Advertisement

خصائص التراكيب دارسة تحليلية لمسائل علم المعاني



الكتاب: خصائص التراكيب دارسة تحليلية لمسائل علم المعاني
المؤلف: محمد محمد أبو موسى
الناشر: مكتبة وهبة
الطبعة: السابعة
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
مقدمة
...
وليست رسالتهم أن يغرسوا أفكار أخرى من علوم أخرى في هذا العلم أو ذاك، لأن ثمة مشابهة بين ما كتبه الآخرون، وما كتبه علماؤنا، وكأن رسالتنا نحن الأساتذة ليست هي صناعة المعرفة من داخل علومنا كما صنع علماؤنا الذين سبقونا؛ وإنما صارت رسالتنا هي قراءة مختصرات من كلام الآخرين، ومختصرات من كلام علمائنا، والبحث عن الأشباه، والنظائر ثم نرى هذه الأشباه النظائر مسوغا يسوغ لنا غرس ورزرع كلام الآخرين في علومنا، وبذلك تفتقد العلوم طابعها، وجوهرها، بهذا الغرس الغريب، ويصبح الذي في أيدينا علما آخر، لا هو عربي ولا هو أعجمي، وإنما خليط من هنا، ومن هناك، ليس، هذا عمل العلماء، وإنما عملهم أن تحيا علومهم في عقولهم، وأن يداخلوا أدق مسالك هذه العلوم، وأن يدركوا منها مواطن الثراء التي لا تزال مضمرة في مطاويها، وأن يثيروها، ويمدوها بخبرتم، وطلو تأملهم، وطل مراجعاتهم، ولا شك أن العلم تزكو به عقول العلماء، ولا شك أنه هو أيضا يزكو بعقول العلماء، ولا يكون هذا إلا بالانقطاع، والصدق، والتجرد، الرضا والغبطة بخدمة العلم، وفرق بين من يجد لذة وغبطة بخدمة العلم، ويجعله مطية يصل بها إلى ما يريد، الصنف الأول يزدري هذا التهجين، وهذا العجز، ويرى في قرارة نفسه أنه قادر على أن يقول بلسانه، وبفكرة، وخبرته، ويأنف ويزدري مسالك التهجين، والخلط، وإن سماه الناس أصالة، ومعاصرة، ويرى ذلك عجزا وذلا وخسة، وكان -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ بالله من العجز والذل.
وعلم البلاغة الذي لم يكثر التهجين في علم كما كثير فليه؛ له خصوصية تجعله عند من له بصيرة ف يالعلم أبعد علومنا عن أن يغرس فيه كلام من خارج سياق العربية وعلومها وآدابها، هذه الخصوصية هي أنه من
(1/2)

رأسه إلى قدمه مقتبس من استقراء كلام العرب، وتتبع خواص تراكيبها، وأن كلام العرب "هو الجحهة التي منها يطلب"، كما قال علماؤه، ومعنى هذا أنه تحليل لطرائق العربية، وسننها في الإبانة عن المعاني، والعربية هي التي في لساني، ولسانك، هي عربيتنا نحن الذين يعيشون على الأرض، وليست عربية الذين ماتوا، لأن من مات لا يمتلك، وقد كانت ملكا لهم ثم صارت إرثا لنا نحن. قلت البلاغة علم تأسس كل شيء فيه على طرائق هذا اللسان، وتأمل كل سطر تقرؤه في أي كتاب من كتب البلاغة. التي كتبت في زمن الجاحظ، إلى يومنا هذا، لن تجد في أي سطر من سطورها خروجا عن شرح وتحليل سنن الكلام العربي، فالتنكير في لسان العرب يفيد كذا، والتعريف باسم الإشارة يفيد كذا، ومجيء الواو يفيد كذا، و"إن" تفيد كذا، والعل يفيد كذا، والاسم يفيد كذا، كل قاعدة وكل سطر في البلاغة شرح لطبيعة هذا اللسان، ومذاهبه، ومسالكه، وقدراته، وطاقاته في الإبانة.
وما دمنا نحرص على لغتنا التي هي ذات نفوسنا، فلا يجوز لنا إلا الحرص على هذه العلوم التي تتناول طرائق هذه اللغة وتحوطها من الاختلال، والفساد، وإنما نتخلى عن هذه العلوم يوم نتخلى عن هذه اللغة، وهذا الذي لا أشك فيه هو الذي يجعلني شديد الحرص على نقاء هذه العلوو، والرفض القاطع لأقل صور الخلط والاقتباس من كلام الغرباء عنها وعن آدابها وطرائقها والذين لاي ضمرون لها ولأصحابها إلى كل زراية.
وطول تصفحي لكلام علمائنا دلني على أنهم كانوا في اللغة يأخذون بشدائد عمر؛ مع أنهم في الفقه كانوا كثيرا ما يأخذون برخص ابن عباس رضوان الله عليهم جميعا، لأني لم أجد واحد من علمائنا أدخل فيها شيئا من ألأوشاب اللغات الأخرى، ولا أشك في أن أبا علي الفارس كان
(1/3)

عالما بنحو اللغة الفارسية، وأن عبد القاهر كان عالما ببلاغة اللغة الفارسية، وغيرهم كثير ممن كانوا علماء في علوم لغات أخرى كما ذكر ابن جني وغيره، ومع ذلك لم أجد في كلام أبي علي سطرا واحدًا من نحو الفارسية، ولم أجد في كلام عبد القاهر حرفا واحدا من بلاغة الفارسية، إلا بيت شعر ترجمه عن الفارسية، وجعله شاهدا في المعاني التخييلية، ولو أن كل جيل من علمائها الذين سبقونا تسامح وأضاف كل عالم منهم سطرا واحدا من لعوم الآخرين لكان الذي بين أيدينا الآن شيئا آخر هجينا فاسدا كالذي نكتبه.
وإني لأرى هذا التشدد في أن لا يدخلوا على أصول العربية وأقيستها إلا ما هو من صميمها في كلام كثير اقرؤه لهم.
ودونك واحدة اختصرها لك اختصارا؛ ولعلك ترجع إلبيها في مصدرها.
اجتهد أبو الفتح ابن جني ورأي أن تقديم المفعول على الفاعل أصل ثان متفرع عن أصل أول ونو تقديم الفاعل على المعفول، وعليه يكون قولنا ضرب غلامه زيدا مقيسا لأن زيدا متأخر لفظا متقدم رتبة، لأن رتبته التقديم بناء على ما قدر، ثم قال إن هذا القياس الذي يصير فيه الفرع أصلا تقبله اللغة ولا تعافه ولا تتبشعه، واستشهد لذلك بكلام لسيبويه؛ لأن سيبويه قاس الجر في "هذا الضارب الرجل" على الجر في "هذا الحسن الوجه" وبذلك يكون الضارب الرجل وصير الفرع أصلا، لأن الفرع لما كثير وتمكن رجع الأصل الذي أعطاه حكما من أحكامه واستعاد منه هذا الحكم، وبذلك يصح لأبي الفتح أن يعتبر تقديم المفعول أصلا لأنه كثر وتمكن.
(1/4)

ثم قال أبو الفتح وهذا هو مقصدوي "فإن قلت إن هذا ليس مرفوعا إلى العرب ولا محكيا عنها أنها رأته مذهبها، وإنما هو شيء رآه سيبويه واعتقده قولا له ولسنا نقلد سيبويه ولا غيره، في هذه العلة ولا غيرها" انتهى كلام أبي الفتح "ص298" الخصائص" والذي يعينني أن أبا الفتح رفض أن يدخل قياسا في العربية مستأنسا بسيبويه الذي ذكر أبو الفتح أنه يحتج بلغته، ورأى ضرورة أن يكون أي قياس أو فكر أو أصل علمي، يداخل اللغة مستأنسا باللغة نفسها، وطرائق أهلها، وليس بطرائق علمائها، وإن كانوا في طبقة سيبويه، أليس هذا أشد في التحرج والتصون من شدائد عمر؟
وبهذا التحرج وهذا التشدد بقيت العربية تحوطها هذه الأصول المؤسسة على على استقراء كلام العرب في ألسنتنا كما كانت في ألسنتهم؛ لو قرأت لي كلمة مكرفوعة وقياسها الجر لأنكرت على فعلي؟ ماذا يقول أبو الفتح لو بعث ورآنا ندخل فيها أصولا غريبة عنها وعن علمائها ولا ترطبها بها رابطة؟ وندير درسها على كلام من لم يعرف منها حرفًا؟
لا أشك في أن ضعف مستوى طلاب أقسام اللغة العربية راجع إلى أنها يدرسون اللغة بغير طرائقها وبغير أصولها المنتزعة من لحمها ودمها. كما كان الحال في تاريخها كله.
قرأت منذ زمن كلاما يقول صاحبه إن البلاغة بلغت حد اليأس وتجمدت، وعقمت، وأصبحت كالجذع القديم، ويجب أن تموت، وأن يرثهنا علم الأسلوب، ولما قرأت هذا الكلام طرحته ولم ألفت إليه، لأنه في تقديري لم يكن أكثر من "بلونة" يلعب بها طفل يحب أن يلفت الناس إليه، لأننا لم ننشيء علم الأسلوب ولم نستخرجه من لغتنا، حتى يصح أن يكون بديلا لعلم من علومنا، وبديهة العقل تقول أن الذي يسد مسد علم
(1/5)

لابد أن يكون مستوعبا لمسائل هذا العلم، ومستخرجا من اللغة التي استخراج منها هذا العلم، ومؤديا الوظائف نفسها التي كان يؤديها هذا العلم، وأن نطمءن على قدرته على شرح طرائق العربية، وتحليل سننها في الإبانة عن معانيها قبل أن تئد هذه البلاغة التي قامت بهذه المهملة هذا الزمن الطويل، وإذا جاز لمن استخرجوا علم الأسلوب من لغاتهم وعلومهم، أن يقولوا هذا بناء على رؤيتهم، وأنهم حراص على لغاتهم، فلا يجوز لنا أن نقوله في بلاغتنا، وليس عندنا علم أسلوب، نعم يجوز لنا أن نقول هذا إذا قبلنا أن نكون ببغاوات تردد وتحكي ولا تعقل.
قلت أنني قرأت هذه وطرحته ثم فوجئت بهذا الكلام الفارغ يتكرر في كتب يدرسها أبناؤنا في جامعتنا.
والذي أعلمه ويعلمه كل من له عقل أن شأن الذي يحمل القلم ألا يكون متهورًا؛ وأنه يجب أن يكون حذرًا مترددا، وأن الأصل فيه أن يكون خبيرا بمفردات العلم الذي يتكلم فيه، وإذا رأى مفردة من هذه المفردات لا تيعن على فهم سر من أسراراللسان الذي هو منأهله عليه أيضا أن يتردد في الحكم على هذه المفردة بوجوب الإعدام، لاحتمال أن تكون لها فائدة غابت عنه، أما أن يحكم على علم كامل من ألفه إلى يائه، بالوأد فهذه ليس من شأن من يحمل القلم، لأن هذاالعلم كما قلت مستخرج من أوهامهم، وأو فسفاتهم، وإنما هو التقاط لوجود الدلالات، بعد وعي ومراجعة، لنصوص كثيرة وسياقات كثيرة وغير ذلك مما ساعد العلماء على وضع هذه القوانين واستخلاصها، والناظر في الكتب بعين باحث يرى سعة نظرهم ودقة ملاحظتهم، وطول مراجعتهم عند استنباط كل مسألة.
ثم إن هذا العلم وإن كان يراه لا يصلح في دراسة ما هو مشغول به
(1/6)

فعليه أن يراجع حقول المعرفة الأخرى التي تعتمده، وتقوم عليه، كحقل التفسير الذي أكد علماؤه أنه لايجوز الخوضش في إلا باستصحاب علمي المعاني والبيان، وأن كل العلوم الأخرى لا تغني غناءه إذا غاب، وكحقل الفقه واستنباط الأحكام الشرعية من كلام الله وكلام رسوله. واعتماد الفقهاء على هذا العلم أمر لا يجوز الاستشهاد له، لأنه أعرف وأشهر، وكحقل أصول الدين الذي ترجع خلافات علمائه فيما اختلفوا فيه إلى هذه الأصول البلاغية، ودلالات الصيغ والتراكيب، وكل ذلك يجعل العالم والجاهل لا يقدم على على القول بضرورة موته وإعدامه، ولهذا قلت إنه أقرب إلى عبث العابثين منه إلى كلام أهل العلم، إلا إذا كان المراد إطفاء الأضواء في هذهالحقول كها، يعني طمس الطريق الواصل إلى التفسير ومعرفة التأويل، وطمس الطريق الواصل إلى استنباط الأحكام الفقهية، وأيضا وأد علوم القرآن المؤسسة كلها تقريبا على هذا العلم، ونحن محتاجون إلى أن نتخلى عن عقولنا لنقتنع بأن هذا تجديد وتطوير، وأن علم الأسلوب المنتزع من غير العربية يمكن أن يكون أداة المفسر، والفقيه، والأصولي، وعالم العقائد، وأننبسط سلطانه أيضا على علوم القرآن، والمدهش أن هذا الهزل الفارغ يجد من يقبلونه، ويكررونه، بدلا من أن يردوه أو يسكتوا عنه، وأنا لم أرده قبل ذلك لأنه لا يرضاه إلا من لا قيمة لرضاه، ثم اضطرت إلى أن أنبه بهذا الكلام الظاهر تبرئة للذمة أمام هذا الجيل الذي تدمره أقلام لا تدري مغبة ما تكتب.
ولا يجوز أن أدع هذه المسألة من غير الإشارة إلى أمر يذهل ويضحك أيضا هو أن الذين يقولون إن البلاغة يجب أن تدفن في التراب، وتغرس شجرة علم الأسلوب في رفاتها، يطيلون ذيل الكلام في إكبار فكر
(1/7)

كيف يستقيم هذا في عقل الطالب الذي ذهب إلى الجامعة ليدرس علوم أمته وعلوم لغته؟ وأي تدمير يدمر هذه النفس الذاهبة لتتعلم حين يداخلها هذا التناقض العجيب، والازراء باللسان الذي هو لسانه، والإزراء بالميادين العريقة التي يفتح هذا العلم العريق أبوابها؟ أي شيء يبقى في هذه النفس من الإحساس بالانتماء إلى هذا العلوم التي هي جوهر وحقيقة هذه الأمة وحضارتها؟!
إن القول بوأد البلاغة مع شناعته وبشاعته وجاهليته وغشمه أكرم من القول ببقائها لأنها تشبه في بعض أطرافها علما صاغه غرباء من لغة غريبة وآداب غريبة ثم هو العدو الألد.
بقي كلامان كنت قرأتهما أيضا منذ زمن بعيد للمرحوم أمين الخولي ثم طرحتهما لأنهما يخالفان ما أعلم مخالفة ظاهرة ثم رأيتهما يطلان من جديد.
الكلام الأول القول بأن البلاغة انحصرت في الجملة ولم تتناول النص الكامل. والذي أعلمه أن النص مجموعة منالجمل وتدقيق الدرس البلاغي في تحليل الجملت يضع في يدي مفتاح دراسة النص الكامل لأنني أنتقل بهذه الأداة المدققة في بناء الجملة من جملة إلى جملة إلى جملة، حتى أصل إلى نهاية النص، والذي يشرح لي قاعدة في النحو أو في البلاغة لا يتحا له أن يجعل شاهده النص الكامل، وإنما هو يشرح لي مثلا تركيب الجملة مع همزة الاستفهام فيدور بهذه الهمزة على مفردات الجملة، ويقول لي إن دخول الهمزة على الفعل، يفيد معنى لا يفيده إذا أدخلنا الهمزة على الفاعل، أو المفعول وهكذا؛ وحسبه أن يعلمني كيف أستخرج دلالة التركيب من الجملة.
ثم القول بأن البلاغة وقفت عند هذا كلام يضيع كثيرا من المسائل
(1/9)

كما تكلموا في مناسبة المطالع للمقاصد والخواتيم سواء في القرآن أو في غير القرآن وهذا لا يتحقق إلا بدراسة النص كاملا.
وكل هذا جعلني لا ألتفت إلى هذا الانتقاد الذي وجهه الشيخ أمين للدارسة البلاغية، ولا أعرف أحد ذكره قبله لا من القدماء ولا من المحدثين، ثم رأيت هذا الكلام يطل علينا مرة أخرى من كتب كان يجب أن تراجع قبل أن تردد. والذي أغرى الشيخ أمين بهذا هو أنه اعتمد في درسه للبلاغة على شروح التلخيص كما قال هو، وحقل الدراسة البلاغية ومادتها أوسع مما في كتب شروح التخليص بل أن علم المناسبة وهو علم يدل لفظه على أنه يعني بالكليات سواء في العلاقت داخل السورة أو في العلاقات بين السور هذا العلم ذكر علماؤه أنه لا يستطيع الخوض فيه إلا من كان له حظ وافر في علم المعاني.
قلت هذا مع أنني أرفض هذه الطريقة التي تطالب أوئلنا بالوفاء بحاجاتنا وإلا كان ذلك مبررا للأخذ منالأخرين، والذي يجب أن يقال هو أن علماءنا وضعوا هذه اللبنة وعلينا نحن أن نضع لبنة فوق لبنتهم من خلال حاجاتنا وأن تكون هذه اللبنة صورة لنا. وأن نكون نحن اللبنة كما قال سيدنا صلوات الله وسلامه عليه "وأنا اللبنة" ولم يقل أحد له عقل إن على الأجيال السابقة أن تكتب لحاجات الأجيال اللاحقة؛ لأن الأجيال اللاحقة ليست هملا معطلا؛ ولم يخلقهم سبحانه وتعالى: "عالة" على غيرهم فإذا لم يجدوا شيئا يريدونه في كلام وأئلهم بحثوا عنه عند غيرهم، فإذا لم يجدوا شيئا يريديونه في كلام أوائلهم بحثوا عنه عند غيرهم، وكأن عقولهم هؤاء مغسولة. وإنما خلقهم سبحانه كما خلق غيرهم، وغرس فيهم العقول التي غرسها في غيرهم، لأنه سبحانه لم يظلم أحدا من خلقه ولم يخلق جيلا هملا لا يستطيع الكسب بعقله، وإنما جعلنا سبحانه خلفاءه في أرضه، والخليفة لا يكون هملا، هذا هو موقفي
(1/11)

أما هذه الطريقة الهابطة والتي تقوم على أساس أننا إذا لم نجد ما تحتاجه من فكر ومعرفة عند سلفنا نطلبه عند الآخرين فلا أراها إلا فلسفة الهمل، والعالة، وأهل العجز، وإنما سماها الهمل، والعجزة، والعالة، تنويرا وتحديثا، ومعاصرة.
والقول الثاني هو القول بأن البلاغة لما شغلت بموضوع الإعجاز تخلت عن رسالتها، وهي البحث في بلاغة الببيان ,أو "جمالياته" كما يحب أصحابنا أن يقولوا. وذلك لأنه داخلها المنطق والفلسفة المسيطران على قضية الإعجاز، ومن المقرر عند الشيخ أمين الخولي -رحمه الله- أن المنطق والفلسفة عدوان لدودان للبلاغة، وكنت أتابع ما يكتب بدقة لأني كنت أدد في كتابته شيئا افتقده عند كثير من الناس وهو سيطرة عقل قوى متمكن على كل ما يكتب، وإنك لترى هذا العقل آخذا بأزمة أفكاره باقتدار، وكان هذا ولا يزال يروقني سواء وافقت على النتائج التي سنتهي إليها أو خالفت، وأكره تلك العقول التي ترزح تحت وطأة ما تحفظه الذاكرة. وأحب العقل الذي ينتقي ويسيطر بعلم يتسع ووعي يدرك.
والقول بأن البلاغة فسدت لما داخلت موضوع الإعجاز كان من أعجب ما قرأت، لأننا لو تصورنا وجود بلاغة بعيدة عن الإعجاز وهي عندنا بلاغة صالحة، ثم لما داخلت الإعجاز فسدت نكون قد تصورنا وهما محضا؛ لأن البلاغة لم تولد إلا تحت عنوان "دلائل الإعجاز" الذي كتبه عبد القاهر، وهو المؤسس لهذا العلم، لأن مابحث البلاغة التي نقصد إليها حين نتحدث عن البلاغة، لم توجد قبل كتاب دلائل الإعجاز، وإذا كانت قد أنشئت وولدت من رحم الإعجاز، فكيف يتصور القول بأنها لما شغلت بالإعجاز فسدت؟ هذا كلام لا يلتئم أبدا وهو محض وهم، ولم أعرض لبيان فساده فيما كتبت لظهور هذا الفساد وإنما أنا الآن مضطر لبيان
(1/12)

فساده، لأني وجدته يعاد من جديد، في مؤلفات كثيرة وفي بحثو علمية، وهو يستشري، ويتسع، مع الغفلة، وخلو الوفاض من العلم بأوليات العلم، وتربي عليه أجيال.
ثم إن قضية الإعجاز لها جانب يعالجه علماء العقائد ويغلب عليه علم الكلام؛ ولا شأن للإعجاز البلاغي به، لأن الإعجاز البلاغي يخوض في الشعر وبلاغة البيان من ألفه إلى يائه؛ ولم يغفل علماؤنا التنبيه إلى ذلك، وإنما كانوا يقوولون أنهم يدروسن الإعجاز على طريقة أهل الأدب، وليس على طريقة المتكلمين، وتخلو كتبهم خلوا تاما من مسائل علم الكلام، كالذي تراه في كتابات عبد القاهر في كتابه الأساسي وهو دلائل الإعجاز، وفي رسالته الشافية، وكالذي تراه في رسالة الخطابي وكتاب الرماني، ومن لطائف كلام الشيخ عبد القاهر في هذا قوله في الرسيالة الشافثية، إنك؛ إذا خاطبت بموضوع الإعجاز من ليس له طبع في فهم كلام العرب "كنت كمن يلتمس الشم من أخشم" وكتب الإعجاز فيها أصول في نقد الشعر لا تجدها في كتب النقد الخالصة كالموازنة والوساطة وغيرها.
ولم أقرأ القول بأن اشتغال البلاغة بالإعجاز أفسدها لأحد قبل المرحوم أمين الخولي وقرأت هذه بعده الكثير من الكتاب الذين لم يكلفوا أنفسهم مراجعة ما يقرؤون، وأطقع أن الشيخ أمين لم يقرأ من كتب الإعجاز إلا ما كتبه القاضي عبد الجبار في الجزء السادس عشر من كتابه الكبير المغني في أبواب التوحيد والعدل، وقد حققه الشيخ أمين -رحمه الله- وأثابه، ولو قرأ الباقلاني وأو الخطابي أو الرماني لما قال هذا، وكتاب الخطابي مع صغر حجمه فيه من العلم والبلاغة العالية والفكر النقدي المضمر في طي سطوره الكثير والنافع، والباقلاني يقول إنه لا يدرك الإعجاز
(1/13)

باب المقدمات
مقدمة الطبعة الرابعة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الرابعة
اللهم إرني الوجه الذي ترضى، وخذ بناصيتي فلا أصر فوجهي عنه، وأجعل آخر أيامي كفارة لأولها، واصرف عني لغو هذه الدنيا ولغوبها وارزقني الفهم، وأعني على نفسي، واجعل لي من نورك نورا في حياتي وعند مماتي، وفي قبري ويوم ألقاك، واللهم ارزقني استجابة الرجاء، ولا ترد لي عندك حاجة، وصلى يا رب على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وبعد ...
فكلام البلاغيين ظاهر الدلالة على أن دراسة هذه العلم لا تقوم إلى على ما يجده الدارس في نفسه عند قراءة الشعر والكلام المختار، فإن أستحسن الكلام وستعذبه وراقه وكثر عنده نظر ليتعرف على ما في الكلام من صنعه يرجع إليها ما وجده في نفسه، وإن استهجن الكلام واسترذله نظر في الكلام ليتعرف على الشيء الذي فيه والذي صار به مستهجنا مسترذلا، وهو حين ينظر ليتعرف على سباب الحسن أو الاستهجان يكون قد بدأ العمل البلاغي ويكون قد وضع قدمه على طريق علماء هذ العلم، وشغله حينئذ هو تفلقد اللغة والأحوال والصيغ والخصوصيات والمصور والرموز، وكل ما يتحصل ببنية الشعر واللغة والأدب، ثم إنه لا يقع على هذا الذي وجب به الفضل إلا بمعونة الذوق، وهذا يعني أن هناك مرحلة سابقة للنظر البلاغي يكون الدارس فيها قد هيأ نفسه وأشربها من بيان اللغة وجيد الكلام، وأحيا حسها بما أشربها وأيقظها وشحذها، ونبهها. وإنما يكون ذلك بتفقد الشعر والنظر في صوره ولغته، والوعي برموزه، وإشاراته، والتدقيق في امتلاك خواطره،
(1/3)

وهواجسه والتقاط سوانحه والحس بوقعه ورنينه وأضوائه، ولا يكون شيء من ذلك بالقراءة المتساهلة وإنما يكون ذلك بالصبر والتنظيم والانقطاع.
واعلم أن المادة البلاغية التي هي متون هذا العلم مع فضلها ونفعها، وجلالها لن تفيدك شيئا ما لم تؤسس تناولك لها على هذا الأصل، ما لم تكن قد رضت نفسك على تذوق الشعر وتأمله والحفاوة به، وهذا هو الذي يجعل لعلوم العربية كلها عندك مذاقا غير مذاقها، وأنت تحفظ أصولها وفروعها وليس عندك هذا الرصيد من الفهم للشعر والمصاحبة له، وفرق كبير بين اللغة وعلوم اللغة، واللغة التي هي غايتنا: ما نطق به أصحاب اللسان، وعلوم اللغة هي: العلوم التي استنبطها العلماء مما نطق به أصحاب اللسان ومن كان بمعزل عن الذي نطق به أصحاب اللسان فلن يكون مصولا بعلوم هذها للغى، فإه حفظ متونها وشروحها كان قد حصل علما معلقا في الهواء لا يثبت على قاعدة من بيان أصحاب اللسان ولا يرجع في المدارسة والتدقيق إلى طرائق القوم ومذاهبهم.
وهذا من أهم الأسباب التي جعلت طلاب العلم المبتدئين يشكون من صعوبة علوم العربية ومن جفافها وجمودها على حد ما نسمع منهم.
ومن المستحيل أن يكون لطالب العلم بصيرة في أي باب من أبواب البلاغة وهو عاجز عن قراءة معلقة من المعلقات، وإنما تكون له هذه البصيرة إذا حفظ المعلقات، وعرف مذاهب شعرائها وما بينهم من تقارب أو تباعد وكيف بنى كل منهم معلقته، وكيف سلسل أبياتها، ومذا قال في النسيب، وما مذهبه في وصف الرحلة، وما الفرق بينه وبين نظرائه في وصف الحيوان والخروج إلى الغرض إلى آخر ما هو من أوليات الفهم للشعر. فضلا عن أن يغوص في الدقائق، ويلحظ علاقات الصور داخل المعلقة الواحدة، وعلاقات الصيغ "الأبينة"، وما غلب على الشاعر فيها من ضروب الرصف وعلاقة ذلك ببقية شعره.
(1/4)

والعم أن علماءنا لم يكونوا علماء في هذا الباب إلا بعد أن درسوا الشعر دراسة جعلته مع سعته وعمقه وتراحبه كأنه قد جمع لهم ووضع تحت أبصارهم، يرون أفكاره وصوره وهواجسه وخواطره حتى إنك لترى الواحد منهم يفطن في صورة من الصور إلى لمح لصورة أخرى عند شاعر آخر وينبه فينكر القارئ هذا اللمح في بادئ الأمر ثم لا يزال هذا العالم يكشف عن الوجوه والنظائر حتى يعرف القارئ ما أنكر ويقتنع بما استغرب.
ثم إنك ترى أحدهم يقول إن هذه اللفظة بهذا المعنى لم ترد في الشعر الأول وإن أول من أجرها في هذا المجاز هو فلان، وأن هذا الاشتقاق في الشعر اشتقاق محدث كقول أبي العلاء في قول أبي تمام:
ومقتبل صاف من الثغر أشنب
والاقتبال من التقبيل معدوم في الشعر القديم، وكأن ألفاظ الشعر القديم كلها في أذن أبي العلاء مع أن الثغر وماءه كان من أكثر الصور ورودا في الشعر ويقول في قوله:
حتى إذا مخض السنين لها
مخض البخلية كانت زبدة الحقب
هذه الاستعارة لم ستعمل قبل الطائي أراد مخض السنين وإنما يكون المخض للبن.
ويقول التبريزي: الخرقاء التي لا تحسن العمل من النساء ولم يستعرها أحد للخمر قبل الطائي في قوله:
خرقاء يلعب بالعقول حبابها
وتأمل كلام عبد القاهر تجده يفتح الكلام في المسألة فيتوافى عليه سيل من الصور فيذكر الصورة وبعدها أخرى تقاربها من جهة وتباعدها من جهة ثم ينتقل إلى ثالثة ورابعة وخامسة حتى يبعد عن أصل الموضوع، ثم يقطع الكلام مع تدفقه ويقول: ولنعد الآن إلى الأصل.
(1/5)

وأبو يعقوب السكاكي الذي يقولون عنه إنه جمد على البلاغة يجعل نفقد الشعر والكلام المبين أساس تعريفه لعلم المعاني لأنه عنده تتبع خواص التراكيب وما يتصل بها من الاستحسان وغيره، وخواص التراكيب هي أحوال مبانيها وما وراء هذه المباني من لطائف المعاني، وقد اعترض عليه العلماء لأن التتبع ليس علما ولا يدخل في حدود العلم، وكان السكاكي كثيرا ما يعول على متعارف أهل البيان يعني ما نطق به الشعراء ودبجه الكتاب وحاكته السنة الخطباء.
ومحمود بن عمر الزمخشري لم يؤلف كتابا في البلاغة، وإنما ألف كتابا سماه أساس البلاغة، والأساس معناه الأصل والجوهر، والكتاب جمل قصار، وتخيرها مما نطق به أصحاب اللسان كأنها حبات الدر، نرى الكلمة فيها تتقلب على وجوه من المعاني في ضروب من الصيغ، وتراها في تقلبها ذات معان تختلف وتأتلف، وتتقارب وتتابعد، ولها في كل ذلك ألق يتميز، والوعي بهذه الشذرات البيانية، وهذه الجمل المتخيرة وتشربها وطول ملابستها هو أساس البلاغةن يعني إعداد النفس وإثرائها حتى إذا سمعت الكلام ميزته وعرفت منزلته من الفضل.
ولعلمائنا مقاصد وأغراض في تسميات كتبهم، ولم يسم الزمخشري كتابه: أساس البلاغة إلا وهو يقصد معنى لفظ أساس، وأن البلاغة لا تبنى إلى على هذا الأساس، وأن هذه الشذرات البيانية المختارة كأنها متن بياني يجب على طالب العلم أن يرتاض به، وأن يرتاض فيه، وأن يصقل به لسانه وعقله ولغته، ونفسه، لأن البلاغة لا وجود لها في نفس ذات حسن غليظ، ولا وجود لها إلا حين يوجد القلب الحي والنفس اليقظي، وأن مراجعة هذا الأساس هو السبيل إلى وجود القلب الحي والنفس اليقظي.
وعبد القاهر سمى كتابه: دلائل الإعجاز يعني هو دليل النبوة، وهذا الكتاب الذي هو من أصل الدين على حد ما تدل عليه تسميته بناه الشيخ على
(1/6)

الشعر، وفي الكتاب أدلة ظاهرة على أن الشيخ رحمه الله لم يكتب كل الذي عنده في علم المعاني وإنما كان يفتح باب مسائل ثم يرجع عنها واعدا بوفائها ثم أعجله نداء ربه، والمهم أن كتابه ما دام دليل النبوة فهو من هذه الجهة في أصول الدين، ثم هو مؤسس على الشعر جاء في الكشف عن أسرار الشعر وأحواله ودقائقه ووسائل بيانه، وبهذا نرى كتب أصول الدين تؤسس على الشعر وبتني عليه وتتخذ منا لشعر معدنا لها، ولو قلت أن الشعر أسسا علومنا وأصل من أصول الدين لم تكن قد تجاوزت الحقيقة، وهذا الأمر هو الذي يجعل الزمخشري يجمع ما تراجزت به الأعراب على أقواه القلب وما تماتنت به قراضبة نجد وتهامة، والقراضبة هم اللصوص والفتاك وفصاحتهم أنقى، ويقول إن هذا الذي جمعه من أفواه فتاك العرب ولصوصها وأراجيز ورعاتها هو أساس البلاغة، وعلم الإعجاز الذي هو برهان النبوة وحجة الله القائمة على الخلق، وقد أصاب رحخه الله ورجى على ماجرى عليه علماء السلف رضوان الله عليهم الذين تسلسل إليهم العلم من علماء الصحابة رضوان الله عليهم، والذين أخذوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتقل إلينا سلسلا من سلسل حتى أتانا وأتانا به اليقين.
فإذا كنت أقول إن علم الشعر هو أصل علومنا فلا يفزعنك ذلك ولا تستغربه واعلم أن علوم الأمة كلها من نحو وصرف وبلاغة وتفسير وحديث وعقائد وفقه وأصول فقه. كلها مرتكزة على هذا الشعر وقائمة على متونه، لأنه هو اللسان، وكان القرآن بين أيدي علمائنا وهم يستخرجون أصول العربية ولكنهم سلكوا سبيل الهدي لما استخرجوا هذه الأصول من الشعر لأن الغاية هي حفظ اللسان الذي ينزل به القرآن ولن يحفظ القرآن إلا بحفظ لغته، ولو وقف علماؤنا عند القرآن وتركوا الشعر لضاع منهم الكثير لأن كثيرا من صيغ العربية واشتقاقاتها لم قع في القرآن، فالشعر هو الدائرة الأوسع التي إذا حفظناها نكون قد أقمنا حول كتاب الله ثوابت من المعارف المؤسسة على أصول من المنهج الصحيح، تظل بين يدي الذاكر الحكيم تهيء لسماعه وفهمه، وتذوق بلاغته وأسرار بيانه.
(1/7)

واعلم أن الشعر كله في هذا الباب على قدم واحدة. والشرط الذي يجب أن يتوفر فيه أن يكون فيه نفح طاهر من جزالة اللسان ورصانة البيان، يستوي في ذلك شعر الجاهلية وغيره، وإن كان لشعر الجاهلية مزيد خصوص، وكان في مجتمع المسلمين ولا يزال رجال يصرفون الناس عن الشعر لأن الله كما قالوا ذمه في التنزيل، وحدث مثل ذلك في زمن ابن عباس رضوان الله عليهما، وكان يسأل في شيء من هذا فيروي البيت فيه اللفظ لا يكنو عنه ثم يحرم بالصلاة، وقد قوى هذا الاتجاه في زمن عبد القاهر، وكان يستشعر خطره على علوم العربية وعلوم العقيدة وأصول الدين، وناقش هذا بمنهج مستقيم وانتهى به التحليل العقلي إلى أن الصاد عن الشعر صاد عن كتاب الله وهو -أي الصاد- بمثابة من يمنع الناس من قراءة المصحف، وذلك لأن الغرض من التلاوة أن تظل حجة الله قائمة بهذا القرآن، وأن هذا الكلام المتلو ليس من كلام البشر، وأنه قاطع لأطماع البشر ولا يمكن أن تدرك هذا إلا إذا أحكمنا فهم كلام البشر وعرفنا أن له طبقا لا يتعداه، وأن هذا المتلو فوق كل طبق، وهذا وراءه باب متسع من الفهم للشعر وضروبه ومذابه وطبقاته، وهكذا حلل عبد القاهر هذا التيار الشاذ في زمانه وفي زماننا ودل على خطره، ولا يزال رجال يتحرشون بهذا الدين منجهة الشعر وقصة بحث مرجليونث اليهودي الذي ضمنه طه حسن كتابه فيا لشعر الجاهلي لا تزال حية، وقد هاج العلماء لما شكك طه حسين في الشعر الجاهلي نقلا عن مرجليوث لأنهم يدركون خطر هذا الاتجاه.
ولله أمر هذا الشعر الذي تلتقي على رأسه مطارق اليهود مع متنطعي الإسلام، ولا يزال في شبابنا زرع نبت حول بعض الاتجاهات الإسلامية يفسق شعر فلان وفلان ويؤثم روايته ويقسم الشعر إلى بر وفاجر، وأقول لهم إن الشافعي -رحمه الله- كان يحفظ شعر العربية، وقد روى عنه الأصمعي شعر هذيل وهو شعر كغيره، وكان الأصمعي الذي روى هذا الشعر عن
(1/8)

الإمام يخالف في بعض الروايات في أوصاف النساء كما في قصيدة أمية بن أ [ي عائذ التي يقول فيها:
ليلى وما ليلى ولم أر مثله ... بين السماء والأرض ذات عقاص
بيضاء صافية المدامع هولة ... للناظرين كدرة الغواص
كالشمس جلباب الغمائم دونها ... فترى حواجبها خلال خصاص
وروى الأصمعي بدل بيضاء صافية المدامع: صفراء صافية المدامع، ولعله آخذ هذه الرواية عن الإمام، وكان أعرف الناس بلغة قومه، وكانوا يذكرون المرأة التي يشوب بياضها صفرة وإنما يكون ذلك من الطيب والنعمة حتى تكون المرأة كأنها فضة قد مسها ذهب، وكان حسان -رضوان الله عليه- ينشد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شعر الأعشى، وما كفه صلوات الله وسلامه علبيه إلا عن قصيدة هجا بها علقمة بن علاثة، وكانت له يد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذت أمنا عائشة رضي الله عنها الشعر عن أبيها وكان أعلم الناس بشعر العرب وكانت رضوان الله عليها تحفظ شعر لبيد.
ولم أعرف واحدا من علمائنا تأثم برواية شعر إلا ما كان من هجاء شعراء قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك إعظاما لمكانه صلوات الله وسلامه عليه، وقد علق الطاهر بن عاشور صاحب التفسير الجامع على ديوان بشار وحققه ودققه وشرحه أحسن شرح، والشيخ الطاهر من أفاضل العلماء.
وإنما ساقنا إلى هذا ما تؤكده هو مؤكد في كلام علمائنا وهو أن دراسة الشعر وتفقده وتذوقه ومعرفة فنونه وطرائق الشعراء كل ذلك أصل وأساس في الدراسة البلاغية لا يقوم شيء منها إلا عليه، وتأمل مثل قول عبد القاهر: إنك لا تزال ترى شعرًا يروقك مسمعه ويلطف لديك موقعه ثم تسأ لعن سبب أن راقك إلى آخره تجد أن قدرتك على التذوق هي بداية الطريق في البلاغة فإذا لم توجد هذه القدرة فليس هناك طريق ولا بلاغة.
وقد ذكرت أن أسماء مؤلفات علمائنا لها دلالات وذكرت من ذلك أساس
(1/9)

البلاغة ودلائل الإعجاز وأضم اليهما كتاب مفتاح العلوم للسكاكي والكتاب فيه علوم البلاغة الثلاثة وعلم التعريف وعلم الاستدلال.
وكلمة مفتاح العلوم قد يراد بها أن هذه العلوم الثلاثة مفتاح العلوم الأخرى ولهذا دلالة أو أن يكون ما في الكتاب من هذه العلوم الثلاثة مفتاحا لها فقط وله أيضا دلالة.
أما أن تكون هذه العلوم الثلاثة مفتاحا لبقية العلوم فهذا يعني أن إتقان اللغة إفرادا في علم التعريف وتركيبا في علم البلاغة مع صحة العقل وضبط الفكر "الاستدلال" هو أصل المعرفة كلها ومفتاح أبوابها فلا بد أن تكون لغتك حية حاضرة في عقلك ولسانك حتى تستطيع أن تتفهم محتوياتها الفكرية وودائع علمائها في الفنون المختلفة، وتستطيع أيضا أن تنقل بها ما تعلم يعني أن تعلم ثم تعلم وهذان عملان ومكابدتنا نحن المعلميبن دائرة بين هذين فلابد من بذل المجهود في تحصيل المعرفة ثم بذل المجهود في توصيل المعرفة، وغذا كان تحصيلها بابا شاقا فإن توصيلها باب أشق، ولا قيمة لعلم تكون رؤوسنا مخزنا له وإنما قيمته في أن تحيا به نفسك ثم تحي به نفوس من تعلم فتذيبه في أفئدتهم وتنطق به ألسنتهم ليعلموه كما تعلموه، وهكذا تجد العملية عملية ليست سهلة، ولا غنى لها عن لغة حية طيعة يتمتع بها المعلم وعقل منظم يقود حركته وينظم تعامله مع المعرفة ومع طلاب العلم ويستوي في ذلك من يعلم اللغة والتاريخ والرياضة والفيزياء ومن فقد اللسان المبين والعقل المستقيم فقد أغلق في وجهه باب العلم، وضلت من يده مفاتيحه كما يقول أبو يعقوب.
ونرى ما حولنا من الأمم التي ملكت أمر رشدها وساسها خيارها، وأهل البصيرة منها يقوم الأمر عندهم على ذلك حتى إنه لا يجوز التسامح في خطأ نحوي في كتاب كتب في الكيمياء ولا يسمح لمعلم في أي فرع أن يسمع طلابه لغة ركيكة ولا يسمح لمتحدث يسمعه الناس سواء كان في السياسةن أو في غيرها أن يستخدم لفظه لا تقرها المجامع اللغوية، وقد بعث السكرتير الدائم
(1/10)

للأكاديمية الفرنسية رسالة توبيخ لرئيس الجمعية الوطنية الفرنسية بسبب تكرار الأخطاء اللغوية في أحاديث أعضاء البرلمان واستخدامهم ألفاظا لمتقر الأكاديمية دخولها في اللغة الفرنسية، ووصف سكرتير الأكاديمية في رسالته التي نشرتها صحيفة لوفيجارد هذه الظاهرة بأنها سرطان يهدد اللغة الفرنسية على مشارف القرن الواحد والعشرين.
أقول هذا ما عليه الناس وما كانت علهي أمتنا في زمنها الأول، وقد ذكروا أن هند بنت أسماء بن خارجة لحنت وهي عند الحجاج فقال لها: أتلحنين وأنت شريفة في بيت قيس، اللحن واضطراب اللغة خسيسة تحط قدر الشريف.
هذا شيء من دلدالة الوجه الأول في كلمة مفتاح العلوم.
أما الوجه الثاني الذي يفيد أن ما في هذه العلوم الثلاثة هو مفاتحيها لا غير فهذا يعني أن ما لخصه السكاكي من كلام الأصحاب وأقام كتابه عليه لا يعدو أن يكون مفتاح باب العلم وليس هو العلم والأصحاب الذين لخص كلامهم هم عبد القاهر والزمخشري وابن الخطيب الرازي، وتراث هؤلاء الأعلام الثلاثة في البلاغة مفتاح لا غير أما العلم فهو كما قال تتبع خواص التراكيب، يعني العلم هناك في البيان المصقول والتراكيب الحية ذات الخصوصيات المستحسنة.
وتتبع ذلك ومدراسته ومداخلته والذي في كتابه متن يفتح لك الطريق لتدخل به في ساحات هذا العلم وباحته وهذه الساحات والباحات هي الشعر ومختار الأدب فستخرج من تحت ألسنة الشعراء وأهل البيان دقائق، ما أودعوا، وكتاب المفتاح قواعد أي حرفة لا تكسبك المهارة فيها، وإنما الذي يكسبك المهارة هي الممارسة، والممارسة في هذه العلم تحليل الشعر والأدب لا غير.
وأحسب أن الكساكي استلهم هذا من عبد القاهر رأس الأصحاب لأن عبد القاهر
(1/11)

فتح أبواب مسائل كثيرة ولم يستوف الكلام فيها، ويكتفي بأن يقول وقد نبهناك إلى الطريق يعني: أعطيناك المفتاح.
واعلم وفقني الله وإياك أن للعلماء مع العلم شأنا يجب أن ننبه إليه وهو أن العالم حين يصبر على مسالة من مسائل العلم وتطول ملابسته لها يراها تتسع بمقدار صبره عليها وانقطاعه لها، وأن طول مدة المراجعة وشمول المدراسة وعمق التحقيق والتحرير لا يفضي إلى السيطرة على حدود المسألة كما هو الشأن عند المحصلين وإنما يفضي إلى ستعتها وتباعد أطرافها، وكلما أمعن في الإبحار تباعدت عنه الشطآن، وإنما مرجع هذا إلى خصوصية في العلم الشريف وهي رحابته وعمقه واتساعه، وأن أهله هم الغارقون في محيطاته، وكلما ازدادوا علما ازدادوا معرفة بأنهم لا يعلمون، لأن زيادة العلم تكشف آفاقا من المجهول هي أضعاف المعلوم الذي حصلوه، وأن العقول التي منحت القدرة على كشف الأستار وإزالة الحجب هي التي تفسح لها المجالات تلو المجالات وتتراءى لها الآفاق بعد الآفاق ومن وراء كل ذ لك غيب من ورائه غيب، وهذه هي طبيعة رحلة أهل العلم في مضاربه وآباده، وقد قال سقراط في آخر أيامه التي قضاها في استكشاف الحقيقة: إذا كنت علمت شيئا فهو أني لا أعلم، وقال علماؤنا من ظن أنه علم فقد جهل، ولا معنى لهذا إلا الذي قلته من أن طبية المعرفة أنها تقودك من معلوم تعلمه إلى مجهول لا تعلمه، وإذا لم يتنه بك المعتلوم إلى مجهول فاعلم أن هذا المعلوم خدعك وأوهمك أنك علمته وما علمته.
وأضع بين يديك نصا لعبد القاهر ترى فيه ما أريد أن أقوله بصورة أوضح وقد ذكر هذا النص في صفحة 261 من "أسرار البلاغة"، وقد شغل هذه الصفحات بالبحث في الفرق بينا لتشبيه والتمثيل والاستعارة، وكأنه قد استطال ما كتب وهو عازم على أن يزيد الكتابة في هذا قال: "ولئك كان الذي نتكلف شرحه لال يزيد على مؤدي ثلاث أسماء، وهي التمثيل والتشبيه
(1/12)

والاستعارة فإن ذلك يستدعي جملا من القول يصعب استقصاؤها، وشعبا من الكلام لا يستبين لأول النظر ا، حاؤها" تأمل هذه الفروق تستدعي جملا يصعب استقصاؤها وشعبا لا ستتبين أنحاؤها، وهي في كلام المتأخرين لا تزيد عن صفحات. ما هو العلم الغائب في هذه الأبواب الثلاثة والتي يصعب الإحاطة بها؟ أي بحار هذه واي مسارح للنظر وأي آفاق للبحث التي تتباعد هذا التباعد.
ثم قال وضرب مثلا: إذ قلونا شيء يحتوي على ثلاثة أحرف ولكنك إذا مددت يدا إلى القسمة وأخذت في بيان ما تحويه خهذه اللفظة احتجت إلى أن تقرأ أوراقا لا تحصى وتتجشم من المشقة والنظر والتفيكر ما ليس بالقليل اللنذر ثم قال: والجءز الذي لا يتجزأ يفوت العين ويدق عن البصر والكلام عليه يملأ أجلادا عظيمة الحجم، وهذا النص الأخير غريب ويشير إلى أن تاريخ العلوم العلمية في ديار الإسلام تاريخ غائب عنا لأن الجزء الذي يفوت العين لابد أن يكونوا قد أدركوه بالوسائل العلمية وإلا ما تكلموا عنه ثم يكتبون فيه ما يملأ أجلادا عظيمة الحجم، أي مادة علمية هذه؟ وماذا كانت تعالج؟، وماذا قالت عن الجزء الذي لا يتجزأ؟ ، وحسبنا هذا وإنما أردت أن أشير إلى سعة المعرفة عند القارئ الذي يفكر ومحدوديتها عند القارئ الذي يحصل.
لا ريب أن كل عقل شغل بالمعرفة وطالت ممارسته لفرع من فروعه لابد أن يصير له فيها فهم يختلف، وأن تكون له في تناول مسائل العلم طريقة تتميز، وأن يكون له نظر في تحليل مسائل العلم يقارب نظراءه أو يباعدهم ويوافقهم وأيخالفهم، وإنك لترى جمهرة العلماء في العلم الواحد، ولكل مذاقه وطريقه ومسلكه مع أنهم يتواردون على حقائق من المعرفة أكثرها من الثوابت؟ لأن العقل الحي واضع ميسمه على ما يعالج، ونافحه من روحه وملبسه حسه وذوقه وبصيرته.
(1/13)

وترى هؤلاء أشبه بالشعراء وأهل البيان هم مختلفون في تصور وتصوير المعاني الشعرية والأدبية وإن تواردوا على معاني هي كالأمهات إلا أن لكل منهم طريقة ومذاقه وربما كان الاختلاف في تناول مسائل العلم أكثر سعة ورحابة، وإن الفرق بين كتاب وكتاب في علم واحد أوسع من الفرق بين قصيدة وقصيدة في غرض واحد.
وأن تحليل الفكر البلاغي مختلف لامحالة من باحث إلى باحث مع الاتفاق في الجذور التي لا يتسامح فيها أهل العلم.
وكل ذلك مشروط بالاجتهاد والصبر والانقطاع وإلا رأيت الكلام من الكلام لأن العمل يتميز بوسم صاحبه إذا رشح فيه جبينه كما كانوا يقولون وإذا صبر وصابر وبهذا لا يغر يقع الاختلاف الذي نقول، وهؤلاهم الذين نتكلم عنهم، وهذه الجمهرة من العلماء الذين لهم هذا الفهم وهذه الإصابة هي التي تراها في تاريخ العلوم تنقل علم السلف إلى الخلف نقلا يؤسس على تزكية هذا العلم وتجليته وتنويره، وتنميته وتثميره، نقلا لا يكون إلا بعد أن تودع فيه جهدها وصبرها ويقظتها وكدها ولمحها ونفحها فتصير معرفة السابقين بهذه الإضافات وهذه المراجعات أشبه بزمانها وأقرب إلى طبائع الجيل الذي يأخذ عن هذه الكوكبة الصادقةن وبهذا التقريب وهذه التحلية يصبح اللاحق مستطيعا النظر لا في كلام هؤلاء الذين يأخذ عنهم فحسب وإنما يصبح قادرا على النظر في كلام من أخذوا هم عنهم، يعني يتجاوز التلمذة على شيوخه إلى التلمذة على شيوخ شيوخه الذين كان لهم نفس الجهاد والعكوف والصبر على علم من سبقوهم وأودعوه من جهادهم ونفحاتهم ويقظتهم وإلهاماتهم ما أودعوه، وهكذا ينتقل الباحث من جيل إلى جيل وهو واجد في كل جيل عطاء، ومددا، وثراء فكر وتدقيق نظر حتى يصل إلى أصول المعرفة وجذورها عند الأولين الذين أسسوها وهم في تاريخ العلوم العربية والإسلامية جيل العلماء من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين فقهوا عنه صلوات الله وسلامه عليه، وقد دلهم صلوات الله وسلامه عليه على هذا
(1/14)

النهج وهذا الطريق حين ضرب المثل بالغيث أصاب أرضا وكانوا رضوان الله عليهم التربة الطيبة التي أمسكت الماء وأنبتت الكلأ، وكانوا هم ورثة علم النبوة ثم روثوه لمن هو أشبه بهم، وهكذا ظلت هذه العلوم يتوارثها خيار الورثة من علماء الأمة رضوان الله عليهم، ولا معنى لهذا التوريث إلا أن يكون على الحد الذي وصفه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه في حديث: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم" يعني بعد ما يصيب هذا الإرث أرضا طيبة تمسلك الماء الذي هو الأصل ثم تنبت الكلأ الذي هو اجتهادات أهل الفقه والبصيرة، والصبر والانقطاع فمن ورث ما نزل لا غير كان كالأرض التي تمسك الماء ولا تنبت الكلأ وهم الحفظة المحصلون الذين لم تسلك المعرفة في نفوسهم مسالك الحياة والحيوية فتهزها وتربوا فيها وتربوا بها وتنبت هذه المسالك الحية حولها صورا من الفكر وصورا من الخواطر حتى تكون كالجنة بربوة، وقد ضرب الله مثل الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين، هكذا ترى الفكرة أو الكلمة تتحول إلى معين يعطي عطاء ويغدق غدقا وإنما تكون كذلك بالحفاوة بها والصبر علهيا وطول معالجتها، ولهذا نقول إنه ليس في المعرفة شيء اسمه الجمود ولا شيء اسمه التوقف وليس في المعرفة ما يوصف بأنه نضج واحترق أو نضج ولم يحترق إلى آخره وإنما يكون شيء من ذلك في نفوسنا نحن حين لا نعطي المعرفة حقها من الحفاوة والعناية والانقطاع ولا نسكنها داخل نفوسنا هناك في جوهر النفس الحي الحساس، وحيث تحتضن الأفكار كما تحتضن بالذرة الملقاة في الأرض الطبية، وفإذا لم تنشق سدوف النفس وحجب الغفلة عن الفكرة البكر وماتت الفكرة هناك كانت كالبذرة الملقاة في القعيان، وإأنما تصاب الفنوس بالموات بسبب الإأهمال وترك الصدأ والغفلة يقتات من جوهرها ويفسد معدنها، ولم تعرف في تاريخ العلوم علماء انقطعوا وصدقوا وصبروا على تثقيف نفوسهم إلا وكان لهم في العلم عطاء.
مضت الأجيال في تاريخ العلوم الإسلامية على نسق واحد لم يبتدل وهو
(1/15)

أن كل جيل في كل فرع كان يكتب علوم هذا الفرع كتابة على الحد الذي وصفناه ويقدماه للجيل الذي يقومون على توجيهه وتعليمه، وقد كانت حفاوة علمائنا بتلاميذهم حفاوة كريمة لأنهم يعلمون أن حياة المعرفة ليست في مدونات الكتب فحسب، وإنما تكون حياتها بتوصيلها إلى عقول أبناء الأمة، وليس هذا إحياء للعلم فقط وإنما هو إحياء للأجيال، لأن المعرفة تحيا بالإنسان ويحيا بها الإنسان وتتطور بالإنسان وتطور بها الإنسان، وبمقدار حظ الأجيال من الحيوية والسخاء يكون حفظ المعرفة من التقدم والازدهار.
كل جيل من أجيال النحاة كتب النحو، وكل جيل من أجيال البلاغيين كتب البلاغة وأنت واجد عقل كل كالتب فيما كتب وطريقة تفكيره وطريقة تحليله، وهو بهذا الذي يودعه في أصول المعرفة يهيئها به ويقربها للجيل الذي يقوم عليه، ولا شك أنه أقدر على خطاب هذا الجيل، وأن صوته أقرب إلى أسماعهم وحواره أقرب إلى عقولهم وطيقة تأتيه إنما هي مشتقة من زمانه الذين هم جزء منه، ومعرفة الاهتمامات والشواغل الفكرية، والاتجاهات كل ذلك داخل في اعتباره وهو يخاطب الجيل الذي يعيش كل ذلك، وهذا هو تحديث العرفة في كل زمن وتجديد المعرفة في كل زمن، وهو أمر طبيعي حين يقوم اللعماء بواجبهم نحو الجيل الذي يمثل تلاميذهم هم بلا ريب يجددون العلوم وينقولنها إلى الزمن الأحدث، وهذا غير المعاصره والتحديث والتجديد الذي يتكلم عنه الناس في زماننا لأنه لا يعني إلى إقحام فكر الآخرين وتغليبه على فكرنا، هو يعني محو هذه العلوم كلها ووضع علوم الأخرين مكانها هو عيني تدمير حضارة الإسلام وعلوم الإسلام، وهو عمل سياسي استعماري وليس عمل فكري -وهو جريمة بشعة تحت اسم خداع.
ونحن نتكلم عن تحديث العلوم وتجويدها ونقول إنه شيء يحدث تلقائيا في حركة فطرية تقوم عليها حركة الفكر وانتقال المعرفة من جيل إلى جيل، وهذا الانتقال الذي هو جزء من فطرة المعرفة وفطرة الإنسان لا يتم إلا إذا كانت روح العصر قد داخلته وروح التجديد قد داخلته وروح التحديث قد داخلته وذلك حين تعيش هذه المعرفة في صدور العلماء المنقطعين، وحين يعكفون
(1/16)

عليها يعالجونها وينظرون في جوابنها وظواهرها وبواطنه يجسونها بعقولهم ويثقبونها من هنا وهناك بفهومهم، ويوردون عليها الاحتمالات والاستدراكات والترجيحات ويحتجون لها ويحتجون عليها، وكل هذا ترويض لها حتى تبدي من أسرارها وتكشف من مكنوناتها وهم يفعلون كل ذلك وهم يحصلون ويدرسون ثم يفعلونه وأكثر منه، وهم في حلقات العلم وحولهم تلاميذهم ويجعلون الحوار حول مسائل العلم أصل التفهيم وأساس التعليم، ولا تجد معنى للتجديد والتحديث والمعاصرة في تاريخ كل علوم البشر إلا هذا الذي يتواتر على العلوم بتواتر العلماء والتلاميذ، وقد يكون من طلاب العلم من هو أرحب خيالا وأجنح شرودا فيقع من الفكرة على بارقة تلمح هنا أو هناك فيتنبه الشيخ إلى ما أثاره التلميذ ثم يعالجه بخبرته وحكمته وصبره وعلمه، إلى آخر ما تراه مما هو قائم في علومنا وعلوم غيرنا، وبه تحيا العلوم تتسع وتزدهر وتتجدد ولا تجد شيئا اسمه الجمود ولا التوقف وإنما هذه الحركة في مجملها ويعتورها ما يعتور الأزمان والأمم، والأحوال، وهي جزء من فطرة الحياة متأثرة بالواقع ومؤثرة فيه تراها تنشط حتى تبلغ ذروتها عند الكبار من العلماء.
والذي لا يجوز أن نهمله أن كل كتاب كتبه صاحبه في فرع من فروع المعرفة هو كتاب مرسوم بوسم زمانه ومكانه وصاحبه، وهذا أمر لا يجوز في العقل خلافه، وتأمل نفسك وعقلك وفكرك وخواطرك تجد أنك مردود الزمن الذي أنت فيه، أنت مردود الحياة الفكرية في زمنك،؛ أنت كتاب من مكتبة هذا الزمن، ولوتصورنا أنه لم يوجد في مصر احتلال ولا كرومر ولا لطفي السيد هل كان سيوجد طه حسين بهذهالصورة التي عرفناها عنه رحمه الله، ولو كانت ممن درسوا تاريخ هذا الزمن لحكمت حكما قاطعا با، طه حسين حصيلة مواقف "وبلورة" اتجاهت ودعه ورحخه الله وأسال لو لم توجد حركة الإنجيل المضادة للقرآن في مصر والتي أفرزت أمثال سلامة موسى وغيره هل كان مصطفى صادق الرافعي يمكن أن يكون بالصورة التي عرفناها؟
لا شك أن السطور التي تكتب في الزمن إنمكا كتبت بمداد الزمن نفسه وأن
(1/17)

علومنا كتبت بمداتد كل عصر لأن علماءنا كانوا يعيشون الزمن بكل تيارته، ولم أعرف منهم من ولي الحياة ظهره ولا عاش مطأطئ الرأس يتقمم من هنا وهناك في خسة، وقد أهملنا دراسة الأطر الفكرية التي تحكم أزمانا معينة وتبطعها بطابعها حتى إنك لتجد المؤلفات في الفنون المخلفة في زمن معين ذات طابع يميزها.
ولم أعرف علماء جيل طلبوا من تلاميذهم أن يتعلموا العلوم من تراث ن سبقوهم ,إنما قدموا لهم العلم وأغروهم به وفتحوا شهواتهم به وأطعموهم ثم ارتدوا وهم معهم برفق إلى تراث من سبقوهم وهكذا كما قدمت.
وإذا كان كل جيل في حاجة ضرورية موماسة إلى هذا فإن جيلنا الذي نعلمه أشد الأجيال حاجة إلى ذلك لأنه يواجه ما لم يوجهه جيل سابق في التاريخ كله، ويواجه عوامل شرسة وطاغية ولها وسائل كثيرة تفصم بينه وبين علومه التي هي علوم أمته وتفصم بينه وبين تاريخه، وقد حدث أمر غريب هو أن بعض الأونظمة أكد لها نصحاؤها من اليهود والنصارى وملاحدة الإسلام أن العلوم العربية والإسلامية هي التي تربي الأجديال على التعصب والإرهاب، وأن تغييبها من المناهج ضروري لوجود السلام الاجتماعي، وصدق إخواننا هذا واجتهدوا في إبعاد هذه العلوم وتغييبها والتنفير منها، وغالبا ما يتولى أمر الثقافة والتعليم رجال لا صلة لهم بهذه العلوم ولا بحضارة الإسلام وتاريخه وربما كان منهم المادي والماركسي ومن نشأ وترعرع في أنظمة الجهاز الطليعي، وأفضل هؤلاء الرجال وأعقلهم الذي لا يغيب هذه العلوم دفعة واحدة حتى لا يتعرض لهجوم أهل البلاد ولا تجد من بين من يتولى رجلا يتحمس لها مع أن هذا هو الأصل، والقضية قضية كيان كما قلت، والمهم أن وسائل كثيرة وجهنمية تحول بين الجيل وبين هذه العلوم، وقد شاهدت في مسلسلة تلفيزيونية طالبا في مراحل التعليم المتوسطة يرفض أن يقرأ شعر أبي تمام والبحتري والمتنبي، ويسأله أبوه لماذا؟ فيقول: لأنهم منافقون يمدحون الرجل مرة ويهجونه مرة، فيقف الأب المثقف المستينر عاجزا أما وجاهة ما يقوله هذا
(1/18)

الطفل بفطرته. ولا يجد سبيلا إلى إقناعه، يعني كأن أدب هذه الأمة مخالف للفطرة الإنسانية، وكأنه صدر عن بشر ليسوا من زرع آدم. وقلت: لو أن هذا كتب في غير أمتنا وأوطاننا لحوكم المؤلف والممخرج بتهمة الخيانة الوطنية لأنه ليس هناك أمة تسمح بأن يخاطب جيلها في شأن تاريخها وأدبا بهذا الخطاب.
والمهم أن هذا الجيل الذي هذا حاله يستوجب منها جهادًا أكبر وأنه من الخطأ الفاحد أن نطالبه حنن بأن يتعلم النحو والبلاغة بلغة العصور الخيالية، وأننا لما فعلنا ذلك أوشكنا أن نفقده وأوشك الاتجاه الذي وراءه ضلال النصارى وملاحدة الإسلام أن يظفر به.
لابد أن نكتب المعرفة لأبنائنا كتابة نغيريهم بها ونفتح شهيتهم إليها، وليس المراد كتابة مختصرات في علومنا يبدأ بها الطلاب والتحصيل فحسب وإن كان هذا من المقاصد الأساسية وإنما بلابد أن نكتبها كتابة كاملة وافية نودع فيها كل ما عندنا، وكل اجتهاداتنا ورؤانا وخواطرنا كما كتب ابن هشام النحو وقد كتبته قبله أجيال من أفذاذ العلماء وكما كتب كل كيل علمه على الحد الذي وصفناه ثم إنه لا يكفي أن يكتبها واحد أو اثنان أو عشرة وإنما نكون في هذا كغيرنا من أمم الأرض كلها في التاريخ أن تكون علومها هي مادة البدرس والتعليم والتحليل في مدارسها وجامعاتها ومجامعها الفكرية والأدبية وأروقه البحث ومجالس العلماءن وكل ما يدور به الفكر ويدور عليه لا يشذ من هذا أحد، وهذا هو الذي عليه الرشد مقتضى العقل، وبهذه الوفرة من العلماء والدراسين وطلاب العلم وكتا بالأمم وقارئها، والمشتغلين بالفكر والأدب والثقافة فيها تبرز المعطيات المتنوعة والمختلفة والاتجاهات والحظوظ من الإصابة والتوفيق، ويجد الجيل بين يديه من التنوع والاختلافات ما يستقطب نشاطه ويشبع طموحه فتتفتح الأزاهير وتستقبل سحائبها وتخرج الأرض خبأها والأجيال رجالها وقادتها.
حينئذ لا تجد باب من أبواب العلم يتوارى وينطوي على ودائعه ويدخل دائرة
(1/19)

الفصل الأول: الفصاحة والبلاغة:
الفصاحة والبلاغة:
لحظ بعض الدارسين من المتقدمين أن الفصاحة والبلاغة، وإن اختلفت دلالتهما اللغوية، فإنهما يلتقيان في الإبانة عن المعنى وإظهاره، فجعلوهما في الإصلاح شيئا واحدا، وقد جرى على ذلك كثير، منهم عبد القاهر.
ولحظ آخرون أن اختلاف المدلول اللغوي يتبعه اختلاف في المدلول الاصطلاحي، ولما كانت البلاغة من البلوغ كان الأولى أن تكون وصفا للمعنى، وأن يراد بها إنهاء المعنى إلى القلب، ولما كانت الفصاحة من الظهور كان الأولى أن تكون وصفا للفظ، فجعلوا المراد بها تمام آلة البيان.
وقد اختار المتأخرون هذا الرأي، والمسألة عندنا لا تحتاج إلى احتفال، ومناقشة كما فعل باحثها في دائرة المعارف؛ لأنه لا مشاحة في الاصطلاح، وخاصة إذا كان لا يترتب عليه أمر ذو بال.
قالوا: الفصاحة تقع وصفا للكلمة، وللكلام وللمتكلم.
أما فصاحة الكلمة، فهي أن تكون لينة سهلة النطق تتجاور أصواتها تجاورا لينا هادئا ملسا، وأن تكون مألوفة جرت على الألنسة، ورنت أصداؤها في محافل الشعر والأدب، وأن تكون واردة على قواعد تصريف الكلمات، وهذا معنى قولهم: "أما فصاحة المفرد فهي خلوصه من تنافر الحروف والغرابة، ومخالفة القياس الصرفي".
فإذا تنافرت حروف لكلمة كان ذلك معيبا، ومخلًّا بفصاحتها، وذلك مثل كلمة الهعخع، وقد ذكروا أنه اسم شجر، ولم أجده في لسان العرب، ولا في
(1/61)

تاج العروس ولا في القاموس، وأظن أنه ليس اسم شجر؛ لأن أسماء الشجر تكون في الغالب كلمات دوارة، وهذه كلمة ثقيلة لا يستطاب دورانها على الألسنة، إلا أن يكون شجرا كريها مرا، لا يطاق طعمه، كأنه هذه الكلمة التي لا يطاق النطق بها، والتي تحكي صوت المتقيئ، ولم لا يكون لفظا مخترعا للثقل، وأنه لا معنى له؟ وهم يخترعون كلمات للمعاياة، قال ابن الشميل في كلمة عهخع نقلا عن أبي الدقيش: أنها معياة ولا أصل لها.
وأبرز سبب يذكر لتنافر الحروف هو قرب مخارجها، أي أن تكون حروف الكلمة المتتابعة تخرج من مخارج قريبة جدا، وهذا -كما قالوا- يشبه مشي المقيد، أي أن أعضاء النطق بعد الفراغ من إخراج الصوت يضطرها الحروف الثاني إلى أن تعود إلى مخرج قريب جدا من الأول، وكان يسهل عليها أن تنتقل إلى مخرج أبعد، كأن تثب من الحق إلى اللسان مثلا، والمقيد ينقل قدمه ليضعها بعيد، ثم يثقله القيد فيضطر إلى أن يعود إلى موضع قريب جدا، والعرب يكرهون هذا، وقد بنيت لغتهم على الخفة، ولذلك تراهم يعمدون إلى إدغام الحرفين المتماثلين، والمتقاربين مثل شد وأصله شدد ومثل اضطر فإنها، وإن كتبت ضدا وطاء، فالنطق يجمعهما في صوت واحد مدغم، فإذا فصل بين الحرفين المتقاربين حرف زال الثقل، فالعرب لا يعرفون كلمة هخ بكسر الهاء وسكون الخاء، وهو حكاية صوت المتنخم أي الذي يدفع النخام من صدره، أو أنفه، وذلك لثقلها بقرب الهاء والخاء، فلما وقعت الياء بينهما، وفصل بين المخرجين تصرفت الكلمة وجرت على لسانهم، فقالوا: هيخ الإبل أي أناخها، والتهيخ إناخة الإبل، أو دعاء الفحل للضراب.
وقد ذكر البلاغيون في مثال تنافر الحروف كلمة مستشزرات أي مرتفعات في قول امرئ القيس: "من الطويل".
وفرع يغشى المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل
غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل المداري في مثنى ومرسل
(1/62)

الغدائر: ذوائب الشعر، والمداري الأمشاط مفردها مدرى بكسر فسكون، والمثنى المفتول، والمرسل غير المفتول، يقول: إن خصل شعرها مرتفعات، وأن أمشاطها تغيب بين الشعر المفتول، والشعر المرسل.
قال البلاغيون: إن كلمة مستشرزات كلمة غير فصيحة؛ لأنها تنفرت حروفها والتنافر هنا ليس راجعا إلى قرب المخرج، وإنما هو تنافر يحسه السمع، وتكرهه الأذن، والأذن عند البلاغيين قاض في النغم نافذ القضاء، ولذلك ترى بعضهم يضيف إلى الأصول التي ذكرناها في فصاحة الكلمة أن تكون خالية من كراهة السمع أي أن تحظى موسيقاها عند الأذن بالقبول، ومن هنا ردوا كلمة الجرشى بكسر الجيم، وتشديد الشين بمعنى النفس في بيت المتنبي يمدح سيف الدولة: "من المتقارب".
مبارك الاسم أغر اللقب ... كريم الجرشى شريف النسب
ويرى بعض الدارسين أن في صوت كلمة مستشزرات حكاية دقيقة لمعناها أي أن التفشي الذي تلحظه في صوت الشين، وانتشار الهواء وامتلاء الفم به حين النطق، يشبه إلى حد كبير انتشار الشعر، وتشعيثه، وذهابه إلى هناك وهناك، وعندنا أن بطء الكلمة، وثقلها على اللسان يذهب بهذه المزية فيها من حيث إنه يتعارض مع خفة معناها؛ لأنها تصف شعر جميلا خفيفا هفهافا يرتفع إلى العلا، وينبغي أن يلاحظ أن استعمال هذا المقياس يحتاج إلى وعي وذوق؛ لأن هناك كلمات ثقيلة على اللسان، ولكن ثقلها من أهم مظاهر فصاحتها من حيث إن هذا الثقل يصور معناها بحق، انظر كلمة اثاقلتم في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} 1 تجد فيها قدرا من الثقل الفصيح؛ لأنه يصف تقاعسهم وتثاقلهم،
__________
1 التوبة: 38.
(1/63)

وخلودهم إلى الأرض، واستشعارهم مشقة الجهاد، وعزوف أرواحهم عنه، وقد دعوا إليه في عام العسرة، فكان منهم ما وصفت الآية، ولذلك جاء التهديد البالغ ليواجه تخاذل أرواحهم، فقال سبحانه: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا} 1.
وخذ قوله تعالى يحكي مقالة سيدنا نوح عليه السلام لقومه: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} 2، وتأمل كلمة أنلزمكموها، وما فيها من صعوبة في النطق تحكي صعوبة الإلزام بالإيات وهم لها كارهون، وانظر كلمة فعميت وما فيها من الإدغام، والتشديد وكيف تصفان معنى التعمية والإلباس.
ولهذا لا أجد في كلمة أطلخم في بيت أبي تمام:
قد قلت لما اطلخم الأمر وانبعثت ... عشواء تالية غبسا دهاريسا
مخالفة للفصيح؛ لأن ثقلها وتداخل حروفها يحكيان الشدة، والاختلاط حين ينبهم الأمر، وتنبعث النوائب العشواء، واطلخم الأمر: اشتد وأظلم، والعشواء، داهية يعشى بها، والغبيس: الدواهي السود، والدهاريس: الدواهي.
والكلمة الواصفة في بيتي امرئ القيس هي كلمة أثيث، ولو جهدت في طلب كلمة صف الشعر الكثيف المسترسل الذي يغشى متن الحسناء لما وجدت، وأوصف من كلمة أثيث، وصوت الثناء المؤذن بتخلل الهواء من بين طرف اللسان والثانيا العليا، وتكرر هذا الصوت يصف معناه بحق.
أما الغرابة فهي أن تكون الكلمة وحشية أي لا يظهر معناها، فتحتاج في معرفتها إلى أن تنظر في كتب اللغة الواسعة، والذوق العربي لا يجب
__________
1 التوبة: 39.
2 هود: 28.
(1/64)

الإغراب في الكلمات، ويكره التباصر بالغريب والتشادق به، ويجعلونه دليل قساوة الطبع، وتشيع في كلامهم هذه المعاني كما في قولهم: الاستعانة بالغريب عجز، والتشادق في غير أهل البادية نقص، وقولهم: البليغ من يجتني من الألفاظ نوارها، ويصف البحتري بلاغة ابن الزيات: "من الخفيف"
ومعان لو فصلتها القوافي ... هجنت شعر جرول ولبيد
حزن مستعمل الكلام اختيارًا ... وتجنبن ظلمة التعقيد
وركبن اللفظ القريب فأدركـ ... ـن غاية المراد البعيد
انظر قوله: حزن مستعمل الكلام، وقوله: وركبن اللفظ القريب، ثم أن هذه البلاغة التي تصطنع الألفاظ المستعملة القريبة، تفضل شعر جرول ولبيد، وقد ناقش هذا الأصل بعض الدارسين ورفضواه، وذكروا أن الغرابة لا تخل بفصاحة الكلام، واستشهدوا بغريب الحديث وغريب القرآن، وليس هذا عندنا هو الوجه؛ لأن الغرابة التي ينبو عنها حسن البيان ليست هي التي تجدها في كلمة "ضيزى" في قوله تعالى: {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} 1، كما أنها ليست الغرابة التي تجدها في بيان النبي عليه الصلاة، والسلام حين يخاطب الأقوام البادين؛ لأن سيقاات حديثه الشريف، ومقاماته تقتدي مثل هذه الألفاظ التي لم تكن وحشية نافرة في مسامع المخاطبين، بل إنها كانت دوارة على ألسنتهم، وقد أكثر بشار من الغريب في القصيدة التي أحدثها في سلم ابن قتيبة، فلما سأله أبو عمرو بن العلاء، وخلف الأحمر عن ذلك قال: بلغني أن سلما يتباصر بالغريب فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف، فهل أحب بشار أن يسقط فصاحته بين يدي سلم بن قتيبة؟ وهل يسقط البلاغيون غريب بشار؟ وقد رأيت أبا تمام مع قرب ألفاظه يورد الغريب في بعض قصائده لمقتضيات بلاغية كالذي فعله في قصيدته التي يمدح بها عياش ابن لهيعة الحضرمي ومنها:
__________
1 النجم: 22.
(1/65)

قد قلت لما اطلخم الأمر وانبعثت ... شعواء تالية غبسا دهاريسا
وقد جاء فيها:
أهيس أليس لجاء إلى همم ... تفرق الأسد في آذيها الليسا
والأليس: الشجاع، والليس: جمع أليس، والأهيس: الشديد الوطء ومنها:
مقابل في بني الأذواء منصبه ... عيصا فعيصا وقدموسا فقدموسا
والمقابل بفتح الباء: الكريم الأجداد من جهة أبيه ومن جهة أمه، وكأنه قوبل بينهما، والعيص: الشجر الملتف، وقد نقل إلى النسب، والقدموس: القديم والأذواء جمع القوم الذين يقول لهم ذو جدن، وذور رعين، وذو يزن، وهم أشراف اليمن وملوكها.
ومنها:
رموك قنعاس دهر حين يحزبه ... أمر يشاركه آباء قنا عيسا
والقنعاس: الجمل الشديد ثم نقل إلى الممدوح، ومنها:
وقدموا منك إن هم خاطبوا ذربا ... ورادسوا حضرمي الصخر رديسا
والذرابة الحدة، وقلما يقولون: رجل ذرب حتى يقولوا: ذرب اللسان، وأصل المرادسة الترامي بالصخر، يقال: ردست الصخرة بمثلها إذا رميتها، والمراديس صخرة تقذف في البئر ليعلم أفيها ماء لم لا؟ والحضارمة أهل غريب، وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي العلاء الحضرمي من كتب الغريب.
وهذه القصيدة من جديد شعر أبي تمام، وهذه الأبيات التي جاء فيها الغريب من خيارها، وقد جاء منها:
لله أفعال عياش وشيمته ... يزدنه كراما إن ساس أو سيسا
(1/66)

يحرسن بالبذل عرضا ما يزال ... من الآفات بالنفحات محروسا
ومنها:
فرع سما في العز متخذا ... أصلا ثوى في قرار المجد مغروسا
الغرابة التي تخل بفصاحة الكلام هي ما تقدم مثاله من كلمة الطرموق بدل الطين، والاستمصال بدل الإسهال، والاطرغشاش والإبرغشاش بدل الشفاء، وهذه هي الغرابة المخلة بالفصاحة عند البلاغيين، وقد ذكروا أمثالها في قصة طريفة تروى عن علقمة النحوي قالو: إنه سقط عن حماره، فاجتمع عليه الناس فقال: ما لكم تكأكأتم علي كتكأكئكم على ذي جنة، افرنقعوا، وأظن أن علي بن عيسى -كان حسن التخلص جيد المداعبة- إنما اصطنع هذه الألفاظ ليشغل بها الذين أحاطوا به، وليصرفهم بهذه الدعابة.
وكان البلاغيون أعقل من أن يضعوا أصلا، للفصاحة يخرجون به آيات من القرآن، وجملة صالحة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر شعر طرفة ولبيد وامرئ القيس، والنابغة وزهير وشعراء الطبقات كلهم حين يصفون الناقة، والذي تعفق بالأرطى، والغضف وإقعاصها، وما شبه ذلك مما ترى فيه الشعر يوغل في البداوة، حين يلتقي بنوافرها، ويصف غرائبه، وأقول: البلاغيون كانوا أدق من أن يقعوا في مثل هذه الكبيرة، ولو تأمل المعترضون عبارتهم لأدركوا ذلك؛ لأنهم يقولون في تحديد الغرابة: أن تكون الكلمة وحشية لا يظهر معناها، فيحتاج في معرفته إلى أن ينقر عنه في كتب اللغة المبسوطة، فأشاروا إلى الموسوعات اللغوية الكبرى التي لا نظن أن القاموس، والأساس واحد منها، ثم إنهم قالوا: ينفر عنها أي: يجتهد في استخراجها من هذه المطولات؛ لأنها مدفونة في أضابيرها، هم يريدون الكلمات التي توشك أن يميتها الزمن، وأن يبتلعها التاريخ، والتي يمكن أن ينتفع بها الباحث في الأصول السامة لإيغالها في القدم، وشبهها بكلمات النقوش أكثر مما ينتفع بها الأدباء وأهل الفصيح، هم يقصدون زرجون، واسفنط وخندريس بدل الخمر، وهرماس وفدوكس بدل الأسد.
(1/67)

وما كانت أريد أن أنبه إلى هذا القول لولا أني رأيت كل من يطن له طن يفتح له باب الاعتراض على أصول العلوم التي قررها العلماء، تخيل هذا الطن علما، وكتبه في مؤلف، وقرأه طلاب العلم المساكين، وحسبوه من العلم الشريف.
أما فصاحة الكلام فهي -كما قالوا- خلوصه من ضعف التأليف، وتنافر الكلمات، والتعقيد اللفظي والمعنوي.
ويراد بخلوصه من ضعف التأليف أن تكون جملة جارية علة طريقة العرب، وموافقة لقواعد النحو، فالفاعل مرفوع والمفعول منصوب وغير ذلك، فإذا اختلت هذه القواعد، أو بني الكلام على الوجوه المضعوفة لم يكن الكلام فصيحا.
وأما تنافر الكلمات فإنه يراد به ألا تتكرر كلمات ذات جرس صوتي واحد، أو متقارب جدا، فإن ذلك يثقل على اللسان ولا تهش له الآذان، والعلم في ذلك قول الشاعر: "من الرجز".
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر
فإن كلمات حرب وقبر وقرب ليست كلمات ثقيلة، وإنما ثقلها كان لما تجاورت وتنافرت.
وأما التعقيد فإنه يراد به أن تكون الكلمات واقعة على صورة من التراكيب يغمض معها المعنى، ويلتوي فيها القصد، فلا يدرك إلا بعد جهد طويل، والعرب لا يحبون الالتواء، وينفرون من الغموض الملبس، وإن كانوا يميلون في الكلام إلى الدقة واللطافة، ويحبون نوعا من التمنع الشفاف أحيانا، ومن كلامهم: خير الكلام ما كان معناه في قلبك أسبق من لفظه إلى سمعك.
فالشاعر الذي أراد أن يقول: إن ممدوحه قد بلغ من الفضائل مبلغا لم يلحقه فيه أحد من الأحياء إلا حي واحد له صلة بهذا الممدوح، فهو ابن أخته وهو ملك أيضا، هذا المعنى يصوغه الفرزدق في بيت معقد صار عندهم مثلا
(1/68)

في اضطراب تركيب الكلمات، قال يمدح إبراهيم المخزومي، وهو خال هشام بن عبد الملك: "من الطويل".
وما مثله في الناس إلا مملكا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
وأصل العبارة: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكا أبو أمه أبوه، فتعسف في التركيب، والتوى في التعبير، وقدم وأخر، وأجهدنا في فهم هذا المعنى الذي لا يساوي شيئا، وأحسب أن الفرزدق وهو شاعر فحل يعرف طبائع اللغة، وعوائد التراكيب إنما فعل ذلك تهكما بالمدح والممدوح، وولاء الفرزدق للعلويين، وعداؤه لبني أمية والممدوح منهم يغير بهذا الظن، وقد جرت عادة الشعراء على تثقيف الشعر، وصقله في خطاب الملوك ومن في طبقتهم.
وهذا الضرب يسميه البلاغيون التعقيد اللفظي، وهو يقابل التعقيد المعنوي الذي يراد هو ألا يكون انتقال الذهن من المعنى الأول إلى المعنى الثاني هو المعنى المراد، ومن الضروري أن تكون العلاقة بين الصورة، والمراد منها علاقة بينة مكشوفة، فإذا قلت: فلان كثير الرماد انتقل الذهن إلى معنى الكرم بسرعة، وكذلك إذا قلت: فلانة نئومة الضحى انتقل الذهن إلى معنى الرفاهية، وهكذا لم يتوقف الإدراك عند الدلالة المباشرة، ولكنه يثب منها إلى المراد، فإذا سمع من يألف اللغة قول ذي الرمة: "وساق الثريا في ملاءته الفجر" فهم منه انبساط ضوء الصبح، وإذا سمع قول الغنوي في ناقته: يقتات شحم سنامها الرحل، فهم منه كثرة الأسفار، وإذا سمع قول البحتري ليعقوب بن أحمد: تجرح أقوال الوشاة فريصتي، فهم منه أنه أوذي بقالة السوء، أو قوله: "من الطويل":
ولما نبت بي الأرض عدت إليكم ... أمت بحبل الود وهو رمام
لم يفهم من: نبت بي الأرض إلا معنى القلق والاضطراب، ولم يفهم من حبل الود الرمام إلا صداقة قديمة يعول عليها.
وهكذا لم يقف عند الدلالة الصريحة القريبة، أو النصيبة كملاءة الفجر التي
(1/69)

يسوق فيها الثريا، أو الرحل الذي يقتات من شحم السنام، أو الأقوال التي تجرح لحمة الكتف، وإنما يقع خاطر بسرعة على المراد، وذلك؛ لأن المسافة بين المعنى النصي، والمعنى المجازي مسافة وضيئة يسلك العقل فيها سبيلا مسيرا، وقد يكون الأمر على خلاف ذلك، فيقع الشاعر في تعقيد، والتواء حين يستخدم صورة لمعنى غير واضحة الدلالة عليه، مثال ذلك أنهم استعملوا جمود العين للدلالة على بخلها بالدموع عند إرادة البكاء، فلما استعملها الشاعر في الدلالة على ذهاب الحزن، وقرار العين وسرور النفس كان ذلك تعقيدا؛ لأن الذهن لا ينتقل من جمود العين إلى معنى السرور، وإنما ينتقل من جمود العين إلى معنى الضيق، والامتلاء بالحزن وهذا هو سبب عيبهم لقول العباس بن الأحنف: "من الطويل":
سأطلب عد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا
أراد أن يقول: سأطلب فراقكم لأنعم بقربكم، وسأبكي عليكم لأنعم بلقائكم ولتقر عيني بهذا اللقاء، بجعل قوله: "لتجمدا" كناية عن قرار النفس باللقاء والسرور، وهذا لم تألفه طرائق التعبير؛ لأن الجمود -كما قلنا- معناه البخل عند الحاجة، قالوا: ناقة جماد أي لا لبن فيها، وسنة جماد أي لا خير فيها، وكذلك العين الجمود، قال ابن يسار: "من الطويل":
ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود
فالجمود إذن لا يشير إلى السرور، ولا يحمل إلى النفس شيئًا في معنى الغبطة باللقاء، ولهذا كان ظله في البيت ظلا وخيما، وطريقه إلى المعنى طريقا كدرًا.
أما فصاحة المتكلم فهي: تلك الموهبة التي يستطيع بها المتكلم أن يعبر تعبيرا صادقا قويا عن أفكاره، وأغراضه ومشاعره، وهذه الموهبة تكتسب بكثرة المران والدرابة، والمعايشة للأساليب الممتازة، وحفظ كثير من الشعر والنثر حفظا واعيا يستوعب معانيه، ويستغرق في آماده، ويذهب في أوديته، وهذا الوعي، وهذا الاستغراق هو الوسيلة لتربية النفس التي تشعر شعورًا صحيحًا
(1/70)

وصادقًا، وتتتامل تأملا مستبطنا، وتتلقى الأشياء والتجارب، والأحداث تلقيا واعيا، فإذا وصفت ما تجد جاء وصفها قويا واضحا.
أما البلاغة فإنها لا تأتي وصفا للمفرد، فلا يقال: كلمة بليغة إذا أريد بالكلمة لفظ مفرد، وإنما يقال: كلمة بلغية إذا أريد بالكلمة القصيدة أو الخطبة، ويصح أن نطلق الكلمة على القصيدة، فنقول: كلمة الحويدرة، أو كلمة زهير.
وتقع البلاغة وصفا للكلام والمتكلم، فبلاغة الكلام أن يكون مطابقا لمقتضى الحال مع فصاحته، أي أن يكون التعبير فيه خصائص في الصياغة، وأوضاع في التراكيب، تدل هذه الخصائص وهذه الأوضاع على معان يكون بها الكلام وافيا، ومطابقا لما يتطلبه الموقف الداعي.
فحين يكون المقام داعيا الى التنويه برجل تتحدث عنه، أي حين تنفعل نفسك بمآثره وأخلاقه تقول: هو الرجل، فتذكره معرفا بهذه الأداة التي تكسبه في سياق العناية به وصف الرجولة الصادقة والكاملة، وكأنك توهم أن الرجولة بكل أوصافها، تتحقق فيه ويشتهر بها، حينئذ نقول: إن التعريف جاء مطابقا لمقتضى الحال أي مقتضى المقام: لأن المقام يتطلب التنويه، والإشادة لما هتفت دواعي النفس بذلك، فوقع الكلام وفيه خصوصية تعين على إفادة هذا المعنى، ومثل ذلك أنك تجد الطريق، وقد ملأه الناس سائرين فيه، فيقع في نفسك أن هذا الطريق كأنه هو الذي يسير، فلا تقول: سار الناس في الطريق، وإنما تقول: سار بهم الطريق، والتعبير الثاني أكثر ملاءمة لحالة نفسك التي أحست، أو خيل إليها أن الطريق سير، لا أريد لك أن تكذب في التعبير، وأن تدعي أنك تحس هذا، وإنما أقول لك: إنك حين تحس أن الطريق يمور، ويتحرك يكون قولك: سار بهم الطريق، مطابقا لما يتطلبه حال النفس الداعي إلى الوصف الصادق، وإذا قلت: سار الناس في الطريق، لا تكون العبارة مستوفية لإحساسك بكثرة السير حتى كأن كل بقعة في الطريقة عليها إنسان يسير، والعبارة إذن ليست مطابقة لمقتضى الحال، وعكس هذا إذا كنت
(1/71)

لم تحس هذا الإحساس، وإنما رأيت ناسًا يسيرون، ولم يقع في نفسك شيء وراء ذلك يكون من الكذب في الوصف أن تقول: سار بهم الطريق؛ لأن الطريق لم يسر بهم، أو؛ لأن نفسك لم تحسب سير الطريق بهم، والتعبير الملائم أن تقول: سار الناس في الطريق، تصف وصفا تقريريا لا عاطفة فيه؛ لأن الذي رأيته ليس
له بعد وراء هذا، والذي أريد أن أقرره أن المطابقة تعني أولا المطابقة لحال النفس والشعور، ولذلك يكون التهويل، والكذب على النفس مخالفا للمطابقة، وخارجا عن حد البلاغة، المطابقة إذن تعني الصدق، والوفاء بما في النفس، أو كما قال العلوي: "أن تصل عبارتك كنه ما في قلبك".
والحال عند البلاغيين هو الأمر الذي يدعو المتكلم إلى أن يعتبر في كلامه خصوصية ما، أي هو ذلك الداعي الذي يهتف بالفطرة الصادقة إلى أن تجري صياغة العبارة على طريق دون آخر، فالخنساء لما استعر في ضميرها الحزن الكارب على موت صخر قالت: "من البسيط":
فما عجول لدى بو تطيف به ... لها حنينان إعلان وإسرار
أودى به الدهر يوما فهي مرزمة ... قد ساعدتها على التحنان أظآر
ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
يوما بأوجع مني يوم فارقني ... صخر وللعيش إحلاء وإمرار
السليقة البيانية ألهمت الخنساء هذه الخصوصيات في أداء تجربتها الحزينة، فأسكبت حزنها على هذه الصورة الماثلة في الناقة التي فقدت ولدها، ثم خدعت فصنع لها ولد من جلد، فأخذت تطوف حوله في حنين دافق يعلو ويهبط، وهناك نوقف يحاوبنها التحنان، فيشجيها ذلك الترجيع فتحمي وتندفع، إذا غفلت هذه الناقة قليلًا رعت، فإذا ما تذكرت حركها الحزن حركة طائفة، فتصير لفرط هذه الحركة كأنها الإقبال والإدبار.
علم تقل الخنساء فهي مقبلة مدبرة؛ لأنها أرادت التوكيد وبيان فرط الحركة،
(1/72)

ودعاها المقام إلى هذه الصورة، كما دعاها إلى هذه الخصائص، فأخبرت عنها بالإقبال، والإدبار لتصف إحساسها بالناقة، وأنها صارت إقبالا وإدبارًا، وكذلك قالت: "إنما هي إقبال وإدبار"، ولم تقل: فما هي إلا إقبال وإدبار لتومئ إلى أن صيرورتها إقبالا، وإدبارا عندها أمر واضح لا إنكار فيه، وتنكير يوما في قولها: "أودى به الدهر يومًا"؛ لأنها أرادت يوما حزينا مليئا بالهم والغم، فهو نوع خاص من أنواع الأيام ينكره حسها.
إذن الحال، أعني المعاناة التي عانتها الخنساء، هو الذي ألهمها هذه الخصائص التي صاغت فيها معاناتها لتكون تلك الصياغة وافية مطابقة.
والحال، في الأمثلة السابقة، هو الذي دعاك إلى التعريف في الرجل، وأن تقول: هو الرجل بدل هو رجل، وهو الذي دعاك إلى أن تقول: سار بهم الطريق بدل ساروا في الطريق، أما مقتضى الحال، فهو الأمر العام الذي يقتضيه الحال كالتعريف، والتنكير أو التقديم أو التجوز في النسبة، أو الحذف أو التشبيه أو غير ذلك من الأحوال المختلفة التي يرد عليها التعبير.... ومطابقة هذا لمقتضى الحال هو ما ترد عليه العبارة كالتعريف الوارد في قولك: هو الرجل، والتنيكر في قولها: يوما، والتجوز في قولها هي إقبال أي هو واحد من آحاد التعريف جاء عليه الكلام، أو واحد من آحاد التنكير إلى آخره، وهذه فروق دقيقة.
قال الخطيب: "ومقتضى الحال مختلف فإن مقامات الكلام متفاوتة، فمقام التنكير يباين مقام التعريف، ومقام الإطلاق يباين مقام التقييد، ومقام التقديم يباين مقام التأخير، ومقام الذكر يباين مقام الحذف، ومقام القصر يباين مقام خلافه، ومقام الفصل يباين مقام الوصل، ومقام الإيجاز يباين مقام الإطناب والمساواة، وكذلك خطاب الذكي يباين خطاب الغبي، وكذا لكل كلمة مع صاحبتها مقام".
والكلام الذي تتوفر فيه الخصائص المشيرة إلى ألوان المعاني هو الكلام الجيد الممتاز، وترتفع منزلته وتنخفض تبعا لهذه الحالة، فكلما كان الكلام بخصائص تراكيبه أكثر شمولا، واستيعابا للفكر والشعور كان أعلى، وواضح
(1/73)

أن كثرة الخصوصيات التي هي من عوامل ارتفاع شأن الكلام، والحكم عليه بالجودة هي الخصوصيات التي وراءها رصيد من الأفكار، والمعاني كما بينا.
أما بلاغة المتكلم فهي مقدرته، أو موهبته التي يستطيع بها أن يعبر تعبيرًا بليغًا، أي يبلغ مواطن الحس، والشعور من النفس المتلقية.
وقد تقسمت مباحث البلاغت في ثلاثة أقسام أو ثلاثة علوم، فهناك بحوث تعنى بالصياغة وأحواله، وموقع الكلمة المفردة، فتبحث التعريف والتنكير والتقديم والتأخير، والحذف والذكر والقصر والفصل، والوصل وغير ذلك مما له صلة بأحوال التراكيب، وهذه البحوث سماها البلاغيون علم المعاني.
وهناك بحوث تعنى بدراسة التصوير البياني الذي يستعين به الأديب على البوح بما في نفسه، وإبرازه مثل التشبيه والمجاز والكناية، وهذه البحوث يسميها البلاغيون علم البيان.
وهناك بحوث تعنى بما في النص من ألوان التحسين، ووجوه الصقل والتثقيف، فإن العرب يحبون أن تكون كلماتهم حلوة، تتفتح لها النفوس، وتستجيب لها القلوب، والضمائر وذلك لحرصهم على أفكارهم، ومعانيهم وخواطرهم، فالعناية باللفظ عندهم فرع العناية بالمعنى، يقول ابن جني: "فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظها وحسنوها، ونقحوا حواشيها وهذبوها، وصقلوا غريبها وأرهفوها، فلا ترين أن العناية إذا ذاك إنما هي بالألفاظ بل هي عندنا خدمة منهم للمعاني، وتنويه بها، وتشريف لها"، والبحثو التي تعنى بألوان التزيين والتحسين، كالسجع والجناس والطباق، والمقابلة بحوث سماها البلاغيون علم البديع.
فعلوم البلاغة ثلاث هي: المعاني، والبيان، والبديع.
وهناك مناقشات حول صواب هذا التقسيم وخطئه، وكذلك حول منشئه في تاريخ البلاغة، شغل بهذا كثير من المعاصرين، ولا نريد الخوض فيه؛ لأنه ليس مهما في سياقنا هذا.
(1/74)

علم المعاني:
عرفه البلاغيون بقولهم: هو علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال.
أي هو العلم الذي يبحث أحوال اللفظ مثل التعريف، والتنكير والذكر والحذف، والإظهار والإضمار، وغير ذلك، ويتبين كيف تكون هذه الأحوال واقعة في الكلام موقعا تطابق دواعي النفس؟ ولم تأت زائدة ثقيلة، ولا متكلفة كريهة، وهذه الأحوال هي التي نسميها الخصائص، أو الكيفيات أو الهيئات.
وعلم النحو، قد درس هذه الأحوال، أعني الحذف والذكر وغيرها، ولكن دراسته لها تناولت جهة أخرى، فهو يبين جواز التقديم وامتناعه، ووجوبه، وجواز الحذف وامتناعه ووجوبه، وأنواع التعريف وأحكام التنكير، ولم يتناولها من حيث وقوعها مطلبا بيانيا يقتضيه المقام ويدعو إليه الحال، وقد حصر البلاغيون أبواب هذا العلم في ثمانية:
1- أحوال الإسناد الخبري.
2- أحوال المسند إليه.
3- أحوال المسند.
4- أحوال متعلقات الفعل.
5- القصر.
6- الإنشاء.
7- الفصل والوصل.
8- الإيجاز والإطناب.
(1/75)

وهذه الأبواب تولدت من جولان نظرهم في العبارة، وارتبط بعضها ببعض وارتباط وثيقا.
فالجملة تتكون من مسند إليه، ومسند، وإسناد، فهذه ثلاثة أبواب.
وإذا كان المسند فعلا، أو شبهه تعلق به كلام آخر له أحوال، فهذا هو باب أحوال متعلقات الفعل، وقد يرد الكلام على طريقة القصر، ثم إن علاقة الجملة بالجملة قد تقتضي وصلها بها أو فصلها عنها، فهذا باب سادس، ثم إن مجموع الجمل ينظر ليها من ناحية طولها، أو قصرها بالنسبة للمعنى أعني وجازتها، أو إطنابها فهذا باب سابع، وقد يكون الكلام على طريقة الإنشاء أي ليست له نسبة تطابقه أولا تطابقه كالأمر، والنهي فهذا باب ثامن.
وتتناول هذه الدراسة أحوال الإسناد الخبري، وأحوال المسند إليه، وأحوال المسند، وأحوال متعلقات الفعل.
(1/76)

الفصل الثاني: أحوال الإسناد الخبري
مدخل
...
الفصل الثاني: أحوال الإسناد الخبري:
1- أغراض الخبر.
2- أضراب الخبر.
3- التجوز في الإسناد.
من الواضح أننا لا نستطيع أن ندرك من اللغة غرضًا، ولا أن نفيد منها معنى إلا إذا ارتبطت كلماتها بعضها ببعض، وصارت كل لفظة متصلة بالأخرى نوعا من الاتصال، وفي ضوء هذا الترابط، وهذه الصلات تكمن المعاني، والأفكار التي تحتويها النصوص اللغوية، وتحفظها في بنائها الحي، تراثا خالدا، وفكرا حيا، ومهارة الأديب، ونبوغ الشاعر، وعبقرية اللغة، كل هذا يكمن فيما بين الكلم من ترابط وصلات، فحذق الأديب والشاعر يظهر في مقدرته الفائقة على صياغة كلم اللغة، صياغة بصيرة واعية، تصف كل خاطرة من خواطر نفسه، وتفصح عن كل فكرة تومض في كيانه، أو شعور يختلج في مطاويه، وعبقرية اللغة تكمن في مرونتها، وطواعيتها وإفادتها دقيق المعاني، بوجوه وفنون الصياغة، فتصف بهيئة الكلمة وتشير بخصوصية التركيب، وليس هنا موضع التفصيل في هذا، ولكني قدمته لأقول: إن الإسناد أصل الفائدة ومناطها، فليست معاني الشعر وقضايا الفكر، وروايات التاريخ، وأصول العلوم كلها إلا فكرا ومعاني، ودلالات هي ولائد الإسناد وبناته، والإسناد يعني أن تثبت الشيء
للشيء أو تنفيه عنه، كقولك: جاشت أشواقه، فقد أثبت الجيشان للأشواق فالجيشان مثبت، والأشوق مثبت له، فلو قلت: الأشواق.. الجيشان ... لم تفد شيئا، وإنما أفدت بالإثبات وبأن قلت: جائت أشواقه، فأثبت للأشواق فعلا وحدثا هو الجيشان.
(1/77)

وهذه الكلمات: كل-يطول-الصب-على-تمام-الليل-أم مالك-ليالي-يا- تنظر إليها، فلا تقع منها على شيء، فإذا مارتبها ابن خفاجة، وجعل كل واحدة منها، تتصل بالأخرى نوعا من الاتصال رأيت فيها معنى شعريا ممتازا عامرا بالشوق، والحنين والشجى، قال: "من الطويل":
يطول علي الليل يا أم مالك ... وكل ليالي الصب فضل تمام
والبلاغيون يسمون المثبت حديثا أو مسندا، والمثبت له محدثا عنه أو مسندا إليه، يقول عبد القاهر: "ومختصر كل أمر أنه لا يكون كلام من جزء واحد، وأنه لا بد من مسند إليه ومسند".
والبلاغيون يدرسون في أحوال الإسناد الخبري ثلاث مسائل، الأولى: أغراض الخبر، الثانية: أحوال الخبر من حيث التوكيد، وعدمه أو أضربه، الثالثة، حال الإسناد من حيث هو حقيقة أو مجاز.
(1/78)

- أغراض الخبر:
قالوا: إن قصد المخبر بخبره إما أن يخبرك مضمون الخبر، وفائدته مثل أن يقول لك: جاء فلان وأنت لا تعرف هذا، ويسمى هذا فائدة الخبر.
وإما أن يخبرك لازم الفائدة، مثل أن يقول لك: اسمك محمد فأنت تعرف اسمك، ولكنه أراد أن يخبرك أنه يعرف اسمك، فهو لا يفيدك فائدة الخبر، وإنما يفيدك لازم الفائدة أي أنه يعرف الخبر.
ثم إنهم حين قالوا: إن قصد المخبر بخبره إفادة المخاطب إما نفس الحكم، أو لازمه، بينوا مرادهم بالمخبر وهو كما يقول سعد الدين: "من يكون بصدد الإخبار والإعلام لا من يتلفظ بالجملة الخبرية"، فهذا المخبر للذي هو بصدد الإعلام هدفه من التعبير بين واضح، وإحاطة العبارة بهذا الهدف أمر ميسور ما دام ذلك جاريا في أساليب التخاطب، أما المخبر الذي ينطق
(1/78)

بالجملة الخبرية أعني الذي يصطنع اللغة في أفقها الأوسع، ومجالاتها الرفيعة، فإن قصده بخبره يتعدد المثيرات التي تدفعه إلى القول وتحثه عليه، والمثيرات التي تحث على القول، أعني خواطر النفس وهواجسها، ولا يتصدى عاقل إلى حصرها، وإن كان يصح أن نقول في سياق العموم، والإطلاق أن غرض الشاعر بشعره في أغلب أحواله قد يكون الرغبة في إثارة انفعال مشابه لدى القارئ فتتحقق المشاركة النفسية والوجدانية، فيعيش القارئ طربه إن كان طروبا، أو أساه إن كان حزينا، وفي هذه المشاركة متعة الشاعر وهدفه، وقد يكون غرض الشاعر هو الشعر نفسه أي هو هذه الدندنة الشعرية التي يتسلى بها حين يفرغ على قيثارته ألحان نفسه، الذي يعينه هو أن يقول: وليس يعنيه أن يسمع، ونحن في دراستنا لشعره نقول: إنه يقصد كذا وأنه أراد أن يصف لنا كذا، مثل أن نقول في قول متمم بن نويرة: "من الطويل"
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا
الشاعر هنا يتلهف على ما فات، وتوجعه ذكرياته التي لا سبيل إلى رجوعها، ومثل أن نقول في قول عمرو بن كثلوم: "من الوافر".
إذا بلغ الفطام لنا رضيع ... تخر له الجبابر ساجدينا
الشاعر هنا مدل بعظمته وقوته، ويكاد يتفجر نفاجة واقتدارًا، ومثل قولنا في قول ابن خفاجة:
يطول على الليل يا أم مالك ... وكل ليالي الصب فضل تمام
أن الشاعر هنا يتدله، ويقصد إلى إظهار الوجد والصبابة.
فنحن في دراسة الشعر، والنثر لانشغل بهذا الذي قالوه في قصد المخبر بخبره أي إفادة الفائدة أو لازمها.
وقد نبه البلاغيون إلى هذا، أي إلى أن الخبر غالبا ما يقصد به أغراض تتجاوز حدود الفائدة، ولازمها، يقول سعد الدين: "كثيرا ما تورد الجملة
(1/79)

الخبرية لأغراض أخرى سوى إفادة الحكم، أو لازمه كقوله -تعالى- حكاية عن امرأة عمران: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} 1 إظهارا للتحسر على خيبة رجائها، وعكس تقديرها، والتحزن إلى ربها؛ لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكرًا، وقوله -تعالى- حكاية عن زكريا عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} 2 إظهارًا للضعف والتخشع، وقوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} 3، الآية، إدراكًا لما بينهما من التفاوت العظيم، ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته، ومثله: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} 4 تحريكا لحمية الجاهل، وأمثال هذا أكثر من أن يحصى".
__________
1 آل عمران: 36.
2 مريم: 4.
3 النساء: 95.
4 الزمر: 9.
(1/80)

أضرب الخبر:
يراد بالبحث في هذا الموضوع دراسة الخبر من حيث التوكيد وخلافه، والبلاغيون يقولون: إن المخاطب إذا كان خالي الذهن من الحكم بأحد طرفي الخبر على الآخر والتردد فيه، استغنى في صياغة الجملة عن المؤكدات كقولك: جاءني زيد وأكرمت عمرا لخالي الذهن؛ لأن هذا الخبر يتمكن في نفسه من غير توكيد لمصادفته إياه خالياه، كما قالوا:
وإن كان المخاطب متردد في إسناد أحد الطرفين إلى الآخر -أعني في النسبة- حسن في هذه الحالة تقوية الخبر بمؤكد مثل: لزيد قائم أو إن زيدا قائم.
وقد لحظ البلاغيون أن وجود التردد في النفس يتقضي هذا الضرب من الصياغة المؤكدة، ولو كان الخبر على وفق ظن المخاطب، فأنت تقول: إنه صواب للمتردد
الذي يميل إلى أنه صواب، وليس فقط للمتردد الذي يميل إلى
(1/80)

أنه ليس بصواب، وسبب التوكيد بالنسبة إلى الثاني ظاهر، أما بالنسبة إلى الأول، فإنه لوحظ أن النفس حين تتردد تصير في حاجة إلى قدر من التوثيق، وإن كان الحكم على وفق ظنها؛ لأن ما تظنه وتمثل إليه هي أيضا في حاجة إلى توكيده، وهذا ملحظ نفسي دقيق، وسوف يتضح من سياق الشواهد، أما إذا كان المخاطب منكرا، فإنه لا بد من التوكيد، وهذا التوكيد، يختلف قلة وكثرة على وفق أحوال الإنكار، فإن كان إنكاره إنكارًا غير مستحكم في نفسه أكد بمؤكد واحد، وإن كان مستحكمًا تضاعفت عناصر التوكيد بمقدار تصاعد حالة الإنكار؛ لأن وظيفة الخبر حينئذ هي تثبيت هذا المعنى في تلك النفس الرافضة له، فلا مفر من أن تكون قوة العبارة، ووثاقتها ملائمة لحال النفس قادرة على الإقناع، وخير شاهد يصور هذا الأصل النفسي الدقيق في بناء الأسلوب، تلك الآية الكريمة التي تصف لنا حوار المرسلين مع أصحاب القرية، قال سبحانه: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ، إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ، قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ، قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} 1.
ترى خطاب الرسل -عليهم السلام- لأصحاب القرية مؤكدا في الصورة الأولى بأن واسمية الجملة، وذلك؛ لأنهم منكرون رسالتهم، كما يدل عليه قوله: فكذبوهما، وقد رد أصحاب القرية كلام الرسل بعد هذا الخطاب الأول بقولهم: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} ، أي لستم رسلا؛ لأنهم يعتقدون أن الرسول لا يكون بشرا، وهو كما ترى أسلوب مؤكد بالنفي والاستثناء، ثم أردفوا ذلك بقولهم: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ} ، وهذا تأكيد ثان لنفي الرسالة عنهم بصورة أبلغ؛ لأنهم في هذه الجملة الثانية ينكرون أنه الله أنزل شيئا عليهم وعلى غيرهم، ثم أردفوا ذلك بقولهم: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} ،
__________
1 يس: 13-16.
(1/81)

فوسموا رسل الله المكرمين بالكذب بهذا الأسلوب المؤكد، فرد الرسل الكرام عليهم بعد هذا العناد، والإنكار والتطاول بقولهم: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} ، عادوا إلى القضية الأولى وكرروها -وهذا ضرب من التوكيد- ثم أضافوا إلى صياغتها ألوانا جديدة من التوثيق، والتوكيد فجاءت كما ترى مؤكدة بأن وإسمية الجملة، واللام ومصدرة بقولهم: {رَبُّنَا يَعْلَمُ} .
فقد وضح إذن كيف تتكاثر عناصر التوكيد وفقا لتصاعد أحوال الإنكار في هذا الحوار القرآني الخصب الذي يحتاج إلى تأمل، ومراجعة تكتشف فيه طبيعة العقلية المعاندة؟ وكيف كانت تنحرف في حوارها عن طلب الحقيقة، ومنهج الاحتجاج القويم؟ فلم يطلبوا من الرسل -عليهم السلام- برهانا على دعواهم كما يفعل الراغبون في التعرف على الحق، وإنما رفضوا الدعوى وكان رفضهم مبنيا على مسلمة خاطئة هي رفض بشرية الرسول، وهكذا عقلية الجاهلية في كل زمان تعتقد مسلمات، وتحاول ترسيخها في عقول الجماعات من غير أن تأذن لنور البصيرة، والحجة بمناقشتها وتمحيصها، ثم تجعل هذه المسلمات أساس حوارها في بث الجاهلية، وتضليل الجماعات، ثم تأمل كيف جرى التناقض على ألسنتهم من حيث لا يشعرون؟ فهم يقولون: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ} ، فذكورا أن الله لم ينزل شيئا بهذا العموم وهذا الإطلاق، ثم ذكروا ذا الجلال بصفة الرحمة وهي صفة تقتضي إرسال الرسل عليهم السلام؛ لأن رسالتهم رحمة، فكيف يمسك الرحمن عن هداية خلقه، ثم تأمل كيف يتركون قية الخبر، ويهاجمون شخص المخبر؟ ويقولون: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} ، وكم يشيع الجبابرة، والطغاة قالة السوء عن دعاة الخير والحق؟ ثم تأمل الجانب الآخر ي الحوار تجد دعاة الحق لم يتأثروا بتلك الانحرافات في أسلوب تعاملهم مع الجاهلية الرافضة لعدل الله في الأرض، وإنما ظلوا محافظين على طريق الصواب، فكرروا القضية التي هي أساس الحوار، وواجهوهم بما يهربون منه، فقالوا في تصميم وإيمان:
(1/82)

{رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} 1، أقول: إن هذا ومثله مما يجب على دارس بلاغة القرآن، وآداب اللغة أن يطيل النظر فيه، وما أعظم هذا المثل وما أروع دلالته على ما نحن فيه، راجع وتأمل، وانظر حولك، واقرأ الواقع الحي كما تقرأ الكتاب.
وانظر قوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا، وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى، وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى، وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى، وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى} 2.
تجد التوكيد بضمير الفصل في قوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} ؛ لأنه يظن أن الناس يضحكون، ويبكون بالبناء للمعلوم، أي يسرون غيرهم ويحزنونهم، فأكد اختصاصه -سبحانه- بذلك ليبطل أن يكون لغيره سبحانه فاعلية في شئون عباده حتى الإضحاك والإبكاء، وهي أقرب الأفعال إلى أن تكون مظنة للشركة، وجاء بالضمير أيضا في قوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} ؛ لأنه قد يظن أن الإنسان يميت بالقتل أو يحيي بالقوت، هذا ما يفهم من كلام العلوي، ولا يبعدي عندي أن يكون للرد على من ينكرون الإحياء بعد الإماتة، ثم لم يأت بالضمير في الآية التي بعدها؛ لأن خلق الإنسان مما لا تظن الشركة مع الله في فعله، ثم إن المعاندين أنفسهم لم يتشددوا في إنكار مخلوقيتهم لله؛ لأنهم يقولون في السموات والأرض: {خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} 3؛ وأكد في قوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى} ؛ لأنه مما يظن فيه الشركة، وذلك واضح، فقد يعتقد الإنسان أنه يقني غيره، أو أنه يقني نفسه، فاستأصل ذلك ليقرر في الضمير أن العطاء، والمنع في قبضة واحد لا شريك له، وبذلك لا يتطلع المسلم إلا إلى السماء، هذا معنى لو تأملت آثاره في تكوين الذات لوجدته كبيرا جدا، ومعنى أقنى: أعطى القنية وهي
__________
1 يس: 16.
2 النجم: 43-50.
3 الزخرف: 9.
(1/83)

-كما يقول الزمخشري: "المال الذي تأثلته، وعزمت ألا تخرجه من يدك"، ثم أكد: {هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} ؛ لأن خزاعة كانت تعبدها، فأكد بربوبيتها له سبحانه، وقال: رب الشعرى ولم يقل: إله الشعرى؛ لأن الربوبية فيها إشارة إلى أنها مخلوقة له سبحانه، فكيف تعبد من دونه؟ ثم قال: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا} من غير تقرير؛ لأن استئصال قوم مما لا تظن فيه الشركة، وهكذا نجد نبرة التوكيد
تعلو، وتهبط في مراقبة دقيقة، وبالغة لمواقع المعاني في النفوس، وما تنطوي عليه دواخلها، وسبحان المحيط بالأسرار.
واضح أن مراعاة هذه الأحوال الثلاثة في صياغة الجملة، أعني عدم التوكيد لخالي الذهن، والتوكيد للمتردد، والمنكر حسب إنكاره -أمر يجري على الأصل، ويوافق ما يقتضيه ظاهر حال المخاطب، والبلاغيون يسمون الأول الضرب الابتدائي، والثاني الطلبي والثالث الإنكاري، ومناسبة التسمية واضحة؛ لأنك في الأول تبتدئ به المعنى في النفس، والثاني تواجه تددا، وكأن النفس طالبة للخبر والثالث تواجه به إنكارًا.
وقد يجري الكلام على خلاف الظاهر من حال المخاطب أي أن المتكلم لا يعتد بهذا الواقع في صياغته، وإنما يجري على أمور اعتبارية تنزيلية يلحظها هو، ويعتبرها مقامات يصوغ عبارته على مقتضاها، وذلك موطن دقيق، لا يهتدي إلى مواقعه الشريفة إلا ذكي النفس دقيق الحس واسع الخيال.
فمن ذلك أن تكون الجملة، أو الجمل السابقة متضمنة إشارات، أو إيماءات تثير في النفس المتلقية تساؤلا، فتسعفها الجملة الثانية بما يزيل التردد، ويجيب عن هذا الهمس، فيدخل قدر من التوكيد في بناء العبارة ليواجه هذا التردد، ومن ذلك الجمل المؤكدة في الكلام الفصيح، والواقعة عقب الأمر والنهي، أو الإرشاد والتوجيه، انظر إلى قول ابن المقفع: "لا تكونن نزر الكلام والسلام، ولا تفرطن بالهشاشة والبشاشة، فإن إحداهما من الكبر، والأخرى من السخف، وقوله: فإن أحداهما من الكبر جاء مؤكدا؛ لأنه تعليل لهذا النصح، وكأنه حين
(1/84)

نهى عن النزر في القول، والإفراط في الهشاشة تطلعت النفس المتلقية إلى معرفة سبب ذلك، وصارت كأنها مترددة، فأسعفها بهذه الجملة المؤكدة، وتلك خصوصية بارزة في أسلوب ابن المقفع، وخاصة حين يجري قلمه بالتوجيهات الراشدة، والآداب النافعة، فمن ذلك وهو مثل سابقه: "احرص الحرص كله على أن تكون خبيرًا بأمور أعمالك، فإن المسيء يفرق من خبرتك، قبل أن تصيبه، قبل أن تصيبه عقوبتك، وإن المحسن يستبشر بعلمك قبل أن يأتيه معروفك، ليعرف الناس فيما يعرفون من أخلاقك أنك لا تعاجل بالثواب، ولا بالعقاب فإن ذلك هو أدوم لخوف الخائف، ورجاء الراجي".
ومن المشهور في هذا الباب قصة أبي عمرو بن العلاء، وخلف الأحمر مع بشار في بيته المشهور: "من الخفيف"
بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير
فقد قال له خلف لما سمع القصيدة: "لو قلت -يا أبا معاذ- مكان أن ذاك النجاح- بكرا، فالنجاح كان أحسن"، فقال بشار: "إنما بنيتها أعرابية وحشية، فقلت: إن ذاك النجاح، ولو قلت: فالنجاح كان هذا من كلام المولدين، ولا يشبه ذلك الكلام، ولا يدخل في معنى القصيدة"، فقد أدرك بشار أن التوكيد في الأسلوب يجعله أشبه بالفطرة الأصيلة الصادقة، وذلك؛ لأنه لما أمر بالتبكير في صدر البيت أحس أن السامع صار في حاجة إلى أن يعرف علة هذا الأمر بصورة مؤكدة؛ ليكون ذلك أدعى إلى قبوله فأكد، ولو قال: فالنجاح هكذا كلاما مرسلا من غير توكيد لم تكن الصياغة أشبه بالفطرة الواعية لأسرار النفس، عبارة بشار أفضت إلى اختلاجة النفس المتلقية، واستشفت حاجتها إلى التوكيد، وجاءت على مذهب الكلام الأول.
ويكثر هذا الأسلوب في الكلام العزيز، انظر إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} 1، لما أمر بتقوى
__________
1 الحج: 1.
(1/85)

الله، وحذر عقابه استشرقت النفس إلى معرفة السبب، وكأنها توقعت عقابا فأردفه بقوله: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} ، وقوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} 1: لما نهاه عن الحزن اشترفت نفس صاحبه إلى معرفة السبب في هذا النهي؛ لأن الحزن له سلطان على النفوس في مثل هذا الموقف لقوة داعية، فكان النهي عنه أمرا غريبا يحتاج إلى بيان علته، فقال: {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} ، فذكر ما يقتلع الخوف والقلق، ويبث الرضا واليقين.
وقوله تعالى: {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ} 2، لما سوى بين إنفاقهم طائعين، وإنفاقهم مكرهين في أن كليهما مردود عند الله تطلعت النفس إلى معرفة علة هذا الموقف الغاضب، فقال: {إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ} .
قوله سبحانه: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} 3، لما قال سبحانه: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا} تهيأت النفس؛ لأن تظن أنهم مغرقون، وذلك واضح جدا إذا نظرت إلى ما قبلها، اقرأ قول تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ، وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} 4، فقد أشار في السياق إلى أنهم لم يؤمنوا، ثم أمره بصنع الفلك ثم قال: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا} ، فأومأ هذا كله إلى أنهم سيغرقون، وإشارة الأمر بصناعة الفلك إلى الغرق إشارة ظاهرة، وهذه الأساليب، وخاصة هذه الآية الأخيرة توضح لنا ما نبهنا إليه من أن الخبر يؤكد في خطاب المتردد، ولو كان موافقا لظنه، ولهذا رد البلاغيون قول
__________
1 التوبة: 40.
2 التوبة: 53.
3 هود: 37، المؤمنون: 27.
4 هود: 36-37.
(1/86)

عبد القاهر، أن الجواب يؤكد إذا وقع على خلاف ظن المخاطب؛ لأن مجرد التردد يحتاج إلى حسم بالتوكيد، هذا كله كما قلنا: يكون المخاطب فيه غير متردد، ولكنه يجعل في صياغة الكلام كأنه متردد؛ لأن الكلام السابق فيه ما يثير تساؤلًا حتى كأن النفس اليقظى، والفهم المتسارع يكاد ذلك ويلتفت إليه، كما يقول العلامة سعد الدين.
وقد ينزل المنكر منزلة غير المنكر لعدم الاعتداد بإنكاره؛ لأنه ليس له دليل عليه، ولو أنصف، ونظر نظرة متأنية لعدل عن هذا الإنكار.
الإنكار القائم في نفس المخاطب لم يلتفت إليه الأسلوب ولم يعبأ به، وساق الكلام كما يساق إلى النفس الخالية من الإنكار، وهذا مثل سابقه فن دقيق لا يهتدى إلى مسالكه إلا بصير بسياسة الكلام، ثم إن له أثره الغالب في النفس حين تجد الكلام الذي يواجه الرفض، والجحود خاليا من الاحتفال والتوكيد، خافت النبرة، هامسا بالحقيقة في غير جلجلة وضجيج، وتجد هذا في كتاب الله كثيرا جدا.
انظر قوله يخاطب المؤمنين والمنكرين: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} 1 لا تجد في هذا الخبر العظيم الذي يفيد أن كل ما في السموات والأرض من ناطق، وصامت وجبال وبحار، وكواكب كل ذلك يسبح للملك القدوس، هذا خبر يرج النفوس رجا، ثم هو منكور عند الجاحدين، ولكن القرآن لم يعبأ بهذا، وساق الحقيقة الضخمة في هذا الهدوء الواثق الحكيم.
ومثله قوله تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} 2، وقوله: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} 3،
__________
1 الجمعة: 1.
2 غافر: 2.
3 الحديد: 5.
(1/87)

وقوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} 1، وقوله: {قُلْ هُوَ رَبِّي} 2، وقوله: {اللَّهُ رَبُّنَا} 3 إلى آخر هذه القضايا التي دار حولها النظر وجهدت فيها العقول، وأنكرها المنكرون، القرآن يسوقها كما ترى ولها في هذا المساق سلطان غالب عند من يحسنون الإصغاء إلى الكلمة، والبلاغيون يذكرون من أمثلة هذا الوجه قولك لمن ينكر الإسلام: الإسلام حق، من غير توكيد؛ لأنك ترفض إنكاره حيث لم يكن له دليل عليه؛ ولأن بين يديه من الأدلة، ما إن تأملها رجع عن هذا الإنكار، وهذا من الكالم الحلو ويذكرون أيضا قوله تعالى: {لَا رَيْبَ فِيهِ} 4؛ لأن هذه الحقيقة -أعين نفي الريب عن كتاب الله- ينكرها كثير من المعاندين، ولكن القرآن لم يعتبر هذا الإنكار، وحين تفتح المصحف تجد مثل هذا الأسلوب يكثر في كتاب الله كثيرًا، ولست في حاجة إلى ذكر شواهد منه أكثر من ذلك، وعليك أن تتأمل، ورحم الله شيوخنا الذين كانوا يقولون: إنهم لا يعلمون طلابهم، وإنما يعلمونهم كيف يتعلمون، ويذكرون الشاهد، ثم يقولون وعلى ذلك فقس.
ويقرب من هذا في الشعر هذا الأساليب التي تصوغ الحقائق الضخمة صياغة خالية من التوكيد والاحتفال، تجدها تنفذ إلى القلوب نفاذا ربما لم يتهيأ لها إذا كانت في أسلوب التوكيد والتقرير، وكان زهير بارعًا في هذا الباب، انظر قوله: "من الطويل"
تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
أخي ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله
بكرت عليه غدوة فرأيته ... قعودا لديه بالصريم عواذله
يفدينه طورا وطورا يلمنه ... وأعيا فما يدرين أين مخاتله
__________
1 الفتح: 29.
2 الرعد: 30.
3 الشورى: 15.
4 البقرة: 2.
(1/88)

وقوله: "من الطويل":
وفيهم مقامات حسان وجوههم ... وأندية ينتابها القول والفعل
وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفى بأحلامها الجهل
على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل
وكل بيت من هذه الأبيات يصف فضيلة من الفضائل الكبيرة، وسوق مثلها يحتاج إلى توكيد، وتقرير حتى تأنس بها النفوس، ولكن الشاعر سلك طريقا آخر، فخيل بذلك أن الذين يسمعون هذه الخلائق منسوبة إلى هؤلاء الأقوام لا يستكثرونها، وذلك لما عرف عنهم من أنهم مظنة لكل فضيلة من فضائل الجود والشجاعة، والحكمة والعزم، وكأن الشاعر يقول فيهم ما يعرفه الناس عنهم، والمتنبي يقول لسيف الدولة في أمر بني كلاب: "من الوافر"
وتملك أنفس الثقلين طرا
... فكيف تحوز أنفسها كلاب؟
فيعبر عن ملك سيف الدولة لأرواح الإنس، والجن بهذا الأسلوب المرسل من التوكيد، فيوهم أنها حقيقة مقررة لا ينكرها أحد، فيكف يسوقها في صيغة التوكيد؟
وقوله الحطيئة: "من الطويل"
تزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد
كسوب ومتلاف، إذا ما سألته ... تهلل واهتز اهتزاز المهند
متى تأته تعشوا إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
البيت الأخير يجعل الممدوح خير أهل الأرض من غير تقرير واهتمام، وهذا كثير جدا.
وقد ينزل غير المنكر منزلة المنكر إذا بدأ عليه شيء من أمارات الإنكار، فيخاطب بأسلوب التوكيد في الأمر الذي لا ينكره، والبلاغيون يذكرون في ذلك قول حجل بن نضلة الباهلي: "من السريع"
(1/89)

جاء شقيق عارضا رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح
فالشاعر لما رأى شقيقا قد أقبل غير مكترث بالقوم؛ لأنه جاء عارضا رمحه، أي واضعه على عرضه وجاعله على فخذه غير متهيئ للقاء اعتبره الشاعر منكرا لقوتهم وسلاحهم؛ لأن هيئته هيئة المنكر، وإن كان في حقيته غير منكر، فقال له: إن بني عملك فيهم رماح، وتقول للمسلم المهمل في أداء الصلاة: إن الصلاة واجبة تنزله منزلة المنكر، ومنه قوله تعالى: {وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا} 1، فإتيان الساعة حقيقة غير منكرة، ولكن الموقف العملي للمسلمين من هذه الحقيقة كأنه إنكار لها؛ لأنهم يتصرفون تصرف من لا يؤمن بها، ومنه: {فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} 2، والمخاطب -صلى الله عليه وسلم- لا ينكر أنه لا يستطيع إسماع الصم، ولكن الأسلوب جاء بالتوكيد تنزيلا له منزلة المنكر لهذه الحقيقة، والمعتقد أنه قادر على إسماع الصم، وذلك لمبالغته في الإلحاح عليهم بالدعوة.
قال الخطيب: "ومما يتفرع على هذين الاعتبارين -أعين تنزيل غير المنكر منزلة المنكر، وتنزيل المنكر منزلة غير المنكر- قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} 3، أكد إثبات الموت تأكيدين، وإن كان مما لا ينكر لتنزيل المخاطبين منزلة من يبالغ في إنكار الموت لتماديهم في الغفلة، والإعراض عن العمل لما بعده، ولهذا قيل: ميتون، دون تموتون، كما سيأتي الفرق بينهما، وأكد إثبات البعث تأكيدًا واحدًا، وإن كان مما ينكر؛ لأنه لما كانت أدلته ظاهرة كان جديرا بألا ينكر بل إما أن يعترف به أو يرتدد فيه، فنزل المخاطبون منزلة المترددين تنبيها لهم على ظهور أدلته، وحثا على النظر فيها، ولهذا جاء تبعثون على الأصل".
__________
1 الحج: 7.
2 الروم: 52.
3 المؤمنون: 15-16.
(1/90)

تلخص لنا من هذا أن التوكيد، والإرسال كليهما ناظر إلى حال المخاطب من الإنكار، وعدمه في الحالتين التحقيقية والاعتبارية، أي أن المتكلم ناظر إلى مخاطبه يصوغ عبارته على ما يقتضيه حاله الحقيقي أو الاعتباري.
وهناك ضروب من التوكيد لا ينظر فيها إلى حال المخاطب، وإنما ينظر فيها المتكلم إلى حال نفسه، ومدى انفعاله بهذه الحقائق، وحرصه على إذاعتها، وتقريرها في النفوس كما أحسها مقررة أكيدة في نفسه، وهذا اللون كثير جدا وله مذاقات حسنة.
انظر إلى قول الفرزدق يخاطب جريرا: "من المتكامل".
خالي الذي غصب الملوك نفوسهم ... وإليه كان جباء جفنة ينقل
إنا لنضرب رأس كل قبيلة ... أبوك خلف أتانه يتقمل
قوله: إنا لنضرب رأس كل قبيلة، لا يصح أن يقال: إنه فيه ملاحظ حال المخاطب؛ لأن ذلك ضعف في المعنى من حيث إنه يؤدي إلى أن هذه الحقيقة في تصور الشاعر يمكن أن تنكر، وأنه في حاجة إلى توكيدها عند من يلقيها إليه، والأنسب في هذا التوكيد أن الشاعر صاغه كما أحسه مؤكدًا مقررًا، وانظر إلى قوله: "أبوك خلف أتانه يتقمل"، وكيف واجه جريرا بما ينكره أشد الإنكار بهذا الأسلوب الخالي من التوكيد الموهم أنها حقيقة لا ينبغي لجرير أن ينكرها.
وانظر قول نهشل المازني: "من البسيط"
إنا بني نهشل لا ندعي لأب ... عنه ولا هو بالأبناء يشربنا
وقوله:
إنا لنرخص يوم الروع أنفسنا ... ولو نسام بها في الأمن أغلينا
وقوله:
إنا لمن معشر أفنى أوائلهم ... قيل الكمأة ألا أين المحامونا
(1/91)

الشاعر يصوغ هذه المعاني كما تحسها نفسه مراعيا حال هذه النفس، فهو لم يشكل صياغة عبارته، بدوافع خارجية يلحظها عند مخاطبه.
زن البين جدا في هذا قول ابن الرومي في دندنته الحزينة: "من الكامل"
أبني إنك والعزاء معا ... بالأمس لف عليكما كفن
تالله ما تنفك لي شجنا ... يمضي الزمان وأنت لي شجن
وقول: "من الطويل"
وإني وإن متعت بابني بعده ... لذاكره ما حنت النيب في نجد
الشاعر -هنا كما قلنا- يصوغ نفسه، ويؤكد ما يجده فيها مؤكدا، ويرسل ما يجده فيها مرسلا؛ لأنه يغني أوجاعه وآلامه غير ناظر إلى مخاطب.
ومثله قول محمد بن عبد الملك في رثاء أم ولده، وهو - كما يقول ابن رشيق- من جيد ما رثي به النساء، وأشجاه وأشده تأثيرا في القلب وإثارة للحزن: "من الطويل"
ألا إن سجلا واحد قد أرقته ... من الدمع أو سجلين قد كفياني
فلا تلحياني أن بكيت فإنما ... أداوي بهذا الدمع ما ترياني
وإن مكانا في الثرى خط لحده ... لمن كان في قلبي بكل مكان
أحق مكان بالزيارة والهوى ... فهل أنتما إن عجت منتظران؟
وقول متمم بن نويرة: "من الطويل"
أبى الصبر آيات أراها وإنني ... أرى كل حبل بعد حبلك أقطعا
وإني متى ما أدع باسمك لا تجب ... وكنت جديرا أن تجيب وتسمعا
وقوله:
وإني وإن هازلتني قد أصباني ... من البث ما يبكي الحزين المفجعا
(1/92)

هذا وما شابهه كثير مما لا يلتفت فيه الشعر إلا إلى حال نفسه، وهو لا يخطئك حين تنظر في الشعر، وتمعن في خصائص صياغته.
ثم إنه في كتاب الله كثير جدا، وفيه يبلغ الغاية في النفاذ والتأثير.
انظر إلى قوله تعالى في ضراعة سيدنا إبراهيم عليه السلام -لما أسكن ذريته بواد غير ذي ذرع: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} 1، وقوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} 2.
واضح أن هذا التأكيد ينظر فيه إلى حال النفس الراجية، ويدل على مدى انفعالها بهذا الرجاء، وتأكيدها لهذا الدعاء ومثله: {رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} 3.
ومما يتصل بهذا ما يذكر الزمخشري في قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} 4.
فقد لحظ فتور العبارة في قولهم للمؤمنين: آمنا، ووثاقتها في قولهم لإخوانهم: إنا معكم، وفسر ذلك في ضوء ضعف الاعتقاد في الأولى، وقوته في الثانية، قال في ذلك: "فإن قلت: لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعلية، وشياطينهم بالاسمية محققة بإن؟ قلت: ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديرًا بأقوى الكلامين وأوكدهما؛ لأنهم في ادعاء حدوث الإيمان منهم، ومنشئه من قبلهم لا في ادعاء أنهم أوحديون في الإيمان غير مشقوق فيه غبارهم، وذلك إما؛ لأن أنفسهم لا تساعدهم عليه إذ ليس لهم من عقائدهم باعث ومحرك، وهكذا كل قول لم يصدر عن أريحية، وصدق رغبة واعتقاد، وإما؛ لأنه لا يروج عنهم لو قالوه على لفظ التوكيد والمبالغة، وكيف يقولون ويطمعون
__________
1 إبراهيم: 37.
2 إبراهيم: 38.
3 آل عمران: 9.
4 البقرة: 14.
(1/93)

في رواجه وهم بين ظهراني المهاجرين، والأنصار الذين مثلهم في التوارة والإنجيل، ألا ترى إلى حكاية الله قول المؤمنين: {رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا} 1 وأما مخاطبة إخوانهم فهم فيما أخبروا به عن أنفسهم من الثبات على اليهودية، والقرار على اعتقاد الكفر، والبعد عن أن يزالوا عنه، على صدق رغبة، ووفور نشاط وارتياح للتكلم به، وما قالوه من ذلك فهو رائج عنهم متقبل منهم، فكان مظنة للتحقيق"، وقد سبق ابن جني بإشارة نافذة في هذا الباب، فذكر أن التوكيد قد يكون مرجعة إلى اهتمام المتكلم بالمعنى، وأنه مستعظم له وأنه يريد أن ينقله إلى سامعه كما يجده في نفسه، قال في تحليله لبناء قولهم: "شر أهر ذا ناب"، وأنهم قدموا فيه النكرة وبنوا الكلام عليها، وأن ذلك التقديم متعين لإفادة ما قصدوا إليه قال: "وإنما احتيج إلى التوكيد في هذا الموضع من حيث كان أمرا عانيا مهما، وذلك أن قائل هذا القول سمع هرير كلب فأضاف منه، وأشفق لاستماعه أن يكون لطارق شر فقال: شر أهر ذا ناب، أي ما أهر ذا ناب إلا شر تعظيما لنفسه، أو عند مستمعه، وليس هذا في نفسه كأن يطرق بابه ضيف، أو يلم به مسترشد، فلما عناه وأهمه وكد الإخبار عنه، وأخرج القول مخرج الإغلاظ به والتأهيب لما دعا إليه".
تأمل قوله تعظيما لنفسه، أو عند مستمعه تجد قسمة الكلام بين حالي المتكلم والسامع.
وقد يكون داعي التوكيد هو رغبة المتكلم في تقوية مضمون الكلام عند المخاطب، وتقريره في نفسه، وإن كان غير منكر له، كقوله -تعالى- في مخاطبة النبي -صلى الله عليه وسلم-: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا} 2، وقوله: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} 3، وقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} 4،
__________
1 آل عمران: 16.
2 الإنسان: 23.
3 طه: 14.
4 الشعراء: 191-192.
(1/94)

فالمخاطب صلى الله عليه وسلم ليس في نفسه إثارة شك في هذا، ولكن التوكيد يهدف إلى زيادة تقرير المعنى في نفسه -صلى الله عليه وسلم- حتى يبلغ به عين اليقين، وفيه تعهد الإيمان الراسخ في يقينه -صلى الله عليه وسلم-، حتى ينهض بأثقال الدعوة، وهذا توجيه واضح لحملة الرسالة من بعده -صلى الله عليه وسلم، وأنهم في حاجة مستمرة إلى أن يعودوا إلى دواخل نفوسهم يزكون إيمانهم، ويطهرون يقينهم مما قد يعلق به من عوائد الجاهلية؛ لتظل قلوبهم نبعًا طاهرًا يمدهم بالثبات، والإيمان في المواجهات العنيدة بينهم، وبين ضلالات العصور، وظلمات المادة.
وتجد هذه الخصوصية تشيع في الأساليب التعليمية سواء كانت أدبية أو علمية، نقول: إن بحث التوكيد من البحوث الدقيقة، وأنه لذو فوائد جمة، وأنه لجدير بجد وجهد، فترد عباراتك مؤكدة؛ لأنك حريص على بث الفكرة، وتقويتها وإثارة اهتمام النفوس بها، وهكذا نجد أساليب العلماء تعلو نبرتها عند إرادة اللفت والإيقاظ، وتهيئة الذهن لما يلقون من مسائل، ومن مطالع فصولهم تلك العبارة المضيئة: اعلم وفقك الله أن الأمر كذا وكذا، وكان علماؤنا -رحمهم الله وألحقنا بهم كرامة، ونفس وقرة عين- لا يهتمون فقط ببيان المعرفة لأجيال الأمة، وإنما يهتمون أيضا بإقناعهم بها حتى لا يكونوا حملتها فقط، وإنما يكونون حملتها وحماتها، وكان طلب العلم ولا يزال بابا من أبواب الجهاد والمجاهدة، وهذا المعنى الذي يصير به طلاب العلم، وشيوخهم مجاهدين مرابطين على ثغور الأمة مشار إليه إشارة لماحة في سورة التوبة التي
ذكر فيها القتال، وذكر فيها مع القتال، وفي معمعة سياقه طلب العلم، فقد وقف السياق بعد ما بلغ الذروة في حض أهل الدين على ألا يختلفوا عن نصرة دين الله، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه صلوات الله وسلامه عليه، وقف السياق، وذكر الخروج في طلب العلم، وقال -سبحانه-:
(1/95)

{فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} 1، وتأمل التعبير عن الخروج في طلب العلم بقوله: {نفر} ، وإنما يقال: نفر القوم إذا خرجوا في طلب العدو، وبعد هذا عاد إلى الخروج في الحرب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} 2.
وهذا قاطع في أن حملة العلوم التي هي أصل حضارة الإسلام لا بد أن يكون حملهم لها حمل بصيرة، وفهم واقتناع حتى يكونوا قادرين على نقلها لأجيال الأمة لا على أنها معترفة فحسب، وإنما معرفة لها بصيرة ولها نور، وأنها دعائم الحضارة الإسلامية التي هي جوهر الكيان السياسي للأمة.
وهذا يوجب الصبر على تجليتها، وإبراز تجلياتها حتى تكون موردًا عذبا يجري في القلوب، والعقول معا فيوجه السلوك، والثقافة والفكر، ويغلب كل ذلك في ديار الإسلام.
وواضح أن الحرب الدائرة الآن في بلادنا يتوجه كثير منها إلى هذه الثقافة، وهذه العلوم التي هي أصول الحضارة الإسلامية، تلك الحضارة التي تصر الحضارة المسيحية اليهودية، أو الإنجلوتوراتية على سحقها ومحقها، وينهض بذلك رجال هم منا لهذه الحضارة المسيحية اليهودية، وتقف معهم الأنظمة التي لا تستيطع إلا أن تكون ذات ولاء لهذه الحضارة المسيحية اليهودية، وتواجه هذه الأنظمة العميلة بوسائل إعلامها، ورجال الفكر التابعين لها تواجه بكل ذلك حضارة الإسلام تحت اسم مواجهة التطرف، والأصولية وغير ذلك من ألفاظ وضعها سادتهم في أفواهم وتحت أقلامهم، وكل هذا يوجب على علمائنا أن يتخذوا موقفا جديدا من حرب الإبادة هذه، وأن ينفضوا الغفلة، وأن يستنفروا أنفسهم وجموعهم، وألا يتخلفوا عن رسول الله، ولا يرغبون بأنفسهم عن نفسه، والله غالب على أمره، ولا تحسبن أني خرجت عن الموضوع؛ لأن
__________
1 التوبة: 122.
2 التوبة: 123.
(1/96)

هذا هو الموضوع، والآن أخرج عن جوهره وأتكلم في حواشيه، وأقول: قلت إن هذه الخصوصية تشيع في الأساليب العلمية، وأقول:
وكانت طريقة ابن المقفع في أساليبه الأدبية التعليمية، أو في أدبه الموجه تصطنع أسلوب التوكيد كثيرًا، من ذلك وهو كثير جدا:
"اعلم أن رأيك لا يتسع لكل شيء ففرغه للمهم، وأن مالك لا يغني الناس كلهم، فاختص به ذوي الحقوق، وأن كرامتك لا تطيق العامة فتوخ بها أهل الفضائل، وأن ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجتك، وإن دأبت فيهما وأنه ليس لك إلى أدائها سبيل مع حاجة جسدك إلى نصيبه من الدعة، فأحسن قسمتهما بين عملك ودعتك ... ".
وقد يكون التوكيد لتحقيق الوعد كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} 1، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} 2، وقوله: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} 3، ومثله كثير جدًّا، ومقام الوعد من مقامات التوكيد لتزداد النفوس به يقينا واطمئنانًا، ومثله مقام الوعيد كما في قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} 4.
وقد يكون التوكيد للإشارة إلى أن الذي كان لم يكن على وفق ظن المتكلم، فكأن نفس المتكلم تنكره فيؤكده لها، ومثاله قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ} 5، قال عبد القاهر: قد تدخل كلمة إن للدلالة على أن الظن كان من المتكلم في الذي كان أنه لا يكون، كقولك للشيء وهو بمرأى، ومسمع من المخاطب: إنه كان من الأمر ما ترى وأحسنت إلى فلان، ثم
__________
1 الحج: 38.
2 الأنبياء: 101.
3 الحج: 39.
4 الأنبياء: 98.
5 الشعراء: 117.
(1/97)

إنه فعل جزائي ما ترى، وعليه: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} 1، {رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ} .
وقد يكون التوكيد لغرابة الخبر، وحرص المتكلم على أن يؤنس به نفس المخاطب، وإن كانت لا تنكره، وإنما هي في حاجة إلى ما يهيئها لقبوله، ومنه قوله تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} 2، فقد أكد أني أنا الله رب العالمين ليؤنس نفس موسى عليه السلام بالخبر، ويحبط ما عساه يعلق بالنفس في مثل هذا الموقف، فقد انطلق عليه السلام ليأتي أهله بخبر، أو جذوة من النار لعلهم يصطلون، وبينما هو ذاهب إلى هذا الغرض، فجأه نداء الحق سبحانه من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة، وهذا موقف غريب فاحتاج إلى التوكيد، ومثله قوله تعالى يخاطب موسى عليه السلام لما رأى أفاعيل السحرة، وأوجس في نفسه خيفة قال له الحق: {لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} 3، فأكد قوله: {إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} بجملة من التوكيدات كما قال البلاغيون، ليزل وحشة نفسه في هذا المقام، وإن كان موسى عليه السلام مستوثق اليقين من وعد ربه.
وقد يكون التوكيد إظهارًا لمعتقد النفس، وإبرازًا له لتزداد النفس يقينا به؛ لأن مقامها يقتضي ذلك ومثله قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} 4، فإن المصيبة قد تقلق النفس وتهز اليقين، وعندئذ تلوذ النفس المؤمن بكينونتها لله ورجعتها إليه، فتعلن ذلك وتؤكده لتثبت في مواجهة الشدة.
وقد يأتي التوكيد في الجمل التي كأنها نتائج لمقدمات، فيلفت التوكيد إلى هذه الجمل، وكأنها هي المقصودة الأهم وموضع العناية.
__________
1 آل عمران: 36.
2 القصص: 30.
3 طه: 68.
4 البقرة: 156.
(1/98)

أقرأ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} 1.
تجد الآيات الأولى تصف مراحل التكوين، وتبرز قدرة الله سبحانه من خلال هذا الوصف، ثم تقرب هذه الحقيقة بصورة محسوسة: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} ، وحين نتأمل المثل نجده يومئ إيماءه قريبة إلى حالة التناسل التي وصفتها الجمل السابقة، فالأرض هامدة مسترخية، فإذا أنزل عليها الماء اهتزت، وصار فيها جنين النبت، ثم تربو به كما تربو المرأة وتثقل بحملها، وبعد هذه اللمحة الدقيقة تأتي الجمل التي كأنها المقاصد الأساسية لهذا للفت الكاشف إلى آيات الله، وهذه المقاصد ترد هكذا، ذلك بأن الله هو الحق -وأنه يحيي الموتى- وأنه على كل شيء قدير -وأن الساعة آتية لا ريب فيها- وأن الله يبعث من في القبور.
وهي كما ترى تتضمن أوصلا هامة في الشرائع كلها:
فقوله: بأن الله هو الحق، هو ما جاهد الأنبياء في كفاحهم الطويل من أجل تعميقه في الوجدان الإنساني، وقوله: وأنه يحيي الموتى، يشير إلى فاعلية الحق سبحانه فيما هو معجز، وتحته الوعد والوعيد، وقوله: وأنه على كل شيء قدير، يشير إلى عموم هذه الفاعلية في الممكنات كلها ما كان معجزا
__________
1 الحج: 5-7.
(1/99)

منها وغير معجز، وقوله: وأن الساعة آتية لا ريب فيها، من الحقائق التي إذا توثقت في الضمير الإنساني كان لها أثر كبير في سلوكه كله، وقوله: وأن الله يبعث من في القبور، هي القضية التي كثر فيها الجدل والإنكار.
والمهم أن هذه الجمل التي تشير إلى تلك الحقائق الكبرى جاءت مؤكدة لذلك، ولوقوعها بعد تقديم ما هيأ للإقناع بها.
وقد تجد في كثير من هذه الصور ما ذكرناه مثلًا في مقام التعليم، والتوجيه ما يصلح أن يكون التوكيد فيه لوقوعه في سياق الوعد أو غير ذلك، وهذا لا ضير فيه؛ لأن الخصوصية البلاغية في الكلام الممتاز صالحة، لأن تشير إلى أكثر من معنى، والمهم هو أن تعرف كيف توجه خصائص الأساليب، وتدرك منها ما لا ينبو عن مقامها، والله المستعان.
(1/100)

التجوز في الإسناد:
قلنا: إن بحث الإسناد الخبير يتضمن ثلاثة موضوعات رئيسية هي: أغراض الخبر،
وأضرب الخبر، والتجوز في النسبة، وقد أشرنا إلى الموضوعين الأولين إشارات موجزة تفتح باب العلم فيها.
والتجوز في النسبة، أو المجاز العقلي كما هي الترجمة المشهورة لبابه يذكره بعض الباحثين في علم البيان من حيث إنه ضرب من المجاز، ويذكره البعض في أحوال الإسناد الخبري من حيث إنه حال من أحوال الإسناد الخبري، أو النسبة الخبرية.
والمهم أن الإسناد الذي قلنا: إنه مناط الفائدة ومتعلق الغرض من العبارة لا يجري على أسلوب الحقيقة في كل حال، أي أن المتكلمين لم يلتزموا إسناد الأحداث، والأفعال لما هي له دائما، وإنما يتوسعون ويتجوزون انطلاقا مع الخيال واستجابة للحس، وتأنفا في أداء المعاني، فالدموع ويرقرقها نسيم الصبا الذي جاس خلال ديار الأحبة يحمل أنفاسهم، ووميض الغمام يهيج غوافي الأشواق، ويشعل لهيب الحنين، والبرق وغناء الحمام يشجي، ويستفز لواعج الهوى، وحمام بطن ودان يثير بلابل الشوق في نفس قيس بن الملوح، فيقول: "من الطويل".
ألا يا حمامي بطن ودان هجتما ... علي الهوى لما تغنيتما ليا
فأبكيتماني وسط أهلي ولم أكن ... أبالي دموع العين لو كنت خاليا
والدمن الخوالي تهيج علل امرئ القيس، أو عقابيل علله وبقاياها في قوله: "من الطويل"
أتت حجج بعدي عليها فأصبحت ... كخط زبور في مصاحف رهبان
ذكرت بها الحي الجميع فهيجت ... عقابيل سقم من ضمير وأشجان
والحجج جمع حجة وهي السنة، والزبور الكتاب، والمصاحف جمع مصحف، وهي: صحائف مكتوبة مجموعة بين دفتين، والعقابيل: جمع عقبول، وهي بقية العلة.
والرياح السوافي تدرج بما دق من التراب، فتغير آيات ابن الدمينة في قوله: "من الكامل"
دمن خلون وغيرت آياتها ... دق التراب مسفة الأذيال
وذكريات حديث الصاحبة تهز ابن خفاجة في شيخوخته هزة تدير له الزمان كله والشباب، فيصبح ما مضى منه أمامه في قوله: "من الطويل"
لقد هزني في ريطة الشيب هزة ... أرتني ورائي في الشباب أمامي
كل هذه الصور من القول الممتاز لم تستند فيها الأحداث، والأفعال إلى ما ينهض ويتصف بها على وجه الحقيقة، فخفقه البرق لا شتعل الشجا حقيقة، وإنما هي سبب يثيره ومثلها نسيم الريح، وحمام بطن ودان، والدمن الخوالي،
(1/101)

ووميض الغمام وذكريات الصاحبة كل هذه مثيرات، وأسباب وليست فاعلة لهذه الأحداث والأفعال، ولو قلت: زفرت دموعي لما هب نسيم الريح، واشتقت لما أومض الغمام، وأشجى الله فؤادي بخفقه البرق، وهاجت علل امرئ القيس لما أبصر الدمن الدوارس، واهتز ابن خفاجة لما ذكر أحاديث الصحاب، لكان الكالم جاريا على أسلوب الحقيقة؛ لأنك أسندت الأفعال والأحداث إلى ما هي له، والعبارة قد ذهبت عنها خصائصها الشعرية، وانطفأ فيها وهج الحس، وصارت إلى الكلام بارد مغسول كما يقولون.
ولما كانت الحقيقة العقلية شرطا في فهم المجاز العقلي، ومقدمة ضرورية له اعتاد الباحثون أن يذكروا شيئا عنها في صدر حديثهم عن التجوز في الإسناد، وقد عرفها الخطيب القزويني بقوله: "هي إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر"، وأول ما يلاحظ في هذا التعريف أنه يتكلم إسناد الفعل أو معناه، ومعنى الفعل هو اسم الفاعل، واسم المفعول والزمان، والمكان واسم التفضيل، وندع هذا التحديد ومناقشته إلى مكانه من البحث.
أما قوله: "إلى ما هو له"، فإنه يعني أن تسند الفعل إلى الفاعل الذي قام به، وفعله حقيقة كقولك: أنبت الله البقل، وكقولك: قام محمد، ورمى علي، وأنار القمر، وطلعت الشمس، وكالأفعال في قول الشاعر، وكان يتمثل بها عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "من البسيط"
من كان حين تمس الشمس جبهته ... أو الغبار يخاف الشين والشعثا
وألف الظل كي تبقى بشاشته ... فسوف يسكن يوما راغما جدثا
فقوله: "تمس الشمس جبهته" إسناد حقيقي؛ لأنه أسند المس إلى الشمس وهي فاعلة.
(1/102)

وقوله: "يخاف الشين والشعثا" كذلك إسناد حقيقي؛ لأنه أسند الخوف إلى هذا الفتى الذي يتكلم عنه، فقد كان نظيفا أنيقا مترفا يخاف من كل ما يشينه، ويشعث هيأته أي يغيرها ويثيرها، ومثله فسوف يسكن يوما؛ لأن فاعل يسكن هو ذلك الفتى بعد موته، الأفعال هنا مسندة إلى فاعليها الذين فعلوها، ولعلك تلحظ أن هذا الشاعر ذكر من مظاهر ترفه خوفه من الشمس، والشعث وحرصه على بقاء البشاشة، وماء الحياة الذي يترقرق في عوده، وهناك مظاهر كثيرة للترف سكت عنها الشاعر؛ لأنه أراد إلى ضرب خفي من المقابلة في العنى، فذكر الخوف من الشمس ليقابله بالدخول في التراب، والدفن فيه، وذكر الحرص على البشاشة، وماء الحياة ليقابله بيبس العود، وذهاب الحياة جملة بالموت المهيئ لدخول القبر.
ولما كانت مسألة خلق الأفعال من المسائل التي شغلت المسلمين نبه أهل هذه الصناعة إلى أننا، وإن كنا نعتقد معتقد أهل السنة، وأن الأفعال كلها عند التحليل الباحث عن مصدرها، مخلوقة لله إلا أننا نقول: إن زيدا هو الفاعل الحقيقي في قولنا رمي زيد؛ لأن الرمي معنى قائم بزيد، ووصف له، وله فيه كسب وتحصيل، وهذا يكفي ليكون الإسناد حقيقيًّا، فقولنا: إن خالق الأفعال كلها هو الله، وأنه سبحانه هو الفاعل الحقيقي لكل شيء لا يعني أن تكون كل الصور التي تستند فيها الأفعال لغيره سبحانه صورا مجازية، وهذا لو قلناه لكان ضربا من الهذيان، ولقادنا إلى كبيرة حين نسند أفعال القيام، والقعود والأكل والشرب وغيرهما مما يتنزه عنه جلاله.
وقد نبه العلامة ابن السبكي إلى أننا نقول: فاعل حقيقي ولا نريد به أنه هو الذي أثر وفعل حقيقة، وإنما نريد ما تعارف عليه القوم في أوضاعهم اللغوية، فإنهم لم يلاحظوا في قيام زيد غير نسبة القيام إليه، "وإن كان الله تعالى خالقه، ومن الأفعال التي خلقها الله ما لا يصح شرعًا أن تنسب إليه سبحانه كالأفعال المحرمة، وحاصل وجوه الإسناد الذي يوصف بأنه حقيقي تتلخص في إسناد الفعل لمن يقع منه الفعل الحقيقي، ويؤثر في وجوده، وذلك لا يكون
(1/103)

إلا لفاعل واحد هو الله، وأفعاله مثل خلق -زرق- وفي إسناد الفعل لمن يقع منه حكما مثل قام زيد، وفي إسناد الفعل إلى ما يتصف به مثل مرض زيد، وبرد الماء، وأمطرت السماء".
وقول الخطيب -في التعريف- عند المتكلم في الظاهر قيد في التعريف يبين أن العبرة بما يعتقده المتكلم كما يظهر لنا من حاله، فالموحد أي المعتقد نسبة الأفعال إلى الله وحده، حين يقول: أنبت الله الزهر، يكون كلامه واردا على سنن الحقيقة في الإسناد؛ لأنه أسند الإنبات إلى الله أي إلا ما هو له عند المتكلم، فإذا قال: أنبت الربيع الزهر قلنا: أنه متجوز في كلامه؛ لأنه أسند الحدث لغير الخالق سبحانه جريا على سنن المجاز، أما إذا قال الملحد الذي يؤمن بفاعلية الطبيعة، وتأثيرها في الأحداث والأشياء، وينكر الحق -سبحانه-: "أنبت الربيع الزهر، فهو غير متجوز في كلامه، ويجري أسلوبه على سنن الحقيقة؛ لأن أسند الفعل إلى ما هو له عنده، وفي معتقده، وهذا الأسلوب يكون حقيقة
وليس مجازًا، وإن كان باطلًا عندنا، ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن هذه الطائفة الدهرية: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} 1، فقد أسندوا الإهلاك إلى الدهر وهم يعتقدون ذلك، وهو إسناد حقيقي، وإن كان باطلًا وشعراؤنا يسندون الأحداث إلا الأيام والدهر كثيرًا: فالدهر هو الذي فجع البارودي في حليلته، ولم يرحم ضناه وأفردهن: "قرحى العيون رواجف الأكباد"، ولم يقدح ذلك في إيمان البارودي؛ لأنه سلك في القول مسلك المجاز، والقرآن ينسب الأحدث للأيام في قوله تعالى: {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} 2، وغير كثير، وكل ذلك سالك مسلك المجاز ما دام قائله لا يعتقد ظاهره، والقرائن هي التي ترشدنا إلى أنه يعتقد ما يقول أو لا يعتقد.
وقول الخطيب: "في الظاهر" يريد به أن ذلك الإسناد يكون حقيقة، إذا كان
__________
1 الجاثية: 24.
2 المزمل: 17.
(1/104)

ظاهر حال المتكلم يدل على أنه يعتقده، أما مضمرات النفوس فلا سبيل لنا إلى معرفتها ما دام لم يدل عليها شيء في اللفظ، وبهذا يصير من الإسناد الحقيقي قول الملحد لمن لا يعرف إلحاده: أنبت الله البقل، فإن هذا وإن كان لا يطابق معتقد المتكلم في الحقيقة أي أنه إسناد إلى غير ما هو له عند المتكلم، فهو عندنا حقيقة مادمنا لا نعرف إلحاده.
قال الخطيب: فهي -يعني صور الإسناد الحقيقي، أو الحقيقية العقلية- أربعة، أحدها: ما يطابق الواقع والاعتقاد، كقول المؤمن: أنبت الله البقل.
والثاني: ما يطابق الواقع دون الاعتقاد، كقول المعتزلي لمن لا يعرف حاله، وهو يخفيها منه: خالق الأفعال كلها هو الله -والمعتزلي يعتقد أن أفعال العباد مخلوقة لهم.
والثالث: ما يطابق الاعتقاد دون الواقع كقول الجاهل: شفى الطبيب المريض، ومنه: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} 1.
والرابع: ما لا يطابق شيئا منها كالأقوال الكاذبة، مثل: جاء محمد، وهو لم يأت، فإنه من قبيل الإسناد الحقيقي؛ لأن السامع لا يعلم أن هذا كذب؛ ولأن التركيب من شأنه أن يفيد هذا المعنى، فإذا كان السامع يعلم أنه كذب، فهل يكون علمه قرينة على صرف التركيب عن ظاهره أم لا؟ المسألة فيها مناقشات يتولد بعضها من بعض، وهذا مما لا نريد الاسترسال فيه، وحسبنا هنا أننا ذكرنا هذه الأقسام التي ذكرها الخطيب، وشرحنا تعريفه.
أما التجوز في الإسناد، فقد عرفه الخطيب بقوله: هو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى ملابس له غير ما هو له بتأول، والألفاظ يتكرر أكثرها في التعريفين، ونجد هخنا قوله إلى ملابس له بدل قوله هناك إلى ما هو له؛ لأن هذا هو أصل
__________
1 الجاثية: 24.
(1/105)

الفرق بين الحقيقة، والمجاز في هذا الباب، فالإسناد هنا ليس إلى ما هو له عند المتكلم، وإنما هو إلى ملابس للفعل أو ما في معناه، وفي كلام الخطيب ما يوهم تحديد الملابسة بما ذكره في قوله، وللفعل ملابسات شتى يلابس الفاعل والمفعول به والمصدر، والزمان، والمكان، والسبب"، وكأن هذه هي الدائرة التي لا يتجاوزها الإسناد، فالفعل أو ما في معناه يسند إلى المفعول، أو إلى المصدر أو الزمان إلى آخره ولا يتجاوز ذلك، وكأن هذا تحديد الملابسات والعلاقات، ويقول شراحه تعليقا على قوله: ويلابس الفاعل والمفعول به، قالوا: هذا استئناف بياني أتى به لتفصيل الملابس، ولم نجد من شراحه من يذكر أنه يريد بالملابسة ما هو أعم من هذه الملابسات المذكورة.
وقد جرت كتب المتأخرين، ومنها الكتب التي كتبت في عصرنا على هذه السنن، فذكرت هذه العلاقات ولم تتجاوزها، وذكروا إسناد الفعل المبني للفاعل إلى المفعول، وكذلك اسم الفاعل إلى المفعول مثل قوله تعالى: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} 1، وفاعل راضية ضمير يعود على العيشة، وهي في الحقيقة ليست راضية، وإنما هي مرضية، والراضي هو صاحبها وأصل التعبير عيشة راض صاحبها، فأسند الرضى إلى العيشة ليست مرضية فحسب كما هو حقيقة التعبير، وإنما العيشة أيضا راضية، والعيشة هي النعم التي يتقلب فيها أهل الجنة، ورضي العيشة أي النعمة يعني أنها دائمة باقية تألف صاحبها ويألفها، وتحبه ويحبها، وليس هذا غريبًا على ألف اللغة، ويمكن أن يقرب إلينا هذا الخيال الذي يثيره هذا المجاز قول النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أزواجه: "أحسني جوار نعمة الله، فإنهما قلما نفرت عن قوم، فكادت ترجع إليهم"، ومثله يقال في ماء دافق ففاعل الدفق ليس هو الماء، وإنما هو الشخص الذي يوصف بالفعل أي الشخص الدافق، والماء مدفوق، وأصل التعبير ماء دافق صاحبه، ولكن الدفق أسند إلى الماء وهو مفعول، وذلك على سبيل التجوز في الإسناد،
__________
1 القارعة: 7.
(1/106)

ويفيد هذا التجوز أن الماء لسرعة اندفاعه كأنه دافق، أي كأنه يدفع بعضه بعضًا، وتسمى هذه العلاقة المفعولية أي أن الفاعل المجازي كان أصله مفعولا لهذا الفعل.
أما إسناد الفعل أو معناه المبني للمفعول إلى الفاعل، فقد ذكروا له قولهم: سيل مفعم بفتح العين، والسيل يفعم المكان أي يملؤه، والمكان هو الذي يفعم بفتح العين، ولكنهم تجوزوا في الإسناد فجعلوا السيل مفعمًا، ومثله: {كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا} 1، فقوله: مأتيا مبني للمفعول، ومسند إلى ضمير الوعد الذي هو فاعل في الحقيقة؛ لأن الوعد يأتي ولا يؤتى، ولكنهم تجوزوا وأسندوا اسم المفعول إلى ضمير الفاعل للملابسة بين الفاعل الذي هو الوعد، والمأتى الذي هو معنى الفعل، وتسمى هذه علاقة الفاعلية أي أن المرفوع باسم المفعول فاعل لهذا الحدث، وله دلالاته، وكأن الوعد يأتيه الناس الذين يسيرون إلى قدر الله فيهم.
وقالوا في علاقة المصدر شعر شاعر، وفاعل كلمة شاعر ضمير يعود على الشعر، والشعر مصدر شعر الرجل أي قال شعرًا، والحقيقة أن الشاعر ليس هو الشعر وإنما هو قائله، ولكنهم تجوزوا وأسندوا ما هو للفاعل إلى المصدر لملابسة بين الفعل، والمصدر من حيث كون المصدر جزءًا من مفهوم الفعل، وقد اعترض العلامة السبكي على هذا المثال، وذلك؛ لأن كلمة شعر يراد بها هنا القول المشعور، ولا يراد بها المصدر، فالشعر الشاعر يعني أبيات الشعر الشاعرة، وأطلقوا المصدر أي الشعر على المفعول أي القول المشعور، وحق هذا المثال أن يكون مع قولنا عيشة راضية أي من علاقة المفعولية، ثم مثل لعلاقة المصدرية بقول الشاعر: "من الطويل":
سيذكرني قومي إذا جد جدهم ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
__________
1 مريم: 61.
(1/107)

وقالوا في علاقة الزمان: نهاره صائم، وليله قائم، فقد أسندوا الصوم إلى النهار أي ضميره، كما أسندوا القيام إلى الليل، والصائم هم الناس في النهار، وكذلك القائم هم الناس في الليل، ولكنهم أسندوا الحديث إلى الزمان من حيث وقوعه في هذا الزمان، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أحمدك على العرق الساكن، والليل النائم"، والليل لا ينام وإنما ينام الناس فيه، وأراد صلى الله عليه وسلم بقوله: "العرق الساكن: السلامة والعافية، والبراء من الأدواء.
ومن المشهور في هذا الباب قول جرير:
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ... فنمت وما ليل المطي بنائم
وقالوا في علاقة المكان: طريق سائر، ونهر جار، فالذي يسير هم الناس في الطريق، ولكنهم أسندوا السير إلى الطريق لوقوعه فيه، وكذلك نهر جار إذا كان المراد بالنهر هو الشق في الأرض الذي يجري فيه أما إذا أريد به الماء، فلا تجوز فيه.
وقالوا في علاقة السبب: مبحتك جاءت بي إليك، فالمحبة لم تأت بك ولكنها كانت السبب.
هذه خلاصة العلاقات التي جرى القول عليها في دراسة المجاز العقلي ذكرناها بشواهدها المشهورة؛ لأنها تتردد نماذج يقاس عليها في كتب التفسير، والحديث والنحو، فأردنا أن نكون بارزة في هذا الكتاب.
ثم بعد ذلك نقول: إن هذا التحديد الذي تصوره الخطيب للمجاز العقلي تحديد ضيق، فقد حصره في إسناد الفعل، أو معناه إلى هذه الأنواع من المتعلقات، ولذلك نجد هذا التعريف قد ضاق عن كثير من صور التجوز في الإسناد، فهناك صور من المجاز لم تدخل في التعريف، وقد ذكر العلامة سعد الدين شيئا منها في كتابه المطول قال:
(1/108)

"وقد خرج عن تعريفه الإسناد المجازي أمران، وصف الفاعل والمفعول بالمصدر مثل رجل عدل، وقول الخنساء: "فإنما هي إقبال وإدبار"، فإن الإسناد هنا ليس إسناد الفعل ولا معناه، وإنما هو إسناد بين مبتدأ وخبر في قول الخنساء هي إقبال وإدبار، ووصف الذات بالمصدر في قولنا: رجل عدل".
وقد ذكر عبد القاهر قول الخنساء: "إنما هي إقبال وإدبار" من صور المجاز العقلي الجيد، ومثله رجل عدل، وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} 1، وما جرى على هذا الأسلوب.
الأمر الثاني: وصف الشيء يوصف محدثه وصاحبه، مثل: الكتاب الحكيم والأسلوب الحكيم، فإن الحكمة في الحقيقة ليست وصفا للكتاب، وإنما هي وصف لصاحب الكتاب، وكذلك ليست وصفا للأسلوب، وإنما هي وصف لصاحبه، وتعريف الخطيب لا يتسع له؛ لأنه تجز في إسناد معنى الفعل إلى مفعول لا يتعدى هذا الفعل له إلا بواسطة، وفي كلام سعد الدين ما يفيد أن الصورة الثانية يمكن أن داخلة في تعريف الخطيب إذا قلنا: إن مراده بالمفعول الذي يلابسه الفعل ما يتعدى له الفعل بنفسه كما في عيشة راضية، وما يتعدى له بواسطة مثل: حكيم في أسلوبه وحكيم في كتابه، ومنه قوله تعالى: {فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} 2، وعذاب أليم، فإن البعيد ليس هو الضلال؛ لأن الضلال مصدر ضل وإنما هو الضال، والأليم أي المؤلم ليس هو العذاب، وإنما هو المعذب بكسر الذال، فمعنى الفعل هنا مسند إلى المصدر الذي يتعدى له بواسطة حرف الجر مثل: بعد في ضلاله وألم في عذابه، وقد ذكرنا في تعريفه للحقيقة العقلية أنه قصرها على إسناد الفعل أو معناه، وبهذا تكون الحقيقة العقلية، والمجاز العقلي كلاهما في الفعل، أو معناه ويخرج منها الإسناد بين الأسماء الجامدة، فقولنا: الإنسان حيوان ناطق، ومحمد أخوك، والكوفة دار خلافة على، وكان بسر بن أرطأة حربا ضد آل البيت،
__________
1 البقرة: 189.
2 سورة ق: 27.
(1/109)

وقول أبي النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري، وما شاكل ذلك مما يكون فيه الإسناد بين الأسماء الجامدة ليس من المجاز، ولا من الحقيقة وكأن التراكيب من حيث الحقيقة الإسنادية، والمجاز الإسنادي ثلاثة أقسام: حقيقة ومجاز وما ليس بواحد منهما، وقد صرح الخطيب بذلك في مناقشته للسكاكي؛ لأن السكاكي لم يذكر الفعل ومعناه، وإنما قال: الكلام المفاد به ما عند المتكلم من الحكم يكون حقيقة، قال الخطيب: "وفيه نظر؛ لأنه غير مطرد لصدقه على ما لم يكن المسند فيه فعلا ولا متصلًا به، كقولنا: الإنسان حيوان مع أنه لا يسمى حقيقة ولا مجازًا"، ولا شك أن هذا اعتراض ساقط، وقد اقتطع الخطيب بعض كلام الزمخشري، فكان له منه هذا التعريف، وقد عالجنا هذا بإيضاح في كتابنا "البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري".
أما قول الخطيب بتأول، فقد قال في بيان ذلك: وقولنا بتأول يخرج نحو قول الجاهل: شفى الطبيب المريض، فإن إسناد الشفاء إلى الطبيب ليس بتأول، فهو من باب الحقيقة، ولهذا لم يحمل قول الشاعر الحماسي: "من المتقارب".
أشاب الصغير وأفنى الكبـ ... ـير كر الغداة ومر العشي
على المجاز ما لم يعلم أو يظن أن قائله لم يرد ظاهره كما استدل على أن إسناد ميز إلى جذب الليالي في قول أبي النجم: "من الرجز":
قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع
من أن رأت رأسي كرأس الأصلع ... ميزعنه قنزعًا عن قنزع
جذب الليالي أبطئ أو أسرعي
مجاز بقوله عقيبه:
أفناه قيل الله للشمس اطلعي ... حتى إذا واراك أفق فارجعي
فالتأول عند الخطيب هو القرينة التي تفهم من الحال، أو التي ينصبها المتلكم في كلامه أمارة، ودليلا على مراده.
وقد تكلم عبد القاهر في هذه القرينة، وبين أنها إما أن تكون استحالة وقوع الفعل من الفاعل كقولك: سرتني رؤيتك، وإما أن تكون راجعة إلى
(1/110)

ما يعلم من حال المتكلم أو من كلامه، وكلام عبد القاهر في هذا أصل لكلام الخطيب الذي ذكرناه، وعبارة عبد القاهر، واعلم أنه لا يجوز الحكم على الجملة بأنها مجاز إلا بأحد أمرين، فإما أن يكون الشيء الذي أثبت له الفعل مما لا يدعي أحد من المحققين، والمبطلين أنه مما يصح أن يكون له تأثير في وجود المعنى الذي أثبت له، وذلك نحو قول الرجل: محبتك جاءت بي إليك، وقول عمرو بن العاص في ذكر الكلمات التي استحسنها: "هن مخرجاتي من الشام"، فهذا مما لا يثبت الفعل إلى للقادر، وأنه مما لا يعتقد الاعتقادات الفاسدة كنحو ما قاله المشركون، وظنوه من ثبوت الهلاك فعلًا للدهر، فإذا سمعنا قوله:
أشاب الصغير وأفنى الكبـ ... ـير كر الغداة ومر العشي
وقول أبي الأصبع: "من المنسرح"
أهلكنا الليل والنهار معا ... والدهر يغدو مصمما جذعا
كان طريق الحكم عليه بالمجاز أن نعلم اعتقاد التوحيد، إما لمعرفة أحوالهم السابقة، أو بأن نجد في كلامهم من بعد إطلاق هذا النحو ما يكشف عن قصد المجاز فيه، كنحو ما صنع أبو النجم، فإنه قال أولا:
قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنغ
من أن رأت رأسي كرأس الأصلع ... ميز عنه قنزعًا عن قنزع
مر الليالي أبطئي، أو أسرعي
فهذا على المجاز، وجعل الفعل لليالي، ومرورها إلا أنه خفي غير بادي الصفحة، ثم فسر وكشف عن وجهه التأول، وأفاد أنه بنى أول كلامه على التخيل، فقال:
أفناه قيل الله للشمس اطلعي ... حتى إذا واراك أفق فارجعي
فبين أن الفعل لله وأنه المعيد، والمبدئ والمنشئ، والمفني؛ لأنه المعنى في قيل
(1/111)

الله أمر الله، وإذا جعل الفناء بأمره، فقد صرح بالحقيقة، وبين ما كان عليه من الطريقة، هناك كتب محدثة ناقضت هذه المقررات، وقد قرأناها -علم الله- باحثين عن الحقيقة، فلم نقع فيها على شيء له قيمة، ورأينا أنه من اللغو أن نناقشها، ولوجدت من بين الشبه التي أثاروها شبهة تقع في قلب طالب علم ذكري لأوجب ذلك على أن أناقشها، وهي قائمة على افتراض أن علماء الأمة يجهلون طريقة النظر، وأنهم كذلك يجهلون طبيعة اللغة والأدب، وأنهم غافلون عن الأخطاء، والتناقضات الظاهرة فيما زعموا أنه مقررات إلى آخر هذه السلسلة التي حفظها الفارغون، ويعصم طالب العلم من هذا اللغط كله أن يعلم أن علماء الأمة عقلاء.
وكان حريا بالخطيب، وقد نظر في الكشاف، واستمد منه أكثر ما ذكره في هذا الباب، أن تتسع نظرته بمقدار اتساع نظره الزمخشري الذي ذكر أنواعًا من الملابسات أغفلها الخطيب، ومن جاءوا بعده.
ومن هذه الملابسات أو العلاقات:
إسناد الفعل إلى الجنس كله، وهو في الحقيقة مسند إلى بعضه، كقولهم: بنو فلان قتلوا فلانًا، وإنما القاتل رجل منهم، قال الفرزدق: "من الطويل"
فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
فقد أسند الضرب إلى بني عبس مع قوله نبا بيدي ورقاء، ورقاء هو زهير بن جزيمة العبسي أمره سليمان بن عبد الملك بضرب أعناق بعض أسرى الروم، وأعطاه سيفًا لا يقطع، فقال: بل أضربهم بسيف أبي رغوان مجاشع -يعني نفسه- فضرب عنق واحد، فانحرف السيف وارتفع عن المضرب فضحكوا، هكذا في مشاهد الإنصاف على شواهد الكشاف.
(1/112)

ويقول الزمخشري في قوله تعالى: {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ} 1، أسند العقر إلى جميعهم؛ لأنه كان برضاهم، وإن لم يباشره إلا بعضهم، وقد يقال للقبيلة الضخمة: أنتم فعلتم كذا، وما فعله إلا واحد منهم".
وقد يسند الفعل إلى الجارحة التي هي آلته كقوله -تعالى-: {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} 2، قال الزمخشري: "فإن قلت: هلا اقتصر على قوله آثم؟ وما فائدة ذكر القلب، والجملة هي الآثمة لا القلب وحده؟ قلت: كتمان الشهادة هي أن يضمرها ولا يتكلم بها، فلما كان إثمًا مقترفا بالقلب أسند إليه؛ لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، ألا تراك تقول إذا أردت التوكيد: هذا مما أبصرته عيني، ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي".
وقد يسند الفعل إألى ماله مزيد اختصاص، وقربى بالفاعل الحقيقي، يقول في قوله تعالى: {إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ} 3، فإن قلت: لم أسند الملائكة فعل التقدير وهو لله وحده إلى أنفسهم، ولم يقولوا: قدره الله؟ قلت: لما لهم من القربى والاختصاص بالله الذي ليس لأحد غيرهم، كما يقول خاصة الملك: دبرنا كذا وأمرنا بكذا، والمدبر والآمر هو الملك لا هم، وإنما يظهرون بذلك اختصاصهم، وأنهم لا يتميزون عنه، ثم نراه يحدد القاعدة التي يجري عليها هذا الأسلوب تحديدًا فيه شمول، واتساع يناسب كثرة هذه الطريقة، وسعة تصرفها في الكلام فيقول:
"والمجاز المحكي تصححه بعض الملابسات"، أي يكفي فيه أن تكون هناك ملابسة ما تصحح الإسناد -وبذلك يشمل كثيرًا من التراكيب التي تعتمد على ألوان من الملابسات تصحح بها الروابط والأسانيد.
__________
1 الأعراف: 77.
2 البقرة: 283.
3 الحجر: 60.
(1/113)

والزمخشري في دراسته لصور هذا المجاز ينظر إلى تعريف عبد القاهر الذي لم يحدد الإسناد بالفعل ونحوه، ولم يحدد أنواع العلاقات، وإنما قال: "كل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضوعه في الفعل لضرب من التأول"، وهذا هو التعريف الذي نرضاه.
وقد ذكر صاحب المفتاح هذا التعريف مع تغيير ليس ذا بال، ويحسن أن نذكر عبارة المفتاح ليتضح لنا الفرق بين الطريقتين.. يقول السكاكي:
"المجاز العقلي هو الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه لضرب من التأول أفاده للخلاف لا بواسطة وضع"، ثم قال شارحًا أهمية قوله ما عند المتكلم، وفضلها على قولهم ما عند العقل، وكأنه بهذا يعرض بعبد القاهر قال: "وإنما قلت: خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه دون أن أقول: خلاف ما عند العقل؛ لئلا يمتنع طرده، بما إذا قال الدهري عن اعتقاد جهل أو جاهل غيره: أنبت الربيع البقل، رائيا إنبات البقل، من الربيع، فإنه لا يسمي كلامه ذلك مجازًا، وإن كان بخلاف العقل"، وقد رد الخطيب عليه هذا الاجتهاد بقوله: لا نسلم بطلان اطراده بما ذكره لخروجه بقوله: لضرب من التأول أي أن قول الملحد: أنبت الربيع البقل، ليس من المجاز وإن كان الحكم المفاد به خلاف ما عند العقل؛ لأنه يشترط في المجاز أن يكون هناك ضرب من التأول، ولا تأول في مثل هذا المثال، فلا محل لاحتياط السكاكي، ومخالفته كلام عبد القاهر وإيثاره قوله: "ما عند المتكلم" على قوله عبد القاهر: "ما عند العقل"؛ لأن عبد القاهر احتاط بقوله: ضرب من التأول فتحددت العبارة، واتضح التعريف.
وتختلف أنظار البلاغيين في تحديد طرفي الملابسة "وطرفا الملابسة غير طرفي الإسناد"، قالوا: الملابسة هي العلاقة بين الفاعل المجازي، وبين المسند أي بين الطريق وسار، في قولنا: سار الطريق، وهذا هو المفهوم من قولهم:
(1/114)

وللفعل ملابسات شتى يلابس الفاعل والمفعول به إلى آخر ما ذكرنا، فالملابسة قائمة بين الفعل وما أسند إليه، وقال بعضهم ينظر في العلاقة إلى ما بين المسند المجازي، والمسند إليه الحقيقي، أي أن صحة التجوز راجعة إلى أن الفاعل المجازي مثل الطريق في المثال السابق له صلة، وملابسة بالفاعل
الحقيقي الذي هو الناس، وهذه الصلة هي المشاركة في تعلق الفعل بهما؛ لأن أصل التعبير، سار الناس في الطريق، فالفعل له تعلق بالفاعل الحقيقي من حيث وقوعه منه، وله تعلق بالفاعل المجازي من حيث إنه مكانه، ويفهم هذا أيضا من قول الزمخشري في تعريفه: "هو أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له"، أي أن يسند الفعل إلى فاعل له علاقة، وملابسة بالفاعل الحقيقي، كما تلبست التجارة بالمشترين يعني في قوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} 1؛ لأن الأصل فما ربح الناس، أو المشترون في تجارتهم، فهناك ملابسة بين التجارة والمشترين أي التجار، هذه الملابسة هي تعلق الفعل بكل منهما كما هو واضح في المثال.
وظاهر أنه إذا كانت هناك علاقة بين المسند من فعل، وشبهه والمسند إليه المجازي، فإنه يلزم أن تكون هناك علاقة بين الفاعل المجازي والفاعل الحقيقي، ولك أن تنظر إلى أيهما شئت.
والعلاقات والملابسات من أجل المباحث، وأطرفها في دراسة الأساليب؛ لأنهما تعني بيان ما بين الأشياء من صلات ووشائج، وكيف يتصورها الذهن، والخيال متقاربة حتى يصح أن يدل بعضها على بعض، ويذكر بعضها مكان بعض، أو متباعدة حتى لا يجوز ذلك، ولا ما يقرب منه كعطف بعضها على بعض، إذا اشتد التغاير.
وقد أطلق العلماء على هذا المجاز أسماء كثيرة منها المجاز في الإسناد، وذلك
__________
1 البقرة: 16.
(1/115)

لكثرة وروده في النسب الإسنادية، التي بين الفاعلين والأفعال، والتي بين المبتدأ والخبر، وكان بعض الباحثين يضيق بتجاهل صوره الأخرى، فيجتهد في لفت الأذواق، والعقول إلى هذه الصور في النسب غير الإسنادية فيعرض بعضها، ثم يقول: "فتدبر ذلك فإنه بحث نفيس"، أو يقول: "فافهم وقس"، ولا تقصر المجاز العقلي على ما يفهم من ظاهر كلام السكاكي والخطيب، وغير ذلك من العبارات التي تثير الدارس وتغريه بالمتابعة، والعلامة ابن السبكي يضيق هو أيضا بطغيان التجوز في الإسناد على غيره، فيقتحر أن يسمى هذا المجاز: "مجاز الملابسة"، وحتى تكون هذه التسمية مشعرة بصفته، وتجاوزه النسبة الإسنادية.
ويسميه بعضهم "المجاز الحكمي"، وقالوا في جه هذه التسمية: إنها نسبة إلى حكم العقل، أو نسبة إلى الحكم الذي هو أشرف أفراده -وأفراد المجاز طرفان ونسبة، والنسبة أشرف من الطرفين كما قالوا.
ويسميه بعضهم المجاز النسبي أي الواقع في النسبة.
ويسميه بعضهم المجاز في الإثبات، ولوحظ الإثبات وحده مع أنه يقع في النفي كقوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} 1؛ لأن النفي فرع الإثبات كما قال عبد الحكيم، ويسميه بعضهم المجاز في الجملة أو المجاز التركيبي؛ لأن موضعه التعلقات التي هي أساس التراكيب.
وأشهر أسمائه المجاز العقلي، ووجه هذه التسمية هي أن التصرف فيه يكون في أمر عقلي أي أنك حين تقول: حمتهم سيوفنا لا تكون متجوزًا لي كلمة حمتهم؛ لأنها مستعملة في معناها الحقيقي، ولا تكون متجوزًا في كملة السيوف وإنما تجوزت في أن أسندت الحماية إلى السيوف، وهذا تصرف المتكلم وعقله، ويمكن أن يكون أحد الطرفين أو كلاهما مجازيا، ولكنك لم
__________
1 البقرة: 16.
(1/116)

تدخله هذا الباب إلا للتصرف الذي وقع في الإسناد وهو تصرف عقلي، وسوف نزيد هذه المسألة وضوحا حين نأتي إلى أقسامه من هذه الجهة.
وقد اجتهد عبد القاهر في بيان الفرق بين المجاز في المفرد، والمجاز في الإثبات، وأكد أن المتصرف في الأخير هو العقل الذي يقيم الروابط والصلات؛ لأن اللغة لم تأت لتحكم بحكم، فالحكم بأن الضرب فعل لزيد أو ليس بفعل له، أو أن المرض صفة له أو ليس صفة، شيء يضعه المتكلم ودعوى يدعيها، وما يرد عليها من اعتراض، وتصديق أو تكذيب، واعتراف أو إنكار، وتصحيح أو بطلان، فهو اعتراض على المتكلم، وليس للغة في ذلك سبيل.
وأكد عبد القاهر بهذا، وبغيره الفرق بين المجازين العقلي واللغوي، وبدأ في ذلك وأعاد، يؤكد ويدفع كل شبهة تحوم، وكل اعتراض يرد.
وقد لخص الخطيب قدرًا من هذه الدراسة، فقال: "وسمي الإسناد في هذين القسمين من الكلام -أعني الحقيقة والمجاز العقليين- عقليا؛ لاستناده إلى العقل دون الوضع؛ لأن إسناد الكلمة إلى الكلمة شيء يحصل بقصد المتكلم دون واضع اللغة، فلا يصير ضرب خبرًا عن زيد بواضع اللغة بل بمن قصد إثبات الضرب فعلًا، وإنما الذي يعود إلى واضع اللغة، أن ضرب لإثبات الضرب، لا لإثبات الخروج، وأنه لإثباته في زمان ماض، وليس لإثباته في زمان المستقبل، وأما تعيين من ثبت له فإنما يتعلق بمن أراد ذلك من المخبرين، ولو كان لغويا لكان حكمنا بأنه مجاز في قولنا: خط أحسن مما وشى الربيع، من جهة أن الفعل لا يصح إلا من الحي القادر حكما بأن اللغة هي التي أوجبت أن يختص الفعل بالحي القادر دون الجماد، ذلك مما لا شك في بطلانه"، وهذا كما قلنا: ملخص، أو منقول من أسرار البلاغة.
أما قول الخطيب: ولو كان لغويا لكان حكمنا إلى آخره، فإنه تلخيص
(1/117)

لاعتراض أورده الجرجاني بعد ما فرق بين الأفعال التي تكون مصادرها في حكم الأجناس من المعاني لعمومها في الدلالة، مثل: فعل وأنشأ وخلق، والأفعال التي تكون مصادرها في حكم أنواع من المعاني لخصوصها مثل ضرب، وخرج، وذهب، وبين أن المفعولات للأفعال الأولى تسمى مفعولات مطلقا مثل: أنشأ الله الخلق وفعل زيد القيام، فالخلق والقيام، كلاهما مفعول مطلق أي ليس مفعولا به؛ لأنك لم توقع عليه فعلا كقولك: ضربت زيدًا، فزيد مفعول به؛ لأنك أوقعت عليه فعلا هو الضرب، وأن هذه الأفعال العامة قد ترد فيها الشبهة، فيقال: أن الفعل -فعل أو أنشأ- وضع في اللغة ليدل على قوع الحدث من الحي القادر، فإذا أسندته إلى الربيع، فقد تجاوزت الوضع اللغوي، وبين عبد القاهر خطأ هذا، وأكد أن اللغة وضعت فعل، وأنشأ للتأثير في وجود الحادث، فحسب غير ناظرة إلى ما ينسب إليه، والعقل هو الذي قرر أنه لا بد من مؤثر قادر.
وقبل الخطيب لخص الإمام الرازي كلام عبد القاهر في هذا، وارتضاه ومثله السكاكي، أما أمير المؤمنين حمزة بن يحيى العلوي فقد خالف في ذلك، وذهب إلى أن هذا المجاز مجاز لغوي، وأنكر على الإمام الرازي تسميته عقليا، قال العلوي: "اعلم أن هذه المجازات المركبة التي ذكرناها، ومثلناها بقوله تعالى: {وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} 1، وبقوله: {مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ} 2، وقوله: {إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ} 3، وغير ذلك من الأمثلة، فإنها كلها مجازات لغوية استعملت في غير موضوعاتها الأصلية، فلأجل هذا حكمنا عليها بكونها لغوية، وبيانه أن صفة أنبت وأخرج، وأخذ وضعت في أصل اللغة لصدور الخروج والنبات، والأخذ من القادر الفاعل، فإذا استعملت في صدورها من الأرض، فقد استعملت في صدورها من الأرض، فقد استعملت الصيغة في غير موضوعاتها، فلا جرم حكمنا بكونها مجازات لغوية، وقد زعم
__________
1 الزلزلة: 2.
2 البقرة: 61.
3 يونس: 24.
(1/118)

ابن الخطيب الرازي أن المجازات المركبة كلها عقلية، وهذا فاسد لأمرين: أما أولًا؛ فلأن فائدة المجاز معناه حاصل في المجازات المركبة من كونه أفاد معنى غير مصطلح عليه، فلهذا كان المركب بالمعاني اللغوية أشبه، وأما ثانيا؛ فلأن المجاز المفرد في قولنا: زيد أسد قد وافقنا على كونه لغويا، فيجب أن يكون المركب أيضًا كذلك، والجامع بينهما أن كل واحد منهما قد أفاد غير ما وضع له في أصل تلك اللغة، فوجب الحكم عليه بكونه لغويًّا".
وبيدو أن العلامة الفاضل لم يقرأ هذا البحث القيم المقنع في كتاب أسرار البلاغة، فقد أنفق عبد القاهر أكثر من عشرين صفحة ليؤكد أن هذا المجاز عقلي، وليس لغويا، وقد أفلح في هذا.
ويبدو أن العلامة العلوي متأثر برأي في قضية خلافية مشهورة، ومضمونها: هل التراكيب اللغوية وضع وضعه أصحاب اللغة كما وضعوا مفرادتها؟ أم أن التراكيب من محض تصرف المتكلم، وأن أصحاب اللغة وضعوا مفرداتها فحسب، قال بعض الباحثين: إن الصور التركيبية جرى فيها الوضع كما جرى في المفردات، ولهذا وجدنا ناقدًا عظيما مثل الآمدي يستحسن أن يقف الشعراء، والأدباء عند هذه الصور فلا يتجاوزوها؛ لأن اللغة لا يقاس عليها، وكأنه ينتصر من وراء ذلك لمذهب البحتري، ويعيب عن طرف آخر طريقة أبي تمام؛ لأن له محاولات كثيرة في خلق تراكيب مجازية جديدة لم يألفها الاستعمال الأدبي، وذلك بخلاف البحتري الذي كان يجري على طريقة الشاعر الحاذق، والشاعر الحاذق كما يقول الآمدي: "يصور لك الأشياء بصورها، ويعبر عنها بألفاظها المستعملة فيها واللائقة بها، وذلك مذهب البحتري، ولهذا كثر الماء والرونق في شعره".
أقول: إن الآمدي يستحسن أن يقف الشعراء، والأدباء عند الصور، والتراكيب المألوفة فلا يتجاوزوها، وقد قال ذلك حين عاب صورة من صور المجاز في قول أبي تمام يودع صاحبه على ابن الجهم: "من الكامل"
(1/119)

هي فرقة من صاحب لك ماجد ... فغدا إذابة كل دمع جامد
فافزع إلى ذخر الشئون وعذبه ... فالدمع يذهب بعض جهد الجاهد
والشاهد في قوله: "فالدمع يذهب بعض جهد الجاهد"، فقد أراد أن الدمع يذهب بعض جهد الحزن الجاهد أي أن الحزن الذي جهدك، فهو الجاهد لك، قال الآمدي: "ولو كان استقام له أن يقول: بعض جهد المجهود لكان أحسن وأليق، وهذا أغرب وأظرف، وقد جاء أيضا فاعل بمعنى مفعول قالوا: عشية راضية، بمعنى مرضية ولمح باصر، وإنما هو مبصر فيه، وأشباه هذا كثيرة معروفة، ولكن ليس في كل حال يقال: وإنما ينبغي أن ينتهي في اللغة إلى حيث انتهوا ولا يتعدى إلى غيره، فإن اللغة لا يقاس عليها".
والآمدي في هذا يحرص على أن يحفظ عمود الشعر، ويصون إلف المجاز في اللغة حتى لا يخرج عن الذوق المألوف، وكان رجلًا دقيق الحس بالغ التأثر جيد العبارة، ولكننا لا نوافقه في أنه ينبغي أن ننتهي في هذا المجاز حيث انتهوا؛ لأننا نريد للمواهب الصادقة أن تضيف إلى تراث اللغة في التراكيب، والصور والأبنية ما يعد ثروة تتسع بها آفاقها، وترحب بها آمادها وهكذا فعل أمثال المتنبي وأبي العلاء، ومن قبلهم الأعشى وامرؤ القيس، وغيرهم ممن نهجوا للأساليب طرقا، وفتحوا لها آفاقا.
وهذا الجانب المهم لم يدرس في أدبنا دراسة جادة، أي أننا لم نحدد تحديدًا دقيقا ما أضافه كل شاعر من شعرائنا الكبار إلى ثروة اللغة التركيبية من ألوان في الصياغة، والتشكيل اختراعها هو، وكانت هناك محاولة متواضعة تناولت بيان سيدنا محمد -صلوات الله وسلامه عليه- فعددت بعض الصور التي أضافها -صلى الله عليه وسلم- في بيانه الشريف إلى ثروة اللغة مثل: "حمي الوطيس"، ولم يفحص كلام رسول الله فحصا كاملا ليأتي بنتيجة محددة، في هذا الباب، ومثل ذلك أسلوب القرآن، فإنه على كثرة ما كتب فيه لم يتحدد لنا بوضوح ما نهجهه للغة من طرق، وما فتق لها من أساليب
(1/120)

البيان وصور التراكيب، وهذا درس صعب جدا، ولكنه ضروري في تاريخ التراكيب، ورصد نمو الأساليب ويجد فيه النابهون من طلاب العلم، ومحبيه مجالا فسيحا لجهود صادقة، وعد عن ذا، وعد إلى قضيتنا لنقول: إن القول بأن المجاز التركيبي مجاز لغوي متأثر بالرأي القائل، أن التراكيب اللغوية من وضع أصحاب اللغة، فكما وضع العرب إزاء كل معنى مفرد لفظا يدل عليه, وضعوا كذلك إزاء كل معنى مركب تركيبا يدل عليه، وقد ربط العلامة ابن السبكي القول في كون هذا المجاز لغويا، أو عقليا بالقول في هذه القضية وعبارته: الحقيقة والمجاز التركيبيان هل هما لغويان أم لا؟ وذلك مبني على أن المركبات موضوعة أولًا؛ إن قلنا بالأول فنعم وإلا فلا.
وقلت: إن العلامة العلوي متأثر بالقول بالوضع في التراكيب لقوله: والجامع بينهما أن كل واحد منهما قد أفاد غير ما وضع له في أصل تلك اللغة، وهذا يعني أن التركيب في المجاز العقلي مستعلم في غير ما وضع له، وهذا واضح في أن العلامة يرى أن واضع اللغة وضع تراكيبها كما وضع مفرداتها، وواضع اللغة يقصد به أهلها الذين اصطلحوا على تحديد معانيها إفرادًا وتركيبا.
وقد اختلف البلاغيون حول المسمى بالحقيقة، والمجاز العقليين هل هو الكلام؟ أي الجملة كلها؟ فنقول -في قول قيس بن الملوح: "من الطويل"
ألَا يا حمامي بطن ودان هجتما ... على الهوى لما تغنيتما ليا
فأبكيتماني وسط أهلي ولم أكن ... أبالي دموع العين لو كنت خاليا
إن قوله: هجتما على الهوى، مجاز، وقوله: فأبكيتماني مجاز.
وكذلك نقول -في قول أبي حناك البراء في رثاء إخوته: "من الطويل"
أبعد بني أمي الذين تتابعوا ... أرجي الحاية أم من الموت أجزع؟
(1/121)

ثمانية كانوا ذؤابة قومهم ... بهم كنت أعطي ما أشاء وأمنع
أولئك إخوانه الصفاء رزئتهم ... وما الكف إلا أصبع ثم أصبع
إنه حقيقة عقلية.
أم أن الموصوف بهما هو الإسناد فقط، فنقول: إن الإسناد في عشر قيس إسناد مجازي، والإسناد في قول أبي حناك إسناد حقيقي، وحينئذ يكون إطلاقنا المجاز على الجملة كلها مجاز آخر معناه تسمية الكل "الجملة" باسم الجزء "الإسناد"، وكذلك يقال في الحقيقة، وليس وراء تمحيص القول في هذا غناء، فعد عنه إلى غيره.
أما صورة التجوز فإن منها ما لا نرى التجوز فيه إلا في الإسناد، ويكون طرفا الإسناد مستعملين استعمالًا حقيقيا، ومن أمثلة ذلك وجيده، قول الفرزدق في قصيدته، "إن الذي سمك السماء": "من الطويل".
يحمي إذا اخترط السيوف نساءنا ... ضرب تطير له السواعد أرعل
واختراط السيوف سلها وتهيؤها للنزال، والضرب الأرعل الشديد السريع والرجل الأرعل، الطياش الأحمق، يريد أن يقول: إنا إذا ابتدأ الشد نحمي نساءنا بضرب شديد وسريع، تطير له السواعد، ولكنه تصرف في التركيب تصرفا أخرج به صورة الكلام مخرجا غير الذي قلناه، وذلك بإسناد الحماية إلى الضرب، فقال: يحمي نساءنا ضرب، وقدم قوله: إذا اخترط السيوف على الفاعل، وأوقع هذا الشرط معترضا بين جزأي الجملة؛ لأنه أراد أن يبرز صعوبة ذلك الوقت الذي يحمي هذا الضرب الأرعل فيه النساء، وأنه وقت يصاب فيه غيرهم بالدهش والفجاءة.
ولكمة اختراط لها مغزى جليل؛ لأنها تعني اجتذاب السيوف، وسلها بشدة واندفاع وتهور، فاللحظات لحظات موت خاطف سريع، وفي البناء
(1/122)

للمجهول إشارة إلى السرعة الفائقة حتى كأن السيوف تسل وحدها، فليس للاختراط فاعل، والكلمة تبعث في شطر البيت حركة مفاجئة، وفارهة تناسب شعور الفخر الهائج، وتتلاقى مع الحركة الطائشة المتناثرة في شطر البيت الثاني: "تطير له السواعد"، وقوله: يحمي كلمة مستعملة فيما وضعت له؛ لأن المراد هنا أصل معناها، وكذلك كلمة ضرب وهما طرفا المجاز، وإنما وقع التجوز في أن صار الضرب فاعلًا للحماية، والحامي في الحقيقية ليس الضرب، وإنما هم القوم بالمنازلة والمقارعة، وفي هذا تأكيد لقدرتهم على حماية حرماتهم من جهة أنه إذا كان ضربهم قادرا على الحماية فهم عليها أقدر، هكذا يرى عبد القاهر، وفيه أيضا إشارة إلى شدة الضرب، وتميزه واستقلاله ونهوضه بالذود والحماية، وهذا هو الخيال الكامن وراء المجاز.
ومن ذلك قول حاجز بن عوف الأختمي في قصيدته: "صباحك وأسلمي عنا أماما": "من الوافر"
أبي عبر الفوارس يوم داج ... وعمي مالك وضع السهاما
فلو صاحبتنا لرضيت عنا ... إذا لم تغبق المائة الغلاما
أراد بقوله: عبر الفوارس أي خبر قوة عدوه وعدها، وعرفها ثم احتال في الرجوع إلى قومه، من قولهم: عبر الدنانير، وزنها دينارا دينارًا، واليوم الداجي هو اليوم الصعب الشديد، وكأنه ترى كواكبه، ووضع السهام أي وضع الأنصباء، وكان الحارث بن يشكر يأخذ سهاما من الأزد إذا غنموا نفاجة منه واقتدارًا، فمنع ذلك ذهل بن الأخشمي عم الشاعر وكان أبيا شجاعا، والغبوق ما يحلب من الإبل والغنم، وما يشرب بالعشي، وبابه نصر، يفخر الشاعر بعمه ووالده ثم يقول لصاحبته: لو صاحبتنا في زمان الشدة، والجدب لعرفت وفرة سخائنا، والشاهد قوله: إذا لم يتغبق المائة الغلاما، والغابق ليست الإبل وإنما هم القوم من لبن الإبل، فأسند الغبوق إلى الإبل إسنادا مجازيا؛ لأنها من الغبوق بسبيل حيث درت لبنها، فأعانت على الغبوق.
(1/123)

يقول عبد القاهر: "يريد إذا كان العام جدب وجفت ضروع الإبل، وانقطع الدر، حتى إن حلب منها مائة لم يحصل من لبنها ما يكون غبوق غلام واحد".
ومن نادر ذلك وجيده قول الخنساء في رثاء صخر: "من البسيط"
فما عجول لدى بو تطيف به ... لها حنينان إعلان وإسرار
أودى به الدهر عنها فهي مرزمة ... قد ساعدتها على التحنان أظآر
ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
يوما بأوجع مني يوم فارقني ... صخر وللعيش إحلاء وإمرار
العجول: الناقة التي فقدت ولدها فهي واله، والبو: ولد الناقة، والمراد به هنا الجلد يحشى ثمامًا أو تبنا، فيقرب من أم الفصيل، فتعطف عليه فتدر، والآظآر: جمع ظئر وهي العاطفة على ولد غيرها لترضعه، وقالوا: ظأرني على الأمر، أي: أكرهني كأنه عطفه عليه ولواه، وقالوا: ظأرتهم الرماح على الصلح كأنها ترغمهم وتلويهم عليه، والمرزمة ذات الإرزام وهو الحنين وصوت تخرجه الناقة من حلقها لا تفتح به فما، وقالوا: لا أفعل ذلك ما أرزمت أم حائل، أي ما حنت عجول حال ولدها ... وشاهدنا قولها: "فإنما هي إقبال وإدبار"، فقد أسندت الإقبال والإدبار إلى الناقة عل طريقة قولنا: زيد عدل، وهذا تجوز في الإسناد، والإقبال، والإدبار كلاهما مستعمل في أصل معناه، وهذا الإسناد أفاد أن هذه الناقة حين ذكرت ولدها ارتاعت من شدة ما تجد، واشتدت بها الوجد وأخذت تقبل وتدبر، وكأنها لفرط إقبالها وإدبارها، صارت إقبالًا وإدبارًا، قال عبد القاهر: "لم ترد بالإقبال والإدبار غير معناها فتكون قد تجوزت في نفس الكلمة، وإنما تجوزت في أن جعلتها -لكثرة ما تقبل وتدبر، ولغلبة ذلك عليها واتصاله بها، وأنه لم يكن لها حال غيرها -كأنها تجسمت من الإقبال والإدبار"، والناقة هنا استحالت إقبالا وإدبارًا، هي هكذا في هذ الشعر.
(1/124)

ويرفض عبد القاهر أن يكون الكلام على حذف مضاف، والتقدير: فإنما هي ذات إقبال وإدبار، أو أن يكون على تأويل المصدر باسم الفاعل أي فإنما هي مقبلة ومدبرة؛ لأن كلا الاثنين لا يصف آثار الذعر العنيف حين ادكرت الناقة فصيلها, ولا يصف ما أرادته الخنساء، يقول عبد القاهر: "وعلم أنه ليس بالوجه أن يعد هذا على الإطلاق معد ما حذف منه المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، مثل قوله عز وجل: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} 1 ... وإن كنا نراهم يذكرونه حيث يذكرون حذف المضاف، ويقولون: إنه في تقدير فإنما هي ذات إقبال وإدبار..... وليس الأمر كذلك في بيت الخنساء؛ لأننا إذا جعلنا المعنى فيه الآن كالمعنى إذا نحن قلنا: فإنما هي ذات إقبال وإدبار أفسدنا الشعر على أنفسنا، وخرجنا إلى شيء مغسول، وإلى كلام عامي مرذول، وكان سبيلنا سبيل من يزعم مثلًا في بيت المتنبي: "من الوافر".
بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا
أنه في تقدير محذوف، وأن معناه الآن كالمعنى إذا قلت: بدت مثل القمر ومالت مثل خوط بان، وفاحت مثل عنبر، ورنت مثل غزال في أنا نخرج إلى الغثاثة، وإلى شيء يعزل البلاغة عن سلطانها، ويخفض من شأنها، ويصد أوجها من محاسنها، ويسد باب المعرفة بها وبلطائفها علينا"، ثم يؤكد رفض هذا ويحتم أخذ المعنى كما يعطيه هذا البناء الذي بني عليه الشعر.
والذي يفيد أن الناقة كأنها صارت بجملتها إقبالًا وإدبارًا حتى كأنها قد تجسمت منها، ولو أرادت الشاعرة خلاف هذا المعنى لقالت: فإنما هي ذات إقبال وإدبار، أما أن تكون قد بنت معناها هذا البناء الشعري المصور، ثم بعد ذلك ننزله بالتقدير إلى هذا المعنى المغسول: فذلك مما لا مساغ له عند من كان صحيح الذوق صحيح المعرفة، وهذا النص نص جديد، وكأن سلطان البلاغة
__________
1 يوسف: 82.
(1/125)

ومحاسنها، ولطائفها كل ذلك في خلق الصور اللغوية التي يدلك عبد القاهر عليها في الفرق بين الكلامين الشعر، والكلام الغث المغسول.
وقد ألمع العلامة ابن جني إلى أصل هذا الشرح الممتاز حين قال معلقا على هذا البيت: "الأحسن في هذا أن يقال: كأنها خلقت من الإقبال والإدبار، لا على أن يكون من باب حذف المضاف".
وقد رويت أبيات الخنساء في صورة أخرى اختلطت فيها الأشطار، وتحرفت بعض الكلمات، من ذلك الرواية التي جاءت في ذيل دلائل الإعجاز، فقد رويت هكذا:
فما عجول لدى بو تطيف به ... قد ساعدتها على التحنان أظآر
أودى به الدهر عنها فهي مرزمة ... لها حنينان إصغار وإكبار
ترعى إذا نسيت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
وهذا الخلط لا يخطئه الحس، فحنين العجول يذكر مع طوفانها حول البو، كما في الرواية التي أثبتناها أولًا، ومساعدة الأظآر لها على التحنان يناسب إرزامها، فقد قالوا: إن الإرزام أقل من التحنان، وكأن أصوات أشواقها تتصاعد إرزاما وتحنانا، وقولها هنا: إذا نسيت، كبيرة في الشعر لا تقع فيها الخنساء؛ لأن ناقتها تغفل فقط ولا تنسى؛ لأنها إذا نسيت فقد ذهبت لوعتها، والذكر حصول الشيء، وحضوره سواء كان بعد غفلة أو بعد نسيان، وحديث الناقة في أبيات الخنساء كله مثل تصف به لوعتها، وهذا فن من القول خلوب كتب فيه زكي مبارك كتابة طيبة أفادها من الشيخ المرصفي، الذي قال في مزايا أسلوب الأعشى: إنه ابتدع أسلوبا لم يسبقه إليه الشعراء، واقتدى به من جاء بعده منهم في هذا الأسلوب، ثم شرح الطريقة التي جاءت عليها الآبيات، وأظن أن طواعية هذه الطريقة، وسلاستها في شعر الخنساء، ولبيد والنابغة،
(1/126)

وغيرهم ممن عاصر الأعشى تجعل قبول قول الشيخ المرصفي رحمه الله غير ميسور، فجريان الأساليب المخترعة على ألسنة الشعراء يحتاج إلى زمن تلين فيه، وتطوع حتى تمضي في يسر، وسهولة وعذوبة كما نراها في شعر هؤلاء.
وكان من خبر صخر لما طعنه أبو ثور الأسدي حين جمع لهم، وأغار عليهم، أن نتأ من جرحه شيء أضناه حولًا، وبقي في بيته كالأسد المريض، فسمع رجلًا يسأل امرأته، ويقول: كيف صخر؟ فقالت: لا ميت فينعى ولا صحيح فيرجى، فعلم أنها قد برمت به، ورأى تحرز أمه عليه، فقال أبياتا جيادًا: "من الطويل"
أرى أم صخر ما تجف دموعها ... وملت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك ومن يغتر بالحدثان
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
لعمري لقد أنبهت من كان نائمًا ... وأسمعت من كانت له أذنان
فأي امرئ ساوى بأم حليلة ... فلا عاش إلا في شقا وهوان
قال أبو العباس المبرد، ثم عزم على قطع ذلك الموضع، فلما قطعه يئس من نفسه فبكاها، فقال: "من الطويل"
أيا جارتا إن الخطوب قريب ... من الناس كل المخطئين تصيب
أيا جارتا إنا غريبان ههنا ... وكل غريب للغريب نسيب
والجنازة: الميت أو سريره، قال صاحب اللسان: إذا ثقل على القوم امرؤ، واغتموا به فهو جنازة عليهم، ثم ذكر البيت، ودع ذا لنتابع صور التجوز في الإسناد.
ومنها أي من التجوز في الإسناد وحده قول سلمة الجعفي يرثي أخاه لأمه: "من الطويل"
(1/127)

فتى كان يعطي السيف في الروع حقه ... إذا ثوب الداعي وتشقى به الجزر
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
وثوب الداعي رجع صوته في الدعاء مرة أخرى ليسمع صوت دعائه واستغاثته، وعطاء السيف حقه هو الضرب به في حال الشد، وإروائه من دم الأعداء، وشقاء الجزر به؛ لأنه كان ينحرها لضيفانه فهو شجاع جواد، وقوله: يدنيه الغنى من صديقه، مجاز في الإسناد؛ لأن الغنى لا يدنيه وإنما يدنو هو من صديقه بسبب غناه، ومثله: ويبعده الفقر، وفضل هذا الأسلوب على طريق الحقيقة هو أنه يؤكد سببية الغنى، في دنو الممدوح من أصدقائه حتى كأن الغنى هو الذي يدنيه، ويدفعه نحوهم، وكأن الفقر هو الذي يبعده، ومنه قول عمار الأسدي يرثي ولده معينا، وهو من جيد الرثاء: "من الوافر"
ظللت بجسر سابور مقيما ... يؤرقني أنينك يا معين
وناموا عنك واستيقظت حتى ... دعاك الموت وانقطع الأنين
والظلول أصله المكث نهارًا، ولكنهم توسعوا في معناه، فأطلقوه على الأوقات كلها، جسر سابور بلد من بلاد الفرس، والشاهد قوله: يؤرقني أنينك؛ فإن الشاعر أرق لأنين ولده، وهذه الصورة بالغة في التأثير، وهي كما ترى خالية من الاحتفال والمبالغات، وإنما تصف معاناة نفس صرفها حزنها الواله عن العناية بالصنعة، فجاءت الأبيات وليس فهيا إلا ترجيع الحزن وترنح البكاء، وحسبها من الشعر هذا.
ومن هذا الضرب في القرآن الكريم قوله تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} 1، فقد أسندت زيادة الإيمان إلى الآيات، وهي في الحقيقة سبب أي زادهم الله إيمانا بسبب الآيات، ومثله: {فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا} 2، ومزية المجاز هنا أن الآيات لقوة سببيتها
__________
1 الأنفال: 2.
2 التوبة: 124.
(1/128)

وفاعليتها في النفوس كأنها هي التي فعلت زيادة الإيمان، فالمراد توضيح أهمية الآيات وفاعليتها.
ومنه قوله تعالى: {وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} 1، والأرض لا تخرج وإنما يخرج الله منها أثقالها، فهي مكان الفعل وليست فاعلة، وفي هذا الإسناد تخييل محرك ومثير، فأنت ترى الأرض فاعلة جاهدة تخرج أثقالها، وهذه الإضافة في قوله: أثقالها تشعر بأنها أثقال هائلة جسام؛ من حيث كانت أثقال هذا الكوكب الهائل الضخم الذي حمل الجبال، والبحار وثقلاء الناس، والمقام مقام ذكر الساعة وما فيها من ذهول وفزع، وتصور الأرض وهي جاهدة تخرج الأثقال في هذا الوقت الفزع واقع أحسن موقع، ثم فيه إشارة إلى أنها لا تبقى في باطنها شيئا؛ لأنها تقذف بنفسها كل ما انطوى في طياتها.
ومنه قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ} 2، فقد أسند أقلت إلى ضمير الرياح، والرياح لا تحمل وإنما القدرة التي تسخر الرياح، وهذا المجاز يريك الرياح، وقد حملت ثقال السحاب وناءت بها، وكأنها أثقلتها وأعجزتها، فجاء فعل السوق مسندا إلى الذات القادرة على حركة الريح، فساقته بأحماله الثقال.
وقد تجد في الجملة التي بنيت على التجوز في الإسناد مجازًا لغويًّا في أحد طرفيها، ومما جاء المسند إليه فيها على طريق المجاز قول الفرزدق يذكر قومه، وإبلهم المههملة في الصحراء اتكالًا على ذكرهم: "من الطويل".
سقاها خروق في المسامع لم تكن ... علاطا ولا مخبوطة في الملاغم
والعلاط صفحة العنق، قالوا: ما ملح علاطيها أي صفحتي عنقها، ثم
__________
1 الزلزلة: 2.
2 الأعراف: 57.
(1/129)

أطلق على السمة في عرض العنق من أطلاق المحل على الحال، وصار كأنه حقيقة فيما هو مجاز فيه، والملاغم الأشداق وما حولها، قالوا: زبده على ملاغمه، ثم أطلق على الزبد الذي يكون فوق الأشداق في مثل قولهم: رمى البعير بلغامه، وقد تلغمت المرأة بالطيب أي طيبت فمها، والمخبوطة في الملاغم أي الموسومة في الأشداق.
يقول الفرزدق: إن إبلنا حين ترد الماء لتشرب لا يمنعها أحد، وهي غير موسومة بعلامة؛ لأن ذكر أصحابها قد ملأ الأسماع، والشاهد في قوله: سقاها خروق حيث أسند السقي إلى الخروق، وقالوا: كنى عن الشهرة بالخروق في المسامع، وكأن الذكر الجهير والصيت الذائع لنفاذه، وبلوغه قد خرق الأسماع، وقد يكون توجيه العبارة غير هذا الذي قالوه؛ لأن خروق المسامع يراد بها في كلامهم مجاري الصوت في الأذن، قالوا: جرى حديثهم في خروق المسامع أي سمعهم الناس، ومنه: "من الطويل"
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها ... سواها وما طهرتها بالمدامع
وتلتذ منها بالحديث وقد جرى ... حديث سواها في خروق المسامع
أي وقد جرى حديث سواها في أذنك.
والمراد بخروق المسامع في بيت الفرزدق ليس هو مجاري الصوت، وإنما الصوت نفسه أي الذكر وبعد الصيت، وأطلق خروق المسامع أي مجاري الصوت على الصوت، أي الذكر كما يطلق المحل على الحال، والشاهد كما قلت: هو أن هذه الإبل سقتها الخروق أي سقاها الذكر، والصيت وأفسح الناس لها الطريق لما يعرفون من قوة أصحابها ومنعتهم، والذي سقاها حقيقة هم الناس بسبب ما يسمعون، ولكن هذا التجوز وضح السبب، وأبرزه حين خيل أنه هو الذي سقى الإبل.
ومن هذا الضرب الذي يقع في التجوز في الإسناد، والمسند إليه قولك: أقلقتني بنات الليل، وبنات الليل تقع في كلامهم كناية عن الهموم، والأحزان كما يذكرون بنات الدهر، ويريدون الشدائد، والبلايا.
(1/130)

ومن هذا الضرب قول الباردوي في رثاء زوجته: "من الكامل"
أيدي المنون قدحت أي زناد ... وأطرت أية شعلة بفؤادي
أوهنت عزمي وهو حملة فيلق ... وحطمت عودي وهو رمح طراد
ويد المنون: استعارة مكنية للموت، وقدح الزناد إخراج ناره، والفيلق: الجيش والكتيبة العظيمة، والشاهد قوله: "أوهت عزمي"، فالوهن أسند إلى يد المنون وهي سبب له وليست فاعلة، وقدح الزناد مثل يضرب لإثارة كوامن الأحزان والشجون، وكذلك إطارة الشعلة من الفؤاد تصوير لذهاب العقل عند الدهش والفجاءة بالأمر الجلل.
والصور في هذين البيتين كما نرى تتزاحم، ويدخل بعضها في بعض ... قدح الزناد، وإطارة شعلة الفؤاد ... وحطم العود وهي أيضًا صورة تمثيلية لبيان ضعفه وتخريب بنائه، ثم هناك تجوز في الإسناد في أوهت عزمي كما قلنا، والذي أريده أنه ينبغي أن نبين بدقة موطن المجاز، فلا يلتبس علينا، فنزعم مثلا أن قوله: أوهنت عزمي استعارة كأخواته، أو أن قوله: حطمت عودي مجاز في الإسناد؛ لأن هذا وإن صح مع الاحتجاج والتمحل، فإنه مفسد الشعر، واعلم أن المجاز في الإسناد يضفي على الجملة ظلا خادعا من التلوين يحسبه من لا خبرة له ببناء الأساليب تجوزا فيها، ألست ترى في قولنا: أنبت الربيع البقل الذي هو من أوضح أمثلة هذا المجاز نوعا من الخيال يوهمك أن الربيع مشبه بالحي القادر على ذلك، وانظر إلى قولنا: أهاجته ذكريات عذاب، ألست ترى ظلا من الخيال يوهمك أن الذكريات هنا مشبهة بحي يقع منه الفعل؟ نعم هذا كائن، ولذلك ذهب السكاكي إلى الناظر في المثبت له لا في الإثبات، وأدخل المجاز العقلي في قسم الاستعارة بالكناية تقليلًا للأقسام، وقد دفع هذا باعتراضات قوية قد نشير إلى بعضها، والمهم أن المتأمل للأساليب يلمح فرقًا بين المجازين في أكثر الصور، وإن كان يدق أحيانا، وعلينا أن نفسر كل صورة بما يناسبها، وبما هو الأظهر فيها من طرق البيان، فلا نتكلف ولا نلوي أعناق الاستعارة لنوجهها على طريق المجاز في الإسناد.
(1/131)

أتراك لو قلت في قوله: "من الطويل"
ولما نعى الناعي بريدًا تغولت ... بي الأرض فرط الحزن وانقطع الظهر
أن قوله: تغولت بي الأرض، مجاز عقلي أسند فيه التغول إلى الأرض، والأرض مكان التغول، وتكون مهدرًا لمزية الصنعة في هذا التصوير الخلاب حين أفسدته بهذا التحليل، وإن أمكنك أن تدافع عنه؟ أليس من البر بهذه الصورة أن نقول: إنها تصوير وتمثيل لحاله، واستلاب نفسه حين فوجئ بنعي أخيه بتلك الحال المفروضة أي حال من تغولته الأرض، وهم يزعمون أن في الأرض غولًا يغتال الأقوام، قال طريف بن وهب يخاطب زوجته في رثاء ولده:
"من الطويل"
فإن الذي تبكين قد حال دونه ... تراب وزوراء المقام دحول
نحاه للحد زبرقان ومالك ... وفي الأرض للأقوام قبلك غول
نقول: إنه شبه حاله حين أفرغ النعي نفسه بحال من تغولته الأرض، ثم استعار صورة المشبه به للمشبه على طريقة الاستعارة التمثيلية وراء ذكر الأرض التي تحمل إشارة إلى سرعة الاختطاف والاستلاب، وزوراء المقام القبر، والدحول هوة تكون في الأرض.
ولا أستطيع أن أضع حدًّا يهدي إلى الطريق الذي تخرج عليه الأساليب إلا المهارة الخاصة، وحسن التذوق للفروق الدقيقة بين طعوم الأساليب المتشابهة، والله يهدي من يشاء إلى صراط المستقيم.
ومما وقع فيه التجوز في الإسناد، والمسند إليه قول ابن خفاجة: "من الطويل"
وإني إذا ما شاقني لحمامة ... رنين وهزتني لبارقة ذكرى
لأجمع بين الماء والنار لوعة ... فمن مقلة ريا ومن كبد حرى
أراد بالرنين صوت الحمامة، وإنما يقال له: هديل، وسجع، وترجيع، وتطريب، ولعلهم أدركوا في صوت الحمامة ما يشبه رنة القوس، ورنة القوس من
(1/132)

أصوات الشجى، والحنين، وقد ذكروا الرنين للمرأة في نوحها، وللسحابة في رعدها، وللماء في خريره، وهو في كل هذا مجاز؛ لأن الرنين في أصل معناه الصيحة الحزينة، هكذا في المعاجم.
واستعمال الرنين في صوت الحمامة مجاز بتشبيه هديلها بالرنين، وفيه مجاز آخر في الإسناد حين جعله الشاعر فاعلا لقوله: شاقني؛ لأنه باعث الشوق وليس فاعله، وفي هذا التجوز توضيح للأثر العميق الذي أحسه الشاعر بسماع صوت الحمام، وكأنه هو الذي فعل فيه الشوق وأحدثه.
وقد يقع التجوز في الإسناد والمسند، ومنه قوله تعالى في ضراعة زكريا عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} 1، وهن العظم: أي ضعف وأراد عليه السلام أصابني الوهن، ولكنه جاء على هذه الصورة، وأسند الوهن إلى العظم، وهو للبدن كله ليشير إلى أن العظم الذي هو سناد البدن، وموضع القوة فيه، قد أصابه الوهن فما بالنا بغيره؟ هكذا قال الزمخشري: وتأمل التوافق الصوتي في: إني وهن العظم مني، وكيف دل على عمق ما يجد.
وشاهدنا في قوله: واشتعل الرأس شيبًا، فقد أرادج بالاشتعال ظهور شيب الرأس، ولكنه عبر بالاشتعال على سبيل الاستعارة التبعية ليفيد معنى العموم والمفاجأة في الظهور، وليصف عاطفة نبي الله زكريا عليه السلام، وإحساسه بهذا الشيب الذي كأنه اختطف شبابه في سرعة فائقة أو صيره رمادًا، وكأن الشيب نار اشتعلت في شبابه، ولو قال: ظهر
الشيب لكان كأنه يصف ظهور الشيب فقط، ثم جاء إسناد الاشتعال إلى الرأس، والرأس مكان الاشتعال، والمشتعل حقيقة هو الشعر في الرأس، فأكد بهذا إحساسه بعموم الشيب،
__________
1 مريم: 4.
(1/133)

واستغراقه لجميع رأسه، وإسناد الفعل إلى المكان يفيد العموم
كقولنا: اشتعل الطريق نارا، واشتعلت النار في الطريق، وتفجرت الأرض عيونا، وتفجرت العيون في الأرض.
ومما جاء على طريقة هذا القول في عموم الشيب قول الشاعر:
قالت قتيلة ما له ... قد جللت شيبا شواته
والشواة جلد الرأس، فقد أسند الشاعر ظهور الشيب الذي عبر عنه بالتجليل أي الغطاء، إلى شواة الرأس، كما أسندت الآية ظهور الشيب المعبر عنه بالاشتعال، ولكن الاستعارة في البيت لم تكن مثل الاستعارة في الآية، ولا في مرتبتها؛ لأن التجليل وإن أفاد التغطية، والعموم أي أن الشيب قد جلل كل رأسه، وغطاه فقد فاته أن يصف بياض الشيب ولألاءه، فالشاعر لم يحس بالشيب إحساسًا مشرقا مضيئًا، ولعله في هذا يعكس شعور صاحبته التي يجري القول على لسانها، والتي برمت بشيبه المغطى المظلم القاتم الذي يشبه في ظلمته غروب الشيخوخة.
ولهذه الطريقة مذاق حسن، انظر قولهم: سال بهم الوادي ترى في هذا التعبير أن القوم قد فاض بهم المكان، وأطبقوا كل موضع فيه، ومن جيد ذلك قول الشاعر:
وسالت بأعناق المطي والأباطح
وهي صورة حية يرى الأبطح المترامية قد فاضت بأعناق المطايا العجلة، لما استحثتها أشواق راكبيها، وواضح أن هذا والذي قبله مما وقع التجوز فيه في الإسناد والمسند؛ لأن السيلان فيه مستعار للسير الحثيث السريع اللين الذي يشبه سيلان الماء، وفضل قول الشاعر: سالت بأعناق المطي الأباطح على قولنا: سالت الأباطح بالمطايا، يكمن في هذه اللفتة في قوله: بأعناق المطي حيث جعل الأباطح لا تسيل بالمطايا هكذا جملة، وإنما اختار من المطايا الأعناق والرءوس؛ لأن أعناق الإبل تخضع، أو تهطع إذا أسرعت، وهم
(1/134)

يقولون: إن الإبل إذا غذت السير طامنت أعناقها، وكأن رءوسها تتراقص عند التخويد والهملجة.
ومن أحسن ما نسب فيه الفعل إلى الأعناق، قوله تعالى تسلية لرسول صلى الله عليه وسلم لما بلغ حزنه على عناد قومه جهد نفسه، فبين له سبحانه أنه لو أراد لأنزل عليهم آية بينة ملزمة لهم لا يجدون في مواجهتها إلا الإذعان، والانقياد والخضوع، قال سبحانه: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} 1، وبخع نفسه بلغ منها الجهد، وهو من قولهم: بخع الشاة إذا بلغ بذبحها القفا، وقوله: فظلت أعناقهم لها خاضعين، لما كان التطامن، والإذلال والخوضع والاستسلام يظهر كله في العنق نسب الخضوع إليها، ورمز بهذا الجمع الذي هو جمع السالم حين قال: خاضعين، إلى أن الصفة في الحقيقة للقوم؛ لأن خاضعين لا يأتي إلا في أوصاف العقلاء، وانظر إلى قوله: فظلت، بصيغة الماضي والسياق كله للمستقبل، وكيف أفادت هذه الصيغة سرعة الامتثال حتى كأن هذا الحدث من أحداث الزمن الذي سلف، والصورة كما ترى غنية بالإيحاء دقيقة في التصوير تجسد مشهدا من مشاهد الرهبة، والخضوع المستسلم الصامت الذليل.
ومما يذكره البلاغيون من شواهد تهيئة العبارة لهذا المجاز حتى يحسن موقعه قول الشاعر يصف جمله الذي أحبه، وتناسى به طلاب العامرية؛ لأنه سمح في سيره كريم رقيق المشافر مرقال سريع السير ضامر البطن، قلق الضفر بسبب هذا الضمور، مثلم الأخفاف من كثرة السير، إذا أحسته الأفاعي تحيزت، وانقبضت رءوسها مخافة أخفافه، ثم أنه يقطع الليل بعين صادقة صافية كأنها زجاجة جال فيها الماء، ولم تمتلئ به قال: "من الطويل"
تناسى طلاب العامرية إذ نأت ... بأسجح مرقال الضحى قلق الضفر
__________
1 الشعراء: 3، 4.
(1/135)

إذا ما أحسته الأفاعي تحيزت ... شواة الأفلاعي من مثلمة سمر
تجوب له الظلماء عين كأنها ... زجاجة شرب غير ملأى ولا صفر
والشاهد في قوله: تجوب له الظلماء عين، فقد أسند الجوب الذي هو قطع الظلماء إلى العين، فالأصل يجوب الجمل الظلماء بعينه، ولكنه عدل إلى المجاز، فأسند الفعل إلى آلته، ولم يكتف بهذا أي لم يقل تجوب عينه الظلماء، وإنما لمس التعبير لمسة العارف البصير، فنكر "عين" ليهيئ لنفسه وصفها بالصفاء، والسلامة؛ لأنها لو كانت معرفة لامتنع وصفها بهذه الجملة، ولما نكر العين، وقطعها عن الإضافة إلى الجمل وصلها بالجمل بقوله: "له"، وهذا الضمير المجرور هو الذي ربط البيت كله بغرض الشاعر الذي هو وصف الجمل، وتظهر أهمية هذا الضمير لو أسقطه، فإن الكلام يصير بدونه لا علاقة له بالجمل انظر: تجوب الظلماء عين كأنها زجاجة شرب غير ملأى ولا صفر.
تجد كلاما باطلا؛ لأن العين غير المضافة إلى صاحبها لا تستقل بجوب الظلماء، وهو كقولك: رأيت قطارا يجري في الهواء، وعينا تتلفع الظلماء، ورجلا له أذن يشرب بها الماء، ومثل هذا من الهذر الذي لا يخرج من عقل، والشاعر قد تنبه إلى أهمية هذا الضمير فذكره، وقدمه على الفاعل، والمفعول المتعلقين بالفعل لأهميته في ربط الكلام بموضوعه، وقال عبد القاهر: "فأنت الآن تعلم أنه لولا أنه قال: تجوب له فعلق له بتجوب لما صلحت العين؛ لأن يسند تجوب إليها، ولكان لا تتبين جهة التجوز في جعله تجوب فعلا للعين كما ينبغي، وكذلك تعلم أنه لو قال مثلا: تجوب له الظلماء عينه لم يكن له هذا الموقع، ولاضطرب عليه معناه، وانقطع السلك من حيث كان يعيبه حينئذ أن يصف العين بما وصفها به الآن، فتأمل هذا واعتبره، فهذه التهيئة وهذا الاستعداد في هذا المجاز الحكمي نظير أنك تراك في الاستعارة التي هي مجاز في نفس الكلمة، وأنت تحتاج في الأمر الأكثر إلى أن تمهد لها، وتقدم أو تؤخر
(1/136)

ما يعلم به أنك مستعير ومشبه، ويفتح طريق المجاز إلى الكلمة"، وراجع قراءته وتأمله؛ لأنه من النصوص النفيسة في فهم دقائق صنعة الشعر.
وواضحج أن المثبت في هذا المجاز، وهو تجوب فيه مجاز؛ لأن الجوب معناه القطع، قالوا: جاب الثوب والصخر أي قطعه، ومنه قوله تعالى: {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} 1، أي قطعوه، وهو مستعار هنا لنفاذ البصر، واستطاعة الرؤية خلال الظلام، كما قالوا في المجاز: جاب الفلاة أي قطعها ونفذ فيها وتغلغل، والنوق تجوب أدرع الظلماء، والجابية التيتنفذ في اللاد وتتغلغل فيها، وجوائب الأطيار جمع لهذه الجائبة.
ومما وقع فيه التجوز في الإثبات، والمثبت قول الأبيرد اليربوعي يرثي أخاه بريدا: "من الطويل"
ولما نعى الناعي بريدا تغولت ... بي الأرض فرط الحزن وانقطع الظهر
عساكر تغشى النفس حتى كأنني ... أخو سكرة دارت بهامته الخمر
فتى إن هو استغنى تخرق في الغنى ... وإن قل مال لم يضع متنه الفقر
والعرب يزعمون -كما قلنا- أن في الأرض غولا يغتال الناس، والغيلان في الصحراء تتخطفهم، فتضلهم عن المحجة وتذهب بعقولهم، وأراد الشاعر أنه لما سمع نعي أخيه طاشت نفسه، وكأن الأرض قد اغتالته، ودوران الأرض بالمفجوع معنى متداول في الشعر، قال طريف بن وهب في رثاء ولده: "من الطويل"
وظلت بي الأرض الفضاء كأنما ... تصعد من أركانها وتجول
والعساكر في قوله: عساكر تغشى النفس، مستعار للشدة التي أحاطت بروحه إحاطة تمكن واستيلاء، وقوله: تخرق في الغنى أي أسرف في العطاء
__________
1 الفجر: 9.
(1/137)

وهو مجازاتهم البليغة في الشجاعة والجود، وقوله: لم يضع متنه الفقر، هو شاهدنا، أراد لم يذله الفقر، وقد أسند وضع المتن إلى الفقر، والفقر سبب في الذل، وليس فاعلًا له وهو كقولهم: فلان وضعه الشح، ووضعه الجبن، أي كان سببا في وضعه وهوانه، وقد عبر الشاعر عن الذل بوضع المتن أي وطاءة الظهر وتطامن المناكب، وقد يقال: إن هذا من صور الاستعارة المكنية التي يشبه فيها الذليل المنقاد بالدابة الوطيئة الظهر المتطامنة المناكب، وهي لا تكون كذلك إلا إذا كانت دابة ذلولا.
وحين تراجع أساليب المجاز تلحظ أن كثيرًا منها يمكنك أن ترجع بالإسناد فيه إلى ما حقه أن يسند إليه أي إلى الحقيقة، فقوله: نام ليلي وتجلى همي يسهل أن تقول فيه: نمت في ليلي، وكذلك تقول في قوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} 1، فما ربحوا في تجارتهم، وفي قوله: تجوب له الظلماء عين، يجوب الجمل الظلماء بعينه، وفي قوله: يحمي إذا اخترط السيوف نساءنا ضرب، نحمي نساءنا بضرب.. إلى آخر ما قدمنا من الصور.
ولا يخفى أننا قد ذهبنا بموضع المزية من التعبير، أو سورة الفرقان كما يسميها عبد القاهر، وكان صف هذا المجاز بأنه كنز من كنوز البلاغة، وأنه مادة الشاعر المفلق، والكاتب البيلغ في الإبداع والإحسان، وأنه يجيء به الكلام مطبوعًا مصنوعًا، ويقع به بعيد المرام قريب الأفهام، وأن من شأنه أن يفخم عليه المعنى، وتحدث فيه النباهة.
وهناك تراكيب جاءت على طريقة التجوز، ولم يألفها الاستعمال مسندة إلى ما هي له أي لم يجر إسنادها إلى فاعليها الحقيقيين في العرف الاستعمالي في الشعر، والأدب والكلام عامة؛ من ذلك قولهم: أقدمني بلدك حق لي
__________
1 البقرة: 16.
(1/138)

على إنسان، فإن الإقدام هنا مسند إلى الحق، والحق ليس فاعل الإقدام، وإنما هو داع إليه، فالإسناد إسناد مجازي والعلاقة السببية، ولكن الناس لم يستعملوا الإسناد الحقيقي في هذه الصيغة كما استعملوا الإسناد الحقيقي في مثل ربح الناس في تجارتهم، ومثله قول الشاعر: "من مجزوء الوافر"
وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل
أراد أن هواك صيرني مثلا يضرب في هلاك المحبة، فأسند الفعل صيرني إلى هواك، والذي صيره ليس الهوى، وإنما الهوى سبب في هذه الصيرورة، ولم يعرف
في الاستعمال إسناد حقيقي لهذا التركيب.
ومثله قوله أبي نواس: "من مجزوء الوافر"
يزيد وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا
أراد أن محاسن وجهه لا تتناهى، فكلما ازددت فيها تأملًا تكشفت لك من روائعه آيات من الحسن بعدها آيات، فأسند الزيادة إلى الوجه، الوجه ليس فاعلا زيادة الحسن للمتأمل، وإنما هو سبب هذه الزيادة، ولم يجر العرف باستعمال إسناد حقيقي لهذا التركيب، قال عبد القاهر: "واعلم أنه ليس بواجب في هذا أن يكون للفعل فاعل في التقدير أن أنت نقلت الفعل إليه عدت به إلى الحقيقة مثل أن تقول في: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} ، ربحوا في تجارتهم، وفي: يحمي نساءنا ضرب نحمي نساءنا بضرب، فإن ذلك لا يأتي في كل شيء، ألا ترى أنه لا يمكنك أن تثبت للفعل -في قولك: أقدمني بلدك حق لي على إنسان فاعلا سوى- الحق، وكذلك لا تستطيع في قوله:
وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل
وقوله:
يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرًا
(1/139)

أن تزعم أن لصيرني فاعلا قد نقل عنه الفعل، فجعل للهوى كما فعل ذلك في: ربحت تجارتهم، ويحمي نساءنا- ولا تستطيع كذلك أن تقدر ليزيد في قولك: يزيدك وجهه، فاعلا غير الوجه".
ثم اعترض ابن الخطيب الرازي على هذا، وقال: إن كل فعل لا بد له من فاعل حقيقي، إذا أسند إليه صار الإسناد حقيقيًّا، وأنكر هذا الكلام على عبد القاهر، وعبارة الرازي، قال -بعد ما نقل كلام عبد القاهر الذي ذكرناه-: "وفيه نظر، وذلك؛ لأن الفعل يستحيل وجوده إلا من الفاعل، فالفعل المسند إلى شيء إما إن يسند إلى ما هو مسند في ذاته إليه، فيكون الإسناد حقيقا، وإذا لم يسند إلى ذلك الشيء؛ فلا بد من شيء آخر يكون هو مستندا لذاته إليه، وإلا لزم حصول الفعل لا عن فاعل، وهو محال".
وقول ابن الخطيب: أن الفعل لا بد له من فاعل، كلام لا ينقضه من له عقل، ولكنه لا يرد على عبد القاهر؛ لأن عبد القاهر لم يتعرض لهذه القضية، وإنما يقول: إن هناك تراكيب جرت في لسانهم على أسلوب المجاز في الإسناد، ولم يعهدها لسناهم جارية على أسلوب الحقيقة، وهو لا يدعي أن هناك أفعالًا تصدر من غير فاعل، وكان ينتظر من ابن الخطيب -وهو من أعلام علماء المسلمين، وصاحب التفسير الكبير- أن يأتي بما ينقض كلام عبد القاهر من أساليب العرب، فيقول: إن العرب استعملوا في: أقدمني بلدك حق لي على إنسان قولهم كذا، ويأتي بهذا التركيب على أسلوب الحقيقة؛ لأن هذه هي القضية، وليست صدور الأفعال، من فاعلها موضع مناقشة، وعبارة عبد القاهر عبارة واعية؛ لأنها تقرر بوضوح أن هذه الأفعال في هذه التراكيب ليس لها فاعل حقيقي تستطيع أن تقول: إنها نقلت من الإسناد إليه إلى الفاعل المجازي، فلا يمكنك أن تثبت للفعل في أقدمني بلدك حق على إنسان فاعلًا سوى الحق، فنفيه وجود الفاعل الحقيقي لهذه الأفعال ليس نفيا مطلقا، يعني أن عبد القاهر لا يقول: إن هناك أفعالا ليس لها فاعلين، وإنما هو نفي لوجود الفاعل الحقيقي في هذه التراكيب في
(1/140)

الاستعمال، وإذا كان ابن الخطيب قد بنى اعتراضه على هذا الأصل الذي قدمنا، فإن أبا يعقوب أورد الاعتراض على الإمام عبد القاهر من جهة أخرى تتلخص في أن المجاز فرع الحقيقة، ولك فرع لا بد له من أصل، فوجب أن يكون لكل مجاز حقيقة، وعبارته: "ولا يختلجن في ذهنك بعد أن اتضح لك كون المجاز فرع أصل تحقق مجاز أيا كان بدون حقيقة يكون متعديا عنها لامتناع تحقق فرع من غير أصل، فلا يجوز في نحو: سرتني رؤيتك، ونحو: أقدمني بلد حق على فلان، ونحو:
وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل
ونحو:
يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدته نظرا
أن لا يكون لكل فعل من هذه الأفعال فاعل في التقدير إذا أنت أسندت الفعل إليه، وجدت الحكم واقعا في مكانه الأصلي عند العقل، ولكن حكم العقل فيها، فأيما ترى ارتضى بصحة استنادها فهو ذلك"، يعني أن العقل إذا ارتضى فاعلا لفعل، فهو فاعله فليس المعول عليه الاستعمال، وإنما قبول العقل، لأن يكون هذا الفعل مسندًا إلى هذا الفاعل.
ولا ينكر عبد القاهر أن أي مسند إليه يرتضى العقل صحة إسناد هذه الأفعال إليه يكون الإسناد معه حقيقيا، وإنما يقول: "إنه لا يمكنك أن تثبت للفعل في هذه التراكيب فاعلًا سوى المذكور"، أي أنه لم يرد فاعل حقيقي لها في الاستعمال العرفي كما يقول البناني.
ولذلك نرى أن عبد القاهر لا ينكر من ناحية العقل هذه التقديرات التي ذهب إليها السكاكي في هذه الصور من مثل قوله: أقدمتني نفسي لأجل حق لي على فلان، وصيرني الله بسبب هواك، ويزيدك الله حسنًا في وجهه، لا ينكر صحة هذا الكلام، وإنما ينكر أن تكون هذه الاستعمالات متعارفة، وأنها مما جرى بها لسانهم، وقد أشار البناني إلى أن هذه التأويلات تكلف، وتطلب
(1/141)

لما لا يقصد في الاستعمال، ولا يتعلق به الغرض من التراكيب، ورحمهم الله جميعا.
وقد ألفت الكتب طرق هذا الموضوع، وكان لهذا الإغراء المنطقي الذي ساق فيه الرازي اعتراضه سلطان على النفوس المؤمنة، فانصرف كثير منهم عن رأي عبد القاهر من غير تمحيص له، وشايعوا الرازي والسكاكي، والرازي كما قلت: إمام عظيم القدر في الفكر الإسلامي، ولكنه لم يذكر في السياق البلاغي إلا بكتاب لخص فيه كتابي عبد القاهر، فكأنه محمول عليه، ولولاه لم يذكر في عداد القوم، وليس له في التلخيص جهد كبير، وانظر إلى ضرب من ضروب تعمقه في مثال: أقدمني بلدك حق لي على فلان، فقد ذهب إلى أنه ليس من المجاز، وبيان وجهه في ذلك هو أن الإقدام معناه فعل القادر للقدوم، والقادر على القدوم لا يحتاج في فعله إلا إلى الداعي الذي يدعوه، وقد وجد الداعي هنا، وهو الحق في البلد، وإذا ثبت ذلك ظهر أنه لا مجاز في الكلام أصلًا، ثم استدرك بعد هذا وأراد أن يحرر كلامه، فقال: إلا أن يقال: الداعي هو العلم بذلك الحق لا نفس الحق، فيكون مجازًا من هذا الوجه، ومعنى هذا أنك لو قلت: أقدمني بلدك علمي بحق لي عند فلان لكان حقيقة؛ لأن الداعي إلى القدوم هو العلم بالحق وليس الحق، وهذا كلام مرفوض، وتعمق فاسد، وكأن السكاكي كان يقصد إلى بيان خطأ هذا الوجه حين لفت قارئ كتابه التفاتة تنبهه، وتحذره من أن يعتقد صحة هذا الكلام في قوله: "وإياك والظن بأقدمني بلدك حقل لي على فلان، ومحبتك جاءت بي إليك كونهما حقيقتين، فالفعلان فيهما مسندان كما ترى إلى مجرد الداعي، والفعل لا يقبل الداعي فاعلًا، وإنما يقبله محركا للفاعل، ويكاد يكون نصا في الرد على الرازي.
وقد أثار كلام الرازي في مثال: أقدمني بلدك، كثيرًا من الجدل والمحاورات، وإن كان السكاكي قد سارع إلى إبطاله، فإن ابن يعقوب المغربي، والعلامة السيد الشريف، ومولانا الشيخ الدسوقي كلهم أفاض في إمكان أن
(1/142)

يكون أقدمني بلدك حق على فلان من أساليب الحقيقة، ويذهبون في ذلك مذاهب عديدة، وقد ضاق سعد الدين بهذا الشغب في هذه الحالة، وأوصى العلماء باختيار المثال الذي لا مجال فيه للمناقشة حتى لا تستنفد الجهود في هذه السراديب، وهذه هي المماحكات اللفظية التي كنت أعنيها حين قلت: إن الجهل بها لا يضر، وإن التبحر فيها لا ينفع، قلت: هذا وأنا ناظر لكلام سعد الدين حتى لا تتفرق بهذا العلم السبل، فتتفرق بيه عن سبيله.
أشرت إلى أن التجوز في الإسناد يلقي على الجملة ظلا من التلوين يخيل أن الفاعل المجازي قد جرت فيه استعارة، وأن السكاكي ذهب إلى هذا، فأنكر المجاز العقلي، ورجع به إلى الاستعارة المكنية، وذلك رغبة منه في تقليل الأقسام، وملخص توجيهه أنه يشبه الفاعل المجازي بالفاعل الحقيقي، ثم يدعي أن المشبه صار هو المشبه به، ثم يطلق لفظ المشبه الادعائي أي الذي ادعى أنه المشبه به على المشبه به، كما هو مذهبه في الاستعارة المكنية، فيقول في قولنا: أنبت الربيع البقل: أن الربيع مشبه بالحي القادر، ثم ادعى أن الربيع قادر مختار، ثم أطلق لفظ المشبه الادعائي أي الربيع الذي ادعى أنه قادر مختار على المشبه به أي الحي القادر، وكذلك يقول في قوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} ، أنه شبه التجارة بالمشترين، ثم ادعى أن التجارة مشبه به، ثم أطلق لفظ المشبه الادعائي على المشبه به، وهكذا تنصرف نظرته عن الإسناد، ولا يرى فيه تجوزًا، وإنما التجوز كان في الفاعل الحقيقي، والذي دفعه إلى ذلك -كما قال- الرغبة في تقليل الأقسام، ولهذه الرغبة أيضا أنكر الاستعارة التبعية.
والرغبة في تقليل الأقسام أمر يحرص عليه كل باحث بشرط ألا يدفعنا ذلك إلى تجاهل الخصوصيات الواضحة التي تتميز بها الطرق المختلفة في أداء المعاني، والأبر بالأساليب أن ننظر في كل صورة بما يلائمها، وكثير من صور المجاز العقلي يطفئها جريانها على طريقة الاستعارة بالكناية، ألا تراك لو قلت في قول الفرزدق، سقاها خروق في المسامع: أنه شبه الخروق بالساقي تكون قد فسرت الشعر على غير مراده، وأجريته على غير طريقته؛ لأن الفرزدق لم
(1/143)

يلحظ هذا، وإنما أراد أن يقول: إن ذكر قومه وصيتهم البعيد الذي ملأ الأسماع كان سببا قويا في أن أفسح الناس لهذه الإبل، ولم يتعرض لها أحد، فبالغ في هذه السببية حين صيرها فاعلة الفعل، فجعل الذكر الذكر هو الساقي، ويقال مثله في: يحمي نساءنا ضرب، فإنه أراد أن يبالغ في قوتهم، واقتدارهم وأن ضربهم الشديد الأرعل، والذي تطير له السواعد هو سبب في حماية نسائهم، وأنه هو السبب الذي ليس وراءه سبب آخر، فنسب الحماية إليه، ومثله قوله - تعالى-: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} ، فقد أراد والله أعلم بمراده أن يؤكد سببية التجارة في الربح، فأسند الربح إلبها ثم نفى ذلك، ولعلك تقول: إن الآية واردة في سياق بيان ضلال الذين اشتروا الضلالة بالهدى، وأن هذه التجارة لا ربح فيها، فكيف نقول: إن التجوز في الإسناد مشير إلى قوة سببية هذه التجارة في ربح أصحابها؟
والوجه عندنا أن هذا يشير إلى معنى دقيق هو أنه ينبغي لصاحب العقل، والدين أن يدع هذه البيعة المذكورة في قوله: {اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} حتى ولو كانت سببا أكيدا للربح فما بالك بها، وهي لست رابحة، وهذا معنى دقيق، وله نظائر في كلام الله، والكلام الفصيح.
القصد الأهم في صور المجاز العقلي إلى الإسناد والتصرف فيه، وقد يتبع ذلك كما قلت تشبيه الفاعل المجازي بالفاعل الحقيقي، ولكن هذا يكون ظلا لهذا التجوز، وتابعا له ولم يقصد إليه في هذه الأساليب، نعم هناك صور تشتبه، ويرددها الدارسون بين المجاز العقلي، والاستعارة المكنية والتبعية، ولكننا لو حققنا النظر كما ينبغي وأوتينا حسا أقوى، وإدراكا أسمى لتميزت الصور وبرزت فروقها الخفية، وألوانها الدقيقة على أن التردد بين الفنون الثلاثة إنما يكون غالبا في الأمثلة المؤلفة التي يدور عليها الدرس، وللعلامة السيد الشريف كلام دقيق في هذا الموضوع ذكره في حاشيته على المطول، ومجال تحقيق هذا الموضوع هو علم البيان، وقد حققته في التصوير البياني.
(1/144)

وقد دفع الخطيب أفكار السكاكي لهذا الباب بردود قوية، وإن كانت نوقشت في الكتب المطولة.
قال الخطيب: وفيما ذهب إليه نظر؛ لأنه يستلزم أن يكون المراد بعيشة في قوله تعالى: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} 1، صاحب العيشة لا العيشة، وبماء في قوله: {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} 2، فاعل الدفق لا الماء، وبيان ذلك في كلام الخطيب أن السكاكي -كما قلنا- يجعل الفاعل المجازي مشبها للفاعل الحقيقي، ثم يستعير اللفظ الدال على المشبه إلى المشبه به، أي أن العيشة مشبهة بصاحبها الذي هو الفاعل الحقيقي، ثم استعير لفظ العيشة إلى صاحبها إلى طريقة السكاكي في الاستعارة بالكناية، فمعنى العيشة هو صاحبها، وكأن الجملة تئول فهو في صاحب عيشة، وهذا فاسد.
ومثله يقال في: {مَاءٍ دَافِقٍ} ؛ لأن فاعل دافق المجازي هو الماء، والسكاكي يشبه الفاعل المجازي الذي هو الماء بالفاعل الحقيقي الذي هو الشخص الدافق، ثم يستعير لفظ المشبه أي الماء إلى المشبه به، أي الشخص الدافق، ويئول الأسلوب إلى أنه خلق من صاحب ماء، وهذا فاسد؛ لأن المراد بيان القدرة في خلقه من الماء لا من صاحب الماء.
قال الخطيب: ولا تصح -أي ويلزم على قول السكاكي ألا تصح- الإضافة في نحو قولهم: نهاره صائم وليله قائم؛ لأن المراد بالنهار على هذا فلان نفسه، وإضافة الشيء إلى نفسه لا تصح، وهذا بين في ضوء ما شرحناه.
وحين نتأمل صور هذا المجاز نجد كل واحدة منها تثير في النفس خيالا طريفا، من حيث نرى فيه الأحداث، والأفعال مضافة إلى غير فاعليها المألوفة،
__________
1 القارعة: 7.
2 الطارق: 6.
(1/145)

في الوجود، فالسيوف تحمي والخروق تسقي، والنهار يصوم واليل يقوم، وهذا يمتعنا بطرف من الخيال.
ثم إننا نجد وراء ذلك دلالة على توكيد العلاقات، والملابسات وإبرازها، كتوكيد السببية في مثل قولهم: جمعتهم الطاعة، وفرقتهم المعصية، فإن هذا الأسلوب أدل على بيان أهمية الطاعة، وسببيتها في بقاء القوم مجتمعين ناعمين، وأدل كذلك على بيان خطر المعصية، وسببيتها في تفريق جمعهم، وذهاب شملهم من قولنا: اجتمع شملهم سببب طاعتهم، وتفرق جمعهم بسب معصيتهم, ومثل ذلك تجده في قولهم: "أذل الحرص أعناق الرجال"، فإنه تأكيد لسببية الحرص في الإذلال من حيث كان الحرص هو الفاعل، وهذا أبين في ذم الحرص من قولك: أذل الله أعناق الرجال بسبب الحرص، وقولك: تخطفهم الطريق أدل على كثرة المتخطفين في الطريق الفزع، حتى ليخيل إلينا مع هذا التعبير أن المتخطفين يكمنون في موضع كل قدم، ولا تجد شيئا من هذا لو قلت: تخطفتهم السباع، أو المهلكات في الطريق.
وقد تنبه أصحاب اللغة إلى دلالة هذه الخصوصة، فاصطنعوها في التعبير عن نفوسهم، فرويت إلينا مع أقدم شعر عرفناه إلى الآن في هذا الأدب، ويرجع إلى ما قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة قرون ونصف، خلافا للمشهور من أقوال مؤرخي الأدب، فجذيمة الأبرش يقول في اعتذار ذكي لماح عن اغتيال حسان بن تبع لفتية من أصحابه كان قد غزا بهم جذيمة طسم، وجديس:
ثم أبنا غانمين مَعًا ... وأناس بعدنا ماتوا
نحن كنا في ممرهم ... إذ ممر القوم خوات
والخوت من قولهم: خاتت العقاب على الشيء، واختاتت أي تنقضت، والممر الخوات أي الطريق الذي يختطف السائرين فيه أي الذي تتخطف مهلكاته السائرين، فأسند جذيمة التخوت إلى الطريق؛ لبيان أنه طريق موبق، وكأن أرضه هي التي تنقص السائرين، فلا لوم على هؤلاء الفتية، ولا قدح في
(1/146)

شجاعتهم، وقد استطردت إلى ذلك كما قلت لأشير إلى قدرة هذه الخصوصية على الإثارة، واستجابتها إلى الخيال في هذا الزمن القديم، فقد ذكر المحققون أن جذيمة عاش بين 480-350 قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد درس هذه الأبيات شيخ العربية العلامة: محمود محمد شاكر في كتابه "الفرقان" الذي سماه "أباطيل وأسمار".
ومن مزايا هذه الخصوصة، فوق التوسع في بناء العبارة، وملاحظة الملابسات على مقتضيات الخيال، أنك تجد الأسلوب معه أعذب لفظا، وأحسن موقعا وأملا بالفائدة، وانظر إلى قولنا: كرم زيد أصلا، وحسن وجها، وضاق صدرًا وتصبب عرقا، وما جرى على هذه الطريقة، تجدك قد وصفت زيدا بالكرم، ثم أشرت بكلمة أصل ووقوعها تمييزا إلى مرادك، وأنك تقصد كرم أصله، ولكن بعد ما أوقعت في النفس وصفه بالكرم، وهكذا بقية الأمثلة.
ويتضح الفرق بالعودة بالإسناد إلى أصله الحقيقي في هذه الأمثلة تقول: كرم أصل زيد وحسن وجهه، وتصبب عرقه وضاق صدره، فتجد فرقا في جوهر المعنى، وفي بناء صورته.
ويجب أن نذكر أننا لا نستطيع أن نفسر كل أسباب الحسن في العبارة؛ لأن ذلك لا يقدر عليه أحد، فالمزايا تتأبى على التعليل المستقصى، والشرح الكاشف، وهناك مكامن تكمن فيها أسباب الخلابة في العبارة، وتستتر في مطوايها آيات الحسن، ونؤخذ بها ولا نستطيع بيانها، وكأنها السحر المخبوء الذي يحسونه في البيان، وهذه آية من آيات الجمال في كل صورة، لا تستطيع أن تفسر كل ما يقع في نفسك حين تملأ عينيك، وقلبك بالنظر في وجه طفل واداع بريء، ولا تستطيع أن تشرح لنا مراجع الحسن، والخلابة التي تستهويك، وتسحرك في رشاقة ظبي غرير، وكل ذلك من باب واحد، وحين نتكلم في مراجع المزية إنما نصف ما يظهر لنا ونستطيع لمحة فيها، نحن ننبه فقط إلى ما تنبه إليه حسنا، والناس في ذلك متفاوتون، ويبقى بعد كل جهد أمور تدركها المعرفة، ولا تحيط بها الصفة، كما يقول أهل الذوق.
(1/147)

وقد نوه عبد القاهر ببلاغة هذا المجاز وحسن موقعه، وأهميته في اتساع فنون القول، كما أشرنا إلى أن بعض صوره قد تراها لكثرة استعمالها وتداولها، كأنها تفقد بعض بهائها، فلا ينبغي أن تكون سبيلًا إلى انتقاص أهميته، فإن الابتذال يعرض لكثير من الأساليب حين تذهب كثرة تداولها بمزيد من حسنها وخلابتها، قال في ذلك: "وهذا الضرب من المجاز على حدته كنز من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المفلق، والكاتب البليغ في الإبداع، والإحسان والاتساع في طرق البيان، وأن يجيء الكلام مطبوعًا مصنوعًا، وأن يضعه بعيد المرام قريبا من الأفهام، ولا يغرنك أنك ترى الرجل يقول: أتى بي الشوق إلى لقائك، وسار بي الحنين إلى رؤيتك، وأقدمني بلدك حق لي على إنسان، وأشباه ذلك مما تجده لسعته، وشهرته يجري مجرى الحقيقة التي لا يشكل أمرها، فليس هو كذلك أبدًا، بل يدق ويلطف حتى يمتنع مثله إلا على الشاعر المفلق، والكاتب البليغ، وحتى يأتيك بالبدعة لم تعرفها، والنادرة تأنق لها".
ثم حاول في أسرار البلاغة أن يعلل لهذا الحسن الذي وصفه هنا في أسلوب مبهم، مليء بالعبارات الغنائية التي تطري هذه الخصوصية، فلو فتشت فيه عن سر خلابة فيها لأعياك أن تقع عليه، حاول في أسار البلاغة أن يعلل لهذا الحسن، فذكر أن الإسناد إلى الفاعل المجازي تأكيد لصدور الفعل عن الفاعل الحقيقي؛ لأنه إذا صح أن يكون الفعل من الفرع أي إذا صح أن يقع الفعل من الفاعل المجازي، وهو فرع فإن حدوثه من الأصل أكد.
فالمجاز العقلي إثبات بدليل، وهذا الإثبات هو أيضا سر بلاغة المجاز اللغوي، والكناية عنده.
وعبارته في ذلك: "والنكتة أن المجاز لم يكن مجازًا؛ لأنه إثبات الحكم لغير مستحقه، بل؛ لأنه أثبت لما لا يستحقه تشبيها وردا إلى ما يستحق، وأنه ينظر من هذا إلى ذلك، وإثبات ما أثبت للفرع الذي ليس بمستحق يتضمن
(1/148)

الإثبات للأصل الذي هو المستحق، فلا يتصور الجمع بين شيئين في وصف، أو حكم من طريق التشبيه، والتأويل حتى يبدأ بالأصل في إثبات ذلك الوصف، والحكم له".
وكنت على أن أدع هذا الموضع اكتفاء بالذي كتبته لولا أمر يتصل بنشأته، وإن كان هذا مخالفًا لمنهجي في هذه الدراسة، لأني لم أشغل بنشأة هذه الفنون، فدراستي لها ليست دراسة تاريخية، وإنما هي دراسة تتناولها كما تصورت في آخر مراحلها، ودرس تاريخ المسائل من أجل الدروس في كل علم، ولكنه يقدم بعد اكتمال التصوير لهذه المسائل.
قلت: لم أكن لأشغل بأمر يتصل بنشأة هذا الموضوع، لولا أن القول الذي أرى رفضه في نشأته يتصل بالتراث الإسلامي في هذا الحقل كله، وقد أشرت في مدخل الدراسة إليه.
ذكر المرحوم طه حسين أن ابن سينا لما عرب كتاب الخطابة لأرسطو، وجعله في متناول الفكر العربي، هيأ بذلك أسباب التوفيق بين البيانين العربي، واليوناني اللذين عاشا متجاورين دون أن يتلاقيا ويتآلفا، وكان تلاقيهما على يد عبد القاهر الذي قرأ الفصل الخاص بالعبارة في كتاب ابن سينا، وفكر فيه كثيرا، وحاول أن يدرسه دراسة نقد وتمحيص، وكان من أثر هذا التأمل وهذه الدراسة أن صار عبد القاهر تلميذا لأرسطو، فإذا تكلم عبد القاهر عن الاستعارة، فهو يشرح ما ذكره أرسطو في الصورة، وإذا تكلم عبد القاهر في صور المجاز المرسل، فهو يشرح ما ذكره أرسطو في إطلاق اسم الجنس على النوع، واسم النوع على الجنس، وإذا تكلم في المجاز الحكمي، فإنما هو من ابتكارات عبد القاهر ما دام هذا المجاز ليس في كتاب أرسطو، ويصح أن نسميه المجاز الكلامي؛ لأنك إذا قلت مع عبد القاهر: أنبت الربيع البقل، فهو مجاز؛ لأن الربيع لا ينبت البقل، ولكن الذي ينبته هو الله تعالى، وينفق
(1/149)

عبد القاهر جهدًا غير قليل في الدفاع عن مجازه هذا، وفي تميزه عن المجاز المعروف، ولكن لا شك أن الأساس المعروف الذي يبنى عليه هذا التميز محل نظر، وكأن العلامة المرحوم يشير إلى عدم تقبله الفرق بين المجازين، وأن الأفضل أن يكون مجازًا واحدا هو مجاز أرسطو، وينتهي الأستاذ في محاضرته إلى أن أرسطو لم يكن المعلم الأول للمسلمين في الفلسفة وحدها، ولكنه إلى جانب ذلك معلمهم في علم البيان، وقد حمل المرحوم هذا الفكر إلى أحفاد أرسطو في مؤتمر المستشرقين، وملأهم به زهوا فوق زهو، وكانو آنذاك مغتصبين بلادنا، وينهبون خيراتها، والمصريون الأحرار يجاهدونهم بأرواحهم ودمائهم، وعميد الأدب ورائد التنوير يضرب بعلومهم علومنا، وبتاريخهم تاريخنا، وبآبائهم آباءنا، وعلى سنته هذه يمضي بقية الرواد، وأعلام النهضة ورجال التنوير، وأنا أقرأ هذا ومثله كثير، وأذكر مقالة قسيس أسباني كان يعيش في الأندلس، ورأى قومه من القوط، والنصارة قد فتنوا بالعرب المسلمين، وآدابهم وعاداتهم، فتكلموا العربية وقرأوا شعرها، ولبسوا ثياب العرب، فصاح فيهم هذا القسيس قائلا: إنكم إن فتنتم بثقافتهم، وعلومهم ولغتهم، وتراثهم فلن تخرجوهم من بلادكم، وكان هذا القسيس صادقًا في وطنيته مع ضلاله وكفره، ولهذا وغيره أرتاب في هذه الشخصيات، وفي حملة فكرهم من بعدهم، والذي أعرفه منهم معرفة قريبة يؤكد عندي هذا الارتياب، ولنترك هذا ونعود إلى القضية؛ وواضح جدا أن التراث العربي يتضمن بحوثا طيبة في المجازين اللغوي، والعقلي قبل عبد القاهر، ولا يخطئنا ذلك إذا نظرنا في كتاب "الكامل"، و"الخصائص"، و"البديع" و"الوساطة"، و"الموازنة"، وغيره ذلك، وكان جهد عبد القاهر بعد هؤلاء جهدًا طيبًا ومباركا، فقد بسط ما أجملوه، وحرر كثيرا من المسائل، وميز الفنون بعضها من بعض، وقد أنفق أكثر جهده في أسرار البلاغة ليؤكد الفروق بين المصطلحات؛ لأنه قد سبق بدراسة المسائل كلها.
وقد تغلغلت مقالة الدكتور طه رحمه الله في كثير من الدراسات؛ لأنه كان مسموع المقالة من جهة؛ ولأن المسألة تلتبس جدا على من لم يراجع بدقة
(1/150)

جهود سلف عبد القاهر؛ لأن البلاغة اليونانية قريبة جدًّا، وخاصة في هذه الفصول من البلاغة العربية.
وحسبنا في سياقنا هذا أن نشير إلى أن المجاز الحكمي لم يكن من ابتكارات عبد القاهر إلا عند من يعتقدون أنه لا يأخذ إلا من التراث اليوناني، أما الذين يصبرون على قراءة التراث الإسلامي، فإنهم يرون أن هذا المجاز كان موضع اهتمام جماعات العلماء، اهتم به النحاة والمتكلمون، والبلاغيون، واهتم به النحاة؛ لأن موضوعه الحكم الذي هو موضع الإثبات، والنفي في الجملة ومناط الفائدة فيها، واهتموا به أيضا؛ لأنه موضع العامل وسبيل الأعراب، واهتم به المتكلمون لاتصال صوره بموضوعين من مواضع الخلاف الهمة بينهم: إضافة إلى الأفعال غير الحسنة إلى الله تعالى مثل الختم، والغي والإضلال، وخلق أفعال العباد، وقد اجتهدت طوائف المتكلمين في مناقشة الآيات، والأحاديث التي تصادمت وجهتها في هاتين القضيتين، وكان بحثهم كثيرا ما ينصب على الإسناد وصرفه عن ظاهره، وذلك بين جدا، ولا بأس هنا من ذكر بعض البدايات في التراث الإسلامي التي لا يصح مع وجودها أن نقول: إن عبد القاهر ابتكر هذا الباب؛ لأنه ليس في البلاغة اليونانية.
قال سيبويه في قول الخنساء، وهو من أشهر شواهد هذا الباب عند عبد القاهر وغيره:
ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
فجعلها الإقبال والإدبار مجاز على سعة الكلام، كقولك: نهارك صائم، وليلك قائم، وهذا وارد في كلام عبد القاهر.
ويقول أبو زكريا الفراء في قوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} ، وهي أيضا من الشواهد المهمة عند عبد القاهر "ربما قال القائل: كيف تربح التجارة، وإنما يربح الرجل التاجر؟ وذلك من كلام العرب: ربح بيعك، وخسر بيعك، فحسن القول بذلك؛ لأن الربح والخسران إنما يكونان في التجارة فعلم معناه، ومثله من كلام العرب: هذا ليل نائم، ومثله في كتاب
(1/151)

الله: {فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ} 1، وإنما العزيمة للرجال، فلو قال قائل: قد خسر عبدك، لم يجز ذلك إن كانت تريد أن تجعل العبد تجارة يربح فيه، أو يوضع؛ لأنه قد يكون العبد تأجرا، فيربح أو يوضع، فلا يعلم معناه إذا ربح هو، من معناه إذا كان متجوزًا فيه، فلو قال قائل: قد ربحت دراهمك ودنانيرك، وخسر بزك، ورقيقك، كان جائزًا لدلالة بعضه على بعض".
ويقول ابن قتيبة في مخالفة اللفظ معناه:
ومنه أن يجيء المفعول به على لفظ الفاعل كقوله سحبانه: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ} 2، أي لا معصوم من أمره، وقوله: {مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} أي مدفوق، وقوله: {فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} أي مرضي بها، وقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} 3، أي: مأمونا فيه، وقوله: {وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} 4، أي: مبصر بها والعرب تقول: ليل نائم وسر كاتم.
ويقول الآمدي:
وقد جاء فاعل بمعنى مفعول، قالوا: عيشة راضية بمعنى مرضية ولمح باصر، وإنما هو يبصر فيه، وأشباه هذا كثيرة معروفة.
وهذه الإشارات التي ذكرها هؤلاء الأئمة وغيرها كثير، كانت مادة بحث هذا الباب عند عبد القاهر، وإن كان بسطها ووضعها في منهج دقيق، وميز هاذ المجاز، وجعله بابا مستقلا.
والله الموفق للصواب.
__________
1 محمد: 21.
2 هود: 43.
3 العنكبوت: 76.
4 الإسراء: 12.
(1/152)

الفصل الثالث: أحوال المسند إليه
الحذف
...
الفصل الثالث: أحوال المسند إليه
1- حذفه.
2- ذكره.
3- تعريفه.
4- تنكيره.
5- تقديمه.
6- وضع المظهر موضع المضمر وعكسه.
7- الالتفات.
8- أسلوب الحكم.
الحذف:
يرجع حسن العبارة في كثير من التراكيب إلى ما يعمد إليه المتكلم من حذف لا يغمض به المعنى، ولا يلتوي وراءه القصد، وإنما هو تصرف تصفى به العبارة، ويشتد به أسرها، ويقوى حبكها، ويتكاثر إيحاؤها، ويتملئ مبناها، وتصير أشبه بالكلام الجيد، وأقرب إلى كلام أهل الطبع، وهو من جهة أخرى دليل على قوة النفس، وقدرة البيان، وصحة الذكاء، وصدق الفطرة.
وفي طبع اللغة أن تسقط من الألفاظ ما يدل عليه غيره، وأما ما يرشد إليه سياق الكلام أو دلالة الحال، وأصل بلاغتها في هذه الوجازة التي تعتمد على ذكاء القارئ والسامع، وتعول على إثارة حسه، وبعث خياله وتنشيط نفسه، حتى يفهم بالقرينة ويدرك باللمحة، ويفطن إلى معاني الألفاظ التي طواها التعبير.
والمتذوق للأدب لا يجد متاع نفسه في السياق الواضح جدا، والمكشوف
(1/153)

إلى حد التعرية، والذي يسيء الظن بعقله وذكائه، وإنما يجد متعة نفسه حيث يتحرك حسه وينشط، ليستوضح ويتبين، ويكشف الأسرار والمعاني وراء الإيحاءات والرموز، وحين يدرك مراده، ويقع على طلبته من المعانى يكون ذلك أمكن في نفسه، وأملك لها من المعاني التي يجدها مبذولة في حاق اللفظ، وهذا هو ما نجده وراء قول عبد القاهر.
"إنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الأفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما يكون بيانا إذا لم تبن"، وتأمل هذا النص؛ لأنه من الكلام النادر الذي ذهب من يحسنونه.
ويدور القول في الحذف على ثلاثة محاور رئيسة:
الأول: القول في حذف جزء الجملة.
الثاني: القول في حذف الجملة.
الثالث: القول في حذف أكثر من جملة.
وقد درس البلاغيون حذف جزء الجملة في باب المسند إليه، والمسند ومتعلقات الفعل، كما درسوا حذف الجملة وأكثر منها في باب الإيجاز بالحذف، ولم يلتفتوا إلى حذف جزء الكلمة، وإن كان فيه من الإشارات ما يوجب على المشتغل بأسرار اللغة، وبلاغتها أن ينبه إليها، وخاصة أننا نجد في إشارات علمائنا السابقين ما يلمس الجان بالبلاغي في هذا النوع من الحذف، فهم يقولون مثلا في سبب الترخيم في قراءة: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} 1 -: قالوا: إنهم لشدة ما هم فيه عجزوا عن تمام الكلام، وهذه علة بلاغية؛ لأنها تشير إلى ما وراء هذا الحذف من ضيق الصدر، وغلبة
__________
1 الزخرف: 77.
والمراد حذف الكاف من مالك، والتخريم هو حذف آخر المنادى، قال ابن مالك:
تخريما احذف آخر المنادى ... كيا سعا فيمن دعا سعاد
(1/154)

اليأس ومعاناة الهول معناة شغلتهم عن إتمام الكلمة، ومن هذه الإشارات ما حكاه قوم من أصحاب الكتب -كما قال ابن رشيق في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "كفى بالسيف شا": أراد شاهدًا فحذف، وقالوا في تعليل ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد أن يصير هذا الخبر حكما شرعيا، فقطع الكلام وأمسك عن تمامه، وسواء صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لم يصح فالثابت لنا منه أن الدارسين أدركوا أن وراء حذف جزء الكلمة إشارة نصبت دليلا على شيء.
وقد أشار الأخفش إلى أن هذا الحذف قد ينتفع به في الدلالات المعنوية، لما سأله المؤرج السدوسي عن قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} 1 أي عن حذف حرف العلة فيه من غير ناصب ولا جازم، قال الأخفش: "عادة العرب أنها إذا عدلت بالشيء عن معناه نقصت حروفه، والليل لما كان لا يسري، وإنما يسري فيه نقص منه حرف، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا} 2، الأصل بغية فلما حول عن فاعل نقص منه حرف"، والحذف هنا دليل على شيء في المعنى أي في دلالة اللفظ على معناه، وواضح أن الذي ذكره الأخفش في هذا ليس قاعدة، وإنما هو تصرف قد يكون منهم في مثل هذا الذي ذكره، وكم من كلمات عدل بها القوم عن معناها، وبقيت في لسانهم كما كانت قبل أن يعدل بها، وصور المجاز كثيرة، وكلها عادل عن المعنى.
فإذا ارتدنا هذا الحقل معتمدين تلك الإشارات التي قد يرفضها البعض، وحاولنا التعرف على الأسرار المعنوية وراء بعض هذه الحذوف، فإنه لا يخطئنا التوفيق في كثير منها، ولنقرأ قول النجاشي على لسان الذئب: "من الطويل"
فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
وقد زعم أنه أراد أن يصطحب الذئب في فلاة، وأن الذئب رفض هذه الصحبة، وقال: "لست بآتيه ولا أستطيعه"، ثم طلب منه ماء إن كان عنده
__________
1 الفجر: 4.
2 مريم: 28.
(1/155)

فضل منه، فقال: "ولاك اسقني"، وقد أراد الشاعر بهذا أن يؤكد أنه يجوب فلاة مهلكة ضالة، فالذئب هو ابن الصحراء، والخبير بطرقها يجهل فيها موضع الماء، وجاء قوله: "ولاك اسقني" على الحذف كما ترى؛ لأنه أراد ولكن اسقني، فحذف آخر الكلمة طلبا للخفة لمناسبة حال الذئب الظامئ المتهالك في هذه الصحراء الموحشة التي يجتازها الشاعر، كأن الذئب فيها قد تعثر لسانه، ويبس فخطف الكلمة، فأسقط منها ما أسقط.
وانظر إلى قول لبيد:
"درس المنا بمتالع فأبانا" ... أراد درس المنازل
والنحاة والبلاغيون يذكرون هذا البيت في الحذف الشاذ والضرورة؛ لأنه ظلم الكلمة بحذف أكثر من حرف، ويمكن أن نقول: إن الحذف في كلمة المنازل التي يتحدث عن دروسها، وتغيير القدم لمعالمها مناسب؛ لأنها بقيت آثارًا، وكأن الحذف فيه إشارة إلى المضمون الذي يريد بيانه، وهو أن المنازل بقايا لا يستدل عليها إلا بالقرائن والشواهد، فالحذف في اللفظ وثيق الصلة بالمعنى.
لم لا تكون السليقة اللغوية هدت لبيدا إلى هذه المناسبة اللطيفة، وهو حجة في اللغة وفقه أسرارها.
فإذا نظرنا إلى قول علقمة بن عبدة: "من البسيط"
كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدم بسبا الكتان ملثوم
يريد بسبائب الكتاب، فربما لا نجد سرا وراء هذا الاقتطاع أكثر من أن الشاعر يعلم يقينا أن مراده ظاهر جدا؛ لأن ذكر سبائب الكتان في هذا السياق كثير، كلما ذكر الإبريق مشبها بالظبي رأيتهم يذكرون سبائب الكتان، فالحذف أكسب الكلمة خفة، ولم يلبس معناها.
والشاعر يعول على السياق كثيرًا بل إن اللغة في معظم دلالاتها إنما تعتمد على السياق، ألست ترى الشعراء يأتون بالجمل مثبتة، وهم يريدونها منفية ثقة منهم بفهم السامع، واعتمادًا على السياق، فامرؤ القيس يقول:
(1/156)

"فقلت: يمين الله أبرح قاعدا"، وهو يريد يمين الله لا أربح، ولكن لما كثر في كلامهم استعمال هذا الفعل مع النفي، واشتهر بذلك وصار لسان الحال ناطقا بمراده حذفه، وقثد يقال: إن الحذف مناسب للسياق؛ لأنه وارد في محاورته مع صاحبته، وهو يدب دبيبه الحذر الماجن، وهي تقول في ضعف عابث: سباك الله إنك فاضحي، فحسن الحذف واللمح، وخاصة أن حديث المجون لحن وإسرار.
وأبين من هذه كله قوله تعالى: في حكاية قول أخوة يوسف لأبيهم: {تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا} 1، والأصل لا تفتأ تذكر يوسف حتى تفنى وتبلى، والحرض ما لا يعتد به، قال ابن أبي الإصبع: إنه سبحانه أتى بأغرب ألفاظ القسم بالنسبة إلى أخواتها، فإن والله وبالله أكثر استعمالا وأعرف عن الكافة، من تالله لما كان الفعل الذي جاور القسم أغرب الصيغ التي في بابه، فإن كان وأخواتها أكثر استعمالًا من تفتأ وأعرف عند الكافة، ولذلك أتى بعدها بأغرب ألفاظ الهلاك، وهي لفظة الحرض.
وهذا السياق الذي تتزاحم فيه الكلمات الغريبة مشيعة جو الغرابة، والوحشة مناسب لمقصودهم الذي يريدون حمل أبيهم عليه، فهم يريدون أن ينسى يعقوب عليه السلام ولده، وليس في الغرائب أغرب من هذا، وحذف حرف النفي، وهو خلاف الأصل يأتي متلائما مع هذا السياق الغريب، ويرمز في خفاء إلى حاجتهم، وهي نسيان يوسف، وإبعاده من قلب أبيهم الذي ضاق بهم، وتولى عنهم من أجل يوسف.
وإذا كان لك أن تعترض على ما ذكرناه من أنوع هذه الحذوف، فإني أخالك لا تعترض على ما نراه في حذف حرف النداء حين يقع موقعا تعظم فيه المزية، ويلطف فيه الإيماء.
__________
1 يوسف: 85.
(1/157)

خذ لذلك قوله تعالى: في حكاية قصة سيدنا يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز لما استبقا الباب، وسيدنا يوسف عليه السلام يجتهد في الهرب من شيطانها، وألفيا زوجها لدى الباب، وكان ما كان من مشهد الحوار العجيب في نوعه، وانفعالاته بين يوسف والعزيز والمرأة، قال العزيز: لما أيقن بحجة سيدنا يوسف وصدق براءته، وأيقن بتهمة زوجته، قال: {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ} 1، وأراد بقوله: يوسف أعرض عن هذا، اكتم هذا الأمر ولا تتحدث به صيانة لعرضنا وشرفنا في قومنا، ثم قال لامرأته: "استغفري لذنبك"، وكان رجلا حليما، وقيل: كان قليل الغيرة، والشاهد حذف حرف النداء، وله هنا رمز لطيف، وكأنه يهمس بهذا الخبر في أاذن يوسف محاذرًا أن يسمعه أحد، ثم فيه تقريب، وملاطفة ليوسف عليه السلام، وإيماء خفي بأن الخبر كله يجب أن يضمر في السرائر، وألا يجري به لسان، وكان المجتمع المصري في فجر التاريخ مجتمع سيادة وشرف وثراء وملك ونعمة، وقيم وأخلاق، وكل هذا تراه في هذه السورة التي هي كنز مصر القديم، ولاحظ أن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، وكان بينه وبين نوح أسماء معدودة، ونوح هو آدم الثاني؛ لأنه لم يبق من ولد آدم بعد الطوفان إلا من كان من نصله، وهذا مرادنا بفجر التاريخ، ثم تأمل حال البلاد الآن، وكيف حال حالها في يد العصابات، وقطاع الطرق وعد إل حذف جزء الكلمة.
ومن لطيف ذلك قول الحارث الجرمي يخاطب زوجته، وكانت تحثه على أخذ ثأر أخيه من قومه، قال في أبيات حزينة جاشية: "من الكامل"
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
قوله: أميم أصله يا أميمة، فحذف حرف الندء كما حذف آخر الكلمة للترخيم،
__________
1 يوسف: 29.
(1/158)

وذلك؛ لأن الشاعر ممزق النفس موجوع القلب ضيق الصدر بهذه الجريمة البشعة التي صيرته إلى هذا الموقف المتناقض الضيق، فقومه قتلة أخيه، وحين يرميهم، فإنه يرمي نفسه، أقول: حذف ورخم، وكأنه يهمس في أذن صاحبته بأوجاعه الحزينة، وكأنه يسر لها بهذا الألم الكظيم.
وكثيرًا ما تجد نداء الصحابة واردًا على هذه الطريقة التي تشير إلى قربها من النفس، ومثولها في القلب، فتخاطب خطاب الأنيس المفاطن من غير حاجة إلى تنبيه ونداء.
هذا: وقد كانت على ألا أذكر هذا النوع من الحذف؛ لأنه لم يرد في كتب الأئمة كما ذكرته، ومع ثقتي بضرورة الاستجابة لهواتف النفس، وإن خالفت فإني لحذر جدا عند القول بالمخالفة، حتى عند هذه المسائل الهينة التي تشبه ما نحن فيه، والذي أغراني بمخالفة الحذر الواجب هو ثقتي بفهم القارئ، وخاصة أن مثل هذه الدراسة إنما نقدمها لقارئ له خبرة بالحقل، وله رأيه المستقل، أو هو بصدد أن يكون كذلك، فهو يقبل ما يرضاه ويرفض خلافه، وليس ثمة كلام يجب قبوله، والإذعان له إلا ما تجده بين دفتي المصحف، وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما عداهما فهو اجتهادات بشر غير معصومين، وأخذ منه ما نأخذ، وندع ما ندع في حدود الفهم والجد، ولهذا خفت التبعة على الباحثين؛ لأنهم يقولون ما يعالجون في نفوسهم، وللقارئ أن يلقي به جملة في ساحة الإهمال، وهي جد فسيحة، ولولا هذا لأطبقت الأفواه على الألسنة حتى تيبس؛ لأنه ليس هناك ضمير حي يتحمل إشاعة الخطأ، وبث الضلالة في أرض الله إلا من أذن بحرب من الله، وإني به سبحانه لمن العائذين.
وبعد، فسوف أعرض في مقدمة حذف المسند إليه الأغراض التي ذكرها البلاغيون مشتركة في حذف المسند إليه، والمسند والتي نراها أساسية لنتفادى
(1/159)

بذلك تكرارها ما أمكننا ذلك؛ لأننا نجري البحث هنا على منهج المتأخرين، فنذكر أحوال المسند إليه، والمسند، إلى آخره، وبهذا يتوزع التعريف والتنكير، والتقديم على هذه الأبواب، وقد كتبت هذه الدراسة في مسوداتها على نظام آخر، فكان كل واحد من هذه الأحوال بحثا مستقلا، فالحذف يرد كله في موضوع واحد، وكذلك التعريف، إلى آخره، وعند المراجعة، وجدت أن ترتيب الأفكار، والمسائل اقتضاني أن أذكر ما يكون في حذف المسند إليه، ثم اتبعه بحذف المسند وهكذا، فظهر لي أن توزيع البحث على الأبواب المشهورة في كتب القوم لا يفوت به من الدراسة أمر له بال، ومن هنا لم أجد ما يدعو إلى المخالفة.
أشرت إلى أن الحذف يكون لتصفية العبارة، وترويق الأسلوب من ألفاظ يفاد معناها بدونها لدلالة القرائن عليها، وأن هذا الاختصار، وحذف فضول الألفاظ يجري مجرى الأساس الذي بنيت عليه الأساليب البليغة، ولذلك نجد البلاغيين يذكرون من أغراض الحذف في كل جزء من أجزاء الجملة، الاختصار ويتبعونه بقولهم: "والاحتراز عن العبث بناء على الظاهر"، وهي عبارة دقيقة وصادرة عن تفكير صادق؛ لأنه ذكر الكلمة التي يدل عليها سياق الكلام فيه ثقل، وترهل في الأسلوب، وهي شبيهة بالبعث وليست عبثا؛ لأنها جزء من الكلام، وذكر جزء الكلام لا يكون عبثا، ولذلك جاء قولهم بناء على الظاهر أي لا في حقيقة الأمر؛ لأننا عند التحقيق لا نسميه عبثًا.
ومقصد آخر تراه وراء كل حذف، هو بعث الفكر وتنشيط الخيال، وإثارة الانتباه؛ ليقع السامع على مراد الكلام، ويستنبط معناه من القرائن والأحوال، وخير الكلام ما يدفعك إلى التفكير، يستفز حسك وملكاتك، وكلما كان أقدر على تنشيط هذه القدرات كان أدخل في القلب، وأمس بسرائر النفس المشغوفة دائما بالأشياء التي تومض ولا تتجلى، وتتقنع ولا تتبذل، وقد أومأنا إلى ذلك.
(1/160)

ولأبي يعقوب يوسف السكاكي عبارة تحوم حول هذا المعنى الدقيق، فقد ذكر في أغراض الحذف تخييل العدول إلى أقوى الدليلين من العقل واللفظ، أي أنك حين تذكر المسند إليه، أو المسند، تكون قد عولت في الدلالة على اللفظ المذكور، وحين تحذف أحدهما تكون قد عولت في الدلالة على العقل؛ لأنه ليس هناك لفظ يدل عليه، ودلالة العقل أقوى، وأمكن من دلالة اللفظ، وقال أبو يعقوب: تخييل العدول ولم يقل العدول؛ لأنك عند التحقيق لا تعدل في حالة الحذف عن دلالة اللفظ إلى دلالة العقل؛ لأن الدال هو اللفظ المحذوف.
وأخلص من هذا إلى أن كل صور الحذف وراءها مزايا ثلاث؛ الأولى: الاختصار، أو الإيجاز حتى لا يرد علينا اعتراض ابن السبكي؛ لأن الاختصار هو الحذف، فكيف يكون مزية له؟ والثانية: صيانة الجملة من الثقل، والترهل اللذين يحدثنا من ذكر ما تدل عليه القرينة، والثالثة: إثارة الفكر والحس بالتعويل على النفس في إدراك المعنى.
أما أحوال حذف المسند إليه، ومقاماته الداعية إلى ذلك، فمن الواضح أنه ليس من الممكن أبدًا أن تستقصى؛ لأن الدواعي كما أشرنا أحوال تنبعث في دواخل النفوس، ولا يمكن التعرض لحصرها، وإنما نتناول منها صورا تهدينا إلى طريقة النظر في هذا الباب.
وقد ذكر البلاغيون أنه من مألوف الأسلوب عن ذكر الديار أن يرد الكلام على حذف المسند إليه، وذلك في مثل قول امرئ القيس: "من الطويل"
لمن طلل أبصرته فشجاني ... كخط زبور في عسيب يمان
ديار لهند والرباب وفرتني ... ليالينا بالنعف من بدلان
ليالي يدعوني الهوى فأجيبه ... وأعين من أهوى إلي روان
(1/161)

والعسيب اليماني هو سعف النخل الذي جرد عن خوصه، وإضافته إلى اليمن؛ لأن أهل اليمن كانوا يكتبون فيه عهودهم، وهند والرباب، وفرتني أسماء صواحباته، وقد ذكر فرتني هذه في شعر آخر، قال: "من الكامل"
دار لهند والرباب وفرتني ... ولميس قبل حوادث الأيام
والنعف ما انحدر من الجبل وارتفع عن الوادي، وبدلان بلد باليمن.
ذكر الشاعر أنه أبصر الطلل فأحزنه وشجاه، ثم شبهه بخط كتاب في سعف نخلة، ثم استأنف ذكر الطلل مرة ثانية استئنافًا قص فيه معنى جديدًا عرف فيه الطلل وذكر لهوه فيه، وهذا الاسئناف مبني كما ترى على حذف المسند إليه؛ لأن التقدير هي ديار أو تلك ديار.
ومثله وقوله أيضا: "من الطويل"
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
وهل يعمن إلا سعيد مخلد ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال
وهل يعمن من كان أحدث عهده ... ثلاثين شهًرا في ثلاثة أحوال
ديار لسلمى عافيات بذي خال ... ألح عليها كل أسحم هطال
قوله: وهل يعمن استفهام بمعنى النفي، أي كيف ينعم وقد تفرق عنه ساكنوه، فهو في شجن الفقد والضياع، وبعد توالي هذه الاستفهامات ذات الأثر في قوة المعنى وشدة تأثره، قال: ديار لسلمى، فذكر معنى جديدًا عرف فيه الطلل، وأنه ديار سلمى، وحدد موضعه وما يعانيه من إلحاح المطر الهطال الذي يذهب بآثار الأحبة، وقد بنى الأسلوب في هذا المعنى على حذف المسند إليه.
وقد ذكر عبد القاهر في هذا ما ذكره سيبويه من قول الشاعر: "من البسيط"
اعتاد قلبك من ليلى عوائده ... وهاج أهواءك المكنونة الطلل
(1/162)

ربع قواء أذاع المعصرات به ... وكل حيران سار ماؤه خضل
ذكر في البيت الأول أن الطلل هاج الأهواء المكنونة، ثم استأنف كلامًا ذكر في الديار، فقال: ربع قواء ذهب السحاب بمعالمه لما أعصر فيه ماءه، الشاعر هنا يذكر الربع، ويذكر أحواله الشاجية، فقد صار في مواجهة الفناء.
وتأمل البيت الأول، وتفقد كلماته وصوره؛ لأنه من حر الكلام.
ثم ذكر عبد القاهر من كتاب سيبويه قول الآخر، وهو في الكتاب منسوب إلى عمر بن أبي ربيعة: "من البسيط"
هل تعرف اليوم رسم الدار والطلا ... كما عرفت بجفن الصيقل الخللا
دار لمروة إذ أهلي وأهلهم ... بالكانسية نرعى اللهو والغزلا
والصيقل السيف المصقول، والخلل بكسر الأول وفتح الثاني جمع خلة وهي بطانة يغشى بها متن السيف، قال الأعلم في شرح شواهد الكتاب: شبه رسوم الدار في اختلافها، وحسنها في عينيه بتوشية الخلل، وهي أغشية جفون السيوف.
وقد استأنف الشاعر في البيت الثاني كلاما جديا ذكر علقة نفسه بهذه الديار، فهي دار مروة صاحبته، وكأن أهله وأهلها هناك في الكانسية يتجاوران تجاورا هيأ لهما اللقاء، ومتعة الحياة والصبا، وقوله: "نرعى اللهو والغزلا"، من الكلام المختار، تأمل صنعة الشعر في قوله: نرعى اللهو والغزالا.
قال عبد القاهر: وكما يضمرون المتبدأ فيرفعون، فقد يضمرون بالفعل، فينصبون كبيت الكتاب أيضا: "من البسيط"
ديار مية إذ مي تساعفنا ... ولا يرى مثلها عجم ولا عرب
أنشده بنصب ديار كأنه قال: أذكر ديار.
ولم نجد في كلام عبد القاهر ما يحدد لنا السر البلاغي وراء هذا الخلاف،
(1/163)

وإنما يقرر أن تلك طريقة جارية عندهم، وعبارته تدل على لزوم الحذف في هذا السياق؛ لأنه يقول: وهذه طريقة مستمرة لهم إذا ذكروا الديار والمنازل.
وقد يقال: إن الديار والمنازل من المثيرات التي تهز النفس، فتتزاحم فيها الخواطر والأطياف، والأحلام التي بددتها الأيام في طغيان قاس عنيف، فالشاعر في هذه الموقف يكون ممتلئ النفس أعظم الامتلاء متوتر الحس أشد التوتر، وهذه حال تدعو إلى أن تكون الصياغة مركزة أشد التركيز ليكون الأسلوب أشبه بالنفس، وقد يقوي هذا أنك إذا راجعت النظر في الأبيات السابقة التي بنيت على الحذف تجدها تذكر معنى هو أمس بقلب الشاعر من سابقه؛ لأنه يخصص الديار ويحددها، فهي دار مرو أو دار سلمى أو ديار مية، وبهذا التحديد تلابسه أحسن الذكرى، وتطوف به أعذب الأطياف، وهذا موقف يعظم سلطانه على النفس الشاعرة.
وهذا التفسير الذي نفسر به هذه الخصوصية في سياق الأطلال هو ما نراه تفسيرا للخصوصية نفسها عند ذكر الرجال مدحا أو قدحا، فإنهم حين تحمي نفوسهم بذكر المناقب، أو المثالب يقطعون الكلام؛ ليستأنفوا مقطعا جديدا من مقاطع المعنى، ويبنون هذا المقطع الثاني على إسقاط المسند إليه، وكأن الحذف هنا تمييز، وفصل بين لونين من ألوان المعنى.
يقول عبد القاهر:
"من المواضع التي يطرد فيها حذف المبتدأ القطع، والاستئناف يبدءون بذكر الرجل ويقدمون بعض أمره، ثم يدعون الكلام الأول ويستأنفون كلاما آخر، وإذا فعلوا ذلك أتوا في أكثر الأمر بخبر من غير مبتدأ، مثال ذلك قوله: "من الكامل"
وعلمت أني يوم ذا ... ك منازل كعبا ونهدا
قوم إذا لبسوا الحديـ ... ـد تنمروا حلقا وقدا
يذكر الشاعر وهو عمرو بن معد يكرب الزبيدي، وكان شاعرا فارسا سيدا
(1/164)

يذكر شجاعته، وأنه نازل كعبا وهي قبيلة من ولد الحارث من مذحج، ونهدا وهي قبيلة من قضاعة، ثم قطع الحديث، وقال قوم وأراد: هم قوم، والحلق المراد بها حلق الدروع، والقد اليلب وهو شبه درع يلبس في الحرب، والمراد بقوله: تنمروا أنهم تشبهوا بالنمور في أفعالهم في الحرب، أو أن الحلق والقد تختلف ألوانها اختلاف لون النمر، والمرزوقي يرى أن الأول أجود، والحذف جاء في مقطع جديد من مقاطع المعنى، فإنه ذكر في البيت الأول كعبا، ونهدا وهكذا من غير إشارة إلى ما هم عليه من العدة والقوة، ثم استأنف حديثا آخر أو جزءا جديدا من المعنى، فذكر عدتهم وبنى هذا الاستئناف على الحذف لقوة الدلالة عليه؛ ولأنه مناسب -كما أشرنا- إلى قوة الانفعال بهذا الجزء من المعنى، فإن الإحساس بالفروسية يعظم حين تكون الملاقاة مع عدو موفور العدة عظيم الاقتدار، وحين يقوى التأثير بالمعنى، ويعظم الإحساس به يكون السياق سياق إيجاز ولمح، ما دام ليس هناك ما يدعو إلى النص على شيء معين وإبرازه ...
وإذا نظرنا إلى السياق الأعم الذي جاء فيه هذا الشاهد كما رواه أبو تمام رأيناه هكذا:
ليس الجمال بمئزر ... فاعلم وإن رديت بردا
إن الجمال معادن ... ومناقب أورثن مجدا
اعددت للحدثان سا ... بغة وعداء علندى
نهدا وذا شطب يقـ ... ـد البيض والأبدان قدا
وعلمت أني يوم ذا ... ك منازل كعبا ونهدا
قوم إذا لبسوا الحديد ... تنمروا حلقا وقدا
كل امرئ يجري إلى ... يوم الهياج بما استعدا
لما رأيت نساءنا ... يفحصن بالمعزاء شدا
(1/165)

وبدت لميس كأنها ... بدر السماء إذا تبدى
نازلت كبشهم ولم ... أر من نزال الكبش بدا
وهكذا يمضي الشاعر مصورًا قيم الفروسية في تصورها العربي الدقيق،
وهذه الموسيقى الوثابة تصف هذه الروح المستفزة، وتتسع في بعض مراحلها إلى الفلسفة التي تبدو هادئة في تحليل الجمال.
وهذا السياق المتحفز، وهذه الأنغام السريعة، يقتضيان تركيز العبارة أشد التركيز؛ لأن ذكر ما يدل عليه السياق، والحال هذه عائق يعوق تدفق النغم، ويحبس اندفاع الروح.
وذكر عبد القاهر قول أبي البرج القاسم بن حنبل المري في زفر بين أبي هاشم بن مسعود بن سنان من قصيدته التي يقول فيها:
من البيض الوجوه بني سنان ... لو أنك تستضيء بهم أضاءوا
وذكر قوله: "من الوافر"، وهو من حر الكلام وخالصه:
هم حلوا من الشرف المعلى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا
بناة مكارم وأساة كلم ... دماؤهم من الكلب الشفاء
قال بناة مكارم وأراد، هم بناة مكارم، والحذف كما ترى واقع في مقطع من مقاطع المعنى، يوضح ما ذكره في البيت الأول مجملا وهو شرفهم وتمكنهم، فذكر أنهم بناة مكارم هكذا بإطلاقها المستغرق مكارم الجود، والنجدة والشجاجة والقوة إلى آخر ما تحمله العبارة، ثم هي أساة كلهم فهم يملكون من الشدة، والحكمة ما يأسون به الجراح، وكأن الشاعر أراد أن يبرز تميز هذا الجزء من المعنى بقطعة عن سابقه، وحذف المسند إليه هو وسيلته في ذلك؛ لأنه لو ذكره لقال: هم فيكون رابطا واضحا وقويا بين البيتين، فيفوت غرض الشاعر، والكلام وإن كان على تقديره إلا أن إسقاطه من اللفظ يفيد هذا الغرض، ولذلك نرى عبد القاهر يحرص كما سنبين بأن هذا المحذوف يجب
(1/166)

ألا يخطر بالبال؛ لأن وردوه في النفس يذهب بالمغزى منه، وإن كان يقرر وجوب تقديره، وعجيب أن يكون شرف النفس عند آبائي، وآبائك بهذه المنزلة حتى إنهم ليعتقدون أن دماء الكرام تشفى من الدونية، وأن القطرة من دمائهم ينقذ بها من سقط في وهدة الخسة والنذالة، وذكر عبد القاهر أيضا قول أسيد بن عنقاء الفزاري في عميلة الفزاري لما رآه عميلة، وقد نكبه دهره، واختلت حاله، فقال له: "يا عم؛ ما أصارك على ما أرى؟ "، فقال أسيد: "بخل مثلك بماله وصوان وجهي عن أموال الناس"، فقال: أما والله لئن بقيت إلى غد لأغيرن ما أرى من حالك، فما كان السحر سمع رغاء الإبل، وثغاء الشاة، وصهيل الخيل، ولجب الأموال، فقال: ما هذا: فقالوا: هذا عميلة ساق إليك أمواله؛ فلما خرج ابن عنقاء إليه قسم عميلة ماله شطرين، وساهم عمه عليه فقال أسيد: "من الطويل"
رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... إلى ماله حالي أسر كما جهر
غلام رماه الله بالخير مقبلا ... له سيماء لا تشق على البصر
والسيماء ممدود السيم وأصله السوم قلبت الواو ياء، والسيم العلامة التي يعرف بها الخير والشر، وقال تعالى: {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} 1، ومراد الشاعر أن علامات الخير وسيم الفضل بادية فيه لا تشق على البصر.
والشاهد قوله: "غلام" أراد هو غلام، ولكنه حذف المسند إليه لقوة الدلالة عليه، وجريا على عادتهم في مثله، وهو كما ترى حذف وقع في استئناف جزء من أجزاء المعنى ذكر فيه الشاعر خلائق مهمة في السياق، فطبائع الخير داخله في خلقة هذا الغلام؛ لأن الله قذفه بالخير، فصار في خلقه وخلقه، وناهيك عن هذا، ثم إن ملامح النجابة، والفضل لائحة في الوجه، وكأنها فاضت من داخله على خارجه، فلا تخطئ عين إدراك هذه السيم، واقرأ
__________
1 البقرة: 273.
(1/167)

الأبيات قبل البيت الذي وقع فيه الاستنئناف، فقد طواها عبد القاهر، وهي في سياقنا مهمة قال:
رآني على ما بي عملية فاشتكى ... إلى ماله حالي أسر كما جهر
دعاني فآساني ولو ضن لم ألم ... على حين لا بدو يرجى ولا حضر
فقلت له خيرا وأثنيت فعله ... وأوفاك ما أوليت من ذم أو شكر
ولما رأى المجد استعيرت ثيابه ... تردى رداء سابغ الذيل واتزر
غلام رماه الله بالخير يافعا ... له سيما لا تشق على البصر
كأن الثريا علقت فوق نحره ... وفي أنفه الشعرى وفي وجهه القمر
إذا قيلت العوراء أغضى كأنه ... ذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر
وقوله: وأوفاك ما أوليت من ذم أو شكر، أراد أن الحمد كفاء للخير كما أن الذم كفاء للشر، فالذي يشكرك على الخير قد وفاك، والذي يذمك على الشر قد جازاك، وهذه أبيات حسنة جدًّا.
وإذا راجعت النظر في هذه الأبيات بان لك فيها أنها قبل القطع الذي هو في بيت الشاهد تدور حول الحوار الذي كان بين الشاعر وبين عميلة، ثم وصفه قبل بيت الشاهد بأنه ماجد، والوصف فيه إحساس بصدق مجده، فقد تردى ثايبا من المجد سابغة الذيل واتزر، فهو في فيوض من المجد، وليس كامن يستعير ثيابا من المجد، ثم جاء الاستئناف، وفيه الذي قدمناه من الأوصاف المهمة في السياق، وراجع هذه الأبيات وتفقدها صورة صورة وكلمة كلمة، وكيف يكون الشموخ في النفس والشعر.
وذكر عبد القاهر قول الشاعر: "من الطويل"
سأشكر عمرا إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت
(1/168)

فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
رأى خلتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت
وهذه الأبيات مما اختلف في نسبته اختلافا كبيرًا، فقالوا: هي لأبي الأسود الدؤلي يمدح عمرو بن سيعد بن العاص، وقالوا: هي لعبد الله بن الزبير يمدح عمرو بن أبان، وقالوا: غير ذلك، وهي من أبيات الحماسة، وعبد القاهر كثير الاستشهاد بأبياتها، كما كان كثير الاستشهاد بأبيات الكتاب، ثم إن كثيرًا من الشواهد في الكتاب مذكورة في الحماسة، والمهم أن الشاعر في البيت الثاني استأنف، وجاء بمقطع جديد من مقاطع المعنى، وبنى أسلوبه على الحذف، وإذا تأملت هذا المقطع وجدته قوي الدلالة في السياق، فقد وصفه بأنه غير محجوب الغنى عن صديقه، وهذا وصف بالسخاء، والبذل، والتراحم والمهادنة.
ثم وصفه أيضا بأنه لا يظهر الشكوى إذا زلت نعله أي تغير حاله، وهذا وصف بالحزامة، والجلادة وصدق الرجولة، وهذان الوصفان من أجل ما يوصف بهما الرجل، والمتأمل في الشعر والقيم الإنسانية التي يعتز بها يجد ذلك فيه واضحًا.
وكان عبد القاهر يختار شواهده بعد مراجعة، وكأنه يقصد إلى ما فيها من فضائل النفوس حتى ينتفع القارئ بها؛ لأن الهدف الأهم هو بناء النفس على مكارم الأخلاق.
والمرزوقي يفضل قوله: "رأى خلتي من حيث يخفى مكانها ... " على قول أسيد: "رآني على ما بي عميلة فاشتكى ... " قال: "وذلك؛ لأن هذا قال: رأى خلتي من حيث يخفى مكانها"، فكأنه أدرك الحال من طريق الاستدلال، والاهتمام المبعوث من جودة التفطن، وإن كان صاحبه يتعفف عن السؤال ويتجمل، وابن عنقاء شاهد الحال عيانا، فاشتكى إلى ما له سرا وجهرا، وقال: هذا بإزاء الاشتكاء، فكانت قذى عينيه أي من حسن الاهتمام ما جعله كالداء الملازم له حتى تلافاه بالإصلاح، وإذا كان كذلك، فموضوع الزيادة في كلامه، وقصده ظاهر".
(1/169)

ومن هذا الباب قول متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك من قصيدته: "من الطويل".
أرقت ونام الأخلياء وهاجني ... مع الليل هم في الفؤاد وجيع
قال متمم:
إذا رقأت عيناي ذكرني به ... حمام تنادى في الغصون وقوع
دعون هديلا فاختزنت لمالك ... وفي الصدر من وجد عليه صدوع
كأن لم أجالسه ولم أمس ليلة ... أراه ولم يصبح ونحن جميع
فتى لم يعش يوما بذم ولم يزل ... حواليه مما يجتديه ربوع
وقوله: رقأت عيناني أي: ذهب دمعها، قالوا: أرقأت دمعه أي كففته، وأرقأت دمعه أي حقنته، وقوله: تنادى في الغصون، أين نادى بعضه بعضا، وفيه أن الجو امتلأ تناديا وحنينا، والوقوع بضم الأول والثاني وصف لقوله حمام، والطير إذا كانت على شجر، أو أرض فهن وقوع، والهديل الذي يذكر في سياق إهاجة الأحزان له قصة طريفة ترويها أسطورة أشار إليها بعض الشعراء، فقد ذكروا أنه فرخ كان على عهد نوح عليه السلام، فمات ضيعة وعطشا، فكل حمامة تبكيه، وقد أشار نصيب إلى هذه الخرافة البليغة في قوله: "من الطويل"
فقلت أتبكي ذات طوق تذكرت ... هديلا وقد أودى وما كان تبع
وقوله: وقد أودى وما كان تبع أي: هلك هذا الهديل قبل قوم تبع.
وقول متمم: دعون هديلا فيه إشارة إلى هذا القصة، وهي ذات مغزى نفسي كبير في سياق رثاثة، فالحمام يدعو هديلا مغيبا لا يجيب، وكذلك متمم.
والشاهد جاء في قوله: فتى لم يعش؛ لأنه أراد هو فتى، ولكنه حذف
(1/170)

على طريقتهم في حذف المسند إليه في مثله، وواضح أن القطع هنا عند منقطع مهم، فقد وصف خلائق مالك، وكان قبلا يتكلم عن لواعجه، وآلامه هو ثم انفتل يذكر فضائل أخيره التي أدامت حزنه، وصدعت قلبه، فمالك لم يعش يوما بذم أي لم يذم يوما، وهذا يعني كرم خلائقه وأصالتها؛ ثم وصف سماحة نفسه التي جعلت الوفود تلو الوفود لم تزل حواليه، والذي أبرز اهتمام الشاعر بهذا الجزء المهم من المعنى هو بناؤه على القطع كأنه شيء جديد ليس من جنس سابقه.
وذكر عبد القاهر من شواهد هذا الباب قول جميل: "من البسيط"
وهل بثنية يا للناس قاضيتي ... ديني وفاعلة خيرا فأجزيها
ترنوا بعيني مهاة أقصدت بهما ... قلبي عشية ترميني وأرميها
هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ... ريا العظام بلين العيش غاذيها
وإذا تأملت موضع الشاهد الذي هو البيت الأخيرة، وجدته يصف مفاتنها بعدما أشار إلى تدلهه بها، وكأنه يصف بواعث لواعجه، وهذا من الأهمية في السياق على ما ترى، ومثله قول جميل أيضا، وهو مما ذكره عبد القاهر: "من الكامل"
إني -عشية رحت وهي حزينة ... تشكو إلي صبابة- لصبور
وتقول بت عندي فديتك ليلة ... أشكو إليك فإن ذاك يسير
غراء مبسام كأن حديثها ... در تحدر نظمه منثور
محطوطة المتنين مضمرة الحشا ... ريا الروادف خلقها ممكور
وصاحبة جميل في هذه الأبيات تبثه شوقها، وتشكو إليه وجدها.
وعكس ذلك هو المشهور في هذا الباب، وكان كثير يرفض مثله من ابن أبي ربيعة، وقد سمعه مرة يقول: "من المنسرح"
(1/171)

قالت تصدى له ليعرفنا ... ثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها: قد غمزته فأبى ... ثم اسبطرت تشتد في أثري
فقال له: أتراك لو وصفت بهذا حرة من أهلك ألم تكن قد قبحت، وأسأت وقلت: الهجر؟، وإنما وصفت الحرة بالحياء، والخجل، والامتناع.
وهذا اللون من الحذف كثير جدا، ويمكن في ضوء ما ذكرنا أن نعرف دلالته في مثل قول الأعشى "من البسيط"
ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق ودعا أيها الرجل
غراء فرعاء مقصول عوارضها ... تشمي الهوينا كما يمشي الوجى الوجل
وقول النابغة: "من الكامل"
ولقد أصابت قلبه من حبها ... عن ظهر مرنان بسهم مصرد
بتكلم لو تستطيع حواره ... لدنت له أروى الهضاب الصخد
كمضيئة صدفية غواصها ... بهج متى يرها يهل ويسجد
والمرنان كما يقول ابن السكيت: مفعال وهو قوس، قال الأصعمي: هذا مثل من الرنين يقول: رمتك عن ظهر قوس مرنان أي صافية الوتر، والمصرد المنفذ.
وقوله: لو نستطيع حواره، يقول فيه ابن الأعرابي كما يروي ابن السكيت حواره "بكسر الحاء"، وحواره "بفتحها" وحويره، كل هذا واحد، ومعناه رده يقال: هذا كلام ماله حوير، ولا حوار أي رد جواب، والأروى جمع أروية وهي الأنثى من الوعول، والصخد الحادة، ويقال: صخدته الشمس إذا اشتد وقعها، وصقرته وصهرته.
والمضيئة يعني الدرة أي: هي كالدرة، ويهج فرح، ويهل ويسجد أي يرفع صوته بالدعاء والتحميد.
(1/172)

وهذا من حر الشعر ونادره، ورادعه وتفقده واستق منه؛ لأنه من نبع الشعر الصافي.
وعبد القاهر كما أشرت لم يحدد لنا تحديدا دقيقا السر البلاغي للحذف في هذه السياقات، ولكنه بحسه المرهف كان يتذوق حلاوة الحذف فيها ويستطعمه، ولا يعدو حديثه وصف هذا الذي يجده في نفسه، وراء هذه الخصوصية، بل إنه ليشعرك أنه لا يستطيع أيضا وصف ما في نفسه بدقة، ويطلب منك محاولة أن تحس الذي أحسه؛ لأنك لا تدرك قيمة ما يجده بالوصف، وإنما تدركه إذا ذقته وهذا صواب، ثم يرشدك إلى طريقة تعينك على إدراك هذا الأثر، وذلك بأن تذهب بهذه الخصوصية، وتذكر المحذوف، ثم تحاول أن تتعرف على ما تجده في نفسه، والأسلوب على الحالة الثانية، وفي ضوء هذه الموازنة تستطيع أن تتعرف آثار الحذف، يقول في ذلك:
"فتأمل الآن هذه الأبيات كلها واستقرها واحدًا واحدًا، وانظر إلى موقعها في نفسك، وإلى ما تجده من اللطف، والظرف إذا أنت مررت بموضع الحذف منها، ثم فليت النفس عما تجد وألطفت النظر فيما تحس به، ثم تكلف أن ترد ما حذف الشاعر، وأن تخرجه إلى لفظك وتوقعه في سمعك، فإنك تعلم أن الذي قلت كما قلت، وأن رب حذف هو قلادة الجيد وقاعدة التجويد".
وتأمل قوله: ثم فليت النفس عما تجد، وألطفت النظر فيما تحس به، وأحكمه؛ لأنه هو الطريق الذي به تتعلم، وتكتسب ذوق الشعر وأكرر لك هنا ما قلته في أبيات النابغة، وأقول لك هذا من حر الكلام، ونادره وراجعه وتفقده؛ لأنه من نبع العلم الصافي، واعلم أن الكلمة النادرة في العلم كالكلمة النادرة في الشعر.
ويذهب عبد القاهر في تناسي المحذوف، وإسقاطه مذهبا أبعد من من حذفه في اللفظ؛ لأنه يطلب منك أن تحذفه من نفسك، فلا تخطره بوهمك؛ لأن هذا الخطور يفسد مذاق العبارة.
عليك إذن حين تريد أن تتعرف على جمال الصياغة في هذا الأسلوب أن
(1/173)

تنصرف بنفسك، ووهمك إلى ما نطق به الشاعر جاهدا نفسك في أن تبعد عنها ما وقر فيها من صناعة الإعراب التي توجب تقدير المبتدأ في مثله، يقول في ذلك:
"إنك ترى نصبة الكلام، وهيئته تروم منك أن تنسى هذا المبتدأ، وتباعده عن وهمك، وتجتهد ألا يدور في خلدك، ولا يعرض لخاطرك، وتراك كأنك تتوقاه توقي الشيء يكره مكانه، والثقيل يخشى هجومه".
كل هذا لا يعلمنا فيه الشيخ علم البلاغة، وإنما يعلمنا كيف نذوقها، وهذا أجل.
وعبد القاهر له مصنفات تجعله في الصدر من طبقات النحاة، إلا أن تفرده بما تفرد به في الدراسة البلاغية غلب على ذكره، فصار أعرف به، قلت: هذا لأنبه إلى أنه رحمه الله كان يعي بدقة مناهج العلوم المشتغل بها، فهو إذا كان في سياق النحو قال في قوله: غلام رماه الله بالخير: التقدير هو غلام، وفي قوله: هيفاء مقبلة، التقدير هي هيفاء إلى آخر ما ذكرنا، وهذا التقدير ضرورة لا يخالف فيها عاقل، وقد فعل ذلك سيبويه فيما عرض له من مثله؛ لأن السياق سياق الصناعة الإعرابية، والبحث عن مكونات الجملة، وما يحذف منها، وما لا يحذف.
فلما كان السياق هنا سياق الإدراك لسر الحذف، رأيت عبد القاهر يقرر أنه لا مفر لك إذا أردت إدراك هذا السر أن تتحاشى هذا المحذوف ليس في الذكر فحسب، بل في الخطور النفسي؛ لأن هيئة العبارة وجمال الأسلوب يروم منك ذلك، وعميلة التذوق لا تتم إلا به، ولا يعترض بما يقتضيه الإعراب؛ لأن هذا سياق وذلك سياق آخر، البلاغة تحتم أن تحذف المبتدأ من نفسك، والنحو يقرر أن تقدره في لفظك حتى لو قلت: هو فتى قلت: ما الأصل أن يقال، وهذا مبحث شريف.
وقد يحذف المسند إليه للإشارة إلى أن الخبر لا يتوهم أن يكون لغيره،
(1/174)

وذلك كقوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} 1، فإن قوله: عالم خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو، ولكن لما كان الخبر لا يكون إلا له سبحانه جاء الكلام على الحذف، وفي هذا الحذف إشارة إلى الواحدانية والجلال.
ومثله قوله تعالى: {فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} 2، أي هذا ساحر كذاب، والقائلون وهم قومه يقصدون بهذا الحذف أن قولهم: ساحر لا ينصرف عند الإطلاق إلا إلى موسى عليه السلام زعما منهم أن هذه الصفة غالبة عليه، وفي الحذف أيضًا إشارة إلى استخفافهم، وقلة اعتدادهم.
وقد تأتي هذه الطريقة في الشعر، ويكون وراءها إشارات حسنة، انظر إلى قول ربيعة بن مقروم الضبي في مطلع قصيدته: "من الكامل"
شماء واضحة المعارض طفلة ... كالبدر من خلل السحاب المنجلي
وكأن الشاعر حين قال شماء، وذكر هذه الأوصاف أوهم من وراء ذلك أن هذها لأوصاف إذا ذكرت عند الإطلاق لا تنصرف إلا إليها، وكأن الناس يعرفون تفردها بها.
قالوا: وقد يحذف المسند إليه لضيق المقام، وتجد لهذا مذاقا حسنا في سياق الضجر، والشدة حين ينزع المتكلم إلى الإشارات اللماحة لفرط ما يجد.
ومن هذا، وهو مشهور قوله: "قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل".
والأصل: أنا عليل ولكنه حذف المسند إليه؛ لأن العليل يثقل عليه الكلام، فهو نازع إلى الإيجاز دائما.
وقد ترد الأمثال على حذف المسند إليه فيصير ذلك لازما؛ لأن الأمثال لا تتغير، من ذلك قولهم: قضية ولا أبا حسن لها، ي هي قضية، وقولهم:
__________
1 الرعد: 9.
2 غافر: 24.
(1/175)

شنشنة أعرفها من أخزم، والشنشنة الطبيعة والعادة، والأخزم ابن قائل المثل، وكان عاقا لأبيه، فلما مات تواثبت أبناؤه على جدهم فأدموه فقال: "من الرجز
إن بني ضرجوني بالدم ... شنشنة أعرفها من أخزم
أي عادة أعرفها من أبيهم، ويقولون: "صلعاء متئم"، والصلعاء الداهية والمتئم التي تلد توأما، ويقولون: "ذليل عاذ بقرملة"، والقرملة شجرة ضعيفة لا ورق لها، ومضارب هذه الأمثال واضحة من معانيها، وكلها مبني على حذف المسند إليه كما ترى، وذلك للاختصار والإيجاز، وهي فضيلة من فضائل الكلام جليلة ليست مبتذلة، ولا متاحة لكل متكلم.
ومن هذا الباب بنبا الفعل للمجهول وحذف الفاعل؛ لأن نائبه ليس هو المسند إليه في الحقيقة، ومن ذلك قوله تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} 1.
وهذه الآية الكريمة من الشواهد السائرة عند البلاغيين، وقد كثر كلامهم في بيان فصاحتها، وقالوا: إن واحدا ممن حاولوا معارضة القرآن لما قرأها مزق أوراقه، وقال ابن أبي الأصبع: إن لم ير -في جميع ما استقرى من الكلام المنثور، والشعر الموزون- كهذه الآية، وأنه استخرج منها أحد وعشرين ضربا من المحاسن، وهي ملحوظات لا تخلو من حسن، وحذف المسند إليه الحقيقي في قوله: وقيل: يا أرض يشير إلى قوة ظهوره، وأن ذلك الفعل الهائل أعني مخاطبته الأرض، وتوجيه الأمر المستعلى إليها لا يكون إلا من الذي خلقها، فسواها وكذلك السماء، وحذف الفاعل في قوله: وغيض الماء للإشارة إلى الإجابة السريعة، فما أن أمرت الأرض بأن تبلغ، والمساء بأن
__________
1 هود: 14.
(1/176)

تقلع إلا وقد غيض الماء، وكأن قوة هائلة مجهولة اختطفته، وابتلعته فهذه معها.
ومثله قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} 1، قال الزمخشري في "كشافه" القديم كما يقول الزركشي: "هذا أدل على كبرياء المنزل وجلالة شأنه من القراءة الشاذة أنزل مبنيا للفاعل كما نقول: الملك أمر بكذا، ورسم بكذا، وخاصة إذا كان الفعل فعلا لا يقدر عليه إلا الله، كقوله: وقضى الأمر، قال: كأن طي ذكر الفاعل كالواجب لأمرين: أحدهما أنه إن تعين الفاعل، وعلم أن لفعل مما لا يتولاه إلا هو وحده كان ذكره فضلا ولغوا، والثاني: الإيذان بأنه غير مشارك، ولا مدافع عن الاستئثار به، والتفرد بإيجاده".
ومن ذلك قوله تعالى -في وصف سحرة فرعون لما رأوا آية موسى عليه السلام، واستيقنتها أنفسهم بعد ما سحروا أعين الناس، واسترهبوهم فبادروا بالانقياد، والسجود في سرعة فائقة، قال سبحانه: {فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ، وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} 2 حذف المسند إليه في قوله: فغلبوا هنالك؛ لأن الغرض منصب على بيان أن السحرة غلبوا، وأن سحرهم أبطل وكانوا فيه مشاهير، وفيه إشارة إلى أن الغالب في الحقيقة ليس هو موسى عليه السلام، وإنما قوة أيدت موسى، وجعلت عصاه حية تسعى ألقاها، فإذا هي تلقف ما يأفكون، ولو أنه قال: فغلبهم موسى لكان نصا على غلبة موسى عليه السلام، وأن له في ذلك فعلا غلب به، وليس كذلك، فإن سيدنا موسى أوجس في نفسه خيفة لما رأى حبالهم، وعصيهم وخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.
وانظر إلى قوله في الآية الكريمة: {فَوَقَعَ الْحَقُّ} ، فإن بالغ في الحسن
__________
1 البقرة: 4.
2 الأعراف: 118-120.
(1/177)

والإيجاز وقد وصف بدقة بالغة وقوع عصا موسى في ساحة الصراع بعدما ملأها باطل السحرة، وقوله: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ} ، حذف فيه المسند إليه للإشارة إلى السرعة الفائقة في وقوع الحدث، وتصوير أن قوة مجهولة أستلبت عنادهم، وكفرهم فخروا في ساحة الحق ساجدين.
وقد ارتضى بعض البلاغيين أن يعتبر من باب حذف المسند إليه حذف الفاعل فيما بنى فعله للمعلوم، وذلك كقوله تعالى: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ، وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ} 1، أي إذا بلغت الروح، والحذف هنا لظهور الفاعل ظهورًا لا لبس فيه، والآية في ذكر الموت، ولا يبلغ التراقي عند الموت إلا النفس والروح، وكأن في إسقاطها من العبارة إشارة إلى ما هي عليه من وشك المفارقة.
ومثله قول حاتم: "من الطويل"
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما، وضاق بها الصدر
أراد إذا حشرجت الروح، والحشرجة صوت يردده المريض في حلقه.
وهو مأخوذ من الحشر نظرا لضيق مكان النفس في هذه الحال، والحذف هنا أيضا لشدة ظهور المحذوف، وللإشارة السابقة؛ ولأن الشاعر يصف مقام ضيق وشدة، والحذف فيه أدل على قصر النفس، وأكثر وحيا بمعنى الحشرجة.
ومنه قوله تعالى -حكاية عن سيدنا سليمان عليه السلام-: {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} 2، وأراد حتى توارت الشمس بالحجاب، فحذفت الشمس لبيان المراد؛ ولأنها توارت فلاءم الحذف دلالة الكلام، وتأمل وتفقد أحببت حب الخير عن ذكر ربي، ومنه قوله تعالى: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} 3، في قراءة نصب بينكم، قالوا: المراد: لقد تقطع الأمر، فحذف الفاعل للإشارة إلى أنه أمر منقطع ساقط، والأمر المراد به العلاقة الموهومة بينهم، وبين شفعائهم الذين زعموا أنهم فيهم شركاء، وسياق الآية هكذا: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا
__________
1 القيامة: 26-27.
2 سورة ص: 32.
3 الأنعام: 94.
(1/178)

خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} 1.
وقالو: ومما جاء على حذف الفاعل قوله تعالى في شأن سيدنا يوسف عليه السلام: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} 2.
والأصل ثم بدا لهم الأمر ولكنه حذف، وحذفه يشير إلى الاستخفاف به؛ لأنه أمر ساقط جائر، فقد بدا لهم بعد ما رأوا الآيات، فكيف يسجنونه؟
ومما جاء على حذف الفاعل لقوة الدلالة قولهم: أرسلت وهم يريدون جاء المطر، ولا يذكرون السماء، ولكنهم لا يقولون هذا إلا في حال سقوط المطر، ولذلك كانت الدلالة على المحذوف راجعه إلى قرينة الحال الواضحة، قال ابن الأثير في بيان حذف الفاعل:
"وقد نص عثمان بن جني رحمه الله تعالى على عدم الجواز في حذف الفاعل، وهذه الآية وهذا البيت الشعري، وهذه الكلمة -أراد قوله تعالى: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ} 3، وقول حاتم: أماوي ما يغني الثراء عن الفتى، وقولهم: أرسلت- خلاف ما ذهب إليه إلا أن حذف الفاعل لا يجوز على الإطلاق بل يجوز فيما هذا سبيله، وذلك أنه لا يكون إلا فيما دل الكلام عليه ... وأما قول العرب: أرسلت وهم يريدون أرسلت السماء، فإن هذا يقولونه نظرا إلى الحال، وقد شاع فيما بينهم أن هذه كلمة تقال عند مجيء المطر، ولم ترد في شيء من أشعارهم، ولا في كلامهم المنثور، وإنما يقولها بعضهم لبعض إذا جاء المطر، فالفرق بينها وبين حشرجت، وبين بلغت التراقي ظاهر، وذلك أن حشرجت، وبلغت التراقي يفهم منها أن النفس التي حشرجت، وأنها هي التي بلغت التراقي، وأما أرسلت فلولا شاهد الحال، وإلا لم يجز أن تكون دالة على مجيء المطر، ولو قيل في معرض الاستقساء: إن خرجنا نسأل الله فلم نزل حتى أرسلت، لفهم من ذلك أن التي أرسلت هي السماء، ولا بد في الكلام من دليل على المحذوف، وإلا كان لغوا لا يلتفت إليه".
__________
1 الأنعام: 94.
2 يوسف: 35.
3 القيامة: 26.
(1/179)

ذكر المسند إليه:
بعد ما ذكرنا بعض صور الحذف، وأسرارها المعنوية نذكر شيئا عما يقابله وهو الذكر، وأظن أنه لا يرد علينا سؤال يقول: إذا كانت البلاغة في الحذف والإيجاز كما قلتم، فكيف تكون البلاغة في الذكر الإطالة؟ لأن من المعلوم أن للحذف أغراضه التي لا يغني الذكر غناءه فيها، وأن للذكر أغراضه التي لا يغني الحذف غناءه فيها، وأن البلاغة مراعاة المقامات والأحوال، فالذكر في موطنه بليغ مطابق، والحذف في موطنه بليغ مطابق، وقد قالوا: إن يحيى بن خالد بن برمك أمر اثنين أن يكتبا كتابًا في معنى واحد، فأطال أحدهما واختصر الآخر، فقال للمختصر وقد نظر في كتابه: ما أرى موضع مزيد وقال للمطيل: ما أرى موضع نقصان، وقال الخليل: يختص الكتاب ليحفظ ويبسط ليفهم، وقيل لأبي العلاء، هل كانت العرب تطيل؟ قال: نعم كانت تطيل ليسمع منها، وتوجز ليحفظ عنها.
على أنه لا تكون المنافاة بين الذكر، والإيجاز إلا عند النظرة السريعة الدانية، أما عند التحقيقي، فإن الذكر لا ينافي الإيجاز -وأعني ذكر ما يدل عليه المقام لو حذف؛ لأن وراء ذكر المسند إليه في هذه الحالة دافعا نفسيا، ومغزى يحرص المتكلم عليه، فالذكر يحقق قيمة معنوية في الأسلوب، وفوات هذه القيمة عيب في الكلام وإخلال بالمطابقة، وقد يكون الكلام مع الذكر مبنيا على غاية الإيجاز، فليس الذكر الذي نتكلم فيه هو ما يتمدد به الأسلوب حتى يفيض عن المعنى، فيصير التعبير فارغا في بعض جوانبه، وإنما هو الذكر الموجز البليغ، وإذا نظرت إلى قوله تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} 1، رأيته كلاما في غاية التركيز مع أنه قد كرر الحق ومادة نزل، وكأنه بنى على التكرار، وكان كذلك؛ لأن وراء ذكر كلمة الحق في الجملة الثانية مغزى معنويا يفوت لو قلنا: وبه نزل، وسوف نبين ذلك في موضوعه إن شاء الله.
__________
1 الإسراء: 105.
(1/180)

والبلاغيون يقولون: إن الأصل في العبارة كما يقتضي العقل، والإعراب أن يذكر فيها المسند إليه؛ لأنه الجزء الأهم الذي تنسب إليه الأحداث، والصفات في الجملة، ولا يحذف إلا إذا كان هناك داع من الدواعي التي ذكرنا صورا منها، فالأصل أن يذكر إذا لم يكن هناك مقتضى للعدول.
وكذلك يذكرون من أغراض الذكر، الاحتياط لضعف التعويل على القرينة أي أن هناك قرينة تدل على المسند إليه لو حذف، ولكن هذه القرينة ليست كاشفة مبنية، ويخشى المتكلم إن هو عول عليها أن يلتبس المراد على السامع، وهذا نجده كثيرًا في الكتب العلمية التي تشرح القضايا، وتعني بكشف جوانبها.
وقالوا: إنه يذكر للإشارة إلى غباوة السامع، وأنه لا يفهم إلا ما تنص عليه الألفاظ؛ لأن في الحذف تعويلا على ذكاء السامع، وقدرته على الانتفاع بالسياق والقرائن.
والمهم في موضوع ذكر المسند إليه هو الرغبة في التقرير والإيضاح، فإن هناك بعض المعاني تكون أشد علقة بالنفس، فيحرص المتكلم على إبرازها وإشاعتها في جو كلامه، انظر إلى قول البحتري يخاطب صاحبته: "من الكامل".
أصفيك أقصى الود غير مقلل ... إن كان أقصى الود عندك ينفع
فأقصى الود كلمة يتصل معناها بأهم ما يجده الشاعر من الكلف، والولوع بصاحبته فكررها، وأشاعها وكان يمكنه الاكتفاء بضميرها.
وانظر إلى قول مالك بن الريب في قصيدته التي قالها حين استشعر دنو الأجل، وهو في خراسان قال: "من الطويل"
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بجنب الغضا أزجي القلاص النواجيا
فليت الغضا لم يقطع الركب عرضه ... وليت الغضا ماشي الركاب لياليا
لقد كان في أهل الغضا لو دنا الغضا ... مزار ولكن الغضا ليس دانيا
(1/181)

والغضا شجر في ديار أهله، والشاعر في هذه الحالة القاسية التي يستشعر فيها دنو الأجل، ويستعر فيها الإحساس بالغربة، ويفيض فيها الحنين والتعلق بالأهل، تراه مرتبط النفس بالغضا أقوى ما يكون الارتباط، فيتشبث باللفظ فيذكره ويكرره، كما ترى وكأنه يمتص منه آخر رحيقه؛ وليس من الوفاء بالحس في هذه الحالة الاكتفاء بالضمير، وإن كانت الدلالة واضحة؛ لأن اللفظ يحمل معنى له في سريرة نفس الشاعر ما يظمئه إليه، فلا بد من تكراره، وتأمل أماشي في قوله: وليت الغضا ماشي الركاب لياليا- وكأنه كان يتمنى لو رحلت معه ديار قومه، وماشى الركب والأهل والأرض، والشجر والمدر، كل ذلك تتفجر روحه بالحنين إليه، وهو يجود بها.
ومن هذا الباب أن يذكر الشاعر اسم صاحبته ثم يكرره، وكان يمكنه الاستغناء بضميره، ولكنه يؤثر النص عليه؛ لأن في ذلك ما يثير أشواقه، ويلذ قلبه، انظر إلى قول قيس: "من الطويل"
ألا ليت لبنى لم تكن لي خلة ... ولم تلقني لبنى ولم أدر ما هيا
ذكر لبنى في الشطر الثاني، وكان يمكنه أن يكتفي بقوله: ولم تلقني ولم أدر ما هيا، ولكن الشاعر يحرص على ذكر الاسم؛ لأنه يحبه ويحب أن ينطق به، ومثله قول الآخر: "من الطويل"
منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
أماني من ليلى حسان كأنما ... سقتك بها ليلى على ظمأ بردا
وقد ذكر الشعراء السر البلاغي لهذا اللون من الذكر، وهو حبهم المتعلق بالملهوف بهذه الأسماء، فهم يجدون فيها ما يروي قلوبهم، ويحبون المكان القفر ليتغنوا فيه بأسماء من يحبون وهم في مأمن من اللوم، يقول ذو الرمة: "من الطويل"
أحب المكان القفر من أجل أنني ... به أتغنى باسمها غير معجم
(1/182)

ثم إنهم يتجاوزون حب الأسماء إلى حب ما شابه الأسماء، أو كان منها مدانيا، يقول قيس:
أحب من الأسماء ما وافق اسمها ... وأشبهه أو كان منه مدانيا
وقد فسر قيس، وذو الرمة السر البلاغي في تكرار أسماء الصواحب، وهو كثير في الشعر، وكأنه مذهب.
انظر إلى قوله النابغة: "من البسيط"
عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار ... ماذا تحيون من نؤي وأحجار
أقوى وأقفر من نعم وغيره ... هوج الرياح بهابي الترب موار
وقد أكون ونعما لاهيين بها ... والدهر والعيش لم يهمم بأمرار
أيام تخبرني نعم وأخبرها ... ما أكتم الناس من حاجي وأسرار
تردد ذكر نعم كما ترى، وكأنه كان يرى نعما في كل زاوية من زوايا الطلل، ومع كل أثر من آثاره، فذكرها في كل بيت حتى يراها القارئ في قصيد الطلل، وكان النابغة في الشعر كأنه محدث.
ويدخل في هذا الباب ما يكون في الرثاء من تردد ذكر المرثي، انظر إلى قول الخنساء: "من البسيط"
وإن صخرا لكافينا وسيدنا ... وإن صخرا إذا نشتو لنحار
وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
تجد الشاعرة تذكر صخرا، وتردد اسمه وكان يمكنها، أو تكتفي في الشطر الثاني بقولها وإنه، وكذلك في البيت الثاني، إلا أن تعلق نفسها بأخيها يجعل تردد ذكر الاسم شيئا حبيبا إليها، ووسيلة من وسائل سلواها، وهو أيضا مظهر من مظاهر تعلقها بصخر وتشبثها به.
وأمثله ذلك في باب الثراء كثيرة جدًّا، وليس الذكر مقصورًا على اسم
(1/183)

المرثى، وإنما يكون ذلك في غيره مما للنفس به مزيد تعلق، والرثاء باب العاطفة المشبوبة، وهي تتخذ التكرار وسيلة من وسائل الهدهدة النفسية، وإفراغ التوتر الشديد، وهو من أهم الوسائل الناجعة في هذا الباب؛ لأنه يهيئ الشعر للشدو الحزين والدندنة الشاجية، انظر إلى قول متمم: "من الطويل"
وقالوا: أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك
فقلت لهم: إن الأسى يبعث الأسى ... دعوني فهذا كله قبر مالك
ترى كلمة القبر تشيع بتكرارها جو الأسى والحنين البائس، ويجد الشاعر في تكرارها راحة تخلد إليها نفسه؛ لأنه دار مقامة لأخيه.
وهكذا كل شيء له فضل تعلق بالقلب تجد له فضل تعلق باللسان، ويدخل في هذا ذكر الكأس والخمر، وانظر إلى قول عمرو بن كلثوم: "من الوافر".
صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا
كان من الممكن أن يحذف المسند إليه في الشطر الثاني، ولكن لنفسه بالخمر ولوعا، وكيف وقد جعلها فاتحة غنائه في قصيدته المعلقة، وخالف بذلك سنة الشعراء من الوقوف على الأطلال، ونظنه ملهما لأبي نواس في ثورته على صفة الطلول، وجعله صفاته لابنة الكرم.
وقد يذكر المسند إليه؛ لأن المتكلم يحرص على أن يضيفل إليه الخبر "المسند" في صورة واضحة مؤكدة، انظر إلى قول بان الدمينة يخاطب صاحبته أميمة معارضا لها حين عاتبته بقولها: "من الطويل"
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للناس ثم تركتني ... لهم غرضا أرمى وأنت سليم
فلو أن قولا يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قولب الوشاة كلوم
(1/184)

قال في جوابها:
وأنت التي قطعت قلبي حزازة ... وقرحت قرح القلب فهو كليم
وأنت التي كلفتني دلج السرى ... وجون الفطا بالجلهتين جثوم
وأنت التي أحفظت قومي فكلهم ... بعيد الرضا داني الصدود كظيم
فقد ذكر الشاعر ضمير صحابته في كل بيت؛ لأنه يحرص على أن يبرز ذاتها ليضيف إليها هذه الأخبار المهمة في صورة واضحة ومقررة، وفي ذلك ما يكشف معاناته، وما تكلفه من مشقة، وعنت من أجلها وهي تتهمه بأنه أخلفها ما وعد، وأشمت بها من كان فيه يلوم، فالمقام يقتضي مزيدًا من التقرير والتوضيح.
ومن هذا قول أميمة له، وكان فتى صبوحا أيدا: "من الطويل"
أيا حسن العينين أنت قتلتني ... ويا فارس الخيلين أنت شفائيا
كان يمكن أن تصوغ أسلوبها على طريقة أخرى تكتفي فيها بذكر الحديثين القتل، والشفاء من غير إعادة المسند إليه، ولكنها حرصت على تقرير نسبة كل حدث إليه في استقلال ووضوح، ثم إن الشاعرة لها ملحظ نفسي دقيق في توزيع المعنى في هذين الشطرين، ومناسبة كل لما نودي به، لم تقل يا فارس الخيلين أنت قتلتني، ويا حسن العينين أنت شفائيا؛ لأنه لم يقتلها بفروسيته كيف وهي ترى في شبابه، وفتوته ما يمؤلها حياة، وأملا كما أنه لم يشفها بعينيه، وكيف وهي ترى في عينيه ما يملؤها صبوة وتهالكا؟
وهذا البيت يختلف في المذاق عن سابقه، فهو تدله وتخنث، وسابقه معاتبة وشكوى.
وهذا المغزى في هذه الخصوصية أعني ذكر المسند إليه لغرض تقرير الخبر، والفعل في صورة بينة واضحة تجده أوقع ما يكون في كتاب الله، اقرأ قوله -تعالى-:
(1/185)

{أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} 1.
تجد المسند إليه يتكرر مع كل حكم، وكأن من الممكن أن يرد الكلام على طريق الحذف، ولكنه قصد إلى تقرير هذه الأخبار، وإذاعتها عنهم فهم كفروا بربهم، وهم الأغلال في أعناقهم، وهم أصحاب النار، وكأن هذه الإعادة جعلت كل جملة كأنها مستقلة بنوع من العقوبة الصارمة، وهي ضروب من العذاب يستقل بعضها عن بعض، وفي ذلك نهاية الغضب والوعيد.
واقرأ الآيات قبلها وكيف أشرقت فيها آيات القدرة الباهرة، ثم يعمه هؤلاء ويقولون: {أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} ، وذكر المسند إليه في مثل هذا السياق يكثر جدًّا في كتاب الله ما لم يكثر في غيره، ولو قلنا: إنه من أوضح خصائص أسلوب القرآن لم نعد الحقيقة، وأكثر ما تجده مع اسم الإشارة، وسوف نعرض بعض صوره هناك إن شاء الله.
وليس من الصعب علينا أن ندرك استجابة هذا الأسلوب، أعني ذكر ما تسند إليه الأحداث، والأحكام لكثير من خوالجنا في أحساسيسنا اليومية، فأنت تقول عاتبا على صاحبك ومعددا أخطاءه: أنت فعلت كذا وكذا، فإذا حميت نفسك، وزاد انفعالك بأفاعيله الغائظة لك قلت له: أنت الذي فعل كذا وأنت الذي فعل كذا وأنت الذي، إلى آخره، تحرص على إعادة ذكره مع كل فعل لتبرز إسناد تلك الأفعال إليه، ومثل هذا يكون أيضا في سياق تعديد مآثره، وفي كل سياق تحمي فيه نفسك، وتريد أن تقرر إسناد شيء إلى شيء، والشاعر في مقام المفاخرة حين تسيطر عليه مشاعر الاعتداد والاعتزاز، وتتزاحم في نفسه مآثر قومه لا يكتفي غالبا بذكرها على سبيل عطف الأخبار أو الصفات، وإنما يستأنف مع كل مكرمة جملة جديدة يذكر في صدرها قومه، فيكرر ذلك ولا يمله.
اقرأ قول عمرو بن كثلوم: "من الوافر"
وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
__________
1 الرعد: 5.
(1/186)

بأنا العصامون إذا أطعنا ... وأنا الغارمون إذا عصينا
وأنا المنعمون إذا قدرنا ... وأنا المهلكون إذا أتينا
وأنا الحاكمون بما أردنا ... وأنا النازلون بحيث شينا
وأنا التاركون لما سخطنا ... وأنا الآخذون لما هوينا
وأنا الطالبون إذا نقمنا ... وأنا الضاربون إذا ابتلينا
وأنا النازلون بكل ثغر ... ويخاف النالون به المنونا
واضح أن الشاعر يستطيع الاستغناء عن هذه الضمائر التي كررها مع كل بيت، ولكن إحساسه بهذه المكارم لا يكفيه أن يذكر هذه المناقب غير مستندة كل واحدة منها إلى قومه استنادًا مستقلًّا ليكون في ذلك تقرير وإبراز لها، وهكذا
أحسها الشاعر بل أحسها الناس كما يدعي، انظر إلى قوله: وقد علم القبائل
من معد، وكيف أشعرك بهاذ أن تلك المناقب المذكورة لا يدعيها لقومه، وإنما
هي مفاخر مقررة لقبيلته العظيمة تغلب قد علمتها القبائل من معد، أي هي ذائعة تتجاوب بها آفاق جزيرة العرب التي تنتشر في كل أرجائها قبائل معد، ثم إن في تكرار هذا الضمير وحده، وهذه الغنة القوية في النون المشددة ما يمكن الشاعر من أن يكون غناؤه كفاء لشعور الفخر الذي امتلأت به نفسه في هذا
الموقف الطاغي، وهو يخاطب عمرو بن هند ملك المناذرة.
وحين نتابع الضمائر وإبرازها في مثل تلك المعلقة لا نجد وراءها لونا واحدا من ألوان الشعور كهذا اللون الذي ذكرناه، وإنما قد نجد ألوانا متعددة، وهذا يجعل مهمتنا في دراستنا مهمة صعبة؛ لأننا لا نستطيع أن نضع قاعدة تحيط بأغراض ذكر المسند إليه.
انظر مثلا إلى قوله:
ألا لا يحسب الأعداء أنا ... تضعضعنا وأنا قد فنينا
ترانا بارزين وكل حي ... وقد اتخذوا مخافتنا قرينا
(1/187)

تجد قوله: وأنا قد فنينا، ذكر في المسند إليه، وكان يمكن الاستغناء عنه، ولكن الشاعر أراد أن يؤكد ذات قومه، ووجودهم القوي الفاعل في مواجهة وهم الأعداء، وأنهم قد أفنتهم، أو ضعضعتهم الحروب الطويلة، أقول: إن ذكر المسند إليه هنا تأكيد للذات، وإبراز لها في مواجهة ظن الفناء.
وفي سياق الهجاء تجد الشاعر يحرص على ذكر المهجو مع كل نقيصة يذكرها ليمرغه في هذه النقائص، ويذيع اقترانه بها، ولا يبرع في سياسة هذا الأسلوب إلا قلة من ذوي المواهب من الشعراء؛ لأن ذكر الأسماء وكثرة ترددها يثقل في الشعر، فإذا لم تتصرف الموهبة البصيرة بأسرار الصنعة كان ذلك سببا لسقوطه.
ومن هذا قول الحادرة الذبياني -يخاطب عامر بن صعصعة حين أرادوا غزو رهطه بني ثعلبة بن سعد: "من الطويل"
وذي كرم يدعوكم آل عامر ... لدى معرك سرباله يتصبب
رأت عامر وقع السيوف فأسلموا ... أخام ولم يعطف من الخيل مرهب
وسلم لما أن رأى الموت عامر ... له مركب فوق الأسنة أحدب
والسربال القميص والمرد به الدرع، والمركب الحدباء الصعبة والشديدة، ومرهب اسم رجل من بني عامر.
ذكر الشاعر عامر في البيت الثاني والثالث، وهو مذكور في البيت الأول فالسياق يدل عليه لو حذف ... كان يمكنه أن يقول: رأت وقع السيوف، وسلم لما أن رأى الموت له مركب حدباء، ولكنه أراد أن يستند إليها هذه الأفعال الدامغة إسنادا واضحا لا يكتفي فيه بالضمير، وإن كان يعود عليه؛ لأن التصريح يعمل في النفوس ما لا تعمله الضمائر، ففيه تشهير بهم لمثالبهم، فالإسناد وصف لهم بالفرق والضعف، وأنهم أسلموا أخاهم لما رأوا وقع السيوف، وهذا بالغ في الجبن والتخاذل، والفاء في قوله: فأسلموا لها
(1/188)

دلالة حية أي أنهم أسلموا فور رؤية وقع السيوف من غير مدافعة ونزال؛ لأنهم لا طاقة لهم بذلك، والإسناد الثاني يسمهم بما هو أشنع من الأول، ففي الأول أسلموا أخاهم، وفي الثاني استسلموا جميعًا، وهكذا يحرص الشاعر على إسناد هذه الأفعال ذات الشأن في غرضه إلى المسند إليه لا إلى ضمير يعود عليه.
ومثل هذا قول جرير في سدوس:
أخلاي الكرام سوى سدوس ... وحالي في سدوس من خليل
إذا أنزلت رحلك في سدوس ... فقد أنزلت منزلة الذليل
وقد علمت سدوس أن فيها ... منار اللؤم واضحة السبيل
فما أعطت سدوس من كثير ... ولا حامت سدوس عن قليل
فالشاعر يحرص هنا أيضا على ذكر المسند إليه، لأن ذلك ضروري في سياق الشعر، حيث يقصد إلى قرنه قرنا واضحا بهذه المثالب الكثيرة.
والبيت الثالث من المعاني القوية؛ لأنه يقرر بواسطة هذا التكرار أن القوم أنفسهم يعلمون أنهم منار اللؤم، فليس الناس هم الذين يدعون ذلك فضلا عن أن يكون جريرًا، وإنما القبيلة نفسها تعلم ذلك، وهذا بليغ في بابه.
والبيت الرابع وصف بغاية البخل؛ لأن الذي يمنع وعنده الكثير قد استحكمت فيه طبيعة البخل، ثم هو وصف بالغ بالهوان والضعف؛ لأنهم يعجزون عن حماية القليل الذي لا يطمع فيه إلا الضعيف الدون.
قلت: إن تكرار الأسماء مما يثقل في الشعر إلا أن يكون الشاعر صاحب موهبة عالمًا بأسرار الصناعة، ورياضة البيان وإلا سقط شعره، وأنبه ننا إلى أن الأمر في مقام الرثاء، والغزل يختلف عنه في غيرها وذلك؛ لأنها من مقامات العواطف المشبوبة، والأسى التي تتردد في سياقها أسماء غنية بالإيحاء والتأثير؛ لأنها إما أن تكون من أسماء الصواحب، فهي تلهب الشوق والحنين
(1/189)

أو من أسماء الديار والآثار، فهي تثير ذكريات اللهو والصبا، أو من أسماء الموتى فهي تثير عواطف الحزن والشجى، وفي هذا الفيض من الحس، والشعور تخف هذه الأسماء وتحاط بالجو الشعري، أو تصبح هي من دعائمه، أما الهجاء وغيره فإنه ليس في هذه الخصوصية، ومن هنا يكون ذكر المسند إليه، وكثرة تردده عملا ليس متيسرًا إلا لحاذق بصير كما قلنا.
ولا يفهم من هذا أن مقام الرثاء، والنسيب يستعان للتلفيق والتزوير، لا. إنهما من هذه الناحية أكثر حساسية من غيرهما؛ لأن أوتار الشجى والطرب لا تحركهما إلا الأنغام الصادقة، وكم من نسيب ثقيل مسترذل، وكم من تباك في الرثاء غث مستبرد.
ومن هذا الضرب في الغزل قول ابن الزيات:
أتعزف أم تقيم على التصابي ... فقد كثرت مناقلة العتاب
إذا ذكر السلو عن التصابي ... نفرت من اسمه نفر الصعاب
وكيف يلام مثلك في التصابي ... وأنت فتى المجانة والشباب
سأعزف إن عزفت عن التصابي ... إذا ما لاح شيب بالغراب
ألم ترني عدلت عن التصابي ... فأغرتني الملامة بالتصابي
وأنا مع ابن رشيق حين يقول في تعليقه عليها "فملأ الدنيا بالتصابي، على التصابي لعنة الله من أجله، فقد برد به الشعر"، وقد ثقل هذا الكلام وصار غاية في البرودة، والمكرر فيه ليس من الأسماء التي قلنا: إنها مما لا يهش لها قاموس الشعر، ومع ذلك كان على ما ترى.
وقد يذكر المسند إليه تفاديا من ذكر الضمير الذي يربط الجملة بالكلام السابق؛ لأن القصد إلى استقلالها لتصير كأنها مثل، وذلك كقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ
(1/190)

وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} 1، انظر إلى قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} ، وقوله: {وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} تجد المسند إليه قد ذكر مع أنه يمكن إقامة الضمير مقامه للغرض الذي قلناه، وهذا الأسلوب يكثر في فواصل الآيات كما يكثر في الجمل المستأنفة سواء كان استئنافها استئنافا بلاغيا كقولك: أحسنت إلى زيد، زيد حقيق بالإحسان، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} 2، أو كان استئنافا نحويا أي بواو الاستئناف مثل: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} 3، وهذه الجمل كما ترى من الممكن أن تقتطع من سياقها، وأن تستقل بإفادة معناها، ولذلك يشيع بعضها شيوع الأمثال، والذي أتاح ذلك هو ذكر المسند إليه، ولو كان المذكور هو الضمير لارتبط بالكلام السابق؛ لأن فيه مرجعه، وهذا الأسلوب يشيع في القرآن جدا كما يوجد في الشعر وغيره، وقد نبه إلى هذا المغزى المفسرون، وفي كتب التفسير من المباحث البلاغية ما لا يوجد في كتب البلاغيين.
قالوا: وقد يذكر المسند إليه رغبة في طول مقام الحديث حين يكون مع من تحب، أو كما قالوا: إرادة بسط الكلام حيث الإصغاء المطلوب، ومنه قوله تعالى حكاية عن سيدنا موسى عليه السلام وقد سأله المولى، وهو بكل شيء علم: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} 4؟ فأجاب: {هِيَ عَصَايَ} 5، ولم يقل عصاي كما يكون في مثله؛ لأنه يريد بسط الحديث، وطول مقام المتكلم في حضرة ذي الجلال؛ لأنه تشريف ما بعده تشريف، ولهذا أخذ يتحدث عن عصاه، ويذكر مالا يقتضيه السؤال استرسالًا منه في سوق
__________
1 الحج: 61، 62.
2 الأحزاب: 1، 2.
3 الأحزاب: 3.
4، 5 طه: 17، 18.
(1/191)

الحديث فقال: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} 1.
وقد سأله سبحانه، وهو بكل شيء عليم؛ لأنه أراد لفته إلى العصا حتى يتبينها، ويعرف أنها ليست إلا عصا يتوكأ عليها، ويهش بها على غنمه، فهي يابسة جامدة حالها كحال كل العصى، فإذا تلقى الأمر بإلقائها، وألقاها ورآها حية تسعى، كان ذلك أبين في بطلان قانونها، وإحالتها عن وصفها بخلق الحياة والحركة فيها، وهذه هي آية الألوهية ومعجزة النبوة، وينبغي أن نذكر بقولهم "البلاغة والإيجاز"، وبما في طبيعة هذه اللغة من ميل إلى التركيز في الصياغة، والتعبير لتؤكد مرة ثانية أنه إذا لم يكن هناك داع قوي يدعو إلى الذكر، فإنه يكون خطرا على الأسلوب، وبلاغته سواء في ذلك الشعر وغيره، فهو مسلك دقيق يوشك أن يكون غير سبيل البلاغة، ولهذا لم يسلم من عثراته إلا حصيف مهدي بفطرة قوية، وحس يقظ.
__________
1 طه: 18.
(1/192)

تعريف المسند إليه:
حين عرض البلاغيون لبيان الأسرار البلاغية، في طرق التعريف سلك كثير من المباحث النحوية طريقة إلى هذا الباب، ونحاول في هذه الدراسة أن نتجنب هذه المباحث مهتمين بما يتصل بالناحية البلاغية، التي يمكن أن يلحظها دارس الأساليب، وكنا على أن ندع من بين ذلك ما ذكره البلاغيون في التعريف بالإضمار لولا ما كان منهم من لفتة طيبة ذات أثر في تعميق فهمنا لبلاغة الكلام أحببنا أن ننبه إليها.
قال البلاغيون: الأصل في الضمير الخطاب أن يكون لمعين، تقول: إن زرتني أكرمتك، تريد مخاطبا معينا، وقد يراد بالخطاب العموم، فيكون موجها
(1/192)

إلى كل من يتأتي منه الخطاب، وهذا يفيد الأسلوب مزية من حيث يشعر هذا العموم بأن الأمر جدير بأن يكون ذائعا، وأنه لا يختص بمخاطب دون مخاطب، تقول في حال التشهير بالعيب واللؤم: فلان لئيم، إن أكرمته أهانك، وإن أحسنت إليه أساء إليك، لا تريد مخاطبا معينا بل تريد أن أكرمه أي كرم، أو أحسن إلهي أي محسن قابل ذلك بالإساءة، وهذا كما ترى أدخل في باب التشهير والعيب، ووصفه بلؤم النفس وفساد الطبع، قال الخطيب: "أي أن سوء معاملته غير مختصة بواحد دون واحد"، وقد تجد هذا الأسلوب واردا في سياق الثناء والتنويه، ومن أحسن ما جاء في ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بشر المشائين إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة"، فإن المراد بالأمر هنا ليس مخاطبا معينا، وإنما كل من يتأتي منه التبشير، وكأن النبي الكريم يشير إلى أن كل من يصح منه التبشير يجب أن يكون مبشرًا لهؤلاء المشائين إلى المساجد بالنور التام، وفي ذلك نهاية التكريم، وغاية الرضا.
وقد ذكر البلاغيون من شواهد هذه الخصوصية، أعني عموم الخطاب، قول تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} 1، المراد بالخطاب هنا كل من تأتي منه الرؤية، وذلك للإشارة إلى أن هذه الصورة المتناهية في الفظاعة تناهت أيضا في الظهور، فلا تختص بها رؤية راء بل كل من تتأتى منه الرؤية داخل في هذا الخطاب، وفيه إشارة أيضا إلى الرغبة في تعميق هذه الصورة الفظيعة المنكرة في وجدان كل راء لتكون زجرا بليغا للناس جميعا.. وعليك أن تجتهد في أن تقيم في نفسك هذا الموقف كما تصفه الآية.. المجرمون في كل جيل من أجيال البشرية مجتمعون جميعا، وقد وقفوا ناكسي رءوسهم خضوعا، وذلا في حضرة ذي الجبروت الذي عاشوا يتبجحون بإنكاره.
والمهم في أنواع التعريف، التعريف بالصلة؛ لأنه تكثر إشاراته.
__________
1 السجدة: 12.
(1/193)

والصلة كما يقرر النحاة يجب أن تكون معلومة للمخاطب؛ لأنها وسيلة تعريف فيلزم أن تكون معروفة كقولك: الذي كنا عندنا أمس رجل عالم، فإنه يلزم أن يكون المخاطب عالما بهذه الصلة، أو بقصتها كما قالوا، وتفيد الصلة معاني منها:
الإشارة إلى زيادة تقرير الغرض المسوق له الكلام كما في قوله تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ} 1، والغرض المسوق له الكلام هو تقرير نزاهة سيدنا يوسف عليه السلام، وذكر امرأة العزيز بهذه الصلة المشيرة إلى كونه في بيتها مما يقرر هذا الغرض، فقد راودته امرأة هو في بيتها، وهي متمكنة منه في كل أوقاته من ليل ونهار، وتلح وتراود ولكنه عليه السلام استعصم، وهذه غاية النزاهة، عن الفحشاء، ولو قال: وراودته زليخا أو امرأة العزيز لم تجد شيئا من ذلك، ثم إن في ذكر الصلة هنا أيضا استهجان التصريح بالاسم المنسوب إليه هذا الفعل.
ومما هو بين في العدول إلى الصلة استهجانا لذكر ما دلت عليه الصلة قول حسان يخاطب أم المؤمنين رضي الله عنها، ويبرئ نفسه مما نسب إليه في حديث الإفك:
فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتموا ... فلا رفعت سوطي إلى أناملي
وقوله: "من الطويل"
فإن الذي قد قيل ليس بلائط ... ولكنه قول امرئ بي ماحل
وقوله: ليس بلائط، ليس بلازم ولا لاحق، والماحل: الذي يسعى بالنميمة، أراد حسان ألا يذكر اتهام عائشة في الإفك استهجانا لهذا القول واستبعادا له، فقال: الذي قد زعمتموا، كما قال في البيت الثاني: الذي قد قيل: ثم إن الصلة في التعبيرين مكنته من أن يشير في كل واحدة إشارة لطيفة ففي الأولى، قال: زعمتموا، فأشار إلى أنه زعم، وأنه ليس من
__________
1 يوسف: 23.
(1/194)

وادي الصدق واليقين، قال في الثانية -قيل- بالبناء لملجهول، فأشار إلى أنه قول ساقط غير منسوب إلى عاقل يستحق أن يذكر.
ومما يكون التعريف فيه بالصلة قصدا إلى معاني فيها ذات أهمية في سياق الكلام قوله تعالى: {وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} 1، فإن الذي يقدر على أن يتوفى الأنفس جديبر بأن يعبد.
ومنه قول كعب بن زهير ما جاء عائذا برسول الله صلى الله عليه وسلم "من الكامل"
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة ... القرآن فيه مواعيظ وتفصيل
قال: هداك الذي أعطاك.... ولم يقل هداك الله أو هداك ربك؛ لأن في الصلة حديثا عن عطاء الله لمحمد صلى الله عليه وسلم، ففيه تكريم للنبي، وتنويه بمقامه عند الله وفي ذلك إقرار مؤكد بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وإعلام بإسلام كعب ثم إن القرآن فيه مواعيظ وهداية، وكأنه يذكره بما يدعوه صلى الله عليه وسلم إلى العفو عنه من آيات الله الداعية إلى الصفح، وقبول الإسلام ممن جاء عائذا.
كل ذلك كان من الصلة كما ترى، ومما يتصل بهذا قول أبي نواس في الخمر: "من الكامل"
لا تخدعن عن التي جعلت ... سقم الصحيح، وصحة السقم
لم يقل: لا تخدعن عن الخمر؛ لأن التعريف بالموصولية هنا مكنه من ذكر صفات يحرص على إبرازها في الخمر، وهي ما في أفاعيلها مما يشبه التناقض، فالصحيح حين يشربها تجري في مفاصله، فيصيبه فتور واسترخاء، فيصير كأنه سقيم، فإذا شربها السقيم صح بما تبعثه فيه من نشوة وصبوة، ولم يكن ليتاح للشاعر أن يذكر هذه الأفعال للخمر لو أنه سلك طريقا غير طريق الموصول.
__________
1 يونس: 104.
(1/195)

ومثله قول قيس: "من الطويل"
خليلي لا والله لا أملك الذي ... قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليا
قضاها لغيري، وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا
الذي قضاه الله في ليلى، وفيه هو حرامه منها مع ولوعه بحبها، ولكن الشاعر لم يقل: لا أملك تعلقي بليلى مع يأسي منها، وإنما قال ما ترى، فبين من خلال الصلة أن الأمر قضاء الله، وما دام كذلك فلا عليه إلا أن يستجيب لهذا القضاء، فيظل هائما بحبها يائسا منها، وواضح أننا نذكر الصلة هنا مع اختلاف مواقعها؛ لأن الذي يعنينا هو أن نبين دلالة هذه الخصوصية سواء كانت في المسند إليه أو غيره؛ لأنها لم ترد في باب المسند، ولا في المتعلقات.
قال البلاغيون: "وقد يكون التعريف بالصلة لتنبيه المخاطب على خطئه كقول الشاعر:"من الكامل"
إن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا
فقوله: الذين ترونهم إخوانكم، يشير إلى أنكم مخدوعون في هذا الحسبان حيث تظنون أنهم إخوانكم مع أن صدورهم تتوقد حقدا عليكم، ولو قال الشاعر: أن القوم الفلاني يشفي غليل صدورهم، لذهب هذا المعنى.
وقد يكون التعريف بالصلة مشيرا إلى وجه بناء الخبر، وذلك كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} 1، فقوله: {الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} يشير إلى أن الخبر من جنس النكال والعذاب، وهذا واضح، ومثله قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} 2، ومثله قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا
__________
1 غافر: 60.
2 الأنبياء: 101.
(1/196)

رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ} 1، وقوله: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} 2، وقوله: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} 3.
ومثله كثير جدا في كتاب الله حيث نجد المبتدأ يحمل من المعاني ما يهيئ النفس إلى الخبر حتى لتكاد تعرفه قبل النطق به، وهذا لعمرك فن من الكلام جزل دقيق لا يهتدي إليه إلا فطن محدث، ومنه في الشعر قول الفرزدق: "من الكامل"
إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول
والبيت من قصيدة يفتخر بها الفرزدق على جرير، وقوله: الذي سمك السماء يشير إلى الخبر من نوع الرفعة، والسمو وذلك واضح.
ويفهم من كلام السكاكي أن الصلة قد تكون مشيرة إلى وجه بناء الخبر كما قلنا، وقد تكون هذه الإشارة موحية بتحقيق الخبر حين تكون الصلة كالسبب له أو الدليل عليه.
وعبارته: "وربما جعل ذريعة إلى تحقيق الخبر"، ومثال ذلك قول عبدة بن الطبيب في مفضليته: "من البسيط"
هل حبل خولة بعد الهجر موصول ... أم أنت عنها بعيد الدار مشغول؟
قال:
إن التي ضربت بيتا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول
وكوفة الجند: مدينة بالكوفة، وغالت: أكلت، قوله التي ضربت ...
فيه بيان لهجرتها عن دياره، وأنها ضربت بيتها هناك بعيدا عنه، وهذا يومئ عند السكاكي إلى زوال المحبة، ويبين سببها، أو يقيم على ذلك
__________
1 فصلت: 30.
2 الأعراف: 92.
3 النور: 11.
(1/197)

الدليل، وتعجبني هنا لفتة الخطيب، ويبدو أنه كان أرق نفسا، وأسلس طبعا من السكاكي، قال الخطيب: والمسند إليه في البيت ليس فيه إيماء إلى وجه بناء الخبر عليه، بل لا يبعد أن يكون فيه إيماء إلى بناء نقيضه عليه، وقد أدرك الخطيب في هذا معنى دقيقا في الغزل هو أن الحرمان من الصاحبة أزكى لجذوة الحب إن كات صادقة، وهذا ما عليه أهل الرأي في الحس والشعور، وقد عبر عنه الشعراء من ذوي الطبع الصادق، قال ابن الدمينة: "من الطويل"
وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وأن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد
ولا يزال الشعراء يعبرون عن هذا المعنى، قال الشاعر القروي الدقيق الحس في قصيدته الحانية: "من الكامل"
لمياء هات العود نبك صبانا ... راح الخريف بوردنا وندانا
لا، لا، أنا وحدي الذي ثكل الصبا ... حاشا لحسنك أن أقول كلانا
يقول فيها:
لكم التمست البرء من داء الهوى ... بالبعد عنك فزدته أزمانا
أتكلف السلوان منك تكلفا ... يدني العذاب ويبعد السلوانا
ويبدو أن عبدة لم يكن صادق الحب حتى يكون شاهدًا في هذا الباب، وقد قال هذا البيت بعد مضي الشباب، وفترة الصبوة، ولم يكن في نفسه الباعث القوي نحو التي ضربت بيتًا مهاجرة، وقد قال بعد البيت المذكور:
فعد عنها ولا تشغلك عن عمل ... إن الصبابة بعد الشيب تضليل
وقد تفيد الصلة معنى التفخيم والتهويل لما فيها من إبهام وغموض، وذلك كقوله تعالى: {فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} 1، فالصلة تفيد
__________
1 طه: 78.
(1/198)

أن الذي غشيهم أمر مبهم أمره في الهول والشدة، ومنه قوله: {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} 1، أي: تغشاها أمور عظيمة مبهم أمرها في الجلال والكثرة، قال الزمخشري: وقد علم بهذه العبارة أن يغاشها من الخلائق الدالة على عظمة الله، وجلاله أشياء لا يكتنهها النعت، ولا يحيط بها الوصف.
ومنه قول أبي نواس: "من الكامل"
ولقد نهزت مع الغواة، بدلوهم ... وأسمت سرح اللحظ حيث أساموا
وفعلت ما فعل امرؤ بشبابه ... فإذا عصارة كل ذاك أثام
فقوله: ما فعل امرؤ بشبابه، إشارة إلى أن ما بلغه في اللهو والعبث، والمجون وشيء بالغ في الكثرة، والتنوع مبهم أمره في ذلك.
ومثله قول كثير: "من الطويل"
تجافيت عني حين لا لي حيلة ... وخلفت ما خلفت بين الجوانح
فقوله: ما خلفت يشير إلى أنها خلفت ما لا تحيط به عبارة.
وقد أحس البلاغيون بجلال هذه الأساليب الملفعة بالظلال والضباب، والتي لا ينكشف لنا المراد منها انكشافا ضاحيا، ولا يحجب عنها حجبا قاتما، وإنما تتراءى لنا فيها المعاني هاربة في غيم شفيف، أحس البلاغيون بجلال هذه الأساليب التي لها في النفوس سحر وخلابة، ففسروها تفسيرًا نفسيا بديعا.
قال العلوي: "إن النفس إذا وقعت على كلام غير تام بالمقصود منه تشوقت إلى كماله، فلو وقعت على تمام المقصود منه لم يبق لها هناك تشوق أصلا؛ لأن تحصيل الحاصل محال، وإن لم تقف على شيء منه، فلا شوق لها هناك، فأما إذا عرفته من بعض الوجوه دون بعض، فإن القدر المعلوم يحدث شوقا إلى ما ليس بمعلوم".
__________
1 النجم: 16.
(1/199)

ومما هو ظاهر في صور الكلام أن طريق التعريف بالموصولية أشيع هذه الطرق، سواء في ذك كلام الله سبحانه وكلام الناس، وذلك؛ لأنه مفرد متضمن جملة، ولذلك يتسع لكثير من أحوال المعارف، تقول مكان: جاءني
زيدج، جاءني الذي تحب لقاءه، أو تكره لقاءه، أو الذي يذكرنا بكذا، وأو يسمعنا كذا إلى آخر الصفات التي يمكن أن تدل على زيد وتعرف به، وذلك بخلاف الضمير، والعلمية والكنى، فإنها محددة جامدة في دلالة واحدة، وهذا
واضح.
(1/200)

اسم الإشارة:
أما تعريفه بالإشارة فقد قالوا: إنه يكون لتمييزه أكمل تمييز، أي أن اسم الإشارة بطبيعة دلالته يحدد المراد منه تحدديا ظاهرًا ويميزه تمييزا كاشفا، وهذا التحديد قد يكون مقصدًا مهما للمتكلم؛ لأنه حين يكون معنيا بالحكم على المسند إليه بخبر ما، فإن تمييز المسند إليه تمييزا واضحا يمنح الخبر مزيدا من القوة والتقرير، انظر إلى قول ابن الرومي في مدح أبي الصقر الشيباني، وهو من شواهد هذا المعنى: "من البسيط"
هذا أبو الصقر فردًا في محاسنه ... من نسل شيبان بين الضال والسلم
تجد الشاعر لما أراد وصف الممدوح بتفرده في المحاسن ذكره باسم الإشارة ليميزه، ويحدده ويقضي له بهذا الوصف بعد هذا التمييز الواضح.
وأبين من ذلك قوله تعالى في شأن الإفك: {لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} 1، قال: هذا ولم يقل هو ليبرزه ويحدده، فيقع الحكم عليه بأنه إفك مبين بعد هذا التمييز والتجسيد، وفي ذلك قدر كبير من قوة الحكم، وصدق اليقين من أنه إفك مبين، ويتكرر هذا الأسلوب بلهجته اللائمة، ويأتي قوله: {وَلَوْلا إِذْ
__________
1 النور: 12.
(1/200)

سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} 1، فتأتي الإشارة قي المرة الثانية لتجسد الحديث الدائر، ويتكرر الإخبار عنه بأنه بهتان عظيم، وقوله: {مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا} ، تجد اسم الإشارة فيه لا يغني غناءه أن يقول: ما يكون لنا أن نتكلم به؛ لأن في الإشارة معنى أنه لا ينبغي لنا أن نتكلم به، وإن أذاعه المرجفون، وأصبح حديثا ظاهر معلنا؛ لأن قوة إشاعته لا تغير أنه باطل بين.
وقد أحسن الفرزدق استعمال اسم الإشارة في هذا الغرض، أعني في تمييز المشار إليه، وتحديده ليصفه بما شاء من الصفات، وذلك فيما ترويه كتب الأدب من أن رجلا من أهل الشام سأل هشاما بن عبد الملك، عن علي بن الحسين من هو؟، وكان في هيئة ونضارة، فتجاهله هشام خشية أن يفتتن به أهل الشام، فقال الفرزدق: "من البسيط"
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
يغضي حياء ويغضي من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم
أين القبائل ليست في رقابهم ... لأولية هذا أو له نعم
من يعرف الله يعرف أولية ذا ... فالدين من بيت هذا ناله الأمم
تكرر اسم الإشارة في هذه الأبيات كما ترى، والأبيات محتفظة بقوتها وتأثيرها، والتكرار أسلوب حذر كما قدمنا لا يسلم من عثراته إلا صادق الموهبة، واسم الإشارة، كما يقول علي بن عبد العزيز، ضعيف في صنعة
__________
1 النور: 16.
(1/201)

الشعر أي أنه ليس من الكلمات الشعرية لطبيعة دلالته المحددة، والتي لا تنقاد بسهولة للتلوين والتظليل، أقول: إن هذه الأبيات مع هذا، وذاك لها قوتها وتأثيرها، واسم الإشارة في كل موقع من مواقعه يميز المشار إليه أكمل تمييز لتضاف إليه هذه الأوصاف العظام، ويزيد الإشارة هنا قوة أن هشامًا يتجاهله، فكان الشاعر يعارض هذا التجاهل بهذا الفيض من الإشارات التي تؤكد ذيوع مناقبه، ومعالم مآثره، وتأمل قوله: يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم"، فإنه من القول النادر، وقد بلغ فيه الفرزدق غاية ما يبلغه شاعر بكلمة، فركن الخطيم يكاد يقبض على هذه اليد الكريمة شوقا إليه، وتقديرًا لعوارفها فكيف تنكر أو تجهل؟
وتمييز المسند إليه باسم الإشارة ليتقرر الحكم له، من الأساليب الشائعة في الكتاب العزيز، ونعتقد أن الاستشهاد على ذلك تكلف لقوة ظهوره، ولكني أذكر صورة واحدة لتهدي إلى غيرها، أقرأ قول تعالى: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} 1.
تجد اسم الإشارة يميز في الأولى الذين ثقلت موازينهم ليتقرر الحكم عليهم بأنهم مفلحون، وفي الثانية يميز الذين خفت موازينهم ليتقرر الحكم عليهم بأنهم خسروا أنفسهم، وقد ذكرنا مثل هذا في ذكر المسند إليه، كما أن هذه الآية تصلح شاهدًا لذكر المسند إليه، وقد قلنا هناك: إن المسند إليه كان من الممكن أن يدل الكلام عليه لو حذف، ولكنه ذكر لزيادة التقرير والإيضاح، والذي نقوله في قيمة تعريفه باسم الإشارة لا يخرج عن هذا أي أن ذكره باسم الإشارة ليتقرر الحكم عليه لما في الإشارة من التمييز والوضوح، فالتقرير هناك كان سببه الذكر، والتقرير هنا سببه خصوصية في المذكور، فمثل هذا الأسلوب، ومنه أبيات الفرزدق يبحث فيه عن غرض ذكر المسند إليه،
__________
1 المؤمنون: 102- 103.
(1/202)

وكذلك عن غرض تعريفه بالإشارة، ويبقى بعد ذلك بحث عن سر استعمال نوع معين من الإشارة، كالإشارة للقريب في أبيات الفرزدق، وقد يكون هذا السر هو الإشارة للبعيد في الآية الأولى، فواضح أنه السمو فلاحهم، وبعد منازلهم، والإشارة للبعيد في الآية الثانية تفيد بعدهم عن الرشد، ومنازل الفائزين، وهذا يجعلنا نقف قليلًا لنقول: إن معنى البعد والقرب الكامن في أسماء الإشارة معنى طيع خاضع لسياق الكلام ما دام الذي يصوغ الأسلوب من ذوي البصر في رياضة التراكيب، نجد البعد يعطي ألوانا متعددة، وكذلك القرب كما رأيت في الآية والشعر، وتجد مثله كثيرًا، فالفرزدق، حينما يخاطب جريرًا بقوله: "من الطويل"
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
نجد البعد في المسند إليه مشيرًا إلى بعد منزلتهم، من أن يتطاول مثل جرير، فيأتي بمثلهم، وقد رأيت دلالة البعد في الآيتين السابقتين، كما رأيت القرب في أبيات الفرزدق مشيرا إلى مخالطته القلوب، وترى القرب في قول الذهلول بن كعب العنبري أو غيره: وهو من شواهد هذا الباب: "من الطويل"
تقول ودقت نحرهنا بيمينها ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس
ففي الإشارة للقريب معنى الاستخفاف، ودنو المنزلة، وأنه لصيق بالتراب متقاعس يطحن بالرحى كما يفعل من لا بلاء له، ولهذا رد عليها الشاعر مشيرًا إلى منزلته في غير هذا الباب: قال:
فقلت لها لا تعجبي وتبيني ... بلائي إذا التفت علي الفوارس
فأشار إلى منزلته في الموقف الصعب.
وضح لنا إذن أن القرب، والبعد يلقيان ظلالًا مختلفة تحددها سياقات الكلام
(1/203)

ومسالك معانيه، وهذه وتلك حين يجريها بصير بمواقع الكلمة تراها تهز الكلمات هزا يبعث مضمرات دلالاتها، وإدراك ذلك في تحليل الأسلوب عمل دقيق لا يهتدي إليه من يهمل نفسه.
قلت: إن اسم الإشارة كما يدل لفظه يعني غاية الوضوح والتمييز، وقد يكون ذلك في الأشياء المحسوسة كما في الأمثلة السابقة.
وقد يعظم المعنى في نفس المتكلم حتى يخيل إليه أنه صار شيئًا محسا يشار إليه، فيدل عليه باسم الإشارة، وفي هذه المعاني تظهر قيمة أخرى لهذه الخصوصية، فتعطي عطاء جديدًا يثري المعنى، ويخصب التعبير، انظر إلى قول ابن الدمينة يخاطب صاحبته: "من الطويل"
أبيني أفي يمنى يديك جعلتني ... فأفرح أم صيرتني في شمالك
أبيت كأني بين شقين من عصا ... حذار الردى أو خيفة من زيالك
تعاللت كي أشجى وما بك علة ... تريدين قتلي قد ظفرت بذلك
يريد أن يعرف في البيت الأول منزلته عند صاحبته، والعرب تقول في الشيء إذا كان موضع العناية والاهتمام: هو في يمينه أو تلقاه بيمينه، أو أخذه بيمينه، وإذا كان بالضد من ذلك قالوا: صيره في شماله أي أنه لم يحفل به، ولم يجعله موضع العناية، ويصور الشاعر في البيت الثاني قلقه الحذر المشغوف خوفا من فراقها, وشاهدنا في البيت الثالث في قوله: قد ظفرت بذلك، فقد خيل باسم الإشارة أن قتله صار حقيقة مجسدة يشار إليها كما يشار إلى المحسوسات البينة، وفي البعد إشارة إلى أن قتله مما لم يتيسر لمن يبغيه، وأنه أمر بعيد ومع هذا فقد ظفرت به، ولو أن الشاعر قال: قد ظفرت به لما كان التعبير على هذا المستوى من الحسن والقوة؛ لأنه تفوته الإشارة إلى ادعاء ظهور قتله، وأنه مما لم يظفر به من يبتغيه.
قلت: إن إشارة البعد إلى معنى أن قتله لم يتيسر لمن يبتغيه، هو الذي جعل
(1/204)

لقوله: قد ظفرت بذلك معنى، وقد وقف عبد القاهر عند الاستئناف في هذه الجملة، والإشارة فيها وذكر أنه موضع الشاهد، والصنعة والمزية.
وهذا الاستعمال الذي يسجد المعنويات بواسطة هذه الخصوصية كثير جدًّا في الشعر والكلام الجيد، وسوف نشير إلى بعض صوره في القرآن، وهي أيضا كثيرًا جدًّا.
وخذ منها قوله تعالى على لسان المنكرين للبعث: {قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} 1.
أشاروا إلى البعث وهو أمر معنوي كما ترى بقولهم: لقد وعدنا نحن، وآباؤنها هذا من قبل، فأفادوا بذلك أن القول بالبعث مما هو شائع في أجيالنا شيوعا كأنه به محدد منظور، ومع ذلك فنحن نرفضه كما رفضه آباؤنا، فكأنهم يوهمون
بذلك أن رفضهم كان بعد بحثه والنظر فيه، وتأمل قولهم بعد ذلك: {إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} ، تجد أنهم ميزوه وأبرزوه مرة ثانية في صورة محسوسة ليتقرر
الحكم عليه في زعمهم أنه أساطير الأولين، ثم إن هذا الحكم بأنه أساطير
الأولين كان كأنه نتيجة بحث ونظر.
وخذ قوله تعالى: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} 2.
والإشارة تفيد أن تقليب الليل، والنهار عبرة واضحة شاخصة، والبعد يفيد أنها مع وضوحها لا تهتدي بها، ولا تعرج إليها إلا النفوس المهيأة لوعي آيات الله في كونه، الإشارة إذن تضع آيات الله الكبرى في المنظور الحسي، ثم تستحث وعي الإنسان ليستشرفها، وهذا لا يخطئك في كثير من الآيات
__________
1 المؤمنون: 82-83.
2 النور: 44.
(1/205)

الكريمة، وراجع ما ذكرناه في آية الإفك تجد الإشارة أبرزت الأمور المعنوية لقوة شيوعها في صورة محسوسة.
ومن أشهر الأغراض التي يذكرها البلاغيون لتعريف المسند إليه باسم الإشارة، هو أن تذكر أوصافًا عديدة للشيء، ثم تذكره باسم الإشارة جاعلا ما يترتب على تلك الأوصاف مسندا إلى هذا الاسم، واسم الإشارة هذا يفيد أن ما يرد بعده، فالمشار إليه جدير به، اقرأ قوله تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} 1؛ تجد أن الآية الكريمة ذكرت هؤلاء القوم، وعددت بعض أوصافهم التي تجعلهم أهلا للخير الوارد بعد اسم الإشارة، فهم ينقضون عهد الله، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض، ومن هذه أوصافه جدير بأن يكون من الخاسرين.
ومثلها قوله تعالى في أوصاف المتقين: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} 2، وصفهم بالإيمان بالغيب، وهذه أعلى مراتب الإيمان، ثم وصفهم بأنهم يحفظون حق الله فيقيمون الصلاة، كما يحفظون حقوق الفقراء في أموالهم فيؤتون الزكاة، ثم وصفهم بأصالة الخير في معادنهم، فهم يؤمنون بما أنزل على الأنبياء، وهكذا رشحتهم هذه الأوصاف،
وجعلتهم أهلا للفلاح الواقع بعد اسم الإشارة.
ومن شواهد البلاغيين المشهورة في هذه المعنى قول حاتم الطائي:
ولله صعلوك يساور همه ... ويمضي على الأحداث والدهر مقدما
فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ... ولا شبعة إن نالها عد مغنما
__________
1 البقرة: 27.
2 البقرة: 2-5.
(1/206)

إذا ما رأى يوما مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صمما
يرى رمحه أو نبله ومجنه ... وذا شطب غضب الضريبة مخدما
وأحناء سرج قاتر ولجامه ... عتاد أخي هيجا وطرفا مسوما
فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمما
فقد وصفت نفسه بأنه أخو هم، وأنه يصارع الأحداث الطاحنة، ويغالب الدهر العنيد القاهر، فلا الأحداث مع عتوها توقف مضيه الجسور، ولا الدهر يجبروته يوهن عزمه الحديد، ثم يذكر أنه فتى طلبات أي صاحب حاجات، وأهداف لا تنقضي عن الشبع، ولا تعبأ بالجوع إنما يكون الشبع مغنما، والجوع ترحة عند ذوي الهمم الدانية، الشاعر يسمو بحاجاته فوق مطالب العيش، ثم يصف نفسه في البيت الثالث بأنه لا يقصد المكرمة المتواضعة إذا لاحت في الأفق كبرى المكارم، وإنما يتيمم كبراهن، وتلك عزمة الروح السامية المستشعرة معنى التعالي والسيادة، وقوله: "تيمم كبراهن ثمت صمما"، أي حدد هدفه، ثم جمع عزمته في تصميم قاطع ساعيا نحو أم الفضائل، وفي البيتين الرابع والخامس يذكر سلاحه، فيعد الرمح والنبل والمجن، والسيف القاطع، والخطوط في متنه، وسرج فرسه المتمكن من ظهره، ثم يضيف إلى ذلك طرفه المسوم، ثم يقول: فذلك أن يهلك فحسنى ثناؤه ... أي صاحب هذه الصفات جدير بأن يكون ذا ذكر حسن إذا مات، وأن يكون منظورًا إليه بالثناء، والهمة إذا عاش.
قال الخطيب معقبا على الأبيات:
"فعد له كما ترى خصالا فاضلة من المضاء على الأحداث مقدما، والصبر على ألم الجوع والأنفة من عد الشبع مغنما، وتيمم كبرى المكرمات، والتأهب للحرب بأدواتها، ثم عقب ذلك بقوله: فذلك، فأفاد أنه جدير باتصافه بما ذكر بعده".
ومن المزايا البارزة لأسماء الإشارة أنها تعين المتكلم على التركيز، والإيجاز
(1/207)

وتفادي التكرار الذي يترهل به الأساليب، ويتثاقل به وثوبها إلى القلوب، فقد تجد الباحث يعرض المسألة بتفاصيلها، ثم يحتاج إلى إضافة قيد، أو ما يشبهه مما يعوزه إلى الإعادة، وحينئذ تسعفه أسماء الإشارة، فيسلك سبيلا غير سبيل التكرار، ولست في حاجة إلى أن أذكر لك شاهدًا على ذلك من الكتب، وانظر إلى اسم الإشارة في قولي على ذلك تجد الشاهد.
ثم إن هذه الطريقة تكثر في كتاب الله، وقد تجد اسم الإشارة في بعض الآيات يلخص، ويطوي صفحة كاملة من الأوامر، والنواهي بل أكثر من صفحة، اقرأ قوله تعالى في سورة الإسراء: {لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا} 1، واستمر في القراءة حتى آية رقم 39، تجد فيها: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ} 2، واسم الإشارة فيها يعود على المذكور، ويطوي هذه الأوامر، النواهي الواقعة بين الآتيتين وهي كثيرة جدًّا، ويهيئ الكلام لوصف تلك الآداب بأنها من الحكمة، في أسلوب موجز كما ترى، ولولا اسم الإشارة، وما تميز به من شمول الدلالة لما أتيح للأسلوب هذا الإيجاز، والتركيز.
وانظر إلى قوله تعالى:
{بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا، إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا، وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا، لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا، قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا} 3.
وصف ما أعده للكافرين وصفا بلغ الغاية في جمال الإشارة والوحي بالمراد، قال في جهنم: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا}
__________
1 الإسراء: 22.
2 الإسراء: 39.
3 الفرقان: 11-15.
(1/208)

فطوى وراء هذه الصورة الكثير من المعاني، ثم قال في الأخرى: إنهم يلقون فيها مكان ضيقا مقرنين، فعرض العذاب والمعذبين في أهوال ما ترى العين، ثم جاء قوله: قل أذلك خير فأحضر الصورة كلها مرة ثانية، وجسدها لتكون في مقابلة الصورة الثانية، صورة الخلد الذي وعده المتقون، اسم الإشارة هنا أعان على الإعادة في كلمة موجزة أبرزت هذه الأحوال، وكأنها أحضرتها من غيب المستقبل البعيد.
وأنبه مرة ثانية إلى أن اسم الإشارة قد يفيد أكثر من معنى في السياق الواحد، وقد يصلح ما قدمناه شاهدًا لأمر غير الذي سقناه فيه، خذ لذلك قوله: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ} ، تجد اسم الإشارة حدد المسند إليه، وميزه ليوقع الحكم عليه بعد توضيحه وإبرازه، وفي ذلك قدر من قوة الحكم، والعناية به لما قلنا وتجد في البعد معنى الرفعة، وأنها آداب سامية تتألق في معارج الحكمة، وتجد الإشارة صورت المعني في صورة محسوسة.
وخذ قوله تعالى: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ، وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ، إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} 1، تجد اسم الإشارة يتردد فيه ثلاث مرات، وهو في كل واحدة منها يفيد تمييز المسند إليه أكمل تمييز لمزيد العناية بالحكم الواقع بعده، ثم هو في كل واحدة منها يفيد أن المذكور لاتصافه بالأوصاف السابقة جدير بما يقع بعده، والإضراب في قوله: {بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ} ، ناظر إلى ما بعده همزة الاستفهام في قوله:
__________
1 النور: 48-52.
(1/209)

{أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} ، وهذا واضح، وكذلك تجد معنى البعد في الأولى يومئ بما لا تجده في الأخيرين، فقد ذكرت الآيات الأولى الملامح العامة للنفسية الجاحدة، وأبرزها رفض أن يكون الحكم في الأرض لله ورسوله، ثم هم يتناقضون مع هذا الرفض، ويأتون مذعنين إذا كان لهم في ذلك أرب، فهم يقبلون حكم الله عند المنفعة الذاتية فقط، والأصل عندهم هو رفضها، وهذا محور المعنى في الآية الأولى، ومن هذا حاله فهو جدير بأن يحكم عليه بأنه ظالم، والبعد يومئ إلى بعده عن ساحة الحق والعدل، والآية الثانية تقرر الصفة البارزة في الفئة المؤمنة، وهي نقيض الصفة البارزة في الفئة الجاحدة، فإذا كان هناك رفض أن يكون الحكم لله، فالملمح البارز هنا ليس هو تقرير حكومة الله فحسب، وإنما هو الانقياد الطائع لها، فهم لهذا جديرون بوصف الفلاح؛ لأنهم أفلحوا في الانتفاع بوجودهم المملوك لله، وأصابوا في تحديد موقف المخلوق من الخالق وهو السمع والطاعة، واسم الإشارة يومئ إلى سمو إدراكهم، ورفع منزلتهم عند الله، وهكذا يقال في الثالث.
(1/210)

التعريف:
- التعريف باللام:
أما أغراض التعريف باللام، فقد قالوا: إنها تكون للإشارة إلى معهود بينك وبين مخاطبك، ومنه قول تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} 1، أي: ليس الذكر الذي طلبته امرأة عمران كالأنثى التي وهبت لها، وكانت نذرت ما في بطنها لخدمة بيت المقدس، ولا يكون خادمة إلا ذكرًا، فلما وضعتها أنثى قالت على سبيل التحسر: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} 2، ثم جاء على سبيل الاعتراض قوله: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} ، وقد تكون اللام مفيدة معنى الجنس والحقيقة كقولك: الرجل خير من المرأة، أي جنس الرجل خير من جنس المرأة، ومنه قول أبي العلاء: "من البسيط"
__________
1، 2، آل عمران: 36.
(1/210)

والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر
أراد جنس الخليل.
وقد ترد اللام في الكلام الفصيح وهي تحتمل المعنيين، مثال ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ} 1، فهذه اللام يصح أن تكون لام العهد أي: آمنوا كما آمن رسول الله ومن معه، ويصح أن تكون لام الجنس أي كما آمن جنس الناس، والجنسية هنا يتولد منها معنى لطيف؛ لأنها تشير إلى أنهم هم الناس الكاملون في الإنسانية، فالذين آمنوا هم جنس الناس، ومعدن الإنسانية وما عداهم، فليس منها في شيء كما أشار الزمخشري، وسوف نرى مزيدا من معاني اللام في مواضع أخرى إن شاء الله.
__________
1 البقرة: 13.
(1/211)

التعريف بالإضافة:
قالوا: إن التعريف بالإضافة يكون؛ لأنه ليس للمتكلم طريق إلى إحضاره في ذهن السامع أخصر منه، أي: يقصد إليه رغبة في الإيجاز كقول جعفر الحارثي، وكان مسجونا بمكة فزارته صاحبته مع ركب من قومها، فلما رحلت قال: "من الطويل"
هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق
وأراد بقوله: "هواي"، الذي أهوى، وأطلق الهوى على المهوي مجازًا، قالوا: وحسن هذا الاختصار؛ لأن الشاعر ضائق وسجين، وهذا أخصر طريق يؤدي به المعنى، وقد تكون الإضافة -كا قالوا- مغنية عن تفصيل يتعذر، مثل قوله: "من الطويل".
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان أشبل
__________
1 البقرة: 13.
(1/211)

أراد ببني مطر قومه، وتفصيل ذكرهم أمر متعذر، والغيل الشجر المجمع، وخفان مأسدة قرب الكوفة، والأشبل، أولاد الأسود، وذكر الخطيب قول الحارث الجرمي: "من الكامل".
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
مثالًا للتعريف بالإضافة الذي أغنى عن تفصيل مرجوح أي قال: قومي ولم يذكر أسماءهم؛ لأنه لو فعل ذلك لأوغر صدورهم عليه، وعندنا أن هذه الإضافة وراءها معنى أكبر من هذا؛ لأنها ترشد إلى بشاعة جريمتهم، وترمز إلى ما في قلبه من الأسى، فإن الذين قتلوا أخاه هم قومه الذين إذا أصابتهم رميته، فإنما تصيبه معهم، الإضافة كما ترى إضافة القوم القاتلين إلى النفس الموجوعة بهذا القتل، وقد مر بنا هذا البيت، وتأمل التناقض والتضارب الذي بني عليه البيت، والذي يكاد يتفجر به الشعر والشاعر.
وقد تكون الإضافة لتعظيم المضاف إليه كما في قوله تعالى: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} 1، فالإضافة إلى الله سبحانه تشريف ما بعده تشريف، وقد تفيد الحث على فعل الشيء كقوله تعالى: {لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} 2، فإنه لما نهى المرأة عن المضارة أضاف الولد إليها استعطافا لها، وحثا على عدم المضارة ومثله: {وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} 3.
__________
1 الجن: 19.
2، 3 البقرة: 233.
(1/212)

تنكير المسند إليه:
يأتي المسند إليه نكرة؛ لأن قصد المتكلم إفادة معنى النكرة، أي: النوعية أو الإفراد.
فقولك: جاءني رجل، تعبير صالح، لأن يراد به النوعية، أي جاءني رجل
لا امرأة: وصالح؛ لأن يراد به الإفراد أي: جاءني رجل لا رجلان، والإفراد يعني فردا شائعًا في جنسه، فهو رجل شائع في جنس الرجال.
قال الزمخشري في قوله تعالى: {لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} 1: "فإن قلت: إنما جمعوا بين العدد والمعدود، فيما وراء الواحد والاثنين فقالوا: عندي رجال ثلاثة وأفراس أربعة؛ لأن المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص، وأما رجل ورجلان وفرس، وفرسان فمعدودان فيهما دلالة على العدد، فلا حاجة إلى أن يقال: رجل واحد ورجلان اثنان، فما وجه قوله: إلهين اثنين؟ قلت: الاسم الحامل لمعنى الإفراد، والتثنية دال على الجنسية، والعدد المخصوص،
فإذا أريدت الدلالة على أن المعنى به منهما، والذي يساق له الحديث هو العدد شفع بما يؤكده، فدل به على القصد إليه والعناية به، ألا ترى أنك لو قلت: إنما هو إله، ولم تؤكد بواحد لم يحسن، وخيل أنك تثبت الألوهية لا الوحدانية".
فالتنكير في قوله: إلهين يراد به العدد بدليل أنه شفع بقوله اثنين؛ لأن إلهين صالح للدلالة على شيئين، الجنسية والعدد، فلما وصف بما يدل على العدد تمحضت دلالته عليه، وكذلك قوله: إله يمحضها ما بعدها للمراد منها.
ومن الصور التي يراد فيها بالنكرة النوع، أي الجنس حين يأتي وصف النكرة بعدها دالا على ذلك قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} 2، فإن قوله: دابة، صالح، لأن يراد به الإفراد والجنس، وقد جاء قوله في الأرض وصفا لدابة؛ لبيان أن القصد إلى الجنس لا إلى الإفراد، وكذلك قوله طائر، فإن صالح لأن يراد به طائر واحد أو جنس الطائر، ولكن قوله: يطير بجناحيه محض النكرة للدلالة على الجنس، والنكرة حين تقع في سياق النفي تدل على العموم، وعموم الجنس
__________
1 النحل: 51.
2 الأنعام: 38.
(1/213)

هنا يشير إلى أنه ما من دابة قط في أي شعب من شعاب الأرض، وفي أي مجهل من مجاهلها، وما من طائر قط يطير في أي أفق من آفاق السماء إلا أمم أمثالكم، وهذا دال على غاية الحكمة والإتقان، وعموم النظام، وبسط الملك وتمام السلطان.
وقد يدل مقام الحديث على الإفراد، فتتمحض النكرة للدلالة عليه من غير أن يمحضها لذلك وصف كما في الآيتين السابقتين، مثال ذلك قوله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى} 1، أي فرد من أشخاص الرجال، وقد يدل مقام الحديث على إرادة النوعية، فتتمحض النكرة للدلالة عليه كقوله تعالى: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} 2، أي جنس من الأغطية، ونوع منها غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات الله سبحانه، قالوا: ومما يصلح للإفراد أو النوعية قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} 3، يصلح للإفراد فيكون المعنى: خلق كل نوع من أنواع الدواب، وجنس من أجناسه من نوع من أنواع المياه، وجنس من أجناسه.
هذان هما المعنيان الأساسيان للتنكير، ويردان على ما ذكرنا، ثم إن التنكير، أعني كون الشيء مجهولا ومنكورا، معنى شامل وعميق صالح، لأن يتولد منه معاني كثيرة، وذلك إذا أجراه في التعبير بصير بأحوال الكلمات خبير بسياسة التراكيب، وقد أكد عبد القاهر على أن المهارة، والبراعة في إشباع هذه الخصوصيات بالمعاني، والإشارات هي التي بها يستحق الشاعر الفضل.
أقرأ قول أبي السمط، وهو من الشواهد المشهورة: "من الطويل"
له حاجب في كل أمر يشينه ... وليس له عن طالب العرف حاجب
تأمل التنكير في كلمة حاجب في شطري البيت، واعتبر في تأملك المغزى، ومراد الشاعر، وسوف تجد أن التنكير في الحاجب الذي يحجبه عن الخلال الشائنة ينبغي أن يكون حاجبًا عظيمًا يباعد بينه، وبينها حتى لا يقربها، ولا يكاد،
__________
1 القصص: 20.
2 البقرة: 7.
3 النور: 45.
(1/214)

وأن نفي الحاجب الذي يحول بينه، وبين ذوي الحاجات لا بد أن يتوجه النفي هنا إلى أي حاجب مهما ضؤل ليبين أن ليس بينه، وبين قاصديه حجاب ما، ولو كان ساترًا رقيقًا، التنكير إذن في الأول للتعظيم وفي الثاني للتحقير، والكلمة واحدة، والسياق العام واحد، ولكن لكل كلمة في موقعها مقام يختلف عن الأخرى.
واقرا قول إبراهيم بن العباس: "من الطويل"
فلو إذ نبا دهر وأنكر صاحب ... وسلط أعداء وغاب نصير
تكون عن الأهواز داري بنجوة ... ولكن مقادير جرت وأمور
تجد أنه نكر دهرًا ليشير بهذا إلى أنه دهر منكر مجهول، فليس هو الدهر الذي عهده الشاعر في أيام نعمته، وولايته على الأهواز، وقد كان الشاعر عاملا عليها
من قبل الواثق بالله، ثم عزل في وزارة محمد بن عبد الملك الزيات، فهو ضائق شجر بدهر غادر، وصاحب خائن، وقد أراد بقوله: "وأنكر صاحب": أنكرت
صاحبًا، ولكنه جاء على هذا الأسلوب حتى لا يسند إنكار الصاحب إلى نفسه صريحا في اللفظ، وإن كان صاحبا لئيما محتقرا غير معروف بالصحبة، ولا مشهور بخلالها، وتنكير الأعداء في قوله: "وسلط أعداء"، وفيه معنى التحقير وقلة الشأن، وأنهم ليسوا من مشاهير الرجال، ورمز ببناء الفعل للمجهول في قوله، وسلط إلى أنهم أداة في أيدي غيرهم لا يملكون من أمرهم شيئًا، فهم لا يستطيعون عداوتي إلا إذا دفعوا إلهيا من مجهول ساقط، ومما حسن فيه تنكير المسند إليه قول ابن المعتز:
وإني على إشفاق عيني من العدا ... لتجمح مني نظرة ثم أطرق
فقد نكر النظرة التي جمحت منه إلى صاحبته ليشير بهذا إلى أنها نظرة من نوع خاص، نظرة ظامئة شرود، تجمح منه جماحًا لا يستطيع معه حبسها مهما بلغ إشفاقه وخوفه من الرقباء، وانظر إلى قوله: ثم أطرق، وكيف أفادت كلمة، ثم التي تفيد التراخي: أن هذه النظرة الجامحة لم تعد إلا بعد
(1/215)

زمن طويل مع هذه المراقبة ومع إشفاق الشاعر، وكأنه قد شهل عن نفسه، وعن الرقباء، ووراء هذا أن محاسنها قيد الجفون، أو أنها تزيده حسنا إذا ما زادها نظر، وكما يقول ابن أبي أمية الكاتب:
أراك فلا أرد الطرف كيلا ... يكون حجاب رؤيتك الجفون
وقد يفيد التنكير معنى الكثرة كقول العرب: "إن له إبلا وإن له لغنما" يريدون بذلك: الكثرة.
وقد يفيد التنكير معنى التقليل، ومنه قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} 1، فالتنكير في رضوان يفيد التقليل؛ لأن المعنى وقليل من رضوان الله أكبر من كل نعيم، وهذا يلحظ في معنى هذا التنيكر؛ لأن القليل من الله كثير وكثير، وانظر إلى كلام البلاغيين في بيان سر التعريف، والتنكير في قوله تعالى في قصة يحيى عليه السلام: {وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ} 2، وفي قوله تعالى في قصة سيدنا عيسى عليه السلام: {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ} 3، قالوا: إن تنكير السلام في قصة يحيى عليه السلام؛ لأنه وارد من جهة الله تعالى، أي سلام من جهة الله مغن عن كل تحية، ولهذا لم يرد السلام من جهة الله إلا منكرًا كقوله تعالى: {سَلَامٌ {قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} 4، وقوله: {اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا} 5، وقوله: {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ} 6، وقوله: {سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ} 7، وأما تعريف السلام في قصة عيسى عليه السلام؛ لأنه ليس واردًا على جهة التحية من الله تعالى، وإنما هو حاصل من جهة نفسه،
__________
1 التوبة: 72.
2 مريم: 15.
3 مريم: 33.
4 يس: 58.
5 هود: 48.
6 الصافات: 79.
7 الصافات: 130.
(1/216)

وفي تعريفه معنى آخر هو الدعاء، وطلب السلامة؛ لأن السلام اسم من أسمائه سحبانه، وقالوا: إنك إذا ناديت الله مخلصًا باسم من أسمائه، فإنك متعرض لما اشتق منه هذا الاسم، تقول في طلب الحاجة: يا كريم، وفي سؤال المغفرة يا غفور، وفي سؤال الرحمة يا رحيم، وفي سؤال العفو يا عفو.
وقد يفيد التنكير معنى التعظيم، والتكثير كقوله تعالى: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} 1، فتنكير الرسل يشير إلى أن المراد رسل كثير وذوو آيات عظام، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن دقيق ما أفاده التنكير ما جاء في قول الشاعر، وقد ذكره صاحب المطول.
إذا سئمت مهندة يمين ... لطول الحمل بدلها شمالا
فإنه نكر يمين والمرد يمين الممدوح؛ لأنه لو قال: يمينك أو يمينه سيؤدي إلى إسناد السأم إلى يمينه، هكذا وفي ذلك جفوة ينبو عنها حس الشعر في باب المديح.
والتنكير في قوله تعالى: {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ} 2، يفيد التقليل، أي: نفحة قليلة ضيئلة، وقد رفض الخطيب هذا، وقال: إن معنى التقليل مستفاد من بناء الفعل للمرة، أعني قوله نفحة؛ ولأنها تدل بمادتها على القلة؛ لأنها من قولهم: نفحته الريح إذا هبت عليه هبة، ورد ذلك بأنه لا يمنع أن يكون التنكير أيضا مفيدا للتقليل، وبذلك يكون هذا التقليل مفادا بالبناء للمرة، وبأصل الكلمة وبالتنكير، وكلمة نفح تستعمل في كلامهم للخير كنفح الطيب، ونفح الريح الناعمة، واستعملت هنا في الشر على طريق التهكم فهي من قبيل قوله -تعالى-: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ} 3.
قالوا: والتنكير في قوله تعالى في حكاية حديث إبراهيم عليه السلام لأبيه:
__________
1 آل عمران: 184.
2 الأنبياء: 46.
3 آل عمران: 21.
(1/217)

{إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ} 1، يفيد التعظيم والتهويل أي: أخاف أن يمسك عذاب هائل لا يكتنه، ولا يضايق هذا المعنى ذلك المسر؛ لأن المس جاء في القرآن مع العذاب المحيط، والعذاب العظيم، قال تعالى: {لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} 2، كما لا يضايق هذا المعنى قوله من الرحمن من حيث إن ذكر الوصف المشعر بالرحمة الشاملة يجعل المعنى أنه عذاب قليل؛ لأنه جاء من قبل الرحمن الرحيم، لا يضايق هذا المعنى قوله من الرحمن؛ لأن عذاب الحليم قد يكون أنكى، وغضبه قد يكون أعتى، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بالله من غضب الحليم".
وهذا الذي قلته في الآية هو كلام البلاغيين غير الزمخشري؛ لأنه لحظ فيها معنى آخر ذا مسلك أدق وألطف، وذلك؛ لأن سيدنا إبراهيم كما قال: لم يخل هذا الكلام من حسن الأدب مع أبيه حيث لم يصرح فيه أن العذاب لاحق لاصق به لا محالة، بل إنه قال: أخاف، ولم يقل سيمسك، ثم ذكر المس، وهو أقل تمكنا من الإصابة، ونكر العذاب للتقليل، ثم ذكر به باسم الرحمن، وهذا أقر إلى طريقة حوار إبراهيم عليه السلام مع أبيه فيه مواضع أخرى من الكتاب العزيز.
والتنكير في قوله تعالى: {وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} 3، يدل على نوع من الذهاب بالغ لا يقدر عليه إلا صاحب القدرة البالغة سبحانه.
وفي قوله تعالى: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا} 4، لم يقل: الأرض؛ لأنه أراد اطرحوه في ارض مجهولة منكورة، لا يعرفها أحد فلا يهتدي إليه أبوه.
وهكذا يهديك النظر إلى إدراك معان لطيفة، فحين تنظر في قصيدة الحصين
__________
1 مريم: 45.
2 النور: 14.
3 المؤمنون: 18.
4 يوسف: 9.
(1/218)

ابن الحمام المري: "جزى الله أفناء العشيرة كلها" يلفتك قوله: "من الطويل"
ولما رأيت الود ليس بنفاعي ... وأن كان يوما ذا كواكب مظلما
صبرنا وكان الصبر فينا سجية ... بأسيافنا يقطعن كفا ومعصما
نفلق هاما من رجال أعزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما
ترى في تنيكر قوله كفا ومعصما -إشارة إلى التعظيم، والمنعة والقوة أي أننا قطعنا أكفا قادرة على الدفع، والمنع ومعاصم لا يطيق قطعها إلا من كان على مثل حالنا من البسالة والاقتدار، وقوله: يفلقن هاما أي رءوسا كثيرة وعزيزة، فإذا تابعت فتك قوله:
عليهن فتيان كساهم محرق ... وكان إذا يكسو أجاد وأكرما
أراد فتيانا بهما أمرها في القوة والاقتدار، ويجهلهم من كان يعرفهم لغرابة أفاعيلهم في الطعن والكر، وكذلك كقوله:
ولولا رجال من رزام بن مازن ... وآل سبيع أو أسوءك علقما
يلفتك التنكير في رجال؛ لأن الشاعر يعني رجالا ليسوا كالرجال الذين يعرفهم الناس، وإنما هم رجال من نوع آخر، كأنه غريب في خلائقه، وشجاعته ومروءته، أو بلغوا في معنى الرجولية مبلغا لا يحاط به، ولولا هم لأعمل الحصين في بني محارب بن خصفة بين قيس حتى لا تنفك منه إلا على آلة حدباء:
لأقسمت لا تنفك مني محارب ... على آلة حدباء حتى تندما
وقوله:
وحتى يروا قوما تضب لثاتهم ... يهزون أرماحا وجيشا عرمرما
وتضب لثاتهم جمع لثة بكسر اللام، أي تسيل من شهوة الحرب، وهذه
(1/219)

صورة في كلامهم تدل على الحرص والرغبة، يقولون: جاء فلان تضب لثته أي جاء حريصا جياشا، والمهم التنكير في: يهزون أرماحا، فيه كما ترى معنى أرماحا عجيبة كأنها لم تعرف قبل.
وقوله:
وأبلغ أنيسا سيد الحي أنه ... يسوس أمورًا غيرها كان أحزما
وهكذا نستطيع أن ندرك خصوبة هذه الكلمات التي أشرنا إليها، وأن وراءها ألوانًا من الحس تخصب العبارة، وتثري الفائدة.
(1/220)

تقديم المسند إليه:
إن أهم ما يبحث في هذا الموضوع هو تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي كقولك: محمد يقوم، وهذا التركيب كما يقول البلاغيون صالح، لأن يفيد أمرين:
الأول: تقوية الحكم فقولنا: محمد يقول الشعر أوكد في بيان أنه يقول الشعر من قولنا: يقول محمد الشعر، ومثله هو يعطي أوكد في الدلالة من قولنا: يعطي، ولذلك تجري هذه الصياغة في المقامات التي تدعو إلى التوكيد، والتقرير مثل مواجهة الشك في نفس المخاطب، والرغبة في إقناعه، ومثل رد الدعوى التي يدعيها المخاطب، ومثل أن يكون المتكلم معنيا بكلامه مقتنعا به، فهو يريد أن يثبته في القلوب قويا مقررًا كما هو مقرر في نفسه، وغير ذلك من مقامات التقوية والتقرير، وهي كثيرة لا تحصى وراقب نفسك ساعة واحدة لترى كم تنزع نفسك إلى التوكيد في هذه الساعة، ولهذا كثر في الكلام جدًّا.
ودونك بعض صوره في الكلام الرفيع:
(1/220)

قال عبد الرحمن بن الحكم بن هشام يلوم بني أمية لما أخذ عمر بن عبد العزيز في رد المظالم، وغلظ ذلك منه على أهل بيته قال: "من الطويل"
فقل لهشام والذين تجمعوا ... بدابق موتوا لا سلمتم يد الدهر
فأنتم أخذتم حتفكم بأكفكم ... كباحثة عن مدية وهي لا تدري
عشية بايعتم إماما مخالفا ... له شجن بين المدينة والحجر
فقوله: "فأنتم أخذتم حتفك بأكفكم"، قدم فيه المسند إليه على البخر الفعلي، فأفاد تقوية الخبر، وهو تقرير الخطأ العظيم الذي وقعوا فيه -كما يزعم- حين بايعوا عمر بن عبد العزيز، وهذا التوكيد يشير إلى اهتمامه، واعتقاده بالخبر، وتأكيد أنه لا محالة كان منهم.
وقد قال أحد ولد مروان معارضا ابن الحكم بن هشام: "من الطويل"
لئن كان ما يدعو إليه هو الردى ... فما أنت فيه ذا غناء ولا وفر
فأنت من الريش الذنابي ولم تكن ... من الجزلة الأولى ولا وسط الشعر
ونحن كفيناك الأمور كما كفى ... أبونا أباك الأمر في سالف الدهر
قوله: ونحن كفيناك الأمور جاء على طريقة تقديم المسند إليه؛ لأنه يريد تقوية هذا الأمر الدال على سيادة بني مروان، وظهورهم عليهم، وأن كفايتهم بني هشام مقرر وثابت، وواضح أن سياق الكلام سياق معارضة، وهو يحتاج إلى توكيد المعاني وتقريرها، ويمكن أن يقال: إن التقديم في نحن كفيناك يفيد الاختصاص بل إن المعنى يقوي به، وكأنه يقول له: لم يكفكم الأمور سوانا أي أنتم عاجزون عن كفاية أموركم، فكيف بأمر الخلافة؟ وهو أمر عظيم شامل، ومعنى الاختصاص والتقوية، لا يتعارضان، فما يفيد الاختصاص يفيد التقوية؛ لأن الاختصاص كما قالوا: تأكيد على تأكيد، نعم قد يكون التركيب مفيدًا للتقوية فقط، ولا تصلح معه دلالة الاختصاص كما ستعرف.
واقرأ قول المعذل بن عبد الله الليثي، وكان يقول التبريزي: كثيرا ما يقترف
(1/221)

الجنايات، وكان النهس بن ربيعة يكفل عنه، وأخذ المعذل يوما، فأدركه النهس وحمله على فرسه، وأمره أن ينجو بنفسه، وأسلم نفسه مكانه، فلما نجا قال له المعذل: أخيرك بين أمرين: أمدحك أو أمدح قومك، فاختار مدح قومه، فقال في مدحهم:
هم خلطوني بالنفوس وأكرموا الصـ ... حابة لما حم ما كنت لاقيا
هم يفرشون اللبد كل طمرة ... وأجرد سباح يبذ المغاليا
قال: هم خلطوني بالنفوس أي أنهم أقاموه بينهم، وأسقطوا الحشمة كما يقول المرزوقي بينه وبينهم، وتلك منزلة في رحابة النفس عالية، وقوله: الصحابة المردج به الصبحة، وقوله: هم يفرشون اللبد، فيه توكيد لمعنى أنهم يفرشون اللبد؛ لأنه في سياق المديح، ومعاني المديح تحتاج إلى تقرير، وتقوية لتأنس بها النفس، ولتكون في الصياغة المطبوعة دليل صدق الشاعر في إحساسه؛ قال عبد القاهر: لم يرد أن يدعي لهم هذه الصفة دعوى من يفردهم بها، وينص عليهم فيها كأنه يعرض بقوم آخرين، فينفي أن يكونوا أصحابها، هذا محال، وإنما أراد أن يصفهم بأنهم فرسان يمتهدون صهوات الخيل، وأنهم يقعدون الجياد منها، وأن ذلك دأبهم من غير أن يعرض لنفيه عن غيرهم، إلا أنه بدأ يذكرهم لينبه السامع لهم، ويعلم بديا قصده إليهم بما في نفسه من الصفة، فيمنعه بذلك من الشك، ومن توهم أن يكون قد وصفهم بصفة ليست هي لهم.
وقوله: يبذ المغاليا، جاء بضم الميم وفتحها، وأما الضم فإنه -كما يقول المرزوقي- صالح لأن يراد به السهم نفسه أو فرس يغاليه، وأما الفتح فهو جمع مغلاة، وهي السهم يتخذ للمغالاة، والمعنى يسبق السهم في غلوته، ومراد الشاعر أن سعيهم مقصور على تفقد الخيل، وخدمتها، وافتراش ظهورها.
وانظر قوله تعالى في شأن فريق من اليهود غيروا التوراة كما يقول ابن عباس، وكتبوا كتابا بدلوا فيه صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ
(1/222)

عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} 1.
قال: وهم يعلمون، وصاغ الخبر كما ترى؛ لأن الذي يكذب لا يعترف بأنه يكذب فضلا عن أن يعترف بأنه يعلم أنه كاذب، ومن هنا كان سياق العبارة سياق إنكار، فاحتاج إلى هذا القدر من التوكيد، والبلاغيون يقولون: إن هذا الأسلوب يأتي فيما سبق فيه إنكار، ويذكرون هذه الآية شاهدا على ذلك، ويذكرون من مقامات هذا الأسلوب تكذيب المدعي كقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} 2، قال: وهم قد خرجحوا به؛ لأنهم يدعون خلاف ذلك بقولهم: آمنا، أي أنهم لم يخرجوا بالفكر، والآية فيها جمل ثلاث: الأولى آمنا، هكذا من غير توكيد؛ لأن التوكيد من أمارات وثوق النفس فيما تقول، وهم لا يجدون في أنفسهم هذا الوثوق، وفأرسلوا العبارة هكذا فاترة فتور المعنى في نفوسهم، والجملة الثانية قوله: {وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ} ، وهي جملة حالية فيها شيء من التحقيق المفاد بقد، والجملة الثالثة: {وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ} ، وفيها من عناصر التوكيد ما ليس في غريها من الجملتين السابقتين؛ لأنها ترد على دعوى كما بينا.
وتأمل كيف تتنزل عناصر التوكيد في الكلام قطرة قطرة على وفق الأحوال بحساب دقيق.
ومن مقاماته -كما قالوا- ما يكون فيه الخبر مخالفًا لمقتضى الدليل كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} 3، فإن قوله: {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} ، مخالف لمقتضى حال عبادتهم لها؛ لأن المعبود لا يكون مخلوقا، فهم ينكرون مخلوقيتها، أو
__________
1 آل عمران: 78.
2 المائدة: 61.
3 النحل: 20.
(1/223)

الأصل أن ينكروا ذلك، فوجب توكيد أنهم يخلقون "بضم الياء"، فجاء على ما ترى.
قال الخطيب: وما لا يستقيم المعنى فيه إلا على ما جاء من بناء الفعل على الاسم قوله تعالى: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} 1، وقوله تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} 2، وقوله تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} 3، فإنه لا يخفى على من له ذوق أنه لو جيء في ذلك بالفعل غير مبني على الاسم لوجد اللفظ قد نبا عن المعنى، والمعنى قد زال عن الحال التي ينبغي أن يكون عليها.
وهذا النص نقله الخطيب من دلائل الإعجاز من غير تصرف يذكر، وهو كلام جيد يعتمد في بيان قيمة هذا التركيب على موازنته بغيره مما يؤدي معناه في الجملة، وليس على طريقته، والقضاء في ذلك للحس والذوق كما ترى.
وإذا حاولنا أن نتعرف السبب في نبو اللفظ عن المعنى عند مخالفة الصياغة الواردة في الآيات لزمنا أن نتأمل سياق كل آية منها، ولنبدأ بالأولى:
قال المفسرون: إن الوثنيين قد خوفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آلهتهم، فأمر صلى الله عليه وسلم أن يقولوا: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ، إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} 4.
السياق كما ترى استهانة بآلهتهم، وتسفيه عابديها، ثم إظهار عدم المبالاة
__________
1 الأعراف: 196.
2 الفرقان: 5.
3 النمل: 17.
4 الأعراف: 194-196.
(1/224)

بالعابدين والمعبودين، وأنه -صلى الله عليه وسلم- يدعوهم لكيده في أسلوب متهكم لاذع يثير الحمية، وقد أشار إلى القوة التي تدفع عنده، وتجعله يعارضهم هذه المعارضة قال: {إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ} ، فساق الكلام مؤكدا بما ترى ليشعرهم بوثوقه فيه، وأنه يقوله مع موفور الثقة، ومتين الاعتقاد، وأنه نفسه ممتلئة بهذا اليقين، ولهذا جاء قوله: {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} بهذا التوكيد، ليلائم هذا السياق الذي يقرر لهم فيه الرسول حال يقينه في وثاقته بربه، وهو يعارضهم تلك المعارضة التي لا تبالي بهم ولا بمقدساتهم، ثم رتاه يذكر بعد ذلك قوله: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} 1، فأشار إلى ما يقابل ثقته في ناصره سبحانه من عجز آلهتهم عن نصرهم، إذن لو قال: ويتولى الصالحين هكذا كلاما خاليا من التوكيد لنبأ عنه معناه.
وشيء آخر في تفسير الضرورة البلاغية لهذا التقديم هو أن قوله: وهو يتولى الصالحين، دال على أنه الله يتولاه -صلى الله عليه وسلم- بطريق الكناية؛ لأنه يلزم من توليته سبحانه الصالحين أن يكون وليه -صلى الله عليه وسلم؛ لأنه سيد الصالحين، وطريق الكناية أوكد في إثبات المعنى من طريق التصريح، فاقتضى حسن السياق أن يجيء بناء العبارة على ما هو عليه حتى تتسق عناصر الدلالة.
والآية الثانية ترى سياقها هكذا: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} 2.
وحاجة التعبير هنا إلى التوكيد واضحة؛ لأنهم يدعون في القرآن ما ينكره عليهم الرسول والمؤمنون، ثم هم راغبون في رواج مقالتهم فيه، فلا بد من توكيدها ليتقبلها من لا يعرف القرآن، ونبيه صلى الله عليه وسلم من القبائل الأخرى،
__________
1 الأعراف: 197.
2 الفرقان: 4، 5.
(1/225)

والتي كانت لا تزال تثق في قريش وحكمتها، وكانت مقالة قريش في القرآن تصاغ في أسلوب مؤكد، انظر إلى قولهم: {إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ} ، وكيف بنيت العبارة هذا البناء الصلب من استعمال اسم الإشارة، ومجيئها على أسلوب القصر، والإخبار عنه بأنه إفك.
ومن الواضح في تاريخ الدعوة أن مثل هذه المفتريات على النبي، والقرآن كان يذيعها وجهاء قريش بين وفود القبائل الوافدة عليهم في التجارة، ومواسم الحج؛ لأنهم كانوا يهتمون جدا بحصار الدعوة داخل مكة للقضاء عليها فيها وكان تفلت أخبارها خارج الحدود ومما يفزعهم، ثم إنهم كانوا يستشعرون بأن أساطير الأولين لم تكن من معارفهم الذائعة، ومن هنا احتاجوا إلى توكيدها، وانظر إلى قولهم: اكتتبها، وما فيه من المعاناة وهو واقع بدل كتبها كما تقول استكب الماء بدل سكبه واصطبه بدل صبه، هكذا قال الزمخشري، ثم انظر إلى حذف المبتدأ، وكيف أشار إلى أنه معروف؛ لأن القول بأنه أساطير مما لا يتوجه إلا إليه، والخلاصة أن التقديم هنا، أعني في قوله: فهي تملى كان ضرورة بلاغية لورود الكلام في سياق يحرص على التوكيد، ولتتلاءم مع المقالة الأولى في هذا؛ ولأنه من الأخبار الغريبة فلا بد فيه من الاحتفال والاهتمام، ولهذا كان خلاف التوكيد مما ينبو عن المعنى، كما قال عبد القاهر.
أما الآية الثالثة: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} ، أي: يحبس أولهم على آخرهم بإيقاف أولهم حتى يحلق به آخرهم -جاء قوله: فهم يوزعون، بتقديم المسند إليه ليؤكد هذا الخبر الغريب، فتأنس به النفوس؛ لأن حشر الإنس والجن، والطير على هذه الهيئة من الإيزاع والتداخل أمر غريب تحتاج النفوس إلى ما يؤنسها به، ويقرره عندها، فلو قال: يوزعون هكذا مرسلًا من غير توكيد لما كان التركيب ملائمًا لحال النفس المتلقية لمثله، والتي تحتاج كما قلنا إلى ما يؤنسها بالأمر الغريب، وقد ذكرنا أن التوكيد من أدق العناصر البلاغية، وأشفها في مراقبة أحوال النفس
(1/226)

وتنزله في الكلام على وفق هذه الأحوال بحساب دقيق، وهو من خفي الصنعة التي لا تستقيم على وجهها إلا في حر الكلام.
وهذا ما رأيناه في الأمر الداعي إلى بناء الفعل على الاسم في هذه الآيات، والله أعلم.
قال عبد القاهر، بعد ما ذكر أن هذا الأسلوب يكثر في الوعد، والضمان مثل: أنا أكفيك، وأنا أقوم بهذا الأمر؛ "لأن من شأن من تعده، وتضمن له أن يتعرضه شك، فهو محتاج إلى التوكيد"، وبعد ما ذكر أنه يكثر في المدح قال: "ويزيدك بيانا -بدلالة التقديم على التوكيد- أنه إذا كان الفعل مما لا يشك فيه، ولا ينكر بحال لم يكد يجيء على هذا الوجه، ولكن يؤتى به غير مبني على اسم، فإذا أخبرت بالخروج مثلا عن رجل من عادته أن يخرج في كل غداة، قلت: قد خرج ولم تحتج إلى أن تقول: هو قد خرج، ذلك؛ لأنه ليس بشيء يشك فيه السامع، فتحتاج أن تحققه، وإلى أن تقدم فيه ذكر المحدث عنه".
قلنا في صدر الحديث في هذا الموضوع: أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي صالح لأن يفيد أمرين: التقوية وقد بيناها، والأمر الثاني هو الاختصاص أي أن الفعل خاص بالمسند إليه لا يتعداه إلى غيره، وذلك يكون إذا ساعد السياق على ذلك، تقول: أنا أعرف هذه المسألة في سياق، تعني فيه إنك وحدك الذي تعرفها وتقول: محمد يعطي من خير ماله؛ إذا كنت تريد أنه لا يفعل ذلك سواه، أو أنه يفعله بخلاف شخص معين وهكذا.
وقد قدمناه أن قوله: "ونحن كفيناك الأمور"، يفيد التقديم فيه الاختصاص؛ لأنه أراد أن يقول له: لم يكفكم الأمور سوانا، وانظر قول المعذل: هم خلطوني بالنفوس، تجد أن تقديم المسند إليه يعني أنه لم يفعل ذلك سواهم، وذلك واضح فيه، وفي البيت الثاني هم يفرشون اللبد لا يصح فيه إرادة هذا المعنى كما سبق، فالمسألة ترجع إلى الإدراك الدقيق للمعنى، والإدراك الدقيق لملاءمة
(1/227)

السياق، ومما هو بين فيه معنى الاختصاص قوله تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْض} 1، أي لم ينشئكم منها إلا هو سبحانه، وقوله: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ} 2، وقوله: {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} 3، إلى أمثال هذا وهو كثير جدا في القرآن وكلام الناس، ثم إن الصور التي تفيد الاختصاص لا تخلوا دلالتها من التوكيد والتقرير، وإن كانت الدلالة الواضحة هي الاختصاص؛ لأن الحقيقة هي أن الاختصاص متضمن للتوكيد، خذ قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} 4، تجد أن التقديم يفيد أنه لم ينزله إلا الله سبحانه، وهذا هو معنى الاختصاص، وفيه أنه لا محالة أنزله الله.
ثم إن التقديم فيه هذه الآية أفاد شيئا آخر، وهو تفخيم نزول الكتاب كما قال المفسرون من حيث بدأت الجملة الدالة عليه بذكر لفظة الجلالة، فأضفى عليها مزيدا من الجلال والفخامة، والزمخشري يقول في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا} 5، تكرير الضمير بعد إيقاعه اسما لإن تأكيد على تأكيد لمعنى اختصاص الله بالتنزيل، ليقر في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أإذا كان هو المنزل لم يكن تنزيله على أي وجه نزل إلا حكمة، وصوابا كأنه ما نزل عليه القرآن تنزيلا مفرقا منجما، إلا أنا لا غيري، وقد عرفتني حكيما يتنزل كل ما أفعله على مقتضى الحكمة.
هذا كله إذا كان المسند إليه غير مسبوق بنفي كما رأيت في الأمثلة والشواهد، أما إذا سبق بنفي فإن القول فيه يختلف، فعبد القاهر وجمهور البلاغيين يرون أنه يفيد الاختصاص قطعا، فقولك: ما أنا فعلت، يفيد أن ذلك الفعل لم أفعله أنا وقد فعله غيري، فالفعل ثابت قطعا وإنما توجه النفي إلى الفاعل المذكور خصوصًا، وهذا يتضمن أن له فاعلا آخر غير
__________
1 هود: 61.
2 العنكبوت: 62.
3 التوبة: 101.
4 الزمر: 23.
5 الإنسان: 23.
(1/228)

المذكور، وتقول: ما أنت بنيت هذه الدار، وما أنا قلت هذا الشعر، فتفيد بذلك أن هذه الدار المبنية لم تبنها أنت وإنما بناها غيرك، وأن هذا الشعر لم تقله أنت وإنما قاله غيرك، وعلى هذا لا يصح أن تقول ما أنا فعلت هذا، ولا أحد من الناس؛ لأن قولك: ما أنا فعلت يفيد أن هناك فعلا قد فعل، وأنك أنت خصوصا لم تفعله، وإنما غيرك هو الذي فعله، فإذا قلت: ولا غيري كان ذلك تناقضا، ودفعا للكلام الأول.
ويتضح هذا أكثر في قولك: ما أنت بنيت هذه الدار؛ لأن قولك: ما أنا بنيت، أفاد ذلك أن هذا بناء قد أقيم، وأنه لم يكن أنت الذي أقامه وإنما أقامه غيرك، فلو قلت: ولا غيري، تناقض ذلك وكأنك تقول: إن هذا البناء لم أبنه أنا ولم يبنه غيري، وهذا واضح.
ومماجرى على هذا الأسلوب قول المتنبي: "من السريع"
وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلب نارًا
فقوله: ما أنا أسقمت جسمي، معناه أن هذا السقم الكائن في جسمي، وهذا الضنى لم أفعله أنا وإنما فعله غيري، وقوله: ولا أنا أضرمت في القلب نارًا أي أنا هذا الجوى، وهذا الوجد الذي يستعر في فؤادي لم أشعله أنا ووراء هذا التركيب معنى لطيف هو عجز الشاعر أمام عواطفه المشبوبة، والتي سببت هذا السقم وهذا الوجد، وكأنه يقول: لو كان الأمر بيدي لأنقذت نفسي من هذا الذي أجده ولكن لا طاقة في بذلك، وهذا معنى جيد.
ومثله قول المتنبي: "من الطويل"
وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله ... ولكن لشعري فيك من نفسه شعر
فقوله: وما أنا وحدي قلت ذا الشعر وحده، ينفي أن يكون هذا الشعر الكائن قد قاله وحده، وإنما قاله معه غيره، وهذا التغير هو الشعر نفسه؛ لأنه شعر
(1/229)

شاعر: والشعراء يرددون معانيه وصوره، ويعيدونه إلى الممدوح كما قال:
بشعري أتاك المادحون مرددا
هذا خلاصة رأي عبد القاهر كما قلنا، وتبعه جمهور البلاغيين.
وذهب السكاكي في تحديد دلالة هذا اللون من التراكيب مذهبا آخر لم ينظر فيه إلى النفي، تقدم أم تأخر، وجد أم لم يوجد، وإنما المعول عليه عنده في إفادة تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي الاختصاص أن يتحقق شرطان: الأول: أن يصح تأخير المسند إليه، وتصير العبارة قمت أنا، ويكون المسند إليه حينئذ فاعلا في المعنى لا في اللفظ؛ لأن الفاعل في اللفظ هو التاء في قمت، والشرط الثاني أن يقدر أن أصل العبارة هو التأخير أي أن يعتبر المتكلم أن أصل العبارة قمت أنا، ثم يتصرف فيها ويقول: أنا قمت؛ وهذا التصرف والاعتبار من المتكلم يفيد أنه حين قصد إلى هذا التقديم إنما أراد الاختصاص، فلو قال قائل: أنا قمت، ولم يراع أن الاصل قمت أنا، وإنما بناها هكذا على تقديم المسند إليه، قلنا: إن هذا التركيب لا يفيد الاختصاص، هذا خلاصة كلامه.
وهذا يتجافى في تقديرنا مع فطرة اللغة، ويسر أدائها لمعانيها ولا نعتقد أن هناك متكلما يفكر في الصياغة هذا التفكير، ويفترض أن: أنا قمت أصلها قمت أنا، ثم يخالف هذا الأصل ليفيد معنى الاختصاص، فإذا لم ينشغل ذهن المتكلم بهذا الغرض قلنا: إن عبارته لا تفيد ما تفيده عبارة غيره، لا نعتقد أن متكلما صاحب سليقة في اللغة يفعل هذا؛ لأن أحوال الصياغة وما فيها من دقائق عجيبة، وخفية إن هي إلا استجابات تلقائية لخواطر المتكلم، ومقاصده ما دام صحيح الطبع سديد التفكير، وهذا الافتراض الذي ذكره السكاكي يذكرنا بما يشبهه في تفكيره في الصياغة حين يقول في بعض الصور إن هذه إلا تحسن إلا من البليغ، ويعني به الذي يعرف خصوصيات التراكيب، وهذا ومثله في تقديرنا أثر من آثار الظروف المحيطة بالسكاكي، ومن في مثل حاله
(1/230)

من علماء المسلمين، فقد كانوا يكتبون لغير أصحاب اللغة، وكانوا يكتبون لبيئاتهم ومجتمعاتهم، وكانت هذه المجمعات تنطق اللغة العربية في ضوء القواعد أي أن لسانهم كان يمضي في النطق على أساس القواعد لا على أساس الفطرة، ومن هنا نشأت أمثال هذه الملحوظات، ودعنا من هذا، وأعلم أن خلاصة ما قدمناه هو أن قولنا: محمد قام يفيد التوكيد وصالح لأن يفيد الاختصاص عند غير السكاكي، وقولنا: أنا قمت يفيد التوكيد، وصالح لأن يفيد الاختصاص عند الجميع، وقولنا: ما أنا فعلت يفيد الاختصاص عند غير السكاكي قطعا، وعند السكاكي احتمالا مثل أنا فعلت تماما، أما قولنا: أنا ما فعلت فهو مثل أنا فعلت عند الجميع؛ لأن النفي لا يعتبر إلا إذا سبق المسند إليه.
ولعل الذي أغرى عبد القاهر بالقطع بأن مثل ما أنا فعلت يفيد الاختصاص قطعا، هو ما لحظه من تسلط النفي على الفاعل، ففهم من ذلك أن النفي خاص بالفاعل، وأن الفعل غير منفي، وإذا كان الفعل غير منفي، وقد نفي فاعل مين فقد وجب أن يكون هذا الفعل مسندًا إلى فاعل آخر، وهذا هو معنى الاختصاص.
والذي قاله عبد القاهر في هذا مع دقته التي أغرت الباحثين من بعده ليس عندما على إطلاقه، وإنما هو أمر غالب لا لازم؛ لأن المتكلم حين يسلط النفي على الفاعل لا يزلم منه ثبوت الفعل؛ لأن الفعل مسكوت عنه فيمكن أن يكون ثابتا كما في أمثلة الاختصاص التي ذكرها عبد القاهر، وقد يكون غير ثابت كما في قولنا: ما أنا قلت هذا أي هذا الذي تزعمون أنه قد قيل، نعم يمكنك في هذا المعنى أن تقول ما قلت هذا، ولكنك قدمت الفاعل للاهتمام، والرغبة في توكيد نفي الفعل عنه، وقد جاء هذا التركيب في القرآن الكريم من غير أن يكون دالا على الاختصاص، وذلك كقوله تعالى:
{لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ
(1/231)

ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ، بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} 1، فقوله: ولا هم ينصرون -ولا هم ينظرون، قدم فيه المسند إليه على الخبر الفعلي، وهو مسبوق بحرف النفي، ومع هذا يفيد التقوية فقط؛ لأن الاختصاص يعني أن يغرهم ينصر من عذاب الله، وينظر حين تأتيه الساعة وذلك لا يكون.
وقد رأيت مثل ذلك في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي كلام الذين نزل القرآن فيهم، ولكنني لم أقيده غفلة أو اكتفاء بما في الكتاب العزيز.
وتأمل الصور المفزعة التي تضعها الآية الأولى شاخصة أمام عيون الكافرين ليرتدعوا: {لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ} النار تنصب على وجوهم وظهورهم، وهم يجاهدون دفع هذا الويل القاهر فلا يستطعون، وتأمل الآية الثانية وأحسن تدبر: {فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا} ، وما وراء ذلك من تداعي الأفعال تداعيا يطوي في اقتداره المتدفق محاولاتهم اليائسة في رده.
وقد استدركنا على عبد القاهر في بحث آخر حكمه بالفساد على مثل قولنا: القيت زيدًا أم عمرًا؟ لأنه يرى تقديم الفعل مسبوقا بالاستهفام الذي هو أخو النفي يفيد تخصيص الفعل بمعنى الاستفهام، فهو المسئول عنه وأوقع أم لا، فإذا قال بعد ذلك: أم عمرا فقد أفاد أنه يشك في المفعول لا في الفعل، وهذا تناقض في العبارة كما يقول: استدركنا عليه ذلك، وبينا أن سيبويه -وقد شافه الأعراب- يجيز ذلك وهو عنده حسن، والأحسن أن يقال: أزيدا لقيت أم عمرًا؟
قلنا: إن السكاكي يرى أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي يفيد الاختصاص بشرطين ذكرناهما هناك، وبقي أن نقول: إن هذا الاشتراط عنده خاص بالمسند إليه إذا كان معرفة، أما إذا كان نكرة مثل: رجل جاءني، فإنه يفيد
__________
1 الأنبياء: 39، 40.
(1/232)

عنده الاختصاص قطعا؛ لأن النكرة المتقدمة على الخبر الفعلي لا بد أن تكون دالة على الاختصاص، وإلا لم يصلح وقوعها مبتدأ، هكذا قال السكاكي، وعليه مناقشات طويلة لا غناء في متابعتها.
وهذا كله إذا كان الخبر فعليا كما قلنا، أما إذا كان اسم فاعل وشبهه مثل محمد كاتب: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} ، فقد ذهب البعض إلى أنه مثل الخبر الفعلي، وذهب البعض إلى أنه ليس كذلك.
والذي نراه أن السياق ذو أثر فاعل في تحديد هذه الدلالات، وكان الزمخشري رحمه الله يقضي في هذا الأسلوب وفق السياق، فمرة يرى فيه الاختصاص كما في قوله تعالى حكاية لمقالة قوم شعيب له عليه السلام: {وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} 1، قال الزمخشري: أي لا تعز علينا، ولا تكرم حتى نكرمك من القتل، ونرفعك عن الرجم، وإنما يعز علينا رهطك؛ لأنهم أهل ديننا لم يختاروك علينا، ولم يتبعوك دوننا، وقد دل إيلاء ضميره حرف النفي على أن الكلام واقع في الفاعل لا في الفعل كأنه قيل: وما أنت علينا بعزيز بل رهطك هم الأعزة علينا، ولذلك قال في جوابهم: أرهطي أعز عليكم من الله، ولو قيل: وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب.
وهذا واضح في أنه يقول بإفادة هذا التركيب لمعنى الاختصاص.
ويقول في قوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} 2، "هو بمنزلة قولهم: هم يفرشون اللبد كل طمرة في دلالته على قوة أمرهم، فيما أسند إليهم لا على الاختصاص".
الآية عند المعتزلة لا تفيد اختصاص الكافرين بعدم الخروج من النار أي بالخلود فيها؛ لأن مرتكب الكبيرة المسلم عندهم يخلد أيضا في النار.
__________
1 هود: 91.
2 البقرة: 167.
(1/233)

وقد أثيرت مناقشات كثيرة حول هذا الموضوع؛ لأن علماء أهل السنة والجماعة يرون أن الزمخشري يقول بلزوم دلالة هذا التركيب على الاختصاص، وأنه هنا خالف هذه القاعدة ليسلم له ما يعتقده في أمر مرتكب الكبيرة، وهذا خطأ؛ لأنه يقول مثل هذا في آيات كثيرة لا علاقة لها بالاعتزال كقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} 1، وقوله تعالى: {فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ} 2، وقوله {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} 3، وغير ذلك كثير وقد بيناه في دراستنا للكشاف.
وهناك كلمتان تلزمان التقديم في التراكيب البليغة إذا أريد بهما الكناية من غير تعريض، هاتان هما: مثل وغيره، ومعنى أن تريد بهما الكناية من غير تعريض أنك حين تقول: مثلك لا يبخل، تكون قد استعملت كلمة مثل كناية عن الشخص الذي تخاطبه؛ لأنك تريد: أنت لا تبخل، فلفظ مثل مراد به الضمير الذي أضيف إليه، ودلالته عليه دلالة التزامية، ولهذا كان كناية، ثم إنك لا تقصد التعريض بشخص آخر، وأن تقول من طرف خفي أنه يبخل ومثله قولك: غيرك يسيء إلى أصحابه، وأنت تريد أن تقول له: أنت لا تسيء إلى أصحابك من غير أن تعرض شخص آخر، وتومئ إلى أنه يسيء.
ومن شواهد هذا الاستعمال قول المتنبي: "من السريع"
مثلك يثني الحزن عن صوبه ... ويسترد الدمع عن غربه
أي أنت قادر على أن تكف الحزن بصبرك وثباتك، فلا تدع النفس تبلغ في أحزانها مداها، وتسترد الدمع عن جريانه، والغرب، كما قالوا: عرق في
__________
1 البقرة: 8.
2 الطور: 29.
3 سورة ق: 45.
(1/234)

العين يجري فيه الدمع ولم يقصد الشاعر أن يعرض بإنسان آخر ليس على صفة المخاطب في الصبر والثبات.
ومثله قول القبعثري الشيباني للحجاج لما قال له: لأحملنك على الأدهم، يريد القيد قال له: "مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب"، وأراد أنت حمل على الفرس الأدهم والأشهب، فقوله: مثل الأمير أراد به الأمير، ولم يرد أن يعرض بآخر لا يفعل فعله.
وفي "غير" جاء قوله: "من البسيط"
غيري بأكثر هذا الناس ينخدع
أراد أنا لا أنخذع، ولم يقصد التعريض بشخص آخر ينخدع.
ومثله قول أبي تمام: "من الوافر"
وغيري يأكل المعروف سحتا
أراد أنا لا آكل المعروف، ولم يرد التعريض بإنسان آخر.
قالوا: وكان التقديم في هذه الأساليب كاللازم؛ لأن التقديم يفيد التقوية كما قلنا، وهذه الاستعمالات من صور الكناية، والكناية يراد بها التوكيد في أداء المعنى، ولهذا كان التقديم أنسب لتتوافق دلالات الخصوصيات، وقد مر بنا ما يشبهه في قوله تعالى: {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} 1.
ومما يلحق البلاغيون بهذا الباب تقديم النفي على لفظ العموم، وتأخيره عنه، يعني الفرق في المعنى بين أن تقول: لم أكتب كل ما سمعت، وأن تقول: كل ما سمعته لم أكتبه، برفع كل، التعبير الأول يفيد أنك لم تكتب جميع
__________
1 الأعراف: 196.
(1/235)

ما سمعت، وهذا لا يمنع أن تكون كتبت بعضه، أما التعبير الثاني فإنه يفيد أنك لم تكتب شيئًا مما سمعت ...
وقول الشاعر: "من البسيط": "ما كل ما يتمنى المرء يدركه"، معناه: أن الإنسان
لا يدرك كل ما يتمناه وإنما يدرك بعضه، ومثله: ما كل رأي الفتى يدعو إلى رشد، وهذا التركيب قد تقع فيه كل سابقة للنفي، ولكنها معمولة للفعل
الواقع بعد النفي مثل أن تقول: كل الدراهم لم أنفق، وكل الشعر لم أحفظ بنصب كل؛ لأنه مفعول به للفعل بعده، وهو يفيد نفس المعنى الذي يفيده قولك: لم أنفق كل الدراهم ولم أحفظ كل الشعر، فإذا رفعت كلا وأخرجتها، عن حكم الفعل بعدها أفاد أنك لم تفعل شيئًا منهما، ولهذا جاء قول أبي النجم: "من الرجز"
قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع
برفع كل؛ لأنه أراد أن يبرئ نفسه من كل ذنب ادعته عليه، والرفع هو الذي يفيد ذلك ولو نصب لكانت كل داخلة في حيز النفي، وحينئذ تفيد نفي العموم أي أنه لم يفعل كل ذنب ادعته عليه، وإنما فعل بعضه، ومعنى قولنا: نفي العموم أن المنفي هو الشمول والعموم أعني الكلية، تقول: لم أفعل كل ذلك،
فتفيد أنك نفيت عن نفسك فعل الجميع، وهذا لا يلزم منه نفي البعض، والتقديم في قول أبي النجم يفيد عموم النفي؛ لأن كلمة كل الدالة على العموم دخلت على النفي، وهذا يعين أنه لا يشذ منه شيء.
وإذا تأملت هذا الأسلوب وجدت حال الإثبات فيه كحال النفي، بيان ذلك أنك حين تقول: جاءني كل القوم أو القوم كلهم كان المغزى من خبرك هو إفادة أن المجيء كان من الجميع كما تقول: جاءني القوم مجتمعين، فالغرض هو أن تفيد مجيئهم مجتمعين لا أن تفيد مجيئهم فحسب، ومثله قولك: جاءني زيد راكبًا، فالقصد هو أن تفيد هيئة مجيئه لا أن تفيد إنه جاءك فحسب، فإذا عارضك معارض في خبرك هذا، وقال لك: لم يأتك القوم مجتمعين كان قصده حينئذ نفي الاجتماع في المجيء لا نفي المجيء،
(1/236)

ولذلك يمكن أن يقول بعد ذلك: وإنما جاءوك فرادى، ولو كان النفي في قوله: لم يأتك القوم مجتمعين، نفيا منصبا على المجيء لما صح أن يقول عقبه: وإنما جاءوك فرادى، والحال كذلك في كل، تقول: جاءني القوم كلهم، فيقول من يعارضك: لم يأتك القوم كلهم وإنما جاءك بعضهم، كما قال البحتري "من الطويل"
وما كل ما بلغتم صدق قائل ... وفي البعض إزراء علي وعاب
هو لا يريد أن ينفي الصدق عن كل خبر بلغهم، وإنما يريد أن ينفي أن تكون كلها صادقة، وهذا يعني أن بعضها صادق، ولذلك قال في الشطر الثاني: وفي البعض إزراء علي وعاب، فهو يسلم أن البعض ليس فيه إزراء عليه، ولو قال: كل ما بلغكم ليس صدقا لما صح أن يقول: وفي البعض وإنما كان يقول: وفي الكل، وكذلك لو قال: كل القوم لم يأتوك، لم يصح أن يقول بعدها: وإنما جاءك بعضهم؛ لأنه لما قدم كل على النفي أفاد عموم النفي، وأنه لم يأتك منهم أحد، فلا يصح أن يقول: وإنما أتاك بعضهم؛ لأن في ذلك تناقضًا.
وقد ذكر عبد القاهر كل هذا في قوله:
"واعلم أنك إذا نظرت وجدت الإثبات كالنفي فيما ذكرت لك، ووجدت النفي قد احتذاه فيه وتبعه، وذلك أنك إذا قلت: جاءني القوم كلهم كان "كل" فائدة خبرك هذا، والذي يتوجه إليه إثباتك بدلالة أن المعنى على أن الشك لم يقع في نفس المجيء أنه كان من القوم على الجملة، وإنما وقع في شموله الكل، وذلك الذي عناك أمره من كلامك".
وجملة الأمر أنه ما من كلام كان فيه أمر زائد على مجرد إثبات المعنى للشيء إلا كان الغرض الخاص من الكلام، والذي يقصد إليه، ويزجي القول فيه، فإذا قلت: جاءني زيد راكبًا، وما جاءني زيد راكبًا كنت قد وضعت كلامك؛ لأنك تثبت مجيئه راكبا أو تنفي ذلك لا، لأن تثبت المجيء وتنفيه مطلقا هذا ما لا سبيل إلى الشك فيه".
(1/237)

والشواهد التي تقرر هذا الأصل عند عبد القاهر كثيرة منها قول الشاعر "من الطويل"
فكيف وكل ليس يعدو حمامه ... ولا لامرئ عما قضى الله مزحل
فقوله: وكل ليس يعدو حمامه، خرحجت فيه كل عن حيز النفي، فأفادت عموم النفي، أي أن كل واحد لا يعدو حمامه، ولو قال: وليس كل يعدو حمامه لأفاد أن بعض الناس يعدو حمامه.
وقول دعبل: "من الطويل"
فوالله ما أدري بأي سهامها ... رمتني وكل عندنا ليس بالمكدي
أبالجيد أم مجرى الوشاح وإنني ... لأنهم عينيها مع الفاحم الجعد
فقوله: "وكل عندنا ليس بالمكدى" يعني: أن كل محاسنها كالسهام التي تصمى وتصيب، ولو قال: وليس كل عندنا بالمكدى لأفاد أن بعض محاسنها لا تصل في فعلها فيه إلى الغاية، فبعضها كالسهام الصائبة، وبعضها كالسهام الطائشة.
وعكس هذين الشاهدين قول البحتري يمدح يعقوب بن أحمد في قصديته: "من الطويل"
على الحي سرنا عنهم وأقاموا ... سلام وهل يدني البعيد سلام
قال فيها:
واعلم ما كل الرجال مشيع ... وما كل أسياف الرجال حسام
والرجل المشيع هو الشجاع الصعب المتهور الذي كأنه يشيع قلبه، قال: ما كل الرجال مشيع، أي أن هناك رجالا فيهم أصالة الشجاعة والإقدام، وهناك من ليس كذلك، هناك الرجال الأحرار، وهناك العبيد الأندال....
(1/238)

وقوله: وما كل أسياف الرجال حسام، أفاد: أن بعض الأسياف تقطع وبعضها ليس كذلك، ولو قال البحتري: كل الرجال ليس مشيعا، ولك الأسياف ليست حساما، لأفاد نفي الشجاعة عن كل رجل، ونفي الجودة عن كل سيف.
هذا كله كما قلنا ملخص كلام عبد القاهر، وقد أيدته كما رأينا الاستعمالات البليغة، ولكن التعميم في القاعدة من غير احتياط يفتح غالبا بابا من أبواب الاعتراض لا تجد له مدافعًا، قال عبد القاهر وهو يحدد الفروق المعنوية بين مختلف هذه التراكيب: "إذا تأملنا وجدنا إعمال الفعل في كل، والفعل منفي لاي صلح أن يكون إلا حيث يراد أن بعضا كان وبعضا لم يكن"، فوضع القاعدة وضاعا قاطعا من غير أن يحتاط لما عساه يكون قد جاء في الكلام البليغ على خلافه، فهيأ بذلك للعلامة سعد الدين أن يستدرك عليه بشواهد واضحة، قال سعد الدين معلقا على هذه القاعدة: وفيه نظر؛ لأنا نجده حيث لا يصلح أن يتعلق الفعل ببعض، كقوله تعالى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} 1، و {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} 2، و {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} 3، "فالحق أن هذا الحكم أكثري لا كلي"، فحرر القاعدة لما جعلها غالبة لا لازمة؛ لأن الآيات التي ذكرها -ومثلها في القرآن- تقدم فيها النفي على كل وهذا يعني - لو سلمت القاعدة- أن الله سبحانه لا يكره كل مختال، وإنما يكره البعض ومثله كل كفار وهو ما لا يكون.
ولا يفوتك هنا أن تتأمل أدب أهل العلم، لما وجد سعد الدين -وهو من سعة علم ونفوذ رأي- خرما في قاعدة عبد القاهر لم يزد على أن قال:
__________
1 الجديد: 23.
2 البقرة: 276.
3 القلم: 10.
(1/239)

وفيه نظر، ثم ذكر الأدلة التي لا يتطرق إليها الاحتمال، وهذا ما يجب أن نتعلمه مع العلم؛ لأنه من أدب البحث، ويجب أن نأخذ به نفوسنا حتى يعصمها مما يدور حولنا من التقاذف عند الاختلاف، وخاصة عند طبقة "فتوات المقاهي" الذين حملوا أقلاما، وصاروا علماء يناقشون في هذه الزمن الغبي، ثم إنهم لم يكتفوا بأن يحشروا أنفسهم في زمرة أهل العلم، وإنما أصروا على أن يكونوا رواد تنوير، ولما كانوا هم وقادتنا الكبار من رحم واحدة ملكهم قادتنا وسائل التوجيه التي اغتصبوها من الشعوب مع ما اغتصبوه من شئونها، وسياستها وأموالها ومقدراتها، ويوم تعود للشعوب حقوقها في سياسة أمرها، وتوضع الأمور في نصابها سترى هؤلاء جميعًا يعودون إلى جهة واحدة لا تتجاوزوها مؤهلاتهم جميعا، وهي أوكار قطاع الطرق، وإن غدا لناظره قريب.
(1/240)

المظهر والمضمر:
لحظ البلاغيون أن دراسة وضع المظهر موضع المضمر وعكسه، ودراسة الالتفات تتصل بباب المسند إليه؛ لأنها من أحوله، فألحقوها بهن كما لحظوا أن أساليبها مما لا تجري على مقتضى المقررات المتعارفة، وإنما هي ضروب من المخالفة، فترجموا لها بخروج المسند إليه على خلاف مقتضى الظاهر، وألحقوا به أسلوب الحكيم؛ لأنه ضرب من المخالفة.
وقد تابعناهم في ذلك لبنائه على ملاحظات دقيقة في ربط مباحث العلم، وتلاحقها في نظام يجمعها، ثم إننا نكره الاختلال في تنظيم مسائل العلم ما دام لها وجه، وليس هذا قيدا على الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد النافع هو في مسائل العلم؛ لأنها جوهر.
أما مخالفة مقتضى الظاهر في الإضمار والإظهار، فقد قالوا: الأصل ألا يذكر الضمير إلا وقد سبقه ما يعود عليه ليكون المقصود بالكلام واضحا، تقول: لقيت زيدا وأكرمته، فتذكر الضمير في أكرمته؛ لأنه سبقه ما يعود عليه، ولا تقول لقيته هكذا ابتداء؛ لأن ذلك ضرب من التعمية، والإلباس يناقض القصد من اللغة والبيان.
ومع وضوح هذا الأصل تجد صورًا من الأساليب بنيت على خلافه، فيذكر الضمير ليفسر بمتأخر عنه في بعض هذه الصور، أو يذكر منن غير مفسر اعتمادًا على فهم السامع، أو وضوح المعنى أو غير ذلك مما نشير إلى بعضها إن شاء الله.
ومن الصور التي يفسر فيها الضمير بمتأخر عنه ما يكون الضمير فيه ضمير الشأن والقصة، والأساليب التي تصاغ على هذا الطريقة حين تصيب مواقعها تجد لها مذاقا حسنا ووقعا جليلا؛ لأن الضمير حين يطرق النفس من غير أن
(1/241)

يكون له عائد يعود عليه يصيرها إلى حالة من الغموض، والإبهام لا قرار لها معها، فتستشرف إلى اكتشاف الحقيقة المتوارية وراء الغموض المثير، فإذا جاءت الجملة المفسرة تمكن معناها، ووقع في القلب موقع القبول، وتراهم لا يبنون الكلام على هذا الأسلوب إلا في المعاني المهمة التي يهيئون النفوس لتلقيها، وإذا رأيتهم يمثلون له بمثل قولنا: هو زيد قائم أو هي هند قائمة -وإن كانوا يقولون: إن المختار في ضمير القصة ألا يؤنث إلا إذا كان في العبارة مؤنثا لا؛ لأن هذا المؤنث هو مرجعه-؛ لأن مرجعه هو الجملة كلها -ولكن؛ لأن حس الكلمات كأنه ألف ضمير المؤنث مذكورًا فيما فيه تأنيث- إذا رأيتهم يمثلون له بمثل هذه الأمثلة، فاعلم أنها أمثلة نحوية لاتراعى فيها المعاني بقدر ما يراعى فيها بيان الصناعة وشرح القاعدة، وليس من الفصيح أن نقول: هو زيد قائم أو هي هند قائمة؛ لأن الخبر الواقع بعد ضمير الشأن لا بد، وأن يكون خبرًا ذا بال، نعم يصح ذلك إذا كان زيد، أو هند مما يكون خبر قيامه مهما؛ لأن الشأن فيه لا يقوم لمانع يعلمه المخاطب، وأدرت إخباره بزوال هذا، وأن زيدا صار يقوم.
ومن مواقعه الجليلة قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} 1، فقوله: هو ضمير الشأن ومفسره الجملة بعده، وواضح أن مضمونها معنى كبير هو محور الصراع في تاريخ البشرية، ولو قال سبحانه: {اللَّهُ أَحَدٌ} لما وجدت للكلام هذا الأثر، وهذا القوة التي تحسها النفس من هذه التهيئة المؤذنة بأن ما سيأتي بعدها كلام له خطر عظيم.
وخذ قوله تعالى بعد ما ذكر قصة المكذبين وإهلاكه القرى وهي ظالمة قال: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} 2، قوله: فإنها ضمير الشأن والقصة، وتفسيره قوله: لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى
__________
1 الإخلاص: 1.
2 الحج: 46.
(1/242)

القلوب التي في الصدور، وقد هيأ النفس لتلقي هذا المعنى الجليل الذي يفسر موقف العقول المنكرة من الأدلة البينة.
ومنه قول أبي خراش الهذلي في أبياته التي ذكر فيها عروة أخاه وخراش ابنه، وكانا قد أسر فقتل عروة ونجا خراش قال: "من الطويل"
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشر أهون من بعض
فوالله ما أنسى قتيلا رزيته ... بجانب قوسي ما مشيت على الأرض
على أنها تعفو الكلوم وإنما ... نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي
قال على أنها فذكر ضمير القصة، وهيأ به النفس لتلقي هذا المعنى الغريب الذي يشير إلى أن الآلام مهما كانت قاسية، فإنها لا تستعصي على الأيام التي تبتلعها وتطويها، ويشير أيضا إلى أن الإنسان مستهدف للأحداث، وأن تعاقبها يجعل المرء في شغل بالثانية عن الأولى، وكان هذا المعنى غريبا؛ لأنه استدرك به على قوله قبله: فوالله ما أنسى قتيلا، وقد ألم الأحوص بهذا المعنى في قوله: "من البسيط"
إن القديم وإن جلت رزيته ... ينضو فينسى ويبقى الحادث الأنف
قال المرزوقي: وأبلغ مما قاله قول الآخر: "من الطويل"
فلم تنسني أوفى المصيبات بعده ... ولكن نكء القرح بالقرح أوجع
ومنه قول أبي تمام: "من الطويل"
على أنها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب
فالضمير في قوله: أنها ضمير القصة، والجملة المفسرة كما ترى ذات معنى جليل، فقد تكاثرت العجائب حتى ألفت، وفقدت ما به تكون عجيبة، فليس فيها عجائب.
ومن الصور التي يفسر فيها الضمير بمتأخر عنه قولهم: نعم رجلًا زيد إذا
(1/243)

اعتبر زيد خبر مبتدأ محذوف؛ لأن فاعل نعم يكون ضميرًا عائدا على مفعول مبهم كالمظهر في نعم الرجل، أي ليس له مدلول معين، وهذا الإبهام تفسيره الجملة المذكورة بعده -هو زيد- فإذا كان المخصوص مبتدأ مؤخرًا، ونعم خبرًا مقدمًا، فلا يدخل في هذا الباب؛ لأن الضمير الفاعل عائد حينئذ على المخصوص.
وقد يأتي الإضمار من غير ذكر مفسر، وذلك اعتمادًا على وضوح المراد وادعاء أنه معروف حاضر في القلب لا يخطر بالبال سواه، كما ترى في مطالع القصائد التي تذكر الصاحبة بضمير عائد عليها مثل قوله: زارت عليها للظلام رواق، وموقعه من الملاحظة والعذوبة على ما ترى، وقد يكون الإضمار خاليا من هذه الإشارة، وإنما اعتمد فيه على مجرد الوضوح فقط كما في قول أبي كبير الهذلي يذكر تأبط شرًا: "من الكامل"
مما حملن به وهن عواقد ... حبك النطاق فشب غير مهبل
أراد في قوله: ما حملن به، النساء، ولم يجر لهن ذكر لوضوح المراد، والمعنى -كما يقول المرزوقي- وهذا الفتى من الفتيان الذي حملت أمهاتهم بهم، وهن غير مستعدات للفراش، ولا واضعات ثياب الحفلة، فنشأ محمودا مرضيا لم يدع عليه بالهبل والثكل.
أما وضع المظهر موضع المضمر، فإنه يشير إلى معان قد يكون بعضها من خصوص دلالة الاسم الظاهر الذي أوثر وضعه موضع المضمر، فإذا كان اسم إشارة أفاد كمال العناية بتميزه؛ لأن الخبر عنه خبر غريب، وذلك كقول ابن الراوندي الزنديق:
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصير العالم النحرير زنديقا
ققوله: هذا يعني به مضمون البيت السابق، وهو عجز العاقل في تحصيل رزقه وفلاح الجاهل في تحصيله، اسم الإشارة يعود إلى هذا المضمون، وهو معنى غير محسوس، والمقام للإضمار كما يقول سعد الدين، ولكنه وضع
(1/244)

اسم الإشارة موضع الضمير لتمييز هذا المعنى، وتحديده تهيئة للإخبار عنه بهذا الخبر الغريب، وهو أنه حير الأوهام، وأحال العالم النحرير أي الذي ينحر المسائل، أو يقتلها علما أحاله جاحدًا زنديقا، وتبا له فقد كذب على العلماء، وماذا لو عاش في زماننا، ورأى أوطاننا يعيش فيها اللصوص، ويموت فيها الأنبياء.
وقد ذكرنا في ذكر المسند إليه، وتعريفه بالإشارة شواهد يصلح كثير منها لهذا الموضوع.
ومن ذلك والمذكور غير اسم الإشارة قول إبراهيم بن أدهم: "من الوافر"
إلهي عبدك العاصي أتاك ... مقرا بالذنوب وقد دعاك
فإن تغفر فأنت لذاك أهل ... وإن تطرد فمن يرحم سواك
قال عبدك، وهو يريد نفسه، وكان الظاهر أن يقول: أنا أتيتك، ولكن آثر قوله: عبدك؛ لأن في كلمة عبد معنى التذلل والخضوع، ثم في هذه الإضافة ما يرشح الرجاء؛ لأن فيه أنني عبدك الذي هو مضاف إليك، وكل هذا مما يحسن به سياق
الضراعة والدعاء.
وقوله تعالى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} 1، قال: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} ، وقد تقدم ذكرهم؛ لأن في هذه الصلة ما يشير إلى استحقاقهم العذاب
النازل عليهم، وفيه أيضا زيادة تقرير أنهم ظالمون، وهذا الأسلوب يرد في القرآن كثيرا، ووراءه إشارات مستحسنة، انظر إلى قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ
__________
1 البقرة: 59.
(1/245)

يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} 1.
قال ابن الأثير: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، ولم يقل: وقالوا، كالذي قبله للدلالة على صدور ذلك عن إنكار عظيم، وغضب شديد، وتعجب من كفرهم بليغ لا سيما، وقد انضاف إليه قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ} ، وما فيه من الإشارة إلى القائلين والمقول فيه، وما في ذلك من المبادهة كأنه قال: وقال أولئك الكفرة المتمردون بجراءتهم على الله، ومكابرتهم لمثل ذلك الحق المبين قبل أن يتدبروه: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} .
وابن الأثير يستمد مما ذكره الزمخشري في هذه الآية الكريمة، فقد نبه فيها إلى لطائف، فلحظ مدلول كلمة الحق، وإن مقالتهم هذه الخاطئة قالوها للحق، وذلك تسجيل عليهم بالتجاوز البين، والبعد الواضح عن محجة الصواب، ثم كلمة لما وما فيها من المبادهة، أي أنهم فور مجيء الحق قالوا تلك المقالة، من غير نظر وتدبر.
ومن هذا قوله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} 2.
قال: {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} ، فذكرهم بضمير المخاطب ثم قال: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} ، وكان سياق الأسلوب أن يقول: ثم أنزل الله سكينته عليكم، ولكن لما كان في إنزال السكينة لطفا بهم، وتكريما لهم قال: رسوله والمؤمنين فذكرهم بأوصاف التكريم والتعظيم، وذكر أهليتهم لنزول السكينة، وفيه تعظيم لشأن الإيمان، وأن من حصله على وجه كان مع الرسول في الكرامة.
__________
1 سبأ: 43.
2 التوبة: 25، 26.
(1/246)

وقوله تعالى: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ، كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ، وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} 1.
قال: وقال الكافرون والأصل أن يقال: وقالوا: ولكنهم ذكروا بصفة الفكر ليتقرر أنه لا يقول في نبي الله هذه المقالة إلا جاحد لكل خير، كافر بكل حقيقة، وأن الكفر يقترن بالكذب والبهتان، ومجانبة الصدق والعدل، ولولا أنه أفسد طباعهم لما اجترءوا على من يعرفون فضله وصدقه.
وواضح من هذه الشواهد أن هذه الإشارة إنما أوحت بها دلالة المظهر؛ لأنها ذات خصوصية في السياق مثل الذين ظلموا، والكافرين، ورسوله -والمؤمنين، وهناك ضرب من وضع الظاهر موضع المضمر يراد به مع هذه الخصوصية تقرير المظهر، وتمكينه في القلوب، ومن ذلك قوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ} 2، قال {اللَّهُ الصَّمَدُ} بعد ذكر لفظ الجلالة، وآثر المظهر على الضمير؛ لأن للفظ الجلالة بمدلوله الكريم وقعًا عظيمًا في القلوب، والمراد تمكين الألوهية، وإشاعة هيمنتها في الضمائر، وخذ المصحف واقرأ فيه من أي موضع تشاء تجد هذا الأسلوب، وكأنه أصل من أصول البلاغة القرآنية، تجد أسماء الله الحسنى، وخصوصًا هذا الاسم الأعظم يقع هذا الموقع في كثير من الجمل القرآنية لينساب نورها الغامر في القلوب، وتشيع مدلولاتها فتتمكن من النفوس زيادة تمكن، وتتقرر في السرائر أحسن قرار، وبذلك تتربى مهابة الحق وحده في الأمة التي يربيها القرآن، فلا يكن في صدرها خشية إلا لله وللحق.
وقد أدرك البلاغيون وحي الكلمة، وعملها بما يثيره لفظها من شئون في
__________
1 سورة ص: 1-4.
2 الإخلاص: 1، 2.
(1/247)

النفس لا يستطيعها الضمير العائد عليها، فأشاروا إلى أن الكناية -يعنون بها الضمير- التعويض لا يعملان في العقول عمل الإفصاح والتكشيف، فإذا كان الضمير يعطي إشارة ذهنية إلى العائد عليه هذه الإشارة تحضره في النفس إلا أن قدرا كبيرا منن التأثير يظل الاسم الظاهر محتفظا بها، ولا يستطيع الضمير حملها نيابة عنه؛ لأنها تتولد حين يقرع اللفظ السمع بجرسه، وارتباطاته المختلفة جدا الاختلاف، والتي اكتسبها في قصته الطويلة مع الكلمات، والأحداث والمواقف، خذ لذلك قوله تعالى: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} 1، فإنه من الواضح أنه لو قيل: وبه نزل لكان الضمير عائدا على الحق، ومؤديا معناه من حيث الدلالة النحوية أو الدلالة المنطقية، ولكن يبقى لكلمة الحق من القدرة على إثارة قدر كبير من الخواطر لا ينهض الضمير بشيء منها.
وليس ذلك خاصا بكلمة الحق ودلالتها الإنسانية الخصبة، وإنما يجري في كثير من الكلمات التي لها في سياق الحديث مكان خاص، انظر إلى قول النابغة:
نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما
نجده لم يقل: نفس عصام سودته، وإن كان الضمير عائدا على عصام من غير لبس؛ لأنه لأراد أن تقع السيادة من نفس عصام على عصام هكذا بلفظه.
قال عبد القاهر:
"لا يخفى على من له ذوق حسن هذا الإظهار، وأن له موقعا في النفس، وباعثًا للأريحية لا يكون إذا قيل: نفس عصام سودته شيء منه البتة".
والموقع في النفس وبعث الأريحية هو من الكلمة من حيث هي صوت لكل جرس فيها خاطر سكن النفس مع هذا الجرس وانبعث به، وإلا فأي فرق بين زيد، والضمير العائد على زيد؟
__________
1 الإسراء: 105.
(1/248)

الالتفات:
لون من ألوان الصياغة يعين ذا الموهبة الصادقة على الإيحاء بكثير من اللطائف والأسرار، ويلفت النفس المتلقية الواعية إلى كثير من المزايا، وكلما أمعنت النظر في مواطنه من الكلام الرفيع بانت لك وجوه من الحسن تزيدك إحساسًا بقدرته.
وقد كلفت بهذا السلوب، وتابعت أقوال العلماء فيه، وهي كثيرة كثرة تدل على أهميته وعنايتهم به، ثم إن هذه الكثرة من الدراسة، والأقوال المختلفة حوله ربما كانت لونا من الصعوبة عند التصدي لدراسته، إلا أنني سوف أحاول استخلاص زبدة أقوالهم في بيان ضروبه، ومزاياه معرضا عما توارد عليه من آراء في نشأته، ونضوجه؛ لأنني هنا كما أشرت لست معنيا بالنشأة والتطور؛ لأن لهذا درسا ينبغي أن يكون جادا وحافلا، ونرجو أن نفرغ له يوما، وغياب تاريخ هذا العلم بصورة جادة يعد نقصا ظاهرًا في المكتبة البلاغية، وليس بين أيدي الناس منه كتاب يعتبر إلا كتاب الدكتور شوقي ضيف، وهو رجل معان؛ لأنه مع سعة ميدانه يصل به جده الدءوب إلى فوائد كثيرة أعان الله بها طلاب العلم، ونسأل الله له العافية، وأن يجعل جهاده في موازينه.
وابن الأثير يبين لنا علاقة التسمية بالموضع، فيقول بعد إشارة إلى أنه خلاصة علم البيان: "وحقيقته مأخوذة من التفات الإنسان عن يمينه وشماله، فهو يقبل بوجهه تارة كذا وتارة كذا، وكذلك يكون هذا النوع من الكلام خاصة؛ لأنه ينتقل فيه من صيغة إلى صيغة، كانتقاله من خطاب حاضر إلى غائب، ويسمى أيضا شجاعة العربية، وإنما سمي بذلك؛ لأن الشجاعة هي الإقدام، وذلك أن الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره، ويتورد ما لا يتورده سواه،
(1/249)

وكذلك هذا الالتفات في الكلام، فإن اللغة العربية تختص به دون غيرها من اللغات".
وتفسير الشجاعة هنا بإقدام اللغة العربية على طريق من التعبير لم تقدم عليه غيرها من اللغات فيه شيء من المجازفة؛ لأن هذه الخصوصية تصف حالة، أو شعورا إنسانيا عاما، والقول بأن المتكلمين بغير العربية لم يجدوا في نفوسهم هذه الحالة التي تدعو الإنسان إلى مخاطبة نفسه، أو تدعوه إلى أن يصرف القول عن مخاطبه، أو أن يقبل بالخطاب على من ليس في حضرته، قول بعيد، والذي نراه أن الشجاعة هنا إقدام على أنماط من التعبير مخالفة لما يقتضيه الأصل؛ لأنها تعبير بأسلوب الخطاب في سياق الغيبة، وذكر الغيبة في سياق الخطاب، وهكذا، والمعتمد عليه في ذلك سياق الكلام وشفافية الدلالة، وهذا إن تأملته ضرب من الشجاعة، واقتحام سبيل غير السبيل المألوف، وتفسيرنا هذا لشجاعة العربية هو ما يتلاءم مع ما ذكره ابن جني في باب سماه: "شجاعة العربية"، وأراد به الحذف والتقديم، والحمل على المعنى، وغير ذلك مما هو خلاف الأصل، ولا ضير في أن يقودنا هذا التفسير إلى أن نعد كثيرا من فنون التعبير من شجاعة العربية، والمهم في كلام ابن الأثير أنه يقول: إنك ترى الكلام بهذا الفن البلاغي يلتفت ههنا وههنا، وكأن الأسلوب حي يتحرك ويتلفت، ونشاط اللغة وحيوتها عند ابن الأثير باب واسع تراه يصف الكلمات أحيانا بأنها جيش له جلب، وأحيانا بأنها حسان رود لها دل إلى آخره.
هذا وقد اشتهر في تحديد الالتفات مذهبان:
مذهب الجمهور، ومذهب السكاكي.
أما الجمهور فيقولون في تحديده: إنه التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة بعد التعبير عنه بطريق آخر منها، والطرق الثلاثة هي: التكلم والخطاب، والغيبة.
(1/250)

وواضح من قولهم: بعد التعبير عنه بطريق آخر منها، أنه لا يكون في أول الكلام سواء وافق مقتضى الظاهر أو خالفه، فقول القائل، وهو يعني نفسه: ويحك ما فعلت وما صنعت ليس التفاتا عند الجمهور، وإن كان مقتضى الظاهر أن يقول: ويحي ما فعلت وما صنعت، ومثل هذا كثير في الشعر وخاصة في مطالع القصائد، وهذا يعد التفاتًا عند السكاكي؛ لأنه يعني به أن يعبر بطريق من هذه الطرق عما عبر عنه بغيره، أو كان مقتضى الظاهر أن يعبر عنه بغيره، وهذا القسم الأخير هو ما خالف فيه الجمهور، ويشمل ما ذكرناه من قول القائل: ويحك ما فعلت؛ لأنه عبر عن المتكلم بطريق المخاطب، وكان مقتضى الظاهر أن يعبر عنه بطريق التكلم، ولهذا قالوا: إن كل التفات عند السكاكي التفات عند الجمهور من غير عكس، وهذا واضح إن شاء الله.
والالتفات عند الجمهور يتضمن ست صور:
الأولى: الانتقال من التكلم إلى الخطاب
ومنه قوله تعالى في حكاية مقالة الرجل المؤمن الذي كان يدعو قومه من أهل أنطاكية قال: {قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ، وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} 1.
قال: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} ، فجاء بكلامه على طريقة التكلم، ثم قال: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ، وكان السياق أن يقول: وإليه أرجع ولكنه جاء على طريقة الالتفات، وفيه شدة تحذير لهم، وتنبيه إلى أنهم صائرون إلى الله وراجعون إليه، ولا يتأتى هذا لو قال: وإليه أرجع، الالتفات فيه مواجهتهم بصيرورتهم إلى
من يكفرون به، وكأنه يقول لهم: كيف لا تتقون من يئول أمركم إليه وتسألون بين يديه؟
__________
1 يس: 20-22.
(1/251)

الثانية: من التكلم إلى الغيبة
ومنه قوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} 1، قال: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ} ، فجاء بالكلام على طريقة التكلم، ثم انتقل إلى الغيبة في قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ} ، ومقتضى الظاهر أن يقول: فصل لنا، وفيه إشارة إلى حثه إلى الصلاة؛ لأنها لربه الذي رعاه ورباه، فكأنه يقوي داعي الصلاة بذكر ربه.
ومثله قوله تعالى: {حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} 2، فقد جرى الأسلوب كما ترى على طريقة التكلم: {إنا أنزلناه ... إنا كنا ... من عندنا ... } ثم انتقل إلى طريق الغيبة: {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} ، وكان مقتضى ظاهر السياق أن يقول: رحمة منها، ولكن هذا الانتقال هيأ خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المنزل عليه الكتاب، ولو قال: رحمة منا، لما كان هناك سبيل إلى ذكره -صلى الله عليه وسلم، ثم إنه لما قال: رحمة، ناسبها ذكر الرب؛ لأنه يشير إلى معنى التربية والرفق والعناية.
ومنه قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ} 3.
جرى الأسلوب كما ترى على طريقة التكلم: {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ} ، ثمانتقل إلى طريقة الغيبة: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} ، وكان مقتضى ظاهر الأسلوب أن يقول: فآمنوا بالله وبي: والالتفات إلى الاسم الظاهر هيأ إلى
__________
1 الكوثر: 1، 2.
2 الدخان: 1-6.
3 الأعراف: 158.
(1/252)

الأوصاف المذكورة بعده: {النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} 1، وهي أوصاف مهمة في السياق؛ لأنها تحدث على الإيمان به، وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى تصديقه، لا لذاته ولكن لهذه الأوصاف، أي كونه رسولا أميا، وهذه الأوصاف تتضمن نوعا من البرهان على رسالته؛ لأن ما يخبرهم به من وحي السماء، وليس من معارفه المحصلة بالقراءة.
ومثله من الشعر وهو كثير، قول الحصين بن الحمام في مفضليته: "من الطويل"
وأنجين من أبقين منا بخطة ... من العذر لم يدنس وإن كان مؤلما
أبى لابن سلمى أنه غير خالد ... ملاقي المنايا أي صرف تيمما
فلست بمبتاع الحياة بسبة ... ولا مبتغ من رهبة العيش سلما
والبيت الأول يصف خيلهم، وقد نجت من بقى منهم في معركتهم الظافرة يوم دارة موضوع -وكان لهم على بني سعد بن ذبيان- وقوله: بخطة من العذر أراد من بقي منهم، ولم يقتل في هذا الحرب، فقد أبلى بلاء يعذر فيه، فلا يلام على بقائه، فلم يدنس وإن كان مؤلما من جراحه.
قال: أبى لابن سلمى وهو يريد نفسه، وكان قد ذكرها بضمير جماعة المتكلمين في قوله: من أبقين منا، ولكنه نقل الحديث إلى الغيبة ليخيل بذلك أنه يحدثنا عن فارس همام، ويروي لنا قصة شجاعته العجيبة، ثم رجع إلى نفسه، واستمر الحديث عنها في البيت الثالث: فلست بمبتاع الحياة، وطريقة التكلم فيه هي التي تتسع لفيض شعوره، واعتزازه بفضائله، ولو تابعت متصرفات الضمير في القصيدة وكيف ينتقل، أو يلتفت كما يقول ابن الأثير، ونظرت في مقاطع المعاني التي يلتفت عندها، ودرست ذلك لوجدت بابا من أبواب فقه الصنعة لا يزال في مهجعه من الشعر صامتا لم ينطقه أحد بعد.
__________
1 الأعراف: 158.
(1/253)

الثالثة: من الخطاب إلى التكلم
ومنه قول علقمة بن عبدة: "من الطويل"
طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب
يكلفني ليلى وقد شط وليها ... وعادت عواد بيننا وخطوب
قوله: "طحا بك قلب"، ومعناه ذهب بك وأتلفك، وقوله: "شط وليها" أي: بعد قربها والشاهد فيه هو أن الكلام جرى في البيت الأول على طريق الخطاب في قوله: طحا بك، ثم انتقل إلى طريق التكلم في قوله: يكلفني وحسن هذا الانتقال هو أن التكليف بليلى، والحا لكما وصف مقطع مهم من مقاطع المعنى، ووقعه على نفسه وقوعا واضحا، ومباشرا مما يقوى به الكلام، قال المرصفي: وقد مدح -يعني علقمة- ملك غسان واستعطاه، وسأله مع طلب الجائزة أن يمن على أخيه شاس بن عبدة، وكان أسيرًا عند الملك، ولم يكتف بهذا بل طلب الجائزة لأخيه، وكل ذلك في قصيدته التي مطلعها: طحا بك قلب.
الصورة الرابعة: من الخطاب إلى الغيبة:
ومنه قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} 1.
قال: {كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ} ، فجاءت على طريق الخطاب ثم قال: {وَجَرَيْنَ بِهِمْ} فنقل الأسلوب إلى الغيبة والمخاطبون هم الذين إذا نجاهم الله من هول البحر، والموج يغبون في الأرض بغير الحق، وكأن نقل الحديث
__________
1 يونس: 22.
(1/254)

إلى الغيبة فيه معنى التشهير بهم، وكأنه يروي قصتهم لغيرهم؛ لأن هذه الطبائع العجيبة جديرة بأن تذاع وتروى، ثم فيه لطيفة أخرى هي أنهم كانوا في مقام الخطاب كائنين في الفلك: {كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ} ، فهم في مقام الشهود والوجود، ثم لما جرت بهم الريح ذهبوا بعيدا عن مقام الخطاب، فلاءم هذه الحال طريق الغيبة، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ، وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} 1.
جرى الكلام على طريقة الخطاب في قوله: "أمتكم ... ربكم ... فاعبدون ... "، ثم انتقل إلى أسلوب الغيبة في قوله: {وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} ، والأمة المذكورة هي أمة المسلمين، قال الزمخشري في سعر هذه الالتفات: "كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه إلى آخرين، ويقبح عندها فعلهم وقوله لهم: إلا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله"، ومعنى تقطيع الأمر صيرورة الأمة أحزابا، وفرقا بمخالفتها لمنهج القرآن الذي يؤلف بينها ويجمع وحدتها، وفي هذا الالتفات إشارة أخرى هي أن الله سبحانه ينصرف عن هذه الأمة حين يتقطع أمرها بينها، وفيه أيضًا أنها تغيب عن مشهد الحياة حين تنحرف عن منهج القرآن، وانظر إلى الصورة الحية الكامنة في قوله: {وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} ، وكيف يصير أمر الأمة وقوتها، وكيانها قطعا حين الاختلاف، ويخربون بأيديهم أمرها، وشأنها ويهدمون قوتها وريحها.
الصورة الخامسة: الانتقال من الغيبة إلى التكلم
ومنه قوله تعالى: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ} 2، قال: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ} ، فجرى على طريق الغيبة، ثم قال: {فَسُقْنَاهُ} ، وكان مقتضى الظاهر أن يقول: فساقه، ولكنه انتقل إلى التكلم ليحدث إيقاظًا عند هذا المقطع المهم من مقاطع المعنى
__________
1 الأنبياء: 92-93.
2 فاطر: 9.
(1/255)

لأن سوق السحاب إلى الأرض الميتة، فتحيا ضرب من قمسة الأرزاق، فناسب أن ينقل الإسناد إلى ضمير ذي الجلالة سبحانه، ولهذا أيضا لم يسند إلى الرياح على طريق المجاز كما في الجملة السابقة {فَتُثِيرُ سَحَابًا} ؛ لأن إثارة السحاب ليس في خطورة سوقها، واتجاهها نحو ما يشاء الله من عباده؛ الالتفات مهنا يشير إلى أن الله سبحانه يسوق السحاب بذاته العلية، ويقسمه رحمة ورزقا بيديه، ولا يدع ذلك لأحد من خلقه.
وقد جاء ذلك مفصلا في سورة الأعراف آية 57: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى} .
ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} 1.
جاء الكلام على طريق الغيبة في قصة خلق السموات والأرض، وهي أخبار تروي من الغيب البعيد بيننا وبينها ملايين السنين هي عمر هذه الأرض، ثم انتقل إلى طريق التكلم في قوله: {وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا} ، وكان الالتفات هنا ذا مغزى مهم؛ لأن السماء الدنيا وما فيها من كواكب من أظهر، وأوضح الآيات التي تشير إلى القدرة الخالقة التي يحث القرآن على النظر إليها كثيرًا، الالتفات إذن كأنه لفت إلى الموضع الذي تؤخذ منه العبرة، وتدنو به الحقيقة الدالة من القلوب المعتبرة.
ومنه قوله المخبل السعدي في مطلع مفضليته: "من الكامل"
__________
1 فصلت: 11، 12.
(1/256)

ذكر الرباب وذكرها سقم ... فصبا وليس لمن صبا حلم
وإذا ألم خيالها طرفت ... عيني فماء شئونها سجم
كاللؤلؤ المسجور أغفل في ... سلك النظام فخانه النظم
قال: ذكر الرباب، وهو يريد نفسه بدليل قوله: طرفت عيني، وهذا التفات عند السكاكي، وطريقة الغيبة هنا توهمنا أنه يحكي قصة صب مدله ذهب الوجد بحلمه، فصار أمره في الناس حديثا يروى، والرباب صاحبة المخبل، وهو اسم شعري عرفناه في شعر النابغة الجعدي، وامرئ القيس وابن أبي ربيعة، والأخطل وجميل وبشار وغيرهم، وكان أبو العلاء يعجب بها المطلع، وذكر في رسالة الغفران أن جواري من كواكب الجنة قد لحن هذه الأبيات في مجلس من مجالس الفردوس جمع الأعشى، ولبيدا والنابغة الجعدي، فلا يمر حرف ولا حركة إلا ويوقع مسرة لو عدلت بمسرات أهل العاجلة منذ خلق الله آدم إلى أن طوى ذريته من الأرض لكانت الزائدة على ذلك زيادة اللج المتموج على دمعة الطفل، ولله أنت يا أبا العلاء ما أغزر حليك، وأوفر طرقك التي تسلكها إلى ما تريد، لقد أراد أن يحدثنا عن نغم هذه الأبيات، فساق هذه الصورة الرائعة، وتثبت ما أراده بهذا الخبر الذي لا ينسى.
وقوله: طرفت عيني، عدول عن طريق الغيبة في قوله: ذكر الرباب وصبا إلى طريق التكلم وفيه فضلا عن الإيقاظ، وتجديد نشاط السامع ملاءمة دقيقة هي أن هذا الحديث الذي هو غزارة دمعه، أو طرف عينه إنما هو حدث يحسه هو بنفسه، فحسن أن يعبر عنه بطريق التكلم الذي يدل على معاناته هو، وهذا أفضل من أن يجري مثل هذا الحدث عن شخص يخاطبه أو يخبر عنه.
الصورة السادسة: الانتقال من الغيبة إلى الخطاب
ومنه قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1/257)

مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} 1، جرى الأسلوب على طريقة الغيبة كما ترى، ثم انتقل إلى الخطاب في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ، وقالوا في سر ذلك: إن المعاني السابقة من حمد الله والثناء عليه، وذكر ربوبيته للعاملين ورحمته الغامرة، وملكه ليوم الدين تحث النفوس على الإقبال صوب الحق متجهة إليه بالخطاب معلنة وحدانيته بالعبادة والاستعانة، وهكذا يكون الالتفات هنا مشيرا إلى تصاعد الإحساس بالجلال حتى تخلص النفس في مراحل عروجها من شئونها الأرضية، فتشافه الحق وتعلن هناك غاية العبودية والاستسلام.
ويلحظ ابن الأثير في صياغة: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} 2، فرقا دقيقا بين أنعمت عليهم حيث أسند الإنعام صراحة إليه وبين: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} ، حيث تحايل الداعي في أمر الغضب فلم يسنده إليه، ولم يقل غضبت عليهم ليوازن ما قبله.
ويفسر ابن الأثير هذا تفسيرا واعيا بأحوال النفس المتضرعة بهذه الآيات، فيقول: "لأن الأول موضع التقرب من الله بذكر نعمه، فلما صار إلى ذكر الغضب جاء بالفلظ منحرفا عن ذكر الغاضب، فأسند النعمة إليه لفظا وروى عنه لفظ الغضب تحننا ولطفا"، وهذا من التفقد الواعي لصيغ الكلام، وتحليل نظمه، وعلاقاته وروابطه، واستكثر منه.
ومنه قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا} 3.
والإد كما قال ابن خالويه: العجب أو هو العظيم المنكر.
جرى الأسلوب على طريق الغيبة فقال: {وقالوا} : ثم انتقل إلى طريق الخطاب في قوله: {لقد جئتم} ، والالتفات كما هي فائدته العامة لفت
__________
1 الفاتحة: 2-5.
2 الفاتحة: 7.
3 مريم: 88، 89.
(1/258)

وتنبيه، ويكون ذلك عند مقطع مهم من مقاطع المعنى، وهذا يعني هنا أن إنكار هذه الفرية أمر مهم، ومحتاج إلى أن تتهيأ القلوب لتسمع من الحق رده وإبطاله، ثم هو مجابهة لهم ببطالهم، ورمى به في وجوههم.
ومنه قول تأبط شرا في مطلع مفضليته: "من البسيط"
يا عيد مالك من شوق وإيراق ... ومر طيف على الأهوال طراق
يسري على الأين والحيات محتفيا ... نفسي فداؤك من سار على ساق
قالوا: العيد ما اعتادك من حزن وشوق، قوله: مالك أي ما أعظمك، والإيراق مصدر آرقه يورقه من الأرق، والأين نوع من الحيات أو الإعياء.
وشاهدنا قوله: نفسي فداؤك، فقد توجه الأسلوب إلى مخاطب، وكان يجري على طريقة الغائب كأنه يروي أوصافا جديرة بأن تحكي هي أوصاف هذا الفتى الجسور الذي يمر على الأهوال مر الطيف، والذي يسري على الإعياء والحيات محتفيا، وكأن هذه القدرات في هذا الفتى استجاشت الشاعر، وهو جد ولوع بها، على أن يقبل عليه يخاطبه ويفديه، وواضح أنه يريد نفسه في الحالين.
ومنه قوله أبي الأعور سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل: "من الخفيف"
تلك عرساي تنطقان على عمـ ... ـد لي اليوم قول زور وهتر
سألتاني الطلاق أن رأتا ما ... لي قليلا قد جئتماني بنكر
انظر كيف أحضرهما خيال الشاعر لما أحماه سوء الصنيع حيث تنكرت له صاحبتاه لما افتقر، وسألتاه الطلاق، انظر كيف أحضرهما ليقذف في وجهيهما بهذه الإدانة الساخطة "قد جئتماني بنكر".
وهذه هي صور الالتفات وشواهدها، وقد رأينا أن مزيته البلاغية تختلف من أسلوب إلى أسلوب، ولا يمكن أن نضبطه ونحدد مزاياه، والمهم في إدراكه هو حسن التأتي، وصدق النظر، والوعي بسياق الكلام ونوع المعنى، نعم هناك فائدة عامة لهذه الخصوصية تتحقق أينما وجدت، وقد أحسن الزمخشري
(1/259)

بيانها بقوله: "إن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن نظرية لنشاط السامع وإيقاظا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وقد كرر هذا المعنى كثيرا كما كرره البلاغيون بعده، وهي فائدة ذات قيمة كبيرة في الأسلوب؛ لأن إيقاط الحس وإثارة الملكات من أبرز العناصر التي تتوفر في الكلام المختار، وينبغي أن نذكر هذه المزية في كل صورة من صورة الالتفات كما قلنا، وكنا في الشواهد السابقة مهتمين بالدلالات الخاصة التي هي ولائد السياق، والتي تختلف تبعا لذلك، ولا يجوز لك أن تغفل هذا الأصل مع كل شاهد، فتقع في التقصير الذي وقعنا فيه.
وبعد، فإنه ينبغي قبل أن ندع هذا الموضوع أن ننبه إلى أمر مهم، هو أن القول بالانتقال في الأسلوب حين يكون بين أبيات ينبغي أن يؤخذ بمزيد من الحيطة، وخاصة إذا كانت هذه الأبيات من الشعر الجاهلي، أو شعر البوادي في صدر الإسلام، وعهد بني أمية وذلك؛ لأن ترتيب الأبيات -وهو أساس الاستشهاد- قد حدث فيه تغيير كثير، ولهذا وجبت مراجعة الأبيات، وتحقيق مواقع بعضها من بعضها، وإلا كان النظر ضربا من العبث، خذ مثلا لذلك قول ابن الدمينة، وهو من شعراء البادية: "من الطويل"
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... لقد زادني مسراك وجد على وجد
أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على فنن غض النبات من الرند
بكيت كما يبكي الوليد ولم تكن ... جليدا وأبديت ما لم تكن تبدي
وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وأن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد
تجد الشاعر يجري الكلام على طريقة المخاطب في قوله: "بكيت كما يبكي الوليد"، وقد أراد نفسه، وفي البيت الآخر يقول: "بكل تداوينا فلم يشف ما بنا"، واضح أن البيت يضعف لو قال: بكل تداويت وأجراه على أسلوب الخطاب؛ لأنه يصف ما يجده مع هذا الدواء الذي زعموا أنه يشفي من
(1/260)

الوجد فلو أجراه على طريق الخطاب لكان كأنه يقول لمخاطبته: إنك لم تشف من الوجد بعد تجربة الدواء، والوجد داء السرائر المضمرة لا يحس به علة، وشفاء إلا من يعاني لواعجه، طريق التكلم هنا يقوي صدق الخبر، ومن هنا كان الخطاب هو أسلوب البيت الأول: لأنه عتاب على بكاء، وأشجان أثاره هتاف الحمامة، وعتابك الباكي في مثل هذا مما هو شائع، ويلاحظ أنه قال: أإن هتفت ورقاء فأدخل همزة الإنكار على السبب الذي هو هتاف الورقاء، ولم يقل أبكيت لأن هتفت ورقاء؛ لأنه لا ينكر عليه البكاء، فله أن يبكي أحبابه وذلك لا ينكر، وإنما المنكر أن يسلم نفسه لما يحيط به من كل ما يعين على تذكر أيامه الخوالي؛ لأنه ما دام كذلك فلن يرقأ له دمع، وكأنه لا يطلب منه التجلد وعدم البكاء؛ لأنه يعلم أن ذلك مما لا سبيل إليه، وإنما يطلب منه قدرا من التماسك يحفظ به نفسه، فلا يندفع اندفاع الطفل في بكائه لهتفة حمامة أو لمعة برق، وهذا معنى جليل يذهب كله لو قال: أبكيت.
والمهم أنك حين تنظر نظرة دقيقة ينكشف لك ضرب من الملاءمة الدقيقة الجليلة بين المعنى والطريق المعبر عنه، وإياك أن يقع في وهمك أنني أقول: إن في قوله: بكل تداوينا، التفاتا، من الخطاب في قوله: بكيت؛ لأني سقت الأبيات شاهدا على غير ذلك، وسقته شاهدًا على ما يمكن أن يقع فيه الباحث من خطأ إذا أخذ برواية واحدة في الشعر في العصور التي أشرنا إليها.
فهذه الأبيات وردت بهذا الترتيب المذكور في حماسة أبي تمام، وفي دوان ابن الدمينة ذكر قوله: وقد زعموا أن المحب إذا دنا، وما بعده، قبل قوله: ألا يا صبا نجد بخسمة أبيات، وفي ذيل الأمالي قوله: ألا يا صبا نجد لابن الطثرية، وفي مطالع البدور نرى قوله: الا يا صبا نجد، وقوله: بكيت كما يبكي، وقوله: وقد زعموا، وقوله: وبكل تداوينا، منسوبا كل ذلك إلى ابن الطثرية، وفي مسالك الأبصار قوله: وقد زعموا وما بعده، منسوب لقيس بن الملوح وغير ذلك مما لا نستقصيه، وهذا هو الذي دفعني إلى القول بأن دراسة علاقات المعاني بين الأبيات، وصلات الخصائص البلاغية بعضها ببعض في الشعر لا بد أن يكون مسبوقا بجهد واع وكبير، وقد رأينا نموذجا لهذا العمل في دراسة للعلامة محمود شاكر لقصيدة، إن بالشعب الذي دون سلع، وهو في تقديرنا نموذج يحتذى في هذا الباب.
(1/261)

مخالفة مقتضى الظاهر في صيغ الأفعال:
ألحق بعض الدارسين التعبير عن الماضي بالمضارع، والتعبير عن المضارع بالماضي أو بالأمر، وما شابه هذا التصرف بباب الالتفات، ملاحظين أنه -كما يرجح العلوي- هو العدول من أسلوب في الكلام إلى أسلوب آخر مخالف للأول، قال: "وهذا أحسن من قولنا: هو العدول من غيبة إلى خطاب، ومن خطاب إلى غيبة؛ لأن الأول يعم سائر الالتفاتات كلها، والحد الثاني إنما هو مقصور على الغيبة والخطاب لا غير، ولا شك أن الالتفات قد يكون من الماضي إلى المضارع، وقد يكون على عكس ذلك، فلهذا كان الحد الأول هو أقوى دون غيره".
وقد قلنا: إن المشهور في حده مذهبان، وهذا الذي يقوله العلوي خلاف المشهور، وقد ذكره قبله ابن الأثير.
وترانا نتجاوز ما يمكن أن يكون من حوار في مثل هذا الموقف منصرفين إلى تحليل الصور، والبحث في أسرارها للتعرف على دقائق خطرات المعاني وراء أحوال الصياغة، معتقدين بأن عد هذه المخالفة في صيغ الأفعال من الالتفات، أو قصر الالتفات على ما هو المشهور مسألة اصطلاحية لا يترتب عليها كبير أثر.
وإنما الأثر كله في تفقد روابط الكلام، وأحواله وصيغه، واستخراج ما في ذلك كله من رقائق المعاني، ولطائف الإشارات.
ولننظر في قوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ
(1/262)

عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} 1، نجد أن مقتضى الظاهر أن يقول: أمر ربي بالقسط وبإقامة وجوهكم، ولكنه عد لإلى الأمر كما ترى؛ لأن المعنى المعبر عنه الذي هو إقامة الصلاة معنى مهم، وقد أفادت هذه المخالفة أن الحديث بلغ مقطعًا من المعنى يجب على السامع أن يلتفت إليه، وهذه قاعدة عامة في كل مخالفة، ثم في توجيه الأمر إليهم بإقامة الصلاة دلالة على مزيد العناية بها، وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم ينفتل إلأيهم عند ذكر الصلاة آمرًا، ومؤكدًا إقامتها، ثم انظر إلى التعبير عن الصلاة بقوله: {بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} تجد التعبير بإقامة الوجوه فيه معنى العزة، ورفع الرأس إلى السماء عند مساجد الله حيث تنحى الأصلاب لخالقها، وتسجد في ساحته مؤكدة بذلك أنها لا تنحني لمخلوق ما دامت عرفت الانحناء للخالق، ولا تطأطئ في ساحة طاغية ما دامت سجدت لله رب العالمين لا شريك له، ومن هنا كانت الصلاة، وكان التدين المستنير الواعي ثورة على الفساد في الأرض، ورفضا للطغيان وحربا لا تهادن الاستبداد.
وانظر إلى قوله تعالى: {قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ، إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} 2.
قال الزمخشري: "فإن قلت: هلا قيل: أشهد الله وأشهدكم؟ قلت: خالف وقال: واشهدوا بصيغة الأمر وذلك؛ لأن في أمرهم أن يشهدوا ببراءته من دينهم ضربا من التحدي المغيظ.
قال الزمخشري: "فإن قلت: هلا قيل: أشهد الله وأشهدكم؟ قلت: لأن إشهاد الله على البراءة من الشرك، إشهاد صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد، وشد معاقده، وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم، ودلالة على
__________
1 الأعراف: 29.
2 هود: 53، 54.
(1/263)

قلة المبالاة بهم فحسب، فعدل به عن لفظ الأول لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر بالشهادة كما تقول لمن يبس الثرى بينه وبينك، أشهد على أني لا أحبك".
فالمخالفة كما يذكر الزمخشري تفيد الفرق بين نوعين من الشهادة: شهادة الله على براءته مما يشركون، وتلك شهادة صحيحة وشهادتهم، وتلك شهادة لافائدة منها إلا التهاون بهم، فلما وجد هذا الفرق المعنوي بين الشهادتين، وجب أن يوجد في الصياغة ضرب من المخالفة.
والفعل المضارع يدل على الحال أي على وقوع الحدث الآن، وهذه دلالته الأصيلة، ومن هنا كانت صيغته أقدر الصيغ على تصوير الأحداث؛ لأنها تحضر مشهد حدوثها، وكأن العين تراها وهي تقع، ولهذا الفعل مواقع جاذبة في كثير من الأساليب حين يقصد به إلى ذلك، وترى المتكلمين من ذوي الخبرة بأسرار الكلمات يعبرون به عن الأحداث الهامة التي يريدون إبرازها، وتقريرها في خيال السامع.
خذ لذلك قول الزبير بن العوام في غزوة بدر قال: "لقيت عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو على فرس وعليه لأمة كاملة لا يرى منه إلا عيناه، وهو يقول: أنا أبو ذات الكئوس، وفي يدي عنزة فأطعن بها في عينيه، فوقع ثم أطأ برجلي على خده حتى خرجت العنزة من عنقه".
الأفعال في هذه القصة كلها قد وقعت قبل زمن حكايتها، ولكن الحاكي -رضي الله عنه- عبر عن بعض هذه الأحداث بصيغة المضارع التي تشير إلى أن الحدث يقع الآن، قال: فأطعن بها في عينيه وكان قياسه أن يقول: فطعنته كما قال: لقيت عبيدة، ولكن هذا الجزء من المعنى أعني طعنه هذا الفارس المستلئم الذي كان مدلا باقتدراه عمل جليل من الزبير رضي الله عنه، فحرص على إبرازه، واستحضار صورته شاملة يراها من يسمعه من خلال العبارة التي
(1/264)

استطاعت أن تنقل مشهد الحدث من واقعه الذي غبر إلى مقام الحضور، وكذلك قوله أطأ.
وهذا كثير جدا، ومما يبلغ فيه الغاية قوله تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} 1، قال: يسبحن والسياق أن يقول: مسبحات؛ لأن التسبيح قد وقع في زمن داود عليه السلام، ولكن لما كان تسبيح الجبال من أعجب الأحداث، وأدلها على قدرة العزيز الرحيم عبر عنها بصيغة المضارع التي نقلت الحدث من الماضي السحيق، وأحضرته في مقام المشاهدة، وكأنه يقع الآن، وكأنك ترى هذا المشهد الجليل من مشاهد القدرة الباهرة.
قال الزمخشري: "فإن قلت: هل من فرق بين يسبحن ومسحبات؟ قلت: نعم وما اختير يسبحن على مسبحات إلا لذلك، وهو الدلالة على حدوث التسبيح من الجبال شيئا بعد شيء، وحالا بعد حال، وكأن السامع حاضر تلك الحال يراها تسبح".
وهذا كما ترى من قدرات اللغة التي تستطيع كلمة منها بل صيغة كلمة أن تحضر مشهدا هائلا كذا، وكأن الكون والزمان، والأحداث كلها مضمرات في بظون الكلمات تفصح عنها حين تديرها يد الخبير بطبائعها، وأقرأ أول معلقة زهير، وكان من أقدر الشعراء على توظيف الوسائل اللغوية، واستغلال طاقاتها التعبيرية.
والفعل الماضي يعبر عن الحدث المستقبل، فينقله إلى الزمن الذي مضى، ووراء ذلك إشارات تختلف باختلاف السياق.
انظر إلى قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} 2.
__________
1 سورة ص: 18.
2 النمل: 87.
(1/265)

قال: {ففزع} : والمراد فيفزع؛ لأن الحدث لم يقع بعد، ولكنه عبر عنه بالماضي إشارة إلى تحقق وقوعه، فهو لا محالة واقع، وما دام الأمر كذلك، فلا فرق بين الماضي والمضارع، الماضي هنا يخيل أن الزمن قد طوى، وأنه قد فزع من السموات ومن في الأرض، وانظر إلى قوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ} 1، والقياس يأتي ولكنه لما كان آتيا لا محالة اعتبر كأنه قد أتى، وأنه فعلا قد أحاط بالحياة.
وانظر إلى قوله: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا} 2، وقال: {حَشَرْنَاهُمْ} ، بصيغة الماضي كأن هذا الحشر الذي ينكره المعاندون قد وقع فعلا.
وانظر إلى قوله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ} 3، وتأمل صيغة الماضي في قوله: "فكبت"، والناس لا يزالون أحياء، وفيه كما ترى تهديد بالغ، ثم تأمل البناء للمجهول، وكيف دل على الحركة الخاطفة السريعة التي فجأتهم، فلم يدروا من أين أتت، ثم إن المجهول في هذا الموقف المخيف يثير خيالات كثيرة.
والقرآن الكريم يعرض كثيرا من مشاهد القيامة في صور الماضي، وكأنها أحدث قد وقعت، وذلك ليؤكد كينونتها، وأن زمن الدنيا في حساب الحق كأنه زمن قد انتهى ليواجه بهذا الأسلوب الحاسم دواعي الانصراف عن أمر القيامة.
ومن ذلك، قوله تعالى:
{وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ
__________
1 النحل: 1.
2 الكهف: 47.
3 النمل: 90.
(1/266)

أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ، وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ، قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} 1.
الأحداث والمشاهد في هذه الآيات الكريمة لم تقع بعد، ولكن صياغتها تنقلها إلى المحيط الذي وقع، فقد تجلى الحق وأشرقت الأرض بالحقيقة المطلقة، ولم يعد في زواية من زواياها موضع للجحود والإنكار، ووضع الكتاب رمز العدل والفصل، وجيء بالنبيين والشهداء، وتزاحم الموقف بالصور والأحداث، ومرت كلها في رهبة ومر موكب الذين كفروا، وهم يساقون إلى جهنم زمرا بعدما انتهى الحوار بينهم وبين خزنة جهنم، ودخلوا أبوابها، وأحكم عليهم الرتاج في مثوى المتكبرين.
التعبير بالماضي عن المستقبل في هذا السياق تجاوز الزمن وطواه، فدارت بنا الأحداث، ووقفنا مع الواقفين، ووفيت نفوسنا ما عملت، ولم أجد مثل هذا في كلام الجاهليين أعني لم أجد اللغة في بيانهم قد انتزعت مشهدا متزاحما كهذا المشهد انتزعته من الزمن المقبل، وأدارته بأفاعيلها إلى زمن مضى، وكأنها أحداث قد تقضت، وانقضت كما ترى في الآية الكريمة، وكانت الصور الزاخرة عندهم هي صور حيوانات الصحراء، وصراعاتها أما مثل هذا فلا وجود له في شيء من كلامهم، والمهم أنك لا ترى في تقرير الحقائق أبلغ من هذا التعبير، ثم إن هذه الحقائق كما ترى لها أهمية كبيرة في العقيدة، وهي موضع مجاذبة؛ لأنها معتقدات بغيب فهي صور غريبة على النفوس الأرضية التي لا تؤمن إلا بما يدنو من حسها، ورؤاها مما يدور في آفاقها المحدودة.
__________
1 الزمر: 69-72.
(1/267)

وانظر إلى قصة ثانية تحكي جانبا من جوانب هذا الموقف الحافل الذي تناولته آيات كثيرة كما أشرنا، وكل واحدة منها تبرز جانبًا من جوانبه.
يقول سبحانه: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ، وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ، لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ، وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ، أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيد} 1.
ليس من شك في أن صيغة الماضي ألقت على الأحداث طابع الحكاية المروية، وكأن كل ذلك قد وقع، وأنت الآن تسمع تلك القصة التي تملأ قبلك إشفاقا وخشية، هذا الأسلوب لا يدعك تفكر في إمكان وقوع الأحداث كما يكون الحال لو جاء بصيغة المضارع، وإنما يدعك تفكر في الأحداث، والمواقف نفسها لتتأمل ما فيها من رهبة، أو رغبة فمسألة الوقوع، وعدمه ألغاها الفعل الماضي حين صيرها واقعا يروى، ونقلها من الممكن الذي سيكون، والآيات فيها كثير من الإشارات، والخصائص الواقعة أحسن موقع.
انظر كيف بدأت طريق القيامة من أوله أي حين يقارب خطو الإنسان عتبة الآخرة بمجيء سكرة الموت بالحق، وانظر إلى كلمة: وجاءت سكرة الموت، ولفظ الماضي الذي لا يدع الخاطر يحوم في أفق الانتظار، وإنما يلج به قلب الحقيقة التي شملته وأحاطت به، وانظر إلى اسم الإشارة الذي يتردد في هذا السياق ليبرز الحقائق التي كانت تحيد عنها النفوس، وتأمل كلمة: {تحيد} في قوله: {ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} ، تجدها تبلغ الغاية في الدقة وتصوير حال النفس التي لا تستطيع أن تحدق في الحقائق القاسية، كلمة: {تحيد} تصف.
__________
1 سورة ق: 19-24.
(1/268)

الهروب من مواجهة الحقائق، وكلمة ذلك تضع الحقيقة شاخصة في مواجهة النفس الهاربة ...
وهذا الأسلوب لا يهتدي إلى مواقعه الشريفة إلا من مهر في سياسة الأساليب، وقلما تعثر عليه في كلام القوم الذين نزل فيهم القرآن؛ لأني لم أجده بهذه الغزارة وهذه الإصابة، وهذا السخاء، وهذا الزخم.
قال ابن الأثير:
"واعلم أيها المتوشح لمعرفة علم البيان أن العدول عن صيغة من الألفاظ إلى صيغة أخرى لا يكون إلا لنوع خصوصية اقتضت ذلك، وهو لا يتوخاه في كلامه إلا العارف برموز الفصاحة، والبلاغة الذي اطلع على أسرارها، وفتش عن دفائنها، ولا تجد ذلك في كل كلام، فإنه من أشكل ضروب علم البيان وأدقها فهما، وأغمضها طريقا".
(1/269)

أسلوب الحكيم:
عرفه البلاغيون بقولهم: "هو تلقي المخاطب بغير ما يترقب، بحمل كلامه إلى خلاف مراده تنبيها على أنه الأولى بالقصد، أو السائل بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيها على أنه الأولى بحاله، أو المهم له".
وهذا التعريف يبين لنا أن أسلوب الحكيم ضربان من ضروب التعبير.
الأول: حمل كلام المخاطب على معنى غير المعنى الذي يقصده، وفيه شيء من المفاجأة، وفيه أيضا شيء من الحكمة، والتنبيه اللطيف على أن الأولى بمثل المخاطب أن يكون هذا المعنى مراده لا ما ذكره، ومثاله ما قدمناه من قول الحجاج لابن القبعثري: لأحملنك على الأدهم، فقال له: مثل الأمير حيمل على الأدهم والأشهب، أراد الحجاج: لأحملنك على القيد أي لأعذبنك، فالأدهم في كلامه مراد به القيد، ثم إن ابن القبعثري وجه لفظ الأدهم إلى معنى آخر هو الفرس الأدهم أي الذي فيه سواد، وكأنه يقول للحجاج من طرف خفي: الأولى بمثلك وهو في هذا السلطان، وهذه الهيئة أن يهب الخيول الدهم لا أن يقيد ويعذب، فإن الانتقام خلق الضعفاء، أما العطاء فهو خلق ذوي السلطان، قالوا: قال له الحجاج: إنه الحديد أي أنا أقصد بالأدهم القيد الحديد، فقال له ابن القبعثري: لأن يكون حديدًا خير من أن يكون بليدا، أي: لأن يكون الفرس ذا حدة وقوة، ونشاط خير من أن يكون بليدا فاترًا.
وعبد القاهر يسمى هذا الأسلوب المغالطة، وهو جدير بهذه التسمية، وإن كانت مغالطة أدبية طريفة.
النوع الثاني: أي جواب السائل بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره
(1/270)

تنبيها على أنه الأولى بحاله، فمثاله قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} 1، سألوه عن الأهلة: وقالوا: ما بال الهلال يبدو في أول أيامه دقيقا مثل الخيط، ثم يتزايد قليلا قليلا؟ أي سألوه عن السبب الطبيعي والعلة العلمية لتغيير منازل القمر، فأجاب القرآن ببيان فائدة تغيير منازل القمر، فقال: {هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} ؛ لأن مثل حالهم لا يعنيهم من تغيير منازل القمر إلا ما ينتفعون به، أما المعرفة العلمية، فإن القرآن الكريم لم يفسر مظاهر الكون تفسيرا علميا كاشفا، وإنما ترك هذه الجهود للبشر، ومعاناتهم العلمية بعد ما هداهم إلى التفكير، وأوجب عليهم النظر في ملكوت الله، ومثل هذا الأسلوب قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} 2، سألوا وقالوا: ماذا تنفق أي مال، وأي نوع من العطاء نعطي؟ فصرفهم عن هذا، وقال: {مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} ، ويبين لهم الجهات التي ينفقون فيها أموالهم، وأشار بذلك إلى أنه ليس المهم في الإنفاق هو ما ينفق، وإنما المهم أن يصرف في جهات شعرية، وأن يقع موقعه من البر والنفع.
__________
1 البقرة: 189.
2 البقرة: 215.
(1/271)

الفصل الرابع: أحوال المسند
1- حذف المسند.
2- ذكر المسند.
3- تعريف المسند.
4- تقديم المسند.
- حذف المسند:
وحذف المسند عند قيام القرينة يفيد ثلاث مزايا هامة هي التي ذكرناها في صدر الحيدث عن حذف المسند إليه، أعني وجازة العبارة وامتلاءها، ثم ترويقها وتصفيتها وصيانتها، ثم بناءها على إثارة الحس، والفكر حين تعول على النفس، والخيال في ملء جزء المعنى الذي لم يذكر لفظ دال عليه.
وبعد هذه المزايا العامة للحذف يبدو وراء كل تعبير سر خاص به.
ولا نستطيع أن نحدد أسرار الحذف في المسند كما نبهنا؛ لأن هذه الخصائص مظاهر لاختلاف المقامات والأحوال، ووظيفتها في الكلام هي جعله مطابقا المراد المتكلم وافيا بغرضه مبينا عن نفسه.
ومقامات الكلام متفاوتة تفاوتا يفوق الحصر، والأغراض تعدد بتعدد ما يعتور النفس من أفكار وأحوال.
قلت: هذا وأكرره ليتبين أن كل ما أذكره في هذه الدراسة ليس إلا أنماطا أوردتها على سبيل المثال لنهتدي بها في دراسة الأساليب، وتفهم أسرارها.
خذ في المسند قول ضابئ بن الحارث البرجمي: "من الطويل"
فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب
وما عاجلات الطير تدني من الفتى ... نجاحا ولا عن ريثهن يخيب
(1/272)

ورب أمور لا تضيرك ضيرة ... وللقلب من مخشاتهن وجيب
ولا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب
وفي الشك تفريط وفي الحزم قوة ... ويخطئ في الحدس الفتى ويصيب
وواضح من هذا النغم الرزين أن الشاعر يسيطر سيطرة مقتدرة على انفعالات جائشة قوية، يمكن أن تسمع ضجتها وراء تلك الرنة الرزينة.
وشاهدنا قوله: فإني وقيار بها لغريب.
فقد أراد أن يصف إحساسه بالغربة والوحشة، فذكر أن هذه الغربة الكئيبة قد أحسها بعيره كما أحسها هو، وأصل الكلام أن يقول: فإني لغريب بها وقيار غريب، ولكنه حذف المسند في الجملة الثانية؛ لأن ذكره في العبارة بعد دلالة القرينة عليه عبث يذهب بطلاوة الشعر؛ ولأن نفسه الضائقة بهذه الغربة تنزع إلى اللمح والإيجاز، وقيار اسم جمل الشاعر.
وفي البيت صنعة أخرى شريفة؛ لأنه لم يقل بعد الحذف: فإني لغريب بها وقيار، وإنما قال: فإني وقيار بها لغريب، فقدم قيارًا على بقية الجملة، وأقحمه بين جزئيها، وذلك لقصد التسوية بينهما في التحسر على الاغتراب، ويفسر لنا العلامة سعد الدين هذا السر الرائع، فيقول: "إنه لو قيل: إني لغريب وقيار لجاز أن يتوهم أن له مزية على قيار في التأثر بالغربة؛ لأن ثبوت الحكم أولا أقوى، فقدمه لتأتي الإخبار عنهما دفعة بحسب الظاهر تنبيها على أن قيارا مع أنه ليس من ذوي العقول قد ساوى العقلاء في استحقاقه الإخبار عنه بالاغتراب قصدا إلى التحسر"، هذا تحليل العلامة سعد الدين، وهو واحد من أركان علم الكلام، وهو في البلاغة يتذوق ويحلل.
وكان من خبر هذه الأبيات أن صاحبها ضابئ بن الحارث استعار كلبا من بني نهشل، وأطال مكثه عنده، وطلبوه فامتنع فلما عرضوا له، وأخذوه منه
(1/273)

هجاهم ورمى أمهم به، فحبسه عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان ضابئ شجاعا متهورا فيه طيش، هم بقتل عثمان لما حبسه، ولكنه لم يفعل وندم على أنه لم يفعل قال: "من الطويل"
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله
ومع حبي الشديد لذي النورين رضي الله عنه، ومقتي الشديد لمن تطاولوا عليه، فإني أحب هذه الصنعة اللطيفة البارعة في هذا البيت، وهذا اللمح السريع، والتقسيم الممتاز في قوله: هممت ولم أفعل، وكدت وليتني.
وأظن أن القارئ الجيد الذي يستشعر معنى الشعر لا بد له أن يقف قليلا بعد النطق بهممت ليدرك المدى الذي وصل إليه هم الشاعر، ثم يقف قليلا بعد: "ولم أفعل"، ليدرك مدى إحساسه بالندم الذي أفرغه في هذه الكلمة -لم أفعل- ثم ينطق وكدت نطقا منفردا غير موصول بما قبله، ولا بما بعده ليلمح ضراعة الأمل الذي يداعب خيال ضابئ، وهو يشارف الفعل ويدنو من الغاية، ثم عليه أن يقرأ بقية البيت في نفس واحد يطول طول ندم الشاعر على تولي تمنيه ... أرأيت أننا في الشعر نقف عند صنعته، وبراعته وتثقيفه، وإتقانه، مع أنه يعبر عن خاطر أسود نكرهه ونمقته، وهكذا كان علماؤنا ومنهم المفسرون والمحدثون، والفقهاء وهم جميعا أهل عبادة، وأصحاب أوراد.
ويذكر البلاغيون قول امرئ القيس:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
مثالا لحذف المسند من الجملة الأولى لدلالة الثانية عليه، إذ أصل الكلام نحن بما عندنا راضون وأنت بما عندك راض، وليس للحذف هنا فضيلة، فوق فضيلة الاختصار.
ومما لوحظ في بنائه خصوصية التقديم ليفيد معنى الاهتمام بالمقدر، ويؤكد
(1/274)

التسوية في معنى المسند قوله تعالى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} 1، الأصل: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك، فحذف من الثاني لدلالة الأول عليه، وقدم رسوله على المسند المذكور ليفيد أهمية إرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، خشية أن تنصرف النفوس إلى إرضاء الله تتوانى في شيء من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنبه بهذا التقديم على أهمية إرضاء رسول الله، وأنه من الله بمكان.
ومثله وعلى طريقته قوله تعالى في سورة المائدة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} 2، قدم {الصَّابِئُونَ} على خبر إن وهو مبتدأ، أي: الصبائون كذلك وذلك؛ لأن الصابئين أشد هذه الفرق، ويظن أنهم لا يستوون مع غيرهم، فأقحم للدالة على التساوي كما في الشواهد التي مضت.
وقد ترى سر التأثر، ومرجع المزية في حذف المسند كامنا في تكاثر المعنى نظرالكثرة الوجوه التي تصلح لتقدير المحذوف، ومن ذلك قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} 3، فقوله: فأن لله خمسة مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير فحق، أو فواجب أو فثابت، قال الزمخشري: "كأنه قيل: فلا بد من ثبات الخمس فيه لا سبيل إلا الخلال به، والتفريط فيه من حيث إنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات كقولك: ثابت واجب حق لازم، وما أشبه ذلك كان أقوى للإيجاب من النص على واحد.
وقد يشعر حذف المسند بتركه وازدرائه، والضن عليه بالذكر في مقابلة المسند إليه، وذلك كقوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} 4، فإن ذلك الموصول مبتدأ، وخبره محذوف تقديره كما ليس كذلك، والقائم على كل نفس هو الله سبحانه أي متول أمر كل نفس حافظ
__________
1 التوبة: 62.
2 المائدة: 69.
3 الأنفال: 41.
4 الرعد: 33.
(1/275)

شأنها حفظ القائم يحرسه، ويصونه وهو تعبير جيد، ومثله: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} 1، أي هي قائمة على أمر كتابها تحفظ شرائعه وحدوه، وكأنها في ذلك كالشخص القائم المنتصب اليقظ على الشيء يحرسه، ويصونه والمحذوف الذي هو كمن ليس كذلك هو المعبود بالباطل، وفي حذفه إشعار إهماله وازدرائه، والضن به على أن يذكر في مقابلة الحق -جل جلاله-.
ومثل هذا قوله تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} 2، أي: أهذا خير أم من جعل صدره ضيقا حرجًا، فحذف الثاني ليفيد الحذف إهماله، وانظر قوله: {فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} ، فإنها كلمة لا تجد لحسنها نهاية، وصاحبها لا يمشي على طريق منير فحسب، وإنما يمشي على نور، وهو نور يملأ القلب، ويتوهج في الضمير؛ لأنه نور من ربه، ولعل في الحذف هنا سرا آخر هو الرغبة في أن ينصرف الذهن إلى هذه الصورة ليمتلئ القلب بها، ولتبقى وحدها في التعبير لا تنازعها أخرى، ومثلها قوله تعالى: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} 3، أي كمن ليس كذلك.
ومن حذف المسند قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} 4، وأي: كمن ينعم في الجنة.
والحذف هنا مشعر بتعظيم المحذوف، وأنه أكرم على الله من أن يذكر في مقابلة هذا الشقي، وفيه أيضًا القصد إلى أن يتجه الهم كله إلى المذكور الذي يتقي بوجهه سوء العذاب ليمتلئ القلب بصورته، وهو في النار فزع طائش لا يدري كيف يدرأ العذاب عن نفسه، فهو يتقي بوجهه، والوجه تسوءه النار، والذي فيه نبضة من نفس، وعقل يتقي وجهه من النار، ولا يتقي بوجهه النار.
__________
1 آل عمران: 113.
2 الزمر: 22.
3 الزمر: 9.
4 الزمر: 21.
(1/276)

ولكن المذكور قد طاشت نفسه، وأفرغ لبه من هول ما يرى، فهو متخبط واله، ثم إن في ذكر الوجه هنا إشعارًا بإهانة هذه الوجوه، وذهاب أقدارها، فالوجه فيه معنى الشرف، والتقدم، ويقولون: هم وجوه يريدون بذلك السؤدد، والوجه فيه الجبين وهو متعلق المدح، ويقولون: وضاح الجبين، وكأن الثريا علقت بجبينه، وفيه العرنين والشمم، وهم يقولون: "شامخ أشم"، و"هم من العرانين والذرى"، ويريدون بذلك عظمة النفس، وعزة الضمير، وإذا كان المذكور يتقي العذاب بوجهه، فهو وجه مبتذل مهين، والمقام مقام تخويف، وترهيب، وصورة اتقاء النار بالوجه من أبلغ ما يؤثر في النفس حين تحسن تصورها، وتدبر القرآن معناه أن تجعل الصورة المضمنة في كل كلمة كأنها انخلعت من الكلمة، وصارت شاخصة بين عينيك، وهكذا كان يسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضوان الله عليهم، وهذا معنى أنهم إذا مرت بهم آية عذاب كانوا كأنهم رأوا النار، وسمعوا شهيقها وإذا مرت بهم آية نعيم رأوا الجنة ووجدوا ريحها، وهذا ما يسعى إليه الدرس البلاغي ليس في القرآن فحسب، وإنما في كل كلام صقله قائله، وهذبه ونقحه، وراجعه.
ومن هذا الباب قوله تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} 1، أي: كمن لم يزين له سوء عمله، وهو شبيه بما تقدم، وقال: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ} ، ولم يقل: أفمن ضل ليذيع جعله وبلادة نفسه، فهو لا يميز بين الأشياء الواضح تباينها، بل إن يرى السوء حسنا، فقد فسد طبعه المميز بين الحسن والقبح، فلا عجب إذا استحب العمى على الهدى.
وهذا ما تراه حولك حين تجد ناسا كأنهم نذروا أعمارهم للقبيح وعاشوا له.
ومن أحسن مواقع الحذف ما ترى الجملة فيه بقيت على كلمة واحدة، وقد يكون ذلك في سياق قوي مجلجل، فيزداد حسن هذا الحذف، انظر إلى قوله
__________
1 فاطر: 8.
(1/277)

-تعالى- في حكاية فرعون مع السحرة الذين آمنوا برب موسى وهارون، قال فرعون لهم: {آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ، قَالُوا لَا ضَيْرَ} 1، فأجابوه بعد ما سمعوا قعقعة هذا الوعيد بقولهم: لا ضير -وأرادوا لا ضير علينا في قتلك، وحذفوا ليبقى الجواب كلمة واحدة نافذة كالسهم يصمي نفاجة فرعون وحمقه، ويرد عليه إرعاده وإبراقه.
ومثله قوله -تعالى- في وصف الاضطراب، والفزع وقت البعث وقيام الساعة: {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ} 2، أي: فلا فوت لهم أي لا يفوتون الله، ولا يسبقون يد القدر، فحذف المسند وبقيت كلمة واحدة، وسياق السرعة الفائقة والحركات المتلاحقة جعل حسن الحذف لا يتناهى، وقد بني هذا التعبير على التركيز الشديد، وكأن كل كلمة فيه جمع هائل في هذا الحشد الذي ضم أطراف البشرية كلها من لدن آدم عليه السلام إلى آخر نفس تموت، وحذف الجواب يؤذن بمزيد من صور الهول التي لا تتناهى، ولا تنضبط ولا يصفها أبلغ بيان.
وقلت لك: إني لم أجد هذه الصور المتزاحمة بالخلق في كلام من نزل فيهم القرآن.
وقد يكون حذف المسند مظهرًا لأناقة العبارة، وقوة لمح المتكلم وحسن اقتداره، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجرين، وقد شكروا عنده الأنصار: "أليس قد عرفتهم أن ذلك لهم"؟ قالوا: بلى. قال: "فإن ذلك"، ويريد فإنك ذلك مكافأة لهم، ومنه قول عمر بن عبد العزيز لرجل
من قريش جاء يكلمه في حاجة له، فجعل يمت بقرابته فقال عمر: فإن ذلك، ثم ذكر الرجل حاجته
__________
1 الشعراء: 49، 50.
2 سبأ: 51.
(1/278)

فقال عمر: لعل ذلك، والأصل فإن ذلك لك، أي: أن صلتك بنا وقرابتك لنا مسلمة لك لا نأباها ولا نماري فيها، وكذلك قوله: لعل ذلك أي لعل هذه الحاجة تسير لك وتقضي.
وقد جرت الأساليب على إسقاط المسند في مواضع ذكرها النحاة، مثل القسم الصريح، وبعد لولا، والحال الممتنع كونها خبرًا، وبعد واو المصاحبة الصريحة، وبعد إذا الفجائية، والحذف في هذه الصور يرجع حسنه إلى امتلاء العبارة، وقوة دلالتها.
انظر إلى قول عمر لما هم بأن يرجم حاملا حين زنت، فقال له على رضي الله عنه: هذا سلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها، فكف عمر عن الفعل، وقال: لولا علي لهلك عمر، انظر إلى حسن العبارة، ووجازتها لما وقعت في سياق مليء، ولهذا لا نمضي مع القول بأن هذه دراسة نحوية، وليس فيها تصرف يدخلها في باب الدراسة البلاغية التي تعتمد على الاختيار بين الممكنات من الأساليب، وانتخاب أفضلها، وكيف يستساغ القول بأنه لا بلاغة فيما لا يجوز سواه؟ بل إني أظن أنا ما لا يجوز سواه هو الأولى بالدراسة، والنظر المتذوق؛ لأنه لم يتعين إلا لحسن فيه يغري بتفرده في الاستعمال، ولا أظنك تغغل عن رشاقة هذه الجمل التي سوقها النحاة في باب الخبر من مثل قولهم: لعمرك لأفعلن، وضربي زيدا قائما، وكل رجل وضيعته، نعم إنها جمل حلوة تلفت النفس بوجازتها، وإن كانت مقتطعة، أو خالية من السياق الذي يضفي على العبارات مزيدا من الحياة والقوة، وقد ألفنا أن نسمعها، ونحن نتعلم صنعة الإعراب، فلم نلتفت إلى ما بنيت عليه من صنعة بلاغية، وواضح أن قول عمر: لولا علي لهلك عمر، في سياق القصة التي ذكرنها يختلف اختلافًا بينا عن قول النحاة: لولا علي لهلك عمر، وهكذا مستقلا وحده، وكأنه يمعنى معلق في الهواء، الجمل التي يذكرها النحاة، والتي قدمناها جمل عذبه، وإن كان طريقها متعينا؛ لأن المتكلم لا يستطيع أن يقول: لعمرك يميني لأفعلن، ولا أن يقول: ضربي زيدا حاصل إذا كان
(1/279)

قائمًا، ولا أن يقول: كل رجل وشيعته مقترنان، هذا مخالف لمألوف زكاء العربية؛ لأن العربي لا ينطق بما دل عليه الدليل الظاهر، العربي لا يقول: لولا علي موجود لهلك عمر، ولو نزعت لسانه من بين فكيه؛ لأن هذا ليس من لغته وكذلك لا يقول: لعمرك يمينى لأفعلن ولا يقول: لو شئت أن أفعل هذا لفعلته؛ لأن هذا يناقض طبعه وطبع لغته التي هي طبعه لهذا كان الإيجاز في طبع بلاغة العربية، وداخل في أصل هذه التراكيب، وكأنها عجنت منه.
انظر إلى: ضربي زيدا قائما تجده ينطوي على دقة عجيبة في التأليف لا يهتدي إليها إلا عارف بطبائع العلاقات في الجمل، فهو مثال يتكون من كلمات ثلاث تطوي وراءها كلمات أربع، إذ الأصل ضربي زيدا حاصل إذا كان زيد قائما، فالمحذوف أكثر من المذكور، وهذا المحذوف أشار إليه بتصرف قريب، ودقيق هو تنكير "قائما"؛ لأنه بذلك منع أن يكون وصفا لزيد، وبذلك يتعين أن يكون بقية جملة أخرى، وقوله: ضربي زيدا جزء جملة يتعين أن يكون له ما يتممه، فتحصل أن صدر هذا المثال اقتضى محذوفا يكون هذا المحذوف تماما له: وعجزه اقتضى محذوفا يكون هذا المحذوف ابتداء له، مع ضرورة أن يكون بين هذه المحذوفات ما يربط الجملتين رباطا صح معه هذا التلاؤم الذي تراه بين الجزئين المذكورين.
أرأيت دقة الصنعة، ودقة رصف الكلام، وتشابكه وتعاونه.
ومما ترى الحذف فيه يفيد العبارة قوة وامتلاء، ما ذكره سيبويه في الحروف الخمسة التي تعمل فيما بعدها عمل الأفعال، وهي: إن، ولكن، وليت، ولعل، وكأن.
فقد ذكر أن هذه الحروف يحسن السكوت عليها مع إضمار خبرها وعبارته: "باب ما يحسن عليه السكوت في هذه الأحرف الخمسة لإضمارك ما يكون مستقرا لها، وموضعا لو أظهرته"، ثم مثل بقولهم: إن مالا وإن ولدا وإن عددا أي إن لنا أو لهم مالا، وإن لنا أولهم ولدا، وإن لنا أو لهم عددا، وذكر قول الأعشى: "من المنسرح"
(1/280)

إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السفر ما مضوا مهلا
والأصل إن لنا محلا وإن لنا مرتحلا، قال الشنتمري في كتابه تحصيل عين الذهب: الشاهد فيه حذف خبر إن لعلم السامع، والمعنى إنا لنا محلا في الدنيا ومرتحلا عنها إلى الآخرة، وأراد بالسفر من رحل من الدنيا، فيقول في رحيل من رحل ومضى: مهل، أي لا يرجع، ويذكر سيبويه في هذا الباب قول الشاعر:
ليست أيام الصبا رواجعا
والأصل: ليت لنا أيام الصبا، أو ليت أيام الصبا أقبلت رواجعا، والمهم أن الخبر محذوف في الحالين، ويذكر قولهم: إن غيرها إبلا وشاء، أي: إن لنا غيرها، وانتصب إبل، وشاء على التمييز.
وعبارة سيبويه في هذا البحث لا ترشد إلى أن الحذف هنا جائز فحسب، وإنما ترشد إلى أنه باب من أبواب الحسن، ولعله يقصد ما نزعمه سببا في بلاغة هذه الأساليب من وجازة الجمل، ونقائها ودلالتها على قوة نفس منشئها، وامتلاء حسه، وأظن أنه لا يخطئنا ما وراء قول القائل: إن مالا وإن ولدا وإن عددا من اعتداد واعتزاز، وقوة لا تكون على هذه الدرجة لو قال: إنا لنا مالا وإن لنا ولدا إلى آخره؛ لأن استرخاء العبارة حينئذ يوحي بفتور الشعور بالمعنى، وأظن أنه لا يخطئنا أيضا أن الأعشى يصف السرعة الخاطفة في الحلول والارتحال، وكأن هذه السرعة التي يحسها بزوال الدنيا انعكست على عبارته، فطوى فيها كثيرا من الكلمات؛ لأن سياق المعنى في اليبت طي وإضمار وابتلاع: حلول يخطفه الارتحال، وارتحال دائم إلى بطن الغيب، وسفر لا أوبة لهم.
قال عبد القاهر، وهو يتحدث عن مزايا إن في الأسلوب: "ومنها أنها حين تقع في الجملة قد تغني عن الخبر في بعض الكلام"، ثم ذكر كلام سيبويه، ثم قال: "فقد أراك في هذا كله أن الخبر محذوف، وقد نرى حسن الكلام
(1/281)

وصحته مع حذفه وترك النطق به، ثم إنك إن عمدت إلى إن فأسقطتها، وجدت الذي كان حسن من حذف الخبر لا يحسن أو لا يسوغ، فلو قلت: مال وعدد ومرتحل، وغيرها إبلا وشاء لم يكن شيئا"، ثم ذكر سر هذا الحذف مع إن وفساده بدونها بقوله: "وذلك أن إن كانت السبب في أن حسن حذف الذي حذف من الخبر، وأنها حاضنته والمترجم عنه، والمتكفل بشأنه"، وافهم منه أن إن تفيد في لسان القوم توكيد النسبة، فهي لا تدخل إلا على جملة مكونة من مسند ومسند إليه، فإذا حذف المسند فهي دالة عليه؛ لأنه لا يتصور كلام منها ومن اسم واحد، أي لا يصح قوله: إن إبلا بدون تقدير، وهذا معنى أنها حاضنته ومتكفلة به، فإذا سقطت إن من الكلام وقلنا: إبل أو غنم، احتمل أن يكون مرادنا هو اللفظ المفرد إذ ليس هناك ما يوجب التقدير، وتأمل كلمة حاضنته، وإنها من الكلام الذي تجد فيه لألفاظ اللغة حيوات كحيوات البشر.
وقد يجي الكلام على الحذف، ثم تراه يحتمل تقدير أن يكون المذكور هو المسند والمحذوف المسند إليه، والعكس.
ومن هذه الصورة قوله تعالى: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} 1، قالوا: قد يكون المحذوف مسندا إليه، والتقدير أمري صبر جميل، وقد يكون المحذوف مسندا، والتقدير فصبر جميل أجمل، وقد رجح الوجه الأول بمرجحات ذكرها سعد الدين في المطول منها أن حذف المسند إليه أكثر وقوعا في كلامهم من حذف المسند، فحمل الآية عليه أولى، ومنها: أن سوق الكلام للمدح بحصول الصبر ليعقوب عليه السلام، وحين يكون المحذوف هو المسند إليه، والتقدير أمري صبر جميل يكون هذا الكلام دالا على حصول الصبر له عليه السلام، أما تقدير أن يكون المحذوف مسندا
__________
1 يوسف: 18، 83.
(1/282)

والأصل فصبر جميل أجمل، فليس فيه ما يدل دلالة مباشرة على حصول الصبر لسيدنا يعقوب عليه السلام.
ومن هذه الصور قوله تعالى: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا} 1، يحتمل أن يكون المحذوف هو المسند إليه، والتقدير هذه سورة أنزلناها، ويحتمل أن يكون المحذوف مسندًا والتقدير: فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها.
وقوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ} 2 يحتمل أن يكون التقدير طاعتكم طاعة معروفة؛ لأن الخطاب للمنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، أو أمركم والذي يطلب منكم طاعة معروفة كطاعة الخلص من المؤمنين الذين طابق باطن أمرهم ظاهره لا أيمان تقسمون بها بأفواهكم، وقلوبكم على خلافها، والمحذوف في كل هذا هو المسند إليه، وقد قوي ابن جني هذا التقدير بما أنشده لابن أبي ربيعة من قوله: "من الطويل"
فقالت على اسم الله أمرك طاعة ... وإن كانت قد كلفت ما لم أعود
فقد جاء الأسلوب فيه على ذكر المحذوف، وهو فيه مبتدأ كما ترى.
ويحتمل أن يكون المحذوف هو المسند، والتقدير طاعة معروفة أولى بكم، وهذا النوع من التراكيب يذكر له البلاغيون فضيلة زائدة على الصور التي يتحدى فيها نوع المحذوف، هذه الفضيلة هي تكثير الفائدة؛ لأن الكلام الذي يحتمل وجهين يكون أوفر معنى وأغزر دلالة، ووفرة التأويلات من فضائل الكلام الجيد.
ومن أخصب وأدق ما نوقش في هذا الباب الذي يحتمل الحذف فيه وجهين قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ} 3.
__________
1 النور: 1.
2 النور: 53.
3 النساء: 171.
(1/283)

فإنه يجوز في الآية الكريمة أن يكون المحذوف هو المسند، والتقدير لنا أو في الوجود آلهة ثلاثة، وتكون الجملة مكونة من مبتدأ هو آلهة، وصفة هي قوله ثلاثة، وخبر مقدم لنا أو في الوجود، ثم حذف الخبر، وحذفه مطرد في كل ما معناه التوحيد مثل: لا إله إلا الله، أي: لا إله موجود إلا الله، ثم حذف الموصوف وهو آلهة، وحذف الموصوف واقع في كلامهم، فصار ولا تقولوا ثلاثة ... ويحتمل أن يكون من حذف المسند إليه والتقدير، ولا تقولوا: الله والمسيح وأمه ثلاثة، أي لا تعبدوهم كما تعبدون الله، ولا تسووا بينهم في الصفة والرتبة، وذلك من قولهم: إذا أرادوا التسوية بين اثنين هما اثنان أي متساويان في الرتبة، وإذا أرادوا إلحاق واحد باثنين قالوا: هم ثلاثة..
وقد قيل: إن التقدير في الآية، ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة ... وهو قول فاسد، وفيه خطأ كبير.
وبيان ذلك أنك إذا سلطت النفي على الجملة لا يتوجه النفي إلى أحد طرفيها، وإنما يتوجه إلى الحكم القائم بين الطرفين، وهذه قضية ثابتة، فإذا قلت: ليس زيد بمنطلق فأنت لم تنف زيدا، ولم توجب عدمه، وإنما تنفي إثبات معنى الانطلاق لزيد، وإذا قلت: ليس زيد النحوي عاقلا، فأنت لم تنف عن زيد كونه نحويا، وإنما نفيت عنه كونه عاقلا، وإذا قلت: ليس أمراؤنا ثلاثة، فأنت لم تنف أن لنا أمراء بل توجب ذلك، وتثبته وإنما تنفي أن تكون عدتهم ثلاثة، فإذا قلت: ليست آلهتنا ثلاثة، فأنت لم تنف وجود الآلهة بل توج بذلك وتقرره، وإنما تنفي أن تكون عدتهم ثلاثة، وهذا واضح، وفيه ما ترى.
أما قولنا: ليس لنا آلهة ثلاثة أو ليس في الوجود آلهة ثلاثة، فإنه نفي، لأن تكون لنا آلهة أو في الوجود آلهة، ولذلك لا يصح في مثله أن نقوله: ليس لنا أمراء ثلاثة، وإنما هم أربعة أو هم اثنان، هذه إحالة، وهو بخلاف قولك:
(1/284)

ليس أمراؤنا ثلاثة، وإنما هم أربعة أو اثنان، وهذا كلام صحيح، فتأمل ذلك، فإنه ملخص من كلام شريف في دلائل الإعجاز.
وإذا أحسنت التدبر، والقياس علمت بعد الذي ذكرناه وجه الفساد في قولهم في قراءة: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} 1، بحذف تنوين عزير: إنه جاء على حذف المسند، والتقدير عزير ابن الله معبودنا، وذلك من حيث أفادت العبارة إثبات المسند إليه -عزير ابن الله- وخروجه من حد النفي -كما يخرج زيد النحوي من حيز النفي في قولنا: ليس زيد النحوي عاقلا، وإنما يتسلط النفي في ذلك كله على النسبة والحكم، ومثله أنك تقول: ليس زيد بن علي حاضرًا، فتنفي حضوره فقط، ولا تنفي كونه ابن علي بل تعترف بذلك.
وكذلك الحال في الآية؛ لأن قوله: ابن الله صفة لعزير، وحذف التنوين من عزير كما يحذف من زيد في قولك: زيد بن علي فالإنكار لا يتجه إلى الصفة في الآية، وإنما يتجه إلى الخبر، هذا ما قالوه وهو فاسد، وفيه ما ترى.
والوجه في الآية أن يكون التنوين مرادًا، وإنما حذف لالتقاء الساكنين كقراءة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ} 2، بحذف التنوين من أحد، وقول أبي الأسود الدؤلي: "من المتقارب"
فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا
بحذف تنوين ذاكر، فأصل عزير ابن الله بدون تنوين هو عزير ابن الله بالتنوين، ثم حذف بدل الحركة التي يختلسها اللسان، والتي تشعر بها حين تسمع نفسك، وأنت تنطق عزير ابن الله بالتنوين تجد كسرة خاطفة على نون التنوين يختلسها اللسان اختلاسا؛ لينتقل إلى نطق الباء الساكنة من ابن، وهكذا في أكثر كلامهم يحركون التنوين هذه الحركة الخافتة جدا تفاديا لالتقاء الساكنين، وأحيانا يحذفون هذا التنوين كما أشرنا.
__________
1 التوبة: 30.
2 الإخلاص: 1، 2.
(1/285)

والخلاصة أن جملة عزير ابن الله من غير تنوين جملة مكونة من مبتدأ، وخبر ولا حاجة فيها إلى الحذف ...
وقد يبنى الكلام على حذف المسند إليه والمسند، ويكون التركيب حينئذ أكثر امتلاء، وأكثر إصابة حين يصدر عن طبع موات، وفطرة قوية غير متكلفة ومن ذلك قولهم: "أهلك والليل"، يريدون الحق أهلك، وبادر الليل أن يحول بينك وبينهم، وأظن أنه لا يخطئك أن تدرك الملاءمة الواضحة، والفرق بين إيجاز هذا التعبير، ومدلوله كأن المتكلم يحرص على أن يقذف إليه الخبر بسرعة حتى يبادر باللحاق بأهله أن يدركه الليل، ومن لطيف ذلك، ونادره قوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا، إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} 1، وأراد بطغواها بطغيانها، ولكنهم يقبلون ألف فعلى واوا للفرق بين الاسم والصفة، وأشقاها هو قدار بن سالف أحيمر ثمود، وكان أشأم على قومه من ناقة البسوس، وأبشع جناية عليهم من براقش، وكم تعاني الأمم من مثله.
والمهم هو قوله تعالى: {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا} ، أراد: ذروا ناقة الله واحذروا عقرها، وحسن الحذف هنا ليس له نهاية، وكان صالحهم صلوات الله وسلامه عليه مرجوا فيهم، رحيما بهم، يخاف أن يمسهم من ربهم عذاب، فصاح بهم محذرًا ملهوفا: ناقة الله وسقياها، ولو قال: ذروا ناقة الله وذكر الفعل، والفاعل أي المسند والمسند إليه لذهب بكل ما يدل عليه الحذف هنا من لهفة نفسه، وشدة حرصه على نجاة قومه، واندفاعه السريع نحو دفع الخطيئة الموبقة لهم، وقد تفسر جمال الحذف في أساليب التحذير، والإغراء بما يشبه هذا الذي ذكرناه.
__________
1 الشمس: 11-13.
(1/286)

ومن جيد ما يجيء على حذف المسند، والمسند إليه ما يقع في كلامهم من إقامة المصدر مقام الفعل كقوله تعالى: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} 1، أي فاضربوا الرقاب ضربا، فحذف الفعل وفاعله، وأفاد هذا الحذف العبارة قوة، ونفاذًا ترى اللفظ فيه قد لاءم سياقه أحسن ملاءمة سرعة ومضاء، فالضرب المأمور به هو الضرب السريع الخاطف فور اللقاء.
ومن هذا حذف القول وفاعله، وهو كثير في كتاب الله وله مواقع شريفة، من ذلك قوله تعالى في وصف هذا المشهد الهائل من مشاهد الحشر: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا} 2، والشاهد قوله: {لَقَدْ جِئْتُمُونَا} ، وأصله: فيقال لهم لقد جئتمونا ومزية هذا الحذف في بناء الكلام بعده على أسلوب الالتفات، وهو أسلوب له خطره في التصوير، والتأثير كما أشرنا، ألا ترى أن المولى عز وجل كأنه بعد ما عرضوا هذا العرض المستسلم في هذا السياق المفزع حيث التجلي الأعظم لقدرة ذي البطش، فالجبال الرواسي تسير في الجو هباء منثورًا، والأرض عارية ذهب كل من يسترها من إنسان وحيوان، ونبات أقول ترى المولى عز وجل بعد
ما عرضهم العرض المستسلم كأنه يتجه إليهم معنفا أشد تعنيف: لقد جئتمونا كما خلقناكم وكنتم تكذبون، وتقولون ذلك رجع بعيد، وتزعمون ألن نجعل لكم موعدًا، هذا المعنى الذي جاء على طريقة الالتفات التي هيأ لها الحذف هو فيصل القضاء في هذا الموقف؛ لأنه متعلق التصديق، والتكذيب في رسالات السماء.
ومثله وعلى طريقته قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} 3، والكلام على الحذف كما قالوا في سابقه، أي فيقال لهم: أذهبتم، والعرض هنا غير العرض في الآية السابقة،
__________
1 محمد: 4.
2 الكهف: 47، 48.
3 الأحقاف: 20.
(1/287)

فالعرض هناك عرض في الحشر، والعرض هنا عرض على النار أي تعذيب بها وإحراق، والعبارة عن التعذيب بقوله: يعرض الذين كفروا على النار، فيها مزيد من السخرية فالقوم متاع للنار يقدم إليها، ويعرض عليها، فهم مددها وحطبها، والمهم أن الاتجاه إليهم ويعرض عليها، فهم مددها وحطبها، والمهم أن الاتجاه إليهم بالخطاب، وهم في هذا العرض الكارب، وتذكيرهم بما أوبقهم من حب العاجلة له في صرف النفس عن ملذات الدنيا الصارفة عن طيبات الآخرة أثر بالغ.
ومن جديد ذلك قوله -تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا} 1.
وفي حذف القول وفاعله، والاتجاه بالخطاب إليه مباشرة -كما قالوا- مزيد عناية بأمر التوحيد، وكأنه قال: إياك وهذه، وقوله: وإن جاهداك، تعبير له مغزى جليل، أي لا تفعل ذلك أبدًا وإن حملاك، وبلغا منك الجهد في ذلك.
ومما جاء فيه حذف الفعل، والفاعل في غير باب القول قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث جابر: "ما تزوجت"؟ قال: ثيبا ... فقال: "فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك"2، يريد: فهلا تزوجت جارية فحذف الفعل، وفاعله لدلالة الكلام، ولهذا الحذف فضيلة الإيجاز الذي طبع عليه بيان النبوة، وسياقه لا يقتضي أكثر من أن يرمي الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة الموجزة.
__________
1 العنكبوت: 8.
2 رواية البخاري: "هلا تزوجت بكرًا تلاعبها"، انظر ج4، ص9-ط بولاق.
(1/288)

ذكر المسند:
قال البلاغيون: إن المسند يذكر في الكلام لكون ذكره هوالأصل، وليس في الكلام ما يقتضي العدول عنه، وذلك كقولك ابتداء: زيد صالح فتذكر المسند؛ لأنه ليس في الكلام ما يدعو إلى حذفه، وملاحظة مقتضى المقام هنا هي المزية البلاغية.
قالوا: ويذكر للاحتياط لضعف التعويل على القرينة، أي أن في الكلام قرينة تدل على المذحوف لو حذف، إلا أنه ليس لها من القوة، والإيضاح ما يلهم السامع المعنى، ويضعه من أول الأمر بين عينيه، وذلك كقولك لمن سأل: من أكرم العرب وأشجعهم في الجاهلية؟ تقول في جوابه: عنترة أشجع العرب وحاتم أجودهم، فتذكر أشجع وأجود خشية أن يلتبس على السامع إذا قلت: عنترة وحاتم من غير أن تعين صفة كل واحد منهم، فلا يدري أيهم الأشجع والأجود، وقد ذكر العلامة سعد الدين مثالًا لهذا الغرض، وهو قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} 1، حيث ذكر المسند في قوله: {خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ} مع دلالة السؤال عليه احتياطا لضعف التعويل على القرينة.
ورد هذا بالآية الأخرى التي قال فيها: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ} 2؛ لأن السؤال هنا مثل السؤال هناك، والمسئول هنا هو المسئول هناك، فكيف يضعف التعويل على القرينة في أحدهما دون الآخر، والأولى أن يكون ذكر المسند هنا لزيادة التقرير والإيضاح، وسوف نتحدث عن هذا الغرض إن شاء الله.
__________
1 الزخرف: 9.
2 العنكبوت: 61.
(1/289)

وقد يذكر للعريض بغباوة السامع كقوله تعالى: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} 1، وذلك في جواب قولهم: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ} 2، فلو قال: بل هذا، لكان المسند مفهوما لدلالة السؤال الصريح عليه إلا أنه عليه السلام عدل عن الحذف؛ لأن في الحذف تعويلًا على ذكاء المخاطب وتنويها بفهمه، ألا ترى أن المولى عز وجل إذا خاطب العرب، والأعراب أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي، وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم جعل الكلام مبسوطا -هكذا قال أبو هلال- ومثله قولك: محمد نبينا، في جواب من قال: من نبيكم؟ فتذكر المسند ولو حذفته لدل عليه السؤال دلالة واضحة، ولكنك ذكرته تعريضا بالسامع، فإنه لو كان له فهم لم يسأل عن نبينا؛ لأنه أظهر من أن يتوهم خفاؤه، فيجاب بذكر أجزاء الجملة إعلاما بأن مثله لا يكفي معه إلا التنصيص لعدم فهمه بالقرائن الواضحة.
وقد يذكر ليتعين بالذكر كونه فعلا، فيفيد التجديد والحدوث؛ لأن الفعل في أصل وضعه يدل على التجدد والحدوث، أو ليعين كونه أصما، فيفيد الثبوت والدوام، تقول: زيد منطلق وعمرو ينطلق، فلو حذفت المسند الثاني وقلت: زيد منطلق وعمرو لفهم انطلاق عمرو من الكلام الأول، ولكنك آثرت ذكر المنسد لتدل بصيغة الفعل على أنه يتجدد منه شيئا فشيئا، فهو ينطلق انطلاقا عقب انطلاق، وتقول: زيد ينطلق وعمرو منطلق، فتذكر المسند فيهما، ولو حذفت الثاني لفهم من الكلاما لسابق انطلاق عمرو فقط، ولم يفهم منه الاستمرار، فأردت أن تنص على استمرار انطلاق عمرو، فذكرت المسند. وسوف نزيد القول في ذلك بيانا في موضع آخر.
وقد يذكر المسند لزيادة تقرير الكلام، وتثبيت معناه وتوضيحه حين يتعلق
__________
1 الأنبياء: 63.
2 الأنبياء: 62.
(1/290)

الغرض بهذا، ومثال ذلك قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} 1، فإن المسند لو حذف لدل
عليه السؤال، وقد جاء كذلك في آيات أخرى إلا أن المقصد من ذكره هنا
زيادة تقرير خلق الله للسموات والأرض، ومثله قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} 2، فقد ذكر المسند في قوله: {يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا} ، وفي السؤال ما يدل عليه كما ترى، والمقصود من الذكر أن يتقرر أن الله أحياها، وفيه إشارة أخرى، هي أنه لا يسأل عن الإحياء بعد الموت -أعني عن إمكانه- سؤال مستبعد منكر إلا من في عقله غشاوة تحجبه عن الإدراك النافد والرؤية الصادقة، مثله لا يعول في خطابه على ذكاء -وهذه الإشارة نجدها أيضا في الآية السابق: {خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} -وفي الآية لمحة ثالثة نراها في قوله: {الَّذِي أَنْشَأَهَا} ، وكان يمكن أن يقول: يحييها الله ولكن هذه الصلة تضمنت البرهان الصادق على جواب سؤالهم، وكأنه قال: يحيها الله بدليل أنه أنشأها أول مرة، وهذا أسلوب عجيب كما ترى، فقد قرر القضية بذكر المسند, وأقام برهانا بذكر
الموصول، فأصاب في الإفحام وأدمج القضية، ودليلها في أنفذ عبارة وأبينها، وكأنه يجمع بين الإيجاز الديد، وذكر ما يمكن حذفه، وهكذا الأساليب العالية لا تتبين فيها موضع إطناب من وجه إلا، وترى إيجازا خفيا من وجه آخر.
وقد ذكرنا أن قوله تعالى: {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} 3، أن الذكر فيه التعريض بغباوة من يخاطبهم، وهو كما نرى أسلوب يجيء على طريقة الآيتين السابقتين، ولا يصح أن يقال فيه: إنه للتقرير؛ لأن سيدنا إبراهيم عليه السلام لم يكن غرضه أن يقررأن الذي حطم الأصنام هو كبيرهم.
__________
1 الزخرف: 9.
2 يس: 78، 79.
3 الأنبياء: 62، 63.
(1/291)

وهذا الغرض الذي هو التقرير، والإيضاح من أهم أغراض ذكر المسند، وأكثرها اتساعًا، وغيره من الأغراض التي ذكرناها ربما كان ضيق المجال، كالتنبيه على غباوة السامع الذي ينحصر غالبا في مقامات الخطاب حين يكون المتكلم موجها كلامه إلى سامع غبي في حقية أمره، أو في اعتبار المتكلم، وربما كان بعضها محدودة القيمة مثل كونه الأصل، ولا مقتضى للعدول عنه، ومثل الاحتياط لضعف التعويل على القرينة.
قلت: إن التقرير والإيضاح من أهم أغراض ذكر المسند وأشيعها، وذلك؛ لأن المعاني الأدبية لا يكفي فيها ما يكفي في الحالات الخطابية من مجرد الإفهام، وإنما هي محتاجة فوق ذلك إلى مزيد من التقرير، والتأكيد حتى تؤثر في النفس، وتداخل القلب، وتتعمق في الشعور، وذلك غاية الكلام البليغ، وإذا تأملنا كلام أرباب البيان وجدناه في حالات كثيرة، وقد دل بعضه على معاني بعض فقد قالوا: إنه لما أحيط بمروان قال خادمه: "من أغفل القليل حتى يكثر والصغير حتى يكبر، والخفي حتى يظهر أصابه مثل هذا".
وهذا -كما يقول أبو هلال- كلام في غاية الحسن، وإن كان معنى الفعلين الآخيرين داخلا في الفعل الأول.
وإذا تأملت قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} 1، وجدته كلاما في غاية الحسن، ووجدته أيضا يقرر بعضه بعضا ويدل بعضه على بعض، فالإحسان داخل في العدل، وإيتاء ذي القربى داخل في الإحسان، وكذلك الفحشاء داخل في المنكر، ولو قال: إنا لله يأمربالعدل لأفاد كل هذه المعاني لدخول الإحسان، وإيتاء ذي القربى في العدل، ولأفاد أيضا النهي عن الفحشاء والمنكر؛ لأن من يأمر بالعدل ينهى عن ضده، والفحشاء والمنكر يدخلان في هذا الضد، إلا أن الآية الكريمة نصت على كل معنى من هذه المعاني، فذكرت العدل والإحسان
__________
1 النحل: 90.
(1/292)

وإيتاء ذي القربى والنهى عن الفحشاء، والمنكر وكان لهذا التنصيص زيادة في التقرير، والتثبيت وكان الكلام كما ترى.
ولهذه القيمة البلاغية عمد القرآن في كثير من المواطن إلى أسلوب التكرار ليوثق المعاني في النفوس، فجاء المسند مكررًا في مواطن كثيرة جدًّا.
من ذلك قوله: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} 1، يكرر هنا وعيد، ويؤكده ليبث الخوف في أرجاء النفس، ويملأها بالإشاف والحذر، فتنكف عن إصرارها على العناد والكفر.
وقوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} 2، كرر الوعد وأكده ليرسل في النفس أطياف، فتبدد أشباح اليأس.
وقوله تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ، أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ، أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} 3، وتكرير هذه النغمة الواعظة يحمل من التخويف، والترهيب ما تنفطر له القلوب، وهو كما قالوا في غاية حسن الموقع.
وحينما يتعمق مقطع من المعنى في حس الشاعر تراه يكرره، وتراه أحيانا يلح في تكراره ليقرره في النفوس كما تقرر في نفسه أولا؛ لأنه يستعذب هذا التكرار ويسعذب ما يبعثه من أنغام تمل طابع نفس، فهي شاجية إن كان في سياق الأسى، وهي طروبة إن كان في سياق يشبه الطرب ويتصل به، وبهذا تستطيع تفسير التكرار في قصيدة المهلهل -على أن ليس عدلا من كليب- فقد تكرر هذا المقطع في أكثر من عشرين بيتا؛ لأنه تعبير عن إحساسه بقدر كليب، وأنه ليس له نظير في القبائل، وهذا المقطع كما ترى محور أساسي في بناء معنى القصيدة، وجوها النفسي ثم هو بعيد الغور في ضمير المهلل، فهو
__________
1 التكاثر: 3، 4.
2 الشرح: 5، 6.
3 الأعراف: 97-99.
(1/293)

يلح عليه ليصوره كما يجده في أبعاده الشاعرة، فكانت كل نغمة ورنة في هذا التكرار كأنها تحمل صورًا، وأطيافًا من هذه الأبعاد الغائرة، والذي يعرف تاريخ كليب، وقدره في عشيرته، وبيئته يستطيع أن يتعمق هذا التكرار.
قلت: إن التكرار كأنه دندنة تستعذبها النفس المليئة أو المستفزة، شاجية كانت أو طروبة، وهذا يفسره من بعض جوانبه قولهم: إن باب الرثاء أولى ما تكرر فيه الكلام لمكان الفجيعة، وشدة القرحة التي يجدها المتفجع، وقيل لبعضهم: متى تحتاج إلى الإكثار؟ فقال: إذا عظم الخطب.
ومن شواهد هذا التكرار قول ابنة النعمان بن بشير الأنصاري الصحابي ترثي زوجها: "من الطويل"
وحدثني أصحابه أن مالكا ... أقام ونادى صحبه برحيل
وحدثني أصحابه أن مالكا ... ضروب بنصل السيف غير نكول
وحدثني أصحابه أن مالكا ... صروم كماضي الشفرتين صقيل
كررت قولها وحدثني أصحابه؛ لأنه ذو أثر عميق في هذا الموقف، وهي مشغولة به بل هي ملهوفة عليه، فهؤلاء الرفاق شهدوا تلك الساعة الفاجعة، وحدثوها بخبرها الموجع، فلم يمس قلبها فحسب، وإنما فطره وولج إلى سويدائه، فكان نشيدها الباكي.
وكانت الخنساء تلح على مقاطع من المعنى كأنها جذور غارت في ضميرها، فتجد في هزها ما يخفف آلامها الكظيمة، خذ مثلًا طلب البكاء من عينيها تجده يشيع في ديوانها، وهو في حقيقته مظهر استسلامها لأساها، وعجزها عن فلسفة التصبر التي كانت من الممكن أن تكفكف بعض دموعها، تقول: "من المتقارب".
أعيني جودا ولا تجمدا ... ألا تبكيان لصخر الندى؟
ألا تبكيان الجواد الجميل ... ألا تبكيان الفتى السيدا؟
(1/294)

وتقول: "من البسيط":
وابكي أخاك ولا تنسي شمائله ... وابكى أخاك شجاعا غير خوار
وابكي أخاك لأيتام وأرملة ... وابكي أخاك لحق الضيف والجار
انظر في هذا السياق إلى كلمة أخاك، وتأمل ما فيها من الإحساس بفقد الكلأ والحماية، وتأمل ما تضمره هذه الإضافة من حنين يفجر كوامن الحزن.
وواضح أن التكرار فضلا على أنه أشاع البكاء في الأبيات بتكرار مادته، فقد شاعد على نوع من الترجيع النغمي، والتوازن الموسيقى الواضح الذي أصبحت به الأبيات كأنها عويل نائحة.
وإذا تركنا سياق الرثاء إلى غيره، وجدنا أمرأ القيس بعد ما يخاطب الطلل، ويحييه تحية الجاهلية، ثم يرجع عنها مستبعدا أن ينعم هذا الطلل، وقد طال عهده بفراق أحبابه، فهوحزين كثير الهموم يبيت بأوجال، يقول بعد ذلك ذاكرًا سلمى صاحبة الديار: "من الطويل"
وتحسب سلمى لا تزال ترى طللا ... من الوحش أو بيضا بميثاء محلال
وتحسب سلمى لا تزال كعهدنا ... بوادي الخزامى أو على رأس أوعال
تراه يكرر: "وتحسب سلمى"؛ لأن فيه معنى قد علاه وغلبه، وصيره أقرب إلى الحالم الواهم، فهو يحسب سلمى لا تزال هناك مع أن الفناء قد تجسد في ديارها.
التكرار يشيع هذا المعنى، ويؤكد ذهول الشاعر واندماجه في ذكريات أيامه التي ابتلعها الماضي.
ووجدنا أيضا شاعرة مثل ليلى الأخيلية تذكر الحجاج وتقول:
إذا هبط الحجاج أرضا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها
(1/295)

سقاها فرواها بشرب سجاله ... دماء رجال حيث مال حشاها
إذا سمع الحجاج رز كتيبة ... أعد لها قبل النزول قراها
أعد لها مسمومة فارسية ... بأيدي رجال يحلبون صراها
تراها تكرر أجزاء معينة: شفاها -سقاها- أعد لها.
وهي كما ترى ذات دلالة مهمة في السياق، فقولها: شفاها يفيد أنه يستأصل أعداء بني أمية حتى تسلم الأرض التي نزل بها من داء القلوب، وإحن الصدور، وقولها: سقاها يشير إلى ما يعمله في الأعداء وينص عليه، وأنه يسقي قناته من دمائهم، وقولها: أعد لها يشير إلبى عظيم احتياطه بأخذ أهبة النزال، ومواجهة الأخطار، وهي معان كما ترى كأنها رءوس في سياقها، وإذا أردت أن تتبين ذلك بصورة أوضح، فانظر إلى غيرها في الأبيات تجد مثلا قوله: "إذا هبط الحجاج أرضا مريضة"، ليس له في مدح الحجاج، والتنويه بحزمه ما لقولها شفاها -وهذا واضح- وانظر إلى قولها: فرواها بشرب سجاله تراه كالتابع لقولها: سقاها -وانظر إلى قولها: إذا سمع الحجاج تجده بمنزلة قولها: إذا هبط الحجاج، فكلاهما يمهد لمعنى جليل هو ما يأتي في الجواب وهكذا.
(1/296)

مجئ المسند فعلا أو اسما
...
مجيء المسند فعلا أو اسما:
لمعرفة هذه الأغراض يلزمنا أن نعرف الفرق الدقيق بين دلالة صيغة الفعل على معنى، ودلالة صيغة الاسم على نفس المعنى، أي بين أن تعبر عن الانطلاق بقولك: منطلق، وبين أن تعبر عنه بقولك: ينطلق وقد قالوا: إنك إذا قلت: منطلق فقد أفدت انطلاقًا ثابتًا، وإذا قلت: ينطلق فقد أفدت انطلاقا يتجدد، فصيغة الاسم تدل على الثبوت من غير إفادة التجدد، وصيغة الفعل تدل على الحدوث والتجدد، فقولك: زيد منطلق كقولك:
زيد طويل من حيث دلالته على أنه طويل من غير أن يشعر بتجدد الطول وحدوثه، وقولك: زيد ينطلق كقولك: زيد يطول من حيث دلالته على حدوث الانطلاق وتجدده، وهذا إنما يصح إذا كان زيد غلامًا لم يستقر طوله.
ويظهر هذا واضحا في قولك: هذا الشيء أبيض، وقولك: هذا الشيء يبيض، فقولك: أبيض يفيد أن صفة البياض ثابتة لا تحدث فيه، ولا تتجدد كاللبن مثلا، وقولك: يبيض يفيد أنه يتحول إلى البياض شيئا، فشيئا فبياضه يحدث ويتجدد.
وإذا تقرر هذا ظهر أنه لا يصح وضع أحدهما موضع الآخر، فلكل منهما سياق يقتضيه، وصورة من المعنى لا يدل عليها غيره.
انظر إلى قول النضر بن جؤبة: "من البسيط"
لا يألف الدرهم المضروب صرتنا ... لكن يمر عليها وهو منطلق
الشاعر يذكر قومه بالسخاء، وأنهم لا يبقون من المال بقية، فصرتهم لا تألف الدرهم، وقوله: وهو منطلق جاء بصيغة الاسم؛ لأنه يريد أن يثبت للدرهم صفة الانطلاق من غير إشعار بتجدد، وحدوث حتى يؤكد أنا الدرهم لا يتوقف توفقا ما عند الصرة ينقطع به انطلاقه ليتجدد بعد ذلك، وإنما هو منطلق انطلاقا ثابتا مستمرا، ولو قال: يمر عليها وهو ينطلق، لكان المعنى أن انطلاقه يتجدد، وهذا يعني أنهم يمسكونه زمانا ما كما قلنا.
قال عبد القاهر معلقا على هذا البيت: "هذا هو الحسن اللائق بالمعنى، ولو قلته بالفعل: لكن يمر عليها وهو ينطلق، لم يحسن".
قوله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} 1، يفيد أن الكلب على هيئة وصفة ثابتة هي بسط الذراعين بالباب، كما تقول: هو طويل،
__________
1 الكهف: 18.
(1/296)

في أنك تثبت له صفة هو عليها من غير إشعار بشيء آخر ولا إشارة إليه، ولو قال: كلبهم يبسط ذراعيه لكان المعنى أن الكلب يحدث البسط، ويزاوله ويتجدد منه شيئا فشيئا، وليس هذا هو المراد، وإنما المراد أن الكلب باسط ذراعيه بالباب، وهو على هذه الصورة الثابتة الجامدة، فتظل الصورة الثابتة الجامدة، فتظل الصورة العامة لفتية الكهف يلفها سياج من المهابة والخشية: {لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} 1.
وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} 2.
يقول الزمخشري: "فإن قلت: لم قيل: ويقبضن، ولم يقل: وقابضات؟ قلت: لأن الأصل في الطيران هو صف الأجنحة؛ لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في السباحة مد الأطراف وبسطها، وأما القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك بما هو طار غير أصل بلفظ الفعل، على معنى أنهن صافات، ويكون منهن القبض كما يكون من السابح".
وقول الأعشى: "من الطويل"
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تحرق
تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق
قال: في يفاع تحرق، أي تتحرق، واليفاع المشرف من الأرض، فالنار على مكان عال تتحرق، ولو قال: متحرقة، لأنكرته النفس كما قال عبد القاهر، وذلك؛ لأن قولنا في يفاع متحرقة يفيد أن النار متحرقة فقط، وليس هذا غرض الشاعر، وإنما غرضه أن النار تتحرق ويتجدد منها الإحراق، ويحدث شيئا فشيئا، وأن المحلق هناك يجدد ويعلي لهبها، واشتعالها لتكون ناره أهدى لسارب الليل، وأجلب لطالب المعروف، وفيه من الدلالة على تمكن طبيعة السخاء، والبذل ما ليس في غيره.
__________
1 الكهف: 18.
2 الملك: 19.
(1/298)

وقول طريف بن تميم: "من الكامل"
أوكلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلي عريفهم يتوسم
يذكر الشاعربسالته وشهرته، وأنه كلما وردت قبيلة سوق عكاظ أرسلوا القيم على أمرهم يتوسم الوجوه؛ ليتعرف على طريف طلبا للثأر منه؛ لأن له في كل قوم نكاية، ولو وضع الاسم موضع الفعل، وقال: بعثوا إلي عريفهم متوسا، لذهب من المعنى شكله ورواؤه، وفسد الكلام، وذلك؛ لأنه أراد أن العريف يقع منه التوسم والتعرف، والتأمل شيئا فشيئا، فهو دائب المراجعة والتصفح، وتجديد النظر في وجوه القوم، وهذا يعني أنه معنى جدا بالبحث عن طريف، ولو قال:متوسما لكان المعنى أن العريف على صفة التوسم، والتأمل دون إشعار بحالة التجديد.
وإذا عرفت هذه الخصوصية في دلالة الفعل ودلالة الاسم، تلك الخصوصية التي تشتد الحاجة إلى معرفتها في علم البلاغة كما يقول الجرجاني، فاعلم أن الفعل يفيد أيضا تفييد المسند بأحد الأزمنة الذي يدل الفعل عليها، فإذا كان ماضيا فإنه يقيد الحدث بالزمن الماضي، وإذا كان مضارعا قيده بحال، وهكذا، وذلك بخلاف الاسم، فإنه لا يدل على زمان.
ولا يشتبه علينا أنه ليس بلازم من كون المسند فعلا أن يكون جملة، فقد يكون فعلا وهو مفرد مثل: ينطلق زيد، فالمسند هو الفعل فقط، وهو مفرد وقد يكون ملة مثل زيد ينطلق، فالمسند هنا ينطلق مع فاعله -وهذا ظاهر.
والفرق بين كون المسند فعلا فقط مثل ينطلق زيد، وكونه جملة مثل زيد ينطلق أو زيد أبوه منطلق هو أن الجملة تفيد تقوي الحكم، وقد قالوا: إن كل ما خبره جملة يفيد التقوي.
وإذا عرفت أن الغرض من مجيء المسند جملة هو إفادة التقوي، فإني محدثك عن الفرق بين مجيء الجملة فعلية أو اسمية.
(1/299)

والفرق الذي ذكرناه هناك بين الاسم والفعل قائم هنا، فإذا كان الفعل يفيد التجدد، والحدوث فكذلك الجملة الفعلية، وإذا كان الاسم يفيد الثبوت والدوام، فكذلك الجملة الاسمية.
ويتضح ذلك في ضوء الشواهد:
انظر إلى قوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} 1، جاءت الجملة الأولى فعلية -أدعوتموهم- والجملة الثانية اسمية -أنتم صامتون- لتفيد الأولى التجدد والحدوث، والثانية الدوام والاستمرار، فيكون المعنى سواء عليكم أن تحدثوا دعاءهم، أو أن تستمروا على صمتكم، والمراد بالدعاء طلب الهداية والنجاة، والموجه إليهم الدعاء هي الأصنام المعبودة من دون الله، وكان الوثنيون الذين يعبدون هذه الأصنام من عادتهم أنهم لا يدعون هذه الأصنام إذا نزلت بهم شدة، وإنما يدعون الله، فقيل: سواء عليكم أأحدثتم الدعاء على غير عادة، أم بقيتم مستمرين على عادة صمتكم، ولو قيل: سواء عليكم أدعوتموهم أم صمتم لأفاد أن صمتهم عن دعائهم لم يكن ثابتا، وإنما هو صمت حادث، وهذا بخلاف الواقع.
ومثله قوله تعالى: {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} 2، وعبروا بالجملة الفعلية في قولهم: أجئتنا، لتشير إلى التجدد وكأنهم يقولون: أحدث منك مجيء بالحق ولم تكن كذلك، وعبروا بالجملة الاسمية ثانيا في قولهم: أنت من اللاعبين، ليفيدوا الاستمرار والدوام يعني، أم أنت مستمر في لعبك الذي عهدناه فيك، ولو قالوا: أم لعبت، وجاء بالفعلية لأفاد أن اللعب حادث طارئ، وأنه كان قبل ذلك جادا غير هازل، وهذا غير مراد لهم.
__________
1 الأعراف: 193.
2 الأنبياء: 55.
(1/300)

ومثله قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} 1، عبروا في خطاب المؤمنين بقولهم: آمنا أي حدث بعد أن لم يكن، وفي خطاب إخوانهم إنا معكم أي مستمرون على مألوف كفرنا، وقد ذكرنا هذه الآية في أضرب الخبر، وأشرنا فيها إلى كلام الزمخشري، الذي فسر عدم التوكيد في الجملة الأولى بعدم وجود العزم، والإصرار وغير ذلك من المعاني النفسية التي تكون وراء التوكيد، فليس وراء كلامهم للمؤمنين حقيقةنفسية صادقة تدفع، وتحرك وتبعث، وقد وجدت هذه الحقيقة النفسية عند مخاطبة إخوانهم، وقولهم: إنا آمنا.
واعلم أن قولنا: إن الفعل يفيد التجدد، والاسم يفيد الاستمرار أصل واضح، ولكن الدقة والصعوبة يكمنان في ملاحظة اقتضاء المقام لأحدهما، وقد اجتهدت -مستعينا في ذلك بكلام الأئمة- في بيان وجه الاقتضاء المقام لأحدهما، وقد اجتهدت -مستعينا في ذلك بكلام الأئمة- في بيان وجه الاقتضاء، فيما ذكرت، فلا يغريك القول بأن الفعل للتجدد، والاسم للثبوت فتطلقه هكذا فيما ترى من شواهد؛ لأنك إن فعلت فأنت لم تفعل شيئا يعتد به، وكان حالك كحال من يقول في كل تقديم: إنه قدم للاهتمام، وإنما المهم أن تتعرف على مجرى المعنى
وسياقه، وكيف كان تجدد الحدث أو ثبوته يخصب المعنى، ويبسط حواشيه؟ وكيف يكون مهدرا لأجزاء من المعنى ينطفئ بها الكلام؟ وهكذا.
__________
1 البقرة: 14.
(1/301)

تعريف المسند:
قالوا: إذا أردت أن تفيد مخاطبك انطلاق زيد، ولم يكن يعرف شيئًا عن هذا الانطلاق قل: زيد منطلق، فإذا كان يعرف أن انطلاقا وقع، ولكنه لم يعلم أن هذا الانطلاق كان من زيد، أو من عمرو وأردت أن تفيده أنه كان من زيد قلت له: زيد المنطلق فأنت في هذا تفيده أن الانطلاق الذي يعلم أنه وقع، ويحتم عنده أن يكون من زيد، أو من عمرو هو من زيد على القطع بخلاف الصورة الأولى التي يكون فيها المسند نكرة، فأنت فيها تفيده انطلاق زيد، ولم يكن يعلم شيئا عن الانطلاق، فهو في صورة التعريف كان يعلم أن انطلاقا وقع، ولكنه لا يعلم ممن وقع، وفي صورة التنكير كان لا يعلم أن انطلاقا وقع، وهذا هو أساس الفرق بين الصورتين.
قال عبد القاهر: "والنكتة أنك تثبت في الأول الذي هو قولك: زيد منطلق، فعلا لم يعلمه السامع من أصله أنه كان، وتثبت في الثاني الذي هو زيد المنطلق فعلا، قد علم السامع أنه كان، ولكنه لم يعلمه زيد، فأفدته ذلك".
وإذا دققت النظر وأرحبته وجدت كثيرًا من معاني تعريف المسند، كأنها متفرعة عن هذا الأصل.
والمهم أنك في صورة التنكير تستطيع أن تعطف فتقول: زيد منطلق وعمرو، ولا يجوز لك أن تقول: زيد المنطلق وعمرو، وذلك؛ لأنك في الأول لا تتحدث عن انطلاق معروف ومعين، فجاز أن تشرك عمرًا فيه، وفي الثاني تتحدث عن انطلاق معروف للمخاطب، ومعين فإذا أثبته لزيد لم يصح لك أن تثبته لعمرو، فإذا قلت: يمكن أن يكون هذا الانطلاق المخصوص المبين كان من زيد وعمرو، وأردت الإخبار بذلك، فالعبارة عنه أن تقول: زيد وعمرو المنطلقان بخلاف زيد المنطلق وعمرو؛ لأنك حينئذ تثبته أولا لزيد، ثم تجيء فتثبته لعمرو وهذا خطأ.
(1/302)

وقال عبد القاهر: "ومن الواضح في تمثيل هذا النحو قولنا: هو القائل بيت كذا، كقولك: جرير هو القائل: "وليس لسيفي في العظام بقية".
لو حاولت أن تشرك في هذا الخبر غيره، وقلت: جرير هوالقائل هذا البيت وفلان حاولت محالا؛ لأنه قول بعينه فلا يتصور أن يشرك جرير غيره".
وقد يفيد تعريف المسند قصر المسند على المسند إليه لقصد المبالغة، وتقول: زيد الجواد، وعمرو الشجاع فتفيد قصر جنس الجود على زيد، وقصر جنس الشجاعة على عمرو، ولكنك لا تقصد القصر الحقيقي، وأن الجود لا يتصف به أحد إلا زيد على وجه الحقيقة التحقيقية، وأن الشجاعة لا يتصف بها أحد إلا عمرو، وإنما تقصد المبالغة في وصف زيد بالجود، وعمرو بالشجاعة، فتخيل بهذا قصر هذه الصفات على المذكورين قصدا للمبالغة، وأنك لم تعتد بهذه الصفات في غيرهم، وتقول: زيد الشاعر على معنى أنه بالغ في الشاعرية مبلغا صير غيره، كأنهم ليسوا شعراء، وتقول: زيد العالم لا تقصد أنه وحده العالم على الحقيقة، وإنما تقصد أنه بالغ في العلم مبلغ الكمال حتى صار غيره كأنه ليس بعالم، وهذا لا يجوز فيه العطف، فلا تقول: زيد الشاعر وعمرو، وإنما تقول: زيد الشاعر فإن أردت أن تشرك عمرا في هذه الصفة، وأنه بالغ فيها مبلغ زيد، فالعبارة عن ذلك أنك تقول: زيد وعمرو الشاعران على معنى أنك لا تعتد بشعر غيرهما كما قلنا، ومثله قول مزرد بن ضرار: "من الطويل"
فقد علمت فتيان ذبيان أنني ... أنا الفارس الحامي الذمار المقاتل
اراد أنه لا فارس سواه؛ لأن غيره من الفرسان لا يعتد بهم، ولا يذكرون إذا ذكره.
ومثله قول المتنبي: "من الطويل"
ودع كل صوت دون صوتي فإنني ... أنا الصائح المحكي والآخر الصدى
(1/303)

أراد أنه لا شاعر يروي شعره سواه، وأن غيره من الشعراء ينهجون سبيله ويرددون صوته.
وقول ابن الدمينة: "من الوافر"
ونحن الوازعون الخيل تردي ... بفتيان الصباح المعلمينا
والوازع: هو الذي يدير أمر الجيش، وردى الفرس يردي رديا رجم الأرض بحوافره، والمعلم: الرجل الذي جعل لنفسه علامة، ولا يكون ذلك إلا عنده فرط الشجاعة، فقد أراد أنه لا يزع الخيل القوية بفتيان معلمين إلا قومه، وذلك مبني على المبالغة كما ترى.
وقد يفيد تعريف المسند قصر المسند على المسند إليه حقيقة، وذلك كقولك: زيد الشاعر، إذا لم يكن هناك في الحقيقة شاعر سواه، ومثله قول ابن الدمينة:
ونحن التاركون على سليل ... مع الطير الخوامع يعترينا
والخوامع الضباع يعني أنه لم يقتل سليلا، ويطعم بها الطير، والضباع سواهم.
وإذا راجعنا كثيرًا من الشواهد التي ذكرناها نجدها تفيد هذا المعنى، راجع قول عمرو بن كلثوم، وابن الدمينة، والحادرة وغيرهم.
هذا وإذا كان الخبر اسم موصول في مثل هذا السياق رأيته يفيد مع الاختصاص شيئا آخر تغمغم به الصلة، انظر إلى قول جميل بن معمر يخاطب بثينة:
وأنت التي إن شئت كدرت عيشتي ... وإن شئت بعد الله أنعمت باليا
وأنت التي ما من صديق ولا عدى ... يرى نضو ما أبقيت إلا رثى ليا
واضح أن المعنى على قصر مدلول الصلة عليها، ثم فيه أن ذلك أي كونك
(1/304)

وحدك تكدرين عيشي أو تسعدينه وفق ما تشائين هذا أمر معروف، وقصة يعرفها الناس وهكذا.
وهذه الدلالة الهامسة تكمن في طبيعة التعريف بالصلة كما أشرنا؛ لأنها لا بد أن تكون أمرًا معروفا كما يقول النحاة، وترى هذه الإيماضة الجاذبة حين تتأمل مواقعها في الكتاب العزيز اقرأ قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} 1، تجد أن التعريف بالصلة فوق دلالته على الاختصاص يشير إلى أن أمر إنشاء السمع، والأبصار ذلك الأمر الذي تشغل به النفوس، أو ينبغي أن تشغل به مختص به سبحانه، ولو قال: هو أنشأ لكم السمع، والأبصار لخلا التعبير من هذه الإشارة.
ومثله: {وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ} 2، وقوله: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} 3، أي أن قصة ذرئكم في الأرض وانتشاركم فيها على هذه الصورة، تلك القصة التي أثارت النفوس إلى التعرف على مصدرها مختصة بالله سبحانه، وكذلك قصة خلق الليل والنهار والشمس، والقمر تلك القصة اللافتة، والتي جذبت أنظاركم إلى محيط النظر فيها إنما فاعلها هو الله، ولو حذفت الموصول في ذلك، ونقلت الجملة من وضعها أي كونها صلة لها هذه الخصوصية إلى أن تكون خبرًا فحسب لذهب هذا المعنى.
ومما هو واضح في إفادة الاختصاص قوله تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى، قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} 4، أي أنت الأعلى لا هم، وانظر إلى دقة التعبير عن حال موسى عليه السلام، وكيف استطاعت كلمة أوجس أن تصور في دقة بارعة هواجس الخوف التي أنبثت فجأة في
__________
1 المؤمنون: 78.
2 المؤمنون: 79.
3 الأنبياء: 33.
4 طه: 67، 68.
(1/305)

نفس نبي الله موسى عليه السلام لما رأى حبالهم وعصيهم، وخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، ثم كيف جاء وعد الله له بالغلبة، والفوز المستعلي عليهم مؤكدا بما ترى من أداة التوكيد، وتكرار المسند إليه، وتعريف المسند باللام، وصياغته على طريقة أفعل المشيرة إلى التفوق، ثم كيف جاءت كلمة الأعلى من العلو حتى ينهض بهذه النفس التي استشعرت الوجل في موقف التحدي الجامع الذي كان يوم الزينة، وفيه محشر هائل من الناس، وهكذا استطاعت هذه الجملة: إنك أنت الأعلى، أن تبث السكينة والأمن في نفس موسى عليه السلام.
وقد يفيد المعنى المقصور بقيد يخصصه، ويجعله في حكم نوع برأسه، وذلك كقولك: زيد الكريم حين يبخل الناس، وعمرو الشجاع حين يتأخر الأبطال، وخالد الوفي حين لا تظن نفس بنفس خيرًا، أنت هنا لا تقصر مطلق الشجاعة على زيد، وإنما تقصر جنسا معينا من الشجاعة، وكذلك الجود والوفاء، ومنه قول الأعشى: "من المتقارب".
هو الواهب المائة المصطفاة ... إما مخاضا وإما عشارًا
يريد قصر جنس معين من الهبة على الممدوح، أي هو وحده الذي من عادته أن يهب المائة المصطفاة، وفرق بين أن تقول: هو وحده الذي من عادته أن يهب، وأن تقول: هو وحده الذي من عادته أن يهب المائة المصطفاة، فالأول يفيد مطلق الهبة، والثاني يفيد جنسا معينا من الهبة.
ومثله قول الخنساء في رثاء صخر: "من مجزوء الكامل"
الحامل الثقل المهم من الملمات الفوادح
الجابر العظم الكسير من المهاصر والممانح
الواهب المائة الهجان من الخناذيذ السوابح
الغافر الذنب العظيم لذي القرابة والممالح
(1/306)

ترى المسند المقصور في ذلك كله مفيدا بقيد، فالمقصور في الأول حمل الثقل المهمأي الأمر الثقيل الذي يبعث الهمة وينهضها لمعالجته، والفوادح جمع فادحة، وهم يقولون: فدحت ظهره الأثقال أي آضته وأثقلته، والمقصود في الناس هو جبر العظم الكسير من الأحداث التي تميل الناس، وتجذبهم جذبا عنيفا، والهصر في كلامهم يفيد الجذب والإمالة، ومنه سمي الأسد هصورا؛ لأنه يميل فريسته بشدة، والممانح هي الناقة الحلوب، ومانحت العين ممانحة إذا سالت دموعها لم تنقطع، وقد أرادت النوائب التي تتوافد توافد لا ينقطع، والمقصود في البيت الثالث هو هبة المائة الهجان أي البيض الكرام، والخناذيذ من الخيل جيادها ومن الإبل فحولها، والمقصود في البيت الرابع هو مغفرة الذنب العظيم للقريب والمعاهد، والممالح مأخوذ من الملح، وكأن المعاهد قد صارت بينك وبينه حرمة المؤاكلة وذمامها، والعرب تعظم أمر الملح، ويقولون: فلان ملحه على ركبتيه إذا كان مضيعا لعهده، وملحه في يمينه إذا كان بضد ذلك.
وقد يفيد تعريف المسند تقريره للمسند إليه، وبيان أن ثبوته له أمر مقرر لا يشك فيه أحد، وأنه ظاهر ظهورًا لا يخفى، وذلك كقول حسان: "من الطويل"
وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العبد
أراد أن يقرر صفة العبودية لوالده، ويثبتها له ثم يجعله ظاهر الأمر في العبودية ومعروفا بها، قال عبد القاهر: "ولو قال: ووالدك عبد لم يكن قد قد جعل حاله في العبودية حاله في العبودية حالة ظاهرة متعارفة"، ومعلوم أن حسان لم يقصد قصر العبودية على والده حقيقة، ولا ادعاء وإنما أراد ظهور أمره في العبودية أي، ووالدك العبد الذي عرف الناس جميعا أنه عبد، وأما سنام المجد وذراه، فهو لبني هاشم بني بنت مخزوم أراد عبد الله بن عبد المطلب.
ومثله قوله الخنساء: "من الوافر"
إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا
(1/307)

فهي لم تقصد أن تقصر صفة الحسن على بكائه، كما قصد الأعشى قصر هبة المائة على الممدوح؛ لأن القصر لا معنى له، وإنما أرادت أن تقرر لبكائه، صفة الحسن، وأن تفيد أن حسنه حسن ظاهر لا ينكره أحد، ولا يشك فيه شاك.
ومثله قول أبي الطيب:
هو الجد حتى تفضل العين أختها ... وحتى يكون اليوم لليوم سيدا
فالتعريف في قوله: هو الجد أي هو المعروف المتعالم في هذا المعنى، أي في أنه يغب تدبير العقلاء والجد الحظ، وواضح أن هذا البيت ليس كقول حسان، ولا الخنساء من حيث إنه يفيد أن ثبوته للمسند إليه أمر ظاهر، وذلك؛ لأن المسند إليه هنا والمسند شيء واحد كما هو واضح، وإنما أفاد التنويه وأنه متعالم في معناه، ومثله قوله تعالى: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ} 1، فالتعريف جاء في الذكور ليفيد
التنويه والتشهير، وكأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم، هكذا قال الزمخشري.
وقد يكون تعريف المسند للإشارة إلى بلوغ المسند إليه في الصفة مبلغ الكمال، أو أنه بلغ فيها حقيقتها المتصورة في الذهن، أي التي يتصورها الذهن في أنقى وأكمل، وأثم صورها كما تقول: هو الرجل أي الذي احتاز الصفات والشمائل، والخلال وكل ما تدل عليه الرجولة في صورة نقية متكاملة، وكأنه احتاز المثال الأفلاطوني لهذه الكلمة، وهكذا تقول: هو الصادق أو هو الصاحب، أو هو الأخ إلى آخر هذا مما تجد آثاره لا تزال عالقة في الفطرة، وتأمل ما تسمعه من كلام العامة الذين برئت فطرتهم من التنطس، والحذق والتدقيق، ويقول عبد القاهر في هذا الوجه: "إن للخبر فيه مسلكا دقيقا، ولمحة كالخلس يكون المتأمل عنده كما يقال: يعرف وينكر"، ويقول فيه أيضا: "وهذا فن
__________
1 الشورى: 49.
(1/308)

عجيب الشأن، وله مكان من الفخامة النبل، وهو من سرح البيان الذي تقصر العبارة عن تأدية حقه، والمعول فيه على مراجعة النفس، واستقصاء التأمل".
وتأمل هذا الكلام واستق منه.
ومثال هذا النوع قولك: هو البطل المحامي، على معنى أن تقول للمخاطب: هو تصورت البطل المحامي، وكيف يكون الإنسان حتى يبلغ في هذه الصفة مبلغها الأعلى؟ إذا تصورت هذا في نفسك، ومثلته لفكرك فعليك بفلان فهو الذي تجد فيه هذه الصفة كما تصورتها، ومثله هو الحامي لكل حقيقة، والمترجي لكل ملمة، والدافع كل كريهة، قال العلوي: "كأنك قلت: هل تعقل الحامي والمرتجي وتسمع بهما، فإن كنت تعقل ذلك وتعرفه حقيقة معرفته، فاعلم أنه فلان فإني خبرته وجربته، فوجدته على هذه الصفة، فأشدد يدك به، فإنه ضالتك التي تنشدها، وبغيتك التي تقصدها".
نعم هو ضالة من يبحث في الخلال الكريمة عن مثلها العليا، وإن الله يحب مكارم الأخلاق.
وقد ذكر عبد القاهر في هذا قول ابن الرومي: "من الطويل"
هو الرجل المشروك في جل ماله ... ولكنه بالمجد والحمد مفرد
وعلق عليه بقوله: "كأنه يقول للسامع: فكر في رجل لا يتميز عفاته، وجيرانه ومعارفه عنه في ماله وأخذ ما شاءوا منه، فإذا حصلت صورته في نفسك، فاعلم أنه ذلك الرجل".
ومنه قول الفرزدق يهجو الحجاج: "من الطويل"
فلولا بنو مروان كان ابن يوسف ... كما كان عبدا من عبيد إياد
زمان هو العبد المقر بذلة ... يراوح أبناء القرى ويغادي
وكان الحجاج معلم صبية كما قالوا: وكان يلقب بكليب، قال شاعر: يعنيه: "من المتقارب"
(1/309)

أينسى كليب زمان الهزال ... وتعليمه سورة الكوثر
رغيف له فلكة ما ترى ... وآخر كالقمر الأزهر
والعرب يقولون كما روى الجاحظ: لا ينبغي لعاقل أن يشاور أحدا من خمس: الغزال، والقطان، والمعلم، وراعي الضأن، والرجل الكثير المحادثة للنساء.
والمهم هو قوله: العبد المقر بذلة، فإنه لم يرد أن يقصر العبودية عليه كما لم يرد أن يقول: إنه معلوم مشهور بها، وإنما أراد معنى أدق وأوقع، أراد أن يقول: إنه كان يكون الشخص الذي تتمثل فيه العبودية في صورتها التامة، وكأنك لو أردت أن ترى ذلك الإنسان الذي تتمثل، وتتشخص فيه الذلة لوجدت ذلك الإنسان في الحجاج لولا بنو مروان، وهذا كما ترى أبلغ من كونه مشهورًا بها.. والمعول عليه في إدراك هذا المعنى الدقيق هو كما يقول عبد القاهر: "مراجعة النفسي"، "واستقصاء التأمل"، وهاتان الكلمتان مفتاح باب الفهم في هذا العلم، ويذكر عبد القاهر أن كلمة الذي تفيد هذا المعنى في كثير من مواقعها، فقول الشاعر: "من الطويل"
أخوك الذي إن تدعه لملمة ... يجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب
تجد اسم الموصول فيها يعبر عن صفة عالية تتمثل في الأخ، كما تسمع العامة يقولون: هو الآخ وهو الصاحب.
ومثله قول الآخر:
أخوك الذي إن ربته قال: إنما ... أربت وإن عاتبته لان جانبه
قال عبد القاهر: "فهذا ونحوه على أنك قدرت إنسانا هذه صفته وهذا شأنه، وأحلت السامع على من يتعين في الوهم دون أن يكون قد عرف رجلا بهذه الصفة، فأعلمته أنا لمستحق لاسم الأخوة هو ذلك الذي عرفه حتى كأنك قلت: أخوك زيد الذي عرفت أنك إن تدعه لملمة يجبك".
(1/310)

تقديم المسند:
يشير عبد القاهر إلى الفرق بين زيد المنطلق، والمنطق زيد أنهما، وإن اتفقا في إثبات انطلاق قد سبق العلم به لزيد، إلا أنهما يختلفان في شيء دقيق هو أنك تقول: زيد المنطلق لم ن علم أن انطلاقا قد كان، ولكنه لم يعلم ممن كان؟ فلأنت تخبره أن الانطلاق الذي يعلم وجوده كان من زيد.
أما قولك: المنطلق زيد فإن المعنى فيه على أنك رأيت إنسانا ينطلق، ولم تتبينه، ولم تعلم أزيد هو أم عمرو؟ فقال لك صاحبك المنطلق زيد: أي هذا الشخص الذي تراه من بعيد هو زيد، وقد قدم؛ لأنه هو المحدث عنه، والمقصود بالخبر، ولا يجوز هنا أن يعرب خبرا مقدما؛ لأنك لا تقصد الإخبار به، وإنما تقصد الإخبار عنه.
قال البلاغيون: إنك تبتدئ بالأعرف، فالذي تراه منطلقا أعرف عندكم من زيد؛ لأنه شخص أمام عينيك تشير إليه، وهو منطلق وأنت تجهل أنه زيد.
قال العلامة سعد الدين: "والضابط في هذا التقديم أنه إذا كان للشيء صفتان من صفات التعريف، وعرف السامع اتصافه بإحداهما دون الأخرى، فأيهما كان بحيث يعرف السامع اتصاف الذات به يجب أن تقدم اللفظ الدال عليه وتجعله مبتدأ، وأيهما كان بحيث يجهل اتصاف الذات به يجب أن تؤخر اللفظ الدال عليه وتجعله خبرًا، فإذا عرف السامع زيدا بعينه واسمه، ولم يعرف اتصافه بأنه أخوه، وأردت أن تعرفه ذلك قلت: زيد أخوك، وإذا عرف أخا له ولم يعرفه على التعيين: وأردت أن تعينه عنده قلت: خوك زيد ولا يصح زيد أخوك، وهذا يتضح من قولنا: رأيت أسودا غابها الرماح ولا يصح رماحها الغاب، ولهذا قيل في بيت السقط يخوض بحرا نقعه ماؤه، الأولى: ماؤه نقعه؛ لأن السامع يعرف أن له ماء، وإنما يطلب تعيينه".
وهذا نص جيد جدا، وتأمل فيه مقدار شفافية موقع الكلمة، وكيف ينبعث في
(1/311)

نفس السامع حس خافت بالكلمة، فيوجب هذا الحس تقديمها كما في بيت السقط والمقال الذي قبله.
فترتيب الكلمات في العبارة يتبع أحوال النفس وما يثار فيها، أو ما يمكن أن يثار فيها من معان وصور، فإذا كانت كلمة البحر تثير في النفس الماء لا النقع، وجب أن تسبق في الترتيب كلمة الماء استجابة لهذه الإثارة التي نهضت بها كلمة أو تركيب سابق، فإذا قلت: نقعه ماؤه كنت قد أخرت في اللفظ ما هو مقدم في النفس، وتلك مجافاة تنبو بها الكلمات.
وهذا مبحث جليل كما ترى، وهو يتجه في بحث بناء الأسلوب إلى أصوله ومنابعه الداخلية، ويمكن أن يدخل في إطاره أسلوب مراعاة النظير، والمطابقة وكثير من الأساليب التي يرجع الحسن فيها إلى ما يشبه تلك الاستجابة، والمتابعة لما يثار في الخيال، وهذا هو طريق تحليل الشعر عند علمائنا، ولو قرأت قصيدة، وتفقدتها من هذا الجانب لوقعت على الكثير من الأسرار، ودقائق صنعة الشعر.
وهذا الموضوع لا يتصل بتقديم المسند؛ لأن المسند مؤخر في التركيبين -زيد المنطلق والمنطلق زيد-؛ لأن الفروق التي أشاروا إليها لا توجد إلا إذا كان المقدم محكوما عليه -مسندا إليه- والمؤخر محكوما به -مسند-، وإنما ذكرت هذه المسألة لأنبه إلى معناها فإنه دقيق، ولأنبه إلى أنها ليست من باب تقديم المسند، فإن ذلك قد يشتبه على الكثير، ولأنبه إلى أننا سوف نتناول تقديم تقديم المسند الذي يظل مسندا، أما المسند الذي يتحول إعرابه بعد التقديم، فيصير مسندا إليه، فلن نتعرض له؛ لأن الذي يتقن ما نحن فيه يسهل عليه إدراك هذا القسم.
وقد قال الخطيب: إن تقديم المسند يكون لتخصيصه بالمسند إليه، يعني لقصر المسند إليه عليه، فإذا قلت: قائم زيد صح أن يفيد قصر زيد على القيام، ويكون المعنى ما زيد إلا قائم.
ومنه قوله تعالى: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ
(1/312)

أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} 1، فإنما قدم المسند -شاخصة- ولم يقل: فإذا هي أبصار الذين كفروا شاخصة؛ لأنه إذا قدم الخبر أفاد أن الأبصار مختصة بالشخوص من بين سائر صفاتها من كونها حائرة، أو مطموسة أو مزورة إلى غير ذلك من صفات العذاب أي ليست إلا شاخصة، ولو قال: واقترب الوعد الحق، فشخصت أبصارهم لما أفاد شيئا من هذه الصورة.
وقوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} 2، أي أن دينكم مقصور عليكم، وديني مقصور علي، أي إذا لم تتبعوني فدعوني كفافا، ولا تدعوني إلى الشرك كما قال الزمخشري:
وقوله تعالى: {أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} 3، أي أن الله تعالى مختص بصيرورة
الأمور إليه دون غيره، وقوله تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} 4، وقوله تعالى: {لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ} 5، فهذه الظروف لا وجه لتقديمها على عاملها إلا ما ذكر من الاختصاص، أي ليس إيابهم، ومرجعهم إلا إلينا وليس حسابهم على أحد إلا علينا، وليس الملك لأحد إلا لله.
أما قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} 6، وقوله تعالى: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} 7، وقوله تعالى: {إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} 8، وقوله تعالى: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} 9، فقد ذهب ابن الأثير إلى التقديم فيها لمراعاة الحسن في نظم الكلام؛ وتابعه في ذلك العلامة العلوي، فالتقديم في إلى ربها ناظرة ليطابق رءوس الآي: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ، وَتَذَرُونَ
__________
1 الأنبياء: 97.
2 الكافرون: 6.
3 الشورى: 53.
4 الغاشية: 25، 26.
5 التغابن: 1.
6 القيامة: 22، 23.
7 القيامة: 29، 30.
8 القيامة: 12.
9 هود: 88.
(1/313)

الْآخِرَةَ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ، تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ} 1، وفي قوله تعالى: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} ، ليطابق: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ، وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ، وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ، وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ} 2، وهكذا.
ويستدل ابن الأثير على أن التقديم هنا لحسن النظم السجعي، بأن التأخير يفسد حسن نظم الكلام، ولا ينكر -ومثله العلوي- أن هذه الآيات مفيدة للاختصاص، ولكنهم يقولون: إن الاختصاص مفهوم من طبيعة المعنى، فالمساق ليس إلا إلى ربك، والمستقر ليس إلا إليه سبحانه، وكذلك التوكل والإنابة، الاختصاص مفهوم كما قلت من غير خصوصية التقديم أي هو مفهوم بقرائن أخرى، وكأنهم يرون أننا لو ذهبنا إلى القول بأن نكتة التقديم هنا هي الاختصاص لذهبت النكتة التي يحرصون عليها، وهي الحسن السجعي.. وكثير من البيانيين لا يوافقون على تفسير الخصائص البلاغية في القرآن تفسيرًا يرجع إلى اللفظ الذي منه الحسن السجعي، لذلك يرفضون كلام الشيخين العلوي، وابن الأثير.
والذي نراه أنه لا تزاحم في النكات والأسرار، وأن التقديم في الآيات الكريمة يفيد الفائدتين:" فائدة معنوية وهي الاختصاص، وفائدة لفظية -وهي في تقديرنا جزء من التعبير تماما- وهي الحفاظ على التنغيم الآخذ، والتوازن الصوتي الذي يشارك مشاركة فعالة في تحريك القلوب، وبعث خوافي الإحساس والشعور، ويدرك هذه الحقيقة من ذاق حلاوة الترتيل، وجمال التنغيم في هذا القول الحكيم.
وهب أن الاختصاص مفهوم مفهوم من غير التقديم، فإن هذا لا يعني أن يتجرد التقديم للحسن السجعي؛ لأن له فضيلة أفضل، وهي تقديم الجار والمجرور لمزيد العناية بمعناه؛ لأن الأهم في المساق أنه إلى ربك، والأهم في النظر أنه إلى ربها
__________
1 القيامة: 20-25.
2 القيامة: 26-30.
(1/314)

وتقديم المساق وناظره، لا يذهب بالحسن النظمي فحسب، وإنما يذهب بهذه الفضيلة المعنوية الجليلة.
ثم إذا كان تقديم المسند، وهو ظرف في الإثبات موضع خلاف، فإن تقديمه وهو ظرف في النفي يوشك أن يكون موضع اتفاق في إفادة التخصيص، فقوله: {لا فِيهَا غَوْلٌ} 1، يفيد التخصيص قطعا، والمراد قصر نفي الغول عليها بخلاف خمر الدنيا فإن فيها غولا، ولو قال: لا غول فيها لأفاد نفي الغول عنها فقط من غير أن يتعرض لخمور الدنيا، ومثله قوله تعالى: {لا رَيْبَ فِيهِ} 2، فإنه نفي الريب عن الكتاب الكريم دون تعرض لمعنى الاختصاص، ولو قال: لا فيه ريب لأفاد قصر نفي الريب عليه، وأن هناك ريبا في الكتب الأخرى، وليس هذا بمراد، وفرق بين قولك: هذا السيف لا عيب فيه، وقولك: هذا السيف لا فيه عيب، فالأول لنفي العيب فقط، والثاني لنفيه على وجه الاختصاص، وفيه إثبات العيب لغيره من السيوف وهذه دقائق.
قالوا: ويكون تقديم المسند للتنبيه من أول الأمر على أنه خبر لا نعت، كقول حسان بن ثابت في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من الطويل"
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
فإنه لو قال: همم له لتوهم أن كلمة -له- نعت لا خبر؛ لأن النكرة تحتاج إلى الصفة أكثر مما تحتاج إلى الخبر، وإن كان هذا التوهم سرعان ما يزول إلا أن إيقاع المعنى في النفوس من أول وهلة أولى بمقام المدح؛ ليتمكن في نفس السامع، وتجري الصفات العظيمة الواردة على الهمم من كون كبراها لا منتهى لا لها، وصغراها أجل من الدهر، وقس على هذا ما أشبهه.
ويكون التقديم للتشويق إلى ذكر المسند إليه كقوله: "من البسيط"
__________
1 الصافات: 47.
2 البقرة: 2.
(1/315)

ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى، وأبو إسحاق والقمر
فإنه لما قال: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها تطلعت النفوس إلى معرفتهم؛ لأن في المسند ما يشعر بجليل خطرهم حيث تشرق الدنيا ببهجتهم، فإذا أتى المسند إليه وقع في النفس موقعًا حسنًا.
وقد ذكر ابن رشيق أنه اجتمع الشعراء بباب المعتصم، فبعث إليهم: من كان منكم يحسن أن يقول مثل قول منصور النمري في أمير المؤمنين الرشيد: "من البسيط"
إن المكارم والمعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع
إذا رفعت امرأ فالله رافعه ... ومن وضعت من الأقوام متضع
من لم يكن بأمين الله معتصما ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع
إن أخلف الغيث لم تخلف أنامله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع
فليدخل، فقال محمد بن وهب: فينا من يقول خيرًا منه وأنشد:
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر
يحكي أفاعيله في كل نائلة ... الغيث والليث والصمصامة الذكر
فأمر بإدخاله وأحسن صلته.
ومما جاء على طريقة قول ابن وهب ما ذكره أبو أحمد العسكري، شيخ أبي هلال، قال: قال عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع.
ما مدحنا بشعر أحب إلينا من قول أبي نواس:
ساد الملوك ثلاثة ما منهم ... أن حصلوا إلا أعز ربيع
ساد الربيع وساد فضل بعده ... وعلت بعباس الكريم فروع
عباس عباس إذا احتدم الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع
فقد انتفع أبو نواس بإبهام العدد في التشويق والإثارة.
(1/316)

الفصل الخامس: أحوال متعلقات الفعل
مدخل
...
الفصل الخامس: أحوال متعلقات الفعل
1- أغراض تقييد الفعل. 2- حذف المفعول. 3- التقديم في المتعلقات.
يعني بالمتعلقات ما يتصل بالفعل ويتعلق به من فاعل، ومفعول به، ولأجله، ومصدر، وزمان، ومكان، وسبب، وحال، وتمييز، وغير ذلك، فالفعل يلابس هذه الأشياء وكثيرا ما يأتي وقد جر وباءه هذا الحشد الهائل، وكله متصل به بوجه من الوجوه، والفعل مسند حتما، فأحوال متعلقات الفعل هي أحوال متعلقات المسند إذا كان فعلا، وقد جعلها البلاغيون بابا مستقلا لكثرة مباحثها فقط؛ لأنها في الواقع فرع من فروع أحوال المسند.
وقد ذكرت أغراض تقييد الفعل مع أحوال متعلقات الفعل؛ لأني أرى أنها جزء منها، وإذا لم يكن هناك بد من فصل أحوال المتعلقات عن أحوال المسند، فينبغي أن نضيف إلى أحوال المتعلقات ما هو أكثر صلة بها، وقد أشار إلى ذلك العلامة الدسوقي في حاشيته على المختصر.
(1/317)

أغراض تقييد الفعل:
أما أغراض تقييد الفعل بمفعول، ونحوه من المتعلقات، فقد قال الخطيب: إنه يكون لتربية الفائدة أي تكثيرها، ومعنى ذلك أنك إذا قلت: ضربت فقد أفدت فائدة، فإذا قلت: ضربت زيدا كانت الفائدة أكثر، فإذا قلت: ضربت زيدا يوم الجمعة زادت عن سابقتها، وهكذا كلما زاد الحكم قيدا زاد فائدة، ألا ترى أنك في المثال الأول أفدت وقوع الضرب منك فقط، وفي الثاني أفدت وقوع الضرب منك على زيد، وفي الثالث أفدت وقوع الضرب منك على زيد يوم الجمعة، وهكذا كل مثال كان أكثر فائدة مما قبله باعتبار ما قد أضيف إليه.
وتربية الفائدة تعني أيضا تقرير المعنى وتأكيده، انظر إلى قوله تعالى: {ذلكم قولكم بأفواهكم} 1، فقد ذكر بأفواهكم قيدا للفعل، ولو حذف لفهم معناه؛ لأن القول لا يكون إلا بالفم، ولكن لما كان هذا القول فيه افتراء على الله تعالى شدد على قائله لتقير الوعيد في النفس، وبثه في أنحائها حتى تنجز عن هذا القول الزور.
ومثله قوله تعالى في قضية الإفك: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} 2، ففي هذا القيد إشعار بتعظيم الأمر المقول، وأنه مقول بالأفواه من غير أن يتصل بالقلوب التي تعلم كذبه واختلاقه، ونلحظ أن مثل هذا الأسلوب يأتي في القرآن الكريم في مواقف التشديد، والإنكار لتربية المعاني وتقريرها في النفوس، انظر إلى قوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ} 3، والمراد: إنكار أن يقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي، وللتشديد والمبالغة في هذا الإنكار صور الجمع بين الزوجية، والأمومة في صورة جمع القلبين لرجل واحد، وذكر القيد وهو قوله: {فِي جَوْفِهِ} ، والقلب لا يكون إلا في الجوف ليقوي التصوير على التأثير بوضع جوف يشتمل على قلبين، وتصوير هذه الصورة الغريبة الشاذة أمام الحس
__________
1، 3 الأحزاب: 4.
2 النور: 15.
(1/318)

والشعور، فيكون ذلك أدعى إلى أن تنكر النفس جعل الزوجة أما، وفي هذه الآية كثير من الإشارات استوفينا مزيدا منها في دراستنا لسورة الأحزاب.
ومثله قوله تعالى: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} 1، وخرور السقف لا يكون إلا من فوق، وقد قال ابن الأثير في قيمة هذا القيد: "ولذكر لفظة فوقهم فائدة لا توجد مع إسقاطها، من هذا الكلام، وأنت تحس هذا من نفسك، فأنت إذا تلوت هذه الآية تخيل إليك سقف خر على أولئك من فوقهم، وحصل في نفسك من الرعب ما لا يحصل مع إسقاطه تلك اللفظة".
تذكر ما قلناه عن ابن الأثير، وكيف يرى الصور وكأنها تنخلع من الكلمات، وتصير أحداثا تتحرك على وفق ورودها في سياق البناء اللغوي.
ومنه قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام مع صاحبه:
{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} 2.
قال في آية السفينة: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} ، ثم قال في آية قتل الغلام: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} ، فزاد قيدا للمسند في الثانية لتربية الفائدة أعني لتأكيد اللوم في الثانية؛ لأن المخالفة الثانية أحوج إلى مزيد من اللوم بتقريره وتأكيده.
ومما يأتي على هذه الطريقة قولهم: رأيته بعيني، ووطئته بقدمي،
__________
1 النحل: 26.
2 الكهف: 71-75.
(1/319)

وقبضته بيدي، وذقته بفمي، وقد يظن من لا معرفة له بأسرار الكلام، وخصائص التراكيب أن هذه القيود فضلات ثقيلة في الكلام، إذ الرؤية لا تكون إلا بالعين، والوطء لا يكون إلا بالقدم، والقبض لا يكون إلا باليد، والذوق لا يكون إلا بالفم، ولكن المعنى هنا بالقيد أكبر منه بدونه، فليس المعنى على أنه رآه، ووطئه وذاقه فحسب، وإنما يضاف إلى ذلك قدر كبير من التصوير والتقرير، لذلك لا يقولون هذا إلا في شيء يعظم مثاله، ويعز الوصول إليه، فيؤكد القول فيه دلالة على نيله والحصول عليه، وقريب من هذا ما يقال في الحروف التي يقولون: إنها زائدة ويريدون أن أصل المعنى يبقى مع إسقاطها، كما يبقى أصل المعنى في قولك: رأيته من غير أن تضيف بعيني.
ومما يتصل بأحوال متعلقات الفعل، أو بالقول في تقييد المسند القول في معاني الحروف الجارة التي تتعلق بهذه الأفعال، وهو باب خصب في المعاني الأدبية، ودرس جليل في فهم اللغة وسرائرها، وقد نبه إليه الدارسون لأسلوب القرآن، وانتفع به البلاغيون وأخذوه عنهم، وكان الزمخشري من أكثر المفسرين التفاتا إلى هذه الحروف.
يقول في قوله تعالى: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ} 1 مشيرا إلى خلابة لام الجر، وكيف نهضت ببعث مشهد ساخر: "فإن قلت: فما معنى اللام في قوله: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا} ؟ وما هو الفرق بينه وبين قولك: أكان عند الناس عجبا؟ قلت: معناه أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها، ونصبوه علما لهم يوجهون نحوه استهزاءهم، وإنكارهم وليس في عند الناس هذا المعنى".
وانظر إلى الفرق بين علي واللام حيث يقع الفعل مرة معدى بعلي، وأخرى باللام، وذلك كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} 2،
__________
1 يونس: 2.
2 الأنبياء: 101.
(1/320)

وقوله: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ} 1، وقال معديا الفعل بعلي، {وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} 2، فجاء بعلي عند سبق الضار؛ لأنهم يلحظون فيها معنى القهر، والاستعلاء يقولون: اللهم عليه لا له، كما جاء باللام عند سبق النافع، ومثله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} 3.
وقول عمر: "ليتها كانت كفافًا لا علي ولا ليا".
وانظر إلى الفرق بين "علي"، و"في" في قوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} 4، قال الزمخشري: فإن قلت: كيف خولف بين حرفي الجر الداخلين على الحق والضلال؟ قلت: لأن صاحب الحق كأنه مستعل على فرس، أو جواد يركضه حيث شاء، والضال كأنه منغمس في ظلام مرتبك فيه لا يرى أين يتوجه.
وللزمخشري مقدرة عجيبة في لمح ما رواء الحروف من تصوير وتجسيد.
وانظر كيف أشار القرآن بالمحافظة بين "اللام"، و"في" في آية الصدقة إلى الأهلية، وأولوية الاستحقاق في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} 5.
قالوا: فهذه أصناف ثمانية جعل الله الصدقات مصروفة فيهم لكونهم أهلا لها، ومستحقين لصرفها، لكن الله تعالى خص المصارف الأربعة الأولى باللام دون علي، دلالة على الملك والأهلية للاستحقاق، وعدل عن اللام إلى حرف الوعاء في الأصناف الأربعة الأخر، وما ذلك إلا للإيذان بأن أقدامهم أرسخ في الاستحقاق للصدقة، وأعظم حاجة في الافتقار من حيث
__________
1 الصفات: 171.
2 هود: 40.
3 البقرة: 286.
4 سبأ: 24.
5 التوبة: 60.
(1/321)

كانت "في" دالة على الوعاء فنبه على أنهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات، كما يوضع الشيء في الوعاء، وأن يجعلوا مظنة لها، وذلك لما في فك الرقاب. وفي الغرم من الخلاص من الرق، والدين اللذين يشتملان على النفس، وشغل القلب بالعبودية والغرم، ثم تكرر الحرف في قوله: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} قرينة مرجحة له على الرقاب والغارمين، وكان سياق الكلام يقتضي أن يقال: وفي الرقاب والغارمين، وسبيل الله وابن السبيل، فلما جيء بفي مرة ثانية مع سبيل الله علم أن السبيل آكد في الاستحقاق بالصرف فيه من أجل عمومه، وشموله لجميع القربات".
وهذا ومثله إنما يكشف لنا جوانب من دقة اللغة، واستخدام القرآن الكريم لكلماتها، وحروفها استخداما بلغ الغاية في دقة التعبير، كما أنه كشف عن طاقة عجيبة تكمن في كلمات اللغة وتراكيبها.
ونحن وإن كنا نقع على أمثال هذه الفروق في الشعر، والكلام المختار إلا أنها لا تطرد، ولا تسخو كما تطرد وتسخو في القرآن.
- تقييد الفعل بالشرط:
عنى البلاغيون بتقييد المسند بأن -وإذا- لأن للتقييد بهما لطائف، واعتبارات بلاغية، أو لكثرة مباحثهما الشريفة المهملة في علم النحو كما يقول العلامة سعد الدين.
قالوا: إن "إن" للشرط في الاستقبال أي تقييد حصول الجزاء بحصول الشرط في الاستقبال مثل قولك: إن جئتني أكرمتك، ومثلها "إذا".
والفرق بينهما هو أن "إن" تستعمل في الشرط غير المقطوع بوقوعه، تقول: إن جئتني أكرمتك، إذا كنت غير قاطع بمجيئه، و"إذا" تستعمل في الشرط المقطوع بوقوعه تقول: إذا جئتني أكرمتك، إذا كنت قاطعا بمجيئه، أو مرجحا ذلك.
(1/322)

وهذا الفرق الكائن في أصل الدلالة كما ترى، هو الذي تتفرع عنه الدلالات البلاغية لهاتين الأداتين، ويظهر ذلك في تحليل الشواهد.
خذ قوله -تعالى-: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} 1، فإنه لما كان مجيء الحسنة أمرا مقطوعا به جيء بلفظ إذا، عرفت الحسنة تعريف الجنس ليشتمل كل ما هو من جنس الحسنات، وشأن هذا أن يقع كثيرا، وذكر لفظ "إن" مع إصابة السيئة؛ لأن إصابة السيئة نادرة بالنسبة لإصابة الحسنة، وقد نكرت السيئة لإفادة التقليل، فأشارت إلى هذه الندرة.
ومثله قوله -تعالى-: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} 2، جيء بإذا في جانب الرحمة للإشارة إلى أن إذاقة الناس قدرا قليلا من الرحمة أمر مقطوع به، ولإفادة هذا المعنى نكرت الرحمة لتفيد التقليل، فيكون التقليل أقرب إلى القطع بالوقوع، وقال: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} ، فأفاد أن إصابة السيئة لهم أمر غير مقطوع به، وأن الله لا يؤاخذهم دائما بما قدمت أيديهم، ولكنه يعفو عن كثير.
أما قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ} 3، جيء فيه بلفظ: "إذا" مع الضر، وهذا بخلاف الطريقة في الآيتين السابقتين وذلك؛ لأنه ذكر هنا لفظ المس والمس أقل من الإصابة، ونكر الضر ليفيد قدرا يسيرا من الضر، وذكر لفظ الناس المستحقين أن يلحقهم كل ضر، والحديث عن الناس الذين إذا مسهم الضر دعو ربهم منيبين إليه، وإذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون، فكان في هذا إشارة إلى أن مس قدر يسير من الضر لأمثال هؤلاء، حقه أن يكون في حكم المقطوع به.
ومثله: {وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} 4، جاء بلفظ "إذا" مع
__________
1 الأعراف: 131.
2 الروم: 36.
3 الروم: 33.
4 فصلت: 51.
(1/323)

مس الشر؛ لأن المراد مسا لإنسان الذي إذا أنعم الله عليه أعرض، ونأى باجنبه أي أعرض عن شكر الله وذهب بنفسه، ومثله بحق أن يكون تكبر، ومثله بحق أن يكون ابتلاؤه بالشر مقطوعًا به.
وقال عبد الرحمن بن حسان يخاطب بعض الولاة، وقد سأله حاجة، فلم يقضها:
ذممت ولم تحمد وأدركت حاجتي ... تولى سواكم أجرها واصطناعها
أبى لك كسب الحمد رأي مقصر ... ونفس أضاق الله بالخير باعها
إذا هي حثته على الخير مرة ... عصاها وإن همت بشر أطاعها
واضح أن الشاعر يذم الرجل ويهجوه هجاء صريحًا، ويذكر رأيه المقصر ونفسه الضائقة بالخير، وقوله: إذا هي حثته على الخير مرة، يفيد: أن حث نفسه على الخير أم مقطوع به، وقوله: وإن همت بشر يفيد: أن همها بالشر أمر نادر، والنفس التي تحدث على الخير قطعا، وتهم بالشر نادرًا نفس ممدوحة محمودة، فكيف يتفق هذا مع سياق الذم، وتصريحه بأن نفسه أضاق الله بالخير باعها، ولو قال: إن هي حثته على الخير مرة عصاها، وإذا همت بشر أطاعها لاستقام المعنى، ولذلك قال الزمخشري رحمه الله: وللجهل بموقع إن وإذا يزيغ كثير من الخاصة عن الصواب فيغلطون، ألا ترى إلى عبد الرحمن بن حسان كيف أخطأ بهما الموقع.. ثم ذكر القطعة والأبيات، وقال: لو عكس لأصاب.
وقد سمعت من بعض شيوخنا أن ابن حسان أعلم بطبائع اللغة من البلاغيين، وأن الزمخشري مع سعة ذرعه لم يتنبه إلى قوله مرة: ومهما كانت النفس قد أضاق الله بالخير باعها، فإن حثها على الخير مرة أمر متوقع؛ لأن الله ألهمها فجورها وتقواها، وهو كلام واقع.
وترى في الشعر المطبوع الذي يقوم على الخبرة العميقة لطائبع الكلمات، ودقيق دلالاتها ترى فيه هاتين الأداتين، ووراءهما إشارات لطيفة.
(1/324)

خذ قول عامر بن الطفيل يذكر بلاءه، وبلاء قومه: "من الطويل"
وقد علم المزنوق أني أكره ... هلى جمعهم كر المنيح المشهر
إذا ازور من وقع الرماح زجرته ... وقلت له: ارجع مقبلا غير مدبر
والمزنوق اسم فرسه، والشاعر يكر فرسه على جمع الأعداء كرا كثيرا الجولان، وهو وفرسه في قلب المعمعة لا يريم عن ميدانها يجول فيها جولان المنيح، وهو قدح لا حظ له، وهو كثير الجولان في القداح تكثر به، وإذا خرج من القداح رد فيها، وإذا خرج منها قدح آخر غير المنيح عزل عنها.
والشاهد قوله: "إذا ازور من وقع الرماح زجرته"، وقد جاء بإذا ليشير إلى صعوبة الموقف وشدة الوطأة فيه، وإأن الخيل العتاق لا تطيقه، فهي كثيرا ما تزور عن اللقاء وتميل، ولذلك تجد الشاعر يتعهد فرسه ويقول له: ارجع مقبلا غير مدبر، وينبهه إلى أن الفرار خزاية، وأن حالي كحالك في مواجهة صعوبة الثبات، فهذه رماحهم في شرعا، وأنت حصان ماجد العرق، قال بعده:
وأنبأته أن الفرار خزاية ... على المرء ما لم يبل جهدا ويعذر
ألست ترى أرماحهم في شرعا ... وأنت حصان مجاد العرق فاصبر
أرايت كيف يستجيش الفرس، وينفره من الدنية وما يورث الخزية، ويذكره آباءه الأكرمين، ولله هذا الرجل لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استكفى بالله منه، وكان سيدا شريفا فارسا شاعرًا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشترط لإسلامه أن يكون له الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما رفض النبي صلى الله عليه وسلم مقالته توعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، فقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم اكفني عامرًا"، فأكلته الضبع في طريقه.
ومنه قول سعد بن ناشب، وكان شاعرًا شجاعا طلبه الوالي في رجل قتله، فلما لم يظفر به هدم داره.
(1/325)

قال": "من الطويل"
ويصغر في عيني تلادي إذا أنثنت ... يميني بإدراك الذي كنت طالبا
فإن تهدموا بالغدر داري فإنها ... تراث كريم لا يبالي العواقبا
ويقول:
إذا هم لم تردع عزيمة همه ... ولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا
فيا لرزام رشحوا بي مقدما ... إلى الموت خواضا إليه الكتائبا
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا
قوله: إذا أنثنت يميني جاء فيه بإذن ليشعر أن ظفر مثله بحاجاته أمر متوقع.
وانظر إلى الصورة البديعة في قوله: انثنت يميني بإدراك الذي كنت طالبا، وقوله: "فإن تهدموا بالغدر داري"، جاء فيه بإن ليشير إلى أن هذا الذي وقع منكم ما كان ينبغي أن يكون إلا على سبيل الشك، والاحتمال النادر، فإن الرجل الذي يغسل عن نفسه عاره بسيفه، ويفتك بمن يناله في عرضه لا يجوز في شريعة الجد أن تهدم داره، الشاعر باستعمال كلمة إن، كأنه يرفض هذا الواقع؛ لأنه مناقض لما يجب أن تكون عليه أخلاق الرجال، وقوله: إذا هم لم تردع، جاء فيه بإذا ليشير إلى أنه ذو عزمات مواض، وأن همه لمواقف المروءة شيء كثير غالب، فحياته كلها همم وعزائم كريمة، وقوله: إذا هم ألقى بين عينيه عزمه يؤكد هذا المعنى، ويأتي بلون جديد، ففي البيت الأول ذكر أنه لا ينثني عن عزمه، من غير أن يشير إلى إنصباب نفسه صوب غاياته، وذكر في هذا البيت الانصباب، أو الانهماك في تحقيق غايته، فالعزم كأنه شيء تجسد، وأخذ مكانه بين عينيه، فلا يلتفت إلا إليه.
ولا شك أنك أيها القارئ الكريم -مثلي تحب كل أدب وكل شعر، وكل فكر يستنهض في النفس عزائمها، ويجلي جوهرها وفضائلها، ويستثير منها شيم الرجولة، وشمائل النفس الحرة، إننا جميعا نحب الشعر والأدب، والفكر الذي ينفر النفس من الخساسة والخزاية، والصغار والعبودية، والهوان.
(1/326)

وكان علماؤنا يحرصون على أن تكون النفوس التي هي أوعية العلم الشريف نفوسا حرة شريفة، فكانوا يتخيرون شواهد العلوم من الشعر الذي يغلب عليه هذا الطابع الحي الحر، وكأنهم يثبتون من خلال الدراسة قيما جرت في علومنا ودمائنا وتاريخنا، حتى إنك لترها في تراثنا تجري في دم الخيل فهاتا، "حصان ماجد العرق"، وإنك لترى الثور الوحشي الذي تحيط به كلاب الصيد إذا حدثته نفسه بالهرب راجعه كبر، "فكر محمية من أن يفر"، ويثبت هذا الثور ذو الكبرياء في معمعان الدفع عن نفسه عرضه حتى الموت: "ولو شاء نجى نفسه الهرب"، بل إنك لترى حمار الوحش في الشعر: "معضضا"، أي عض من كل جانب في معمعة المدافعة عن كرامته وعرضه.
وهكذا أفرغ آباؤنا شرف النفس، وسموها وسموقها، ورفضها الهوان، والعبودية والذل أفرغوا ذلك، وأفضل من ذلك على ما حولهم حتى مطاياهم، فما بالنا الآن ترى العربي يضرب على أنف الغيرة، فلا يغضب؟!! ماذا حدث؟ لقد ربيت هذه الأجيال الضائعة على غير أصولها، وعروقها وغير علومها، وتاريخها وقيمها، وبقيت معلقة في الهواء تحتضن الوهم، وتكرع من كئوس مترعة بالسراب، ويجب أن تعود هذه النفوس التائهة إلى مستقرها حتى تعيش كبقية أمم الأرض في تاريخها، وقيما وأصولها الحضارية، وتغرس في علومها حتى يتغلغل ماؤها مرة ثانية في أصولها وفروعها، وتعرف كيف تدق باب الحرية الحمراء.
وللحرية الحمراء باب ... بكل يد مدرجة يدق
وأعود إلى الموضوع بعد هذه المراوحة اللازمة، وأقول: انظر قول محمد بن المولى ليزيد بن قبيصة بن المهلب، والي مصر في عهد أبي جعفر، وقد قصده الشاعر ومدحه، وأقام عنده طويلا: "من الوافر":
وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري
(1/327)

وإذا توعرت المسالك لم يكن ... منها السبيل إلى نداك بأوعر
وإذا صنعت صنيعة أتممتها ... بيدين ليس نداهما بمكدر
جاء بإذا في الأبيات الثلاثة ليشير إلى أن اشتراءه المكارم، وإقباله عليها حين ينصرف الناس عنها لصعوبة محملها أمر كثير، وكأنه من عاداته، وكذلك اتجاه ذوي الحاجات إليه عند توعر المسالك، وشدة الحاجة وهكذا.
وانظر إلى قوله المتنبي: "من الطويل"
أجزني إذا أنشدت سعرا فإنما ... بشعري أتاك المادحون مردَّدا
ودع كل صوت دون صوتي فإنني ... إنا الصائح المحكي والآخر الصدى
وقوله: "من الطويل"
إذا سأل الإنسان أيامه الغنى ... وكنت على بعد جعلتك موئلا
تجد أن: "إذا" تشير إلى كثرة شعره في الممدوح، وأنه الصوت الحقيقي المادح، وذلك يعني ذيوع معانيها وقوتها، وأنها غلبت الشعراء، فصاروا لا ينفكون عن دائرتها، فكان شعرهم ترديدا لشعره، وكذلك قوله: "إذا سأل الإنسان أيامه الغنى"، أنه يجعله مؤئله كثيرا؛ لأن الناس لا يفتئون يسألون الغنى.
ومنه قوله المشهور: "من الطويل":
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
وقد أصاب حين ذكر إذا في سياق إكرام الكريم؛ لأن هذا مما ينبغي أن يوجد
دائما، وذكر إن في سياق إكرام اللئيم للإشارة إلى أن مثله من القليل النادر، وذلك لصعوبة تجشم النفس إكرام اللئيم.
ومنه قوله في بني كلاب، وقد بلغ فيه الغاية في دقة استخدام هاتين الآداتين: "من الوافر":
(1/328)

إذا صرف النهار الضوء عنهم ... دجا ليلان ليل والغبار
وإن جنح الظلام انجاب عنهم ... أضاء المشرفية والنهار
انظر إلى قوله: "إن جنح الظلام"، وكيف أشار بإن إلى أن هذه القطع من الظلام جاثمة عليهم متثاقلة توشك ألا تنجاب، وواضح أن ذهاب الليل، وحلول النهار مثل ذهاب النهار، وحلول الليل في توقع الوقوع؛ لأنها ظواهر لا تنفك الواحدة منها عن الأخرى، ولكن الشاعر أشار بإذا لانصراف النهار، وحلول الليل كأنه وشيك الانصراف في كل حال، ثم أشار بإن لانصراف الليل، وكأن ذلك يوشك ألا يكون، الشاعر هنا أحسن كل الإحسان حين تصرف هذا التصرف البصير في موقع هاتين الأداتين، وكأنه يصور بها تصويرا دقيقا الواقع النفسي لهذا الجماعة التي بلغ في وصف حالها غاية ما يبلغ الشعر في مثله، انظر إلى قوله:
يرون الموت قداما وخلفا ... فيختارون، الموت اضطرار
إذا سلك السماوة غير هاد ... فقتلاهم لعينيه منار
ومما أصاب فيه المتنبي في موقع "إن" قوله وهو مشهور: "من البسيط"
إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم
انظر كيف جاء بأن مع هذا الحدث الواقع، وكأنه يقول: ما كان ينبغي لما بيني وبينك من طول المودة، والمخالطة أن يكون منك هذا، وأن يسرك ما قال حاسدنا.
وقد تجدك في حاجة إلى شيء من التأمل، وسعة النظر لتدرك دلالة هذه الأداة في بعض مواقعها، انظر إلى قول الأحوص: "من الطويل"
إذا رمت عنها سلوة قال شافع ... من الحب ميعاد السلو المقابر
ستبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة حب يوم تبلى السرائر
(1/329)

فقوله: "إذا رمت عنها" لا يعني أن رومه السلو وإرادته له كثيرة، وإنما أراد أن يؤكد استمرار هذا الحب، ودوامه وأنه سيبقى في السرائر يوم تبلى، فأتى إلى هذا المعنى الجليل، من هذا الأسلوب فقال: إنه بقا هذا البقاء، ومستمر هذا الاستمرار رضيت أم كرهت؛ لأنه غالب علي حتى لو أنني رمت السلو، وعزمت على ذلك، وقطعت عزمي عليه، وتكرر مني ذلك، فلن أجد إلا هذا الصوت الذي يقضي على هذه المحاولات، ويقول: ميعاد السلو المقابر، وهذا من دقيق الصناعة، وجيدها كما ترى.
وإياك أن تتكلف في بيان دلالة التراكيب؛ لأن ذلك مما يفسد الحس والروح، وكان القدماء يقولون: إياك واهتماط الشعر -أي أخذه من غير تقدير- فتهرط في كلامك فيه أي تسف، والمهم أنه إذا لم يكن المغزى بيننا، فدع القول فيه فذلك أبر بنفسك وبالشعر، وخذ هذه الأبيات وفيها ما يمكن أن ترى وراءه دلالة لطيفة إذا نبهت إليها الدراس انتبه، ورأى فيها ما يخصب فهمه، ويكشف له من معاني الكلام ما كانت مستورًا عنه.
قال قيس بن الملوح: "من الطويل":
أراني إذا صليت يممت نحوها ... بوجهي وإن كان المصلى ورائيا
وما بي إشراك ولكن حبها ... كعود الشجا أعيا الطبيب المداويا
إذا ما طواك الدهر يا أم مالك ... فشأن المنايا القاضيات وشانيا
خليلي إن دارت على أم مالك ... صروف الليالي فابغيا لي ناعيا
والصورة في البيت الأول جيدة خلوب، ولله هذا المصلي لربه والذي يمم وجهه نحو بيت ليلاه، وجعل بيت ربه وراءه، وقد اعتذر عن هذه الشناعة بأنه رفع الحرج عنه، فقد أعيا الطبيب المداويا وليس في التهالك أبلغ من هذا، وقد غلبت السوداويه على الشاعر فذكر طي الردى، والمنايا القاضيات، وصروف الدهر والناعي، وهذا متلائم جدا مع قوله: أعيا الطبيب المداويا.
(1/330)

ويقول أحمد محرم:
ترضى الشعوب إلى مدى فإذا أبت ... رضي الأبى وطاوع الغضبان
والحكم إن وزن الشعوب بواحد ... غبن الشعوب وخانه الميزان
في عصمة الشورى وتحت ظلالها ... تحمي الممالك كلها وتصان
وتأمل هذا الشعر واحفظه، ومر طلابك أن يحفظوه، وأن يرددوه في أرجاء البلاد لعل وعسى.
وموقع "إذا" في البيت الأول و"إن" في البيت الثاني فيه من الدقة ما ترى ومعناه: أن الإيباء آت لا محالة فتعسا للجبناء.
وتأمل قوله تعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ} 1، تجد أن "إن" تشير إلى أن خلوص الموت لله مما هو عزيز ونادر؛ لأن تخليص العمل لله من أصعب ما يعانيه أهل الله.
وقوله: {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} 2، تجدها تشير إلى غفلتهم، وكأنهم في حال من لا يتوقع الموت، وقوله: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} 3، تجدها في الأولى تشير إلى أن أهليتكم لنصر الله أمر عزيز ونادر، وفي قوله: وإن يخذلكم كأنه مسحة شفوقة حانية على القلوب المؤمنة من حيث إنه يشعرهم أن تخلي العناية عنهم، وخذلانهم أمر نادر وإنما يكون لحكمة، ثم اقرأ قوله: {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} 4، وابحث لها عن مغزى فإني لا أرى فيها أكثر من مجرد الربط.
إذا رأينا ذوي عنايته ... لديه خلناهم ذوي رحمه
__________
1 آل عمران: 157.
2 آل عمران: 158.
3 آل عمران: 160.
4 النساء: 135.
(1/331)

وإن نزلنا حريمه فلنا ... هناك أمن الحمام في حرمه
ولا أرى لإن في البيت الثاني دلالة أكثر من مجرد الربط أيضا إلا إذا قلنا: إن البحتري يهيج الممدوح، ويستحثه في الإقبال عليهم وذلك بقوله: إننا نادرًا ما ننزل حريمك يعني ديارك، وإذا قلت: إن ما قالوه في إن وإذا هو ما يكون في أكثر، وأغلب مواقعهما وأنهما في النادر يكونان لمجرد الربط من غير دلالة على أن الأمر مقبطوع به مع "إذا"، ونادر مع "إن" لم تبعد عن الصواب.
أو قلت: إن مجيئهما لمجرد الربط ناظر إلى استعمال قديم قبل أن تتحدد دلالة كل بما تحددت به، وأغراني بهذا القول المخالف أني رأيت التبريزي يقول في بعض استعملات أبي تمام الغريبة، يقول: لعله قرأها في كلام قديم، وقد سمعت مثله
من شيخنا محمود محمد شاكر فيما خالف فيه النحاة الفرزدق، وكان يوافق
الفرزدق، ويقول كلاما معناه هذا في طبع العربية لم يعرفه النحاة، وهو قائم في سليقة الفرزدق.
ومن الشواهد المتداولة في استعمال "إن" في الشرط المقطوع به لمغزى بلاغي قوله تعالى: {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} 1، فكونهم قوما مسرفين حقيقة متقررة، وقد استعملت "إن" في هذا الحكم المقطوع به؛ لأن المراد توبيخهم على الإسراف، وتصوير أن المقام لاشتماله على ما يقلع الشرط من أصله لا يصلح، إلا لفرضه كما يفرض المحال -هذه عبارتهم- ومرادهم
بالمقام أي ما يحيط بهؤلاء المسرفين من آيات الله البينات في الكون، والنفس والقرآن، كل ذلك إذا أحسنوا تدبره يقتلع الشرط من أصله أي الإسراف في العناد والكفر.
وتأمل عبارتهم تجد فيها من الإتقان، والجزالة ما تعيا به أقلامنا.
__________
1 الزخرف: 5.
(1/332)

وقد ناقش العلامة سعد الدين استعمال "إن" في المجالات المفروضة، وحرر ما يمكن أن يرد عليه من اعتراضات، وعبارته:
"لا يقال: المستعمل في فرض المحالات ينبغي أن يكون كلمة -لو- كما في قوله تعالى: {وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} 1، يعني الأصنام دون -إن- لما مر من أن -إن- يشترط فيها عدم الجزم بوقوع الشرط أو لا وقوعه، والمحال مقطوع بلا وقوعه، فلا يقال: إن طار الإنسان كان كذا بل يقال: لو طار؛ لأنا نقول: إن المحال في هذا المقام ينزل منزلة ما لا قطع بعدمه على سبيل المساهلة، وإرخاء العنان لقصد التبكيت، فمن هنا يصح استعمال إن فيه كما ذكره صاحب الكشاف في قوله -تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} 2، أنه من باب التبكيت؛ لأن دين الحق واحد لا يوجد له مثل، فجيء بكلمة الشك على سبيل الفرض، والتقدير أي إن حصلوا دينا آخر مساويًا لدينكم في الصحة والسداد فقد اهتدوا، وفي قوله تعالى: {إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} 3، أي إن كان حقا فعاقبنا على إنكاره، والمرد نفي حقيقته، وتعليق العذاب بكونه حقا مع اعتقاد أنه باطل تعليق بالمحال، ومنه قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} 4، انتهى كلامه وهو كلام شريف بحرص على تحصيله من ينشط لمعرفة الحقائق، كما يقول شيوخنا رحمهم الله.
ومما جاء على طريقة قوله: {أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} ، قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} 5، والقوم في ريب قطعا، والمغزى هو توبيخهم على الريب، والإشارة إلى أن المقام يشتمل على ما يقلعه
__________
1 فاطر: 14.
2 البقرة: 137.
3 الأنفال: 32.
4 الزخرف: 81.
5 البقرة: 23.
(1/333)

من أصله، ويجلي حقائق الرسالة، وصدقها تجلية كاشفة، فوقوع الريب منكم لا ينبغي أن يكون إلا على سبيل الغرض كما يفرض المحال.
وقد ذكر البلاغيون في هذه الآية أنه من الممكن أن يتكون من باب التغليب، أي تغليب غير المتصف بالريب من المخاطبين على المتصف به منهم، فإنه كان في الكفار من يعرف الحق وينكره عنادا، واعترض على هذا بأنه جمع بين مرتاب يقينا وغير مرتاب يقينا، وكلاهما لا يصلح موقعا لـ"إن"؛ لأنها إنما تكون في غير المقطوع به لا في المقطوع بعدمه.
وقد استطرد البلاغيون في حديث التغليب لهذه الملابسة، وذكروا أنه "إعطاء أحد المتصاحبين، أو المتشابهين حكم الآخر بجعله موافقا له في الهيئة أو المادة"، فالأولى كقوله تعالى: {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} 1، والأصل كانت من القانتات، فغلب الذكور على الإناث، وصار القانتون في الآية يشمل القانتات والقانتين، والثاني أي جعله موافقا له في المادة قولهم: الأبوين للأب والأم إلا أن الأب غلب على الأم، وصار لفظ الأم موافقا له في المادة، فقيل: الأبوين كما قيل: العمرين لأبي بكر وعمر، والقمرين للشمس والقمر.
وقد جاءت آيات كثيرة على طريقة التغليب، انظر إلى قوله تعالى: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} 2، ولم يكن شعيب عليه السلام في ملتهم، وخرج منها حتى يطلق على دخوله فيها عود، ولكنهم أدخلوه معهم بحكم التغليب، ومثله قول شعيب عليه السلام: {إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا} 3.
هذا، وللعرب مسالك دقيقة في هذا الباب تكشف صورًا من إدراكهم للأشياء، فتغليب المذكر على المؤنث ناشئ من اعتقادهم الحسن في الذكور، وتراهم إذا جمعوا اليوم، والليلة غلبوا التأنيث على التذكير فيقولون: مضى
__________
1 التحريم: 12.
2 الأعراف: 88.
3 الأعراف: 89.
(1/334)

منذ خمس عشرة يوم وليلة، فيذكرون خمس؛ لأنهم نظروا إلى ليلة، قال سيبويه:
"وتقول: مسار خمس عشرة من بين يوم وليلة؛ لأنك ألقيت على الليالي، فكأنك قلت: خمس عشرة ليلة، وقوله: من بين يوم وليلة توكيد بعدما وقع على الليالي؛ لأنه قد علم أن الأيام داخلة مع الليالي، وعندهم أن الليالي قبل النهار، فهلذا يؤرخون بها وتقول: أعطاه خمسة عشرة من بين عبد، وجارية لا غير لاختلافها، ثم قال: وقد يجوز في القياس خمسة عشرة من بين يوم وليلة، وليس على حد كلام العرب".
وواضح أن التغليب في هذا كما قال سيبويه ناشئ من اعتقاد أن الليل سابق النهار.
وترى هذا الأسلوب في أكثر صوره إنما يعول على السياق، والقرائن، وكأنه باب من أبواب شجاعة العربية كما يقول ابن جني ...
- مجيء الماضي لفظًا مع إن:
عرفت أن "إن" و"إذا" للشرط في الاستقبال، وأن معنى كونهما للشرط أنهما لتعليق أمر بغيره أي تعليق حصول الجزاء على حصول الشرط، وهذا يستوجب أن يكون الجواب، والشرط غير ثابتين؛ لأن الثبوت ينافي التعليق، فإذا قلت: إن تكرمني أكرمك، فقد علقت إكرامك له بإكرامه لك، فكلا الإكرامين غير حاصل الآن، وإنما يحصل في المستقبل، ولما كانت دلالة الاسم بأصل وضعه على الثبوت، ودلالة الفعل على الحدوث، والتجدد كان المناسب للشرط هو الفعل بخلاف الاسم، فإن دلالته على الثبوت تنافي التعليق الذي هو معنى الشرط، وإذا عرفت أن "إن" و"إذا" للتعليق في الاستقبال، فاعلم أن الشرط وجوابه لا يصح أن يكونا ماضيين لفظا ومعنى؛ لأن ذلك ينافي كونهما للمستقبل، وهناك صور جاء فيها الشرط لفظا، ومعنى وللنحاة فيه
(1/335)

تأويلات، وتحليلات خصبة ونافعة فلتراجع في الأشموني، وحاشية الصبان جـ4 ص15 ومابعدها؛ لأن سياقنا يقتضي فقط الحديث عن وقوع الماضي لفظا مع إن.
وقد قالوا: إن الأصل إن تقول: إن تكرمني أكرمك، فإذا قلت: إن أكرمتني أكرمتك كنت مشيرا بصيغة الماضي إلى رغبتك في حصول الشرط، حتى كأنك تبرزه في معرض الحاصل، وأقول لك: إن تقرأ كتاب مقاييس اللغة تجد فيه فوائد كثيرة، فإذا قلت: إن قرأت مقاييس اللغة ... هكذا بالماضي كانت تلك الصيغة مشيرة إلى رغبتي في أن تقرأ هذا الكتاب، حتى كأنه لشدة هذه الرغبة تصورت غير الواقع واقعا، وتحدثت عنه بصيغة الماضي، وهذه واحدة من تلك الأسرار، وسوف نورد لها شواهد من الكلام البليغ، وقالوا أيضا: إن مجيء الماضي لفظا مع إن يكون للإشارة إلى أن ذلك الفعل كائن قطعا، وكقولك: إن مت كان كذا، أو أن زالت الشمس كان كذا، أو إن أتى الليل كان كذا، وواضح أن "إن" هنا دخلت على المقطوع به وذلك؛ لأن المتكلم لأمر ما كأنه يستعبد وقوع هذه الأحداث الكائنة قطعا، وليس ذلك بعيدا ولا متكلفا؛ لأن المهم ليس هو الأشياء كما هي في الواقع، وإنما المهم هو حس المتكلم بها، وكم يستهوينا من يدعو الكواكب لتدنو له فينظمها، ومن يخاطب الشباب ويستعطفه ليعود، ومن يتعجب؛ لأن دار هند استعجمت ما تكلمه؛ وهكذا ليست التعبيرات افي الحقيقة إلا مظهرا للرؤية النفسية، وانعكاسا للاستجابات الداخلية، وهي في كثير من صورها تتخطى حدود الواقع وجموده، فالذي يقول: إن مت كان كذا يكره أن يموت ويتمنى ألا يكون، ومن حق النفس أن ترفض الواقع، والذي يقول: إن زالت الشمس كان كذا، كأنه لا يتوقع ذلك؛ لأنه مشغول بالجواب جدا كأن يقول مثلا: إن زالت الشمس انتهينا من العناء الذي
نحن فيه، أو التقينا بالأحبة أو هاجمنا الأعداء، أو غير ذلك مما له وقع خاص حبا أو بغضا، فانعكس هذا على الإحساس بالزوال، فجعله كأنه غير متوقع، وهكذا، وأظن أن الذي يشتد به
(1/336)

الظمأ في نهار رمضان من حقه أن يقول: إن غربت الشمس روينا، وهو بهذه الأداة يشعرنا بثقل مرور الساعات الظامئة حتى كأنه لا يرى لها آخرًا، ولا تبالغ في قياس الدلالات اللغوية على الواقع، والحكم عليها من خلاله؛ لأن للغة خلقا آخر هو الخق اللغوي، وله كوائنه ومقاييسه ومنطقه، واقرأ من الشعر ما شئت لترى هذا.
ومما جاء فيه الماضي لفظا مع إن لسر بلاغي قوله تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} 1، والأصل إن يردن ولكنه آثر التعبير بلفظ الماضي لما عرفت من أن الطالب لأمر يكثر تصوره إياه، حتى يخيل إليه غير الواقع واقعا، وقد جاء القرآن على طريقة القوم في كلامهم، وخاطبهم بما يخاطبون به أنفسهم، فآثر الماضي على المضارع لإظهار الرغبة في وقوع إرادة التحصين من الفتيات، واختار كلمة إن دون إذا للإشعار بندرة إرادة التحصن بينهن، وأن الكثيرات كن يفعلن ذلك عن طواعية ورغبة منهن، وأن ما وجد من الرفض، والإباء كان من يحز الشاذ النادر، والمراد بالفتيات الإماء، أما فائدة تعليق النهي عن الإكراه على إرادة التحصن، المشعر بأن الإماء إذا أردن البغاء فلا نهي، فقد قال فيه ابن المنير صاحب حاشية الانتصاف -وله لفتات في الأساليب جديرة بأن تدرس- قال: "إن فائدة هذا الشرط -والله أعلم- أن يبشع عند الغاصب الوقوع فيه؛ لكي يتيقظ أنه كان ينبغي له أن يأنف من هذه الرذيلة، وإن لم يكن زاجر شرعي، ووجه التبشيع أن مضمون الآية النداء عليه بأن أمته خير منه؛ لأنها آثرت التحصن على الفاحشة، وهو يأبى إلا إكراها عليه، ولو أبرزت مكنون هذا المعنى لم يقع الزاجر من النفس موقعه".
ومما هو من هذا الباب ما ذكره الزمخشري في قوله تعالى:
__________
1 النور: 33.
(1/337)

{إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} 1.
فقد ذكر أن الماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب، فإن فيه نكتة كأنه قيل: وودوا قبل كل شيء كفركم، وارتدادكم يعني أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا، والدين جميعا من قتل الأنفس وتمزيق الأعراض، وردكم كفارًا، وردكم كفارًا أسبق المضار عندهم، وأولها لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم؛ لأنكم باذلون لها دونه، والعدو أهم شيء أن يقصد أعز شيء عند أصحابه"، ورحم الله أبا القاسم ولو عاش في زماننا لرأى هم اليهود والنصارى، والزنادقة كالذي قال وينضم إليهم منا فريق من الذين فسقوا، وصاروا لطول فسوقهم كالمخنثين لا هم من المسلمين ولا من الكافرين، وقد تصديتهم خطاطيف الصهيونية، وهذه الخاطيف في عالمنا العربي الذي هزمته قياداته كخطاطيف النعمان التي وصفها النابغة خطاطيف حجن في حبال متينة.
وقد ذكر السكاكي أن الماضي يجيء مع إن لما ذكرنا، وللتعريض وذلك كقوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} 2، فالغرض من الماضي التعريض بمن يشرك بعد إيمانه؛ لأنه من المقطوع به أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لن يشرك أبدا، وما أشرك قبل النبوة فكيف بعدها، وفضل هذا الأسلوب على أسلوب التصريح، وأنه لم يقل: لئن أشركتم ليحبطن عملكم أن فيه أبلغية في النسبة إليهم؛ لأن المعنى: إذا كان محمد وهو الحبيب المقرب يحبط عمله إن أشرك فكيف بغيره، ثم فيه تبلغيهم الموعظة من طريق غير مباشر، وهذا أفعل في النفوس وأعطف لها.
ومثله قوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} 3، فاتباع سيدنا محمد صلوات الله عليه وسلامه
__________
1 الممتحنة: 2.
2 الزمر: 65.
3 البقرة: 145.
(1/338)

أهواءهم مستحيل، والمقصود التعريض بغيره، والفائدة ما ذكرناه في الآية السابقة.
ثم في هذا الأسلوب فائدة أخرى جليلة هي الإشارة إلى سلطان الألوهية القاهرة، وتحديد منزلة محمد صلى الله عليه وسلم من هذا السلطان، وأنه ليس إلا رجلا منكم يخاطب خطابكم، فلا يتوهم متوهم أنه صلى الله عليه وسلم على شيء من صفات الألوهية، وإن قربه ربه أحسن تقريب، وكرمه أكمل تكريم وبهذا، ومثله مما يحدد ويعمق صفة البشرية في رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمن القرآن، ويحفظ نقاء عقيدة التوحيد، فلا يشوبها في الإسلام ما شابها في الشرائع الأخرى، حيث قال النصارى: المسيح ابن الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وشيء آخر في هذا الأسلوب هو الإشارة إلى أن التفاضل، والقرب عند الله مناطه العبادة والتقوى، فأنت يا محمد وإن كنت رسولا من أكرم الرسل، ونبيا مقدما في الأنبياء إنما مرجع ذلك لخشيتك، وتقواك، وعبادتك وخلوصك في الوحدانية، فإذا كان منك غير ذلك حبط كل عمل عملته، ولهذا المعنى يذكر القرآن الأنبياء بلفظ العبد كما في قوله: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} 1، للإشارة إلى أن البشرية كلها سواء في العبودية، وإلى أن فضيلة هؤلاء إنما كانت بالعبادة.
ثم نعود إلى النسق، فنقول: ذكر السكاكي من صور التعريض، وإن لم يكن بطريق -إن- قوله تعالى على لسان سيدنا محمد: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} 2، والمراد: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم، وإليه ترجعون؛ لأنه لو كان على ظاهره لقال: ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه أرجع، وقد سيقت هذه الآية في شواهد الالتفات؛ لأنه انتقل فيها من التكلم إلى الخطاب، ومثلها قوله تعالى: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ، إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} 3. إذ المراد: أأتخذ من دونه آلهة إن يردكم الرحمن بضر
__________
1 الجن: 19.
2 يس: 22.
3 يس: 23، 24.
(1/339)

لا تغني عنكم شفاعتي شيئا، ولا ينقذونكم إنكم إذن لفي ضلال مبين، ولذلك قال: آمنت بربكم دون ربي.
ويقول البلاغيون في فضل هذا الأسلوب وقيمته في الدعوة: "ووجه حسنه تطلب أسماع المخاطبين الذين هم أعداء المسمع الحق على وجه لا يورثهم مزيد غضب، وهو ترك التصريح بنسبتهم إلى الباطل ومواجهتهم بذلك، ويعين على قبوله لكونه أدخل في أمحاض النصح لهم، حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه".
والواضح أن التعريض في هذه الأساليب، ودلالته الرفاضة ليس مناطه، هو وقوع الماضي بعد "إن" كما يقول السكاكي؛ لأننا لو جئنا بالمضارع مكان الماضي لبقيت دلالة التعريض، فلو قلنا: لئن تشرك ليحبطن عملك لبقيت الدلالة تعريضية بالنسبة إلى غير المخاطب صلى الله عليه وسلم.
(1/340)

حذف المفعول:
وحذف المفعول تكثر لطائفة وتدق أسراره، وكأن المزايا فيه أخلب وما يظهر بسببه من الحسن، والرونق أعجب كما يقول عبد القاهر.
وقد اعتاد البلاغيون أن يقدموا بين يدي هذا الحذف دراسة في الفعل، وتعلقاته نوجزها فيما يلي:
قالوا: إنك إذا أردت أن تخبر عن مجرد وقوع الحدث وحصوله، فأنت في غنى عن ذكر الفاعل والمفعول، والعبارة عن ذلك أنك تأتي بمصدر الفعل فاعلا لكون عام كأن تقول وقع ضرب، أو وجد إكرام أو حدث إعطاء ...
وما إلى ذلك من العبارات التي تفيد وقوع الحدث، وحصوله من غير إفادة تعلقه بفاعل ولا مفعول.
وإذا أردت أن تفيد وقوع الفعل من فاعل، فالعبارة عن ذلك أن تذكر الفعل والفاعل فقط، فتقول: ضرب محمد، ولا تذكر المفعول ولا تنوه، ولا تخطره بنفسك، قال ابن هشام: "ولا يسمى محذوفا"؛ لأن غرضك بيان وقوع الضرب من محمد، فإذا ذكرت المفعول في هذا المقام، وقلت: ضرب محمد ولده، أوهمت أنك تريد الإخبار بوقوع الفعل على المفعول، وإن غرضك الذي تتوخاه بعبارتك، وليس غرضك أن الضرب يقع منه فحسب، قال عبد القاهر: "ألا ترى أنك إذا قلت: هو يعطي الدنانير، كان المعنى على أنك قصدت أن تعلم السامع أن الدنانير تدخل في عطائه، أو أنه يعطيها خصوصا دون غيرها، وكان غرضك على الجملة بيان جنس ما تتناوله الإعطاء لا الإعطاء في نفسه، ولم يكن كلامك مع من نفي أن يكون كان منه إعطاء بوجه من الوجوه، بل مع من أثبت له الإعطاء إلا أنه لم يثبت إعطاءه الدنانير، فاعرف ذلك فإنه أصل كبير عظيم النفع أراد أهمية تقدير اللفظ على المعنى.
وإذا لمن يكن قصدك أن تخبر بوقوع الفعل فحسب، ولا بوقوعه من الفاعل.
(1/341)

فقط، وإنما قصدت إلى أن تفيد وقوع الفعل على مفعول معين، فقد تعين ذكر المفعول أو تقديره، وهو عندنا ليس فضلة وإنما هو جل الغرض، والقصد من الكلام، يقول عبد القاهر: "قد يذكر الفعل كثيرا، والغرض منه ذكر المفعول مثاله أنك تقول: أضربت زيدًا؟ وأنت لا تنكر أن يكون كان من المخاطب ضرب، وإنما تنكر أن يكون وقع منه ضرب على زيد، وأن يستجيز ذلك، أو يستطيعه".
وخلاصة هذا أن تعرف الفرق بين قولك: وقع ضرب، أو كان إعطاء، وقولك: أعطى محمد، وقولك: أعطى محمد الذهب، ولكل جملة من هذه الجمل معنى محدد، وغرض معين ومقام مختص بها، لا تفيد واحدة منها معنى الاخرى ولا تصلح مكانها، وإذا عرفت هذا -وهو واضح- فاعلم أن إيراد الفعل المتعدي من غير مفعول يقع في الكلام على طريقين:
الأول: أن يكون الغرض إثبات المعنى في نفسه للفاعل من غير نظر إلى شيء وراء ذلك كقولك: محمد يعطي، والغرض إثبات الإعطاء فعلا له من غير نظر إلى كونه يعطي قليلًا أو كثيرًا، ذهبا أو فضة، يعطي أصدقاءه أو أهله، لا تنظر إلى شيء من هذا، ولا تريده، وإنما تريد إثبات الإعطاء له، فإذا ذكرت شيئا من هذا، فقد يتوهم أنك تريد أنه يعطي القليل، أو الكثير، إلى آخر ما يمكن أن يقع عليه الفعل، وليس شيء منه داخلًا في غرضك، وإنما غرضك أن يعطي فقط، وفي هذا الضرب ينزل الفعل المتعدي منزلة اللازم، فلا ينظر فيه إلى مفعول، ولا يلتفت إليه ولا يخطر بالبال ولا يقدر، إذا المقدر كالمذكور.
ومما جاء على طريقته قوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} 1، وقوله: {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى} 2، قال
__________
1 النجم: 43، 44.
2 النجم: 48.
(1/342)

عبد القاهر: "المعنى هو الذي منه الإحياء، والإماتة والإغناء والإقناء، وهكذا كل موضع كان القصد فيه أن يثبت المعنى في نفسه فعلا للشيء، وأن يخبر بأن من شأنه أن يكون منه، أو لا يكون إلا منه أو لا يكون منه، فإن الفعل لا يعدي هناك؛ لأن تعديته تنقض الغرض وتغير المعنى".
ومن الواضح في ذلك قوله تعالى: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} 1، أي يكون منه الإحياء، وتكون منه الإماتة من غير نظر إلى من أحياه الله ولا إلى من أماته، وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} 2، أي هل يستوي من يكون منه العلم، ومن لم يكن منه العلم من غير نظر إلى معلوم، ويقول الزمخشري في قوله تعالى: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} 3، والمفعول الساقط من لا يبصرون من قبيل المتروك المطروح الذي لا يلتفت إلى إخطاره بالبال لا من قبيل المقدر المنوي، كأن الفعل غير متعد أصلا، نحو يعمهون في قوله تعالى: {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} 4.
ومما يظهر فيه هذا المعنى قول سعد بن أبي وقاص لابن أخيه هشام بن عتبة، وكان سعد قد اعتزل الفتنة، فقال له هشام: ههنا مائة ألف سيف يرونك أحق بهذا الأمر، فقال سعد: "أريد منها سيفا واحدا، وإذا ضربت به المؤمن لم يقطع شيئا، وإذا ضربت به الكافر قطع"، المراد يكون منه قطع من غير نظر إلى من يقطعه، أي أنه حين يعمله في الكافرين يكون له فعل، وحين يعمله في المؤمنين يبطل فعله".
وقد ذكر الخطيب أن الفعل المطلق أي الذي يكون الغرض منه إثبات المعنى في نفسه لفاعل على الإطلاق، أو نفيه عنه كذلك -وهو الذي نحن فيه- قد يكون كناية عن الفعل متعلقا بمفعول مخصوص دلت عليه قرينة، أي أن هذا
__________
1 البقرة: 258.
2 الزمر: 9.
3 البقرة: 17.
4 الأنعام: 110.
(1/343)

الضرب الذي يتوفر فيه الغرض على إثبات الفعل للفاعل، منه نوع يكون الفعل المطلق فيه كناية عن الفعل السابق بمفعول مخصوص -وهذا القسم هو ما ذكره عبد القاهر، قسما ثانيا يتبع القسم الأول الذي ذكرناه، ومنه قول البحتري يمدح المعتز، ويعرض بالمستعين: "من الخفيف"
شجو حساده وغيظ عداه ... أن يرى مبصر ويسمع واع
أي أن حزن حساده، وهمهم أن يكون في هذه الدنيا من يرى ومن يسمع؛ لأن من يرى أي من تكون منه الرؤية، فهو راء محسانه لا محالة، ومن يسمع أي من يكون منه السمع فهو سامع أخباره وسيرته قطعًا، وهذه المحاسن وتلك السيرة تؤهله عند الناس للخلافة وتخمل منافسه، والفعل المطلق هنا أي يرى مبصر ويسمع واع، كناية عن فعل منتعلق بمفعول مخصوص وهو: يرى مبصر محسانه ويمسع واع أخباره، ومعنى الكناية أنه يلزم من وجود الفعل المطلق وجود الفعل المقيد بمفعول مخصوص، فبين مجرد الرؤية والسماع، وبين رؤية المحاسن وسماع حسن السيرة تلازم وارتباط، وهذا كما ترى دليل على ذيوع محاسنه، وأخباره، وأنها مطروحة في مطرح كل عين، وذائعة حول كل أذن.
وعبد القاهر لم يجعل هذه النظرة محور البحث في طبيعة هذا الأسلوب، وإنما البيت عنده كما قلت من القسم الثاني الذي له مفعول مقصود، ولكنه حذف من اللفظ لدليل الحال، وعليك أن تجتهد في أن تنسيه نفسك، وتخفيه وتوهم أنك لم تذكر ذلك الفعل إلا لأن تثبت نفس معناه من غير أن تعرض فيه إلى مفعول، وذلك لمعنى لطيف هو إيهام الربط بين مجرد الرؤية، ورؤية الآثار والمحاسن، وهو طريق جيد في الوحي بالمعنى، وفيه هذه اللمسة الاستدلالية الخفيفة التي لمسها عبد القاهر، والتقطها الخطيب وأبرزها، وأدخل الأسلوب باب الكناية، وجعله من الدلالة اللزومية.
يقول عبد القاهر: "المعنى لا محالة أن يرى مبصر محاسنه، ويسمع واع
(1/344)

وأخباره وأوصافه، ولكنك تعلم على ذلك أنه كانه يسرق علم ذلك من نفسه، ويدفع صورته عن وهمه، وذلك أنه يمدح خليفة، وهو المعتز ويعرض بخليفة وهو المستعين، فأراد أن يقول: إن محاسن المعنزل وفضائله يكفي فيها أن يقع عليها بصر، ويعيها سمع حتى يعلم أنه المستحق للخلافة، والفرد الوحيد الذي ليس لأحد أن ينازعه مرتبتها، فأنت ترى حساده، وليس شيء أشجى لهم، وأغيظ من علمهم بأن ههنا مبصرا يرى وسامعا يعي حتى ليتمنوا ألا يكون في الدنيا من له عين يبصر بها، وأذن يعي معها كي يخلفى مكان استحقاقه لشرف الإمامة، فيجدوا بذلك سبيلا إلى منازعته إياها".
وهذا الكلام لو استقصيناه لكان لنا منه منهج جيد في تحليل النصوص، وراجع قوله: كأنه يسرق علم ذلك من نفسه، وأسأل كم تغلغل عبد القاهر في الشعر، والشاعر حتى استخرج مثل هذه الكلمة.
ويذكر الخطيب نقلًا عن عبد القاهر قول عمرو بن معد يكرب:
فلو أن قومي انطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت
والبيت من مقطوعة تصف تجربة صادقة لفارس مقدام وشاعر دافق، وعمرو هذا هو صاحب الصمصامة الذي توارثها العرب من سليمان عليه السلام مع ذي الفقار سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقول الروايات: قال عمرو يصف تخاذل قومه جرم في أبيات تجيش بأنغام البطولة والأسى: "من الطويل"
ولما رأيت الخيل زورا كأنها ... جداول زرع أرسلت فاسبطرت
فجاشت إلي النفس أول مرة ... فردت على مكروهها فاستقرت
علام تقول الرمح يثقل عاتقي ... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت
لحا الله جرما كلما ذر شارق ... وجوه كلاب هارشت فازبأرت
(1/345)

فلم تغن جرم نهدها إذا تلاقتا ... ولكن جرما في اللقاء ابذعرت
ظللت كأني للرماح درية ... أقاتل عن أبناء جرم وفرت
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرت
أراد بالخيل الزور المنخرفة من الطعن، وجداول الزرع، أنهاره التي أرسل فيها الماء، واسبطرت أي امتد الماء وطال امتداده، وجريه في هذه الأنهار، والتشبيه كما يقول المرزوفي: وقع على الماء في الأنهار لا على الأنهار، كأنه شبه امتداد الخيل في انحرافها عند الطعن بامتداد الماء في الأنهار، وهو يضطرد ملتويا ومضطربًا.
وتهارشت الكلاب تواثبت، وذر الشمس طلوعها، وازبأرت انتفشت حتى ظهر منها أصول الشعر، ويقول المرزوقي في انتصاب وجوه: إنه على الشتم والذم، والعامل فيه فعل مضمر وهو اذكر قوما يشبهون الكلاب إذا واثبت غيرها، وسأورت فانتفشت وتجمعت للوثب، وتلك الحالة من أحوالها أشنع وأنكر وهذا تحقيق للشبه، وتصوير لقباحة المنظر، ونهد قبيلة من قضاعة كجرم وأضافها إلى جرم؛ لأنها كانت تعتمد عليها وتكتفي بها، وابذعرت أي تفرقت.
ويذكر الخطيب أن قوله: ولكن الرماح أجرت، من النوع الذي يقع فيه الفعل مطلقا كناية عنه مقيدا، يعني أن قوله: أجرت قصد منه إثبات الفعل للفاعل غير مننظور إلى مفعول، ولكنه وهو بهذه الحالة يقع كناية عن أجرتني، أي كناية عن الفعل متعلقا بمفعول مخصوص؛ لأنه ما دام وقع منها الإجرار لزمه أن تكون أجرته أي قطعت لسانه عن الثناء عليهم، وذكر محامد تضاف إليهم.
وعبد القاهر لا يتناول الجملة هذا التناول، وإنما يقول: إن قوله: أجرت له مفعول معلوم ومقصود، وليس لهذا الفعل مفعول سواه، ولكنك تطرحه وتنساه لتوهم أن هذه الرماح وقع منها الإجرار، وحبس الألسن عن النطق،
(1/346)

ولو قلت: أجرتني فقد يتوهم أن ما كان منها بقطع لسانه هو فقط، وأنه لو كان شاعر غيره لما حبس لسانه عن التحدث بذكرهم، وهذا غير مراد، وإنما مراده أن تخاذلهم في اللقاء يسكت كل لسان؛ لأنه لا يجد وجها يذكرهم به، وكأن جرما حين أبذعرت سقطت كل فضائلها.
ومما هو مشهور في هذا الباب قول طفيل الغنوي:
جزى الله عنا جعفرا حين أزلفت ... بنا نعلنا في الواطئين فزلت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ... تلاقي الذي لا قوه منا لملت
هم خلطونا بالنفوس والجئوا ... إلى حجرات أدفأت وأظلت
قال الخطيب: "فإن الأصل لملتنا، وأدفأتنا، وأظللتنا إلا أنه حذف المفعول من هذه المواضع ليدل على مطلوبه بطريق الكناية".
ومراده أن قول الشاعر لملت وقع كناية من ملتنا، وأدفأت وقع كناية عن أدفأتنا، وكذلك أظلت، وفي هذا لزوم بين وقوع الملل منها وأن تملهم، وهكذا الباقي، وهذا أيضا نظر استدلالي يستشف اللمح أو يقتنصه بمنطق اللزوم، وقد سكت الخطيب عن أهم ما في هذا الحذف مما ذكره عبد القاهر، وهو الإشارة إلى أن بني جعفر كانوا أفسح صدرا، وأكرم نفسا وأبر برهط طفيل من كل ذي بر، فلو أن هذا الرهط كلفوا أمهم مثل ما كلفوا بني جعفر لملت الأم، ورمز بهذا الحذف إلى أن الذي لاقوه منهم يحدث في الأم الملال، فقد كلفوهم تكاليف ثقال من شأنها أن تمل من هو مثل في الصبر، والحب، والوفاء.
وعبارة عبد القاهر التي يشير فيها إلى بيت عمرو، وبيت طفيل يقول فيها: "واعلم أن لك في قوله: أجرت ولملت فائدة أخرى زائدة على ما ذكرت من توفير العناية على إثبات الفعل، وهي أن تقول: كان من سوء بلاء القوم ومن تكذيبهم عن القتال ما يجر مثله، وما القضية فيه أنه لا يتفق على قوم إلا خرس
(1/347)

شاعرهم فلم يستطع نطقا، وتعديتك الفعل تمنع من هذا المعنى؛ لأنك إذا قلت: ولكن الرماح أجرتني لم يمكن أن يتأول على معنى أنه كان فيها ما شأن مثله أن يجر قضية مستمرة في كل شاعر قوم، بل قد يجوز أن يوجد مثله في قوم آخرين فلا يجر شاعرهم، ونظيره أنك تقول: قد كان منك ما يؤلم، تريد ما الشرط في مثله أن يؤلم كل أحد وكل إنسان، ولو قلت: ما يؤلمني لم يفد ذلك؛ لأنه قد يجوز أن يؤلمك الشيء لا يؤلم غيرك، وهكذا قوله: ولم أن أمنا تلاقي الذي لا قوه منا لملت يتضمن أن من حكم مثله في كل أم أن تمل، وتسأم وأن المشقة في ذلك إلى حد يعلم أن الأم تمل له البان، وتبرم به مع ما في طباع الأمهات من الصبر على المكاره في مصالح الأولاد، وذلك أنه وإن قال: أمنا فإن المعنى على أن ذلك حكم كل أم مع أولادها، ولو قلت: لملتنا لم يحتمل ذلك؛ لأن يجري مجرى أن تقول: لو لقيت أمنا ذلك لدخلها ما يملها منها، وإذا قلت: ما يملها منا فقيدت لم يصلح؛ لأن يراد به معنى العموم، وأنه بحيث يمل كل أم من كل ابن، وكذلك قوله إلى حجرات أدفأت وأظلت؛ لأن فيه معنى قولك: حجرات من شأن مثلها أن تدفئ وتظل، أي هي بالصفة التي إذا كان البيت عليها أدفأ وأظل، ولا يجيء هذا المعنى مع إظهار المفعول، إذ لا تقول: حجرات من شأن مثلها أن تدفئنا، وتظلنا هذا لغو من الكلام، فاعرف هذه النكتة، فإنك تجدها في كثير من هذا الفن مضمومة إلى المعنى الآخر الذي هو توفير العناية على إثبات الفعل، والدلالة على أن القصد من ذكر الفعل أن تثبته لفاعله لا أن تعلم التابسه بمفعوله".
وكان عبد القاهر كأنه يخلق الشعر حين يكشف أمثال هذه الأسرار، ويعرف القارئ كيف يقرأ الشعر، وكيف يكشف أسراره ويتذوق صوره، ولغته والمعول عليه هنا هو القصد إلى إرادة العموم في المفعول مع توفر الخبر على وقوع الفعل من الفاعل، فالحجرات من شأنها أن تدفئ وتظل، وكأن القوم لسعة
(1/348)

ثرائهم قد أقاموها على نظام هندسي يجعلها سجسجا لا حر ولا قر، وكأنها من حجرات الجنة، وهذا باب آخر من المديح.
وذكر عبد القاهر قوله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ} 1.
فقوله: يسقون، وتذودان، ولا نسقي، فسقى لهما، والمراد: يسقون أغنامهم أو مواشيهم، وامرأتين تذودان غنمهما، وقالتا: لا نسقي غنمنا، فسقى لهما غنمهما، ولكنه حذف ليتوفر الكلام على إثبات الفعل للفاعل، وكأن سيدنا موسى عليه السلام رق لهما لما كان منهما سقى وذود، ولو ذكر المفعول وقال: غنمهما لأوهمت العبارة أن سيدنا موسى رق لذودهما الغنم، وما في ذود الغنم خصوصًا من مزيد عناء لشدة تفلتها وصعوبة ضبطها، ولو كان منهما ذود إبل لجاز أن يدعهما سيدنا موسى عليه السلام، وليس هذا مرادًا، وراجع عبارة عبد القاهر في "دلائل الإعجاز".
وقد يقصد بالحذف إبهام المعنى لتوضيحه بما ريد بعد المحذوف، وبناء الكلام على الإيضاح بعد الإبهام من المزايا البلاغية في صياغة العبارة، وأمسها بطبائع النفس، فقد فطر الله الناس على التعلق بما يجهلون مما يلوح لهم منه طرف من العلم والانكشاف، أما ما لا يلوح منه هذا الطرف فإن الناس في غفلة عنه، والأسلوب المختار هو الذي يهتدي إلى فطرة هذه النفس، ويأتيها من جهتها، وحينئذ يمتلك زمامها وتسلس له قيادها، ودونك بعض هذا مما ذكره الأئمة:
يقول البحتري: "من الكامل":
__________
1 القصص: 23، 24.
(1/349)

يا يوسف بن أبي سعيد والغنى ... للمغمد العزمات غير مساعد
لو شئت لم تفسد سماحة حاتم ... كرما ولم تهدم مآثر خالد
آراد لو شئت عدم إفساد سماحة حاتم لم تفسدها، ولكنه حذف مفعول شاء، وأغمضه بهذا الحذف، فتحركت النفس لتعرف حقيقة مشيئة هذا الرجل صاحب العزمات في المال والغنى، فأعجلها الشاعر ببيان هذه المشيئة، فأصاب من النفس موقعًا حسنًا، يقول عبد القاهر:
"فليس يخفى أنك لو رجعت إلى ما هو أصله فقلت: لو شئت ألا تفسد سماحة حاتم لم تفسدها، صرت إلى كلام غث وإلى شيء يمجه السمع، وتعافه النفس وذلك أن في البيان إذا ورد بعد الإبهام، وبعد التحريك له أبدا، لطفا ونبلا لا يكون إذا لم يتقدم ما يحرك، وأنت إذا قلت: لو شئت، علم السامع أنك قد علقت هذه المشيئة في المعنى بشيء، فهو يضع في نفسه أن ههنا شيئا تقتضي مشيئته له أن يكون، أو لا يكون فإذا قلت: لم تفسد سماحة حاتم عرف ذلك الشيء".
ومثله قول عبد الله بن شبرمة، وكان شاعرًا ناسكا يخاطب ابن هبيرة:
لو شئت كنت ككرز في عبادته ... أو كابن طارق حول البيت والحرم
وكرز بن وبره الحارثي العابد ومحمد بن طارق، وكان كرز إذا كان في سفر، واتخذ الناس منزلا اتخذ هو منزلا للصلاة، وكان يختم القرآن في كل يوم ثلاث ختمات.
أراد لو شئت أن تكون ككرز كنت ككرز ولكنه حذف فأبهم، ثم ذكر فأوضح فحسنت عبارته، وجاء كلامه صافيا بريئًا من الفضول، وقالوا في ابن طارق لو اكتفى أحد بالتراب لكفاه كف من تراب، وكان يقدر طوافه حول البيت في اليوم عشر فراسخ.
ومثله قوله طرفة يصف ناقته:
(1/350)

وإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت ... مخافة ملوي من القد محصد
يريد لو شئت عدم إرقالها أي سرعتها لم ترقل، وإن شئت إرقالها أرقلت مخالفة سوط مفتول من الجلد المدبوغ، ولكنه حذف وأبان وصفى عبارته.
وهذا مسلك واضح والمغزى فيه قريب، وهو كثير في الشعر وفي كتاب الله ومنه قول حميد بن مالك في قصيدته: "من الطويل"
وما هاج هذا الشوق إلا حمامة ... دعت ساق حر في حمام ترنما
يقول فيها:
إذا شئت غنتني بأجزاع بيشة ... أو الزرق من تثليث أو بيلملما
مطوقة ورقاء تسجع كلما ... دنا الضيف وانجاب الربيع فأنجما
وبيئت: واد باليمامة والزرق والتثليث ويلملم كلها أماكن، والأجزاع: الجوانب.
ومنه قول البحتري يمدح الفتح بن خاقان، ويذكر مبارزته للأسد في قصيدته: "من الطويل"
أجدك ما ينفك يسري لزينبا ... خيال إذا آب الظلام تأوبا
سري من أعالي الشام يجلبه الكرى ... هبوب نسيم الروض يجلبه الصبا
قال فيها:
غداة لقيت الليث والليث مخدر ... يحدد نابا للقاء ومخلبا
إذا شاء غادى صرمة أو غدا على ... عقائل سرب أو تنقص ربربا
والليث المخدر: المقيم في عرينه، وغادى صرمة، أي: باكر جماعة من الإبل أو حمر الوحش، وعقائل السرب كرائم القطيع من الظباء، وتنقص ربربا أي: أتى على قطيع من بقر الوحش، وتخطف منه وافترس.
(1/351)

وقد تجد الشاعر في هذا المسلك مضطرًّا إلى ذكر المفعول؛ لأنه لا يستقيم مع حذفه ذلك إذا كان المفعول من الأمور المستغربة التي تحتاج إلى اطمئنان القلوب لها، وائتلاف النفوس بها، وحينئذ يكون الذكر وسيلة هذا الاطمئنان، وأداة هذا التآلف، انظر إلى قول إسحاق بن حسان الخريمي، وكان شاعرًا جيد العبارة كثير الماء، قال في قصيدته:
قضى وطرا منك الحبيب المودع ... وحل الذي لا يستطاع فيدفع
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... عليه ولكن ساحة الصبر أوسع
وكان يمكن أن يقول: ولو شئت لبكيت عليه دما، ويأتي الكلام على أسلوب الحذف، ولكن الشاعر ترك هذا الطريق، وكان لزاما عليه أن يفعل؛ لأن بكاء الدم أو مشيئة بكاء الدم من الأمور المستغربة التي تحتاج النفس إلى شيء من التلطف حتى تألفها، وكان هذا التطلف هو ذكر هذا البكاء، والتصريح به مع المشيئة، ثم ذكره مع جواب لو فكان هذا التكرار كأنه إيناس تذهب به وحشة غرابة المعنى، وهكذا الحال في كل مفعول غريب.
وقد تجد الشاعر يذكر مفعول المشيئة، وليس مستغربا وإنما؛ لأن الواقع بعده لا يوضحه أي لا يدل عليه؛ لأنه ليس من نوعه والحذف، والحالة هذه تعمية وألغاز، والإبهام والخفاء الذي يعده العلماء مزية في لغة الشعر، والأدب ليس هو الألغاز والتعمية، وإنما هو أن تستشرف المعنى الذي يلوح لك من بعيد وحوله غيوم بيضاء أو تلفه أقنعة رقاق تخفي عنك منه جانبا، وتبدي لك آخر، فتظل مشغوفا به مولعا بالقرب منه مندفعا إلى معرفته، وفي ذلك متعة البيان والأدب.
ومما جاء على هذه الطريقة التي ذكر الشاعر فيها مفعول المشيئة، وليس مستغربا، ولكن الواقع بعده لا يوضحه، قول أبي الحسن علي بن أحمد "من الطويل":
فلم يبق مني الشوق غير تفكري ... فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرا
(1/352)

لم يقل: فلو شئت بكيت تفكرا؛ لأنه لو قال ذلك لأفاد التركيب أنه حينما يشاء بكاء التفكر يبكي التفكر، كما في قوله: لو شئت كنت ككرز أي لو شئت أن تكون ككرز كنت ككرز، وليس هذا مراد الشاعر، وإنما مراده أنني لو شئت البكاء بدموعي لا أستطيعه، فليس في اليعون ماء، وليس في الجسم ماء الحياة الذي تفور به العبرة، وإنما ذهب الشوق بكل شيء من صفات الحياة والأجساد، وبقي التفكر وحده، بقيت الخواطر وأشباح الذكريات، وهي وحدها التي يعمر بها الكيان، فلو شئت أن أبكي لا أجد إلا التفكر، وكأنه بقوله: فلو شئت أن أبكي بكيت تفكرًا يؤكد قوله: لم يبق مني الشوق غير تفكري، واقرأ في هذا عبارة عبد القاهر.
وواضح أن الطريقة في قول أبي الحسن غير الطريقة في قول الخريمي؛ لأن المذكور في قول الخريمي يدل على المفعول لو حذف؛ لأن كليهما بكاء دم، والمذكور في بيت أبي الحسن: "بكيت تفكرًا" لا يدل على المفعول لو حذف "أن أبكي"، فهو لا يصح أن يكون تفسيرًا له.
وقد يحذف المفعول؛ لأن الشاعر أراد أن يهيئ الكلام إلى إيقاع فعل آخر على صريح لفظ المفعول، بدلا من إيقاعه على ضميره لو ذكر المفعول مع الفعل الأول، وهذا فن من الكلام عجيب تجد فيه الشعراء يهتدون بقطرتهم إلى ما بين الكلم من فروق في التمكن، واللصوق بالغرض، فيفرقون بينها في التعلق بما يومئ إلى حسهم بالمعنى وعناصره.
انظر إلى قول البحتري في قصيدته: "من الخفيف"
إن سير الخليط حين استقلا ... كان عونا للدمع لما استهلا
قال فيها:
قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... دد والمجد والمكارم مثلا
فقد حذف المفعول في قوله: طلبنا ولم يقل: قد طلبنا لك مثلا؛ لأنه
(1/353)

يهيئ العبارة لإيقاع -لم نجد- على صريح لفظ المثل أي، فلم نجد مثلًا لك في السؤدد والمجد والمكارم، ولو قال: قد طلبنا مثلا لكان سبيله أن يقول بعده: فلم نجده، وهو لا يريد هذا، أي لا يريد إيقاع نفي الوجود صراحة على لفظ مثل لا على ضميره، وفرق بين أن يقع الفعل على صريح اللفظ، وأن يقع على ضميره، وقد أشرنا إلى ذلك، وشيء آخر نجده في حذف مفعول طلبنا هو تحاشي أن يواجه صاحبه بأنه طلب له نظيرا مواجهة ترى اللفظ فيها صريحا يجهر بهذا المعنى، وإنما أشار إليه خلسا وهمسا، ولم يمد فيه القول، وكأنه يريد أن يطويه سريعا ليصل إلى محض المدح، وهو: فلم نجد لك مثلا، وفي هذا ما ترى.
ومما هو ناظر إلى هذا الباب من الصنعة قول ذي الرمة: "من الوافر"
ولم أمدح لأرضيه بشعري ... لئيما أن يكون أصاب مالا
أراد أنه ينزه شعره عن مدح اللئام فهو لا يمدحهم، فأعمل نفي المدح في لفظ اللئيم وأعمل الإرضاء في ضميره، وحسن هذا أن الإرضاء هنا علة المديح، وتابع له فكان بالضمير أولى.
ولو قال الشاعر: ولم أمدح لأرضي لئيما كما قال البحتري: طلبنا فلم نجد مثلًا، لكان غير بر بمعناه وكأنه يفيد أنه ينفي عن نفسه إرضاء اللئام، وأن ذلك مقصده الأهم، ولكن الشاعر لا يريد ذلك، وإنما يريد أن ينفي عن نفسه مدح اللئام، فهو رأس معناه في البيت، وذلك ليوقع في نفس بلال بن أبي بردة الذي يمدحه بهذه الأبيات أن ما يسمعه من إنشاد لا يعرف إلا ساحة الكرام، وأنه ليس موكلا إلا بهم.
ولله در كل حر لا يسوق الكلمة الشريفة إلا للنفس الشريفة، وترى الكلمة الحرة في ساحة الأحرار طالقة بهية.
وليس في البيت حذف، وإنما يذكر في كتب القوم لبيان الصنعة، والتصرف في
(1/354)

بيت البتحري حين يقارن ببيت ذي الرمة، فكلاهما دعاه سياقه وحسه بالمعنى إلى شيء غير الذي فعله صاحبه.
ومما جاء فيه حذف المفعول واقعا، وموقعا جليلا قول البحتري، يمدح أبا صقر الشيباني: "من الطويل":
وكم زدت عني من تحامل حادث ... وسورة أيام حززن إلى العظم
يذكر الشاعر فضل أبي صقر عليه، ودفعه عنه بلايا الأيام وأحداثها، فقال: حززن إلى العظم، والأصل حززن اللحم إلى العظم، ولكنه حذف المفعول؛ لأنه أراد أن يوقع في النفس من أول الأمر أن سورة الأيام التي يذودها عنه صاحبه سورة عاتية، وكأنها سيوف زمان بالغة الضرب والإيجاع، تمزق الجسد وتضرب في العظام، وكلما بالغ الشاعر في وصف هذه الشدائد التي يدفعها عنه صاحبه كان ذلك أدخل في مدحه، وأبين لشدة ولائه، وأدل على صدق إخلاصه وعرفانه، ولو قال: حززن اللحم إلى العظم لوقع في الوهم أول وهلة أن هذا الحز قد يكون حزا ضعيفا لا يتجاوز ظاهر اللحم، إلى بواطنه أو هو إذا أعمل في هذا الباطن، فربما لا يصل فيه إلى آخره، وقلت في الوهم لسامعه أن يتوهم أن هذا الحز كان حزا باردًا، أو ضعيفا وأنه وقع في ظاهر الجلد، أو غار في بواطنه غورا لا يصل إلى نهايته، ولذلك حذف هذا اللفظ، وانتقل سريعا إلى الغاية التي تصف لنا تمزق جلده، وأنه عرى عظامه.
ومن أمارات حذق الشاعر أن يفتح طريقا إلى معناه في أنف كلامه، فلا يدعك تتوهم خلاف المعنى، وإنما يمهد لك طريقات إلى مراده يقول عبد القاهر مشيرا إلى هذا الأصل الجيل في تعليقه على هذا البيت:
"الأصل لا محالة حززن اللحم إلى العظم إلا أن مجيئه به محذوفا، وإسقاطه له من النطق، وتركه في الضمير مزية عجيبة، وفائدة جليلة، وذاك أن من حذق الشاعر أن يوقع المعنى في نفس السامع إيقاعا يمنعه من أن يتوهم
(1/355)

في بدء الأمر شيئا غير المراد، ثم ينصرف إلى المراد، ومعلوم أنه لو أظهر المفعول، فقال: وسورة أيام حززن اللحم إلى العظم، لجاز أن يوقع في وهم السامع قبل أن يجيء إلى قوله: إلى العظم أن هذا الحز كان في بعض اللحم دون كله، وأنه قطع ما يلي الجلد، ولم ينته إلى ما يلي العظم، فلما كان كذلك ترك ذكر اللحم، وأسقطه من اللفظ ليبرئ السامع من هذا الوهم، ويجعله بحيث يقع المعنى منه في أنف الفهم، ويتصور في نفسه من أول الأمر أن الحز مضى في اللحم حتى لم يرده إلا العظم"، تأمل قوله: إن من حذق الشاعر إلى آخره؛ لأنه أصل من أصول بلاغة البيان.
ومن إشارات الحذف اللطيفة قوله -تعالى- حكاية عن سيدنا موسى عليه السلام: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} 1، قالوا: المراد أرني ذاتك ولكنه حذف، قال الخطيب: إن الحذف هنا للاختصار ويمكن أن يقال فيه: إن سيدنا موسى لم يطلب من ربه أن يريه ذاته طلبا صريحا مشكوفا، فإن في هذا شيئا لا يليق بالجلال، وإنما قال في أمل ورجاء وأدب وحياء: "رب أرني"، وأمسك ليفيد قصيده بدون لفظ ينص صراحة عليه، وهكذا القول فيه هذه المقامات الربانية، وعند طلب مثل هذه الأمور العظيمة ينبغي أن يكون تلويحا وخلسا، وشيء آخر في هذا الحذف هو تلك الفخامة والهيبة؛ لأن الذات الجليلة لا تقع عليها الرؤية المحيطة كما تقع على الأشياء، وإنما هي تجليات فلم يتمكن لفظ الرؤية "أرني" من الذات هكذا ظاهرًا؛ لأن ذلك مما لا يكون، النفس الإنسانية لا تطيق من رؤية الله، وتجلياته إلا بمقدار ما يهيئها الله له، انظر إلى قوله: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} 2، إذن سيدنا موسى عليه السلام لم تتح له الرؤية، ولم يقع أيضًا التجلي عليه، وإنما تجلى ربه للجبل فجعله دكا، وكان من موسى ما كان، ثم شيء آخر في قوله: "أرني" أليس معناه اجعلني أرى أي صيرني إلى حالة من التهيئ
__________
1، 2 الأعراف: 143.
(1/356)

وأحدث في قدراتي، وإمكانياتي البشرية المعتادة شيئًا من التغيير حتى تستطيع أن ترى، فإن نفسي بهذه الاستعدادت لا تستطيع ذلك، فالنفس البشرية بإمكانياتها لا ترى الله وهذا لو صح، وأظنه صحيحا إن شاء الله، يجعلنا نراجع كثيرا من الحوار الذي دار حول هذه الأية في الخلاف المعروف، وهذا ليس داخلا في موضوع حذف المفعول، وإنما هو معنى وقع في نفسي، وأنا أعالج سر الحذف، فأثبته والمهم أن أبعاد الذات الجليلة عن أن تعمل فيها الرؤية في اللفظ مناسب لحال المعنى كما بينا.
ومن إشارات الحذف قوله -تعالى-: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} 1، الأصل أهذا الذي بعثه الله رسولًا، قال الخطيب: الحذف فيه لمجرد الاختصار، وفيه أيضا إشارة إلى حال نفوسهم، فإن حقدهم على النبي صلى الله عليه وسلم جعل نفوسهم تتخاذل، فلا تقول: بعثه وكأنهم يتحاشون النطق بذلك.
وقد تجد الحذف مشيرا إلى التعميم في المفعول، وأن الفعل واقع على كل من يصح أن يقع عليه، ومنه قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ} 2، فالدعوة إلى دار السلام أي الجنة دعوة عامة لا يختص بها قبيل دون قبيل، فكأنه قال: والله يدعو كلب من تصح دعوته إلى الجنة، وتأمل هذا لترى سعة الرحمة، وأنه لا يهلك على الله إلا هالك، وفرق بين هذا وبين الحذف الذي يكون ليتوفر الغرض على إثبات وقوع الفعل من الفاعل، تقول: قد كان منك ما يؤلم وأنت تريد ما الشأن فيه أن يؤلم، وليس وراء ذلك أي معنى في التركيب، وتقول: قد كان منك ما يؤلم، وأنت تريد ما يؤلم كل أحد، فأنت تقصد إلى العموم فيمن يقع عليهم الفعل، وبين هذين فرق ولكنه يدق، وهكذا شأن المعاني، ومن هنا نجد الذين يستخرجون المعاني من الجمل قد يترددون بين هذين الاحتمالين، وانظر إلى قول الزمخشري في قوله تعالى:
__________
1 الفرقان: 41.
2 يونس: 25.
(1/357)

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} 1، يقول: "وفي لا تقدموا من غير ذكر مفعول وجهان: أحدهما: أن يحذف ليتناول كل ما يقع في النفس مما يقدم، والثاني: ألا يقصد قصد مفعول ولا حذفه، وإنما يتوجه بالنفي إلى نفس التقدمة كأنه قيل: ولا تقدموا على التلبس بهذا الفعل، ولا تجعلوها منكم بسبيل كقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} 2، فهذان كما نرى معنيان لا معنى واحد، فليست الاحتمالات إلا أشكالا من المعاني متلبسة بأحوال الكلمات، واعلم أن فقه هذا هو الذي يعينك على فقه الأدب وتذوقه، ولما غاب هذا الباب الجليل عن المشتغلين بالشعر حسبوا أنه ليس لنا تراث في تحليل الشعر.
وقد ذكروا أن سر الحذف في قوله تعالى: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} 3، أي وأنتم تعلمون أنه لا يماثل، أو وأنتم تعلمون ما بينه، وبينها من التفاوت.
ويمكن أن يقال: إن الحذف في هذا يجري مجرى الحذف في بيت البحتري: يرى مبصر ويسمع واع، وكأن المراد -والله أعلم- فلا تجلعوا لله أندادا، وأنتم يقع منكم العلم وتتصفون به؛ لأن كون ممن يعلم كاف في معرفة أنه ليس له شبيه.
ومما جاء فيه حذف المفعلو مشيرًا إلى جملة فوائد قوله -تعالى-: {وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} 4، والأصل وما قلاك، قال الخطيب: حذف المفعول لأجل الاختصار اللفظي لظهور المحذوف كما في قوله تعالى: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} 5، إذ الأصل والذاكرين الله كثيرا والذاكراته، وقال: إن
__________
1 الحجرات: 1.
2 غافر: 68.
3 البقرة: 22.
4 الضحى: 1-3.
5 الأحزاب: 35.
(1/358)

الحذف يفيد مع الاختصار تحاشي أن يقع الفعل "قلى" على ضمير المخاطب، وهو النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن في ذلك ما يوحش بخلاف ودعك، فليس التوديع كالقلى -وهذا مذكور في حواشي الإيضاح- وقالوا: إنه حذف لرعاية الفاصلة ولكن، وهذا القول قد رفضه كثير من البلاغيين؛ لأنه علة -كما يقولون- لفظية لا ينبغي أن تكون مقصدا في الأسلوب القرآني الذي بني على مراعاة المعاني لا الألفاظ، وهذا الذي قدمنا الإشارة إليه، وقد اقتنع به كثير من الدارسين، ومن بينهم دارسون محدثون.
والذي نعتقده أن القرآن حين يراعي الفاصلة، ويبقى على تنغيمها إنما يحفظ وسيلة من أقوى وسائله في التأثير؛ لأن رنين الكلمات وجرسها، وتوافق إيقاعاتها لغة تغلغل في النفس، والضمير وتسمو بالروح إلى آفاق قدسية، فتأخذها نشوة يحسها من يرتل هذه الآيات -كما قلنا في مثلها- ترتيلا يتهدج فيه صوته، ويتماوج مع ألحانها، ثم ينتهي إلى هذه الفواصل فيجد عندها القرار، وهذه اللغة التي نزل بها القرآن لغة دندنة، وترنم أحس أسلافنا هذه الفضيلة فيها، وقالوا: إنهم إذا فرغوا فإنهم يلحقون الألف والياء، والواو ما ينون وما لا ينون؛ لأنهم ارادوا مد الصوت.. ومد الصوت الذي يلحقون من أجله الألف في الفتح، والياء في الكسر، والواو في الضم، وسيلة من وسائل تهدئة النفس حين تمتلئ إحساسا بالفكرة، أو تختلج بألوان من الشعور، وكأنهم اتخذوا من كلمات هذه اللغة أوتارا، فكانت أشجى لحنًا، وأعذب نغما.
ومن فضول القول أن أقول: إن التموج في العبارة مظهر من مظاهر الامتلاء النفسي الدافق، يأتي هذا التموج في الأنغام حادا صاخبا إذا كان الحس الباطني من هذا النوع، ويأتي هادائا حالما إذا كان هذ الحس كذلك.
ومن الفضول أن أشير إلى الربط بين حال الأسلوب، وحال النفس في هذه الصفة؛ لأن الكلام الصادق ما هو إلا قطعة من النفس نأخذ شكل الكلام، وهذا
(1/359)

أمر يعرفه الأحداث المبتدئون في هذا الفن بل يهتدي إليه بفطرته من يسمع الشعر، والكلام من غير أن يجلس في مجالس العلماء.
ونجد أسلوب القرآن لا يبالي أحيانا بالمخالفة فيحفظ هذا النعم، وقد ذكروا من ذلك، إلحاق الألف في الظنونا في قوله تعالى: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} 1، ومثله في قوله تعالى: {فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} 2، وقوله: {وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} 3، وإلحاق هاء السكت في قوله: "ما هيه" في سورة القارعة قالوا: وقعد عدلت هذه الهاء مقاطع الفواصل في هذا السورة، وكان للحاقها في هذا الموضع أثر عظيم، والاعتراضات الواردة على هذا تقوم في زعمنا على إغفال الإدراك الدقيق الواعي لخصوصية الأساليب، التي يحرص القرآن فيها على هذا النغم، وربطاها بسياقها المعنوي، والشعوري، فهم يقولون مثلًا: إن الألف في قوله تعالى: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} ، ليست لتناسب الآي بدليل قوله في السورة نفسها: {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} 4، وهو مخالف لما جاء في قوله في السورة نفسها: {فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} 5، ولو كان القرآن يحرص على توافق الفواصل لقال: وهو يهدي السبيلا، وهذا الاعتراض الذي زعمت أنه مبني على غفلة بمقتضيات السياق ظل يعمل -لأنه كما ترى في ظاهره قوى- في نفوس كثير من الدارسين، وقد قالت باحثة في بيان القرآن في قوله تعالى: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} 6، ترد القول الذي يعلل الحذف برعاية الفاصلة.
"أما تعليل الحذف برعاية الفاصلة، فليس من المقبول عندنا أن يقوم البيان القرآني على اعتبار لفظي، وإنما الحذف لمقتضى معنى بلاغي يقوي به الأداء اللفظي دون أن يكون الزخرف الشكلي هو الأصل، ولو كان البيان القرآني
__________
1 الأحزاب: 1.
2، 5 الأحزاب: 67.
3 الأحزاب: 66.
4 الأحزاب: 4.
6 الضحى: 3.
(1/360)

يتعلق بمثل هذا لما عدل عن رعاية الفاصلة في آخر سورة الضحى: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} 1، وليس في السورة كلها تاء فاصلة بل ليس فيها حرف التاء على الإطلاق، فلم يقل -تعالى- فخبر، لتتفق الفواصل على مذهب أصحاب الصنعة، ومن يتعلقون به".
وهذا الاعتراض كما ترى جاء على نسق ما ذكرته مرويا عن الدارسين السابقين، ثم فيه غفلة شديدة عن رهافة السياق كما قلت، وبيان ذلك أننا حين نقول: أن القرآن يحرص على توافق التنغيم الصوتي، لا ندعي أن ذلك دائما، وإنما يحدث عندما يقتضيه السياق، ولذلك نراه واقعا في الآيات التي تصف أحداثا أو شعورًا، أو أفكارًا من نوع متوهج على اختلاف الدرجة في ذلك، ومن هنا يجيء قوله: {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} 2، أسلوبا رزينا هادئا هدوء الحق الراشد إلى الصراط المستقيم، أما قوله: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} 3، فإنها جاءت في مواقف عنيف، كله حركة واضطراب، وانفعالات موارة بلغت فيها القلوب الحناجر، وكأن الموقف يكاد ينفجر لولا هذا الانطلاق، وهذا الامتداد في تلك الألف التي أفرغت من توتر الآيات قدرًا استوى به نسق الأسلوب، انظر إلى سياق الآية:
{إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} 4، تأمل ترى القوم في طوقان من الهول لا يثبت فيه إلا رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
أما قوله: {فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} 5، فإنها صيحة قوم تتقلب وجوههم
__________
1الضحى: 9-11.
2 الأحزاب: 4.
3، 4 الأحزاب: 10.
5 الأحزاب: 67.
(1/361)

في النار يقولون في حسرة لاهفة: {يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا، وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} 1، وهذا غني عن البيان بعد الذي ذكرناه.
أما لماذا جاء قوله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} 2، وخالف نسق الفواصل فذلك لأمر تقتضيه "حساسية معنوية بالغة الدقة في اللطف والإيناس"! هي أن حديثه بنعمة ربه ينبغي أن يكون خافتا في نبرته، وفي الفرط بعد الفرط حتى لا يذهب به هذا الحديث مذاهب الغرور أو الرياء، ورسول الله، وإن كان معصوما من هذا، فإن أمته من ورائه في كل خطاب إلا ما كان مختصا به، وهذا ليس واحدا منها، أقول: إن الحديث بالنعمة جاء مخالفا لنسق الفواصل في السورة لتشير هذه المخالفة إلى أنه ليس على سجية السياق الدافق، والناهي نهيا وجدانيا متصلًا عن قهر اليتيم وقهر السائل، وإنما هو أمر بإذاعة النعمة مشروط بشروط ذكرها علماء الملة، وأساسها أن يكون مقصده بالحديث عن النعمة الشكر، وأن يقتدي به غيره، وأمن على نفسه الفتنة من الغرور والرياء، أما النهي عن قهر اليتيم، وقهر السائل فذانك من المعاني التي تستثار لها النفوس حتى تنفعل بها انفعال طاعة وانقياد.
والآية التي ذكرها الزمخشري، وقاس عليها جاء الحذف فيها للاختصار كما يقول: ولفضيلة أخرى هي المحافظة على التنغيم الصوتي الداخلي في سياق آياتها، اقرأ الآية كاملة تجد ذكر هذه الأصناف قد ورد فيها على نغم موسيقي يكاد يطرد في جميعها.
{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ
__________
1 الأحزاب: 66، 67.
2 الضحى: 11.
(1/362)

وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} 1، ولو قال: والذاكرين الله كثيرا والذاكراته لكان فيه من المخالفة ما ترى.
ومن الواضح أن أسلافنا درسوا النغم، والألحان وآثارها النفسية، وفلسفتها البيانية، وبينوا كيف تعمل النغمات عملها في تحريك النفوس، وبعث العزائم نحو الأعمال الشاقة، وكيف تقوي عزماتها على ما تبذل فيه المهج، وذكروا الألحان المستحبة، وألحان الحروب، وذكروا مصاحبة الغناء للألحان، ورتلوا أناشيد الحروب المصحوبة بضرب الدفوف، وذكروا أن من الأوزان والإيقاعات ما يثير الأحقاد الكامنة، ويلهب نيران الغضب، ومن الأوزان والأنغام ما يسكن سورة الغضب، ويذهب بالأحقاد ويوقع الصلح، وقالوا: النغم فضل بقي من المنطق لم يقدر اللسان على استخراجه، فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيع لا على التقطيع، فلما ظهر عشقته النفس، وحن إليه القلب، وغير ذلك كثير مما يخصب النفس، ويعمق فهمها للأساليب.
وقد أقام القرآن أسلوبه على نظام من التآلف الصوتي العجيب لوحظ ذلك في حروفه، وكلماته، وجمله، وصارت أصواته كما يقول المرحوم الرافعي: ألحانا لغوية رائعة كأنها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة قراءتها هو توقيعها.
والرماني ذكر التلاؤم في القرآن وجها من وجوه أعجازه، وهو مما نحن فيه.
والقول في هذا يطول وبسطه يحتاج إلى دراسات مستقلة، وحسبنا في سياقنا ما ذكرناه من أنه لا ضير على بلاغة القرآن من القول بأن الحذف هنا لمراعاة فواصل الآيات، مع إفادته ما يمكن أن يفيده في سياقه من أغراض أخرى.
__________
1 الأحزاب: 35.
(1/363)

التقديم في المتلعقات:
التقديم في المتعلقات إما أن يكون على الفعل نفسه، وإما أن يكون تقديم بعض المتعلقات على بعض، وكل واحد من الضربين لا يكون إلا لغرض، أما تقديم المتعلق على العامل، فإنه غالبا ما يكون للاختصاص تقول: زيدا أكرمت وأنت تعني أنك ما أكرمت إلا زيدًا، ومنه قوله -تعالى-: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} 1، أي: نخصك بالعبادة، فلا نعبد غيرك ونخصك بالاستعانة فلا نستعين بسواك، وقوله -تعالى-: {إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} 2، قدم المفعول؛ لأنه أراد سبحانه إن كنتم تخصونه بالعبادة، فلا تتجه قلوبكم إلا إليه، ولا تنحني أصلابكم إلا في حضرته، وقوله -تعالى-: {لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} 3، أي: تحشرون إلى الله لا إلى غيره، وهذا واضح كما ترى.
وقد تأتي الجملة في سياقين مختلفين، أو في سياق واحد، ويقدم فيها المتعلق مرة ويؤخر أخرى، ويكون وراء هذا التصرف مغزى جليل.
انظر إلى قوله -تعالى-: {ِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} 4، تأخر المتعلق على شبه الفعل في قوله: شهداء على الناس، وتقدم في قوله عليكم شهيدا، وذلك؛ لأن الغرض في الأولى إثبات شهادتهم على الأمم، وليس فيها معنى الاختصاص، وفي الثانية اختصاصهم بكون الرسول شهيدًا عليهم، وليس مجرد إثبات شهادته عليهم، وهكذا كان اختلاف ترتيب الكلمتين
في الموقعين مؤديا إلى هذا الفرق الجليل.
ومثله ما يقوله الزمخشري في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ
__________
1 الفاتحة: 5.
2 البقرة: 172.
3 آل عمران: 158.
4 البقرة: 143.
(1/364)

يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} 1، وقال الزمخشري: "فإن قلت: لم أخرت الصلة في قوله: وهو أهون عليه وقدمت في قوله: وهو على هين؟ يقصد ما جاء في قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا، قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} 2، قال الزمخشري: "قلت: هناك قصد الاختصاص، وهو محزه فقيل: هو علي عين، وإن كان مستصعبا عندكم أن يولد بين هرم وعاقر، وأما ههنا فلا معنى للاختصاص كيف، والأمر مبني على ما يعقلون من أن الإعادة أسهل من الابتداء، فلو قدمت الصلة لتغير المعنى".
وقد علق ابن المنير -وهو معروف بتحرشه بالزمخشري- على هذا يقوله: "كلام نفيس يستحق أن يكتب بذوب التبر لا بالحبر".
ويتفرع على هذا الأصل، وهو دلالة تقديم المعمول على الاختصاص أنه لا يقال: ما زيدا ضربت ولا غيره؛ لأن المفعول لما قدم وسلط عليه النفي أفاد نفي الحدث عهن هذا المفعول خصوصا، وذلك يعني أن الفعل ثابت وقولك: ولا يغيره يعني نفي الفعل، وهذا تناقض كما ترى، فإذا كان مرادك أنك لم تضرب زيدا ولا غيره، فالعبارة أن تقول: ما ذربت زيدا من غيره تقديم المفعول، فإذا قدمت المفعول كان المعنى على أنك لم تضرب زيدا ولكن غيره، وكذلك لا يقال: ما زيدا ضربت ولكن أكرمت؛ لأنك ما قدمت المفعول -كما قلنا- أفاد أنك تنفي الضرب عن زيد خصوصا، وهو واقع على غيره فلما قلت: ولكن أكرمت كان رجوعا على إثبات الفعل في الأول، وإنما يقال في مثل هذا: ما ضربت زيدا ولكن أكرمته، وهكذا.
وقد خالف العلامة أبو حيان في دلالة تقديم المعمول على الاختصاص،
__________
1 الروم: 27.
2 مريم: 8، 9.
(1/365)

واستشكل على الزمخشري في آية: إياك نعبد، وذكر من كلام سيبويه ما اعتقد أنه شاهده كما ذكر من كلام الأعراب ما يفيد عدم الاختصاص -كما ظن- وقد ناقشت هذا الموضوع مناقشة وافية في كتاب البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري.
وقد خالف أيضًا العلامة ابن الأثير في القول بدلالة تقديم المعمول على الاختصاص في قوله تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} 1، وقد قال البلاغيون: إن التقديم في قوله: {ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ} ، مفيد للاختصاص، وكأنه قال: لا تصلوه إلا الجحيم وهي نار عظيمة، وكذلك التقديم في قوله: ثم في سلسلة على قوله: فاسلكوه قال الزمخشري: "سلكه في السلسلة أن تلوي على جسده حتى تلتف عليه أثناؤها، وهو فيما بينما مرهق مضيق عليه لا يقدر على حركة، وجعلها سبعين ذراعًا إرادة الوصف بالطول كما قال: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} 2، يريد مرات كثرة؛ لأنها إذا طالت كان الإرهاق أشد والمعنى في تقديم السلسلة على لاسلك مثله في تقديم الجحيم على التصلية أي لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة، كأنها أفظع من سائر مواضع الإرهاق في الجحيم.
قلت: إن العلامة ابن الأثير رفض دلالة التقديم في الآية الكريمة في الموضعين على الاختصاص، ورأى أنه للفضيلة السجعية كما قال، أي للمحافظة على رءوس الآي، قال: "ولا مراء في أن هذا النظم على هذه الصورة أحسن من أن لو قيل خذوه فغلوه ثم صلوه الجحيم"، وكذلك قال في سلسلة، وتقديمها على فاسكلوه لم يكن للاختصاص، وإنما لنظم الكلام، ولا شك أن هذا النظم أحسن من أن لو قيل: ثم اسلكوه في سلسلة ذرعها سبعون ذرًاعا.
__________
1 الحاقة: 30-32.
2 التوبة: 80.
(1/366)

وقد قلنا في مثله: إنه لا مانع من أن يكون التقديم للاختصاص، ولهذه الفضيلة السجعية، ومما لوحظ أن ابن الأثير في هذه الآية يهاجم الزمخشري هجوما خفيا فيقول: في القول بأن تقديم الجحيم، وهو النار العظيمة على قوله: صلوه لأجل الاختصاص، وهو رأي الزمخشري كما قدمنا، بقول: "إنه لا يذهب إليه إلا من هو بنجوة عن رموز الفصاحة والبلاغة"، وغفر الله لابن الأثير، فلم يكن الزمخشري بنجوة من رموز الفصاحة والبلاغة، واقتباسات ابن الأثير من الكشاف التي كتم خبر مصدرها، وأوهم أنها من اجتهاداته شاهد على ذلك.
أما تقديم بعض المتعلقات على بعض، فإنه يجري على نسق دقيق من مراقبة المعاني، ومتابعة الأحوال هو متشعب النواحي متعدد الأصول، وحسبنا هنا أن نيشير إلى ما يكشف لنا شيئا من جلال الأساليب في هذا الباب مقتبسين من كلام الزمخشري، والعلوي.
فمن الأسس التي بنى عليها ترتيب المتعلقات أنهم يقدمون منها ما هو أوثق صلة بغرض الكلام وسياقه، انظر إلى قوله -تعالى-: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} 1، وقوله في آية أخرى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} 2، قال في الأولى: نرزقكم وإياهم، فقدم ضمير المخاطبين على الأولاد، وقال في الثانية: نحن نرزقهم وإياكم فقدم ضمير الأولاد على المخاطبين، وذلك؛ لأن الخطاب في الأولى للفقراء بدليل قوله: من إملاق المفيد أنهم في إملاق، فكان رزقهم أهم عندهم من رزق أولادهم؛ لأنهم في حاجة إليه الآن، فقدم الوعد برزقهم على الوعد برزق أولادهم، والخطاب في الثانية للأغنياء بدليل قوله: خشية إملاق فإن الخشية إنما تكون من أمر لم يقع، فكان رزق أولادهم في هذا
__________
1 الأنعام: 151.
2 الإسراء: 31.
(1/367)

السياق المطلوب دون رزقهم؛ لأنه حاصل فقدم الوعد برزق أولادهم على الوعد برزقهم، وهذا من غاية الدقة كما ترى.
ومثله قوله تعالى: {لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ} 1، وفي سورة المؤمنين: {لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ} 2، قال الزمخشري: فإن قلت: قدم في هذه الآية يعني آية النمل، هذا على نحن وآباؤنا وفي آية أخرى قدم نحن وآباؤنا على هذا، قلت: التقديم دليل على أن المقدم هو الغرض المعتمد بالذكر، وأن الكلام إنما سيق لأجله، ففي إحدى الآيتين دل على أن اتخاذ البعث هو الذي تعمد بالكلام، وفي الأخرى على أن اتخاذ المبعوث بذلك الصدد، أراد أن كلمة -هذا- تشير إلى البعث بعد الموت، وفي الآية التي ينصب فيها الحديث على استبعاد البعث، وأنه محال في نظرهم قدم ما يشير إليه أي قولهم هذا، انظر إلى سياق الآية: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ، لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ} 3، تجد أن الشبهة المستحكمة هي أنهم صاروا هم وآباؤهم ترابا، ويبعد عندهم أن يبعثوا بعد صيرورتهم ترابا، والآية الثانية سياقها هكذا: {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ، قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ} 4، تجد أنها تشير إلى أصالتهم في العناد والكفر، وأن التقليد ومحكاة الآباء هو الأمر المستحكم عندهم، يقولون: المقالة الموروثة مغمضين عيونهم عن الآيات، والحجج التي تخاطب العقول، فقد قال لهم قبل أن يقول هذه المقالة: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ، وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
__________
1 النمل: 68.
2 المؤمنون: 83.
3 النمل: 67، 68.
4 المؤمنون: 81-83.
(1/368)

وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ، بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ، قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا} 1، فهم لم يهتموا بالأدلة المساقة ولم يناقشوها؛ لأن قلوبهم انطوت على مقالة الأولين فقالوا: لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا، وفيه من الدقة والإحساس بأخفى ما في السياق ما ترى.
وقد يكون داعي التقديم هو أن التأخير قد يؤدي إلى لبس يخل ببيان المعنى، كما ترى في قوله -تعالى-: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} 2، والمقدم هو قوله: من آل فرعون وهو صفة رجل، ولو أخره عن يكتم إيمانه وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون لتوهم أنه متعلق بيكتم، وأنه ليس صفة الرجل، فلا يفهم أن الرجل من آل فرعون.
وقد يكون التقديم ناظرًا إلى الأسبقية في الفضل كما في قوله تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} 3، قالوا: قدم الرجالة؛ لأنهم أفضل منزلة عند الله لما يعانون في الحج من الجهد والمشقة، وقد أحس ابن عباس بما في هذا التقديم فقال: وددت لو حججت راجلا، فإن الله قدم الرجالة على الركبان في القرآن.
ومما هو ناظر إلى منازل المعاني في ترتيبها قوله -تعالى-: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ، هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} 4، قالوا: إن ترتيب هذه الآيات منظور فيه إلى ترتيب منازلها، ومراتبها فأفظعها، وأشنعها، وأدلها على قساوة النفس كثرة الأيمان الكاذبة، ثم تليها الغيبة،
فالهماز هو المغتاب، ثم النميمة، وقد لحظ مع النميمة ذكر المشاء؛ لأن النمام
يفتقر إلى المشي من حيث كانت النميمة نقل الحديث من شخص إلى آخر، وجاء وصفه بأنه زنيم في ساقة هذه الصفات
__________
1 المؤمنون: 78-82.
2 غافر: 28.
3 الحج: 27.
4 القلم: 10-13.
(1/369)

لأن ذلك هو الأنسب لمعنى هذه الصفة، فالزنيم هو الدعي أي المنسوب إلى غير أبيه، فهو ملحق بمن ينتسب إليهم.
وقد هدى الذين نظروا في القرآن إلى أسرار لطيفة في هذا الباب.
قالوا: إن تقديم الإنس على الجن هو الأكثر الشائع في المصحف، وذلك لشرف الإنس حيث منهم النبيون والرسل، ومن ذلك قوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ} 1، وقوله: {فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ} 2.
وقوله: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} 3.
أما قوله: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْس} 4، فإنما قدم فيه الجن؛ لأن المقام مقام تسلط واجتراء والجن بذلك أحق، فلهذا قدمهم، وقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} 5، قدم الجن على الإنس؛ لأن المقام
مقام خطاب بامتثال الأوامر في العبادة، والمخالفة من الجن أكثر.
ومن أدق ما قيل في تفسير خصائص الأسلوب، وبيان ترتيب المتعلقات ما ذكره العلوي في قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} 6.
قال: لما صدر الآية بذكر الحب، وكان المحبوب مختلف المراتب متفاوت الدرجات اقتضت الحكمة الإلهية تقديم الأهم فالأهم من المحبوبات، فقدم النساء إلى البنين لما يظهر فيهن من قوة الشهوة، ونزوع الطبع، وإيثارهن على كل محبوب، وقدم البنين على الأموال لتمكنهم في النفوس، واختلاط محبتهم بالأفئدة، وهكذا القول في سائر المحبوبات، فالنساء أقعد في
__________
1 الرحمن: 74.
2 الرحمن: 39.
3 الجن: 5.
4 الأنعام: 13، الرحمن: 33.
5 الذاريات: 56.
6 آل عمران: 14.
(1/370)

القلوب، والبنون أقعد في المحبة من الأموال، والذهب أكثر تمكنا من الفضة، والخيل أدخل في المحبة من الأنعام، والمواشي أدخل الحرث.
فأما قوله تعالى: {أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} 1، فإنما قدم الأموال ههنا؛ لأنه في معرض ذكر الافتتان، ولا شك أن الافتتان بامال أدخل من الافتتان بالأولاد لما فيه من تعجيل اللذة، والوصول إلى كر مسرة، والتمكن من البسطة، والقوة بخلاف آية القناطير، فإنه إنما قدم البنين فيها لما ذكرها في معرض الشهوة، وتمكين المحبة.
وقد تلحظ السببية في ترتيب المتعلقات، فيقدم السبب على المسبب، وذلك كما في قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا، لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} 2، قال ابن الأثير: "قدم حياة الناس وإسقاء الأنعام على إسقاء الناس، وإن كانوا أشرف محلا؛ لأن حياة الأرض سبب لحياة الأنعام والناس، فلما كانت بهذه المثابة جعلت مقدمة في الذكر، ولما كانت الأنعام من أسباب التعيش، والحياة للناس قدمها في الذكر على الناس؛ لأن حياة الناس بحياة أرضهم وأنعامهم، فقدم سقى ما هو سبب نمائهم، ومعاشهم على سقيهم".
وقد تلحظ الكثرة والقلة في تقديم بعض المتلعقات على بعض، فيقدم الأكثر فالذي يليه، من ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} 3، فقوله: فمنهم ظالم تقسيم لقوله: الذين اصطفينا من عبادنا قدم الظالم لنفسه للإيذان بكثرته، وأن معظم الخلق عليه ثم أتى بعده بالمقتصدين؛ لأنهم قليل بالإضافة إلى الظالم، ثم أتى بالسابقين، وهم أقل من القليل أعني من المقتصدين، فقدم كما ترى الكثير ثم الذي يليه.
__________
1 الأنفال: 28.
2 الفرقان: 48، 49.
3 فاطر: 32.
(1/371)

وقد يقع الترتيب على وفق تدرج أحوال النفس، وما يصحب ذلك من التصاعد في الإحساس، فنرى ترتيب المعاني في الأسلوب تتصاعد مع هذا الشعور وتترقى معه.
انظر إلى وصف القرآن أهوال يوم القيامة، وشغل كل امرئ بنفسه وفراره من أهله، وكيف تتابع أسلوبه مع تتباع هذه الأحوال؟ يقول: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ} 1، بدأ بالفرار من الأخ بالأبوين، والأبوان أقرب من الأخ، والمكروب يفر من أخيه قبل أن يفر من أبيه، فإذا زاد الكرب فر من الأبوين، وبقي مستمسكا بالصاحبة والبنين، فإذا ما تضاعف الكرب فر من الصاحبة وبقي متعلقا بولده، وناهيك عن حال الهول، والكرب الذي يفر فيه الوالد من بناته وبنيه.
أرأيت كيف تدرج الأسلوب بأحوال إحساس النفس بالهول، وكيف تنزلت الكلمات منازلها في اللفظ، والنفس على سواء؟
وقد كتبنا فصلا نافعا، إن شاء الله في هذا الباب استنبطناه من تفسير الكشاف في كتابنا "البلاغة القرآنية" فليراجع هناك، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
__________
1 عبس: 34-36.
(1/372)


مراجع الكتاب:
1- أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني.
2- الكامل للمبرد.
3- الخصائص لابن جني.
4- الموازنة للآمدي.
5- الطراز للعلوي.
6- المطول لسعد الدين التفتازاني.
7- الإيضاح للخطيب القزويني.
8- الأسس المعنوية للأدب لعبد الفتاح الديدي.
9- اللغة الشاعرة للعقاد.
10- الكشاف وحواشيه للزمخشري.
11- البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري، لمحمد أبو موسى.
12- البرهان في علوم القرآن للزركشي.
13- المفضليات وشرح ابن الأنباري.
14- النبأ العظيم للشيخ محمد عبد الله دراز.
15- الوساطة لعلي بن عبد العزيز الجاجاني.
16- تلخيص البيان في مجازات القرآن للشريف الرضي.
17- المجازات النبوية للشريف الرضي.
18- دلائل الإعجاز لعبد القاهر.
19- دراسة في قضية الإعجاز، محمد أبو موسى.
(1/373)

20- دراسة في الشعر الجاهلي للنويهي.
21- شرح الحماسة للمرزوقي.
22- شرح ابن السبكي.
23- شرح ابن يعقوب المغربي.
24- شرح الأعلم الشنتمري لشواهد سيبويه.
25- كتاب سيبويه.
26- تعليقات السيرافي على الكتاب.
27- لسان العرب.
28- قراءة في الأدب القديم. د. محمد أبو موسى.
29- قضايا النقد والبلاغة للعشماوي.
30- نظرية المعنى لمصطفى ناصف.
31- فن القول لأمين الخولي.
32- مناهج تجديد لأمين الخولي.
33- من أسرار التعبير القرآني. د. محمد أبو موسى.
34- تحقيقات في ديوان ابن الدمينة للنفاخ.
35- إعجاز القرآن للباقلاني.
36- إعجاز القرآن للرماني.
37- إعجاز القرآن للرافعي.
38- إعجاز القرآن للخطابي.
39- المغني لابن هشام.
(1/374)

محتويات الكتاب:
الصفحة
أ/ ن مقدمة الطبعة السادسة.
س: خ مقدمة الطبعة الخامسة.
3 مقدمة الطبعة الرابعة.
31 مقدمة الطبعة الثانية.
35 مقدمة الطبعة الأولى.
41 تمهيد.
الفصل الأول: الفصاحة والبلاغة "61-76".
61 الفصاحة والبلاغة.
75 علم المعاني.
الفصل الثاني: أحوال الإسناد الخبري "77-152".
77 أحوال الإسناد الخبري.
78 أغراض الخبر.
80 أضرب الخبر.
100 التجوز في الإسناد.
الفصل الثالث: أحوال المسند إليه "153-271"
153 خذف المسند إليه.
180 ذكر المسند إليه.
192 تعريف المسند إليه.
200 اسم الإشارة.
(1/375)

210 التعريف باللام.
211 التعريف بالإضافة.
212 تنكير المسند إليه.
220 تقديم المسند إليه.
241 المظهر والمضمر.
249 الالتفات.
262 مخالفة مقتضى الظاهر في صيغ الأفعال.
270 أسلوب الحكيم.
الفصل الرابع: أحوال المسند "272-316".
272 حذف المسند.
289 ذكر المسند.
296 مجيء المسند فاعلًا أو اسمًا.
302 تعريف المسند.
311 تقديم المسند.
الفصل الخامس: أحوال متعلقات الفعل "317-372".
317 أغراض تقييد الفعل.
335 مجيء الماضي لفظا مع "إن".
341 حذف المفعول.
364 التقديم في المتعلقات.
373 مراجع الكتاب.
375 محتويات الكتاب.
(1/376)