Advertisement

تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين



الكتاب: تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين
المؤلف: رزق الله بن يوسف بن عبد المسيح بن يعقوب شيخو (المتوفى: 1346هـ)
الناشر: دار المشرق - بيروت
الطبعة: الثالثة
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
المقدمة
تحيا الأمم بآدابها لأن الآداب ترقي المرء فوق الحياة المادية وتسمق به إلى المدارك الشريفة وتقربُه إلى عالم الأرواح وإلى الجمال الإلهي الذي منهُ يستعير كل مخلوق جماله. وعليهِ فأن أراد العاقل أن يعرف درجة التمدُن التي بلغها شعب من الشعوب يبحث عن انتشار الآداب بين أهلهِ ولذلك ترى المؤرخين يقدَمون في تاريخهم تاريخ الآداب على تاريخ الوقائع وربما أفردوا للآداب تاريخاً قائماً بذاتهَ يثبت ما يختص بالعلوم والمعارف في كل ملَة مخبراً عن نشأة الآداب بينها واتساع نطاقها وأسباب ترقيها ونتائجها الطيبة في إصلاح العموم وتحسين أخلاقهم ودفعهم إلى المشروعات الأثيرة والمساعي الخطيرة.
ومن عجيب أمور اللغة العربية أنك لا تجد حتى اليوم تاريخاً ممتعاً لآدابها مع وفرة كتبتها وتعدُد مصنفاتها في كل أبواب العلوم واتساع دائرة نفوذها إلى حدود الهند والصين ومجاهل أفريقية وسواحل أوربا وقد أحسَّ بهذا النقص مائة من المستشرقين المحدثين في فرنسة والنمسة وألمانية وإنكلترة وروسية وإيطالية فأرادوا نوعاً سدّ هذا الخلل ببعض التآليف التي أودعوها أوصاف العلوم العربيَّة وتراجم أصحابها وقائمة الكتب التي صنفوها. وكذلك جرى على آثارهم بعض كتبة الشرق في مصر فاستقوا من مناهلهم أخصهم المرحوم جرجي زيدان في كتابهِ تاريخ الآداب العربية الذي انتقدنا أقسَامهُ في مجلَّة المشرق.
على أن تلك التآليف مع فوائدها ليست سوى بواكير أعمال أوسع واكمن لا نزال إليها في حاجة ماسة فنتمنى أن تتألف فرقة من الأدباء بهذا المشروع الجليل فتتبع آثار اللغة العربية في كل أطوارها مباشرة بعد الجاهلية وبين القبائل المتفرقة في أنحاء الجزيرة تدوَن نشأة تلك اللغة وما طرأ عليها من الطوارئ في أوائل الإسلام وفي زمن
(1/1)

الخلافتين الأموَّية والعباسية مع وصف الأسباب التي زادتها انتشاراً كفتح المدارس وإنشاء المكاتب ونوادي العلوم وتنشيط الملوك. ثم تّعرف أئمة الكتبة والذين اشتهروا في كل زمن وكل بلد واختصوا بكل صنف من العلوم. وتعرض تآليفهم على محكَ الانتقاد فتميز غثها من سمينها ولا تكتفي بذكر أسمائها وتعريفها إجمالاً. فكم هناك من المصنفات الموّهمة بأسماء جليلة وهي بمضامينها ومعانيها هزيلة. وتواصل دروسها حتى إذا بلغ القرون الأخيرة تذكر خمود تلك الآداب مبينة لعلها ومعاولاتها. ثمّ تختم ذلك بفصل مطوَّل عن النهضة الأدبية التي حدثت في القرن الأخير فتطرئ على محاسنهِ وتضرب على مشاينهِ.
فلا غرو أن كتاباً مثل هذه يتهافت عليهِ الأدباء ويتخذونهُ كدستور دروسهم وأساس أبحاثهم. وذلك ما حدا بنا أن نكتب في المشرق فصولاً في الآداب العربية في القرن الأخير رجاء أن تمهد الطريق لمن يتوخَّى ذلك التاريخ الذي يتوق إليهِ المستشرقون. فلمّا انسنا في جمهور القراء. إقبالاً على مطالعتها وطلبوا إلينا جمعها في كتاب مستقل تسهيلاً لمراجعتها لَبينا إلى ملتمسهم وطلبنا على حدة القسم الأول الذي يتناول تاريخ الآداب العربية من غرَّة القرن التاسع عشر إلى السنة 1870 ثم أردفناه بقسمهَ الثاني إلى أواخر القرن التاسع عشر.
هذا ونحن نعلم حق العلم أنهُ فاتتنا أشياء كثيرة من أحوال الآداب التي أردنا وصفها والآداب الذين قصدنا تعريفهم وما كنا لنجتري. على مباشرة هذا العمل أولاً خوفنا بأن يتلف القليل ممّا جمعناه عن آداب القرن المنصرم فتأخذه أيدي الضياع. وأملنا الوطيد بان يتلافى غيرنا ما يجدوه في هذا المجموع من خلل بإبراز ما عندهم من الذخائر المصونة والكنوز المدفونة. ونشكر الذين لبوا دعوتنا وأتونا ببعض الفوائد لإصلاح ما وقع من الخلل في طبعتنا الأولى وتحسين هذه الطبعة الجديدة. وقد ختمنا هذا الجزء بفهارس المواد وإعلام الأدباء الشرقيين والمستشرقين الذين مرَّ ذكرهم في مطاوي الكتاب لتتم بها الفائدة وتزيد العائدة. إن شاءَ الله.
(1/2)

الجزء الأول
من السنة 1800 إلى 1870
(1/3)

الآداب العربية في القرن التاسع عشر
توطئة
إن الآداب كصرح منيف لا تزال أيدي الأفاضل تفرغ المجهود في بنائه فكل منهم يأتيه بحجرهِ ليزيده علواً وكمالاً. على أنه يطرأ على هذا الصرح طوارئ شتي فطوراً يبسق ويتعالى وطوراً يتخلف بناؤه فيصيب بناته الخمول ولعل صروف الدهر تتحامل عليه فتقوض أركانه وتسقط بفعل الزمان بغض حجارته.
وكل يعلم ما كان للآداب العربية في القرون السابقة من الرونق والبهاء فترقَت إلى أوج غرها وماست بمافخرها مدة أجيال متوالية إلى أن خمدت همه بناة صرحها حيناً على وفق سنن الطبيعة التي لا تبقى على حالٍ واحدة كما قال الشاعر: لكل شيء إذا ما تم نقصان
وهذه الدنيا لا تُبقي على أحدٍ ... ولا يدوم على حالِ لها شانُ
لكن هذا الخمول والحمد لله لم يدوم زمناً طويلاً بل كان سباخاً بين بقعتين طَيبتين أو شتاء بين ربيعَين كما سترى فازدهرت شجرة الآداب بعد جفافها وراجت أسواق العلوم بعد كسادها حتى بلغت ما نراه اليوم من أمرها بعناية أرباب الشأن وهمَّه الأدباء.
(1/5)

الفصل الأول
الآداب العربية في الشرق في بدء القرن التاسع عشر
لما تنفَّس القرن التاسع عشر؟ كانت أحوال أوربَّة في هَرج ومَرج والحروب قائمة على ساق بين دولها فلم تحطَ عن أوزارها إلا بعد نفي بونابرت إلى سنت هيلانة. وكان الشرق راصداً لحركات الدول يتحفَّظ ويتصوَّن من كل سوء يتمهَّده فيستعدُ للحرب ذباً عن حقوقهِ. فكانت هذه الحالة لا تسمح بصرف الفكر إلى العلوم والآداب وقد قيل في مثلِ (أنَّ الحرب والعلم على طرفي نقيض فأن رجيح واحد خفّ الآخر) وممّا نقض حبلَ الآداب في ذلك العهد قلّة المدارس يتخرَج فيها الأحداث فغاية ما كان يُرى منها بعضُ الكتاتيب الابتدائية لا سيما قريباً من أديرة الرهبان وكان في الحواضر كدمشق وحلب والإسكندرية والقاهرة مدارس أعلى رتبة لكنَّها في الغالب كانت محصورة في العلوم الدينيَّة وما يُحتاج إلى إتقانها من المعارف اللسانية كمبادئ الصرف والنحو.
أما الكتب فكانت عزيزة الوجود أكثرها من المخطوطات الغالية الثمن التي لا يحصل عليها إلاَّ القليلون. وكذلك الطباعة العربيَّة كانت إذ ذلك قليلة الانتشار فأنَّ مطبوعات أوربة العربيَّة لم يكن يعرفها إلا الأفراد. من أهل الشرق فضلاً عن أنها كانت موضوعة لمنفعة العلماء أكثر منها لفائدة الدارسين. أما المطبوعات في الشرق فلم يكن يوجد منها إلاَّ في دار السلطنة العليَّة وكانت في الغالب تركيَّة (أطلب مقالتنا في الطباعة. المشرق 3 (1900) : 174 - 180) وفي لبنان كانت مطبعة واحدة عربيَّة وهي مطبعة الشوير وكانت أكثر مطبوعاتها دينيَّة لا مدرسيَّة (الشرق 359:3 - 362) . وأما مطبعة قزحياً فكانت سريانيَّة ولم تتجدَّد إلا بعد ثماني سنوات بهمة الراهب اللبناني سيرافيم حوقا (المشرق 3: 251 - 257) . وكذلك مطبعة حلب التي كان أنشأها البطريرك أثناسيوس دباس (المشرق 3: 355 - 357) فأنَّها كانت بطلت بعد وفاة منشئها سنة 1724. أما مصر فإنها حصلت على أول مطبعة عربية قبل القرن التاسع عشر بثلاث سنوات فقط. فأنَ اللجنة العلميَة التي كانت في
(1/6)

صحبة نابليون كانت أتت بأدوات طبعية توّلي إدارتها المسيو مرسال (marcal) وممّا طبعهُ بادئ بدء كتاب التهجئة في العربيَّة والتركية والفارسية (1798) (ثم كتاب القراءَة العربية ثم معجم فرنسويّ وعربيّ ثمَّ غراماطيق اللغة المصرية العاميّة. وفي سنة 1800 عاد مرسال إلى باريس وجلب مطبعتهُ معهُ ولم يستأنف المصريُون فن الطباعة إلا في أيام محمَّد عليّ سنة 1822. وسنعود إلى الكلام عنها.
ومع قلَّة هذه الرسائل لتحصيل العلوم وُجد قومٌ من المكتبة الذين خدموا في الدواوين المصريَّة والشاميَّة وكانوا يتولَّون قلم الإنشاء فيها عند عمَّال الدولة العلية فينالون في الكتابة بعض الشهرة منهم إبراهيم الصبَّاغ وأولادهُ الذين أثبتنا ترجمتهم في المشرق (8 (1905) : 24) وصار ابنهُ حبيب كاتب القلم العربي عند أحمد باشا الجزَّار فتسلَّم دائرتهُ ثم تغيَّر هذا عليه فحبسهُ ومات محبوساً. واشتهر المعلم عبود البحري وأخواهُ جرمانوس وخنَّا عند إبراهيم باشا أوزون القِطر أغاسي في حَلب وفي دمشق ثم عند خلفية عبد الله باشا العظم ويوسف آغاكنج كما ذكرنا في ترجمة والدهم ميخائيل البحري (راجع المشرق 3 (1900) : 2 - 22) وذكرنا هناك ما كان لكل واحد منهم من الهمَّة في خدمة الدولة العثمانية وأصحابها. أما أبوهم ميخائيل فكان معتزلاً عن الأشغال في بيروت منقطعاً فيها إلى العبادة حتى توفي أواخر القرن الثامن عشر سنة 1799. وقد روينا في ترجمته شيئاً من شعرهِ فأنهُ كان رُزق من القريحة والذكاء ما حَببهُ إلى رجال الدولة وقدَمهُ قي الأعمال وهو لا يزال يفرغ كنانة الجهد في القيام في الأمور وصدق الخدمة ونشأ أولادهِ على وتيرتهِ وترقَّوا في الرُتب الديوانية إلى أن انتقلوا نحو السنة 1808 إلى مصر ونالوا الحظري لدى أمرائها (المشرق 3: 21 - 22) ومن آثارهم رسائل ومكاتبات وأشعار قد تبدّد أكثرها.
وكان في صور أيضاً المعلَم حنا عوراء من جملة الكتَّاب أخذ عن أبيهِ ميخائيل الذي كان فريداً في الكتابة يُحسن الإنشاء في العربية والتركية والفارسية فلمَّا توفي ميخائيل في سنَّ الأربعين نال أبنهُ حناَّ رتبتهُ في ديوان الجزّار ثم عند سليمان باشا واستخدم معهُ أبنهُ إبراهيم الذي توفي بعد سنتين بالطاعون. وبقي حنا من بعدهِ زمناً طويلاً في الأعمال الديوانيّة. وممن خدموا أيضاً في دواوين الإنشاء في ذلك الوقت الأخوان إبراهيم وخليل النحاس ابنا عم حنّا عوراً كتب لأول في عكا والثاني في صور
(1/7)

وأشتهر أيضاً بالكتابة في الوقت عينه غير هؤلاء كميخائيل سكروج وأخيهِ بطرس وإبراهيم أبي قالوش ويوسف مارون والياس بن إبراهيم اده الذي دونَّا سيرتهُ وشعرهُ في المشرق (2 (1899) : 693 و736) وكذلك فضُول الصابونجي وأخوهُ خدموا كلهم أحمد باشا الجزّار وذاقوا حاوهُ ومرَّهُ. وفي عدهم اشتهر عند الأمير بشير الشهابي الشيخ ساوم الدحاح ثمَّ ابنهُ الشيخ منصور وبعدهما بطرس كرامه. كما حظي عند الأمير يوسف الشيخ سعد الخوري وعُرف في ذلك الوقت جرجس باز وعبد الأحد أخوهُ خدما أولاد الأمير يوسف وهم حسين وسعد الدين وسليم الذين كانوا يزاحمون الأمير بشير على الحكم.
وكان في مصر غير هؤلاء يشتغلون في الدواوين في غرةّ القرن التاسع عشر. إلا أن شهرتهم في الكتابة كانت دون شهرة السوريين. وممَّن امتازوا إذ ذاك المعلَمان القبطيَّان جرجس الجوهري وغالي. فكان الأوَّل فرئيس الكتبة في أيام إبراهيم بك وحظي لدا محمَّد باشا خسرو ثم نُكب. وقد ذكرهُ الجبرتيّ في تاريخهِ عجائب الآثار وجعل وفاتهُ في شعبان السنة 1225هـ. (1810) . وقام من بعده المعلم غالي وكان زاحمهُ في حياتهِ فصار في خدمة محمَّد علي باشا وأبنهِ إبراهيم متولياً رئاسة الكتابة وكان من جملةّ كتابه قومٌ من نصارى السوريين وغيرهم كجرجس وحنَّا الطويل والمعلم منصور صريمون وبشاره ورزق الله الصبَّاغ والمعلم فرنسيس أخي المعلم فلتأوس وقد تضعضع أمرهم بموت المعلم ضالي الذي قُتل سنة 1820 ومما ساعد أهل مصر على صيانة الآداب العربية في ضهرانيهم مدرسة زاهرة كان يعلم فيها نخبة من العلماء المسلمين نريد بها المدرسة الأزهريَّة التي مر في المشرق وصفها (4 (1901) : 49) . وكان متولّي تدبيرها في ذلك الوقت الشيخ عبد الله بن حجازي الشهير بالشْرقاوي مولدهُ في شرقية بلبيس سنة 1150هـ. (1737) درس في الأزهرْ وانتقلت إليه مشيختهُ سنة 1208 وبقي عليها إلى سنة وفاته في 2 شوال سنة 1227 (1812) ولهُ عدَّة تصانيف دينيَّة في التوحيد والعقائد والتصوَّف. ومن تآليفَه مختصر معْنى اللبيب في النحو ولهُ في التاريخ كتاب طبقات فقهاء الشافعية المتقدّمين والمتأخرين وكتاب تحفة الناظرين في من ولي مصر من الولاة والسلاطين وقد طبعت هذه التحفة غير مرَّة.
(1/8)

وممَن أصابوا لهم سمعةً في ذلك الوقت من الأزهريين الشيخ محمَّد الخالدي المعروف بابن الجوهري فكان أقرأ الدروس في الأزهر وطار صيتهُ ووفدت عليهِ الوفود من الحجاز والمغرب والهند والشام توّفي في 11 ذي القعدة 1215 (1801) وتركتُهُ العلمية كثيَّرة وإنَّما مدارها على الفقه ومتعلقاتهِ خاصَّةً.
ومن أدباء الأزهريين في ذلك العهد الشيخ مصطفى بن أحمد المعروف بالصاويْ لزم شيوخ الأزهر وبرع في العلوم الدينيَّة واللسانيَّة وكان لطيف الذات مليح الصفات محباً للآداب لهُ النثر الطيّب والشعر الحسن روى منهُ الجبرتي شيئاً في عجائب الآثار (3: 313 - 315) من ذلك قولهُ في وصف دارٍ أبتانها الجبرتي المذكور:
بناءٌ يروقُ العينَ حسنُ جمالهِ ... ورونقهُ يشفي الصدورَ صدورُهُ
سما في سماء الكون فأنتهج العلا ... برفعتهِ وأزداد سرا سرورُهُ
ومن مجد بانيهِ تزايد بهجةَ ... وقُلِد من درَ المعالي نحورُهُ
فلا زال فيهِ الفضلُ تسمو شموسهُ ... وتنمو على كل البدور بدورهُ
ودام بهِ سعدُ السعود مؤرخاً ... حِمى العزَ بالمولى الجبرتيَ نورهُ (1192)
ومنهم الشيخ حسين بن عبد اللطيف العُمري الشهير بابن عبد الهادي القادري الدمشقي الخاوتي لهُ تأليف في تراجم أسلافهِ العلويين سماهمَّ المواهب الإحسانيَّة في ترجمة الفاروق وذريتّهِ بني عبد الهادي. توّفي سنة 1216 (1801) وممن ساعدوا على النهوض الأدبيّ في أوائل القرن التاسع عشر رؤساء الطوائف الكاثوليكيَّة الإجلاء فكان يسوس الطائفة المارونية البطريرك يوسف التيّان الذي كان تخرَّج في مدرسة الموارنة في رومية وبرَّز بين أقرنهِ في العلوم فلما صار إليهِ تدبير أمور الطائفة سعا بتنشيط المعارف بين رعيتهِ لا سيما الأكليريكيين. وممَّا عني بهِ توجيه نظره إلى مدرسة عين ورقة التي كان أنشأها خلفهُ البطيريك يوسف اسطفان لَّما كان أسقفاً فصارت هذه المدرسة بهمَّتهِ مناراً استضاءت بهِ الأمَّة المارونيَّة في القرن التاسع عشر ومنها خرج العدد العديد من بطاركة وأساقفة وكهنة وأدباء كانوا فخراً لوطنهم بعلومهم فضلاً عن برهم وسوف يأتي عنهم الكلام. ولهذا البطريرك آثار لا تزال تدلُ على طول باعهِ في الآداب الكنسية. توّفي في 20 شباط سنة
(1/9)

1820 وكان تنزَّل قبل ذلك بعشر سنوات عن البطريركيَّة.
وكان الروم الكاثوليك خاضعين أيضاً لبطريرك يحب العلوم ويهتم بترقيتها بين طائفتهِ نريد البطريرك أغابيوس مطر وهو الذي أنشأ مدرسة عين تراز لتهذيب أبناء ملتهِ في العلوم الأكليريكية سنة 1811 وقد أثبتنا في المشرق (8 (1905) : 508) الرسالة التي وجَّهها إلى طائفتهِ في هذا الصدد.
وكان السريان الكاثوليك في بدء القرن التاسع عشر فقدوا بطريركهم ميخائيل جروه الطيّب الذكر في 14 تموز سنة 1800 (أطلب ترجمة حياتهِ في المشرق 3 (1900) : 913) ولهُ الفضل في وضع أساس مدرسة الشرفة وفيها جمع مكتبة حسنة هي إلى اليوم من أغنى مكاتب لبنان. ثم خلفهُ اغناطيوس بطرس جروه وكان متضلعاً بالعلم وهو الذي عرّب مختصر الكتاب اللاهوت النظري والعملي لتوما دي شرم في مجلَّدين وكتب ترجمة عمهِ ميخائيل جروه ولهُ مواعظ لا تزال مخطوطة (المشرق 9 (1906) : 697) .
وكان يرعى الأرمن الكاثوليك منذ 1788 غريغوريوس الأول وكان رجلاً عريقاً بالفضل والقداسة يعرف ما العلوم من المنفعة لخلاص النفوس فلباوغ هذه الغاية أنشأ في لبنان لطائفته مكدرسة في بزمار كانت بمثابة المدارس التي ذكرناها للطوائف الأخرى وهي لا تزال منذ مائة سنة مورداً يستقي منهُ المرشحون الكهنوت من الأرمن الكاثوليك وقد ساعدهُ في هذا العمل الخطير القس اندراوس شاشاتي فنظَّم معهُ مدرسة بزمار ورتُب قوانينها (اطلب المشرق 366:9) .
وفي أوائل ذلك العصر عينهِ أزداد عدد الكلدان الكاثوليك في العراق على عهد البطريرك يوحنّان هرمزد وقد أتاح الله لتلك الطائفة رجلاً غيوراً يدعى جبرائيل دنبو كان من تجار ماردين المعتبرين فأنشأ في الجبال المجاورة للموصل قريباُ من القوش ديراً جعلهُ كمقام للعيشة النسكية وللعلوم معن وفيه تخّرج كثيرون من اللذين اشتهروا في القرن التاسع عشر بتقاهم وآثارهم العلمية بين الكلدان.
فترى ممّا سبق أنَّ الله جعل في أنحاء الشرق كخميرة بما اختمرت عقول أهل الأوطان فلما تزل تترَّقى إلى أن جرت في مضمار الآداب جرى الذكيات السوابق.
(1/10)

الفصل الثاني
الآداب العربيّة في أوربَّة في بدء القرن التاسع عشر
هلمَّ بنا نوجه الآن الأنظار إلى أحوال الآداب العربية بين الأوربيين في مفتتح القرن التاسع عشر ليظهر للقراء كيف تمَّت بعد ذلك تلك النهضة العجيبة التي جعلت الدروس العربيّة في مقام ممتاز كما نراها اليوم في حواضر أوربية وأميركة ليس درس اللغات الشرقية عموماً والعربيّة خصوصاً أمراً مستحدثاً بين علماء أوربة كما يزعم البعض بل ابتدأت الأفكار تتوجّه إلى إحراز معانيها والتقاط لأليها منذ الفتوحات الإسلامية التي قرّبت أمم الشرق من تخوم البلاد الغربية ولو تتبعنا الآثار المنبئة ببيان هذه القضية لتعددَّت لدينا الشواهد لا سيمّا في جهات الأندلس وبعض جهات الروم. لكنّ تلك الحركة زادت قوة وانتشاراً في القرن الثاني عشر لِما جرى في ذلك العهد من الأمور الجليلة والأحداث الخطيرة التي كادت تمزج طرفي الشرق والغرب مزج ما بالراح.
والكنيسة الكاثوليكية كانت أعظم ساعية في إدراك هذه الغاية. فممّن اشتهروا إذا ذلك في الدروس الشرقية واعتنوا بنقل الآثار العربيّة إلى اللاتينية أو بنوا أبحاثهم على أحوال الشرقيين رئيسُ دير كاوني بطرس المكرّم (1092 - 1156م) وكان رحل إلى الأندلس ورقب شؤون العرب فيها فأعجب بآدابهم فلمّا عاد إلى ديرهِ عُني بانتقاد كتبهم. وفي عهده عرف جيرّ رَد دي كريمونا (1114 - 1187) وكان مولعاً بنقل تأليف العرب في فنون الحكمة وكان أتقن درس العربيّة فترجمه إلى اللاتينية نحو ستين مصنفاً جليلاً لمشاهير الكتبة كالرازي وابن سينا في الرياضيّات والهيئة والطبّ طُبع منها قسمٌ صالح وفقد منها الكثير.
ولما أنشأت في ذلك القرن رهبانيّتا القديسين دومنيك وفرنسيس الأسيزي صرف من أبنائهما عددٌ يُذكر عنايتَهم إلى درس العلوم الشرقية. فأنّ الدومنيكي النابغة البرتوس الكبير (1193 - 1280) لَما كان يفسر كتب الفيلسوف أرسطاطاليس في كلية باريس كان يستند في شروحه إلى ترجمة منقولة عن العربيّة ويستعين في تحصيل
(1/11)

معانيها بما كتبه في ذلك الفارابي والغزّالي. وجاراهُ في حبّهِ لآثار الشرق أحد اخوتهِ في الرهبانيّة الفرنسيسية الأسباني ريمند لول (R. Lull) (1235 - 1315) وكان من أكبر أنصار اللغات السامية في كليَّة أورَّبة. وأهتمّ رؤَساء الدومنيكان منذ السنة 1255 بإنشاء مدرسة منظَّمة يعلمون فيها العبرانية والعربية والسريانيَّة في باريس وبلاد الكتَلان. أما الرهبان الفرنسيسيُّون فلم يكونوا أقلّ غيرةً في تخصيصٍ بعض طلبتهم بدرس العربية. أشتهر بينهم ميشال سكوت (M. scot) الذي انكبَّ في طليطلة على إتقان اللغة العربيّة سنة 1217 ونقل عدداً وافراً من تأليفها. واشهرُ منهُ الراهب الإنكليزي روجار باكون (R. Bacon) (1214 - 1292) فريد عصرهِ ونسيج وحدهِ في العلوم الفلسفيّة فإنه سعى ما أمكنه بنشر الدروس الشرقية وعلى الأخصّ العربية.
أمَّا الأحبار الرومانيون فسبقوا كل ملوك أوربَّة في تنشيط درس اللغات الساميَّة التي منها العربيَّة. وممَّا يُذكر فيشكر أنَّ البابا هونوريوس الرابع كان تقدمَّ بفتح مدرسة اللغة العربيَّة في باريس في العشر الأول من القرن الرابع عشر. ولمَّا عُقد في فينة من أعمال فرنسة المجمع المسكونّي سنة 1311 كان أحد قوانين الآباء أن تنشأ للغات مدارس العبرانيَّة والعربيَّة والكلدانيَّة في رومية على نفقة الحبر الأعظم وفي باريس على نفقة ملك فرنسة وفي بولونية وأكسفورد وسَلَمَكَة على حساب الرهبان والأكليروس. وممَّا يدلُّ على أنَّ هذه اللغات كانت تُعلَّم في كليَّة باريس براءةٌ للبابا يوحنَّا الثاني والعشرين تاريخها 1325 يحتم فيها على قاصدهِ هناك بأن يراقب تدريس العربيَّة
ولمَّا أكتُشف فنّ الطباعة في أواسط القرن الخامس عشر كان كبير الأحبار يوليوس الثاني أوَّل من سبق إلى طبع كتاب عربيّ (اطلب المشرق 3 (1900) : 80) ووليَهُ أغوسطينوس جوستنياني أسقف نابيو من أعمال كورسكا الذي طبع كتاب الزبور في أربعة لغات منها العربيَّة سنة 1516. وفي النصف الثاني من القرن السادس عشر فتحت الرهبانية اليسوعية مدرسة للعبرانية وللعربية في رومية علَّم فيها الأب حنَّا اليانو الشهير وأنشأ مطبعةً طبع فيها بعض الكتب الدينية كان نقلها إلى العربية منها التعليم المسيحي. وأعمال المجمع التريدنتيني. ثمَّ زاد اهتمام الكرسيّ الرسولي بتعليم العربيَّة والعبرانيَّة والسريانيَّة لمَّا أُنشئت المدرسة المارونية ونقل المرسلون
(1/12)

والسماعنة إلى مكتبة الفاتيكان عدداً لا يُحصى من كنوز الشرق الأدبيَّة بينها المئون من تأليف العرب اقتنوها بإيعاز الباباوات كما أشرنا إلى ذلك (المشرق 10 (1907) : 25) . ثمَّ اتسعت تلك النهضة في كل أقطار أوربَّة فتوفَّر عدد الدارسين للُغات الشرقيَّة وحفلت المكاتب بآثار العرب والسريان لا سيما خزائن كتب باريس ومجريط ولندن واكسفورد ولَيْدن ونُشرت تأليف عربيَّة جليلة لأَعظم أُدباء العرب وأشهر كتبة الشرق ولم يكتف المرسلون بذلك بل انصبوا على دراسة العربيَّة انصباباً بلَغ بهم إلى أن أَتقنوا أصولها وألَّفوا فيها التآليف المتعددة منها دينيّة ومنها أدبيّة ونقلوا إليها عدداً دثراً من طُرف المصنَّفات الأوربية. وهو بحثٌ استوفيناه في مقالاتنا التي أدرجناها في إعداد المشرق عن المخطوطات العربية لكتبة النصرانية.
لكنَّ هذه الحركة مع سعة نطاقها لم تتجاوز حدوداً معلومة بل خمدت في آخر القرن الثامن عشر بعض الخمود لِما طرأَ على أنحاء أوربَّة من الدواهي بنشوب الحروب واستشراء الفساد وكثير من المدارس الشرقيَّة أُقفلت لسوء أحوال الزمان.
وما عتَّمت فرنسة أن أدركت حاجتها إلى علماء يحسنون لغات الشرق وخصوصاً اللغات الحية وفي مقدمتها العربيَّة فأنشأ أرباب أمرها في باريس في 29 نيسان من السنة 1795 مدرسةً لتعليم اللغات الشرقية الحيَّة أعني العربيَّة والفارسيَّة والتركيَّة وهي المدرسة التي أضحت مثالاً لِما أُنشئ. بعدئذٍ على هيئتها من المدارس الشرقيَّة العمليَّة في عواصم شتى من الممالك الأوربية. وتلك المدرسة لم تزل تترَّقى في معارج التقدُم إلى يومنا هذا خرج منها عددٌ لا يُحصى من العلماء المستشرقين من فرنسيون وألمان وإيطاليين وسويسريين وغيرهم نذكر فيما بعد لمعةً من أخبارهم. وقد أُقيمت للمدرسة المذكورة أعياد شائقة قبل 30 سنة بنسبة يوبيلها المئويّ وطُبعت بعدئذٍ المطبوعات المفيدة لتسيطر تاريخها مع عدَّة آثار من قلم أساتذتها وتلاميذها. وممَّا أضافتهُ هذه المدرسة إلى تعليمها لغات الشرق الأقصى أي الصينيَّة واليابانية والأناميَّة. وكذلك أدخلت في جملة دروسها الأرمنيَّة والهندستانيَّة وفيها يدرس الذين يترشَّحون للمناصب القنصليَّة في الشرق وكان أعظم السُّعاة في فتح هذه المدرسة رجلان هُمامان أحدهما يُعرف بكبير
(1/13)

المستشرقين وإمامهم البارون سلوستر دي ساسي الذي سنعود إلى ذكره الطيّب قريباً والآخر لويس لنغلاي (L. T. Langles) (1763 - 1824) وكان من أساتذة اللغات الهنديَّة أَلف فيها التآليف المفيدة التي نُشرت بالطبع وعُني بنشر التآليف العربيَّة ولهُ رحلةٌ إلى بلاد الشام وفلسطين ومصر طُبعت سنة 1799.
وممَّا ساعد على نهضة الآداب الشرقية في أواخر القرن التاسع عشر بعد هبوطها الجمعيَّات الأسيويَّة كان الفضل في تشكيل أوَّل جمعية منها في باتافيا من أعمال الهند الهولنديَّة سنة 1778 لكنَّها كانت تقتصر على ما يختصّ بالمستعمرات الهولنديَّة. ثمَّ أنشأ أحد الإنكليز وهو سير وليم جونس (1743 - 1795) جمعية آسيويَّة عمومية في كلكوتة سنة 1784 فنجحت نجاحاً عظيماً. وكان منشئها من أفاضل المستشرقين لهُ عدَّة تآليف في فنون العلوم الشرقية من جملتها شرح المعلَّقات في الإنكليزية. وعلى مثال هذه الجمعيَّة عُقدت محافل آسيويَّة أُخرى في الهند لا سيَّما محفل بنغالي سنة 1788. وهذه النوادي العلميَّة لم تبلغ ما بلغتهُ محافل القرن التاسع عشر الوارد ذكرها لكنَّها أفادت بما نشرتهُ من المصنَّفات الأدبية والصناعيَّة والتاريخيَّة والعلميَّة في مجلاَّت كانت تظهر في أوقات معلومة والبعض منها لم يزل طبعها جارياً حتى الآن.
أما المستشرقون الذين نالوا لهم بعض الشهرة في خاتمة القرن الثامن عشر فكانوا من الافرنسيين يوسف دي غيني (J. De Guignes) (1721 - 1800) مدرّس اللغة السريانية في مكتب باريس العلمي ومؤلف تاريخ واسع للتتر والمغول والترك في خمسة مجلدات ضخمة. ثم انكيتل دبرون (Anquetil - Duperron) (1731 - 1805) درس وهو شاب اللغات الشرقية ثم ساح في أطراف الشرق وجمع المخطوطات الهندية الجليلة ونشر تآليف عديدة في أخبار الهند وآثار الهنود والفرس والعرب وهو أول من نقل كتاب زرادشت المعروف بزند اوستا إلى الافرنسية وبعض كتب البد (Vedas) وله مقالات عديدة في مجلة العلماء. ومنهم المستشرق هربان (A. Herbin) (1783 - 1806) كتب في أصول اللغة العربية العلمية وألف معجمين عربي فرنسوي وفرنسوي عربي وكتب في الموسيقى عند قدماء العرب وفي آداب الفرس.
وكان قبل ذلك بعشر سنوات توفى مستشرق كبير من كهنة فرنسة الخوري
(1/14)

جان جاك برتلمي (J. J. Barthelemy) (1716 - 1795) اشتغل في الفيليقيين والتدمريين وله مقالات لا تحصى في كل ضروب المعارف. وهو الذي كتب (رحلة أنا كرسيس) الشهيرة ضمَّنها أخبار اليونان القدماء وآثارهم. وقد حذا حذوه وطنينا المرحوم جميل مدور في كتابه حضارة الإسلام في دار السلام.
ومما زاد الفرنسويين ترقياً في الآداب الشرقية أن نابوليون لما قصد مصر سنة 1798 أخذ في صحبته بعضاً من العلماء المعدودين الذين انتهزوا الفرصة لتعلم العربية بين المصريين. وكانت فئة من السوريين اجتمعوا بهم بصفة تراجمة منهم ميخائيل صباغ ونيقولا الترك والقس رافائيل الراهب المخلصي وغيرهم. فاستعان أولئك العلماء بهم لدرس العربية ولما عادوا إلى فرنسة نشروا تلك اللغة بين مواطنيهم.
وكان أيضاً في أواخر القرن الثامن عشر بعض العلماء من غير الفرنسويين الذين انقطعوا إلى درس العربية وألفوا فيها التآليف منهم في ألمانية جان جاك ريسك (J. J. Reiske) نشر عدداً كبيراً من كتب العرب ونقلها إلى اللاتينية وعلق عليها التعاليق كمقامات الحريري وتاريخ أبي الفداء ومعلقة طرفة ومنهم جان داود ميكائيليس (J. D. Michaelis) (1717 - 1791) علم اللغات السامية في غوطا وصنف التصانيف المفيدة في العبرانية والسريانية والعربية منها كتب في أصول هذه اللغات وآدابها. واشتهر تيكسن (O. G. Tychsen) (1734 - 1815) في غوتنغن له تآليف شرقية من جملتها تأليف واسع في النقود الإسلامية.
واشتهر غير الألمان السويسري بور كهرت (J. L. Burckhardt) الذي طاف متنكراً في بلاد النوبة وبادية الشام وجهات الحجاز وعُرف بالشيخ إبراهيم وله تآليف جليلة في وصف رحلاته إلى الشام ومصر وبلاد العرب. ومن جملة كتبه تأليف في الأمثال العربية وتوفي في القاهرة.
وكانت العربية في خاتمة القرن الثامن عشر لا تزال معززة في إنكلترا في كليتي كمبردج واكسفرد. وكان في أكسفرد مطبعة عربية شهيرة نشرت فيها كتب شرقية متعددة تخص منها بالذكر تآليف أدورد بوكوك (E. Pocock) (1604 - 1691) وابنه توما. وكان إدوارد رحل إلى الشرق وسكن مدة في حلب ثم درس في اكسفرد ونشر تاريخي أبي فرج ابن العبري وسعيد بن طريق. ونال الشهرة بين
(1/15)

الإنكليز في الشرقيات في خاتمة القرن الثامن عشر كرليل (J. P. carlyle) (1759 - 1804) ساح في بلاد الشرق ثم تولى تدريس العربية في كلية كمبردج له كتاب في آداب العرب وشعرهم في الإنكليزية ونقل إلى اللاتينية قسماً من مورد اللطافة لجمال الدين ابن تغري بردي. وكذلك اشتهر معاصره يوسف ويت (J. White) (1746 - 1814) من علماء أوكسفرد الذي نشر لأول مرة كتاب عبد اللطيف البغدادي في الأمور المشاهدة بمصر سنة 1789 ثم نقله إلى اللاتينية سنة 1800 وله غير ذلك.
أما الهولنديون فكانوا في ذلك العهد يمشون في درس العربية على آثار أسلافهم الأفاضل كغوليوس (Golius) (1596 - 1667) واربنيوس (Erpenius) (1584 - 1624) وشولتنس (A. Shultens) (1686 - 1750) وابنه جان جاك (J. J. Shultens) (1716 - 1778) وكلهم من المبرزين جعلوا مدينة ليدن كمنار الآداب الشرقية وأبرزوا في مطبعتها المؤلفات العديدة التي أصبحت اليوم عزيزة الوجود يتزاحم العلماء في اقتنائها كتاريخ جرجس ابن المكين المعروف بابن العميد وسيرة صلاح الدين الأيوبي لابن شدّاد وتاريخ تيمورلنك لابن عربشاه وأمثال الميداني ومطبوعات أخرى جليلة. وممن اشتهروا من الهولنديين في أواخر القرن الثامن عشر هيتسما (A. Haitsma) نشر سنة 1773 مقصورة ابن دريد ونقلها إلى اللاتينية وذيّلها بالحواشي. ومنهم شيد (J. Sheid) (1742 - 1795) نقل صحاح الجوهري إلى اللاتينية وألف كتاباً في أصول العربية ونشر منتخبات أدبية شتى.
وبرز بين النمساويين في نهاية القرن الثامن عشر في درس الآثار الشرقية فرنسوا دي دومباي (E. de. Dombay) (1756 - 1810) نشر تاريخاً للعرب وقسماً من أمثال الميداني مع ترجمتها اللاتينية (1805) ثم انقطع إلى درس أحوال مراكش فأبرز عدة آثار مختصة بتلك البلاد كتاريخ ابن أبي زرعة ونقود مراكش وغير ذلك. وأصاب الكاهن جان ياهن (J. Jahn) (1750 - 1816) شهرة في تدريس اللغات الشرقية في فينة وله من التآليف غراماطيق عربي ومعجم عربي لاتيني ومجان أدبية.
وكان الدنيمركيون أيضاً قد وجهوا بأنظارهم إلى الشرق فاشتهر منهم في آخر
(1/16)

القرن الثامن عشر نيبوهر (C. Niebhur) (1733 - 1815) الذي طاف في أنحاء جزيرة العرب ودون ملحوظاته وأخبار رحلته في ثلاثة مجلدات أضاف إليها مقالات حسنة في عادات الشرق وأحواله. ومنهم جرج زويغا (G. zoega) (1755 - 1806) خرج من بلاد دنيمرك وتولن رومية العظمى وصار كاثوليكياً وانقطع إلى درس الآثار الشرقية لا سيما آثار مصر.
ولم ينطفئ منار العلوم الشرقية بين الأسبانيين والبرتغاليين وخصوصاً الرهبان. وممن عرف منهم الراهب الفرنسيسي كانيس (Fr. Canes) (1730 - 1795) عاش مدة في فلسطين والشام ودرس العربية مرسلي رهبانيته وقد صنف كتباً مدرسية في الأسبانية لتعليم العربية أخصها غراماطيق ومعجم كبير للمفردات للتعليم المسيحي. وفي عهده كان الراهب حنَّا سوزا (J. Souza) (1730 - 1812) ولد في دمشق من أبوين مسلمين فتنصَّر على يد المرسلين ثمَّ اللغة العربية في لشبونة. ومن مطبوعاتهِ كتاب الألفاظ البرتغالية المشتقَّة من العربية. وكتاب نحو العرب ونصص عربية لمؤَرخي العرب في أمور البرتغال.
وكذلك الإيطاليُّون فإنَّهم لم يسهوا عن درس لغات الشرق ومآثرهِ فربح منهم شكر العموم روزاريو غريغوريو (R. Gregorio) الكاهن البالرمي (1753 - 1809) الذي تفرَّغ لدرس آثار صقلية وتاريخها وأحوالها لا سيَّما في أيام العرب فألَّف في ذلك التآليف الواسعة في عدَّة مجلدات ضخمة نخصّ منها بالذكر كتابهُ (الآثار العربية في تواريخ صقلّية) ضمَّنهُ كتابات ونقوشاً بديعة وأوصافاً غاية في الفائدة - وعُرف الكاهن الرحالة ج. ماريتي (G. Mariti) (1736 - 1806) زار بلاد فلسطين والشام ومصر ودوَّن أخبار رحلتهِ وعنها نقلنا في المشرق (8 (1905) : 158و120) وصفهُ لدير القلعة وكذلك كتب في تاريخ الصليبيين وغير ذلك.
ولا يجوز لنا في هذا النظر الإجماليّ عن حالة العلوم الشرقية في ختام القرن الثامن عشر أَن ننسى ما كان لمواطنينا من الفضل في نشر الآداب الشرقية في أوربَّة. فإن ذلك القرن هو قرن السَّماعتة الذين أُشير إليهم بكل بنان فصار اسمهم مرادفاً للنشاط في تذليل العقبات وإحياء مفاخر الشرق. أوَّلهم وإمامهم المونسنيور يوسف سمعان
(1/17)

السمعاني (1687 - 1768) رئيس أساقفة صور صاحب المكتبة الشرقية وتآليف أَُخرى لا تُحصى. ثمَّ أسطفان عوَّاد السمعاني نسيبهُ (1709 - 1782) . ثمَّ يوسف لويس السمعاني (1710 - 1782) ثمَّ شمعون السمعاني (1752 - 1821) وكان كل هؤلاء تلامذة المدرسة المارونية في رومية وأثماراً طيّبة من دوحتها الفاخرة تُعدْ تآليفهم بالمئات بين مطوَّلة وقصيرة. وكان جلّ اهتمامهم في نشر الآثار السريانية لكنَّهم أيضاً اخرجوا من زوايا النسيان عدَّة تآليف عربية لا سيما في التاريخ والمآثر الدينية والأدبية. وسنعود إلى ذكر الأخير منهم الذي يدخل في دائرة مقالتنا إذ لم يمت إلاَّ في العشر الثاني من القرن التاسع عشر - ومن هؤلاء الشرقيين الذين شرَّفوا الآداب في أواخر القرن الثامن عشر القسّ ميخائيل الغزيريّ وهو أيضاً من تلامذة الآباء اليسوعيين في المدرسة المارونية رافق السمعاني وحضر معهُ المجمع اللبناني سنة 1736 ثمَّ درَّس اللغات الشرقيَّة وتعيّن ترجماناً لملك إسبانيا كرلوس الثالث ومن أعمالهِ الأثيرة وصف المخطوطات العربية في مكتبة الأسكوريال قرب مجريط وهذا التأليف مجلَّدان كبيران يدلاَّن على سعة معارف صاحبهما طُبعا من السنة 1760 إلى 1770 باللاتينيَّة والعربية - واشتهر منهم أيضاً في فينَّة عاصمة النمسا الخوري أنطون عريضة الطرابلسي وعلَّم فيها اللغات الشرقية ولهُ من التآليف كتاب علم صرف العربيَّة ونحوها وضعهُ لتلامذتهِ في اللاتينيَّة وطبعهُ سنة 1813 في فينَّة.
وفي هذا النظر العموميّ كفايةٌ ليعرف القرَّاء حالة الدروس العربية في منتهى القرن الثامن عشر. وإنَّما يترتَّب علينا الآن أن نقتصّ آثار الكتبة الذين زيَّنوا الآداب بحلية معارفهم وأغنوها بثمرات أقلامهم ومصنَّفاتهم في القرن التاسع عشر. وإننا نقسم ذلك فصولاً يسهل على المطالع تتُّبع التفاصيل التي نثبتها فيحرزها دون عناء ويعرف ما لكل كاتب من المزايا والأعمال.
(1/18)

الفصل الثالث
الآداب العربيّة في غرَّة القرن التاسع عشر إلى السنة 1830
كان افتتاح القرن التاسع عشر في أيَّام السلطان الغازي سليم خان الثالث وكان من أفضل ملوك دولتهِ دمث الأخلاق مغرماً بالآداب محبَّا لترقية رعاياه في معارج الفلاح. ثمَّ صار الملك إلى ابن عمّهِ السلطان مصطفى خان الرابع الذي لم يملك أكثر من سنة فضبط من بعدهِ سنة 1808 زمام السلطنة أخوه محمود خان الثاني فطالت مدّتهُ وكان كالسلطان سليم هائماً بترّقي شعبهِ ساعياً في أسباب نجاحهِ في فنون الآداب وللشاعر نقولا الترك قولهُ جلوسهِ:
توّلى التختَ سلطان البرايا ... وأََيّدهُ الإلهُ بمرتقاهُ
فصاح الكون لمَّا أرَّخوهُ ... نظامُ الملك محمودٌ بهاهُ
ومن مساعي السلطانين سليم ومحمود المشكورة تعزيزهما لفنّ الطباعة في دار السعادة فطُبعت فيها عدَّة تآليف عربيَّة فضلاً عن المصنَّفات التركية. ويبلغ عدد المصنَّفات العربيَّة التي نُشرت بالطبع في هذه الثلاثين سنة نيّفاً وأربعين كتاباً كقاموس المحيط للفيروز أباديّ (1814) مع شرحهِ في التركيَّة وكحاشية السيلكوتي على مطوَّل التفتزاني (1812) ومراح الأرواح لأحمد بن علي بن مسعود مع مجموع تآليف أُخرى نحويّة وصرفيَّة (1818) وكافيَّة ابن حاجب (1819) وغير ذلك ممّا مرَّ لنا ذكرهُ في مقالتنا عن فنّ الطباعة في الأستانة (المشرق 3 (1900) : 174 - 179) وفي ملحق تاريخ تركيَّا للمؤرخ الألماني هامّر (J. de Hammer) جدول هذه المطبوعات كلها في 97 عدداً (اطلب الجلد 14 ص 492 - 507) . وكان الولاة يساعدون السلاطين في إدراك غايتهم الشريفة في جهات المملكة كسليمان باشا في عكَّا ويوسف باشا كنج في دمشق وداود باشا في بغداد وغيرهم.
وجاء في لغة العرب (1: 98) أن الوزير سليمان باشا القتيل كان أوَّل من أيقظ العلوم والمنتمين إليها في ديار العراق بعد سُباتها العميق وأنشأ في بغداد عدَّة مدارس. ثمَّ جاء بعدهُ بقليل داود باشا فأنهضها النهضة التي خلدت لهُ الأثر المحمود والذكر الطيّب.
(1/19)

وكذلك في مصر كان محمَّد علي باشا راغباً في نشر المعارف فاستعاد الأدوات الطبعيّة التي كان الفرنسويّ مرسال اتخذها في أيام بونابرت وأنشأ مطبعة بولاق الشهيرة سنة 1822 وكان أوَّل كتاب طُبع في تلك السنة قاموس إيطاليانيّ عربيّ وأُردف في السنة التالية بكتاب قانون صباغة الحرير. ومطبوعات بورق إلى سنة 1830 تربي على الخمسين في اللغات الثلاث العربيَّة والتركية والفارسية إلاَّ أنَّ الكتب العربية المهمَّة لم تُطبع إلاَّ بعد هذه المدَّة وإنَّما جَددَت في الغالب المطبوعات المنشورة في الآستانة.
وما يُقال إجمالاً في هذا القسم الأول من القرن التاسع عشر إنَّ الذين اشتهروا فيهِ كانوا أبناء أنفسهم لم يتعلَّموا في مدارس منظَّمة بل نبغوا بشغلهم الخاصّ تحت نظارة بعض الأفراد الذين سبقوهم في دواوين الكتابة ودوائر الإنشاء.

التاريخ
ونبتدئ هنا بذكر الكتَبة الذين وقفوا نفوسهم على تصنيف التاريخ فنقول: انحصر التاريخ بين أدباء المسلمين في بعض الأفراد الذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد فذكرنا منهم (ص4) الشيخين عبد الله الشرقاويّ وحسين ابن عبد الهادي. وممَّن يضاف إليهما السيّد إسماعيل بن سعد الشهير بالخشّاب المتوفى في 2 - ذي الحجَّة سنة 1230 (1815) كان مولعاً بالدروس الأدبية وأخبر الجبرتي في تاريخهِ (4:238) (إنّ الفرنساويَّة عيَّنوه في كتابة التاريخ لحوادث الديوان وما يقع فيهِ كلَّ يوم لانَّ القوم كان لهم مزيد اعتناء بضبط الحوادث اليوميّة في جميع دواوينهم وأماكن أحكامهم ثم يجمعون المتفرّق في ملخَّص يُرفع في سجلّهم بعد أن يطبعوا منهُ نسخاً عديدة يوزَعونها في جميع الجيش حتَّى لمن يكون منهم في غير المصر في قرى الأرياف فتجد أخبار الأمس معلومة للجليل والحقير منهم. فلمَّا رتَّبوا ذلك الديوان كما ذُكر كان هو المتقيّد برقم كلّ ما يصدر في المجلس من أمر أو نهي أو خطاب أو جواب أو خطأ أو صواب وقرَّروا لهُ في كل شهر سبعة آلاف نصف فضَّة فلم يزل متقيّداً في تلك الوظيفة مدَّة ولاية عبد الله جاك منو (Menou) حتى ارتحلوا من الإقليم) فهذه كما ترى جريدة يوميَّة وهي أوَّل جريدة ظهرت في العربية وكان الجبرتي رأَى منها عدَّة
(1/20)

كراريس. وذكر أيضاً لإسماعيل الخشَاب ديوان شعر صغير الحجم جمعهُ صديقهُ الشيخ حسن العطَّار.
وأشهر من هؤلاء في التاريخ العلاَّمة عبد الله بن حسن الجبرتي المذكور وُلد في مصر 1167 (1753 - 1754) كما ذكر في تاريخهِ (1:203) وروى كناك بعض ما حدث لهُ في صباه وكان من طلبة الأزهر. جعلهُ بونابرت من كتبة الديوان فأحرز لهُ عند الجميع اسماً طيباً. وانقطع إلى الكتابة والتأليف. وفي آخر حياتهِ قُتل أحد أولاده في حي شبرا فبكاهُ بُكاءً مرَّا افقدهُ البصر ولم يلبث أن تبعهُ في القبر. وقال كاتب فهرست مخطوطات المكتبة الخديويَّة (1:83) لأنه توفي مخنوقاً في رمضان سنة 1237 (1822) . وقد جعل المسيو هوارت في تاريخ الآداب العربية مولدهُ سنة 1756 ووفاتهُ سنة 1825 وفي كليهما غلط. أما تاريخهُ فيُدعى عجائب الآثار في التراجم والأخبار ضمّنهُ حوادث مصر التي جرت في أواخر القرن الثاني عشر وأوائل الثالث عشر جارياً في ذلك على سياق السنين منذ فتوح السلطان الغازي سليم خان الأوَّل للقطر المصريّ إلى غاية سنة 1236 ذاكراً للوقائع المعتبرة مع تراجم الأعيان المشهورين وقد ادخل فيه قسماً كبيراً من تاريخ آخر وصف فيه وقائع بعثة بونابرت إلى مصر دعاهُ (مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس) كتبهُ سنة 1216 هـ (1802) وتاريخ الجبرتي قد نُقل إلى الفرنسيَّة بهمَّة بعض أفاضل نصارى مصر وهم شفيق منصور بك وعبد العزيز كحيل بك وجبرائيل نقولا كحيل بك واسكندر بك عمون. وقد ترجم الفرنسوي كردين (A. Cardin) تأليفهُ الآخر مظهر التقديس.
وممَّن كتبوا في التاريخ الشيخ أبو القاسم بن أحمد الزيَّاني كان من عمَّال مراكش متولّياً على مدينة وجدة. ثمَّ اعتزل الأشغال في تلمسان وأَلَّف سنة 1813 كتاب الترجمان المغرب عن دُول المشرق والمغرب طبع الأستاذ هوداس (O. Houdas) الفرنسويّ قسماً منهُ يحتوي تاريخ مرَّاكش من السنة 1631 إلى 1812. والباقي لا يزال مخطوطاً. ولهُ كذلك كتاب (البستان الظريف في دولة مولاي عليّ الشريف) .
(1/21)

وللكتبة النصارى في هذه الأثناء بعض التواريخ يترتب علينا ذكر أصحابها. وأول من اشتهر في ذلك القس حنانيا المنير أحد رهبان الرهبانية الحناوية الشويرية. ولد المذكور في زوق مصبح سنة 1757 وترهب سنة 1774. أما بقية أخباره في الرهبانية فلا نعلم منها شيئاً كما إننا نجهل سنة وفاته. ومما يظهر من مآثره ومصنفاته أنه كان رجلاً أدبياً كثير الإطلاع سليم الذوق نشيطاً في جمع الآثار والأخبار عارفاً بفنون الكتابة يحسن النثر والشعر. وكان ذلك نادراً في زمانه. وقد نعت نفسه في كتابٍ له عن الدروز بالطبيب ما يدل على أنه كان يتعاطى الطب. أما أخص تآليفه فتاريخان الأول مدني سبق لنا وصفه في المشرق (4 (1901) : 427 و972) وهو تاريخ (الدر المرصوف في حوادث الشوف) أثبتنا منه مقدمته وبعض فقراته: وهذا التأليف يتناول الوقائع التي جرت في لبنان من السنة 1109 هـ. (1697 م) عند ظهور الأمراء الشهابيين إلى السنة 1222 هـ (1807 م) وهو يتسع خصوصاً في حوادث الجبل والساحل في الأربعين السنة الأخيرة. ومن هذا التأليف قد استفاد الأمير حيدر أحمد الشهابي في تاريخه الشهير المعروف بالغرر الحسان في تاريخ حوادث الزمان والشيخ طنوس الشدياق في كتاب الأعيان في جبل لبنان أما التاريخ الثاني ديني قد جمع فيه المؤلف أخبار الرهبانية الحناوية منذ أواسط القرن الثامن عشر إلى نهاية السنة 1219 هـ (1804 م) ولعله استفاد من تاريخ آخر لأحد اخوته الرهبان المدعو رفائيل كرامة الحمصي (راجع دواني القطوف ص 201) . وليس هذا التاريخ كله دينياً فإن فيه أيضاً أموراً عديدة تختص بأخبار الأمراء وأحوال لبنان وبلاد الشام والقطر المصري. والكتاب عبارة عن 200 صفحة تقريباً وكلا التاريخين نادر قد أمكنا الحصول على نسخة منهما فاستنسخناهما لمكتبتنا الشرقية. ولابن المنير ما خلا ذلك تآليف شعرية وأدبية نذكرها في باب الأدب
واشتهر أيضاً في التاريخ من نصارى الملكيين الكاثوليك رجلان من بيت الصباغ كانا حفيدين لإبراهيم الصباغ طبيب ظاهر العمر (أطلب المشرق 8 (1905) : 26) اسم أحدهما عبود بن نقولا بن إبرهيم والآخر ميخائيل. وكان أهلهما بعد وفاة جدهما إبراهيم سنة 1776 هربوا إلى مصر حيث نشأ الولدان وتخرجا بالآداب على أساتذة القطر
(1/22)

المصري. ثم لما قدم نابليون إلى مصر ومعه عدد من مشاهير العلماء أتصل عبود وميخائيل بهؤلاء الكرام وصارا في خدمتهم إلى أن انتقلا معهم إلى فرنسة. وقد أتسعنا في المشرق (8 (1905) : 31 - 33) في ما خلفه ميخائيل من التركة العلمية الثمينة أجلها قدراً تآليف تاريخية لا تزال مخطوطة في مكتبتي باريس ومونيخ منها تاريخ أسرته بيت الصباغ وبيان أحوال طائفته الملكية الكاثوليكية. وله أيضاً متفرقات ضمنها تاريخ قبائل البادية في أيامه وتاريخ الشام ومصر. هذا فضلاً عن كتبه اللغوية والأدبية كالرسالة التامة في كلام العامة ومسابقة البرق والغمام في سعاة الحمام وكلاهما قد طبع في أوربة. وله مآثر من النظم نذكرها في الأدبيات. أما عبود فإن له في مخطوطات باريس تاريخاً (Fonds arabe Paris 4610) جمع فيه أخبار ظاهر العمر دعاه الروض الزاهر في تاريخ ضاهر (كذا)) وطريقة عبود وميخائيل في تدوين التاريخ سهلة الألفاظ واضحة المعاني حسنة السبك تدل على ضلاعتهما في الكتابة هذا مع ضعف في التعبير لا سيما في تاريخ عبود الذي يشبه كلامه بركاكته كلام العامة. وتوفي ميخائيل سنة 1816 أما عبود فلا نعلم سنة ومكان وفاته وقد عرف في عهد الصباغين المذكورين كاهن من أسرتهما كما نظن نضيفه إليهما وهو أنطون صباغ من تلامذة رومية يستحق الذكر بما عربه من التآليف المتعددة البالغة نحو 50 مجلداً منها كتاب تاريخ الكردينال أورسي في 24 جلداً كبيراً انتهى من تعريبه نحو السنة 1792 وكانت وفاته في العشر الأول من القرن التاسع عشر (المشرق 9 (1906) : 695) ومن أدباء الروم الملكيين الذين أحرزوا لهم فخراً في التاريخ نيقولا بن يوسف الترك كان اصل والده من الآستانة العلية ثم سكن دير القمر حيث ولد أبنه نيقولا سنة 1763 وفي وطنه مات سنة 1828. كان نيقولا محباً للآداب منذ حداثته فلم يزل يتعاطى النظم والنثر إلى أن نال فيهما نصيباً صالحاً. وقد خدم الأمير بشير الشهابي زمناً طويلاً وقصائده فيه شهيرة نعود إلى ذكرها عند وصف ديوانه. أما التاريخ فله فيه مصنفان أحدهما تاريخ الإمبراطور نابوليون من سنة وفاة الملك لويس السادس عشر
(1/23)

إلى موت نابليون سنة 1821 في نحو 450 صفحة كتبهُ بإنصاف وحُسن ذوق مع تعريف أسباب الحوادث وسوابقها ولواحقها والحكم في جيّدها وسيّئها. وهذا الكتاب قد طُبع نصفهُ الأوَّل في باريس سنة 1839 بهمَّة المسيو ديغرانج (M. Desgranges) الذي نقلهُ إلى الفرنساويَّة وألحقهُ بعدَّة ملحوظات وهو يحتوي تاريخ نابليون إلى آخر بعثة مصر سنة 1801. أمّا النصف الثاني فلا يزال مخطوطاً. ولنيقولا الترك تاريخٌ آخر ضمَّنهُ أخبار أحمد باشا الجزّار منهُ في مكتبتنا الشرقية نسخة في 126 صفحة وهو غاية في الإفادة لتعريف أحوال الشام من السنة 1185 إلى السنة 1225 (1771 - 1810) وإنشاء الكاتب بسيط مطبوع خالٍ من التعقيد والنقير كما يليق بالتاريخ.
والغالب على ظننا أنّ المعلم نيقولا الترك هو مؤلف تاريخيين آخرين لم يُذكر اسم كاتبهما فالأوَّل هو (مجموع حوادث الحرب الواقع بين الفرنسويَّة والنمساويَّة في أواخر سنة 1805 مسيحية الموافقة لها سنة 1220 لتاريخ الهجرة) وهو تاريخ واسع في 306 صفحات من قطع الربع طبع في باريس سنة 1807 وصفت فيه وقائع تلك الحرب التي انتهت بانتصار نابوليون في استرلتس. والتاريخ الثاني من مخطوطات مكتبة باريس العمومية (Fonds arabe. n 1864) اسمه (نزهة الزمان في حوادث لبنان) في 148 صفحة يحتوي تاريخ الأمراء الشهابيين منذ أول قدومهم من الحجاز إلى حوران ثم إلى لبنان مع تفصيل أخبارهم إلى أيام الأمير بشير الشهابي ونهايته بالحوادث التي جرت سنة 1205 (1790) .
ويلحق بهذا التاريخ تاريخ آخر بأحد الموارنة كتبه مؤلفه (أنطونيوس ابن الشيخ أبي خطار الشدياق من بيت الحاج عبد النور قرية عين طورين في جبة بشراي من أعمال طرابلس) سنة 1819 دعاه (مختصر تاريخ لبنان) وهو كتاب في 150 صفحة ضمنه المؤلف عدة أمور تاريخية دينية ومدنية على غير ترتيب كما حضرته أو كما اقتطفها من تواريخ أخرى أو سمعها من أهل زمانه منها فصلٌ واسع نقلناه عنه في المشرق (4 (1901) : 769، 820) عن أصل الأمراء والشيوخ في لبنان.
ومما كتب في هذا العهد من الأسفار رحلة لأحد الحلبيين (فتح الله ولد أنطون ابن الصائغ اللاتيني) التي زعم أنه رحل في خدمة أحد الأجانب أسمه تيودور لسكاريس في أواخر سنة 1810 من حلب إلى أنحاء الشام فجهات العرب وقد وصف
(1/24)

ما جرى لهما من الأخبار وضمن رحلته أشياء كثيرة عن أحوال المدن التي زاراها وعن قبائل العرب وبلاد الوهابيين. وقد كتب ذلك بعبارة رائقة إلا أنها قليلة التهذيب لا تكاد تخالف لغة العامة والكتاب يصام في خزانة باريس (Fonds arabeno 2298) . وقد وقف الشاعر الفرنسوي لامرتين على هذه الرحلة فاستعان ببعض المستشرقين ونشرها مترجمة إلى الافرنسية في كتابه الشهير (سفر إلى الشرق) (Voyage en Orient) في القسم الرابع من طبعة باريس 1835 (ص55 - 285) . أما المؤلف فعاش بعد ذلك زمناً طويلاً وسيعود اسمه في مطاوي مقالتنا ثانية. ثم وجدنا في المجلة الآسيوية (G. As. 18722) فصلاً في انتقاد هذه الرحلة فيثبت كاتبه أنها مصنوعة.
ونختم هذا النظر في مؤرخي الثلث الأول من القرن التاسع عشر بذكر أحد مسلمي طرابلس العرب وهو الشيخ محمد بن عبد الكريم ولد في طرابلس الغرب وتلقى العلوم من أعلام عصره وفحول مصره وكان واسع العلم كثير الحفظ تولى النيابة في وطنه لعد والده وحسنت سيرته ألف كتاباً سماه (الإرشاد بمعرفة الأجداد) ضمنه ذكر أسلافه الكرام وكان أصل أجداده من الأندلس ثم انتقلوا إلى طرابلس وعرفوا بآل النائب وكان أبوه فقيراً شاعراً توفي سنة 1189هـ (1775م) أما ابنه محمد فكانت وفاته سنة 1232هـ (1817م) .

الشعر والأدب
إن الشعر والأدب كما التاريخ كانت سوقهما كاسدة في أوائل القرن التاسع عشر لم يشتهر فيهما إلا بعض الأفراد في مقدمتهم بين المسلمين الأديب السيد أحمد ابن عبد اللطيف بن أحمد البربير الحسني البيروتي ولد سنة 1160 (1811) له تآليف أدبية ومنظومات أخصها مقاماته التي منها نسخة خطية في المكتبة الخديوية (أنظر قائمتها 328:4) يبتدئ أولها بقوله: (حكى بليغ هذا الزمان والعصر حديث ألذ من سلافة العصر) . وقد طبع من هذه المقامات مقامة (المفاخرة بين الماء والهواء) في دمشق سنة 1300 (1883) . وله بديعية عبق عليها شروحاً مصطفى بن عبد
(1/25)

الوهاب بن سعيد الصلاحي تصان بين مخطوطات برلين (ع 7388) وله (كتاب الشرح الجلي على بيتي الموصلي) وهو تأليف واسع طبع في بيروت سنة 1302 (1885) أودعه صاحبه فنوناً من الآداب وفصولاً في كل علم من العلوم. والموصلي المذكور هو عبد الرحمان بن إبراهيم الصوفي الموصلي من أدباء القرن الثامن عشر. أما البيتان اللذان شرح البربير رمزهما فهذان:
إن مرَّ والمرآةُ يوماً في يدي ... من خلفهِ ذو اللطف أَسما مَنْ سما
دارت تماثيلُ الزجاجِ ولم تزلْ ... تقفوهُ هدواً حيثُ سار ويمَّما
أما منظومات السيد أحمد البربير فكثيرة لكنها متفرقة. وكنا قد نشرنا منها شيئاً في المشرق (3 (1900) : 14 - 18) مما دار بينه وبين مخائيل البحري من المراسلات الأدبية. ثم أتحفنا جناب الأديب عيسى أفندي أسكندر معلوف بنخبة أخرى من أقواله الشعرية تجدها في المجلة المذكورة (4 (1901) : 396) ولعل السيد أحمد البربير نظم ديواناً كاملاً لكننا لم نقف له على أثر ومما قرأنا من لطائفه قوله في طبيب:
رأيتُ طَبًّا لهُ نفارٌ ... يتيهُ في مشيهِ دلالا
فقلتُ: من أنت يا حبيبي ... هل راحمي أنتَ قال: لا لا
وله في التوحيد:
لقد آمنتُ باللهِ ... وأصبحتُ بهِ آمنْ
هو الأوَّل والآخر ... م والظاهرُ والباطنْ
وقال:
خرجتُ من سجن نفسي ... ومن حظوظي والجاهْ
وفي جميع أموري ... أسلمتُ وجهي للهْ
وقال في كبح الشهوات:
إنَّ الذين يجاهدو ... نَ النفسَ شبَّاناً وشِيبا
منَّ الإلهُ بنصرهم ... وأَثابهم فتحاً قريبا
وقال في تاجر سها عن الآخرة:
يا تاجراً لا يزالُ يرجو ... ربحاً ويخشى من الخسارةْ
عبادةُ الله كلَّ حينٍ ... خيرٌ من اللهو والتجارهْ
وقال يصف دار أسعد باشا وكان حلها أبو السعود محمد بن علي: يا دارَ أسعدَ باشا - لكِ النعيمُ المخلَّدْ - بطلعة أبن عليٍّ - أبي السعود محمَّدْ
(1/26)

بدرٌ يزيد كمالاً - منَ النجوم تولَّدْ - ذو همَّةٍ غارَ منها - حدُّ الحُسام المجرَّدْ أَما ترى السيف منها - في جفنهِ بات مُغمدْ - ولطفهُ في البرايا - ممَّا فشا وتأكدْ حَّتى غدا كلُّ شخصٍ - بهِ يقرُّ ويشهدْ - كأنهُ من نسيم القَبُول بات مجسَّدْ أَما ترى وَرْد خدّ الرياض منهُ تورَّدْ - والبحر لَّما رآهُ - يجودُ أرغى وأزبدْ والدهر بات غلاماً - لمن عليهِ تردَدْ - فتىً بهِ أبيضَّ حظّي - من بعد ما كان أسودْ يا سّيدي عش سعيداً - فإنَّ جدَّك أسعدْ - وسوف ترقى لأوجٍ - من الكواكب أبعدْ فأحفظ بشارة عدلٍ - بها الفراسةُ تشهدْ - وأسلمْ ودم في سرورٍ - ما طائر الصبح غرَّدْ ومن مراثي السيد أحمد البربير قوله في الأمير منصور الشهابي لما توفي سنة 1181هـ (1767م) :
سقا هذا الضريحَ سحابُ فضلٍ ... وعمَّم بالرضى مَنْ في ثراهُ
أميراً كان في الدنيا شهاباً ... ومنصوراً على قومٍ عصاهُ
فإن يكُ من عيوني قد توارى ... فحسبي أنَّ قلبي قد حواهُ
فلماَّ سار للفردوس فوراً ... وقرَّبهُ المهيمن واصطفاهُ
أَتى تاريخهُ في بيت شعر ... يودُّ البدرُ إن يُعطى سناهُ
فمهملهُ ومعجمهُ وكلٌّ ... من الشطرين تاريخاً تراهُ
شهابُ الرحمة المولى عليهِ ... هوى للترب بدرٌ من رُباهُ
وكان لأحمد البربير تلامذة أخذوا عنه أخصهم السيد عبد اللطيف بن علي المكنى بفتح الله المفتي البيروتي الحنفي وكان شاعراً إلا إن شعره مفقود. ومما يروى عنه قوله يمدح ميخائيل البحري لما جاء بيروت في أيام الجزار:
ولَّما أَتى البحريُّ بيروتَ زائراً ... إلينا فكم أَهدى عقوداً من الشعرِ
فلا بدعَ أنْ أُهدي لهُ الدرَّ ناظماً ... فناهيكَ أنَّ الدرّ يبدو من البحرِ
فأجابه البحري بأبيات رويناها في المشرق (3 (1900) : 17 - 18) . ومن الشعراء المسلمين الذين نظموا الشعر الجيد في أوائل القرن التاسع عشر الشيخ الوفاء قطب الدين عمر أبن محمد البكري الدمياطي الأصل واليافي المولد ولد سنة 1173هـ (1759 م) في يافا ودرس على مشاهير شيوخ زمانه في وطنه ورحل إلى مصر وأخذ عن أئمتها. ثم عاد إلى غزة وتجول في أنحاء الشام والحجاز وتوفي في دمشق في غزة ذي الحجة سنة 1233 (1818 م) وقد رثاه شاعر زمانه الذي نترجمه في أوانه الشيخ أمين الجندي بقصيدة رنانة أولها:
قِسيُّ المنايا ما لأَسهُمها ردُّ ... فما حيلتي والصبرُ قد دكَّهُ البُعدُ
(1/27)

دُهيتُ برُزْء لا يُطاق عناؤهُ ... وكرْبٍ وحزنٍ ما لغايتهِ حدُ
وهي طويلة ومن لطيف ما قاله فيه الشاعر نقولا الترك وقد ضمن فيه اسمه عُمَر:
شمس العلوم تبدَّى ... نوراً إلى كلّ راء
مقرُّها ضمن ميمٍ ... ما بين عين وراء
أما تآليف السيد عمر اليافي فأخصها ديوانه وبعض مخاطبات ألحقت بديوانه (ص241 - 284) وقد عني بطبع هذه الآثار حفيده السيد عبد الكريم بن محمد أبي نصر في المطبعة العلمية سنة 1311هـ (1893م) وهو مجموع واسع فيه قصائد متعددة دينية على منهج المتصوفين وكان السيد على الطريقة الخاوتية وله في هذه الطرائق عدة رسائل منها رسالة في الطريقة النقشبندية رسالة في معنى التصوف والصوفي وغير ذلك. ومن أدبياته رسالة له في الحض على بر الوالدين. أما شعره فهو رقيق اللفظ رشيق المعنى كثير التفنن فيه قسم للموشحات والأدوار الغنائية والخمريات وهانحن نورد منه طرفاً تنويهاً بفضله. قال في الاعتصام والثقة بالله:
أنا بالله اعتصامي ... لا أرى في ذاك شكاً
راجياً فيهِ نوالا ... ورشاداً ليس يُحكى
موقناً أن لا سواه كاشفٌ ضراً وضنكاً
لم أزل لله عبداً ... وبهذا أتزكَّى
وله مستغيثاً مبتهلاً من قصيدة:
إلهي الهي ليس آلاءك يُرتجي ... وحقكَ ما وافيتُ غيركَ راجياً
ومن ذا الذي أشكو لهُ سوء فاقتي ... ويعلم قبل المشتكي سوءً حاليا
لقد دكَّ دهري طود قصري فأصبحت ... منازل قصري بالخطوب خواليا
وفوَّقَ لي الخطبُ المبرح أسهماً ... من الوجد والتبريح فيها رمانيا
وشنَّ لي الغارات تعدو وقد غدت ... علي بعادي الجور تعدو العواديا
فيا ربّ ما للعبدِ في الدهر ملتجىً ... سواكَ فإني بالتضرع لاجيا
تداركْ بألطافٍ وأسعفه بالمنى ... وحققْ له فضلاً لديك الأمانيا
ومن جيد قوله ما كتبه في بر الوالدين:
كم جرَّ برُّ الوالدَي ... ن فوائداً للمرء جمَّهْ
منها رضا الله الذي ... يكفي الفتى ما قد أهمَّهْ
وأخو العقوق كميّت ... قد صار في الأحياءِ رُمهْ
والكلبُ أحسنُ حالةً ... منهُ وأحفظُ منهُ ذمَّهْ
(1/28)

ومن محاسنه قوله في نوفرة على رأسها ليمونة:
ونوفرةِ تبدي من الماء قامةَ ... زهت بكمال الصفو حسناً ومنظرا
هودُ من البلور من فوقِ رأسهِ ... زُمرُّدةُ خضراء تنثر جوهرا
ومن أوصافه قوله يذكر دير عطية من قرى الشام بين النبك والقريتين:
حاديَ الرَكْب سِرُ وحثَّ المطَية ... لديار العطا بدير العطَّية
فبتلك الربوعِ تلقى ربيع الس ... أنْس فاحت أزهارها العبهرَّية
جنَّةٌ قد تزخرفتْ في رباها ... بثمارٍ من البهاء جنيَةْ
تجري من تحتها المياهُ بأنها ... ر التهاني للواردين مَرَّيةْ
وغصون الرياض تهتزْ فيها ... حيثُ غنَّت نسائمُ سَحرَّيةْ
حبَّذا حبَّذا معاني الأغاني ... لتهاني المعالمُ الأنسَّيةْ
وقد اشتهر بين المسلمين غير هؤلاء في الشعر والأدب لكنه قصائدهم وتآليفهم لا تزال في خزائن الخاصة أو أخذتها أيدي الضياع نذكر منه من اتصل به علمنا بمطالعة مخطوطات مكتبتنا الشرقية.
فمن هؤلاء الأدباء المسلمين إسماعيل بن الحسين جعمان له ديوان صغير الحجم في أحد مجاميع لندن المخطوطة (Supplement of the Catal. Of the Arabic Mss no 1323 3o) يحتوي على قصائد ومراسلات ومقالات شتى كتبها بين السنة 1227 وسنة وفاته 1250 (1812 - 1835) .
ومن مشاهير المسلمين في أوائل القرن التاسع عشر السيد محمد الأمير الكبير المولود في سنبو في مديرية أسيوط سنة 1154هـ (1741م) والمتوفى في مصر في ذي القعدة سنة 1232هـ (1817م) . درس الفقه بأقسامه في الأزهر وتولى مشيخة السادة الملكية وألف كتباً عديدة في فنون شتى. وكان كلامه حكماً منه قوله:
دع الدنيا فليس فيها سرورٌ ... يتمُّ ولا من الأحزان تسلَمْ
وكن فيها غريباً ثمَّ هيئ ... إلى دار البقا ما فيه مغنَمْ
ومنهم الشيخ عبد الله الحلبي كان شاعر زمانه في الشام له ديوان مفقود وقد وقفنا له على بعض فقرات في ديوان نيقولا الترك منها قوله في جملة قصيدة يذكر تآليف الترك:
أنت بسحر بيانِ ... أبانَ فضلاً جزيلاً
عن فضل ذي الفضل يبني ... عقداً بديعاً جميلاً
(1/29)

صحيح معناهُ يروي ... عن الصحاح نقولا
يا درَّ درّ قوافٍ ... ترتَّلت ترتيلا
قس الفصاحة فيهِ ... سحبانُ أضحى ذهولا
لم يترك الأوَّلون ... إلى الأواخر قيلا
عنهُ التواريخُ تُروى ... براعةً وشمولا
قد سار ذكراً شهيراً ... بين الأنام جليلا
وجاء في الديوان عينه ذكر شاعر آخر وهو الشيخ صالح نائب طرشيحا روي له قصائد منها قوله يمدح آل شهاب والشيخ بشير جنبلاط ويذكر قرية المختارة قال:
وأصبو إلى لبنان وهي مواطنٌ ... عرفتُ بها ظلاً هناك ظليلا
بآل شهابِ كمّل الله عزّها ... وشرف منها أربُعاً وطلولا
وبالجنبلاطي البشير تشامخت ... جبالٌ بها تعلو المجرّة طولا
فتى ما لهُ في الدهر ثان وأنهُ ... أبو قاسمٍ حاز الكمال جميلا
همام إذا ما الحرب شدَّت وثاقها ... ترى أسداً المرهفاتِ سَلولا
يصولُ بقلبٍ كالجبال ثباتهُ ... فيوقع في قلب العدوّ خمولا
يجودُ وفيضُ الجود يحسدُ جودهُ ... إذا جرَّ من بحر المكارم نيلا
بهِ شرُفت مختارةُ العزّ في الورى ... وباروكُها المفضل جاءَ دخيلا
تُذكّرنا جناتٍ عدن قصورُها ... وأنهارها شيئاً تراهُ جليلا
فلا مثلها عيني رأَت ذات بهجةٍ ... تكلّلها من صيّب الماء إكليلا
وبابن عليّ عظّم الله قدرها ... وأحيا لها اسماً في الميلاد فضيلا
وقال يمدح نقولا الترك:
هات زدْني من ذكر وصف نقولا ... ثمَّ أورَد أدلَّةً ونُقولا
حيثُ جئنا لنشهر الفضلَ منهُ ... وبما نال ينبغي أن نَقولا
عيسويٌّ حوى اللطافة حتى ... صار للُّطف حجةً ودليلا
شاعر العصر أوحد الدهر حقاً ... ما وجدنا لمثل ذاك مثيلا
هو يُدعى بالتُرك فاترك سواهُ ... من بني العُرْب واتخذه خليلا
واشتهر في الجزائر محمد أبو راس الناصري من معسكره ولد سنة 1751 ونبغ في الفقه ورحل إلى تونس ومصر والحجاز وتوفي سنة 1823. له قصيدة في فتح وهران على يد الباي محمد بن عثمان سنة 1792 وقد شرحها في كتاب دعاه عجائب الأسفار. وله وصف لجزيرة جربة طبع في تونس سنة 1884.
هذا ما وقفنا عليه من تاريخ شعراء المسلمين في الثلث الأول من القرن التاسع
(1/30)

عشر. ونلحق بهؤلاء بعض الذين اشتهروا باللغة والأدب فمنهم الشيخ الشرقاوي الذي سبق لنا ذكره (ص4) والشيخ القلعاوي مصطفى بن محمد الشافعي له كتاب مشاهد الصفا في المدفونين بمصر من آل المصطفى. والشيخ محمد وله منظومة في آداب البحث ومنظومة في المنطق وديوان شعر ديني سماه إتحاف الناظرين في مدح سيد المرسلين. ولد سنة 1158 وتوفي سنة 1230 (1745 - 1815) .
ومنهم الشيخ محمد الحنفي المعروف بالمهدي ولد من والدين قبطيين في مصر سنة 1737 وكان اسمه هبة الله ثم أسلم وهو صغير دون البلوغ وتقدم في المناصب وألقى الدروس في الأزهر ورفق طوسون باشا في حرب الوهابيين وصارت إليه رتبة شيخ الإسلام سنة 1227هـ (1812م) وتوفي ستة 1230 (1815) وله كتاب روايات على شكل ألف ليلة وليلة دعاه (تحفة المستيقظ والأنس في نزهة المستنيم الناعس) وخدم البعثة الفرنسوية العلمية لما قدمت مصر مع نابوليون وذكره بالثناء المستشرق مرسال.
ومنهم الشيخ محمد الدسوقي ولد في دسوق من قرى مصر ودرس علوم اللغة والحكمة والهيئة والهندسة وفن التوقيت. قال الجبرتي (231:4) : (له تأليفات واضحة العبارة سهلة المأخذ ملتزمة بتوضيح الشكل) وعدد تأليفه التي معظمها في العلوم البيانية والفقهية. توفي سنة 1230هـ (1815م) .
واشتهر في الموصل من الأدباء الشيخ ياسين ابن خير الله الخطيب العمري له تواريخ مخطوطة في خزائن كتب لندن وبرلين كالدر المكنون في مآثر الماضية من القرون وهو تاريخ واسع للإسلام بلغه إلى السنة 1236 (1821م) وأفاض خصوصاً في أمور الموصل (Brit. Museum no 1263) وله منية الأدباء في تاريخ الحدباء (Ibid. no 1265) وكتاب عنوان الأعيان في ملوك الزمان (Berlin no 9484) . وجرى ابنه علي بن ياسين على آثاره فكتب نحو السنة 1223هـ (1808م) روضة الأحبار في ذكر أفراد الخيار وهو مختصر تاريخ العالم والدول
(1/31)

الإسلامية: وذكر في المقالة الثامنة ولاة بغداد من حسن باشا سنة 1006 إلى سليمان باشا 1223 وله كذلك فصل في أدباء الموصل وشعرائها (Brit. Mus. no 1266) .
وعرف أيضاً الشيخ أبو الفوز محمد أمين السويدي البغدادي صاحب كتاب سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب اختصره عن القلقشندي نحو السنة 1229 (1814) والكتاب قد طبع على الحجر في بمباي سنة 1294 توفي كاتبه سنة 1236هـ (1821م) . وفي السنة 1240هـ (1825م) مات بغدادي آخر الأديب عثمان بن سند النجدي.
وإن انتقلنا الآن إلى ذكر النصارى الذين أبقوا لما من قرائحهم الوقادة ثماراً جنية بالنظم والنثر لوجدنا قوماً منهم زانوا بآثارهم جيد الآداب واستحقوا شكر السلف مع قلة ما كان لديهم في ذلك الوقت من الوسائل للتتر في العلوم البيانية.
وأول من نذكر منهم رجل عصره الذي ترجمناه سابقاً في المشرق (3 (1900) : 9 - 22) وهو ميخائيل البحري الشاعر الرومي الملكي الحمصي الأصل. كان متفنناً بالآداب العربية وينظم الشعر الرائق كما ترى في الأمثلة التي أثبتناها عنه في سيرته وقد شهد له أدباء عصره بجود القريحة. قال الشيخ أحمد البربير يمدحه:
رعى الله حمصاً إذا صبت نَحْوَ من لهُ ... بيانُ معانٍ في البديع من الشعرِ
بليغُ غدا كالبحر والنظمُ درُّهُ ... وهل يُستفادُ الدرُّ إلا من البحرِ
أزهر ميخائيل البحري في أواخر القرن الثامن عشر وخدم الجزار في ديوان عكا وبعد مدة تغير عليه وألقاه في السجن. قال الأمير حيدر الشهابي في تاريخ سنة 1203هـ (1788م) : (وفي هذه السنة اعتنق الجزار ميخائيل البحري الذي كان مسجوناً بعد ما قطع أذنيه وأنفه) . وكنا روينا في المشرق (3 (1900) : 12) عن بعض الرواة أنه أدرك القرن التاسع عشر ثم وجدنا في ديوان الشاعر المجيد بطرس كرامة (ص104) تاريخاً لوفاة المذكور في سنة 1799 قاله نظماً:
لكَ الرَحمات يا لحداً ثواهُ ... بديعٌ فضلهُ سامي الأرائكْ
ويا لهفي على من فيكَ أمسى ... ويا أسفي لدرٍّ في ثرائكْ
حويتَ الكوكب البحري علما ... فيا عجبي لبحرٍ في خبائكْ
ولما أن ثوى نودي إليه ... هلمَّ إلى سرور في علائكْ
وفي الملكوت أرّخْ ناطَ فوزاً ... بميخائيلَ تبتهج الملائكْ
(1/32)

ولميخائيل البحري ذرية كريمة جرت على آثاره نخص منهم بالذكر ابنه عبودا أو عبد الله البحري الذي ذكرنا بعض تفاصيل حياته وتقلبه في المناصب العالية عند ولاة الشام ولدى أمراء مصر وكان رئيس قلم الإنشاء عندهم. لدينا من آثاره عدة رسائل دولية وأهلية وكان بلغ النهاية في حسن الخط. وفي عبود البحري قال الترك في موشحه الذي كتبه سنة 1809 يمدح بعض أصحابه في دمشق:
كم تباهت دُرَرُ البحري على ... كل ذي نظمٍ بديعٍ ونثارْ
وشدتْ من فوق أعلى الصُّحف لا ... يُنبت الدرَّ الصفي إلا البحارْ
زمرُ الكتاب طرّا والملا ... من أولي الألباب توليه الوقارْ
كم نراهُ جاذباً أن رقما ... معدنَ الأرواحِ كالمغنطيسِ
بل وكم يسبي عقولا حين ما ... يُظهرُ الآياتِ فوق الطرسِ
وممن مدحوا عبودا من الشعراء سليمان صوله قال فيه:؟؟ مولىً أبي الفضلُ إلا من يلازمهُ فلم يُقمْ بمكانٍ فيه لم يقُمِ
لله منهُ ملاكٌ يرتقي فرساً ... وكوكبٌ ناطقً يسعى على قدمٍ
لهُ يدٌ تُخجل الإبحار بالكرم ال ... زّخار والذابل الخطار بالقلمِ
أضحى لدائرة المعروف والكرم الم ... وفور قُطْب علا أولاهُ لم تَدُمِ
أهديكَ يا خلَف البحري عاتقةً ... لعاتقِ المجدِ تهدي جوهر الحكَمِ
إذا قبلتَ بها كان القبولُ لها ... أعلى وأغلى من الياقوت في القيسمِ
وكانت وفاة عبود سنة 1843 فرثاه المعلم بطرس كرامة بقصيدةٍ طويلة قال فيها:
يا للمنَية قد جازت وقد غدرتْ ... ببدر فضل لهُ الآدابُ هالاتُ
مولى اليراعة عبد الله من فُقدت ... لفقدهِ وانقضت تلكَ اليراعاتُ
يا طالما سبكت أقلامُهُ درراً ... تقلدت بلآليها الرسالاتُ
وكم على وجنة القرطاس في يده ... تفاخرت ببديع الخط لاماتُ
ما لاعبتْ قلماً يوماً أناملهُ ... ألاّ نَبَتْ مَشرفَّياتٌ صقيلاتُ
لما أتى الناس ناعيهِ أسفاً ... من اليراعة دالاتٌ وميماتُ
وكذلك اشتهر أخوه حنا البحري فمدحه الشاعر المذكور غير مرة (اطلب ديوانه ص287، 289، 302) ونظم تاريخاً لوفاته سنة 1843 كما مدح أخاهما جرمانوس فمن قوله في هذه الأسرة كان ميخائيل البحري خالاً لبطرس لبطرس كرامة (ص 288) .
(1/33)

بنو البحر آلا أنهم دررُ العُلى ... وأهلُ الوفا لكن دأبهمُ البرُّ
وما منهمُ إلا نبيهٌ مهذَّب ... نراهُ بديوان اليراع هو الصدرُ
بجرمانسٍ ساد الحسابُ وأصبحتْ ... دفاترهُ الزهراء يعشقها الزهرُ
يريك إذا هزَّت يراعاً بنانهُ ... عقودَ جماناتٍ معادنها الحبرُ
وفاخرَ يوحنَّا بإنشائهِ الصبا ... فرقَّت لألفاظ بها انعقدَ الدرُّ
تودُّ ذؤاباتُ الحسان إذا انتضى ... ليكتب سطراً أنها ذلك السطرُ
هما فرقدا أوج اليراعة والنُّهى ... وأبناء بيتٍ مهدُهُ انتظمُ والنثرُ
والمعلم بطرس مدائح أخرى في بني البحري منها تاريخه لوفاة اندراوس البحري سنة 1816 (ص261) ختمه بهذا البيت:
تلقَّاهُ الإله يقولُ أرّخْ ... رثو الُمْلك المعدّ لذي اليمين
ومنها تاريخه لوفاة عبد الله البحري ابن أخي ميخائيل سنة 1819 (ص261) قال في ختامه:
برُ بغفران الإله مؤَّرَخٌ ... ومُنَّعمٌ في روضة الأملاكِ
وتاريخ وفاة إبراهيم البحري (سنة 1822) المختوم بهذا البيت (ص262) :
وفي الملكوت حازَ لدى إله ... مع الأبرار أرّخْ خيرَ روضهَ
وكان ميخائيل الصباغ الذي ذكرناه في جملة مؤرخي زمانه شاعراً وسطاً استحب الأوربيون شعره العربي فنقلوه إلى الفرنسية فمن ذلك ما مدح به البابا بيوس السابع لما قدم فرنسا لتتويج نابوليون قال:
دُهشتْ لرؤية وجهك الأبصارُ ... وأضتّ لرؤيةِ مجدكَ الأمصارُ
هذي العروسةُ يا سليمان انجلت ... في حسنها ولها العظامُ فخارُ
ومنها في المدح:
اليوم تحسدنا الملائكُ في السما ... لمّا نرى ممَّا العقولُ تُحارُ
سامح نواظرنا إذا بكَ كرَرت ... نَظراتها أو زادها التكرارُ
وله موشح قاله في ميلاد ابن نابوليون الأول سنة 1811 أوله:
هلّلوا يا كلَّ الأممْ ... واهتفوا فيها بألحان النغَمْ
ومنها:
أيها القيصرُ بُلّغتَ المنى ... كلُّنا بالبكر نهديك الهنا
أنتَ منّا مستحقُّ للثنا ... قد حبانا رُّبنا هذي النعمْ
(1/34)

وله غير ذلك مما لا نتعرض لذكره والركاكة ظاهرة في معظم هذه القصائد والموشحات ما يدل على أن صاحبها لم يحسن علم العروض وإنما تعاطى النظم استعطافاً لبعض الذوات وحظوة برضى العلماء المستشرقين.
وممن اشتهروا أيضاً بالآداب والنظم بين النصارى في مفتتح القرن التاسع عشر القس حنانيا منير الزوقي الذي ذكرناه في باب التاريخ (ص22) . فإنه برع أيضاً في الفنون الأدبية فمن ذلك مجموع أمثال لبنان وبلاد الشام يبلغ نحو 4000 مثل وكتاب مقامات بديعة جامعة بين فصاحة الألفاظ وبلاغة المعاني (المشرق 4 (1901) : 973) هذا فضلاً عن كتاب في شرح عقائد الدروز طبعه المسيو غويس (Guys) في باريس ونقلها إلى الفرنسوية. وكان له ديوان شعر أخذته يدع الضياع لمن نحصل منه إلا على بعض مقاطيع روينا بعضها سابقاً (المشرق 4 (1901) :970: - 972) منها قصيدته
(1/35)

الرنانة التي قالها في تهنئة سليمان باشا لما أتى عكا ليتولاها بعد وفاة الجزار. أولها:
لِهوى الأحبَّة في الفؤَاد مُخّيمُ ... نيرانهُ بين الجوانح تُضرَمُ
ومنها:
صيدا ابشري عكَّا افرحي حيفا أطربي ... والقاطنون بهنَّ فليترنَّموا
كن يا سليمان الوزير مؤَازراً ... للخاضعين وجارماً من يجرموا
وأعظم وسدْ وارحمْ وعد وانعم وجُد ... واسلمْ ودمْ بسعادةٍ لك تخدمُ
وختمها بهذا التاريخ:
وإذا انتهى شعري بمدحك مرةً ... أرخَّتُ يبدأ مدحك لا يخُتمُ
ومما قاله في الزهد والدعاء قوله في مقدمة تاريخه الرهباني:
إني لفي عِظَم الوجلْ ... من قُرْب أيَّام الأجلْ
من بعده لا بُدَّ ما ... يعروني في الدين الخجلْ
إذ إنني قَضَّيتُ عمري ... بالملاهي والبَجَلْ
والحكم لم يُقَبل بهِ ... عُذرٌ ولم ينفع وجلْ
ألجأ لعونكِ مريماً ... فاعطفي نحوي النجَلْ
وتشفعي بي يا بتو ... لاً وأدركيني بالعجلْ
ولما توفي الجزار سنة 1219 (1804م) وكان بالغ في الظلم وجنح إلى العصيان وضع كل شعراء ذلك العصر من مسلمين ونصارى قصائد هجوه فيها وأرخوا وفاته (أطلب المشرق 2 (1899) 7380) فقال القس حنانيا أبياتاً أثبتها في آخر تاريخه للشوف ورواها الأمير حيدر الشهابي في تاريخه (المشرق 4 (1901) :970) . ومن رثائه قصيدة قالها في البطريرك أغناطيوس صروف لما قتله إلياس عماد سنة 1812 أولها:
علامَ دمعي من عيوني يُذرفُ ... وإلامَ يرفا ولا يتكفكفُ
هل كابدت كبدي لظىّ لا ينطفي ... أم في الحشا جذوةُ نارٍ تنطفُ
ومنها في مدح الفقيد:
يا شمسَ أفق الشرق ذاع ضياؤهُ ... في الغرب أنَّى شمس فخرك تكسَفُ
يا راس كَهنْة بيعة الله التقي ... ثِق أنتّ أيضاً في الأعالي أسقفُ
أواهُ وا أسفي ولوعاتي على ... من كلُّ من يدري بهِ يتأسَّفُ
قسماً فلو يُفدى لكنتُ فديتهُ ... بالروح مرتاحاً ولا أتوقفُ
وكان القس حنانيا يتفنن بالنظم وله قصائد بالشعر العامي غاية في اللطف منها
(1/36)

قصيدة في الخمارة والعرق لم نحصل عليها. وهو الناظم للزجلية الشهيرة المعروفة بالبرغوث كنا أثبتناها أولاً في كتابنا علم الأدب سنة 1886 ثم وجدناها تامة وافية في كتاب مخطوط من أيام المؤلف وفي آخرها أسمه نرويه هنا بحرفها تفكهة للقراء: أعد بيوت مع قصدان - وأخبركم بما قد كان - طول الليل وأنا قلقانْ وأصبح جلدي كالجربانْ جاء البرغوث وأنا نائم - وصار على صدري حائم - وقال لي من شهرين صائمْ في حسابي خلص رمضان قلتلوا لا تجادبني - علامك أنت تكاربني - بالله عليك لا تتعبني كل النهار وأنا تعبان قال لي ليس أنا بهمَّك - إن كان سرّك أو غمَّك - عشاي الليل من دمَّكْ وبكرة يفرجها الرحمانْ قلت يا برغوث أنا بداريك - وبين الناس أنشد فيك - روح لغيري يعشيكْ واتركني الليلي نعسانْ قال لي ما هو عاكيفك - وهلليلي أنا ضيفك - عيب يا حيفكْ أكون عندك وأبات جيعانْ لا تحسب أني بهابكْ - بجي وبدخل في عبابك - بدور حول جنابكْ إن كنت نائم أو سهرانْ قلت يا برغوث اسمع مني - وهلليلي ارجع عني - ودعني راقد متهّني يبقى لك عندي إحسانْ قال لي شوارك مرذولة - وعندي ما هي مقبولةْ - مواعيدك هي مجهولةء وعمري ما بصدق إنسانْ قلتلوا ويلك يا عقوق - لا يا أسود يا ممحوقْ - بتخدعني وما عندك ذوقْ وعجزك هن قريب يبان قال أنا بالعين صغير - ولي في الليل فعل كبيرْ - أنا ما بفزع من وزير ولا من حاكم ولا سلطانْ بتعيرني بسوادي - وأنا اليوم لك معادي - لأجيك أنا وأولاديْ بعلمك فعل السودانْ قلتلوا ما أنا بهمَّكْ - ولا أولادك ولا أولاد عمَّكْ - لأحرق أبوك مع أمكْ وبناتكم مع الصبيانْ قال بخليك حتى تنامْ - أجيك أنا وأولادي قوامْ - لما تلبس ثوب الخامْ وعن مسكي تبقى عجزانْ
(1/37)

وحالاً بتصير تتقلبْ - وأنا في جلدك مكلبْ - وأنت تبقى متغلبْ بصبغ جلدك والقمصانْ قلت يا برغوث إن كنت عائق - امتحني وأنا فائقْ - وضوء الشمس يكون شارقْ لننظر من هو الغلبانْ قال أنا بالنهر بصوم - بقضيها ارتياح ونوم - عند غياب الشمس بقومْ وأدور حول السيقانْ وإن صار لي بالنهار فرصةْ - لا بد ما أقرص لي قرصةْ - ولولا خوفي من جرصةْ ما كنت بسيب إنسان قلت الرهبان لا تقربهم - والشرير محاربهمْ - روح عنهم لا تعذبهمْ يكفاهم شر الشيطانْ قال الراهب هو ملزومْ - بالسهر والصلاة والصومْ - لئلا يتمادى بالنومْ ما هو مليح يكون كسلانْ وأنا من يومي بحبه - بجي وبدخل في عبه - كي يقوم يعبد ربه ويطلب للعالم غفران وأنت ما فيك تربطني - وأنا ربي مسلطني - ولما بدك بتلقطنيْ بصير بفر كالغزلان وبعرف لما بتمسكني - ما بتصور تتركني - حالاً بتصير تفركنْ وفي قتلي بتبقى شمتانْ وأنا في أول الليل - بتصيد بقوة مع حيل - وبصير بركض مثل الخيلْ وعصدرك بعمل ميدان قلت يا برغوث يا محقورْ - حقاً من جنسك مقهورْ - لا بد ما أعملَّك تنورْ وأحميه بالشوك والبلانْ قال لي كلامك كله فشارْ - قرائبي وأولادي كنارْ - وترّبوا عند الجزارْ وتسلَّطوا على البلدانٍْ وعلى ايش حتى تحرقني - حيث ربي خالقني - وأنا الدم يوافقني وطالب من دمك فنجانْ قلت يا برغوث بالك فاضي - وعليك ما أنا راضي - لا بد أشكيك للقاضي وأخرج في قتلك فرمانَ قال حكم القاضي أنا عاصيهَ - ومن يومي أنا معاديهْ - وفرمانه لا يعمل فيَ وعلي ما لهُ سلطانْ قلت يا برغوث قل لي كاركْ - وأهديني لباب داركْ - قصدي أقطع جداركْ أحرق نسلك بالنيرانْ
(1/38)

قال لي لعشيه بقلكْ - وعلى باب دارك بدلَّك - حتى أدخلَ في ظَّلكْ وأرقصك رقص السعدانْ قلت يا برغوث صدقة عّنك - عرّفني طريق فنّك - وكيف بقدر خلص منكْ صرت في أمري حيرانْ
قال إن كان تعرف فني - طاوعني واسمع مني - أنا نصيحك أمِنّي قصدي خيرك يا إنسانْ كلّس بيتك في طُّيون - ورشُه بزوم الزيتون - وخليه أنظف من ماعونْ وطينه بتراب ولفان وتيابك قبال تلبسها - برغتها أو شمسَها - وأرض الدار كنّسها كذلك أعمال بالدكاَّنْ لمَّا بيضميك شربكْ - عند النوم غّير توبك - ما أحد يجي صوبكْ وعلى التخت أفرش ونامْ هذا ما قد صار فيي - عند السهرة من عشييّ - وكان في بدء الصيفيي في آخر يوم من نيسانْ (تمت القصة من القس حنانيا منيّر) وكذلك اشتهر بين شعراء ذلك الدهر المعلم الياس أدّه وكان مولده في قرية أدّه من أعمال جبيل سنة 1741 وتوفي في بعبدا سنة 1828 وهناك ضريحه وقد صحب الأمراء الشهابيين ومدحهم لا سيما الأمير يوسف والأمير بشير وكذلك خدم مدة أحمد باشا الجزار في عكا حتى هرب منه خوفاً على نفسه. وقد أتسعنا في المشرق (2 (1899) : 693 و736) في ترجمة الياس أدّه وأعماله وشعره فلا حاجة إلى الإطالة هنا. وممَّا وقفنا له بعد ذلك من الآثار الأدبية مجموعة ذات 235 صفحة ضمَّنها نخبة من أقوال الأدباء والعلماء واللغويين جمعها وهو في حلب الشهباء سنة 1207 (1792م) وسمَّاها (الدر الملتقط من كل بحر وسفط) وجدنا منها نسخة تاريخها 1247 (1831م) وهي عند أحد أدباء عينطورة الخواجا جاماتي. وللمؤلف في وصف هذه المجموعة قولهُ:
إذا نظر الرائي إليها يخالُها ... رياضاً بها زَهرٌ وزُهرٌ زواهرُ
عرائس يجلوها عليك خدورُها ... ولكنَّها تلك الخدورُ دفاترُ
وممَّا لم نذكرهُ من شعرهِ قولهُ في وفاة الشيخ سعد الخوري سنة 1785:
(1/39)

لا ريب بعد السعد لاشيء فاخرُ ... وقد قُرحت بالدمع منَّا المحاجرُ
لقد غبت يا شمس الكمال فأُرعدتْ ... فرائصنا والحزنُ للقلب فاطرُ
وفاضت مياهُ الدمع منَّا فما لنا ... وحقَك قلبٌ بعد فقدك صابرُ
وليل الشقا فينا اكفهَّر ظلامهُ ... وضاقت علينا بالفراق السرائرُ
لتبكِ المعالي بعد بُعدك حسرةً ... كما لبستْ ثوب الحداد المفاخرُ
أيا لوذعيَّا كان الدهرُ سيدا ... ومن كفّهِ للجود هام وهامرُ
عليك من الرحمان أضعاف رحمة ... ورضوانهُ ما ناح في الروض طائرُ
وما قال بالأحزان فيك مؤرخٌ ... فلا ريب بعد السعد لا شيء فاخرُ
وقد خلف لنا آثاراً أدبية أوسع من السابقين رجلٌ سبقت لنا ترجمتهُ وإطراء فضلهِ في باب التاريخ (ص23 - 24) نيقولا الترك فان طول باعه في الآداب ليس دونهُ في التاريخ ولدينا من نظمهِ الرائق ونثره المسجع الفائق ما يشهد لهُ بالتقدُّم بين آل عصرهِ. وفي مكتبتنا الشرقية نسختان من ديوانهِ تنيف النسخة على 400 صفحة ترى فيها كل مضامين الكتابة في الرثاء والمدح والوصف والهجو والمزاح. وقد عارض أصحاب المقامات فوضع منها إحدى عشرة مقامة نسبها إلى راوٍ دعاهُ الحازم ومسفارِ فكه سمَّاه أبا النوادر. وفي كتابنا علم الأدب (1: 278) مقامة منها وهي الأولى المدعوَّة بالديريَّة نسبة إلى دير القمر قدَّمها المؤلف للأمير بشير وأودعها من حسن التعبير وبديع اللفظ وبليغ المعاني ما يدلُّ على براعتهِ في فنون الإنشاء. أما شعرهُ فمنسجم سهل المأخذ مطابق لمقتضى الحال مع كثرة التفنن في النعوت والأوصاف وفيهِ مع ذلك بعض الضعف إذ نبغ في الشعر بجودة قريحتهِ دون الدرس على أستاذ يلقنهُ ومعلّم يرشدهُ. وها نحن نثبت هنا شيئاً من شعرهِ لإفادة القراء وتنويهاً بحسن صفاتهِ فمن لك قولهُ في مدح الأمير بشير وهي أول قصيدة قالها فيهِ:
دنا البشرُ المجيد المستصابُ ... وأشرقَ في معاليهِ الشهابُ
وتمَّ لنا المُنَى بمزيدِ أمنٍ ... بهِ زال العنا والاضطرابُ
إلى أن قال:
لهُ في المشكلات حميدَ رأي ... وحزمٍ لم يزغُ عنهُ الصوابُ
يلي الهيجاء في عزمٍ شديدٍ ... لديه لانت الصّم الصلابُ
كماةُ الحرب عند لقاهُ فرَّت ... كما فرَّت من الليث الذبابُ
وإن خفقت بنور سطاه صاحت ... غشا الضرغام وانقضَّ العقابُ
(1/40)

يبدد شملها منهُ ويفنى ... كما يفنى من الشمس الضبابُ
ملاذٌ مقصدٌ حصنٌ منيعٌ ... رجاءٌ لا يُرَدُّ ولا يخابُ
أذلَّ الله أعداه لديه ... وقد خضعت لعزتهِ الرقابُ
ولهُ أيضاً فيهِ من قصيدة قالها بعد واقعة حربٍ:
سواك إلى المعالي ليس يُدعى ... لأنَّ الله أحسن فيك بدعا
وزانك بالمزايا يا حميداً ... بهِ الدهر أرتضى واختار قنعا
أميرٌ لا أميرَ سواهُ يُرجى ... مليك كاملٌ خلقاً وطبعا
بشير خول الدنياءَ بشراً ... بهِ طاب الورى قلباً وسمعا
شهابٌ أوعب الآفاق نوراً ... على نور الثريا فلق سطعا
إذا أعددتهُ يوماً بفرد ... من الأفراد كنت تراه سبعا
ندى كفَّيهِ حلّ عن إنكفاف ... كأنَّ الله أجرى فيه نبعا
فما الفضل أبن يحيى وابنُ طيّ ... وهل معنىً لمعنِ بعدُ يدعى
بصارم عدلهِ كم بتَّ جوراً ... وأحيا لانتصار الحقّ شرعا
وقال مهنئاً قدس السيد أغناطيوس قطَّان بارتقائه إلى السدة البطريركيَّة سنة 1816 وكان اسمهُ أولاً القس موسى:
خوَّلت يا فخر البطاركة الهنا ... للشعب ثمَّ حسمت كلّ نزاعِ
لما ارتقيت لسدَّة بك شُرفت ... يا كامل الأوصاف والأوضاعِ
وأنرتَ يا قطَّان الديا ... ر وفيك باهت سائر الأصقاعِ
يا حبر أحبار البلاد وسيدّا ... أبدا لهُ عينُ الإله تراعي
وبك إستضا الكرسيُّ لمَّا أن وفى ... حسن الدعا لله والأضراعِ
لبَّاه بالإفصاح أرّختُ المدى ... موسى لشعب الله أفضل راعِ
ومن رثائهِ ما قالهُ في الشهيد بطرس مرَّاش سنة 1818 لمَّا قُتل في حلب بإغراء جراسيموس أسقف الأرثوذكس مع غيره من الكاثوليك:
وا فجعتاهُ بهِ ويا أسفي على ... ذاك الشباب الغضّ كيف تهشَّما
شُلَّت يدُ الباغي الذي قد أهرقت ... دمهُ الزكيَّ وحلَّلت ما حُرما
حيَّاهُ من شهم شجاع باسل ... بطلٍ إلى القتل المريع تقدَّما
بدل الحياةَ الدنيوية بالبقا ... واختار مجداً سرمديِّا دوَّما
لله فجعةُ بطرس كم فتَّتت ... كبدي وألقت في فؤادي اسهما
لله فرفه بطرس كم أوحشت ... تلك الربوعَ وأظلمت ذاك الحما
لله لوعة بطرسٍ كم أجَّجت ... في مهجتي الحرَّاء جمراً مضرما
(1/41)

ما حيلتي ما طاقتي فنيَت وها ... جَلَدي وهاك الصبر مني معدما
طوباه إذ من بعد اصلحِ سيرةٍ ... ومناقبِ منذ الصبا فيها نما
وأفى إلى سفك الدما شهامة ... وغشية المنايا مسرعاً متقحما
وانضمَّ منحازاً مع الشهداء في ... جنّات خلدٍ بالسماء منعمّا
يا طيب مثوّى ضمَّ طاهر جسمه ... يا فوز من وافى إليه ميتما
فلذاك قلت صلوهُ تمجيداً بتا ... ريخي ففي دمهِ الزكي ورث السما
وهي طويلة. ومن فكاهاته قوله يهجو بعض الشوَيعرين الذين يسرقون أبياتاً وقصائد قديمة وينسبونها لنفسهم:
أصبح الشعر كالشعير مقاماً ... لا بل الشعر منهُ أرخص قيمة
غُر من قد غدا بذا الدهر ينفي ... حقُ ما فيهِ من لآلي نظيمة
حيثما قد غدت بنو الخلط تنشأ ... فيهِ بئس المؤلفات الذميمة
ويحهم كيف جوّزوا وأباحوا ... هتك ما فيهِ من عروض سليمة
يا لهم من فواجر بغباهم ... والخطا غَوروا البحور العظيمة
نقضوا كل كامل موزون ... ذي احتكام وعوّجوا مستقيمة
افسدوا جوهر البسيط وفيهِ ... ركبوا اقبح الصفات الذميمة
قل أن يُنقذ الخفيف فرارٌ ... منهم أو تقي السريع هزيمة
ضعضعوا الوافر المديد وأمست ... بينهم حالة الطويل مشومة
كلهم كالذئاب قوم لصوص ... يستحلون سرقة محرومة
قاتل الله مثلهم من يسطو ... بافتراء على البيوت القديمة
كم بهم ابكمٌ يقلد قساً ... فيهِ قد كانت الفصاحة شيمة
بل وكم بينهم ترى مهذاراً ... فاتحاً شدقهُ كشدقِ بهيمة
حرفة الشعر يا عباد توفت ... فاسكبوا فوقها الدموع الحميمة
عظمها في التراب ما زال يشدو: ... يعلم الله إني مظلومة
ومن موشحاته ما قالهُ في مدينة طرابلس ومدح أهلها:
بأبي عهد التهاني والصفا ... زمنٌ مرَّ بطَربَلُسِ
يا هنا عيش رغيدٍ سلفا ... لي بذاك المعلم المؤتَنَسِ
دور
حبذا الفيحاء أهنا كل ناد ... والحمى المعمور والركن الحصين
كتب السعدُ عليها يا عباد ... ادخلوها بسلام آمنين
بلدةٌ طيبةٌ خير البلاد ... والمقام المشتهى للناظرين
أهلها قوم لطاف ظرفا ... نعم أنجالُ كرام الأنفس
(1/42)

ما لهم عيب سوى حسنِ الوفا ... والخلوصِ المنتإي عن دنسِ
وهو موشَّح طويل. ومما أمتاز به الترك مداعباتهُ وأقواله الفكاهيَّة. فمن ذلك ما رويناهُ له في كتابنا علم الأدب (249:1) مناظرة بين الزيت واللحم. ومنها قولهُ يطلب من الأمير بشير شروالاً وعمامة:
وشروالِ شكا عتقاً وأمسى ... يراودني العتاق فما عتقتُ
وكم قد قال لي بالله قِلني ... وهبني كنت عبداً وانطلقتُ
أما تدري باني صرتُ هرماً ... وزاد عليَّ إني قد فُنقتُ
فدعني حيثُ قلَّ النفع مني ... وعاد من المحال ولو رُتقتُ
ولا تعبأ بتقليبي لأني ... بعمر أبيك نوحاً قد لحقتُ
ولم يبرح يجدّد كل يومٍ ... عليَّ النعي حتى قد قلقتُ
وقلت لهُ عُتقت اليوم مني ... لأني في سواك قد اعتلقتُ
فأشعرتِ العِمامةُ في مقالي ... لهُ فاستحسنتُ ما قد نطقتُ
فراحت وهي تشدو فوق رأسي ... ليَ البشرى إذن وأنا عُتِقتُ
وممَّا نقش من شعره في معاهد بيت الدين التي ابتناها الأمير بشير قولهُ وهو مرقوم فوق باب إحدى القاعات:
دارُ المعالي التي فاقت مفاخرها ... والعزُّ قد زادها حسناً وجمّلها
تزينت في معاني الظرف واكتملت ... بقاعةِ أرخوها لا نظير لها
وكتب على دائرها هذه الأبيات استغاثة إلى العزَّة الإلهيَّة على لسان الأمير:
الله الله أنت الواحدُ الأحدُ ... والسرمدُ الأزليُّ الدائمُ الصمدُ
حيٌ عزيز قديرٌ خالقٌ ولهُ ... من في السماء ومن في أرضنا سُجُدُ
لا رب غيرك يا مولايَ نعبدهُ ... ولا سواك إلهاً فيهِ نعتقدُ
أنت الغنا والمُنا والفوزُ أجمعهُ ... والعون والغوثُ والانجاءُ والمددُ
ما لي سواك غياثٌ أُطالبهُ ... كلاَّ وغيرك ما لي في الورى سندُ
خوَّلتني يا إلهي خير تسمية ... فكنت فيك بشيراً أنت لي عضدُ
بل كل جارحة مني وعاطفة ... تصبو إليك ونار الحبّ تتقدُ
إذا أنت علّة نفسي أنت مركزها ... يا ربَّ كلّ ومنهُ الخلق قد وُجدوا
يا رب أُمنن بعفوٍ منك لي كرماً ... واغفر جنايات عبد منك يرتعدُ
وجُد بخاتمةٍ يا رب يعقبها ... ذاك النعيم السعيد الثابت الوَطِدُ
(1/43)

هذا ولو شئنا لا تسعنا في ذكر منظومات نيقولا الترك وإنما نجتزئ بهذا القليل وفيه كفاية لتعريف طريقة ذلك الشاعر الذي كان من أعظم السُعاة في النهضة الأدبية في مبادئ القرن التاسع عشر وديوانهُ يستحقُّ الطبع لان صاحبهُ الأديب نظمهُ في وقت كسدت فيهِ تجارة الآداب فيشفع في ضعف بعض أقسامهِ الكثير من محاسنهِ.
وممن نلحقهم بهؤلاء الشعراء بعض من معاصريهم النصارى ابقوا لنا آثاراً من فضلهم وهي تآليف ومصنفات أدبية غير الشعر وأولهم جرمانوس آدم الحلبي الذي لعب دوراً مهماً في تاريخ زمانهِ. ولد في حلب في أواسط القرن الثامن عشر ونشأ فيها ثم تخرج في الآداب الكنسية والعلوم الدينية والمعارف الدنيويَّة في رومية العظمى حتى أصاب منها قسماً صالحاً. وقد عُهدت إليه لمقدرته عدَّة مهمات قام بها قياماً حسناً وتولى القضاء مدَّة في لبنان ولهُ تآليف متعددة تشهد لهُ بقوة الفهم واتساع المعارف وأكثرها دينيَّة منها كتاب إيضاح اعتقاد الآباء القديسين في الحاد المشاقين وهو سفرٌ كبير وإيضاح البراهين اليقينية على حقيقة الأمانة الأرثوذكسية وكتاب المجامع لكباسوطيوس (Cabassut) ولهُ تآليف أخرى شطَّ فيها عن تعليم الكنيسة الكاثوليكية لكنَّه رذلها قبل وفاته نادماً. وتوفى في زوق ميكائيل في 10 ت2 سنة 1809.
وفي عهده عرف راهب من ملته الروم الكاثوليك وعاش بعده ردهاً من الدهر أعني به سابا بن نيقولا الكاتب الشهير بالخوري سابا. كان مولده حمص وكان أبوه من الروم الأرثوذكس وأمه كاثوليكية فنشأ على دين والده مدة ثم أهمل نفسه لملاذ الدنيا حتى ارعوى وارتد إلى الله بعد أن رأى عيشة الرهبان الكاثوليك في دير المخلص فتبعهم في دينهم ثم في طريقتهم النسكية وأخذ العلوم العربية عن الشيخين يوسف الحر من علماء الجباع وأحمد البزري. وبعد كهنوته سافر إلى رومية حيث أتقن العلوم الفلسفية واللاهوتية وتعلم اللغات الأوربية ثم رجع إلى الشرق وانكب على الأعمال الخيرية إلا أن الأمراض دهمته فأحوجته إلى لزوم ديره فانقطع إلى التأليف وصنف كتباً عديدة
(1/44)

في أخص المعتقدات المسيحية أكثرها لا يزال مخطوطاً طبع منها شيئاً الأديب شاكر أفندي البتاوني. وله مصنفات أخرى في معظم الأبحاث الفلسفية منها رسائل في النفس وجوهرها وخواصها. ومنها كتاب في المنطق نشر بالطبع وغير ذلك مما عددناه في مقالاتنا عن مخطوطات الكتبة النصارى ورقي إلى رئاسة رهبانيته العامة نحو تسع سنوات وكانت وفاته في أيلول من السنة 1827.
؟ المستشرقون في هذه الحقبة
وقبل أن نختم تاريخ هذا الطور الأول من الآداب العربية في القرن المنصرم يجمل بنا أن نذكر المستشرقين الأوربيين الذين استحقوا ثناء الأدباء بما نشروه من المصنفات العربية.
ومما يقال بالإجمال أن هذه ثلاثة أعشار القرن لم يبلغ أحد فيها بين الأجانب مبلغ العلامة ساوستر دي ساسي لكننا نؤجل الكلام فيه إلى الطور التالي لأنه فيه مات. وكان دي ساسي كنقطة المركز لدائرة زمانه يشيرون إليه بالبنان لتفنن معارفه بل كان مناراً يستضيء بنوره كل من أراد العلوم الشرقية في فرنسة وغيرها فيقدمون باريس ليحضروا دروسه ويدورون في فلكه كالأقمار المستنيرة به.
وقد جاراه في علومه دون يبلغ أن شأوه بعض أهل وطنه الذين قدمنا ذكرهم (ص14) كالعلامة دي غيني لينغلاي ودوبرون وهربان ولكلهم الآثار الناطقة بعلو علمهم وسعة معارفهم. وممن تتلمذوا له وفازوا بالشهرة في آداب العرب المسيو أمابل جوردان (A. L. Jourdain) (1788 - 1818) كتب تاريخاً للعجم وانتقد تأليف مرخند وصنف كتاباً في البرامكة ونقل إلى الفرنسوية نبذاً من تاريخ العرب عن حروب الفرنج في بلاد الشام. لكن هذا المستشرق مات في مقتبل العمر.
ومن تلامذة دي ساسي في هذا الطور أنطون ليونارد دي شازي (Chezy) نبغ اللغات الشرقية وكتب عدة مقالات في آثار العرب والعجم وغيرهم في مجلة العلماء وله تاريخ العجم ومجان أدبية فارسية ومنتخبات من كتاب عجائب المخلوقات للقزويني. توفي سنة 1831 وكان مولده سنة 1773.
ومما يذكر من حسن مساعي الفرنسويين في خدمة الآداب الشرقية في ذلك العهد نشأة الجمعية الآسيوية الباريسية أنشأها دي ساسي ورصفاؤه وتلامذته سنة
(1/45)

1821 ثم باشروا بنشر الآثار القديمة والمقالات المستحسنة في كل فنون الشرق وآدابه ولغاته لا سيما اللغات السامية منذ السنة 1822 ومجلتهم تبرز كل سنة في مجلدين فيكون مجموع ما ظهر منها إلى يومنا بالغاً مائتي مجلد وهي تحتوي كنوزاً ثمينة في كل آداب الشرق. وقد نشرنا في المشرق (20 (1922) : 612 - 619) خلاصة أخبارها بنسبة التذكار المئوي لإنشائها.
وحذا الإنكليز حذو الفرنسويين في العام التالي سنة 1823 فشكلوا أيضاً جمعية دعوها باسم جمعية بريطانيا العظمى وأيرلندة الآسيوية الملكية. وكان الساعي في هذا المشروع بعض كبار الأثريين مثل كولبروك (Colebrooke) وجنستون (Johnston) وستونتن (Staunton) وفين (Wynn) وهوغتون (Haughton) فنشروا أيضاً نشرة علمية (Transactions) سنة 1824 ثم وسعوها سنة 1836 ودعوها مجلة لندن الآسيوية الملكية. لكن العلماء الإنكليز كانوا يوجهون اهتمامهم خصوصاً إلى الهند وإلى لغات الهنود وآدابهم. وكذلك نشر الألمان والنمسويون مجموعات شرقية منها (معادن الشرق) للعلامة هامر (Hameer) و (جريدة المعارف الشرقية) التي طبعت في بونة من أعمال ألمانية. أما الجمعية الآسيوية الألمانية فلم تنشأ إلا بعد ردهة من الدهر.
ومن مشاهير المستشرقين في تلك الأيام غير الفرنسويين رازموسن (Rasmussen) الدنيمركي (1785 - 1826) درس العلوم الشرقية في باريس ثم عاد إلى وطنه فتولى تدريس لغات الشرق في حاضرة بلاده كوبنهاغن. له عدة تآليف في تواريخ العرب في الجاهلية نقلاً عن ابن قتيبة وابن نباتة والنويري مع جدول لتوفيق التاريخ الهجري والتاريخ المسيحي. ونقل قسماً من كتاب ألف ليلة وليلة. ومن مصنفاته كتاب له في المعاملات التي دارت بين العرب والصقالية في القرون الوسطى.
واشتهر بين الألمان فلمت (Wilmet) الذي نشر معجماً عربياً لاتينياً ونقل معلقتي لبيت (سنة 1814) وعنترة (سنة 1816) وعلق عليهما الحواشي الواسعة والتذييلات المهمة. ومنهم أيضاً كرل رودلف بيبر (C. R. S. Pieper) نقل قسماً كبيراً من مقامات الحريري إلى اللاتينية وحشى معلقة لبيت ونشر رسالتين فيما بعد الطبيعة لبهمنيار بن المرزبان. وكذلك عرف بينهم كرل تيودور جوهنسن
(1/46)

(C. T. Johannsen) الذي ترجم تاريخاً لمدينة زبيد عنوانه (بغية المستفيد في أخبار زبيد) ونشره في بونة سنة 1828. وهو تاريخ حسن ألفه في غرة القرن العاشر للهجرة الإمام سيف الإسلام ابن ذي يزن الفقيه عبد الرحمان الربيع.
وكانت الدروس العربية قد ضعفت قليلاً في إيطالية فأنهضها أحد فضلاء الأسرة السمعانية نريد به شمعون السمعاني الذي ولد في طرابلس ودرس في مدرسة الموارتة في رومية العظمى ثم تجول مدة في مصر والشام لجمع المخطوطات الشرقية. ولما كانت السنة 1785 عهدت إليه كلية بادوا تدريس اللغات الشرقية فعلمها إلى سنة وفاته في 7 نيسان 1821. له تأليف في عرب الجاهلية وأصلهم وتاريخهم وأحوالهم في مجلدين ووصف الآثار الكوفية في المتحف النانياني والمتحف البرجياني ومتحف السيد مينوني.
وفي الوقت عينه اكتسب أحد كهنة إيطالية المسمى جان برنرد دي روسي (di Rossy) (1742 - 1831) شهرة واسعة في المعارف الشرقية. فإنه كان أولاً ناظراً على متحف مدينة تورينو ثم تولى تدريس اللغات الشرقية في كلية بارما نحو خمسين سنة. ومن مشروعاته الطيبة إنشاؤه في بارما مطبعة شرقية متقنة الأدوات جميلة الحروف أصدرت عدة مطبوعات بديعة الطبع. وكان دي روسي حاذقاً في اللغة العبرانية له فيها عدة مصنفات. منها وصف مكتبة واسعة جهزها بالتآليف النادرة والمخطوطات الجليلة ومنها تأليف في الشعر العبراني. وكان يحسن العلوم العربية كما يدل عليه كتابه الطلياني (معجم أشهر أدباء وكتبة العرب) الذي طبعه سنة 1807.

الفصل الرابع
الآداب العربية من السنة 1830 إلى 1850
هو الطور الثاني من القرن التاسع عشر وهو يشمل عشرين سنة أصابت في مطاويها الآداب العربية ترقياً مذكوراً.
وممّا أمتاز به هذا الطور الثاني انتشار المطابع العربية في الشرق. نعم أن الطباعة كانت سبقت هذا العهد كما بيّنا الأمر في المقالات المتعددة التي خصصناها بهذا الفن في أعداد المشرق من السنين الثلاث 1900 و1901 و1902. لكنَّ المطبوعات
(1/47)

العربية في الشرق كانت قليلة لا تتجاوز بعض العشرات وأكثرها دينية كما في مطابع حلب وبيروت والشوير. فلمَّا كان القرن التاسع عشر توَّفرت الأدوات الطبعيَّة في الشرق وقد مرّ لنا مطبعة الآستانة العليَّة ومطبعة بولاق (المشرق 3 (1900) :174) وكلتاهما وسعت دائرة أشغالها في هذا الطور الثاني لا سيما مطبعة بولاق التي أبرزت نحو ثلاثمائة كتاب في فنون شتى بالعربية والتركية والفارسية (Journal As. 1843224 - 61) وكان أكثرها منقولاً عن الفرنسويّة في العلوم المستحدثة كالرياضيات والطب والجراحة وجرّ الأثقال والفنون العسكرية. أما الكتب الأدبية فكانت يسيرة.
ومن المطابع التي جددت حركتها في هذه المدة مطبعة القديس جاورجيوس في بيروت (المشرق 3 (1900) :501) فإنها بعد خمودها نحو مائة سنة عادت إلى أشغالها بسعي مطران الروم الأرثوذكس بنيامين سنة 1848. وفي السنة التالية أنشأ في القدس بطريرك الروم كيرلُس الثاني مطبعة عرفت بمطبعة القبر المقدس اليونانية (المشرق 5 (1902) :70) . ومعظم مطبوعات هاتين المطبعتين في السنين الأولى لإنشائهما لم تتجاوز المواد الدينية وبعض المبادئ المدرسية.
في أثناء هذا الطور أعني من السنة 1830 إلى 1850 استحدثت ثلاث مطابع كبيرة أعانت على نشر آداب اللغة العربية في جهات الشام: الأولى ومنها مطبعة الأمريكان التي نقلت سنة 1834 من مالطة إلى بيروت واستحضرت أدوات جديدة وحروفاً مشرقة فاشتغلت مذ ذاك الوقت بطبع مؤلفات جمَّة عددنا قسماً منها في المشرق (3 (1900) :504) . والثانية مطبعة الآداب الفرنسيين في القدس الشريف باشرت أعمالها 1849. والثالثة مطبعتنا الكاثوليكية كان ظهورها سنة 1848 فطبعت أولاً كتباً شتى على الحجر ثم طبعت على الحروف سنة 1854 (المشرق 3 (1900) :641 - 656) فهذه المطابع لم تزل نيف وثمانين سنة يجاري بعضها بعضاً في ميدان الآداب ولا غرو فإن بواسطتها تعددت المنشورات وقرب جناها على أيدي الأحداث وأقبل على مطالعتها العموم.
ومن الأسباب التي ساعدت أيضاً في تلك المدة على اتساع المعارف الأدبية وارتقاء اللغة العربية ما أنشئ في الشرق من مدارس بهمة أصحاب الخير. فما عدا الآداب العربية من السنة 1830 إلى 1850
(1/48)

المعاهد التي سبق لنا ذكرها (ص5 - 6) كعين ورقة وعين تزار ظهرت مدارس جديدة غايتها ترقية العلوم كان الفضل في إنشائها إلى المرسلين اللاتينيين.
أوّل هذه المدارس التي فتحت لتثقيف الوطنيين بالآداب العصريَّة مدرسة عين طورا باشرت بالتعليم سنة 1834 وقد سبق المشرق (3 (1900) :548 الخ) فاتسع في تاريخ هذه المدرسة الشهيرة ومن تخرَّج فيها من الأدباء فلا حاجة إلى التكرار.
ثم أُنشئت بعد تسع سنوات (1843) مدرسة للآباء اليسوعيين في كسروان أنشأها الأب مبارك بلانشة في غزير في الدار التي كان شيَّدها الأمير حسن شقيق الأمير بشير الشهابي لسكناه. وهذه المدرسة بقيت عامرة إلى سنة 1875 وفيها نقلت إلى بيروت فقامت عوضاً عنها مدرسة القديس يوسف الكلية. ومن مدرسة غزير خرج رجال أفاضل لا يحصى عددهم منهم بطاركة إجلاء وأساقفة مبجَّلون وكهنة غيورون ووجوه أُدباء وكتبة كانوا كلهم ولا يزال كثيرون منهم إلى يومنا سنداً لكل مشروع خيري ولكل مسعىً صالح ديني أو وطني.
وكما أهتم المرسلون بفتح المدارس المذكورة لم يسهموا عن تربية الإناث فبمساعيهم قدمت راهبات مار يوسف سنة 1845 ثم راهبات المحبة سنة 1847 وأخذن يتفانين في تهذيب الفتيات في الشام وفلسطين. وبعد سنين قليلة أنشأ الأباء اليسوعيُّون سنة 1853 جمعية الراهبات المريمات ثمَّ جمعية قلب يسوع والفئتان حازتا رضى الأساقفة والأهلين وخدمتا الوطن أحسن خدمة بتهذيب البنات ثم اجتمعتا بأخوية واحدة عُرفت باسم راهبات قلبي يسوع ومريم يشهد لهنَّ الجميع في يومنا بالغيرة والصلاح وحسن التربية للإناث وخصوصاً في القرى المهملة. وقد احتفلن في العام الماضي بيوبيلهنَّ السبعيني (اطلب المشرق 21 (1923) :641) . وكذلك انتشرت راهبات الناصرة في هذه البلاد في أواسط القرن السابق وتولَّين إدارة مدارس الإناث من كل طبقات الأهلين في بيروت وعكا وحيفا والناصرة وشفاعمرو فأحرزنَ لهنَّ ثقة الجمهور بفضلهنَّ.
أما المدارس الوطنية فإنها تعززّت أيضاً في هذا الطور وزادت نموَّا لا سيما مدرسة عين ورقة التي اكسبها رئيساها الأولان المطران خير الله اسطفان والمطران يوسف رزق الجزيني رونقاً عظيماً مادياً وأدبياً. ومن أثمار هذه المدرسة حينئذٍ (سنة 1840)
(1/49)

إنشاء جمعية مرسلين انجيليين انتسبوا إلى مار يوحنا الإنجيلي وخدموا النفوس بأعمال الرسالة نحو عشرين سنة ثم خلفتهم جمعية مرسلي الكريم التي لا تزال حتى يومنا تفلح كرم الرب بنشاط وغيرة.
وكذلك تقدمت مدرستان أُخريان للطائفة المارونية كان سبق تأسيسها في أيَّام السيد البطريرك يوحنَّا الحلو نريد بهما مدرسة مار يوحنا مارون كفرحيّ ومدرسة مار مارون الرومية. فكان الساعي بإنشاء الأولى المطران جرمانوس ثابت في السنة 1811 خصها بتهذيب بعض أحداث بلاد جبيل والبترون وجبة بشراي ثم اتسعت بعد ذلك في أيام الطيب الذكر المطران يوسف فريفر الذي صرف المجهود في تحسينها وقد حذا حذوه رؤساؤها من بعده لا سيما المرحوم المنسنيسور بطرس ارسانيوس الذي اهتم كثيراُ بشؤونها ونجاحها.
أما المدرسة الرومية فكان إنشاؤها بعد ذلك سنة 1817 وكانت هذه المدرسة ديراً فأمر البطريرك يوحنا الحلو بتحويلها إلى مدرسة وصادق على أمره آباء مجمع اللويزة في السنة التالية. ولعائلة بيت الصفير أوقاف وحقوق على مدرسة الرومية التي أخرجت عدداً وافراً من أفاضل الشبَّان المرشَّحين للكهنوت.
ولمَّا قام السيد يوسف حبيش بطريركاً على الطائفة المارونيَّة وَّجه عنايته إلى فتح المدارس لأبناء رعاياه ففُتحت أولاً مدرسة مار يوحنا مارون في صربا 1827 وكان الساعي بذلك المطران يوحنا العضم. ثم فُتحت مدرسة أخرى في عرمون وكان هناك لبيت آصاف دير للراهبات إلى أسم مار عبدا هرهريا فحوَّلوه بعد أمر السيد البطريرك إلى مدرسة عموميَّة لتعليم شبان الطائفة المارونية العلوم الاكليريكية وصار لهذه المدرسة نجاحٌ عظيم خرج منها أولو فضل ممن تفتخر بهم ملتهم حتى اليوم كالسادة الإجلاء المطران يوسف النجم والمطران اسطفان عوّاد والمطران بولس عوّاد والمطران مسعد وكالخوارنة العالمين العاملين يوسف العلم وكيل مطران بيروت سابقاً ويوحنا رعد الغزيري الشاعر والخوري عبد الله العقيقي وغيرهم وقد اغتالت المنيَّة أكثرهم.
وبعد ذلك بسنتين (1832) سعى البطريرك الموما إليه بتحويل دير مار سركيس سوباخوس في ريفون إلى مدرسة لأبناء الطائفة كمدرسة مار عبدا فلبَّى دعوته ولاة الدير من بيت مبارك بكل طيبة قلب وأفرغ رئيس الدير القس فرنسيس مبارك كنانة
(1/50)

الجهد في تحقيق تلك الأماني فلم تذهب مساعيه أدراج الرياح كما ترى في تاريخ هذا الدير الذي سبق بتسطير أخباره حضرة الأب إبراهيم حرفوش في المشرق (8 (1905) : 67 و347 و753) .
وفي هذا الوقت أيضاً كان المرسلون الأمير كان لا يألون جهداً في فتح المدارس أخصها في بيروت وأعبيه فنجحوا فيها بعض النجاح لولا أنهم ناقضوا فيها تعاليم الدين الكاثوليكي ليبثُّوا في قلوب الأحداث زوان التساهل الدينيّ.
ولا نعرف للروم مدرسة ذات شأن في كل النصف الأوَّل من القرن التاسع عشر وكانت ناشئتهم غالباً تتردَّد على مدارس المرسلين الكاثوليك أو البروتستان الأميركان.
وكانت الدروس العربية في كل هذه المدارس راقية فأن منها خرج معظم الذين اشتهروا بالكتابة في القرن المنصرم وخصوصاً بين النصارى كما نبين ذلك.
أما المدارس خارجاً عن الشام فكانت في الغالب مقصورة على مبادئ القراءة والكتابة وأصول الحساب واللغة.

بعض مشاهير المسلمين في هذا الطور الثاني
نقدم عليهم الشيخ حسن بن محمد العطار كان أهله من المغرب فانتقلوا إلى مصر وولد في القاهرة سنة 1180هـ (1766) وكان أبوه عطاراً استخدم ابنه أولاً في شؤونه ثم رأى منه رغبة في العلوم فساعده على تحصيلها فاجتهد الولد في إحراز المعارف وأخذ عن كبار مشايخ الأزهر كالشيخ الأمير والشيخ الصبان وغيرهما حتى نال منها قسماً كبيراً. وفي أيامه جاء الفرنسويون إلى مصر فاتصل بأناس منهم فأفادوه بعض الفنون الشائعة في بلادهم وأفادهم درس اللغة العربية. ثم ارتحل إلى الشام وأقام مدة في دمشق ومما نظمه حينئذٍ قوله في منتزهات دمشق:
بوادي دمشق الشام جُزْ بي أخا البسط ... وعرّجْ على باب السلام ولا تُخطِ
ولا تبكِ ما يُبكي أمرؤَ القيس حوملاً ... ولا منزلاً أودى بمنعرَج السقطِ
فإنَّ على باب السلام من البها ... ملابسَ حسنٍ قد حُفظنَ من العطِّ
هنالك تلقى ما يروقك منظراً ... ويُسْلي عن الأخدان والصُحْب والرهطِ
عرائس أشجارٍ إذا الريح هزَّها ... تميلُ سكارى وهي تخطر في مرطٍ
كساها الحيا أثواب خَطْر فدُثَرت ... بنور شعاع الشمس والزهر كالقُرطِ
وتجول هذا الشيخ حسن في بلاد كثيرة يفيد ويستفيد حتى كر راجعاً إلى
(1/51)

مصر فاقرٌ لهُ علماؤها بالسبق فتولَّى التدريس في الأزهر وقُلد هذه المدرسة بعد الشيخ محمّد العروسي سنة 1246 فقد برّها أحسن تدبير إلى سنة وفاته في 22 ذي القعدة سنة 1250هـ (1835م) . وكان محمّد على باشا خديوي مصر يجلُّهُ ويكرمهُ. وقد خلّف عدة تآليف في الأصول والنحو والبيان والمنطق والطب. ولهُ كتاب في الإنشاء والمراسلات تكرَّر طبعهُ في مصر. وكان هذا الشيخ عالماً بالفلكيّات لهُ في ذلك رسالة في كيفيَّة العمل بالإسطرلاب والرُّبْعَيْن المنقطر والمجيَّب والبسائط. وكان يُحسن عمل المَزاول الليلية والنهارية. وقد اشتهر أيضاً الشيخ العطّار بفنون الأدب والشعر. وممّا يروى عنه أنه لمّا عاد من سياحته في بلاد الشرق رافق إمام زمانهِ في العلوم الأدبية السيد إسماعيل بن سعد الشهير بالخشّاب فكانا يبيتان معاً وينادمان ويتجاذبان أطراف الكلام فيجولان في كل فنّ من الفنون الأدبية والتواريخ والمحاضرات واستمرت صحبتهما وتزايدت على طول الأيام مودّتهما إلى أن توفي الخشاب فاشتغل العطار بالتأليف إلى موته. ولهُ شعر رائق جُمع في ديوانه فمن ذلك ما رواه له الجبرتي (233:4) في تاريخه يرثي الشيخ محمّد الدسوقيّ المتوفى سنة 1230هـ (1815م) .
أحاديث دهرِ قد ألمَّ فأوجعا ... وحلَّ بنادي جمعنا فتصدّعا
فقد صال فينا البينُ أعظم صولة ... فلم يُخلِ من وقع المصيبة موضعا
وجاءت خطوبُ الدهر تَثرْى فكلّما ... مضى حادث يُعْقِبْهُ آخرُ مسرعا
وهي طويلة قال في ختامها:
سعى في اكتساب الحمد طولَ حياتهِ ... ولم ترهُ في غير ذلك قد سعى
ولم تُلْههِ الدنيا بزخرفِ صورةٍ ... عن العلم كيما أن تَغُرَّ وتَخْدعا
لقد صرف الأوقات في العلم والتقى ... فما أن لها يا صاحِ أمس مضيّعا
فقدناهُ لكن نفعُهُ الدهرَ دائمٌ ... وما مات من أبقى علوماً لمن وعى
فجوزيَ بالحُسْنى وتُوج بالرضا ... وقوبل بالإكرام ممّن لهُ دعا
وممن مدحوا الشيخ حسن العطار المعلم بطرس كرامة اللبناني فقال فيهِ لما قابلهُ في مصر:
قد كنتُ أسمعُ عنكم كل نادرةٍ ... حتّى رأيتك يا سؤلي ويا أربي
واللهِ ما سمعتْ أذني بما نظرت ... لديك عيناي من فضلٍ ومن أدب
وقام بعد الحسن العطّار في رتبتهِ البرهان. القويسني فقد تقلّد مشيخة الأزهر أربع
(1/52)

سنوات وتوفي سنة 1254هـ (1838م) وكان مكفوف البصر عالماً لهُ تأليف فقهية قال فيه أحد شعراء زمانه يوم ولي رئاسة الأزهر معترفاً بسلفهِ:
ولئن مضى حسَنُ العلوم أربهِ ... فلقد أتى حسنٌ وأحسنُ من حسنْ
أنت المقدّم رتبة ورئاسةً ... وديانةً من ذا الذي ساواك منْ
واشتهر بالآداب أحد تلامذة الشيخ حسن العطّار وهو الشيخ حسن قويدر. وله بمصر سنة 1204 (1789م) وكان أصل أجداده من المغرب ثم انتقلوا إلى مدينة الخليل وتناسلوا بها ثمّ انتقل قويدر والد المترجم إلى القاهرة وفيها ولد أبنهُ الحسن. فملا نشأ أخذ عن شيوخ زمانهِ وخصوصاً عن الشيخ حسن العطّار. ولم يزل يتقدّم في العلوم حتى نال فيها شهرة عظيمة وكان مع ذلك يشتغل بالتجارة ويعامل أهل الشام ومن تآليفه شرحهُ المطوّل على منظومة أستاذهِ حسن العطّار في النحو وكان قرّظها بقولهُ:
منظومة الفاضل العطَّار قد عقبتْ ... منها القلوبُ برَياً نكهة عطرهْ
أو لم تكن روضةً في النحو يانعةً ... لما جنى الفكر منها هذه الثمرةْ
في ظلمة الجهل لو أبدت محاسنها ... والليلُ داجٍ أرانا وجهها قمرهْ
قالوا جواهر لُفظِ قلت لا عجبٌ ... بحر البلاغة قد أدى لنا دُرره
ومن تآليفه أيضاً كتاب إنشاء ومراسلات ورسائل أدبية. ومنها كتاب نيل الأرب في مثلثات العرب وهي مزدوجات ضمّنها الألفاظ المثلثة الحركات المختلفة المعاني كمثلثات قطرب. وهذا التأليف طبع في مصر وقد نقله إلى الإيطالية المستشرق الأديب المرحوم أريك فيتو قنصل إيطالية في بيروت سابقاً وطبعه في المطبعة الأدبية.
وممّا يروى من شعره قولهُ:
يا طالب النصح خذ مني محبَّرة ... تلقى إليها على الرغم المقاليدُ
عروسةٌ من بنات الفكر قد كُسبت ... ملاحةً وأما في الخدّ توريدُ
كأنها وهي بالأمثال ناطقةٌ ... طيرٌ لهُ في حميم القلب تغريدُ
احفظ لسانك من لَغْطٍ ومن غلطٍ ... كل البلاد بهذا العضو مرصودُ
وأحذر من الناس لا تركن إلى أحدٍ ... فالخلّ في مثل هذا العصر مفقودُ
بواطن الناس في هذا الدهر قد فسدت ... فالشر طبع أمم والخير تقليدُ
توفي الشيخ حسن قويدر سنة 1262هـ (1846م) وقيل أنهُ في مرضه الأخير وضع
(1/53)

تاريخ وفاته بهذه العبارة (رحمه الله علي حسن قويدر) مجموع حروفها سنة وفاته.
أما بلا الشام فاشتهر من علمائها الشيخ محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز كان مولده بدمشق سنة 1198 وفيها توفي سنة 1252 (1783 - 1736) برز بين أدباء وطنه وأخذ عنه علماء الشام وقد صنف في الفقه والتصوف نحو خمسين كتاباً.
وأشهر منه في الشعر الشيخ أمين بن خالد آغا ابن عبد الرزاق آغا الجندي ولد في حمص من أسرة شريفة سنة 1180 (1766) ونشأ بها في طلب العلوم ثم رحل إلى دمشق فامتاز بين أقرانه وشهد له الشيخ عمر اليافي بالتقدم في الشعر. وقد نظم القصائد المفيدة والقدود الفريدة وتفنن خصوصاً في الموشحات والمواليات والأناشيد الموقعة على آلات الطرب وقد غلبت عليه الغزليات. وكان سيال القلم طيب القريحة لم يمض عليه يوماً خالياً من نظم أو نثر يحرر في يوم ما يعجز عنه غيره فيشهر. وكان أهل زمانه يتزاحمون على مسامرته ويتنافسون على مواصلته ويتغنون بأقواله. وكانت وفاته في حمص سنة 1257هـ (1841م) ودفن قريباً من الجامع الخالدي. وله ديوان طبع قسماً منه بالمطبعة السليمية الأديب سليم المدور سنة 1870 ثم طبعه سنة 1883 أصحاب المكتبة العمومية وأضافوا إليه قسماً آخر لم ينشر بالطبع. ومنذ عهد قريب تولى نشر ديوان الجندي بتمامه الأديب محمد أفندي كمال بكداش في مطبعة المعارف وهذه الطبعة لا تقل عن 450 صفحة ولشهرة هذا الديوان نكتف بذكر بعض. مقاطيع قليلة منه تدل على أساليب ناظمه فمن ذلك قوله من الرجز يصف فيه الربيع في ربوة دمشق:
يا حبَّذا الربوةُ من دمشقِ ... بالفضل حازت قصَبات السبقِ
كم أطلعتَ بها يدُ الربيعِ ... من كل معنىً زائد بديعِ
وفتح الوردُ الكفوفَ إذ دعا ... داعي الصباح للهنا ورَجَّعا
وفكّكت أنامل النسيمِ ... أزرارَ زهر الرَّند والشميمِ
وسقطت خواتم الأزهارِ ... من فَنن الأغصان كالدراري
وانتفَّ سيفُ البرق في أوراقِ ... مذ شام خيل الريح في سباقِ
ما بكت السماءُ بالغمامِ ... إلا وصار الزهرُ في ابتسامِ
ومن محاسن شعره قوله ومخمساً لأبيات عرضها عليه عبد الله بك العظم في خصام النرجس والورد:
(1/54)

قال لي النرجس حرّْض ... لقتال الورد وادحض
قلتُ هذا قول مبغضْ ... أيها النرجسُ اعرضْ
لن تنال الأفضلَّيةْ
عُد إلى الجقّ سريعاً ... ولقولي كن سميعاً
وأنتِ للورد مطيعاً ... وسل الزهر جميعاً
عن معانيك الرديئة
قد جهلتَ الأمر قدما ... وادَعيت الحسن ظلما
فيمن أولاك حلما ... لا تكن للورد خصما
فهو مرفوعُ المزبَّهْ
كنت قبل العجب آمنْ ... وبظلّ الروض كامنْ
فإذا حرَّكتَ ساكنْ ... أنت ربُّ السيف لكنْ
شوكة الورد قويَّة
ومن قوله في هجوم قوم:
وقومٍ غضَّ طرفُ الدهر عنهم ... فآذوا كلَّ ذي عرض وعادوا
وفي ظُلُمات ظلم حق ساروا ... فسادوا عندما ظهر الفسادُ
وإن قالوا سنرجع حيث كنَّا ... مخافةَ أن تذمَّهم العبادُ
وإن طلبوا رجوعهم عناداً ... فما صدقوا ولو رُدُّوا لعادوا
ومن مديحه قوله في وزير من قصيدة طويلة:
رفيع مقامِ شامخ العز ضيغمٌ ... غياث مغيث من ظَلوم إذا اعتدى
يلوذ بهِ الجاني فيبلغُ مأمناً ... ولو كان أهل الخافقين لهُ عِدى
ومن أمَّهُ من فاقةٍ عاد مثرياً ... وبرجع بعد الذل والفقر مسعدا
إذا الدهر يوماً جارَ في حكمهِ بنا ... على الدهر أرسلناهُ سهماً مسدّدا
فتىً جمع الدنيا مع الدين والحجى ... مع الحزم والراي السديد مع الهدى
فأضحى لأرباب الحوائج كعبةً ... وكهفاً لمن يأوي إليهِ وموردا
لعمرُك هذا المجدُ والحسب الذي ... سما فوق أركان المجرَّة مُصعدا
سنغدو لنا للعزّ داراً وللورى ... بحضرتهِ باب المراد ومقصدا
ويبقى لسان الحال فيهِ مؤرخاً ... لك الحمد يا ذا الجود ولا زال سرمدا
(1262) وقال سنة 1256 مؤرخاً وفاة والسيد نجل الكيلاني:
في جنّة الفردوس حلَّ كأنهُ ... بدرٌ ولكن نورهُ لا يُحْجَبُ
قد صاد كل المكرمات وكيف لا ... يصطادها وأبوهُ باز أشهبُ
بوفاتهِ. التاريخ أنبأ قائلاً ... هذا النجيب وليس منه أنجبُ
(1256)
(1/55)

وقد اشتهر في هذا الطور الثاني غير الذين ذكرناهم من أدباء المسلمين لا سيما في العراق وحلب إلا إن أخبارهم قليلة متضعضعة ولعل بعض القراء يرشدونا إليها فيحيوا ذكر أولئك الأفاضل الذين درست آثارهم مع قرب عهدنا منّا.

مشاهير النصارى في هذا الطور
أما أدباء النصارى الذين عرفوا في تلك المدة بخدمة الآداب العربية فها نحن نذكر من اتصلت به معرفتنا القاصرة مع الرجاء بأن يزيدنا أهل الفضل فيهم علّما ويسدوا ما يجدون من الخلل.
استحق الذكر بآدابه وشعره في الطور الذي نحن في صدده نصر الله الطربلسي وهو ابن فتح الله بن بسارة الطرابلسي ولد في حلب سنة 1770 وكان من أسرة كريمة من طائفة الروم الكاثوليك. ولما انتقل أبوه إلى طرابلس عرف بالطرابلسي وكان عريقاً في الدين تحمل في سبيل إيمانه محناً عديدة فنشأ ابنه على مثاله تقياً ورعاً وكان مع ذلك متوقد الذهن محباً للعلوم ودرس اللغات فتعلم منها التركية والفرنسوية وكان مبرزاً في الآداب العربية مطلعاً على فنونها يحسن فيها الكتابة وينظم الشعر الحسن. وقد أبقى من نظمه مآثر عديدة أكثرها متفرق لو جمعت حصل منها ديوان كامل. وسكن نصر الله الشهباء زمناً طويلاً ومدح وجوه أهلها مسلمين ونصارى لا سيما نقيبها محمد الجابري وقد أثبت المشرق (3 (1900) :400) قصيدته فيه ومدح كذلك الشيخ هاشم أفندي الكلاسي فقال يخاطبه:
لما سمعتُ مسلسَلاً عن سادة ... إن الفصاحة كلها في هاشمِ
يمَّمتُ ناديهُ وألقيت العصا ... ورجوتُ يقبلني ولو كالخادمِ
إن جاد لي بالارتضاء فبفضلهِ ... أو لم يُجدْ فلسوء حظ الناظمِ
فأجابه الشيخ جواباً لطيفاً فكتب إليه:
نسيمُ لطفك صابني بألوكةٍ ... صيبَ المحبّ إلى محبّ قادمِ
فبمثله أهلاً وسهلاً مرحباً ... بمسامرٍ ومنادمٍ لا خادمٍ
وكذلك كان الطرابلسي يتردد على عبد الله الدلاّل ويجتمع عنده بأدباء زمانه
(1/56)

وقد في أحدهم فتح الله المراش يشكر له جميل أياديه ويهنئه بعقد زواجه سنة 1821 هذا مطلعها:
يا للهوى ما للعَذُول وما لي ... أنا قد رضيتُ بكافةِ الأحوالِ
ومنها في المدح:
الندبا عبد الله فخر أوانهِ ... نسل الأماجد من بني الدلاَلِ
فهو الذي يشري الثناءَ بمالهِ ... ويزّين الأقوال بالأفعال
وهو الذي لم يخلُ قطُّ زمانهُ ... من غوث ملهوف وبذلِ نوالِ
وختمها بهذا التاريخ:
وأسلم بتاريخي ودمتَ بمّنهِ ... متمتعاً باللطف والإقبالِ
وممن مدحهم في حلب القنصل الفرنسوي يوسف لويس روسو وكان محباً للآداب الشرقية (أطلب المشرق 398:3 و400) وبإيعازه نظم الطرابلسي تهنئة لنابوليون الأول بمواد نجله الذي دعاه ملك رومية سنة 1811 فقال في قصيدته التي أولها (المشرق 399:3)
ورد البشيرُ فسرَّتِ الأقطارُ ... وترنَّمت في دوحها الأطيارُ
ومن حسن نظمه أبياته في شهداء الكثلكة في حلب سنة 1818 (المشرق 402:3 و664:10) فقال:
دعِ العين مني تذرف الدمع عَنْدما ... فحقٌ لهذا الخطب أن تَسكُب الدما
وفيها أبيات صادرة عن قلب طافح حباً متفطر حزناً. وفي السنة 1828 تحامل على الطرابلسي أعداؤه فأحب الخروج من وطنه ورحل إلى مصر فلقي الحظوى عند بني البحري من أعيان طائفته وكانوا متقدمين في الدواوين فخدمهم وتقرب بواسطتهم في المناصب وقد مرت لنا أقواله فيهم (المشرق 403:3 - 405) وتوصل بهم إلى محمد على باشا خديوي مصر فمدحه ونال من إحسانه. وكانت وفاة الطرابلسي نحو السنة 1840 وشعره منسجم بليغ المعاني كثير التفنن أوردنا منه ما أوقفنا عليه بعض أدباء الشهباء في أغراض شتى (المشرق 406:3 - 408) ومما وجدنا له بعد ذلك مراسلات شعر ونثر دارت بينه وبين شاعر عصره بطرس كرامة فقال هذا في مدحه:
(1/57)

نشأت بنصر الله روحُ صبابةٍ ... وأبى الفؤَادُ لغيرها أن يذكرا
فرعٌ لفتح الله أينع مخصباً ... بحديقة الآداب شبَّ وأثمرا
فإليك يُعزى الفضل يا من لاح لي ... منهُ الودادُ ولن يراني مبصرا
قرباً لدار كنتَ فيها وحبَّذا ... م الشهباءُ نصر الله فيها قد سرى
فأجابه نصر الله الطرابلسي من قصيدة ذكر فيها طرابلس بلده وكان بطرس كرامة حينئذٍ ساكناً فيها:
فسقى طرابُلُس السحابُ وليُّهُ ... سحاً وتهتاناً يُرى متفجَرا
بلدٌ كأنّ الدهرَ عاندني بها ... فاستاقَ أهلي قبل أن أطأ الثرى
لو فاخرت كلَّ البلاد بأنَّ في ... ها بطرساً لكفى بذلك مفخرا
الأوحد الندب الفريد الأمجد السنَّدُ ... س المجيد الألمعي الأنورا
إلى أن ختمها بقوله:
واسلم ودم بمهابةٍ وكرامةٍ ... يا مورداً لم أرضَ عنهُ مصدرا
ما سارت الركبان تقطع فدفدّا ... من عاشق ولهانَ تهدي الأسطرا
وله أيضاً من قصيدة أخرى في مدحه وذكر بعض رسائله:
شرَّفتنا بكتاب منك قد بزغتْ ... أنوارهُ فهدينا واقتبسناها
رسالة أرسلت للقلب تحفظهُ ... فما لهُ ضاع مني عند مسراها
فيا لها درراً من يمّكم قذفت ... سفن العلوم فبلسم الله مجراها
وصرت ألثمها شوقاً وأنشدها ... توقاً لمن ببديع النظم وشآها
إن أسعد الله عيني ساعةً ورأت ... محياكُم وجلت بالنور مرآها
غفرت الدهر ما أبداهُ من نكدٍ ... ونلت من واردات العمر أهناها
وكتب له أيضاً:
لقد حكم الزمان عليَّ حتى ... أراني في هواك كما تراني
وإن بُعدت ديارك عن دياري ... فشخصك ليس يبرح عن عيناي
لقد أمكنتُ حبك من فؤادي ... مكاناً ليس يعرفهُ جناني
كانت قد ختمت على ضميري ... فغيرك لا يمرُّ على لساني
ونلحق هنا بذكر نصر الطرابلسي صديقه بطرس كرامة الذي لعب في ترقي الآداب العربية دوراً مهماً قبل أواسط القرن التاسع عشر. وهو بطرس بن إبراهيم كرامة الحمصي من أعيان حمص وكان أهله من الروم الملكيين يدينون بالدين الكاثوليكي وهو متحمسون فيه. وكان عمه ارميا كرامة من الرهبان الشويريين ثم
(1/58)

انتقل إلى الرهبنة المخلصية. وفي سنة 1763 سقف على قلاية دمشق فعرف بمطران دمشق وقاسى محناً عديدة من قبل المنفصلين إلى أن توفى سنة 1795 في دير المخلص. وكان عالماً غيوراً على إيمانه وله مصنفات دينية. أما بطرس كرامة ابن أخيه فولد في حمص سنة 1774 وفيها نشأ وتأدب وله في مديح أعيانها أقوال حسنة كقوله في الشيخ عبد الرحمن الكزبري:
يا حبَّذا حمصُ التي ... ضاءَت بأعظم نيّر
قد أشرق البدرُ بها ... وبشمس فضل الكزبري
وقال مرتجلاً في الشيخ أمين الجندي الذي مر لنا ذكره:
لله نعمَ مهذب باهت بهِ ... حمص ونور الفضل عنهُ يبينُ
لا غرو إذا فاق البديعَ أنهُ ... شهمٌ على درر البديع أمينُ
ثم قويت شوكة أعداء الملكيين فألحقوا بالكاثوليك ضروب الأذى فاضطر بطرس أن يهجر حمص مع والده متوجهين إلى عكار. وقصد بطرس علي باشا الأسعد حاكم تلك البلاد وامتدحه بالقصائد الحسنة فأجازه ورغب فيه لبراعته ودرايته وحسن أدبه وخطه فاستخدمه في ديوانه ورفع منزلته ورتب له ما يقوم. بكفايته فأقام في خدمته نحو خمس سنوات ثم ذهب إلى لبنان واستوطن الجبل. وأتصل بطرس بنقولا الترك شاعر الأمير بشير فقربه من مولاه سنة 1813 وحظي بطرس عند الأمير الشهابي لما رآه فيه من العلم وجودة للعقل وفصاحة اللسان مع معرفته للغة التركية فعهد إليه بتهذيب ولده الأمير أمين واتخذه كاتباً للأمور الأجنبية لجودة إنشائه. ثم جعله الأمير بشير معتمداً من قبله في التوجه إلى عكا فقام بأوامر سيده أحسن قيام وحصل عنده مالاً كثيراً وجاها وافراً وكان الأمير يحبه ويثق به في جميع أعماله ويعتمد عليه في مهمات أشغاله ولا ينتهي أمراً إلا برأيه. ثم سلمه الأمير تنظيم خزينة الحكومة فوضع لها قوانين استحسنها الشهابي وأمر بإجرائها ثم رفع منزلته وعمله كتخداه فصارت أمور لبنان كلها في يده يدبرها أحسن تدبير. فوقعت هيبته في القلوب وعظمت حرمته وانتشرت شهرته وعلت كلمته وابتنى داراً كبير في دير القمر واقتنى أملاكاً واسعة وكان قد سافر بمعية الأمير بشير إلى الديار المصرية واجتمع بفضلائها وعلمائها وله معهم مفاوضات ومباحثات يطول شرحها. ثم رجع إلى بيت الدين وبقي
(1/59)

في خدمة الأمير إلى أن خرج الأمير بشير من بلاد سورية سنة 1840 فسافر معه إلى مالطة ثم إلى الآستانة العلية ونال من الالتفات وعلو المقام لدى رجال الدولة ما لم يزل مشهوراً. ثم عين ترجماناً للمابين الهمايوني فأظهر من البراعة ما أكسبه ثقة الجميع. وبقي في تميم أعباء وظيفته إلى سنة وفاته في الآستانة العلية (1851) وله مع أكابر رجالها مساجلات لطيفة وكان بليغ الكلام. وقد أرخ وفاته الشيخ ناصيف اليازجي فقال:
مضى من كان أذكى من أيلس ... بحكمتهِ وأشهر من زُهَيرِ
فقل يا ابن الكرامة قرَّ عيناً ... لبطرس أرّخوهُ ختام خير
ولبطرس كرامة مكاتبات ورسائل غير مطبوعة. وله ديوان شعر كبير طبعه الأديب سليم بك ناصيف سنة 1898 في المطبعة الأدبية وقد وجدنا لهذا الشاعر آثار أخرى في بيت حفيده الفاضل. منها مساجلاته مع أدباء الآستانة ومنظوماته في العاصمة وبعضها لم يطبع في ديوانه. وشعر بطرس كرامة أضبط وأطبع من شعر آل عصره تراه يتصرف في المعاني ويخرجها على أبدع طريقة فمن قوله في الوصف ذكره لباقة زهر أهداه إياها الأمير بشير:
وباقةٍ زهر من ميلك منُحنها ... معطَّرة الأرواح مثل ثنائهِ
فأبيضُها يحكي جميع خصالهِ ... وأصفرها يحكي نضار عطائهِ
وأزرقها عين تشاهد فضلهُ ... وأحمرها يحكي دماء عدائهِ
وله تخميس وتشطير على هذه الأبيات. ومما لن نجده في ديوانه قصيدة قالها مستغفراً غما فرط منه ومناقشاً أهل المادة في آرائهم الفاسدة وسماها (درَّة القريض وشفاء المريض) أولها:
نأي الوجد عن قلبي وأعيت بلابلُهْ ... وبانت لُبانات الهوى وبلابلُهْ
وهي طويلة تختار منها أحسن أبياتها:
ألا أنْدب زماناً قد صرفت بكورهُ ... خلالاً وقد مرَّت سفاهاً أصائلُهْ
فكم خضت بحر المعصيات مُفاخراً ... وقصَّرت رجلاً عن ثواب تقابلهْ
فيا من وعدت التائبين برحمةٍ ... وعفوٍ وإن ذنبٌ تطاول طائلهْ
ألا أغفر لعبد أثخنهُ مآثم ... ومن جملة الأوزار قد كلَّ كاهلهْ
فإن كان ذنبي قد تعاظم جرمهُ ... فعفوك بحرٌ ليس يُدرَكُ ساحلهْ
(1/60)

ومنها في الرد على أهل الكفر:
فيا ويح قوم قد عصوك واركنوا ... إلى الكفر فانصَّبت عليهم غوائلهْ
فإن أثبتوا فعل الطباعِ ببعضها ... فمبدأ هذا الفعل من هو فاعلهْ
ويلزمُ من هذا دوامُ تسلسل ... وهذا محال لا تصحُّ مسائلهْ
فَمن سيَّر الأقمار في درجاتها ... على دوران لا تخلُّ منازلهْ
فإن كان جذباً مثلما قدَّروا فمن ... ترى أوجد الجذب الذي هو كافلهْ
فيا ملحداً أمسى على الله منكراً ... فإنَّ وجود الله صحت دلائلهْ
فمن أبدعِ الكون البديعَ نظامُهُ ... ومن ذا على ترتيبه الدهر شاملهْ
فإن قلتَ إن الكائنات تمدُها ... فقد لزم الدورُ الذي شاع باطُلهْ
فويلك من إنشاء العناصر أولاً ... وصيّرها في مركز لا يزايلُهْ
وإن قلت أجزاء قديمٌ وجودها ... تحرّكها بالطبع كانت تعاملهْ
فوافقَ وقتاً إنها قد تألقت ... على هيأة منها نشا الكون كاملهْ
فما هذه الأجزاءُ هل بإرادةٍ ... تحركها أم جاءَ بالقسر عاملهْ
فإن كان قسراً فهي تحتاج موجوداً ... يقيم بها فعلاً سرياً تفاعلهْ
وإن كان عن قصد أتى فهي ربكم ... تقاسمهُ عالي الوجود وسافلهْ
فما قلتموه باطلٌ وكلامكم ... محالٌ ومهزولُ النتيجة حاصلهْ
فيا واحداً يا قادراً يا مهيناً ... تنزَّه عن ضدٍّ وندٍّ يماثلهْ
فهبني عفواً من لدنك ومنَّة ... وحسنَ ختام ارتجيهِ وآملهْ
وله تاريخ لوفاة الأمير بشير حفر على ضريحه في كنيسة الأرمن الكاثوليك أثبتناه في المشرق: (7 (1904) : 1762) . ومما روينا أيضاً لبطرس كرامة في مجلتنا (2 (1899) : (1116 - 1117) . مناظرة فكاهية بين نار جلية وماسورة: ومن مديحه الذي لم يذكر في الديوان قوله يثني على البطريرك الجليل مكسيموس مظلوم:
قُمْ للهناء فنسمةُ السَّحَر ... جاءت برَيًّا عاطر الزَهَرِ
واغَنم العيش المني مطرباً ... عين السرور المشرق الأثرِ
وأرشف كؤوس الصفو من زمنٍ ... راقت مشاربهُ من الكَدَر
ودَع النسيبَ وكن على عزلٍ ... بمديح بدر السادة الغُررِ
مكسيموس الحبر المقدس من ... أضحى طَهُور القول والفكر
البطريرك المرتقي شرفاً ... بفضائلٍ يشرقنَ كالقمر
(1/61)

باتت على أمْنٍ زعيتهُ ... ولطالما باتت على حذرٍ
هو غوث ذي فقر وذي نعمٍ ... بذلاً ورشداً غير منحصرٍ
بشرى لنا آل الكنيسة قد ... نلنا بهِ مجداً على وزرِ
يا بدرَ علمٍ ضاءَ مشتهراً ... شرقاً وغرباً أي مشتهرِ
أوضحت من نهج الهدى غُرَرا ... الناس كانت قبل في غَرَرِ
ورفعت شعباً كان منخفضاً ... ما بين ناب الليثِ والظُّفُرِ
فاسلَمْ لنا مولى وخير أبٍ ... يرعى البنين بصادقٍ النظرِ
ومما جاء في التهاني قوله في الأمير عبد الله الشهابي حفيد الأمير بشير سنة 1835 (لم تذكر في ديوانه) :
يا سيّد العدل والإحسان زد شرفاً ... قد زادك اللهُ إنعاماً وتأييدا
لك الهنا بحفيد كان مولدهُ ... السعد عزًّا والعلياء توليدا
فلا يزال هو الصمود سؤددهُ ... مدى الزمان سعيد الدهر مسعودا
ولا تزال لك الأيام ضاحكةً ... والعيش رغداً وطيب العمر ممدودا
وقال في فضائل الصيد (وليست هي في ديوانه) :
للسيد فضلُ في ثمان فوائدٍ ... من بعدها عشرٌ تزيد تشيد أساسَهْ
ساران همّ ثم تركُ بطالةً ... وفصاحة التعبير ثمَّ سياسَهْ
ونزاهة ولذاذةٌ ونشاطةٌ ... ويقاظةٌ ونباهةٌ وحماسَة
ورياضةُ الأجسام ثم طلاقة ... م الأبصار حلاوةٌ وفراسَة
وصيانةٌ ثم اكتساب معيشةٍ ... والعلم بالطرقاتِ ثم رئاسة
ومما لم نجده أيضاً في ديوانه قوله في صفر كان قد فقد ثم رجع:
تلألأ البشرُ وانجلتِ الغياهبْ ... وحلّ الأنس في من كان غائبِ
وردَّ الله ضائعنا علينا ... وأولانا بذا نِعَمَ المواهبْ
وجاءَ الصقَرُ المفقود منا ... يرفرف بالغنائم والمكاسبْ
فكم طينا بعودتهِ قلوباً ... وبتناً في الحديث لهُ نعاتبْ
وأنشدناهُ ما لك غبتَ عنَّا ... لعلك كنت أنت منا هاربْ
فردَّ مجاوباً رداً جميلاً ... معاذ الله لي من ذي الشوائبْ
وحاشا أن أخون العهد يوماً ... ولي مولى جليل القدر صاحبْ
ولكن قد شعرت بنعمَ صقرٌ ... أعزُّ الآل مني والأقاربْ
أتى ضيفاً جديداً في حمانا ... نزيلاً والنزيل قراهُ واجبْ
فسرت لملتقاه وجئت معه ... أميناً مطمئن القلب طئب
(1/62)

لكني قد قضيتُ بذا هموماً ... وكم قاسيتُ فيه من متاعبْ
وكم شاهدتُ أهوالاً ثقالاً ... وأحوالاً رأيتُ بها العجائبْ
وكم كابدتُ في سفري عناءً ... وكم فيه دهتني من مصائبْ
وكم لي وقعةُ مع كل حرٍ ... وكم لاقيت شاهيناً محاربْ
وكم صادفت فيه من عُقابٍ ... شديد البأس قناصٍ معاقبْ
وكم من كاسر من كل طيرٍ ... تعمَّدني وجاءَ عليَّ واثبْ
هناكَ أبنت بطشي واقتداري ... وأبديتُ العجائب والغرائب
وجرَّدتُ الأظافرَ من اكفٍّ ... مظفَّرةٍ وانشبتُ المخالب
وبتُّ بكل ذي جنحينِ أسطو ... وأقهر كلَّ خطَّافٍ مضاربْ
فكم شقَّتُّ منهم في الفيافي ... وكم بدَّدت منهم في السباسبْ
وكم غادرتهم في الجوْ فوضى ... وكم أفنيتُ منهم في الشعائبْ
ولم أنفكُّ أسقيهم كؤوساً ... أجرّعهم بها مرَّ المشاربْ
ولم أترك بهم إلا فراخاً ... يتامى في العشوش غدتْ نوادب
فمثلي من يخوض وغي المايا ... ويغزو هكذا ويعودُ غالبْ
أنا المجلوبُ من كرمٍ ولكن ... بعون الله الأحرار جالبْ
فهنَّوا سيدي بي في مقال ... يؤرَّخ جاءَ بعد العزّ كاسب
وقال لما دخل الآستانة العلية مع الأمير بشير يمدح دار السعادة:
منذ جئتُ إسلَمْبولَ شِمتُ محاسناً ... دعت المحاسنَ كلَّهنَّ إلى الورا
فملوكها شرفُ الملوك ورَبْعها ... خير الربوع وأهلها نعم الورى
ولولا خوف الإطالة لروينا غير هذا من قصائده التي تطبع في ديوانه. فاكتفينا بما سبق. ويحسن بنا القول في ختام كلامنا عن بطرس كرامة إن أدباء عصره عرفوا فضله وأقروا به إلا البعض منهم. ولما قال قصيدته الخالية الشهيرة التي التزم أن تكون قافيتها في جميع أبياتها لفظة (الخال) في معانيها المختلفة وأولها:
أمن خدّها الورديّ أفْتَنَكَ الخالُ ... فسحَّ من الأجفان مدمعك الخالُ
أعجب بها كثيرون وأثنوا على قائلها. وعارضها الشيخ عبد الباقي العمري الموصلي بقصيدة كتبها في بغداد يمدح فيها داود باشا هذا مطلعها:
إلى الروم أصبو كلَّما أومض الخالُ ... فأسكبُ دمعاً دون تسكابهِ الخالُ
وغيرهم خمَّسوها كالشيخ إبراهيم يحيى العاملي والشيخ بن شريف المشهدي
(1/63)

وتخميسها في ديوان كرامة (ص 351 - 360) . لكن الشيخ صالح التميمي لم يستحسنها وكتب في تزييفها قصيدته التي أولها:
عهدناك تعفو عن مسيءٍ تعذّراً ... ألا فاعْفُنا عن ردّ شعر تنصرا
فاستاء من ذلك الأدباء وكتب الشيخ رشيد الدحداح في قمطرة الطوامير انتقاداً مطولاً على صاحبها. وأجاب عليها بطرس كرامة بقصيدة من البحر والروي أولها:
لكن امرئ شأنٌ تبارك من رأى ... وخصَّ بما قد شاء كلاً من الورى
وقد وقفنا على قصيدة للسيد عبد الجليل البصري حكم فيها بين الشاعرين فقال قصيدته التي افتتحها بقوله:
حكمتُ وحكمي الحقُّ ناءٍ عن المرا ... بأنَّ التميمي الأديب تعثَّرا
بذمّ قوافٍ في تمامِ جناسها ... وذلك نوعٌ في البديع تقرَّرا
ومنها في مدح بعض شعراء العرب:
وقد قام من أهل الكنابين زمرةٌ ... جنوا من رياض الشعر ما كان مزهرا
فمن كان عبّادٍ يجاري مهلهلاً ... وكان مسيحياً تقدم يشكرا
وكالأخطل المعرف شاعر تغلبٍ ... يسوق بهِ القسّيس في الدير كالفرا
ومنها في مدح بطرس كرامة:
كما شاع حُرً الشعر في بيت بطرسٍ ... وفي نجلهِ بين المدارين والقرى
فصيحٌ رقى أوج البلاغة يافعاً ... فأشارهُ حلى بها رَبْع قيصرا
لأفكارهِ غرُّ القوافي قريبةٌ ... وعن غيره بُعد الثريا من الثرى
أتى منهُ نظمٌ هدَّ حجة صالحٍ ... وإن كان في المنظوم قدماً تصدَّرا
وقد كان لي من صالح خيرُ صحبةٍ ... وعند أتباع الحقّ ما زلت اجدرا
لكلٍّ تراني قد قضيت بحقهِ ... وأسألُ بارينا الهدى والتبصُّرا
وقد مدح صاحب الترجمة قوم من أدباء زمانه كنصر الله الطرابلسي الذي سبق شيء من قوله. وكنقولا الترك وفي ديوانه عدة قصائد يطرأ فيها محامد بطرس كرامة فيجيبه هذا بأقوال مستطرقة تجدها في مجموع نظمه (ص 109 - 128) .
وممن مدحه أيضاً عبد الحميد البغدادي الشهير بابن الصباغ فكتب إليه رسالة أولها:
(1/64)

تبسم الزهر عن أنفاسكم فسَرى ... من طيب ذكركمُ فنشر فأحيانا
فمن هناك عشقناكم ولم نرَكم ... والأذن تعشق قبل أحيانا
فأجابه بطرس كرامة بكتاب افتتحه بقوله:
عشقتكمْ من قول لقياكُمُ ... وكلُّ معشوق بما يوصفُ
كالشمس لا تدركها مقلةٌ ... لكنها من نورها تعرفُ
وكذلك مدحه رزق الله حسون الحلبي وسنذكر قوله في ترجمته. وأشهر منه الشيخ ناصيف اليازجي فإن ديوانه الذي طبع لأول مرة في بيروت مصدّر بقصيدة في مدح كرامة يقول فيها:
رجلٌ وماذا وصفهُ وكفى به ... رجلٌ له المفهومُ والمنطوقُ
حسنُ المعاني والبيان كلامهُ ... جزلٌ ومعناهُ الرقيق دقيقُ
ومنها:
يا بطرسُ الشهمُ الكريم مكانهُ ... وبنانهُ ولسانهُ المنطيقُ
أنت الكرامةُ وأبها وأبُ لها ... نسبٌ كريمُ في الكرام عريقُ
وله أيضاً يعزيه بولديه وهو رثاء بليغ أوله:
أجملَ الله في فؤادك صبرا ... وجزى منهُ وأعظم أجرا
ومنها:
لو يُفيد البكاء والنوحُ شيئاً ... لأقامت خنساءُ قبلكَ صَخْراً
يطمع المرءُ في الحياة طويلاً ... وهو في الموت أو عن الموت فْترا
وحياة الدنيا تسمى حياةُ ... مثلما تُحْسبُ المعرَّةْ شهرا
هكذا الناس طائرُ إثر كلبٍ ... كلْ عينٍ بدمعة البين شكوى
يا طريق البقا إذا كنت خيراً ... فلك الفضلْ كلما زدت قصْرا
وحياة الدنيا طريق الأخر ... ى فخذ زادها الذي هو أمرى
وممن اشتهروا في هذا الطور الثاني أديب عاجلته المنية فقصفت غصن حياته النضير وهو أحد نصارى صيداء جرجس بن يوسف بن الياس آبيلا الذي رويناه شيئاً من شعره تفي المشرق (6 (1903) : 293 - 265) وكان هذا الشاب مكفوفاً وهو شديد الذكاء والنباهة يقول الشعر عن سليقة وكانت وفاته سنة 1849 وهو في الربيع السابع عشر من عمره فأرخه بطرس كرامة بقوله:
بُنيٌ لآبيلا بذا اللحد قد ثوى ... بصيرٌ ذكيُّ شاعرُ متفرّسُ
(1/65)

ولما قضى نودي تنعَّم مؤرخاً ... ونلْ فرحاً في جنَّة الخلد جرجسُ
وكان جرجس آبيلا مع صغر سنه يكاتب أدباء عصره فكاتب إبراهيم بك ابن بطرس كرامة فقال: فيه ولعل هذه الأبيات لأخوة رفول:
لقد أحييتَ فضل أبيك حتَّى ... بفضلكَ فقتَ والدك الحكيما
أبوك لقد بنى لك بيت مجدٍ ... وزدتَّ بمجدك المجد القديما
وكاتب الشيخ ناصيف اليازجي فمدحه بقصيدة لم نعرف غير مطلعها:
بحور الهوى قد أغرقت كل سابحٍ ... وقصَّر في ميدانهِ كلُّ راجح
فكان جواب الشيخ بقصيدة قال فيها قال فيها مثنياً على الشاعر الحدث:
هويتُ الذي أعطى النجوم فؤادهُ ... فأعطَتهُ منها سانحاً بعد بارحِ
تيمنتُ باسم الخضر فيهِ وطالما ... ترى المرءَ لا يخلو اسمهُ من لوائحِ
وجدتُ به بل منهُ متعة سامعٍ ... ويا حبذا لو نلتُ رؤية لامحِ
به حسدت عيناي أذني وربما ... تُخصَّص بالإقبال بعض الجوارح
ومن حسن أقوال جرجس آبيلا قصيدة مدح بها السيد عبد الله الجابري منها:
دُعيتَ بعبد الله أنك سيّد ... وبالجابريّ الألمعي لتجبرا
وأصبحَ ذو فضلٍ بحبك عائماً ... وأضحى بك الشاني الظلومُ مكدرّا
حويتَ التُّقى والجدَ والمجد والهدى ... عن الجدّ حتى طبت فرعاً وعنصرا
وله من قصيدة مدح فيها الشيخ يوسف الأسير:
فيوسف يُدعى بالأسير لأنهُ ... يسيرُ إليهِ العلم في غاية الأسرِ
فهيمُ كريمٌ فاضلٌ متأدبٌ ... قد استوجب المدح الجزيل مع الشكرِ
قد استوجبَ العز الرفيع مع الثنا ... لكثرة ما فيهِ من الشيم الغُرِّ
وكان لجرجس آبيلا أخ أكبر منه يدعى رفول وكان أيضاً مكفوفاً كشقيقه ويشبهه في توقد ذهنه وفصاحة لسانه لكنه عاش دهراً بعده وكان يقول مثله الشعر وقد عارضهما أهل زمانهما بأبي العلاء المعري فقيل انهما حكياه في أدبه كما حكياه بفقد بصره. وتأدب على رفول بعض الأدباء فاشتهروا بعده بالكتابة منهم فقيد الأدب نقولا بك توما المحامي الشهير المتوفى في مصر السنة 1908. ومن شعر رفول أبيات نجت من أيدي الضياع أثبتناها في المشرق (6 (1903) : 261) منها قصيدة قالها في أحد الأدباء أولها:
(1/66)

يا نسيم الصبح خُذْ عني السلامْ ... نحو قومٍ هيَّجوا فيَّ هيام
ومن أقواله في الشوق إلى بعض الأحباب:
أخبرِ الأحبابَ عني أنني ... بعدَ بُعدي عنهمُ ذقتُ الندمْ
طيفهم أن بعدوا عن مقلتي ... لم يفارقها دواماً وهي لَمْ..
فعسى أحظى برؤياهم وبي ... رمقٌ كي أشفى من ذا الألمْ
وعلى الله اتكالي فالذي ... يُخلصُ الآمال فيهِ لم يُضَمْ
وفي هذا العهد كان أيضاً الشماس حنا الماروني المعروف بالقزي وزي وكان يقول الشعر الحسن بالمواضيع الدينية لكن أكثره قد فقد. ومما سلم منه تخميسه لقصيدة الطيب الذكر المطران جرمانوس فرحات في مريم العذراء وقد عثرنا على نسختين من هذا التخميس إحداهما عند الرهبان الموارنة البلديين قال في مطلعه:
كلّ النبيّين الذين تقدَّموا ... في مدح سيدةِ الأنام تكلَّموا
فلذا يُناديها الفؤادُ المغرمُ ... لو كان للأفلاك نطقٌ أو فمُ
لترنَّموا بمديحكِ يا مريمُ
وفي هذا الزمان عينه كان في الأستانة شاعر آخر من طائفة السريان الكاثوليك اسمه فيليب باسيل بنّاء وكان أصله من حلب واستوطن دار السلطنة وعرف بأدبه وحسن نظمه فمن ذلك عدة قصائد قالها ولم يبق منها إلا ثلث طبعت في برساو من حواضر ألمانية مع ترجمتها إلى الألمانية سنة 1844 الواحدة منها قالها في السلطان الغازي عبد المجيد. والثانية مدح فيها البرنس دي جوانفيل وكان أظهر مروءة عظيمة في حريق بُليت به بعض أحياء استنبول. وقال الثالثة في مدح غليوم الرابع ملك بروسيا. أما سنة وفاته فمجهولة.
وكذلك نجهل تاريخ شاعر آخر مدحه نيقولا الترك وهو نيقولا النحاس نكتفي بتدوين اسمه رجاء أن يستدل أحد القراء على مآثره.
وممن نختم بذكره هؤلاء الكتبة والشعراء لهمته وخدمته للآداب الدينية بطريرك الملة السريانية أغناطيوس بطرس جروه اشتغل بتعريب عدة تآليف دينية أخصها مختصر اللاهوت النظري والأدبي لتوما دي شرم وكتاب الحياة الإلهية للأب نيرمبرغ اليسوعي ولدينا منه كتاب مواعظ وكتب ترجمة عمه البطريرك ميخائيل جروه أول بطاركة السريان الكاثوليك بعد انفصالهم النهائي عن اليعاقبة وكانت وفاته سنة 1861 في
(1/67)

12 ت1 وعارضه في هذه التعريبات معاصره ووطنيه السيد إبراهيم كوبلي مطران الأرمن في حلب فعرب كتاب الحق القانوني وبعض التآليف الروحية (المشرق 9 (1906) : 420) كانت وفاته سنة 1831 شهيد محبته في خدمة رعيته.
دعنا الآن ننتقل إلى ذكر شيء من الحركة العلمية التي استجدت في هذا الطور بين الأوربيين فحملتهم على طلب الآداب العربية وإحراز فوائدها. ومن أقوى البواعث التي ساعدت علماء أوربا على بلوغ هذه الغاية تشكيل جمعيات علمية آسيوية يعقد أصحابها جلسات قانونية وينشرون الأبحاث المختلفة في كل فروع العلوم الشرقية. وكانت الجمعية الآسيوية الفرنسوية تتقدم ما سواها في هذا السباق الشريف فبلغت في ذلك الطور الثاني مقاماً عالياً كما تشهد عليه منشوراتها المتعددة. وكذلك الجمعية الآسيوية الإنكليزية تجاري شقيقتها في همتها وإن كان نظرها منصرفاً بالخصوص إلى الهند والشرق الأقصى. ومما استؤنف من هذه الجمعيات الآسيوية البنغالية التي باشرت سنة 1832 نشر مجلة كالمجلات الآسيوية الأوربية وهي لا تزال إلى يومنا تواصل أعمالها بنشاط.
وفي هذا الزمان نشأت في ألمانية نهضة محمودة لدرس العلوم الشرقية ولا سيما العربية. فاجتمع قوم من أصحاب الجد والعمل أخصهم ايفلد (Ewald) وغابلنتس (V. D. Gabelentz) وكوسغرتن (Kosegarten) وروديغر (Roediger) وجعلوا ينشرون مجلة لمعرفة الشرق (Zeitesh f. d. Kunde d. Morgenlandes) تجد فيها مقالات عديدة في التاريخ والآداب العربية. وما لبثت جمعية أخرى أوسع نطاقاً وأرقى علماً إن ظهرت في ألمانية باسم الجمعية الآسيوية الألمانية كان أول ظهورها سنة 1845 ونشرت مجلتها (ZDMG) سنة 1847 فخدمت منذ ذاك الحين الآداب الشرقية خدماً لا تنسى ومجموع هذه النشرة يعد اليوم كخزانة كتب واسعة تحتوي طرفاً جليلة من سائر فنون الشرق ومعارفه. وقد احتفلت هذه الجمعية سنة 1907 بيوبيلها الخمسيني وناهيك بذلك شاهداً على ثباتها وترقي أعمالها: أما الذين اشتهروا بين المستشرقين بتآليفهم العربية فليس منهم أحد نال فخراً كالعلامة البارون دي ساسي (Barons S. de Sacy) فإن هذا الرجل العظيم فضلاً
(1/68)

عن علمه العجيب بلغات الشرق بعث في قلوب آل عصره روح الغيرة والهمة فكان كمنار استضاء به طلبة العلوم الشرقية في كل أنحاء البلاد وكالقطب دارت حوله مساعيهم في استخراج كنوز آداب الشرق.
ولد دي ساسي في باريس في 11 أيلول سنة 1758 وفيها توفي في 21 شباط سنة 1838. ما كاد هذا يميط عنه التمائم حتى نبغ في المعارف ولا سيما في درس اللغات ولم يكتف بالألسنة الأوربية طلب لغات الشرق فأخذ منها شيئاً من علماء زمانه منهم الراهب البندكتي الشهير دون برترو (Dom Bertherean) فتعلم أولاً العبرانية ثم السريانية والكلدانية والسامرية ثم العربية ثم الفارسية والتركية وكان يعرف أكثر هذه اللغات معرفة جيدة كما يلوح من منشوراته وتآليفه لكنه كان يُحكم آداب اللغتين العربية والفارسية حتى سبق في معرفتهما علماء زمانه شرقاً وغرباً. ولو عددنا كل ما قام به هذا الهمام من المشروعات في تعزيز العلوم الشرقية من تعليم وكتابة وإنشاء مجلات وإدارة دوائر علمية وتنظيم مكاتب لاتسع بنا الكلام كثيراً. وحسبنا أن نقول أنه نشر نيفا ومائتي تأليف في كل علوم الشرق ولغاته وكثير من هذه المصنفات كبير الحجم واسع المادة فذكر منها غراماطيقية العربي في مجلدين كبيرين ومنتخباته العربية في ثلاثة مجلدات وطرائفه اللغوية في مجلد كبير وتاريخه لعرب الجاهلية وتعريف ديانة الدروز في مجلدين وأول طبعة لكتاب كليلة ودمنة ومقامات الحريري مع شروح مستوفية بالعربية في مجلدين ورحلة عبد اللطيف البغدادي إلى مصر. فترى من هذه القائمة ما للبارون دي ساسي من الفضل العميم وكان مع عمله كثير الدين حريصاً على كل وصايا الكنيسة متبعاً لتعاليمها.
ومات قبل دي ساسي رجلٌ آخر حظي شهرة بمنشوراته عن علوم العرب الفلكية وهو جان جاك عمانوئيل سيديليو (J. J. E. Sedillot) ولد سنة 1777 ودرس في مكتب اللغات الشرقية ثم انقطع إلى درس النجوم فنقل إلى الافرنسية كتاب الآلات الفلكية المسمى جامع المبادئ والغايات لأبي الحسن علي المراكشي وتآليف شتى لابن يونس ولأبي الوفاء وكتب عدة مقالات في تاريخ الشرق وعلومه الرياضية. كانت وفاته سنة 1833. وسيأتي ذكر ولده في محله.
وزاد عن سيديليو شهرة مستشرق إفرنسي آخر كوسان دي برسفال (J. J. A.
(1/69)

Caussin de Perceval) كان مولده سنة 1759 وتوفي سنة 1835. تولى نظارة المخطوطات الشرقية في باريس وعلم اللغة العربية في مكتبها الملكي وألف كتباً عديدة في آداب العرب وتاريخهم منها المعلقات السبع وكتاب الزيج الكبير الحاكمي لأبي الحسن على ابن يونس الفلكي وكتاب الصور السماوية الشيخ عبد الرحمن الصوفي ونقل الكتابين إلى الافرنسية وطبع أيضاً مقامات الحريري وأمثال لقمان وملحقاً على كتاب ألف ليلة وليلة في مجلدين وتاريخ صقلية في عهد الإسلام للنويري وخلّف ابناً اشتهر مثله في معرفة أحوال العرب سنذكره.
ومن تلامذة دي ساسي الذين توفاهم الله في هذا الزمن جوبار (Pierre Amedee Jaubert) كان درس اللغات الشرقية في باريس ورافق نابوليون الأول في رحلته إلى مصر بصفة ترجمان ثم تجول في أنحاء أرمينية والعجم وكتب أخبار رحلته وعلّم في عاصمة فرنسة اللغتين التركية والفارسية وصنف فيها كتباً وكان يُحسن العربية وهو الذي نقل جغرافية الشريف الإدريسي (نزهة المشتاق) إلى الافرنسية في مجلدين طُبعا في باريس سنة 1836 - 1840 وترجم أيضاً كتاب تاريخ غانة. توفي سنة 1847.
وممن تخرجوا أيضاً على العلامة دي ساسي همبرت (J. Humbert) كان مولده في جنيفة عاصمة سويسرة 1792 وفيها درس اللغات الشرقية بعد أن تلقنها في باريس. وكان عالماً باللغة العربية وله فيها بعض آثار مشكورة منها منتخبات شعرية مع ترجمتها إلى الافرنسية وعدة كتب مدرسية لدرس العربية صنفها في اللاتينية والافرنسية ومنها مقالات انتقادية ونظرية في علوم العرب ولغتهم. توفي همبرت سنة 1851.
وأزهر في هذا الزمان بعض المستشرقين الألمان منهم أرسنت فردريك روزنمولر E. E. M. Rosemuller) من أساتذة اللغات الشرقية البارعين مات سنة 1835 وكان مولده سنة 1768. أخذ العلوم الدينية عن أبيه أحد زعماء مذهب البروتستانت ثم درس في ليبسيك اللغات الشرقية ولما أتقنها صار أحد أساتذتها وله مطبوعات متعددة تدل على براعته في معرفة اللغة العربية منها غراماطيق عربي في اللاتينية ومنها مقتطفات في ثلاثة أجزاء مع ترجمتها إلى اللاتينية وكذلك نقل إليها معلقة زهير وبعض مقامات
(1/70)

الحريري وطرفاً من أمثال الميداني. ولكن معظم كتاباته كانت في تفسير الأسفار المقدسة توفي في ليبسيك سنة 1835.
وفي سنة وفاة روزنمولر 1835 توفي وطنيُه الشهير كلابروث (H. G. Klaproth) ولد في برلين من أسرة شريفة سنة 1783 وكان أبوه أحد علماء الطبيعة المعدودين وآثر ابنه درس اللغات الشرقية ورحل إلى روسية لهذه الغاية وتجول أقطار أوربة ثم عاد إلى وطنه فقلدته الحكومة تدريس العلوم الشرقية فقام بمهنته أحسن قيام. وهو ممن سعوا في مقابلة لغات آسيا وبيان ائتلافها فألف في ذلك كتاباً كبيراً (Asia Polyglotta) وله كتاب آخر في الأصول السامية وقد صنف تآليف غيرها في معظم لغات الشرق وفي تاريخ أممه وآدابها. وبرز خصوصاً في اللغات التترية والكرجية.
واشتهر في زمانه المعلم هابخت (C. M. Habicht) ولد في برسلو سنة 1775 وتوفي سنة 1839 جاء باريس في عهد دي ساسي ودرس عليه وعلى الأب رافائيل المصري اللغة العربية ثم عهد إليه بتدريسها في بلده وقد نشر مجموعاً من الرسائل العربية المكتوبة في مراكش ومصر والشام ونقلها إلى اللاتينية ثم طبع نخبة من أمثال الميداني وعلق عليها التعليقات الحسنة وهو أول من سعى بطبع كتاب ألف ليلة وليلة فباشر به سنة 1825 وطبع منه ثمانية أجزاء قبل وفاته ثم أنجز الباقي منه المعلم فليشر. ولها بخت ترجمة ألمانية لهذا الكتاب مع عالمين آخرين من تلامذته هاغن (V. d. Hagen) وشال (Schall) وله أيضاً عدة مقالات في المجلات الشرقية.
ومن أفاضل المستشرقين الألمان الذين فقدهم العلم في هذا الطور جزنيوس (H. W. Gesenius) ولد سنة 1786 ومات سنة 1842 انقطع منذ صغره إلى درس اللغات السامية فبرز فيها وصار في بلاده إماماً يقتدي بمثله ويؤخذ عنه. قيل إن عدد طلبة دروسه أربى في مدينة هال على الألف. وقد ترك آثارا جليلة في أكثر اللغات الشرقية كالسريانية والكلدانية والفينيقية والحميرية والسامرية لكنه كان في العبرانية حجّة وله المعجم الكبير في ثلاثة مجلدات لا يزال العلماء يرجعون إليه وقد طبع الطبعات العديدة. وكان يُحسن أيضاً العربية كما يظهر من مقالاته في المعجمين السريانيين والعربيين لبَر علي وبر بهلول ومن رسالته في اللغة المالطية.
(1/71)

واشتهر في هذا الزمان كاتب آخر هو بولس (H. Eb. G. Paulus) من مستشرقي الألمان درس اللغات الشرقية في كلية توبنغ ثم في لندن وفي أكسفرد واشتهر في الدروس الكتابية وشرح الأسفار المقدسة مع كونه لم يعتقد بالوحي. وله من الآثار كتاب مختصر باللاتينية في أصول العربية وسعى بطبع الترجمة العربية للكتب المقدسة التي ألفها سعدي الفيومي في القرن التاسع للميلاد وعلّق عليها شروحاً. كان مولده سنة 1761 ووفاته سنة 1850.
وعرف أيضاً في هذا الطور الألماني فراهن (C. M. Frhaen) ولد في روستك سنة 1782 انتدبه قيصر روسيا للتعليم في كلية قازان وكانت وفاته في بطرسبورج سنة 1851 كان من كبار المستشرقين الألمان واشتهر خصوصاً في معرفة النقود الشرقية القديمة وله من التآليف نيف و200 كتاب وقد نشر عدة صفات عربية ونقلها إلى اللاتينية أخضها رسالة ابن فضلان في روسية وأهلها نقلها إلى الألمانية وأضاف إليها ما وجده في كتب العرب عن قبائل روسية القديمة ومنها كتاب تحفة الدهر في عجائب البر والبحر لشمس الدين الدمشقي لم يتم فأنجزه بعد وفاته العلامة مهرن (Mehren) ومنها مقالة ابن الوردي في مصر أخذها من كتابه خريدة العجائب. وله أيضاً عدة مقالات في النقود العربية.
أما الانكليز فعرف منهم في هذا الزمان وليم مارسدن (W. Marsden) كان مواده في دوبلين سنة 1754 ثم رحل إلى سوماترة وبقي فيها مدةً ووضع تاريخها وكتب في اللغة الماليزية واشتهر في كتاباته في النقود القديمة والنقود الاسلامية وكان له مكتبة شرقية كثيرة المخطوطات العربية أهداها إلى خزانة المتحف البريطاني. كانت وفاته سنة 1836.
ولم يبلغ أحد في هولندة ما بلغه في هذه المدة الأستاذ هماكر (H. A. Hamaker) ولد في أمستردام سنة 1789 وتخرج على المستشرق فلمت (ص46) وتعلم بزمن قليل اللغات السامية فضلاً عن سائر لغات أوربة وانتدبته الحكومة إلى التدريس في كلية ليدن فعلم هناك العربية والسريانية والكلدانية وأحرز له شهرة قلما يبلغها العلماء وأبقى آثاراً عربية متعددة منها وصف المخطوطات العربية في مكتبة ليدن ونشر قسماً من تآليف بعض مشاهير العرب كالواقدي والمقريزي ورسالة ابن زيدون
(1/72)

وتاريخ أحمد بن طولون. واشتهر كثير من تلامذته.
ويذكر البلجكيون بالفخر أحد مشاهير علمائهم اوجين جاكه (Engene Jacquet) الذي وقف حياته على درس لغات الشرق وتواريخه ولد سنة 1811 وتوفي سنة 1838.

الفصل الخامس
الآداب العربية من السنة 1850 إلى 1870
كانت حالة الآداب العربية في هذا الطور الثالث كحالة الحدث الذي يدخل في شبابه ويشعر بقوته فيحول أفكاره إلى عالم العلم ومنتدى الآداب وهو إلى ذلك الحد مشغول البال بشواغل أترابه الأحداث لا يجد كبير نفع بأمور العقل والأبحاث العلمية والاتساع في آداب اللغة وأساليب الكتابة.
أما ما امتاز به هذا الطور فإنشاء الجرائد في الشرق. والظاهر أن أول جريدة ظهرت في الممالك المحروسة إنما كانت في أزمير أنشأها المسيو بلاك (Al. Blacque) سنة 1825 ودعاها ببريد أزمير (Le Courrier Smyrne) ثم استدعاه جلالة السلطان محمود الثاني إلى دار السعادة فأنشأ فيها جريدة افرنسية دعاها البشير العثماني (Moniteur Ottoman) سنة 1831 ثم عقبها في السنة التالية بجريدة تركية تدعى (تقويمي وقائع) لكنه مات بعد قليل سنة 1836. وأنشأ السائح الإنكليزي شرشل (Churchill) جريدة أخرى سنة 1843 سمّاها (جريدئي حوادث) . أما الصحافة العربية فنشأت أولا في مصر بطبع (الوقائع المصرية) التي صدرت سنة 1828 على عهد محمد علي باشا فظهرت سنين عديدة. وكان ظهورها ثلاث مرات في الأسبوع. ثم توفرت الجرائد في الممالك المحروسة حتى أن سالنامة سنة 1268 (1851 - 1852) المطبوعة في دار السلام عدت منها 11 جريدة في الاستانة العلية و5 في أزمير و4 في مصر Cfr. Journ. As. I) (852 p. 248 اللغات في التركية
(1/73)

والفرنسوية والأرمنية واليونانية والعبرانية العربية. وفي تشرين الأول من السنة 1854 أنشأ رزق الله حسُّون الحلبي أوَّل جريدة عربية في دار السعادة وسمَّها (مرآة الأحوال) ولعلَّه باشر طبعه في لندن وخلفتها سنة 1857 جريدة السلطنة لمحررها اسكندر أفندي شلهوب. أما سورية فكانت أول جرائدها (حديقة الأخبار) أنشأها فقيد الآداب المتوفى في 26 ت1 سنة 1907 خليل الخوري ظهر أول أعدادها في غرة كانون الثاني من السنة 1858 ولم تزل في الوجود حتى وفاة منشئها فانطفأ سراج حياتها معه. وفي سنة إنشاء حديقة الأخبار ظهرت في مرسيلية جريدة (عطارد) كان يديرها المستشرق كرلتي (Carletti) .
وأنشئت في أثر تلك النشرات عدة جرائد أخصها (الرائد التونسي) وهي جريدة تونس الرسمية سنة 1860. وفي تموز منها أنشأ الشيخ أحمد فارس الشدياق في الأستانة جريدة الجوائب فبقي فيها إلى السنة 1884 وفي ذلك الوقت أيضاً ظهرت في باريس جريدة البرجيس كان يحررها سليمان الحرائري التونسي. وعقبها في دمشق جريدة سورية الرسمية ظهرت 1865. ثم وليها في مصر جريدة وادي النيل سنة 1867.
وفي تلك الأثناء شرع المرسلون الأمريكيون في بيروت بتحرير جريدة دينية دعوها (النشرة الشهرية) ثم أبدلوها في غرة السنة 1870 بالنشرة الأسبوعية. فكان ذلك داعياً لنشر جريدة كاثوليكية أنشأها الآباء اليسوعيون في السنة نفسها ودعوها (المجمع الفاتيكاني) ثم عقبها (البشير) في أيلول من تلك السنة وكان أولاً على قطع المجلات ثم طبع على قطع الجرائد ولم يزل في اتساع وتحسين حتى صار كما هو اليوم في جملة الصحائف الراقية يصدر ثلاث مرات في الأسبوع.
ورأت السنة 1870 إنشاء جرائد ومجلات أخرى كالزهرة وكانت جريدة أخبارية
(1/74)

عني بنشرها الأديب يوسف الشلفون والنحلة للقس لويس صابونجي السرياني وكانت أدبية وعلمية والنجاح كانت إخبارية سياسية أنشأها القس المذكور مع يوسف الشلفون. ثم صارت ملكاً للمرحوم الصقلى خضرا بشراكة الطيب الذكر المطران يوسف الدبس. وفي تلك السنة ذاتها أنشأ المعلم بطرس البستاني وابنه سليم مجلة الجنان وجريدة الجنة فصار لهما رواج.
ومما امتاز به هذا الطور الثالث أيضاً الجمعيات العلمية في الشرق فعقد جمعية آسيوية (إنجمن دانش) في دار السلام نشرت قوانينها وأسماء أعضاءها في المجلة الآسيوية الألمانية (ZDMG. VI 278 - 285) وكذلك أخذ العلماء المصريون يضمون قواهم لنشر الآداب فبهمتهم طبعت في بولاق تآليف معتبرة كالأغاني لأبي الفرج الأصفهاني وأمثال الميداني وإحياء علوم الدين للغزالي والخطط للمقريزي.
ولم تخل سورية من جمعيات علمية نفعت الآداب بأفكارها الراقية ومساعيها بترقية المعارف ومنشوراتها الحسنة. وكانت أولها جمعية أدبية سعى بعقدها بعض مشاهير لبنان في بيروت سنة 1847 فلم تطل مدتها. ثم الجمعية الشرقية التي أنشأت سنة 1850 في دير الآباء اليسوعيين في بيروت. روى جناب يوسف أفندي آليان سركيس أخبارها في (المشرق 12 (1909) : 32 - 38) انتظم فيها كثير من أدباء ذلك العهد كالدكتور سوكة والطبيب إبراهيم أفندي ومارون نقاش وفرنسيس مسك وإبراهيم مشاقة وطنوس الشدياق وحبيب اليازجي.
ثم خلفتها سنة 1857 الجمعية السورية وضمت إليها عدداً من الذوات كحسين أفندي بيهم والأمير محمد أمين والوجوه إبراهيم فخري بك وبولس دباس والشيخ ناصيف اليازجي والأدباء بطرس البستاني وسليم رمضان وسليم شحادة والدكتور سوكة وعبد الرحيم بدران وعالي سميث وموسى يوحنا فريج وحنين الخوري ويوسف الشلفون وحبيب الجلخ. ثم اتسعت دائرة أعمالها ونالت من الدولة العلية الرخصة بنشر أبحاثها فنشرت أولاً من حين إلى آخر دون وقت محدد ثم طبعت قوانينها سنة 1868 وصدرت أعمالها في كل شهر بنظام فأرخها سليم أفندي رمضان:
قلت للدهرُ والنجاحُ تبدَّى ... قمراً في بلادنا السوريَّة
أيَّ يومٍ يتم ذا قال أرخ ... يوم فتح الجمعَّية العلميَّة
(1284هـ) .
(1/75)

وطبعت هذه النشرة خمس سنوات ثم عدل عن طبعها. وقد نفعت تلك الجمعية المعارف والآداب بهمة أعضائها الذين سنذكرهم في تواريخ وفاتهم. وكان مثلهم مؤثراً في غيرهم لا سيما أن أصحاب الأمر وعمال الدول العلية كانوا يقدرون قدرهم وينشطون هممهم وربما شرفوا جمعياتهم الأدبية كأصحاب الدولة فؤاد باشا ويوسف كامل باشا ومصطفى فاضل باشا ومحمد رشدي باشا وأصحاب السعادة قناصل الدول وغيرهم أما المدارس فإنها زادت في هذا الطور ترقياً لا سيما مدارس المرسلين الكاثوليك من ذكور وإناث ومدارس الأميركان لا سيما كليتهم التي علموا فيها اللغات والعلوم وكانت الدروس تلقى فيها أولا بالعربية وطبعوا عدة كتب مدرسية في ضروب العلوم كالطبيعيات والرياضيات والهيئة والكيميا والجغرافيا ثم عدلوا عنها إلى اللغة الإنكليزية لتوفر أسبابها لديهم.
وقد أنشئت في هذا الطور مدارس جيدة أخصها المكتب العسكري الذي ترقى بهمة أصحابه ونال الشهرة في أنحاء سورية. والمدرسة الوطنية التي فتحها بطرس اليستاني سنة 1863 في بيروت فجارت في تعاليمها بقية مدارس المدينة بمساعي منشئها وولده سليم. وفي السنة 1864 وضع الطيب الذكر غريغوريوس يوسف بطريرك الروم الكاثوليك أساسات المدرسة البطريركية فذاعت شهرتها وأقبل إليها الطلبة من الشام ومصر وقبرس وتخرج فيها كثيرون من الأدباء فنبغوا في المعارف والآداب العربية. ولم يلبث السيد البطريرك أن فتح أيضاً في عين تراز مدرسة اكليريكية لتهذيب طلبة الكهنوت. وفي السنة 1865 أنشأ الروم الأرثذكس مدرسة الثلاثة الأقمار على طرز المدرسة الوطنية. ومن المدارس المارونية المنشأة في ذلك الوقت مدرستان في عرمون أنشأ الواحدة همام مراد سنة 1865 وعرفت بمدرسة مار نيقولا العريمة والأخرى مدرسة المحبة جددها الخوري ميخائيل سباط سنة 1867 أما المطابع فإنها في مدة العشرين السنة أصدرت عدداً لا يحصى من المطبوعات في كل الفنون سواء كان في سورية أو في مصر والهند. وقد ذكرنا تاريخ معظم هذه المطابع في الشرق في أعداد السنين 1900 - 1902. ففي سنة 1852 أخذت مطبعتنا الكاثوليكية تطبع على الحروف بعد طبعها على الحجر. ومما استجد من المطابع في هذا الزمان في بيروت المطبعة السورية التي أنشأها المرحوم خليل أفندي الخوري سنة 1857 وقد وصفنا تاريخها وقائمة مطبوعاتها في المشرق (3 (1900) : 998) وفي السنة التالية أحدث الدكتور إبراهيم النجار مطبعة عرفت بعد ذلك بالمطبعة الشرقية (المشرق 3: 1032) . وبعدها بثلاث سنوات نال يوسف الشلفون الرخصة بفتح مطبعة دعاها المطبعة العمومية (المشرق 3: 999) فنشر فيها عدة كتب ونشرات وجرائد. ثم ظهرت المطبعة المخلصية سنة 1865 فخدمت الآداب العربية نحو ثماني سنوات (المشرق 3: 1032) وفي السنة نفسها كانت المطبعة السريانية التي نقلت أدواتها بعد قليل إلى الشرفة (المشرق 4 (1901) : 89) وكذلك ظهرت وقتئذٍ المطبعة الوطنية لجرجس شاهين (المشرق 4: 86) ثم أنشأ جناب الأديب الفاضل خليل أفندي سركيس مطبعة المعارف سنة 1867 شركةً مع المعلم بطرس البستاني إلى سنة 1874 حيث أنشأ المطبعة الأدبية وكان آخر ما أنشئ من المطابع في
(1/76)

هذا الزمان سنة 1869 المطبعة اللبنانية لحنا جرجس الغرزوزي (المشرق 4: 86 - 87) ومطبعة الجمعية الأرثذكسية لجرجس يزبك التي لم تطل مدتها ولم تتجاوز مطبوعاتها ثلاثة أو أربعة كتب دينية وفي هذا الطور نفسه انتشر فن الطباعة العربية في لبنان وكان قبلها منحصراً في مطبعة مار يوحنا الصابغ في الشوير أما مطبعة قزحيا فكانت حروفها سريانية. وأول مطابع لبنان في هذا العهد مطبعة بيت الدين كان الساعي بإدارتها حنا بك أسعد أبي صعب باشر أولاً سنة 1853 ببعض المطبوعات الحجرية ثم طبع على الحروف سنة 1862. ثم ظهرت مطبعة دير طاميش سنة 1858 فوق وادي نهر الكلب (المشرق 4: 473) فاشتغلت عشر سنوات. وأنشأ المرحوم رومانوس يمين سنة 1859 مطبعة أهدن فشاركه في العمل الخوري يوسف الدبس (المشرق 4: 473) ثم ندب المرحوم داود باشا يوسف الشلفون لإنشاء مطبعة لمتصرفية لبنان فأنشئت المطبعة اللبنانية سنة 1863 تولى تدبيرها ملحم النجار ثم نقلها إلى دير القمر سنة 1869. وفي المطبعة اللبنانية طبعت جريدة لبنان الرسمية كان يحررها حبيب أفندي خالد (المشرق 4: 473)
أما الجهات فظهرت فيها أيضاً مطابع أخرى فأنشأ المرحوم حنا الدوماني
(1/77)

سنة 1855 في دمشق مطبعة انتقلت بعد ذلك بالشراء إلى حنا الحداد ثم إلى محمد أفندي الحفني. ثم جلبت ولاية سورية الجليلة سنة 1864 مطبعة نشرت فيها جريدتها الرسمية (سورية) مع عدة مطبوعات أخرى (المشرق 879:4) - وأنشأت في الموصل سنة 1856 مطبعة جليلة بإدارة حضرة الآباء الدومنيكان فأدت للدين والعلم والآداب خدماً متعددة ولم تزل إلى زمن الحرب جارية على خطتها (المشرق 5 (1902) : 422) . وفيها أنشأت أيضاً المطبعة الكلدانية بهمة الأديب الشماس رافائيل مازجي سنة 1863 (المشرق 840:5) . وظهرت في كربلاء مطبعة حجرية سنة 1856 طبعت فيها مقامات الشيخ محمود الآلوسي (المشرق 843:5) ثم استحضر المرزا عباس مطبعة أخرى حجرية في بغداد فعرفت بمطبعة كامل التبريزي ونفعت العلوم ببعض المنشورات نحو خمس سنوات (المشرق 843:5 - 844) . ثم بطلت تلك المطبعة بظهور مطبعة ولاية بغداد سنة 1869 فأصدرت جريدة الولاية ومطبوعات غيرها (المشرق 843:5) - وكذلك حلب فإن فن الطباعة تجدد فيها في أواسط القرن التاسع عشر. وكان أولاً أحد الفرنج المدعو بلفنطي السرديني نشر بعض المطبوعات الحجرية في الشهباء منها ديوان الفارض سنة 1257 (1841) وكتاب المزامير. ثم اهتم الطيب الأثر المطران يوسف مطر بإنشاء مطبعة على الحروف فطبع فيها منذ السنة 1857 إلى يومنا نحو 50 كتاباً بين كبير وصغير (المشرق 357:3 - 358) .
أما أوروبة فكانت فيها الدروس الشرقية لا سيما اللغات السامية على خطتها الشريفة. وكان عدد وافر من تلامذة دي ساسي قد انتشروا في أقطار شتى فبعثوا الهمم لدرس آثار الشرق ولغاته وإحياء دفائنه فعقدت جمعيات جديدة وأنشأت المدارس وتوفرت المطبوعات والخزائن الكتبية. وكانت فرنسة في مقدمة الدول لما كان بينها وبين أقطار الشرق من العلائق والمعاملات وخصوصاً بلاد الجزائر.
ومما ساعد على توفير أسباب الترقي للآداب العربية في هذا الطور الثالث بين نصارى الشرق خاصة بطاركة إجلاء محبون للعلوم وساعون في تنشيطها بين مرءوسيهم فكان يسوس طائفة الروم الكاثوليك الملكيين السيد المفضال مكسيموس مظلوم الذي مع وفرة أشغاله في تدبير بنية أبقى لهم من تآليفه أو ترجمته نيفاً وخمسين كتاباً طبع نحو نصفها في بيروت ورومية والأستانة ومصر وهي في كل ضروب العلوم من
(1/78)

لاهوت نظري وأدبي وجدل وأخبار قديسين وعبادة وطقوس وتاريخ وجغرافية وصرف ونحو وطبيعيات. فكان مثال جد ونشاط لم تخمد همته إلا مع خمود أنفاسه في 10 آب سنة 1855 فقال الشيخ ناصيف اليازجي يؤرخه:
مكسيموسُ المظلومُ بطركنا الذي ... قامت بهِ التقوى ولاح منارُها
صرف الحياة بغيرةٍ مشهورة ... يبقى على طول المدى تذكارُها
هو كوكبُ الشرق استقر قرارُه ... في جنة فتحت لهُ أخدارُها
ولأجله كتب المؤرّخ نظمهُ ... إن الكواكب في السماء قرارُها
وقام على الطائفة المارونية غبطة البطريرك بولس مسعد سنة 1854 وكان من البارعين في معرفة الأنساب والتاريخ الشرقي والحق القانوني خلف من كل هذه العلوم آثاراً حسنة.
وفي هذه الغضون كان على السريان الكاثوليك البطريرك أغناطيوس بطرس جروة وقد ذكرنا (ص75) بعض ما خلفه من المآثر العلمية. ولما دعاه الله إلى دار الخلود خلفه ذلك الرجل المفضال المبرات أغناطيوس أنطون السمحيري (1853 - 1864) الذي عني بتهذيب أكليروس طائفته في مدرسة الشرفة وفي مدرسة غزير ومدرسة البروباغندا في رومية العظمى فخرج من يلك المدارس رجال أفاضل سنذكرهم في تاريخ وفاتهم.
أما الأرمن الكاثوليك وكان يدبرهم البطريرك غريغوريوس بطرس الثامن منذ السنة 1843 فما كان لينسى تعزيز الآداب في طائفته فاهتم في نماء مدرسة بزمار وتنظيم كهنتها على قوانين خصوصية كما أنه أرسل إلى مدرسة غزير بعض بني جنسه فأنجزوا فيها دروسهم ثم اشتهروا في خدمة المنفوس ولهم تآليف دينية. ثم قام بتدبير الطائفة الأرمنية السيد أنطون حسون سنة 1866. وكان من رجال الفضل والعلم فجرى على مثال سلفه في نشر الآداب بين أبناء أمته.
وكذلك الكلدان فإن بطريركهم يوسف أودو (1848 - 1878) سعى في إنماء الآداب في ملته. وهو الذي أنشأ لأبناء طائفته مدرسة اكليريكية في الموصل وأرسل أحداثاً منهم إلى مدارس أخرى فنجحوا.
وقد عرفت الرسالة الأمريكية في هذا العهد بنشاط عظيم اشتهر بينها الدكتور
(1/79)

عالي سميث والدكتور طمسن والدكتور فان ديك فانكبوا على درس اللغة العربية حتى أتقنوها. وكان من أثمار اجتهادهم ترجمة الكتاب المقدس باشر فيها سنة 1849 الدكتور سميث بمعاونة المعلم بطرس البستاني فعرب قسماً من كتب موسى ثم توفي سنة 1857 فقام بتعريبها من بعده الدكتور فان ديك ولم يزل يفرغ في إنجاز العمل كنانة جهده حتى انتهى منه سنة 1864 بمساعدة الشيخ ناصيف اليازجي ثم طبع الكتاب سنة 1867. ولم تثبت فيه الأسفار المعروفة بالقانونية الثانوية. وصار لهذه الترجمة رواج كبير حتى أتت من بعدها ترجمة الآباء اليسوعيين بمساعدة المرحوم إبراهيم اليازجي فكانت أضبط نقلاً وأشمل موضوعاً وأبلغ لساناً وأجود طبعاً فصارت تعتبر كالترجمة الرسمية لجميع الكاثوليك الناطقين بالضاد.

الآداب الإسلامية في هذا الطور (1850 - 1870)
انحصرت الآداب الإسلامية في هذا الطور الثالث أعني من السنة 1850 إلى 1870 في العلوم اللسانية خاصة من صرف ونحو ولغة وبديع وبيان وشعر وأدبيات منثورة. أما التاريخ والعلوم الطبيعية والهيئة والرياضيات فإن التأليف فيها كان نادراً. إلا أن بعض الأدباء كالشيخ الرفاعي الطحطاوي في مصر وسليمان الحرائري في الجزائر عربوا عدة مؤلفات أوربية في العلوم المستحدثة والاختراعات الجديدة فكان تعريباتهم دليلاً على سعة اللغة العربية ومرونتها وكفايتها لترويج المعارف العصرية. فنهج غيرهم منهجهم بعد ذلك لا سيما جماعة الأمريكان في بيروت. وهانحن نختصر تاريخ أدباء المسلمين في هذا الطور بذكر مشاهيرهم بلداً بلدا مباشرة بالشام ثم مصر ثم العراق وبقية البلاد.
(أدباء المسلمين في الشام) يحضرنا منهم أسماء قليلين ولعل مصنفات أكثرهم لا تزال مدفونة في بيوت الخاصة. فممن اشتهروا في هذه المدة بآدابهم السيد مصباح البربير اسمه محمد بن محمد البربير وجده أحمد البربير الشاعر الذي ذكرناه في جملة أدباء الطور الأول من القرن التاسع عشر. ولد محمد مصباح سنة 1261 (1845) وأظهر منذ صغره نجابة عظيمة فبعد إتقانه أصول اللغة ومن بعده العلوم على شيوخ بيروت في أيامه كالشيخ عبد الرحمن أفندي النحاس والشيخ عبد الله أفندي خالد البيروتي
(1/80)

وأخيه الشيخ إبراهيم البربير استخدم في مجلس التحقيق بوظيفة كاتب وكان في شرخ شبابه مولعاً بالشعر فينظم في أوقات الفراغ القصائد الرائقة التي تعرب عن جودة قريحته. وقد وافاه أجله فقصف غصن شبابه طرياً في وباء الهواء الأصفر الذي حدث سنة 1282 (1865م) . له ديوان صغير جمعه شقيقه الأديب عمر البربير فطبعه في المطبعة الأميركانية سنة 1290 (1873م) ودعاه البدر المنير ي نظم مصباح البربير. فمما نظمه مصباح قوله مؤرخاً بناء دار لوالده سنة 1279 (1862) :
لمحمَّد البربير داراً قد زهت ... ونجومُ مطلع عزّها حرَّاسُها
في بابها كتبَ المؤرخ قلُ بها ... دارٌ على التقوى أقيم أساسها
ومن ظريف أقواله تهنئة بمولد ابن عمه محمد نجيب بن محمد البربير سنة 1282:
بُشراك أحمد قد أتاكَ نجيبُ ... حيَيَتْ بمرآهُ نُهىّ وقلوبُ
نجلٌ كُسي من كل ظرفٍ حلَّةً ... فهو الحبيبُ بلا أبوهُ حبيبُ
قد لاحَ في أفق السعادة ساطعاً ... إن غابت الأقمارُ ليس يغيبُ
في مهدهِ كالعندليب مغرداً ... وكذا اللبيبُ من المهاد لبيبُ
نادت علاماتُ السعود بوجههِ ... يحيي سعيداً إنه لأديبُ
وله مكاتبات مع بعض أدباء زمانه نخص منهم بالذكر ناصيف اليازجي وكان هذا كتب إليه:
برعتَ واللهِ في قولٍ وفي عملٍ ... لفظاً ومعناً وتهذيباً وإفصاحا
أعطاك ربك نوراً يستضاءُ بهِ ... فقد أصاب الذي سماكَ مصباحا
فأجابه محمد مصباح بقوله:
يا من غدا شعرهُ الشعريَ فكان لنا ... قاموسَ فضلِ وللتلخيصِ إيضاحا
لأنتَ شمسُ علومٍ حين مطلعها ... كم أخجلتْ قمراً يزهو ومصباحا
وقد رثاه الشيخ إبراهيم الأحدب وأرخ ضريحه بهذه الأبيات:
ضريحٌ حلهُ مصباحُ فضلٍ ... سناهُ في سماء المجد عالي
إلى عليا بني البربير يُعزى ... لهُ نسبٌ ينير دجى الليالي
فقال منظّم التاريخ وافٍ ... سنا مصباحَ مشكاة المعالي
(محمد أرسلان) واشتهر أيضاً في الشام بأدبه وتآليفه الأمير محمد ابن الأمير أمين أرسلان ولد في الشويفات سنة 1254 (1838) وطلب العلوم منذ حداثة
(1/81)

سنه وتعلم اللغات الأجنبية فضلاً عن اللغات الوطنية. ولما بلغ الخامسة عشرة من عمره فوضت إليه الحكومة السنية إدارة الغرب الأسفل فتولاها تحت نظاره والده حتى مات والده سنة 1275 (1858) فقام بعمله. ثم انتقل إلى بيروت مع أهل بيته واستوطنها وتفرغ للتأليف والكتابة وكان عضداً لكل طالبي الآداب ساعياً في ترويج العلوم يجمع في داره محبي المعارف. وسنة 1275 (1868) استدعته الدولة العلية إلى الأستانة لتعهد إليه بعض المهام لكن الموت عجله عند وصوله فمات بمرض القلب وله من العمر 31 سنة وقد أبقى المترجم عدة تآليف لا تزال مخطوطة منها كتاب في أصول التاريخ وعدة تآليف في الصرف والنحو والمنطق وكتاب حقائق النعمة في أصول الحكمة والمسامرة في المناظرة وتعديل الأفكار في تقويم الأشعار وتوجيه الطلاب في علم الآداب والتحفة الرشدية في اللغة التركية الذي نشر بالطبع. وكان بين الأمير محمد أمين وأدباء زمانه مكاتبات تدل على براعته في فنون الآداب. وهو ممن مدحه الشيخ ناصيف اليازجي فله في أبيه الأمير أمين وفيه أقوال حسنة فقال في الأمير أمين:
كريمٌ لا يضيعُ لديهِ حقُ ... فقد سُمّي أميناً بالصوابِ
وليس يخلو في الدنيا بشيء ... لغير المال من حفظ الصحاب
ويُدركنا نداه حيثُ كنا ... على حال ابتعادٍ واقترابٍ
وتُكسبنا مكارمهُ ارتفاعاً ... كصفر زاد في رقم الحسابِ
فدام نداهُ يَقْرَع كلَّ بابٍ ... ويأتيهِ الثنا من كل بابِ
ومن حسن أقواله في الأمير محمد ما كتبه إليه يعزيه في أبيه بقصيدة كان مطلعها:
ما دام هذا اليومُ يخلفهُ غدُ ... لا تُنْكروا أن القديمَ يُجَدَّدُ
لا تُقَطع الأغصانُ من شجراتها ... إلا رأينا غيرها يتولَّدُ
هذا الأمينُ مضى فقام محمَّد ... خلفاً فنابَ عن الأمين محمَّدُ
وختمها بقوله:
خَلفٌ كريمٌ أشبهَ السلفَ الذي ... كانت لهُ كلَّ الخلائق تَشْهَدُ
ما كان يوجَدُ كالأمين بعصرهِ ... واليومَ مثلُ محمدٍ لا يوجدُ
وقد مدح أحمد فارس الشدياق بلامية أولها:
إن الأمير محمداً مفضالُ ... من آل رِسلانَ ونعمَ الآلُ
(1/82)

وقال يصف معارفه:
سيَّان في نظمٍ ونثرِ قولهُ ... فصلٌ وحكمٌ لا يليهِ عدالُ
قد ألفَ الكُتب التي شهدت بأنْ ... أصحاب أرسطو عليهِ عيالُ
فأجاد في التاريخ أي إجادةٍ ... وبكلّ فنٍّ لم يَفُتهُ مقالُ
وقال الشاعر المشهور أسعد طراد يعزيه بوالده بقصيدة هذا مطلعها:
الأرضُ تخبر والجماجمُ تشهدُ ... إن ابن آدم فوقها لا يخْلدُ
ومنها في مدح الفقيد:
غدت بنو رسلانَ نائحةً ومن ... فرط الأسى أمست تقومُ وتقعدُ
لك يا أمين مع القلوب أمانةٌ ... حزنٌ بها أودعتها لا يُنْفدُ
فارقتَ لبنان الذي مهَّدتهُ ... عدلاً وكان الظن لا يتمَّهدُ
أضرمتَ ناراً في القلوب كأنها ... نارُ القرى بحماك ليست تخمدُ
(محمود بن خليل) وممن نقدر وفاته في هذا الوقت الشاعر محمود بن خليل الشهير بالعظم الدمشقي له في المكتبة الخديوية (353:4) ديوان شعر خطه سند 1284 (1867م) الأديب أحمد زكية. وكان صاحب الديوان موجوداً سنة 1285 (1868م) .
ولا نشك في أنه اشتهر في هذا الطور من أدباء المسلمين في الشام غير هذين المذكورين إلا أن أخبارهم لم تنشر حتى الآن فلم نقف على تاريخهم. ومما وقع في أيدينا منذ عهد قريب مجموع فيه قصائد لشعراء بلاد الشام في القرن السابق نظموها في مدح على بك الأسعد من البيوتات الشريفة في طرابلس فهناك أسماء عدة أدباء مر لنا ذكر بعضهم كالشيخ عمر اليافي والسيد أحمد البربير والشيخ عبد اللطيف أفندي فتح الله مفتي بيروت وبطرس كرامة والياس أده والبعض الآخر لم نعرف منهم غير أسماؤهم كالشيخ عثمان والشيخ عمر البكري والشيخ مصطفى الكردي والحاج علي ابن السيد البكري والسيد عمر أفندي الكيلاني. ولكلهم قصائد أجادوا فيها لكننا نعرض عن ذكرها لجهلنا أخبار قائليها.
(أدباء مصر) خلف لنا أدباء المسلمين المصريين مادة أوسع من أخوتهم في الشام ومما ساعد على حفظها انتشارها بالطبع فسلمت من الضياع. ودونك أسماءهم:
(1/83)

(علي الدرويش) هو السيد علي أفندي الدرويش بن حسن بن إبراهيم المصري الشاعر المفلق أصاب في أواسط القرن التاسع عشر شهرة كبيرة في القطر المصري وتقرب من أصحاب الأمر ومن أدباء وطنه فمدحهم وكاتبهم. ولما توفي سنة 1270 (1853م) جمع ديوانه وأقواله النثرية تلميذه مصطفى سلامة النجاري فطبعه على الحجر في مصر في 482 صفحة وعنونه بالأشعار في حميد الأشعار (1270) . وهانحن نورد منه بعض أمثلة بياناً لفضل قائله. قال مؤرخاً فصر صديقه عرفي أفندي:
وقصرٍ كالسماء به نجومٌ ... مطالعُها السعادة والبدورُ
على أقطاره تبكي عيونٌ ... إذا ابتسمت لوارده زهورُ
فليس وافد وافاهُ نهرُ ... وقد نفذت لمدحته البُحورُ
وحسبُك روضةٌ في كل مجدٍ ... وفضل بالبنان لهُ يشيرُ
تقاصَر من سناهُ ذو ثناءً ... وحسن القصر ما فيه قصورُ
يقول العزّ والإسعاد أرخْ ... سعود البيت يا عرفي منيرُ (1259هـ) .
وقال شاكراً:
سُررتُ بالنيل القصد من غير موعدٍ ... ولا شيء أسهى من سرورِ مجددِ
سُررت بنعماه ولكن حزنتُ من ... قصوري بحق الشكر في فضلَ سيدي
لهُ الحمدُ والشكر الذي هو أهلهُ ... وقلُّ لهُ حمدي وشكري ومنشدي
فلو كل عضوٍ فيهِ عدَّة ألسُنِ ... لأعجزني شكر الندى المتعددِ
وهل أنا إلا عبد إحسان عفوكم ... فأضحى لديهِ مدحكم كالتعبُّدِ
تعودتُ لولا لطفكم غير عادتي ... وصعب على الإنسان ما لم يعودِ
وزدتم نعيمي نعمةً أبديةً ... وزدتم مقامي رفعة فوق مقصدي
وكدرتمُ ظن الحسود بنعمة ... وأشهى من الإنعام تكدير حسَّدي
وحمَّلتني ما لا أطيق وجوبهُ ... فينطق حالي عن لساني المعقّدِ
فيا أسعدَ الله السعيدَ لملكهِ ... ودولتهِ والموكب المتجددِ
فقد اشغل الدرويش شكراً مؤرخاً ... مليك سعيد النجم خير محمدٍ
(شهاب الدين) وقد فاق علي درويش شاعر آخر كان يعاصره وهو الأديب الأريب السيد شهاب الدين محمد ابن إسماعيل ولد في مكة سنة 1218 (1803م) ثم قصد مصر فدرس على مشايخها لا سيما شيخي الأزهر محمد العروسي وحسن العطار فبرع في الكتابة والشعر. ولما أنشأ الشيخ حسن أول جريدة طبعت في الشرق وهي الوقائع المصرية سنة 1828 اتخذ كمساعد له في إنشائها شهاب الدين
(1/84)

المذكور ثم خلفه في إدارتها سنة 1252 (1836م) وجعل مصححاً لمطبوعات مطبعة بولاق الشهيرة وبقي في مهنته إلى السنة 1266 (1849م) وانقطع إلى الكتابة والتأليف. وكانت وفاته سنة 1274هـ (1857م) وقد أبقى السيد شهاب الدين من تآليفه كتاب (سفينة الملك ونفيسة الفلك) ضمنها مجموعاً وافياً من الزجليات والموشحات والأهازيج والموالي التي يتغنى بها أرباب الفن في مجالي الأفراح ومعاهد السرور ولما أتمه سنة 1259 قال في تاريخه:
هذه سفينةُ فنٍ بالمُنى شُحنتْ ... والفضلُ في بحرهِ العجَّاج أجراها
وإذ جرت بالأماني فيهِ أرَّخها ... سفينةُ البحر بسمِ الله مجراها
ثم طبع سنة 1277 (1860م) ديوان شعره في 380 صفحة وفيه القصائد الرنانة في كل فنون العروض ومعاني الشعر. فمن نظمه قوله يصف مزولة أنشأها حضرة سلامة أفندي المهندس لجامع القلعة لبيان الأوقات والساعات بحساب البروج الإثني عشر:
ومُظهرةٍ للوقت ظهراً وغيرهُ ... والبرج أيضاً فهي واحدةُ العصرِ
سلامةُ منشي رسمها وحسابها ... لجامع خيراتٍ تفرَّد في مصرٍ
وقال من قصيدة يمدح بطرس بكتي قنصل دولة روسية إذ زاره يوماً:
أتى ينجلي كالبدر في سندسَّية ... وهل حلَّ في الآفاق بدرٌ بأطلسِ
فتم لي الصفو الذي كاد حظُهُ ... يكونُ كحظي يوم ايناسِ بطرسِ
ألا وهو تاج الفخر والحسن والبها ... مشيّد أركان المكرماتِ المؤَسسِ
جميل السجايا الألمعيّ فطانةً ... رقيق الحواشي ذو الحجى والتفرُّسِ
هشوشُ المحيَّا ضاحك السن دائماً ... حليفُ المعاني ذو الجناب المقدَّسِ
بنفسٍ أفديهِ وقد جاءَ زائراً ... بتشنيف أسماعٍ وتشريف مجلسِ
يصوغُ لهُ نظمي نفيسَ مدائحٍ ... فتثنيهِ غايات الكمال بأنفسِ
وقال عن لسان بعض الكاثوليك يمدح كبير ملتهم وكان المذكور التمس منه ذلك:
بابا النصارى مربي روح ملَّتهم ... حامي حمى كل شماَّس وقسّيسِ
شخصٌ ولكن هيولى روحهِ ملَكٌ ... وجسمهُ صورةٌ في شكل قديسِ
أقام وهو وحيد العصر مفردهُ ... دين النصارى بتثليثٍ وتغطيسِ
تسعى الملوك إلى تقبيل راحتهِ ... في البحر والبرّ فوق الفلك والعيسِ
أحيا الكنائسَ جسماً بعد ما درست ... وشيّد الروح تشييداً بتأسيسِ
(1/85)

فعظّموا الربّ فيها بالصلاة لهُ ... ومجدوهُ بتسبيحٍ وتقديسٍ
وله في مديح حنا البحري من قصيدة:
هو كهفٌ إذا لجأنا إليهِ ... في مَخُوفٍ ممَّا نخافُ أمنَّا
من أتاهُ مستنصراً بحماهُ ... عاد بالنصرِ بالغاً ما تمَّنى
كلَّما عن أمرُ خطب مهمْ ... بك فيما نراهُ عن استعنَّا
يصنعُ المكرمات سراً وجهراً ... وهو في عون من يقولُ أعنَّا
كلُّ من قد رآهُ وهو بشوشُ ... عنه ولَّت همومهُ واطمأنّا
وله قصيدة طويلة في مدح نصر الله (نصري) الطرابلسي الشاعر الذي مر لنا ذكره هذا أولها:
لا رعى الله يوم حان وداعي ... أنه جالبٌ لَحيْني وَداعي
فيه قد أزمع الرفاقُ فراقاً ... واصات الشتاتُ شمل اجتماعي
وغدا الدمع سائلاً يتجارى ... وفؤادي في موقفِ الإيداع
إلى أن قال:
أتُرى هل تعودُ أوقاتُ أنسي ... وبقرب المزار تحضى رباعي
وإذا ما الزمان جاءَ بنصري ... وبحمد يُجزى وبشكر مساعي
هو بحرٌ تُروى المآثر عنهُ ... بل هو البرّ في جميع البقاعِ
روضُ آدابهِ الغضيضُ جناهُ ... عَطِرُ النشر طّيب الإيناع
وختمها بقوله:
زادك الله بهجةَ وكمالاً ... ما ترَّجى حسنَ الختامِ الداعي
ونظم الأبيات الآتية لترسم على سفرة الطعام:
أيُّها السيد الكريم تكرَّمْ ... وتناولْ ما شئت أكلاً شهياً
وتفضَّلْ بجبر خاطر مَنْ هُمْ ... أتقنوا صُنْعهُ وخذ منهُ شياً
وتحدَّث على الطعام وآنسْ ... واحداً واحداً بشوش المحيَّا
واستزدهم أكلاً وقلْ إن هذا ... طابَ نضجاً وصار غضاً طرياً
فهلمَّوا بنا ومدُّوا إليه ... أيدياً باعُها ينالُ الثريَّا
ثمَّ قُلْ يا أحبَّتي هل لكم في ... بعض شئٍ من النبيذ المهَّيا
ولئن ساغَ شربهُ للتمري ... فكلوا واشربوا هنياً مرياً
فإذا ما آكلت ضيفاً فأرخ ... أن هذا لرزقنا كل هنياً
(1/86)

(الشيخ البيجوري) وأشهر من السابقين شيخ الإسلام إبراهيم البيجوري. ولد في قرية البيجور بمديرية المنوفية سنة 1198 (1784م) وطلب العلوم في الأزهر مدة وتتلمذ للشيخين محمد الفضالي وحسن القويسني وغيرهما حتى نبغ بين طلبة الأزهر وتفرغ للتأليف فوضع كتباً عديدة في التوحيد والفقه والمنطق والتصريف والبيان واشتغل بالتدريس ثم انتهت إليه رئاسة الأزهر. قيل إن صاحب الدولة الخديوي عباس باشا كان يحضر دروسه في الأزهر. وكانت وفاته سنة 1277 (1860م) .
(إبراهيم بك مرزوق) ويلحق بأدباء مصر أحد مشاهير كتبتها إبراهيم بك مرزوق. ولد سنة 1233هـ (1817م) وكان منذ نعومة أظفاره مغرى بالآداب كثير الحفظ من مختار الشعر قيل إنه كان يحفظ منه عشرين ألف بيت كما أنه أحرز جملة وافرة من منتخب المتون العلمية ومأثور الأخبار. وكان كثير التصرف في فنون الكتابة ويحسن نظم الشعر. ورحل إلى بلاد السودان فكانت وفاته في الخرطوم سنة 1283 (1866م) وقد عني بجمع قصائده وطبعها الهمام محمد بك سعيد بن جعفر باشا مظهر وقسمها إلى سبعة أبواب على حسب معانيها ووسم هذا الديوان (بالدر البهي المنسوق بديوان الأديب إبراهيم بك مرزوق) وكان طبعه سنة 1287 (1870م) ومما جاء فيه من الحكميات قوله:
إن الفضيلة في الأنام غدت على ... شرف النفوس الشُّمّ أقوى حجَّة
فإذا ادعيت بأن أصلك يا فتى ... من سادة الأبطال أهل الهمَّة
أوضح لنا نور الشهامة مثلهم ... وعلى رفيع المجد أحْسنَ غيرة
وإذا أردت الفخر فاسهر دائباً ... لطلابهِ واهجر لذيذ الهجعةِ
فتكون ذا شرفٍ فتلك دلائل ... دلت على شرفٍ وكل فضيلةِ
وقال مستعطفاً لصديق نفر عنه:
يا معرضاً متجنباً ... حاشاك من نقض الذمامْ
مولاي ما لك قد بخلتَ م ... عليَّ حتى بالكلامْ
سلّم عليَّ إذا مرر ... تَ فلا أقلَّ من السلامْ
وقال يرثي اسكاروس أفندي الباش كاتب القبطي:
لا شكَّ عندي في فناء الوجودْ ... فأفضلُ السيرةِ خيرُ الوجودْ
(1/87)

والمرء مجزيُّ بأعمالهِ ... فشأنهُ يومَ تُقامُ الحدودْ
وإنما طوبى لمن قد قضى ... دنياهُ بالخير وسعد السعودْ
كالبارع اسكاروسَ في فضلهِ ... باهي الحجا والجد غيظ الحسودْ
فقل لراجي شأوهِ أرّخوا ... يكفى ثوى اسكاروسُ دارَ الخلودْ (1860م) .
وقد عرف في مصر غير هؤلاء ممن ورد ذكرهم في كتب الأدباء كالأستاذ الشيخ أحمد عبد الرحيم والشيخ مصطفى سلامة وكان كلاهما محرراً للوقائع المصرية في هذا الوقت. مدحهما صاحب كنز الرغائب في منتخبات الجوائب (ص121 و129) . وكذلك في مصنفا الشيخ ناصيف اليازجي مراسلات دارت بينه وبين أدباء مصر من المسلمين كالشيخ محمد عاقل أفندي كاشف زاده الإسكندري والشيخ حمد محمود أفندي الإسكندري. ولكلهم قصائد جيدة أثبتها الشيخ ناصيف في مجموع شعره لكننا لا نعرف من تاريخ أصحابها شيئاً. فمتا روى للشيخ محمد عاقل قوله يصف الهواء الأصفر:
دهانا بوادي النيل كالسَّيل حادثُ ... لهُ تذْهل الألبابُ حين يحيفُ
دَعوُه بريحٍ أصفر شاع ذكرهُ ... وما هو إلا هيضةٌ ونزيفُ
به احتارت الأفكارُ والعقل والنُّهى ... وكلُّ طبيب شأنهُ العلمُ موصوفُ
فلم يبقِ داراً لم يَزُرْها ولم يذرْ ... جناناً بهِ ركبُ السرور يطوفُ
ثُكلنا رجالاً للزمان نعدَّهم ... طروساً وهم للمعضلاتِ سيوفُ
تراهم ليوم اليأس والبأس عُدَّةً ... وجاهُهُم القاصدين منيفُ
وكم فيهم من أهل ذوقٍ وفطنةٍ ... وفيهم لطيفُ ألمعي أو ظريفُ
لقد أقشبت أقطارُ مصر لفقدهم ... وكان بهم روح الكمال قطيفُ
نأوا وأقاموا بارح الحزن في الحشا ... فليس بديلاً تالدُ وطريفُ
فشيعهم عقلي وفكري وفطنتي ... ولم يبقى من لبي لديَّ طفيفُ
وناقصَ أمثالي صحيحٌ مضاعفٌ ... ومهموز حزني أجوفٌ ولفيفُ
وقال يمدح بيروت وأدباءها وخصوصاً الشيخ ناصيف اليازجي:
لقد قصدوا بيروتَ دارَ أعزَّةِ ... لهم تنتمي الآلاء في اللفظ والمعنى
نزيلهمُ قد شكَّ في أصل دارهِ ... وصار يقين الأمر في علمه ظَّنا
مدينة ظرفِ ما بها غير فاضلِ ... بسيم وسيم قد حوى الحُسنَ والحسنى
تشد لهُ الألبابُ كل مطيةٍ ... مجرَّبة الإسعاف في كل ما عنَّا
(1/88)

صغيرهُم في المجد سيّد غيره ... على أنّ ذاك الغيرَ قدوةُ من أثنى
وما منهم إلا وقد شبَّ طوقهُ ... بنادي ناصيف اليازجي وقد أقنى
مجيد المعاني وهو للقول حجَّةٌ ... لأهل النّهى كم قد أجاد لنا فنَّا
ومن أقوال الزيلعي في المدح:
بلغتَ مقاماً لم تنله الأوائلُ ... وخزتَ كمالاً لم تبتغيه الأفاضلُ
ولستُ براءٍ غير فضلك يرتجي ... لكل مُلمٍ فيه تُدمى الصياقلُ
ولولاك لك تدر العلوم بأنَّها ... تُجَلُّ وإن قد بانَ منها دلائلُ
يطول لسان الفخرَ في فضلك الذي ... بنيتَ لهُ ركناً ليرجع ثاكلُ
ويقصر باع الدهر عن وصف ماجدِ ... لهُ جُمعت في المكرمات الفضائلُ
فيا لك من مجدٍ ويا لهُ من يدٍ ... تطول إذا مُدَّت وإن حال حائلُ
وقال حمد محمود أفندي من قصيدة متشوقاً إلى أهل الفضل في بيروت:
يا أهل بيروت إن لاقيتمُ كبدي ... فمتعوا جدركم من قبلُ بالخفرِ
أكبادُ أهل الهوى حرَّى وما بردت ... ألاّ لترمي من الأشواق بالشررِ
ودونكم حرَّ لي فهو رقكُم ... وارعوا ذمام شجٍ فيكم على سفرِ
ما كتموه بألفاظ همُ غررُ ... ورابحٌ من شرى الألبابَ بالغُرَرِ
وللشيخ حسن بن علي اللقاني الإسكندري يصف ديوان الشيخ ناصيف:
بدائع ما فيها سوى السحر منطقٌ ... حلالٌ وفي أجناسها لا أدافعُ
إذا جرَّ غوق الطرس سُمْر براعهِ ... تصافحهُ الآداب وهي رواكعُ
وإن راح ينثي أو يكاتب صحبهُ ... فغرُّ معانيه الحسان تسارعُ
كانَّ صرير السمر في روض طرسهِ ... غناء حمامٍ وهو بالشعر ساجعُ
تآليفهُ قد فصحت في كل أعجم ... بليدٍ وكَم وَّلى بليغٌ وبارعُ
لآلئ من زهر الربيع تناثرت ... علينا وفي منظموها السرُّ ذائعٍ
لئن فاح في أرض الشام ثناؤه ... ففي مصرنا منهُ شذا الذكر ضائعُ
(أدباء المسلمين في العراق) تذكر العراق في أواسط القرن التاسع عشر مفاخرة السابقة فأراد أن يحييها فنزل في حلبة الآداب وركض فيها جياد الألباب فنال قصبة السبق والغلاب. وهانحن نذكر الذين وقفنا على شيء من أخبارهم نقلاً عن مخطوطات مكتبتنا الشرقية وبعض المطبوعات النادرة مباشرة بالآلوسين والسويديين.
(الآلوسيون) هم قرم من أدباء بغداد أحبوا العلوم والآداب فأوقفوا نفوسهم
(1/89)

لخدمتها ونشروا معالمها في وطنهم. وأصلهم من آلوس أجدى قرى الفرات ثم انتقلوا إلى بغداد وامتازوا فيها بحسن الخصال. ولما كانت أواسط القرن التاسع عشر برز بينهم أولاد السيد صلاح الدين ابن السيد عبد الله الآلوسي. وكانوا ثلاثة رضعوا كلهم أفاويق الأدب وذهبوا في فنونه كل مذهب.
وأولهم أبو الثناء شهاب الدين السيد محمود أفندي المعروف بالشهاب الآلوسي. ولد في بغداد في 14 شعبان سنة 1217 (1802م) وهناك توفي في 5 ذي القعدة سنة 1270 (1854م) كلف بالعلوم منذ حداثة سنه وبذل النفس والنفيس في إحراز جواهرها حتى أن رغبته في طلب المعارف شغلته عن حطام الدنيا وأنسته هناء العيش وملاذ الحياة وبزر بالعلوم الدينية فصار إماماً في التفسير والإفتاء وكان مع ذلك كاتباً بليغاً وخطيباً مصقعاً وفي 1262 (1845م) سافر برفقة عبدي باشا المشير إلى الوصل ثم إلى ماردين فديار بكر فأرزووم فسيواس فالأستانة العلية واجتمع حيث دخل بإعلام العلماء وأئمة الأدباء وكانوا يتهاتفون إليه ليقتبسوا من أنواره ويغرقوا من بحاره. ثم عاد إلى وطنه معززاً ممدحاً بكل لسان مشمولاً بألطاف الحضرة العلية السلطانية. وكان جلالة السلطان عبد المجيد منحه الوسام المرصع العالي الشأن. فلما عاد إلى وطنه سنة 1269 انقطع إلى التأليف. وفصل أخبار رحلته في عدة مصنفات منها كتابة رحلة الشمول في الذهاب إلى اسلامبول طبع في بغداد سنة 1291 واتبعه بكتاب نشوة المدام في العود إلى بلاد السلام ثم كتاب غرائب الاغتراب في الذهاب والإقامة والإياب ويدعى أيضاً بنزهة الألباب ضمه تراجم الرجال والأبحاث العلمية التي جرت بينه وبين حضرة السيد أحمد عارف حكمت بك شيخ الإسلام. وكان السيد محمود سريع الخاطر ونسيج وحده في قوة التحرير وسهولة الكتابة ومسارعة القلم قيل أنه كان لا يقصر تأليفه في اليوم والليلة عن أقل من ورقتين كبيرتين. وقد ألف كتباً عديدة في التفسير والفقه والمنطق والأدب واللغة كشرح السلم في المنطق. وكتاب كشف الطرة عن الغرة وهو شرح على درة الغواص للحريري. ومن تآليفه رسالة في الانسان. وله حاشية على شرح قطر الندى لابن هشام ألقها وعمره لا يتجاوز ثلاث عشرة سنة. وكتاب المقامات طبعه في كربلاء وكتاب التبيان في مسائل إيران وكتب أخرى غيرها. وكان له شعر قليل إلا أنه غاية
(1/90)

في الرقة يذكر العراق في غربته:
أهيمُ بآثار العراقِ وذكره ... وتغدو عيوني عن مسرَّتها عَبْرىَ
وألثم إخفاقاً وطنَ ترابهُ ... وأكحلُ أجفاناً بتربته العَطْرَى
وأسهر أرعى في الدياجي كواكباً ... تمرُّ إذا سارت على ساكني الزورا
وانشقُ ريح الشرق عند هبوبها ... أداوي بها يا ميُّ مُهجتَي الحَرّا
وقال في وصف بغداد وفراقه لها:
أرضٌ إذا مرَّت بها ريحُ الصبا ... حملت من الأرجاء مسكاً أذفرا
لا تسمعنَّ حديث أرضِ بعدها ... يُروى فكل الصيد في جوف الفرا
فارقتها لا عن رضى هجرتها ... لا عن قلى ورحلتُ لا متخيَّرا
لكنها ضاقت عليَّ برحبها ... لما رأيتُ بها الزمان تنكَّرا
ومن حسن قوله وصفه لشاعر سهل الألفاظ بعيد المعاني:
تتحَّيرُ الشعراء إن سمعوا به ... في حسن صنعته وفي تأليفه
فكأنهُ في قربه من فهمهم ... وتقولهم في العجز عن ترصيفهِ
شجرٌ بدا للعين حسنُ نباتهِ ... ونأى عن الأيدي حتى مقطوفهِ
وقال مستغفراً وقد افتتح به كتاب مقاماته:
أنا مذنبٌ أنا مجرمُ أنا خاطئ ... هو غافرٌ هو راحمُ هو عافي
قابلتهنّ ثلاثةُ بثلاثةٍ ... وستغلبَن أوصافُهُ أوصافي
وكانت وفاة الشهاب الآلوسي في السنة التي ذكرناها فرثاه قوم من الفضلاء كما مدحوه في حياته وقد جمعت تلك المدائح في كتاب حديقة الورود في مدائح أبي الثناء شهاب الدين محمود. وكان أولاده أغصاناً نضرة في تلك الدوحة الباسقة سنذكرهم في وقتهم. واشتهر في زمانه أخواه عبد الرحمان وعبد الحميد فعرف عبد الرحمان بفصاحة لسانه وخلابة أقواله في الخطابة والوعظ وكان يدرس العلوم الدينية في أكبر جوامع الكرخ إلى وفاته سنة 1284 (1867م) وعمره نحو ثلث وستين سنة.
أما عبد الحميد الآلوسي فكان مكفوف البصر ولم تصده تلك العاهة عن طلب العلوم فأخذها عن أخيه السيد محمود الذي أجازه في المعقول منها والمنقول والفروع والأصول فجعل يدرس في مدرسة بغداد المعروفة بالنجيبية ويتقاطر لاستماعه الناس حتى علية القوم وفي مقدمتهم علي رضا باشا والي بغداد وله بعض مصنفات نثرية بليغة وقصائد غراء منها قصيدة في مدح أحد مشايخه العظام أولها:
(1/91)

تنوحُ حماماتُ اللوح وأنوحُ ... وأكتمُ سرّي في الهوى وتبوحُ
وتُعجم إن رامت أداءَ مرامها ... ولي منطق فيما أروم فصيحُ
لها مقلةٌ عند التنائي قريرةٌ ... ولي مدمعٌ يوم الفراق سفوحُ
إلى أن قال مادحاً:
فتى كلُّه عفوٌ ولطفٌ وعفَّةٌ ... وعنْ زلَّة الشاني الحسود صفوحُ
حليمٌ وهل كالحلم في المرء زينةٌ ... سموحٌ وذو الشان الجليل سموحُ
وفارس فضلٍ لا يجازيه عارفٌ ... وأنى يجاري العاديات جموحُ
يفوح بأفواه العدى نشرُ فضلهِ ... كما فاح نشراً في المجامر شيحُ
لقد عطَّر الأرجاءَ منك الفضائلٌ ... فوصفك مسكُ في الأنام يفوحُ
ومن نثره قوله يصف الأولياء: لقد فاز قوم عاملوا الله بالإخلاص والصدق، وعاملوا الناس بحفض الجناح وحفظ الوداد مع اللين الرفق، تحملوا من أجله ألم الأذى والمشاق، فأزالوا بأنوار شهود جماله عن بصائرهم حجب العوائق الإنسانية، وتحملوا إذا أذاقهم الورى مر المراء والشقاق، فأماط بعذوبة أنسه ووصاله عن رقابهم ربق العلائق النفسانية، أعرضوا عن الدنيا وأغرضوا في طلب الأخرى حيث علموا بأن الأولى والأحرى السعي في تقديم الباقية على الفانية. فانحلوا الأجسام بالصيام والقيام، لما أن حلا لهم شرب صافي المدام ... فرضوا على نفوسهم القناعة والصبر، ورضوا عن هذه الدنيا بالقليل النزر. وراضوا زكي أنفسهم عن النفس جواهرها وأعراضها، ترفعوا عن الشكوى وتمسكوا بعرى التقوى، لأنها الركن الأوفى والسبب الأقوى، فانجابت عن قلوبهم غمائم آلامها وأمراضها ...
وكانت ولادة السيد عبد الحميد سنة 1232 (1817م) وطالت حياته ولم نقف على سنة وفاته.
(السويديون) هم من أسرة فاضلة أصلها من سر من رأى أو سامرّا فانتقلوا إلى بغداد وعرفوا بين أكابر علمائها. منهم الشيخ أبو البركات عبد الله السويدي صاحب المؤلفات الأدبية العديدة كشرح دلائل الخيرات وكتاب مقامات بليغة والأمثال السائرة والرحلة المكية توفي سنة 1170 (1756م) . ومنهم الشيخ أبو الخير عبد الرحمن زين الدين البغدادي السويدي ابن أبي البركات كان ذا باع طويل في العلوم الدينية واللسانية. ولد سنة 1134 وتوفي سنة 1200 (1722 - 1786م) فأرخه أخوه الشيخ أحمد السويدي بقوله من أبيات:
وفارقنا فرداً فقلتُ مؤرخاً ... أبو الخير في أزكى الجنان نريلُ
(1/92)

وكان الشيخ أحمد المذكور إماماً في التصوف وقد رد على الملحدين بكتاب سماه الصاعقة المحرقة في الرد على أهل الزندقة. توفي سنة 1210 وكان مولده سنة 1153 (1740 - 1795) .
ومن السويديين الشيخ علي ابن الشيخ محمد سعيد السويدي المتوفى سنة 1237 (1822م) له كتاب في تاريخ بغداد وقد رثاه شاعر أبيات ختمها بهذا التاريخ:
مذ وُسّد اللحدَ نادانا مؤرخهُ ... إنَّ المدارس تبكي عند فقد علي
ومنهم أيضاً الشيخ أبو الفوز محمد أمين السويدي أحد كبار الكتبة في بغداد وله مؤلفات جليلة في عدة فنون منها كتاب سبائك الذهب في معرفة أنساب العرب الذي نشر بالطبع وقد مر لنا وصفه (المشرق 10 (1907) : 566) وكتاب الجواهر واليواقيت في معرفة القبلة والمواقيت. وكتاب رد على الرافضة. ورسالة في الواجب والممكن. وله شرح تاريخ ابن كمال باشا مع نظم لطيف. كانت وفاته سنة 1246 (1830) . واشتهر من السويديين في العهد الذي وصلنا إليه الملا نعمان السويدي ابن الشيخ محمد سعيد ابن أحمد وهو خاتمة السويديين توفي في رجب سنة 1279 (1863م) .
واشتهر بالآداب العربية في بغداد والعراق غير الآلوسيين والسويديين في أواسط القرن التاسع عشر بعض الأئمة. وها نحن نذكر منهم الذين أبقوا آثاراً من علمهم طبعاً أو خطاً على ترتيب سني وفاتهم.
(البيتوشي) هو ابن محمد عبد الله بن محمد الكردي البيتوشي من كبار أدباء بلاده. ولد في بيتوش من قرى العراق سنة 1161 (1748) وجد في طلب العلم ثم تقدم بغداد طلباً لمعاش وارتحل منها إلى بلدة الاحساء فابتسم له الدهر وحسنت حاله واشتهر صيته وانقطع إلى التأليف في الصرف والنحو ونظم كتاب كفاية المعاني وشرحه وذيل شرح الفاكهي على قطر الندى لابن هشام. وله نظم حسن منه قوله متشوقاً إلى وطنه:
ألا حيِّ بيتوشاً وأكنافَها التي ... يكاد يروّي الصادياتِ سرابُها
بلادٌ بها حلَّ الشبابُ تماني ... وأوَّل أرضٍ مسَّ جلديَ ترابُها
(1/93)

لقد كان لي منها عرينُ وكان من ... مقامي لي سُحب سُكُوب زُبابهُا
ولم تشبُ لي إن يَنبُ يوماً بأهلهِ ... مكانُ ولم ينعق عليَّ غراُبها
توفي البيتوشي سنة 1213 (1798) . وكان الأحقَ بنا أن نذكرهُ في الأبواب السابقة فأثبتنا أخبارهُ هنا بقيَّة أفاضل العراق وكذا فعلنا بالشيخين الوارد ذكرهما.
(الشيخ عثمان بن سند البصري الوائلي) أصلهٌُ من النجد فسكن البصرة وكان يتردَّد كثيراً إلى بغداد وأشتغل بفنون لسان العرب وكان لهُ في اللغة باع طويل وألف عدَّة تآليف مفيدة منها كتاب في تاريخ بغداد أرَّخ فيهِ ما وقع في زمانهِ من الوقائع وسماها مطالع السعود في بطيب أخبار الوالي داود وقد طبع مختصرهُ في بمبي سنة 1304. ومن تآليفهِ منظومة في علم الحساب ونظم قواعد الأعراب والأزهريةِ ومغني اللبيب. ولهُ رسائل أدبيَّة كفاكهة المسامر وقوَّة الناظر. ونسمات السحرَ وروضة الفكر. وكانت لهُ شهرة عظيمة في البصرة ونواحيها يُقبل كلامهُ جميع أهاليها. توفي سنة 1250 (1834) .
(الشيخ علاء الدين الموصلي) هو علاء الدين علي أفندي الموصلي واحد شيوخ شهاب الدين الوسني زاده. ذكرهُ في كتابهِ نزهة الألباب في غرائب الاغتراب وأثنى على آثارهِ الأدبيَّة لكنهُ ذمّ أخلاقهُ وضيق صدرهِ وجهلهُ بمداراة الناس قال:
كان لا يدري مداراة الورى ... ومداراة الورى أمرٌ مهم
وروى لهُ شعراً حسناً منهُ:
لئن لم تشاهدني أخافِشُ أعينٍ ... فلي من عيون الفضل شاهد رؤيةِ
وإن أنكرتني الحاسدون تجاهلاً ... كفانيَ عرفاني بقدري وقيمتي
فأين لشمسِ الاستواء من السُّها ... وأين زلالُ من سرابِ بقيعةِ
وليس الذي في الناس كالحي ميتٌ ... لفضلً وإفضالٍ فحيٌّ كمّيتِ
وقوله:
وزمانٍ عدَتْ على ليالهِ ... وقصَتْني قوادمي وجناحي
ودعتني صروفهُ في شتات ... وعناء وخيبةٍ ونزاحِ
لا لذئبٍ أتيتُهُ غير أنَّ ال ... فضل لم نلقَهُ قرينَ نجاحِ
وإذا ما الصلاحُ فيكم فسادٌ ... ففسادي الذي لديكم صلاحي
(1/94)

وكانت وفاته بالطاعون سنة 1243 (1827م) وأنشد قبل وفاتهِ:
أسفي على فصلٍ قضيتُ ولم أكن ... أبصرتُ عارف حقهِ فيبينُ
ومن العلوم الغامضاتِ ورمزها ... أملي قضيتُ وللفنونِ ديونُ
وأخذتُ في كفني علوماً لم أجدْ ... مستودعاً هي في الدفين دفينُ
(عبد الحميد الموصلي) هو عبد الحميد ابن الشيخ جواد الموصليّ الشهير بابن الصبّاغ أحد شعراء العراق الذين شرَّفوا تلك الأصقاع بآدابهم. وشعرهُ رقيق لكنّهُ مفرَّق لم يُجمع في ديوان. فمن قولهِ أبيات كتبها إلى الشاعر بطرس كرامة والتزم في كل صدورها وأعجازها تاريخاً المسنة المسيحيَّة 1844 إلا المصراع الأخير فجعلهُ الأخير هجرياً هذا مطلعهُ:
بعثنا إليكم بنتَ رمز من الفكرِ ... دهاها جوًى أعطتْ بهِ خالصَ الشعرِ
آمنتم صروع الدهر من قيد حادثِ ... شهدتم هلال الأفق من كامل الشهرِ
ميامن ترعى بطرساً في كرامةِ ... إلى غاية الدنيا إلى أوحد الدهرِ
هديتم بنور الرب بابّا فأرخوا ... هو الله لا ما زلَّ من مشرق الفجرِ
فأجابهُ بطرس كرامة برسالة طويلة نظماً ونثراً أفتتحها بقولهِ:
عشقتُكم من قبل لقياكُمُ ... وكلُّ معشوقٍ بما يوصفُ
كالشمس لا تدركها مقلةٌ ... لكنَّها من نورها تعرفُ
وقال الشيخ عبد الحميد يمدح شيخ ناصيف اليازجيّ من قصيدةِ:
كبشُ الكتائب والكتاب وأنهُ ... بالنحر ينطحُ هامة ابن خروفِ
متوقد الأفكار يوشك في الدُّجى ... يبدو لهُ المستورُ كالمكشوفِ
فطنُ تمنطق بالفصاحةِ وارتدى ... جلبابَ علمِ النحو والتصريفِ
إلى أن ختمها بقولهِ وفي البيت الأخير تاريخ السنتين الهجريَّة والمسيحيَّة (1264 - 1847) :
لا زال محفوفاً بحظٍ وافرٍ ... والخطُ مثل الخطَ بالتصحيفِ
فيهِ صفا عبد الحميد مؤرخاً ... ناهيتُ نظمي في مديح نصيفِ
ولهُ مخمساً لقصيدة الشيخ ناصيف المهملة فجعل تخميسهُ مهملاً كقصيدة الشيخ:
(1/95)

عدوَ المرء أولادٌ ومالُ ... لو اسمهم أساودها صِلالُ
أحاول طَولْهم وهو المحالُ ... لأهل الدهر آمالٌ طوالُ
وأطماعٌ ولو طال الملالُ
ومنها:
مرور العُسر مرْمرَ كل حالٍ ... وأمرُ الله دمَّر كلّ حالٍ
سرورك والهموم دلاءُ دالٍ ... كرورُ الدهر حوَّل كل حالٍ
هو الدهر الدوام لهُ خالُ
وكانت وفاة الشيخ عبد الحمد ابن الصبّاغ 1271 (1854) فرثاهُ الشيخ اليازجي بقصيدة جميلة استهلها بقولهِ:
لا عين تشبت في الدنيا ولا أثرُ ... ما دام يطلع فيها الشمس والقمرُ
إلى أن قال:
قد كنت انتظر البشرى برؤيتهِ ... فجاءني بغير ما قد كنت أنتظرُ
إن كان قد فات شهدُ الوصل منهُ فقد ... رضيت بالصبر لكن كيف أصطبرُ
أحبُّ شيء لعيني حين أذكره ... دمعُ وأطيب شيء عندها السهرُ
هذا الصديق الذي كانت مودَّتهُ ... كالكوثر العذب لا يغتالها كدرُ
لا غرو أن أحزن الرواءَ مسرعهُ ... فحزنهُ فوقَ لبنانِ لهُ قدرُ
فأستحسن أهل بغداد هذه المرثية وقرظّها السيد شهاب الدين العاويّ بأبيات منها:
وافت فعرَّت بتأساء وتعزيةِ ... عليهما يَحسْد الأحياء مَنْ قُبروا
وأرَّخها بقولهِ:
أسديتَ سلوة محزونِ مؤَّرخةَ ... أسدى رثاء بهِ السلوان والعبرُ
(عبد الجليل البصري) هو السيد عبد الجليل بن ياسين البصري ينتهي نسبهُ إلى علي ابن أبي طالب ولد في البصرة سنة 1190 (1776م) ثم أرتحل منها إلى الزبَّارة فسكنها حتى استولى عليها صاحب الدرعيَّة ابن السعود فسار إلى البحرين وسكن بها إلى سنة 1259 (1843م) ثم أستوطن الكويت وتوفي هناك سنة 1270 (1854م) . وأشتهر عبد الحكيم بالحكم والكرم وكان ذا أدبِ وعلم كما يشهد عليهما ديوان شعرهِ الذي طُبع سنة 1300 (1883م) في بمبي (ص 280) . وأوَّل نظمهِ قالها مؤرخاً مولد أبنهِ عبد الوهَّاب سنة 1211 (1796) :
(1/96)

حمدتُ الله إذ أسدى بفضلِ ... وآلاء تسامتْ أن تُضاهي
كريمٌ مَنَّ فيمن أضحت ... رياضُ القلب مخضراً رباها
وطاب العيشُ وانكشفت همومٌ ... كذاك النفس منتقياً عناها
فيا من قد مَنتَ بغير منَ ... بمن ساد الورى فخراً وجاها
أدمني فيهِ مسروراً دواماً ... وفيهِ العينُ قر بها كراها
ووَفِقْهُ لما نرضي وجنَبْ ... هوى الأهواء وأحفظ من غواها
وخيرُ الفالِ قد أرَّختُ لا بني ... بطلعتهِ بشيرُ السعد باها
وقال على لسان فقير من أبناء السبيل طلب منهُ أبياتاً يرتزق بها:
يا ماجداً ساد عن فضلِ وعن كرم ... وهمَّةِ بلغتْ هامَ السماك عُلا
يا من إذا قصد الراجي مكارمهُ ... نال الأماني وبرَّا وافرّا عَجلا
إنَّا قصدناك والآمال واثقة ... بأنَّ جودك ينفي فقر من نذُلا
جئنا ظماءً وحسنُ الضنَ أوردنا ... إلى معاليكَ لا نبغي بها بَدَلا
لقد أضرَّ بنا جورُ العُداة وما ... أودي بنا الدهر يا بؤس الذي فعلا
عسرٌ وعُزبَةُ دارٍ ثم مسكنة ... وذلَّةٌ وفراق قاتلٌ وبَلا
نشكو إلى الله هذا الحال ثم إلى ... ندبٍ جوادٍ يفيد القاصدَ الأملا
عسى نصادف من حسناك مرحمةَ ... تكون رفداً لنا إذا نقطعُ السبلا
وأغنم بذلك مناَّ خير أدعيةٍ ... يزفُّها قلبُ عافِ بات مبتهلاً
لا زلت تولي جميلاً كلَّ ذي أملٍ ... في رفعةٍ ونعيمٍ دام متَّصلاً
وله يذمُ آفاتٌ يضيقُ ويعدّد مساوئه:
الغيظ آفاتٌ يضيقُ بها الفتى ... فإذا استطعتَ لهُ دفاعاً فأجهدِ
منها حجابُ الذهن عن إدراكهِ ... أمراً تحاولهُ كأن لم يُعهدِ
وبهِ يرى الفَطِنُ اللبيبُ كأنهُ ... ممَّا بهِ المعتوه أو كالأبلهِ
وبهِ الحليم إلى الجهالة صائرٌ ... ويهدُ عنهُ بهِ منارَ السؤدُدِ
وبهِ يُسئُ لدى الورى أخلاقهُ ... حتى يُقال لهُ لئيمُ المَحتْدِ
لا يرعوي لصحيح قول نصيحة ... وبرى النَّصوح كعائبٍ ومفنّدِ
من حَبَّ طَبّ بما تناولَ علمهُّ ... وأخو النباهة يقتدي بالمرشدِ
وقد سبق لنا حكم السيد عبد الجليل البصري لبطرس كرامة على الشيخ صالح التميميّ وروينا أبياتاً من قصيدتهِ في مدح الشاعر النصراني فراجعها (ص 64) (الشيخ عبد الفتاح شوَّاف زاده) أخذ العلوم الأدبيَّة عن الشهاب الآلوسي حتى صار من الفضل الأدباء. صنَّف تعليقات على كتب عديدة وقد كتب ترجمة شيخهِ
(1/97)

الآلوسيّ في جزأين كبيرين ودعاهُ حديقة الورود في ترجمة أبي الثناء شهاب الدين محمود وضمنَّهُ دقائق أدبيَّة ومسائل علميَّة. توفي سنة 1272 (1855م) . وأشتهر بعدهُ أخوه عبد السلام ووضع تصانيف عديدة منها كتاب في المواضع وانتهى إليه علم الفقه والحديث. ولا نعرف سنة وفاتهِ.
(السيد عبد الفتاح السافيّ) هو الشيخ محمَّد أمين الشهير بالواعظ. كان ذا خبرة تامَّة بالمسائل الشرعيَّة ونال من الفنّ الأدب بأوفر نصيب. وكان ماهراً في إنشاء الصكوك ودرَّس مدَّة في المدرسة الخاتونيَّة. وصنَّف عدَّة مصنَّفات كمنهاج الأبرار ونظم التوضيح وكان لهو النظم اللطيف منهُ قولهُ في مدح السيد محمود الآلوسيّ مخمساً:
يا سائلي عن بحر علمٍ قد طما ... بعلومهِ يروي العطاش من الظماّ
إن قلت صف لي نداك توسما ... إن الشهاب أبا الثناء لقد سما
قدراً على أقرانهِ من أوْجِهَ
سعد السعود ببابهِ متقاعداً ... والمشتري برحابهِ متعاقداً
لا تنكرنَّ لأنسهِ يا جاحداً ... ما زارني إلاَّ حسبتُ عطارداً
في الدار أمسى نازلاً من أوْجهِهِ
وتوفي سنة 1273 (1856) فقال السَيد عبد الغفَّار الأخرس فيهِ رثاءَ ختمهُ بهذا التاريخ:
بكى العلم والمعروف أرّخ كليهما ... بقبرٍ ثوى فيهِ الأمين محمَّدُ
(السيد محمد سعيد) كان أبوهُ محمد أمين الشهير بالمدرّس يعلَم في بغداد العلوم اللسانيّة ووضع فيها بعض المصنَّفات فلمَّا توفي سنة 1236 (1821) خلفهُ أبنهُ السيد محمد وقلد عدَّة مناصب كالنيابة والإفتاء ثم أنفصل وبقي مشغولاً بالتدريس إلى سنة وفاتهِ 1273 (1857م) وتآليفهُ منها نحوية ومنها شرعية وصفهُ السيد نعمان أفندي الآلوسي بقولهِ: (إنهُ كان ذا تقوى وديانة وعفَّة وصيانة لا يغتاب أحداً ولا ينمُّ على أحد أبداً وكان بشع الخطّ حديد المزاج كثير الوسواس عيّ الكلام ... وكان كثير الصدقات على اليتامى والأرامل) . ولما مات رثاه السيد عبد الغفار الأخرس بقولهِ:
(1/98)

في رحمةَ الله حلَّ شيخٌ ... وجَنَّةُ دارُها الخلودُ
تفيض من صدرهِ علومٌ ... وقد طَمى بحرُها المديدُ
ولم يزل ميَتاً وحياً ... من علمهِ الناسُ تستفيدُ
سار إلى ربهِ غير فانٍ ... بالعزّ وهو العزيزُ الحميدُ
ومذ توفاهُ قلتُ أرّخ ... مضى إلى رَبهِ سعيدُ
(عبد الباقي العمري الفاروقيّ) هو أديب العراق عبد الباقي بن سليمان بن أحمد العُمَري الفاروقيّ الموصلي ولد في الموصل سنة 1204 (1789م) انتهت إليه رئاسة الشعر والأدب في وطنهِ. تغذَّى منذ صغرهِ لبان العلم. وأنتدبتهُ الحكومة السنيَّة وهو أبن عشرين إلى منصب كتخدا ووكيل الوالي فرافق القاسم باشا وعلي باشا إلى بغداد وقام بأعباء رتبتهِ أتمّ قيام وكذلك سار بالعساكر الشاهانيَّة إلى قبيلتي الزكرت والشمرت في النجف فقصَّ جناح الفتنة بينهما بحسن درايتها وعاد إلى بغداد مقروناً باليُمن والإسعاد ونال الحظوة من الدولة العلية. ثمَّ إلى الكتابة والآداب فشاع نثرهُ الرائق وشعرهُ الفائق فألف التآليف التي أحرز بها قصب السبق من مضمار أدباء العراق وفاز بين فصحائهم بالقدح المعّلى. وكانت وفاتهِ سنة 1278 (1861) قيل أنهُ أرَّخ نفسهُ في عام مماتهِ ببيتِ كتب على قبرهِ:
بلسان يوجَدُ الله أرّخَ ... ذاقَ كأس المنون عبد الباقي
أما تآليفهُ فكلُها ناطقة بفضلهِ وتوقّد فهمهِ منها ديوان أهلّة الأفكار في مغاني الابتكار وكتاب نزهة الدهر في تراجم فضلاء العصر وكتاب الباقيات الصالحات وكتاب نزهة الدنيا أودعهُ تراجم بعض رجال الموصل في القرن الثاني عشر والثالث عشر ولهُ ديوان شعر يسَمى بالترياق الفاروقي من منشآت الفاروقي طُبع مرَّة بمطبعة حسن أحمد الطوخي سنة 1287 بمصر في 336 صفحة ثم أعاد طبعهُ الشيخ عثمان الموصليّ بعد توسيع أبوابهِ وتكملتهِ سنة 1316 في 456 صفحة. وهانحن نذكر بعض نتفِ من شعرهِ تنويهّا بعلوّ مقامهِ في الآداب قال يؤرَخ جلوس السلطان عبد العزيز وأجاد:
للتِلغراف الفضلُ إذ جاءنا ... يقولُ بشاركم بلفظٍ وجيزْ
قد أحرزتْ ملَّتكم أرّخوا ... هزَّا بظلَ الله عبد العزيزْ
وقال في التشبيه:
(1/99)

كأنْ ضوءَ البدر في ... دجلةَ حين يشرقُ
والموجُ في أثنائهِ ... منهُ العُبابُ يخفقُ
قراضةٌ من ذهب ... طفا عليها الزئبقُ
وقال في فتح الدولة العلية لحصن سيوستبول مع دولتين الفرنسوية والإنكليزية:
أقول المدُّوَل المنصورِ عكرُها ... لا زال عكرها بالله منصورا
لما اتفقتم على صدق المحبَّة في ... ما بينكم واتحدتم صرتمُ سُورا
بسطوة دعت الأطوادَ راجفةً ... دّمرتمُ محصنات الروس تدميرا
مدافعٌ غطّتِ الدنيا غمائمها ... فغادرت صبح يوم الحرب دبجورا
أفواهُها دامتَ المنار ألسنةُ ... فقررت دَرس ملك الروس تقريرا
رعدٌ وبرقٌ وغيمٌ من سدىً ولظىً ... ومن دخان أعاد الكون ممطورا
اقلُّهم فرَّ لما فرَ أكثرهم ... لكونهِ بات مقتولاً ومأسورا
والسيف غنَّى على هاماتهم طرباً ... حتى حسبناهُ فوق الغصن شحرورا
غادرتمُ البر بحرا يستفيض دماً ... والبحر براً على الأشلاء معبورا
سبوَسْبتول التي أعيتْ معاقُلها ... سخّرتم حصنَها أرختُ تسخيرا (1271هـ)
وله مشطرا أبياتاً منسوبة لأبي نصر الفارابي الفيلسوف الشهير:
(كمّلْ حقيقتك التي لم تكمل) ... وعن ارتكاب النقص كُن في معزلِ
وابغ لنفسك ما ترقيها بهِ ... (والجسمَ دَعهُ في الحضيض الأسفل)
(أتكملُ الفاني وتترك باقياً) ... تكميلُهُ أولى بحقِّ الأكْملِ
فهو الذي لا ينبغي لك تركهُ ... (هملاً وأنت بأمرهِ لم تحفلِ)
(فالجسمُ للنفس النفسية آلهُ) ... تقضي المرامَ بها إذا لم تكسلِ
ولكم عليها من حقوقٍ للعلا ... (ما لم تحصلها بهِ لم تُحصلِ)
(يفني وتَبْقَى دائماً في غبطةٍ) ... إن فارقَتْهُ ودولةٍ لم تنقلِ
وسعادة أبديةٍ لا تنقضي ... (أو شقوةٍ وندامةٍ لا تنجلي)
(أعطيتَ جسمك خادماً فخَدمْتَهُ) ... وأحَلْتْ حكم معزّز لمذلّلِ
وجعلتَ من هو فوقهُ من دونهِ ... (أتُمَلّك المفضولَ رقّ الأفضلِ)
(شركٌ كثيفٌ أنتَ في حَبلاته) ... قيد الحياة أسير قيد مُثقل
منهُ وأنت بهِ بأيَّةٍ حياة ... (مادام يمكنك الخلاصُ فعجّلِ)
(من يستطيع بلوغَ أعلى منزل) ... متدرجاً فوق السماك الأعزلِ
ويرى الثريَّا تحت أخمص رجلهِ ... (ما بالهُ يرضى بأدنى منزلِ)
ولعبد الباقي الفاروقي مع أدباء زمانه مراسلات لطيفة فمدحوه ومدهم بقصائد
(1/100)

لا تحصى لا يسعنا ذكرها وكثير منها يتضمن الطرف المستطرفة ونكتفي بذكر بض أبيات قالها في تقريظ مقامات مجمع البحرين للشيخ ناصيف اليازجي أولها:
غُرَرٌ أم دُرَرٌ مكنونةٌ ... في عُباب البحر بين الصَّدَفَيْنْ
إلى أن قال:
قد أتَتْني تتقاضى دَيْنَها ... فوفتْ للمجد عني كل دَيْنْ
بمزاياها العقولُ ارتسمتْ ... فمحتْ عن عين عقلي كل غَينْ
وتجلَّت صُور العلم بها ... فجلت عن كل قلبٍ كلّ رَينْ
وعلى الإحسان والحسن معاً ... طُبعت والطبع مشغوفٌ بذَينْ
رحتُ من راحةٍ معناها ومن ... روح مبناها حليفُ النَّشأتَينْ
يا لسفرِ لسفَرتْ ألفاظُها ... بين أفَقْية سفورَ النيّرَينْ
يا لهُ قاموس فضلٍ قد طوى ... مجمع البحرين بين الدفَّتَينْ
وكان مدحه سنة 1264 (1848) بقصيدة بائية يقول فيها:
أبلى النوى جسدي النحيفَ كأنَّني ... قلمٌ بدا بيدَيْ نصيف الكاتبِ
حَبرٌ حلا في حِبرهِ قرطاسُهُ ... كالتبر لمَّا لاح فوقَ ترائبِ
فسطورهُ وطروسهُ في حسنها ... حاكت سماءً زُينت بكواكبٍ
وختمها بقوله:
لو قمتُ طول الدهر أنشد مدحهُ ... بين الأنام فلم أقُم بالواجبِ
وبمدحهِ العُمَريُّ آبَ مؤرخاً ... ترتيب مدحي في نصيفِ الكاتبِ
فقال الشيخ ناصيف يجيبه بقصيدةٍ من البحر والقافية:
أحسنتَ في قول وفعلٍ بارعاً ... وكلاهما للنفسِ أكبرُ جاذبِ
أنتَ الذي نال الكمال موفَّقاً ... من رازق من شاءَ غير محاسبِ
فإذا نظمت فأنتَ أبلغ شاعرٍ ... وإذا نثرتَ فأنت أفصح خاطبِ
وإذا نظرتَ فعن شهابِ ثاقبٍ ... وإذا فكرت فعن حسامٍ قاضبِ
هذا رسولٌ لي إليك وليتني ... كنتُ الرسولَ لها بمعرض نائبِ
ومن أقوال الفاروقي وصفه للتلغراف:
خطّ التلغراف حروفُ جرّ ... يجيءُ بها من الغور البعيدِ
ويلفظها بغير فمٍ ولكن ... بالسنةٍ حدادٍ من حديدٍ
هذا وقد أشرنا سابقاً إلى قصيدته الخالية التي عارض بها خالية بطرس كرامة
(1/101)

تجدها في ديوانه (ص247 - 243) من الطبعة الجديدة فدارت بسببها المراسلات بين الشاعرين. وقد هنأه بطرس كرامة برتبته الكتخداوية بقصيدة مطولة يقول فيها:
الشاعر الفرد الذي أهدى لنا ... دُرَر البُحور نُظْمنَ في الأوراقِ
درٌّ بجيدك أم حباك قلائداً ... من شعرهِ العُمَريُّ عبد الباقي
جمعَ الفصاحة بالبلاغة مثلما ... قرن الحجى بمحاسن الأخلاقِ
وممن خدموا الآداب بين العراقيين غير المذكورين بعض أهل الفضل ممن لم نعلم من أحوالهم إلا النزر القليل فنثبت هنا أسماءهم تتمة للفائدة فمنهم (الشيخ يحيي المروزي العمادي) أصله من العمادية من قرى الأكراد قرب الموصل برز في التدريس وصار عليه المعول في مذهب الأمام إدريس وكان أحد مشايخ الشهاب الآلوسي الذي أثنى على زهده وعلو في نفسه وخصه ببيتين قيلا في الشافعي:
عليَّ ثيابٌ لو يُباعُ جميعها ... بفلسِ لكان الفلسُ منهنَّ أكثرا
وفيهنَّ نفسٌ لو تُباع بمثلها ... نفوس الورى كانت أعزَّ وأكبرا
توفي الشيخ العمادي سنة 1250 (1834) . ومنهم (الشيخ أحمد بن علي بن مشرف) كان أصله من نجد فأنتقل إلى العراق وطار صيته فيها ومات بعد السنة 1250 وكان أعمى يحسن نظم الشعر فمن قوله في المدح ما أنشد في آل مقرن:
ومهما ذكرنا الحيَّ من آل مقرنٍ ... تهلَّل وجهُ الفخر وأبتسم المجدُ
همُ نصروا الإسلام بالبيض والقنا ... فهم العدى حنفٌ وهم الهدى جندُ
غطارفة ما أن يُنال فخارهم ... ومعشرُ صدقٍ فيهم الحدُّ والجدُّ
ومنهم (عبد الغني بن الجميل) هو عبد الغني أفندي الشهير بابن جميل. ولد سنة 1194 (1780) وأتقن الفنون العربية واتسع سائر العلوم. ورحل مراراً إلى دمشق الشام وصاحب فضلاءها كالشيخ عبد الرحمن الكزبري والشيخ حامد العطار حتى فوض إليه رضا باشا إفتاء الحنفية في بغداد ثم أصيب ببعض الآفات والبلايا وتوفي ابن جميل سنة 1279 (1862) وله شعر طيب كله في الحماسة فمن ذلك قوله:
أيذهب عمري هكذا بين معشرٍ ... مجالسهم عاقَ الكريم حاولُها
(1/102)

وأبقى وحيدا لا أرى ذا مودَّة ... من الناس لا عاش الزمانَ مَلولُها
وكيف أرى بغداد للحرّ منزلاً ... إذا كان مَفريُّ الأديمِ نزيلُها
فما منزلٌ فيهِ العداءٌ بمنزلٍ ... وفي الأرض للحرّ الكريم بديُلها
ومنهم (محمد الأخفش) هو محمد سعيد أفندي البغدادي الشهير بالأخفش. قرأ على العلامة الآلوسي وشرح الألفية في النحو للإمام السيوطي. وكان محباً للآداب وله شعر حسن أخذته يد التلف وكان كثير المزاح واللطائف توفي سنة نيف وثمانين بعد المائتين والألف (1863) . ومنهم الشيخ جمال الدين الكواز كان أصله من الحلة ويرتزق بحرفة الكوازة إلا أنه كان مشغوفاً بالآداب خفيف الروح حسن المحاضرة وله شعر كله في الغزليات وقيل انه نظم الشعر قبل البلوغ. توفي في الحلة سنة 1279 (1862) . ومنهم (الشيخ عيسى البندبيجي) هو أبو الهدى عيسى أفندي صفاء الدين البندبيجي أصله من بندبيج على حدود بلاد العجم فسكن بغداد ودرس العلوم اللسانية والفقهية والأدبية حتى أشتهر فيها وكأن ذا تقوى وصلاح ودرس زمناً في مدرسة داود باشا وجعل رئيس المدرسين. ومن تآليفه كتاب تراجم من دفن في بغداد وضواحيها توفي سنة 1283 (1876) .
(أدباء المغرب) أن أخبار المغرب تكاد تكون مجهولة في أصقاعنا فدونك النزر القليل الذي أمكنا جمعه في تراجم أدباء تلك الجهات.
(سليمان الحرائري) هو أبو الربيع عبده سليمان بن علي الحرائري الحسني ولد في تونس سنة 1241 (1824) وأصله من أسرة قديمة قدمت من العجم إلى المغرب فدرس العلوم الدينية في وطنه ثم تفرغ لدرس اللغة الفرنسوية والعلوم الرياضية والطبيعيات والطب. وعهد عليه تدريس الرياضيات في بلده وعمره 15 سنة ثم أتخذ بأي تونس كرئيس لكتاب ديوانه. وفي سنة 1846 قدم إلى باريس فصار أحد أساتذة مدرسة لغاتها الشرقية وكان يحرر في جريدة عربية هناك تدعى البرجيس. ونشر فيها قسماً من سيرة عنترة وكتاب قلائد العقيان للفتح بن خاقان ثم طبعهما على حدة. ومما طبعه في تونس كتاب مقامات الشيخ أحمد بن محمد الشهير بابن المعظم أحد أدباء القرن الثالث عشر للمسيح. ووصف معرض باريس سنة 1867 في كتاب سماه عرض البضائع العام. وله رسالة في القهوة دعاها (بالقول المحقق في
(1/103)

تحريم البن المحرق) وعرب الأصول النحوية للغوي الفرنسوي لومون (Lhomod) وكذلك وضع كتاباً في الطبيعيات والظواهر الجوية لخصه عن كتب الفرنج وسماه رسالة في حوادث الجو وطبعه سنة 1862 في باريس. ولا نعرف تاريخ وفاة الحرائري ولعله مات بعد سنة 1870 إلا أن تآليفه كلها قبل هذا العهد.
؟ (محمد التونسي) هو محمد بن عمر بن سليمان التونسي ولد سنة 1204 (1789م) وتخرج على شيوخ الأزهر في مصر ثم سافر إلى درفور والسودان وكتب تفاصيل رحلته في كتاب دعاه: كتاب تشحيذ الأذهان بسيرة بلا العرب والسودان. وقد طبعت هذه الرحلة على الحجر في باريس سنة 1850 بهمة المستشرق الفرنسوي بارون (perron) الذي نقل مضامينها إلى الفرنسوية وذيلها بالحواشي. ولما عاد التونسي من رحلته خدم الآداب في مطبعة بولاق فتولى تصحيح مطبوعاتها توفي سنة 1274 (1857) .
(محمود قبادو) هو الشيخ السيد أبو الثاء محمود قبادو الشريف. كلف بإحراز الآداب فنال منها نصيباً وافراً. وكانت له ذاكرة عجيبة لا ينسى شيئاً مما سمعه قيل انه سمع يوماً رسالة افرنسية وهو لا يعرف تلك اللغة فأعادها بحرفها. وكان متضلعاً بكل علوم العرب لكنه برز في الشعر وكان يقوله بديهاً. وله ديوان شعر في جزأين جمعه تلميذ الشيخ عبده محمد السنوسي فطبعه في تونس (1293 - 1296) . توفي السيد محمود ولم يدرك الخمسين من عمره نحو السنة 1288 (1780) . وكان بينه وبين الكنت رشيد الدحداح صداقة ومراسلات. وقد روى له الشيخ رشيد بعض الآثار الدالة على فضله من ذلك تشطيره لقصيدة بشر بن عوانة في مبارزة الأسد بعد أن أفتتحها بأبيات حسنة يقول فيها:
أفاطمَ هل علمت مضاء عزمي ... ومطمح هّمتي نخواً وكبرا
وَجُود يدي وإقدامي وبأسي ... ولا أعصي لباغي العُرف أمرا
تلين لمن يسالمني قناتي ... وتصلب أن يرم ذو الغمز هَصرا
وأني لا أعدُّ الوفرَ ذُخراً ... ولكني أعدُّ الذكر ذخرا
ثم يليها التشطير الذي هذا أوله:
(أفاطمَ لو شهدتِ لبطن خبتٍ) ... لهانت عندك الأخبارُ خُبْرا
(1/104)

ولو أشرفتِ في جنحٍ عليهِ ... (وقد لاق الهزَبْرُ أخاك بشرا)
(إذاً لرأيتِ ليثاً رام ليثاً) ... وكلُّ منهما بأخيهِ مُغْري
يرى كلٌّ على كل ثقة أخاهُ ... (هزبراً أغلباً لا في هزبرا)
فكاد يربيهُ فيخال مني ... (محاذرةً فقلتُ عُقِرْتَ مهراً) ...
ومن نظمه قصيدة دالية قالها تهنئة للسلطان عبد المجيد سنة 1276 (1856) ضمنها عدداً وافر من التواريخ وتفنن فيها على طرائق عجيبة. ومن مديحه قوله في الكنت رشيد:
فيا مخبراً لاحت بمرآة طبعهِ ... خبايا طباع الدهر فهي لهُ تبدو
بقيتَ رشيداً طبق وسمك مرشداً ... يُهيأ من كل الأمور لك الرشدُ

أدباء النصارى
نذكر الذين اشتهروا من النصارى بخدمة الآداب العربية في هذا الطور مدونين أسماءهم على توالي الزمان.
(جبرائيل المخلع) هو جبرائيل بن يوسف المخلع ولد في دمشق في أواخر القرن الثامن عشر وتفقه في العلوم العربية والتركية والفارسية ثم سافر إلى مصر وبقي فيها مدة يتنقل في دواوين الإنشاء في الإسكندرية ثم عاد إلى دمشق ومات نحو السنة 1851. ومن مآثره ترجمة كتاب شهير عند العجم يسمى الجلستان أي روضة الورد لصلاح الدين السعدي. عربه تعريباً متقناً بالنظم الرائق والنثر المسجع المنسجم ثم طبعه سنة 1846 في بولاق. وهذا مثال من ترجمته (ص84) : (حكاية) نظرت أعرابياً في حلقة الجوهرية بالبصرة، وهو يقول: اسمعوا يا ذوي النقد والخبرة، كنت ضللت في الصحراء طريق الجواز، ولم يبقى معي من معنى الزاد ولا المجاز، فأيقنت بالهلاك، وسمحت له بالفؤاد إذ ذاك، فبينما أنا في البيداء اقتضى الضر، وإذا بي وجدت كيساً ممتلئاً بالدر، فلا أنسى ما علاني من الفرح والمسرة، إذ توهمت أن أجد قمحاً مقلياً في تلك الصرة، فلما تحققت فيه وعاينت الدر والملس، دهشت من الفم الذي لا يبرح عن الفكر بحلول الياس.
في يابس البيد أو حرّ الرمال فما ... لظامئ القلب يُغني الماسُ والصَّدَفُ
العادم الزاد إذ تهوى بهِ قدمٌ ... لهُ استوى الذهبُ المكنوزُ والخزفُ
(1/105)

(حكاية) كان بعض العرب يُنشد من شدَّة الظمأ، وقد علا عليه حرُ البادية وحَمَى:
يا ليت قبل منيَّتي ... يوماً أفوزُ بمُنيتي
نهراً يُلاطم ركبتي ... وأظلُ أملا قُربتي
(حكاية) كذلك ظلَّ في قاع البسيطة بعض السفَّار، ولم يبقَ معهُ قوتٌ ولا قوة اقتدار، ما خلا يسراً من الدراهم قد ادَّخره في وسطِه ولم ينفقه في الضيق، ولا اهتدى بعد أن طاف كثيراً إلى الطريق، فهلك بالمشقَة، وبعد المشقَّة، فمرَّ عليه طائفة من الناس، فوجدوه قد وضع الدراهم عند الرأس، وخط على التراب من عدم القرطاس:
جميعُ نُضار الجعفريّ لمن خلا ... عن الزادِ لا يغنيه شيئاً من الضرِ
ومن يحترق في الفقر فقراً فأنهُ ... لهُ السلجمُ المطبوخُ خيرٌ من التبرِ
وفي تقريظ ترجمة هذا الكتاب قال شهاب الدين الشاعر المصري:
كواكبٌ أشرقتْ تزهو بأنوارِ ... أم لاح لي روضُ أزهار وأنوارِ
كلاّ بل الألمعيُّ اللوذعيُّ بدا ... منهُ بدائعُ أسجاعِ وأشعارِ
زهتْ معاني جُلِستانَ البديعةُ في ... ما صاغِ من عربيّ اللفظِ للداري
لا غرو أن جاءَ جبريلُ الكريمُ بما ... مقرؤهُ حيثُ يُتلى يعجب القاري
معرَّب عبَّرت عنهُ براعتهُ ... عبارةٌ أظهرتهُ أي إظهارِ
منثورهُ دررٌ في سمطهِ نُظمت ... نظماً بلاغتهُ جاءَت بأسرارِ
وإذ زها حسنهُ بالطبع مبتهجاً ... أرَّختُ أزهى بهيجٌ روضَ أزهارِ
(مارون النقاش) هو مارون بن الياس بن مخائيل النقاش ولد في صيدا سنة 1817 ثم انتقل مع والده إلى بيروت وانكب على دروس اللغات والآداب العربية حتى حذق فيها واخذ عن المرسلين اللاتينيين مبادئ اللغتين الفرنسوية والإيطالية. وكان مارون مع سعة علمه فاضلا تقياً متشبثاً بالدين مثابراً على تعاليمه وقد جعلتهُ الحكومة السنية باشكاتباً لدواوين (كمارك) بيروت وملحقاتها. ثم تجول مدة في القطر المصري وأجتمع بأدبائه ثم ساح في أنحاء أوربا ورجع مغرى بفن التمثيل فعرَّب عدة روايات وسعى بتشخيصها وكان أول من مهد الطريق لهذا الصنف من الملاهي في هذه البلاد. وقد طبع بعد وفاته أخوه نقولا المحامي الشهير قسماً من رواياتهِ في كتاب سماهُ أرزة لبنان يحتوي روايات البخيل والمغفل والحسود حذا فيها مارون حذوَ الرواية موليار الفرنسوي وأودعها كثيراً من العادات الشرقية. وجارهّ في عملهِ أخوهّ نقولا المذكور وسليم ابن أخيهِ خليل فراجت بذلك سوق الروايات ويا ليتها كسدت مع كثرة مضارها وقلة من يراعون فيها الأدب الصالحة. ثم سافر مارون
(1/106)

النقاش إلى طرسوس المتاجرة وفيها كانت وفاتهّ سنة 1855 فقال أخوهّ نقولا يرثيهِ:
بدرٌ هوى لا بل ذوى ... غصنٌ وذا مرقدُهُ
نقّاشُ علمِ سيد الع ... لم ارتضى يسعدهُ
يا رحمة المولي على ... ماروننا تعضدُهُ
ويصبُ هاطل غيتها ... أرخ وتغمدهُ
ثم نقلت بعد ذلك رفات المرحوم إلى بيروت ودفنت فيها سنة 1856 فقال شقيقه:
ناديتُ مذ عاد سؤلي منتهى الأملِ ... طرسوسُ لا ناقتي فيها ولا جملي
عودا كبدرٍ تولاّهُ الخسوف لذا ... ها قد أرختُ سناهُ غير مكتملِ
وكان مارون صديقا للشيخ ناصيف اليازجي يتناوبان على الرسالات الودية الأدبية منها رسالة وجهها الشيخ ناصيف إلى مارون إذ كان في طرسوس أولها:
ماذا الوقوف على رسوم المنزل ... هيهات لا يجدي وقوفك فارحلِ
قال فيها:
يا أيها النحريرُ جهبذَ عصرهِ ... مالي أبثُّك علم ما لم تجهلِ
إنَّ المقّدم للحكيم إفادةً ... كمقدمِ للشمس ضوءَ المشعلِ
بَعُدَ المزارُ على مشوقٍ لم يكن ... يشفى عن قرب المزار الأولِ
وختمها بقوله:
إن كان قد بَعُدَ اللقاء لعلةِ ... فابعث إلي بأبهة المتعللِ
فأجابه مارون بما مطلعهُ:
وردت إلي من المقام الأفضلِ ... غرثى الوشاح من الطراز الأولِ
إلى أن قال:
يا من ذا سمح الزمان بنعمةِ ... أبقاك نورا في الظلام لينجلي
كلُّ الرجال إذا مضوا يُرجى لهم ... بدلٌ سواك فلست بالمُستَبدَلِ
جاريتَني فقصرتُ دونك همَّة ... حتى عجزتُ فقد يحقُ العُذر لي
إنَّ الضعيف مقيَّداً بلسانهِ ... مثلُ الأسيرِ مقيَّداً بالأرجلِ
فلما نعي إلى الشيخ صديقهُ بعد أشهر نظم في رثائه قصيدتين من أجود مراثيه
(1/107)

قال في الواحدة:
مات الحبيبُ الذي مات السرور بهِ ... من القلوبِ وعاش الحُزن والضَرَمُ
قد كنت اشكر بعاد الدار من قِدَمِ ... فحبّذا اليوم ذاك البعد والقدَمُ
ومنها:
أيُ الفضائل ليست فيك كاملةً ... وأيُ عيبٍ تراهُ فيك يُتَّهمُ
فيك التُقى والنقا والعلم مجتمعٌ ... والحلم والحزم والإحسان والكرمُ
نرثيك بالشعر يا نقّاشَ بردتهِ ... والشعرُ يرثيك حتى تنفذ الكلمُ
تبكي عليك القوافي والمحابر وال ... أقلام والصحفُ والآراء والهَممُ
وكلُّ ديوان شعرٍ كنت تنظمهُ ... وكلَ ديوانِ قومٍ فيكَ ينتظمُ
وفي ختامها:
إن كنت قد سرت عن دار الفناء فقد ... نلتَ البقا حيث لا شيبٌ ولا هرمُ
إن السعيد الذي كانت عواقبهُ ... بالخير في طاعة الرحمان تُختَتَمُ
ومما قال في المرثاة الثانية:
الموت يختار النفيس لنفسهِ ... منا كما نختار نحن فما اعتدى
وقد نال منّا درة مكنونة ... كانت لبهجتها الدراري حُسَدا
كنزٌ ذخرناه لنا فاغتالهُ ... لصُ المنية خاطفاً متمردا
وختمها بهذا التاريخ:
لو غبت عن نظر فقد خلّفت بالت ... اريخ ذكراً في القلوب مخلّدا
وكذلك رثاه الشاعر المفلق أسعد طراد بقصيدة طنانة أولها:
دهرٌ يغرُ فخذ من دهرك الخورا ... أما تراه بربك العجب والعبرا
وختمها بتاريخ هذا منطوقه:
لو غاب قُلْ في السما تاريخهُ سيُرى ... فإنهُ في نعيم الله قد حضرا
ولمارون النقاش ما خلا رواياتهِ قصائد متفرقة وفقرات ورسائل جمع أخوه قسماً منها في أخر كتاب أرزة لبنان منها منظومة في نحو مأتي بيت علم العروض والقوافي. ومن نظمه قصيدة قالها في الشاعر الفرنسوي دي لامرتين لما الربوع السورية دعاها كوكب المغرب. ومنها أيضا قصيدة تهنئة رفعها إلى سعيد باشا خديوي مصر سنة 1270 (1853) أولها:
(1/108)

لِسعد سُعود مَن سلفوا حدودُ ... وسعدُ سعيد مصرَ لهُ خلودُ
أتاه النيلَ معترفاً بفضلٍ ... لهُ إذ فاضَ من كفيهِ جودُ
فهذا حكمهُ مدٌّ وجزرٌ ... وهذا حلمهُ طامٍ مديدُ
فقد بلغت مناقبهُ كمالا ... ومهما ازداد مدحاً لا يزيدُ
وكتب من الإسكندرية مجيبا على قصيدة لخوري يوسف الفاخوري معلمه:
هل هلال هلَّ أم أهلُ الكرمْ ... نثروا التبر على خط القلمْ
إلى أن قال:
أي أبي الروحي ولولا لائمي ... قلتُ من يشبهْ أباه ما ظلمْ
فهو بحر نلت من فيضانهِ ... وأنا تلميذ ذيَّاك العلَمْ
مخزنُ العلم وفي تدريسهِ ... معدن الحلم وكليُّ الهممْ
قد كساني ثوب تعليم بما ... فتح الله عليه وقسمْ
لست أنسى جودهُ حاشا ولم ... أنسَ أياماً تقضَّت في نعمْ
وللمرحوم عدة تواريخ منها تاريخ على لسان أسعد ابن أخيه حبيب ومات صغيراً سنة 1842:
إني هلالٌ قد دنوتُ من الثرى ... قبل أن أتمَّ فهكذا ربي أمرْ
لكن لعمري لم أغب عن منزلي ... إلاّ لأشرق في النعيم كما القمر
وكما روى النقاش نَقش تأريخي ... لأفوز أسعد بالسعادة عن صغر
(1842) ومنها قوله مؤرخا لوفاة البطريرك يوسف الخازن وارتقاء خلفه غبطة السيد بولس مسعد سنة 1854:
في أفق كرسي إنطاكية عجبٌ ... بدرٌ توارى وبدرٌ فوق سدَّتهِ
إن غاب ذاك وأضناناً بعيبتهِ ... فناب هذا وأشفانا بنوبتهِ
دعا الإله لذاك المرتضي خلفاً ... أرَّخت بولس مختارٌ لدعوتهِ
(1854) (إبراهيم بك النجار) وهو المعروف بإبراهيم أفندي ولد في دير القمر سنة 1822 كان رجلاً هماماَ محباَ للآداب منذ نعومة أظفارهِ فلما قدم لبنان الدكتور الفرنسوي كاوط بك رئيس أطباء العساكر المصرية سنة 1837 نال من محمد علي باشا بأن يدخله مع غيره من السوريين في مدرسة القصر العيني في مصر فتلقى فيها الدروس الطبية ونال الشهادة المؤذنة ببراعته سنة 1842 ثم سافر إلى الأستانة العلية ودرس على أساتذتها المتطببين وبقي مدة هناك يتعاطى مهنته فأصاب شهرة عظيمة حتى
(1/109)

عينته الدولة العلية كطبيب أول للعساكر الشاهانية في مارستان بيروت العسكري. وفي سنة 1846 تجول في أنحاء أوروبة وطبع مرسيلية سنة 1850 كتابه (هدية الأحباب وهداية الطلاب) في المواليد الثلاثة وملخص العلوم الطبيعية ثم عاد إلى بيروت ومعه أدوات طبعية فأنسأ مطبعته الشرقية (أطلب المشرق 3 (1900) : 1032) نشر فيها تاريخ رحلته إلى مصر وأعقبها بتاريخ السلاطين العظام (سنة 1272 - 1275هـ - 1855 - 1858م) وسماه مصباح الساري ونزهة القاري فقرضه مفتي زاده السيد محمد مفتي بيروت بقوله:
جزا الله المؤَلفَ كلّ خيرٍ ... لهذا العقد في جيد الحسانِ
أمصباحٌ بدا أم بدرُ سارٍ ... بأفق سما البلاغة والمعاني
ومن حسن مساعي إبراهيم بك إنه عني باستجلاب أدوات الطباعة لدير طاميش سنة 1855 كما ذكرنا سابقا (المشرق 4 (1901) : 473) . وكان للمترجم شعرٌ قليل منه قوله في مدح السلطان عبد المجيد:
ملكٌ أضاء على الأنام بسبعةٍ ... أحيا الزمان بها فمات الحُسَدُ
حزمٌ وعدلٌ رحمةٌ وطلاقةٌ ... حلمٌ وبذلٌ غيرةٌ لا تُجحَدُ
دانت لباب جلاله أمم الورى ... فغدت بشوكته تسرُّ وتسعدُ
خضع السدادُ لحزمهِ وبعزمهِ ... هزم العدى بالسيف حيث يُجَردُ
فإذا الخطوبُ تجمَّعت قاتلوا لها ... عبدُ المجيد فإنها تتبدَّدُ
وإذا تصوَّر في الدجنَّة ذاتهُ ... لاح الصباح ونوره يتوقَّدُ
وتوفي إبراهيم بك بعز كهولته في 12 أيلول 1864. وكان المذكور قليل الدين في حياته إلا أنه قبل وفاته أنعم الله عليه بالارتداد إلى التوبة على يد المرحوم الخوري جرجس فرج فقال الشيخ ناصيف اليازجي يرثيه:
ضاق الرثا بنا من فرط ما اتَّسما ... كالماء طال عليه الورد فانقطعا
ومنها:
قد كان في طبّهِ للناس منفعةٌ ... فإذا أتى الموت ذاك الطبُّ ما نفعا
وكان يبري من الناس الجراحَ فهل ... يبري جراح فؤادِ بعده انصدعا
سارت إلى الله تلك النفس تاركةُ ... جسما يرى في تراب الأرض مضطجعاً
كلُّ إلى أصلهِ قد عاد منقلباً ... فانحطّ هذا وهذا طار مرتفعا
(1/110)

(طنوس الشدياق) هو الشيخ طنوس بن يوسف بن منصور الشدياق ولد في أوائل القرن التاسع عشر في الحدث من سلالة قديمة أصلها من حصرون يعرف نسبها من القرن السادس عشر. درس طنوس مع أخوته في مدرسة عين ورقة وتعاطى التجارة مدة ثم انقطع إلى خدمة الأمراء الشهابيين فأرسلوه إلى عكا ودمشق وقام بأعباء خدمته بكل نشاط وأقيم بعد ذلك قاضيا على النصارى في لبنان. وقد اشتهر طنوس بمعارفه التاريخية. وكان كافا بتاريخ لبنان فصنف كتابه المسمى بأخبار الأعيان في تاريخ لبنان جعله ثلاثة أقسام في جغرافية لبنان ثم في أنساب أعيانه ثم في أخبار ولاته وقد راجع في تأليف كتابه عدة مخطوطات سرد أسماءها في المقدمة. وهو أدق وأضبط ما وضع إلى يومنا لا سيما في تاريخ الأزمنة الأخيرة وساعده في تهذيبه وتنقيحه ونفقات طبعه المعلم بطرس البستاني. وكان نجازه سنة 1859 بعد شغل نحو خمس سنوات وإنما نقصته فهارس للاستدلال على مضامينه. وقد عُرف صاحب هذا الكتاب بتجرده عن الأعراض كما قال:
خلا تاريخنا من كل ميل ... ومين بين أخبار الزمانِ
وجاءَ بعون مولانا سديدا ... مقيَّدا ما لهُ في النفع ثانِ
توفي سنة 1861 وله شعر لم يطبع وكان شديد التمسك بالدين مستقيم السيرة محبا للصدق. وهو أخو فارس الشدياق لكنه لم يتبعه في ضلاله. ومما يذكر من آثاره أيضاً أنه كان يشتغل بمعجم الألفاظ العامية ولم ينجزه (إبراهيم العورا) هو ابن المعلم حنا العورا الرومي الملكي الكاثوليكي ولد في عكة في أواخر القرن الثامن عشر وتخرج بالآداب هو وأخوه ميخائيل على أبيهما الذي خدم في ديوان إنشاء محمد باشا الجزّار ثم في ديوان سلفه سليمان باشا. فبرع إبراهيم في الكتابة وضُم إلى كتاب ديوان الإنشاء تحت نظارة والده وخاله إبراهيم نحَّاس وذلك سنة 1229 (1814م) . وكان مغرما بتاريخ بلاد الشام يدون من حوادثها ما أمكنه ثم جمع ذلك في كتاب ضمنهُ تاريخ سليمان باشا وافتتحه بمجمل أخبار القرن الثامن عشر ثم اتسع في تاريخ الأحوال التي جرت في آخر أيام الجزار
(1/111)

ولا سيما في عهد خلفه سليمان باشا إلى وفاته سنة 1234 (1818) ولم يزل يحسن هذا التاريخ ويهذبه حتى أتمه سنة 1269 (1853) وفي مكتبتنا الشرقية نسخة منه وهو سفر جليل يحتوي أموراً عديدة وتفاصيل لا تكاد تجدها في غيره روى أكثر عن أدباء عصره وعن معرفته الخاصة مما عاينه بنفسه فزادت بذلك خطورته. توفي إبراهيم العورا سنة 1863 فكتب الشيخ ناصيف اليازجي هذا التاريخ على قبره:
لا تجزعوا يا بني العورا واصطبروا ... فمن ذخر لكم بالأمس قد فُقدا
من فوقهِ أحرف التاريخ ناطقةٌ ... في طاعة الله إبراهيم قد رقدا
(ناصيف المعلوف) هو أحد الذين اشتهروا في هذه المدة بين نصارى الشرق بآدابه ومعارفه اللغوية. وقد مر له في المشرق (8 (1905) :773: 847 الخ) ترجمة مطولة بقلم الكاتب البارع عيسى أفندي معلوف نقتطف منها ما يليق بالمقام. هو ناصيف بن الياس بن حنا المعلوف. كان أبوه في خدمة الأمير بشير الشهابي يقطن مع أسرته قرية زبوغا وفيها ولد ابنه ناصيف سنة 1823 فسلمه أبونا إلى بعض أفاضل المعلمين من كهنة ومرسلين فانكب على درس اللغات والعلوم بكل رغبة ثم رافق التاجر الشهير يوحنا عرقتنجي في رحلته إلى أزمير سنة 1843 وأتم هناك دروسه في مدرسة الآباء اللعازاريين وأتقن اللغات التركية واليونانية الحديثة والإفرنسية والإيطالية حتى أمكنه أن يصنف عدة كتب في كل هذه اللغات (أطلب قائمتها في المشرق 8: 1049) لكنه برز خصوصا في التآليف التركية التي أقبل عليها المستشرقون وافاضوا في مدحها ونال بسببها الأوسمة الشريفة والامتيازات الخاصة. وبين تآليفه ما يشهد له أيضاً بمعرفة آداب لغته العربية وحسن إنشائه فيها وكان وجوه الأوربيين وأعيانهم يحبون أن يتخذوه كترجمان في أمورهم لكثرة آدابه وطلاقة لسانه في كل لغات الشرق. توفي ناصيف في وباء الهواء الأصفر في أزمير سنة 1865.
هذا ما أمكنا جمعه من مآثر النصارى في تلك المدة ولا غرو أنه فاتنا من أعمالهم شيء كثير كما أننا لم نذكر بعض الذين عرفوا بآدابهم ولم يصبر على الزمان إلا القليل من كتاباتهم كالدكتور يوسف الجلخ الذي وردت له بعض خطب في أعمال الجمعية السورية. توفي سنة 1869 وقد جُمعت في كراس المراثي التي قال الأدباء في وفاته منها تاريخ للشيخ ناصيف اليازجي:
(1/112)

قفْ عند تُربة يوسف الجلخ الذي ... ما زال يغلبُ دينُهُ دنياهُ
ولذاك نال ختامَ خيرِ فائزاً ... أرَخ برحمة ربّهِ ورضاهُ
ومنهم الشيخ حبيب اليازجي ابن الشيخ ناصيف توفي سنة 1870 وسنذكره مع والده وأخوته في تسطير تاريخ الآداب في الطور الرابع إنشاء الله. ومنهم الشيخ مرعي الدحداح (1782 - 1868) كان درس في عين ورقة وكتب في دواوين الأمراء وتنقَّل في البلاد وله رسائل وكتابات متفرقة وقد نشرت سيرة حياته في كراس خاص. قال الشيخ ناصيف في تاريخ وفاته:
مضى الشيخ مرعي راحلاً عن ديارنا ... ولكن تهيَّأ في السماء لهُ قصرُ
وأولى بني الدحداح حزناً مخلَّداً ... يدومُ كما يبقى لهُ عندهم ذكرُ
همام تلقَّى الحادثاتِ بنفسه ... فتمَّ له من بعدها المجدُ والفخرُ
إذا زرتَ مثواهُ فأرّخ وقل بهِ ... عليك الرضى والعفوْ يا أيها القبرُ
(الأمير حيدر الشهابي) ذكرناه ذكراً حنيفاً (ص 22) فنفرد له باباً أوسع هنا لوقوفنا على بعض أخباره. هو ابن الأمير احمد بن حيدر الشهابي الذي حكم لبنان مدة مع أخيه الأمير منصور (1754 - 1763) ولد سنة 1763 وتخرج في الآداب منذ حداثة سنه فعشقها وأحب الفضيلة وأهلها وكان محسناً إلى الفقراء أنفق عليهم جانباً عظيماً من ماله وكذلك أوقف على رهبان طائفتي الموارنة والروم الكاثوليك أملاكا كثيرة. وكان زاهداً في الدنيا يفضل العيش المعتزلة على الشغل بالسياسة حتى انه أبى غير مرة الولاية على لبنان. وله تاريخه المشهور غور الحسان في تواريخ حوادث الزمان قسمه ثلاثة أجزاء تبتدئ بأول الهجرة وتنتهي بتولي الحكومة المصرية على الشام. طبع هذا الكتاب بتصرف ودون فهارس في مصر سنة 1900. ومنه في مكتبتنا الشرقية نسختان في عدة مجلدات. ويذكر المؤلف تاريخ آخر مخطوط يتناول حوادث الشام في عهد الأمير بشير الكبير وما بعده لم نقف عليه. توفي الأمير حيدر سنة 1835.
(بعض أدباء الروم) نذكر هنا بعض الإفادات عن أدباء الروم الأرثوذكس وكنا سهونا عن ذكرهم فألفت إليهم نظرنا الكاتب الشهير عيسى أفندي اسكندر المعلوف. نبغ منهم في القسم الأول من القرن التاسع عشر قوم من الأكليروس
(1/113)

الأورثذكسي عرفوا بآدابهم منهم أثناسيوس المخلع الدمشقي أسقف حمص الذي ذكرنا في المشرق (20 (1922) : 288) بعض آثاره مع آثار سميه مطروبوليت عكا. قال جنابه: انه انتقل إلى كرسي بيروت ولبنان وكان عالماً بارعاً اقتنى مكتبة نفيسة وتوفي سنة 1813.
ومنهم الخوري يوسف مهنّا الحداد الذي قتل في دمشق في حركة سنة 1860 وكان مغرماً بالعلم واشتهر بالوعظ والتدريس في الفيحاء وعرّب لطائفته بعض الكتب الدينية (اطلب المشرق 5 (1902) : 1012 و20 (1922) 1010) . ومنهم الخوري اثناسيوس قصير الدمشقي مؤسس مدرسة البلمند سنة 1833. والخوري يوحنا الدومائي منشئ المطبعة العربية في دمشق (المشرق 4 (1901) : 878) والخوري اسبيريديون صرّوف الذي درّس في المصلبة بالقدس الشريف وصحح مطبوعات القبر المقدس وألّف وعرّب وتوفي سنة 1858 (اطلب العدد الخامس من هذه السنة ص 371) والمطران أغابيوس صليبا اداسيس (الرها) الذي ألف وعرّب كثيراً من الكتب التي طبعت في روسيا.

المستشرقون الأوربيون في هذا الطور
(الفرنسيون) بقي السبق في درس اللغات الشرقية عموماً والعربية خصوصاً العلماء الفرنسويين في هذا الطور الثالث الذي بلغنا إليه في سياق تاريخنا للآداب العربية. وكان تلامذة العلامة دي ساسي يمشون على آثار معلمهم فيخوضون بحر الآداب الشرقية ويستخرجون من أغوارها اللآلئ الفريدة فينظمونها قلائد تزيد يوماً بعد آخر ثمناً وفخراً وهانحن نذكر بعض الذين وقفنا على أخبارهم وهي إلى اليوم متفرقة لم تجمع في سفر خاص.
فمنهم فلجانس فرينل (F. Fresnel) ولد سنة 1795 وانقطع في شبابه إلى درس اللغات الشرقية حتى أرسلته حكومته سنة 1837 إلى جدة وتعين هناك بصفة قنصل لدولته. وفي سنة 1852 توجهت أنظار العلماء إلى خرائب بابل فتشكلت بعثة
(1/114)

علمية وكلت فرنسة نظارتها إلى فرينل لما عهدت فيه من الأهلية فسافر إلى بغداد وقام بأعباء مهمته بنشاط مدة ثلاث سنوات وكانت وفاته في حاضرة العراق في 30 ت2 سنة 1855 وعمره 61 سنة وقد خلف فرينل عدة آثار تدل على سعة معارفه منها ترجمة لاميّة العرب للشنفري ومنها رسائل واسعة في تاريخ العرب في أيام الجاهلية وله أيضا مقالات أخرى مفيدة في الكتابات الحميرية التي وجدت في جهات اليمن طبعت في المجلة الآسيوية الفرنسوية.
واشهر منه نابغة همام وعالم عامل جارى في فضله أمام عصره العلامة دي ساسي نريد به آتيان كاترمار (Et. Quatremere) كان سليل أسرة شريفة كثر فيها الأدباء والعلماء وأصحاب السيف والقلم وزادها هو بأعماله شهرة. ولد آتيان في باريس في 12 تموز سنة 1782 وتخرج منذ حداثة سنه في العلوم الشرقية على دي ساسي الموما إليه. واستحق بفضله أن يدخل في جملة نظّار المكتبة العمومية ومخطوطاتها الثمينة ثم تولى التدريس في المدارس العليا قبل أن يبلغ العشرين من سنه وفي السنة 1815 نظمه مجمع فرنسة العلمي في سلك أعضائه ثم ندبته الحكومة إلى تدريس اللغات العبرانية والسريانية والكلدانية والفارسية في مدارسها الخاصة فأحرز له في تعليمها شهرة عظيمة حتى أضحى بعد وفاة دي ساسي نسيج وحده في كل العلوم الشرقية إلى سنة وفاته في 18 أيلول سنة 1857. ومن يطلع على تآليف هذا الرجل المقدام يقضي منه العجب لأنه خلّف بعده نيفاً ومائة كتاب في كأبواب الفنون الشرقية وكل اللغات السامية وغيرها وقد أودع كل هذه المصنفات كنوزاً من المعارف يتحير لها عقل المطالعين. أما تآليفه العربية فعديدة ونهاية في الحسن والضبط منها ترجمته لتاريخ المماليك في مصر للمقريزي في أربعة أجزاء وحواشٍ ضافية. وله مجلدان في مبهمات تاريخية وجغرافية مصرية وتأليف عن النبطيين ومآثرهم ومن مطبوعاته العربية نشره لمقدمة ابن خلدون في ثلاثة أقسام وترجمتها الفرنسوية مع ملحوظات وفهارس في ثلاثة أقسام أُخر ومنتخبات من أمثال الميداني وكتاب الروضتين ومقالات متسعة في جغرافيي العرب وفي مؤرخيهم وفي عادات أهل البادية وله في التركية ترجمة تاريخ المغول لرشيد الدين في مجلد ضخم آية في حسن الطبع. وقد ألف كتباً عديدة في آثار القبط والبابليين والهند والسامرة والأفريقيين والعبرانيين ومجمل القول لم يدع
(1/115)

فناً إلاّ صنف فيه كتباً تعد إلى يومنا معادن ثمينة غنية بمضامينها العلمية.
ومن تلامذة دي ساسي المعدودين غرانجره دي لاغرانج (J - B. Grangeret de la Grange) ولد سنة 1790 وأحكم درس العربية والفارسية فوكلت إليه دولته سنة 1830 تصحيح المطبوعات الشرقية في مطبعتها العمومية فقام بالعمل القيام المشكور. وتوفي سنة 1859 وقد أبقى من الآثار مجموعاً في النظم والنثر نقله إلى الإفرنسية وله منتخبات من شعر المتنبي وابن الفارض علق عليها الحواشي وترجمها. وقد صنف كتابا في تاريخ العرب في الأندلس ودافع عن محاسن الشعر العربي واشتهر في هذا الوقت نويل دي فرجه (Noel des Vargers) بين المستشرقين الفرنسويين وكان مولده سنة 1805 ووفاته في كانون الثاني سنة 1867 نشر عدة تآليف شرقية كقسم من تاريخ أبي الفداء وتاريخ بني أغلب لابن خلدون وله تاريخ افرنسي في عرب الجاهلية اختصره عن تاريخ معلمه دي برسفال وأضاف إليه مختصر تاريخ الحلفاء إلى عهد المغول. وهو من التآليف الحسنة المفيدة وكان ضليعاً بالمعارف الشرقية يلتجئ إليه العلماء في مشاكلهم وفي سنة وفاة دي فرجة توفي مستشرق آخر ذائع الشهرة جوزف رينو: (J. V Reinaud) المولود في 4 كانون الأول سنة 1795 والمتوفى في 14 أيار سنة 1867 كان أيضاً من تلامذة دي ساسي وانكب على مثال أستاذه على درس آثار الشرق ولغاته وكان أحد حفظة خزانة المخطوطات الشرقية في باريس فاستقى من تلك المناهل الطيبة ما شاء. وفي سنة 1838 بعد وفاة دي ساسي تولى تدريس اللغة العربية في مدرسة اللغات الشرقية الحية ثم رُئس عليها سنة 1864 وبقي في وظيفته إلى سنة وفاته. وللعلامة رينو منشورات جليلة منها في الآثار الشرقية كوصفه لمتحف الكنت دي بلاكاس في جلدين وهو سفر خطير في تعريف العاديات الإسلامية. واشتغل بتاريخ الشرق فنقل إلى الفرنسوية معظم ما كتبه العرب في الحروب الصليبية وترجم رحلة تاجرين عربيين إلى الصين تدعى سلسلة التواريخ ونشر كتاب تقويم البلدان لأبي الفداء ونقله إلى الإفرنسية وزيَّنهُ بالمقدمات الأثيرة والحواشي. وله ما خلا ذلك عدة مقالات لغوية وتاريخية في العرب وغيرهم من شعوب الشرق يطول تعدادها وفي ما سبق ما ينبئ بفضله الواسع.
(1/116)

وفي السنة 1867 توفي مستشرق ثالث فرنسوي موسوي الدين وهو سليمان مُنك (S. Munk) ولد في بلاد بروسيا سنة 1805 وتخرَّج بالآداب العبرانية على بعض الربَّانيين في بلده ثم جاء فرنسة سنة 1828 وتجنس بالجنسية الفرنسوية وحضر دروس دي ساسي وكاترمار فتعلم العربية والفارسية والسنسكريتية وبرع فيها وتجول مدة في القطر المصري مع الوزير كريميو. ثم تفرغ للكتابة والتعليم وقصدته التلاميذ ليدرسوا عليه العبرانية. وقد أصيب في آخر عمره ببصره فلم ينقطع عن التأليف والإملاء على الكتبة وهو في هذه الحالة عشرين سنة. وله عدة تآليف في العبرانية والعربية والفارسية في تاريخ الشرق نخص منها بالذكر تاريخ فلسطين وكتابات شتى في الشعر العربي والشعر العبراني ونشر مصنّفات بعض فلاسفة اليهود في العربية والعبرانية وترجمها إلى الفرنسوية كدليل الحائرين لابن ميمون ومعين الحياة لابن جبرول وكتب أيضا في فلسفة الهنود والعرب. وقد نقل إلى الفرنسوية مقامات الحريري. ومن مصنفاته أيضاً مقالات عديدة في آداب الفينيقيين وشرح كتاباتهم المكتشفة في سواحل الشام.
واشتهر في الجزائر مستشرق فرنسوي من تلامذة دي ساسي أيضاً وهو لويس جاك برنيه (L. J. Bresnies) ولد في فرنسة سنة 1814 وتوفي الجزائر في 21 حزيران 1869 كان درس على كبار المستشرقين الفرنسويين منذ حداثة سنه فخلفهم في نشاطهم وعملهم. وقد علّم اللغة العربية في حاضرة الجزائر 33 سنة بهمة عظيمة أكسبته شكر تلامذته. ومن ثمار اجتهاده عدة مطبوعات عربية مدرسية نشرها في فرنسة والجزائر مهدت الطريق لكثيرين لدرس العربية الفصيحة واللغة الشائعة في بلاد الجزائر فمن تآليفه شرح أصول العربية من صرف ونحو وعروض وله أبحاث في اللغة العامية ومجاميع عربية مختلفة مع ترجمتها إلى الافرنسية واعتنى أيضاً بالخط العربي وتعليمه. ومن آثاره ترجمته للاجرومية مع تعليقات عليها.
وفي زمن المسيو برنيه خدم الآداب العربية معلم آخر وهو المعلم كنباريل (E. Combarcl) نشر أيضاً عدة مطبوعات مدرسية لتعليم العربية في الجزائر بين السنتين 1845 و1865 ولم نعرف سنة وفاته.
وكذلك عرف بين المستشرقين العلامة بيبرستين كازمرسكي (B. Kazimirski) الذي ولد في بولونية واستوطن فرنسة ونشر فيها مطبوعات شرقية مفيدة أخصها معجمه
(1/117)

للغتين العربية والفرنسوية الذي جدد طبعه في مصر بعد طبعته الباريزية في مجلدين ضخمين. وقد نقل القرآن إلى الفرنسوية وترجمته معروفة بدقتها وسلاستها. مات نحو سنة 1870.
وممن لم نهتد إلى سنة وفاته من المستشرقين الفرنسويين واشتهر بمآثره العربية المسيو بارون (A. Perron) نشر تآليف جمة ونقلها إلى الفرنسوية ففي سنة 1832 ألف كتاباً في أصول اللغة العربية وطبعه على الحجر ثم نشر مقالات مفيدة في بعض مشاهير العرب كطرفة والمتلمس وعنترة ونقل طرفاً من أشعارهم إلى لغته ونقل أيضاً رواية سيف التيجان ورحلة محمد التونسي إلى الدرفور وكتاب الطب النبوي وكتاب كامل الصناعتين المعروف بالناصري لأبي بكر ابن بدر في مجلدين وكتاب ميزان الخضرية للشعراني في الفقه والمختصر في الفقه لخليل بن إسحاق المالكي في سبعة مجلدات انتهى من طبعه سنة 1854 بعد ست سنوات وعلق عليه تعليقات واسعة.
ونضيف إلى هؤلاء المشاهير من الفرنسويين الأستاذ كليمان موله (J. J. Clement - Mullet) الذي أدى المستشرقين خدماً مشكورة بأبحاثه عن الزراعة عند العرب ومن آثاره الباقية ترجمته الفرنسوية لكتاب الفلاحة للشيخ أبي زكريا يحيى الأشبيلي المعروف بابن العوام. وكان الأصل العربي قد طبع في مجريط سنة 1802 فنقله المسيو موله في مجلدين وعلق عليه التعليقات الخطيرة. وله أيضاً في المجلة الآسيوية الفرنسوية مقالات متسعة في المواليد الطبيعية عند العرب واصطلاحاتهم. توفي المسيو موله سنة 1870.
(الألمانيون) تقدمت الدروس العربية في ألمانية في هذه المدة بهمة بعض الأفاضل الذين أصبحوا أسوة لأهل بلادهم ويستحق السبق على جميع مواطنيه جرج وليلم فريتاغ (G. W. Preytag) ولد سنة 1788 وتوفي في ت2 من السنة 1861 وكان مثالاً للعزم والثبات فكلف بالآداب العربية ودرس اللغات الشرقية في باريس على فخر زمانه دي ساسي أتقنها وعهد إليه تعليمها في كلية بونة سنة 1819 فلم يزل مذ ذاك الوقت إلى سنة وفاته يفرغ كنانة مجهوده في نشر المآثر العربية منها قاموسه العربي اللاتيني في أربعة مجلدات ضخمة أتمه بسبع سنوات وكان يواصل الدرس كل يوم إحدى عشرة ساعة لا يكاد يأخذ فيها
(1/118)

راحة. ثم اختصر ذلك المعجم بمجلد واحد. وقد نشر لأول مرة كتاب حماسة أبي تمام مع شروح التبريزي ونقلها كلها إلى اللاتينية. وقد نشر كتاب عبد اللطيف البغدادي في وصف مصر وقسما من تاريخ حلب لكمال الدين وفاكهة الخلفاء لابن عربشاه. وقد نقل كل هذه الآثار إلى اللاتينية وحشَّاها بالحواشي المفيدة. ومن مآثره الجليلة أمثال الميداني في أربعة مجلدات نشرها وترجمها وأضاف إليها الفهارس مع الملحقات العجيبة في كل ما كتبه العرب عن الأمثال ونشر معجم البلدان لياقوت الحموي في عدة مجلدات مع تذييلات وفهارس غاية في الدقة وسرد لائحة ممتعة في كل مؤرخي العرب. وله كتاب واسع في فن العروض بالألمانية ومنتخبات شتى بالنثر والنظم وقد بقي اسمه إلى يومنا هذا بين مواطنيه كمثال حي للحزم والنشاط.
ومن أفاضل الألمان خلَّدوا لهم ذكراً طيباً في هذا الزمان جان غدفريد كوسغارتن (J. G. Kosegarten) ولد في اَلتِنكرخن من أعمال بروسية سنة 1792 ودرس العلوم في مدرسة غريسفالد الشهيرة ثم تعشق اللغة العربية فأرسله أبوه ليروي غليله منها بالدرس على الأستاذ دي ساسي محور العلوم الشرقية في زمانهِ فتلقَّن اللغة العربية ثم درس التركية والفارسية والأرمنية واستنسخ قسماً من مخطوطات باريس ولم يلبث أن نشر في بلده منها طرفاً استوقفت أنظار أهل وطنه فدعاه أصحاب الأمر إلى تدريس اللغات الشرقية في غريسفالد وبقي في منصبه إلى وفاته فيها سنة 1850 منقطعا إلى نشر التآليف المهمة أخصها غراماطيق اللغة العربية في اللاتينية ثم قسمٌ من شعر الهذيليين طبعه في لندن وكذلك نشر مجلداً من كتاب الأغاني لأبي الفرج ونقله إلى اللاتينية وزينه بالمقدمات والشروح ونشر أيضاً مجلدين من تاريخ الطبري مع ترجمتها وطبع معلَّقة عمرو بن كلثوم وذيّلها بالملحوظات المفيدة وله غير ذلك من الآثار العربية والسنسكريتية والهيروغليفية.
وليس دون السابقين همَّة ونشاطاً واتساعاً في التأليف وطنيهما غستاف فلوغل (G. Flugel) ولد سنة 1802 في بلاد سكسونيا ودرس في ليبسيك على مشاهير علمائها وأخذ عن بعضهم مبادئ اللغات الشرقية ثم سافر إلى فينا وبقي سنتين ينعم النظر في مخطوطات مكتبتها الشهيرة وتجول بعدئذ في عواصم أوربة إلى أن احتل باريس سنة 1829 وسمع معلميها ودرس مخطوطاتها الشرقية ثم عاد إلى بلاده فتولَّى
(1/119)

التدريس في معاهدها العلمية مدة وصار له نفوذ كبير عند أمراء وطنه الذين عهدوا إليه بتآليف عديدة استوفى شروطها وهي تبلغ نحو خمسين مجلداً منها كتاب كشف الظنون للحاج خليفة في سبعة مجلدات ضخمة مع ترجمتها إلى اللاتينية وفهارسها الواسعة وملحقاتها الخطيرة ومنها وصف مخطوطات فينَّا العربية في ثلاث مجلدات. ونشر عدة كتب قديمة مع ترجمتها مثل كتاب مؤنس الوحيد الثعالبي وتعريفات الجرجاني ونجوم الفرقان وهو فهرس للقرآن بديع في بابه. وله تآليف في فلاسفة العرب ونحاتهم ونقَّلتَهم ونشر كتاب الفهرست لابن النديم من أنفس ما كتبه القدماء. وصنَّف تاريخاً موسعاً للعرب في ثلاثة مجلدات فكل هذه المصنفات مما يدهش العقل لسعة علم كاتبها الذي يعد من أكبر المستشرقين وأغزرهم فضلاً. كانت وفاته سنة 1870.
وممن برزوا في هذا الزمان في درس كتب العرب الرياضية والجبرية الألماني فرانتس فوبك (Fr. Woepke) ولد في بلدة قريبة من ليبسيك سنة 1826 ودرس في ويتمبرغ ثم رحل إلى برلين وتفرَّغ لدرس الرياضيات وفي سنة 1848 التقى بالمستشرق الشهير فريتاغ في بونة فعلمه العربية وفتح له باباً لدرس آثار العرب في الحساب والمقابلة والجبر والهندسة والهيئة فخصص مذ ذاك الحين نفسه لإحياء دفاتنها فنشر رسالة أبي الفتح عمر بن إبراهيم الخيَّامي في الجبر والمقابلة وكتاب الفخري فيهما لأبي حسن الكرخي وتفسير مقالة أوقليدوس العاشرة في الإعظام المنطقة والصم لأبي عثمان الدمشقي وقد كتب نيفاً وخمسين مقالة في كل الفنون الرياضية عند العرب نشرها في المجلة الآسيوية الفرنسوية وفي المجلات العلمية في برلين ورومية وباريس وبطرسبرج وكان إذا نشر أثراً ما قديما نقله إلى اللغات الأوربية وعلق عليه التعليقات الخطيرة حتى أصبح إماماً في هذه الفنون يشار إليه بكل بنان. وكانت أدت به دروسه إلى البحث في العلوم الرياضية عند الهنود وقدماء اليونان وأرباب القرون الوسطى فقابل بينها وبين آثار العرب وقد فاجأه الموت في 24 آذار سنة 1864 وهو في منتصف العمر.
وقد اشتهر غير هؤلاء أيضاً بين مستشرقي الألمان وإن لم يبلغوا شأوهم منهم جرج هنري برنستين (G. H. Bernstein) صنَّف كتاباً في نحو العربية ونشر بعض الآثار القديمة منه قصيدة لصفي الدين الحلي مع ترجمتها وشرحها ومنها كتاب
(1/120)

في مبادئ وأصول الأديان المتفرقة في الشرق. وكانت شهرته في معرفة السريانية أكثر منها في العربية قد علَّم تلك اللغة في برسلو وله فيها عدة مطبوعات. توفي برنستين سنة 1860 وعمره 73 سنة.
ومنهم جان أوغست فولرس (J. A. Vullers) أحد تلامذة دي ساسي وكاترمار وفريتاغ ولد في ألمانية سنة 1803 وكانت وفاته في 21 ك2 سنة 1880 في غيسِن علم اللغات الشرقية في كلية غيسن. وقد برز فولرس خصوصاً في اللغة الفارسية فنشر معجماً فارسياً لاتينياً يعد من أتقن المعاجم وأبرز عدة آثار لمؤرخي العجم وشعرائهم. وكان عالماً باللغة العربية نشر معلقتي الحارث بن الحلزة وطرفة مع شروح الزوزني عليها ونقلهما إلى اللاتينية وصنَّف أيضاً كتابا في أصول لغة العرب ومنهم أيضاً فرنتس أوغست أرنُلد (F. A. Arnold) اشتهر بين أساتذة مدرسة هال في ألمانية وله مجموعة حسنة من تآليف العرب لطلبة المدارس الشرقية في جلدين طبعت سنة 1853 ونقلها اليونان في القدس إلى لغتهم فجددوا طبعها بهمة استيفان أثناسياديس سنة 1885. وكان سبق قبل ذلك ونشر سنة 1836 معلقة امرئ القيس ونقلها إلى اللاتينية وذيلها بالشروح. ولم نقف على سنة وفاته.
ومنهم أيضاً الدكتور جان غدفريد وتسشتين (J. G. Wetzstein) أقام مدة في دمشق بصفته قنصل دولته وعني بدرس اللغات الشرقية وجمع عدة مخطوطات وصفها وصفاً حسناً وأرسلها إلى برلين وقد كتب تفاصيل رحلته إلى جهات حوران وبادية الشام ومن مطبوعاته كتاب مقدمة الأدب لجار الله الزمخشري طبعه في ليبسيك على الحجر سنة 1850 توفي معمراً في برلين في 18 ك2 سنة 1905.
ومنهم أيضاً هنري جوزف فتزر (H. J. Wetzer) ولد سنة 1801 ودرس اللغات الشرقية على علماء زمانه في ألمانية وفرنسة ولا سيما دي ساسي وكاترمار ثم درس اللغات الشرقية في كلية فريبورغ الكاثوليكية فأصاب له فيها ذكراً طيباً وقصدته الطلبة من أنحاء البلاد وهو أول من نشر مقالة المقريزي في نصارى الأقباط وترجمها إلى اللاتينية وله آثار أخرى في العلوم الكتابية. توفي سنة 1853.
ومنهم فيليب فولف (Ph. Wolf) عني بدرس آداب العرب ونشر البعض منها. وله كتاب دليل السياح لمصر والشام وفلسطين ضمنه أصول العربية العامية.
(1/121)

وقد نقل إلى الألمانية كتاب كلية ودمنة وطبع المعلقات ونقلها أيضا إلى الألمانية وبين خفايا معانيها. ونشر شيئاً من ديوان أبي الفرج الببغاء كانت وفاته في غرة كانون الثاني سنة 1894.
ومنهم أخيرا ثيودور هاربروكر (Th. Haarbrucker) من علماء مدينة هال نقل إلى الألمانية كتاب أبي الفتح الشهرستاني الذي نشره وليم كورتون في لندن وذيله بالتذييلات الحسنة. وله مقالة في كتاب مجموع العلوم لمحمد بن إبراهيم السخاوي طبعه سنة 1859. ونشر في العربية تفاسير على أسفار يشوع بن نون وأسفار الملوك الأربعة والأنبياء من تأليف أحد علماء اليهود الربي تنحوم بن يوسف الأورشليمي ونقلها إلى اللاتينية توفي 17 ك2 سنة 1880.
(النمسويون) لم يبلغ النمسويون في درس العلوم الشرقية مبلغ الألمان في أواخر القرن التسع عشر. وإنما اشتهر منهم رجل مقدام كانت له قريحة عجيبة في تعلم اللغات والكتابة في كل فنون الشرقيين أعني به البارون جوزف دي هامر بورغشتال (J. d. Hammer - Purgstall) ولد في غراتس سنة 1774 ودرس في كلية فينا لغات الشرق حتى أمكنه قبل العشرين من سنه أن يتكلم بالعربية والفارسية والتركية ثم أرسلته الحكومة إلى الأستانة بصفة ترجمان ووكلت إليه نظارة قنصلياتها فتجول في الشام ومصر ودرس أحوال البلاد ثم لم يزل يتقلب في كل المناصب الشريفة حتى دخل في شورى الدولة. فانقطع حينئذٍ إلى التأليف وكان يحسن الكتابة في عشر لغات أجنبية فألف عدداً لا يحصى من الكتب والمقالات في كل المواضيع الكتابية وتغلب عليه التأليف في تاريخ الشرق وآدابه نسرد هنا أسماء بعضها: تاريخ الدولة العثمانية في عدة مجلدات. تاريخ الآداب العربية في سبعة مجلدات ضخمة من عهد الجاهلية إلى آخر الدولة العباسية ضمنه عشرة آلاف ترجمة من كتبة العرب وشعرائهم وكبار علمائهم. وقد نقل إلى الألمانية كتاب (أيها الولد) للغزالي وقلائد الذهب للزمخشري وتائية ابن الفارض ومقالات في موسيقى العرب ونشر قصصاً لم تعرف من كتاب ألف ليلة وليلة وديوان خلف الأحمر ونظم بالشعر الألماني كل ديوان المتنبي. وكتب أيضا تاريخ فارس ودولها وتاريخ الآداب التركية. ونقل عدة مصنفات فارسية إلى لغته وأدار المجلات الشرقية فأصبح في بلاده محورا للآداب
(1/122)

الشرقية إلى سنة وفاته في 23 ت2 سنة 1856 وكان البارون هامر شديد التمسك بالدين الكاثوليكي وكان يقيم صلاته بالعربية وألف كتاباً في ذلك. ومجمل القول أنه يعد مع بعض مشاهير عصره كمحيي الآداب الشرقية بين الأوربيين.
(الهولنديون) سبق لنا وصف همتهم في درس اللغات الشرقية عموماً والعربية خصوصاً. ودونك أسماء بعض الذين أزهروا في الطور الذي نحن في صدده.
أشهرهم ثاودور جوينبول (T. G. J. Juynboll) ولد سنة 1802 ودخل في سلك خدمة الدين في بلاده وكان متضلعاً باللغة العربية متقناً لتاريخ دول الشرق وآدابهم. فعلم اللغة العربية في مدارس مختلفة حتى صار من أساتذة كلية ليدن إلى سنة وفاته في 16 أيلول سنة 1861. ومن آثاره أنه نشر قصائد المتنبي وشعراء زمانه في مدح سيف الدولة وأضاف إليها ترجمة لاتينية ونشر أيضاً كتاب الجبال والأمكنة والمياه للزمخشري وسفر يشوع بن نون عن النسخة السامرية ونقله إلى اللاتينية. وكذلك نشر كتاب مراصد الاطلاع الذي هو مختصر معجم البلدان لياقوت الحموي. وكتاب النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة مع مساعدة أحد المستشرقين الهولنديين المدعو بنيامين ماتس (B. J. Matthes) وقد اجتمع ببعض أدباء وطنه فنشروا مجموعاً دعوه بالشرقيات (Orientalia) . ومن مآثره أيضاً مقالة في الترجمة العربية السامرية المحفوظة في مخطوطات باريس. وكان لجوينبول ابن تقفى خطوات والده فاشتهر أيضاً بعلومه الشرقية اسمه إبراهيم وليلم (A. W. Juynboll) عاش بعده نحو عشرين سنة ونشر كتاب التنبيه في الفقه الشافعي لأبي إسحاق إبراهيم ابن علي الشيرازي ونقله إلى اللاتينية وقدم عليه المقدمات الحسنة وكذلك عني سنة 1861 بطبع كتاب البلدان لأحمد بن أبي يعقوب بن واضح المعروف باليعقوبي.
ومن معاصري جوينبول الأستاذ تاكو روردا (T. Roorda) أحد أفاضل الهولنديين الذين عرفوا بالهمة والثبات. باشر سنة 1825 منشوراته الشرقية بدرس أخبار أبي العباس أحمد ابن طولون والدولة الطولونية ثم ألف كتاباً في قواعد العربية وشرحه باللاتينية وألحقه بمنتخبات ومعجم. وقد ساعد جوينبول في نشر مقالاته الشرقية المار ذكرها. توفي روردا نحو السنة 1865.
ومنهم أيضاً هنريك فايرس (H. F. Weijers) له كتابات حسنة في
(1/123)

شرقيات جوينبول المذكورة آنفاً ثم اتسع في وصف كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان ونشر مع أحد مواطنيه الدكتور مورسنغ (A. Meursinge) كتاب درة الأسلاك في دولة الأتراك لأبي الحسن بن عمرو بن حبيب واشتغل بوصف مخطوطات مكتبة ليدن الغنية بكنوزها الأدبية. ولا نعرف سنة وفاة فايرس كما إننا لم نقف على أخبار مورسنغ الذي كان نشر قبل ذلك كتاب طبقات المفسرين للسيوطي.
(الإنكليز) اشتهر قليل منهم في هذا الطور بالآداب العربية. أخصهم وليم كورتون (W. Cureton) ولد سنة 1808 وتوفي في لندن في 17 حزيران سنة 1864 كان من خدمة الدين البروتستاني وتخرج في كلية أوكسفرد وكان جل اهتمامه باللغة السريانية وآدابها. وقد الآداب العربية ببعض المصنفات الدينية منها ما نشره سنة 1843 من تفاسير تنحوم بن يوسف الاورشليمي على مراثي ارميا النبي وكذلك نشر مقالة في الكهنوت من كتاب مصباح المرشد ليحي بن حزير (ويروي جرير) التكريتي. ومن آثاره الباقية التي أتقن طبعها كتاب الملل والمحل للشهرستاني نجز طبعه في لندن سنة 1842. وكان طبع قبل ذلك عهدة عقيدة أهل السنة لحافظ الدين عبد الله بم أحمد النسفي وهذان الكتابان نشرا في جملة منشورات أخرى تولت طبعها في بريطانيا شركة طبع التآليف الشرقية Society for the Publication Oriental Texres نفعت الدروس الشرقية نفعاً جزيلاً. ومما كانت نشرته ترجمة رحلة البطريرك الانطاكي مكاريوس التي سبقت للمشرق الكلام عنها (1009:5) وبهمة كورتون طبع أيضاً القسم الأول من وصف مخطوطات لندن العربية الذي أتمه بعده الطيب الذكر ريو (C. Ricu) .
وممن أحرزوا لهم بعض الشهرة في الآداب العربية بين الإنكليز وليم ناسولييس (W. Nassau Lees) كان هذا مقدماً على جمعية بنغال الآسيوية وورث عن خلفه ماثيو لومسدن (M. Lumsden) حبه للآداب العربية. فكان لومسدن أفرغ المجهود في تجهيز مطبعة كلكوتا ونشر فيها مطبوعات مفيدة كمقامات الحريري سنة 1809 ونفحة اليمن لأحمد الشرواني سنة 1811 وشرح المعلقات ومختصر المعاني للقزويني وقاموس المحيط للفيروزابادي وكتب أخرى أوسعت شهرة تلك المطبعة
(1/124)

الهندية. ثم توفي 18 آذار سنة 1835 فلما قام بعده ليس زاد على خلفه نشاطاً واهتم بنشر تآليف أوسع وأكثر فائدة فطبع تاريخ الخلفاء لجلا الدين السيوطي ونوادر القليوبي والكشاف للزمخشري وفتوح الشام للواقدي وفتوح الشام للبصري وكشاف اصطلاحات الفنون لمحمد علي الفاروقي التهانوي ونخبة الفكر ونزهة النظر لابن حجر العسقلاني. وكان ليس يستعين في تلك المطبوعات ببعض علماء الهند كالمولوي كبير الدين والمولوي عبد الحق غلام قادر وكان أيضاً يساعده في نشر تلك المطبوعات المستشرق سبرنغر (A. Sprenger) الوارد ذكره بعد هذا توفي في ناسو ليس في 9 آذار سنة 1889.
وقد نشر أيضاً في هذا الزمان الإنكليزي هاريس جونس (J. Harris Jones) ذكر فتح الأندلس لابن عبد الحكم القرشي المصري فطبعه في غوتا سنة 1858 ونقله إلى الإنكليزية.
(الروسيون وغيرهم) كانت حركة الدروس الشرقية خامدة في روسيا في أواسط القرن التاسع عشر ثم أخذت الأكاديمية الملكية تبعث الهمم وتنشط العزائم فنشأت بذلك نهضة محمودة وعقدت بعض الجمعيات العلمية لترويج تلك المقاصد. وهذه أسماء التآليف العربية التي نشرت في روسيا في الطور الذي يشغلنا.
نشر منهم الأستاذ غوتولد (J. M. E. Gottwald) معجماً القرآن وللمعلقات في قازان سنة 1863 ونشر في بطرسبرج تاريخ سني ملوك الأرض والأنبياء تأليف حمزة الأصفهاني ونقله إلى اللاتينية توفي غوتولد في قازان سنة 1897 - وفي بطرسبرج نشر الأستاذ كولسون (D. A. Chwolson) سنة 1869 كتاب الأعلاق النفيسة لابن دسته (والصواب رسته) وترجمه إلى الروسية وله أيضاً بحث خطير في آثار الآداب البابلية في كتب العرب سنة 1859 في مجلة بطرسفرج العلمية توفي كولسون وعمره 92 سنة في 5 نيسان سنة 1879 في مدينة فيلنا وكان يهودياً فتنصر وهو الذي أثبت أن الصابئين المذكورين في القرآن هم المندئيون وعلم في بتروغراد اللغات العبرانية والسريانية والكلدانية - واهتم الأستاذ اسكندر كرستيانوفتش (Al. Christian owitsch) بالموسيقى العربية فوضع فيها مقالة وزينها برسم الآلات الشائعة عند العرب وطبعها في كولونية سنة 1863 - وفي هذا الزمان أزهر
(1/125)

أحد الأعاجم المتنصرين اسكندر قاسم بك الذي علم مدة اللغات الشرقية في قازان وبطرسبرج وجعله القيصر من أعضاء الشورى. كان يعرف اللغات التترية والفارسية والعربية وقد نشر في كلها تآليف عديدة وله في العربية مختصر الوقفيات ورسائل دينية ومقالات لغوية وفصول تاريخية في أخبار الدول الإسلامية ونشر قنصل الروس في تبريز نيقولا خانيكوف (N. Khanikoff) كتاب ميزان الحكمة للخازني وطبعه في المجلة الشرقية الأميركانية سنة 1859 وهو سفير جليل في المواليد والفلزات والجواهر وترجمه إلى الإنكليزية وكذلك (الاسبانيون) في هذه البرهة من الدهر شعروا بحاجتهم إلى درس اللغات الشرقية ولا سيما العربية لما فيها من الآثار المفيدة لمواطنهم ونال لهم بعض الشهرة وطنيهم كاينكوس (Pasc. de Gayangos) الذي نشر في لندن ومجريط بعض التآليف العربية منها ترجمة نفح الطيب للمقري في مجلدين كبيرين ومنها وصف قصر الحمراء مع بيان آثاره وتفسير كتاباته الحجرية وكذلك نشر ترجمة كتاب كليلة ودمنة وتاريخ أحمد بن محمد الرازي
أما (الإيطاليون) فإن درس اللغات الشرقية كان عندهم منحصراً في بعض المبادي ولم ينشروا في تلك المدة من الآثار العربية شيئاً يذكر اللهم إلا الكردينال العظيم أنجلو ماي (Ang. Mai) الذي دخل في الرهبانية اليسوعية في العشر الأول من القرن التاسع عشر وتوفق إلى الاكتشافات العجيبة التي خلدت له ذكراً في العالم كله في إعادة الكتابة على الرقوق التي حكت نصوصها السابقة (Palimpsestes) . وأقامه الحبر الأعظم إلى رتبة الكرادلة ووكل إليه نظارة المكتبة الواتيكانية. وقد نشر في السريانية والعربية أيضاً بعض ما وجده من الآثار النصرانية وأثبتها في مجموع مطبوعاته. توفي الكردينال ماي سنة 1854 وممن نلحقهم بهؤلاء المستشرقين بعض المرسلين الذين خدموا بمدارسهم ومنشوراتهم الآداب العربية. فمن اليسوعيين الأب اسكندر بوركنود (Al. Bourquenoud) الذي سبق رينان إلى درس آثار الشام ووصفها وصفاً مدققاً فمهد الطريق لأبحاث رينان الأثرية. توفي الأب بور كنود في 1 ت 1 سنة 1868 في غزير ومنهم اليسوعيان الأب لويس فنيك (1868) والأب بولس ريكادونا
(1/126)

(1863) ألفا في العربية إرشادات وكتباً دينية وقصائد تقوية أما المرسلون الأميركان فأشتهر بينهم عالي سميث الذي تجول في أنحاء الشام ونظم أحوال الجمعية الأميركية ووسع أعمال مطبعتهم وباشر مع الشيخ ناصيف اليازجي ترجمة الكتاب المقدس وقد أنجزه من بعده الدكتور فان ديك. توفي عالي سميث سنة 1857 وكان منهم أيضاً هنري دي فورست (H. de Forest) وادورد سالسبوري (Ed. Salisbury) ولكليهما مآثر حسنة من تاريخ وجغرافية وعادات ووصف أديان نشراها في المجلة الشرقية الأميركانية (Journal of the American Oriental Society) وكانت هذه المجلة صدرت سنة 1850 فأخذت تباري بمقالاتها المجلات التي تقدمتها وبهذا النظر الإجمالي نختم تاريخ الآداب العربية في طورها الثالث من القرن التاسع عشر وبه أيضاً ختام القسم الأول من تأليفنا هذا الذي جمعناه في كتاب مستقل وألحقناه بفهرس الأدباء الذين أوردنا ذكرهم في مطاوي كلامنا

كلمة الختام
ويسوغ لنا أن نختصر بكلمة هذا القسم فنقول أن الشرق والغرب تباريا في نهضة الآداب العربية في القرن التاسع عشر بعد خمولها. استخرج الغرب من خزائنه كنوزه المدفونة فسحرت لدى نشرها ألباب أبناء الشرق فتسارعوا إلى إحراز جواهرها والاستقاء من مناهلها فاتسعت بها دائرة مداركهم وشحذت أذهانهم وتحسن ذوقهم ولم يأنفوا أن يستعيروا من أهل الغرب ما وجدوه موافقاً لرقي آدابهم فمهدوا للآتين بعدهم السبيل لتبليغ اللغة إلى صرح كمالها.
(1/127)

الجزء الثاني
من السنة 1870 إلى 1900
(1/128)

الآداب العربية في القرن التاسع عشر

الفصل الأول
الآداب العربية من السنة 1870 إلى 1880
نظر إجمالي
جرينا شوطاً أول في عدة مقالات كتبناها عن آداب القرن السابق فأدى بنا سيرنا إلى السنة 1870 فوقفنا عند ذلك الحد مدة ريثما نجمع قوانا فنواصل الجري في هذا الميدان. وهو لعمري مجال جديد يتسع أمامنا فتتوفر ركبانه وتنمو فتفوت الإحصاء فرسانه. ولولا ثقتنا بلطف القراء وأملنا بغضهم النظر عن قصورنا لكففنا القلم وأوقفنا اليراع لئلا يرشد بنا عن سواء السبيل. فنستأسف العمل مع تكرار الرجاء بأن يمد إلينا الأدباء يد الإسعاف وينبهوا فكرنا إلى ما نسهو عن ذكره ويصلحوا ما يرونه مخالفاً للواقع ليأتي هذا القسم أوفى بالمرام إن شاء الله.
كانت السنة 1870 مفتتح طور جديد في تاريخ نهضة الآداب العربية فصان في تلك السنة جرت أمور خطيرة قلبت بطناً لظهر أحوال الدوال الأوربية فكان لها فعل انعكاس في أنحاء الشرق فقامت العقول من رقدتها واستيقظت الأفكار بعد سنتها في دوي الحرب السبعينية طرق آذان الشرقيين فأسمعهم أصواتاً ما اعتادتها مسامعها فرأوا في طلب الآداب ودرس العلوم سداً لخللهم ومنجاة من خمولهم وكان السلام سانداً والأمن متوطداً في الدولة التركية لا شيء يعوق رعاياها عن ترويج الآداب وأنفاق سوقها لا سيما سورية ولبنان فإن الدعة والسكينة كانت قد
(1/129)

مدّت عليها رواقها بعد نكبة السنة 1860 وأخذت الشبيبة تترعرع وهمها الأعظم الترقي في معارج التمدن.
وعقد في ذلك العام المجمع الواتيكاني وفيه رأي الدين الشرقيون رقي أخوتهم الغربيين في العلوم فأحبوا مجاراتهم في ذلك المجال الشريف. وقد ساعدهم في تحقيق أمانيهم المرسلون اللاتينيون الذين تضاعف عددهم في هذه البلاد فأخذوا يجدون ويسعون بما عرفوا به من علو الهمم ليبعثوا في الأحداث الغيرة على إحراز المعارف. وكذلك المرسلون الأميركان فإنهم أفرغوا كنانة الجهد ليزرعوا في قلوب الشبان بذور المعارف والعلوم المستجدة. ويا حبذا لو اقتصر على هذه الغاية الشريفة ولم يتخذوا العلم وسيلة لنشر الزاعم البروتستانية ومناوأة الدين القويم.
ومما خص به هذا الطور الذي نحن في صدده إنشاء مدارس عامرة لم يسبق لها مثيل في الزمن السابق أخصها الكلية الأميركية التي خرجت في ذلك الوقت من قماطات مهدها فشرع أساتذتها وفي مقدمتهم فان ديك في تأليف أو تعريب قسم كبير من الكتب العلمية قدوة بالشيخ الطهطاوي بمصر ففتحت ترجمتها باباً جديداً طرقه الشرقيون لإحراز العلوم العصرية. وكانت المطبعة الأميركية تذلل لهم الصعاب في نشرها وبقيت تلك المطبوعات عهداً طويلاً كأساس التعليم في الكلية الأميركية وبعض المدارس الوطنية حتى بعد قصورها عن بلوغ غايتها لاتساع نطاق العلوم سنة بعد سنة فبقيت على نقصها حتى اضطرت عمدة المدرسة الأميركية إلى استئناف التدريس باللغة الإنكليزية.
وكان النجاح الذي فاز به أصحاب الكلية الأميركية باعثاً للكاثوليك على مزاحمتهم ليصونوا أبناء مللهم من الأضاليل البروتستانية. وكان اليسوعيون أول من تحفز لمناهضتهم فعززوا مدارسهم الثانوية في غزير وبيروت وصيداء ثم جعلوا يطلبون ما هو أنجع وسيلة لبلوغ أربهم بإنشاء كلية في بيروت تباري كلية الأميركان وتقدم لأبناء الشرق مناهل العلوم صافيةً من كل رنقٍ يكدرها. فما لبث بعد أربع سنوات أن تشيدت أبنية كليتنا الكاثوليكية ونقلت إليها مدرسة غزير 1875 فنالت من كرم الكرسي الرسولي كل انعامات الكليات بمنح شهادات العلوم الدينية
(1/130)

لمستحقيها. كما أن الدولة الفرنسوية اعتبرت شهاداتها بمثابة الشهادات الممنوحة في فرنسة لذويها.
وفي غرة سنة 1870 نشر الآباء اليسوعيون جريدتهم المجمع الفاتيكاني لنقل أخبار ذلك المجمع المسكوني. ثم أعقبوه بعد فراغ المجمع في أيلول بجريدة البشير لمناضلة النشرة الأسبوعية فصار لها رواج كبير ولم تزل تكبر وتتحسن حيناً تلو حين. وها قد مر عليها اليوم 50 سنة بنيفٍ وهي تدافع عن الدين مدافعة الأبطال فصارت لسان حال الكثلكة يرجع إليها أرباب الطوائف الكاثوليكية بأسرهم.
وفي هذه المدة أيضاً ترقت المطبعة الكاثوليكية بهمة رئيسها الهمام الأب امبرواز مونو الذي لم يشأ أن تتخلف عن المطبعة الأميركية في شيء فاستجاب لها الأدوات الجديدة وجهزها بالمخترعات المستحدثة وأرسل أحد رهبانه الطيب الذكر الأخ ماري الياس إلى عواصم أوربة ليدرس فن الطباعة على أحذق الطباعين فأخذ عنهم الاستكشافات واستعان بها على تحسين الطباعة الشرقية في مطبعتنا ومطابع البلدة. وكذلك تعلم غيره من رهبانها كالمرحوم الأخ أنطون عبد الله فن الحفر وسبك الحروف واستحضار سنابكها وأمهاتها فأغنوا المطبع بأشكال جديدة من الحرف العربية والسريانية وغيرها.
وتعهدت المطبوعات الدينية والعلمية التي ظهرت في تلك الأثناء من مطبعتنا وكان أجودها حرفاً وأتقنها طبعاً الكتاب المقدس (1876 - 1882) في ثلاثة مجلدات مزيناً بالتصاوير والنقوش. وكان الآباء المرسلون لم يذخروا وسعاً في تعريبه عن اللغتين الأصليتين العبرانية واليونانية ساعدهم في تصحيح عبارة الترجمة وتثقيفها اللغوي البارع المرحوم الشيخ إبراهيم اليازجي. وقد صدق على هذه الترجمة الجديدة غبطة السيد منصور براكو بطريرك أورشليم اللاتيني وأثنى عليها سائر بطاركة ومطارنة وأساقفة الطوائف الكاثوليكية في الشرق.
ثم أخذ مديرو المطبعة الكاثوليكية يهتمون بالكتب المدرسية وكانت قبلهم عزيزة جداً لا يصل إليها الأحداث إلا بعد شق النفس فتوفرت الكتب التعليمية وزادت بذلك مدارس الشرق ترقياً ونجاحاً.
وكانت بقية الرسالات اللاتينية تسير سيرها الحثيث في نشر الآداب فاللعازريون
(1/131)

كانوا يكسبون ثقة الأهلين بحسن تعليمهم وتهذيبهم في مدرسة عين طورا. ثم فتحوا في هذه الأثناء مدرسة أخرى في دمشق لا تزال عامرة. وكذلك الآباء الفرنسيسيون فتحوا مدرسة ثانوية في حلب علموا فيها اللغات وأصول الآداب.
ولم تتأخر الطوائف الشرقية في هذه الحلبة. فإنه تعين سنة 1872 لكرسي بيروت على الموارنة بعد الطيب الذكر طوبيا عون أحد رجال العلم والعمل السيد المبرور يوسف الدبس فأفرغ الوسع في ترقية أبناء رعيته في معارج التمدن ففتح لهم في بيروت سنة 1875 مدرسة الحكمة الشهيرة التي نمت فروعها وبسقت أفنانها وينعت ثمارها إلى يومنا هذا. فتقلد الكثير من المتخرجين فيها المناصب الجليلة وخدموا وطنهم بنشاط عظيم. ومن مساعيه الطيبة لتوسيع نطاق الآداب مطبعته العمومية الكاثوليكية التي اشتراها من يوسف الشلفون شركة مع رزق الله خضرا فنشر فيها مجموعاً واسعاً من المطبوعات الدينية والأدبية والمدرسية منها قسم كبير من قلمه.
وفي هذه المدة ثبت قدم جمعية المرسلين اللبنانيين التي أسسها المطران يوحنا حبيب سنة 1865 فأخذت تزداد عدداً وفضلاً بهمة منشئها الفاضل.
أما الروم الكاثوليك فإن مدرستهم البطريركية بلغت في هذه الآونة أوج عزها بحسن إدارة رؤسائها وشهرة أساتذتها. وكان جل اهتمامها إتقان اللغة العربية بفروعها. وعني السيد البطريرك غريغوريوس يوسف بإنشاء مدرسة أخرى لأبناء طائفته في دمشق سلم إدارتها إلى كهنة أفاضل أحكموا تدبيرها.
وفي هذا الطور أنشئت مطابع جديدة كالمطبعة السليمية لسليم أفندي مدور ومطبعة القديس جاورجيوس المروم ومطبعة جمعية الفنون المسلمين. وقد ظهرت في كل هذه المطابع تآليف متعددة نشرنا في المشرق أسماءها. وكذلك الجرائد والمجلات فقد أنشئ منها ما راجت سوقه. وكان الأدباء في ذلك الوقت حاصلين على حريتهم لا يعيقهم في نشر المطبوعات عائق المراقبة. والجرائد تروي الأخبار كما تشاء لا يعترض عليها إلا إذا خرجت عن طورها وتعدت حدودها. وقد سبق لنا ذكر مجلة الجنان التي أنشأها المعلم بطرس البستاني وعهد بتحريرها إلى ابنه سليم سنة 1870 وفيها باشر بجريدتين الواحدة أسبوعية وهي الجنة والثانية يومية دعاها الجنينة وهذه الأخيرة لم تطل مدتها. أما الأوليان فاشتغلتا خمس عشرة سنة فأكسبتا الأسرة
(1/132)

البستانية شهرة بفصولهما. وقد أنشئت سنة 1874 جريدة ثمرات الفنون لصحابها صاحب السعادة عبد القادر أفندي القباني فخدمت مصالح الأمة الإسلامية بلا ملل إلى أيام الدستور. وبعدها بسنتين شرع الأدباء شاهين أبكاريوس ويعقوب صروف وفارس نمر من تلامذة الكلية الأميركية ينشرون مجلة علمية صناعية زراعية دعوها المقتطف وأودعوها كثيراً من المقالات العلمية وغيرها وبقيت تطبع في بيروت إلى أن نزعت عن الجرائد حريتها فانتقل محرروها إلى مصر وجروا فيها على خطتهم الحرة إلى هذه السنة وهي الخمسون من عمرها. وفي هذه المجلة من المنافع ما لا ينكر أولاً أن كتبتها صوبوا غير مرة سهامهم للتعاليم الدينية وناصبوا القضايا الفلسفية الراهنة ونسبوا إلى العلم ما هو بريء منه كما بينا لهم الأمر أحياناً عديدة في جريدة البشير ومجلة المشرق.
أما في بلاد الشرق خارجاً عن الشام فإن الآداب العربية فيها لم تخط خطوةً كبيرة في هذه السنين العشر فلا نرى لها من المنشآت ما يستحق الذكر. وإنما كانت المطابع المصرية وخصوصاً مطبعة بولاق تواصل اشتغالها فتنشر من التآليف القديمة ما كان يحبب إلى الأدباء درس اللغة وإحراز فوائدها لولا سقم طبعها وقلة العناية في تصحيحها. وكذلك الآستانة العلية فإن صاحب الجوائب الذي مرّ لنا ذكره نشر في مطبعته قسماً حسناً من التآليف العربية القديمة كديوان البحتري وأدب الدنيا والدين وبعض مصنفات الثعالبي. ومثله الخوري يوسف داود في مطبعة الدومنيكان في الموصل (أطلب المشرق 5 (1902) : 423) فإنه نشر هناك فضلاً عن الكتب الدينة عدة تآليف حسنة عززت في الناشئة محبة الآثار العربية.
وفي هذا الطور أصيبت الآداب العربية ببعض التأخر في الأصقاع الأوربية لما حدث فيها من المنازعات والاضطرابات السياسية. لكن هذه الحال لم تدم مدة طويلة لأن الأمور بعد زمن أخذت في السكون والهدوء وعاد العلماء إلى دروسهم بل اتسع نطاقها فامتدت في ألمانية وإنكلترا وأنشئت كليات جديدة كان للغة العربية فيها الحصة المشكورة. وقد شكلت جمعيات شرقية في إيطالية والنمسة بعثت همم أهلهما على الدروس الشرقية فانتشرت بذلك الآداب العربية. وكانت المطابع الأوربية تغني كل يوم لغتنا بنشر تآليف يخرجها المستشرقون من دفائن المكاتب ويحيونها بعد
(1/133)

موتها منها بالذكر مطبعة ليدن في هولندة التي أبرزت قسماً كبير من أجود تآليف العرب وخصوصاً في التاريخ ووصف البلدان.

بعض مشاهير الأدباء المسلمين في هذا الطور
كانت العلوم العربية في هذا الطور أرقى شأناً عند النصارى منها عند المسلمين وإنما اشتهر بين هؤلاء بعض الأفراد تعاطوا الفنون الأدبية من شعر ونثر وخلفوا منها آثاراً طيبة وهانحن نذكرهم على سياق سني وفاتهم تنويهاً بفضلهم.

رفاعة بك الطهطاوي
كان رفاعة بك من أشراف طهطا إحدى مدن الصعيد ويرتقي نسبة إلى فاطمة الزهراء ولما ولد سنة 1216 (1801) كان الدهر أخنى على أسرته فذا في حداثته مرائر العيش ثم انتقل بعد وفاة والده إلى القاهرة سنة 1222 (1807) وانتظم في سلك طلبة الأزهر وطلب العلوم برغبة حتى روي منها وأحبه أستاذه لاجتهاده وقدومه. ونما خبره إلى محمد علي باشا إمام الدولة الخديوية فأرسله مع غيره من الشبان إلى فرنسة ليتلقوا فيها العلوم الأوربية فدرس اللغة الفرنسوية حتى أحسن فهمها واستقى من مناهل المعارف الغربية ما استلفت إليه الأنظار ونقل كتاباً افرنسياً وسمه (بقلائد المفاخر في غرائب عوائد الأوائل والأواخر) فكان ذلك داعياً لترقيته في المناصب. فقلده محمد علي وظيفة الترجمان في المكتب الطبي الذي أنشأه في جوار القاهرة سنة 1242 (1826م) فنقل إلى العربية عدة تآليف إفرنجية مستحدثة. ثم عرب في مدرسة الطوبجية كتباً هندسية وغيرها. وفي 1251 (1835) ندبه صاحب مصر إلى رئاسة مصر الألسن الأجنبية التي عرفت بمدرسة الترجمة فأحسن تدبيرها حتى بلغ عدد تلامذتها 250. فجازاه الخديوي بمنحه رتبة قائمقام ثم رتبة أميرالاي. وأرسل مدة إلى الخرطوم لنظارة مدرستها وتولى نظارة المدرسة الحربية في مصر. ولم يزل يتقلب في المناصب وإدارة المدارس والتعليم والكتابة. وكان رفاعة بك لا ينقطع يوماً عن التأليف أو الترجمة. وهو الذي باشر أول جريدة عربية في بلاد الشرق وهي الوقائع المصرية سنة 1248 (1832) . ثم تولى في آخر حياته إدارة جريدة روضة المدارس. ولرفاعة بك نحو عشرين كتاباً بعضها من تأليفه كرحلته إلى باريس ومباهج الألباب المصرية وكتاب تاريخ مصر الحديث
(1/134)

وأكثرها من ترجمة كجغرافية ملطبرون وأخبار تليماك وهندسة ساسير ورسائل طبية وله غير ذلك من التآليف والمقالات والمنظومات التي لم يطبع منها إلا القليل. وقد رأيناه كثير التصرف في ترجمة كتبه إلا أنه سبق أهل وطنه بتعريب التآليف الغربية فنال فضلاً بتقدمه. وكانت وفاته سنة 1290 (1873) فرثاه الحاج مصطفى انطاكي الحلبي بقصيدة مطلعها:
ألا لِطَرْف المجد دامٍ ودامعُ ... على وجنة العلياء هامٍ وهامعُ
إلى أن قال مشيراً إلى فهمي أفندي نجل المتوفى:
وكادت تميدُ الأرض لو لم يكن بها ... لهُ خلفٌ يحيي المآثرَ بارعُ

عبد الغفار الأخرس
هو السيد عبد الغفار لابن السيد عبد الواحد من مشاهير شعراء العراق كان مولده في الموصل السنة 1220 (1805) ثم أنشأ في بغداد واتخذها موطناً وسكن جانب الكوخ وقرأ على المشيخ الآلوسي كتاب سيبويه فأعطاه به إجازة. ثم درس العلوم العقلية والفنون العربية فأتقنها وتعاطى فن الشعر فأجاد به كل الإجادة حتى أن صاحب كتاب المسك الأذفر قال عنه إن إليه كانت النهاية في دقة الشعر ولطافته وحلاوته وعذوبته. وكان مع ذلك في لسانه تلعثم وثقل فدعي بالأخرس لسببه. قيل أنه في شبابه كتب إلى داود باشا والي العراق أبياتاً يسأله فيها أن يأمر بمعالجة لسانه قائلاً:
إن أياديك منك سابقةُ ... عليَّ قدماً في سالفِ الحُقُبِ
هذا لساني يعوقه ثِقَلٌ ... وذاك عندي من أعظم النُّوَبِ
فلو تسبَّبتَ في معالجتي ... لَنلتَ أجراً بذلك السببِ
وليس لي حرفةٌ سوى أدبٍ ... جمٍ ونظم القريض والخطبِ
من بعد داودَ لا حُرِمْتُ مُنىً ... فقلت قد مضت دولةُ الأدبِ
فأرسله الوالي إلى بعض أطباء الهند فقال له: أنا أعالج لسانك بدواء إمّا أن ينطلق وأما أن يلحقك بمن مضى من سالف الجدود. فأبى ولم يرضَ بدوائه وقال: لا أبيع كلي ببعضي وكرّ راجعاً إلى بغداد. وكان يتردد إلى البصرة لما عرف في عرف أهلها من السخاء ومحبة الغرباء. وله مدائح في أكثر أعيانها وفضلائها وبها كانت وفاته سنة
(1/135)

1290 (1873م) كما ورد في مقدمة ديوانه وفي سنة 1291 على رواية السيد نعمان الآلوسي. وكان له شعر كثير متفرق جمعه أحمد عزت باشا العمري بعد وفاة صاحبه وسماه الطراز الأنفس في شعر الأخرس. وقد طبع هذا الديوان في مطبعة الجوانب سنة 1304 (1886م) . فمن شعره قوله يصف سفره من البصرة إلى بغداد على سفينة بخارية:
قد ركبنا بمركب الدُّخانِ ... وبلغنا بهِ أقاصي الأماني
حيث دارت أفلاكهُ واستدارت ... فهي مثلُ الأفلاك بالدوَرانِ
ثمَّ سرنا والطيرُ يحسدنا بالأ ... مسِ لإسراعنا على الطيرانِ
يخفق البحرُ رهبة حين يجري ... والذي فيه كائنٌ في أمانِ
كلَّما أبعد البخارُ بمسرىً ... قَرَّب السيرُ بُعْدَ كلّ مَكانِ
أتقَنتْ صُنَعُه فطانةُ قومٍ ... وصَفوهم بدَقة الأذهان
ما أراها بالفكر إلا أناساً ... بقيت من بقَّية اليونان
أبرزوا بالعقول كل عجيبٍ ... ما وجدناهُ في قديم الزمان
وبنوا للعُلى مباني علاو ... عاجزٌ عنها صاحب الإيوانِ
فلهم في الزمانِ علمٌ وفخرٌ ... ومقامٌ يعلو على كيوانِ
وقد نظم السيد الأخرس قصائد عديدة في مدح أديب العراق عبد الباقي الفاروقي. ورثاه بعد موته بقصيدة أولها:
ما لي أودّع كل يومٍ صاحباً ... إذ لا تَلاقي بعد طول فراقِ
وأصارم الأحبابَ لا عن جفوةٍ ... مني ولا متعرّضاً لشقاقِ
فارقتهم ومدامعي منهلةٌ ... وجوانحي للبَين في إحراقِ
إلى أن قال:
فارقتُ أذكى العالمينَ قريحةَ ... وأجلَّها فضلاً على الإطلاقِ
وفقدتُ مستَنَد الرجال إذا روتْ ... عنهُ الثقاتُ مكارمَ الأخلاقِ
قد كان منتجَعي وشِرْعةُ منهلي ... ومناطُ فخري وارتيادُ نياقي
(1/136)

كانت لهُ الأيدي يطوقني بها ... منناً هي الأطواق في الأعناقِ
وختمها بقوله:
رزء أصيب بهِ العراق فأرخَوا ... رزء العراقِ بموتِ عبد الباقي
(1278) .
وقال مودعاً بعض الكرام اسمه يوسف:
مولاي قد حان الوداعَ ... وقد عزمتُ على المسيرِ
كم زرتُ حضرتك التي ... ما زلتُ منها في حبورِ
ورجعتُ عنك بنائلٍ ... غِمر وبالخَبر الكثيرِ
واللهُ يعلمُ أنني ... عن شكر فضلك في قصورِ
يا مفرداً في عصرهِ ... بالفضل معدوم النظيرِ
يا يوسفُ البدرُ الذي ... يسمو على البدر المنيرِ
ما لي بعيرك حاجةُ ... كغنى الخطير عن الحقيرِ
وسواك يا مولاي لا ... واللهُ يخطرُ في ضميري
ما كلُّ وزادٍ يفو ... ز بموِرد العذب النميرِ
لا زلت أهلاً للجمي ... ل مدى الليالي والشهورِ
ومما لم نجده في ديوانه تخميس قالها عبد الباقي العمري في قاض جائر:
ألا قطع الرحمن كل مُقاطعٍ ... مضرٍّ بما يقضى به غير نافعِ
وراض بظلمٍ طامع غير قانعٍ ... وقاضٍ بجورٍ ما له من مضارعٍ
على أنهُ بالعسفِ أقطعُ من ماض
فكم قد جنى في حكمهِ من جنايةٍ ... وقد راح في غيٍّ لهُ وغوايةٍ
فلا رُد قاضٍ ما اهتدى لهدايةٍ ... قضى ومضى لكن إلى كل غايةٍ
من الخزي لا يحظى بها أبداً قاض
بُلينا بقاضٍ جائر غير عادلٍ ... ويجورُ بحكمٍ قاصرٍ غير طائلٍ
ومن أعظم البلوى بلاءٌ بجاهلٍ ... يقولونُ يقضي قلتُ لكن بباطلٍ
وقالوا يقصُّ الحقَّ قلتُ بمقراض

السيد صالح القزويني
هو أيضاً أحد شعراء العراق المجيدين ولد في النجف
(1/137)

في 17 رجب 1208هـ شباط 1793م وتوفي في بغداد في 5 ربيع الأول 1301 (4ك 1883) تخرج في وطنه على علمائه وأتقن العلوم المذهبية ثم تفرغ للآداب ولنظم الشعر فنبغ منه. فكان مواطنوه ينتابون مجلسه ويتجاذبون أطراف الأدب ويتناشدون الأشعار فلا يكاد أحد يبلغ شأوه. وقد اشتهر خصوصاً بالرصف والمدح وقد خلف ديوان في كل معاني الشعر لم يمثلا بالطبع حتى اليوم:

الحاج عمر الإنسي
ولما كانت مصر تفتخر بطهطاويها والعراق بأخرسها كانت بيروت تأنس بأنسيها الحاج عمر سليل أسرة شريفة اشتهر لقبها بالصقعان. ولد الإنسي سنة 1237 (1822م) في بيروت وأخذ العلوم عن الشيخين محمد الحوت وعبد الله خالد وقد قلدته الحكومة السنية عدة مناصب كنظارة النفوس في لبنان وعضوية مجلس إدارة بيروت ومديرية حيفاء ونيابة صور وبقاع العزيز تقلب فيها كلها وأظهر فيها دراية وعفة نفس وعلو همة. وكانت وفاته في وطنه سنة 1293 (1876م) . وقد وصفه من عرفه بحسن الشعر وأنس المحضر والصدق والاستقامة. وكان فصيح اللفظ طلق اللسان حسن النظم وله مصنفات منها ديوان شعره الموسوم بالمورد العذب طبع في بيروت سنة 1013 (1895م) بهمه نجله السيد عبد الرحمن. وقد كان بينه وبين الشيخ ناصيف اليازجي مكاتبات. ومما مدحه به الشيخ قوله من أبياتٍ:
وإذا أردتَ قصيدةً ... فيه لها عُمَراً وَنمْ
الشاعرُ العربي ذو ال ... غُرَر التي سبَت العجمْ
في المكرُمات لهُ يدٌ ... وإلى الصوابِ لهُ قدّمْ
ولهُ مناقبُ لا تُنا ... ل كأَنها َصْيدُ الحَرَمْ
وهذه نبذة من أقوال الحاج عمر. قال في التقى:
عليك بتقوى الله والصدق إنمَّا ... نجاةُ الفتى يا صاحٍ بالصدقِ والتُّقى
وقِسْ حالَ أبناء الزمان بضدهِ ... ترَ الفرق ما بين السعادةِ والشقا
وقال في الزهد:
رغبتُ عن الدنيا وزُخْرفِ أهلها ... وقلتُ لنفسي إنما العيشُ في الأخرى
فدَعنْي وزهدي في الحُطامِ فأنني ... أرى الزهدَ في الدنيا هو الراحةُ الكبرى
(1/138)

ومن ظريف هجوهِ ما قالهُ في غلام قهوجي يُدعى هلالاً:
تعس الهلالُ القهوجيُّ لأنهُ ... قد قطّعَ الأنفاس من أنفاسهِ
هذا الهلالُ هو الهلاكُ وإنما ... غلطوا فلم يضعوا العصا في رأسهِ
أراد بالعصا الشطبة التي تُرسم في رأس الكاف (ك) الشبيهة باللام (ل) . وقال يهجو ثقيلاً كان لا يزال يذكر ذنوبه:
شكا ثقَلَ الذنوب لنا ثقيلٌ ... فقلتُ لهُ استمِعْ لبديع قيلي
ثلاث بالتناسب فيك خُصَّت ... فلم توجد بغيركَ من مثيلِ
ذنوبك مثل روحك ضمنَ جسمٍ ... ثقيلٍ في ثقيلٍ في ثقيلِ
ومن رثائه قوله في مارون النقاش لما توفي في طرسوس سنة 1271هـ من أبياتٍ:
فقدنا أديباً كان طِرْسُ يراعهِ ... إذا خطَّ سطراً نال من خطهِ شَطرا
أخاشَيمٍ قد أعجزتْ عن مديحها ... لساني فأمسى لا يُطيق لها شكرا
وما كنتُ يا مارونُ قبلك زاعماً ... بأن الثرى عن أعيني يحجبُ البدرا ...
فكم لك من آداب لطفُ شمائلٍ ... إذا ما نشرنا ذكرها نفحَتْ نشرا
وكم لك من أبيات شعرٍ حرَّيةٍ ... بها أن تحلَي جيدها الغادةُ العذرا
ألا يا بني النقَّاش لا يحزننَّكم ... بكاً وسَّع الأجفانَ أو ضَّيق الصدرا
أرى الدهر لما قَّسم الحزن خصَّنا ... بتسعة أعشارٍ وحَّملكم عشرا ...
فآسف لو كان التأسُّف نافعاً ... عليهِ ولكنَّ الثناءَ لهُ أحرى

الآلوسيَّان عبد الله وعبد الباقي
وفي هذه المدة قضى اثنان من الآلوسيين نحبهما في العراق. وهما أبناء السيد العلامة شهاب محمود أفندي الآلوسي الذي سبق لنا تعريف فضله: (ج 9:1 - 12) أعني عبد الله وعبد الباقي. فالسيد عبد الله بهاء الدين أفندي ولد سنة 1248 (1832) فقال السيد عبد الغفار الأخرس مؤرخاً لولده:
ليهنئك يا تحريرَ أهل زمانهِ ... ويا كاملاً عنهُ غدا الطَرْفُ قاصرا
بطفلٍ ذكيّ قد أتاكَ وإنما ... يضاهيك بالأخلاق سراً وظاهرا
وبشّرتني فيهِ فقلتُ مؤرخاً ... بولد عبد الله نلتَ البشائرا
(1/139)

فلما ترعرع أخذ العلوم عن والده إلى أن أصيب بوفاته وهو إذ ذاك بين اثنتين وعشرين سنة فجزع لموته وكاد لحزنه يلحق بأبيه. ثم انكب على الدرس واجتمع ببعض أفاضل وطنه فما لبث أن فاقهم وأقبل على التدريس فحصل بعد حين على شهرة واسعة وانتظم في سلك أهل الطريقة النقشبندية. ثم بلي بأنواع الأسقام فخرج من وطنه قاصداً الآستانة العلية لكن أشقياء العربان نهبوا أثقاله فعاد إلى بغداد صفر اليدين. وفي آخر أمره تولى القضاء في البصرة فأكرمه أهلها وعرفوا قدره لولا أنه تأذى بحمياتها القتالة فخرج منها بعد سنتين ولسانُ حالهِ ينشد مع معاصره الشيخ صالح التميمي:
ومتى تسيرُ ركائبي عن بلدةٍ ... أبداً أقام فناؤها بفناها
لا فرق بين شَمالها وَجنوبها ... وقَبُولها ودَبُورها وصباها
ما أن تحرَّكتِ الغصونُ بأرضها ... ألا تحرَّك في الجسومِ أذاها
أشجارُها خضرٌ وأوجهُ أهلها ... صُفرٌ محا كَسْفُ السقامِ بهاها
لولا قضاء اللهِ حتمٌ واجبٌ ... أبتِ المروءة أن أدوسَ ثراها
فما وصل إلى بغداد حتى مات بعد أيام 1291 (1874) وله من العمر 43 سنة وكان السيد عبد الله كثير التدين لين الجانب محباً للفقراء لا يأنف من مخالطتهم. وقد امتاز بحسن نثره وجزالة تعبيره. ومن تأليفه رسائل ومقالات مفيدة وشروح في علمي المنطق والبيان وألف كتاب الواضح في النحو وكتاباً في آداب الصوفية.
أما أخوه فهو السيد سعد الدين عبد الباقي وقع مولده سنة 1250 فأرخه الشاعر عبد الحميد الأطرقجي:
طرباً بمن سرَّ الورى ميلادُهُ ... وسرى نسيمُ اللطفِ في الآفاقِ
يا سادتي بشراكُم فيمن بدا ... متخلقاً بمكارم الأخلاقِ
فرداً أتى وبه استعنتُ مؤرخاً ... تمَّ السرورُ لكم بعبد الباقي
أخذ عن والده كأخيه ثم عن الشيخ عيسى البندبيجي وزار الحجاز وتولى القضاء في كركوك مركز ولاية شهرزور ثم في بتليس وسافر إلى دار السعادة. وله عدة مصنفات أخصها القول الماضي فيما يجب المفتي والقاضي وأوضح
(1/140)

منهج في مناسك الحج الذي طبع في مصر وأسعد كتاب في فصل الخطاب وغير ذلك مما يشهد له برسوخ القدم في المعارف. توفي في مصر سنة 1298 (1881) .

أبو النصر علي
واشتهر في مصر في هذه الحقبة الأديب المصري أبو النصر علي ولد في منفلوط وفيها كانت وفاته سنة 1298 (1880 - 1881) نظم الشعر في مقتبل الشباب وأصبح من فرسان ميدانه فنما خبره إلى خديوي مصر إسماعيل باشا فقدمه وأجازه ولأبي النصر عدة قصائد غراء فيه وفي أمراء الدولة الخديوية وقد وافق إسماعيل باشا لما رحل إلى الآستانة ثم مدح بعده الحضرة التوفيقية. ولأبي النصر ديوان كبير طبع في مطبعة بولاق سنة 1300 ضمنه أقوالاً منتخبة في كل أبواب البلاغة ومعاني الشعر فمما استحسناه قوله في الخمر وقد نحا في وصفه طريقة الصوفيين:
بنتُ كرمٍ دونها بنتُ الكرامْ ... وهي بكرٌ زفَّها ساقها المُدامُ
شمسُ راحٍ في اصطباحٍ أشرقت ... في سماء الكأس كالبدر التمامْ
كم تجلى كأسُها عن لؤلؤ ... من حُبابٍ كالدراري في انتظامْ
إنَّ لي عنها حديثاً سرَّهُ ... لا يُضاهَي وهي لي أقصى المرامْ
لو درى أهلُ التقى أسرارَها ... لَسقَوا أبناءَهم قبل الفِطامْ
لا تسَلْني عن معانيها وسَلْ ... عن حُلاها وسناها باحتشامْ
قال صفْها قلتُ دَعنْي أنها ... صورةٌ كالجسم عندي والسلامْ
قال زدني قلتُ ما المسئول عن ... ها بأَدْرى منها يا هذا الغلامْ
قال قلْ في كرْمها مخلوقةٌ ... نزهةٌ الناس من سامٍ وحامْ
ما رآها عابدٌ إلا انثنى ... عن سجود وركوعٍ وقيامْ
راحةُ الأرواحِ في أقداحها ... أنبأَتنا إنَّها تُبري السقامْ
وهي طويلة. ومن حسن شعره قوله يصف سفرة الحضرة التوفيقية إلى الصعيد سنة 1287م:
زار في موكبٍ كعقد اللآلي ... فازدهى بالقدوم صفو الليالي
إلى أن قال:
(1/141)

فازدهى رونقُ الصعيد جمالاً ... وتحلّت أرجاؤهُ بالحلالِ
وروى النيلُ عن رُواهُ حديثاً ... يشرحُ الصدر شرحهُ في المقالِ
حيث دُقّت بالشاطئَينِ طبولٌ ... والأهالي تفوقُ عدَّ الرمالِ
وتلافوا بضُمَّير سابقاتٍ ... فترى الليث فوق ظهر الغزال
وتوالَوْا في سَيْرِهم فأضاءت ... حليةُ البيض بين سُمْر العوالي
وجميعُ البلادِ أيدت سروراً ... ناشراتٍ أعلامها بابتهالِ
نسألُ الله عصمةً ونجاحاً ... وبقاء لهُ وحسنَ مآل
ومن أقواله يعاقب دهرهُ:
إلامَ تصوّبُ الأوهامُ غيًّا ... وتنشرُ ما طواهُ الرشدُ طياً
أبعد الحق تُنتظَر الأماني ... ويُفرَضُ ميّت الآمال حياً
إذا كنا مع الأحياء موتى ... فهيَّا نلحقُ الأمواتَ هيّا
شربتُ من الأسى عللاً ونَهْلاً ... فزدتُ صدىً وما ألفيتُ رّياً
وكم جبتُ المهامة كي ألاقي ... بمُنْتَجعي جواداً أو تقّيا
فذلك أراهُ مختالاً فَخوراً ... وهذا قصدهُ يُدعى وليّاً
وقال يصف الأماني الباطلة:
بلوتُ الأماني وجرَّبتُها ... فألفيت فيها عجيب العُجائبْ
تريك البعيدَ قريباً كما ... تريك انقيادَ الأمير المهابْ
فلا تتَّخذْها سبيلاً إلى ... بلوغ المرام ودَعْ ما يُعابْ
فإن الأماني خيالٌ يمرُّ ... على من تخيَّل مَرَّ السحابْ
وغايةُ ما ينتجُ من مُناها ... تصوُّر لخلافِ الصوابَ
ومن أقوالهِ الحماسية قوله:
أرى دولة الأَيام خائنة العهد ... مراوغةً تصبو إلى الخُلف في الوعدِ
وما بالها تجني على كلّ ماجدٍ ... كأنَّ لها ثاراً على دولة المجدِ
ترينا محبّاً باسم الثغر ظاهراً ... ولكن لها قلبٌ مصرٌّ على الحقدِ
تمرُّ فتحلو للغبّي ومَن درى ... تُجرّعه كأس المرار على عمدِ
(1/142)

أعدَّت لحربي جندَها فلقيتُها ... بقوَّةِ جأش دونها قوَّة الصَلْدٍ
واستقبل الأخطار بالبشر لاهياً ... بدون اكتراثٍ مازجَ الهزل بالجدِّ
وإن ضاق ميدانُ المخاوف لم أكن ... حريصاً على حبّ الحياة ولا أفدي
ولأبي النصر رحلتان إلى القسطنطينية كانت الأولى في أيام السلطان عبد المجيد موفداً من محمد عليّ الكبير وأنشد حينئذٍ شيخ الإسلام قوله يمدح القسطنطينية:
وكنَّا نرى مصر السعيدة جَّنةً ... ونحسُبها دون البلاد هي العليا
فلمَّا رأى دار الخلافة عينُنا ... علمنا يقيناً أنها لَهيَ الدنيا
وكانت رحلتنه الثانية مع الخديوي إسماعيل باشا وصادف دخولهما الآستانة يوم عيد جلوس السلطان عبد العزيز سنة 1289 (1872) فقال أبو النصر يمدح الحضرة السلطانية بقصيدة مطلعها:
تبسَّمتِ الأزهار عن لؤلؤ القطرِ ... ففاح شذاها في الحدائق كالعطرِ
ومنها في مدح السلطان:
أفادَ العلا جاهاً وعزاً مؤبداً ... وأَلبسها من مجدهِ حللَ الفخرِ
وأبدى لأعلام التقدُّمِ مظهراً ... به ملكهُ يعلو على دولِ العصرِ
وأحيا لإحياء العلى كلّ دارسٍ ... فأضحت قلاعُ الثغر باسمة الثغرِ
وجدَّد في عهد قريبٍ بواخراً ... بها قوَّةُ الإسلام محكمةُ الأمرِ
برونقها تكسو الفخار مهابةً ... وتعلو بما حازت على الأنجمِ الزُّهرِ
لهُ من رجال الحرب جيشٌ عر مرمٌ ... لهم هِمَمٌ في الفتك بالبيض والسمرِ
مدافُعهم شمُّ الأُنوفِ على العدى ... تخرُّ لهم شمُّ الجبالِ من الصخرِ
وأسيافُهم في السلْم يحلو صيامُها ... متى جُرّدت مالت إلى الفطر بالنَّحرِ
وختمها بهذا التاريخ:
وها أن في البُشرى أقولُ مؤرخاً ... جلوسُكَ عيدُ الدهرام ليلةُ القدرِ

محمود صفوت
ومن معاصري أبي النصر على وطنيه محمود أفندي صفوت بن مصطفى آغا الزيلع الشهير بالساعاتي ولد بالقاهر سنة 1241 وبها توفي سنة وفاة أبي
(1/143)

النصر 1298 (1881) لزم الآداب واشتهر بنظمه ونثره حتى عد فيهما من المقدمين. وتوجه إلى الحجاز ودخل على أمير مكة الشريف محمد بن عون فأكرم مثواه وأبقاه عنده إلى آخر إمارته ثم سافر إلى القسطنطينية وعاد بعد ذلك إلى وطنه وفيها قضى بقية حياته. ولمحمود أفندي صفوت ديوان شعر نشر بالطبع في مصر سنة 1329 (1911) . فمن ذلك قوله يفتخر:
وَلع الزمانُ وأهلهُ بعداوتي ... إنَّ الكرام لها اللثامُ عداءُ
أتحطُ قدوري الحادثاتُ وهمَّتي ... ومن دونها المرّيخُ والجوزاءُ
هيهات تهضمُ جانبي وعزائمي ... مثل البواتر دأبُها الإمضاءُ
صبراً على كيد الزمان فإنما ... يبدو الصباحُ وتنجلي الظلماءُ
وله في رثاء أحد العلماء:
بكت عيون العلا وانحطَّت الرُّتَبُ ... ومزَّقت شملَها من حزنها الكتبُ
ونكسَّتْ رأسها الأقلامُ باكيةً ... على القراطيس لمَّا فاحت الخُطبُ
وكيف لا وسماء العلم كنت بها ... بدراً تماماً فحالت دونك الحجُب
يا شمسَ فضلٍ فدتك الشهبُ قاطبةً ... إذ عنك لا أنجمٌ تُغني ولا شهبُ
لما أصابك لا قوسٌ ولا وترٌ ... سهمُ المنَّية كاد الكون ينقلبُ
ما حيلةُ العبدِ والأقدارُ جاريةٌ ... العمرٌ يوهَبُ والأقدارُ تنتهبُ

صالح مجدي بك
وفي السنة ذاتها 1298 (1881) توفي أديب آخر من نوابغ كتبة مصر السيد صالح مجدي بك. ولد في رجوان من مديرية الجيزة سنة 1242 (1826) وبعد أن تلقى مبادئ العلوم العربية ودرس اللغة الفرنسوية ألحقه أستاذه رفاعة بك الطهطاوي بقلم الترجمة ثم عهد إليه بتدريس اللغتين العربية والفرنسوية في المدرسة الهندسية الخديوية وعهدوا إليه تعريب كتب علمية للفرنج فعرب منها عدداً وافراً في رسم الأمكنة والطبقات الجيولوجية والميكانيكيات والحساب والجر والهندسة والفلكيات والفنون الحربية كبناء الحصون ورمي القنابل إلى أن تولى رئاسة الترجمة وجعله إسماعيل باشا في المعية السنية وولاه مناصب أخرى وكان آخر ما عهد إليه قضاء القاهرة فلزمه إلى وفاته. وكان صالح بك يحسن الإنشاء وفنون الكتابة وقد نشر
(1/144)

مقالات عديدة اجتماعية وسياسية وأدبية في جرائد مصر كروضة المدارس والوقائع المصرية. واشتغل بتأليف مطول لتاريخ مصر مع علي باشا المبارك وله ديوان شعر واسع طبع في بولاق سنة 1312هـ.
ومن شعر السيد صالح بك مجدي قوله سنة 1289 يهنئ جناب الخديوي إسماعيل باشا عند رجوعه من الآستانة:
مع النصر وافى من عليهِ المعوَّلُ ... ومن هو في أيّامهِ الغرّ أوَّلُ
ومن هو للأوطان والملك والملا ... ملاذٌ وحصنٌ لا يُرامُ وموئلُ
ومن تملأُ الدنيا مهابتُهُ التي ... بها الأسدُ في آجامها تتجدْلُ
ومن فاض من يمناهُ ماءُ سماحةٍ ... فأحيا بلاداً أهلها قد تموَّلوا
ومن شاد أركان المعالي بهمَّةٍ ... يقّصرُ من إدراكها متطوّلُ
وقد جاءت البشرى بذاك فزُينت ... لُمقْدمةِ مصرٌ وفازَ المؤّملُ
وأثنتْ على دار الخلافة عند ما ... رأتهُ بها يعلو وشانيهِ يسفلُ
فِعش ما تشا في دولةٍ أنت رّبها ... ومجدك فيها من قديم مؤَثَّلُ
وقد قلتُ في يوم القدومِ مؤرخاً ... إلى مصر إسماعيلُ بالبشر مقبلُ
وقال من قصيدة يهنئه بها في أول العام:
بالبشر في مصرَ لاحت غرَّةُ العامِ ... تزهو بنور مليكٍ للحمى حامي
تزهو بنور مليك غيثُ راحتهِ ... في الكون طول المدى بين الورى هامي
هو الخديوُ الذي أوطانهُ نشرت ... للفضل في عصرهِ مطويَّ أعلامِ
وللتمدُن مدَّت باعها وإلى ... أوج العلا سارعَتْ من غير أحجامِ
فيا لهُ من حكيم بالعلاج محا ... ما كان في جسمها من فرط أسقامِ
وله في حسين باشا ناظر المعارف والأوقاف والأشغال العمومية:
لجانبك العالي ثلاثُ مصالحٍ ... نُظمتْ بمسطَتيْ عسجدٍ ولُجَينِ
وأضاءَ منك جبيُنها برئاسةٍ ... أعماُلها منشورةُ العَلمَينِ
ونمتْ بها بركاتُ أوقافٍ روت ... مصراً وقد فاضت على الحرمَينِ
وبحزمك الأشغالُ زاد نجاحها ... ونجازُها في السهل والجبلَينِ
(1/145)

ولك المعارف غرَّدت أبناءها ... بمدائح الأجداد والأبوَينِ
وبديعُ نظمِ كامل في كاملٍ ... من مخلصٍ بالقلب والشفتيَنِ
من مُخلص لك في الثناء بدولةٍ ... أضحيت فيها حائزَ الشرَفينِ
وختمها بهذا التاريخ:
والمجد في علياك قال مؤرخاً ... زمنُ المعارف مُشْرقٌ بحُسَين
(1289) .

أبو السعود أفندي
ومن مشاهير أدباء مصر في ذلك الوقت أبو السعود أفندي عبد الله المصري ولد سنة 1244 (1828) في دهشور قرب الجيزة ودرس في المدرسة الكلية التي أنشأها محمد علي باشا في القاهرة فبرع بين أقرانه. ثم ندبته الحكومة إلى نظارة أعمالها فكان في وقت الفراغ يواصل دروسه ويعكف على التأليف شعراً ونثراً. وحرر مدة جريدة وادي النيل وكاتب أدباء زمانه. ونقل بعض كتب الفرنج إلى العربية. ومن تآليفه (كتاب منحة أهل العصر بمنتقى تاريخ مصر) نظم فيه مجمل حوادث تاريخ مصر للجبرتي ووضع تاريخاً لفرنسة ألحقه بتاريخ ولاة مصر من أول الإسلام دعاه بنظم اللآلي. وباشر بترجمة تاريخ عام مطول وسمه بالدرس التام في التاريخ العام طبع منه قسم سنة 1289. وكان أبو السعود شاعراً مجيداً له ديوان طبع في القاهرة أودعه كثيراً من فنون الشعر كالمديح والمراثي والفراقيات. ونبغ في المنظومات المولدة كالمواليا والموشحات. وله أرجوزة تظم فيها سيرة محمد علي باشا كثيرة الفوائد بينة المقاصد تبلغ عشرة آلاف بيت. وله غير ذلك مما تفنن فيه وسبق آل عصره توفي أبو السعود أفندي في ربيع الأول سنة 1295 (1878) . وقد رثاه أحد شعراء وطنه بقصيدة قال في مطلعها:
خُلق الهبوطُ مع الصعودْ ... ومع القيام بدا القعودْ
إلى أن قال:
ليس البكاء لغادةٍ ... أبدتْ لمغرمها الصدودْ
لكنَّهُ لمَّا قضى ... ربُّ القريضِ أبو السعودْ
من لم يُجبْهُ بدمعِه ... فكأنما نقضَ العهودْ
فهو الحريُّ بأن تذو ... ب عليهِ بالأسفِ الكبودْ
(1/146)

بحرٌ تدَّفق ماؤه ... لكنَّه عذبُ الورودْ
بقريحةٍ سالت على ... أرجائها سَيْلَ العهودْ
كم أنجبت نُخَباً لهُ ... فكأنّها الأمُّ الوَلودْ
أبداً توقَّدُ بالذكا ... ءِ فليس يعروها خمودْ
نشبت مخالبها المنَّي ... ةُ فيه وهو من الأسودْ
لا غروَ إن صعدَ السما ... بين الملائكة السجودْ
فبناتُ نعشٍ قد حمل ... ن سريرهُ لَمن الشهودْ

الحاج حسين بيهم
وفي آخر هذه الجبقة في صفر من سنة 1298 (23 ك2 1881) فقدت الآداب أحد أركانها في بيروت وهو الحاج حسين ابن السيد عمر بيهم كان والده عمر من أعيان المدينة وأدبائها رثاه الشيخ ناصيف اليازجي سنة وفاته 1276 (1859) بقصيدة مطلعها:
زُر تربةً في الحمى يا أبها المطرُ ... وقُلْ عليكَ سلامُ اللهِ يا عُمَرُ
ومنها:
في شخصهِ الدين والدنيا قد اجتمعا ... وذاك يندرُ أن تحظى بهِ البشرُ
ولد حسين ابنه سنة 1249 (1833) ونشأ حريصاً على تحصيل مسائل العلم وفنون الأدب فأخذ عن علماء ملته كالشيخ محمد الحوت والشيخ عبد الله خالد. وبعد أن تعاطى التجارة زمناً يسيراً انقطع إلى العلم ونال به شهرة ثم نظم الشعر فصارت له به ملكة راسخة بحيث كان يقوله ارتجالاً في المحافل ويخرجه على صور مبتكرة تطرب له الأسماع. وقد ولته الحكومة عدة مناصب كنظارة الخارجية ورئاسة الأحكام العدلية ثم أعيدت إليه الخارجية فقال في ذلك:
إنَّ الفؤَاد لهُ في الملك معرفةٌ ... فالخارجيَّةُ لم تترك نظارتَهُ
لذاك سلطانُنا المنصور ردَّ لهُ ... مع حسن أنظارهِ أَرّخْ بضاعَتَهُ
ولما وضع القانون الأساسي وفتح للمرة الأولى مجلس النواب انتخبه مواطنوه ليمثلهم فيه فحضر في الآستانة جلساته ثم عاد إلى وطنه واعتزل المأموريات وانقطع إلى الآداب. وكان حاضر الجواب ثاقب الرأي كريم الأخلاق على الهمة محبوباً عند
(1/147)

الجميع. وكان أحد أعضاء جمعية العلوم السورية المنشأة في بيروت فلمّا توفي رئيسها الأول الأمير محمد أرسلان عهدوا إليه رئاستها. وكان للحاج حسين نظم رشيق مطبوع قد بقي منه القليل ومن آثاره رواية أدبية وطنية مثلت مراراً وقرظها الأدباء. ومن شعره قوله في تاريخ جلوس السلطان عبد العزيز سنة 1277:
خلافة الإسلام قد أصبحت ... تزهو افتخاراً بالمليك العزيزْ
وملة الأيمان أرَّختُها ... طابت بشاهنشاهَ عبد العزيزْ
وقال مؤرخاً إنشاء التلغراف في بيروت:
لله درُّ السِلكِ قد أدهشت ... عقولنا لمَّا على الجوّ ساقْ
فأعجبَ الكون بتاريخهِ ... شبيهُ برقٍ أو شبيه البُراقْ
(1277)
وقال مشطراً:
إذا العنايةُ لاحظتك عيونُها ... وحَباكها من فضلهِ الرحمانُ
ناداك طائرُ يمنك وسعودها ... ثم فالمخاوف كلُّهنَّ أمانُ
واصطَدْ بها العنقاءَ فهي حبالةٌ ... واملك بها الغبراءَ فهي سنانُ
واصعد بها العلياء فهي معارجٌ ... واقتَدْ بها الجوزاءَ فهي عنانُ
ومن جيد شعرهِ قولهُ يعزي صديقاً بفقد ماله:
لقد غمَّنا والله والصحبَ كلَّهم ... مصابٌ دهاكم بالقضا حكم قادرِ
كانَّ شراراً منهُ طار لأرضنا ... فاحرق أحشاء الورى بالتطاُيرِ
ولكنَّنا قلنا مقالةَ عاقلٍ ... يسلم الباري بكل المظاهرِ
إذا سَلِمتْ هامُ الرجالِ من الردى ... فما المالُ إلا مثل قصِ الأظافرِ
فكن مثل ظن الناس فيك مقابلاً ... لذا الخطب بالصبر الجميل المصادرِ
ولا تأسفَنْ إذا ضاع مالٌ ومقتنىً ... فرُّبكَ يا ذا الحرم أعظمُ جابرِ
وإنَّ حياة المرء رأسٌ لما له ... سلامتهُ تعلو جميع الخسائرِ
وقد نظم أرجوزة حسنة في العلم وشرفه نشرت في أعمال الجمعية العلمية السورية لسنتها الأولى (ص16 - 26) .
(1/148)

ومما رثي به الحاج حسين أفندي بيهم قول أبي الحسن الكستي:
فراقُكَ صعبٌ يا حسينُ احتمالُهُ ... وبعدك رَكبُ الأنس شالت رحالهُ
رحلتَ إلى دار البقاء مكرَّماً ... ومثلك مولى للنعيم مالهُ
ولكن تركت القوم تبكي عيونهم ... عليك بدمعٍ كالسيول انهمالُهُ
وليس لنا من بعد فقدك حليةٌ ... سوى الحزن أو صبرٍ يعزُّ منالهُ
حويت خصالاً جل في الناس قدرُها ... وما كلُّ إنسانٍ تجلُّ خصالهُ
عفافٌ ومعروفٌ وعلمٌ ورقَّةٌ ... وفضلٌ ومجدٌ قلَّ فينا مثالهُ

محمد أكنسوس
وممن رزئت به الآداب في هذا الوقت في بلاد المغرب الأديب الشاعر أبو عبد الله محمد بن أحمد اكنسوس المراكشي توفي في بلده مراكش سنة 1294 (1877) وقد عرف المذكور بسعة معارفه لا سيما التاريخية والأدبية. وله التاريخ المسمى كتاب الجيش وقصائد عديدة في مشاهير بلاده من ذلك قوله يرثي سلطان مراكش المولى عبد الرحمن المتوفى سنة 1276 (1859) :
هذي الحياةُ شبيهةُ الأحلامِ ... ما الناسُ أن حقَّقتَ غيرُ نيامِ
ومنها:
لو كان ينجو من رداها مالكٌ ... في كثرةِ الأنصار والخدَّامِ
لنا أمير المؤمنين ومن غدا ... أعلى ملوك الأرض نجل هشام
خير السلاطين الذين تقدَّموا ... في الغرب أو في الشرق أو في الشامِ
يا مالكاً كانت لنا أيامهُ ... ظلاً ظليلاً دائمَ الإنعامِ
لا ضَير انك قد رحلت ميمّماً ... دار الهناء وجنَّة الإكرامِ
فلك الرضا فأنعم بما أعطيتَهُ ... ولك الهناءُ بنيل كل مرامِ
وقال يصف خروج السلطان المولى حسن على أعداء دولته سنة 1293 (1876) :
عصفتَ عليهمِ بالبأسِ تُزْجي ... كتائبَ كالسحابِ إذا تلوحُ
فألقيتَ الجرانَ على ذراهم ... بجيشٍ كلُّهم بطلٌ مُشيحُ
فجاء العفو منك وهم ثلاثٌ ... أسيرٌ أو كسيرٌ أو ذبيحُ
وقد قُسمتْ بلادهُم بعدلٍ ... ودورهمُ كما قُسمَ الوطيحُ
(1/149)

فلا تحلمْ فإنَّ الجرح يُكوى ... طرياً بالمحاور أو يقيحُ
أبا زيدٍ إذا تبقي عليهم ... بصفحٍ رُبما ندم الصّفوحُ
وله يصف بستاناً للوزير أبي عبد الله محمد بمن إدريس:
يا منزلاً قد خصَّصَتْهُ سعادةٌ ... واستبدلَتْهُ أنعُماً من أَبْؤسِ
أصبحتَ مأوَى للوزير محمَّد ... نجل الأَدارسةِ الكرام المغرسِ
إنسانُ عين كون من لَبست بِه ... رُتبُ العلى أبهى وأبهج ملبسِ
يا أيها البحر الذي من فيضهِ ... كلّ الأماني والغنى للمفلسِ
يهنيك ذا القصرُ الذي أنشأتهُ ... بالسعد في عام انشراح الأنفسِ
لا زلتُ تشرف من مطالع سعدهِ ... كالبدر يظهر من خلال الحندسِ
والدهرُ يخدم جانبيك ويحتمي ... بجلالك العالي الأعزّ الأقدس
وكان محمد اكنسوس يأسف على ما يرى في وطنه من الخمول فقال في ذلك قبل وفاته:
ولستُ أُبالي أن يقال محمدٌ ... أبلّ أم اكتظّ َت عليه المآتمُ
ولكنَّ ديناً قدر أردتُ صلاحهُ ... أحاذرُ أن تقضي عليه العمامُ
وللناس آمالُ يُرُجوُن نَيْلها ... وإن متُّ ماتَتْ واضمحلّت عزائمُ
فيا ربي إن قدَّرتَ رجعي قريبةً ... إلى عالم الأرواح وانقضَّ خاتمُ
فبارك على الإسلام وارزقهُ مرشداً ... رشيداً يضيءُ النهجَ والليلُ قاتمُ
هذا ما أمكنا جمعه من تراجم أدباء المسلمين في هذا العشر وهو بر من عد ولا نشك أنه اشتهر في بلاد الإسلام غير هؤلاء ألا أن تواريخهم لم تطبع حتى الآن أو تجد منها نتفاً قليلة متفرقة لا ينتفع من مضامينها إلا من وصلت يده إلى تلك المنشورات وسمح له الزمان بمراجعتها وقليل ما هم.
وممن أطلعنا على ذكر بعض آثارهم دون معرفة ترجمة حياتهم الشيخ العالم حمزة أفندي فتح الله الذي حرر مدة في الإسكندرية جريدة الكوكب الشرقي ثم انتقل إلى تونس ففوضته حكومتها أن يحرر جريدتها الرسمية المدعوة بالرائد التونسي مع منشئها منصور أفندي كرلتي. فاشتغل بذلك مدة منذ السنة 1293 (1876م) وكان
(1/150)

ذا باع في الإنشاء وله نظم حسن فمن ذلك قوله يمدح الوزير الكبير خير الدين باشا بقصيدة مطلعها:
آلاؤكَ الغرُّ أو إناؤك الغُررُ ... زها بها في الزمان الجيدُ والطُّرُرُ
ومنها:
الله ملجأنا إذ ليس يفجأنا ... شرُّ الخطوب وخيرُ الدين لي وَزَرُ
خَيْرٌ له همةٌ أعلى وأرفع من ... هامِ الثريَّا ومجدُ ليس ينحصرُ
وسيرة سرَّت الدنيا بشائرُها ... وضمَّخ الكونَ عَرفاً مسكها الذَّفِرُ
لا زال كهفاً لمن يأوي بساحتهِ ... في ظلّهِ تسعد الآمال والوطرُ
وكبةً وزراء الفضل أنجمُها ... تزهو بهِ وهو فيما بينهم قمرُ
وكان خير الدين المذكور وزيراً لباي تونس فاشتهر بحسن سياسته وتدبيره للأمور. وكان كاتباً بارعاً ألّف كتاباً دعاه أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك طبعه في حاضرة تونس سنة 1285. وهو أجود كتاب وضعه أحد الشرقيين في وصف الممالك الأوربية وتعريف أحوالها المدنية مع لمحة من تواريخها.
وعرف بذلك الوقت في المغرب وبلاد تونس من الأدباء الوزير أبو العباس أحمد ابن أبي ضياف والشيوخ أبو عبد الله محمد الباجي وأحمد كريم الحنفي وأبو النجاة سالم أبو حاجب وأبو عبد الله محمد العربي زورق ومحمد الصادق ثابت وأبو راشد يونس العروسي ومصطفى رضوان ومحمد بن الحسن التطواني وقد قرأنا لكلهم فصولاً في الأدب إلا أن أخبارهم منقطعة عنّا.
وممن لم نقف على أخبارهم ونالوا بعض الشهرة في الأدب في الطور الذي نحن بصدده السيد عبد الرحمان النحّاس نقيب الأشراف في بيروت نشر ديوان خطب إسلامية مسجعة قرظها الشعراء ومما قال فيها الشيخ إبراهيم الأحدب:
أنشا لنا الخطب التي ألفاظُها ... قد أعربت في السمع لَحْن مثاني
فِقَرٌ غدت حُلي المسامع مثلما ... أغنت فقير الفضل بالإحسانِ
أذِنت لآلئُ لفظها بولوجها ... في مسمع الآذان قبل أذانِ
وللسيد عبد الرحمان قصائد متفرقة منها قوله يمدح الشاعر مصباح البربير:
(1/151)

لقد ضاءَ مصباحُ مشكاةِ عصرهِ ... وفاق بحسن الذكر نشرَ الشمائلِ
فتىً من بني البربير حازَ براعةً ... وكان بنظم الشعر أول قائلِ
به طاب أهل المجد فرعاً وقد سما ... مقاماً على هام البدور الكواملِ
لقد صاغ من نسج القريض نظامهُ ... وجاء بديوان غريب المناهلِ
وكان حديث السنّ لكنَّ قدرهُ ... كبيرٌ بأنواع العلى والفضائلِ
وأصاب في طرابلس بعض الشهرة الشيخ محمد الموقت كان يتعاطى الشعر وله مراسلات شعرية مع الشيخ ناصيف اليازجي منها قصيدة في مدحه يقول فيها:
لله هاتيك الصفاتُ فإنها ... جمعت ثناء مشارقِ ومغاربِ
أتظنُّ كل مهنَّد في غمدهِ ... ماضٍ وكلَّ غضنفرِ بمحاربِ
لا يخدعنَّك بالمُحال فإنهُ ... ما كلُّ من سلّ الحسامَ بضاربِ
هذا هو الروض الذي أزهاره ... عطَّرنَ كل تَنوفَة وسباسبِ
هذا هو الماء الزلال وغيرُهُ ... ملحٌ أُجاجٌ ما يلذُّ لشاربِ
هذا هو الفخر الذي شرُفت بهِ ... أبناء دوحتِه لبُعْد تناسبِ
وكان في مصر طرابلسي آخر يدعى حسن أفندي الطرابلسي كاتب أيضاً الشيخ ناصيف فمدح الشيخ آدابه وشعره فقال:
يا أيُها الحسَنُ الميمونُ طالعُهُ ... أحسنت حتى ملأت السَّمَعَ والبصرا
ما زلتَ تجلو علينا كلّ قافيةٍ ... قد شبَّبت بمعاني حسنها الشُّعرا
يهزُّك الشعرُ إنشاداً فنحن بِه ... نغوصُ في البحر حتى نجتني الدُّررا
وكذلك كتب في جرائد مصر الشيخ خليل العزازي ونظم القصائد فمدحه محرر الجوانب بقوله:
ألم ترَ كيف يزخرُ بالقوافي ... فيُسكر من سلافتها العقولا
فتروي كلَّ من أمسى غليلاً ... وتشفي كلَّ من أضحى عليلا
وقام في العراق أحمد عزت الفاروقي ابن أخي الشاعر عبد الباقي الذي مرّ لنا ذكره سابقاً. وله آثار شعرية لم تجمع حتى الآن. مدحه منشئ الجوانب غير مرّة لوفرة آدابه. وأخباره مجهولة لدينا.
(1/152)

الأدباء النصارى
ظهرت في هذا العهد ثمرة المدارس المسيحية التي أنشأت في أنحاء الشام فخرج منها جمهور من الأدباء أخذوا يحررون الجرائد ويصنفون التآليف المختلفة وينظمون القصائد ويمثلون الروايات التشخيصية ويعقدون الجمعيات الأدبية فيلقون فيها الخطب ويهتمون بتنشيط العلوم فحصلت بذلك نهضة استوقفت الأبصار وبعثت في القلوب رغبة الترقي والتمدن.

بنو اليازجي
وأول من يتحتم علينا ذكرهم الشيخ ناصيف اليازجي وأسرته التي كاد الموت يقصف آخر غصونها بوفاة نجليه المرحوم الشيخ إبراهيم والسيدة وردة. وهانحن نلخص أخبارهم جميعاً لائتلاف الموضوع وفراراً من التكرار. أصل هذا البيت من روم حمص. ثم نمت أسرتهم وتفرعت إلى عدة فروع فهاجر قوم منهم في العشر الأخير من القرن السابع عشر إلى لبنان فسكنوا جهة الغرب واستوطن غيرهم وادي التيم وكان بعضهم دخل في خدمة عمال الدولة في أواسط القرن الثامن عشر بصفة كاتب فعرف باسم اليازجي أي الكاتب وعرف به أبناؤه من بعده. وقد جاهر هذا الفرع بالمذهب الكاثوليكي مع أسر أخرى كبيت البحري وبيت كرامة في منتهى القرن الثامن عشر وسكنوا كفر شيما. من قرى ساحل بيروت. وكان عبد الله بن ناصيف بن جنبلاط والد الشيخ ناصيف طبيباً درس الطب على بعض رهبان الشوير وتعاطاه بالعمل فحذق به وكان مع ذلك محباً للآداب العربية يطالع من كتب اللغة ما يحصل عليه ووسائل التعليم في ذلك الوقت قليلة. وتعلم للشعر فنظم بعض القصائد التي أخذتها أيدي الضياع. ومما روى له حفيده الشيخ إبراهيم قوله يمدح ديوان شعر للقس حنانيا منير صاحب التآليف التي سبق لنا وصفها:
عش بالهنا والخير والرضوانِ ... يا من عُنيتَ بنظم ذا الديوانِ
إني لقد طالعتهُ فوجدتهُ ... نظماً فريداً ما له من ثانِ
وكان مولد ناصيف ابنه في كفر شيما في 25 آذار سنة 800 درس مبادئ القراءة والكتابة على القس متي الشبابي. ثم شعر برغبة عظيمة في معرفة أصول اللغة وفنون الآداب فانكب عليها بنشاط وحرص على إتقانها ما أمكنه فنال منها نصيباً
(1/153)

حسناً. ثم درس الطب على والده ووضع فيه أرجوزةً سماها (الحجر الكريم في أصول الطب الكريم) لم تنشر بالطبع. ودرس أيضاً فن الموسيقى ووعى كثيراً من أصولها ودقائقها. وكان مغرى بالتاريخ مواظباً على قراءة أخبار القدماء فيحفظ منها تفاصيل كثيرة لا تبرح من ذاكرته إذا انطبعت فيها مرة.
لكن الأدب غلب على الشيخ ناصيف فبلغ فيه مبلغاً عجيباً قيل أنه استظهر القرآن وحفظ كل ديوان المتنبي وقصائد عديدة من العشر القديم والمولد لا يخل فيها بحرف. وكان في أوقات الفراغ ينسخ ما يحصل عليه من الآثار الأدبية بخط جميل أشبه بالقلم الفارسي.
ومما امتاز به على أهل زمانه شعره فإنه نبغ فيه على ما روي وعمره لا يتجاوز عشر سنين فكان يقول الشعر عفواً عن البديهة ويأتي بكل معنى بليغ. وكان في أول أمره ينظم المعنى والزجليات تفكها. وقد تلف معظم هذه المنظومات العامية.
وسطع في ذلك الوقت نجم الأمير بشير الكبير فقصده الأدباء والشعراء ومدحوه ونالوا من سجال فضله منهم المعلم الياس أدّه ونقولا الترك وبطرس كرامة فسار الشيخ ناصيف إلى بيت الدين واتصل بهؤلاء الأدباء فقربوه من الأمير الذي اتخذه كاتباً لأسراره ورفع شأنه. وللشيخ في مخدومه قصائد جليلة منها رائيته التي قالها مهنئاً له بانتصاره من أعدائه سنة 1240 (1824م) وأولها:
يهنيك يهنيك هذا النصرُ والظفرُ ... فانْعمْ إذن أنت بل فلننعم البشرُ
وبقي في خدمته اثنتي عشرة سنة. فلما كُفَّت يد الأمير عن تدبير لبنان سنة 1840 فارقه الشيخ ناصيف ونزل مع أهله إلى بيروت فسكنها إلى سنة وفاته.
وفي هذه الثلاثين السنة الأخيرة من عمره انقطع إلى التأليف في بيته وإلى التدريس ومراسلة الأدباء فحظي بشهرةٍ عظيمة. وسمع به المستشرقون فكاتبوه واقترحوا عليه عدة مصنفات أجابهم إلى وضع بعضها فطبعوها في مجلاتهم. وكان علماء الشرق يتسابقون إلى مكاتبته ويتناوبون بينهم القصائد والرسائل. ومن فضل الشيخ ناصيف أنه سعى مع بعض أدباء الشام بعقد الجمعية السورية لترقية الآداب ورفع منار العلوم. وكان له في كل المساعي الأدبية يد مشكورة حتى أصبح في
(1/154)

بلاد الشام كقطب العلوم العربية وشرعة المعارف الوطنية.
واشتغل أيضاً مع أصحاب الرسالة الأميركية فنظم لهم المزامير وبعض الأغاني الدينية واستفادوا منه أيضاً في تعريب الأسفار المقدسة التي نشروها في مطبعتهم. وكان أحد أعضاء جمعيتهم التي أنشئوها سنة 1848 (الشرق 40:12 ثم ZDMG V. 96) .
أما تآليف الشيخ ناصيف فكلها مشهورة سردنا أسماءها في تاريخ الطباعة في أعداد سنتنا الثالثة وأشهرها مقاماته الستون المعروفة بمجمع البحرين التي عارض فيها المقامات الحريرية طبعت مراراً في المطبعة الأميركية ثم في مطبعتنا الكاثوليكية. وله كتاب فصل الخطاب في الصرف والنحو. وجوف الفرا والخزانة وهما أرجوزتان في أصول النحو نظمهما وعني بشرحهما. وعقد الجمان في البيان مع ملحق في العروض. وله شرح على المتنبي أتمه ابنه الشيخ إبراهيم ووسمه باسم العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب. وشعره متفرق في ثلاثة دواوين: كتاب نفحة الريحان وكتاب فاكهة الندماء في مراسلات الأدباء وكتاب ثالث القمرين. وقد قصد الأديب ميخائيل أفندي إبراهيم رحمة جمع شعره في ديوان طبع منه نبذتان في المطبعة الشرقية في الحدث وفي المطبعة الأدبية مصححاً بقلم نجله المذكور. وعساه أن يضيف إليهما ما لم يزل مخطوطاً أو شارداً من القصائد.
وشعر الشيخ ناصيف يجمع بين الرقة والمتانة يضارع نظم أجود الشعراء في كل أبواب المعاني ود مر لنا عدة أقوال من قلمه تشهد على براعته ورسوخ قدمه في آداب الشهر. وقد مدح أكثر مشاهير عصره وأدباء زمانه ورثى قوماً من الكرام الذين انتقلوا إلى دار البقاء في أيامه وله التواريخ المتعددة التي زان بها قبورهم أو عقلها على الآثار البنانية والكنائس وغيرها. فمن مديحه قوله من قصيدة غراء رفعها إلى جلالة السلطان عبد العزيز وضمن كل شطر منها تاريخاً لسنة 1283:
ظل الإله علينا أوجُ طالعهِ ... قد فاق فوق جهات الأفقِ كالعَلَمِ
في خلقِه عجبٌ في عزّهِ طربٌ ... راحاتهُ سحبُ بَهْمرنَ بالكرمِ
أمين ربَ الورى في الكون مؤتمنُ ... على العباد لَحِقّ العهد والذمَمِ
ومدح نابوليون الثالث بقصيدة افتتحها بهذه الأبيات:
(1/155)

من قال أن الدهر ليس يعودُ ... هذا زمانٌ عادَ وهو جديدُ
قد عاد نابُلْيون بعد زوالهِ ... فكأنَّ ذلك يومهُ الموعودُ
لا تُفَقد الدنيا لفقد عزيزها ... ما دامَ يخلفُ مَيْتَها المولودُ
تتجدَّد الأشخاص فيها مثلما ... يُغْرَى القضيبُ فينبت الأملودُ
وله في مديح الملكة فيكتوريا لما جلست على عرش بريطانيا العظمى من قصيدة:
اليوم قامت فتاةُ الملك بارزةً ... وقام من قبلها أسلافُها الأوَلُ
فرعُ الأصول التي مرَّت وبهجتها ... أنَّ الثمار من الأغصان تُبدَلُ
في قلبها خاتَمُ التقوى وفي يدها ... من خاتم الملك ما يجري به المثَلُ
قد التقى الدينُ والدنيا بساحتها ... كما التقى الكُحل في الأجفانِ والكَحَلُ
وله قصائد أخرى في مدح الخديويين أصحاب مصر إبراهيم باشا وسعيد باشا وإسماعيل باشا. وكثيراً ما كان يجمع في هذه المدائح أنواع الجناسات والفنون البديعية الصعبة المرتقى الدالة على تذليله للمشكلات اللفظية والمعنوية لكن التعسف ظاهر في بعض هذه المنظومات التي وضعها لمعارضة قوم من شعراء القرون المتأخرة. ومن هذا القبيل بديعيته التي التزم فيها تسمية الجناس والنوع أولها:
عاج المتَّيمُ بالأطلال في العَلَمِ ... فأبرعَ الدمعُ في استهلالهِ العَرِمِ
ومن أحسن الشعر صاحب الترجمة مراثيه التي أوردنا منها أمثلة. وله من قصيدة يرثي بها الطيب الذكر البطريرك مكسيموس مظلوم:
ركنٌ هوى في دار مصرٍ أوشكت ... منهُ رُبى لبنان أن تتفطَّرا
ضجَّت به الإسكندرَّية هيبةً ... فكأنَّ فوق سريرهِ الاسكندرا
يا أيها الطَّود الذي عبث بهِ ... أيدي المنون فمال محلول العُرى
غدَرتْ بك الأيام مظلوماً كما ... تُدعى فألقَت في التراب الجوهرا
وله في رثاء صغير وأجاد:
استودعُ الله في طي الضريح فتىً ... كالغصن معتدلاً والبدر مكتملا
(1/156)

كنا نؤمل أن نَجْني لهُ ثمراً ... فخَيب الدهرُ منا ذلك الأملا
خان الزمان له عهد الصبا وبغى ... عليه داعي المنايا إذ أتى عَجلا
قد ألبسوهُ الثياب البيض فاصطبغت ... بُحمرةٍ من دم الدمع الذي انهملا
والناس من حولهِ تمشي وقد نكست ... رؤوسها وصراخُ الباكيات علا
يا رحمة الله حُلّي فوق تربتهِ ... كما حللت على نعشٍ به حُملا
ومن مراثيه ما قاله في موت ابنه حبيب وهو آخر نظمه قاله شهراً قبل وفاته ولم يتم رثاءه لحزنه:
ذهب الحبيبُ فيا حشاشتي ذوبي ... أسفاً عليه ويا دموعُ أجيبي
ربيته للبَين حتى جاءهُ ... في جنحِ ليل خاطفاً كالذيبِ
يا أيتها الأمُّ الحزينةُ أجملي ... صبراً فإنَّ الصبرَ خيرُ طبيبِ
لا تخلعي ثوب الحداد ولازمي ... ندباً عليه يليقُ بالمندوبِ
هذا هو الغصنُ الرطيبُ أصابَهُ ... سهمُ القضاء فمات غيرَ رطيبِ
لا أستحي إن قلتُ نظيرهُ ... بين الرجال فلستُ غر مصيبِ
إني وقفتُ على جوانب قبرهِ ... أسقي ثراهُ بدمعي المصبوبِ
ولقد كتبتُ له على صفحاتهِ ... يا لوعتي من ذلك المكتوبِ
لك يا ضريحُ كرامةٌ ومحبَّةٌ ... عندي لأنك قد حويتَ حبيبي
وله يرثي الأمير بشير الشهابي لما توفي الآستانة سنة 1850:
إذا طلع النهارُ أرى الرجالا ... كما أبصرتُ في الليل الخيالا
وأعجبُ كيف تطوي الأرض ناساً ... لو اجتمعوا بها كانوا جبالا
يخونُ الدهرُ شخصاً بعد شخصٍ ... كما ترمي عن القوس النبالا
إذا أغلقتَ دون الموت باباً ... تناول ألف بابٍ كيف جالا
ومن حَذَرَ المنية عن يمينٍ ... تدور بهِ فتأخذهُ شمالا
من الله سلام على أميرٍ ... دفنا المجد معهُ والجلالا
كأنَّ الموت لم يجسر عليهِ ... مجاهرةً ففاجأهُ اغتيالا
فتى كالسيف إرهافاً وقطعاً ... ومثل الرمح قدًّا واعتدالا
ومثل البدر إشراقاً وحسناً ... ومثل الغيث جوداً وابتذالا
(1/157)

أجلُّ بني الكرام أباً وجدّاً ... وأكرمُ رهطهم عماً وخالا
وأحسنُهم وأجملهم فَعالا ... وأوثقهم وأصدقهم مَقالا
كريمٌ من كريمٍ من كرامٍ ... بنوا في المجد أعمدةً طوالا
سليل أمير لبنانٍ ينادي ... أنا لبنانُ لما مِلتُ مالا
إذا قلتَ الأمير ولم تسمّعي ... فلا يحتاج سامعك السؤالا
سألنا تخت ممنِ عن نظيرٍ ... لهُ هل قام قال لا لا
ستبكيهِ البلادُ ومن عليها ... إلى أن تستعيضُ له مثالا
وتحصي الناس ما فعلت يداهُ ... ولكن بعد أن تحصي الرمالا
إلى أن قال:
إلى دار السعادة سرتَ فوزاً ... كأنك عاشقٌ يبغي الوصالا
رأيت العيش في الدنيا طريقاً ... لها فاخترتُ أقربهُ مجالا
وقال مؤرخاً سنة وفاته:
هذا الأمير السعيد الحظ تخدمهُ ... ملائك الله حول العرش تجتمعُ
تقول أرقام تاريخٍ تحيط به ... إن الشهاب على الأفلاك ترتفعُ
ومن تعازيه اللطيفة قوله يخاطب تاجراً أصيب بماله:
يا بائع الصبر لا تُشفق على الشاري ... فدرهمُ الصبر يسوي (كذا) ألف دينارِ
لا شيء كالصبر يشفي قلب صاحبهِ ... ولا حوى مثَلهُ حانوتُ عطَارِ
هذا الذي تُخمد الأحزانَ جرعُتُه ... كبارد الماء يطفئ حدّة النارِ
ويُحفظ القلبُ باق (كذا) في سلامتهِ ... حتى يُبدَّلُ إعسارٌ بأيسارِ
يا من حزنتَ لفقد المال انك قد ... خُلقتَ عارٍ (كذا) وما في ذاك من عارِ
كما أتى أمسِ ذاك المالُ امكتسباً ... يأتي غداً من بديع اللطف جبّارِ
ومن زهرياته قوله:
مرَّ النسيم على الرياض مسلّماً ... سَحراً فردَّ هزارَها مترنما
أحنى إليهِ الزهر مفرق رأسه ... أدباً ولو مَلكَ الكلام تكلَّما
يا حبّذا ماء الغدير وشمسهُ ... تعطيه ديناراً فيقلب درهماً
(1/158)

محت الرياحُ بها كتابة بعضها ... فتخاصمت من فوقه فتهشَّما
وله هجو قليل فمن ذلك قوله في ثقيل:
كفَّ عنّي لا أبا لكْ ... قد تبَّيَّنا مُحالك
وعرفناك وألا ... فمتى نعرفُ حالكْ
قد مضي لي بك عصرٌ ... حاملاً فيه مَلالكْ
حسبُ قلبي منك جورٌ ... كاد منهُ يتهالك
سنرى النادم منَّا ... ويُسيء اللهُ فالَكْ
وقال في نجيل:
قد قال قومٌ أن خبزك حامضٌ ... والبعض أثبت بالحلاوة حكمَهٌ
كذب الجميع بزعمهم في طعمهِ ... من ذاقهُ يوماً ليعرف طعمهُ
ومن حكمه المأثورة:
إني لقد جرَّبتُ أخلاقَ الورى ... حتى عرفتُ ما بدا وما اختفى
كل يذمُّ الناس فالذي نجا ... من ذمّهِ يدخلُ في ذمَّ الملا
ولا يحبُّ غير نفسه فما ... أحبَّهُ فهو إلى النفسِ انتهى
يعرف كلُّ حالَهُ في مضى ... إلا الذي كان دنياً فارتقى
وكل علمٍ يُدرك المرءُ سوى ... عرفانِ قدرِ نفسهِ كما اقتضى
وكلُّ من لا خير منهُ يُرتجي ... إن عاش أو مات على حدٍ سوا
ومما برز فيه قوله في الدين المسيحي:
نحنُ النصارى آل عيسى المتي ... حسبَ التأَنُس فلبتولةِ مريمِ
وهو الإلهُ وابن الإلهِ روحهُ ... فثلثةٌ في واحدٍ لم تُقَسمِ
للأب لاهوتُ ابنهِ وكذا ابنه ... وكذا هما والروح تحتَ تَقُنُّمِ
كالشمس يظهرُ جرمُها بشُعاعها ... وبحرّها والكلّ شمسٌ فاعلمِ
والله يَشهدُ هكذا بالحق في ... سفر لتوراةِ الكليمِ مُسلَّمِ
عن آدمٍ قد قالا (وصار كواحدٍ ... منا) بلفظ الجمع من ذاك الفمِ
خلقَ البسيطةَ واحداً في جوهرٍ ... أحدٍ لخدمة آدمَ المستخدَمِ
(1/159)

لكن عصاه بزلَّةٍ لا تنمحي ... إلا بإرسال ابنهِ المتجسمِ
فأتي وخلَّصهُ وخلَّصَ نسلَه ... ذاك المخلصُ من عذابِ جهنْمِ
ومنها في وصف أعمال السيد المسيح وآياته:
شهدَت عجائُبُه لهُ في عصرهِ ... فدرَى الحكيمُ وتاهَ من لم يفهمِ
ولنا عليهِ أدلَّةُ قطعَّيةٌ ... عقلاً ونقلاً ليس قطعَ تحكُّمِ
قد جاءَ لا سيفٌ ولا رمحٌ ولا ... فرَس ولا شيءٌ يُباعُ بدرهمِ
يأوي المغارة مثل راعي الضأنِ لا ... راعي الممالكِ في السريرِ الأعظمِ
وهو ابنُ يوسف لا ابنُ قيصر عندهم ... يغزو بجيشٍ في البلادِ عرمرَمِ
فأتاهُ من شعبِ اليهود جماعةٌ ... كانوا على الدين التليد الأقدمِ
وتباعدوا من قومهم بمذلةٍ ... يأبون كلَّ كرامةٍ وتنعُّمِ
قالوا هو ابن اللهِ جهراً والعدى ... من حولهم مثلُ الذئاب الحُوَّمِ
والناسُ بين عواذِل وعواذرٍ ... لهمُ وبين مُحللٍ ومُحِرّمِ
ما غرَّكمْ يا قومُ فيه أسَيُفهُ ... أم جاههُ أم مالهُ في الأنعُمِ
هو ساحرٌ يُطغي فقالوا لم نجدْ ... من ساحرٍ يُحيي الرميم بطَلَسمِ
كانت رجالُ اللهِ تُحيي ميتاً ... بصلاتها ودعائها المتقدّمِ
وتراهُ يُحيي المثنين بأمرهِ ... فهو الإلهُ ومن تشكَّك يندمِ
ولئن هُم انخدعوا لغَفلتهم فقد ... ضعُفت عقولهُم كمن لم يحلمِ
فترى بما خدعوا البلاد ومن بها ... من عالمٍ يُفتي ومن مُتعلّمِ
فإذا اعتبرنا ما ذكرتُ بدا لنا ... بالحقّ وجهُ الحقّ غير مُلثّمِ
وأصيب الشيخ ناصيف في السنتين الأخيرتين من عمره بفالج نصفي تحمل مضضه بالصبر ثم دهمته سكتة دماغية فتوفي فجأة في 8 شباط سنة 1871 رحمه الله. ومما طبع له من التآليف في أوربة رسالته إلى المستشرق دي ساسي نقلها إلى اللاتينية الأستاذ مهرن (Mehren) وعلق عليها الحواشي وطبعها في ليبسيك. وقد وجدنا في مكتبة برلين الملكية رسالة مطولة في أحوال لبنان وسكانه وأمرائه وأديان أهله لا نشك أنها له وإن يذكر فيها اسمه. وهذه الرسالة نقلها إلى الألمانية العلامة فليشر (Fleischer) ونشرها في المجلة الآسيوية الألمانية (ZDMG. VI 98 388)
(1/160)

ثم نشرتها أيضاً مجلة الهلال في سنتها الثالثة عشرة (ص513 و566) ونسبتها إلى اندراوس صوصه.
قيل إن من أشبه أباه ما ظلم. وقد صدق المثل تماماً في أولاد الشيخ ناصيف اليازجي فإنهم تعقبوا كلهم آثار والدهم. وكان أكبرهم الشيخ حبيب ولد في 15 شباط سنة 1833 ولما ترعرع وجد أباه كهلاً تام القوة كامل العقل مولعاً بالآداب فدرس عليه كل الفنون العربية. ثم إلى اللغات الأجنبية فأتقن الفرنسوية حتى برع فيها وتعلم غيرها كالإيطالية واليونانية والتركية. وكان يتردد على المرسلين اليسوعيين في بيروت ويستفيد منهم. وتجد اسمه في قائمة الأدباء المنتظمين في الجمعية المشرقية التي أنشئوها سنة 1850 واكتشف بعض آثار جناب مكاتبنا يوسف أفندي الياس سركيس (المشرق 15 (1912) : 32) ثم تفرع الكتابة وعرّب بعض التآليف الأجنبية منها قصة عادليدة برنزويك. ومنها أيضاً قصة تليماك التي ألفها فنيلون فأجاد في تعريبها إلا أنها لم تطبع وقد طبعت في مصر ترجمة أخرى دونها حسناً. ومن تأليفه أيضاً كتاب اللامعة في شرح الجامعة فسر فيه الأرجوزة التي ألفها والده في علم العروض والقوافي وكان اسمها الجامعة ود طبع الكتاب سنة 1896 في المطبعة الوطنية. وكان الشيخ حبيب عاقلاً لبيباً رياضياً وقد اشتغل بالتجارة في آخر عمره وكان في شبابه يحب الشعر وله بعض منظومات منها رثاؤه للطيب الذكر البطريرك مكسيموس مظلوم بقصيدة أولها:
يسرُّ المرءَ إقبالُ الليالي ... وينسى أنّ ذلك للزوالِ
ومنها:
دع الدنيا الغَرورَ وكُنْ مجدّاً ... كحبر الشرق في طلب الكمالِ
هو المظلومُ حين رمى بتاجٍ ... لهُ واعتاض أكفاناً بَوالي
لقد ضُربت بهِ الأمثالُ لمَّا ... غدا الرُّعاة بلا مثالٍ
إلى أن قال:
وفي الإسكندرَّية دُكَّ طودٌ ... فلم تنفكَّ فاقدةَ الجبالِ
ثوى في تربها بدرٌ منيرٌ ... فقد حسدتهُ أفدتهُ الرجالِ
رئيسٌ كان في دنياهُ بحراً ... فكانت تُجتَنى منهُ اللآلي
لقد أرض الإلهَ بكل أمرٍ ... وأرضى الناس في حُسن الفعالِ
(1/161)

فعاش كما نؤرخهُ سعيداً ... وفي الدار قد بلغ المعالي
وكانت وفاة الشيخ حبيب كهلاً قبل والده ببضعة أسابيع في سلخ السنة 1870. وكما عاجلت المنون بكر الشيخ ناصيف كذلك قطفت ابنه الشيخ خليل غصناً زاهياً في تمام شبابه وعز قوته. ولد هذا في السنة 1856 وأخذ الآداب العربية عن أبيه وآله فرضعها مع الحليب ولما نشأ دخل الكلية الأميركانية ودرس فيها العلوم.
وفي 1881 رحل إلى مصر وزار بعض أعيانها وأنشأ مجلو مرآة الشرق إلا أن الثورة العرابية ألجأته إلى الرجوع إلى وطنه فعلم مدة اللغة العربية في المدرستين البطريركية والأميريكانية حتى أصيب بصدره فكف عن التعليم ولم يزل يطلب علاجاً لوجعه حتى غلبه الداء فمات في الحدث في 23 ك1 سنة 1889 ودفن في بيروت. وكان الشيخ خليل متوقد الذهن ذا قلم سيال وقد غلب عليه الشعر. ومن خدمه للآداب طبعته لكتاب كليلة ودمنة مضبوطاً بالشكل مع شرح الغريب من ألفاظه. وهذه الطبعة كما الطبعات الشرقية كلها في الشام ومصر والهند مبنية على طبعة العلامة دي ساسي لا تخالفها إلا في بعض العرضيات بخلاف النسخة التي وقفنا عليها فنشرناها في مطبعتنا سنة 1905 ثم كررنا طبعها سنة 1923 وهي أقدم نسخة مؤرخة لهذا الكتاب تخالف الطبعات السابقة مع موافقتها لترجمة ابن المقفع الأصلية ثم بينا عليها طبعة مدرسية سنة 1922. ومن آثار الشيخ خليل النثرية كتاب في إنشاء الرسائل وكتاب في الصحيح بين العامي والفصيح وكلاهما لم يزل مخطوطاً غير تام.
أما خلفة الشيخ خليل اليازجي الشعرية فهي أولاً روايته (المروءة والوفاء) نظم فيها وفاء حنظلة الطائي بوعده بعد قدومه على النعمان يوم بؤسه وضمان شريك له في غيبته ليصلح أمور بيته ويرجع إلى القتل ثم تنصر النعمان لنظره مروءة حنظلة. وهو حادث تاريخي معروف بنى عليه الشيخ خليل روايته لكنه طمس محاسنها بما أودعها من الأدوار العشقية المملة التي تنسي سامعها الواقع التاريخي الأصلي فيضيع الجوهر بزخرف الأعراض الباطلة.
ومن خلفته أيضاً مجموع منظوماته الذي عنونه بنسمات الأوراق فطبعه بالقاهرة سنة 1888 في 162 صفحة نروي منها بعض القطع تبياناً لفضله وجودة قريحته. فمن مديحه قوله في عبد الله فكري باشا ناظر المعارف في مصر:
(1/162)

الجاهُ عندك نال أكملَ جاهِ ... فهناكَ نورٌ فوق نورٍ زاهِ
والفخرُ منك كُسي بأَبهى حلَّة ... وعليك منهُ كلُّ ثوب باهِ
نالت مسامعُنا من اسمكَ لذَّةً ... فغدت محسَّدة من الأفواهِ
حتى قال وتجاوز الحد في الغلو:
ولئن يكُ فيك الثنا متناهياً ... فاعذُر ففضلك ليس بالمتناهي
نُزَهتَ عن شبهٍ فتبغي شاعراً ... متنزًهاً في الشعر عن أشباهِ
ولأنت ذاك ومن لنا ببدائع ... لك آمراتِ للقريضِ نواهِ
فلقد أتاني الشعر يتني علفَهُ ... ويقول ويقول إني عبدُ عبدِ اللهِ
ومن تهانئه قوله يهنئ المطران ملاتيوس فكاك بأسقفية بيروت:
حبَّذا ما بهِ الدهرُ جادا ... من سرورٍ به فككنا الحِدادا
حبذا ما أَنالنا من صلاحٍ ... مُخجلاً مَن نمى إليهِ الفسادا
فقد حبانا بسيّد ليس يدعو ... نا عبيداً وإنما أولادا
سيدُ شاد في المعالي صروحاً ... قام فيهنَّ راقياً حيث سادا
ربُّ حزمٍ فكَّاكُ مُعْضلةٍ من ... كلّ أمرٍ تدبُّراً وسَدادا
خيرُ راعٍ يرعى الرعيّة لا تخشى م ... لديهِ حُملانُها الآسادا
يملأ العين بهجةً حينما يبدو م ... ويملا آذاننا إرشادا
وختمها بقوله:
أيها السيِّد الكريم الذي ليس م ... يفيهِ الثناءُ مهما تمادى
إن مدحناك نالنا المدحُ أيضاً ... كالصدى راجعاً إلى من نادى
بك يسمو فخارنا فإذاً ازدد ... تَ فخاراً ففخرنا قد زادا
فإذا كان في الثناء قصورٌ ... فعلينا قصورُنا قد عادا
وله من قصيدة في أحد قناصل فرنسة لما زار المدرسة البطريركية:
هذا رسولُ الدولة العظمى التي ... هي دوحُ مجدٍ وهو من أغصانهِ
دوحُ سقاهُ الفضلُ أعذبَ مائهِ ... فجرت مياه العزّ في عيدانهِ
طابت مغارسهُ فأَثمرت المنى ... وشذا المعارفِ فاح من بستانهِ
(1/163)

أهلاً بزائرنا الكريم فأنَّه ... أهلٌ لِيُنزلهُ الفتى بجنانهِ
لا يُدْعَ ضيفاً في حمانا أنهُ ... في بيتهِ منه وفي أوطانهِ
ومن أوصافه قوله في القاهرة يذكر لبنان وطيب هوائه:
قِفْ فوق رابيةٍ من طور لبنانِ ... وقلْ سلامٌ على أرضٍ وسكَّانِ
أرضٌ إذا ما سقاها الغيثُ كاد بها ... أن يستحيل إلى درٍّ ومرجانِ
يا أهل لبنانَ ما لبنانكم جبلٌ ... لكنَّهُ قمةُ العلياء والشانِ
فيهِ العشائر أصحاب المفاخر أر ... بابُ المآثر من مجدٍ وعرفانِ
إمارةٌ قد سمت فيه ومشيخةٌ ... نشت أصولهما من عهد أزمانِ
ملجأ الوباء الحَرّ يقصدهُ ... مصاب هذين من قاص ومن دانِ
وملجأُ المبتلي من كل ذي سقَمٍ ... بطيبِ ماءٍ وأهواء وجيرانِ
وقال في الختام:
هذا هو الوطن المحبوب أذكرهُ ... وما أنا بمراعٍ حُبَّ أوطانِ
وقال مؤرخاً ميلاد أبنه حبيب سنة 1884:
نجلٌ بهِ جاد المهيمن حيث قد ... حَيِيَتْ وطابت أنفسٌ وقلوبُ
لمَّا بتاريخٍ حبيبَ سمَيُتهُ ... قلت الحبيبُ إلى الخليلِ حبيبُ
ثم توفي الطفل في السنة التالية فقال:
وضيفٍ زارنا ومضى قريباً ... وما كادت تُعَدُّ لهُ شهورُ
تركتَ مؤرّخاً بالويل حزني ... كبيراً أيها الطفلُ الصغيرُ
وبقي من بعد الشيخ خليل شقيقه الشيخ إبراهيم رافعاً أعلام اللغة والأدب مواصلاً لأعمال أسرته الكريمة بين العرب مزيناً للصحائف بمقالاته في صنوف المعارف. ولد الشيخ إبراهيم في بيروت في 2 آذار من السنة 1847 فأستروح روح الآداب منذ حداثة سنة بقرب والده عمدة البلغاء في وقته فاستقى من منهله وخاض في ميدانه وجعل يمارس الكتابة حتى برع في النثر والنظم. واستأنف حينئذ أدباء بيروت الجمعية العلمية السورية فأنتظم في سلكها وألقي فيها الخطب وأنشد القصائد ثم
(1/164)

حرر مدة جريدة النجاح. ولما عمد الآباء اليسوعيون إلى تعريب الأسفار المقدسة عن أصلها العبراني واليوناني رأوا أن أمانة التعريب لا تفي بالمرام إن لم يغط المعرب حقه من الفصاحة والبلاغة بتنقيح العبارة وسبك الكلام وكان إذ ذاك صيت الشيخ إبراهيم نال بعض الشهرة فدعوا به إلى مدرستهم في غرير سنة 1872 وباشروا معه في العمل. فكان الأب أوغسطين روده الذي درس العربية في الجزائر وعلم العلوم الكتابية في فرنسا ينقل الكتب المقدسة فصلاً فصلا وآيةً آيةً بعد مراجعة تفاسير الآباء والمعلّمين والترجمات الشرقيَّة العديدة منها ثلاث ترجمات عربيَّة. فإذا أتم عمله نظر فيه الشيخ نظراً مدققاً فعرض على العرب ملحوظاته ثم تفاوض كلاهما إلى أن يتفقا على رأي واحد فيدونانه بالكتابة ثم يعرضان شغلهما على أربعة أساتذة من الآباء المتضلعين بالعلوم الدينية ومعرفة اللغات الشرقية فلا يطبع شيء إلا بعد مصادقتهم على كمال الترجمة.
وأشتغل الشيخ إبراهيم في تنقيح التوراة العربية نحو تسع سنوات في غرير وبيروت. وقد علم سنين طويلة في المدرسة البطريركية فتخرج عليه كثيرون من أحداثها أشتهر بعضهم بالتآليف. وفي السنة 1884 أتفق على الدكتورين بشارة زلزل وخليل سعادة على نشر مجلة الطبيب فكان الشيخ إبراهيم يحرر فصولها اللغوية والأدبية. ثم أنفرط عقد وصلتهم بعد سنة وأنتقل الشيخ إبراهيم إلى مصر حيث أبرز أولاً مجلة البيان في آذار من السنة 1797 ثم أبدلها بمجلة الضياء التي أنشأها ثماني سنوات إلى تاريخ وفاته في 28 كانون الأول من السنة 1906. فقدت به الآداب العربية أحد أنصارها المعدودين. وقد حضرنا بالسرور في شهور تموز من العام الماضي سنة 1924 حفلة نصب تمثاله في أحد شوارع بيروت فنال ما يستحقه من الإكرام بل أكرمت بشخصه أسرته الفاضلة:
وليس من حاجة هنا أن نعرف صفات الرجل مع قرب عهده بيننا ومما أشتهر به حسن ذوقه في الكتابة وانسجام كلامه فيظهر لقرائه كأنه المرآة الصقلية أو الماء الزلال فكان لا يزال يردد النظر في ما كتب وينقحه مراراً حتى يخرجه كالبرد القشيب والخميلة الناعمة. وكان عارفاً باللغة معرفة واسعة كما تدل عليه بعض مؤلفاته أخصها (نجعة الرائد في المترادف والمتوارد) في جزأين على طريقة كتاب الألفاظ
(1/165)

الكتابية لعبد الرحمان الهمذاني. ومنها اختصاره أو شرحه لبعض تآليف والده كمختصر نار القرى ومختصر الجمانة وشرح ديوان المتنبي المسمى بالعرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب وكذلك تصحيحه وتهذيبه لعبارة بعض كتب الأدباء كتاريخ بابل وأشور للمرحوم جميل مدور ونفح الأزهار في منتخبات الأشعار لجامعة المرحوم البتلوني ودليل الهائم في صناعة الناثر والنظم له. وكانت مطبعتنا وكانت إلى الشيخ إبراهيم وضع معجم للغة العربية فأشتغل فيها زمناً طويلاً ثم أهمله فانتدبت حينئذ الشيخ اللغوي سعيد الشرتوني إلى وضع كتابه أقرب الموارد بدلاً منه ثم عاد الشيخ إبراهيم إلى عمله مراراً وأتم منه قسماً لكنه مات ولم يمثله للطبع. وكان الشيخ كما هو معروف قليل الصحة بطيء الشغل ومجلة الضياء تستنفد همته فلا تسمح له بمعاناة سواه.
ومن آثاره اللغوية عدة مقالات مطولة وانتقادات لسانية كالأمالي اللغوية ولغة الجرائد وأغلاط العرب المولدين واللغة والعصر ونقد لسان العرب وغير ذلك مما أصاب في بعضه وأخطأ في البعض الآخر فتصدى له كثيرون من المكتبة فقامت بينه وبينهم الجدالات الطويلة وكان الشيخ (كثير الأباء ظاهر الأنفة إلى حد الترفع) كما قال في ترجمته صاحب الهلال (15: 267) فأذى به طبعه إلى كتابة فصول ما كنا لننتظرها من مثله أطلق فيها العنان لأهوائه وأنتهك في بعضها حقوق الدين وأربابه سامحه الله.
وللشيخ أيضاً قصائد متفرقة ومنظومات رشيقة لم تجمع حتى اليوم. روى بعضها جناب الأديب عيسى أفندي إسكندر معلوف في ترجمة حياته التي نشرها في المقتطف. ومن اقدم ما وجدنا له من القصائد ما أنشده في الجمعية السورية في أوائل سنة 1868 وهي منظومة حماسية ذكر فيها العرب فقال في أولها:
سلامُ أيها العَرَبُ الكرامُ ... وجادَ ربوعَ قطركُم الغمامُ
لقد ذكر الزمان لكم عهوداً ... مضت قِدَماً فلم يَضع الغمامُ
ثم قال في وصف مجالس العلم:
مجالسُ العلوم غدت مناراً ... به ليغلب الجهل انصرامُ
(1/166)

جلاها كلُّ أبلج أريَحيٍ ... تقرُّ له البلاغةُ والكلامُ
تُجرَّدُ من أياديهِ المواضي ... وتُرسَلُ من لواحظهِ السهامُ
رجالٌ في انتشار الفضل جدُّوا ... وفي حب العلوم صَبوا وعاموا
تلاعبت الحمَّيةُ في نُهاهم ... كما لَعِبت بشاربها المدامُ
تهزُّ الأريحَّيةُ كلَّ يومٍ ... معاطفهم كما أهتزَّ الحسامُ
هُمُ الشُهبُ والمطيرةُ فوق أرضٍ ... يلوح لنَوْئِهم فيها غمامُ
غمامٌ قد تخلَّلهُ بروقٌ ... يصافحها الرجاءُ متى تُشامُ
جهابذةٌ يقوم الفردُ منهم ... بما أعيا بهِ جيش اللهامُ
ومن أبياته الحماسية فيها قوله عن العرب:
وما العَربَ الكرام سوى نصالٍ ... لها في أجفُن العُليا مقامُ ...
لَعمرك نحن مصدرُ كل فضلٍ ... وعن آثارنا أخذ الأنامُ
ونحن أولو المآثر من قديمٍ ... وأن جحدَتْ مآثرَنا اللثامُ
فقد علمَ العراق لنا قديماً ... أياديَ ليس تنكرها الشآمُ
وفي أرض الحجاز لنا فيوضٌ ... يسيل لها إلى اليمين انسجامُ
وفوق الأندَلوس لنا بنودٌ ... لهامات النجوم بها إعتامُ
وسلْ في الغرب عن آثار فخرٍ ... لها في جبهة الزَمَن إرتسامُ
ولسنا القانعين بذكر هذا ... وليس لنا بعروتِه اعتصامُ
ولكنَّا سنجهَدُ في المعالي ... إلى أن يستقيمَ لها قوامُ
ومن محاسن نظمه ما كتبه في المجموع الذي خص بمدح كريستوف كولمب في السنة المئوية لتذكار موته:
أبقى خِرِيستوفُ الشهير لنفسهِ ... ذكراً على الأيام ليس يبيدُ
رجلٌ لقد فتح البلاد بصرهِ ... ولهُ من الهَمم الجسام جنودُ
قد زاد هذي الأرضَ أرضاً مثلَها ... ليدَيهِ ألقي كنزُها المرصودُ
برزت إليهِ من الغيوب كأنَّها ... خَلْقٌ سوى الخَلْق القديم جديدُ
فكأَنهُ إذا حلَّ فيها آدمٌ ... وكأنَّها فردوسهُ المعهودُ
(1/167)

وقال يشكو تقلب الأيام من قصيدة:
كأني بالبلاد تنوحُ حزناً ... وقد أودى بعظمتها الثبورُ
يحنُّ الأرزُ في لبنانَ شجواً ... وتندبُ بعد ذاك العِزّ صُورُ
وتدمرُ في دَماٍر مستمِرّ ... وما سكَّانها إلا النسورُ
وأضحت بعلبكُّ وليس فيها ... سوى خُرَبٍ لعضمتها تشيرُ
فلو درتِ البلاد بما عراها ... لكادت من تلهفها تمورُ
ومن لطيف قولهِ في مدح سمو الخديوي عباس:
همامٌ توَّلى الأمر وهو على شفا ... فشَّيد من أركانهِ ما تضعضعا
تقلَّد أعباءَ الرئاسةِ أمرداً ... وقد عرفَتْهُ قبل ذلك مرضعاً
فكانت له أمّاً وكان له أباً ... غذته ورباها وقد نشأا معا
وله تاريخ في الطبيب يوسف الجلخ المتوفى سنة 1869:
هذا الطبيب الذي من بعد مصرعِه ... أبلى القلوبَ بأسقامٍ وتعذيبِ
أجرى عيون بني الجلخ الكرامِ لهُ ... بكل دمعٍ من الأجفان مصبوبِ
فقِفْ على تربهِ وأهتف بمرحة ... عليهِ تهبطُ من تلك المحاريبِ
وقل ليوسف أرّخْ طيًّ مضجعهِ ... أبَّدتَ في كل قلبٍ حزنَ يعقوبٍ
ويعجبنا قوله في ساعة دقاقة:
ومُحْصيةٍ أعمارَنا كلَّما انقضت ... لنا ساعة دقَّت لها جرسَ الحزنِ
فيا بنت هذا الدهِر سرتِ مسيرهُ ... فهل أنت دون الناس منهُ على أمنِ
ومثله حسناً قوله في عود طربٍ:
وعودٍ صفا الندمانُ قدماً بظّلهِ ... وما برحت تصفو لديهِ المجالسُ
تعشَّقَهُ طيرُ الأراكةِ أخضراً ... وحنّض عليهِ ريشهُ وهو يابسُ
ورأى قدرة بعلبك فذكر قدرة الرحمان بقوله:
يا بعلبكَّ غريبة الأزمانِ ... والعهد والصنَّاع والبنيانِ
لم تُبِلكِ الأَّيام في حدثانها ... إَّلا لتُظهر قدرة الرحمانِ
(1/168)

ويا ليت قلمه لم يرقم غير هذه المعاني البليغة ويسودنا ذكر قصائد وكراريس ظهرت غفلاً من اسم مؤلفها ثم صرحت الجرائد بأنه من إنشائه كقصيدته السينية التي نشرها سليم أفندي سركيس في كتابه سر مملكة. وقد تطرف الشيخ حتى قال فيها عن أرباب الأديان:
ما هم رجالُ الله فيكم ... بل همُ القوم الأبالسْ
يمشون بين ظهورهم ... تحت الطيالس والقلانسْ
ومثلها شقيقتها البائية التي مطلعها:
تنبهوا واستفيقوا أيَّها العربُ ... فقد طمى الخطبُ حتى غاصتِ الرُّكبُ
وفي هذه القصائد والمنشورات مطاعن في الدين وتهييج الخواطر على السلطة الشرعية ما كان الشيخ في غنى عنه صوناً لعرضه ولشرف أسمه.
وممن فاتنا ذكره في القسم الأول من هذا الكتاب ولا يسعنا السكوت عنه وهو أحد نجوم تلك الثريا اليازجية المنيرة الشيخ راجي أخو الشيخ ناصيف وجدنا شيئاً من آثاره في حاشية ذيل بها جانب الكتاب الأديب عيسى أفندي اسكندر المعلوف تاريخه المعنون (دواني القطوف في تاريخ بني المعلوف (199)) فذكر أن الشيخ راجي (1803 - 1857) ديواناً مخطوطا وان شعره يشهد له بالبلاغة وقد أطلعنا له في مجموع مراثي السيد مكسيموس مظلوم على قصيدة في ذلك الفقيد الجليل أولها:
معدن البرّ محمد الطهر مكسيم ... وسُ ربُ الحجى حميدُ الخصالِ.
من سرى في طريق مولاهُ حتى ... سبق السابقين بالإفضالِ
ونحا صارفاً إلى الله فعلاً ... بالتقي لا بالقلب والإعلالِ
كم محلٍّ سامٍ أشاد وكم من ... منزلٍ قد بنى من مجد عالِ
فجعتنا بهِ صروف زمانٍ ... جائراً لا يزالُ في كلّ حالِ
ورمتنا النبالُ منهُ إلى أن ... لم يَعُدْ موضعٌ لوقع النبالِ
توفي الشيخ راجي سنة 1856 يؤخذ من تاريخ قاله فيه حنا بك أسعد أبي الصعب:
(1/169)

مذ سار راجي اليازجيُّ إلى السما ... وغدا إلى المولى العليّ مناجياً
قد جاء في ذاك المؤرخ راقماً ... قد زار فضلك يا إلهي راجياً
وللشيخ راجي يدعى بالشيخ ملحم كان يتعاطى الآداب كأبيه وكان سابقاً نزيل زحلة ولا نعلم شيئاً من أخباره حاضراً. وقد وقع لنا من شعره مرثاة نظمها سنة 1869 في وفاة الدكتور يوسف الجلخ مطلعها:
كؤوس البين دارت في الأنامِ ... من الشيخ إلى العلام
إلى أن قال:
طبيبٌ كان يشفي كلّ داءٍ ... إذا استولت تباريحُ السقام
دعاه اليوم ما لا منهُ شافٍ ... ولا منهُ سليمُ في الأنامِ
وأعقب فيهِ آل الجلخ سكراً ... بكأس الحزن لا كأس المدامِ
وختمها بقوله:
تركتَ العالم الغرّار طوعاً ... وبتَ مجاوراً دار السلامِ
لئن تكُ قد رحلتَ اليوم عنا ... فذكرك لا يزال إلى الدوامِ
ونختم هذا الفصل بذكر آخر فرع من الدوحة اليازجية من أولاد الشيخ ناصيف وهي السيدة وردة وأبنته التي عمرت زمناً طويلاً ولم ينطفي سراج إلا منذ زمن قليل فنؤجل عنها الكلام ونذكر أن شاء الله في تاريخ الآداب العربية في الربع الأول من القرن العشرين.
ولا يزال في قيد الحياة محيياً لأسم الأسرة اليازجَّية الخوري الفاضل الشيخ حبيب اليازجي وله كسائر قرابته أنار أدبية طيبة أمد الله في عمره.

آل المراش
كما برز اليازجيون الملكيون في لبنان وبيروت بأنصبابهم على العربية في القسم الثاني من القرن التاسع عشر كذلك كان آل مراش الملكيون
(1/170)

يتقدمون في الحلب أهل نحلتهم في رفع منار تلك اللغة. وبنوا المراش عرفوا في حلب منذ القرن الثامن عشر ومنهم كان بطرس المراش الذي قتل في سبيل دينه سنة 1818 في حلب بإغراء جراسيموس أسقف الروم الأرثوذكس مع عشرة آخرين من الكاثوليك (أطلب قصيدة المعلم نقولا الترك في رثاثه المشرق 10 (1907) : 664) وعرف بعد قليل فتح الله المراش وكأنه له الماء بالعلوم اللغوية والأدبيات أبقي منها آثاراً مخطوطة ثم أراد أن يخوض ميداناً لم يكن من فرسانه فعثر جواده وكبا زنده. وذلك انه ألف سنة 1849 كتاباً في أنبشاق الروح القدس فزعم انه من الأب وحده على خلاف معتقد على الآباء والكنيسة الرومانية فدحض أقواله الطيب الذكر السيد البطريرك بولس مسعد باثبت الحجج في كتاب طبع في رومية سنة 1856 فلما أطلع عليه فتح الله المراش أرعوى عن غيه وأذعن المحق الواضح.
وخلفه أبنه فرنسيس فنال شهرة طيبة بذكائه وما عرفه وخلفته الأدبية. ولد في 29 حزيران سنة 1836 ثم تلقن العلوم اللسانية وآداب الشعر وأنكب على دراسة الطب أربع سنوات تحت نظارة طبيب إنكليزي كان في الشهباء وأراد أن يتم دروسه في عاصمة الفرنسيس فسافر إليها في خريف سنة 1866 وقد وصف سفره إليها في كتاب رحلة باريس الذي طبعه في بيروت سنة 1867. ولم يسعده الدهر في غربته فكر راجعاً إلى وطنه وتفرغ للتصنيف لا يكترث لما أصابه من ضعف البصر وانحطاط القوى حتى أفل نجم حياته فمات في مقتبل الكهولة سنة 1873. وكان فرنسيس صادق الإيمان كثير التدين وقد ألف كتاباً بناه على مبادئ العلوم الطبيعية والعقلية بياناً لوجود الخالق وإثباتاً لحقيقة الوحي سماه (شهادة الطبيعة في وجود الله والشريعة) أعرب فيه عن دقة نظر ومعرفة بأحوال الطبيعة والعلوم العصرية. ومن مصنفاته التي تجمع بين الفلسفة والآداب فأودعها الآراء السياسية والاجتماعية على صورة مبتكرة كتاب (غابة الحق) الذي في حلب سنة 1865 ثم كرر طبعه في بيروت ومصر ومثله كتاب (مشهد الأحوال) المطبوع في بيروت سنة 1883 على أسلوب لطيف ونسق حديث. وفي بيروت طبعت له رواية حسنة دعاها (در الصدف في غرائب الصدف) ومما طبعه قبلها في حلب (1861) كتاب (المرآة الصفية في المبادئ الطبيعة) لخص فيه علم الطبيعة. ثم (خطبة في تعزية
(1/171)

الكروب وراحة المتعوب) (1864) وكتاب (الكنوز الغنية في الرموز الميمونة) (1870) وهي قصيدة رائية في نحو خمسمائة بيت ضمنها رموزاً خفية على صورة رواية شعرية. ومن نظمه أيضاً (ديوان مرآة الحسناء) طبعه له محمد وهبه سنة 1872 في مطبعة المعارف في بيروت.
وكان فرنسيس المراش يحب في كلامه الترفع عن الأساليب المبتذلة فيطلب في زثره ونظمه المعاني المبتكرة والتصورات الفلسفية فلا يبالي بانسجام الكلام وسلالته فتجد لذلك في أقواله شيئاً من التعقد والخشونة مع الأعضاء من قواعد اللغة فمن شعره قوله في الحماسة:
فيقوا (كذا) من الغفلاَت يا أهل الوطنُ ... أن العدو دنا وها نَقْعُ الفتنَ
حتَّى مَ أنتم يا بُزاةُ روابضٌ ... هبُّوا فقد حام الغرابُ عن الدِمَنْ
هجَمَ العدوُّ وها الغبارُ وأنتمُ ... من ذا الغبار ستنسجون لهُ كَفنْ
لا تخجلُ الغربانُ من سعة الفلا ... يوماً إذا نهضَ العُقابُ من الوكَنْ
ناداكُم الوطن الذي قد ضمَّكُمْ ... في حضنِه وساقكمُ لبن المِنَنْ
كرُّوا إلى الأعداء كرَّ الأسد يا ... أسدَ الوفاءِ فهم ثعالبةُ الخَمَونْ
فأصغوا لصوتِ أبٍ لكم يرجو الحمى ... منكم فهيّأ طاردوا عنهُ المِحَنْ
أو ما ترون الدمع منهُ لأجلكم ... يهمي فقوموا نشَفوا دمع الوطنْ
لا يَحسن الموت الزؤام لدى امرئٍ ... لكن فِدى الأوطانِ موتكمُ حسنْ
وله في الزهريات:
هو ذا الصباحُ بدا وبالأنوارِ ... طُبعت وجوهُ الكونِ من الإبصارِ
والشمسُ قد نشرتْ بيارقها على ... قمم الجبال أمام جيشِ نهارِ
وعلى عَمُود الصُّبح قد شاد الضّحى ... بُرْجَ النهار مسلَّحاً بالنارِ
والشرقُ أوتَرَ قوس نورٍ وانثنى ... يرمي على الدنيا سهامَ شرارٍ
والليل مزَّق ثوبهُ حزناً على ... فقد النجوم وغار في الأغوارِ
ما زال مَدُّ النور يرفع في العُلا ... جَزْر الظلامِ كعاصفٍ لغبارِ
حتى امتلأ جوف انقضاء من الضيا ... وزهت بذلك كافَّةُ الأقطارِ
فترَّنمَ القُمْريُ فوق غصونهِ ... طرباً وفاحت نسمةُ الأسحارِ
(1/172)

والنسرُ هبَّ إلى العلا كأنه ... يبغي المسير مع السحاب الجاري
وقال يشكو الدهر:
رمتْ قلبي نبالُ الدهر حتى ... رأيتُ دمي يسيلُ من العيونِ
فلو كان الزمان يُصاغُ جسماً ... لكنت أذيقهُ كأس المنونِ
وقال في خواص الجسم:
الجسم معروفٌ بستّ خصائصٍ ... فيهِ قعَنْهُ قطُّ ليس تحولُ
عدمُ التداخل وامتدادٌ صورةٌ ... جذبٌ سكونٌ للتجزّي قبولُ
ومن حكمة قوله:
صدّقوني كلُ الأنامِ سواءٌ ... من ملوكٍ إلى رُعاةِ البهائمْ
كلُّ نفسٍ لها سرورٌ وحزنٌ ... لا تني في ولائمِ أو مآتِمْ
كم أميرٍ في دستهِ باب يسقي ... بالْهُ والسير في القيدِ ناعمْ
أصغر الخلق مثل أكبرها جرْ ... ماً لهذا ولذا مزايا تُلائمْ
والخلايا للنحل أعجبُ صنعاً ... من قصور الملوك ذات الدعائِمْ
وكان فرنسيس الراش يراسل أهل الفضل في زمانه كالشيخ ناصيف اليازجي وغيره. وله مآثر عديدة وفصول إنشائية وأراجيز نشرها أرباب الجرائد في عهده كأصحاب الجوائب والمحلة والزهرة والجنان يطول هنا ذكرها. ومن جيد وصفه قوله في الحسود:
قال لزيدٍ أنَّ عمراً فاز إذ ... ربحت تجارُتهُ بحظٍّ كيّسِ
فأزورَّ من غضبٍ وسكرَجَ (؟) عينهُ ... وتنفَّس الصعداء أيَّ تنفّسِ
وغدا يقول مخرطماً ومبرطماً ... ويلاهُ من تحسين حال المفلسِ
وكذاك لمَّا أخبروا عمراً أن ... بكراً أغدا ذا رفعةٍ في المجلسِ
أرغى وأزْبد خائراً كالمُعتري ... وانتاب سحنتَهُ ظلامُ الحندسِ
وأنحاز يصرخ قد كذبتم فاصرخوا ... أنَّ السعادة لا ترى في الْمَتعسِ
ورووا على بكرٍ بأنَّ صديقهُ ... يحيي بعزٍّ ذلٍ قد كُسي
(1/173)

فأنسابَ كالأفعى وقال أعوذُ من ... عار غدا متبختراً في الأطلسِ
والكلّ يبدون المسرَّة كلَّما ... سمعوا بنائبةٍ سرت في الأرؤسِ
تبّاً لبغيك أيها الإنسان ما ... إبليسُ ربُّ النحس منكَ بأنحسِ
ذي كبرياؤك يا لها من آفةٍ ... كالأفعوان سعت لقتل الأنفسِ
وقد رثاه المرحوم بشاره الشدياق فقال يذكر تآليفه:
تركت يا مفرداً شأنا يذكّرنا ... شذاء كالمسك لما فاح في الظل
من مشهد قد جلا الأحوالَ بأن لنا ... منهُ عجائب أفعال بلا خللِ
ومن غرائب ما شهدت من صدفٍ ... أبهى من الدرّ أو أشهى من العسلِ
ورحا قبرت فيها قد حوت حكماً ... صيغت من الدرّ من قولٍ ومن عمل
ولفرنسيس الفراش أخُ وأخت اشتهرا أيضاً بالآداب نؤجل ذكرهما فنروي أخبارهما في تاريخ القرن العشرين.

رزق الله حسون
وفي هذا الزمان أشتهر حلبي آخر لعب دوراً مذكوراً في نهضة الآداب العربية. نعني به رزق الله بن نعمة الله حسون. ولد هذا في حلب نحو السنة 1825 من أسرة كريمة أصلها من الأرمن ودرس العلوم في دير بزمار في لبنان. وبعد أن قضى مدة في وطنه متاجراً سافر إلى الأستانة فتوطنها برهة من الدهر وصار فيها ناظراً لجمرك الدخان ثم تجول في أوربا ودخل فرنسا وروسيا وحل مدة في لندن وكان في أسفاره يشتغل بالآداب العربية ويؤلف التآليف النثرية والشعرية. وكان خطه بديعاً وفي مكتبتنا الشرقية من قلمه عدة كتب تأخذ بالإبصار لجودة خطها وإتقانها كتبها على ورق جميل النقش كان انتسخها في أوقات الفراغ في خزائن كتب أوربا كصبح الأعشى القلقشندي وديوان الأخطل وديوان ذي الرمة والمتم لأبن درستويه ونقائض جرير والفرزدق والأناجيل المقدسة ترجمة الدبسي. وبعد حوادث سنة 1860 قدم إلى الشام في صحبة فؤاد باشا فكان يعرب مناشيره وأوامره. ثم عاد إلى إنكلترا وأشتغل بالتأليف في قرية ونزورث (Wandsworth) بقرب قصر الملكة فكتوريا ومما صنفه وقتئذ ثم طبع في المطبعة الأميركية في بيروت سنة 1869 و1870 كتابه (لشعر الشعر) أودعه نظم سفر أيوب ونشيد
(1/174)

موسى في الخروج ونشيده في التثنية ثم سفر نشيد الأناشيد لسليمان وسفر الجامعة وختمه بمراثي ارميا. ودونك مثالاً من ترجمته وهو وصف أيوب للفرس:
فهل تُعطي الجوادَ يخبُّ عزماً ... وتكسو عُنْقهُ عَرْقاً بَسينا
أتوثبه كمثل جرادةٍ نَف ... خُ منخرهِ مهيبُ السامعينا
ببطن الخَبْث بحَّاثٌ وَثُوبُ ... ببأسٍ يلتقي الحَرْب الزَّبونا
ويهزأ بالمخاوف ليس يخشى ... عن الأسياف لم يُحجم جبينا
تصلُّ عليه واقعةً سهامٌ ... وترهقهُ رماحُ الدارعينا
ويطوي الأرضَ في وَثْبٍ ورجزٍ ... ولم يُؤمن لصوت البوق حينا
إذا ما البوقُ يُنُفْخَ قال هَهْ مِنْ ... بعيدٍ شُنَّتِ الهيجا شؤونا
وهذا المثال الآخر من نظمه لمراثي ارميا:
أنَّى خلا منها الأنيسُ البلدةُ ... ملأَى شعوبٍ بالجلاء تشَّتتوا
صارت كأرملةٍ معظَّمةُ الملا ... أم القُرى ضُربَت عليها الجزْيةُ
تبكي دماً والدمعُ فوق خدودها ... فَقدت عزاءَ خليلها ووَدُودِها
أصحابها غدروا بها طُرًّا على ... نمطِ العدى أضحوا شماتَ حسودِها
ومما طبع له في المطبعة الأمريكية (كتاب السير السيدية على ما أداه إلينا المبشرون اللذين كانوا شهداء الكلمة. رتبها بهذا النسق تتبعاً لأزمنة الوقائع والمعجزات من البشارة بمولد يوحنا إلى صعود الرب) . وذلك على طريقة طاطيانوس الذي مزج بين الأناجيل الأربعة. وقد طبع في مطبعتنا كتاب من جنسه وهو المعروف (بالقلادة الدرية في الأربعة الأناجيل السنية) للأب يوحنا بلو اليسوعي.
ومن مآثر رزق الله حسون كتابان آخران طبعهما في لندن: الأول كتاب النفثات ضمنه أربعين مثلاً من أمثال أحد كتبة الروس يدعى ايفان أندريفتش كورلف (I. A. Curlov) فنقلها حسون إلى العربية ونظمها شعراً وألحقها ببعض مقاطيع شعرية من نظمه. والتعسف في كثير منها ظاهر وأغلاطها عديدة هذا منها مثال:
دفع الجوعُ والدُّجى الذئبَ حتى ... أن تداني إلى سُهول البقاعِ
طارقاً لحظيرةٍ ناظراً من ... نُقْبِ صخر يلوحُ ضوءُ شُعاعِ
(1/175)

فرأى الغَنَم المساكين والسك ... ين في كفْ حاسرٍ من ذراعِ
يذَبحُ الحمَلَ السمين ويُلقي ... للعَرَى الكِرْشَ والمعَى في الفقاعِ
والكلابُ روابضٌ ونيامٌ ... لا تذبٌّ ولا بِنَبْح تُداعي
فقضى عجباً ووَلى كئيباً ... خائباً من مرامهِ والمساعي
قائلاً يا كلابُ كم تنبحوني ... لو تعدَّيتُ مثل هذا الراعي
والكتاب الآخر هو ديوان حاتم الطائي طبعه سنة 1872 على نسخة مكتبة لندن في 33 صفحة وقد طبع هذا الديوان طبعة أخرى أفضل من الطبعة السابقة وأكمل منها على يد أحد المستشرقين الألمان أسمه شولتس (Schulthess) .
وله كتاب آخر نفيس لم يطبع حتى الآن سماه (حسر اللثام) رد فيه على مزاعم بعض المسلمين منه نسخة بخطه في مكتبتنا الشرقية بمجلدين.
وكان رزق الله حسون من رجال السياسة يسعى مع الأحرار في إصلاح تركيا وذلك ما ألجأه إلى سكنى لندن في آخر حياته وهناك طبع جريدته مرآة الأحوال سنة 1876 وكان سبق قبل ذلك طويلة فنشرها في الأستانة فكانت أقدم الجرائد العربية فيها (1 وشفعها سنة 1879 بمجلة سياسية كان مدارها على حال المسألتين الشرقية والمصرية. أما وفاة المترجم فوقعت السنة 1880 مات فجأة في لندن. وكان رزق الله حسون صديقاً لأدباء زمانه يكاتبهم ويساجلهم فمن ذلك ما كتب لبطرس كرامة:
خدبنَ المعالي وابن بَجْدتها الفردُ ... بقيتَ بقاءَ الدهر يخدمك السعدُ
وزادك ربُّ العرشِ أسنى كرامةٍ ... قرينٌ بها الإقبال والفخرُ والمجدُ
ولا زلتَ في أمنٍ وموفورَ نعمةٍ ... ويُمْنِ أيادٍ كسبُها الشكرُ والحمدُ
وبعدُ فقد طال البعادُ ومهجقي ... يكادُ من الأشواق يضرمُها الوجدُ
وما ليَ عن لُقْياك صبرٌ ولا غنى ... ولكنّ خَطْبَ الدهر وما بيننا سدُّ
ألا بئسما الأيامُ أغَرتْ يد النوى ... بنا فاستطالَت ريثما قصرَ الجدُ
موانعُ حالت دون فرضِ زيارتي ... وقد كنتُ أرجوان يكون لك وفْدُ
وأصبحتُ من إبطائكم في هواجسٍ ... تحيّرني لا يهتدي نحويَ الرشدُ
فأبغي للاطمئنان منكم ألوكةً ... إذا لم يكن منكم قدومٌ هو القصدُ
(1/176)

ومما نظمه فيه المعلم بطرس كرامة أبيات قالها لما أقترن سنة 1848 بسيدة تدعى ماتلد فقال:
نهاديك يا نجل الفؤادِ تهانئاً ... تنبئُ عن أفراحنا حينما تبدُو
بخير اقترانٍ جاء وهو مباركٌ ... يقارنهُ بر ويصبحهُ سعدُ
فلا زلتما طول الزمان بصحةٍ ... وعيشٍ رغيدِ بُرْدُهُ الأمن والرفد
زفاف سعيدُ والهناء مؤرخٌ ... موافٍ لرزق الله بالخير ما تِلْدُ
وقد وجدنا لرزق الله في الهجاء قوله في يوسف حجاز أحد عمله نصر الله دلال الحلبي وكان استغنى بعد فقر فترفع:
المرء يُذكر بالأعمالِ لا المالِ ... أحْسْنْ بخيرهما عن كسب رئبالِ
ليس الثراءُ بمُجدي النائليه ثنا ... ان كان ما جمعوهُ سُحْتَ أوبالِ
وهل سمعت بذي كبرٍ وذي صلَف ... يرقي المعالي بطول القيل والقالِ
قد ظنَّ يوسف حجارٌ بغرته ... أن العلى هزّ عطفيهِ كمكسالِ
فجاء يخطر لا يلوي على أحدٍ ... ينيه عجباً بأدبارِ وإقبالِ
الله أكبرُ هذا حالُ ذي شططٍ ... نال المنى بعد إقتار وإقلالِ
أن ساعدتك الليالي كن على حذرٍ ... فما تدوم على لون ولا حالِ
هَّلا تذكرت أيَّاماً سلفنَ وقد ... مضت بخدمة نصر الله دلالِ
ومنها:
أبا هبَّنقة القس الذي اشتهرتْ ... أخبارهُ سُدْ بجدٍ ناعم البالِ
قد استرحتَ من العقل الرصين ورا ... عي الضان يَحْكيك في جهلٍ وأمثالِ
لا تأسفنَّ على ما فات عن عرَضِ ... فالنَّوك داءٌ ولكن غير قتَّالِ
قد عاش قلبك عجلٌ وهو ذو أحَسنٍ ... لكنَّما أنت لا تُعْزَي إلى آلِ

القس أنطون بولاد
وممن توفاهم الله في هذه الحقبة القس أنطون بولاد أحد أدباء زمانه. ولد في ختام القرن الثامن عشر في دمشق من أسرة فاضلة نمن الروم الملكيين الكاثوليك. ترهب في دير المخلص قرب صيداء سنة 1815 ثم رقاه إلى رتبة الكهنوت السيد باسيليوس خليل أسقف صيداء في 16 نيسان سنة 1822 وقد
(1/177)

فرضت إليه رهبانيته عدة وظائف أعرب فيها عن همة ونشاط وترأس على دير القديسة تقلا وعمر أبنية جديدة في دير المخلص ودبر دروس طلبة رهبانيته وعلمهم اللاهوت مدة. ثم جرت بينه وبين أخوته الرهبان منافرات ومنازعات دخل فيها القاصد الرسولي فيلازدل وغبطة البطريرك مكسيموس مظلوم حتى اعتزل القس انطون الأشغال في دير المخلص وأنقطع إلى الفرائض النسكية على السنة 1860. وفيها أنتقل إلى بيروت من جراء حوادث تلك السنة فسكنها إلى عام وفاته في 1 أيلول سنة 1871. وكان القس أنطون مولعاً بالآداب العربية ولاسيما التاريخ وقد أبقى من آثار اجتهاده كتابه راشد سوريا الذي طبع في بيروت سنة 1868 ضمنه عدداً وافراً من المعلومات والإفادات اقتطفت بعضها من مخطوطات قديمة كالصبح المنبي عن حيثية المتنبي ورسالة الحاتمي في ما أخذه المتنبي من حكم أرسطو فنظمه في شعره مع عدة فوائد في التاريخ والمصنفات القديمة. ومن آثار القس أنطون بولاد خلاصة تاريخ البطريركية الأنطاكية واتحاد أبنائها مع الكنيسة الرومانية أقترحه عليه الأب غغرين (Gagarin) اليسوعي والأمير الروسي المرتد إلى الكثلكة. ومن هذا الكتاب نسخة في مكتبتنا الشرقية وهو مطبوع على الحجر. وفيها أيضاً القس المذكور ملحق ذيل به كتاب التختيكون للقس يوحنا عجيمي وأودعه تاريخ طائفته من السنة 1759 إلى زمانه مع خلاصة أخبار الرهبانية المخلصية. وله كتابات أخرى ورسائل متفرقة. وقد وجدنا في مكتبة الثلاثة الأقمار بعض مخطوطات كان ابتعها لمكتبته منها مجموعة لقدماء كتبة اليونان وفلاسفة العرب نشرناً قسماً منها.

الخوري جرجس عيسى
وعاصر القس بولاد راهبٌ آخر جاراه بالأدب وهو الخوري جرجس عيسى السكاف الذي أثبت المشرق (9 (1906) : 494 و541) ترجمته بقلم الكاتب البارع عيسى أفندي إسكندر المعلوف. ولد الخوري جرجس عيسى في معلقة زحلة وانضوى إلى الرهبانية الحناوية في الشوير سنة 1845 ثم تلقى العلوم الدينية وأنس في نفسه ميلاً إلى الآداب العربية فتخرج فيها على الشيخ ناصيف اليازجي فأتقنها. ودرس الفقه على الشيخ يوسف الأسير فبرع فيه ونصب مدة حاكماً للنصارى في عهد الأمير بشير أحمد اللمعي. وفي أثر حوادث السنة 1860 سافر إلى أيرلندة فجمع احسانات وافرة خص منها بعد عودته إلى سوريا قسماً لبناء المدرسة البطريركية. ولما
(1/178)

فتحت هذه المدرسة سنة 1866 كان الخوري عيسى أول رؤسائها وقام بشؤونها الدينية والأدبية أحسن قيام ودبرها سنتين وإليه أشار سليم بك تقلاً في مدحه للمدرسة المذكورة حيث قال:
وقد خصَّها من قبلُ في جرجس الذي ... أبان أبتداها وابتغى الكدَّ والقهرا
وقاسى بها كل الصِعاب مجاهداً ... وجملها علماً وقدراً كذا ذكراً
ثم عاد الخوري جرجس إلى دير مار يوحنا الصابغ وتعاطى أعمال الرسالة والوعظ وإرشاد المؤمنين في لبنان وبيروت بغيرة وتقى حتى ذهب في 8 آب سنة 1875 شهيد تفانيه في خدمة المصابين في الهواء الأصفر. فمات في بيروت مأسوفاً عليه وقد رثاه الشيخ خليل اليازجي بداليته التي أولها (المشرق 9 (1906) : 499) :
سقاكِ من الحَيا صوبُ العهادِ ... بدمعٍ سال من مُقَلِ الغوادي
وكان الخوري جرجس عيسى شاعراً مجيداً له ديوان مخطوط أنتقى منهُ صاحب ترجمته بعض الشذرات تجدها في عشر صفحات من مجلة المشرق (9: 541 - 551) . ومن نظمه قوله من قصيدة يمدح بها الشيخ ناصيف اليازجي:
إذا عُرضت مسائلنا لديهِ ... نراهُ لحلها حالاً تصدَّى
فيُوضح رمزَها لفظاً ومعنىً ... ويكشف سرَّها قرباً وبُعداً
لهُ في مجلس العلماء مرأىً ... تجاوز في المهابة منهُ حدّاً
إذا أختلف النحاة بحكم أمرٍ ... وقدَّم رأيَهُ فيه تبدَّى
وإن أفتى بخطٍ أو لسانِ ... ففتواهُ الصحيحةُ لن تُردَّا
وله مؤرخاً وفاة السيد البطريرك مكسيموس مظلوم سنة 1855:
مكسيموسُ المفضال بطركنا الذي ... كان الأمينَ لشعب مولاهُ العلي
لما أرتقي دار الخلود ممجَّداً ... لاقته أجواق العلاءِ بمحفلِ
وهناك من فرحٍ مؤرّخهُ تلا ... أحسنت يا عبداً أميناً فأدخلِ
والمترجم ما عدا الديوان الشعري كتابان دينيان طبعهما سنة 1872 في المطبعة الأدبية أحدهما (فرض العبادة الواضحة لطالبي الميتة الصالحة) والآخر (كتاب صلوات
(1/179)

خشوعية لنظم الحيوة الروحية) .

جرجس إسحق طراد
وكذلك عرف في تلك المدة شاعرٌ من أسرة وجيهة في بيروت أسمه جرجس أسحق طراد تكرر ذكره في منشورات زمانه كالجوائب والنحلة وغيرهما. وله هناك فصول نقلها من اليونانية وقصائد منها قصيدة دعاها المصباح مدح فيها العلم: ومن أبياتها قوله:
العلم مصباحٌ منيرٌ في الورى ... والجهل ليلٌ مظلم لن يلمعا
فاسعوا بكسب العلم سعياً كاملاً ... واللهُ يعلي كلَّ خير من سعى
واجلوا شموس العلم في بيروتنا ... فالجهلُ غيرَ بسيفهِ لن يُردعا
وله من أبيات في مدح مجلة النحلة سنة 1870:
هيَ نحلةٌ من كلّ فنّ قد جنتْ ... وجلّت عن التاريخ ما هو مظلمُ
هبُّوا بني الأوطانِ واجنُوا شهدها ... قد حان آنُ قطافهِ والموسمُ
وشي صحائفها جليلٌ ماجدٌ ... في وصفهِ الأوطانُ تزهو وتبسمُ
وقد رثي الطيب الذكر المطران طوبياً عون رئيس أساقفة بيروت الماروني سنة 1871 بمرثاة قال فيها:
خطبٌ جسيم دهانا اليوم وا أسفي ... كلُّ إذا قائلاً قد ضاع مصطبري
فقدُ الهمامِ الكريمِ الحاذق الورع ... م الذي تردَّى بثوب الخير والطُهر
عونُ الفقيرِ حليمٌ ماجدٌ فطنٌ ... شهمٌ شهيرٌ وذو قلبٍ بلا وضَرِ
وقد مدح أيضاً إسماعيل باشا خديوي مصر فقال من قصيدة:
على إسماعيل سيدنا سلامٌ ... تردّدهُ الأكابرُ والصغارُ
إذا ما غاب غاب العزُّ معهُ ... كما أن عاد عاد لنا الفخارُ
لعزَّتِه تخرُّ الأسدُ طوعاً ... كما للموت وللموت اضطرارُ
فما الإسكندرية في حماهُ ... سوى روضٍ يجلّله اخضرارُ
ومصر الآنَ في الأقطار خُودٌ ... تميس بحلَّةٍ لا تُستعارُ
ومن حكمه قوله:
(1/180)

ما كلُّ من رامَ نظم الشعر يدركُه ... ولا الذي رام يفدي الناس يفديها
ليس الذي عاش أيّاماً مطولةً ... بل الذي عركَ الأيام يدريها
بين الحيوة وكلِّ الناس معركةٌ ... بالحظّ والبؤس تفنينا ونفنيها
وكان مولد هذا الشاعر سنة 1851 ووفاته في كانون من السنة 1877. أما أخباره فقد تخفينا في السؤال عنها فلم نحصل على شيء منها. وكذلك لم نقف على أخبار كاتب آخر تلوح من آثاره لوائح النجابة والذكاء نريد المرحوم (قيصر أبيلا) . ومن العجب أن الذين أفادونا عن تاريخ بيت أبيلا (المشرق 6 (1903) : 654) لم يتعرضوا الذكر قيصر. وقد كنا عثرنا له على قصيدة دينية حسنة النظم فأثبتنا النظم فأثبتناها في مجلتنا (7 (1904) : 256) وهي عبارة عن مفاوضة غاية في الرقة بين الله والخاطئ أولها:
يدعوك رُّبك أيها المتمرّدُ ... حتى مَ في الليل المعاصي تَرقدُ
فأجبْ نداهُ وأعتصم بحبالهِ ... فهو المجيرُ وغيرهُ لا يَعضدُ
وله غير ذلك من الآثار منها نبذ في مواد علمية وصناعية وأدبية نشرها في مجلة النحلة سنة 1870 (ص 22، 36، 52 الخ) . توفي قيصر في شرخ شبابه في صيداء سنة 1873 فأرخ وفاته نقولا أفندي النقاش:
قد غبت يا بدراً منيراً بالثرا ... وغدا الظلامُ مخيّماً فوق الورى
وكسوت أبيلا كساءَ تفجعٍ ... حاشاهُ أن يغني وان يتغَّيرا
رفقاً بأدمع والهِ يا آلهُ ... وتصَّبروا فكفاكُم ما قد جرى
أين القياصرة المعظمُ قدرُهم ... فالكل ساروا والبقاءُ تعذَّرا
ونعم فقدتم قيصراً لكنما ... أَرَخْ غدا بالله قيصرُ قيصرا (1873)
ومن شعر قيصر أبيلا قوله في وصف الدنيا ونكباتها:
ذر الدَّهرَ فالأَّيام فاسخةُ العقدِ ... وناشرة البلوى وطاوية العهدِ
وما هذه الدنيا سوى دارِ ذلَّةٍ ... وفيها يجولُ المرءُ في الهمّ والكدّ
نروم بها طول البقاء ودونهُ ... سيوفُ القضا بالفتك ماضيةُ الحدّ
(1/181)

تُخادعنا الدنيا بوعدِ مسرَّةٍ ... وليس البأساءِ فيها وفا الوعدِ
تسلُّ على ذي الملك والجاه سيفَها ... كما إنّها تسطو على أحقرِ العَبْدِ
وهيهاتُ ما الدنيا الغَرورُ بمنزل ... ولكن بها نجري إلى منزل الخلدِ
وكلٌّ على هذا الطريقِ مسافرٌ ... فلا صاحبٌ يَفْدي ولا ثروةٌ تُجدْي
ومن مديحه قوله في مجلة النحلة:
ألا حبَّذا القومُ الكرامُ الألى لهم ... على وطنِ من خير أفضالهم فضلُ
عليهم ثناءٌ لا يزال مؤَّبداً ... يطيبُ كما طاب الذي جنتِ النحلُ
فأكِرمْ بمَنْ من روضِ أفكارهم لنا ... جني نحلةٍ يحلو وأثمانهُ تغلو
تطيب لنا مما حوتهُ فوائدٌ ... وأعذبُ شيء ما يلَذُّ بهِ العقلُ
ونضيف إلى من سبقوا أديباً آخر توفي نحو السنة 1873 أسمه (أسعد باز) صنف موشحات وأغاني تقوية منها تسبحتان في مريم العذراء شائعتان: (أنت الشفيع الأكرم) و (يا بتول ارحمي عبيدك) . ومما أفادنا به جانب القانوني جرجي بك صفا أبيات لأسعد باز قالها سنة 1830 في تاريخ بناء كنيسة دير القمر المعروفة بسيدة التلة:
يا مَقْدس الدين الذي يسمو على ... قمر العلى نوراً بإشراقٍ بدا
فقد زانهُ الرحمان في آياتهِ ... وبجودة المنَّان عاد مجددَّا
طوبى لمن وافى إليهِ طالباً ... من مريم البكرِ العنايةَ والهُدى
ويقول تاريخاً بهِ مترنماً ... أنتِ رجا القصّادِ بل سببُ الفدا
ولما أهدى الفاضل غالب أفندي صورة السيدة تلك الكنيسة قال أسعد باز:
تَخذُتكِ يا بتولاً لي ملاذاً ... حصيناً يُرتجي عند المخاطرْ
فأرجوك العناية بي لأني ... أنا عبدٌ لكِ بذنوبي شاعرْ
وله أيضاً بقيام لعازر:
يا بيت عنيا قد غدوتِ مشاهداً ... لعجائب الله التي تسبي الورى
قد جاءك المولى المخلّص زائراً ... أحيا بكِ البيتَ الرميم من الثرى
(1/182)

وتوفي في هذا الزمان (26 كانون الأول سنة 1870) أحد وجوه الأسرة الدحداحية أجادوا بالكتابة (الشيخ أمين) الذي أتخذه الأمير حيدر كرئيس كتبته لما فوضت إليه قائمقامية النصارى في لبنان. وقد ذكر له في مكاتبنا الأديب الشيخ سليم الدحداح في مقالته عن الكنت رشيد وأسرته (في المشرق 4 (1901) : 395) آثاراً أدبية ومنظومات شهدت له رسوخ القدم في الآداب العربية وأيد قوله بذكر ما دار بينه وبين أدباء عصره من المساجلات والمكاتبات المنبئة بفضله وباعتبار معاصريه له.
هذا ما أمكنا جمعه من أخبار أدباء النصارى في هذه الحقبة ولا مراء أنه فاتنا منها أشياء كثيرة وأملنا من أصحاب الفضل والهمة أن يسدوا الخل أو يرشدونا إلى ما يعرفونه من الفوائد فنشرها شاكرين. وقد عدلنا عن ذكر الذين قصروا همتهم إلى تآليف دينية أو جدلية قليلة كالسيد أمبرسيوس عبده المتوفى سنة 1876 بعد تدبيره مدة لكرسي زحلة ونقله إلى القلاية الأورشليمية وهو مؤلف كتاب كنز الرياضة الروحية. وكالار شمندريت غبريل جبارة أحد الذين عدلوا جهلاً عن الكثلكة إلى الأرثوذكسية بسبب تغيير الحساب. توفي سنة 1878 في أزمير. وله كتابات جدلية لتأييد راية الباطل في الحساب الشرقي وبعض كتب دينية ومواعض. وغير هؤلاء ممن أبقوا لنا بعض آثار من فضلهم وآدابهم. أما أخبارهم فلم يفدنا أحد منها شيئاً مع قرب عهدهم من زماننا.

المستشرقون الأوربيون
الفرنسيون
بقيت أزمة الدروس الشرقية في أيدي الفرنسويين في السنين العشر التي تمتد من السنة 1870 إلى 1880 وان خدمت تلك الحركة بعض الخمود بعد الحرب السبعينية. وكان معظم المستشرقين في فرنسا قد تخرجوا على أولئلك الأئمة اللذين سبق ذكرهم كالبارون دي ساسي ودي كاتر مار ورينو فتقفى تلامذتهم آثارهم إلا أن الموت حل ببعضهم فرزئت بهم الآداب العربية.
وأول من يستحق أن تشق عليه الآداب جيوبها العلامة (كوسان دي برسفال) (A. P. Caussin de perceval) الذي سبق لنا ذكر والده. ولد في 13 ك1
(1/183)

سنة 1795 وانكب منذ شبابه على الدروس الشرقية ثم أرسلته حكومته بصفة ترجمان إلى الأستانة ثم إلى أزمير ثم جال ثلاث سنوات في بلاد الشام فيكن جبلها ومدنها وتوغل في باديتها حيث أبتاع لحكومته جياداً أصيلة. وكان في سياحته أتقن اللهجات العربية فألف فيها غراماً طيقاً وأصلح معجم الأستاذ القطبي اليوس نجتر فجدد طبعه. وقد ندبته الحكومة إلى تدريس اللغة العربية في مكتب دروسها العليا فلم يلبث أن أحرز له شهرة كبيرة في التعليم. ثم خص حياته في درس آثار العرب وتاريخهم القديم وقد ألف في ذلك كتاباً واسعاً في ثلاث مجلدات لم يبلغ فيه أحد شأوه وقد نفد فيه طبعه حتى بيع بثلاثمائة فرنك إلى أن جدد طبعه بالنور والحجر. وللمسيو دي برسفال تآليف أخرى عديدة ومقالات فنية في كل آداب الشرق أخضها تراجم الموسيقيين العرب. كانت وفاته وقت حصار باريس وفيها مات في 15ك2 1871.
ومن مشاهير المتوفين من المستشرقين في هذه السنين (لويس أمالي سيديليو) (L. A. Sedillot) ولد في باريس في 33 حزيران سنة 1808 وتخرج على أبيه الفلكي المغرم بآداب الشرق (ج1 ص65) فتعقب آثاره وجعل ينقب في المكاتب الشرقية ليستخرج منها دفائنها فنجح في ذلك بعض النجاح. ونشر سنة 1833 كتب أبي الحسن علي المراكشي المدعو جامع المبادئ والغايات في الآلات الفلكية الذي نقله أبوه إلى الفرنسوية ثم نشر القسم الثاني منه في مجموعة المقالات الأكاديمية الفرنسوية. (Mem presentes par divers Savants I S. R VOL I - 225) ونشر مقالات أخرى رياضية لأحمد بن محمد السنجاري وللإمام المظفر الأسفرلدي وصنف تاريخاً للرياضيات عند اليونان والعرب. وقد بالغ المسيو سيديليو في تعظيم اكتشافات العرب الفلكية وغيرها حتى بخس حقوق اليونان فقام بينه وبين علماء زمانه جدال عنيف في ذلك فخطأوه وأثبتوا له أنه تجاوز في كلامه حدود الحقيقة. وكذا يقال عن تاريخ العرب الذي ألفه وطبعه مرتين فأنه قد رمى الكلام على عواهنه وشط في مزاعمه وقد خدع في كتابة المصريون فنقلوه إلى العربية ظناً منهم أنه من الآثار الفريدة. توفي المسيو سيدلو في 2 ك1 سنة 1875 في باريس.
ولبى دعوة ربه بزمن قليل المسيو (جول موهل) (J. Mohl) كأن هذا الألماني الأصل فولد في ستوتغارت سنة 1800 ودرس في كلية توبنغن. ثم شعر في
(1/184)

نفسه ميلاً إلى الدروس الشرقية فقصد باريس ودرس على علمائها ثم تجنس بالجنسية الفرنسوية وتفرغ للتأليف فكتب الفصول الواسعة في كل الفنون الشرقية. حتى أن خطبة ألقاها في الجمعية الآسيوية الفرنسوية عن الشرق تقوم مقام كتاب يشمل كل تاريخها الحديث. وكان متعمقاً في آداب الفرس وهو الذي نشر في باريس كتاب الفردوسي المعروف بشاه نامه طبعه طبعاً بديعاً في سبعة مجلدات ضخمة ونقله إلى الفرنسوية وذيله بالحواشي وعلم سنين طويلة اللغة الفارسية في مكتب باريس الأعلى. توفي في 4 ك1 سنة 1876.
وفي 15 نيسان السنة 1877 فجعت الآداب الشرقية بأحد أركانها المسيو فرنسوا الفنس بلن (F. A. Belin) كان قطناً زمناً طويلاً بلاد الشرق وخصوصاً عاصمة الملكة العثمانية حيث تعين قنصلاً لدولته. وكان مع تدبيره لشؤون القنصلية يهتم بدرس تاريخ الشرق وكشف أسراره فوضع مصنفات جليلة في تاريخ الترك وآدابهم. وكان يعني خصوصاً بتاريخ نصارى الشرق وأحوالهم وله في المجلة الآسيوية الفرنسوية فصول حسنة في كل أبواب المعارف الشرقية وقد ألف تاريخاً للطائفة اللاتينية في الأستانة العلية. كان مولده في باريس سنة 1817 ووفاته في الأستانة.
وفي السنة التالية (2 أيلول 1878) توفي المستشرق الشهير (غارسن دي تاسي) (Garcin de Tassy) ولد في مرسيلية سنة 1794 ودرس في باريس اللغات الشرقية على أمامها الأكبر دي ساسي. فأشتهر فيها ولا سيما في اللغتين الفارسية والهندستانية وقد توفرت مصنفاته فيها. ومن أناره (مجموع الرموز الشرقية) جمعه من آداب العرب وغيرهم ونقله إلى الفرنسوية. ومنها كتاب في العروض والنظم عند الشرقيين. وكتاب آخر في البيان البديع. وقد نشر كتاب كشف الأسرار في حكم الطيور والأزهار لأبن غانم المقدسي وحشاه وترجمه إلى الفرنسوية وله غير ذلك.
وفي هذه السنة 1879 وقعت وفاة مستشرق آخر شهير أدى للآداب العربية عدة خدم يزيد به المسيو (دي سلان) (Bon Mac Guckin de Slanc) وجه الحاظه إلى بلاد المغرب ودرس أخبار البربر فألف فيهم تاريخاً في ستة مجلدات ثم تعشق أبن خلدون وأتم ترجمة مقدمته التي كان باشر بها العلامة دي كاترمار فطبعها في ستة مجلدات ثلاثة أفرنسية. ومن مآثره الطيبة نشره لديوان امرئ القيس
(1/185)

مع ترجمته اللاتينية في باريس سنة 1837 ثم وفاة الأعيان لأبن خلكان ثم وصفه للمخطوطات العربية التي تصان في مكتبة باريس العمومية لكن الموت حال دون تتمة العمل فلأتمه المسيو زوتنبرغ (H. Zotenberg) .
ومن الكهنة اللذين أبقوا لهم ذكراً بدرس الشرقيات في باريس (الأب غلار) (abbe Glaire) من جمعية سان سولبيس ولد سنة 1798 وبرز في الآداب الشرقية فندبته الحكومة الفرنسوية إلى تدرس اللغة العبرانية في مدرستها العليا خلفاً لكاهن آخر من جمعيته الأب لوهير (abbe Le her) الذي تخرج عليه رينان في درس العبرانية. وكان الأب غلار حاذقاً في تفسير الكتب المقدسة وتولى شرحها في مدارس دولته العمومية وكان عارفاً باللغة العربية وقد وضع في أصولها كتاباً مطولاً في اللغة الفرنسوية. توفي الخوري غلار في مدرسة إسي (Issy) قريباً في باريس سنة 1879.
وكان يعاصر هذين الكاهنين كاهن فاضل من إلا أنه سكن المغرب وأشتهر في تونس نريد به الأب (فرنسوا بورغاد) F.Bourgade)) ولد سنة 1806. وبعد كهنوته سنة 1832 طلب أعمال الرسالة فرحل إلى الجزائر سنة 1838 وخدم فيها راهبات مار يوسف ثم رافقهن إلى تونس سنة 1840 وولي هناك خدمة كنيسة مار لويس التي شيدتها الحكومة الفرنسوية ومن مساعيه المشكورة انه انشأ مستشفى لأبناء وطنه وفتح لهم مدارس أدارها بكل غيرة وفتح أول مطبعة عرقت في تونس. وكان الأب بورغاد محباً للآداب العربية مطلعاً على أحوال العرب وتواريخهم وقد وضع عدة تأليف تنبئ بسعة معارفه لآداب الإسلام منها كتابة المعروف بسامرات قرطجنة في ثلاثة أقسام طبعه بالفرنسوية والعربية. ومنها كتاب في تاريخ تونس. وله تنفيذ على سيرة المسيح التي ألفها الملحد رينان. وطبع بالعربية نبذاً من قصة عنتر وقلائد العقيان لأبي نصر الفتح بن خاقان وغير ذلك. وقد أنشأ جريدتين عربيتين عقاب باريس والبرجيس. وكان أتخذ له بصفة كاتب ومحرر سليمان الحرائري الذي ملا لنا ذكره. توفي الأب بورغاد في 20 أيلول سنة 1866.
ونختتم جدول هؤلاء المستشرقين الفرنسويين بأحد الأثريين المسيو (دي سوسي) (L. F. Caignart de Saulcy) توفي في 3 تشرين الثاني سنة 1880 وعمره 73 سنة بعد أن أدى الدروس الشرقية خدماً عظيمة بتعريف آثار الشرق ولا سيما النقود
(1/186)

القديمة فأنه ساح مراراً في الشام وفلسطين ومصر وبلاد اليونان وجهات تركيا فدرس آثارها درساً نعماً وفك كثيراً من أسرار كتاباتها القديمة في لغات الشرق كالعبرانية والفينقية والآشورية والعربية. والكتب التي ألفها في وصف العاديات التي أكتشفها أو في حل رموزها تنيف على المائة. وبعض هذه التآليف كتب ضخمة. وله أيضاً عدة تواريخ وأسفار كرحلته إلى الأراضي المقدسة في مجلدين وتاريخ هيرودس الكبير. لكنه برز في علم المصكوكات القديمة.

الألمانيون
سبق لنا الكلام عن مشاهير مستشر في الألمان كفريتاغ وفلوغل فبعث هؤلاء في مواطنيهم حمية الدروس الشرقية فأخذوا يجارون الفرنسويين في حلبة الآداب ويسعون نطاق مدارسهم الشرقية. وممن استحقوا شكر الأدباء في هذه البرهة من الدهر العلامة (ايفلد) (H. Ewald) ولد في غوتنغن سنة 1803 ودرس في وطنه العلوم الدينية ويعده البروتستانت من كبار أئمتهم في اللاهوت له فيه كتابات عديدة وقد علمه زمناً طويلاً في مدارس الألمانية وكان تبخر في درس اللغات الشرقية. ومن مآثره العربية غراماطيق واسع في جزأين صنفه باللغة الألمانية. وقد كتب أيضاً في الشعر والعروض ونشر كتاب فتوح الجزيرة المنسوب إلى الواقدي ووصف المخطوطات العربية المصونة في غوتا. توفي ايفلد في 4 أيار سنة 1875.
وأشتهر أيضاً ألماني آخر أسمه (هرمان روديغر) (H. J. Roediger) كان أبوه أميل (Emil) روديغر سبقه إلى الدرس الشرقيات فنشر أمثال لقمان الحكيم وكتب في الترجمات الشرقية للأسفار المقدسة التاريخية توفي في 15 حزيران 1877 في برلين. وقد خلفه ابنه هرمان روديغر في درس الآداب العربية وعلمها مدة في مدينة هال (Halle) . ومن آثاره اشتغاله بكتاب جليل يدعى الفهرست لأبي الفرج ابن النديم كان باشر بطبعه العلامة فلوغل ففاجأه الموت ولم يتممه فأنجزه العالمان أوغست مولر وهرمان روديغر. وقد كتب روديغر في بعض اللغويات العربية عدة مقالات منها تأليف واسع في أسماء الأفعال.

الروس
سبق لنا ذكر عنايتهم بالآداب العربية وكانت دولتهم لبسط سيطرتها على أنحاء من القارة الآسيوية أحست بحاجتها إلى لغة قسم كبير من رعاياها
(1/187)

فأنشأت مكتباً خصوصياً للغات الشرقية من جملتها اللغتان العربية والفارسية عهدت بتدريسها إلى أثنين من تلامذة البارون دي ساسي وهما الأستاذان (ديمانج) (Desinanges) (وشرموا) (Charmoy) صاحب التآليف الخطيرة في تاريخ المغول والأكراد. وأخذ ديمانج تلميذه الروسي (بوتجانوف) (Bottjanoiff) الذي نشر بعض قصائد لأبي العلاء المعري وللنابغة الذبياني. وفي عهده كان (الكسيس بولديراف) (A. Boldyrew) الذي رحل إلى باريس وسمع دي ساسي وعلم في موسكو وترأس على كليتها. ومن تركته العلمية نشره لمعلقتي الحارث ابن حلزة وعنترة ثم منتخبات عربية طبعها في موسكو سنة 1832. وله فصول ومقالات شتى في منشورات بلاده. زكان عالماً باللغة الفارسية ترك فيها آثاراً مذكورة. وعاصره عالم روسي آخر (يوسف سيانكوفسكي) (J. Sienkowski) ولد في بلاد ليتيوانية في أوائل القرن التاسع عشر ودرس العربية وهو في مقتبل العمر ثم ساح في بلاد الشام ومصر وعاد إلى بطرسبرج حيث درس اللغتين العربية والتركية. وكان عالماً باللهجات العامية فكتب في ذلك عدة فصول مفيدة ونشر قصصاً وحكايات وبعض روايات عنتر. وله مقالة حسنة في ديوان لبيد. وساعد برغرغين (Berggren) في تأليف دليلة للسياح في الشام ومصر سنة 1844. ومن مآثره أنه جمع من تواريخ العرب والترك والفرس ما رووه عن قبائل الهونيين (Huns) وعن أمور وطنه بولنية.
وقد تخرج على سيانكو فسكي كثيرون من الروسيين أشتهر بينهم (سافلياف) (P. Sawelieff) الكاتب الأول لأسرار الجمعية الأثرية في بطرسبوبرج وأحد خدمة الآداب الشرقية في بلاده. ثم غريغوراف (W. Grigorieff) معلم التواريخ الشرقية في عاصمة دولته توفي في 2 ك2 1882.
وعرف في ذلك الوقت الكاهن الروسي (بافسكي) (G. Pawsky) نقل الكتب المقدسة من العبرانية إلى الروسية وألف كتاب بأصول اللغة العبرانية وكان متضلعاً بالعاديات الشرقية في صنف فيها المقالات المستجادة. وأشتهر مثله في العبرانية العالم (كاجتان كوسوفتش) (C. Kossowicz) الذي نقل إلى الروسية غراماطيق
(1/188)

جزنيوس (Gesenius) العبراني وحشاه وقد نشر منتخبات عبرانية توفي في 7 شباط 1883.
وفي السنة 1854 أنشأ في كلية بطرسبورج مكتب خصوصي لدرس العلوم الشرقية فدعي إلى تدريس العربية فيه المسيو نفروتسكي (M. Nawrotsky) الذي وضع في أصول اللغة العربية كتاباً يرجع إليه علماء الروس حتى يومنا هذا. وكان يسعفه في تدريس اللغة العامية الشيخ محمد الطنطاوي المتوفى سنة 1881 وله في اللهجة المصرية كتاب معروف.
واشهر من هؤلاء المستشرق الروسي الياس نيقولافتش برازين (E. N. Beresine) ولد سنة 1818 ودرس في كلية قازان اللغات الشرقية ثم أرسلته الكلية إلى بلاد الشرق فطاف أقطار العجم ثم الجزيرة وبر الأناضول والشام ومصر وسكن الأستانة مدة ثم عاد إلى بلاده ماراً بالقريم ثم رحل إلى سيبارية ودرس آثار التتار وكتب تاريخهم. ثم علم مدة في كلية قازان اللغة التركية وله فيها وفي الفارسية عدة تآليف. وكان يعرف اللغة العربية ودرس خصوصاً لهجات بلاد الجزيرة وما بين النهرين فوصفها ثم أنقطع إلى تاريخ الدول الإسلامية وكتب فيها كتابات أثرية وتاريخية وجغرافية وأدبية ولغوية وقد أجاد في وصف شيع اليزيديين والاسماعيليين وأسهب في تعريف نصارى الشام وما بين النهرين. وقد تولى إدارة المطبوعات الشرقية في قازان إلى وفاته نحو السنة 1870.
وقد أشبه العلامة برازين روسي آخر سبق لنا ذكره (ج1 ص 126) المسيو خانيكوف (M. de Khanikoff) فأنه رحل أيضاً إلى العجم وأواسط آسية وكتب في آثار بخارى وسمرقند وفي آداب الفرس وشعرائهم. توفي سنة 1879.
ونختم بذكر مستشرق اسوجي لبى دعوة ربه في هذه الردحة نعني به كرل ترنبرغ (C. J. Tornberg) فإنه ولد في 23 ت2 سنة 1807 وتتلمذ لدى ساسي في باريس وعلَّم في كليَّة اوبسالا اللغة العربية. ولهُ تآليف في آثار العرب تستوجب شكر محبي
(1/189)

الشرقيات أخصها تاريخ الكامل لابن الأثير طبعهُ في 14 مجلداً وأضاف إليه ملحوظات مهمة وفهارس. ثم تاريخ فاس المسمى كتاب الأنيس المطرب روض القرطاس للشيخ ابن أبي زُرع نشره ونقله إلى اللاتينية. وكذا فعل بمنتخبات من تاريخ ابن خلدون ومن خريدة العجائب لابن الوردي ووصف المخطوطات الشرقية المصونة في مدينة اوبسالا. توفي الدكتور ترنبرغ في لند في 6 أيلول 1877.

الفصل الثاني
الآداب العربيَّة من السنة 1880 إلى ختام القرن التاسع عشر
نظر عام
الكليات والمدارس
لم تبلغ الآداب العربية في القرن التاسع عشر كله ما بلغته في حقبته الأخيرة فإنها أصبحت إذ ذاك كالزهرة المتفتحة من زرها المعطرة الأرجاء بعرفها وكالشجرة التي بسقت أفنانها ومدَّت في قاع الأرض أصولها فلم تعد ترهب الأنواء أو تكترث لزعازع الرياح. وكان الفضل الأكبر في نجاز هذا المشروع العظيم لبلاد الشام وخصوصاً لبيروت التي أضحت كمركز دائرة الآداب تجتذب إليها زهرة الشبيبة من أنحاء سوريَّة ومصر والعراق فتغذيهم بأفاويق العلوم وتعيدهم إلى أوطانهم فيرقَّون شيئاً فشيئاً عقول مواطنيهم ويوسعون نطاق التمدن بنفوذهم.
ولا مراء أن المدارس لعبت الدور الأهم في هذا الترقي الشريف فكانت الكليَّة الأمركيَّة بلغت عزَّ قوتها تحت نظارة رئيسها النشيط الدكتور دانيال بلس وبهمة بعض أساتذتها ولا سيما الدكاترة كرنيليوس فان ديك ولويس وجرج بست ويوحنا ورتبات مع مساعدة بعض الوطنيين. وكان وقتئذٍ تعليم المدرسة باللغة العربية فوضعت عمدة الكلية في العربية أو نقلت إليها عدداً وافراً من التآليف العلميَّة التي أدت خدماً مؤقتة لنشر العلوم في الشام وغيرها إلى أن عدلت المدرسة عن العربية إلى الإنكليزية لما تحققت إن تلك التآليف تحتاج في كل سنة إلى إصلاح وتحسين بتقدم
(1/190)

العلوم فلا تفي بالمرام بعد زمن قليل ما لم يكرر طبعها مع وفرة نفقاتها.
وكانت الكلية اليسوعيَّة مع حداثة نشأتها تباري رصيفتها الأميركية في نشر المعارف الدينيَّة والدنيويَّة. وكان الأحبار الرومانيون يعلقون عليها الآمال الطيبة في إعلاء منار الدين والعلم بين الطوائف الشرقية فمنحها السعيد الذكر بيوس التاسع سنة 1874 اسم كلية وقام من بعده خلفه المغبوط لاون الثالث عشر فخصها سنة 1881 بامتيازات أخرى وخصوصاً أن تعطي طلبتها شهادة الملفنة في اللاهوت والحق القانوني والفلسفة.
وكانت الدولة الفرنسوية في تلك الأثناء ساعية في تعزيز مدارسها في الشرق فرأت في كلية القديس يوسف محققاً لغايتها ضامناً لحسن نياتها فمنحت لطلبتها الإجازة كطالبي مدارسها في فرنسا. ثم وكلت إلى رؤسائها أن يلحقوا بالكلية مكتباً طبياً. فتم ذلك فعلاً سنة 1883 وأنشئت الدروس الطبية بكل فروعها التي تبلغ الأثني عشر لكل منها معلمها الاختصاصي. فزادت هذه الإنعامات كليتنا نشاطاً وعزيمة ورقتها إلى درجة ما كانت لتطمع فيها الآمال. وكان للدروس العربية في ذلك الترقي حظها من الاهتمام كما أثبتنا الأمر في خطبة ألقيناها على الحضور في حفلة توزيع الجوائز سنة 1898 (المشرق 1 (1898) : 699) فخصصنا فيها الكلام عن تدريس العربية في كليتنا وقد كررنا طبعها في السنة الحالية 1925 بنسبة وقوع يوبيل الكلية الذهبي وعددنا تآليف نيف ومائتين من تلامذتها بينهم الكتبة والخطباء والشعراء والصحافيون واللغويون.

المدارس الكاثوليكية
وكانت المدارس الثانوية بعضها للمرسلين وبعضها للوطنيين تركض جيادها في ذلك المضمار. فمنها ما كان سبق إنشاؤه تلك الحقبة فمر لنا ذكره ومنها ما استجد افتتاحه كمدارس (الفرير) في بيروت وقدس وحيفا ويافا وطرابلس ومدرسة الآباء الكبوشيين في صليما والآباء الكرمليين في القبيات والآباء اليسوعيين في صيداء وحمص ومدرسة القلعة. وأعظم منها مدرسة القديسة حنة الأكليريكية المعروفة بالصلاحية التي أسسها سنة 1882 نيافة الكردينال لافيجري وخصها بتهذيب طلبة الكهنوت من طائفة الروم الكاثوليك تحت إدارة الآباء البيض (أطلب في المشرق 10 (1907) : 865 مقالة المرحوم الخوري نقولا دهان في تاريخ
(1/191)

تلك المدرسة وأعمالها) . وتعددت المدارس الابتدائية للذكور وللإناث فحظيت بها أكثر قوى بها وسهول البقاع ونواحي حوران بهمة المرسلين اليسوعيين واللعازريين فضلاً عما عني بإنشائه المرسلون البروتستانت في أنحاء شتى.
أما المدارس الطائفية فأنشئ منها للدروس الثانوية مدرسة غزير المارونية كان الساعي بها الخوري لويس زوين سنة 1880 ومدرسة قرنة شهوان المعروفة باللبنانية من أثمار همة السيد يوسف الزغبي سنة 1883. وفتح الروم الكاثوليك في دمشق مدرستهم البطريركية التي أقبل عليها الأحداث لحسن نظامها. وكذلك مدرستهم الأسقفية في زحلة أهتم بتدبيرها كهنة أفاضل أخصهم الخوري فيلبوس غير والخوري بطرلاس الجريجري قبل انتخابه إلى كرسي بانياس. وفي السنة 1898 أقامت الرهبانية الباسيلية الحناوية مدرستها الشرقية وقد نعتتها بالكلية فكانت إلى أيام الحرب الكونية من المعاهد التي تزين مدينة زحلة. وأنشأ الروم الكاثوليك بعد ذلك مدرسة حلب التي يدبرها عدة كهنة من تلامذة القديسة حنة تحت نظارة راعيها الغيور السيد ديمتريوس القاضي قبل ارتفاعه إلى السدة البطريركية. وزيد أيضاً بمساعي الطوائف الشرقية عدة مدارس الابتدائية في عدة أمكنة فأصبحت بذلك أثمار العلوم دانية القطوف حتى بين القرويين والفقراء.

المدارس غير الكاثوليكية
وما نعرفه من أكور المدارس غير الكاثوليكية إنشاء الروم الأرثوذكس لمدرسة كفتين سنة 1882 فتقبلت عليها الأحوال بين تقدم وتأخر حتى أقفلت. ومثلها المدرسة الأكليركية في دير البلمند التي أصابت بعض النجاح مدة. وأنشأت السيدة أملي سرسق مدرسة وطنية في الثغر لبنات طائفتها دعتها زهرة الإحسان عام 1880. وقد وجد الروم الأرثوذكس مساعداً كبيراً في الدولة الروسية لتوفير مدارسهم وحسن تنظيمها. فأن شركة فلسطين المسكوبية أخذت بإنشاء عدة مدارس في الشام وفلسطين كانت تنفق عليها المبالغ الوافرة. وفتح الإسرائيليون مدرسة في بيروت ترأسها زكي أفندي كوهن سنة 1875 فخدمت طائفة اليهود نحو 25 عاماً ثم أبطلت وقامت بدلاً منها مدرسة الاتحاد الإسرائيلي.
كذلك أنشأت حكومة للمسلمين في بيروت المكتب الإعدادي سنة 1309 (1885) وقابلتها المدرسة الرشيدية العسكرية ثم أنشأ بعض الأهالي أصحاب الهمة
(1/192)

مدارس أهلية أخصها المدرسة العثمانية لصاحبها الشهير ورئيسها الشيخ أحمد أفندي عباس الأزهري سنة 1313 (1897) والمدرسة الوطنية والمدرسة العلمية وهذه المدارس أرقى نوعاً من المدارس الابتدائية فتزيد غالباً على المبادئ وأصول الدين واللغة درس اللغتين التركية والفرنسوية والإنكليزية مع أصول الحساب الجغرافية ومسك الدفاتر. ثم تألفت لجنة التعليم الإسلامية سنة 1317 (1899) كان يرئسها الشيخ عبد الرحمان الحوت ففتحت مدرستين الواحدة للذكور والأخرى للإناث.

المطابع والمطبوعات
وكانت المطابع السورية في هذه البرهة سيارة الآداب تجري على حريتها دون أن يضغط عليها المراقبون ويقصوا أجنحة أطيار الأفكار. فكان الصحافيون يعلنون الأخبار الجارية ويعبرون عن آرائهم في إصلاح الأمور وتلافي الشرور لا تأخذهم في ذلك لومة لائم وفي تلك الأثناء اتسعت مجلة المقتطف في أبحاثها وكبر حجمها بعد إلغاء مجلة الجنان لكنها وجدت في طريقها عثرات بمقاومة بعض الحساد فانتقلت إلى مصر سنة 1886 وجرت على سننها إلى السنة الجارية 1925 وهي السنة الخمسون من عمرها. وأنشئت بعد ذلك مجلة الطبيب كان يحررها بشارة زلزل والشيخ إبراهيم اليازجي ولم يطل عمرها على ثلاث سنوات. فقامت بدلاً منها مجلة أخرى باسمها حررها المرحوم الدكتور اسكندر البارودي. ونشر الروم الأرثوذكس مجلتهم الهدية خمس سنين وظهرت في مجلتنا الشفاء والصفا وخدمتنا الآداب بضعة أعوام. وكانت مجلة المشرق آخر ما بزغ في ختام القرن التاسع عشر من المجلات في بيروت ظهرت في غرة السنة 1898 وغايتها خدمة الدين العلوم والآداب خصوصاً نشر الآثار الشرقية. نفع الله بها أهل الوطن ومحبي الدين والأدب. وكذلك بوشر بعدة جرائد منها لسان الحال ظهرت سنة 1877 ثم جريدة المصباح كان ينشئها المرحوم نقولا النقاش ثم جريدة التقدم كان صاحب امتيازها يوسف الشلفون. وجريدة الأحوال لصاحبها الأديب خليل أفندي البدوي. وأنشئت الصحافة اللبنانية فظهرت في بيت الدين جريدة لبنان الرسمية ثم الروضة (1894) ثم لبنان لصاحب امتيازها جناب إبراهيم بك الأسود ثم الأرز في جونية لطيي الذكر الشيخين فيليب وفريد الخازن.
وطبعت عدة مطبوعات مفيدة منهال تاريخية ومنها أدبية. وكانت
(1/193)

مطبعتنا الكاثوليكية في مقدمة المطابع فنشرت بهمة مديرها وآباء كليتنا مطبوعات جليلة لا تزال معدودة من خيار المنشورات العصرية. ومما وجهت إليه عنايتها الكتب المدرسية لتكون في أيدي الأحداث قدوة ودليلاً.
على أن إدارة المعارف في الآستانة أخذت تنشئ القوانين الصارمة لتقييد حرية المطبوعات ولم تزل تضايقها شيئاً بعد شيء حتى بلغت في ضغطها حداً لا يكاد يتصوره غير اللذين قاسوا مضضه. ولعل ذلك الضنك الذي بلغ الروح التراقي كان من أقوى أسباب الانقلاب العثماني. ومن المطبوعات الجديرة بالذكر التي صدرت في ذلك الوقت في بيروت دائرة المعارف باشر بها المعلم بطرس البستاني ولم يتم منها إلا نصفاً. وكذلك طبع ديوان الأخطل وديوان الخنساء وديوان أبي العتاهية وأقرب الموارد للشيخ سعيد الشرتوني وفرائد اللآل في مجمع الأمثال للشيخ إبراهيم الأحدب وتاريخ ابن العبري وشرح المتنبي للشيخ إبراهيم اليازجي ومجموع مجاني الأدب وشروحه وكتاب ألف ليلة وليلة منقحاً وكتب أخرى عديدة جعلت لبيروت بين المستشرقين سمعة طيبة حتى ضربوا المثل بحسن مطبوعاتها. وكان الحظ الأوفى في ذلك للمسيحيين وخصوصاً للكاثوليك.

الجمعيات الأدبية
ومما يحيي الآداب ويبعث همم ذويها الجمعيات الأدبية وقد ذكرنا سابقاً ما أنشئ منها قي بيروت على أن تلك الجمعيات الأدبية انتقض حبلها وتضعضعت أركانها إذ تصدت لها الحكومة المحلية وكانت لا تزال تتصدرها وتتجنس بواطن أصحابها وتسيء الظن بهم فرأوا في شتاتهم خيراً لهم. وقد سعى مع ذلك الأدباء بإنشاء نوادي أدبية منها الدائرة العلمية المارونية التي عقد أصحابها من أساتذة لحكمة بعض جلسات في السنتين 1881 و1882 ونشرت نبذاً من أعمالها. ولم تطل كذلك حياة دائرة ثانية انتسبت إلى القديس جرجس دبرها الأب يوسف برنيه اليسوعي ثلاث سنوات وأتت ببعض النتائج الحسنة (1883 - 1886) . وأسس الأمير كان جمعية أخرى مختلطة دعوها بشمس البر تلتئم حتى اليوم في أوقات معلومة وتتلى فيها الخطب في مواضيع شت تستشف من وراء بعضها حرية الأفكار.

المكاتب
وقد ساعد أيضاً على نشر الآداب في جهات الشام وبالأخص في
(1/194)

بيروت أنشأ الكتبيين للمكاتب فأن باعة الكتب قبل السنة 1880 كانوا قليلين لا يزيدون على ثلاثة أو أربعة بين نصارى ومسلمين ففتحت عدة مكاتب حتى تجاوز عددها العشرين وكان بين الكتبيين رجال ذوو نشاط كانوا يجلبون المطبوعات من بغداد والعجم والهند ومن أوربا. ثم خمدت تلك الحركة بعد أن تشددت الحكومة في مراقبتها للمطبوعات فلم تكتف بأن تمنع الكتب المخالفة لسياسة الدولة بل حجزت على مطبوعات جليلة لمجرد ما توهمته فيها من المحظورات حتى لم تسمح بإدخال تاريخ أبي الفداء والعقد الفريد لأبن عبد ربه. وقد رأينا من مراقبة المأمورين عجائب وغرائب لو أثبتناها هنا لعدت من أساطير الأولين أو أقاصيص الأمم الهمجية.
ومع ما نفعت تلك المكاتب كنا نخص ذوي الأمر على إنشاء خزائن عمومية تودع فيها أخص المطبوعات الشرقية ليقتبس من أنوارها المشتغلون بالآداب كما هو جار في معظم البلاد المتمدنة لكننا كنا ننفخ في رماد ونضرب على حديد بارد. وإلى يومنا هذا نتمنى بفروغ الصبر أن تصرف بلديتنا نظرها إلى هذا الأمر النافع وقد أخذت تلوح اليوم بارقة أمل لتحقيق رغائبنا فلقي مطلوبنا إذناً سامعة.
على أن بعض الجمعيات استدركت المر وبذلت المال في تجهيز تلك الخزائن.
فأن المدرسة الأمريكية عنيت بفتح مكتبة في معاهد كليتها يبلغ عدد كتبها نحو عشرة آلاف بينها نحو ثلاثة آلاف كتاب عربي بين مطبوع ومخطوط وهي ترخص لأدباء البلدة فضلاً عن ذويها بمطالعة تلك المصنفات. وكذلك اهتمت إحدى السيدات الأمريكية بإنشاء غرفة للقراءة تعرض فيها الجرائد على القراء وتتضمن مع هذا عدداً وافراً من الكتب العربية وخصوصاً التآليف الدينية البروتستانية.
وكان رؤساء مدرستنا الكلية وجهوا جل اهتمامهم لإنشاء مكتبة واسعة تشتمل على أخص المآثر الشرقية التي لم تزل تمتد وتتسع حتى ينيف اليوم عدد كتبها على الخمسة والثلاثين ألفاً. بينها مجموع المجلات الآسيوية وأخطر التآليف وأعزها في كل ضرب من العلوم الشرفية. هذا فضلاً على ثلاثة آلاف كتاب مخطوط بنيف في العربية والسريانية والكلدانية والتركية والفارسية مع آثار قليلة في اليونانية والحبشية. فإذا
(1/195)

أضيف إلى هذه الخزانة ما تحتويه المكتبة الغربية والمكتبة الطبية والمكتبة المدرسية وغيرها بلغ عدد كتب كليتنا نحو مائة وثلثين ألفاً. وكثيراً ما تلطف الرؤساء فسمحوا لآهل الأدب ويقطفوا ما شاءوا من تلك الثمار الجنية. ولم يريدوا أن يحرم طلبتهم الأحداث من مراجعة كتب الآداب فقربوا منهم منافعها وخصوا بهم مكتبة عربية يجدون فيها ما يهذب أخلاقهم وينير عقولهم ويفكه أرواحهم.
ومما يستحق الذكر بين مكاتب الشام خارجاً عن بيروت مكتبة الملك الظاهر في دمشق جمعت فيها على عهد مدحت باشا الكتب المتفرقة الموقوفة على الجوامع والمدارس فأضحت من أخص المعاهد الأدبية وهي تحتوي على نحو سبعة آلاف كتاب يغلب عليها الكتب الخطية النفسية.

فن التمثيل
ومما يعود فضله إلى بيروت خصوصاً في تعزيز الآداب العربية فن التمثيل وقد سبق لنا كيفية ظهوره على يد المرحوم مارون نقاش وما نجم عنه من المضرات بسوء استعماله في المراسح العمومية حيث مثلت روايات مخلة بالآداب. إلا أن هذا الفن الجليل عاد إلى شرف مقامه في المدارس المسيحية. وكانت كليتنا أول من سبق إلى تشخيص الروايات التمثيلية العربية سنة 1882 فكان مديروها يختارون لذلك الوقائع الخطيرة ولا سيما الحوادث الشرقية ليرسخ في قلوب طلبتهم مع حب الوطن ذكر تواريخ بلادهم. فمن جملة ما مثلوا حكم هيرودس على ولديه في بيروت واستشهاد القديس جرجس فيها ورواية صدقياً ثم داود ويوناتان. ومما اقتبسوه من تاريخ العرب رواية ابن السمؤل وراوية المهلهل وشهداء نجران ونكبة البرامكة وأخوة الخنساء. وكان للطلبة في تأليف بعض هذه الروايات سهم وافٍ إلا أن معظمها بقلم الآباء أو بعض أساتذة الكلية.

المحافل الأدبية
وكما مثلت المآسي والروايات الفاجعة أو الفكاهية كذلك كانت تعتقد في كليتنا محافل أدبية يحضرها أعيان البلد فيبحث الطلبة في بعض المشاكل التاريخية أو المسائل اللغوية والأدبية فيأتي كل منهم بما جادت به قريحته نظماً أو نثراً حتى يستوفوا الموضوع حقه أو يبرزوا محاسنه من كل وجه. فدارت بعض هذه المجالس على مفاخر بيروت ووصف الآداب العربية وتنصر النعمان ومآثر
(1/196)

القديسين يوحنا فم الذهب ويوحنا الدمشقي وأعمال الرشيد وبني برمك والمأمون وعصره. وكان وجوه البلد يحضرون تلك الحفلات بملء الرغبة والشوق. وأخذت بقية المدارس تجري على هذه الآثار لا سيما المدارس الكاثوليكية كالمدرسة البطريركية ومدرسة الحكمة بهمة بعض أساتذتها الأدباء وخصوصاً عبد الله أفندي البستاني وتلميذنا المرحوم نجيب حبيقة.

الآداب العربية في مصر
هذه لمعة من أحوال الآداب العربية في بلاد الشام في الخمس الأخير من القرن التاسع عشر. وكانت مصر بعد تقدمها على الشام في النهضة الأدبية أصابها بعض الخمول رغماً من انتشار العلوم الحديثة في مدارسها ووفرة مطبوعاتها العربية وهمة خديويها محمد علي باشا وزير معارفها الهمام علي باشا. مبارك. ولعل سبب هذا الخمول إنما كان انصراف نظر أهلها إلى العلوم الأجنبية فكأن شيوخها ساعين في نقل التأليف الأوربية إلى العربية فيدرسونها في مدارسهم فيشغلهم الأمر على الاهتمام بالآداب العربية.
ثم حدث الثورة العرابية سنة 1881 واحتلت الجيوش الإنكليزية القطر المصري فكان الاحتلال مضراً للغة العربية من جانب ومفيداً من جانب آخر أما ضرره فقد حصل باتخاذ اللغات الأجنبية كلغات التدريس فحرمت العربية من التآليف المنقولة من غيرها إليها وأهمل كثيرون درسها. إلا أن مصر اعتاضت عن هذه الخسارة بفوائد أخرى كتنظيم الدروس العربية في مدارسها وإدخال تلك اللغة في جملة الدروس الثانوية لنوال شهادة الحكومة. وزاد عدد مدارس الأجنبية التي لم تكن لتغضي عن درس العربية كمدرسة العائلة المقدسة في القاهرة للآباء اليوسعيون ومدرستهم في الإسكندرية وكمدارس الأفريقيين في طنطا وزقازيق ومدارس عديدة لأخوة المدارس المسيحية.
وكذلك المدارس الوطنية زادت عدداً ونمواً في القاهرة وبقية بنادر القطر المصري حتى جعل لها ديوان يهتم لها ديوان يهتم بشؤونها دعي ديوان المدارس ثم عرف بديوان المعارف العمومية. وفي هذا الوقت حورت طرق التعليم في بعض المدارس المنشأة سابقاً لا سيما مدرسة الأزهر التي نالها بعض الإصلاح بدخول فروع جديدة من التعليم كالجغرافية والتاريخ لكنها لم تزل بعيدة عن مرتبة الكليات الأوربية.
(1/197)

وفتحت إذ ذاك بعض المكاتب الجامعة لمنفعة العموم. وكان أخصها المكتبة الخديوية التي أنشأت في عهد محمد علي إلا أنها لم تنظم ولم تحتفل بالمطبوعات والمخطوطات النادرة إلا بعد ذلك بهمة نظارها الأوربيين كالمرحوم الدكتور فولرس والدكتور مورتس.
ونشأت عقيب الاحتلال الإنكليزي الحياة السياسية بما منحته المطبوعات من الحرية واتسعت دوائر الصحافة خصوصاً فبلغ عدد الجرائد والمجلات العربية في مصر ما يربي على المائة. وكان للسوريين في هذه الحركة نصيب عظيم حتى كان أكثر مديري تلك المنشورات ومنشئيها من أهل سوريا وزاد عددهم في وادي النيل بعد ضغط الدولة العثمانية على المطبوعات حتى أناف على ثلثي الكتبة المصريين فتقدموا على غيرهم بما عرفوا بهم من النشاط والذكاء والتفنن في الكتابة. والحق يقال أن أكبر مجلات القطر المصري في تلك الأوان كالمنار والمقتطف والضياء والهلال وأعظم جرائده كالمقطم والأهرام والعمران كان يحررها السوريون.
ومما اكتسبته مصر من الاحتلال الإنكليزي لنشر آدابها توفر المطابع وتحسن مادياتها فأمكن المصريين لو شاءوا أن يطبعوا الكتب طبعاً متقناً مطبوعات الشام. وقد استعاروا من مسابكها حروفهم. فنشرت إذ ذاك في وادي النيل معاجم جليلة كلسان العرب وتاج العروس ونهاية ابن الأثير. وكتب لسانية خطيرة كسيبويه ومخصص ابن سيده. وكتب تاريخية أخصها ما نشرته المكتبة الخديوية كتاريخ ابن اياس وتاريخ ابن دقماق وتاريخ ابن جيعان وتاريخ الفيوم. ومثلها تاريخ السخاوي وطبقات الأطباء لأبن أبي أصيبعة. وكتب أدبية كخزانة الأدب وحلبة الكميت للنواجي وبعض دواوين وتآليف أخرى. ومع ما أجدت هذه المطبوعات المصرية من المنافع للعلم لا يسعنا السكوت عن نقائض كثير منها كقسم طبعها وكثرة أغلاطها وقلة ضبطها بالشكل وخلوها من المقدمات المفيدة والشروح واللحوظات والروايات والفهارس. وربما عمد أصحابها إلى مطبوعات المستشرقين فنسخوها بحرفها ومسخوها بالتصحيف وجردها عن محاسنها وقد بينا كل ذلك في نظر سابق انتقدنا فيه مطبوعات مصر (في المشرق (11: 430 - 440) فشكونا عليه أو لو الذوق ومحبو الأدب
(1/198)

أما الجمعيات الأدبية في مصر فسعا بإنشائها بعض ذوي الفضل والعلم من الفرنسويين وغيرهم فخدموا بها القطر المصري خدماً صادقة كما تشهد على ذلك منشوراتهم المطبوعة في كل عام وكان بعض الوطنيين من جلة القوم يشاركنوهم في الأعمال. وقد أراد الوطنيون غير مرة أن يجمعوا قواهم بالانضمام ويعقدوا جمعية علمية فلم ينجحوا وكان عقدهم ينفرط بعد قليل لتباين الأغراض.

الآداب العربية في أنحاء الشرق
أما الأقطار الخارجة عن الشام ومصر فكانت حركة آدابها خفيفة لم يشتهر في نهضتها إلا الأفراد. ففي هذه المدة أبرزت مطبعة الجوانب مطبوعات مفيدة حسنة الطبع كديوان البحتري وأدب الدنيا والدين وشرح مقصورة ابن دريد ورسائل فلسفية وأدبية متعددة لأبن سينا والثعالبي وللضبي وغيرهم. وأدى المرسلون الدومنيكان في الموصل بمطبوعاتهم الجديدة ومدارسهم خدماً تذكر فنشكر. وكذلك الآباء الكرمليون في بغداد عززوا مدارسهم فزاد إقبال الناشئة العراقية عليها. وقص آثارهم الكلدان الكاثوليك فجاروهم بتهذيب الأحداث.
وفي ذاك العهد دخل فن الطباعة إلى مكة فأنشئت مطبعتها الأميرية وأخص ما طبع فيها الفتوحات الإسلامية للسيد أحمد زيني دحلان وبعض الدواوين.
ونشرت في جهات العجم عدة منشورات بعضها تاريخية كمقاتل الطالبيين لأبي فرج الأصبهاني وروضات الجنات في أحوال العلماء والسادات. وبعضها أدبية ولغوية وأغلبها دينية وأكثر هذه المطبوعات سيئة الطبع يسقط بذلك معظم فوائدها. وربما كان طبعها على حجر في أسوأ صورة. ومثلها سقماً وسخافة مطبوعات الهند في لوكنو وبمباي فأن مطبوعات كثيرة ظهرت هناك كشفاء ابن سينا وقواعد العقائد الطوسي وشرح الهداية الأثرية لكنها لا تستحق اعتباراً لسوء طبعها. وأحسن منها رسائل أخوان الصفا وديوان علي بن أبي طالب وديوان الموسوي وديوان علي بن مقرب وديوان شرف الدين المقري وسبائك الذهب في معرفة قبائل العرب. وللحكومة الإنكليزية في كلكوتا مطبعة أصدرت عدة تآليف مفيدة أتقن طبعها وقد مر لنا ذكرها.

الآداب العربية في بلاد أوربة
أما المدارس العربية في أوربا فأنها نالت
(1/199)

أكبر حظوى بهمة علمائها ومدارسها الكلية ومكاتبها الشرقية نخص منها بالذكر المكتب الشرقي الذي أنشأه الألمان في عاصمة برلين لدرس لغات الشرق وبالخصوص لتعليم العربية.
ومما أفاد الدروس الشرقية كثيراً المؤتمرات الدولية التي كانت تعقد كل سنتين أو ثلاث سنين في عواصم البلاد وكان أول تلك الاجتماعات العمومية في باريس سنة 1873 ثم في لندن (1874) ثم بطرسبورج (1876) ثم فيرنزة (1877) ثم برلين (1881) ثم ليدن (1883) ثم فينا (1886) . إلى أن عقد المؤتمر الخامس عشر العام 1909 في كوبنهاغن (أطلب المشرق 11: 746) . وقد ألقيت في هذه المؤتمرات عدة دروس وأبحاث كانت تجمع عادة فتطبع ومجموعها اليوم بمثابة مكتبة واسعة.
وزادت المطبوعات العربية في هذه المدة زيادة عظيمة فأن المجلات الآسيوية القديمة وفرت قسماً أكبر من صحائفها للعلوم العربية ونشأت مجلات جديدة في عدة بلاد للأبحاث الشرقية عموماً والعربية خصوصاً كالمجلة الآسيوية النمسوية (WZKM) والمجلة الآسيوية الإيطالية وكمجلة الشرق المسيحي (ROC) وأصداء الشرق (EO) .
وفي المدة ذاتها طبعت قوائم موسعة الآثار العربية التي تحفظ في خزائن الدول حتى لم يكد يبقى بينها لم توصف مخطوطاتها ونوادرها وصفاً مستوفياً.
أما الآثار القديمة التي صدرت بالطبع فكانت تبلغ المئات في السنة. وقد امتازت بمطبوعاتها العربية مطبعة ليدن حيث نشرت تأليف جغرافية وتاريخية وأدبية تعد من أشرف المطبوعات وأعظمها فائدة كمجموع جغرافي العرب الذي عني بنشره فقيد الآداب المأسوف عليه الأستاذ دي غوي (de Goeje) وكتاريخ الطبري الكبير وفتح البلدان للبلاذري ومفتاح العلوم للخوارزمي والأخبار الطوال للدينوري ورسائل الجاحظ وجزيرة العرب للهمداني تزين هذه المطبوعات ما يقدم عليها من الفوائد التاريخية وتذل بالروايات والملحوظات الدقيقة وتختم بالفهارس الممتعة. وكانت بقية الدول تتنافس في نشر كنوز أخرى دفينة. فبرز في ألمانيا كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية للبيروني وكتاب التاريخ الهندي له. وظهر في باريس كتاب مروج الذهب للمسعودي وأخبار ملوك الفرس للثعالبي وكتاب البدء والتاريخ للمطهر ابن طاهر المقدسي. وظهر في رومية كتاب دياطاسرون طاطانيوس أي الأناجيل
(1/200)

الأربعة التي جمعها هذا الكتاب في القرن الثاني للمسيح ففقد أصلها ووجدت ترجمتها العربية. وهناك طبع ديوان ابن حمديس الصقلي وقسم من جغرافية الإدريسي.

الآداب العربية في أميركة
وكذلك أخذ الأميركيون يوجهون نظرهم إلى الشرق فأبرزوا مجلة آسيوية بلغ اليوم عدد مجلداتها فوق الأربعين. ولما هاجر السوريون إلى العالم الجديد كان دخولهم إلى تلك البلاد كبعثة أثارت في قلوب البعض الحمية لدرس اللغات الشرقية. وجعل السوريون ينشرون هناك الجرائد فبرز منها في العشر الأخير من القرن التاسع عشر جريدة كوكب أميركا للمرحوم نجيب عربيلي سنة 1892. ثم طبعت في فيلادلفيا جريدة الهدى لصاحبها نعوم أفندي مكرزل سنة 1898 وقد نقلها بعد مدة إلى نيورك. وأصدر نجيب أفندي دياب جريدة مرآة الغرب في السنة عينها ونشر في سان بولو الأديب شكري خوري جريدة أبي الهول. ثم تعددت بعد ذلك الجرائد في أوائل القرن العشرين في أميركا الشمالية والجنوبية حتى كادت تبلغ الخمسين. أما المطبوعات غير الجرائد فكانت قليلة الجدوى مدارها غالباً على القصص والروايات الخيالية.

أدباء الإسلام في ختام القرن التاسع عشر
أدباء الشام
كان التقدم بين المسلمين في رفع لواء الآداب في ختام القرن التاسع عشر لأهل الشام فقد أشتهر بينهم بعض الأفراد اللذين لا يزال أسمهم إلى يومنا شريفاً مكرماً فنذكرهم إقراراً بفضلهم.

الشيخ يوسف الأسير
ولد الشيخ يوسف ابن السيد عبد القادر الحسيني الأسير في صيداء سنة 1230 (1815) فتلقى في وطنه مبادئ العلوم العقلية والنقلية عن علماء الأزهر. وبعد سبع سنين عاد إلى الشام وسكن في كثير من مدنها يتعاطى العلوم الفقهية وتولى في الأستانة رئاسة التصحيح في دائرة نظارة المعارف لكنه آثر العود إلى وطنه وتفرغ للتأليف في الفرائض والأبحاث الفقهية وخرج في الفقه كثيرين من الأحداث وعلم مجدة في مدرسة الحكمة وكان زكي الفؤاد فصيح اللسان يجيد النثر والنظم
(1/201)

ومن آثاره الأدبية التي خلفها شرح أطواق الذهب للزمخشري وكانت وفاته سنة 1307 2 كانون الأول 1889 وللشيخ يوسف الأسير موشحات وقصائد متفرقة وأبيات حكمية جمعها في ديوانه الروض الأريض الذي في بيروت سنة 1306. ومن حسن أقواله ما وصف به الشعر الجيد وناظمه.
خليليَّ كم قد جدَّ في الناس شاعرُ ... وليس لهُ بيتٌ من الشعر عامرُ
وأحسنُ شعر ما نراهُ مهذَّباً ... بليغاً بهِ يلتذُّ باد وحاضرُ
بهِ تطرب الأسماع من كل مُنشدٍ ... وتجري بهِ الأمثالُ وهي سوائرُ
ولم ير غبناً من شراهُ بمالهِ ... وفيهِ بلا شكُ تُسرُّ السرائرُ
وله في وصف له بعد أن فاز بالدستور بعد مذابح سنة 1860:
ترى لبنان أهلاً التهاني ... فقد نال الأمان مع الأماني
وأضحى جنةً من حلَّ فيهِ ... قريرَ العين مسرور الجنانِ
وجدّت العلوم بهِ دروسٌ ... وكانت في الدروس وفي التواني
وللأخبار قد وُجدت سلوك ... كذاك طبع ذي الصحف الحسان
ومَن ورَدَ الشريعة فيهِ يصدرْ ... بحقّ كاملَ في ذا الأوانِ
وذاك بهمّة الشهم المسمّى ... بداودِ سليمان الرمان
عظيم الشأن ذو همة العوالي ... وذي الرأي المصيب بكل شأنِ
سديد الحزم ممدوح المعالي ... شديد العزم محمود المعاني
ومن مدحه قوله في أسرة بني العطار في دمشق:
يا بني العطَّار يا عطرَ دَمشقٍ ... قد ملكتم بمزيد اللطف رّقي
فاحَ في الكون شذاكم فائقاً ... طيبَ ورْد الروض في نشر ونشق
أسَماء المجد سامٍ فرعُكم ... ولكم أصل نما من خير عرقٍ
طفْلُكم نجمٌ وبدرٌ كهلكم ... ثم أن الشيخ منكم شمسُ أُفق
يا بدور الشام يا أهل العلا ... ضوءكم لاح بغرب وبشرقِ
سدتُم الناس بعلم وتُقىً ... وبمعروف وإحسان ورفقِِ
فإذا رام مجاراةً لكم ... ذو اعتلاءِ فلكم أَقصاب سبق
(1/202)

حبَّذا الأسرة أنتم في الورى ... يا سَراةً أحرزوا كل ترّقي
أنا لا أبرح أشدو بناسمكم ... حاكياً في ورَقي تغريد وُرْقِ
زادكم ربي علوماً وهُدى ... مع رغيد العيش في أوسع رزقي
وأفتتح رثاء شريفٍ بقوله:
إنما موقتي كإطلاق أَسْري ... حيث أي لرحمة الله اسري
إنَّ أكدار هذه الدار يتلو ... بعضُها البَعْضَ كأمواج بحرِ
ألفَت أنفسُ البرَّية أجسا ... ماً ودنيا قد فارقتها بحَبْرِ
همُ فيها مثل الأجنّة في الأر ... حامِ يُستخرجون منها بقَسْرِ
وهي كالفُلْك قد أُعدَّ لنقلِ ... أو هي الجسر قد أُعدَّ لعَبرِ
أنس الغافلون فيها وأُنسوا ... إنها لا تكون دارَ مقِرّ
لو درى الغافلون فيها بقاءَ ... أيقنوا أنهم بأعظم خسرٍ
هي دار السلام ما تشتهي الأنف ... سُ فيها من كل خير وبرٍّ
لا يَملُّ الإنسانُ فيها مقاماً ... إذ تخلَّت من كل شرٍّ وضرّ
وللشيخ يوسف مراسلات نثرية وشعرية مع أدباء زمانه تجدها في تآليفهم كالشيخ إبراهيم الأحدب وأحمد أفندي الشدياق. وقد مدحه الشيخ ناصيف بقصيدة يقول فيها.
أسيرَ الحقّ في ُحكْمٍ تساوى ... فما يُدرَي الحبيبُ من البغيضِ
يقلبُ في المسائل كلّ طَرْفِ ... ويَلقي الناسَ بالطَرْفِ الغضيضِ
إمام الشعر يبتدع القوافي ... ويأمن من دونّها حَوْل القَريضِ
يقلّ لهُ الثناء ولو أخذنا ... قوافَيهُ من الروضِ الأريضِ
ولما توفي قال فيه الشعراء مراثي عديدة جمعها الشيخ قاسم الكستي في مجوع نشر بالطبع.
الشيخ إبراهيم الأحدب
كان مولده في طرابلس الشام سنة 1242 (1826) وطلب العلوم اللسانية والأدبية منذ نعومة أظافره فبرع فيها. ثم عكف على التدريس في طرابلس وبيروت فعد فيها من نوابغ عصره فتأب إليه الأدباء
(1/203)

وأقبل عليه الأعيان والحكام وقلدوه المناصب الخطيرة كنيابة الأحكام ورئاسة الكتابة. ثم تعين كرئيس لكتاب محكمة بيروت فتعاطى شؤونها نيفاً وثلاثين سنة. وكان أحد أعضاء مجلس المعارف في الثغر فامتاز فيه بسعة آدابه وحسن ذوقه. وقد حرر مدة ثمرات الفنون فأودعها كثيراً من أثمار آدابه. وكانت وفاته في رجب في سنة 1308 (1891م) . وقد أبلغ تآليفه الأدبية نحو العشرين نشر منها في مطبعتنا الكاثوليكية كشف المعاني والبيان عن رسائل بديع الزمان وكتاب فرائد اللآل في مجمع الأمثال الذي نظم فيها أمثال الميداني وقد أتقن طبعه فجاء كطرفة بين المطبوعات العصرية. وكان الشيخ إبراهيم الأحدب قريحة شعرية غريبة حتى أن مجموع أبيات قصائد يكاد يبلغ ثمانين ألف بيت. فله ثلاثة دواوين ومقامات جارى فيها العلامة الحريري عددها 80 مقالة وألّف عدة تآليف كروايات أدبية ومناظرات ورسائل ومجاميع حكمية ومقالات مسجعة وغير ذلك مما عدده نجلاه الأديبان في مقدمة مجمع الأمثال. ومن شعره ما قاله يمدح الأمير عبد القادر الجزائري:
إني بمدح ابن محبي الدين ذو هممٍ ... غدا نظامي بها في أرفع الدرج
وفي مآثر عبد القادر أطَّردت ... أبياتُ شعري فراقت كلَّ مبتهجِ
غوث الثريل وغيثٌ فيضُ نائلهِ ... من الأناملُ يجري الدرَّ في خلُجِ
شمس أنارت بلاد الشرق فابتهجت ... سورَّية بسناها الفائق البَهَجِ
في الكون آثارهُ كالمك قد نفحت ... إلاّ لمزكومِ طبعٍ عُدَّ في الهمجِ
لله غربُ حسامٍ منهُ قد شُهدت ... في الغربُ آثاره كالصبح في البلجِ
لا زلتَ تهدى لك الأمداح ما طَلعتْ ... شمسٌ بنورك تغنينا عن السُّرجِ
وقال في الرجز ناظماً بعض أمثال رويت لأبي بكر الصدّيق:
يقرنُ رّبي الوَعْد بالوعيد كي ... يضرْهَبَ عبدٌ راغبٌ في كل متي
ليست مع العزا مصيبةٌ إلا ... تَعزَّ يا سامي بما قد نزلا
الموتُ ممَّا قبلَهُ أشدُّ ... مع أنَّهُ أهونُ ممَّا بَعْدُ
قد ذلَّ قومٌ أَسْندوا أْمرَهم ... لاِمرأةٍ حيث جنَوا ضُرَّهمُ
إنَّ عليك أبداً عيوناً ... تراك ممن جلَّ فالْزَم دينا
(1/204)

ورِحم الله أمرنا أعانا ... أخاهُ بالنفس وما أهانا
والنفسَ أَصْلحْ يصْلح الناسُ لكا ... وافعل جميلاً يَغدُ خيراً فعلكا

أبو الحسن الكستي
هو الشيخ أبو الحسن قاسم بن محمد الكستي أصله من بيروت وفيها اشتهر نحو أربعين سنة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان مولده نحو السنة 1840 أخذ الآداب عن أئمة زمانه فلما رسخت فيها قدمه صار مرشداً لغيره وتعاطى التدريس مدة بين مواطنيه من أهل ملته. وقد مات الكستي في منتصف السنة 1909 لكنا أتبعناه بالشيخين السابقين إذ اشتهر معهما وجاراهما في الأدب ومعظم كتاباته في عهدهما. ومن آثار فضله ديوانان أحدهما ديوان مرآة الغريبة طبع على نفقة السيد سليم رمضان سنة 1279 (1880) افتتحه بقصيدة ابتهالية هذا أولها:
إليك رفعنا الأمر يا من لهُ الأمرُ ... فمن فضلك الإحسان والنفعُ والضرُّ
تعطَّف وجُد بالخير يا خَير منعمٍ ... على كَسْرنا يا من به يحصُل الجَبرُ
عليك اعتمادُ الخلق في كل أمةٍ ... وبابك مقصودٌ به الفتحْ والنصرُ
فقلت لنا ادْعوني دعوناك ربنا ... أجب سؤالنا بالخير يا ربُّ برُّ
والديوان ترجمان الأفكار طبع سنة 1299. ومن شعره ما مدح به سعيد باشا عزيز مصر لما قدم إلى بيروت:
عزيز مصرٍ سعيدْ الوقت ذو شرف ... إلى علاهُ تناهى المجدُ والحسبُ
يتيمةَ العقد أضحى في العُلى ولذا ... قد صاغ مدحّ علاهُ العُجّمُ والعربُ
إنَّا لنشهد منهُ كل مكرمةٍ ... لها المحامدُ دون الناس تنتسبُ
عن وصفهِ ومزاياهُ وأَنُعمهِ ... تقاصر الدرُّ والأزهارُ والسحُبُ
مآثر العزّ في علياه مشرقةٌ ... كالشمس لكن سناه ليس يحتجب
من معشر لهم في كل كائنةٍ ... ذكرٌ تولّد من أسبابهِ الطرب
وقال في الحكم:
وعالم لا نَفْع في علمه ... ولم تكن أعمالهُ صالحَة
فهو بحُكم العقل بين الملا ... كوردة ليس لها رائحة
(1/205)

وله مضمناً الشطر الأخير:
أيها الإنسانُ لا تَجْنَحْ إلى ... طُرقاتِ الغيّ والزمْ ورعَكْ
وافْطمِ النفس عن الشرّ تجدْ ... كلَّ خيرٍ ترتجيهِ تَبَعكْ
وبحال الفقر أو حال الغنى ... كُنْ مع الله ترَ الله مَعَكْ
وسمع يوماً شاكر بك يدق العود فاستفزه الطرب فقال بديهاً:
بشاكر هذا العصر طابت نفوسنا ... وثغرُ ألهنا أمسى بهِ يتبسمُ
ترى كلّ عودٍ من جمادٍ وعودُهُ ... يحسُّ وعن سرّ القلوبُ يترجمُ
وللشيخ القاسم الكستي عدة أراجيز طويلة حسنة منها أرجوزة تنيف على مائة بيت وصف فيها مكارم الأخلاق في النساء الصالحات. ومن أراجيزه الحكمة قوله:
لم يخلُ في الدنيا كريمٌ من أذى ... ولو توارى في مغارات الخفا
ومن يظنُّ أنهُ يبقى بها ... وإنهُ منها يفوزُ بالمُنى
وإن يكون ناجياً من ضرّها ... فقُل له أخطأتَ يا هذا الفتى
فتانةٌ تُضحكنا لكنّها ... تُخرج من أعيننا الضحك بكا
فلم نجد لعفوها سببٍ ... ولا لدائها سوى الصبر دوا
ونظم أرجوزة فكاهية وصف فيها الملوخية على سبيل المداعبة:
سُبحانَ من أنبت في الوجودِ ... حشيشةَ كجوهرُ العُقودِ
وقد سقاها من غيوث الرحمةْ ... فحملَتْ لكن ثمار الحكمةْ
هيَ الملوخَّية ذات الشهرةْ ... ومَنْ بها المعسورُ يَلقى يُسرهْ
بحسنها كل النفوس ابتهجت ... وأَلسن الناسِ بها قد لهجتْ
كم هطلت من فوقها الغمائمُ ... وصُبغت بلونها العمائمُ
وكم مشى يأكلها كسيحُ ... وصحَ من ترياقها جريحُ
خيوطها بيضاءُ كاللُّجَين ... تظهر كالصبح لذي عينَينِ
فاقت على الرّيحان بالروائحِ ... صالحةٌ لمدح كل مادحِ
لو أنَّها قد نبَتت في اللدّ ... يشمُّها مَنْ في بلاد الهند
(1/206)

يحرسها الناطورُ في البستانِ ... خوفاً عليها من يدٍ الزمانِ
بُخارها يصعد بالهباء ... كمصعد البالون في الهواء
كأنها قد نزلت من السما ... فأصبحَ الكونُ بها منسَّما
وطعمُها يجلبُ للإفهامِ ... بسُكرهِ حلاوةَ المُدامِ
ميَّاسةُ الأَعطاف في الرياضِ ... يأكلها كلُّ شريف راضِ
عنها سَلُوا مِصْرَ وتلك الخطَّةْ ... فإنهم أدرى بهذه النقطة
إذ عندهم لها اعتبارٌ زائدُ ... وقِدرُها تسمو بهِ الموائدُ
ترى عليها كثرة الملاعقِ ... تُقرعُ بالأسنان كالصواعقِ
إن مُلئت بها بطون القِصَعِ ... تشرقها الأبصارُ قبل الَمبلعِ
وترجَمتْ عنها فحولُ المغربِ ... فملئوا بها بطون الكتبِ
وخصّها بالذكر أفلاطونُ ... وقال منها يُصنعُ المعجونُ
كانت للقمانَ الحكيم مأكَلا ... وجوفهُ لها استقرَّ منزلا
وكان يوصي سائرَ الأطبا ... بقراطُ أن يستعملوها شربا
كذا ابن سينا قال في القانونِ ... لا تبخلوا بها على البطونِ
وهي طويلة تفنن فيها الشاعر ما شاء ومن فكاهاته ما رثى به طائراً من نوع الكنار مات لأحد أصحابه فقال يعزيه:
يا صاحبي عُزّيتَ بالكنارِ ... فإَّنهُ من أحسن الأطيار
قد صدحَت بمدحِه الأخبارُ ... وحُمدتْ لذاتهِ الآثارُ
ولم تقصّر في أداء ما وجبْ ... من حقّه وقُمتَ بالذي طلبْ
من أمّهِ كنتَ عليهِ أَشفقا ... ومن أبيهِ يا رفيقي أَرفقا
ما مات من جوع ولا من قلَّهْ ... لكن رماهُ ريشهُ بعلَّهْ
لا يُرتجي لدائهِ شفاءُ ... والموت إن حلَّ فما الدواءُ
عليه لا تحزنْ وكن صَبورا ... والتزمِ الشكرَ تكن مأجورا
لو كان يُفدى بالنفيس الغالي ... فديتهُ من طارق الليالي
لكن إذا ما حادثُ الموتِ نزلْ ... لا ينفعُ الحزمُ ولا تُغْني الحَيلْ
عوَّضك الرحمن عنهُ طيراً ... يكون بالتغريدِ منهُ خيرا
(1/207)

فما رأينا قبلهُ من طائرٍ ... يشنَف الأسماع بالجواهرِ
يُغني عن المُدام والنديمِ ... إذا شدا بصوتهِ الرخيمِ
أين الكَمنَجْا منهُ صوتاً إن شدا ... ورَّبما استُغنيَ عنها إن بدا
فيا لهُ من طائرٍ صدوحِ ... يدعو إلى الغَبوق والصَبُوح
ذو ذَنَبٍ فاقَ وللهِ العجبْ ... على اللُّجَين وهو بالحُسن ذهبْ
مزَّينٌ بالتاج كالطاووسِ ... ملَّون الرداء كالعروسِ
للهِ حسنُ ذلك المنقارِ ... من ذهبٍ قد صيغَ لا من قارِ
قد كان في الدنيا من الزهَّاِد ... ملازمَ الخلوة بانفرادِ
وعاش محبوساً ولم يشكُ الضجرْ ... حتى أبادهُ القضاءُ والقدرْ
فإنّني أهدي إليهِ الفاتحةْ ... وإن يكن من الطيور الصادحةْ

عبد السلام الشطي
واشتهر في طرابلس الشام قبل هؤلاء بزمن قليل الشيخ عبد السلام بن عبد الرحمن المعروف بالشطي الدمشقي. وأصل أسرته من بغداد وولد هو بدمشق سنة 1256 (1840) ثم درس العلوم الدينية والفقهية على علماء الفيحاء وتعبد على الطريقة القادرية وكان صباً للآداب مشهوراً بفرط الذكاء وحسن النظم غلب على شعره اللطف والعذوبة. وله ديوان بهمة حفيده محمد جميل الشطي سنة 1324. وقد سافر المترجم إلى بلاد الروم مرتين ودخل القسطنطينية سنة 1293 ووجه عليه تدريس أدرنه وخصص له راتب سنوي من الصرة السلطانية. توفي فجأة في دمشق في 11 محرم سنة 1295 (منتصف كانون الثاني 1878) . ومن شعره ما قاله في وصف بيروت وتهنئتها بسحب ماء نهر الكلب إليها:
بيروت أني في هواها أرغبُ ... من ثغرها البسَّامِ طابَ المشربُ
يا حسنها من بلدة قد خصَّها ... ربُّ العباد بما يسرُّ ويطربُ
بين البلاد بديعةٌ فكأنها ... شمسٌ على أُفقِ العلى لا تغربُ
يا طالما قد زرُتها فوجدتهُا ... ظمآنةً من حرّها تتلهَّبُ
حيرانةً حار الطبيب بدائها ... ودواؤها قد عزَّ فيهِ المطلبُ
تشكي وتبكي حسرةً وتأسُّفاً ... من فقدها ما تشتهيهِ وتطلبُ
من بعد ذاك أتيتُها فوجدتُها ... تحتالُ من عُجْبٍ وذيلاً تسحبُ
(1/208)

فسألتها عن حالها فتبسَّمت ... وانهلَّ من فيها فراتٌ أعذبُ
فاستيقنَت نفسي ببرد حميمها ... فغدوتُ في نعمائها أتغلَّبُ
وأتيت في هذا النظام مهنئاً ... إذ جاءَهم هذا الطهور الطّيبُ
ورجوتُ من فضل الإله دوامهُ ... في كلّ حين دائماً لا يُسلبُ
وكتب رقعةً دعا بها بعض أصحاب الفضل من أصدقائِه:
يا سادةً في دُورهم ... تسللت قومٌ كرامْ
وزَّينوا بجمعهم ... ليل الشتا في كل عامْ
ومتَّعوا بقربهم ... صديقهم عبد السلامْ
إذا أردتُّم إنهُ ... يحظى بكم على الدوامْ
أعطوهُ منه موثقاً ... بخطكم على الكلامْ
في ليلةٍ لطيفةٍ ... في دارهِ لكم تقامْ
ويرتجي من فضلكم ... أرّخْ بهِ الدور ختامْ
(1289) وقال مستغفراً عن ذنوب شبابه:
يا ربّ أنَّ العبد عبدٌ مذنبٌ ... وهو فقيرٌ ما لهُ عنك غِنى
قد قطف اللذَّات في شبابهِ ... بجهلهِ فاغفر لهُ ما قد جنى

محمد الميقاتي
وفي هذا الوقت عرف شاعر آخر فاضل وهو الشيخ محمد أفندي ابن عبد القادر اليقاني وكان طرابلسياً أديباً له النظم الرائق فجمع شعره بعد وفاته سنة 1302 (1884) الأديب عبد الحميد بن محمد حبلص أحد مواطنيه وطبعه في بيروت في المطبعة الأدبية سنة 1304 ودعاه ديوان حسن الصياغة لجوهر البلاغة. فمن قوله يعاتب الدهر:
الدهر شيمُتُهُ يبدي لنا العجبا ... فلا تكن من فِعال الدهر معتجبا
ولا تثق ْبشرابٍ منهُ وقتٌ صفا ... فيستحيلُ سراباً صَفْوُه وهَبَا
ولا يغرَّك ما يوليك من مَنحٍ ... فغلبُها مِحَن تزكو بهِ لَهبا
إن يسمحِ الدهرُ يوماً يستردُ غداً ... أو يُحسنِ الدهر يوماً بالأسى انقلبا
هيهاتُ يُجدي الفتى من دهرِ مهربُ ... ولو سما فوقَ أفلاك السما هربا
(1/209)

فالصبرُ أجملُ بالحرّ الكريم على ... ما خصَّهُ قلمُ الأقدارِ أو كتبا
ما لي وللدهر يرميني بكلكهِ ... كأَّنني قاتلٌ أمّاً لهُ أو أبا
ويلاهُ من زمني كم ذا يُقابلني ... من جورهِ بالأسى ويلاهُ واحَربَا
أهل البسيطة قد أثنت على أدبي ... وأذعنت لي بأني سَيد الأُدبا
ودأبُ قومي معاداتي ومنقصتي ... ولا أرى ليَ ذنباً لا ولا سببا
لا ذنب لي غير أني فقُتهم شرفاً ... وإنني فقُتهم بين الورى رُنبا
ما ضرَّني لا أقال اللهُ عثرتَهم ... لو أنَّهم قابلوا فضلي بما وجبا
وله مؤرخاً داراً بناها آل كتسفليس في طرابلس:
لكمُ ألهنا يا آل كَْ ... فْليس يا أهلَ المآثرْ
جدَّدتمُ فوق العلى ... بيت المكارمِ والمفاخرْ
بيتٌ لحسن بنائهِ ... بدرُ المسرَّة فيهِ سافرْ
قد شادَهُ اسكندرٌ ... مَنْ فَضْلُُ في الناس ظاهرُ
والسعدُ حول رِحابِه ... بالعزّ والإقبال دائرْ
وفمُ السعادة قد غدا ... أرّخ لهُ بالشكر فاغرْ
(1868) وقال مخمساً:
لمن أشتكي ضعفي وضنكي وشدَّتي ... ومَن يَشْفِ أسقامي ويرحمْ لعبرتي
لجأتُ فما لي غيرَ ذلّ مقالتي ... إلهي بتقديس النفوس الزكّية
وتجديدها من عالم البشرَّية
وبالنور سرّ الكائناتِ ومن دنا ... إليك مقاماً لن يُحيط بها سنا
وناديُتهُ هاأنت حبي وهاأنا ... أزِلْ عن فؤَادي ما ألاقي من العنا
فإني قليل الصبر عند البليَّةِ

عبد الفتاح اللاذقي
ونبغ في اللاذقية في الوقت عينه شاعر متفنن أبو الحسن عبد الفتاح ابن مصطفى بن محمد المحمودي اللاذقي العطار كان مولده سنة 1258 (1842) ونظم الشعر في سبابه ثم جمعه في ديوان ودعاه (سفير الفؤاد) فطبعه في بيروت في مطبعة جمعية الفنون سنة 1297 (1880) وجعله أربعة أركان في المدائح
(1/210)

والتوسلات ثم في امتداح السادات ثم في التهاني والمراثي وأخيراً في القدود والموشحات. فمن ذلك قوله مبتهلاً إلى الله عز وجل:
شكوتُك فاقاتي وأنك تعلمُ ... بحالي ونارُ الفَقْر في القلب تُضرَمُ
وللخَلْق لا أشكو افتقاري وفاقتي ... فمن يشكُ للمخلوق لا شكَّ يندمُ
فجُدْ برزقٍ يملأ القلبَ عفَّةً ... فجودُك لي عزٌّ وكَنزٌ ومغنَمُ
وإلاّ فصّبْرني على ما قسمتَ لي ... فأمرُك يا ربَّ البرَّية مُبرَمُ
وكتب إلى نائب الحكمة فيض الله أفندي عن لسان شيخ كان خدم جبل الريحان وصلى في أهله فلم يعطوه حقه من الموسم:
أخا الأفضال فَيْضَ الله يا من ... حوى المجد المؤَّثلَ واللطافهْ
فناقلُ شقَّتي هذا فقيرٌ ... وموصوفٌ بأنواع العفافَهْ
لقد صلّى بأقوامٍ إماماً ... وفي محرابهم جعل اعتكافَهْ
وفي شهر الصيام فكم تعنَّى ... وكم قد سار مع بُعد المسافَهْ
لقد جحدوا إمامتَهُ وجادوا ... لهُ بالهزل جدّاً والكثافهْ
وما جادوا لهُ أبداً ببئرٍ ... ولا عملوا لهُ أبداً ضيافهْ
وقد حرموهُ من أكل المحاشي ... ومن أكل القطائف والكنافهْ
فهم قومٌ لقد مكروا بهذا ... وليس لهم من المولى مخافهْ
وقد رُفَعتْ قضيَّتهُ إليكم ... وفي انتظاركم يرجو انتصافهْ
إنما الأفضال فانظُرْ أمر هذا ... فعينُ العدل لم تنظر خلافَهْ
فهذا قد أضيف إلى علاكم ... وحاز الفخر في تلك الإضافهْ
ومن محاسن شعره قوله في مولود سنة 1279:
أهلاً بهِ من قادمٍ ... في كلّ جاهٍ جاهرُ
بشراك فيهِ أيُّها ال ... خلُّ الفخيمُ الفاخرُ
فاهنأ بهِ لأنهُ ... نعمَ الغلامُ الناضرُ
بيت ألهنا والسعدُ فيه م ... كلَّ عامٍ عامرُ
والعزُّ فيهِ قد نما ... والبشرُ فيهِ ظاهرُ
(1/211)

والفخرُ نادى منشداً ... أرَخْ غلامٌ باهرُ
(1279)

أحمد فارس الشدياق
كان مارونياً لبناني الأصل مولده في عشقوت سنة 1804 ثم انتقل إلى والديه إلى ساحل بيروت سنة 1809 فسكن الحدث ودرس مبادئ العلوم اللسانية في عين ورقة ثم قصد القطر المصري فأتقن فيه العربية وجعل يكتب في أول جريدة ظهرت هناك أي الوقائع المصرية وفي السنة 1834 دعاه المرسلون الأمير كان إلى مالطة وولوه إدارة مطبعتهم فتظاهر بالدين البروتستاني وخدم الرسالة الأميركية بنشاط وطبع في مالطة بعض مصنفاته وألف هناك كتابه الموسوم (بالواسطة في معرفة مالطة) ثم تجول مدة في أنحاء أوربة وخصوصاً في فرنسة وإنكلترا فأكرم أهل تلك البلاد مثواه وصنف حينئذٍ كتابه الفارياق الذي لم يرع فيه جانب الأدب وشفعه بكتاب آخر أجدى نفعاً وأصوب نظراً دعاه (كشف المخبأ عن أحوال أوربا) واشتغل في لندرا في تعريب ترجمة التوراة فزادت بذلك شهرته. ولما جاء باي تونس أحمد باشا زائراً مدينة باريس مدحه الشدياق بلامية جارى فيها لامية كعب ابن زهير فأعجب من حسن نظمه ودعاه إلى خدمة دولته في تونس فلبى دعوته ورحل إلى المغرب وكان هناك يحرر جريدة الرائد التونسي. وفي مدة إقامته في تونس سؤل إليه أعيانها بأن يعتنق الدين الإسلامي فجحد البروتستانية طبعاً بالمناصب كما جحد الكثلكة طمعاً بالمال. وفي السنة 1274 (1857) طلبته الصدارة العظمى إلى الآستانة وعهدت إليه تصحيح مطبوعاتها بضع سنوات. وهناك باشر السنة 1277 (1860) جريدته الشهيرة بالجوائب فظهرت 23 سنة بإنشائه وإنشاء ولده سليم إلى السنة 1884 فأبطلت وحصلت بينه وبين شيوخ الإسلام منافرات فنسبوه إلى المراء في دينه الحديث. وكانت وفاة أحمد فارس بعد ذلك بثلاث سنوات توفي في الآستانة سنة 1887 ثم نقلت رفاته إلى لبنان كما أوصى قبل موته فرثاه شعراء زمانه. وقد هجاه بعض مواطنيه بهذا التاريخ:
يا مَنْ رحلتَ إلى الجحيم مسوكراً ... لم يبق بعدك للسفاهة باقٍ
ناداك إبليسُ الرحيم مؤرخاً ... هنَئت بَأحمدَ فارس الشدياقِ
وقد أخبرنا الشيخ المرحوم ظاهر الشدياق أحد انسباء أحمد فارس أن المترجم قبل
(1/212)

وفاته طلب أحد كهنة الأرمن الكاثوليك واعترف لديه بخطاياه ومات على الدين المسيحي كما شهد ذلك خليل أفندي يعقوب الذي حضر وفاته وكان يصحبه منذ سنين عديدة. وكانت امرأة فارس الشدياق من بيت صولا تدعى وردة.
ولأحمد فارس مؤلفات جليلة غير التي ذكرناها أخصها سر الليال في القلب والإبدال على شكل معجم لم يتمه. وكتاب منتهى العجب في خصائص لغة العرب أتلفه الحريق قبل أن يطبع. ثم الجاسوس على القاموس انتقد فيه على القامو الفيروزابادي. وكتاب غنية الطالب ومنية الراغب. وكتابان في تعليم اللغتين الإنكليزية (الباكورة الشهية) والافرنسية (السند الراوي) وردود على انتقادات الشيخ إبراهيم اليازجي اللغوية. وبهمة المترجم طبعت في مطبعة الجوائب عدة كتب أدبية قديمة استخرجها من مكاتب الآستانة فنشرها بالطبع بالحرف الاسلامبولي المشرق. ومن مآثره أيضاً عدة قصائد ومنظومات طبع منها نبذة في 219 صفحة سنة 1291. فمن أقواله الحسنة ما وصف به الحرب السبعينية بين فرنسة وألمانية. وهذا مطلع تلك القصيدة التي تزيد عن مائة بيت:
أصيبت فرنسا بالرجال والمالِ ... فيها ويحها من بعد عزّ وإقبالِ
أعدت جيوشاً للقتال وجهَّزت ... بوارجَ حربٍ في البحار كأجبالِ
وقالت إلى برلين يا جنديَ انفُروا ... فتلك التي قد كدرّت صفو أحوالي
وتلك التي قد زاحمتني على العلى ... ولم تكُ قبل اليوم تخطرُ بالبالِ
وصولوا على جرمانيا كلّها فقد ... أراها بدا منها تحاوُلُ إذلالي
فلي قيصرٌ قرمٌ جليلٌ تهابهُ ... جميع ملوك الأرض هيبة زئبال
إذا أنذر الأملاك حرباً تزلزلت ... ممالكهم من بأسهِ أيَّ زلزالِ
وقال في مطاردة الألمان لنابوليون وفي موقعة سيدان وخلع الإمبراطور:
فطاردهُ جيش العدوّ معقباً ... قولي إلى شالونَ يمزعُ كالرالِ
ومنها إلى سيدانَ بالجيش كلّهِ ... عقيبَ مُعاناةٍ وبؤسى وآجالِ
وذلك حصنٌ عند بلجيكَ حولهُ ... ربى وتلالٌ حبّذا الوَزَرُ العالي
ولكنهم ناءوا سفاهاً عن الربى ... فحلَّت بها الجرمان من دون إمهالِ
(1/213)

هنالكَ عمَّ الويلُ والشرُّ والرَّدى ... بترميل أزواجٍ وتيتيم أطفالِ
وتبضيعٍ أرابٍ وتقطيع أوصالٍ ... وتفليقِ هاماتِ وتدمير أطلالِ
وبزَّ تْهمُ الجرمانُ فاستسلموا لهم ... ثمانين ألفاً أو يزيدون في الحال
فلم يبقّ من ذا الجيش أجمعَ راجلٌ ... ولا فارسٌ فالجوُّ من ذكرهم خالِ
فلما درت باريس ذا الخطبَ أعولت ... وضجَّت وباتت في شجون وولوال
وقالت منَتني دولةٌ قيصرَّيةٌ ... بإِهلاك أجنادي وإتلاف أموالي
وإنَّ صلاحي دولةٌ جَمهُرَّيةُ ... تُسدّدُ أعمالي وتُصلحُ أحوالي
فنادت بخلع الإمبَراطور وابنهِ ... وثارت لأَخذ الثار ثورة قسطالِ
وختمها بهذا البيت الحكمي المقتبس من المزامير وهو نعم ختام:
إذا لم يكن للمرء من ربهِ هدىً ... فلا شيءَ يهديهِ من القيل والقال

محمد سليم القصاب
ومن فرسان حلبة الأدب بين مسلمي الشام في ختام القرن التاسع عشر الدمشقي محمد سليم بن أنيس الشهير بالقصاب. طبع له ديوان حسن في دمشق في مطبعة الجمعية الخيرية سنة 1298 (1881) فمن أقواله الجيدة ما قاله من قصيدة في السيد عبد القادر الجزائري وأولاده:
لمَّا بأَرض الشام حلّ ركابهُ ... ناديتُها بَاهي البلادَ وفاخري
أمنوَّا بنا فاليوم سباّقُ أصبحت ... دارَ الخلافةِ وهو عبد القادر
يا دوحةً طابت مغارسها فلم ... تُثمر سوى ليثِ وشبلِ كاسر
من كل شهم في الأنام محمَّدٍ ... يعنو إلى علياءِ كل مفاخر
مولاي محي الدين مصباح الهدى ... ذاك العلي الشأن أحمد شاكر
فكأنَّهم لما تبدوا حوله ... أقمار تم حول بدر سافر
أكرم به فرعاً يفاخر فرعه ... بأصوله فلك السماء الدائر
لا زال في أوج المعارج نجمه ... يسمو بمجد ما له من آخر
وقال في جنينة شادها مدحت باشا لأهل دمشق دعاها جنينة الملة سنة 1296:
هذه غرفة أنس أزلفت ... في ربى الشام تسر الناظرين
قد بدت أزهارها تثني على ... مدحت العليا وصدر الأعظمين
(1/214)

شادها للملَّة الغرَّاء قُلْ ... فادخلوها بسلام آمنينْ
ومن رثائه قوله في وجيه قومه حسين بيهم لما توفي في بيروت سنة 1298:
هوى الكوكب الدُّرّي من أفُق العلى ... فجرّ القضا ذيلَ الظلام وأسبلا
مصابٌ كسا بيروت بُرْدَ حدادها ... وحقّ لها بالحزن أن تتسربلا
فما كان إلا روحَها وحياتها ... وقد أصبحت من بعدهِ جسداً بلا..
عفافٌ وحلمٌ وافتخارٌ ورفعةٌ ... وجودٌ حكى فيضَ السحاب ترسُّلا
أقيموا بني الآداب واجب نَعْيمهِ ... فلم يبقَ ما النفس أن تتعلَّلا
وختم المرثاة بقوله:
فلما دعاه الله جل جلاله ... إلى جنة الفردوس ليس مهللا
فقال بشير العفو تاريخه زها ... حسين المعالي قر في جنة العلا
ومن محاسن وصفه قوله في وطنه الشام:
ما الشام إلا جنَّة الأمصار ... تزهو بغوطتها على الأقطار
حصباءها الدرُّ النضيدُ وتربُها م ... الكافورُ والبلَّوْرُ فيها جاري
فيها الرياضُ الراهرات محاسناً ... فانهض بنا ننشّقْ شذا الأزهارِ
قد هبَّ فيها الريحُ يرقص غصنها ... والطيرُ غنَّى في عُلى الأشجارِ
وتفجَّرت فيها المنابع إنَّها ... ذَوْبُ اللجُّينَ بجدولِ الأنهارِ
هي موطني دون البلاد وبغيتي ... فيها انتعاشي وانقضا أوطار

السيد محمود حمزة الحسيني
هو العالم الدمشقي العريق النسب من عائلة أصلها من حران ترقي نسبها إلى الحسين. كان مولده في دمشق سنة 1236 وفيها توفي سنة 1305 (1820 - 1887) واكب منذ صغره على العلوم اللغوية ثم انقطع إلى العلوم الفقهية فأصبح فيها إماماً ومعظم مصنفاته في الدين وفي كل أبواب الشرع إلا القليل منها كإعلام الناس والبرهان على بقاء دولة آل عثمان. وله قصائد حسنة وقد شرح بديعية لوالده وعرف بحسن الخط. وكان السيد محمود رجلاً مهيباً جليل
(1/215)

القدر كريم الطباع تولى الإفتاء في دمشق دهراً طويلاً وقد أظهر نحو المسيحيين في نكبة دمشق سنة 1860 مروءة أجازته عنها الدولة الفرنسوية بهبة سنية. وقد اجتمعنا مع السيد محمود في دمشق غير مرة فلقينا منه شيخاً واسع المدارك غزير الآداب. وله في تقريظ كتابنا مجاني الأدب رسالة تنبئ بحسن ذوقه وتقديره للمشروعات الأدبية. وفيه يقول محمد القصاب بمدحه:
مفتي الأنام سليل المجد ملجأنا ... تاج الفخام فخار الفخر ذو الهمم
ماضي العزائم لا ند يضارعه ... بالأمر والنهي والإحسان والكرم
بحر المعارف بالأمواج زاخره ... يلقي لنا جوهر الإرشاد والحكم
في كل فن له باع يصيد به ... ما شت إدراكه عن حاذق فهم

الأمير عبد القادر الجزائري
ونظم إلى أدباء إسلام الشام في آخر القرن التاسع عشر حسينياً آخر عاش زمناً طويلاً في دمشق وإن لم يكن أصله منها نريد السيد الأجل والأمير العظيم عبد القادر الجزائري فإنه وإن كان من رجال السيف إلا أنه كان أيضاً من فرسان القلم. كان مولد هذا الأمير في القيطنة من قرى أيالة وهران في بلاد الجزائر سنة 1222 (1807م) درس العلوم اللسانية في حداثته على أساتذة وهران. ثم رافق والده في رحلته إلى الحجاز والشام والعراق وعاد إلى وطنه فعكف على العلوم الخاصة كالفلسفة والفلك والتاريخ حتى حمل الفرنسيس على الجزائر سنة 1830 تلافياً لإهانة لحقت هناك بسفير ملكهم كرلوس العاشر واحتلوا جهاتها. فانتشبت الحرب بين أهلها والفرنسيس وبايع الجزائريون للأمير عبد القادر فقاموا معه قيام الأبطال للدفاع عن أوطانهم. وكانت تلك الحرب سجالاً تارة لهم وتارة عليهم ودامت خمس عشرة سنة ألجأ الأمير بعدها إلى التسليم فسلم ولقي من الفرنسويين كل احتفاء ورعاية وجعلوا له راتباً سنوياً ثم تنقل مدة في مدن فرنسا وغيرها إلى أن اتخذ له دمشق سكناً في أواسط سنة 1271 (1855م) فطبت له هناك السكنى وفيها توفي في 19 رجب سنة 1300 (حزيران 1883) . ومن مبراته جازاه الله خيراً دفاعه عمن احتمى في داره من نصارى دمشق في مذابح سنة 1860 وكان عددهم نحو أربعة آلاف. وكان الأمير عبد القادر مغرى بالعلوم محباً للعلماء يعظمهم ويحسن إليهم. قيل إنه كان يبلغ ما يوزع عليهم وعلى الفقراء مائتي ليرة في كل شهر. وله
(1/216)

تآليف مفيدة في التصوف وعلم الكلام وبعض كتب أدبية منها (ذكر العاقل وتنبيه الغافل) أتمه سنة 1271 (1854) . وقد نقله إلى الفرنسوية المستشرق غوستاف دوغا (G. Dugat) فطبعه في باريس سنة 1858 وكان للأمير سليقة جيدة في نظم القريض. ومن قصائده راثية أولها:
أمسعودُ جاءَ السعد والخيرُ واليسرُ ... وولَّت ليالي النحس ليس لها ذكرُ
ومنها قصيدة حماسية كان يتمثل في معارفه بأحد أبياتها الفخرية:
ومن عادة السادات بالجيش تحتمي ... وبي يحتمي جيشي وتُحرسُ أبطالي
ومن أبياته الفخرية قوله يذكر فيها أحد أيامه لما حارب الفرنسويين:
ونحن لنا دينٌ ودنيا تجمعًّا ... ولا فخر إلا ما لنا يرفع اللّوا
مناقب مختارَّية قادرَّيةٌ ... تسامت وعباسية مجدها احتوى
فإن شئت علماً تلقني خير عالمٍ ... وفي الروع أخباري غدت تُوهن القوى
ونحن سقينا البيض في كل معركٍ ... دماءَ العدى لما وهت منهم القوى
ألم ترى في خنق النطاح نطاحنا ... غداة التقيناهم شجاعٌ لهم لوى
وكم هامة ذاك النهار قددُتها ... بحد حسامي والقنا طعنهُ شوى
وأشقر تحتي كلمَتهُ رماحُهم ... ثمانٍ ولم يشك الوحي بل ولا التوى
بيومٍ قضى نحباً أخي فارتقى إلى ... جنانٍ له فيها نبي الرضى أوى
فما ارتد من وقع السهام عنانهُ ... إلى أن أتاه الفوز رغماً لمن عوى
ومنها في وصف الحرب:
وأسيافنا قد جردّت من جفونها ... ولا رُد إلا بعد ورد بهِ الروى
ولما بدا قرني بيمناهُ حربةٌ ... وكفي بها نارٌ بها الكبشُ قد ثوى
فأيقن إني قابض الروح فانكفا ... يولي فوافاه حسامي بما هوى
شددتُ عليهم شدَّة هاشميَّة ... وقد وردوا وِردَ المنايا على الغوى
وقد مدح الشعراء الأمير عبد القادر بقصائد يبلغ مجموعها كتاباً ضخماً. ومما
(1/217)

قيل فيه لأحدهم:
بحر المعارف والعوارف والندى ... ذو الحكمة العليا الكريم العنصر
مولى يتيهُ بهِ الزمان وحسبُهُ ... أن لم يفز بنظيرهِ مذ أعصرِ
وفي طرابلس الشام قضى نحبه في العقد الأخير من القرن التاسع عشر نحو 1210هـ (1892م) .

الشيخ محمد الشهال الطرابلسي
كان له في نظم الشعر حظ وافر سلك فيه منهج الرقة واللطف. فجمع ابنه عبد الفتاح قصائده في ديوان دعاه (عقد اللآل من نظم الشهال) وطبعه في طرابلس سنة 1312هـ. فمن حسن أقواله ما قاله مراسلاً بعض أصدقائه:
متى يجمعُ الرحمنُ شملي بُمنْيتي ... وأحظى بطيب الوصل بعد تشتُّتي
أأحبابنا كم ذا أبثُّ شكايتي ... ولم تسمعوا دعوى حليفِ المحبةِ
قضى الله بالهُجران بيني وبينكم ... فيا ليت قبل الهجرْ كانت منيَّتي
تحجّبتم عن ناظريَ وشخصُكم ... مقيمٌ بقلبي أينما كان وجهتي
وذكركُم ما زال وسط ضمائري ... يخامرُ في كل يومٍ وليلةِ
نأيتم فخلَّفْتم جفوني قريحةً ... فباهت بأسرار الشجون الخفيةِ
عسى الله أن يمحو دحى البُعد باللقا ... ويجمعني فيهِ بأحسن حالةِ
وقال يهنئ أحد أصحابه بقدومه إلى الفيحاء بغتةً:
خليل العلى والمجد عن غير موعد ... لقد واصل الفيحا فطابت به نثرا
وأضحى لسان العز عند قدومه ... ينادي لقد وافى الخليل فيا بشرى
وممن يجب نظمه بين شعراء أواخر القرن التاسع عشر (الشيخ محمد الهلالي) هو محمد بن هلال بن حمود المولود في حماة السنة 1235 (1819م) والمتوفى في 29 ذي الحجة 1311 (حزيران 1894) نشأ بحماة ودرس على علماء أهل ملته العلوم الدينية ثم انقطع لدرس الآداب ونظم الشعر فقصد القصائد على نمط ذلك العهد ومدح كثيرين من وجهاء بلاده ثم ارتحل إلى دمشق سنة 1298 (1881م) فاستوطنها ونعم في سكناها وأنس بأهلها وعاشر أدباءها وكرام أهلها وأمراءها
(1/218)

فنال الحظوة من فضلهم ولم يزل في هناء عيش إلى وفاته في الفيحاء فقال الشيخ عبد المجيد الخاني يؤرخ سنة موته:
لقد تُوُفي الهلالي سيدُ الشعرا ... وكوكبُ الأدب العالي الذي اشتهرا
فلا غريبٌ إذا نادى مؤَرخه ... ألا توّفي الهلالي سيدُ الشعرا (1311)
وقد جمع بعض مواطنيه ديوانه فطبعوه في حماة سنة 1329 وقسموه أبواباً على حسب معاني الشعراء من مديح وتهاني ورثاء وتواريخ. فمما قاله لما هاجر من حماة إلى دمشق بأهله يستمنح فضل الأمير السيد عبد القادر الجزائري:
هاجرتُ من بلدي بأهلي غازياً ... بعساكر الآمالِ خير همامِ
ورميتُ سهم الظنّ عن قوس الرجا ... طمعاً وحاشا أن تطيش سهامي
وبجيش فَقري قد أتيتُ إلى حِمىً ... أغنى وأندى كل بَحْر طامي
مستمطياً حسن الطوَّيةِ راكباً ... فرَسَ الفراسةِ ناشراً أعلامي
مستبشراً من سيدي بعنايةٍ ... عنّي يزولُ بها عَناهُ أوامي
مولاي عبد القادري الحَسنَي الذي ... في ظل نعمتهِ نصبتُ خيامي
الكاشف الفاقات ماحي ليلَها ... بسناءِ صبح الجود والإنعامِ
وافيتُ جنَّة قربهِ لأفوزَ من ... مأوى مكارمهِ بدار سلامِ
ولما أؤمَّل من عوائد فضلهِ ... طال انتظاري في دمشق الشامِ
ماذا جوابي إن رجعتُ إلى حما ... ة بزوجتي من بعد غربة عامِ
فأمر له الأمير بجائزة سنية. ومن ظريف قوله يؤرخ إنشاء سبيل في دمشق سنة 1304:
بادر لأَعذب سلسبيلِ فيه ما ... بمعينه يشفي العليلَ من الظمأ
لله فاعلُ خيرٍ فعلٍ دائمٍ ... لينال من مولاهُ أجراً أعظما
حوضٌ لواردهِ الصفا منهُ شدا ... أرخْ ونادِ أسقِ العطاش تكرُّما
وقال أيضاً مؤرخاً وفاة والده هلالاً سنة 1880:
لَنِعْمَ عُقْبى الدارِ دارُ البقا ... وحبَّذا إلى النعيم المآلْ
يا زائراً هذا الضريح الذي ... حوى هلالاً فاز بالانتقالْ
(1/219)

لِنصفْ ذي الحجَّة قُلْ أرَخوا ... عاماً به آنَ غيابُ الهلالْ

أدباء مصر
لم يبلغ أدباء مصر من المسلمين في ختام القرن التاسع عشر ما بلغه ذوو دينهم في الشام وأشرنا إلى سبب ذلك في ما تقدم على أن مدرسة الأزهر بعد الاحتلال الإنكليزي كانت لا تزال ضابطة لرئاسة تعليم العربية نائلة لقصبات السبق في القطر المصري على الرغم مما أصابها من التأخر في ذلك الزمن كما أقر به أرباب الأمر ومن ثم أنشئوا سنة 1212 (1894) مجلساً ليتدارك الخلل في ذلك وتصلح طرق التعليم.
وممن نالوا بعض الشهرة في أواخر القرن التاسع عشر من شيوخ الأزهر وأساتذته الشيخ (مصطفي العروسي) الذي تولى ست سنين (1281 - 1287) رئاسة الأزهر وله ما خلا الكتب الإعتقادية أحكام المفاكهة في أنواع الفنون والمتفرقات توفي سنة 1293 (1876) . ومنهم الشيخ (محمد المهدي العباسي) ولد سنة 1244 (1828) واشتهر في العلوم الدينية وصارت إليه رئاسة الإفتاء في الديار المصرية مع شياخة الإسلام واختارته عمدة الأزهر لمشيخة تلك المدرسة فتقلدها سنة 1287 إلى 1299 وعاش إلى سنة 1315 (1897) قال بعضهم مؤرخاً لوفاته:
عليهِ دمع الفتاوى باتَ منحدراً ... وللمحابر حزنٌ ضاق عن حدّ
فيها المسائل قد باتت تؤرّخهُ ... مات المجيب الإمام المقتدى المهدي
ومن تآليفه الفتاوى المنسوبة إليه المعروفة بالفتاوى المهدية في الوقائع المصرية ومنهم الشيخ (محمد الأنبابي) ألف عدة كتب في الصرف والنحو وآداب البحث وقد تخرج على يديه كثير ممن تصدروا للتدريس. وتولى مشيخة الأزهر مرتين. كان مولده سنة 1240 ووفاته سنة 1313 (1824 - 1896) .
ومنهم (الشيخ عليش) أحد مشايخ السادة المليكة في مصر ولد بالقاهرة سنة 1217 وبها توفي سنة 1299 (1802 - 1882) اشتغل بالعلم في الأزهر حتى أدرك الجهابذة وأخذ عنه جل الأزهريين له تآليف عديدة في الفقه والبيان والمنطق وكتاب مواعظ. نكب في آخر حياته بسبب الثورة العسكرية العرابية.
ومنهم (حسين بن أحمد المرصفي) كان مكفوفاً وبلغ باجتهاده إلى أن يدرس في الأزهر ومن تآليف الوسيلة الأدبية في العلوم العربية والكلم الثمان في الأدب توفي
(1/220)

سنة 1307 (1889م) .
واشتهر غير الأزهريين رجال يعدهم المصريون كأركان النهضة العلمية في وطنهم في العشرين الأخيرين من القرن السابق نختصر هنا أخبارهم.

عبد الله باشا فكري
هو أحد نوابغ الناشئة المصرية في القرن الأخير ولد في مكة إذ كان أبوه محمد مرافقاً في الحجاز للجنود المصرية سنة 1250 (1834) ثم نشأ في مصر وشاب في حضانة المعارف حتى تضلع في كل علم. وقلدته الحكومة المصرية للمناصب الجليلة كنظارة المدارس ووزارة المعارف. وكان سار معها في رفقة الخديوي إسماعيل باشا إلى استنبول سنة 1861 ثم عهد إليه تهذيب ولي العهد محمد توفيق باشا مع أخويه الحسن والحسين فقام بتلك المهمة أحسن قيام. ولما ولي نظارة المعارف سعى في تنظيم الدروس وصنف للدارسين كتباً يدرسون فيها ومن خدمه الطيبة أنه لم يزل يحض الحكومة حتى أنشأت المكتبة الخديوية التي تعهد من أغنى الخزائن الكتبية بالمخطوطات والمآثر العربية. ولما حدثت الثورة العرابية سنة 1882 ألقي القبض على عبد الله باشا فكري وبقي مدة تحت الاستنطاق إلى أن عرفت برارته وبرئت ساحته وكان الخديوي قد قطع معاشه فكتب إليه من قصيدة:
مليكي ومولاي العزيز وسيدي ... ومن أرتجي آلاءَ معروفهِ العمرا
لئن كان أقوامٌ عليَّ تقوَّلوا ... بأمر فقد جاؤوا بما زوروا نكرا
فما كان لي في الشرْ باعٌ ولا يدٌ ... ولا كنتُ من يبغي مدى عمره الشرا
فعفوا أبا العباس لا زلت قادراً ... على الأمر أن العفو من فادر أحرى
وحسبي ما قد مر من ضنك أشهرُ ... تجرعتُ فيه الصبر أطعمُهُ مراً
يعادل منها الشهرُ في الطول حقبةً ... ويعدل منها اليومُ في طوله شهرا
أيجعل في دين المروءة أنَّني ... أكابد في أيامك البؤس والعسرا
فما لبث أن أعاده الخديوي إلى مقامه السابق فقال يشكره من قصيدة طويلة:
ألا أنَّ شكر الصنع حقُّ لمنعمٍ ... فشكراً لآلاء الخديوي المعظَّمِ
مليكُ له في الجود فضلٌ ومفخرٌ ... على كل منهلٍ من السحب مرهمِ
سأشكرهُ النعماءَ ما عانقت يدي ... يراعي أو استولى على منطقي فمي
فلا زال محروسَ الحمى متمتعاً ... مع الخيرة الأشبال في خير أنعم
(1/221)

وتجول عبد الله باشا بعد ذلك في جهات الحجاز والشام. ولما عقد في استوكهلم مؤتمر المستشرقين سنة 1888 أوفدته الحكومة لنيابة عنها وزار معظم الحواضر الأوربية وكتب تفاصيل رحلته في كتاب دعاه (إرشاد الألباء إلى محاسن أوربا) لكن الموت عاجله فتوفي قبل إتمامه في أواخر سنة 1307 (1890م) فأنجزه نجله بعد وفاته. وقد خلف عبد الله باشا فكري آثاراً أدبية جليلة كنظم اللآل في الحكم والأمثال والمقامة الفكرية في المملكة الباطنية والفوائد الفكرية للمكاتب المصرية جمع فيه ابنه كثيراً من كتاباته وقصائده في كتاب دعاه الآثار الفكرية (وصفناه في المشرق 1 (1898) : 189) وكان المترجم بارعاً بالنظم والنثر راسخ القدم في بلاغة التعبير وكان بالخصوص إماماً في الإنشاءات الديوانية فاستخدمه خديوياً مصر سعيد باشا وإسماعيل باشا في اشتغال الكتابة عنها باللغتين التركية والعربية إلى الملوك والسلاطين. ومن حكمه قوله:
إذا رُمتَ المروءةَ والمعالي ... وأن تلقى إله العرش بَرّا
فلا تقرب لدى الخَلوات سراً ... من الأفعال ما تخشاهُ جهراً
وقال يصف ثامن مؤتمر المستشرقين في استوكهلم من قصيدة:
ناد بهِ احتفل الأفاضلُ حفلةً ... بحديثها تتقادَمُ الإعصارُ
جمعت لثامن مرَّةٍ معدودةٍ ... في الدهر لا يُنسَى لها تذكارُ
متآلفين بعيدهم بقريبهم ... والفضلُ أقربُ وصلة تمتارُ
من كل فياض القريحة وردهُ ... عذبٌ وبحرُ علومهِ زخارُ
ومؤزَّر بالفضل مشتمل بهِ ... منهُ شعارٌ زانهُ ودثارُ
لا زال ملك الفضل معمور الذرى ... بذويهِ ممدوداً لهُ الأعمارُ
وكان لعبد الله باشا ولد تقصى آثار والده اسمه (أمين باشا فكري) درس الحقوق في فرنسا ثم عاد إلى بلده فتعاطى فن الدعاوى وبرز فيه حتى رقّته الحكومة المصرية إلى رئاسة النيابة سنة 1888 ثم ولته قضاء محكمة الاستئناف ثم محافظة الإسكندرية حتى انتدبته لنظارة الدائرة السنية لكن الموت اهتصر غصن حياته فمات سنة 1899 وكان مولده سنة 1856. ومن تركته العلية كتب مطول في
(1/222)

جغرافية مصر والسودان. وكان رافق إياه مع الوفد المصري إلى استوكهلم عاصمة بلاد اسوج فأنجز أخبار رحلة أبيه فدعاه (إرشاد الالباء إلى محاسن أوربا) كما أنه جمع مآثره المتفرقة على ما ذكر وله أيضاً فضلاً تقدم رسائل وقصائد لم ينشر منها إلا النزر القليل.

علي باشا مبارك
هو أحد أركان النهضة المصرية ولد من عائلة فقيرة في قرية برنبال من مديرية الدقهلية سنة 1239 (1823) فتقلبت به الأحوال إلى أن توفق إلى دخول مدرسة القصر المعيني وأرسل إلى باريس فدرس فيها فن الحرب ثم ألحق بالجيش المصري وحضر حرب القريم سنة 1854. ثم انتدبته الحكومة المصرية لوكالات ونظارات ودواوين مختلفة أبدى في جميعها عن مقدرة عظيمة. وقد خدم الآداب العربية بتنظيم مكاتب القاهرة والبنادر وإنشاء مدارس جديدة أخصها مدرسة دار العلوم وفتح المكتبة الخديوية وتولى نظارة المعارف فأجرى فيها إصلاحات مهمة. وفي آخر حياته اعتزل الأعمال إلى سنة وفاته 1311 (1893) وله تآليف ذات شأن اجلها الخطط التوفيقية حذا فيها حذو الخطط المقريزية فوصف الخطط الجديدة التي أنشئت في القاهرة ومدنها القديمة والشهيرة في ستة مجلدات. ومنها كتاب نخبة الفكر في تدبير نيل مصر وكتاب الميزان في الاقيسة والأوزان وكتاب علم الدين في عدة أجزاء على طرز رواية أدبية عمرانية أودعها كثيراً من المعارف والفنون كالتاريخ والجغرافية والهندسة والطبيعيات وغير ذلك مما قرب إلى قرائه فهمه بمعرض شهي.

الشيخ الأبياري
هو الشيخ عبد الهادي نجا الابياري أحد الكتبة المعدودين في أواخر القرن السابق. ولد في أبيار في جهات مصر السفلى سنة 1236 (1821) وأخذ عن والده مبادئ الآداب ثم حضر دروس أساتذة الأزهر كالشيخ البيجوري والشيخ الدمنهوري وغيرهما. ولم يزل يكد ويجد في تحصيل العلوم حتى نال منها ما لم ينله إلا القليلون من معاصريه فعهد إليه الخديوي إسماعيل باشا تثقيف أولاده. وتصدر للتعليم في الجامع الأزهر فذاع صيته في أنحاء القطر المصري وجعله الخديوي توفيق باشا أمام المعية ومفتيها فقام بمهام رتبته إلى وفاته سنة 1306 (1888) وكان يجله الأدباء ويراسله فضلاء عصره وقد جمعت مكاتباته للشيخ إبراهيم الأحدب في كتاب الوسائل الأدبية في الرسائل الاحدبية. ومن تآليفه الشهيرة كتاب سعود المطالع في
(1/223)

مجلدين ضمنه كلاماً واسعاً في ضروب العلوم العربية. ومنها كتابه نفح الأكمام في مثلثات الكلام كمثلثات قطرب. وكتاب الفواكه في الآداب. واتخذه صاحبا الجوائب والبرجيس كحكم ليفصل المناظرات اللغوية التي قامت بينهما فكتب كتابه النجم الثاقب في المحاكمة بين البرجيس والجوائب فنظم أحمد فارس قصيدتها الدالية التي يقول فيها شاكراً:
أبدى لنا في مصرَ نجماً ثاقباً ... لكن ثناهُ بكل مصرٍ هادِ
فيهِ الفوائد والفرائد فُصّلت ... موصولةَ البرهانِ بالإسنادِ
إن قال لم يترك لقوالٍ مدىً ... أو صالَ هالَ وطال كلَّ معادِ
هو فَيْصلُ في الفكر يرضى فصلهُ ... من لم يقنع من الأشهادِ
لولاهُ لم يُقَطع لسانُ المفتري ... عني ولم ُيفصل جدالُ بلادِ
فلذاك كان على الجوائب مدحُهُ ... حقاً وإيجاباً مدى الآباد

الشيخ علي الليثي
كان من أشعر شعراء العصر السابق. ولد نحو السنة 1830 وصرف همه إلى العلوم اللغوية والأدبية فصار منشئا بليغاً وشاعراً مفلقاً حتى نظمه أولو الأمر في سلك رؤساء المعية السنية. ورافق الخديوي إسماعيل باشا في سفره إلى الأستانة سنة 1290 ومدح السلطان عبد العزيز. وكان الأدباء يتسابقون إلى مطارحة الليثي ويتفاخرون بمكاتبته. وقد طال عمره حتى توفي مأسوفا عليه في 25 ك2 سنة 1896 (1313 هـ) . وله منظومات جمة يجمع منها ديوان إلا أنها لا تزال متفرقة. فمن محاسن أقواله رثاؤه لعبد الله باشا فكري:
نذمُّ المنايا وهي في النَّقد أعدلُ ... غداة انتقت مولى به الفضلُ يكملُ
كأنَّ المنايا في انتقاها خبيرةٌ ... بكَسْب النفوس العاليات تُعجّلُ
فتمَّ لها من منتقى الدُّر حليةٌ ... بها العالمُ العلويُّ أنا يهللُ
ومنها في وصف الفقيد:
لقد كان ذابرٍ عطوفاً مهذَّباً ... سجاياهُ صفوُ القَطر بل هي أمثلُ
رقيق حواشي الطبع سهلٌ محبَّب ... إلى كل قلبٍ حيث كان مبجَّلُ
كريم السجايا لا الدنايا تشينهُ ... عظيم المزايا إذ يقولُ ويفعلُ
(1/224)

شمائلهُ لو قُسّمت في زماننا ... على الناس لازدانوا بها وتجمَّلوا
فقدنا محياهُ ولكنَّ بيننا ... بديع مزاياهُ بها نتمثَّلُ
وقال يمدح السلطان عبد العزيز في عيد جلوسه سنة 1290:
دَعْ ذكرى كسرى وقصَرْ إن أردت ثنا ... عن قيصر الروم حيث النفعُ مفقودُ
وأشرحْ مآثر من سارت بسيرتهِ ... ركائبُ المجد تحدوها الصناديدْ
مولى الملوك الذي من يُمن دولتهِ ... ظلُّ العدالةِ في الآفاقِ ممدودُ
عبدُ العزيز الذي آثارهُ حُمدت ... أبُ الألى جدُّهم في المجد محمودُ
أجاد نظم أمور الملك في نسقٍ ... لا يعتريهِ مدى الأزمان تبديدُ
وشاد فوق العلى أركانهُ فغدا ... له على هامةِ الجوزاء تشييدُ
فلا تقسهُ بأسلافٍ له كرُمتْ ... والشبلُ من هؤلاء الأسد مولودُ
ففخرُهم عقدُ درٍ وهو واسطةٌ ... في جيد آل بني عثمانَ معقودُ
وله اللامية المشهورة قالها بعد الفتنة العرابية مستعطفاً مستصفحاً عن الجناة:
كل حال لضدَهِ ينحوَّلْ ... فالزمِ الصبرَ إذ عليهِ المعوَّلْ
يا فؤادي استرحْ فما الصبرُ إلا ... ما به مظهر القضاء تنزل
قدرٌ غالبُ وسرُّ الحفايا ... فوق عقل الأريب مهما تكمَّلْ
رُب ساعٍ لحتفهِ وهو مَّمن ... ظنَّ بالسعي العلى يتوصَّلْ

السيد عبد الله نديم
هو كاتب بليغ نبغ في مصر وسعى في تحرير وطنه فأنشأ عدة جرائد سياسية كان يزرع فيها بذور آماله وينهض همم مواطنيه حتى لقب بخطيب الشرق. ولما ثارت الفتنة العرابية نفي من وطنه ثم صفح عنه وبعد قليل اضطر إلى مغادرة بلاده فتوجه إلى الآستانة ونال الحظوة لدى السلطان وما لبث أن توفي في القسطنطينية سنة 1314هـ. وكان مولده بالإسكندرية سنة 1261 (1844 - 1896) .
وكان عبد النديم خطيباً لسناً متوقد الذهن صافي القريحة شديد العارضة متفنناً في الكتابة نظماً ونثراً له ثلاثة دواوين كبيرة ورسائل وتآليف لغوية وأدبية طبع منها قسم في كتاب سلافة النديم في منتخبات السيد عبد الله نديم وهو في نثره سهل
(1/225)

العبارة قريب المعاني يتحاشى كل تصنع. فمن أقواله ما ذم به الخمرة:
طافَ النديمُ بكأسهِ في ألحانِ ... ومشى بزفُّ البكرَ بالألحان
برزتْ تُقَهقهُ بين ندمانِ الطلا ... فخجلتُ إذ ضحكتْ على الأذقانِ
ذلّت لدولةُ حكمها دُوّل الورى ... من غير ما حرب ولا أعوانأعوانِ
خَفت فطارت بالعقولِ وخلَّفت ... تلك الجسومِ بحالةِ الحيْران
أيُّ المحاسن أبصروا في وجهها ... وهي العتيقة من قديم زمانِ
أمُّ الخبائث بنتُ عُسْلوج الهوى ... أخت الحشائش زوجة الشيطانِ
من زفّها من خدرها لفؤاده ... صرعتهُ عند مزالق الأطيان
وإذا تستر في ترشُّفها بدتْ ... من فيهِ تفضحهُ لدى الإخوان
وإذا مشى لعبت به عن مكرها ... فيقال هذي مشية السكران
ومن أوصافه الحسنة قوله يصف قطاراً بخارياً:
نظر الحكيم صفاته فتحَّيرا ... شكلاً كطَوْد بالبخار مُسيّرا
دوماً يحن إلى ديار أصولهِ ... بحديد قلب باللهيب تسعّرا
ويظلُّ يبكي والدموع تزيدهُ ... وحُبذا ويجري في الفضاء تسُّترا
تلقاهُ حال السير أفعى تلتوي ... أو فارس الهيجا العشْيرا
أو سبعَ غلبِ قد أحسَّ بصائدٍ ... في غابهِ فمدا عليه وزمجرا
أو إنها شهبٌ هوت من أفقها ... أو قبة المنطادِ تنبذ بالعرا
وله في الفخر والحماسة:
إذا ما المجدُ نادانا أجبنا ... فيظهر حين ينظرنا حنينا
فإنا في عداد الناس قومٌ ... بما يرضي الإلهُ لنا رضينا
إذا طاش الزمان بنا حَلُمنا ... ولكنَّا نُهينا أن نهينا
وإن شئنا نثرنا القول درّاً ... وإن شئنا نظمناهُ ثمينا
وإن شئنا سلبنا كلّ لبٍّ ... وإن شئنا سحرنا المنشئينا

محمد عثمان جلال
هو ابن يوسف الحسني الونائي ولد سنة 1245 (1829) ودرس في صغره اللغات في مدرسة الألسن في حي الأزبكية ثم دخل سنة 1261
(1/226)

(1844) في قلم الترجمة ثم انتدبته الحكومة لأشغال الكتابة في وزاراتها إلى أن استوزره توفيق باشا الخديوي واتخذه لصحبته في رحلته إلى جهات القطر المصري فكتب تأليفه (السياحة الخديوية) ثم تقلد القضاء في محكمة الاستئناف وأحيل على المعاش سنة 1895 وكانت وفاته في 16 كانون الثاني سنة 1898. وللمترجم عدة تآليف نقل بعضها من الافرنسية كرواية بول وفرجيني وكأمثال لافونتين نظمها بالشعر ودعاها العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ دونك مثالاً منها وهو مثل البخيل والدجاجة:
كان البخيل عنده دجاجةْ ... تكفيهِ طولَ الدهر شرَّ الحاجةْ
في كل يوم مَر تُعطيهِ العجبَ ... وهي تبيضُ بيضة من الذهَبْ
فظن يوماً أن فيها كنزاً ... وإنهُ يزداد منهُ عزاً
فقبضَ الدجاجةَ المسكينُ ... وكان في يمينهِ سكينُ
وشقتَّها نصَفينِ من غفلتهِ ... إذ هي كالدجاج في حضرتهِ
ولم يجد كنزاً ولا لَقيَّهْ ... بل رُمَّةً في حُجْرهِ مرميَّةْ
فقال: لا شكَ بأنَّ الطمعا ... ضيع للإنسان ما قد جمعا
وكان محمد عثمان يحب اللغة المصرية العامية فنقل إليها عدة روايات تمثيلية عن الشاعرين راسبن وموليار تصرف فيها بعض التصرف. ومن ظريف شعره قوله يمدح الحضرة الخديوية العباسية سنة 1309:
من يضاهيكَ في العلى مَنْ بُداني ... يا عزيزاً لهُ علينا يَدانِ
يدُ حكمٍ بالعدلِ لا يَعتريها ... عارضُ الميل فهي كالميزانِ
ويدٌ العطاء كالنيل قد فا ... ض بإنعامهِ على البلدانِ
وله في رثاء عبد الله باشا فكري:
همامٌ على فوق السماء بفكرهِ ... فمن ثمَّ سمتهُ الأفاضلُ بالفكري
فتى غاص في بحر المدارس رأيهُ ... فأخرج من حصبائه غالي الدرّ
وسال غديرٌ من عذوبة لفضلهِ ... فأنضج أثماراً على يانع الزهرِ
زها نجمهُ دهراً بمصرٍ فلم يَجدْ ... قريناً ولكن لا أمانَ إلى الدهرِ
(1/227)

ثلاثُ لغاتٍ كالعرائس حازها ... بهمَّته لا بالجهاز ولا المُهْرِ
من العرب العرباء كان إذا حكى ... وحرّر بالنظم البديع أو النثر
وكان لأهل الفارسَّية تحفةٌ ... بمعلومهِ الوهبيّ يحكي ليزّدْجر
ونال بديوان المعارف رفعةً ... مفضلةً من فضل زيد على عمرو
فوا أسفاً وأراهُ قبرٌ ولو درى ... لآثر سوداءَ القلوب على القبرِ
وما مات ليثٌ أورث الغابَ شبلهُ ... ولا كان هذا الغابُ يخلو من الزأرِ
وممن جمع في مصر بين الآداب التركية والعربية (حسن حسني الطويراني) ولد في مصر 1266هـ (1850م) وتوفي الآستانة سنة 1315 (1897) نشط منذ حداثته إلى العلم والأدب حتى برز بين كتاب زمانه وقضى قسماً من عمره في السياحة في أفريقية وآسية وبلاد الروملي وأنشأ عدة جرائد كالزمان والإنسان والنيل والعدل ومجلة المعارف والمجلة الزراعية. وألف تآليف عديدة دينية واجتماعية وأدبية بعضها تركية وبعضها عربية. وله ديوان شعر دعاه ثمرات الحياة اختار منه قسماً عبد الغني العريسي وطبعه في مصر سنة 1325. فهذه بعض أمثال نقتطفها منه قال مفتخراً:
إن كنتَ محتقراً حالي وتجهلُها ... سَلْ عارفاً عن شأني فتعرفني
أنا الذي ما سَمعتْ بي للخَنا قدَمٌ ... ولا شكا همَّتي من كان يصحبُني
لي جانبٌ لصديقي هَينٌ أبداً ... وجانبٌ لعدوّي ثم لم يلنِ
ولي لسانٌ أرى أن تبقى بضاعتهُ ... ولي فؤاد بحب الباقياتِ فني
وقال أيضاً:
غيري تغيرُهُ الصروفْ ... وسِوايَ تُفْزعهُ الحتوفْ
وأنا الذي لا عيبَ لي ... إلا اقتحامي للمَخوفْ
لا أتقي بأس القوي ... ولا يَرى بأسي الضعيفْ
حسبي يُقال: سكوتهُ ... أدبٌ ومَنطِقهُ شريفْ
(1/228)

لا تقلْ إني صديقٌ ... أو فلانٌ لي صديقْ
إنما أنت وهذا ... لرفيقٍ في طريقْ
فاجتماعُ في اتساع ... وافتراقٌ وقت ضيقْ
ومن محاسن أقواله:
إن الحياة وطيبها ونعيمها ... ممَّا يؤمَّلُ في الزمان ويُعْشقُ
غاياتنا فيها بدايةٌ غيرنا ... كالشمس مَغْرُبها لغيرك مشرقُ
وقد اشتهر في مصر غير هؤلاء ممن تخصصوا ببعض الفنون ونالوا السبق في بعض الأعمال فصنفوا فيها المصنفات المفيدة. منهم (محمود باشا الفلكي) ولد سنة 1220 في مديرية الغربية وتوفي في مصر سنة 1303 (1805 - 1881) تقلب في المناصب الخطيرة وتولى وزارة المعارف وقد عرف خصوصاً بتآليفه الفلكية ورسم الخرائط وضبط التقاويم التاريخية لا سيما العربية ووصف مقياس النيل. وله أيضاً بعض التآليف الأثرية كرسالته في الإسكندرية القديمة وفي الأهرام وغير ذلك وقد صنف يعض هذه التآليف في الافرنسية فحل بين علماء الإفرنج محلاً أثيراً.
ومنهم (محمد باشا مختار) كان مولده في بولاق مصر سنة 1835 وتوفي في 20 تشرين الثاني سنة 1897 تعلم في مدرسة دار العلوم وانتظم في الجندية وترقى فيها إلى رتبة لواء سنة 1886 وقد اشتهر في حروب السودان. وكان متضلعاً بالعلوم الفلكية والرياضية ألف فيها عدة تآليف بالعربية والافرنسية. وله ما خلا ذلك تراجم لبعض الخاصة كمحمود باشا الفلكي والجنرال ستون الأميركي وكتب في وصف بلاد السودان والحبشة رسائل حسنة.
ومنهم (محمد علي باشا الحكيم) ولد سنة 1228 في مديرية المنوفية درس العلوم الطبية فنال منها حظاً وافراً إلى أن تعين رئيساً للمدرسة الطبية في مصر وقد رافق سعيد باشا في رحلته إلى أوربا. ولما انتشبت الحرب المصرية مع الحبشة سنة 1877 سار في رفقة الحملة إلى تلك البلاد وفيها توفي سنة 1293 (1813 - 1877) وله تآليف طبية في فنون الجراحة وقانون طبي ورسائل مختلفة.
وقد اشتهر مثله في الطب والجراحة (الدكتور دري باشا) الذي ولد وتوفي في القاهرة (1257 - 1318 - 1841 -؟ 1900) ودرس في مدرسة القصر العيني وألف
(1/229)

التآليف المشهورة في الطب كتذكار الطبيب ورسالة في الهيضة. وصنف غير ذلك أيضاً كترجمة حياة علي باشا مبارك والتحفة الدرية في مآثر العائلة الخديوية. وفيه قال الشيخ علي أبو يوسف الأزهري يمدحه:
لو نلتُ في الدهر ما أبغيهِ لم ترَني ... في مدح من شئت إلا ناظم الدُّرّ
أو كنتُ أدلجتُ في المسرى فليس إلى ... شيء يكون سوى الكوكب الدري
أو أن ألمت بي الإسقامُ في زمنٍ ... لم استطبْ سوى بالماهر الدري
فهو الحكيم الذي لم يشكُ ذو مرضِ ... إلا ونادى به يا كاشف الضرِ
وممن له حصل شهرة في طب في مصر (حسين بك عوف الكحال) المتوفى سنة 1301 (1883) و (محمد بك حافظ) المتوفى سنة 1305 (1887) درسا أمراض العيون في القصر العيني ثم في أوربا. ونشر الأول كتاباً في الرمد والثاني في تشخيص أمراض العين. وفاق عليها شهرة (سالم باشا سالم) في العلوم الجراحية التي أتقنها في مدارس ألمانية ثم أسندت إليه رئاسة مدرسة الطب في القاهرة فنشر عدة تآليف طبية أشهرها وسائل الابتهاج إلى الطب الباطني والعلاج. توفي 1311 (1893) . ونال في الصيدلة نصيباً حسناً (علي بك رياض الصيدلي) المتوفى سنة 1317 (1899) له تأليف في الأعمال الاقرباذينية والمادة الطبية والتاريخ الطبيعي.
وقد اشتهر في فن الدعاوى وعلم القوانين والرياضات والموسيقى الشرقية (شفيق بك) ابن منصور باشا يسكن ولد في القاهرة 1856 ومات في عز شبابه سنة 1890 يعد أن خدم العلم مدة بالتعليم والتصنيف. ومن تآليفه كتاب التفاضل والتكامل وكتاب في أصول الحساب والجبر والهندسة والهينة ورسالة في الموسيقى عرب تأليف مختار باشا (رياض المختار) من التركية ونقل تاريخ مصر الجبرتي إلى الافرنسية. ونقل من الافرنسية بعض المؤلفات إلى غير ذلك مما أثار الأسف على فقده قبل بلوغه الكهولية.
وقد كان لغير هؤلاء المصريين بعض الشهرة أيضاً في فنون شتى كالشيخ (إبراهيم ابن عبد الغفار الدسوقي) الذي ولد سنة 1226 وتوفي سنة 1301 (1811 - 1882م) ثم بعد أن درس في الأزهر تولى فيه تعليم العربية ثم نقل إلى الهندسخانة الخديوية
(1/230)

واشتغل في الرياضيات وسعى بطبع الروضة السندسية في الحسابات المثلثية. وتعين مدة لتصحيح مطبوعات بولاق وأنشأ جريدة الوقائع المصرية. ومن تآليفه حاشية على المغني. وعليه درس العربية المستشرق الإنكليزي لان (E. W. Lane) الشهير بمصنفاته الشرقية ولا سيما معجمه العربي الإنكليزي الواسع.
ومنهم الأديب عبده حمولي (1845 - 1901) نبغ بالموسيقى العربية وأعاد لها شيئاً من رونقها المطموس بما وضعه من الأنغام وأحدثه من أصول الفن.

أدباء العراق
أصاب قطر العراق بعض الخمول غفي أواخر القرن التاسع عشر فلم ينل فيه الشهرة في الكتابة إلا القليلون. هذا إلى انقطاع أخبارهم عنا وندرة المدارس والمطبوعات في تلك الجهات.
وممن اتصلت بنا منظوماته (الملا حسن الموصلي البزاز) اشتهر في أواسط القرن التاسع عشر وتوفي في عشره الأخير. له ديوان شعر طبع بمصر سنة 1305 بهمة تلميذه الحاج محمد شيث الجومرد الموصلي الذي ذيّل الديوان بنبذ من شعره. وقد اتسع حسن البزاز في قصائده بمدح أصحاب الطرائق المتصوفين. ومن شعره ما وصف به اشتداد البرد وسقوط الثلوج في الموصل في أواخر رجب سنة 1277 (كانون الثاني 1861) :
تجلى علينا عارضٌ غيرُ ماطر ... ولكنهُ بالثلج عمَّ نواحيا
فأصبحت الخضراء بيضاء قد زهت ... وعادت رباها والبطاحُ كواسيا
وكم بسمات منهُ يدُ البرد والشتا ... بساطاً على وجه البسيطة باهيا
وكم جبل راس يقولُ مُفاخراً ... ألم تنظروا وقد عَّمم الثلجُ راسيا
فقلت به إذ كان شاذاً وقوعهُ ... ليذكرهُ من بعدُ من كان باقيا
غمامٌ مكانون مدانا مؤرخاً ... حبا مصرَنا برداً من الثلج زاهيا
(1277) ومن ظريف قوله في حبه تعالى وعمل الصالحات لوجههِ عز وجل:
لئن لم يكن في الصالحات مَثُوبةُ ... وليس على العصيان منهُ عقابُ
إطاعُتُه عندي نعيمٌ وجنةٌ ... وعصيانهُ قبل العذاب عذابُ
وقال يرثي أخويه علياً ومصطفى:
(1/231)

يكينَ حماماتُ الأراك لغربتي ... ونحنَ على فقدان ما أنا فاقدُ
لقد غاب عني فرقدٌ بعد فرقدٍ ... وقد بات عني ماجدُ ثمَّ ماجدُ
وما لي عزاءٌ عنهم غير أنني ... بهم ملحقٌ يوماً وما أنا خالدُ
ومن أدباء العراقيين (إبراهيم فصيح الحيدري) كان مولده في بغداد سنة 1235 (1820) من بيت علم وفضل وسافر إلى دار الخلافة وحصلت له رتبة الحرمين مدة وتولى نيابة القضاء في بغداد وله بعض التآليف وفيها الغث والسمين توفي سنة 1299 (1881م) .
ومنهم السيد (صالح القزويني) هو ابن السيد مهدي الحسيني. ولد في النجف في أواسط شهر رجب 1208 (1793) وبها توفي في 5 ربيع الأول سنة 1301 (أوائل كانون الثاني سنة 1883م انقطع منذ حداثته إلى درس العلوم الدينية والدنيوية على مشايخ وطنه فتضلع منها ثم نبغ بالشعر فقصد القصائد وتعنن في المنظومات. وقد جمع شعره في ديوانين واسعين. وانتقل في شبابه إلى بغداد فوجد بين أهلها أطيب مثوى إلى آخر حياته. فمن شعره قوله في وصف بغداد:
تالله ما الزوراء إلا جنَّة ... الفردوس فيها وافرُ النعماءِ
ما الترْب إلا عنبرٌ ما الماءُ إلا ... كوثرُ يَبري عُضالَ الداء
وكأن بين رياضها وحسانها ... دررُ على ديباجةِ خضراء
ومن حكمه قوله:
لم يَشْرَبْ الصفو من لم يشرب الكدرا ... وليس يَخُطرُ من يركب الخطرا
ولم يَفُزْ بالمنى من ذلَّ جانُبهُ ... ولم يَطُلْ في الورى من باعُهُ قصُرا
أولى الورى بالعُلى من أكْرَمها ... كفاً وأشرَفها ذكرا إذا ذُكرا
جردْ لنيل المعالي صارماً ذكراً ... من العزائم يبري الصارمَ الذكرا
ومُدَّ كفاً إلى العلياء باسطةً ... لمجد بُرْداً بطَي البيدِ منتشرا
شمر من اعزم أذيالاً وكن رجلاً ... بالحزم يَملأ سماعَ الدهِر والبصرا
ومنهم (الشيخ إسماعيل الموصلي) ولد في الموصل وجاء إلى بغداد في أبان شبابه ودرس في مدرسة الصاغة عدة سنن حتى وفاته في 28 ذي الحجة سنة 1302
(1/232)

(1884) حنفي المذهب على الطريقة النقشبندية. وكان إماماً في العلوم اللدنية وبرز في النحو وفي الفنون النقلية والعقلية. وقد أعقب جملة من الأبناء كلهم من طلبة العلم أكبرهم محمد راغب خلف أباه في التدريس. ولأحمد فارس الشدياق قصيدة يمدح فيها الشيخ إبراهيم ويثني على معارفه منها:
كل ما لذهم فذلك عندي ... ألمٌ غير ذكر إبراهيما
عبقريٌ مهذبٌ قد حوى في ... صدرهِ قبل أن يشبَّ العلوما
ولهذا يُدعى فصيحاً وقد جا ... ء وأجاد المنثورَ والمنظوما
وقوافٍ من كل بحرٍ إذا ما ... سُردت خلتهنَّ دراً نظيما
عن أبيه وجده مستفيضٌ ... كلُّ فضلٍ فكان إرثاً مقيما
ومنها في شكر الشيخ لمدافعته عنه وانتصاره له:
رد عني السنيةَ بالنظم والنثر م ... فكانا لذا الرجيم رجوما
علم الناس إبرهيمَ خليلاً ... وصديقاً لي أن دعوت حميما
هذه مدحتي فإن كنت قصر ... تُ فإني مدحتُ براً حليما
ومنهم (عبد الله أفندي العمري الموصلي) من أدباء وطنه المعدودين وأحد رؤساء علماء العراق. له فضول نثرية وأشعار متفرقة لم تجمع حتى اليوم وقد مدحه علماء زمانه منهم عبد الباقي العمري نسيبه حيث قال:
ليت شعري ماذا أقول بمولى ... قد أقرَّت بفضاء الأعداءُ
فيه قرَّت عيونُنا واستنارت ... وازدهت في وروده الخضراءُ
يا أديباً سما سماءً المعالي ... كيف ترقى رُقيَّتك الأدباءُ
نلتَ حدَّ الإعجاز نظماً لهذا ... خرستْ دون نطقك الفصحاءُ
أنت يا سيدي بغير رثاء ... خُتمَ النظمُ فيك والإنشاء
ورثاء حسن البزاز فقال من قصيدة:
قضى الحبرُ الذي للعلم جبرٌ ... به فرجاء أهل العلم يأس
كفى ما قد جرى إن غاض بحرٌ ... وغابت من سماء المجد شمس
(1/233)

أساء الموتُ فيهِ كل نفسٍ ... وطابت منهُ في الفردوس نفسُ
هو التاج الشهير بكل فضلٍ ... تباهى فيه للعلياءِ رأسُ
كأن الموت نقَّاد بصيرُ ... أحسَّ بما يحاولُ منهُ حسُّ
تفرَّد فانتقى منا نقيًّا ... تحسَّرَ بعدهُ عربٌ وفٌرْسُ
وجارى عبد الله أفندي العمري في معارفه وبلاغة كتاباته (شهاب الدين العلوي) أحد رجال وطنه المقدمين يعده العراقيون كفارس حلبة الآداب في زمانه. له ديوان شعر لم ينشر بالطبع وكان يكاتب علماء عصره ويناوبهم الرسائل الأدبية والقصائد الرنانة ومن شعره الذي قاله في الوصف قصيدته التي رويناها في المشرق (740:10) يصف فيها طغيان دجلة أولها:
طغيان دجلة خطبٌ ... من الخطوب المخلةْ
ومن شعره أبيات قالها في مدح مقامات مجمع البحرين للشيخ ناصيف اليازجي:
حديقة أثمرتْ أوراقُها حكماً ... لنا شماريخُها امتدَّت وقد ينعتْ
فمن يشأ يتفكه في مناقبها ... ومن يشأ يتفقهْ بالذي شرعتْ
طالع تُقابلك مهاه الزمان بها ... وانظر إلى صورة الدنيا وقد نصعتْ
كم أودعت نبذ اللسع قد عذُبت ... ورداً ومن قلب ذاك الصدر قد نبعت
على الكمالات طبعُ اللطف أرخها ... لطفاً مقاماتُ ناصيف التي طبعت
(1885) وله قصيدة في رثاء السيد الجليل اقليميس يوسف داود رئيس أساقفة دمشق على السريان سنة 1890 أولها:
من قوم عيسى جانبٌ تهدما ... والدهرُ قد نكس منهُ علما
حطبٌ جسيم ومصابٌ عظما ... بموت من أبكى عليه الأمما
قد فقدوا منه حكيماً حكما ... وكان ذا علم بطب الحركا
وممن مدح الشيخ شهاب الموصلي صاحب الجوائب فقال فيه من أبيات:
شهابُ العصر خلاقُ المعاني ... فهل من ذاكر للأرجاني
عزيز الشأن تفتخر المعاني ... به فخر المعالي والمعاني
ولعمرك أن ما يلقيه قولاً ... ليمسكي ما ينمق بالبنانِ
(1/234)

فذاك الدرٌّ للأسماعِ حليٌ ... وهذا الشذرُ نورٌ للعيانِ
وصفتُ حلاهُ عن بُعدٍ كأني ... أراهُ في علاهُ على التداني
ولا نعلم سنة توفي الشهاب الموصلي. كما أننا لم نقف على تفاصيل أخباره.
ونلحق بشعراء العراق ذكر كاتبين آخرين اشتهروا في الهند أحدهما (السيد صديق حسن خان) وهو أبو الطيب القنوجي البخاري ولد سنة 1248 (1834) في قنوج واتصل بخدمة ملوك الهند خان بهادر وأفاد مالاً كثيراً حتى تزوج بملكة بهوبال في الإقليم الهندي المسمى دكان وجمع مكتبة واسعة واشتغل بالعلم ونشر عدة مصنفات زعم البعض أنها ليست له وإنما كلف العلماء بتصنيفها فعزاها لنفسه كفتح البيان في مقاصد القرآن وكتاب العبرة مما جاء في الغزو والشهادة والهجرة والبلغة في أصول اللغة والعلم الخفاق في الاشتقاق ولف القماط على تصحيح بعض ما استلمته العامة من المعرب والدخيل والمولد والأغلاط وكتاب أبجد العلوم. وقد جمع في كتاب دعاه قرة الأعيان ومسرة الأذهان ما أثنى به عليه أدباء الزمان. توفي صديق حسن خان سنة 1889 بعد أن تجول في البلاد وصارت له سمعة واسعة.
والأديب الثاني هو السيد (حيدر الحلي) ولد سنة 1246 (1831) وتوفي سنة 1304 (1887) برز بنظم الشعر منذ شبابه فدعي بشاعر العراق. طبع له ديوان في بمباي في الهند معظم قصائده في النسيب والفخر والمديح. وهذه أبيات من محاسن قوله في الرثاء:
أأحبابنا هل عائدٌ بكمٌ الدهرٌ ... طواكم وعندي من شمائلكم نشرُ
سلامُ على تلك المحاسن أنها ... مضى فمضى في إثرها الزمنُ النضرُ
ليَ الله بعد اليوم من لي بقُربكم ... وأبعدُ غاد من أتى دونه القبرُ
قفوا زَودونا إنما هي ساعةٌ ... ووعدُ التلاقي بيننا بعدها الحشر
رحلتم وقلبي شطُرهُ في ظعونكم ... وللوجدُ باقٍ منه في أضلعي شطرُ
وشيعتُكم والدمعُ يوم نواكمُ ... غريقان فيه خلفَكم أنا والصبرُ
فكم خَلفَكم لي أنه ما لوتْ بكم ... على أنها قد لان شجوّا لها الصخرُ
سأبكيكم ما ناحَ في الوكر طائرٌ ... فطائرُ قلبي بعدكم ما لهُ وكرُ
(1/235)

وقال يمدح صرعى العلويين:
سقياً لثاوين لم تبللْ مضاجعهم ... إلا الدماءُ وإلا الأدمعُ السُّجُمُ
أفناهمُ صبرُهم تحت الظُّبا كرماً ... حتى مضَوا ورِداهم مِلوه كرَمُ
مشَوا إلى الحرب مشَيَ الضاريات لها ... فصارَعوا الموتَ فيها والقنا أجُمُ
فالحربُ تعلمُ إن ماتوا بها فَلَقدْ ... ماتَتْ بها منهم الأسيافْ إلا الهممُ
عهدي بهم قِصَرُ الأعمارِ شأنُهُم ... لا يهرَمونَ وللهيّابةِ الهَرَمُ
واشتهر كذلك في العراق السيد (جعفر الحلي) المولود في أعمال الحلة سنة 1277 والمتوفى في عز شبابه في النجف سنة 1315 (1860 - 1897) . كان شاعراً مكثراً في شعره الحسن والسقيم وقد طبع في شعره في صيداء سنة 1331 مدح أشراف القوم وخصوصاً أمراء نجد. ومن لطيف قوله يهنئ شاه العجم مظفر الدين بعد قتل سلفه ناصر الدين:
حل المظفر لما الناصرُ ارتحلا ... فما خلا الدستُ حتى قيل فيه حلا
وجه تخفَّى ووجهُ بان رونقه ... كالنيرَين بدا هذا وذا أفلا
نحسٌ وسعدٌ بآفاق العلى اعتركا ... فالحمدُ لله إذ نجم السعودِ علا
مالت جوانبُ تختِ الملك واعتدلتْ ... سرعان ما مال تختُ الملك واعتدلا
ما جرَّعَ الدين صاباً فقدُ ناصره ... حتى دعاه ابنهُ أن يحتسي العسلا
كذي يَدين أمد اللهُ واحدةً ... بقوةِ البطش والأخرى التوت شللا
فسلم الله للإسلام حارسهُ ... ويرحمِ الله من في نصره قتلا
قام الزمان سريعاً من تعشَّره ... كبا على وجهه ثم استوى عَجَلا
لقد بكينا على من قد مضى حزناً ... كما ضحكنا بمن أبقى لنا جذلا
ومن شعراء العراق في أواخر القرن التاسع عشر (الشيخ ملا كاظم الأوزي) تفنن أيضاً في الشعر فعد من فحوله ونشر ديوانه في بمباي. ومما استحسنا له من الحكم قوله:
إن رُمتَ توطئةَ المرامِ الأصعبِ ... فاركَبْ من الإقدامِ اخشنَ مركَبِ
إربا بنفسك أن تَذُودك شهوةٌ ... دون انتصابِكَ فوق أشرفِ منصبِ
(1/236)

لا تكثرنّ من الشباب وذكرهِ ... أنت ابنْ يوْمك لا ابنُ ماضي الأحقبُ
ومنها:
كم من أخٍ لك غير أُمك أمهُ ... تُنسيك سيرتهُ إخاء الّمئنَسبْ
من لم تُؤذَيه خلائقُ طبعهِ ... ألفيتهُ بالسيف غيرَ مؤدَّب
فأحذر عداواتِ الرجال ودارها ... إن لم تكن جَدَّتْ لديك فرِّحبِ
وافطنْ لأدويةِ الأمور فإنما ... سمٌُّ الأفاعي غيرْ سمّ العَقْربِ
وإذا تنكبُهُ من مكان ريحُهُ ... فتخط منهُ إلى المكانِ الأطيبِ
وفي هذه الحقبة أزهر في مكة شيخ علمائها (أحمد بن زيني المعروف بدحلان) ولد في حاضرة الحجاز وتولى الإفتاء للشافعيين واشتغل بالعلوم مدة وفي زمانه أنشئت في مكة أول مطابعها فكان السيد دحلان متولياً نظارتها ونشر فيها تآليف من قلمه كالجداول المرضية في تاريخ الدول الإسلامية وكتاب الفتوحات الإسلامية في جزأين كبيرين. وكان طبع في مصر قبل ذلك كتباً أخرى كالسيرة النبوية والفتح المبين في فضائل الخلفاء الراشدين وخلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام طبعه في مصر ثم أضاف إليه ملحقاً طبعه في مكة. توفي الشيخ دحلان سنة 1886 في المدينة بعد أن سار إليها في رفقة الشيخ عون الرفيق لما خرج هذا من وجه حاكمها عثمان باشا.
ونختم هذا الفضل في أدباء المسلمين بذكر أحد مشاهير رجال الدولة التركية الذي رفع في أمته لواء الآداب فضلاً عما أحرزه من المجد في تدبير الأمور وحسن السياسة نعني به الوزير الخطير (أحمد جودت باشا) . ولد في لوفجة في ولاية الطونة سنة 1238 (1822) وانكب منذ حداثته على درس العلوم الدينية والدنيوية وبرع في اللغتين الفارسية والعربية فضلاً عن لغته التركية. وليس من غايتنا أن نتقفى آثار المترجم في المأموريات التي تولاها والمناصب التي تقلب فيها في كل الدواوين منها الأحكام العدلية ونظارة المعارف إلى أن بلغ رتبة الوزارة السامية وانتظم في سلك شورى الدولة. وإنما نكتفي بذكر مؤلفاته فأعظمها شأناً تاريخه لآل عثمان في تسعة مجلدات عرب جزؤه الأول جناب عبد القادر أفندي الدنا فطبعه في بيروت سنة 1308. وله رسائل عربية وتعليقات. ونقلاً قسماً من مقدمة ابن خلدون إلى
(1/237)

التركية وصنف عدة كتب مدرسية للأحداث ظهر بعضها في العربية. وكان جودت باشا أحد الأتراك القليلين الذين بلغوا من آداب العرب مبلغاً واسعاً. أما معارفه في اللغة التركية فيعد فيها إماماً وحجة. كانت وفاتته سنة 1312 (1894) .
ومن أدباء الإسلام في تونس (الشيخ محمد بيرم) ولد فيها سنة 1256 وتوفي في مصر سنة 1307 (1840 - 1889) تقلب في بلاده في المناصب الخطيرة كنظارة الطابع ونظارة الأوقاف وقد لعب دوراً مهماً في مناهضة الحكم الاستبدادي في وطنه وعضد الشورى إلا أن آماله خابت بعد فرنسة سيطرتها على بلاد تونس فانتقل إلى مصر وخدم فيها السياسة الإنكليزية وولي القضاء في محكمتها الابتدائية. وله آثار أدبية أخطرها كتابه صفوة الأخبار بمستودع الأمطار ضمه تاريخ تونس وأخبار سياحاته في أنحاء أوربا. وله رد على بيتان في ما كتبه عن الإسلام وكتاب في فن العروض ومقالات اجتماعية حاول فيها بيان طرق إصلاح الإسلام وتقريبهم من عوامل التمدن الحديث.

أدباء النصرانية في هذه المدة
قد امتاز في ختام القرن التاسع عشر نخبة من كتبة النصارى الذين تلقنوا الآداب العربية في مكاتب مللهم الخاصة أو في نوادي العلوم التي أنشأها المرسلون ولو أردنا ذكرهم فرداً فرداً لاتسع بنا المجال وحسبنا تعداد من برز بينهم بمعارفه.
كان في مقدمتهم رؤساء الطوائف من بطاركة وأساقفة وكهنة أفاضل لا يسعنا السكوت عن خدمتهم للآداب ومساعيهم الطيبة في ترويج أسواقها فضلاً عما خلفوه من آثار قلمهم. فكان على الطائفة المارونية السيد السند (البطريرك بولس مسعد) رعاها مدة 36 سنة بتقى واجتهاد وكانت وفاته في أواسط نيسان من السنة 1890 وله من العمر 85 سنة. وكان متضلعاً بالتاريخ الشرقي الديني والعالمي ومن آثاره كتابه التحفة الغراء في دوام بتولية العذراء وكتابه الدر المنظوم الذي طبع في طاميش وسعى هناك بطبع لاهوت القديس الفونس ليغوري معرباً إلى غير ذلك من الأعمال المفيدة.
واشتهر بين أساقفة الموارنة المطران (يوحنا حبيب) مطران الناصرة شرقاً
(1/238)

(1816 - 1894) ومنشئ جمعية المرسلين الكريميين. تولى في لبنان القضاء زمناً على عهد الأمير بشير الكبير وبرع في معرفة الفقه والحقوق وكتب في ذلك تأليفاً. ومن مآثره تعريب اللاهوت الأدبي للأب يوحنا غوري اليسوعي في مجلدين وذيل ترجمته بملحوظات فقهية من الشرع الحنفي. وله رد على الشيعة الماسونية وعدة رسائل في مواضيع مختلفة لا تزال مخطوطة. أما جمعية المرسلين اللبنانيين فإنما أنشأها سنة 1865 ونسبت إلى الكريم وهو الدير الذي اتخذه في لبنان لإدارتها.
وممن عرفوا بسمو الهمة في تعزيز الآداب في الربع الأخير من القرن السابق أساقفة حلب الموارنة (السيد يوسف مطر 1814 - 1882) أنشأ في الشهباء مكتباً لملته واستجلب إليها مطبعة أدت للحلبيين خدماً مشكورة سبق لنا تفصيل مطبوعاتها (في الشرق 3 (1900) : 358) . ودرج إدراجه خلفه (السيد بولس حكيم الحلبي 1817 - 1888) له مواعظ وخطب شتى. وكان يقول بديهاً القدود والقصائد والزجليات اللطيفة والأناشيد التقوية على اللهجة العامية.
وأناف عليها شهرة خلفهما السيد (جرمانوس الشمالي) من سهيلة كسروان المولود سنة 1828 والمتوفى في 8 ك1 1895 تهذب في مدرسة مار عبدا هرهريا الاكليريكية وبرع في معرفة اللغتين العربية والسريانية وعلّم هناك مدة عشر سنين بعد كهنوته سنة 1855 ثم انضوى إلى جمعية المرسلين اللبنانيين فكان أحد أعضائها الممتازين بأعماله الرسولية وتقاه وبلاغته إلى أن رقّاه غبطة البطريرك يوحنا الحاج إلى رئاسة أسقفية حلب سنة 1888 فأخذ اسم جرمانوس ذكراً بنابغة حلب السيد جرمانوس فرحات فساسها مدة سبع سنين بحكمة عجيبة وغيرة لم تعرف الملل حتى أدى به تفانيه في خدمة رعيته إلى انحلال القوى ثم إلى انقضاء الأجل يوم عيد حبل العذراء بلا دنس. وكان السيد جرمانوس مثالاً حياً لكل الفضائل الأسقفية. أما شهرته في الآداب العربية فتشهد عليها آثاره الباقية. منها مجلدان ضمنها مجموع خطبه وعظاته ثم ديوانه المسمى (نظم اللآلئ) وفيه كثير من المنظومات الجيدة. وقد سبق المشرق فأثبت ترجمة حياته مطولة (850:5 - 860) فنحيل إليها القراء. وهذا مثال من شعره نضيفه إلى ما هنالك وهو مدحه لمصر قاله سنة 1889:
(1/239)

أحسن بمصرَ وما شاءت مَواليها ... من لي بهادٍ إلى مدحٍ يوازيها
عاينتُ أكثرَ مما كنتُ أسمعهُ ... من عزةِ النفس والتقوى بأهليها
محروسةٌ صانها المولى بقدرتهِ ... وعينهُ لم تزل يَقْظى تراعيها
فيها مباني عِمادِ المجد من قِدَمٍ ... تُعَدُّ أعجوبةَ الدنيا مبانيها
من فائض النيل تُسقى مثلما شرعت ... من فائض العلم تَسْقي من ثوى فيها
تبارك الله ما أشهى خمائلها ... تستنشق الروح رَّياها فتُحييها
فالبحرُ أوسطُها والَبرُّ حاط بها ... والسهلُ والوعر كلُّ من فحاويها
سبحان من يجمع الدنيا بواحدةٍ ... فتحتوي كل ما تحوي أقاصيها
أهرامها الشمُّ وآثارها شاهدةٌ ... بعزةٍ الملك من إعصار بانيها
تُدعى بقاهرة الأعداء عن ثقةٍ ... ومنبعُ العلم من اسْمي أساميها
ودَّعتُ قلبي لدى نظمي مؤرخَه ... وداعً مصرٍ فإني غير ناسيها
(1889) وعرف أيضاً في هذا الزمان أحد رؤساء أساقفة قبرص المطران (يوسف الزغبي) درس في مدرستنا الاكليريكية في غزير ثم علّم في كلية ليل من أعمال فرنسة اللغتين العربية السريانية وسعى في أيام أسقفيته بإنشاء مدرسة قرنة شهوان سنة 1885 فنالت بهمته نجاحاً. وله كتاب في الفلسفة لم يسعده الوقت على إتمامه. وتوفي في أواسط كانون الأول من السنة 1890.
أما الكهنة الموارنة فنال السبق بينهم في الآداب الخوري (أرسانيوس الفاخوري) ولد في بعبدا سنة 1800 وتوفي في غزير سنة 1883 خدم الكنيسة والوطن بكل تفان فاتخذه القصّاد الرسوليون كمعاون لهم في أشغالهم. ولزم مدة أعمال القضاء في لبنان ودرس العلوم العربية والقوانين الفقهية لكثير من الطالبين كما ذكر في ترجمته المطولة التي نشرناها في المشرق (3 (1900) : 606 - 616) . وعددنا هناك ما أبقى من الآثار الجليلة كشرح ديوان المتنبي وشرح ديوان المطران فرحات ومطول في الصرف والنحو. وقد طبع من تآليفه كتابه روض الجنان في المعاني والبيان وكتابه زهر الربيع في فن البديع والميزان الذهبي في الشعر العربي. وله ديوان كبير اقتطفنا منه بعض قصائده في المشرق منها بديعيته (المشرق 4 (1901) : 26) وقصيدته في خميس الأسرار (20 (1922) : 385) وفي قبر المسيح (3 (1900) : 363) وغير ذلك.
(1/240)

ومن شعره في الطهارة من أبيات:
يا صاحِ عِش متسربلاً بطهارةٍ ... تُصبِ المعالي في عُلى سربالها
لا إرْثَ في ملك الإله لفاجرٍ ... هيهات أن يأوي السما مع آلها
فالله من دون الطهارة لن يُرى ... أنَّ النعيم معلَّق بكمالها
وقال مخمساً لبيتين نظمهما أحد الشعراء:
أتوق لودِّ من يهوي ودادي ... وفي شكلٍ كلانا باتحادِ
كأني في وفاقٍ بالفؤادِ ... رأيتُ بنفسجاً في ظل وادي
وغصنَ ألبانِ منعكفاً عليهِ
فكل يجذب الثاني لحب ... كمغناطيس قد كنا يجذب
وقلبه شاخص عيناً لقلبي ... فقلت تأملوا بصنيع ربي
شبيه الشكل منجذبٌ إليهِ
وله أرجوزة طويلة قالها 1869 ليبين فيها حرية الإنسان وخلو إرادته من الاضطرار السابق هاك أولها:
الحمدُ لله القدير السرمدي ... حمداً يقيناً من شرور المعتدي
خلقنا الله على صورتهِ ... وشبههِ جلَّ عُلَى قدرتهِ
لكي نحبَّه هنا ونعبدا ... ونرثَ الملك الذي قد خُلِدا
فينا اختياراً كاملاً قد أوجدا ... لكلّ قولٍ ثم فعلٍ يُبْتدا
حرّيةٌ مطلقةٌ وفيَّه ... في فعل ما تريدهُ المشيّهْ
قد ضلَّ من قبل به الخلافا ... ولا يرى رأياً بذا مُعافى
أمامك النيرانُ والماءٌ فما ... تختارُ منهما له أمدُدْ مِعْصما
بذا ابنْ سيراخَ الحكيم علماًّ ... كذا لنا الدينُ القويمُ سَلّما
لولا اختيارٌ لفعالِ فاعلِ ... لم ُيجْزَ عنها من وليٍّ عادلِ
وفي هذا العشر التاسع أي نحو 1880 وتوفي أحد شعراء لبنان الراهب الفاضل (القس أغناطيوس الخازن) من الأسرة الخازنية والرهبانية اللبنانية تولى زمناً طويلاً رئاسة دير البنات وكان معروفاً بفضله وجودة قريحته عارفاً بالفقه. وقد وقفنا له على
(1/241)

ديوان مخطوط يدل على توقد فهمه وذكاء عقله ضمنه كثيراً من تواريخ لبنان من السنة 1850 إلى 1877 لكن نسخة هذا الديوان سقيمة قد تشوهت أكثر قصائدها بأغلاط النساخ. ومما يروى له قوله في دير سيدة ميفوق يشكو أثقال الرئاسة:
ويلٌ لمن طلب الرئاسة فاعتلى ... فالرفعُ بالخفض استبانَ ما ولى
كم بات مضطرباً لصرف ملمَّةٍ ... كم ضاق من تعب الفؤاد فولولا
تباً لها من مهنة بل محنة ... يُلهْى بها النُّساَّك عن ربّ الملا
كم حاسدٍ جلبَت وردّت حاسداً ... والبالُ فيها لا يزال مبُلبلا
مملوءةٌ مرا ولا حُلوٌ بها ... تخلو من الحلوى وهل صبرٌ حلا
إن قيل كلُّ المرئاسة مائلٌ ... قلتُ الفراشةُ تشتهي ضوءاً صلى
وقال مؤرخاً وفاة الأمير حيدر اللمعي قائمقام النصارى المتوفى سنة 1854:
بكتِ العيونُ أمير عُربٍ حيدرا ... من بعده هجر القلوبُ سلاما
إذ غاب عنها صاح كل مؤرخ ... آهاً ببيتِ اللمعِ صار ظلاماً
وقال متفكهاً في أقرع أتته من بعض أصحابه قرعة مملوءة من الخمر الجيدة فعثرت رجله بها وأفاض الخمر:
قد صبَّ أقرعُ في طريقٍ قرعة ... وأتى بعذرٍ يشتكي من تَعسهِ
عزّيُتهُ بالقول طِبْ نفساً وسِر ... فالكل شيء آفهُ من جنسهِ
واشتهر بفنون الآداب كاهنان مارونيان من غزير وقعت وفتهما في الربع الأخير من القرن السابق. الأول (الخوري يوسف الهاني) وكان يدعى قبل كهنوته منصور الهمش تعلم في مدرستنا الاكليريكية في غزير وعلم فيها العربية. ومن آثاره مقاماته الغزيرية التي طبعت سنة 1872 في مطبعتنا الكاثوليكية وفي آخرها قصيدته العامرة الأبيات في لاموريسيار وجنوده المتطوعين البسلاء المعروفين بالزواوة الذين ماتوا شهداء في خدمة الكرسي الرسولي في كستلفيدردو سنة 1860 وكانوا من نخبة الشبيبة وأجال لشرف الأسر الكاثوليكية هذا مطلعها:
(1/242)

كريمَ النفس قُمْ بالنفسِ فادٍ ... فقد نَسيَ العَقُوقُ ثَدى الولادِ
عهدتُ الحرَّ يعتنق العوالي ... ويدفعُ عنقهُ من ذي ودادِ
وإن خان الدعيُّ حليبَ أمٍّ ... فذاك بنفسهِ عنها يُفادي
ومنها يصف ثورة أعداء الدين وشهامة أنصاره:
أثاروا ضدَّ رأس الدين حرباً ... حِرَابُهمُ بها كانت صوادي
ونادوا ابن مَن يحمي ذماراً ... ترومُ في نزالَهُ في أي نادٍ
فما لبث الرواوةُ أن أتوْهم ... بأسرعَ من صدى الصوت المُنادي
وصاحوا يا لحقّ بابويٍ ... متين الأصل مرتَفَعِ العمادِ
وشاقَتْهم كؤوس الحَتْف شرباً ... وحنُّوا للمهنَّدةِ الحدادِ
رويداً أيها الأبطال مَهْلاً ... فسيفُ عُداتكم الدم صادِ
حُسامٌ من جهنَّمَ قُلّدوهُ ... تقدُّ شفارُهُ صُمٍّ الجمادِ
ألا دَعْنا نُلاقي الحتف عفواً ... ولا تَحِرم جياعاً حسن زادِ
بمَ الأعضاء تحيا بعد رأسٍ ... وكيفَ الجسمُ دون القلب هادٍ
فكُفَّ ملامةَ الحُساَّدِ عَّنا ... ونادِ على السطوح وفي المِهادِ
دَعوهم ينصرون الحقَّ جهراً ... على أهل الضلالةِ والفسادِ
دَعوهم في الفخار لجرِ ذيلٍ ... ونَيلِ أكلةٍ عُقبى جهادِ
ولا تخشوا عليهم من ضلالٍ ... فلاموريسيَارُ أحقٌ هادٍ
إلى أن قال يمدحهم بفوزهم إكليل الشهادة:
فإذ شهد الرواوةُ تِي الرزايا ... ونارَ الحرب تُضرَمُ باتقادِ
بدمِهمِ الزكيَّ أطفئوها ... وما أحلى الدماءَ بذا الجهادِ
فلا تحزن عليهم نادباتٌ ... خرائدُ سافرات في حدادِ
فإن غابوا فأقمار توارت ... وليس أفولها حدَّ النفادِ
وإن فقدوا الحياةَ فقد أصابوا ... بدار الخُلدِ مجداً بازديادِ
أتوا مولاهمُ شهداءَ حقٍ ... وعدوُّا القَتْل أشهى من شهادِ
وللخوري يوسف الهاني مآثر أخرى أخصها كتاب منارة الطلاب في التصريف
(1/243)

والأعراب طُبع في مطبعتنا الكاثوليكية. ولهُ أناشيد متفرقة كقولهِ على لسان مريم العذراء عند مهد طفلها يسوع:
نَمْ يا حياتي بألهنا ... يا نور عيني والمُنى
ذوقَنْ بطَرفٍ أنعَسِ ... وسَناً يَلذُّ لنُعسِ
في جَنْح ليلِ الحندسِ ... فإلى جفونك قد دنا
ولدي أيا زهر الرُّبى ... تسمو البنين كما الصَّبا
قد فُقتَ عِقداً مذَهبا ... بل عقدُ درِ بالسنا
ما سوسنٌ في جامهِ ... قد ذرَّ من أكمامهِ
مع وردهِ وخُزامهِ ... يحيك يا بدر المُنى
كانت وفاة الخوري يوسف الهاني في السنة 1885. أمَّا وطنيهُ الآخر (فالخوري حنَّا رعد) المعروف بالعاصي أيضاً كان ذا قلمٍ سيَّال يحسن الكتابة نُظماً ونثراً. ولهُ ديوان شعر مخطوط يضنُّ بهِ آلهُ ويحاولون نشرهُ سلس مطبوع روينا منهُ سابقاً قصيدة في مريم العذراء (المشرق 7: 431) . ومن جملة أقوالهِ قصيدة دعاها جبر الكسر يذكر فيها وفاة البطريرك بولس مسعد ويهنئ بها خلفهُ السيّد يوحنا الحاج سنة 1890:
بالأمس كان الرثا والدمعُ ينسجمُ ... واليوم عمَّ الهنا والثغرُ يبتسمُ
طافت بنا الكأس من صابٍ ومن عسلٍ ... والحمدُ لله في الحالين ملتزمُ
لا يهملُ الله في الجُلَّى كنيستَهُ ... ولو أحاطت بها الأرزاءُ تلتطمُ
أزال بالحبر يوحنا مصائبنا ... فالكَسرُ مُنجَبرٌ والجرحُ ملتئمٌ
وهي طويلة ختمها بقولهِ:
أنت المؤمَّل أن تُضحي رئاستُهُ ... لنا وللدين حصناً ليس ينثلمُ
آمالنا فيك كالألحاظ شاخصةٌ ... لها معانٍ ولكن ما لها كَلمُ
(1/244)

جئنا نهنيك لكن ألهنا لنا ... فإنَّ نعماك للأبناء مغتنمُ
فاقبل ثناء بلا منِّ وتهنئة ... بهما يُترِجمُ عن فحوى الفؤادِ فمُ
وكان المترجم مولعاً بفرنسا يعظم مفاخرها ويطرأ بشهامة أبنائها ويشكر لدولتهم التي أنقذت نصارى الشرق من نكبات المعتدين فمن ذلك عينيَّته الشهيرة التي قالها سنة 1860 بعد حوادث الشام:
كفَّ البكا وامسح عيوناً تدمعُ ... واحفظْ بقيَّة مهجةٍ تتصدَّعُ
صبراً ولا تهلك أسى وتوجعاً ... فلعلَّ سعدك في الطوالع يطلعُ
يا شرقُ أمركَ مذهلٌ أو معضل ... والقلب حيران لذاك وموجعُ
قد كنتُ آلفت المصائب ذلّةً ... حتى دهتك مصيبةُ لا توسعُ
لبنانُ ما هذه الجماجمُ والدما ... ما للمنازل وهي قفرٌ بلقعُ
إلى أن قال على لسان الرب ملبياً دعوة المنكوبين:
حتّام تفترسُ الذئاب رعيَّتي ... فقطيعيَ المختار كاد يُقطَّعُ
ولقد أقمتُ لنصر شعبي ظافراً ... بطلاً تخرُّ لهُ الجهات الأربعُ
صحنا وكان إلى فرنس الصوت: يا ... نابوليون. أجابنا: لا تجزعوا
إني لمنجدكم وكاشفُ كَربكم ... برضى الإلهِ سواهُ فخراً يُمنعُ
ومنها في وصف الحملة الفرنسويَّة:
وكواسرُ لا الهولْ في أوهامها ... هولٌ ولا في الموت المريع يروَعُ
لا ترهبُ الأسيافَ إن سُلَّت ولا ... تحمي الجيوشُ ولا المدافعُ تدفعُ
منها الرؤافُ ولم تكن يوماً سوى ... الموت الزؤاف وكل عات موقعُ
تلك البُحورُ على البرور طمت ولا ... سدٌ يصدُ ولا حجابٌ يمنعُ
ليس الملا إلا المراكبُ والموا ... كبُ والقواضبُ والقنا والأدرعُ
وهي السوابقُ والسرادق والبنا ... دقُ والصواعقُ والمنيَّةُ تتبعُ
سعداً ليوم بشَّرت أعلامُهُ ... أن الحياة من المنية أسرعُ
لله درك يا فرنسا مركزاً ... للدين والدنيا إليكِ المرجعُ
لولاكِ لم يشرق نهارُ سلامة ... فينا ولا زال الشقا المستفظعُ
(1/245)

وهي طويلة أبياتها من غرر الأقوال تتدفق جوداً ورقَّة. ولهُ قصيدة مثلها في بلاغتها وهي نونيَّة قالها سنة 1871 لمَّا زار لبنان القنصل الفرنسوي روستان مطلعها:
حبٌ قديمٌ ثابتُ الأركانِ ... لفرنسَ قام على ذُرى لبنان
وللخوري حنَّا رعد عدَّة أناشيد يتغنى بها النصارى إلى يومنا هذا في المجتمعات التقوية كقولهِ في مدح البتول:
مَجْدُ مريم يتعظّمْ ... في المشارقْ والغروبْ
وقولهِ:
عليك السلامُ بلا مالْ ... يا نجمة البحر والأملُ
وقولهِ في القربان الأقدس:
لك التسبيح والشكرانْ ... لك المجد يا سرّ القربانْ
توفي الخوري يوحنا رعد في 13 أيلول من السنة 1900
وفي 19 شباط من السنة 1889 فقدت الشهباء أحد كهنتها الموارنة الإجلاء (القس اغوسطينوس عازار) درس العلوم في مدرستنا الاكليريكية في غزير وكان يسمى جرجس وبرع في اللغة العربية فلمّا عاد إلى وطنه انقطع إلى التدريس والتأليف ونقل الكتب العربية وخدم الآداب نحو عشر سنين. ومن تآليفه كتاب خلاصة المعرفة في أخص قضايا الفلسفة طبع سنة 1886 في بيروت. ولهُ ديوان شعر أخذته يد الضياع إلا بعض القصائد التي نشرت في المجاميع الأدبية. فمن قوله في رثاء يذكر الموت:
من أين يرجو المرء خلداً إذ يرى ... كلاًّ يزول مع الزمانِ ويُدفعُ
إن الحياة لدى الحقيقةٍ عهدُها ... يمضي كلمع البرق أو هو أسرعُ
كلّ لهُ يوم يودّعُ أهلَهُ ... فيه وداعاً مطلقاً ويودَّعُ
(1/246)

لا فرق عند الموت بين أكابرٍ ... وأصاغرٍ حين القضاء يُلعلعُ
ما هذه الدنيا لدى عيني سوى ... سفرٍ إلى أبدية لا ترجعُ
إن رمتَ يا صاحِ السعادةَ والبقا ... فاسلك سبيل الله صدقاً تنجعُ
وله في يوبيل البابا لاون (سنة 1887 - 1888) قصيدة غراء افتتحها بقولهِ:
نادى المنادي بَوْحي الله ما كتبا ... في آية النصر إنَّ الليث قد غلبا
ليث من الأنس تخشى الأرض سطوته ... في الغرب والشرق إن عجماً أو عربا
فأعجب له أسداً بالبأس منتصراً ... بالأنس مشتهرا في الكون مرتهبا
ومنها:
رعياً لراعٍ رعى حقَّ الإله ولم ... يُبدِ التساهلَ فيما العدلُ قد طلبا
مذ قام حق قيام في رسالته ... بهمة بلغت غاياتها الأرَبا
ووفق الدين والدنيا بحكمتهِ ... ولم يَدَعَ لهما عذراً ولا سببا
يمناهُ حاملةُ الإنجيل ما برحت ... يسراهُ تعضد ساداتِ الورى الحُسبا
قوَّى الملوك على أعداء سلطتهم ... بكبحهِ الثورة الشنعاء والغضبا
وقام بجهد في العمران طاقَتهُ ... فردَّ ما كان منهُ الدهرُ قد سلبا
هز العصا فأراع الكفر فارتعدت ... منها العُصاةُ فماذا لو بها ضربا
وهي طويلة بليغة ختمها بهذا التاريخ:
قد حاز لاوون ما التاريخ ينشدهُ ... اسماً مدى الدهر يبقى ذكرهُ عجبا
ولم يتأخر الأكليروس السرياني الكاثوليكي في نهضة الآداب العربية في ختام القرن التاسع عشر ففي سنة 1874 توفي البطريرك (فيلبُّس عركوس) وكان متضلعاً بعدَّة لغات شرقية وغربية. له كتاب مخطوط عنوانه قوت النفس فيه إرشادات ومواعظ. فخلفه السيد البطريرك (اغناطيوس جرجس شلحت) الحلبي الأصل (1818 - 1891) اشتهر بالعلوم الطقسيَّة وعززَّ الموسيقى الكنسيَّة. ومن آثاره الطيبة كتابان أحدهما يحتوي على مواعظ وخطب دينيَّة والآخر ضمّنه تاريخ الكنيسة الشرقية. هذا فضلاً عن عدَّة كتب طقسية سعى بتنقيحها وطبعها في السريانيَّة والعربية.
(1/247)

وقام من بعده السيد (اغناطيوس بهنام بني) الموصلي (1891 - 1897) درس في رومية العظمى ونال شهادة الملفنة في اللاهوت والفلسفة. وقد نشر في مطبعة الآباء الدومنكيين في الموصل كتاباً أثبت فيه حقيقة الكنيسة الكاثوليكية دعاهُ الدرَّة النفيسة في حقيقة الكنيسة ولهُ كتاب كلندار السَّنة لأبرشية الموصل السريانية. في رئاسة بطرس وخلفائه الأحبار الرومانيين.
وزيَّن الشام في أواخر ذلك العصر خبران جليلان من الطائفة نفسها أعني السيد (تاؤفيلس أنطون قندلفت) الحلبي (1836 - 1898) الذي تعين مطراناً على طرابلس وسكن بيروت. وله تركة علمية واسعة منها دينية كالسراج الوهَّاج في سنة الزواج والرأي الأمين في حل بعض المشاكل الزيجية عند الشرقيين وكتاب مواعظ دعاه عقود الجمان في شرح قانون الإيمان في ثلاثة مجلدات أردفه بكتاب القلادة الدرية في شرح الوصايا الإلهية وكتاب القيثارة الشجية في التسابيح الإلهية جمع فيه تسابيح وأناشيد تقوية أدرجها في الكنائس وكل هذه الكتب إلا الأخير نشرت. بالطبع أما كتبه الأدبية فمنها رواية ظريفة تدعى الذميم والذميمة وكتاب الذكرى لمن اعتبر يحتوي انتقادات وحكماً وشذرات أدبية بالنثر والنظم لم يطبع. وله عدَّة مقامات وقصائد وروايات طبعت في مجلة النحلة وفي بعض المجاميع فمن قوله في مدح أحد أدباء الآستانة يوسف نعمة الله جد:
ما لي وللدهر دَعنْي أنني ثَمِلٌ ... من راح أهل الوفا والفهم والكَرَمِ
من جدُّهم جاد واستعلت معالمهم ... حتى غدا فضلُهم ناراً على علمِ
من أهل جدٍّ فتى رام العُلى فَعَلا ... بالفضل والعقل والإحسان والشيمِ
سميُّ رأي سني الفكر ذو حذقٍ ... في وصف جانبهِ قد حار كل فمِ
وله مجيباً لقدسي زاده قدري بك وكان أرسل إليه قصيدة يعرب فيها عن أشواقه إلى وطنه وخلانه في الشهباء أوَّلها:
يا راقياً يبغي ذوى الشهباءِ ... ومعرّجاً للبلدة البيضاءِ
فوجَّه المطران انطون إليه بهذه القصيدة من بحرها وقافيتها:
يا صاعداً أوج العلى بثناء ... ولواك منعقدٌ على الجوزاء
(1/248)

وسواك يبغي المجد لكن جدُهُ ... هيهات مثلك يا ذُرى الفضلاء
حسبٌ وفضلٌ قد جمعت كليهما ... مع رقَّة ومكارمٍ وسناء
أوليتني الإحسانَ بالتوديع في ... مصرٍ بخير قصيدة غرَّاء
فيها الحنينُ إلى المواطن والحما ... وإلى الأفاضل من بني الشهباء
فلثمتها وتلوتها ونشرتها ... وحسبتها من أوجه النعماء
ومنها:
أنت الملاذْ لآل قُدْس وأنْ ... ت الفخرُ للأوطانِ يا مولائي
لم تنس شيمتك الكريمة دائماً ... بالحلَ والترحال دون وفاء
فلتفتخر حلبٌ بعبد القادر م ... القُدسي على الأقطار والأنحاء
وختمها بقوله:
خذها لردّ صدى الوداد على الندى ... من ذي وفاء ودُهُ بصفاءٍ
وأصفَحْ بفضلك عن قصوري إنني ... في كنفِ عفوك قد وجدتْ حمائي
وزاد على من سبق ذكرهم شهرة السيد (اقليميس يوسف داود) ولد في الموصل من أسرة كلدانية في 23 تشرين الثاني سنة 1829 وبعد أن درس فيها مدة في مدرسة الآباء الدومنيكيين ثم في مدرسة الآباء اليسوعيين في غزير أتم دروسه في رومية وحاز السبق على أقرانه في العلوم الدينية والدنيوية ثم انضوى إلى الطائفة السريانية وعاد إلى وطنه وعلم عدة سنين في مدرسة الآباء الدومنيكيين فتخرج عليه كثيرون عرفوا بآدابهم ومنشآتهم ووكل المرسلون إليه نظارة مطبعتهم وإصلاح منشوراتها فقام بالأمر أحسن قيام واهتم بطبع تآليف جمّة لا تزال واسطة قلادتها. وقد اهتم بالأعمال الرسوليَّة اهتمام العبد الصالح فخدم النفوس بالمواعظ والكتابة والتأليف وإنشاء المدارس إلى أن عهد إليه الكرسي الرسولي تدبير أبرشية دمشق فلبَّى دعوته مرغوماً. وآثاره العديدة في الفيحاء لا تزال تنطق بفضله وهناك أقيم له نصف تمثال من الرخام في الدار الأسقفية التي زانها بفضائله وعلومه من السنة 1878 إلى تاريخ وفاته في 4 آب 1890. وقد استوفى جناب الفيكنت فيليب نصر الله طرَّازي ذكر أعماله في كتابه القلادة النفيسة في فقيد العلم والكنيسة الذي طبعه في
(1/249)

مطبعتنا سنة 1891 وهناك تجد جدول تآليفه المطوَّل. ومجموع آثاره العلمية في كل الفنون والمعارف العصرية تنيف على الثمانين تأليفاً أو تعريباً أو إصلاحاً وتنقيحاً. بينها قسم واسع في الآداب العربية من صرف ونحو وعروض وخطب وتاريخ وآداب شعريَّة ونثرية لعله أول من زوَّد المدارس الكاثوليكية بكتب تعليم منقحة. وتعريبه للأسفار المقدَّسة ينبئ بفضله العميم. وأما آثاره بالسريانية فتكاد لا تحصى. وله حتى يومنا عدة تصانيف لم تنشر بالطبع مع كثرة فوائدها. وكان للسيد اقليميس داود مقام جليل بين العلماء الأجانب يقدرون قدره في كل الأبحاث الشرقية وقد رثاه كثيرون بالمراثي النفيسة ومن أجودها قول الدكتور لويس صابونجي:
وترثي دمشقُ الشام فَقْد عزيزها ... مع الموصل الحدباء إذ قام مشهَدُ
سأبكي عليه ما تقطَّر مدمعي ... وراح يمامُ في الأراك يغردُ
بكتهُ طروسٌ واليراعُ ونَثُرهُ ... وناح عليه الشعر إذ بات يُنَشَّدُ
بكتُهُ علوم الأولين بأسرها ... بدمعٍ غزير سيلهُ لا يُجّمدُ
وراح عليه المجدُ يبكي تأسفاً ... وقلبُ المعالي بالمرائر يَفسُدُ
وراح من السريان مجمعُ شرفةٍ ... يُقرُّ لهُ بالفضل في ما يحدّدُ
ومجمعُ واتيكانَ يندب فُقْدَ من ... لديهِ تقاليد الطوائف توجدُ
وهي طويلة منها قوله في قير الفقيد:
عليك سلامُ الله ما ضاءَ فرقدٌ ... ودمتَ بقطْر الغيث تُسْقى وتُقْصدُ
سألت الهي أن يمنَّ بفضلهِ ... عليَّ بتقبيل الضريح فأحمدُ
واغسل ذاك القبر بالدمع فرجةً ... لأن غليلي بالدموع يُبرَّدُ
وممن اشتهر بين كهنة السريان الخوري (يوسف معمار باشي) المارديني تلميذ مدرسة بروبغندا ودير الشرفة رحل إلى أميركا سنة 1880 وسطر أخبار رحلته في كتاب دعاه إرشاد القريب والبعيد إلى معرفة العالم الجديد. توفي سنة 1879.
وكذلك عرف كاهن فاضل كان من تلامذة مدرستنا في غزير ومدرسة الشرفة الخورفسقفوس (ميخائيل دلاَّل) تولى كتابة الأسرار للبطريرك جرجس شلحت زمناً طويلاً وكان شاعراً مجيداً. ومن آثاره روايات أدبية كإحسان الإنسان
(1/250)

والنفح في الفتى المهاجر والفتاة الخرساء. وله ديوان شعر غير مطبوع فمن أقواله الزهديّة:
أرى الدنيا بهاها لا يطولُ ... وزُخْرفها برمتَّهِ يزولُ
فعزَّتُها وبهجتها خيالٌ ... وزهرُ الحَقْل برهان دليلُ
فهذا الزهرُ عند الصبحِ يزهو ... ويفتك في المساء به الذبولُ
فكيف الناس في لهوٍ حيارى ... ورأسهمُ تدور بهِ الشَّمولُ
ألا ليت الأنامَ يعون قولي ... ففي الأخرى لهم خيرٌ جزيلُ
وقال من قصيدة طويلة في مديح لاوون الثالث عشر:
حبرُنا لاوونُ من قدراً سما ... وتعالى سؤدداً دون مثَلْ
من حباهُ الله أوفى منحةٍ ... إذ رآهُ مستحقاً للنِحَلْ
خلف المغبوط شمعونَ الصفا ... من مفاتيح السماوات اقتبلْ
فبغى نصراً لحق الدين في ... كل حال منه لا يهوي بدَلْ
وأزاح الستر عما قد فشا ... من ضلال الكفر في كل محلْ
إن أقُل فيهِ ختاماً قد غدا ... مِحْوَرُ الدنيا عليهِ لا جَدَلْ
توفي القس ميخائيل دلال سنة 1894.
وقد جارى الأكليروس الكلداني اخوتهم السريان في رفع لواء الآداب إلا أن همتهم كانت مصروفة إلى لغتهم فإن مطبعتهم في الموصل عنيت خصوصاً بنشر الآثار الكلدانية. على أن (جرجس عبد يشوع خياط الموصلي) كان يتقن اللغتين السريانية والعربية وله في كلتيهما مصنفات. ومن تآليفه العربية مجموع بالنثر والنظم لإفادة طلبة المدارس دعاه روضة الصبي. وله فصول في التواريخ القدسية عربهُ من تاريخ بيليز (Beleze) وذيله وطبعه في مطبعة الآباء الدومنيكان. توفي السيد عبد يشوع سنة 1899.
وممن عني من الكلدان بنشر الآثار العربية القس يعقوب نعمو نشر كتاباً جليلاً للبطريرك النسطوري ايليا الثالث المعروف بابي الحليم ابن الحديثي في القرن الثالث عشر يدعى التراجم السنية للأعياد المارونية يحتوي عدداً من أنفس الخطب الدينية
(1/251)

وأبلغها كلها مسجعة يقر لها بالبلاغة كل من يسمعها. وقد نشرنا في المشرق خطباً له لم نجدها في هذا المجموع.
أما الروم الأرثذكس فقد أشتهر في أكليرسهم بالآداب العربية السيد (جراسيموس يارد) مطران صيدانيا ومعلولاً زحلة. كان مولده في راشية سنة 1840 وبعد درس في مدرسة طائفة في دمشق علم في مدرسة حماة ثم أرسل إلى موسكو سنة 1858 لتدبير أو نطش ملته فيها فوجهت إليه الدولة الروسية أنظارها ودعته إلى تدريس اللغات الشرقية في مدارسها فقد ألف هناك كتباً بالروسية طبعت على نفقة الدولة منها تاريخ فوطيوس في نظر الروم. وفي السنة 1883 عاد إلى بلاد الشام وخدم الكرسي الأنطاكي بنشاط حتى رقي إلى رتبة الأسقفية سنة 1889 فدبر ابرشيته عشر سنوات وكانت وفاته في أيلول سنة 1899. ومما تركه من الآثار تعريف كتاب خلاص الخطاة ورواية إقرار بيلاطس وكراريس في الرتب والطقوس والأعياد الكنسية. وكان خطيباً مفوهاً.

البستانيون
نقدم ذكرهم على بقية الأدباء العالميين الذين اشتهروا في ترقية الآداب العربية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. وكان أشهرهم المعلم (بطرس البستاني) لأنه ولد في الدبية من إقليم الخروب سنة 1819 من عائلة مارونية وجيهة وفي صغره تلقى العلوم في مدرسة عين ورقة وهوريد الانتظام في سلك الأكليروس ثم جنح إلى البرتستانية وأخذ عن مرسليها المعارف المستحدثة ودرس عليهم العبرانية وعلم في مدرسة أعبيه لرسالتهم الأمريكية وأظهر من الاجتهاد في التحصيل والبراعة في التعليم ما حببه إلى أصحاب تلك الرسالة كالدكتور عالي سميث والد الدكتور فان ديك فأستدعوه إلى بيروت بمؤازرتهم في أعمال مطبعتهم فساعدهم في عدة تآليف أخصها ترجمة التوراة من العبرانية إلى العربية وتولى مدة منصب الترجمة في قنصلية أميركا ثم تفرع للتأليف ووضع عدداً من الكتب المدرسية في الصرف والنحو والحساب ثم باشر بقاموسه المطول المعروف بمحيط المحيط واختصروه في قطر المحيط فنال من السلطان عبد العزيز الوسام المجيدي من الطبقة الثالثة ومبلغاً وافراً من المال كجائزة على عمله.
(1/252)

ولما رأى الصحافة في سورية ضيقة النطاق عدل إلى إنشاء الصحف فحرر مع آله الجنان والجنة والجنينة وكان الجنان مجلة تتضمن المباحث السياسية الحرة والمقالات العلمية والتاريخية والأدبية ثم عهد إلى ابنه سليم مواصلة هذا العمل وأبتدأ أول دائرة علمية ظهرت في اللغة العربية فأبرز منها سبعة أجزاء قبل وفاته. وكان المعلم بطرس مع وفرة هذه الأعمال يتعاطى التدريس فأنشأ في بيروت مدرسته الوطنية التي نالت بهمته نجاحاً إلى أن اضطرته أعباء الأشغال إلى انتداب ابنه سليم إلى إدارتها ثم أقفلت بعد حين. وكانت وفاة المعلم بطرس فجأة في غرة أيار سنة 1883 وممن رثاه الشيخ خليل اليازجي فقال من قصيدة:
يا قُطرْ دائرة المعارفِ والحجى ... ومحيط فضل فاض في إمدادهِ
تبكي العلوم عليك واللغة التي ... بقريضها توثيك في إنشادهِ
فإذا المحيط بكاك لم يكُ دمعهُ ... دون المحيط يزيد في إزبادهِ
يبكي الحسابُ عليه متَّخذا لهُ ... دمعاً يسيل عليك من أعدادهِ
تبكي المدارس والجرائد حسرةً ... والشرق بين بلادهِ وعبادهِ
وفي السنة الثانية 1884 نشبت مخالب المنون في نجله (سليم البستاني) وكان سليم يتقيل أباه في نشاطه وهمته وآدابه وقد ساعده في تحرير مجلة الجنان فكتب فيها فصولاً واسعة وتولى إدارة صحيفة الجرائد وأنجز الجزء السابع من دائرة المعارف ونشر الجزء الثامن. ولم يظهر من هذا التأليف بعد ذلك إلا ثلاثة أجزاء تولى نشرها شقيقاه البستانيان نجيب ونسيب ولا سيما أن عمهم سليمان النابغة الشهير المتوفى حديثاً ولعل الباقي أن ينشر أبداً. وكان الأجدر بمؤلف هذه الدائرة أن يقسم الشغل على جملة من الكتبة فيتولى كل منهم تحرير القسم الخاص به فأن ذلك كان أضمن لإنجازها فضلاً عن كونه أشمل لموادها وأوفى بفوائدها فإن هذه الدائرة مع محاسنها بعيدة عن الدوائر الأوربية التي يتولاها قومٌ من الاختصاصيين. ومن أكبر خللها أن موادها الشرقية فان مؤلفيها نقلوا خمسة أو ستة من الكتب العربية الشائعة ولم يعنوا بالبحث عن كثير من المطالب التي تهمنا من تاريخ بلادنا.
ولسليم البستاني روايات قصصية نشر كثيراً منها في الجنان وروايات تمثيلية كرواية الإسكندر وقيس وليلى جرى تمثيلها في الجمعية السورية وكان أحد أعضائها
(1/253)

الممتازين. ونشر أيضاً باسمه تاريخ فرنسة بمجلد كبير وإنما الفضل في تأليفه لجناب الشيخ خطَّار الدحداح. توفي سليم البستاني في 13 أيلول 1884 وكان مولده في اعبيه في 28 ك1 سنة 1848 وكان في العربية أحد المتخرجين على الشيخ ناصيف اليازجي.
وممن شرفوا الأسرة البستانية بآدابهم دون أن تصيبهم في دينهم شائبة كالمعلم بطرس وابنه سليم السيد الجليل (بطرس البستاني) رئيس أساقفة صور وصيدا. على الموارنة (1819 - 1899) وأحد تلامذة عين ورقة خلف عمَّه المطران عبد الله البستاني منشئ مدرسة مشموشة في تدبير كرسي صور وصيدا وكان متضلعاً بالعلوم الدينيَّة والفقهية واشتهر بتعليم الحقوق والفرائض واتخذه مدة السيد البطريرك بولس مسعد لكتابة أسراره إلى أن سامه أسقفاً سنة 1866 واستصحبه إلى رومية في رحلته إليها سنة 1867 احتفالاً بالتذكار المئوي لاستشهاد القديسين الرسولين بطرس وبولس وسنة 1870 لحضور المجمع الواتيكاني. توفي في 2 تشرين الثاني 1899.
وقد اشتهر من الأسرة البستانية غير هؤلاء سيأتي ذكرهم في تاريخ آداب العربية في القرن العشرين. فإنهم إجمالاً قد حققوا معنى اسمهم فأغنوا الآداب بما غلَّه بستانهم من الأثمار الجنيَّة.
ومن مشاهير لبنان في الأدب وفنون الكتابة (يوسف حبيب باخوس) الكسرواني الغزيري من الأسرة الباخوسية الشائعة الفضل ولد في 5 أيار سنة 1845 في غزير وفيها توفي سنة 1882 في ريعان شبابه وقد أدى للآداب العربية مع قصر حياته خدماً مشكورة. فانه بعد أن تلقن العلوم في مدرسة مار عبدا هرهريرا قريباً من عرامون انقطع مدة للتدريس في مدرسة عينطورا ثم في مدرسة الحكمة في بيروت حتى انتدبته حكومة دولة إيطالية إلى تحرير جريدة عربية في كالياري من أعمال سردينية فرضي بذلك وباشر بالعمل وأنشأ جريدة (المستقل) وحررها سنتين. ثم حرر جريدة البصير في باريس خدمة للمصالح الإفرنسية وقد أصابت الجريدتان بهمته بعض النجاح لولا أن المرض أحوجه إلى مغادرة القلم للاهتمام بصحته. فرجع إلى وطنه وما نشب أن توفى. وقد نشر المشرق ترجمته مطولة بقلم أحد آله الأدباء نحيب أفندي باخوس (المشرق 5 (1902) : 151 و497) وهناك عدة مقاطيع نثرية وشعرية تشهد له بانسجام الكلام ورقة النظم والتفنن في الكتابة فعليك بها. وكذلك مر لنا
(1/254)

وصفه في باريس (في المشرق 3 (1900) : 348) ولدمار بومباي (3: 462) وقصيدته في حكمة النفس (3: 322) وليس في الإعادة إفادة.
وفي السنة 1883 رزئت الآداب بأحد أبناء عائلة شريفة في بيروت المرحوم (سليم بن موسى بسترس) كان مولده في بيروت في 29 آب سنة 1839 وأقبل صغيراً على درس الآداب العربية وبعض اللغات الأجنبية وفي السنة 1855 تجول في أنحاء أوربة وزار عواصمها. وقد وصف رحلته في كتاب طبعه في المطبعة السورية دعاه النزهة الشهية في الرحلة السليميَّة. ثم تعاطى بعد ذلك الأشغال التجارية في الإسكندرية ثم انتقل إلى إنكلترة وسكن ليفربول ولندن واتسعت هناك أشغاله وعرف بفضله وسخاء يده فتوفر عدد أصحابه بين وجود البلاد وأعيانها ونال من محاسن الإمبراطور إسكندر الثاني التعطفات الفائقة وحاز الامتيازات الخاصة وكذلك الدولة العثمانية منحته أوسمتها العالية الشأن. وكانت وفاته في لندن في 3 شباط سنة 1883 لكن جثته نقلت إلى بيروت فدفن في ضريح عائلته وقد رثاه كثير من الأدباء نثراً ونظماً بنخبة الأقوال التي جمعت في كتاب خاص. فمن رقيق ما قيل عن لسان الفقيد عند نقل جثته إلى بيروت أبيات لالياس أفندي نوفل:
لما قضى السُّقم أن يسطو على بدني ... قد رقَّ حتى رأيتُ الروح تُشْقلني
فقلتُ: لا تدفنوا جسمي بغربتهِ ... فالشرق أقربهُ ترباً إلى عدن
هناك فوق رباهُ خيرُ من تركتْ ... عيني وتحت ثَراهُ خيرُ مُرْتَهنِ
قد جئتكم أثراً يا جيرتي موانا م ... العينُ التي شخصت للأهل والوطنِ
فعند مشهد نعشي فاندبوا أسفاً ... صباي أو عند قبري فاذكروا زمني
أودعتُ جسمي لديكم في الممات وكم ... أودعتكم في حياتي القلبَ في شجني
فاستعطفوا الله من أجلي فرحمتهُ ... هي الغناء لنفسي يوم يَحْشرني
وكان سليم دي بسترس شاعراً له منظومات متعددة جمع فيها بين سلاسة الكلام ولطف المعاني. فمما استحسناه من نظمه قوله وفيه ما يدل على إيمانه:
لا شيء غير نفوسنا يتخلَّدُ ... تلك البقَّية غيرها لا يوجدُ
وسواؤها فوق البسيط كلهُ ... يفنى وضمنَ ترابها يتوسَّدُ
(1/255)

وروحُ إله الكون أرسلها إلى ... جسد الفنا نوراً به يتوقدُ
فتقود ذاك الجسمَ في طرق الهُدى ... وترى له الحقّ المبين وترشدُ
حتى إذا كملَتْ مواعيدٌ لها ... نادى بها عودي إليَّ فتصعدُ
وتُفارق الجسم الذي سُجَنتْ بهِ ... بحياتهِ وإلى السعادة تقصدُ
حتى إذا تمَّ المعادُ وقد أتى ... يومٌ بهِ كلُّ الخلائق تُحَشدُ
تعطي إلى رب العباد حسابها ... في محفل فيهِ الملائكُ تشهدُ
في ساعةٍ يا هولَها من ساعةٍ ... أن لم تكن فيهِ الفضائل تعضدُ
وتبيت مع طغمات أجنادِ العلا ... تجثو إلى العرش المنير وتسجدُ
وتشاهدُ المجد المشعشع نورُهُ ... وتسبُح الرب العظيم وتحمدُ
وله تهنئة في عام جديد:
أتى العام الجديدُ يزيد عاماً ... بتاريخ المحبَّة والودادِ
على قدر السنين إليك يهدى ... تحيات السليم على بعادِ
اسرُّ بكلّ عامٍ حيثُ فيهِ ... محبَّتنا تدومُ على اتحادِ
وإن كنُت البعيد فانَّ قلبي ... على طول المدى بين الأيادي
أوكُلهُ ينوبُ اليوم عني ... بتقديم التحيات الجدادِ

المعلم إبراهيم سركيس
هو أخو الوطني الشهير خليل أفندي سركيس صاحب مطبعة الآداب ومنشئ جريدة لسان الحال كان مولده في اعبيه سنة 1834 من عائلة مارونية إلا انه درس على المرسلين الأمريكان فجنح إلى مذهبهم وصار أحد شيوخ الكنيسة الإنجيلية في بيروت وعلم في إحدى. مدارسها. ثم اشتغل عدة سنين في مطبعة الأمريكان فأحكم صناعة الطباعة وتولى تصحيح المطبوعات ومبيع الكتب إلى أن توفي في 10 نيسان سنة 1885. وكان ذكي الفؤاد محباً للعلوم محسناً للكتابة وقد نفع مواطنيه بعدة مصنفات تأليفاً وتعريباً أخصها الدر النظيم في التاريخ القديم والدرة اليتيمة في الأمثال القديمة وصوت النفير في أعمال اسكندر الكبير والأجوبة الوافية في علم الجغرافية وأوضح الأقوال في متلف الصحة والصيف والمال وتحفة الأخوين إلى طلبة اللغتين (عربي وإنكليزي) . وله تآليف أخرى دينية.
(1/256)

وكان ينظم أيضاً فمن منظوماته ترانيم روحية في مجموع أغاني البروتستانت. هذه ترنيمة منها في الحرب الروحية: 1
هلم جميعاً قريباً بعيد ... فها صوت بوقٍ لأجل القتال
جنودُ الأعاديّ نراها تزيدْ ... فهاتوا سلاحاً لذاك النزالْ
قرار
مرّنمين نحن مرّنمين ... سيوفكم احملوا هاجمينْ
هو ذا الحربُ شديد طويلْ ... سيروا بقوات ربّ إسرائيلْ
2
- عدوي أمامي بصفّ القتالْ ... فأثبت لا عن طريقي أحيدْ
ونغمُتنا قوَّتي ذو الجلالْ ... فسيروا بإيمان عزم وطيد ...
ومما نظمه فنشره تحت رسمه:
وإن نُقض البيتُ الذي أنا ساكنٌ ... فلي في السما بيتٌ من اللهِ قد بُني
ونفسيَ تحيا عند فاديَّ دائماً ... وإن يكن الجسمُ الترابيُ قد فني

إسكندر ابكاريوس
وتوفي في هذه السنة 1885 في 23 ك1 كاتب آخر أصاب بعض الشهرة في أوربة فضلاً عن الشرق بمنشوراته العربية أعني به إسكندر أغا ابكاريوس وكان أبوه يعقوب بن أبكار أرمينيا غريغوريا ذا شأن يسكن بيروت فلما مات أرخَّ وفاته الشيخ ناصيف اليازجي سنة 1845 بقوله:
مضى إلى الله من طابت سريرتهُ ... بالله وهو بعفو الله مصحوبُ
فقُل لمن جاء بالتاريخ يطلبهُ ... قد صار في حضن إبراهيم يعقوبُ
ونشأ ابناه اسكندر ويوحنا على حب الآداب منذ حداثتهما وجال اسكندر في أنحاء أوربة ثم عاد إلى بيروت واشتغل بالتأليف ثم دخل مصر وخدم أصحابها ومدحهم فأجازوه بتقليده عدة مناصب. وتوفي اسكندر في أواخر سنة 1885 في بيروت وكان أتى إلى وطنه طلباً للعلاج من مرض السَّحج. وله مصنفات مفيدة أنبأ في تأليفها بحسن ذوقه وكثرة مطالعته منها كتابه (نهاية الأرب في أخبار العرب) طبعه أولاً في مرسيلية سنة 1852 ثم زاد عليه وجدد طبعه في بيروت في المطبعة الوطنية سنة 1867. وألف سنة 1858 كتاب روضة الآداب في طبقات شعراء
(1/257)

العرب قرظه من الأدباء منهم الشيخ أبو حسن الكستي حيث قال من أبيات:
لله روضةُ آداب لقد جمَعتْ ... أوراقُها ثمر الأخبار والسيرِ
ناهيك من طبقات شاد محكمَها ... اسكندر فاحتوت من مبدع الأثر
ولاسكندر ابكاريوس ديوان شعر لم يزل مخطوطاً وكتاب ديوان الدواوين في أجود المتقدمين والمتأخرين وكتاب نزهة النفوس وزينة الطروس. وله ترجمة إبراهيم باشا دعاها المناقب الإبراهيمية والمآثر الخديوية وكلها مسجعة يتخللها الشعر في آخرها قائمة تآليفه. ومثلها أيضاً المآثر الخديوية ووزراء الحكومة المصرية نشرها في أعداد الجنان سنة 1874 وكتاب التحفة الغراء في محاسن تونس الخضراء. وله تاريخ مخطوط في المكتبة الخديوية (5: 171) قدمه لمصطفى فاضل باشا وسماه نوادر الزمان في ملاحم جبل لبنان. ومن شعره قوله يهنئ الخديوي سعيد باشا لما زار بيروت سنة 1859:
شرَّفتنا فتزينتْ أقطارنا ... وزهت مما لها وطلب المَورد
وتَنَّورت بيروت حتى أصبَحتْ ... من نور مجدك كوكباً يتوقدُ
وقال يمدح إبراهيم باشا:
همامٌ كان في الدنيا فريداً ... وركناً في المهمات العظام
ولا زالت وقائعهُ المواضي ... مخلدةً على طول الدوام
وقائع لو رآها الطفلُ يوماً ... لَشاب لهولها قبل الفِطام
وقال في محمد توفيق باشا إذ كان ولي العهد:
يا من بهِ آمالنا تتعلقُ ... ونفوسنا للقائهِ تتشوقُ
فيك الفضائل واللطائف والتقى ... والمكرمات وكل حسنٍ يُرمقُ
لم تجتمع فيك المحاسن إنما ... منك المحاسنُ كلُّها تتفرَّقُ
تاهت بكم مصر السعيدة عزَّةُ ... وغدا جبين العصر فيكم يشرقُ
لا زالت للقصاد أحسن كعبةٍ ... وطريق رزق بابهُ لا يُغْلقُ
(1/258)

وأسلم ودمْ في غبطةٍ وسعادةٍ ... وتُدام مأمولاً وأنت موفَّقُ
أما (يوحنا ابكاريوس) أخو اسكندر فانه عاش بعده إلى سنة 1889 وتوفي في سوق الغرب في لبنان وقد جارى أخاه اسكندر بتآليفه منها كتاب قطف الزهور فمن تاريخ الدهور طبع غير مرة في المطبعة الأمريكية وقد تأسفنا لكون مؤلفه ضمَّنه بعض الفصول التي تحط من شأن الكنيسة. وله كتاب نزهة الخواطر جمع فيه عدة أخبار ومقاطيع أدبية وقصص شائقة فطبعه سنة 1877. ومن آثاره معجم إنكليزي عربي مطول اختصره لطلبة المدارس وقد عرب أيضاً للأمريكان بعض كتبهم الدينية.

أديب إسحاق
كان من الطائفة الأرمنية الكاثوليكية دمشقي الأصل ولد في 21 ك2 سنة 1856 في الفيحاء وتعلم في مدرسة مرسليها اللعازريين اللغتين الفرنسوية والعربية ثم أُغرم بالكتابة والإنشاء ونظم الشعر منذ ريع شبابه وقدم بيروت ودرس في مدرستنا القديمة في حي الصيفي ثم اجتمع بقوم من شبانها العصريين فنزع منزعهم واشتغل بالسياسة والتأليف ثم انتظم في سلك جمعية أنشأها الماسون سنة 1873 وكان المترجم من أخص أعضائها العاملين وقد ألغتها الحكومة مدة لتطرف أصحابها وطعنهم في الحكومة والدين كمألوف عادتهم. ثم تولى تحرير جريدة التقدم فضمَّنها فصولاً ثورية دحضتها جريدة البشير. ثم تنقل بعد ذلك فسافر إلى فرنسة ثم عاد إلى مصر وكتب عدة جرائد وأنشأ جريدة مصر وحرَّر في جرائدها إلى أن أصيب بداء السل فاقفل راجعاً إلى سواحل الشام ولم يلبث أن توفي في قرية الحدث قريباً من بيروت في 12 حزيران سنة 1885 وهو في عز شبابه ودفن دفناً مدنياً. وكان أديب إسحاق سلس القلم سريع الخاطر ذلق اللسان إلا أن مجاهرته بمعاداة الدين وأتباعه للتعاليم الماسونية أظلما عقله وأفقداه أصالة الرأي وسداد الفكر في أمور كثيرة. وكان إنشاؤه عصرياً يتشبه فيه بإنشاء كتبة الفرنج وهانحن نذكر من نثره فقرة كتبها في (الجزويت) تفكهة للقراء وبياناً لما أقربه من صفاتهم وهو ألد أعدائهم.
(ما أدراك وما رهبانية الجزويت؟ طائفة من أهل الكهنوت على مذهب الكاثوليك يبلغ عددهم ثمانية آلاف أو يزيدون (اليسوعيون اليوم ثمانية عشر ألفاً) ... وهم أهل العلم والسياسة (كذا) والذكاء والاجتهاد والهمَّة والفضل والثبات والبأس لا يعارضهم في ذلك معارض ولا
(1/259)

يدرك شأوهم فيه. ينشئون المدارس ويجلبون المنافع ويكشفون الغوامض ويستخرجون أسرار العلوم منتشرين في أقطار الأرض واصلين بياض النهار وسواد الليل سعياً في تعليم الجهلاء وتهذيب المتوحشين وتمدين الأقطار وجمع آثار المعارف) .
ثم شوَّه الكاتب هذه المحامد بما نقله من تهم أعداء الجزويت فجعلها على لسانهم مع كونها مضادة تماماً للفقرة السابقة فروى عن أولئك الخصوم أن الجزويت (يجيزون الكذب ويتسامحون في السرقة ويحللون القتل) إلى غير ذلك من الترهات التي تُضحك الثكلى وأبطلها الكاتب من حيث لا يدري بنسبتها إلى أعداء الدين فقال: (وذلك بعض ما يدعيه أعداء الجزويت وما أعداؤهم بقليل فان فرقة البروتستانت وهي ألوف ألوف وجماعة الماسون وأهل حريَّة الضمير أي الذين لا يدينون بدين كل هؤلاء لو تمثل لهم الجزويتي في الماء لما وروده وان كانوا ظماء!!!) .
وكأن بالكاتب أحس ما نقله مثل هذه السفاسف من العار فألقى التبعة التبعة على القائلين كأن الناقل لا يحتاج إلى التروي في صحة ما ينقله لا سيما بعد مدحه للجزويت وإقراره بما عرفه من (الفضل والهمَّة والثبات وتعليم الجهلاء وتهذيب المتوحشين) فقال يبرئ نفسه مما نقل جزافاً: (وإنا لنبرأ من موافقتهم على جميع ذلك أو على بعضه ولا تبعة علينا في الحكاية نحن ننقله وليس على الناقل من سبيل (كذا)) .
ولأديب إسحاق شعر حسن نختار منه قوله في وصف المرأة:
حَسِبَ المرأةَ قومٌ آفةً ... من يدانيها من الناس هلكْ
ورآها غيرهم أمنيةً ... مَلكَ النعمةَ فيها من ملَكْ
فتمنى معشرٌ لو نُبذَتْ ... وظلام الليل مشتدُّ الحلكْ
وتمنى غيرهم لو جُعلت ... في جبين الليث أو قلب الفَلكْ
وصوابُ القولِ لا يجهلهُ ... حاكمٌ في مسلك الحق سَلكْ
إنما المرأة مِرآةٌ بها ... كلُّ ما تنظرهُ منك ولكْ
فهي شيطانٌ إذا أفسدَتها ... وإذ أصلَحتْها فهي ملَكْ
وقد جمع الأديب جرجس أفندي نحاس منتخبات من إنشاء الأديب فطبعها
(1/260)

بكتاب الدرر وأعاد فيها النظر أخو المترجم عوني بك اسحق. وللمترجم غير ذلك من التآليف لا سيما روايات عربها أو صنفها كاندروماك ورواية الباريسية الحسناء.

الياس صالح
توفي أيضاً في سنة 1885 في 15 أيلول. وهو إلياس بن موسى بن سمعان صالح ولد في 26 ك2 1839 في اللاذقية من أسرة وجيهة من طائفة الروم الأرثذوكس وبعد دروسه مبادئ العلوم في وطنه تمكن بكده وذكاء طبعه وثباته من التأليف ونظم الشعر وخدم عدة سنين كترجمان القنصلية الأميركية وكعضو في محكمة الدولة التركية. وسافر إلى مصر ومدح حضرة الخديوي إسماعيل باشا سنة 1875 بقصيدة مطلعها:
البشرُ في قطرِ مصرِ فاح عاطرهُ ... واليُمن قد نوَّرت فيه أزاهرُهُ
يقول فيها:
ربُّ المكارم إسماعيلُ من شرفت ... بهِ المعالي وزاتها مفاخُرهُ
مولى عليٌ أثيلُ المجدِ باذخهُ ... شديدُ عزمٍ سديد الرأي باهرُهُ
منيفُ فضلٍ وريفُ العدل ناشرُهُ ... كثير حلم غزير الجود زاخرُهُ
همومُ كل كئيبٍ فهو فارجُها ... وكسرُ كل كسيرٍ فهو جابرُهُ
ركابهُ السعدُ بالإقبالِ يخدمها ... وجيشهُ الله أنَّى سار ناصرُهُ
كانت وفاة الياس صالح في وطنه وأبقى من بعده آثاراً منها نظم المزامير عني نجله رفيق أفندي بطبعه وله تاريخ مطول لمدينة اللاذقية وطنه لم يطبع وعرب عدة تآليف تاريخية من الإفرنسية وله ديوان شعر. وكان متقناً للغة التركية فعرب بعض تآليفها كالدستور الهمايوني وقوانين الدولة.
وكان المرحوم الياس صالح تقياً متعبداً للعذراء وقد نظم في مديحها عدة أناشيد نشرت في ديوانه (ص 134 - 144) كقوله:
كلّ من في مدح مريمْ ... قد تغنى وترَّنمْ
من خطوب الدهر يسلمْ ... آمنا كل المعاطِبْ
(1/261)

زاد في الدنيا بلائي ... وحتى ظهري شقائي
بكِ علَّقتُ رجائي ... يا رجا أهل المتاعبُ
أنت في كل بليَّةْ ... مُلتجى كل البرَّيةْ
من دعاكِ يا تقَّيةْ ... فهو لا يرتدُّ خائبْ
في الخطايا ضاع عمري ... ونما جهلي وشرّي
لك قد سلَّمتُ أمري ... فاقبلي من جاء تائبْ
ولالياس المذكور سمي آخر عرف مثله بالياس صالح من ملته ولعله من قرابته اشتهر بعده بقليل. ولد في بيروت سنة 1869 وقيل 1870 وتلقى العلوم في الكلية الأميركانية ونبغ في العربية إلا أن الموت لم يسمح له بخدمة الآداب زمناً طويلاً فقصفته المنية غصناً رطباً في 2 حزيران سنة 1895 وكان سافر إلى مصر فكتب في جريدة المقطم وله قصائد كثيرة وكان سلس النظم مبتكر المعاني يقول الشعر عفواً وكان حر الأفكار يجاري في ذلك بعض المحدثين. وله قصيدة في الحرية مزج فيها الغث بالسمين. ومن أقواله الزهدية الحسنة ما ورد له في جملة موشح:
يا إلهي من ذنوبي والخطا ... مُلئ الدلوُ لعقد الكُرب
وفد الشيب بفَوْدي وخطا ... وأحاطت بي دعاوى الكرب
يا مليكي في يدي قد سقُطا ... وأنا بعدُ أنا لم أتُب
إنما في دم فادي إلا نما ... أرتجي تطهير كل الدنسِ
فهو عوني كلما الخطبُ طما ... وادلهّم الهم وسط الحندس
ومن ظريف قوله لغز في اسمه (الياس صالح) :
أفصحْ لنا يا صاحبي ... ولك منا المننُ
ما أسم فتى تفسيرهُ ... قطعْ الرجاء حسَنُ
وله في ذم النحو متفكهاً:
ماذا الذي يهمنّي ... أن قام زيدٌ أو قعدْ
أو أن ذهبتُ ماشياً ... أو راكباً نحو البلدْ
(1/262)

أو كان زيدٌ مبتدأً ... أو فاعلاً سدّ المَسَدّ
أو أن يكُن ذا الاسمُ يبنى م ... أو يَكُنْ هذا يُهَدّ
تَصالح الفعلانِ أو ... تنازعا طول الأبدْ
في النحو لا تقهرُني ... إلا تفاصيل العدَدْ
وأفعلُ التفضيل كم ... قد شذّ فيه وشرَدْ
وغير هذي عُقَدٌ ... تباً لهاتيك العُقَدْ
ترى بها قواعداً ... بدون معنى وزَبَدْ
مختومةٌ جميُعها ... بقبس عليهِ ما ورَدْ
وقال يصف سفينة سافر عليها:
تلك السفينة بسم الله مجراها ... على دموعيَ مسراها ومرساها
تجري وفي قلبها النيرانُ موقدةٌ ... مثلي كأنَّ هوى الأوطان أشجاها
سكرى تميد بمن فيها فتُسكرهم ... وهماً فكيف إذا ذاقوا حمَّياها
وليس بدعٌ إذا سارت بنا مرَحاً ... فتلك جاريةٌ يهتزُّ عطفاها
هيفاء لكنَّها بالقار قد خُضبت ... كالخَوْد يُخَضب بالحنَّاءِ كفَّاها
سلطانهُ البحر إذ ترسو يحيط بها ... من القواربِ جندٌ من رعاياها
وإن سرَتْ نشرتْ أعلامها وشدا ... صوت البخار لها والموج حيَّاها
طوراً ترى في قرار أليم غائصةً ... وتارةً فوق هام السُّحبِ تلقاها
لم أنسَ ليلة بتنا والرفاقُ بها ... نرى النجوم ولو شئنا مسَسْناها
وحولنا الماء من كل الجهات ولا ... شيءٌ سوى الماء يغشانا ويغشاها

أنطون صقال
هو أيضاً أحد رجال النهضة الأدبية التي حصلت في بلاد الشام في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ولد في 3 آذار سنة 1842 وتوفي في الشهباء في 8 كانون الأول سنة 1885. أقبل على الآداب صغيراً وتعلم اللغات الشرقية والأوربية في مدرسة عين ورقة ثم في حلب ومالطة. وخدم في هذه الجزيرة المعارف زمناً طويلاً ثم رافق الجنود الإنكليزية في حرب القريم بصفة ترجمان أول سنة 1854. وله مراسلات نثرية ومنظومات شعرية ومقالات أدبية تنوه بفضله ووفرة إطلاعه
(1/263)

على دقائق اللغة. وله ديوان شعر أكثره حكم لم يطبع. وقد نشر منه شيئاً نجله الأديب ميخائيل أفندي صقّال في كتابه السمر في سكان الزهرة والقمر وهو على شكل رواية فلسفية ضمنه رؤيا خيالية شخّص فيها والده بعد وفاته نازلاً من مقامه في الزهرة ليعلمه ما يجري في العالم الآخر وقد ادعى فيها الكاتب بعض المدعيات الغريبة التي تبعد عن التصديق أو قل أنها تمويه وتلفيق لولا كونها من أضغاث الأحلام. ومما روى في كتابه لوالده من الشعر قصيدته العينية ومنها:
تدورُ بيَ الأسواء لم أدرِ مأثمي ... وما ليَ إسعافٌ بذي الدار من عَينِ
ودهري قد أنفقتُ دينارَ حظَهِ ... يطالبني بالأصل منه وبالعين
فيا أيها الدهر الخؤون ألا ارتدعْ ... على أنني ما بعُتك العَينَ بالعينِ
فعين الهوى دمٌ وآخرهُ دم ... ومعظمه ليلٌ فما فيه من عينِ
لعمري هم الأعيانُ بالعين خُضٌع ... جُشياً على عينٍ أذلاء للعينِ
وفيتينَ في المكيال والعينُ شأنهم ... يجودونَ بالارواح فضلاً عين العين
يرؤون في حقل الأماني بذورَها ... بتسكاب دمع سال كالماءِ من عين
وله قوله:
كم أراعي النذلَ حلماً ... وهو مشتدُ الخصامْ
وألين القول لطفاً ... وهو فظٌ في الكلامْ
جاز من جاراك يا م ... قلبي بقطعٍ وانصرامْ
واعتزَالْ من خان عهداً ... وأخلُ من سوء اتهامْ

نوفل الطرابلسي
هو نوفل نعمة الله نوفل ولد في طرابلس الشام سنة 1812 من أسرة وجيهة. ولما ترعرع رافق والده في خدمة محمد علي باشا إلى مصر فدرس على أساتذتها ثم عاد إلى الشام سنة 1828 وبعد ثماني سنين سنة 29 حزيران 1836 قتل
(1/264)

والده ظلماً إبراهيم باشا وكان خُدع بوشاية أعدائه ثم عرف غلطه فقدم نوفل ابن المرحوم وقلده عدة مناصب في بيروت وطرابلس إلى أن استقال من الخدمة وتعين كترجمان لقنصليتي ألمانية وأمريكا في وطنه. وقضى بقية عمره في التأليف إلى سنة وفاته سنة 1887. وله تآليف حسنة تشهد له بسعة علومه وتنقيبه. طبع منها كتاب زبدة الصحائف في أصول المعارف وسوسنة سليمان في أصول العقائد والأديان وصناجة الطرب في تقدمات العرب وهو أعظمها فائدة. ونشر عدة مقالات في جرائد بيروت ومجلاتها لا سيما الجنان. وقد عرب عن التركية كتاب قوانين المجالس البلدية وكتاباً في أصل ومعتقدات الأمة الشركسية وكتاب حقوق الأمم وكتاب دستور الدولة العلية في جزأين نال عليه جزاء من الدولة.
ومن آثاره المخطوطة (أخبار تاريخية) وهي مجموعة مفيدة من تاريخ جودت باشا التركي ومن كتاب تاريخ بربر لإلياس صدفه ومن مطالعات كثيرة منها نسخة في مكتبة الكلية الأميركانية يسعى اليوم بنشرها وتذييلها جناب الأستاذ أسد أفندي رستم في مجلة الكلية.
ومن أنسباء نوفل نعمة الله المذكور (سليم دي نوفل) ولد في طرابلس سنة 1828 وبعد أن أحرز جانباً من مبادئ اللغة والعلوم في وطنه تعين وكيلاً لشركة البواخر الروسية ثم ترك الوكالة وسافر إلى أوربة وعاين التمدن العصري في انكلترة وفرنسة. وبعد عودته إلى مسقط رأسه أكب على الدرس والمطالعة ونقل إلى العربية رواية المركيز دي فونتانج فطبعها سنة 1860 وبقي على ذلك مدة إلى أن انتدبته الدولة الروسية بإشارة قنصلها في بيروت إلى تدريس العربية في كلية بطرسبوج فشخص إليها مع أهله وأقام فيها إلى سنة وفاته في خريف سنة 1902 بعد أن حصل في عاصمة الروس على عدة امتيازات نالها بفضله وسعة معارفه ومصنفاته حتى نظم في جملة مستشاري الدولة وكان يعرف لغات متعددة يكتب فيها ويتكلم بفصاحة ولا سيما الفرنسوية. ومن مصنفاته بالفرنسوية سيرة محمد صاحب الشريعة الإسلامية وغير ذلك. وكان ينظم في العربية ومن شعره رثاؤه لوطنيه وصديقه سليم دي بسترس السابق ذكره فقال عند نقل رفاته إلى وطنه ليدفن في ضريح أسرته:
العيد وافى يا سليمُ إلى ما ... هذا التنائي عن الديار إلى ما
(1/265)

ما حظُّنا فيه التهاني وإنما ... أهدي إليكَ عن الدموع سلاما
هاجت شجوني بعد موتك كلُّها ... وأسودَّ عمري حاضراً وأماما
أقفرتَ قلبي والديار كلاهما ... أضحى ببعدك يا سليمُ ظلاما
أبكيك لا أسف الحياة فإنَّها ... حلمٌ تبطَّنَ جوفهُ أحلاما
أبكيكَ لا أسفاً لفقد شبيبةٍ ... مرَّت كما خرقَ الشعاعُ غماما
أجلُ الزهور موقَّتُ بصاحبها ... وذكا الملائك لا تطيلُ مقاما
لكنني أبكي السماحة والنهى ... أبكي العُفاةَ إذا أتوك زحاما
أبكي الفقير على ضريحكَ واقفاً ... يذري الدموع على الخدود سجاما
أبكي لليتيم وقولهُ ابن الذي ... كنا نقبّل كفهُ إكراما
وختمها بقوله:
أعجزت شعري يا سليمُ فلا تَلُمْ ... هذه دموعي فلا تسلني كلاما
وقد عرف من أسرة نوفل غير المذكورين كمريم نحاس نوفل المتوفاة في 2 نيسان سنة 1888 ألفت كتاب معرض الحسناء في تراجم مشاهير النساء طبع قسمه الأول في مصر سنة 1879. وكالياس أفندي نوفل من شعراء العصر المجيدين وشعره متفرق لم يجمع بعد. فمن ظريف قوله ما رثى به سليماً دي بسترس:
تلدُ الليلةُ البهيمةُ خطباً ... كل آنٍ ولم تزل منهُ حُبلى
جاء بالبرق صعقة الرعد تدوي ... خبراً منهُ أمطر الجفنُ وبلا
بعزيز بماجدٍ بأميرٍ ... قد فُجعنا ونحن بالشوق نَصلى
قُل لوحش المنونِ يكفيك ظلماً ... قد تمادى جفاكَ فتكاً وقتلاً
خير شهمٍ أضعت من خير آلِ ... لو بألفِ فديتهُ قلتُ قلا
وختمها بهذا التاريخ:
ربهُ قال يا عباديَ صبراً ... مثل هذا الأمين قد خُرّتُ عدلا
جنتَّي بالصلاح أرختُ تُرجى ... مَن أتاني سليمَ قلب توَّلى
(1883) .

ميخائيل مشاقة
ومن المتوفين في السنة 1888 الدكتور ميخائيل مشاقة
(1/266)

كان مولده في رشميا سنة 1800 من عائلة كاثوليكية ملكية وكان من المقربين إلى الأمير بشير الكبير فانتقل مع أهل بيته إلى دير القمر فلما أنس في ولده الذكاء خرجه في مبادئ اللغة والحساب ومسك الدفاتر. ثم درس الفتى على خاله بطرس عنحوري شيئاً من العلوم الطبيعية والرياضية والفلكية رافقه بعد مدة إلى دمياط واشتغل بالتجارة وكان في أوقات الفراغ يتعاطى الآداب ويدرس الرياضيات والموسيقى والطب فنال من كلها حظاً. ورجع إلى وطنه وخص نفسه بالطبابة والجراحة مع كونه لم يدرس الفنين في مدرسة ولم يزل يمارسهما حتى أمكنه أن يحضر دروس مدرسة القصر العيني في مصر سنة 1845 فقدم فيها فحصاً أحظاه بالشهادة الرسمية سنة 1846. ثم استوطن دمشق مع أهله وتعين فيس قنصلاً للولايات المتحدة فيها. وكان ذلك خصوصاً بمساعي المرسلين الأمريكان الذين اجتذبوه إلى دينهم فهاجر البروتستانية سنة 1848 وصوب السهام إلى أهل دينه وملته فقام بينه وبين الكاثوليك جدال طويل لم يزده إلا عناداً فبقي على مذهبه الجديد إلى وفاته في 6 تموز من السنة 1888. وكان الدكتور مشاقة ذلق اللسان سهل الانشاء لكنه كان ركيك العبارة قليل البصيرة في التاريخ والفلسفة كثير الثقة بنفسه وكان يتعقب آثار الملحدين كفولتار وفولناي فحذا حذوهم. وله كتب مختلفة خلا الكتب الجدالية السابق ذكرها منها كتاب (الجواب على اقتراح الاحباب) ضمنه حوادث بلاده منذ أواخر القرن الثامن عشر إلى زمانه وقد اتسع في حوادث سنة 1860 التي كاد يذهب هو ضحيتها ونجا منها بأريحية الأمير عبد القادر وكذلك أفاض في تاريخ أسرته. وهذا الكتاب قد طبع في مصر سنة 1908 بعد ضبطه وتنقيح إنشائه الضعيف على يد الأديبين ملحم عبده واندراوس شخاشيري فسمياه مشهد الأعيان بحوادث سوريا ولبنان. ومنها رسالته المعنونة الرسالة الشهابية في قواعد ألحان الموسيقى العربية التي نشرها في المشرق (2 (1899) : 146.. الخ) الأب المرحوم لويس رنزفال وعلق عليها الحواشي ثم طبعه على حدة مع أشكالها ونقلها إلى اللغة الافرنسية في مجموعة مكتبنا الشرقي. والدكتور مشاقة كذلك التحفة المشاقية في علم الحساب وكتاب المعين في حساب الأيام والأشهر والسنين.

إبراهيم بك كرامة
هو ابن بطرس كرامة شاعر الأمير بشير الذي مر لنا
(1/267)

ذكر ترجمته (ج1 ص58 - 65) ولد إبراهيم في دير القمر في 9 نيسان 1823 وجرى صغيراً على آثاره والده وبرع في العربية ودخل ديوان الكتابة في لبنان ثم سافر إلى الأستانة وتوظف في جملة عمال الدولة وامتاز هناك في العلوم الشرعية وتقلد منصب الترجمة بنظارة الخارجية مكان والده ثم جاء مع فؤاد باشا سنة 1861 إلى سورية ترجماناً ونائب رئاسة المجلس الذي فوق العادة. ولأسباب نفي إلى جزيرة مدِ لَي (متلين) على أثر ذلك. وتزوج بيونانية من سكانها فولد له بطرس قائم مقام زحلة سابقاً سنة 1866. ثم عاد إبراهيم إلى الأستانة فصار عضواً في مجلس المعارف فاقترح عليه تأليف معجم عربي وتركي. ومن ظريف ما مدح به إبراهيم بك قول الشيخ ناصيف اليازجي فيه لما رحل إلى القسطنطينية ليتسلم مأموريته:
خلت الديارُ فلا كرامةَ عندها ... تُرجى ولا ابنُ كرامةٍ المعُتفْي
هيهات أنَّ ابن الكرامة حلَّ في ... دار الخلافة بالمقام الأشرفِ
سبحان ذي العرش المجيد فقد بدت ... في شخص إبراهيم صورةُ يوسفِ
أصلى بنار فراقهِ قلبي ولا ... بردٌ هناك ولا سلاةَ فتنطفي
ذاك الكريمُ وابن الكرام ومن لهُ ... الذكر الشهير ومن له اللطف الخفي
ورث الكرامة عن أبيه وحدهِ ... أكنه بتلديها لا يكتفي
شهدت لهُ الأتراك بالفضل الذي ... شهدت به الأعراب دون تكلُّفِ
قد نال ما هو أهلُ ما هو فوقهُ ... فانظر لأيهما الهناءُ وانصفِ
ثم عاد إبراهيم كرامة إلى وطنه سنة 1885 واعتزل الأشغال وكانت وفاته في بيروت سنة 1888. فقال يؤرخ ضريحه جناب الفيكنت فيليب دي طرّازي:
مثوى غدا في حماهُ الآن مضطجعاً ... من كان في قومهِ من أكبر العمدِ
سليلُ بيتٍ رفيع الشأن مشتهرِ ... في الشعر والنثر والتدبير والرشدِ
بعلمه عَلَمٌ قد زانه عَملٌ ... برأيه غُرةً في جبهة الأسدِ
بنو كرامةَ قد ناحوا عليه كما ... عليه ناحت ديار العرب من كمدٍ
مضى وأحرف ُتاريخ لنا رقت ... حُيّيت يا قبرَ إبراهيم للأبدِ
(1888) .
وكان إبراهيم بك كرامة مغرماً بالآداب يتداول الرسائل مع مشاهير عصره
(1/268)

كالشيخ ناصيف اليازجي وجبرائيل الدلال وكان ينظم النظم الحسن وله ديوان لم يطبع. فمن قوله بيتان في تاريخ ظهور جريدة السلام في الأستانة سنة (1302 - 1884) :
نُشرت صحيفُتنا السلامُ ونشرُها ... قد طاب يا أهل الوفاء لديكمُ
إن ظنَّ بالخبر الصحيح مؤرخُ ... يتلو حوادثهُ السلامُ عليكُم
ويروى له في فتاة لبست ثوباً وردياً:
وردَّية الخد بالوردي قد خطرت ... تميسُ تيهاً وتثني القدَّ إعجابا
لم يكفِ قامتها الهيفاء ما فعلت ... حتى اكتست من دم الطلاَّب أثوابا

الكونت رشيد الدحداح
وفي هذه المدة انطفأ سراج حياة أحد وجهاء اللبنانيين في فرنسة. أعني الكونت رشيد الدحداح. وليس هو أول من امتاز بين المشايخ الدحادحة بذكاء عقله وآدابه في القرن التاسع عشر. فإن تاريخ لبنان ذكر منهم كثيرين نالوا شهرة في دواوين الكتاب كالشيخ سلوم الدحداح وأخيه الشيخ ناصيف كاتبي الأمير يوسف الشهابي في جهات طرابلس ثم عاملي الأمير بشير. وكالشيخ منصور الدحداح ابن سلوم مدير الأمور في لبنان مدة (توفي سنة 1861) . وكالشيخ أمين الدحداح رئيس الكتبة عند الأمير حيدر وقد ألف تآليف أدبية منها رسائل وحكم ومراثٍ. وكالشيخ يوسف ابنه من شعراء زمانه توفي قبل والده سنة 1850 وغيرهم من فرسان القلم.
إلا أن الشيخ رشيد فاق الجميع. ولد سنة 1813 في قرية عرامون كسروان ثم درس في عين ورقة. وفي سنة 1838 اختار الأمير أمين الشهابي ابن الأمير بشير كابتاً لأسراره. ثم خدم لبنان في مناصب شتى لولا أنه وجد في وطنه من سوء المعاملات وأسباب العداء ما حمله إلى أن يغترب إلى البلاد فانتقل إلى مرسيلية سنة 1845 في صحبة الشيخ مرعي الدحداح الذي كان عاد إلى سورية بعد فتحه هناك محلاً تجارياً. فرافقه الشيخ رشيد واقترن بابنته وشاركه في الشغل إلى السنة 1852 حيث فتح محلاً تجارياً لحسابه مع أخيه سلوم. لكنه بعد حين انقطع إلى خدمة العلم والآداب معرضاً عن التجارة فأنشأ جريدة برجيس باريس وحظي لدى الحكومة
(1/269)

الفرنسوية وأعيانها. ثم اتسعت شهرته بين الأدباء واتصل بباي تونس لما حضر إلى باريس سنة 1862 فمدحه بلاميته التي نشرناها في المشرق (5 (1902) : 155) وعارض فيها لامية كعب بن زهير فأجازه عليها الباي واتخذه كترجمانه الخاص وقلده الأمور الخطيرة في دولته.
ثم عاد الكونت رشيد إلى باريس وابتنى فيها قصراً بديعاً واقتنى قرية دينار في مقاطعة برطانية فأجال فيها يد العمارة وشيد فيها داراً فخيمة سكنها مع أهله ولم يزل في آخر حياته يعنى بالمطالعة والأليف إلى يوم وفاته في 5 أيار سنة 1889. وللكونت رشيد من الآثار الأدبية ما اكتسبه اسماً طيباً في الشرق والغرب معاً. فمن ذلك أنه سعى بنشر معهم السيد جرمانوس فرحات في مرسيلية سنة 1849 بعد أن رتبه وهذبه وألح ما فيه من الخطأ. ثم طبع فيها أيضاً سنة 1855 شرحين مستوفيين على ديوان ابن الفارض للشيخ حسن البيروني وللسيد عبد الغني النابلسي. وهما الشرحان اللذان أعاد طبعهما المسمى محمد السيوطي في المطبعة الخيرية في مصر سنة 1310 (1893) وساكتاً عن اسم الكونت وإنما أشار إليه إشارة خفيفة لئلا يعرف متولي العمل فدعاه (رشيد بن غالب المجتبي) وكان الكونت أول من نشر كتاب فقه اللغة الذي أعدنا بعد ذلك طبعه. وله مقامات شتى سياسية طبع بعضها على حدة منها كتاب التمثال السياسي مع بيان أحوال فرنسة في عهد نابوليون. وله مجموعان أحدهما يشتمل على أشعار حكمية جناها من كتب العرب يدعى (طرب المسامع في الكلام الجامع) والثاني يتضمن مقالات أدبية وفوائد لغوية يعرف بقمطرة طوامير طبع في فينة سنة 1880. وله غير ذلك مما لم يزل مخطوطاً ونتمنى نشره كمقالة واسعة في فن المناظرة دعاها (ترويح البال في القلم والمال) ولا سيما تاريخه الكبير الذي (السيار المُشرق في بوار المَشرق) . وكان الكونت ينظم الشعر الجيد كما يستدل عليه من قمطرته ومن لاميته التي ذكرناها. ومما نشهده في مدح نابوليون الثالث سنة 1851 إذ كان في أوج عزته إذ لم تعرف غير سجاياه الطيبة قوله من قصيدة:
الله أكبرُ مُعط من يشاءُ فها ... كلُّ المحاسنِ والإحسان في رَجُلِ
وليس ذا من غلوّ الشعر إذ ظهرت ... المعين أنوارهُ كالشمس في الحَمل
(1/270)

فيهِ المجالُ وسيعٌ للمقال لذا ... قد عاد بسطُ كلامي ضّيق الحبَلِ
ذو همَّة لم يُثِبّط عزمَها خطرٌ ... ولم يكن لصعابٍ قطُّ بالوَكلِ
ولم يضعضعهُ هولُ الخطب آونةً ... ولم يَضقْ صدرهُ في حادِثٍ جَلَلِ
وبالنواصي قد اقْتاد الذكاءُ لهُ ... شهبَ الرئاسة فانقادَت على عجلِ
وفي السياسة كم أبدت براعتهُ ... حذقاً بهِ عادت الحُذاَّقُ في فشلِ
وختمها بقوله:
أبقاكُم الله يا فخر الورى فلكاً ... للسِلْمِ والأمن والإقبال والجَذَلِ
وبعد سنتين لموت الكونت رشيد (1890) فجعت الطائفة المارونية بوفاة شقيقه السيد (نعمة الله الدحداح) مطران دمشق الذي اشتهر بفضائله الأسقفية أكثر منه بآثار قلمه. وبهمته نال من أفضال الكرسي الرسولي تجديد المدرسة المارونية في رومية

أسعد طراد
هو أسعد بن ميخائيل طراد من أسرة شائعة الفضل في هذه الأصقاع من نخبة شعراء سورية. ولد في بيروت سنة 1835 وتخرج في حداثته في مدرسة اعبيه الأمركانية. ثم تردد على الشيخ ناصيف اليازجي فأخذ عنه واجتمع بأفضل أساتذة العربية في عهده حتى أتقن العلوم اللغوية ونظم الشعر في شرخ الشباب فطُبع عليه وكان يقوله بديهاً. خدم عدة سنين الدولة العلية بنشاط ثم انتقل إلى مصر سنة 1872 وتعاطى في أنحائها التجارة إلى وفاته سنة 1891. وله شعر كثير متفرق جُمع معظمه في ديوان بعد وفاته بهمة بعض أنسبائه فطبع سنة 1899 في الإسكندرية. وله غير ذلك من الآثار منها مقالات أدبية نشرها في الجنان. ومن شعره الذي لم نجده في ديوانه قوله في موت بعض الكرام:
يا أرحمَ الناس قلباً عند نائبةٍ ... هلاَّ رحمتَ عَويل الصارخ الوجِلِ
دارت عليك من الأقدار وا أسفاً ... كأسٌ فملت بها كالشارب الثَّمِلِ
هذا الشرابُ الذي لا بُدَّ منهُ لنا ... وليس تمنعُ منه كثرةُ الحيلِ
(1/271)

وكيف يجزعُ أهلُ الأرض من حدثٍ ... جرى على أنبياء الله والرُّسلِ
وله في نعمة الله طراد المتوفى سنة 1855 ولم يرو في ديوانه:
ركنٌ البيت طرادٍ مال مهندماً ... يوماً وأبكى جميع الأهل والغُربا
حاز التقي والرضا والبرَّ في دعةٍ ... ورغبةَ الخير والإحسانَ والأدبا
مضى إلى الله مبروراً يحق له ... شكر على صفحات القلب قد كُتبا
كرامةٌ كل تاريخ مجوّدها ... لنعمة الله حقُّ الشكر قد وجبا
وقال يرثيه:
لا تخشَ يا قلبُ إحراقاً من الألمِ ... أما ترى دمع عيني مغَرقاً بدمِ
كلُّ بكى نعمة الله التي فُقدت ... منَّا وكم في الورى باكٍ على النعم
وهي قصيدة طويلة وجدناها في أحد مجاميع مكتبتنا الشرقية. ويليها أبيات ثانية ختمها بهذا التاريخ.:
لمّا خلا من ديارٍ كان تؤنسها ... فحزنهُ ما خلا من قلبِ عيلتهِ
وبت أنشد تاريخاً به أبدا ... لا أعدم اللهُ قلباً فيضَ نعمتهِ
(1855) وقد اشتهر من أسرة طراد شاعر آخر هو (جبرائيل حبيب طراد) ويسمى أيضاً جبران أبا خير كان درس في المدرة الوطنية في بيروت وتمكن من نظم الشعر الجيد الذي لم يعن بجمعه. توفي في سنة 1892 وكان مولده سنة 1854. فمن شعره قوله يرثي اسبيريدون طراد ياور السلطان عبد العزيز المتوفى سنة 1870:
ركنٌ هوى بديارِ اسلامبولَ إذ ... رَّجت لسقطتهِ المدائنُ والقُرى
لم يَحْمهِ السيفُ الصقيلُ ولا الصبا ... والأهلُ والصحبُ الفطاحل والذُّرى
قد كان يجمع في حماهُ كتائباً ... واليوم أضحى في المقابر أقفرا
من كان لا يرضى القصور مساكناً ... سكن التراب فبات فيهِ مسفرًّا
من كان غوثاً للفقير وعاضداً ... أمسى أضرَّ من الفقير وأفقرا
إن غاب عن أبصارنا يبقى لهُ ... رسمٌ بطَيٍّ القلب دام مصوَّراً
فعليهِ نعمةُ ربهِ وسلامُهُ ... وعلى ثراهُ الغيُثُ يُسكَب ممطراً
(1/272)

ومن قوله في ذكر محامد الفقيد سليم دي بسترس:
على أنهُ قد كان أحرى بنا بأن ... نغبّط من مثل السليم نما سعدا
حصيف قضى دنياهُ في خوف ربهِ ... فحدّثْ ولا تطلب لأفضالهِ حدّاً
فكم غاث محتاجاً وأطعم جائعاً ... وعاد أخا سُقمٍ فأوسعهُ رفدا
وكم من أيادٍ جاءها ومكارمِ ... فكانت بجيد الدهر من فضلهِ عقدا
علا طِبيبُ جدواهُ على الورد نفحةً ... وذكر اسمهِ بالفضل قد زَّين المجدا
جديرٌ بأنَّ الفخر يشكو فراقهُ ... ومنهُ رواق الفخر قد كان ممتدّاً

جرجس زوين
وفي السنة 1892 في 28 تموز كانت وفاة كاتب آخر بليغ من أسرة مارونية فاضلة وهو جرجس زوين. تلقى المذكور كل دروسه عندنا في مدرستنا الاكليريكية في غزير ثم عدل إلى الكتابة والتأليف فكان أول محرر لجريدتنا البشير فأقام على تحريرها نحو سبع سنوات ثم تولى تحرير جريدة لسان الحال في آخر حياته جريدة لبنان. وكان كاتباً مجيداً متوقد الذهن سريع الخاطر واسع الاطلاع. وقد عرب عدة كتب طبعت في مطبعتنا كروايتين وردة المغرب وفريدة المغرب وكتآليف دينية منها مصباح الهدى لمن اهتدى وكتاب رواشق الأفكار لأمبرتوس وكتاب كنيسة الروم الشرقية بإزاء المجمع المسكوني الفاتيكاني. وله تآليف رد فيه على الدكتور ميخائيل مشاقة لما أخذ هذا يطعن بالكنيسة الكاثوليكية دعاه الرد القويم على ميخائيل مشاقة اللئيم. وكان جرجس زوين أحد أعضاء الجمعية السورية به فيها خطب ومقالات منها خطبة في تاريخ سورية.

بنو الدلال
وفي هذه السنة عينها في 24 ك1 1892 ذهب ضحية آرائه الدستورية (جبرائيل الدلال) كان سليل أسرة حلبية عريقة في الأدب اشتهر منهم في القرن الثامن عشر إبراهيم الدلال. ومن ذريته (عبد الله) أبو جبرائيل ونصر الله كان ذا عز وجاه وتُقي فلما توفي سنة 1847 أرخ ضريحه بطرس كرامة بقوله:
لحدٌ نواهُ ابنُ دلاَّل التقي فغدا ... برحمة الَملِك القدُّوس مغمورا
قضى الحياةُ على نهج الصلاح وقد ... لاقى المنَّيةَ مبروراً وشكورا
ناداه ربٌ غفور إذ نؤرخهُ ... نَلْ جنة الخلد عبد الله مسرورا
ولابنه (نصر الله) آثار أدبية منها مقالاته في المال والأعمال ونشرها في الجنان
(1/273)

وكان بيته أشبه بمنتدى العلماء وطنه يجتمع فيه الشعراء والأدباء فمدحه بعضهم بقصائد غراء ولنصر الله كتاب في الأدب دعاه منهاج العلم وكتاب في فلسفة يسمى أثمار التدقيق في أصول التحقيق طبع في المطبعة الأدبية سنة 1888 (ص 89) توفى نصر الله سنة 1882.
أما (جبرائيل) فكان والده في 2 نيسان سنة 1836 ونشأ على آداب والده ودرس في مدارس الرسلين في عين طورة وحلب. وكان مغرما بالعلوم العصرية فأحرز منها حصة حسنة وانكب على الفنون العربية ودرس آثارها نثرا ونظما فصار من أوسع أهل وطنه معرفة بآداب العرب. وسافر غير مرة إلى الأستانة وتعلم فيها التركية وتجول في الأقطار حتى بلغ إسبانيا والبرتغال وبلاد الجزائر وحط عصا التسيار في باريس فحرر مدة صحيفة (الصدى) لسان حال السياسة الفرنسوية وصار ترجمانا لوزارة المعارف وتعرف في منصبه بكثيرين من أهل الوجاهة القادمين إلى باريس. ثم استدعاه الوزير خير الدين باشا لما قلد منصب الوزارة إلى دار السلطنة لينشأ فيها صحيفة السلام لكن تلك الجريدة لم تلبث أن تلغى بعد استقالة خير الدين باشا فطلبه المكتب العلمي في فيانا ليدرس العربية في كليتها ففعل مدة سنتين. وصنف هناك بعض المصنفات منها رسالة في ملخص التاريخ العام ورسالات لغوية. ثم عاد إلى وطنه سنة 1884 بعد تغيبه عنه نحو عشرين سنة. فبقي مدة يتعاطى الآداب. وهناك اجتمعنا به سنة 1887 ونقلنا بعض مخطوطات مكتبته. وما كنا لنظن أن هذه المكتبة ستباع يوما ويقع في يدنا كثير من آثارها. وكأن صاحب الترجمة لاختلاطه بأهل السياسة في أوربة عرف ما تقتضيه بلاده من الإصلاحات ففرط منه بعض أقوال نقلت إلى ذوي الأمر فألقي في الحبس وبقي هناك إلى يوم وفاته. وقيل أنه قتل مسموما في اليوم الذي جاء الأمر بإطلاقه والله أعلم. وكان بين جبرائيل الدلال وبعض مشاهير العصر وشعرائه مراسلات ومساجلات. وله قدود غناء وكان بارعا بأصول الموسيقى. وقد جمع الأديب البارع قسطاكي أفندي الحمصي ما وجده من آثاره الأدبية في كتاب دعاه السحر الحلال في شعر الدلال وصفناه في المشرق (6 (1903) : 859) واقتطفنا بعض جناه. وله فيه قصائد غراء مدح فيها علية زمانه فمن ذلك قصيدة نظمها في ناصر الدين شاه ملك إيران منها قوله في مدح السلم والعدل:
(1/274)

فالسلمُ أوفى واقياً ... ولثروة البلدانِ أوفَرْ
والعدلُ إن عمَّ المما ... لكَ شاد علياها وَعَّمْر
والباقياتُ الصالحا ... تُ على مرور الدهر تُذكرْ
ومن طيب نثره ما روي له هناك من جواب إلى صديق: (كتبت أعزك الله وقد وصلني طرسك الذي فاق الدر النضيد ببهجته، وأزرى على رخيم التغريد بلهجته، وإني لأحق بابتدائك بما ابتدأتني به من الصلة تفضلا، ولكن قدر لك علي السبق وإن تكن في كل شيء أولا، فلساني عاطر بشكرك، وقلبي عامر بذكرك، غبت أو حضرت سرت أو أقمت. فو الله لم أذكر أيام اللقاء ولذتها إلا وطارت نفسي شعاعا، ولا تخيلت ساعات الوداع وكربتها إلا وزدني الشوق التياعا،.. فإن تأملت قصر مدة ألفتنا هاج بي الشوق آلاما، وإن تذكرت حميم صحبتنا زادني التذكار هياما، وإذا فكرت في فرقتنا قلت ما كان اللقاء إلا مناما) .

سليم بك تقل
وكأن تلك السنة 1892 كانت مشئومة على الآداب العربية فتوفي في أواسط تموز رجل لبناني نبغ في تحرير الجرائد خصوصاً نريد به سليم بك تقلا. ولد المذكور سنة 1849 في كفر شيما من قرى سواحل بيروت وكان رومياً ملكياً كاثوليكياً فاستنشق منذ نعومة أظفاره ريح الآداب التي نم شذاها في مسقط رأسه من الحديقة اليازجية. فدرس في صغره في مكتب قريته ثم دخل مدرسة أعبية الأمريكانية لكن حوادث السنة 1860 المشئومة اضطرته إلى أن ينزل إلى بيروت فأكمل دروسه في المدرسة الوطنية على المعلم بطرس البستاني وابنه سليم. وكان في كل تقلباته مثالا لأقرانه يسبقهم بذكائه ورغبته في إحراز العلوم. ولما أنشئت سنة 1865 المدرسة البطريركية في بيروت انتدبه أصحابها إلى تدريس العربية فيها فكان رصيفا للشيخ ناصيف اليازجي فيلقى عليه مشاكله اللغوية حتى رسخت قدمه في العلوم اللسانية وأمكنه وضع كتاب مدرسي في الصرف والنحو دعاه مدخل الطلاب. فاتخذته المدرسة دستوراً للتعليم وزادت ثقة الرؤساء به فجعلوه رأس أساتذتهم ووكيل أعمالهم. ثم اجتذبته مصر لما رأى في ربوعها من الحرية وفي أمرائها من الأريحية والتنشيط فأمها ورفع إلى خديويها إسماعيل باشا قصيدة رنانة مهدت له سبيل النجاح فنال الامتياز بإنشاء جريدة الأهرام سنة 1875 وهي التي لا تزال إلى اليوم إحدى جرائد مصر اليومية الكبرى فتحيا بروح منشئها وقد لعبت في حياته
(1/275)

تهمَّته دورا مهما مع ما صادفته في سيرها من العوائق لا سيما سنة 1882 وقت الحوادث العرابية إلا أن عزم محررها لم يغلب بالك العوارض بل زاد نشاطا وعانى أعمال الصحافة إلى وفاته فتوفي في قرية بيت مري سنة 1892 وكان قصد لبنان تغييرا للهواء وطلبا للشفاء من ألم أصابه في القلب فلم يمهله أجله زمنا طويلاً ونقلت جثته إلى موطنه بإكرام. وكان لسليم بك تقلا موقع عظيم في نفوس أرباب الأمر من دولته فنال منهم ومن الدول الأجنبية عدة رتب وامتيازات شرفية. وهو قد أبقى من آثار قلمه - ما خلا فصوله ومقالاته المتعددة في الأهرام - مجموعاً فيه مقاطيع من نظمه ونثره. فمن حسن شعره قوله يصف أساطيل حربية:
تلك الأساطيلُ فوق الغَمْر سابحةٌ ... والغمرُ منها كسهلٍ وهي كالقُللِ
دانت لهيبتها الأنواءُ خاضعةً ... فحيثما قصدتْ حلَّت بلا مَهَلِ
خاضت عبابَ بحار الأرض آمنةً ... عَصْف الرياحِ وقصف الرَّمي بالكالِ
إذا شكتْ سفُنُ الخصمِ العنيد ظما ... نُزَّالِها أورَدتْها الماءَ للدَّقَلَ
وإن تشامَخَ حصنُ دُكَّ عن أُسسٍ ... ولو تطاولَ مرفوعاً إلى زُحَلِ
تهابها الجنُّ ثمَّ الأنسُ من بشرٍ ... والنَّسْر في الجوّ مثل الحوت في الوشائلِ
هذي قوى الماء فوق الماء ناشرةً ... بند الهلال قصِفْ ما تبتغي وقُلِ
ولسليم بك تقلا غير ذلك مما لم يطبع كرسائل ونبذ تاريخية وروايات معربة منها رواية متريدات ورواية أيوب البار. وهذه رسالة كتبها في تهنئة: السيد السند أطال الله بقاءه. لا أدري أي الثلثة أهنئ إياك أم الرتبة أم نفسي؟ أما أنت فبتساميك وإن كنت فوق ما نلت. وأما الرتبة فبشرفها لأنها دون من سمعت إليه. وأما أنا فلأني أول مخلص لك وُدّك فتهنئتي بما أفتخر به لك. ويا حبذا لو كان لي مداد برقي ويراع كهربائي أفيك به حقك من سروري ولعل ما بين فلبينا يقوم هذا المقام عني فأقول:
فإن أشكُكْ أراجعْ فالدليل معي ... وإن تشككْ فراجعْ فالدليلُ معكْ
ومن ظريف قوله في من عذله على التدخين:
عذَلَ التدخينَ قومٌ قد رأوا ... بيدي سيكارةً أعشَقُها
قال: دعها فهي سمُّ نافعٌ ... قلت: لا والله لا أعتقُها
إن تكن سماً فإني محرقٌ ... شرَّها بالنار إذ أحرقُها
(1/276)

وعليه فاعذلوا أو فاعذروا ... فعلى الحالين لا أطلقها
إن حلالاً أو حراماً أشربها ... فأنا الصبُّ الذي يعشقُها
وقام من بعد سليم بك شقيقه (بشارة باشا تقلا) المتوفى سنة 1901 وسنذكره في جملة أدباء القرن العشرين.
القانوني (نقولا نقاش) هو نقولا بن الياس نقاش أخو المرحوم مارون نقاش الذي سبق ذكره في (المشرق 11 (1909) : 382) وهناك أشرنا إلى أصل العائلة من صيدا وانتقالها إلى بيروت. وكان مولد المترجم في هذه المدينة سنة 1825 وجرى على آثار أخيه في طلب العلوم ودرس اللغات وساعده في إنشاء الروايات التمثيلية. ثم تعاطى التجارة من السنة 1859 إلى السنة 1868 فانتدبته الحكومة إلى خدمتها كعضو مجلس الإدارة في لواء بيروت وكمدير جمارك الدخان فانكب على مطالعة قوانين ونظامات الدولة العلية. وتخرج في العلوم الشرعية على مشائخ العلماء أخصهم الشيخ يوسف الأسير فأحرز شهادة وكلاء الدعاوي ونُصب عضواً دائماً امحكمة بيروت التجارية واشتغل وقتئذٍ بالتأليف وعرّب عن التركية عدة كتب قانونية وأضاف إليها الشروح والفوائد حتى صارت في دوائر الحكومة المحلية بمثابة الترجمة الرسمية يرجع إليها في حل المشاكل. ونمت شهرة المؤلف بذلك حتى وقع عليه الاختيار سنة 1878 كمعبوث بيروت إلى الأستانة في الندوة الدستورية لولا أن ثمرة الدستور لم تنضج بعد فعاد بعد مدة إلى وطنه وأنشأ سنة 1880 جريدة المصباح الكاثوليكية فنالت بتدبيره ومقالاته شهرة واسعة طول حياته. وقد ضعف نور ذلك المصباح بوفاة منشئه حتى انطفأ تماماً. وكان المرحوم نقولا نقاش شديد التمسك بالدين مجاهراً بإيمانه كما تشهد له بعض تآليفه كتكريم القديسين ومجموع صلوات تقوية. وله من الكتب الأدبية خطب في مواضيع شتى سياسية واجتماعية. وله ديوان شعر طبع في المطبعة الأدبية سنة 1879 ضمنه كثيراً من المعاني الحسنة والأوصاف العصرية فمن ذلك قوله من قصيدة طويلة أرّخ فيها وصول ماء نهر الكلب إلى بيروت سنة 1875:
يا أهل بيروت بشرى ... قد صحَّ فينا الرجاءُ
هذا هو الماء جارٍ ... فَلْتَرْوَ منه الظماءُ
(1/277)

ماءٌ لذيذٌ شهيٌ ... رِدُوه فيهِ الهناءُ
بيروت ضاهت دمشقاً ... وزال عنها العَناءُ
فقلْ لمن عيَّرونا ... وقلَّةُ الماءِ داءُ
تعالَوْا الآن تلقوا ... ماء وفيه النماءُ
سقياً لبيروت أرّخْ ... في ثغرنا حلَّ ماءُ
(1875) ومن أوصافه تعديده لعجائب مصر:
الله أكبرُ هذا عصرُ تجديدٍ ... عصرُ المعارف لا بل عصرُ تَمْجيدِ
عصرٌ جديدٌ لهُ الأكوان باسمةٌ ... تثني على أهلهِ الغُرّ الصناديدِ
ذيّاك ينطق في تسبيح خالقهِ ... وذاك يلهجُ في حمدٍ وتوحيدِ
هذا يطير إلى العليا بخفَّتهِ ... وذاك يخرقُ الجبال الجلاميدِ
ترى السفائنَ أعلاماً مدرَّعةً ... إن تصدمِ الحصنَ ألقى بالمقاليدِ
ما البيضُ ما السُّمرُ إن ألقت مدافعها ... كُرَاتِها الحُمْرَ من أفواهها السُّودِ
كنا نخافُ من الأفلاك صاعقةً ... أضحت من أليمّ تأتينا بتهديدِ
تجوبُ أخبارُنا كالبرق مسرعةً ... تكادُ تسبق فكراً غيرَ مولودِ
أضحت قوافلنا والنار تحملها ... تسيرُ كالطيرِ لا كالعيسِ في البيدِ
واللهِ ما فعل قُوات البخار سوى ... ضربٍ من السحر لكن للخير محمودِ
هي الطبيعةُ جل الله مبدُعها ... إلى الوجودِ بدت من عمق مفقودِ
كلٌ يحاولُ منها كشفَ معجزةٍ ... فكلُّ مَن جدَ يلقى جل مقصودٍ
ومن محاسن نظمه قوله في لبنان ومقاطعاته بعد حوادث السنة 1860:
لله درُّك يا حمى لبنان إذ ... أصبحتَ مغتَنم الرضا الشاهاني
نُشرت معارفهُ الجليلة إذ غدا ... يروي حديثاً عن بني نبهانِ
وبقاعُهُ ذلك العزيزُ مقامهُ ... أضحى عزيزاً أخصب الوديانِ
وبَمْتنهِ وبفرعِه حلَّ المنى ... والجُرد أضحى ساحلاً لأمانِ
وبشُوفِه يشفى العليلُ تيمناً ... غَرْباهُ قُلْ بالخير يلتقيانِ
قد عُدْتَ يا عرقوبَهُ عمَّا مضى ... وغدوتَ معروفاً بصدقٍ لسانِ
وكذا المنَاصف أنصفت لما صفتْ ... في خدمةٍ تهدى إلى الأوطان
(1/278)

وبكسروانَ ترى الأمانَ موطَّداً ... من سيفٍ كسراهُ الجليلِ الشانِ
وترى القُوَيْطع كالقطيع مطاوعاً ... وكذاك قاطعهُ بوصلٍ دانٍ
وجُبَيْلُهُ وجبالهُ وسهولهُ ... ووعوُرُه حاكت رياض البانِ
وبزاويَتْهِ (كذا) قد بُنيِ نْعَم البنا ... هل لا وذا وعدٌ من الرحمانِ
تحمى بَسْيفٍ باترٍ بَترونُهُ ... وكذا غدت أميونُهُ بأمانِ
نادى حسامُ العدلِ فيه هاتفاً ... ألقى (بشَرِي) كلَّ من عاداني
بجنوبهِ وشمالهِ تلقى الهنا ... وبشَرْقهِ وبغربهِ هنآنِ
قمْ أيها الشيخُ القديمُ زمانهُ ... وانظرْ هضابَك بهجة الأكوانِ
نسجَ الربيعُ بنحو هامك خوذةٌ ... كزبرجدٍ قد صيغ مع مرجانٍ
هامٌ تكللهُ الثلوجُ أكلةً ... بيضاءَ تكفي عن جليل معاني
والخصبُ في أكفانهِ ووسوطهِ ... قُل جنَّةٌ تزدانُ بالافنانِ
حتى الصخور غُدت رياضاً أثمرت ... من كل فاكهةٍ بها زوجانِ
ومناهل يحيي القلوبَ ورودُها ... وعيونهُ تروي ظمأ الظمآنِ
هو جنّة في الأرض تحكي للسما ... والخلق ترتع في رياض أمانِ
وله قصيدة طويلة تنيف على 140 بيتاً دعاها التوبة وضمها المعاني الزهدية. وقد روينا له في المشرق (5 (1902) : 631) نشيداً نظمه لجمعية مار منصور. كانت وفاة نقولا نقاش في 4 كانون الأول سنة 1894 فابنه مصقع الخطباء ورثاه جل الشعراء فجمعت أقوالهم في كراس مخصوص. وقد ورث أولاده من بعده أهابه فعرف منهم كبيرهم المرحوم يوسف وله بعض الآثار الأدبية. والقانوني جان صاحب كتاب مغني المتداعين عن المحامين. ومن الأسرة عينها اشتهر (سليم بن خليل) المتوفى قي 25 تشرين الثاني سنة 1884 وهو صاحب جريدة المحروسة ومحرر العصر الجديد وله تاريخ المسألة المصرية سمّاه (مصر المصريين) وكتب عدة فصول ومقالات وروايات طبعت في بيروت ومصر. ونضيف إلى هؤلاء (جرجس بن حبيب) المتوفى في 17 تشرين الأول سنة 1907 وكان من أدباء طائفته له بعض المصنفات في تاريخ العرب أوقفنا عليها وهي لم تطبع. وسليم وجرجس ابنا أخوي نقولا نقاش.

يوسف الشلفون
كان أحد أنصار النهضة الأدبية في الفصل الثاني من القرن
(1/279)

التاسع عشر. وهو يوسف بن فارس بن يوسف الخوري الشلفون كان جده حاكماً على ساحل لبنان من قبل الأمير بشير الشهابي الكبير. أما حفيده يوسف فكان مولده نحو السنة 1840 درس في مكاتب بيروت مبادئ العربية واللغات الأجنبية واشتغل مدة في المطبعة السورية التي أنشأنها المرحوم خليل أفندي الخوري سنة 1857 بصفة مرتب حروف ومصحح مطبوعات. وفي أثر حوادث سنة 1860 استدعاه فؤاد باشا معتمد الدولة العلية لترتيب ونظارة المحررات الرسمية التي كانت تطبع في التركية والفرنسوية. وبعد أن تقرر نظام جبل لبنان أنشأ على حسابه مطبعته المعروفة بالمطبعة العمومية سنة 1861 ونشر فيها عدة مطبوعات عددناها في المشرق (1001:3 - 1003) وكان يوسف الشلفون ذا همة عظيمة فانتدبه أول متصرفي لبنان المرحوم داود لتنظيم مطبعة في مركز المتصرفية فقام المندوب بهذه المهمة القيام الحسن. ثم صرف عنايته إلى إنشاء الجرائد فنشر منها أربعاً وهي الزهرة ثم النحلة ثم النجاح وأخيرا التقدم وذلك بالاشتراك مع بعض الكتبة المجيدين كالقس لويس صابونجي والخوري يوسف الدبس وأديب إسحاق. ثم اشترك مع المرحوم رزق الله خضرا فجعل مطبعته في خدمة الطائفة المارونية إلى أن انفصل عنها وأنشأ المطبعة الكلية كما فصلنا كل ذلك في تاريخ الطباعة في المشرق (3 (1900) : 501) وقد أضر بالمترجم تقلبه في الأشغال وميله إلى ذوي المبادئ الحرة. وكان أحد أعضاء الجمعية العلمية السورية وفي مطبعته نشرت أعمالها في السنتين 1868 - 1869. وكان حسن الكتابة وله نظم جمعه في ديوان ودعاه أنيس الجليس وطبع قسماً منه في مطبعته الكلية سنة 1874. فمن نظمه قصيدة في مدح داود باشا هذه بعض أبياتها:
ضاءت بشمس سعودك الأيامُ ... وزهت بطلعة مجدك الأعوامُ
وسمَا بذانك سفحُ لبنانَ الذي ... حسدَتْهُ مصرُ بعزهِ والشامُ
فكأنهُ فلكٌ وأنت بأفقِه ... بدرٌ له دون البدورِ تمامُ
أقطارهُ بالعدلِ منك استأمنت ... ورعت بها الآسادُ والأغنامُ
يا أيها المولى الذي عن وصفهِ ... وثنائه قد كلتِ الأقلامُ
قلدتَ قوماً تحت أمرك منهُ ... لم تحْصِ واجبَ شكرها الأرقامُ
ونسختَ آيات المظلم بعدما ... قامت على ساقٍ بها الأقدامُ
(1/280)

ونصبتَ يا داودُ أحكاماً بها ... ظهر اليقينُ وزالتِ الأوهامُ
فينا لك الذكرُ الجميل مخلَّداً ... هو في الحديث بداءةٌ وختامُ
وقال مهنئاً أحد الرهبان اليسوعيين في عيده فافتتح كلامه بهذه الأبيات:
المرءُ يُعْرفُ في جميل خصالهِ ... ويعزُّ عند مقالهِ وفعالهِ
والشهمُ من نال العُلى في جدّهِ ... حتى غدا الراقون دون منالهِ
ويشيد صرحَ الخير في طلب العُلى ... كي يدرك الأفلاك في أعمالهِ
فيرى اتقاء الله خيراً يرتجى ... يوماً ويشفي قلبهُ بزُلالهِ
ويميل من كل الأنام تعفُّفاً ... ويرى بحب الله راحة بالهِ
ولد قصائد في أماثل الرجال وكبار الأمراء الذين قدموا بيروت ومدح إمبراطور النسما ووليي عهد ألمانية وإنكلترة وسمو الخديوي إسماعيل باشا فاستحق بذلك بعض الامتيازات الشرفية لكنه توفي خاملاً السنة 1895.

سليم جدي
وفي السنة 1895 عينها انتقل في ربيع عمره شاب أديب قصفته المنون غصناً يافعاً نريد به سليم بن نصر الله جدي من أسرة جدي المعروفة بفضلها في بيروت. كان مولده نحو السنة 1870 وتخرج في الآداب والعلوم في كليتنا. وقد عرفناه حق المعرفة إذ كنا ندرسه العربية وكان في مدرستنا مع المرحوم نجيب حبيقه صاحب الفارس الأسود فعهدناهما طالبين يتلهبان شوقا إلى خدمة الأوطان فيجريان مذ ذاك في ميدان الآداب كخيل الرهان ولكليهما مآثر نثرية وشعرية لدينا منها أشياء متفرقة والبعض منها قد نشر بالطبع كعدة قصائد وروايات. وكأن دار الآخرة حسدت الوطن على فضلهما فأشربتهما كأس المنون المرّة عاجلاً. إلا أن نجيباً عاش بعد قرينه عشر سنوات وسيأتي ذكره مع أدباء القرن العشرين. ولسليم جدي رثاء في الشيخ خليل اليازجي صح فيه فكأنه سبق ورثى نفسه بقوله:
لك بين الأنام ديوانُ شعرٍ ... بمعانيهِ حرَّك الجلمودا
تلك بانت العصر مبتكراتٍ ... ومن المجد ألبستك برودا
لو درى الموت أن ذلك درٌ ... المعاني نظمتَ منه عقودا
ما أصابت سهامه لك قلباً ... كان قبل اللسان ينشي القصيدا
(1/281)

شاكر شقير
وفي خريف السنة التالية خسرت أسرة كريمة من الروم الأورثذكس كاتباً آخر من أبناء الوطن وهو شاكر مغامس شقير عرف في بلاد الشام مدة بتفننه بالكتابة ونظم الشعر تولى التدريس في عدة مدارس وطنية وساعد المرحوم بطرس البستاني في بعض فصول دائرة المعارف وكتب في مجلة الجنان وأدار مجلة ديوان الفكاهة (1886 - 1889) . ثم انتقل إلى مصر وأنشأ فيها مجلة الكنانة في نيسان سنة 1895 فمات بموت محررها بعد سنتها الأولى (1896) . توفي في وطنه الشويفات وللمذكور عدة مقالات وروايات وقصائد تجدها متفرقة في كثير من المجلات. وقد روينا عنه قصة ظريفة في المشرق (9 (1906) :571 - 575) عنوانها الطواف بالقربان المقدس. وله كتاب مصباح الأفكار في نظم الأشعار طبع في بيروت سنة 1873 ومنتخبات الأشعار طبع سنة 1876 وعني بتكرار ديوان أبي العلاء المعري دون أن يزيد عليها شيئاً يذكر من المحسنات. ولشاكر أخ اسمه فارس ترك أيضاً بعض المؤلفات وسنذكره في تاريخ آداب القرن العشرين. ومن حسن شعر شاكر قوله من رثاه في سليم دي بسترس دعاه (حقيقة الأسف) وقد تفنن فيه كثيراً:
فتلهُّب وتلهُّفٌ وتأسُّفٌ ... وتأفُّفٌ وتحشُّرٌ وتحرُّقُ
كبدٌ تذوب وأنفسٌ تشكو العنا ... أذنٌ تطنُّ وأعينٌ تندفَّقُ
ثم انتقل إلى بحر آخر وقافية أخرى فقال:
سليمُ الفؤادِ لهُ طلعةٌ ... تحيي الشموسَ وتزري القمرْ
وذو هيبةٍ كأسودٍ الشَّرى ... وأنسٍ كأنسِ الغزال الأغرْ
تخرُّ الذقونُ لهُ سجَّداً ... تسرُّ العيونُ بهِ إذ حضَرْ
عليُّ المكان جليُّ البيانِ ... طليُّ اللسانِ مسليُّ البَصَرء
نقيُّ البنانِ تقيُّ الجنان ... رقيُّ الزمانِ بقيُّ الأثرْ
ومما قاله سنة 1869 في مدح الجمعية السورية:
وزهرة روضٍ كلمَّا طال وقتها ... تزيد نمذواً بالجمالِ مقلَّداً
بها افتخرت بيروت حتى لقد سمت ... على كل مصرٍ وهي تُشبهُ فرقدا
مؤلفة من كل صاحبٍ غيرةٍ ... ذواتٍ بنو للخير بيتاً مشيداًّ
(1/282)

كواكب سعد يسطعُ اليوم نورهم ... ويهدي الذي في الجهل ضلَّ إلى الهدى
وقد ألبسوا بيروت حلَّة سؤددٍ ... تتيه بها إذا أصبحَتْ منبع الندى
فكلُّ لسانٍ في ثناهمُ لاهجٌ ... يصيغُ بهِ لفظاً لدرٍّ منضَّدا
وكلُّ جنانٍ حمدُهم فيه راسخٌ ... وكل مديحٍ في سواهم تفنَّدا
فلا زال مسعاهم بذلك ناجحاً ... ونالوا المنى ما الطير في الغصن غرَّدا
ومن نظم شاكر قوله من قصيدة في رثاء نقولا نقاش:
من كان بالأمس نقَّاش الصحاف هدًى ... يُنْسيك حسَّانَ أو يزري بسبحانِ
من كل نثر أنيق الوصف مندمجٍ ... وكل شعرٍ رشيق النظم طنَّان
كم حرَّر اللفظ والمعنى تصُّورهُ ... بما استرقَّ له أحرارَ تبيانِ
إذا انبرى لا يباري في مناظَرَةِ ... وإن جرى لا يجاري بين أقرانِ
وختمها بقوله:
مضى إلى الله حيث الدارُ خالدة ... مستوفياً أجر أعمالٍ وإيمانِ
لا يبرحِ العفوُ فيه فوق مضجعةٍ ... تحت الأكلةِ من آسٍ وريحانِ

أمين شميل
أسرة شميل هي فرع آخر من دوحة الآداب التي نمت في كفرشيما. يقال أن أصلهم من حوران فاستوطنوا كفرشيما في مبادئ القرن التاسع عشر. وكان مولد أمين بن إبراهيم شميل في 14 شباط سنة 1828 وتلقى مبادئ العلوم واللغة الإنكليزية في مدرسة الأميركان في بيروت فامتاز بين أقرانه. ثم سار إلى رومية في بعض شؤون طائفته فأصاب فيها نجاحاً. ثم رحل إلى إنكلترة وتعاطى فيها التجارة فاتسعت أشغاله وفتح محلاً في الإسكندرية فلم يزل في تقدم ونجاح إلى أن دار دولاب الدهر فأباد ثروته. إلا إن تلك الأحوال المشؤومة لم تقل شباة عزمه. فصفى أشغاله وقصد مصر سنة 1875 ليتعاطى فن المحاماة فيبرز فيه واشتغل بالآداب وأشنأ مجلة الحقوق فكانت باكورة المجلات الشرعية. ونشر في تلك الأثناء بعض التآليف القانونية كالمباحث القضائية ونظام الحكومة الإنكليزية والتآليف السياسية الدقيقة النظر أخصها كتابه الوافي في المسألة الشرقية طبعه في مطبعة الأهرام سنة 1879 وهو كتاب ضخم في جزأين ضمنه ملخص تواريخ العرب من أول الإسلام
(1/283)

إلى زماننا (ص546) وكان وضع قبلاً رواية سياسية دعاها الزفاف السياسي. وكان ضليعاً بالآداب حسن الكتابة نثراً ونظماً ويضمن تآليفه المعاني الفلسفية والاعتبارات النظرية والرموز كما تشهد له بعض مصنفاته كبستان النزهات في فن المخلوقات الذي لم يطبع وكالمبتكر في وصف الحياة البشرية ومقاماتها المختلفة منذ الولادة إلى الموت أنجز تأليفه في ليفربول سنة 1867 فطبعه في المطبعة السورية في بيروت. وكان لأمين شميل أولاد نجباء تهذبوا كلهم في كليتنا البيروتية إلى أن يد المنون اغتالت سنة 1885 اثنان منهم في وقت واحد فتوفي أرثور في بيروت وفردريك الكبير في مصر وكان كلاهما من أذكى تلامذة مدرستنا وأكملهم ديناً وأدباً وأرقاهم في سلم النجاح في الدروس فكان موتهما مصاباً أليماً على والدهما أضعف قواه وهد ركن حياته. لكنه لم يزل جهات المستميت حتى لبى دعوة ربه في أواخر سنة 1897 في 6 كانون الأول منها بعد وفاة أخيه أسعد ببضعة أشهر في لبنان.
ولأمين الشميل أخوان آخران ضارعاه عقلاً وذكاء الواحد منهم ملحم كان أيضاً عالماً وشارك أخاه في أعماله التجارية وآدابه توفي في 17 شباط سنة 1885 أي سنة وفاة نجلي أمين فقال الشيخ خليل اليازجي مؤرخاً وفاته:
يا مُلحماً جرحتْ سهامُ مصابهِ ... منا القلوبَ جراحةً لا تُلْحمُ
أسكرثَ عند البَينِ آل شميلٍ ... بشَمولِ حزنٍ ليس يرشفها الفمُ
للمجد والعليا عليك مناحةٌ ... ولكل فنٍ في المعارفِ مأتمُ
غادرتَ مجدك واستويتَ من العُلى ... أرَخ لدى المجد الذي هو أعظمُ
(1885) .
ولد ملحم في 5 نيسان سنة 1826 وتقلب في مناصب التعليم فالتجارة فالسياسة حتى أدركته الوفاة. ومارس الطب مدة على الطريقة الاختبارية القديمة. ومن آثاره الأدبية أرجوزة وضعها في علم الجبر والمقابلة وله مقدمة طويلة على علم الحساب وكان شاعراً مجيداً له عدة قصائد منها واحدة مدح فيها الخديوي إسماعيل باشا ورثى كريمته زينب هانم بمرثاة افتتحها بقوله:
يوسِعُ القلبَ صاحب الحزم صبرا ... يومَ بينِ يجرّعُ الصبُّ صبرا
وحكيمٌ من يزدري بحياةٍ ... كلّ يومَ تزداد بالطول قِصرا
(1/284)

وفي آخر عمره دخل ملحم حكومة لبنان وخدم وطنه إلى سنة وفاته.
أما الأخ الآخر فهو الدكتور شبلي شميل الشهير بكتاباته المتوفى بعد الحرب وسنذكره في تاريخ الآداب العربية في القرن العشرين وكان أمين رجلاً ديناً على خلاف أخيه الدكتور ومن حسن قوله في الخالق سبحانه وتعالى:
هو المهيمنُ والأكوانُ صاغرةٌ ... تجثو لقدرتهِ العليا وترتعدُ
هو العزيزُ هو الباقي بقوتهِ ... هو الرحيمُ هو المحيي هو الصمَدُ
يا مُبدع الكل هل في ذاك أمدٍ ... يُبْغي لديك وماذا يا ترى الأمدُ
أنتَ الكريمُ وتعطي ما تشاءُ كما ... تشاء من بَحْر جودٍ نبعهُ الزَّبدُ
نفختَ في منخرَي هذا المركَّب من ... طينٍ فأصبحَ ذا نفسٍ بها البَدَدُ
هل نالت العُجْمُ نفساً لا تموت كما ... نلنا وإلا فما البرهانُ والسَّنَدُ
النفسُ من عالمِ الأرواح لا عرَضٌ ... يفنى ولا كائنٌ ينحلُّ أو جسدُ
فارحب بها مَلَكاً من فضل واهبها ... تَنَل بها مُلُكاً كرسيُّه الأبدُ
وهبتها لك تمييزاً وقد ظهرتْ ... نوراً فكن مؤمناً ويلٌ لمن جحدوا
ولأمين شميل قصائد متفرقة لم تجمع نشرت في مجلات شتى كقصيدة كنز المنى في المقتطف (1885 ص98) وكقصيدته الشرعية في الجنان (1885 ص228) وغير ذلك مما اتخذته يد الضياع.

حنا بك أسعد الصعب
من أسرة المشايخ الموارنة أبي الصعب الشهيرين بنواحي البترون. كان أبوه سر عسكر الأمير بشير الشهابي الكبير فنشأ صغيراً على التقى وحب الآداب فاتخذه الأمير في خدمته فتعلم العلوم اللسانية وبرع في الخط العربي حتى ضرب المثل في خطه البديع. ولما سار الأمير بشير إلى مالطة اختار المترجم بصفة كاتب لأسراره فرافقه إلى تلك الجزيرة ثم إلى الآستانة العلية وانتهز ثم الفرصة ليتعلم عدة لغات كالإيطالية والفرنسوية والتركية ودرس الفنون العصرية حتى أصاب له شهرة واسعة. ولما عاد إلى وطنه انتدبته الحكومة إلى خدمتها فخدمها في عدة مناصب جليلة مدة أربعين سنة وكان أول من حاز لقب البك نصارى لبنان وبر الشام. توفي في أواسط سنة 1896. ولحنا بك الصعبي رسالات وشروح لم تطبع وله
(1/285)

شعر كثير تفنن فيه وأجاد وقد جمعه في ديوان طبع في مطبعتنا سنة 1893 وفي صدره صورة ناظمه. وقد ختمه بقصائد تركية تشهد على براعته في اللغة العثمانية. وفي شعره منظومات متعددة تفيد تاريخ لبنان من السنة 1850 إلى السنة 1890 فمن ذلك قوله مهنئاً دولة رستم باشا عند قدومه إلى لبنان سنة 1873 بقصيدة هذا مطلعها:
ما بالُ لبنانُ يبدي النَّوُرَ أنوارا ... هل وجهُ رُستمَ أهدى النُّور أنوارا
أو تلك ألطافهُ الحسناء مذ لمعتْ ... أزاحتِ الشمسَ التنوير أستارا
إلى أن قال:
حيُيّتَ لبنانُ كنْ بالله مُعتصماً ... وكُن شكوراً بحمد الله مكثارا
ها قد أتى السرُّ والإقبال يُسعدهُ ... والضرُّ غاب مع العنقاءِ قد طارا
ضاءت مشارقنا لاحت بيارقنا ... طابت حدائقنا عَرْفاً وأَثمارا
جادت محابرنا زادت مخابرنا ... ناغت منابرنا سجعاً وأشعارا
حسَّفْتَنا سَنَناً كمّلتنا سُنَناً ... فوَّلتنا منَناً شيَّدت أمصارا
مكنَّت مِحْرسَنا ملَّيت أرؤسنا ... خوَّلت أنفسنا بالخلدِ أخدارا
لا زلتَ يا علَمٌ تجثو لك أمَمٌ ... سيفٌ كذا قلمٌ ملّكت أحرار
وكان قال سابقاً لما تعين داود باشا أول متصرف نصراني على لبنان:
لنا البُشرى لقد نلنا انتصارا ... وفزنا في سرور لن يبارى
مليكُنا قد حبا لبنان قدراً ... وخولَّهُ مقاماً واقتدارا
بوالِ من بني عيسى وزيرٍ ... وهذا الفخرُ وافانا ابتكارا
شدا باليمن تاريخ بفخرٍ ... وزيرٌ جاء نصراً للنصارى
(1862) وله من قصيدة يوبخ فيها الخاطئ ويستدعيه إلى التوبة.
ألا أُرفقْ بنفسٍ أنَّ كل نفائسٍ ... لديها بذي الدنيا أخسُّ الخسيسةِ
أأنت عدوّ النفس أم أنت خدنها ... فمن شيمة الأخوانِ صونُ الخدينةِ
أراك بلا الإشفاق تبغي عذابها ... وترمقها شذراً بعينٍ غضوبةِ
(1/286)

فلو شامتِ الأعداءُ ما أنت فاعلٌ ... لرقَّت لها رُحماً وأيةَ رقَّة
أتجهلُ ما للنفس من هول مَوقفٍ ... أمام العلي الديانِ في كل رهبةٍ
وفيهِ لإعلان الخفايا مظاهرُ ... على مشهد الأبصار من كل حَدْقةِ
مصاحفُها مفتوحةُ إذ تُرى بها ... ذنوبٌ ولم يُترَك بها قدرُ ذرَّةِ
فذرَهْا ولا تَعبأُ بظلٍ عبورُهُ ... يكونُ كطَرْف العين في كل سرعةِ
ولحنَّا بك عدة أناشيد تقوية في السيد المسيح والبتول الطاهرة نقلنا منها سابقاً بعض شذرات. ومما لم نجده في ديوانه زجليةٌ في سبت عازر:
لمَّا توفي عازرُ ... فوراً بلحدٍ بادورا
جثمانهُ مذ غادروا ... في جوف رمس قد غدا
اللازمة
يا عازرُ ربُّ الفدا ... وافاك لا تخشَ الردى
والموتُ ولَّى مذ بدا ... موّلى قديرٌ مُزْبدا
وختمها بقوله:
فقام من جوف الضريحْ ... في صوتهِ العالي يصيحْ
أنت العلي أنتَ المسيحْ ... مستوجبٌ أن تُعَبدا

الشيخ نجيب حداد
ولد في بيروت في 25 شباط سنة 1867 ورحل صغيراً إلى الإسكندرية فتلقى في مدارسها العلوم. ولما حدثت الثورة العرابية عاد إلى بيروت فأتم بها دروسه في المدرسة البطريركية وكان رضع صغيراً أفاويق الأدب في قرابة الشيوخ اليازجي وأمهُ كريمة الشيخ ناصيف فعاش مدة في معية أخواله الكرام. ولما سكنت الأمور في القطر المصري كرَّ راجعاً إليه وعكف على الكتابة في عدَّة جرائد أنشأها وكان رئيس تحريرها أو أحد كتبتها الأولين كلسان العرب وأنيس الجليس والسلام. إلا أن الأسقام لم تزل تنتابه حتى هصرت غصن حياته رطباً قبل بلوغه الكهولة فمات في مصر في 9 شباط سنة 1899. وكان نجيب الحداد متضلعاً بالكتابة يجمع في إنشائه بين متانة العبارة وسهولتها. وله المقالات السياسية الحسنة. واشتهر بإنشاء الروايات أو تعريبها. وقد لقي بعضها إقبالاً ونجاحاً كرواية السيد للشاعر
(1/287)

كرنيل الفرنسوي من تعريبه ورواية البخيل ورواية المهدي ورواية الرجاء بعد اليأس ورواية أثارت العرب. وكان شعره أجود من نثره حذا فيه حذو الشعراء العصريين. من ذلك قصيدته في ذم القمار التي رويناها سابقاً في المشرق (7 (1904) : 673) . ومن شعره الطيب في وصف السكك الحديدية وقطراتها:
تخَلَّ عن التشبيب بالبيضِ والسُّمر ... ودَع عنك تشبيه المحاسن بالبدرش
وعُجْ بي إلى طُرق الحديدِ ووصفها ال ... جديد ودَع ما مرَّ من قِدَم الدهرِ
ففيها يروقُ الوصف وهو حقائق ... وفيها يحقُّ النعت لا مذهبُ الشعرِ
وعنها يصحُّ القول أن قيل بارقٌ ... يشقُ الفلا لا عن جواد ولا مُهِر
فطيرٌ بلا جُنح وطٌود بلا بقا ... وبرقٌ بلا جوٍّ وهادٍ بلا فكرِ
بلى هي طيرٌ والبخار جناحهُ ... وطوٌد إذا شبهتَ بالطود ما يسري
وبرقٌ ولكنَّ الدخانَ سحاُبهُ ... وهادِ لهُ لبُّ توقَّدَ عن جمرِ
يسير فما يدري لسرعةِ سيرهِ ... أتجري لديه الأرض أم فوقها يجري
وللريح حولّيْهِ حفيفٌ كأنه ... حفيفُ جناح الصَّقر حنَّ إلى الوكر
إذا سار ثارت فوقهُ راية من الد م ... خان لتنبي انهُ ملك القفرِ
تمّزقها الأرياح حنقاً كأنها ... تحاول في تمزيقها الأخذ بالثأرِ
لعمرُك ما هذا بهادي البلاد بل ... هو القائد الهادي إلى العزّ والنصرِ
وأحسن من ذلك قصيدته الغراء التي قالها في احتراق سوق الشفقة في باريس سنة 1897 حيث رزى الكاثوليك بموت قوم من كرامهم لا سيما النساء الشريفات فماتوا في تلك السوق التي انشأوها لمساعدة الفقراء والبائسين بعد أن اتقدت أسلاك آلتها الكهربائية وامتد إليهم لهيب النار:
سوقُ برٍّ تُباعُ فيها اللهُّى بي ... عاً ويُشرى الثواب فيها شراءَ
زَّينتها بيض الأيادي وأيدي م ... البيض من محسنٍ ومن حسناءَ
أنفسٌ تبتغي السماء فما أمْسي ... نَ إلا وقد بلغنَ السماءَ
أدركت ما تروم من جنَّة م ... الخلد وكن كان الطريق صِلاءَ
من رأى قبلها جحيماً يؤدي ... لنعيمٍ أبناءهُ الشهداءَ
أو رأى محسناً يجودُ على ... الناسِ فيلفي نار الحريقِ جزاءَ
أترى كان ذاك مطهرَ من ما ... توا فيمحو عن النفوس الخطاءَ
(1/288)

أم هو الدهر لا يزالُ مسيئاً ... لكريمٍ ومُكرماً من أساءَ
يا ربوعاً كانت معاهد إحسا ... نٍ وحسن فأصبحت قفراءَ
ودياراً كانت منازل إينا ... سٍ فأضحت بلاقعاً وخلاءَ
وكراماً كانوا مناهل جودٍ ... لفقيرٍ فأصبحوا فقراءَ
أُمراءُ نادى النَّدى فأطاعو ... هُ أميراً لهم ولبَّوا نِداءَ
وحسانٌ قد جُدْن برّاً كأن م ... البرَّ ثوبٌ يزيدهن بهاءَ
ساحة تُنبت المكارمَ والرأ ... فة والمجد والندى والإخاءَ
فنساءٌ بها تباري رجالاً ... ورجال بها تبار النساءَ
أوجهْ يشرق السَّنا من محيا ... ها فتزداد بالجميل سناءَ
رحن يزهون بالبياض فما أمس ... يَن إلا كوالحاً سوداء
رمَماً لم تدع النار إلا ... رَسْمَ جسمٍ وأعظماً جرداءَ
نقمة صبَها القضاءُ على الأم ... برار حتماً ومن يردُّ القضاءُ
رحم الله من قضى وشفى الجر ... حى وعزَّى الباكين والتُعساءُ

سليمان الصولة
هو سليمان بن إبراهيم الصوله الرومي الملكي الكاثوليكي. كان مولده في دمشق سنة 1814 وفيها قضى أول سني حياته ولما ترعرع انتقل مع والديه إلى مصر ونشأ فيها وتلقن العلوم في مدارسها وكان يتردد على أساتذة الأزهر فأخذ عنهم العلوم العربية ونظم الشعر وقد أخبر عن نفسه أنه في أيام الشباب كان يعارض قصائد أبي فراس الحمداني ويخمس قصائد الحلي ويشطر منظومات المتنبي. وقد ألف كتاباً سماه حصن الوجود في عقائد اليهود وتآليف أخرى راحت حرقاً أو غرقاً في حوادث سنة 1860. وتقلد سليمان الصوله المناصب في الدواوين المصرية وصحب إبراهيم باشا لما جاء لفتح الشام ثم استقر بعد ذلك في دمشق وتقدم في خدمة الدولة العليَّة وتقرب من الأمير عبد القادر الجزائري وبفضله نجا من الموت في فتنة السنة 1860 المشؤومة. ولما كانت السنة 1884 عاد إلى مصر وفيها أقام إلى وفاته في 14 أيار سنة 1899 عن 85 سنة. وله ديوان واسع في 382 صفحة طبعه في مصر سنة 1894 واعتذر في مقدمته انه (برضٌ من عد ومجموع صغير، بقي من ديوان كبير، غادرته اللصوص، بين محروق ومقصوص) ، فقال وهو به يتعزى: إذا ما كان لي ابل
(1/289)

فمعزى. ثم أضاف إليه ما جد عليه من النظم فطبعه مفضلا القليل المقبول على الكثير المرذول. والحق يقال أن شعره رائق منسجم ومواضيعه مبتكرة أقرب إلى المنظومات العصريَّة. ومن شعره ما قاله ارتجالاً فمدح يوحنا بك البحري وكان الشاعر في الرابعة عشرة من سنه فأحب البحري أن يسمع نظمه:
أمرتَ لك الأمرُ المطاع بأن ترى ... فرائد شعري وهي أغزرُ من شَعْري
فوا خجلي من فقد درٍ أصوغهُ ... لديك وكلُّ الدرّ بعض حصى البحرِ
ومن مدحه قصيدة طويلة قالها في فقيد القطر المصري الوزير بطرس باشا غالي منها:
رجلٌ وحسُبك إنهُ الرجل الذي ... نجت البلادُ به من الإقلالِ
أحيا الندى وأمات بالكمد العدى ... ونفى الصَّدى بسماحهِ الهطاّلِ
تبدو الغيوبُ لدى لواحظ حذقهِ ... غرراً مجرّدةً من الإشكالِ
وتناولت منهُ المجالس حكمةً ... سادت على الماضي بها والتالي
نظر العزيزُ بهِ فطافةَ يوسفٍ ... فأحلهُ منه المحلَّ العالي
وأمَّدهُ بالرتبة العظمى التي ... ما نالها قَيْلٌ من الأقيالِ
فأفاد مجد القبط مجداً ثانياً ... مترّفعاً لثبيرهِ المتعالي
والناسُ حول ندى يمينه أرَّخت ... نيلُ الهناء يمينُ بطرس غالي
وله عدة مراثي حسنة قالها في إبراهيم المتوفى سنة 1883 وابنته السيدة ليلى. فما قاله في ليلى:
يا ليلةً غادرت ليلى بلا نَفس ... وغادرتني أُقاسي حرَّ أنفاسي
لولاك لم يدجُ نور الشمس في بصري ... ولا تبطّن حَوفَ اللحد نبراسي
ولا جفا الراحُ راحي والكرى بصري ... وصار دمعي سُلافَي والجوى كاسي
أين التي كنتُ إن غابت أقولُ لها ... ما قالهُ شاعرٌ من آل عباس:
ما أقبح الناس في عيني وأسمّجهم ... إذا نظرتُ ولم ألقاكِ في الناسِ
قالوا: نسيتَ بها إبراهيم قلت لهم: ... لا عشتُ أن كنت يا ناسُ لهُ ناسِ
ولا رستْ بين أرباب العلى قدمي ... أن كان غيرهما في خاطري رأسي
(1/290)

وقد روينا له في المشرق (7 (1904) : 432) أبياتاً في مريم السيدة البتول. وله قصيدة أخرى في مدحها نجت من حريق الشام على منوال عجيب وفيها يقول مستغيثاً من داء أصابه:
أيا بابَ النجاة وسلسبيلَ ال ... حياة وسورَ رَّباتِ الخدورِ
خذي بيدي الشقية وأنهضيني ... ونجّيني من الخطر الخطيرِ
وداوي علَّتي أعِدي حبوري ... لأنهض بالسرور عن السريرِ
فإني بين أشواك المنايا ... أُعذَّب في الأصائلِ والبكورِ
أيُكْسَر خاطر يا أمَّ ربي ... لديكِ وأنت جابرةُ الكسيرِ
ويبلغني الجحيمث وأنتِ غوثي ... وأدخلُ في الظلامِ وأنت نوري
أجيريني أجريني وإلا ... فدلّيني لمن أشكو أموري
وهل يرضى حنوُّكِ بافتقاري ... لغير نداك يا بحر البحورِ
تبارك من بنورك جلَّ قدراً ... عن التشبيه أخجل كلَّ نورِ
وأعطاكِ الشفاعةَ يا سماءَ ... تخيَّرها لخَّلاقِ البدورِ
سأبذلُ في امتداحك كل جهدي ... لعلَّ اللهُ يسمحُ عن قصوري
ويغفر لي ويصفح عن ذنوبي ... ويصلح عند خاتمتي أموري
وبسليمان الصولة قد ختم القرن التاسع عشر الذي أخذنا على نفسنا تاريخ أدبائه. على أنه في هذه الحقبة الأخيرة قد اشتهر غير الذين ذكرناهم ممن لم يبلغوا شأوهم أو لم نحظ بمآثرهم.
ومنهم بطل لبنان (يوسف بك كرم) الذي ولد سنة 1824 في اهدن من أسرة كريمة وتخرج في مدرسة عينطورا وتولى في لبنان بعض المناصب إلى أن حدثت بينه وبين متصرف الجبل داود باشا تلك المنازعات المشئومة التي انتهت بسفر يوسف بك إلى أوربة ثم إلى الآستانة حتى قضى آخر عمره في نابولي وفيها توفي معتزلاً عن الأشغال السياسية منقطعاً إلى خدمة ربه في أوائل نيسان من السنة 1889. وقد ذكرناه هنا لما كان عليه من الاقتدار في الكتابة وقد نشر في العربية والفرنسوية عدة مقالات سياسية طبع بعضها مفرداً. وكان ينظم الشعر العربي. قيل انه في ريعان شبابه نظم كتاب سفر نشيد الأناشيد. وله قصائد روى بعضها صاحب الجوائب
(1/291)

كقصيدته في راشد باشا التي يقول فيها:
ذا راشد البرَّ بن وجهُ مدينة م ... البحرَين ولاهُ العزيز على الورى
يكفي العباد بودهِ وبجدهِ ... فبِنِدهِ وجهُ الزمان تعطّراً
أضحت لهيبتهِ القلوبُ كبيرةً ... والخطب في الأمر الكبيرِ تصغَّرا
وقد أثبتنا له في المشرق (5 (1902) : 497) قصيدة أرسلها إلى صديقه الأديب يوسف حبيب باخوس.
ومنهم الدكتور (سليم بك الجريديني) المتوفى سنة 1885 وأخوه (اسكندر الجريديني) وكان كلاهما من أنصار الآداب أنشأ مقالات علمية وأدبية نشراها في أعمال الجمعية السورية وفي بعض المجلات.
ومنهم (الحاج يوسف فرنسيس) الذي نشأ في حاصبيا وتوطن القليعة في مرجعيون وكان عالماً بأمور الخيل كما يدل عليه كتابه سراج الليل في سروج الخيل. كانت وفاته سنة 1892 وله شعر.
ومنهم أيضاً (سليم دياب) أحد محرري مجلة الجنان نشر فيها عدة فصول تاريخية وقصائد توفي سنة 1895.
ومنهم الأستاذ (فرنسيس شمعون) من تلامذة المدرسة الأمركانية في اعبيه كان راسخ القدم في العلوم العربية متضلعاً بالرياضيات وله مؤلف لطيف في الحساب ونشر ديوان الفارض في بيروت. توفي في 11 شباط 1899.
ومنهم (حنين بن نعمة الله الخوري) من أعضاء الجمعية السورية له في نشرتها عدة مقالات وعرب تأليف الوزير كيزو الفرنسوي في التمدن الأوربي. لا نعلم سنة وفاته.

المستشرقون الأوربيون في ختام القرن التاسع عشر
قامت الدروس الشرقية على ساق في ختام القرن التاسع عشر في الأصقاع الأوربية فأن الدول كلها بفضل السلام السائد في بلادها استنهضت همم ذويهم لدرس لغات الشرق والبحث عن آثاره. وكان للغة العربية حظ أوفى من سواها لوفرة كنوزها واتساع نطاقها.
(1/292)

الفرنسويون
بعد أن فقدت فرنسة فئة من كبار مستشرقيها وحمد نوعاً نشاطها المألوف بسبب رزايا الحرب عادت إلى سباقها في حلبة الآداب. على أن درس الآثار الشرقية غلب شيئاً على الدروس اللغوية. وها نحن نذكر بالتلخيص أسماء بعض الذين استحقوا شكر الأدباء بما خلفوه من ثمار قرائحهم على حسب تاريخ الوفيات كما فعلنا سابقاً.
فقدت مصر في 18 كانون الثاني من السنة 1881 إمام علمائها بالعاديات المصرية (أوغست ادورد ماريت) (A. E. Mariette) بعد أن أعده لمواجهة ربه أحد آباء جمعيتنا. كان مولده في 11 شباط سنة 1821 وقدم مصر سنة 1850 فقضى ثم ثلاثين سنة توالت فيها اكتشافاته العجيبة كهيكل سيرابيس العظيم ومدافن سقارة وهو أول منشئ للمتحف المصري وله في ذلك تآليف جعلته في مقدمة علماء زمانه وكان يحسن العربية ويعرف آثارها وقد عرب كتابه تاريخ قدماء المصرين الشيخ عبد الله أبو السعود توفي ماريت في بولاق.
وفي 14 كانون الثاني سنة 1882 توفي في باريس أثري آخر فرنساوي (هنري دي لونباريه) (H. de Longperier) عن 66 سنة خدم فيها العلوم الأثرية لا سيما النقود الشرقية فكتب فيها الكتابات الجليلة. وقد جمعت آثاره في عدة مجلدات. ومما يفيد تواريخ هذه البلاد خصوصاً كتابه في نقود ملوك العجم في دولتي بني ارشك وبني ساسان. وله كتاب آخر في نقود ومسكوكات دول الإسلام في المغرب والأندلس. وكان المذكور مع علمه كثير التحمس في الدين.
واشهر منهما في العلوم الشرقية (فرنسوا لونرمان) (Fr. Lenormant) ابن شرل لونرمان السابق ذكره. ولد في 17ك2 سنة 1837 وتوفي في باريس في 9ك1 سنة 1883 وقد أحب الشرق منذ شبابه فتجول في بلاد اليونان ومصر والشام وكتب في ما عاينه المقالات الواسعة. وقد اشتهر خصوصاً بالعلوم الأثرية والتاريخ. ومؤلفاته تنيف على خمسين مجلداً نخص منها كتابه الشهير تاريخ أمم الشرق القديمة في تسعة مجلدات. وكان عالماً بآثار العرب القدماء كما تدل عليه كتبه. وكان لونرمان كثير الدين يدافع عنه دفاع المؤمن الصادق.
(1/293)

وممن عني خصوصاً بدرس العربية الأستاذ (شربونو) (J. Aug. Chebonneau) ولد سنة 1813 وتوفي سنة 1882 في باريس. درس المستشرقين دي ساسي وكوسان دي برسفال ثم انتدبته الدولة الفرنسوية لتنظيم مدارسها العربية في الجزائر فاهتم بالأمر اهتماماً عظيماً وعلم في قسطنطينية مدة وكان ينشط الطلبة على درس آداب العرب وآثارهم وقد صنف لذلك عدة كتب مدرسية للقراءة وتعليم الأصول والتكلم وله معجم كبير عربي وفرنساوي ونشر في المجلة الآسيوية مقالات متعددة في شعراء العرب وكتبتهم ونقل إلى الفرنسوية عدة تآليف منها رحل وتواريخ وقصص كرحلة العبدري وتاريخ ابن حماد. وكان مغرماً خصوصاً بتاريخ المغرب والجزائر له عدة آثار وفي آخر حياته استدعته الحكومة لتدريس العربية في مكتب لغاتها الشرقية الحية في باريس.
وكان يعلم في ذلك المكتب مستشرق آخر اختطفته المنون في 13ك1 سنة 1889 وهو (بافيه دي كورتيل) (Pavet de Courteille) المولود في باريس في 23 حزيران 1821 لكنه برز في درس اللغة التركية فأحيا كثيراً من آثارها المدفونة. واشتغل بترجمة كتاب مروج الذهب للمسعودي بمعيَّة بربيه دي ميتار (Barbier de Meynard) المتوفى في العشر الأول من القرن العشرين. ومن تصانيفه كتاب بالفرنسوية في صفة أحوال البلاد العثمانية.
وفي السنة التالية لوفاة شربونو توفي رجل همام متضلع بمعرفة العربية المسيو (شرل دفر امري) (Ch. Defremery) ولد في 8 كانون الأول سنة 1822 وتوفي في 19 آب سنة 1883 درس العربية على كوسان دي برسفال والفارسية على العلامة دي كاتر مار وبرع في اللغتين فاختارته دولته ليعلم في مدرستها العليا. وله عدة تآليف أخصها تواريخ الدول الإسلامية في خوارزم وتركستان وما وراء النهر وتاريخ الإسماعيلين وهو أول من نشر رحلة ابن بطوطة وترجمها إلى الفرنسوية وساعده في عمله المستشرق الإيطالي (بنيامين سنغيناتي) (B. Sanguinetti) الذي كان استوطن فرنسة منذ سنة 1831. ومن غريب الاتفاق أن الرصيفين توفيا في السنة عينها. وكان سنغينياتي اعد للطبع عدة تآليف عربية كتراجم الأطباء لابن أبي اصيبعة وتراجم الصفدي المسمى الوافي بالوفيات وبعض الكتب الطبية وكلها لم تطبع. ومما نشره في المجلة الآسيوية الفرنسوية
(1/294)

سنة 1859 كتاب فيه رسوم قديمة تدعى (أحكام العتيقة) لطائفة مسيحية زعم إنها طائفة الموارنة.
وخسرت الدروس العربية في فرنسة عالماً آخر كانوا يبنون عليه آمالاً طيبة في خدمات الشرقيات وهو (ستانسلاس غويار) (Stan. Guyard) ولد سنة 1846 ومات منتحراً سنة 1844. تعلم عدة لغات شرقية كالسنسكريتية والفارسية والآشورية وقد نشر فيها كلها مصنفات عديدة إلا أنه خص قسماً كبيراً من حياته القصيرة في العربية فألف فيها تآليف جليلة أخصها كتاباته عن الباطنية والإسماعيلية المعروفين بالحشاشين وله تأليف جليل في الأعاريض العربية واشتغل بتاريخ الطبري مدةّ. وكانت غلبت عليه السويداء فحملته على قتل نفسه.
واشتهر بين الفرنسويين غير هؤلاء ممن لا يسعنا الإفاضة في ذكرهم (كمرسال دوفيك) (M. Devic) المتوفى سنة 1886 نشر في العربية كتاباً قديماً يدعى عجائب الهند نقله إلى الفرنسوية. وقد ألحق معجم ليتره (Littre) بجدول للألفاظ الفرنسوية المستعارة من اللغات الشرقية وبالخصوص من العربية. (كريشار بوشه) (R. Boucher) المولود سنة 1843 والمتوفى في تشرين الأول من السنة 1866 نشر قسماً كبيراً من ديوان الفرزدق عن نسخة أبا صوفيا ونقله إلى الفرنسوية. وقد أتم نشر هذا الديوان جناب الأديب البفاري نزيل كليتنا الدكتور يوسف هال (Dr J. Hell) المولود في 11 حزيران 1875 ومنهم (آرنست رتان) (E. Renan) المتوفى في 2ت1 سنة 1892 اشتهر خصوصاً بمعاداته للدين. أما ما عرف له من التآليف الشرقية فتاريخ اللغات السامية في جزأين وكتابه عن ابن رشد بالفرنسوية. وتجول مدّة في سورية فنشر آثار سواحلها في كتابه بعثة فينيقية. لكن في تآليفه المذكورة الغث والمين كما بينه قوم من العلماء.
ومنهم الدكتور (لو كلار) (Dr Leclere) المتوفى سنة 1893 وهو الذي نقل إلى الفرنسوية مفردات ابن البيطار وكتب تاريخ الطب في الشرق نقلاً عن ابن أبي اصيبعة وغيره من كتبه العرب في أربعة أجزاء.
ومنهم (غستاف دوغا) (G. Dogat) أحد معلمي مكتب اللغات الشرقية في باريس. ولد سنة 182 وتوفي في 26 أيار 1894. له تاريخ المستشرقين الأوربيين
(1/295)

فلم يطبع منه إلا قسمين وصنف مقالات في جغرافية بلاد الإسلام.
ومنهم الأستاذ (جوزف درنبورغ) الموسوي (J. Derenbourg) المتوفي في 29 أيلول سمة 1859 كان مولده في ميانس في 21 آب 1811 نشر رسائل لغوية لأبي الوليد بن جناح واشتغل مع غيره من الموسويين في طبع الأسفار المقدسة لرّبي سعديا الفيومي. وقام من بعدهِ ابنهُ هرتويك (Harteig Derenbourg) ففاق على أبيه في العلوم العربية ونشر كثيراً من آثارها وسنذكره في تاريخ الآداب العربية في القرن العشرين.

العلامة هنري سوفار
(H. Sauvaire) المتولي القنصلية لدولته في بلادنا له تآليف شرقية جليلة. منها كتاب في المقاييس والموازين العربية وكتاب عيون التواريخ لمحمد بن شاكر ونشر تاريخ مدارس دمشق ونقل إلى الفرنسوية الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل لشهاب الدين المقدسي. وغير ذلك مما يشهد له بطول الباع في العلوم الشرقية. توفي في أيار من السنة 1896.
ومنهم أيضاً القانوني (جان برجس) (J. J. Barges) الكاهن الفرنسوي الذي علّم العربية في مرسيلية واشتغل في باريس في جريدة البرجيس وترجم تاريخ بني زيّان للتنيسي وتاريخ بني جلاّب للسيد حاج محمد الإدريسي ونشر منتخبات من كتب عربية نادرة كالفيض المديد من أخبار النيل السعيد للمنوفي. وأبرز بالطبع سفر الزبور ونشيد الأناشيد لربي يافث بن علي البصري وميمو ساويرس بن المقفع في القديس مرقس الإنجيلي ولد في 27 شباط 1810 في نيسان وتوفي سنة 1896.
ومنهم العلامة الشهير (شرل شيفر) (Ck. Schefer) توفي في 3 آذار 1897 كان تجول في حداثته في الشرق وتولى شؤون الدولة الفرنسوية في الشام والعجم وبرع في الفارسية وقد نشر بالعربية وصف الشام لأبي الحسن علي الهروي. وترأس مدّة سنين عديدة مكتب اللغات الشرقية في باريس فخدم الشرق خدماً مذكورة ولهُ منشورات فارسية جليلة كان مولده في باريس في 16 ت2 1820.
وللكاتب السياسي الشهير (برتلمي سنت هيلار) (Barthelemy St Hilaire) تآليف في أديان الشرق فكتب عن دين بوذا الهندي (1859) وعن محمّد والقرآن (1865) كان مولده في 19 آب 1805 توفي في باريس في 24 ت2 1895.
(1/296)

ونضيف إلى هؤلاء الافرنسيين سبعة من آباء رهبانيتنا خدموا الدين والآداب العربية معاً في هذه البلاد أولهم الأب (بطرس مرتين) (P. Martin) المولود في سابوديا سنة 1825 والمتوفى في شامبرى في 15 أيلول سنة 1880 اشتغل مدة عشرين سنة لتأليف تاريخ واسع في لبنان. وكتابهُ فريد في جنسهِ لم يزل عندنا مخطوطاً في عشرة مجلدات ضخمة وإنما طُبع منه بعض الأقسام القليلة في مطبعتنا الكاثوليكية معرّبة بقلم المرحوم رشيد الشرتوني. وله مقالات واسعة في حوادث السنة 1860 وبعض كتب روحية كشهر قلب يسوع ورسالة الصلاة رسائل شتى.
والثاني جول بلن (J. Blin) المتوفى كهلاً في القاهرة في 8 شباط حزيران 1891 صنف للأوربيين غراماطيقا عربياً ونشر ألحان الكنيسة القبطية.
والثالث الأب (لويس كسافاريوس أبوجي) (L. X. Abougit) ولد في مدينة بوي (Le Puy) وقصد سورية بصفة مرسل سنة 1849 فأتقن العربية حتى أمكنه أن يحرر البشير ويصنف الكتب في العربية أو ينقلها إليها من اللغات الأوربية. وقد بلغت تآليفه وتعريباته الخمسة عشر منها كتب دينية وجدلية كالشهر الملاكي وكردوده على المقتطف وتزييفه لبعض مزاعم البروتستانت وكتراجم بعض القديسين ومنها مدرسية كمختصر الجغرافية وغرماطيقين عربي شرحه بالفرنسوية وفرنساوي شرحه بالعربية. توفي الأب أبوجي في 16 تموز 1895 في غزير وكان مولده سنة 1819.
والرابع هو الأب (فيلبوس كوش) (Ph. Cuche) ولد في مقاطعة فرنش كونته سنة 1818 وتوفي في بكفيا في 27 آب 1895 بعد أن خدم الرسالة خمسين سنة بصفة رئيس مدارس وأديرة وكمدير للمطبعة. له قاموس عربي فرنسوي أصاب شهرة بين المستشرقين وهو المعجم الذي جدد طبعه الأب يأو (J. B. Belot) المترجم في المشرق (1144:7) وأضاف إليه إضافات عديدة وسماه القلائد الدرية.
والخامس هو الأب (يوسف روز) (J. Roze) جاء إلى سورية قبل كهنوته فتعلم اللغة العربية حتى برع فيها. وكان أحد المشتغلين بترجمة التوراة. ومن آثاره مكالمات عربية وفرنسوية في جزاءين وله سبع مجلدات مواعظ مخطوطة أنشأ بعضها ونقل بعضها الآخر عن اللغات الأوربية وله معجم عربي فرنسوي لم يطبع. توفي الأب روز في 10 آذار سنة 1896 في بيروت ومولده سنة 1834.
(1/297)

وفي 2 كانون الثاني سنة 1897 توفي في زحلة الأب (يوسف هوري) (J. Henry) المولود في أفنيون سنة 1824 جاء كمرسل إلى سورية سنة 1851 واشتغل فيها بالتعليم والتبشير. له قاموس فرنسوي عربي تكرر مراراً طبعه لرواجه.
وكان اشتهر قبل هؤلاء العرب الأب (يوسف فان هام) (J. Van Ham) الهولندي المولود سنة 1813 والمتوفى في 13 آب سنة 1889 في تعنايل له عدة تآليف في الآثار الفلسطينية. وكتب مقالات واسعة في الأسفار المقدسة وتاريخ الإصلاح الموهوم له ردود مختلفة على النشرة الأسبوعية ومزاعم البروتستانت في بيروت طُبعت في مطبعتنا.

الألمانيون والنمساويون
كانوا بعد الفرنسويين أبعد همة من سواهم في تعزيز الدروس الشرقية. نال منهم بعض الشهرة (غليوم سبيتّا بك) (G. Spitta Bey) في مصر فنشر بالألمانية كتاباً في لهجة المصريين وافتهم الدراجة وأضاف إليها مقاطيع وقصصاً لدرسها ومن منشوراته كتاب في أبي الحسن الأشعري ومذهبه. توفي في 6 أيلول سنة 1883 في مقاطعة فستفاليه.
ومنهم الأستاذ (فليشر) (H. L. Fleischer) المولود في 21 شباط سنة 1801 والمتوفى في 10 شباط سنة 1888 درس اللغات الشرقية في باريس على دي ساسي وكوسان دي برسفال ثم خلف المستشرق روزنمولر في تعليمه ليبسيك. فكان في ألمانية أحد أئمة الدروس الشرقية مدة خمسين سنة محارياً لفريتاغ ولفلوغل وكان يكاتب أدباء سورية وينشر رسائلهم وقد ألف نحو مائة تأليف في كل الفنون الشرقية لا سيما العربية ومن منشوراته تفسير القرآن للبيضاوي والمفضل الزمخشري وكتب ألف ليلة وليلة مع الأستاذ هابشت (Habicht) ورسالة هرمس في زجر النفس وتاريخ أبي الفداء في الجاهلية مع ترجمته اللاتينية وتآليف متعددة في نحو العربية.
ومنهم الأستاذ (غوستاف فيل) (G. Weil) ولد في سولزبورغ في 25 نيسان سنة 1808 وتوفي في فريبورغ برسغاو سنة 1889 في 29 آب. درس التاريخ الشرقي في كلية هيدلبرغ وكتب تواريخ الدول الإسلامية العامة والخاصة وكلها مطولة تعد
(1/298)

من أنفس التواريخ وأضبطها لا سيما تاريخ الخلفاء في ثلاث مجلدات وتاريخ العباسيين في مصر في مجلدين.
وفي تلك السنة توفي البارون (الفرد فون كريمر) (Bon Alf. Kremer) الذي ولد في 13 أيار فينا سنة 1828 ومات بقربها 27 ك1 1889 تجول في مصر والشام وعلّم العربية في حاضرة بلاده. إلى أن أرسل إلى مصر بصفة قنصل لدولته. ثم تعين قنصلاً لها في بيروت سنة 1870 حتى عهدت إليه حكومته وزارة الخارجية ووزارات غيرها إلى سنة وفاته. له كتب متعددة في آداب العرب وتواريخهم وأشعارهم وجغرافيتهم وقد نشر من ذلك نحو عشرين كتاباً منها كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار وكتاب المغازي للواقدي وكتاب الأحكام السلطانية للماروني والقصيدة الحميرية ومقالات واسعة في شعراء الإسلام كأبي العلاء المعري وأبي نؤاس وعبد الغني النابلسي.
وجارى السابقين في فضلهم هنري توربكه (H. Thorbecke) المولود في مَيْنِغْين في 14 آذار سنة 1837. برز بين أقرانه في معرفة الآداب العربية وعلّمها سنين طويلة في كليتي هيد لبرغ وهال توفي في مانهيم في 3 ك2 سنة 1890 ومن مآثره نشره لكتاب الملاحن لابن دريد ودرة الغوّاص الحريري والرسالة التامة في كلام العامة لميخائيل صباغ. وكان مثل للطبع المفضليات فنشر من قصائدها قسماً فقط.
ومن مشاهير المستشرقين الألمان (حنا غلدميستر) (Joh. Gildmeister) المولود. في 20 تموز 1812 والمتوفى في بُنّ (Boon) في 11 آذار 1890 كان أحد المنشئين للمجلة الآسيوية الألمانية وعلّم اللغات الشرقية في مدارس بلاده. نشر بالعربية رحلة الإدريسي إلى الشام وما ورد في كتب العرب عن الهند ثم وصف الأناجيل العربية المتقولة عن السريانية.
وفي السنة 1891 في ك1 فقدت ألمانية أحد كبار أساتذتها المستشرقين وهو العلامة (بول دي لاغرد) (P. de. Lagarde) المولود في برلين في 2 ت2 سنة 1827. اشتغل بهمة قسعاء مدة نيف وثلاثين سنة في الآثار النصرانية القديمة والأسفار المقدسة وعلم في كليات وطنه وتآليفه كلها تعرب عن سعة فضله وكان يُحسن اللغات الشرقية كالسريانية والعبرانية والقبطية والعربية له في كلها آثار طيبة. ومما نشر
(1/299)

في العربية نسخ قديمة من الأناجيل والمزامير ومن قوانين الرسل ومن بعض التآليف الأبو كريا ونسخة من غراماطيق قديم عربي ولاتيني للراهب بترو دي ألكالا الفرنسيسي. توفي في غوتنغن.
وفي 19 ك1 السنة 1893 توفي الدكتور (لويس سبر نغر) (Al. Sprenger) الذي ولد في معاملة التيرول في 3 أيلول سنة 1813 وكان رحل إلى لندن ودخل في خدمة الإنكليز فسار إلى الهند وتولى إدارة مدرسة دهلي سنة 1843 واشتغل في مطبعة كلكوتا فنشر فيها تآليف خطيرة منها اصطلاحات الصوفية لعبد الرزاق السمرقندي وكشاف اصطلاحات الفنون التهانوي وتاريخ الغزنوية للعتبي وكتاب الإصابة في تمييز الصحابة لأبن حجر العسقلاني وكتاب الإتقان في علم القرآن للسيوطي وكتاب حدود الفاكهي. ثم رجع إلى وطنه وعلم اللغات الشرقية في برلين ثم انقطع إلى التآليف في هيدلبرغ. ومن تآليفه سيرة مطولة لمحمد نبي الإسلام كتبها في ثلاثة مجلدات وكتاب في تعليم محمد.
وغلب كل هؤلاء مع نشاطهم الغريب كاتب ألماني آخر انشبت فيه المنون مخاليبها سنة 1899 في 8 شباط العلامة هنري فردينند وستنفيلد (H. F. Wustenfeld) المولود في مندن من أعمال هانوفر في 31 تموز سنة 1808. درس اللغات الشرقية على أكبر أساتذة وطنه ثم جعل أستاذاً للعربية في غوطا. وتآليفه العربية عبارة عن مكتبة واسعة تنيفعن مائتي تأليف بين صغير وكبير وقد أدى العلوم الشرقية خدماً لا تنسى بما نشره من المصنفات القديمة كطبقات الحفاظ للذهبي وتراجم ابن خلكان وقائمة تواريخ العرب وتصانيف أطباءهم وكتاب الاشتقاق لابن دريد ومعجم البلدان لياقوت الحموي ومعجم ما استعجم للبكري وسيرة الرسول لابن هشام وتهذيب الأسماء للنووي وكتاب الألباب في تهذيب الأنساب لأبي سعد السمعاني وكتاب المشترك وضعاً لياقوت وكتاب عجائب المخلوقات للقزويني وآثار البلاد له وأخبار قبط مصر للمقويزي وكتاب المعارف لابن قتيبة وتاريخ مدينة الرسول للمسهودي وتواريخ مكة في ثلاثة مجلدات وتاريخ الخلفاء الفاطميين وجدول مؤرخي العرب على ترتيب أزمنتهم وكتب عديدة غيرها مع تذييلات وحواش وفهارس تدهش العقل بوفرتها. أحيا الله أمثاله كثيرين.
(1/300)

وتوفي بعده بأشهر الأستاذ (شرل كسباري) (Ch. Caspari) ولد في ألمانية في 8 شباط 1814 وتوفي في عاصمة أسوج كريستانيا في 11 نيسان 1892 كان موسوي النحلة ثم عدل إلى البروتستانية. له غراماطيق عربي مدرسي كتبه باللاتينية ثم نقل إلى الألمانية والإنكليزية والفرنسوية وتكررت طباعته مع إضافات شتى. وطبع في ليبسيك سنة 1838 كتاب تعليم المتعلم لبرهان الدين الزرنوجي وتقله إلى اللاتينية وذيله بالحواشي.
ومنهم (فردريك مولر) (Fr. Muller) ولد في بلاد بوهيمية في 5 آذار 1832 واشتهر في أبحاثه عن اللغات السامية والعلاقات بين لهجاتها المختلفة وله شرح على لغز قابس علّم زمناً طويلاً اللغة العربية في كلية فينا وفيها كانت وفاته في 24 أيار 1898.
وفي سنة وفاة وستنفيلد توفي في 25 حزيران 1899 في ليبسيك مستشرق آخر (البر سودسين) (Al. Socin) كان مولده في بال (Bale) في 18 ت1 1844 انقطع إلى الدروس الشرقية فأصبح أحد علمائها الممتازين وانتدب إلى تعليمها في جامعتي توبنغن وليبسيك وألف غراما طيقاً عربياً في الألمانية ودرس لهجات مراكش وأهل البادية. وله مجموعة أمثال عربية نشرت ديوان علقمة الفحل.

الهولنديون
عرف الهولنديون بانصبابهم على اللغات الشرقية ولا سيما العربية. وممن اشتهر بينهم في آخر القرن التاسع عشر بول دي يونغ (Paul de Jong) أحد معلمي كلية اوترخت ولد سنة 1832 وتوفي في 25 ك1 سنة 1890 اشتغل مع العلامة دي غوي (de Goeje) في وصف مخطوطات كلية ليدن ونشر كتاب المشتبه لابن القيسراني وكتاب لطائف المعارف للثعالبي وفصولاً شتى لبعض مؤرخي العرب.
وزاد على السابق شهرة الهولندي رينهرت دوزي (R. Dozy) الذي ولد وتوفي في ليدن (كان مولده في 21 شباط 1820 ووفاته في 29 نيسان 1883) . أولع منذ حداثته بحب الشرق والعلوم الشرقية وتعمق في درس العربية حتى دعي إلى تدريسها في كلية بلده ومنشوراته العربية عديدة نفيسة منها كتابه في ملابس العرب بالفرنسوية
(1/301)


(في 446 صفحة) ونشره لتاريخ بني زيان ثم تخصص بدرس الدول الإسلامية في الأندلس والمغرب فنشر عدة مجلدات في ذلك كتاريخ المعجب لعبد الواحد المراكشي وتاريخ البيان للغرب لابن العذاري وتاريخ الدولة العبادية في الأندلس وجغرافية الإدريسي وتاريخ الإسلام في الأندلس في أربعة مجلدات وشرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون ونشر مع بعض المستشرقين القسم التاريخي من نفح الطيب المقري وله معجم واسع في مجلدين ضخمين جعله ملحقاً للمعاجم العربية وكتب تاريخاً مطولاً في الإسلام منذ ظهوره إلى أيامه وألف كتاباً عن الإسرائيليين في مكة وهلم جرا.
في ختام القرن التاسع عشر توفي الهولندي فات (P. J. Veth) المولود في 2 ك1 سنة 1814 والمتوفى في أرنهيم في 14 نيسان سنة 1899 كان من معلمي الشرقيات في كلية ليدن واشتهر خصوصاً بكتاباته عن الهند والمستعمرات الهولندية. ونشر في العربية كتاب لب اللباب في تحرير الأنساب لجلال الدين السيوطي.

الإنكليز
عرف منهم في ختام القرن السابق (إدورد بالمر) (E. H. Palmer) من أساتذة كمبردج المتوفي سنة 1883 خلف كتاباً إنكليزياً في أصول نحو العربية. ونشر ديوان بهاء الدين زهير مع ترجمته الإنكليزية على طرز بهي وله أيضاً ترجمة القرآن إلى الإنكليزية.
ومنهم المستشرق الشهير (وليم ريت) (W. Wright) ولد في الهند الإنكليزية في أوائل سنة 1830 ثم درس في اسكوتلندة وتعلم العربية في ليدن تحت نظارة الأستاذ دوزي ثم عاد إلى لندن ودرس العربية وتولى نظارة المخطوطات الشرقية في خزانة كتبها العظمى فوصف مخطوطاتها السريانية الثمينة في قائمة لا تقل عن ثلاثة مجلدات ضخمة. وفي سنة 1870 طلبته كلية كمبردج ليعلم فيها العربية فبقي في مهنته إلى سنة وفاته في 22 أيار 1888. ولوليم ريت مطبوعات عربية جليلة منها الكامل للمبرد ومنها رحلة ابن جبير ومنتخبات من شعراء الجاهلية دعاها (جرزة الحاطب وتحفة الطالب) واشتغل في استخلاص القسم التاريخي من نفح الطيب للمقري مع
(1/302)

العلامة دوزي. وله كتب أخرى لغوية منها غراماطيق عربي بالإنكليزية نقله عن غراماطيق كسباري وزاد عليه وقد تكرر طبعه.
وفي السنة التالية في 9 آذار 1889 توفي في لندن (وليم نأسوليس) (W. N. Lees) الذي مر لنا ذكر خدمه للآداب الشرقية في كلكوتا (راجع ص124 - 125) .
وفي 20 ت1 السنة 1890 توفي تريسته حيث كان قنصلاً لدولته السائح الشهير اللورد (ريشرد برتون) (Richard F. Burton) . ولد في كنتية نورفل في انلكترة في 19 آذار 1821 وساح في عدة بلاد واكتشف في أفريقية سنة 1852 بحيرة تنغنيكا. وتعين مدة كقنصل في دمشق ورحل إلى بادية الشام وإلى تدمر. وكان قبلاً بلغ إلى مكة وزار المدينة وكتب تفاصيل سياحته إليهما في مجلدين. وكانت امرأته كاثوليكية فلم تزل تسعى في أمر اهتدائه إلى دينها القويم حتى أدركت غايتها. ولما توفي زوجها أقامت له في لندن مشهداً من الرخام على شكل خيمة عربية وسكنت فيها إلى موتها.
وفي السنة 1892 توفي إنكليزي آخر صرف قسماً من حياته بمهنة ترجمان في سفارات دولته في الآستانة وفي القاهرة وهو (جمس ردهوس) (J. W. Redhouse) . وكان في أوقات الفراغ يشتغل بالتأليف لا سيما في التركية. وله معجم عربي وفارسي وإنكليزي ونشر قصيدة لامية العرب للشنفري مع شروح مختلفة ونقلها إلى الإنكليزية.
واشتهر بين أساتذة كمبردج الأستاذ (وليم روبرتسون سميث) (W. R. Smith) فعلم في جامعتها وعني بالعلوم اللغوية له تصحيحات على غراماطيق كسباري فنشره سنة 1896. كان مولد سميث في 6 آذار 1846 وتوفي في كمبردج في 31 آذار 1894.

الروسيون
تعززت بينهم الدروس الشرقية في ختام القرن التاسع عشر وأزهرت العربية خصوصاً في كليتي بطرسبورج وموسكو وممن عرف منهم وقتئذٍ (برنهرد) دورن (B. Dorn) كان مولده في ألمانية في 11 أيار سنة 1805 ودرس اللغات
(1/303)

الشرقية على مشاهير المستشرقين. وفي سنة 1829 استدعته الدولة الروسية للتعليم في كلية خركوف ثم في مكتبها الآسيوي في بطرسبورج وتولى نظارة مكتبتها الشرقية ومتحفها الإمبراطوري. توفي في بطرسبورج في 31 أيار 1881 بعد أن أغنى العلم بتآليفه لاسيما في تواريخ الشرق العجمي والشرق الإسلامي كتاريخ القفقاز والخزر والكرج واتسع في وصف الآثار الشرقية كالنقود العربية والمخطوطات الإسلامية فان مآثره تربى على 150 عداً.
ومنهم المعلم (كركاس) (W. O. Guirgass) كان مولده في روسية نحو السنة 1835 ودرس اللغات الشرقية في بطرسبورج ثم في باريس ثم قصد الشرق فسكن سنتين بنيف في جوار بيروت. ولما عاد إلى روسية قلد منصب التقليد في حاضرتها فأقبل عليه الدارسون وكان من جملتهم العلامة البارون فون روزن الذي نشرنا في المشرق (11 (1908) : 171) خلاصة ترجمته. توفي المعلم كركاس السنة 1888. له مؤلفات مفيدة منها كتاب حقوق النصارى في البلاد الإسلامية ومنتخبات عربية ومعجم عربي روسي. نشر كتاب الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري وتاريخ الآداب العربية طبعه بالروسية على الحجر.
وتوفي ليتوانية الأستاذ (اسكندر تشوسكو) (Al. Chodzko) كان مضلعاً باللغات الشرقية ولا سيما الفارسية. وله رحلة إلى جهات العجم وكتب عن الإسلام ومنشئه عن القرآن. ولد في 11 تموز 1804 وتوفي في 20 ك1 1891.

الإيطاليون
وممن أسفت على فقده إيطالية من المستشرقين الأستاذ (ميشال أماري) (M. Amari) ولد في بالرمة في 7 تموز سنة 1806 وتوفي في 16 تموز 1889 تعلم اللغات الشرقية في باريس وفي رومية وخص نفسه بالعربية وبآدابها وتاريخها في بلاده. فكتب تاريخ المسلمين في صقلية ونشر رحلة ابن جبير إلى تلك الجزيرة وصنف تأليفه الذي دعاه بالمكتبة الصقلية فعززها بالكتابات والمعاهدات التجارية المبرمة بين العرب والإيطاليين وغير ذلك مما أوجب له شكر المستشرقين عموماً وأهل بلاده خصوصاً.

الإسبانيون
وفقدت إسبانية في السنين الأخيرة من القرن التاسع عشر ثلاثة من
(1/304)

أساتذتها المستشرقين (جوزه دي لرخندي) (J. de Lerchundi) مؤلف معجم عربي إسباني ومجموع منتخبات عربية (فرنسوا كسافيه سيمونت) (Fr. X. Simonet) أستاذ العربية في غرناطة الذي نشر تاريخ النصارى المستعربين (Mozarabes) في الأندلس وألف بعض كتب مدرسية عربية ونشر أعمال مجمع طليطلة عن نسخة عربية قديمة وله مقالات متعددة عن العرب نشرها في المجلات الإسبانية. وقد اجتمعنا به في مؤتمر لندن 1891 فأخذنا العجب من سعة علمه. توفي في غرناطة 8 تموز سنة 1897. أما الثالث فهو أستاذ العربية في مدريد العلامة (بسكوال كيانغوس) (Don Pasc. Gayangos y Arce) المولود في إشبيلية سنة 1809 قدم لندن وصنف فيها تآليف مختلفة اشتهر منها تاريخه للدول الإسلامية في إسبانية وترجمته الإنكليزية لتاريخ المقري نفح الطيب في مجلدين ضخمين ووصف آثار قصر الحمراء وكتاباتها. توفي في لندن سنة 1897. وكان هؤلاء أخذوا عن مستشرقين سبقاهم عهداً (لافوانتي القنطري) (Lafuente y Alcantara) المولود في جهات مالقة سنة 1827 والمتوفى سنة 1856: كتب تاريخ غرناطة ونشر كتاباتها العربية. والثاني (أمادوردي لوس ريوس) (Don Jose Amador de Los Rios) ولد في نواحي قرطبة سنة 1818 وتوفي في أشبيلية سنة 1878. علم العربية في مجريط ثم صار مديراً لكليتها ونشر آثار قرطبة وأشبيلية.

اسوج ودينمرك
واشتهر في لسوج (هولبو) (Chr. A. Holmboe) المولود في 19 آذار 1896 والمتوفى في كريستيانيا في 2 نيسان سنة 1882 صار أستاذاً في عاصمة بلاده كرستيانية بعد أن تخرج في باريس على دي ساسي وكوسان دي برسفال واشتهر خصوصاً بالعلوم الكتابية واللغات الهندية. وقد ترجم إلى الألمانية كتاب كليلة ودمنة ونشر عدة مقالات عن الإسلام في الهند.
وفي 1898 رزنت دنيمرك بموت مستشرقها الشهير (اوغت مهرن) (A. F. Van Mehren) ولد سنة 1822 في 6 نيسان وأخذ العربية في فليشر وعلم في كوبنهاك اللغات الشرقية نحو 50 سنة. ألف كتاباً في بيان اللغة العربية ونشر كتاب عجائب البر والبحر لشمس الدين الدمشقي ومجموعة من تأليف الرئيس ابن سينا نشرها ونقلها إلى الفرنسوية.
(1/305)

أما (الأميركيون) فلا نعرف منهم أحداً اشتهر بالعلوم العربية إلا نزيل بيروت الدكتور (كرنيليوس فان ديك) (Van Dick) المولود في ولاية نيويورك سنة 1818 والمتوفى في بيروت في 13 ت2 سنة 1896. قدم إلى سورية بصفة مرسل بروتستاني سنة 1840 فصار إلى آخر نسمة حياته قطب الرسالة الأميركية في هذه البلاد وقد نشر سيرته الدكتور اسكندر أفندي نقولا البارودي في المطبعة العثمانية فنحيل القراء إلى تفاصيلها. وفي آخرها جدول تآليفه البالغة نحو 30 كتاباً في العلوم العصرية كالرياضيات والآثار الجوية والطب والجغرافية ولكه كتاب النقش في الحجر في ثمانية أجزاء ونقل إلى العربية الكتاب المقدس دون الكتب الثانوية ساعده في نقله الشيخ ناصيف اليازجي وألف عدة كتب جدلية رد عليها الأب فان هام اليسوعي وغيره من آباء جمعيتنا فأفحموه.
وهنا نختم كلامنا عن الآداب العربية في القرن التاسع عشر وسنضيف إليه إن شاء الله جزءاً آخر في أحوال الآداب في القرن العشرين.

زيادات وإصلاحات
الصفحة 4 س 13 وص 8 س 7 وص 18 س 20 (الشيخ الطهطاوي) والصواب (الطحطاوي) نسبة إلى مدينة طحطا المصرية.
ص 15 س 1 (وأسعد كتاب) ص (ولأسعد كتاب) .
ص 28 ورد في رأس هذه الصفحة غلطاً (الآداب العربية في الربع الأول من القرن العشرين) والصواب (الآداب العربية في القرن التاسع عشر) . وورد أيضاً بالغلط في الكراس التابع (65 - 79) في رؤوس الصفحات المفردة (الآداب العربية من السنة 1870 إلى 1880) والصواب من السنة 1880 إلى 1900.
ص 61 س 7 (الألمانيون) يضاف إليهم في هذا العقد الرابع (مرقس جوزف مولر) (Marcus Jos. Muller) ولد في كنبتن في 3 حزيران 1809 وتوفي في مونيخ في 24 آذار 1874 اشتغل بالفلسفة العربية فنشر لأبي الوليد بن رشد مقالات
(1/306)

شتى ثم نقلها إلى الألمانية. وله أيضاً تآليف في تاريخ العرب وكتب في تاريخ غرناطة ونشر للسان الدين ابن الخطيب مقالته في الطاعون التي عنوانها (مقنعة السائل عن المرض الهائل) .
ص 62 س 6 (الكيسيس بولديراف) له أيضاً كتاب في أصول اللغة العربية في اللغة الروسية.
س 14 (برغرين) توفي قبل هذه الحقبة نحو السنة 1850.
ص67 س7 (المطابع والمطبوعات) نشرت المجلة الفلسطينية الألمانية (ZDPV XII. p. 124 - 128) قائمة الجرائد العربية التي كانت تطبع في الشام والجزيرة والعراق سنة 1889.
ص 72 س 4 (مطبوعات مصر) المرحوم الأستاذ الألماني مرتين هرتمان كتاب حسن في الإنكليزية خصعه بمطبوعات مصر في أواخر القرن التاسع عشر (Martim Hartmann: The Arabic Press of Egypt London Luzac 1899) .
ص107 س 3 - 14 (ولأحمد فارس الشدياق قصيدة يمدح فيها الشيخ إبراهيم) هذه الأبيات تأخرت بالغلط وحقها أن تقدم للصفحة السابقة فأنها قيلت في الشيخ إبراهيم الحيدري المترجم هناك.
ومما قلناه ذكره العلامة الإنكليزي والمستشرق الكبير (إدورد ولينم لان) (Edw. W. Lane) الذي أدى خدماً مذكورة ومشكورة للآداب العربية أخصها معجمه الكبير العربي الإنكليزي الذي دعاه (مد القاموس) جمع فيه بإصلاحات مختصرة كل ما جاء في معاجم العرب وكتبهم اللغوية فنشر منه ستة مجلدات (1860 - 1876) ولما مات ألحق به حفيده (لان بول) بقية مسوداته بثلاثة مجلدات. ومما نشره كتاب ألف ليلة وليلة نقله إلى الإنكليزية. وله كتاب واسع في مصر وأخلاق أهلها طبعه سنة 1836 وكتب عن أحوال الشرق العربي في القرون الوسطى. ولد (لان) في هرتفرد في 17 أيلول 1801 وتوفي في وارتنغ في 10 آب 1876.
تم بحوله تعالى.
(1/307)

الجزء الثالث
الربع الأول من القرن العشرين
(1/308)

مقدمة
لما انتهينا السنة 1910 من نشر كتابنا الذي وسمناه بالآداب العربية في القرن التاسع عشر كان قصده أن نشفعه عام عن أحوال تلك الآداب وتطورها في أوائل القرن العشرين فلم تسنح الفرصة بتحقيق نيتنا وإنما اكتفينا بأن نختمه بملحقين أو فصلين موافقين لأحوال العشر الأول من ذلك القرن الجديد دعوناهما: الحماسة الدستورية ومنظومات الوقائع الدستورية يبلغان أربعين صفحة.
لكننا لم نزل منذ ذاك الحين نجمع المواد المواصلة العمل وتدوين أخبار قسم من آداب القرن العشرين إذا مد الله بحياتنا. وإذا قد بلغنا بنعمته تعالى الربع الأول من هذا القرن فرأينا أن هذه الحقبة تستدعي تصنيف خلاصة ما جرى فيها من المشروعات والمساعي لرقي لغتنا الشريفة وما أنتجته قرائح الأدباء لتعزيزها ورفع منارة آدابها. فها نحن نعرض عليهم هذه المجموعة فعساها تروق في أعينهم وتأتي ببعض الفائدة.
ولعل البعض منهم ينسبوننا إلى التهور والثقة الزائدة بقوانا لما يلزم عملاً مثل هذا من المطالعة الكثيرة ووفرة المعارف وقد اتسعت في هذه السنين دائرة الآداب العربية اتساعاً كاد يستحيل على كاتب حصرها وضم أطرافها.
نعم أننا نقر بهذه المشقة ولم نزل نقدم رجلاً ونؤخر أخرى حتى تردد على فكرنا المثل السائر (ما لا يستطيع كلُهُ لا يُهمل قلُهُ) فأن بناء المعارف كصرح شاهق غاية ما يطلب من كل أديب أن لا يضن عليه بحجر صغير أو كبير يزيد في بنيانه سمواً.
(1/309)

ومما ينشطنا في مباشرة هذا العمل النظر إلى ما حرره البعض من ذوي النجابة والهمة القعساء فقربوا إلينا نوعاً القيام به فأننا نجد في ما صنفه في مصر الكاتب الهمام المرحوم جرجي زيدان في كتابه تاريخ الآداب العربية ونشره في بيروت جناب الفيكونت فيليب دي طرازي في تاريخ الصحافة العربية معلومات لم نجدها في وصف آداب القرن التاسع عشر. وكم نشرت المجلات الجرائد في القطرين المصري والشامي من فصول حسنة يمكن الاقتباس من أنوارها والاستقاء من مناهلها العذبة. فهي قد أحيت ذكر كثير من المعاصرين الأفاضل لولاها لبقيت أسماؤهم خاملة مجهولة وحقها أن يشاد بذكرها لتكون قدوة للناشئة وفخراً للوطن.
وقد قسمنا تاريخ هذه الآداب ثلاثة أقسام. فالقسم الأول يشمل وصفها وتراجم أصحابها في الثماني السنين الأولى من القرن العشرين من أول السنة 1900 إلى إعلان الدستور العثماني في 24 تموز 1908. ويتناول القسم الثاني العشر السنين التالية إلى نهاية الحرب الكلية في 11 تشرين الثاني 1918. ونخص القسم الثالث بالآداب العربية في هذه السنين الأخيرة إلى 1925.
القسم الأول

الآداب العربية من السنة 1900 إلى 1908
الباب الأول
نظر إجمالي في الآداب العربية
في بدء القرن العشرين
قد أتفق ذوو الفراسة وأرباب الحكمة والنظر على القول بأن كل قرن ميزة تفرزه عن سواه كما أن دولة وسلالة سيماء خاصة تتسمان بها وتفرقهما عن خلافهما.
(1/310)

كان القرن العشرون جيل انتباه ويقاظة لأهل الشرق فأنهم استفاقوا من سنتهم العميقة واستنشقوا رائحة الحرية باختلاطهم مع الشعوب لدى نفوذ الأجانب بينهم ومهاجرتهم إلى أنحاء المعمور فأثر ذلك في أفكارهم وأخذوا يسعون إلى إماطة التمائم التي كانت الدولة العثمانية عوذتهم بها ونزع اللفائف التي كانت قمطت بها حياتهم الروحية. وكان إذ ذاك السلطان عبد الحميد في عز مجده يسوس رعاياه بقضيب من حديد لا يأنف من سفك دماء كل من يحاول النجاة من نيره الثقيل.
ومن مميزات هذا العصر اتساع نطاق العقول بالوسائل الجديدة التي قربت إليها رقيها وأنارت بصائرها وشحذت أفكارها. وأخصها المدارس التي شاعت في نفس القرى فضلاً عن المدن. بينها الجامعات والمدارس العليا والوسطى والابتدائية كان يتقاطر إليها الأولاد من كل طبقات الأهالي حتى الفقراء والوضعاء ففتحت لكثيرين منهم سبلاً جديدة للارتزاق بصفة كتبة وأطباء ومحامين ومهندسين وأصوليين جاروا الغربيين في مضمار الحضارة والتمدن. وخرج بعضهم من الجامعات الأوربية فأتقنوا علومها كسائر الغربيين.
وكذلك عرف الشرقيون ما في الاتحاد من القوة فأخذوا على مثال الغربيين يؤلفون الجماعات الأدبية لتعزيز اللغة العربية ونشر آثارها. لكنها لم تثبت لعدم اتفاق أعضاءها ولنفور الحكومة منها خوفاً على مسيس سياستها.
وقد ساعد على ترقي الآداب العربية في الشرق انتشار الصحافة وتوفر المطابع والمطبوعات فإن عدد العديد من المتخرجين في المدارس تحفزوا للكتابة فأنشئوا من الجرائد السيارة والمجلات عدداً كاد لا يفي به إحصاء سواء كان في الوطن أم في المهجر. وقد بين ذلك جناب الفيكونت دي طرازي في كتابه الممتع عن الصحافة فعدد منها العشرات مع كونه لم ينشر بعدما استجد منها في القرن العشرين وأبرزوا مع المجلات مئاتٍ من المطبوعات في كل علم فن أصبحت المكاتب تضيق عن جمعها. وبين هذه المطبوعات عدد وافر من مخطوطات القدماء كانت ضائعة في زوايا المكاتب استخرجوها من مطاميرها فأتت مساعدة للنهضة الأدبية.
ولعل المستشرقين أصابوا قصبة السباق في هذه الحلبة فإنهم أبرزوا من مكاتبهم تأليف نادرة تهافت على درسها طلبة الآثار القديمة. وقد تنافسوا في نشر هذه الكنوز
(1/311)

الأدبية في كل الدول لم يثبطهم في العمل ما كانوا يجدونه من العناء والمشقات وكثرة النفقات. وكانت في الوقت عينه مجلاتهم الآسيوية لا تدع بحثاً مهماً في سائر فنون الشرق إلا خاضت فيه. وقد احتفل البعض من أصحابها بعرسهم الفضي والذهبي بل بلغ بعضها السنة المائة لإنشائها كالجمعيتين الآسيويتين الفرنسوية والإنكليزية.
وزادت أيضاً في بدء القرن العشرين المكاتب التي تمكن الباحثون من مراجعة مخطوطاتها كمكاتب الآستانة والشهباء وبغداد. واتسعت مكتبتنا الشرقية فخص بها معهد واسع لضيق مكانها السابق فبلغ عدد مطبوعاتها الشرقية ثلثين ألفا فضلاً عن ثلاثة آلاف مخطوط من منتخب المصنفات العربية والإسلامية والنصرانية.
ولحقت المكاتب المتاحف التي أخذت في أوائل القرن العشرين تلقت أنظار الشرقيين فودوا لو تستحضر لهم متاحف تجمع فيها الآثار العربية خصوصاً والشرقية عموماً على مثال المتاحف الأوربية فعرضت في بيروت في باحة السراية القديمة بعض الآثار المكتشفة في المدينة وكان لمتحفي كليتي اليسوعية والأميركانية شأن أعظم. وقد ابتنى الأميركان بناية خاصة بتلك الآثار أحسنوا هندامها وتنظيمها.
وكان الأجانب في مصر قد سبقوا الشام إلى ذلك بمتحفي الإسكندرية والقاهرة استفاد منهما الآثوريين بما نشروه في مقالاتهم الرائقة. ومثلهما متحف الآستانة الذي نقل إليه كثير من عاديات سورية وفلسطين منها الناؤوس المعروف بناؤوس الاسكندر قبر فيه أحد ملوك صيدون.
وقد أدى امتزاج الشرق بالغرب في أوائل القرن العشرين إلى التطور في أساليب الإنشاء نثراً ونظماً فأخذ البعض ينشئون على منوال الخياليين (les romantiques) بما يدعونه النثر الشعري أو الشعر النثري فيرصفونه كمقطعات شعرية وينسقونه دون ارتباط كبير في المعاني سواء أرادوا أن يتمثلوا بالسور القرآنية أم يقتدوا ببعض المحدثين من كتبة الفرنج.
وقد أكتسب الشعر من طريقتهم أن خرج من دائرته السابقة الضيقة وأخذ أصحابه يتفننون في نظمه صورة ومعنى. فترى الدواوين الجديدة مشحونة بالقصائد في كل الوقائع المستحدثة والحوادث التاريخية والاختراعات الجديدة وتصور كل عواطف الإنسان وكل مظاهرات الكون. وربما تحرروا أيضاً فيها عن البحور الشعرية
(1/312)

فوضعوا طرائق مختلفة لنظمهم وإبراز شواعرهم.
وقد أكثروا من وضع الروايات الخيالية ونقلوا ما شاع منها في البلاد إلى العربية فغلبت أذهان الكتبة والقراء قوة الاحساسات والشواعر التخيلية على قوة العقل ورزانة الفكر. على أن ذوي الذوق السالم وأصالة الرأي لم ينخدعوا بهذه القشور وثبتوا على الكتابة السلسة المنسجمة التي شاعت في عصور اللغة الذهبية ففضلوا اللب على القشر والجوهر على السطحيات.
ومن مميزات أوائل القرن العشرين اتساع نطاق الآداب العربية فأن تلك النهضة التي شملت أولاً مصر والشام وبعض العراق أخذت تنتشر بفضل المواصلات والمهاجرة إلى أنحاء السودان ومراكش وتونس وطرابلس الغرب وبلغت أنحاء أمريكة الشمالية والجنوبية وبالأخص نيويورك والبرازيل. فكثرت المطبوعات وتوفرت الصحف السيارة.
وكان من سمة تلك المنشورات أنها تحررت من كل مراقبة فكان أصحابها يعرضون أفكارهم بكل حرية لا يخافون تقييداً في بسطها. فنالها بذلك بعض المحاسن وبعض المساوئ فأما المحاسن فبكونها خاضت كل المواضيع السياسية والأدبية والتاريخية والفنية مطلقة العنان لكل العواطف والتخيلات لا تخشى انتقاد الأعمال المذمومة ضاربة على أيدي كل ظالم حتى السلاطين. وأما المساوئ فلأن بعضاً من الكتبة لم يقفوا على حدود الاعتدال والأنصاف فلاموا غير ملوم وحمدوا غير حميد وانتقدوا ليس لإصلاح فاسد أو تقويم معوج بل لغايات شخصية سافلة. وصوبوا سهامهم المدين وأربابه الكرام واستعاروا من الماسونية ومن بعض الذاهب البروتستانية مغالاتهم في مناهضة التعاليم المسيحية الكاثوليكية وابتخسوا حقوق الآداب فهاموا في بيداء أوهامهم وتاهوا في مهامه جهلهم.
ومن مساوئ ذلك الانتشار البعيد ما أصاب اللغة من آفة الفساد وذلك بتوفر الألفاظ الأجنبية والأساليب الغربية. وربما وضع الصحافيون والمعربون في نقلهم عن نقلهم عن اللغات الأوربية مفردات مختلفة لمسمى واحد لا سيما للمخترعات الجديدة. فاضطربت بخلافهم أفكار القراء. وأسوأ من ذلك أغلاط وسقطات لغوية شاعت في الجرائد والتأليف المستحدثة فقام بعض الأدباء كالمرحوم الشيخ إبراهيم اليازجي ينتصرون لآداب اللغة ويزيفون ما رأوه مخالفاً لأوضاعها ولعلهم لم يلزموا في انتقادهم الطريقة
(1/313)

الوسطى والخطة المثلى فقام غيرهم يردون عليهم ويثبتون صواب تلك التعابير. فبقيت هذه المناقشات عقيمة إذ لم يوجد مجمع علمي يقضي بين المتناقشين فيفرز بين الغث والسمين وينقي الباطل ويقرر الحق المبين.
وقد أخذت النهضة الأدبية في بدء القرن العشرين تتصل أيضاً بالجنس اللطيف فإن فئة من السيدات حاولن كتبة فصول أدبية شعرية ونثرية في الجرائد السيارة في أواخر القرن التاسع عشر كمريانا مراش ووردة اليازجي ووردة الترك بيد أننا لم نطلع على جريدة أو مجلة نلن لها الامتياز باسمهن قبل القرن العشرين غير مجلة الفتاة التي ظهرت في مصر في 20 نوفمبر من السنة 1892 لصاحبة امتيازها هند نوفل ثم مجلة مرآة الحسناء للسيدة مريم مزهر كان أول صدورها في مصر سنة 1896 ثم مجلة أنيس الجليس لألكسندرا أفيرينوه ظهر أول عددها في الإسكندرية في غاية كانون الثاني من السنة 1898. وتبتعها قي الحقبة التي نحن بصددها مجلة السيدات والبنات للسيدة ماري فرح نشرتها أيضاً في الإسكندرية في أول أبريل من السنة 1903 ثم فتاة الشرق للسيدة لبيبة هاشم سنة 1906 في مصر وهي لا تزال ثابتة إلى الآن.
ومما ساعد القرن العشرين في ترقية في الآداب ظهور بعض النوابغ الذين تكاتفوا وتناصروا لرفع منار العلوم سبقوا عهده ببضعة أعوام أو وافقوا طلوع هلاله فكان لهم في نهضته فضل مشكور. وسنأتي على ذكرهم في أثناء المقالة.
أما الآداب العربية في أوربة فكانت في أوائل القرن العشرين ثابتة على سيرها الحثيث بهمة جمعياتها ومدارسها الشرقية. فإن عدد المستشرقين كان يزيد يوماً بعد آخر وكان الباحثون منهم يطلعون كل يوم على كنوز أدبية جديدة في البلاد التي يتصل إليها النفوذ الأوربي كتونس ومراكش وبعض جهات الهند والسودان. فنشروا منها قسماً كبيراً في حواضرهم. وجاراهم علماء الشرق فأبرزوا إلى عالم الوجود مخطوطات عديدة كانت مطمورة في زوايا النسيان. وكفى دليلاً على ذلك لوائح عديدة كانت تطلع القراء مراراً في السنة على ما ينشر منها بالطبع. كتعريف المطبوعات الشرقية في برلين ولائحة مطبوعات الشرق في لندن وهناك الأعداد الضافية الدالة على تلك الحركة العلمية وهانحن نتبع في تاريخ هذه الحقبة الأولى سياق كتابنا (تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر) فنذكر أولاً أدباء النصارى والمستشرقين.
(1/314)

الباب الثاني
؟ أركان النهضة في أوائل القرن العشرين في مصر
السيد الأفغاني
يسرنا أن نفتتح باسمه الكريم هذه الحقبة الأولى وإن كانت وفاته سبقتها قليلاً إذ لم نستوف حقه في كتابنا عن أدباء أأدباء القرن التاسع عشر. وهو السيد جمال الدين الأفغاني الأصل مولود أسعد آباد سنة 1254هـ (1838م) درس في كابل ثم في الهند على علمائها ثم سافر إلى مصر وإلى الآستانة حيث قدر رجال الدولة قدره وجعلوه أحد أعضاء مجلس المعارف فاجتهد في توسيع نطاقها. لكن أولي الأمر تخوفوا من حرية أفكاره فألجئوه إلى هجر العاصمة والالتجاء إلى وادي النيل سنة 1871 فحل في القاهرة ضيفاً كريماً وانصب على العلوم العصرية حتى بلغ منها مبلغاً عظيماً وعرف بفيلسوف الشرق. فالتف حوله كل طالبي الترقي والتحرر فكان يبعث فيهم بلهجته وخطبه وكتاباته روح الاستبداد فنفي إلى بلاده سنة 1879 فاحتل حيدر آباد وسكن في كلكتا في زمن الثورة العرابية. ثم سافر إلى أوربة. وأنشأ في باريس مجلته العروة الوثقى مع صديقه الشيخ محمد عبده المصري ساعياً إلى توحيد كلمة المسلمين. ثم تنقل في البلاد الأوربية إلى أن استقدمه ناصر الدين شاه إلى طهران وجعله وزير الحربية فلم تطل مدته في تلك الوزارة فسافر إلى روسية ورحل إلى باريس وشاهد معرضها سنة 1889 وعاد إلى إيران بإغراء الشاه فعني بإصلاح أمورها. فخاف أرباب الدولة من تطرفه فأبعد مريضاً إلى حدود تركيا وسكن مدة مدينة البصرة إلى أن استدعاه السلطان عبد الحميد إلى الآستانة سنة 1892 وأسكنه في بعض قصورها فبقي فيها مكرماً إلى سنة وفاته بداء السرطان في 9 آذار سنة 1897. أما آثاره الكتابية فهي مفرقة في صحف زمانه. نشر منها الشيخ محمد عبده رسالته في نفي مذهب الدهريين وقد أثنينا عليها مراراً ونقلنا عنها فصولاً شائقة في مناصبة هذا المذهب وبيان الشرور الناتجة عنه وفي تأثيم زعمائه الكفرة كفولتير وروسو.
الشيخ محمد عبده
لا يجوز أن نفرق بين جمال الدين الأفغاني وتلميذه الشيخ محمد عبده. فإنهما سيان في النهضة الأدبية التي حدثت في الشرق الإسلامي
(1/315)

ولد الشيخ عبده في أواخر سنة 1267هـ (1853) في شنبيرا من مديرية الغربية في مصر ودرس مبادئ العلوم الدينية والفقهية في طنطا ثم في الأزهر لكنه لم يجد في شيوخهما وأساتذتهما ما يأنس به عقله حتى قدم إلى مصر جمال الدين الأفغاني سنة 1288 (1875) فخضر دروسه مع بعض أدباء القاهرة وشغف بتعليمه وأخذ عنه المنطق والفلسفة وارتوى من روحه حتى قام مكانه بعد أن أبعد الأفغاني وعهد إليه التدريس في المدارس الأميرية فازدحم الطلاب لاستماعه وحرر في الوقائع المصرية مقالات أثرت في مواطنيه كان يدعوهم فيها إلى الإصلاح. وفي تلك الأثناء وقعت حوادث عرابي باشا وحوكم هو بسببها وحكم عليه بالنفي. فجاء سورية وأقام فيها ست سنوات انتدبته في أثناءها رئيس رسالتنا إلى شرح مقامات بديع الزمان فلبى طلبه وأحكم تفسير تلك الطرف اللغوية التي راجت رواجاً عظيماً فتكرر طبعها.
ثم سافر الشيخ عبده إلى باريس وفيها أجتمع بأستاذة الأفغاني فنشرا (العروة الوثقى) التي مع قصر زمانها أصابت بين المسلمين شهرة كبيرة. وكان الشيخ مدة أقامته في عاصمة فرنسا وقف على تمدن الغرب ورقيه وخمود الشرق وخموله لا سيما بعد أن درس اللغة الفرنساوية وأطلع على كنوزها الأدبية. فكان يتلهب غيرة لإصلاح أمور وطنه. ثم أجازوا له بالرجوع إلى مصر فقدرت الحكومة قدره فتعين مستشاراً في محكمة الاستئناف وعضواً في مجلس إدارة الأزهر. وأسند إليه أخيراً رئاسة الإفتاء في الديار المصرية سنة 1317 (1899م) فقام بواجبات منصبه أحسن قيام إلى سنة وفاته سنة 1323 (1905م) وهو لا يزال يدعو إلى إصلاح الدين وذويه. وقد ألف كتباً عديدة أكثرها دينية كتفسير القرآن والرسالة في التوحيد. وبعضها منطقية وأدبية واجتماعية ومما لم نستحسنه له كتابه الإسلام والنصرانية. وفيه أشياء كثيرة لا توافق تعاليم النصرانية أخذها عن بعض أعداء النصرانية أو حملها على غير معناها. ولو راجع في ذلك علماء الدين المسيحي لوقف على الصواب

محمود باشا سامي البارودي
هو أيضاً من أركان النهضة الأدبية في أواخر القرن السابق وغرة القرن الحالي. كان من مولدي الجركس وكان أبوه حسن بك من أمراء المدفعية في الجيش المصري. ولد ابنه محمود في القاهرة سنة 1256 هـ (1840م) ثم تخرج في المدارس الحربية في مصر وتلقّن فيها مبادئ العلوم فأحرز منها
(1/316)

قسماً حسناً وإنما تغلب عليهِ الأدب وأغرم بالشعر العربي وأتقن اللغتين التركية والفارسية وتقلب في المناصب العسكرية وحارب مع الأتراك في الحرب الروسية سنة 1877. وكانت مصر أنفذت لمساعدة الدولة العثمانية نجدة كانت فرقته من جملتها فكوفي لحسن بلائه برتبة اللواء وتعين سنة 1879 مديراً للجهة الشرقية. ثم تولى نظارة الحربية ثم الأوقاف ثم المعارف. وكان له يد في الثورة العرابية فنفي إلى سيلان ثم عفي عنه وعاد إلى وطنه وانقطع فيه إلى الآداب إلى سنة وفاته وكف بصره في أواخر حياته. وهو أحد أمراء الشعر العربي الحديث يعد شعره من الطبقة الأولى مع القليل من معاصريه من شعراء مصر وشعره يجمع بين السهولة والمتانة.
ومن آثاره مجموع نفيس دعاه مختارات البارودي في أربعة أجزاء ضمنه أطيب قصائد الشعراء قسمها إلى ستة أبواب واسعة. ودونك مثالاً من شعره قال يرثي زوجته المتوفاة وهو في المنفى:
وردَ البريدُ بنير ما أَمَّلتُهُ ... تَعِسَ البريدُ وشاهَ وجهُ الحادي
فسقطتُ مغشياً عليَّ كأنَّما ... نهشَتْ صميمَ القلب حيَّةُ وادي
ويلمه رُزْءٌ إطار نعيُّهُ ... بالقَلْب شُعلة مارجِ وقاَّدِ
ومنها:
أسليلة القمرْين أيُ فجيعة ... حلت لفقدك بين هذا النادي
أعززْ عليَّ بان أراكِ رهينةً ... في جوف أغبر قاتم الأسوادِ
أو أن تَبيني عن قَرارةِ منزلِ ... كنتِ الضياءَ لهُ بكل سوادِ
لو كان هذا الدهرُ يقبلُ فديةًّ ... بالنفس عنك لكنتُ أول فادي
قد كدتُ اقضي حسرةً لو لم اكنْ ... متوقعاً لُقياكِ يومَ معادِ
فعليكِ من قلبي التحَّيةُ كلَّما ... ناحت مطوَّقةٌ على الأعوادِ
وقال يصف حالته في منفاه إلى سيلان (وهي سرنديب القدماء) :
لم يبقَ لي أربٌ في الدهر أطلبُهُ ... إلا مصاحِبَ حرٍ صادقِ الحالِ
وأين أُدركُ ما أبغيهِ من وطِر ... والصدقُ في الدهر أعيا كلَّ محتالِ
لا في سرَنْديب لي إلفٌ أُجاذبهُ ... فصلَ الحديثِ ولا خلٌ فيرعى لي
أبيتُ منفرداً في رأس شاهقةٍ ... مثلَ القُطامَي فوق الَمْربإ العالي
(1/317)

إذا تَلَفَّتُّ لم أُبْصِر سوى صُورٍ ... في الذهن يرسمُها نقَّاشُ من مالي
تَهْفو بيَ الريحُ أحياناً ويَلْحفني ... بَرْدُ الطلال ببُرْدِ منهُ أسمْالي
فلو تراني وبُردي بالندى لَشِقٌ ... لَخِلْتَني فرخَ طيرٍ بين أدغالِ
لا يستطيعُ انطلاقاً من غيابته ... كأنما هو معقولٌ لعقاَّلِ

أدباء المسلمين المصريين في أوائل القرن العشرين
عبد اللطيف الصيرفي
هو شاعر مصري معاصر لسامي البارودي كاد يجاريه في سنتي مولده ووفاته. ولد في الإسكندرية سنة 1257هـ (1841م) وتوفي سنة 1322هـ (1904م) تعلم في المدارس الأهلية حتى أتقن اللغة العربية والحساب والأنغام وبرع بالخط فدخل في دواوين التحريرات وخدم حكومة وطنه زمناً طويلاً ثم اشتغل بفن المحاماة إلى سنة وفاته. صنف ديواناً نشره بعد وفاته ابنه عبد العزيز وهو مجلد واسع في 220 صفحة طبع سنة 1335هـ (1908م) وشعره سهل وسط لا يخلو من بعض الرقة والتفنن وكذلك نثره له منه فصول ومراسلات ومداعبات منسجعة.
وهذا مثال من شعره قاله يهجو أحد العمَّال في دمنهور:
كانت دمنهورُ لنا ... مهدَ المحاسن والظرائفْ
لا سيما لمّا رقَتْ ... بُمديرها ربّ اللطائفْ
خيري اللائق احمدٍ ... مُحيي الفاخر والمعارفْ
وسعت لنادي فضلهِ ... أهل الفضائل والعوارفْ
فاستأنستْ نفسي بهم ... وظْللتُ ألتقط الطرائفْ
وأقول قد سعدت دمن ... هورُ وراقت كلَّ طائفْ
لكن بها كلبٌ عَقُوٌر ... قد بدتْ منه المخاوفْ
لا زال يعطفُ كاسراً ... فيسيء جالسها وواقفْ
حتى غدَت موبؤةً ... بوجوده والكلُّ واجفْ
فمن الذي يأتي لها ... ما دام فيها الكلبُ عاطفْ
ألا وَبسْتور لهُ ... في كل آونة مساعفْ
ولرَّبما لم يُجْده ... تطبيُبُه والداءُ ناقفْ
فالله يخفى رسمهُ ... منها فتأخذُه المتآلف
لأكون أوَّل آمنِ ... وأكون آخر من يجازفْ
(1/318)

إبراهيم بك المويلحي
في هذه الحقبة الأولى من القرن العشرين وقعت أيضاً وفاة أحد أعيان المصريين الذين أحرزوا لهم ذكراً في عالم الأدب نعني به إبراهيم المويلحي المولود في مصر سنة 1262هـ (1846م) والمتوفى سنة 1322هـ (29 ك 2 1906م) تقلب في عدة أعمال وغلب عليه الأدب والسياسة فخدم وطنه مصر في أيام الخديوي إسماعيل باشا ورافقه بعد استقالته إلى أوربة فكان أمين أسراره وسكن مدة باريس ونابولي معه ثم تردد مراراً إلى الأستانة فحظي بالنعم السلطانية والرتب عند عبد الحميد. وأنشأ عدة جرائد مثل الخلافة في نابولي والرجاء في باريس ونزهة الأفكار ومصباح الشرق في القاهرة وله عدة مقالات في الصحف العربية غيرها. وكان لم يستقر على خطة مع كونه شديد الذكاء بليغ الإنشاء كثير التفنن مر الانتقاد وهو منشئ جمعية المعارف لنشر الكتب المفيدة. ومن آثاره كتابه الشهير (ما هنالك) وصف فيه أسرار يلدز وسياسة السلطان عبد الحميد وله شعر قليل وإنشاؤه أقرب إلى الإنشاء العصري لا تصنُّع فيه كمن سبقه. وإنما يزينه بالنكت البديعة والمعاني المستطرفة. ومما وقفنا له من قلمه ما كتب في (الإنشاء والعصر) وهو كلام طويل ينتقد خمول المصريين بصناعة الإنشاء مع تزايد المطابع وانتشار التعليم وكثرة المدارس ويبحث عن أسباب انحطاطها فقال في ذلك: (إنما السبب عند جمهور الباحثين هو سوء طريقة التعليم والتلقين للعلوم العربية بين طلبة المدارس وضعف العناية في اختيار الكتب النافعة للتدريس. وليس هذا في نظرنا السبب الوحيد لما نشاهده من التأخر والانحطاط في صناعة الإنشاء والتحرير وقلَّة العاملين فيها فذلك مهما جئت به من التحسين والتعديل لطريقة التعليم لا ينفع في ملكة الإنشاء في أذهان التلاميذ التي عليها المعوَّل في حسن الصناعة لان المدَّة لدرس اللغة العربية في المدارس لا تكفي لغير الحصول على أصول اللغة وقواعدها ولا تفيد لتكوين الملكة لشيء صالح. ولا يخفى عن علمك أن الطالب يتجرع هذه القواعد والأصول في الدرس ولا يكاد يسيغها ولا يتناولها إلا كما يتناول المحموم مرَّ الدواء ولا تمكث في صدره إلا ريثما يمجُّها عند أخذ الشهادة ...
(على مثل هذا يخرج المتخرجون في المدارس سواءٌ الفائز منهم بالشهادة والخائب فيها ثمَّ ينصرف كل واحد منهم إلى الأشغال التي تلهيه عن كل صحيفة وكتاب ولا يجد أمامه مجالاً لنمو ملكة الكتابة ... أما إذا ابتلاه الله بالدخول في خدمة الحكومة فقل يا ضيعة العلم والأدب ويا بؤس صناعة الإنشاء والتحرير ويا زوال ملكة الإفصاح والتعبير! إذ يتلقى هناك لساناً جديداً ولغةً حديثة لا يهتدي فيها إلى قاعدة ولا ترتبط برابطة ولا تفضل لغة البرابرة ...
ولو أنه ذهل يوماً وجاء في بعض عمله بجملة صحيحة وعبارة مستقيمة في اللغة وانحرف عن
(1/319)

ذلك اللسان المصطلح عليه شيئاً قليلاً لأصبح عرضةً للتهكم عليه الاستهزاء به بين العمال فيعمد إلى التوبة من الذنب ... ويأخذ بلسانهم فيأمن من مكرهم ...
(ومن سوء الحظ لم تلتفت الجرائد السيارة إلى إتقان صناعة التحرير ولم تعمل لهذا المقصد النبيل ولم ير أربابها أن يتعبوا أنفسهم ويكدوا خواطرهم للتفنن في بلاغة القول وفصاحة التعبير وانتقاء الألفاظ وتنويع التركيب وتجديد الأسلوب وما شابه ذلك من محاسن هذه الصناعة التي تتوق للنفس وتطرب إليها القلوب ... فينبغ النوابغ من الفصحاء والبلغاء ويكثر بيننا عديد الكتاب والأدباء ... وفاتهم أن الواجب على الكتاب المجيدين الذين يضعون أنفسهم أمام القارئ في الهادي والمرشد ومقام المربّي والمعلم أن يرتفعوا بذهن القارئ إلى درجة أذهانهم لا أنهم ينزلون بأفكارهم إلى درجة أفكاره ... ) ومن فصوله الحسنة ذكره في كتابه (ما هنالك) (ص130 - 132) لموكب السلطان عبد الحميد في الأستانة يوم الجمعة (السلاملك) تلك حفلة حضناها مرّة فأحسن المويلحي بوصفها قال:
(وإذا صدرت الإدارة السنيَّة بتعيين مسجد صلاته اجتمعت العساكر في ساحة المسجد أمام الباب السراي واصطفت صفوفاً مضاعفة بعضها وراء بعض. وفي هذه الأثناء تتسابق مركبات المشيرين والوزراء والمشائخ والأجانب من السفراء وغيرهم فيجلس السفراء ومن كان معهم من علية قومهم الوافدين على الأستانة في قاعة الجيب الهمايوني المطلة على تلك الساحة التي لا يسمع السامع فيها قيلاً ولا صهيلاً إلا صليل الأسياف وترديد الأنفاس هيبة وإجلالاً وانتظاراً واستقبالاً لإشراق نور الحضرة السلطانية فإذا حان وقت الصلاة أشرقت المركبة السلطانية المذهبة كالشمس ضياءً من مطلع السراي تحمل الإمام نائب الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويجلس أمامه الغازي عثمان باشا. والمشيرون وكبار رجال المابين حافون من حول المركبة مشاةٌ خشع الأبصار ترهقهم ذلة من جلال تلك الإمامية وهم في غير هذه الساعة أكاسرة الزمان وقياصرة الرومان كبراً وجبروتاً وكلهم في أمواج الملابس الذهبية يسبحون وعلى صدورهم نياشين الجوهر تخطف الأبصار وتأخذ الألباب حتى أن الناظر ليكاد يوالي الحمد لله تباعاً على ما منحه للدولة من عديد الرجال الصادقين في خدمة الملَّة بشهادة الكلمات الناطقة فوق النياشين ... فإذا اختلف المكتوب على الصدر عن المكنون في القلب كانت كبائعٍ يغش الناس بوضعه على زجاجة الخل عنوان ماء الورد ... ثم تسير المركبة بالعز والإجلال والسعادة والإقبال تحسدها الكواكب وتحفظها المواكب.. ثم يصعد السلطان إلى المكان المخصص لصلاته فيصلي فيه وحده وصفوف العساكر العثمانية واقفون في تلك الساحة ينتظرون تشريف جلالته للسراي بعد تأدية الصلاة..) ومن أدباء المسلمين أيضاً المتوفين في أوائل القرن العشرين بعض الذين تركوا آثاراً
(1/320)

قليلة من أقلامهم (كوفاء أفندي محمد) المتوفى سنة 1319 (وقيل 1322) (1901 - 1904) كان أمين المكتبة الخديوية دونك مثالاً من رسائله يهنئ بعض السادة بالعيد: (كيف أهنئك وحدي وأنك العالم في واحد. فقد انطلقت الألسن بتهنئتك حيث أجمعت القلوب على محبتك وقد وافانا يوم العيد الأكبر فالناس بين مهلل ومكبر. وهذا الربيع قد احتفل بيمن طالعك السعيد فنشر على الربى مطارفه السندسية ورفع أعلامه الزبرجدية، وبعث برسول النسيم، إلى الروض فتلقاه بوجه وسيم، وثغر بسيم، ونشر من الزهر النضير، دراهم ودنانير، ورقصت الغصون فغنت الطيور فوق الأفنان، بفنون الألحان، فهكذا تكون إشارات التهانئ، وإن لم تف بوصفها الألفاظ والمعاني، والية بمن أولاك، رفعة تصافح السماء وولاك، رتبة لا تدانيها الجوزاء، عن صحيح الفهم في دارك علاك لعليل، وإن اللسن وإن شحذ اللسان في وصف مجدك لكليل والسلام) ومنهم (مصطفى بك نجيب) المتوفى سنة 1320هـ (1902) وكان رئيس قلم بنظارة الداخلية وهو أحد الأدباء الفضلاء الذين اشتهروا بفصاحة القلم ونشر المواعظ وجليل الحكم فمن قوله نبذة وصف فيها الفونغراف قال: (الفونغراف مثال القوة الناطقة، من غير إرادة سابقة، يقتطف الألفاظ اقتطافاً، ويخطف الصوت اختطافاً، أشد من الصدى في فعله، في إعادة الصوت على أصله، كأنه الوتر عن يد الضارب، والقصب عن فم القاصب، يحفظ الكلام ولا يبيده، ومتى استعدته منه يعيده، كأنما حفظ الوديعة، في نفسه طبيعة، فلو تقدم له الوجود في مرتبة الزمن لأسمعنا كلام السيد المسيح في المهد، وصوت ألعازر من اللحد، وكانت استودعته الفلاسفة حكمتهم، وأنشدوه كلمتهم، فرأينا به غرائب اليونان، وبدائع الرومان ... نديم ليس فيه هفوة النديم، وسمير لا ينسب إليه تقصير، تسكته وتستعيده، وتذمه وتستجيده، وتنقصه وتستزيده، وهو في كل هذه الأحوال، راض بما يقال، لا يكل من تحديث، ولا يمل من حديث، نمام كما ينم لك ينم عليك، وينقل لغيرك كما ينقل إليك، فهو المتكلم بكل لغة ولا يجهده الأداء، ولا يضره اختلاف شكل، ولا تباين أصل، بل تعدت شدة حفظه البشرية من اللغات، إلى حفظ أصوات العجماوات، إلى تركة اصطكاك الجمادات.
(عائشة التيمورية) هي إحدى النساء المسلمات التي تفردت في الآداب في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين فتوفيت في صفر من السنة 1320 (أيار 1902) وكان مولدها في القاهرة سنة 1256هـ (1840م) ووالدها إسماعيل باشا تيمور
(1/321)

وأمها جركسية. أحبت منذ صغرها العلم والأدب وبعد أن اقترنت بالزواج ثم ترملت انصرفت إلى الآداب وبرعت بنظم الشعر في اللغات الثلث العربية والتركية والفارسية. وقد طبع ديوانها العربي المسمى حلية الطراز فأثنى عليه الأدباء طيب الثناء وشفعته بكتاب نتائج الأحوال فأقبل عليه العلماء أيضاً وأطرأوا صاحبته. وممن قرظ كتاب حلية الطراز السيدة وردة كريمة الشيخ ناصيف اليازجي فقالت:
حبَّذا حليةُ الطراز أَتَتْ من ... مصرَ تزهوا باللؤلؤ المنظومِ
حليةُ المعقول لا حليةُ الوَشْ ... ي وكنزُ المنطوق والمفهومِ
أنشأتْهُ كريمةٌ من ذوات م ... المجد والفخر فرعُ أصلِ كريمِ
قد أعاد الزمانُ عاشئةُ في ... ها فعاشت آثارُ علمِ قديمِ
هي فخرُ النساء بل وردةٌ في ... جيدِ ذا العصْر زُيّت بالعومِ
فأدام المولى لها كلّ عِزّ ... ما بدا الصبحُ بعد لَيلِ بَهيمِ
وقالت في تقريظ نتائج الأحوال:
هذا الكتابُ الذي هام الفؤادُ بِه ... يا ليتَني قلمٌ في كفّ كاتبِه
ودونك أمثلة من شعر عائشة تيمور قالت في الفخر:
بيد العفاف أصونُ عز حجابي ... وبعصْمتي أسمو على أترابي
وبفكرةٍ وقادةٍ وقريحةٍ ... نقَادة قد كُمَلْتْ آدابي
فجعلتُ مرْآتي جبينَ دفاترٍ ... وجعلتُ من نَقْش المدادِ خطابي
ما عاقني خجلي عن العَلْيا ولا ... سَدْلُ الخمار بلمتَّي وِنقابي
عن طيّ مضمار الرهانِ إذا اشتكتْ ... صعبَ السباق مطامحُ الركّابِ
بل صولتي في راحتي وتفرُّسي ... في حُسن ما أسعى لخَير مآبِ
ومما قالته ترثي أبنتها وكان موتها في رمضان:
طافت بشهر الصوم كاساتُ الردى ... سَحَرَا وأكوابُ الدموع تدورُ
ومضى الذي أهوى وجرَّ عني الأسى ... وغدَتْ بقلبي جُذوةٌ وسميرُ
ناهيك ما فَعلتْ بماءِ حشاشتي ... نارٌ لها بين الضاوع زفيرُ
آني أَلْفتُ الحزنَ حتى أنني ... لو غاب عني ساءني التأخيرُ
قد كنتُ لا أرضي التباُعدَ برهةً ... كيف التصبُّر والبعادُ دهورُ
(1/322)

أبكيكِ حتى نلتقي في جنّةٍ ... برياضِ خُلْد زَّيَنْتها الحُورُ
هذا النعيمُ بهِ الأحبَّةُ تلتقي ... لا عيشَ إلاَّ عيشُهُ المبرورُ
واللهِ لا أسلو التلاوةَ والدُّعا ... ما غرَّدت فوقَ الغصون طيورُ
ولعائشة تيمور قصائد مختلفة في الأوصاف والأخلاق والغزل والمديح وإنما أخذت في كل ذلك أخذ كتبه زمانها فلم تعالج المواضيع المبتكرة. وكذلك نثرها في نتائج الأحوال لا يخلو. من التصنع في نظم سجعاته. هذا فضلاً عما يحتويه من التخيلات والأقاصيص المصنوعة التي قصدت بها ترويح الأفكار وتلهية الأحداث.
وفي هذه الحقبة ذاتها فقدت مصر قوماً من مشاهير أطبائهم الذين كانوا أغنوا الطب الوطني بمؤلفاتهم بعد أن تخرجوا على أطباء نطاسيين من الأوربيين منهم (محمد باشا الدري) و (أحمد بك حمدي الجراح) وقد أتقن كلاهما علم الطب في باريس. وقد ألف الأول تذكار الطبيب وألف مطولاً في الجراحة وكتب تاريخ الأسرة الخديوية. كانت وفاته في مطلع القرن العشرين وصنف الثاني في أعمال الجراحة ونشر جريدة طبية دعاها المنتخب كانت وفاته سنة 1321هـ (1903م) .. ومنهم الدكتور (محمد بك بدر) تخرج في فن الطب في إنكلترا وهو مؤلف كتاب علم الشفا والمادة الطبية وكتاب شرح الأدوية الجديدة وكتاب الصحة التامة توفي سنة 1902. وكان محمد بك بدر أشتغل في ألمانيا في فلسفة الإسلامية ودرس هناك اللغات السامية وباشر بتاريخ فلاسفة الإسلام ومؤلفاتهم منذ ظهر الإسلام إلى اليوم ولا نعلم أنشر تأليفه بالطبع. وهو الذي نشر كتاب أبي منصور عبد القادر البغدادي الفرق بين الفرق) .
وممن درس الطب في ألمانيا (حسن باشا محمود) له مصنفات عديدة في الأمراض العصرية كحمى الدنج والهيضة وخص بدرسه أدواء وطنه كالدمل المصري والطاعون الساري. ومن تأليفه الحسنة كتابه الخلاصة الطبية في الأمراض الباطنية.
وتفقه أيضاً في أوربا غير هؤلاء مثل (عبد الرحمن بك الهراوي) صاحب تأليف في الفسيولوجية توفي سنة 1906. (والدكتور سليمان نجاتي) الذي تخصص بمعالجة الأمراض العقلية وألف كتاب (أسلوب الطبيب في فن المجاذيب) . كانت وفاته سنة 1907.
(1/323)

واشتهر في العلوم الفلكية (إسماعيل باشا الفلكي) الذي درس الرصد في مرصد باريس وأدار في مصر المرصد الفلكي وكان ينشر تقاويم أرصاده الفلكية الرسمية في اللغتين العربية والأفرنسية. ومن تأليفه: (الآيات الباهرة في النجوم الزاهرة) توفي سنة 1901.
فترى أن العلوم العصرية كانت مدينة خصوصاً لأوربة حيث تخرج فيها المصريون ثم نشروها في وطنهم إما بالتدريس في القصر العيني وإما بالمزاولة والتأليف فكانت سبب نهضة علمية معتبرة تتمتع اليوم مصر بثمرتها.

أُدباء الإسلام في الشام والعراق
وبينما كان المصريون يحاولون كسر أغلال التقليد القديم الذي كان يضايقهم في الكتابة ويحول بينهم وبين الرقي العصري. كان إخوانهم في الشام يجاهدون للحصول على حرية كافية لينزعوا عنهم ضغط نير الأتراك فيطلقوا العنان لأقلامهم للبحث في المسائل الاجتماعية والإصلاح السياسي. وفي مقدمتهم: (عبد الرحمن الكواكبي) ولد في حلب سنة 1265هـ (1849م) من أسرة آل الكواكبي القديمة التي إليها تنسب في الشهباء المدرسة الكواكبية. وفيها تلقى العلوم اللسانية والشرعية وبعض العلوم الحديثة ثم أنس بالكتابة فحرر عدة جرائد كالفرات والشهباء والاعتدال وخدم الدولة متقلباً في مناصبها العلميَّة والإدارية والحقوقية إلا أن ما طبع عليه من الإباء والنخوة ودقة النظر وحب الانتقاد في العصر الحميدي حمل أعداءه إلى الوشاية به إلى المراجع العليا فزج بالسجن وجرد من أملاكه. ثم خرج سائحاً إلى البلاد وطاف جانباً من أفريقية وجزيرة العرب حتى توغل في صحاريها وبلغ اليمن ثم رحل إلى الهند وسكن أخراً في مصر وفيها توفي سنة 1903. ومن آثاره ما يثبت له سعة إطلاعه على تاريخ الشرق ولا سيما تاريخ الممالك العثمانية فعرف أداؤها وحاول علاجها كالأفغاني. ومما ألفه في ذلك كتابه (طبائع الاستبداد ومصارع الاستبعاد) وكتاب (أم القرى) نظر فيه الشيخ محمد عبده. وكان الكواكبي مع أنفته من الاستبداد رقيق الجانب عطوفاً على الضعفاء والمساكين.
(محمد رشيد الدنا) وقد أسفت بيروت في أوائل القرن العشرين على فقدها
(1/324)

لهذا الكاتب الضليع في السنة 1902 (1320هـ) وهو أحد تلامذة المعلم بطرس البستاني في مدرسته الوطنية. خدم الحكومة التركية عدة سنين ثم استقال من مناصبها ليخدم وطنه بالتحرير فأنشأ جريدة بيروت سنة 1886 وأدارها إلى سنة وفاته وكان معتدل الطريقة في سياسته فأمن نكبات الدهر. وكان يرتشد بآراء شقيقه الأكبر السديدة السيد عبد القادر وصارت الجريدة بيروت من بعده في عهدة أخيه محمد أمين.
نضيف إلى أدباء المسلمين في الشام (السيد إبراهيم الطباطبائي) من مشاهير أدباء العراق قضى نحبه سنة 1319هـ (1901م) في النجف وفيها كان مولده سنة 1248هـ (1832م) كان إمام النهضة اللغوية في وطنه بين صدور الشيعة. وله ديوان شعر طبع في صيداء تلوح فيه الأساليب البدوية القديمة وكان مغرّى بغريب اللغة وترى ذلك في معظم أشعاره. وقسم كبير من قصائده في الغزليات. ومن حسن قوله أبيات ذكر فيها الأحباب وأيام الأنس:
أخَيِّ هل راجعُ ليلٌ فينظمنا ... بشط دِجْلة نَظْمَ العقدِ إخوانا
أحبابَنا أن تَهُنْ فيكم وسائلُنا ... فحسُبنا كلّ شيء بعدكم هانا
إن فرَّق الدهرُ ما بيني وبينكمُ ... فقد صَحبّتكمُ دهرا وأَزمانا
تركتُ في النَّجَف الأعلى لصحبتكم ... صَحْباً وأهْلا وأوطاناً وجيرانا
عوضتموني عن أهلي وعن وطني ... بالأهل أهلاً وبالأوطان أوطانا
ومن حكمه:
ما كلُّ من صَحب الأخوان جرَّبهم ... لا يُعْرَفْ الخل إلا بالتجاريب
وقال في محاسن الشعر:
للشعر حُسْنانِ لا تَعْدوهما جهةُ ... حسنُ بمعنَى وحسنُ بالأساليبِ

أدباء النصارى في الحقبة الأولى من هذا القرن
أدباء النصارى في الشام ومصر
جارى أدباء النصارى في مصر أدباءها المسلمين ولعلهم كان لهم التقدم في تلك
(1/325)

النهضة الأدبية. على أن ذلك الفضل يعود خصوصاً إلى نصارى الشام الذين لم يجدوا في وطنهم ما رغبوا فيه من سعة الحال وبسطة العيش والحرية المعتدلة فهاجروا إلى مصر ليمتعوا فيها بحضارتها تحت نظارة بريطانية العظمى. وما لبثوا أن تخصص بعضهم ممن تخرجوا في مدارس الأجانب في الشام للكتابة فنبغوا فيها كما تشهد لهم تأليفهم والصحف التي تولّوا إدارتها فنهجوا الطريق في ذلك لأهل مصر. وهانحن نذكر الذين اشتهروا في تلك الحقبة الأولى.
(عبد الله مراش) توفي في غرة القرن العشرين في 17 كانون الثاني 1900 في مرسيلية وكان مولده في حلب في 14 أيار 1839 وهو أخو فرنسيس الذي مرت لنا ترجمته بين أدباء القرن التاسع عشر وكلاهما من أسرة فاضلة عرف أصحابها بفضلهم ورقي آدابهم. تخرج عبد الله في الشهباء في مدرسة الآباء الفرنسيسيين ثم تعاطى التجارة فيها مدة واتسع في أعمالها وسافر إلى إنكلترا عميلاً لشركة من التجار في منشستر فأصاب ثروة واسعة. ثم عدل عن التجارة واشتغل بالآداب في باريس وفي إنكلترا وحرر في جرائدها العربية كمرآة الأحوال لرزق الله حسون ومصر القاهرة لأديب إسحاق والحقوق لميخائيل عورا وكوكب الشرق لأحد الفرنسويين وقضى أواخر سني حياته في مرسيلية. وكان عبد الله مراش يشبه رزق الله حسون في درسه للغة العربية ومعرفة تاريخ العرب والبحث عن الآثار العربية في مكاتب لندن وباريس ونسخة عنها ما يراه من نوادرها جديراً بالذكر ينقل ذلك بخط بديع. وكان عبد الله ضليعاً بالإنشاء العربي يحسن الكتابة ويحرص على وضوح معانيها. وله فصول رائعة في الأخلاق والآداب وانتقادات حسنة على منشورات المستشرقين ورسائل شتى في العلوم العصرية والأحوال السياسية. وتعريبات لبعض كتابات الفرنسويين (اطلل الضياء 2: 344 و491) .
وممن اشتهروا في مصر من أهل الشام المرحوم (بشارة تقلا) أخو سليم وقرينه بإنشاء الصحافة والتأليف. ولد في كفر شيما في 22 آب 1852 وتوفي في 15 حزيران 1902 عرف منذ حداثته بتوقد الذهن ودرس في المدرسة الوطنية ثم في المدرسة البطريركية وعلم مدة في مدرسة عين طورا. ثم لحق سنة 1875 بأخيه الذي كان سبقه إلى الديار المصرية فأنشأ هناك في أوائل آب من السنة 1876 جريدة الأهرام ثم
(1/326)

صدى الأهرام وكابدا بسبب الجريدتين عدة مشقات لما نشراه من المقالات الحرة وانتقاد أعمال الحكام والدفاع عن حقوق المصريين واستعانا بحماية فرنسة لرد غارات من يتعرض لهما. وسافر بشارة غير مرة إلى أوربة وزار عواصمها ثم رحل إلى الأستانة ونال من امتيازات سلطانها فضلاً عما نال من انعامات فرنسة كوسام جوقة الشرف ووسامات غيرها من الدول. ثم عاد إلى مصر ووسع دائرة جريدة الأهرام فوصل بجده ونشاطه إلى أن أصبحت بفضله في مقدمة الجرائد المصرية وقد خدم بها صوالح المصريين بازاء الاحتلال البريطاني وانتصر لفرنسة وحقوقها. أصيب في أواخر عمره بداء القلب فرجع إلى سورية فتوفى في وطنه.
وخدم مصر شاب آخر فمات في عز شبابه نعني به (خليل الجاويش) المولود في بيروت سنة 1872 والمتخرج في مدارسها وخصوصاً في المدرسة البطريركية حيث درس العربية على الشيخ إبراهيم اليازجي ثم انتقل إلى مصر وخدم في حكومتها بضع سنوات. ثم تولى في الإسكندرية رئاسة تحرير جريدة الأهرام عدة سنين إلى أن شعر بانتهاك القوى فعاد إلى لبنان رجاء أن ينعش بهوائه قواه فلم يجد ما أمله فعاد إلى مصر وتوفي في حلوان في 21 شباط 1902. ألف روايات أدبية ومنظومات شعرية نشر بعضها في مجلات مصر.
وفي مصر كانت وفاة أحد مواطنينا السوريين (نقولا بك توما) ولد في مدينة صيداء سنة 1853 ودرس في مدرستها للآباء اليسوعيين ثم صار من أساتذتها وعلم في بعض مدارس لبنان حتى انتقل إلى مصر سنة 1874 فانتظم مدة في سلك عمال دولتها. ثم تسنى له السفر إلى باريس فاجتمع فيها بأصحاب النهضة كالسيد الأفغاني والشيخ محمد عبدة وكتب عدة مقالات نشرها في جريدة مرآة الحال ثم عدل إلى فن المحاماة ولم يزل منكباً على درس أصولها ومشكلاتها حتى برع فيها. وأنشأ مجلة الأحكام المصرية فزادت بها سمعته وأقبل عليها الجمهور فعدل عنها ولزم المحاماة حتى عد من نوابغها سالكاً فيها بكل جرأة إلى أن اضطرته الأمور مع انتهاك الصحة إلى السفر أوربة وفيها كانت وفاته في 25 آب 1905. كان نقولا بك في مرافعاته في القضاء بليغ الكلام يتدفق في بسط الدعوى وبيان غثها وسمينها لا يتلجلج لسانه في شرحها وتطبيقها على القوانين الشرعية وفيه قال بعض الشعراء:
(1/327)

أيها الطالبُ البيانِ وعلمِ م ... المنطقِ الحقِ نصَّهُ والنُّقولا
لا تجدَّ السَّرى وحسبُك مصرٌ ... لبلوغ المنى وفيها نِقولا
وفي السنة التالية في 25 تشرين الثاني 1906 ذهب الموت بحياة سوري آخر أدى في مصر خدماً مشكورة للآداب العربية وهو (الدكتور نقولا نمر) أحد مراسلي مجلة المقتطف. كان مولده في حاصبياً سنة 1858 وأتت به أنه مع أخوته إلى صيداء ثم إلى بيروت بعد أن قتل ولده في حوادث السنة 1860 فتربى نقولا في المدارس الإنكليزية ثم في الكلية الأميركية وفي السنة 1876 درّس في إحدى مدارس دمشق ثم عاد إلى الكلية فدرس فيها الطب ونال شهادتها وله في مجلة الطبيب فصول طبية تشهد له بحسن النظر والذكاء. ثم رحل إلى مصر وتعاطى فيها الطبابة منتظماً في سلك الجيش المصري منتقلاً معه إلى أصوان فوادي حلفا. ثم سافر إلى أميركة وواجه رئيس الولايات المتحدة ونشر تفاصيل رحلته إليها في مجلة المقتطف وكذلك رحل إلى أرثرية والحبشة فحرر أخبار سفره إليها مع ما وجده فيها مما يلذ القراء من الأمور الطبيعية وأخلاق البشر. وكأن هذه الأسفار أثرت في صحته بحيث لم تنجح في علاج دائه حيلة الأطباء وكان أتى بيروت مؤملاً الشفاء فزاد مزاجه انحرافاً فرجع إلى مصر وتوفي فيها بعد قليل.
وفي 24 ك2 1907 قبضت المنون روح أدباء بيروت المستوطنين للقاهرة وهو (جميل بك نخله المدّور) من أسرة معروفة في الشام بفضلها وأدب أصحابها. وكان المذكور مولعاً بالتنقيب عن آداب العرب وتاريخ الأمم الشرقية القديمة. فصنف في حداثته تاريخ بابل وآشور وسبكه سبكاً حسناً وأخرجه بعبارة بليغة وعرَب كتاب التاريخ القديم ورواية (أتالا) أشاتوبريان. وإنما أفضل تأليفه كتابهُ (حضارة الإسلام في دار السلام) روى فيه على صورة رحلة خيالية لبعض أهل الشيعة ما ورد في تأليف المؤرخين والأدباء عن أحوال المملكة في أيام هارون الرشيد وهو فكر حسن اقتبسه الكاتب من أحد أدباء الفرنسويين المدعو برتلمي الذي روى على هذه الصورة سفر أحد الأجانب المدعو أناكرسيس (Anacharsis) إلى جهات اليونان قبل وفاة الاسكندر واصفاً ما يستحسنه من عادات اليونان وأخلاقهم وعلومهم. ومثله سفر تليماك الفنيلون أسقف كمبراي. وهذه نبذة من تلك الحضارة تطلعك على أسلوب
(1/328)

كاتبها البارع ضمنها وصف زبيدة أم جعفر زوجة هارون الرشيد بنت جعفر بن المنصور وأم الخليفة الأمين (ص152 - 153) :
(ولئن كنت رأيت له (أي هارون الرشيد) في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة. وقد ربيت في مهاد الدعة والدلال كما يشير إليها اسمها. فإنما سماها أبو جعفر جدها بزبيدة لغضاضة بدنها وقد كان يرقصها تهللاً بها وينظر إلى غضاضتها وملاحتها فسماها زبيدة لذلك (1) فلما بنى بها الرشيد وجدها طرفة حديث ومصدر رأي جمل لم ير بُدا من الانقياد إليها في قضاء جميع ما ترومه من الحوائج (2) . ومن ذلك أنه مكنها من بيوت المال فأنفقت من سعة ما ينيف عن ثلاثين ألفَ ألف دينار. فبنت مسجداً مباركاً على ضفة دجلة بمقربة من دور الخلافة يسمى بمسجد زبيدة. ومسجداً سامي الحسن في قطيعتها المعروفة بقطيعة أم جعفر (3) بين باب خراسان وشارع دار الرقيق (4) وحفرت بالحجاز العين المعروفة بين المشاش (5) ومهدت الطريق لمائها في كل خفض ورفع وسهل ووعر حتى أخرجتها من مسافة اثني عشر ميلاً إلى مكة فبلغ ما أنفقته عليها ألفَ ألف دينار. وهذا من الأعمال التي لم تباشرها امرأة في الإسلام إلا الخيزران أم الرشيد ... فإن لم يكن عند زبيدة من الملل ما بلغ هذا القدر الجسيم فإن لها في السياسة رأيا تسمو به إلى التداخل في أمور الدولة كأفطن ما يكون من الرجال) .
وقد امتاز بين المهاجرين السوريين إلى مصر (الشيخ إبراهيم اليازجي) فإنه بشهرة اسم والده الشيخ ناصيف وشهرته الشخصية وتأليفه كان من أعظم الساعدين على نهضة الآداب العربية في القطر المصري وفيه كانت وفاته في 28 كانون الأول سنة 1906. ولا نعود هنا إلى ذكره بعد ما وفيناه حقه في كتابنا الآداب العربية في القرن تاسع عشر (39:2 - 40) مع سائر الأسرة اليازجية. وقد ذكرنا في المشرق (22 (1924) : 637 - 638) حفلة نصب تمثاله.
(الدكتور بشارة زلزل) كان زميل الشيخ المرحوم إبراهيم اليازجي وقد توفي قبله في 11 تشرين الثاني 1905 في الإسكندرية. كان مولده في بكفيا ودرس الطب في الكلية الأميركية في بيروت ونال شهادتها وزاول فن الطبابة في بيروت وهاجر إلى مصر فراراً من استبداد الترك. كتب في وطنه وفي مصر مقالات علمية وأدبية كثيرة في مجلة النحلة سنة 1870 ثم في المقتطف وساعد الشيخ إبراهيم في تحرير مجلة الطبيب والبيان والضياء ونشر في الإسكندرية سنة 1901 كتاب دعوة الأطباء لابن بطلان على نسق كليلة ودمنة وألحقهُ (بتكملة الحديث في الطب القديم والحديث) . ومن مصنفاته كتاب تنوير الأذهان في حياة الإنسان والحيوان. ظهر منه قسمان. وله في مجلة النحلة منظومات شتى منها قوله في صاحب الدولة داود باشا أول متصرفي في جبل لبنان النصارى:
هو رأسُنا داود باشا الذي لهُ ... من المجد والمعروف ما ليس يُحصَرُ
وزيرُ مُشيرُ عادلٌ ذو مهابةٍ ... يُقاد لهُ الليثُ الجسورُ الغضنْفرُ
أقام لفتحِ العلم همَتهُ التي ... تُنادي لهذا الفتح الله أكبرُ
كريمُ بهِ عودُ الهُدى بعد يُبْسِه ... أُعيد نضيراً فهو ينمو ويثمرُ
لهُ دولةُ تزهو بحسن عدالة ... وبطشٌ كما قد كان كسرى وقيصرُ
ومن دولةِ علياء قام بفخرها ... فتفخرُ فيه وهي بالعدل تفخرُ
وفي هذه الحقبة انقصف غصن من الدوحة البستانية (سعيد البستاني) توفي في أيار 1901 في الحدث (لبنان) . تقلب بين مصر وبلاد الشام وعكف على الآداب العربية وأصدر بعض الروايات التمثيلية كذات الخدر وسمير الأمير مثل فيهما أخلاق القطر المصري وأمراء لبنان وحرر عدة سنين جريدة لبنان إلى سنة وفاته. برح الحياة وهو في منتصف العمر وقضى نحبه بعده ببضعة أسابيع وطنية (سبع شميل) من أسرة الشميل الكفرشيمية وهو في الرابعة والثلثين من عمره تخصص كآله بفن الكتابة فألف وحرر في الجرائد في بيروت
(1/329)

ومصر وأوربة حتى أصيب بداء الصدر فمات في أوائل حزيران 1901.
ومن مشاهير السوريين الذي أسفت على فقدهم الآداب (خليل غانم) السياسي الحر. ولد في بيروت في 8 ت2 سنة 1846 وتوفي في باريس في غرة حزيران 1903. تخرج في شبابه في مدرسة عينطورة وأتقن اللغتين الفرنسوية والعربية وخدم الدولة
(1/330)

التركية كترجمان لمتصرفية بيروت ولولاية سورية وللوزارة الخارجية في الأستانة. وانتخبه سكان سورية كنائب عنهم لمجلس المبعوثان سنة 1875 وساعد مدحت باشا في وضع قانون الدولة السياسي فكان أحد أركان النهضة الدستورية. ولما حل عبد الحميد مجلس المبعوثان وتشدد على أنصاره فزع خليل غانم إلى السفارة الفرنسوية وأبحر سراً إلى فرنسة حيث ناضل إلى آخر حياته عن استقلال وطنه. فأشنأ في باريس عدة جرائد عربية كالبصير وعربية فرنسوية كتركيا الفتاة وفرنسوية محضة كالهلال وأصبح من مكاتبي جرائد فرنسة الكبرى. وألف جمعية تركيا الفتاة فسعى السلطان إلى أن يؤلف قلبه بالهبات والمناصب فرده خائباً ومنحته فرنسا وسام جوقة الشرف. وبقي طول حياته متشبثاً بدينه. ومن مآثره الطيبة كتاب من إنشائه في حياة السيد المسيح ويثبت فيه بالبراهين العلمية والدينية الوهيته. وله في الافرنسية تاريخ سلاطين بني عثمان. وقد عرفنا في بيروت قرينته الفاضلة فأوقفتنا على بعض آثاره ونشرنا. منها فضلاً في الاقتصاد. ولقد قال المرحوم يوسف خطار غانم في رثائه:
اليومُ أطفئَ نورُ بدرٍ لامعٍ ... بسما المواطن فالمصابُ بهِ وقَعْ
وخبا شهابُ فؤَاد حرٍ صادقٍ ... ومجاهد أضناهُ بالوطنِ الوَلَعْ
قد فاجأتنا الحادثاتُ وأَسرعتْ ... بسقوط صاعقةِ لها القلبُ انصدعْ
ومنها:
رجلُ الحقيقة أن يموت لدُنِ الأولى ... سمعوهُ واعتبروهُ بالحقْ أدّرعْ
ما مات غانُما فإنه خالدٌ ... في نهجنا في فكرنا في ما وضَع
وفؤادهُ كُنهُ الطهارة إنهُ ... لقلوبنا يوحي ثبات المَجَتمعْ
ومحرّكُ فيها صلاحَ ومواطنٍ ... عظَمتْ وبالنصر القريب المرتفعْ
وفي السنة 1906 في 24 أيلول فقدت كليتنا أحد نخبة الأدباء من ذوي التعليم والكتابة والتأليف المرحوم (رشيد الشرتوني) كان درس مدة في مدرسة مار عبدا هرهريا وعلم في مدرستي عين تراز وعين طورا ثم انتدبته مدرستنا إلى تعليم العربية فخدمها خدمة نصوحاً عدة سنين. وكذلك وجدت فيه مطبعتنا الكاثوليكية خر مساعد لنشر كتبها المدرسية ولتحرر جريدة البشير فأعرب في كل أعماله عن
(1/331)

مدة حسنة وله في المشرق فصول تاريخية ولغوية أعترف له القراء بجودة إنشائها ودقة مضامينها. ومن آثاره المستجادة مبادئه العربية في الصرف والنحو مع تمارينه للطلاب في التصريف والأعراب وكتابه نهج المراسلة ومفتاح القراءة. وقد نشر لخدمة طائفته بعض مخطوطات العلامة الدويهي كتاريخ الطائفة الرومانية ومنارة الأقداس وأعمال بعض المجامع المارونية كما أنه عرب قسماً من تاريخ لبنان للأب بطرس مرتين اليسوعي وتراجم بعض القديسين للأب فكتور دي كوبيه. ومن تعريبه أيضاً كتاب الموافقة بين المعلم وسفر التكون له ورواية سفر العجب إلى بلاد الذهب للأب أميل ريغو اليسوعي وحبيس بحيرة قدس للأب هنري لامنس. ومما بقي من مخطوطاته ترجمة فلسفة الأب تونجرجي اليسوعي.
وفي السنة 1906 في يوم عيد ميلاد ودع الحياة أحد تلامذة كليتنا النوابغ (نجيب حبيقة) أنكب على درس اللغات المدرسية وإحراز العلوم العصرية بكل رغبة فببز فيها بين أقرانه وما كاد ينال الشهادات المؤذنة بكفاءته حتى دعي إلى التدريس في كلية القديس يوسف فعلم عدة سنين الصفوف العربية العالية. وعرفت أيضاً فضله في تعليم مدرسة الحكمة الجليلة والمدرسة العثمانية للشيخ أحمد عباس الأزهري. ثم تفرغ إلى للكتابة والتأليف وتولى تحرير جريدة المصباح سنة 1903 له فيها وفي الشرق وغيرها فصول أدبية وفنية مستطابة. وكان ساعياً إلى تعزيز الآداب العربية وتأليف قلوب الناشئة في خدمة الوطن كما أنه خدم الجمعيات ووقف نفسه لتعليم أولاد طائفته الفقراء. وله آثار عديدة منها مدرسية كدرجات الإنشاء في ستة أجزاء ومنها أدبية كمقالاته عن فن التمثيل والانتقاد ومنها روايات معربة كالفارس الأسود وشهيد الوفاء وخريدة لبنان والشقيقتين. وله قصائد رائقة سلسة وكانت باكورة قصائده ما نظمه في يوبيل الحبر الأعظم الكهنوتي سنة 1887 وهو إذ ذاك تلميذ فوصف السفينة البطرسية المرموز بها إلى الكنيسة.
عصفت على بحر الأنام رياحُ ... حجب النهارَ من الظلام وِشاحُ
وهوت صواعقُ مُصعِقاتٌ أزعجت ... بشراً فكادت تزهقُ الأرواحُ
والبحر عاد عرمرمياً مُصخباً ... والموجُ ثار فساءَ منهُ جَماحُ
والناس في غمر الخِضمّ جميعهمْ ... خاضوا فليس من الغمار بَراحُ
(1/332)

ورأوا المياه تلاطمت أمواجها ... وعلت عليهم كالجبال وصاحوا
طمت الُمصيبة فالمنَّية قد دنت ... آها أليس من الهلاكِ مُراحُ
لكن على سطح الخضمَ سفينةُ ... وعلى مُقدَّمها يُرى مصباحُ
قد أَقبلَتْ وتطايرت لخلاصهم ... شكراً لجدك أيها الملاَّحُ
فيك النجاة وليس غيرك يرتجي ... وإليك كلٌ قلبهُ مُلتّاحُ
هاقد تقدّمت السفينةُ نحوهم ... فنجا بها قوم وفيها راحوا
لم يَنْأ عنها غيرُ من أثروا ... شرب الْحتوف فذي الفعالُ قباحُ
شاموا البروق فأمّلوا من الهدى ... خابت ظنونهم فليس نجاح
لا نور في غير السفينة فأعلموا ... من ينأ عنها ضاء منهُ صلاحُ
جُدُّوا أيا غرقى وأمُوها يقو ... دكُم إليها نورُها الوضّاحُ
جدُّوا فليس لكمْ خص دونها ... ولجمعيكم فيها الدخول مباحُ
أعداؤها سخروا بها قبحاً لهم ... قالوا بأن ستُحَّطمُ الألواحُ
فالموجُ يصدمها فيدفعها فلا ... أملٌ لنفس بالنجاة مُتاحُ
وإذا بصوتٍ صارخٍ: كن آمناً ... بين السفينة والخضمِ كفاحُ
فسفينة الصَّياد تقهر خصمَها ... أبداً لأن لها الصفا مَلاح
للحين عاد النوء صفوا رائقاً ... وعن البلايا زالت الأتراحُ
وقد أحب تلامذته وأصدقاؤه أن يقيموا له ضريحاً لائقاً في مقبرة طائفته في رأس النبع تكلفوا عليه مبلغاً وافراً فنصبوه له في حفلة خاصة عينوها في أواسط أيار سنة 1910 ونقشوا على صدره الأبيات التالية:
حياك يا قبرُ منَّا غيثُ أدمُعنا ... وجادك الله من أسنا عطاياهُ
ضممت كنزاً ثميناً دونهُ نَهجٌ ... تسيل حزناً وتدمي القلبَ ذكراهُ
قد قدر الله أن نبك عليه فتى ... غضاً فصبراً على ما قدَّر اللهُ
يا ساهرَ العين في التاريخ دَامعُها ... حيَّي النجيب فهذا القبرُ مثواهُ
وفي شهر تموز من تلك السنة 1906 أدركت المنية أديباً آخر من أسرة فاضلة في بيروت (ميخائيل بن جرجس عورا) مولد عكا في السنة 1855 وخريج المدرسة البطريركية في أول منشأها. درس فيها العربية على الشيخ ناصيف اليازجي ثم
(1/333)

سافر إلى باريس متاجراً ونشر فها جريدة الحقوق ثم أعقبها في مصر بمجلة الحضارة فلم تطل حياتها بسبب الثورة العرابية. ثم عاد إلى الصحافة كمنشئ ومحرر ومكاتب إلى أن أصيب بمرض ألجأه إلى السفر إلى أوربة انتجاعاً للعافية فمات في مدينة نابولي. ومن آثاره روايات مختلفة أدبية وقصائد قليلة. فمن قوله في وصف الدنيا الغرور:
تاَلله ما الدنيا بدارٍ يُبتغَى ... فيها الثوا ويطيبُ فيها المسكنُ
كلا ولا الدهر عهدُ يُرتجي ... منهُ الوثوقُ وليس منهُ مأمنُ
والأرضُ يورثُها الإلهُ عبادهُ ... هذا يسيءُ وذاك عكساً يُحسنُ
والمرء مَرْمى الموت فهو إذا نجا ... منهُ النهار ففي غدٍ لا يُمكنُ
وفي العام التالي في 26 ت1 1907 خسرت الدولة التركية والوطن السوري أحد المخلصين في خدمتها المرحوم (خليل الخوري) المولود في الشريفات سنة 1836 درس في مدارس طائفته وتحت إدارة بعض المعلمين الخصوصيين. وهو أول من فكر في نشر جريدة عربية في بلاد الشام فأبرزها إلى النور سنة 1858 تحت اسم حديقة الأخبار فصار لها بعض الرواج ونشرها على مدة باللغتين العربية والافرنسية وساعد بذلك على نهضة البلاد العربية وانتدبته الدولة التركية لخدمتها فشغل عدة مأموريات كمفتش للمكاتب ومدبر للمطبوعات ومدير الأمور الخارجية وهو يراعي سياسة دولته التي أعربت له عن رضاها ومنحه أوسمتها كما نال أيضاً امتيازات بعض الدول الأجنبية لحسن تصرفه. وكان خليل الخوري أحد الشعراء القليلين الذين نبغوا في أواسط القرن التاسع عشر في سورية تشهد له منظوماته العديدة كزهر الربى في شعر الصبا والعصر الجديد والنشائد الفؤادية والسمير والأمين والشاديات والنفحات. وفي شعره طلاوة ورقة لم يعهدهما شعراء زمانه إلا الشيخ ناصيف اليازجي معاصره. وهذه بعض أمثلةٍ من نظمه. قال في وصف لبنان:
أنا في رُبى لبنان فوق رؤوسهِ ... نحو الكواكب للعُلى مجذوبُ
برياضهِ حيثُ المقامُ منزَّهٌ ... وغياضهِ حيثُ المزاج يطيبُ
أنسابُ في جوّ الهواجسِ حيثما ... كَفي إلى هام النجوم طَلوبُ
أهوى بلبنان التوحَّدَ إنما ... هوسي إلى حيثُ الإلهُ قريبُ
(1/334)

جبلٌ يظّل رأسَهُ جوُّ السما ... فيلوحُ بالتعظيمِ وهو مهيبُ
يبدو برأس بلادنا كعصابة ... منها لزينةِ قطرنا ترتيبُ
عرشٌ إلى ملكِ النُّسور أَمامَهُ ... بزهو بساطٌ بالمروج خصيبُ
قد مدًَّ يغسل في المياه أكفَّهُ ... ولها برمل سهولهِ تخضيبُ
في كلِّ زهر قد تصوَّر شكلهُ ... وبكل أفقٍ اِسمهُ مكتوبُ
لولا مطامحهُ العليَّةُ لم يكن ... شرفٌ ولا بأسٌ ولا تهذيبٌ
وقد استحسنا له قوله في وصف اللغة العربية قدمها إلى فتاة إنكليزية قصدت الشرق لتدرس العربية:
قد رمت من لغة الأعارب مأرباً ... فأتت تصادفُ منكِ فكراً صَيباً
أَقبلتِ نحو ديارها بتشوَّقٍ ... فبدَتْ بك الآدابُ تهتف مرحباً
لغةُ تُجملها البلاغةُ والمعلى ... بذكائها نَفسُ اللغات تطَّيباً
مرَّت بهامتها الدهور ولم تزلْ ... تزهو وتزهرُ في جلابيب الصَبا
لم تَخْشَ عاصفةً ولم تفتك بها ... أيدي المُصابِ إذا الزمانُ تقلَّباً
فلذاك قد سَلمتْ وكنم لغةٍ لقد ... شاخت فصارت مثل منشور الهبا
سمعهُ يشابهُها الفضاءُ وقدرةٌ ... تعلو على هام الكواكب مركبنا
مرآةُ شعر الكون قد رَسَمتْ بها ... صُوَرَ العقول وكم أصابت مذهبا
فلك الهناءُ برشْف طِيب زُلالها ... ولها الفخارُ بأن تَطيب وتعذباً
وفي 15 ت1 سنة 1907 فجعت أسرة شحادة بعميدها المرحوم (سليم شحادة) ترجمان دولة روسيا وسند طائفته الأورثذكسية توفاه الله في سوق الغرب عن 48 سنة قضاها بالجد والنشاط وخدمة الآداب وقد أشترك سنة 1875 مع سليم أفندي الخوري لنشر معجم تاريخي وجغرافي دعواه بآثار الأدهار فظهر منه بعض الأجزاء وعني بنشر ديوان الفكاهة سنة 1885 وكتب عدة مقالات في مجلة المشكاة وغيرها. ومن آثاره لمحة تاريخية في أخوية القبر المقدسة اليونانية والخلاصة الوافية في انتخاب بطريرك إنطاكية وكلاهما تحت اسم مستعار كشف فيها عن مخازي ومطامع الأكليروس واليوناني في سورية وفلسطين. وكان المرحوم جمع مكتبة واسعة بينها
(1/335)

كتب نفيسة عربية وأجنبية. ونقلنا فصولاً عن أحد مخطوطات مكتبته العربية (نهاية الرتبة في طلب الحسبة) (المشرق 10 (1907) : 961 و1079) .
ومن أدباء الروم المتوفين في السنة 1905 في 13 ت1 (نخلة قلفاط البيروتي) ولد سنة 1851 ودرس علي أسكندر آغا أبكايوس ثم اقبل على الدرس الفقهية والقوانين الدولية ثم زاول الكتابة فنشر عدة روايات في مجلته سلسة الفكاهات وعرب كثيراً منها كبهرام شاه وفيروز شاه وألف نهار ونهار ومائة حكاية وحكاية.
ونشر ديوان أبي فراس الحمداني وحقوق الدولة تاريخ روسيا وغير ذلك مما أثار عليه خاطر أرباب الدولة التركية فنفوه إلى قونية سنتين وزوجه في الحبس سنة أخرى إلى أن أخرج منها منهوك القوى بعد النفقات الطائلة ومات مفلوجاً لما ناله من سوء المعاملة. ومن خلفته ديوان من نظمه لم يطبع. وقد نقش على قبره هذا التاريخ:
لمَّا هوى الموت الزؤام بنخلةٍ ... أرختها بسما الأعالي تُغرُسُ
وفي هذه الحقبة السابقة لدستور منيت الكنائس الشرقية ببعض أربابها الذين ساعدوا بلادهم في تنشيط الآداب. منهم بطريرك طائفة الروم الكاثوليك (السيد بطرس الجرجيري) درس في مدرستنا في غزير ثم في مدينة بأوا في فرنسة وقد أسند إليه تدبير كرسي طائفة البطريركي وكافة المشرق في 25 شباط سنة 1898 فلم تطل مدة بطريركته فأستئثرت رحمة الله بنفسه في 4 نيسان سنة 1902 وكان أدار مدة دروس المدرسة البطريكية الكبرى في بيروت ونشر لتلامذتها كتاب التعليم المسيحي سنة 1869 وإليه ينسب إنشاء المدرسة الأسقفية في زحلة له مناشير وخطب.
وقد أسفت الطائفة المارونية في 4ت1 1907 على فقد حبرها المثلث الرحمات المطران (يوسف الدبس) رئيس أساقفة بيروت بعد أن أدى لأبناء أمته خدمات جليلة في وأسقفيته فأنشأ مع رزق الله خضراً المطبعة الكاثوليكية العمومية التي سبق لنا وصف تاريخها ومطبوعاتها النفسية (المشرق 3 (1900) : 1000 - 1003و 1030) : وشيد مدرسة الحكمة العامرة سنة 1875 لتربية الناشئة وتهذيب المرشحين للكهنوت وبني كنيسة مار جرجس الكاتدرائية على طراز كنيسة مريم الكبرى في رومية ونشر تأليف عديدة منها مدرسية كمربي الصغار ومرقي الكبار
(1/336)

ومغني المتعلم عن المعلم ومعجم في العلوم الفقهية وتقسيم الميراث. ومنها دينية وطقسية كمجموع خطبه ومواعظه وكتاب الخطب البيعية ونبذة تاريخية في الفروض البيعية والنافور اليومي والشحيم الكبير ورتب توزيع الأسرار ومنها تاريخية كسفر الأخبار في سفر الأحبار وخصوصاً تاريخ سورية في ثمانية أجزاء مع موجزه في جزأين. ومنها جدالية كروح الردود وتأليفه في المردة. وقد عرّب كتباً كثيرة كتحفة الجيل في تفسير الأناجيل وترجمة تاريخ الارطقات للقديس ألفونس ليغوري والرسوم الفلسفية للأب يوسف دموسكي اليسوعي إلى غير ذلك مما يخلد ذكره في قلوب أبنائه ومواطنيه.
وفقدت طائفة الروم الأورثذكس في بيروت في 20 ك2 1901 مطرانها السيد (غفرئيل شاتيلا) ولد في دمشق سنة 1825 وتلقى الدروس في وطنه وترّهب في القدس الشريف كاتباً لأسرار البطريرك ايروثاوس ورافقه إلى الآستانة ثم وكل إليه رئاسة الأمطوش الانطاكي في موسكو. وفي السنة 1869 وقع عليه الانتخاب كمطران لكرسي بيروت سنة 1870 فعُني بفتح المدارس في أبرشيته في بيروت وقرى لبنان فأصابت ملته في أيامه ببعض الرقي.
ورزنت بطريركية الروم في 26 ك2 بوفاة بطريركها السيد (ملاتيوس الدوماني) . ولد في دمشق سنة 1837 وتخرّج في المدارس الوطنية ثم أُلبس الاسكيم الرهباني سنة 1857 وصحب إلى الآستانة البطريرك الانطاكي ايروتاوس ولما ترملت سنة 1865 أبرشية اللاذقية إلى رعاية كرسيها فعني بإنشاء مدرسة لأبناء طائفته. وفي السنة 1891 بعد استقالة البطريرك اليوناني أسبيرديون أنتخب بطريركاً واستقل به كرسي إنطاكية عن الخضوع لبطريرك الآستانة. ومما يعود فيه إليه الفضل لتعزيز الآداب تجديد مدرسة البلمند وإنشاء مكتبة جمعت نحو 4000 كتاب والعناية بمطبعة الدار البطريركية وعُني بتهذيب الشبيبة من طائفته وعقد الجمعيات الخيرية.
وأسف الأقباط على فقدان أحد رهبانهم في أوائل القرن العشرين (الايغومانس فيلوثاوس) اشتهر بنشر تاريخ نوابغ الأقباط الذين كان لهم الفضل في النهضة والإصلاح.
هذا ما عرفناه من أدباء النصارى في السنين السابقة الدستور العثماني. ولا يبعد أن يكون فانتا قسم منهم لا سيما الذين برعوا في أمريكة لقلة ما كان يبلغنا من أخبارهم.
(1/337)

المستشرقون في أوال القرن العشرين
كانت الدروس الشرقية في غرة القرن العشرين راقية في سائر أنحاء أوربة والعالم وقتئذ في سلام لم تكدر صفاءه معامع الحروب فكان للغتنا العربية مقام رفيع في الجامعات الأوربية يتنافس أساتذتها في نشر تعليمها واستخراج مئات من دفائن كنوزها. وكانت تساعدهم على ذلك المؤتمرات التي كانت تنعقد من وقت إلى آخر في عواصم البلاد ورحلات السياح إلى بلاد الشرق القاصية إلى اليمن والهند ومراكش فيعثرون على تأليف عزيزة الوجود كانوا يعدونها ضائعة مفقودة فينشرونها بالطبع فيتسع بنشرها على نطاق معارفنا عن آثار العرب.
وكانت مجلات المستشرقين حافلة بتلك المآثر النفسية لا سيما المجلات الآسيوية الفرنسوية والإنكليزية والألمانية والنمساوية والإيطالية والأميركانية فلم تترك باباً إلا قرعته ولا بحثاً إلا خاضت فيه لا يهدأ لها بال حتى تبينه غثه من سمينه وهانحن نذكر بعضاً من الذين خدموا العربية في ذاك العهد فأسفت البلاد على فقدهم في أوائل القرن العشرين.
(الفرنسويون) فقد مكتب اللغات الشرقية الحية في هذا الحقبة الأولى من القرن العشرين رجلاً هماماً ترأس عدة سنين على تنظيمها وترتيب دروسها الوجيه (أدريان بربيه دي مينار) (A. Barbier de Meynard) ولد في 6 شباط 1826 على المركب الذي كان يقل والدته من الآستانة إلى مرسيلية وتخصص منذ حداثة سنه بدرس اللغات الشرقية وساعدته على إتقانها رحلاته لخدمة قنصليات وطنه في القدس وفي طهران والآستانة فتعلم اللغات الفارسية والتركية والعربية وتمكن من دقائقها حتى تولى تعليمها في مكاتب فرنسة العليا. فانتدب إلى رئاسة المجلة الآسيوية الباريسية وله فيها فصول عديدة ممتعة له بسعة معارفه. وقد حضرنا دروسه في باريس سنة 1894 فكان لا يزال يطرأ محامد الشرق وآله. وله منشورات عدية في التركية والفارسية. ومما خدم به اللغة العربية نشره لمروج الذهب المسعودي في تسعة مجلدات مع ترجمته إلى الفرنسوية ونشر من معجم البلدان لياقوت ما يختص ببلاد فارس. وساعد في نشر التأليف العربية المنوطة بالصليبيين فنقل إلى الفرنسوية كتاب الروضتين
(1/338)

لمجيد الدين الحنبلي في المجلد الرابع من مجموعها العربي. أما مقالاته عن العرب والآداب العربية فمتعددة كمقالته عن السيد الحميري والألقاب عند العرب الخ. كانت وفاته في باريس في أواسط آذار 1908.
وفي تلك السنة عينها في 13 نيسان 1908 فقد المكتب المذكور أحد أساتذته المعدودين هرتفيك ديرنبورغ (Hartwig Derenbourg) هو ابن جوزف ديرنبورغ الذي مر ذكره بين أدباء القرن التاسع عشر. أخذ عن أبيه ميله إلى درس الشرقيات فجاراه في نشاطه فانتدب إلى تدريس اللغة العربية في مكتب اللغات الشرقية الحية وفي مكتب فرنسا الأعلى ونشر عدة مطبوعات مفيدة أخضها كتاب سيبويه وديوان النابغة الذبياني مع ترجمته الافرنسية وكتاب الإنشاء والاعتبار لأسامة بن منقذ والنكت العصرية لعمارة اليمني ونقلهما إلى الافرنسية وجدد طبع الفخري الآداب السلطانية لابن الطقطقي. ومن آثاره وصف جديد لقسم من مخطوطات مكتبة الاسكوريال في مدريد. كان مولده في 17 حزيران 1844 في باريس وفيها توفي.
وسبقه بالوفاة أحد أبناء دينه الموسوي جول أوبرت (Jules Oppert) ولد في همبورغ في 9 تموز 1825 ثم عدل إلى الجنسية الفرنسوية وتوفي في باريس في 21 آب 1905. كان أحد كبار العلماء باللغات السامية كالعبرانية والعربية. وإنما امتاز خصوصاً بدرس اللغة المسمارية وكان أحد الأولين الذين ساعدوا على كشف ألغازها. بعد أن قضى أربع سنوات في العراق يدرس أحاجيها. ولما عاد إلى فرنسة نشر نتيجة أبحاثه في كتابه المعنون (رحلة علمية إلى بلاد ما بين النهرين) ولم يزل مذ ذاك الحين يتحف العلماء بمنشورات متتابعة في تاريخ بابل وأشور وفي اللغات السامية وخواصها.
وفي هذه السنين الأولى من القرن العشرين رُزئت رسالتنا السورية بوفاة ثلاثة من رهبانها الفرنسويين الذين أدوا للآداب العربية خدماً مشكورة استحقوا بها أن ينظموا في عداد المحسنين إلى الوطن. أولهم الأب (يوحنا بلو) (J. B. Belot) المولودة في غرة آذار من السنة 1822 في لوكس من أعمال بورغندية والمتوفى في بيروت في 14 آب 1904. باشر درس اللغة العربية منذ أوائل سني رهبانيته ثم قدم إلى بيروت سنة 1866 ولم يزل ينشط ينشط في إحراز فرائد لغتنا حتى أمكنه أن يتولى إدارة مطبعتنا ويهتم بنشر عدة تأليف مفيدة. منها دينية كالقلادة الدرية ومروج الأخيار
(1/339)

والغصن النضير ومنها علمية أصابت لدى المستشرقين وأرباب المدارس في الشرق والغرب حظوة واسعة كالفرائد الدرّية في اللغتين العربية والفرنسوية وكمعجميه الفرنسوي العربي الكبير والصغير وكغراماطيقه الفرنسوي العربي.
وتوفي بعده بأسبوعين في 31 آب 1904 يسوعي آخر ذو حرصٍ كبير على خدمة الوطن ونشر الآداب الشرقية الأب (فكتوري دي كوبيه) (V. de Coppier) . أرسل أولاً إلى الجزائر ثم أتى إلى بيروت فقضا فيها عشرين سنةً بشغل متواصل. ثم ألف عدة كتب ساعده في تعريبها جناب الأديب خليل البدوي والمرحوم رشيد الشرتوني. منها كتاب التوفيق ين العلم وسفر التكوين وكتاب كشف المكتوم في تاريخ أخرى سلاطين الروم وكتراجم بعض القديسين اليسوعيين: ريحانة الأذهان ونفح الرند ومظهر الصلاح وكنخبة النخب في ترجمة القديس يوحنا فم الذهب. ونقل إلى الفرنسوية ديوان الخنساء وكتب فصلاً كتب فصلاً كبيراً عن شواعر العرب وترجم إلى الفرنسوية أيضاً كتاب القرآن (لم يطبع) ونشر في مجلة الكنيسة الكاثوليكية فصولاً عديدة. كان مولده في فرنسا سنة 1836.
والمستشرق اليسوعي الثالث المتوفى في هذه الحقبة هو الأب (أوغستين روده) (Aug. Rodet) المولود في فرنسة في 31 ت1 1828 درس العربية في الجزائر ثم أرسل إلى سورية السنة 1868 فترأس على مدرسة غزير قبل نقلها إلى بيروت 187 - 1875. ومن خدمته المعتبرة للوطن ترجمته للأسفار الكريمة من العبرانية واليونانية إلى العربية ساعده في تنقيح تعريبها المرحوم الشيخ إبراهيم اليازجي. ونشر للمدارس مع الأب يوحنا بلو مجموعة نخب الملح في خمسة أجزاء. توفي في 12 كانون الأول سنة 1906.
(الألمانيون والنمسويون) مات في أوكسفرد في غرة القرن العشرين 28 ت1 1900 العلامة الألماني الكبير (وليم ماكس مولر) (W. Max Muller) كان معظم شغله باللغات الهندية والمقابلة في أصول اللغات. وقد نقل إلى الإنكليزية كتاب القرآن مع كتب الشرق الدينية. كان مولده في ديساو (Dessau) سنة 1823 في 6 كانون الأول.
وفي 18 آب من السنة 1903 أنتقل إلى جوار ربه في برلين الأستاذ الشهير
(1/340)

(فردريك دياتاريشي) (Fr. ll. Dieterici) كان مولده في مدينة برلين في 6 تموز 1821 وساح في شبابه في جهات الشرق ثم تعين في وطنه كأستاذ العربية سنة 1850 فثبت في تعليمه عدّة سنين. وله تآليف عربية متعددة منها معجم عربي ألماني وشرح ألفية ابن مالك وصنف كتاباً في الشعر العربي ونشر نخباً من يتيمة الدهر للثعالبي ومن ديوان المتنبي. ودرس خصوصاً تأليف العرب الفلسفية كالفارابي وأخوان الصفا فنشر منها بعضاً ونقل بعضاً إلى الألمانية.
وفي برلين توفي الرحالة المستشرق (وتسشتين) (Joh. Gottfr. Wetzstein) ولد في 19 شباط 1815 وتوفي في 17 ك2 1905 تعين قنصلاً لدولته في دمشق وله سياحة في جهات حوران وجبل الدروز سنة 1860 ونشر بعض ما وجده فيها من الكتابات.
وفي كانون الثاني من السنة عينها توفي أيضاً (فرنسيس جوزف شتينغاس) (F. J. Steingass) كان ضليعاً باللغتين الفارسية والعربية. فمن منشوراته قاموس عربي إنكليزي ونقل قسماً من مقامات الحريري إلى الإنكليزية وكتب عن تاريخ الخطوط والكتابات السامية. ولد في فرنكفورت في ألمانية وتوفي في إنكلترا.
وفي العام التالي في 25 ك2 1906 فقدت النمسة أحد علمائها المستشرقين الكاهن (غوستاف بيكل) (G. W. Bickell) علّم زمناً طويلاً اللغات الشرقية في كلية إنسبروك وفينة وبرز خصوصاً في درس اللغة السريانية فنشر فيها كتباً جليلة كديوان إسحاق النينوي والترجمة الكلدانية لكليلة ودمنة وهي التي سبقت ترجمة عبد الله ابن المقفع العربية وقابل بين الترجمتين. كان مولده في 7 تموز 1838 وارتد عن البروتستانية إلى الكثلكة.
وممن ذاع اسمهم في هذه الحقبة ثم حل أجلهم الدكتور (مورتس شتينشنيدر) (Mortiz Steinschnieder) المولود في 30 آذار 1816 والمتوفى في برلين في 24 ك 2 1907. قد نشر قوائم غاية في غاية في الإفادة عن الكتب العربية المنقولة إلى اللاتينية وعن التأليف اليونانية التي نقلها العرب إلى لغتهم. وله جدول واسع للتأليف التي كتبها المسلمون والنصارى واليهود في صحة أديانهم وفي تفنيد أديان سواهم. وكذلك سرد قائمة جميلة لما نشره العرب في الرياضيات والعلوم الفلكية. وله تأليف آخر في الآداب العربية وانتشارها بين اليهود طبعه سنة 1902 بالألمانية.
(1/341)

وزاد عليهم شهرة (إدوارد غلازر) (E. Glaser) الذي ولد في بوهيمية في 15 آذار 1855 وتوفي في مونيخ في 7 أيار 1908. رحل إلى بلاد اليمن ووصف كثيراً من أحوالها وآثارها ونشر كتابات حميرية قديمة أوقفتنا على أخبار ملوكها التبابعة وأخبار ملوك الحبش الذين استولوا على اليمن بعد نكبة نجران واستشهاد أهلها النصارى في عهد ذي نؤاس الملك اليهودي.
(الإنكليزيون والبلجيكيون) من أعيان الإنكليز الذين قضوا أجلهم في العشر الأول من القرن العشرين العلامة (وليم ميور) (W. Muir) أحد المحققين المحققين في تواريخ المسلمين والعرب. ألف سيرة مطولة لنبي المسلمين في مجلدين سنة 1858. وكتب في القرآن وتأليفه وفي الخلافة الإسلامية وأطوارها المختلفة. وله مجادلات دينية في الإسلام ومقالات في شعراء العرب ونشر تاريخ دولة المماليك في مصر. توفي في لندن في 11 تموز 1905 وعمره 86 سنة.
واشتهر في إنكلترا (هنري كسّل كاي) (H. Cassels Kay) ولد في أنفرس في بلجيكة ودخل في إنكلترا فاتخذته جريدة التيمس كمراسل لها في مصر فنشر كتابات عادية وجدها في مصر ودمشق. ثم استوطن لندن وعلم فيها وطبع تاريخ بني عقيل ثم تاريخ عمارة اليمني ونقله إلى الإنكليزية وذيلّه بالحواشي (1892) توفي في 5 حزيران 1903 وكان مولده في 21 نيسان 1827.
المستشرقون في (اسوج وهولندة وروسيا) . عنيت كلية اوبسالا في اسوج بتعليم اللغات الشرقية فكان يعلم فيها العربية الأستاذ (هرمان المكويست) (Herm. Nap. Almpvist) نشر قسماً من رحلة ابن بطوطة وكتب في خواص الضمائر في اللغات السامية توفي في 30 أيلول 1904.
ولم تزل هولندة رافعة منار التعليم للغات الشرقية وخصوصاً العربية جارية على آثار كبار علمائها الذين شرفوا وطنهم من هذا القبيل منذ القرن السابع عشر. وممن فقدته الآداب العربية في هذه الحقبة الأولى من القرن العشرين أحد علماء ليدن الذي مات ريعان شبابه وهو الأديب فان فلوتن (C. Van. Vlouten) . نشر كتاب مفاتيح العلوم الخوازرمي ومعظم رسائل الجاحظ الأدبية توفي سنة 1907 منتحراً.
(1/342)

أمّا روسيا فكان ناشر لواء علومها الشرقية العلامة (البارون فيكتور فون روزن) المولود سنة 1849 في مدينة رول من أعمال استلند وتوفي في بطرسبورج في 23 ك2 1908 (راجع ترجمته في المشرق 11 (1908) : 171 - 173) درس على العلامة المستشرق فليشر في ليبسيك ثم عهد إليه تعلم اللغة العربية في كلية بطرسبورج فأضحى قطب علومها الشرقية ونال أرفع الامتيازات الشرقية لسمو فضله. والعربية مدينة له بما نشره من آثارها منها منتخبات مدرسية شتى مع ترجمتها إلى الروسية. وطبع قسماً من تاريخ يحيى الانطاكي الذي عُنينا بنشره ملحقاً بتاريخ سعيد بن بطريق. وله وصف مخطوطات مكاتب روسية الشرقية وساعد على طبع تاريخ أبي جعفر الطبري في ليدن. وكان ذا لطف كبير يسعى إلى خدمة من التجأ إليه في الأبحاث الشرقية وعليه تخرج كثيرون من الروسيين فاشتهروا في وطنهم وخدموا الآداب العربية خدماً مشكورة.

القسم الثاني
الآداب العربية من 1908 - 1918
البحث الأول
نظر في الآداب العربية في هذه الحقبة
هي الحقبة الثانية من الآداب العربية في هذا الربع الأول من القرن العشرين وهي تتناول عشر سنوات أولها إعلان الدولة التركية بالدستور وآخرها ختام الحرب الكونية.
وما يقال عنها إجمالاً أنها ابتدأت بالفرح ولم يلبث أن عقبها الحزن والشقاء فتأثرت بها الآداب العربية وجمعت بين المتناقضين. فكان صدى الأفراح والأحزان يسمع متناوباً في صرير الأقلام المعربة عن عواطف القلوب.
أعلن بالدستور العثماني بعد فوز الحزب العسكري في الآستانة في 24 تموز 1908
(1/343)

فكان لهذا النبأ فرح شمل عموم الرعايا في تركية واستبشر به الجميع خيراً وشَعَرَ الناس كأن حِملاً باهظاً سقط من كواهلهم أو حُلت عنهم ربقة الاستعباد وكٌسِرت أغلال أسرهم. فانطلقت الألسنة بالمديح وشحذت الأذهان بالقريض فضاقت صفحات الجرائد عن استيعاب ما تُنتج به القرائح من الفصول الشائقة والقصائد الرنانة الرائقة.
وما لبثت الجرائد المصرية والمغربية والأميركية من مسلمين ودروز ونصارى تضرب على الوتر عينه فتارة تطوى الحرية وتحبذ المساواة والإخاء. وتارة تسلق بسهام حادة تركية وسلطانها المستبد وحياناً ترفع إلى السحاب نيازي وأنور وطلعت وجمالاً وتُسّكر بمحامد تركية الفتاة لا سيما بعد أن اضطرت عبد الحميد إلى النزول عن عرشه مخلوعاً منفياً إلى سالونيك يبكي على سلطانه المفقود.
على أن هذه الأفراح لم تلبث أن ترنق صفاؤها بما ظهر للمفرحين من استبداد كان شراً من الاستبداد الحميدي بتطرف ضابطي أزمة الأمور من جمعية الاتحاد والترقي إذ تحاملوا على مَن لم ينحز على رأيهم فرفعوا البعض منهم على الأعواد وأذاقوا غيرهم ضروب العذابات التي اعتادها همج الشعوب. فكفت تلك الكتابات عن تزميرها وتطبيلها وغيرت لهجتها نوعاً إلا أنها خوفاً من عقاب الحزب المتولي في الدولة لم يجسروا أن يعلنوا بمآثمهِ.
ثم زادت الأحوال حراجة بمكايد جمعية الاتحاد والترقي وتقبلت الوزارات وتعددت الأحزاب وبلغت أمور الدولة التركية منتهاها من الاضطراب بحربيها مع إيطالية سنة 1911 - 1912 ومع الدول البلقانية 1912 - 1913 فقدت آخر ولاياتها في أفريقية طرابلس الغرب وكادت الدول البلقانية تأتي على ولاياتها الأوربية لولا ما وقع بينها من النزاع. فوجدت هذه الأحوال كتبة وشعراء طنطنوا بمعاظم تركية وبالتشنيع على أعدائها الإيطاليين والبلغار.
وكانت ثالثة الأثافي الحرب الكونية التي انحازت فيها تركية إلى الدول المركزية مدفوعة إلى تحزبها بمواعيد ألمانية العرقوبية وبمطامع بعض زعمائها الساعين وراء مصالحهم الخاصة فكان ما كان بكسرة ألمانية والمحاربين في جانبها فخرجت منها تركية مذللة خاسرة.
أما الآداب العربية في مدة تلك الفوضى فإنها كاد يقضى عليها بمصادرة الجمعيات
(1/344)

العربية وشنق بعض أصحابها وإقفال المدارس ومناصرة اللغة التركية وتعطيل معظم الجرائد الوطنية والمطابع الأجنبية والحرة في أنحاء دولة الأتراك في بيروت ولبنان وفلسطين وأنحاء الشام والعراق. أما في الخارج في مصر وأميركا فإن النهضة العربية بقيت على حالتها إلا أنها لم تترق لانقطاع معاملاتها مع بلاد الشرق التي منها تستمد كثيراً من مواد حياتها وبانشغالها بأمور الحرب وأطوارها.
أما أوربة فإن غيرة علمائها في درس العلوم الشرقية عموماً والعربية خصوصاً لم تخمد فإنها من السنة 1908 إلى السنة 1914 ثبتت على خطتها من النمو والنجاح كما تشهد عليها مؤتمرات المستشرقين الدولية سنوياً والعدد العديد من المطبوعات الجديدة التي نشروها ومن الآثار القديمة التي وقفوا عليها. وإنما تأثرت أيضاً بالحرب العمومية لفقدانها عدة من المستشرقين الذين هجروا الدروس ليدافعوا مع مواطنيهم في ساحات الحرب عن حرمة بلادهم.
ومع ما رأيت من نكبة الآداب العربية في هذه الحقبة لا بد من الاعتراف بهمة الحكومة المصرية في تحسين مدارسها الوطنية وسعيها إلى زيادة مصاريف برنامجها لتعميم المدارس ولإنشاء مدارس عليا وجامعة وطنية تلقى فيها الدروس العلمية الخاصة ينتدب إليها أساتذة بارعون من الوطنيين والأجانب وهذه الجامعة المصرية تقوم بثلاثة أقسام كبيرة وهي: كلية الآداب تشمل الآداب العربية وعلم مقارنة اللغات السامية وتاريخ الشرق القديم وتاريخ الأمم الإسلامية والفلسفية العربية. ثم قسم العلوم الاجتماعية والاقتصادية. ثم كلية السيدات. وكان شروع الجامعة بهذه العلوم السنة 1910.
وكانت الجامعتان البيروتيتان الأميركية والفرنسوية زادتا ترقياً واتساعاً في هذه الحقبة الثانية ففي السنة 1909 أضافت الكلية الأميركية إلى مدرستها الطبية ثلاثة مستشفيات للنساء وللأطفال ولأمراض العيون. وأنشأت في السنة 1910 مجلتها (الكلية) في العربية الإنكليزية. أما الكلية اليسوعية فأقيمت لمدرستها الطبية معاهد جديدة فسيحة قريباً من رأس النبع على طريق الشام صار تدشينها برونق عظيم في 19 تشرين الثاني سنة 1912 ثم فتحت برتبة فخم في 21 من الشهر في العام المقبل. أما معاهدها القديمة فخصصت بفرع جديد من الدروس العليا أعني
(1/345)

مدرسة الحقوق التي أنشئت سنة 1913 وغايتها أن تجدد مفاخر مدرسة الحقوق الرومانية التي أكسبت بيروت مدة ثلاثمائة سنة مجداً مؤثلاً أوقفته نكبات الزلازل التي هدمت المدينة في القرن السادس للمسيح. وفي تلك الأثناء أنشئت للمسلمين في دمشق مدرسة طبية وفي بيروت مدرسة حقوقية كان التعليم فيها باللغة العربية.
ومما أنشئ من المجلات النفيسة قبل الحرب مجلة المقتبس سنة 1324 لصاحبها السيد محمد كرد علي في دمشق. ومجلة الآثار في زحلة سنة 1911 لمنشئها عيى أفندي أسكندر المعلوف. والنبراس لصاحبها مصطفى أفندي الغلاييني سنة 1327 والكوثر للأديب بشير رمضان وكلتاهما في بيروت. وأنشأ أيضاً في بيروت الأبوان يوسف علوان اللعازري ويعقوب الكبوشي مجلتي الجسمانية وصديق العائلة. والقس يوسف الشدياق الأنطونياني نشر في بعبدا سنة 1911 كوكب البرية. ونشر العرفان أحمد أفندي عارف زين الدين في صيداء سنة 1328 - 1910. أما مصر فتعددت المجلات المستحدثة نخص منها بالذكر مجلة الزهر للشيخ أنطوان أفندي الجميل (1910) والمرآة الخليل أفندي زينية.

تصرف الشعراء بأوزان الشعر
ومن ميزات هذه الحقبة الثانية من القرن العشرين تصرف الشعراء بأوزان الشعر وذلك أنهم لما رأوا انبساط الغربيين في معاني الشعر وأتساعهم في أغراضه وتصرفهم بأوزانه شاءوا أن يجاورهم في ذلك لئلا تنحصر قرائح الشعراء في دائرة القصائد الشائعة في الدواوين السابقة.
وأول ما تصرفوا فيه بحر الرجز لقربه من النثر بكثرة جوازاته وبسهولة تغيير قوافيه. كما فعل نابغة العصر المرحوم سليمان البستاني في شعر الإلياذة القصصي تفنن في أراجيزه أي تفنن فراراً من سلم القارئ وماله عند مطالعة هذا الكتاب لو جرى على طريقة واحدة وقد فعل ذلك دون تعسف وبحن ذوق.
ووجد أيضاً الشعراء في الموشحات متسعاً في نظمهم فاتخذوها مثالاً وتصرفوا في البحور الستة عشر وأوزانها وقسموها تقاسيم جديدة في الأبيات وفي الأدوار وجروا على قوافي متناسقة إلى غير ذلك مما أرشدته إليهم قريحتهم فربما أجادوا وربما أساءوا وإنما بينوا ما يستطاع استخراجه من كنوز الفنون في الشعر العربي في معالجة الأغراض المعنوية العصرية كما ترى في روايات التمثيلية والقدود الغنائية.
(1/346)

وقد جرى على ذلك أصحاب الشعر العام ولعلهم سبقوا الشعراء النظامين فمهدوا لهم الطريق. ولدينا من دواوينهم مجاميع سبقت عصرنا تدل على استنباطهم لأوزان شعرية جديدة لا تخلوا من محاسن المنظومات ولا ينقصها إلا ضبطها على القواعد اللغوية والعروض وتجريدها من بعض ألفاظ العامة.

الشعر المنثور
ومما سبق إليه أدباء عصرنا فابتكروه دون مثال في لغتنا ما دعوه بالنثر الشعري أو الشعر المنثور كأنه جامع بين خواص النثر والنظم. أما النثر فلأنه على غير وزن من أوزان البحور. وأما النظم فلأنهم يقسمون مقاطعه ثلاث ورباع وخماس وأزيد دون مراعاة أعدادها ويسبكونها سبكاً مموهاً بالمعاني الشعرية.
وهذه الطريقة استعارها على ظنناً الكتبة المحدثين كأمين الرياحيني وجبران خليل جبران ومن جرى مجراهما عن الكتبة الغربيين ولا سيما الإنكليز في ما يدعونه بالشعر الأبيض غير المقفى وفي بعض كتاباتهم الشعرية المعاني غير المقيدة بالأوزان. ولسنا لننفي هذه الطرقة الكتابية التي لا تخلو من مسبحة من الجمال في بعض الظروف اللهم إذا روعي فيها الذوق الصحيح ولم يشنها الاستهتار وتلاحمت معانيها وتنمقت بأشكال البديع السهلة المنسجمة ولم يفرط الأتساع فيها فتصبح لغطا وثرثرة.
على أننا كثيراً ما لقينا في هذا الشعر المنثور قشرة مزوقة ليس تحتها لباب وربما قفز صاحبها من معنى لطيف إلى قول بذي سخيف أو كرر الألفاظ دون جدوى بل بتعسف ظاهر. ومن هذا الشكل كثير في المروجين للشعر المنثور من مصنفات الريحاني وجبران وتبعتهما فلا تكاد تجد في كتاباتهم شيئاً مما تصبو إليه النفس في الشعر الموزون الحر من رقة وشعور وتأثير. خذ مثلاً وصف الريحاني للثورة: ويومها القليب العصيب. وليلها المنير العجيب وصوت فوضاها الرهيب. من هتاف ولجب ونحيب. وزئير وعندلة ونعيب وطغاة الزمان تصير رماداً. وأخيارهُ يحملون الصليب ويل يومئذٍ للظالمين. المستكبرين والمفسدين هو يوم من السنين. بل ساعة من يوم الدين ويل يومئذٍ للظالمين
(1/347)

هي الثورة ويومها العبوس الرهيب ألوية كالشقيق تموج. تثير القريب. تثير البعيد وطبول تردّد صدى نشيد عجيب وأبواق تنادي كلَّ سميع مجيب وشرر عيون القوم يرمي باللهيب ونار تسأل هل من مزيد. وسيف يجيب. وهول يشيب ويل يومئذٍ للظالمين. ويل لهم من كلّ مريد مهين طَّلاب للحقّ عنيد مدين. ويل للمستعزَين والمستأمنين هي ساعة الظالمين وهي طويلة على هذه الشاكلة. ولو أردنا انتقادها وبيان نقائصها النثرية والشعرية والمعنوية لطال بنا الكلام. وقس عليها فصولاً عديدة من جنسها أعني طنطنة ألفاظ وشقشقة لسان وإذا حاول الأديب استخلاص معانيها بقي متضعضعاً مرتاباً وكم مثلها في كتابات جبران. ودونك فصله المعنون بالأرض: تنبثق الأرض من الأرض كرهاً وقسراً ثمَّ تسير الأرض فوق الأرض تيهاً وكبراً وتقيم الأرض من الأرض القصور والبروج والهياكل وتنشئ الأرض في الأرض الأساطير والتعاليم والشرائع ثم تمل الأرض أعمال الأرض فتحوك من هالات الأرض الأشباح والأوهام والأحلام ثم يراود نعاسُ الأرض أجفان الأرض فتنام نوماً هادئاً عميقاً أبدياً ثم تنادي الأرض قائلة للأرض أنا الرحم وأنا القبر وسأبقى رحماً وقبراً حتى تضمحل الكواكب وتتحول الشمس إلى رماد فلعمري هذه الغاز لا شيء فيها من منظوم رائق ولا منثور شائق هي أقرب إلى الهذيان والسخف منها إلى الكلام المعقول. ولو شئنا لجمعنا من هذا الصنف صفحات تضيق عنها أعداد المشرق. وشتان بينها وبين فصول أخرى بديعة لبعض الكتبة البلغاء كمثل فصل رويناه في المشرق عنوانه (الموسيقى) لصديقنا وفخر كليتنا الأديب يوسف أفندي غصوب (راجع كتابه أخلاق ومشاهد ص117) وكفصله (أيها الصليب) (المشرق 22 (1924) : 463) فإذا استثنينا هذه الفصول الرائعة التي عرف صاحبها من أين يؤكل الكتف لصدقنا على قول الكاتب الأديب مصطفى أفندي صادق
(1/348)

الرافعي في عدد المقتطف الأخير الصادر في يناير 1926 (ص31) نشأ في أيامنا ما يسمونه (الشعر المنثور) وهي تسمية تدل على جهل واضعيها ومن يرضاها لنفسه؟ فليس يضيق النثر بالمعاني الشعرية ولا هو قد خلا منها في تاريخ الأدب. ولكن سر هذه التسمية إن الشعر العربي صناعة موسيقية دقيقة يظهر فيها الاختلال لأوهى علة ولأيسر سبب ولا يوفق إلى سبك المعاني فيها إلا من أمده الله بأصلح طبع وأسلم ذوق وأفصح بيان، فمن أجل ذلك لا يتحمل شيئاً من سخف اللفظ أو فساد العبارة أو ضعف التأليف ... غير أن النثر يحتمل كل أسلوب وما من صورة فيه إلا ودونها صورة أن تنتهي إلى العمامي الساقط والسوقي البارد ومن شأنه أن ينبسط وينقبض على ما شئت منه، وما يتفق فيه من حسن الشعري فإنما هو كالذي يتفق في صوت المطرب حين يتكلم لا حين يتغنى فمن قال (الشعر المنثور) فأعلم أن معناه عجز الكتاب عن الشعر من ناحيةٍ وادعاؤه من ناحيةٍ أخرى.
وقد آثر البعض أن يدعوا هذه الطريقة الكتابية (بالأدب الجديد) فنقول أن هذه الجدة لا تزيده حسناً إلا إذا جمعت تلك الصفات التي يمتاز بها إنشاء الكتبة البلغاء الحنة السبك المتناسقة الألفاظ المنسجمة المعاني التي لا تتراكم فيها التشابيه على غير جدوى وتتكرر الألفاظ بلا معنى وعليه لم نستحب ما أختاره صاحب الأدب الجديد للآنسة مي في العيون.
(العيون) : تلك الأحداق القائمة في الوجوه كتعاويذ من حلك ولجين.
تلك المياه الجائلة بين الأشفار والأحداب كبحيرات تنطقن بالشواطئ وأشجار الحور.
العيون الرماديَّة بأحلامها. والعيون الزرقاء بتنوعها العيون العسليَّة بحلاوتها. والعيون البّنيَة بجاذبَّيتها والعيون القاتمة بما يتناوبها من قوَّة وعذوبة جميع العيون: تلك التي تذكرت بصفاء السماء وتلك التي يركد فيها عمق اليوم (كذا) وتلك التي تريك مفاوز الصحراء وسرابها وتلك التي تعرّج بخيالك من ملكوت أتيري كله بهاء وتلك التي تمرُّ فيها سحائب مبرقة مهضبة.... الخ فإن كان هذا الأدب الجديد فنحن في غنىً عنه. على أن للآنسة في كتابات كثيرة أفضل من هذا الشعر المنثور.
(1/349)

الأدباء المسلمون في هذهالحقبة الثانية 1908 - 1918
أدباء مصر المسلمون
(مصطفى كامل) كانت وفاته في سنة الدستور التركي قبل الإعلان به بأشهر في 8 شباط 1908 وهو في الرابعة والثلثين من عمره (ولد في القاهرة في 14 آب 1874 ودرس على أساتذتها في المدارس الابتدائية والتجهيزية والحقوقية ثم نال في فرنسة في جامعة طولوز شهادة الحقوق. ولما رجع إلى وطنه بعد الاحتلال الإنكليزي ساءته حالته وأجتمع بمن رآهم على فكرته ولم يلبث أن تصدر بينهم بما ظهر عليه من الذكاء والنجابة والإقدام فأصبح خطيب الوطنيين وزعيمهم لا يأخذه في تحرير وطنه والدفاع عن حقوقه ملل من السنة 1893 إلى حين وفاته وقد تشكل بهمته الحزب الوطني فأصبح رئيسها تناط بها الآمال وتهتز له الجوارح. هذا فضلاً عن شهرته في فن المحاماة. وقد وقفنا على المجموعة التي نشرت فيها سيرته وأعماله من خطب وأحاديث ورسائل سياسية وعمرانية وكلها تدل على عبقريته وحبه الصادق نحو الوطن. وكان أول مرة يحرر في الصحف المصرية ومن أول تصانيفه رواية فتح الأندلس على عهد طارق ألفتت إليه أنظار أهل وطنه. وهو في إنشائه نثراً ونظماً لم يقصد تنميق العبارة وتحليتها بالسجع والمحسنات النافلة بل كلن جل قصده