Advertisement

الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء



الكتاب: الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء
المؤلف: أبو عبيد الله بن محمد بن عمران بن موسى المرزباني (المتوفى: 384هـ)
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الحمد لله على ما أولى من جزيل عطائه، وأسنى من جميل بلائه، حمدا نستديم به نعمه، ونستدفع به نقمه، ونستدعى به مزيده. وصلى الله على خير الأنبياء، وأفضل الأصفياء: محمد وآله وسلم تسليما؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل.
سألت، حرس الله النعمة عليك، وأسبغ الموهبة لديك، أن أذكر لك طرفا مما أنكر على الشعراء فى أشعارهم من العيوب التى سبيل أهل عصرنا هذا ومن بعدهم أن يجتنبوها ويعدلوا عنها؛ فأجبتك إلى ما سألت، وعملت فيه بما أحببت؛ وأودعت هذا الكتاب ما سهل وجوده، وأمكن جمعه، وقرب متناوله من ذكر عيوب الشعراء التى نبّه عليها أهل العلم، وأوضحوا الغلط فيها: من اللحن، والسناد، والإيطاء، والإقواء، والإكفاء، والتضمين، والكسر، والإحالة، والتناقض، واختلاف اللفظ، وهلهلة النسج، وغير ذلك من سائر ما عيب على الشعراء قديمهم ومحدثهم فى أشعارهم خاصة؛ سوى عيوبهم فى أنفسهم وأجسامهم، وأخلاقهم وطبائعهم، وأنسابهم ودياناتهم، وغير هذه الخصال من معايبهم؛ فإنا قد استقصيناه فى كتابنا الذى لقّبناه ب (المفيد) وغيره من كتبنا التى ضمنّاها أخبار الشعراء، وشرحنا فيها أحوالهم؛ وسوى سرقات معانى الشعر؛ فإنها أحد عيوبه، وخاصة إذا قصّر قول السارق عن مدى المسروق؛ فإنا قد أتينا بكثير من ذلك فى (كتاب الشعر) الذى نبهنا فيه على فضائله، ووصف نعوته وعيوبه.
وابتدأنا بباب أبنّا فيه عن حال السّناد والإيطاء، والإقواء والإكفاء: وإن لم يكن هذا الكتاب مفتقرا إلى ذكره؛ وإنما أوردناه لما جاء فيه من الأشعار المعيبة، لأنها إذا نسبت إلى رواتها مجتمعة كان أبلغ فيما قصدنا له، وأقرب إلى فهم القارئ وقلب السامع، وإن كان بعضها يجىء متفرقا فى أبواب قائليها من غير هذه الوجوه وبغير هذه الروايات.
(1/1)

وختمنا هذا الكتاب بباب أتينا فيه بما روى من ذمّ ردىء الشعر وسفسافه «1» والمضطرب منه.
وعلى أنّ كثيرا مما أنكر فى الأشعار قد احتجّ له جماعة من النحويين وأهل العلم بلغات العرب، وأوجبوا العذر للشاعر فيما أورده منه، وردّوا قول عائبه والطاعن عليه؛ وضربوا لذلك أمثلة قاسوا عليها ونظائر اقتدوا بها؛ ونسبه بعضهم إلى ما يحتمله الشعر أو يضطرّ إليه الشاعر.
ولولا أنه لا يجوز أن نبى قولا على شىء بعينه ثم نعقّب بنقضه فى تضاعيفه لذكرنا الاحتجاج للشعراء فى هذا الكتاب؛ ولكنّا نفرد له رسالة إن شاء الله.
ونعوذ بالله من التشاغل بغير ما قّرب منه وأدّى إلى طاعته؛ ونسأله التوفيق لأرشد الأمور وأحسنها بديئا وعاقبة بمنّه وكرمه وهو حسبنا ونعم الوكيل وقد ذكر جماعة من شعراء الإسلام ومن تبعهم فى أشعارهم عدولهم عما أنكر على من تقدّمهم من هذه العيوب التى تقدّم ذكرها؛ فقال ذو الرّمة «2» :
وشعر قد أرقت له طريف «3» ... أجنّبه المساند والمحالا
وقال جرير:
فلا إقواء إذ مرس «4» القوافى ... بأفواه الرّواة ولا سنادا
وقال عدىّ بن الرّقاع [3] «5» :
وقصيدة قد بتّ أجمع بينها ... حتى أقوم ميلها وسنادها
نظر المثقّف فى كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافه منآدها «6»
(1/2)

وقال السيد بن محمد الحميرى:
وإنّ لسانى مقول لا يخوننى ... وإنى لما آتى من الأمر متقن
أحوك ولا أقوى ولست بلا حن ... وكم قائل للشعر يقوى ويلحن
وقال إسحق بن إبراهيم الموصلى- وذكر قصيدة:
فلما أقمت الميل منها ولم أدع ... بها أودا مما يعاب ولا كسرا
أتيتك أهديها إليك تقرّبا ... وشكرا لنعمى منك تستغرق الشكرا
وقال أبو العميثل «7» :
أقمت اعوجاج الشعر حتى تركته ... قداح ثقافى نابل وابن نابل «8»
فدونكماه لا بمنتشر القوى ... ضعيف ولا مستغلق متعاظل
قصائد أشباه كأنّ متونها ... متون أنابيب الوشيج العوامل «9»
وقال أبو تمام يصف قصيدة «10» :
منزّهة عن السرق المورّى ... مكرّمة عن المعنى المعاد
وقال أبو حاتم سهل بن محمد السجستانى:
خذها إليك هدية من شاعر ... لا يستثيب ثوابها إهداؤه
نظم ابن آداب تنخّل شعره ... لم يمح رونق شعره إكفاؤه
لم يقو فيه ولم يسانده ولم ... يوطئ فيوهى نظمه إيطاؤه
(1/3)

البيان عن السناد والإقواء والإكفاء والإيطاء
حدثنا على بن سليمان الأخفش النحوى، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى بن جميل الأندلسى بمصر، قال: حدثنى أبو مسهر أحمد بن مروان، قال: حدثنا إبراهيم بن عمّار الحميرى، قال سمعت أبا عمر الجرمى «11» يقول: عيوب الشعر الإقواء والإكفاء والإيطاء والسّناد.
فأما الإقواء فرفع بيت وجرّ آخر.
وأما الإكفاء فاختلاف حرف الروىّ.
والعرب قد تخلط فيما بين الإكفاء والإقواء، ولكن وضعنا هذه الأسماء أعلاما لتدل على ما نريد.
وأما السّناد فاختلاف كلّ حركة قبل الروىّ.
وأما الإيطاء فأن يقفّى بكلمة ثم يقفّى بها فى بيت آخر «12» .
وقد أوطأت الشعراء؛ أنشدنى الأصمعى وأبو عبيدة جميعا للنابغة الذبيانى «13» :
أواضع البيت فى خرساء «14» مظلمة ... تقيّد العير «15» لا يسرى بها السارى [4]
ثم قال فيها أيضا:
لا يخفض الرّزّ عن أرض ألمّ بها ... ولا يضبّ على مصباحه السّارى «16»
وزعما جميعا أنّ مقبل قال «17» :
أو كاهتزاز ردينىّ تداوله ... أيدى التجار فزادوا متنه لينا
(1/4)

ثم قال فيها أيضا «18» :
نازع ألبابها لبّى بمقتصر «19» ... من الأحاديث حتى زدتنى لينا
قال: ومن الحروف التى تحتاج إليها القافية التأسيس والرّدف؛ ومن الحركات التى تحتاج إليها القافية الحذو والتوجيه والإشباع.
فأما التأسيس فهو ألف بينها وبين حرف الروىّ حرف متحرك، ولا يكون التأسيس إلا ألفا؛ نحو قول النابغة «20» :
كلينى لهمّ يا أميمة ناصب «21» ... وليل أقاسيه بطىء الكواكب
فإذا أسّست بيتا ولم تؤسس آخر فهو سناد، وهو عيب قلما جاء؛ كقول العجاج «22» :
يا دار سلمى يا اسلمى ثم اسلمى
ثم قال:
بسمسم أو عن يمين سمسم «23»
ثم قال:
فخندف هامة هذا العالم «24»
قال: وكان رؤبة يعيب هذا على أبيه.
قال: وذكروا أن قوما همزوها، فإن همزوها فليست بتأسيس.
(1/5)

قال: والردف يكون ياء أو واوا أو ألفا قبل حرف الروىّ لا صقة به؛ فالياء: رقيب، والواو: طروب، والألف: أطلال. هذه الألف تلزم فى هذا الموضع القصيدة جمعاء، ولا تجوز معها الياء ولا الواو؛ وتجوز الياء مع الواو؛ مثل مشيب وخطوب، والأمير ووعور.
فإن أردفت بيتا وتركت آخر فهو سناد وعيب؛ نحو قول الشاعر «25» :
إذا كنت فى حاجة مرسلا ... فأرسل حكيما ولا توصه
وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور لبيبا ولا تعصه
فالواو التى فى توصه ردف، والصاد حرف الروىّ؛ والبيت الثانى ليس بمردف؛ فهذا سناد؛ وهو عيب، وقلما جاء.
قال: والحذو حركة الحرف الذى قبل الردف، نحو «قولا» مع «قيلا» ؛ لأن الكسرة قبل الياء والضمة قبل الواو، والحذو يتبع الرّدف.
قال: ولو جاء قولا مع قولا وبيعا مع بيعا لم يجز؛ لأن أحد الحذوين يتابع الرّدف والآخر يخالفه؛ وهو سناد، وهو عيب؛ نحو قول عمرو بن الأيهم التغلبى «26» :
ألم تر أنّ تغلب أهل «27» عزّ ... جبال معاقل ما يرتقينا
شربنا من دماء بنى سليم «28» ... بأطراف القنا حتّى روينا
والحذو: كسر الواو فى روينا، وهذا سناد، وهو عيب «29» .
قال: والتوجيه حركة الحرف الذى قبل حرف الروى فى المقيّد خاصة، وليس للمطلق توجيه؛ كقول العجاج «30» :
قد جبر الدّين الإله فجبر
(1/6)

ففتحها كلها وقال لبيد «31» :
تمنّى ابنتاى أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلّا من ربيعة أو مضر
فإن حان يوما أن يموت أبوكما ... فلا تخمشا وجها ولا تحلقا الشّعر
وكان الخليل يقول: تجوز الضمة مع الكسرة، ولا تجوز مع الفتحة غيرها؛ فإن كان مع الفتحة ضمة أو كسرة [5] فهو سناد. والجيّد قول طرفة «32» :
أرّق العين خيال لم يقر ... طاف والركب بصحراء يسر «33»
قال الخليل: أجزت الضمة مع الكسرة كما أجزت الياء مع الواو فى الردف. وأما القبيح فقول رؤية «34» :
وقاتم «35» الأعماق خاوى المخترق
ثم قال:
ألّف شتّى ليس بالراعى الحمق «36»
ثم قال:
مضبورة «37» قرواء هر جاب فنق «38»
وقال الأعشى «39» .
(1/7)

غزاتك بالخيل أرض العدو ... وفاليوم من غزوة لم تخم
وجيشهم ينظرون الصّباح ... وجذعانها كلفيظ العجم «40»
قعودا بما كان من لأمة ... وهنّ قيام يلكن الّجم «41»
وقال طرفة «42» :
نزع الجاهل فى مجلسنا ... فترى المجلس فينا كالحرم
ثم قال:
فهى تنضو قبل الداعى إذا ... جعل الداعى يخلّل ويعم
قال أبو عمر: وكان الأخفش لا يرى هذا سنادا، ويقول: قد كثر من فصحاء العرب.
والإشباع. حركة الذى بين ألف التأسيس وبين حرف الروىّ، كالحواجب فكسرة الجيم الإشباع. وقال الأخفش: وتجوز الكسرة مع الضمة وتقبح الفتحة مع واحدة منهما، فما جاء مكسورا فى القصيدة كلها قول النابغة «43» :
كلينى لهمّ يا أميمة ناصب
فكسر القصيدة كلها.
وأما ما يقبح ويكون سنادا، فقول ورقاء بن زهير «44» :
(1/8)

رأيت زهيرا تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادر
فشلّت يمينى يوم أضرب خالدا ... ويمنعه منى الحديد المظاهر
فهذا يقبح. وكان الخليل لا يراه سنادا.
وقال الراجز:
يا نخل ذات السّدر والجراول «45» ... تطاولى ما شئت أن تطاولى
إنّا سترميك بكلّ بازل
الجراول: الحجارة العظام شبه الأفهار، ويريد بطن نخلة بطريق مكة.
قال: والإقواء فهو اختلاف المجرى، والمجرى: حركة حرف الروىّ الذى تبنى عليه القصيدة؛ كقول امرئ القيس «46» :
ألا انعم صباحا أيها الطلل البالى ... وهل «47» ينعمن من كان فى العصر الخالى
فكسرة اللام هى المجرى؛ فإن اختلف ذلك فهو عيب وهو الإقواء، وهو رفع بيت وجرّ آخر، كقول النابغة «48» :
زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا ... وبذاك خبّرنا الغراب «49» الأسود
لا مرحبا بغد ولا أهلا به ... إن كان تفريق الأحبّة فى غد
وكقول دريد بن الصّمّة «50» :
نظرت إليه والرماح تنوشه ... كوقع الصّياصى فى النّسيج الممدّد «51»
(1/9)

ثم قال:
فأرهبت عنه القوم حتّى تبدّدوا ... وحتّى علانى حالك اللون أسود
وكقول حسّان بن ثابت الأنصارى «52» :
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير
ثم قال:
كأنهم قصب «53» جوف أسافله ... مثقّب نفخت فيه الأعاصير
ولا يكون النصب مع الجرّ ولا مع الرفع؛ وإنما يجتمع الرّفع والجرّ لقرب كل واحد منهما من صاحبه [6] ، ولأن الواو تدغم فى الياء، وأنهما يجوزان فى الرّدف فى قصيدة واحدة؛ فلما قربت الواو من الياء هذا القرب أجازوها معها؛ وهى مع ذلك عيب. وليس للمقيّد مجرى إنما هو للمطلق.
قال: ومن حركات القافية النفاذ؛ وهو حركة الهاء التى للوصل؛ كقول لبيد «54» :
عفت الديار محلّها فمقامها ... بمنى تأبّد غولها فرجامها «55»
فإذا اختلف ذلك فهو نحو الإقواء.
قال أبو عمر: ولا نعلمه جاء فى شىء من الشعر لإنسان فصيح؛ فإن جاء فهو إقواء، وهو عيب.
قال: والإكفاء اختلاف حرف الروى؛ وهو غلط من العرب، ولا يجوز ذلك لغيرهم؛ لأنه غلط، والغلط لا يجعل أصلا فى العربية. وإنما يغلطون إذا تقاربت مخارج الحروف. قال أبو عمر: والإكفاء عند العرب المخالفة فى كل شىء. قال: وأنشدنا أبو زيد لذى الرّمة «56» :
(1/10)

ودوّيّة قفر يرى وجه ركبها «57» ... إذا ما علوها مكفا «58» غير ساجع
قال: فالمكفأ المختلف. والساجع: المتتابع. قال: فسمينا ما اختلف رويّه بهذا الاسم.
قال: وأنشدنى أبو عبيدة لجوّاس بن هريم:
قبّحت من سالفة ومن صدغ ... كأنها كشية «59» ضبّ فى صقع
الكشية: شحمتان فى باطن صلب الضبّ.
وأنشد أبو عبيدة لامرأة من خثعم عشقت رجلا من عقيل «60» :
ليت «61» سماكيّا يحار ربابه ... يقاد إلى أهل الغضا بزمام
فيشرب منه جحوش ويشيمه ... بعينى قطامّى أغرّ يمانى 6»
وأنشد أبو عبيدة لابنة أبى مسافع- وقتل أبوها يوم بدر وهو يحمى جيفة أبى جهل «63» :
فما «64» ليث غريف ذو ... أظافير وإقدام
كحيّى إذ تلاقوا و ... وجوه القوم أقران
وأنت الطّاعن النّجلا ... ء منها مزبد آن
وبالكفّ حسام صا ... رم أبيض خدّام
وقد ترحل بالركب ... وما نحن «65» بصحبان «66»
(1/11)

قال: وسمعت بعض العرب ينشد «67» :
إن يأتنى لصّ فإنى لصّ ... أطلس مثل الذئب إذ يعتسّ
سوقى حدائى وصفيرى النّس «68»
وأنشد أبو سليمان الغنوىّ- وكان فصيحا «69» :
يا ريّها اليوم على مبين ... على مبين جرد القصيم «70»
قال: وسمعت الأخفش ينشد «71» :
إذا ركبت «72» فاجعلونى وسطا ... إنى كبير لا أطيق العنّدا «73»
قال: وزعم أبو عبيدة أنّ حكيم بن معيّة التميمى قال «74» :
قد وعدتنى أمّ عمرو أن تا ... تدهن «75» رأسى وتفلّينى وا
وتمسح القنفاء حتّى تنتا «76»
وقال آخر:
بالخير خيرات وإن شرّا فا ... ولا أريد الشرّ إلا أن تا
يريد فشرّا، ويريد إلا أن تريد. قال: فسألت الأصمعى عن ذلك، فقال: هذا ليس بصحيح فى كلامهم؛ وإنما يتكلمون به أحيانا.
(1/12)

قال: وكان رجلان من العرب أخوان ربما مكثا عامّة يومهما لا يتكلمان. قال: ثم يقول أحدهما «ألا تا» ؛ يريد ألا تفعل. فيقول صاحبه: «بلى فا» ، يريد فأفعل.
وليس هذا بكلام مستعمل [7] فى كلامهم.
أخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن يزيد النّحوى، قال: حدثنى الجرمىّ، قال: قال الخليل بن أحمد: رتّبت البيت من الشّعر ترتيب البيت من بيوت العرب الشّعر- يريد الخباء- قال: فسمّيت الإقواء ما جاء من المرفوع فى الشعر والمخفوض على قافية واحدة؛ كقول النابغة «77» :
عجلان ذا زاد وغير مزوّد «78»
ثم قال:
وبذلك خبّرنا الغراب الأسود «79»
قال: فيروى أن النابغة فهّم ذلك فغيّره.
قال: وإنما سميته إقواء لتخالفه؛ لأن العرب تقول: أقوى الفاتل إذا جاءت قوة من الحبل تخالف سائر القوى. قال: وسميت تغيّر ما قبل حرف الروىّ سنادا من مساندة بيت إلى بيت إذا كان كلّ واحد منهما ملقى على صاحبه ليس مستويا كهذا، ومثل ذلك من الشعر «80» :
فاملئى وجهك الجميل خموشا
ثم قال:
وبنا سميت قريش قريشا
قال: وسميت الإكفاء ما اضطرب حرف رويّه، فجاء مرة نونا ومرة ميما ومرة لاما؛ وتفعل العرب ذلك لقرب مخرج الميم من النون، مثل قوله «81» :
(1/13)

بنات وطّاء على خدّ الليل ... لا يشتكين ألما ما أنقين «82»
مأخوذ من قولهم: مكفأ إذا اختلفت شقاقه التى فى مؤخره. والكفأة: الشّقّة فى مؤخّر البيت.
والإيطاء: ردّ القافية مرتين كقوله:
وتخزيك يابن القين أيام دارم
وقال فيها:
وعمرو بن عمرو إذ دعا يالدارم
قال الجرمى: والأخفش يضع الإكفاء فى موضع السناد، والسناد فى موضع الإكفاء على هذا الاشتقاق.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «83» ، قال: الإكفاء هو الإقواء مهموز، وهو أن يختلف إعراب القوافى، فتكون قافية مرفوعة، وأخرى مخفوضة أو منصوبة؛ وهو فى شعر الأعراب كثير، وهو فيمن دون الفحول من الشعراء أكثر؛ ولا يجوز لمولّد؛ لأنهم عرفوا عيبه، والبدوىّ لا يأبه له، فهو أعذر، وهو نحو قول جرير «84» :
عرين من عرينة ليس منّا ... برئت إلى عرينة من عرين «85»
عرفنا جعفرا وبنى عبيد ... وأنكرنا زعانف آخرين «86»
وقال سحيم بن وثيل «87» :
عذرت البزل إن هى خاطرتنى ... فما بالى وبال ابنى لبون «88»
(1/14)

وماذا يدّرى الشعراء منّى ... وقد جاوزت رأس الأربعين «89»
فموضع هذه الأبيات- التى له ولجرير- النصب.
والإيطاء أن تتفق القافيتان فى قصيدة واحدة. وإن «90» كان أكثر من قافيتين فهو أسمج له، وقد يكون؛ ولا يجوز لمولّد إذ كان عنده عيبا.
والسناد «91» أن تختلف القوافى، نحو نقيب وعيب؛ وقريب وشيب، مثل قول الفضل بن العباس اللهبى «92» :
عبد شمس أبى فإن كنت غضبى ... فاملئى وجهك الجميل خموشا
ثم قال:
وبنا سميت قريش قريشا «93»
وقال:
ولا تملّيت عيشا
وقال عدى بن زيد «94» :
ففاجأها وقد جمعت جموعا «95» ... على أبواب حصن مصلتينا
فقدّمت الأديم لراهشيه «96» ... وألفى قولها كذبا ومينا
وقال المفضل: «كذبا مبينا» ؛ فرّ من السناد [8] ، والرواية هى الأولى على قوله:
«ومينا» .
(1/15)

وقال الفضل بن عبد الرحمن بن العباس فى مرثية زيد بن على بن الحسين رضى الله تعالى عنهم:
ليس ذا حين الجمود
ثم قال:
فوق العمود
ثم قال «97» :
وكيف جمود عينك بعد زيد
ومنه قول العرب «98» :
خرج القوم برأسين متساندين؛ أى هذا على حياله وهذا على حياله. وهو من قولهم:
كانت قريش يوم الفجار متساندين: أى لا يقودهم رجل واحد.
وقد «99» تغلط [فى ذلك «100» ] مقاحيم الشعراء وثنيانهم. والمقحم الذى يقتحم «101» سنّا إلى أخرى «102» ، وليس بالبازل ولا المستحكم، والثنيان: العاجز الواهن.
وقد يغلطون فى السين والصاد، والميم والنون، والدال والطاء، وأحرف يتقارب مخرجها من اللسان يشتبه عليهم. أنشدنى أبو العطّاف «103» :
أرمى بها مطالع النجوم ... رمى سليمان بذى غضون
وقال رغيب بن قيس «104» العنبرى:
نظرت بأعلى الصّوق والباب دونه ... إلى نعم ترعى قوافى مسرد
(1/16)

الصّوق: يريد السوق. ثم قال:
عجيل مخلط «105»
فقلت: قل «معقد» فيصحّ لك المعنى وتستقيم القوافى. قال: أجل فاستعدته فعاد إلى [قوله] «106» الأول.
وقال أبو الدّهماء العنبرى «107» :
فلا عيب فيها غير أنّ جنينها ... جهيض وفى العينين منها تخاوص «108»
ثم قال:
بالثياب الطّيالس
ثم قال:
والماء جامس
وكان يقول الصّويق. وبرّ مكيول. وثوب مخيوط.
وقال أبو الدهماء يهجو شويعرا من عكل- وكان أبو الدهماء أفصح الناس- فقال يذكر جردانه «109» :
ويل الحبالى إن أصاب الرّكبا ... يستخرج الصبيان منه خذما
وأخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنى محمد بن يزيد النحوىّ، قال: قال الفرزدق- يخاطب الحجّاج لما أتاه نعى أخيه محمد فى اليوم الذى مات فيه ابنه محمد:
إنى لباك على ابنى يوسف جزعا ... ومثل فقدهما للدّين يبكينى
ماسدّ حىّ ولا ميت مسدّهما ... إلّا الخلائف من بعد النبيين
(1/17)

فكسر نون النبيين. قال: وعلى هذا المذهب قول العدوانى «110» .
إنى أبىّ أبىّ ذو محافظة ... وابن أبىّ أبىّ من أبّيين
وأنتم معشر زيد على مائة ... فأجمعوا أمركم كلّا «111» فكيدونى
قال: ولسحيم بن وثيل «112» :
وماذا يدّرى الشعراء منّى ... وقد جاوزت حدّ الأربعين
أخو خمسين مجتمع أشدّى ... ونجّذنى مداورة الشّؤون «113»
كلهم كسروا نون الجميع. وتكلم المبرد على ذلك.
حدثنى أحمد بن محمد العروضى، قال: الإقواء رفع قافية وخفض أخرى؛ وذلك معيب؛ قال بعضهم:
أراعك بالخابور نوق وأجمال ... ورسم عفته الرّيح بعدى بأذيال
قال: والإكفاء فساد فى القافية. ومن الناس من يجعل الإكفاء بمعنى الإقواء، ومنهم من يجعله اختلاف الحركات قبل حرف الروى. نحو قوله «114» :
وقاتم الأعماق خاوى المخترق
مع قوله:
ألف شتى ليس بالراعى الحمق
فجمع بين الفتح والكسر. ومنهم من يجعله اختلاف الحروف؛ مثل قوله:
أإن زمّ أجمال وفارق جيرة ... وصاح غراب البين أنت حزين
تنادوا بأعلى سحرة وتجاوبت ... هوادر فى حافاتهم وصهيل [9]
(1/18)

قال: والسناد هو أيضا فساد فى القافية، وقد جعله قوم بمنزلة الإقواء والإكفاء؛ وبعضهم يجعله اختلاف القافيه فى التأسيس، وهو أن يجىء بقافية فيها حرف تأسيس وقافية بغير حرف تأسيس؛ نحو قوله «115» :
يا دار سلمى يا اسلمى ثم اسلمى
ثم قال:
فخندف هامة هذا العالم
فجاء بقافية فيها حرف تأسيس وهو الألف فى العالم، وقافية لا تأسيس فيها وهى اسلمى.
وقيل: إنّ السناد هو اختلاف الحركات قبل الأرداف فى مثل قوله «116» :
فإن يك فاتنى أسفا شبابى ... وأمسى «117» الرأس منى كاللّجين
فقد ألج الخباء على جوار ... كأنّ عيونهنّ عيون عين
ففتح الجيم من اللجين، وكسر العين من قوله عين. وقد جعل قوم حركة الدخيل سنادا.
قال: والإيطاء إعادة القافية؛ وذلك عيب. وقد استعملته العرب.
قال: والتضمين هو بيت يبنى على كلام يكون معناه فى بيت يتلوه من بعده مقتضيا له؛ فمن ذلك قوله «118» :
وسعد فسائلهم والرّباب ... وسائل هوزان عنّا إذا ما
لقيناهم كيف نعلوهم ... بواتر يفرين بيضا وهاما
(1/19)

قال: ومن عيوب الشعر الرّمل. والرمل عند العرب كل «119» شعر ليس بمؤلف البناء، ولا يحدّون فيه شيئا إلا أنه عيب. وقد ذكر الأخفش أنه مثل قوله «120» :
أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيّات «121» فالذّنوب
وقوله أيضا «122» :
ألا لله قوم و ... لدت أخت بنى سهم
هشام وأبو عبد ... مناف مدره الخصم
فكأنه عنده كلّ شعر غير تامّ الأجزاء.
وقد ذكر بعض المحدثين فى أهاجيهم السناد والإقواء والإكفاء والإيطاء وغير ذلك من العيوب، وشبّهوا أحوال المهجوّ بها. فأخبرنا أبو بكر الصّولى، قال: أنشدنى عون بن محمد الكندى لبعض المحدثين وملّح:
لقد كان فى عينيك يا حفص شاغل ... وأنف كثيل «123» العود عما تتّبع
تتبعت لحنا فى كلام مرقّش ... وخلقك مبنىّ على اللّحن أجمع
فعيناك إقواء وأنفك مكفأ ... ووجهك إيطاء فأنت المرقّع
وأخبرنى على بن هارون، عن عمه يحيى بن على، عن حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن أبيه- أن هذه الأبيات لحماد عجرد فى حفص بن أبى ودّة، وجعل الأخير منها:
فأذناك إقواء وأنفك مكفأ ... وعيناك إيطاء فأنت المرقّع
وأخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: حدثنا أبو عثمان الأشناندانى، قال: حدثنا التّوزى أنّ هذه الأبيات لمساور الورّاق فى حفص بن أبى ودّة.
(1/20)

وقال على بن العباس الرومى فى سوّار بن أبى شراعة:
وذكرك فى الشّعر مثل السّنا ... د والخرم والخزم أو كالمحال
وإيطاء شعر وإكفاؤه ... وإقواؤه دون ذكر الرّذال
وما عيب شعر بعيب له ... كأن يبتلى برجال السّفال [10]
يتاح الهجاء لهاجى الهجا ... ء داء عضالا لداء عضال
(1/21)

أولا- الشعراء الجاهليون
1- امرؤ القيس بن حجر الكندى [1]
حدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، عن أحمد بن أبى خيثمة، عن أبى الحسن على بن محمد المدائنى، قال: قال أبو عمرو بن العلاء: قال رؤبة: ما رأيت أفخر من قول امرىء القيس «1» :
فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة ... كفانى ولم أطلب قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثّل ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالى
ولا أنذل من قوله «2» :
لنا غنم نسوّقها غزار «3» ... كأنّ قرون جلّتها العصىّ
فتملأ بيتنا أقطا وسمنا «4» ... وحسبك من غنى شبع ورىّ
وقال أحمد بن عبيد الله بن عمّار: قد وقفنا على ما أتاه الشعراء القدماء من الزلل والخطأ فى قصيد أشعارهم وأراجيزها، قديمها وحديثها، وإحالتهم فى نسج بعضها، وما أتوا به من الكلام المذموم؛ فأوّلهم امرؤ القيس- مع جلالة شأنه، وعظيم خطره، وبعد همته- يقول مفتخرا بملكه واصفا لما يحاوله:
__________
[1] هو امرؤ القيس بن حجر الكندى. وأبوه حجر ملك على بنى أسد.
وكان أبوه قد طرده حتى إذا عرف مقتل أبيه قال: ضيعنى صغيرا وحملنى دمه كبيرا. وهو من شعراء الطبقة الأولى من فحول الجاهلية.
وارجع فى ترجمته إلى طبقات ابن سلام (43، 67- 80) ، والشعر والشعراء لابن قتيبة (52- 86) ، والأغانى (8- 63) ، وديوانه- المقدمة.
(1/22)

فلو أننى «5» أسعى لأدنى معيشة ... كفانى ولم أدأب قليل من المال
والبيت الذى يليه، ثم قال- بعد هذا القول المرضىّ فى هذا المعنى البهىّ- قول أعرابى متلفّع فى شملته، لا تجاوز همته ما حوته خيمته:
إذا ما لم تكن إبل فمعزى «6» ... كأنّ قرون جلّتها العصىّ
والبيت الذى بعده.
وقال: ولقد هجا الحطيئة الزّبرقان بن بدر بدون هذا حيث يقول «7» :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى
فاستعدى الزبرقان عمر بن الخطاب رحمهما الله تعالى على الحطيئة فحبسه حتى تاب وأناب.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن يزيد النّحوى، قال حدثنا المازنى، قال: سمعت الأصمعىّ يقول: كان امرؤ القيس ينوح على أبيه حيث يقول «8» :
رب رام من بنى ثعل ... مخرج زنديه من ستره «9»
ثم قال: أما علم أن الصائد أشدّ ختلا من أن يظهر شيئا منه.
ثم قال: فكفّيه إن كان لا بدّ أصلح. قال: فهو أصلحه «كفّيه» .
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، أخبرنا عمر بن شبّة، قال «10» :
تنازع امرؤ القيس بن حجر وعلقمة بن عبدة، وهو علقمة الفحل، فى الشعر: أيهما
(1/23)

أشعر؟ فقال كلّ واحد منهما: أنا أشعر منك. فقال علقمة: قد رضيت بامرأتك أمّ جندب حكما بينى وبينك. فحكّماها؛ فقالت أم جندب لهما: قولا شعرا تصفان فيه فرسيكما على قافية واحدة وروىّ واحد. فقال امرؤ القيس «11» :
خليلىّ مرّا بى على أمّ جندب ... نقضّ لبانات «12» الفؤاد المعذّب
وقال علقمة «13» :
ذهبت من الهجران فى غير مذهب ... ولم يك حقّا طول هذا التجنّب «14»
فأنشداها جميعا القصيدتين، فقال لامرئ القيس: علقمة أشعر منك. قال:
وكيف؟ قالت: لأنك قلت «15» :
فللسّوط ألهوب وللساق درّة ... وللزّجر منه وقع أخرج مهذب «16»
الأخرج: ذكر النعام، والخرج: بياض فى سواد وبه سمّى. فجهدت فرسك بسوطك فى زجرك، ومريته «17» فأتبعته بساقك. وقال علقمة «18» [11] :
فأدركهنّ ثانيا من عنانه ... يمرّ كمرّ الرّائح المتحلّب «19»
(1/24)

فأدرك فرسه «20» ثانيا من عنانه، لم يضربه ولم يتعبه.
فقال: ما هو بأشعر منى، ولكنك له عاشقة. فسمى الفحل لذلك «21» .
وروى محمد بن العباس اليزيدى، عن عمه إسماعيل بن أبى محمد اليزيدى، عن أبى عمرو الشيبانى- أنّ امرأ القيس بن حجر تزوّج امرأة من طيئ وكان مفرّكا «22» . فلما كان ليلة ابتنى بها أبغضته، فجعلت تقول: «أصبح ليل يا خير الفتيان أصبحت أصبحت» .
فينظر فيرى الليل كهيئته. فلم يزل «23» كذلك حتى أصبح. فزعموا أنّ علقمة بن عبدة التميمى، ثم أحد بنى ربيعة بن مالك، نزل به- وكان من فحول شعراء الجاهلية، وكان صديقا له- فقال أحدهما لصاحبه: أيّنا أشعر؟ فقال هذا: أنا. وقال هذا: أنا.
فتلاحيا، حتى قال امرؤ القيس: انعت ناقتك وفرسك وأنعت ناقتى وفرسى. قال:
فافعل، والحكم بينى وبينك هذه المرأة من ورائك- يعنى امرأة امرىء القيس الطائية- فقال امرؤ القيس:
خليلىّ مرّا بى على أمّ جندب
حتى فرغ منها.
وقال علقمة:
ذهبت من الهجران فى غير مذهب
فلما فرغا من قصيدتيهما عرضاهما على الطائية امرأة امرئ القيس، فقالت: فرس ابن عبدة أجود من فرسك. قال لها: وكيف؟ قالت: إنك زجرت، وحرّكت ساقيك، وضربت بسوطك- تعنى قوله فى قصيدته حيث وصف فرسه:
فللزّجر ألهوب وللساق درّة ... وللسوط «24» منه وقع أخرج مهذب
(1/25)

ألهوب: يعنى ألهب جريه حين زجره. وللساق درّة: أى إذا غمز درّ بالجرى.
والأخرج: الظليم، وهو ذكر النعام، والأنثى خرجاء، فى حال لونه «25» : وهو سواد وبياض لون الرماد. والأخرج: الرماد. ومهذب: أى مسرع فى عدوه. قالت: وإن علقمة جاهر الصّيد، فقال «26» :
إذا ما اقتنصنا لم نقده «27» بجنّة ... ولكن ننادى من بعيد ألا اركب
فغضب عليها امرؤ القيس، وقال: إنك لتبغضيننى. فطلّقها.
وحدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا أبو عدنان السّلمى، قال: أخبرنى أبو يوسف الجنّى الأسدىّ، راوية المفضل عن المفضل، أنّ أبا الغول النهشلى حدّثه، عن أبى الغول الأكبر، قال: لما نزل امرؤ القيس فى طيىء تزوّج امرأة منهم يقال لها أمّ جندب، وكان مفرّكا تبغضه النساء إذا وقع عليهن، فأتى أمّ جندب من الليل، فقالت له: يا خير الفتيان أصبحت فقم. فقام فإذا الليل كما هو.
فرجع إليها، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قالت: لا شىء. قال: لتخبرنّى.
قالت: كرهتك، لأنك ثقيل الصّدر، خفيف العجز، سريع الهراقة، بطىء الإفاقة.
قال فلم تزل عنده. فأتاه علقمة بن عبدة، فتذاكرا الشعر عندها؛ فقال هذا: أنا أشعر، وقال هذا: أنا أشعر. فقال له علقمة: قل شعرا وانعت الصيد، وهذه الحكم بينى وبينك- يعنى أم جندب، فقال «28» :
خليلىّ مرّا بى على أمّ جندب
فنعت فيها فرسه والصيد حتى فرغ منها. وقال علقمة فى مثل ذلك:
ذهبت من الهجران فى غير مذهب
(1/26)

إلا أن علقمة قال فى نعت الفرس: فأدركهن ثانيا من عنانه ... البيت، وقال امرؤ القيس: فللزّجر ألهوب وللساق درّة ... البيت. فقالت لامرىء القيس: هو أشعر منك. رأيتك ضربت فرسك بسوطك، وحركته بساقك. وزجرته بصوتك [12] ، ورأيته أدرك الصيد ثانيا من عنانه يمرّ كمرّ الرائح المتحلب.
فخلّى سبيلها لما فضلت علقمة عليه.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله: وقد روى هذا الحديث أيضا هشام بن الكلبى على هذه الحكاية. ورواه أيضا عبد الله بن المعتز. وذكره فيما أنكر من شعر امرىء القيس.
أخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابى «29» ، قال:
حدثنا محمد بن عبيد الله العتبى، قال: تشاجر الوليد بن عبد الملك ومسلمة أخوه فى شعر امرىء القيس والنابغة الذبيانى فى وصف طول الليل أيّهما أجود. فرضيا بالشّعبى، فأحضر، فأنشده الوليد «30» :
كلينى لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطئ الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذى يرعى «31» النجوم بآيب
وصدر أراح الليل عازب همّه ... تضاعف فيه الحزن من كلّ جانب «32»
وأنشده مسلمة قول امرئ القيس 3»
:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علىّ بأنواع الهموم ليبتلى
السدول: الستور، ويبتلى: ينظر ما عندى من صبر أو جزع.
فقلت له لما تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
(1/27)

تمطّى: امتد، وصلبه: وسطه، وأردف: أتبع، وأعجازه: مآخيره، وناء:
نهض، والكلكل: الصدر.
ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل
أى ما الإصباح بخير لى منك؛ والياء فى انجلى أثبتها فى الجزم على لغة طيىء.
فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل
المغار: الحبل المحكم الفتل، ويذبل: اسم جبل.
كأنّ الثّريّا علّقت فى مصامها ... بأمراس كتّان إلى صمّ جندل
فى مصامها «34» : فى مقامها، والأمراس: الحبال، والجندل: الحجارة، والصم: الصّلاب. قال: فضرب الوليد برجله طربا. فقال الشعبى: بانت القضية.
قال الصولى: فأما قول النابغة «35» :
وصدر أراح الليل عازب همّه
فإنه جعل صدره مألفا للهموم، وجعلها كالنّعم العازبة بالنهار عنه، الرائحة مع الليل إليه، كما تريح الرعاة السائمة بالليل إلى أماكنها. وهو أوّل من وصف أنّ الهموم متزايدة بالليل، وتبعه الناس؛ فقال المجنون «36» .
يضمّ إلىّ الليل أطفال حبّكم ... كما ضمّ أزرار القميص البنائق «37»
(1/28)

وهذا من المقلوب: أراد كما ضمّ أزرار القميص البنائق؛ ومثل هذا كثير؛ فجعل المجنون ما يأتيه فى ليله مما عزب عنه فى نهاره كالأطفال الناشئة.
وقال ابن الدّمينة يتبع النابغة:
أظلّ نهارى فيكم متعلّلا ... ويجمعنى والهمّ بالليل جامع
فالشعراء على هذا المعنى متفقون، ولم يشذ عنه ويخالفه منهم إلا أحذقهم بالشعر.
والمبتدئ بالإحسان فيه امرؤ القيس؛ فإنه بحذقه، وحسن طبعه، وجودة قريحته، كره أن يقول: إنّ الهم فى حبّه يخفّ عنه فى نهاره، ويزيد فى ليله، فجعل الليل والنهار سواء عليه فى قلقه وهمه، وجزعه وغمه؛ فقال «38» .
ألا أيها الليل الطّويل ألا انجلى ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل «39»
فأحسن فى هذا المعنى الذى ذهب إليه، وإن كانت العادة غيره، والصورة لا توجبه؛ فصبّ الله على امرئ القيس بعده شاعرا أراه استحالة معناه فى المعقول، وأنّ الصورة تدفعه، والقياس لا يوجبه، والعادة غير جارية به، حتى لو كان الرادّ عليه من حذّاق المتكلمين ما بلغ [13] فى كثير نثره ما أتى به فى قليل نظمه، وهو أبو نفر الطّرمّاح بن حكيم الطائى؛ فإنه ابتدأ قصيدة، فقال «40» :
ألا أيّها الليل الطويل ألا اصبح ... ببمّ «41» وما الإصباح فيك بأروح
ويروى: «ألا أيّها الليل الذى طال أصبح» . فأتى بلفظ امرئ القيس ومعناه، ثم عطف محتجّا مستدركا، فقال:
بلى إنّ للعينين فى الصّبح راحة ... لطرحهما طرفيهما كلّ مطرح
فأحسن فى قوله وأجمل. وأتى بحقّ لا يدفع، وبين عن الفرق بين ليله ونهاره.
(1/29)

وإنما أجمع الشعراء على ذلك من تضاعف بلائهم بالليل وشدّة كلفهم؛ لقلة المساعد، وفقد المجيب، وتقييد اللّحظ عن أقصى مرامى النظر الذى لا بدّ أن يؤدّى إلى القلب بتأمله سببا يخفّف عنه، أو يغلب عليه؛ فينسى ما سواه.
وأبيات امرئ القيس فى وصف الليل أبيات اشتمل الإحسان عليها، ولاح الحذق فيها، وبان الطبع بها. فما فيها معاب إلّا من جهة واحدة عند أمراء الكلام والحذّاق بنقد الشعر وتمييزه. ولولا خوفى من ظنّ بعضهم أنّى أغفلت ذلك ما ذكرته.
والعيب قوله بعد البيت الذى ذكرته «42» :
فقلت له لمّا تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
ألا أيّها الليل الطويل ...
فلم يشرح قوله: «فقلت له» ما أراد إلّا فى البيت الثانى، فصار مضافا إليه متعلّقا به؛ وهذا عيب عندهم. لأنّ خير الشّعر ما لم يحتج بيت منه إلى بيت آخر. وخير الأبيات ما استغنى بعض أجزائه ببعض إلى وصوله إلى القافية مثل قوله «43» :
الله أنجح ما طلبت به ... والبرّ خير حقيبة الرّحل
ألا ترى أنّ قوله: «الله أنجح ما طلبت به» كلام مستغن بنفسه، وكذلك باقى البيت. على أنّ فى البيت واو عطف عطفت جملة على جملة. وما ليس فيه واو عطف أبلغ فى هذا وأجود. وهو مثل قول النابغة الذبيانى فى اعتذاره إلى النعمان «44» .
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث «45» . أىّ الرجال المهذّب
فقوله فى أول البيت كلام مستغن بنفسه، وكذلك آخره، حتى لو ابتدأ مبتدىّ فقال: «أىّ الرجال المهذّب» لاعتذار أو غيره لأتى بكلام مستوفى، لا يحتاج إلى سواه.
(1/30)

وقد تبع الناس امرأ القيس، وصدّقوا قوله، وجعلوا نهارهم كليلهم لما أراده امرؤ القيس ولغيره. فقال البحترى فى غضب الفتح عليه «46» :
وألبستنى «47» سخط امرئ بتّ موهنا ... أرى سخطه ليلا مع الليل مظلما
وكأنه من قول أبى عيينة فى التذكّر لوطنه:
طال من ذكره بجرجان ليلى ... ونهارى علىّ كالليل داج
أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنى الأصمعى، قال: طفيل الغنوىّ فى بعض شعره أشعر من امرئ القيس.
قال: ويقال: إن كثيرا من شعر امرئ القيس لصعاليك كانوا معه قال: وكان عمرو بن قميئة دخل معه الروم إلى قيصر.
وحدثنى بعض أصحابنا عن أحمد بن محمد الأسدى، عن الرّياشى، قال: يقال:
إن كثيرا من شعر امرئ القيس ليس له؛ وإنما هو لفتيان كانوا يكونون معه مثل عمرو بن قميئة وغيره.
وقال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى: روت الرّواة لامرئ القيس «48» :
كأنى لم أركب جوادا للذّة ... ولم أتبطّن «49» كاعبا ذات خلخال
ولم أسبإ الزّقّ الرّوىّ ولم أقل ... لخيلى كرّى كرّة بعد إجفال «50»
وهما بيتان حسنان، ولو وضع مصراع كلّ واحد منهما فى موضع الآخر كان أشكل وأدخل فى استواء النسج؛ فكان يروى:
كأنى لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلى كرّى كرة بعد إجفال
ولم أسبإ الزّقّ الرّوىّ للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
(1/31)

[14] قال عبد الله بن المعتزّ: عيب على امرئ القيس قوله «51» :
أغرّك منى أنّ حبّك قاتلى ... وأنك مهما تأمرى القلب يفعل
قال: وقالوا: إذا لم يغرّها هذا فأىّ شىء يغرّها؟ قال: وإنما هذا كأسير قال لمن أسره: أغرّك منى أنى فى يديك؟
ونحوه قول جرير «52» :
أغرّك منى أنما قادنى الهوى ... إليك وما عهد لكنّ بدائم
قال: وعابوا على امرئ القيس «53» :
لها ذنب مثل ذيل العروس ... تسدّ به فرجها من دبر «54»
وقالوا: ذيل العروس مجرور، ولا يجب أن يكون ذنب الفرس طويلا مجرورا ولا قصيرا. قالوا: والصواب قوله «55» :
ضليع إذا استدبرته سدّ فرجه «56» بضاف فويق الأرض ليس بأعزل «57» قال: وذكروا أنّ الأصمعى عاب عليه قوله «58» :
وأركب فى الرّوع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر «59»
وقال: إذا غطّت الناصية الوجه لم يكن الفرس كريما. والجيّد الاعتدال، كما قال عبيد «60» :
(1/32)

مضبّر خلقها تضبيرا ... ينشقّ عن وجهها السّبيب «61»
قال: وقال مؤدّبى أبو سعيد محمد بن هبيرة فى قول امرئ القيس «62» :
وللسّوط منها مجال «63» كما ... تنزّل ذو برد منهمر
وهذا أيضا ردئ. ما لها وللسوط! قال: وعيب عليه قوله «64» :
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها «65»
ثم قال «66» :
وهل عند رسم دارس من معوّل «67»
قال: ومثله قول زهير «68» :
قف بالديار التى لم يعفها القدم
ثم قال «69» :
بلى وغيّرها الأرواح والدّيم
(1/33)

فذكرت الرواة أنه أكذب نفسه.
وقال أبو سعيد مؤدبى: وأخسّ من إكذابه نفسه أن يكون جعل عفوّها خلوتها من أحبّته، ومع خلوها منهم فقد غيرتها الأمطار «70» .
قال: وعيب على امرئ القيس قوله «71» :
فقلت له لما تمطّى بصلبه «72» ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل
قال: فانسلخ البيت الأول بوصف الليل من غير أن يذكر ما قال، وجعله متعلقا بما بعده، وذلك معيب عندهم.
قال: وعيب أيضا على امرئ القيس فجوره وعهره فى شعره، كقوله «73» :
ومثلك حبلى قد طرقت ومرضع «74» ... فألهيتها عن ذى تمائم محول «75»
إذا ما بكى من خلفها انصرفت له ... بشقّ وتحتى شقها «76» لم يحوّل
وقالوا: هذا معنى فاحش.
وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: عيب على امرئ القيس قوله «77» :
إذا ما الثّريا فى السماء تعرضت «78» ... تعرّض أثناء الوشاح المفصّل
فقالوا: ليست تتعرّض فى السماء. وقال بعضهم- ممن يعذره: أراد الجوزاء، لأنها تتلوها.
(1/34)

وعابوا قوله «79» .
أغرّك منى أنّ حبّك قاتلى
البيت «80» .
فقالوا: إذا لم يغرّها هذا فأىّ شىء يغرها؟
وعابوا قوله:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع
وذكر البيتين.
فقالوا: كيف قصد للحبلى والمرضع دون البكر وهو ملك وابن ملوك؟ ما فعل هذا إلا لنقص همته.
وقوله يصف الفرس «81» :
لها ذنب مثل ذيل العروس
البيت.
عيب عندهم. قالوا: ولم قال: «من دبر» ؟ فمن أين تسدّ بذنبها فرجها؟ من قبل؟
ليس هذا من قول الحذّاق.
وعابوا فى هذه القصيدة أيضا «82» :
وأركب فى الرّوع خيفانة ...
البيت.
وهذا خطأ؛ لأن شعر الناصية إذا غطّى العين لم يكن الفرس كريما وتبعه ابن مقبل.
فقال:
(1/35)

والعين تكشف عنها ضافى الشّعر
وعيب عليه غير شىء فى هذه القصيدة «83» .
وقد زعم بعض الرواة أن هذه القصيدة ليست له، وأنها ألحقت بشعره، وأنها لبعض النّمريين.
قال: وقد عيب على النابغة وزهير والأعشى والفرزدق وجرير والأخطل وغيرهم من حذاق الشعراء أشياء كثيرة.
قال الشيخ أبو عبيد الله [15] المرزبانى رحمه الله تعالى: وعابوا على امرئ القيس قوله وهو مضمّن «84» :
أبعد الحارث الملك ابن عمرو ... وبعد الملك «85» حجر ذى القباب
أرجّى من صروف العيش لينا ... ولم تغفل عن الصّمّ الهضاب «86»
حدثنى أبو الحسن على بن هارون المنجّم، قال: حضر أحمد بن أبى طاهر مجلس جدّى أبى الحسن على بن يحيى يوما بعد أن أخلّ به أياما، فعاتبه أبو الحسن على انقطاعه عنه، فقال أحمد: كنت متشاغلا باختيار شعر امرئ القيس. فأنكر عليه أبو الحسن قوله هذا، وقال: أما تستحيى من هذا القول؟ وأىّ مرذول فى شعر امرئ القيس حتى تحتاج إلى اختياره! واتسع القول بينهما فى ذلك إلى أن قال أبى- أبو عبد الله هارون بن على- لأبيه أبى الحسن: قد صدقت يا سيدى فى وصف شعر امرئ القيس، ولكن فيه ما يفضل بعضه بعضا. وإلّا فقوله «87» :
يا هند لا تنكحى بوهة ... عليه عقيقته أحسبا «88»
(1/36)

مرسّعة بين أرباقه ... به عسم يبتغى أرنبا «89» ليجعل فى ساقه «90» كعبها
حذار المنية أن يعطبا ... ولست بخزرافة فى القعود
ولست بطيّاخة أخدبا «91» ... ولست بذى رثية إمّر «92»
إذا قيد مستكرها أصحبا
أهو مما يختار ويوصف بهذه الأوصاف، مع ما فى هذه الأبيات من حوشىّ الكلام، وجساء الألفاظ، وخلّوها من كثير من الفائدة؟
قال: فأمسك أبو الحسن.
وأخبرنى محمد بن يحيى ومحمد بن الحسن، قالا: أنشدنا أبو العباس ثعلب أبيات امرئ القيس هذه، فقال: البوهة: طائر يشبه البومة. عقيقته: شعره. الأخدب:
الذى يركب رأسه ولا يبالى. والأحسب: إلى السواد. يبتغى أرنبا ليأخذ عظمها فيصيّره عليه من خشية الجنّ. والخزرافة: يضطرب فى جلوسه. والإمّر: الضعيف، شبهه بالجدى. وأصحب: انقاد. ورجل مرثوء: ضعيف العقل. ومرثّو بلا همز: وجع، والرّثية: الوجع.
وقال الصولى فى حديثه: الرثأة: ضعف العقل والرثية- بلا همز: العلة.
(1/37)

2- النابغة الذبيانى [1]
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلّام؛ قال «1» : لم يقو أحد من الطبقة الأولى ولا من أشباههم إلا النابغة فى بيتين: قوله «2» :
أمن آل مية رائح أو مغتدى «3» ... عجلان ذا زاد وغير مزوّد
زعم البوارح «4» أن رحلتنا غدا ... وبذاك خبّرنا الغراب «5» الأسود
وقوله «6» :
سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتّقتنا باليد
بمخضّب رخص كأنّ بنانه ... عنم يكاد من اللطافة يعقد
العنم: نبت أحمر يصبغ به.
فقدم المدينة، فعيب ذلك عليه، فلم يأبه له حتى أسمعوه إياه فى غناء- وأهل القرى ألطف نظرا من أهل البدو، وكانوا يكتبون لجوارهم أهل الكتاب- فقالوا للجارية: إذا صرت إلى القافية فرتلّى «7» . فلما قالت: «الغراب الأسود» و «باليد» - علم فانتبه فلم يعد فيه، وقال: قدمت الحجاز وفى شعرى صنعة ورحلت عنها وأنا أشعر الناس.
__________
[1] النابغة الذبيانى: هو زياد بن معاوية، ويكى أبا أمامة، وهو من الطبقة الأولى المقدمين. وإنما لقب النابغة لنبوغه فى الشعر بعد أن كبر.
وكان يضرب له قبة من أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. وكان مقدما عند النعمان، ومن ندمائه.
وارجع فى ترجمته إلى: طبقات الشعراء لابن سلام 45- 50، والشعر والشعراء 108- 128، والأغانى 9- 156، وديوانه.
(1/38)

وحدثنى أحمد بن محمد المكّى، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا أبو عبيدة بن المثنى، عن أبى عمرو بن العلاء، قال: كان النابغة قال «8» :
زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا ... وبذاك خبّرنا الغراب الأسود
وقصيدته مخفوضة. فدخل الحجاز فغنّت قينة بذلك وهو حاضر، فلما [16] مدّدت «خبّرنا الغراب الأسواد علم أنه مقو فغيّره، وقال:
وبذاك تنعاب الغراب الأسود
وأخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا المبرّد، قال: حدثنا المغيرة بن محمد المهلّبى، عن الزبير، قال: حدثنى محمد بن أبى قدامة العمرى، ومن لا أحصى؛ قالوا:
كان النابغة الذبيانى يكفئ الشّعر، حتى قدم المدينة على الأوس والخزرج، فأنشدهم؛ فقالوا: إنك تكفئ الشعر. قال: وكيف ذلك؟ فجعلوا يخبرونه ولا يفهم ما يريدون.
فقالوا له: تغنّ بشعرك. فتغنّى به ومدّده ففهم، فقال: لست أعود.
وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا الحسين بن على المهرى، قال: حدثنا ابن عائشة، قال: قال أبو عمرو بن العلاء: دخل النابغة إلى المدينة، فقالوا له: قد أقويت فى شعرك؛ وأفهموه فلم يفهم، حتى جاءوه بقينة فجعلت تغنيه:
أمن آل ميّة
وتبين الياء فى «مزوّدى» و «مغتدى» .
ثم غنت البيت الآخر فبيّنت الضمة فى قوله: «الأسود» بعد الدال ففطن لذلك فغيّره، وقال:
وبذاك تنعاب الغراب الأسود
وكان النابغة يقول: دخلت يثرب وفى شعرى شىء، وخرجت وأنا أشعر الناس.
وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، قال: أخبرنا عمر بن شبّة، قال:
حدثنى أبو غسان محمد بن يحيى، عن أخيه عبد الله بن يحيى، قال: كانت العرب تغنى
(1/39)

النّصب «9» ، وتمدّ أصواتها بالنشيد، وتزن الشعر بالغناء؛ فقال حسان بن ثابت «10» :
تغنّ فى كلّ شعر أنت قائله ... إنّ الغناء لهذا الشعر مضمار «11»
قال عمر: فحدثنى خلّاد الأرقط إن شاء الله أو غيره من علمائنا، قال: كان النابغة يقول: إن فى شعرى لعاهة ما أقف عليها، فلما قدم المدينة تغنّى فى شعره بقوله:
فتناولته واتقتنا باليد «12»
فمدت المغنية الدال مخفوضة، وامتدّ بها الصوت منخفضا، ثم قالت:
يكاد من اللطافة يعقد «13»
فمدت الدال مضمومة، وامتدّ بها الصوت مضموما؛ فتبيّن له عيب شعره، فكان يقول: وردت يثرب وفى شعرى بعض العهدة «14» ، فصدرت وأنا أشعر العرب.
روى أحمد بن أبى طاهر، عن حمّاد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال حدثنى محمد بن كناسة، قال: جعل أبوك يوما يعيب شعر الكميت، ويتتبع مساويه؛ فقلت له: ما أحد يتتبّع عليه ما تتبعت من شعر الكميت إلّا وجد فى شعره عيب، فاختر من شئت. قال. قد اخترت النابغة، فقلت: ما معنى قول النابغة «15» :
أرسما جديدا من سعاد تجنّب
لم يتجنب رسمها؟ ثم قال عقب هذا:
عفت روضة الأجداد «16» منها فيثقب
(1/40)

ما هذا من أول البيت فى شىء.
ثم قلت: وقال بعد هذا:
وأبدت سوارا عن وشوم كأنها ... بقية ألواح عليهن مذهب
ليس هذا من أول الكلام فى شىء. فقال لى: أنت تعلم أنّ أول هذه القصيدة مطعون عليه. فقلت: صدقت.
حدثنى على بن هارون، قال: التضمين أحد عيوب القوافى الخمسة، وليس يكون فيه أقبح من قول النابغة الذبيانى «17» :
وهم وردوا الجفار «18» على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ إنى
شهدت لهم مواطن صالحات ... أتينهم «19» بحسن الودّ منى
فأما قول امرئ القيس «20» :
وتعرف فيه من أبيه شمائلا «21» ... ومن خاله ومن يزيد ومن حجر
سماحة ذا وبرّ ذا ووفاء ذا ... ونائل ذا، إذا صحا وإذا سكر
[17] فليس ذا بمعيب عندهم، وإن كان مضمنا؛ لأن التضمين لم يحلل قافية البيت الأول، مثل قوله: «إنى شهدت لهم» . وقد يجوز أن يوقف على البيت الأول من بيتى امرئ القيس؛ وهذا عند نقّاد الشعر يسمى الاقتضاء: أن يكون فى الأول اقتضاء للثانى، وفى الثانى افتقار إلى الأول «22» .
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «23» ، قال: أخبرنى يونس النحوى، قال: كان أبو عمرو بن العلاء أشدّ تسليما
(1/41)

للعرب، وكان ابن أبى إسحاق وعيسى بن عمر يطعنان عليهم؛ كان عيسى يقول: أساء النابغة فى قوله «24» :
فبتّ كأنّى ساورتنى ضئيلة ... من الرّقش فى أنيابها السمّ ناقع «25»
ويقول: موضعه «26» ناقعا.
قال: وكان يختار السمّ والشّهد، وهى علوية «27» .
أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، عن أبى حاتم، قال: سمعت الأصمعى يقول:
ما للنابغة شىء فى وصف الفرس غير قوله «28» :
صفر «29» مناخرها من الجرجار
وقال الأصمعى: لم يكن النابغة وزهير وأوس يحسنون صفة الخيل، ولكن طفيل الغنوى فى صفة الخيل غاية النعت.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنى الأصمعى، قال:
دريد بن الصّمّة فى بعض شعره أشعر من الذبيانى، وقد كاد يغلب الذبيانى.
أخبرنى الصولى قال: حدثنا أبو ذكوان، قال: حدثنا المازنى، قال: كان الأصمعى يعيب قول النابغة يصف ناقة «30» :
مقذوفة بدخيس النّحض بازلها ... له صريف صريف القعو بالمسد «31»
(1/42)

ويقول: البغام فى الذكور من النشاط، وفى الإناث من الإعياء والضجر. ألا ترى قول ربيعة بن مقروم الضبّى:
كناز البضيع جماليّة ... إذا ما بغمن تراها كتوما «32»
وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا الطيب بن محمد الباهلى، قال: حدثنا قعنب بن المحرّر الباهلى، قال: سمعت الأصمعى يقول: قرأت على أبى عمرو بن العلاء شعر النابغة الذبيانى، فلما بلغت قوله:
مقذوفة بدخيس النّحض ...
البيت قال لى: ما أضر عليه فى ناقته ما وصف! فقلت له: وكيف؟ قال: لأن صريف الفحول من النشاط وصريف الإناث من الإعياء والضجر؛ كذا تكلمت العرب. فرآنى بسكوتى مستزيدا، فقال: ألم تسمع قول ربيعة بن مقروم الضبى:
كناز البضيع جماليّة
... البيت وكما قال الأعشى «33» :
كتوم الرّغاء إذا هجّرت ... وكانت بقية ذود كتم «34»
وكما قال الأعشى أيضا:
والمكاكيك «35» والصّحاف من الفضّة والضافرات «36» تحت الرّحال.
والقعو «37» . خدّ البكرة. والنحض: اللحم. والدخيس: قد دخس بعضه فى بعض. وقال أبو عبيدة: المكّوك: إناء يشرب فيه الفتيان. والضامزات لا ترغو ولا تجترّ.
(1/43)

حدثنا ابن دريد، قال: أخبرنا أحمد بن عيسى العكلى، عن ابن أبى خالد، عن الهيثم بن عدى، قال: لقيت صالح بن كيسان وأنا منصرف من عند الأعمش، فقال لى: من أين؟ فقلت: كنت عند الأعمش. فقال: عمّش الله عينك؟ هل علمت أن النابغة كان مخنثا؟ فقلت: سبحان الله! هل رأيته؟ قال: لا. قلت: فحدّثك من رآه؟ قال: لا. قلت: فأنّى علمت ذاك؟ قال: قوله «38» :
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتّقتنا باليد
والله ما عرف هذه المعانى إلا عن تفكّك.
قال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «39» : من الأبيات التى قصّر فيها أصحابها عن الغايات التى جروا إليها ولم يسدّوا الخلل الواقع فيها معنى ولا لفظا قول النابغة الذبيانى [18] «40» :
ماضى الجنان أخى صبر إذا نزلت ... حرب يوائل فيها كلّ تنبال
التنبال: القصير. فإن كان أراد ذلك فكيف صار القصير أولى بطلب الموئل من الطويل؟ وإن جعل التنبال الجبان فهو أعيب؛ لأنّ الجبال خائف وجل اشتدت الحرب أم سكنت وأين كان عن قول الهمدانى «41» .
يكرّ على المصاف إذا تعادى ... من الأهوال شجعان الرجال
قال «42» : ومن الأبيات المستكرهة الألفاظ، المتفاوتة النّسج، القبيحة العبارة، التى يجب الاحتراز من مثلها قول النابغة «43» :
يصاحبنهم «44» حتى يغرن مغارهم ... من الضاريات بالدماء الدوارب «45»
(1/44)

يريد من الضاريات الدوارب بالدماء، فقدّم وأخّر؛ وإنما يقبح مثل هذا إذا التبس بما قبله، لأنّ الدماء جمع، والدوارب جمع؛ ولو كان من الضاريات بالدم الدوارب لم يلتبس؛ وإن كانت هذه الكلمة حاجزة بين الكلمتين- أعنى بين الضاريات والدوارب اللتين يجب أن تقرنا معا.
وقال النابغة أيضا «44» :
يثرن الثّرى حتى يباشرن برده «45» ... - إذا الشمس مجّت ريقها- بالكلاكل «46»
يريد: يثرن الثرى حتى يباشرن برده بالكلاكل إذا الشمس مجّت ريقها.
قال عبد الله بن المعتز: عيب على النابغة قوله فى وصف النعام «47» :
مثل الإماء الغوادى تحمل الحزما «48»
قال: وقال الأصمعى: إنما توصف الإماء فى هذا الموضع بالرواح لا بالغدوّ، لأنهنّ يجئن بالحطب إذا رحن.
وأنشد الأخنس بن شهاب التغلبى «49» :
تظلّ به ربد النعام كأنها ... إماء تزجّى بالعشىّ حواطب
لأن النعامة إذا خفضت عنقها وشمت كانت أشبه شىء بماش وعلى ظهره حمل.
وعابوا قول النابغة أيضا «50» :
وكنت امرءا لا أمدح الدهر سوقة ... فلست على خير أتاك بحاسد
(1/45)

قال: وقالوا: كيف يحسده على ما قد جاد به له؟
قال: وعابوا قوله «51» :
فاحكم كحكم فتاة الحىّ....
وقالوا: أمره أن يحكم كحكم امرأة.
قال: وعابوا عليه اختلاف القوافى فى الإعراب وذلك قوله «52» :
يا بؤس للدهر «53» ضرّارا لأقوام
وقوله «54» :
لا النور نور ولا الإظلام إظلام
وقوله «55» : «غير مزوّد» ، ثم قال: الغراب الأسود
(1/46)

3- زهير بن أبى سلمى [2]
أخبرنى الصولى، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، قال: حدثنى أحمد بن خالد المباركى، وهو أبو سعيد الضّرير، قال: سمعت الأصمعى يقول:
لا أحبّ قول زهير «1» :
فتنتج لكم غلمان أشأم، كلّهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم «2»
قال: إنّ ثمود لا يقال لها عاد «3» ، لأن الله عز وجل إنما نسب قدارا إلى ثمود. قيل:
فقد قال «4» : «أهلك عادا الأولى» ؛ فقال: معناه التى كانت قبل ثمود، لا أنّ هاهنا عادين.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الورّاق، وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، قال: أخبرنا عمر بن شبّة، وحدثنى أحمد بن إبراهيم البزاز، وأحمد بن محمد الجوهرى؛ قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قالوا: حدثنا على بن الصباح، قال: حدثنا أبو المنذر هشام بن محمد الكلبى، عن إسحاق بن الجصاص، قال: قال زهير بن أبى سلمى بيتا ونصفا، ثم أكدى «5» ؛ فمرّ به نابغة بنى
__________
[1] هو زهير بن ربيعة بن قرط، وهو أحد الثلاثة المقدمين على سائر الشعراء فى الجاهلية، وهم امرؤ القيس، والنابغة الذبيانى، وزهير. وقد عده ابن سلام من شعراء الطبقة الأولى.
وكان زهير جاهليا لم يدرك الإسلام. ويقال إن زهير توفى قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم بسنة.
وهو من أصحاب المعلقات، وديوانه مطبوع فى دار الكتب.
وترجمة فى ابن سلام 52، والشعر والشعراء 86، ومقدمة ديوانه.
(1/47)

ذبيان، فقال: يا أبا أمامة- هذا لفظ ابن أبى سعد، وقال ابن شبة: يا أبا يمامة، وقال العنزى: يا أبا ثمامة- أجز. قال: وما قلت؟ قال: قلت «6» .
تراك الأرض إمّا متّ خفّا ... وتحيى إن حييت بها ثقيلا
نزلت بمستقرّ العزّ منها.....
أجز. قال: فأكدى والله النابغة أيضا. وأقبل كعب بن زهير وإنه لغلام، فقال له أبوه: أى بنىّ؛ أجز. قال: وما أجيز؟ فقال [19] :
تراك الأرض إما متّ خفّا ... وتحيى إن حييت بها ثقيلا
نزلت بمستقرّ العزّ منها.....
وماذا؟ فقال كعب:
فتمنع جانبيها أن يزولا
قال: فضمّه إليه، وقال: أنت والله ابنى. وقال ابن شبة: أشهد أنك ابنى.
وأخبرنى أبو ذرّ القراطيسى، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبى الدّنيا، قال:
حدثنا أحمد بن المقدام العجلى، قال: حدثنا عمر بن على، قال: حدثنا زكريا مولى الشّعبى، عن الشعبى- أن النابغة الذبيانى قال للنعمان بن المنذر «7» .
تراك الأرض إما مت خفّا ... وتحيى إن حييت بها ثقيلا
فقال النعمان: هذا بيت إن أنت لم تتبعه بما يوضّح معناه كان إلى الهجاء أقرب منه إلى المديح؛ فأراد ذلك النابغة فعسر عليه، فقال: أجّلنى. قال: قد أجّلتك ثلاثا، فإن أنت أتبعته ما يوضّح معناه فلك مائة من العصافير «8» نجائب؛ وإلا فضربة بالسيف أخذت منك ما أخذت.
(1/48)

فأتى النابغة زهير بن أبى سلمى، فأخبره الخبر، فقال زهير: اخرج بنا إلى البرّية؛ فإن الشعر برّىّ. فخرجا، فتبعهما ابن لزهير يقال له كعب، فقال: يا عمّ؛ أردفنى.
فصاح به أبوه، فقال النابغة: دع ابن أخى يكون معنا؛ فأردفه، فتجاولا البيت مليّا، فلم يأتهما ما يريدان. فقال كعب: فما يمنعك أن تقول:
وذاك بأن حللت العزّ منها ... فتمنع جانبيها أن يزولا
فقال النابغة: جاء بها وربّ الكعبة؛ لسنا والله فى شىء. قد جعلت لك يا ابن أخى ما جعل لى. قال: وما جعل لك يا عم؟ قال: مائة من العصافير نجائب. قال: ما كنت لآخذ على شعرى صفدا «9» . فأتى النابغة النعمان بالبيت، فأخذ مائة ناقة سوداء الحدقة.
أخبرنا ابن دويد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنى الأصمعى، قال: طفيل الغنوى أشبه الشعراء الأولين من زهير.
قال: ثم قال أبو عمر بن العلاء- وسأله رجل وأنا أسمع- النابغة أشعر أم زهير؟
فقال: ما يصلح زهير أن يكون أجيرا للنابغة.
ثم قال: أوس بن حجر أشعر من زهير، ولكن النابغة طأمنه.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «10» ، قال: حدثنى أبو عبيدة، قال: كان قراد بن حنش المرى من شعراء غطفان، وكان قليل الشعر جيّده، وكانت شعراء غطفان تغير على شعره، فتأخذه وتدّعيه، منهم زهير بن أبى سلمى؛ ادّعى هذه الأبيات «11» :
إنّ الرّزيئة لا رزيئة «12» مثلها ... ما «13» تبتغى غطفان يوم أضلّت
وهى لقراد بن حنش «14» .
(1/49)

قال عبد الله بن المعتز: حكى عن ابن سلام- أو غيره- أنه قال: مما قدّم به زهير على الشعراء أنه كان أبعدهم من سخف، وأشدّهم اجتنابا لحوشىّ الكلام؛ فأىّ شىء نصنع بقوله «15» :
ولولا عسبه «16» لرددتموه ... وشرّ منيحة «17» أير معار
إذا جمعت «18» نساؤكم إليه ... أشظّ كأنه مسد مغار «19»
أشظّ: قام. قال: فهذا السّخف.
وأما حوشى الكلام فقوله «20» :
فلست «21» بمثلوج ولا بمعلهج
يريد الدّعىّ. وقيل: المثلوج: البليد. والمعلهج: الأحمق.
وقوله «22» :
بنهكة ذى قربى ولا بحقلّد
والحقلّد: السّيئ الخلق. قال: وقيل القصير الجبان.
قال: وعابوا عليه قوله فى الضفادع «23» :
يخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغمّ والغرقا «24»
(1/50)

لأن الضفادع لا تخرج من الماء لأنها تخاف الغمّ والغرق؛ وإنما تطلب الشطوط لتبيض هناك وتفرخ.
قال: وأنكروا عليه قوله «25» :
ماء بشرقىّ سلمى فيد أو ركك «26»
لأنه حكى عن بعض الأعراب أنه قال: إنما هو ركّ [20] .
قال: وقال مؤدبى أبو سعيد محمد بن هبيرة الأسدى فى قول زهير «27» :
رأيت المنايا خبط عشواء «28» من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم
إنه كان يسمع المشايخ يقولون: هذا بيت زندقة، وهو بعيد من أبياته التى يقول فى بعضها «29» :
فيرفع فيوضع فى كتاب فيدّخر ... ليوم الحساب أو يعجّل فينقم
قال: وأعجب من زهير خطأ فى هذا المعنى- لأن زهيرا كان جاهليّا كافرا- زياد بن قنيع النّصرى فى سرقته هذا المعنى؛ لأنه فى أكبر ظنى مسلم، حيث يقول:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... يصر حرضا من عركها بالكلاكل
قال الشيخ أبو عبيد الله رحمه الله: وأنكر على زهير قوله «30» :
(1/51)

حيّى «31» الديار التى لم يعفها القدم ... بلى وغيّرها الأرواح «32» والدّيم
من جهة التناقض، لأنه نفى فى أول البيت تغيّر الديار بقدم عهدها، ثم أوجب ذلك فى آخره.
(1/52)

4- الأعشى أبو بصير [1]
أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سألت الأصمعىّ عن الأعشى- أعشى بنى قيس بن ثعلبة- أفحل هو؟ قال: لا، ليس بفحل. قلت له: ما معنى الفحل؟ قال: يريد أنّ له مزية على غيره كمزية الفحل على الحقاق «1» ، قال: وبيت جرير يدلّك على ذلك، ثم أنشد «2» :
وابن اللبون إذا ما لزّ فى قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس «3»
حدثنى عمر بن بنان الأنماطى، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الأعلم، قال: حدثنا محمد بن سلّام، وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا ابن سلّام، وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: لم يكن للأعشى بيت نادر على أفواه الناس مع كثرة شعره كأبيات أصحابه «4» .
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن يزيد المبّرد، قال: أنشد عبد الملك بن مروان بيت الأعشى «5» :
أتانى يؤامرنى فى الصّبو «6» ... ح ليلا فقلت له غادها
فقال: أساء؛ ألا قال: هاتها.
__________
[1] هو ميمون بن قيس، وكان أعمى، ويكى أبا بصير، عده ابن سلام من الطبقة الاولى من فحول الجاهلية، وادرك الإسلام فى آخر عمره، ورحل إلى النبى صلّى الله عليه وسلم ليسلم. فقيل له: إنه يحرم الخمر والزنا، فقال: أتمتع منهما سنة ثم أسلم؛ فمات قبل ذلك بقرية اليمامة.
وترجمته فى الجزء الثامن من الأغانى (74- 83) ، والمؤتلف 12، واللآلى، والجزء الأول من الحزانة (83- 86) ، والشعر والشعراء 212، وطبقات ابن سلام 54.
(1/53)

كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى أبو بكر الباهلى، عن أبى عبيدة، قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: أربعة من كبار الشعراء غلبوا بالكلام، منهم الأعشى هجا ابن عمه جهنّام فقال «7» :
دعوت خليلى مسحلا ودعا له «8» ... جهنّام جدعا للحمار المصلّم «9»
ومسحل: شيطان الأعشى ويروى:
جدعا للهجين المذمّم «10» ... فما بوّأ «11» الرحمن بيتك بالعلا
بأكناف شرقىّ المصلّى المحرّم
فقال جهنّام: لكن فناؤك به واسع يا أبا بصير. فغلبه.
ونابغة بنى جعدة حين يقول لعقال بن خويلد:
فما يشعر الرّمح الأصمّ كعوبه ... بثروة رهط الأبلخ «12» المتظلم
فقال عقال: لكن حامله يا أبا ليلى يشعر فيقدعه. فغلبه.
والأخطل قال لشقيق بن ثور- قال عمر: ويقال «13» قاله لسويد بن منجوف:
وما جذع سوء خرّق السوس «14» جوفه ... لما حمّلته وائل بمطيق
(1/54)

فقال شقيق «15» : أبا مالك، أردت هجائى فمدحتنى، والله ما تحمّلنى ذهل أمرها وقد حمّلتنى أنت أمر وائل طرّا. فغلبه.
وفضالة بن شريك؛ قال لعبد الله بن الزبير:
وما لى حين أقطع ذات عرق ... إلى ابن الكاهليّة من معاد
فقال ابن الزبير: عيّرنى بشرّ جداتى، وهى خير عماته. فغلبه.
وحدثنى علىّ بن أبى منصور، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، قال: لقى الأعشى عمرو بن عبد الله بن المنذر- وهو جهنّام- فشتم جهنّام الأعشى؛ فقال الأعشى «16» [21] :
فما أنت من أهل الحجون ولا الصّفا ... ولا لك حقّ الشّرب من ماء زمزم
فقال له جهنّام: لكنك يا أبا بصير من أهله.
وقال له الأعشى فى هذه القصيدة:
وما بوّأ الرحمن بيتك فى العلا ... بأجياد شرقىّ الصّفا والمحرّم
فقال له جهنّام: لكنك يا أبا بصير عريض المباءة بها. فغلبه بالكلام.
حدثنى عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثت عن الأصمعى أو غيره- والأغلب علىّ أنه الأصمعى- أنه سمع قول الأعشى «17» :
كأنّ مشيتها من بيت جارتها ... مرّ السحابة لا ريث «18» ولا عجل
فقال: لقد جعلها خرّاجة ولّاجة، هلّا قال كما قال الآخر:
ويكرمها جاراتها فيزرنها ... وتعتلّ عن إتيانهن فتعذر
أخبرنى محمد بن عبد الله البصرى، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابى عمن ذكره.
وحدثنى على بن عبد الرحمن الكاتب، قال: حدثنى يحيى بن على، قال: حدثنى أبو هفّان، قال: زعم الأصمعى أنّ محمد بن عمران الطّلحى القاضى قال: تناظر ربعىّ ومضرىّ فى الأعشى والنابغة، فقال المضرى للربعى: شاعركم أخنث الناس حين يقول «19» :
(1/55)

قالت هريرة لما جئت زائرها ... ويلى عليك وويلى منك يا رجل
فقال الربعى: أفعلى صاحبكم تعوّل حيث يقول «20» :
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتّقتنا باليد
لا، والله ما أحسن هذه الإشارة إلا مخنّث.
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال:
حدثنا محمد بن موسى بن يحيى بن زيد بن النجّار الحنفى اليمامى، قال: حدثنى أبو بردة الثقفى اليمامى، قال: أدركت الناس وهم يزعمون أن أكذب بيت قالته العرب فى الجاهلية قول أعشى بنى قيس بن ثعلبة «21» :
لو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر
قال أحمد بن أبى طاهر: كان الأعشى راوية المسيّب بن علس، والمسيب خاله، وكان يطرد شعره ويأخذ منه.
قال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «22» : من الأشعار الغثّة الألفاظ، الباردة المعانى، المتكلّفة النسيج، القلقة القوافى، المضادّة للأشعار المختارة «23» ؛ قول الأعشى «24» :
بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا ... واحتلّت الغمر فالجدّين فالفرعا
لا تسلم منها خمسة أبيات؛ ونذكرها ليوقف على التكلف الظاهر فيها:
بانت وقد أسأرت «25»
فى النفس حاجتها ... بعد ائتلاف وخير الود ما نفعا
تعصى الوشاة وكان الحبّ آونة ... ممّا يزيّن للمشغوف «26» ما صنعا
(1/56)

وكان شىء إلى شىء فغيّره «27» ... دهر يعود على تشتيت ما جمعا
وأنكرتنى وما كان الذى نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصّلعا
قد يترك الدهر فى خلقاء «28» راسية ... وهيا وينزل منها الأعصم الصّدعا
وما طلابك شيئا لست مدركه ... إن كان عنك غراب الجهل قد وقعا
وذكرها بأسرها.
وقال: فهذه القصيدة ستة وسبعون بيتا التكلف فيها ظاهر بيّن إلا فى ستة أبيات، وهى «29» :
تقول بنتى وقد قرّبت مرتحلا ... يا ربّ جنّب أبى الأتلاف «30» والوجعا [22]
بذات لوث عفرناة «31» إذا عثرت ... فاللعن «32» أدنى لها من أن أقول لعا «33»
بأكلب كسراء النّبل «34» ضارية ... ترى من القدّ فى أعناقها قطعا
يا هوذ إنك من قوم أولى «35» حسب ... لا يفشلون إذا ما آنسوا فزعا
أغرّ أبلج يستسقى الغمام به ... لو قارع الناس عن أحسابهم قرعا «36»
لا يرقع الناس ما أوهى وإن جهدوا ... طول الحياة ولا يوهنون ما رقعا «37»
(1/57)

قال: وفيها خطأ «38» ظاهر، ولكنها بالإضافة إلى سائر الأبيات نقية بعيدة من التكلف.
والذى يوجبه نسج الشعر أن يقول: يا ربّ جنب أبى الأتلاف والأوجاع، أو التلف والوجع «39» .
ومثل هذه القصيدة فى التكلف وبشاعة القول قوله أيضا فى قصيدة «40» :
لعمرك ما طول هذا الزمن «41»
فإن يتبعوا أمره يرشدوا ... وإن يسألوا ماله لا يضن
وما إن على قلبه غمرة ... وما إن بعظم له من وهن
وما إن على جاره تلفة ... يساقطها كسقاط اللّجن «42»
ولم يسع «43» فى الحرب سعى امرئ ... إذا بطنة «44» راجعته بمكن
عليها وإن فاته أكلة ... تلافى لأخرى عظيم العكن
يرى همّه أبدا «45» خصره ... وهمّك فى الغزو لا فى السّمن
فمثل هذا الشعر وما شاكله يصدئ الفهم ويورث الغم.
قال «46» : ومن الأبيات المستكرهة الألفاظ، المتفاوتة النسج، القبيحة العبارة، التى يجب الاحتراز من مثلها قول الأعشى أيضا «47» :
أفى الطّوف خفت علىّ الرّدى ... وكم من رد «48» أهله لم يرم
أراد لم يرم أهله.
(1/58)

قال: وقوله «49» :
وأنكرتنى وما كان الذى نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصّلعا
فأى نكرة تكون أنكر من هذا عندها؟
وقوله «50» :
رأت رجلا غابر الوافدين ... منتشل النّحض أعشى ضريرا
وقوله «51» :
صدّت هريرة عنّا ما تكلّمنا ... جهلا بأمّ خليد حبل من تصل؟
أإن رأت رجلا أعشى أضرّ به ... ريب المنون ودهر خائن «52» خبل
قال: وقوله «53» :
فرميت غفلة قلبه «54» عن شاته ... فأصبت حبّة قلبها وطحالها
وقوله:
استأثر الله بالوفاء وبالعد ... ل وولّى الملامة الرجلا
أراد الإنسان.
قال «55» : وينبغى للشاعر أن يحترز فى أشعاره ومفتتح أقواله مما يتطيّر منه، أو يستجفى من الكلام والمخاطبات، مثل ابتداء الأعشى بقوله «56» :
ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالى وهل تردّ سؤالى
دمنة قفرة تعاورها الصي ... ف بريحين من صبا وشمال
(1/59)

ومثله قول ذى الرّمّة «57» :
ما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنّه من كلى مفريّة سرب «58»
قال «59» : وينبغى للشاعر أن يتفقّد مصراع كلّ بيت حتى يشاكل ما قبله [23] . فقد جاء من أشعار القدماء ما تختلف مصاريعه، كقول الأعشى «60» :
وإن امرءا أهداك بينى وبينه ... فياف تنوفات ويهماء خيفق «61»
لمحقوقة أن تستجيبى لصوته ... وأن تعلمى أنّ المعان موفّق
فقوله:
وأن تعلمى أنّ المعان موفق
غير مشاكل لما قبله.
وكقوله «62» :
أغرّ أبيض يستسقى الغمام به ... لو قارع الناس عن أحسابهم قرعا «63»
فالمصراع الثانى غير مشاكل للأول، وإن كان كلّ واحد منهما قائما بنفسه.
وكقوله طرفة «64» :
(1/60)

ولست بحلّال التّلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد «65»
فالمصراع الثانى غير مشاكل للأول.
أخبرنى محمد بن الحسن، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: حدثنى عمر بن شبّة فى قول الأعشى «66» :
ونبّئت قيسا ولم آته ... وقد زعموا ساد أهل اليمن «67»
فعيب عليه أو عابه قيس نفسه؛ فردّه فقال «68» :
ونبئت قيسا ولم آته ... على نأيه.........
حدثنى عبد الله بن أحمد، عن أبى العباس المبرد، قال: قال الأعشى «69» :
وتبرد برد رداء العرو ... س بالصّيف رقرقت فيه العبيرا «70»
وتسخن ليلة لا يستطيع ... نباحا بها الكلب إلا هريرا
فتقبّل هذا الكلام واستحسن؛ ثم قيل فى عيبه: إنه أتى به فى بيتين وطوّل به الخطاب.
وأجود منه قول طرفة «71» :
تطرد البرد بحرّ ساخن ... وعكيك «72» القيظ إن جاء بقر
(1/61)

وقيل: هذا أجمع وأخصر.
أخبرنى أبو القاسم يوسف بن يحيى بن على المنجّم، عن أبيه، قال: حدثنى محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثنى حذيفة بن محمد الطائى، قال: حدثنا الأصمعى، قال: كنا فى حلقة يونس، فجاءنا مروان بن أبى حفصة، فقال: أيكم يونس؟ فأومأ إليه، فجلس فقال: أصلحك الله، إنى أرى أقواما يقولون الشعر، لأن يكشف أحدهم عن سوءته فيمشى فى الطريق أحسن به من أن يظهر مثل ذلك الشعر؛ وقد قلت شعرا أعرضه عليك؛ فإن كان جيدا أظهرته، وإن كان رديئا سترته. وأنشده «73» :
طرقتك زائرة فحىّ خيالها
قال: فقال له: يا هذا، اذهب فأظهر هذا الشعر؛ فأنت والله فيه أشعر من الأعشى- يريد فى قوله «74» :
رحلت سميّة غدوة أجمالها
فقال له مروان: قد سؤتنى وسررتنى؛ فأما الذى سررتنى به فلارتضائك الشعر، وأما الذى سؤتنى به فلتقديمك إياى على الأعشى. قال: نعم، إن الأعشى قال «75» :
فرميت غفلة عينه عن شاته ... فأصبت حبّة قلبها وطحالها
والطحال لا يدخل فى شىء إلا أفسده، وأنت لم تقل ذاك.
وأخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، عن جده، عن عافية بن شبيب، قال: قال مروان: لما قلت قصيدتى:
طرقتك زائرة فحىّ خيالها
قصدت باب الخليفة، فجعلت طريقى على البصرة، فمررت ببشّار فأنشدته إياها، فقال: أحسنت، أنت أشعر فيها من الأعشى فى قصيدته التى على رويّها.
(1/62)

قال عبد الله بن المعتز: عابوا على الأعشى قوله «76» :
ونبئت قيسا ولم آته ... وقد زعموا ساد أهل اليمن «77»
فعابوه بهذا الشك. ويقال: إن قيسا أنكر ذلك عليه فجعل مكان: «وقد زعموا» [24] : «على نأيه» .
قال: ومما استضعف من معانيه قوله «78» :
فرميت غفلة عينه عن شاته ... فأصبت حبّة قلبها وطحالها
وقد عابه قوم بذلك، لأنهم رأوا ذكر القلب والفؤاد والكبد يتردّد كثيرا فى الشعر عند ذكر الهوى والمحبة والشوق، وما يجده المغرم فى هذه الأعضاء من الحرارة والكرب، ولم يجدوا الطحال استعمل فى هذه الحال؛ إذ لا صنع له فيها، ولا هو مما يكتسب حرارة وحركة فى حزن ولا عشق، ولا بردا وسكونا فى فرح أو ظفر؛ فاستهجنوا ذكره.
قال: وعابوا عليه الإيطاء فى قوله «79» :
وهل تطيق وداعا أيّها الرجل
وقوله «80» :
ويلى عليك وويلى منك يا رجل
قال: وعابوا عليه استعماله الألفاظ العجمية فى شعره.
وأنكروا عليه قوله «81» :
لو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر
قال: وأخبرنى بعض شيوخنا أنه أدرك الناس وهم يزعمون أن هذا البيت أكذب بيت قالته العرب «82» .
(1/63)

5- طرفة بن العبد [1]
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال:
حدثنى الرّياشى، قال: حدثنا الأصمعى، قال: لم يكن طرفة يحسن أن يتعشّق؛ قال فى قصيدته «1» :
أصحوت اليوم أم شاقتك هر ... ومن الحبّ جنون مستعر
أرّق العين خيال لم يقر ... طاف والركب بصحراء يسر
أى زارنى فى مكان لا يزار فيه. ثم قال الأصمعى: يقول هذا القول؛ إنه لم ينم ولم يهجع من حبها، ثم يقول «2» :
وإذا تلسننى ألسنها ... إننى لست بموهون غمر «3»
لا كبير دالف من هرم ... أرهب الليل ولا كلّ الظّفر
وقال ثعلب: «الظّهر» .
أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، قال: أخبرنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قد عاب الناس قول طرفة «4» :
أسد غيل فإذا ما شربوا ... وهبوا كل أمون وطمر «5»
فقيل: إنما يهبون عند الآفة التى تدخل على عقولهم؛ وفضّلوا قول عنترة بن شداد العبسى «6» :
__________
[1] هو طرفة بن العبد بن سفيان. عده ابن سلام من شعراء الطبقة الرابعة فى الجاهلية. وكان أحدث الشعراء سنا، وأقلهم عمرا، قتل وهو ابن عشرين سنة؛ ويقال له ابن العشرين.
وهو من أصحاب المعلقات.
وترجمته فى ابن سلام 115، والشعر والشعراء 137، والجزء الأول من الحزانة (412- 417) ، واللآلئ 319، ومعاهد التنصيص 164.
(1/64)

وإذا شربت فإننى مستهلك ... مالى وعرضى وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصّر عن ندى ... وكما علمت شمائلى وتكرّمى
وحدثنى عبد الله بن أحمد، عن أبى العباس المبرّد، قال: عيب على طرفة بيته هذا.
وقيل: إنما يهب هؤلاء إذا تغيرت عقولهم؛ وإنما الجيد بيتا عنترة هذان؛ فخبّر أنّ جوده باق؛ لأنه لا يبلغ من الشراب ما يثلم عرضه؛ ثم قالوا: هو حسن جميل، إلا أنه أتى به فى بيتين؛ هلّا قال كما قال امرؤ القيس «7» :
سماحة ذا وبرّ ذا ووفاء ذا ... ونائل ذا، إذا صحا وإذا سكر
وأخبرنى الصّولى، قال: عيب على طرفة قوله:
أسد غيل ... البيت.
فجعل إعطاءهم عند الشّرب؛ ويروى: «فإذا ما سكروا» ، فتبعه حسان بن ثابت الأنصارى، فقال- وهو أعيب من الأول «8» :
نولّيها الملامة إن ألمنا ... إذا ما كان مغث أو لحاء «9»
ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللّقاء «10»
[25] فقول طرفة خير من هذا؛ لأنه قال:
أسد غيل فإذا ما شربوا
فجعل لهم الشجاعة قبل الشرب، وحسان قال: نشرب فنشجع ونهب كأنّا ملوك إذا شربنا؛ فلهذا كان قول طرفة أجود، وقول عنترة أحسن؛ لأنه احترس من عيب الإعطاء على السكر وأن السكر زائد فى سخائه، فقال:
وإذا شربت فإننى مستهلك
(1/65)

وذكر البيتين.
وقال زهير «11» :
أخى ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنّه قد يهلك المال نائله «12»
فهذا من أحسن الكلام، يريد أنه لا يشرب بماله الخمر، ولكنه يبذله للحمد.
وقال البحترى «13» :
تكرّمت- من قبل الكئوس- عليهم ... فما اسطعن أن يحدثن فيك تكرّما
(1/66)

6- بشر بن أبى خازم الأسدى [1]
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، عن أبى عبيدة، حدثنى علىّ بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم، عن أبيه، قال: حدثنى إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنى أبو عبيدة، وأخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا الحسن بن على المهرى، قال: حدثنا ابن عائشة، قال: قيل لأبى عمرو بن العلاء: هل أقوى أحد من فحول شعراء الجاهلية كما أقوى النابغة؟ قال: نعم، بشر بن أبى خازم؛ قال «13» :
ألم تر أنّ طول الدّهر يسلى ... وينسى مثل ما نسيت جذام
وكانوا قومنا فبغوا علينا ... فسقناهم إلى البلد الشآمى
وزاد أبو عبيدة فى حديثه، فقال له أخوه سمير «14» : أكفأت وأسأت. قال: وما ذاك؟
قال: قلت:
كما نسيت جذام
، ثم قلت:
إلى البلد الشآمى
فقال: قد تبّينت خطى، ولست بعائد.
وأخبرنى أبو محمد عبد الله بن مالك النحوى، قال: أخبرنا حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن أبيه، عن أبى عبيدة، قال: حدثنى أبو عمرو بن العلاء، قال: فحلان من الشعراء كانا يقويان: النابغة، وبشر بن أبى خازم؛ فأما النابغة فدخل يثرب فغنّى بشعره
__________
[1] هو من بنى أسد، وهو جاهلى قديم، وكان يهجو فى أول أمره أوس بن حارثة بن لأم الطائى، فأسرته بنو نيهان من طيئ، فركب أوس إليهم فاستوهبه منهم، وكان قد نذر ليحرقنه إن قدر عليه، فقالت له أمه سعدى:
لا يمحو ما قال غير لسانه، ففعل، وجعل بشر مكان كل قصيدة هجاء قصيدة مدح له: المفضليات 2- 129.
(1/67)

ففطن، فلم يعد إلى إقواء «15» ؛ وأما بشر فقال له سوادة أخوه: إنك تقوى. فقال له: وما الإقواء؟ فأنشده بيتيه؛ وآخر الأول منهما: «نسيت جذام» ، فرفع؛ ثم قال: «إلى البلد الشآمى» فخفض؛ ففطن بشر فلم يعد.
وأنكر على بشر قوله يخاطب أوس بن حارثة:
تكن لك فى قومى يد يشكرونها ... وأيدى الندى فى الصالحين فروض
وقال ابن طباطبا «16» : هذا البيت من الأبيات التى زادت قريحة قائليها على عقولهم.
(1/68)

7- حسان بن ثابت الأنصارى [1]
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى أبو بكر العليمى، قال: حدثنا عبد الملك بن قريب، قال: كان النابغة الذبيانى تضرب له قبّة حمراء من أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. قال: فأول من أنشده الأعشى: ميمون بن قيس أبو بصير، ثم أنشده حسان بن ثابت الأنصارى «17» .
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
ولدنا بنى العنقاء وابنى محرّق ... فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما «18»
فقال له النابغة: أنت شاعر، ولكنك أقللت جفانك وأسيافك، وفخرت بمن ولدت، ولم تفخر بمن ولدك.
وحدثنى علىّ بن يحيى، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا الزبير بن بكّار، قال: حدثنى عمّى مصعب بن عبد الله [26] ، قال: أنشد حسان نابغة بنى ذبيان قصيدته التى يقول فيها:
لنا الجفنات الغرّ
فقال له: ما صنعت شيئا؛ قلّلت أمركم؛ فقلت: جفنات وأسياف.
وأخبرنى الصولى، قال: حدثنى محمد بن سعيد، ومحمد بن العباس الرياشى، عن الرياشى، عن الأصمعى، عن أبى عمرو بن العلاء، كان النابغة الذبيانى تضرب له قبة
__________
[1] هو حسان بن ثابت بن المنذر الأنصارى، كنيته أبو الوليد، وقيل أبو عبد الرحمن قدم المدينة وأسلم وله من العمر ستون سنة، أو إحدى وستون فهو من المخضرمين. وكان رسول الله ينصب له منبرا فى المسجد يقوم عليه ينافح عن رسول الله، وكان ذلك على قريش أشد من رشق النيل.
وله ديوان شعر مطبوع، وأكثر شعره فى سيرة ابن هشام.
وترجمته فى الشعر والشعراء 264، والاستيعاب 341، والأغانى 4- 2، والخزانة 1- 108.
(1/69)

بسوق عكاظ من أدم، فتأتيه الشعراء، فتعرض عليه أشعارها؛ فأتاه الأعشى، فكان أول من أنشده. ثم أنشده حسان بن ثابت قصيدته التى منها:
لنا الجفنات الغرّ ...
وذكر البيتين، فقال النابغة: أنت شاعر، ولكنك أقللت جفانك وأسيافك، وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك.
قال الصولى: فانظر إلى هذا النقد الجليل الذى يدلّ عليه نقاء كلام النابغة، وديباجة شعره؛ قال له: أقللت أسيافك؛ لأنه قال: «وأسيافنا» وأسياف جمع لأدنى العدد، والكثير سيوف. والجفنات لأدنى العدد، والكثير جفان. وقال: فخرت بمن ولدت؛ لأنه قال: ولدنا بنى العنقاء وابنى محرّق. فترك الفخر بآبائه وفخر بمن ولد نساؤه.
قال: ويروى أنّ النابغة قال له: أقللت أسيافك ولمّعت جفانك. يريد قوله: لنا الجفنات الغرّ. والغرّة لمعة بياض فى الجفنة؛ فكأن النابغة عاب هذه الجفان، وذهب إلى أنه لو قال: لنا الجفنات البيض؛ فجعلها بيضا كان أحسن.
فلعمرى إنه أحسن فى الجفان إلا أنّ الغرّ أجلّ لفظا من البيض.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله: وقال قوم ممن أنكر هذا البيت فى قوله:
يلمعن بالضّحى، ولم يقل بالدّجى، وفى قوله: وأسيافنا يقطرن، ولم يقل يجرين؛ لأن الجرى أكثر من القطر.
وقد ردّ هذا القول؛ واحتجّ فيه قوم لحسّان بما لا وجه لذكره فى هذا الموضع.
فأما قوله: فخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك فلا عذر عندى لحسّان فيه على مذهب نقّاد الشعر.
وقد احترس من مثل هذا الزّلل رجل من كلب؛ فقال يذكر ولادتهم لمصعب بن الزبير وغيره ممن ولده نساؤهم:
وعبد العزيز قد ولدنا ومصعبا ... وكلب أب للصالحين ولود
(1/70)

فإنه لمّا فخر بمن ولده نساؤهم فضل رجالهم، وأخبر أنهم يلدون الفاضلين؛ وجمع ذلك فى بيت واحد؛ فأحسن وأجاد.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قال حسان بن ثابت يرثى مطعم بن عدىّ فى أبيات- وهذا البيت ردىء عند أهل العربية؛ وذلك أنه قدّم المكنى على الظاهر، ومثله ربما جاز فى الضرورة «19» :
فلو كان مجد يخلد اليوم واحدا «20» ... من الناس أبقى مجده اليوم مطعما
ونظيره قول الآخر «21» :
جزى ربّه عنى عدىّ بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
وإنما جاز «22» هذا لأن المظهر يفسّر المضمر.
حدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنى إبراهيم بن عبد الصمد، قال:
حدثنا الكرانىّ، قال: حدثنى العباس بن ميمون طابع، قال: حدثنى الأصمعى، قال: طريق الشعر إذا أدخلته فى باب الخير لان؛ ألا ترى أنّ حسان بن ثابت كان علا فى الجاهلية والإسلام، فلما دخل شعره فى باب الخير- من مراثى النبى صلّى الله عليه وسلم وحمزة وجعفر رضوان الله عليهما وغيرهم- لان [27] شعره. وطريق الشعر هو طريق شعر الفحول، مثل امرئ القيس، وزهير، والنابغة، من صفات الديار والرّحل، والهجاء والمديح، والتشبيب بالنساء، وصفة الحمر والخيل والحروب والافتخار؛ فإذا أدخلته فى باب الخير لان.
حدثنى عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حكى محمد بن عمر الجرجانى، وأخبرنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم؛ عن أبيه، قال: حدثنى محمد بن عمر؛ وحدثنى إبراهيم بن محمد العطار،
(1/71)

عن العنزى، قال: حدثنى على بن يحيى، قال: حدثنى محمد بن عمر الجرجانى، عن هشام بن محمد الكلبى، عن أبى المقوّم الأنصارى؛ وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى، عن أبى عمر حفص بن عمر العمرى، عن لقيط، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبى عمرة، عن أبيه؛ قالا: أرق حسان بن ثابت ذات ليلة، فعنّ له الشعر؛ وعنده ابنته ليلى فى خدرها، فقال بيتا «23» :
متاريك أذناب الأمور إذا اعتزت ... أخذنا الفروع واجتنينا «24» أصولها
ثم أجبل «25» فلم يجد شيئا. فقالت له ابنته: يا أبتاه، كأنك أجبلت. قال: أجل؛ فقالت: فهل لك أن أجيز عنك؟ قال: نعم، قالت: أعد. فأعاد قوله. فقالت «26» :
مقاويل بالمعروف خرس عن الخنا ... كرام يعاطون العشيرة سؤلها
قال: فحمى الشيخ، فقال:
وقافية مثل السنان رزينة «27» ... تناولت من جوّ السماء نزولها
فقالت:
يراها الذى لا ينطق الشعر عنده ... ويعجز عن أمثالها أن يقولها
فقال حسان: لا أقول شعرا وأنت حيّة. قالت: أو أؤمّنك؟ قال: أو تفعلين؟
قالت: نعم، لا أقول شعرا ما دمت حيا «28» . والحديث على لفظ البربرى.
وفضل أهل العلم قول امرئ القيس بن حجر «29» :
من القاصرات الطّرف لو دبّ محول ... من الذّرّ فوق الإتب منها لأثّرا «30»
(1/72)

على قول حسان «31» :
لو يدبّ الحولىّ من ولد ... الذرّ عليها لأندبتها «32» الكلوم
وعيب على حسان قوله «33» :
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفرّقت الأهواء والشّيع
لأنه كان يجب: أن يقول: هم شيعة رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
(1/73)

8- أوس بن حجر [1]
عاب قوم على أوس بن حجر قوله «34» :
وذات «35» هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا «36»
لأنه أفحش الاستعارة بأن سمّى الصبىّ تولبا؛ وهو ولد الحمار. ومثله قول الآخر «37» :
وما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه «38» بساق وحافر
فسمى رجل الإنسان حافرا. وقالوا: وكل ما جرى هذا المجرى من الاستعارة قبيح لا عذر فيه.
__________
[1] هو أوس بن حجر بن معبد، يكنى أبا شريح، شاعر جاهلى (اللآلئ 290) .
(1/74)

9- النابغة الجعدى [1]
حدثنا على بن سليمان الأخفش، عن أبى العباس ثعلب، قال: قال الأصمعى:
قلت لبعضهم: ما تقول فى شعر الجعدى؟ قال: صاحب خلقان، عنده مطرف بألف وخلق بدرهم «39» .
وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا أبو بكر الباهلى، عن الأصمعى، قال ذكر الفرزدق نابغة بنى جعدة فقال: صاحب خلقان [28] ، يكون عنده مطرف بألف، وخمار بواف «40» .
وحدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنى إبراهيم بن عبد الصمد، قال:
حدثنا الكرانى، قال: حدثنى العباس بن ميمون طابع، قال: حدثنى الأصمعى، قال: حدثنى أبو عمرو بن العلاء، قال: سئل الفرزدق عن الجعدى، فقال: صاحب خلقان يكون عنده مطرف بألف، وخمار بواف.
قال الأصمعى: وصدق الفرزدق؛ بينا النابغة فى كلام أسهل من الزلال، وأشدّ من الصخر إذ لان فذهب. ثم أنشدنا له «41» :
سما لك همّ ولم تطرب ... وبت ببثّ ولم تنصب
وقالت سليمى أرى رأسه ... كناصية الفرس الأشهب
وذلك من وقعات المنون ... ففيئى إليك ولا تعجبى
أتين على إخوتى سبعة ... وعدن على ربعى الأقرب
__________
[1] هو عبد الله بن قيس، من جعدة بن كعب بن ربيعة، وكان يكنى أبا ليلى، وهو جاهلى، وأتى رسول الله وأنشده شعرا. ويقال إنه أقدم من النابغة الذيبانى وعمّر حتى ورد على ابن الزبير، وحتى نازع الأخطل الشعر فغلبه الأخطل، ومات بأصبهان بعد أن عمر طويلا. وترجمته فى الأغانى 4- 127، والخزانة 1- 509 واللآلى 247، والشعر والشعراء 247، والاستيعاب 1514.
(1/75)

وبعده أبيات. ثم يقول بعدها:
فأدخلك الله برد الجنا ... ن جذلان فى مدخل طيّب
فلان كلامه، حتى لو أنّ أبا الشّمقمق «42» قال هذا البيت لكان رديئا ضعيفا.
قال الأصمعى: وطريق الشعر إذا أدخلته فى باب الخير لان. ألا ترى أن حسان بن ثابت كان علا فى الجاهلية والإسلام، فلما دخل شعره فى باب الخير من مراثى رسول الله صلّى الله عليه وسلم وحمزة وجعفر رضوان الله عليهما وغيرهم، لان شعره. وطريق الشعر هى طريق الفحول؛ مثل امرئ القيس وزهير والنابغة، من صفات الديار والرّحل، والهجاء والمديح، والتشبيب بالنساء، وصفة الحمر والخيل، والافتخار. فإذا أدخلته فى باب الخير لان.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلّام «43» ، قال: كان الجعدىّ مختلف الشعر مغلّبا. قال الفرزدق: مثله مثل صاحب الخلقان «44» ؛ يرى عنده ثوب خزّ وثوب عصب، وإلى جنبه سمل كساء.
وإذا قالت العرب: مغلّب، فهو مغلوب. وإذا قالوا: غلّب، فهو غالب.
غلّبت ليلى «45» على الجعدى، وغلّب عليه أوس بن مغراء القريعى، ولم يكن إليه فى الشعر ولا قريب. وغلّب عليه عقال بن خويلد العقيلى، وكان مفحما «46» بكلام لا بشعر.
وهجاه سوّار بن أوفى القشيرى وفاخره؛ وهجاه الأخطل بأخرة «47» .
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنا الأصمعى، قال: أفحم النابغة ثلاثين سنة بعد قوله الشعر؛ ثم نبغ فقال. والشعر الأول من قوله جيد، والآخر كأنه مسروق، وليس بجيد.
(1/76)

قال أبو حاتم: قال النابغة الجعدى، وهو ابن ثلاثين سنة، فقال ثلاثين سنة، ثم أفحم ثلاثين سنة، ثم نبغ فقال ثلاثين سنة أو قرابتها.
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا محمد بن سلّام قال: قال النابغة لعقال بن خويلد؛ وحدثنا على بن عبد الرحمن، قال:
أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم، عن أبيه، قال: حكى أبو الورد الكلابى، قال:
قال النابغة لعقال بن خويلد العقيلى- وكان أجار بنى وائل بن معن بن مالك بن أعصر، وكانوا قتلوا رجلا من بنى جعدة، وكانوا يطالبونهم بدمه- فحذّر النابغة عقالا أن يصيبه فى ظلمه ما أصاب كليب وائل [29] فى تعدّيه عليهم، وأن يقع بينهم ما وقع بين عبس وذبيان فى حرب داحس والغبراء من الشعر، فقال «48» :
أبلغ عقالا أنّ غاية داحس ... بكفّيك، فاستأخر لها أو تقدّم
فقال عقال: لا، بل أتقدّم يا أبا ليلى. فقال النابغة:
تجير علينا واثلا فى دمائنا ... كأنك مما نال أشياعها عم
فقال عقال: لا، بل على عمد يا أبا ليلى. فقال النابغة:
كليب لعمرى كان أكثر ناصرا ... وأيسر جرما منك ضرّج بالدم
رمى ضرع ناب فاستمرّ بطعنة ... كحاشية البرد اليمانى المسهّم
وما علم «49» الرمح الأصمّ كعوبه ... بنزوة رهط الأبلخ «50» المتظلّم
فقال عقال: لكنّ است حامله تعلم.
وقال يحيى فى حديثه: لكن حامله يعلم فغلّب عليه عقال بهذا الكلام.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلّام، قال: حدثنى أبو الغرّاف، قال: قال النابغة الجعدى: إنى وأوس بن مغراء لنبتدر بيتا ما قلناه بعد، لوقد قاله أحدنا لقد غلّب على صاحبه.
قال ابن سلام: وكانا يتهاجيان، ولم يكن أوس إلى النابغة فى قريحة الشعر؛ وكان
(1/77)

النابغة فوقه؛ فقال أوس بن مغراء «51» :
فلست بعاف عن شتيمة عامر ... ولا حابسى عما أقول وعيدها
ترى اللؤم ما عاشوا جديدا عليهم ... وأبقى ثياب اللابسين جديدها
لعمرك ما تبلى سرابيل عامر ... من اللؤم ما دامت عليها جلودها
فقال النابغة: هذا البيت الذى كنا نبتدر، وغلّب الناس أوسا على النابغة.
أخبرنى الصّولى عن أبى العيناء، عن الأصمعى، قال: أنشدت الرشيد أبيات النابغة الجعدى من قصيدته الطويلة «52» :
فتى تمّ فيه ما يسرّ صديقه ... على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا
فتى كملت أعراقه «53» غير أنه ... جواد فلا يبقى من المال باقيا
أشمّ طويل الساعدين شمردل «54» ... إذا لم يرح للمجد أصبح غاديا
فقال الرشيد: ويله، ولم لم يروّحه فى المجد كما أغداه؟ ألا قال:
إذا راح للمعروف أصبح غاديا
فقلت: أنت والله يا أمير المؤمنين فى هذا أعلم منه بالشعر.
وأنكر على الجعدى قوله «55» :
وشمول قهوة باكرتها ... فى التباشير من الصبح الأول
يريد مع التباشير الأول من الصبح، فقدّم وأخر.
وقوله «56» :
وما رابها من ريبة غير أنها ... رأت لمّتى شابت وشاب لداتيا
فأىّ ريبة أعظم من أن رأته قد شاب!
(1/78)

10- الشماخ بن ضرار [1]
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قد عاب بعضهم قول الشماخ «57» :
إذا بلّغتنى، وحملت رحلى، ... عرابة فاشرقى بدم الوتين «58»
وقال: كان ينبغى أن ينظر لها مع استغنائه عنها؛ فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم للأنصارية المأسورة بمكة، وقد نجت على ناقة له، فقالت: يا رسول الله، إنى نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها [30] فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: لبئس ما جزيتها.
قال: ومما لم يعب فى هذا المعنى قول عبد الله بن رواحة الأنصارىّ لمّا أمّره رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد زيد وجعفر فى جيش مؤتة «59» :
إذا بلغتنى وحملت رحلى ... مسيرة أربع بعد الحساء «60»
فشأنك فانعمى وخلاك ذمّ ... فلا أرجع إلى أهلى «61» ورائى
الحساء: جمع حسى، وهو موضع رمل تحته صلابة، فإذا أمطرت السماء على ذلك الرمل نزل الماء، فمنعته الصلابة أن يغيض، ومنعت الأرض «62» السماء أن تنشفه، فإذا بحث ذلك الرمل أصيب الماء؛ يقال حسى وأحساء وحساء.
وقوله:
__________
[1] الشماخ لقب، واسمه معقل، وقيل الهيثم، وجعله ابن سلام فى الطبقة الثالثة من شعراء الجاهلية.
أدرك الإسلام فأسلم، وحسن إسلامه، وقال المرزبانى: إنه توفى فى زمن عثمان. وشهد القادسية. (الإصابة 2- 151) . وارجع فى ترجمته إلى ابن سلام (110) ، والشعر والشعراء (274) ، والأغانى (9- 168) .
وديوانه 119- 120.
(1/79)

ولا أرجع إلى أهل ورائى
مجزوم لأنه دعاء، فقوله: «لا» هى الجازمة له، ومعناه «اللهم لا أرجع» .
قال: وقد اتبع ذو الرمة الشماخ فى قوله، فقال «63» :
إذا ابن أبى موسى بلالا «64» بلغته ... فقام بفأس بين وصليك جازر «65»
الوصل «66» : المفصل بما عليه من اللحم، يقال: قطع الله أوصاله، ويقال:
وصل، وكسر، وجذل فى معنى واحد.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى أحمد بن محمد الكاتب، قال: حدثنى أبو العيناء، عن أبيه، قال: سمعت أبا نواس يقول: ما أحسن الشماخ حين يقول «67» :
إذا بلّغتنى وحملت رحلى ... عرابة فاشرقى بدم الوتين
ألا قال كما قال الفرزدق «68» :
علام «69» تلفّتين وأنت تحتى ... وخير الناس كلّهم أمامى
متى تأتى «70» الرّصافة تستريحى ... من الأنساع «71» والدّبر «72» الدّوامى
قال: وقد كان قول الشماخ عندى عيبا، فلما سمعت قول الفرزدق تبعته فقلت «73» :
فإذا المطىّ بنا بلغن محمدا ... فظهورهنّ على الرّجال حرام
قرّبننا من خير من وطئ الحصى ... فلها علينا حرمة وذمام
(1/80)

وقلت «74» :
أقول لناقتى إذ قرّبتنى «75» ... لقد أصبحت «76» عندى باليمين
فلم أجعلك للغربان نحلا «77» ... ولا قلت: اشرقى بدم الوتين
حرمت على الأزمّة والولايا ... وأعلاق الرّحالة والوضين
الولايا: البراذع «78» . والأعلاق: ما علق على الرحل من العهون وغيره. والوضين:
حزام الرحل.
قال محمد: وقد تبع الشماخ ذو الرّمة فقال «79» :
إذا ابن أبى موسى بلالا بلغته ... فقام بفأس بين جنبيك جازر
وقال أبو تمام- ورويت لغيره- يتبع أبا نواس، ويعيب قول الشماخ «80» :
لست كشمّاخ المذمّم فى ... سوء مكافاته ومجترمه
أشرقها من دم الوتين لقد ... ضلّ كريم الأخلاق عن شيمه
ذلك حكم قضى بفيصله ... أحيحة بن الجلاح فى أطمه
قال ذلك لأن أحيحة بن الجلاح قال للشماخ لما أنشده البيت:
بئس المجازاة جازيتها.
وأخبرنى أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا أحمد بن سليمان بن وهب- أنّ محمد بن على القنبرى الهمذانى لما أنشد عبيد الله بن يحيى بن خاقان قوله من قصيدة «81» :
(1/81)

إلى الوزير عبيد الله مقصدها ... أعنى ابن يحيى حياة الدين والكرم [31]
إذا رميت برحلى فى ذراه فلا ... نلت المنى منه إن لم تشرقى بدم
وليس ذاك لجرم منك أعلمه ... ولا لجهل بما أسديت من نعم
لكنه فعل شماخ بناقته ... لدى عرابة إذ أدّته للأطم
فلما سمع عبيد الله هذا البيت قال: ما معنى هذا؟ فقال له أبى سليمان- وما كان لعبيد الله أدب بارع، ولا رواية: أعز الله الوزير؛ إن الشماخ بن ضرار مدح عرابة «82» الأوسى بقصيدة، فقال فيها يخاطب ناقته «83» :
إذا بلغتنى وحملت رحلى....
البيت فعاب هذا من فعله أبو نواس فقال:
أقول لناقتى إذ بلغتنى
وذكره والبيت الذى يليه.
فقال عبيد الله: هذا على صواب؛ والشماخ على خطأ؛ فقال له أبى: قد أتى الوزير بالحقّ؛ وكذا قال عرابة الممدوح للشماخ لما أنشده هذا البيت: بئس ما كافأتها به! قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: وقد تبع الشماخ فى إساءته أبو دهبل الجمحى، فقال- وأنشدناه أحمد بن سليمان الطّوسى عن الزبير بن بكار «84» :
يا ناق سيرى واشرقى ... بدم إذا جئت المغيره
سيثيبنى أخرى سوا ... ك وتلك لى منه يسيره
وتبعهما أيضا ابن أبى عاصية السّلمى؛ فأخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال:
أخبرنا الرياشى، عن محمد بن سلام، قال «85» : قدم ابن أبى عاصية السلمى صنعاء على
(1/82)

معن بن زائدة؛ فلما صار ببابه نحر ناقته؛ فبلغ ذلك معنا؛ فتطيّر، وأمر بإدخاله، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: نذرت، أصلحك الله! قال: وما هو؟
فأنشده «86» :
إن زال معن بنى شريك لم ترى ... يدنى إلى سفر بعير مسافر
نذر «87» علىّ لئن لقيتك سالما ... أن يستمرّ بها شفار الجازر
فقال معن: أطعمونا من كبد هذه المظلومة.
وأنكر على الشماخ قوله «88» :
تخامص «89» عن برد الوشاح إذا مشت ... تخامص حافى الخيل «90» فى الأمعز الوجى
«91» يريد تخامص حافى الخيل الوجى فى الأمعز، فقدّم وأخر.
(1/83)

11- لبيد بن ربيعة العامرى [1]
أخبرنا ابن دريد، قال: وأخبرنا أبو حاتم، قال: قال لى الأصمعى: شعر لبيد كأنه طيلسان طبرى؛ يعنى أنه جيّد الصنعة، وليست له حلاوة. فقلت له: أفحل هو؟ قال:
ليس بفحل. قال أبو حاتم: وقال لى مرة: كان رجلا صالحا، كأنه ينفى عنه جودة الشعر.
حدثنى أحمد بن محمد المكى، قال: حدثنا أبو العيناء، قال حدثنا الأصمعى، قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: ما أحد أحبّ إلىّ شعرا من لبيد بن ربيعة، لذكره الله عزّ وجل، ولإسلامه، ولذكره الدين والخير؛ ولكن شعره رحى بزر.
حدثنى أحمد بن إبراهيم الجمّال، وأحمد بن محمد الجوهرى، قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا يوسف بن حماد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدى، قال: حدثنا سعيد بن حسان المخزومى، قال: سمعت عبد الملك بن عمير يحدث أنّ لبيدا الشاعر قام على أبى بكر رحمه الله فقال «92» :
ألا كلّ شىء ما خلا الله باطل
فقال: صدقت. قال:
وكلّ نعيم لا محالة زائل
فقال: كذبت، عند الله نعيم لا يزول.
وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد [32] بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب- أنّ
__________
[1] هو لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب العامرى، وبكى أبا عقيل، وهو من شعراء الجاهلية وفرسانهم، وأدرك الإسلام؛ وقدم على رسول الله فى وفد بنى كلاب فأسلموا ورجعوا إلى بلادهم. ومات بالكوفة، ودفن فى صحراء بنى جعفر بن كلاب. ويقال إن وفاته كانت فى أول خلافة معاوية. (الشعر والشعراء 231) .
وارجع فى ترجمته إلى الاستيعاب 1335، والإصابة 3- 307، والأغانى، 14- 90.
(1/84)

عثمان بن مظعون كان فى جوار الوليد بن المغيرة، فكان لا يؤذى كما يؤذى أصحابه؛ فسأل الوليد أن يبرأ من جواره فبرىء منه. فجلسا مع القوم ولبيد ينشدهم:
ألا كلّ شىء ما خلا الله باطل
فقال عثمان: صدقت. ثم أنشد لبيد باقى البيت:
وكلّ نعيم لا محالة زائل
فقال عثمان: كذبت. فأسكت القوم، ولم يدروا ما أراد بذلك. ثم أعادها الثانية فصدقه عثمان؛ وكذبه لأنّ نعيم الجنة لا يزول. وذكر باقى الحديث.
وأنكر على لبيد قوله «93» :
لو يقوم الفيل أو فيّاله ... زلّ عن مثل مقامى وزحل «94»
لأنه ليس للفيّال مثل أيد الفيل فيذكره «95» .
(1/85)

12- عدى بن زيد العبادى [1]
أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم عن الأصمعى، قال: قلت لأبى عمرو بن العلاء: كيف موضع عدىّ بن زيد من الشعراء؟ قال: كسهيل فى النجوم؛ يعارضها ولا يدخل فيها.
وأخبرنى الصولى، قال: حدثنا أحمد بن إسحاق، وأخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنا وكيع؛ قالا: أخبرنا حماد بن إسحاق بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبى عبيدة؛ وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، قال: حدثنى إسحاق بن إبراهيم، عن أبى عبيدة، قال: قال أبو عمرو بن العلاء «96» : عدى بن زيد فى الشعراء مثل سهيل فى الكواكب «97» ، يعارضها ولا يجرى مجراها «98» :
وقال الصولى: ولا يجرى معها. وقال وكيع فى حديثه: بمنزلة الشعرى فى النجوم تعارضها ولا تجرى معها.
وزاد فى حديثه: يعنى أنه يشبّه بها، ويقعد به عن شأوها ألفاظه الحيرية، وأنها ليست بنجدية.
وقال أبو العباس ثعلب: وقد روى هذا الحديث أحسن أبو عمرو؛ لأنه سمع شعر الوليد بن يزيد، حيث يقول:
ألا ليت أنى منكم حيث كنتم ... مكان سهيل من جميع الكواكب
يراهنّ أصحابا وهنّ يرينه ... ويسرى إذا يسرين غير مصاحب
__________
[1] عدى بن زيد شاعر فصيح من شعراء الجاهلية، وكان نصرانيا، كذلك كان أبوه وأمه وأهله. وكان أول من كتب بالعربية فى ديوان كسرى. وجعله ابن سلام فى الطبقة الرابعة من فحول الجاهلية. وقال: كان يسكن الحيرة ومراكز الريف؛ فلان لسانه، وسهل منطقه؛ فجعل عليه شىء كثير، وتخليصه شديد، واضطرب فيه خلف الأحمر، وخلط فيه المفضل فأكثر.
وترجمته فى الأغانى 2- 97، والشعر والشعراء 176، وطبقات ابن سلام 117، والحزانة 1- 344.
(1/86)

أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سألت الأصمعى عن عدى بن زيد: أفحل هو؟ فقال: ليس بفحل ولا أنثى.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال «99» : كان عدىّ بن زيد يسكن الحيرة ومراكز «100» الريف؛ فلان لسانه، وسهل منطقه، فحمل عليه شىء كثير، وتخليصه شديد. واضطرب فيه خلف الأحمر، وخلّط فيه المفضّل فأكثر.
وروى أحمد بن أبى طاهر، عن الطوسى، عن اسماعيل بن عبيد الله بن أبى عبد الله، عن أبى عمرو الشيبانى، عن المفضّل، قال: كانت الوفود تفد على الملوك بالحيرة، فكان عدىّ بن زيد يسمع لغاتهم فيدخلها فى شعره.
(1/87)

13- أبو دواد الإيادى [1]
حدثنى عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، عن التّوزى، عن الأصمعى، قال «101» : عدى بن زيد وأبو دواد الإيادى لا تروى أشعارها، لأن ألفاظهما ليست بنجدية.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سالت الأصمعى عن أبى دواد، فقال: صالح؛ ولم يقل: إنه فحل.
وقد أنكر على أبى دواد وغيره ممن أفردنا عيوبه أشياء تجىء مجتمعة فى مواضعها إن شاء الله تعالى.
__________
[1] أبو دواد: اختلفوا فى اسمه، فقال بعضهم هو جارية بن الحجاج، وقال الأصمعى: هو حنظلة بن الشرقى وفى الأصمعيات (185) : اسمه جارية بن الحجاج بن حذاق. وهو شاعر جاهلى، وأحد نعات الخيل المجيدين وترجمته فى الأصمعيات 185، والشعر والشعراء 189، والأغانى (15- 91) ، واللآلئ (829)
(1/88)

14- مهلهل بن ربيعة [1]
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل [23] بن الحباب، عن محمد بن سلّام، قال «1» : أوّل من قصّد القصائد، وذكر الوقائع المهلهل بن ربيعة التّغلبى؛ وكان اسم مهلهل عديّا، وإنما سمّى مهلهلا لهلهلة شعره كهلهلة الثوب، وهو اضطرابه واختلافه، ومنه قول النابغة «2» :
أتاك بقول هلهل النّسج كاذب ... ولم يأت بالحقّ الذى هو ناصع
قال «3» : وزعمت العرب أنه كان يدّعى فى شعره، ويتكثّر فى قوله أكثر «4» من فعله.
أخبرنى محمد بن عبد الله، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى ثعلب، عن ابن الأعرابى، قال: المهلهل مأخوذ من الهلهلة، وهى رقة نسج الثوب، والمهلهل المرقّق للشعر؛ وإنما سمى مهلهلا، لأنه أوّل من رقّق الشعر، وتجنّب الكلام الغريب الوحشى.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سألت الأصمعى عن مهلهل، قال: ليس بفحل. ولو قال مثل قوله «5» :
أليلتنا بذى حسم أنيرى «6»
__________
[1] هو عدى بن ربيعة- أو امرؤ القيس بن ربيعة- أخو كليب وائل الذى هاجت بمقتله حرب بكر وتغلب، وسمى مهلهلا لأنه هلهل الشعر، أى أرقه.
وهو خال امرئ القيس، وجد عمرو بن كلثوم، وكان مهلهل القائم بالحرب ورئيس تغلب، وأسره الحارث بن عباد وهو لا يعرفه، ثم جز ناصيته وخلاه؛ وخرج ولحق باليمن فنزل فى جنب، ثم أسر ومات فى إساره.
وترجمته فى اللآلئ 26، والأغانى 4- 139، والخزانة 2- 142، وطبقات ابن سلام 33، 34، 558، والأصمعيات 154. والشعر والشعراء: 256- 259.
(1/89)

خمس قصائد لكان أفحلهم. قال: وأكثر شعره محمول عليه.
حدثنى على بن أبى منصور، قال: أخبرنى محمد بن موسى البربرى، عن دعبل بن على، قال: أكذب الأبيات قول مهلهل «7» :
فلولا الرّيح أسمع أهل حجر ... صليل البيض تقرع «8» بالذكور «9»
قال: وكان منزله على شاطئ الفرات من أرض الشام، وحجر: هى اليمامة «10» .
قال: ومنها قول أبى الطّمحان القينى «11» :
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتّى نظّم الجزع ثاقبه
(1/90)

15- عمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر التميميان [1]
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى عبد الله بن محمد بن حكيم الطائى، قال: حدثنا خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد، عن أبيه، قال: تحاكم الزّبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم، وعبدة بن الطبيب، والمخبّل السعدى إلى ربيعة بن حذار الأسدى فى الشعر؛ أيهم أشعر؟ فقال للزبرقان: أما أنت فشعرك كلحم أسخن لا هو أنضج فأكل ولا ترك نيئا فينتفع به. وأما أنت يا عمرو، فإن شعرك كبرود حبر، يتلألأ فيها البصر؛ فكلما أعيد فيها النظر نقص البصر. وأما أنت يا مخبّل فإنّ شعرك قصّر عن شعرهم، وارتفع عن شعر غيرهم. وأما أنت يا عبدة فإنّ شعرك كمزادة أحكم خرزها فليس تقطر ولا تمطر.
حدثنا ابن دريد، قال: حدثنا السّكن بن سعيد، عن محمد بن عبّاد، عن ابن الكلبى، قال ابن دريد: وأخبرنى عمى- يعنى الحسين بن دريد، عن أبيه، عن ابن الكلبى، قال: حدثنى خالد بن سعيد، عن أبيه؛ وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى عبد الله بن محمد بن حكيم الطائى، قال: حدثنا
__________
[1] عمرو بن الأهتم: هو عمرو بن سنان بن سمى؛ وسمى سنان الأهتم؛ لأن قيس بن عاصم المنقرى سيد أهل الوبر ضربه بقوسه فهنم فاه. وقيل: بل هتم فوه يوم الكلاب الثانى. وهو جاهلى إسلامى. وكان خطيبا شاعرا، وفى الجاهلية كان يدعى «المكحل» لجماله. ووفد على رسول الله فى وفد بنى تميم فأسلم، وذلك فى سنة تسع من الهجرة.
وسأله النبى عن الزبرقان بن بدر فمدحه ثم هجاه. فلما رأى الكراهة فى وجه النبى- لما اختلف قوله- قال: يا رسول الله؛ رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت؛ وما كذبت فى الأولى، ولقد صدقت فى الثانية، فقال رسول الله: إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة- أو لحكما.
وترجمته وأخباره فى زهر الآداب (5) ، والشعر والشعراء 614، والمفضليات 123، 209، والاستيعاب (1163) ، والإصابة 2- 517.
والزبرقان: اسمه حصين بن بدر بن امرئ القيس وسمى الزبرقان لجماله. والزبرقان القمر. قدم مع وفد بنى تميم على النبى، ونادوا رسول الله وراء الحجرات، وأسلم وجرت بينه وبين عمرو بن الأهتم القصة السابقة.
وعاش الزبرقان إلى خلافة معاوية. وقيل: إنه وفد على عبد الملك بن مروان. وكان شاعرا مفلقا، وهجاه الحطيئة، فاستعدى عليه الزبرقان عمر بن الخطاب وسأل عمر حسان بن ثابت، فقال: إنه هجاه أفحش هجاء؛ فحبسه.
وترجمته فى زهر الآداب (5) ، والإصابة 1- 524، والاستيعاب 560 وطبقات ابن سلام 98، والشعر والشعراء 287.
(1/91)

خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد، عن أبيه، قال: اجتمع الزّبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم، وعبدة بن الطبيب، والمخبّل التميميون فى موضع، فتناشدوا أشعارهم. فقال لهم عبدة: والله لو أنّ قوما طاروا من جودة الشعر لطرتم، فإما أن تخبرونى عن أشعاركم، وإما أن أخبركم. قالوا: أخبرنا. قال: فإنى أبدأ بنفسى. أما شعرى، فمثل سقاء وكيع- وهو الشديد يصطنعه الرجل فلا يسرب عليه، أى لا يقطر- وغيره من الأسقية أوسع منه.
وأما أنت يا زبرقان فإنك مررت بجزور منحورة فأخذت من أطايبها وأخابثها. وأما أنت يا مخبّل فإن شعرك العلاط والعراض.
قال: العلاط: ميسم الإبل فى العنق. والعراض: سمة فى عرض الفخذ.
(1/92)

16- المتلمس الضبعى [1]
[34] أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنى الأصمعى، قال:
قال أبو عمرو: المتلمس أوّل من حثّ على البخل.
17- المسيب بن علس الضبعى [2]
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا أبو ذكوان، قال: حدثنا دماذ، عن أبى عبيدة، قال: مرّ المسيّب بن علس بمجلس بنى قيس بن ثعلبة فاستنشدوه، فأنشدهم:
ألا انعم صباحا أيّها الرّبع واسلم ... نحيّيك عن شحط وإن لم تكلم
فلما بلغ قوله «12» :
وقد أتناسى الهمّ عند ادّكاره «13» ... بناج عليه الصّيعرية مكدم «14»
كميت كناز لحمها حميريّة ... مواشكة ترمى الحصى بمثلّم
كأنّ على أنسائها عذق خصبة ... تدلّى من الكافور غير مكمّم
فقال طرفة- وهو صبىّ يلعب مع الصبيان: استنوق الجمل؛ فقال المسيب:
يا غلام، اذهب إلى أمك بمؤيدة «15» ؛ أى داهية.
__________
[1] المتلمس: هو جرير بن عبد المسيح- أو عبد العزى- من بنى ضبيعة. وأخواله بنو يشكر. وكان ينادم عمرو بن هند ملك الحيرة. وهو الذى كان كتب له إلى عامل البحرين مع طرفة بقتله، وكان دفع كتابه إلى غلام بالحيرة ليقرأه، فقال له: أنت المتلمس؟ قال: نعم. قال: فالنجاء؛ فقد أمر بقتلك فنبذ الصحيفة فى نهر الحيرة، وهرب إلى الشام؛ وضرب المثل بصحيفة المتلمس. وهو من أشعر المقلين فى الجاهلية.
الشعر والشعراء 131 وطبقات ابن سلام 131، والأصمعيات 244.
[2] المسيب بن علس بن عمرو بن قمامة بن زيد بن ثعلبة، واسم المسيب زهير، وإنما سمى المسيب حين أوعد بنى عامر بن ذهل، فقالت بنو ضبيعة: قد سيبناك والقوم. وهو خال الأعشى. ومن شعراء بكر بن وائل المعدوديين، وهو جاهلى لم يدرك الإسلام.
وترجمته فى ابن سلام 132، والشعر والشعراء 126، والمفضليات 58، والخزانة 3- 216، وألقاب الشعراء 315.
(1/93)

فقال طرفة: لو عاينت فعل أمك خاليا نهاك. فقال المسيب: من أنت؟ قال:
طرفة بن العبد. قال: ما أشبه الليلة بالبارحة؛ يريد ما أشبه بعضكم فى الشر ببعض.
قال محمد: كذا روى أبو عبيدة، وغيره يروى أنّ الصّيعرية ميسم للإناث؛ فلما سمع «بناج عليه الصيعرية» قال: استنوق الجمل.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: وقد روى أنّ طرفة قال هذا القول لعمرو بن كلثوم التغلبى؛ فحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، عن محمد بن سلام. قال: وفد طرفة بن العبد على عمرو بن هند فأنشده شعرا له «16» وصف فيه جملا، فبينما هو فى وصفه خرج إلى ما توصف به الناقة، فقال له طرفة: استنوق الجمل؛ فغضب عمرو بن كلثوم، وهايج طرفة، وكان ميل عمرو بن هند مع طرفة؛ فاستعلاه عمرو بن كلثوم بفضل السن والعلم؛ فقال طرفة أبياتا يفخر فيها بأيام بكر على تغلب، وأولها:
أشجاك الرّبع أم قدمه ... أم رماد دارس حممه
فانصرف عمرو بن كلثوم مغضبا بفخر طرفة عليه، وميل عمرو بن هند مع طرفة؛ فقال قصيدته «17» :
ألا هيىّ بصحنك فاصبحينا «18»
ففخر على بكر بن وائل فخرا كثيرا، وعاد إلى عمرو بن هند فأنشده، فلم يقم طرفة ولم يكن عنده ردّ، ورحل عمرو بن كلثوم إلى قومه. وأشاع حديث عمرو بن كلثوم، فأحمش «19» البكرية؛ فبلغ ذلك الحارث بن حلّزة اليشكرى- ويشكر هو ابن وائل- فقال «20» :
آذنتننا ببينها أسماء
(1/94)

وكان الحارث أبرص، ولم يكن يدخل على عمرو بن هند ذو عاهة، فمكث ببابه لا يصل إليه حتى خرج عمرو بن هند متمطّرا غبّ سماء، فقعد فى قبة له، فوقف الحارث بن حلزة خلف القبة، فأنشد القصيدة، فلما سمعها عمرو دعاه فأكرمه وأدناه.
18- أميه بن أبى الصّلت الثقفى [1]
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنى الأصمعى، قال: الناس يروون لأمية بن أبى الصلت القصيدة التى فيها «21» :
من لم يمت عبطة «22» يمت هرما ... الموت كأس فالمرء «23» ذائقها
قال: وهذه لرجل من الخوارج. قال: ولا يقال للموت كأس.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله: وروى الزبير بن بكار، عن رجاله أن هذه القصيدة لأميّة.
وروى الزبير أيضا وغيره أنّ الحسن البصرى قال: هى لأمية.
__________
[1] هو أمية بن أبى الصلت بن أبى ربيعة بن عبد عوف. وكان قد قرأ الكتب المتقدمة من كتب الله عز وجل، ورغب عن عبادة الأوثان، وكان يخبر بأن نبيا يبعث قد أظل زمانه، ويؤمل أن يكون ذلك النبى؛ فلما بلغه خروج رسول الله كفر حسدا له.
وترجمته فى الشعر والشعراء 429، وطبقات الشعراء 220، والأغانى 3- 189.
(1/95)

19- النمر بن تولب [1]
أنكر قوم من أهل العلم على [35] مهلهل قوله «24» :
فلولا الريح أسمع أهل حجر ... صليل البيض تقرع بالذكور
وقالوا: هو خطأ وكذب من أجل أنّ بين موضع الوقعة التى ذكرها وبين حجر مسافة بعيدة جدا.
وكذلك يقولون فى قول النمر بن تولب «25» :
أبقى الحوادث والأيام من نمر ... أسباد سيف قديم إثره باد
تظلّ تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذّراعين والساقين والهادى «26»
وكذلك قول أبى نواس «27» :
وأخفت أهل الشرك حتّى إنه ... لتهابك النّطف التى لم تخلق
وكذلك بيت الأعشى «28» :
لو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر
وكذلك بيت أبى الطّمحان القينى «29» :
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه
__________
[1] النمر بن تولب من عكل، وكان شاعرا جوادا، ويسمى الكيس لحسن شعره. وهو جاهلى، وأدرك الإسلام فأسلم. ووفد على النبى، ومدحه بشعر فيه:
يا قوم إنى رجل عندى خبر ... الله من آياته هذا القمر
والشمس والشعرى وآيات أخر وترجمته فى الشعر والشعراء 268، والاستيعاب 1531، وطبقات ابن سلام 134، والمعمرين 79، واللآلئ 284، والحزانة 1- 152.
(1/96)

20- عمرو بن قميئة [1]
أنكر على عمرو بن قميئة قوله «30» :
لما رأت ساتيدما استعبرت ... لله درّ اليوم من لامها «31»
يريد لله درّ من لامها اليوم؛ فقدّم وأخّر.
__________
[1] هو من قيس بن ثعلبة، من بنى سعد بن مالك رهط طرفة بن العبد. وهو قديم جاهلى. كان مع حجر ابى امرئ القيس، فلما خرج امرؤ القيس إلى بلاد الروم صحبه؛ وإياه عنى امرؤ القيس بقوله:
بكى صاحبى لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا
وترجمته فى ابن سلام 133، والشعر والشعراء 236، والمعمرين 285، وزهر الآداب 223، والأغانى 16- 158، والحزانة 4- 312.
(1/97)

21- قيس بن الخطيم [1]
أخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا ميمون بن هارون، قال: سمعت إسحاق الموصلى يقول: كنا نستشنع قول قيس بن الخطيم «32» :
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشّعاع أضاءها «33»
ملكت بها كفى فأنهرت «34» فتقها ... يرى قائم «35» من خلفها ماوراءها
حتى أنشدنى أبو عبيدة:
ضربته فى الملتقى ضربة ... فزال عن منكبه الكاهل
فصار ما بينهما فجوة ... يمشى بها الرامح والنابل
فكان هذا أعظم وصفا.
وحدثنى عبد الله بن محمد بن أبى سعيد، وأحمد بن محمد المكى، ومحمد بن إبراهيم؛ قالوا: حدثنا أبو العيناء، قال: سمعت الأصمعى يقول: أتيت شعبة بن الحجاج فأنشدنى لقيس بن الخطيم:
طنعت ابن عبد القيس طعنة ثائر
وذكر البيتين. وضحك شعبة «36» ، ثم قال: والله ما طعنه، ولكنه نقب فى جنبه دربا.
__________
[1] هو قيس بن الخطيم بن عدى بن عمرو. كان شاعر الأوس، وبينه وبين حسان بن ثابت منافسات، وذكر أصحاب المغازى أنه قدم مكة فدعاه النبى إلى الإسلام وتلا عليه القرآن فقال: إنى لأسمع كلاما عجبا، فدعنى أنظر فى أمرى هذه السنة ثم أعود إليك، فمات قبل الحول. وله فى وقعة بعاث التى كانت بين الأوس والخزرج قبل الهجرة أشعار كثيرة.
وترجمته فى الإصابة 3- 266، والأصمعيات 196، والشعر والشعراء 280، وابن سلام 190.
(1/98)

حدثنى بعض أصحابنا عن أبى العباس أحمد بن يحيى ثعلب، قال: مما يعاب على قيس بن الخطيم قوله «37» :
كأنها عود بانة قصف «38»
لأن المرأة إنما تشبّه بالعود المتثنى لا بالمتقصف.
(1/99)

22- عمرو بن أحمر الباهلى [1]
أقوى عمرو فى بيتين متقاربين من أبيات، أولها:
ما للكواعب يا عيساء قد جعلت ... تزورّ عنى وتطوى دونى الحجر
فقال فيها:
وكنت أمشى على رجلين متّئدا ... فصرت أمشى على أخرى من الشجر
ثم قال بعده:
فقد جعلت أرى الشخصين أربعة ... والواحد اثنين لما بورك البصر
وأتبعه بقوله:
وجعلت إذا ما قمت يثقلنى ... ردفى فأنهض نهض الشارب السّكر
__________
[1] هو عمرو بن أحمر بن فراص بن معن بن أعصر. وهو مخضرم:
أدرك الجاهلية والإسلام، فأسلم، وغزا فى مغازى الروم، وأصيب بإحدى عينيه هناك، وتزل الشام، وتوفى فى عهد عثمان بعد أن بلغ سنا عالية. وكان من شعراء الجاهلية المعدودين، وقال فى الإسلام شعرا كثيرا.
وترجمته فى الإصابة (3- 112) ، والشعر والشعراء 315، وجمهرة أشعار العرب 160، ومعجم الشعراء 24.
(1/100)

23- جماعة من الشعراء القدماء
أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سألت الأصمعىّ عن عمرو بن كلثوم أفحل هو؟ فقال: ليس بفحل. قلت: فأبو زبيد؟ قال: ليس بفحل. قلت: فعروة بن الورد؟ قال: شاعر كريم، وليس بفحل. قلت:
فالحويدرة «39» ؟ قال: لو كان قال خمس قصائد مثل قصيدته- يعنى العينية [36]- كان فحلا. قلت: فحميد بن ثور؟ قال: ليس بفحل. قلت: فابن مقبل؟ قال:
ليس بفحل.
قال أبو حاتم: فسألت الأصمعى من أشعر: الراعى أم ابن مقبل؟ قال: ما أقربهما! قلت: لا يقنعنا هذا. قال: الراعى أشبه شعرا بالقديم وبالأول. قلت: فابن أحمر الباهلىّ؟ قال: ليس بفحل، ولكنه دون هؤلاء الفحول، وفوق طبقته.
قال: ولو قال ثعلبة بن صعير المازنى مثل قصيدته خمسا كان فحلا.
قلت: فكعب بن جعيل؟ قال: أظنّه من الفحول، ولا أستيقنه. قلت: فحاتم الطائى؟ قال: حاتم إنما يعدّ فيمن يكرّم. ولم يقل: إنه فحل فى شعره.
قلت: فمعقّر بن حمار البارقى حليف بنى نمير؟ قال: لو أتمّ خمسا أو ستّا لكان فحلا. ثم قال لى: لم أر أقلّ من شعر كلب وشيبان.
قلت: فكعب بن سعد الغنوى؟ قال: ليس من الفحول إلا فى المرثية «40» فإنه ليس فى الدنيا مثلها.
قال: وسألته عن خفاف بن ندبة، وعنترة، والزّبرقان بن بدر، فقال: هؤلاء أشعر الفرسان، ومثلهم عباس بن مرداس السّلمى. ولم يقل إنهم فحول.
قلت له: فالأسود بن يعفر النهشلى؟ قال: يشبه الفحول.
(1/101)

قلت: فعمرو بن شأس الأسدى؟ قال: ليس بفحل، هو دون هؤلاء.
قلت: فأوس بن مغراء الهجيمى؟ قال: لو كان قال عشرين قصيدة لحق بالفحول، ولكنه قطع به.
قلت: فكعب بن زهير بن أبى سلمى؟ قال: ليس بفحل. قلت: فزيد الخيل الطائى؟ قال: هو من الفرسان. قلت: فعمرو بن معدى كرب؟ قال: من الفرسان.
قلت: فسليك بن سلكة؟ قال: ليس من الفحول ولا من الفرسان، ولكنه من الذين يغزون فيعدون على أرجلهم فيختلسون. قال: وسلامة بن جندل لو كان زاد شيئا لكان فحلا. قال: وقال لى الأصمعى: أشعرت أنّ ليلى أشعر من الخنساء.
(1/102)

[من عيوب الشعر]
[من عيوب الوزن:]
قال قدامة بن جعفر الكاتب «1» :
من عيوب أوزان الشعر «2» التخليع؛ وهو أن يكون قبيح الوزن، قد أفرط قائله فى تزحيفه، وجعل ذلك بنية للشعر «3» الذى يعرف السامع له صحة وزنه فى أول وهلة إلى ما ينكره حتى ينعم ذوقه، أو يعرضه على العروض، فيصحّ فيه؛ فإنّ ما جرى من الشعر هذا المجرى ناقص الطلاوة، قليل الحلاوة؛ وذلك مثل قول الأسود بن يعفر- وتروى لغيره «4» :
إنّا ذممنا على ما خيّلت ... سعد بن زيد وعمرا من تميم «5»
وضبّة المشترى العار بنا ... وذاك عمّ بنا غير رحيم
لا ينتهون الدهر عن مولى لنا ... قورك «6» بالسهم حافات الأديم
ونحن قوم لنا رماح ... وثروة من موال وصميم
لا نشتكى الوصم فى الحرب ولا ... نئنّ منها كتأنان «7» السليم
ومثل قول عروة بن الورد «8» :
يا هند بنت أبى ذراع ... أخلفتنى ظنّى ووترتنى عشقى
ونكحت راعى ثلة يثمّرها ... والدهر فانيه «9» بما يبقى
(1/103)

ومثل قصيدة عبيد بن الأبرص، وفيها أبيات قد خرجت عن العروض البتة، وقبّح ذلك جودة الشعر حتى أصاره إلى حد الردىء [37] منه، فمن ذلك قوله «10» :
والحىّ «11» ما عاش فى تكذيب ... طول الحياة له تعذيب
فهذا معنى جيّد، ولفظ حسن، إلا أنّ وزنه قد شانه، وقبّح حسنه، وأفسد جيده.
فما جرى من التزحيف هذا المجرى فى القصيدة أو الأبيات كلّها أو أكثرها كان قبيحا من أجل إفراطه فى التخليع واحدة، ثم من أجل دوامه «12» وكثرته ثانية. وإنما يستحبّ من التزحيف ما كان غير مفرط، أو كان فى بيت أو بيتين من القصيدة، من غير توال ولا اتّساق «13» يخرجه عن الوزن؛ مثل ما قال متمم بن نويرة فى قصيدته «14» :
وفقد بنى أمّ تداعوا «15» فلم أكن ... خلافهم لأستكين «16» وأضرعا «17»
فأما الإفراط والدوام فقبيح.
وقال إسحاق، يحكى عن يونس: أهون عيوب الشعر الزّحاف، وهو أن ينقص الجزء عن سائر الأجزاء؛ فمنه ما نقصانه أخفى، ومنه ما هو أشنع؛ وهو [فى ذلك «18» ] جائز فى العروض؛ قال خالد بن أبى ذؤيب «19» الهذلى «20» :
(1/104)

لعلّك إما أمّ عمرو تبدّلت ... سواك خليلا شاتمى تستخيرها
وهذا مزاحف فى كاف «سواك» ؛ ومن أنشده «خليلا سواك» كان أشنع «21»
[من عيوب المعانى:]
قال:
ومن عيوب الشعر «22» فساد القسم «23» ؛ وذلك يكون إما أن يكررها الشاعر أو يأتى بقسمين أحدهما داخل تحت الآخر فى الوقت الحاضر، أو يجوز أن يدخل أحدهما تحت الآخر فى المستأنف، أو أن يدع بعضها فلا يأتى به.
فأما التكرير فمثل قول هديل الأشجعى «24» :
فما برحت تومى إليه «25» بطرفها ... وتومض أحيانا إذا خصمها غفل
لأنّ تومض وتومئ بطرفها متساويان فى المعنى.
وأما دخول أحد القسمين فى الآخر فمثل قول أحدهم:
أباذر إهلاك مستهلك ... لمالى أو عبث العابث
فعبث العابث داخل فى إهلاك مستهلك.
ومثل قول أمية بن أبى الصلت الثقفى «26» :
لله نعمتنا تبارك ربّنا ... ربّ الأنام وربّ من يتأبّد
فليس يجوز أن يكون أمية أراد بقوله من يتأبّد الوحش؛ وذلك أن «من» لا يقع على
(1/105)

الحيوان غير الناطق؛ وعلى «27» هذا فمن يتوحّش داخل فى الأنام أيضا.
وأما أن يكون القسمان مما يجوز دخول أحدهما فى الآخر فمثل قول أبى عدى القرشى «28» :
غير ما أن أكون نلت نوالا ... من نداها عفوا ولا مهنيّا
فالعفو قد يكون مهنيّا. والمهنىّ قد يجوز أن يكون عفوا.
وقد ضحك من أنوك «29» سأل مرة، فقال: علقمة بن عبدة جاهلى أو من بنى تميم؟
فلأنّ الجاهلىّ قد يكون من بنى تميم ومن بنى عامر؛ والتميمى يكون جاهيّا وإسلاميا- ما عيب وضحك به.
ومن ذلك قول عبد الله بن سليم الغامدى «30» :
فهبطت غيثا «31» ما تفزّع وحشه ... من بين سرب ناوى وكنوس
ناوى: سمين؛ يقال: نوا أى سمن. والسمين يجوز أن يكون كانسا «32» أو راتعا، والكانس يجوز أن يكون سمينا أو هزيلا.
وأما القسم التى يترك بعضها مما لا يحتمل تركه، فمثل قول جرير فى بنى حنيفة «33» :
صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها
وبلغنى «35» أنّ هذا الشعر أنشد فى مجلس، ورجل من بنى حنيفة حاضر فيه، فقيل له: من أيّهم أنت؟ فقال: من الثلث الملغى ذكره.
(1/106)

قال: ومن عيوب المعانى فساد المقابلات؛ وهو أن يضع الشاعر معنى يريد أن يقابله بآخر، إمّا على جهة الموافقة أو المخالفة، فيكون أحد المعنيين لا يخالف الآخر ولا يوافقه «36» ؛ مثال ذلك قول أبى عدىّ القرشى «37» :
يابن خير الأخيار من عبد شمس ... أنت زين الدّنيا وغيث الجنود
فليس قوله [38] : «غيث الجنود» موافقا لقوله: «زين الدنيا» ولا مضادّا، وذلك عيب.
ومنه قول هذا الرجل أيضا فى مثل ذلك «38» :
رحماء بذى «39» الصلاح وضرّا ... بون قدما لهامة الصّنديد
فليس للصنديد فيما تقدم ضدّ ولا مثل، ولعلّه لو كان مكان قوله الصنديد الشّرير كان «40» ذلك جيدا، لقوله: ذو الصلاح.
وللعدول عن هذا العيب غيّر الرواة قول امرئ القيس «41» :
فلو أنها نفس تموت سويّة «42» ... ولكنها نفس تساقط أنفسا «43»
فأبدلوا مكان سوية جميعة «44» ، لأنها- فى مقابلة تساقط أنفسا- أليق من سوّية.
(1/107)

[من عيوب ائتلاف اللفظ والوزن] «45»
قال: ومن عيوب الشعر التفصيل، وهو ألا ينتظم للشاعر نسق الكلام على ما ينبغى لمكان العروض، فيقدّم ويؤخر؛ كما قال دريد بن الصمّة «46» :
وبلّغ نميرا إن عرضت ابن عامر ... فأىّ أخ فى النائبات وطالب «47»
ففرق بين نمير وابن عامر بقوله: إن عرضت.
وكما قال أبو عدىّ القرشى «48» :
خير راعى رعيّة سرّه الل ... هـ هشام وخير مأوى طريد
وكما قال الآخر:
لعمر أبيها لا تقول حليلتى ... ألا فرّعنّى مالك بن أبى كعب
[من عيوب ائتلاف المعنى والوزن معا] «49»
قال:
ومن عيوب الشعر «المقلوب» ، وهو أن يضطر الوزن الشعرى إلى إحالة المعنى فيقلبه الشاعر إلى خلاف ما قصد به، مثال ذلك لعروة بن الوود «50» :
(1/108)

فلو أنى شهدت أبا معاذ ... غداة غدا بمهجته يفوق
فديت بنفسه نفسى ومالى ... وما آلوك إلّا ما أطيق
أراد أن يقول: فديت نفسه بنفسى، فقلب المعنى.
وللحطيئة «51» :
فلما خشيت الهون والعير ممسك ... على رغمه ما أثبت الحبل حافره «52»
أراد الحبل حافره، فانقلب المعنى.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: ومثله للمجنون «53» :
يضمّ إلىّ الليل أطفال حبّكم ... كما ضمّ أزرار القميص البنائق
أراد كما ضم البنائق أزرار القميص.
قال:
ومنها «المبتور» ، وهو أن يطول المعنى عن أن يحتمل العروض تمامه فى بيت واحد، فيقطعه بالقافية، ويتممه فى البيت الثانى؛ مثل ذلك قول عروة بن الورد «54» :
فلو كاليوم كان علىّ أمرى ... ومن لك بالتدبّر فى الأمور
فهذا البيت ليس قائما بنفسه فى المعنى، ولكنه أتى فى البيت الثانى بتمامه، فقال:
إذا لملكت عصمة أمّ وهب ... على ما كان من حسك الصّدور «55»
(1/109)

[التشبيهات البعيدة- الغلو «56» ] :
قال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «57» : من التشبيهات البعيدة التى لم يلطف أصحابها فيها، ولم يخرج كلامهم فى العبارة سلسا سهلا قول النابغة الذبيانى «58» :
تخدى «59» بهم أدم كأنّ رحالها ... علق أريق «60» على متون صوار «61»
وقول زهير بن أبى سلمى «62» :
فزلّ عنها ووافى رأس مرقبة ... كمنصب العتردمّى رأسه النّسك 6»
وقول خفاف بن ندبة «64» :
أبقى لها التّعداء من عتداتها ... ومتونها كخيوطة الكتّان
والعتدات: القوائم. أراد أنّ قوائمها دقّت حتّى عادت كأنها الخيوط، وأراد ضلوعها، فقال: متونها.
(1/110)

وقول بشر بن أبى خازم «65» :
وجرّ الرامسات بها ذيولا ... كأنّ شمالها بعد الدّبور «66»
رماد بين أظآر ثلاث ... كما وشم النواشر بالنّئور «67»
فشبه الشمال والدبور بالرماد.
وقال أوس بن حجر «68» :
كأنّ هرّا جنيبا عند غرضتها «69» ... والتفّ ديك برجليها وخنزير
وقول لبيد بن ربيعة «70» :
فخمة ذفراء ترتى بالعرى ... قردمانيّا وتركا كالبصل «71»
[39] هاتان كلمتان بالفارسية، قد أعربتا. «قردمانيّا» ، أى عمل قديما فبقى «72» .
والترك «73» : البيضة.
وقال النابغة الذبيانى «74» :
(1/111)

كأنّ حجاج «75» مقلتها قليب ... من الشّيقين «76» حلّق مستقاها
الشّيقين: موضع، وحلّق: غار، ومستقاها: ماؤها. والحجاج لا يغور، لأنه العظم الذى ينبت عليه شعر الحاجب.
وقول ساعدة بن جؤيّة «78» :
كساها رطيب الريش فاعتدلت له ... قداح كأعناق الظباء زفازف «79»
شبه السهام بأعناق «80» الظباء، ولو وصفها بالدقة كان أولى.
[من الأبيات التى قصر فيها أصحابها] :
قال «81» :
ومن الأبيات التى قصّر فيها أصحابها عن الغايات التى أجروا إليها ولم يسدّوا الخلل الواقع فيها معنى ولا لفظا قول امرئ القيس «82» :
فللسّوط ألهوب وللساق درّة ... وللزّجر منه وقع أخرج مهذب «83»
فقيل له: إنّ فرسا يحتاج إلى أن يستعان عليه بهذه الأشياء لغير جواد.
وقول المسيّب بن علس «84» :
وقد أتناسى الهمّ عند احتضاره ... بناج عليه الصّيعرية مكدم
(1/112)

فسمعه طرفة، فقال: استنوق الجمل. والصيعرية: من سمات النوق.
وقول الشماخ «85» :
فنعم المعتزى «86» رحلت إليه ... رحى حيزومها كرحى الطّحين
وإنما توصف النجائب بصغر الكركرة ولطف الخفّ.
وقوله «87» :
وأعددت للساقين والرّجل والنّسا ... لجاما وسرجا فوق أعوج مختال
وإنما يلجم الشّدقان لا الساقان.
وقول الأعشى «88» :
وما مزبد من خليج الفرا ... ت جون غواربه تلتطم «89»
بأجود منه بما عونه ... إذا ما سماؤهم لم تغم
يمدح ملكا ويذكر أنه يجود بالماعون.
وقوله «90» :
شتّان ما يومى على كورها ... ويوم حيّان أخى جابر
وكان حيان أشهر وأعلى ذكرا من جابر، فأضافه إليه اضطرارا.
وقول عدى «91» :
ولقد عدّيت دوسرة ... كعلاة القين مذكارا «92»
(1/113)

والمذكار: التى تلد الذكران، والمئناث عندهم أحمد؛ وأراد مذكّرة فلم يتفق له.
وقول الشماخ «93» :
بانت سعاد ففى «94» العينين ملمول ... وكان فى «95» قصر من عهدها طول
كان ينبغى أن يقول: وكان فى طول عهدها قصر، أو يقول: فصار فى قصر عهدها طول.
وقول أبى دواد الإيادى «96» :
لو أنها بذلت لذى سقم ... مره «97» الفؤاد مشارف القبض
أنس «98» الحديث لظلّ مكتئبا ... حرّان من وجد بها مضّ
لو قال: إنه كان يذهب سقمه كان أبلغ لنعتها.
وقول أبى ذؤيب «99» :
ولا يهنىء الواشين أن قد «100» هجرتها ... وأظلم دونى ليلها ونهارها
كان ينبغى أن يقول: وأظلم دونها ليلى ونهارى.
وقوله «101» :
عصانى إليها القلب «102» إنى لأمره ... سميع فما أدرى أرشد طلابها
كان يحتاج أن يقول أغىّ أم رشد، فنقص العبارة.
(1/114)

وقول ساعدة بن جؤيّة «103» :
فلو نبّأتك الأرض أو لو سمعته ... لأيقنت أنى كدت بعدك أكمد
لو قال: إنى بعدك كمد كان أبلغ من قوله: كدت أكمد.
وقول ابن أحمر «104» :
غادرنى سهمه أعشى وغادره ... سيف ابن أحمر يشكو الرأس والكبرا
أراد غادرنى سهمه أعور، فلم يمكنه، فقال: أعشى.
وقول طرفة «105» :
كأنّ جناحى مضرحىّ تكنّفا ... حفافيه شكّا فى العسيب بمسرد «106»
وإنما توصف النجائب برقّة شعر الذنب وخفّته، وجعله هذا كثيفا طويلا عريضا.
وقول امرئ القيس «107» :
وأركب فى الرّوع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر
شبه ناصيتها بسعف النخلة، وإذا غطّى الشعر العين لم يكن كريما.
وقول الحطيئة «108» :
ومن يطلب مساعى آل لأى ... تصعّده الأمور إلى علاها
كان ينبغى أن يقول: من طلب مساعيهم [40] عجز عنها وقصّر عن بلوغها، فأما إذا ساوى بهم غيرهم فأىّ فضل لهم.
(1/115)

وقوله «109» :
صفوف «110» وما ذىّ الحديد عليهم ... وبيض كأولاد النعام كثيف «111»
شبّه البيض بأولاد النعام، أراد بيض النعام.
وقول لبيد «112» :
ولقد أعوص «113» بالخصم وقد ... أملأ الجفنة من شحم القلل
أراد السنام، ولا يسمى شحما.
وقوله «114» :
لو يقوم الفيل أو فيّاله ... زلّ عن مثل مقامى وزحل
وليس للفيّال مثل أيد «115» الفيل فيذكره.
وقول النابغة الذبيانى «116» :
ماضى الجنان أخى صبر إذا نزلت ... حرب يوائل منها كل تنبال
التنبال القصير؛ فإن كان كذلك فكيف صار القصير أولى بطلب الموئل من الطويل، وإن جعل التنبال الجبان فهو أعيب، لأنّ الجبان خائف وجل اشتدّت به الحرب أم سكنت.
وقول طرفة:
من الزّمرات أسبل قادماها ... وضرّتها مركّنة درور «117»
لا يكون القادمان إلا لما له آخران، وتلك الناقة لها أربعة أخلاف.
(1/116)

ومثل قول امرئ القيس «118» :
إذا مشّت قوادمها أرنّت ... كأنّ الحىّ بينهم «119» نعىّ
وقول المسيّب بن علس «120» :
فتسلّ حاجتها إذا هى أعرضت ... بخميصة سرح اليدين وساع «121»
وكأن قنطرة بموضع كورها ... ملساء بين غوامض الأنساع «122»
وإذا أطفت بها أطفت بكلكل ... نبض الفرائص مجفر الأضلاع «123»
فكيف تكون خميصة وقد شبهها بالقنطرة؟ لا تكون إلا عظيمة. وقال: مجفر الأضلاع. فكل هذا ينقض ما ذكره من الخمص.
وقول الحطيئة «124» :
حرج يلاوذ بالكناس كأنه ... متطوّف حتى الصباح يدور
حتّى إذا ما الصبح شقّ عموده ... وعلاه أسطع لا يردّ منير
وحصا «125» الكثيب بصفحتيه كأنه ... خبث «126» الحديد أطارهنّ الكير
زعم أنه لم يزل يطوف حتى أصبح، وأشرف على الكثيب:؛ فمن أين صار الحصا بصفحتيه؟
(1/117)

[من الأبيات المستكرهة الألفاظ القلقة القوافى] :
قال «127» :
ومن الأبيات المستكرهة الألفاظ، القلقة القوافى، الرديئة النسج، فليست تسلم من عيب يلحقها فى حشوها أو قوافيها أو ألفاظها ومعانيها- قول أبى العيال الهذلى «128» :
ذكرت أخى فعاودنى ... صداع الرأس والوصب «129»
فذكر الرأس مع الصداع فضل.
وكقول أوس «130» :
وهم لمقلّ المال أولاد علّة ... وإن كان محضا فى العمومة مخولا
فقوله «المال» مع «مقلّ» فضل.
وكقول عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الخزرجى «131» :
قيدت وقد لان هاديها وحاركها ... والقلب منها مطار القلب محذور «132»
وقول الأعشى «133» :
فرميت غفلة قلبه «134» عن شاته ... فأصبت حبّة قلبه وطحالها
وقوله «135» :
(1/118)

استأثر الله بالوفاء وبال ... عدل وولّى الملامة الرّجلا
أراد الإنسان.
وقول الحطيئة «136» :
قروا جارك العيمان لمّا جفوته «137» ... وقلّص عن برد الشراب مشافره «138»
أراد شفتيه.
وقول الآخر: الحطيئة «139» :
ألا حبّذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأى والبعد
فذكر البعد مع ذكر النأى فضل.
وقول الآخر «140» :
فما برح الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر
يريد بساق وقدم.
وقول حسان «141» :
وتكلّفى اليوم الطويل وقد ... صرّت جنادبه من الظّهر «142»
أراد بالظهر حر الظهيرة.
وقول المتلمس «143» [41] :
لن «144» تسلكى سبل الموماة منجدة ... ما عاش عمرو وما عمّرت قابوس
أراد ما عاش عمرو وما عمر قابوس.
(1/119)

وقوله «145» :
من القاصرات سجوف الحجا ... ل لم تر شمسا ولا زمهريرا
أراد لم ترشمسا ولا قمرا، ولم يصبها حرّ ولا برد «146» وقول علقمة بن عبدة «147» :
كأنهم صابت عليهم سحابة ... صواعقها لطيرهنّ دبيب
وقوله «148» :
يحملن أترجّة نضخ العبير بها ... كأن تطيابها فى الأنف مشموم «149»
وقول عامر بن الطفيل «150» :
تناولته فاحتلّ سيفى ذبابه ... شراسيفه العليا وجذّ المعاصما «151»
وقول خفاف بن ندبة «152» :
إن تعرضى وتضنّى بالنوال لنا ... فواصلنّ «153» إذا واصلت أمثالى
وقول علقمة بن عبدة «154» :
طحابك قلب فى الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب
(1/120)

[الشعر البعيد الغلق:]
قال «155» :
ومن الحكايات الغلقة والإشارات البعيدة قول المثقب فى صفة ناقته «156» :
تقول وقد «157» درأت لها وضينى ... أهذا ذينه أبدا ودينى
أكلّ الدهر حلّ وارتحال ... أما يبقى علىّ ولا يقينى
فهذه الحكاية عن ناقته من المجاز المباعد للحقيقة، وإنما أراد الشاعر أن الناقة لو تكلمت لأعربت عن شكواها بمثل هذا القول.
والذى يقارب الحقيقة قول عنترة فى وصف فرسه 15»
:
فازورّ من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلىّ بعبرة وتحمحم «159»
لو كان يدرى ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو عرف «160» الجواب مكلمى
وكقول بشار «161» :
غدت عانة تشكو بأبصارها الصّدى ... إلى الجأب إلا أنها لا تخاطبه «162»
ومن الإيماء المشكل الذى لا يفهم وقد أفرط قائله فى حكايته «163» :
أومت بكفّيها من الهودج ... لولاك «164» هذا العام لم أحجج
أنت إلى مكة أخرجتنى ... حبّا ولولا أنت لم أخرج
(1/121)

فهذا الكلام كلّه ليس مما يدلّ عليه إيماء ولا تعبر عنه إشارة «165» .
[من ضرورات الشعر:] «166»
1- حدثنى العروضى قال: اعلم أن ما لا ينصرف يجوز صرفه فى الشعر، لأنه يردّ إلى أصله؛ نحو قوله:
لم تتلفّع بفضل مئزرها ... دعد ولم تغذ دعد بالعلب
فصرف وترك الصرف فى بيت واحد.
2- وأما ترك صرف ما ينصرف فهو غير جائز، لأنه يخرج الشىء عن أصله؛ وقد أجازه الأخفش، وأنشد قول العباس بن مرداس السلمى «167» :
فما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس فى مجمع
فترك صرف مرداس، وهو اسم منصرف؛ وهذا قبيح لا يجوز ولا يقاس عليه لأنه لحن.
3- ومثله فى المعنى قصر الممدود؛ يجوز فى الشعر؛ ولا يجوز أن يمد المقصور، لأنه خروج عن الأصل، وقصر الممدود هو ردّ الشىء إلى أصله. قال الشاعر:
بكت عينى وحقّ لها بكاها ... وما يغنى البكاء ولا العويل
فقصر البكاء ومدّه فى بيت واحد.
4- وأما مدّ المقصور فقد أنشدوا «168» :
سيغنينى الذى أغناك عنى ... فلا فقر يدوم ولا غناء
والوجه الأجود فى هذا أن يكون أوله مفتوحا، لأن معنى الغنى والغناء واحد. والشاعر إذا اضطر إلى مدّ المقصور غيّر أوله ووجّهه إلى ما يجوز، قال «169» :
(1/122)

والمرء يبليه بلاء السربال ... كرّ الليالى وانتقال الأحوال «170»
فلما فتح الباء من البلى ساغ المدّ [42] . ومثل هذا كثير.
وقال آخر «171» - ومد الزنا:
أبا حاضر من يزن يظهر زناؤه ... ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكّرا
5- ومما جاء فى الشعر من الاجتزاء بالضمة من الواو- فى مثل كأنّه وله وبيناه- قول الشاعر «172» :
له زجل كأنه «173» صوت حاد ... إذا طلب الوسيقة أو زمير
وقول الآخر «174» :
فبيناه يشرى رحله قال قائل ... لمن جمل رخو الملاط نجيب «175»
وقوله:
فما له «176» من مجد تليد وماله ... من الريح فضل لا الجنوب ولا الصبا
(1/123)

6- قال: ومما حذف منه بعض الكلمة فى البيت قوله:
وطرت يمنصلى فى يعملات ... دوامى الأيد يخبطن السّريحا
فأسقط الياء من الأيدى؛ كقوله:
كنواح ريش حمامة نجديّة ... ومسحت باللثتين عصف الإثمد
فأسقط الياء من نواحى.
قال: وقد أسقط الشاعر ما هو ألزم وأثبت فى بابه؛ من هذا نحو قول النجاشى «177» :
فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولك اسقنى إن كان ماوك ذا فضل «178»
فحذف النون من «لكن» .
وقال الآخر «179» :
دار لسعدى إذه «180» من هواكا
فحذف الياء من هى.
7- وقد جاء فى الشعر تسكين الحروف التى عليها «181» الضمّات والكسرات، نحو عضد وفخذ، فقيل عضد وفخذ، وفى كبد كبد، وفى علم علم، وفى كرم كرم، وفى رجل رجل، وفى ضرب ضرب، وفى عصر عصر.
قال الشاعر:
لو عصر منها البان والمسك انعصر
وفى مثل انطلق انطلق: تسكن اللام، وتحرك القاف بالفتح. قال الشاعر:
(1/124)

ألا ربّ مولود وليس له أب ... وذوى ولد لم يلده أبوان
فحرك الدال بالفتح لما أسكن اللام.
وأما قول الشاعر:
قواطنا مكة من ورق الحمى
فإنه أراد «الحمام» فحذف الألف، فبقى «الحمم» ، فاجتمع حرفان من جنس واحد، فأبدل الميم الثانية ياء، كما قالوا: «تظنّيت» ، فأبدلوا الياء من النون، ولا يجوز أن نقول- على هذا: الحمى فى الحمار، ولا ما أشبه هذا، لأن هذا شاذ لا يقاس عليه.
8- وقد ضاعف الشاعر ما لا يجوز أن يضاعف فى الكلام. قال قعنب «182» .
مهلا أعاذل قد جرّبت من خلقى ... أنى أجود لأقوام وإن ضننوا «183»
وقال الآخر «184» :
الحمد لله العلىّ الأجلل
«185» وإنما الكلام «ضنوا» و «العلى الأجل» ؛ فضاعف الشاعر.
9- وقد يردّ الشاعر الإعراب إلى أصله فى مثل قاض، فيقول قاضى وقاضى غير مهموز، وكذلك جوارى وغوانى. فقال «186» :
لا بارك الله فى الغوانى هل ... يصبحن إلّا لهنّ مطّلب
وقول الآخر «187» :
ما إن رأيت ولا أرى فى مدّتى ... كجوارى يلعبن فى الصحراء
(1/125)

وقال الآخر: الفرزدق «188» :
فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكنّ عبد الله مولى مواليا
وقد قال الشاعر- فى مثل لم يغز ولم يرم: لم يغزو ولم يرمى، كأنه أسكن الواو والياء بعد وجوب الحركة لهما، فقال «189» :
ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبون بنى زياد «190»
كان أصله يأتيك فحذف الضمة.
10- وقد ألحق الشاعر نون الجميع مع الاسم المضمر فى مثل الضاربونه، وكذلك الخائفونه والآمرونه، فقال «191» :
هم القائلون الخير والآمرونه ... إذا ما خشوا من محدث الأمر مفظعا
11- وقد حذف الشاعر التنوين من الأسماء المنصرفة لالتقاء الساكنين، فقال:
وحاتم الطّائىّ وهّاب المئى
وقال أبو الأسود الدؤلى «192» :
وألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا
فحذف التنوين فى حاتم وذاكر، لأنه أراد أن يحرك لالتقاء [43] الساكنين فحذف.
12- وقد حذف الشاعر الإعراب، وليس بالحسن. أنشد سيبويه «193» :
فاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل
يريد أشرب، فحذف الضمة؛ والرواية: فاليوم فاشرب.
(1/126)

13- وقد قطع الشاعر ألف الوصل وليس بالحسن. قال جميل «194» :
ألا لا أرى إثنين أحسن شيمة ... على حدثان الدهر منى ومن جمل
فقطع ألف اثنين، وهى ألف الوصل.
14- ومما حذف إعرابه قوله:
إذا اعوججن قلت صاحب قوّم ... بالدّوّ أمثال السّفين العوّم
وقد جاء فى الشعر مكان مساجد مساجيد، ومكان دراهم دراهيم.
قال الشاعر «195» :
تنفى يداها الحصا فى كلّ هاجرة ... نفى الدراهيم تنقاد الصيارف «196»
15- وقد جاء فى مثل المفتاح المفتح، وفى مثل التأميل التأمال، وفى مثل الكلكل الكلكال، قال الشاعر:
أقول إذ خرّت على الكلكال ... يا ناقتى ما جلت من مجال
16- ومما جاء فى القوافى من الحذف قوله «197» :
وقبيل من لكيز شاهد ... رهط مرجوم ورهط ابن المعل
يريد ابن المعلّى، فحذف.
ومما جاء فى تخفيف المشدّد قوله:
دعوت قومى ودعوت معشرى ... حتّى إذا ما لم أجد غير الشر
كنت امرءا من مالك بن جعفر
(1/127)

فحذف الياء «198» من الشر.
وقال العباس: «السّرى» بالسين: اسم رجل، وإنما حذف إحدى الياءين.
18- وقد وضع قوم الكلام فى غير موضعه، فقدموا وأخروا، نحو قوله:
صددت فأطولت الصدود وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم
يريد: وقلما يدوم وصال.
وقال الآخر «199» :
إنّ الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوما على من يتكل
يريد من يتكل عليه؛ فقدم وأخر.
وقال الفرزدق «200» :
وما مثله فى الناس إلا مملّكا «201» ... أبو أمّه حىّ أبوه يقاربه
وإنما أراد: وما مثله فى الناس حىّ يقاربه إلا مملّك أبو أمه أبوه، فتعسّف هذا التعسف الشديد، ووضع أشياء فى غير مواضعها «202» ؛ وإنما مدح بهذا الشعر خال هشام، فقال: ما فى الناس حىّ يقارب خال هشام إلا هشام الذى أبو أمه أبوه، يعنى أن جدّ هشام لأمه هو أبو هذا الممدوح.
وإنما زدنا فى شرحه ليفهم.
وهذا قبيح جدّا، وإنما نصب مملكا لأنه استثناء مقدم، كما قال: «مالى إلا أباك صديق» ، إذا أردت مالى صديق إلا أبوك.
(1/128)

19- وقد صغّر الشاعر؛ فقال امرؤ القيس «203» :
ضليع إذا استدبرته سّد فرجه ... بضاف فويق الأرض ليس بأعزل
وقال زهير «204» :
فأمّا فويق العقد منها ... فمن أدماء مرتعها خلاء «205»
وقال الأعشى «206» :
أبلغ يزيد بنى شيبان مألكة ... أبا ثبيت أما تنفكّ تأتكل «207»
وقال أبو زبيد الطائى:
يابن أمى ويا شقيّق نفسى ... أنت خلّيتنى لأمر شديد
20- وقد جاء فى غد غدو، نحو قول الشاعر:
وما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلّوها وغدوا بلاقع
وجاء فى موضع ليتنى ليتى؛ قال الشاعر «208» :
كمنية جابر إذ قال ليتى ... أصادفه وأفقد بعض «209» مالى «210»
21- وجاء فى «انعم صباحا:» عم صباحا، قال الشاعر «211» :
(1/129)

أتوا نارى فقلت منون أنتم «212» ... فقالوا الجنّ قلت عموا ظلاما «213»
22- وقد رخّم الشاعر فى النداء، فقال:
يامرو إنّ مطيتى محبوسة ... ترجو الحياء وربّها لم ييأس
يريد يامروان.
وقال آخر:
فقلتم تعال يا يزى بن مخرّم ... فقلت لكم: إنى حليف صداء
يريد: يا يزيد، فرخّم.
وأما فى غير النداء [44] فقول امرئ القيس «214» :
لنعم الفتى تعشو إلى ضوء ناره ... طريف بن مال ليلة الجوع والخصر «215»
يريد مالك «216» ، فرخّم فى غير موضع النداء.
23- وقد أبدل الشاعر مكان الحرف المتحرك حرفا لا تجرى فيه الحركة؛ نحو قوله «217» :
لها أشارير من لحم تتمّره ... من الثّعالى ووخز من أرانيها «218»
(1/130)

يريد الثعالب وأرانبها، فأبدل الياء من الباء.
ومثله قوله «219» :
ومنهل ليس به حوازق ... ولضفادى جمّه نقانق 22»
يريد الضفادع «221» .
(1/131)

[ثانيا] : الشعراء الإسلاميون
1- الفرزدق
[1] حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «1» ، قال: أخبرنى يونس أنّ عبد الله بن أبى إسحاق قال: للفرزدق فى مدحه يزيد بن عبد الملك «2» :
مستقبلين شمال الشام تضربهم «3» ... بحاصب كنديف القطن منثور
على عمائمنا تلقى «4» وأرحلنا ... على زواحف تزجى مخّهارير «5»
فقال له ابن أبى إسحاق: أسأت، إنما هو «رير» ، وكذلك قياس النحو فى هذا الموضع.
قال يونس: والذى قال جائز حسن. فلما ألحّوا على الفرزدق قال:
على زواحف نزجيها محاسير
__________
[1] هذا أول الجزء الثالث كما فى المخطوطة.
والفرزدق: هو همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية: إنما سمى الفرزدق لأنه شبه وجهه بالخبزة، وهى فرزدقة، وكان غليظ الوجه جهما. وكان سريع الجواب يقول فى كل شىء. جعله ابن سلام فى الطبقة الأولى من فحول الإسلام.
وكانت بينه وبين جرير نقائض. وقال ابن سلام (329) : ولج الهجاء بينهما نحو أربعين سنة، لم يغلب واحد منهما على صاحبه ولم يتهاج شاعران فى الجاهلية، ولا فى الإسلام بمثل ما تهاجيا به. ومات قبل جرير سنة 110 هـ، وقد قارب المائة، ومكث يقول الشعر نحو أربع وستين سنة.
وترجمته فى طبقات ابن سلام 250، والشعر والشعراء 424، والأغانى: 8- 5، والخزانة: 1- 202.
(1/132)

قال الفضل: قال التّوزى: يقال: رير ورار، وهو المخ الرقيق، وكيح «6» الجبل وكاح الجبل: أسفله، وقيد رمح وقاد رمح. قال: ثم ترك الناس هذا ورجعوا إلى القول الأول.
وكان يكثر الرّد على الفرزدق، فقال فيه الفرزدق «7» :
فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكنّ عبد الله مولى مواليا
ردّ الياء إلى الأصل، وهى أبيات، ولكن هذا البيت تركه «8» ساكنا. وهو مولى آل الحضرمىّ «9» ، وهم حلفاء بنى عبد شمس بن عبد مناف. والحليف عند العرب مولى، من ذلك قول الراعى يريد غنيّا «10» :
جزى الله مولانا غنيّا ملامة ... شرار موالى عامر فى العزائم
وقال الأخطل «11» :
أنشتم قوما أثّلوك «12» بنهشل ... ولولا هم كنتم كعكل مواليا
يعنى حلف الرّباب لسعد، وإنما قالها لجرم «13» .
وقال الكلبى- يحضّض عذرة على فزارة «14» :
وأشجع، إن لاقيتموهم، فإنهم ... لذبيان مولى فى الحروب وناصر
وأخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلّام، قال: قال الفرزدق فى سليمان بن عبد الملك:
مستقبلين شمال الشام تضربنا.....
(1/133)

وذكر البيتين.
فقال له عبد الله بن أبى إسحاق الحضرمىّ: أقويت. فغيّره الفرزدق، وقال:
على زواحف نزجيها محاسير
وهجا عبد الله بن أبى إسحاق، فقال «15» :
فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكنّ عبد الله مولى مواليا
قال الصولى: أجرى «16» هذه الياء أعنى «مولى مواليا» ؛ وليس بالوجه. وقد قال غيره مثل هذا ونحوه. وابن أبى إسحاق مولى الحضارمة.
قال: وبلغ الفرزدق أنّ الناس يقولون: قد أقوى الفرزدق، ولم يبلغه بعد أن قائله ابن أبى إسحاق، قال: فما بال هذا الذى يجرّ خصييه فى المسجد- يعنى ابن أبى إسحاق- لا يجعل له بحيلته وجها؟
وأخبرنى عبد الله بن هارون الشّيرازى، عن يحيى بن على، عن الأطروش بن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن إسحاق، قال: قال الفرزدق ليزيد بن عبد الملك:
مستقبلين شمال الشام تضربنا ... بحاصب كنديف القطن منثور
على عمائمنا تلقى وأرحلنا ... على حراجف تزجى مخّهارير [45]
قال: فقال أبو عبيدة: فعاب هذا البيت عليه- يعنى قوله: «مخّهارير» - عنبسة بن معدان؛ وهو معدان الفيل فقيل عنبسة الفيل- فقال: ما يدريك يابن النبطية؟ ثم دخل قلبه منه شىء فغيّره؛ فقال:
على حراجف نزجيها محاسير
فلقيه عبد الله بن أبى إسحاق وقد نجم تلك الأيام، واشتغل عنبسة؛ فقال: عيب عليك بيتك؛ وقد قال الأعشى «17» :
(1/134)

كلّ ملثّ صوبه ماطر «18»
فقال: قد والله علمت ذاك، ولكن ابن النبطية شكّكنى، فعاد إلى قوله الأول؛ وكان عنبسة يعين على الفرزدق، ويروى عليه؛ فهجاه الفرزدق.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «19» ، عن يونس، قال: قال ابن أبى إسحاق فى بيت الفرزدق «20» :
وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلّا مسحتا أو مجلّف «21»
ويروى «مجرّف» . وللرفع وجه.
وقال أبو عمرو بن العلاء: لا أعرف له وجها. وكان يونس لا يعرف له وجها. قلت له: لعل الفرزدق قالها على النّصب ولم يأبه. قال: لا، كان ينشدها على الرفع، وأنشدنيها رؤبة بن العجاج على الرفع. وتقول العرب، سحتّه وأسحتّه نقرؤهما «22» جميعا فى القرآن، فمن قال «23» : «فيسحتكم بعذاب» فهو من أسحت وهو مسحت، وهى التى قال الفرزدق. ومن قال: فيسحتكم- فهى من سحت فهو مسحوت.
قال ابن «24» سلام: فأخبرنى الحارث البنانى أخو أبى الجحّاف أنه سمع الفرزدق ينشد «25» :
فياعجبا حتى كليب تسبّنى ... كأنّ أباها نهشل أو مجاشع «26»
كأنه جعله غاية فخفض.
(1/135)

وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى أبو ذكوان، قال: حدثنا عبد الله بن محمد النّحوى، قال: حدثنى الفرّاء، قال: أخبرنا أبو جعفر الرّؤاسى، قال: حدثنا أبو عمرو بن العلاء، قال: أنشد الفرزدق قصيدته «27» .
عزفت بأعشاش وما كدت تعزف
فمرّ فيها:
وعضّ زمان يا بن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلّف
فقال ابن أبى سحاق: على أى شىء رفعت مجلفا؟ قال: على ما يسوءك. قال أبو عمرو: فقلت له: أصبت؛ هو جائز على المعنى على أنه لم يبق سواه.
وكان أبو عمرو ممن حسّن الله علمه وفهمه.
قال الفراء: مسحتا مستأصلا، من قول الله عز وجل: فيسحتكم بعذاب؛ أى يستأصلكم، إلا أنه فى القرآن من سحت، وجاء به الفرزدق من أسحت.
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قد يقع الإيماء إلى الشىء فيغنى عند ذوى الألباب عن كشفه، كما قيل «لمحة دالّة» ، وقد يضطر الشاعر المفلق، والخطيب المصقع، والكاتب البليغ؛ فيقع فى كلام أحدهم المعنى المستغلق، واللفظ المستكره، فإذا انعطفت عليه جنبتا الكلام غطّتا على عواره، وسترنا من شينه، وإن شاء قائل أن يقول: الكلام القبيح فى الكلام الحسن أظهر، ومجاورته له أشهر- كان له ذلك، ولكن يغتفر السّيئ للحسن، والبعيد للقريب، فممّا وقع كالإيماء قول الفرزدق «28» :
ضربت عليك العنكبوت بنسجها ... وقضى عليك به الكتاب المنزل
فتأويل هذا أنّ بيت جرير فى العرب كالبيت الواهى الضعيف- وقوله: وقضى عليك به الكتاب المنزل: يريد قول الله عز وجل «29» : «وإنّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت» .
(1/136)

ومن كلامه المستحسن قوله لجرير «30» :
فهل ضربة الرّومىّ جاعلة لكم ... أبا عن كليب أو أبا مثل دارم [46]
ومن أقبح الضرورة، وأهجن الألفاظ، وأبعد المعانى قوله «31» :
وما مثله فى الناس إلا مملّكا «32» ... أبو أمّه حىّ أبوه يقاربه «33»
مدح بهذا الشعر إبراهيم بن إسماعيل بن هشام المخزومى، وهو خال هشام بن عبد الملك فقال: «وما مثله فى الناس إلا مملكا،- يعنى بالمملك هشاما، أبو أم ذلك المملك أبو هذا الممدوح، ولو كان الكلام على وجهه لكان قبيحا، وكان يكون إذا وضع الكلام فى موضعه:
وما مثله فى الناس حىّ يقاربه إلّا مملّك أبو أم هذا المملك أبو هذا الممدوح؛ فدلّ على أنه خاله بهذا اللفظ البعيد، وهجّنه بما أوقع من التقديم والتأخير، حتى كأنّ هذا الشّعر لم يجتمع فى صدر رجل مع قوله «34» :
تصرّم عنى «35» ودّ بكر بن وائل ... وما كاد «36» منى ودّهم يتصرّم «37»
قوارص تأتينى ويحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم «38»
وكأنه لم يقع هذا الكلام لمن يقول «39» :
والشّيب ينهض فى الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار
(1/137)

فهذا أوضح معنى، وأعذب لفظ، وأقرب مأخذ.
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: للفرزدق فى شعره افتخار بعيد المعنى لا وجه له، من ذلك قوله «40» :
أبا ابن خندف والحامى حقيقتها ... قد جعلوا فى يدىّ الشمس «41» والقمرا
ومنها «42» :
أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها «43» والنجوم طوالع «44»
ومنها:
إنّ السماء التى من دارم خلقت ... والأرض كانا لنا عزّا ومفتخرا
ومنها «45» :
ولو أنّ أمّ الناس حواء حاربت ... تميم «46» بن مرّ لم تجد من يجيرها
فينبغى أن يكون جرير حين سئل عن شعره فقال: كذّاب، إنما عنى هذا من شعره وأشباهه.
وقد قال ما يعلم أنه كذب «47» :
أبت عامر أن يأخذوا من أسيركم «48» ... مئين من الأسرى لهم عند دارم
يعنى بالأسير حاجب بن زرارة، أسره بنو عامر يوم جبلة ولم تأسر بنو دارم يومئذ منهم أحدا، وقد زعم أنهم مئون.
(1/138)

قال أحمد بن عبيد الله بن عمار: كان الفرزدق- وهو فحل شعراء الإسلام يأتى بالإحالة، وينظم فى شعره أهجن كلام؛ فمن ذلك قوله لإبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومى خال هشام بن عبد الملك، وقد أراد أن يذكر فى شعره خئوله الخليفة، ورحمه به الماسّة، ويمدحه بذلك، فقال «49» :
وما مثله فى الناس إلّا مملّكا ... أبو أمه حىّ أبوه يقاربه
فأتعب أهل اللغة والنحو بشرحه، منهم سيبويه فمن بعده، ولم يبلغوا منه ما يقنع ويرضى.
ومن قوله المذموم المستقبح «50» :
إنّ السماء التى من دارم خلقت ... والأرض كانا لنا دون الأعزّاء
ومن ذلك قوله:
ولو أنّ أمّ الناس حوّاء حاربت ... تميم بن مرّ لم تجد من يجيرها
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: مما يعاب على الفرزدق قوله فى الغزل «51» :
يا أخت ناجية بن سلمة إننى ... اخشى عليك بنىّ إن طلبوا دمى
فلعمرى إنه خلاف الغزل وما قال الحّذاق؛ فإنّ قتيل الهوى عندهم لا يودى ولا يطلب بدمه.
روى عبد الله بن جعفر، عن سلمان، عن الرياشى؛ عن الأصمعى، عن أبى عمرو بن العلاء، قال: كنا عند بلال بن أبى بردة، فأنشد الفرزدق «52» (47) :
تريك نجوم الليل «53» والشمس حيّة ... زحام بنات الحارث بن عباد
(1/139)

فقال عنبسة بن معدان: الزحام مذكر. فقال الفرزدق: اغرب. قال عبد الله، فالزحام له وجهان أن يكون مصدرا مثل الطعان والقتال؛ من قولهم: زاحمته زحاما؛ لهذا مذكر- كما قال عنبسة، أو يكون جمعا للزحمة يراد بها الجماعة المزدحمة، فهذا مؤنث؛ لأن الزحام هو المزاحمة، كما أن الطعان هو المطاعنة، وقول عنبسة أقوى وأعرف فى الكلام.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنا الطّيّب بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: سمعت الأصمعى يقول: لا أحبّ قول الفرزدق فى الطعن «54» :
فيها تعلّ صدورهن وتنهل
ويقول: أحسن الطّعان الخلاس، والخلاج، والدّراك، كما قال الجعدى «55» :
أمام لواء كظلّ العقا ... ب من يأته يلق طعنا خلاسا
وكما قال امرؤ القيس «56» :
نطعنهم سلكى ومخلوجة ... لفتك لأمين على نابل «57»
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قال الفرزدق فى يزيد بن المهلّب «58» :
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأبصار «59»
(1/140)

قال: وفى هذا البيت شىء يستطرفه النحويون، وهو أنهم لا يجمعون ما كان على فاعل نعتا «فواعل» ؛ لئلا يلتبس بالمؤنث؛ لا يقولون ضارب وضوارب، وقاتل وقواتل؛ لأنهم يقولون فى جمع ضاربة ضوارب وقاتلة قواتل، ولم يأت ذا إلّا فى حرفين؛ أحدهما قولهم فى جمع فارس فوارس؛ لأن هذا مما لا يستعمل فى النساء، فأمنوا الالتباس. ويقول فى المثل: «هو هالك فى الهوالك» ؛ فأجروه على أصله لكثرة الاستعمال، لأنه مثل؛ فلما احتاج الفرزدق لضرورة الشعر أجراه على أصله، فقال:
نواكس الأبصار، ولا يكون مثل هذا أبدا إلا فى ضرورة.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سمعت الأصمعى يقول: تسعة أعشار شعر الفرزدق سرقة، وكان يكابر. وأما جرير فما علمته سرق إلّا نصف بيت؛ قال: ولا أدرى؛ ولعله وافق شىء شيئا. قلت: وما هو؟ فقال: هجاء، ولم يخبرنا به.
قال أبو حاتم: وقد رأيته أنا بعد فى شعره، والبيت «60» :
يقصّر باع العاملىّ عن العلا ... ولكنّ أير العاملىّ طويل
قال ابن دريد: وهذا البيت لغيره وهو قديم.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى: وهذا تحامل شديد من الأصمعى وتقوّل على الفرزدق لهجائه باهلة، ولسنا نشكّ أنّ الفرزدق قد أغار على بعض الشعراء فى أبيات معروفة، فأما أن نطلق أنّ تسعة أعشار شعره سرقة فهذا محال، وعلى أنّ جريرا قد سرق كثيرا من معانى الفرزدق، وقد ذكرنا ذلك فى أخبار الفرزدق.
وقال أحمد بن أبى طاهر: كان الفرزدق يصلت «61» على الشعراء ينتحل أشعارهم، ثم يهجو من ذكر أنّ شيئا انتحله أو ادّعاه لغيره، وكان يقول: ضوالّ الشعر أحبّ إلى من ضوالّ الإبل، وخير السرقة ما لم تقطع فيه اليد.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سمعت الأصمعى يقول: قال الفرزدق لامرأته النّوار: كيف شعرى من شعر جرير؟ قالت: قد شركك فى حلوه، وغلبك على مرّه.
(1/141)

وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: قال الفرزدق لامرأته النوار [48] : أنا أشعر أم ابن المراغة «62» ؟ فقالت: غلبك على حلوه، وشركك فى مره.
وحدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أبى الذيال، عن ابن الأعرابى، قال: قالت النوار امرأة الفرزدق للفرزدق- وسمعته يعيب شعر جرير، فقالت: هو والله أشعر منك. قال: وكيف علمت ذلك؟ قالت: غلبك على حلوه وشركك فى مرّه.
قال الشيخ أبو عبيد الله رحمه الله تعالى: ولا يقبل قول النّوار على الفرزدق لمنافرتها إياه.
أخبرنا أبن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، عن الضحاك بن بهلول؛ وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبة، عن أبى عبيدة، عن الضحاك بن بهلول الفقيمى، قال: بينا أنا بكاظمة وذو الرمة ينشد قصيدته التى يقول فيها «63» :
أحين أعاذت بى تميم نساءها ... وجرّدت تجريد اليمانى «64» من الغمد
إذا راكبان قد تدلّيا من نعف كاظمة متقنّعان، فوقفا يسمعان؛ فلما فرغ ذو الرّمة حسر الفرزدق عن وجهه وقال: يا عبيد، اضممها إليك- يعنى راويته- وهو عبيد أحد بنى ربيعة بن حنظلة.
فقال ذو الرمة: نشدتك بالله يا أبا فراس، انتحل ما شئت غيرها، فانتحل أربعة أبيات:
أحين أعاذت بى تميم نساءها ... وجرّدت تجريد اليمانى من الغمد
ومدّت بضبعىّ «65» الرّباب ومالك ... وعمرو، وشالت «66» من ورائى بنو سعد
(1/142)

ومن آل يربوع زهاء كأنّه ... دجى الليل محمود النّكاية والورد «67»
وكنّا إذا الجبّار صعّر خدّه «68» ... ضربناه فوق الأنثيين «69» على الكرد
الكرد: العنق. حدثنيه إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «70» ، قال: أخبرنى أبو يحيى الضبى، قال: قال ذو الرمة يوما: لقد قلت أبياتا إن لها لعروضا، وإن لها لمردا «71» ، ومعنى بعيدا. فقال له الفرزدق: ما قلت؟
قال: قلت:
أحين أعاذت بى تميم نساءها
وذكره والبيتين اللذين بعده، فقال له الفرزدق: لا تعودنّ فيها، فأنا أحقّ بها منك.
قال: والله لا أعود فيها ولا أنشدها أبدا إلّا لك. فهى فى قصيدة الفرزدق التى يقول فيها «72» :
وكنّا إذا القيسىّ نبّ «73» عتوده ... ضربناه فوق «74» الأنثيين على الكرد
الأنثيين يريد الأذنين. والكرد: العنق «75» .
وأخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال قال أبو عبيدة: مرّ ذو الرمة فاستوقفه أصحابه فوقف ينشدهم قصيدته التى يقول فيها:
(1/143)

أحين أعاذت بى تميم نساءها ... وجرّدت تجريد اليمانى «76» من الغمد
ومدّت بضبعىّ الرّباب ودارم «77» ... وجاشت «78» ورامت من ورائى بنو سعد
فقال له الفرزدق: إياك أن يسمعهما منك أحد؛ فأنا أحقّ بهما منك. فجعل ذو الرمة يقول: أنشدك الله فى شعرى. فقال: اغرب فأخذهما الفرزدق، فما يعرفان إلّا له، وكفّ ذو الرّمة عنهما.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا الرياشى، وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قالا: كان الفرزدق مهيبا تخافه الشعراء [49] ؛ فمرّ يوما بالشمردل اليربوعى وهو ينشد قصيدة حتى بلغ إلى قوله:
وما بين من لم يعط سمعا وطاعة ... وبين تميم غير حزّ الحلاقم
فقال: والله لتتركنّ هذا البيت أو لتتركن عرضك. فقال: خذه على كره منى، لا بارك الله لك فيه؛ فجعله الفرزدق فى قصيدته التى أولها «79» :
تحنّ بزوراء المدينة ناقتى ... حنين عجول تبتغى البوّ رائم
حدثنى بعض أصحابنا، عن أحمد بن يحيى النحوى، عن محمد بن سلّام، قال:
بلغ الفرزدق قول ابن ميّادة:
لو ان جميع الناس كانوا بتلعة ... وجئت بجدّى ظالم وابن ظالم
لظلّت رقاب الناس خاضعة لنا ... سجودا على أقدامنا بالجماجم
فقال الفرزدق: وددت أنى سبقت إلى هذين البيتين قبل. قيل له: فكنت تقول ماذا؟ قال: كنت أقول:
فجئت بجدّى دارم وابن دارم
قال: ثم أدخلهما فى شعره.
(1/144)

قال أحمد بن أبى طاهر، قال حماد بن إسحاق بن إبراهيم: سمعت أبى يقول- عن أبى سهيل: إنّ قول الفرزدق فى رائيته التى يناقض فيها جريرا حين يقول «80» :
كم من أب لى يا جرير كأنّه ... قمر المجرّة أو سراج نهار
لن تدركوا كرمى بلؤم أبيكم ... وأوابدى بتنحّل الأشعار «81»
إن هذين البيتين للراعى وإن الفرزدق انتحلهما؛ فصارا له.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزّبير بن بكار، قال: حدثنى أبو مسلمة موهوب بن رشيد الكلابى، قال: قدم الفرزدق المدينة، فمرّ بجماعة من الناس قد استكفّوا «82» على جميل، وهو ينشد، فوقف بين الناس يستمع له حتى قال «83» :
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
فصاح به الفرزدق: أنا أحقّ بهذا البيت منك؛ فرفع جميل رأسه فعرفه؛ فقال:
أنشدك الله يا أبا فراس. قال: نحن أولى به منك. وانصرف فانتحله.
وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: قال جميل من قصيدة «84» :
وكنا إذا ما معشر أجحفوا بنا ... ومرّت جوارى طيرهم وتعيّفوا
وضعنا لهم صاع القصاص رهينة ... وسوف نوفّيها إذا الناس طفّفوا
ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقّفوا
قال: فشدّ الفرزدق على هذا البيت، وقال: أنا أحقّ به منك. وقال: لا تعد فيه.
ولم يكثرثّ له.
(1/145)

روى أحمد بن أبى طاهر، عن حماد بن إسحاق، عن محمد بن سلام، عن كردين البصرى أنّ عريفهم عون بن ثعلبة علق بالفرزدق وقال: يا عدو الله، سرقتنا قول صاحبنا الأعلم العبدى «85» :
إذا اغبرّ آفاق السماء وكشّفت ... ستور بيوت الحىّ حمراء حرجف «86»
وهتّكت الأطناب كلّ ذفرّة «87» ... لها تامك من عاتق «88» النىّ أعرف «89»
وجاء قريع الشّول قبل إفالها ... زفيفا وجاءت «90» خلفه وهى زفّف
وباشر راعيها الصّلى «91» بلبانه ... وكفّيه حرّ النار ما يتحرّف «92»
وأخمدت «93» الشّعرى مع الليل نارها ... وأمست محولا جلدها يتوسّف «94» [50]
وأصبح موضوع «95» الصّقيع كأنه ... على سروات النّيب «96» قطن مندّف
وقاتل كلب الحىّ عن نار أهله ... ليربض فيها والصّلى متكنّف «97»
وجدت الثّرى فينا إذا «98» يبس الثّرى ... ومن هو يرجو فضله المتضيّف
ترى جارنا فينا يجير «99» وإن جنى ... فلا هو ممّا ينطف الجار ينطف «100»
(1/146)

قال: وهذه الأبيات للأعلم كلّها، فأدخلها الفرزدق فى قصيدته:
عزفت بأعشاش [وما كدت تعزف ... وأنكرت من حوراء ما كنت تعرف] «101»
مع ما سرق من جميل فيها. قال: فقال له الفرزدق: اذهب فخذها من الرّواة.
قال: فخلّى سبيله.
وأخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنا أحمد بن محمد الأسدى، قال:
حدثنا ابن النطاح، قال أبو عبيدة: كان الفرزدق يجتلب القصيدة، ويجتلب المعنى؛ فجاء رجل من قيس إلى محمد بن رباط، فاستعدى على الفرزدق- وقد سلم الفرزدق ثم خرج- فقال محمد: ادعوا الفرزدق، فجاء؛ فقال الفرزدق: سل هذا فيم يستعدى علىّ. قال: غلبنى على قصيدة عمّى الأعلم. فقال: أشهدكم أنى قد رددتها. فقال محمد: نحوّهما.
حدثنى يوسف بن يحيى بن على المنجّم، عن أبيه، قال: إنما فعل الفرزدق بجميل وذوى الرمة وغيرهما هذا، لأنه لما مرّ به شعر جيد رأى نفسه أحقّ به من قائله؛ لفضله عليه فى الشعر، ولأنه من جنس جيّده لا ردىء قائله.
حدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنا أحمد بن محمد الأسدى، قال:
حدثنا محمد بن صالح بن النّطاح، قال: حدثنى أبو اليقظان، قال: مرّ رجل من بنى ربيع بن الحارث على الفرزدق وهو ينشد قصيدة له، وقد اجتمع الناس عليه، فمرّ فى أبيات كما هى للمخبّل قد سرقها، قال: فقلت: والله لئن ذهبت قبل أن أعلمه إنّ هذا لشديد، ولئن قلت له قدّام الناس ليفعلنّ بى. فقلت: أكلمه بشىء يفهمه هو، ولا يدرى الناس ما هو؛ فقلت: يا أبا فراس، قصيدتك هذه نثول. فقال: اذهب عليك لعنة الله، وفطن، ولم يفطن الناس.
ومعنى نثول: أن البئر إذا حفرت ثم كبست ثم حفرت ثانية قيل لها نثول. فيقول:
قصيدتك حييت بعد ما ماتت.
(1/147)

وروى هذا الحديث أحمد بن أبى طاهر، عن أبى العباس ثعلب، عن ابن الأعرابى: حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا المازنى، قال: حدثنا الأصمعى؛ وقال سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول:
لقيت الفرزدق فى المربد، فقلت: يا أبا فراس، أحدثت شيئا؛ قال: فقال: خذ.
ثم أنشدنى «102» :
كم دون ميّة من مستعمل قذف «103» ... ومن فلاة بها تستودع العيس
قال: فقلت: سبحان الله، هذا للمتلمّس. فقال: اكتمها فلضوالّ الشعر أحبّ إلىّ من ضوالّ الإبل. «104»
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الوراق، قال: حدثنى عبد الملك بن محمد البكرى، قال: حدثنى محمد بن عبد الله الهذلى، عن الجارود بن أبى سبرة، قال: مرّ بى الفرزدق وأنا على الباب جالس، فوقف علىّ، فقال لى: يا أبا نوفل؛ قد قلت بيتا وقد انغلق علىّ ما بعده. قال: قلت: ما هو؟ قال: قلت:
إنّ الذى سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعزّ وأطول «105» [51]
قد انغلق على ما بعده. قال: فقلت:
بيتا بناه لنا المليك وما بنى ... ملك السماء «106» فإنه لا ينقل
فقال: قد انفتح لى، وقال:
بيتا زاررة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
لا يحتبى بفناء بيتك مثلهم ... أبدا إذا عدّ الفعال الأفضل
وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى محمد بن
(1/148)

النّضر، عن أبى عبيدة، عن سلمة بن عيّاش، قال: دخلت السجن فإذا الفرزدق محبوس، وإذا هو قد قال: إنّ الذى سمك السماء ... البيت، ثم أفحم. فقلت:
بيتا زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
فقال لى: من أنت؟ قلت: من قريش. قال: كل أير حمار من قريش.
قال أحمد بن أبى طاهر: قال النابغة الذبيانى «107» :
وصهباء لا تخفى القذى وهى دونه ... تصفّق فى راووقها ثم تقطب «108»
تمزّزتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا
فقال الفرزدق «109» - وأخذه نسخا:
وإجّانة ريّا الشروب كأنّها ... إذا صفّقت فيها الزجاجة كوكب
تمزّزتها والدّيك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: يقال إنّ جريرا ما انتصف من الفرزدق فى مجلس قطّ إلا عند الحجاج يوما: زعم ابن سلام، عن أبى الدهماء، قال: قال الحجاج للفرزدق وجرير- وبين يديه جارية: أيكما مدحنى ببيت فضل فيه فهذه الجارية له؛ فقال الفرزدق «110» :
من «111» يأمن الحجاج والطير تتّقى ... عقوبته- إلا ضعيف العزائم
وقال جرير «112» :
من «113» يأمن الحجاج أما عقابه ... فمرّ وأما عهده فوثيق
(1/149)

فقال الحجاج: «والطير تتّقى عقوبته» كلام لا خير فيه، لأنّ الطير تتقى كلّ شىء:
الثوب، والصبى، وغير ذلك؛ خذها يا جرير.
قال محمد: وهذا لعمرى كذا إلا أن جريرا أخذ ابتداء الفرزدق فقال فيه.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «114» ، قال: كان من الشعراء من يتألّه فى جاهليته، ويتعفّف فى شعره، ولا يستبهر بالفواحش، ولا يتهكّم فى الهجاء- يقال: يتهكم ويتكهّم. قال الفضل: ويقال ليلة بهرة، إذا كان قمرها مضيئا- ومنهم من يتعهّر ولا يبقى على نفسه ولا يتستّر. منهم امرؤ القيس، قال «115» :
ومثلك «116» حبلى قد طرقت ومرضع «117» ... فألهيتها عن ذى تمائم محول «118»
وقال «119» :
دخلت وقد ألقت لنوم ثيابها «120» ... لدى السّتر إلا لبسة المتفضّل «121»
وقال «122» :
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سموّ حباب الماء حالا على حال «123»
ومنهم الأعشى قال «124» :
فظللت أرعاها وظلّ يحوطها ... حتى دنوت إذا الظلام دنا لها
(1/150)

وقال «125» :
وأقررت عينى من الغانيا ... ت إما نكاحا وإما أزن
وقال «126» :
وقد أخرج الكاعب المسترا ... ة من خدرها وأشيع القمارا «127»
وقال «128»
ورادعة بالطيب صفراء عندنا ... بجسّ «129» النّدامى فى يد الدرع مفتق «130»
وقال:
وقد «131» أخالس ربّ البيت غفلته ... وقد يحاذر منّى ثمّ ما يئل «132»
وكان الفرزدق أقول أهل الإسلام فى هذا الفن، قال «133» :
هما دلّتانى من ثمانين قامة ... كما انقضّ باز أقتم الريش كاسره
فلما استوت رجلاى فى الأرض نادتا ... أحيّا يرجّى أم قتيلا نحاذره
فقلت: ارفعو الأسباب لا يفطنوا بنا ... وولّيت فى أعجاز ليل أبادره
وأصبحت فى القوم الجلوس وأصبحت ... مغلّقة دونى عليها دسا كره «134»
قالها وهو بالمدينة، فأنكرت ذلك قريش، وأزعجه مروان بن الحكم وهو وال على المدينة فأجلّه ثلاثا ثم أخرجه عنها.
(1/151)

قال «135» : وقال يونس: كان للفرزدق غلامان؛ أحدهما اسمه وقّاع والآخر زنقطة «136» ، ولوقّاع يقول الفرزدق «137» :
تغلغل وقّاع إليها فأصبحت ... تخوض خداريّا من الليل أخضرا «138»
لطيف إذا ما انغلّ «139» أدرك ما ابتغى ... إذا هو للظّبى الغرير تقتّرا «140»
وقال أيضا «141» :
فأبلغهنّ «142» وحى القول عنّى ... وأدخل رأسه تحت القرام «143»
أسيّد ذو خريّطة نهارا ... من المتلقّطى قرد القمام «144»
فقلن له: نواعدك الثّريا ... وذاك إليه «145» مجتمع الزّحام
ثلاث «146» واثنتان فهنّ خمس ... وسادسة تميل إلى الشّمام
الشمام: المشامّة.
فبتن بجانبىّ مصرّعات ... وبتّ أفضّ أغلاق الختام «147»
وكان جرير مع إفراطه فى الهجاء يعفّ عن ذكر النساء؛ كان لا يشبب إلا بامرأة يملكها.
(1/152)

أخبرنى إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، عن محمد بن يزيد المبّرد، قال: عيب على الفرزدق قوله «148» :
يا أخت ناجية بن سامة إننى ... أخشى عليك بنىّ إن طلبوا دمى
وقالوا: ما للمتغزل وذكر الأولاد والاحتجاج بطلب الثارات؟ هلا قال كما قال جرير «149» :
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
وكما روى عن ابن عباس فإنه- وإن كان فى باب الجدّ- أشكل بمذهب الغزل، وهو قوله:
هذا قتيل الحبّ لا عقل ولا قود
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «150» ، قال: قال العلاء بن حريز- وكان قد أدرك الناس وسمع- قال: كان يقال للأخطل: إذا لم يجئ سابقا سكيت «151» ؛ والفرزدق، لا يجىء سابقا ولا سكيتا؛ فهو بمنزلة المصلّى. وجرير يجىء سابقا وسكيتا ومصلّيا.
قال ابن سلام: وتأويل قوله أنّ للأخطل خمسا أو ستّا أو سبعا طوالا روائع غرّا جيادا، هو بهنّ سابق، وسائر شعره دون أشعارهما؛ فهو فيما بقى بمنزلة السّكيت.
والسكيت: آخر الخيل فى الرهان.
ويقال: إن الفرزدق دونه فى هذه الروائع، وفوقه فى بقية شعره؛ فهو مصلّ «152» .
والمصلّى: الذى يجىء بعد السابق، وقبل السكيت.
(1/153)

وجرير له روائع هو بهنّ سابق، وأوساط هو بهن مصلّ، وسفسافات هو بهن سكيت [53] .
قال ابن سلام «153» : وأهل البادية والشعراء بشعر جرير أعجب.
قال «154» : وسألت بشارا العقيلى عن الثلاثة، فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصبت له، وأفرطت فيه. قلت: فجرير والفرزدق؟ قال: كان جرير يحسن ضروبا من الشعر لا يحسنها الفرزدق. وفضل جريرا عليه.
وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أبو يعلى عبيد الله بن عبد الله الكاتب، قال: سمعت محمد بن سلام يقول: قال: ابن دأب: سألت بشار بن برد الأعمى عن جرير والفرزدق والأخطل، فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصّبت له وأفرطت فيه. فقلت: وجرير والفرزدق؟ قال: كان لجرير ضروب من الشعر ما يحسنها الفرزدق، ولقد ماتت النّوار15»
فناح عليها النساء بشعر جرير.
وحدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا محمد بن سلّام «156» ، قال: سألت بشّارا العقيلى الأعمى فقلت: يا أبا معاذ، أىّ الثلاثة أشعر: جرير أو الفرزدق أو الأخطل؟ وكان عالما بصيرا، فقال: لم يكن الأخطل مثلهما، ولكن ربيعة تعصّبت له وأفرطت فيه. قلت: فالفرزدق وجرير؟ قال: كان لجرير ضروب من الشعر لا يحسنها الفرزدق، ولقد ماتت النوار امرأة الفرزدق فقاموا ينوحون عليها بشعر جرير.
ووجدت بخط محمد بن القاسم بن مهرويه، حدثنى روح بن الفرج، قال حدثنا الأصمعى، قال: سألت بشار بن برد العقيلى؛ أىّ الشعراء أشعر فى الإسلام؟ قال:
جرير والفرزدق. قال: قلت: فما بالهم جعلوا الأخطل ثالثا؟ قال: تعصّبت له ربيعة، فقالت لمضر: ألحقوا لنا شاعرا، فألحقوه، وليس هناك. قال: قلت فأى الرجلين
(1/154)

أشعر: جرير أم الفرزدق؟ فقال: كانت لجرير ضروب من الشعر لم يكن للفرزدق فيها شىء، ولقد ماتت النوار امرأة الفرزدق فما ناحوا عليها إلا بشعر جرير حيث يقول «157» :
تركتنى «158» حين كفّ الدهر من بصرى ... وحين صرت كعظم الرّمّة البالى
إلّا تكن لك بالدّيرين نائحة «159» ... فربّ باكية بالرمل معوال «160»
قالوا نصيبك من أجر! فقلت لهم ... كيف العزاء وقد فارقت أشبالى
كذا وجدته.
قال ابن مهرويه: وحدثنى أحمد بن الحارث الخرّاز، عن أبى عبد الله بن الأعرابى، قال «161» : سئل بشار المرعث: أىّ الثلاثة أشعر؛ الأخطل أم جرير أم الفرزدق؟ وذكر مثله.
حدثنى محمد بن عبد الواحد، قال: سمعت ثعلبا يقول- وسأله أبو سهل النّيبختى «162» : ما تقول فى جرير والفرزدق؟ فقال- قال محمد بن سلام «163» :
اجتمعنا جماعة فقوم تقلّدوا حذق الفرزدق، وقوم تقلّدوا حذق جرير. قال: فقلنا لبعضهم: اذهب فأخرج مقلّدات الفرزدق، وقلنا لآخر: اذهب فأخرج مقلّدات جرير: فجاء صاحب الفرزدق فأخرج معايب شعر الفرزدق، وجاء هذا فأخرج المقلدات، فكانت مقلّدات جرير أكثر من معايب الفرزدق.
وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: سمعت أحمد بن يحيى يقول: أنا أقول: جرير أشعر من الفرزدق. وكان محمد بن سلام يفضّل الفرزدق، قال فأخرج بيوتهما المقلدة، فلم يجد للفرزدق ما وجد لجرير، فجاء للفرزدق ببيوت النحو التى أخطأ فيها.
(1/155)

حدثنى على بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن إسحاق البغوى، قال: حدثنا ابن عائشة، قال: قيل لمسلمة بن عبد الملك: أىّ الشاعرين أشعر أجرير أم الفرزدق [54] ؟ قال: إن الفرزدق يبنى وجرير يهدم؛ وليس يقوم مع الخراب شىء.
وقد عيب على الفرزدق قوله «164» :
وإنّ تميما كلّها غير سعدها ... زعانف لولا عزّ سعد لذلت
لأنه وضع من قومه وهجاهم بهذا القول.
(1/156)

2- جرير بن الخطفى [1]
أخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنا أحمد بن بشر المرثدى، عن أبى سهيل عبد الله بن ياسين، عن أبى عبيدة، قال: كان عامر بن عبد الملك بن مسمع بن مالك بن مسمع وأخوه مسمع- ويلقب كردين- يقدّم الفرزدق ويفضّله، وكان عامر يقدم جريرا ويحتجّ على الفرزدق بما عقّد فيه من شعره، نحو قوله:
فلولا أنّ أمّك كان عمّى ... أباها كنت أخرس بالنشيد
ومثل قوله «1» :
وما مثله فى الناس إلّا مملّكا ... أبو أمه حىّ أبوه يقاربه
وأشباه ذلك. فقال كردين: أنت يا أخى لا تعقل، سقط الفرزدق شىء يمتحن الرجال فيه عقولها حتى يستخرجوه، وسقط جرير عىّ، نحو قوله «2» :
والتغلبى جنازة الشيطان
وقوله «3» :
فى كل قائمة له ظلفان
وقوله «4» :
ومن المشاقة عندها أكرار
__________
[1] هو جرير بن عطية بن حذيفة. وهو من بنى كليب بن يربوع، وكان عطية أبو جرير مضعوفا.
وكان يكنى أبا حزرة، وكان له عشرة من الولد، منهم بلال بن جرير، وكان أفضلهم وأشعرهم.
وعمر جرير نيفا وثمانين سنة ومات باليمامة.
وكان جرير من فحول شعراء الإسلام، ومهاجاته للفرزدق ونقائضهما أشرنا إليها فى ترجمة الفرزدق.
وترجمته فى الشعر والشعراء 425، وطبقات ابن سلام 315، والأغانى: 8، والخزانة: 1- 28.
(1/157)

كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى العلاء بن الفضل بن أبى سويّة، قال: قال لى أبو الوليد الرّياحى: يا أبا الهذيل، أيّما أشعر أجرير أم الفرزدق؟ قلت: ذاك إليك. قال: يقول الفرزدق:
ما حملت ناقة من معشر رجلا ... مثلى إذا الريح لفتنى على الكور
إلّا قريشا فإنّ الله فضّلها ... مع النبوة بالإسلام والخير
ويقول جرير «5» :
لا تحسبنّ مراس الحرب إذ لقحت ... شرب الكشيش وأكل الخبز بالصّير «6»
سلح والله أبو حزرة، سلح والله أبو حزرة. وكان أبو البيداء «7» عالما.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنى أحمد بن خلّاد، قال: حدثنى أبى، قال: قلت لعمارة بن عقيل: ما تقول فى شعر أبيك «8» جرير؟ قال: والله إنى لأربأ عن بعضه، ولكن فيه الكثير الذى لا يلحقه فيه أحد.
أخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا محمد بن عبد الله، قال: سمعت سلم بن خالد بن معاوية بن أبى عمرو بن العلاء يقول:
عمارة بن عقيل أحسن استواء شعر من جدّه جرير؛ ولجرير فضله، إلا أن جريرا أعتدّ عليه بسقط فى شعره وضعف، وما أصابوا لعمارة سقطة واحدة فى شعره.
حدثنى أحمد بن عبد الله، وعبد الله بن يحيى العسكريان؛ قالا: حدثنا العنزى، قال: حدثنا على بن إسماعيل اليزيدى، قال: أخبرنى الأثرم، قال أخبرنى أبو عبيدة، قال: مما يعدّ على جرير من أفن شعره قوله لبشر بن مروان «9» :
(1/158)

قد كان حقّك أن تقول لبارق ... يا آل بارق فيم سبّ جرير
فجعل بشر بن مروان رسولا. فقال بشر: أما وجد ابن المراغة- وقال بعضهم ابن اللّخناء- رسولا غيرى؟
قال: وقوم يعيبون عليه أيضا قوله فى محمد بن عمير بن عطارد «10» :
ألقوا السلاح إلىّ آل عطارد ... وتعاظموا ضرطا على الدّكان
ويقولون: يأمرهم أن يضرطوا ثم يعيبهم، وإنما نعى عليهم ضرطة كان ضرطها فى الملإ.
قال أبو عبيدة: قال رؤبة: وأنشده يونس بيت جرير «11» :
إنى إذا الشاعر المغرور حرّبنى ... جار لقبر على مرّان مرموس «12»
فقال رؤبة: كذب والله، ما تميم بمرّان؛ إنما هو بذات عرق، وقبر معدّ بمران.
وأخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: مما يعدّ على جرير أفنا قوله لبشر [55] :
قد كان حقك أن تقول لبارق ...
البيت.
وليس كذا يخاطب الأمراء.
فلما سمع هذا بشر قال: قبح الله ابن المراغة! أما وجد رسولا غيرى؛ وأىّ شىء يستحقّ منى أن أقول هذا لبارق؟
قال: ولجرير شبيه بهذا إلا أنه لا عيب عليه فيه؛ حيث قال «13» :
هذا ابن عمى فى دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلىّ قطينا
فقال يزيد بن عبد الملك أو بعض إخوته: أما ترون جهل جرير؛ يقول لى: ابن
(1/159)

عمى، ثم يقول: لو شئت ساقكم، أما لو قال: لو شاء ساقكم لأصاب، ولعلّى كنت أفعل.
قال: وقال أبو عبيدة: ومما يعدّ على جرير قوله «14» :
أتوعدنى وراء بنى رياح ... كذبت لتقصرنّ يداك دونى
فقال له بنو كليب: ما هجانا أحد قط أشدّ مما هجوتنا به حين استوى لك أن تقول وراء بنى كليب، فرغبت عن آبائك إلى أعمامك.
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنى عمارة بن عقيل، قال: لما بلغ الوليد قول جرير:
هذا ابن عمى فى دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلىّ قطينا
قال الوليد: أما والله لو قال: لو شاء ساقكم لفعلت ذلك؛ ولكنه قال: لو شئت؛ فجعلنى شرطيّا له.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا الرياشى، قال: حدثنا محمد سلام، قال: قال سلم بن قتيبة: يا بنىّ ارووا ما هجانا به الفرزدق، ولا ترووا ما مدحنا به جرير. يريد قول الفرزدق:
أتاك ورحلى بالمدينة وقعة ... لآل تميم أقعدت كلّ قائم
وقول جرير «15» :
أباهل ما أحببت قتل ابن مسلم ... ولا أن تروعوا قومكم بالمظالم
أباهل قد أوفيتم من دمائكم ... غداة قتلتم رهط قيس بن عاصم
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: كان بعض المجانين يتعصّب للفرزدق، فقال له إنسان مرة: أتعيب جريرا؟ ما أحسن ما قال صاحبك فى المدح «16» :
وما مثله فى الناس إلا مملّكا ... أبو أمه حىّ أبوه يقاربه
(1/160)

فقال: هذا أحسن من قول صاحبك- يعنى جريرا فى الغزل «17» :
لو أن عصم عمايتين ويذبل ... سمعا حديثك نزّلا «18» الأوعالا «19»
قال إسماعيل بن محمد الصفّار: كان أبو العباس المبرد يفضّل الفرزدق على جرير ويقول: الفرزدق يجىء بالبيت وأخيه، وجرير يأتى بالبيت وابن عمه.
حدثنى عبد الله بن هارون الشّيرازى، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، قال: حدثنى إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: قال لى مروان بن أبى حفصة: كان جرير إذا أخذ الناس غلبهم، وإذا أخذ الفرزدق جريرا غلبه الفرزدق؛ ومن نظر فى النقائض تبيّن له ذلك، وعلم أن جريرا لم يقم فيها للفرزدق.
وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: روى عن إسحاق بن إبراهيم الموصلى أنّ مروان بن أبى حفصة قال: من نظر فى نقائض جرير والفرزدق علم أنّ جريرا لم يقم للفرزدق.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: وصدق مروان فى هذا القول؛ والأمر فيه ظاهر غير مستتر.
أخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، عن أحمد بن بشر المرثدى، وأخبرنى الصّولى؛ قالا: قال أبو سهيل عبد الله بن ياسين: سألت أبا عبيدة عن جرير والفرزدق: أيهما أشعر؟ فقال: ويحك، هل قال جرير للفرزدق إلا فى ثلاثة أنواع: الزّبير، وجعثن «20» والقين؛ وللفرزدق فيه مائة نوع «21» .
(1/161)

أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابى، عن إبراهيم بن عمر؛ ودماذ «22» ، عن أبى عبيدة، قال: سمعت [56] أبا الخطاب الأخفش يقول- وكان أعلم الناس بالشعر، وأنقدهم له، وأحسن الرواة دينا وثقة: لم يهج جرير الفرزدق إلا بثلاثة أشياء يكرّرها فى شعره، كلها كذب، منها جعثن، والزّبير، والقين.
فأما جعثن فكانت من خير نساء زمانها؛ احتال بنو منقر فأقعدوا إنسانا فى طريقها، وقد خرجت لبعض أمرها- فرمى بها فوقعت ومضى يعدو- ليزيلوا عن أنفسهم شيئا زعموا أنّ الفرزدق فعله بهم «23» .
وأما الزّبير فإنه وقف على مسجد بنى مجاشع، فسأل عن عياض بن حمار بن أبى حمار، فقال النّعر بن زمّام المجاشعى: هو بوادى السباع، فمضى الزبير يريده، وخرج النّعر بن زمّام مع الزبير رحمه الله تعالى حتى بلغ النحيت ثم رجع.
وخبر القين أنّ رجلا استعان بالفرزدق، فسأله أن يمشى معه إلى موالى بنى سعد فى حاجة، فقال الفرزدق للمستعين به: إن عمتى كان لها قين، فلما هجانى جرير جعلنى قينا بذلك السبب، وإنّ الرجل الذى تستعين بى عليه صاحب سماد، ولئن بلغ جريرا أنى مشيت معك ليجعلنى فى شعره كسّاحا. فلم يمش معه. فهذه قصة القين.
قال أبو الخطاب: فلم يهجه إلا من ثلاث جهات كاذبات، فردد ذلك وكرره فى شعره، فمن ذلك قوله «24» .
تحضّض يا بن القين قيسا ليجعلوا ... لقومك يوما مثل يوم الأراقم
وكقوله:
أمنتظر منى القريد «25» هديّة ... فسوف ترى منى القيون الذى أهدى
(1/162)

وأشباه هذا من قوله كثير، كلّه من هذا النحو، لا يخرج عنه ولا يحسن فيه، ثم كرّر ذكر الزبير فقال «26» :
وقيس يا فرزدق لو أجاروا ... بنى العوّام ما افتضح الجوار
إذا لحمى فوارس غير ميل ... إذا ما امتدّ فى الرّهج الغبار
غدرتم بالزبير وما وفيتم ... فدادن فى الحروب لها خوار «27»
وكرر أمر الزبير والقين، فقال «28» :
لو كنت حرّا يابن قين مجاشع ... شيّعت ضيفك فرسخين وميلا
قتل الزبير وأنتم جيرانه ... تبّا لمن قتل الزّبير طويلا «29»
قالت قريش ما أذلّ مجاشعا ... جارا وأكرم ذا القتيل قتيلا
وكرر أيضا ذكر جعثن، كما كرر ذكر الزّبير والقين؛ فقال «30» :
على غير السّواء مدحت سعدا ... فزدهم ما استطعت من الثّواب
هم قتلوا الزّبير فلم تنكّر ... وعزّوا رهط جعثن فى الخطاب «31»
فقد جعل جرير قتلة الزبير هاهنا فى هذا البيت بنى منقر بن عبيد؛ لأنهم من بنى سعد، وليس لبنى منقر فى قتل الزّبير سبب.
وقال جرير فى جعثن أيضا «32» :
سأذكر من هنيدة ما علمتم ... وأرفع شأن جعثن والربّاب
(1/163)

وقال أيضا- فنسب قتل الزبير إلى بنى سعد، وأكذب نفسه فى مجاشع، وذكرهم بذلك؛ فقال «33» :
أتنسون الزّبير قتيل سعد ... وجعثن إذ تصرّف كلّ حال [57]
مدحت بنى الأشدّ وغادروها ... هريت الشدق «34» واسعة المبال
وقد أضحت مساحج ركبتيها ... تشبّه مبرك الجمل الثّفال «35»
قال أبو الخطاب: فلم يجاوز جرير هذا، ولم يحسن فيه؛ ولا نجد للفرزدق قصيدة إلا وفيها هجاء بديع ليس فى الأخرى مثله؛ كقوله «36» :
إنّ الذى سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعزّ وأطول
بيتا زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
لا يحتبى بفناء بيتك مثلهم ... أبدا إذا عدّ الفعال الأفضل
ليس الكرام بناحليك أباهم ... حتى تردّ إلى عطية تعتل
ضربت عليك العنكبوت بنسجها ... وقضى عليك به الكتاب المنزل
وكقوله:
يابن المراغة إنما راهنتنى ... بمسبّقين لدى الفعال قصار
والخابسين إلى العشىّ ليشربوا ... نزح الرّكىّ ودمنة الأسآر
الأسآر: البقايا، واحدها سؤر- مهموز.
لن تدركوا كرمى بلؤم أبيكم ... وأوابدى بتنحّل الأشعار
قبح الإله بنى كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يفون لجار
وكقوله «37» :
لك الويل لا تقتل عطية إنه ... أبوك ولكن غيره فتبدّل
(1/164)

أرى الليل يجلوه النهار ولا أرى ... عظام المخازى عن عطية تنجلى «38»
وكقوله «39» :
فإنك إذ تهجو تميما وترتشى ... تبابين قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماء بالفلاة وغرّه ... سراب أجالته «40» رياح السمائم
حدثنى أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنى أبو الغوث يحيى بن البحترى، قال: كان أبى يقول: لا أرى أن أكلم من يفضّل جريرا على الفرزدق، ولا أعدّه من العلماء بالشعر.
فقيل له: وكيف وكلامك أشدّ انتسابا إلى كلام جرير منه إلى كلام الفرزدق؟ فقال:
كذا يقول من لا يعرف الشعر، لعمرى إن طبعى بطبع جرير أشبه، ولكن من أين لجرير معانى الفرزدق، وحسن اختراعه؟ جرير يجيد النسيب، ولا يتجاوز هجاء الفرزدق بأربعة أشياء: بالقين، وقتل الزّبير، وبأخته جعثن، وامرأته النوار؛ والفرزدق يهجوه فى كل قصيدة بأنواع هجاء يخترعها ويبدع فيها.
حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال: حدثنا عبد الله بن محمد التّوزى، قال: قيل لكردين «41» المسمعى- وكان يقدّم الفرزدق والأخطل على جرير- لم لم يهاج هذان الشعراء كما هاجاهم جرير؟ قال: بلى والله، ولكنهم كانوا لا يطمعون فى بيت الفرزدق فيجلّونه ويطمعون فى كليب. ثم عدّ جماعة هاجاهم الفرزدق أولهم الأشهب بن رميلة «42» ، وآخرهم أصمّ باهلة؛ وذكر جماعة هاجاهم الأخطل.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن الحسن الغياثى، قال: حدثنى عيسى بن إسماعيل، قال: سمعت الأصمعىّ يقول: قرأت على خلف شعر جرير، فلما بلغت قوله «43» [58] :
(1/165)

ويوم كإبهام القطاة محبّب ... إلىّ هواه «44» غالب لى باطله
رزقنا به الصّيد الغرير ولم نكن «45» ... كمن نبله محرومة وحبائله
فيالك يوما خيره قبل شرّه «46» ... تغيّب واشيه وأقصر عاذله
فقال: ويله! وما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ قلت له: هكذا قرأته على أبى عمرو.
فقال لى: صدقت، وكذا قاله جرير؛ وكان قليل التنقيح مشرّد الألفاظ؛ وما كان أبو عمرو ليقرثك إلا كما سمع. فقلت: فكيف كان يجب أن يقول؟ قال: الأجود له لو قال «47» :
فيا لك يوما خيره دون شرّه
فاروه هكذا؛ فقد كانت الرواة قديما تصلح من أشعار القدماء. فقلت: والله لا أرويه بعد هذا إلا هكذا.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا محمد بن سلام «48» ، قال: حدثنا أبو الخطاب الزّرارى، قال: حدثنى أبى، قال: كان جرير ينشد أبياته «49» :
فما «50» شهدت يوم النّقا «51» خيل هاجر ... ولا السّيد إذ يبطحن بالأسل «52» السمر
ولا شهدت يوم الغبيط «53» مجاشع ... ولا نقلان الحىّ «54» من قنّتى «55» نسر
(1/166)

قال: وشيخ من بنى ثعلبة يقال له النحّار بن العقار كبير قد شدّ حاجباه وقد سقطا على عينيه، فقال: ولا كليب والأجلّ «56» ما شهدت، ولا كنّا إلّا سبعة فوارس من بنى ثعلبة.
ومما يعاب على جرير قوله «57» :
صارت حنيفة أثلاثا فثلثهم ... من العبيد وثلث من مواليها
ويروى:
كانوا ثلاثة أثلاث فثلثهم
فحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على يحيى المنجّم، عن أبيه أنّ جريرا لما قال هذا البيت قيل لرجل من بنى حنيفة: من أيهم أنت؟ قال: أنا من الثلث الملغى.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا على بن الصباح. قال: قرأت على أبى محلّم لجرير «58» :
بنفسى من تجنّبه عزيز ... علىّ ومن زيارته لمام
ومن أمسى وأصبح لا أراه ... ويطرقنى إذا هجع النّيام
فقال لى: هذه أحسن من ميميته الأخرى التى يقول فيها «59» .
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزّيارة فارجعى بسلام
تجرى السواك على أغرّ كأنه ... برد تحدّر من متون غمام
فليته إذ كان طردها «60» ما كان وصفها.
(1/167)

قال محمد بن أحمد بن طباطبا «61» العلوى: من الأبيات التى زادت قريحة قائليها على عقولهم قول جرير «62» :
هذا ابن عمى فى دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلىّ قطينا
فقيل له: يا أبا حزرة، لم تصنع شيئا! عجزت أن تفخر بقومك حتى تعدّيت إلى ذكر الخلفاء! فقال له عبد الملك «63» : جعلتنى شرطيّا لك، أما لو قلت: لو شاء ساقكم إلىّ قطينا لسقتهم إليك عن آخرهم. وكقوله «64» :
يا بشر حقّ لوجهك التبشير ... هلّا غضبت لنا وأنت أمير
قد كان نولك «65» أن تقول لبارق ... يا آل بارق فيم سبّ جرير
فقال بشر: أما وجد ابن المراغة رسولا غيرى؟
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الوراق، قال [59] :
حدثنى مسعود بن عمرو، قال حدثنا محمد بن سلّام «66» ، قال: حدثنى أبو يحيى الضبى؛ وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: حدثنى أبو يحيى الضبى، قال: الذى هاج الهجاء بين جرير وعمر بن لجأ التيمى أنّ عمر بن لجأ التيمى كان ينشد أرجوزة له يصف فيها إبله- وجرير حاضر بالماء- فقال التيمى «67» :
قد وردت «68» قبل إنى ضحائها ... تقرّش «69» الحيّات فى غشائها «70»
جرّ العجوز الثّنى من كسائها «71»
(1/168)

ويروى: فى خرشائها «72» ، يكون من الاجتماع ويكون من الاكتساب؛ فقال جرير: أخفيت مرّها «73» . قال: فكيف أقول؟ قال: قل: جرّ العروس الثّنى من ردائها. فقال التيمى- وحمى: ما قلت أنت أسوأ مما قلت. قال وما هو؟ قال قولك «74» :
وأوثق عند المردفات عشية ... لحافا إذا ما جرّد السيف لامع «75»
فجعلتهن مردفات غدوة ثم تداركتهنّ عشية.
قال: فكيف أقول؟ قال: تقول:
وأوثق عند المرهفات «76» عشية
فقال جرير: والله لهذا البيت أحبّ إلىّ من بكرى حزرة، ولكنك محلب «77» للفرزدق. فتهاجيا.
وحدثنى أحمد بن عبد الله، وعبد الله بن يحيى العسكريان، قالا: حدثنا العنزى، قال: حدثنى على بن إسماعيل اليزيدى، قال: أخبرنى الأثرم، قال: أخبرنى أبو عبيدة، قال: حدثنى منتجع بن نبهان التّيمى- ويقال من عدى- قال: دخل عمر بن لجأ على [ابن] «78» لقمان الخزاعى- وكان على صدقات بنى تميم- فأنشده بيتا وهو قوله «79» :
تريدين أن أرضى وأنت بخيلة ... ومن ذا الذى يرضى الأخلّاء بالبخل
(1/169)

فقال: لقد أنشدنى هذا البيت جرير. فقال عمر: سرقه والله منى جرير. فقال:
فبينا هو عنده إذ دخل عليه جرير، فقال له ابن «80» لقمان: من يقول هذا؟ فقد زعم عمر بن لجأ أنك سرقته منه. قال: فتنازعا. فقال جرير: أنا أسرقه منك وأنت وصفت إبلك حتى إذا جعلتها مثل الهضاب وصفت فحلها كالظّرب الأسود من ورائها.
قال الأثرم: وذكر الأصمعى أن جريرا ذكر قول عمر «81» :
جرّ العجوز الثّنى من خفائها
الخفاء: طرف الكساء، ألا قلت:
جرّ الفتاة طرفى ردائها
فأبلغ عمر؛ فقال: إنما أردت ضعف العجوز.
قال: ثم رجع الحديث إلى أبى عبيدة: فقال عمر بن لجأ: أتعيب علىّ هذا وأنت القائل «82» :
وأكرم عند المردفات عشية ... لحافا إذا ما جرّد السيف لامع
تركتهن حتى إذا لقحن- أى نكحن- لحقتهنّ عشية. قال: فقال «83» :
يا تيم تيم عدى لا أبالكم ... لا يقذفنكم «84» فى سوأة عمر
أحين صرت «85» سماما يا بنى لجأ ... وخاطرت بى عن أحسابها مضر
خلّ الطريق لمن يبنى المنار به ... وابرز ببرزة حيث اضطرّك القدر
وبرزة أم عمر بن لجأ.
(1/170)

فقال عمر بن لجأ «86» :
لقد كذبت وشرّ القول أكذبه ... ما خاطرت بك عن أحسابها مضر
فهذا بدء ما كان بينهما.
قال الأثرم: وأما عبيدة فزعم أنّ جريرا- وفى نسخة أخرى: وأما أبو اليقظان سحيم فزعم أنّ جريرا- قال: إن هذا ليس بعيب. قال: فبينى وبينك رجل؛ فجعلا بينهما عبيد بن غاضرة العنبرى، وكان حاضرا، فسألاه، فتابع ابن لجأ وعاب على جرير. فقال جرير قصيدته التى أولها «87» :
أيشهد مثغور علينا وقد رأى ... نميلة «88» منا فى ثناياه مشهدا [60]
قال: مثغور: كسر الرياحىّ- وهو من بنى تميم ثغره، وبقيت منه بقية.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «89» ، قال: قيل لجرير: ما صنعت فى التّيم «90» شيئا! قال: إنهم شعراء لئام.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، قال: حدثنا أبو خليفة، عن محمد بن سلام «91» ، وحدثنى عبد الله بن يحيى، قال: حدثنى أحمد بن بشر، عن إسماعيل بن يعقوب الأعلم، قال: حدثنى محمد بن سلّام، قال: أخبرنى أبو الخطاب الزّرارى، عن حجناء بن جرير، قال: قلت لأبى: يا أبت، ما هجوت قوما قطّ إلا فضحتهم- أو قال أفسدتهم- إلا التّيم! قال: يا بنى، إنى لم أجد بناء أهدمه، ولا حسبا أضعه- أو قال: أصمه.
وكانت تيم رعاء غنم فيغدون فى غنمهم ثم يروحون، وقد جاء كلّ رجل منهم بأبيات فيرفدون بها عمر بن لجأ وكان أشعرهم السّرندى «92» .
(1/171)

أخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنا على بن إسماعيل، قال: أخبرنا المدائنى، عن شهاب بن عبيد الله، قال: قيل لجرير: من هاجيت فكان أشدّ عليك؟ قال: التّيم، كنت أقول القصيدة أحبّ إلى من بكرى فيجتمعون فينقضونها حرفا حرفا.
وقيل له: يا أبا حزرة، صالحت كلّ من هاجاك أو أكثرهم غير التيم. قال: إنهم شعراء لئام.
أخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنى أحمد بن محمد الأسدى، قال: أخبرنا محمد بن صالح بن النّطاح، عن أبى عبيدة، قال: لما قال جرير لابن لجأ «93» :
يا تيم هل لك مثل أسرة حاجب ... أو مثل آل عتيبة بن شهاب
فقال له قائل: أنت بالأمس تهجوهم والآن تفخر بهم. قال: إن الشعراء لئام.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «94» ، قال: حدثنى أبو الغرّاف، قال: دخل جرير على الوليد بن عبد الملك وهو خليفة وعنده ابن الرّقاع العاملى، فقال الوليد لجرير: أتعرف هذا؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين. قال: هذا رجل من عاملة. قال: الذين يقول الله عز وجل «95» : «عاملة ناصبة، تصلى نارا حامية» . ثم قال:
يقصّر باع العاملىّ عن العلا ... ولكنّ أبر العاملىّ طويل
فقال العاملىّ:
أأمّك كانت أخبرتك بطوله ... أم أنت امرؤ لم تدر كيف تقول
فقال: لا، بل لم أدر كيف أقول.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنا الأصمعى، وأخبرنى محمد بن العبّاس، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا الأصمعى، قال: حدثنى
(1/172)

العمانى الراجز، قال: حدثنى نوح بن جرير، قال: قلت لأبى: يا أبت من أشعر الناس؟ قال: قاتل الله قرد بنى مجاشع- يعنى الفرزدق- فعلمت أن قد فضّله. قلت:
ثم من؟ قال: قاتل الله نصرانىّ «96» بنى تغلب، فما أنقى شعره، وأبين فضله! قال:
قلت: فما لك لا تذكر نفسك؟ قال: أنا مدينة الشعر.
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى وعبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنا الرياشى، قال: أخبرنا أبو الخطاب البهدلى عن نوح بن جرير، قال: قلت لأبى: أيما أشعر أنت أم الأخطل؟ قال: فقال: إنى أعنت عليه بتولية من سنّه وكفر من دينه، وما رأيته فى موضع قطّ إلّا خشيت أن يبتلعنى.
أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة [61] ، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: أخبرنى سعدان بن المبارك، عن أبى عبيدة، قال: حدثنى أدهم العنبرى- وهو ختن لابن الكلبى- وكان عالما بأيام الناس ذاسنّ وتجرية- عن رجل أراه من بنى سعد.
وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى أحمد بن معاوية، قال: حدثنى بعض أصحابنا عن رجل من بنى سعد، وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم، أن أبيه، قال:
حدثنى إسحاق الموصلى، عن رجل من بنى سعد «97» : كنت مع نوح بن جرير فى أصل شجرة- أو قال سدرة- فقلت له: قّبحك الله وقّبح أباك، أما أبوك أفنى عمره فى مدح عبد ثقيف- يعنى الحجاج- وأما أنت فإنك مدحت قثم بن العباس، فلم تهتد لمناقبه ومناقب آبائه حتى مدحته بقصر بناه.
فقال: أما والله لئن كنت سؤتنى فى هذا الموضع لقد سؤت فيه أبى: بينا أنا آكل معه يوما- وفى يده لقمة وفى فيه أخرى- فقلت: يا أبت؛ أأنت أشعر أم الأخطل؟
فجرض بالتى فى فيه- أى غصّ بها- وهو يجرض بريقه- أى يغصّ به- ورمى بالتى فى
(1/173)

يده؛ ثم قال: يا بنى، لقد سررتنى وسؤتنى؛ فأمّا ما سررتنى به فتعاهدك مثل هذا وشبهه وسؤالك عنه، وأما ما سؤتنى به فذكرك رجلا قد مات. يا بنى، لو أدركنى «98» الأخطل وله ناب آخر لأكلنى، ولكنى أعنت عليه بخصلتين- وقال ابن شبّة: ولكن أعاننى عليه خصلتان- كبر سنّ، وخبث دين.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن ابن الأعرابى، قال: قال جرير- وسئل عن الأخطل، فقال: ما غلبنى إلا فى هذه القصيدة «99» :
كذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرّباب خيالا
فيها يقول:
أبنى كليب «100» إنّ عمّى الّلذا «101» ... قتلا الملوك وفكّكا الأغلالا
وحدثنى عبد الله بن أحمد، عن ثعلب، عن ابن الأعرابى، قال: قيل لجرير: أيما أشعر أنت فى قولك «102» :
حىّ الغداة برامة الأطلالا ... رسما تحمّل أهله فأحالا
أم الأخطل فى جوابها: «كذبتك عينك» ؟ قال: هو أشعر منى، إلا أنى قد قلت فى قصيدتى بيتا لو أنّ الأفاعى نهشت أستاههم ما حكّوها حيث أقول «103» :
والتغلبىّ إذا تنحنح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا
(1/174)

قال قدامة بن جعفر الكاتب «104» : الإقواء فى شعر الأعراب كثير، وفيمن دون الفحول من الشعراء؛ وهو أن يختلف إعراب القوافى، فتكون قافية مرفوعة وأخرى مخفوضة.
قال إسحاق: قلت ليونس: عبيد الله بن الحرّ يقوى؟ فقال: الإقواء خير منه.
وقد ركب بعض الفحول الإقواء فى مواضع؛ مثل ما قال سحيم بن وثيل الرياحى «105» :
عذرت البزل إن هى خاطرتنى ... فما بالى وبال ابن «106» الّلبون
وماذا يدّرى «107» الشعراء منّى ... وقد جاوزت رأس الأربعين «108»
فنون الأربعين مفتوحة، ونون اللبون مكسورة، ولكن كأنه وقف القوافى فلم يحركها.
وقد قال جرير «109» :
عرين من عرينة ليس منّا ... برئت إلى عرينة من عرين
[62] عرفنا جعفرا وبنى عبيد ... وأنكرنا زعانف آخرين «110»
(1/175)

3- الأخطل [1]
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال حدثنا محمد بن سلام «1» عن أبى العقّار السدوسى، قال: قدم الأخطل الكوفة؛ وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال:
حدثنى يونس وعامر بن مالك وأبو الغرّاف، فألّفت ما قالوا، قالوا: قدم الأخطل الكوفة، فأتى الغضبان بن القبعثرى «2» الشيبانى- وهو يومئذ سيّد بكر بن وائل- فسأله فى حمالة وكان سؤلة- مثال فعلة- فقال: إن شئت أعطيتك ألفين، وإن شئت أعطيتك درهمين.
قال: وما بال الألفين؟ وما بال الدّرهمين؟ قال: إن أعطيتك ألفين لم يعطكها كبير أحد، وإن أعطيتك درهمين لم يبق بالكوفة أحد «3» من ربيعة إلا أعطاك درهمين، ونكتب لك إلى إخواننا بالبصرة فيجمعون لك درهمين درهمين، فتبلغ حاجتك، وتخفّ عليهم المؤنة، ولا تبهظهم، ويكثر لك النّيل.
قال: فهذه. قال: نقسمها إلى أن ترجع إلينا من البصرة.
وكتب له إلى سويد بن منجوف «4» السدوسى- وهو زعيم بكر بن وائل بالبصرة- فأتى سويدا بالكتاب وأخبره بحاجته، فقام سويد وأقبل على قومه فقال: هذا أبو مالك قد جاءكم يسأل فى حمالة، وهو أهل أن نقضى حاجته، وهو الذى يقول «5» :
__________
[1] هو غياث بن غوث، من بنى تغلب، ويكنى أبا مالك. وكانت بينه وبين جرير مناقضات. وجعله ابن سلام من الطبقة الأولى من فحول الإسلام.
وارجع فى ترجمته إلى طبقات ابن سلام 386، والشعر والشعراء 455، وخزانة الأدب 1- 78.
والأغانى 8- 310.
(1/176)

إذا ما قلت قد صالحت بكرا ... أبى الأضغان «6» لا النسب البعيد
وأيام لنا ولهم طوال ... يعضّ الهام فيهنّ «7» الحديد
ومهراق الدّماء بواردات «8» ... تبيد المخزيات ولا «9» تبيد
هما أخوان يصطليان نارا ... رداء الموت «10» بينهما جديد
فهيّجهم على الأخطل. فقالوا: فلاها الله، إذا، والله لا نعطيه شيئا. فخرج وهو يقول «11» :
فإن تمنع «12» سدوس درهميها ... فإنّ الرّيح طيّبة قبول
تواكلنى بنو العلّات «13» منهم ... وغالت مالكا ويزيد غول
قريعا «14» وائل هلكا جميعا ... كأنّ الأرض بعدهما محول
يريد مالك بن مسمع، ويزيد بن رويم الشيبانى.
وقال لسويد بن منجوف- وكان سويد رجلا تقتحمه العين وليس بذى منظرة «15» :
وما جذع سوء خرّق السوس أصله «16» ... لما حمّلته وائل بمطيق
ويروى:
خرّب السوس جوفه
وكان الأخطل «17» مع مهارته وشعره يسقط: كان مدح سماكا الأسدى، وهو
(1/177)

سماك الهالكىّ بن عمير «18» بن عمرو بن أسد، وبنو عمير يلقّبون القيون، ومسجد سماك بالكوفة معروف، وكان من أهلها، فخرج أيام علىّ عليه السلام هاربا حتى لحق بالجزيرة، فمدحه الأخطل فقال «19» :
نعم المجير سماك من بنى أسد ... بالمرج «20» إذ قتلت جيرانها مضر
قد كنت أحسبه قينا وأنبؤه «21» ... فاليوم طيّر «22» عن أثوابه الشّرر
ويروى [63] :
قد كنت أنبؤه فينا وأخبره ... إن سماكا بنى مجدا لأسرته
حتى الممات، وفعل الخير يبتدر
فقال سماك: يا أخطل؛ أردت مدحى فهجوتنى؛ كان الناس يقولون قولا فحقّقته.
فلما هجا سويدا قال له سويد: يا أبا مالك؛ ما تحسن أن تهجو، ولا أن تمدح؛ لقد أردت مدح الأسدى فهجوته، يعنى قوله:
قد كنت أحسبه قينا
كان الناس يقولون قينا فحققتها، وأردت هجائى فمدحتنى؛ جعلت وائلا كلها حمّلتنى أمورها، وما طمعت فى بنى ثعلبة فضلا عن بكر؛ فزدتنى تغلب «23» .
وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حمل الأخطل حمالات فى قومه، فقدم الكوفة فلقى رجالات بكر بن وائل، فسألهم، فقال له الغضبان بن القبعثرى: نعم ونعمة عين، أنت مخيّر: فإن شئت فألفين، وإن شئت فدرهمين. فقال: وما الألفان؟ وما الدرهمان؟ قال: إن شئت أعطيتك ألفين فلم يعطك مثلها من قومك إلا قليل، وإن شئت أعطيتك درهمين فلا يبقى من بكر بن وائل أحد إلا أعطاك درهمين، وأكتب لك إلى البصرة، فتأتى قومك، فتخارج لك بكر كلّها وترجع، وقد جمعنا لك، فيسهل على قومك الخرج، ويكثر لك النيل.
(1/178)

قال: فهذه إذا. وانحدر إلى البصرة- وأميرها يومئذ بشر بن مروان- فأتى مجلس بنى سدوس وسيّدهم يومئذ سويد بن منجوف، ومعه فى مجلسه رجل من بنى أسعد بن همّام، فتكلم الأخطل، وذكر حمالته، وأنه آلى ألّا يكلم فيها إلا ربعيّا؛ فأقبل عليه الأسعدى فقال: أولست الذى يقول:
إذا ما قلت قد صالحت بكرا ... أبى الأضغان لا النسب البعيد
وذكر الأبيات «24» . فهيّجهم عليه، فقالوا: لا، لعمر الله، لا نرفدك ولا نعينك، وإنك منّا للهوان لأهل. فوثب الأخطل وهو يقول «25» :
متى آت الأراقم لا يضرنى ... نبيب الأسعدىّ وما يقول
فإن تمنع سدوس درهميها ... فإنّ الريح طيّبة قبول
وإنّ بنى أميّة ألبستنى ... رداء كرامة ليست تزول
سيحملها أبو مروان بشر ... فذاك لكل مضلعة حمول
ويكفينى الذى استكفيت منه ... بفعل لا يمنّ ولا يحول
تواكلنى بنو العلّات منهم ... وغالت مالكا ويزيد غول
قريعا «26» وائل ذهبا جميعا ... كأنّ الأرض بعدهما محول
ثم أتى بشرا فأنشده شعره، وشكا إليه الأسعدى. قال: وكم حمالتك يا أبا مالك؟
فأخبره. فأضعفها له. فقال الأخطل يهجو سويدا:
وما جذع سوء خرّق السوس جوفه ... لما حمّلته وائل بمطيق
فقال له سويد: يا أبا مالك، لا والله ما تحسن تهجو ولا تحسن تمدح، بل تريد الهجاء فيكون مديحا، وتريد المديح فيكون هجاء؛ قلت لى وأنت تريد هجائى: لما حملته وائل بمطيق، فجعلت وائل حمّلتنى أمورها؛ وما طمعت فى ذلك من بنى ثعلبة «27» فضلا
(1/179)

عن بكر بن وائل، ومدحت فى نفسك سماك بن عمير أخا بنى أسد، وأردت أن تنفى عنه [64] شيئا فحققته عليه حين تقول:
نعم المجير سماك من بنى أسد ... بالمرج إذ حملت جيرانها مضر
وذكر الأبيات.
هو سماك بن عمير بن عمرو، وبنو عمرو يدعون القيون. فلما سمع سماك الشعر قال: أبا مالك؛ كان هذا نبزا «28» ننبز به، فأردت نفيه عنا فأثبتّه علينا.
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، وحدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، وعبد الله بن يحيى، قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: سمعت أبا قبيصة محمد بن حرب بن قطن بن قبيصة بن مخارق الهلالى- وكان رجل أهل البصرة يوم مات- وأنشد قول الأخطل وهو يهجو قيسا:
وثائر قيس لا ينام ولا ينى ... وإلّا يجد إلّا الغشيمة يغشم «29»
فقال: جزى أبو مالك خيرا، فقد بالغ فى المديح.
ومثل هذا وهو يهجو قيسا أيضا ويحض على زفر بن الحارث، فقال- وهو يخاطب عبد الله بن مروان «30» :
بنى أميّة إنى ناصح لكم ... فلا يبيتنّ فيكم آمنا زفر «31»
يظلّ مفترشا كالليث «32» كلكله ... لوقعة كائن فيها له جزر «33»
كتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبة، قال: يروى أن الأخطل كان فى مجلس ذكر أهله الشعراء، فقال: أين تجعلونى منهم؟ قالوا: أين تجعلك وقد
(1/180)

أخطأت فى أربع لا يخطأ فى مثلهن؟ قال: وما هنّ؟ قالوا: قلت فى زفر وأنت تريد أن تضع منه فرفعته حتى خوفت منه. فقال: صدقتم. وماذا؟ قالوا: وضغوت «34» من الجحاف ضغوة أبقيت عارها على قومك إلى يوم القيامة. قال: صدقتم. وماذا؟ قالوا:
أردت هجاء سويد بن منجوف فمدحته. قال: صدقتم. وماذا؟ قالوا: أردت مديح سماك بن خرشة فهجوته. قال: صدقتم.
وأما خبر الجحاف فأخبرنى محمد بن يحيى قال: حدثنا الفضل بن الحباب عن دماذ، عن أبى عبيدة، قال: دخل الأخطل على عبد الملك بن مروان وعنده الجحاف بن حكيم السلمى- وقد كان الجحّاف اعتزل حربهم تحرّجا ولم يدخل فى شىء منها- فلما رآه الأخطل عند عبد الملك قال «35» :
ألا أبلغ الجحّاف هل هو ثائر ... بقتلى «36» أصيبت من سليم وعامر
فخرج الجحّاف من عند عبد الملك وهو يجرّ مطرفه غضبا.
فقال عبد الملك للأخطل: ما أراك إلّا قد جررت على قومك شرّا. ومضى الجحّاف، فأتى قومه وافتعل كتابا، وحشا جربا ترابا، وقال: إن عبد الملك قد ولّانى بلاد بنى تغلب، وهذه الجرب فيها المال؛ فتأهّبوا وامضوا معى. فمضوا معه.
فلما أشرف على بلاد بنى تغلب نثر التراب، وخرّق الكتاب، وقال: ما من ولاية؛ ولكنى غضبت لكم- وأخبرهم بقول الأخطل عند عبد الملك- فاثأروا بقومكم. فشدّ على بنى تغلب بالبشر ليلا، وهم غارّون آمنون، فقتل منهم مقتلة عظيمة. وهرب الأخطل من ليلته مستغيثا بعبد الملك، فلما دخل عليه قال «37» :
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعوّل
فإلّا تغيّرها «38» قريش بملكها ... يكن عن قريش مستماز ومزحل
(1/181)

فقال له عبد الملك: إلى أين يا بن اللّخناء؟ قال: إلى النار يا أمير المؤمنين. قال: لو قلت غيرها قطعت لسانك.
ثم إن الجحّاف لقى [65] الأخطل بعد ذلك فقال «39» :
أبا مالك هلى لمتنى إذ حضضتنى ... على القتل، أم هل لامنى لك لائم؟
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا الزبير بن بكّار، وحدثنى عبد الله بن يحيى، قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنا الزبير، قال: حدثنى عبد الرحمن بن عبد الله الزّهرى، عن عبد الرحمن بن أبى الزّناد، عن أبيه، عن عمر بن عبد العزيز بن مروان- أنه حضر الجحاف بن حكيم السّلمى والأخطل عند عبد الملك بن مروان والأخطل ينشد:
ألا سائل الجحّاف هل هو ثائر ... بقتلى أصيبت من سليم وعامر
قال: فقبض الجحاف وجهه فى وجه الأخطل ثم قال:
نعم سوف نبكيهم بكل مهنّد ... وننعى عميرا بالرّماح الشواجر
يعنى عمير بن الحباب السّلمى. ثم قال: لقد ظننت يا بن النصرانية أنك لم تكن لتجترئ على ولو رأيتنى مأسورا. وأوعده.
فما زال الأخطل من موضعه حتى حمّ. فقال له عبد الملك: أنا جارك منه. قال:
هبك أجرتنى منه يقظان فمن يجيرنى منه نائما؟ قال: فضحك عبد الملك.
قال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «40» : من الأبيات التى زادت قريحة قائلها على عقولهم قول الأخطل: ألا سائل الجحاف ... البيت. فقدّر أنه يعيّر الجحّاف بهذا القول ويقصّر به، فأجراه الجحاف مجرى التحريض، ففعل بقومه ما دعا الأخطل إلى أن قال:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ...
البيت.
(1/182)

فلو سكت عن هذا بعد ذلك القول الأول كان أجمل به ثم لم يرض حتى أوعد وتهدد عند ذلك الخليفة:
فإن لم تغيّرها قريش بملكها ...
البيت.
وكقوله أيضا «41» :
لا هدى الله قيسا من ضلالتها ... ولا لعا لبنى ذكوان إذ عثروا
ضجّوا من الحرب إذ عضّت غواربهم ... وقيس عيلان من أخلاقها الضّجر
فقال له عبد الملك: لو كان كما زعمت لما قلت:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ...
البيت.
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: سألت بشارا الأعمى فقلت: يا أبا معاذ، أى الثلاثة أشعر جرير أو الفرزدق أو الأخطل؟ وكان عالما بصيرا- فقال: لم يكن الأخطل مثلهما ولكن ربيعة تعصبت له وأفرطت فيه.
وأخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: قال بشار بن برد: والله ما كان الأخطل مثل جرير والفرزدق، ولكنهما كانا من مضر فكرهت ربيعة ألا يكون منها مثلهما فتعصّبت له ورفعت منه؛ ولقد كان يجتمع هو وجماعة من قومه على شرابهم، فيقول هذا بيتين ويقول هو الأكثر، ويختار الأخطل حتى تجتمع قصيدة، فيبعث بها إلى جرير. قال الصولى:
ولا أدرى ما هذا القول.
حدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، عن أبى إسحاق الطّلحى، قال: أخبرنى إبراهيم بن سعدان، قال: قال ابن بشير المدينى: وفدت إلى بعض ملوك بنى أمية، فمررت بقرية فإذا رجل مرنّح بالشراب قائم يبول، فسألته عن الطريق فقال: أمامك. ثم لحقنى فقال: ادن دونك وعليك الحانة. فدخلت فاجترّ سفرة، واستلّ سلّة، فأخرج منها رغفانا ووذرا «42» من لحم، فقال: أصب. فأصبت؛ ثم سقانى [66] خمرا فإذا أبو
(1/183)

مالك «43» . ثم قال: كيف علمك بالشعر؟ قلت: رويت. فأنشدنى قصيدته «44» :
صرمت حبالك زينب ورعوم
فلما انتهى إلى قوله:
حتى إذا أخذ الزّجاج أكفّنا ... نفحت فأدرك ريحها المزكوم
قال. ألست تزعم أنك تبصر الشعر؟ قلت: بلى. قال: فكيف لم تشقّ بطنك فضلا عن ثوبك عند هذا البيت؟ قلت: قد فعلت عند البيت الذى سرقت هذا منه. قال:
وما هو؟ قلت: بيت الأعشى «45» :
من خمر عانة قد أتى لختامها ... حول تفضّ غمامة المزكوم «46»
فقال: أنت تبصر الشعر.
فلما صرت إلى سليمان سمرت معه بهذا أول بدأتى.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا الأشناندانى، قال: أخبرنا التّوزى: قال: اختصم رجلان أحدهما من بنى قيس بن ثعلبة، والآخر من بنى تغلب إلى رجل من النمر بن قاسط فى قول الأعشى:
من خمر عانة قد أتى لختامها
... البيت.
وقول الأخطل «47» .
وإذا تعاورت الأكفّ زجاجها ... نفحت فنال «48» رياحها المزكوم
(1/184)

فقال النمرى: والله ما سوّى بينهما، إنما جعلها الأخطل ينال المزكوم رياحها وجعلها الآخر تستلّ زكامه.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الوراق، قال: حدثنا مالك بن غسان بن مسمع المسمعى، قال: حدثنا حسان بن أدهم المازنى- وكان علّامة؛ وأخبرنى الصولى، قال: حدثنا أبو ذكوان، قال: حدثنا الهيثم بن عدىّ، قالا: دخل الشعبى على الأخطل فوجده ثملا من النبيذ وحوله لخالخ «49» ورياحين، فقال له: يا شعبى؛ فعل الأخطل بأمهات الشعراء، ترفث. فقال له الشعبى: بم ذاك يا أبا مالك؟ قال: بقولى «50» :
وتظلّ تنصفنا «51» بها قرويّة ... إبريقها برقاعه ملثوم
فإذا تعاورت الأكفّ زجاجها ... نفحت فنال «52» رياحها المزكوم
فقال له الشعبى: فأشعر منك الذى يقول «53» :
وأدكن عاتق جحل سبحل «54» ... صبحت براحه شربا كراما
من اللائى «55» حملن على الروايا «56» ... كريح المسك تستلّ الزّكاما
فقال له الأخطل: من يقول هذا يا شعبى؟ قال: الأعشى. فقال: قدّوس قدوس، فعل الأعشى بأمهات الشعراء.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا إسماعيل بن أبى محمد، قال: أخبرنى أبى- يعنى أبا محمد اليزيدى- قال: تذاكر
(1/185)

الفرزدق والأخطل جريرا؛ فقال له الأخطل: والله إنك وإياى لأشعر منه، غير أنه قد أعطى من سيرورة الشعر شيئا ما أعطيه أحد؛ لقد قلت بيتا ما أعرف فى الدنيا بيتا أهجى منه «57» :
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمّهم بولى على النار
تمامه:
فتمسك البول بخلا لا تجود به ... ولا تبول لهم إلا بمقدار
والخبز كالعنبر الوردىّ عندهم ... والقمح سبعون إردبّا بدينار
فقال هو: «58»
والتغلبىّ إذا تنحنح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا
فلم يبق سقّاء «59» ولا أمة إلا رواه.
قال: فقضيا يومئذ لجرير أنه أسير شعرا منهما.
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، وحدثنى [67] على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم، عن أبيه، قالا: قال جرير:
إنه والله ما يهجونى الأخطل وحده، وإنه ليهجونى معه خمسون شاعرا كلّهم غزير ليس بدون الأخطل، وذلك أنه إذا أراد هجائى جمعهم على شراب، فيقول هذا بيتا وهذا بيتا حتى يتمّوا القصيدة وينتحلها الأخطل.
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى محمد بن سلام، قال: قلت لعبّاد بن الحجاج أبى الخطاب- وكان يميل إلى الشعوبية، وكان عالما بالشعر، مائلا إلى الأخطل يتعصّب بالرّبعية: أترى الأخطل مجيدا فى مديحه لعبد الملك حيث يقول «60» :
وقد جعل الله الخلافة فيكم ... لأزهر لا عارى الخوان ولا جدب
(1/186)

فقال: نتف ابن النصرانية إبطيه.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطّار، عن العنزى، قال: حدثنى يزيد بن محمد المهلّبى، قال: حدثنى إسحاق بن إبراهيم، وأخبرنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، قال: حدثنى إسحاق الموصلى، عن السعيدى خالد بن سعيد من ولد سعيد بن العاص، قال: كان الأخطل يقول: نحن معاشر الشعراء أسرق من الصاغة.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، قال: قال الأخطل لعبد الملك بن مروان: أيزعم ابن المراغة أنه بلغ مدحتك فى ثلاثة أيام وقد أفنيت بمديحك فى قصيدة حولا ما بلغت كلّ الذى أردت؟ فقال له عبد الملك: فأنشدنى؛ فأنشده «61» :
خفّ القطين فراحوا منك أو بكروا «62»
فقال عبد الملك: بل منك إن شاء الله- تطيّرا.
وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على المنجم، عن أبيه، قال:
حدثنى محمد بن صالح بن النطاح، عن كهمس بن الحسن، قال: لما أنشد الأخطل عبد الملك:
خفّ القطين فراحوا منك أو بكروا
تطيّر عبد الملك، فقال: لابل منك، لابل منك، فجعله الأخطل:
فراحوا اليوم أو بكروا
قال على بن يحيى: وذكر بعض أهل العلم أنه لما انتهى من القصيدة إلى قوله:
وقد نصرت أمير المؤمنين بنا ... لما أتاك ببطن الغوطة الخبر
فقال عبد الملك: بل الله أيّدنى.
(1/187)

وحدثنا محمد بن القاسم الأنبارى، قال: حدثنا أبى، قال: حدثنا الحسن بن عبد الرحمن الربعى، قال: حدثنى أحمد بن عثمان بن محمد، قال: حدثنى أبى، وحدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن العنزى، قال: حدثنى أحمد بن عثمان بن محمد العثمانى، قال: حدثنى أبى، وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبة؛ قالا: لما أنشد الأخطل عبد الملك:
خفّ القطين فراحوا منك أو بكروا
قال عبد الملك: بل منك، لا أم لك! وتطير عبد الملك من قوله، فعاد فقال:
فراحوا اليوم أو بكروا
(1/188)

4- كثير بن عبد الرحمن [1]
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: تعلّق الناس على كثيّر بقوله «1» :
فإنّ أمير المؤمنين هو الذى ... غزا كامنات الصّدر منى فنالها
وقوله «2» :
ترى ابن أبى العاص وقد صفّ «3» دونه ... ثمانون ألفا قد توافت كمولها
يقلّب عينى حيّة بمحارة «4» ... إذا أمكنته شدّة «5» لا يقيلها [68]
قال محمد: فقلت لابن أبى حفصة: من جودة مديحه هذا جعل دونه ثمانين ألفا! وجعله يقلّب عينى حيّة بمحارة، وجعل أمير المؤمنين غزا كامنات صدره؛ فقال: هذا النابغة قال لملك العرب «6» :
احكم كحكم فتاة الحىّ إذ نظرت ... إلى حمام سراع وارد الثّمد «7»
فأمره أن يحكم بحكم فتاة.
__________
[1] هو كثير بن عبد الرحمن بن جمعة، من خزاعة، ويكنى أبا صخر، ويعرف بكثير عزة لكثرة تشبيبه بها، وكان شاعر أهل الحجاز، وقدم على يزيد بن عبد الملك، ومدحه بقصائد جياد، فأعجب بهن يزيد.
وكان لكثير فى التشيب نصيب وافر، وكان يتقول، ولم يكن عاشقا. وجعله ابن سلام فى الطبقة الأولى من فحول شعراء الإسلام. ومات سنة خمس ومائة فى ولاية يزيد بن الحكم.
وترجمته فى الأغانى 9- 3، والشعر والشعراء 480، وطبقات ابن سلام 457، والخزانة 2- 376، واللآلئ 77.
(1/189)

قال: وقال كثيّر لعبد العزيز بن مروان «8» :
وما زالت رقاك تسلّ ضغنى ... وتخرج من مكانها «9» ضبابى
ويرقينى لك الراقون حتى ... أجابك حيّة تحت الحجاب
وحدثنى على بن هارون، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن سلام عن أبيه، قال: ذاكرت مروان بن أبى حفصة جريرا والفرزدق وكثيّرا فذهب إلى تقديم كثيّر فى المدح، وجعل يطريه، ويقول: هو أمدحهم للخلفاء؛ فقلت: أمن جودة مدحه قوله لعبد الملك:
تر ابن أبى العاص وقد صفّ دونه ... ثمانين ألفا....
وذكره والبيت الذى يليه- وهو الخليفة ودونه ثمانون ألفا، وجعله يقلب عينى حية، وقوله «10» :
وإن أمير المؤمنين هو الذى ... غزا كامنات الصّدر منى فنالها
زعم أن أمير المؤمنين غزا كامنات صدره فنالها؛ وقوله لعبد العزيز بن مروان:
وما زالت رقاك تسل ضغنى ... وتخرج من مكامنها ضبابى
ويرقينى لك الراقون «11» حتى ... أجابك حيّة تحت الحجاب
زعم أنّ عبد العزيز ترضّاه، واحتال له، ورقاه حتى أجابه؛ أهكذا يمدح الملوك! فقال: أنتم وأهل الكوفة تعيبونه بهذا.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا الزّبير بن بكار، قال: حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، عن عبد الله بن أبى عبيدة بن محمد بن عمّار بن ياسر أنّ عبد الملك بن مروان غضب من قول كثير لعبد العزيز بن مروان:
فما زالت رقاك تسلّ ضغنى
(1/190)

وذكر البيتين. فبلغ ذلك كثيرا، [فقال] «12» : لله علىّ أن أقول مثلها فيه، وقال:
وإنّ أمير المؤمنين هو الذى ... غزا كامنات النّصح منى فنالها
فأشاح له عليها؛ أى أعرض له عن ذلك.
وحدثنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، قال: قال محمد بن على لكثيّر: تزعم أنك من شيعتنا، وتمدح آل مروان؟ قال: إنما أسخر منهم، وأجعلهم حيات وعقارب، وآخذ أموالهم. وقد كان عتب على عبد العزيز بن مروان، فنفر عنه بعض النفور، فقال:
وكنت عتبت معتبة فلجّت ... بى الغلواء عن سنن العتاب
فما زالت رقاك تسلّ ضغنى ... وذكرهما.
فقال عبد الملك لعبد العزيز: ما مدحك، إنما جعلك راقيا للحيّات. فذكر ذلك عبد العزيز لكثيّر؛ فقال: قد فعلها! أما والله لأجعلنّه حيّة ثم لا ينكر ذلك. وقال لعبد الملك:
يقلّب عينى حيّة بمحارة ... أضاف إليها الساريات سبيلها
ويروى:
أضاف إليها السّيل وعرا سبيلها
يصدّ ويغضى وهو ليث خفيّة «13» ... إذا أمكنته عدوة لا يقيلها
فأعطاه عبد الملك وأحسن إليه.
أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: قال إسحاق الموصلى: ذكروا أنّ [69] محمد بن على قال: ويحك يا كثيّر، أنت من شيعتنا.. وذكر مثله إلى آخره.
(1/191)

حدثنا محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، عن محمد بن سلام، عن أبان بن عثمان البجلى، قال: دخل كثير على عبد الملك فأنشده. وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب. قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن محمد بن سلام، قال: قال يونس: أنشد كثيّر عبد الملك مدحته التى يقول فيها «14» :
على ابن أبى العاصى دلاص حصينة ... أجاد المسدّى سردها وأذالها «15»
يؤود القوم حمل قتيرها ... ويستضلع القوم الأشمّ احتمالها «16»
فقال له عبد الملك: قول الأعشى «17» لقيس بن معدى كرب أحبّ إلىّ من قولك إذ تقول.
وقال ابن أبى خيثمة فى حديثه: ألا قلت كما قال الأعشى «18» :
وإذا تجىء كتيبة ملمومة ... خرساء يخشى الذائدون نهالها «19»
كنت المقدّم غير لابس جنّة ... بالسّيف تضرب معلما أبطالها
فقال: يا أمير المؤمنين، وصف الأعشى صاحبه بالطيش والخرق والتغرير، ووصفتك بالحزم والعزم. فأرضاه.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: رأيت أهل العلم بالشعر يفضّلون قول الأعشى فى هذا المعنى على قول كثير؛ لأن المبالغة أحسن عندهم من الاقتصار على الأمر الأوسط، والأعشى بالغ فى وصف الشجاعة حتى جعل الشجاع شديد الإقدام بغير
(1/192)

جنّة، على أنه وإن كان لبس الجنّة أولى بالحزم وأحقّ بالصواب، ففى وصف الأعشى دليل قوىّ على شدة شجاعة صاحبه؛ لأن الصواب له، ولا لغيره إلا لبس الجنّة.
وقول كثيّر يقصر عن الوصف.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزّبير بن بكار، قال: حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، عن عبد الله بن أبى عبيدة، وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن الفضل بن الأسود، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال:
حدثنا مصعب بن عبد الله، عن أبيه، قالا: دخل كثّير على عبد العزيز بن مروان فأنشده شعرا، فقال له بعض جلسائه: لحنت. قال: فى أى شىء؟ قال: فى قولك «20» :
لا أنزر النائل الخليل إذا ... ما اعتلّ نزر الظّؤر لم ترم «21»
وإنما هو ترأم «22» .
فقال له: اسكت. هكذا كلام قوى.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنا الأصمعى، قال «23» : إنما كثّير صاحب كربج- يعنى الحانوت بالفارسية- يبيع الخبط والقطران.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا الزّبير بن بكار، وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى عن الزّبير، قال:
حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، عن عبد الله بن أبى عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر أنّ عبد الملك بن مروان قال: لو قال كثّير بيته «24» :
فقلت لها يا عزّ كلّ مصيبة ... إذا وطّنت يوما لها النفس ذلّت
(1/193)

فى حرب لكان أشعر الناس. ولو أنّ القطامى قال بيته الذى وصف فيه مشية الإبل قوله «25» :
يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة ... ولا الصدور على الأعجاز تتّكل
فى النساء لكان أشعر الناس.
وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، عن العتبى، قال:
قال عبد الملك بن مروان: ثلاثة أبيات [70] لو قيلت فى غير ما قيلت فيه لكان أرفع لقدرها، منها قول كثّير «26» :
فقلت لها يا عزّ كل مصيبة
... البيت لو كان فى تقوى وزهد لكان أشعر الناس.
ومنها قوله فى غيره «27» :
أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة إن تقلّت «28»
لو كان هذا فى وصف الدنيا لكان أجود «29» .
ومنها قول القطامى يصف الإبل: يمشين رهوا ... البيت- لو كان فى صفة النساء كان أبلغ وأحسن.
وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «30» ، قال: سمعت الناس يستحسنون من قول كثير ويقدمونه فيه:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثّل لى ليلى بكلّ سبيل
قال: وسمعت من يطعن عليه فيه، ويقول: ما له يريد أن ينسى ذكرها؟
(1/194)

وحدثنا أحمد بن سليمان الطّوسى، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنى خالد بن وضاح مولى ابن الأشقر، عن عبد الأعلى بن عبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحى، قال: كنت فى موكب المهدى يوما وهو يسير بين أبى عبيد الله وعمر بن بزيع، وأنا وراءه. فقال لهما: ما أنسب بيت قالته العرب؟ فقال أبو عبيد الله قول امرىء القيس «31» :
وما ذرفت عيناك إلا لتضربى «32» ... بسهميك فى أعشار «33» قلب مقتّل
فقال المهدى: ليس هذا بشىء، هذا أعرابى جلف قحّ. فقال عمر بن بزيع: قول كثير:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثّل لى ليلى بكلّ سبيل
فقال: ولا هذا بشىء، ولم يريد أن ينسى ذكرها حتى تمثّل له؟ وذكر باقى الحديث.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزبير بن بكار، قال: حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، عن عبد الله بن مسلم بن جندب، قال: سمعت أبى يقول: أنشدنى كثيّر قصيدته التى يقول فيها:
وهم أحلى إذا ما لم نترهم ... على الأحناك من رطب ابن طاب «34»
قال: فقلت له: أفلا قلت من عسل اللّصاب «35» ! قال: فعسل اللصاب والله.
(1/195)

حدثنا محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزبير، قال:
كتب إلىّ إسحاق بن إبراهيم يقول: حدّثنى سليمان بن عباية، قال: بلغنى أنّ كثّيرا قال:
والله إنى لأروى لجميل ثلاثين قصيدة لا يعرفها الناس ولا يرويها أحد غيرى.
قال الزبير: وحدثنى محمد بن حسن، قال: ذكر كثّير جميلا، فقال: أمتّ له ألف قافية- يقول: سرقتها فغلبت عليها.
حدثنى أحمد بن إبراهيم البزّاز، وأحمد بن محمد الجوهرى؛ قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنا على بن إسماعيل العدوى، قال: حدثنا عيينة بن المنهال المهلبى، قال:
حدثنا أبو عمرو المدينى؛ قال: أنشد كثير عزّة عبد الملك بن مروان قوله:
فما رجعوها عنوة عن مودّة ... ولكن بحدّ المشرفىّ استقالها
فقال للأخطل: كيف تسمع! قال: هجاك يا أمير المؤمنين. قال: بل حسدته. فقال الأخطل: ما قلت لك يا أمير المؤمنين أحسن من هذا حيث أقول:
أهلوا من الشهر الحرام فأصبحوا ... موالى ملك لا طريف ولا غصب
فجعلته لك حقّا وجعلك اغتصبته.
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى؛ قال: حدثنى أبو يعلى عبيد الله بن [71] عبد الله الكاتب، عن عمر بن شبّة، قال: دخلت يوما عزّة على كثّير متنكرة فقالت: أنشدنى أشدّ بيت قلته فى حب عزّة. قال: قلت لها «36» :
وجدت بها وجد المضلّ قلوصه ... بمكة والرّكبان غاد ورائح
قالت: لم تصنع شيئا، قد يجد هذا ناقة يركبها. فأطرق، ثم قال:
وجدت بها ما لم يجد ذو حرارة ... يمارس جمّات الركىّ «37» النوازح
فقالت له: لم تصنع شيئا، يجد هذا من يسقيه. فأطرق. ثم قال:
وجدت بها ما لم تجد أمّ واحد ... بواحدها تطوى عليه الصفائح
(1/196)

فضحكت، ثم قالت: إن كان ولا بدّ فهذا.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: أخبرنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيّات، قال:
أخبرنا الزّبير بن بكار، عن سعيد بن عمرو الزّبيرى، عن إبراهيم بن أبى عبد الله، قال:
أنشد كثّير ابن أبى عتيق «38» :
ولست براض من خليل بنائل ... قليل ولا راض له بقليل
فقال ابن أبى عتيق: هذا كلام مكافئ وليس بعاشق؛ القرشيّان أصدق منك وأقنع:
ابن أبى ربيعة، وابن قيس الرّقيات، قال عمر «39» :
فعدى نائلا وإن لم تنيلى ... إنما ينفع المحبّ الرجاء
وقال عمر «40» :
ليت حظّى كطرفة العين منها ... وكثير منها قليل مهنّا
وقال ابن قيس:
ر قىّ بعمركم لا تهجرينا ... ومنيّنا المنى ثم امطلينا
عدينا فى غد ماشئت إنّا ... نحبّ ولو مطلت الواعدينا
فإمّا تنجزى عدتى وإمّا ... نعيش بما نؤمّل منك حينا
أخبرنى على بن يحيى، عن محمد بن زكريا الغلابى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن هشام بن سليمان، عن السائب بن ذكوان- وكان راوية كثّير- قال: قال لى كثير عزة يوما: اذهب بنا إلى ابن أبى عتيق نتحدّث عنده، فذهبنا إليه فاستنشده ابن أبى عتيق فأنشده:
أبائنة سعدى نعم ستبين
(1/197)

حتى بلغ قوله:
وأخلفن ميعادى وخنّ أمانتى ... وليس لمن خان الأمانة دين
فقال ابن أبى عتيق: يابن أبى جمعة «41» ، وعلى الديانة تبعتها؟ فأنشده:
كذبن صفاء الودّ يوم محلّه ... وأدركنى من عهدهنّ رهون
فقال ابن أبى عتيق: يابن أبى جمعة، فذاك والله أصلح لهنّ، وأدعى للقلوب إليهن، كان عبيد الله بن قيس الرقيات أعلم بهنّ منك، وأوضع للصواب مواضعه فيهن حيث يقول:
حبّ هذا الدّلّ والغنج ... والتى فى طرفها دعج
والتى إن حدّثت كذبت ... والتى فى وعدها خلج «42»
وترى فى البيت صورتها ... مثل ما فى البيعة السّرج
خبرونى هل على رجل ... عاشق فى قبلة حرج
قال: فسكن كثير، وقال: لا، إن شاء الله تعالى. قال: فضحك ابن أبى عتيق حتى كاد يغشى عليه.
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حكى الزبيريون أن مدينية عرضت لكثيّر فقالت: أأنت القائل. وأخبرنى على بن [72] عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم عن أبيه، قال: حدثنى إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: قالت امرأة لكثير: أنت القائل «43» :
فما روضة بالحزن طيّبة الثرى ... يمجّ النّدى جثجاثها «44» وعرارها
بأطيب من أردان عزّة موهنا ... إذا أوقدت بالمندل «45» الرطب نارها
(1/198)

قال: نعم. قالت: فض الله فاك، أرأيت لو أن ميمونة الزنجية بخّرت بمندل رطب أما كانت تطيب؟ ألا قلت كما قال سيدك امرؤ القيس «46» :
ألم تر «47» أنى كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
قال المبرد: الجثجاث: ريحانة طيبة الريح برّية، والعرار: البهار البرىّ، وهو حسن الصّفرة طيّب الريح، والمندل: العود، وقوله: موهنا، يقول بعد هدء من الليل «48» .
وحدثنى محمد بن قريش، قال: حدثنا الحارث بن أبى أسامة، عن المدائنى، قال «49» : لقيت امرأة كثيرا فى بعض طرق المدينة؛ وأخبرنى عبد الله بن مالك النحوى، قال: أخبرنا حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن أبيه، عن أبى المقوّم الأنصارى، عن السائب راوية كثّير، قال: لقيت امرأة كثّيرا فى بعض الطريق، فقالت: أنت كثيّر؟
قال: نعم. قالت: والله لقد رأيتك فما أخذتك عينى. قال: وأنا والله لقد رأيتك فما قذيت «50» عينى. قالت: والله لقد سفل الله بك، إذ كنت لا تعرف إلّا بامرأة. قال:
والله ما سفل الله بى، ولكن رفع بها ذكرى، واستنار بها أمرى، واستحكم بها شعرى، فهى كما قلت «51» :
وإنى لا سمو بالوصال إلى التى ... يكون سناء «52» ذكرها وازديارها «53»
إذا خفيت «54» كانت لعينك قّرة ... وإن تبد يوما لم يعمّمك عارها «55»
(1/199)

قالت: مر «56» فى قصيدتك، فقال:
وما «57» روضة بالحزن طيّبة الثّرى ... يمجّ الندى جثجاثها وعرارها «58»
لها «59» أرج بعد الهدوء كأنما ... تلاقت به عطّارة وتجارها
بأطيب من أردان عزّة موهنا ... وقد أوقدت «60» بالمجمر «61» الّلدن نارها
فقالت: فضّ الله فاك، والله لو فعل هذا بزنجية لطاب ريحها، ولامرؤ القيس ابن حجر كان أحسن وصفا لصاحبته منك حيث يقول «62» :
خليلىّ مرّا بى على أم جندب ... لنقضى «63» لبانات الفؤاد المعذّب
ألم تر أنى كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
وحدثنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة، قال: حدثنا عبيد الله بن إسحاق بن سلام، عن رجاله، قال: مدح كثّير بعض ملوك بنى مروان، فخرج ومعه الجائزة وعليه الخلع فتلقّته سوداء، فقالت له: أأنت كثير عزّة؟ قال: نعم. قالت: تبّا لك! أتعرّف بامرأة؟ قال: وما يضيرنى من ذاك؟ فو الله لقد رفع الله بها ذكرى، ونشر فيها شعرى، وأغزر بحرى. قالت: أفلست القائل: فما روضة بالحزن وذكرت الأبيات الثلاثة. ثم قالت: لو أوقدت بالمجمر اللدن نار زنجية لطاب ريحها؛ هلا قلت كما قال سيدك [73] امرؤ القيس:
خليلىّ مرّا بى على أمّ جندب وذكر البيتين.
(1/200)

فانصرف كثير، وهو يقول:
الحقّ أبلج لا يخيل «64» سبيله ... والحقّ يعرفه ذوو الأحلام
وحدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، عن سليمان بن أبى شيخ، عن عوانة بن الحكم؛ وذكر مقتل أمير المؤمنين على بن أبى طالب صلوات الله عليه، وأمر قطام وعبد الرحمن بن ملجم، وتزويجها إياه ليقتل أمير المؤمنين عليّا عليه السلام، فبلغ كثّيرا ذلك، فقال: لآتينّها. فأتاها، فقالت قطام لكثير: تسمع بالمعيدى خير من أن تراه. فقال كثير «65» :
رأت رجلا أودى السّقام «66» بجسمه ... فلم يبق إلا منطق وجناجن «67»
فإن أك معروق العظام فإننى ... إذا ما وزنت القوم «68» بالقوم وازن
وإنى لما استودعتنى من أمانة ... إذا ضيّع الأسرار يا عزّ دافن «69»
قالت: الحمد لله الذى قصّر بك فصرت لا تعرف إلا بعزّة، قال: والله ما قصر الله بى، فقد سار بها شعرى، وطار بها ذكرى، وقرب بها مجلسى، وطابت نفسى، وإنها كما قلت ووصفت. قالت: فكيف قلت؟ قال: قلت «70» :
وإنا سمونا «71» بالوصال إلى التى ... وذكر البيتين.
فقالت له: مرّ فى قصيدتك. فقال:
من الخفرات البيض لم تر غلظة «72» ... وفى الحسب الضّخم الرّفيع نجارها
(1/201)

وما روضة بالحزن طيبة الثرى.. وذكره والبيت الذى بعده.
قالت: فالله ما رأيت شاعرا قطّ أقلّ عقلا ولا أضعف وصفا منك، والله لو فعل هذا بزنجية لطاب ريحها؛ لامرؤ القيس أشعر منك وأوصف حيث يقول:
ألم تر أنى كلما جئت طارقا
... البيت.
فقام كثير وهو يقول:
الحقّ أبلج ما يخيل سبيله ... والحقّ يعرفه ذوو الألباب «73»
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب، عن الزبير بن بكار، قال: حدثنى محمد بن يحيى، عن محمد بن الربيع بن أبى جهمة الجندعى أنّ أباه مرّ على كثير بالروحاء وهو ينشد «74» :
وكنت كذى رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت
فقال له: ويحك يابن أبى جمعة، منذ متى قيل هذا الشعر؟ قال: منذ زمان طويل.
قال: فهذا يقوله صاحبنا أميّة بن الأسكر. قال: هو ذاك يابن أبى جهمة، أنا أحظى به منه.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزبير بن بكار، قال: كتب إلىّ إسحاق بن إبراهيم يقول: حدثنى الأصمعى، عن عبد الرحمن بن أبى الزّناد، قال: مر أعرابى بكثير وهو ينشد:
أودّ لكم خيرا وتطّرحوننى ... أسعد بن ليث لاختلاف الصنائع
ويروى: وتتهموننى أكعب بن عمرو فنادى: عباد الله؛ هذا والله شعرى قلته. فقال كثير: إن يكن لك فما نفعك، وإلّا يكن لك فهو أبعد لك منه.
حدثنى محمد بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن الزبير بن بكار،
(1/202)

قال: حدثنى من له علم وثبت من قريش، فيهم عمى مصعب بن عبد الله، عن جدى عبد الله بن مصعب أنّ قول جميل «75» :
أفق قد أفاق العاشقون وفارقوا ... الهوى واستمرّت بالرجال المرائر [74]
وهبها كشىء لم يكن أو كنازح ... به الدار أو من غيّبته المقابر
وهما فى قصيدته التى يقول فيها:
أألحقّ إن دار الرّباب تباعدت ... أو إن شطّ ولى «76» أنّ قلبك طائر
قال الزبير: فأغار كثّير على البيتين، فأدخلهما فى قصيدته التى أولها:
عفا واسط من أهله والظواهر
قال الزبير: وحدثنى أبو سلمة موهوب بن رشيد الكلابى أنه سمع الضحاك بن عثمان الحزامى يقول: من أغزل أبيات قالتها العرب أبيات حسان بن يسار التغلبى حين يقول:
أجدّك إن دار الرّباب تباعدت ... أو انبت حبل أنّ قلبك طائر
أمت ذكرها واجعل قديم وصالها ... وعشرتها كبعض من لا تعاشر
وهبها كشىء قد مضى أو كنازح ... به الدار أو من غيبته المقابر
فقد ضلّ إلا أن تقضّى حاجة ... ببرق جفير دمعك المتبادر
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: تحامل الزبير بن بكار على كثير- فيما جمعه من أخباره، وبيّن عليه من سرقاته- ظاهر، وهو خصم لا يقبل قوله على كثيّر لهجاء كثير لولد عبد الله بن الزبير وانحراف الزبير عن أهل البيت عليهم السلام.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا الزبير بن بكار، وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن الزبير، قال: حدثنى عمر بن أبى بكر المؤملى، عن عبد الله بن أبى عبيدة وغيره- أن سكينة بنت الحسين قالت لكثّير حين أنشدها قصيدته التى أولها «77» :
(1/203)

أشاقك «78» برق آخر الليل واصب «79» تضمّنه فرش الجبا فالمسارب «80»
تألّق واحمومى «81» وخيّم بالرّبى ... أحمّ الذّرى ذو هيدب متراكب
إذا زعزعته الريح أرزم «82» جانب ... بلا خلف «83» منه وأومض جانب
وهبت لسعدى ماءه ونباته ... كما كلّ ذى ودّ لمن ودّ واهب
لتروى به سعدى ويروى صديقها ... ويغدق أعداد لها ومشارب
أتهب لها غيثا عاما جعلك الله والناس فيه أسوة؟ فقال: يا بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وصفت غيثا فأحسنته وأمطرته وأنبتّه وأكملته؛ ثم وهبته لها. فقالت: فهلا وهبت لها دنانير ودراهم! قال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «84» : من الأبيات التى زادت قريحة قائليها على عقولهم قول كثّير:
فإن أمير المؤمنين برفقه ... غزا كامنات الودّ منى فنالها
وقوله أيضا- يخاطب عبد العزيز بن مروان «85» :
ما «86» برحت رقاك تسلّ ضغنى ... وتخرج من مكامنها ضبابى
ويرقينى لك الرّاقون حتى ... أجابك حية تحت الحجاب
وقوله «87» :
ألا ليتنا يا عزّ كنّا لذى «88» غنى ... بعيرين نرعى فى الخلاء ونعزب [75]
نكون لذى مال كثير مغفّل ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب
(1/204)

إذا ما وردنا منهلا هاج أهله ... إلينا فلا ننفكّ نرمى ونضرب «89»
فقالت عزة: أردت بى الشقاء الطويل، ومن المنية ما هو أوطأ من هذه الحال «90» .
قال: ولجنادة بن نجبة وهو أقبح من قول كثير «91» :
من حبّها أتمنى أن يلاقينى ... من نحو بلدتها ناع فينعاها
لكى «92» أقول فراق لالقاء له ... أو تضمر «93» النفس يأسا ثم تسلاها
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: أنشد بشار بيت كثّير «94» :
ألا إنما ليلى عصا خيزرانة ... إذا غمزوها بالأكفّ تلين
قال: فضحك وقال: لله أبو صخر! جعلها عصا ثم يعتذر لها، والله لو جعلها عصا أو عصا مخّ أو عصا زبد لكان قد أساء. ألا قال كما قلت «95» :
وبيضاء المدامع «96» من معدّ ... كأنّ حديثها قطع الجنان
إذا قامت لسبحتها «97» تثنّت ... كأنّ عظامها من خيزران
قال: والخيزرانة كلّ غصن ليّن يتثنى. ويقال للمردىّ «98» خيزرانة إذا كان يتثنى إذا اعتمد عليه.
(1/205)

وأخبرنا محمد بن العباس، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا الأصمعى، قال:
أنشد رجل بشارا وأنا حاضر قول الشاعر:
وقد جعل الأعداء ينتقصوننا ... وتطمع فينا ألسن وعيون
إلا إنما ليلى عصا خيزرانة ... إذا غمزوها بالأكفّ تلين
قال: فقال بشار: والله لو جعلها عصا مخّ أو عصا زبد لما كان إلا مخطئا مع ذكر العصا، ألا قال كما قلت:
وبيضاء المحاجر من معدّ ... كأن حديثها ثمر الجنان
إذا قامت لصحبتها تثنّت ... كأنّ عظامها من خيزران
ينسيك المنى نظر إليها ... ويصرف وجهها وجه الزمان
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا الزبير بن بكار، قال: أنشدت امرأة من قريش قول كثير «99» :
أإن زمّ أجمال وفارق جيرة ... وصاح غراب البين أنت حزين
قالت: إذا لم يكن الحزن عند فراق الجيرة وحنين الإبل فأين يكون؟
(1/206)

5- راعى الإبل النميرى وعمه [1]
أخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنا الرياشى، قال:
حدثنا أبو عبيدة، قال: لما أنشد الراعى عبد الملك بن مروان قصيدته فبلغ قوله «1» :
أخليفة الرّحمن إنّا معشر ... حنفاء «2» نسجد بكرة وأصيلا
عرب نرى لله فى أموالنا ... حقّ الزكاة منزّلا تنزيلا
فقال له عبد الملك: ليس هذا شعرا، هذا شرح إسلام، وقراءة آية.
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى يموت بن المزرّع، قال: حدثنى محمد بن حميد، عن عمه؛ وحدثنى عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا المبرد؛ قالا: لما أنشد الراعى عبد الملك بن مروان [76] قصيدته التى شكا فيها السّعاة فبلغ قوله «3» :
وتركت قومى يقسمون أمورهم ... أإليك أم يتلبّثون «4» قليلا
قال عبد الملك: يتلبثون قليلا رحمك الله! حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن ابن الأعرابى، قال: قال عمارة بن عقيل: قال عم عبيد الراعى [للراعى] «5» : أيّنا أشعر أنا أم أنت؟ قال: بل أنا يا عم. فغضب وقال: بم ذاك؟ قال: بأنك تقول البيت وابن أخيه وأقول البيت وأخاه.
أخبرنى أبو القاسم يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، قال: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: أبو حيّة النميرى أشعر فى عظم الشعر من الراعى.
__________
[1] الراعى هو الحصين بن معاوية. من بنى نمير، وولده وأهل بيته بالبادية سادة أشراف. ويقال هو عبيد بن حصين. وهجاه جرير لأنه اتهمه بالميل إلى الفرزدق. وفى ألقاب الشعراء 314: سمى راعيا لقوله أبياتا يصف فيها راعيا. وهو شاعر فحل من الشعراء الإسلاميين. ذكره الجمحى فى الطبقة الأولى من الشعراء الإسلاميين. وعمه هو أبو حية النميرى. وسيأتى للمؤلف كلام فيه. وارجع إلى ترجمته فى الشعر والشعراء 377، والخزانة 3- 130، والأغانى 20- 168، وأمالى المرتضى (1- 322) .
(1/207)

وأخبرنى الصولى، قال: حدثنا محمد بن الحسن البلعى، قال: حدثنا أبو حاتم عن الأصمعى، قال: سئل أبو عمرو بن العلاء عن الراعى النميرى وأبى حية النميرى فقال:
الراعى أكبرهما قدرا وأقدمهما.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سألت الأصمعى عن الراعى، قال: ليس بفحل. وقد أنكر على الراعى قوله:
فلما أتاها حبتر بسلاحه ... مضى غير مبهور ومنصله انتضى
أراد انتضى منصله، فقدم وأخّر.
6- القطامى [1]
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: كان زفر بن الحارث الكلابى قد أسر القطامى فى حرب بينهم وبين تغلب، فمنّ عليه وأعطاه مائة من الإبل وردّ عليه ماله، فمدحه القطامى بقصيدة طويلة يقول فيها «6» :
من مبلغ زفر القيسىّ مدحته ... عن القطامىّ قولا غير إفناد «7»
فلما بلغ القطامىّ قوله فيها:
فإن قدرت على يوم جزيت به ... والله يجعل أقواما بمرصاد
قال زفر: لا قدرت على ذلك اليوم.
وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى يموت بن المزرّع، قال: حدثنى
__________
[1] هو عمير بن شييم. وقيل اسمه عمرو. ولقب القطامى ببيت قاله، وهو:
يصهكن جانبا فجانبا ... صك القطامى القطا القواربا
والقطامى بضم القاف وفتحها. وهو من بنى تغلب.
وكان شاعرا فحلا رقيق الحواشى حلو الشعر، حسن التشبيب. وجعله ابن سلام فى الطيقة الثانية من فحول الإسلام.
وترجمته فى الشعر والشعراء 702، وابن سلام 453، معجم المرزبانى 73، والخزانة 2- 324.
(1/208)

محمد بن حميد، عن عمه، قال: لما أنشد القطامى زفر بن الحارث هذا البيت قال له زفر: لا قدرك «8» الله على ذلك.
7- أخبار تشتمل على ذكر جماعة من شعراء الإسلام
حدثنى أحمد بن محمد المكى، قال: حدثنا أبو العيناء، عن مصعب بن عبد الله الزّبيرى؛ وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة؛ قالا: يروى أنه اجتمع «9» بالمدينة راوية جرير وراوية نصيب وراوية كثّير وراوية جميل وراوية الأحوص، فادّعى كلّ رجل منهم أنّ صاحبه أشعر، ثم تراضوا بسكينة بنت الحسين، فأتوها فأخبروها، فقالت لصاحب جرير: أليس صاحبك الذى يقول «10» :
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزيارة فارجعى بسلام
وأىّ ساعة أحلى للزيارة من الطروق «11» ، قبّح الله صاحبك وقبّح شعره.
ثم قالت لصاحب كثّير: أليس صاحبك الذى يقول «12» :
يقرّ بعينى ما يقرّ بعينها ... وأحسن شىء ما به العين قرّت
كأنى أنادى صخرة حين أعرضت ... من الصّم لو تمشى بها العصم زلّت «13»
صفوحا «14» فما تلقاك إلّا بخيلة ... فمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت [77]
خليلى هذا ربع عزّة فاعقلا ... قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلّت
(1/209)

فليس شىء أحبّ إليهن ولا أقرّ لأعينهن من النكاح؛ أفيحبّ صاحبك أن ينكح! قبحه الله وقبّح شعره! ثم قالت لصاحب جميل: أليس صاحبك الذى يقول «15» :
فلو تركت عقلى معى ما طلبتها «16» ... ولكن طلابيها لما فات من عقلى
فإن وجدت نعل بأرض مضلّة ... من الأرض يوما فاعلمى أنها نعلى
خليلىّ فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حب قاتله قبلى «17»
ما أرى لصاحبك هوى؛ إنما يطلب عقله، قبّح الله صاحبك وقبّح شعره.
ثم قالت لصاحب نصيب: أليس صاحبك الذى يقول «18» :
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فواحزانى من ذا يهيم بها بعدى
كأنه يتمنّى لها من يتعشّقها بعده؛ قبح الله صاحبك وقبح شعره؛ ألا قال:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فلا صلحت دعد لذى خلّة بعدى
ثم قالت لصاحب الأحوص: أليس صاحبك الذى يقول:
من عاشقين تواصلا وتواعدا ... ليلا إذا نجم الثريا حلّقا
باتا بأنعم عيشة وألذّها ... حتى إذا وضح النهار تفرّقا
قبح الله صاحبك وقبّح شعره؛ ألا قال: تعانقا.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: فى هذا الخبر خطأ عند ذكر كثير؛ لأنّ البيت الذى أوله: يقرّ بعينى ما يقرّ بعينها للأحوص بن محمد.
قال محمد بن القاسم الأنبارى: أخبرنا عبد الله بن بيان، قال: قال الهيثم بن عدى
(1/210)

عن صالح بن حسان، قال: كانت عقيلة بنت عقيل بن أبى طالب تجلس للناس، فبينا هى جالسة إذ قيل لها: العذرى بالباب. فقالت: ائذنوا له. فدخل. فقالت له: أأنت القائل «19» :
فلو تركت عقلى معى ما بكيتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلى
إنما تطلبها عند ذهاب عقلك، لولا أبيات بلغتنى عنك ما أذنت لك، وهى «20» :
علقت الهوى منها وليدا فلم يزل ... إلى اليوم ينمى حبّها ويزيد
فلا أنا مرجوع «21» بما جئت طالبا ... ولا حبّها فيما يبيد يبيد
يموت الهوى منى إذا ما لقيتها ... ويحيى إذا فارقتها فيعود
ثم قيل: هذا كثير عزة والأحوص بالباب. فقالت: ائذنوا لهما. ثم أقبلت على كثير، فقالت: أما أنت يا كثير فألأم العرب عهدا فى قولك «22» :
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لى ليلى بكل سبيل
ولم تريد أن تنسى ذكرها؟ أما تطلبها إلا إذا مثلت لك! أما والله لولا بيتان قلتهما ما التفتّ إليك، وهما قولك:
فيا حبّها زدنى جوى كلّ ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
عجبت لسعى الدهر بينى وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدّهر «23»
(1/211)

ثم أقبلت على الأحوص فقالت: وأما أنت يا أحوص فأقلّ العرب وفاء فى قولك:
من عاشقين تراسلا فتواعدا ... ليلا إذا نجم الثريا حلّقا
بعثا أمامهما مخافة رقبة ... عبدا ففرّق عنهما ما أشفقا
باتا بأنعم عيشة وألذّها ... حتى إذا وضح الصباح تفرّقا [78]
ألا قلت: تعانقا، أما والله لولا بيت قلته ما أذنت لك، وهو:
كم من دنىّ لها قد صرت أتبعه ... ولو صحا القلب عنها صار لى تبعا
ثم أمرت بهم فأخرجوا إلا كثيرا، وأمرت جواريها أن يكتفنه، وقالت له: يا فاسق، أنت القائل «24» :
أإن زمّ أجمال وفارق جيرة ... وصاح غراب البين أنت حزين
أين الحزن إلا عند هذا؟ خرّقن ثوبه يا جوارى. فقال: جعلنى الله فداءك! إنى قد أعقبت بما هو أحسن من هذا. ثم أنشدها «25» :
أأزمعت بينا عاجلا وتركتنى ... كئيبا سقيما جالسا أتلدّد «26»
وبين التراقى واللهاة حرارة ... مكان الشّجا ما تطمئنّ «27» فتبرد
فقالت: خلّين عنه يا جوارى. وأمرت له بمائة دينار وحلّة يمانية، فقبضها وانصرف.
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، وأخبرنى إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، ومحمد بن أبى الأزهر، قالا: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، [عن] «28» أحمد بن يحيى النحوى، عن بعض رجاله، وحدثنى علىّ بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم، عن أبيه، قال:
(1/212)

حدثنى إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: حدثنى عثمان بن حفص الثّقفى، وأخبرنى عمر بن داود العمانى، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الأسدى، عن حماد بن إسحاق، عن أبيه، عن أبى عبد الله الزبيرى- وبعضهم يزيد على بعض- أن عمر بن أبى ربيعة قدم المدينة فأقام بها حينا وأطال، ففى ذلك يقول:
يا خليلىّ قد مللت ثوائى ... بالمصلّى وقد شنئت البقيعا
بلّغانى ديار هند وسعدى ... وارجعانى فقد هويت الرّجوعا
ثم أراد الانصراف، فقال له الأحوص: أشيّعك. وخرج معه حتى نزلا ودّان، وبها منزل نصيب، فعارضهما وصار معهما، حتى إذا نزلوا الجحفة أو عسفان خرج الأحوص لحاجة له فرأى كثيّرا، فرجع فأخبرهما، فقال عمر: ابعثوا إليه ليصير إلينا. فقال الأحوص: أهو يصير إليك؟ هو والله أعظم كبرا من ذلك وأتيه. قال: فإذا نصير إليه.
فصاروا إليه، فوجدوه جالسا على فروة، فو الله ما رفع منهم أحدا، ولا أوسع لعمر بن أبى ربيعة، قال: فجلسوا إليه فتحدثوا قليلا، ثم أقبل على ابن أبى ربيعة فقال: يا عمر- وقال بعضهم: يا أخا قريش- والله والله لقد قلت فأحسنت فى كثير من شعرك، ولكنك تخطئ الطريق، تشبب بها ثم تدعها وتشبب بنفسك، اخبرنى عن قولك «29» :
قالت لترب لها تحدثها «30» ... لتفسدنّ الطواف فى عمر
ويروى:
قالت لأخت لها تعاتبها ... لتفسدنّ......
قومى تصدّى له ليبصرنا ... ثم اغمزيه يا أخت فى خفر
ويروى:
قالت تصدّى له ليعرفنا ... ............
قالت لها قد غمزته فأبى ... ثم اسبطرّت تشتدّ «31» فى أثرى
(1/213)

أردت أن تنسب بها فنسبت بنفسك، والله لو وصفت بهذا هرّة أهلك- أو قال منزلك- كنت قد أسأت صفتها. أهكذا يقال للمرأة؟ إنما توصف بالخفر، وأنها مطلوبة ممنّعة؛ هلا قلت كما قال هذا- وضرب بيده على كتف الأحوص:
لقد منعت معروفها أمّ جعفر ... وإنى إلى معروفها لفقير
وقد أنكروا عند اعتراف زيارتى ... وقد وغرت فيها علىّ صدور [79]
أزور ولولا أن أرى أمّ جعفر ... بأبياتكم ما زرت حيث أزور
قال ثعلب: «أدور» ؛ وهى الرواية، وهكذا رواه المبرد. وقل فى آخره: ما درت حيث أدور.
أزور على أن ليس ينفكّ كلما ... أتيت عدوّ بالبنان يشير
وما كنت زوّارا ولكن ذا الهوى ... إذا لم يزر لابد أن سيزور
هكذا والله يكون الشعر وصفة النساء. فارتاح الأحوص وامتلأ سرورا وانكسر عمر.
ثم أقبل على الأحوص، فقال: وأنت يا أحوص، أخبرنى عن قولك «32» :
فإن تصلى أصلك وإن تبينى «33» ... بصرمك «34» قبل وصلك لا أبالى
وإنى للمودّة ذو حفاظ ... أواصل من يهشّ إلى وصالى
وأقطع حبل ذى ملق كذوب ... سريع فى الخطوب إلى انتقال
ويلك! أهكذا يقول الفحول؟ أما والله لو كنت فحلا ما قلت هذا لها- وقال بعضهم: أما والله لو كنت من فحول الشعراء لباليت؛ هلا قلت كما قال هذا الأسود- وضرب بيده على جنب نصيب «35» :
(1/214)

بزينب ألمم قبل أن يرحل «36» الركب ... وقل إن تملّينا فما ملّك القلب
وقل إنّ قرب الدار يطلبه العدى ... قديما ونأى الدار يطلبه القرب
وقل إن أنل بالحب منك مودّة ... فما فوق ما لا قيت من حبكم حب
وقل فى تجنّيها لك الذنب، إنما ... عتابك من عاتبت فيما له ذنب
قال: فانتفخ نصيب، وانكسر الأحوص.
قال: ثم أقبل على نصيب فقال: ولكن أخبرنى عن قولك يابن السوداء «37» :
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فواحزنى من ذايهيم بها بعدى
ودعد مشوب الدّل توليك شيمة ... لشكّ فلا قربى بدعد ولا بعدى
كأنك اغتممت ألّا يفعل بها بعدك- كذا لا يكنى- وقال بعضهم فى روايته: أيهمّك من ينكحها بعدك، والرجال أكثر مما تظن.
فقال بعض القوم لبعض: انهضوا فقد استوت القرقة «38» . فلما خرجوا من عنده قال عمر: هذا أخبث مدخول عليه فى العرب.
قال المبرد: القرقة لعبة يلعب بها على خطوط فاستواؤها انقضاؤها، وهى تسمى الطّبن «39» ، والعامة تسميها السّدّر «40» .:
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، عن العنزى، قال: حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس السامى، قال: حدثنا أبو عمر حفص بن عمر، قال: حدثنا لقيط بن بكير المحاربى، قال: قدم البعيث على مسلمة بن عبد الملك، وذكر حديثا، قا فى آخره: ثم قال مسمة للبعيث: حدثنى من أشعر العرب. قال: أعيار «41» تركتها بالصمّان من بنى
(1/215)

حنظلة يكتدمون «42» . قال: ومن هم؟ قال: الفرزدق، وجرير، وابنا رميلة- يعنى الأشهب، وزبّابا ابنى رميلة- والله، أصلح الله الأمير، ما منهم رجل إلا قد قال بيتا ما يسرّنى أنى قلته ولى حمر النعم. قال: وما قالوا؟ قال: قال الفرزدق [80] :
لقد طوّفت فى كل حىّ فلم تجد ... لعورتها كالحى بكر بن وائل
أعفّ وأوفى ذمة يعقدونها ... وخيرا إذا وازى الذرى بالكواهل
فكيف يفخر على بكر بن وائل بعد هذا؟ وما يقول لقومه؟
وأما جرير فقال «43» :
ردّى «44» جمال البين ثم تحمّلى ... فمالك فيهم من مقام ولاليا
فأين يقيم ابن المراغة إذا لم يقم فى عشيرته وقومه.
وأما ابن رميلة فقال:
ولما رأيت القوم نالت رماحهم ... زبابا ونى شرّى وما كان وانيا
وكان أحرى ألا ينى شرّه حين شكّ القوم زبابا، يعنى ابن رميلة أخا الأشهب بن رميلة.
وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز: أخبرنا عمر أنّ شبّة، قال: يقال: إنه اجتمع على باب الوليد بن عبد الملك الفرزدق وجرير والأخطل والبعيث والأشهب بن رميلة، فدخل عليه داخل فقال: يا أمير المؤمنين، لقد اجتمع على بابك شعراء ما اجتمع مثلهم على باب ملك قطّ. ثم سمّاهم. فأمر بالفرزدق فأدخل أولهم، فاستنشده وحادثه. ثم أمر بالباقين فأدخلوا، وأخّر البعيث، فقيل له فى البعيث، فقال: إنه ليس كهؤلاء. فقيل له:
ما هو بدونهم. فأمر به فأدخل ثم استنشده، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ من حضرك ظنّوا أنك إنما قدمتهم علىّ لفضل وجدته عندهم لم تجده عندى. قال: أو لست تعلم أنهم أشعر
(1/216)

منك؟ قال: كلا، والله، ولأنشدنك من أشعارهم ما لو هجاهم أعدى الناس لهم ما بلغ منهم ما بلغوا من أنفسهم، أما هذا الشيخ الأحمق- وأشار إلى الفرزدق- فإنه قال لعبيد بنى كليب هذا- وأشار إلى جرير «45» .
بأىّ رشاء يا جرير وماتح ... تدلّيت فى حومات تلك القماقم
فجعله تدلّى عليه وعلى قومه.
وأما عبيد بنى كليب- وأشار إلى جرير- فقال لهذا الشيخ:
لقومى أحمى للحقيقة منكم ... وأضرب للجبار والنقع «46» ساطع
وأوثق عند المردفات عشية ... لحاقا إذا ما جرّد السيف لامع «47»
فجعل نساءه سبايا بالغداة قد نكحن ووثقن فى عشيتهنّ باللحاق.
وأما هذا ابن النصرانية- يعنى الأخطل- فإنه قال «48» :
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعوّل
فأقّر بما أقرّ به وهنا وجبنا وضعفا.
وأما ابن رميلة الضعيف فإنه قال:
ولما رأيت القوم ضمّت حبالهم ... ونى ونية شرّى وما كان وانيا
فأقر أن شره ونى عنه وقت الحاجة إليه.
فقال له الوليد: لعمرى؛ لقد عبت معيبا. ثم استنشده وأحسن جائزته.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: وذكر الفرزدق فى هذا الحديث غلط؛ لأنه ما ورد على خليفة قبل سليمان بن عبد الملك.
(1/217)

حدثنى أحمد بن عيسى الكرخى، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا محمد بن سلّام الجمحى، قال: حدثنى حرير المدينى أبو الحصين، وحدثنى أحمد بن محمد الجوهرى [81] ، قال: حدثنا احمد بن عبيد بن ناصح النحوى، قال: حدثنى الزّبارى محمد بن زياد بن زبّار الكلبى، قال: حدثنى رجل من أهل الشام؛ وكتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قالوا: اجتمع فى ضيافة سكينة بنت الحسين بن على رضوان الله عليهم جرير والفرزدق وكثير عزة وجميل والنّصيب، فمكثوا أياما، ثم أذنت لهم، فدخلوا فقدت حيث تراهم ولا يرونها وتسمع كلامهم، وأخرجت إليهم جارية لها وضيئة قد روت الأشعار والأحاديث، فقالت: أيكم الفرزدق؟ فقال الفرزدق: هأنذا.
قالت: أنت القائل «49» :
هما دلّتانى من ثمانين قامة ... كما انقض باز أقتم الريش كاسره «50»
فلما استوت رجلاى بالأرض قالتا ... أحىّ يرجّى أم قتيل «51» نحاذره
فقلت ارفعا الأسباب لا يشعروا بنا «52» ... وولّيت فى أعجاز ليل أبادره «53»
أحاذر «54» بوّابين قد وكّلا بنا ... وأحمر من ساج «55» تئطّ مسامره
فأصبحت فى القوم القعود «56» وأصبحت ... مغلقة دونى عليها دساكره
يرى أنها «57» أضحت حصانا وقد جرى ... لنا برقاها «58» ما الذى أنا شاكره
(1/218)

ويروى: «فأصبح يرجوها حصانا» . قال: نعم، أنا قلته. قالت: ما دعاك إلى إفشاء سرك وسرّها؟ أفلا سترت على نفسك وعليها؟ خذ هذه الألف الدرهم وانصرف.
قال: بل تركها واللحاق بأهلى أجمل.
ثم دخلت وخرجت فقالت: أيكم جرير؟ قال: هأنذا. أأنت القائل «59» :
طرقتك صائدة القلوب «60» وليس ذا ... حين الزيارة فارجعى بسلام
تجرى السواك على أغرّ كأنه ... برد تحدّر من متون غمام
لو كان عهدك كالذى حدّثنا ... لوصلت ذاك فكان غير رمام «61»
إنى أواصل من أردت وصاله ... بحبال لا صلف ولا لوّام
قال جرير: أنا قلته. قالت: أفلا أخذت بيدها، ورحّبت بها، وقلت: «فادخلى بسلام» ! أنت رجل عفيف- وقيل ضعيف- خذ هذه «62» الألفين والحق بأهلك.
وذكر باقى الحديث. وقال عمر بن شبة فى آخره: فقال جرير- يعيّر الفرزدق بقوله: هما دلّتا من ثمانين قامة:
تدليت تزنى من ثمانين قامة ... وقصّرت عن باع العلا والمكارم
وأخبرنا محمد بن عبد الله البصرى، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابى، عن شعيب بن واقد، عن محمد بن سهل مولى بنى هاشم، عن أمه، قالت: حدثنى رجل من ثقيف أن جريرا والفرزدق ونصيبا وجميلا اجتمعوا فى موسم، فصاروا إلى سكينة بنت
(1/219)

الحسين، وعرّفوها أنفسهم، فبعثت إليهم بجارية لها أديبة ظريفة، فقالت: قولى للفرزدق: ألست القائل: هما دلتانى من ثمانين قامة؟ وذكر الأبيات- ما أحسنت، هتكت ستركما، وقد ستر الله عليكما؛ وأخرجت دراهم فدفعتها إليه. ثم دخلت وخرجت فقالت: أيكم القائل [82] «63» :
طرقتك صائدة القلوب ... البيت.
فقال جرير: أنا. فقالت: تقول لك مولاتى: ما أحسنت ولا سلكت طريقة الشعراء؛ أيكون وقت لا تصلح فيه زيارة الحبيب؟ ألا رحبّت وقرّبت وقلت: فادخلى بسلام. وأعطته دراهم. وذكر باقى الحديث.
وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد الصغير، عن أبيه، عن الهيثم بن عدى، عن عبد الرحمن بن أبى الزناد، عن أبيه، قال: مررت بالمدينة فعجت إلى سكينة بنت الحسين لأسلّم عليها، فألفيت على بابها الفرزدق وجريرا وكثّير عزة وجميل بن معمر والناس مجتمعون عليهم. فخرجت جارية لها بيضاء فقالت: يا أبا الزناد، شغلك شعراؤنا عن البعثة إلينا بالسلام. قال: قلت: أجل، وما أقبلت إلا للسلام عليكم. فدخلت ثم خرجت فقالت: أيكم الفرزدق؟ تقول مولاتى لك: أأنت القائل:
هماد دلّتانى من ثمانين قامة
.. وذكر الأبيات قال: نعم. قالت: سوأة لك، أما استحييت من الفحش تظهره فى شعرك؟ ألا سترت عليك؟ أفسدت شعرك.
ثم دخلت وخرجت فقالت: أيكم جرير؟ أأنت القائل «64» :
سرت الهموم فبتن غير نيام ... وأخو الهموم يروم كلّ مرام
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزيارة فارجعى بسلام
قال: نعم. قالت: كيف جعلتها صائدة لقلبك حتى إذا أناخت ببابك جعلت دونها سترك؟
(1/220)

ثم دخلت وخرجت فقالت: أيكم كثير؟ أأنت القائل «65» :
وأعجبنى يا عزّ منك مع الصبا ... خلائق صدق فيك يا عزّ أربع
دنوّك حتى يذكر الذاهل الصّبا ... ورفعك أسباب الهوى حين يطمع
وانك لا تدرين دينا مطلته ... أيشتدّ من جرّاك أو يتصدّع «66»
ومنهنّ إكرام الكريم وهفوة ال ... لئيم وخلّات المكارم تنفع «67»
أدمت لنا بالبخل منك ضريبة ... فليتك ذو لونين يعطى ويمنع
قال: نعم. قالت: ما جعلتها بخيلة تعرف بالبخل، ولا سخية تعرف بالسخاء.
ثم قالت: أيكم جميل؟ أأنت القائل «68» :
ألا ليتنى أعمى أصمّ تقودنى ... بثينة لا يخفى علىّ كلامها
قال: نعم. قالت: أفرضيت من نعيم الدنيا وزهرتها أن تكون أعمى أصم إلا أنه لا يخفى عليك كلام بثينة! قال: نعم. فوصلتهم جميعا وانصرفوا.
حدثنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة وأبو عثمان سعيد بن هارون الأشناندانى، عن التّوزى، عن أبى عبيدة، قال: لما قال ذو الرّمة «69» :
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النّقا أأنت أم أمّ سالم «70»
فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... ولونك لولا حمشة فى القوائم «71»
(1/221)

أجابه جنىّ من حيث لا يراه:
أأنت الذى شبهت ظبية قفرة ... لها ذنب فوق استها أمّ سالم
وقرنان إما يعلقانك يتركا ... بجنبيك يا غيلان «72» مثل المياسيم
قال: ولما قال نصيب:
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... فيا حزنى من ذا يهيم بها بعدى
أجابه جنى من حيث لا يراه:
أتحزن أن أرفاغ دعد تفرّجت ... وأنت صدى بين الحفائر فى اللّحد
وأهون على دعد بفقدك أن ترى ... صملّا «73» ينزّيها على هامة العرد «74»
قال: ولما قال جرير «75» :
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعى بسلام
أجابه جنى فقال:
لقد قال «76» رأى ابن المراغة إذ سرى ... إليه غزال فى خدور ظلام
فقال له من فرط لؤم وذلّة ... أيا طيف ذا المزدار، بن «77» بسلام
فألّا، وأسباب الجهالة كاسمها، ... تقول: أقم يا طيف خير مقام
قال: ولما قال الفرزدق:
هما دلّتانى من ثمانين قامة ... كما انقضّ باز أقتم لريش كاسره
أجابه جنى فقال:
فلو كنت حرّا يا فرزدق لم تبح ... بمكنون ما لاقيت والليل ساتره
فأصبح منشورا «78» من السرّ ما انطوى ... وألأم مأمون على السرّ ناشره
(1/222)

7- ذو الرمة [1]
أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنا الأصمعى، قال: ذو الرمة حجة، لأنه بدوى، وليس يشبه شعره شعر العرب؛ ثم قال: إلا واحدة تشبه شعر العرب، وهى التى يقول فيها «1» :
والباب دون أبى غسان مسدود وبالشين «2» أيضا.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال «3» : كان ذو الرمة راوية الراعى، ولم يكن له حظ فى الهجاء، كان مغلّبا.
أخبرنى ابن دريد، قال: أخبرنا الرياشى، قال: حدثنا يزيد بن مرة، عن أبى عبيدة قال: قيل لجرير كيف ترى شعر ذى الرمة؟ قال: نقط عروس «4» وأبعار ظباء.
وأخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: قال أبو عبيدة: أنشد ذو الرمة أمير اليمامة- وجرير شاهد- فقال له الأمير: ما تقول فى شعره؟
قال: نقط عروس وأبعار ظباء. ومع هذا فقد قدر من التشبيه على ما لم يقدر عليه غيره.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، عن محمد بن سلام «5» . قال: كان أبو عمرو بن العلاء يقول: إنما شعر ذى الرمة نقط عروس تضمحل
__________
[1] هو غيلان بن عقبة، ويكنى أبا الحارث. ويقال: إن مى هى التى لقبته ذى الرمة، وذلك أنه استقاها ماء، فلما أتته به- وكانت على كتفه رمة- وهى قطعة من حبل- قالت: اشرب يا ذا الرمة.
وقد نشأ فى البادية وقضى أكثر أيامه فى فلواتها. وقد كان يشبب بمى، وخرقاء. ودخل بين جرير والفرزدق لما تهاجيا، فكان مع الفرزدق على جرير. وجعله ابن سلام من شعراء الطبقة الثانية من فحول الإسلام. وقال فى مقدمة ديوانه: إنه توفى سنة 117 هجرية.
وترجمته فى الشعر والشعراء (506) ، ومقدمة ديوانه شعره، وابن سلام 465، والخزانة (1- 50) ، الأغانى (16- 106) .
(1/223)

عن قليل، وأبعار ظباء لها مشمّ فى أول شمّها، ثم تعود إلى أرواح البعر.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: زعم المدائنى أنّ ذا الرمة قال للفرزدق: كيف ترى هذا الشّعر يا أبا فراس لشعر أنشده؟ قال: أرى شعرا مثل بعر الصّيران «6» ؛ إن شممت شممت رائحة طيبة، وإن فتتّ فتتّ عن نتن.
قال محمد بن القاسم الأنبارى: حدثنى أبى، قال: حدثنا محمد بن على بن المغيرة الأثرم، قال: حدثنا أبى، عن الأصمعى، قال: حدثنا هارون الأعور، قال: قلت لجرير: أخبرنا عنك وعن هذين الرجلين؟ يعنى الأخطل والفرزدق. فقال جرير: أما أنا فمدينة الشعر. فقالوا: فالفرزدق؟ قال: له سنّ وفخر. قالوا: فالأخطل؟ قال: أرمانا للفرائص، وأشدّنا اجتزاء بالقليل، وأنعتنا للخمر والحمر. قالوا: فذو الرمة، قال بعر ظباء ونقط عروس.
قال [84] الأصمعى: إنّ شعر ذى الرمة حلو أوّل ما نسمعه، فإذا اكثر إنشاده ضعف، ولم يكن له حسن؛ لأنّ أبعار الظباء أول ما تشم يوجد لها رائحة ما أكلت الظباء من الشيح والقيصوم والجثجاث والنبت الطيب الريح؛ فإذا أدمت شمّه ذهبت تلك الرائحة، ونقط العروس إذا غسلتها ذهبت.
قال: وقال أبو عمرو بن العلاء: قال جرير: لو خرس ذو الرمة بعد قصيدته «7» :
ما بال عينك منها الماء ينسكب
كان أشعر الناس.
قال الأصمعى: وكان الكميت بن زيد معلما بالكوفة فلا يكون مثل أهل البدو، وكان ذو الرمة معلما بالبدو، وكان يحضر اليمامة والبصرة كثيرا، وكانا جميعا يستكرهان الشعر، وكان ذو الرمة أحسن حالا عند الأصمعى من الكميت.
(1/224)

وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قيل لجرير: أخبرنا عن ذى الرمة. قال: نقط عروس وبعر ظباء. قال المبرد: معنى قوله:
«نقط عروس» أنها تبقى أوّل يوم ثم تذهب، و «بعر الظباء» إذا شممته من ساعته وجدت منه كرائحة المسك، فإذا غبّ «8» ذهب ذلك.
وأخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: قال هشام بن الكلبى؛ قيل لجرير: كيف شعر ذى الرمة؟ قال: بعر ظباء ونقط عروس؛ فإنّ بعر الظباء توجد منه رائحة المسك أوّل شمّه، فإذا أعدت وجدت بعرا، وإن نقط العروس تذهب فى أول طهور.
أخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا أحمد بن يزيد، قال: حدثنا الجلودى قال: قيل للبطين: أكان ذو الرمة شاعرا متقدما؟ فقال البطين: أجمع العلماء بالشعر على أنّ الشعر وضع على أربعة أركان: مدح رافع، أو هجاء واضع، أو تشبيه مصيب، أو فخر سامق؛ وهذا كله مجموع فى جرير والفرزدق والأخطل؛ فأما ذو الرمة فما أحسن قط أن يمدح، ولا أحسن أن يهجو، ولا أحسن أن يفخر؛ يقع فى هذا كله دونا؛ وإنما يحسن التشبيه، فهو ربع شاعر.
أخبرنى محمد بن يحيى، عن الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: مرّ الفرزدق بذى الرمة وهو ينشد «9» :
أمنزلتى مىّ سلام عليكما ... هل الأزمن اللائى مضين رواجع
فوقف حتى فرغ منها. فقال: كيف ترى يا أبا فراس؟ قال: أرى خيرا. قال: فمالى لا أعدّ فى الفحول؟ قال: يمنعك من ذلك صفة الصحارى وأبعار الإبل. وولّى الفرزدق، وهو ينشد «10» :
ودوّيّة لو ذو الرّميمة رامها «11» ... بصيدح أودى ذو الرّميم وصيدح «12»
(1/225)

قطعت إلى معروفها منكراتها ... إذا خبّ آل دونها يتوضّح «13»
أخبرنا أبو بكر محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن رستم، قال: حدثنا التوّزى، قال: حدثنا الأصمعى، عن عيسى بن عمر، قال: قال ذو الرّمة للفرزدق:
مالى لا ألحق بكم معاشر الفحول؟ فقال له: لتجافيك عن المدح والهجاء، واقتصارك على الرسوم والديار.
وحدثنى على بن أبى منصور، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه- أن ذا الرّمة سأل الفرزدق عن شعره وقال: مالى لا ألحق بالفحول؟ فقال: يقعد بك عن غاية الشعراء [85] نعتك الأعطان والدّمن وأبوال الإبل.
وأخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى ثعلب، قال: قال أبو عبيدة: وقف ذو الرمة ينشد قصيدته التى يقول فيها «14» :
إذا ارفضّ أطراف السياط وهلّلت ... جروم المطايا عذّبتهنّ صيدح «15»
قال: فاجتمع الناس يسمعون، وذلك بالمربد، فمر الفرزدق فوقف يستمع، وذو الرمة ينظر إليه حتى فرغ، فقال: كيف تسمع يا أبا فراس؟ قال: ما أحسن ما قلت! قال: فمالى لا أعدّ مع الفحول؟ قال: قصّر بك عن ذاك بكاؤك فى الدّمن، ونعتك أبوال العظاء والبقر، وإيثارك وصف ناقتك وديمومتك. ثم ارتحل الفرزدق، فقال:
وديمومة لو ذو الرميمة رامها..
وذكر البيتين.
فقال ذو الرمة: نشدتك بالله يا أبا فراس أن تزيد. فقال: هما بيتان لا أزيد عليهما «16» .
(1/226)

حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أحمد بن أبى خيثمة، عن محمد بن سلام، قال: أخبرنى عبد الملك الباهلى، قال: قال ذو الرمة: قلت الرجز، فلما رأيتنى لا أقع من الرجلين أخذت فى القصيد وتركته- يعنى العجاج ورؤبة.
وأخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: قال أبو عبيدة، قال منتجع بن نبهان: قلنا لذى الرمة: يا أبا الحارث، بدأت وأنت تقول الرّجز ثم تركته. فقال: إنى رأيتنى لا أقع من هذين الرجلين موقعا، فعوّلت على الشعر. قال أبو عدنان: فقلت لأبى عبيدة: من يعنى بالرجلين؟ قال: والله ما سألت، وما خفى علىّ؛ إنه يعنى العجاج وابنه. قال: كان لذى الرمة رجز فلما خشى أن يعرّه عاد إلى القصيد.
حدثنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا المبرد قال: حدثنا التوّزى، قال: أنشد ذو الرمة قصيدته فى بلال بن أبى بردة، فلما بلغ قوله «17» :
إذا ابن أبى موسى بلالا1»
بلغته
فقام بفأس بين وصليك جازر
قال له عبد الله بن محمد بن وكيع: هلّا قلت كما قال سيدك الفرزدق:
قد استبطات ناجية ذمولا ... وإنّ الهمّ بى وبها لسام «19»
إلام تلفّتين وأنت تحتى ... وخير الناس كلّهم أمامى
متى تأت الرّصافة تستريحى ... من التصدير والدّبر الدّوامى «20»
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الوراق، قال: حدثنى الحكم بن موسى بن يزيد السلولى، قال: حدثنى محمد بن مسلمة بن رتبيل قال: مرّ رتبيل بذى الرّمة، وهو ينشد قصيدته البائية، قال: فاستمع عليه، فما زال ينشد حتى انتهى إلى هذين البيتين «21» :
(1/227)

تصغى إذا شدّها بالرحل «22» جانحة ... حتّى إذا ما استوى فى غرزها تثب «23»
وثب المسحّج من عانات معقلة ... كأنه مستبان الشّكّ أو جنب
وثب المسحّج من عانات معقلة ... كأنه مستبان الشّكّ أو جنب «24»
فقال له الرجل: أخطأت يا ذا الرمة. ألا قلت كما قال الراعى «25» :
فلا تعجل «26» المرء عند البرو «27» ... ك وهى بركبته أبصر [86]
وهى إذا قام فى غرزها ... كمثل السفينة أو أوقر
ومصغية خدّها بالزّما ... م فالرأس فيها له أصعر
ويروى «28» :
وواضعة رأسها للزما ... م فالخدّ منها له أصعر
حتى إذا ما استوى طبّقت ... كما طبق المسحل الأغبر
فقال ذو الرمة: لله أنت! إنما وصف الراعى ناقة ملك، ووصفت أنا ناقة سوقة.
المسحج: الحمار. ومعقلة: موضع. وعانات: جمع عانة. والشك. الظلع.
والجنب: داء فى جنبه. وطبقت: وثبت على أربع قوائمها. والمسحل: الحمار الوحشى، وسمّى مسحلا لسحيله، وهو صوته. وأغبر: فى لونه غبرة.
وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن محمد بن سلام، قال: قيل لذى الرمة: مالك لم تقل كما قال عمك الراعى؟ قال:
فلا تعجل المرء قبل الورا «29» ... ك وهى بركبته أبصر
(1/228)

وذكر الأبيات. وقلت أنت «30» :
حتّى إذا ما استوى فى غرزها تثب
فقد رمت به، وكسرت بعضه، وهشمته قبل أن يستوى عليها. فقال: إنّ عمى وصف ناقة ملك، ووصفت ناقة سوقة يقطع بها الأسفار.
وأخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: حدثنى محمد بن الرياشى، قال: حدثنى أبو حاتم، وأبى عبيدة؛ عن أبى عمرو بن العلاء- أنه لقى ذا الرمة، فقال: أنشدنى «ما بال عينك» ، فأنشده؛ فلما انتهى إلى قوله «31» :
تصغى إذا شدها بالكور جانحة ... حتى إذا ما استوى فى غرزها تثب
فقال أبو عمرو: ما قاله عمّك الراعى أحسن مما قلت:
وهى إذا قام فى غرزها ... كمثل السفينة أو أوقر
ولا تعجل المرء قبل الورو ... ك وهى بركبته أبصر
فقال ذو الرمة: إنّ الراعى وصف ناقة ملك. وأنا أصف ناقة سوقة.
قال الصولى: ويروى أنّ أعرابيا سمع ذا الرمة ينشد هذا البيت، فقال: سقط والله الرجل.
قوله: تصغى: تميل رأسها كأنها تستمع؛ أى هى مؤدبة ليست بنفور ولا ضجور.
والغرز للناقة بمنزلة الركاب للدابة؛ وهى نسع مضفور. والكور: الرحل.
وأخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة، قال: سمعت أبا العباس المبرد يقلو: مدح ذو الرمة بلال بن أبى بردة، ثم خرج من عنده فجعل ينشد الناس فأنشدهم:
ما بال عينك منها الماء ينسكب
(1/229)

حتى بلغ إلى قوله: تصغى إذا شدها ... البيت؛ فقال له قائل: أسأت؛ إذا وضع رجله فى غرزها فوثبت رمت به فدقّت عنقه، هلا قلت كما قال الراعى:
ولا تعجل المرء قبل الورا ... ك وهى بركبته أبصر
فقال ذو الرّمة: إنه وصف ناقة ملك، ووصفت ناقة سوقة.
روى أحمد بن أبى طاهر، عن أبى الحسن الطوسى، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن خالد بن كلثوم، قال: كان ذو الرّمة صاحب تشبيب بالنساء، وأوصاف، وبكاء على الديار، فإذا صار إلى المدح والهجاء أكدى «32» ولم يصنع شيئا.
وأخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أبو العباس ثعلب، قال: قال أبو عبيدة: كان ذو الرّمة إذا أخذ فى النسيب ونعت فهو مثل جرير، وليس وراء ذلك شىء.
فقيل له: ما تشبه شعره إلا بوجوه ليست لها أقفاء، وصدور ليست لها أعجاز. فقال:
كذا هو.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال: أنشدنا محمد بن سلام لأبى النّجم العجلى- وكان له صديق يسقيه الشراب فينصرف ثملا من عنده:
أخرج من عند زياد كالخرف ... تخطّ رجلاى بخطّ مختلف
كأنما تكتّبان لام الف
قال الصولى: وقد عيب أبو النجم بهذا، فقيل: لولا أنه يكتب ما عرف صورة لام ألف وعناقها لها، كما عيب ذو الرمة فى وصفه عين ناقته حين قال «33» :
كأنما عينها «34» وقد ضمرت ... وضمّها «35» السير فى بعض الأضاميم
يريد كأنّ عينها دارة ميم لتدويرها وغؤورها. والأضاء: الغدير، يقال: أضاء وأضا مثل قطاة وقطا، وأضأة وإضاء مثل أكمة وإكام. فقيل: لولا أنه يكتب لما عرف الميم.
(1/230)

كتب إلى أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، قال: حدثنى محمد بن القاسم، قال:
حدثنى روح بن الفرج أبو حاتم الحرمازى، قال حدثنى أبو قطن عمرو بن الهيثم، عن شعبة، قال: لقيت ذا الرمة فقلت: أكتبنى بعض شعرك. فجعل يملّ «36» علىّ ويطّلع فى الكتاب، فيقول: ارفع اللام من السين، وشقّ الصاد، ولا تعوّر الكاف.
فقلت: من أين لك الكتاب؟ قال: قدم علينا رجل من الحيرة، فكان يؤدّب أولادنا، فكنت آخذ بيده فأدخله الرمل فيعلمنى الكتاب، وأنا أفعل ذلك لئلا تقول علىّ ما لم أقل.
أخبرنا محمد بن عبد الله البصرى، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابى، قال:
حدثنا عبد الله بن الضحاك، عن الهيثم بن عدى، قال. قرأ حماد الراوية على ذى الرمة شعره، فرآه قد ترك فى الخط لاما، فقال له حماد: وإنك لتكتب؟ قال: اكتم علىّ، فإنه كان يأتى باديتنا خطّاط يعلّمنا الحروف تخطيطا فى الرمل فى الليالى القمر، فاستحسنتها فثبتت فى قلبى ولم تخطّها يدى.
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى يموت بن المزرّع، قال: حدثنا عيسى بن إسماعيل، قال: حدثنا الأصمعى، قال: قال عيسى بن عمر: كنت فى يوم من أيامى أقرأ على ذى الرمة شيئا من شعره، فقال لى: أصلح هذا الحرف. فقلت:
وإنك لتكتب؟ قال: نعم، قدم علينا حضرى لكم فعلّمنا الخطّ فى الرمل.
وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، عن إسحاق الموصلى، قال: أصبت فى كتبى رقعة أظنّها من كتب ابن جناح، فيها: حدثنى أبو عبيدة؛ قال: حدثنى عيسى بن عمر، قال: قال لى ذو الرمة: أنت والله أعجب إلىّ من هؤلاء الأعراب؛ أنت تكتب وتؤدّى ما تسمع؛ وهؤلاء يهون علىّ أحدهم وقد نحته من جبل أن يجىء به على غير وجهه.
قال: قلت: إنى لم أحلّ منك بشىء. قال: كنت مشغولا، عد إلىّ. فعدت إليه فتعاييت فى شىء فتهجّاه لى؛ فقلت: أراك تكتب يا أبا الحارث. قال: إياك أن يعلم هذا أحد؛ تعلمت الخط من رجل [88] كان عندنا، أتانا بالحفر فكان يجلس إلىّ من العتمة إلى أن ينكفت السامر يخطّ لى فى تراب البطحاء.
(1/231)

أخبرنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: قال أبو عبيدة: أنشد ذو الرمة بلال بن أبى بردة «37» :
رأيت «38» الناس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح انتجعى بلالا
صيدح: اسم ناقته. فقال بلال: يا غلام؛ اعلفها قتّا ونوى. أراد بذلك قلة فطنة ذى الرّمة للمدح.
وأخبرنى محمد بن أبى الأزهر؛ قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: كان بلال بن أبى بردة داهية لقنا؛ ويقال إن ذا الرمة لما أنشده:
سمعت الناس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح انتجعى بلالا
تناخى عند خير فتى يمان ... إذا النّكباء ناوحت الشمالا «39»
فلما سمع قوله:
فقلت لصيدح انتجعى بلالا
قال: يا غلام، مر لها بقتّ ونوى؛ أراد أن ذا الرّمة لا يحسن المدح.
قال المبرد: قوله:
سمعت الناس ينتجعون
حكاية، والمعنى إذا حقق إنما هو سمعت هذه اللفظة؛ أى قائلا يقول: الناس ينتجعون غيثا، ومثل هذا قوله:
وجدنا فى كتاب بنى تميم ... أحقّ الخيل بالرّكض المعار
فمعناه وجدنا هذه اللفظة مكتوبة؛ فقوله: أحقّ الخيل ابتداء، والمعار خبره. ومثل هذا قرأت: «الحمد لله رب العالمين» ؛ إنما حكيت ما قرأت.
وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن الحسن البلعىّ، قال: حدثنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، قال: لما أنشد ذو الرّمة بلالا مدحه، فبلغ قوله:
رأيت الناس ينتجعون غيثا ... البيت.
قال بلال: يا غلام؛ اعلف ناقته، فإنه لا يحسن أن يمدح.
(1/232)

فلما خرج قال له أبو عمرو- وكان حاضرا: هلا قلت له: إنما عنيت بانتجاع الناقة صاحبها، كما قال الله عز وجل «40» «واسأل القرية التى كنّا فيها» ؛ يريد أهلها، وهلّا أنشدته قول الحارثى:
وقفت على الدّيار فكلمتنى ... فما ملكت مدامعها القلوص
يريد صاحبها.
فقال له ذو الرّمة: يا أبا عمرو، أنت مفرد فى علمك، وأنا فى علمى وشعرى ذو أشباه.
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، وأحمد بن إبراهيم الجمّال، قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا يزيد بن محمد بن المهلب بن المغيرة بن حبيب بن المهلب بن أبى صفرة، قال: حدثنا عبد الصمد بن المعذّل، عن أبيه، عن جده غيلان بن الحكم، قال: قدم علينا ذو الرّمة الكوفة، فوقف راحلته بالكناسة ينشدنا قصيدته الحائية، فلما بلغ إلى هذا البيت «41» :
إذا غيّر النأى المحبين لم يكد ... رسيس «42» الهوى من حبّ ميّة يبرح
فقال له ابن شبرمة: يا ذا الرّمة؛ أراه قد برح. ففكر ساعة، ثم قال:
إذا غيّر النأى المحبين لم أجد ... رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح
قال: فرجعت إلى أبى الحكم بن البخترى بن المختار فأخبرته الخبر، فقال: أخطأ ابن شبرمة حيث أنكر عليه، وأخطأ ذو الرّمة حيث رجع إلى قوله؛ إنما هذا كقول الله عز وجل «43» : «أو كظلمات فى بحر لجّىّ يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض [89] إذا أخرج يده لم يكد يراها» ؛ أى لم يرها ولم يكد.
أخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنا
(1/233)

عبد الله بن محمد التّوزى، قال: سمعت الأصمعى يقول: ما أقلّ ما تقول العرب الفصحاء: فلانة زوجة فلان؛ إنما يقولون زوج فلان، فقال له السّدرى: أليس قد قال ذو الرّمة «44» :
أذا زوجة بالمصر أم ذا «45» خصومة ... أراك لها بالبصرة العام ثاويا
فقال: إن ذا الرّمة قد أكل البقل والمملوح فى حوانيت البقّالين حتى بشم.
أخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أحمد بن يحيى ثعلب، عن إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنى رفاعة الطّهوى، قال: وقف ذو الرمة على مجلس لبنى طهية فأنشدهم «46» :
ضبرّ «47» رمى روض القذافين متنه ... فأعرف ينبو بالحنّيين تامك «48»
فقال له حبتر بن ضباب: أسمنت فابتعث؛ أى ليس هذا مما توصف به النجائب؛ لأن الرحلة تعجلها عن السمن، وأنشد فى تصديق ذلك:
أهاب بها الحاج النزيع ولم يهب ... بها وسط أرفاض المخاض مهيب «49»
قال: ثم أنشدهم ذو الرمة «50» :
كأننى من هوى خرقاء مطّرف ... دامى الأظلّ بعيد السّأو مهيوم «51»
(1/234)

فقال له حبتر: ذاك أكثر لبعره. فقيل لذى الرمة: ألا تهجوبنى حبتر؟ قال: لا، إنهم قوم «52» رماة؛ أى يروون الشعر، ويرمون الرجل بمعايبه، ويصببون ما فيه. نسخت هذا الخبر من خطّ أبى موسى الحامض هكذا.
وحدثنى عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا المبرد، قال: حدث إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن رفاعة بن ظبى الطّهوى، قال: وقف ذو الرمة على مجلس لبنى طهيّة فأنشدهم «53» :
ضبرّ رمى روض القذافين متنه ... بأعرف ينبو بالحنيّين تامك
فقال له حبتر بن ضباب بن خشرم الطّهوى: أسمنت فابتعث؛ أى ليس هذا مما توصف به النجائب؛ لأن الرحلة تعجلها عن السمن؛ ثم أنشدهم:
كأننى من هوى خرقاء مطّرف ... دامى الأظل بعيد السّأو مهيوم
دانى له القيد فى ديمومة قذف ... قينيه وانحسرت عنه الأناعيم «54»
فقال حبتر بن ضباب: ذاك أكثر لبعره. فقيل لذى الرمة: ألا تهجوبنى حبتر؟
فقال: إنهم رواة رماة. وكتبت هذا الحديث من خط عبد الله بن جعفر.
أخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: قال الأعشى «55» :
أريحىّ صلت يظلّ له القو ... م قياما قيامهم للهلال
فأخذه الفرزدق فقال فى سعيد بن العاص «56» :
ترى الغرّ «57» الجحاجح من قريش ... إذا ما الأمر فى الحدثان عالا
(1/235)

قياما ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به هلالا
فأخذ هذا ذو الرمة فمسخه ومضغه وتكلّفه، فقال: يمدح بلال بن أبى بردة، ولم يكن له حظّ فى المدح «58» :
كأنّ الناس حين يمرّ «59» حتى ... عواتق لم تكن تدع الحجالا «60»
قياما ينظرون إلى بلال ... رفاق الحىّ «61» أبصرت الهلالا [90]
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، قال: حدثنا بكر بن محمد المازنى، قال: حدثنا الأصمعى، قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: أخطأ ذو الرمة فى قوله «62» :
حراجيج ما تنفكّ إلّا مناخة ... على الخسف أو نرمى بها بلدا قفرا «63»
فى إدخاله «إلّا» بعد قوله «ما تنفك» . قال الفضل: لا يقال: ما زال زيد إلّا قائما. قال الصولى: وسمعت أحمد بن يحيى يقول: لا يدخل مع ما ينفكّ وما يزال «إلّا» ؛ لأن «ما» مع هذه الحروف خبر وليست بجحد.
قال الصولى: وحدثنا محمد بن سعيد الأصمّ، وأحمد بن يزيد، قالا: حدثنا يزيد المهلى، عن إسحاق الموصلى أنه كان ينشد هذا البيت لذى الرمة:
حراجيج ما تنفك إلّا مناخة
والآل الشخص، ويقول: نحتال لصوابه، ونحتجّ ببيته الذى ذكر فيه الآل فى غير هذه القصيدة، وهو قوله «64» :
(1/236)

فلم تهبط على سفوان حتى ... طرحن سخالهنّ وصرن آلا «65»
وأخبرنى الصولى، قال: حدثنا الطيب بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: سمعت الأصمعىّ يقول: أخطأ ذو الرمة فى قوله:
قلائص ما تنفك إلا مناخة ... على الخسف أو نرمى بها بلدا قفرا
وقوله: «ما» جحد، و «إلا» تحقيق، فكيف يجتمعان! أخبرنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أبو العباس ثعلب، قال: مدح ذو الرمة عمر بن هبيرة الفزارى بالقصيدة التى يقول فيها «66» :
للرّكب بعد السّرى مالت عمائمهم ... منّيتهم «67» نفحات الجود من عمرا
ما زلت فى درجات الخير مرتفعا ... تنمى «68» وينمى بك الفرعان من مضرا
حتّى بهرت فما تخفى على أحد ... إلا على أحد لا يعرف القمرا
قال ثعلب: وقد عيب عليه هذا البيت.
أخبرنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أخبرنا أحمد بن أحمد بن يحيى النحوى، قال: قال أبو عبيدة: قال منتجع بن نبهان: عابوا على ذى الرّمة قوله «69» :
والقرط فى حرّة الذّفرى معلّقة ... تباعد الحبل «70» منه فهو يضطرب «71»
(1/237)

قالوا: جعلت لها ذفرى كذفرى البعير «72» . فاحتجّ ذو الرّمة بشعر راعى الإبل قوله:
«وذفرى أسيلة» ، قال أبو عبيدة: فغضب العدويّون، وقالوا: كان يحتج بشعر راعى الإبل وهو أشعر منه؛ وجاءتهم العصبية؛ فقال المنتجع: لقد كان يرويه ويجعله إماما.
قال أبو عبيدة: الذّفرى من المرة موضع المقذّ، وهو موضع يرشح من البعير خلف أذنه.
قال أحمد بن يحيى: ومما عابوا عليه ما حدثنى به محمد بن سلام، عن أبى البيداء الرياحى، قال: قال جرير: قاتل الله ذا الرّمة حيث يقول «73» :
ومنتزع من بين نسعيه جرّة ... نشيج الشّجا جاءت إلى ضرسه نزرا «74»
أما والله لو قال: «من بين جنبيه» ما كان عليه سبيل.
قال أحمد: وعابوا عليه أيضا قوله «75» :
تصغى إذا شدّها بالكور جانحة
... البيت.
فقالوا: صرع والله الرجل، ألا قال كما قال الراعى [91] «76» :
ولا تعجل المرء قبل الورو ... ك وهى بركبته أبصر
وهى إذا قام فى غرزها ... كمثل السفينة أو أوقر
فقال ذو الرّمة: الراعى وصف ناقة ملك وأنا وصفت ناقة سوقة أراد أن يحتال فلم يصنع شيئا.
قال: وقال بعض رواة ذى الرّمة له: أفسدت علىّ شعرك، وذلك أنّ ذا الرّمة كان إذا استضعف الحرف أبدل مكانه.
قال: وعابوا على ذى الرّمة قوله «77» :
أبّر على الخصوم فليس خصم ... ولا خصمان يغلبه جدالا «78»
(1/238)

قال: وقالوا أيضا: أخطأ ذو الرّمة حيث يقول «79» :
أدمانة قد ترّبتها «80» الأجاليد
لأنه يقال: آدم وأدماء وأدم وأدمان، ولا يقال أدمانة.
قال: وقالوا: أخطأ أيضا حيث يقول:
قلائص ما تنفكّ إلا مناخة ... على الخسف أو نرمى بها بلدا قفرا
وقال بعض الرّواة ممن يريد أن يحسّن قوله: إنما قال: «آلا مناخة» . وقال: مثل هذا قوله:
فلم تهبط على سفوان حتّى ... طرحن سخالهنّ وصرن آلا
يعنى شخوصا.
قال: وقال الأصمعى: إن ذا الرّمة أنشد رجلا «81» :
وظاهر لها من يابس الشّخت
فقال له: أنت أنشدتنى: «من بائس الشخت» ، فقال له: إن اليبس من البؤس.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنى القاسم بن إسماعيل، قال: حدثنى أبو عمر الجرمى، قال: قدم ذو الرّمة على بلال بن أبى بردة، فجعل يتردّد إليه، وأراد أن يبتدئ قصيدة فيه فعىّ، فقالت له عجوز مرّ بها- وكان جميلا: قد طال تردادك؛ أفإلى زوجة سعدت بها، أم إلى خصومة شقيت بها؟ فقال لروايته: جاء والله ما أريد. ثم قال «82» :
تقول عجوز مدرجى متروّحا ... على بابها من عند أهلى وغاديا
إلى زوجة بالمصر أم لخصومة «83» ... أراك لها بالبصرة العام ثاويا
(1/239)

ثم مرّ فى القصيدة.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن الحسن البلعى، قال: حدثنا أبو حاتم، قال: سمعت الأصمعى يقول: لو أدركت ذا الرّمة لأشرت عليه أن يدع كثيرا من شعره؛ فكان ذلك خيرا له. وقد أنكر قول ذى الرمة «84» :
ألا يا اسلمى يا دار مىّ على البلى ... ولا زال منهلّا بجرعائك القطر «85»
واحتجّ من عاب هذا البيت بأنّ فى قوله هذا إفسادا للدار التى دعا لها، وهو أن تغرق بكثرة المطر؛ وقالوا: الجيّد فى هذا المعنى قول طرفة «86» :
فسقى ديارك- غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمى
وعيب عليه قوله «87» :
كأنّ أصوات من إيغالهنّ بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج «88»
يريد كأنّ أصوات أواخر الميس أصوات الفراريج من إيغالهنّ بنا.
وقوله أيضا «89» :
نضا البرد عنه وهو ذو من جنونه ... أجارىّ «90» من تسهاك «91» صوت صلاصل
التسهاك: عدو شديد. وريح «92» سهوك. والصّلاصل: صوت شديد. يريد وهو من جنونه ذو أجارىّ.
(1/240)

9- عبيد الله بن قيس الرقيات [1]
حدثنا أبو بكر [92] الجرجانى، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال حدثنا المازنى، قال: سمعت الأصمعى يقول: ابن قيس الرقيات ليس بحجة، وأنشد له:
ومصعب حين جدّ الأم ... ر أكثرها وأطيبها
فلم يصرف مصعبا.
حدثنا ابن دريد، قال: حدثنا الرياشى، قال: حدثنا العتى، قال: قال عبد الملك بن مروان لعبد الله بن مروان: ما بال ابن قيس الرّقيات يذكرك بأمك، كأنه ليس لك بأبيك شرف؟ وكان ابن قيس الرقيات قد قال فى عبد العزيز:
مل أصبغيّات فى الفوارع لم ... يحملن فوق العواتق الحزما
فلما دخل ابن قيس الرقيات على عبد العزيز قال له ذلك، فقال: إنما حسدك، والله لأقولنّ قصيدة أذكر فيها أمّه وبطنها ثم ليرضينّ، وسأله أن يحضر من الغد. فلما اجتمعا عند الملك أنشده:
أنت ابن منبطح البطا ... ح كديّها فكدائها
ولبطن عائشة التى ... فرعت أروم نسائها
ولدت أغرّ مهذّبا ... كالشمس عند ضيائها
فى ليلة لا عيب فى ... سحريّها وعشائها
فلما خرجا من عند عبد الملك قال له: كيف رأيت تقبّله هذا الشعر؟
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبّة؛ وأخبرنى محمد بن
__________
[1] هو عبيد الله بن قيس، أحد بنى عامر بن لؤى، وإنما سمى الرقيات لأنه كان يشبب بثلاث نسوة يقال لهن جميعا رقية، أو لأن جدات له توالين يسمين رقية. وكان أشد قريش أسر شعر فى الإسلام بعد ابن الزبعرى. وكان غزلا، يشبب ولا يصرح. وجعله ابن سلام فى الطبقة السادسة من فحول الإسلام:
وترجمته فى الأغانى (4- 154) ، والخزانة (3- 265) ، والشعر والشعراء 523، وطبقات ابن سلام 529.
(1/241)

الجسن، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى ابن عائشة، قال: سمعت أبى يقول: لما أنشد ابن قيس عبد الملك بن مروان «1» :
يعتدل التاج «2» فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذّهب
قال: أمّا لمصعب بن الزبير فتقول «3» :
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلّت عن وجهه الظّلماء
وأما لى فتقول: على جبين كأنّه الذهب.
أخبرنى العباس بن المغيرة الجوهرى، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الورّاق، قال: حدثنى أبو عمرو الباهلى، قال: أخبرنى أبو أمية القرشى، قال: أنكر أبو عمرو بن العلاء الوقوف على هذه الهاء «4» : «ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ»
قال: قلت له: هى من لغة قريش، أما رأيت قول ابن قيس الرقيات «5» :
إنّ الحوادث بالمدينة قد ... أوجعننى وقرعن مروتيه «6»
وجببننى جبّ السّنام فلم ... يتركن ريشا فى مناكبيه «7»
قال الأصمعى: فلحن ابن قيس فى بيت منها فى الندبة حين قال:
تبكيكم أسماء معولة ... وتقول ليلى وا رزيئتيه
قال: كان ينبغى أن يقول وا رزيئتاه، كما تقول: وا عماه وا أخيّاه.
(1/242)

10- الأحوص بن محمد [1]
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، أخبرنا عمر بن شبّة؛ وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، قال: حدثنى عمر بن شبة، قال:
حدثنى عمر بن محمد بن أقيصر، قال: حدثنى يحيى بن عروة بن أذينة، قال: لما قدم الفرزدق المدينة أتى مجلس أبى وبه الأحوص، فأنشده الأحوص شعرا؛ فقال [93] : من أنت؟ فقال: أنا الأحوص بن محمد. قال: ما أحسن شعرك؟ فقال: هكذا تقول لى! أنا أشعر منك. قال: وكيف تكون أشعر منى وأنت تقول «1» :
يقرّ بعينى ما يقرّ بعينها ... وأفضل شىء ما به العين قرّت
فإنه يقر بعينها أن تنكح، أفيقرّ ذاك بعينك؟
كتب إلى أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: روى عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، قال: قدم علينا جرير المدينة فحشدنا له، فبينما نحن عنده يوما إذ قام لحاجته وجاء الأحوص، فقال: أين هذا؟ قلنا: قام آنفا، وما تريد منه؟
قال: أخبره أنّ الفرزدق أشرف منه وأشعر. قلنا: لا ترد ذاك فلم ينشب أن جاء جرير، فقال الأحوص: السلام عليك. قال: وعليك. قال: يابن الخطفى، الفرزدق أشرف منك وأشعر. فأقبل علينا جرير فقال: من هذا أخزاه الله؟ قلنا: الأحوص بن محمد بن عاصم بن عبد الله بن ثابت بن أبى الأقلح. فقال: هذا الخبيث ابن الطيب. ثم أقبل عليه فقال: أقلت:
يقرّ بعينى ما يقرّ بعينها ... وأحسن شىء ما به العين قرّت
__________
[1] هو الأحوص بن محمد بن عبد الله بن عاصم. وهو من الأوس. وقال عنه الآمدى: إنه الشاعر المشهور المحسن فى الغزل والفخر والمدح. وهو مقدم عند أهل الحجاز وأكثر الرواة، لولا أفعاله الدنيئة، لأنه أسمحهم طبعا، وأسلسهم كلاما، وأصحهم معنى. ولشعره رونق وحلاوة وعذوبة ألفاظ ليست لأحد. وعده ابن سلام فى الطبقة السادسة من شعراء الإسلام.
وترجمته فى الشعر والشعراء 499، وطبقات ابن سلام 534، والآمدى 59، والأغانى 4- 40، واللآلئ 73، والخزانة 1- 231.
(1/243)

قال: نعم. قال: فإنه يقرّ بعينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر، أفيقرّ بعينك؟
قال: وكان الأحوص يرمى بالأبنة، فانصرف.
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: كان كثيّر مع قصره ودمامته تائها ذا أبّهة وذهاب بنفسه. قال: فى أى شعر أعطى الأحوص عشرة آلاف دينار؟ قالوا: بقوله:
وما كان مالى طارفا من تجارة ... وما كان ميراثا من المال متلدا
ولكن عطاء «2» من إمام مبارك ... ملا الأرض معروفا وجودا وسوددا
شكوت إليه ثقل غرم لوانّه ... وما أشتكى منه على القيل بلّدا
فلما حمدناه بما كان أهله ... وكان حقيقا أن يسنّى ويحمدا
وأن تذكر النّعمى التى سلفت له ... فأكرم بها عندى إذا ذكرت يدا
فقال كثيّر: ضرع، قبحه الله، ألا قال كما قلت:
دع عنك سلمى إذ فات مطلبها ... واذكر خليلك من بنى الحكم
ما أعطيانى ولا سألتهما ... ألا وإنى لحاجزى كرمى
إنى متى لا تكن عطيته ... عندى بما قد فعلت أحتشم
مبدى الرضا عنهم ومنصرف ... عن بعض ما لو فعلت لم ألم
11- أبو دهيل الجمحى [1]
حدثنا أحمد بن سليمان الطوسى، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنى حمزة بن عتبة الهاشمى، قال: قال أبو دهبل الجمحى: قلت:
وإنّ شكرك عندى لا انقضاء له
__________
[1] هو وهب بن زمعة، من بنى جمح، وكان شاعرا محسنا، وأكثر شعره فى عبد الله بن عبد الرحمن الأزرق والى اليمن. وكان يشبب بامرأة يقال لها عمرة، وكان لها عاشقا. وهو شاعر محسن مداح كما فى الآمدى.
وترجمته فى الشعر والشعراء 596، والآمدى 168، والأغانى 6- 149.
(1/244)

ثم أرتج علىّ النصف الأخير، فأقمت على النصف الأخير حولين كريتين «10» ، ثم سمعت عربيا فى المسجد الحرام يذكر لبنان؛ فقلت: أى شىء لبنان؟ قال: جبل بالشام؛ ففتح علىّ فقلت:
وإن شكرك عندى لا انقضاء له ... مادام بالجزع من لبنان جلمود [94]
12- نصيب الأسود [1]
كتب إلى أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبة، قال «11» : يروى أنّ الأقيشر دخل على عبد الملك بن مروان فذكر بيت نصيب:
أهيم بدعد ما حييت وإن أمت فواحزنا «12» ... من ذا يهيم بها بعدى «13»
فقال: والله لقد أساء قائل هذا البيت. فقال له عبد الملك: فما كنت أنت قائلا لو كنت مكانه؟ قال: كنت أقول:
تحبكم نفسى حياتى فإن أمت ... أوكّل بدعد من يهيم بها بعدى
فقال عبد الملك: فأنت والله أسوأ قولا وأقل بصرا حين توكّل بها بعدك! قيل: فما كنت أنت قائلا يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت أقول:
تحبّكم نفسى حياتى فإن أمت ... فلا صلحت دعد لذى خلّة بعدى
__________
[1] هو نصيب بن رباح مولى عبد العزيز بن مروان، وكان عبدا أسود لرجل من أهل القرى، فكاتب على نفسه، ثم أتى عبد العزيز بن مروان فقال فيه مدحة فوصله واشترى ولاءه ومر جرير به وهو ينشد فقال له: اذهب فأنت أشعر أهل جلدتك.
وترجمته فى الأغانى 1- 324، والشعر والشعراء 373، واللآلئ 291.
(1/245)

فقال من حضر: والله لأنت أجود الثلاثة قولا، وأحسنهم بالشعر علما يا أمير المؤمنين.
وأخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: لم تجد الرواة ومن يفهم جواهر الكلام لبيت نصيب هذا مذهبا حسنا.
قال: وقد ذكر عبد الملك ذلك لجلسائه فكلّ عابه، فقال عبد الملك: فلو كان إليكم كيف كنتم قائلين؟ فقال رجل منهم: كنت أقول البيت الأوسط الذى آخره:
فواحزنا من ذايهيم بها بعدى
فقال عبد الملك: ما قلت والله أسوأ مما قال. فقيل له: فكيف كنت قائلا يا أمير المؤمنين؟ وذكر باقيه إلى آخره.
حدثنى علىّ بن عبد الرحمن الكاتب، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، قال: أنشد النّصيب بن أبى عتيق قوله «14» :
وكدت ولم أخلق من الطير إن بدا ... سنا «15» بارق نحو الحجاز أطير
فقال له ابن أبى عتيق: يابن أم، قل: «غاق» ، فإنك تطير «16» .
13- عدى بن الرقاع [1]
أخبرنى الصولى «17» ، قال: حدثنى يحيى بن على، قال: قال أبو جعفر محمد بن موسى المنجّم: كنت أحبّ أن أرى شاعرين فأؤدّب أحدهما- وهو عدى بن الرقاع- لقوله «18» :
__________
[1] هو عدى بن زيد بن مالك بن عدى بن الرقاع، من عاملة: حى من قضاعة، ونسبه الناس إلى الرقاع وهو حد جده لشهرته. وكان شاعرا مقدما عند بنى أمية مداحا لهم خاصة بالوليد بن عبد الملك. وقد تعرض لجرير وناقضه فى مجلس الوليد بن عبد الملك ثم لم تتم بينهما مهاجاة. وتوفى سنة ست وعشرين ومائة.
وترجمته فى الأغانى 9- 307، والشعر والشعراء 600، وطبقات ابن سلام 558، والطرائف الأدبية.
(1/246)

وعلمت حتى ما أسائل واحدا ... عن علم واحدة لكى أزدادها
ثم أسائله عن جميع العلوم فإذا لم يجب أدّبته، وأقبّل رأس الآخر- وهو زيادة بن زيد لقوله:
إذا ما انتهى علمى تناهيت عنده ... أطال فأعلى أم تناهى فقصّرا «19»
14- أعشى همدان [1]
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سألت الأصمعى عن أعشى همدان، فقال: هو من الفحول، وهو إسلامى كثير الشعر. ثم قال: العجب من ابن داب حين يزعم أنّ الأعشى قال:
من دعا لى غزيّلى ... أربح الله تجارته
وخضاب بكفّه ... أسود اللون قارته 2»
ثم قال: سبحان الله، يحذف الألف التى قبل الهاء فى اسم الله عز وجل، ويسكّن الهاء، ويرفع تجارته، ثم يجوز هذا عنه، ويروى عن مثله! ثم قال: قال لى خلف: والله لقد طمع ابن داب فى الخلافة حين يجوز عنه مثل هذا! ثم قال: ومع هذا إن «من دعالى» ؛ إنما يقال من دعا لغزيّل ومن دعا لبعير ضالّ.
__________
[1] اسمه عبد الرحمن بن عبد الله، وهو شاعر محسن مقدم. وكان قد خرج مع ابن الأشعث فأخذ أسيرا وأتى به الحجاج فأمر به فضربت عنقه.
وترجمته فى الآمدى 12.
(1/247)

15- الكميت بن زيد الأسدى [1]
أخبرنا ابن دريد، قال أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنا الأصمعى [95] ، قال:
الكميت بن زيد ليس بحجة لأنه مولد، وكذاك الطرماح.
وقال محمد بن القاسم بن محمد الأنبارى: حدثنى أبى، قال: حدثنا محمد بن على بن المغيرة الأثرم، قال: حدثنا أبى عن الأصمعى، قال: ليس الكميت بن زيد بحجّة، لأنّ الكميت كان من أهل الكوفة، فتعلّم الغريب وروى الشعر، وكان معلّما، فلا يكون مثل أهل البدو، ومن لم يكن من أهل الحضر.
وكان ذو الرّمة معلّما بالبدو، وكان يحضر اليمامة والبصرة كثيرا، وكانا جميعا يستكرهان الشعر، وكان ذو الرّمة أحسن حالا عند الأصمعى من الكميت.
وحدثنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنا المازنى، قال: سمعت الأصمعى يقول: الكميت تعلّم النحو وليس بحجة، وكذلك الطرمّاح، وكانا يقولان ما قد سمعاه ولا يفهمانه.
قال رؤبة: كانا يسألاننى عن غريب شعرهما.
اخبرنى محمد بن يحيى، عن أبى العيناء، قال: حدثنا الأصمعى، عن شعبة، قال: قال لى رؤبة: سألنى الطرماح والكميت عن شىء من الغريب، فلما كانا بعد رأيته فى أشعارهما.
وأخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنى أحمد بن يزيد، عن المازنى، قال: حدثنى الأصمعى، عن خلف، قال: سمعت رؤبة بن العجاج يقول: لقينى الكميت والطرمّاح فسألانى عن الغريب، ثم سمعته فى شعرهما بعد.
__________
[1] هو الكميت بن زيد، من بنى أسد، شاعر متقدم، عالم بلغات العرب وأخبارها ومن المتعصبين لمضر على القحطانية، وكان فى أيام بنى أمية ولم يدرك الدولة العباسية، وهو معروف بالتشيع مشهور به. وقصائده الهاشميات من مختار شعره. وناقضه بعد وفاته دعبل الخزاعى وابن عينية ولم تزل مناقضاته لشعراء اليمن ومهاجاته لهم متصلة فى أيام حياته.
وترجمته فى الأغانى 1- 348، وتجريد الأغانى 1793، والشعر والشعراء 562 والآمدى 157، والخزانة 1- 138، 4- 236.
(1/248)

وحدثنى عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا المبرد، قال: ذكر عن رؤبة بن العجاج أنه قال: قدمت فارس على أبان بن الوليد البجلى منتجعا له، فأتانى رجلان لا أعرفهما، فسألانى عن شىء ليس من لغتى، فلم أعرفه، فتغامزا بى. فتقبّعت عليهما فهمدا، ثم كان بعد ذلك يختلفان فيسمعان منى الشىء فيكتبانه ويدخلانه فى أشعارهما، فعلمت أنهما ظريفان، وسألت عنهما فقيل لى: هما الكميت والطرماح.
روى أحمد بن أبى طاهر، عن أبى الحسن الطوسى، عن إسماعيل بن أبى عبيد الله، عن أبى عمرو الشيبانى، قال المفضل: لا يعتدّ بالكميت فى الشعر. وقال: أنشدنى أى معنى له شئت مما تستغربه حتى آتيك به من أشعار العرب.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن العنزى، قال: حدثنى محمد بن بكير الأسدى، قال: حدثنى محمد بن أنس الأسدى، قال: حدثنى محمد بن سهل راوية الكميت، قال: سمعت الكميت يقول: إذا قلت الشعر فجأنى أمر مستو سهل لم أعبأ به حتى يجىء شىء فيه عويص فأستعمله.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، قال «21» : قال ابن كناسة: اجتمع نصيب والكميت ويقال «22» ذو الرمة، فاستنشد النصيب الكميت من شعره فأنشده الكميت «23» :
هل أنت عن طلب الأيفاع منقلب
حتى بلغ إلى قوله:
أم هل ظعائن بالعلياء نافعة ... وإن تكامل فيها الأنس والشنب «24»
فعقد النصيب بيده واحدا. فقال الكميت: ما هذا؟ قال: أحصى خطأك، تباعدت [96] فى قولك «25» : «الأنس والشنب» . ألا قلت كما قال ذو الرمة «26» :
(1/249)

لمياء فى شفتيها حوّة لعس «27» ... وفى اللّثات وفى أنيابها شنب
ثم أنشده «28» : أبت هذه النفس إلّا ادّكارا فلما بلغ إلى قوله:
إذا ما الهجارس غنّينها ... يجاوبن بالفلوات الوبارا «29»
فقال له نصيب: الفلوات لا تسكنها الوبار. فلما بلغ إلى قوله «30» :
كأنّ الغطامط من غليها ... أراجيز أسلم تهجو غفارا «31»
قال له نصيب: ما هجت أسلم غفارا «32» قطّ. فانكسر الكميت وامسك.
وأخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثت أن الكميت بن زيد أنشد نصيبا فاستمع له فكان فيما أنشده:
وقد رأينا بها حورا منعّمة ... بيضا تكامل فيها الدّلّ والشنب
فثنى نصيب خنصره. فقال له الكميت: ما تصنع؟ قال: أحصى خطأك، تباعدت فى قولك: «تكامل فيها الدّلّ والشنب» ؛ هلّا قلت كما قال ذو الرمة:
لمياء فى شفتيها حوّة لعس.. البيت.
ثم أنشده فى أخرى:
كأنّ الغطامط من جريها «33» ... أراجيز أسلم تهجو غفارا
فقال له نصيب: ما هجت أسلم غفارا. فاستحيى الكميت وسكت. قال: وهما من قبيلة واحدة.
(1/250)

قال المبرد: والذى عابه نصيب به قوله: «تكامل فيها الدّلّ والشنب» قبيح جدا، وذلك أنّ الكلام لم يجر على نظم، ولا وقع إلى جانب الكلمة ما يشاكلها؛ وأول ما يحتاج اليه القول أن ينظم على نسق، وأن يوضع على رسم المشاكلة.
وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على المنجم، عن أبيه، عن إسحاق الموصلى، قال: أنشد الكميت ذا الرّمة وهما فى الحمام، فجعل ذو الرمة يعقد، فقال له الكميت: ما هذا الذى تعقد؟ قال: أحسب خطأك، أخبرنى عن قولك:
أم هل ظعائن بالخلصاء رابعة ... وإن تكامل فيها الأنس والشّنب
ما الأنس من الشنب؟ ألا قلت كما قلت: «لمياء فى شفتيها ... » البيت.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا أبو الحسن اليزيدى، قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: بلغنى عن الأصمعى أنه قال: لم يتعلّق على بشّار بشىء وتعلق على الكميت؛ أى أخطأ.
حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، عن عيسى بن إسماعيل العتكى، قال: قال لى محمد بن العجاج، قال بشار: ما كان الكميت شاعرا. قيل له:
كيف وهو يقول:
أنصف امرئ من نصف حىّ يسبّنى ... لعمرى لقد لا لقيت خطبا من الخطب
هنيئا لكلب إنّ كلبا تسبّنى ... وإنى لم أردد جوابا على كلب
لقد بلغت كلب بسبّى حظوة ... كفتها قديمات الفضائح والوصب [97]
فقال بشار: لا بلّ شانئك «34» ، أترى رجلا لوضرط ثلاثين سنة لم يستملح منه شىء؟
قال ابن السكيت: يقال: بلّ الرجل من مرضه وأبل واستبلّ.
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، وأحمد بن إبراهيم الجمال؛ قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا أحمد بن بكير الأسدى، قال: حدثنى محمد بن أنس
(1/251)

الأسدى السلامى، عن محمد بن سهل راوية الكميت، قال: قدم ذو الرمة الكوفة فلقيه الكميت، فقال له: إنى قد عارضتك بقصيدتك. قال: أى القصائد؟ قال:
قولك «35» :
ما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلى مفريّة سرب
قال: فأىّ شىء قلت؟ قال: قلت:
هل أنت عن طلب الأيفاع منقلب ... أم «36» هل يحسّن من ذى الشّيبة اللّعب
حتى أتى عليها. قال: فقال له: ما أحسن ما قلت، إلا أنك إذا شبهت الشىء ليس تجىء به جيدا كما ينبغى، ولكنك تقع قريبا، فلا يقدر إنسان أن يقول أخطأت ولا أصبت؛ تقع بين ذلك، ولم تصف كما وصفت أنا ولا كما شبهت. قال: وتدرى لم ذاك؟
قال: لا. قال: لأنك تشبه شيئا قد رأيته بعينك، وأنا أشبّه ما وصف لى ولم أره بعينى.
قال: صدقت، هو ذاك.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن العنزى، قال: حدثنى أبو النّضر، قال:
حدثنى محمد بن الهيثم المقرئ الكوفى، قال: جاء حماد الراوية إلى الكميت فقال: أكتبنى شعرك. قال: أنت لحّان ولا أكتبك شعرى. قال: فوسم شعره بشىء أجهد أن يخرج ذاك من قلبى إذ كان على طريق الغضب فلا يخرج. قال: فقال له: وأنت شاعر؟ إنما شعرك خطب.
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: زعم الأصمعى أنّ الكميت أخطأ فى قوله «37» :
أرعد وأبرق يا يزي ... د فما وعيدك لى بضائر
وزعم أنّ هذا البيت الذى يروى لمهلهل مصنوع محدث، وهو قوله:
أنبضوا معجس «38» القسّى وأبرقنا كما توعد الفحول الفحولا
(1/252)

وأن «أرعد» خطأ، وأنه لا يقال إلّا «رعد وبرق» إذا أوعد وتهدد، وهو «يرعد ويبرق» ، وكذلك يقال: رعدت السماء وبرقت، وأرعدنا نحن وأبرقنا: إذا دخلنا فى الرعد والبرق. وقال الشاعر:
فقل لأبى قابوس ما شئت فارعد
قال: وروى غير الأصمعى «39» : أرعد وأبرق على ضعف.
وأخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا المبرّد، قال: حدثنا الجرمى، عن الأصمعى، قال: أنشدنا أبو عمرو لرجل من كنانة «40» :
إذا جاوزت من ذات عرق ثنية ... فقل لأبى قابوس ما شئت فارعد
قال: وقال ابن أحمر «41» :
يا جلّ ما بعدت عليك بلادنا ... فابرق بأرضك ما بدالك وارعد «42»
وقال طفيل «43»
ظعائن أبرقن «44» الخريف وشمنه ... وخفن الهمام أن تقاد قنابله
قال الجرمى: كان الأصمعى ينشد هذا بعقب رده على الكميت قوله:
أرعد وأبرق يا يزيد
ويقول: ليس [98] هذا بكلام فصيح.
وأخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنى عمرو بن بحر الجاحظ، قال: اجتمعنا فى مجلس بالعسكر نتذاكر الشعر، فقلنا: كان الأصمعى لا يقول «أرعد وأبرق» فى الوعيد، ويقول «رعد وبرق» ، ويزعم أنّ الكميت أخطأ فى قوله:
(1/253)

أرعد وأبرق يا يزي ... د فما وعيدك لى بضائر
وقال: لم يقل هذا فصيح قطّ. فقلت. وقد كان يزعم أنّ الشعر الذى ينحله مهلهل مصنوع؛ أعنى قوله:
أنبضوا معجس القسى وأبرقنا
... البيت.
فقال رجل معنا فى المجلس: لم أر أكثر حفظا وفهما منه! نعم، هذا من قديم المولّد.
فلما قام قلت لأصحابنا: من هذا الشيخ؟ قالوا: هذا إسحاق بن إبراهيم الموصلى. فكان أول يوم رأيته فيه.
الإنباض: أن يجذب الوتر ثم يرسل فيصيب كبد القوس، يقال أنبض وأنضب.
ومعجس القوس: مقبضها. وأبرقنا: لمعنا بالسيوف.
حدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن أبى تمام، قال: سألت خشّافا عن الكميت بن زيد وعن شعره وعن رأيه فيه، فقال: لقد قال كلاما خبط فيه خبطا من ذاك «45» لا يجوز عندنا ولا نستحسنه، وهو جائز عندكم، وهو على ذاك أشبه كلام الحاضرة بكلامنا وأعربه وأجوده؛ ولقد تكلم فى بعض أشعاره بلغة غير قومه.
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنى أحمد بن الصباح بالمدينة ببغداد، قال: سمعت ابن كناسة يقول: كان الكميت قال مصراع البيت الأول: «ألا حييت عنا يا مدينا» ، فمكث ما شاء الله فى المصراع الثانى حتى سمع قائلا يقول: وما باس فى السلام، فقال:
وهل باس بقول مسلّمينا
وأنكر على الكميت قوله فى رسول الله صلّى الله عليه وسلم «46» :
إليك يا خير من تضمنت الأرض وإن عاب قولى العيب فلا يعيب قوله فى وصف النبى صلى الله عليه وسلم إلّا كافر بالله مشرك.
(1/254)

16- جميل بن معمر العذرى [1]
حدثنا إبراهيم بن محمد عرفة الواسطى، قال: أخبرت عن الهيثم بن عدى، قال:
قال لى صالح بن حسان، وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس السامى، قال: حدثنا أبو عمر العمرى، قال «47» : أخبر الهيثم بن عدى، قال لى صالح بن حسان: هل تعرف بيتا من الشعر نصفه أعرابى فى شملة، والنصف الآخر مخنّث من أهل العقيق يتقصّف تقصّفا؟ قلت: لا والله. قال: قد أجّلتك حولا. قلت: لو أجّلتنى حولين ما علمت الذى سألتنى- وقال محمد فى حديثه:
لو أجلتنى خمسين حولا لم أعرفه- فقال: أفّ لك؟ قد كنت أحسبك أجود علما مما أنت. قلت: وما هو؟ قال: أو ما سمعت [99] قول جميل «48» :
الا أيّها النّوّام ويحكم هبّوا
اعرابى والله يهتف فى شملة، ثم أدركه اللين وضرع الحب وما يدرك العاشق، فقال:
أسائلكم «49» هل يقتل الرجل الحبّ
كأنه والله من مخنّثى العقيق يتفكّك.
وقال إبراهيم: وبعد هذا البيت:
فقالوا نعم حتى يسلّ عظامه ... ويتركه حيران ليس له لبّ
وحدثنى محمد إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزبير بن بكار، عن رجل
__________
[1] هو جميل بن عبد الله بن معمر. ويقال: إنه جميل بن معمر بن عبد الله. يكنى أبا عمرو، وهو أحد عشاق العرب المشهورين بذلك، وصاحبته بثينة، وهما من عذرة، وهو شاعر فصيح مقدم جامع للشعر والرواية. وجعله ابن سلام فى الطبقة السادسة من فحول الإسلام.
وترجمته فى الشعر والشعراء 400، وطبقات ابن سلام 543، والأغانى 8- 90 والخزانة 1- 358.
(1/255)

من الأنصار، عن الهيثم بن عدى، قال: قال جميل بيتا نصفه الأول أعرابى والآخر
مفكّك ليّن؛ وهو قوله: ... ألا أيّها النوام ... وذكره.
وأخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا عبد الرحمن- يعنى ابن أخى الأصمعى- عن عمّه، قال: قال هارون يوما لجلسائه- وأنا فيهم: أيكم يعرف بيت شعر أول المصراع منه أعرابى فى شملة، والثانى مخنّث يتفكك. فأرمّ «50» القوم. فقال هارون: قول جميل:
ألا أيها النّوام ويحكم هبّوا
فهذا أعرابى فى شملة، ثم قال:
أسائلكم هل يقتل الرجل الحبّ
فهذا مخنّث يتفكّك.
قال الأصمعى: فقلت له: يا أمير المؤمنين، قول مادحك:
يا زائرينا من الخيام ... أعرابى فى شملة
حياكم الله بالسلام ... مخنّث فى يده دفّ
فسرّ بذلك، إذ كان قد مدح بهذا الشعر.
أخبرنا أبو بكر الجرحانى، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنى عبيد الله بن محمد بن حفص بن عائشة، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى رجل من بنى عامر بن لؤى- ما رأيت بالحجاز أعلم منه، قال: حدثنى كثّير أنه وقف على جماعة يفيضون فيه وفى جميل أيهما أصدق عشقا- ولم يكونوا يعرفونه بوجهه- ففضّلوا جميلا فى عشقه، فقلت لهم: ظلمتم كثيّرا؛ كيف يكون جميل أصدق عشقا من كثير، وإنما أتاه عن بثينة بعض ما يكره، فقال «51» :
رمى الله فى عينى بثينة بالقذى ... وفى الغرّ من أنيابها بالقوادح
القادح: ما يثقبها ويعيبها- وكثير أتاه عن عزّة ما يكره؛ فقال «52» :
(1/256)

هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
قال: فما انصرفوا إلّا على تفضيلى.
وحدثنى عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا محمد بن زيد النحوى، قال: بلغنى أنّ المفضّل الضّبى قال: خرجت حاجّا، فأتيت المدينة؛ فلما بلغ أهل الأدب مكانى أتونى، فتذاكرنا، فأجمعوا على أنّ جميلا أشعر من كثير، فسلمت علما بأنّ جميلا شاعر الحجاز، ثم أجمعوا على أنّ جميلا أعشق من كثير. قال: وكنت أميل إلى كثير، فقلت: فأنا أوجدكم ضرورة أنّ كثيرا أعشق من جميل. قالوا: فباسم الله إذا. قلت:
ألستم تعلمون أنّ بثينة شتمت جميلا؛ فبلغه ذلك، فقال:
رمى الله فى عينى بثينة بالقذى
... البيت.
قالوا: اللهم نعم، قلت: وصنعت عزّة بكثير مثل صنيع بثينة: فقال كثير «53» [100] :
هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت
يكلّفها الخنزير شتمى وما بها ... هوانى ولكن للمليك استذلّت
أصاب الردى من كان يهوى لك الردى ... وجنّ اللواتى قلن عزة جنّت
فما أنا بالداعى لعزة بالرّدى ... ولا شامت إن نعل عزة زلّت
قالوا: صدقت.
أخبرنى محمد بن محمد القصرى، قال: حدثنا يحيى بن على، قال: حدثنا أبو هفان، قال: تذاكروا تمنّى الشعراء لقاء الأحبة مع البلاء، فقالوا قول جميل «54» :
ألا ليتنى أعمى أصمّ تقودنى ... بثينة لا يخفى علىّ كلامها
فقيل: هذا محال. إلّا أن يعطى آية فى خفاء كلام الناس عليه وسماعه لكلامها؛ ولكن أحسن ما فيه قول ابن الأحنف «55» :
ألا ليتنى أعمى إذا حيل دونها «56» ... وتنشا لنا أبصارنا حين نلتقى
(1/257)

أضنّ عن الدنيا بطرفى وطرفها ... فهل بعد هذا من فعال «57» بمشفق
17- عمر بن أبى ربيعة [1]
حدثنى عبد الله بن محمد بن أبى سعبد البزاز قال: أخبرنا إسحاق بن محمد النخعى، قال: حدثنى ابن أخى الأصمعى، عن عمه، قال: قال أبو عمرو بن العلاء: عمر بن أبى ربيعة حجّة فى العربية، وما تعلق عليه إلا بحرف واحد قوله «58» :
ثم قالوا تحبها قلت بهرا ... عدد «59» القطر والحصى والتراب
وكان ينبغى أن يقول: أتحبها؛ لأنه استفهام. قال: وقوله بهرا؛ أى تعسا.
وحدثنى أحمد بن عبد الله، وعبد الله بن يحيى العسكريان، قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا على بن إسماعيل العدوى، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن الأصمعى، قال: كان أبو عمرو بن العلاء يقول «60» : عمر بن أبى ربيعة حجّة فى العربية، وما تعلّق عليه بشىء غير حرف واحد. قال أبو عمرو: له وجه إن أراد الخبر ولم يرد الاستفهام، وهو قوله:
حين قالوا تحبها قلت بهرا ... عدد القطر والحصى والتراب
ولم يقل أتحبها. وقد روى بعض الرواة أنه إنما قال:
قيل لى هل تحبّها قلت بهرا
وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال حدثنا ثعلب، قال: قال الأصمعى: قال
__________
[1] هو عمر بن عبد الله بن ابى ربيعة المخزومى. يكنى أبا الخطاب. وكأن يتعرض للنساء الحواج فى الطواف وغيره من مشاعر الحج، ويشبب بهن، وكان يشبب بسكينة، والثريا. وسمع الفرزدق شيئا من نسيب عمر فقال:
هذا الذى كانت الشعراء تطلبه فأخطأته.
وترجمته فى الأغانى 1- 61، والشعر والشعراء 535، والخزانة 2- 27.
(1/258)

أبو عمرو بن العلاء: عمر بن أبى ربيعة حجّة فى العربية، وما تعلّق عليه بشىء غير حرف واحد وله وجه: قوله فى الاستفهام:
ثم قالوا تحبها قلت بهرا
ولم يقل أتحبّها.
قال ثعلب: وقال ابن الأعرابى فى هذا البيت: وقوله «بهرا» بهركم الله، أتظنّون أنى ليس كذا. قال: وقال غيره: عجبا لكم! كيف تظنّون غير هذا! وأخبرنى الصولى، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال: حدثنا التّوزى، عن أبى عمر الأسدى؛ قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: عمر بن أبى ربيعة حجة فى العربية [101] ما أخذ عليه شىء إلا قوله: ثم قالوا تحبها ... البيت. وله فيه عذر إن أراد الخير لا الاستفهام، كأنه قال: أنت تحبها على جهة الإخبار، فوكّد هو إخبارها بقوله، فهذا أحسن. «وبهرا» يجوز أن يكون أراد نعم حبّا بهرنى بهرا، ويكون بمعنى عقرا وتعسا؛ دعا عليهم إذ جهلوا من حبّه لها مالا يجهل مثله. وأنشد أبو عمرو «61» :
لحى الله قومى «62» إذ يبيعون مهجتى ... بجاوبة بهرا لهم بعدها بهرا
قال أبو عمرو: ويكون بهرا بمعنى حبّا ظاهرا، من قولهم قمر باهر.
وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، عن الأصمعى، قال: أبو عمرو بن العلاء: عمر بن أبى ربيعة حجّة فى العربية وما تعلّق عليه إلا بهذا الحرف الواحد. قال أبو عمرو: وله وجه إن كان أراد الخبر ولم يرد الاستفهام، لأنه إن كان أراد الاستفهام فكان ينبغى أن يقول: أتحبها. قال على بن يحيى: وقال إسحاق الموصلى: «قلت بهرا» أى عقرا وتعسا، دعا عليهم؛ وأنشد:
لحى الله قومي إذ يبيعون مهجتى ... بجارية بهرا لهم بعدها بهرا
قال على: وقال الأصمعى: بهرا، أى ظاهرا، من قولهم: القمر الباهر.
(1/259)

وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: سئل أبو العباس ثعلب عن بيت عمر هذا، فقال:
قال الفراء: بهرا عجبا. قال: وقال غيره: بهركم الله أى غلبكم الله. وقال بعضهم:
هو من الابتهار، والابتهار أن يقول فعلت بفلانة ولم يفعل.
أخبرنى على بن أبى منصور، قال: أخبرنى يحيى بن على، قال: حدثنى محمد بن سعد الكرانى، عن ابن عائشة، عن أبيه، قال «63» : كان جرير إذا أنشد شعر عمر بن أبى ربيعة قال: تهامىّ إذا أنجد وجد البرد. حتى سمع قوله «64» :
رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأمّا بالعشىّ فيخصر
وذكر منها أبياتا. فقال جرير: ما زال «65» يهذى حتى قال شعرا.
حدثنى أحمد بن محمد المكى، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا محمد بن سلام، عن حرير أبى الحصين المدينى، وحدثنى محمد [105] بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا مصعب بن عبد الله الزّبيرى، قالا: لما حجّ عبد الملك بن مروان لقيه عمر بن أبى ربيعة بالمدينة، فقال له عبد الملك: لا حيّاك الله يا فاسق. قال: بئست تحية ابن العم لابن عمه على طول الشحط. فقال له:
يا فاسق، ذاك لأنك أطول قريش صبوة، وأبطؤها توبة. ألست القائل «66» :
ولولا أن تعنّفنى قريش ... مقال الناصح الأدنى الشفيق
لقلت إذا التقينا قبّلينى ... ولو كنّا على ظهر الطريق
اغرب. وزاد مصعب فى حديثه: فقال عمر: بئست تحية ابن العم. فاستحيى عبد الملك، وقضى حوائجه.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا
(1/260)

مصعب بن عبد الله الزبيرى، قال: حجّ سليمان بن عبد الملك، فلما قدم مكة أرسل إلى عمر بن أبى ربيعة فقال: ألست القائل «67» :
وكم من قتيل لايباء به دم ... ومن غلق «68» رهنا إذا ضمّه «69» منى
وكم «70» مالئ عينيه من شىء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى
فلم «71» أر كالتّجمير منظر ناظر ... ولا كليالى الحجّ أقتلن «72» ذاهوى
قال: نعم. قال: لاجرم، والله لا تحجّ مع الناس العام. وأخرجه إلى الطائف حتى قضى الناس حجّهم.
كتب إلى أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: سمعت أبا عبيدة، وما حكه عبد الله بن عمرو أبو العتبى فى عمر بن أبى ربيعة- فعاب أبو عبيدة شعره، وقال: قال بيتا هو فى أوله قاص وفى آخر مخنث:
أدخل الله ربّ موسى وعيسى ... جنة الخلد من ملانى خلوقا
مسحته من كفّها بردائى ... حين طفنا بالبيت مسحا رفيقا
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن عبد الله «73» بن شبيب، عن إبراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عمران، قال: قال ابن أبى عتيق لعمر بن أبى ربيعة فى قوله «74» :
بينما ينعتننى أبصرننى ... دون قيد «75» الميل يعدو بى الأغر
قالت: أتعرفن الفتى قلن نعم ... قد عرفناه وهل يخفى القمر
«76»
(1/261)

أنت لم تنسب بها، إنما نسبت بنفسك؛ إنما كان ينبغى أن تقول: قلت لها، فقالت لى، فوضعت خدّى فوطئت عليه.
حدثنى على بن هارون، قال: أنشدنى المفضّل بن سلمة لعمر بن أبى ربيعة «77» :
عاود القلب بعض ما قد شجاه ... من حبيب أمسى هواه هواه [103]
ما ضرارى نفسى بهجرة من لي ... س مسيئا ولا بعيدا نواه
واجتنابى بيت الحبيب وما ... الخلد بأشهى إلىّ من أن أراه
قال: وكان المفضّل يضع من شعر عمر فى الغزل، ويقول: إنه لم يرقّ كما رقّ الشعراء؛ لأنه ماشكا قطّ من حبيب هجرا، ولا تألّم لصدّ؛ وأكثر أوصافه لنفسه وتشبيبه بها، وأنّ أحبابه يجدون به أكثر مما يجد بهم، ويتحسرون عليه أكثر مما يتحسر عليهم؛ ألا تراه فى هذا الشعر- وهو من أرقّ أشعاره- قد ابتدأه بذكر حبيب هواه هواه، ووصف أنه هو هجره من غير إساءة، واجتنب بيته مع قربه، وفى غير ذلك يقول:
قد عرفناه وهل يخفى القمر
يصف وصفهنّ إياه بالحسن. ويقول:
قالت لقيّمها وأذرت عبرة ... مالى ومالك يا أبا الخطّاب
أطمعتنى حتى إذا أوردتنى ... حلأتنى «78» ولم استتمّ شرابى
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن الزبير بن بكار، قال:
كتب إلىّ عبد الله بن عبد العزيز بن محجن بن نصيب يقول: حدثتنى عمتى عوضة بنت النصيب أنّ أباها جلس مع إبراهيم بن عبد الله بن مطيع بودّان، فقال له إبراهيم: يا أبا محجن، ألا تخبرنا عنك وعن أصحابك؟ قال: بلى، جميل أصدقنا شعرا، وكثيّر أبكانا على الظّعن، وابن أبى ربيعة أكذبنا، وأنا أقول ما أعرف.
(1/262)

حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أبو العباس ثعلب، عن الزبير بن بكار «79» ، قال: حدثنى عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثنى عطّاف بن خالد الوابصى، عن عبد الرحمن بن حرملة، قال: أنشد سعيد بن المسيب قول عمر بن أبى ربيعة:
وغاب قمير كنت أرجو غيوبه ... ودوحّ رعيان ونوّم «80» سمّر
فقال: ماله قاتله الله! لقد صغّر ما عظمه الله عز وجل؛ قال «81» : «والقمر قدّرناه منازل حتّى عاد كالعرجون القديم» .
وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنا أبو الأصبغ محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا مخلد بن مالك الحرّانى، قال: حدثنا عطاء بن خالد، عن عبد الرحمن بن حرملة، قال: سمع سعيد بن المسيب رجلا يتمثّل هذا البيت، فقال سعيد: قاتله الله! صغر ما عظّم الله؛ قال الله عز وجلّ: «والقمر قدّرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم» [104] . وقال: كان يقال: لا تقولوا مسيجد ولا مصيحف، وما كان لله عزّ وجل فهو عظيم حسن جميل.
أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، قال: حدثنى عبيد الله بن إسحاق بن سلام، قال: أتى عمر بن أبى ربيعة الفرزدق فأنشده من شعره، وقال: كيف ترى شعرى؟ قال: أرى شعرا حجازيّا إن أنجد اقشعّر. فقال له: حسدتنى. فقال: يابن أخى، علام أحسدك؟ أنا والله أعظم منك فخرا، وأحسن منك شعرا، وأعلى منك ذكرا. ثم قال:
أصبحت يابن أبى ربيعة حقّة ... سمعت هدير مسدّم «82» مقروم
ولقد خزمتك والخزام مذلّة ... ولذلّها دعيت بنى مخزوم
(1/263)

أىّ العشائر يابن ألأم من مشى ... فى الجاهلية لم تدن لتميم
ولقد علمت فلا تكن فى غرّة ... أن ليس قتل سراتكم بعظيم
لولا دفاع بنى أمية عنكم ... ألقت كلاكلها عليك قرومى
قال أبو عبيد الله: قوله حقّة: الحقة من النوق التى قد استحقّت أن يحمل عليها.
والمقروم والقرم: الذى يتخذ للفحلة، فإذا قيل للرجل قرم فإنما يراد به التعظيم والمسدّم:
الممنوع من الضّراب وهو السّدم، ومن عادة العرب أن ترسل الفحل النجيب فيضرب فى النوق.
18- قيس بن ذريح [1]
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: حدثنا الزّبير بن بكار، قال: حدثنى عبد الملك بن عبد العزيز، قال: أنشدنى أبو السائب- وهو معتمد على يدى ونحن نريد قباء:
نباح كلب بأعلى الواد من سرف ... أشهى إلى النفس من تأذين أيّوب
فقلت: من قال هذا الشعر؟ قال: قيس بن ذريح، قلت: من أيوب؟ قال:
النبى صلّى الله عليه وسلم. قال: قلت: والله لا يحلّ لك أن تروى هذا؛ هذا كفر. قال: اذهب، لاصحبك الله. علىّ أنا من كفره شىء.
__________
[1] هو أحد عشاق العرب المشهورين بذلك، وصاحبته لبنى.
وكانت لبنى تحته فطلقها ثم تتبعتها نفسه، واشتد وجده بها وجعل يلم بمنزلها سرا، ولما تزوجت عاود قيس زيارتها، فشخص أبوها إلى معاوية وأخبره بتعرضه لها، فكتب معاوية يهدر دمه إن عاد.
وترجمته فى الأغانى 9- 180، والشعر والشعراء 610.
(1/264)

19- مجنون بنى عامر [1]
حدثنا محمد بن مخلد العطار، قال: حدثنا أبو الحسين على بن عبدويه، قال: حدثنا يحيى بن النضر بن جنيد، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنا يحيى بن النضر بن جنيد قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى المقبل العقيلى، قال: يتحدث عندنا بالبادية أنّ مجنون بنى عامر لما قال «1» :
قضاها لغيرى وابتلانى بحبّها ... فهلّا بشىء غير ليلى ابتلانيا [105]
ذهب بصره.
وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد الله بن شبيب، قال: حدثنى هارون بن موسى القروى، قال: حدثنى موسى بن جعفر بن أبى كثير، قال: لما قال مجنون بنى عامر «2» :
خليلى لا والله لا أملك الذى ... قضى «3» الله فى ليلى ولا ما قضى ليا
قضاها لغيرى وابتلانى بحبّها ... فهلّا بشىء غير ليلى ابتلانيا
ذهب بصره.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: وروى عن الهيثم بن عدى، عن ابن عياش- أنّ المجنون لما قال هذين البيتين ضربه البرص.
__________
[1] هو قيس بن الملوح، وقيل: قيس بن معاذ، وقيل اسمه مهدى، والصحيح الأول كما فى الأغانى. ولقب بالمجنون. قال الأصمعى: لم يكن مجنونا، ولكن كانت فيه لوثة، وكان المجنون وليلى صاحبته يرعيان معاوهما صبيان فعلقها؛ وكان جميلا ظريفا راوية للشعر حلو الحديث. وكانت تعرض عنه وتقبل على غيره بالحديث حتى شق ذلك عليه. ثم تمادى به الأمر حتى ذهب عقله وهام مع الوحش.
وترجمته فى الشعر والشعراء 545، والأغانى 2- 1، والخزانة 2- 169، واللآلئ 350، والمؤتلف 188، والمرزبانى 476.
(1/265)

وروى عن أبى عمرو الشيبانى أنه قال يوما لأصحابه: لا يتمنينّ أحد أمنية سوء؛ فإن البلاء موكل بالمنطق؛ المؤمّل قال:
شفّ المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمّل لم يخلق له بصر
فذهب بصره. وهذا مجنون بنى عامر قال:
فلو كنت أعمى أخبط الأرض بالعصا ... أصمّ فنادتنى أجبت المناديا
فعمى وصمّ.
20- الطرمّاح [1]
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الوراق، قال: أخبرنا عيسى بن عبد الأعلى بعمان، قال: أخبر أبو عمرو بن العلاء أنه رأى الطرماح بسواد الكوفة وهو يكتب ألفاظ النّبيط ويتعلّمها ليدخلها فى شعره.
وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا الطيب بن محمد الباهلى، قال: حدثنا قعنب بن المحرر،، عن الأصمعى، قال: ذكر الطرماح عند أبى عمرو بن العلاء، فقال: رأيته بسواد الكوفة يكتب ألفاظ النبيط. فقلت: ما تصنع بهذه؟ قال: أعربها وأدخلها فى شعرى.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال:
حدث الأصمعى، قال: حدثنى شعبة بن الحجاج، قال: قلت للطرماح: أين نشأت- قال: بالسواد.
وأخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنا الرياشى، قال: حدثنا الأصمعى، قال: سمعت شعبة يقول: قلت للطرماح: أين نشأت؟ قال: بالسّواد.
__________
[1] الطرماح بن حكيم، من طيئ، ويكنى أبا نفر. وكان جده قيس بن جحدر أسره ملك من ملوك جفنة فدخل عليه حاتم الطائى فاستوهبه. ووفد قيس هذا على رسول الله وأسلم. وكان الطرماح يرى رأى الخوارج.
وهو من فحول الشعراء الإسلاميين وفصحائهم، ومنشؤه بالشام، وانتقل إلى الكوفة مع من وردها من جيوش أهل الشام، وكان صديقا للكميت لا يكاد يفارقه فى حال من أحواله.
وترجمته فى الشعر والشعراء 566، والأغانى 10- 148، والمؤتلف 148، وتجريد الأغانى 3- 1326.
(1/266)

وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، قال: حدثنى أبو جعفر بن مهرويه، قال: حدثنى العباس بن ميمون طابع، قال: حدثنا الأصمعى عن شعبة، قال: قلت للطرماح: أين نشأت؟ قال: بالسواد. قال الأصمعى [106] وهو قوله «4» :
طال فى شطّ نهروان اغتماضى
أخبرنا ابن دريد، قال أبو حاتم: قال: حدثنا الأصمعى، قال. الكميت بن زيد ليس بحجة؛ لأنه مولّد، وكذلك الطرماح.
وحدثنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنا المازنى، قال: سمعت الأصمعى يقول: الكميت تعلّم النحو وليس بحجة، وكذلك الطرماح؛ وكانا يقولان ما قد سمعاه ولا يفهمانه. قال رؤبة: كانا يسألاننى عن غريب شعرهما.
وأخبرنى الصولى، عن أبى العيناء، قال: حدثنا الأصمعى، عن شعبة، قال: قال لى رؤبة: سألنى الطرماح والكميت عن شىء من الغريب، فلما كان بعد رأيته فى أشعارهما.
أنكر على الطرماح قوله يصف ناقة «5» :
تمسح «6» الأرض بمعنونس ... مثل مئلاة «7» النياح القيام
معنونس: ذنب طويل. ومئلاة: واحدة المآلى، وهى خرق تمسكها النساء بأيديهنّ إذا قمن للنّياحة. والنياح: جمع نوح. فأفصح بأنّ الذنب يمسّ الأرض، وأساء فى التشبيه أيضا.
(1/267)

21- الحارث بن خالد المخزومى [1]
حدثنا ابن دريد، قال: أخبرنا الرياشى، قال: أخبرنا محمد بن سلام، وحدثنى محمد بن أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، عن الزبير بن بكار، قال: حدثنى يوسف بن عبد العزيز بن الماجشون، قال: حدثنى عمى يوسف بن الماجشون؛ قالا «8» : ذكر شعر عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة والحارث بن خالد بن العاص بن هشام المخزومى عند ابن أبى عتيق- وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق- وفى المجلس رجل من ولد خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة.
فقال: صاحبنا الحارث أشعرهما. فقال ابن أبى عتيق: بعض قولك يابن أخى، فلشعر عمر لوطة «9» فى القلب، وعلق بالنفس، ودرك للحاجة، ما ليس لشعر غيره، وما عصى الله عزّ وجل بشعر أكثر مما عصى بشعر عمر، وخذ عنى ما أصف لك: أشعر قريش من دقّ معناه، ولطف مدخله، وسهل مخرجه، ومتن حشوه، وتعطّفت حواشيه، وأنارت معانيه، وأعرب من صاحبه. فقال الخالدى صاحبنا الذى يقول [107] «10» :
إنى وما نحروا غداة منى ... عند الجمار تئودها العقل
لو بدّلت أعلى منازلها ... سفلا وأصبح سفلها «11» يعلو
فيكاد يعرفها الخبير بها ... فيردّه الإقواء والمحل «12»
لعرفت مغناها بما ضمنت «13» ... منّى الضّلوع لأهلها قبل
__________
[1] هو الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة، كان قد تزوج حميدة بنت النعمان بن بشير بدمشق لما قدم على عبد الملك بن مروان، وطلقها الحارث فخلف عليها روح بن زنباع، وأخباره، وبعض شعره فى الأغانى 1- 227- 236.
(1/268)

فقال له ابن أبى عتيق: يابن أخى؛ استر على صاحبك، ولا تشاهد المحاضر «14» بمثل هذا؛ أما تطيّر الحارث عليها حين قلب ربعها فجعل عاليه سافله- وقال ابن سلام:
فجعل سفله علوا- ما بقى إلا أن يسأل الله لها حجارة من سجّيل «15» ؛ ابن أبى ربيعة كان أحسن صحبة من صاحبك وأجمل مخاطبة حين يقول «16» :
سائلا الرّبع بالبلىّ «17» وقولا ... هجت شوقا لى الغداة طويلا
أين حىّ حلوك إذ أنت محفو ... ف بهم آهل أراك جميلا
ويروى: ... إذ أنت مسرو ... ر بهم تصحب الزّمان الظليلا
قال: ساروا فأمعنوا واستقلّوا «18» ... وبكرهى «19» لو استطعت سبيلا
سئمونا وما سئمنا مقاما ... واستحبّوا «20» دماثة وسهولا «21»
22- عبد الله بن عمر العبلى [1]
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى يعقوب بن القاسم الطلحى، قال: حدثنى عنبسة بن عبد الله بن عنبسة بن خالد بن عمرو بن عثمان،
__________
[1] هو عبد الله بن عمر بن عبد الله بن على بن عون بن ربيعة القرشى الاموى الشاعر، ويعرف بالعبلى. وكان شاعرا مجيدا من شعراء قريش؛ من مخضرمى الدولتين الأموية والعباسية، وكان فى أيام بنى أمية يميل إلى بنى هاشم ويذم بنى أمية. والضبط بفتح الباء من الإكمال (3- 708) ، والمشتبه 446، وألقاب الشعراء 294، 299.
وفى الأصل ضبطت الباء بالسكون.
روى عن عبيد بن جبير مولى الحكم بن أبى العاص. روى عنه ابن إسحاق.
قال العقيلى: وقال ابن أبى حاتم عبيد الله: روى عنه عبيد بن جبر. (الإكمال- نسختنا الخطية 3- 708) ، وتجريد الأغانى (3- 1311) .
(1/269)

قال: وفد عبد الله بن عمر العبلى على هشام بن عبد الملك فأجازه بمائتى دينار، ثم مرّ بالوليد بن يزيد وهو ولىّ عهد هشام فقال له:
يابن الخليفة للخليفة والخليفة عن قليل
فبلغ هشاما فغضب، وأرسل خلفه، فردّ من الطريق، فقال له: مدحتنى وقلت فى شعرك:
ليلتى من كنود بالغور عودى ... بصفاء الهوى من أمّ أسيد
فقلت لى «22» :
ووقاك الحتوف من وارث وا ... ل وأبقاك صالحا ربّ هود
ثم مررت بالوليد فنعيتنى له. ثم ضربه مائتى سوط مكان كلّ دينار سوطا. ثم أقام العبلى حتى هلك هشام، وقتل الوليد، وقام مروان بن محمد، فمدحه ومدح وليّى عهده:
عبد الله وعبيد الله، فقال:
لا حرماها ولا بها خلصا ... حتى يكون البدابك الهرم [108]
فضحك مروان، وقال: لقد أدبك أبو الوليد- يعنى هشاما.
وقد أنكر أهل العلم قوله «23» :
وأبقاك صالحا ربّ هود
وهو يجىء فى موضعه إن شاء الله.
23- عروة بن أذينة [1]
أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد: أخبرنا العباس بن الفرج الرياشى، قال حدثنا
__________
[1] هو عروة بن أذينة بن الحارث. وقال الكلبى: عروة بن أذينة، واسم أذينة يحيى بن مالك. وكان عالما ناسكا شاعرا حاذقا. ووفد على هشام بن عبد الملك، وأنشده شعره، وأضعف له جائزته.
وترجمته فى الشعر والشعراء 560، والمؤتلف للآمدى 69، واللآلىء 236.
(1/270)

محمد بن سلام، عن عبد الله بن أبى عبيدة بن محمد بن ياسر، قال: قلت لأبى السائب المخزومى: أما أحسن عروة بن أذينة حيث يقول «24» :
لبثوا «25» ثلاث منّى بمنزل غبطة ... وهم على غرض لعمرك ما هم
متجاورين بغير دار إقامة ... لو قد أجدّ رحيلهم لم يندموا «26»
ولهنّ بالبيت العتيق لبانة ... والبيت يعرفهنّ لو يتكلم
لو كان حيّا قبلهنّ ظعائنا ... حيّا الحطيم وجوههن وزمزم
وكأنهنّ وقد حسرن لواغبا ... بيض بأكناف الحطيم مركّم
فقال: لا والله، ما أحسن ولا أجمل؛ بل أهجر وأخطأ، يصفهنّ بهذه الصفة ولا يندم على رحيلهنّ! هكذا قال كثير «27» :
تفرّق أهواء «28» الحجيج على منى ... وفرّقهم صرف النّوى مسى «29» أربع
فريقان منهم سالك بطن نخلة ... وآخر منهم سالك بطن تضرع «30»
فلم أر دارا مثلها دار غبطة ... وملقى «31» إذا التفّ الحجيج بمجمع
أقلّ مقيما راضيا بمكانه ... وأكثر جارا ظاعنا لم يودّع
وهل يغتبط عاقل بمكان ولا يرضى به؟ ولكنه كما قال: «مكره أخوك لا بطل» .
والعرجى أوفى بالعهد وأولى بالصواب حيث يقول- وقد عرض لها نافرة من منى «32» :
(1/271)

عوجى علىّ وسلمى جبر ... فيم الصدود وأنتم سفر
ما نلتقى إلا ثلاث منى ... حتى يفرّق بيننا النّفر
فالشهر ثم الحول يتبعه 3» ... ما الدّهر إلا الحول والشهر
أنكر على عروة بن أذينه قوله «34» :
واسق العدوّ بكأسه واعلم له ... بالغيب أن قد كان قبل سقاكها
واجز الكرامة من ترى أن لوله ... يوما بذلت كرامة لجزاكها
وقالوا: فقوله فى البيت الأول: «واعلم له بالغيب» كلام غثّ، و «له» رديئة الموقع [109] بشعة المستمع. والبيت الثانى كان مخرجه أن يقول «35» : «واجز الكرامة من ترى أن لو بذلت له يوما كرامة لجزاكها.
وأنكروا أيضا قوله:
وأعملت المطية فى التّصابى ... رهيص الخفّ دامية الأظل «36»
أقول لها لهان علىّ فيما ... أحبّ فما اشتكاؤك أن تكلّى
يريد: أقول لها لهان علّى فيما أحب أن تكلّى فما اشتكاؤك؟
24- الأغلب العجلى [1]
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سألت الأصمعى عن الأغلب العجلى: أفحل هو أو من الرجّاز؟ فقال: ليس هو بفحل ولا مفلح. قال: وأعيانى شعره. وقال لى مرة أخرى: ما أروى للأغلب إلا اثنتين ونصفا. قلت: وكيف قلت
__________
[1] هو الأغلب بن جشم، من سعد بن عجل. وفى الآمدى: هو الأغلب بن عمرو بن عبيدة بن حارثة بن دلف بن جشم. كان الأغلب جاهليا إسلاميا، وقتل بنهاوند، وهو أول من شبه الرجز بالقصيد وأطاله.
وترجمته فى الشعر والشعراء 595، والخزانة 1- 332، والآمدى 23.
(1/272)

نصفا؟ قال: أعرف له اثنتين، وكنت أروى نصفا من التى على القاف فطوّلوها. ثم قال: كان ولده يزيدون فى شعره حتى أفسدوه.
قال أبو حاتم: وطلب إسحاق بن العباس الهاشمى من الأصمعى رجز الأغلب، فطلبه منى فأعرته إياه، فأخرج منه نحوا من عشرين قصيدة. فقلت للأصمعى: ألم تزعم أنك لم تعرف إلا اثنتين ونصفا؟ قال: بلى؛ ولكن انتقيت ما أعرف، فإن لم يكن له فهو لغيره ممن هو ثبت أوثقة. قال أبو حاتم: وكان الأصمعى من أروى الناس للرجز. قال الأصمعى: وقال خلف أيضا: أعيانى شعر الأغلب. قال خلف: وكان من ولده إنسان يصدق فى الحديث والروايات، ويكذب عليه فى شعره.
25- أبو النجم العجلى [1]
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: رأيت الأصمعى يستجيد بعض رجز أبى النجم، ويضعف بعضا، لأن له رديئا كثيرا. قال: وقال لى مرة فى شىء:
لا يعجبنى شاعر اسمه الفضل بن قدامة- يعنى أبا النجم العجلى.
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثت فى إسناد متصل أنّ أبا النجم أنشد هشاما «37» :
والشمس قد صارت كعين الأحول
وذهب عنه الرّوىّ فى الفكر فى عين هشام؛ فأغضبه، فأمر به فطرد.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو عثمان الأشناندانى، قال: أخبرنا التوّزى، عن
__________
[1] هو الفضل- أو المفضل- بن قدامة. وكان ينزل بسواد الكوفة فى موضع يقال له الفرك، أقطعه إياه
هشام بن عبد الملك. وأرجوزته: ... الحمد لله الوهوب المجزل
هى أجود أرجوزة للعرب. وكان من أحسن الناس إنشادا.
وترجمته فى الشعر والشعراء 584، والخزانة 1- 48، والأغانى 9- 150 وطبقات ابن سلام 576.
(1/273)

أبى عبيدة [110] قال: دخل أبو النجم على هشام بن عبد الملك وكان قد حجبه قبل ذلك لما قال:
والشمس قد صارت كعين الأحول
فأمر بسحبه. وكان هشام أحول.
حدثنا إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنى على بن محمد بن سلمان النوفلى، قال: حدثنى أبى عمّن حضر هذا المجلس، قال: جلس هشام بن عبد الملك يوما فى صحن داره، وفتح بابها، وأذن للناس إذنا عاما، فدخلت العامة، فأخذوا مجالسهم من الدار، وجلس تجاه وجهه أسود متقنّع بكسائه، وأمر أبا النجم أن ينشد- وكان مشغوفا بشعره- فأنشد قصيدته اللامية «38» :
الحمد لله الوهوب المجزل
حتى بلغ هذا الموضع منها، وهو يصف إبله بالغزر، فذكر الضرع فقال: كالسقاء المسمل «39» . فصاح الأسود: أتاك والله بها- يا أمير المؤمنين- نزرا غير غزر، قد استجفّت ضروعها، وذهبت ألبانها، حين شبّهها بالمسمل. قال: فكيف ينبغى أن يقول؟ قال: كما قلت. وأنشده:
كنّا إذا عام الحّت أزمه ... وجعل المطحون تغلو قيمه
لا يشبع المرضع منه درهمه ... جادت بمطحون لها لا نأجمه
لا ينفخ البطن ولا يورّمه ... تطبخه ضروعها وتأدمه
فقال هشام: من أنت، ويلك؟ قال: أنا أبو نعامة مولى بنى سعد.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنى الطّيّب بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: سمعت الأصمعى يقول: أخطأ أبو النجم فى قوله:
كالشمس لم تعد سوى ذرورها
(1/274)

أى لم تتجاوز ذرورها، فأدخل «سوى» لأجل الإعراب. و «لم تعد» : العداء:
الظلم، أراد لم تتجاوز. والعداء: تجاوز الحق.
26- العجاج [1]
حدثنى على بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن العباس، عن التوّزى، عن أبى عبيدة عن الهفتى، وأخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنى أحمد بن بشر المرثدى، عن أبى سعيد النحوى، عن التوزى، عن الأصمعى- أن العجاج دخل على الوليد بن عبد الملك فأنشد «40» :
كم قد حسرنا من علاة عنس
فصار إلى قوله «41» :
بين ابن مروان قريع الإنس ... وابنة عباس قريع عبس «42»
فقال له الوليد: ما صنعت شيئا؛ أنشدنى [111] غير هذا. فأنشده «43» :
وقد أرانى للغوانى مصيدا ... ملاوة كأنّ فوقى جلدا «44»
__________
[1] هو عبد الله بن رؤبة، من بنى مالك بن سعد. لقى أبا هريرة، وسمع منه أحاديث وقال له سليمان بن عبد الملك: إنك لا تحسن الهجاء. فقال: إن لنا أحلاما تمنعنا من أن نظلم، وأحسابا تمنعنا أن نظلم، وهل رأيت بانيا لا يحسن أن يهدم.
وهو من أشهر رجاز العرب، وانظر رجزه فى أراجير العرب.
وترجمته فى الشعر والشعراء 572، وخزانة الأدب 1- 91.
(1/275)

فقال: مصيدا وجلدا! لم تصنع شيئا، أفرغت مدحك فى عمر بن عبيد الله بن معمر، إذ قلت- وقال الأصمعى: فقال له: أتقول فى ابن معمر:
حول ابن غراء حصان إن وتر ... فاز وإن طالب بالوغم «45» اقتدر
إذا الكرام ابتدروا الباع بدر
وتقول فى:
بين ابن مروان قريع الإنس ... وابنة عباس قريع عبس
فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن لكل شاعر غربا، وإن غربى ذهب فى ابن معمر. وقال أبو عبيدة: فقال: فإنّ لكلّ شاعر حمة، وكانت هذه الأرجوزة حمتى فقذفتها.
وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، عن أبى عبيدة، قال:
حدّث عبيد الله بن عمر أبا عمرو بن العلاء- وأنا أسمع، ويونس إلى جنبى- قال:
وفدءت إلى الوليد بن عبد الملك؛ وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: حدثنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم، عن أبيه، قال: حدثنى إسحاق بن إبراهيم، عن أبى عبيدة، قال: سمعت عبيد الله بن عمر القرشى- أخا عثمان بن عمر القرشى قاضى المنصور- يحدّث أبا عمرو بن العلاء، قال: وفدت إلى الوليد بن عبد الملك فبينما أنا قاعد عنده دخل عليه العجاج فأنشده:
أمسى الغوانى معرضات صدّدا ... وقد أرانى للغوانى مصيدا
ملاوة كأنّ فوقى جلدا
قوله: ملاوة: مدة من الدهر. والجلد: أن يموت ولد الناقة فتمنع درها فيؤخذ جلد فصيل فيحشى تبنا- وهو البوّ- فيوضع بين يديها فتنكره بعينها وترأمه بقلبها فتدرّ؛ فقال له الوليد: أمّا لعمر بن عبيد الله بن معمر فتقول «46» :
حول ابن غراء حصان إن وتر ... فات وإن طالب بالوغم اقتدر
(1/276)

وأما لأمير المؤمنين فتقول:
أمسى الغوانى معرضات صدّدا
فقال: أمهلنى يا أمير المؤمنين. فأمهله فلشهدته ينشده «47» :
قد علم القدّوس مولى القدس ... أنّ أبا العبّاس «48» أولى نفس
بمعدن الملك القديم الكرس «49» ... بين ابن مروان قريع الإنس
وابنة عبّاس قريع عبس ... إمام رغس «50» فى نصاب رغس [112]
يقال رغسه الله إذا نما وكثر خيره. فقال: قد أحسنت وليست إليها. قال: يا أمير المؤمنين، إنما كانت حمة منى، لا أعود والله لها. قال أبو عبيدة: فقال لى يونس- وهو شاهد للحديث يسرّ إلى: أتصدّق بهذا؟ ما كان من هذا شىء قط، ولا كان الوليد يحسنه. قال عمر بن شبة: ولا أحسب يونس إلّا قد صدق، كان الوليد لحّانا، وكان عبد الملك يعتذر من ذلك ويقول: شغلنا حبّ الوليد عن تأديبه، لكن هذا سليمان فاسألوه عما شئتم.
يقال حمة الحرّ، وفوعة الحر؛ أى شدته.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «51» ، قال: أخبرنى سلمة بن عيّاش، قال: قلت لرؤبة يوما: أبوك أشعر منك قال: أنا أشعر منه، هو يقول «52» :
وخندف هامة هذا العالم
قال ابن سلام: وقبل هذا البيت:
وغاية الناس وأهل الحكّم ... عند كريم منهم مكرّم
مبارك للأنبياء خاتم
(1/277)

فأفرط وجاوز السناد مع حذقه؛ لأنه ساند فى بيتين سنادا فاحشا آخذه الناس عليه.
قال: وقال العجاج «53» :
يا ليت أيام الصبا رواجعا
وهى لغة لهم. سمعت أبا عون الحرمازى يقول «54» : ليت أباك منطلقا، وليت زيدا قاعدا. وأخبرنى- أنّ منشأه «55» بلاد العجّاج فأخذها عنهم.
وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: كان رؤبة يغمص على أبيه فى قوله «56» :
يا دار سلمى يا اسلمى ثمّ اسلمى ... بسمسم أو عن يمين سمسم
ثم قال فيها:
فخندف هامة هذا العالم
ثم قال فيها:
محمد للأنبياء خاتم
وكان يرى هذا عيبا، وهو عيب شديد.
وأخبرنى الصولى، قال: حدثنا أبو ذكوان، قال: حدثنا أبو عثمان، عن أبى عبيدة، قال: قال رؤبة ليونس: أنا أشعر من أبى. قال: بل أبوك أشعر منك. قال:
أبى يقول: «يا دار سلمى ... » وذكر الأبيات كما قال عمر بن شبة.
وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، قال: سمعت أبا محمد التوزى يقول عن أبى زيد: سمعت رؤبة يقول: أنا أشعر أم أبى؟ فقلنا له: أنت أشعر من أبيك، أبوك الذى يقول: يا دار سلمى يا اسلمى ثم اسلمى ثم قال [113] :
فخندف هامة هذا العالم
قال: إنه كان فى لغة أبى العألم والخأتم- مهموزان.
(1/278)

أخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: سئل الأصمعى عن بيت العجاج:
غير ثلاث فى المحلّ صيّم
وأصله الواو «57» . قال: حدثنى عيسى بن عمر، قال: سألت رؤبة عن هذا فقال تيه به فى المتّيهين؛ هو صوم.
قال الأصمعى: وأنشدنى عقبة بن رؤبة «58» :
ودغية «59» من خطل مغدودن «60»
وإنما هو دغوة، يقال: فلان ذو دغوات، أى سقطات.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: سمعت يونس يقول: كان رؤبة عندى، فقال له رجل: ما معنى قول العجاج:
وحبس الناس الأمور الحبّسا
فقال له رؤبة: قلبه. ويلك!
27- رؤبة بن العجاج [1]
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى أبو ذكوان، قال: حدثنى التوزى، عن
__________
[1] رؤبة بن العجاج الراجز، روى عن أبيه ومدح بالرجز جماعة من الدولتين الأموية والعباسية. ويقال: إنه أفصح من أبيه. وكان آدم ضخما، مدح المنصور وأبا مسلم. ولما ظهر إبراهيم بن عبد الله بن الحسن على البصرة خرج من البصرة هربا من الفتنة فمات سنة 145.
وترجمته فى تهذيب التهذيب (3- 290) ، والشعر والشعراء 575، واللآلىء 56، والأغانى 18- 122، الآمدى 121، والخزانة 1- 38.
(1/279)

الأصمعى، قال: حدثنى من سمع سلم بن قتيبة يقول لرؤبة: أخطأت فى قولك «61» :
يهوين شتّى ويقعن وفقا «62»
قال الأصمعى: لأنّ الجياد لا تقع حوافرها معا. وإذا وقعن وفقا فكأنه يضبر ليس يسبح.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: رؤبة بن العجاج أكثر شعرا من أبيه. وقال بعضهم: إنه أفصح من أبيه. ولا أحسب ذلك حقّا؛ لأنه قد أخذ عليه فى قصيدته التى أولها «63» :
وقاتم الأعماق خاوى المخترق ... مشتبه الأعلام لمّاع الخفق
يكلّ وفد الريح من حيث انخرق
ثم قال فيها:
مضبورة قرواء هرجاب فنق «64»
فضم، وأوّلها مفتوح.
28- أبو نخيلة السعدى [1]
حدثنى أحمد بن محمد المكى، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا الأصمعى، قال: حدثنا عبد الله بن سالم، قال: كان أبو نخيلة ينتحل شعر رؤبة بن العجاج، فقال له رؤبة: إياك وإياه بالعراق، وخذ منه بالشام ما شئت.
__________
[1] اسمه يعمر بن حزن، وإنما كنى أبا نخيلة لأن أمه ولدته إلى جنب نخلة، وكان يهاجى العجاج. وهو شاعر محسن، متقدم فى القصيد والرجز.
وترجمته فى الآمدى 297، والشعر والشعراء 583، واللآلىء 135، والخزانة 1- 78، والأغانى 18- 139
(1/280)

وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا الأصمعى، قال: حدثنا عبيد الله بن سالم، قال: أتانى رؤبة فجلس إلى قبّة لى مجلسا لا يراه من يدخل، ودخل [114] أبو نخيلة، فجلس خارجا، فقيل له: أنشدنا يا أبا نخيلة.
فافتتح قصيدة لرؤبة فجعل ينشدها، ورؤبة يئط «65» كأنّ السياط فى ظهره. فلما بلغ نصفها قال رؤبة: كيف أنت أبا نخيلة؟ فقال أبو نخيلة: واسوأتاه! ولا أشعر أنك ها هنا، إن هذا كبيرنا وشاعرنا الذى نعوّل عليه. فقال رؤبة: إياك وإياه ما كنت بالعراق، فإذا أتيت الشام فخذ ما شئت منه.
29- مالك بن أسماء بن خارجة الفزارى [2]
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا عبد الرحمن- يعنى ابن أخى الأصمعى، قال:
أنشد رجل عمّى:
وإذا الدّرّ زان حسن وجوه ... كان للدّر حسن وجهك زينا
وتزيدين طيب الطيب طيبا ... إن تمسّيه أين مثلك أينا
فأعجب بهما الرجل. فقال له عمى: لا تعجب بهما، فما يساويان لقعة ببعرة. وأجود الشعر ما صدق فيه وانتظم المعنى؛ كقول امرئ القيس «66» :
ألم تريانى كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: والبيتان لمالك بن أسماء.
30- القحيف العامرى [1]
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سألت الأصمعى عن القحيف
__________
[1] هو مالك بن أسماء بن خارجة بن حصين بن حذيفة بن بدر الفزارى، وآباؤه سادة غطفان. وكان مالك شاعرا غزلا ظريفا.
وترجمته فى المرزبانى 266، والشعر والشعراء 756، واللآلىء 15.
[2] هو ابن خميّر بن سليم. وهو شاعر مفلق كوفى، لحق الدولة العباسية.
وترجمته فى المرزبانى 211، وابن سلام 594.
(1/281)

العامرى الذى يقول فى النّشاش «67» . قال: ليس بفصيح ولا حجة.
31- الأقيشر الأسدى [1]
أخبرتا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: رأيت الأصمعى طعن فى الأقيشر، وقال: ذاك مولّد، ولم يلتفت إلى شعره. قال: ولا يقال إلا رجل شرطى. فقلت: قال الأقيشر:
إنما نشرب من أموالنا ... فسلوا الشرطى ما هذا الغضب
فقال: ذاك مولّد.
32- أيمن بن خريم بن فاتك الأسدى [2]
قال قدامة بن جعفر «68» : أفضل مديح الرجل ما قصد به الفضائل النفسية الخاصية لا بما هو عرضىّ فيه؛ وما أتى من المدح على خلاف ذلك كان معيبا.
ومن الأمثلة الجياد فى هذا الموضع ما قاله عبد الملك بن مروان لعبيد الله بن قيس
__________
[1] هو المغيرة بن عبد الله، شاعر صاحب شراب. وهو أحد مجان الكوفة، هجا عبد الملك، ورثى مصعب بن الزبير.
وترجمته فى الشعر والشعراء 541، والمرزبانى 273، والآمدى 71، والأغانى 10- 80، والخزانة 2- 279، وألقاب الشعراء 301.
[2] هو أيمن بن خريم بن فاتك، من بنى أسد، وكان أبوه قد صحب النبى، وروى عنه أحاديث. وكان أثيرا عند عبد العزيز بن مروان. وترجمته فى الشعر والشعراء 526، والأغانى 21- 5.
(1/282)

الرّقيّات- حيث عتب عليه فى مدحه إياه: إنك قلت فى مصعب بن الزبير [115] «69» :
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلّت عن نوره الظّلماء
وقلت فىّ:
يأتلق التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنّه الذّهب
فوجه عيب عبد الملك إنما هو من أجل أن هذا المادح عدل به عن الفضائل النفسية التى هى العقل والعفة والعدل والشجاعة وما جانس ذلك، ودخل فى جملته إلى ما يليق بأوصاف الجسم فى البهاء والزينة، وذلك غلط وعيب.
ومنه قول أيمن بن خريم فى بشر بن مروان «70» :
يابن الذّوائب والذّرى والأرؤس ... والفرع من مضر العفرنى الأقعس «71»
وابن الأكارم من قريش كلّها ... وابن الخلائف وابن كلّ قلمّس
يقال: عزّ قلمّس إذا كان قديما.
من فرع آدم كابرا عن كابر ... حتّى انتهيت إلى أبيك العنبس
مروان، إنّ قناته خطّيّة ... غرست أرومتها أعزّ المغرس
وبنيت عند مقام ربّك قبة ... خضراء كلّل تاجها بالفسفس «72»
فسماؤها ذهب وأسفل أرضها ... ورق تلألأ فى البهيم الحندس
فما فى هذه الأبيات شىء يتعلق بالمدح الخفى؛ وذلك أن كثيرا من الناس لا يكونون كآبائهم فى الفضل؛ ولم يذكر هذا الشاعر شيئا غير الآباء، ولم يصف الممدوح بفضيلة فى نفسه أصلا.
(1/283)

وذكر بعد ذلك بناءه قبّة، ثم وصف القبة أنها من الذهب والفضة؛ وهذا أيضا ليس من المدح؛ لأن بالمال «73» والثروة مع الضعة والفهّة «74» ما يمكن «75» بناء القباب الحسنة وغيرها، واتخاذ كل آلة فائقة، ولكن ليس ذلك مدحا يعتدّ به، ولا نعتا جاريا على حقّه.
ومما نذكره فى هذا الموضع ليصحّ به شدة قبح هذا المدح قول أشجع بن عمرو بما يخالف اليسار «76» :
يريد الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع
وليس بأوسعهم فى الغنى ... ولكنّ معروفه أوسع
فقد أحسن هذا الشاعر حيث لم يجعل الغنى واليسار فضيلة، بل جعلها غيرهما.
وقال أيمن أيضا فى بشر «77» :
لو أعطاك «78» بشر ألف ألف ... رأى حقّا عليه أن يزيدا
وأعقب مدحتى سرجا خلنجا «79» ... وأبيض جوزجانيّا عقودا «80»
فإنا «81» قد وجدنا أمّ بشر ... كأمّ الأسد مذكارا ولودا
فجميع هذا المدح على غير الصواب، وذلك أنه أومأ إلى المدح بالتناهى فى الجود أولا، ثم أفسده فى البيت الثانى بذكر السرج وغيره، ثم ذكر فى البيت الثالث ما هو إلى أن يكون ذمّا أقرب؛ وذلك أنه جعل أمّه ولودا والناس مجمعون على أنّ نتاج الحيوانات الكريمة يكون أعسر «82» ، ومنه قول الشاعر «83» :
بغاث الطير أكثرها فراخا ... وأمّ الصقر مقلات نزور «84»
(1/284)

33- ابن هرمة [1]
رأيت أهل العلم بالشعر يستحسنون قول عنترة العبسى فيما أخبر به عن شكيّة فرسه إليه التعب لدوام الحرب، فقال «85» :
فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلىّ بعبرة وتحمحم
فلم يخرج الفرس عن التحمحم إلى الكلام، ثم قال:
لو كان يدرى ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو عرف الجواب مكلّمى
فوضع عنترة ما أراده فى موضعه، لا كما قال ابن هرمة «86» :
نراه إذا ما أبصر الضيف كلبه ... يكلّمه من حبّه وهو أعجم
فإنه أقنى الكلب فى قوله: إنه يكلمه، ثم أعدمه إياه عند قوله: إنه أعجم من غير أن يزيد فى القول ما يدلّ على أنّ ما ذكره إنما أجراه على طريق الاستعارة.
أخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه قال: حدثنى أبو أيوب المدينى، قال: حدثنى أبو الحسن الباهلى، عن فليح بن سليمان، عن إسماعيل بن جعفر مولى خزاعة الفقيه، قال: حدثنى أبى، قال: مررت بابن هرمة جالسا على دكان فى بنى زريق، فقلت: ما أقعدك ها هنا يا أبا إسحاق؟ فقال: قلت:
فإنك واطّراحك وصل سعدى ... لأخرى فى مودّتها نكوب
ثم قطع بى فلم أستطع أن أجوزه، فمرت بى وصيفة للحىّ قد ثقبت أذنيها وفيها خيوط عهن وقد فاحتا، فذرت عليهما آسا؛ فقلت: مالك، ويحك، يا فلانة؟ فقالت: ثقبت
__________
[1] هو إبراهيم بن هرمة، وهو آخر الشعراء الذين يحتج بشعرهم. وقد شخص إلى أبى جعفر، وامتدحه.
واستحسن شعره.
وترجمته فى الشعر والشعراء 729.
(1/285)

أذنى لعرس بنى فلان فأصابنى ما ترى [117] . فقلت: أفلك شنوف؟ قالت: لا ولكنى استعرته. قال: فقلت:
كثاقبة لحلى مستعار ... بأذنيها فشانهما الثقوب
فأدّت حلى جارتها إليها ... وقد بقيت بأذنيها ندوب
حدثنا أبو بكر بن دريد، قال: أخبرنا الأشناندانى، قال: أخبرنى رجل من قريش بمكة أحسبه من ولد عبد الرحمن بن عوف، قال: حدثنى حميد بن معروف الحمصى، عن أبيه، وأخبرنى أبو ذرّ القراطيسى، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبى الدنيا، عن محمد بن إسحاق المسيى، عن القاسم بن محمد القرشى، عن حميد بن معروف الحمصى، عن أبيه، قال: كنت فيمن حضر الحكم بن المطلب المخزومى وهو يجود بنفسه بمنبج- قال- ولقى من الموت شدة، فقال رجل ممن حضر- وهو فى غشية له: اللهم هوّن عليه، فإنه كان وكان- يثنى عليه؛ فلما أفاق قال: من المتكلم؟ فقال المتكلم: أنا قال: إن ملك الموت يقول لك: إنى بكل سخىّ رفيق. قال: فكأنما كانت فتيلة أطفئت. فلما بلغ موته ابن هرمة قال:
سألا عن الجود والمعروف أين هما ... فقلت إنهما ماتا مع الحكم
ماتا مع الرجل الموفى بذمته ... يوم الحفاظ إذا لم يوف بالذمم
ماذا بمنبج لو تنبش مقابرها ... من التهدّم بالمعروف والكرم
قال ابن دريد: فسألت أبا حاتم عن قوله: «لو تنبش» ، لم جزم؟ فقال:
[قال] «87» قوم من النحويين: كراهة لكثرة الحركات «88» ، كما قال الآخر «89» :
إذا اعوججن قلت صاحب قوّم ... بالدّو أمثال السفين العوّم
قال: ولو قال: «نبشت مقابرها» استراح من «تنبش» ، وكان كلاما فصيحا.
(1/286)

34- عبد الرحمن القس [1]
قال قدامة بن جعفر «90» : من الكلام المستقل فى الغزل قول عبد الرحمن بن عبد الله القسّ:
إن تنأ دارك لا أملّ تذكّرا ... وعليك منى رحمة وسلام
ومن المستخشن قول هذا الشاعر أيضا «91» :
سلّام «92» ليت لسانا تنطقين به ... قبل الذى نالنى من صوته «93» قطعا
فما رأيت أغلظ ممّن يدعو على معشوقة أجادت فى غنائها بقطع لسانها [118] ؛ لأن المذهب فى الغزل إنما هو الرقة واللطافة والشكل والدماثة. واستعمال الألفاظ اللطيفة المستعذبة المقبولة غير المستكرهة، فإذا كانت جاسية مستوخمة كان ذلك عيبا.
وبلغنى أنّ أبا السائب المخزومى لما أنشد قول إسحاق الأعرج مولى عبد العزيز بن مروان، وهو «94» :
فلما بدا لى رابنى ... نزعت نزوع الأبىّ الكريم
قال: قبّحه الله، والله ما أحبّها ساعة قط.
ومثله لنابغة بنى تغلب- واسمه الحارث بن غزوان «95» - أحد بنى زيد بن عمرو بن غنم بن تغلب «96» :
هجرت أمامة هجرا طويلا ... وما كان هجرك إلا جميلا
__________
[1] هو صاحب سلامة المغنية المشهورة.
(1/287)

على غير بغض ولا عن قلى ... وإلّا حياء وإلّا ذهولا
بخلنا لبخلك قد تعلمين ... فكيف يلوم البخيل البخيلا «97»
قال «98» : ومما جاء فى الشعر من المتناقض على طريق المضاف قول عبد الرحمن القس «99» :
وإنى إذا ما الموت حلّ بنفسها ... يزال بنفسى قبل ذاك فأقبر
فقد جمع بين قبل وبعد؛ وهما من المضاف؛ لأنه لا قبل إلا لبعد، ولا بعد إلّا لقبل؛ حيث قال: إنه إذا وقع الموت بها- وهذا القول كأنه شرط وضعه ليكون له جواب يأتى به- وجوابه هو قوله: يزال بنفسى قبل ذاك. وهذا شبيه بقول قائل لو قال: إذا انكسر الكوز انكسرت الجرة قبله؛ فجعل هذا الشاعر ما هو قبل «100» بعدا.
قال «101» : ومما جاء فى الشعر من المتناقض على طريق الإيجاب والسلب قول عبد الرحمن القس «102» :
أرى هجرها والقتل مثلين فاقصروا ... ملامكم فالقتل أعفى وأيسر
فأوجب هذا الشاعر للهجر والقتل أنهما مئلان، ثم سلبهما ذلك بقوله: إنّ القتل أعفى وأيسر؛ فكأنه قال: إنّ القتل مثل الهجر وليس هو مثله «103» وأرى أنّ مما يجرى هذا المجرى قول يزيد بن مالك الغامدى حيث قال «104» :
أكفّ الجهل عن حلماء قومى ... وأعرض عن كلام الجاهلينا
(1/288)

ثم قال فى هذه القصيدة بعد هذا البيت:
إذا رجل تعرض مستخفّا ... لنا بالجهل أوشك أن يحينا «105»
فقد أوجب هذا الشاعر فى البيت الأول لنفسه الحلم والإعراض عن الجهال [119] ، ونفى ذلك بعينه فى البيت الثانى بتعدّيه فى معاقبة الجاهل إلى أقصى مراتب العقوبات، وهو القتل.
35- نوح بن جرير [1]
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال:
حدثنا على بن إسماعيل اليزيدى، قال: أخبرنى أبو الحسن الأثرم، قال: حدثنى أدهم العبدى خال بنى الكلبى، عن رجل أراه من بنى سعد، قال: كنت مع نوح بن جرير؛ وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبة، قال: حدثنى أحمد بن معاوية، قال: حدثنى بعض أصحابنا، عن رجل من بنى سعد؛ وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، قال: حدثنى إسحاق الموصلى، عن رجل من بنى سعد، قال: كنت مع نوح بن جرير فى أصل سدرة- أو قال شجرة- فقلت له: قبحك الله وقبح أباك، أما أبوك فأفنى عمره فى مدح عبد ثقيف- يعنى الحجاج- وأما أنت فإنك مدحت قثم بن العباس فلم تهتد لمناقبه ومناقب آبائه- وقال الأثرم فى حديثه: فعجزت أن تمدحه بمأثرة من مآثر آبائه- حتى مدحته بقصر بناه.
فقال: أما والله لئن سؤتنى فى هذا الموضع لقد سئوت فيه أبى؛ بينا أنا آكل معه يوما وفى يده لقمة وفى فيه أخرى، فقلت: يا أبت أأنت أشعر أم الأخطل؟ فجرض بالتى فى فيه، ورمى بالتى فى يده، وقال: يا بنى لقد سررتنى وسؤتنى، فأما سرورك إياى فلتعاهدك مثل هذا وسؤالك عنه؛ وأما ما سؤتنى به فذكرك رجلا قد مات. يا بنى؛ لو أدركنى الأخطل وله ناب آخر لأكلنى، ولكن أعاننى عليه خصلتان- وقال بعضهم: أعنت عليه بخصلتين- كبر سن، وخبث دين.
__________
[1] هو ابن جرير الشاعر المشهور، والحديث كله سبق صفحة 173.
(1/289)

36- أبو حية انميرى [1]
عيب على أبى حيّة قوله «106» :
كما خطّ الكتاب بكفّ يوما ... يهودىّ يقارب أو يزيل
لأنه أراد: كما خطّ الكتاب يوما بكفّ يهودىّ يقارب أو يزيل؛ فقدّم وأخّر. ومثله لامرأة من بنى قيس «107» :
هما أخوا فى الحرب من لا أخاله ... إذا خاف يوما نبوة ودعاهما
تريد: هما أخوا من لا أخاله فى الحرب. ومثله بيت الفرزدق «108» [130] :
وما مثله فى الناس إلا مملكا ... أبو أمه حىّ أبوه يقاربه «109»
37- ابن ميادة المرى [2]
أخبرنى أبو القاسم يوسف بن يحيى بن على المنجّم، عن أبيه، قال: حدثنى حماد بن إسحاق عن أبيه، قال: حدثنى أبو صالح الفزارى أنّ قاسم بن جندل الفزارى- وكان
__________
[1] هو الهيثم بن الربيع بن زرارة، كان يروى عن الفرزدق، وهو من شعراء الدولتين الأموية والعباسية، شاعر راجز محسن على لوثة كانت فيه. وقد تقدمت بعض أخباره فى الحديث عن راعى الإبل صفحة 207.
وترجمته فى الشعر والشعراء 749، واللآلىء 244، والمؤتلف 103، والأغانى: 15- 61، والخزانة 4- 283، وأمالى المرتضى 442.
[2] هو الرماح بن أبرد. وميادة أمه، ويكنى أبا شراحيل، وأبا حرملة، وهو شاعر محسن. وقد وفد على الوليد بن يزيد بن عبد الملك ومدحه فأمره بملازمته. وبقى ابن ميادة حتى أدرك أيام بنى العباس. وكان جيد الغزل، ونمطه نمط الأعراب الفصحاء.
وترجمته فى طبقات ابن المعتز 106، والشعر والشعراء 747، واللآلىء 306، والخزانة 1- 76، والمؤتلف 180
(1/290)

عالما- قال لابن ميّادة: والله لقد جددت بشعرك وذكرت به، وإنى لأراه كثير السقط.
فقال ابن ميادة: يابن جندل، إنما الشعر كنبل فى جفيرك ترمى به الغرض؛ فطالع، وواقع، وعاضد، وقاصر.
الطالع: الذى يطلع الغرض؛ أى يعلوه لم يزغ يمينا ولا شمالا وهو يستحبّ.
والواقع: الذى يقع بالغرض. والعاضد: الذى يقع عن يمين الغرض أو شماله وهو شرّها.
والقاصر: الذى يقصر دونه فلا يبلغه وهو قاصد. والعاضد: ما بين الشبر إلى قيد القوس وكذلك القاصر.
وقال المتوكل بن عبد الله الليثى فى هذا المعنى:
الشعر لبّ المرء يعرضه ... والقول مئل مواقع النّبل
منها المقصّر عن رميّته ... ونواقر يذهبن بالخصل «110»
يقال: نقر السهم فهو ناقر: إذا أصاب.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنا محمد بن العباس الرياشى، قال: حدثنا أبى عن الأصمعى، قال الصولى: وحدثنى يحيى بن على، قال: حدثنى سليمان بن أيوب المدينى، قال: حكى الأصمعى أنّ السبب الذى هاج الشرّيين ابن ميّادة والحكم الخضرى- من خضر محارب- أنّ الحكم وقف ينشد بمصلّى المدينة قصيدته فى وصف الغيث، فمر به ابن ميّادة فوقف عليه يسمع، حتى انتهى إلى قوله:
يا صاحبىّ ألم تشيما عارضا ... نصح «111» الصّراد به فهضب المنخر
تصح: أى مطر. والصراد: موضع.
ركب البلاد وظلّ ينهض مصعدا ... نهض المقيّد فى الدّهاس «112» الموقر
فحسده ابن ميّادة، فقال: أدهست وأوقرت «113» ، لا أمّ لك، فمن أنت؟ قال:
(1/291)

أنا الحكم الخضرى. قال: والله ما أنت فى بيت نسب ولا أرومة شعر. قال: قد قلت ما قلت، فمن أنت؟ قال: أنا ابن ميّادة، قال: قبح الله والدين [121] خيرهما ميادة، لو كان فى أبيك خير ما انتسبت إلى أمك. أو لست القائل:
فلا برح الممدور «114» ريّان ناعما ... وجيد أعالى صدره وأسافله
ويروى: «شعبه وأسافله» ، فاستسقيت لأعاليه وأسافله وتركت وسطه، وهو خير موضع فيه لم تستسق له. فتهاجيا بعد ذلك.
الدّهاس: اللّين من الرمل. والمقيّد: البعير، فشبّه السحاب بثقل سيرها هذا البعير المقيّد الموقر فى موضع ليّن تغوص فيه قوائمه.
وأخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنى محمد بن جعفر العطار، قال حدثنى ابن أبى سعد، قال: حدثنى عبد الله بن محمد القرشى، قال: حدثنى محمد بن سعيد المخزومى، عن عبد العزيز بن عمران، قال: أنشد الحكم الخضرى فى مصلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فى وصف مطر: يا صاحبى ألم تشيما عارضا؛ وذكر مثله إلى آخره.
وأخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، عن حماد بن إسحاق، عن أبيه- أنّ الخضرى لما خاطب ابن ميّادة فى بيته الأخير بما خاطبه به قال ابن ميادة: وأىّ شىء تريد وقد تركته لا يزال ريّان مخصبا، وقد جيد أعالى شعبه وأسافله؟ فغضب الخضرى؛ فهذا أوّل ما هاج بينهما الهجاء.
(1/292)

38- عبد الله بن مسلم بن جندب الهذلى
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال «1» أخبرنا الزبير بن بكار، قال: حدثنى عروة بن عبيد الله بن عروة بن الزبير، قال: كان عروة بن أذينة نازلا مع أبى فى قصر عروة بالعقيق، فسمعته ينشد لنفسه الأبيات التى أولها «2» :
إنّ التى زعمت فؤادك ملّها ... جعلت هواك كما جعلت «3»
هوى لها قال عروة: فجاءنى أبو السائب المخزومى يوما بالعقيق فألفانى فى مجلس بئر عروة، فسلم وجلس إلى، فقلت له بعد الترحيب به: ألك حاجة يا أبا السائب؟ قال: وكما تكون لحاجة، أبيات لعروة بن أذينة بلغنى أنك سمعتها منه. قلت: أى أبياته؟ قال: وهل يخفى القمر؟ قوله: إن التى زعمت فؤادك ملّها فأنشدته إياها، فقال: ما يروى هذه إلّا أهل المعرفة والعقل، هذا والله الصادق الودّ، الدائم العهد [121] ، لا الهذلىّ الذى يقول:
إن كان أهلك يمنعونك رغبة ... عنّى فأهلى بى أضنّ وأرغب
لقد عدا الأعرابى طوره؛ وإنى لأرجو أن يغفر الله لصاحب الأبيات فى حسن الظن بها وطلب العذر لها.
39- الحسين بن مطير [1]
أخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، قال: حدثنى أبى- يعنى على بن
__________
[1] هو الحسين بن مطير بن مكمل، مولى لبنى سعد بن مالك بن ثعلبة. وكان مكمل عبدا فأعتقه مولاه، وكان الحسين رواية. وكلامه ومذهبه يشبه كلام الأعراب ومذاهبهم، وهو شاعر متقدم من شعراء الدولتين (اللآئى 409) .
(1/293)

يحيى- عن إسحاق الموصلى؛ وأخبرنى على بن هارون، قال: أخبرنى عمى يحيى بن على، قال: حدثنى الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنى أحمد بن عبد الله بن على، قال: حدثنى أبى؛ قالا: وفد ابن مطير الأسدى على معن بن زائدة لما ولى اليمن وقد مدحه، فلما دخل عليه أنشده:
أتيتك إذ لم يبق غيرك جابر ... ولا واهب يعطى اللهى والرغائبا
فقال له معن: يا أخا بنى أسد؛ ليس هذا بالمدح؛ وإنما المدح قول أخى تيم الله نهار بن توسعة فى مسمع بن مالك بن مسمع:
قلّدته عرى الأمور نزار ... قبل أن تهلك السّراة البحور
أخبرنى يوسف بن يحيى، عن أبيه، قال: قال ابن مطير:
يأيها القلب الحزين الكائب ... بان الشباب والشباب ذاهب
أودى فلا يثنى ولا هو آيب
فسكن «هو» ؛ وحقّها التحريك، وهى لغة «4» .
40- جماعة من شعراء الإسلام «5»
حدثنا ابن دريد، قال: أخبرنا عبد الرحمن- يعنى ابن أخى الأصمعى- عن عمه، قال: لقى عمر بن أبى ربيعة الأحوص وقد أقبل من عند عبلة، فقال له:
يا أحوص؛ ما زودت صاحبتك؟ ولا تكن كالذى قال:
سأهدى لها فى كلّ عام قصيدة ... وأقعد مكفيّا بمكة مكرما
فأهدى ما مالا ينفعها- قال: قد واله فعلت. قال: فأنشدنى ما قلت؛ فأنشده:
ألا يا عبل قد طال اشتياقى ... إليك وشفّنى خوف الفراق
وبتّ مخامرا «6» أشكو بلائى ... لما قد غالنى ولما ألاقى
(1/294)

كأنى من هواك أخو فراش ... تجلجل نفسه بين التّراقى [123]
حلفت لك الغداة فصدّقينى ... بربّ البيت والسبع الطباق
لأنت إلى الفؤاد أشدّ حبّا ... من الصادى إلى الكأس الدّهاق «7»
فقال له عمر: ما تركت لى شيئا، ولقد أغرقت فى شعرك. قال: كيف أغرقت فى شعرى وأنت الذى تقول «8» :
إذا خدرت رجلى أبوح بذكرها ... ليذهب عن رجلى الخدور فيذهب
فقال: الخدور يذهب والعطش لا يذهب.
[من عيوب معانى الشعر:] «9»
قال قدامة بن جعفر «10» : من عيوب معانى الشعر «مخالفة العرف» والإتيان بما ليس فى العادة والطبع؛ مثل قول المرّار «11» :
وخال على خدّيك يبدو كأنه ... سنا البدر فى دعجاء باد دجونها «12»
فالمتعارف المعلوم أنّ الخيلان سود أو ما قاربها فى ذلك اللون، والخدود الحسان إنما هى البيض، وبذلك تنعت، فأتى هذا الشاعر بقلب المعنى.
ومن هذا الجنس قول الحكم الخضرى:
كانت بنو غالب لأمّتها ... كالغيث فى كلّ ساعة يكف «13»
(1/295)

فليس فى المعهود أن يكون الغيث واكفا فى كل ساعة.
قال «14» : ومن عيوب المعانى أيضا أن ينسب الشىء إلى ما ليس منه، كما قال خالد بن صفوان:
فإن صورة راقتك فاخبر فربما ... أمر مذاق العود والعود أخضر
فهذا الشاعر بقوله:
......... ربما
أمر مذاق العود والعود أخضر
كأنه يومئ إلى أنّ سبيل العود الأخضر فى الأكثر أن يكون عذبا أو غير مرّ؛ وهذا ليس بواجب؛ لأنه ليس العود الأخضر بطعم من الطعوم أولى منه بالآخر.
[من عيوب ائتلاف اللفظ والمعنى:]
قال «15» : ومن عيوب الشعر «الإخلال» ؛ وهو أن يترك من اللفظ ما يتمّ به المعنى؛ مثال ذلك قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:
أعاذل عاجل ما أشتهى ... أحبّ من الأكثر الرائث «16»
فإنما أراد أن يقول: عاجل ما أشتهى مع القلة أحبّ إلىّ من الأكثر المبطىء، فترك «مع القلة» ، وبه يتمّ المعنى.
ومثل ذلك قول عروة بن الورد «17» :
عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم ... ومقتلهم عند «18» الوغى كان أعذرا [124]
(1/296)

فإنما أراد أن يقول: عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم فى السلم، ومقتلهم عند الوغى أعذر، فترك «فى السلم» .
ومن هذا الجنس قول الحارث بن حلّزة «19» :
والعيش خير فى ظلا ... ل النّوك ممّن عاش كدّا
فأراد أن يقول: والعيش خير فى ظلال النوك من العيش بكدّ فى ظلال العقل، فترك شيئا كثيرا، وعلى أنه لو قال ذلك لكان فى هذا الشعر خلل آخر، لأنّ الذى يظهر أنه أراده هو أن يقول: إن العيش الناعم فى ظلال النوك خير من العيش الشاق فى ظلال العقل، فأخلّ بشىء كثير.
ومن هذا الجنس نوع آخر، وهو كما قال بعضهم «20» :
لا يرمضون «21» إذا حرّت مشافرهم ... ولا ترى منهم فى الطعن ميّالا
ويفشلون إذا نادى ربيئهم ... ألا اركبنّ فقد آنست أبطالا
الربىء: الطليعة، فأراد أن يقول: «ولا يفشلون» ، فخذف «لا» ، فعاد المعنى إلى الضدّ.
قال «22» : ومن عيوب هذا الجنس عكس العيب المتقدم، وهو أن يزيد فى اللفظ ما يفسد به المعنى، مثال ذلك قول بعضهم:
فما نطفة من ماء نحض عذيبة ... تمنّع من أيدى رقاة ترومها
بأطيب من فيها لو انّك ذقته ... إذا ليلة أسجت وغارت نجومها
فقول هذا الشاعر: «لو انك ذقته» زيادة توهم أنه لو لم يذقة لم يكن طيبا.
[من عيوب ائتلاف اللفظ والوزن:]
قال «23» : ومن عيوب الشعر «الحشو» ، وهو أن يحشى البيت بلفظ لا يحتاج إليه
(1/297)

لإقامة الوزن؛ مثال ذلك ما قال أبو عدى القرشى:
نحن الرءوس وما الرءوس إذا سمت ... فى المجد للأقوام كالأذناب
فقوله «للأقوام» حشو لا منفعة فيه.
وقال مصقلة بن هبيرة:
ألكنى إلى أهل العراق رسالة ... وخصّ بها- حيّيت- بكر بن وائل
فقوله: «حييت» حشو لا منفعة فيه.
قال «24» : ومنها «التّثليم» ، وهو أن يأتى الشاعر بأسماء يقصر عنها العروض فيضطر إلى ثلمها والنّقص منها؛ مثال ذلك قول أميّة بن أبى الصّلت «25» [125] :
لا أرى من يعيننى فى حياتى ... غير نفسى إلا بنى إسرال «26»
وقال فى هذه القصيدة «27» :
أيمّا شاطن عكاه ... ثم يلقى فى السجن والأكبال
وقال علقمة بن عبدة «28» :
كأنّ إبريقهم ظبى على شرف ... مفدّم «29» بسبا الكتّان ملثوم
أراد «بسبائب «30» الكتان» ، فخذف للعروض.
(1/298)

وقال لبيد بن ربيعة «31» :
درس المنا بمتالع فأبان «32»
أراد المنازل.
ومنها «التذنيب» ؛ وهو عكس العيب المتقدم، وذلك أن يأتى الشاعر بألفاظ تقصر عن العروض، فيضطر إلى الزيادة فيها، مثال ذلك ما قال «33» :
لا كعبد المليك أو كيزيد ... أو سليمان بعد أو كهشام
فالملك والمليك اسمان لله عز وجل، وليس إذا سمى إنسان بالتعبّد لأحدهما وجب أن يكون مسمّى بالآخر، كما أنه ليس من سمّى عبد الرحمن هو من سمى عبد الله.
قال «34» : ومن هذا الجنس «التغيير» ، وهو أن يحيل الشاعر الاسم عن حاله وصورته إلى صورة أخرى إذا اضطرّته العروض إلى ذلك، كما قال بعضهم- يذكر سليمان «35» :
ونسج سليم كلّ قضّاء ذائل «36»
وكما قال الآخر «37» :
من نسج داود أبى سلّام
(1/299)

[من العيوب العامة للمعانى:]
قال «38» : ومن عيوب الشعر «فساد التفسير» ، مثل قول بعض المحدثين:
فيأيها الحيران فى ظلم الدّجى ... ومن خاف أن يلقاه بغى من العدى
تعال إليه تلق من نور وجهه ... ضياء ومن كفّيه بحرا من النّدى
والعيب فى هذين البيتين أنّ هذا الشاعر لما قدّم فى البيت الأول الظّلم وبغى العدى كان الجيّد أن يفسّر هذين المعنيين فى البيت الثانى بما يليق بهما، فأتى بإزاء الإظلام بالضياء، وذلك صواب، وكان يحب أن يأتى بإزاء بغى العدى بالنصرة أو بالعصمة أو بالوزر «39» [126] ، أو بما جانس ذلك مما يحتمى به الإنسان من أعدائه؛ فلم يأت بذلك، وجعل مكانه ذكر الندى، ولو كان ذكر فى البيت الأول الفقر أو العدم لكان ما أتى به صوابا.
قال «40» : ومما جاء فى الشعر من التناقض على طريق القنية والعدم قول ابن نوفل:
لأعلاج ثمانية وشيخ ... كبير السنّ ذى بصر ضرير
فلفظة «ضرير» إنما تستعمل- وهى تصريف فعيل من الضرّ- فى الأكثر للذى لا بصر له، وقول هذا الشاعر فى هذا الشيخ إنه ذو بصر وإنه ضرير- تناقض من جهة القنية والعدم، وذلك أنه كأنه يقول: إن له بصرا ولا بصر له، فهو بصير أعمى.
[من عيوب ائتلاف المعنى والقافية:]
قال «41» : ومن عيوب الشعر أن تكون القافية مستدعاة، قد تكلّف فى طلبها، فاشتغل معنى سائر البيت بها؛ مثل ما قال أبو تمام الطائى «42» :
كالظّبية الأدماء صافت فأرتعت ... زهر العرار الغض والجثجاثا
(1/300)

فجميع هذا البيت مبنىّ لطلب هذه القافية، وإلا فليس فى وصف الظبية بأنها ترتعى الجثجاث كبير فائدة؛ لأنه إنما توصف الظبية إذا قصد لنعتها بأحسن أحوالها؛ بأن يقال بأنها تعطو الشجر؛ لأنها حينئذ رافعة رأسها، وتوصف بأن ذعرا يسيرا قد لحقها؛ كما قال الطرماح «43» :
مثل ما عاينت مخروفة «44» ... نصّها ذاعر روع «45» مؤام «46»
فأمّا أن ترتعى الجثجاث فلا أعرف له معنى فى زيادة الظبية من الحسن، لا سيما والجثجاث ليس من المراعى التى توصف.
قال «47» : ومن عيوب هذا الجنس أن يؤتى بالقافية لتكون نظيرة لأخواتها فى السجع، لا لأنّ [لها] «48» فائدة فى معنى البيت؛ كما قال على بن محمد البصرى:
وسابغة الأذيال زعف «49» مفاضة ... تكنّفها منى نجاد مخطط
فى وصف الدرع وتجويد نعتها، وليس يزيد فى جودتها أن يكون نجادها مخططا دون أن يكون أحمر أو أخضر أو غير ذلك من الأصباغ، ولكنه أتى به من أجل السجع.
ومن هذا الجنس قول أبى عدى القرشى «50» [127] :
ووقيت الحتوف من وارث وا ... ل وأبقاك صالحا ربّ هود
(1/301)

فليس نسبة هذا الشاعر الله عز وجل إلى أنه ربّ هود بأجود فى هذا البيت من نسبته إلى أنه ربّ نوح، ولكن القافية كانت داليّة فأتى بذلك للسجع، لا لإفادة معنى بما أتى به منه.
قال محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «51» : ينبغى للشاعر أن يتأمّل تأليف شعره وتنسيق أبياته، ويقف على حسن تجاورها أو قبحه؛ فيلائم بينها لتنتظم له معانيها، ويتصل كلامه فيها، كقول ابن هرمة «52» :
وإنى وتركى ندى الأكرمين ... وقدحى بكفّى زنادا شحاحا «53»
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة «54» بيض أخرى جناحا
وكقول الفرزدق «55» :
وإنك إذ تهجو تميما وترتشى ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماء بالفلاة وغرّه ... سراب أذاعته رياح السمائم
كان يجب أن يكون بيت لابن هرمة مع بيت للفرزدق، وبيت للفرزدق مع بيت لابن هرمة فيقال:
وإنّى وتركى ندى الأكرمين ... وقدحى بكفى زنادا شحاحا
كمهريق ماء بالفلاة وغرّه ... سراب أذاعته رياح السّمائم
ويقال:
فإنك إذ تهجو تميما وترتشى ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
(1/302)

حتى يصحّ التشبيه للشاعرين جميعا؛ وإلّا كان تشبيها بعيدا غير واقع موقعه الذى أريد له.
قال «56» : وينبغى للشاعر أن يحترز فى أشعاره؛ ومفتتح أقواله، مما يتطيّر منه أو يستجفى من الكلام والمخاطبات؛ كذكر البكاء ووصف الخطوب الحادثة؛ فإن الكلام إذا كان مؤسسا على هذا المثال تطيّر منه سامعه وإن كان يعلم أنّ الشاعر إنما يخاطب نفسه دون الممدوح؛ فيجتنب مثل ابتداء الأعشى بقوله «57» :
ما بكاء الكبير بالأطلال «58»
ومثل قول ذى الرمة «59» :
ما بال عينك منها الماء ينسكب
وقول أبى نواس [128] «60» :
أربع البلى إنّ الخشوع لبادى ... عليك وإنى لم أخنك ودادى
ومثل إنشاد البحترى لأبى سعيد «61» الثّغرى:
لك «62» الويل من ليل بطاء أواخره «63»
فقال له أبو سعيد: الويل لك والحرب! وإنشاد أبى حكيمة راشد بن إسحاق لأبى دلف:
ألا ذهب الأير الذى كنت تعرف
(1/303)

فقال أبو دلف: أمّك كانت تعرفه.
وليجتنب التشبيب بامرأة يوافق اسمها اسم بعض نساء الممدوح من أمه أو قرابة، أو غيرهما؛ وكذلك ما يتصل به سببه أو يتعلق به وهمه؛ فإن أرطاة بن سهيّة الشاعر لما أنشد عبد الملك «64» :
وما تبغى المنيّة حين تأتى «65» ... على نفس ابن آدم من مزيد
وأحسب أنها ستكرّ حتى «66» ... توفّى نذرها بأبى الوليد
فقال له عبد الملك: ما تقول؟ ثكلتك أمّك! قال: أنا أبو الوليد يا أمير المؤمنين؛ وكان عبد الملك يكنى أبا الوليد أيضا، ولم يزل يعرف كراهة شعره فى وجه عبد الملك إلى أن مات.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنى أحمد بن الهيثم السامىّ، قال: حدثنى العمرى، عن الهيثم بن عدى، قال: أخبرنا القاسم بن معن، قال: حدثنى عبد الله بن كثير التيمى من بنى تيم الله بن ثعلبة- بهذا الحديث؛ فسألت حمادا الراوية عنه، فقال: حدثنى سماك بن حرب، قال: حدثنى المصوّر العنزى- وكان من رواة العرب، فقلت لحماد: أكان من أسنان سماك؟ قال:
نعم، وأكبر من أبيه؛ قال: دخلت على زياد فقال: أنشدنا. فقلت: من شعر من؟
قال: من شعر الأعشى. قال: فأرتج علىّ إلّا قوله «67» .
رحلت سميّة غدوة أجمالها ... غضبى عليك فما تقول بدا لها
قال: فقطب زياد؛ وعرفت ما وقعت فيه. وقيل للناس: أجيزوا. فأجزت، فو الله ما عدت إليه.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: واسم أم زياد سميّة، فكره ذكر ذلك.
(1/304)

حدثنى محمد بن إبراهيم الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن خيثمة، عن أبى نصر [129] أحمد بن حاتم، قال: بلغنى أن الفرزدق دخل على عبد الملك بن مروان، فقال له: من أشعر أهل زماننا؟ قال: أنا يا أمير المؤمنين. قال: ثم من؟ قال: غلام منّا بالبادية يقال له ذو الرمة. قال: ثم دخل عليه جرير بعد ذلك فقال له: من أشعر الناس- قال: أنا يا أمير المؤمنين. قال: ثم من؟ قال: غلام منا بالبادية يقال له ذو الرمة. فأحبّ عبد الملك أن يراه لقولهما، فوجّه إليه فجىء به، فقال: أنشدنى أجود شعرك فأنشده «68» :
ما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلى مفريّة سرب
قال: وكانت عينا عبد الملك تسيلان ماء، قال: فغضب عليه ونحّاه. فقيل له:
ويحك! إنما دهاك عنده قولك:
ما بال عينك منها الماء ينسكب
فاقلب كلامك. قال: فصبر حتى دخل الثانية، فقال له: أنشده، فأنشد:
ما بال عينى منها الماء ينسكب
حتى أتى على آخرها، فأجازه وأكرمه.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، قال: لما أنشد الأخطل عبد الملك «69» :
خفّ القطين فراحوا منك أو بكرو
قال عبد الملك: بلى منك إن شاء الله- تطيّرا.
وحدثنا محمد بن القاسم الأنبارى، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنا الحسن بن عبد الرحمن الرّبعى، قال: حدثنى أحمد بن عثمان بن محمد العثمانى، قال: حدثنى
(1/305)

أبى، وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبّة، قالا: لما أنشد الأخطل عبد الملك:
خفّ القطين فراحوا منك أو بكروا
قال عبد الملك: بلى منك، لا أمّ لك! وتطيّر عبد الملك من قوله؛ فعاد فقال:
فراحوا اليوم أو بكروا
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس، قال: حدثنا أبو عمرو العمرى، عن الهيثم بن عدى، قال:
حدثنى إسحاق بن سعيد، عن عمرو بن سعيد، قال: حدثنى أبى، قال: قدم علينا إبراهيم بن متمم بن نويرة، فنزل بنا؛ فكلمت فيه عبد الملك بن مروان، فقلت: يا أمير المؤمنين؛ ما رأيت بدويّا يشبهه عقلا وفضلا. قال: أدخله. فأدخلته. فرأى منه ما رأينا منه، فقال: أنشدنا بعض مراثى أبيك عمّك. قال: فأنشده:
نعم الفوارس يوم نشبة غادروا ... تحت التراب قتيلك ابن الأزور [130]
فلما انتهى إلى قوله:
أدعوته بالله ثم قتلته ... لو هو دعاك بمثلها لم يغدر
قال: فالتفت عبد الملك إلىّ، فعرفت ما أراد، فقلت: يا أمير المؤمنين إن كنت علمت أو اطّلعت أو شاورت أو جرى منى فى هذا قول أو فعل فكلّ مرة «70» له طالق، وكلّ مملوك له حرّ، وكلّ مال له فى المساكين، وعليه المشى إلى بيت الله. وحلف بنو عمرو بن سعيد- وهم أخواله- مثلها. فقال عبد الملك: وذاك وذاك. فقام والله ما أمر له بشىء. فلما انصرفنا جمعنا له بيننا دراهم وكسوة وجهزناه ورجع إلى بلاده.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: وإنما كره عبد الملك استماع هذا
(1/306)

الشعر لقتله عمرو بن سعيد الأشدق بعد إعطائه الأمان، وقدّر أنّ ابن متمّم وضعه بنو عمرو بن سعيد على إنشاد البيت الأخير.
حدثنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، قال: لما أنشد جرير عبد الملك:
أتصحو بل فؤادك غير صاح
قال: بل فؤادك يابن اللخناء. فلما بلغ إلى قوله «71» :
تشكّت «72» أمّ حزرة ثم قالت ... رأيت الموردين ذوى لقاح «73»
قال: لا أروى الله عيمتها «74» .
حدثنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثت فى إسناد متصل أن أبا النجم العجلى أنشد هشاما «75» :
والشمس قد صارت كعين الأحول
وذهب عنه الروىّ فى الفكر فى عين هشام، فأغضبه، فأمر به فطرد.
وأخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا الأشناندانى، قال: أخبرنا التّوزى، عن أبى عبيدة، قال: دخل أبو النجم على هشام بن عبد الملك وكان قد حجبه قبل ذلك لما قال:
والشمس قد صارت كعين الأحول
فأمر بسحبه. وكان هشام أحول.
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا الحسن عليل العنزى، قال: حدثنا على بن الصباح الكاتب، قال: أخبرنا هشام بن محمد الكلبى، وأخبرنى أبو ذر
(1/307)

القراطيسى، قال: حدثنا ابن أبى الدنيا، قال: حدثنى [131] العباس بن هشام بن محمد الكلبى، عن أبيه، عن محرّر بن جعفر؛ وحدثنى أحمد بن عبد الله العسكرى، قال: حدثنا العنزى، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى أبو بكر العليمى الباهلى، قال: حدثنى عطاء الملط، وحدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: حدثنا ابن الأعرابى، وحدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال:
حدثنا الحسن بن على المهرى، قال: حدثنى الرياشى، قال: حدثنا حنظلة بن غسان- من آل المهلب، عن رجل ذكره، قالوا: دخل أرطاة بن سهيّة المرّى على عبد الملك بن مروان، وقد أتت عليه عشرون ومائة سنة- وقال بعضهم: ثلاثون ومائة سنة- فقال له عبد الملك: ما بقى من شعرك يا بن سهيّة؟ فقال: والله ما أشرب، ولا أطرب، ولا أغضب، ولا يجىء الشعر إلّا على مثل هذه الحال- وقال بعضهم: إلا مع إحدى هذه الخلال- وإنى على ذلك للذى أقول 7»
:
رأيت المرء تأكله الليالى «77» ... كأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبغى «78» المنية حين تأتى ... على نفس ابن آدم من مزيد
وأعلم أنها ستكرّ حتّى ... توفّى نذرها بأبى الوليد
وكان أرطاة يكنى أبا الوليد. فارتاع عبد الملك، وكان أيضا يكنى بأبى الوليد، واشتدّ عليه، وتغيّر وجهه، وظنّ أنه يعنيه. فقال: لم ترع يا أمير المؤمنين؟ إنى لم أعنك؛ وإنما عنيت نفسى؛ أنا أبو الوليد. فقال عبد الملك: وإياى والله لتوفّين بى نذرها- وقال بعضهم: وأنا والله لتوفينّ بى نذرها، وقال بعضهم: وأنا أيضا ستكرّ على المنية حتى تذهب بنفسى.
وقال على بن الصباح: وحدثنى أبو الحسين راوية المفضل بقصّة أرطاة بن سهيّة هذه.
وأخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى عبيدة، وحدثنا أحمد بن سليمان الطوسىّ [132] ، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنى عمى مصعب بن عبد الله
(1/308)

ومحمد بن الضحاك، عن أبيه؛ وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: حدثنا مصعب بن عبد الله أنّ أرطاة بن سهيّة المرى لما قال:
رأيت المرء تأكله الليالى
وذكروا الأبيات، فبلغت عبد الملك فأشخصه إليه، وقال: ما أنت وذكرى فى شعرك؟ قال: إنما عنيت نفسى؛ أنا أبو الوليد؛ فسأل عن ذلك، فأخبر بحقيقته، فأفلت منه وخلّى سبيله. وكان أعداؤه قد أرجفوا به لما شخص، فلما رجع إلى أهله قال:
إذا ما طلعنا من ثنيّة لفلف «79» ... فبشّر رجالا يكرهون إيابى
وخبّرهم أنى رجعت بغبطة ... أحدّد أظفارى وأصرف «80» نابى
وأنى ابن حرب لا تزال تهرّنى ... كلاب عدوّ أو تهرّ كلابى
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: ولإسحاق الموصلى فى هذا المعنى خير مع المعتصم يجىء فى موضعه إن شاء الله.
قال أحمد بن عبيد الله بن عمار: قد سلك قوم من شعراء الأعراب الزّلل والخطأ فى أشعارهم، مع رقّة أذهانهم، وصحّة قرائحهم، واقتدارهم على غريب الكلام. فقال رجل «81» منهم يصف رأس بعيره:
ترى شئون رأسه العواردا «82» ... مضبورة شبا حدائدا
ضبر براطيل جلامدا «83»
قال: وما رأيت عالما إلا وهو يذمّ هذا القول ويستقبح هذا النّسج.
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: أحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذا شبّه، وأحسن منه ما أصاب به الحقيقة، ونبه فيه بفطنته على
(1/309)

ما يخفى على غيره، وساقه برصف قوى واختصار قريب، وعذل فيه عن الإفراط، كقول بعضهم فى النحافة:
فلو أنّ ما أبقيت منى معلّق ... بعود ثمام ما تأوّد عودها [123]
الثمام: نبت ضعيف، واحدته ثمامة. قال: وهذا متجاوز كقول القائل:
ويمنعها من أن تطير زمامها
وقال محمد بن أحمد العلوى «84» : من الأبيات التى أغرق قائلوها فى معانيها قول النابغة الجعدى «85» :
بلغنا السماء نجدة وتكرّما ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
وقول الطّرمّاح «86» :
لو كان يخفى على الرحمن خافية ... من خلقه خفيت عنه بنو أسد
قوم أقام بدار الذّلّ أوّلهم ... كما أقامت عليه جذمة الوتد «87»
وقوله «88» :
ولو أن برغوثا «89» يزقّق مسكه ... إذا نهلت منه تميم وعلّت
ولو أن برغوثا على ظهر نملة «90» ... يكرّ على صفّى تميم لولّت
ولو جمعت عليا «91» تميم جموعها ... على ذرّة معقولة لا ستقلّت
ولو أنّ أم العنكبوت بنت لهم ... مظلتها يوم الندى «92» لاستظلّت
(1/310)

وقوله زهير «93» :
لو كان يعقد فوق الشمس من كرم ... قوم بأوّلهم أو مجدهم قعدوا
وقول أبى الطمحان القينى «94» :
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه
وقول امرئ القيس «95» :
من القاصرات الطّرف لو دبّ محول ... من الذّرّ فوق الإتب منها لأثّرا «96»
وقول قيس بن الخطيم «97» :
طعنت ابن عبد الله طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشّعاع أضاءها
ملكت بها كفّى فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ماوراءها
وقول الآخر «98» :
ضربته فى الملتقى ضربة ... فزال عن منكبه الكاهل
وصار ما بينهما رهوة ... يمشى بها الرامح والنابل
وقول أبى وجزة السعدى «99» :
ألا علّلانى والمعلّل أروح ... وينطق ما شاء اللسان المسرّح [134]
بإجانة لو أنه خرّ بازل ... من البخت فيها ظلّ للشّقّ يسبح
(1/311)

وقول جرير «100» :
ولو وضعت فقاح «101» بنى نمير ... على خبث الحديد إذا لذابا
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلّهم غضابا
وقد سلك جماعة من الشعراء المحدثين سبيل الأوائل فى المعانى التى أغرقوا فيها، فقال أبو نواس «102» :
وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النّطف التى لم تخلق
وقال بكر بن النطاح «103» :
لو صال من غضب أبو دلف على ... بيض السيوف لذبن فى الأغماد
أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قال عبد الملك بن مروان لأسيلم بن الأحنف الأسدى: ما أحسن ما مدحت به؟ فاستعفاه، فأبى أن يعفيه، وهو معه على سريره. فلما أبى إلّا أن يخبره قال: قول القائل:
ألا أيها الركب المخبّون هل لكم ... بسيّد أهل الشام تحبوا وترجعوا
من النّفر البيض الذين إذا اعتزوا ... وهاب الرجال حلقة الباب قعقعوا
جلا المسك والحمام والبيض كالدّمى ... وفرق المدارى رأسه فهو أنزع
فقال له عبد الملك: ما قال أخو الأوس أحسن مما قيل لك «104» :
قد حصّت «105» البيضة رأسى فما ... أطعم نوما غير تهجاع
(1/312)

[ثالثا-] الشعراء المحدثون
أخبرنا أبو بكر الجرجانى، عن أحمد بن عبيد بن ناصح، قال: سمعت ابن الأعرابى يقول: إنما اشعار هؤلاء المحدثين- مثل أبى نواس وغيره- مثل الريحان يشمّ يوما ويذوى فيرمى به؛ وأشعار القدماء مثل المسك والعنبر كلما حركته ازداد طيبا.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا [135] أبو عبد الله التميمى، قال: كنا عند ابن الأعرابى، فأنشده رجل شعرا لأبى نواس أحسن فيه، فسكت. فقال له الرجل: أما هذا من أحسن الشعر؟ قال: فقال: بلى، ولكن القديم أحب إلى.
1- بشار بن برد العقبلى
[1] حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى على بن مهدى، قال: حدثنى أبو حاتم، قال: كان الأخفش يطعن على بشّار فى قوله «1» :
والآن أقصر عن سميّة «2» باطلى ... وأشار بالوجلى علىّ مشير «3»
وفى قوله «4» :
__________
[1] هو أحد المطبوعين الذين كانوا لا يتكلفون الشعر ولا يتعبون فيه، وهو من أشعر المحدثين، ورأس المطبوعين.
وترجمته فى الشعر والشعراء 733، واللآلئ 196، والأغانى 3- 135، وابن خلكان 1- 110، ولسان الميزان 2- 15.
(1/313)

على الغزلى منّى السلام «5» فربما ... لهوت بها فى ظل مخضرّة زهر «6»
وقال: لم يسمع من الوجل والغزل «فعلى» ، وإنما قاسهما بشار، وليس هذا مما يقاس، إنما يعمل فيه بالسماع.
وطعن عليه فى قوله:
تلاعب نينان البحور وربما ... رأيت نفوس القوم من جريها تجرى
وقال: لم يسمع بنون ونينان «7» فبلغ ذلك بشارا فقال: ويلى على القصّار «8» بن القصّارين، متى كانت اللغة والفصاحة فى بيوت القصّارين؟ دعونى وإياه. فبلغ ذلك الأخفش فبكى. فقيل له: ما يبكيك؟ قال: وقعت فى لسان الأعمى! فذهب أصحابه إلى بشّار، فكذّبوا عنه، وسألوه ألّا يهجوه؛ فقال: وهبته للؤم عرضه. قال: فكان الأخفش بعد ذلك يحتجّ فى كتبه بشعره ليبلغه ذلك، فيكفّ عنه.
قال: وقد كان بلغ بشارا عن سيبويه أيضا شىء من ذلك، فهجاه بقصيدة يقول فيها:
أسبويه يابن الفارسيّة ما الذى ... تحدثت من شيمتى وما كنت تنبذ
أظلت تغنى سادرا بمساءتى ... وأمّك بالمصرين تعطى وتأخذ
فقيل لبشار: تنسبه إلى الفارسية؟ قال: نسبته إلى أن أعرف أبويه. قيل: فلم جعلتها فارسية؟ قال: إنّ بفارس الشريف والوضيع [136] .
قال ابن مهدى: وحدثنى أبو هفّان، قال: حدثنى أبو محلّم، قال: كان بالبصرة امرأة زانية يقال لها الفارسية مشهورة بالزنا؛ فكان أهل البصرة إذا أرادوا أن يزنّوا إنسانا قالوا له: «يابن الفارسية» ، فإلى هذا ذهب بشار؛ وكان أشدّ عصبية للفرس من أن يقول هذا.
(1/314)

حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنى الحسن بن عليل العنزى، قال:
حدثنى علىّ بن محمد بن سليمان النوفلى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن العباس بن الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، عن أبيه، قال: تواريت من المنصور بخروجى مع إبراهيم، وكان «9» بشار صديقى وصديق إخوتى ومنقطعا إلينا، وكان يغشانا كثيرا أيام ظهورنا. فكنت فى توارىّ ببغداد وهى أول ما بنيت، وكان بشار يجلس بالليل فى مسجد الرّصافة، فيحضره ناس كثير، ويحدثهم، وينشدهم شعره. فاندسست فى الناس ليلة، ثم صحت: يا أبا معاذ، من الذى يقول:
أحبّ الخاتم الأحم ... ر من حبّ مواليه
فأعرض عنى، وأخذ فى إنشاد شعره، فمكثت ساعة ثم صحت به: يا أبا معاذ، من الذى يقول «10» :
وإذا أدنيت منّى بصلا ... غلب المسك على ريح البصل
إنّ سلمى خلقت من قصب «11» ... قصب السكر لا عظم الجمل
فغضب، وصاح: من هذا الذى يقرعنا «12» بأشياء كنا نعبث بها، ويأتى برذال شعرنا وما لم نرد به الجيد؟ قال: فسكت ومكثت ساعة، ثم قلت: يا أبا معاذ، من الذى يقول «13» :
أخشّاب «14» حقّا أنّ دارك تزعج ... وأنّ الذى بينى وبينك منهج «15»
قال: فنشط، ثم قال: ويحك! عن مثل هذا فسل. ثم اندفع ينشدها حتى أتى عليها.
(1/315)

حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى ابن مهرويه، قال: حدثنا أحمد بن خلاد «16» ، قال: حدثنى [137] أبى، قال: قلت لبشار: يا أبا معاذ، إنك لتجىء بالأمر المهجّن «17» . قال: وما ذاك؟ قلت: إنك تقول «18» :
إذا ما غضبنا غضبة مضريّة ... هتكنا حجاب الشمس أو مطرت «19» دما «20»
إذا ما أعرنا سيّدا من قبيلة ... ذرى منبر صلّى علينا وسلّما
ثم تقول «21» :
ربابة ربّة البيت ... تصبّ الخلّ فى الزيت
لها عشر دجاجات ... وديك حسن الصوت
فقال: كلّ شىء فى موضعه. وربابة هذه جارية لى، وأنا لا آكل البيض من السّوق، فربابة هذه لها عشر دجاجات وديك، فهى تجمع علىّ هذا البيض وتحظره لى، فكان هذا من قولى لها أحبّ إليها وأحسن عندها من «22» :
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
ووجدت بخط محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثنى أبو المثنّى أحمد بن يعقوب ابن أخت أبى بكر الأصم البصرى، قال: قيل لبشار: إذا شئت أن تثير العجاجة أثرتها فى شعرك ثم تقول:
(1/316)

حبابة ربة البيت
... وذكر البيتين.
قال: فقال: إنما أخاطب كلّا بما يفهم.
قال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «23» : ينبغى للشاعر أن يجتنب الإشارات البعيدة، والحكايات الغلقة، والإيماء المشكل، ويتعمد ما خالف ذلك، ويستعمل من المجاز ما يقارب الحقيقة، ولا يبعد عنها؛ ومن الاستعارات ما يليق بالمعانى التى يأتى بها. فمن الحكايات الغلقة قول بشار «24» :
غدت عانة تشكو بأبصارها الصّدى ... إلى الجأب إلا أنها لا تخاطبه
أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنى رجل من أصحاب المدائنى، قال: جاء رجل إلى العتّابى، فقال له: ما أردت بقولك:
فى ناظرىّ انقباض عن جفونهما ... وفى الجفون عن الآماق تقصير [138]
فقال: أمتعلم أنت أم متعنّت. قال: بل متعنّت! قال: لا أدرى! قال: أفتقول ما لا تدرى؟ وألحّ عليه بالسؤال، فقال: أردت أن أحكى قول بشار «25» :
جفت عينى عن التّغماض «26» حتّى ... كأنّ جفونها عنها قصار
يروّعه السّرار بكلّ فجّ «27» ... مخافة أن يكون به السّرار «28»
فلم يتهيّأ أن ألحق هذا القول. قال: فصار الرجل إلى بشار، فقال: قلت أحسن بيت ثم أفسدته بالبيت الثانى- وأنشده البيتين. فقال بشار: أردت أن ألحق قول المجنون «29» :
كأنّ القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامرية، أو يراح «30»
(1/317)

قطاة غرّها شرك، فباتت ... تجاذبه، وقد علق الجناح «31»
فلم أحسن أن أقول كذلك.
قال أحمد بن عبيد الله بن عمار: بشار أستاذ المحدثين الذى عنه أخذوا، ومن بحره اغترفوا، وأثره اقتفوا، يأتى من الخطأ والإحالة بما يفوت الإحصاء، مع براعته فى الشعر والخطب. وقد قيل: إنه ينظم الشّذرة «32» ، ثم يجعل إلى جانبها بعرة، فمن ذلك قوله «33» :
كنت إذا زرت فتى «34» ماجدا ... تشقى بكفيه الدنانير
وهذا أجود كلام وأحسن معنى. ثم أتبعه ببيت يقول فيه:
وبعض الجود خنزير «35»
ويقول فى تغزّله «36» :
إنما عظم سليمى خلّتى ... قصب السكر لا عظم الجمل
وإذا أدنيت منها بصلا ... غلب المسك على ريح البصل
2- مروان بن أبى حفصة
[1] حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى يموت بن المزرّع، قال:
__________
[1] هو مروان بن سليمان بن يحيى بن أبى حفصة. وكان أبو حفصة مولى لمروان بن الحكم وأعتقه يوم الدار لأنه أبلى حينئذ.
وهو من المجيدين المحكمين للشعر. وفد على المهدى وولديه ومدحهم، وكان ذا منزلة منهم يجزلون عطاءه ويقدمونه على سائر الشعراء. ومدائحه لمعن بن زائدة- فى أيام المنصور- عجيبة. وقد ولد سنة خمس ومائة ومات فى أيام الرشيد سنة اثنتين وثمانين ومائة، ودفن ببغداد.
وترجمته فى طبقات ابن المعتز (42) ، ومعجم المرزبانى (137) ، والشعر والشعراء (739) .
(1/318)

حدثنا الرّياشى، قال: سألت الأصمعىّ عن مروان بن أبى حفصة، فقال لى: كان مولّدا، ولم يكن له علم باللغة.
وأخبرنى أبو القاسم يوسف بن يحيى بن علىّ المنجّم، عن أبيه، قال: أخبرنى ابن مهرويه، قال: حدثنى العباس بن ميمون طابع [139] ، قال: سمعت الأصمعى- وذكر مروان بن أبى حفصة، فقال: كان مولدا، ولم يكن له علم باللغة؛ حضرته فى حلقة يونس، وسأل يونس عن قول زهير «37» :
فبتنا عراة عند رأس جوادنا ... يزاولنا عن نفسه ونزاوله «38»
قال: فقال مروان: من «العراواء «39» » من البرد. قال: فقلت له: أخطأت، لو كانت من «العرواء» لقال: فبتنا معروين؛ إنما عنى أنهم باتوا مشمّرين كما يقال: تجرّد فلان للأمر «40» .
قال محمد بن داود: قال يزيد المهلبى: ليست لأهل اليمامة فصاحة، ولا لأشعارهم سهولة. قال محمد «41» : وكان مروان بن أبى حفصة ينقّح الشعر ويحكّكه، ولم يكن مطبوعا.
أخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجّم، عن أبيه، قال: حدثنى على بن مهدى، قال: حدثنى أبو حاتم السحستانى، قال: قلت للأصمعى: أبشّار أشعر أو مروان؟
قال: فقال: بشار أشعرهما. قلت: وكيف ذاك؟ قال: لأنّ مروان سلك طريقا كثر سلّاكه فلم يلحق بمن تقدمه، وإن بشارا سلك طريقا لم يسلكه أحد، فانفرد به وأحسن فيه؛ وهو أكثر فنون شعر، وأقوى على التصرف، وأغزر وأكثر بديعا، ومروان آخذ بمسالك الأوائل.
(1/319)

قال أبو حاتم: ولما قدم الأصمعى من بغداد دخلت إليه، فسألته عمّن بها من رواة الكوفة. قال: رواة غير منقّحين، أنشدونى أربعين قصيدة لأبى دواد الإيادى قالها خلف الأحمر، وهم قوم تعجبهم كثرة الرواية، إليها يرجعون، وبها يفتخرون. وقد ختموا الشعراء بمروان بن أبى حفصة، ولو ختموهم ببشار كان أخلق؛ وإنما مروان من أقران سلم الخاسر، وقد تزاحما بالشعر فى مجالس الخلفاء، وسوّى بينهما فى الصلة، وسلم معترف لبشار، ولقد كان بشار يقوّم شعر مروان.
قال أبو حاتم: وقال أبو زيد الأنصارى [140] : مروان أجدّ وبشار أهزل. فحدثت الأصمعى بقول أبى زيد، فقال: بشار يصلح للجدّ والهزل، ومروان لا يصلح إلا لأحدهما.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنى أبو مالك الحنفى اليمامى أنّ شعر مروان بن أبى حفصة كان يأخذ أكثره من دعامة بن عبد الله بن المسيّب الطائى اليمامى؛ وأنشدنى له:
ياوجه من لا يرتجى نيله ... ولست بالآمن من ضيره
كأنه القرد إذا ما مشى، ... يعتله «42» القرّاد فى سيره
قال: وأنشدنى لدعامة الطائى:
أضحت حكيمة قد براك هواكها ... وبدت شجونك إذ رأيت شباكها
أهدت إليك مودة مكنونة ... فى الصدر يعرف يادعام رضاكها
أخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، قال: حدثنى ابن مهرويه، قال: حدثنى على بن محمد بن سليمان النوفلى، قال: سمعت أبى يذكر، قال: كان رجل من باهلة اليمامة امتدح مروان بن محمد بشعر يقول فيه:
مروان يابن محمد أنت الذى ... زيدت به شرفا بنو مروان
فوقع مروان فى حروبه، فلم يخرج إليه الرجل حتى قتل مروان، ولقى مروان ابن أبى
(1/320)

حفصة هذا الباهلى فأنشده القصيدة، فقال له مروان بعنيها. واكتمها علىّ. ففعل، فاشتراها منه بثلاثمائة درهم، وقلب الاسم، فقال «43» :
معن بن زائدة الذى زيدت به ... شرفا على شرف بنو شيبان
وتممها، وجعلها مديحا لمعن.
وأخبرنى علىّ بن هارون، عن عمه يحيى بن على، عن أبيه على بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: قال مروان بن أبى حفصة: خرجت أريد معن بن زائدة فضمّنى الطريق وأعرابيا، فسألته: أين تريد؟ فقال: هذا الملك الشيبانى. قلت:
فما أهديت إليه؟ قال: بيتين. قلت: فقط! قال: إنى جمعت فيهما ما يسرّه [141] .
فقلت: هاتيهما، فأنشدنى:
معن بن زائدة الذى زيدت به ... شرفا على شرف بنو شيبان
إن عدّ أيام الفعال فإنما ... يوماه يوم ندى ويوم طعان
قال: ولى قصيدة حكتها بهذا الوزن. فقلت: تأتى رجلا قد كثرت غاشيته، وكثر الشعراء ببابه؛ فمتى تصل إليه؟ قال: فقل. قلت: تأخذ منى ما أمّلت بهذين البيتين، وتنصرف إلى رحلك. قال: فكم تبذل؟ قلت: خمسين درهما. قال: ما كنت فاعلا؛ ولا بالضعف! قال: فلم أزل أرفق به حتى بذلت له مائة وعشرين درهما. فأخذها وانصرف. فقلت: إنى أصدقك. قال: والصدق بك أحسن. قلت: إنى قد حكت قافية توازن هذا الشعر، وإنى أريد أن أضمّ هذين البيتين إليها. قال: سبحان الله! لقد خفت أمرا لا يبلغك أبدا.
فأتيت معن بن زائدة، وجعلت البيتين فى وسط الشعر، وأنشدته؛ فأصغى نحوى، فوالله ما هو إلا أن بلغت البيتين فسمعهما، فما تمالك أن خرّ عن فرشه حتّى لصق بالأرض، ثم قال: أعد البيتين. فأعدتهما، فنادى: يا غلام، ائتنى بكيس فيه ألف دينار! فما كان إلا لفظه وكيسه، فقال: صبّها على رأسه! ثم قال: هات عشرين ثوبا من خاصّ كسوتى، ودابّتى الكذا، وبغلى الكذا. قال: فانصرفت بحباء الأعرابى لا بحباء معن.
(1/321)

حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى أحمد بن أبى خيثمة، قال: أخبرنا مصعب بن عبد الله الزّبيرى، قال: اجتمع عند معن بن زائدة ابن أبى عاصية، وابن أبى حفصة، والضّمرى؛ فقال: لينشدنى كلّ رجل منكم أمدح بيت قاله فىّ. فأنشده ابن أبى حفصة «44» :
مسحت ربيعة وجه معن سابقا ... لمّا جرى وجرى ذوو الأحساب
فقال له معن: الجواد يعثر فيمسح وجهه من العثار والغبار وغيرهما. وأنشد الضّمرىّ:
أنت امرؤ همّك المعالى ... ودون معروفك الربيع [142]
قال: ما أحسن ما قلت! ولكن لم تسمّنى ولم تذكرنى؛ فمن شاء انتحله. فقال ابن أبى عاصية:
إن زال معن بنى شريك لم يزل ... لندى إلى بلد بعير مسافر
ففضّله عليهم.
2- أبو العتاهية [1]
حدثنا على بن سليمان الأخفش، قال: حدثنا أبو العباس ثعلب، قال: قيل لأعرابى: أيعجبك قول الشاعر «45» . وأخبرنى الصولى، قال: حدثنا أبو ذكوان والفضل بن الحباب، قالا: حدثنا التّوزى، قالا: قالوا للأصمعى: أيعجبك قول أبى العتاهية. وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنى محمد بن موسى البربرى،
__________
[1] هو إسماعيل بن القاسم، ويكنى أبا إسحاق، وأبو العتاهية لقب. وكان جرارا.
وهو أحد الشعراء المطبوعين، وغزله ضعيف مشاكل لطبائع النساء، وشعره فى الزهد كثير رقيق سهل، ويرمى بالزندقة مع كثرة أشعاره فى الزهد والمواعظ.
وترجمته فى طبقات ابن المعتز 228، والشعر والشعراء 765، والأغانى 3- 126، وتاريخ بغداد 6- 250
(1/322)

قال: حدثنى محمد بن حبيب، عن ابن الأعرابى، قال: قلت لأبى برزة الأعرابى أحد بنى قيس بن ثعلبة: أيعجبك قول أبى العتاهية:
ألا ياعتبة الساعه ... أموت الساعة الساعه
فقال: لا والله ما يعجبنى! ولكن يعجبنى قول الآخر:
جاء شقيق عارضا رمحه ... إنّ بنى عمك فيهم رماح
هل أحدث الدهر لنا نكبة ... أم هل رقت أمّ شقيق سلاح
أى نفثت عليه حتى لا يعمل شيئا.
ويروى:
هل أحدث الدهر بنا ضولة
«46» أى ضعفة وذلة.
قال الأصمعى وابن الأعرابى: معناه «أم هل رقت» ، أى هل رقت، أى إن سلاحى مرقىّ. وأنشد لحاتم:
سلاحك مرقىّ فلا أنت ضائر ... عدوا ولكن وجه مولاك تعطف
هذا لفظ حديث ابن الأعرابى والأصمعى.
وقال الأخفش فى حديثه: وأنشدنا ثعلب، قال: أنشدنا ابن الأعرابى:
سلاحك مرقىّ فلست بضائر ... عدوّا ولكن قلب مولاك تجرح
وأخبرنى أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة، والحسين بن محمد العرمرم؛ قالا:
أخبرنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قيل لأعرابى- مرة: يعجبك هذا البيت:
عتيب الساعة الساعه ... أموت الساعة الساعه
قال [143] : لا والله، ولكنه يغمّنى! قالوا: فما الذى يعجبك؟ قال: يعجبنى:
جاء شقيق عارضا رمحه ... البيت.
وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، عن الزّبير بن
(1/323)

بكار، قال: حدثنى شيخ منّا، قال: قلت لأبى برزة الأعرابى: أيعجبك قول أبى العتاهية:
الله بينى وبين مولاتى ... أبدت لى الصّدّ والملالات
قال: لا ولكن يعجبنى: جاء شقيق عارضا رمحه ... وذكر البيتين. وقال:
يريد أنّ شقيقا أغار عليه فذهب بإبله، وكان قتل بنى الديّان، فقال: هل رقت أمّ شقيق سلاحى حين يصيب هذا ولا يجرح ولا يصاب؟ قال: فردّ عليه شقيق:
إن يعرضوها فهم أهلها ... هم صرفوكم للمياه الملاح
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنى محمد بن موسى البربرى، قال:
حدثنا أحمد بن الهيثم، قال: حدثنى أبى، قال: قال منصور النّمرى لأبى العتاهية: فى كم تقول القصيدة وتحكمها؟ قال: ما هو إلا أن أضع قنّينتى بين يدىّ حتى أقول ما شئت. قال: أما على قولك:
ألا يا عتب الساعة «47» الساعه
فأنت تقول ما شئت، ولكنى ما أخرج القصيدة إلا بعد شهر حتى أمحو بيتا وأجدّد بيتا، ثم أخرجها. وإنما الشعر عقل المرء يظهره.
حدثنى على بن عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى على بن مهدى، قال: حدثنى أبو حاتم السجستانى، قال: لقى ابن مناذر أبا العتاهية، فقال له أبو العتاهية: كم تقول فى اليوم؟ قال: ربما قلت العشرين وأكثر، وربما أقول خمسة أو ستة. فقال له أبو العتاهية: لكنى لو أشاء أن أقول ألف بيت لقلت. فقال ابن مناذر لأبى العتاهية: أنا أقول مثل قولى «48» :
(1/324)

هل لشىء فات من مردود ... أو لحىّ مؤمّل من خلود «49»
حتى أنشده القصيدة- وأنت تقول:
ألا يا عتبة الساعه ... أموت الساعة الساعه [143]
وتقول:
إنّ الدّنيا قد غرّتنا ... واستعلتنا واستلهتنا
لسنا ندرى ما فرّطنا ... فيها إلّا ما قدّمنا
ولو رضيت أن أقول مثل هذا لأكثرت.
وأخبرنى إبراهيم بن محمد بن عرفة، عن أبى العباس المبرد، قال: يروى أنّ أبا العتاهية قال يوما لابن مناذر بمكة: يا أبا جعفر؛ كم بيتا تقول فى اليوم؟ قال: ربما قلت الخمسة، وربما قلت العشرة، وربما قلت أكثر من ذلك، وربما تعذّر علىّ؛ فكم تقول أنت فى اليوم يا أبا إسحاق؟ قال: المزح والجدّ، والخصومة والحديث، والنادرة والعظة، كلّه شعر. قال ابن مناذر: أنا أشهد أنك صادق إذا كنت لا تردّ شيئا جاء نحو:
عتيب الساعة الساعه ... أموت الساعة الساعه
فكلّ كلامك شعر.
وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى محمد بن موسى، قال: حدثنى أحمد بن الهيثم بن فراس السامى، قال: حدثنى أبى، قال: قال أبو العتاهية لابن مناذر: يا أبا عبد الله! كيف أنت فى الشعر؟ فقال: أقول عشرة أبيات وأكثر وأقلّ.
فقال أبو العتاهية: ولكنى أقول ما شئت. قال ابن مناذر: لو أردنا أن نقول: ألا يا عتبة الساعة ... البيت- لقلنا، ولكنا لا نفعل.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن موسى، عن الزبير بن بكار، قال:
حدثنى ثابت بن الزبير بن هشام بن عروة، قال: قدم مع المأمون شاعر من خراسان، فلقيه أبو العتاهية، فقال له: أينا أشعر؛ أنا أو أنت؟ قال: أنت أشعر وأولى بالتقدمة.
(1/325)

قال: فكم تقول فى اليوم؟ قال: أقول عشرين بيتا وثلاثين. قال: ولكنى أقول خمسمائة بيت فى يوم. فقال له الخراسانى: أما لو رضيت أن أقول مثل قولك: ألا يا عتبة الساعة ... البيت- لقلت ألف بيت. فاستضحك الناس واستحيا أبو العتاهية.
حدثنى على بن محمد الكاتب، عن ميمون بن هارون الكاتب، قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الموصلى يقول: أنكر الرشيد علىّ طعنى على أبى العتاهية فى شعره، فقلت: يا أمير المؤمنين [145] هو أطبع الناس، ولكن ربما تحرّف، أىّ شىء من الشعر قوله:
هو الله هو الله ... ولكن يغفر الله
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا ميمون بن هارون، قال: حدثنى على بن أبى المنذر العروضى، قال: لما مات سعيد بن وهب حضر أبى جنازته، وحضرها الفضل بن الربيع، وكان قد ظهر أيام المأمون، فلما دفن أثنى عليه الفضل، وأقبل على أبى العتاهية يحدثه أنه أودع القضاة والعدول أموالا فما وفواله، وأنه أودع سعيد بن وهب مالا فوفى به.
فقال أبى لأبى العتاهية: ألا ترثيه؟ قال: بلى. قال أبى: ثم صرت بعد أيام إلى الفضل بن الربيع فأخرج إلىّ رقعة فقال: اقرأ مرثية أبى العتاهية لسعيد بن وهب. فإذا فيها «50» :
مات والله سعيد بن وهب ... رحم الله سعيد بن وهب
يا أبا عثمان أبكيت عينى ... يا أبا عثمان أوجعت قلبى
فقلت: ما أدرى ما أقول. فقال لى الفضل: أبو العتاهية بأن يرثى فى حياته أولى من سعيد بعد موته.
قال الصولى: وله شبيه بهذا؛ حدثنى أحمد بن يزيد، قال: حدثنى الفضل اليزيدى، قال: قيل لأبى العتاهية: مات محمد بن يزيد المسلمى! فقال:
(1/326)

قد مات خلّى وأنسى ... محمّد بن يزيد
ما الموت والله منّا ... خلافه ببعيد
قال الشيخ أبو عبيد المرزبانى رحمه الله تعالى: وقول أبو العتاهية فى مرثية عيسى بن جعفر أشبه بقوله فى سعيد بن وهب مما ذكره الصولى وهو:
بكت عينى على عيسى بن جعفر ... عفا الرّحمن عن عيسى بن جعفر
حدثنى على بن محمد الكاتب، قال: حدثنى أحمد بن عبيد الله، قال: مما أنكر على أبى العتاهية قوله لما ترفّق فى نسيبه بعتبة:
إنى أعوذ من التى شعفت «51» ... منّى الفؤاد بآية الكرسى [146]
وآية الكرسى يهرب منها الشياطين ويحترس بها من الغيلان، كما روى عن ابن مسعود فى ذلك.
قال: وأبو العتاهية مع رقّة طبعه، وقرب متناوله، وسهولة نظم المنثور عليه، وسرعته إلى ما يعجز المتأنّى بلوغه- لا يخلو من الخطأ الفاحش والقول السخيف.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: ومما أنكر على أبى العتاهية من سفساف شعره قوله فى عتبة:
ولّهنى حبّها وصيّرنى ... مثل جحى شهرة ومخشلبه «52»
وقوله «53» :
يا واها لذكر اللّ ... هـ يا واها ويا واها
لقد طيّب ذكر ... الله بالتسبيح أفواها
أرى قوما يتيهون ... حشوشا «54» رزقواجاها
(1/327)

فما أنتن من حشّ ... على حش «55» إذا تاها
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا سوّار بن شراعة، قال: حدثنا أحمد بن أبى طاهر؛ وحدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى ابن أبى طاهر؛ قال: حدثنى عبد الله بن يوسف أبو عبد الرحمن السمرقندى الضرير الخارج مع سيّار بن رافع على المأمون- وكان راوية أديبا، قال: رأيت مسلم بن الوليد بجرجان، وهو يتولّاها مقدمى من مدينة السلام، فسألنى عمن خلّفت بها من الشعراء؛ فقلت: خلّفت بها كوفيّا وبصريّا قد غلبا على الشعر؛ أمّا من الكوفيين فأبو العتاهية، وهو مقدّم عندهم؛ ومن البصريين أبو نواس. فقال: كيف يتقدّم عندهم أبو العتاهية وهو يقول:
رويدك يا إنسان لا أنت تقفز
أخرجت «تقفز» من فم شاعر محسن قط؟ وأما أبو نواس فمحيل، ويصف المخلوقين بصفة الخالق عزّ وجل؛ فمما أحال فيه قوله «56» .
وأخفت أهل الشرك حتّى إنه ... لتخافك النّطف التى لم تخلق
وهذا محال. وقوله «57» :
تكلّ عن إدراك تحصيله ... عيون أوهام الضمامير [147]
تنتسب الألسن من وصفه ... إلى مدى عجز وتقصير
وقوله:
برىء من الأشباه ليس له مثل
قال أحمد بن عمار: كان أبو العتاهية من سوقة الناس وعامّتهم. وكان طبعه وقريحته أكثر من أضعاف ما اكتسبه من أدبه، واقتناه من علمه؛ إذ كان فى شبيبته يألف أهل التوضّع حتى عوتب فى ذلك. وقيل: إنه كان يحتمل زاملة المخنثين! فقيل له: مثلك
(1/328)

يضع نفسه هذا الموضع؟ فقال: أريد أن أتعلم كيادهم، وأتحفظ كلامهم. وذلك بيّن فى شعره سيما فى النسيب؛ حيث يقول:
ياويح قلبى لو أنّه أقصر ... ما كان عيشى كما أرى أكدر
وحيث يقول:
ألا ما لسيدتى مالها ... دلال؟ فأحمل «58» إدلالها
وحيث يقول «59» :
الله بينى وبين مولاتى ... أبدت لى الصدّ والملالات
وحيث يقول:
عتب ما شانى وما شانك ... ترفقى أختى بسلطائك
لما تبدّيت على بغلة ... أشرقت الأرض لبرهانك
حتى كأنّ الشمس مزفوفة ... بين جواريك وخصيانك
وهذا لعمرى كلام ضعيف.
قال: واستحسن قوم قول أبى العتاهية:
حلاوة عيشك ممزوجة ... فما تأكل الشّهد إلا بسم
فالمعنى صحيح، لأنه جعله مثلا لبؤس الدنيا الممازج لنعيمها. والعبارة غير مرضية؛ لأنا لم نر أحدا أكل شهدا بسم.
وأجود من قوله لفظا، وأصح معنى قول ابن الرومى «60» :
وهل خلة معسولة الطّعم تجتنى ... من البيض إلّا حيث واش يكيدها
مع الواصل الواشى وهل تجتنى يد ... جنى النحل إلّا حيث نحل يذودها
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: قول أبى العتاهية:
يا ذا الذى فى الحبّ يلحى «61» أما ... والله لو كلّفت منه كما
(1/329)

كلّفت من حبّ رخيم، لما ... لمت على الحب؛ فذرنى وما
ألقى، فإنى لست أدرى بما ... بليت إلّا أنّنى بينما
أنا بباب القصر- فى بعض ما ... أطوف فى قصرهم- إذ رمى [148]
قلبى غزال بسهام، فما ... أخطأ بها قلبى، ولكنما
سهماه عينان له، كلما ... أراد قتلى بهما سلّما
مضمّن، والمضمن عيب شديد فى الشعر، وخير الشعر ما قام بنفسه، وخير الأبيات عندهم ما كفى بعضه دون بعض، مثل قول النابغة «62» :
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث، أىّ الرجال المهذّب
فلو تمثّل إنسان ببعضه لكفاه؛ إن قال: «أى الرجال المهذب» كفاه، وإن قال:
«ولست بمستبق أخا لا تلمّه على شعث» لكفاه.
أخبرنى إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، عن محمد بن يزيد المبرد، قال: كان أبو العتاهية مع اقتداره فى قول الشعر وسهولته عليه يكثر عثاره، وتصاب سقطاته، وكان يلحن فى شعره، ويركب جميع الأعاريض؛ وكثيرا ما يركب مالا يخرج من العروض إذا كان مستقيما فى الهاجس. فمما أخطأ فيه قوله:
ولربما سئل البخي ... ل الشىء لا يسوى فتيلا
لأنّ الصواب لا يساوى، لأنه من ساواه يساويه.
قال: وقوله:
لولا يزيد بن منصور لما عشت ... هو الذى ردّ روحى بعد مامتّ
والله ربّ منى والراقصات بها ... لأشكرنّ يزيدا حيثما كنت
ما زلت من ريب دهرى خائفا وجلا ... فقد كفانى بعد الله ما خفت
ما قلت فى فضله شيئا لأمدحه ... إلّا وفضل يزيد فوق ما قلت
(1/330)

وقال: صرف «يزيد» فى موضعين، لو لم يصرفه فيهما لاستقام الشعر بزحاف قبيح.
أخبرنى الحسين بن محمد العرمرم، ومحمد بن يحيى، قالا: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثنى شيخ من مشايخ الأزد، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال:
كان الرشيد يقدّم أبا العتاهية على العباس بن الأحنف ويتعصّب لأبى العتاهية تعصبا شديدا، وكنت أعارضه بعباس بن الأحنف، فتخلّفنى بعض أعدائى عنده بأشياء كان منها: وإنه يخالفك [149] فى أبى العتاهية على حداثة سنة وقلة تجربته. وقال لى بعد ذلك: من أشعر، أبو العتاهية أم العباس بن الأحنف؟ فعرفت السبب، فقلت: أبو العتاهية. قال: فأنشدنى لهذا ولهذا. فقلت: بأيهما أبدأ؟ قال: بعباس. فأنشدته أجود ما أعرفه له «63» :
أحرم منكم بما أقول، وقد ... نال به العاشقون من عشقوا
صرت كأنى ذبالة نصبت ... تضىء للناس، وهى تحترق
فقال: أحسن! فأنشدنى لأبى العتاهية. فأنشدته- وأردت عيبه- أضعف ما أعرف له:
كأنّ عتّابة من حسنها ... دمية قسّ فتنت قسّها
ياربّ لو أنسيتنيها بما ... فى جنّة الفردوس لم أنسها
إنى إذا مثل التى لم تزل ... دائبة فى طحنها كدسها «64»
حتى إذا لم يبق منه سوى ... حفنة برّ خنقت نفسها
قال: لغيره من قوله أحسن. وذكر باقى الحديث.
(1/331)

4- أبو نواس الحسن بن هانئ «1»
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى سوّار بن أبى شراعة، قال: حدثنى أبو العيناء، قال: حدثنى الجاحظ أن أبا عبيدة قال- وذكر أبا نواس: هو بمنزلة بان كملت آلته، ونقص بناؤه؛ وكان ينبغى أن يكون بناؤه أجود.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنا يحيى بن على بن يحيى، قال: حدثنا أبى، قال: كان إسحاق بن إبراهيم الموصلى يتعصّب على أبى نواس، ويقول: هو يخطئ! وكان إسحاق فى كلّ أحواله ينصر الأوائل؛ فكنت أنشده جيّد قوله، فلا يحفل به؛ لما فى نفسه. فأنشدته «2» :
وخيمة ناطور برأس منيفة ... تهمّ يدا من رامها بزليل «3»
فكان على أمره. فقلت: والله لو كانت لبعض أعراب هذيل لجعلتها أفضل شىء سمعته قط.
وأخبرنى على بن عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى ابن أبى طاهر، قال: حدثنا على بن يحيى [150] ، قال: كنت أجاذب أبا محمد إسحاق بن إبراهيم فى أبى نواس، وكان لا يرضاه، ولا يقول بتقديمه ولا استحسان شعره، ولقد أنشدته مرة قوله:
وخيمة ناطور برأس منيفة
(1/332)

قال: وقلت له: والله لو قالها أجلّ المتقدمين فى الشعر مكانا لكان قد أجاد؛ قال:
فما رأيته هشّ لذلك، ولا قبله.
وحدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى ميمون بن هارون، عن أبى الحسن على بن يحيى، قال: كان إسحاق الموصلى لا يعدّ أبا نواس شيئا، ويقول: هو كثير الخطأ، وليس على طريق الشعراء. قال: فكنت أنازله، فلا يحفل بذلك. فأنشدته يوما: «وخيمة ناطور ... » الأبيات، قال: فما رأيته هشّ لذلك. فقلت: والله لو كانت لبعض الأعراب المتقدمين لكانت فى أعيان الشعر عندك.
قال أحمد بن أبى سهل الحلوانى، وجدت بخطّ ابن شاهين: حدثنى محمد بن بشار البصرى المعروف بعسل، قال: سمعت شيخا من أهل أصبهان يقول: سمعت أبا نواس يقول: لو كان شعرى كله يملأ الفم ما تقدّمنى أحد.
حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى أحمد بن أبى طاهر، قال: حدثنى الفضل بن محمد اليزيدى وغيره ممن كان يجالس إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: سمعت إسحاق- وذكر قوم عنده أبا نواس، فأفرطوا فى مدحه وتقديمه- قال: ما ظننت أنى أعيش إلى زمان أرى شعر أبى نواس ينفق «4» فيه هذا النفاق، ولقد رأيته فى طبقة هو أخسهم إذا حضروا، وإنّ له على ذلك للشّىء بعد الشىء مما يحسن فيه.
حدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، عن الحسين بن فهم، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: غنّى إبراهيم بن المهدى محمدا الأمين صوتا لم أحمده فى شعر لأبى نواس لم أرتضه، فقام إليه عن مجلسه، فقبّل رأسه. فقام إبراهيم فقبّل أسفل قدميه، فأمر له بثلاثمائة دينار. فقال إبراهيم: يا سيدى، قد أمرت لى إلى هذه [151] الغاية بعشرين ألف ألف درهم. فقال: وهل هى إلّا خراج بعض الكور؟ قال: والشعر الذى تغنّى فيه إبراهيم قول أبى نواس فى محمد يمدحه:
يا كثير النّوح فى الدّمن «5» ... لا عليها بل على السّكن
(1/333)

سنّة العشّاق واحدة ... فإذا أحببت فاستكن
ظنّ بى من قد كلفت به ... فهو يجفونى على الظّنن
رشأ «6» لولا ملاحته ... خلت الدّنيا من الفتن
يا أمين الله عش أبدا ... دم على الأيام والزّمن
أنت تبقى، والفناء لنا ... فإذا أفنيتنا فكن
تضحك الدنيا إلى ملك ... قام بالأحكام والسّنن
كيف تسخو النفس عنك وقد ... قمت بالغالى من الثمن
سنّ للنّاس النّدى فندوا «7» ... فكأنّ البخل لم يكن
وقال قدامة بن جعفر «8» : الفرق بين الممتنع والمتناقض أنّ المتناقض لا يكون، ولا يمكن تصوّره فى الوهم، والممتنع لا يكون ويجوز أن يتصوّر فى الوهم. ومما جاء فى الشعر- وقد وضع الممتنع فيه فيما يجوز وقوعه- قول أبى نواس:
يا أمين الله عش أبدا ... دم على الأيام والزّمن
فليس يخلو هذا الشاعر من أن يكون تفاءل لهذا الممدوح بقوله: «عش أبدا» أو دعاله، وكلا الأمرين بما «9» لا يجوز مستقبح. ولعل معترضا أن يعترض «10» هذا القول بأن يجعل هذا القول غلوّا يلزمنا تجويزه كما أصّلنا تجويز الغلوّ فى الشعر واستجادته «11» ؛ فالفرق بين هذا الباب وباب الغلوّ أنّ مخارج الغلوّ إنما هى على «يكاد» ، وليس فى قول أبى نواس: «عش أبدا» - موضع يحسن فيه «يكاد» ؛ لأنه لا يحسن على مذهب الدعاء أن يقال: يا أمين الله تكاد تعيش أبدا.
قال: ومن التنقاقض قول أبى نواس أيضا يصف الخمر «12» :
(1/334)

كأن بقايا ما عفا من حبابها ... تفاريق شيب فى سواد عذار «13»
فشبّه حباب الكأس بالشيب، وذلك قول جائز؛ لأن الحباب يشبه الشيب [152] فى البياض وحده لا فى شىء آخر غيره. ثم قال:
تردّت به ثم انفرى «14» عن أديمها ... تفرّى «15» ليل عن بياض نهار
فالحباب الذى جعله فى هذا البيت الثانى كالليل هو الذى «16» فى البيت الأول أبيض كالشيب، والخمر التى كانت فى البيت الأول كسواد العذار هى التى صارت فى البيت الثانى كبياض النهار؛ وليس فى هذا التناقض منصرف إلى جهة من العذر؛ لأنّ الأبيض والأسود طرفان متضادّان، وكلّ واحد منهما فى غاية البعد عن الآخر، فليس يجوز أن يكون شىء واحد يوصف بأنه أسود وأبيض إلّا كما يوصف الأدكن فى الألوان بالقياس إلى كل واحد من الطرفين اللذين هو وسط بينهما؛ فيقال: إنه عند الأبيض أسود وعند الأسود أبيض؛ وليس فيما قاله أبو نواس حال توجب انصراف ما قاله إلى هذه الجهة.
قال: ومن قول أبى نواس على طريق الإيجاب والسلب قوله «17» :
ولىّ عهد ماله قرين ... ولا له شبه ولا خدين «18»
أستغفر الله بلى هارون ... يا خير من كان ومن يكون
إلا النبىّ الطاهر «19» الميمون
فيصيّر هارون شبيها بولىّ العهد. ثم قال: إنه خير الناس، ولم يستثن بهارون، فكأنه
(1/335)

إمّا خير منه، وليس خيرا منه لأنه شبيهه؛ أو شبيهه «20» وليس بشبيهه لأنه خير منه، وهذا جمع بين النّفى والإثبات.
قال أحمد بن محمد الحلوانى: أخبرنى أبو سهل النّوبختى، قال: حدثنى يحيى بن جعفر، عن جماعة من أصحابنا أنّ أبا نواس أنشدهم قصيدته التى أولها «21» :
يا من يبادلنى عشقا بسلوان ... أم من يصيّر لى شغلا بإنسان
كيما أكون له عبدا أقارضه «22» ... وصلا بوصل وهجرانا بهجران
فقالوا له: ما أنت بعبد إن كنت تقارضه وصلا بوصل وهجرانا بهجران، هذه حال النظير والمكافئ. فقال: ما أردت أنّ حكم العبد أن يخالف سيده فيما أحبّه أو كرهه، فجعلت نفسى له بهذه المنزلة.
قال [152] أبو سهل: وقد كان أحمد بن محمد بن ثوابة الكاتب ينكر أيضا معنى هذا البيت مثل ما أنكره أصحابنا، ولم يخطر بباله ما زعمه أبو نواس أنه أراده.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى إبراهيم بن المعلى، قال: حدثنى أبو الحسن الطوسى، قال: كنّا عند [ابن] «23» الأعرابى، فقال: أيما أحسن عندكم قول أبى نواس «24» .
وداونى بالتى كانت هى الداء
أو الذى أخذه منه، وهو قول الأعشى «25» :
وكأس شربت على لذّة ... وأخرى تداويت منها بها
فسكتنا. فقال: الأول السابق أجود.
(1/336)

أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، عن محمد بن يزيد المبرد، قال: كان أبو نواس لحّانة. فمن ذلك قوله «26» :
فما ضرّها ألا تكون لجرول ... ولا المزنى كعب ولا لزياد
لحن فى تخفيفه ياء النسب فى قوله «المزنى» فى حشو الشعر، وإنما يجوز هذا ونحوه فى القوافى، كما قالت امرأة تفخر بأخوالها من اليمن:
هوذة خالى ولقيط وعلى
وقال آخر يوم الجمل:
قتلت علباء وهند الجملى «27» ... وابنا لصوحان على دين على
قال: وأنشد الأخفش:
جمعت قومى، وجمعت معشرى ... حتّى إذا ما لم أجد غير السّرى
كنت امرءا من مالك بن جعفر
قال: ومما يردّ من شعره، ويسقط ويطّرح قوله «28» :
بحّ صوت المال ممّا ... منك يدعو، ويصيح
ما لهذا آخذ فو ... ق يديه أو نصيح
قال: وله فى قصيدة يمدح فيها العباس بن الفضل بن الربيع شىء يستملحه الأحداث، ويألفه المجّان، وليس بذاك، وهو قوله «29» :
نديم كأس «30» محدث ملك «31» ... تيه مغنّ وظرف زنديق
(1/337)

فهذا قول ملحون مرذول ردىء الرّصف بعيده. وأما قوله «32» :
كأنما رجلها قفا يدها ... رجل غلام يلهو بدبّوق 3» [153]
فهذا كلام خسيس. وكذلك قوله «34» :
إلى فتى «35» أمّ ماله أبدا ... تسعى بجيب فى الناس مشقوق
وفى آخرها ما جمع بين كفر ولحن، وأكره حكايته لضعته وبطلانه. والطبعى ربما أساء وفرّط، ثم يبعثه طبعه على الشىء الجيد.
قال: ومن شعره الذى يذمّ قوله فى الرشيد «36» :
لقد اتقيت الله حقّ تقاته ... وجهدت نفسك فوق جهد المتّقى
وليس هذا البيت أردت، ولكن ذكرته للذى بعده؛ لأنه معطوف عليه متصل به، وهو:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافكّ النّطف التى لم تخلق
هذا البيت بادى العوار جدّا، وقد ردّه فى مكان آخر، فقال «37» :
هارون ألفنا ائتلاف مودّة ... ماتت لها الأحقاد والأضغان
حتى الذى فى الرحم لم يك صورة ... لفؤاده من خوفه خفقان
وما لم يك صورة فكيف يكون له فؤاد؟ فقد أحال، وأسرف، وتجاوز. وإنما ذكرنا مساوئه؛ لأن المنشد إذا ذكر شاعرا فوصفه ومدحه وقرّظه فليس يكاد يعدم مدافعا عن قوله، ومعارضا فيه؛ فيأتيه بهذا وبشبهه احتجاجا عليه ووضعا من صاحبه، فيكسفه بما
(1/338)

لا يعرف، ويردعه من حيث لا يشعر؛ فإذا وقف على الإحسان والإساءة عرف قدر صاحبه، فاحترس مما يخاف أن يعارض به.
قال: وقد قال أبو نواس شيئا من الشعر فى الأمين اتّهم فيه؛ لأنه قال قولا عظيما لا يتكلّم بمثله مسلم، وهو قوله:
تنازع الأحمدان الشّبه فاشتبها ... خلقا وخلقا كما قدّ الشّرا كان
اثنان لا فصل للمعقول بينهما ... معناهما واحد والعدّة اثنان
قال: وله فى الأمين أشعار منها شىء مقبول، ومنها شىء ساقط. ومما أنكر من قوله قوله «38» :
يا أحمد المرتجى فى كلّ نائبة ... قم سيّدى نعص جبّار السموات
لأن هذه أعظم جرأة، وأقبح مجاهرة، وأشدّ تبغّض إلى العزيز الجبار عزّ وجل أن يقول: «نعص جبّار السموات» ؛ فذكر المعصية مع ذكر الجبار- عزّ اسمه [155]- وأنه إياه يقصد بالعصيان.
قال: وحدّثت عن أحمد بن أبى دواد أنه ذكر هذا البيت، فتفزّع له وجعل يقول:
لعنه الله، لعنه الله! وأحسن ابن أبى دواد فى لعنه إياه على هذا الكلام.
قال: وله فى الأمين، وليس بشىء «39» :
ورث الخلافة خمسة ... وبخير سادسهم سدس
قال: ومما لم يجد فيه قوله «40» :
قهوة تذكر نوحا ... حين شاد الفلك نوح
قال: وأما قوله:
يا من له فى عينه عقرب ... فكلّ من مرّ به تضرب
ومن له شمس على خدّه ... طالعة بالحسن ما تغرب
(1/339)

فقد استملحه قوم، وليس عندى بحيث وضعوه. قال: وقوله «41» :
لا تعرّج «42» بدارس الأطلال ... واسقنيها رقيقة السّربال
هذا المصراع فائق فى جودته جدّا، رقة ولطافة، وسلسا وسهولة؛ وتمامه غير مرضى؛ وهو قوله «43» :
مات أربابها، وبادت قراها ... وبراها الزّمان برى الخلال
قال: وأما قوله:
لا تخدعنّ عن التى جعلت ... سقم الصحيح وصحة السقم
فأوهى كلام وأردؤه.
قال: وفى قصيدة أبى نواس التى أولها:
لست لدار عفت وغيّرها ... ضربان من قطرها وحاصبها
لحن فى غير موضع. قال: وقوله فيها «44» :
اهج نزارا وأفر جلدتها
خطأ عند الأصمعى. زعم الأصمعى أنه يقول فى الفساد: فريت، وفى الإصلاح:
أفريت. وكان يقول: فريت أوداجه. وغيره يقول فى الخير والشر جميعا: فريت وأفريت.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى الحسين بن إسحاق، قال: حدثنى أحمد بن الحارث، قال: ذكر العتّابى أبا نواس فقال: هو والله شاعر ظريف، مليح الألفاظ، إلا أنه أفرط فى طلب البديع حتى قال:
لمّا بدا ثعلب الصدود لنا ... أرسلت كلب الوصال فى طلبه
قال الصولى: وقد روى فى خبر قد تقدّم أنّ مسلم بن الوليد قال: إنّ أبا نواس بخيل، ويصف المخلوقين بصفة الخالق عزّ وجل؛ فمما أحال فيه قوله:
وأخفت أهل الشّرك حتى إنّه ... لتخافك النّطف التى لم تخلق [156]
(1/340)

فهذا مستحيل. وقوله «45» :
تكلّ عن إدراك تحصيله ... عيون أوهام الضمايير
تنتسب الألسن من وصفه ... إلى مدى عجز وتقصير
وقوله:
برىء من الأشباه ليس له مثل
قال: ويروى أن العتّابى قال: لو كشف أبو نواس استه بين الناس كان أحسن من قوله:
وجه جنان أسراى بستان ... جمّع فيه من كل ألوان
قال: وروى عن مسلم بن الوليد أنه قال لأبى نواس: كيف يستوى قولك «46» :
ذكر الصّبوح بسحرة فارتاحا ... وأملّه ديك الصباح صياحا
فكيف يكون ارتياح وملل؟ فقال له أبو نواس: هذا لا عيب فيه، ولكن ما معنى قولك:
عاصى الشباب فراح غير مفنّد ... وأقام بين عزيمة وتجلّد
وهذه مناقضة؛ قلت «فراح» ، ثم قلت «فأقام» ؛ فكيف يكون راح وأقام؟
قال: وعابوا قوله:
رشأ تواصين القيان به
وعابوا قوله:
حتى عقدن بأذنه شنفا
وقالوا: إنما هو شنف، وهذا لا يجوز «47» من جهات.
قال: وعابوا قوله للأمين:
يا خير من كان ومن يكون ... إلا النبىّ الطاهر الميمون
ولعمرى إنّ حقّ الكلام النصب: «إلا النبى الطاهر الميمونا» ؛ وقول النحويين فى ذلك هو الصواب.
(1/341)

قال: وذكروا قوله فى أعابيثه:
تحرّك الهجر فقال الهوى ... ما هذه الضوضاء فى عسكرى؟
فجىء بالهجر يجرّونه، ... فلم يزل يصفع حتى خرى
قال: وعيب على أبى نواس قوله:
ذخرت لآدم قبل خلقته
قال: وقول أبى نواس «48» :
يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلى ولم أنم
من قول والبة بن الحباب «49» :
يا شقيق النفس من أسد ... نمت عن ليلى ولم أكد
قال: وقول والبة أجود، لأنه زعم أنه لم يكد ينام، وهذا قال: لم أنم، ويجوز أن يريد يكاد ويقارب النوم.
قال: وقول أبى نواس:
وجدنا الفضل أبعد من رقاش ... من ابن الأتن من ولد الفيول
قول ردىء ضعيف، مسروق ردىء السرقة؛ لأنه أراد قول يزيد بن مفرّغ يخاطب معاوية من البيت الثالث [157] :
ألا أبلغ معاوية بن حرب ... مغلغلة «50» من الرجل اليمانى
أتغضب أن يقال: أبوك عفّ ... وترضى أن يقال: أبوك زان
فأشهد أنّ رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان
قال أحمد بن محمد الحلوانى: وجدت بخط ابن شاهين: حدثنى محمد بن عبد الله
(1/342)

الغنمى الكوفى النحوى، قال: أخذ علىّ بن المبارك الأحمر على أبى نواس فى شعره حرفين: قوله:
أسرع من قول قطاة قطّا
كان ينبغى أن يقول «قطا» بالتخفيف.
وقوله «51» :
كمن الشنآن فيه لنا ... ككمون النار فى حجره
وإنما ينبغى أن يقول: «فى حجرها» .
حدثنى المظفر بن يحيى، قال: غلط أبو نواس فى قوله يصف الكلب:
كأنما الأظفور من قنابه «52» ... موسى صناع ردّ فى نصابه
لأنه ظنّ أنّ مخلب الكلب كمخلب الأسد والسنّور الذى ينستر إذا أراد حتى لا يتبيّنا، وعند حاجتهما تخرج المخالب حجنا «53» محدّدة يفترسان بها، والكلب مبسوط اليد أبدا غير منقبض.
قال محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «54» : ينبغى للشاعر أن يتحرز فى أشعاره ومفتتح أقواله مما يتطيّر منه، أو يستجفى من الكلام والمخاطبات؛ كقول أبى نواس للفضل بن يحيى؛ فإنه أنكر عليه؛ وهو «55» :
أربع البلى إنّ الخشوع لبادى ... عليك وإنى لم أخنك ودادى
فتطيّر منه الفضل، فلما انتهى إلى قوله:
سلام على الدّنيا إذا ما فقدتم ... بنى برمك من حاضرين وباد «56»
(1/343)

استحكم تطيّره، فيقال: إنه لم يمض إلا أسبوع حتى نزلت بهم النازلة.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنى بنو نيبخت أنّ أبا نواس كان يقول:
حرصت على أن يقع لى فى الشعر «عين أباغ «57» » ، فامتنعت علىّ، فقلت: «عينى أباغ» ليستوى الشّعر- يعنى فى قوله «58» :
رحلن بنا من عقرقوف وقد بدا ... من الصبح مفتوق الأديم نهير
فما نجدت بالماء حتى رأيتها ... مع الشمس فى عينى أباغ تغور [158]
قال: وعين أباغ موحدة لا مثناة؛ وليست بعين، إنما هى واد وراء الأنبار على طريق الفرات، قال: وهذان البيتان من قصيدته التى قالها لما قصد الخصيب بمصر؛ وأولها:
أجارة بيتينا أبوك غيور «59»
يريد أنها جارة فى البيت والنسب.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى الحسن بن موسى، قال: حدثنى يعقوب بن إسحاق بن إسماعيل بن أبى سهل بن نيبخت، عن جده إسماعيل، قال: لما عمل أبو نواس فى الفضل بن يحيى قصيدته التى أولها «60» :
طرحتم «61» من التّرحال أمرا فغمنا «62»
فلما سمع الفضل «63» :
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواكم «64» ، لعلّ الفضل يجمع بيننا
قال: مازاد على أن جعلنى قوّادا!
(1/344)

حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى أحمد بن أبى طاهر، قال: حدثنى يحيى بن صالح بن بيهس الدّمشقى، قال: حدثنى أخى محمد بن صالح، قال: لما دخلت العراق وصرت إلى مدينة السلام سألت عمن بها من الشعراء المحسنين- وذلك فى خلافة الأمين أو عند قتله؛ فقيل لى: قد غلب عليهم فتى من أهل البصرة يعرف بأبى نواس، وقد كنت سمعت بشىء من شعره، أتانى به فتى كان يألفنى من أهل الأدب، فقلت له: هل تروى لأبى نواسكم هذا شيئا؟ قال: نعم:
أروى له أبياتا فى الزهد، وليس هو من طريقته، أنشدنيها آنفا، قلت: وما هى؟
قال «65» :
أخى ما بال قلبك ليس ينقى «66»
قلت: أحسن والله: فقال: أولا أنشدك أحسن من هذا؟ قلت: بلى:
فأنشدنى «67» :
ساءك الدهر بشىء ... ولما سرّك أكثر
يا كبير الذّنب عفو اللّ ... هـ من ذنبك أكبر
قلت: وقد والله أحسن وأجاد؛ وما ظننته إذا سلك غير طريقه يحسن هذا الإحسان فيه! قال: أفما سمعت مرثّيته للأمين؟ قلت لا! فأنشدنى «68» :
طوى الموت ما بينى وبين محمد ... وليس لما تطوى المنية ناشر [159]
فقلت: بحقّ ما غلب هذا على أهل الأدب، وقدّموه على غيره من الشعراء.
قال «69» أبو الوليد يحيى بن صالح بن بيهس: فحدثت هذا الحديث أبا عبد الله محمد بن زياد الأعرابى، فقال: لو كان أخوك تصفّح جملة شعره لعلم أنّ فيه من الإساءة ما يعفّى على المحاسن، وأىّ الناس إذا تخيرت كلامه لم تجد له البيت والبيتين!.
(1/345)

أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن سعيد، عن الزبير بن بكار، قال:
قال رجل بمكة لأبى نواس: أأنت القائل:
يا بنى حمّالة الحطب ... حربى من ظبيكم حربى
قال: نعم! قال: قبّحك الله! تجمّشه بشتم أمه؟ قال: نعم! لأسكّن نخوته، وآخذ ثار الحقّ منه.
وأخبرنى الصولى قال: وجدت بخط محمد بن القاسم: حدثنى محمد بن على الكوفى، قال: لقى مدنى أبا نواس، فقال له: أأنت قائل هذا البيت؟ وذكر باقيه.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنى عبد الله بن المعتز، قال: حدثنى الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنى بعض الرواة عن مطيع- خادم كان للبرامكة- قال: كنت واقفا على رأس الرشيد إذ دخل أبو نواس، فقال له الرشيد: أنشدنى قولك فى الخصيب «70» :
محضتكم «71» يأهل مصر مودّتى «72»
فأنشده إياه، فلما بلغ قوله:
فإن يك باقى إفك فرعون فيكم ... فإن عصا موسى بكفّ خصيب
فقال له الرشيد: ألا قلت:
فباقى عصا موسى بكفّ خصيب
فقال له: هذا أحسن، ولم يقع لى.
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى ميمون بن هارون الكاتب، عن أحمد بن محمد بن جعفر، عن أبيه، قال: جلس الرشيد مجلسا فأفاض من حضره فى
(1/346)

ذكر المطبوعين من الشعراء المحدثين إلى أن اتّصل الذّكر بأبى نواس، فغمز عليه سليمان بن أبى جعفر، فقال: يا أمير المؤمنين؛ كافر بالله، لا يرعوى من سكرة، ولا يأنف من فاحشة! وقد كان نمى إلى الرشيد من خبره شىء، فقال: يا عم، هل تأثر «73» عنه من ذلك شيئا؟ قال قوله يا أمير المؤمنين «74» [160] :
يا ناظرا فى الدين ما الأمر! ... لا قدر صحّ، ولا جبر!
ما صحّ عندى من جميع الذى ... تذكر إلا الموت والقبر
ثم أنشده قوله «75» :
باح لسانى بمضمر السرّ ... وذاك أنى أقول بالدهر
وليس بعد الممات مرتجع ... وإنما الموت بيضة العقر «76»
فاستشاط الرشيد غضبا، وطار شققا، وقال: علىّ بابن الفاعلة. فقال رجل من جلساء الرشيد: إن أذن لى أمير المؤمنين أنشدته من قول هذا الفاسق ما هو أشنع وأفظع مما أنشده أبو أيوب! قال: هات! قال: قوله فى غلام نصرانى:
تمرّ فأستحييك أن أتكلّما ... ويثنيك زهو الحسن عن أن تسلّما
حتى انتهى إلى قوله:
أليس عظيما عند كلّ موحّد ... غزال مسيحى يعذّب مسلما
فلولا دخول النّار بعد بصيرة ... عبدت مكان ...
«77» عيسى بن مريما وأنشده أبياتا له فى نصرانىّ آخر أولها:
وملحّة بالعذل ذات نصيحة ... ترجو إنابة ذى مجون سارق
(1/347)

بكرت تخوّفنى المعاد، وشيمتى ... غير المعاد، ومذهبى وخلائقى
فأجبتها كفّى ملامك إنّنى ... مختار دين أقسّة وجثالق
والله لولا أننى متخوّف ... أن أبتلى.........
ثم قطع الإنشاد فقال الرشيد: بماذا ويلك؟ فقال:
بإمام جور فاسق
قال: فضاق المجلس بأهله، وأنكر الرشيد نفسه. ثم قال: امض فيها! فقال:
لتبعتهم فى دينهم ودخلته ... ببصيرة منّى دخول الوامق «78»
إنى لأعلم أنّ ربى لم يكن ... ليخصّهم إلا بدين صادق
فقال الرشيد للفضل: برئت من المنصور إن لم يبت هذا الكلب فى المطبق؛ لتنكرنّى فعلا وقولا! فوجّه الفضل من ساعته من أخذ بأفواه السكك، فوجد، فأودع المطبق.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا ميمون بن هارون الكاتب، عن الجمّاز، قال: كنت عند أبى نواس، قال: اسمع أبياتا حضرت، قلت: هات! فأنشدنى [161] «79» :
وملحّة باللوم «80» تحسب أننى ... بالجهل أوثر صحبة الشطّار
بكرت علىّ تلومنى، فأجبتها ... إنى لأعرف مذهب الأبرار
فدعى الملام، فقد اطعت غوايتى، ... وصرفت معرفتى إلى الإنكار
ورأيت إتيانى اللذاذة والهوى ... وتعجّلا «81» من طيب هذى الدار
أحرى وأحزم من تنظّر آجل ... علمى به رجم من الأخبار
ما جاءنا «82» أحد يخبّر أنه ... فى جنة من مات أو فى نار
(1/348)

فلما بلغ إلى هذا البيت قلت له: يا هذا، إنّ لك أعداء وهم ينتظرون مثل هذه السقاط [فينتهزونها ليجدوا السبيل بها إلى الطعن عليك والقدح فيك إلى السلطان] «83» ، فاتق الله فى نفسك، ودع الإفراط فى المجون، واكتمها. قال: لا، والله لا أكتمها خوفا! وإن قضى شىء كان! فنمى الخبر إلى الفضل بن الربيع ثم إلى الرشيد، فما كان بعد هذا إلا أسبوع حتى حبس.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى محمد بن سعيد، قال: حدثنى أبو هفان عن ابن الداية، قال: كان الرشيد أمر بحبس أبى نواس حتى يدع الخمر، فقال فى الحبس «84» :
قل للخليفة إننى ... حتى أراك بكلّ باس «85»
من ذا يكون أبا نوا ... سك إن حسبت أبا نواس
إن أنت لم ترفع به ... رأسا هديت فنصف راس
فقال له العتّابى: ما أحسن نصف رأس خليفة يرفع! فقال له: جعلنى الله فداءك يا أبا عمرو! لا تنبّههم لهذا فتهلكنى! أخبرنى الصولى، قال: حدثنا محمد بن يزيد، قال: حدثنا أحمد بن طيفور، عن أبى علىّ الأصفر؛ وحدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال:
حدثنى أحمد بن أبى طاهر، قال: حدثنى أبو على الأصفر الضرير؛ وكان من رواة أبى نواس، قال: أنشدنى أبو نواس فى العباس بن عبيد الله مديحه الذى يقول فيه «86» :
كيف لا يدنيك من أمل ... من رسول الله من نفره
فعلمت أنه كلام ردىء مستهجن موضوع فى غير موضعه، وأنّه مما يعاب به؛ لأنّ من حقّ الرسول صلّى الله عليه وسلم أن يضاف إليه، وألّا يضاف إلى أحد. فرأى ذلك فى وجهى، فقال
(1/349)

لى: ويلك! إنما أردت [162] أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم من القبيل الذى هو منه؛ كما قال حسان «87» :
وما زال «88» فى الإسلام من آل هاشم ... دعائم عزّ لا ترام ومفخر
بهاليل «89» منهم جعفر وابن أمّه ... علىّ ومنهم أحمد المتخيّر
فقال: «منهم» كما قلت «من نفره» ؛ أى من النفر الذين العباس منهم، فما تعيب من هذا؟ قال أبو على: فعلمت أنّ هذا ضرب من الاحتيال.
قال: فقلت له: أرأيت قولك «90» :
وابن عمّ لا يكاشفنا ... قد لبسناه على غمره
كمن الشّنآن فيه لنا ... ككمون النار فى حجره
كمن: استتر. والشنآن: الغمر «91» . فقال: رددت التذكير إلى النور، ومثل هذا فى أشعارهم كثير إن فتّشته.
قال ابن أبى طاهر: وسمعت أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلبا يقول: قال الكسائى، وسئل عن هذا البيت: إنما أراد فى حجرها، فغلط.
أخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد، قال: حدثنا محمد بن هاشم السّدرى، قال: لقيت أبا نواس بمدينة السلام، فقلت له: فررت من بلدنا، ورغبت عن مصرنا؛ والله ما فعلت ذلك إلا لتخفى سرقتك للشعر! فقال لى:
اسمع ما أنشدك، فإن وقفت على حرف مأخوذ، وزعمت أنك سمعته لأحد أو علمت أنّ أحدا يقول مثله فدمى لك رهن به وأنت فتى الدنيا وراوية البصرة! قال: وأنشدنى شعره:
(1/350)

وذى حلف فى الراح قلت له اصطبح ... فليس على أمثال تلك يمين
كميتا تخطّاها الزمان فقد أتت ... سنون لها فى دنّها وسنون
كأن سطورا فوقها فارسية ... تكاد وإن طال الزمان تبين
لدى نرجس غضّ القطاف كأنه ... إذا منحناه العيون عيون
مخالفة فى شكلهنّ فصفرة ... مكان بياض، والبياض جفون
فصدّق ظنى صدّق الله ظنّه ... إذا ظنّ خيرا والظنون فنون
قال: فقلت له: أحسنت والله وأجدت، وأنت والله أشعر أهل مصرك. قال: إى والله وأشعر الجنّ والإنس! قلت: نعم! لولا أنك لحنت، فأجريت نون الجمع، وهى منصوبة، وهذا لا يحسن بمثلك من أهل العلم. فقال: إنّ القوافى تحتمل هذا، ومثله كثير، أما سمعت قول سحيم بن وثيل الرياحى «92» [163] :
أخو خمسين مجتمع أشدى ... وقد جاوزت حدّ الأربعين
قال أحمد بن عبيد الله بن عمار: قال يوسف بن المغيرة اليشكرى لأبى نواس: أنت منقطع القرين فى البيت، وليس لشعرك اتّساق، وأنت كثير الإحالة. فقال له: فى أى شىء؟ فقال له: فى قولك تمدح الوزير، وإنما يمدح الوزير بمثل ما يمدح به القاضى «93» :
أمشى إلى جنبها أزاحمها ... عمدا وما بالطريق من ضيق
كقول كسرى فيما تمثّله: ... من فرصة «94» اللصّ ضجّة السّوق
(1/351)

وقلت فى قصيدتك اللاميّة «95» :
وأنزلت حاجاتى بحقوى 9» مساعد ... وإن كان أدنى صاحب ودخيل
وأصبحت ألحى السكر، والسكر محسن ... ألا ربّ إحسان عليك «97» ثقيل
فاعترفت فى تلك القصيدة بتجميش النساء فى الطريق، وفى هذه بأنك تدبّ إلى منادميك؛ وعدّد عليه أشياء قد ذكرها.
وقد أغفل اليشكرى أشياء عيبت على أبى نواس فى هذا الشعر الذى على القاف؛ وفى غيره مما هو أشنع وأفحش مما نعاه عليه، وهو من الناس، كما قال العباس بن الأحنف «98» :
من عابكم «99» فهو لكم ظالم ... ما أنتم إلّا من النّاس
قال: وتأمل ابن الرومى قول أبى نواس للعباس بن عبيد الله الهاشمى «100» :
كيف لا يدنيك من أمل ... من رسول الله من نفره
وسمع طعن الرواة عليه فى أن جعل الرسول صلّى الله عليه وسلم مضافا إلى العباس بن عبيد الله وهو- صلّى الله عليه وسلم أولى بأن يضاف إليه العباس، فقال ابن الرومى يمدح إسماعيل بن بلبل:
قالوا أبو الصّقر من شيبان قلت لهم ... كلّا لعمرى، ولكن منه شيبان
وكم أب قد علا بابن ذرى شرف ... كما علا برسول الله عدنان
تسمو الرّجال بآباء، وآونة ... تسمو الرجال بأبناء وتزدان
المعنى هو الذى أراده أبو نواس فأخطأه. و [ابن «101» ] الرومى حيث قلب معنى أبى
(1/352)

نواس، وفضّل الممدوح على آبائه لم يهمل مدح سلفه؛ وذلك أنه أتبع هذا القول بأن قال:
ولم أقصّر بشيبان التى بلغت ... بها المبالغ أعراق وأغصان [163]
حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى أحمد بن أبى طاهر، قال: ناظرت أبا على البصير- وكان لا يرضى أبا نواس، ولا مسلم بن الوليد، ولا من كان فى طريقهما من الشعراء- فى شعر أبى نواس، وقلت له: والله لو كان لا يجيد فى كلّ فنّ قال فيه إلا فى بيت أو بيتين لكان من المحسنين المتفننين فى الإجادة، فمن أين تدفعه عن الإحسان! فقال لى: الشعر بين المدح والهجاء، وأبو نواس لا يحسنهما، وأجود شعره فى الخمر والطّرد، وأحسن ما فيهما مأخوذ مسروق، وحسبك من رجل يريد المعنى ليأخذه، فلا يحسن أن يعفى عليه، ولا ينقله حتى يجىء به نسخا؛ فمن ذلك قوله «102» :
وداونى بالتى كانت هى الداء
أخذه من قول الأعشى «103» :
وأخرى تدوايت منها بها
والذى أخذه منه أحسن مما قاله.
ومنه قوله «104» :
كان الشباب مطيّة الجهل «105»
أخذه من قول النابغة «106» :
(1/353)

فإن يك عامر قد قال جهلا ... فإنّ مطيّة «107» الجهل الشباب
ومنه قوله:
لمّا تبدّى الصّبح من حجابه ... كطلعة الأشمط من جلبابه
أخذه من قول أبى النّجم:
كطلعة الأشمط من كسائه
وقوله:
تعدّ عين الوحش من أقواتها
أخذه من قول أبى النجم أيضا.
هذا إلى ما لا يوصف من أخذه وإغاراته فيما تقدمه الناس فيه، فما ظنك بما يتأخر فيه عن أصحابه. ولكنه رزق فى شعره أن سار، وحمله الناس، وقدمه أهل مصره مع كثرة لحن وإحالة، لو كشفتها لرميت بأكثر شعره. وإنه مع ذلك ليحسن كثيرا، فأما على ما يفرط فيه الجهال فلا.
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى ميمون بن هارون الكاتب، عن أحمد بن الحارث، قال: لقى أبا نواس مسلم بن الوليد، فقال له: يا حسن؛ حدثنى عن قولك «108» :
جريت مع الصّبا طلق الجموح ... وهان علىّ مأثور القبيح
لم جعلت فرسك جموحا، ولم سميت لهوك قبيحا؟ فقال: يا مسلم، الجموح أبعد الأفراس شأوا، وأبطؤها فتورا؛ وسميت لهوى قبيحا إيثارا للعقل لا اتّباعا للجهل.
قال ميمون: وقال لى غيره: اجتمع أبو نواس ومسلم يوما، فقال له مسلم: ما أعلم لك بيتا إلا مدخولا معيبا ساقطا؛ فأنشد أىّ بيت أحببت. فأنشد أبو نواس إنشاد المدلّ [165] «109» :
(1/354)

ذكر الصّبوح بسحرة فارتاحا ... وأملّه ديك الصباح صياحا
فقال له مسلم: قف عند حجّتك، لم أملّه صياحا وهو يبشّره بالصبوح الذى ارتاح له؟ فانقطع أبو نواس انقطاعا بيّنا، فجعل الجواب له معارضة، فقال له: أنشد أنت ما أحببت من شعرك! فأنشد مسلم:
عاصى الشباب فراح غير مفنّد ... وأقام بين عزيمة وتجلّد
فقال له أبو نواس: حسبك حيث بلغت! ذكرت أنه راح، والرواح لا يكون إلا بانتقال من مكان إلى مكان، ثم قلت:
وأقام بين عزيمة وتجلّد
فجعلته منتقلا مقيما. فانقطع مسلم. وتشاغبا وافترقا. قال ميمون: والبيتان جيّدان، ولكن قلّ من طلب عيبا إلّا وجده.
حدثنى على بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى أحمد بن أبى طاهر، قال: حدثنى أبو عبد الرحمن الضرير عبد الله بن يوسف السمرقندى الخارج مع سيّار بن رافع على المأمون- وكان راوية أديبا- قال: رأيت مسلم بن الوليد بجرجان، وهو يتولّاها مقدمى من مدينة السلام، فسألنى عمن خلّفت بها من الشعراء، فقلت له: خلفت بها كوفيّا وبصريّا قد غلبا على الشعراء؛ أمّا من الكوفيين فأبو العتاهية، وهو مقدّم عندهم. فقال: ومن أين يتقدم عندهم، وهو يقول:
رويدك يا إنسان لا أنت تقفز
أرأيت قوله: «تقفز» ! هل سكنت بين فكّى محسن قط. قلت: وأما من البصريين فالحسن بن هانئ؛ فإنه يتقدم عندهم جميع نظرائه فى فنون الشعر. فقال: ويحك! وكيف يكون كذلك، وهو يحيل فى كثير مما يقول، ويتخطّى صفة المخلوق إلى صفة الخالق عزّ وجل؟ قلت: مثل ماذا من قوله؟ قال: أمّا ما أحال فيه فقوله «110» :
(1/355)

وأخفت أهل الشّرك حتى إنه ... لتخافك النّطف التى لم تخلق
فهذا مستحيل.
وقوله:
اسقنيها سلافة ... سبقت خلق آدما
فهى كانت إذ لم يكن ... ماخلا الأرض والسما
وأما ما تخطّاه من وصف المخلوق إلى صفه الخالق عز وجل فقوله:
يجلّ أن تلحق الصفات به ... فكلّ خلق لخلقه مثل
فهذا من الإغراق المستحيل فى العقول. «ومما ليس على مذهب العرب [166] ومما لا يستحسنه إلا جاهل قوله:
برىء من الأشباه ليس له مثل
وقوله «111» :
تكلّ عن إدراك تحصيله ... عيون أوهام الضمايير
تنتسب الألسن من وصفه ... إلى مدى عجز وتقصير
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: قد تقدم هذا الخبر من غير هذا الوجه، وفيه ههنا زيادة.
حدثنى بعض أصحابنا، عن محمد بن القاسم بن مهرويه، عن إسماعيل بن أبى محمد اليزيدى، قال: اختلف أخى إبراهيم بن أبى محمد وابن أخى أحمد بن محمد بن أبى محمد فى بيت أبى نواس، ونحن بمرو، وكان أحمد مقاربا لعمه إبراهيم فى السن، وهو «112» :
رسم «113» الكرى بين الجفون محيل ... عفّى عليه بكا عليك طويل
(1/356)

فقال إبراهيم: والله ما هذا بكلام مطبوع ولا محسن! وقال أحمد: لقد أجاد فى المعنى وأحسن! فتراضيا بمن يحكم بينهما، واتفقا على مسلم بن الوليد- وكان يمرو- فسألاه، فقال مسلم: إن كان قول أبى العذافر العمّى:
باض الهوى فى فؤادى ... وفّرخ التذكار
حسنا فإنّ هذا حسن. فحكم لأخى.
وأنشد أبو العنبس فى معنى بيت أبى العذافر:
ضرام الحبّ عشّش فى فؤادى ... وحضّن فوقه طير البعاد
وأنبذ للهوى فى دنّ قلبى ... فعربدت الهموم على فؤادى
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا الحسين بن إسحاق، قال: حدثنا أحمد بن الحارث، قال: لقى العتّابى أبا نواس، فقال له: يا أبا على؛ أما خفت الله حيث تقول:
وأخفت أهل الشّرك حتى إنه ... لتخافك النّطف الّتى لم تخلق
فقال له أبو نواس: فما خفت أنت الله حيث تقول «114» :
ما زلت فى غمرات الموت مطرحا ... يضيق عنى وسيع الرأى «115» من حيلى
فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لى ... حتّى اختلست حياتى من يدى أجلى
فقال العتابى: قد علم الله وعلمت أن هذا ليس مثل قولك؛ ولكنك أعددت لكلّ ناصح جوابا.
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى ميمون بن هارون، عن أحمد بن خلاد، عن أبيه، قال: قال لى العتّابى- وتجارينا البديع من شعره قول أبى نواس «116» :
لما بدا ثعلب الصدود لنا ... أرسلت كلب الوصال فى طلبه [167]
(1/357)

جاء به، والجليل يعتله «117» ... منقلبا رأسه على ذنبه
فقال: والله إنه لشاعر، ولكن تمادى به حبّ البديع حتّى أغرق فيه.
حدثنى علىّ بن أبى عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: حدثنى أحمد بن أبى طاهر، قال: أخبرونا عن عبد الله بن سلمة بن عيّاش، قال: بينا أنا أسير فى طريق أصبهان فإذا أنا برجل عليه فرو جالس إلى العين فى المنزل، فقال لى: ممن الرجل؟
فقلت: من أهل البصرة. قال: أنشدنى لأبى نواسكم شيئا، فإنه لو كشف استه كان أحسن من قوله «118» :
وجه جنان أسراى بستان ... جمّع فيه من كلّ ألوان
قال: فأنشدته له، وسألته عن اسمه؛ فقال: كلثوم بن عمرو العتّابى.
حدثنى أبو عبد الله محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنى يموت بن المزرّع بن يموت، قال: حدثنى أبى، قال: إنى لفى يوم من أيامى بالمربد إذ أقبل رجل على راحلة، فتشوّف له النّاس. فقلت: من هذا؟ فقالوا: محمد بن مناذر. فعدلت إليه فقلت: سلام عليك أبا عبد الله! قال: ومن أنت؟ قلت: أنا ابن يموت العبدى.
قال: كيف حالك؟ قلت: بخير! قال: من شاعر العراق اليوم؟ قلت: الحسن بن هانئ، قال: أفّ لك؟ هو الذى يقول:
فلو قد زرتنا بين ... سماع وقواقيز
شربنا أبدا صرفا ... على وجهك بالكوز
أفّ لكم! قلت: أبا عبد الله إن فى الحسن دعابة، وهو الذى يقول «119» :
فقلت لها، واستعجلتها بوادر ... جرت فجرى فى جريهنّ عبير
ذرينى «120» أكثّر حاسديك برحلة ... إلى بلد فيه الخصيب أمير
فقال لى: خير هذا بشّر ذاك.
(1/358)

أخبرنى الحسين بن محمد العرمرم، قال: أخبرنا محمد يزيد النحوى، قال: قد استظرف النّاس قول أبى نواس فى قدر الرّقاشىّ- ولا أراه حلوا لإفراطه، وهو «121» :
ودهماء ترسيها رقاش إذا شتت ... مركّنة «122» الآذان أمّ عيال
يغصّ بحيزوم البعوضة «123» صدرها ... وينضج ما فيها بعود «124» خلال
وتغلى بذكر النّار من غير حرّها ... وتنزلها عفوا بغير «125» جعال
هى القدر قدر الشيخ بكر بن وائل ... ربيع اليتامى عام كلّ هزال
وقال: ومثله قوله «126» :
عتّقت حتّى لو اتصلت ... بلسان ناطق وفم
لاحتبت فى القوم مائلة ... ثمّ قصّت قصّة الأمم [168]
ويستجيده خلق كثير، وليس عندى بالمحمود لما فيه من الإفراط.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى بنو نيبخت، قالوا: كان أبو نواس يعابث أحمد بن روح بن أبى بحر؛ وكان أحمد شاعرا مليحا؛ فهجاه أبو نواس بأبيات يقول فيها:
لارعى الله ابن روح ... وسّخ اسمى بلعابه
لعنة الله عليه ... وعلى فرج رمى به
فازبروه وانهروه ... وتواصوا باجتنابه
واقعدوا منه بعيدا ... وبعيدا من ثيابه
إنها عامرة الإص ... طبل من شهب دوابه
(1/359)

فأجابه أحمد بن روح بأبيات منها:
ودعىّ عزّ قحطا ... ن جميعا بانتسابه
لو تحدّى الكلب بالشع ... ر تعالى عن جوابه
أورثته أمّه اللك ... ناء جهلا فى خطابه
فغدا العيّوق من كفّيه ... أدنى من صوابه
فقيل لابن روح: ما معنى قولك فيه:
«أورثته أمه اللكناء ... »
البيت؛ فقال: لقوله:
إنهما عامرة الإص ... طبل من شهب دوابه
فخفف الدوابّ.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنى ميمون بن هارون الكاتب، عن ابن أبى طاهر، عن يحيى بن حسان البصرى، قال: رأى أبو نواس غلاما حسنا، فأنشدنى بديها:
ومستطيل به الجمال على ... كلّ جميل عديم أشباه
لو كان للشمس حسن صورته ... لاستنكفت عن عبادة الله
فقلت: كفرت ويلك! قال: إنّ الله يغفر الذّنوب جميعا. فقلت: إنّ الله لا يغفر أن يشرك به! قال: أنت لا تعرف الشرك! أخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: قال لنا المكتفى بالله: أىّ أبيات الشعر أهنك وأفجر قائلا؟ فقال له يحيى بن على: لا أعرف مثل قول أبى نواس «127» :
ألا سقّنى خمرا، وقل لى: هى الخمر! ... ولا تسقنى سرّا إذا أمكن الجهر
قال: فقلت له: إنّ المأمون أمر، وهو بخراسان، أن يخطب بهذا البيت على المنابر، ويقول الخاطب: يستحسن محمد قول من يقول مثل هذا.
(1/360)

5- مسلم بن الوليد الأنصارى
«1» أخبرنى محمد بن عبد الله البصرى، قال: حدثنا الحسين بن إسحاق، قال: حدثنا أحمد بن الحارث، عن محمد بن عمر، قال: قال مسلم بن الوليد لأبى نواس- وقد اجتمعا فى مجلس، فتلاحيا على نبيذ: والله ما تحسن الأوصاف! فقال: لا والله ما أحسن أن أقول «2» :
سلّت فسلّت ثمّ سلّ سليلها ... فأتى سليل سليلها مسلولا [169]
والله لو رميت الناس فى الطرق لكان أحسن من هذا «3» حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: حدثنى ميمون بن هارون، عن الحسين ابن بنت مسلم بن الوليد الأنصارى، قال: حدثنى أبى، قال: كنا عند مسلم فى المسجد وهو يملى علىّ وعلى عدّة معى القصيدة الدالية:
لا تدع بى الشوق إنى غير معمود
إذ أقبل أبو نواس، فاستشرف له القوم، فدنا فسلّم، فرفعه مسلم فى المجلس، فلم يفعل أبو نواس. وقطع مسلم الإملاء، ثم أقبل عليه يسأله أن ينشده من شعره، وأبو نواس يأبى ذلك؛ ثم سأله أبو نواس أن يبتدئ القصيدة من أولها، ففعل إلى أن انتهى إلى قوله:
رأى المهلّب أو بأس الأيازيد
فقال مسلم: ما سبقنى إلى جمع يزيد أحد. فقال له أبو نواس: من هاهنا وهمت! فاستشاط مسلم لذلك.
(1/361)

6- العباس بن الأحنف
[1] حدثنى محمد بن يحيى الصولى، قال: حدثنا الحسين بن فهم، قال: حدثنا حماد بن إسحاق، قال: تذاكروا بحضرة الأصمعى شعر العباس بن الأحنف، فتسخّطه؛ وقال:
ما يؤتى من جودة المعنى، ولكنه سخيف اللفظ؛ ألا ترى قوله «4» :
اليوم مثل الحول حتّى أرى ... وجهك والساعة كالشّهر
إنّ الذى أضمر عند الذى ... أظهر كالقطرة فى البحر
لو شقّ عن قلبى قرى وسطه ... ذكرك والتّوحيد فى سطر
ثم قال «5» :
يا من تمادى قلبه فى الهوى ... سال بك السيل وما تدرى
أبعد أن قد صرت أحدوثة ... فى الناس مثل الحسن البصرى
لعمرى إنّ الحسن البصرى مشهور، ولكن ليس هذا موضع ذكره.
أخبرنى إبراهيم بن محمد بن عرفة، عن محمد بن يزيد النحوى، قال: قد عابوا على العباس بن الأحنف إدخاله فى الغزل هذا البيت «6» :
فإن تقتلونى لا تفوتوا بمهجتى ... مصاليت قومى من حنيفة أو عجل
كما عيب على الفرزدق قوله «7» :
يا أخت ناجية بن سامة إنّنى ... أخشى عليك بنىّ إن طلبوا دمى
__________
[1] هو من بنى حنيفة، ويكنى أبا الفضل، وكان منشؤه بغداد، وكان صاحب غزل، ويشبه من المتقدمين عمر بن أبى ربيعة ولم يكن يمدح أو يهجو، وكان جوادا لا يحبس ما يملك.
وترجمته فى الشعر والشعراء 803، وطبقات ابن المعتز 254.
(1/362)

وقالوا. ما للمتغزل وذكر الأولاد والاحتجاج بطلب الثارات! هلا قال كما قال جرير «8» :
قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا
وكما يروى عن ابن عباس رحمه الله تعالى [170]- فإنه وإن كان فى باب الجد أشكل بمذهب الغزل- وهو قوله:
هذا قتيل الحبّ لا عقل ولا قود
ولقد ملّح المحاربى فى قوله:
لما رأت مقتلى قالت لجارتها: ... لقد قتلت قتيلا ما له خطر
قتلت شاعر هذا الحىّ من مضر ... والله يعلم ما ترضى بذا مضر
فهذا على حال أقرب.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى أحمد بن إسماعيل، قال: حدثنا أحمد بن الحارث، عن المدائنى- أنه قال: العباس بن الأحنف فى الغزل مثل أبى العتاهية فى الزهد: يكثران الحزّ ولا يصيبان المفصل.
حدثنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن سنين، قال حدثنا محمد بن حبيب، قال: سمع ابن الأعرابى قول ابن الأحنف «9» :
ولما رأت حرصى عليها تعجبت ... وحقّ على المعشوق أن يتعجبا
فقال: سبحان الله! إن خالق هذا وخالق رؤبة لواحد حين يقول «10» :
وقاتم الأعماق خاوى المخترق
(1/363)

حدثنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن الفضل، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: رآنى محمد بن بشار بن برد، وأنا أكتب شعر العبّاس بن الأحنف، وكنت أقرأ عليه شعر أبيه، فقال: والله لا أقرأتك شعر أبى، وأنت تكتب هذا! قلت: فإنى أتركه.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنا أحمد بن يزيد المهلبى، قال: حدثنى أحمد بن حمدون، قال: أنشدت غصين بن برّاق الأسدى بيتى العباس بن الأحنف «11» :
نزف البكاء دموع عينك فاستعر ... عينا لغيرك دمعها مدرار
من ذا يعيرك عينه تبكى بها ... أرأيت عينا للبكاء تعار
فحلف أن البيت الأول لرجل عندهم، وأنه لا يعرف الثانى.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: يروى أنّ العباس بن الأحنف دخل على الذّلفاء جارية ابن طرخان، فقال: أجيزى هذا البيت «12» :
أهدى له أحبابه أترجّة ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر
فقالت «13» :
خاف التلّون إذ أتته لأنها ... لونان باطنها خلاف الظاهر
فقال: لئن ظهر هذا البيت لا دخلت لكم منزلا أبدا. ثم ضمّه إلى بيته.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنا الحسين بن محمد بن فهم، قال: سمعت العطوى يقول [171] : كان العباس بن الأحنف شاعرا مجيدا غزلا، وكان أبو الهذيل يبغضه ويلعنه لقوله «14» :
إذا أردت سلّوا «15» كان ناصركم ... قلبى، وما أنا من قلبى بمنتصر
فأكثروا «16» وأقلّوا من إساءتكم ... فكل ذلك محمول على القدر
(1/364)

فكان أبو الهذيل يلعنه لهذا؛ ويقول: يعتقد الكذب والفجور فى شعره.
قال الصولى: فأنشدنى محمد بن العباس اليزيدى، قال: سمعت أحمد بن عبد الله يقول: ما يروى للعباس بن الأحنف هجاء إلا هذا، وكان يستضعفه «17» :
يا من يكذب أخبار الرسول لقد ... أخطأت فى كل ما تأتى وما تذر
كذّبت بالقدر الجارى عليك، فقد ... أتاك منّى بما لا تشتهى القدر
قال الصولى: ولعل هذا فى أبى الهذيل.
7- كلثوم بن عمرو العتابى [1]
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: كان أبو أحمد يحيى بن على المنجّم قد ناظر رجلا يعرف بالمتفقّه الموصلى فى العباس بن الأحنف والعتّابى، فعمل يحيى فى ذلك رسالة، وأنفذها إلى على بن عيسى، لأنّ الكلام كان بحضرته. قال الصولى: وقد حضرت أنا ذلك المجلس، فكان مما خاطبه به أن قال: ما أهلّ نفسه العتّابيّ قط لتقديمها على العباس بن الأحنف فى الشعر، ولو خاطبه بذلك مخاطب لدفعه وأنكره، لأنه كان عالما لا يؤتى من معرفة بالشعر، ولم أر أحدا من العلماء بالشعر قط مثّل بين العباس والعتّابى فضلا عن تقديم العتّابى عليه لتباينهما فى المذهب، وذلك أن العتّابى متكلّف والعباس يتدفّق طبعا؛ وكلام هذا سهل عذب، وكلام ذاك متعقّد كزّ. ولشعر هذا ماء ورقة وحلاوة، وفى شعر ذاك غلظ وجساوة. وشعر هذا فى فنّ واحد- وهو الغزل- فأكثر فيه وأحسن، وقد افتنّ العتابى فلم يخرج فى شى منه عما وصفناه به. وإنّ من أشعر شعر العتابى لقصيدته التى يمدح فيها الرشيد وأولها «18» :
__________
[1] هو كلثوم بن عمرو، من بنى تغلب، من بنى عتاب، ويكنى أبا عمرو، من أهل قنسرين. وكان شاعرا محسنا وكاتبا فى الرسائل مجيدا، ولم يجتمع هذان لغيره. وشخص إلى المأمون، ولما قال له سلنى، قال: يدك بالعطاء أطلق من لسانى.
وترجمته فى الشعر 859، وطبقات ابن المعتز 261، والأغانى 12- 2، وتاريخ بغداد 12- 448، معجم الأدباء 17- 26.
(1/365)

يا ليلة لى بحوّارين ساهرة ... حتى تكلّم فى الصبح العصافير
فقال فيها «19» :
فى مآقىّ انقباض عن جفونهما ... وفى الجفون عن الآماق تقصير
وهذا بيت أخذه من قول بشار الذى أحسن فيه غاية الإحسان وهو قوله «20» :
جفت عينى عن التغميض حتى ... كأنّ جفونها عنها قصار
فمسخه العتابى. على أنّ بشارا قد أخذه من قول جميل «21» [172] :
كأنّ المحبّ قصير الجفون ... لطول السّهاد ولم تقصر
إلا أنّ بشارا قد أحسن فى أخذه، ولم يبلغ جميلا، وجاء هذا إلى المعنى قد تعاوره شاعران محسنان مقدّمان وأحسنا فيه، فنازعهما إياه فأساء، وحقّ من أخذ معنى وقد سبق إليه أن يصنعه أجود من صنعة السابق إليه أو يزيد فيه عليه حتى يستحقه، فأمّا إذا قصر عنه فإنه مسىء معيب بالسرقة مذموم فى التقصير.
ولقد هاجى أبا قابوس النصرانى، فغلب عليه فى كثير مما جرى بينهما على ضعف منّة أبى قابوس فى الشعر، ثم قال فى هذه القصيدة «22» :
ماذا عسى مادح «23» يثنى عليك وقد ... ناداك فى الوحى تقديس وتطهير
فتّ الممادح «24» إلّا أنّ ألسننا ... مستنطقات بما تخفى الضمائير
فقال: «الممادح» ؛ والمدائح أحسن منها وأخفّ على السمع، وأشبه بألفاظ الحذّاق والمطبوعين، وقال: «مستنطقات» ؛ ونواطق أحسن وأطبع، ثم قال «الضمائير» فختم البيت منها بأثقل لفظة لو وقعت فى البحر لكدّرته، وهى صحيحة، ولكنها غير مألوفة،
(1/366)

ولا مستعذبة، وما شىء أملك بالشعر بعد صحة المعنى من حسن اللفظ، وهذا عمل التكلّف وسوء الطبع. وللعباس إحسان كثير.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى أحمد بن إبراهيم الغنوى، قال: كنا عند هلال بن العلاء فذكروا العتّابى، فقال له رجل: هو كزّ لا رقّة له. فقال هلال: أتقول هذا لمن يقول:
رسل الضمير إليك تترى ... بالشوق متعبة وحسرى
وهى أبيات.
8- أشجع السلمى [1]
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى عبد الله بن الحسين، قال: قال لى البحترى:
دعانى على بن الجهم، فمضيت إليه، وأفضنا فى أشعار المحدثين إلى أن ذكرنا أشجع السّلمى، فقال لى: إنه يخلى، وأعادها مرات ولم أفهمها، وأنفت أن أسأله عن معناها، فلما انصرفت أفكرت فى الكلمة ونظرت فى شعر أشجع فإذا هو ربما مرّت له الأبيات مغسولة ليس فيها بيت رائع، وإذا هو يريد هذا بعينه أنه يعمل الأبيات ولا تصيب فيها بيتا نادرا، [173] كما أن الرامى إذا رمى برشقه فلم يصب فيه بشىء قيل: أخلى.
وكان على بن الجهم عالما بالشعر.
وأخبرنى الصولى، قال: حدثنى على بن العباس النوبختى، قال: حدثنى البحترى، قال: كنت فى مجلس فيه على بن الجهم، فتذاكرنا الشعراء المحدثين، فمرّ ذكر أشجع.
فقال على: ربما أخلى. فلم أدر ما قال، وأنفت من سؤاله عن معناه، وانصرفت، فنظرت فى شعر أشجع فإذا هو ربما مرت له الأبيات مغسولة خالية من معنى ولفظ، فعلمت أنه أراد ذلك، وأن معناه أنّ الرّامى إذا لم يصب من رشقه كلّه الغرض بشىء قيل «أخلى» ؛ فجعل ذلك قياسا.
__________
[1] هو أشجع بن عمرو، من بنى سليم، وكان متصلا بالبرامكة، وله فيهم أشعار كثيرة. وكان على قلب الرشيد ثقيلا من بين الشعراء، ثم دخل عليه ومدحه فارتاح له، وقال له: يا أشجع لقد دخلت إلى وأنت أثقل الناس على قلبى، وإنك لتخرج من عندى وأنت أحب الناس إلى.
وترجمته فى طبقات ابن المعتز 251، والشعر والشعراء 857، والأغانى 17- 30- وتاريخ بغداد 7- 45، ومعاهد التنصيص 2- 133.
(1/367)

9- محمد بن مناذر [1]
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الذارع، قال: حدثنا ابن عائشة، قال أبو العتاهية لابن مناذر: إن كنت أردت بشعرك العجاج ورؤبة فما صنعت شيئا، وإن كنت أردت أهل زمانك فما أخذت مآخذنا؛ أخبرنى عن قولك؛
ومن عاداك لاقى المرمريسا
أى شىء المرمريس؟
قال الشيخ رحمه الله تعالى: وجدت بخط محمد بن القاسم بن مهرويه، حدثنى محمد بن سعد، قال: حدثنى النّضر بن عمرو، عن المازنى، قال: حدثنا حيّان، قال:
دفع إلىّ ابن مناذر قصيدته الطويلة، وقال: اعرضها على أبى عبيدة. قال: فأتيته على باب أبى عمرو بن العلاء، فقرأت عليه قدر خمسة أبيات منها، فلم تعجبه، وقال: دعنى من هذا؛ فإنى قد تشاغلت بحفظ القرآن عن ذا.
ووجدت بخطّ ابن مهرويه، قال: حدثنى العباس بن ميمون، قال: سمعت الأصمعى يقول: حضرنا مأدبة وأبو محرز خلف الأحمر وابن مناذر معنا؛ فقال له ابن مناذر: يا أبا محرز؛ إن يكن امرؤ القيس والنابغة وزهير ماتوا فهذه أشعارهم مخلّدة، فقس شعرى إلى شعرهم. قال: فأخذ صفحة مملوءة مرقا فرمى بها عليه.
وجدت بخط ابن مهرويه: حدثنى أبو محمد، قال: حدثنى حماد، قال: قال ابن مناذر: قلت «25» :
يقدح الدّهر فى شماريخ رضوى
__________
[1] محمد بن مناذر، مولى لبنى يربوع، ويكنى أبا ذريح، وكان من أهل عدن. وكان وقع إلى البصرة لكثرة العلماء والأدباء بها، فما زال يلزم أهل الفقه وأصحاب الحديث والأدب حتى بلغ من ذلك أقصى مبلغ، وخرج إلى مكة ولم يزل بها مجاورا، وكان يسأله سفيان بن عينية. عن غريب الحديث ومعانيه فيجيبه عن ذلك.
وترجمته فى طبقات ابن المعتز 119، والشعر والشعراء 845، والأغانى 17- 9 وميزان الاعتدال (4- 47) .
(1/368)

[174] ثم مكثت حولا، فسمعت قائلا يقول: «هبّود» ، فقلت: ما هبّود؟ قال:
جبيل فى بلادنا. فانفتح لى الشعر فقلت:
ويحطّ الصخور من هبّود
10- المؤمّل بن أميل المحاربى
[1] حدثنى على بن هارون المنجّم، عن أبيه، عن جده، قال: دخل المؤمّل بن أميل مسجد الكوفة فى يوم جمعة، وقد نمى إلى الناس خبر وفاة المهدى، وهم يتوقعون قراءة الكتاب عليهم بذلك. فقال- رافعا صوته:
مات الخليفة أيّها الثّقلان
قال: فقال جماعة من الأدباء: هذا أشعر الناس؛ نعى الخليفة إلى الجن والإنس فى نصف بيت، وأمدّه الناس أبصارهم وأسماعهم متوقّعين لما يتمّ به البيت، فقال:
فكأننى أفطرت فى رمضان
قال: فضحك الناس به وصار شهرة.
11- العمانى الراجز [2]
أخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا أبو الحسن الأسدى، قال: حدثنا حماد بن إسحاق، قال: سمعت أبى يقول: ما رأيت أحدا قط أعلم بالشعر من الأصمعى، ولا أحفظ لجيّده، ولا أحضر جوابا منه! ولو قلت: إنه لم يك مثله ما خفت كذبا! لقد
__________
[1] المؤمل بن أميل المحاربى الشاعر، كوفى قدم بغداد، ومدح أمير المؤمنين المهدى وترجمته فى تاريخ بغداد (13- 177) .
[2] هو محمد بن ذؤيب الفقيمى، وهو من بنى نهشل بن دارم من بنى فقيم، قال ابن قتيبة: ولم يكن من أهل عمان، وإنما قيل له عمانى لأن دكينا الراجز نظر إليه وهو يسقى الإبل ويرتجز فرآه غليّما مصفر الوجه ضريرا مطحولا، فقال: من هذا العمانى؟ فلزمه الاسم، وإنما نسبه إلى عمان لأن عمان وبيّة، وأهلها مصفرة وجوههم مطحولون.
وكذلك البحرين. ودخل على الرشيد لينشده، ومدحه فأعظم له الجائز. وكان جيد الرجز والقصيد، غير أن الأغلب عليه الرجز، وكان يوزن بالعجاج ورؤبة، بل كان أطبع منهما.
وترجمته فى الشعر والشعراء 731، وطبقات ابن المعتز 109.
(1/369)

استأذن علىّ يوما وعندى أخ للعمانى الراجز حافظ راوية. فلما دخل عبث به أخو العمانى، فقال: من هذا؟ أهو الباهلى الذى يقول:
فما صحفة مأدومة بإهالة «26» ... بأطيب من فيها ولا أقط رطب
فقال له قبل أن يستتمّ كلامه: هو على كل حال أصلح من قول أخيك العمانى:
يا ربّ جارية حوراء ناعمة ... كأنها عومة فى جوف راقود «27»
قال: فقلت له: أكنت أعددت هذا الجواب؟ قال: لا! ولكن ما مرّ بى شىء قطّ إلا وأنا أعرف منه طرفا.
أخبرنا محمد بن العباس، قال: حدثنا المبرد، قال: دخل العمائى الراجز على الرشيد، فأنشده أرجوزة يصف فيها فرسا، فقال:
كأن أذنيه إذا تشوّفا ... قادمة أو قلما محرّفا
فقال له الرشيد: قل «تخال» حتى يستوى الإعراب.
12- بكر بن النطاح [1]
أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، عن محمد بن يزيد المبرد، قال: فى المحدثين إسراف وتجاوز وغلوّ وخروج عن المقدار؛ من ذلك قول [175] بكر بن النطاح:
تمشى على الخزّ من تنعّمها ... فيشتكى رجلها من النّزف
لو مرّ هارون فى عساكره ... ما رفعت طرفها من السّجف
13- الفضل الرقاشى [2]
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال:
__________
[1] بكر بن النطاح يكنى أبا وائل، وقد مدح أبا دلف بشعر جيد. وأخرجه يزيد بن مزيد إلى الجزيرة، ولم يزل مستترا بها حتى مات الرشيد، فرده وزاد فى عطائه.
وترجمته فى طبقات ابن المعتز 217- 226.
[2] هو الفضل بن عبد الصمد الرقاشى، مولى ربيعة، وهو من أهل الرأى من العجم، وهو كثير الشعر، قليل
(1/370)

حدثنا محمد بن زياد، قال: حدثنا ابن عائشة عن بعض رجاله، قال: مرّ أعرابى بالفضل الرقاشى يوما وهو يتكلم، قال: فوقف عليه يستمع، فظنّ فضل أنه قد أعجب بكلامه، فقال له: يا أعرابى؛ ما البلاغة فيكم؟ قال: الإيجاز! قال: فما تعدّون العىّ فيكم؟ قال: ما كنت فيه منذ اليوم! قال أحمد بن محمد الحلوانى: وجدت بخط ابن شاهين: حدثنى أحمد بن معدان الكوفى، قال: حدثنى أخى محمد بن معدان، قال: كنت فى مسجد الرّصافة، فاختلف قوم فى أبى نواس والفضل الرقاشى أيهما أشعر، فتراضوا بأبى على الهبّارى، وكان من أهل الأدب، فتحا كموا إليه؛ فقالوا: إن بعضنا قدّم أبا نواس، وبعضنا قدم الفضل الرقاشى، فما تقول أنت؟ قال: أقول إنّ ضراط أبى نواس فى سجيّن أكثر من حسنات الرقاشى فى عليين!
14- محمد بن يسبر الحميرى [1]
أخبرنا إبراهيم بن عرفة النحوى، عن محمد بن يزيد المبرد، قال: أخطأ محمد بن يسبر فى قوله:
ولو قنعت أتانى الرزق فى دعة؛ ... إنّ القنوع الغنى لا كثرة المال
لأنّ القنوع إنما هو السؤال، والقانع السائل؛ قال الله تبارك وتعالى «28» : «فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ»
، فالمعترّ الذى يتعرض ولا يسأل؛ يقال: قنع يقنع قنوعا؛ إذا سأل، فهو قانع لا غير؛ وإذا رضى قيل: قنع يقنع قناعة «29» فهو قنع وقانع جميعا.
15- محمد بن وهيب الحمبرى [2]
حدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، عن أبى إسحاق الطلحى، قال: أنشدنى
__________
الجيد، وكان منقطعا إلى البرامكة يمدحهم ويعيش بهم، فلما زال أمرهم خرج إلى خراسان، واتصل بطاهرين الحسين، وما زال بها حتى مات.
وترجمته فى طبقات ابن المعتز 226.
[1] هو من أسد، وكان فى عصر أبى نواس، وعمر بعده حينا، وكان يتمثل بكثير من شعره.
وترجمته فى طبقات ابن المعتز 280، والشعر والشعراء 854.
[2] فى طبقات ابن المعتز شىء من أخباره وشعره (310) .
(1/371)

أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل لمحمد بن وهيب إليه، قال أحمد: وأخطأ فيه:
تفديك نفسى يطول يوم ... علىّ فى اليوم لا أراكا
وهى أبيات لأحمد عنها جواب.
16- دعبل بن على الخزاعى [1]
أخبرنى محمد بن يحيى، قال «30» : حدثنى هارون بن عبد الله المهلّبى، قال: كنا فى حلقة دعبل، فجرى ذكر أبى تمام، فقال دعبل: كان يتتبّع معانىّ فيأخذها [176] ؛ فقال له رجل فى مجلسه: ما من ذلك أعزّك الله؟ قال: قلت «31» :
إنّ امرأ أسدى إلىّ بشافع ... إليه ويرجو الشكر منّى لأحمق
شفيعك فاشكر فى الحوائج إنه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق
فقال له رجل «32» : فكيف قال أبو تمام؟ قال: قال «33» :
فلقيت بين يديك حلو عطائه ... ولقيت بين يدىّ مرّ سؤاله
وإذا امرؤ أسدى إلىّ «34» صنيعة ... من جاهه فكأنها من ماله
فقال الرجل: أحسن والله! قال: كذبت، قبحك الله! قال: والله لئن كان ابتدأ «35» هذا المعنى وتبعته فما أحسنت، ولئن كان أخذه منك لقد أجاده فصار أولى به منك. قال: فغضب دعبل.
__________
[1] هو دعبل بن على بن رزين، من خزاعة، ويكنى أبا على، وكان يخرج إلى خراسان والمأمون بها والرضا معه هناك فيمدحهما فيجزلان له العطاء، وكان يجتاز بقم فيقيم عند شيعتها فيقسطون له كل سنة خمسين ألف درهم.
وارجع إلى ترجمته وشىء من شعره فى طبقات ابن المعتز 264، والشعر والشعراء 835، والأغانى 18- 29، ومعاهد التنصيص 1- 202.
(1/372)

قال محمد «36» : وشعر أبى تمام أجود مبتدأ ومتّبعا، وهو أحق بالمعنى «37» .
وقد تبع البحترى شعر أبى تمام، فقال فى هذا المعنى «38» :
وعطاء غيرك إن بذل ... ت عناية فيه عطاؤك
17- إسحاق بن إبراهيم الموصلى [1]
أخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: أنشد إسحاق الموصلى الأصمعىّ قوله فى غضب المأمون عليه:
يا سرحة الماء قد سدّت موارده ... أما إليك طريق غير مسدود
لحائم حام حتى لا حيام به ... محلأ عن طريق الماء مطرود
فقال الأصمعى: أحسنت فى الشعر، غير أن هذه الحاءات لو اجتمعت فى آية الكرسى لعابتها.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى محمد بن موسى البربرى، عن حماد بن إسحاق الموصلى، قال: عيب على أبى قوله:
وأبرح ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الدّيار من الديّار
فعابوا قوله: «يوما» ، فقال لهم: لعمرى إنه حشولا زيادة فيه، ولكن ضعوا مكانه مثله أو أجود منه؛ فاجتمع جماعة ونظروا فلم يجدوا للبيت حشوا أصلح من قوله يوما، إلّا أنّ إسحاق غيّره بعد ذلك فقال:
وكل مسافر يزداد شوقا
__________
[1] كان إسحاق بن إبراهيم الموصلى فقيرا، ثم إنه كثر ماله، واشترى بالبصرة شيئا كثيرا من أرض النخل، وتحول إليها، وخدم خمسة من الخلفاء بظرفه وأدبه وبراعته فى صناعته. وكان حسن المعرفة حلو النادرة، مليح المحاضرة جيد الشعر مذكورا بالسخاء معظما عند الخلفاء. وبرع فى علم الغناء وغلب عليه فنسب إليه. ومات إسحاق سنة خمس وثلاثين ومائتين.
وترجمته فى الأغانى 5- 52، وشذرت الذهب 2- 82، ونهاية الأرب: 5 وتاريخ بغداد 6- 338.
(1/373)

أخبرنى أبو الحسن على بن هارون، قال: ابتدأ إسحاق فى قصيدته التى امتدح فيها الواثق بقوله:
ضنّت سعاد غداة البين بالزاد ... وأخلفتك فما توفى بميعاد [177]
وما أعجب أمر إسحاق فى هذا الابتداء واستجازته أخذه إياه نقلا، مع علمه بقبيح ما فى السرق الذى هذه سبيله. قال الأحوص:
ضنّت سعاد غداة البين بالزاد ... وآثرت حاجة الثاوى على الغادى
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: هكذا قال أبو الحسن؛ والرواية المشهورة الصحيحة فى بيت الأحوص:
ضنّت عقيلة لما جئت بالزاد
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن العباس اليزيدى، قال: حدثنى عمى، عن أخيه أحمد بن محمد اليزيدى، قال: لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان- وهو القصر الذى كان للعباسة- جلس فيه، وجمع أهل بيته وأصحابه، وأمر أن يلبس الناس كلهم الديباج، وجعل سريره فى الإيوان المنقوش بالفسافسا «39» الذى كان فى صدره صورة عنقاء، فجلس على سرير مرصّع بأنواع الجوهر، على رأسه التاج الذى فيه الدرة اليتيمة، وفى الإيوان أسرّة أبنوس عن يمينه ويساره من حدّ السرير الذى عليه المعتصم إلى باب الإيوان؛ فكلما دخل رجل رتّبه هو بنفسه فى الموضع الذى يراه. فما رأى الناس أحسن من ذلك اليوم. فاستأذنه إسحاق بن إبراهيم الموصلى فى النشيد، فأذن له؛ فأنشده شعرا ما سمع الناس أحسن منه فى صفته وصفة المجلس، إلّا أنّ أوّله نسيب بالديار القديمة وبقية آثارها، فكان أول بيت منها:
يا دار غيّرك البلى فمحاك ... يا ليت شعرى ما الذى أبلاك
فتطيّر المعتصم، وتغامز الناس، وعجبوا كيف ذهب هذا على إسحاق مع فهمه وعلمه وطول خدمته للملوك. فأقمنا يوما وانصرفنا، فما عاد منا اثنان إلى ذلك المجلس، وخرج المعتصم إلى سرّ من رأى وخرب القصر.
(1/374)

وحدثنى عبد الله بن مالك النحوى، قال: حدثنى حماد بن إسحاق بن إبراهيم أنّ أول هذه القصيدة:
يا دار هند ما الذى لاقاك «40» ... بعد الجميع وما الذى أبلاك
إن كان أهلك ودّعوك فأصبحوا ... فرقا وأصبح دارسا مغناك
فلقد نراك ونحن فيك بغبطة ... لو دام ما كنّا عليه نراك [178]
18- مروان بن أبى الجنوب [1]
حدثنا محمد بن يحيى الصولى، قال: سمعت المكتفى بالله يقول لمتوّج بن محمود بن مروان بن يحيى بن مروان بن أبى حفصة: يقول جدك مروان الأصغر لعنه الله «41» :
وحكّم فيها حاكمين أبوكم ... هما خلعاه خلع ذى النّعل للنعل
فقال: وما علىّ من وزرهم! قال: أنت على مذهبهم! وما أحسن ما قال البحترى فى أبيك، أنشده يا صولى! فقلت: إن هذا يشكونى، وما أحبّ كلامه، وسيدنا أحفظ للأبيات منى. فقال: أنشده، وزد فى صوتك. فأنشدت «42» :
يا عجبا من حلمك العازب «43» ... وعقلك المستهلك «44» الذاهب
ومن وصيف «45» وهو مستقدم ... يبصق «46» فى شعر استك الشائب
إن أكسدت سوقك أو أخلقت «47» ... بضاعة من شعرك الخائب
__________
[1] فى طبقات ابن المعتز (392) ولطائف المعارف 72: شىء من أخباره.
(1/375)

أنشأت كى تنفقها مزريا «48» ... على علىّ بن أبى طالب قد آن «49» أن يبرد معناكم
لولا لجاج القدر الغالب
قال: قال المكتفى: قد برد معناهم، والحمد لله الذى جعل ذلك فى أوانى.
وحدثنا محمد بن يحيى «50» ، قال: كنّا يوما عند عبد الله بن المعتز، فقرأ شعرا لمتوّج بن محمد بن مروان الأصغر بن أبى الجنوب بن مروان الأكبر، وكان شعرا ردئيا جدا، فقال: أشبّه لكم شعر آل أبى حفصة وتناقصه حالا بعد حال. فقلنا: إن شاء الأمير. فقال: كأنه ماء أسخن لعليل فى قدح ثم استغنى عنه، فكان أيام مروان الأكبر على حرارته، ثم انتهى إلى عبد الله بن السّمط، وقد برد قليلا، ثم إلى إدريس بن أبى حفصة، وقد زاد برده، وإلى أبى الجنوب كذلك، وإلى مروان الأصغر، وقد اشتدّ برده، وإلى أبى هذا متوّج، وقد ثخن لبرده، وإلى متوج هذا، وقد جمد فلم يبق بعد الجمود شىء.
أخبرنى أبو القاسم يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، قال: أنشد خالى أبو العباس أحمد بن أبى كامل يوما شعر مروان الأصغر الذى يقول فى أوله:
ألا يا ليت أنّ البين بانا ... وقيل فلانة عشقت فلانا [179]
قال: فلان أنا، وفلانة امرأته.
أخبرنى على بن هارون، قال: أخبرنى عبيد الله بن أحمد بن أبى طاهر، عن أبيه، قال: أنشد مروان بن أبى الجنوب أبا هفّان شعرا له فى المتوكل يقول فيه:
الشعر أخّرهم، والشّعر قدّمنى ... والشّعر أبعدهم، وقال لى ادخل
فقال أبو هفان: فى الحرمّ.
(1/376)

19- أبو تمام الطائى [1]
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى محمد بن الحسن اليشكرى، قال: أنشد أبو حاتم السجستانى شعرا لأبى تمام، فاستحسن بعضه، واستقبح بعضا، وجعل الذى يقرأ عليه يسأله عن معانيه، فلا يعرفها أبو حاتم؛ فلما فرغ قال: ما أشبّه شعر هذا الرجل إلا بخلقان لها روعة، وليس لها مفتّش.
أخبرنى عبيد الله بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن محمد، عن على بن مهدى الكسروى، قال: حدثنى البحترى الوليد بن عبيد، وأخبرنى الصولى، قال: قال محمد بن داود: حدثنى البحترى، قال: سمعت ابن الأعرابى يقول- وقد أنشد شعرا لأبى تمام: إن كان هذا شعرا فما قالته العرب باطل! أخبرنى محمد بن يحيى، قال: قال محمد بن داود: حدثنى ابن مهرويه، قال حدثنى أبو هفان، قال: قلت لأبى تمام: تعمد إلى درّة فتلقيها فى بحر خرء، فمن يغوص عليها حتى يخرجها غيرك! أخبرنى عبيد الله بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن محمد، عن على بن المهدى، قال: سمعت حذيفة بن محمد الطائى الكوفى- وكان من العلماء- يقول: أبو تمام يريد البديع فيخرج إلى المحال. وروى هذا الحديث محمد بن داود، عن ابن مهرويه، قال: سمعت حذيفة بن محمد يقوله.
أخبرنى الصولى، قال: قال محمد بن داود: حدثنى أحمد بن أبى خيثمة، قال:
سمعت دعبل بن على يقول «1» : لم يكن أبو تمام شاعرا، إنما كان خطيبا، وشعره بالكلام أشبه منه بالشعر؛ قال: وكان يميل عليه، ولم يدخله فى كتابه كتاب الشعراء.
__________
[1] أبو تمام هو حبيب بن أوس الطائى، وهو شاعر فحل، وكان حاضر البديهة يفحم خصومه.
وارجع إلى مقدمة ديوانه، وأخبار أبى تمام، وطبقات ابن المعتز 283، وغيرها من كتب الأدب فقل أن تجد منها ما يغفل ذكره
(1/377)

وأخبرنى محمد بن يحيى، قال «1» : حدثنى هارون بن عبد الله المهلبى، قال: سئل دعبل عن أبى تمام، فقال: ثلث شعره سرقة، وثلثه غثّ- أو قال غثاء، وثلثه صالح.
وروى هذا الحديث محمد بن داود عن ابن مهرويه، عن الهيثم بن داود، قال «2» : سئل دعبل. وذكره.
وقال محمد بن داود [180] : سمعت عبيد الله بن سليمان يستغثّ شعر أبى تمام ويكرهه، فقلت له: أنت أحقّ الناس بألّا تقول فيه هذا؛ لأنه مادحك ومادح أهلك! فقال: لا يشبه الحقّ شىء.
قال محمد: وكانت ابتداءات شعره بشعة؛ منها قوله «3» :
قدك اتّئب أربيت فى الغلواء «4»
قدك: حسبك، واتئب: استحى يا هذا، وأربيت: زدت. فى الغلواء: فى الارتفاع فى عذلى، والغالى فى الشىء: الزائد فيه.
ومنها قوله «5» :
خشنت عليه أخت بنى خشين «6»
وقوله «7» :
هكذا فليجل الخطب وليفدح الأمر «8»
قال: وكان بعضهم يقول: يلزم أبا تمام أن يأتى بمحمد بن حميد مقتولا ثم يقول:
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر «9»
(1/378)

فأخبرنا الصولى قال «10» : حدثنى أحمد بن موسى، قال: أخبرنى أبو الغمر الأنصارى، عن عمر بن أبى قطيفة، قال: رأيت أبا تمام فى النوم، فقلت: لم ابتدأت بقولك:
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر
فقال لى: ترك الناس بيتا قبل هذا؛ إنما قلت:
حرام لعين أن يجفّ لها شفر ... وأن تطعم التغميض ما أمتع الدهر
كذا فليجل الخطب ...
أخبرنى الصولى، قال «11» : حدثنا جماعة عن أبى الدّقاق، قال: قرأت على أبى تمام أرجوزة أبى نواس التى مدح بها الفضل بن الرّبيع «12»
وبلدة فيها زور «13»
فاستحسنها وقال: سأروض نفسى فى عمل مثلها «14» . فجعل يخرج إلى الجنينة، ويشتغل بما يعمله، ويجلس على ماء جار، ثم ينصرف بالعشىّ، حتى فعل ذلك ثلاثة أيام، ثمّ خرّق ما عمل، وقال: لم أرض ما جاءنى.
أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، عن محمد بن يزيد المبرد، قال: مما يعاب به أبو تمام قوله «15» :
تشفّى «16» الحرب منه حين تغلى ... مراجلها بشيطان رجيم
فجعل الممدوح هو الشيطان الرجيم.
(1/379)

ومن سخيف شعره قوله «17» :
أفعشت حتى عبتهم قل لى متى ... فرزنت سرعة ما أرى يا بيدق «18»
قوم إذا اسودّ الزّمان توضّحوا ... فيه فغودر وهو منهم أبلق
قال أحمد بن محمد الحلوانى: ذكر أحمد بن عبيد بن ناصح أنه قال لأبى تمام- وكان يجىء إلى المسجد الجامع ينشد أشعاره- فأنشد وهو يصول به «19» :
لو خرّ سيف من العيّوق «20» منصلتا ... ما كان إلّا على هاماتهم يقع [181] «21»
فقلنا: ما فى الدنيا أحد أذلّ من هؤلاء، لا يرفع أحد سيفه إلا قتلهم من غير أن يضرب به إنسان! فقال أبو تمام: قال زهير «22» :
وإن «23» يقتلوا فيشتفى بدمائهم ... وكانوا قديما من مناياهم القتل «24»
فقلت: إنما وصف أنهم لا يموتون إلا تحت السيوف، وأنت قلت: لو خرّ سيف لم يقع إلا على هاماتهم.
قال: وقلت للطائى يوما- وقد أنشدنا مرثيته محمد بن حميد «25» :
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر ... وليس «26» لعين لم يفض ماؤها عذر
(1/380)

فقلت: عجزه لا يشبه صدره؛ إنما كان ينبغى أن تذكره بمدح ورقة ثم تقول:
وليس لعين لم يفض ماؤها عذر
ولا يقال: «كذا فليقتلنا الله» ، إنما يقال: «كذا فليصبنا أبدا» .
قال: وقلت لأبى تمام: أخبرنى عن قولك «27» :
كأنّ بنى نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خرّ من بينها البدر
أردت أن تصف حسن حالهم بعده أو سوء حالهم؟ قال: لا والله إلا سوء حالهم، لانّ قمرهم قد ذهب «28» . فقلت: والله ما تكون الكواكب أحسن ما تكون إلا إذا لم يكون معها قمر؛ ألا قلت كما قال أبو يعقوب إسحاق بن حسان الخريمى «29» :
بقية أقمار من العزّ لو خبت ... لظلت معدّ فى الدّجى تتسكّع
إذا قمر منها تغوّر أو خبا ... بدا قمر من جانب الأفق يلمع
قال: فوجم وسكت.
قال عبد الله بن المعتز فى رسالة نبّه [فيها «30» ] على محاسن شعر أبى تمام ومساويه:
ربما رأيت فى تقديم بعض أهل الأدب الطائىّ على غيره من الشعراء إفراطا بيّنا، فاعلم أنه أوكد أسباب تأخير بعضهم إياه عن منزلته فى الشعر لما يدعوه إليه اللّجاج؛ فأما قولنا فيه فإنه بلغ غايات الإساءة والإحسان، فكأنّ شعره قوله «31» :
إن كان وجهك لى تترى محاسنه ... فإنّ فعلك بى تترى مساويه
فمما أنكر عليه قوله فى قصيدة «32» :
تكاد عطاياه يجنّ جنونها ... إذا لم يعوّذها بنغمة طالب
ولم يجن جنون عطاياه انتظارا للطلب؟ يبتدئ بالجود ويستريح! وفيها يقول «33» :
(1/381)

يقود نواصيها جذيل مشارق ... إذا آبه همّ عذيق مغارب [182]
عنى أنه كثير الأسفار، فأراد بذلك قول القائل: أنا جذيلها المحكّك وعذيقها المرجّب.
وقوله فى قصيدته التى أولها «34» :
سرت تستجير الدّمع خوف نوى غد ... وعاد قتادا «35» عندها كلّ مرقد
لعمرى لقد حرّرت يوم لقيته ... لو آن القضاء وحده لم يبرّد
فلم تخرج هاهنا المطابقة خروجا حسنا؛ ولا تحسن فى كل شىء.
وقوله «36» :
لو لم تدارك مسنّ المجد مذ زمن ... بالجود والبأس كان المجد قد خرفا
فقوله: «مسنّ المجد» من البديع المقيت.
وقال يصف المطايا «37» :
إرقالها يعضيدها ووسيجها ... سعدانها وذميلها تنّومها
الإرقال: ضرب من السير، وكذلك الوسيج، والذميل، واليعضيد: نبت، وكذلك السعدان والتنّوم، يعنى أنه لا علف لها إلا السير.
وقد سبق إلى هذا المعنى، وكسته الشعراء من الكلام أحسن من هذه الكسوة.
وقال «38» :
تسعين «39» ألفا كآساد الشّرى نضجت ... أعمارهم قبل نضج التّين والعنب
(1/382)

وقد سبق الناس «40» إلى عيب هذا البيت قبلى، وهو من خسيس الكلام.
وقال «41» :
شاب رأسى، وما رأيت مشيب الرّأس إلّا من فضل شيب الفؤاد «42» فيا سبحان الله! ما أقبح مشيب الفؤاد! وما كان أجرأه على الأسماع فى هذا وأمثاله.
وقال «43» :
كان فى الأجفلى وفى النّقرى عر ... فك نضر العموم نضر الوحاد
يقال: «دعاهم الجفلى» : إذا دعاهم كلّهم فأجفلوا. ويقال: «دعاهم النقرى» إذا دعاهم واحدا واحدا، وهذا من الكلام البغيض والغريب المستكره من البدوى؛ فكيف به إذا جاء من ابن قرية متأدّب؟
وقال فى وقعة لبابك انهزم فيها ومدح الافشين «44» :
ولّى ولم يظلم وما ظلم امرؤ ... حثّ النّجاء وخلفه التنّين
فلو كان أجهد نفسه فى هجاء الإفشين هل كان يزيده على أن يسميه التنين؟ وما سمعت أحدا من الشعراء شبّه به ممدوحا بشجاعة ولا غيرها.
وقال فى مثل ذلك «45» :
علوا بجنوب موجدات كأنها ... جنوب فيول ما لهنّ مضاجع
(1/383)

أراد أنهم لا يغلبون ولا يصرعون، كما أن الفيلة لا تضطجع. وهذا بعيد جدّا [183] من الإحسان.
وقال «46» :
ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت ... فيه الظنون أمذهب أم مذهب
يريد غلبت على مذهبه السماحة؛ فكأن فيها مذهبا يظنه بعض الناس.
وقال «47» :
لو لم يمت بين أطراف الرّماح إذا ... لمات إذ لم يمت من شدة الحزن
فكأنه لو نصر أيضا وظفر كان يموت من الغمّ حيث لم ينصر ويقتل؛ فهذا معنى لم يسبقه أحد إلى الخطأ فى مثله.
وقال «48» :
إذا فقد المفقود من آل مالك ... تقطّع قلبى رحمة للمكارم
وهذا قد عيب قبلنا. وقالوا: نقطّع رحمة للمكارم- من كلام المخنثين.
وقد كان الناس قبلنا ينكرون على الشاعر أقل من هذه المعايب، حتى هجّنوا شعر الأخطل، وقدّموا عليه بثلاثة أبيات لم يصب فيها، وهو شاعر زمانه، وسابق ميدانه. من ذلك قوله «49» :
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعوّل
فأنكروا عليه فى هذا البيت ما أظهر من الجزع، وعظّم من فعل عدوه به.
وقوله:
بنى أميّة إنى ناصح لكم ... فلا يبتنّ فيكم آمنا زفر
فعظّم قدر عدوّه، ومن يهجوه، حتى خوّف الخليفة منه.
وقوله:
(1/384)

قد كنت أحسبه فينا وأنبؤه ... فاليوم طيّر عن أثوابه الشّرر
فاراد أن يمدحه فهجاه. فكيف نجيز للمحدثين مع تصفّحهم لأشعار الأوائل وعلمهم بها مثل هذا الجنون.
نرجع الآن إلى ما ابتدأنا به. فمن ابتداءاته المذمومة قوله «50» :
خشنت عليه أخت بنى خشين «51»
وهذا الكلام لا يشبه خطاب النساء فى مغازلتهن، وإنما أوقعه فى ذلك محبّته هاهنا للتجنيس، وهو بهجاء النساء أولى.
وقال «52» :
لما تفوّفت الخطوب سوادها ... ببياضها غنيت «53» به فتفوّفا «54»
فسرقه من قول الآخر:
قصر الليالى خطوه فتدانى ... وثنين قائم صلبه فتحانى
ما بال شيخ قد تخدّد لحمه ... أفنى ثلاث عمائم ألوانا
سوداء داجية وسحق مفوّف ... وأجدّ لونا بعد ذلك هجانا [184]
ومن استعماله الغريب الذى يستبشع مثله من العجاج ورؤية قوله- وهو يصف ظبية «55» :
تقرو بأسفله ربولا غضّة ... وتقيل أعلاه كناسا فولفا
أراد ملتفّا. ويقال الإنسان يقرو الأرض، إذا سار فيها ينظر حالها وأمرها. والرّبول:
(1/385)

جمع ربل، وهو نبات يصيبه برد الليل ونداه فينبت بالمطر «56» . والكناس: مولج للوحش من البقر والظباء تستظل فيه.
وقوله «57» :
أدنيت رحلى إلى مدن مكارمه ... إلىّ يهتبل اللّذ جئت أهتبل «58»
«اللذ» بمعنى الذى.
وقال «59» :
إذا «60» مشى يمشى الدفقّى أو سرى ... وصل السّرى أو سار سار وجيفا «61»
الدّفقّى: مشية سريعة. قال الشاعر:
من الحفرات لا تمشى الدّفقّى «62» ... ولا تختال فى الثوب المعار
وقال الطائى فى مثل ذلك:
وقد سدّ مندوحة القاصعا ... ء منهم وأمسك بالنّافقاء
القاعصاء: جحر اليربوع الأول الذى يدخل فيه، والنافقاء: موضع يرقّقه من جحره فإذا أتى من قبل القاعصاء ضرب النافقاء ففتحه.
ولم نعب من هذه الألفاظ شيئا، غير أنها من الغريب المصدود عنه، وليس يحسن من المحدثين استعمالها؛ لأنها لا تجاور بأمثالها، ولا تتبع أشكالها؛ فكأنها تشكو الغربة فى كلامهم؛ ألا ترون بعد قوله «63» :
(1/386)

قرب الحيا وانهلّ ذاك البارق ... والحاجة العشراء «64» بعدك فارق
ومن قوله فى الغزل «65» :
أيا من شفّنى وصبرت حتى ... ظننت بأنّ نفسى نفس كلب
ومن قوله:
به عاش السماح، وكان دهرا ... من الأموات ميتا فى لفافه
وما كان أحوجه إلى أن يستعمل ما مدح به الحسن بن وهب حيث يقول «66» :
لم يتّبع شنع الكلام ولا مشى ... مشى «67» المقيّد فى حدود المنطق
وقال «68» :
ألا لا يمدّ الدهر كفّا بسيئ ... إلى مجتدى نصر فتقطع من الزّند «69»
فتجاوز حدّ المدح، ولم يجئ بشىء فى ذكر زنديد الدهر.
وقال يصف المطايا «70» :
لو كان كلفها عبيد حاجة ... يوما لزنّى «71» شدقما وجديلا «72»
يعنى عبيد الراعى. ما أخس قوله: «لزنّى شدقما وجديلا» ! وما معنى تزنية «73»
(1/387)

ناقة أو جمل أو بهيمة؟ وما أشبه هذا بقول عبيد الراعى [185] :
إلى المصطفى بشر بن مروان ساورت ... بنا الليل حول كالقداح ولقّح
الناقة الحائل: التى لم تحمل تلك السنة. واللّقّح: الحوامل.
تلتها بنا روح زواجل، وانتحت ... بأجوازها أيد تجدّ، وتمزح
الأروح: الذى فى صدر قدمه انبساط.
فظلّت بمجهول الفلاة كأنها ... قراقير فى آذىّ دجلة تسبح «74»
لهاميم فى الخرق البعيد نياطه «75» ... وراء الذى قال الأدلاء تصبح
وللطائى سرقات كثيرة أحسن فى بعضها وأخطأ فى بعضها.
ولما نظرت فى الكتاب الذى ألفه فى اختيار الأشعار وجدته قد طوى أكثر إحسان الشعراء. وإنما سرق بعض ذلك، فطوى ذكره، وجعل بعضه عدّة يرجع إليها فى وقت حاجته، ورجاء أن يترك أكثر أهل المذاكرة أصول أشعارهم على وجوهها، ويقنعوا باختياره لهم؛ فتغبى عليهم سرقاته.
ولا يعذر الشاعر فى سرقته حتى يزيد فى إضاءة المعنى أو يأتى بأجزل من الكلام الأول، أو يسنح له بذلك معنى يفضح به ما تقدّمه، ولا يفتضح به، وينظر إلى ما قصده نظر مستغن عنه لا فقير إليه.
وأراد امتداح عبد الحميد بن جبريل فجعله طبيبا فى قوله «76» :
شكوت إلى الزمان نحول جسمى «77» ... فأرشدنى إلى عبد الحميد
وقال فى هذه القصيدة:
ولا تجعل جوابك فيه لى «78» لا ... فأكتب ما رجوت على الجليد
(1/388)

وإنما مضى المثل بالكتابة على الماء، فلم يصنع فى ذكر الجليد شيئا.
وقال- وهو يغوص على المعانى، ولا يريد أن يعطل بيتا من كلام مستغلق- مثل هذا الشعر:
لقد وهب الإمام المال حتى ... لقد خفنا بأن يهب الخلافه
به عاش السماح، وكان دهرا ... مع الأموات ميتا فى لفافه
وقال «79» :
فضربت الشتاء فى أخدعيه ... ضربة غادرته عودا ركوبا
يقال: عوّد البعير تعويدا؛ وذلك بعد بزوله بأربع سنين، والعود: الطريق القديم؛ قال الراجز «80» :
عود على عود «81» لأقوام أول ... يموت بالتّرك، ويحيا بالعمل
وقال «82» :
سأشكر فرجة اللّبب «83» الرّخىّ ... ولين أخادع الزّمن الأبّى [186]
وقال «84» :
ذلّت بهم عنق الخليط، وربما ... كان الممنّع أخدعا وصليفا «85»
فأكثر من ذكر الأخادع.
(1/389)

وقال بعض أصحاب الهزل- وقد أنشدته هذه الأبيات- ما كان أحوجه إلى أن يعاقب فى أخدعيه على هذا الشعر.
وبلغنى أن إسحاق بن إبراهيم المغنّى سمعه ينشد شعره، فقال: يا هذا؛ لقد شدّدت الشعر على نفسك.
وقال:
إذا الثلج فى حرّ الهجيرة لم يذب ... من الصنّ والصّنّبر ذابت فوائده
الصن: أول أيام العجوز، والصنبر: الثانى. والصّنبر أيضا: بول الوبر «86» .
وسرق هذا المعنى من قول الآخر: ما أجمد فى حق، ولا أذوب فى باطل؛ فأساء السرقة وشوّه المعنى.
وقال «87» :
كانوا رداء «88» زمانهم فتصدّعوا؛ ... فكأنما لبس الزمان الصوفا
وقد تقدم إنكار الناس هذا البيت قبلى لما بين نصفيه من التباين فى الإساءة والإحسان.
وقال «89» :
بيض إذا اسودّ الزمان توضّحوا ... فيه، فغودر، وهو منهم أبلق
فهذا من عجائبه أيضا.
وقال «90» :
بنفسى حبيب سوف يثكلنى نفسى ... ويجعل جسمى تحفة اللّحد والرّمس
أراد هنا أن يتدامث «91» ، فازداد من البغض.
وقال فى مثل ذلك «92» :
ما زال قلبى منذ علّقته ... أعمى من الحرقة «93» ؛ ما يبصر
(1/390)

وقال فى مثل ذلك «94» :
وأنا الذى أعطيته محض الهوى ... وصميمه فأخذت عذرة أنسه
وقال «95» :
لم تسق بعد الهوى ماء على ظما ... كماء قافية «96» يسقيكه فهم
فهذا وأمثاله يفضح نفسه، ويستغنى عن وصفه.
وقال:
رقّت جواهر أجناس الغزال فلو ... ملّكته لشربت الخشف «97» فى الكاس
فانظر ما أبغض قوله ثمّ «الغزال» وقال هاهنا «الخشف» فى بيت واحد؛ وإنما سرق المعنى من قول أبى العتاهية لمخارق، وقد غنّى:
رققت حتى كدت أن أحسوك
ومما ينسب إلى التكلف قوله «98» :
قدك اتّئب «99» أربيت فى الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائى [189]
السجير: الأنيس.
وقوله «100» :
مستسلم لله سائس أمّة ... بذوى تجهضمنا له استسلام
يقال: تجهضم الفحل إذا علا أقرانه، وبعير جهضم الجنبين: أى رحبهما، ففى هذا البيت- كما ترى- تبغّض وتكلف.
وقال «101» .
فإنّ «102» صريح الحزم والرّأى لامرئ ... إذا بلغته الشمس أن يتحوّلا
(1/391)

وليس هذا بشىء؛ ربما استطاب الناس التحول إلى الشمس، وإنما أخذه من كلام العامة: «إذا بلغتك الشمس فتحوّل» .
وقال «103» :
لا تنشجنّ لها فإنّ بكاءها ... ضحك وإنّ بكاءك استغرام
يقال: نشج الباكى: إذا غصّ بالبكاء. والحمار ينشج. والطعنة تنشج عند خروج الدم مع نفخ. والقدر تنشج عند الغليان.
وسرق هذا المعنى من قول القائل «104» :
أحقّا يا حمامة بطن فلج «105» ... بهذا الوجد إنك تصدقينا
غلبتك فى البكاء «106» بأنّ ليلى ... أواصله وأنك تهجعينا
وأنى إن بكيت بكيت حقّا، ... وانك فى بكائك تندبينا10»
وقال الطائى «108» :
يوم أفاض جوى أغاض تعزّيا ... خاض الهوى بحرى حجاه المزبد
وهذا من الكلام الذى يستعاذ بالصمت من أمثاله.
وقال «109» :
من شرّد الإعدام عن أوطانه ... بالبذل حتى استطرف الإعدام
وسرق هذا المعنى من الأعشى إذ يقول «110» :
هم يطردون الفقر عن جارهم «111» ... حتى يرى كالغصن الناضر
(1/392)

وقد أسقطنا من معايب شعره شيئا كثيرا لم نثبته فى رسالتنا هذه، وقصدنا من ذلك.
ما يبهر الحجة، ويفلّ حدّ النّصرة.
وقال «112» :
كأن به غداة الرّوع وردا ... وقد وصفت له نفس الشجاع
الورد: اسم «113» من أسماء الحمّى، يقال: «رجل مورود» إذا كان محموما.
قال الشاعر:
إذا ذكرتك النفس ظلت كأنما ... عليها من الورد التّهامى أفكل
الأفكل: الرّعدة، أراد كأنّ به حمى وقد وصفت له نفس الشجاع يتعالج بها.
ومن العجائب قوله [188] «114» :
فدى له مقشعرّ حين تسأله ... خوف السؤال كأنّ فى خده وبر «115»
وقوله «116» :
ما زال يهذى بالمكارم والعلا ... حتى ظننّا أنه محموم «117»
وقال فى وصف الفرس «118» :
إمليسه إمليده «119» لو علّقت ... فى صهوتيه العين لم تتعلّق
فسرقه من امرئ القيس حيث يقول «120» :
متى ما ترقّ العين فيه تسفّل «121»
(1/393)

وبيت امرئ القيس أصحّ معنى؛ لأنه أراد أنّ العين إذا صعّدت فيه صوّبت إشفاقا عليه من أن تصيبه؛ خبّرنى بذلك أبو سعيد. وأراد الطائى أنّ العين لا تتعلّق به من انتقال لونه وإمّلاسه؛ فأفرط ولم يصنع شيئا.
الإمليد والأملد: الناعم. قال الراجز «122» :
بعد التصابى والشباب الأملد «123»
ومن عجائبه أيضا قوله:
ذعرتها النوى فأسلبت الدم ... ع على الخدّ من تلاع المآقى
وقوله «124» :
ولا أرى ديمة أكفى لنائبة ... منه على أن ذكرا طار للدّيم
مجد رعى تلعات الدهر، وهو فتى ... حتى غدا الدهر يمشى مشية الهرم
وفى هذه يقول «125» :
كان الزمان بكم كلبا «126» فغادركم ... بالسيف والدهر فيكم أشهر الحرم
لا تجعلوا البغى ظهرا إنه جمل ... من القطيعة يرعى وادى النعم «127»
نظرت فى السير الألى «128» خلت فإذا ... أيامه أكلت باكورة الأمم
وقال «129» :
والحرب تعلم حين تجهل غارة ... تغلى على حطب القنا المحطوم
وسرق هذا المعنى من شعر لدرّة بنت أبى لهب فى يوم الفجار، وهو:
ملمومة، خرساء يحسبها ... من رامها موجا من البحر
(1/394)

والجرد كالعقبان كاسرة ... تهوى أمام كتائب خضر فيهم ذعاف الموت أبرده
يغلى بهم وأحرّه يجرى
وقال الطائى «130» :
أبا جعفر إنّ الجهالة أمّها ... ولود وأمّ الحلم جدّاء حائل
الجداء: المنقطعة النسل. وسرق هذا المعنى من قول الشاعر «131» :
بغاث الطّير أكثرها فراخا ... وأمّ الصّقر مقلات نزور [189]
قال الخليل: البغاث طير كالبواشيق لا تصيد شيئا، والواحدة بغاثة، وتجمع أيضا على البغثان. الإقلات: أن تضع الناقة واحدا، ثم يقلت رحمها فلا تحمل. ويقال:
امرأة مقلات، ونسوة مقاليت.
وقال «132» :
سدك الكفّ بالنّدى عائر السم ... ع إلى حيث صرخة «133» المكروب
السّدك: المولع بالشىء فى لغة طيئ.
قال شاعرهم «134» :
وودّعت «135» القداح وقد أرانى ... بها سدكا وإن كانت حراما
ويقال: إنه سدك بالرمح، أى رفيق «136» به سريع. فوجدناه قد سرق هذا من بيت لبعض الشعراء مدح به يحيى بن خالد البرمكى، وهو:
رأيت يحيى حين ناديته ... متّصل السمع بصوت المنادى
(1/395)

وهو أجود من بيت الطائى، وأسلم من التكلف، وأمشى فى الإحسان.
وقال «137» :
جعلت الجود لألاء المساعى، ... وهل شمس تكون بلا شعاع
كاد البيت أن يكون جيدا لولا أنّ فى «لألاء المساعى» بغضا.
وقال «138» :
ما زال يبرمهنّ حتّى إنه ... ليقال ما خلق الإله سحيلا13»
انظر كيف القول، واضطرب. قبحه الله.
وقال يصف قصيدة: «140»
فجعلت قيّمها الضمير، ومكّنت ... منه فصارت قيّما للقيّم
هذا وأمثاله مما أنكره عليه إسحاق بن إبراهيم، حتى قال له: لقد شددت على نفسك.
وقال:
فهو غضّ الإباء والرأى والحز ... م وغضّ النوال غضّ الشباب
ولا. والله ما أدرى ما معنى غضّ التأبّى، ولا غضّ الرأى فى المديح! وقال فى الغزل؛ فلعن الله من واصله من الأحباب على هذا وأمثاله «141» :
ومن قد شفّنى فصبرت حتّى ... ظننت بأنّ نفسى نفس كلب
وقال «142» :
جحدت الهوى أن كنت مذ جعل الهوى ... محاسنه شمس نظرت إلى الشمس
(1/396)

وقال:
كيف يصدّ الدّمع عن جريه ... من عينه من جريه منخل
وقال:
ليالينا بالرقمتين وأرضها ... سقى العهد منك العهد والعهد والعهد
وقال «143» :
إنّ الأشاء إذا أصاب مشذّب ... منه اتمهلّ ذرى وأثّ أسافلا
الشذب: قشر الشجر، والشّذب: المصدر، والفعل يشذب، وهو القطع [190] ، وكذلك تنحية الشىء عن الشىء، والشوذب: الطويل من كل شىء.
قال رؤية «144» :
شذّب «145» أخراهنّ عن ذات النهق «146»
وذات النهق: موضع. اتمهلّ ذرى: يريد طال ذرى. والأشاء: صغار النخل، والواحدة أشاءة. ويقال: أتّ يئثّ أثاثة، وهو نعت يوصف به كثرة الشعر والنبات، وهذا من غريبه الشنع.
ومن ذلك قوله «147» :
طالت يدى لما بلغتك سالما ... وانحتّ عن خدّىّ ذاك العظلم
العظلم: عصارة شجر ربما دبغت به الجلود، أفترى لو قال هذا رؤبة والعجّاج لم يكونا فيه بغيضين ثقيلين!
(1/397)

وهجا دعيّا عنده فقال «148» :
والله لو ألصقت نفسك بالغرا ... فى كلب لاستيقنت ألّا «149» تلصق
فأى شىء هذا من هجاء الفحول، ولو تهاجت به الحاكة لما أمضّت.
وقال:
وركب يساقون الرّكاب زجاجة ... من السّير لم تقطب لها كفّ قاطب «150»
سرقه من قول أبى نواس «151» :
ركب تساقوا على الأكوار بينهم ... كأس الكرى فاستوى «152» المسقىّ والساقى
أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، عن محمد بن يزيد المبرد أنه أنشد قصيدة لأبى شراعة القيسى، ثم قال: وهذه القصيدة لم يأت فيها بمعنى مستغرب؛ وإنما قصدنا فيها الكلام الفصيح والمعانى الواضحة، فهى وإن لم تكن كقول أبى نواس «153» :
أمام خميس أرجوان كأنه ... قميص محوك من قنا وجياد
فما هو إلّا الدهر يأتى بصرفه ... على كلّ من يشقى به ويعادى
فى البراعة والنقاء وحسن الوصف واستقامة اللفظ، فليست فى السقوط كقوله «154» :
لقد اتقيت الله حقّ تقاته ... وجهدت نفسك فوق جهد المتّقى
وأخفت أهل الشّرك حتى إنه ... لتخافك النّطف التى لم تخلق
وكذلك قوله:
هارون ألفنا ائتلاف مودّة ... ماتت لها الأحقاد والأضغان
حتّى الذى فى الرّحم لم يك صورة ... لفؤاده من خوفه خفقان
(1/398)

فقال: «لم يك صورة» ، ثم قال: «لفؤاده من خوفه خفقان» .
وإن لم يكن كقول الطائى [191] «155» :
إذا افتخرت يوما تميم بقوسها ... حفاظا على ما وطّدت من مناسب «156»
فأنتم بذى قار أمالت سيوفكم ... عروش الذين استرهنوا قوس حاجب
فى صحة المعنى وحسن الاستنباط ولطافة الغوص، فليست كقوله «157» :
تتقّى الحرب منه حين تغلى ... مراجلها بشيطان رجيم
فجعل الممدوح هو الشيطان الرجيم.
ولا فى سخف قوله «158» :
أفعشت حتى عبتهم، قل لى متى ... فرزنت سرعة «159» ما أرى يا بيدق
قوم «160» إذا اسودّ الزمان توضّحوا ... فيه، فغودر، وهو منهم أبلق
وإنما ذكرنا اثنين قد أومى إلى كل واحد منهما فى وقته، وأغرق فى وصفه؛ لتعلم ما فى المخلوقين من النقص، وأن لكل واحد المذهب والمذهبين ونحو ذلك، ثم يجتذبه ما فيه من الضعف، لتعرف مواقع الاختيار، وموضع المطلوب من قول كل قائل؛ إما لفصاحة وإما لإغراب فى معنى، وإما لسرق لطيف تبيّن به حذقة. كل ذلك وما أشبهه متبع مطلوب به.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى «161» على بن إسماعيل، قال: حدثنى على بن العباس الرومى، قال: حدثنى مثقال «162» ، قال: دخلت على أبى تمام الطائى، وقد
(1/399)

عمل شعرا لم أسمع أحسن منه، وفى الأبيات بيت واحد ليس كسائرها، فعلم أنى قد وقفت على البيت. فقلت: لو أسقطت هذا البيت، فضحك، وقال لى: أتراك أعلم بهذا منى؛ إنما مثل هذا مثل رجل له بنون جماعة، كلهم أديب جميل متقدم، ومنهم «163» واحد قبيح متخلّف، فهو يعرف أمره، ويرى مكانه؛ ولا يشتهى أن يموت؛ ولهذه العلة ما وقع مثل هذا فى أشعار الناس؛ حدثنيه على بن هارون، عن على بن العباس الكانب، قال: قال مثقال الشاعر: قلت لأنى تمام: تقول الشعر الجيّد، ثم تقول البيت الردئ! فقال: مثل هذا مثل رجل له عشرة بنين واحد أعمى، فلا يحب أن يموت.
قال الشيخ أبو عبيد الله تعالى: وهذه حجة ضعيفة جدا؟
أخبرنى الصولى، قال: حدثنى هارون بن عبد الله المهلبى، قال: قال دعبل: أبو تمام يحيل فى شعره؛ من ذلك قوله «164» :
أفىّ تنظم قول الزّور والفند «165» ... وأنت أنزر من لا شئ فى العدد [192]
قال أبو الحسن أحمد بن يحيى المنجم: حدثنى أبو الغوث يحيى بن البحترى، قال:
سألت أبى عن دعبل، فقال: يدخل يده فى الجراب ولا يخرج شيئا.
قال: قلت: فأبو تمام؟ قال: مغلق، إلا أنه ما مات حتى أصفى من الشعر.
حدثنى على بن يحيى، عن على بن مهدى الكسروى، قال: من أشهر ما عيب به أبو تمام قوله «166» :
كانوا رداء «167» زمانهم فتصدّعوا ... فكأنما لبس الزمان الصّوفا
ولعمرى إن هذا اللفظ سخيف.
قال: ومما عيب به قوله «168» :
ولقد أراك، فهل أراك بغبطة ... والعيش غضّ، والزّمان غلام
(1/400)

وقوله «169» :
خمسون «170» ألفا كآساد الشّرى نضجت ... أعمارهم 17»
قبل نضج التّين والعنب
قال: وكان دعبل يزعم أنه غيّره لما عيب عليه، فقال:
............... فقدت ... أعمارهم فهو وافى لجّة العطب
وأنّ الثانى شرّ من الأول، وكان ينكر «لجة العطب» عليه.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: قال ابن «172» الخثعمى الشاعر: جنّ أبو تمام فى قوله «173» :
تروح علينا كلّ يوم وتغتدى ... خطوب يكاد «174» الدهر منهن يصرع
أيصرع الدهر؟
قال قدامة بن جعفر «175» : من عيوب الشعر أن تكون القافية مستدعاة قد تكلّف فى طلبها، فاشتغل معنى سائر البيت بها، مثل ما قال أبو تمام الطائى «176» :
كالظّبية الأدماء صافت فأرتعت ... زهر العرار الغضّ والجثجاثا
فجميع هذا البيت مبنىّ لطلب هذه القافية، وإلا فليس فى وصف الظبية بأنها ترتعى الجثجاث كبير فائدة؛ لأنه إنما توصف الظبية إذا قصد لنعتها بأحسن أحوالها أن يقال:
إنها تعطوا الشجر، لأنها حينئذ رافعة رأسها، وتوصف بأنّ ذعرا يسيرا قد لحقها؛ كما قال الطرماح «177» :
مثل ما عاينت مخروفة ... نصّها ذاعر روع مؤام
(1/401)

فأما أن ترتعى الجثجاث فلا أعرف له معنى فى زيادة الظبية من الحسن، لا سيما والجثجاث ليس من المراعى التى توصف بأنّ ما يرتعى يؤثره.
أخبرنى الصولى، قال: عاب قوم على أبى تمام قوله [193] «178» :
كأنّ بنى نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خرّ من بينها البدر
فقالوا: أراد أن يمدحه فهجاه، لأن أهله كانوا خاملين فلما مات أضاءوا بموته.
وقالوا: كان يجب أن يقول كما قال الخريمى «179» :
إذا قمر منهم تغوّر أو خبا ... بداقمر فى جانب الأفق يلمع
قال: وشبيه بهذا فى الشناعة عيبهم قوله «180» :
لو خرّ سيف من العيّوق «181» منصلتا ... ما كان إلّا على هاماتهم يقع
ويروى:
ما كان إلّا على أيمانهم يقع
والرواية الأولى هى عندى التى قال أبو تمام «182» .
وعابوا أيضا قوله «183» :
سبعون «184» ألفا من الآساد قد نضجت ... أعمارهم قبل نضج التين والعنب
(1/402)

وقوله- وأسقطوه عند أنفسهم به «185» :
ما زال يهذى بالمواهب دائبا ... حتى ظنّنا أنه محموم
وقوله «186» :
لا تسقنى ماء الملام فإننى ... صبّ قد استعذبت ماء بكائى
وقالوا: ما معنى ماء الملام؟
وعابوا قوله «187» :
ليالينا بالرقمتين وأهلها ... سقى العهد منك العهد والعهد والعهد
أراد سقى أيامنا التى عهدناك عليها عهد الوصال، وعهد اليمين التى حلفنا، والعهد الأخير هو المطر. وجمعه عهاد.
وعابوا قوله «188» :
فلو ذهبت سنات الدّهر عنه ... وألقى عن «189» مناكبه الدّثار
لعدّل قسمة الأيام فينا ... ولكن دهرنا هذا حمار
وعابوا قوله «190» :
كانوا برود زمانهم فتصدّعوا ... فكأنما لبس الزمان الصوفا
وقالوا: كيف يلبس الزمان الصوف؟
وقوله «191» :
خشنت عليه أخت بنى خشين
وخشين بن لأى بن عصم بن فزارة.
(1/403)

وقوله «192» :
ولّى ولم يظلم وهل ظلم امرؤ ... حثّ النجاء وخلفه التنّين
وعابوا قوله:
خلق كالمدام أو كرضاب ال ... مسك أو كالعبير أو كالملاب «193»
وقالوا: الناس يقعون من الدّون إلى الأعلى، وهذا من الأعلى إلى الدّون [194] ، وجعل خلقه كالمدام أو المسك، ثم قال: أو كالعيير أو كالملاب.
وقوله «194» :
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر
وقالوا: لا يقال «كذا فليكن» إلا فى السرور.
وقوله:
ما كنت أحسب أنّ الدّهر يمهلنى ... حتى أرى أحدا يهجوه لا أحد
وقالوا: كيف يكون لا أحد يهجو؟ وقد قال غيره:
وجاء بلحم لا شىء سمين ... فقرّبه على طبقى كلام
فهذا أفحش؛ لأنه نعت ما ليس بشىء.
وقال مسلم:
فرّاس قل لى أين أنت من الورى ... لا أنت معلوم ولا مجهول
ولابد أن يكون من أحدهما.
وقال عباس الخياط:
لا شىء من ديناره أرجح
(1/404)

أخبرنى عبيد الله بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن محمد، عن أحمد بن الحارث الحراز، عن العباس بن خالد البرمكى، قال: أول ما نبغ أبو تمام الطائى أتانى بدمشق يمدح محمد بن الجهم، فكلمته فيه فأذن له، فدخل عليه، وأنشده، ثم خرج، فأمر له بدراهم يسيرة. ثم قال: إن عاش هذا ليخرجنّ شاعرا! فقلت: وما ذاك؟ قال:
يغوص على المعانى الدقاق، فربما وقع من شدّة غوصه على المحال.
أخبرنى الصولى، قال «195» : حدثنى أبو الحسن الأنصارى، قال: حدثنى ابن الأعرابى المنجّم، قال: كان أبو تمام إذا كلّمه إنسان أجابه قبل انقضاء كلامه، كأنه قد علم ما يقول فأعدّ جوابه. فقال له رجل: يا أبا تمام؛ لم لا تقول من الشعر ما يعرف، فقال: وأنت لم لا تعرف من الشعر ما يقال؟ فأفحمه.
قال الصولى: وحدثنى أبو الحسين الجرجانى، قال: الذى قال له هذا أبو سعيد الضرير بخراسان، وكان هذا من علماء الناس، وكان متصلا بالطّاهرية.
وأخبرنى عبيد الله بن سليمان الطاهرى، قال: حدثنى عمى عيسى بن عبد العزيز بن عبد الله بن طاهر، عن مشايخ أهلنا، قالوا: كان أبو العباس عبد الله بن طاهر قد رسم فى أمر من يقصده من شعراء الأطراف أن يؤخذ المديح منه، فيعرض على أبى سعيد المكفوف مؤدّب ولده أولا، فما كان منه يليق بمثله أن يسمعه من قائله فى مجلسه أنفذه أبو سعيد إليه- والقائل له معه؛ فأنشده إياه فى مجلسه. وما لم يكن بالجيد [195] أو كان مهجّنا لم يعرضه ولم ينفذه أو تقدم بين القاصد به. فلما رحل إليه أبو تمام وامتدحه بالقصيدة التى أولها «196» :
هنّ عوادى يوسف وصواحبه «197»
(1/405)

رفعت القصيدة إلى أبى سعيد، وكان خبر أبى تمام عنده؛ فلما قرأ الكاتب أول بيت منها ووجده:
هنّ عوادى يوسف وصوحبه ... فعزما فقدما أدرك الثأر طالبه
اغتاظ لذلك، وقال للكاتب: ألقها، أخرى الله حبيبا، يمدح مثل هذا الملك الذى فاق أهل زمانه كمالا بقصيدة يرحل بها من العراق إلى خراسان: فيكون أولها بيت نصفه مخروم والنصف الثانى عويص! وتمكّن له فى نفس أبى سعيد كراهة ذلف.
ثم إن أبا سعيد لقى أبا تمام فقال له: يا أبا تمام؛ لم لا تقول من الشعر ما يفهم؟ قال له: وأنت يا أبا سعيد؛ لم لا تفهم من الشعر ما يقال؟ وذكر باقى الحديث.
أخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى؛ قال حدثنى أحمد بن الحسن، قال: حدثنى على بن عبد الرحيم القنّاد قال: حضر أبو تمام عند الكندى، فقال له: أنشدنى أقرب ما قلت عهدا. فأنشده قصيدته التى يقول فيها «198» .
إقدام عمرو فى سماحة حاتم ... فى حلم أحنف فى ذكاء إياس «199»
فقال له الكندى: ضربت «200» الأقلّ مثلا للأعلى. فأطرق أبو تمام ثم قال على البديه:
لا تنكروا ضربى له من دونه ... مثلا شرودا فى النّدى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلا من المشكاة والنّبراس
وأخبرنى الصولى، قال: حدثنى محمد بن يحيى بن أبى عباد، قال: حدثنى أبى، قال: شهدت أبا تمام ينشد أحمد بن المعتصم قصيدة مدحه بها، فلما بلغ إلى قوله: إقدام عمرو فى سماحة حاتم ... البيت. وقال- أراد إياس بن معاوية- فقال له الكندى، وكان حاضرا وأراد الطعن عليه: الأمير فوق ما وصفت. فأطرق قليلا ثم زاد فى القصيدة
(1/406)

بيتين لم يكونا فيه:
لا تنكروا ضربى له من دونه
وذكرهما. قال: فعجبنا من سرعته وفطنته.
قال الصولى «201» : ويروى أنه عيب عليه قوله، وقد أنشد «202» :
شاب رأسى وما رأيت مشيب الرأ ... س إلّا من فضل شيب الفؤاد
فزاد فيه من لحظته:
وكذاك القلوب فى كلّ بؤس ... ونعيم طلائع الأجساد
[196] وحدثنى على بن يحيى، عن على بن مهدى الكسروى، قال: لما قال أبو تمام فى أحمد بن المعتصم بيته الذى أوله:
إقدام عمرو فى سماحة حاتم
قيل له: أما تخزى؛ تشبّه أحمد بن المعتصم، وهو فى بيت الخلافة وبيت هاشم، بهؤلاء الأعراب؟ فزاد فيها بعد ذلك البيتين اللذين تقدّما.
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنى على بن يحيى المنجّم؛ وحدثنى على بن هارون، قال: حدثنى عمى أبو أحمد يحيى بن على بن يحيى، قال: أخبرنى أبى، قال: أخبرنى محمد بن أبى كامل، قال: شهدت أبا تمام الطائى فى منزل الحسين بن الضحاك، وهو ينشد شعره، وعنده إسحاق بن إبراهيم الموصلى، فقال له إسحاق: يافتى؛ ما أشدّ ما تتّكئ على نفسك! يعنى أنه لا يسلك مسلك الشعراء قبله، وإنما يستقى من نفسه.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: ونحو قول إسحاق هذا ما أخبرنيه المظفر بن يحيى، قال: نظر يعقوب الكندى فى شعر أبى تمام، فقال: هذا رجل يموت قبل حينه، لأنه حمل على كيانه بالفكر. قال: ويقال: إن أبا تمام مات لنيّف وثلاثين سنة.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال 20»
: حدثنى محمد بن موسى بن حماد، قال: كنت
(1/407)

عند دعبل بن على أنا والعمراوى «204» فى سنة خمس وثلاثين ومائتين بعد قدومه من الشام، فذكرنا أبا تمام، فجعل يثلبه، ويزعم أنه كان يسرق الشّعر، ثم قال لغلامه:
يا نفنف «205» ! هات تلك المخلاة، فجاء بمخلاة فيها دفاتر، فجعل يمرّها على يده حتى أخرج منها دفترا، فقال: اقرءوا هذا. فنظرنا فإذا فى الدفتر: قال مكنف أبو سلمى من ولد زهير بن أبى سلمى، وكان منزله قنسرين، وكان هجاذفافة العبسىّ بأبيات منها «206» :
إنّ الضّراط به تعاظم «207» جدّكم ... فتعاظموا ضرطا بنى القعقاع
قال: ثم رثاه بعد ذلك بقوله «208» :
أبعد أبى العباس يستعتب «209» الدهر ... وما بعده للدهر عتبى «210» ولا عذر
ولو «211» عوتب المقدار والدهر بعده ... لما أعتبا ما أورق السلم النّضر
ألا أيها الناعى ذفافة ذا «212» الندى ... تعست وشلّت من أناملك العشر
أتنعى فتى من قيس عيلان صخرة «213» ... تفلق عنها من جبال العدا الصّخر
إذا ما أبو العباس خلّى مكانه ... فلا حملت أنثى ولا مسّها طهر
ولا أمطرت أرضا سماء، ولا جرت ... نجوم، ولا لذّت لشاربها الخمر [197]
كأنّ بنى القعقاع يوم وفاته ... نجوم سماء خرّ من بينها البدر
توفّيت الآمال بعد ذفافة «214» ... وأصبح فى شغل عن السّفر السّفر
(1/408)

يعزّون عن ثاو تعزّى به العلا ... ويبكى عليه المجد والبأس والشعر
وما كان إلّا مال من قلّ ماله ... وذخرا لمن أمسى وليس له ذخر
ثم قال: سرق أبو تمام أكثر هذه القصيدة فأدخلها فى شعره.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: يعنى قصيدة أبى تمام التى على روىّ هذه الأبيات، ورثى فيها محمد بن حميد؛ وأولها «215» :
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر «216»
قال محمد بن داود: أنشد أبو تمام أبا المغيث الرافقى شعرا له يقول فيه «217» :
وكن كريما تجد كريما ... تحظى «218» به يا أبا المغيث
فقال له يوسف بن المغيرة القشيرى، وكان شاعرا عالما: قد هجاك! إنما قال لك:
كن كريما، وإنما يقال للئيم: كن كريما.
أخبرنى أحمد بن يحيى، قال: حدثنى أبو العباس أحمد بن يحيى، قال: كان ابن الأعرابى يمضى إلى إسحاق الموصلى. فقال له على بن محمد المدائنى «219» : إلى أين يا أبا عبد الله؟ قال: إلى هذا الذى نحن وهو كما قال الشاعر «220» :
نرمى بأشباحنا «221» إلى ملك ... نأخذ من ماله ومن أدبه
قال محمد «222» : وأظن أنه لو علم أن أبا تمام قائل هذا البيت ما تمثل به، ولم يكن أبو العباس يرويه أيضا لعصبتيهما عليه.
(1/409)

حدثنى على بن هارون، قال: ذكر على بن مهدى الكسروى أن أبا تمام قال: وددت أنّ لى بنصف شعرى نصف بيت أبى سعد المخزومى:
حدق الآجال آجال
ولم يزل يجول فى نفسه حتى قال:
ومها من مها الخدور وآجا ... ل ظباء يسرعن فى الآجال
قال على بن هارون: وهذا مما غلط فيه أبو تمام؛ لأنّ الآجال جمع إجل وهو القطيع من البقر، يقال: سرب من قطا، وسرب من نساء، وسرب من ظباء؛ وقال عمر:
فلم تر عينى مثل سرب رأيته ... خرجن علينا من زقاق ابن واقف
20- أبو عبادة البحترى [1]
حدثنى أبو الحسن على بن هارون، قال: كان ابن عمى أبو الحسن أحمد بن يحيى يقرأ على أبى الغوث يحيى بن [198] البحترى أشعار أبيه بحضرة عمى أبى أحمد يحيى بن على عند قدوم أبى الغوث على العباس بن الحسن ومدحه إياه بقصيدة دالية أوصلها عمّى إلى العباس، فأمر له بمائة دينار وثياب. فأقام مدة؛ فلما عزم على الشخوص أمر له بألف درهم تحمّل بها؛ فكان مما قرئ عليه، وأنا حاضر، القصيدة التى مدح بها البحترىّ الحسن بن سهل، وأولها «1» :
ما بعينى هذا الغزال الغرير «2»
__________
[1] اسمه الوليد بن عبيد، ويكنى أبا عبادة. وقد ولد بمنبج بين حلب والفرات، ورحل إلى العراق فاتصل بجماعة من الخلفاء أولهم المتوكل العباسى وتوفى بمنبج.
وارجع إلى ترجمته فى طبقات ابن المعتز 394، وصدر ديوانه.
(1/410)

إلى أن انتهى العرض إلى هذا البيت «3» :
وكأن الأيام أوثر بالحس ... ن عليها يوم «4» المهرجان الكبير
فقال له أبو الحسن ابن عمى- وقد اعتبرت النسخ الحاضرة فكانت متفقة على هذا البيت المكسور، لأنه يزيد سببا وهو الواو والياء من يوم- فقال أبو الحسن: يا أبا الغوث، ألا ترى إلى هذا الغلط على أبى عبادة الذى لا يتّهم بمثله، وقد أجمعت النسخ عليه.
فقال: هكذا قال الشيخ. فأقبل عليه عمى يبين له موضع الكسر، ويقطعه له، ويزنه بالبيت الذى قبله والبيت الذى بعده، وهو غير مستنكر له بذوقه، وسامه عمّى تغييره، فأبى ذلك، وقال: أغيّر شعر الشيخ؟ فقال عمى: هذا رجل قد وجب له علينا حق، وسار له فينا مدح، ويلزمنا تغيير هذا الكسر حتى لا يعاب به. فغضب حتى ظهر فيه الغضب ظهورا لم يستحسن عمى معه أن يزيد فى الكلام.
أخبرنى محمد بن يحيى «5» ، قال: كنّا يوما عند أبى على الحسين بن فهم، فجرى ذكر أبى تمام، فسأله رجل: أيما أشعر أبو تمام أو البحترى؟ فقال: سمعت بعض العلماء بالشعر- ولم يسمّه- وسئل عن هذا فقال: كيف يقاس البحترى بأبى تمام؛ وهو به، وكلامه منه؛ وليس أبو تمام بالبحترى، ولا يلتفت إليه «6» .
أخبرنى الصولى، قال: حدثنى الحسين بن إسحاق، قال: قلت للبحترى: الناس يزعمون أنك أشعر من أبى تمام. فقال: والله ما ينفعنى هذا القول، ولا يضرّ أبا تمام؛ والله ما أكلت الخبز إلا به، ولوددت أن الأمر كما قالوه، ولكنى والله تابع له، لائذ به، آخذ منه، نسيمى يركد عند هوائه، وأرضى تنخفض عند سمائه.
قال الصّولى: وهذا [199] من فضل البحترى أن يعرف الحقّ، ويقرّ به، ويذعن له. وإنى لأراه يتّبع أبا تمام فى معانيه حتى يستعير مع ذلك بعض لفظه، فلا يقع إلا دونه، ويعود فى بعضها طبعه تكلفا وسهله صعبا.
(1/411)

من ذلك قول أبى تمام «7» :
يستنزل الأمل البعيد بيشره «8» ... بشرى المخيلة بالربيع المغدق
وكذا السحائب قلّ ما تدعو إلى ... معروفها الروّاد ما لم تبرق
فقال البحترى «9» :
كانت بشاشتك الأولى التى ابتدأت «10» ... بالبشر ثم اقتبلنا بعدها النّعما
كالمزنة استوبقت «11» أولى مخيلتها ... ثم استهلّت بغزر تابع الدّيما
فسبحان الذى حوّل تكلف أبى تمام إلى البحترى، وطبع البحترى إلى أبى تمام! والأمر فى هذا أوضح من أن يحوج إلى كلام عليه أو تبيين له «12» .
قال: ومن ذلك قول أبى تمام «13» :
فسواء إجابتى غير داع ... ودعائى بالقاع «14» غير مجيب
فقال البحترى «15» :
وسألت من لا يستجيب فكنت فى اس ... تخباره كمجيب من لا يسأل
فلم يبلغه فى حسن قسمته، ولا سهولة لفظه؛ وهذا كثير جدا.
(1/412)

فأما الذى أخذه البحترى نقلا، فأخذ اللفظ والمعنى، فقول أبى تمام يصف شعره «16» :
منزّهة عن السّرق المورّى ... مكرّمة عن المعنى المعاد
فقال البحترى يصف بلاغة «17» :
لا يعمل المعنى المكرّ ... ر فيه واللفظ «18» المردّد
وقال أبو تمام «19» :
متوطّئو عقيبيك فى طلب العلا ... والمجد ثمّت تستوى الأقدام
فقال البحترى «20» :
حزت العلا سبقا وصلّى ثانيا ... ثم استوت من بعدى «21» الأقدام
وقال أبو تمام «22» :
ولقد أردتم «23» مجده وجهدتم ... فإذا أبان قد رسا ومتالع «24»
فنقله البحترى لفظا ومعنى، فقال «25» :
ولن ينقل الحساد مجدك بعد ما ... تمكّن رضوى واطمأنّ متالع
(1/413)

[200] ومما احتذى فيه البحترى أبا تمام، وقدّر مثل كلامه، فعمل معناه عليه ما أخذه من قوله «26» :
همّة تنطح النجوم وجدّ ... آنف للحضيض فهو حضض
فقال البحترى «27» :
متحيّر يغدو بعزم قائم ... فى كلّ نازلة وجدّ قاعد
وسرقات البحترى من أبى تمام كثيرة.
حدثنى على بن هارون، قال: حدثنى أبو عثمان الناجم، قال على: وأحسب أن على بن العباس النّوبختى قد حدثنى به، قال: سمعت البحترى يقول: مكثت فى لوحى:
خضبت فى لوحى: «خضبت بالمقراض» أربعين سنة حتى أتممتها، فقلت «28» :
لم يدعنى «29» كرّ الغديّات والآ ... صال حتى خضبت بالمقراض
حدثنى على بن هارون، قال: أخبرنا أبو الغوث يحيى بن البحترى، عن أبيه، أنه أجبل عشر سنين؛ فما كان يستطيع أن يقول بيتا من الشعر، قال: ثم دعانى فى وقت من الأوقات، فقال لى: تعال يا بنى. فجئت إليه. فقال: اكتب. وأقبل يملى علىّ ابتداء قصيدة قد كان قال بعضها، ووسط قصيدة، وقطعة من مدح من قصيدة، وتشبيبا من أخرى، فقلت له: يا أبت، ما هذا؟ وظننته من أشعار له قديمة، فقال لى: يا بنى، قد عرفت المدة التى قطعت فيها قول الشعر، وو الله ما كنت أستطيع فيها أن أنظم بيتين؛ وأما الآن فقد اطلعت طلع بحر من الشعر لا يلحق غوره.
وقال بعضهم: مما وجد فى شعر البحترى من اللحن قوله «30» :
يا عليّا «31» يا أبا الحسن الما ... لك رقّ الظريفة الحسناء
(1/414)

قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: أنشدنيه له أحمد بن محمد بن زياد، عن أبى الغوث وعلى بن هارون عن أبيه وغيرهما.
وقوله:
يا مادح الفتح ويا آمله ... لست امرءا خاب ولا مئن «32» كذب
وقوله «33»
:
ولو أنصف الحسّاد يوما تأمّلوا ... مساعيك «34» هل كانت بغيرك أليقا
وقالوا: لو تتبّع اللحن فى شعره لوجد أكثر من هذا. وقد هجى بذلك؛ وتقدم قول ابن أبى طاهر فيه [201] :
فلما تصفّحت أشعاره ... إذا هو فى شعره قد خرى
ففى بعضها لاحن جاهل ... وفى بعضها سارق مفتر
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى أحمد بن يزيد المهلبى، قال لى أحمد بن خلاد: لا أعرف أحدا أخبث أصلا وفرعا، ولا أكفر لإحسان من البحترى؛ دخل إلى المستعين بعد قتل أوتامش، وكاتبه شجاع، وإنما أذكرت به، فأنشده «35»
:
لقد نصر الإمام على الأعادى ... وأضحى الملك موطود العماد
وعرّفت الليالى فى شجاع ... وتامش كيف عاقبة الفساد
بدار فى اقتطاع الفىء خاف «36» ... وسعى فى فساد الملك باد
بهضم للخلافة وانتقاص ... وظلم للرعية واضطهاد
أمير المؤمنين اسلم فقدما ... نفيت الغىّ عنّا بالرّشاد
تدارك عدلك الدّنيا فقرّت ... وعمّ نداك آفاق البلاد
فلم يأمر له المستعين بشىء، فما زالت أصفه وأشهد له بقديم الموالاة حتى دفع إليه
(1/415)

خريطة كانت فى يده مملوءة دنانير؛ فكانت ألف دينار. ودعا بغالية فغلّفه بيده. فلما خلع المستعين وولى المعتز كان أول ما أنشده قصيدة أولها «37»
:
يجانبنا فى الحبّ من لا نجانبه
فقال فيها:
عجبت لهذا الدهر أعيت صروفه ... وما الدّهر إلّا صرفه وعجائبه
متى أمّل الدّياك أن تصطفى له ... عرى التاج أو تثنى عليه عصائبه
وكيف «38» ادّعى حقّ الخلافة غاصب ... حوى دونه إرث النبىّ أقاربه
بكى المنبر الشرقىّ إذ خار فوقه ... على النّاس ثور قد تدلّت غباغبه
ثقيل «39»
على جنب الثريد مراقب ... لشخص الخوان يبتدى فيواثبه
إذا ما احتشى من حاضر الزاد لم يبل ... أضاء شهاب الملك أم باخ «40»
ثاقبه
إذا بكر الفرّاش ينثو حديثه ... تضاءل مطريه وأطنب عائبه
رمى بالقضيب عنوة وهو صاغر ... وعرّى من برد النبى مناكبه
وقد سرّنى أن قيل وجّه مسرعا ... إلى الشرق تجرى سفنه ومراكبه
[202] إلى كسكر خلف الدّجاج، ولم تكن ... لتنشب إلّا فى الدجاج مخالبه
وما لحية القصّار حين تنفّشت «41»
بجالبة خيرا على من يناسبه
قال ابن خلاد: فهجاه فيها بأصناف الأهاجى، ثم لم يرض حتى ذكرنى فقال:
يجوز ابن خلّاد على الشّعر عنده ... ويضحى شجاع وهو- للجهل- كاتبه
(1/416)

قال: فو الله ما حظى من المعتزّ فى هذه القصيدة بطائل حتى رجع إلى بلده خائبا.
قال الصولى: وله يهجو المستعين من قصيدة «42»
:
أعاذلتى على أسماء ظلما ... وإجراء الدموع لها الغزار
متى عاودتنى فيها بلوم ... فبت ضجيعة للمستعار
لأسلح حين يمسى من حبارى ... وأقضم حين يصبح من حمار
إذا أهوى لمرقده بليل ... فياخزى البرادع «43» والسرارى
ويا بؤس الضجيع وقد تلظى ... بحاظى «44»
جامد معه وجار
ولو أنّا استطعنا لافتدينا ... قطوع الرّتم «45»
منه بالبوارى
وما كانت ثياب الملك تخشى ... جريرة بائل فيهنّ خارى «46»
يبيد الراح فى يوم النّدامى ... ويفنى الزاد فى يوم الخمار
يعبّ فينفد الصهباء جلف ... قريب العهد بالدّبس «47»
المدار
رددناه برمّته ذميما ... وقد عمّ البرية بالدّمار
وكان أضرّ فيهم من سهيل ... إذا أوبى، وأشام من قدار «48»
قال الشيخ رحمه الله تعالى: وهذه الأبيات من أقبح الهجاء وأضعفه لفظا وأسمجه معنى، ولا سيما بيت «البوارى» ؛ وهى أيضا خارجة عن طريقة هجاء الخلفاء والملوك المألوفة، وهى بهجاء سفلة الناس ورعاعهم أشبه، مع ما جمعت من سخافة اللفظ، وهلهلة النسج، والبعد من الصواب.
وكثير من أهل الأدب ينكر خبث لسان علىّ بن العباس، ويطعن عليه بكثرة هجائه، حتى جعلوه فى ذلك أوحد لا نظير له، ويضربون عن إضافة البحترى إليه وإلحاقه
(1/417)

به، مع إحسان ابن الرّومى فى إساءته، وقصور البحترى عن مداه فيه، وأنه لم يبلغه فى دقة معانيه وجودة ألفاظه [203] وبدائع اختراعاته، أعنى الهجاء خاصة؛ لأنّ البحترىّ قد هجا نحوا من أربعين رئيسا ممن مدحه؛ منهم خليفتان، وهما المنتصر والمستعين؛ وساق بعدهما الوزراء ورؤساء القوّاد، ومن جرى مجراهم من جلّة الكتاب والعمال ووجوه القضاة والكبراء بعد أن مدحهم وأخذ جوائزهم؛ وحاله فى ذلك تنبئ عن سوء العهد، وخبث الطريقة.
ومما قبح فيه أيضا، وعدل عن طريق الشعراء المحمودة- أنّى وجدته قد نقل نحوا من عشرين قصيدة من مدائحه لجماعة توفّر حظّه منهم عليها إلى مدح غيرهم، وأمات أسماء من مدحه أولا، مع سعة ذرعه بقول الشعر، واقتداره على التوسّع فيه.
ولم أذكر حاله فى ذلك على طريق التحامل مع اعتقادى فضله وتقديمه؛ ولكننى أحببت أن أبيّن أمره لمن لعله انستر عنه. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ومثل حديث البحترى مع المستعين ما أخبرنيه محمد بن يحيى، قال: حدثنى أبو الفيّاض سوّار بن أبى شراعة، قال لى أحمد بن أبى طاهر: ما رأيت أقلّ وفاء من البحترى ولا أسقط؛ رأيته قائما ينشد أحمد بن الخصيب مدحا له فيه، فحلف عليه ليجلسنّ، ثم وصله واسترضى له المنتصر، وكان غضبان عليه، ثم أوصل له مديحا إليه، وأخذ له منه مالا فدفعه إليه. ثم نكب المستعين أحمد بن الخصيب بعد فعله هذا بشهور، فلعهدى به قائما ينشده «49»
:
ما الغيث يهمى صوب إسباله ... والليث يحمى خيس «50» أشباله
كالمستعين المستعان الذى ... تمت لنا النّعمى بأفضاله
فقال فيها:
لابن الخصيب الويل كيف انبرى ... بإفكه المردى «51» وإبطاله
كاد أمين الله فى نفسه ... وفى مواليه وفى ماله «52»
(1/418)

ورام فى الملك الذى رامه ... بغشّه فيه وإدغاله «53»
فأنزل الله به نقمة ... غيّرت النعمة من حاله
وساقه البغى إلى صرعة ... للحين لم تخطر على باله [204]
دين بما دان وعادت له ... فى نفسه أسوأ أعماله
قد أسخط الله بإعزازه ... الدّنيا وأرضاه «54»
بإذلاله
وفرحة «55»
الناس بإدباره ... كحزنهم «56»
كان بإقباله
يا ناصر الدين انتصر موشكا ... من كائد الدّين ومغتاله
فهو حلال الدم والمال إن ... نظرت فى ظاهر «57»
أحواله
ثم قال ابن أبى طاهر: كان ابن العلجة «58»
فقيها يفتى الخلفاء فى قتل الناس، فترحه «59»
الله! ثم ختم القصيدة بقوله:
والرأى «60» كل الرأى فى قتله ... بالسيف واستصفاء أمواله
ومما أنكر على البحترى قوله «61»
:
محلّ على القاطول أخلق داثره «62»
وقالوا: إنما يقال دثر مخلقه، ولا يقال أخلق داثره؛ لأنّ الداثر لا بقية له فتخلق أو تستجد.
(1/419)

وسمعت أبا الحسن على بن هارون يقول: خذل البحترى فى هذا الابتداء من قصيدته هذه.
أخبرنى عبد الله بن يحيى العسكرى، عن أبى عثمان سعيد بن الحسن الناجم، قال:
قال لى البحترىّ: أشتهى أن أرى ابن الرومى فوعدته ليوم بعينه، وسألت ابن الرومى أن يصير إلىّ فيه، فأجابنى إلى ذلك؛ فلما حصل ابن الرومى عندى وجهت إلى البحترى؛ فصار إلىّ؛ فاجتمعا وتوانسا؛ فقال له البحترى: قد أقرأنى أبو عيسى بن صاعد قصيدة لك فى أبيه، وسألنى عن الثواب عنها، فقلت له: أعطوه لكل بيت دينارا. ثم تحدّثا، فقال البحترى: عزمت على أن أعمل قصيدة على وزن قصيدة ابن الرومى الطائية فى الهجاء. فقال له ابن الرومى: إياك والهجاء يا أبا عبادة؛ فليس من عملك، وهو من عملى. فقال له: نتعاون. وعمل البحترى ثلاثة أبيات، وعمل ابن الرومى ثمانية، فلم يلحقه البحترى فى الهجاء. وكان اجتماعهما عندى سببا للمودّة بينهما.
أخذ البحترى قوله وقصّر وأفحش، وأسقط أحد القسمين «63»
:
اعطيتنى حتى حسبت جزيل ما ... أعطيتنيه وديعة لم توهب
من الفرزدق فى قوله:
أعطانى المال حتى قلت أودعنى ... أو قلت أودع «64» مالا قدرآه لنا «65»
[205] أخبرنى محمد بن يحيى، قال: قال المجنون «66» :
تداويت من ليلى بليلى وحبّها «67» ... كما يتداوى شارب الخمر بالخمر
فكان هذا من أحسن المعانى بأحسن الألفاظ، وإن كان الأصل فيه قول الأعشى «68» :
(1/420)

وكأس شربت على لذّة ... وأخرى تداويت منها بها
فأخذه أبو نواس فوالله ما بلغه، وظهر فى لفظه تكلف، فقال «69» :
دع عنك لومى فإنّ اللّوم إغراء ... وداونى بالتى كانت هى الداء
والكلفة فى قوله: «بالتى كانت هى الداء» ؛ فقال البحترى- سارقا للفظ ومقصّرا عن الطبع والمعنى «70» :
تداويت من ليلى بليلى فما اشتفى ... بماء الزّبى «71» من بات بالماء يشرق
قال أحمد بن أبى طاهر وأبو ضياء بشر بن يحيى: قال أبو تمام «72» :
فكاد بأن يرى للشرق شرقا ... وكاد بأن يرى للغرب غربا
وقال فى موضع آخر «73» :
فغربت «74» حتى لم أجد ذكر مشرق ... وشرّقت حتى قد نسيت المغاربا
فقال البحترى وأحال «75» :
فأكون طورا مشرقا للمشرق ال ... أقصى وطورا مغربا للمغرب
وقال أبو تمام «76» :
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
فقال البحترى- وأخذه لفظا ومعنى «77» :
ولن تستبين الدّهر موضع نعمة ... إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد
(1/421)

وقال أبو تمام- يصف فرسا «78» :
عوّذه الحاسد ضنّا به «79» ... وزفرفت خوفا عليه النفوس
فقال البحترى فى معناه- يصف فرسا- وليس بشىء «80» :
أرسلته ملء العيون مسلّما ... منها لشهوتها «81» لطول دوامه
وقال أبو تمام «82» :
من لم يعاين أبا نصر وقاتله ... فما رأى ضبعا فى شدقها سبع [206]
وقد عيب هذا على أبى تمام، لأنهم يجعلون القاتل أعلى وأشهر شجاعة ليقع عذر المقتول؛ فتبعه البحترى فقال «83» :
ولا عجب للأسد أن ظفرت بها ... كلاب الأعادى من فصيح وأعجم
وقال أبو تمام- وهو من جنونه «84» :
تكاد عطاياه يجنّ جنونها ... إذا لم يعوّذها بنعمة «85» طالب
فقال البحترى «86» :
إذا معشر صانوا السّماح تعسّفت ... بهم «87» همّة مجنونة فى ابتذاله
وهذا أجنّ من ذاك.
أخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنى محمد بن السّخىّ، قال: وعد الحسن بن مخلد البحترىّ إزالة ما طولب به من التقسيط عنه، وجعل أمره إلى ابن داود السّيبى
(1/422)

كاتبه، فلم يفعل ما أمره به، قال: فلعهدى بالبحترى وهو ينشد الحسن، والحسن مقبل عليه «88» :
طيف ألمّ فحيّا عند مشهده «89»
حتى بلغ قوله:
لتسرينّ قوافى الشعر معجلة ... ما بين سيّره المثلى وشرّده
قال: وكان أحمد بن عبد الله طماس حاضرا، فقال للبحترى بعض الكتّاب: قد رددت «سيّره» إلى القوافى، فقل: سيّرها. فقال له طماس: اسكت؛ إنما ردّه إلى الشعر. فقال البحترى: لا عدمتك عضدا وناصرا.
أخبرنى الصولى، قال: حدثنى على بن محمد العباسى- أن بعض النّخاسين احتال على البحترى فى غلام له، فصار إليه، وأنكر البحترىّ بيعه، وكان هذا فى أول أيام المعتضد بالله، فجعل يستعين بالناس فى أمره؛ فقال له القاسم بن عبيد الله: إن أنشدتنى هجاءك لأخذ غلامك رددته عليك، فأنشده «90» :
أخذت غلامى فقنّعته ... وخوّلك الجهل أهلى ومالى
فضحك القاسم، وقال: يا أبا عبادة، نعم، هو مال، أفهو أهل؟ قال: لا! ولكنى حكيت قول الناس! ثم غيّره: فخوّلك الجهل بالجاه مالى أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله الكجّى، قال: قلت للبحترى: ويحك! تقول فى قصيدتك التى مدحت [207] بها أبا سعيد «91» :
أأفاق صبّ من هوى فأفيقا «92» ... .........
(1/423)

يرمون خالقهم بأقبح فعلهم ... ويحرّفون كلامه المخلوقا «93»
أصرت قدريّا معتزليّا؟ فقال لى: كان هذا دينى فى أيام الواثق، ثم نزعت عنه فى أيام المتوكل. فقلت له: يا أبا عبادة، هذا دين سوء يدور مع الدول.
قال الشيخ أبو عبيد الله رحمه الله تعالى: وقد هجا ابن أبى دواد، فأنكر عليه قوله بخلق القرآن فى أبيات خاطب فيها المتوكل.
قال أبو ضياء بشر بن يحيى: قال أبو تمام «94» :
وترى الكريم يعزّ حين يهون «95»
فقال البحترى «96» :
وإذا عزّ كريم القوم «97» ذلّ «98»
كلاهما غير محسن، وإنما أراد التواضع، فجعل مكانه الهوان والذّلّ.
وقال أبو تمام «99» :
لو لم تفتّ مسن المجد مذ زمن ... بالبأس والجود كان المجد قد خرفا
فقال البحترى «100» :
صحبوا الزمان الفرط إلّا أنه ... هرم الزمان وعزّهم لم يهرم
وهذا شبيه بذاك فى قبحه؛ قول حبيب: خرف الزمان، وقول هذا: هرم.
وقال أبو تمام «101» :
إذا وعد انهلّت يداه فأهدتا ... لك النّجح محمولا على كاهل الوعد
(1/424)

سفوحان «102» تفترّ المكارم عنهما ... كما الغيث مفترّ عن البرق والرّعد
فقال البحترى «103» :
يوليك صدر اليوم قاصية الغنى ... بمواهب «104» قد كنّ أمس مواعدا
سوم السحائب ما بدأن بوارقا ... فى عارض إلا ثنين «105» رواعدا
لم يحسن أخذ المعنى؛ لأنّ أبا تمام جعل الوعد مكان البرق والرعد اللذين يدلّان على الغيث، وأقام النائل مقام الغيث. والبحترى قال: «إلا انثنين «106» رواعدا» .
وقد ذكر مثل هذا فى موضع آخر، قال أبو تمام «107» :
يستنزل الأمل البعيد ببشره ... بشرى المخيلة بالربيع المغدق
وكذا السحائب قلّ ما تدعو إلى ... معروفها الرّواد ما لم تبرق
[208] فأخذه البحترى أخذا قبيحا، وأتى بمحال واضطراب شديد، فقال «108» :
ضحكات فى إثرهنّ العطايا ... وبروق السحاب قبل رعوده
فحبيب إنما شبّه البشر بالبرق الذى هو دليل على الغيث، ثم أقام العطاء من بعد البشر مقام الغيث؛ فأما الرعود فليس لذكرها فى هذا الموضع معنى؛ بل الرعود مكروهة لا يؤمن من الآفات فيها بالصواعق والبرد، وما علمنا أحدا وصفها فأقامها مقام المطر غيره.
وسرقات البحترى من أبى تمام نحو خمسمائة بيت؛ وإنما ذكرنا منهما فى هذا الموضع ما قصّر فيه البحترى عن مدى أبى تمام أو شاركه فى عيبه.
حدثنى أحمد بن محمد بن زياد، قال: سألت أبا الغوث عن السبب فى خروج أبيه عن بغداد؛ فقال لى: كان أبى قد قال فى قصيدته التى رثى فيها أبا عيسى بن صاعد-
(1/425)

أبياتا وجد بها بعض أعدائه عليه مقالا، فشنّع عليه أنه ثنوىّ، ودارت فى الناس؛ وكانت العامّة حينئذ غالبة ببغداد، فخافهم على نفسه؛ فقال لى: قم بنا يا بنىّ حتى نطفئ عنا هذه الثائرة بخرجة نلمّ فيها ببلدنا ونعود، قال: فخرجنا، وأقام فلم يعد.
قال: والأبيات:
أخىّ متى خاصمت نفسك فاحتشد ... لها، ومتى حدّثت نفسك فاصدق
أرى علل الأشياء شتّى، ولا أرى التّ ... جمع إلّا علّة للتفرّق
أرى العيش ظلّا توشك الشمس نقله ... فكس فى ابتغاء العيش كيسك أومق
أرى الدهر غولا للنفوس؛ وإنما ... يقى الله فى بعض المواطن من يقى
فلا تتبع الماضى سؤالك لم مضى؟ ... وعرّج على الباقى فسائله لم بقى
ولم أر كالدنيا حليلة وامق ... محبّ متى تحسن بعينيه تطلق
تزاها عيانا وهى صنعة واحد ... فتحسبها صنعى حكيم وأخرق
21- يزيد بن محمد المهلبى [1]
أخبرنى أبو عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، قال: قال يزيد بن محمد المهلّى يصف الزّوّ «1» من أرجوزة طويلة [209] :
حتّى إذا السّرب انبرى فاجتهدا ... حطّت عليهن البزاة مددا
تجمع منها كل ما تبدّدا ... تصيد بحرا وتصيد جددا «2»
من كل ما أحببت أن تصيّدا ... سمكة أو طائرا أو أسدا
قال محمد: أحال فى هذا البيت، لأنه ذكر البزاة، وليس السمك من صيد البزاة.
__________
[1] من ولد المهلب بن أبى صفرة، وكان ينزل الشام، ثم انتقل إلى مدينة السلام، ونادم المتوكل، وهو من فحولة المحدثين ومجيديهم، وشعره قليل جدا.
(طبقات ابن المعتز 313، وتاريخ بغداد 14- 348) .
(1/426)

22- أحمد بن المعذّل [1]
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: سمعت القاضى إسماعيل بن إسحاق يقول اعتلّ أحمد بن المعذّل فلم يعده أبو حفص الرياحى، وكان صديقه، ولزمه فى علّته سليمان بن حرب، وبسر بن داود المهلبى، فكتب إليه أبو الفضل أحمد بن المعذل:
سلام أبا حفص عليك ورحمة ... وإن كنت عنّا نائيا متجافيا
كفاك سليمان بن حرب عيادتى ... وما زال بسر بالزيارة وافيا
وما منهما إلّا تراخيت دونها ... وما كنت عن كلتيهما متراخيا
وقد قال بعض المنصفين مقالة ... مضت مثلا بين الأخلاء جاريا
وإنى لاستحيى أخى أن أرى له ... علىّ من الحقّ الذى لا يرى ليا
قال محمد: وهذا بيت تأوّله أحمد بن المعذل على غير وجهه، والبيت لجرير «3» ؛ تأوّل أنه يستحيى أن يرى لصديقه حقّا، ولا يراه ذلك له. وهذا مما لا يستحيى منه؛ لأنه تفضّل، ولو قال: وإنى لآنف وما أشبه هذا كان له تأول، فأما معنى البيت والذى أراده جرير عند الحذّاق فهو: وإنى لأستحيى أن أرى لصديقى عندى حقا وأيادى لا أكافئه عليها، ولا أرى لى عنده مثلها؛ فهذا الذى يستحيى منه.
23- على بن الجهم [2]
حدثنى على بن هارون وغيره أنّ على بن الجهم لما ابتدأ قصيدته التى مدح فيها المتوكل بقوله:
الله أكبر، والنبىّ محمد، ... والحقّ أبلج، والخليفة جعفر
__________
[1] تجد شيئا من أخباره فى طبقات ابن المعتز 368، والبيان والتبيين (2- 163) وهو أخو عبد الصمد بن المعذل.
[2] هو على بن الجهم بن بدر بن الجهم بن مسعود ... بن سامة بن لؤى بن غالب، وقريش تدفعهم عن النسب وتسميهم بنى ناحية، ينسبون إلى أمهم ناجية، وهى امرأة سامة بن لؤى وكان على بن الجهم شاعرا فصيحا مطبوعا وخص بالمتوكل حتى صار من جلسائه، ثم أبغضه لأنه كثير السعاية بندمائه والذكر لهم بالقبيح عنده. وكان ينحو نحو مروان بن أبى حفصة فى هجاء آل أبى طالب وذمهم وهجاء الشيعة.
وترجمته فى الأغانى (10- 203) ، وطبقات ابن المعتز 319، 392.
(1/427)

فقال مروان بن أبى الجنوب:
أراد ابن جهم أن يقول قصيدة ... بمدح أمير المؤمنين فأذّنا [210]
فقلت له لا تعجلن بإقامة؛ ... فلست على طهر، فقال: ولا أنا!
حدثنى محمد بن عبيد الله الكاتب، عن أبى دعمىّ بن أحمد بن أبى دواد- أن علىّ بن الجهم لما أنشد المتوكل قصيدته التى مدحه فيها بقوله:
وصاح إبليس بأصحابه ... حلّ بنا ما لم نزل نحذر
مالى وللغرّ بنى هاشم، ... فى كلّ دهر منهم منذر
عظم ذلك على أبى عبد الله أحمد بن أبى دواد فأطرق. فقال ابن الجهم: يا أبا عبد الله، ما سمعت مديحا للخلفاء مثل هذا! قال: لا ولا غيرى، ولا توهمت أنّ أحدا يجترئ على مثله.
أخبرنى الصولى قال: لما نفى على بن الجهم إلى أسفيجاب «4» من أرض خراسان قال قصيدته التى يقول فيها:
ونحن أناس أهل سمع وطاعة ... يصحّ لكم إسرارها وعلانها
أخطأ فى قوله: «علانها» .
حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: كنّا عند محمد بن عيسى بن عبد الرحمن الكاتب، ومعنا على بن الجهم، فأراد الانصراف فقال له محمد بن عيسى: لو متّعتنا بنفسك. فقال له: إنه بلغنى شىء. وأظننى مأزور فى قعودى.
قال أبو العباس: فنقص فى عينى، وإنما هو موزور.
24- عبد الصمد بن المعذل
أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة، عن محمد بن يزيد المبرد فى قول عبد الصمد بن المعذّل:
__________
[1] هو أخو أحمد المعذل السابق. وبعض أخباره فى طبقات ابن المعتز 368، وفوات الوفيات سنة 240.
والكامل للمبرد (2- 233) .
(1/428)

أيتك منظرا عجبا ... غداة النّحر بالبصره
قال: أخطأ فى قوله: البصرة.
قال: ولحن فى قوله:
إن أبا رهم فى تكرّمه ... بلّغه الله منتهى هممه
لأنه ترك صرف ما ينصرف، وهو رهم.
وبنو المنجم ينكرون على عبد الصمد قوله:
قلت إذ عيبت هديتّكم ... إنما أهدى الذى أكلا
وغيّروه فجعلوا مكان الذى «كما» ، فقالوا: «إنما أهدى كما أكلا» [211]
25- على بن محمد العلوى الكوفى
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: كان شعر على بن محمد أكبر من علمه، فحدثنى جبلة بن محمد الكوفى بالبصرة سنة أربع وسبعين ومائتين وألف، قال: قال لى على بن محمد الكوفى: ربما جاءنى المعنى المليح فى اللفظ الخشن، فأشكّ فى لغته وفى إعرابه فأعدل عنه، ولا أسأل عن ذلك من يعلمه كراهة أن أسأل- بعد ما كبرت وتركى لعلم ذلك- حدثا.
قال محمد: وقول على:
وجه هو البدر إلّا أنّ بينهما ... فضلا تلألأ فى حافاته النّور
فى وجه ذاك أخاطيط مسوّدة ... وفى مضاحك هذا الدّر منثور
قال: فالوجه أن يكون منثورا، لأنه وصف «5» لمعرفة. ولكن «منثور» يجوز بمعنى:
هو منثور.
26- أبو سعد المخزومى
[1] أخبرنى الصولى، قال: ما أحسن عندى أبو سعد المخزومى فى قوله:
أشيب ولم أقض الشباب حقوقه ... ولم يمض من عهد الشباب قديم
__________
[1] فى طبقات ابن المعتز (295- 298) ، والمختار من شعر بشار- شىء من شعره.
وفى زهر الآداب، واللآلىء، والأمالى: أبو سعيد.
(1/429)

لأنه ذكر الشباب فى هذا البيت مرتين، وكان يجب أن يغيّر الأوّل أو الثانى، وتغيير الثانى أشبه؛ لانّ قوله: «ولم يمض من عهد الشباب» قول من لم يذكر الشباب فى صدر بيته؛ ولم يتكلم الحذّاق فى هذا إلّا بردّ ضمير عليه؛ فيقال: ولم يمض منه، أوله، أو عليه؛ فلو قال: «من عهد عليه قديم» كان أشبه.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: وللبحترى مثله؛ وهو قوله «6»
صنت نفسى عما يدنّس نفسى ... وترفّعت عن جدا كلّ جبس «7»
27- أحمد بن أبى فنن [1]
حدثنى بعض أصحابنا عن أبى العباس أحمد بن يحيى النحوى، قال: مما يعاب على قيس بن الخطيم قوله «8» :
كأنها عود «9» بانة قصف «10»
لأنّ المرأة تشبّه بالعود المتثنى لا بالمتقصّف.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى [212] : فأخذه ابن أبى فنن فقال فى وصيف الخادم الصغير:
أيها الظبى المليح ال ... قدّ مجدول مهفهف
أنا من ميلك فى مش ... يك مرعوب مخوّف
لا تملينّ فإنى ... خائف أن تتقصّف
فحدّثنى المظفر بن يحيى، قال: قال ابن الرومى فى بيت ابن أبى فنن هذا: إنما أراد أنه يميل من لينه ونعمة أعضائه، فأسرف حتى أخطأ؛ وذلك أنه جعل اللين المفرط يتقصّف؛
__________
[1] فى المختار من شعر بشار (2، 158، 181) ، ومعاهد التنصيص 1- 143 شىء من شعره.
(1/430)

وإنما كان ينبغى أن يقول: لو عقد لا نعقد من لينه فضلا عن أن يميل، وهو سليم من التقصّف. وأنشد لنفسه يعارض ذلك:
أيها القائل إنى ... خائف أن تتقصّف
ليس هذا الوصف إلّا ... وصف مصلوب مجفّف
28- محمود الوراق [1]
اشترك محمود وعلىّ بن الجهم فى معنى قول علىّ وأحسن فيه:
كم من عليل قد تخطّاه الرّدى ... فنجا ومات طبيبه والعوّد
وقول محمود:
وكم من مريض نعاه الطبيب ... إلى نفسه، وتولّى كئيبا
فمات الطبيب، وعاش المريض؛ ... فأضحى إلى الناس ينعى الطبيبا
فأساء فيه؛ لأنه إن كان أخذه من على وجاء به فى بيتين، ومضّغه «11» وصيّره قصصا بقوله: أضحى ينعاه إلى الناس- فقد أخطأ، وإن كان علىّ أخذه منه فقد جاء به فى بيت واحد وأحسن، فصار أحقّ بالمعنى منه. وأخذاه جميعا من قول عدى بن زيد:
وصحيح أضحى يعود مريضا ... وهو أدنى للموت ممّن يعود
29- إسحاق بن خلف البصرى
أنكر على إسحاق قوله:
ولبس العجاجة والخافقات ... تريك المنا برءوس الأسل
__________
[1] هو محمود بن الحسين الوراق. شعره كثير، وأكثره أمثال وحكم ومواعظ وأدب، وليس يقصر بهذا الفن عن صالح بن عبد القدوس.
وكانت له جارية اسمها سكن، شاعرة مجيدة، اختارت البقاء معه بعد تغير حاله.
وتوفى فى حدود المائتين والثلاثين.
وتجد بعض أخباره وشعره فى طبقات ابن المعتز 367، والمختار من شعر بشار 64، والنويرى (3- 88) . وزهر الآداب 97، 98، 224، 476.
[2] كان إسحاق بن خلف أحد الشطار الذين يحملون السكاكين ويظهرون التجلد للضرب. ويقال: إنه وجأ غلاما من بنى نهشل من ساكنى مكة فقلته، وأنه حبس بذلك السبب، فما فارق الحبس حتى مات. وتجد بعض أخباره فى طبقات ابن المعتز 292.
(1/431)

يريد «المنايا» : فلم يستو له فى هذا البيت.
وقد احتج له قوم وأجازوه.
30- أحمد بن المدبر الكاتب [1]
أخبرنى محمد بن يحيى الصولى [213] ، قال: حدثنا محمد بن موسى مولى بنى هاشم بالبصرة، قال: كنت عند أحمد بن المدبّر بدمشق- وهو يتقلّدها لابن طولون- فقدم عليه ديك الجن «12» ، وكتب إليه أبياتا سألنى أن أوصلها إليه، فأوصلتها. فلما قرأها أحمد قال لى: أريد أن تولّع به. فوقّع فى ظهر رقعته بخطه:
ما عندنا شىء فنعطيه ... ولا يفى بالشكر شكريه
فإن رضى بالشّعر عن شعره ... عارضت فى حسن قوافيه
وإن يكن تقنعه دعوة ... دعوت ربى أن يعافيه
وإن رضى ميسور ما عندنا ... أمرت نجحا أن يغديه
وذكر باقى الخبر.
قال الصولى: هذه الأبيات مضطربة الإعراب فى تركه فتح الفعل الماضى، وإن الحقّ فى جواب الجحد «13» : «ما عندنا فنعطيه» ، وكذلك «أن يعافيه» و «أن يغدّيه» .
31- ابن أبى عون الكاتب [2]
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يزيد النحوى.
قال: بعث ابن أبى عون حاجب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى محمد بأنوار من بستانه وريحان، وكتب معه:
قد بعثنا بطيّب الرّيحان ... خير ما قد جنى من البستان
__________
[1] فى زهر الآداب 492 شىء من أخباره.
[2] فى طبقات ابن المعتز (308) شىء من أخباره.
(1/432)

قد تخيّرته لخير أمير ... إنه الله بالتّقى والبيان
فوقع على ظهر رقعته:
عون يا عون قد ضللت عن القص ... د وعمّيت عن دقيق المعانى
حشو بيتيك «قد وقد» فإلى كم ... قدّك «14» الله بالحسام اليمانى
32- أحمد بن على المادرائى الكاتب
[1] حدثنى أحمد بن محمد الكاتب، قال: حدثنى على بن عبد الله بن المسيّب، قال:
هجا أحمد بن على المادرائى أبا العباس ابن ثوابة بقوله من قصيدة:
أما الكبير فمن جلا ... لته يقال له لبابه [214]
وإذا خلا فممدّد ... فى البيت قد رفعوا كعابه
وارفضّ عنه زهوه ... وتقشّعت تلك المهابه
أجابه على بن العباس الرومى بقصيدة يقول فيها:
وأحلت فى بيت وما ... زلت البعيد من الإصابه
أنّى يكون ممدّدا ... رجل وقد رفعوا كعابه
لكنه بيت عرا ... ك لذكر معناه صبابه
فعميت عن سنن الطري ... ق وظلت تركب كلّ لابه «15»
33- محمود بن مروان بن أبى الجنوب [1]
أخبرنى الصولى، قال: أنشدنا أبو العباس المبرد لمحمود بن مروان بن أبى حفصة:
لى حيلة فيمن ينمّ ... وليس فى الكذّاب حيله
من كان يكذب ما يري ... د فحيلتى فيه قليله
__________
[1] سبقت الإشارة إليه فى الحديث عن مروان بن حفصة.
(1/433)

قال المبرد: وقد ناقض هذا الشاعر؛ لأنه قال: «وليس فى الكذاب حيلة» ، ثم قال: «فحيلتى فيه قليلة «16» . ثم أنشدنا لنفسه:
إنّ النّموم أغطّى دونه خبرى ... وليس لى حيلة فى مفترى الكذب
34- أحمد بن أبى طاهر [1]
أخبرنى الصولى، قال: قال دعبل بن على، وهو مما أبدع فيه وسبق إليه:
سرى طيف ليلى حين بان هبوب ... وقضّيت شوقى حين كاد يئوب
ولم أر مطروقا يحلّ بطارق ... ولا طارقا يقرى المنى ويثيب
فأخذه أحمد بن أبى طاهر، فقال- وسقط لفظه ولم يقارب لفظ دعبل ولا ملاحة معناه- وخلط وزاد فقال:
سرى طيف ليلى موهنا فسرى صبرى ... وجدّد من وجدى وهيّج من ذكرى
تأوّبنى منها خيال قرى المنى ... وما خلتها تسرى ولا خلته يقرى
فبتّ بها ضيفا مقيما برحلة ... وباتت بنا ضيفا يثيب وما يدرى
فزارت وما زارت، وجادت ولم تجد، ... وواصل عنها الطّيف وهى على هجر
لهوت بها من كاذب اللهو ليلة ... أرى باطلا كالحقّ فى النّوم والفكر
ولابن أبى طاهر قصيدة هجا فيها البحترى، وعضد عبيد الله [215] بن عبد الله بن طاهر، عند تقاولهما ختمها أحمد بقوله:
وقد قتلناك بالهجاء ولكن ... ك كلب قد التوى ذنبه
__________
[1] أحد الشعراء البلغاء الرواة من أهل الفهم المذكورين بالعلم، وهو صاحب كتاب تاريخ بغداد فى أخبار الخلفاء والأمراء وأيامهم وغيره من الكتب، ومات سنة ثمانين ومائتين.
وترجمته فى طبقات ابن المعتز 416، ومعجم الأدباء (3- 78) .
(1/434)

35- جماعة من الشعراء
[1] أخبرنا محمد بن محمد القصرى. قال: حدثنا أحمد بن إسماعيل، قال: ماتت أمّ سليمان بن وهب، فجاءه أبو أيوب ابن أخت أبى الوزير فعزّاه، وقال: لابد من أن تسمع مرثيتى لها رحمها الله تعالى، قال: هات، أعزّك الله! فأنشده:
لأمّ سليم نعمة مستفادة ... علينا كسلّ المرهفات البواتر «17»
عرانى همّ آخذ بالحناجر ... لأمّ سليم من كرام العناصر
وكنت سراج البيت يا أمّ سالم ... فسار سراج البيت وسط المقابر
فجزاه خيرا، وانصرف.
فأقبل سليمان بن وهب على الناس، فقال: ما امتحن أحد بمثل محنتى؛ ماتت أمى، وهى أعزّ النّاس علىّ، ورثيت بمثل هذا الشعر، وكنيت بكنيتين لا نعرف واحدة منهما، وجعلت أنا مرّة سليما- مصغّرا ومرة سالما، وترك اسمى الذى سمّانى به أبواى؛ فمن محن بمثل محنتى! أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنى عون بن محمد الكندى، قال: حدثنى الجاحظ سنة ثلاثين ومائتين، قال: حدثنى أبو نواس أنه غاب عن بغداد، فقدم إليه رجل؛ فقال له: هل من خبر؟ فقال: نعم، أنشد بعض الشعراء مدحا فى زبيدة- وهى تسمع، فقال «18» :
أزبيدة ابنة جعفر ... طوبى لزائرك المثاب
تعطين من رجليك ما ... تعطى الأكفّ من الرّغاب
فوثب إليه الخدم يضربونه، فمنعتهم، وقالت: أراد خيرا فأخطأه، ومن أراد خيرا فأخطأ أحبّ إلينا ممن أراد شرّا فأصاب؛ سمع قولهم: شمالك أندى من يمين غيرك،
__________
[1] سبق مثل هذا العنوان، وهنا الجماعة من الشعراء المحدثين.
(1/435)

وقفاك أحسن من وجه غيرك؛ وظنّ أنه إذا قال هذا «19» كان أبلغ فى المديح. أعطوه ما أمّل، وعرّفوه ما جهل.
قال: فقلت له: والله لو ورد هذا على العباس جدّها رضى الله تعالى عنه- فإنه النهاية فى العقل [216]- ما كان عنده من الحلم والاحتمال أكثر من هذا! قال: وقال الجاحظ بعقب هذا الحديث: كانت زبيدة أعقل الناس، وأفصح الناس.
أخبرنى عبد الله بن سليمان أنّ أحمد بن سليمان بن وهب كتب إلى أبى أحمد عبيد الله بن طاهر كتابا ضمّنه هذين البيتين لبعض الأعراب:
وعهدى بليلى وهى ذات ذؤابة ... تردّ علينا بالعشىّ المراميا
فشبّ بنو ليلى وشب بنوابنها ... وهذى بقايا حبّ ليلى كماهيا
فأجابه أبو أحمد جوابا يقول فيه: وأما البيتان اللذان ذكرتهما وحثثت بهما على الوفاء فقد استحسنتهما واحتجت إلى الاستثبات فى قوله:
تردّ علينا بالعشىّ المراميا
وأى شىء أراد بالمرامى؟ فإن الذى يعرف أنّ المرامى جمع مرمى، والمرمى المقذف، وهو مصدر رمى رميا كما ترى، فإن كان أراد بالمرامى النبل فهو موجود فى كلام العرب، وله شاهد. وكأن قوله:
شبّ بنو ليلى وشبّ بنو ابنها
يقتضى أن يكون قال: «شبّ بنو ابنها منه، أو من غيره! فإنه لم يقدّم ذكرا لملكه إياها، وأنها أمّ ولده؛ وإن كانوا يتكلمون على علم المخاطب- ويروى أنّ البلاغة لمحة دالّة، وكأنّ من سمع البيتين مع استحساننا جميعا إياهما وقف على قوله: «بقايا حبّ.
ليلى» وأراد منه ألّا يكون ذكر البقايا، وأن يكون احتال حتى جعل مكانها أوّل الافتتاح،
(1/436)

وإن كان لم يكذب فى هذا خاصة، فمرّ بى عند هذا ما لم يتبين لى فيه مطعن، وهو قول بعضهم:
وعهد بنعم أول العهد أنّها ... كعاب فزادتنى صبا وتصابيا
فقد شاب منها نسلنا وتناسلوا ... وعادت بقايا حبّ نعم بواديا
[من عيوب الشعر] حوشى الكلام
قال قدامة بن جعفر «20» : من عيوب الشعر أن يركب الشاعر منه ما ليس بمستعمل إلّا فى الفرط؛ ولا يتكلم به إلا شاذّا؛ وذلك هو الوحشىّ الذى مدح عمر بن الخطاب زهيرا بمجانبته «21» وتنكّبه [217] إياه؛ قال: كان لا يتّبع حوشىّ الكلام.
وهذا الباب مجوّز للقدماء، ليس من أجل أنه حسن؛ لكن لأنّ من شعرائهم من كان أعرابيا قد غلبت عليه العجرفيّة، وللحاجة أيضا إلى الاستشهاد بأشعارهم فى الغريب؛ ولأنّ من كان يأتى منهم بالوحشىّ لم يكن يأتى به على جهة التطّلب له والتكلف لما يستعمله منه؛ لكن لعادته وعلى سجيّة لفظه.
فأما أصحاب التكلّف لذلك فهم يأتون منه بما ينافر الطبع، وينبو عن السمع، مثل شعر أبى حزام غالب بن الحارث العكلى، وكان فى زمن المهدى، وله فى أبى عبيد الله كاتب المهدى قصيدة أولها «22» :
تذكّرت سلمى وإهلاسها ... فلم أنس والشوق ذو مطرؤه «23»
وفيها يقول:
(1/437)

لأوحى وزير إمام الهدى ... لنا وهو بالإرب ذو محجؤه «24»
يسوس الأمور فتأتى له ... وما فى عزيمته منهؤه «25»
وفى بالأمانة صفو التّقى ... وما الصفو بالرّنق المحمؤه «26»
وعند معاوية المصطفى ... حيا غير مأج ولا مطرؤه «27»
فقال الوزير الأمين: انظموا ... قريضا عويصا على لؤلؤه
فعبرت مرتفقا وحيه ... لغير انصباب إلى المشكؤه «28»
سيدنى من الحق ذو فطنة ... معى فى العواقب والمبدؤه
بيوتا علىّ لها وجهة ... بغير السناد ولا المكفؤه «29»
ومثل «30» شعر أحمد بن جحدر الخراسانى [الغريبى، وله] «31» فى مالك بن طوق قصيدة أولها- ويقال: إنها لمحمد بن عبد الرحمن الغريبى الكوفى، فى عيسى الأشعرى:
هيا «32» منزل الحىّ جنب الغضا ... سلامك إنّ النّوى تصرم «33»
ويا طللا أيّة ما ارتمت ... بليلاك غربتها المرجم «34»
وفيها يقول «35» :
(1/438)

حلفت بما أرقلت نحوه ... همرجلة خلقها شيظم «36»
وما شبرقت من تنوفيّة ... بها من وحى الجنّ زيزم «37»
فبلغنى أنه أنشد هذه القصيدة ابن الأعرابى، فلما بلغ هاهنا قال له ابن الأعرابى: إن كنت جادّا فحسيبك الله [218] .
[ومنها] «38» :
لأمّ لكم نجلت مالكا ... من الشمس لو نجلت أكرم «39»
ومن أين مثلك؟ أين هو! ... إذا الرّيق أقفر منه الفم
قال «40» : ومن الأعراب من شعره أيضا فظيع التوحّش؛ مثل ما أنشدناه أحمد بن يحيى عن الأعرابى لمحمد بن علقة «41» التيمى يقولها لرجل من كلب يقال له ابن الفنشخ ورد عليه فلم يسقه عليه فلم يسقه:
أفرخ أخا كلب، وأفرخ أفرخ ... أخطأت وجه الحق فى التّطخطخ «42»
أما وربّ الراقصات الزّمّخ ... يخرجن من بين الجبال الشّمّخ «43»
يزرن بيت الله عند المصرخ ... لتمطحنّ برشاء ممطخ «44»
ماء سوى مائى يابن الفنشخ ... أو لتجيئنّ بوشى بخ بخ
(1/439)

من كيس ذى كيس مئنّ منفخ ... قد ضمّه حولين لم يسنّخ «45»
ضمّ الصماليخ صماخ الأصلخ «46»
36- عبيد الله بن عبد الله بن طاهر [1]
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى، قال: أنشدنى الحسن بن نصير موشجير لأبى أحمد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
وقائلة والسّكب منها مبادر، ... وقد قرحت بالدمع منها المحاجر
وقد أبصرت بغداد من بعد أنسها ... بنا، وهى منا مقفرات دواثر
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا ... أنيس، ولم يسمر بمكة سامر
فقلت لها، والقلب منّى كأنما ... تخلّبه بين الجناحين طائر:
بلى! نحن كنّا أهلها فأزالنا ... صروف الليالى والجدود العواثر
ولم تبق منا طاهريّا مؤمّرا ... رئيسا، وأعلى ساسة الملك طاهر
أرقت وما ليل المضام بنائم، ... وقد ترقد العينان والقلب ساهر
كذا عنده. والصواب المضيم، لا يقال أضمته، وإنما يقال ضمته «47» .
فيا نفس لا تقنى أسى، واذكرى الأسى ... فيوشك يوما أن تدور الدّوائر
الأسى: الحزن، والأسى: التّأسى- جمع أسوة، يقال: تأسّ، ولا تحزن.
قال الحكيمى: وقال لى ميمون بن هارون الكاتب: أصبت هذه الأبيات فى شعر على بن محمد الكوفى العلوى كهيئتها لا نقصان ولا زيادة غير هذا البيت [219] :
ولم تبق منا طاهريّا مؤمّرا
ومكان «أبصرت بغداد» : «أبصرت حمّان» .
__________
[1] تجد شيئا من شعره فى المختار من شعر بشار 82.
(1/440)

قال: والشعر صحيح للعلوى، فشدّ عليه عبيد الله، وزاد فيه هذا البيت الذى ذكرناه.
وأنشد الصولى هذا الشعر، قال: أنشدناه أحمد بن محمد بن إسحاق الطّالقانى عن على بن محمد العلوى لنفسه على ما رواه ميمون، وهو موجود فى ديوانه.
أخبرنى الصولى، قال: أنشدنى عبيد الله بن طاهر لنفسه:
ربما جئته فأسلفته العذ ... رزمان الوصال خوف التّجنّى
فأنا أسهر فى اعتذار إليه ... وإذا ما رضى فليس يهنّى
قال الصولى: كذا أنشدنى بتسكين ياء «رضى» ، ويجب أن تكون متحركة.
37- سليمان بن عبد الله بن طاهر
قال الأخفش: أخبرنى المبرّد، قال: أنشدنى سليمان بن عبد الله بن طاهر لنفسه:
وقد مضت لى عشرونان ثنتان
فقلت له: أيّها الأمير، هذا لحن، لأن إعرابا لا يدخل على إعراب.
38- على بن العباس الرومى [1]
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: كنت يوما عند عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، فذكرنا قصيدة ابن الرومى فى أبى الصقر التى أولها «48» :
أجنت لك الوجد أغصان وكثبان
فقال عبيد الله: هى دار البطّيخ؛ فضحك الجماعة. فقال: اقرءوا تشبيبها فانظروا؛ هى كما قلت!
__________
[1] شاعر، رومى الأصل، كان جده من موالى العباس، ولد ونشأ ببغداد. وهو أحد الشعراء المكثرين المجودين فى الغزل والمديح والهجاء والأوصاف. توفى سنة 283 هـ وقيل فى سنة أربع وثمانين ومائتين.
وترجمته فى تاريخ بغداد فى الجزء الرابع عشر (23- 26) .
(1/441)

قال محمد: وقد ملح عبيد الله وظرف. وهذه القصيدة أكثر من مائتى بيت مرّ له فيها إحسان كبير، ومن نسيبها ممّا يدل على قول عبيد الله:
أجنت لك الوجد أغصان وكثبان ... فيهنّ نوعان تفّاح ورمّان
وفوق ذينك أعناب مهدّلة ... سود لهنّ من الظلماء ألوان
وتحت هاتيك عنّاب يلوع به ... أطرافهنّ قلوب القوم قنوان «49»
غصون بان عليها الدهر فاكهة، ... وما الفواكه مما يحمل البان
ونرجس بات سارى الطّل يضربه، ... وأقحوان منير النّور ريّان [220]
ألفن من كل شىء طيّب حسن، ... فهنّ فاكهة شتّى وريحان
فلما سمع أبو الصقر قوله:
هذا الذى حكمت قدما بسودده ... عدنان ثمّ أجازت ذاك قحطان
قالوا أبو الصّقر من شيبان قلت لهم ... كلا لعمرى، ولكن منه شيبان
قال: هجانى والله! قيل له: هذا من أحسن المديح، اسمع ما بعده:
وكم أب قد علا بابن ذرى شرف ... كما علا برسول الله عدنان
فقال: أنا بشيبان، ليس شيبان بى. قيل له: فقد قال:
ولم أقصّر بشيبان التى بلغت ... بها المبالغ أعراق وأغصان
لله شيبان قوم لا يشيّبهم ... روع إذا الروع شابت منه ولدان
فقال: والله لا أتبته على هذا الشعر، وقد هجانى فيه.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى. وهذا ظلم من أبى الصقر لابن الرومى، وقلة علم منه بالفرق بين الهجاء والمديح.
(1/442)

[رابعا]- ما جاء فى ذم الشعر الردىء
أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبى زيد، قال:
سمعت المفضّل يقول: ما لم يكن من الشعر حسنا عينا فبطون الصحف أحمل لمئونته من صدور عقلاء الرجال.
حدثنى أبو القاسم يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، قال: ليس كل من عقد وزنا بقافية فقد قال شعرا؛ الشعر أبعد من ذلك مراما، وأعزّ انتظاما؛ قال الشاعر:
ما يتساوى من الكلام على ال ... آذان مصنوعه وساذجه
وإنما الشعر كالدراهم لا ... يجوز عند النّقّاد زأبجه «1»
أخبرنا أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا أحمد بن خيثمة، قال: أنشدنا يحيى بن معين لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:
يزيّن الشعر أفواها إذا نطقت ... بالشعر يوما، وقد يزرى بأفواه
حدثنى يوسف بن يحيى بن على المنجّم، عن أبيه، عن جده على بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: قال لى الفضل [221] بن الربيع: يا أبا محمد، إنّ من الشعر لأبياتا ملس المتون، قليلة العيون، إن سمعتها لم تفكه لها، وإن فقدتها لم تبالها.
وحدثنى إبراهيم بن العطار، عن الحسن بن عليل، قال: حدثنا يزيد بن محمد المهلبى، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: أنشدنا شدّاد بن عقبة شعرا، وقال: كيف ترى؟ فقال له الفضل بن الربيع: إن من بيوت الشعر بيوتا ملس المتون، قليلة العيون، إن سمعتها لم تفكه إليها، وإن لم تسمعها لم تحتج إليها.
حدثنى يوسف بن يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، عن جده، عن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال: أنشدت أبا عبيدة أبياتا لبعض القدماء، فقال:
أترى فيها مثلا أو معنى حسنا؛ فقلت: لا! فقال: من جعلك حامل أسفار!
(1/443)

حدثنا أحمد بن سليمان الطّوسى، قال: حدثنا الزبير بن بكّار، قال: حدثنى إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنى أبو بكر بن أبى أويس، عن عبد الرحمن بن أبى الزّناد، عن هشام بن عروة، قال: سمع عروة بن الزبير من ابن له شعرا، وكان ابنه ذلك يقول الشعر، فقال له: يا بنى، أنشدنى. فأنشده حتى بلغ ما يريد من ذلك، فقال له:
يا بنى، إنه كان شىء فى الجاهلية يقال له الهزروف بين الشعر والكلام، وهو شعرك! قال الزّبير: وحدثنى عمّى مصعب بن عبد الله مثله إلّا أنه لم يسنده إلى عبد الرحمن بن أبى الزناد إلّا أنّ عمى قال: فقال له عروة بن الزّبير: يا بنى، إنه كان يقال فى الجاهلية للناقص قائمة: الهزروف، وهو شعرك هذا.
حدثنيه محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، قال: حدثنا مصعب بن عبد الله الزّبيرى، قال: بلغ عروة بن الزّبير أنّ ابنه عبد الله يقول الشعر، فدعاه يوما، فقال: أنشدنى. فأنشده، فقال له: إنّ العرب تسمى الناقص القائمة من الدوابّ التى تمشى على ثلاث قوائم: الهزروف؛ فشعرك هذا من الهزروف.
حدثنا أحمد بن سليمان الطوسى، قال: حدثنا الزّبير بن بكار، قال: حدثنى عثمان بن عبد الرحمن [222] ، قال: حضرت مجلس أبيك أبى بكر بن عبد الله بن مصعب. وعنده عبد العزيز بن عمران الزهرى، وكان عبد العزيز يقول شعرا ضعيفا، فقال له أبو بكر: عجب لك يا أبا عبد الرحمن مع عقلك! كيف تقول ضعيف الشعر! فقال له عبد العزيز: أصلحك الله! إن كثيّرا أنشد طلحة بن عبد الله بن عوف قوله:
وإنى على سقمى بأسماء والذى ... تراجع منى النفس بعد اندمالها
لأرتاح من أسماء للذّكر قد خلا ... وللرّبع من أسماء بعد احتمالها «2»
فقال له طلحة: إنك لقائل هذا الشعر يا أبا صخر! فقال كثير: كأنك عجبت لجودة شعرى مع رأيى! قال: نعم. قال كثير: إنّ عقلك نفذ لك فى شعرى، ولم ينفذ لك فى رأيى. ثم قال عبد العزيز لأبى بكر: وعقلك أصلحك الله نفذ لك فى معرفة عقلى، ولم ينفذ لك بصرك فى شعرى.
(1/444)

حدثنى الحسن بن محمد المخرّمى والصولى؛ قالا: حدثنا محمد بن العباس، قال:
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، قال: حدثنا عمى الأصمعى، قال: جاء رجل إلى أبى عمرو بن العلاء فقال: إنّ ابنى هذا يقول الشعر، فأحبّ أن تسمع شعره. قال: أنشد.
فلما أنشد وفرغ من إنشاده قال أبو عمرو لأبيه: الشعراء ثلاثة: شاعر، وشعرور، وشويعر. قال: فابنى من هو من هذه الثلاثة؟ قال: ليس هو بواحد منهم! ابنك شعرة.
وحدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال:
حدثنا نصر بن على، قال: حدثنا الأصمعى، قال: كنّا عند أبى عمرو بن العلاء، فجاءه شاعر، فعرض عليه شعرا له فإذا هو شعر سوء، فقال أبو عمرو: كان يقال شاعر وشويعر وشعرور. قال: من أيهم أنا؟ قال: لست منهم! قال: فمن أنا؟ قال: أنت شعرة! وحدثنى على بن عبد الرحمن الكاتب، قال: أخبرنى يحيى بن على، قال: حدثنى أبو هفّان، قال: يروى فى الحديث فى مثل للعرب: الشعراء أربعة، شاعر وشويعر، وشعرور، والرابع عاض بظر أمه! ويقال ابن شعرة.
أنشدنا محمد بن الحسن بن دريد، وأنشدنى محمد بن أحمد الحكيمى ومحمد بن يحيى الصولى، قالا: أنشدنا أحمد بن يحيى النحوى، قال الحكيمى عن ابن الأعرابى، ولم يذكره الصولى «3» :
والشعراء فاعلمنّ أربعه: ... فشاعر ينشد وسط المجمعه «4» [223]
وشاعر آخر لا يجرى معه، ... وشاعر يقال خمّر «5» فى دعه.
وشاعر لا يرتجى لمنفعه
(1/445)

قال الصولى: فقال له إنسان: وفيها بيت آخر:
وشاعر مستوجب أن تصفعه
فضحك وقال: هذا مما زيد.
وحدثنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على، قال: حدثنى أبو هفّان، قال: الشعراء عيونهم فى كلّ دهر أربعة، وفى الوصف أربعة، قال الراجز:
الشعراء فاعلمن أربعه.. وذكرها.
وأنشدنا ابن دريد، وأنشدنى على بن عبد الرحمن، عن يحيى بن على، عن أبى هفّان، قال: أنشدنى عدّة من الشعراء «6» :
يا رابع الشعراء فيم هجوتنى ... أظننت أنى عن هجائك مفحم؟
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: زعم المدائنى أنّ ذا الرمة قال للفرزدق «7» كيف ترى شعرى هذا يا أبا فراس- لشعر أنشده؟ قال: أرى شعرا مثل بعر الصّيران «8» ، إن شممت شممت رائحة طيبة، وإن فتتّ فتت عن نتن.
وأخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا الرياشى، قال: حدثنا يزيد بن مرّة، عن أبى عبيدة، قال: قيل لجرير «9» : كيف ترى شعر ذى الرمة؟ قال: نقط عروس وأبعار ظباء! وحدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أحمد بن أبى خيثمة، عن محمد بن سلّام، قال «10» : كان أبو عمرو بن العلاء يقول: إنما شعر ذى الرمة نقق عروس تضمحلّ عن قليل، وأبعار ظباء لهامشمّ فى أول شمّها، ثم تعود إلى أرواح البعر.
(1/446)

أخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: أخبرت أن عمر بن لجأ قال لابن عمّ له: أنا أشعر منك. قال له: وكيف؟ قال: إنى أقول البيت وأخاه، وتقول البيت وابن عمه! قال: وأنشد عمرو بن بحر:
وشعر كبعر الكبش فرّق بينه ... لسان دعىّ فى القريض دخيل
قال محمد بن يزيد: وبعر الكبش يقع متفرقا، فمن ذلك قول بنت الحطيئة له لما نزل فى بيت بنى كليب بن يربوع: تركت الثروة والعدد، ونزلت فى بنى كليب بعر الكبش! قال: والمعنى فى ذلك أنّ قائل هذا البيت أراد أنّ شعر الذى هجاه مختلف المعانى غير جار على نظم ولا مشاكلة.
أخبرنا ابن دريد، قال: أنشدنا أبو عثمان الأشناندانى سعيد بن هارون [224] :
أرى كلّ ذى شعر أصاب بشعره ... ولكن عوّاما بما قال عيّلا
فلا تنطقن شعرا يكون حويره ... كما شعر عوّام أعام وأرجلا «11»
أعام: من العيمة، وهى شهوة اللبن، أراد أنه ردىء الشّعر، وأنّ الشعراء يصيبون بأشعارهم الأموال، وهذا يفتقر بشعره! أخبرنى الصولى، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، قال: حدثنى التّوزى، عن أبى عبيدة قال: أتى الفرزدق رجل من بنى تميم، فقال: قد قلت شعرا فانظر فيه؛ وأنشده.
فقال الفرزدق «12» : يابن أخى، إنّ الشعر كان جملا بازلا عظيما؛ فأخذ امرؤ القيس رأسه، وعمرو بن كلثوم سنامه، وعبيد بن الأبرص فخذه، والأعشى عجزه، وزهير كاهله، وطرفة كركرته، والنابغتان جنبيه، وأدركناه ولم يبق إلا المذارع «13» والبطون، فتوزّعناه بيننا! فقال الجزّار: لم يبق إلا الفرث والدم، وقد تعنّيت، وقمت لكم، فمروا
(1/447)

به لى. قلنا: هو لك! فأخذ الفرث والدم فطبخه وأكله، ثم خرئه، فشعرك من خرء الجزّار! فقال: هذا رأيك! فو الله لا ذكرته لاحد بعدك! أخبرنى عبيد الله بن الحسن بن شقير النحوى، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا سليمان بن أبى شيخ، قال: حدثنى ابن مناذر، قال: أنشد رجل الفرزدق شعرا له، وقال: كيف تراه؟ قال: أرى أن تردّه على شيطانك لا يمتنّ به عليك! وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن العباس، عن أبى حاتم السجستانى، قال: أنشد رجل ابن مناذر قصيدة، فجعل يقول: غفر الله لك! غفر الله لك! فلما فرغ قال: ردّها على شيطانك لا يمتنّ بها عليك! أخبرنى الصولى، قال: كان للفرزدق صديق، فقال له: أحبّ أن تسمع شعر ابنى هذا وتعرّفنى كيف هو. فلما أنشده قال له: أيسرّك أن يكشف ابنك هذا سوءته على أهل عرفة ويبول عليهم! قال: لا، والله! قال: ففعله والله لهذا عندى أحسن من أن يقول مثل هذا الشعر! أخبرنى أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة. عن أبيه، قال: سمع أعرابىّ رجلا ينشد شعرا لنفسه، فقال له: كيف تراه؟ فقال: سكّر لا حلاوة له.
حدثنى أحمد بن محمد المكّى، قال: حدثنا أبو العيناء محمد بن القاسم، قال: كان زياد يعطى الشعراء على قدر الشعر؛ فأتاه يوما أبو الأهتم، فأنشده [225] :
معاوية التقىّ السّ ... رىّ أمير المؤمنينا
أعطى ابن جعفر مالا ... فقضى عنه الديونا
فأجزل له العطاء، فقيل له: أتعطى على مثل هذا الشعر؟ قال: نعم! إنّ الشعر كذب وهزل، وأحقّه بالتفضيل أهزله.
أخبرنى ابن دريد، قال: حدثنا أحمد بن عيسى العكلى، عن الزبير عن مصعب بن عثمان بن مصعب بن عروة بن الزبير- وكان من أعلم الناس بقريش- قال: قدم جرير بن عطية على هشام بن عبد الملك، فسمع سهيل بن أبى كثير ينشد:
أبشر يا أمين الله ... أبشر بالدنانير
(1/448)

وبخت عربيّات «14» ... تهادى فى المقاصير
فقال: من هذا؟ قالوا: شاعر أمير المؤمنين. فقال: شاعر أمير المؤمنين يقول بخت عربيات! ليس لى ههنا رزق! ووضع رجله فى غرزه ورجع، فلم يعد إلى هشام.
حدثنى أبو القاسم يوسف بن يحيى بن على المنجّم، عن أبيه، قال: اجتمع أبو حيّة النّميرى، وكان شاعرا فصيحا، ويحيى بن نوفل الحميرى، فاستنشده أبو حيّة من شعره، فأنشده مليّا، وهو ساكت يسمع. فلما فرغ يحيى من إنشاده قال له: ألم أقل لك أنشدنى.
وجدت بخط محمد بن القاسم بن مهرويه، حدثنى محمد بن سعد، قال: حدثنى أبو حاتم، قال: حدثنى العتبى، قال: حدثنى أبو معدّ، قال: مرّ بنا أبو حيّة النميرى ونحن عند ابن مناذر، فقال: علام اجتمعتم؟ قلنا: هذا شاعر المصر! قال: أنشدنى.
فأنشده. فلما فرغ قال: ألم أقل لك: أنشدنى؟ قالوا: فأنشدنا يا أبا حيّة! فأنشدنا «15» :
ألا حىّ من عهد «16» الحبيب المغانيا ... لبسن البلى مما لبسن اللياليا
فلما فرغ قال: ما أرى فى شعرك شيئا! قال: ما فى شعرى إلا استماعك له! حدثنى بعض أصحابنا، عن أبى سعيد السكرى، قال: قال المغيرة ابن حبناء لأخيه صخر فى كلمة:
ألا أبلغا صخرا فإنى لم أكن ... لأقذف صخرا بالنّفاق ولا الكفر
ولكن فى صخر عيوبا كثيرة ... إذا ذكرت نقّبن «17» من حيث لا يدرى
عيوبا، وفحشا للصديق، وغيلة، ... وغشّا، وشعرا مثل شعر أبى الجبر
[226] قال: أبو جبر مجنون من بنى ربيعة بن حنظلة، كان يقول شعرا مخلّطا محالا.
(1/449)

أخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، قال. أكثر هذه الأشعار الساذجة الباردة تسقط وتبطل إلّا أن ترزق حمقى؛ فيحملون ثقلها؛ فتكون أعمارها بمدة أعمارهم، ثم ينتهى بها الأمر إلى الذهاب؛ وذلك أنّ الرواة ينبذونها، وينفونها فتبطل.
قال الشاعر «18» :
يموت ردىء الشعر من قبل أهله، ... وجيّده يبقى، وإن مات قائله
وقال رؤبة بن العجاج لعقبة ابنه، وقد أنشده شعرا له: يا بنى؛ إنك ذهبان الشعر! فذهب شعره فما أحد يروى له بيتا، ولا يعرف له جامع شعر. فإنّ هذا لعجيب من الحكم على الغيب. فيصح هذه الصحة؛ ولكنها كهانة عالم وفراسة أب فى ابن؛ وما علمت أنّ عقبة هذا ذكر قط إلّا فى خبر واحد؛ فإنهم زعموا «19» أنه اجتمع وبشار بن برد فى مجلس عقبة بن سلم، فأنشد عقبة بن رؤبة عقبة بن سلم مدحا له فيه، فأحسن بشار محضره وأقبل يستحسنه، فلما فرغ من الشعر التفت إلى بشار، فقال: هذا طراز لا تحسنه. ففى مقابلة الجميل بخلافه دليل على حمقه. فزعموا أنّ بشارا غضب وقال: ألى تقول هذا؟
والله لأنا أرجز منك ومن أبيك وجدّك. ثم غدا على عقبة بن سلم بأرجوزته التى أولها «20» :
يا طلل الحىّ بذات الصّمد ... بالله خبّر كيف كنت بعدى
فلما سمعها عقبة بن رؤبة هرب، فنقل الناس الخبر، وحملوا شعر بشار ولم يحملوا شعر عقبة. وسقط إلى الساعة، فما يعرف له منه بيت.
حدثنا محمد بن العباس، قال: حدثنا الحسين بن على المهرى، قال: حدثنا أبو عثمان المازنى عن الأصمعى، قال: جاء رجل إلى خلف الأحمر، فقال: إنى قد قلت شعرا أحببت أن أعرضه عليك لتصدقنى عنه. قال: هات. فأنشده:
(1/450)

رقد النّوى حتى إذا انتبه الهوى ... بعث النوى بالبين والتّرحال
ما للنوى جدّ «21» النوى قطع النوى ... بالوصل بين ميامن وشمال
فقال له خلف: دع قولى، واحذر الشاة، فو الله لئن ظفرت بهذا البيت لتجعلنه بعرا! على أنى ما ظننت بك هذا كله! أخبرنى الصولى، قال [227] : حدثنا أبو ذكوان، قال: حدثنا المازنى، قال:
أنشد خلفا الأحمر رجل شعرا له، فقال له: ما ترك الشيطان أحدا بهذا البلد إلّا وقد عرض عليه هذا الشعر، فما وجد أحدا يقبله غيرك! وأخبرنى أحمد بن محمد المكىّ، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا الأصمعى، قال: عرض رجل على أبيه شعرا، فقال له: يا بنى، ما بقى أحد إلّا وقد عرض عليه الشيطان هذا الشعر فما قبله أحد غيرك.
حدثنى أحمد بن عبد الله العسكرى، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال:
حدثنا يزيد بن محمد المهلبى، قال: حدثنى إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن ابن سلّام، قال: أنشد رجل يونس النحوى شعرا له يعرضه عليه، فقال له يونس: أىّ ماصّ بظر أمّه قال هذا؟
وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب؛ قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال:
حدثنا محمد بن سلام، قال: قال وهب بن أبى إبراهيم: جاشت نفسى بشىء من الشعر، فقلت ليونس: إنّ رجلا صاحب شعر، وقد جاشت نفسه بشىء منه، وهو يكره أن يخرجه حتى تسمعه. قال: هات! فأنشدته، فقال: من هذا العاضّ بظر أمه؟
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: ووهب بن أبى إبراهيم هو أبو أبى شبل عصم بن وهب، واسم أبى إبراهيم عصمة التميمى ثم البرجمى البصرى الشاعر.
حدثنى على بن هارون، قال: أخبرنى أبى، قال: كان أبو عبيدة يقول شعرا رديئا ضعيفا، وكان الأصمعى يقول شعرا ضعيفا، وهو أصلحهما شعرا على خساسة شعره؛ لأنّ
(1/451)

ما يروى لأبى عبيدة يدخل فى حدّ ما يهزأ به، ويضحك منه؛ من ذلك ما رواه البصريون فى خرك ابن أخى يونس النحوى وكان يتعشّقه:
ليتنى ليتنى وليت وليتى ... ليتنى قد علوت ظهر خركّ
فقرأنا كتابه وفككنا ... خاتما، كان قبلنا لم يفكّ
فهذان البيتان من أدل دليل على مقداره فى الشعر.
ولقد حدثنى العنزى، قال: حدثنى عمر بن شبّة، قال: أنشد أبو عبيدة خلفا الأحمر شعرا له، فقال له خلف: يا أبا عبيدة، اخبأ هذا كما تخبأ السّنّور خرأها! وأخبرنى الصولى، قال: أنشد رجل أحمد بن الوليد بن برد فقيه أنطاكيه شعرا رديئا.
فقال له [228] :
قد جاءنى لك شعر لم يكن حسنا ... ولا صوابا ولا قصدا ولا سددا
وجدت فيه عيوبا غير واحدة ... ولم أزل لعيوب الشعر منتقدا
كأنّ ذا خبرة بالشعر جمّعه ... ثم انتقى لك من شرّ ما وجدا
إنى نصحتك فيما قد أتيت به ... من الفضائح نصح الوالد الولدا
فعدّ عن ذاك، وادفنه كما دفنت ... هرّ خروءا ولم «22» تعلم به أحدا
وجدت بخط محمد بن القاسم بن مهرويه: حدثنى محمد بن يزيد، قال: عرض رجل على بشّار شعرا له فقال: يا هذا اخبأ هذا الشعر كما تجبأ سوأتك.
حدثنا محمد بن مخلد العطار، قال: حدثنا أبو حمزة أنس بن خالد الأنصارى، قال: حدثنا محمد بن عبيد الله العتبى أبو عبد الرحمن، قال: حدثنى أبو الجهم بن أبى سفيان بن العلاء، قال: حججت أنا وأبو عمرو بن العلاء فقفلنا من الحجّ، فمررنا بالبستان؛ فإذا راكب قد أناخ بالرّفقة يسأل عن أبى عمرو، فأرشد إليه. فقال: إنك قد ذكرت لى وقد قلت شعرا، فأحب أن أعرضه عليك.
فقال أبو عمرو: هذا منصرفنا من الحج، ونحن فى شغل عن الشعر. قال: فقلت له: إلىّ؛ فإنك تصيب عندى ما تصيب عنده. فأنشدنى:
(1/452)

لئن قدمت من دمشق صالحا ... وقد تمتعت متاعا صالحا
لآتينّ بالعراق صالحا ... إنى وجدت صالحا لى صالحا
فقلت له: أنت أشعر الناس! فقال لى أبو عمرو: يا عدوّ الله. أتغرى الرجل؟ أما تخشى الله! حدثنى أحمد بن عيسى الكرخى، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا محمد بن سلّام قال: كان المهدىّ يقعد للشعراء، فدخل عليه شاعر ضعيف الشّعر طويل اللحية، فأنشده مديحا له، فقال فيه: «وجوار زفرات» . فقال المهدى: أى شىء زفرات؟
فقال: ولا تعلمه أنت يا أمير المؤمنين؟ قال: لا! قال: فأنت أمير المؤمنين وسيّد المسلمين [229] وابن عمّ رسول رب العالمين صلّى الله عليه وسلم لا تعرفه، أعرفه أنا؟ كلّا والله! فقال له المهدى: ينبغى أن تكون هذه الكلمة من لغة لحيتك! أخبرنى أبو بكر الجرجانى، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى قال: جاء رجل إلى الرشيد؛ فقال له: قد هجوت الرافضة. قال: هات! فأنشد:
رغما وشمسا وزيتونا ومظلمة ... من أن تنالا من الشّيخين طغيانا
قال: فسّره لى! قال: لا! ولكن أنت وجيشك اجهد أن تدرى ما أقول؛ فإنى والله ما أدرى ما هو! حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الذّارع، قال: حدثنا ابن عائشة، قال: قال أبو العتاهية لابن مناذر: إن كنت أردت بشعرك العجاج ورؤبة فما صنعت شيئا، وإن كنت أردت شعر أهل زمانك فما أخذت مآخذهم، أرأيت قولك «23» :
ومن عاداك لاقى المرمريسا
أى شىء المرمريس؟
أخبرنى محمد بن يحيى، عن أبى العيناء قال: عرض رجل على الأصمعى ببغداد شعرا
(1/453)

رديئا، فبكى الأصمعى. فقيل له: ما يبكيك؟ قال: يبكينى أنه ليس لغريب قدر. لو كنت ببلدى بالبصرة ما جسر هذا الكشحان «24» أن يعرض علىّ هذا الشعر وأسكت عنه.
أخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنى أبو الحسن الأنصارى، قال: حدثنى الهيثم السمرى، قال: حدثنى شاعر من موالى بنى تميم كان يألف أبا نواس، وكان أديبا ظريفا، قال: دخلت على أبى نواس فى علّته التى مات فيها، فسرّ بدخولى عليه، ونشط؛ فقلت له: أعرض عليك شعرا لى؟ فقال: أعلى هذه الحال؟ فقلت له: أنت بحال خير! وأنشدته إياه. فجعل يبكى. فقلت له: لم تبكى؟ لك بسائر اليهود والنصارى والملوك أسوة. فقال لى: كم تظنّ من شاعر قد مدح بأحسن من شعرك هذا؛ فكان ثوابه أن صفع حتى عمى! وأنا أسأل الله أن يرزقك ما رزقهم! فقلت: مالك! لا شفاك الله! فمات بعد يومين.
قال الهيثم: فقلت له: تدرى فى أىّ سنة كان هذا؟ قال: نعم! فى سنة ثمان وتسعين ومائتين.
حدثنى على بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن العباس، قال: حدثنا عيسى تينة، قال: سمعت الأصمعى يقول: قال رجل:
ترافع العزّ بنا فارفنفعا
فقلت له: هذا لا يجوز! قال: فكيف جاز للعجاج [230] أن يقول «25» :
تقاعس العزّ بنا فاقعنسسا
ولا يجوز لى أنا أن أقول «فارفنفعا» .
أخبرنا إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، عن محمد بن يزيد المبرد، قال: لما تراجع الشعر بين عبد الله بن محمد بن أبى عيينة بن المهلب بن أبى صفرة وبين مروان بن سعيد بن عباد بن حبيب بن المهلب بن أبى صفرة قال مروان لعبد الله:
(1/454)

اكفف لسانك عنّى أيّها الرجل ... واربع عليك؛ فإنى شاعر جدل
قد عبت من شعرنا ما لو تكلّفه ... ضاقت عليك فجاج الأرض والسبل
والشعر مورده فينا ومصدره ... وأنت عن حوكه بالغزل مشتغل
فانزع «26» عن الشّعر لا تلهج بصنعته ... فى جراحك عن تحبيره شغل
وهى أكثر من هذا.
فردّ عليه عبد الله من أبيات:
مرّت بنا إبل تهوى إلى هجر ... بالتمر خسران ما تهوى به الإبل
تهوى بما فى غد يبقى لصاحبه ... منه العويل ومنه الويل والهبل
فقال مروان:
ما بال شعرك ملتاثا «27» ومختلفا ... بيتا ثنيّا وبيتا ساقطا خرفا
قد حاول الشّعر حتى شاب حاجبه ... فلم يجد وسطا منه ولا طرفا
وقد ملأت بشعرى قلبه رعبا ... فاستشعر الذلّ بعد الكبر والتحفا
لما أتته قوافينا مثقّفة ... تساقطت حسرات نفسه أنفا
لا تكلفنّ جوابى فى مناقضة، ... فلست منى، وإن أحسنت، منتصفا
وقد رأيتك ذا لبّ وذا أدب ... لكنّ شعرك إذ جاريتنى وقفا
فانزع عن الشعر إذ سدّت مسالكه؛ ... لا تخبطن ظلام الليل معتسفا
واعمد لشعرى فكن لى فيه راوية؛ ... فإنّ فى ذاك من تحبيره خلفا
فأجابه عبد الله:
لقد تأملت هل تأتى بقافية ... تكون منى بها أو من أخى خلفا
لو كنت تهجو بشعر فيه قافية ... صحيحة الوصف قلنا: جاد ما وصفا
إذا لأعملت نفسى فى روايتها ... وحملها لك، واستودعتها الصّحفا
لكنّ شعرك لا صفو ولا كدر؛ ... فأنت تجمع سوء الكيل والحشفا
(1/455)

فاجعل لشعرك ماء؛ إنه نفدت ... عنه المياه؛ فقد أنفذته قشفا [231]
واجعل لشعرك نورا يستضىء به ... فإنه من ظلام ملبس سدفا
إنّا إلى الله يا مروان يا بن أخى! ... كم بين حاليك مستورا ومنكشفا؟
أقمت حولا على بيت تقوّمه؛ ... فلم تصب وسطا منه ولا طرفا
لو لم أزرك لما كانت لتبلغنى ... أبيات شعرك حولا كاملا عجفا
غرائر الشّعر تبدى عن جواهرها ... بالقصد تبتدر القرطاس والهدفا
إذا اللسان تلكّا أن يقوم بما ... فى القلب منه تلكّا القلب أورجفا
حدثنى على بن عبد الله الفارسى، قال: أخبرنى أبى، قال: قال ابن الأعرابى: قيل للمفضل الضبى، وأنا حاضر فى مجلسه: لم لا تقول الشعر وأنت أعلم الناس به؟ قال:
علمى به يمنعنى من قوله. وأنشد بعقب هذا الكلام «28» :
أبى الشّعر إلّا أن يضىء رديئه ... علىّ، ويأبى منه ما كان محكما
فيا ليتنى إذ لم أجد حوك وشيه ... ولم أك من فرسانه كنت مفحما
حدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن العنزى، قال: حدثنى يزيد بن محمد المهلبى، قال: حدثنى إسحاق الموصلى، قال: جاء رجل إلى بعض أصحاب الفضل بن يحيى بشعر قد ختم عليه يسأله أن يوصله إلى الفضل. فقال له: لا يجوز أن أوصل إلى الأمير كتابا لا أدرى ما فيه، ففضّه فإذا فيه:
لمن الديار كأنها سطر ... إنّ هذا لأمر له زمر
إنّ الأمير من كرمه يكا ... د ألّا يكون لأمّه بظر
فقال: اغرب، غرّب الله عليك! أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا أحمد بن إسماعيل، قال: سمع أحمد بن يوسف الكاتب لأخيه شعرا قد كتب به إلى هوى له:
أيا باذلا ودّا لمن لا يشاكله ... يساعده فى حبّه ويواصله
عليك بمن يرضى لك الناس ودّه ... أواخره محمودة وأوائله
(1/456)

فكتب إليه أحمد: وفّقك الله يا أخى للسداد، وهداك للرشاد؛ قرأت لك شعرا أنفذته إلى من تخطب مودته، وتستدعى عشرته؛ فسرّنى شغفك بالأدب، وساءنى اضطرابك فى الشعر، وليس مثلك من أخرج من يده شيئا يعود بعيب عليه، وأعيذك بالله أن تلج لجّة الشعر بلا [232] عزم ينجيك منها وسباحة تصدرك عنها، فتنسب إلى قبيح أمر هويت النسبة إلى حسنه؛ فاعرف الشعر قبل قوله، واستعن على عمله بأهله، ثم قل منه ما أحببت إذا عرفت ما أوردت وأصدرت. وهذه أبيات على وزن أبياتك نظمتها بمثل ما نثرته لك؛ وهى:
أبا حسن عان الدراية قبل ما ... تريغ «29» من الشعر الذى أنت قائله
ففى الشعر آداب كثير فنونها ... وباطل لهو إن تعنّاك باطله
وحسبك عجزا بامرئ متغزّل ... إذا عىّ بالأمثال فيمن يواصله
.... بأمرئ ذى تواصل ... إذا عىّ بالأشعار «30» ....
يهون على معشوقه ما أعزّه ... فتنقلب الأحوال فيما يحاوله
فدونك نصحا من خبير مجرّب ... قضى آخرا أفضت إليك أوائله
وما غابر الأيام إلّا كسالف ... فبالسّلف الماضنى فقس ما تزاوله
حدثنا محمد بن عبد الله البصرى، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابى، قال:
حدثنا محمد بن أبى العتاهية، قال: كان ابن التختاخ وكيل إبراهيم بن المهدى يقول شعرا رديئا، وينشده الناس على أنه لغيره؛ فمن استرداه عاداه. فقال له إبراهيم: شاور أبا العتاهية. فشاوره وأنشده. فقال له: إياك أن تعاود. فغضب. فقال أبو العتاهية:
يا عجبا ما عجبت يا عجبا ... ممن إذا لم يسخر به غضبا
أخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: حدثنا محمد بن يحيى بن عبّاد، قال: حدثنى هارون بن محمد، قال: حدثنى يعقوب بن أحمد بن أسد، قال: حدثنى عبد الرحمن بن حمزة المكى؛ قال: كان أبو العتاهية إذا حجّ يجلس عندنا بمكة، فجاءه
(1/457)

شاعر كان عندنا، فجعل ينشده وأبو العتاهية لا يصغى إليه، لأنه لم يستجد شعره. فقال له الشاعر: ما لك لا تصبر حتى تسمع؟ فقال:
سأصبر جهدى لما أسمع ... فإن عيل صبرى فما أصنع
أخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا أبو أحمد محمد بن موسى البربرى، قال:
حدثنى محمد بن على بن حمزة، قال: حدثنى عبد الله بن المدينى أبو محمد، قال: كنا عند أبى العتاهية أنا وخالد بن محجن، فأنشد ابنه شعرا، فقال أبو [233] العتاهية: إنى والله قد نهيته عن هذا، فليس يقبل فقال ابنه: أريد أن أتعوّده وأنشأ عليه. فقال:
يا بنى، هذا الأمر يحتاج إلى رقة وطبع فائض، وأنت ثقيل الجوانب، مظلم الحركات؛ فاذهب إلى سوقك سوق البزّ، فإنه أعود عليك! حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الورّاق، وحدثنا محمد بن القاسم بن محمد الأنبارى، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنا ابن أبى سعد، قال: حدثنى محمد بن الحسن السامى، قال: حدثنى عمرو مولى مزلاج الليثى، قال:
حدثنى أبو نواس الحسن بن هانئ، قال: جاء شاعر من غثاث الشعراء إلى زبيدة فامتدحها، فقال «31» :
أزبيدة ابنه جعفر ... طوبى لسائلك المثاب
تعطين من رجليك ما ... تعطى الأكفّ من الرغاب
قال: فهمّ به الحشم والخدم. فقالت: لا تفعلوا؛ فإنه إنما أراد الخير فأخطأ، ومن أراد الخير فأخطأ أحبّ إلينا ممن أراد الشرّ فأصاب؛ وإنما أراد أن يقول على قول الشاعر «32» : «شمالك أجود من يمين غيرك، وقفاك أحسن من وجه غيرك؛ فظنّ أنه إذا ذكر الرّجلين أنه أبلغ فى المدح؛ وأمرت له بجائزة» .
قال عمرو مولى مزلاج: فقال لى أبو نواس: لقد ورد عليها شىء لو ورد على العبّاس بن عبد المطلب رضى الله عنه ما كان عنده من الحلم والاحتمال وتسهيل الأمر أكثر
(1/458)

مما كان عند هذه المرأة، وهى من بنات أبنائه؛ ولكن الله أعلم حيث يجعل رسالاته.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: وقد تقدم هذا الخبر بغير هذا الإسناد «33» .
حدثنى أبو عبد الله الحكيمى وأبو بكر الصولى؛ قالا: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنى إبراهيم بن أبى الحسين، قال: رأيت محمد بن أبى العتاهية يجىء إلى إسماعيل بن هشام بن أبى يوسف، فسمعته يقول: أنشدت أبى أبا العتاهية شعرا من شعرى، فقال لى: اخرج إلى الشام. قلت: لم؟ قال: لأنك لست من شعراء العراق! أنت ثقيل الظل، مظلم الهواء، جامد النسيم! حدثنا محمد بن القاسم الأنبارى، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنا الحسن بن عبد الرحمن الرّبعى، قال: حدثنا أبو عثمان المازنى، قال: [224] شهدت أبا زيد النحوى، وعنده أبو عدنان السّلمى، فقرأ عليه أبو عدنان قصيدة له أولها:
وبلدة ليس بها غير ورل ... قطعتها محبنطئا على جمل «34»
فقال له أبو زيد: يا أبا عدنان: إن كان شعرك كله هكذا فلا عليك أن [لا] «35» تستكثر منه! وحدثنى على بن هارون، قال: أخبرنى أبى، قال: قال الجاحظ: أنشد أبو عدنان عبد الرحمن بن عبد الأعلى السلمى أبا زيد الأنصارى شعرا له، فقال له أبو زيد: يا أبا عدنان؛ هذا شعر لا عليك ألّا تستكثر منه.
أخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، عن أبى هفّان- أو غيره، قال:
أنشد رجل أبا الشمقمق شعرا له، وقال: كيف ترى؟ قال: جيدا! قال: أنا قلته فى المخرج. قال: رائحة ذاك منه!
(1/459)

أخبرنى محمد بن عبد الله البصرى، قال: حدثنا الغلابى، قال: كنّا عند ابن عائشة، فجاءه رجل. فأنشده شعرا لنفسه أكثر فيه من الغريب، فقال له: ما أحسب أنك أفصح من امرئ القيس، ولا زمانك أرفع كلاما من زمانه حين يقول «36» :
تمتّع من الدينا فإنك فان ... من النّشوات والنساء الحسان
أمن أجل أعرابية حلّ «37» أهلها ... بروض الشّرا عيناك تبتدران
فدمعها سحّ وسكب وديمة ... ورشّ وتوكاف وتنهملان «38»
ليالى يدعونى الصبا «39» فأجبيه ... وأعين من أهوى إلىّ روان
روى محمد بن القاسم الأنبارى، عن أبيه، عن محمد بن عبد الرحمن السلمى، قال: قال لى ابن عائشة: مدحنى خالد النجار بشعر ردىء، فقلت له: ويلك! ما تحسن أن تمدح! إنما تحسن أن تهجو.
قال محمد بن عبد الرحمن: وخالد النجار هو القائل:
الحمد لله لا شريك له ... من شهوة التمر برسمت «40» بنتى
أخبرنى الصولى، قال: حدثنى يموت بن المزرّع، قال: كان لمحمد بن الحسن الحصنى ابن فقال له: إنى قد قلت شعرا. وكان الحصنى سيّدا ظريفا، فقال: أنشدنيه يا بنى لئلا يلعب بك شيطان الشعر. قال: فإن أجدت أتهب لى جارية أو غلاما؟ قال:
أجمعهما لك. فأنشده:
(1/460)

إنّ الديار بميّفا ... هيّجن حزنا قد عفا
أبكيننى لشقاوتى ... وجعلن رأسى كالقفا
[235] فقال: يا بنى، والله ما تستأهل بهذا جارية ولا غلاما، ولكن أمّك منى طالق ثلاثا إذ ولدت مثلك! أخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن أحمد، قال: حدثنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى أبو يحيى الزهرى، قال: أخبرنا أبو نباتة، قال: قال رجل لأخ له: إنى قد قلت شعرا. فقال: هذا شىء يجزع منه العقلاء، فأنشدنيه. فقال:
هل تعرف الدار بالقفيننا
قال: الدار قد ذكرتها الشعراء، والقفيننا لعله موضع، وإنه على ذلك سمج ردىء! قال:
أبكيننا فأحزنيننا
فقال: عتق ما يملك «41» إن زدت آخر إن لم أطرحك فى البئر! حدثنى يوسف بن يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، عن جده، قال:
أنشدنى إسحاق الموصلى لنفسه فى محمد بن راشد الخناق، وقد كان إسحاق قال فيه:
إذا حرّك الشّرب الكرام رءوسهم ... فأير حمار فى حرّ ام ابن راشد
لقد بشرت منه القوابل أمّه ... بألأم مولود لألأم والد
فجمع محمد بن راشد عدة من الشعراء المتخلفين، وسألهم أن يهجو إسحاق، فهجوه بشعر ساقط ترك لتخلفه. فقال إسحاق لما بلغه ذلك:
وأبيات شعر رائعات كأنها ... إذا أنشدت فى القوم حسنها سحر
تحفّز واقلولى «42» لردّ جوابها ... أبو جعفر يغلى كما غلت القدر
فلم يستطعها غير أن قد أعانه ... عليها أناس كى يكون لهم ذكر
(1/461)

فياضيعة الأشعار إذ يقرضونها ... وأضيع منها من يرى أنها شعر
إذا لم يكن للمرء عقل يكفّه ... عن الجهل لم يستحى وانهتك الستر
أخبرنى الصولى، قال: حدثنى يموت بن المزرّع، قال عمرو بن زعبل 4»
يهجو دماذا:
إنى رأيت دماذا عين الأحمق ... وكذاك سيما المعجب المتحذلق
لم يدر ما علم الخليل فيقتدى ... ببيان ذاك ولا حدود المنطق
ويقول أشعارا تشابه خرأه ... نسج الصّناع خلاف نسج الأخرق
أخبرنا محمد بن محمد القصرى، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: دخلنا على العتبى نعوده وقد مرض، فقال: ما أجزع من الموت كجزعى من أبى مسلم الخلق لأنى أخاف أن يرثينى كما رثى الأصمعى بقوله:
يجوب صياب معانى الجواب ... بحذف الصّواب لدى المجمع [236]
أخبرنى أبو بكر الجرجانى، قال: قال حدثنا المبرد، قال: غنّت برهان جارية ابن الصباح بين يدى بنان:
إن نفسى رسول نفسى إليها ... ولنفسى جعلت نفسى رسولا
فقال بنان: شه «44» ؛ امتلأ البيت فساء.
أخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، قال: قال أبى أبو الحسين على بن يحيى يوما لخالى أبى العباس أحمد بن أبى كامل: أنشدك أبو قدامة شعره؟ وأبو قدامة إنسان من الكتّاب كان يتعاطى قول الشعر فيكسره ويلحن فيه. فقال: ولم، فنى الصفع حتى ينشدنى شعره؟ فأنشدنا الصولى لأحمد بن يوسف الكاتب:
(1/462)

إنّ كفى إذا التقينا أراها ... تتندّى إلى قفا حيّان
ولها عطفة ولا بدّ منها ... بعده فى قفا أبى عمران
ذهبت كلّ لذة لى إلّا ... لذتى فى تفقّد الإخوان
واشتعافى «45» بصفع من يدّعى الشع ... ر بلا خبرة ولا إحسان
حدثنى بعض أصحابنا، قال: كتب رجل إلى محمد بن داود الأصبهانى بشعر ردىء، فأجابه محمد من قصيدة:
هبنى أطيع ملام الكاشحين ولا ... أعصى الوشاة ولا أرعى الذى يجب
أكنت أصغى لشعر وزنه خطأ ... وقد ترادف فيه اللحن والكذب
فالوزن منكسر، والخفض منتصب، ... واللفظ غثّ، ومعنى اللفظ منقلب
لو كنت تسطيع إخطاء بخامسة ... أخطأت، لكن عليك الجهد والطلب
هذى المعانى الكتنجىّ ارتضاك لها ... قل لى عروضك ذا من أين يقتضب
أسخنت عين معانى الشعر فاجتنبت ... لمّا شعرت وكانت قبل تجتلب
هب العروض تساهلنا عليك به ... فأىّ نحو بهذا العقل يحتقب
تطهّر الآن من ذا الشعر مغتسلا ... كما تطهّر من أدرانه الجنب
أخبرنى يوسف بن يحيى أنّ أباه أنشد شعرا رديئا، فقال:
ربّ شعر كأنه لعق ماء ... مشبه ما حنت عليه الحشوش
قد تسمّعته فمجّته أذنى ... فتمنّيت أننى أطروش «46»
بلغ علىّ بن العباس الرومى أنّ ابن الخبازة المغبّر هجاه، فقال ابن الرومى:
يأيها الأعمى الذى سبّنى ... محلّل ما نلت من نيل [237]
شعرك لا تثبت آثاره ... من غرّة اليوم إلى الليل
مدبّ ذرّ فى نقا «47» هائل ... مرّت به معصفة الذّيل
عفا فما يسطيع يقتافه ... ناظر لقمان ولا قيل
(1/463)


لو كان فى شلوك لى مبطش ... لقد دعت أمّك بالويل
أخبرنى الصولى، قال: قال أبو نواس لرجل كان يهاجيه:
سيبقى بقاء الدهر ما قلت فيكم ... وأمّا الذى قد قلتموه فريح
أخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، قال: كان أبو العباس محمد بن عمران الحلبى مليحا متكلّما ينتحل فى الإجبار مذهب الحسين النجار، ويناضل عنه، ويقول شعرا ضعيفا سخيفا، فقلت فيه:
وفى الحلبى كلّ أنس ومتعة ... ونعم أخو الإخوان عند الحقائق
ولكنه ممن يجوّر ربّه، ... وينحله مذموم فعل الخلائق
وينشدك الشعر الغثيث لنفسه، ... فتحلف عنه أنه غير سارق
فما سرّنى لو أنه لى موافق، ... ولا ضرّنى أن كان غير موافق
قال: فقد شهدت له لعمرى أنه لا يسرق الشعر، ولكن الشهادة عليه بسرقته أحسن منها بتخلفه فيه؛ لأنه لا يسرق الشعر إلّا من عرفه. قال الأخطل: نحن معشر الشعراء أسرق من الصاغة.
قال: وكان بعض اليزيديين يصحبنا، ويقول الشعر فيسىء فيه، فقلت:
اليزيدىّ عليه درقه «48» ... جلدة الفيل لديها ورقه
إن يقل شعرا رديئا فله ... أو يجد فى الشعر يوجد سرقه
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: احتجّ بعض الشعراء فى قوله الشعر الردىء بأنه إنما أراد أن يذكر به، فقال:
سوف أهجوك إن بقيت بشعر ... ليس إن قوّموه فلسين يسوى
ويقولون ذا ردىء وحسى ... أن يقولوا له ردىء ويروى
قال: ونحا فيه قولهم: «إذا فاتك الخير فارفع علما فى الشر» .
(1/464)

قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى رحمه الله تعالى: وقد أكثر الشعراء فى وصف بقاء الشعر الجيّد على تطاول الأيام، وغابر الزمان؛ ومن أحسن [238] ما جاء فيه قول عروة بن أذينة:
نبّئت أنّ رجالا خاف بعضهم ... شتمى وما كنت للأقوام شتّاما
فإن يكونوا براء لا تطف بهم ... منّى شكاة ولا أسمعهم ذاما «49»
وإن يحينوا أقل قولا له أثر ... باق يعنّى قراطيسا وأقلاما
وقول دعبل بن على الخزاعى:
لا تعرضنّ بمزح لامرئ طبن «50» ... ما راضه قلبه أجراه فى الشّفة
فربّ قافية بالمزح جارية ... مشئومة لم يرد إنماؤها نمت
إنى إذا قلت بيتا مات قائله ... ومن يقال له، والبيت لم يمت
وقول دعبل أيضا «51» :
يقولون: إن ذاق الرّدى مات شعره ... وهيهات عمر الشّعر طالت طوائله
سأقضى ببيت يحمد الناس أمره ... ويكثر من أهل الرّواية حامله
يموت ردىء الشعر من قبل أهله «52» ... وجيّده يبقىّ، وإنّ مات قائله
(1/465)

[فى آخر نسخة الأستاذ الشنقيطى التى اعتمدنا عليها فى تحقيق هذا الكتاب ما نصه:] تم الكتاب والحمد لله أولا وآخرا. وصلى الله على سيدنا محمد النبى الأمى وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
وكتبه بيمينه لنفسه العبد الفقير الضعيف الحقير الملتجئ إلى الله ورسوله إمام العلم بالحرمين، وخادمه بالمشرقين والمغربين، محمد محمود بن التلاميد التركزى المدنى ثم المكى.
وذلك بعد رجوعى من رحلتى إلى الأندلس وباريس ولوندرة أثناء رحلتى الخامسة من المدينة المنّورة إلى قسطنطينية العظمى لأجل رفع الظلم واكتساب كتب العلم.
وكان ابتدائى نسخه سلخ رجب الفرد، وفرغت منه غرة ذى الحجة سنة خمس وثلثماثة وألف.
وما كتب ورقة حتى قابلت التى قبلها فتمت كتابته ومقابلته فى ساعة واحدة.
ونقلته من نسخة الوزير محمد بن العلقمى، وعليها خطّه، وهى بخطّ الناسخ محمد بن على يعرف بالنقّاش، وهو نسخ من نسخة عبد السلام بن الحسين البصرى.
وهو كتب من أصل المؤلف أبى عبيد الله المرزبانى.
ووقف كاتبه مالكه على عصبته بعده وقفا مؤبدا فمن بدّله فإثمه عليه محمد محمود تاريخه أعلاه.
وحق على من نظر فيه أن يدعولى ولمنيف الدولة بحسن الخاتمة، فإنه لولا الله ثم منيف ما أمكننى نسخه:
تصيّدها خراش بعد حول ... ولولا الله ما كانت تصاد
على أننى حرصت على نسخ هذا الكتاب منذ خمسة عشر حولا حتى تيسّرت الأسباب، ولكل أجل كتاب، وإلى الله المتاب. ومن جدّ وجد.
[وفى آخر الكتاب بخط النقاش ما صورته:]
(1/466)

وكتب «53» محمد بن على الناسخ يعرف بالنقاش. وفرغ منه فى العشر الأوسط من شوّال سنة سبع وثلاثين وستمائة بمدينة السلام من خط الشيخ عبد السلام بن الحسين البصرى رحمه الله. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
[وفى آخر الكتاب بخط عبد السلام ما صورته:] وكتب عبد السلام بن الحسين البصرى، وفرغ منه فى جمادى الأولى سنة ست وستين وثلاثمائة بمدينة السلام من أصل الشيخ أبى عبيد الله، أيّده الله. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
[ثم قال الأستاذ الشنقيطى] قلت:
والأصل المنقول منه فى غاية الصحة والضبط إلّا ما لا يكاد يخلو منه كتاب أصلحته فى هامشه. ومن ينظره بعدى يجد أثرى فيه، فجاءت نسختى بحمد الله أصحّ وأتم وأكمل منه.
[تم الكتاب، وتليه الفهارس]
(1/467)

الفهارس العامة
1- فهرس الموضوعات
2- فهرس الشعراء وقوافيهم
3- فهرس أنصاف الأبيات
4- فهرس قوافى الشعر
5- فهرس الأعلام
6- فهرس الأمكنة والبلاد
7- فهرس المسائل اللغوية والنحوية والبلاغية، والنقدية.
8- فهرس مراجع الضبط والشرح والتحقيق.
(1/469)

1- فهرس الموضوعات
تقديم الكتاب:
تعريف بالكتاب، تعريف بالمؤلف، عملنا فيه.
المقدمة: 1
السناد والإقواء والإكفاء والإيطاء. 4
الإقواء والإكفاء، 9
السناد. الإبطاء 4، 15
الرمل 20
أولا: الشعراء الجاهليون: 22
1- امرؤ القيس بن حجر:
تنازع امرىء القيس وعلقمة 24،
امرؤ القيس والنابغة فى وصف الليل 27،
امرؤ القيس وطفيل الغنوى 31،
كثير من شعر امرىء القيس ليس له 31،
ما عيب على امرىء القيس 32
2- النابغة الذبيانى (زياد بن معاوية) : 38
الإقواء فى شعره 38،
بعض المآخذ فى شعره 40،
التضمين فى شعره 41،
ما عيب على النابغة 42،
من أبياته المستكرهة 44
3- زهير بن أبى سلمى: 47
بعض المآخذ فى شعره 47،
كعب بن زهير يجيز للنابغة 49،
زهير والنابغة 49،
زهير يدعى أبياتا 49،
لم قدم زهير 50،
ما عيب على زهير 50
4- الأعشى (ميمون بن قيس) : 53
شعر الأعشى 53،
بعض المآخذ فى شعره 54،
جهنام والأعشى 55،
الأعشى والنابغة 55، 56،
أكذب بيت قالته العرب 56، 63،
من شعره الغث 56،
من شعره المتكلف 58،
من أبياته المستكرهة 58،
من ابتداءاته التى يتطير منها 59،
عدم المشاكلة فى شعره 60،
ما عيب على الأعشى 61،
يونس يوازن بين شعر للأعشى وشعر لمروان بن أبى حفصة 62، 63،
ما استضعف من معانى الأعشى 63،
الإيطاء فى شعره 63،
استعماله الألفاظ الأعجمية 63
5- طرفة بن العبد: 64
لم يكن يحسن أن يتعشق 64،
ما عيب من شعره 65،
موازنة بين شعر لطرفة، وشعر لعنترة العبسى، وشعر لامرىء القيس 65،
موازنة بين شعر لطرفة، وشعر لحسان بن ثابت، وشعر لزهير 65، 66
6- بشر بن أبى خازم: 67
الإقواء فى شعره 67، 68
ما أنكر عليه من شعره 68
(1/470)

7- حسان بن ثابت الأنصارى: 69
إنشاده الشعر أمام النابغة 69،
نفذ النابغة شعر حسان 69، 70
رأى المرزبانى فى نقد حسان 70،
بعض المآخذ على شعره 71،
الشعر فى الجاهلية والإسلام 71،
حسان بن ثابت يجبل 72،
إجازة بنته 72،
موازنة بين شعر لامرىء القيس وشعر لحسان 87،
بعض ما عيب من شعره 73
8- أوس بن حجر: 74
ما عيب عليه من شعره 74
9- النابغة الجعدى (عبد الله بن قيس) : 75
صفة شعره 75،
وصف الفرزدق لشعره 75،
رأى الأصمعى فى هذا الوصف 75
طريق الشعر إذا أدخلته فى باب الخير 76،
رأى محمد بن سلام فى شعره 76،
هجاه سوار، والأخطل 76،
لم سمى النابغة 77،
النابغة الجعدى يحذر عقالا 77،
النابغة الجعدى وأوس بن مغراء 78،
بعض ما عيب من شعره 78.
10- الشماخ بن ضرار: 79
بعض ما عيب من شعره 79،
ذو الرمة يتبع الشماخ فى شعره 80، 81،
رأى أبى نواس فى شعر الشماخ 80،
أبو تمام يعيب قولا للشماخ 81،
ابن أبى العاصية ينحر ناقته على باب معن 82، 83
ما أنكر عليه من شعره 83
11- لبيد بن ربيعة العامرى: 84
الأصمعى يصف شعره 84،
أبو عمرو بن العلاء يصف شعره 84،
لبيد ينشد شعرا أمام أبى بكر أو عثمان 84،
ما أنكر على لبيد من شعره 85.
12- عدى بن زيد العبادى: 86
موضعه من الشعراء 86،
رأى الأصمعى فى شعره 86،
أثر البيئة فى شعره 87
13- أبو دواد الإيادى: 88
لماذا لا يروى شعره هو وعدى بن زيد 88،
رأى الأصمعى فى شعره 88،
ما أنكر عليه فى شعره 88
14- مهلهل بن ربيعة: 89
أول من قصد القصائد 89،
لماذا سمى مهلهلا 89،
رأى الأصمعى فى شعره 89،
أكذب الأبيات فى شعره 90، 96
(1/471)

15- عمرو بن الأهتم والزبرقان بن بدر: 51
تحاكم الزبرقان، وعمرو، وعبدة بن الطبيب، والمخبل السعدى إلى ربيعة بن حذار 91،
اجتماعهم وإنشادهم الشعر 92
16- المتلمس الضبعى: 93
أول من حث على البخل 93
17- المسيب بن على الضبعى: 93
إنشاده الشعر فى مجلس بنى قيس بن ثعلبة 93،
نقد طرفة لشعره 93، 94،
طرفة وعمرو بن كلثوم 94، 95
السبب فى قول عمرو بن كلثوم معلقته 95
18- أمية بن أبى الصلت: 95
بعض المآخذ على شعره 95
19- النمر بن تولب: 96
بعض ما أنكر عليه من شعره 96
20- عمرو بن قميئة: 97
ما أنكر عليه من شعره 97
21- قيس بن الخطيم: 98
إسحاق الموصلى يستشنع بعض قوله 98،
رأى شعبة فى شعره 98،
مما يعاب عليه شعره 99
22- عمرو بن أحمر الباهلى: 100
الإقواء فى شعره 100
23- جماعة من الشعراء القدماء: 101
رأى الأصمعى فى عمرو بن كلثوم 101،
رأى الأصمعى فى الحويدرة 101،
الأصمعى يوازن بين الراعى وابن مقبل 101،
رأى الأصمعى فى بعض الشعراء 101، 102
من عيوب الشعر: 103
من عيوب الوزن- التخليع، الزحاف 103،
من عيوب المعانى فساد القسم، التكرير، دخول أحد القسمين فى الآخر، ما لا يحتمل تركه، فساد المقابلات 105،
من عيوب ائتلاف اللفظ والوزن (التفصيل) 108،
من عيوب ائتلاف المعنى والوزن معا (المقلوب، المبتور) 109،
التشبيهات البعيدة- الغلو 110،
من التشبيهات البعيدة 110،
من الأبيات التى قصر فيها أصحابها 111،
من الأبيات المستكرهة الألفاظ القلقة القوافى 118،
الشعر البعيد الغلق 121.
(1/472)

من ضرورات الشعر: 122
صرف ما لا ينصرف 122،
ترك صرف مالا ينصرف 122
قصر الممدود 122،
مد المقصور 122،
الاجتزاء بالضمة من الواو 123،
مما حذف منه بعض الكلام 124،
تسكين بعض الحروف 124،
مضاعفة ما لا يجوز أن يضاعف من الكلام 125،
رد الإعراب إلى أصله 125.
إلحاق نون الجمع مع الاسم المضمر 126،
حذف التنوين من الأسماء المنصرفة 126،
حذف الإعراب 126،
قطع ألف الوصل 127،
مما حذف إعرابه 127،
ما جاء فى القوافى من الحذف 127،
وضع الكلام فى غير موضعه 128،
التصغير 129،
غد، وغدو 129،
انعم صباحا، وعم صباحا 129،
الترخيم فى النداء 130،
وضع حرف لا تجرى فيه الحركة مكان الحرف المتحرك 130.
ثانيا: الشعراء الإسلاميون:
1- الفرزذق: 132
ابن أبى إسحاق ينقد شعرا للفرزدق فيه إقواء 132،
من كلامه الحسن 136،
من أهجن ألفاظه 137،
فى شعره افتخار بعيد المعنى 138،
جرير يصفه بالكذب فى شعره 138،
كان يأتى بالإحالة فى شعره 139،
من قوله المذموم المستقبح 139،
مما يعاب على الفرزدق فى الغزل 139،
بعض ما عيب عليه فى شعره 140،
الأصمعى يصفه بالسرقة فى شعره 141،
انتحاله أشعار غيره 141،
امرأته النوار تحكم بينه وبين جرير 142،
الفرزدق يضم قصيدة لذى الرمة إلى شعره 142،
كان الفرزدق مهيبا تخافه الشعراء 144،
أدخل بيتين لابن ميادة فى شعره 144،
وانتحل بيتين المراعى 145،
وانتحل شعرا لجميل 145،
وشعرا للأعلم العبدى 146،
وأبياتا للمخبل وللمتلمس 147،
شعر له وهو محبوس 149،
جرير ينتصف من الفرزدق فى مجلس للحجاج 149.
مذاهب الشعراء فى الجاهلية 150،
الفرزدق لا يتستر فى فحشه 151،
جرير يعف عن ذكر النساء 152،
شعر جرير والفرزدق والأخطل 153،
أهل البادية بشعر جرير أعجب 154،
رأى بشار فى شعر جرير والفرزدق والأخطل 154،
مقلدات جرير ومعايب الفرزدق 155،
مسلمة بن عبد الملك يصف شعر الفرزدق 156،
بعض ما عيب على الفرزدق فى شعره 156.
2- جرير بن عطية الخطفى: 157
بعض العلماء يقدم جريرا على الفرزدق وبعضهم يقدم الفرزدق 157،
حكم على شعر جرير 158،
من أفن شعر جرير 158
مما عيب عليه فى شعره
(1/473)

159،
مما يعد على جرير 160،
المبرد كان يفضل الفرزدق على جرير 161،
رأى مروان بن أبى حفصة فى شعر جرير والفرزدق 161،
رأى أبى عبيدة فى شعرهما، هجاء جرير للفرزدق بثلاثة أشياء كلها كذب 161، 162،
إبداع الفرزدق فى الهجاء 164،
أبو الغوث يحيى بن البحترى يفضل الفرزدق 165،
كردين المسمعى يفضل الفرزدق والأخطل على جرير 165،
خلف يقول: جرير كان قليل التنقيح لشعره 166،
بعض ما أخذ عليه فى شعره 166، 167،
من أبياته التى زادت قريحته فيها على عقله 166، 168،
سبب الهجاء بين جرير وعمر بن لجأ التيمى 168،
بعض ما عيب عليه فى شعره 170،
هجاء جرير التيم 172،
جرير يفحم فى مجلس الوليد بن عبد الملك 172،
رأى جرير فى الفرزدق 172،
رأى جرير فى الأخطل 173، 174،
الإقواء فى شعره 175
3- الأخطل (غياث بن غوث) : 176
الأخطل يسأل الغضبان بن القبعثرى فى حمالة 176،
سويد بن منجوف يهيج بكر بن وائل على الأخطل، 176، 178،
هجاؤه سويد بن منجوف وقومه 177، 179،
الأخطل يمدح سماك بن عمير 178،
قال له سويد:
ما يحسن أن تهجو ولا أن تمدح 178، 179،
الأخطل يهجو قيسا 180،
أخطأ الأخطل فى أربعة 181،
خبر الأخطل والجحاف بن حكيم 181،
أخطأ الأخطل فى الجحاف 182،
من أبياته التى نقدها عبد الملك بن مروان 183،
رأى بشار فى شعره 183،
ابن بشير المدينى يرمى الأخطل بالسرقة فى شعره 183، 184،
رجلان يختصمان فى بيتين للأخطل والأغشى 184،
رأى الشعبى فى شعر الأخطل، والأعشى 185،
تذاكر الفرزدق والأخطل جريرا وقضاؤهما لجرير أنه أسير منهما شعرا 186،
هجاء الأخطل جريرا 186،
رأى عباد بن الحجاج فى شعر الأخطل 186،
الأخطل يقول: نحن أسرق من الصاغة 187،
الأخطل بنشد عبد الملك مدحه ونقد عبد الملك 187.
4- كثير بن عبد الرحمن: 189
بعض ما عيب عليه من شعره 189،
رأى مروان بن أبى حفصه فى بعض شعره 190،
عبد الملك يغضب من شعر له 190،
كثير والشيعة 191،
عبد الملك يفضل شعرا للأعشى على شعر كثير، ورأى المرزبانى فى ذلك 192،
اللحن فى شعره 193،
رأى الأصمعى فى شعره 193،
رأى عبد الملك فى أبيات من الشعر 193،
بيت كثير يستحسنه بعض الناس ويستقبحه بعضهم 194،
أنسب بيت قالته العرب 195،
بعض ما أخذ
(1/474)

عليه فى شعره 195،
كثير يروى شعر جميل 196،
كثير والأخطل فى مجلس عبد الملك 196،
عزة وكثير 196،
رأى ابن أبى عتيق فى شعر لكثير 197،
ابن أبى عتيق يستنشده بعض شعره 197،
تفضيل عبيد الله بن قيس الرقيات 198،
امرأة تعرض لكثير وتنقد شعره 198، 199،
امرأة تقول لكثير لقد عرفت بامرأة وردّ كثير عليها 199، 200
بين كثير وقطام، وتفضيل قطام لشعر امرىء القيس 201،
بعض ما قيل إنه سرقه 202،
رأى المرزبانى فيما قيل عن سرقاته 203،
رأى سكينة بنت الحسين فى بعض شعره 204،
بعض ما عيب من شعره 204، 205،
نقد بشار لبيت من شعره 205، 206،
امرأة تعيب بيتا لكثير 206
5- راعى الإبل النميرى: 207
عبد الملك بن مروان يعيب شعرا له 207، 208،
بين الراعى وعمه 207،
رأى أبى عمرو بن العلاء فى شعره 208،
رأى الأصمعى فى شعره 208،
بعض ما أنكر عليه فى شعره 208.
6- القطامى: 208
القطامى يمدح زفر بن الحارث 208،
رأى زفر فى شعره 208
7- أخبار تشتمل على ذكر جماعة من شعراء الإسلام: 209
رواة الشعراء عند سكينة بنت الحسين، ورأيها فى شعر جرير، وكثير، وجميل، ونصيب، والأحوص 209، 210،
تصحيح نسبة بيت 210،
رأى عقيلة بنت عقيل بن أبى طالب فى شعر لجميل، وكثير، والأحوص 211، 212،
اجتماع شعراء عند كثير عزة ونقده لبعض شعرهم، 213، 214، 215
أشعر العرب 315،
نقد لشعر الفرزدق، وجرير، وابن رميلة 216،
اجتماع الشعراء بباب الوليد بن عبد الملك وفيهم الفرزدق، وجرير، والأخطل والبعيث وابن رميلة 216،
رأى البعيث فى شعرهم 216،
وموافقة الوليد على رأيه 217،
اجتماع الشعراء فى ضيافة سكينة ونقدها لشعرهم 218، 219، 220،
من أخبار الشعراء والجان 222،
8- ذو الرمة: 223
ذو الرمة حجة 223،
كان ذو الرمة راوية الراعى 223،
رأى جرير فى شعر ذى الرمة 223، 224، 225،
رأى أبى عمرو بن العلاء فى شعره 223،
رأى الفرزدق فى شعره 224، 225
رأى جرير فى شعره، وشعر الأخطل والفرزدق 223، 224،
الأصمعى فى شعر ذى الرمة 224، 225،
أركان الشعر 225،
رأى البطين فى شعر ذى الرمة 225،
ذو
(1/475)

الرمة يسأل الفرزدق عن شعره 226،
لماذا لا يعد ذو الرمة من الفحول 226،
لماذا ترك ذو الرمة الرجز 227،
بعض ما أخذ عليه فى شعره 227،
ما أجاد فيه ذو الرمة من الشعر 230،
بعض ما عيب عليه فى شعره 230،
ذو الرمة كان يكتب 231،
رجع إلى عيب بعض شعره 232، 239، 240
9- عبيد الله بن قيس الرقيات: 241
رأى الأصمعى فيه 241،
بعض ما أخذ عليه فى شعره 241،
الأصمعى يرميه باللحن 242
10- الأحوص بن محمد: 243
نقد بيت له 243،
اجتماع جرير، والأحوص 243،
أعطى الأحوص فى شعره عشرة آلاف دينار 244،
نقد كثير له 244
11- أبو دهيل الجمحى: 244
أرتج عليه ولم يكمل بيتا 245
12- نصيب الأسود: 245
عبد الملك بن مروان ينقد بيتا له 245،
رأى بن أبى عتيق فى بيت له 246.
13- عدى بن الرقاع: 246
نقد بعض شعره 247
14- أعشى همدان: 247
هو من الفحول عند الأصمعى 247،
بعض أخطائه فى شعره 247
15- الكميت بن زيد الأسدى: 248
الكميت ليس بحجة لأنه مولد 248،
الأصمعى يقول، ذو الرمة أحسن حالا من الكميت 248،
الكميت والطرماح يسألان رؤبة عن الغريب 248،
المفضل يقول: الكميت لا يعتد به فى الشعر 249،
الكميت يستعمل العويص 249،
اجتمع نصيب والكميت 249،
النصيب يحصى خطأ الكميت 249، 251،
بعض أخطاء الكميت 249، 250،
رأى المبرد فى شعر الكميت 251،
رأى الأصمعى فى الكميت 251،
بشار يقول: ما كان الكميت شاعرا 251،
ذو الرمة والكميت 252،
رأى حماد فى شعر الكميت 252،
بعض ما اخطأ فيه الكميت 252،
رأى خشاف فى شعر الكميت 254،
بعض ما أنكر على الكميت 254
(1/476)

16- جميل بن معمر العذرى: 255
بيت نصفه أعربى ونصفه مخنث 255،
جميل أصدق فى عشقه أم كثير 256،
المفضل الضبى يميل إلى كثير 257،
تفضيل شعر للعباس بن الأحنف على شعر لجميل 257، 258
17- عمر بن أبى ربيعة: 258
رأى أبى عمرو بن العلاء فى عمر 258،
بعض ما عيب عليه فى شعره 258، 259،
رأى جرير فى شعر عمر 260،
عمر أطول قريش صبوة وأبطؤها توبة 260،
سليمان بن عبد الملك يأمر عمر ألا يحج مع الناس 261،
أبو عبيدة يعيب شعره 261،
ابن أبى عتيق ينقد شعرا له 261،
المفضل يضع من شعر عمر فى الغزل 262،
ويذكر سبب ذلك 262،
النصيب يصف شعره وشعر جميل، وكثير، وابن أبى ربيعة 262،
سعيد ابن المسيب يعيب عليه بيتا من شعره 263،
رأى الفرزدق فى شعر ابن أبى ربيعة 263
18- قيس بن ذريخ: 264
بعض ما أخذ عليه فى شعره 264
19- مجنون بنى عامر: 265
قال بيتا فذهب بصره 265،
البلاء موكل بالمنطق 266
20- الطرماح بن حكيم: 266
أبو عمرو بن العلاء رآه يكتب ألفاظ النبط ويتعلمها ليدخلها فى شعره 266،
نشأته بالسواد 266،
الأصمعى يقول: إنه ليس بحجة لأنه مولد 267،
الطرماح والكميت يسألان رؤبة عن شىء من الغريب 267
21- الحارث بن خالد المخزومى: 268
ابن أبى عتيق يصف شعر عمر بن أبى ربيعة والحارث بن خالد المخزومى 268
22- عبد الله بن عمر العبلى: 269
هشام بن عبد الملك يضربه مائتى سوط بعد أن مدحه بشعر 270
بعض ما أنكر عليه فى شعره 270
23- عروة بن أذينة: 271
أبو السائب المخزومى يعيب بعض شعره 271،
العرجى أولى بالصواب منه 271،
بعض ما أنكر عليه من شعره 272
(1/477)

24- الأغلب العجلى: 272
رأى الأصمعى فيه 272، 273
كان ولده يزيدون فى شعره 272، 273
كان الأصمعى أروى الناس للرجز 273
25- أبو النجم العجلى: 273
الأصمعى يستجيد بعض رجزه 273،
بعض ما أخذ عليه 273، 274
بعض ما أخطأ فيه 274
26- العجاج: 275
العجاج عند الوليد 275،
الوليد يقول له: ما صنعت شيئا 277، 278،
السناد فى رجز العجاج 278،
رأى رؤبه فى شعر أبيه 278، 279،
رأى الأصمعى فى بيت للعجاج 279
27- رؤبة بن العجاج: 279
بعض ما أخطأ فيه 279،
بعض ما أخذ عليه 280
28- أبو نخيلة السعدى: 280
كان ينتحل شعر رؤبة 280،
أبو نخيلة ينشد شعرا لرؤبة، ويدعيه، ورؤبة يسمع 281
29- مالك بن أسماء: 281
رأى الأصمعى فى شعره، تفضيله امرأ القيس عليه 281
30- القحيف العامرى: 282
رأى الأصمعى فى شعره 282
31- الأقيشر الأسدى: 282
الأصمعى يطعن على الأقيشر 282
32- أيمن بن خريم: 282
أفضل مديح الرجال 282
عبد الملك بن مروان يعتب على عبيد الله بن قيس الرقيات فى مدحه بالفضائل الجسمية 282، 283
شعر لأيمن بن خريم فى بشر بن مروان 283،
مثل لقبح المديح 284.
33- ابن هرمة: 285
بعض أهل العلم يستحسنون شعرا لعنترة 285،
بعض ما أخذ على ابن هرمة فى شعره 285،
ابن هرمة يقول شعرا لا يستطيع أن يجوزه 285،
بعض ما أخطا فيه ابن هرمة 286
34- عبد الرحمن القس: 287
قدامة يذكر بعض ما استثقل من كلامه، وما استخشن منه 287،
قدامة
(1/478)

يذكر ما جاء من التناقض فى شعره 288
شعر ليزيد بن مالك متناقض 288
35- نوح بن جرير: 289
رجل من بنى سعد يعيب جريرا، وابنه 289
36- أبو حية النميرى: 290
بعض ما عيب من شعره 290
37- ابن ميادة المرى: 290
رأى قاسم بن جندل فى شعره 291،
رد ابن ميادة عليه 291،
نقد ابن ميادة لشعر الحكم الخضرى 291،
الحكم ينقد شعرا لابن ميادة 292
38- عبد الله بن مسلم بن جندب الهذلى: 293
بعض ما أخذ عليه فى شعره 293
39- الحسين بن مطير يمدح معنا، 293، 294
نقد لشعره فى مديح معن 294
سكن الحسين ماحقه التحريك 294
40- جماعة من شعراء الإسلام: 294
عمر بن أبى ربيعة يلقى الأحوص مقبلا من عند عبلة 294،
نقد ابن أبى ربيعة شعر الأحوص 294، 295
من عيوب معانى الشعر: 295
مخالفة العرف 295،
وأن تنسب الشىء إلى ما ليس له 296
من عيوب ائتلاف اللفظ والمعنى: 296
الإخلال 296،
عكسه 297
من عيوب ائتلاف اللفظ والوزن: 297
الحشو 297، 298،
التثليم 298،
التذنيب 299،
التغيير 299
من العيوب العامة للمعانى: 300
فساد التفسير 300،
التناقض 300
من عيوب ائتلاف المعنى والقافية: 300
أن تكون القافية مستدعاة قد تكلف فى طلبها 300،
وأن يؤتى بالقافية لتكون نظيرة لأخواتها فى السجع 301،
ينبغى للشاعر أن يتأمل تأليف شعره وتنسيق أبياته 302،
وأن يحترز فى أشعاره ومفتتح أقواله 303،
أمثلة لابتداءات معيبة 303، 304
الفرزدق أشعر أهل زمانه 305،
ثم ذو الرمة 305،
ذو الرمة ينشد عبد الملك شعرا يغضب له 305، 306،
الأخطل ينشد عبد الملك شعرا لا يرضيه 306،
شعر لمتمم بن نويرة يكره سماعه
(1/479)

عبد الملك 306، 307،
عبد الملك ينقد شعرا لجرير 306،
هشام بن عبد الملك يعيب شعرا لأبى النجم 307،
أرطأة بن سهية ينشد شعرا لعبد الملك بن مروان 308،
عبد الملك يرتاع لسماعه هذا الشعر 308
من شعراء الأعراب من سلك الزلل والخطأ فى أشعارهم 309،
أحسن الشعر عند محمد بن يزيد النحوى 309، 310،
من الأبيات التى أغرق قائلوها فى معانيها 310، 311،
جماعة من الشعراء المحدثين أغرقوا فى المعانى 312،
أحسن المديح 312
ثالثا- الشعراء المحدثون: 313
صفة أشعار المحدثين عند ابن الأعرابى 313،
القديم أحب إلى ابن الأعرابى 313
1- بشار بن برد العقيلى: 313
الأخفش يعيب بعض أبيات لبشار 313، 314،
سيبويه يعيب شعرا لبشار وشعر بشار فيه 314،
بعض المآخذ فى شعر بشار 315، 316،
بشار يأتى بالقوى من الشعر والمهجن منه 316، 317
ينبغى للشاعر أن يتجنب الإشارات البعيدة 317،
بشار أستاذ المحدثين 318،
قيل إنه ينظم الشذرة ثم يجعل إلى جانبها بعرة 318
2- مروان بن أبى حفصة: 318
رأى الأصمعى فى شعره 319،
مروان بن أبى حفصة لم يكن له علم باللغة 319،
كان مروان ينقح الشعر ولم يكن مطبوعا 319،
الأصمعى يقدم بشارا على مروان 319، 320،
أبو زيد الأنصارى يقول: مروان أجد وبشار أهزل، ورأى الأصمعى فى هذا القول 320،
مروان كان يأخذ أكثر شعره من دعامة ابن عبد الله 320، 321
مروان يشترى شعرا من باهلى ويمدح به معنا 321،
أمدح بيت قيل فى معن 321، 322
3- أبو العتاهية: 323
بعض ما أخذ عليه فى شعره 323، 324،
لو شاء أبو العتاهية أن يقول ألف بيت لقال 324، 325،
الرشيد ينكر على إسحاق الموصلى طعنه على أبى العتاهية فى شعره 326،
رثاء أبى العتاهية لسعيد بن وهب 326
رثاء له معيب 327،
مما أنكر عليه فى النسيب 327،
لا يخلو شعره من الخطأ الفاحش والقول السخيف 327،
نقد لشعر أبى العتاهية وأبى نواس 328،
كان أبو العتاهية من سوقة الناس وعامتهم 328، 329،
بعض شعر له ضعيف 329،
بعض ما استحسن من شعره 329،
التضمين فى شعر أبى
(1/480)

العتاهية 330،
خير الشعر ما قام بنفسه 330،
أبو العتاهية مع اقتداره يكثر عثاره 330،
بعض ما أخطأ فيه 330، 331،
تعصب الرشيد لأبى العتاهية 331
4- أبو نواس: 332
رأى أبى عبيدة فى شعره 332،
إسحاق الموصلى يتعصب على أبى نواس وينصر الأوائل 332،
كان إسحاق الموصلى لا يعده شيئا 333،
الفرق بين الممتنع والمتناقض فى رأى قدامة 334،
من التناقض فى شعر أبى نواس 334، 335
من قول أبى نواس على طريق الإيجاب والسلب 335،
بعض ما عيب من شعره 336،
ابن الأعرابى يفضل بيتا للأعشى على آخر لأبى نواس 336،
المبرد يقول: كان أبو نواس لحانة 337،
مما يرد من شعره ويطرح 337،
من شعره الملحون المذول 338،
من شعره الذى يذم 338،
بيت له بادى العوار 338،
قال شعرا لا يتكلم بمثله مسلم 339،
مما أنكر من قوله 339، 340،
مما لم يجد فيه 339، 340،
بعض اللحن والخطأ فى شعره 340،
العتابى يقول: إنه أفرط فى طلب البديع 340
مسلم بن الوليد يقول: إنه يحيل 340، 341
نقد العتابى لبعض شعره 341،
بين مسلم بن الوليد وأبى نواس 341،
مما عيب من شعره 341، 342،
بعض ما سرقه 342،
ما أخذه على بن المبارك الأحمر على أبى نواس 343،
بعض ما غلط فيه 343
ينبغى للشاعر أن يحترز فى أشعاره ومفتتح أقواله مما يتطير منه 343،
بعض ما أنكر عليه 343، 344،
بعض شعره فى الزهد 345،
من مرثيته للآمين 345،
محمد بن زياد الأعرابى يقول: فى شعره من الإساءة ما يعفى على المحاسن 345،
بعض ما عيب من شعره 346،
الرشيد يصلح بيتا لأبى نواس 346،
إنشاد شعر لأبى نواس فى مجلس الرشيد وأمره بأن يودع المطبق 347، 348،
بعض سقطاته 349،
أمر الرشيد بحبسه حتى يدع الخمر 349،
ونقد شعر قاله فى الحبس 349،
موازنة بين بيت له وآخر لحسان 350،
بعض ما غلط فيه أبو نواس 350، 351
بعض ما لحن فيه 351،
أبو نواس كثير الإحالة 351، 352
رأى أبى على البصير فى شعر أبى نواس 353،
بعض ما أخذ من غيره 353، 354
مسلم بن الوليد يسأل أبا نواس عن بيت له 354،
مسلم يقول لأبى نواس: ما أعلم لك بيتا إلا مدخولا معيبا ساقطا 354، 355،
نقد أبى نواس لبيت لمسلم بن الوليد 355،
مسلم بن الوليد ينكر تقديم أبى العتاهية وأبى نواس، ويذكر رأيه فيهما 355،
بعض ما أخذ عليه فى شعره 357،
تماديه فى حب البديع 358،
من سيىء شعره 358
رأى
(1/481)

ابن مناذر فى شعره 358،
شعر له فيه إفراط 359،
هجاء أبى نواس لأحمد ابن روح وجواب أحمد 359،
أنشد شعرا فرمى بالكفر 360،
فجوره فى شعره 360
5- مسلم بن الوليد: 361
مسلم بن الوليد يقول لأبى نواس: أنت لا تحسن الأوصاف 361،
نقد أبى نواس لبيت لمسلم 361
6- العباس بن الأحنف: 362
الأصمعى يتسخط شعره، ويقول إنه سخيف اللفظ 362،
ما عيب عليه فى شعر الغزل 362،
ما عيب على الفرزدق وجرير فى الغزل 362، 363
رأى المدائنى فى شعره، وشعر أبى العتاهية 362،
ابن الأعرابى يشبهه برؤبة 363،
غصين بن براق يحلف أن بيتا للعباس بن الأحنف ليس له 364،
العباس بن الأحنف يضم بيتا للذلفاء إلى شعره 364
أبو الهذيل يعتقد الكذب والفجور فى شعره 365،
ما يروى له من الهجاء 365
7- كلثوم بن عمرو العتابى: 365
وصف شعر العتابى والعباس بن الأحنف 365،
من أشعر شعر العتابى 365، 366،
ما أخذ من بشار 366،
بعض المآخذ على شعره 366،
قال رجل عنه: إنه كز لارقة له 367
8- أشجع السلمى: 367
على بن الجهم يقول إنه يخلى 367،
وتفسير هذا الكلام 367
9- محمد بن مناذر: 368
نقد أبى العتاهية شعرا لابن مناذر 368،
شعره لم يعجب أبا عبيدة 368،
ابن مناذر يطلب من خلف أن يقيس شعره بشعر امرىء القيس وزهير والنابغة 368،
خلف يرميه بصفحة مملوءة مرقا 368،
ابن مناذر يكمل بيتا بعد حول 368
10- المؤمل بن أميل: 369
رثاؤه للمهدى، وضحك الناس منه 369
11- العمانى الراجز: 369
إسحاق الموصلى يصف الأصمعى 369، 370
الأصمعى يعيب بيتا للعمانى 370،
الرشيد يصلح خطأ للعمانى 370
12- بكر بن النطاح: 370
مثل الإسراف والتجاوز والغلو عند المحدثين 370
(1/482)

13- الفضل الرقاشى: 370
سأل أعرابيا عن البلاغة والعى: 371
أبو على الهبارى يفضل أبا نواس عليه 371
14- محمد بن يسير الحميرى: 371
المبرد يذكر خطأ له فى شعره 371
15- محمد بن وهيب الحميرى: 371
بعض ما أخطأ فيه 372
16- دعبل بن على الخزاعى: 372
دعبل يقول إن أبا تمام يتتبع معانيه فيأخذها 372،
ويرد رجل عليه 372
17- إسحاق بن إبراهيم الموصلى: 373
الأصمعى ينقد شعرا له 373،
بعض ما عيب عليه فى شعره 373
سرق بيتا من الأحوص 373،
الابتداءات المستكرهه 374
18- مروان بن أبى الجنوب: 375
المكتفى ينقد شعرا له 375،
مثل شعر آل حفصة وتناقصه حالا بعد حال 376،
بعض ما أخذ عليه فى شعره 376
19- أبو تمام الطائى: 377
أبو حاتم يصف شعره 377،
رأى ابن الأعرابى فى شعره 377،
أبو هفان يشبه شعره 377،
أبو تمام يريد البديع فيخرج إلى المحال 377،
رأى دعبل فى شعره 378
عبيد الله بن سليمان يستغث شعره ويكرهه 378،
ابتداءات شعره بشعة 378، 379،
راض أبو تمام نفسه على عمل مثل أرجوزة لأبى نواس فلم يرض ما جاءه 379،
مما يعاب على أبى تمام 379،
من سخيف شعره 380،
بعض ما أخذ عليه فى شعر 380، 381،
أبو تمام بلغ غايات الإساءة والإحسان 381،
بعض ما عيب عليه فى شعره 382- 384- 385،
من ابتداءاته المذمومة 385
من استعماله الغريب
385- 387،
للطائى سرقات كثيرة 388،
كتابه الذى ألفه فى اختيار الأشعار 388،
رجع إلى ما عيب من شعره 389- 391،
مما ينسب إلى التكلف فى شعره 391، 393،
ومن عجائبه 394، 395،
مما أنكره عليه إسحاق الموصلى 396،
ومن تكلفه 396- 399،
دفاع أبى تمام عن بيت له 399،
أبو تمام يحيل فى شعره 400،
رأى البحترى فى دعبل وأبى تمام 400،
من أشهر ما عيب به أبو تمام 400- 401،
من عيوب الشعر أن تكون القافية مستدعاة 401،
مثل لذلك من شعر أبى تمام 401،
ومما عيب على أبى تمام 402- 404،
رأى على بن الجهم فى شعره 405
كان
(1/483)

إذا كلمه إنسان أجابه قبل انقضاء كلامه 405،
مدحه لعبد الله بن طاهر بقصيدة أولها بيت نصفه مخروم والنصف الآخر عويص 406،
الكندى يعيب بيتا لأبى تمام فيقول شعرا على البديه 406، 407،
إسحاق الموصلى يقول له: ما أشد ما تتكىء على نفسك 407،
يعقوب الكندى يقول:
هذا رجل يموت قبل حينه 407،
دعبل يزعم أنه كان يسرق الشعر 407، 408،
قصيدة أبى تمام فى رثاء محمد حميد الطوسى مسروق أكثرها فى رأى دعبل 408، 409،
من أخطائه 409، 410
20- أبو عبادة البحترى: 410
بيت له غير موزون 410،
شعر أبى تمام وشعر البحترى فى رأى بعض العلماء بالشعر 411، 412،
البحترى يتبع معانى أبى تمام 411، 412
البحترى يعرف الحق ويقر به 412،
مما أخذ البحترى من شعر أبى تمام
412- 413
ومما احتذى فيه البحترى أبا تمام 414،
سرقات البحترى من أبى تمام كثيرة 414،
أجبل البحترى عشر سنين ثم قال كثيرا 414،
مما وجد فى شعر البحترى من اللحن 414، 415
ابن أبى طاهر يقول- شعرا- إن نصف شعره ملحون ونصفه الآخر مسروق 415،
البحترى كان يكفر بالإحسان 415،
من هجائه القبيح للمستعين 417،
البحترى هجا نحوا من أربعين رئيسا ممن مدحهم 418،
ونقل نحوا من عشرين قصيدة من مدائحه لجماعة إلى مدح غيرهم 418،
من قلة وفاء البحترى 418، 419،
مما أنكر على البحترى 419،
ابن الرومى يقول للبحترى:
إياك والهجاء 420،
من سرقات البحترى 421- 422
بعض ما غلط فيه البحترى 423،
مما أخذ البحترى من أبى تمام 424- 425،
سرقات البحترى من أبى تمام نحو خمسمائة بيت 425،
أبيات له وجد فيها بعض أعدائه مقالا 425، 426
21- يزيد بن محمد المهلبى: 426
بعض ما أخذ عليه فى شعره 426
22- أحمد بن المعذل: 427
بيت تأوله على غير وجهه 427
23- على بن الجهم: 427
مروان بن أبى الجنوب يصف شعره 428،
مدح المتوكل فقال أحمد بن أبى داود: ما سمعت مديحا للخلفاء مثل هذا 428،
مما أخطأ فيه 428
24- عبد الصمد بن المعذل: 428
مما أخطأ فيه، ولحن 429
(1/484)

25- على بن محمد العلوى: 429
كان شعره أكبر من علمه 429،
مما أخطأ فيه 429
26- أبو سعد المخزومى: 429
مما عيب عليه 430،
رأى المرزبانى فى نقده 430
27- أحمد بن أبى فنن: 430
مما يعاب على قيس بن الخطيم 430،
أحمد بن أبى فنن أخذ شعر قيس بن الخطيم فأسرف حتى أخطأ 430
28- محمود الوراق: 431
مما أساء فيه 431
29- إسحاق بن خلف البصرى: 431
مما أنكر عليه 431
30- أحمد بن المدبر الكاتب: 432
أبيات له مضطربة الإعراب 432
31- ابن أبى عون الكاتب: 432
شعر له فيه حشو 433
32- أحمد بن على المادرائى: 433
مما أحال فيه 433
33- محمود بن مروان بن أبى الجنوب: 434
مما ناقض فيه 434
34- أحمد بن أبى طاهر: 434
مما أخذ من دعبل وسقط لفظه فيه 434
35- جماعة من الشعراء: 435
أبو أيوب يرثى أم سليمان بن وهب 435،
نقد سليمان بن وهب للمرثية 435،
زبيدة بنت جعفر تمدح بشعر فيهم الخدم بضرب الشاعر 435، 436
بيتان من الشعر لبعض الأعراب ونقد جيد لهما 436، 437،
من عيوب الشعر أن يركب الشاعر منه ما ليس بمستعمل 436،
لم كان القدماء يأتون بالحوشى 437،
أبو حزام غالب العكلى يقول شعرا يغلب فيه الحوشى 437،
من الشعر المتكلف 438،
سمعه ابن الأعرابى فقال لمنشئه: إن كنت جادا فحسيبك الله 439،
من الأعراب من شعره فظيع التوحش مثل شعر محمد بن علقة 439
36- عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: 440
بعض ما غلط فيه 441،
لا يقال أضام 440،
ما أخذ من شعر غيره 441
(1/485)

37- سليمان بن عبد الله بن طاهر: 441
بعض ما لحن فيه 441
38- على بن العباس الرومى: 441
بعض ما أخذ عليه فى شعره 441،
رأى المرزبانى فى نقد لشعر ابن الرومى 442
رابعا- ما جاء فى ذم الشعر الردىء: 443
ما لم يكن من الشعر حسنا 443،
الشعر كالدراهم 443،
من الشعر أبيات إن سمعتها لم تفكه لها وإن فقدتها لم تبالها 443،
عروة بن الزبير يصف شعر ابنه 444،
يعجب من ضعف شعره مع عقله 444،
الشعراء أربعة 445،
الفرزدق يصف شعر ذى الرمة 446،
جرير يصف شعر ذى الرمة 446،
شعر كبعر الكبش 447،
يفتقر بشعره 447،
كان الشعر جملا بازلا 447، 448
الفرزدق يقول لرجل أنشده شعر: رده على شيطانك 448،
الشعر كذب وهزل وحقه بالتفضيل أهزله 448،
جرير يسمع شعرا فى مجلس هشام. فيخرج ولا يعود إلى هشام 449،
شعر ردىء للمغيرة ابن حنباء 449
أكثر الأشعار الباردة تسقط إلا أن ترزق حمقى 450،
يموت ردىء الشعر 450،
عقبة بن رؤبة ذهب شعره فما يروى له منه بيت 450،
سبب قول بشار أرجوزة له 450،
رأى لخلف الأحمر فى شعر عرض عليه 450، 451،
كان أبو عبيدة والأصمعى يقولان شعرا ضعيفا 451، 452،
فقيه أنطاكية يقول شعر بعد ما سمع رجلا ينشده شعره 452،
رجل يعرض على بشار شعرا له 452،
رجل يعرض شعره على أبى عمر بن العلاء 452،
شاعر ضعيف الشعر ينشد المهدى شعره 453
شاعر لا يستطيع أن يفسر شعره للرشيد 453،
الأصمعى يبكى بعد ما سمع شعرا رديئا 454،
أبو نواس ينشده رجل شعرا رديئا فى موته 453، 454،
بين عبد الله بن محمد بن عيينة، ومروان بن سعيد 454، 455،
المفضل الضبى لا يقول علمه بالشعر يمنعه من قوله 456،
شعر خلا من الذوق 456،
شعر لأخى أحمد بن يوسف الكاتب ورأى ابن يوسف فيه 456، 457
رأى أبى العتاهية فى شعر 457،
أبو العتاهية لا يصغى لقائل 457، 458
ابن أبى العتاهية ينشد أباه شعره 458،
شاعر يمدح زبيدة فيهم به الخدم والحشم 458،
ابن أبى العتاهية يحكى رأى أبيه فى شعره 459،
أبو زيد النحوى يقول رأيه فى شعر أبى عدنان السلمى 459،
أبو الشمقمق يبدى رأيا فى شعر رجل 459،
ابن عائشة ينصح شاعرا بالبعد عن الغريب 460،
محمد بن الحسن الحصنى
(1/486)

يقول لابنه بعد ما أنشده شعره: أمك طالق إذا ولدت مثلك 460، 461،
رجل يهم بطرح أخيه فى البئر بعد ما سمع شعره 461،
شعر لإسحاق الموصلى فى محمد بن راشد 461،
العتبى يجزع من أن يرثى بشعر ردىء 462
شعره مكسور ملحون 462، 463،
محمد بن داود الأصبهانى يكتب شعرا يرد به على رجل أرسل إليه شعره 463،
يحيى المنجم يصف شعرا رديئا 463،
ابن الرومى يرد على ابن الخبازه هجاءه 463، 464
شعر ضعيف سخيف 464،
بعض الشعر يقول الشعر الردىء ليذكر به 464،
بقاء الشعر الجيد على تطاول الأيام 465،
شعر لعرة بن أذينة فى ذلك 465،
شعر لدعبل الخزاعى فى ذلك 465
(1/487)

2- فهرس الشعراء وقوافيهم [1]
(ا)
أحمد بن روح دوابه 359، بانتسابه 360
أحمد بن أبى طاهر دنبه 434، ذكرى 434
أحمد بن على المادرائى لبابه 433
أحمد بن أبى فنن تتقصّف 431، مهفهف 430
أحمد بن المدبر شكريه 432
أحمد بن المعذل متخافيا 427
أحمد بن يوسف الكاتب قائله 457 حيان 463
أخو أحمد بن يوسف الكاتب ويواصله 456
ابن أحمر وارعد 253، الحجر 100، البصر 100، والكبرا 115، والسّكر 100، الشّجر 100
الأحوص قرت 243، متلدا 244، الغادى 374 يشير 214، لفقير 214، تبعا 212 حلّقا 210، 212، الفراق 294 لا أبالى 214
الأخطل عضب 196، حدب 195، البعيد 177، 179،
مضر 178، 180 بيتدر 178، زفر 180، عثروا 183، الشرر 385، وعامر 181، 182، بمقدار 186، النار 186، بمطيق 54، 177، 179، قبول 177، يقول، 179، والمعول 181، 217، 384، الأغلالا 184، خيالا 184، يغشم 180، المزكوم 184، 185، ملثوم 185، مواليا 133
أرطاة بن سمية إيابى 309، مزيد 304 الحديد 308
إسحاق الأعرج الكريم 287
إسحاق الموصلى مسدود 373، بميعاد 374، راشد 461 سحر 461، كسرا 3، الديار 373، مغناك 375، أبلاك 375
إسحاق بن حسان الخريمى تتسكع 381، يلمع 402
إسحاق بن خلف البصرى الأسل 431
أبو الأسود الدؤلى قليلا 126
الأسود بن يعفر تميم 103
أشجع بن عمرو يصنع 284
الأعشى غادها 53 ضريرا 59 العبيرا 61، القمارا 151، قابر 56، 63، 96، جابر 113، الناضر، 392، مانفعا 56، فالفرعا 56، والوجعا 57، والصلعا 59، قرعا 60، خيفق 60، مفتق 151، عجل 55، رجل 56، تصل 59، تأتكل 129، مايئل 151، الرجلا 59، 119 وطحالها 59، 62، 118، نهالها، 192 بدالها 304، الرحال 43، سؤالى 59، للهلال 235، كراما 185، المصلّم 54، المحرم 54، 55، زمزم 55، المزكوم 184، تخم 8، كتم 43، يرم 58، تلتطم 113، معن 58، اليمن 11، 63، أزن 151، بها 336، 421
أعشى همدان تجارته 247
__________
[1] أهملنا هنا أنصاف الأبيات فيرجع إليها فى فهرسها الخاص.
(1/488)

الأقيشر الغضب 282
امرؤ القيس أحسبا 36، المعذّب 24، 200، مهذب 24، 25، 112، القباب 36، تطيب 199، 271، لأثرا 72، 311، ستره 23، دبر 32، منتشر 32، 115، منهمر 33، حجر 41، سكر 65، والخصر 130، أنفسا 107 الخالى 9، المال 22، 23 ليبتلى 27، بكلكل 27، 30، 34، بأمثل 28، 29، بيذبل 28، جندل 28، الرحل 30، خلخال 31، إجفال 31، يفعل 32 بأعزل 32، 129، محول 34، 150، المفصل 34، واغل 126، نابل 140، المتفضل 150، حال 150، مقتّل 195، الحسان 460، العصىّ 22، 23، نعىّ 117
أمية بن أبى الصلت بتأيّد 105، ذائقها 95، إسرال 298، والأكبال 298
أبو الأهتم المؤمنينا 448
أوس بن حجر وخنزير 111، جدعا 74، ومخولا 118
أوس بن مغراء وعيدها 78
أيمن بن خريم يزيدا 284، الأقعس 283
أبو أيوب بن أخت أبى الوزير البواتر 435
الباهلى رطب 370
(ب)
البحترى الحسناء 414، عطاؤك 373، وعجائبه 416، كاتبه 416، غربا 421، الذاهب 375، توهب 420، للمغرب 421، كذب 415، مواعدا 425، قاعد 414، العماد 415، بحاسد 421، وشرده 423، رعوده 425، المردد 413، الكبير 411، الغزار 417، حبس 430، بالمقراض 414، متالع 413، يشرق 421، أليقا 415، المخلوق 424، فاصدق 426، لا يسأل 412 ومالى 423، أشباله 418، أمواله 419، ابتذاله 422، الأقدام 413، مظلما 31، تكرّما 66، النعما 412، وأعجم 422، يهرم 424، دوامه 422
بشار بن برد لا تخاطبه 121، 317، الزيت 317، منهج 315، بعدى 450، تنبذ 314، مشير 313، قصار 317، 366، الدنانير 318، زهر 314 تجرى 314، البصل 315، الجمل 318، دما 316، الجنان 205، مواليه 315
بشر بن أبى خازم الدبور 111، قروض 68، جذام 67
بكر بن النطاح الأغماد 312، النزف 375
(ت)
أبو تمام بالنافقاء 386، سجراتى 391، مذهب 384، طالبه 406، ركوبا 389، المغاربا 421، طالب 381، مغارب 382 والعنب 382، 401، 402 الشباب 396، كلب 387، 396، المكروب 395، قاطب 398، مناسب 399، العطب 401، كالملاب 404، مجيب 412، طالب 422، أدبه 409، والجثجاثا 300، 401، المغيث 409 والعهد 397، 403، لا أحد 404، فوائده 390، المعاد 3، 413، الزند 387، عبد الحميد 388، الفؤاد 407، الأجساد 407، حسود 421، الوعد 424، مرقد 382، الوحاد 383، الجلد 388، المزبد 392، العدد 400، الدهر 379، عذر 380، البدر 381، 402، ما يبصر 390، وبر 393، الدثار 403، الرمس 390، الكاس 391، الشمس 396، إياس 406، والباس 406، أنسه 391، النفوس 422، حضيض 414، يقع 380، مضاجع 383، يصرع 401، ومتالع 413، سبع 422، الشجاع 393،
(1/489)

1 شعاع 396، خرفا 382، 424، فتفوّفا 385، فولفا 385، وجيفا 386، وصليفا 389، الصوفا 390، 400، 403، لفافه 387، الخلافة 389، يبدق 380، 399، فارق 387، أبلق 390، تلصق 398، المنطق 387، المآقى 394، تتعلّق 393، المغدق 412، 425، أهتبل 386، حائل 395، منخل 397، جديلا 387، أسافلا 397، يتحولا 391، سحيلا 396، الآجال 410، سؤاله 372 فهم 391، استسلام 391، استغرام 392، الإعدام، 392، محموم 393، 403، العظلم 397، غلام 400، الأقدام 413، تنومها 382، رجيم، 379، 399، للمكارم 384، للديم 394، الحرم 394، المحطوم 394، للقيم 396، ومجترمة 81، التنين 383، 404، الحزن 384، مساويه 381، الأبّى 389
الحجاف السلمى الشواجر 182، لائم 182
جرير لذابا 312، الرباب 163، الثواب 163، شهاب 172، لقاح 307، سنادا 2، مشهدا 171، أهدى 162، جرير 159، الجوار 163، أمير 168، عمر 170، بالصبر 158، السّمر 166، القناعيس 53، مرموس 159، لامع 169، 170، ساطع 217، فوثيق 149، طويل 141، 172، باطله 166، الأوعارا 161، وميثلا 163، فأحالا 174، الأمثالا 174، 186، البالى 155، حال 164، لمام 167، بدائم 32، بالمظالم 160، الأراقم 162، بسلام 167، 209، 219، 220، 222، والمكارم 219، مرام 220، قطينا 159، 160، 168، آخرين 175، عرين 14، 175، الدكان 159، دونى 160، ليا 216، مواليها 106، 167
جميل لب 255، بالقوادح 256، ويزيد 211، طائر 203، المرائر 203، تقصر 366، وتعيفوا 145، وقفوا 145، جمل 127، عقلى 210، 211، كلامها 221، 257
جنادة بن نجبة فينعاها 205
جنى اللحد 222، ساتره 222، سالم 221، 222
ظلام 222
جوّاس بن هريم صقع 11
(ح)
حاتم الطائى تعطف 323
الحارث بن حلزة كدّا 297
الحارث بن خالد المخزومى العقل 268
الحارثى الفلوص 233
حسان بن ثابت لحاء 64، الأعاصير 10، مضمار 40، مفخر 350، العصافير 10، الظهر 119، توصه 6، والشيع 73، أصولها 72، سولها 72، نزولها 72، الكلوم 73، دما 69، مطعما 71
بنت حسان بن ثابت يقولها 72
حسان بن يسار التغلبى طائر 203
الحسين بن مطير ذاهب 294، والرغائبا 294
الحطيئة والبعد 119، بدور 117، حافره 109، مشافره 119، الكاسى 23، كثيف 116، المجمعة 445، علاها 115
الحكم الخضرى الموقر 291، المنخر 291، يكف 295، حكيم بن معية التميمى تنتا 12، وا 12
أبو حية النميرى
(1/490)

يزيل 290، اللياليا 449
(خ)
خالد النجار بنتى 460
خالد بن صفوان أخضر 296
خفاف بن ندبة أمثالى 120 الكتان 110
(د)
درة بنت أبى لهب البحر 394
دريد بن الصمة طالب 108، أسود 10، الممدد 9
دعامة الطائى شباكها 320
دعبل الخزاعى يثوب 434، الشفة 465، لأحمق 372 قائله 450، طوائله 465
ابن الدمينة جامع 29
أبو دهبل الجمحى جلمود 245، المغيرة 82
أبو الدهماء العنبرى جامس 17، الطيالس 17، تخاوص 17، خذما 17
أبو دواد القبض 114
(ذ)
ذو الإصبع العدوانى أبيين 18
ذو الرمة سرب 60، 252، 305، شنب 250، ثئب 229، يضطرب 237، الفراريج 240، صيدح 226، يبرح 233، الغمد 142، 144، جازر 80، 81، 227، القطر 240، قفرا 236، 237، 239، عمرا 237، نزرا 238، رواجع 225، ساجع 11، تامك 234، 235، المحالا
2، بلالا 232، الحجالا 236، آلا 237، 239 جدالا 238، صلاصل 240، رميم 230، مهيوم 234، 235، سالم 222، 223، ثاويا 234، وغاديا 239
أبو ذؤيب الهذلى طلابها 114، تستخيرها 105، ونهارها 114
(ر)
الراعى أبصر 228، 230، 238، أوقر 229، انتضى 208، وأصيلا 207، قليلا 207، الغرائم 133
راعى الإبل- الراعى
ربيعة بن مقروم كتوما 43
رغيب بن قيس- أو زغيب بن نسير مسرد 16، مخلط 17
ابن رميلة وانيا 216، 217
رؤبة الخفق 280، وفقا 280
ابن الرومى الإصابة 433، يكيدها 329، كالمحال 21، نيل 463، وأغصان 353، شييان 352، ورمان 442
(ز)
أبو زبيد الطائى شديد 129
زهير بن أبى سلمى خلاء 129، أضلت (زهير أو قراد بن حنش) 49، قعدوا 311، معار 50، مغار 50، الغرقا 50، النسك 110، القتل 380، نائله 66، ونزاوله 319، ثقيلا (زهير أو النابغة) 48، يزولا (زهير أو النابغة أو كعب) 49، والديم 52، فنفطم 47، فيهرم 51، فتنقم 51
زياد بن قنبع بالكلاكل 51
زيادة بن زبد فقصرا 247
(1/491)

(س)
1 ساعدة بن جؤية أكمد 115، زفازف 112
سحيم بن وثيل لبون 14، الأربعين 175، 351
الأربعين 18، الشئون 18، اللبون 175
أبو سعد المخزومى قديم 429
سهيل بن محمد السجستانى (أبو حاتم) اهداؤه 3
سهيل بن أبى كثير بالدثانير 448 متقن 3
(ش)
الشماخ الموحى، 83، زمير 123، طول 114، مختال 113، الوثين 79، 80، 81 الطحين 113
الشمردل بن شريك اليربوعى الحلاقم 144
شمر بن الحارث الضبى ظلاما 130
(ط)
ابن أبى طاهر خرى 415
طرفة أرفدّ 61، بمسرد 115، درور 116، يسر 7، كالحرم 8، ويعم 8، بقر 61، مستعر 64، غمر 64، وطمر 64، حممه 94، تهمى 240
الطرماح بن حكيم وعلت 310، بأروح 29، مطرح، 29 بنو أسد 310، القيام 267، مؤام 301، 401
طفيل الغنوى قنابله 253
أبو الطمحان القينى ثاقبة 90، 96، 311
(ع)
2 ابن أبى عاصية السلمى مسافر 83، 322
عامر بن الطفيل المعاصما 120
العاملى تقول 172
العباس بن الأحنف يتعجبا 363، مدرار 364، تذر 365، كالشهر 362، تدرى 362، ذاجر 364، بمنتصر 364، الناس 352، عشقوا 331، نلتقى 257، عجل 362
العباس بن مرداس مجمع 122
عبد الله بن رواحة الحساء 79
عبد الله بن سليم الغامدى وكنوس 106
عبد الله بن عمر العبلى هود 270، أسيد 270، قليل 270، الهرم 270
عبد الله بن محمد بن إبى عيينة خلقا 455، الإبل 455
عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بأفواه 443
عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب الخزرجى محذور 118
عبد الرحمن القس وأيسر 288، فأقبر 288، قطعا 287، وسلام 287
عبيد الله بن عبد الله بن طاهر المحاجر (له أو لعلى بن محمد الكوفى) 440، التجنى 441
عبد الصمد بن المعذل بالبصرة 429، أكلا 429، هممه 429
عبيد الله بن قيس الرقيات الظلماء 242، 283، فكدائها 242، مطلب
(1/492)

125، الذهب 242، 283، وأطبها 241، عنبه 382، الزائث 296، دعج 198 الحزما 241، امطلينا 197، مروتيه 242
عبيد بن الأبرص فالذنوب 20، السبيب 33، تعذيب 104
العتابى (كلثوم)
أبو العتاهية نقصير 317، 336، العصافير 336، وتطهير 366، وحسرى 367، حبلى 357، غضبا 457، وهب 326، ومخشلبه 327، ما متّ 330، الملالات 324، 229، أكدر 329، يزيد 327، جعفر 327، الكرسى 327، قسّها 321، أصنع 458، بسلطانك 329، فتيلا 330، إدلالها 329، كما 329، بسم 329، واستلهتنا 325، الله 326، واها 327، الساعة 323، 324، 325
العجاج جلدا 275، 276، مصيدا 276، اقتدر 276، عبس 275، 276، نفس 277، العالم 5، 19، خاتم 277، سمسم 278
أبو عدنان السلمى جمل 459
عدى بن الرقاع سنادها 2 أزدادها 247
عدى بن زيد يعود 431، مذكارا 113، مصلتينا 15
أبو عدى القرشى كالأذناب 298، الجنود 107، الصنديد 107، طريد 108، هود 301، مهينا 106
أبو العذافر العمى التذكار 357 العرجى سفر 272
عروة بن أذينة الأظل 272، شتاما 465، ماهم 271، سقاكها 272، لها 293
عروة بن حزام تصدقينا 392
عروة بن الورد
أعذرا 296، الصدور 109، الأمور 109 يفوق 109، عشقى 103
عفيف بن المنذر زياد 126
علقمة بن عبدة التجتب 24، المتحلب 24، أركب 26، مشيب 120، دبيب 120، مشموم 120، ملثوم 298
على بن الجهم والعوّد 431، بحذر 428، جعفر 427، وعلاتها 428
على بن محمد البصرى مخطط 301
على محمد العلوى النور 429
العمانى رافود 370، محرفا 370
عمر بن أبى ربيعة الرجاء 197، فيذهب 295، والتراب 258، الخطاب 262، أحجج 121، فيخصر 260، سمّر 263، عمر، 213، الأغر 261، البقيقا 213، خلوقا 261، الشفيق 260، طويلا 261، منى 261، مهنّا 197، هواه 262
عمر بن زعبل المتحذلق 462
عمر بن لجأ عشائها 168، كسائها 168، 170، مضر 171
عمرو بن أحمر- ابن أحمر
عمرو بن الأيهم التغلبى يرتقينا 6
عمرو بن قميثة لامها 97
أبو العميثل نابل 3
عنترة يكلم 65، وتحمحم 121، 285
أبو العيال الهذلى
(1/493)

1 والوصب 118
ابن أبى عون الكاتب البستان 432
أبو عيينة دراج 31
(ف)
الفرزدق الأعزاء 139، كوكب 149، يقاربه 128، 137، 139، 157، 160، 290، لذلت 156، صيدح 225، 226، عباد 139، الكرد 143، بالنشيد 157، نهار 137، يجيرها 138، 139، كاسره 218، 222، مسكرا 123، والقمرا 138، ومفتخرا 138، أخضرا 152، منثور 132، 134، الأبصار 140، نهار 137، الكور 158، قصار 164، العيس 148، مجاشع 135، طوالع 138، مجلف أو مجرف 135، 136، المنزل 136، دمى 139، 153، 362، حرجف (هو أو الأعلم العبدى) 146، تعرف 147، نهشل 148، لا ينقل 148، وأطول 148، 164، عالا 235، فتبدل 164، وائل 216، يتصرم 137، أمامى 80، دارم 137، 138، رائم 144، العزائم 149، القرام 152، قائم 160، العمائم 165، 302، 302، القماقم 217، لسام 227، مقروم 263، لنا 420، يبكينى 17، مواليا 126، 133، 134
قضالة بن شريك معاد 55
(ق)
القطامى إفناد 208، بمرصاد 208، تتكل 194
قعنب ابن أم صاحب ضننوا 125
أبو قيس بن الأسلت (أخو الأوس) تهجاع 312
قيس بن الخطيم أضاءها 98
قيس بن ذريح أيوب 264
(ك)
كثير النوازح 196، الصفائح 196، أتلدد 212، الحشير 211، نزور 284، 395، وعرارها 198، 200، وارديارها 199، نجارها 201، أربع 221، الصنائع 202، اندمالها 444، كمولها 189، سبيلها 191، لا يقيلها 191، فنالها 189، 190، 191، 204، أذالها 192، استقالها 196، سبيل 194، 195، 211، بقليل 196، ترم 193، الأحلام 211، الحكيم 244، دين 198، وهون 198، وجناجن 201، تلين 205، حزين 206، 212
الكلبى (عبد العزى) وناصر 133
كلثوم العتابى- العتابى
غالب بن الحارث العكلى مطرؤه 438
فالمسارب 204، ونعزب 204، وطاب 195، ضبابى 190، 204، العتاب 191، الألباب 202، ذلت 193، تقلت 194، فشلت 202، قرت 209، ما استحلت 257، ورائح 236،
الكميت الشنب 249، 250، 251، اللمب 252، العيب 254، الخطب 251، الوبارا 250، غفارا 250، بضائر 252، 253 كهشام 299
(ل)
لبيد بن ربيعة مضر 7، وزحل 85، 116، كالبصل 111، القلل 116، المعل 127، فرجامها 10
لقمان (أو ابن لقمان) الخزاعى بالبخل 169
(م)
مالك بن أسماء رينا 281
(1/494)

المبرد الكذب 434
المتلمس زمهريرا (هو أو الأعشى) 120، قابوس 119، مكدم 93
متمم بن نويرة يغدر 306، الأزوره 306، وأضرعا 104
المتوكل بن عبد الله الليثى النبل 291
المثقب العبدى ودينى 121
المجنون يراح 317، بالخمر 420، البنائق 28، 109، ابتلانيا 265، ليا 265، المناديا 266
المحاربى خطر 363
ابن محمد بن الحسن الحصنى عفا 461
محمد بن داود الأصبهانى يجب 463
محمد بن عبد الرحمن الغريبى (أو أحمد بن جحدر) تصرم 438
محمد بن عبد الله بن طاهر المعانى 433
محمد بن علقة التطخطخ 439
محمد بن على القنبرى والكرم 82
أبو محمد الفقعسى حدائدا 309
محمد بن مناذر خلود 325
محمد بن وهيب الحميرن لا أراكا 372
محمد بن يسير الحميرى 371
محمود الوراق
كتيبا 434
محمود بن مروان بن أبى الجنوب حيله 433
المرار الفقعسى دجونها 295
مروان بن أبى الحنوب للنعل 375، ادخل 376، فلانا 376، فأذنا 428
مروان بن أبى حفصة الأحساب 322، ضيره 320، بنو شيبان 321، طعان 321
مروان بن سعيد خرفا 455، جدل 455
مزرد بن ضرار (أو جبيهاء الأسدى) حافر 119
مسلم بن الوليد وتجلد 341، 355، مجهول 404، مسلولا 361
أبو مسلم الخلق المجمع 463
المسيب بن علس تكلم 93، مكدم 112، وسارع 117
مصقلة بن هبيرة وائل 298
معمر بن المثنى خرك 452
المغيرة بن حبناء الكفر 449
ابن مقبل لينا 5
مكنف أبو سلمى عذر 408، القعقاع 408
مهلهل بالذكور 90؛ 96، الفحولا 252
المؤمل بن أميل بصر 266
ابن ميادة وأسافله 292، ظالم 144
(1/495)

(ن)
النابغة الجعدى تنصب 75، مظهرا 310، خلاسا 140، الأول 78، المتظلم 54، تقدم 77، الأعاديا 78، لذاتيا 78
النابغة الذبيانى المهذب 30، مذهب 41، تقطب 149، المهذب 330، الشباب 354، الكواكب 5، 27، الدوارب 44، الأسود 9، 38، 39، يعقد 38، غد 9 مزود 38، باليد 38، 44، 56، بالمسد 42، يحاسد 45، الثمد 189، السارى 40، صوار 110، ناقع 42، ناصع 89، تنبال 44، 116، بالكلاكل 45، عم 77، بالدم 77، إنى 41، مستقاها 112
نابغة بنى تغلب (الحارث بن غزوان) جميلا 287
النجاشى فضل 124، مختلف 230، الأجلل 125، الأحول 274، 274، 307
نصيب القلب 215، بعدى (هو أو النمر بن تولب) 210، 215، 222، 245، أطير 246
النضر بن سلمة (أبو ميمون) انقين 14
أبو نمامة- مولى بنى سعد قيمه 274
النمر بن تولب باد 96، أرانيها 130
نهار بن توسعة البحور 294
ابن نوفل ضرير 300
أبو نواس الداء 421، تضرب 339، خصيب 346، حربى 346، وحاصبها 340، طلبه 340، 357، نصابه 343، جلبابه 354، بلعابه 359، السموات
339، ويصيح 337، نوح 339، فريح 464
صياحا 341، 355، ودادى 303، 343، لزياد 337، وباد 343، جياد 399، نهير 344، ناشر 345، جبر 347، عبير 358 الجهر 360، الضمائير 328، 341، 356، عذار 335، نهار 335، عكرى 342، بالدهر 347، الشطار 348، حجره 343، نفره 349، 352، غمره 350، أكبر 345، وقواقيز 358، باس 349، سدس 339، تخلق 96، 312، 328، 338، 340، 356، 357، بوق، 338، مشقوق 338، زنديق 337، المتقى 338، 398، الوامق 348، سارق 347، ضيق 351، والساقى 398، مثل 356، طويل 356، بزليل 332، السربال 340، الخلال 340، الفيول 342، ودخيل 352، عيال 359، حرام 80، تسلما 347، مسلما 347، آدما 356، السقم 340، أتم 342، وفم 359، خدين 335، الأضغان 338، 398، الميمون 341، يمين 351، بيننا 344، باليمين 81، والزمن 334، السكن 333، بإنسان 336، الشراكان 339، ألوان 341، 358، أشباه 360
(هـ)
الهذلى وأرغب 293
هذيل الأشجعى غفل 105
ابن هرمة (إبراهيم) الثقوب 286، نكوب 286 شحاحا 302، 302، أعجم 285
الحكم 286
الهمدانى الرجال 44
(و)
والبة بن الحباب أكد 342
(1/496)

أبو وجزة السعدى المسرّح 311
ورقاء بن زهير أبادر 9
الوليد بن يزيد الكواكب 86
(ى)
يزيد بن مالك الغامدى (أو العامرى) يحينا 289، الجاهلينا 288
يزيد بن محمد المهلبى مددا 426
يزيد بن مفرغ اليمانى 342
(1/497)

3- فهرس أنصاف الأبيات [1]
1 الأحوص
ضنت عقيلة لما جئت بالزاد
374
الأخطل
صرمت حبالك زينب ورعوم
184
خف القطين فراحوا منك أو بكروا
188، 305، 306
أرطأة بن سهية
رأيت المرء تأكله الليالى
309
إسحاق الموصلى:
وكل مسافر يزداد شوقا
373
الأسود بن يعفر
من نسج داور أبى سلام
299
الأعشى
جهنام جدعا للهجين المذمم
54
رحلت سمية غدوة أجمالها
62
وهل تطيق وداعا أيها الرجل
63
كل ملث صوبه ماطر
135
ويلى عليك وويلى منك يا رجل
63
ما بكاء الكبير بالأطلال
303
وأخرى تداويت منها بها
353
امرؤ القيس
خليلى مرا بى على أم جندب
25، 26
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها
33
وهل عند رسم دارس من معول
33
أغرك منى أن حبك قاتلى
31
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع
35
وأركب فى الروع خيفانة
35
قف نبك من ذكرى جيب ومنزل
316
متى ما ترق العين فى تسفل
393
البحترى
لك الويل من ليل بطاء أواخره
303
ما بعينى هذا الغزال الغرير
410
يجانبنا فى الحب من لا تجانبه
416
محل على القاطول أخلق دائره
419
طيف ألم فحيا عند مشهده
423
أفاق صب من هوى فأفيقا
423
وإذا عز كريم القول ذل
424
بشار بن برد
وبعض الجود خنزير
318
أبو تمام
خشنت عليه أخت بنى خشين
378
قدك اتئب أربيت فى الغلواء
378
كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر
378، 379، 404، 409
ما كان إلا على أيمانهم يقع
402
هن عوادى يوسف وصواحبه
405
إقدام عمرو فى سماحة حاتم
407
وترى الكريم يعز حين يهون
424
جرير
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
153، 363
والتغلبى جنازة الشيطان
157
فى كل قائمة له ظلفان
157
قد كان حقك أن تقول لبارق
159
فيالك يوما خيره دون شره
166
كانوا ثلاثة أثلاث فثلثهم
167
وأوتق عند المرهفات عشية
169
__________
[1] رتبت على حسب قائليها، ثم على حسب ورودها فى الكتاب
(1/498)

أتصحوا بل فؤادك غير صاح
307
جميل
أسائلكم هل يقتل الرجل الحب
255
الا أيها النوام ويحكم هبوا
255
رمى الله فى عبنى بثينة بالقذى
257
الحارث بن حلزة
آذانتنا ببينها أسماء
94
أبو دهبل الجمحى
وإن شكرك عندى لا انقضاء له
244
ذو الرمة
أحين أعاذت بى تميم نساءها
143
والباب دون أبى غسان مسدود
223
ما بال عينك منها الماء ينسكب
224، 225، 229، 305
حراجيج ما تنفك إلا مناخة
237
تضفى إذا شدها بالكور جانحة
238
وظاهر لها من يابس الشخت
239
أدمانة قد ترتبها الأجاليد
239
لمياء فى شفتيها حوة لعس
250
راشد بن إسحاق (أبو حكيمة)
ألا أذهب الآير الذى كنت تعرف
303
رؤبة
وقاتم الأعماق خاوى المخترق
7، 18، 363
ألف شتى ليس بالراعى الحمق
7، 18
مضبورة قوراء هرجاب فنق
7
ودغية من خطل مغدورن
279
يهوين شتى ويقعن وفقا
280
شذب أخراهن عن ذات النهق
397
ابن الرومى
أجنت لك الورد أعضان وكثبان
441
زهير
قف بالديار التى لم يعفها القدم
33
بلى وغيرها الأرواح والديم
33
فتمنع جانبيها أن يزولا
[1] 48
بنهكة ذى قربى ولا بحقلد
50
فلست بمثلوج ولا بمعلهج
50
ماء بشرقى سلمى فبد أوركك
51
أبو سعد المخزومى
حدق الآجال آجال
410
سليمان بن عبد الله بن طاهر
وقد مضت لى عشرونان ثنتان
421
الطرماح
طال فى شط نهروان اغتماضى
267
عباس الخياط
لا شىء من أخباره أرجح
404
العباس بن الفضل اللهبى
وبنا سميت قريش قريشا
13، 15
عبد الله بن رواحة
ولا أرجع إلى أهل ورائى
80
عبد الله بن عباس
هذا قتيل الحب لا عقل ولا قود
153، 363
عبد الله بن عمر العبلى
وأبقاك صالحا رب هود
270
أبو العتاهية
رويدك يا إنسان لا أفت تقفز
328، 355
رققت حتى كدت أن أحسوك
391
العجاج
بسمسم أو عن يمين بسمسم
5
فخندف هامة هذا العالم
5، 277، 278
يا دار سلمى يا اسلمى ثم اسلمى
5، 19
(1/499)

قد جبر الدين الإله فجبر
6
كم قد حسرنا من علاة عنس
275
أمسى الغوانى ومعرضات صددا
277
يا ليت أيام الصبا رواجعا
278
محمد للأنبياء خاتم
277
غير ثلاث فى المحل صيم
279
وحبس الناس الأمور الحبسا
279
تقاعس العز بنا فاقعسسنا
454
علقمة الفحل
ذهبت من الهجران فى غير مذهب
25، 26
عمر بن أبى ربيعة
قيل لى هل تحبها قلت نهرا
258
عمر بن لجأ التيمى
جر العجوز التى من خفائها
370
عمرو بن كلثوم
ألا هبى بصحنك فاصبحينا
94
الفرزدق
على زواحف تزجيها محاسير
132، 134
على حراحف تزجيها محاسير
134
عزفت بأعشاش وما كدت تعزف
136
فيها تعل صدورهن وتنهل
140
فجئت بجدى دارم وابن دارم
144
الفضل بن العباس اللهبى
فاملئى وجهك الجميل خموشا
13
ولا تمليت عيشا
15
ليس ذا حين الجمود
16
وكيف جمود عينيك بعد زيد
16
قيس بن الخطيم
كأنها عود بانة قصف
99، 430
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثاثر
98
كثير
أبائنة سعدى نعم ستبين
197
عفا واسط من أهله والظواهر
203
الكميت
هل أنت عن طلب الإيقاع منقلب
249
أبت هذه النفس إلا إدكارا
250
ألا حييت عنا يا مدينا
254
وهل بائس بقول مسلمينا
254
لبيد
ألا كل شىء ما خلا الله باطل
84، 85
وكل نعيم لا محالة زائل
85
درس المنا بمتالع فإبان
299
مروان بن أبى حفصة
طرقتك زائرة فحى خيالها
62
مسلم بن الوليد
رأى المهلب أو بأس الأيازيد
361
لا تدع بى الشوق إنى غير معمود
361
ابن مقبل
والعين تكشف عنها ضافى الشعر
ابن مناذر
ومن عاداك لاقى المرمريا
368
ويحط الصخور من هبود
369
يقدح الدهر فى شماريخ رضوى
368
مهلهل بن ربيعة
أليلتنا بذى حسم أنيرى
89
المؤمل بن أميل
فكأنى أفطرت فى رمضان
369
مات الخليفة أيها الثقلان
369
أبو النجل العجلى
الحمد لله العلى الأجلل
125
الحمد لله الوهوب المجزل
274
والشمس قد صارت كعين الأحول
274، 307
كالشمس لم تعد سوى ذى ذرورها
274
كطلعة الأشمط من جلبابه
354
(1/500)

النابغة
كلينى لهم يا أميمة ناصب
8
عجلان ذا زاد وغير مزود
13
وبذاك خبرنا الغراب الأسود
13
وصدر أراح الليل عازب همه
28
وبذاك تنعاب الغراب الأسود
39
أرسما جديدا من سعاد تجنب
40
عفت روضة الأجداد منها فيثقب
40
صفر مناخرها من الجرجار
42
مثل الإماء الغوادى تحمل الحزما
45
فاحكم كحكم فتاة الحى
46
لا النور نور ولا الإظلام إظلام
46
يا بؤس للدهر ضرارا لأقوام
46
ونسج سليم كل قضاء ذائل
299
أبو نواس
برىء من الأشياء ليس له مثل
238، 341، 356
وخيمة ناطور برأس منيفة
333
وداونى بالتى كانت هى الداء
336، 353
اهج نزارا وأفر جلدتها
340
حتى عقدن بأذنه شنفا
341
ذخرت لآدم قبل خلقته
342
رشا تواصين القيان به
341
أسرع من قول القطاة قطا
343
أجارة بيتينا أبوك غبور
344
أخى ما بال قلبك ليس ينقى
345
طرحتم من الترحال أمرا فغمنا
344
محضتكم بأهل مصر مودتى
346
بإمام جور فاسق
348
تعد عين الوحش من أقواتها
354
كان الشباب مطية الجهل
353
(؟) [1]
وتخريك يابن القين أيام دارم
14
وعمرو بن عمرو إذ دعا بالدارم
14
إذا راح للمعروف أصبح غاديا
78
دار لسعدى إذه هواكا
124
لو عصر منها البان والمسك انعصر
124
قواطنا مكة من ورق الحمى
125
وحاتم الطائى وهاب المئى
126
جر الفتاة طرفى ردائها
170
فقل لأبى قابوس شئت فارعد
253
ويمنعها من أن تطير زمامها
310
هل أحدث الدهر بنا ضولة
323
جاء شقيق عارضا رمحه
324
هوذة خالى ولقيط وعلى
337
بعد التصابى والشباب الأملد
394
ترد علينا بالعشى المراميا
436
وشاعر مستوجب أن تصفه
446
ومن عاداك لاقى المرمريا
453
ترافع العزبنا فار فغننا
454
هل تعرف الدار بالقفيننا
461
__________
[1] أنصاف الأبيات الآتية نسبت لمجهولين، ورتبت حسب ورودها فى الكتاب
(1/501)

4- فهرس قوافى الشعر
(ء)
لحاء/ حسان بن ثابت/ 65
غناء/-/ 122
خلاء/ زهير/ 129
الرجاء/ عمر بن أبى ربيعة/ 197
الظلماء/ عبيد الله بن قيس الرقيات 242، 283
الداء/ أبو نواس/ 421
إهداؤه/ سهل بن محمد السجستانى/ 3
عطاؤك/ البحترى/ 373
(ء)
أضاءها/ قيس بن الخطيم/ 98، 311
مطرؤء/ غالب بن الحارث العكلى/ 437
(ء)
الحساء/ عبد الله بن رواحة/ 79
الصحراء/ الآخر/ 125
صداء/ آخر/ 130
الأعزاء/ الفرزدق/ 139
بالنافقاء/ الطائى/ 386
سجرائى/ أبو تمام/ 391
بكائى/ أبو تمام/ 403
الحسناء/ البحترى/ 414
غشائها/ عمر بن لجأ التيمى/ 168
كسائها/ عمر بن لجأ التيمى/ 168
فكدائها/ عبيد الله بن قيس الرقيات/ 241
(ب)
فالذنوب/ عبيد بن الأبرص/ 20
المهذب/ النابغة/ 30، 330
السبيب/ عبيد بن الأبرص/ 33
مذهب/ النابغة/ 41
حواطب/-/ 45
سرب/ ذو الرمة/ 60، 352، 305
تعذيب/ عبيد بن الأبرص/ 104
طالب/ دريد بن الصمة/ 108
والوصب/ أبو العيال الهذلى/ 118
مشيب/ علقمة بن عبدة/ 120
دبيب/ علقمة بن عبدة/ 120
نجيب/ الآخر/ 123
مطلب/ عبيد الله بن قيس الرقيات/ 125
كوكب/ الفرزدق/ 149
تقطب/ النابغة/ 149
عضب/ الأخطل/ 196
فالمسارب/ كثير/ 204
وتعزب/ كثير/ 204
القلب/ نصيب/ 215
تثب/ ذو الرمة/ 228، 229
مهيب/-/ 234
يضطرب/ ذو الرمة/ 237
الذهب/ عبيد الله بن قيس الرقيات/ 242، 283
شنب/ ذو الرمة/ 250
الشنب/ الكميت/ 249، 250، 251
اللعب/ الكميت/ 252
العيب/ الكميت/ 254
لبّ/ جميل/ 255
نكوب/ ابن هرمة/ 285
الثقوب/ ابن هرمة/ 286
وأرغب/ الهذلى/ 293
ذاهب/ الحسين بن مطير/ 294
فيذهب/ عمر بن أبى ربيعة/ 295
تضرب/ أبو نواس/ 339
الشباب/ النابغة/ 354
رطب/ الباهلى/ 370
مذهب/ أبو تمام/ 384
يثوب/ دعبل بن على/ 434
يجب/ محمد بن داود الأصبهانى/ 463
طلابها/ أبو ذؤيب الهذلى/ 144
(1/502)

لا تخاطبه/ بشار/ 121، 317
يقاربه/ الفرزدق/ 128، 137، 139، 160، 290
وأطببها/ عبيد الله بن قيس الرقيات/ 241
ثاقبه/ أبو الطمحان القينى/ 90، 96، 311
طالبه/ أبو تمام/ 406
وعجائبه/ البحترى/ 416
كاتبه/ البحترى/ 416
ذنبه/ أحمد بن أبى طاهر/ 434
(ب)
أحبا/ امرؤ القيس/ 36
الصبا/-/ 123
والرغائبا/ الحسين بن مطير/ 294
لذابا/ جرير/ 312
يتعجبا/ العباس بن الأحنف/ 363
ركوبا/ أبو تمام/ 389
المغاربا/ أبو تمام/ 421
غربا/ أبو تمام/ 421
كئيبا/ محمود الوراق/ 431
غضبا/ أبو العتاهية/ 457
ومخشله/ أبو العتاهية/ 327
لبابه/ أحمد بن على المادرائى/ 433
الإصابه/ ابن الرومى/ 433
(ب)
الكواكب/ النابغة/ 5، 27
التجنب/ علقمة/ 24
المعذب/ امرؤ القيس/ 24
مهذب/ امرؤ القيس/ 24، 25، 112
المتحلب/ علقمة/ 24
أركب/ علقمة/ 26
القباب/ امرؤ القيس/ 36
الدوارب/ النابغة/ 44
تنصب/ النابغة الجعدى/ 75
الكواكب/ الوليد بن يزيد/ 86
كعب/ الآخر/ 108
بالعلب/ 122
والرباب/ جرير/ 163
الثواب/ جرير/ 163
شهاب/ جرير/ 172
جدب/ الأخطل/ 186
ضبابى/ كثير/ 190، 204
العتاب/ كثير/ 191
طاب/ كثير/ 195
تطيب/ امرؤ القيس/ 199، 281
الألباب/ كثير/ 202
الخطب/ الكميت/ 251
والتراب/ عمر بن أبى ربيعة/ 258
الخطاب/ عمر بن أبى ربيعة/ 262
أيوب/ قيس بن ذريح/ 264
كالأذناب/ أبو عدى القرشى/ 298
إبابى/ أرطاة بن سهية/ 309
الأحساب/ مروان بن أبى حفصه/ 322
وهب/ أبو العتاهية/ 326
حربى/ أبو نواس/ 346
خصيب/ أبو نواس/ 346
الذاهب/ البحترى/ 375
طالب/ أبو تمام/ 381، 422
مغارب/ أبو تمام/ 382
والعنب/ أبو تمام/ 382، 401، 402
كلب/ أبو تمام/ 387، 396
المكروب/ أبو تمام/ 395
الشباب/ أبو تمام/ 196
قاطب/ أبو تمام/ 398
مناسب/ أبو تمام/ 399
العطب/ أبو تمام/ 401
كالملاب/ أبو تمام/ 404
مجيب/ أبو تمام/ 412
توهب/ البحترى/ 412
توهب/ البحترى/ 420
للمغرب/ البحترى/ 421
الكذب/ المبرد/ 434
المثاب/ بعض الشعراء/ 435، 458
(1/503)

بنتى/ خالد النجار/ 460
وحاصبها/ أبو نواس/ 340
طلبه/ أبو نواس/ 340، 357
نصابه/ أبو نواس/ 343
جلبابه/ أبو نواس/ 354
بلعابه/ أبو نواس/ 359
بانتساب/ أحمد بن روح/ 360
دوابه/ أحمد بن روح/ 359
عنبه/ عبيد الله قيس الرقيات/ 382
أدبه/ أبو تمام/ 409
(ب)
الغضب/ الأقيشر/ 282
كذب/ البحترى/ 415
(ت)
مامت/ أبو العتاهية/ 330
تجارته/ أعشى همدان/ 247
(ت)
أن تا/ آخر/ 12
تنتا/ حكيم بن معية التميمى/ 12
(ت)
أضلت/ زهير أو قراد بن حنش/ 49
لذلت/ الفرزدق/ 156، 193
تقلت/ كثير/ 194
فشلت/ كثير/ 202
قرت/ كثير/ 209، 243
ما استحلت/ كثير/ 257
وعلت/ الطرماح/ 310
الزيت/ بشار/ 316
الملالات/ أبو العتاهية/ 324، 329
السموات/ أبو نواس/ 339
الشفة/ دعبل/ 465
(ث)
الجثجاثا/ أبو تمام/ 300، 401
(ث)
العابث/ أحدهم/ 105
الرائث/ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة/ 296
المغيث/ أبو تمام/ 409
(ج)
دعج/ عبد الله بن قيس الرقيات/ 198
منهج/ بشار/ 315
وساذجه/ الشاعر/ 443
(ج)
داج/ أبو عيينة/ 31
الوجى/ الشماخ/ 83
أحجج/ عمر بن أبى ربيعة/ 121
الفراريج/ ذو الرمة/ 240
(ح)
ورائح/ كثير/ 196
النوازح/ كثير/ 196
الصفائح/ كثير/ 196
صيدج/ الفرزدق/ 225، 226
المسرّح/ أبو وجزة السعدى/ 311
يبرح/ ذو الرمة/ 233
يراح/ المجنون/ 317
تجرح/-/ 323
ويصيح/ أبو نواس/ 337
نوح/ أبو نواس/ 339
ولقّح/ عبيد الراعى/ 388
فريح/ أبو نواس/ 464
(ح)
السريحا/-/ 124
شحاحا/ ابن هرمة/ 302
صياحا/ أبو نواس/ 341، 355
(ح)
بأروح/ الطرماخ/ 29
مطرح/ الطرماح/ 29
بالقوادح/ جميل/ 256
لقاح/ جرير/ 307
القبيح/ أبو نواس/ 354
(1/504)

(ح)
رماح/ الآخر/ 323
الملاح/-/ 324
(خ)
التطخطخ/ محمد بن علقة/ 439
(د)
أسود/ دريد بن الصمة/ 10
الأسود/ النابغة/ 9، 38، 39
يعقد/ النابغة/ 38
ولود/ رجل من كلب/ 70
يتأبد/ أمية بن أبى الصلت/ 105
أكمد/ ساعدة بن جؤية/ 115
والبعد/ الحطيئة/ 119
البعيد/ الأخطل/ 177، 179
ويزيد/ جميل/ 211
أتلدّد/ كثير/ 212
جلمود/ أبو دهبل الجحمى/ 245
قعدوا/ زهير/ 311
والعهد/ أبو تمام/ 397، 403
لا أحد/ أبو تمام/ 404
يعود/ عدى بن زيد/ 431
والعوّد/ على بن الجهم/ 431
وعيدها/ أوس بن مغراء/ 78
عودها/ بعضهم/ 310
يكيدها/ ابن الرومى/ 329
فوائده/ أبو تمام/ 390
(د)
سنادا/ جرير/ 2
العنّدا/-/ 12
مشهدا/ جرير/ 171
متلدا/ الأحوص/ 244
جلدا/ العجاج/ 275، 276
مصيدا/ العجاج/ 276
يزيدا/ أيمن بن خريم/ 284
كدّا/ الحارث بن حلزة/ 297
انعدا/ بعض المحدثين/ 300
حدائدا/ رجل- أبو محمد الفقعسى/ 309
مواعدا/ البحترى/ 425
مددا/ يزيد بن محمد المهلبى/ 426
سددا/ رجل/ 452
سنادها/ عدى بن الرقاع/ 2
أزدادها/ عدى بن الرقاع/ 247
(د)
المعاد/ أبو تمام/ 3
الممدّد/ دريد بن الصمة/ 9
غد/ النابغة/ 9
مسرد/ رغيب بن قيس أو زعيب ابن نسير/ 16
مزوّد/ النابغة/ 38
باليد/ النابغة/ 38، 44، 56
بالمسد/ النابغة/ 42
بحاسد/ النابغة/ 45
معاد/ فضاله بن شريك/ 55
ارفد/ طرفة/ 61
باد/ النمر بن تولب/ 96
الجنود/ أبو عدى القرشى/ 107
الصنديد/ أبو عدى القرشى/ 107
طريد/ أبو عدى القرشى/ 108
بمسرد/ طرفة/ 115
الإثمد/-/ 124
زياد/ عفيف بن المنذر/ 126
شديد/ أبو ربيد الطائى/ 129
عباد/ الفرزدق/ 139
الغمد/ ذو الرمة/ 142، 144
الكرد/ الفرزدق/ 143
بالنشيد/ الفرزدق/ 156
أهدى/ جرير/ 162
الثمد/ النابغة/ 189
إفناد/ القطامى/ 208
بمرصاد/ القطامى/ 208
بعدى/ نصيب أو النمر بن تولب/ 210، 215، 222، 245
(1/505)

اللحد/ جنى/ 222
وارعد/ ابن أحمر/ 253
فارعد/ رجل من كنانة/ 253
هود/ عبد الله بن عمر العبلى/ 270
أسيد/ عبد الله بن عمر العبلى/ 270
هود/ أبو عدى القرشى/ 301
ودادى/ أبو نواس/ 303، 343
مزيد/ أرطأة بن سهية/ 304
الحديد/ أرطأة بن سهية/ 308
بنوا أسد/ الطرماح/ 310
الأغماد/ بكر بن النطاح/ 312
خلود/ ابن مناذر/ 325
يزيد/ أبو العتاهية/ 327
لزياد/ أبو نواس/ 337
وتجلد/ مسلم بن الوليد/ 341، 355
أكد/ والبة بن الحباب/ 342
وباد/ أبو نواس/ 343
البعاد/-/ 357
راقود/ العمانى/ 370
مسدود/ إسحاق الموصلى/ 373
الغادى/ الأحوص/ 374
صعاد/ إسحاق الموصلى/ 374
مرقد/ أو تمام/ 382
الوحاد/ أبو تمام/ 383
الزند/ أبو تمام/ 387
الجليد/ أبو تمام/ 378
عبد الحميد/ أبو تمام/ 378
المزبد/ أبو تمام/ 392
المنادى/ بعض الشعراء/ 395
جياد/ أبو نواس/ 398
العدد/ أبو تمام/ 400
الأجساد/ أبو تمام/ 407
الفؤاد/ أبو تمام/ 407
المعاد/ أبو تام/ 413
قاعده/ البحترى/ 414
العماد/ البحترى/ 415
حسود/ أبو تمام/ 421
بحاسد/ البحترى/ 421
الوعد/ أبو تمام/ 424
بعدى/ بشار/ 450
راشد/ إسحاق الموصلى/ 461
غادها/ الأعشى/ 453
وشرده/ البحترى/ 423
رعوده/ البحترى/ 425
(د)
اقتدر/ العجاج/ 276
المردد/ البحترى/ 413
(ذ)
تنبذ/ بشار بن برد/ 314
(ر)
أبادر/ ورقاء بن زهير/ 9
الأعاصير/ حسان بن ثابت/ 10
مضمار/ حسان بن ثابت/ 40
معار/ زهير/ 50
مغار/ زهير/ 50
فتعذر/ الآخر/ 55
جاذر/ ذو الرمة/ 80، 81، 227
البصر/ عمر بن أحمر الباهلى/ 100
الحجر/ عمرو بن أحمر الباهلى/ 100
وخنزير/ أوس بن حجر/ 111
وزور/ طرفة/ 117
يدور/ الحطيئة/ 117
محذور/ عبد الرحمن بن عبد الله ابن كعب الخزرجى/ 118
زمير/ الشماخ/ 123
وناصر/ الكلبى/ 133
نهار/ الفرزدق/ 137
جرير/ جرير/ 159
الجوار/ جرير/ 163
أمير/ جرير/ 168
عمر/ جرير/ 170
مضر/ عمر بن لجأ/ 171
يبتدر/ الأخطل/ 178
(1/506)

مضر/ الأخطل/ 178، 180
زفر/ الأخطل/ 180، 384
عثروا/ الأخطل/ 183
طائر/ جميل/ 203
المرائر/ جميل/ 203
طائر/ حسان بن يسار التغلبى/ 203
الحشر/ كثير/ 211
لفقير/ الأحوص/ 214
يشير/ الأحوص/ 214
أوقر/ الراعى/ 229
أبصر/ الراعى/ 228، 230، 238
المعار/-/ 232
القطر/ ذو الرمة/ 240
أطير/ نصيب/ 246
فيخصر/ عمر بن أبى ربيعة/ 260
سمر/ عمر بن أبى ربيعة/ 263
بصر/ المؤمل/ 266
سفر/ العربجى/ 272
نزور/ كثير أو غيره/ 284
وأيسر/ عبد الرحمن القس/ 288
فأقبر/ عبد الرحمن القس/ 288
الحور/ نهار بن توسعة/ 294
أخضر/ خالد بن صفوان/ 296
مشير/ بشار بن برد/ 313
قصار/ بشار بن برد/ 317، 366
تقصير/ العتابى/ 317
الدنانير/ بشار بن برد/ 318
أكدر/ أبو العتاهية/ 329
نهير/ أبو نواس/ 344
ناشر/ أبو نواس/ 345
جبر/ أبو نواس/ 347
مفخر/ حسان/ 350
التذكار/ أبو العذافر العمى/ 357
عبير/ أبو نواس/ 358
الجهر/ أبو نواس/ 360
خطر/ المحاربى/ 363
مدرار/ العباس بن الأحنف/ 364
تذر/ العباس بن الأحنف/ 365
العصافير/ كلثوم بن عمرو العتابى/ 366
تقصير/ كلثوم بن عمرو العتابى/ 366
وتطهير/ كلثوم بن عمرو العتابى/ 366
الدهر/ أبو تمام/ 379
البدر/ أبو تمام/ 381، 402
عذر/ أبو تمام/ 380
الشرر/ الأخطل/ 385
ما يبصر/ أبو تمام/ 390
وبر/ أبو تمام/ 393
نزور/ كثير/ 395
الدثار/ أبو تمام/ 403
عذر/ مكنف أبو سلمى/ 408
تحذر/ على بن الجهم/ 428
جعفر/ على بن الجهم/ 427
النور/ على بن محمد العلوى/ 429
المحاجر/ عبيد الله بن عبد الله بن طاهر أو على بن محمد الكوفى/ 440
زمر/ رجل/ 456
سحر/ إسحاق الموصلى/ 461
تستجيرها/ أبو ذؤيب الهذلى/ 105
حافره/ الحطيئة/ 109
ونهارها/ أبو ذؤيب الهذى/ 114
مسافره/ الحطيئة/ 119
بجيرها/ الفرزدق/ 138، 139
كاسره/ الفرزدق/ 151
وعرارها/ كثير/ 198، 200
وازديارها/ كثير/ 199
نجارها/ كثير/ 201
كاسره/ الفرزدق/ 218، 222
سائره/ جنى/ 222
(ر)
كسرا/ إسحاق الموصلى/ 3
ضريرا/ الأعشى/ 59
العبيرا/ الأعشى/ 61
لأثرا/ امرؤ القيس/ 72، 311
مذكارا/ عدى بن زيد/ 113
(1/507)

والكبرا/ ابن أحمر/ 115
زمهريرا/ المتلمس أو الأعشى/ 120
مسكرا/ الفرزدق/ 123
والقمرا/ الفرزدق/ 138
ومفتخرا/ الفرزدق/ 138
القمارا/ الأعشى/ 151
أخضرا/ الفرزدق/ 152
قفرا/ ذو الرمة/ 236، 237، 239
عمرا/ ذو الرمة/ 237
نزرا/ ذو الرمة/ 238
فقصرا/ زيادة بن زيد/ 247
الوبارا/ الكميت/ 250
غفارا/ الكميت/ 250
بهرا/-/ 259
أعذرا/ عروة بن الورد/ 296
مظهرا/ النابغة الجعدى/ 310
وحسرى/ كلثوم العتابى/ 367
المغيرة/ أبو دهبل الجمحى/ 82
بالبصرة/ عبد الصمد بن المعذل/ 429
(ر)
السارى/ النابغة الذبيانى/ 4
العصافير/ حسان بن ثابت/ 10
وحافر/ الآخر/ 74، 119
مسافر/ ابن أبى عاصية السلمى/ 83
بالذكور/ مهلهل/ 90، 96
قابر/ الأعشى/ 56، 63، 96
السكر/ عمرو بن أحمر الباهلى/ 100
الشجر/ عمرو بن أحمر الباهلى/ 100
الأمور/ عروة بن الورد/ 109
الصدور/ عروة بن الورد/ 109
صوار/ النابغة الذبيانى/ 110
الدبور/ بشر بن أبى خازم/ 111
جابر/ الأعشى/ 113
الظهر/ حسان بن ثابت/ 119
الشر/ حسان بن ثابت/ 127
منثور/ الفرزدق/ 132، 134
الأبصار/ الفرزدق/ 140
نهار/ الفرزدق/ 145
بالصبر/ جرير/ 158
الكور/ الفرزدق/ 158
قصار/ الفرزدق/ 164
السّمر/ جرير/ 166
وعامر/ الأخطل/ 181، 182
الشواجر/ الجحاف/ 182
النار/ الأخطل/ 186
بمقدار/ الأخطل/ 186
عمر/ عمر بن أبى ربيعة/ 213، 237
المنخر/ الحكم الخضرى/ 291
الموقر/ الحكم الخضرى/ 291
ضرير/ ابن نوفل/ 300
الأزور/ متمم بن نويرة/ 306
يعذر/ متمم بن نويريرة/ 306
تجرى/ بشار بن برد/ 314
زهر/ بشار بن برد/ 314
مسافر/ ابن أبى عاصية/ 322
جعفر/ أبو العتاهية/ 327
الضمائير/ أبو نواس/ 328، 341، 356
عذار/ أبو نواس/ 335
نهار/ أبو نواس/ 335
السرى/-/ 337
عسكرى/ أبو نواس/ 342
بالدهر/ أبو نواس/ 347
الشطار/ أبو نواس/ 348
كالشهر/ العباس بن الأحنف/ 362
تدرى/ العباس بن الأحنف/ 362
زاجر/ العباس بن الأحنف/ 364
بمنتصر/ العباس بن الأحنف/ 364
تقصر/ جميل/ 366
الديار/ إسحاق الموصلى/ 373
المبار/ الشاعر/ 386
الناضر/ الأعشى/ 392
البحر/ درة بنت أبى لهب/ 394
(1/508)

الكبير/ البحترى/ 411
خرى/ ابن أبى طاهر/ 415
الغزار/ البحترى/ 417
بالخمر/ المجنون/ 420
ذكرى/ أحمد بن أبى طاهر/ 434
البواتر/ أبو أيوب بن أخت أبى الوزير/ 435
بالدنانير/ سهل بن أبى كثير/ 448
الكفر/ المغيرة ابن حبناء/ 449
ستره/ امرؤ القيس/ 23
ضيره/ مروان بن أبى حفصة/ 320
حجره/ أبو نواس/ 343
نقره/ أبو نواس/ 349، 352
غمره/ أبو نواس/ 350
(ر)
يسر/ طرفة/ 7
مضر/ لبيد/ 7
دبر/ امرؤ القيس/ 32
منتشر/ امرؤ القيس/ 32، 115
منهمر/ امرؤ القيس/ 33
حجر/ امرؤ القيس/ 41
بظر/ طرفة/ 61
غمر/ طرفة/ 64
مستعر/ طرفة/ 64
سكر/ امرؤ القيس/ 65
وطمر/ طرفة/ 64
والخصر/ امرؤ القيس/ 130
بضائر/ الكميت/ 252، 253
الأغر/ عمر بن أبى ربيعة/ 261
أكثر/ أبو نواس/ 345
(ز)
وقواقيز/ أبو نواس/ 358
(س)
يعتسّ/ بعض العرب/ 12
جامس/ أبو الدهماء العنبرى/ 17
قابوس/ المتلمس/ 119
العيس/ الفرزدق/ 148
(س)
أنفسا/ امرؤ القيس/ 107
خلاسا/ النابغة الجعدى/ 140
قسّها/ أبو العتاهية/ 331
(س)
الطاليس/ أبو الدهماء العنبرى/ 17
الكاسى/ الحطيئة/ 23
القناعيس/ جرير/ 53
وكنوس/ عبد الله بن سليم الغامدى/ 106
ييأس/ الشاعر/ 130
مرموس/ جرير/ 159
عبس/ العجاج/ 275، 276
نفس/ العجاج/ 277
الأقعس/ أيمن بن خريم/ 283
الكرسى/ أبو العتاهية/ 327
باس/ أبو نواس/ 349
الناس/ العباس بن الأحنف/ 352
الرمس/ أبو تمام/ 390
الكاس/ أبو تمام/ 391
الشمس/ أبو تمام/ 396
إباس/ أبو تمام/ 406
والباس/ أبو تمام/ 406
جبس/ البحترى/ 430
أنه/ أبو تمام/ 391
(س)
سدس/ أبو نواس/ 339
النفوس/ أبو تمام/ 422
(ش)
الحشوش/-/ 463
(ص)
تخاوص/ أبو الدهماء العنبرى/ 17
القلوص/ الحارثى/ 233
(ض)
فروض/ بشر بن أبى خازم/ 68
حضيض/ أبو تمام/ 414
(1/509)

(ض)
انتضى/ الراعى/ 208
(ض)
القيض/ أبو داود الإيادى/ 114
بالمقراض/ البحترى/ 414
(ط)
مخطط/ على بن محمد البصرى/ 301
(ط)
مخلّط/ رغيب بن قيس أو زغيب بن نسير/ 17
(ع)
تتبع/ حماد عجرد/ 20
جامع/ ابن الدمنية/ 29
ناقع/ النابغة/ 42
والشّيع/ حسان بن ثابت/ 73
ناصع/ النابغة/ 89
بلافع/ الشاعر/ 129
مجاشع/ الفرزدق/ 135
طوالع/ الفرزدق/ 138
لامع/ جرير/ 169، 170
ساطع/ جرير/ 217
أربع/ كثير/ 221
رواجع/ ذو الرمة/ 225
يصنع/ أشجع بن عمرو/ 284
الربيع/-/ 322
وترجعوا/ القائل/ 312
يقع/ أبو تمام/ 380
تتسكع/ إسحاق بن حسان الخريمى/ 381
مضاجع/ أبو تمام/ 383
يصرع/ أبو تمام/ 401
يلمع/ إسحاق بن حامد الخريمى/ 413
متالع/ البحترى/ 413
ومتالع/ أبو تمام/ 413
سبع/ أبو تمام/ 422
أصنع/ أبو العتاهية/ 458
(ع)
فالرعا/ الأعشى/ 56
مانفعا/ الأعشى/ 56
الوجعا/ الأعشى/ 57
والصلعا/ الأعشى/ 59
قرعا/ الأعشى/ 60
جدعا/ أوس بن حجر/ 84
وأضرعا/ متمم بن نويرة/ 104
مفظعا/ الشاعر/ 126
تبعا/ الأحوص/ 212
البقعا/ عمر بن أبى ربيعة/ 213
قطعا/ عبد الرحمن القس/ 287
الساعة/ أبو العتاهية/ 323، 324، 325
المجمعة/ الخطيئة/ 445
(ع)
ساجع/ ذو الرمة/ 11
وساع/ المسيب بن علس/ 117
مجمع/ العباس بن مرداس/ 122
الصنائع/ كثير/ 202
أربع/ كثير/ 271
تهجاع/ أبو قيس بن الأسلت/ 312
الشجاع/ أبو تمام/ 393
شعاع/ أبو تمام/ 396
القعقاع/ مكنف أبو سلمى/ 408
المجمع/ أبو مسلم الخلق/ 462
(ع)
صقع/ جواس بن هريم/ 11
(ف)
زفازف/ ساعدة بن جؤية/ 112
كثيف/ الحطيئة/ 116
مجلف- مجرف/ الفرزدق/ 135، 136
وتعيفوا/ جميل/ 145
وقفوا/ جميل/ 145
حرجف/ الأعلم العبدى أو الفرزدق/ 146
تعزف/ الفرزدق/ 147
(1/510)

يكف/ الحكم الخضرى/ 295
تعطف/ حاتم الطائى/ 323
(ف)
محرفا/ العمانى الراجز/ 370
خرفا/ أبو تمام/ 382، 424
فتفوفا/ أبو تمام/ 385
فولفا/ أبو تمام/ 385
وجيفا/ أبو تمام/ 386
وصليفا/ أبو تمام/ 389
الصوفا/ أبو تمام/ 390، 400، 403
خرفا/ مروان بن سعيد/ 455
خلفا/ عبد الله بن محمد بن عيينة/ 455
عفا/ ابن محمد بن الحسن الحصنى/ 461
لفافه/ أبو تمام/ 387
الخلافه/ أبو تمام/ 389
(ف)
الصياريف/ الشاعر/ 127
النزف/ بكر بن النطاح/ 370
واقف/-/ 410
(ف)
مختلف/ أبو النجم العجلى/ 230
مهفهف/ أحمد بن أبى فنن/ 430
تتقصف/ أحمد بن أبى فنن/ 431
(ق)
خفيق/ الأعشى/ 60
البنائق/ المجنون/ 28، 109
يفوق/ عروة بن الورد/ 109
نقانق/-/ 131
فوئيق/ جرير/ 149
مفتق/ الأعشى/ 151
عشقوا/ العباس بن الأحنف/ 331
لأحمق/ دعبل الخزاعى/ 372
بيدق/ أبو تمام/ 380، 399
فارق/ أبو تمام/ 387
أبلق/ أبو تمام/ 390
تلصق/ أبو تمام/ 398
يشرق/ البحترى/ 421
(ق)
الفرقا/ زهير/ 50
حلقا/ الأحوص/ 210، 212
خلوقا/ عمر بن أبى ربيعة/ 261
أليقا/ البحترى/ 415
المخلوقا/ البحترى/ 424
ورقه/-/ 464
(ق)
بمطيق/ الأخطل/ 54، 177، 179
عشقى/ عروة بن الورد/ 103
تخلق/ أبو نواس/ 96، 312، 328، 340، 356، 357
نلتقى/ العباس بن الأحنف/ 257
الشفيق/ عمر بن أبى ربيعة/ 260
الفراق/ الأحوص/ 264
المتقى/ أبو نواس/ 338، 398
زنديق/ أبو نواس/ 337
مشقوق/ أبو انواس/ 338
بدبّون/ أبو نواس/ 338
سارق/ أبو نواس/ 347
الوامق/ أبو نواس/ 348
ضيق/ أبو نواس/ 351
المنطق/ أبو تمام/ 387
تتعلق/ أبو تمام/ 393
المآقى/ أبو تمام/ 394
والساقى/ أبو نواس/ 398
المغدق/ أبو تمام/ 412، 425
فاصدق/ البحترى/ 246
المتحذلق/ عمرو بن زعبل/ 462
الحقائق/-/ 464
(ق)
الحفق/ رؤبة/ 280
(ك)
النسك/ زهير بن أبى سلمى/ 110
(1/511)

(ك)
لا أراكا/ محمد بن وهيب الحميرى/ 372
سقاكها/ عروة بن أذينة/ 272
شباكها/ دعامة الطائى/ 320
(ك)
تامك/ ذو الرمة/ 234، 235
أبلاك/ إسحاق الموصلى/ 375
مغناك/ إسحاق الموصلى/ 375
خرك/ معمر بن المثنى/ 452
(ل)
عجل/ الأعشى/ 55
رجل/ الأعشى/ 56
تصل/ الأعشى/ 59
الكاهل/-/ 98
طول/ الشماخ/ 114
العويل/ الشاعر/ 122
تأتكل/ الأعشى/ 129
المنزل/ الفرزدق/ 136
طويل/ جرير- أو غيره/ 141، 172
وأطول/ الفرزدق/ 148، 164
نهشل/ الفرزدق/ 148
لا ينقل/ الفرزدق/ 148
ما يئل/ الأعشى/ 151
تقول/ عدى بن الرقاع العاملى/ 172
قبول/ الأخطل/ 177
يقول/ الأخطل/ 179
والمعول/ الأخطل/ 181، 217، 384
تتكل/ القطامى/ 194
العقل/ الحارث بن خالد المخزومى/ 268
يزيل/ أبو حية النميرى/ 290
الكاهل/ الآخر/ 311
مثل/ أبو نواس/ 356
طويل/ أبو نواس/ 356
القتل/ زهير/ 380
أهتبل/ أبو تمام/ 386
أفكل/ الشاعر/ 393
حائل/ أبو تمام/ 395
منخل/ أبو تمام/ 397
مجهول/ مسلم بن الوليد/ 404
لا يسأل/ البحترى/ 412
الإبل/ عبد الله بن محمد بن أبى عيتية/ 455
جدل/ مروان بن سعيد/ 455
نائله/ زهير بن أبى سلمى/ 66
باطله/ جرير/ 166
كمولها/ كثير/ 189
لا يقيلها/ كثير/ 191
سبيلها/ كثير/ 191
قنابه/ طفيل/ 253
وأسافله/ ابن ميادة/ 292
ونزاوله/ زهير بن أبى سلمى/ 319
قائله/ دعبل بن على/ 450
ويواصله/ أخو أحمد بن يوسف الكاتب/ 456
قائله/ أحمد بن يوسف الكاتب/ 457
طوائله/ دعبل بن على/ 465
(ل)
المحالا/ ذو الرمة/ 2
ثقيلا/ النابغة أو زهير/ 48، 49
يزولا/ النابغة أو زهير أو كعب/ 49
الرجلا/ الأعشى/ 59، 119
مخولا/ أوس بن حجر/ 118
قليلا/ أبو الأسود الدؤلى/ 126
الأوعالا/ جرير/ 161
وميلا/ جرير/ 163
الأغلالا/ الأخطل/ 174
فأحالا/ جرير/ 174
الأمثالا/ جرير/ 174، 186
خيالا/ الأخطل/ 174
وأصيلا/ راعى الإبل النميرى/ 207
قليلا/ راعى الإبل النميرى/ 207
قليلا/ راعى الإبل النميرى/ 207
بلالا/ ذو الرمة/ 232
الحجالا/ ذو الرمة/ 236
عالا/ الفرزدق/ 235
(1/512)

آلا/ ذو الرمة/ 237، 239
جدالا/ ذو الرمة/ 238
الفحولا/ مهلهل بن ربيعة/ 252
طويلا/ عمر بن أبى ربيعة/ 269
جميلا/ نابغة بنى تغلب/ 287
ميّالا/ بعضهم/ 297
فتيلا/ أبو العتاهية/ 330
مسلولا/ مسلم بن الوليد/ 361
جديلا/ أبو تمام/ 387
يتحولا/ أبو تمام/ 391
سحيلا/ أبو تمام/ 396
أسافلا/ أبو تمام/ 397
أكلا/ عبد الصمد بن المعذل/ 429
عيّلا/-/ 447
رسولا/-/ 462
وطحالها/ الأعشى/ 59، 62، 118
أصولها/ حسان بن ثابت/ 72
سولها/ حسان أو بنته/ 72
نزولها/ حسان بن ثابت/ 72
يقولها/ حسان بن ثابت/ 72
دنا لها/ الأعشى/ 150
فنالها/ كثير/ 189، 190، 191، 204
وأذالها/ كثير/ 192
نهالها/ كثير/ 192
استقالها/ كثير/ 196
بدا لها/ الأعشى/ 304
إدلالها/ أبو العتاهية/ 329
حيله/ محمود بن مروان بن أبى الجنوب/ 433
(ل)
نابل/ أبو العميثل/ 3
تطاولى/ الراجز/ 9
الخالى/ امرؤ القيس/ 9
بأذيال/ بعضهم/ 18
كالمحال/ ابن الرومى/ 21
المال/ امرؤ القيس/ 22، 23
ليبتلى/ امرؤ القيس/ 27
جندل/ امرؤ القيس/ 28
بيذبل/ امرؤ القيس/ 28
بأمثل/ امرؤ القيس/ 28، 29
بكلكل/ امرؤ القيس/ 27، 30، 34
الرحل/ امرؤ القيس/ 30
خلخال/ امرؤ القيس/ 31
يفعل/ امرؤ القيس/ 32
بأعزل/ امرؤ القيس/ 32، 129
المفصل/ امرؤ القيس/ 34
محول/ امرؤ القيس/ 34، 150
الرحال/ الأعشى/ 43
تنبال/ النابغة/ 44، 116
الرجال/ الهمذانى/ 44
بالكلاكل/ النابغة/ 45
بالكلاكل/ زياد بن قنيع البصرى/ 51
سؤالى/ الأعشى/ 59
مختال/ الشماخ/ 113
أمثالى/ خفاف بن ندبة/ 120
الأحوال/-/ 123
فضل/ النجاشى/ 124
واغل/ امرؤ القيس/ 126
جمل/ جميل/ 127
مجال/ الشاعر/ 127
مالى/ الشاعر/ 129
نابل/ امرؤ القيس/ 140
المنفضل/ امرؤ القيس/ 150
حال/ امرؤ القيس/ 150
البالى/ جرير/ 155
مال/ جرير/ 164
فتبدّل/ الفرزدق/ 164
بالبخل/ لقمان (أو ابن لقمان) الخزاعى/ 169
مقتّل/ امرؤ القيس/ 195
سبيل/ كثير/ 194، 211
بقليل/ كثير/ 197
عقلى/ جميل/ 210، 211
لا أبالى/ الأحوص/ 214
وائل/ الفرزدق/ 216
للهلال/ الأعشى/ 235
(1/513)

صلاصل/ ذو الرمة/ 240
الأظلّ/ عروة بن أذينة/ 272
النّبل/ المتوكل بن عبد الله الليثى/ 291
وائل/ مصقلة بن هبيرة/ 298
إسرال/ أمية بن أبى الصلت/ 298
والأكبال/ أمية بن أبى الصلت/ 298
يزليل/ أبو نواس/ 332
على/ آخر/ 337
السربال/ أبو نواس/ 340
الخلال/ أبو نواس/ 340
الفيول/ أبو نواس/ 342
ودخيلى/ أبو نواس/ 352
حيلى/ العتابى/ 357
عيال/ أبو نواس/ 359
عجل/ العباس بن الأحنف/ 362
المال/ محمد بن يسير الحميرى/ 371
للنعل/ مروان بن أبى الجنوب/ 375
ادخل/ مروان بن أبى الجنوب/ 376
الآحال/ أبو تمام/ 410
ومالى/ البحترى/ 423
دخيل/-/ 447
والترحال/ رجل/ 451
نيل/ ابن الرومى/ 463
سؤاله/ أبو تمام/ 372
أشباله/ البحترى/ 418
أمواله/ البحترى/ 419
ابتذاله/ البحترى/ 422
اندمالها/ كثير/ 444
(ل)
فعل/ الآخر/ 71
الأول/ النابغة الجعدى/ 78
وزحل/ لبيد بن ربيعة/ 85، 116
غفل/ هذيل الأشجعى/ 105
كالبصل/ لبيد بن ربيعة/ 111
القلل/ لبيد بن ربيعة/ 116
المعل/ لبيد بن ربيعة/ 127
يتكل/ الآخر/ 128
قليل/ عبد الله بن عمر العبلى/ 270
البصل/ بشار بن برد/ 315
الجمل/ بشار بن برد/ 318
بالعمل/ الراجز/ 389
الأسل/ إسحاق بن خلف البصرى/ 431
جمل/ أبو عدنان السلمى/ 459
(م)
والديم/ زهير بن أبى سلمى/ 52
جذام/ بشر بن أبى خازم/ 67
الكلوم/ حسان بن ثابت/ 73
حرام/ أبو نواس/ 80
مشموم/ علقمة بن عبدة/ 120
يدوم/-/ 128
يتصرم/ الفرزدق/ 137
لمام/ جرير/ 167
يغشم/ الأخطل/ 180
لائم/ الجحاف السلمى/ 182
المزكوم/ الأخطل/ 184، 185
ملثوم/ الأخطل/ 185
ميم/ ذو الرمة/ 230
استغرام/ أبو تمام/ 392
مهيوم/ ذو الرمة/ 234، 235
الهرم/ عبد الله بن عمر العبلى/ 270
ما هم/ عروة بن آذينة/ 271
أعجم/ ابن هرمة/ 285
وسلام/ عبد الرحمن القس/ 287
ملثوم/ علقمة بن عبدة/ 298
فهم/ أبو تمام/ 391
استسلام/ أبو تمام/ 391
الإعدام/ أبو تمام/ 392
محموم/ أبو تمام/ 393، 403
العظلم/ أبو تمام/ 397
غلام/ أبو تمام/ 400
الإقدام/ البحترى/ 413
الإقدام/ أبو تمام/ 413
(1/514)

قديم/ أبو سعد المخزومى/ 429
تصرم/ أحمد بن جحدر أو محمد بن عبد الرحمن الغربى/ 438
مفحم/-/ 466
فرجامها/ لبيد/ 10
حممه/ طرفة/ 94
كلامها/ جميل/ 221، 254
قيمه/ أبو نعامة مولى بنى سعد/ 274
ترومها/ بعضهم/ 297
تنومها/ أبو تمام/ 382
(م)
خذما/ أبو الدهماء العنبرى/ 17
وهاما/-/ 19
إذا ما/-/ 19
مظلما/ البحترى/ 31
كتوما/ ربيعة بن مقروم/ 43
تكرما/ البحترى/ 66
دما/ حسان بن ثابت/ 69
مطعما/ حسان بن ثابت/ 71
المعاصما/ عامر بن الطفيل/ 120
ظدما/ شمر بن الحارث الضبى/ 130
كراما/ الأعشى/ 185
الخرما/ عبيد الله بن قيس الرقيات/ 241
مكرما/-/ 294
دما/ بشار بن برد/ 316
كما/ أبو العتاهية/ 329
محكما/-/ 456
شتاما/ عروة بن أذينة/ 465
لامهما/ عمرو بن قميئة/ 97
ودعاهما/ امرأة من قيس/ 290
(م)
ظلام/ جنى/ 222
لسام/ الفرزدق/ 227
تهمى/ طرفة/ 240
الحكم/ كثير/ 244
مقروم/ الفرزدق/ 263
القيام/ الطرماح/ 267
خاتم/ العجاج/ 277
سمسم/ العجاج/ 278
الحكم/ ابن هرمة/ 286
العوم/ الآخر/ 286
الكريم/ إسحاق الأعرج/ 287
كهشام/ الكميت/ 299
السقم/ أبو نواس/ 340
أنم/ أبو نواس/ 342
وفم/ أبو نواس/ 359
رجيم/ أبو تمام/ 379، 399
للمكارم/ أبو تمام/ 484
الحرم/ أبو تمام/ 394
المحطوم/ أبو تمام/ 394
للديم/ أبو تمام/ 394
للقيم/ أبو تمام/ 396
كلام/ غيره/ 404
وأعجم/ البحترى/ 422
يهرم/ البحترى/ 424
ومجترمه/ أبو تمام أو غيره/ 81
دوامه/ البحترى/ 422
هممه/ عبد الصمد بن المعذل/ 429
(م)
يخم/ الأعشى/ 7
كالحرم/ طرفة/ 8
ويعم/ طرفة/ 8
وإقدام/ ابنة أبى مسافع/ 11
كتم/ الأعشى/ 43
يرم/ الأعشى/ 58
تميم/ الأسود بن يعفر أو غيره/ 103
تلنطم/ الأعشى/ 113
العوّم/-/ 127
مؤام/ الطرماح/ 301، 401
بسم/ أبو العتاهية/ 329
(م)
تسلما/ أبو نواس/ 347
(1/515)

مسلما/ أبو نواس/ 347
آدما/ أبو نواس/ 356
حراما/ شاعرهم/ 395
النعما/ البحترى/ 412
(م)
العالم/ العجاج/ 5، 19
بزمام/ امرأة من خثعم/ 11
القضيم/-/ 12
الخصم/-/ 20
سهم/-/ 20
بدائم/ جرير/ 32
فتفطم/ زهير بن أبى سلمى/ 47
فينقم/ زهير بن أبى سلمى/ 51
فيهرم/ زهير بن أبى سلمى/ 51
المصلم/ الأعشى/ 54
المحرم/ الأعشى/ 54، 55
المتظم/ النابغة الجعدى/ 54
زمزم/ الأعشى/ 55
يكلم/ عنترة/ 65
بالدم/ النابغة الذبيانى/ 77
عم/ النابغة الذبيانى/ 77
تقدم/ النابغة الجعدى/ 77
أمامى/ الفرزدق/ 80
والكرم/ محمد بن على القنبرى/ 82
تكلم/ المسيب بن علس/ 93
مكدم/ المتلمس/ 93، 112
وتحمحم/ عنترة/ 121، 285
العزائم/ الراعى/ 133
دارم/ الفرزدق/ 137، 138
دمى/ الفرزدق/ 139، 153، 363
الحلاقم/ الشمردل اليربوعى/ 144
رائم/ الفرزدق/ 144
ظالم/ ابن ميادة/ 144
العزائم/ الفرزدق/ 149
القرام/ الفرزدق/ 152
قائم/ الفرزدق/ 160
بالمظالم/ جرير/ 160
الأراقم/ جرير/ 163
العمائم/ الفرزدق/ 165، 302
بسلام/ جرير/ 167، 209، 219، 222
المزكوم/ الأعشى/ 184
ترم/ كثير/ 193
الأحلام/ كثير/ 201
القماقم/ الفرزدق/ 217
والمكارم/ جرير/ 219
مرام/ جرير/ 220
سالم/ جنى/ 222
سالم/ ذو الرمة/ 221
(ن)
متقن/ السيد الحميرى/ 3
حزين/-/ 18
ضننوا/ قعنب ابن أم صاحب/ 125
دين/ كثير/ 198
رهون/ كثير/ 198
وجناجن/ كثير/ 201
تلين/ كثير/ 205
وعيون/ الشاعر/ 206
حزين/ كثير/ 206، 212
خدين/ أبو نواس/ 335
الأضغان/ أبو نواس/ 338، 398
الميمون/ أبو نواس/ 341
يمين/ أبو نواس/ 351
شيبان/ ابن الرومى/ 352
وأغصان/ ابن الرومى/ 353
التنين/ ابن الرومى/ 383، 404
ورمان/ ابن الرومى/ 442
دجونها/ المرار/ 295
وعلانها/ على بن الجهم/ 428
(ن)
لينا/ ابن مقبل/ 4
يرتقينا/ عمرو بن الأيهم التغلبى/ 6
الأريمين/ سحيم بن وثيل/ 15، 351
(1/516)

مصلتينا/ عدى بن زيد/ 15
قطينا/ جرير/ 159، 160، 168
آخرين/ جرير/ 175
امطلينا/ عبيد الله بن قيس الرقيات/ 197
مهنا/ عمر بن أبى ربيعة/ 197
زينا/ مالك بن أسماء/ 281
زينا/ مالك بن أسماء/ 281
زينا/ مالك بن أسماء/ 281
يحينا/ يزيد بن مالك الغامدى/ 289
الجاهلينا/ يزيد بن مالك الغامدى/ 288
واستهلتنا/ أبو العتاهية/ 325
بيننا/ أبو نواس/ 344
فلانا/ مروان بن أبى الجنوب/ 376
فتحاتى/ الآخر/ 385
تصدقينا/ عروة بن حزام/ 392
لنا/ الفرزدق/ 420
فأذنا/ مروان بن أبى الجنوب/ 428
المؤمنينا/ أبو الأهتم/ 448
طغيانا/ رجل/ 453
(ن)
عرين/ جرير/ 14، 175
لبون/ سحيم بن وثيل/ 14، 175
غضون/-/ 16
أبيين/ ذو الإصبع العدوانى/ 18
الشئون/ سحيم بن وثيل/ 18
الأربعين/ سحيم بن وثيل/ 18، 175
يبكينى/ الفرزدق/ 17
عين/-/ 19
كاللجين/-/ 19
إنى/ النابغة/ 41
الوتين/ الشماخ/ 79، 80، 81
باليمن/ أبو نواس/ 81
الكتان/ خفاف بن ندبة/ 110
الطحين/ الشماخ/ 113
ودينى/ المتقب العبدى/ 121
أبوان/ الشاعر/ 125
الدكان/ جرير/ 159
دونى/ جرير/ 160
الجنان/ بشار/ 205
بنو شيبان/ مروان بن أبى حفصة/ 321
بنو مروان/ رجل من باهلة/ 320
طعان/ مروان بن أبى حفصة/ 321
السكن/ أبو نواس/ 333
والزمن/ ابو نواس/ 334
بانسان/ ابو نواس/ 336
الشراكان/ ابو نواس/ 339
الوان/ ابو نواس/ 341، 358
اليمانى/ يزيد بن المفرغ/ 342
الحزن/ أبو تمام/ 384
البستان/ ابن أبى عوف الكاتب/ 432
المعانى/ محمد بن عبد الله بن طاهر/ 433
التجنى/ عبيد الله بن عبد الله بن طاهر/ 441
الحسان/ امرؤ القيس/ 460
حيان/ أحمد بن يوسف الكاتب/ 463
بسلطانك/ أبو العتاهية/ 329
(ن)
أفران/ ابنة أبى مسافع/ 11
أنقين/ أبو ميمون النضر بن سلمة/ 14
معن/ الأعشى/ 57
اليمن/ الأعشى/ 61، 63
أزن/ الأعشى/ 151
(هـ)
هواه/ عمر بن أبى ربيعة/ 262
الله/ أبو العتاهية/ 326
(هـ)
مستقاها/ النابغة الذبيانى/ 112
علاها/ الحطيئة/ 115
فينعاها/ جنادة بن نجبة/ 205
لها/ عروة بن أذينة/ 293
واها/ أبو العتاهية/ 327
بها/ الأعشى/ 336
(1/517)

(هـ)
توصه/ حسان بن ثابت/ 6
أشباه/ أبو نواس/ 360
بأفواه/ عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر/ 443
(و)
وا/ حكيم بن معية التميمى/ 12
يسوى/ بعض الشعراء/ 464
(ى)
العصى/ امرؤ القيس/ 23
نعى/ امرؤ القيس/ 117
(ى)
لداتيا/ النابغة الجعدى/ 78
الأعاديا/ النابغة الجعدى/ 78
مهنيا/ أبو عدى القرشى/ 106
مواليا/ الفرزدق/ 126، 133، 134
وانيا/ ابن رميلة/ 216، 217
ليا/ جرير/ 216
تاويا/ ذو الرمة/ 234
وغاديا/ ذو الرمة/ 239
ابتلانيا/ المجنون/ 265
ليا/ المجنون/ 265
المناديا/ المجنون/ 266
متجافيا/ أحمد بن المعذل/ 427
وتصابيا/ بعضهم/ 437
اللياليا/ أبو حية النميرى/ 449
مروتيه/ عبيد الله بن قيس الرقيات/ 242
(ى)
العصىّ/ امرؤ القيس/ 22
الأبّى/ أبو تمام/ 389
مواليها/ جرير/ 106، 167
أرائيها/ النمر بن تولب اليشكرى/ 130
مواليه/ بشار بن برد/ 315
مساوية/ أبو تمام/ 381
شكريه/ أحمد بن المدبر/ 432
(1/518)

5- فهرس الأعلام
(ا)
آدم (عليه السلام) :
283، 304
أبان بن عثمان البجلى:
192
أبان بن الوليد البجلى:
249
إبراهيم بن إسماعيل بن هشام المخزومى:
137، 139
إبراهيم بن أبى الحسين:
459
إبراهيم بن سعدان:
183
إبراهيم بن شهاب:
14، 38، 41، 49، 53، 76، 77، 87، 89، 132، 142، 145، 150، 153، 168، 171، 172، 176، 189، 194، 208، 223، 277، 278، 280
إبراهيم بن عبد الله الكجى:
423
إبراهيم بن عبد الله بن مطيع:
262
إبراهيم بن أبى عبد الله:
197
إبراهيم بن عبد الصمد:
71، 75
إبراهيم بن عمار الحميرى:
4
إبراهيم بن عمر:
162
إبراهيم بن متمم بن نويرة:
306
إبراهيم بن محمد الصغير:
220
إبراهيم بن أبى محمد اليزيدى:
356، 357
إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى:
64، 153، 173، 191، 200، 212، 229، 255، 263، 307، 323، 325، 330، 337، 362، 370، 371، 379، 398، 428، 554
إبراهيم بن محمد العطار:
26، 71، 132، 158، 171، 185، 187، 188، 249، 251، 252، 274، 304، 306، 320، 368، 407، 443، 453، 456
إبراهيم بن المعلى:
336
إبراهيم بن المنذر:
85، 261، 444
إبراهيم بن المهدى العباسى:
314، 333، 457
إبراهيم بن موسى بن جميل الأندلسى:
4
إبراهيم بن هرمة:
285، 286، 302
الأثرم- على بن المغيرة، وابنه محمد احمد بن إبراهيم بن إسماعيل:
372
أحمد بن إبراهيم البزاز:
47، 196
أحمد بن إبراهيم الجمال:
84، 233، 251
أحمد بن إبراهيم الغنوى:
367
أحمد بن إسحاق:
86
(1/519)

أحمد بن إسماعيل:
363، 434، 456
أحمد بن بشر المرثدى:
157، 161، 171، 248، 275
أحمد بن بكير الأسدى:
252
أحمد بن جحدر الخراسانى:
438
أحمد بن حاتم (أبو نصر) :
305
أحمد بن الحارث الخراز:
155، 355، 357، 361، 363، 405
أحمد بن الحسن:
406
أحمد بن حمدون:
364
أحمد بن خالد المباركى (أبو سعيد الضرير) :
47، 405، 406
أحمد بن الخصيب:
418
أحمد بن خلاد:
158، 316، 357، 415
أحمد بن أبى خيثمة:
22، 190، 192، 193، 201، 203، 206، 223، 227، 260، 293، 305، 309، 322، 378، 443، 444، 446
أحمد بن أبى دواد:
88، 114، 320، 339، 424
أحمد بن روح:
359، 360
أحمد بن سعيد:
69، 140، 274، 401
أحمد بن سعيد الكرخى:
237
أحمد بن سليمان الطوسى:
82، 195، 244، 308، 444
أحمد بن سليمان بن وهب:
81، 436
أحمد بن الصباح:
254
أحمد بن أبى طاهر:
36، 40، 56، 87، 141، 145، 146، 148، 149، 230، 249، 328، 332، 333، 345، 349، 350، 353، 355، 358، 360، 415، 418، 419، 434
أحمد بن طيفور:
349
أحمد بن عبد العزيز الجوهرى:
23، 39، 47، 54، 67، 69، 75، 85، 91، 92، 138، 144، 148، 158، 161، 173، 178، 180، 186، 196، 209، 212، 216، 218، 231، 242، 243، 245، 261، 267، 269، 276، 278، 281، 289، 306
أحمد بن عبد الله طماس:
423
أحمد بن عبد الله العسكرى:
158، 169، 258، 451
أحمد بن عبد الله بن على:
294
أحمد بن عبد الله:
365
أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة:
448
أحمد بن عبيد الله بن عمار:
22، 139، 309، 318، 327، 351
أحمد بن عبيد بن ناصح النحوى:
218، 313، 380
أحمد بن عثمان بن محمد العثمانى:
188، 305
أحمد بن على المادرائى:
433
أحمد بن عمار:
328
(1/520)

أحمد بن عيسى العكلى:
44، 448
أحمد بن عيسى الكرخى:
218، 453
أحمد بن أبى فنن:
430، 431
أحمد بن أبى كامل:
376، 462
أحمد بن محمد بن إسحاق الطالقانى:
441
أحمد بن محمد الأسدى:
31، 147، 172، 213
أحمد بن محمد بن ثوابة الكاتب:
336
أحمد بن محمد بن جعفر:
347
أحمد بن محمد الجوهرى:
48، 56، 84، 142، 148، 173، 180، 196، 215، 218، 233، 251، 254، 289، 308، 315، 370، 445
أحمد بن محمد أبى سهل الحلوانى:
333، 336، 371، 380
أحمد بن محمد بن أبى الذيال:
142
أحمد بن محمد بن زياد:
415، 425
أحمد بن محمد بن أبى محمد اليزيدى:
256، 374
أحمد بن محمد:
377، 405
أحمد بن محمد العروضى:
18، 122
أحمد بن محمد الكاتب:
80، 443
أحمد بن محمد المكى:
39، 84، 98، 209، 260، 280، 448، 451
أحمد بن المدبر الكاتب:
432
أحمد بن مروان (أبو مسهر) :
4
أحمد بن معاوية:
173، 289
أحمد بن المعتصم العباسى:
406، 407
أحمد بن معدان الكوفى:
371
أحمد بن المعدل (أبو الفضل) :
427
أحمد بن المقدام العجلى:
57
أحمد بن موسى:
379
أحمد بن الهيثم بن فراس السامى:
215، 255، 304، 306، 324، 325
أحمد بن الوليد بن برد:
452
أحمد بن يحيى (ثعلب) النحوى:
37، 61، 64، 65، 75، 86، 89، 99، 144، 145، 148، 155، 173، 174، 191، 193، 195، 202، 203، 207، 208، 212، 214، 223، 225، 226، 227، 228، 230، 232، 234، 236، 238، 242، 243، 249، 256، 258، 259، 260، 261، 262، 263، 264، 265، 268، 308، 322، 323، 350، 409، 410، 439، 445
أحمد بن يزيد المهلبى:
225، 236، 327، 364، 415
أحمد بن يعقوب (أبو المثنى) :
316
أحمد بن يوسف الكاتب:
456، 457، 462
(1/521)

أحمر عاد:
47
ابن أحمر:
101، 115، 353
الأحنف بن قيس:
406
الأحوص بن محمد:
209، 212، 213، 214، 215، 243، 244، 294
أحيحة بن الجلاح:
81
الأخطل (غياث بن غوث) :
36، 54، 76، 133، 153، 155، 165، 173، 174، 176، 186، 187، 196، 216، 217، 224، 225، 289، 305، 306، 385
الأخفش (على بن سليمان) :
4، 8، 12، 14، 20، 75، 122، 313، 314، 322، 323، 337، 441
الأخفش (أبو الخطاب) :
162
الأخفش بن شهاب التغلبى:
45
إدريس بن أبى حفصة:
376
أدهم العنبرى (أو العبدى) :
289
الأرقم (فى شعر الأخطل) :
179
أرطأة بن سهية المرى:
304، 308
الأزد:
331
ابن الأزور- ضرار
إسحاق بن إبراهيم الموصلى:
3، 67، 86، 98، 104، 161، 173، 187، 191، 196، 199، 202، 213، 231، 234، 235، 236، 251، 254، 258، 259، 276، 289، 294، 321، 326، 331، 333، 373، 374، 390، 396، 407، 409، 443، 451، 456، 461
إسحاق الأعرج (مولى عبد العزيز ابن مروان) :
287
إسحاق بن الجصاص:
47
إسحاق بن حسان الخريمى:
381، 402
إسحاق بن خلف البصرى:
431
إسحاق بن سعيد:
305
أبو إسحاق الطلحى:
183، 271
إسحاق بن العباس الهاشمى:
273
إسحاق بن محمد النخعى:
258
إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله:
243
ابن أبى إسحاق- عبد الله بن أبى إسحاق:
بنو أسد:
180، 310
بنو أسعد بن همام:
179
بنو إسرال (إسرائيل) :
298
أسلم:
250
أسماء:
فى شعر الحارث بن حلزة:
94
(1/522)

إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى:
72
إسماعيل بن إسحاق (القاضى) :
427
إسماعيل بن جعفر (مولى خزاعة) :
285
إسماعيل بن أبى سهل بن نيبخت:
155
إسماعيل بن عبيد الله بن أبى عبيد الله:
87، 230، 249
إسماعيل بن القاسم:
165، 239، 259، 270
ابن أبى العتاهية- محمد بن إسماعيل
إسماعيل بن محمد الصفار:
161
إسماعيل بن أبى محمد اليزيدى:
25، 185، 256
إسماعيل بن هشام بن أبى يوسف:
459
إسماعيل بن يعقوب الأعلم:
171
الأسود بن يعفر النهشلى:
101، 103
أبو الأسود الدؤلى- ظالم بن عمرو
أشجع بن عمرو السلمى:
283، 367
الأشناندانى- سعيد بن هارون
الأشهب بن رميلة:
165، 216، 217
الأصمعى- عبد الملك بن قريب أصم باهلة:
166
الأطروش بن إسحاق الموصلى:
134
ابن الأعرابى- محمد بن زياد
ابن الأعرابى المنجم:
313
أعشى همدان:
247
الأعشى- ميمون بن قيس
الأعلم العبدى:
146- 147
الأعمش:
44
الأغلب العجلى:
272- 273
الأفشين:
383
الأقيشر الأسدى:
245، 282
أمامة:
فى شعر الحارث بن غزوان: 287
امرؤ القيس بن حجر:
9، 22- 37، 41، 65، 71، 72، 76، 107، 112، 115، 117، 129، 130، 140، 150، 195، 199، 200، 202، 281، 311، 368، 394، 447، 460
أميمة:
فى شعر النابغة: 5، 8، 27
بنو أمية:
179، 180، 183، 264، 384
أمية بن الأسكر:
202
أمية بن أبى الصلت:
95، 105، 298
أبو أمية القرشى:
242
أنس بن خالد الأنصارى:
452
أبو الأهتم:
448
أوتامش:
415
(1/523)

الأوس: 39
أوس بن حارثة:
68
أوس بن حجر:
42، 49، 74، 111، 118
أوس بن مغراء:
76، 77، 78، 102
إياس بن معاوية:
406
أيمن بن خريم:
283، 284
أيوب:
فى شعر قيس بن ذريح: 264
أبو أيوب المدينى:
285
أبو أيوب ابن أخت أبى الوزير:
435
(ب)
بابك الخرمى:
383
باهلة:
160، 330، 321
بثينة:
256، 257
البحترى- الوليد بن عبيد، البرامكة:
377
أبو بردة الثقفى:
56
برزة (أم عمر بن لجأ) :
170
أبو برزة الأعرابى:
323، 324
بسر بن داود المهلبى:
427
بشار بن برد:
63، 121، 154، 155، 183، 205، 206، 251، 313، 314، 319، 320، 366، 450، 452
بشر بن أبى خازم:
67، 111
بشر بن مروان:
158، 159، 168، 179، 283، 284، 288
بشر بن يحيى (أبو ضياء) :
424
ابن بشير المدنى:
183
أبو بصير- الأعشى- ميمون بن قيس البطين:
225
البعيث- خداش بن نشر المجاشعى:
أبو بكر بن أبى أويس:
444
أبو بكر الباهلى:
54، 69، 75، 308
أبو بكر الجرجانى:
81، 98، 158، 165، 172، 207، 225، 227، 241، 248، 253، 256، 267، 313، 373، 443، 453
أبو بكر الصديق:
84
أبو بكر بن عبد الله بن مصعب الزبيرى:
444
بكر بن محمد المازنى:
226، 236
بكر بن النطاح:
312، 370
بنو بكر بن وائل:
94، 137، 176، 178، 180، 216، 298
بكير الأسدى:
249
(1/524)

بلال بن أبى بردة:
80، 81، 139، 227، 229، 232، 236، 239
بنان:
462
أبو البيداء الرياحى:
158، 238
(ت)
ابن التختاخ (وكيل إبراهيم بن المهدى) :
457
تغلب:
6، 94، 173، 181، 184
أبو تمام- حبيب بن أوس
بنو تميم:
41، 106، 138، 139، 142، 144، 156، 160، 165، 169، 171، 232، 254، 302، 312، 447، 454
التوزى- عبد الله بن محمد
تيم بن عدى:
170، 171، 172
(ث)
ثابت بن الزبير بن هشام بن عروة:
325
بنو ثعل:
23
ثعلب- أحمد بن يحيى
ثعلبة بن صعير المازنى:
101
بنو ثعلبة:
167، 178، 179
ثقيف:
220، 289
ثمود:
47
ابن ثوابة (أبو العباس) :
433
(ج)
جابر (أخو حيان) :
113
جابر (فى شعر) :
129
الجاحظ- عمرو بن بحر
الجارود بن أبى سيرة:
148
جبر (فى شعر العرجى) :
271
جبلة بن محمد الكوفى:
479
الجحاف بن حكيم السلمى:
181، 182، 217، 384
جذام (فى شعر بشر بن أبى خازم) :
67، 68
جرم:
133
الجرمى:
13، 14، 253
جرير بن عطية:
13، 14، 15، 32، 36، 53، 106، 136، 137، 138، 141، 142، 145، 149، 150، 153، 154، 155، 156، 175، 183، 186، 190، 209، 216- 220، 222، 225، 230، 238، 243، 260، 305، 307، 312، 363، 427، 446، 449
جعثن (أخت الفرزدق) :
161، 163، 164، 165
بنو جعدة:
77
جعفر بن ثعلبة:
14
جعفر رضى الله عنه:
71، 76، 79
(1/525)

جعفر (مولى خزاعة) :
285
أبو جعفر الرؤاسى:
136
أم جعفر بن مهرويه:
316
أم جعفر (فى شعر الأحوص) :
214
جعفر العباسى- المتوكل
الجلودى:
225
الجماز:
348
ابن أبى جمعة- كثير بن عبد الرحمن
جميل بن معمر العذرى:
127، 145، 147، 196، 203، 209، 210، 218، 220، 221، 255- 258، 262، 366
ابن جناح:
232
جنادة بن نجبة:
205
أم جندب (امرأة امرىء القيس) :
24، 25، 26، 200
أبو جهل:
11
أبو الجهم بن أبى سفيان بن العلاء:
452
جهنام (عمرو بن عبد الله بن المنذر) :
54، 55
جواس بن هريم 11
(ح) حابس (فى شعر العباس بن مرداس) :
حاتم الطائى:
101، 323
أبو حاتم 31، 42، 49، 53، 76، 77، 84، 86- 89، 93، 95، 101، 126، 141، 142، 172، 187، 191، 193، 208، 221، 223، 229، 232، 240، 247، 248، 267، 272، 273، 282، 283، 286، 305، 308، 313، 317، 319، 320، 324، 443
أبو حاتم السجستانى (سهل بن محمد) :
3، 377، 448، 449
حاجب بن زرارة:
138، 172، 399
الحارث بن أبى أسامة:
199
الحارث البنانى (أخو أبى الجحاف) :
135
الحارث بن حلزة اليشكرى:
93، 94، 297
الحارث بن خالد بن العاص المخزومى:
268، 269
الحارث بن عباد:
139
الحارث بن عمرو (الملك) :
36
الحارث بن غزوان- النابغة التغلبى الحارثى:
233
حبابة (فى شعر بشار) :
316
حبتر بن ضباب بن خشرم الطهوى:
234، 235
حبيب بن أوس (أبو تمام) :
3، 81، 300، 372، 373، 377- 414، 421- 426
(1/526)

الحجاج بن يوسف:
18، 149، 150، 173، 289
حجر (أبو امرىء القيس) :
36، 41
حجناء بن جرير:
171
حذيفة بن محمد الطائى الكوفى:
62، 377
جرير المدينى (أبو الحصين) :
218، 260
أم حرزة (امرأة جرير) :
307
أبو حزام العكلى (غالب بن الحارث) :
437
حسان بن أدهم المازنى:
185
حسان بن ثابت الأنصارى:
10، 40، 65، 69- 73، 76، 119، 350
حسان بن يسار التغلبى:
203
أبو الحسن الأثرى- على بن المغيرة
أبو الحسن الأسدى:
370
أبو الحسن الأشناندانى- سعيد بن هارون
أبو الحسن الأنصارى:
405، 454
أبو الحسن الباهلى:
285
الحسن البصرى:
95، 362
الحسن بن سهل:
410
أبو الحسن الطوسى:
230، 249، 336
الحسن بن عبد الرحمن الربعى:
188، 305، 459
الحسن بن عليل العنزى:
26، 48، 56، 64، 72، 84، 148، 158، 169، 172، 173، 180، 182، 185- 188، 196، 207، 215، 233، 249، 251، 252، 254، 258، 274، 289، 294، 304، 306، 308، 315، 320، 346، 368، 370، 407، 443، 445، 451، 452، 453، 456
الحسن بن على المهرى:
67
الحسن بن محمد المخزمى:
445
الحسن بن مخلد:
442
الحسن بن نصير (موشجير) :
440
الحسن بن هانىء (أبو نواس) :
80، 81، 82، 96، 303، 312، 313، 328، 332، 360، 361، 371، 379، 398، 421، 454، 458، 464.
الحسن بن وهب:
387
أبو الحسن اليزيدى:
251
الحسين ابن بنت مسلم بن الوليد:
361
الحسين بن إسحاق:
340، 357، 361، 411
أبو الحسين الجرجانى:
405
الحسين بن دريد:
91
الحسين بن الضحاك:
407
الحسين بن على المهرى:
39، 450
(1/527)

الحسين بن محمد العرمرم:
323، 331، 359
الحسين بن محمد بن فهم (أبو على) :
333، 362، 364، 411
الحسين بن مطير الأسدى:
293، 294
الحسين النجار:
464
أبو الحسين (راوية المفضل) :
308
حصن (فى شعر العباس بن مرداس) :
122
الحطيئة:
23، 109، 115، 117، 119
حفص بن عمر العمرى:
72، 373
أبو حفص الرياحى:
427
حفص بن أبى ودة:
20
أبو الحكم بن البحترى بن المختار:
233
الحكم الخضرى:
291، 292، 295
الحكم بن المطلب المخزومى:
286
الحكم بن موسى بن يزيد السلولى:
227
حكيم بن معية التميمى:
13
أبو حكيمة- راشد بن إسحاق حكيمة (فى شعر دعامة الطائى) :
320
حماد بن إسحاق الموصلى:
20، 40، 67، 86، 145، 146، 199، 213، 290، 292، 362، 373، 375
حماد (عن ابن مناذر) :
368
حماد الراوية:
231، 252، 304
حماد عجرد:
20
حمزة بن عبد المطلب:
71، 76
حمزة بن عتبة الهاشمى:
245
حميد بن ثور:
101
حميد بن معروف الحمصى:
286
بنو حنظلة:
215، 216
حنظلة بن غسان المهلبى:
308
بنو حنيفة:
106، 167، 362
حواء:
138، 139
الحويدرة:
101
حيان (فى شعر أحمد بن يوسف الكاتب) :
368، 462
حيان (أخو جابر) :
113
أبو حية النميرى:
207، 208، 290، 449
خالد (فى شعر ورقاء بن زهير) :
8، 9
ابن أبى خالد:
44
خالد بن أبى ذؤيب الهذلى:
105- 106
(1/528)

خالد بن سعيد بن عمرو بن سعيد:
91، 92، 187
خالد بن صفوان:
296
خالد بن العاص بن هشام المخزومى:
368
خالد بن كلثوم:
230
خالد بن محجن 458
خالد النجار:
460
خالد بن وضاح (مولى بن الأشقر) :
195
أم خالد الخثعمية:
11
ابن الخبازة المغبر:
463
خثعم:
11
ابن الخثعمى:
401
خداش بن بشر المجاشعى (البعيث) :
215، 216
خرقاء (فى شعر ذى الرمة) :
234، 235
خرك (ابن أخى يونس النحوى) :
452
الخريمى- إسحاق بن حسان
خزاعة:
285
الخزرج:
39
خشاف:
254
خشانة (فى شعر بشار) :
316
بنو خشين بن لأى بن عصم بن فزارة:
378، 385، 403- 404
الخصيب:
344، 346
ابن الخصيب- أحمد بن الخصيب
خضر محارب:
291
أبو الخطاب- الأخفش
أبو الخطاب البهدلى:
173
أبو الخطاب الزرارى:
166، 171
أبو أبى الخطاب الزرارى:
166
خفاف بن ندبة:
101، 110، 120
خلاد الأرقط:
40
خلاد (أبو أحمد) :
158
خلف الأحمر (أبو محرز) :
87، 166، 248، 273، 320، 368، 450، 452
أم خليد (فى شعر الأعشى) :
59
أبو خليفة:
171
الخليل بن أحمد:
7، 9، 13، 195، 462
خندف:
5، 19، 138، 277، 278
الخنساء:
102
(د) ابن دأب:
154، 247
(1/529)

داحس:
77
دارم:
137، 138، 139، 144
ابن داود السيبى (كاتب الحسن بن مخلد) :
422- 423
ابن الدابة:
349
درة بنت أبى لهب:
394
دريد بن الصمة:
9، 42، 108
ابن دريد- محمد بن الحسن:
دعامة بن عبد الله بن المسيب الطائى:
320
دعبل بن على الخزاعى 90، 372، 377، 378، 400، 401، 408، 434، 465
دعد (فى شعر نصيب) :
210، 215، 222، 245- 246
أبو دعمى بن أحمد بن أبى داود:
428
أبو الدقاق:
379
دماذ:
93، 162، 181، 462
ابن الدمينة:
29
ابن أبى الدنيا- عبد الله بن محمد أبو دهبل الجمحى:
82، 244
أبو الدهماء:
17، 149
بنو الديان:
324
ديك الجن عبد السلام بن رغبان:
432
(ذ) ذبيان:
77، 133
أبو ذر القراطيسى:
48، 286، 307- 308
ذفافة العبسى:
408
الذلفاء (جارية) :
364
أبو ذكوان:
42، 92، 136، 185، 278، 279- 280، 322
بنو ذكوان:
183
ذو الرمة (غيلاق بن عقبة) :
2، 10، 60، 80، 142، 143، 144، 147، 221، 223، 225- 240، 248، 249، 250، 251، 303، 305، 446
أبو ذؤيب:
144
(ر) راشد بن إسحاق (أبو حكيمة) 303
راعى الإبل النميرى- الراعى- عبيد بن حصين
الرباب (قبيلة) :
20، 142، 144، 164
الرباب (فى شعر جميل) :
203
ربابة (جارية بشار) :
316
ربيعة:
43، 154، 176، 183
ربيعة بن حذار الأسدى:
91
ربيعة بن مقروم الضبى 43
(1/530)

رتبيل (أبو مسلمة) :
227- 228
الرشيد- هارون
رعوم (فى شعر الأخطل) :
183
رغيب بن قيس (أو زغيب بن نسير) :
16- 17
رفاعة بن ظبى الطهوى:
234، 235
رقاش:
342
الرقاشى (عمرو بن ضبيعة) :
359
ابن الرقاع العاملى- عدى
رقية (فى شعر ابن قيس الرقيات) :
197
أبو رهم (فى شعر عبد الصمد بن المعذل) :
428- 429
رؤبة بن العجاج:
5، 7، 22، 135، 159، 227، 248، 267، 278- 281، 363، 368، 385، 397، 450، 453
روح بن الفرج (أبو حاتم الحرمازى) :
154، 231
الروم:
31
ابن الرومى- على بن العباس بنو رياح:
160
الرياشى (العباسى بن الفرج) :
31، 64، 69، 82، 139، 144، 173، 207، 223، 229، 241، 266، 268، 270، 380، 319، 446
(ز) زباب بن رميلة:
216
الزبرقان بن بدر التميمى:
23، 91، 92، 101
أبو زبيد الطائى:
101، 129
زبيدة بنت جعفر:
435، 458
الزبير بن بكار:
69، 82، 95، 145، 182، 190، 193- 196، 197، 202- 204، 206، 244، 256، 262- 264، 293، 308، 324- 325، 326، 346، 444، 448
الزبير بن العوام:
161- 165
زرارة:
148، 164
بنو زريق:
285
زفر بن الحارث الكلابى:
180، 208، 384
زقاق بن واقف (فى شعر) :
410
زنقطة (غلام الفرزدق) :
152
زهير بن أبى سلمى:
33، 36، 42، 47- 51، 66، 71، 76، 110، 129، 311، 319، 368، 380، 447
زهير (فى شعر ورقاء بن زهير) :
9- 10
زياد بن أبيه:
304، 448
زياد بن قنيع البصرى:
51
زياد بن معاوية- النابغة الذبيانى
زيادة بن زيد:
247
(1/531)

أبو زيد الأنصارى النحوى:
278، 320، 443، 459
زيد بن حارثة:
79
زيد الخيل الطائى:
102
زيد بن على بن الحسين:
16
زينب:
فى شعر الأخطل 183، فى شعر نصيب 214، 215
(س) السائب بن ذكوان (راوية كثير) :
197، 199
أبو السائب المخزومى:
264، 271، 287، 293
ساعدة بن جؤية:
112، 115
أم سالم (فى شعر ذى الرمة) :
221، 222
سحيم بن وثيل البرياحى:
14، 18، 175، 351
سدوس:
177، 179
السرندى:
171
سعاد:
فى شعر النابغة- 40، فى شعر الأعشى 56،
فى شعر إسحاق الموصلى 374، فى شعر الأحو