: ما لا خير فيها، والخشار من الناس: سفلتهم، ومن البحر غثاؤه وزبده، ومن الشعير ما لا لبّ له، وفي الحديث: (إذا ذهب الخيار وبقيت خشارة كخشارة الشعير لا يبالي بهم الله بالة) . (المعجم الوسيط: خشر)
[3] قصر عيسى: هو منسوب إلى عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو أول قصر بناه الهاشميون في أيام المنصور ببغداد، وكان على شاطىء نهر الرّفيل عند مصبه في دجلة. (ياقوت: قصر عيسى)
[4] صرصر: هما قريتان من سواد بغداد، صرصر العليا، وصرصر السفلى، وهما على ضفة نهر عيسى، وربما قيل نهر صرصر، فنسب النهر إليهما، وبين السفلى وبغداد نحو فرسخين، وصرصر في طريق الحاج من بغداد، قد كانت تسمى قديما قصر الدير، أو صرصر الدير. (ياقوت: صرصر)
[5] كوثى: في ثلاثة مواضع، بسواد العراق، في أرض بابل، وبمكة، وهو منزل بني عبد الدار، والمراد هنا كوثى العراق، وهو أول نهر أخرج بالعراق من الفرات، وقد سار سعد بن أبي وقاص من القادسية في سنة عشر، ففتح كوثى. (ياقوت: كوثى) .
[6] القادسية: بينها وبين الكوفة خمسة عشر فرسخا، وبينها وبين العذيب أربعة أميال، وبهذا الموضع كان يوم القادسية بين سعد بن أبي وقاص والمسلمين وبين الفرس، في أيام عمر بن الخطاب سنة 16 هـ. (ياقوت: القادسية)
[7] لحجنا في البادية: دخلنا فيها.
[8] العجيج: الصوت والصياح، وإثارة الغبار، وعجت الريح: اشتد هبوبها، وسافت العجاج.
(1/263)

العابس، والبحر اليابس، فسرنا في يومين وليلتين إلى واقصة [1] ، وفي مثل ذلك إلى زبالة [2] ، وفي مثله إلى الثّعلبية [3] وفي مثله إلى فيد [4] ، وكان بها متعرض الأصيفر وجنوده، وتعريس [5] يومين للخروج إليه من شروطه وعقوده، ومنها إلى سميراء [6] ، وبها ماء شريب [7] ، لا يقدم عليه إلا المضطر، فسألت امرأة عن الخبز، فقالت: ما سمعت باسمه لا عرفته ولا ذقته، قلت: فيم تعيشون؟ قالت: بما تجمعه النمل في قراها [8] ، وتحتكره لشتوتها، نتبعه ونستخرجه، ونسد به الجوعة، ومنها إلى معدن النفرة، وسالت الأودية بالعرب من هنا وهنا، وموقرة رواحلها بسطائح [9] الماء، وبلغت القربة ثمانين درهما، ومنها إلى ذات عرق [10] ، ...
__________
[1] واقصة: منزل بطريق مكة بعد القرعاء نحو مكة، وقبل العقبة لبني شهاب من طيء، ويقال لها واقصة الحزون، وهي دون زبالة بمرحلتين، وإنما قيل لها واقصة الحزون لأن الحزون أحاطت بها من كل جانب. (ياقوت: واقصة) .
[2] زبالة: منزل معروف بطريق مكة من الكوفة، وهي قرية عامرة بها أسواق بين واقصة والثعلبية، ويوم زبالة من أيام العرب. (ياقوت: زبالة)
[3] الثعلبية: من منازل طريق مكة من الكوفة بعد الشقوق، وقبل الخزيمية، وهي ثلثا الطريق، وأسفل منها ماء يقال له الضويجعة، على ميل منها مشرف. (ياقوت:
الثعلبية)
[4] فيد: منزل بطريق مكة، في نصف طريق مكة من اللكوفة، وهي بليدة عامرة يودع الحاج فيها أزوادهم، وما يثقل من أمتعتهم عند أهلها، فاذا رجعوا أخذوا أزوادهم ووهبوا لمن أودعوها شيئا من ذلك. (ياقوت: فيد)
[5] التعريس: النزول آخر الليل للراحة.
[6] سميراء: منزل بطريق مكة بعد توز، مصعدا وقبل الحاجز، حوله جبال وآكام سود، وبذلك سمي سميراء.
(ياقوت: سميراء)
[7] شريب: أي شروب، يشرب على كره لقلة عذوبته.
[8] قرى النحل: مأواها وبيوتها.
[9] سطائح: جمع السطيحة، المزادة تكون من جلد لا غير، أي قرب الماء.
[10] ذات عرق: مهلّ أهل العراق، وهو الحد بين نجد وتهامة، وقيل: عرق جبل بطريق مكة، ومنه ذات عرق، قال الأصمعي: ما ارتفع من بطن الرمّة فهو نجد إلى ثنايا ذات عرق، وعرق: هو الجبل المشرف على ذات عرق. ياقوت: عرق)
(1/264)

وكانت الربذة [1] على طريقنا، فخرجت امرأة طويلة ذات منطق حلو ولسان عذب، على ما بها من رثاثة الهيئة وقشف البادية، فقلت: ما الاسم؟ قالت:
ميّة، فسألت عن حالهم، فقالت: نحن في قانت [2] من العيش، بقنيص الظباء بشرك، فمنها قوتنا، قلت: فالصيد ليس بموثوق دوامه، ولا بمأمول انصرامه، قالت: فورق الطلح [3] نخبطه [4] ونتبلّغ به، قلت: فالماء؟ فناولتني من سقاء معها زعاقا [5] يفقأ عين الطير، فرثيت لأبي ذر رحمه الله حين بلي بشربه، فقلت: أتجردون [6] ؟ فتأوهت وقالت: واخصباه، وأين الجراد، كنا نجنيه برهة ونأكل منه وندّخر، وقد انقطع الآن بسوء النيّة وقلّة الشكر.
وأحرم الناس، فرأيت [96 و] صفات المحشر، خلقا عراة حفاة يجأرون إلى الله عزت قدرته بالتلبية والبكاء والاستغفار.
ولبني هذيل من ذات عرق إلى مكة في تلك المضايق سطوة بالنبال من شعف الجبال، وبطون الأودية والرمال.
وأدّينا فرائض الحج بمقتضى الكتاب والسنّة، وأقبلت عساكر مصر مع القائد لمفضل المغربي، في أطهر زينة، وأقيمت الخطبة للإمام الحاكم بأمر الله [7] ، وأفيضت على الأئمة والقضاة وسدنة البيت رسومهم من الجوائز
__________
[1] الربذة: من قرى المدينة على ثلاثة أيام، قريبة من ذات عرق، على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة، وبهذا الموضع قبر أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، واسمه جندب بن جنادة. (ياقوت: الربذة)
[2] عيش قانت: قليل الأكل.
[3] الطلح: شجر عظام من شجر العضاه ترعاه الإبل.
[4] نخبطه: أي نضرب الشجرة بالمخبط، العصا ليسقط ورقها فيؤك.
[5] زعاقا: مرّا غليظا لا يطاق شربه، الزعاق من الماء: المر الغليظ، ومن الطعام:
الكثير الملح.
[6] تجردون: تأكلون الجراد.
[7] الحاكم بأمر الله: منصور بن نزار بن معد العبيدي الفاطمي، متأله غريب الأطوار، من خلفاء الدولة الفاطمية بمصر، ولد في القاهرة، وسلم عليه بالخلافة بعد وفاة أبيه سنة 386 هـ وعمره إحدى عشرة سنة، عني بعلوم الفلسفة والنظر في النجوم، وعمل رصدا، واتخذ بيتا في المقطم ينقطع فيه عن الناس، وأعلنت الدعوة إلى تأليهه
(1/265)

والخلع، وجدّدت كسوة البيت بالشقاق المذهبة المعملة، ومما استبدعته [1] واستغربته خفقان الطبول والبوقات حول البيت عند ذلك.
وسألت شيخا ذا شارة في المسجد الحرام من بني شيبة عن الحجر الأسودما هو؟ قال: الذي صح عندنا عن أشياخنا، أن آدم لما نقم عليه ربه تعالى، بكى كثيرا على خطيئته، ثم شكا بعد دهر إلى ربه الضحى، فأنزلت له من الجنة خيمة تكنّه، فنصبت بمكان الكعبة، ثم شكا ظلمة الليل، فأنزل هذا الحجر، وكانت درة بيضاء تتلألأ نهارا، وتشرق ليلا، فما زالت الأكفّ النّجسة من البشر تلمسه حتي اظلمّ واسودّ كما ترى.
ثم نفرنا إلى المعلاة [2] ، وكان المسير إلى بطن مرّ [3] ، وهي ذات نخل كثير وماء نمير، ومنها إلى عسفان [4] ، والأمر بها أمم [5] لا وجدان ولا عدم،
__________
سنة 407 هـ في مساجد القاهرة، وفتح سجل تكتب فيه أسماء المؤمنين به، فاكتتب من أهل القاهرة سبعة عشر ألفا، وفي سيرته متناقضات عجيبة، يأمر بالشيء ثم يعاقب عليه، ويعلي مرتبة الوزير ثم يقتله، وأسرف في سفك الدماء، فقتل كثيرين من وزرائه وأعيان دولته، واستهتر في أعوامه الأخيرة، وفقد في إحدى الليالي، ويقال إن اخته (ست الملك) دست له رجلين اعتالاه وأخفيا أثره، وأعلن شيعته من الاسماعيلية والدروز أنه اختفى وسيعود، قتل سنة 411 هـ.
(خطط المقريزي 2/285- 289، النجوم الزاهرة 4/176- 246، دائرة المعارف البريطانية 8/603، ابن إياس 1/50، ابن الأثير 108، وفيات الأعيان 2/126، الذريعة 3/445 و 4/227، الأعلام 7/306)
[1] استبدعته: اعتبرته بدعة، والبدعة: ما أحدث في الدين وغيره، وهو أمر مستنكر.
[2] المعلاة: موضع بين مكة وبدر، بينه وبين بدر الأثيل، والمعلاة من قرى الخرج باليمامة. (ياقوت: المعلاة)
[3] بطن مر: من نواحي مكة، عنده يجتمع وادي النخلتين فيصيران واديا واحدا، وبين مرّ وبين مكة خمسة أميال. (ياقوت: بطن مر، ومر)
[4] عسفان: منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة، وقيل: بين المسجدين، وهي من مكة على مرحلتين، وقيل: عسفان قرية جامعة بها منبر ونخيل ومزارع، على ستة وثلاثين ميلا من مكة، وهي حد تهامة. (ياقوت: عسفان)
[5] الأمم: القريب اليسير والهيّن.
(1/266)

ومنها إلى الحليفة [1] ، ولها ماء عذب، وهي ذات عمارة وخصب.
حدثني [96 ظ] الشريف يحيى بن عبيد الله من ولد جعفر بن محمد الصادق [2] عليه السلام، في إسناد رفعه لم أحفظه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما أخرج من مكة، دعا ربه عز اسمه فقال: (أي ربّ، إنك قد أخرجتني من أحبّ البلاد إليّ، فاسكنّي أحبّ البلاد إليك) [3] فأسكنه يثرب.
ومنها إلى خيمتي أم معبد [4] ، وقطعنا إليها عقبة السويق، وعقبة الذناب، ومن أعلاها يرى الرائي بحر جدة، وهو اليم الأعظم الذي يولد الدرّ ويقذف العنبر، ومنها إلى الجحفة [5] ،
__________
[1] في الأصل الكلمة محرفة جاءت هكذا (الحليصة) ، ولعلها الحليفة.
والحليفة: قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، ومنها ميقات أهل المدينة، وهو من مياه جشم، بينهم وبين بني خفاجة من عقيل. (ياقوت: الحليفة)
[2] جعفر بن محمد الصادق: هو جعفر بن محمد الباقر بن علي بن زين العابدين بن الحسين السبط الهاشمي القرشي، أبو عبد اله، الملقب بالصادق، سادس الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، من أجلاء التابعين، له منزلة رفيعة في العلم، أخذ عنه جماعة منهم الإمامان أبو حنيفة ومالك، ولقب بالصادق لأنه لم يعرف عنه الكذب قط، له أخبار مع الخلفاء من بني العباس، وكان جريئا عليهم، صداعا بالحق، ولد بالمدينة، وتوفي بها سنة 148 هـ.
(وفيات الأعيان 1/105، صفة الصفوة 2/94، تاريخ اليعقوبي 3/115، حلية الأولياء 3/192، نزهة الجليس للموسوي 2/35)
[3] الحديث بلفظ: (اللهم إنك أخرجتني من أحب البلاد إليّ) في مستدرك الجاكم 3/3، وميزان الاعتدال 3111، وجمع الجوامع للسيوطي 9969، والبداية والنهاية 3/205)
[4] أم معبد: عاتكة بنت خالد بن منقذ الخزاعية، وهي أم معبد، كنّيت بابنها معبد، وكان زوجها أكثم بن أبي الجون الخزاعي، وهو أبو معبد، وهي التي نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما هاجر إلى المدينة، وحديثه معها مشهور، وذلك المنزل يعرف اليوم بخيمة أم معبد.
(أسد الغابة 5/336 ت 8087 ط- دار المعرفة بيروت 1997، الإصابة 8/475 ط دار الكتب العلمية بيروت 1995)
[5] الجحفة: كانت قرية كبيرة ذات منبر على طريق المدينة، من مكة على أربع مراحل،-
(1/267)

وهي غنّاء مريعة، ومنها إلى الأبواء [1] ، وسقيا يزيد [2] ، والناس فيهما في قانت من العيش [3] ، ليس بالفائض العميم، ولا الغائض العديم، ومنه إلى العرج [4] ، وهي من قطائع بني حرب، وهم طائفة من العرب لهم ذمام وبهم انتفاع. ومنها إلى الرّوحاء [5] ، ثم إلى يثرب [6] مدينة الرسول صلى الله عليه وآله، وأهلها معاسير [7] مملقون، لكنهم ألين عريكة، وأحمد طريقة، وأكثر إنصافا، وأوطأ أكنافا من أهل مكة، فانّا نرى فيهم فظاظة تشهد بها اللحاظ،
__________
- وهي ميقات أهل مصر والشام، إن لم يمروا على المدينة، فان مروا بالمدينة فميقاتهم ذو الحليفة، وقال السكري: الجحفة على ثلاث مراحل من مكة في طريق المدينة.
(ياقوت: الجحفة)
[1] الأبواء: قرية من أعمال الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلا، وقيل: الأبواء جبل على يمين آرة، ويمين الطريق للمصعد إلى مكة من المدينة، وقال السكري: الأبواء جبل شامخ مرتفع ليس عليه شيء من النبات غير الخزم والبشام، وهو لخزاعة وضمرة. (ياقوت: الأبواء)
[2] سقيا: السقيا قرية جامعة من عمل الفرع، بينهما مما يلي الجحفة تسعة عشر ميلا، وقال الخوارزمي: تسعة وعشرون ميلا، وقال ابن الفقيه: السقيا من أسافل أودية تهامة، وقال الخوارزمي: هي قرية عظيمة قريبة من البحر على مسيرة يوم وليلة.
(ياقوت: سقيا)
[3] القانت من العيش: القليل، قنت الرجل: كان قليل الأكل.
[4] العرج: قرية جامعة في واد من نواحي الطائف، إليها ينسب الوعي الشاعر عبد الله بن عمر بن عبد الله، وهي أول تهامة، وبينها وبين المدينة ثمانية وسبعون ميلا، وهي في بلاد هذيل. (ياقوت: العرج)
[5] الروحاء: من عمل الفرع على نحو من أربعين يوما، وفي كتاب مسلم بن الحجاج: على ستة وثلاثين يوما. (ياقوت: الروحاء)
[6] يثرب: مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، سميت بذلك لأن أول من سكنها عند التفرق يثرب بن قانية، من نسل نوح، فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها طيبة وطابة، كراهية للتثريب، وسميت مدينة الرسول لنزوله بها. (ياقوت:
يثرب)
[7] في الأصل: (معاشير) بالشين المعجمة، وهو تصحيف معاسير، بدلالة ما بعدها (مملقون) . ومعاسير: أي فقراء معوزون.
(1/268)

وزعارة [1] تدرّ عليها الألفاظ، وكنت أظن ذلك من رجالهم دون نسائهم مكتسبا لا جبلّة [2] ، ومقتبسا لا طبيعة، حتى ميزت أضعافه في أصاغر صبيانهم، وضعائف ولدانهم ونسوانهم، فعلمت أنّه شيء ولدته التربة، ونتجته الطبيعة.
وزرنا قبر النبي صلى الله عليه، وعطفنا على البقيع [3] ، إلى تلك المواقف الكريمة والآثار القديمة، وتنادى الناس بالمسير والتزود بالماء، [97 و] وسرنا سبعا لا نذوق بلالا [4] ، وأصبح الحجيج مرملين [5] ، والإبل طليحة [6] قد أجهدها السير، وأضناها العطش، وأوجفنا [7] رجاء لوجود الماء بواد وصف لنا أنه لم تزل مفعمة آباره، مدهقة [8] حفاره، فهجمنا منه على قفر لا يغمر صوفة ببلّة، ولا ينقع بعوضة من غلّة، وطوى الناس السير، والسماء مصحية سافرة القناع، والأرض عابسة مغبرّة البقاع، فبينا نحن كذلك حتى أرعدت وأبرقت، وأرخت عزاليها [9] ، وتدفقت، فوالله الذي وجهي زمم [10] بيته، إن الاكلا ولا [11] حتى رويت الإبل من عند أخفافها، وملئت القرب والسطائح [12] ، وتزود الناس، واكتفوا وأرووا، أو ارتووا، ثم أقشعت
__________
[1] الزعارة: سوء الخلق، والأزعر السافل السيء الخلق، والزّعر: الشطّار والعيّارون.
[2] الجبلّة: الخلقة والطبيعة.
[3] البقيع: هو بقيع الغرقد، مقبرة أهل المدينة، وهي داخل المدينة، وسمي بقيع الغرقد، والغرقد: كبار العوسج. (ياقوت: بقيع الغرقد)
[4] البلال: ما يبلّ به الحلق من ماء ونحوه.
[5] مرملون: نفد زادهم وافتقروا.
[6] طليحة: مجهودة مهزولة.
[7] أوجفنا: أسرعنا في السير.
[8] مدهقة: مملوءة مترعة.
[9] أرخت عزاليها: انهمرت بالمطر وكثر نعيمها، والعزالي: مصب الماء من القربة.
[10] زمم بيته: تلقاء بيته.
[11] كذا جاءت في الأص: (إن الاكلولا) ولم أهتد لوجهها.
[12] السطائح: المزادات، وقرب الماء الصغيرة.
(1/269)

وانجابت، وأشمست وطابت، وكان الميقات المقدّر، والمقدار المعدّل لم ينته إلى حدّ الإفساد، ولم ينقص عن كنه المراد، وكانت دلالة تقطع حجج الملحدين، وآية تثلج صدور الموحدين، وشهادة تخفي لطف الله للمؤمنين، واتصلت بعد ذلك المنازل، تعيد على النسق المذكور، وبالله التوفيق.
[ما بين العذيب ومكة]
عدد المنازل والفراسخ والبرد والمشرّفات بين العذيب ومكة
اعلم أيدك الله أن البرد المنصوبة بين العذيب [1] ومكة سبعة وخمسون بريدا، وسبعة وخمسون مشرفا [2] ، بين كل بريد ومشرف ستة أميال فرسخا [3] [97 ظ] من فراسخ العرب، وتشتمل البادية من نخل العذيب إلى الرامتين بمكة على مائتي وعشرين فرسخا، والمنصف [4] التور، وهو منهل من وراء فيد بثمانية عشر ميلا مكتوبا على بابه: هذا المنصف، فان لم تقبل فارجع وعد.
والمشاهد والمساجد بين العذيب ومكة: مسجد سعد، ومسجد الرّبذة، وهي لتي نفي إليها أبو ذر [5] رحمه الله، ومسجد الحسين بن علي صلوات الله
__________
[1] العذيب: تصغير العذب، وهو الماء الطيب، وهو ما بين القادسية والمغيثة، بينه وبين القادسية أربعة أميال، وإلى المغيثة اثنان وثلاثون ميلا، وقيل: هو واد لبني تميم، وهو من منازل حاج الكوفة، وقيل: هو حد السواد، وقال أبو عبد الله السكوني:
العذيب يخرج من قادسية الكوفة إليه، وكانت مسلحة الفرس. (ياقوت: العذيب)
[2] المشارف: مشارف الأرض أعاليها، ومشارف العراق: القرى العربية المشرفة على سواد العراق، وكذلك مشارف الشام، ومشارف اليمن.
[3] المعروف أن الفرسخ ثلاثة أميال.
[4] المنصف: واد يسقي بلاد عامر من حنيفة باليمامة، ومن ورائه وادي قرقرى. (ياقوت:
المنصف)
[5] أبو ذر الغفاري: جندب بن جنادة بن سفيان من بني غفار من كنانة بن خزيمة، صحابي من كبارهم، أسلم بعد أربعة وكان خامسا، يضرب به المثل في الصدق، وهو أول من حيّا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحية الإسلام، هاجر بعد وفاة النبي إلى بادية الشام، ثم سكن دمشق في عهد عثمان، وكان يدعو الفقراء لمشاركة
(1/270)

عليهما، وقبر العبادي، وليس بمشهد، وله حديث يطول.
والعقاب بينهما
عقبة واقصة [1] وهي عقبة إبليس، عقبة الهردسة [2] ، عقبة السويق، عقبة الذناب، عقبة المدرج.
جبال الرمل بينهما
جبل زرود [3] وهو أطولها، والمربخ [4] ، والعزيز [5] ، ...
__________
- الأغنياء في أموالهم، فاضطرب الأغنياء، فشكاه معاوية (وكان والي الشام) إلى عثمان فاستقدمه عثمان إلى المدينة، ثم نفاه إلى الربذة، فسكنها إلى أن توفي، ولم يجدوا في بيته ما يكفن به، روى له البخاري ومسلم 281 حديثا، توفي سنة 32 هـ.
(الإصابة 7/60، صفة الصفوة 1/238، حلية الأولياء 1561، طبقات ابن سعد 4/161- 175، الذريعة 1/316)
[1] واقصة: منزل بطريق مكة بعد القرعاء نحو مكة وقبل العقبة، لبني شهاب من طيء، ويقال لها واقصة الحزون، وهي دون زبالة بمرحلتين. (ياقوت: واقصة)
[2] الهردسة أو الهردشة: لم أجد لها ذكرا، ولعلها: هرشى، وهي ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة، يرى منها البحر، ولها طريقان فكل من سلك واحدا منهما أفضى به إلى موضع واحد. (ياقوت: هرشي)
[3] زرود: وتسمى زرود العتيقة، وهي دون الخزيمية بميل، وفي زرود بركة وقصر وحوض، قالوا: أول الرمال الشيحة، ثم رمل الشقيق، وهي خمسة أجبل؛ جبلا زرود، وجبل الغرّ ومربخ، وهو أشدها، وجبل الطريد، وهو أهونها، حتى تبلغ جبال الحجاز، ويوم زرود: من أيام العرب، مشهور بين بني تغلب وبني يربوع. (ياقوت:
زرود)
[4] في الأصل الكلمة غير معجمة.
مربخ: رمل بالبادية بعينه، وقل أبو الهيثم سمي جبل مربخ مربخا، لأنه يربخ الماشي فيه من التعب والمشقة، أي يذهب عقله، وقال نصر: مربخ رمل مستطيل بين مكة والبصرة، ومربخ أيضا: جبل آخر عند ثور مما يلي القبلة. (ياقوت: مربخ)
[5] العزيز: ماء يقع عن يمين القصد إلى مكة من اليمامة، قال أبو عمرو: العزيز ماء لبني تميم معروف. (ياقوت: العزيز)
(1/271)

والهبير [1] ، ومضرّط البخت أصعبها، وعلّك تقول أيها القارىء المتصفح أن الذي شرحته مشهور متعالم، ومعروف متدارك [2] ، وإنما يذكر الغريب الشارد، ما الأمر كما ذهب إليه وهمك، وزاغ فيه ظنك، فلو تزك الناس أعراضهم من النظم والنثر، والجد والهزل، اعتمادا على السابقين الأولين، لماتت الخواطر، وسقطت الهمم، ولكن لكل جديد لذة [98 و] ولكل حديث بهجة، كما أنّ كل قديم يسأم، وكل [حديث] ينشم [3] ، فأنت إذا تأملت شعر امرىء القيس، وجدنه قد سبق إلى كل معنى نادر، وذهب بكل فضل باهر، ولم يترك لذي نيقة [4] مجالا يشق فيه غباره، ومقالا يبلغ فيه شأوه، ولا ترى اليوم أكسد من ديوان شعر بالعراق، وقد صارت الرغبة كلها في ديوان أبي نواس [5] والصنوبري وكشاجم والمتنبي، وأشباههم من شعراء الوقت.
ثم اعلم أن أكثر من تراه قد حجّ، ولا تجده إذا اختبرته يعرف صدرا من ورد، ولا يفرّق بين غور ونجد، وأنا سألت شيخا بماه الكوفة [6] ، له ظاهر يغرّ وباطن يعرّ [7] ، وقد جاء عائدا من الحجّ: كيف خلّفت بيت الله الحرام؟
قال: كسائر البيوت، ولكن كل شيء يحتاج إلى بخت. فهل هذا وأشباهه إلا صور ممثّلة وأشباح مهملة، وبهائم مرسلة، وإذا سألت هذا: فيم خرج، وأين
__________
[1] الهبير: قال ابن السكيت: الهبير المطمئن في الرمل، والهبير رمل زرود في طريق مكة، كانت عنده وقعة ابن أبي سعيد الجنّابي القرمطي بالحاج سنة 312 هـ، قتلهم وسباهم وأخذ أموالهم. (ياقوت: الهبير)
[2] في حاشية الأصل: (كذا في نسخة الوزير، والصواب: متداول) .
[3] الكلمة في الأصل غير معجمة غير حرف الشين، وتحتمل: يبشم، أو ينشم.
ينشم: تتغير رائحته، وتنشم منه علما استفاد منه وتاطف في التماسه.
[4] ذو نيقة: الذي يبالغ في التجويد وحسن الاختيار.
[5] في حاشية الأصل: (أظن أنه أبو فراس مكان أبي نواس، لأن با نواس ليس من هذه الطبقة.)
[6] ماه الكوفة: الماه بالهاء خالصة: قصبة البلد، ومنه قيل: ماه البصرة، وماه الكوفة، وماه الكوفة هي الدينور. (ياقوت: ماه الكوفة، ماه البصرة)
[7] يعر: يخزي، والعرّة: الخلّة القبيحة، والمعرة: المساءة والمكروه.
(1/272)

ولج، وفي أي واد هبط، وبأيّة أرض سقط؟ لم يدر إلا أنه في الجملة عمل ما عمله الجمهور تقليدا.
وإذ قد أتينا على شرح ما بلغته المشاهدة، وأدركه العيان من فضائل البيت الحرام، فلنبدأ بذكر الشوق ودواعيه، والودّ وتمكن مراسيه، وأقول: أما الودّ فمتزايد كتزايد فضلك، ونام كنمي [1] محاسنك، ومتضاعف كتضاعف أياديك: [الطويل] تمرّ به الأيام تسحب ذيلها فتبلى به الأيام وهو جديد [98 ظ] وأما الشوق فمتوقّد في أحشائي كما توقّدت هممك، وفاش في جوانحي كما فشت نعمك، ولئن فرّقت بيننا الأماكن والمنازل، لقد جمعتنا الضرائب [2] والشمائل، ولئن تناءت بنا الأشباح، لقد تآلفت منا الأرواح.
حدثني أبو علي محمد بن الحسين الحاتمي، قال: حدثنا أبو عمر الزاهد محمد بن عبد الواحد على رغم أنف الجاحد [3] ، قال: لما خلع جعفر المقتدر [4] ، وبويع لعبد الله بن المعتز [5] ، وكانت خلافته يوما واحدا، ثم
__________
[1] نما ينمو نموا: زار، ونمى ينمي نماء ونميا ونمية: ارتفع (القاموس: نمو، نمي)
[2] الضرائب: جمع الضريبة، الطبيعة والسجية.
[3] في حاشية الأصل: (هكذا كان يقول رحمه الله) .
[4] المقتدر: جعفر بن أحمد بن طلحة، المقتدر بالله ابن المعتضد ابن الموفق، بويع بالخلافة بعد وفاة أخيه المكتفي فاستصغره الناس فخلعوه بعد سنة من خلافته، ونصبوا عبد الله بن المعتز، ثم قتلوا ابن المعتز، وأعادوا المقتدر بعد يومين، فطالت أيامه وكثرت الفتن، كان ضعيفا مبذرا، استولى على الملك في عهده خدمه ونساؤه وخاصته، قتل سنة 320 هـ. (ابن الأثير 8/3- 75، النجوم الزاهرة 3/233، تاريخ بغداد 7/213)
[5] عبد الله بن المعتز: عبد الله بن محمد المعتز بالله ابن المتوكل ابن المعتصم ابن الرشيد العباسي، الشاعر المبدع خليفة يوم وليلة، ولد ببغداد وأولع بالأدب، صنف كتبا منها: (البديع) ، و (الآداب) ، و (فصول التماثيل) ، و (طبقات الشعراء) ، وغيرها، آلت الخلافة في أيامه إلى المقتدر، واستصغره القواد فخلعوه ونصبوا ابن المعتز، فأقام يوما وليلة، ثم وثب عليه غلمان المقتدر فخلعوه، وسلمه المقتدر إلى
(1/273)

أعتدت في المقتدر [1] ، لزم عبد الله داره، وهجر أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبا [2] تقية وحذرا، بعد أن كان خصيصا، وله واصلا، فكتب إليه بهذه الأبيات: [3] [الرجز]
ما وجد صاد في الحبال موثق ... بماء مزن بارد مصفّق
بالريح لم يطرق ولم يرنّق ... جادت به أخلاق دجن مغدق [4]
في صخرة إن تر شمسا تبرق ... فهو عليها كالزجاج الأزرق
إلا كوجدي بك لكن أتّقي ... يا فاتحا لكلّ علم مغلق
وصيرفيّا ناقدا للمنطق ... إن قال هذا بهرج لم ينفق
إنّا على البعاد والتّفرّق ... لنلتقي بالذكر إن لم نلتق
فأنشدت الأبيات أبا العباس ابن المنجم، فزادني بيتا زعم أن ثعلبا كان يستره ولا يظهره، وهو بعد قوله:
إلا كوجدي بك لكن أتّقي ... صولة من إن همّ بي لم يفرق
[99 و] ولما انتهي بي الإملاء في هذه الرسالة إلى هذا الفصل، أخبرني بعض من عرف كلفي بالبحث عن أخبارك، وعلم شغفي بتعرّف أحوالك، أنّ مجاورا لك ممّن غلط الدهر بايداعه نعمة، وهفت الأيام بايلائه منحة، طمح إلى مساويك في الرتب، وسما إلى مباراتك في تصدير الكتب، فطفقت
__________
- خادم له اسمه مؤنس فخنقه سنة 296 هـ. (وفيات الأعيان 1/258، الأغاني 10/274، معاهد التنصيص 2/38، تاريخ بغداد 10/95)
[1] كذا العبارة في الأصل: ثم اعتدت في المقتدر) ، أي هيئت له.
[2] أبو العباس ثعلب: سبقت ترجمته.
[3] الأبيات في ديوان ابن المعتز 1/533- 535، والظاهر أن هذه الأبيات قالها قبل توليه الخلافة ففي كتاب الأوراق ص 114: كان عبد الله بن المعتز يحب لقاء أبي العباس أحمد بن يحيى ويعلمه ذلك، وكان أبو العباس أحمد يجيء يعتذر إليه في تخلفه عنه بأنه قد ضعف عن أن يمضي إلى أحد، فكتب إليه عبد الله يعرفه شوقه إليه، ويصف مقداره في العلم، ويعتذر من إتيانه لأن الركوب ليس بسائغ له) .
[4] في الديوان: (جادت به أخلاف دجن مطبق) .
(1/274)

أعجب من الفلك وظلمه، والقدر وحكمه، إذ صارت أيامها تنتقل إلى شرار أكفائها، ويستذري أسوأ أفيائها، فكذلك على رغمها انتقلت من هاشم في محارب، وقد لعمري إنّ هذه عادتها، كشفت بها عن عوارها، بسوء الاختيار، ولؤم النّجار، ولكن الناقص وإن علا مناكب الجوزاء، وامتطى كواهل العلياء، يضؤل إذا التقت عليه المحافل، ويتطامن إذا انبرى له الأفاضل، ويتخاضع إذا جمعته حلبة الرهان، ويتخاشع إذا لزّته [1] حقيقة الامتحان، وذلك أيّدك الله، قالب جهل غطّت عليه نعمة غارت عن ذويها، وحلّيت عن مستحقيها، وثوت عبدة بخد ترب، ودمع منسكب، إذ انتقلت عن مآلفها الكريمة، ومغارسها القديمة، فان تغش قوما غيرهم أو تزرههم، فكالوحش يدنيها من الإنس المحلّ، ومثله لا يعبأ به، ولا يعتب على الدهر فيه، وشاء صدقك أحسن الله توفيقك.
الناس اثنان؛ عالم منصف، وجاهل معاند، فأما الأول: فهو الحجة وعليه العمدة، فقد عرف بروز شأوك في كل علم [99 ظ] ووفور حظّك من كل فضل، فانّ أذربيجان كانت آهلة بشيوخ الوزارة والرياسة من ذوينا، ومأنوسة برجال ناهيك بهم رجالا، وأعلام أكرم بهم أعلاما، فكلّ خلّى لك عن طريق السداد، وسلّم إليك قصب الرشاد، ووفّر عليك حقّ التفضيل، ولم يدفع في صدرك عن منازل التبجيل.
فأما الرأي الجزل، والقول الفصل، والحقّ الصّرف، والحكم العدل، فما يدفعك عنه دافع إلا قلّ، ولا ينازعك فيه منازع إلا ضلّ، وأما عفاف الطعمة، وطيب الحجزة [2] ، وظلف النفس [3] ، وعلوّ الهمّة، والترفع عمّا تسفّ إليه دنيات المطامع، والتغمّض عمّا يحتقب المرء منه مخزيات الملاوم، والاحتقار لزبرج الدنيا [4] التي تستخفّ كلّ حليم، وزخرفها الذي يستفزّ كلّ
__________
[1] لزته: شدته وألصقته وضيقت عليه.
[2] طيب الحجزة: كناية عن العفاف، والحجزة: موضع شد الإزار من الوسط.
[3] ظلف النفس: منعها وترفعها عن الدنايا.
[4] الزبرج: الحلية والزينة من وشي أو جوهر أو نحو ذلك، وزبرج الشيء: حسّنه وزيّنه.
(1/275)

حكيم، فحظّه مسلّم إليك، وحماله موقر عليك، وهذه واحدة لا ينوء بحملها العابد الزاهد، ولا ينهض بعبئها إلا الفارد الشارد.
وقديما قالت الحكماء: الزاهد في الذهب الأحمر أعزّ من الذهب الأحمر، وحدثنا محمد بن علي البصري قال: حدثنا أبو روق عن الرياشي عن الأصمعي، عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: إنّ الصفاة الزلّاء التي لا تثبت عليها أقدام العلماء، هي المطامع.
وأما الثاني وهو من لا يعبأ به، ولا يعرّج عليه، ولا يشال إليه طرف، ولا يسمع منه حرف، وإنّما يعيب بالصحة على الثقة، ويشكو مرارة الحق، وينكر المقام على وتيرة النصح، وأكبر ما يقال في [100 و] هذه الطائفة قول الشاعر: [1] [الطويل]
إذا رضيت عني كرام قبيلتي ... فلا زال غضبانا عليّ لئامها
وقد سئل الأحنف [2] : من سيد القوم؟ فقال: من إذا أقبل هابوه، وإن أدبر اغتابوه، فليهنك أبا الحسن أن يكون الحقّ المرّ غاية ما يعيبك به العائب، والصحة المحضة أقصى ما ينسبه إليك الناسب، فأنت في أعلى رتبة مما نسبك إليه الصديق الناصح، وفي أوسع عذر مما رماك به العدوّ الكاشح، ولقد أحسن حسان في قوله لرجل- أظنه كان يشغب في رسول الله صلى الله عليه وسلم- في كلمة له: [3] [الوافر]
أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء
أدركني ذهني في هذا الموضع، فقلت: لعل بعض من يحضر مجلسك
__________
[1] البيت دون نسبة في الدر الفريد 1/323.
[2] الأحنف: هو الأحنف بن قيس سيد تميم، وقد سبقت ترجمته.
[3] البيت لحسان بن ثابت في ديوانه 1/18، ط- وليد عرفات، من قصيدة في فتح مكة، والمخاطب في البيت هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، قبل أن يسلم، وكان يهاجي المسلمين قبل فتح مكة، وقد وهم بعض ناشري الديوان في بيروت أن المقصود هو أبو سفيان صخر بن حرب، والد معاوية، ولم يكن هذا شاعرا، بل كان قائد المشركين في حروبه على المسلمين.
(1/276)

ممن لم ينفح علمه ملاقاة الرجال، ولم يصل من آداب العرب إلا إلى الدعوى والانتحال، ينكر تجريدي لك الكنية في هذا الفضل، وعلمي بارتقائك إلى أعلى الرتب من الأدب، واحتوائك على جميع مذاهب العرب، يضمن لي عنك الكفاية في تكذيب مقاله، والرد عليه وعلى أمثاله، ولكن الاحتراز أحرز، والاحتجاج أصوب، وكثيرا كنت أسمع عضد الدولة [1] يقول: الفلج للحاضر، وحجّة الغائب غائبة.
اعلم أيها العائب، أن العرب تخاطب السادة في الأندية، والزعماء تحت الألوية، فيقول أبا فلان، تريد بذلك النص والتنبيه [100 ظ] والهزّ والتفخيم، أما سمعت قول الأخيلية [2] للحجاج بن يوسف، وقد دخلت إليه يوما، وهو في أحفل مجلس، وإنّما كان جبّارا يتّقد نارا: [3] [الطويل]
أحجاج لا تغلل سلاحك إنّما ... المنايا بكفّ الله حيث تراها
وأبين من هذا وأكشف وأدّل على المعنى وءأصحّ قول فزارة: [4] [البسيط]
أكنيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقّبه والسوأة اللّقبا
كذاك أدّبت حتى صار من خلقي ... أنّي وجدت ملاك الشيمة الأدبا
نعم ولا ترضى بتجريد الاسم والكنية عند الشاهي [5] في المدح، حتى
__________
[1] عضد الدولة فنا خسرو، سبقت ترجمته.
[2] ليلى الأخيلية: ليلى بنت عبد الله بن الرحال بن شداد، من بني عامر بن صعصعة، شاعرة فصيحة ذكية فصيحة، اشتهرت بزخبارها مع توبة بن الحمير، وفدت على عبد الملك وعلى الحجاج، وكان يكرمها، طبقتها في الشعر طبقة الخنساء، وكان بينها وبين النابغة الجعدي مهاجاة، توفيت سنة 80 هـ. (الاأغاني 11/204، معجم الشعراء ص 343، النجوم الزاهرة 1/173، شرح التبريزي للحماسة 4/76)
[3] البيت في ديوان ليلى الأخيلية ص 120، جمع وتحقيق خليل وجليل العطية، ط- بغداد. 1967
[4] البيتان لبعض الفزاريين في الحماسة 1/574، والحماسة البصرية 2/7، والخزانة 4/5- 5، والأول في شرح شواهد العيني 3/89.
[5] كذا وردت: (الشاهي) ، وحسبتها (الشاهد) ولكنه أراد الملك بالفارسية، بدلالة (أبيت اللعن) بعدها، وهذا ما كان يقال للملوك.
(1/277)

يقول: أبيت اللعن، وهبلته أمّه، وويل أمّه، قال الشاعر: [الرجز]
ويل أمّه إذا احتفل ... ثم أطال وارتجل
وقال آخر: [السريع]
ويل أمّه مسعر حرب إذا ... ألفي فيها وعليه الشّليل
والقول في هبلته أمه [1] كثير متى استوفيناه خرجنا عن الشرط في توخي الإيجاز، وكان غير هذا مما يتفاوضه الأودّاء والإخوان، أولى أن أطيل به الخطاب، ولكن ينطقني بهذه الفصول التي أراها تشعّب شعبا، ويستنجد شواهد وخطبا، الاهتزاز لفضلك الباهر إن ثلبه ثالب، شعر: [101 و] [الطويل]
وأدفع عن أعراضكم وأعيركم ... لسانا كمقراض الخفاجيّ ملحبا
وقد كنت سمعت بتهامة [2] بيتا شرودا، أرسله مستعتبا بفرط الإدلال، وأطلقه مستعطفا بدالّة الإخلاص، وإنما كان عتابا في [با] طنّه [3] ودّ، وملاما بين أثنائه نصح، واستيفاءة في أدراج العذل، واستقالة بين أطراف الضّجر، ووصلا في معرض هجر، ومزحا يفترّ عن صحة عقد، وأخبث قائله بأبيات، وهي هذه: [المتقارب]
ألكني إلى ابن أبي خالد ... مقال وديد به واجد
نصيحة خلّ على ودّه ... مقيم وعن عرضه ذائد
أتتني مقالة مستعطف ... لرأيك مستعتب جاهد
__________
[1] هبلته أمه: ثكلته، فهي هابل، وتقال في معنى المدح والإعجاب، فيرادبه: ما أعلمه، وما أصوب رأيه.
[2] تهامة: قال أبو المنذر: تهامة تساير البحر، منها مكة، قال: والحجاز ما حجز بين تهامة والعروض، وقال الأصمعي: طرف تهامة من قبل الحجاز مدارج العرج، وأول تهامة من قبل نجد ذات عرق، وسمّيت تهامة لشدة حرها وركود ريحها، وهو من التهم، وهو شدة الحر وركود الريح. (ياقوت: تهامة)
[3] في الأصل نصف الكلمة ساقط سهوا من الناسخ: (طنه) .
(1/278)

لئن كان مغزاه ما قد ذكرت ... لما زاغ عن سنن القاصد
لأنّك ما زلت ذا شوكة ... شديدا على العاند الجاحد
سجاما على الأمل المجتدي ... حماما على الكاشح بالعائد
سأنصح والقول ما قد سمعت ... من ثقة الأهل بالرائد
تنبّه عن الخير لا ترقدن ... ن فقد خسرت صفقة الراقد
وفز بالمحامد في وقتها ... فما الوقت إن فات بالعائد بالعلئد
ويا أيكة حلوة المجتنى ... بقيت لنا أبد الآبد
[101 ظ] وبقيت الآن واحدة، يبعثني عليها فرط النصيحة، ويقتضيني عنها فضل الحشمة: الناس أيدك الله على تباين آرائهم، واختلاف مذاهبهم، مجمعون على أنّ الدنيا إلى انقضاء، وكل وال معزول، ولكلّ عمل ثواب، وكل آت قريب، فكيف مثلك ممّن غذته الحكمة، وهذّبته الدّربة، وأدّبته الحنكة [1] ، وضرّسته الأمور، ونجّذته [2] الشؤون، ودرس كتب الأوائل، ونظر في سير الأفاضل، وأريد أن يكون عمل الخير أغلب على فعالك، وبثّ العدل أملك بخصالك، وعقد المكارم غاية اختيارك، واقتناء المحامد جلّ أخطارك، والمنافسة في السير فاتحة أخبارك، حتى ينشر عنك نوافح شكر تلتذه المسامع، وتأرج به المشاهد والمجامع، فيبقى ذكرها غررا [3] على أوجه الأيام، وقلائد في أعناق الأنام، إلى أن تصل إلى ما وعد الله المتقين، وأعدّ للمحسنين، وقد قادتني الحاجة في هذا الفصل إلى ذكر ما استقبحه علم الله، فانّ ظاهره يجرى مجرى التزكية والتناهي، إلى أنّ فضلك يضمن لي أنك تصرف خطابي [4] إلى أجمل وجه، وتحمله على أصحّ جهاته، أحبّ أن تسل موثوقا به ممّن ورد من نواحي الجبل عن صنيع أهل قرمسين [5] والدينور
__________
[1] الحنكة: الخبرة والتبصر بالأنور.
[2] نجذته: أحكمته التجارب.
[3] غررا: أي يكون ذا غرّة، وهو البياض والشرف.
[4] في الأصل: (تصرف خطاتي) وهو تصحيف.
[5] قرمسين: وهو تعريب كرمان شاه، بلد معروف بينه وبين همذان ثلاثون فرسخا غرب الدينور، وهي بين همذان وحلوان، على جادة الحاج. (ياقوت: قرمسين)
(1/279)

وهمذان وغيرها من تلك النواحي، وإيثارهم التوبة، وإظهارهم الرهبة، وسقوط دواعيهم، اقتداء بواليهم، إذ شملهم العدل والإنصاف، وجنّبهم الظلم والاعتساف، لتستبدل بحاضر حلاوة [102 و] العدل والإحسان اللذين أتى فيهما آي القرآن، وتضمنتهما شرائع الإيمان، من الثواب العظيم، والنعيم المقيم.
وبعد، فما عذر من ساعدته الأيام، وساعفته الأحكام، حتى لانت له أكنافها، ودرّت عليه أخلافها [1] ، وهو يعلم ألا يرضع إلا ليفطم، ولا يوصل إلا ليصرم، أن يدع أيام ملكه المهتبلة، وفرص عزّه المنتهزة، مهملة غير معقولة، ومرسلة غير مشكولة بالإحسان والبرّ، وإعقالا لا رسوم لها من المكارم، وبهما لا أوضاح عليها من المحاسن والمحامد، ولو جاز أن استبضع التمر إلى هجر [2] ، وأعرض الحكمة على بقراط [3] ، لأثبتّ قسطا من أحكام العرب في ذلك، لكن متى فتحنا هذا الباب، خرجنا إلى مجال رحب.
والجملة، أن الملوك الراشدين، والوزراء الصالحين، حين أعجزهم الخلود في الدنيا، جعلوا باقي الذكر الجميل بعدهم كالخلود، فقالوا:
[الطويل]
وما المال والأيام إلا معارة ... فما اسطعت من معروفها فتزوّد
__________
[1] الأخلاف: جمع الخلف، وهو حلمة الضرع، وضرع الناقة.
[2] يشير إلى المثل: (كمستبضع التمر إلى هجر) ، المثل في مجمع اللأمثال 2/153، المستقصى 2/233، أمثال أبي عبيد ص 292، الكتاب 3/244 بلفظ: كجالب التمر إلى هجر) .
[3] بقراط: أبقراط، طبيب يوناني يعرف بأبي الطب، كان كثير الأسفار فكسب خبرة في علمه، فصل الطب عن الخرافات والغيبيات، وأقامه على أساس علمي، فكان له أبلغ الأثر في تقدمه، عرفه العرب باسم (بقراط) ، ونقلوا كتبه إلى العربية وأضافوا إليها شروحا وتفاسير، وأشهر هؤلاء حنين بن إسحاق، وعيسى بن يحيى، وثابت قرة، وعبد الرحمن بن علي، توفي أبو قراط سنة 270 ق. م. (الموسوعة العربية الميسرة 1/7)
(1/280)

وقرأت في كتاب التاج أن كسرى أنو شروان كان إذا أمسى تصفّح في يومه ذاك، وقال لموبذه: (هل أسدينا يومنا معروفا؟ هل أغثنا ملهوفا؟ هل جبرنا كسيرا؟ هل فككنا أسيرا؟ فان قال: نعم، سجد لآلهه شكرا، وإن قال:
لا، قال: اسقطوا هذا اليوم من تاريخ الملك، فهو علينا لا لنا، واحذفوه من أيام العمر، فنحن فيه منحوسون) .
فان قال في هذا الفصل قائل: نعم، كان ذلك في الزمن الأول والدهر [102 ظ] الأفضل، لا في عصرنا هذا الشديد، فقد طوى النصح عن مستحقّه، وطلب العذر من غير وجهه، وأوطأ الغشوة وابتغى الخديعة، ولم يوفّ حقّها العشرة، فان الزمان عندهم هو السلطان، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا.
ذكر أنّ معاوية سمع رجلا يسبّ الزمان، فقال: لو عرف هذا الزمان لضربت عنقه، يعني أنّه هو.
وأنشد لبعضهم: [1] [الوافر]
يقولون الزمان به فساد ... وهم فسدوا وما فسد الزمان
فجوابنا لهذا ورأيه الغاش لجلسائه، أن الذي شاهدنا في وقتنا هذا المذموم عندك، يوفي على سير الكرام المتقدمين، ويزيد على سنن الأجواد الأولين، وأنت لو سمعت غرر الصاحب الجليل [2] بالري وأصبهان والجبل،
__________
[1] البيت دون نسبة في المنتخل- الميكالي 1/476، وفي اللطائف والظرائف ص 200، والتمثيل والمحاضرة ص. 247
[2] الصاحب: هو الصاحب بن عباد، إسماعيل بن عباد بن العباس، أبو القاسم الطالقاني، وزير غلب عليه الأدب، استوزره مؤيد الدولة بن بويه الديلمي، ثم أخوه فخر الدولة، ولقّب بالصاحب لصحبته مؤيد الدولة من صباه، ولد في الطالقان (من أعمال قزوين) وإليها نسبته، وتوفي بالري ونقل إلى أصبهان فدفن بها، له كتب منها:
(المحيط) في اللغة، و (الكشف عن مساوىء المتنبي) ، و (الأعياد وفضائل النيروز) ، وكتاب (الوزراء) ، وغيرها، توفي سنة 385 هـ.
(وفيات الأعيان 1/75، معجم الأدباء 2/273- 343، المنتظم 7/179، أنباه الرواة 1/201، والصاحب بن عباد حياته وأدبه لمحمد حسن آل ياسين ص 235- 236)
(1/281)

فانها هناك مشهورة فائضة، وفي أرضنا هذه مغمورة غامضة، لوجدت أيامه تكاد تواري أيام آل مصعب [1] والفضل بن سهل [2] ، وإن لم ترق إلى أيام بني برمك.
وبالأمس شاهدنا ما اشتملت عليه المحاسبة في ديوان المكارم بالري، من أبواب البر والصدقات التي أخرجها فخر الدولة من الترائك [3] والمظالم والحطائط [4] ، نيّف على عشرة ألف ألف درهم، وذكر الميثمي وكيل الشريف أبي الحسن محمد بن عمر بن يحيى، أنه رفع إليه في بعض السنين زيادة في سعر الطعام بالكوفة، حين أعوز الضعفاء من الناس أقواتهم فوقّع بألف كرّ [5] طعاما يخرج ليرخص به السعر، ثم يتصدق بثمنه، وأنا سألت الأمير [103 و] أبا النجم بدرا أيده الله في أمر الثغور الباجنيسية [6] ، وقد حضرني شيوخها مع
__________
[1] آل مصعب: لعله يريد مصعب بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي، أحد الولاة الأبطال في صدر الإسلام، ولي البصرة لأخيه عبد الله بن الزبير، وكذلك الكوفة، وقتل المختار الثقفي، وقاتل جيش عبد الملك بن مروان، وقتل في هذه الحروب سنة 71 هـ. (الطبري وابن الأثير حوادث سنة 71 هـ، طبقات ابن سعد 5/135، تاريخ بغداد 13/105)
[2] الفضل بن سهل السرخسي: أبو العباس، وزير المأمون وصاحب تدبيره، اتصل به في صباه، وأسلم على يده سنة 190 هـ، وكان مجوسيا، وصحبه قبل أن يلي الخلافة، فلما وليها جعل له الوزارة وقيادة الجيش معا، فكان يلقب بذي الرياستين (الحرب والسياسة) قتله جماعة بينما كان في الحمام، وقيل إن المأمون دسهم له، وقد ثقل عليه أمره، كان حازما عاقلا فصيحا، أخباره كثيرة، قتل سنة 202 هـ. (وفيات الأعيان 1/413، الوزراء والكتاب ينظر فهرسته، تاريخ بغداد 12/339، ابن الأثير 6/85)
[3] الترائك: ما يترك من الضريبة السنوية لمن أصيب زرعه بآفة أو نحوها.
[4] الحطائط: ما يحط من جملة الحساب، فينقص منه.
[5] الكرّ: مكيال لأهل العراق، أو ستون قفيزا، أو أربعون إردبّا.
[6] نسبة إلى باجنيس: بلد قديم يذكر مع أرجيش من أعمال خلاط، وهو من أرمينية الرابعة، فتحها عياض بن غنم. (ياقوت: باجنيس)
(1/282)

الشريف أبي محمد مهدي، مستغيثين بي عليه، فأمر لها ولمرمّات حصن زبالة [1] ، ولوجوه أخر من مصالح البادية بسبع مئة درهم لفظة واحدة، سوى رسم الأصيفر، وهو في كل سنة سبعة ألف دينار، كان أمر بها قبل ذلك المجلس، وعدت إلى داري وبها القاضي ابن كجّ [2] يترقبني فأعلمته الخبر كالمستكثر المتعجب، فوجدته عنده مستقلا بالقياس إلى مكارم [3] جليلة وصفها عنه، ثم استدعى كتابا من بيته كان كتبه إليه أيام الربيع، نسخته:
«رسم سيدنا الأمير لي الركوب في جماعة الشيوخ، وثقات المهندسين والبنائين للقنطرة، فيما خرّبته السيول، واحتملته المدود [4] من القناطر والجسور والشاذروانات [5] ما بين المرج وآخر أعمال الجبل، وتقدير ما يلزم في أعادة بنائها، فامتثلنا على أمره، ونظرنا على استقصاء واحتياط، فبلغ التقدير مائتي ألف دينار، وإن اقتصرنا على الرمّات [6] دون الأحكام والأعراق في الإتمام، رجونا أن يسقط الثلث من هذا التقدير، ولرأيه الفضل» ، فوقع في الجواب ما قرأته، ونسخته:
«قد أحمدت ما يجشّمه القاضي والجماعة معك، من النظر في هذا المهم، وساءني ما ختمت به خطابك من ذكر الاقتصار علي المرمات، [103 ظ] ورسمت إطلاق مائتي ألف دينار كاملة، فليقبض هذا قبل مسيري
__________
[1] زبالة: سبقت ترجمته.
[2] ابن كج: القاضي العلامة شيخ الشافعية، أبو القاسم يوسف بن أحمد بن كج الدينوري، تلميذ أبي الحسن القطّان، كان يضرب به المثل في حفظ المذهب، وتصانيفه كثيرة، قتله الحرامية بالدينور سنة 405 هـ. (تهذيب سير أعلام النبلاء 2/263)
[3] في الأصل: (المكارم) .
[4] المدود: أي السيول.
[5] الشاذروان: قال آدي شير: شادروان فارسية، ومنه مأخوذ الشاذروان الذي يسمى تأزيرا، لأنه كالإزار للبيت. (معجم الألفاظ الفارسية المعربة ص 99، والمفصل في الألفاظ الفارسية المعربة- صلاح الدين المنجد ص 129)
[6] الرمات: أي الترميم والإصلاح.
(1/283)

إلى باب أصفهان، فان النفقات في ذات الله، كلما كانت أكثر، كان الثواب بها أوفر» . كأنه رأى الزيادة في هذا وما جرى مجراه احتياطا، والسّرف اقتصارا، والتكثير تقتيرا، والتبذير توفيرا، والتضييع تثميرا.
وهذا باب لو استقصينا شرحه لظهر لك الخطأ في مذهب من يجعل دون الفلك زمانا يضر وينفع، واختلاف الليل والنهار، دهرا (والتبذير توفيرا والتضييع تثميرا) .
وهذا باب لو استقصينا شرحه لظهر لك الخطأ في مذهب من يجعل دون الفلك زمانا يضر وينفع، واختلاف الليل والنهار، دهرا يقطع ويمنع، وأنت إذا انتصفت لنفسك من نفسك، وراجعت الصحيح من رأيك، وطردت الهوى المحسّن للزلل عن وهمك، وحكّمت وكيل الله عندك، وشاهده عليك وهو عقلك، علمت أنّ القيّم في الأرض منذ دحيت، وعلى البرية منذ أنشئت، هم الملوك منسوبون بسيرهم إلى الأعوان الراشدين، والكفاة الصالحين، وإنما ذكرت لك نفرا ممّن جمعنا وإياهم الزمان والمكان، إما بالمشاهدة والعشرة، وإما بالمصاحبة والخدمة، وصدّرت ذكر الصاحب [1] الجليل، على سوء آثاره عني، لئلا يقول إني رجّحت بالهوى، وملت بالعصبية، وما فيهم إلا من الأمير، الأمير الأجل أبو نصر أعزّ الله نصره، أندى منه ظلا، وأكرم أصلا، وأثبت في العز قدما، وتحسب نعم الله عنده، فلتكن أيامه قوانين عدل وإحسان، وتواريخ جود وأفضال، وأنا أجلّك- جعلك الله ممّن يهتدي بالهدى [104 و] ويأمر بالتقوى، ويعصي سلطان الهوى- أن تصغي إلى من عساك يغرك عن دينك، ويعدل بسمعك عن أخيك وخدينك [2] ، وأنت تسمع قول عمر: (نستعيذ بالله من جليس يطري، وصديق يغري، وعدو يسري) ، وقول الشاعر: [الطويل]
ولا تعذراني في الإساءة إنه ... شرار الرجال من تسيء فيعذر
__________
[1] الصاحب: هو الصاحب بن عباد، وقد سبقت ترجمته.
[2] الخدين: الصديق، والصديق في السر.
(1/284)

وقول العرب: (عليك بأمر مبكياتك لا مضحكاتك) [1] ، وقولها: (إن من صدقك فأرمضك، خير لك ممن غرّك فسرك) ، وإنما تلك الطائفة إخوان الخوان، وفراش الطمع، وإذا أنت ميّزت قول أحدهم علمت أنه قد زاغ عن الحق وبرح، وأنه لا حقّ الله أدى، ولا السلطان نصح، وإنما الصديق الصدوق من لا يكفّ عن واجب النصح لجزع، ولا يسفّ بزخرف القول لطمع، والله ولي التوفيق.
وإذا قد أشفينا على الإملال والإضجار، وبؤنا في الذنب في الإطالة والإكثار، فلنعد إلى التنصّل والاعتذار، وأقول: إنّ كاتب رسالة، ومنشىء خطاب إلى مثلك، ولا مثل لك في قوة الانتقاد، وجودة الارتياد، يحتاج أن ينتقد النسخ تحكيكا وتنقيحا، ويستشرف الأدراج تسويدا وتصحيحا، فربّما وصل إلى السلامة عليك دون أن يظفر بالإحماد منك، فأما إذا أبدت البديهة في إملائها ارتجالا، وأرسل الخاطر في إنشائها إرسالا، فقد تقدم إليك على آلة حدباء [2] نابية، [104 ظ] الظهر، إلا أن يتيح الله منك سجية للعثرات مقبلة، وعينا عن الهفوات كليلة.
وبعد فاكثاري عليك، جمع الله بك شمل الحكم، وحرس علينا وعليك ضوافي النعم، بحسب ما يبلغني عنك من لهجك برقاعي إذا وصلت إليك، وغرامك بكتبي إذا عرضت عليك، فذلك يدعوني إلى مناجاتك، ويحدوني إلى مناغاتك، فيما يختلج بفكري، فان يقع مواقع الإحماد، فالمنّة لك، لأنه كسب يدك، وإن يرد لموارد الإنكار، فالسهو منك، ونفسك حيث علمك، عصمنا الله وإياك من محفظات الكلم، وصرف عنا وعنك موبقات النّقم، وحسبنا الله وحده.
تمت الرسالة. وعلى السادة الأخيار محمد وآله الأبرار السلام كثيرا.
__________
[1] هذا مثل: (أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك) جاء في: مجمع الأمثال 1/30، فصل المقال ص 319، المستقصى 1/362، جمهرة الأمثال 1/82.
[2] الآلة الحدباء: نعش الميت، قال كعب بن زهير في قصيدة البردة:
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول
(1/285)

[رأي عمر بن عبد العزيز في علي]
روى ابن الأنباري، أن رجلين بقرقيسياء [1] اختصما في تفضيل علي عليه السلام، ومعاوية، فارتفعا إلى ابن علاثة عامل قرقيسياء، فكتب بخبرهما إلى ميمون بن مهران، وهو والي الرقّة، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز [2] بخبرهما، فكتب إليه عمر باطلاق القائل أن عليا عليه السلام أفضل، وضرب الزاعم أن معاوية أفضل الحدّ، ونفيه عن البلد.
[المخيس أول من مدح المهدي]
كان مخيّس بن أرطاة المنقري [3] قد ذكر للمهدي أنه قال: [الرجز] أصبحت بعد القرطق الخزيّ [4] مسوّدا ولست بالبلخيّ [5] [105 و]
__________
[1] قرقيسياء: بلد على نهر الخابور قرب رحبة مالك بن طوق على ستة فراسخ، وعندها مصب الخابور في الفرات، فهي في مثلث بين الخابور والفرات، فتحها حبيب بن مسلمة الفهري. (ياقوت: قرقيسياء)
[2] عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم القرشي: الخليفة الصالح، والملك العادل، وربما قيل له خامس الخلفاء الراشدين، تشبيها له بهم، ولد ونشأ بالمدينة، وولي إمارتها للوليد، ثم استوزره سليمان بن عبد الملك بالشام، وولي الخلافة بعهد من سليمان سنة 99 هـ، وسكن الناس في أيامه، فمنع سب علي بن أبي طالب (وكان من تقدمه من الأمويين يسبونه على المنابر) ، ولم تطل مدته، قيل دسّ له السم وهو بدير سمعان من أرض المعرة، فتوفي به، ومدة خلافته سنتان ونصف، وأخباره في عدله وحسن سياسته كثيرة، كتب عن عدله ومناقبه كثير من القدماء والمحدثين، توفي سنة 101 هـ.
(تهذيب التهذيب 7/475، حلية الأولياء 5/253- 353، صفة الصفوة 2/63، المحبر ص 27، اليعقوبي 3/44)
[3] المخيس بن أرطاة الأعرجي: أبو ثمال، أول شاعر مدح بني العباس في خلافتهم، وهو راجز شامي، اشتهر في أيام مروان بن محمد آخر المروانيين من بني أمية بالشام، وعاش حتى مدح السفاح والمنصور العباسيين، توفي نحو سنة 145 هـ.
(معجم الشعراء ص 479، الأعلام 7/195)
[4] القرطق: لباس، معرب كرته.
[5] البلخي: المتكبر والجرىء على الفجور.
(1/286)

فكتب باشخاصه، فدخل عليه مقيّدا، فقال له: يا مخيس أنت الذي تقول:
أصبحت بعد القرطق الخزيّ. فقلت: وتمامه:
مسودا في طاعة المهديّ قال: وما شاهدك؟ قال: ونظرت إلى القوافي بين عينيّ، وكأنها اليعاسيب [1] ، فقلت: [الرجز]
الآن قرّ الملك في مقرّه ... وابتسم العابس عن مفترّه
وسكنت هامة مقشعرّه ... إلى بني العباس أهل سرّه
ومهمه ظعنت في مغبرّه ... وقد دجا الليل بمكفهرّه
بناعج ينفخ ثنيي زرّه ... كأنه في مرّه وكرّه [2]
قدح أدارته يدا مدّرّه ... إلى الإمام عمّنا ببرّه
فقال لي احتكم، فقلت: يا أمير المؤمنين، قضاء ديني، قال: هو لك، وكم هو؟ قلت سبعون ألفا، قال: وذكرت أن مروان بن أبي حفصة [3] أخذ مئة ألف وألفا، فوجدتها وقرة [4] في قلبي، فقلت: يا أمير المؤمنين: وكذا وكذا من كسوة وغيرها، حتى جاوزته، فأعطيت ذلك، وكانت عيني عن اليمامة [5] سبعا وعشرين ليلة، حتى رجعت بالمال والفوائد.
__________
[1] اليعاسيب: النحل، واحدها يعسوب.
[2] الناعج: الأبيض الخالص، صفة للمها والإبل، وأراد الإبل هنا.
[3] مروان بن أبي حفصة: مروان بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة يزيد، شاعر عالي الطبقة، نشأ مروان باليمامة، وأدرك زمنا من العصر العباسي، فقدم بغداد ومدح المهدي والرشيد ومعن بن زائدة، وجمع من الجوائز والهبات ثروة واسعة، وكان يتقرب إلى الرشيد بهجاء العلوية، توفي ببغداد سنة 182 هـ. (وفيات الأعيان 2/89، معجم الشعراء ص 396، الشعر والشعراء ص 295، تاريخ بغداد 13/142، الأغاني 9/34- 47، أمالي المرتضى 2/155)
[4] الوقرة: الأثر والصدع، أراد: ألألم والغيظ من شدة الحسد.
[5] اليمامة: معدودة من نجد، وقاعدتها حجر، وتسمى اليمامة جوّا والعروض، بينها وبين البحرين عشرة أيام، فتحت في أيام أبي بكر الصديق سنة 12 هـ، فتحها خالد بن الوليد، وقتل مسيلمة الكذاب. (ياقوت: اليمامة)
(1/287)

مسألة في أحكام الساكنين إذا التقيا:
من حكم الساكنين [1] إذا التقيا، ألّا يجمع بينهما، إلا أن يكون الساكن الأول حرف مد ولين، ويكون الثاني مدغما، فللمدّ [105 ظ] الذي في الأول وإدغام لفظ الثاني، جمع بينهما، لأن المد يجري مجرى الحركة، والحرف الملفوظ به هو المدغم فيه المتحرك، فكأنه لم يلتق ساكنان، وذلك نحو:
دابّة، وبهذا قرأت القراء: وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ
[2] ، ومن العرب من يهمز، وهذه اللغة أضعف اللغتين، ويقول: دأبّة، وروي عن أبي زيد أنه قال: صليت صلاة الفجر خلف عمرو بن عبيد، فقرأ:
وَلَا الضَّالِّينَ
، وروى:
خأطمّها زأمّها أن تذهبا والجمع بين ساكنين مثل: (دابّة) تقع في المتقارب في العروض، ولا تقع في غيره، وأنشد: [المتقارب]
وذاك القصاص وكان التّقا ... ص فرضا وحتما على المسلمينا
__________
[1] حكم التقاء الساكنين: يجوز في بعض اللغات التقاء الساكنين، ولا يجوز في اللغة العربية، إلا في أحوال خاصة هي:
1- أن يكون أول الساكنين حرف مد، ويكون الثاني مدغما فيه ما بعده، نحو:
(مدهامّتان) فالألف الساكنة والميم ساكنة.
2- في نحو: (دويّبة وخويّصة) في تصغير دابة وخاصة.
3- أن يوقف بالسكون على ما قبل آخره ساكن، نحو: إنسان، بحر.
فإن اقتضت الصناعة النحوية أو الصرفية إلتقاء ساكنين في غير هذه الأحوال الثلاثة، وجب التخلص منه بتغيير ما، كالحذف في نحو لم يقم (أصلها: يقوم) ، والفك في نحو: من يرتدد (أصلها: يرتدّ) ، وتحريك الثاني نحو: من يرتدّ، أو تحريك الأول نحو: من القوم؟ (أصلها: من القوم) .
والأصل أن تكون حركة التخلص من التقاء الساكنين الكسرة، وقد يتخلّص بغيرها كما في (من) قبل (أل) نحو: (من الله) . (معجم علوم اللغة العربية- عن الأئمة، محمد سليمان الأشقر ص 241، ط- بيروت. 1995
[2] الشورى 29.
(1/288)

وروي: (وكان القصاص) ، وإنما لم يجز الجمع بين الساكنين إلا فيما ذكرناه، لأنّ الفطرة تمنع من الوقوف على متحرك، والابتداء بساكن، فلو جمعنا بينهما لوقفنا على الساكن الذي توجبه الفطرة، وابتدأنا بالساكن الذي تمنع منه الفطرة، فوجب من ذاك الحذف مع الواو والياء والألف، والتحريك مع ما عدا ذلك لاستثقال الحركات في حروف المدّ واللّين.
ومن حكم الساكنين إذا وجب التحريك أو الحذف، أن يكون بالأول، لأن ذلك سبب إلى النطق بما بعده، إلا أن يمنع من ذلك مانع، نحو:
رجلان، ومسلمون، لم يجب معه الحذف للإخلال [106 و] بالمعنى، وكان التحريك نحو: قامت المرأة، والحذف نحو: لم يقم [1] زيد.
ومن حكم الساكنين إذا وجب التحريك أن يكون الكسر، إلا أنّ بعض ما يمنع من ذلك من استثقال، نحو فتحة (كيف) و (أين) للياء قبلهما، وقد جاء الكسر في مثل هذا، وهو قليل، قالوا: (جير لأفعلنّ) ووقع في (حيص) على لغة من كسر، واستحباب الحركة ما قبلها، نحو فتحة النون في (الآن) للألف التي قبلها، وإنما وجب الكسر لأنّ الضم والفتح قد يكونا إعرابا بلا اقتران التنوين معهما، وذلك فيما لا ينصرف، ولا يكون الكسر إعرابا، إلا والتنوين يصحبه، فوجب الكسر ليعلم أنّه حركة بناء لا حركة إعراب، وسيبويه يلقب حركات البناء بغير تلقيب حركات الإعراب، ليفرق بينهما، ويلقّب حركة التقاء الساكنين بالكسر ليعلم البناء دون الإعراب. وفيه قول آخر؛ وهو أن الجزم في الأفعال نظير الخفض في الأسماء، لاختصاص كل واحد منهما في بابه، والضمّ والفتح يشتركان في الأسماء والأفعال، فلما احتيج إلى حركة، كان الأولى الحمل على حركة النظير، وكذلك تعمل العرب في القوافي المخفوضة [2] إذا وقع معها مجزوم أو ساكن، كقوله: لم يعقد، وكأن قد [3] .
__________
[1] أصلها يقوم: الواو ساكنة والميم ساكنة فحذفت الواو.
[2] في الأصل: (المحفوظة) وهما.
[3] أي تصبح القافية محركة بالكسر: لم يقعد، وكأن قد.
المجموع اللفيف* 10
(1/289)

والساكنان في مفعول من بنات الواو والياء، نحو: (مقول، ومبيع) ، فالمحذوف منهما على مذهب الخليل وسيبويه، الواو الزائدة [1] دون العين، لأن الواو [106 ظ] الزائدة مجتلبة في الكلام، فلما احتيج إلى الحذف حذفت، وردّت الكلمة إلى أصلها، والأخفش يرى أن المحذوف العين، ويحتجّ بأنّ الحركة أو الحذف إذا احتيج إلى أحدهما كان بالأول دون الثاني، إلا أن يعرض بما يمنع من ذلك، ولا مانع، فألزم أن يكون (مبوع) ، فذكر أنّ الواو انقلبت ياء، لأنّ الياء التي هي عين لما كسر لها الضمة المنقولة من العين إلى الفاء، حذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصادفت الكسرة واو مفعول وهي ساكنة، فقلبت ياء، وهذا عند النحويين نقض لأصله، لأنه لا يرى قلب الضمة كسرة في مثل هذا من الآحاد، وإنما يراه في الجموع، لأن الجمع أثقل من الواحد، فالتزم التخفيف. ويقول في جمع أبيض (بيض) ، ولو بنى فعلا من البياض لقال: (بوض) ، فقلب الياء واوا لسكونها وانضمام ما قبلها، وهو رأي أبي العباس المبرد، وكان يقول:
(معيشة) مفعل لا غير، ولا يرى ما رآه الخليل وسيبويه من النحويين أن تكون (مفعلة) فقلب حركة العين إلى الفاء، وقلبت كسرة، ويرى سيبويه والخليل أن: (فيلا وديكا) ، يكونان فعلا على اللفظ، وفعلا على التقدير الذي ذكرناه، ومفعول من ذوات الواو، ويلزمه الاعتلال ولا غير، لنقل الواو وبنات الياء قد جاء فيها الاعتلال بالإتمام، فقيل: (مخيط ومخيوط) لحقه الياء، ولم يأت الإتمام في بنات الواو إلا في حرفين: (مسك مذووف، وثوب مصوون) ، [107 و] وإنما أعلّ: (مقول) ولم يعلّ:
(قؤول) ، لأنا لما أعللنا الواو في (مقؤول) ألقينا الحركة على الساكن، و (قؤول) متحرك ما قبلها، فلم يجز الإعلال، وإذا جمعنا (قؤولا) أعللنا الجمع بالتسكين، لأنّ مثاله من غير المعتل قد يسكّن، نحو: (رسول ورسل) ، فلزم الإعلال، وقد يأتي بصحيحة في الشعر، قال الشاعر: (تمنحه
__________
[1] يريد أن أصل: (مقول) مقوول، وأصل (مبيع) مبيوع، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين.
(1/290)

سوك الأسحل) . وبنات الياء في هذا تجري مجرى غير المعتل، نحو:
(غيور وغير) ، و (دجاجة بيوض ودجاج بيض) .
[المولعة بشعر كثير عزة]
أبو عبد الرحمن الأنصاري، حدّث عن السائب راوية كثيّر، قال: والله إني لأسير ذات يوم مع كثير، حتى إذا كنا ببطن صرار [1] ، وهو جبل من المدينة على أميال، ونحن نريد عكرمة، تقدم كثير وتأخرت عنه، فاذا أنا بامرأة في رحالة على بغلة متنقّبة، معها عبيد يسعون معها، حتّى مرّت بجنباتي، فسلّمت ثم قالت: ممّن الرجل؟ قلت: من أهل الحجاز، قالت:
فهل تروي شيئا من الشعر؟ قلت: إنّي لأروي، قالت: فهل تروي لكثيّر شيئا؟
قلت: نعم، قالت: أما والله ما كان بالمدينة من شىء هو أحبّ إليّ من أن أرى كثيّرا وأسمع من شعره، فهل تروي قصيدته: [2] [الطويل]
أهاجك برق آخر الليل واصب ... تضمّنه فرش الجبا فالمسارب [3]
قال: قلت: نعم، قالت: أنشدنيها، فأنشدتها حتى أتيت على آخرها، قالت: فهل تروي قوله: [4] [الطويل]
ألا يا لقوم للنّوى وانفتالها ... وللصّرم من أسماء ما لم ندالها [5]
[107 ظ] قلت: نعم، فأنشدتها حتى أتيت على آخرها، قالت: فهل تروي
__________
[1] في الأصل: (ضرار) بالضاد، وهو صرار بالصاد المهملة.
صرار: موقع على ثلاثة أميال من المدينة على طريق العراق، وقال العمراني: وصرار أيضا بئر قديمة على ثلاثة أميال من المدينة على طريق العراق، وقيل موضع بالمدينة.
(ياقوت: صرار)
[2] البيت مطلع قصيدة في ديوان كثير عزة ص 31 ط- دار الكتاب العربي، بيروت. 1995
[3] في الأصل: (المشارب) بالشين، وفي الديوان: (أشاقك برق) .
فرش الجبا والمسارب: موضعان بين مكة والمدينة.
[4] البيت مطلع قصيدة في ديوانه ص 191.
[5] انفتالها: تحولها وانتقالها. ندالها: من دلوت الرجل وداليته، إذا رفقت به وداريته.
(1/291)

قوله: [1] [الطويل]
أبائنة سعدى نعم ستبين ... كما انبتّ من حبل القرين قرين
أإن زمّ أجمال وفارق جيرة ... وصاح غراب البين أنت حزين
كأنّك لم تسمع ولم تر قبلها ... تفرّق ألّاف لهنّ حنين
قلت: نعم، فأنشدتها حتى أتيت على آخرها، قالت: فهل تروي قوله: [2] [الطويل]
أأطلال سعدى باللوى نتعهد ... أتبلى على الأقوام أم تتجدّد [3]
قال، قلت: نعم، فأنشدتها حتى إذا بلغت:
أقول لماء العين أمعن لعلّه ... بما لا يرى من غائب الوجد يشهد
فلم أر مثل العين ضنّت بمائها ... عليّ ولا مثلي على الدمع يحسد
ولم أدر أنّ العين قبل فراقها ... غداة الشّبا من لاعج الوجد تجمد [4]
قالت: قاتله الله، فهل قال قول كثيّر أحد على الأرض، والله لأن أكون رأيت كثيّرا، وسمعت منه شعرا، أحبّ إليّ من مائة ألف درهم، فقلت:
والله ذاك الراكب أمامك، وأنا السائب راويته، قالت: فحيّاك الله، ثم هزّت بغلتها حتى أدركته. قالت: أنت كثيّر؟ قال: مالك ويلك، قالت: أنت الذي تقول: [5] [الطويل]
إذا حسرت عنه العمامة راعها ... جميل الحفوض أغفلته الدواهن [6]
[108 و]
__________
[1] الأبيات في ديوان كثير عزة ص. 225
[2] الأبيات في ديوان كثير عزة ص 78، ولم يرد فيه عجز البيت الأول، وانفردت به مخطوطة المجموع اللفيف.
[3] في الديوان: (أأطلال سلمى)
[4] الشبا: واد بالأثيل من أعراض المدينة، فيه عين يقال لها خيف الشبا، لبني جعفر بن إبراهيم من بني جعفر بن أبي طالب، قال كثير:
تمر السنون الخاليات ولا أرى بصحن الشبا أطلالهنّ تريم (ياقوت: الشبا)
[5] البيت من قصيدة في ديوانه ص 224.
[6] في حاشية الأصل: (وقال مر جميل المحيا) . وفي الديوان: (متى تحسروا عنه العمامة تبصروا جميل المحيا) .-
(1/292)

قالت: والله ما رأيت عربيا قطّ أقبح ولا ألمّ [1] منك، قال: أنت والله أقبح وألمّ قالت: أنت الذي يقول: [2] [الطويل]
كواظم لا ينطقن إلا محورة ... رجيعة قول بعد أن يتفهّما [3]
تراهن إلا أن يؤدين نظرة ... بمؤخّر عين أو يقلّبن معصما
يحاذرن منّي غيرة قد عرفتها ... قديما فما يضحكن إلا تبسّما
لعن الله الذي يفرق منك، قال: لعنك الله، قالت: أنت الذي تقول: [4] [الوافر]
إذا ضمريّة عطست فنكها ... فانّ عطاسها طرف الوداق [5]
قال: من أنت؟ قالت: لا يضرّك من أنا. قال: والله إني لأراك لئيمة الأصل والعشيرة، قالت: حيّاك الله أبا صخر، والله ما كان بالمدينة رجلّ أحبّ إليّ وجها ولا لقاء منك، قال: لا حياك الله، ولكن والله ما كان أحد على الأرض أبغض إليّ وجها ولا لقاء منك، قالت: أفتعرفني؟ قال: أعرفك، إنّك لئيمة من اللئام، فانتسبت له، فاذا هي أم ولد بشر بن مروان [6] ، قال:
__________
- جميل الحفوض: الحفوض: الشعر المستدير حول صلعة الرجل.
[1] ألمّ: أكثر لمما، أي جنونا، لمّ فلان: أصابه لمم، طرف من جنون، فهو ملموم.
[2] الأبيات في ديوان كثير عزة ص 198 من قصيدة، مع اختلاف في ترتيب الأبيات عما في المخطوطة.
[3] كواظم: صامتات يكظمن ما في نفوسهن. محورة: الجواب على الحوار.
رجيعة قول: أي الرد على القول.
[4] البيت من قطعة في ديوان كثير ص 136.
[5] في الأصل: (عطشت فنكها فان عطاشها) .
الوداق: اشتهاء الفحل من ذوات الحافر.
[6] بشر بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي القرشي: أمير كان سمحا جوادا، ولي إمرة العراقين (البصرة والكوفة) لأخيه عبد الملك سنة 74 هـ، وهو أول أمير مات بالبصرة سنة 75 هـ.
(تهذيب تاريخ ابن عساكر 3/248، المعارف لابن قتيبة ص 121، خزانة الأدب 4/117)
(1/293)

فسايرناها حتى أسندنا في الجبل من قبل زرود [1] ، قالت: أبا صخر، أضمن لك مائة ألف درهم عند بشر بن مروان إن قدمت عليه، قال: أفي سبيل [2] تضمنين لي؟ لا والله، ولا خراج العراق على هذه الحال. فلما قامت تودعه سفرت، فاذا أحسن من رأيت من أهل الدنيا، وأمرت له بعشرة ألف درهم، فيعدّ شرّ ما أخذها، وأمرت له بخمسة ألف درهم، فلما ولّوا قال: يا سائب، أين نعنّي أنفسنا؟ [108 ظ] إلى عكرمة انطلق بنا، نأكل هذه حتى يأتينا الموت، فذلك قوله: [3] [الوافر]
شجا أظعان غاضرة الغوادي ... بغير مشورة عرضا فؤادي
[رؤيا أبي الوزير المغربي]
وجدت بخط أبي القاسم الحسين [4] رضي الله عنه وكتبه لي بخطّه، قال: وكتبه لي بخطه، قال: كنت آوي في منامي إلى مجلس والدي رضي الله عنه، فأنبهني ذات ليلة، ونحن بمصر سنة خمس وأربعين وثلاث مائة، فقال:
اكتب رؤيا رأيتها في هذه الساعة. فكتبت:
(رأيت في المنام كأنّني جالس إذ دخل بعض غلماني، فاستأذن لأبي الحسن سهل بن عبد السلام، وهذا رجل من وجوه متكلمي الشيعة، لم يشاهد قطّ مثله، وقد كنّا سمعنا خبره، ولم نشاهده، قال: فلما دخل سلّمت عليه، وتحفّيت به، ثم قلت له: ما الدليل على أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله
__________
[1] زرود: رمال ما بين الثعلبية والخزيمية بطريق الحاج من الكوفة، وزرود دون الخزيمية بميل، وفي زرود بركة وقصر وحوض، قالوا: أول الرمال الشيحة ثم رمل الشقيق وهي خمسة أجبل: جبل زرود، وجبل الغرّ ومربخ، وهو أشدها، وجبل الطريدة، وهو أهونها، حتى تبلغجبال الحجاز. (ياقوت: زرود)
[2] في حاشية الأصل وبخط مختلف: (قال في الحاشية، قوله: في سبيل، أي طريق، وأنا أقول إنه تصحيف، وإنما هو في سبيّك، أي في أن سببتك، والدليل عليه من أخذ صلتها إلا بعد جهد، وفي الأول كأنه كذّب وعدها ولم يثق بضمانها لأجل ما أسلف إليها) .
[3] البيت مطلع قصيدة في ديوان كثير عزة ص 89.
[4] هو الحسين بن علي الوزير المغربي، تقدمت ترجمته.
(1/294)

وسلم، نصّ على رجل بعينه بالإمامة؟ فقال لي: إجماع الأمّة، فقلت: وعلى ما أجمعت الأمة، فقال: أجمعت الأمة لا خلاف بينها أنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، كان إذا عرض له أمران، يريد أن يوقع أحدهما بدلا من صاحبه، لم يوقع منهما إلا أحسنهما وأجملهما، وأوفاهما وأكملهما، فهذا اجماع كما تري، وعقد بخنصره واحدا، ثم قال: وأجمعت الأمة على أنّ ما أجمع على أحسنه أحسن مما اختلف في حسنه، وعقد اثنتين، ثم قال:
واختلفت الأمة فقالت طائفة أنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله نصّ على رجل، وأنّ النص حسن مفروض فعله، وأنّ الاهمال قبح لا يجوز منه كونه [109 و] ، وقالت طائفة أخرى: لم ينصص، ولو نصّ لكان النصّ حسنا جميلا، وأجمعت الطائفتان على حسن النص، واختلفت في قبح التّرك، وقد قدّمنا على أنّ ما أجمع على حسنه أحسن مما اختلف في حسنه، فواجب أن يكون فعله صلى الله عليه ما أجمع على حسنه، كما أجمعنا عليه.
قال: فعجبت من هذا وكتبته بخطّي، ولم تمض إلا سواد تلك الليلة، حتى ورد إلينا أبو الحسن سهل بن عبد السلام رحمه الله في غدها، فاستأذن، كما رأى أبي رضي الله عنه في المنام، فدخل فجلس مجلسه الذي [1] رآه فيه، فقصّ عليه المنام الذي رآه، فطفق يتعجّب من ذلك، واقشعرّ بدنه وقفّ شعره [2] ، وقال: هذا والله دليل لي لم يسبقني إليه أحد، أسمّيه دليل الإجماعات، وزاد فيه عند قوله: يريد أن يوقع أحدهما بدلا من صاحبه في وقت واحد، والذي يوقعه ضدّ للذي يدعه، فكأنّ هذا تمام الدليل.
[مناظرة مع يهودي]
ونقلت أيضا من خطّه رحمّه الله: جرت بحضرتي في ميافارقين [3] في
__________
[1] في الأصل: (إلى رآه) وهو من سهو الناسخ.
[2] قف شعره: تقبّض وقام من الفزع.
[3] ميافارقين: أشهر مدينة بديار بكر، من أبنية الروم، لأنها في بلادهم، فتحت ميافارقين في زمن عمر بن الخطاب، فتحها عياض بن غنم بجيش كثيف. (ياقوت: ميافارقين)
(1/295)

شهر رمضان من سنة ست وأربعمائة بين أبي سعد النيسابوري المتكلم الوارد في صحبة الأستاذ الفاضل أبي الحسن علي بن أحمد بن أبي خالد، أدام الله تأييده، وبين شيخ يهودي من أهل صور، متكلم ورد منتجعا اليهود بهذه البلدة، مناظرة في النسخ سمعا، فقال أبو سعد: هذا الذي تدّعي أنّ التوراة تدل عليه من تأييد الشريعة، أهو عام أم مستثنى منه [109 ظ] من لا عقل له؟
ومن قد مات فسقط التكليف عنه؟ قال: بل مستثنى منه هذان الصنفان، قال أبو سعد: فما تنكر أن يكون إذا تطرق عليه الحوض، وهو عام في الظاهر أن يكون مستثنى منه بجنس آخر، وهو ورود شريعة أخرى تنسخه، فقال موسى اليهودي: الصنفان اللذان استثنى بهما دل العقل على الاستثناء بهما، وأعيى ما في الفطرة من معرفتهما عن أن يقيّدا بالاستثناء ظاهر في اللفظ.
قال أبو سعد: وكذلك في الفطرة لا يجوز جمع الضدين، والجمع بين شريعة وشريعة أخرى، جمع بين ضدين، وهذا غير جائز في العقل، فكما كان في لفظ التأييد استثناء عقلي وإن لم تلفظ به، بالجنون والموت لدلالة العقل على سقوط التكليف عن صاحبها، فكذلك فيه استثناء عقلي بورود شريعة أخرى تنقضه لدلالة العقل على امتناع الجمع بين ضدين.
فأفحم اليهودي على بهته، وعلم أنّا قد اطلعنا من سرائر التوراة على ما سنفرد به رسالة نستعين عليها بأهل الخبرة، ونضمنها بعض التعليقات المهمّة.
هذا الكلام الأخير كلام الوزير رحمه الله.
[خطبة القاضي ابن قريعة]
خطبة خطبها القاضي أبو بكر ابن قريعة [1] رحمه الله، في دعوة لأبي
__________
[1] أبو بكر ابن قريعة: محمد بن عبد الرحمن، أبو بكر ابن قريعة وهو لقب جده، قاض من أهل بغداد، اشتهر بسرعة البديهة في الجواب عن جميع ما يسأل عنه، ودونت (أجوبته) في كتاب أقبل الناس على تداوله، وفيها الظريف المضحك، كان مختصا بالوزير أبي محمد المهلبي، ولي قضاء (السندية) وغيرها من أعمال بغداد، توفي سنة 367 هـ.
(تاريخ بغداد 2/317، وفيات الأعيان 1/17، البداية والنهاية 11/292)
(1/296)

إسحاق الصابي [1] ، قال الوزير أبو القاسم: ألحقت بها زيادة وجدتها في نسخة أخرى بشيراز [2] : [110 و] الحمد لله الذي تيّن فوزّر [3] وعنّب فرزّق، ورطّب فسكّر، وخوّخ فشطّب، وكمثر فسختن، ومشمش فصغّر، وتفّح فعطّر، وموّز فكبّر، وبطّخ فعبدل وعسّل، وأجّص فعمّر، وسفجل [4] فكوك، ورمّن فملّس، ورقّق فحوّر، وجردق [5] فسمّد، وبورد فكثّر، وسكرج [6] فلوّن، وملّح فخردل، وبقّل فخضّر، وبورن [7] فنعّم، ومصمص فحمّص، وطحن فخفّف، وسنبس فثلّث، وترمر فلفّف، وخيّر [8] فرطب، وقثى [9] فدقّق،
__________
[1] أبو إسحاق الصابي: إبراهيم بن هلال بن إبراهيم بن زهرون الحراني، أحد الكتاب البارعين، كان أسلافه يعرفون بصناعة الطب، ومال هو إلى الأدب، فتقلد دواوين الرسائل والمظالم في أيام المطيع لله العباسي، ثم قلده معز الدولة الديلمي ديوان رسائله، كان على دين الصابئة، ولكنه كان يحفظ القرآن ويشارك المسلمين في صومهم، أحبه الصاحب بن عباد، فكان يتعصب له ويتعهده بالمنح والهدايا، له بعض الكتب منها كتاب (التاجي) في أخبار بني بويه، و (الهفوات النادرة) وديوان شعر، توفي سنة 384 هـ.
(وفيات الأعيان 1/12، النجوم الزاهرة 3/324، يتيمة الدهر 2/23، الامتاع والمؤانسة 1/67)
[2] شيراز: بلد عظيم مشهور، وهو قصبة بلاد فارس في الإقليم الثالث، وهي مما استجد عمارتها واختطاطها في الإسلام، وهي في وسط بلاد فارس بينها وبين نيسابور مائتان وعشرون فرسخا. (ياقوت: شيراز)
[3] هذه أسماء الفواكه والأطعمة وصفاتها، وكثير من هذه الصفات عامية وليست فصيحة، وهي متصلة ببيئات معينة، وفي أزمان متأخرة.
تيّن فوزّر: أي جعل التين من نوع الوزيري، وهو نوع جيد، وعنّب فرزّق: أي كان العنب من النوع الرازقي، وهكذا بقية الصفات والأطعمة.
[4] سفجل: من السفرجل.
[5] الجردق: الخبز الغليظ، وسمد: من السميد وهو لباب الدقيق.
[6] سكرج: من السكرجة، وهي إناء صغير يؤكل فيه الشىء القليل من الأدم، وكل ما يوضع فيه الكوامخ ونحوها على المائدة حول الأطعمة للتشهي والهضم
[7] بورن: لعله من السمك البوري، وهو نوع من السمك منسوب إلى بورة، وهي قرية كانت بمصر بين تنيس ودمياط.
[8] خيّر: من الخيار.
[9] قثى: من القثاء، نوع من البطيخ قريب من الخيار ولكنه أطول.
(1/297)

وسكبج فزعفر، [1] وهرّس فصولج [2] ، ومصّل فعقّد، وسبذج فصغّد، وسمّق فمزّز [3] ، وجدى فرضع [4] ، ورخّل [5] فكحّل، وبطبط فصدّر، ودجّج ففوق وسمّن، وفرّخ فشأم، وفعلل فبزر، وجوذب [6] فأدهن، ورزّز فألبن، وخبّص فلوّز، وفلذج [7] فحمّر وفلّل، وقطّف [8] فأغرق، ولوزج [9] فأمرق، ومورد فجوّر، ومسّك [10] فثّبت، وكفّر فربّح، وندّد [11] فعنبر، وغلّف فغلّى [12] .
أحمده على الضرس الطحون، والفم الجروش، والحلق البلوع، والمعدة الهضوم، والسّرم النثور، والذّكر القيوم، والعين النؤوم، والغداء والعشاء والفطور والسحور، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، محلّل الطيبات، وخالق الشهوات، وأشهد أنّ محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، مبيح المحللات، وحاظر [13] المحرمات، وأن أبا إسحاق إبراهيم بن هلال أطعمنا فصدّرنا، وأماهنا [14] فأثلجنا، وسقانا فأسكرنا [110 ظ] ومدّ ستارته فأطربنا، واستنشدناه فأنشدنا، واستحدثناه فحدّثنا، فارفعوا أيديكم إلى الله بالدعاء له، وتسهيل الدعوة الثانية عليه، إنّه سميع قريب مجيب، فعّال لما يريد.
__________
[1] سكبج: من السكباج، طعام يعمل من اللحم والخل مع توابل وأفاويه. زعفر: فيه زعفران.
[2] هرس: عمل الهريسة، ضرب من الطعام، صولج: جعلها صافية خالصة.
[3] السماق: ضرب من التوابل، مزز: جعله بين الحلو والحامض، أو خليطا منهما.
[4] جدى: من الجدي، أي لحم الجدي الرضيع الصغير.
[5] رخّل: من الرخل، وهي الأنثى من أولاد الضأن.
[6] جوذب: من الجواذب، وهو طعام يتخذ من اللحم والرز والسكر والبندق.
[7] فلذج: من الفالوذج، حلواء تعمل من الدقيق والماء والعسل.
[8] قطف: من القطائف، وهي رقاق من عجين البر مقوسة كالأهلة صغيرة.
[9] لوزج: من اللوزينج، وهو من الحلوى شبه القطائف يؤدم بدهن اللوز.
[10] مسّك: عطره بالمسك.
[11] ندد: من الند، ضرب من النبات يتبخر بعوده
[12] غلف: تعطر. غلّى: من الغالية، وهي أخلاط من الطيب كالمسك والعنبر.
(13) حاظر: من الحظر أي المنع.
(14) أماه: سقى الماء.
(1/298)

[بيتان في الكرم]
أبو محمد عبد الوهاب بن الحسن بن جعفر الحاجب: [المديد]
قلت للّا ئمي على بذل مالي ... عنك لومي فلم تلمني بخير
كيف أجزي صرف الليالي ببخل ... وادّخار وهنّ تنقص عمري
[اسم أم حبيبة]
اسم أم حبيبة [1] بنت أبي سفيان زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم رملة، عن الزبير.
[أبو العباس الأعمى]
أبو العباس الأعمى [2] مولى بني الديل [3] بن بكر الشاعر المعروف، فانه كان قد بلغ من قوة نفسه وشدة تنزّيه [4] ، وسعة ذراعه أن هاجى عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، على جلالته في الشعر، وعلى مكانه السّرو [5] ،
__________
[1] أم حبيبة: رملة بنت أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية، صحابية من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أخت معاوية، كانت من فصيحات قريش، ومن ذوات الرأي والحصافة، تزوجها أولا عبيد الله بن جحش، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، ثم ارتد عبيد الله عن الإسلام، فأعرضت عنه إلى أن مات، فأرسل إليها النبي يخطبها، وعهد للنجاشي ملك الحبشة بعقد نكاحها عليه، فأصدقها النجاشي من عنده أربع مائة دينار، وذلك سنة 7 هـ، ولها من العمر ثلاثون سنة، وكان أبوها لا يزال على دين الجاهلية، توفيت بالمدينة سنة 44 هـ.
(الإصابة 8/84، صفة الصفوة 2/22، طبقات ابن سعد 8/68، ذيل المذيل ص 72) .
[2] أبو العباس الأعمى: السائب بن فروخ، مولى بني الديل، شاعر أعمى من شعراء بني أمية، والمتشيعين لهم، أكثر شعره في هجاء آل الزبير، غير مصعب لأنه كان يحسن إليه، توفي سنة 140 هـ.
(نكت الهميان ص 153، الأغاني 16/321- 330)
[3] في الأصل: (الدليل) وهو تحريف.
[4] تنزّيه: من النزوان، السورة والحدة والاندفاع إلى الشر.
[5] السرو: الشرف والسخاء في مروءة.
(1/299)

ومن المنزلة عند أهل الملك، فقال عمر لأبي العباس، رواه ثعلب عن زبير عن رجاله، فقال: [1] [الرمل]
أفتني إن كنت ثقفا شاعرا ... عن فتى أعوج أعمى مختلف
سيّء السّحنة باد لؤمه ... مثل عود الخروع البالي القصف
[2] فردّ عليه أبو العباس: [3] [الطويل]
أنت الفتى وابن الفتى وأخو الفتى ... وسيّدنا لولا خلائق أربع
نكولك في الهيجا وتقوالك الخنا ... وشتمك للمولى وأنّك تبّع
[4] [111 و] قال ثعلب: تبّع نساء مثل تبع نساء، وهذا الخبر يدلك على طول عمر أبي العباس الأعمى، لأنه يقول في إخراج ابن الزبير [5] بني أميّة عن مكة والمدينة إلى الشام: [6] [الطويل]
ولم أر مثل الحيّ حين تحملوا ... إلى الشام مظلومين منذ بريت [7]
__________
[1] البيتان لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ص 496.
[2] في الديوان: (سيء السحنة كاب لونه) .
[3] البيتان لأبي العباس الأعمى في الأغاني 16/330.
[4] تبّع: وتبع نساء، إذا كان كلفا بهنّ.
[5] عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي: فارس قريش في زمنه، وأول مولود في المدينة بعد الهجرة، شهد فتح أفريقية في عهد عثمان، وبويع له بالخلافة سنة 64 هـ عقب موت يزيد بن معاوية، فحكم مصر والحجاز واليمن وخراسان والعراق وأكثر الشام، وجعل قاعدة ملكه المدينة، وكان له مع الأمويين وقائع هائلة، حتى سيروا إليه الحجاج الثقفي في زمن عبد الملك بن مروان، فانتقل إلى مكة ونشبت بينهم حرب وقتل بعد أن خذله أصحابه، قتل سنة 73 هـ.
(حلية الأولياء 1/329، تاريخ الخميس 2/301، الطبري وابن الأثير حوادث سنة 73 هـ، تهذيب ابن عساكر 7/396)
[6] البيتان الأول والثالث في الأغاني 16/326، وفيه: عن جويرية بن أسماء أن ابن الزبير رأى رجلا من حلفاء بني أسد ابن عبد العزى في حالة رثّة، فكساه ثوبين وأمرله ببرّ وتمر، فقال أبو العباس الأعمى في ذلك.
[7] في الأصل: (منذ قريب) وهو تحريف، لأن القافية تاء، والتصويب من الأغاني، وفي الأغاني: (فلم تر عيني مثل حي تحملوا)
(1/300)

أعفّ وأحمى عند مختلف القنا ... وأعرف بالمسكين أين يبيت
كست أسد إخوانها ولو انّني ... ببلدة إخواني إذن لكسيت
وذلك سنة اثنتين وستين من الهجرة، في أيام يزيد بن معاوية، وأكل أيام بني أمية، ولقيه المنصور اللقاءة الثانية سنة إحدى وأربعين ومائة، فذلك ثمانون سنة، سوى ما كان له من العمر قبل قوله الأبيات الأول، وسوى ما عاشه بعد فراقه أبا جعفر، وهذا من المعمرين.
[أبو عبد الله النديم وحكاية قطع أذنه]
إسحاق بن إبراهيم الموصلي [1] المغني الأديب الراوية، عمي آخر عمره، قال أبو عبد الله ابن حمدون النديم [2] : لقيت إسحاق بن إبراهيم ببغداد بعد ما كفّ بصره، فسألني عن أخبار الناس والسلطان، فعرّفته، ثم شكوت إليه حزني بقطع أذني، فجعل يسليني ثم قال لي: من المتقدم عند أمير المؤمنين والخاص من ندمائه؟ فقلت: محمد بن عمر، فقال: [ومن هذا الرجل] وما مقداره في الأدب؟ فقلت: لا أدري، إلا أنّ مروان بن أبي حفصة [3] دخل فأنشد المتوكل يوم عقد العهد لأولاده الثلاثة أبياته التي يقول فيها: [4] [111 ظ] [مجزوء الكامل]
بيضاء في وجناتها ... ورد فكيف لنا بشمّه
فسرّ بذلك سرورا كثيرا، وأمر فنثر عليه بدرة دنانير، ولقطت وجعلت في حجره، وعقد له على اليمامة والبحرين، فقال مروان: ما رأيت كاليوم،
__________
[1] إسحاق الموصلي: أبو محمد ابن النديم المتوفى سنة 235 هـ. سبقت ترجمته.
[2] الرواية في وفيات الأعيان 1/411، من زيادات نسخة وستنفيلد، مع خلاف في اللفظ يسير، وفيه: أبو عبد الله بن أحمد بن حمدون النقيب، وليس النديم.
النديم: أبو عبد الله ابن حمدون، له أخبار كثيرة في الأغاني، راوية ونديم، وله أخبار مع الخلفاء والشعراء في مواضع شتى من معجم الأدباء والأغاني.
[3] مروان بن أبي حفصة: سبقت ترجمته.
[4] لم يرد البيت في ديوان مروان بن أبي حفصة، ط- دار الكتاب العربي، بيروت. 1993
(1/301)

ولا أرى أبقاك الله ما دامت السماوات والأرض، فقال محمد بن عمر: بعد عمر طويل إن شاء الله.
فقال لي إسحاق: ويلك، جزعت على أذنك وغمّك [1] قطعها لئلا يفوتك استماع مثل هذا الكلام، ويلك لو أنّ لك مكّوك [2] آذان، إيش كان ينفعك مع هؤلاء.
وقد أختلف في سبب قطع المتوكل أذن أبي عبد الله بن حمدون، فقيل في ذلك قولان؛ أحدهما [أن] أبا عبد الله كان شديد الاختصاص بأبي الفتح ابن خاقان [3] والكثرة عنده، والمنادمة له، والعيش برفده وبرّه، حتى إنه حدّث قال: كنت يوما عند الفتح بن خاقان، حتى خرج إليه خادم من خدم حرمه، ومعه رقعة فنظر فيها، وحذف بها إليّ، فاذا فيها: [مجزوء الرمل]
سيدي جد لي بريق ... من ثناياك العذاب
فلما قرأتها رددتها إليه، فضمّنها بيتا وردّها إليّ، فاذا هو قد كتب:
[مجزوء الرمل]
بأبي أنت وأمّي ... أنا في إثر الجواب
ثم دفعها إلى الخادم ونهض، فقمت لقيامه، فأمرني بالجلوس،
__________
[1] في وفيات الأعيان: (وجزعت على أدبك) ، والصواب كما هنا: (أذنك) ، لأن المتوكل قطع أذنه.
[2] المكوك: مكيال قديم يختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد، قيل:
يسع صاعا ونصفا، والصاع ثمانية أرطال.
[3] الفتح بن خاقان بن أحمد بن غرطوج: أبو محمد، أديب شاعر فصيح، كان فطنا ذكيا، فارسي الأصل من أبناء الملوك، اتخذه المتوكل العباسي أخا له، واستوزره وجعل له إمارة الشام على أن ينيب عنه، وكان يقدمه على جميع أهله وولده، واجتمعت له خزائن كتب حافلة من أعظم الخزائن، وله مصنفات منها: (اختلاف الملوك) ، و (الصيد والجوارح) ، و (الروضة والزهر) ، قتل مع المتوكل سنة 247 هـ (فوات الوفيات 2/123، معجم الشعراء ص 318، معجم الأدباء 6/116)
(1/302)

فجلست، فخرج إليّ خادم ومعه درج ذهب، ورقعة مختومة، فقرأت الرقعة فاذا فيها: [112 و] [مجزوء الرمل]
قد تركناك وحيدا ... حلف إيحاش وقلّه
فاجعل الخاتم رهنا ... وانصرف في دعة الله
قال: ففتحت الدّرج فاذا فيه خاتم ياقوت أحمر، فانصرفت من وقتي فاجتزت بابن حبّاب الجوهري، فقدمت إليه الخاتم وقلت: قوّمه؟ فقال: أنا أعرفه، ابتعته للفتح بن خاقان بثمان مائة دينار، فانصرفت بألف دينار، لأن الدّرج كان وزنه مأتي دينار.
فبلغ إحسان الفتح بأبي عبد الله إلى أن غرّر معه بدمه، وذاك أنّ المتوكل كان يقرّبه ويأنس به، وكان الفتح يعشق شاهك خادم المتوكل، واشتهر الأمر فيه حتى بلغه، وله فيه: [1] [الطويل]
أشاهك ليلي مذ هجرت طويل ... وعيني من بعد الدموع تسيل [2]
وبي منك والرحمن ما لا أطيقه ... وليس إلى شكوى إليك سبيل
أشاهك لو يجزى المحبّ بودّه ... جزيت ولكنّ الوفاء قليل
وكان أبو عبد الله يسعى له فيما يحبّه، فعرف المتوكل الخبر، فقال:
إنّما أردتك لتنادمني لا لتقود على غلماني، فأنكر ذلك وحلف يمينا حنث فيها، وطلّق نساءه، وأعتق مماليكه، ولزمه حجّ ثلاثين عاما، فكان يحجّ، ثم أمر بنفيه إلى تكريت [3] ، وأنفذ زرافة إليه فقطع طرف أذنه [112 ظ] ، وقال له: يقول لك أمير المؤمنين: ما أعاملك إلا كما يعمل الفتيان. وقيل:
إن المتوكل كان يرى مذهب أبي نواس، وأنه دخل علي غلام فائق الحسن
__________
[1] الأبيات في وفيات الأعيان 1/411، ط- إحسان عباس.
[2] وفيات الأعيان: (وعيني دما بعد الدموع تسيل) .
[3] تكريت: بلدة مشهورة بين بغداد والموصل، وهي إلى بغداد أقرب، بينها وبين بغداد ثلاثون فرسخا، ولها قلعة حصينة في طرفها الأعلى، راكبة على دجلة، وهي غربي دجلة. (ياقوت: تكريت)
(1/303)

فأتأره [1] أبو عبد الله بنظره، فقال المتوكل: ما حكم الفتيان في الفتى إذا تعرّض لغلام الفتى؟ قال: قطع أذنه، قال: فبهذا الحكم نحكم عليك، وقطع أذنه.
وكان أبو عبد الله أديبا شاعرا، ومن قوله: [2] [السريع]
يا دير درمالس ما أحسنك ... ويا غزال الدير ما أفتنك [3]
لئن سكنت الدير يا منيتي ... فانّ في جوف الحشا مسكنك
ويحك يا قلب أما تنتهي ... من شدّة الوجد بمن أحزنك [4]
أرفق به بالله يا سيدي ... فانّه من حينه مكّنك [5]
يعني دير درمالس، وقالوا: إنه نحو الشماسية ببغداد، وإنه نزه كثير الخضر، وكثير الطارقين للهو واللعب، وكان أبو عبد الله ابن حمدون قد تنزّه إليه وقت إبعاده عن سرّ من رأى إلى بغداد، فطرب لحسنه ولملاحة الأحداث المتنزّهين فيه، ولنظافة خدمهم وحسن عشرتهم، ولأبي عبد الله يعاتب علي ابن يحيى المنجم: [6] [المديد]
__________
[1] أتأره البصر: أتبعه، وأتأر البصر إليه: أحدّه وحقّقه.
[2] الأبيات في معجم البلدان (دير بالس) 2/509 ط- صادر، بيروت.
[3] دير درمالس: قال الشابشتي: هذا الدير في رقة باب الشماسية ببغداد، قرب الدار المعزيّة، وهو نزه كثير الأشجار والبساتين، وفي هذا الدير يجتمع إليه النصارى والمتفرجون، وفيه يقول أبو عبد الله أحمد بن حمدون النديم: الأبيات ...
(ياقوت: دير در مالس)
[4] في معجم البلدان: (لمن أحزنك) .
[5] في معجم البلدان: (من حتفه مكنك) .
[6] علي بن يحيى المنجم: نديم المتوكل العباسي، خصّ به وبمن بعده من الخلفاء إلى أيام المعتمد، يفضون له بأسرارهم، ويأمنونه على أخبارهم، كان راوية للأشعار والأخبار، شاعرا محسنا، توفي بسامراء ورثاه عبد الله بن المعتز، له كتب منها:
(أخبار إسحاق بن إبراهيم الموصلي) ، و (كتاب الشعراء القدماء الإسلاميين) ، توفي سنة 275 هـ.
(وفيات الأعيان 1/356، معجم الشعراء ص 286، سمط اللآلىء ص 525)
(1/304)

من عذيري من أبي الحسن ... حين يجفوني ويصرمني
إنّما يزداد معرفة ... بودادي حين يفقدني
[113 و] كان لي إلفا وكنت له ... كامتزاج الروح بالبدن
فوشي واش فغيّرفة ... وعليه كان يحسدني
[إسحاق الموصلي]
ونعود إلى إسحاق بن إبراهيم، وإسحاق من الشعراء المجوّدين، وهو القائل لما مدح الرشيد: [1] [الطويل]
وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فذلك شىء ما إليه سبيل
أرى الناس خلّان الجواد ولا أرى ... بخيلا له في العالمين خليل [2]
سوامي سوام المكثرين تكرّما ... ومالي كما قد تعلمين قليل [3]
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل
[مقتل يحيى بن عمر الطالبي]
وأبو الحسين عمرو بن خلف الضرير الباهلي، وذكره أبو جعفر محمد بن الأزهر في كتابه الذي سمّاه كتاب الهزج والأحداث، وأنشد له شعرا يرثي به أبا الحسين يحيى بن عمر [4] بن يحيى بن حسين بن زيد بن علي بن الحسين
__________
[1] الأبيات لإسحاق الموصلي مع بيتين آخرين، في الأغاني 5/331- 332.
[2] في الأغاني: (أرى الناس خلان الكرام ولا أرى بخيلا له حتى الممات خليل)
[3] الأغاني: (فعالي فعال المكثرين تجملا) .
[4] يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين السبط الطالبي: ثائر من أباة أهل البيت، خرج في أيام المتوكل العباسي سنة 235 هـ، واتجه ناحية خراسان بجماعة، فرده عبد الله بن طاهر إلى بغداد، فحبسه المتوكل وضربه ثم أطلقه، ثم توجه إلى الكوفة في أيام المستعين بالله فاستولى على الكوفة، وكثر أعوانه فيها، وأحبه أهل بغداد وآزروه، وجهز محمد بن عبد الله بن طاهر له جيشا فاقتتلوا بشاهي (قرب الكوفة) فتفرق عسكر يحيى الطالبي، وتقنطر به فرسه، فقتل، وحمل رأسه إلى المستعين سنة 250 هـ. (الطبري وابن الأثير حوادث سنة 250 هـ، مقاتل الطالبيين ص 639- 664، تاريخ أبي الفداء 2/42- 43، البداية والنهاية 10/314، 11/5)
(1/305)

ابن علي بن أبي طالب، صلى الله عليهم، الخارج أيام المستعين في سنة خمسين ومائتين [1] بالكوفة ونواحيها، وأمّه فاطمة، وتكنّى أم الحسين بنت الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه: [السريع]
يا عين بكّي ابن النبيّ فقد ... جرح الفؤاد فليس يندمل [113 ظ]
فلئن قتلت فلم تكن ضرعا ... غمرا بل أنت السيّد البطل
قل للحسين قتلت خير فتى ... ثاو وخير الناس إن رحلوا
أفترتجي من حوضهم بللا ... لا والذي حجّت له الإبل
يخاطب الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب، وكان محمد بن عبد الله بن طاهر ندبه لقتال يحيى، فظفر بيحيى وقتله.
وفي هذه القصة يقول أحمد بن أبي طاهر [2] يهجو سعيد بن حميد الكاتب [3] ، وكان قد كتب كتابا عن المستعين في مقتل أبي الحسين يحيى، فذكر فيه الطالبيين ذكرا غير موقّر: [4] [مجزوء الرمل]
__________
[1] في حاشية الأصل: (بخط الوزير الحسن، وبخط ابن أبي جعفر النسابة الحسين كما كتبت هـ)
[2] أحمد بن أبي طاهر: أحمد بن طيفور (أبي طاهر) الخراساني، أبو الفضل، مؤرخ من الكتاب البلغاء الرواة، مولده ووفاته ببغداد، كان مؤدب أطفال، له نحو خمسين كتابا، منها: (تاريخ بغداد) ، و (المنثور والمنظوم) ، و (سرقات الشعراء) ، و (فضل العرب على العجم) ، و (بلاغات النساء) ، وهو جزء من المنثور والمنظوم، وغيرها، وله شعر قليل، توفي سنة 280 هـ. (تاريخ بغداد 4/211، معجم الأدباء 1/156- 157، مروج الذهب 2/381)
[3] سعيد بن حميد بن سعيد الكاتب: أبو عثمان، كاتب مترسل من الشعراء، أصله من النهروان الأوسط من أبناء الدهاقين، مولده ببغداد، وكان ينتقل في السكن بين بغداد وسامراء، قلده المستعين العباسي ديوان رسائله، أكثر أخباره مناقضات له مع فضل الشاعرة، شعره غزل رقيق، توفي سنة 250 هـ
[4] (الأغاني 17/2- 8، المورد 3/2/228 جمع يونس السامرائي رسائله وأشعاره) كان ابن طيفور يبغض سعيد بن حميد الكاتب وينتقص من علمه وأدبه، فهو يقول: (جيد التناول للسرقة كثير الإغارة، لو قيل لكلام سعيد ارجع إلى أهلك لما بقي معه منه شىء) هذا لفظ أحمد بن أبي طاهر. (الفهرست ص 137 ط- طهران)
(1/306)

أظهر الزنديق في آل ... رسول الله حقده
إذ غدا يشتم يحيى ... في كتاب قد أعدّه
فهو لا يشتم يحيى ... إنّما يشتم جدّه
قل له يبلغ في آ ... ل رسول الله جهده
قد علمنا أنّ من أب ... غضهم ليس لرشده
وكان أبو الحسين من أشدّ آل أبي طالب بأسا، وأحسنهم وجها، وأسمعه عمر بن فرج الرجخي كلمة عند قدومه من خراسان، لما حمله السلطان منها في أيام المتوكل، فشتم عمر في مجلسه، فلم يزل محبوسا، ثم كفل به أهله [114 و] وأطلق، فصار إلى مدينة السلام، وأقام بها في شرّ حال، ربما أقام هو وغلامه ودابته على الطّوى، ولا يقبل من أحد شيئا، ثم ظهر بالكوفة بعد أيام، فأخذ ما كان في بيت مالها، وهو من العين ألفا دينار ونيّف، ومن الورق سبعون ألف درهم، ثم ندب لمحاربته الحسين بن إسماعيل، فجرت له قصص يطول شرحها، ثم التقوا، فوجد أبو الحسين وقد تقطّر [1] به البرذون الذي كان تحته، وقد انقرح قلبه، أما لضرب القربوس [2] أو غيره، فذبح واحتزّ رأسه، وحمل إلى محمد بن طاهر وهو ببغداد، فجمع الطالبيين ليعرفوا صحة أمر رأسه، فقال له أبو هاشم الجعفري، وكان أسنّهم:
إنك لتستبشر بقتل رجل لو أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حيّ لعزّي به، وهو الذي رثاه علي بن العباس الرومي فقال القصيدة الجيمية التي أولها، ومن مختاوها: [3] [الطويل]
أمامك فانظر أيّ نهجيك تنهج ... طريقان شتّى مستقيم وأعوج
أكلّ أوان للنبيّ محمّد ... قتيل زكىّ بالدماء مضرّج
__________
[1] تقطر به فرسه: ألقاه على قطره، وتقطر الرجل: رمى بنفسه من علو، وقطر الإنسان:
شقه وجانبه.
[2] القربوس: حنو السرج، وهما قربوسان.
[3] القصيدة لا بن الرومي في ديوانه ص 305- 310 ط- دار الكتب العلمية بيروت. 1994
والقصيدة طويلة تقع في اثني عشر ومائة بيت.
(1/307)

لنا وعلينا لا عليه ولا له ... تسحسح أسراب الدموع وتنشج
بنفسي وإن فات الفداء بك الردى ... محاسنك اللّائي تمحّ فتنهج [1] [114 ظ]
لمن تستجدّ الأرض بعدك زينة ... فتصبح في أثوابها تتبرّج
سلام وريحان وروح ورحمة ... عليك وممدود من الظلّ سجسج [2]
ولا برح القاع الذي أنت جاره ... يرفّ عليه الأقحوان المفلّج
ألا إنّما ناح الحمائم بعد ما ... ثويت وكانت قبل ذاك تهزج
أخذه من قول حبيب: [3]
شجا الريح فازدادت حنينا لفقده ... وأحدث شجوا في بكاء الحمائم
ألا أيها المستبشرون بيومه ... أظلّت عليكم غمّة لا تفرّج
أكلّكم أمسى اطمأنّ مهاده ... بأنّ رسول الله في القبر مزعج [4]
فلو شهد الهيجا بوجه أبيكم ... غداة التقى الجمعان والخيل تمعج [5]
لأعطى يد العاني أو ارمدّ هاربا ... كما ارمدّ بالقاع الظليم المهيّج [6]
يعرّض بأسار العباس بن عبد المطلب ليلة بدر. [7]
[أبو بكر المعيطي]
قال الوزير أبو القاسم المغربي: وكان بمصر رجل يقال له أبو بكر
__________
[1] تمحّ: تمحى.
[2] ظل سجسج: معتدل لا برد فيه ولا حر.
[3] حبيب: هو أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، والبيت من فصيدة في ديوانه 2/130 قالها في مدح مالك بن طوق ويعزيه عن أخيه القاسم بن طوق.
[4] في حاشية الأصل: (صلى الله عليه وآله) .
[5] الخيل تمعج: تسرع.
[6] العاني: الأسير. ارمدّ: عدا عدو النعام.
[7] قال ابن إسحاق: وأسر من المشركين من قريش يوم بدر من بني هاشم بن عبد مناف: عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم. (السيرة النبوية 3/23) . وفي الهامش: قال أبو ذر: ولم يذكر معهما العباس بن عبد المطلب، لأنه كان أسلم، وكان يكتم إسلامه خوف قومه.
(1/308)

المعيطي، من آدب الناس وأطرفهم وألسنهم، فاتفق [أن] بات ليلة في بعض المساجد، ينتابها أهل مصر للتبرّك بالدعاء فيها، مثل مسجد موسى عليه السلام، والموضع المعروف بكهف السودان وغيرها، وبات في المسجد جماعة، فصاح به رجل عباسيّ وسط الليل، والمجلس بأزز [1] : يا أبا بكر، من ضرب رقبة عقبة [115 و] بن أبي معيط؟ [2] فقال: قد اختلف القول علينا في ذلك، فقيل عليّ بن أبي طالب صلى الله عليه، وهو الأحبّ إلينا، وقيل:
أبو اليسر بن [عمرو] [3] وهو الذي شدّ يد سيدي العباس بالقدّ ليلة بدر فأحجله [4] ، وأضحك منه السامعين.
قال الوزير رحمه الله: وأنا أتعجب من قوله: (سيدي العباس) فان هذه اللفظة هي العيارة والنّكف [5] كلّه، وكان أبو بكر هذا أديبا مليحا.
قال الوزير أبو القاسم المغربي رحمه الله: وأخبرني أبي قال: كان أبو بكر المعيطي أشدّ مخالطة ومؤانسة لأبي جعفر العلوي المعروف بمسلم، وهو: محمد بن عبد الله بن طاهر بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله ابن الحسين الأصغر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، وكان بينهما مع موجبات التباين مثل الذي كان بين الكميت والطرماح [6] ،
__________
[1] الأزز: الجمع الكثير المزدحم.
[2] عقبة بن أبي معيط: عقبة بن أبان بن ذكوان بن أمية بن عبد شمس، من مقدمي قريش في الجاهلية، كنيته أبو الوليد، وكنية أبيه أبو معيط، كان شديد الأذى للمسلمين عند ظهور الدعوة، فأسروه يوم بدر وقتلوه ثم صلبوه، وهو أول مصلوب في الإسلام، كان قتله في موقعة بدر سنة 2 هـ. (الروض الأنف 2/76، تاريخ ابن الأثير 2/27)
[3] في حاشية الأصل: (أبو اليسر: كعب بن عمرو، هو أخو الحباب بن عمرو) .
أبو اليسر: كعب بن عمرو بن عباد بن عمرو بن غنم، ممن شهد بدرا، وقتل يوم بدر من المشركين منبه بن الحجاج بن عانر بن حذيفة، وعاصم بن عوف بن ضبيرة من بني سهم (السيرة النبوية 1/713)
[4] أحجله: جعله يمشي على رجل رافعا الأخرى، وحجل المقيد: وثب في مشيه.
[5] يريد هنا الهزء والسخرية واللمز، والتنابز هنا بين اتباع العلويين وأتباع العباسيين.
[6] كان الكميت شيعيا زيديا، وكان الطرماح خارجيا، وكان بينهما صداقة ومودة، رغم اختلاف مذهبيهما.
(1/309)

قال: فأنفذ إليه مسلم في عيد أضحى شاتين عجفاوين جرياوين، يداعبه بذلك، فكتب إليه: [مجزوء الرمل]
يا شريف العصر يا من ... تؤخذ الآداب منه
ربّ معروف وبرّ ... تركه أحسن منه
وكان هذا المعيطيّ جليل القدر في نفوس ملوك الأندلس، ورأيت جريدة بخط شبل بن تكين النسابة مولى باهلة بخطه بنسخه درج، ورد من الأندلس إلى أبي بكر ابن المعيطي بأسماء لجماعة ادّعوا أنسابا شكّوا فيها، فأرادوا السؤال [115 ظ] عنها، وتحت كل اسم بخط شبل حقيقة حالها، فأما أن نقول صدق أو نقول كذب، ليس لهذا أصل.
[العودة لقصيدة ابن الرومي]
عدنا إلى قصيدة ابن الرومي: [1] [الطويل]
ولكنه ما زال يغشى بنحره ... شبا الحرب حتى قال ذو الجهل أهوج
كدأب عليّ في المواطن قبله ... أبي حسن والغصن من حيث يخرج
كأنّي أراه إذ هوى عن جواده ... وعفّر بالترب الجبين المشجّج
فحبّ به جسما إلى الأرض إذ هوى ... وحبّ به روحا إلى الله تعرج
أأرديتم يحيى ولم يطو أيطلا ... طراد ولم يدبر من الخيل منسج [2]
أجنّوا بني العباس من شنآنكم ... وشدّوا على ما في العياب وأشرجوا [3]
لعل لهم في منطوي الغيب ثائرا ... سيسمو لكم والصبح في الليل مولج
بمجر تضيق الأرض عن زفراته ... له هينم ينفي الوحوش وهزمج [4]
__________
[1] القصيدة في ديوان ابن الرومي 1/307- 310.
[2] في الديوان: (ولم يطو أيطل طرادا) ورواية الأصل أجود.
الأيطل: الخاصرة. المنسج: ما بين الكتفين إلى العنق.
[3] في الديوان: (وأوكوا على ما في العياب) .
الشنآن: البغض. أوكوا: شدوا الوكاء، وهو الرباط. أشرجوا: ضموا.
[4] في الديوان: (له زجل ينفي الوحوش) .
المجر: الجيش العظيم. الهينم: الكلام الخفي، والذي لا يفهم.-
(1/310)

تدانوا فما للنقع فيهم خصاصة ... تنفّسه عن خيلهم حين ترهج [1]
فلو حصبتهم بالفضاء سحابة ... لظلّ عليهم حصبها يتدحرج
كأنّ الزّجاج اللهذميّات فيهم ... قتيل بأطراف الرّدينيّ مسرج [2]
فيدرك ثأر الله أنصار دينه ... ولله أوس آخرون وخزرج
وإن كنتم منهم وكان أبوهم ... أباكم فانّ الرّنق بالصفو يمزج [3]
[116 و] ورثاه أيضا عبد الله بن محمد بن سلام الشاعر، فقال وأحسن في أبيات: [الطويل]
فتى كان يستعدي على المحل راحة ... فينهلّ بالمعروف منها المواهب
ويلهب أطراف العوالي فتصطلي ... مشارق من نيرانها ومغارب
لقد شيّد الإسلام بالبيض والقنا ... فتى طالبيّ البأس للحقّ طالب
كلا طرفيه من عليّ وجعفر ... تلاقت عليه المحصنات المناجب
وكان يدا فيها على الدهر سطوة ... وطودا لهذا الدين منه مناكب
تذكّر عيني شخصه كلّ منبر ... يقوم عليه في العروبة خاطب
فلا غرو أنّ حلّت بيحيى مصيبة ... فهانت علينا بعد ذاك المصائب
كأنّك لم تسمع بيحيى بوقعة ... تشيب لها من شانئيه الذوائب
ولم تر يحيى فوقه تبّعيّة ... تردّ عنه السيف والسيف قاضب
تقارب منها السرد حتى كأنّما ... تخازر منه بالعيون الجنادب
وحسبي عزّا أنّه مات مقدما ... على الدهر إذ دارت عليه النوائب
ولولا يد المقدار ما ناله الردى ... ولا ابتزّ عنه جنّة الحرب ساكب
أقامت عليه الجنّ والإنس مأتما ... وهبّت لمنعاه الصّبا والجنائب [4]
__________
- الزجل: صوت الرعد. هزمج: اختلاط الأصوات.
[1] ترهج: تثير الغبار.
[2] اللهذميات: السيوف القاطعة الحادة. الرديني: الرمح نسبة إلى امرأة كانت تقوّم الرماح.
[3] في الديوان: (وكان أبوكم أباهم فان الصفو بالرنق يمزج) .
[4] الصبا: الرياح التي تهب من الشرق وتكون باردة. الجنائب: الرياح التي تهب من الجنوب وتكون حارة.
(1/311)

فما لزمان بعد موتك ذمّة ... ولا أحد في العيش بعدك راغب [116 ظ]
ولا كنت ممّن يقسم الهول لبّه ... شعاعا ولا سدّت عليك المذاهب [1]
ولو شئت والآجال صعر خدودها ... لنجّتك منها الناجيات السلاهب [2]
وصهب من العيدي لا الزيغ قادها ... إليك ولا مدح من القول كاذب [3]
تعودن خبط الليل في كلّ سربخ ... فقد عرفت أخفافهنّ السباسب [4]
نعاك لها الناعي فأصبحن ضلّعا ... عجافا وخانتها الذّرى والغوارب [5]
فان حمّل الدهر الرزايا نفوسكم ... فأنتم قروم الحادثات المصاعب [6]
وإن تغلبوا الأملاك أو يغلبوكم ... ففي الناس مغلوب كريم وغالب
[أبو السري الأعمى يذكر خداشا]
وأبو السري الأعمى شاعر كان في أعجاز أيام بني أمية، وهو القائل في رواية أحمد بن يحيى بن جابر، هذه الأبيات: [الخفيف]
وخداش المحلّ إذ خدش الدي ... ن وأوفى بدعوة الضّلّال
دان بالرفض والتحرّم حينا ... وبقتل النساء والأطفال
أي شيء يكون أعجب من ذا ... أزرقيّ ورافضي في حال
قال هذا: يعني به عمار بن يزداد [7] ، وكان قد أنفذه محمد بن
__________
[1] لبّه: عقله ونفسه. شعاعا: تفرقا، أي خوفا.
[2] الناجيات: الإبل السريعة. السلاهب: الطويلة، والمسرعات في العدو.
[3] الصهب: الخيل الصفر التي يضرب لونها إلى الحمرة أو البياض. العيدي: النجائب العيدية، نسبة إلى العيدي بن الندغي بن مهرة بن حيدان، أو إلى بني عيد بن الأمري، أي أنها نجيبة أصيلة. (القاموس المحيط: عيد)
[4] السربخ: الأرض الواسعة المضلة. السباسب: المفازات.
[5] الذرى: أراد بها الأسنمة. الغوارب: الكواهل، وما بين السنام والعنق. أراد أنها أصبحت ضعيفة مهزولة.
[6] القروم: السادة العظماء.
[7] كذا في الأصل: (عمار بن يزداد) وفي الطبري: (عمار بن يزيد) سمي خداشا لأنه خدش الدين، وفي سنة 117 هـ وجهه بكير بن ماهان إلى خراسان واليا على شيعة بني العباس،-
(1/312)

علي [1] بن عبد الله بن عباس إلى خراسان في افتتاح دعوتهم، فتسمى بخداش وغيّر سنن الدعاة، وترك ما كان في سيرة من قبله، وحكم بأحكام [117 و] منكرة، فوثب إليه أصحاب محمد بن علي فقتلوه، وكان قد قيل: خدش خداش الدين.
وقيل إنّ عمّارا هذا كان حرّانيا نصرانيا من أهل الحيرة، ثم أظهر الإسلام، وصار معلما بالكوفة، وقيل: إن منفذه لم يكن محمد بن علي، وإنما كان محمد بن علي قد ولّى كثيرا من أمر الدعوة بكير بن ماهان، فأنفذ بكير عمّارا هذا.
[شعر عبد الله بن عباس]
عبد الله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، أنشد له أبو عبد الله محمد بن داود في كتاب الورقة قطعة روى أنه قالها بديها بمحضر معاوية لما نعي إليه الحسن بن علي عليهما السلام، وهي هذه: [2] [الرمل]
__________
- فنزل مرو وغيّر اسمه، وتسمى بخداش، ودعا إلى محمد بن علي، فسارع إليه الناس، وقبلوا ما جاءهم به، وسمعوا إليه وأطاعوا، وغيّر ما دعاهم إليه، وتكذّب وأظهر دين الخرّمية، ودعا إليه ورخّص لبعضهم في نساء بعض، وأخبرهم أن ذلك عن أمر محمد بن علي، فبلغ أسد بن عبد الله خبره، فوضع عليه العيون حتى ظفر به، فأتي به، وقد تجهز لغزو بلخ، فسأله عن حاله، فأغلظ خداش له القول، فأمر به فقطعت يده، وقلع لسانه وسملت عينه. (الطبري 7/109 حوادث سنة 117 هـ.)
[1] محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي: أول من قام بالدعوة العباسية، وهو والد السفاح والمنصور، ولي إمامة الهاشميين سرا في أواخر الدولة الأموية (بعد سنة 120 هـ) وكان مقامه بأرض الشراة بين الشام والمدينة، وبدأ دعوته سنة 100 هـ، وعمل على نشر الدعاة إلى بني العباس، والتنفير من بني أمية، وجباية الأموال من الشيعة، مات بالشراة سنة 125 هـ. (الطبري حوادث سنة 100 و 120، و 126، اليعقوبي 3/72، ابن خلدون 3/72، وفيات الأعيان 1/454، البداية والنهاية 10/5)
[2] ليست الأبيات في كتاب الأوراق لأبي عبد الله محمد بن داود الجراح، ولعلها من الساقط من الكتاب، طبع الكتاب بتحقيق عبد الوهاب عزام وعبد الستار أحمد فراج، ط دار المعارف، مصر.
(1/313)

أصبح اليوم ابن هند آمنا ... ظاهر النخوة إذ مات الحسن
رحمة الله عليه إنّه ... طال ما أشجى ابن هند وأرن [1]
فارتعى اليوم ابن هند آمنا ... إنّما يقمص بالعير السّمن [2]
واستراح اليوم منه إنّه ... بعده رهن لأحداث الزّمن
فاتّق الله وأحدث توبة ... إنّ ما كان كشيء لم يكن
وهذا شعر مطبوع.
[ما قيل في العمى]
قال الوزير: وأخبرني علي بن إبراهيم بن أبي شيخ الفتوى، عن عبد الله بن الزبير المعتز، عن أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، عن عمرو [117 ظ] بن أبي عمرو الشيباني، عن أبيه قال: حدّثت أنّ عبد الله بن عباس [3] لما كفّ بصره قال: [البسيط]
ما زال عمري على الأيام منتقصا ... حتى فنيت وحبل الدهر ممدود
أقدّم العود قدّ امي وأتبعه ... وكنت أمشي وما يمشي بي العود
ولما وقع في عين عبد الله الماء، أراد أن يتعالج منه، فقيل له: إنك تبقى كذا وكذا يوما مضطجعا لا تصلّي، فكره ذلك.
[ما قيل في العصا]
ومن مليح ما قيل في العصا، ما أنشدنيه أبي، قال: أنشدني أبو الحسن علي بن مهذّب التنوخي، من أهل معرّة النعمان، للحسن بن المصباح أبي حازم المشعوف، وهو شاعر معروف كان في تلك البلاد: [مجزوء الخفيف]
قل لماشي على العصا ... حين أمسى وأصبحا
__________
[1] في الأصل: (وأزن) بالزاي ولا معنى لها، والصواب: (وأرن) بالراء المهملة، أرن:
أي نشط.
[2] العير: حمار الوحش. قمصت الدابة: عدت في مرح ونشاط وضربت برجليها.
[3] عبد الله بن عباس حبر الأمة المتوفى سنة 68 هـ، سبقت ترجمته.
(1/314)

ما عليها يد امرىء ... بعد موسى فأفلحا
قال الوزير: وقال ابن معمعة، رجل كان عندنا بحلب، يصف اعتماده على العصا: [مجزوء الوافر]
وقد ألفت عصاي يدي ... فأحملها وتحملني
وربّتما كبت تحتي ... فتلقيني على الذّقن
وقال أبو يوسف القاضي [1] : لا يموت الزاني إلا فقيرا، والقوّاد إلا أعمى، ذكره الجاحظ في كتاب تفضيل اللّواط على الزّنّاء. [2]
[العور]
ومن العور الواثق بن هارون [3] بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي [118 و] بن عبد الله بن عباس، ذكر الصولي أنه كان في عينه اليسرى (كوكب) خفيف، وهذا من الصولي في مثل الواثق كناية عن العور، ولذلك قال فيه المسدود المعنّى، وهو أحد أستاذي جحظة، فقال: [مجزوء الهزج]
من المسدود في الأنف ... إلى المسدود في العين
أنا طبل له شق ... أيا طبلا بشقين
__________
[1] القاضي أبو يوسف: سبقت ترجمته.
[2] لم يذكره ابن النديم في الفهرست.
[3] الواثق: هارون بن محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد، أبو جعفر، من خلفاء الدولة العباسية بالعراق، ولي الخلافة بعد وفاة أبيه سنة 227 هـ، فامتحن الناس بخلق القرآن وسجن جماعة، وقتل جماعة بيده، شغل نفسه بمحنة الناس في الدين، فأفسد قلوبهم، كان مسرفا في حب النساء، ووصف له دواء للتقوية فمرض منه، وعولج بالنار فمات محترقا، كان يميل إلى الضرب وسماع الموسيقى، وكان كريما عارفا بالآداب والأنساب، توفي سنة 232 هـ.
(الطبري 11/24، ابن الأثير 7/10، الأغاني 9/276- 300، تاريخ بغداد 14/15، معجم الشعراء ص 484)
(1/315)

وكان هذا المسدود أديبا، ويعجبني جوابه المنتصر [1] ، وذاك أنه تحدث عنده بحديث، فقال له المنتصر: متى كان ذاك؟ فقال المسدود: ليلة لا ناه ولا زاجر، فأحفظ ذاك المنتصر، وإنّما غنّى ليلة قتل المتوكل، والشعر لوضاح اليمن، وأول البيت: [2] [السريع]
فاسقط علينا كسقوط النّدى ... ليلة لا ناه ولا زاجر
وكان الواثق أديبا شاعرا، وذلك لأنّ المأمون ربّاه وكان يجلسه ويقفّ أباه [3] ، وكان قد غناه مخارق: [4] [السريع]
حتى إذا الليل دجا لونه ... وغابت الجوزاء والمرزم [5]
أقبلت والوطء خفيّ كما ... ينساب من مكمنه الأرقم
[من شعر الواثق العباسي]
فاستملحه، فعمل في نحو معناه: [6] [118 ظ] [السريع]
__________
[1] المنتصر: محمد (المنتصر بالله) بن جعفر (المتوكل على الله) بن المعتصم، من خلفاء الدولة العباسية، ولد في سامراء، وبويع بالخلافة بعد أن قتل أباه سنة 247 هـ، وفي أيامه قويت سلطة الغلمان، فحرضوه على خلع أخويه المعتز والمؤيد (وكانا وليي عهده) ، وهو أول من عدا على أبيه من بني العباس، ولم تطل مدته، وكان إذا جلس إلى الناس يتذكر قتله لأبيه فترعد فرائصه، قيل: مات مسموما بمبضع طبيب، سنة 248 هـ، ومدة خلافته ستة أشهر وأيام.
(الطبري 11/69- 81، ابن الأثير 7/32، 36، النبراس ص 85، اليعقوبي 3/217، تاريخ بغداد 2/119، فوات الوفيات 2/184)
[2] البيت من قطعة لوضاح اليمن في الأغاني 6/129.
[3] يقفّ أباه: ينقبض منه، ويقلل من شأنه، لأن أبا الواثق وهو المعتصم كان أميا لا شأن له بالعلم والأدب.
[4] البيتان لاسماعيل بن يسار في الأغاني 4/410، وفيه الغناء لابن سريج، وفي الأغاني 9/331 الغناء لمخارق
[5] رواية الأغاني: (حتى إذا الصبح خبا ضوؤه وغارت الجوزاء والمرزم)
[6] البيتان للواثق في الأغاني 9/331.
(1/316)

قالت إذا الليل دجا فأتنا ... فجئتها حين دجا الليل
خفيّ وط الرجل من حارس ... ولو درى كان لي الويل
قال الوزير أبو القاسم: وقد كنت صنعت على هذه القافية- وإن لم يكن الوزن متفقا- أبياتا طارت بها الأوتار بمصر كلّ مطار، وهي: [1] [مجزوء الهزج]
كساني الهجر ثوبا من ... نحول مسبل الذّيل
فما يعلم إلا الدم ... ع ما أحييت من ليلي
وقد أرجف بالبين ... فان صحّ فواويلي
ومن شعر الواثق في خادمه مهج: [مجزوء الخفيف]
مهج يملك المهج ... بدجى اللحظ والدّعج
ناعم القدّ مخطف ... ذو دلال وذو غنج
ليس للعين إن بدا ... عنه باللحظ منعرج
وله أيضا: [2] [الرجز]
سألته حويجة فأعرضا ... وعلّق القلب بها ومرّضا [3]
فسلّ متي سيف عزم منتضى ... فكان ما كان وكابرنا القضا [4]
وكان يحبّ خادما أهدي إليه من مصر، فأغضبه الواثق يوما، ثم سمعه يقول لبعض الخدم: والله إنه ليروم منذ أمس أن أكلّمه، فلم أفعل، فقال الواثق: [5] [119 و] [البسيط]
__________
[1] الشعر للوزير المغربي في كتاب الوزير المغربي تأليف إحسان عباس ص 151- 152 عن الدمية 1/95 والوافي بالوفيات 12/446 وتاريخ المسبحي 4/234 ب مع خلاف في الرواية.
[2] البيتان للواثق في الأغاني 9/338.
[3] في الأغاني: (وعلق القلب به ومرضا) .
[4] في الأغاني: (فاستل مني) .
[5] الرواية والبيتان في الأغاني 9/338.
(1/317)

يا ذا الذي بعذابي ظلّ مفتخرا ... هل أنت إلا مليك جار إذ قدرا
لولا الهوى لتجازينا على قدر ... وإن أفق منه يوما ما فسوف ترى [1]
وقالوا إن للواثق فيه لحنا في خفيف الثقيل.
وقال محمد بن عطية مؤدب المهتدي: كنت أمشي مع الواثق يوما في صحن داره، فقال لي: يا محمد، ادع بدواة وقرطاس، فدعوت بهما، فقال:
اكتب، فكتبت هذين البيتين: [الوافر]
تنحّ عن القبيح ولا ترده ... ومن أوليته حسنا فزده
ستكفى من عدوّك كلّ كيد ... إذا كاد العدوّ ولم تكده
ثم قال: اكتب، فكتبت: [البسيط]
هي المقادير تجري في أعنّتها ... فاصبر فليس لها صبر على حال
يوما تريش خسيس الناس ترفعه ... إلى السماء ويوما تخفض العالي
ثم فكّر طويلا فلم يأته شىء، فقال: حسبك.
ومن شعره لما رواه ابن أبي فنن: [البسيط]
لما استقلّ بأرداف تجاذبه ... واخضرّ فوق حجاب الدرّ شاربه
وأشرق الورد من نسرين وجنته ... واهتزّ أعلاه وارتجّت حقائبه
كلّمته بجفون غير ناطقة ... فكان من ردّه ما قال حاجبه
وللواثق في خادم اشتكت عينه: [119 ظ] [الخفيف]
لي حبيب قد طال شوقي إليه ... لا أسمّيه من حذاري عليه
لم تكن عينه لتجحد قتلي ... ودمي شاهد على جفنيه
ومن هذا أخذ القائل قوله- قلت أنا [2] : وأظنه الأمير تميما-:
[المنسرح] قالوا اشتكت عينه فقلت لهم من كثرة القتل مسّها الوصب
__________
[1] الأغاني: (وإن أفق مرة منه فسوف تري) .
[2] قلت أنا: أي المؤلف الأفطسي.
(1/318)

حمرتها من دماء من قتلت والدم في النّصل شاهد عجب قال: وقد أحسن السري الرفّاء في قوله يصف الرمد: [1] [الخفيف]
[أيهذا الأمير ما رمدت عي ... ناك حاشا لها ولا أجفانك
بل حكت فعلك الكريم ليضحى ... شأنها في العلى سواء وشانك
فهي تحمرّ مثل سيفك في الرّو ... ع وتصفو كما صفا إحسانك]
ومن قول الواثق: [الخفيف]
بعدوا والبعاد موت الوداد ... وحموا مقلتيّ طيب الرّقاد
إنّما عزّ من هويت لأني ... صرت في حبّه ذليل القياد
ومن مليح قوله: [2] [الخفيف]
يفرح الناس بالسماع وأبكي ... أنا حزنا إذا سمعت السّماعا
ولها في الفؤاد صدع مقيم ... مثل صدع الزجاج أعيا الصّناعا
وكان جعفر بن القاسم بن جعفر بن سليمان على البصرة، أميرا من قبل الواثق، وكان [120 و] فصيحا بليغا، يرتجل الخطب ارتجالا من غير تزوير ولا استعداد، وهو آخر من كان منهم يفعل ذلك، فقال على لسان بعض شعرائه يخاطب نفسه: [الكامل]
ولدت أميرك أمّهات سبعة ... لطهارة بين الوصيّ وفاطم
__________
[1] في الأصل الشعر مكانه بياض، إما من سوء التصوير أو أن الناسخ قد نسي الشعر، ونقلنا الأبيات في وصف الرمد من ديوان السري الرفّاء ص 205، قال يمدح الأمير أبا المرجّى جابر بن ناصر الدولة، وقد رمدت عينه.
[2] الشعر للعباس بن الأحنف في ديوانه ص 183 ط- دار الكتاب العربي، بيروت 1997، والغناء للواثق، وفي الأغاني: (كان الواثق أعلم الخلفاء بالغناء، وبلغت صنعته مائة صوت، وكان أحذق من غنّى بضرب العود، قال: ثم ذكرها فعد منها:
يفرح الناس بالسماع.... البيتان. الشعر للعباس بن الأحنف، والغناء للواثق خفيف ثقيل، وفيه لأبي دلف خفيف رمل) الأغاني 9/334.
(1/319)

يقال إنه لحن فقال (سبعة) ولم يقل (سبع) عامدا [1] ، لئلا يظنّ أنّ الشعر له.
فشركت في العباس كلّ خليفة ... ثم انفردت بسؤدد ومكارم
جدّي عليّ والنبيّ وبيته ... لا من مهجّنة ولا من خادم [2]
لو قيل للمهديّ من لخلافة ... من بعد فقدك يا بن خير العالم
لحكى حكاية عالم بمقالة ... إنّ الخليفة جعفر بن القاسم
فبلغت هذه الأبيات الواثق، فحمّ من وقته غيظا وعزله، وكتب إلى أحمد بن رياح وهو يلي القضاء على البصرة أن يقيم جعفر بن القاسم للناس، وينادى عليه، وينصف منه ففعل، وكانت له شؤون طالت، وأجابه الواثق عن شعره فقال: [الكامل]
أنت الوضيع بنفسه لا بيته ... ما أنت من أعلى العيوب بسالم
ولكلّ بيت دقّة وقمامة ... تلقى وأنت قمامة من هاشم
[عين الواثق ولسان مروان بن محمد]
ولعين الواثق حديث عجيب، وإن لم يكن من العور في شىء، قالوا:
إنّ أيتاخ [3] دخل على الواثق ليعرف هل مات أو لا، وهو في كرب العلّة، فدنا منه، فنظر إليه الواثق بمؤخر عينه، ففزع إيتاخ، ورجع القهقرى، فوقع سيفه ما بين البابين فاندق وسقط على قفاه هيبة منه للحظه الواثق، فلم تتمّ
__________
[1] قلت: لو قال (سبع) لاختل الوزن، فالضرورة ألزمته أن يلحن وهي ضرورة جائزة.
[2] في هامش الأصل: (صلى الله عليهم أجمعين) .
[3] إيتاخ: كان إيتاخ غلاما خزريا لسلام الأبرش طباخا، فاشتراه منه المعتصم في سنة تسع وتسعين ومائة، وكان لإيتاخ بأس وقوة، فرفعه المعتصم ومن بعده الواثق، حتى ضم إليه من أعمال السلطان أعمالا كثيرة، وولاه المعتصم معونة سامراء مع إسحاق بن إبراهيم، وكان من أراد المعتصم أو الواثق قتله، فعند إيتاخ يقتل وبيده يحبس، منهم محمد بن عبد الملك الزيات، فلما ولي المتوكل كان إيتاخ في مرتبته، إليه الجيش والمغاربة والأتراك والموالي، والبريد والحجابة ودار الخلافة.
(الطبري 9/166- 167 حوادث سنة 234 هـ)
(1/320)

ساعة حتى مات [1] ، فعزل في بيت ليغسل فجاء جرذ فأكل عينه التي نظربها إلى إيتاخ، فكثر تعجّب من عاين ذلك، وإنها لعبرة على الحقيقة.
وتشبه هذه الحكاية ما يحكى من أنّ رأس مروان بن محمد [2] لما جاءوا به إلى عبد الله بن علي [3] ، نظر إليه، وعزل فجاءت هرة فاقتلعت لسانه، وجعلت تمضغه، فقال عبد الله بن علي: لو لم يرنا الدهر من العبرة إلا أن لسان مروان مذ ساعة ينفذ أمرا ونهيا، وهو الآن في فم هرة تمضغه، لكان ذلك كافيا.
[العودة إلى ذكر العور]
ومن العور الشعراء أبو الحسن علي بن منصور [4] الديلمي الشاعر، وكان أبوه من جند سيف الدولة رضي الله عنه، وأسر فحمل في الإسار مع أبي
__________
[1] أي مات الواثق.
[2] مروان بن محمد بن مروان بن الحكم الأموي: آخر خلفاء بني أمية في الشام، عرف بقوته وغزواته، و؟؟ لاه هشام بن عبد الملك على أذربيجان وأرمينية والجزيرة، وبويع بالخلافة بعد مقتل الوليد بن يزيد، وفي أيامه قويت الدعوة العباسية، فتصدى لحرب جيوش العباسيين، حتى قتل في بوصير من أعمال مصر، وحمل رأسه إلى السفاح، كان مروان حازما شجاعا، ولقّب ب (الحمار) لجرأته في الحروب، قتل سنة 132 هـ.
(الطبري وابن الأثير حوادث سنة 132 هـ، تاريخ ابن خلدون 3/112، مروج الذهب 23/155)
[3] عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي: عم الخليفة أبي جعفر المنصور، وهو الذي هزم مروان بن محمد بالزاب، وتبعه إلى دمشق، ومهد دمشق لدخول السفاح، وظل أميرا على بلاد الشام مدة خلافة السفاح، فلما ولي المنصور خرج عبد الله عليه ودعا إلى نفسه، فانتدب المنصور أبا مسلم الخراساني لا خضاعه، فانهزم عبد الله ثم حبسه المنصور في بيت ببغداد، فسقط عليه البيت، وقتل سنة 147 هـ.
(ابن الأثير 5/215، الطبري 9/264، تاريخ بغداد 10/8، النجوم الزاهرة 2/7)
[4] علي بن منصور الديلمي: كان أبوه من جند سيف الدولة بن حمدان، وكان شاعرا مجيدا خليعا، وكان أعور، وله في عوره أشياء مليحة. (الوافي بالوفيات 22/242 تحقيق رمزي بعلبكي، ط- فيسبادن 1983، دمية القصر 2431، وفيات الأعيان 3/247 في ترجمة ابن جني) المجموع اللفيف* 11
(1/321)

فراس الأمير الشاعر رحمه الله، فكان أبو فراس لا يأنس إلا بأن يسمر في مجلسه بكتاب تاريخ الطبري، فأعاده عدة دفعات، وكل ذلك بمسمع من با منصور هذا، فخرجوا من الإسار وبا منصور من أحفظ خلق الله لتاريخ الطبري وأجودهم مذاكرة به، ونشأ ابن علي بن با منصور من أطبع الناس شعرا وأحسنهم قولا، وكان أعور فقال لي [121 و] الحسن بن محمد البسّامي من آل نصر بن منصور بن بسام، وكان الحسن هذا من أمجن الناس وأشدهم تعرضا لأجوية، وأحلاهم في ذلك طريقة، قال: رأيته يوما بحمص جالسا في دكان بعض التجار، فاستثقلت شخصه، فقيل لي: إنه شاعر، فأردت العبث به، فقلت مازحا هازئا: قلت أيها الشاعر في عورك شيئا؟ منتظرا منه أن ينقطع ويخجل، فقال: نعم فديتك، وأنشدني: [الخفيف]
كيف آسى لفقد إنسان عيني ... وفنون الجمال في معتاضه
وعذيري من مقلتي أخذ الخا ... ل وأعطى سوادها من بياضه
قال: فاقشعرّ بدني منه، وعلمت أنّه من الصّيد الذي لا يحلّ أكله، وكان ابن با منصور هذا يعشق صبيا أعور، وهذا من أعاجيب حماقات العشاق، فقال فيه: [الوافر]
له عين أصابت كلّ شىء ... وعين قد أصابتها العيون
وأنشدت هذا البيت أبا عبد الله محمد بن أسد، فقال: قاتله الله، والله ما أظنّه إلا قال هذا الشعر لمّا اعتنّ معناه في نفسه، ثم طلب أعور يعشقه، ليجعله معرضا لقوله.
ومن شعره: [الخفيف]
غنّني يا أعزّ ذا الخلق عندي ... حيّ نجدا ومن بأكناف نجد
واسقني ما يصير ذو البخل منه ... حاتما والجبان عمرو بن معدي
[1] [121 ظ]
__________
[1] حاتم: هو حاتم الطائي المشهور، يضرب به المثل في الجود، توفي سنة 46 ق. هـ.
وعمرو بن معديكرب الزبيدي الفارس المشهور في الجاهلية والإسلام، اشترك في حرب القادسية وتوفي سنة 21 هـ.
(1/322)

واغتنم شربها فقد فضح الليل ... هلال كأنّه فتر زند
والثريّا خفّاقة في رواق الغرب ... تهوي كأنّها رأس فهد
وغدير كأنّما فيه مرآة ... تجلّت عن جوهريّ الفرند
طينه عنبر وحصباؤه ... درّ عليه وماؤه ماء ورد
زعزعته الصّبا فكان كوجه ... ساتر حسنه بفاحم جعد
ليس في الناس يا فتى الناس خلق ... يتعدّاه دهره المتعدّي
في زمان الشّباب قابلني الشّي ... ب وهذا من أول الدّنّ دردي [1]
ومن قوله: [البسيط]
يا أهل بغداد زاد الشوق في أرقي ... وفي حنيني وفي وجدي وفي قلقي
بالهند تطبع أسياف الحديد وفي ... بغداد يطبع أسياف من الحدق
[من شعر حمدان الدارمي]
هذا البيت الأخير يشبه شعر الحمدان بن سمّورة الدارمي الكرماني، رجل كان بالجبل يمدح يعقوب بن الليث، فقال: [السريع]
جرّدت لي يا نصر سيفين ... طبعهما من مقل العين
سيفين ما فاتهما فائت ... قطّ ولو كان بروحين
فاعطف على قلب أسير ترى ... عليه من حبّك قيدين
ولحمدان هذا أيضا: [122 و] [المديد]
عنّت الذلفاء بالعنت ... من ملاحاتي ومعذلتي [2]
إن رأت لي راحة جعلت ... خولا للمجد ما حوت
لست بالواني الجبان ولا ... بالذي إن يفتقر يمت
ليت إنّ الرزق مطلبه ... بين شقي ضيغم هرت [3]
__________
[1] الدردي: ما رسب أسفل العسل والزيت ونحوهما من كل شىء مائع كالأشربة والأدهان والخميرة، تترك على العصير ليتخمّر.
[2] العنت: الشدة والمكابرة والعناد.
[3] الضيغم الهرت: الأسد الواسع الشدقين.
(1/323)

فمتى لا أحتويه فلا ... شيّدت بالفخر مأثرتي
وهو القائل: [البسيط]
أقصى ثنائي في أدنى محاسنه ... كقطرة الماء في بحر تلقّاها
أبا عليّ أنمت الدهر مجتهدا ... عنّي وأنبهني للدهر أنباها
ومن قوله: [المجتث]
زعمت أنّك عمّي ... كذبت بل أنت غمّي
لأنّ فيك خصالا ... أذمّها كلّ ذمّ
قال الوزير أبو القاسم رحمه الله: وقرأت شعره كلّه في دار العلم فوجدته نحوا من مائة ورقة بخط الأقرع، وهو شديد التكلف قليل المتخير.
[العودة إلى حديث ابن با منصور]
وعدنا إلى حديث ابن با منصور، وحدثني عنه البيني قال: كان أزنى من قرد، ثم نزع نزوعا نصوحا، فسألته عن سبب ذلك فقال [122 ظ] لي: كنت قد ذهبت لبعض أوطاري فقعدت على باب دار، أنتظر بعض من فيها، فرأيت صبيّة صغرى فاشتغلت بمحادثتها إلى أن قلت لها: أتحبين أن أكون زوجك؟
فقالت: لا، فقلت: لم؟ قالت: أنت شيخ، قال: فاعتقدت أن لا أتعرّض للزنى أبدا، لأنه إذا بلغ من مشنوء [1] منظري، ونكد طلعتي أن تأباني هذه الصبية التي لا عقل لها، فكيف بمن سواها؟ فتركت ذلك الشأن بالكلّيّة.
وله في هذا المعنى، وهو طريف: [المنسرح]
يخلو فراش خليلتي ... إذ خلّها شيخ مخلّ
ومن قوله: [الطويل]
يرى في ابيضاض الكأس حمرة خدّه ... فيحسبها ملأى ولا شىء في الكاس
وهو من مفاخر الديلم [2] ، وللديلم رجال أشراف، فأولهم أبو زكريا
__________
[1] المشنوء: المبغض وإن كان جميلا.
[2] الديلم: جيل من العجم كانوا يسكنون نواحي أذربيجان.
(1/324)

يحيى بن زياد الفرّاء [1] النحوي، وليس بالرماني، هذا آخر من قرأ على أبي علي الفارسي، وهو اليوم تاريخ النحو في المشرق، وقال لي أبو عبد الله محمد بن علي بن عرس، وهو من أعدل من رأيته من أهل العراق، إلى أدب كثير وشعر مستملح، قال: عمل علي بن عيسى [2] كتابا رد فيه على عثمان بن جني كتابه في شعر المتنبي [3] ، قال: فجاء فيه بكل عجيبة، إلا أنه كان يأتي بالفقرة النادرة بين عشرين ورقة من شتم ابن جني، وقذف أهله، وتحريق عرضه، والانحطاط من السباب إلى قبحه ورذله، قال: فسعد بذلك ابن جني، لأنّ الفوائد ضاعت في أثنائه [123 و] ، ولو أنه استخلص المعلوم منه، وألغى الهذيان، لكان أضرّ شىء في الدنيا على ابن جني، وقيل إنّ عليّ بن عيسى هذا ليس بعاقل.
[أصل الديلم]
قال الوزير أبو القاسم رحمه الله: وقد رأيت رجلا ديلميا من أبرع الناس صناعة في تذهيب المصاحف، وأحسنهم خطّا في الكوفيّ المجلّس [4] ، وكان يجمع ذلك محبّة للعلم، وشدوا في النظر، واعتلاقا بشعبة الفقه، فأما
__________
[1] الفراء: سبقت ترجمته.
[2] علي بن عيسى بن علي بن عبد الله: أبو الحسن الرماني، من كبار النحاة، أصله من سامراء، ومولده ووفاته في بغداد، له نحو مائة مصنف، منها: (المعلوم والمجهول) ، و (الأسماء والصفات) ، و (شرح أصول ابن السراج) ، و (شرح سيبويه) ، وغيرها، توفي سنة 384 هـ. (وفيات الأعيان 1/331، تاريخ بغداد 12/16، بغية الوعاة 344، نزهة الألباء ص 389، انباه الرواة 2/294)
[3] ابن جني: عثمان بن جني الموصلي، أبو الفتح، من أئمة الأدب والنحو، وله شعر، له تصانيف منها: (شرح ديوان المتنبي) ، و (المبهج) في اشتقاق أسماء رجال الحماسة، و (سر صناعة الإعراب) ، و (الخصائص) ، و (المقتضب في كلام العرب) ، وغيرها، توفي ببغداد سنة 392 هـ.
(معجم الأدباء 5/15- 32، وفيات الأعيان 1/313، نزهة الألبا ص 406، يتيمة الدهر 1/77)
[4] المجلّس: الخط القوي المتين.
(1/325)

الارتجال بالقضيب والغناء الصوفي العجيب، فكان فيه ما قال هذا المصري ابن بشر، فقال: [مجزوء الكامل]
غنّى وللأيقاع قب ... ل بيان منطقه بيان [1]
فكأنما يده فم ... وقضيبه فيها لسان
ويقال له إسماعيل بن محمد، وخدمني زمنا طويلا، وما يمنع الديلم من ذلك، وهم فيما يقول النسّابون: من ولد باسل بن ضبّة بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر، وإيّاهم عنى الشاعر بقوله: [الطويل] لعمري لقد بثّ ابن ضبّة باسل بأرض العدى حربا وأمرا مذكّرا وضبّة من أشجع الناس بأسا، وأحسنهم شعرا، وهم من القبائل التي خلّجت [2] نفوسها بالكلية من العربية إلى الأعجمية، أعني الديلم.
[أصل الكرد]
وكذلك الكرد، فانهم انسلّوا من خرشاء [3] اللغة العربية وصاروا عجما قحاحا، وهم [123 ظ] فيما يقولون من ولد كرد بن مرد بن صعصعة بن حرب بن هوازن، ومنهم من يرى أنهم من ولد سبيع بن هوازن، ونسّاب مضر يقولون إنّ حربا وسبيعا ابني هوازن درجا، فلا عقب لهما، وقال آخرون من الأكراد: إنهم من ربيعة، ثم من بكر بن وائل، قال: وقعوا في قديم الدهر لحروب كانت بينهم إلى أرض الأعاجم وتفرّقوا، وحالت لغتهم، وصاروا شعوبا وقبائل، وفيهم خير كثير، ومنهم أبو سالم ديسم بن شاذلويه ملك أذربيجان.
[من شعر إسماعيل الديلمي]
وأنشدني أبي من شعره: [الوافر]
__________
[1] في حاشية الأصل: (البيت الأول لم يورده الوزير، وأوردته أنا من حفظي له قديما) .
[2] خلجت: انتزعت واضطربت.
[3] خرشاء اللغة: أأصلها وقشرتها.
(1/326)

ظلوم تسبّني ذكرت بخير ... وتزعم أنّني ملق خبيث
وأنّ مودّتي كذب وزر ... وأنّي للذي أهوى بثوث
وليس كذا ولا ردّا عليها ... ولكنّ الظلوم هو النكوث
رأت شغفي بها وشديد وجدي ... فملّتني كذا كان الحديث
قال لي أبي: وكان أبو سالم هذا قد اتفق أن حصل عند سيف الدولة رحمه الله، في بعض الضرورات التي دعته (إلى الا يتراج عن مر شيء عزّه) [1] ، فلم يدخله قط سيف الدولة إلى مجلسه، لأنه لم يؤثر إجلاسه معه على سريره حسبما يقتضيه مكانته من الملك، ولم ير نصب مرتبة ولا مطرح له على حدة [124 و] ، فكان لا يلقاه إلا على الطريق، فاذا لقيه خاطب سيف الدولة رحمه الله أبا سالم: يا أبا سالم، وخاطبه أبو سالم: أطال الله بقاء الأمير، وتسالما على ظهور دوابهما، وكان عند سيف الدولة من دقائق الأنف، ومن غوامض التّيه والكبر ما ليس عند مخلوق، ومن عجيب ذلك ما حدثني به أبي، قال: كان يمك غلام سيف الدولة رحمه الله التركي، الذي يقول فيه المتنبي: [2] [الطويل]
وكنت إذا أبصرته لك قائما ... نظرت إلى ذي لبدتين أديب
أراد أن يدعو يانس المؤنسي، وهو من أجلّ أصحاب السيوف من غلمان مؤنس المظفر، واتفق أن حصل عند سيف الدولة، فقال يمك لمولاه سيف الدولة رحمه الله: كيف ألقاه؟ فقال: ضع طرف ذيلك تحت رجلك، وقم قياما تاما، إلا ما يخبؤه اغترار ذيلك من قامتك، وهذا طريف عجيب.
[العودة إلى أصل الكرد]
قال الوزير: حدّث الحسن بن عبد الصمد بن الحسين عن أبيه، عن
__________
[1] كذا وردت العبارة في الأصل: (إلى اليتراج عن مرسي عزه) وبعض الحروف مهملة، ولم أهتد لمعناها الصحيح، ومجمل المعنى أنه لم ينل رضا سيف الدولة في مجلسه.
[2] البيت من قصيدة للمتنبي يعزي فيها سيف الدولة عن غلامه يماك التركي، وقد مات بحلب سنة 340 هـ، الديوان 1/51 شرح العكبري.
(1/327)

أحمد بن إبراهيم الأشناني، عن أحمد بن عبيد، عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن ابن أبي نجح، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال نمرود [1] عند صنيع إبراهيم عليه السلام بأصنامهم ما صنع:
ما ندري بأي شىء نعاقبه، قال: فقال له رجل من الأعراب: حرّقه بالنار. قال مجاهد: فقلت لابن عمر: أو لهم أعراب؟ فقال: الأكراد أعراب فارس، فهذا [124 ظ] يبطل دعوى الأعراب في العرب، وأما أنا فرأيت جماعة منهم يتقيّسون، ويدعون رجوع مناسبهم إلى قيس عيلان، على ما ذكر أولا.
وحكى ابن دريد في جمهرته، عند حرف الدال والراء والكاف، عن أبي اليقظان قال: زعم أنه كرد بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، [2] وأنشدوا بيتا: [الطويل]
لعمرك ما الأكراد أبناء فارس ... ولكنّه كرد بن عمرو بن عامر
قال ابن الكلبي: هو كرد بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء، فان كان عربيا فاشتقاقه من المكاردة، وهو مثل المطاردة في الحرب.
ونعود إلى تعليق الوزير رحمه الله، قال: وهذه الأمم التي ذكرنا انسلاخها من العربية، فانّ المتأمّل إذا حقّق في أمرها أبان من نزوع أعراقهم، ومن اجتذاب المحتد لعاداتهم، ومن ظهورهم عليهم في القليل والكثير من شمائلهم ما يعجب منه.
حدثني أبو طالب بن حمّاد الكاتب، أنه شاهد رجلا أعجميا من ولد
__________
[1] نمرود: ابن كنعان بن قوش ورد ذكره في سفر التكوين 10/8 (وهو أول جبار في الأرض) ، يضرب به المثل للصياد الماهر، ذكر في القرآن الكريم في قصة إبراهيم دون ذكر اسمه، وذلك في قوله تعالى: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ، فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)
(العنكبوت 23) .
(الموسوعة العربية الميسرة 2/1847)
[2] لم أجد في نسب عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة من اسمه كرد، وكذلك لم أجد في نسب عمرو بن مزيقياء بن عامر بن ماء السماء من اسمه كرد. ينظر جمهرة أنساب العرب ص 280 وما بعدها وص 331 وما بعدها.
(1/328)

السيد الحميري، وأنه وجده قحّا لا يفصح بنغية [1] من كلام العرب، قال: إلا أني وجدت العرق قد نزع به فصار في الشعر العجمي، من أحذق الناس به، والسيد الحميري [2] فيما ذكر الأصمعي، من ولد يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري [3] ، وإن كان كذلك، فانه لعجيب أن يكون هذا الطبع فيهم من ريعان الزمان إلى هرمه، ومن صدر مدار [125 و] الفلك إلى عقبه، لأن يزيد كان أحد الشعراء المطبوعين، والهاجين الموجعين، وهم من آل ذي رعين، ولذلك يقول السيد: [4] [البسيط]
إني امرؤ حميريّ حين ينسبني ... جدّي رعين وأخوالي ذوو يزن
ثم الولاء الذي أرجو النجاة به ... يوم القيامة للهادي أبي حسن
قال أبو طالب: فقلت له يوما: ما بلغ من حذقك في هذه الصناعة؟
فقال: سمعت العرب يعجبون من قول امرىء القيس: [5] [الطويل]
__________
[1] النغية: الكلام الذي لا يفهم، وأول ما يسمع من الخبر قبل التثبت منه.
[2] السيد الحميري: إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري، شاعر إمامي متقدم كثير الشعر، كان أبو عبيدة يقول: أشعر المحدثين السيد الحميري وبشار، كان يتعصب لبني هاشم تعصبا شديدا، وأكثر شعره في مدحهم وذم غيرهم ممن يعادونهم، أخباره كثيرة، توفي سنة 173 هـ.
الذريعة 1/333- 335، روضات الجنان 1/28، البداية والنهاية 10/173، الأغاني 7/2- 23)
[3] يزيد بن مفرغ: يزيد بن زياد بن ربيعة الملقب بمفرغ الحميري، شاعر غزل، كان من أهل تبالة (قرية بالحجاز مما يلي اليمن) ، واستقر بالبصرة، كان هجاء مقذعا، وله مديح، صحب عبّاد بن زياد، ولم يحسن صحبته فهجاه وسجنه عباد مدة، وأتى البصرة فكان يهجو عبادا وزيادا وأهله، فقبض عليه عبيد الله بن زياد وعذبه، وأراد قتله فلم يأذن له معاوية، وقال له: أدبه، فسقاه مسهلا وطيف به على حمار في أسواق البصرة، وكاد يهلك، توفي سنة 69 هـ.
(معجم الأدباء 7/297، الشعر والشعراء ص 319- 324، خزانة الأدب 2/212- 216، الأغاني 17/51- 73)
[4] البيتان من قطعة في الأغاني 7/283- 284، مع خلاف في الرواية.
[5] ديوان امرىء القيس ص 38.
(1/329)

كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العنّاب والحشف البالي
ومن إيراده تشبيهين في بيت واحد، فشبّهت نفسي بالشمعة من ست جهات في بيت واحد، فقلت كلاما ترجمته: أني أشبه الشمعة في وحدتها ونحولها ولونها ودمعها واحتراقها وسهرها، وأردت أنا وأبو طالب أن نصنع بيتا يحتوي على ذلك، فلم يتيسّر لنا إلا بيت يكون مملوء ابالتشبيه، إلا أنه مضمّن ببيت قبله، يدلّ على معناه، وهو: [الطويل]
أرى شمعة الجلّاس يشبه وصفها ... محبّا من الألّاف بالهجر مقصودا
نحولا ودمعا لا يقرّ ووحدة ... ولونا محيلا واحتراقا وتسهيدا
فلما رأينا أنه لا يتمّ إلا ببيتين عجبنا من اختصار العجم، وعلمنا أنّ ذلك إنّما هو [125 ظ] لقصدهم المعنى من طريق الإشارة، كما نقصده نحن من طريق الإبانة.
[خط السيمياء]
وللزوم خطّ يسمّى السيمياء [1] ، قال لي بعض من دخل القسطنطينية، إنّه خطّ يختصّ بمعرفة الوزراء والعظماء، فاذا جاء الملك كتاب طويل اختصره الوزير في ثلاثة أسطر بذلك القلم، وعرضه عليه، وقد ذكر جالينوس هذا الخط بعينه وسمّاه (السريع) في كتاب: (تعرّف المرء عيوب نفسه) [2] ، وليس أوقن إلا أنّه خطّ يتضمن أعلاما قد وضعت للدلالة على معاني من طريق الاصطلاح، لا من طريق تطبيق كل معنى بلفظه.
[أشعار العجم]
وللعجم على كل حال اقتصار وأشعار، وقد أنشدونا لجماعة منهم
__________
[1] السيمية: كلمة يونانية بمعنى الدلالة أو الرمز أو الإيماء، ويقوم هذا المبحث في أساسه على بحث العلاقة بين حروف الكلمة ودلالتها. (الموسوعة العربية الميسرة 1/1057)
[2] الفهرست ص 349: تعريف المرء عيوب نفسه، ترجمة توما وإصلاح حنين.
(1/330)

أشعارا مطربة الأوزان، عجيبة الأغراض، وأنا أعجب من موافقة النابغة في قوله: [1] [الطويل]
بأنّك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبق منهنّ كوكب
للبلهبذ مغني كسرى أبرويز [2] لما قال شعرا، أنا أكتبه أعجميا، وأذكر تفسيره عربيا، ليتأمله فانه طريف، وكان قد زار قيصر خاقان كسرى، فقال البلهبذ عند اجتماع الثلاثة وغناه به:
قيصر ماه ماند خاقان خرشيد ... قيصر يشبه القمر وخاقان الشمس
إن من خداي ابن ماندكا مغاران ... والذي هو مولاي يشبه الغيم المتمكن
كجا هد ما يوشد كجا هد خرشيد ... إذا شاء غطى القمر وإذا شاء غطى الشمس
[126 و] تأمل قوله: يشبه الغيم المتمكن، فانّ لفظة المتمكن جليلة القدر في هذا الموضع، وهذا الشعر يتزن به العروض، ويخرج من بحر إلى بحر.... علي..... [3]
هكذا وجدت بخط الوزير، ولم يذكر من أي بحر يخرج، وهو يحتاج فضل تأمل، وكان البلبهذ المروزي هذا ذا غناء وطرف وأدب، فطرب إليه أبرويز ليلة، فدعا به، وكان عنده سيرين [4] ، وذاك في برد شديد، فقال له:
اشتقت إليك وأحببت أن أقطع ليلتي بغنائك، فغناه حتى سكر بلبهذ، وخرج ليبول، فسقط عند أصل سدرة، فقال أبرويز لسيرين: ليت شعري، أين ضيفنا،
__________
[1] البيت للنابغة الذبياني من قصيدة في الاعتذار إلى النعمان بن المنذر ويمدحه، ص 56، ط- تونس 1976.
[2] كسرى أبرويز: هو كسرى الثاني برويز، جاء بعد جده كسرى الأول أنو شروان، خلف أباه هرمز، لقي كسرى برويز معارضة من بهرام، فهرب كسرى إلى الامبراطورية البيزنطية، وبعد عودته تمردت القوات الفارسية عليه فسجن وقتل سنة 628 م وخلفه ابنه قباذ. (الموسوعة العربية الميسرة 2/1463)
[3] كذا في الأصل وموضع النقاط بياض.
[4] سيرين: جاءت في كل المواع بالسين المهملة، ولعلها بالشين المعجمة (شيرين) .
(1/331)

وخرج فرآه نائما فطرح عليه فرو سمّور [1] كان عليه، ولما كان في وجه الصبح، قال أبرويز لسيرين: ما ترين من أمر ضيفنا؟ قالت: الملك أعلم، قال: أراه هبّ في نومه، فلما رأى ثوبي عليه عرفه وأجلّه، فنزعه ونزع قباءّه فبسطه ووضع ثوبي عليه وكفر قائما [2] عنده، فقالت سيرين: إن كان هكذا، فالملك ينظر بالنور، قال: قومي، فقاما، فوجداه كذلك، فأمر له بمال وأقطعه برار الروز وبالدي وغيرهما.
[البلبهذ يعلم غلاما الشعر ثم يقتله]
وكان أبرويز مرّ في طريق، فرأى غلاما يقال له سركاس، ومعه بقرة عليها سماد، وهو يغني، فأعجب بحسن خلقه، فضمّه إلى بلبهذ وأمر بتعليمه الغناء، فعلّمه ففاقه، فحسده فقتله، فأتى به كسرى أبرويز فقال له: أبى حسد صدرك، ونغل جوفك [3] [126 ظ] إلا قتله، وقد علمت أني كنت أستريح منه إليك، ومنك إليه، وأمر بالقائه تحت الفيلة، فقال: أيها الملك، إذا قتلت أنا شطر طربك، وقتلتني أنت، قتلت الشطر الآخر، ألست تذهب طربك كلّه، وتكون جنايتك على نفسك أكبر من جنايتي!! فقال كسرى: ما دلّه على هذا الكلام إلا ما جعل له من المدّة، وأمر بتخليته.
ويقال إن بلهبذ بقي بعد كسرى دهرا، وإياه عنى البحتري بقوله: [4] [الخفيف]
[توهمت أنّ كسرى أبرويز ... معاطيّ والبلهبذ أنسي]
في القصيدة العجيبة التي هي من بدائعه، إلا أنه بلغني عن أبي الفضل
__________
[1] في الأصل: (حر) كذا غير معجمة، ولعلها (فرو) ، والسمور: حيوان ثديي ليلي من أكلة اللحوم، يتخذ من جلده فروا ثمينا.
[2] كفر هنا: قام عنده معظما ووضع يده على صدره وطأطأ رأسه كالركوع له.
[3] نغل جوفك: فساده وحقده.
[4] بعد كلمة: (بقوله) فراغ، والبيت ليس موجودا، والمؤلف يعني قصيدة البحتري في إيوان كسرى، ديوان البحتري ص 163.
(1/332)

ابن العميد [1] ، وكان من العلم بالمقام الأمين، أنه قال: مازلت أعد البحتري في المطبوعين حتى سمعت له هذه القصيدة، فاستدللت يها على تكلفه. وما أدري من أين قال ذلك، ألا أن يكون أخذ عليه البيت الأول [2] فانه خسيس الكلام.
ومن مضحك أشعار العجم قول بعض الشعراء لمسلحة قيّمها أعجمي:
[مجزوء الرمل]
يا أبا عبد الإله ... حبسنا لا يستقيم
فقال له الأعجمي:
من ندانم جمكوي ... هر خري دد رم ونيم
قال: أنا ما أدري إيش يقول كل حمار درهمين ونصف. قال الوزير:
أنشدنيه أبي عن أبيه، قال: وإذا فسّرت أشعار الفرس إلى العربية، وصيغت بعد ذلك شعرا، جاءت كأنّ معانيها معاني الحديث، لا معاني أشعار العرب:
[127 و] مثل ما قال عبد الله بن المقفع [3] في معنى شعر نقله من الفارسية إلى العربية، وهو: [السريع]
إنّ الفتى قنّى كحرقوصة ... يشرب ما يشربه الفيل [4]
__________
[1] أبو الفضل ابن العميد: محمد بن الحسين العميد بن محمد، أبو الفضل، وزير من كبار الكتاب، كان متوسعا في علوم الفلسفة والنجوم، ولقب بالجاحظ الثاني في أدبه وترسله، قال الثعالبي: بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد، ولي الوزارة لركن الدولة البويهي، ومدحه كثير من الشعراء منهم المتنبي، كان حسن السيرة والتدبير لأمور الملك، توفي سنة 360 هـ. (وفيات الأعيان 2/57، الكامل حوادث سنة 359 هـ، يتيمة الدهر ص 213، معاهد التنصيص 2/115)
[2] يريد مطلع القصيدة: صنت نفسي عمّا يدنس نفسي وترفعت عن جدا لّجبس الجدا: العطاء، والجبس: اللئيم، الجبان الفدم. وحكم المؤلف على هذا البيت حكم جائر.
[3] عبد الله بن المقفع: سبقت ترجمته.
[4] الحرقوصة: دويبة نحو البرغوث.
(1/333)

من بعد ما يأكل أمثاله ... وما له عرض ولا طول
فانّ معنى هذين البيتين كأنه حديث، لا كأنه شعر.
[مباراة عجيبة بين رومي وفارسي]
وأصل قولهما في الفارسية أنّ كسرى وأحسبه أبا شيرويه، كان قد بعث إليه ملك الروم برومي جسيم طويل، وقال: إن كان في ملكك من يؤاكل هذا الرومي أو يشاربه أو يناومه، أقررت بعظيم سلطانك، وإلا أقررت بعظيم سلطاني، فلم يجد كسرى من يفعل ذلك بعد أن يئس، إلا ملاحا نصرانيا قصيرا دميما يسمّى (قنّى) ، فقال: أنا أواكله وأشاربه وأناومه، وإن لم أفعل فليقتلني الملك، فجمع بينه وبين الرومي، فقدّم إلى الرومي كبش مسلوخ، فجعل يكبّب له ويأكل حتى أتى عليه، وقدّم إلى قنّى كبشان مسلوخان، فأتى عليهما، بعد أن طبخ له أحدهما في قدر، وثرد له فيها خمسون رغيفا، فأذعن له الرومي بالأكل، ثم أتي الرومي بدنّ، فجعل يشرب بخماسيّة معه حتى أتى عليه، ثم أتي قنّى بالشراب فأتى على دنّين، فأذعن له الرومي بالشرب، ثم قاما ليناما، فقال قنّى: ادخلوا لنا إلى البيت [127 ظ] لحافا وكساء، فقال الرومي: وما تصنع بذلك ونحن بالصيف؟ قال: إذا هجم الشتاء علينا كان عندنا دثار معدّ، فأذعن له الرومي بالنوم، فأقطعه كسرى الموضع الذي يعرف اليوم ب (دير قنّى) [1] ، وأجازه وكساه، وقيل فيه الشعر المقدم قبله، فنقله ابن المقفع إلى العربية.
وقد يذكر الشىء بالشىء إذا أشبهه، كان القاضي أبو عبد الله حسين بن علي بن النعمان، وهو المقتول، ينشد لأبيه علي بن النعمان [2] ، بيتين يستحقان أن يذكرا، وهما: [البسيط]
__________
[1] دير قنّى: ويعرف بدير مرماري السليخ، قال الشابشتي: هو على ستة عشر فرسخا من بغداد، منحدرا بين النعمانية، وهو في الجانب الشرقي معدود في أعمال النهروان، وبينه وبين دجلة ميل. (ياقوت: دير قنى)
[2] علي بن النعمان: بن محمد بن حيون أبو الحسن، من قضاة مصر كان فقيها عادلا عالما بالأدب، وافر الحرمة عند الفاطميين، له شعر جيد، قدم مع (المعز) من-
(1/334)


وشاكلت ملح في الحبّ مونقة ... ما في الرياض وفي الأشجار من ملح
خد وثغر ونهد واختضاب يد ... كالورد والطّلع والرّمان والبلح
وقد تقدم إثبات هذين البيتين في الكراسة الثانية عشر من هذا الجزء. [1]
قال الوزير رحمه الله: وليس العربي الصريح إذا طالت مخالطته العجم، أو كانت ولادته فيهم، ونشوؤه على لغتهم، فنزع به عرقه، وجنحت به غريزته إلى قول الشعر، أو إلى رصف النثر، وكان بالجملة مبينا عن غرضه، وبليغا بين أهل منطقه، بأفخر ولا أحقّ بالشكر، ولا أفضل من أعجمي استثني من غثارة [2] العجم، ومن معتلج [3] النبطية الصّرف، فلانت قريحته لقبول الاعتياد، وأجابت خواطره إلى استفادة صنعة البيان، ومال بلسانه وقلبه إلى الأفضل دون الأتلد [128 و] وانصرف عن الأول، وإن كان عليه سهلا إلى الثاني، وإن كان عليه صعبا ومنه بعيدا، مثل جماعة من الموالي برعوا في الشعر، هم معروفون لا نطيل بذكرهم، وقد كان تهيّأ لنا مجموع في أشعار أولاد الأحرار من فارس باللسان العربي، يشتمل على كثير ممّا أومأنا إليه.
ومن أعجب ما رأيت أو سمعت به، خادم صقلبي [4] أبيض محبوب كان لآل عمّار الذين منهم كاتب المعتصم، يقال له أبو علي يندون، كان يقول الشعر ويحبّر النثر.
قال الوزير: ونحن نذهب شوطا في ذكره، وينشد قطعا من شعره، فهو
__________
- المغرب إلى مصر، ونظر في الحكم، ثم ولي القضاء استقلالا سنة 366 هـ، وهو أول من لقب بقاضي القضاة بالديار المصرية، توفي سنة 374 هـ.
(الولاة والقضاة ص 495، 589، وفيات الأعيان 2/167)
[1] انظر الصفحة 77 ظ من الأصل المخطوط.
[2] الغثارة: الحمق، والجماعة المختلطة من غوغاء الناس، والغثارة: لون الغبار أيضا.
[3] المعتلج: الغلظة والشدة.
[4] صقلبي: نسبة إلى الصقالبة، جيل من الناس كانت مساكنهم إلى الشمال من بلاد البلغار، وانتشروا الآن في كثير من شرق أوربة، وهم المسمون الآن بالسّلاف.
(1/335)

وإن لم يكن مبرّزا، فانّ التعجب منه يبلغه درجة العجب به، والاستطراف لشذوذه يجبر نقيصة خلله، وهو عندي عجيب، بل العجيب دونه.
ثم لم يذكر شيئا من نظمه ولا نثره، وإنما علقت أنا ذكره تذكرة للفحص، وطليعة للكشف.
[العودة لذكر العور]
ومن العور حيّان بن بشر [1] والي قضاء الشرقية، وسوار بن عبد الله [2] العنبري، والي قضاء الغربية، وكلاهما من قبل يحيى بن أكثم [3] ، وما رأينا لهما شعرا، ولكن فيهما يقول بعض الشعراء: [4] [الوافر]
رأيت من الكبائر قاضيين ... هما أحدوثة في الخافقين
هما اقتسما العمى نصفا ونصفا ... كما اقتسما قضاء الجانبين
__________
[1] حيان بن بشر الحنفي: من كبار أصحاب الرأي، ولي قضاء أصبهان في دولة المأمون، والشرقية ببغداد في أيام المتوكل، قال ابن معين: لا بأس به. توفي سنة 240 هـ، وكان أعور رحمه الله. (الوافي بالوفيات 13/225)
[2] سوار بن عبد الله العنبري: سوار بن عبد الله بن سوار بن عبد الله بن قدامة من بني العنبر من تميم، قاض له شعر رقيق وعلم بالفقه والحديث، من أهل البصرة، سكن بغداد، ولي قضاء الرصافة، وكف بصره آخر عمره، توفي ببغداد سنة 245 هـ. (تاريخ بغداد 9/210)
[3] يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن التميمي: قاض رفيع القدر عالي الشهرة من نبلاء الفقهاء، يتصل نسبه بأكثم بن صيفي حكيم العرب، اتصل بالمأمون فولاه قضاء البصرة، ثم قضاء القضاة ببغداد، وأضاف إليه تدبير مملكته،، كان حسن العشرة حلو الحديث، له غزوات وغارات مظفرة، ولما مات المأمون وولي المعتصم عزله فلزم بيته، ولما جاء المتوكل أعاده إلى عمله، ثم عزله وصادر أمواله سنة 240 هـ، ذهب إلى مكة مجاورا ثم عاد وتوفي بالطريق في الربذة سنة 242 هـ.
(أخبار القضاة لوكيع 2/161- 167، طبقات الحنابلة 1/410، وفيات الأعيان 2172، النجوم الزاهرة 2/217، 308، ابن الأثير حوادث سنة 242 هـ)
[4] الأبيات من قطعة للجماز في الطبري 9/189.
(1/336)

هما فأل الزمان بهلك يحيى ... إذ افتتح القضاء بأعورين [128 ظ]
قال الوزير موقعا على خطه بخطه: أظنّ هذا غلطا، وهو كما قال، لأن سوار بن عبد الله كان قاضيا من قبل المنصور [1] ، وله حديث مع السيد الحميري، وهجاء السيد فيه، نحن نذكره في غير هذا الموضع، فزمان يحيى بن أكثم يتأخر عنه، وإنما علّقت الأبيات لأكشف عنها.
قال المتنبي: [2] [الوافر]
فيا ابن كروّس يا نصف أعمى ... وإن تفخر فيا نصف البصير
قال الوزير: كأنه ملحوظ به قول أبي علي البصير: [السريع]
يا معشر البصراء لا تتطرّفوا ... جندي ولا تتعرّضوا لنكيري
ردّوا إليّ الحارثيّ فانّه ... أعمى يدلّس نفسه في العور
وأنا أقول: إنه بالبيت المتقدم أولى، وهو: [الوافر]
هما اقتسما العمى نصفا ونصفا ... كما اقتسما قضاء الجانبين
وفي بيت المتنبي زيادة، وهو نصف البصير، يقوم بقوله:
كما اقتسما قضاء الجانبين فالبيتان في أقسام التساوي والتكافي.
[عمرو بن أحمر]
عمرو بن أحمر الباهلي [3] ، قال ابن داود: في المعمرين، أسلم وغزا
__________
[1] في حاشية الأصل: (ذكر هذا الخبر الطبري بتاريخه، والأبيات للجماز، وهو صحيح، والله أعلم) . قلت: الخبر والشعر في الطبري 9/189 كما تقدم.
[2] ديوان المتنبي شرح العكبري 2/144.
[3] عمرو بن أحمر بن العمرّد بن عامر الباهلي: شاعر مخضرم عاش نحو تسعين عاما، كان من شعراء الجاهلية، وأسلم وغزا مغازي في الروم وأصيبت إحدى عينيه، ونزل بالشام مع خيل خالد بن الوليد حين وجهه إليها أبو بكر، ثم سكن الجزيرة وأدرك أيام عبد الملك بن مروان، له مدائح في عمر وعثمان وعلي وخالد، وهجا يزيد بن معاوية، فطلبه يزيد ففر، عده ابن سلام في الطبقة الثالثة من الإسلاميين، كان يكثر من الغريب في شعره، توفي سنة 65 هـ.-
(1/337)

الروم، وأصيب بعينه هناك، قال: وهو أحد العور المحسنين من الشعراء، وأنشد، قال: أنشدني ابن يزيد المبرد له في عينه: [1] [البسيط]
ضمّا وسادي فانّ الليل قد بردا ... وإنّ من كان يرجو النوم قد هجدا [129 ظ]
فما على الجانب الوحشيّ مرتفق ... ولا على الظهر ما لم تجعلا سندا
شلّت أنامل مخشيّ ولا اجتبرت ... ولا استعان بضاحي كفّه أبدا
غادرني سهمه أعشى وغادره ... سيف ابن عيساء يشكو النحر والكبدا [2]
أهوى لها مشقصا حشرا فشبرقها ... وكنت أدعو قذاها الإثمد القردا [3]
قال المبرد: القرد، الذي لم ينعّم سحقه [4] ، كذا وجدت بخط الوزير، وغزا بلاد الروم، وأصيب بعينه هناك، ولم تصب عينه إلا في حرب كانت بين العشيرة، وقوله: (شلّت أنامل مخشيّ) شاهد بأنه لم تصب عينه هناك.
[عوران قيس]
وعوران قيس خمسة: عمرو بن أحمر أحدهم، وحميد بن ثور الهلالي [5] ، وعبيد بن الحصين النميري الراعي [6] ، وتميم بن أبيّ بن مقبل
__________
- (طبقات الشعراء 129، الإصابة ت 6468، خزانة الأدب 3/38، معجم الشعراء ص 214، جمهرة أشعار العرب 158)
[1] شعر عمرو بن أحمر ص 48- 49، ولم يرد فيه البيتان الأول والثاني، من اسمه عمرو من الشعراء ص 130- 131 تحقيق عبد العزيز المانع، ط- الخانجي، القاهرة. 1991
[2] رواية من اسمه عمرو: (أصارني سهمه أعشى وغادره) .
[3] شبرقها: مزقها وقطعها. الإثمد: كحل العين.
[4] هذا التوضيح في: من اسمه عمرو من الشعراء ص 131.
[5] حميد بن ثور الهلالي العامري: شاعر مخضرم عاش زمنا في الجاهلية، وشهد حنينا مع المشركين، ثم أسلم ووفد على النبي صلى الله عليه وسلم، وتوفي في خلافة عثمان، وقيل أدرك زمن عبد الملك بن مروان، عده ابن سلام الجمحي في الطبقة الرابعة من الإسلاميين، وتوفي نحو سنة 30 هـ.
(الإصابة ت 1830، تهذيب ابن عساكر 4/256، طبقات الشعراء 2/584)
[6] عبيد بن حصين بن معاوية النميري: شاعر من فحول المحدثين، لقب بالراعي لكثرة-
(1/338)

العجلاني [1] ، والشماخ بن ضرار الثعلبي [2] .
ومن الحوص [3] : الأحوص بن عبد الله [4] بن محمد بن عبد الله بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، واسم الأقلح قيس بن عصمة بن النعمان بن أمّه بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن أوس. يقول في نفسه، أنشده ثعلب: [5] [الرجز]
اسمج به من ولد وأقبح [6] ... مثل جريّ الكلب لم يفقّح
__________
- وصفه الإبل، عاصر جريرا والفرزدق، ومال إلى الفرزدق، فهجاه جرير، توفي سنة 90 هـ. (جمهرة أشعار العرب ص 172، الشعر والشعراء ص 156، شرح الحماسة للتبريزي 1461، خزانة الأدب 1/504، الأغاني 20/168)
[1] تميم بن أبيّ بن مقبل العجلاني: من عامر بن صعصعة، شاعر جاهلي أدرك الإسلام وأسلم، كان يبكي أهل الجاهلية، عاش نيّفا ومئة سنة، وعدّ في المخضرمين، كان يهاجي النجاشي الشاعر، توفي سنة 37 هـ.
(طبقات الشعراء ص 34، سمط اللآلي ص 66- 68، خزانة الأدب 1/113)
[2] الشماخ بن ضرار بن حرملة المازني الذبياني الغطفاني: شاعر مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وهو من طبقة لبيد والنابغة، شهد القادسية، وتوفي في غزوة موقان، توفي سنة 25 هـ.
(الأغاني 8/97، خزانة الأدب 1/526، المحبر ص 381، شرح التبريزي للحماسة 3/65)
[3] الحوص: الذين في عيونهم حوص، وهو ضيق في مؤخر العين كأنها قد خيطت، وضاقت إحدى العينين دون الأخرى، فهو أحوص وهي حوصاء.
[4] الأحوص الأنصاري: عبد الله بن محمد بن عبد الله الأنصاري، شاعر من طبقة جميل بن معمر ونصيب، كان معاصرا لجرير والفرزدق، وهو من سكان المدينة، وفد على الوليد بن عبد الملك في الشام فأكرمه الوليد، ثم بلغه عنه ما ساءه من سيرته، فردته إلى المدينة، وأمر بجلده، فجلد ونفي إلى (دهلك) ، وهي جزيرة بين اليمن والحبشة، ثم أطلقه يزيد بن عبد الملك، توفي بدمشق سنة 105 هـ. (الأغاني 4/40، 58، الشعر والشعراء ص 201، خزانة الأدب 1/232)
[5] شعر الأحوص ص 271 جمع وتحقيق عادل سليمان جمال، ط- الخانجي، مصر.
[6] شعر الأحوص: (أقبح به من ولد وأشقح)
(1/339)

يرى شوى ما لم يقم فينبح [1] ... بالباب عند خلقه المستقبح
[129 ظ] والأحوص بن جعفر بن كلاب [2] ، والأحوص عمرو بن حريث بن عمرو ابن عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
[أبيات في وصف الفرس]
قال لي الأمير سيف الدولة أبو غانم حامد بن عبدان، أنشدت الأمير شيخ الدولة عبد الرحمن بن لؤلؤ بيتين للطاهر الجزري في صفة الفرس، وهما: [الكامل]
أبت الحوافر أن يمسّ بها الثرى ... فكأنه في جريه متعلّق
وكأنّ أربعة تراهنّ طرفه ... فتكاد تسبقه إلى ما يرمق
فأنشدني لنفسه في مثله: [الطويل]
وأدهم كالليل البهيم مطهّم ... فقد عزّ من يعلو بساحة عرفه
يفوت هبوب الريح سبقا إذا جرى ... نهاية رجليه مواقع طرفه
بخط ابن السراج [3] ، المندمة [4] : الدكان يجتمع عليه الشراب، وفي
__________
[1] شعر الأحوص: (إن ير سوءا لم يقم فينبح) .
[2] الأحوص: ربيعة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، جاهلي. (جمهرة أنساب العرب ص 284) ، وافتخر به لبيد في مواضع من ديوانه، قال: ولا الأحوصين في ليال تتابعا ولا صاحب البراض غير المغمّر الأحوصان: الأحوص بن جعفر بن ربيعة بن كلاب، وكان اسمه ربيعة، فسمي الأحوص، لأن عينه كانت كأنها مخيطة.
(ديوان لبيد بشرح الطوسي، ص 48 تحقيق إحسان عباس، ط- الكويت 1962)
[3] ابن السراج: محمد بن السري بن سهل، أبو بكر، أحد أئمة الأدب والعربية من أهل بغداد، يقال: ما زال النحو مجنونا حتى عقله ابن السراج بأصوله، كان عارفا بالموسيقى، من كتبه: (الأصول) في النحو، و (شرح كتاب سيبويه) ، و (الخط والهجاء) ، وغيرها، توفي سنة 316 هـ.
(بغية الوعاة ص 44، طبقات النحويين واللغويين ص 122، نزهة الألباء ص 313)
[4] لم أجد المندمة بهذا المعنى في كتب اللغة والمعجمات.
(1/340)

المدينة موضع يقال له منادم بشر [1] .
[استنفار أبي بكر لأهل اليمن]
قال أبو زيد عمر بن شبّة النميري [2] ، في خبر ذكره، حفظته عن أبي عبيدة، وهو إمام الناس في زمانه، في التثبت في الرواية، والفحص عن صحة الخبر وسقمه، قال أبو القاسم المغربي، فيما نقلته من خطه في اختيار واختصار أخبار المدينة والكوفة، هذا لفظه، يعني أبا زيد في أبي عبيدة، وهو عندي، تركته حليلة لأبي عبيدة، لما كتب [130 و] أبو بكر يستنفر أهل اليمن إلى الشام، جاءت حمير عليها ذو الكلاع واسمه سميفع [3] ، ذكره أبو زيد في فتوح الشام.
كاتب زنك في ابن النديم في أبيات: [الكامل]
__________
[1] لم أجد هذا الموضع في كتب معاجم البلدان.
[2] في الأصل: (شنّة) مصحفا، وكثير ما يكون في الكتاب تصحيف وتحريف، وإهمال الإعجام.
عمر بن شبة: واسم شبة زيد بن عبيد بن ريطة النميري البصري، أبو زيد، شاعر راوية مؤرخ حافظ للحديث، من أهل البصرة، له تصانيف منها: (كتاب الكتاب) ، و (النسب) ، و (أخبار بني نمير) ، و (تاريخ البصرة) و (جمهرة أشعار العرب) ، و (الشعر والشعراء) وغيرها، توفي بسامراء سنة 262 هـ.
(وفيات الأعيان 1/378، بغية الوعاة ص 361، معجم الأدباء 6/48، تهذيب التهذيب 7/460)
[3] في الأصل: (أيفع) وهو تحريف.
ذو الكلاع: سميفع بن ناكور بن عمرو بن يعفر بن ذي الكلاع الأكبر، وهو ذو الكلاع الأصغر، أبو شراحيل من ملوك اليمن المعروفين بالأذواء، كان في آخر العصر الجاهلي، ولما ظهر الإسلام، أسلم ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم، وقدم المدينة زمن عمر فروى عنه، وشهد وقعة اليرموك وفتح دمشق، ثم سكن دمشق وتولى قيادة أهلها في جيش معاوية أيام (صفين) وقتل بها سنة 37 هـ. (الإصابة ت 2501، تهذيب تاريخ ابن عساكر 5/266، المحبر ص 233، جمهرة أنساب العرب ص 407)
(1/341)

وإذا تغنّاهنّ أكتافا له ... فكأنّه طير تزقّ فراخا
لما استنفر أبو بكر الأعراب إلى الشام، كان فيمن قدم عليه أبو الأعور السّلمي [1] وهو عمرو بن سفيان، فسرّحه إلى الشام.
[جعادة بنت جرير]
تزوج بعض ولد سعيد بن العاص جعادة بنت جرير بن الخطفى، بعد أبيها، فسأله نساؤه أن يطلقهن لأنهن يئسن عنده من الحظوة معها، فقال:
[الكامل]
هاب الضرائر من جعادة جانبا ... قلن التزحزح عن جعادة أروح
وكرهن شرك الحنظلية إنّها ... أبهى إذا ذكر الحسان وأملح
[أشعار في الحكمة]
عبد الله بن المعتز: [2] [الطويل]
فسبحان ربّي راضيا بقضائه ... [و] كان اتقائي الشرّ يغري بي الشّرا
فيا خابطا في غمرة الجهل آمنا ... خف الدهر إنّي قد أحطت به خبرا
آخر: [الكامل]
لا يوئسنّك من كريم نبوة ... ينبو الفتى وهو الجواد الخضرم
فاذا نبا فاستبقه وتأنّه ... حتّى يفيء به الطباع الأكرم
[3] [130 ظ]
[من عقلاء المجانين]
قيل: إن بعض عقلاء المجانين قال في تهتك حرم بختيار بعده:
[الخفيف]
__________
[1] أبو الأعور السلمي: كان من القواد في حرب اليرموك وكان في صفين مع جيش معاوية وأبلى بلاء شديدا، وهو من الذين منعوا الماء عن جيش علي، أخباره كثيرة في الطبري 3/442- 444، 4/566- 572 ومواضع أخرى انظر فهرسته.
[2] ديوان ابن المعتز 3/159- 160، من قطعة: قال في الدهر.
[3] البيتان دون نسبة في الدر الفريد 5/458.
(1/342)

ليت شعري أأول الحشر هذا ... أم محا الدهر غيرة الفتيان
[ضبط الأسماء]
بنو عتوراة [1] بن ليث، بضم العين كما ترى بخط الباهلي، وهم بنوه عصيدة ذو قرد، وذو قرد [2] ، بضم القاف والفتح، بخط الباهلي. حبيب بن جمّاز بالزاي، يروي عن أبي ذر. بنو قينقاع بكسر النون. بطحان [3] بتسكين الطاء وفتح الباء كما ترى.
[في كتمان السر]
أنشد: [الطويل]
أناس أمنّاهم فنمّوا حديثنا ... فلما كتمنا السّرّ عنهم تقوّلوا
فما حفظوا العهد الذي كان بيننا ... ولا حين همّوا بالقطيعة أجملوا
[من فضائل المدينة المنورة]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (غبار المدينة شفاء من الجذام) [4] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (من أخاف أهل المدينة، أخافه الله، وعليه لعنة الله وغضبه إلى يوم القيامة، ولا يقبل منه صرف ولا عدل) [5] .
__________
[1] عتوراة بن عامر بن ليث بن عبد مناة بن كنانة. (جمهرة أنساب العرب ص 182)
[2] ذو قرد: قرد بوزن زفر، مرتجل، موضع. وذو قرد: بفتحتين، ماء على ليلتين من المدينة بينها وبين خيبر، قال محمد بن موسى الخوارزمي: غزوة الغابة هي غزوة ذي قرد، كانت في سنة ست للهجرة. (ياقوت: قرد)
[3] بطحان: واد بالمدينة وهو أحد أوديتها الثلاثة، وهي العقيق وبطحان وقناة. (ياقوت:
بطحان)
[4] الحديث في كنز العمال 34828، 34829، كشف الخفاء 2/101.
[5] الحديث في: مسند أحمد بن حنبل 3/393، 4/55، حلية الأولياء 1/372 المعجم الكبير 7/169، مصنف أبي شيبة 12/181، الكنى والأسماء 1/. 132
(1/343)

ورأى سعد بن أبي وقاص [1] رجلا يصيد في حرم المدينة، فسلبه، فكلّم فيه، فقال: لا أردّ عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه صلى الله عليه وسلم حرّم هذا الحرم، وقال: (إن رأيتم أحدا يصيد شيئا فلكم سلبه) ، ولكن إن شئتم رددت عليكم ثمنه، وحدّ حرمها ما بين لابتيها، هذا أقوى ما ذكر، [131 و] وقال صلى الله عليه وسلم: (من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فاني أشفع لمن يموت بها) [2] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن زارني في حياتي) [3] .
[معنى البرابر]
طرفة بن العبد: [4] [الطويل]
ولكن دعا من قيس عيلان عصبة ... يسوقون في أعلى الحجاز البرابرا
__________
[1] سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف القرشي الزهري: أبو إسحاق، صحابي أمير، فاتح العراق ومدائن كسرى، وأحد الستة الذين عينهم عمر للخلافة، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، يقال له فارس الإسلام، أسلم وهو ابن 17 سنة، وشهد بدرا، وافتتح القادسية، ونزل إرض الكوفة فجعلها خططا لقبائل العرب، وابتنى بها دارا فكثرت الدور فيها، وظل واليا عليها مدة عمر بن الخطاب، وأقره عثمان زمنا ثم عزله، وعاد إلى المدينة، فأقام قليلا وفقد بصره، وقالوا في وصفه: كان قصيرا دحداحا، ذا هامة، شثن الأصابع، جعد الشعر. مات في قصره بالعقيق سنة 55 هـ. (تهذيب التهذيب 3/483، صفة الصفوة 1/138، حلية الأولياء 1/92، البدء والتاريخ 5/84) .
[2] الحديث مع خلاف يسير في اللفظ في مسند أحمد بن حنبل 2/74، موارد الظمآن للهيثمي 1031، الترهيب والترغيب 2/223، مجمع الزوائد 3/306، شرح السنة للبغوي 7/324)
[3] الحديث في السنن الكبرى للبيهقي 5/246، سنن الدارقطني 27812، كنز العمال 12368، مجمع الزوائد 4/2.
[4] البيت من قصيدة في ديوان طرفة بن العبد ص 127 شرح سعدي الضناوي، ط- دار الكتاب العربي بيروت 1997، وفيه يسوفون في أعلى الحجاز البرائرا وقد وهم المحقق في (يسوفون) بالفاء، وصوابها (يسوقون) بالقاف، وأخطأ في (البرائر) وصوابها (البرابر) ، ثم راح يتأول للكلمتين معنى بعيدا. والبرّ: دعاء الغنم.
ينظر: اللسان والقاموس (برر) .
(1/344)

البرابر: الغنم الصغار، واحدها بر بر.
[القتل في الدين اليهودي]
كان سكنى يهود الحجاز من بعث بعثه موسى عليه السلام إلى الكنعانيين [1] ، وأمرهم أن لا يستبقوا أحدا بلغ الحلم، فقتلوهم وقتلوا ملكهم بتيماء [2] الذي يقال له الأرقم بن الأرقم، وأصابوا ابنا له شابا حسنا، فضنوا به عن القتل، وقفلوا به معهم، ومات موسى عليه السلام قبل مقدمهم، فلقيهم الناس وأخبروهم خبرهم، فقالت بنو إسرائيل: إنها لمعصية إذ خالفتم نبيكم موسى في استبقاء هذا الغلام، والله لا تدخلوا علينا بلادنا، فقال أؤلئك القوم: ما بلد خير لكم إذ منعتم بلادكم من البلد الذي قفلتم منه، وكانت أشجر بلاد الله وأكثرها ماء، فعادوا فسكنوها بعد العماليق [3] ، ومكثوا بعد ذلك زمانا.
ثم إن الروم ظهرت على بني إسرائيل ببغيهم، فخرج النضير وقريظة [4]
__________
[1] الكنعانيون: نسبة إلى كنعان بن حام سلف الكنعانيين، وهو اسم أعطاه الاسرائيليون لفلسطين قبل الاستيلاء عليها، فكانت الأرض الموعودة لهم، ونهاية تنقلاتهم بعد مغادرتهم لمصر. (الموسوعة العربية الميسرة 2/1485)
[2] تيماء: واحة واقعة في شمال جزيرة العرب، جنوبي دومة الجندل، بالقرب منها كان يقع حصن السموأل، ويدعى الأبلق، ذكرت في العهد القديم على أنها مدينة القوافل التي تمر بها في طريق تجارتها من الغرب والجنوب إلى بداية الخليج العربي، ومن دمشق إلى المدينة. (معجم الحضارات السامية- هنري عبودي، ص 291، ط- جروس برس، لبنان 1988)
[3] العماليق: قدماء العرب خاصة أهل شمالي الحجاز مما يلي شبه جزيرة سيناء فتحوا مصر باسم الشاسو (البدو أو الرعاة) ويسميهم اليونان (هكسوس) ، كان العمالقة على علاقة بالكنعانيين والأموريين والإسرائيليين، وهم أعداء للإسرائيليين، وكان العمالقة جزءا من الجيش الذي جرده إيجلون ملك مؤاب لمضايقة إسرائيل.
(الموسوعة العربية الميسرة 2/1236)
[4] النضير: قبيلة يهودية سكنت يثرب، حالفت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نكثت-
(1/345)

وهذل هاربين إلى الحجاز، فأتبعهم الروم طلبا فأعجزوهم، وبلغت الروم في طلبهم الثّمد [1] الذي بين الحجر [2] والجنينة [3] ، فتقطعت أعناقهم [131 ظ] عطشا، فسمّي بهلاكهم ثمد الروم إلى اليوم.
[من نزل المدينة قبل الأوس والخزرج]
وقد نزل المدينة قبل الأوس والخزرج أحياء من العرب، لما تفرق أهل التهمة، نزلها بنو القين، ثم تنقلوا نقلا بعد نقل حتى أتوا الشام، ونزلتها أيضا مزينة قبل الأوس والخزرج، فوبئوا [4] ، فافترقوا عنها، ونزلها بنو ضبيعة بن حرام من بليّ، وهم سلمة ووائلة والعجلان بنو حارثة بن ضبيعة حلفاء الأنصار، فوبئوا فانتقلوا إلى الجزل والسقيا [5] ، ونزل بنو أنيف من بليّ
__________
- عهدها معه، فحاصرها ثم نفى أفرادها وصادر أملاكها ووزعها على المهاجرين.
قريظة: قبيلة يهودية سكنت يثرب في العصر الجاهلي إلى جانب النضير وهذل اليهوديتين.
(معجم الحضارات السامية: النضير ص 850، قريظة ص 684)
[1] الثمد: الماء القليل، وهو موضع بين الشام والمدينة، كان في بعض الدهر قد ورد طائفة من بني إسرائيل إلى الحجاز ليلحقوا بمن فيها منهم، فأتبعهم ملك الروم طائفة من جيشه، فلما وصلوا إلى ذاك الثمد ماتوا عن آخرهم، فسمي ثمد الروم إلى الآن.
(ياقوت: ثمد الروم)
[2] الحجر: اسم ديار ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام، قال الاصطخري: الحجر قرية صغيرة قليلة السكان، وهي من وادي القرى على يوم بين جبال، وبها كانت منازل ثمود. (ياقوت: الحجر)
[3] الجنينة: قرب وادي القرى، سار أبو عبيدة من المدينة حتى أتى وادي القرى، ثم أخذ عليهم الأقرع والجنينة وتبوك وسروع، ثم دخل الشام. (ياقوت: الجنينة)
[4] وبئوا: أصابهم الوباء.
[5] الجزل: موضع قرب مكة، جاء في شعر عمر بن أبي ربيعة:
ولقد قلت ليلة الجزل لما ... أخضلت ريطتي عليّ السماء
ليت شعري وهل يردّن ليت ... هل لهذا عند البلاء جزاء
السقيا: قرية جامعة من عمل الفرع بينها مما يلي الجحفة تسعة عشر ميلا، وقال ابن الفقيه: السقيا من أسافل أودية تهامة، وقال ابن الكلبي: لما رجع تبّع من قتال أهل-
(1/346)

قبا [1] وهم رهط طلحة بن البراء الأنصاري، ونزل غصينة وهم بنو سواد رهط المجذّر بن ذياد المدينة، ونزل أبو عبيد رهط أبي بردة بن نيار المدينة أيضا، ونزلت قبائل من بني شغبا وبدا، ثم ألجأت قوما من بلي حروب بينهم إلى تيماء [2] فأبى آلها أن يدخلوهم إلا بعد أن يتهوّدوا ففعلوا، وخرج قوم منهم بعد ذلك إلى يهود المدينة، فكانوا معهم حتى أظهر الله الإسلام، فيقال إن منهم عويم بن ساعدة، وسواد بن غزيّة، وكعب بن عجرة، وكان بها موضع يقال له الجوانيّة [3] ، به قوم من يهود لهم أطم [4] يقال له صرار.
[الفطيون ملك اليهود]
وإنّما نزل الأوس والخزرج المدينة عند قصة سيل العرم، فكانت تدين لملك يهود، في عيش ضيّق وجهد شديد، وكان ملك يهود هناك الفطيون [5] ،
__________
- المدينة يريد مكة، فنزل السقيا وقد عطش، فأصابها بها فسماها السقيا. (ياقوت:
الجزل، السقيا) .
[1] قبا: قرية على ميلين من المدينة على يسار القاصد إلى مكة بها أثر بنيان كثير، وهناك مسجد التقوى، عامر قدامه رصيف وفضاء حسن، وآبار ومياه عذبة، وبها مسجد الضرار. (ياقوت: قبا)
[2] تيماء: بليد في أطراف الشام، بين الشام ووادي القرى على طريق حاج الشام ودمشق، والأبلق الفرد حصن السموأل بن عادياء اليهودي مشرف عليها، فلذلك كان يقال لها تيماء اليهودي. (ياقوت: تيماء)
[3] الجوانية: موضع أو قرية قرب المدينة. (ياقوت: الجوانية)
[4] الأطم: الحصن، والبيت المرتفع.
[5] الفطيون: كان ملكا على بني إسرائيل في المدينة، وهو من بني إسرائيل، ثم من بني ثعلبة، وكان رجل سوء فاجرا، وكانت اليهود تدين له بأن لا تزوج امرأة منهم إلا دخلت عليه قبل زوجها، وقيل: إنه كان يفعل ذلك بالأوس والخزرج أيضا، ثم إن أختا لمالك بن العجلان السالمي الخزرجي تزوجت، فلما كان زفافها خرجت عن مجلس قومها، وفيه أخوها مالك، وقد كشفت عن ساقيها، فقال لها مالك: لقد جئت بسوء، قالت: الذي يراد بي الليلة أشد من هذا، أدخل على غير زوجي....
فلما ذهب بها النساء إلى الفطيون، انطلق مالك معهن في زي امرأة، ومعه سيفه،-
(1/347)

أحد بني ثعلبة، ولم يكن تزوّج امرأة إلا دخلت عليه [132 و] قبل زوجها، وإنّ أختا لمالك بن العجلان السالمي زوّجت، فخرجت ليلة عرسها كاشفة عن ساقيها، وأخوها مالك في النادي، فقال: لقد جئت سوءة، قالت:
الذي يراد بي أشدّ من ذلك، أدخل على غير زوج، فدخل مالك مستخفيا مع النساء، فاغتاله فقتله وهرب، حتى أتى الشام، فدخل على أبي جبيلة أحد الخزرج، وكان قد أصاب بالشام ملكا في غسان، فشكا إليه حالهم، فعاهد الله ألا يقرب امرأة ولا يمسّ طيبا [حتى] يذلّ يهود، وتكون الأوس والخزرج أعزّ أهل المدينة، وسار كأنه يريد اليمن، حتّى حلّ بالمدينة، وأنفذ إلى رؤساء اليهود يدعوهم إلى التكرمة، فاغتروا بمكره وأتوه، فجمعهم في حائر [1] فقتلهم، وإنما فعل ذلك لئلا يتحصنوا منه بآطامهم، فعزّت الأوس والخزرج.
[شعر الرمق السالمي]
وقال الرمق بن زيد السالمي: [2] [مجزوء الكامل]
لم تقض دينك من الحسان ... وقد غنيت وقد غنينا [3]
أشباه غزلان الصّرائم ... يأثرون ويرتدينا
الرّيط والديباج وال ... حمل المضاعف والبرينا
وأبو جبيلة خير من ... يمشي وأوفاهم يمينا
__________
- فلما خرج النساء من عندها ودخل عليه الفطيون قتله مالك وخرج هاربا، فقال بعضهم في ذلك من أبيات:
هل كان للفطيون عقر نسائكم ... حكم النصيب فبئس حكم الحاكم
حتى حباه مالك بمرشّة ... حمراء تضحك عن نجيع قائم
(تاريخ ابن الأثير 1/517- 518)
[1] الحائر: المكان المطمئن الوسط المرتفع الحروف، يجتمع فيه الماء فيتحير ولا يخرج، والحائر: البستان.
[2] جاءت الأبيات: 4، 5، 6، 7، في كامل ابن الأثير 1/518.
[3] ينبغي أن تقرأ: (مل حسان) ليستقيم الوزن.
(1/348)

وأبرّه برّا وأع ... لمه بفعل الصالحينا [1] [132 ظ]
أبقت لنا الأيام وال ... حرب الملّمّة تعترينا [2]
كبشا له درق تف ... لّ متونها الذكر السنينا [3]
ومعاقلا شمّا وأس ... يافا يقمن وينحنينا
ومحلّة زوراء تجح ... ف بالرجال الظالمينا
وكان ضئيلا، فقال أبو جبيلة: عسل طيب في وعاء سوء.
[رثاء سارة القرظية]
وقالت سارة القرظية ترثي من أصيب يومئذ: [4] [الوافر]
بأهلي رمّة لم تغن شيئا ... بذي حرض تعفّيها الرياح
كهول من قريظة أتلفتهم ... [سيوف] الخزرجية والرماح [5]
ولو أربوا بأمرهم لجالت ... هنالك دونهم جول رداح [6]
[أطم أهل المدينة]
بنى أحيحة [7] الضحيان بالحجارة السود، وبنى على رأسه مثل الفضة،
__________
[1] في الكامل: (وأبرهم برا وأعلمهم بهدي الصالحينا) .
[2] الكامل: (والحرب المهمة) .
[3] الكامل: (له قرن يعض حسامه الذكر السنينا) .
درق: جمع الدرقة، الترس من جلد. وفي حاشية الأصل: (أراد جيشا) .
[4] الأبيات مع رابع في الأغاني 22/117، ومعجم البلدان (حرض) 2/242، والروض الأنف 2/24، وخلاصة الوفا للسمهودي ص 79- 84.
[5] في الأصل: (سيوف) ساقطة، والتكملة من الأغاني ومعجم البلدان.
[6] في الأغاني: (هنالك دونهم جاءوا رداح) . جأواء: كتيبة جرارة.
في معجم البلدان: (هنالك دونهم حرب رداح) . الرداح: الكثيرة الجرارة. الجول:
الكتيبة الضخمة.
[7] أحيحة بن الجلاح بن الحريش الأوسي: شاعر جاهلي من دهاة العرب وشجعانهم، كان سيد يثرب، وكان له حصن فيها سماه (المستظل) ، وحصن في ظاهرها سماه (الضحيان) ومزارع وبساتين ومال وفير، وكان مرابيا كثير المال، له شعر بقي منه-
(1/349)

يرى من مسيرة بريد، وكان معه غلام له يقال له (زنبر) رومي، فقال أحيحة:
لقد بنيت حصنا ما بني عربي أمنع ولا أكرم منه، وإن فيه لحجرا لو نزع لوقع جميعا، فقال غلامه وهو فوق الأطم: وأنا والله أعرفه، فقال: أرنيه، فأراه إياه، فدفعه من فوق الحصن فمات. [1]
قال أعور بني واقف [2] قيس بن رفاعة: [البسيط]
كيف أرجّي لذيذ العيش بعدهم ... وبعد من قد مضى من أهل ريدان [3]
[133 و] وكان لبني خطمة [4] أطم يقال له ذرع [5] بوزن عمر، وهو الذي جاء في الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من ذرع بني خطمة، وبصق فيها.
والسّنخ اسم أطم، وكان عبد الله بن أبيّ [6] إذا احتبى بفناء مزاحم [7] ، لم يمرر به أحد يغير حتى جاء الإسلام، ومزاحم أطم له، قال قيس: [8] [الطويل]
صبحنا بها الآطام حول مزاحم ... قوانس أولى بيضها كالكواكب
__________
- شىء قليل، توفي نحو سنة 130 ق. هـ/ 497 م.
(الأغاني 13/115، خزانة الأدب 2/32، ياقوت: ضحيان)
[1] الرواية في الأغاني 15/46.
[2] بنو واقف: ولد امرىء القيس بن مالك بن الأوس بن حارثة. (جمهرة أنساب العرب ص 344)
[3] ريدان: أطم بالمدينة لآل حارثة بن سهل من الأوس. (ياقوت: ريدان)
[4] بنو خطمة: من ولد جشم بن مالك بن أوس بن حارثة. (جمهرة أنساب العرب ص 343)
[5] لم يرد الذرع ولا السنخ في معجم البلدان.
[6] هو أبيّ بن أبي سلول، الأغاني 17/131- 132.
[7] مزاحم: أطم بالمدينة ذكره قيس بن الخطيم في شعره. (ياقوت: مزاحم)
[8] البيت من قصيدة في ديوان قيس بن الخطيم ص 86 تحقيق ناصر الدين الأسد، ط بيروت. 1990
(1/350)

بنى مالك بن كعب بن عبد الأشهل بن حارثة بن دينار بن النجار المنيف [1] ، وفيه قال الشاعر يرثيه: [مجزوء الكامل]
يا عين فابكي مالكا ... ولعزّ ذلك هالكا
ولقد بنيت مشيّدا ... حتى الكواكب سامكا
[دور الأنصار]
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو الأشهل، ثم بلحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة) [2] ، فبلغ ذلك سعد بن عبادة فقال: جعلنا آخر الدور، اسرجوا لي حماري، قبلغ ذاك رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: (في كل دور الأنصار خير) . [3]
قال كعب: [الطويل]
فلما هبطنا العرض قالت سراتنا ... علام إذا لم يمنع العرض نزرع [4]
[133 ظ] قال تبّع، وهو تبّع الآخر بن حسان [5] تبّع بن كليكرب بن تبّع الأقرن:
[الكامل]
ولقد شربت على براجم شربة ... كادت بنا فيه الحياة تديع
براجم: ماء بالمدينة، قال: لأنه نشبت في حلقه علقة.
__________
[1] المنيف: أطم في المدينة لم يذكره ياقوت، وذكر مواضع بهذا الاسم في اليمن ولحج في عدن وغيرها.
[2] الحديث في صحيح البخاري 5/41، ومسند أحمد بن حنبل 3/436، 497، والمعجم الكبير 19/266.
[3] صحيح البخاري 2/55، 5/41، 45، 7/68، صحيح مسلم فضائل الصحابة 177، 179، 180، سنن الترمذي 532، مسند أحمد بن حنبل 3/202، 496، 5/425.
[4] العرض: وادي اليمامة، ويقال لكل واد فيه قرى ومياه عرض، وأعراض المدينة وهي قراها التي في أوديتها، والأعراض: قرى بين الحجاز واليمن. (ياقوت: العرض)
[5] تبع الأصغر بن حسان بن أسعد تبع بن مليكيكرب بن تبع الأقرن. (جمهرة أنساب العرب ص 438)
(1/351)

من ملح قول قيس: [1] [المنسرح]
إنّا وإن قدّموا التي علموا ... أكبادنا من ورائهم تجف
لما بدت نحونا جباههم ... حنّت إلينا الأرحام والصّحف [2]
[وصية أحيحة بن الجلاح]
قال أحيحة [3] لابنه عمرو عند وفاته: أصلح مالك، فانّ قومك لا يزالون يعرفون لك فضلا ما علموا غناك، واعلم أني لم أترك عليك دينا ولا خلّة أعرابيّ، فانّ الأعرابي لو أتاك بأديم حلم [4] قد بعته له، ودفعته إليه نقيا صحيحا، رأى أنه قد أحسن إليك.
قال قيس: [5] [المتقارب]
ونحن فوارس يوم النقي ... ع قد علموا كيف فرسانها [6]
موضع [7] التقوا فيه معروف.
وقال كعب بن مالك يهجو أبا قيس بن الأسلت: [8] [الطويل]
__________
[1] البيتان لقيس بن الخطيم في ديوانه ص 116- 117.
[2] الديوان: (لما بدت غدوة) .
[3] أحيحة بن الجلاح: سبقت ترجمته.
[4] أديم حلم: الجلد يقع فيه الدود فينقب ويفسد.
[5] البيت من قصيدة لقيس بن الخطيم في ديوانه ص 69.
[6] الديوان: (ونحن الفوارس يوم الربيع) . الربيع: الجدول الصغير، قال: أهل المدينة يقولون: ربيع، وأهل اليمامة يقولون: جدول.
[7] النقيع: موضع حماه عمر بن الخطاب رضي الله عنه لخيل المسلمين، وهو من أودية الحجاز، يدفع سيله إلى المدينة، يسلك العرب إلى مكة منه، وفي كتاب نصر:
النقيع: موضع قرب المدينة كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حماه لخيله، وله هناك مسجد يقال له مقمّل، وهو من ديار مزينة، وبين النقيع والمدينة عشرون فرسخا.
(ياقوت: النقيع)
[8] ديوان كعب بن مالك ص 123.
(1/352)

تشوّهت إذ تسعى على جلّ مالك ... وهل لك في أبناء مالك بن أصل
بنو مالك أبناء عمرو بن عامر ... وأنت يهوديّ تشقّ خصى الفحل
[من خدع أبي جهل]
من خدعات الدهاة:
كانت الأوس والخزرج في حروبهم تلك قد خافت بجمع الخزرج عليها، فخرجت إلى قريش تحالفها، فأظهروا أنهم محرمون للعمرة، وقلدوا آطامهم [134 و] الحبال على رؤوسها، وعلقوا فيها كرانيف [1] النخل، وكانت تلك علامة الإحرام، وكان يكفّ بعضهم عن بعض إذا أحرموا، فأتوا قريشا فقالوا: بعدت دارنا عن داركم، متى يدرككم غوثنا، أو متى تجيبون صريخنا، ولكن احتملوا إلينا بأهلكم نحالفكم، ففعلوا، فقال الوليد بن المغيرة وأبو جهل، وكانا غائبين أو أحدهما: والله ما دخل قوم قطّ على قوم في دارهم إلا غلبوهم على شرفهم وفخرهم وعزهم، وورثوا ديارهم، قالوا: فما المخرج؟ قال أبو جهل: أنا أكفيكم، إنهم أهل كرامة [2] وغيرة، فأنا آتيهم من قبل ذلك، فقال: إنّ لنا سنّة لا يزال الرجل منّا قد لقي المرأة في السوق فضرب على عجيزتها وعبث بها، فان طبتم أنفسا بأن يكون نساؤكم إسوة بنسائنا، وإلا فردوا على قومي حلفهم، قالوا: قد رددناه.
[دور آل جحش بعد الهجرة]
رأى العباس رحمه الله دور آل جحش [3] خلاء، تصفق أبوابها الريح،
__________
[1] الكرانيف: جمع كرنافة، أصول الكرب تبقى في الجذع بعد قطع السعف.
[2] في الأصل: (أهل كران) ، والكران العود أو الصنج، ولا معنى له هنا.
[3] آل جحش: عبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر الأسدي، صحابي قديم الإسلام، هاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وأخوه أبو أحمد عبد بن جحش، وهما أخوا زينب بنت جحش زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتل عبد الله يوم أحد شهيدا، ودفن هو وحمزة بن عبد المطلب في قبر واحد، سنة 3 هـ.
(الإصابة ت 4574، حاية الأولياء 1/108، 5/180) المجموع اللفيف* 12
(1/353)

وكانوا قد أوعبوا [1] في الهجرة، فأنشد: [البسيط]
وكل دار وإن طالت سلامتها ... يوما ستدخلها النكباء والحوب [2]
فقال له أبو جهل: ما يبكيك على قلّ بن قل [3] ، وذلّ بن ذل، فتراجعا حتى كان بينهما لحاء [4] .
[بين الأوس والخزرج]
قالت الأوس لحضير الكتائب [5] وهو رئيسهم، لما كثر الخزرج، لو حاجزت القوم يا أبا أسيد، وأرسلت إلى حلفائك [134 ظ] مزينة، فقال وهو جالس واضع سيّة قوسه [6] على ثناياه، فألقى القوس من يده وقال: أنتظر مزينة، وقد نظرت إلى القوم ونظروا إليّ، الموت أحسن من ذلك، وذمر أصحابه [7] فنصروا يومئذ على الخزرج.
وقال أبو أحمد عبد بن جحش في أخذ أبي سفيان دورهم [8] ، وكانوا
__________
[1] في الأصل: (أرعبوا) . أوعبوا: خرجوا كلهم إلى الغزو، جلوا ولم يبق ببلدهم منهم أحد.
[2] النكباء: الريح انحرفت ووقعت بين ريحين كالصبا والشمال.
الحوب: الوحشة والحاجة والمسكنة، والإثم والهلاك.
[3] قل بن قل: لا يعرف هو ولا أبوه.
[4] لحاء: من الملاحاة، لا حاه ملاحاة ولحاء، نازعه وخاصمه.
[5] حضير الكتائب: حضير بن سمّاك بن عتيك بن امرىء القيس، من الأوس، شجاع من الأشراف في الجاهلية، من سكان المدينة، وينعت بالكامل (لإجادته الكتابة والعوم والرمي) ، كان رئيس الأوس وقائدها يوم (بعاث) في آخر وقعة للأوس مع الخزرج، وقتل في ذلك اليوم سنة 5 ق. هـ./ 617 م. (طبقات ابن سعد 3/135- 136، عمدة الأخبار ص 29)
[6] سية القوس: ما عطف من طرفها، وهما سيّتان.
[7] ذمر أصحابه: حضهم وشجعهم.
[8] كان أبو سفيان بن حرب قد استولى على دار بني جحش بعد أن هاجروا عدوانا منه-
(1/354)

تنزهوا عن ارتجاعها بعد فتح مكة: [1] [مجزوء الرجز]
أبلغ أبا سفيان عن ... أمر عواقبه ندامه
دار ابن أختك بعتها ... يقضي بها عنك الغرامه [2]
ونزيلكم وحليفكم ... بالله مجتهد القسامه [3]
اذهب بها اذهب بها ... طوّقتها طوق الحمامه
[آية نزلت في عليّ]
نزلت في علي صلى الله عليه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
[4] ، لما نام علي على فراش رسول الله صلى الله عليه ليلة سرى من مكة.
[مرور الرسول بالجحفة]
لمّا مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجحفة [5] مرّ بابل وراع، فقالا، ومعه أبو بكر: لمن هذه الإبل؟ فقال: لرجل من أسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبكر: سلمت إن شاء الله، ما اسمك؟ قال: مسعود قال: سعدت إن شاء الله.
__________
- وانتقاما، وقد رأى أنه أحق من غيره، لأن ابنته الفارعة تحت أبي أحمد عبد بن جحش، فلما بلغ بني جحش ما صنع أبو سفيان بدارهم، ذكر عبد الله بن جحش ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الرسول: (ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها دارا خيرا منها في الجنة؟ قال: بلى، قال: فذلك لك) . (السيرة النبوية 1/499، شعر المخضرمين وأثر الإسلام فيه ص 102)
[1] الرجز في السيرة النبوية 1/500.
[2] السيرة: (دار ابن عمك بعتها) .
[3] السيرة: (وحليفكم بالله رب الناس) .
[4] البقرة 207.
[5] الجحفة: كانت قرية كبيرة ذات منبر على طريق المدينة من مكة، على أربع مراحل، قال السكرى: الجحفة على ثلاث مراحل من مكة في طريق المدينة، والجحفة أول الغور إلى مكة، وكذلك هي من الوجه الآخر إلى ذات عرق، وأول الثغر من طريق المدينة إيضا الجحفة. (ياقوت: الجحفة)
(1/355)

[خيمتا أم معبد]
لما نزلا بخيمتي أم معبد [1] من خزاعة، أرسلت ابنا بعناق، فقالت:
يا بني اذهب بهذه الشفرة إلى هذين الرجلين، فمرهما فليذبحا [135 و] فليأكلا ويطعمانا، فجاء إليهما فقال: إنّ أمّي تقريكما السلام وتقول: كيت وكيت، فاستدناها رسول الله صلى الله عليه وآله، فمسح ضرعها فاذا هو ممتلىء لبنا، فشرب وسقى أبا بكر، ثم أعطاه الحلاب، فقال: اذهب به إلى أمّك، فأتاها فقال: يا أمّتاه، هذا والله من العتاق، فقالت: والله إني لأظنّه العبد الصالح الذي بلغنا بمكة، وقاما فارتحلا، فقالت للنبي صلى الله عليه وآله: أوصني، فقال أبو بكر: سر، فقال: ما أنا بمنطلق حتى أوصيها:
(أوصيك باطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة والناس نيام) [2] ، ودعا لها ولغنمها بالبركة، ثم سار صلى الله عليه.
[أبيات سراقة بن مالك]
قال سراقة بن مالك [3] لأبي جهل: [4] [الطويل]
__________
[1] أم معبد بنت كعب: امرأة من بني كعب من خزاعة، اسمها عاتكة بنت خالد بن بكر ابن خليف، كانت تحت ابن عمها، ويقال له تميم بن عبد العزّى، وكان منزلها بقديد، وهي التي نزل عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين هلجر إلى المدينة. (طبقات ابن سعد 8/224، السيرة النبوية 1/487- 488)
[2] الحديث مع خلاف يسير في العبارة، في مسند أحمد بن حنبل 3/325، 334، إتحاف السادة المتقين 4/434، 5/239.
[3] سراقة بن مالك بن جشم بن مالك بن عمرو الكناني المدلجي: كان ينزل قديدا، روى البخاري قصته في إدراكه النبي صلى الله عليه وسلم، لما هاجر إلى المدينة، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى ساخت رجلا فرسه، ثم إنه طلب الخلاص منه، وألا يدل عليه، ففعل وكتب له أمانا، وأسلم يوم الفتح، توفي سنة 24 هـ.
(أسد الغابة 2/280- 282، الإصابة 3/35)
[4] الأبيات في: أسد الغابة 5/282، الاستيعاب 2/249، والبيتان الأولان في الإصابة 3/35.
(1/356)

أبا حكم والله لو كنت شاهدا ... لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
علمت ولم تشكك بأنّ محمّدا ... رسول ببرهان فمن ذا يكاتمه [1]
عليك بكفّ القوم عنه فانّني ... أرى أمره يوما ستبدو معالمه
بأمر تودّ النّضر فيه بأسرها ... لو أنّ جميع الناس طرّا يسالمه [2]
[النبي في المدينة]
مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أبيّ [3] ، مدخله المدينة، فوقف ينتظر أن يدعوه إلى المنزل، فقال عبد الله: انظر الذين دعوك فانزل عليهم، وهو يومئذ سيد الخزرج، وكان مقدمه صلى الله عليه يوم الاثنين [135 ظ] لأربع عشرة مضت من شهر ربيع الأول [4] ، وبدر يوم الاثنين لسبع عشرة من شهر رمضان [5] ، ووفاته يوم الاثنين لخمس عشرة من شهر ربيع
__________
[1] أسد الغابة والاستيعاب: (فمن ذا يقاومه) .
[2] أسد الغابة والاستيعاب: (بأمر يود الناس فيه بأسرهم بأن جميع الناس) .
[3] عبد الله بن أبيّ بن سلول: عبد الله بن أبيّ بن مالك بن الحارث بن عبيد الخزرجي، أبو الحباب المشهور بابن سلول، وسلول جدته لأبيه من خزاعة، رأس المنافقين في الإسلام، من أهل المدينة، كان سيد الخزرج في آخر جاهليتهم، وأظهر الإسلام بعد وقعة بدر تقية، ولما تهيأ النبي صلى الله عليه وسلم لوقعة أحد انخزل عبد الله بن أبيّ، وكان معه ثلاث مئة رجل، فعاد بهم إلى المدينة، وفعل ذلك يوم التهيؤ لغزوة تبوك، وكان كلما حلت بالمسلمين نازلة شمت بهم، وكلما سمع بسيئة نشرها، وله في ذلك أخبار، ولما مات تقدم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى عليه، ولم يكن ذلك من رأي عمر، فنزلت: (ولا تصل على أحد منهم) الآية، وكان عملاقا يركب الفرس فتخط إبهاماه في الأرض، توفي سنة 9 هـ.
(امتاع الأسماع 1/99، 105، 120، 165، 449، 450، المحبر ص 233، تاريخ الخميس 2/140، طبقات ابن سعد 2/90، جمهرة الأنساب ص 335)
[4] في السيرة 1/590: لثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، وفي طبقات ابن سعد 1/180، يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، ويقال لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول.
[5] في الأصل: (من شهر زمان) ، والكلمة محرفة، وفي طبقات ابن سعد 2/10: ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أدنى بدر عشاء ليلة جمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان.
(1/357)

الأول [1] ، وأقام بقبا [2] ثنتين وعشرين ليلة، وكانت الأنصار قد اجتمعوا قبل ركوبه من قبا، فمشوا حول ناقته، لا يزال أحدهم ينازع صاحبه زمام الناقة، شحّا على كرامة رسول الله صلى الله عليه وآله، كلما مرّ بدار دعوه إلى المنزل، وهو يقول: (دعوها فانها مأمورة) [3] ، حتى بركت على باب دار أبي أيوب [4] ، وابتدر أبو أيوب رحله وراحلته فأدخلهما منزله [5] .
[قال: وكنا نصنع له العشاء، ثم نبعث به إليه، فاذا ردّ علينا فضله تيمّمت أنا وأم أيوب موضع يده، فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة، حتى بعثنا إليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له بصلا أو ثوما، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم أر ليده فيه أثرا، قال: فجئته فزعا فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، رددت عشاءك، ولم أر فيه موضع يدك، وكنت إذا رددته علينا، تيممت أنا وأم أيوب موضع يدك، نبتغي بذلك البركة، قال: إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجى، فأما أنتم فكلوه، قال: فأكلناه، ولم نصنع له تلك الشجرة بعد] [6] .
__________
[1] في طبقات ابن سعد 2/209: يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول.
[2] قبا: سبق التعريف به.
[3] طبقات ابن سعد 1/182، السيرة النبوية 1/494- 495.
[4] أبو أيوب الأنصاري: خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة، من بني النجار، صحابي شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد، وكان شجاعا صابرا تقيا محبا للغزو والجهاد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل في داره عند الهجرة، وكان مقامه فيه سبعة أشهر، عاش أبو أيوب إلى أيام بني أمية، وغزا القسطنطينية، وتوفي هناك، ودفن في أصل حصن القسطنطينية، سنة 52 هـ. (السيرة النبوية 1/494- 495، طبقات ابن سعد 1/182، ومواضع أخر، الإصابة 1/405، صفة الصفوة 1/186، حلية الأولياء 1/361)
[5] في الأصل سطران مضطربان وفيهما نقص يتحدث عن ثريد أبي أيوب، والتكملة بين المعقوفتين من السيرة النبوية.
[6] السيرة النبوية 1/499.
(1/358)

[بناء مسجد النبي]
لما أسس رسول الله صلى الله عليه وآله المسجد، كان عمّار [1] رضي الله عنه يومئذ ينقل لبنتين لبنتين، وكان رسول الله صلى الله عليه يمسح رأسه من التراب، ويقول: (يا ويحك يا ابن سميّة تقتلك الفئة الباغية) [2] .
وكان عثمان رجلا نظيفا متنظفا يجافي اللبنة عن ثوبه إذا حملها، وينفض كمّه إذا وضعها، فقال عليّ عليه السلام: [3] [الرجز]
لا يستوي من يعمر المساجدا ... يدأب فيها قائما وقاعدا
ومن يرى عن الغبار حائدا
فعلقها عمّار يرتجز بها، فقال عثمان: يابن سميّة، ما أعرفني بمن تعرّض، ومعه جريدة [136 و] فقال: والله لتكفّنّ أو لأعترضنّ بها وجهك، فسمعها رسول الله صلى الله عليه، وهو جالس في ظلّ، فقال: (إنّ عمّارا جلدة ما بين عيني وأنفي، وإذا بلغ من المرء ذلك فقد بلغ) [4] .
قال صلى الله عليه وسلم: (سدوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد، إلا باب أبي بكر [5] فاني لا أعلم أحدا أفضل عندي يدا في الصحابة من أبي
__________
[1] عمّار بن ياسر بن عامر الكناني المذحجي العنسي القحطاني: أبو اليقظان، صحابي من الولاة الشجعان ذوي الرأي، وهو أحد السابقين إلى الإسلام والجهر به، هاجر إلى المدينة، وشهد بدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلقبه (الطيب بن الطيب) وفي الحديث: (ما خيّر عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما، وهو أول من بنى مسجدا في الإسلام (بناه في المدينة وسماه قباء) ، وولاه عمر الكوفة، وشهد الجمل وصفين مع عليّ، وقتل في صفين وعمره ثلاث وتسعون سنة، قتل سنة 37 هـ. (الإصابة ت 5706، حلية الأولياء 1/139، ذيل المذيل ص 11، صفة الصفوة 1/175، الطبري 6/21، المحبر ص 289، 296)
[2] السيرة النبوية 1/496- 497، البداية والنهاية 7/271.
[3] الرجز في السيرة النبوية 1/497، وديوان علي بن أبي طالب ص. 62
[4] السيرة النبوية 1/497.
[5] الحديث في السنة لابن أبي عاصم 2/579، تغليق التعليق لابن حجر العسقلاني 1085، 1086.
(1/359)

بكر) رضي الله عنه. وفي حديث آخر: (سدوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلا باب عليّ [1] ، إنّ الله أمر موسى عليه السلام أن يبني مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا هو وهارون وأبناء هارون شير وشبير، وإن الله تعالى أوحى إليّ أن أتخذ مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا أنا وعليّ وأبناه علي حسن وحسين) [2] .
وقال للعباس وقد خاطبه في ذلك: (يا عمّ والله ما سددت عن أمري، وما أنا أسكنت عليا، ولكن الله أسكنه) [3] ، وكان لا يأذن لأحد أن يجلس في المسجد، ولا يمرّ فيه جنبا، إلا لعليّ وحده صلى الله عليه.
كان في المسجد جذع نخلة يستند إليه النبيّ صلى الله عليه يوم الجمعة، إذا أراد أن يكلّم الناس، فقالوا: يا رسول الله، ألا نتخذ لك شيئا يستند إليه ظهرك؟ فقال: (لا عليكم أن تفعلوا) [4] ، فجعلوا هذا المنبر ثلاث مراقي، فخار الجذع كما تخور البقرة، وحنّ كحنين الناقة، فنزل صلى الله عليه وآله فاعتنقه، فسكن، وكان المنبر من طرفاء الغابة، والجذع من أمّ جرذان من حائط أبي أيوب، ودفن [136 ظ] الجذع بين المنبر والمغرب، وكان طوله سبع أذرع.
[معاوية يطلب نقل منبر الرسول إلى الشام]
كتب معاوية إلى مروان [5] أن ابعث إليّ منبر رسول الله صلى الله عليه
__________
[1] الحديث إلى قوله: (باب علي) مع خلاف يسير في اللفظ في: مستدرك الحاكم 3/125، مسند أحمد بن حنبل 4/369، تفسير ابن كثير 33005، سنن البيهقي 2/443.
[2] لم أجد بقية الحديث في كتب الحديث المعتمدة.
[3] الحديث مع خلاف في اللفظ في: الدر المنثور 2/122، فتح الباري لابن حجر 7/14، مجمع الزوائد للهيثمي 1419، الحاوي للفتاوي للسيوطي 2/58.
[4] الحديث في مسند أحمد بن حنبل 2/109، مجمع الزوائد 2/180، كنز العمال 44919.
[5] مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية: أبو عبد الملك، خليفة أموي، وإليه ينسب-
(1/360)

وآله [1] ، فقلعه فكسفت الشمس حتى رأوا النجوم، وأصابتهم ريح وظلمة، فكان يلقى الرجل الرجل يصكّه لا يعرفه، فقال مروان: أيها الناس، تزعمون أن أمير المؤمنين أمرني أن يقلع منبر رسول الله صلى الله عليه والبعثة به إليه، وهو أعلم بالله أن يفعل ذلك، إنما كتب يأمرني أن أرفعه عن الأرض، ودعا النجاجرة فعملوا له ست درجات، فصار تسع درجات بالمجلس، ثم لم يزد فيه أحد بعده ولا قبله.
[من جلس مجلس الرسول]
أول من جلس مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله عثمان، ثم عليّ عليه السلام، قال محمد بن عمّار [2] مؤذن عليّ، فقلت له: يا أمير المؤمنين، إنّ صاحبيك كانا يكفّان عن هذا المجلس، قال: قد علمت، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يعطى أحد في مجلسي هذا شيئا ولا يفي به إلا سقاه الله من طينه الخبال) [3] ، فأردت أن آخذ منهم وأعطيهم عليه.
__________
- بنو مروان، ولد بمكة وسكن المدينة، فلما كانت أيام عثمان بن عفان جعله في خاصته واتخذه كاتبا له، ولما قتل عثمان خرج مروان إلى البصرة مع طلحة والزبير يطالبون بدمه، وشهد صفين مع معاوية، ولاه معاوية المدينة ثم عزله عبد الله بن الزبير، ولما مات يزيد بن معاوية دعا مروان إلى نفسه، فبايعه أهل الأردن، توفي سنة 65 هـ.
(الطبري 7/34، 83، ابن الأثير 4/74، الإصابة ت 8320، تاريخ الخميس 2/306، البدء والتاريخ 6/19)
[1] وآله: هذه من زيادات المؤلف، إذ لا يعقل أن يصلي معاوية على آله، وكذلك في الموضع التي ذكرها.
[2] محمد بن عمار بن سعد: المؤذن المدني، روى عن أبيه وأبي هريرة، ذكره ابن حبان في الثقات.
(تهذيب التهذيب 6/358- 359)
[3] لم أجد الحديث في كتب الحديث المعتمدة.
(1/361)

[توسعة مسجد الرسول]
كان الوليد على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله يخطب، فرأى حسن ابن حسن بن علي [1] عليه السلام، في بيت فاطمة عليها السلام، بيده مرآة ينظر فيها، فنزل فأمر عمر بابتياعه، فأبوا أن يبيعوه، وقالوا: لا نأكل له ثمنا، وكان قد دفع إليهم به ثمانية ألف دينار، فأمر الوليد بهدمه وإدخاله في المسجد، وطرح الثمن في بيت المال، ويقال: إن أصل الزيادة [137 و] في المسجد أيام الوليد، إنما كان احتيالا على هذا البيت، وذاك أنّ بعض أصحاب أخبار الوليد [2] الذين كان يبعثهم في كل سنة إلى المدينة، يتعرفون له الأخبار، جاءه فقال: والله لقد رأيت أمرا ما لك معه سلطان، فقال: ما هو؟ قال: كنت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، فاذا منزل عليه كلّة، فلما أقيمت الصلاة، رفع صاحبه الكلة فصلى بصلاة الإمام هو ومن معه، فلما انقضت الصلاة أرخيت الكلة، ودعي بالغداء فتغدى هو وأصحابه، فسألت عنه، فقيل: هو حسن بن حسن، فقال: ويحك فما أصنع؟ هو بيته وبيت أمّه، قال: تزيد في المسجد وتدخل هذا البيت فيه، فكتب إلى عمر [3]
__________
[1] الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب: كبير الطالبيين في عهده، ويعرف بالحسن المثنى، إقامته ووفاته في المدينة، وكان عبد الملك بن مروان يهابه، واتّهم بمكاتبة أهل العراق وأنهم يمنونه بالخلافة، فبلغ ذلك الوليد بن عبد الملك، فأمر عامله بالمدينة بجلده، فلم يجلده العامل وكتب للوليد يبرئه، وقيل للحسن: ألم يقل رسول الله: (من كنت مولاه فعليّ مولاه) فقال: بلى، ولكن والله لم يعن رسول الله بذلك الإمارة والسلطان، ولو أرا ذلك لأفصح لهم به. توفي نحو سنة 90 هـ. (طبقات ابن سعد 5/244، تهذيب ابن عساكر 4/162)
[2] الوليد: هو الوليد بن عبد الملك بن مروان، كان ولوعا بالبناء والعمران، كتب إلى والي المدينة يأمره بتسهيل الثنايا وحفر الآبار، وهدم مسجد المدينة والبيوت المحيطة به، ثم بناه بناء جديدا، وصفّح الكعبة والميزاب والأساطين في مكة، وبنى المسجد الأقصى في القدس، ومسجد دمشق الكبير المعروف بالجامع الأموي، توفي سنة 96 هـ.
(الطبري 8/97، ابن الأثير 5/3، تاريخ الخميس 2/311، 314، مروج الذهب 2/119- 127)
[3] هو عمر بن عبد العزيز، وكان واليا للوليد بن عبد الملك على المدينة
(1/362)

بذلك. فلما أرادوا هدمه لم يخرج حسن رضوان الله عليه حتى تناوله الشّرط بالسياط، وصاح النساء فخرج، فانتقلت فاطمة بنت الحسين صلى الله عليه إلى موضع دارها بالحرّة وهي براح [1] فابتنتها، وقالت: ما بدّ لي من بئر، فصلّت في موضع البئر منها ودعت، ثم أخذت المسحاة فاحتفرت بيدها، ثم أمرت العمّال فعملوا، فما لقيت حصاة حتى أماهت [2] .
وهدمت حجرات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وأدخلت في البناء، قال: فما رأيت يوما كان أكثر باكيا من ذلك اليوم [3] . قال رسول الله صلى الله عليه: (يا أمّ سلمة، شرّ ما ذهبت فيه أموال الناس البنيان) [4] .
[في لزوم جماعة المسلمين]
علي بن عيسى بن الجراح الوزير، حدثنا أبو جعفر أحمد بن بديل [137 ظ] ابن قريش اليامي [5] الكوفي بسر من رأى، في جمادى الآخر [ة] سنة أربع وخمسين ومائتين، قال: حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان الضبي، عن أبيه، يبلغ به إلى أبي ذر رحمه الله، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
__________
[1] البراح: المتسع من الأرض لا زرع فيه ولا شجر.
[2] أماهت: كثر ماؤها.
[3] في طبقات ابن سعد عن معاذ بن محمد الأنصاري: سمعت عطاء الخراساني في مجلس فيه عمر بن أبي أنس يقول وهو فيما بين القبر والمنبر: أدركت حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من جريد النخل، على أبوابها المسوح من شعر أسود، فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ بإدخال حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيت أكثر باكيا من ذلك اليوم. (طبقات ابن سعد 1/387)
[4] طبقات ابن سعد 1/387، كنز العمال 41521.
[5] في الأصل: (الأيامي) ، وهو اليامي أحمد بن بديل، قاضي الكوفة، عالم دين فاضل معمر، توفي سنة 258 هـ.
(سير أعلام النبلاء 12/331، الإعلام بوفيات الأعلام ص 115)
(1/363)

(من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) [1] . وحدّث علي بن المدائني قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني يسر بن عبيد الله الحضرمي أنه سمع أبا أدريس الخولاني، يقول: سمعت حذيفة بن اليمان [2] رضي الله عنه يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني، قال، فقلت: يا رسول الله، إنّا كنا أهل جاهلية وشرّ، وجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شرّ؟ قال: نعم، فقلت: وهل بعد الشر خير؟ قال: (نعم، وفيه دخن) [3] ، قلت: وما دخنه؟ قال: (قوم يستنون بغير سنّتي، وبغير هداي، تعرف منهم وتنكر) [4] ، قلت: فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: (نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها) [5] ، قلت:
يا رسول الله، صفهم لنا، قال: (هم قوم من أهل جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا) ، قال، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) [6] ، قلت: فان لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: (تعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضّ بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) .
__________
[1] الحديث في: الدر المنثور للسيوطي 2/178، مستدرك الحاكم 1/117، الترغيب والترهيب 1/368، السنة لابن أبي عاصم 5/434.
[2] حذيفة بن اليمان: حذيفة بن حسل بن جابر العبسي، أبو عبد الله، واليمان لقب حسل، صحابي من الولاة الشجعان الفاتحين، كان صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم في المنافقين، لم يعلمهم أحد غيره، ولاه عمر المدائن، غزا نهاوند، والدينور، وماه سندان، وهمذان، والري، توفي بالمدينة سنة 36 هـ.
(تهذيب التهذيب 2/219، الإصابة 1/317، حلية الأولياء 1/270، تاريخ ابن عساكر 4/73، صفة الصفوة 1/249)
[3] صحيح البخاري 9/65، صحيح مسلم 1475، السنن الكبرى للبيهقي 8/156.
[4] صحيح البخاري 4/342، 9/65، صحيح مسلم، الإمارة ب 13 رقم 51، كنز العمال 31292، حلية الأولياء 1/272.
[5] صحيح مسلم 1475، كنز العمال 31292.
[6] صحيح مسلم 1476، صحيح البخاري 4/212، السنن الكبرى 8/156، 190، شرح السنة للبغوي 15/14.
(1/364)

وحدّث هشيم عن العوام [138 و] بن حوشب عن عبد الله بن مسعود، في قول الله جل جلاله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً
[1] ، قال: حبل الله الجماعة.
وروى سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا عليّ، إنها ستكون فتن وسيحاجك قومك) [2] ، قال، قلت: يا رسول الله فما تأمرني؟
قال: (اتبع الكتاب) أو قال: (حكم الكتاب) [3] .
انظر حقّ النظر تعلم أنّ عليا عليه السلام هو الجماعة المأمور بلزومها عند الفتن، لأنه عليه السلام أمر حذيفة في الخبر المتقدم عن الفتنة بلزوم الجماعة والإمام، وأمر عليا عليه السلام عندها باتباع الكتاب وحكمه، لا الجماعة والإمام، لأنه المعنيّ بها، وأوضح الأمر بأنّ قومه سيحاجّونه، إفصاحا عن منازعتهم إياه حقّه، ولم يقل مثل هذا لحذيفة رضي الله عنه، وفي هذا بيان وهدى لمن رفض الهوى.
وحدّث حماد بن يحيى عن الزهري عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله، ثم تعمل برهة بسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم تعمل بعد ذلك برهة بالرأي، فاذا عملوا بالرأى فقد ضلوا) [4] .
وعن أبي سعيد الخدري، أنّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم،
__________
[1] آل عمران 103.
[2] الحديث في الضعفاء للعقيلي 3/405 بلفظ: (وستحاج قومك) ، الجامع الكبير 2/69 بلفظ: (وسيحاج قومك) .
[3] كنز العمال 31551.
[4] مجمع الزوائد 1/179، جانع بيان العلم وفضله 2/142، المطالب العالية 3045، كنز العمال 915.
(1/365)

قال: (لتتبعنّ سنن الذين من قبلكم شبرا شبرا، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضبّ لسلكتموه) [1] ، قلنا يا رسول الله، اليهود والنصارى، قال:
فمن [2] . [138 ظ]
[أي القرآن أشرف]
أبو الأحوص عن أبي إسحاق التميمي قال: قلت لابن عباس رحمة الله عليه: أي القرآن أشرف؟ قال: البقرة، قلت: أيّ آية؟ قال: آية الكرسي.
حزم بن أبي حزم القطيعي قال: سمعت الحسن يقول: ذكر لنا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرون أيّ القرآن أعظم؟) [3] ، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (السورة التي تذكر فيها البقرة) [4] ، قال: (أتدرون أيّها أعظم؟) [5] ، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ*
[6] إلى آخر الآية.
عاصم بن أبي النجود، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: لكل شيء سنام، وسنام القرآن البقرة، وإنّ لكل شىء لبابا، ولباب القرآن المفصّل، وما خلق الله من سهل ولا جبل، ولا سماء ولا أرض، أعظم من آية الكرسي.
وعن ابن مسعود قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آيتان من
__________
[1] البخاري 4/206، 9/126، مسند أحمد بن حنبل 2/327، 2/450، 511، 3/84، 89، المعجم الكبير 6/229.
[2] كذا في الأصل، ويبدو أن هناك نقصا.
[3] صحيح مسلم: الصلاة المسافرين 258، إتحاف السادة المتقين 5/132، المغني عن حمل الأسفار للعراقي 1/339.
[4] كنز العمال 2526.
[5] صحيح مسلم: الصلاة المسافرين 258، إتحاف السادة المتقين 5/132، الدر المنثور 1/323.
[6] البقرة 255.
(1/366)

أخر سورة البقرة تكفيان من قراءة ليلة) [1] . وعن أنس بن مالك قال، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم، قال خلف في حديث هذا فيه: (ما على أحدكم أن يقرأ في ليلة، بقل هو الله أحد، ثلاث مرات، فانها بعدل القرآن كله) [2] . وعن عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن ابن مسعود أنه ذكر: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ
[3] ، فقال: هي المانعة، تمنع من عذاب القبر.
[سورة الملك]
توفي رجل فأتي من قبل رجليه، فتقول رجلاه: لا سبيل لكم عليه من قبلي، إنه كان يقرأ عليّ سورة الملك. ويؤتى من قبل بطنه، فتقول بطنه: إنه لا سبيل لكم عليه من قبلي، إنه كان أوعى في سورة الملك، ويؤتى من [139 و] قبل رأسه، فيقول رأسه: لا سبيل لكم عليه من قبلي، إنه كان يقرأ سورة الملك، قال: وفي التوراة مكتوب: سورة الملك من قرأها في ليلة أكثر وأطيب.
سفيان عن عبد الكريم عن طلق بن حبيب، قال: (من تعلّم القرآن ثم نسيه، خطّ بكل آية درجة، وجاء يوم القيامة مخصوما) [4] . وفي حديث آخر عن أبي الدرداء: (جاء يوم القيامة أجذم اليدين والرجلين) ، وعن طاووس، أحسبه عن النبي صلى الله عليه قال: (أحسن الناس صوتا بالقرآن أخشاهم لله) [5]
[عند نزول القرآن]
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج على أصحابه رحمة
__________
[1] التاريخ الكبير للبخاري 7/253، جمع الجوامع 53، الدر المنثور 1/378.
[2] لم أجد هذا الحديث.
[3] سورة الملك: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
(الملك 1) .
[4] الحديث مع خلاف يسير في اللفظ في: مسند الربيع بن حبيب 1/6، مصنف عبد الرزاق 5989، مجمع الزوائد للهيثمي 5/205.
[5] إتحاف السادة المتقين 4/522.
(1/367)

الله عليهم إذا جاءه التنزيل، فان كانت السورة مفتتحة استعاذ وقال: بسم الله الرحمن الرحيم، وإن لم تكن مفتتحة، استعاذ وتلا التنزيل، وقال: ضمّوا هذا إلى موضع كذا من سورة كذا.
وإنّ عليا عليه السلام قال: التأليف من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (جاءني جبريل عليه السلام بهذه الآية: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
[1] ، وقال: ضعها على رأس المائتين والثمانين من سورة البقرة) وهذا يدل على أنّ التأليف لرسول الله صلى الله عليه وآله، وعن جبريل صلى الله عليه، وإنما جمع أصحابه في المصحف السور خوفا من أن يشذّ شىء منها، وألّفوها سورة بعد سورة، على ما [139 ظ] رأوه، ولذلك خالف هذا المصحف مصحف عبد الله بن مسعود، ومصحف أبيّ بن كعب في تأليف السور، وخالفهما أيضا في اللفظة بعد اللفظة، والحرف بعد الحرف، فأما أن يزيدا به أو يسقطا فمعاذ الله تعالى.
وروي أنّ آخر آية أنزلت: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
[2] .
[الإجماع على قراءة القرآن]
وقال الشعبي: كان أعلم الناس بما بين اللوحين عليّ بن أبي طالب، صلى الله عليه، وقراءته عليه السلام معروفة، قرأها أبو عمر حفص بن سليمان الأسدي، على عاصم بن أبي النجود بهدلة النحوي، وقال أبو عمر:
لم أخالف عاصما إلا في حرف واحد، قرأ: مِنْ ضَعْفٍ
[3] ، وقرأت:
__________
[1] البقرة 281.
[2] التوبة 129
[3] الروم 54 الآية: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ.
(1/368)

(مِنْ ضَعْفٍ)
، للخبر عن النبي صلى الله عليه وآله، وقرأ عاصم على أبي عبد الرحمن السلمي، قال: لم أخالف أبا عبد الرحمن في شىء من قراءته، وقال أبو عبد الرحمن: لم أخالف عليّا عليه السلام في شىء من قراءته، وقال أبو عبد الرحمن: كنت ألقى زيد بن ثابت بالمواسم، فأجمع له أحرف عليّ عليه السلام، فأسأله عنها، فما خالفه إلا في (التَّابُوتُ) *
[1] ، قرأها زيد بالهاء، وروى عكرمة عن عثمان أنه قال لما أتي بالمصحف: لو كان المملي من هذيل، والكاتب من ثقيف، لم يوجد فيه هذا، يعني اللحن.
[أنزل القرآن على سبعة أحرف]
روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رحمه الله، أنه قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف، صارت في عجز هوازن منها خمسة أحرف، وعجز هوازن ثقيف وبنو سعد بن بكر [140 و] وبنو نصر، وبنو جشم.
[قرّاء القرآن]
ويقال: قارىء وقرأة، مثل: فاجر وفجرة، ومن القرّاء؛ عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة [2] ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز [3] ، مولى محمد بن
__________
[1] وردت كلمة التابوت في آيتين، الأولى في سورة البقرة 248 في قوله تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
. والآية الثانية في سورة طه 39 في قوله تعالى: أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي
[2] عبد الله بن عياش (وفي الأصل غير معجم) أو عباس، بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، ولد عبد الله في أرض الحبشة، وروى عن عمر بن الخطاب، وله دار بالمدينة، توفي سنة 78 هـ.
(طبقات ابن سعد 5/20، تاريخ الإسلام للذهبي ص 468، ترجمة 201، وجاء بلفظ ابن عباس في الإصابة 4/523)
[3] عبد الرحمن بن هرمز: المدني الأعرج مولى محمد بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، الإمام الحافظ الحجة المقرىء أبو داود، كان يكتب الصاحف، كان أعلم الناس بأنساب قريش، ومات مرابطا بالاسكندرية في سنة 117 هـ.
(تهذيب سير أعلام النبلاء- الذهبي 1/174 ترجمة 651)
(1/369)

ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ويزيد بن رومان [1] مولى آل الزبير بن العوام، وكان فقيها قارئا، وبعد التابعين أبو جعفر يزيد بن القعقاع [2] مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، ويقال إنه كان عابدا، وكان يقرىء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قبل الحرّة في سنة ثلاث وستين، وعن عبد الله بن عيّاش أخذ القراءة.
وشيبة بن نصاح [3] مولى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله، جاءوا به إليها رضوان الله عليهما ورحمته صغيرا، فمسحت رأسه وباركت عليه، وكان إمام أهل المدينة في القراءة بعد أبي جعفر. وبعدهما نافع بن عبد الرحمن [4] بن أبي نعيم مولى جعونة بن شعوب الليثي، حليف حمزة بن عبد المطلب عليه السلام.
وقال مجاهد بن جبر: قرأت القرآن على عبد الله بن عباس تسعا وعشرين مرة، كلما بلغت: فَادْخُلِي فِي عِبادِي
[5] ، أخذ عليّ: (فَادْخُلِي فِي عِبادِي) .
__________
[1] يزيد بن رومان الأسدي: أبو روح المدني، مولى آل الزبير، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وكان عالما كثير الحديث، قرأ القرآن على عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، توفي سنة 130 هـ. (تهذيب التهذيب 11/325)
[2] يزيد بن القعقاع: أبو جعفر القارىء المدني المخزومي، مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي روى عن مولاه، وعن أبي هريرة، وابن عمر، وابن عباس وغيرهم، ودخل على أم سلمة وهو صغير فمسحت على رأسه، كان إمام أهل المدينة في القراءة، فسمّي القارىء لذلك، توفي في خلافة مروان بن محمد سنة 127 هـ، وقيل 130 هـ.
(تهذيب التهذيب 12/58)
[3] شيبة بن نصاح بن سرجس المخزومي: المدني القارىء، مولى أم سلمة، أتي به إليها وهو صغير، فمسحت رأسه، وكان ختن يزيد بن القعقاع، وذكره ابن حبان في الثقات، كان إمام أهل المدينة في القراآت، مات سنة 130 هـ.
(تهذيب التهذيب 4/377- 378)
[4] نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارىء المدني: مولى بني ليث، وقيل مولى جعونة، أصله من أصبهان، ويكنى أبا رويم، ويقال أبو عبد الرحمن، كان يؤخذ عنه القرآن، وليس في الحديث بشىء، ذكره ابن حبان في الثقات، قال الأصمعي: كان من القراء الفقهاء العباد، مات سنة 169 هـ. (تهذيب التهذيب 10/407- 408)
[5] الفجر 29.
(1/370)

وبعد التابعين: عبد الله بن كثير [1] ، قال أبو بكر بن مجاهد: انتهت القراءة بمكة إليه، وهو مولى عمرو بن علقمة الكناني، ويقال له الداري، قرأ على مجاهد بن جبر، وقرأ ابن عامر على أبيّ بن كعب رحمة الله عليه. ومن القراء: حميد بن قيس [2] [140 ظ] مولى بني هاشم.
[إعادة بناء المسجد النبوي]
قال: وكتب الوليد إلى ملك الروم [3] : أني أريد بناء مسجد نبيّنا الأعظم صلى الله عليه وآله، فأعنّي بالعمال والفسيفساء، فبعث إليه بأحمال من الفسيفساء، وعشرين عاملا، وبمائتي ألف دينار عونا له، وبالسلاسل التي فيها القناديل، فهدمه عمر [4] سنة إحدى وتسعين وبناه بالمذهب [5] والمرمر والساج والفسيفساء، وبنى بأنقاضه داره بالحرّة، وخلا المسجد يوما للعمال فقال أحدهم: ألا أبول على قبر نبيهم، فنهاه أحدهم، فلم ينته، ففعل فاقتلع فألقي على رأسه، فانتثر دماغه، فأسلم بعضهم.
ولم يزل المسجد على ما أحدثه، حتى ولي أبو جعفر، فشاور في الزيادة
__________
[1] عبد الله بن كثير: أبو معبد مولى عمرو بن علقمة الكناني، أصله فارسي ويقال له الداري، نسبة إلى عطر دارين، أما البخاري فقال: هو قرشي من بني عبد الدار، قال ابن عيينة: لم يكن بمكة أحد أقرأ من حميد وعبد الله بن كثير، وقال جرير بن حازم: رأيت ابن كثير فصيحا بالقرآن، ولد بمكة سنة 48 هـ، ومات سنة 120 هـ.
(تاريخ الإسلام للذهبي ترجمة 461، ص 403- 404، تهذيب سير أعلام النبلاء 1/197)
[2] حميد بن قيس الأعرج المكي: أبو صفوان القارىء الأسدي مولاهم، وقيل مولى عفراء، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وكان قارىء أهل مكة، مات سنة 130 هـ. (تهذيب التهذيب 3/46- 47)
[3] الخبر في الطبري 6/436، وابن الأثير 4/246- 247.
[4] هو عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
[5] في الأصل: (بالمرهب) وهو تحريف.
(1/371)

فيه، فكتب إلى الحسن بن زيد [1] رضي الله عنه، أن زيد فيه من الناحية الشرقية، توسّط قبر النبيّ صلى الله عليه وسلم المسجد، فكتب إليه: قد عرفت الذي أردت، فاكفف عن ذكر دار الشيخ عثمان، وتوفي أبو جعفر ولم يزد فيه شيئا.
وكان مما دخل في المسجد أيام المهدي، دار مكمل بن عوف [2] أخي عبد الرحمن، وكانت يتشاءم بها، وهي التي قالوا له صلى الله عليه: يا رسول الله اشتريناها ونحن جميع، فافترقنا ونحن أغنياء، فافتقرنا، فقال صلى الله عليه وسلم: (دعوها ذميمة) [3] ، وأراد قثم بن جعفر أن يشتريها فحمّ من ليلته، وفرغ من بنائه في هذه الدفعة في سنة خمس وستين ومائة، طول المسجد على ما استقرّ أخيرا مائتان وأربعون ذراعا، وعرضه [141 و] ثمانية وسبعون ذراعا، وفيه من الأساطين مائتان وست وتسعون، وأبوابه عشرون بابا.
[الصلاة في المسجد النبوي]
المسجد الذي أسس على التقوى مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، والذى أسس على تقوى من الله ورضوان مسجد قبا، قال صلى الله عليه وآله:
(صلاة في مسجدي هذا كألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام) [4] ،
__________
[1] الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب: أبو محمد، أمير المدينة، ووالد السيدة نفيسة، كان من الأشراف النابهين، شيخ بني هاشم في زمانه، استعمله المنصور على المدينة خمس سنين، ثم عزله، وخافه على نفسه، فحبسه ببغداد، فلما ولي المهدي أخرجه، واستبقاه معه، مولده بالمدينة، ووفاته بالحاجر في طريقه إلى الحج مع المهدي سنة 168 هـ.
(تاريخ بغداد 7/309، مرآة الجنان 1/355، تهذيب التهذيب 2/379، ميزان الاعتدال 1/228)
[2] مكمل بن عوف بن عبد الله بن الحارث بن زهرة: أخو عبد الرحمن بن عوف.
(جمهرة أنساب العرب ص 130)
[3] السنن الكبرى للبيهقي: 8/140.
[4] الحديث بلفظ: (الصلاة في مسجدي بألف صلاة ... ) في مجمع الزوائد 4/7، الترغيب والترهيب 2/216، إرواء الغليل للألباني 4/342.
(1/372)

(وصلاة في المسجد الحرام خير من مائة ألف صلاة) [1] .
رأى عطاء بن يسار [2] إنسانا يبيع في المسجد، فقال: عليك بسوق الدنيا، فانّ هذه سوق الآخرة.
[القصّاص]
مرّ عمر بقاص فخفقه بالدّرّة [3] ، ثم قال: ما أنت؟ قال: قاص، قال:
كذبت، قال الله: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ
[4] ، فقال: أنا مذكّر، فقال: كذبت، قال الله عز وجل: فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ
[5] ، فقال: ما أدري، فقال: قل أنا أحمق مرائي متكلف.
وأول من قصّ تميم الداري [6] ، رخّص له عمر في ذلك، ثم استكثر من القصص والقصّاص معاوية لما كانت الفتنة.
__________
[1] الحديث مع خلاف يسير في اللفظ في: مشكل الآثار 1/245، حلية الأولياء 8/46، مجمع الزوائد 4/7، كنز العمال 34632، 34633.
[2] عطاء بن يسار الهلالي: أبو محمد المدني القاص، مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أخو سليمان وعبد الملك وعبد الله بن يسار، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، كان صاحب قصص وعبادة وفضل، توفي سنة 103 هـ. (تهذيب التهذيب 7/217- 218)
[3] الدّرّة: سوط يضرب به، وكان عمر بن الخطاب قد شهر بدرته، وقيل: عصا قصيرة.
[4] يوسف 3.
[5] الغاشية 21.
[6] تميم الداري: تميم بن أوس بن خارجة الداري صحابي نسبته إلى الدار بن هانىء من لخم، أسلم سنة 9 هـ، وأقطعة النبي صلى الله عليه وسلم قرية حبرون (الخليل بفلسطين) ، وكان يسكن المدينة ثم انتقل إلى الشام بعد مقتل عثمان، فنزل بيت المقدس، وهو أول من أسرج السراج بالمسجد، كان راهب أهل عصره، وعابد أهل فلسطين، مات بفلسطين سنة 40 هـ.
(صفة الصفوة 1/310، تهذيب ابن عساكر 3/344)
(1/373)

[في آداب المسجد]
رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة في المسجد، فقال: (ما أقبح هذا) [1] ، فجاء صاحبها فحكّها وطلاها بزعفران، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا أحسن من ذاك) [2] ، فمن هنا جعل الخلوق [3] في المساجد.
وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا رأى أحدكم القملة في ثوبه وهو في المسجد فليحفر لها ويدفنها ويبصق عليه، فان ذلك كفارتها) [4] .
أخرج رسول الله [141 ظ] صلى الله عليه وسلم، ناسا في المسجد، وقال: (لا ترقدوا في مسجدي هذا) [5] ، قال فخرج الناس، وخرج علي بن أبي طالب عليه السلام معهم، فقال لعليّ:
(تعال فقد أحلّ لك فيه، ما أحلّ لي، كأني بك تذودهم على الحوض وفي يدك عصا عوسج) [6] . وقال صلى الله عليه وآله للنائم على وجهه: (إنها نومة يبغضها الله) [7] .
[حسان ينشد في المسجد]
بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت منبرا في المسجد، ينشد عليه الشعر، وذكر حسان بن ثابت يوما علقمة فأنشد: [8] [السريع]
__________
[1] صحيح ابن خزيمة 1298.
[2] طبقات ابن سعد 6/16، مشكل الآثار 4/322، السنن الكبرى للبيهقي 2/. 440
[3] الخلوق: ضرب من الطيب، أعظم أجزائه الزعفران.
[4] الحديث بلفظ: (إذا رأى أحدكم القملة فلا يقتلها) في مصنف عبد الرزاق 1744، كنز العمال 20854.
[5] الحديث بلفظ: (لا ترقدوا في المسجد) في الجامع الكبير 2/324.
[6] الحديث مع خلاف في اللفظ في مجمع الزوائد للهيثمي 9/173.
[7] في سنن ابن ماجة 3725 بلفظ: (إنها نومة جهنمية) .
[8] الشعر للأعشى يهجو علقمة بن علاثة من قصيدة. ديوان الأعشى ص 191 برواية:
علقم لا لست إلى عامر الناقض الأوتار والواتر
(1/374)

علقم ما أنت إلى عامر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اعرض يا حسان عن ذكر علقمة، فان أبا سفيان ذكرني عند هرقل، فشعّث مني، فرد عليه علقمة [1] ، فقال حسان:
يا رسول الله: فمن نالتك يده وجب علينا شكره.
[البخور والإنارة في المسجد]
بعث سعد بن أبي وقاص إلى عمر بسفط عود [2] ، فلم يسع الناس قسمة، فقال عمر: جمّروا به المسجد ليلة الجمعة ويوم الجمعة عند المنبر والإمام يخطب، فصار سنّة.
أول من استصبح [3] في المسجد تميم الداري. قال صلى الله عليه: (من أكل من هذا فلا يقرب مسجدنا) [4] ، قال طلحة: هو الثوم والبصل والكراث والفجل.
[أبو بكر يصف الأنصار]
طفيل الغنوي في بني جعفر، تمثل به أبو بكر في الأنصار: [5] [الطويل]
__________
[1] في النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 2/478 (شعث) ، لما بلغه هجاء الأعشى علقمة بن علاثة العامري، نهى أصحابه أن يرووا هجاءه وقال: (إن أبا سفيان شعّث مني عند قيصر فرد عليه علقمة وكذب أبا سفيان) ، والفائق للزمخشري 1/664 (شعث) .
شعث: غض منه وانتقص.
[2] العود: ضرب من الطيب يتبخر به.
[3] استصبح: وضع المصابيح، وقد مرت ترجمة تميم الداري.
[4] الأحاديث كثيرة في هذا مع خلاف في اللفظ: مسند أحمد بن حنبل 4/252، الكامل في الضعفاء 3/292، المعجم الكبير 19/30، تفسير القرطبي 12/267، حلية الأولياء 3/324، مجمع الزوائد 2/17، 18، كنز العمال 41747.
[5] الوحشيات- أبو تمام ص 251، أدب الكاتب- للصولي ص 190، وانظر الإسلام والشعر- يحيى الجبوري ص 80 ط- مكتبة النهضة، بغداد 1964.
(1/375)

جزى الله عنا جعفرا حين أشرفت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلّت [1]
أبوا أن يملّونا ولو أنّ أمّنا ... تلاقي الذي يلقون منّا لملّت
[142 و] فذو المال موفور وكلّ معصّب ... إلى حجرات أوطأت وأظلّت [2]
[أم كلثوم بنت عقبة]
أم كلثوم [3] بنت عقبة بن أبي معيط، قالت: أنزلت فيّ آيات من القرآن، قدمت المدينة على أخي الوليد أيام الهدنة، فأنزل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ
[4] ، ففسخ العقد مع المشركين فيّ، ثم أنكحني زيد بن حارثة، فقلت: يا رسول الله، زوّجت ابنة عمّك مولاك، فأنزل الله: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً
[5] ، ثم قتل عني زيد رضي الله عنه، فأرسل إليّ الزبير: إني ابن خالتك، فاحبسي عليّ نفسك، فقلت: نعم، فنزل: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ
[6] .
__________
[1] أدب الكاتب: (حين أزلفت) ، الوحشيات: (حين أزلفت) .
[2] الوحشيات: (أدفأت وأظلت) .
[3] أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط: صحابية، هي أخت عثمان لأمه، وهي أول من هاجر إلى المدينة، بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، أسلمت قديما، ولما علمت بهجرة الرسول خرجت ماشية من مكة إلى المدينة تتبعه، ولحقها أخوان لها لأعادتها، فلم ترجع، وكانت عذراء فتزوجها في المدينة زيد بن حارثة، واستشهد في غزوة مؤتة سنة 8 هـ، فتزوجها الزبير بن العوام، فولدت له زينب وفارقها، فتزوجها عبد الرحمن بن عوف، فولدت له إبراهيم وحميدا، ومات عنها فتزوجها عمرو بن العاص، فمكثت عنده شهرا في المدينة وتوفيت، قال ابن سعد: لا نعلم قرشية خرجت من بيت أبويها، مسلمة مهاجرة إلا أم كلثوم، توفيت نحو سنة 33 هـ.
(الإصابة: كتاب النساء ت 1475، الاستيعاب 4/508، تاريخ الإسلام 1/136، تهذيب التهذيب 12/476، السيرة النبوية 13/271)
[4] الممتحنة. 10
[5] الأحزاب 36.
[6] البقرة 235.
(1/376)

[سبب نزول آية الحجرات]
ابن أبي مليكة: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ
[1] صلى الله عليه وسلم، نزلت في أبي بكر وعمر لما قدمت تميم، أشار أبو بكر أو عمر بالأقرع بن حابس [2] ، وخالفه الآخر فتلاحيا، قال ابن الزبير: فكان عمر بعد ذلك إذا حدّث النبي صلى الله عليه وآله، حدّثه كأخي السرار، ولم يسمعه حتي يستفهمه من خفض صوته.
[المسألة في غير حاجة]
قال صلى الله عليه وعلى آله: (من سأل وعنده ما يغنيه فانّما يستكثر من جمر جهنّم) [3] ، قالوا: يا رسول الله، ما يغنيه؟ قال: (ما يغدّيه أو يعشّيه) [4] .
[المحدود والمجدود]
كان يقال: رأي عامر وحظّ عيينة، كان عامر عاقلا محدودا، وعيينة أهوج مجدودا [5] ، أتي النبيّ صلى الله عليه وسلم بشابّ فأعطاه رحلا فستره، فقال عيينة [6] : يا رسول الله، ما هذا؟ قال: (خلّة أتاها الله قوما، ومنعكموها
__________
[1] الحجرات 2.
[2] الأقرع بن حابس بن عقال المجاشعي الدارمي التميمي: صحابي من سادات العرب في الجاهلية، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد تميم فأسلموا، وشهدوا حنينا وفتح مكة والطائف، وسكن المدينة، وكان من المؤلفة قلوبهم، وكان مع خالد بن الوليد في أكثر وقائعه حتى اليمامة، استشهد بالجوزجان سنة 31 هـ.
(تهذيب ابن عساكر 3/86، ذيل المذيل ص 32، خزانة الأدب 3/397)
[3] اتحاف السادة المتقين 9/304، كنز العمال 17134، تهذيب تاريخ دمشق 5/401.
[4] موارد الظمآن 844، الدر المنثور 1/360.
[5] المجدود: العظيم الحظ.
[6] عيينة بن حصن بن حذيفة الفزاري: له صحبة، وكان من المؤلفة قلوبهم، أسلم قبل الفتح وشهدها وشهد حنينا والطائف، وبعثه النبي صلى الله عليه وسلم لبني تميم-
(1/377)

هذا الحياء) . [1] [142 ظ] ربّع [2] عيينة في الجاهلية وخمّس [3] في الإسلام، ولم يجتمع ذلك لعربي غيره.
[شعر زبان بن سيار]
زبّان بن سيّار في عيينة، وترك فتقا في قومه، وسار إلى يثرب يطلب طعمة له عليهم في كل عام: [الطويل]
تركت بني ذبيان لم تأس بينهم ... وأصعدت في ركب إلى أهل يثربا
وما جئتهم إلا لتأكل تمرهم ... وتسرق من أهل الحجاز وتكذبا
يسوقون لحّاظا إذا ما رأيته ... بسلع رأيت الهجرس المتربّبا
يعيبه بكثرة التلفّت والنظر.
[المتنبئون]
تنبّىء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسيلمة [4] ، وامرأته
__________
- بعض بني العنبر، ثم كان ممن ارتد في عهد أبي بكر، ومال إلى طلحة فبايعه، ثم عاد إلى الإسلام، وكان فيه جفاء سكان البوادي، سماه النبي صلى الله عليه وسلم (الأحمق المطاع) ، يعني في قومه، أدرك عيينة زمن عثمان بن عفان. (الإصابة 4/638- 641)
[1] لم أجد هذا الحديث.
[2] ربّع: أخذ المرباع، وهو ربع الغنيمة الذي كان يأخذه الرئيس في الجاهلية.
[3] خمّس: أخذ الخمس.
[4] مسيلمة الكذاب: مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي، متنبىء من المعمرين، وفي الأمثال: (أكذب من مسيلمة) ، ولد ونشأ باليمامة بوادي حنيفة، وتلقب في الجاهلية بالرحمن، وعرف برحمان اليمامة، قيل: لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة جاء مسيلمة مع وفد من بني حنيفة إلى الرسول فأسلم الوفد، وبقي مسيلمة في الرحال، ثم لما رجع إلى قومه كتب إلى النبي يقول له إنه أشرك في الأمر معه، وإن لقريش نصف الأرض ولهم نصفها، وأكثر مسيلمة في وضع الأسجاع-
(1/378)

سجاح [1] ، وطليحة [2] ، والأسود [3] ، وعجرة.
[الحلم والأناة]
قال صلى الله عليه وسلم: (خير أهل المشرق عبد القيس) [4] لما وفدوا.
وقال للأشجّ العبدي، وهو المنذر بن عائذ: (يا أشجّ إنّ فيك خلتين يحبهما الله ورسوله) [5] ، قال: وما هما بأبي أنت وأمي، قال: (الحلم والأناة) [6] .
__________
- يحاكي بها القرآن، ولما توفي الرسول الرسل أبو بكر خالد بن الوليد فقاتله وقتله سنة 12 هـ.
(سيرة ابن هشام 3/74، الروض الأنف 2/340، فتوح البلدان ص 94- 100)
[1] سجاح بنت الحارث بن سويد التميمية: من بني يربوع، أم صادر، متنبئة كانت شاعرة عارفة بالأخبار، رفيعة الشأن في قومها، نبغت في عهد الردة وادعت النبوة، وكان لها علم بالكتابة أخذته من نصارى تغلب، فتبعها جمع من عشيرتها بينهم بعض كبار تميم، وتزوجها مسيلمة، ولما قتل مسيلمة أسلمت وهاجرت إلى البصرة، وتوفيت سنة 55 هـ.
(الطبري 3/236، الدر المنثور ص 240، تاريخ الخميس 2/159، البدء والتاريخ 5/164)
[2] طليحة بن خويلد الأسدي: متنبىء شجاع من الفصحاء، وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم في وفد بني أسد سنة 9 هـ وأسلموا، ولما رجعوا ارتد مسيلمة وادعى النبوة، ولما مات النبي كثر أتباع طليحة، فوجه إليه أبو بكر خالد بن الوليد، ففر إلى الشام ثم أسلم ووفد على عمر، وشارك في الفتوح، وقتل بنهاوند سنة 21 هـ.
(تهذيب ابن عساكر 7/90، الإصابة ت 4283، ابن الأثير حوادث سنة 11 هـ)
[3] الأسود العنسي: عيهلة بن كعب بن عوف العنسي، ذو الخمار، متنبىء من أهل اليمن، كان شديد البطش، أسلم لما أسلمت اليمن، ثم ارتد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فكان أول مرتد في الإسلام، وادعى النبوة وتبعته قبائل واتسع سلطانه، واغتاله أحد المسلمين قبل وفاة النبي بشهر واحد سنة 11 هـ.
(ابن الأثير، حوادث سنة 11 هـ، تاريخ الخميس 2/155، فتوح البلدان ض 111- 113)
[4] الحديث في المعجم الكبير للطبراني 12/231، مجمع الزوائد 10/49، السلسلة الصحيحة 1843، كنز العمال 33993 موارد الظمآن 2301.
[5] سنن ابن ماجة 4187، مجمع الزوائد 2/9، اتحاف السادة المتقين 8/31، كنز العمال 5812، 5834، 5835.
[6] طبقات ابن سعد 1/2: 54، 5: 406، مجمع الزوائد 5/64، 9/387.
(1/379)

[من صفات النبي]
مجموع من غرائب أقوالهم في صفته صلى الله عليه وسلم: قال عليّ صلى الله عليه: من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبّه، وإذا مشى يتحدّر من صبب، وكأنّما يتقلّع من صخر، وإذا التفت التفت جميعا [1] .
قال ابن عباس رحمه الله: كان أفلج الثّنيتين والرباعيتين، إذا تكلّم رئي من بين ثناياه كالبرق جابر بن سمرة [2] : كان لا يضحك إلا تبسّما، وكان ضخم الهامة صلى الله عليه.
[143 و] وقال أويس [3] : ما رأيت خزّا ألين من كفّه، ولا شممت طيبا قطّ مسكا ولا غيره أطيب من رائحته.
حدّث ابن عباس بعض الناس أنه رآه صلى الله عليه وسلم، فقال:
فذكرت الحسن بن علي قال: إي والله، لقد ذكرته وتفيّؤه في مشيته، قال ابن عباس: إنه كان يشبهه.
قال أبو جحيفة [4] : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وعنفقته [5] بيضاء.
وقال سعيد بن المسيب: [6] كان شيبه صلى الله عليه وآله وضحا على
__________
[1] دلائل النبوة 1/202، وانظر أقوال الصحابة في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في دلائل النبوة 1/97-. 230
[2] جابر بن سمرة بن جنادة السوائي: صحابي، كان حليف بني زهرة له ولأبيه صحبة، تزل الكوفة وابتنى بها دارا، توفي في ولاية بشر بن مروان على العراق سنة 74 هـ. (تذكرة الحفاظ 1/67، تهذيب التهذيب 2/38، حلية الأولياء 3/85)
[3] أويس القرني الصحابي المتوفى سنة 37 هـ، سبقت ترجمته.
[4] أبو جحيفة السّوائي الكوفي: وهب بن عبد الله، ويقال له: وهب الخير، صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، من صغار الصحابة، ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان وهب مراهقا، وهو من أسنان ابن عباس، وكان صاحب شرطة علي رضي الله عنه، توفي سنة 74 هـ. (تهذيب سير أعلام النبلاء 1/96)
[5] العنفقة: شعرات بين الشفة السفلى والذقن، لخفة شعرها.
[6] سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي: أبو محمد، سيد-
(1/380)

ناصيته وفي عفقته. قال أويس: لم يبلغ الشيب الذي كان برسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين. وقال غيره: كان سبع عشرة شعرة، وكان له أربع غدائر، وكان يخضب بالحنّاء والكتم [1] .
قال أبو رمثة: [2] انطلقت مع أبي نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأيته قال أبي: أتدري من هذا؟ قلت: لا، قال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فاقشعررت حين قال ذلك، وكنت أظن رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا لا يشبه الناس، فاذا هو بشر له وفرة، وبه ردع حنّاء، وعليه بردان أخضران، فسلم عليه أبي، ثم تحدثا ساعة، ثم قال لأبي: (ابنك هذا؟) قال: إي ورب الكعبة، قال: (حقا) ، قال: أشهد به، فتبسّم صلى الله عليه من ثبت شبهي في أبي، ومن خلف أبي عليّ، فقال: (إن ابنك هذا لا يجني عليك ولا تجني عليه) [3] ، ثم قرأ: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى *
[4] [143 ظ] قال العباس رضي الله عنه: قلت يا رسول الله، إن قريشا إذا لقي بعضها
__________
- التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، جمع بين الحديث والفقه والزهدو الورع، وكان يعيش من التجارة بالزيت، لا يأخذ عطاء، وكان أحفظ الناس لأحكام عمر بن الخطاب وأقضيته، حتى سمّي راوية عمر، توفي سنة 94 هـ.
(صفة الصفوة 2/44، حلية الأولياء 2/161، طبقات ابن سعد 5/88، وفيات الأعيان 1/206)
[1] نبات يشبه الآس، له ثمرة الفلفل يستعمل في الخضاب مع الحناء.
[2] أبو رمثة التيمي: من تيم الرباب، ويقال التيمي، من ولد امرىء القيس بن زيد مناة بن تميم، اختلف في اسمه فقيل: حبيب بن حيان، وقيل: حيان بن وهب، عداده في الكوفيين، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا منك؟ قال: ابني، قال: (أما ابنك فلا تجني عليه ولا يجني عليك) وكان قد لطخ لحيته بالحناء. (الإصابة 7/118، الاستيعاب 4/221، أسد الغابة 4/444- 445)
[3] سنن الدارمي 2/199، موارد الظمآن 1522.
[4] فاطر 18.
(1/381)

بعضا لقوا ببشر حسن، وإذا لقونا بوجوه لا نعرفها، فغضب غضبا شديدا، وقال: (والذي نفس محمد [1] بيده، لا يدخل قلب عبد الإيمان حتى يحبّكم لله ولرسوله) [2] صلى الله عليه وسلم.
[الصدقات لا تحل لآل محمد]
اجتمع العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ومعهما ابناهما؛ الفضل وعبد المطلب بن ربيعة، فقالا: لو بعثنا هذين الفتيين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يستعملهما على بعض ما يستعمل عليه الناس، فبينا هما كذلك، أتى عليّ عليه السلام فقال: ما يقول الشيخان، فأخبراه، فقال: لا عليكما أن تفعلا، فليس بفاعل، فقالا: يا أبا حسن، ما نفسنا عليك قرابتك وصهرك، أفتنفس علينا باستعمال هذين الفتيين؟ فقال:
والله ما بي نفاسة عليكما، ولكني أعلم أنّه غير فاعل، ثم جمع رداءّ فجلس عليه وقال: جرّبا، أنا أبو حسن اليوم، قال الفتيان: فجئنا فصلينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله الظهر، وتبعناه إلى الباب، وهو يومئذ يوم زينب بنت جحش، فدخل وأذن لنا، فقال: (أخرجا ما تصرران) [3] ، فقلنا له ما بعثنا أبوانا فيه، فقال: (إن هذه الصدقات أوساخ أيدي الناس، وإنها لا تحلّ لمحمد ولا لآل محمد) [4] ، ثم قال: (ادعوا لي أبا سفيان بن الحارث ومحمية ابن جزء الزبيدي) [5] ، وكان على خمس المسلمين [144 و] ، فقال لأبي سفيان [6] : زوّج ابنتك الفضل) ، قال: قد فعلت يا رسول الله، وقال
__________
[1] في الأصل فوق كلمة النبي كتب الناسخ (صلى الله عليه وسلم) .
[2] الحديث في: مسند أحمد بن حنبل 1/207، 4/165، مستدرك الحاكم 4/75، البداية والنهاية 2/256، مصنف ابن أبي شيبة 12/108.
[3] طبقات ابن سعد 4/1: 40.
[4] صحيح مسلم 754، شرح السنة للبغوي 6/101، مسند أحمد بن حنبل 4/166، المعجم الكبير 5/49.
[5] صحيح مسلم: الزكاة 168، مسند أحمد بن حنبل 4/166، المعجم الكبير 5/49.
[6] أبو سفيان بن الحارث: المغيرة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، أحد الأبطال-
(1/382)

لمحمية [1] : (شقّ عنهما) .
[إيثار عليّ المسلمين بالخمس وقت الشدة]
قال عمر لعلي صلى الله عليه في نصيبهم من الخمس: ارفقونا به في عام اشتدت فيه حال المسلمين، ففعل، فقال العباس لعلي عليه السلام:
أعطيتموه الخمس، لقد حرمنا الغداة شيئا لا يردّ علينا أبدا إلى يوم القيامة، قال علي: وكان العباس رحمه الله رجلا داهيا.
وكتب ابن عباس رحمه الله في جواب مسائل كثيرة لنجدة: كنت تسألني عن الخمس لمن هو؟ وإنّا نقول هو لنا، فأبى قومنا ذلك علينا، قال: وكان عليّ صلى الله عليه، وإلى ما يخصهم من الخمس أيام رسول الله صلى الله عليه وأبي بكر، وبعض أيام عمر حتى استنزلهم عنه.
[سامة بن لؤي]
خرج سامة بن لؤي [2] من مكة، فنزل على رجل من الأزد عمان
__________
- العشراء في الجاهلية والإسلام، ولما ظهر الرسول بالدعوة عاداه وهجاه وهجا أصحابه، ولما تحرك الرسول لفتح مكة تنكر وقصد الرسول، فأعرض عنه الرسول، فأسلم وشهد فتح مكة ووقعة حنين، وأبلى بلاء حسنا فرضي الرسول عنه، وكان من أخصائه، وهو أخو النبي بالرضاع، توفي بالمدينة سنة 20 هـ (صفة الصفوة 1/209، الإصابة ت 538، باب الكنى، طبقات ابن سعد 4/35، معجم الشعراء ص 317، 368)
[1] محمية بن جزء بن عبد يغوث الزبيدي: وال من الصحابة، هاجر إلى الحبشة فكان فيها عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأخماس، وكان رسول الله يعتمد عليه ويحب أن يكرمه، حتى إنه استوهب من أبي قتادة جارية وضيئة ووهبها إليه، شهد المريسيع وبدرا، وحضر فتح مصر وسكنها، ولعله توفي فيها سنة 25 هـ.
(الإصابة ت 7825، الاستيعاب بهامش الإصابة 3/4724، حسن المحاضرة 1/133، جمهرة الأنساب ص 387)
[2] ينظر نسب سامة بن لؤي وذريته في جمهرة أنساب العرب ص 173- 174 ومن ذرية سامة بن لؤي علي بن الجهم الشاعر المتوفى سنة 249 هـ.، انظر الأغاني 10/247.
(1/383)

وقال: [1] [الخفيف]
بلغا عامرا وكعبا رسولا ... إنّ نفسي إليهما مشتاقه
إن تكن في عمان داري فانّي ... ماجد ما خرجت من غرّ فاقه
وقد بات عند أزدي فقراه، فرأته زوجة الأزدي يستنّ [2] فأعجبها، فلما قضم سواكه تناولت قضمة سواكه فمصّتها، فرأها زوجها، فحلب ناقة، وجعل في الحلاب سمّا، فأشارت المرأة إلى سامة أن لا يشربه، فاهراقه [144 ظ] ورحل، فانه ليسير بمكان يقال له جرف الخميلة، فأهوت ناقته إلى عرفجة فانتشلتها، فاذا فيها أسود، فنفحت به فألقته على ساقه، فنهشته فمات، فلما بلغ الأزدية قالت هذه الأبيات: [3] [الخفيف]
عين فابكي لسامة بن لويّ ... علقت ساق سامة العلّاقه
لا أرى مثل سامة بن لؤيّ ... حملت حتفه إليه الناقه
ربّ كأس هرقت يا بن لؤيّ ... حذر الموت لم تكن مهراقه [4]
وحروس السّرى تركت رديّا ... بعد جدّ وجرأة ورشاقه [5]
وتعاطيت مفرقا بحسام ... وتعاطيت قالة العواقه [6]
وهذا الصحيح، وإنما اختلط الشعران.
[كرامة الأنصار]
اجتمعت الأنصار فقالوا: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه،
__________
[1] الخبر والبيتان في اللسان (فوق) 10/319.
[2] يستن: يستاك، ينظف أسنانه بالمسواك.
[3] الأبيات في اللسان (فوق) 10/319، والبيتان الأول والثالث في الأغاني 10/247- 248.
[4] في اللسان: (رب كأس هرقتها ابن لؤي) .
[5] في اللسان: (وحدوس السرى تركت رديئا) .
[6] اللسان: (وتجنبت قالة العواقه) .
(1/384)

نسأله أن يجعل لنا ماء سيحا، فقد اشتدت علينا النواضح [1] ، وإنّا لن نسأله شيئا إلا أعطانا، ولا يسأل ربّه شيئا إلا أعطاه، فأتوه فخرج عليهم فقال:
(مرحبا بالأنصار) يقولها ثلاثا، (لا يسألون اليوم شيئا إلا أعطيتكموه، ولا أسأل ربّي شيئا إلا أعطانيه) [2] ، قال: فتركوا مسألتهم التي جاؤوا فيها، وقالوا: يا رسول الله، ادع لنا بالمغفرة، فقال: (اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار) [3] . [145 و]
__________
[1] النواضح: الدواب يستقى عليها الماء.
[2] مسند أحمد بن حنبل 3/139، مجمع الزوائد 10/40، كنز العمال 37935.
[3] الحديث في جمع الجوامع للسيوطي 9697، مسند الشافعي 280.
(1/385)

الفصل الثاني من المجموع اللفيف
تأليف المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم وبه الثقة، وهو حسبي ونعم الوكيل.
[ما السرور؟]
قال قتيبة [1] للحضين بن المنذر [2] : ما السرور؟ قال: امرأة حسناء، ودار قوراء [3] ، وفرس مرتبط بالفناء.
وقيل لضرار بن الحضين: ما السرور؟ قال: لواء منشور، وجلوس على
__________
[1] قتيبة: قتيبة بن مسلم بن عمرو الباهلي، أمير فاتح من مفاخر العرب، ولي الري في عهد عبد الملك بن مروان، وخراسان في أيام الوليد، غزا وافتتح كثيرا من المدائن، كان عظيم المكانة مرهوب الجانب، كان راوية للشعر عالما به، أخباره كثيرة، قتله وكيع بن حسان التميمي بفرغانة سنة 96 هـ.
(ابن الأثير 5/4، وفيات الأعيان 1/428، الطبري 8/103، خزانة الأدب 3/657)
[2] الحضين بن المنذر بن الحارث الذهلي الشيباني: تابعي من سادات ربيعة وشجعانهم، ومن ذوي الرأي، وكان صاحب راية علي بن أبي طالب يوم صفين، وولاه اصطخر، كان قتيبة بن مسلم يستشيره في أموره، قال قتيبة فيه: هو باقعة العرب، وداهية الناس، توفي سنة 97 هـ.
(سمط اللآلىء 816، خزانة الأدب 2/90، تهذيب ابن عساكر 4/374، المؤتلف والمختلف ص 87)
[3] دار قوراء: واسعة.
(1/387)

السرير، والسلام عليك أيها الأمير. وقيل لعبد الملك بن صالح [1] : ما السرور؟ قال: [مجزوء الكامل]
كل الكرامة نلتها ... إلا التحية بالسلام
وقيل لعبد الله بن الأهتم [2] : ما السرور؟ قال: رفع الأولياء، وحطّ الأعداء، وطول البقاء، والقدرة على النماء. وقيل للفضل بن سهل [3] : ما السرور؟ قال: توقيع جائز، وأمر نافذ.
وقال بعضهم لامرىء القيس بن حجر: ما أطيب عيش الدنيا؟ قال:
بيضاء رعبوبة [4] بالطيب مشبوبة، بالشحم مكروبة. وسئل عن ذلك الأعشى فقال: صهباء صافية، تمزجها ساقية، من صوب غادية. وقيل مثل ذلك لطرفة فقال: مطعم شهيّ، ومركب وطيّ، وملبس دفيّ. [145 ظ]
[المسيح وقول الخير]
قال: مرّ المسيح بن مريم، صلى الله عليه وسلم، بخلق من بني إسرائيل، فكلما قالوا شرا، قال المسيح خيرا، فقال له شمعون الصفا: أكلما
__________
[1] عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس: أمير من بني العباس، ولاه الهادي إمرة الموصل، وعزله الرشيد، ثم ولاه المدينة والصوائف، وولاه دمشق، وبلغه أنه يطلب الخلافة، فحبسه ببغداد، ولما مات الرشيد أطلقه الأمين وولاه الشام والجزيرة، كان خطيبا فصيحا له مهابة، توفي سنة 196 هـ.
(النجوم الزاهرة 2/90، 151، ابن الأثير 6/85، فوات الوفيات 2/12، ابن خلدون 3/236)
[2] عبد الله بن الأهتم: ورد ذكره في ترجمة يزيد بن المهلب في وفيات الأعيان حينما أراد يزيد ولاية خراسان، وكان على العراق، فاستعان يزيد بعبد الله بن الأهتم على هذا الأمر، ورحل إلى سليمان بن عبد الملك في الشام، وصار يذكر له الولاة وبلاءهم، ومن يصلح لخراسان أو لا يصلح، حتى ذكر يزيد وأثنى عليه، وولاه خراسان. (وفيات الأعيان 6/297- 298)
[3] الفضل بن سهل: سبقت ترجمته.
[4] الرعبوبة: المرأة الغضة الطويلة الممتلئة الجسم، أو البيضاء الحلوة الناعمة.
(1/388)

قالوا شرا تقول خيرا؟ قال المسيح: كل امرىء يعطي مما عنده [1] .
[تعلم السباحة]
قال، قال الحجاج لمعلم ولده: علّم ولدي السباحة قبل الكتابة، فانهم يصيبون من يكتب لهم، ولا يصيبون من يسبح عنهم. قال: رأيت أبا هاشم الصوفي مقبلا من جهة النهر، فقلت: في أي شىء كنت اليوم؟ قال: في تعلم ما لا ينسى، وليس لشىء من الحيوان عنه غنى، قال، قلت: وما ذاك؟ قال:
السباحة.
قال، كتب عمر بن الخطاب إلى ساكني الأمصار: أما بعد فعلموا أولادكم العوم والفروسية، وروّوهم ما سار من المثل، وحسن من الشعر.
وكان ابن التوم يقول: تمام ما يجب على الآباء من حفظ الأبناء أن يعلموهم الحساب والكتابة والسباحة.
[مختارات شعرية]
وقال العتبي [2] : [3] [الطويل]
رأين الغواني الشيب لاح بعارضي ... فأعرضن عنّي بالخدود النواضر
وكنّ إذا أبصرنني أو سمعن بي ... سعين فرقّعن الكوى بالمحاجر
__________
[1] في الأصل هذه الفقرة جاءت وسط الفقرة السابقة عن: ما السرور. فجعلناها في موضعها المناسب.
[2] العتبي: محمد بن عبيد الله بن عمرو، أبر عبد الرحمن الأموي، من بني عتبة بن أبي سفيان، أديب كثير الأخبار حسن الشعر من أهل البصرة، له تصانيف منها: (أشعار النساء اللاتي أحببن ثم أبغضن) ، و (أشعار الأعاريب) ، و (الخيل) ، وغيرها، أكثر أخباره عن بني أمية، توفي في البصرة سنة 228 هـ.
(وفيات الأعيان 1/522، شذرات الذهب 2/65، تاريخ بغداد 2/324)
[3] الأبيات غير الأخير في طبقات الشعراء لابن االمعتز ص 315، والبيتان الأول والثاني في الأغاني 14/199.
(1/389)

لئن حجبت عنّي نواظر أعين ... رمين بأحداق المها والجآذر [1]
فاني من قوم كريم نثاهم ... لأقدامهم صيغت رؤوس المنابر [2]
خلائف في الإسلام في الشرك قادر ... بهم وإليهم فخر كلّ مفاخر
وقال حاجب بن ذبيان المازني: [3] [الطويل]
ونحن بنو الفحل الذي سال بوله ... بكل بلاد لا يبول بها فحل [146 و]
أبى الناس والأقوام أن يحسبونهم ... إذا حصّل الأخماس أو يحسب الرمل
وإن غضبوا أسد المفارق منهم ... ملوك وحكام كلامهم فصل
وقال أعرابيّ من بني حنيفة وهو يمزح: [البسيط]
مرّ الجراد على زرعي فقلت له ... إلزم طريقك لا تولع بافساد
فقال منهم خطيب فوق سنبلة ... إنّا على سفر لا بدّ من زاد
أعشى بني ثعلب: [4] [البسيط]
ما ضرّ غازي نزار أن تفارقه ... كلب وجرم إذا أبناؤه اتفقوا
قالت قضاعة إنّا من بني يمن ... الله يعلم ما برّوا ولا صدقوا
يزداد لحم المناقي في منازلنا ... طيبا إذا عزّ في أعدائنا المرق [5]
وما خطبنا إلى قوم بناتهم ... إلا بأرعن في حافاته الحرق
وفي المثل: الحاجة تفتح أبواب المعرفة. [6]
__________
[1] في طبقات ابن المعتز: (فان عطفت عني أعنّة أعين نظرت بأحداق المها والجآذر) .
[2] في طبقات الشعراء: (كريم ثناؤهم) . نثا الحديث: بثه وأشاعه، والنثا: ما أخبرت به عن الرجل من حسن أو سىء.
[3] حاجب بن ذبيان المازني: يعرف بحاجب الفيل، كان يمدح يزيد بن المهلب فيحسن جائزته، كان يهاجيه ثابت قطنة وكعب الأشقري، أخباره في الأغاني 14/256- 261 في ترجمة ثابت قطنة.
[4] هو أعشى ثعلبة كما في كتاب الصبح المنير، والأبيات من قطعة فيه ص 274.
[5] المناقي: النوق ذات الشحم.
[6] المثل في البيان والتبيين 2/186.
(1/390)

وقال سويد الحارثي: [1] [الطويل]
بني عمنا لا تذكروا الشعر بعد ما ... دفنتم بصحراء الغميم القوافيا
فلسنا كمن كنتم تصيبون سلّة ... فنقبل عقلا أو نحكّم قاضيا
ولكنّ حكم السيف فيكم مسلّط ... فنرضى إذا ما أصبح السيف راضيا [146 ظ]
فان قلتم إنّا ظلمنا فانّكم ... بدأتم ولكنّا أسأنا التقاضيا
قال: تقول العرب: (الخلّة تدعو إلى السّلّة) [2] ، وكانوا إذا أسروا أسيرا، قال المادح: أسّره في مزاحفة، ولم يأسره في سلّة.
وقال ضابىء بن الحارث [3] : [4] [الطويل]
وربّ أمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهنّ وجيب
وقال حارثة بن بدر: [5] [الطويل]
__________
[1] الأبيات للشميذر الحارثي من بني الحارث بن كعب، شاعر فارس، ترجم له الآمدي في المؤتلف والمختلف ص 206، والأبيات في الحماسة 1/82 ط- عسيلان، والبيان والتبيين 2/186، والزهرة 2/230، والتذكرة السعدية 1/75، وجاء بعضها في مصادر أخرى منها بهجة المجالس 1/777، وقال: لسويد الحارثي أو غيره.
[2] الخلة تدعو إلى السلة: هذا مثل ذكره الميداني في مجمع الأمثال 1/241، والجاحظ في البيان والتبيين 2/. 185
الخلة: الفقر، والسلة: السرقة.
[3] ضابىء بن الحرث بن أرطاة البرجمي، شاعر مخضرم، حبسه عثمان بن عفان لهجائه بني جرول بن نهشل، رمى أمهم بالكلب، له أشعار في حبسه منها هذا البيت من قطعة، كان صاحب خيل وكان ضعيف البصر، عده ابن سلام من شعراء الطبقة التاسعة من الجاهليين، توفي سنة 30 هـ في سجن عثمان.
(طبقات الشعراء ص 40، الشعر والشعراء ص 226، خزانة الأدب 4/80، معاهد التنصيص 1/186)
[4] البيت من قطعة في الشعر والشعراء ص 226، والأصمعيات ص 184.
[5] حارثة بن بدر بن حصين التميميس الغداني: تابعي من أهل البصرة، له أخبار في الفتوح مع عمر وعلي وزياد ومعاوية، وأقرّ على قتال الخوارج في العراق فهزموه بنهر تيرا (من نواحي الأهواز) فلما أرهقوه دخل سفينة بمن معه فغرقت بهم سنة 64 هـ.-
(1/391)

وقل للفؤاد إن نزا بك نزوة ... من الروع أفرخ أكثر الروع باطله [1]
وقال أيضا: [2] [الوافر]
إذا ما متّ سرّ بني تمم ... على الحدثان لو يلقون مثلي
عدوّ عدوّهم وهم عدوّي ... كذلك شكلهم أبدا وشكلي
[وصايا الآباء لأبنائهم]
وقال ابن هبيرة [3] وهو يؤدب بعض ولده: لا تكوننّ أول مشير، وإيّاك والرأي الفطير، وتجنّب ارتجال الكلام، لا تشر على مستبد ولا على وغد ولا على متلوّن ولا على لحوح، وخف الله في موافقة هوى المستشير، فانّ التماس موافقته لؤم، وسوء الاستماع منه جناية.
وقال المهلب [4] : يا بنيّ، تباذلوا تحابّوا، فانّ بني الأم يختلفون، فكيف
__________
(- الإصابة 1/371، تاريخ ابن عساكر 3/430)
[1] البيت من قصيدة في البيان والتبيين 3/218، الحيوان 3/77، مجموعة المعاني ص 23، أمالي المرتضى 1/81.
وفي أمالي المرتضى: (وقل لفؤاد) .
[2] البيتان في البيان والتبيين 2/188.
[3] ابن هبيرة: يزيد بن عمر بن هبيرة، من بني فزارة، أمير قائد من ولاة الدولة الأموية، ولي قنّسرين للوليد بن يزيد، ثم جمعت له ولاية العراقين (البصرة والكوفة) في أيام مروان بن محمد، واستفحل أمر الدعوة العباسية في زمن إمارته فقاتل أشياعها، وكتب له المنصور بعد حروب بالأمان، فرضي ابن هبيرة، وأمضى السفاح كتاب الأمان، فأقام بواسط، ثم أوقع أبو مسلم به فنقض السفاح عهده، وبعث إليه فقتله بقصر واسط، سنة 132 هـ.
(أسماء المغتالين 2/89- 191 ضمن نوادر المخطوطات، وفيات الأعيان 2/278، خزانة الأدب 4/167- 169)
[4] المهلب بن أبي صفرة: ظالم بن سراق الأزدي، أمير بطاش جواد، قال فيه عبد الله بن الزبير: هذا سيد أهل العراق، ولي إمارة البصرة لمصعب بن الزبير، وفقئت عينه بسمرقند، انتدب لقتال الأزارقة فبقي يقاتلهم تسعة عشر عاما، ثم ولاه عبد الملك خراسان، وتوفي سنة 83 هـ.-
(1/392)

بنو العلّات [1] ، إنّ البرّ ينسىء في [147 و] الأجل، ويزيد في العدد، وإنّ القطيعة تورث القلّة وتعقب النار بعد الذلّة، واتّقوا زلّة اللسان فانّ الرجل تزلّ رجله فينتعش، ويزلّ لسانه فيهلك، وعليكم في الحرب بالمكيدة فانّها أبلغ من النجدة، فانّ القتال إذا وقع وقع القضاء، فان ظفر فقد سعد، وإن ظفر به لم يقولوا فرط.
وقال جرير: [2] [الكامل]
قوم إذا حضر الملوك وفودهم ... نتفت شواربهم على الأبواب
وقال آخر: [الطويل]
نهيت جميع الخضر عن ذكر خطّة ... يدبّرها في رأيه ابن هشام
فلما وردت الباب أيقنت أنّنا ... على الله والسلطان غير كرام [3]
اعتذر ابن عون إلى إبراهيم النخعي [4] فقال: اسكت معذورا، فقال:
الاعتذار يخالطه الكذب.
[عليّ: الدنيا دار صدق]
قال بعضهم: ذم رجل الدنيا عند علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال عليّ: الدنيا دار صدق لمن صدّقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن
__________
- (وفيات الأعيان 2/145، ابن الأثير 4/183، الإصابة ت 8635، الطبري 8/19، وأخباره في الأغاني كثيرة)
[1] بنو العلات: بنو رجل واحد من أمهات شتى، والعلّة: الضّرّة.
[2] البيت لجرير في ديوانه ص 52 ط- صادر.
[3] في الأصل: (على الله) مكررة مرتين من وهم الناسخ.
[4] إبراهيم النخعي: إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود، من مذحج، من أكابر التابعين صلاحا وصدق رواية، وحفظا للحديث، ومن أهل الكوفة، مات مختفيا من الحجاج، كان إماما مجتهدا له مذهب، ولما بلغ الشعبي موته قال: والله ما ترك بعده مثله، توفي سنة 96 هـ. (طبقات ابن سعد 6/188- 199، حلية الأولياء 4/219، تاريخ الإسلام 3/335)
(1/393)

تزوّد منها، مهبط وحي الله، ومصلّى ملائكته، ومسجد أنبيائه، ومتجر أوليائه، ربحوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها وقد أذنت ببينها، ونادت بفراقها، وشبهت بسرورها السرور، وببلائها البلاء، ترهيبا وترغيبا، فيا أيها الذامّ للدنيا المعلّل نفسه، متى خدعتك الدنيا، أم متى استذمت إليك بمصارع [147 ظ] آبائك في البلى، أم بمصارع أمّهاتك في الثرى، كم مرّضت بيديك، وعلّلت بكفّيك، تطلب الشفاء، وتستوصف له الأطباء، غداة لا يغني عنه دواء، ولا ينفعه بكاء.
[عمر: المرأة لحم على وضم]
قال عمر ما بالك، ثاني وسادة عند امرأة مغوية، إنّ المرأة لحم على وضم [1] ، إلا ما ذبّ عنه.
قال بعضهم: مات ابن لبعض العظماء، فعزّاه بعضهم فقال: لا أراك الله بعد مصيبتك ما ينسيكها.
[رثاء أوفى]
وقال أخو ذي الرمة: [2] [الطويل]
تعزيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاء وجفن العين ملآن مترع
ولم تنسني أوفى المصيبات بعده ... ولكن بكاء القرح بالقرح أوجع
[الحجاج وأهل العراق]
وقال مالك بن دينار [3] : والله لربّما رأيت الحجاج يتكلم على منبره،
__________
[1] الوضم: كل ما يوضع عليه اللحم من خشب أو حصير أو نحو ذلك، يوقى به من الأرض.
[2] البيتان لمسعود أخي ذي الرمة، يرثي ابن عمه أوفى بن دلهم، وكذلك يرثي أخاه ذا الرمة، في الأغاني 18/8.
[3] مالك بن دينار البصري: أبو يحيى، من رواة الحديث، كان ورعا يأكل من-
(1/394)

ويذكر حسن صنيعته إلى أهل العراق، وسوء صنيعهم إليه، حتى إنّه ليخيّل للسامع أنّه صادق مظلوم.
[زياد بن أبيه والزيرقان]
عبد الله بن سلم قال: دخل الزبرقان بن بدر [1] على زياد وقد كفّ بصره، فسلّم تسليما جافيا، فأدناه زياد وأجلسه معه وقال: يا أبا عيّاش، القوم يضحكون من جفائك، قال: وإن ضحكوا، فوالله إن منهم رجل إلا يودّ أني أبوه دون أبيه لغيّة أو رشدة.
[من أقوال الحكماء]
وكان يقال: صاحب السوء قطعة من النار.
قال: وكان يقال: عذابان لا يكترث بهما الداخل فيهما؛ السفر الطويل، والبناء الكثير.
وقال سهل بن هارون [2] : ثلاثة يعودون إلى [148 و] أجنّ المجانين،
__________
- كسب هو يكتب المصاحف بالأجرة، توفي بالبصرة سنة 131 هـ. (وفيات الأعيان 1/440، تهذيب التهذيب 10/14- 15، حلية الأولياء 2/357)
[1] الزبرقان بن بدر التميمي السعدي: صحابي من رؤساء قومه، ولاه النبي صلى الله عليه وسلم صدقات قومه، فثبت ولم يرتد، كان فصيحا شاعرا فيه جفاء الأعراب، توفي نحو سنة 45 هـ.
(جمهرة الأنساب ص 208، الإصابة 1/543، خزانة الأدب 1/531، عيون الأخبار 1/226، طبقات الشعراء ص 47)
[2] سهل بن هارون بن راهبون: كاتب بليغ حكيم من واضعي القصص، فارسي الأصل، اتصل بالرشيد وارتفعت مكانته عنده، ثم خدم المأمون فولاه رئاسة (خزانة الحكمة) ببغداد، كان شعوبيا يتعصب للعجم على العرب، وكان من الخطباء الشعراء، له مصنفات منها: (كتاب ثعلة وعفرة) ، و (تدبير الملك والسياسة) ، وكتاب (المسائل) ، و (النمر والثعلب) ، وغيرها، توفي سنة 215 هـ. (البيان والتبيين 1/30، 50، معجم الأدباء 4/258، فوات الوفيات 1/181، العقد الفريد 6/200، أمراء البيان 1/159- 190)
(1/395)

وإن كانوا أعقل العقلاء؛ الغضبان، والغيران، والسكران، قال له أبو عبدان المخلّع الشاعر: فما تقول في المنعظ، فضحك حتى استلقى، ثم أنشد: [1] [الوافر]
وما شر الثلاثة أمّ عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا
قال: قال إبليس لعنه الله: البخل قيد والغضب جنون، والسكر مفتاح جميع الشر.
قال، قال إبراهيم بن عبد الله [2] بن الحسن لأبيه: ما شعر كثيّر عندي كما يصف الناس، فقال له أبوه: إنّك لن تضع بهذا كثيّرا، وإنما تضع بهذا نفسك.
[إياك وصدر المجلس]
وكان يقال: إياك وصدر المجلس، وإن صدّرك صاحبه، فانه مجلس قلعة [3] . قال، وقال زياد: ما أتيت مجلسا قطّ إلا تركت منه ما لو أخذته كان لي، وترك ما لي أحبّ إليّ من أخذ ما ليس لي [4] .
__________
[1] البيت لعمرو بن كلثوم في معلقته، شرح القصائد العشر للتبريزي ص 256.
[2] إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب: أحد الأمراء الأشراف الشجعان، خرج بالبصرة على المنصور العباسي، فاستولى على البصرة وسير الجموع إلى الأهواز وفارس وواسط، وهاجم الكوفة، وكان بينه وبين المنصور وقائع هائلة، إلى أن قتله حميد بن قحطبة، كان شاعرا عالما بأخبار العرب وأيامهم وأشعارهم، قتل سنة 145 هـ.
(مقاتل الطالبيين ص 315، الطبري 9/243، تاريخ الكامل 5/208، دول الإسلام 1/74)
[3] مجلس قلعة: يضطر الجالس فيه إلى التخلي عنه لغيره مرة بعد مرة، ومنزلنا منزل قلعة: لا نملكه.
[4] زياد بن أبيه: اختلفوا في اسم أبيه فقيل عبيد الثقفي، وقيل أبو سفيان، ولدته أمه سمية في الطائف، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، وأسلم في عهد أبي بكر، كان كاتبا للمغيرة بن شعبة، ثم لأبي موسى الأشعري في البصرة، ولاه-
(1/396)

[عزة النفس]
قال سعد بن سلم [1] : كنت واليا على أرمينية، فغبر أبو دهمان العلائي [2] على بابي أياما، فلما وصل [إليّ] مثل قدّامي بين السماطين، وقال: [3] والله إني لأعرف أقواما لو علموا أنّ سفّ التراب يقيم أود أصلابهم، لجعلوه مسكة لأرماقهم، إيثارا للتنزّه عن عيش رقيق الحواشي، أما والله، إني لبعيد الوثبة، بطيء العطفة، إنه والله ما يثنيني عليك إلا مثل ما يصرفك عني، ولأن أكون مقلا مقرّبا أحبّ إليّ من أن أكون مكثرا مبعّدا، والله ما نسأل عملا لا نضبطه، ولا مالا إلا ونحن أكثر منه، إنّ هذا الأمر الذي صار في يديك قد كان في يد غيرك، فأمسوا والله [148 ظ] حديثا، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فتحبّب إلى عباد الله بحسن البشر، ولين الحجاب، فانّ حبّ عباد الله موصول بحبّ الله [4] ، وهم شهداء الله على خلقه، ورقباؤه على من اعوجّ عن سبيله.
قال، وقيل لعبد الله بن كرز: هلّا أجبت أمير المؤمنين عن مالك حين
__________
- علي بن أبي طالب إمرة فارس، ولما توفي علي امتنع زياد على معاوية وتحصن في قلاع فارس، فكتب معاوية له وألحقه بنسبه وولاه البصرة والكوفة وسائر العراق إلى أن توفي، كان خطيبا داهية، نظم أمور الولاية، أخباره كثيرة، توفي سنة 53 هـ.
(الطبري 6/162، ابن الأثير 3/195، تهذيب ابن عساكر 4/406، ميزان الاعتدال 1/355، خزانة الأدب 2/517)
[1] سعد بن سلم: حفيد قتيبة بن مسلم الباهلي، ورد اسمه في وفيات الأعيان 4/58:
سعيد بن سلم بن قتيبة، أبو عمرو، كان سيدا كبيرا ممدحا، تولى أرمينية والموصل والسند وطبرستان وسجستان والجزيرة، وتوفي سنة 217 هـ.
(أخباره في المعارف ص 407، البيان والتبيين 2/40، 254، الكامل 3/7)
[2] أبو دهمان العلائي: ويروى: الغلابي، شاعر من شعراء البصرة ممن أدرك دولتي بني أمية وبني العباس، ومدح المهدي، وكان طيّبا ظريفا مليح النادرة. (الأغاني 22/258- 260)
[3] الخبر في وفيات الأعيان 4/88- 89، والبيان والتبيين 2/200.
[4] في البيان والتبيين بعدها زيادة هي: (وبغضهم موصول ببغضه) .
(1/397)

سألك عنه؟ قال: إنّه إن استكثره حسدني، وإن استقلّه حقرني.
[موعظة الآباء للأبناء]
أبو الحسن قال: وعظ عروة بنيه فقال: تعلموا العلم، فانكم إن تكونوا صغار قوم، فعسى أن تكونوا كبار قوم آخرين، ثم قال: الناس بأزمانهم أشبه منهم بآرائهم، وإذا رأيتم من رجل خلّة سوء فاحذروه، واعلموا أنّ عنده لها أخوات.
[هرب من الطاعون]
قال: هرب الوليد بن عبد الملك من الطاعون، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، إنّ الله عز وجل يقول: (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل، وإذا لا تمتّعون إلا قليلا) ، قال: ذلك القليل تريد.
[قرحة الدارمي]
قال الأصمعي: خرجت بالدارمي قرحة في جوفه، فبزق بزقة خضراء، فقيل له: قد برأت إذ بزقتها خضراء، فقال: والله لو لم تبق في الدنيا زمردة إلا بزقتها ما برئت.
[من جوامع الكلم]
وقالوا: من أعطى أربعا لم يمنع أربعا؛ من أعطي الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطي التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطي الاستخارة لم يمنع الخيرة، ومن أعطي المشورة لم يمنع الصواب. [149 و] وقال أبو ذر الغفاري رحمة الله عليه: كان الناس ورقا لا شوك فيه، فصاروا شوكا لا ورق فيه. وقال آخر: كان يقال: لا وحشة أوحش من عجب، ولا ظهر أعون من مشورة، ولا فقر [1] أشد من عدم العقل.
__________
[1] في الأصل: (ولا فقرا) .
(1/398)

وقال الأحنف بن قيس [1] : لأفعى تحكّك في ناحية بيتي أحبّ إليّ من أيّم [2] رددت عنها كف ءا، وكان يقال: ما بعد الصواب إلا الخطأ، وما بعد منعهنّ من الأكفاء إلا بذلهنّ السّفلة والغوغاء. وقالوا: لا تصرف حوائجك إلا من معيشته من رؤوس المكاييل وألسنة الموازين.
[في اللحن]
وحكى الجاحظ في كتابه المعروف بالبيان والتبيين: أنّ أبا حنيفة [3] قيل له: ما تقول في رجل تناول صخرة فضرب بها رأس رجل فقتله، أتقيده؟ قال:
لا، ولو جلد رأسه بأبا قبيس [4] .
وحكي أنّ يوسف بن خالد السمتي [5] قال لعمرو بن عبيد [6] : ما تقول
__________
[1] الأحنف بن قيس سيد تميم: سبقت ترجمته.
[2] الأيّم: آمت المرأة أيما: أقامت بلا زوج، بكرا أو ثيّبا، أو فقدت زوجها، فهي أيّم وأيّمة.
[3] أبو حنيفة: النعمان بن ثابت التيمي بالولاء الكوفي، إمام الحنفية، الفقيه المجتهد المحقق، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة، كان يبيع الخز ويطلب العلم في صباه، أراده عمر بن هبيرة أمير العراقين على القضاء، فامتنع ورعا، وكذلك أراده المنصور فأبى فحبسه المنصور إلى أن مات، كان قوي الحجة حسن المنطق، له (مسند) في الحديث، و (المخارج) في الفقه، نشر مذهبه تلميذه أبو يوسف، توفي سنة 150 هـ.
(وفيات تالأعيان 2/163، تاريخ بغداد 13/323- 423، النجوم الزاهرة 2/12، البداية والنهاية 10/107، تاريخ الخميس 2/326)
[4] أبو قبيس: جبل مشرف على مكة: والرواية في البيان والتبيين 2/212 والعقد الفريد 2/482. في الأصل والبيان والتبيين: (بأبا قبيس) .
[5] يوسف بن خالد السمتي: فقيه من أئمة الجهمية، وأول من حمل رأي أبي حنيفة إلى البصرة، وكان من أهلها، له كتاب: (التجهم) أنكر فيه الميزان والقيامة، كان صاحب رأي وجدل، عرف بالسمتي لهيئته، وهو عند كثير من أهل الحديث كذاب زنديق، توفي سنة 190 هـ. (تهذيب التهذيب 11/411، اللباب 2/18، كشف الظنون 1045)
[6] عمرو بن عبيد بن باب التيمي بالولاء: أبو عثمان البصري، شيخ المعتزلة في عصره وفقيهها، وأحد الزهاد المشهورين، اشتهر بعلمه وزهده، قال فيه المنصور:-
(1/399)

في دجاجة ذبحت من قفائها، قال عمرو: أحسن، قال: من قفاؤها، قال:
أحسن، قال: قفاءها، قال له عمرو: ما عنّاك إلى هذا؟ قل: قفاها واسترح. [1]
وحكي أنّ بشر المريسي [2] قال: قضى الله لكم الحوائج على أحسن الوجوه وأهناؤها [3] ، فقال قاسم التمّار: هذا على قوله: [4] [المنسرح]
إنّ سليمى والله يكلؤها ... ضنّت بشيء ما كان يرزؤها
فصار احتجاج قاسم أطيب من لحن بشر.
قال: كانت أم نوح وبلال ابني [149 ظ] جرير عجميّة، فقالا لها لا تكلمي إذا كان عندنا رجال، فقالت يوما: يا نوح، جردان دخل في عجان [5] أمّك. وقد كان الجرذ أكل من عجينها.
قال أبو الحسن: أهدوا إلى فيل مولى زياد حمار وحش، فقال لزياد:
__________
- (كلكم صاحب صيد غير عمرو بن عبيد) ، له رسائل وخطب، توفي بمران (قرب مكة) سنة 144 هـ، ورثاه المنصور. (ميزان الاعتدال 2/294، وفيات الأعيان 1/384، البداية والنهاية 1/78، مروج الذهب 2/192)
[1] الرواية في البيان والتبيين 2/212.
[2] بشر المريسي: بشر بن غياث بن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي، فقيه معتزلي، عارف بالفلسفة، يرمى بالزندقة، وهو رأس الطائفة (المريسية) القائلة بالإرجاء، أخذ الفقه عن القاضي أبي يوسف، وقال برأي الجهمية، وأوذي في دولة هارون الرشيد، كان قصيرا دميم المنظر وسخ الثياب كبير الرأس والأذنين، له تصانيف، توفي سنة 218 هـ.
(النجوم الزاهرة 2/228، تاريخ بغداد 7/56، وفيات الأعيان 1/91، ميزان الاعتدال 1/150)
[3] كذا في الأصل (أهناؤها) وفي البيان والتبيين 2/212: (أهنؤها) .
[4] البيت لابن هرمة في ديوانه ص 55 ط- مجمع اللغة العربية، دمشق 1969، والرواية في البيان والتبيين 2/212، وعيون الأخبار 2/157، والعقد الفريد 2/482، وتاريخ بغداد 7/. 57
[5] العجان: الاست والدبر.
(1/400)

أهدوا لنا همار وهش قال: أي شىء تقول ويلك؟ قال: أهدوا لنا أيرا، يريد عيرا، قال زياد: الثاني شر [من الأول] . [1]
وقال عبد الملك بن مروان: اللحن هجنة على الشريف، والعجب آفة الرأي [2] . وكان يقول: اللحن أقبح من آثار الجدري في الوجه. [3]
قال: أخبرني الربيع بن عبد الرحمن السلمي قال: قلت لأعرابي: أتهمز إسرائيل؟ قال: إني إذا لرجل سوء [4] ، قال، قلت: فتجرّ فلسطين؟ قال: إني إذا لقوي [5] .
قال خلف [6] ، قلت لأعرابي: ألقي عليك بيتا؟ قال: على نفسك ألقه. [7]
قال الجاحظ: ولا بد لمن استكده [8] الجد من الاستراحة إلى بعض الهزل [9] .
__________
[1] الرواية في البيان والتبيين 2/213، والحيوان 7/234 وفيه: (الأول أمثل) ، وعيون الأخبار 2/159، وفيه: (الأول خير) .
[2] البيان والتبيين 2/216، والعقد الفريد 2/479 وفيه: (الإعراب جمال للوضيع، واللحن هجنة للشريف) .
[3] في العقد الفريد 2/478: (وقال عبد الملك بن مروان: اللحن في الكلام أقبح من التفتيق في الثوب، والجدري في الوجه) ، وفي عيون الأخبار 2/158: (وقال مسلمة بن عبد الملك: اللحن في الكلام أقبح من الجدري في الوجه. وقال عبد الملك:
اللحن أقبح من التفتيق في الثوب النفيس) .
[4] أراد السلمي الهمزة، وفهم الأعرابي الهمز، وهو الغيبة والغمز.
[5] البيان والتبيين 2/220، الحيوان 3/18، عيون الأخبار 2/157.
[6] خلف: هو خلف بن حيان الأحمر، أبو محرز، راوية عالم بالأدب، شاعر من أهل البصرة، كان كثير الحفظ والرواية، وكان يضع الأشعار وينسبها إلى الشعراء، له ديوان شعر، وكتاب: (جبال العرب) ، ومقدمة في النحو، توفي سنة 180 هـ. (مراتب النحويين ص 16، بغية الوعاة ص 242، نزهة الألباء ص 69، معجم الأدباء 4/179)
[7] البيان والتبيين 2/221.
[8] استكده: أجهده وأتعبه، واستكده: طلب من الكد.
[9] البيان والتبيين 2/222.
(1/401)

[من أخبار النوكى والحمقى]
قال أبو عبيدة: أرسل ابن لعجل بن لجيم [1] فرسا في حلبة، فجاء سابقا، فقال لأبيه: يا أبه، بأي شىء أسميه؟ قال: افقأ إحدى عينيه وسمّه الأعور.
قالوا: ومن النّوكى [2] مالك بن زيد مناة بن تميم، الذي لما دخل على امرأته ورأت به ما رأت من الجهل والجفاء، وجلس في ناحية منقبضا مشتملا، قالت: ضع علبتك، قال: يدي أحفظ لها، قالت: فاخلع نعليك، قال: رجلاي أحفظ لهما، قالت: فضع شملتك، قال: ظهري أولى بها، فلما رأت ذلك قامت [150 و] فجلست إلى جنبه، فلما شمّ ريح الطّيب، قام فوثب عليها [3] .
قال الجاحظ في البيان والتبيين [4] : ومن المجانين والموسوسين [5] والنوكى: ابن قنان، وصباح الموسوس [6] ، وديسيموس [7] اليوناني، وأبو حية النميري، وأبو ياسين الحاسب، وجعيفران الشاعر، وجرنبش [8] ، ومنهم سارية الليل، ومنهم أم ريطة [9] بنت كعب بن سعد بن تيم بن مرة، وهي التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا [10] ، فضرب الله بها المثل، وهي التي قيل لها:
__________
[1] عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، ينظر عيون الأخبار 2/43، والخبر في البيان والتبيين 2/223.
[2] النوكى: الحمقى، والخبر في البيان والتبيين 2/225، والعقد الفريد 6/156.
[3] الرواية في البيان والتبيين 2/225، والعقد الفريد 6/156 مع خلاف يسير في اللفظ.
[4] البيان والتبيين 2/225 باب النوكى.
[5] في الأصل: (المسوسين) .
[6] في الأصل المسوس.
[7] في الأصل: (ريسموس) والتصويب من البيان والتبي