Advertisement

رسالة الغفران



الكتاب: رسالة الغفران
المؤلف: أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان، أبو العلاء المعري، التنوخي (المتوفى: 449هـ)
الناشر: مطبعة (أمين هندية) بالموسكي (شارع المهدي بالأزبكية) - مصر
صححها ووقف على طبعها: إبراهيم اليازجي
الطبعة: الأولى، 1325 هـ - 1907 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم يسّر وأعن
قد علم الجبر الذي نسب إليه جبريل، وهو كلّ الخيرات سبيل، أن في مسكني حماطة ما كانت قطّ أفانية، ولا الناكزة بها غانيةّ، تثمر من مودّة مولاي الشيخ الجليل، كبت الله عدوّه، وأدام رواحه إلى الفضّل وعدّوه، ما لو حملته العالية من الشجر، لدنت إلى الأرض غصونها، وأذيل من تلك الثمرة مصونها.
والحماطة ضرب من الشجر، يقال لها إذا كانت رطبة: أفانية، فإذا يبست فهي حماطة. قال الشاعر:
إذا أمّ الوليِّد لم تطعني ... حنوت لها يدي بعصا حماط
وقلت لها: عليك بني أقيش، فإنّك غير معجبة الشَّطاط وتوصف الحماطة بإلف الحيّات لها، قال الشاعر:
أتيح لها، وكان أخا عيال، ... شجاع في الحماطة مستكن
وإن الحماطة التي في مقرّي لتجد من الشوق حماطة، ليست بالمصادفة إماطة. والحماطة حرقة القلب، قال الشاعر:
وهمٍّ تملأ الأحشاء منه
فأما الحماطة المبدوء بها فهي حبة القلب، قال الشاعر:
رمت حماطة قلب غير منصرفٍ ... عنها، بأسهم لحظلم تكن غرباً
وإنّ في طمري لحضباً ... وكلّ بأذاتي، لو نطق لذكر
شذاتي، ما هو بساكن في الشقاب، ولا بمتشرف على
النقاب، ما ظهر في شتاء وصيف، ولا مرّ بجبل ولا خيف،
يضمر من محبة مولاي الشيخ الجليل، ثبت الله أركان العلم بحياته،
(1/5)

ما لا تضمره للولد أمّ، أكان سمُّها يدّكر أم فقد عندها السُّم. وليس هذا الحضب مجانساً للَّذي عناه الراجز في قوله: وقد تطويت انطواء الحضب وقد علم، أدام الله جمال البراعة بسلامته، أن الحضب ضرب من الحيات، وأنّه يقال لحبة القلب حضب.
وإنّ في منزلي لأسود، وهو أعزّ عليّ من عنترة على زبيبة، وأكرم عندي من السُّليك، عند السُّلكة، وأحق بإيثاري من خفاف السُّلميّ بخبايا ندبة وهو أبداً محجوب، لا تجاب عنه الأغطية ولا يجوب، لو قدر لسافر إلى أن يلقاه، ولم يحد عن ذلك لشقاء يشقاه. وإنه إذ يذكر، ليؤنَّث في المنطق ويذكر، وما يعلم أنّه حقيقي التذكير، ولا تأنيثه المعتمد بنكير. لا أفتأ دائباً فيما رضي، على أنّه لا مدفع لما قضي. أعظمه أكثر من إعظام لخم الأسود بن المنذر وكندة الأسود بن معد يكرب، وبني نهشل بن دارم الأسود بن يعفر ذا المقال المطرب. ولا يبرح مولعاً بذكره كإيلاع سحيم بعميرة في محضره ومبداه، ونصيب مولى أمّية بسعداه.
وقد كان مثله مع الأسود بن زمعة، والأسود بن عبد يغوث ... والأسودين اللذين ذكرهما اليشكري في قوله:
فهداهم بالأسودين وأمر الله بلغ يشقى به الأشقياء
ومع أسودان الذي هو نبهان بن عمرو بن الغوث بن طيءّ، ومع أبي الأسود الذي ذكره امرؤ القيس، في قوله:
وذلك من خبرٍ جاءني، ونبَّئته عن أبي الأسود
وما فارقه أبو الأسود الدؤلي في عمره طّرفة عين، في حال الراحة ولا الأين وقارن سويد بن أبي كاهل يرد به على المناهل. وحالف سويد بن الصامت، ما بين المبتهج والشامت. وساعف سويد بن صميع، في أيّام
(1/6)

الرَّتب والرَّيع وسويد هذا، هو الذي يقول:
إذا طلبوا مني اليمين، منحتهم ... يميناً كبرد الأتحميّ الممزق
وإن أحلفوني بالطّلاق، أتيتها ... على خير ما كنّا، ولم نتفرق
وإن أحلفوني بالعتاق، فقد درى ... عبيد غلامي أنّه غير معتق
وكان يألف فراش سودة بن زمعة بن قيس امرأة النبيَّ، صلى الله عليه وسلم، ويعرف مكانه الرسول، ولا ينحرف عنه السُّول، ودخل الجدث مع سوادة بن عديّ، وما ذلك بزول بديّ، وحضر في نادٍ حضره الأسودان اللّذان هما الهنم والماء، والحرة الغابرة والظَّلماء. وإنَّه لينفر عن الأبيضين، إذا كانا في الرَّهج معرَّضين، الأبيضان اللذان ينفر منهما: سيفان، أو سيف وسنان، ويصبر عليهما إذا وجدهما، قال الراجز:
الأبيضان أبردا عظامي، الماء والفتُّ بلا إدام
ويرتاح إليهما في قول الآخر:
ولكنه يمضي في الحول كلُّه ... وما لي إلاّ الأبيضين شراب
فأمّا الأبيضان اللذان هما شحم وشباب، فإنّما تفرح بهما الربَّاب، وقد يبتهج بهما عند غيري، فأمّا أنا فيئسا من خيري. وكذلك الأحامرة والأحمران يعجب لهما أسود ران، فيتبعه حليف سترٍ، ما نزل به حادث هتر.

وصول الرسالة
وقد وصلت الرسالة التي بحرها بالحكم مسجور ومن قرأها مأجور، إذ كانت تأمر بتقبُّل الشرع، وتعيب من ترك أصلاً إلى فرع.
وغرقت في أمواج بدعها الزاخرة، وعجبت من اتسِّاق عقودها الفاخرة، ومثلها شفع ونفع، وقرّب عند الله ورفع. وألفيتها مفتحةً بتمجيدٍ، صدّر عن بليغٍ مجيد، وفي قدرة ربّنا، جلَّت عظمته، أن يجعل كلّ حرف منها شبح نورٍ،
(1/7)

لا يمتزج بمقال الزُّور؛ يستغفر لمن أنشأها إلى يوم الدين، ويذكره ذكر محبٍ خدين. ولعلّه، سبحانه، قد نصب لسطورها المنجية من اللَّهب، معاريج من الفضة أو الّذهب، تعرج بها الملائكة من الأرض الراكدة إلى السماء، وتكشف سجوف الظلماء، بدليل الآية: إليه يصعد الكلم الطَّيب والعمل الصّالح يرفعه.

شجرة طيبة
وهذه الكلمة الطيبة كأنّها المعنيّة بقوله: ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمّة طيّبةً كشجرةً طيّبةٍ، أصلها ثابت وفرعها في السّمّاء، تؤتي أكلها كلّ حينٍ بإذن ربها.
وفي تلك السطور كلم كثير، كلّه عند الباري، تقدّس، أثير. فقد غرس لمولاي الشيخ الجليل، إن شاء الله، بذلك الثناء، شجر في الجنة لذيذ اجتناءً، كلُّ شجرةٍ منه تأخذ ما بين المشرق إلى المغرب بظلٍّ غاطٍّ ليست في الأعين كذات أنواطٍ. وذات أنواطٍ، كما يعلم، شجرة كانوا يعظمونها في الجاهلية. وقد روي أن بعض الناس قال: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواطٍ كما لهم ذات أنواطٍ، وقال بعض الشعراء:
لنا المهيمن يكفينا أعادينا، ... كما رفضنا إليه ذات أنواط
والولدان المخلّدون في ظلال تلك الشجر قيام وقعود، وبالمغفرة نيلت السُّعود؛ يقولون، والله القادر على كلِّ شيء عزيز: نحن وهذه الشجر صلّة من الله لعليّ بن منصور، نخبأ له إلى نفخ الصُّور.
وتجري في أصول ذلك الشجر، أنهار تختلج من ماء الحيوان، والكوثر يمدُّها في كلّ أوانٍ؛ من شرب منها النُّغبة فلا موت، قد أمن هنالك الفوت. وسعد من اللبن متخرِّفات، لا تغيَّر بأن تطول الأوقات. وجعافر من الرحيق المختوم، عزَّ المقتدر على كلّ محتوم. تلك الراح الدائمة، لا الذميمة ولا الذائمة، بل هي علقمة مفترياً، ولم يكن لعفوٍ مقترياً:
(1/8)

تشفي الصُّداع ولا يؤذيه صالبها، ... ولا يخالط منها الرأس تدويم
ويعمد إليها المغترف بكؤوس من العسجد، وأباريق خلقت من الزبرجد، ينظر منها الناظر إلى بديّ، ما حلم به أبو الهنديّ، رحمه الله، فلقد آثر شراب الفانية، ورغب في الدّنية الدّانية. ولا ريب أنّه يروي ديوانه، وهو القائل:
سيغني أبا الهنديّ عن وطب سالمٍ ... أباريق لم يعلق بها وضر الزُّبد
مفدمة قزّاً كأنّ رقابها ... رقاب بنات الماء أفزعها الرعد
هكذا ينشد على الإقواء وبعضهم ينشد:
رقاب بنات الماء ريعت من الرعد
والرواية الأولى إنشاد النحويين. وأبو الهندي إسلاميٌّ، واسمه عبد المؤمن بن عبد القدُّوس، وهذان اسمان شرعيان، وما استشهد بهذا البيت إلا وقائله عند المستشهد فصيح، فإن كان أبو الهنديّ ممن كتب وعرف حروف المعجم فقد أساء في الإقواء، وإن كان بنى الأبيات على السكون، فقد صحَّ قول سعيد بن مسعدة، في أن الطويل من الشعر له أربعة أضرب.
ولو رأى تلك الأباريق أبو زبيد لعلم أنّه كالعبد الماهن أو العبيد، وأنّه ما تشبّث بخيرٍ، ورضي بقليل المير وهزىء بقوله:
وأباريق مثل أعناق طير ال ... ماء قد جيب فوقهن خنيف
هيهات! هذه أباريق، تحملها أباريق، كأنّها في الحسن الأباريق.
فالأولى هي الأباريق المعروفة، والثانية من قولهم: جارية إبريق، إذا كانت تبرق من حسنها: قال الشاعر:
وغيداء إبريقٍ كأن رضابها ... جنى النحل ممزوجاً بصهباء تاجر
والثالثة، من قولهم: سيف إبريق، مأخوذ من البريق. قال ابن أحمر:
تقلدت إبريقاً، وعلقت جعبةً ... لتهلك حيّاً ذا زهاءٍ وجامل
(1/9)

ولو نظر إليها علقمة لبرق وفرق، وظنَّ أنه قد طرق، وأين يراها المسكين علقمة، ولعله في نار لا تغير، ماؤها للشارب وغيرٌ؟ ما ابن عبدة وما فريقه؟؟؟! خسر وكسر إبريقه! أليس هو القائل:
كأن إبريقهم ظبيٌ برابيةٍ ... مجللٌ، بسبا الكتّان مفدوم
أبيض أبرزة للضَّحّ راقبه ... مقلد قضب الرَّيحان، مفغوم
نظرةٌ إلى تلك الأباريق، خيرٌ من بيت الكرمة العاجلية، ومن كل ريقٍ، ضمنته هذه الدار الخادعة، التي هي لكلَّ شممٍ جادعةٌ.
ولو بصر بها عدي بن زيد، لشغل عن المدام والصَّيد، واعترف بأن أباريق مدامه، وما أدرك من شرب الحيرة وندامه، أمرٌ هينٌ، لا يعدل بنابتٍ من حمصيص، أو ما حقر من خربصيص.
وكنت بمدينة السّلام، فشاهدت بعض الورّاقين يسأل عن قافية عدي ابن زيد التي أوّلها:
بكر العاذلات في غلس الصُّب ... ح يعاتبنه أما تستفيق؟
ودعا بالصَّبوح فجراً، فجاءت ... قينةٌ في يمينها إبريق
وزعم الورَّاق أن ابن حاجب النعمان سأل عن هذه القصيدة وطلبت في نسخٍ من ديوان عديّ فلم توجد. ثمّ سمعت بعد ذلك رجلاً من أهل أستراباذ، يقرأ هذه القافية في ديوان العباديّ، ولم تكن في النسخة التي في دار العلم: فأمّا الأقَّيشر الأسديّ فإنه مني بقاشر، وشقي إلى يومٍ حاشر، قال ولعله سيندم، إذا تفرَّى الأدم:
أفنى تلاديّ، وما جمعت من نشبٍ ... قرع القوازيز أفواه الأباريق
ما هو وما شرابه؟ تقضَّت في الحانية آرابه. لو عاين تلك الأباريق لأيقن أنّه فتن بالغرور، وسرَّ بغير موجب للسّرور. وكذلك إياس بن الأرتّ، إن كان
(1/10)

عجب لأباريق كإوزّ الطَّفّ فإن الحوادث بسطت له أقبض كفّ. فكأنه ما قال:
كأن أباريق المدامة بينهم ... إوزٌّ بأعلى الطَّفّ، عوج الحناجر
ورحم الله العجَّاج، فإنّه خلط في رجزه العلبط والسَّجاج، أين إبريقه الذي ذكر فقال:
قطَّف من أعنابها ما قطفَّا، ... فغمَّها حولين، ثمّ استودفا
صهباء، خرطوماً، عقاراً، فرقفا، ... فسنَّ في الإبريق منها نزفا
من رصفٍ نازع سيلاً رصفا وكم على تلك الأنهار من آنية زبرجدٍ محفور، وياقوتٍ خلق على خلق الفور، من أصفر وأحمر وأزرق، يخال إن لمس أحرق، كما قال الصنوبريُّ:
تخيَّله ساطعاً وهجه، ... فتأبى الدُّنو إلى وهجه
وفي تلك الأنهار أوانٍ على هيئة الطير السابحة، والغانية عن الماء السائحة، فمنها ما هو على صور الكراكي، وأخر تشاكل المكاكيّ، وعلى خلق طواويس وبطّ، فبعضٌ في الجارية وبعضٌ في الشَّطّ،

خمر الجنة
ينبع من أفواهها شرابٌ، كأنه من الرَّقَّة سرابٌ، لو جرع جرعةً منه الحكميُّ لحكم أنّه الفوز القدميُّ. وشهد له كلُّ وصَّاف الخمر، من محدثٍ في الزمن وعتيق الأمر، أنّ أصناف الأشربة المنسوبة إلى الدار الفانية، كخمر عانة وأذرعات، وهي مظنَّةٌ للنُّعّات؛ وغزّة وبيت راس والفلسطية ذوات الأحراس؛ وما جلب من بصرى في الوسوق، تبغى به المرابحة عند سوق، وما ذخره ابن بجرة ب وجّ، واعتمد به أوقات الحجّ، قبل أن تحرَّم على الناس القهوات، وتحظر لخوف الله الشهوات. قال أبو ذؤيب:
ولو أنَّ ما عند ابن بجرة عندها ... من الخمر، لم تبلل لهاتي بناطل
(1/11)

وما اعتصر ب صرخد أو أرض شبام لكلّ ملكٍ غير عبام؛ وما تردَّد ذكره من كميت بابل وصريفين واتُّخذ للأشراف المنيفين؛ وما عمل من أجناس المسكرات، مفوّقاتٍ للشارب وموكّرات، كالجعة والبتع والمزر والسُّكركة ذات الوزر؛ وما ولد من النخبل، لكريمٍ يعترف أو بخيل، وما صنع في أيَّام آدم وشيثٍ إلى يوم المبعث من معجَّلٍ أو مكيث إذ كانت تلك النُّطفة ملكةً، لا تصلح أن تكون برعاياها مشتبكة.
ويعارض تلك المدامة أنهارٌ من عسلٍ مصفَّى ما كسبته النحل الغادية إلى الأنوار، ولا هو في مومٍ متوارٍ، ولكن قال له العزيز القادر: كن فكان، وبكرمه أعطي الإمكان. واهاً لذلك عسلاً لم يكن بالنار مبسلا لو جعله الشارب المحرور غذاءه طول الأبد ما قدر له عارض موم، ولا لبس ثوب المحموم؛ وذلك كلُّه بدليل قوله: مثل الجنة التي وعد المتُّقون، فيها أنهار من ماءٍ غير آسنٍ، وانهارٌ من لبنٍ لم يتغير طعمه، وأنهارٌ من خمرٍ لذّةٍ للشّاربين، وأنهارٌ من عسلٍ مصفًّى، ولهم فيها من كلّ الثّمرات، فليت شعري عن النَّمر بن تولبٍ العكليّ، هل يقدر له أن يذوق ذلك الأري، فيعلم أن شهد الفانية إذا قيس غليه وجد يشاكه الشَّري؛ وهو لمَّا وصف أمّ حصٍن وما رزقته في الدَّعة والأمن، ذكر حوّارى بسمن، وعسلٍ مصفًّى؛ فرحمه الخالق متوفّىً، فقد كان أسلم وروي حديثاً منفرداً، وحسبنا به للكلم مسردّاً. قال المسكين النمر:
ألمّ بصحبتي، وهم هجوعٌ، ... خيالٌ طارقٌ من أمّ حصن
لها ما تشتهي: عسلاً مصًّفى، ... إذا شاءت، وحوَّارى بسمن
وهو، أدام الله تمكينه، يعرف حكاية خلفٍ الأحمر مع أصحابه في هذين البيتين،
(1/12)

ومعناها أنّه قال لهم: لو كان موضع أمّ حصن أمُّ حفص، وما كان يقول في البيت الثاني؟ فسكتوا، فقال: حوّاريّ بلمص، يعني الفالوذ ويفرّع على هذه الحكاية فيقال: لو كان مكان أمّ حصن أمُّ جزء وآخره همزةٌ، ما كان يقول في القافية الثانية؟ فإنّه يحتمل أن يقول: وحوارى بكشء، ٍ من قولهم: كشأت اللحم إذا شويته حتى ييبس، ويقال: كشأ الشواء إذا أكله. أو يقول بوزء، من قولهم: وزأت اللحم إذا شويته. ولو قال: حوَّارى بنسء، لجاز وأحسن ما يتأؤّل فيه، أن يكون من نسأ الله في أجله، أي لها خبزٌ مع طول حياة، وهذا أحسن من أن يحمل على أن النسء اللبن الكثير الماء، وقد قيل: إن النسء الخمر، وفسروا بيت عروة بن الورد على الوجهين:
سقوني النّسء ثم تكنَّفوني، ... عداة الله من كذبٍ وزور
ولو حمل حوّ؟ ارى بنسء، على اللبن أو الخمر، لجاز، لأنّها تأكل الحوارى بذلك، أي لها الحوَّارى مع الخمر، وقد حدّث محدّثٌ أنه رأى بسيل ملك الروم وهو يغمس خبزاً في خمرٍ ويصيب منه، ولو قيل: حوَّارى بلزء، من قولهم: لزأ إذا أكل، لما بعد، وتكون الباء في بلزء بمعنى في.
ولا يمكن أن يكون رويُّ هذا البيت ألفاً، لأنّها لا تكون إلاّ ساكنة، وما قبل الرويّ ها هنا ساكنٌ، فلا يجوز ذلك.
فإن خرج إلى الباء: من أمّ حرب، جاز أن يقول: وحوَّارى بصرب، وهو اللبن الحامض، ويجوز بإرب، أي بعضوٍ من شواءٍ أو قديد، ويجوز بكشب وهو أكل الشواء.
فإن قال: من أمّ صمت، جاز أن يقول: وحواري بكمت، يعني جمع تمرةٍ كميت، وذلك من صفات التمر، وينشد للأسود ابن يعفر:
وكنت إذا ما قرَّب الزاد مولعاً ... بكلّ كميتٍ جلدةٍ لم توسَّف
(1/13)

وقال الآخر:
ولست أبالي بعدما اكمتَّ مربدي ... من التمر، أن لا يمطر الأرض كوكب
ويجوز وحوَّارى بحمت، من قولهم: تمرٌ حمتٌ، أي شديد الحلاوة.
فإن أخرجه إلى الثاء فقال: من أمّ شثّ، قال: وحوَّارى ببثّ، والبثُّ: تمرٌ لم يجد كنزه فهو متفرق.
فإن أخرجه إلى الجيم فقال: أمّ لجّ، جاز أن يقول: وحوّارى بدجّ، والدُّجُّ: الفرُّوج، جاء به العمانيُّ في رجزه.
فإن خرج إلى الحاء، فقال: من أمّ شحّ، جاز أن يقول: وحوارى بمحّ، وببحّ، وبرّح، وبجحّ، وبسحّ. فالمحُّ: محّ البيضة، وبحُّ: جمع أبحَّ، من قولهم: كسرٌ أبحُّ، أي كثير الدّسم، وقال:
وعاذلة هبَّت عليَّ تلومني، ... وفي كفّها كسرٌ أبحٌ رذوم
ويجوز أن يعنى بالبحّ القداح، أي هذه المرأة أهلها أيسار، كما قال السُّلميُّ:
قروا أضيافهم ربحاً ببحّ، ... يعيش بفضلهنَّ الحيُّ، سمر
ورحٌّ: جمع أرحَّ، وهو من صفات بقر الوحش، أي يصاد لهذه المرأة، ويقال لأظلاف البقر: رحٌّ، قال الشاعر الأعشى:
ورحٌّ بالزّماع مردَّفاتٌ، ... بها تنضو الوغى وبها ترود
والسحُّ: تمرٌ صغير يابس. والجحُّ: صغار البطيخ قبل أن ينضج.
فإن قال: أمُّ دخّ، قال: حوَّارى بمخّ، ونحو ذلك.
فإن قال: أمّ سعد، قال: حوَّارى بثعد، وهو الرُّطب الذي لان كلُّه.
فإن قال: أمّ وقذ، قال: حوارى بشقذ، وهي فراخ الحجل.
فإن قال: أمّ عمرو، فإنَّ أشبه ما يقول: حوّارى بتمر.
فإن قال: أمّ كرز، فإن أشبه ما يقول: وحوَّارى بأرز، وفيه لغات ستّ: أرزٌ على وزن أشدّ، وأرزّ على صملّ، وأرزٌ على وزن شغل، وأرزٌ في وزن قفل، ورزّ مثل جدٍّ، ورنز، بنونٍ وهي رديئة.
فإن قال: أمّ ضبس، قال: وحوّارى بدبس. والعرب
(1/14)

تسمّي العسل دبساً. وكذلك فسروا قول أبي زبيد:
فنهزةٌ من لقوا حسبتهم ... أشهى إليه من بارد الدبس
حرَّك للضرورة.
فإن قال: من أمّ قرشٍ، جاز أن يقول: حوَّارى بورش، والورش: ضربٌ من الجبن، ويجوز أن يكون مولَّداً، وبه سمّي ورشٌ الذي يروي عن نافع واسمه عثمان بن سعيد.
والصاد قد مضت.
فإن قال: أمّ غرض، جاز أن يقول: حوَّارى بفرض، والفرض: ضربٌ من التمر، قال الراجز:
إذا أكلت لبناً وفرضا ... ذهبت طولاً وذهبت عرضاً
وفي نصب طول وعرض اختلافٌ بين المبرّد وسيبويه.
فإن قال: من أمّ حظّ، فإن الأطعمة تقلُّ فيها الظاء، كقلَّتها في غيرها، لأن الظاء قليلةٌ جدّاً، ويجوز أن يقول: حوَّارى بكظّ، أي يكظّها الشّبع، أو نحو ذلك من الأشياء التي تدخل على معنى الاحتيال.
فإن قال: أمّ طلع، جاز أن يقول: حوَّارى بخلع، والخلع: هو اللحم الذي كان يطبح ويحملونه في القروف وهي أوعيةٌ من أدم، وينشد:
كلي اللحم الغريض، فإنَّ زادي ... لمن خلعٍ تضمنَّه القروف
فإن قال: أمّ فرع، جاز أن يقول: حوَّارى بضرع، لأن الضروع تطبخ، وربمّا تطرب إلى أكلها الملوك فإن قال: أمّ مبغ، قال: حوّارى بصبغ، والصبَّغ ما تغمس فيه اللقمة من مرقٍ أو زيت أو خلٍّ.
فإن قال: أمّ نخف، قال: حوَّارى برخف، والرخف زبدٌ رقيق، والواحدة رخفة، قال الشاعر:
لنا غنمٌ يرضي النزيل حليبها، ... وزحفٌ يغاديه لها وذبيح
فإن قال: أمّ فرق، قال: حوّارى بعرقٍ، والعرق: عظمٌ عليه لحمٌ من شواءٍ أو قديد.
فإن قال: أمّ سبك، جاز أن يقول: حوّارى بربك، أو بلبك، من قولهم: ربكت الطعام أو لبكته، إذا خلطته، وكان ذلك ممّا فيه رطوبةٌ، مثل أن يخالطه لبنٌ أو سمنٌ، أو نحو ذلك، ولا يقال: ربكت الشعير بالحنطة، إلاّ أن يستعار.
فإن قال: أمّ
(1/15)

تخل، قال: حوّارى برخل، يريد الأنثى من أولاد الضأن، وفيه أربع لغات: رَخِل ورَخْلٌ ورِخْلٌ ورِخِلٌ.
فإن قال: أمّ صرم، قال: حوارى بطرم، والطرم: العسل، وقد يسمَّى السمن طرماً.
وقد مضت النون في أمّ حصن.
فإن قال: أم دوّ، قال: حو؟ ّارى بجوّ، والحوُّ: الجدي، فيما حكى بعض أهل اللغة في قولهم: ما يعرف حوّاً من لوٍّ، أي جدياً من عناقٍ.
فإن قال: أمّ كره، قال: حوّارى بوره، يريد جمع أوره، من قولهم: كبشٌ أوره، أي سمين.
فإن قال: أمّ شري، قال: حوارى بأري، أي عسل.
وهذا فصل يتّسع، وإنمّا عرض في قول تامٍ، كخيال طرق في المنام.
ولو خالط منا من عسل الجنان، وما خلقه الله، سبحانه، في هذه الدار الخادعة، كالصاب، والمقر، والسَّلع، والجعدة، والشَّيح، والهبيد، لعاد ذلك كلُّه، وغيره من المعقبات، يعدُّ من اللذائذ المرتقيات، فآض ما كره من الصَّاب، كأنَّه المعتصر من المصاب، والمصاب: قصب السكر، وأمسى الحدج وكأنّه المتخذٌّ بالأهواز، إلاّ يكن السُّكرّ، فإنه موازٍ؛ ولصارت الراعية في الإبل، إذا وجدت الحنظلة أتحفت بها السيدة المحظلة، وهي التي تعظم عليها الغيرة، من قولهم: حظل نساءه، إذا أفرط في الغيرة عليهنَّ، قال الراجز:
ولا ترى بعلاً ولا حلائلا ... كه، ولا كهنَّ إلا حاظلا
وانقطعت معايش أرباب القصب في ساحل البحر، وصنع من المرّ الفالوذ المحكم بلا سحر أي بلا خدع.
ولو أن الحارث بن كلدة طعم من ذلك الطّريم لعلم أن الذي وصفه يجري من هذا المنعوت، مجرى الدّفلى الشّاقة من الرّعديد، ومدوف، ما يكره من القنديد، وذكرت الحارث بقوله:
فما عسلٌ ببارد ماء مزنٍ ... على ظماءٍ، لشاربه يشاب
بأشهى من لقيكم إلينا، ... فكيف لنا به، ومتى الإياب
(1/16)

وكذلك السَّلوى التي ذكرها الهذلي هي عند عسل الجنّة كأنَّها قارٌ رمليَّ، والقار: شجرٌ مرّ ينبت بالرَّمل، قال: بشرٌ:
يرجون الصَّلاح بذات كهفٍ، ... وما فيها لهم سلعٌ وقار
وعنيت قول القائل:
فقاسمها بالله جهداً لأنتم ... ألذُّ من السَّلوى إذا ما نشورها
وإذا من الله تبارك اسمه بورود تلك النهار، صاد فيها الوارد سمك حلاوةٍ، لم ير مثله في ملاوة، لو بصر به أحمد بن الحسين لاحتقر الهد؟ ّية التي أهديت إليه فقال فيها:
أقل ما في أقلّها سمكٌ، ... يلعب في بركةٍ من العسل
فأمَّا الأنهار الخمريّة، فتلعب أسماكٌ هي على صور السَّمك بحريَّةٌ ونهريّة، وما يسكن منه في العيون النَّبعية، ويظفر بضروب النَّبت المرّعية، إلاّ أنّه من الذَّهب والفضّة وصنوف الجواهر، المقابلة بالنُّور الباهر. فإذا مدّ المؤمن يده إلى واحدةٍ من ذلك السَّمك، شرب من فيها عذباً لو وقعت الجرعة منه في البحر الذي لا يستطيع ماءه الشارب، لحلت منه أسافل وغوارب؛ ولصار الصمَّر كأنَّه رائحة خزامى سهلٍ، طلتَّه الدَّاجنة بدهل، والدَّهل: الطائفة من اللَّيل، أو نشر مدامٍ خوَّارةٍ، سيَّارةٍ في القلل سوَّارة.
وكأنّي به، أدام الله الجمّال ببقائه، إذا استحقَّ تلك الرُّتبة، ببقين التوبة، وقد اصطفى له نامى من أدباء الفردوس: كأخي ثمالة، وأخي دوسٍ، ويونس بن حبيب الضُّبيّ، وابن مسعدة المجاشعيّ، فهم كما جاء في الكتاب العزيز: " ونزعنا ما في صدورهم من غلٍّ إخواناً على سررٍ متقابلين، لا يمسُّهم
(1/17)

فيها نصبٌ وما هم منها بمخرجين " فصدر أحمد بن يحيى هنالك قد غسل من الحقد على محمد بن يزيد، فصارا يتصافيان ويتوافيان، كأنهّا ندمانا جذيمة: مالكٌ وعقيل، جمعها مبيتٌ ومقيل وأبو بشر، عمرو بن عثمان سيبويه، قد رحضت سويداء قلبه من الضغن على علي بن حمزة الكسائي وأصحابه، لما فعلوا به في مجلس البرامكة. وأبو عبيدة صافي الطويّة لعبد الملك بن قريب، قد ارتفعت خلتَّهما عن الرَّيب، فهما كأربد ولبيد أخوان، أو ابني نويرة فيما سبق من الأوان، أو صخرٍ ومعاوية: ولدي عمرو، وقد أخمدا من الإحن كلّ جمر. والملائكة يدخلون عليهم من كل بابٍ، سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدّار. وهو أيَّد الله العلم بحياته، معهم كما قال البكريُّ:
نازعتهم قضب الرّيحان مرتفقاً،
وقهوةً مزَّةً، راووقها خضل
لا يستفيقون منها وهي راهنةٌ
إلا بهات، وإن علُّوا وعن نهلوا
يسعى بها ذو زجاجات له نطفٌ
مقلَّص أسفل السّربال، معتمل
ومستجيبٌ لصوت الصَّنج يسمعه
إذا ترجع فيه القنية الفضل وأبو عبيدة يذاكرهم بوقائع العرب ومقاتل الفرسان، والأصمعيُّ ينشدهم من الشعر ما أحسن قائله كلَّ الإحسان.
وتهشّ نفوسهم للَّعب فيقذفون تلك الآنية في أنهار الرّحيق، ويصفقّها الماذي المعترض أي تصفيق، وتقترع تلك الآنية، فيسمع لها أصواتٌ، تبعث بمثلها الأموات. فيقول الشيخ، حسّن الله الأيّام بطول عمره: آه لمصرع الأعشى ميمون وكم أعمل من مطيَّةٍ أمون!! ولقد وددت أنَّه ما صدّته قريشٌ لمَّا نوجَّه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنَّما ذكرته الساعة لمّا تقارعت هذه الآنية بقوله في الحائيّة:
(1/18)

وشمول تحسب العين، إذا ... صفّقت، جندعها نور الذُّبح
مثل ريح المسك ذاكٍ ريحها، ... صبّها الساقي إذا قيل: توح
من زقاق التَّجر، في باطيةٍ ... جونةٍ، حاريّةٍ ذات روح
ذات غورٍ، ما تبالي يومها، ... غرف الإبريق منها والقدح
وإذا ما الرَّاح فيها أزبدت ... أفل الإزباد عنها، فمصح
وإذا مكوكها صادمه ... جانباها، كرَّ فيها فسبح
فترامت بزجاجٍ معملٍ ... يخلف النَّازح منها ما نزح
وإذا غاضت رفعنا زقّنا ... طلق الأوداج فيها فانسفح
ولو أنَّه أسلم، لجاز أن يكون بيننا في هذا المجلس، فينشدنا غريب الأوزان، ممّا نظم في دار الأحزان، ويحدّثنا حديثه مع هوذة بني عليّ، وعامر بن الطُّفيل، ويزيد بن مسهر وعلقمة بن علائة، وسلامة بن ذي فائش، وغيرهم ممّن مدحه أو هجاه، وخافه في الزمن أو رجاه.
ثمّ إنّه، أدام الله تمكينه، يخطر له حديث شيءٍ كان يسمَّى النُّزهة في الدار الفانية، فيركب نجيباً من نجب الجنّة خلق من ياقوتٍ ودرٍّ، في سجسجٍ بعد عن الحرّ والقرّ، ومعه إناء فيهج، فيسير في الجنَّة على غير منهج، ومعه شيءٌ من طعام الخلود، ذخر لوالد سعد أو مولودٍ، فإذا رأى نجيبه يملع بين كثبان العنبر، وضيمرانٍ وصل بصعبرٍ، رفع صوته متمثَّلاً بقول البكريّ:
ليت شعري متى تخبُّ بنا النَّا ... قة نحو العذيب فالصّيبون
محقباً زكرةً، وخبز رقاقٍ، ... وحباقاً، وقطعةً من نون
يعني بالحباق جرزة البقل.
فيهتف هاتفٌ: أتشعر أيّها العبد المغفور له لمن
(1/19)

هذا الشَّعر؟ فيقول الشيخ: نعم، حدّثنا أهل ثقتنا، عن أهل ثقتهم، يتوارثون ذلك كابراً عن كابر، حتى يصلوه بأبي عمرو بن العلاء، فيرويه لهم عن أشياخ العرب، حرشة الضَّباب في البلاد الكلدات وجناة الكمأة في مغاني البداة، الذين لم يأكلوا شيراز الألبان ولم يجعلوا الثمر في الثَّبان، أنَّ هذا الشّعر لميمون بن قيس ابن جندلٍ أخي بني ربيعة بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة ابن صعب بن عليّ بن بكر بن وائلٍ فيقول الهاتف: أنا ذلك الرَّجل، من الله عليَّ بعدما صرت من جهنّم على شفير، ويئست من المغفرة والتّكفير. فيلتفت إليه الشيخ هشّاً بشّاً مرتاحاً، فإذا هو بشابّ غرانق غبر في النّعيم المفانق، وقد صار عشاه حور معروفاً، وانحناء ظهره قواماً موصوفاً، فيقول: أخبرني كيف كان خلاصك من النار، وسلامتك من قبيح الشنار؟ فيقول: سحبتني الزبانية إلى سقر، فرأيت رجلاً في عرصات القيامة يتلألأ وجهه تلألؤ القمر، والنّاس يهتفون به من كلّ أوبٍ: يا محمَّد يا محمّد، الشفاعة الشّفاعة! نمتُّ لكذا ونمتُّ بكذا. فصرخت في أيدي الزبانية: يا محمّد أغثني فإنّ لي بك حرمةً! فقال: يا عليُّ بادره فانظر ما حرمته؟ فجاءني عليُّ بن أبي طالبٍ، صلوات الله عليه، وأنا أعتل كي ألقى في الدّرك الأسفل من النّار، فزجرهم عني، وقال: ما حرمتك؟ فقلت: أنا القائل:
ألا أيُّهذا السّائلي أين يمّمت، ... فإنَّ لها في أهل يثرب موعدا
فآليت لا أرثي لها من كلالة، ... ولا من حفىً، حتى تلاقي محمّدا
متى ما تناخي عند باب ابن هاشمٍ ... تراحي، وتلقي من فواضله ندى
أجدَّك لم تسمع وصاة محمّدٍ ... نبيّ الإله حين أوصى وأشهدا
إذا أنت لم ترحل بزادٍ من التُّقى ... وأبصرت بعد الموت من قد تزودَّا
(1/20)

ندمت على أن لا تكون كمثله، ... وأنّك لم ترصد لما كان أرصدا
فإيّاك والميتات لا تقربنّها! ... ولا تأخذن سهماً حديداً لتفصدا
ولا تقربنَّ جارةً إن سرَّها ... عليك حرامٌ، فانكحن أو تأبّدا
نبيٌّ يرى مالا يرون، وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا
وهو، أكمل الله زينة المحافل بحضوره، يعرف الأقوال في هذا البيت، وإنّما أذكرها لأنّه قد يجوز أن يقرأ هذا الهذيان ناشىءٌ لم يبلغه: حكى الفرّاء وحده أغار في معنى غار، إذا أتى الغور، وإذا صحّ هذا البيت للأعشى فلم يرد بالإغارة إلا ضدَّ الإنجاد. وروي عن الأصمعيّ روايتان: إحداهما أنَّ أغار في معنى عدا عدواً شديداً، وأنشد في كتاب الأجناس:
فعدّ طلابها وتسلَّ عنه ... بناجيةٍ إذا زجرت تغير
والأخرى أنّه كان يقدّم ويؤخَّر فيقول: لعمري غار في البلاد وأنجدا فيجيء به على الزّحاف. وكان سعيد بن مسعدة يقول: غار لعمري في البلاد وأنجدا فيخرمه في النصف الثاني.

ايمان الأعشى
ويقول الأعشى: قلت لعلّيٍ: وقد كنت أومن بالله وبالحساب وأصدّق بالبعث وأنا في الجاهليّة الجهلاء، فمن ذلك قولي:
فما أيبلي على هيكلٍ، ... بناه وصلَّب فيه وصارا
يراوح من صلوات المليك ... طوراً سجوداً وطوراً جؤارا
بأعظم منك تقىً في الحساب ... إذا النَّسمات نفضن الغبارا
فذهب عليَّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، هذا أعشى قيس قد روي مدحه فيك، وشهد أنّك نبيٌّ مرسلٌ.
فقال: هلاَّ جاءني في الدّار السَّابقة؟ قال: عليُّ: قد جاء، ولكن صدَّته قريشٌ وحبُّه للخمر. فشفع لي،
(1/21)

فأدخلت الجنّة على أن لا أشرب فيها خمراً؛ فقرَّت عيناي بذلك، وإنَّ لي منادح في العسل وماء الحيوان. وكذلك من لم يتب من الخمر في الدار الساخرة، لم يسقها في الآخرة.
وينظر الشيخ في رياض الجنَّة فيرى قصرين منيفين، فيقول في نفسه: لأبلغنَّ هذين القصرين فأسأل لمن هما؟ فإذا قرب إليهما رأى على أحدهما مكتوباً: هذا القصرلزهير بن أبي سلمى المزني وعلى الآخر: هذا القصر لعبيد بن الأبرص الأسديّ فيعجب من ذلك ويقول: هذان ماتا في الجاهليّة، ولكّن رحمة ربنّا وسعت كلَّ شيء؛ وسوف ألتمس لقاء هذين الرّجلين فأسألهما بم غفر لهما. فيبتدىء بزهير فيجده شابّاً كالزَّهرة الجنيَّة، قد وهب له قصرٌ من ونيَّة، كأنّه ما لبس جلباب هرمٍ، ولا تأفَّف من البرم. وكأنَّه لم يقل في الميمّية:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
ثمانين حولاً، لا أبا لك، يسأم! ولم يقل في الأخرى:
ألم ترني عمَّرت تسعين حجّةً،
وعشراً تباعاً عشتها، وثمانيا؟ فيقول: جير جير! أنت أبو كعب وبجير؟ فيقول: نعم. فيقول، أدام الله عزّه: بم غفر لك وقد كنت في زمان الفترة والنَّاس هملٌ، لا يحسن منهم العمل؟ فيقول: كانت نفسي من الباطل نفوراً، فصادفت ملكاً غفوراً، وكنت مؤمناً بالله العظيم، ورأيت فيما يرى النَّائم حبلاً نزل من السَّماء، فمن تعلق به من سكَّان الأرض سلم، فعلمت أنَّه أمرٌ من أمر الله، فأوصيت بنيَّ وقلت لهم عند الموت: إن قام قائمٌ يدعوكم إلى عبادة الله فأطيعوه. ولو أدركت محمّداً لكنت أوَّل المؤمنين.
وقلت في الميميّة، والجاهليّة على السّكنة والسّفه ضاربٌ بالجران:
(1/22)

فلا تكتمن الله ما في نفوسكم
ليخفى، ومهما يكتم الله يعلم
يؤخّر، فيوضع في كتابٍ، فيدَّخر
ليوم الحساب، أو يعجَّل فينقم فيقول: ألست القائل:
وقد أغدو على ثبةٍ كرامٍ ... نشاوى واجدين لما نشاء
يجرُّون البرود وقد تمشَّت ... حميّا الكأس فيهم والغناء
أفأطلقت لك الخمر كغيرك من أصحاب الخلود؟ أم حرَّمت عليك مثلما حرّمت على أعشى قيس فيقول زهيرٌ: إن أخا بكرٍ أدرك محمّداً فوجبت عليه الحجَّة، لأنّه بعث بتحريم الخمر، وحظر ما قبح من أمر؛ وهلكت أنا والخمر كغيرها من الأشياء، يشربها أتباع الأنبياء، فلا حجّة عليَّ.
فيدعوه الشَّيخ إلى المنادمة؛ فيجد من ظراف النَّدماء، فيسأله عن أخبار القدماء.
ومع المنصف باطيةٌ من الزُّمرُّد، فيها من الرَّحيق المختوم شيءٌ يمزج بزنجبيل، والماء أخذ من سلسبيل. فيقون، زاد الله في أنفاسه: أين هذه الباطية من التي ذكرها السّرويُّ في قوله:
ولنا باطيةٌ مملوءةٌ ... جونةٌ، يتبعها برذينها
فإذا ما حاردت أو بكأت ... فتَّ عن خاتم أخرى طينها
ثم ينصرف إلى عبيد فإذا هو قد أعطي بقاء التأبيد، فيقول: السلام عليك يا أخا بني أسدٍ. فيقول: وعليك السلام، وأهل الجنّة أذكياء، لا يخالطهم الأغبياء، لعلَّك تريد أن تسألني بم غفر لي؟ فيقول: أجل، وإنّ في ذلك لعجباً! أألفيت حكماً للمغفرة موجباً، ولم يكن عن الرَّحمة محجَّباً؟ فيقول عبيدٌ: أخبرك أنّي دخلت الهاوية، وكنت قلت في أيّام الحياة:
(1/23)

من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
وسارهذا البيت في آفاق البلاد، فلم يزل ينشد ويخفُّ عني العذاب حتى أطلقت من القيود والأصفاد، ثم كرِّر إلى أن شملتني الرحمة ببركة ذلك البيت، وإنَّ ربّنا لغفور رحيم.
فإذا سمع الشَّيخ، ثبّت الله وطأته، ما قال ذانك الرّجلان، طمع في سلامة كثير من أصناف الشعراء.
فيقول لعبيدٍ: ألك علم بعديِّ بن زيدٍ العباديّ؟ فيقول: هذا منزله قريباً منك. فيقف عليه فيقول: كيف كانت سلامتك على الصَّراط ومخلصك من بعد الإفراط؟ فيقول: إنِّي كنت على دين المسيح ومن كان من أتباع الأنبياء قبل أن يبعث محمد فلا بأس عليه، وإنّما التّبعة على من سجد للأصنام، وعدّ في الجهلة من الأنام. فيقول الشيخ: يا أبا سوادة، ألا تنشدني الصاديَّة، فإنها بديعة من أشعار العرب؟ فينبعث منشداً:
أبلغ خليلي عبد هند فلا ... زلت قريباً من سواد الخصوص
موازي القرّة، أو دونها، ... غير بعيدٍ من غمير الُّلصوص
تجنى لك الكمأة ربعَّية، ... بالخبِّ تندى في أصُّول القصيص
تقنصك الخيل، وتصطادك ال ... طّير، ولا تنكع لهو القنيص
تأكل ما شئت، وتعتلُّها ... حمراء ملحص كلون الفصوص
غيبت عنّي عبد في ساعة ال ... شَّر وجنِّبت أوان العويص
لا تنسين ذكري على لذّة ال ... الكأس وطوفٍ بالخذوف النَّحوص
إنَّك ذو عهد وذو مصدقٍ ... مخالفاً هدي الكذوب اللَّموص
يا عبد هل تذكرني ساعةً ... في موكب، أو رائداً للقنيص
(1/24)

يوماً مع الرّكب، إذا أوفضوا ... نرفع فيهم من نجاء القلوص
قد يدرك المبطيء من حظّه، ... والخير قد يسبق جهد الحريص
فلا يزل صدرك في ريبةٍ، ... يذكر مني تلفي أو خلوص
يا نفس أبقي، واتَّقي شتم ذي ال ... أعراض، إنَّ الحلم ما إن ينوص
يا ليت شعري وإن ذو عجةٍ ... متى أرى شرباً حوالي أصيص
بيت جلوفٍ، باردٍ ظلُّه، ... فيه ظباء، ودواخيل خوص
والرَّبرب، المكفوف أردانه ... يمشي رويداً، كتوقيِّ الرَّهيص
ينفخ من أردانه المسك، وال ... عنبر، والغلوى، ولبني قفوص
والمشرف المشمول نسقي به، ... أخضر، مطموثاً بماء الخريص
ذلك خير من فيوجٍ على ال ... باب، وقيدين، وغلّ قروص
أو مرتقى نيقٍ على نقنقٍ، ... أدبر، عودٍ ذي إكافٍ قموص
لا يثمن البيع، ولا يحمل ال ... رَّدف، ولا يعطى به قلب خوص
أو من نسورٍ حول موتى معاً، ... يأكلن لحماً من طريّ الفريص
فيقول الشيخ: أحسنت والله أحسنت، لو كنت الماء الراكد لما أسنت. وقد عمل أديب من أدباء الإسلام قصيدة على هذا الوزن، وهو المعروف بأبي بكر بن دريدٍ، قال:
يسعد ذو الجدِّ ويشقي الحريص، ... ليس لخلقٍ عن قضاء محيص
ويقول فيها:
أين ملوك الأرض من حميرٍ ... أكرم من نصَّت إليهم فلوص
جيفر الوهَّاب أودى به، ... دهر على هدم المعالي حريص
(1/25)

إلاّ أنَّك يا أبا سوادة أحرزت فضيلة السَّبق.
وما كنت أختار لك أن تقول:
يا ليت شعري وان ذو عجَّةٍ
لأنّك لا تخلو من أحد أمرين: إمَّا أن تكون قد وصلت همزة القطع وذلك رديء، على أنّهم قد أنشدوا:
أن لن أقاتل، فألبسوني برقعاً، ... وفتخاتٍ في اليدين أربعا
ويزيد ما فعلت من إسقاط الهمزة بعداً أنّك حذفت الألف التي بعد النون، فإذا حذفت الهمزة من أوّل الكلمة بقيت على حرفٍ واحدٍ، وذلك بها إخلال.
وإمّا أن تكون حقَّقت الهمزة فجعلتها بين بين، ثم اجترأت على تصييرها ألفاً خالصةٍ، وحسك بهذا نقضاً للعادة، ومثل ذلك قول القائل:
يقولون: مهلاً ليس للشيخ عيَّلٌ ... فها أنا قد أعيلت وان رقوب
ولو قلت:
يا ليت شعري أنا ذو عجَّةٍ
فحذفت الواو، لكان عندي أحسن وأشبه. فيقول عديُّ ابن زيد: إنّما قلت كما سمعت أهل زمني يقولون، وحدثت لكم في الإسلام أشياء ليس لنا بها علم، فيقول الشيخ: لا أراك تفهم ما أريده من الأغراض، ولقد هممت أن أسألك عن بيتك الذي استشهد به سيبويه، وهو قولك:
أرواح مودع أم بكور، أنت، فانظر لأيِّ حالٍ تصير
فإنه يزعم أنَّ أنت يجوز أن يرتفع بفعلٍ مضمرٍ يفسره قولك: فانظر، وأنا استبعد هذا المذهب ولا أظنُّك أردته. فيقول عديّ بن زيدٍ: عني من هذه الأباطيل، ولكني كنت في الدار الفانية صاحب قنص، ولعلَّه قد بلغك قولي:
ولقد أغدوا بطرفٍ زانه ... وجه منزوفٍ وخدِّ كالمسن
ذي تليلٍ، مشنقٍ قائده، ... يسر في الكفِّ، نهدٍ، ذي غسن
مدمجٍ كالقدح، لا عيب به، ... فيرى فيه، ولا صدع أبن
(1/26)

رمَّه الباري، فسوّى درأه ... غمز كفيّه، وتخليق السَّفن
أيُّ ثغرٍ ما يخف يندب له، ... ومتى يخل من القود يصن
كربيب البيت يفري جلّه، ... طاعة العضِّ، وتسحير اللَّبن
فبلغنا صنعه حتى شتا، ... ناعم البال لجوجاً في السنن
فإذا جال حمار موحش، ... ونعام نافر بعد عنن
شاءنا ذو ميعةٍ يبطرنا ... خمر الأرض وتقديم الجنن
يدأب الشدَّ بسحٍّ مرسلٍ ... كاحتفال الغيث بالمرِّ اليفن
أنسل الذِّرعان غرب خذم ... وعلا الرَّبرب أزم لم يدن
فالذي يمسكه بحمده يحمده، ... تثق كالسيِّد، ممتدُّ الرَّسن
وإذا نحن لدينا أربع ... يهتدي السائل عنّا بالدَّخن
وقولي في القافية:
ومجودٍ قد أسجهرَّ تناوي ... كلون العهون في الأعلاق
عن خريف سقاه نوء من الدَّل ... وتدلَّى، ولم توار العراقي
لم يعبه إلا الأداحيُّ فقد وب ... ر بعض الرِّئال في الأفلاق
وإران الثِّيران حول نعاجٍ ... مطفلاتٍ، يحمين بالأوراق
وتراهن كالأعزَّة في المح ... فل، أو حين نعمةٍ وارتفاق
قد تبطَّنته بكفّيَّ خرَّا ... ج من الخيل، فاضل في السَّباق
يسر في القياد نهد، ذقيف ال ... عدو، عبل الشّوى أمين العراق
لم يقيَّل حرَّ المقيظ، ولم يل ... جم لطوفٍ، ولا فساد نزاق
غير تيسيره لرغباء إن كا ... نت، وحربٍ إن قلَّصت عن ساق
وله النَّعجة المريُّ تجاه ال ... رَّكب، عدلاً بالنَّابىء المخراق
والخدبُّ العاري الزَّوائد ملحفا ... ن، داني الدِّماغ للآماق
فهل لك أن نركب فرسين من خيل الجنَّة فنبعثهما على صيرانها، وخيطان
(1/27)

نعامها، وأسراب ظبائها، وعانات حمرها، فإن للقنيص لذّة قد تنغصت لك بها؟ فيقول الشيخ: إنّما أنا صاحب قلم وسلمٍ، ولم أكن صاحب خيل، ولا ممَّن يسحب طويل الَّليل، وزرتك إلى منزلك مهنئاً بسلامتك من الجحيم، وتنعمُّمك بعفو الرحيم. وما يؤمنني إذا ركبت طرفاً زعلاً رتع في رياض الجنَّة فآض من الأشر مستسعلاً، وأنا كما قال القائل:
لم يركبوا الخيل إلاّ بعدما كبروا ... فهم ثقال على أكنافها عنف
أن يلحقني ما لحق جلماً صاحب المتجرِّدة لمّا حمل على اليحموم، والتَّعرض لما لم تسبق بع العادة من الموم وقد بلغك ما لقي ولد رهيرٍ لمَّا وقص عن العتد ذي المير، فسلك في طريقٍ وعبٍ، وما انتفع ببكاء كعب؛ وكذلك ولدك علقمة، حلَّت في العاجلة به النقمة، لمَّا ركب للصَّيد فأصبح كجدَّه زيد، وقلت فيه:
أنعم صباحاً علقم بن عديّ ... أثويت اليوم لم ترحل!
وإنِّي لأحار يا معاشر العرب في هذه الأوزان التي نقلها عنكم الثّقات، وتداولتها الطبّقات؛ ومن كلمتك التي على الرَّاء، وأوّلها:
قد آن أن تصحو أو تقصر، ... وقد أتى لما عهدت عصر
عن مبرقات بالبرين، وتب ... دو بالأكف اللامعات سور
بيض عليهنَّ الدَّمقس وبال ... أعناق من تحت الأكفة درّ
ويجوز أن يقذفني السابح على صخور زمردٍ فيكسر لي عضداً أو ساقاً، فأصير ضحكةً في أهل الجنان.
فيبتَّسم عديّ ويقول: ويحك! أما علمت أنَّ الجنة لا يرهب لديها السَّقم، تنزل بسكنها النَّقم؟ فيركبان سابحين من
(1/28)

خيل الجنة، مركب كلِّ واحدٍ منهما لو عدل بممالك العاجلة الكائنة من أوَّلها إلى آخرها لرجح بها، وزاد في القيمة عليها. فإذا نظر إلى صوار ترتع في دقاري الفردوس، والدَّقاريُّ: الرياض، صوب مولاي الشيخ المطرد، وهو الرُّمح القصير، لأخنس ذيَّال قد رتع هناك طويل أيام وليال؛ فإذا لم يبق بين السنان وبينه إلا قيد ظفرٍ، قال: أمسك، رحمك الله، فإني لست من وحش الجنَّة التي أنشأها الله سبحانه ولم تكن في الدار الزائلة، ولكنيَّ كنت في محلة الغرور أرود في بعض القفار، فمرَّ بي ركب مؤمنون قي كري زادهم، فصرعوني واستعانوا بي على السَّفر، فعوضني الله، جلَّت كلمته، بأن أسكنني في الخلود. فيكفُّ عنه مولاي الشيخ الجليل.
ويعمد لعلجٍ وحشيٍّ، ما التلف عنده بمخشيّ، فإذا صار الخرص منه بقدر أنملة قال: أمسك يا عبد الله، فإن الله أنعم عليَّ ورفع عني البؤس، وذلك أنّي صادني صائد بمخلب، وكان إهابي له كالسلب، فباعه في بعض الأمصار، وصراه للسَّانية صارٍ، فاتُّخذ منه غربٌ، شفي بمائة الكرب، وتطَّهر بنزيعه الصَّالحون، فشملتني بركةٌ من أولئك، فدخلت الجنَّة أرزق فيها بغير حساب. فيقول الشيخ: ى فينبغي أن تتميزَّن، فما كان منكنَّ دخل الفانية فما يجب أن يختلط بوحوش الجنَّة. فيقول ذلك الوحشيُّ: لقد نصحتنا نصح الشقيق، وسوف نمتثل ما أمرت.
وينصرف مولاي الشيخ الجليل وصاحبه عديّ فإذا هما برجلٍ يحتلب ناقةً في إناءٌ من ذهب، فيقولان: من الرَّجل؟ فيقول: أبو ذؤيب الهذليُّ. فيقولان: حييَّت وسعدت، لا شقيت في عيشك ولا بعدت، أتحتلب مع أنهار لبن؟ كأنَّ ذلك من الغبن. فيقول: لا بأس! إنما خطر لي ذلك مثلما خطر
(1/29)

لكما القنيص، وإني ذكرت قولي في الدّهر الأول:
وإنَّ حديثاً منك، لو تعلمينه،
جنى النّحل في ألبان عوذٍ مطافل
مطافيل أبكارٍ، حديث نتاجها ... تشاب بماٍ مثل ماء المفاصل
فقيَّض الله بقدرته لي هذه النّاقة عائذاً مطفلاً. وكان بالنَّعم متكفّلاً، فقمت أحتلب على العادة، وأريد أن أشوب ذلك بضّرب نحلٍ، تبعن في الجنّة طريقة الفحل.
فإذا امتلأ إناؤه من الرَّسل، كوّن الباري، جلَّت عظمته، خليّةً من الجوهر، رتع ثولها في الزَّهر، فاجتنى ذلك أبو ذؤيب، ومزج حليبه بلا ريب، فيقولك ألا تشربان؟ فيجرعان من ذلك المحلب جرعاً لو فرَّقت على أهل سقر لفازوا بالخلد شرعاً. فيقول عديُّ: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. لقد جاءت رسل ربنا بالحقَّ.
ونودوا أن تلكم الجنّة، أورثتموها بما كنتم تعملون.
ويقول، أدام تمكينه، لعديّ: جئت بشيئين في شعرك، وددت أنَّك لم تأت بهما، أحدهما قولك:
فصاف، يفرّي جلَّه عن سراته
يبذُّ الرّهان فارهاً متشابعاً والآخر قولك:
فليت دفعت الهمَّ عنّي ساعة ... ، فنمسي على ما خيَّلت ناعمي بال
فيقول عديُّ بعباديته: يا مكبور، لقد رزقت ما يكب أن أن يشغلك عن القريض، إنما ينبغي أن تكون كما قيل لك: " كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون " قوله يامكبور، يريد: يامجبور، فجعل الجيم كافاً، وهي لغةٌ رديئةٌ يستعملها أهل اليمن. وجاء في بعض الأحاديث: أن الحارث بن هانىء بن أبي شمر بن جبلة الكندي، استلحم يوم ساباط فنادى: يا حكر يا حكر، يريد: يا حجر بن عديَّ
(1/30)

الأدبر. فعطف عليه فاستنفذه. ويكب: في معنى يجب. فيقول، زاد الله في أنفاسه: إنَّي سألت ربَّي عزَّ سلطانه، ألاّ يحرمني في الجنّة تلذُّذاً بأدبي الذي كنت أتلذّذ به في عاجلتي، فأجابني إلى ذلك، وله الحمد في السّموات والأرض وعشيًّا وحين تظهرون.

النابغتان
ويمضي في نزهته تلك بشابيَّن يتحادثان، كلُّ واحدٍ منهما على باب قصرٍ من درٍّ؛ قد أعفي من البؤّس والضُّرّ. فيسلّم عليهما ويقول: من أنتما رحمكما الله، وقد فعل؟ فيقولان: نحن النابغتان، نابغة بني جعدة ونابغة بني ذبيان. فيقول، ثبَّت الله وطأته: أمّا نابغة جعدة فقد أستوجب ما هو فيه بالحنيفيَّة، وأمّا أنت يا أبا أمامة فما أدري ما هيّانك؟ أي ما جهتك، فيقول الذُّبيانيُّ: إني كنت مقرّاً بالله، وحججت البيت في الجاهليَّة، ألم تسمع قولي:
فلا لعمر الذي قد زرته حججاً،
وما هريق على الأنصاب من جسد
والمؤمن العائذات الطير تمسحها ... ركبان مكَّة بين الغيل والسَّند
وقولي:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً،
وهل يأثمن ذو إمَّةٍ وهو طائع
بمصطحباتٍ من لصافٍ وثبرةٍ،
يردن ألالاً، سيرهنّ تدافع ولم أدرك النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فتقوم الحجّة عليَّ بخلافه. وإنَّ الله تقدَّست أسماؤه، عزَّ ملكاً وجلَّ، يغفر ما عظم بما قلَّ. فيقول، لا زال قوله عالياً: يا أبا سوادة، ويا أبا أمامة، ويا أبا ليلى، اجعلوها ساعة منادمةٍ، فإنَّ من قول شيخنا العباديّ:
أيُّها القلب تعلَّل بددن ... إنَّ همَّي في سماعٍ وأذن
(1/31)

وشرابٍ خسروانّيٍ، إذا ... ذاقه الشيخ تغنَّى وأرجحن
وقال:
وسماعٍ يأذن الشّيخ له ... وحديثٍ مثل ماذيٍّ مشار
فكيف لنا بأبي بصير؟ فلا تتُّم الكلمة إلا وأبو بصيرٍ قد خمسهم، فيسبَّحون الله ويقدّسونه ويحمدونه على أن جمع بينهم، ويتلو، جمّل الله ببقائه، هذه الآية: " وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ".
فإذا أكلوا من طيّبات الجنَّة، وشربوا من شرابها الذي خزنه الله لعباده المتّقين قال، كتَّ الله أنف مبغضه: يا أبا أمامة إنَّك لحصيف الرأي لبيبٌ، فكيف حسَّن لك لبُّك أن تقول للنُّعمان بن المنذر:
زعم الهمام بأنَّ فاها باردٌ ... عذبٌ. إذا ما ذقته قلت ازدد
زعم الهمام، ولم أذقه، بأنّه ... يشفى ببرد لثاتها العطش الصدى
ثمَّ استمرَّ بك القول، حتى أنكره عليك خاصَّةٌ وعامَّةٌ؟
فيقول النابغة بذكاءٍ وفهم: لقد ظلمني من عاب عليَّ، ولو أنصف لعلم أنَّني احترزت أشد احترازٍ. وذلك أنَّ النعمان كان مستهتراً بتلك المرأة، فأمرني أن أذكرها في شعري، فأردت ذلك في خلدي فقلت: إن وصفتها وصفاً مطلقاً، جاز أن يكون بغيرها معلَّقاً. وخشيت أن أذكر اسمها في النَّظم، فلا يكون ذلك موافقاً للملك، لأنَّ الملوك يأنفون من تسمية نسائهم، فرأيت أن أسند الصَّفة إليه فأقول: زعم الهمام، إذ كنت لو تركت ذكره لظنَّ السَّامع أن صفتي على المشاهدة، والأبيات التي جاءت بعد، داخلةٌ في وصف الهمام، فمن تأمَّل المعنى وجده غير مختلٍّ. وكيف ينشدون: وإذا نظرت فرأيت أقمر مشرقاً وما بعده؟
(1/32)

فيقول، أرغم الله أنف شانئه: ننشد: وإذا نظرت، وإذا لمست، وإذا طعنت، وإذا نزعت، على الخطاب. فيقول النابغة: قد يسوغ هذا، ولكنَّ الأجود أن تجعلوه إخباراً عن المكلّم، لأنّ قولي: زعم الهمام يؤدّي معنى قولنا: قال الهمام، فهذا أسلم، إذ كان الملك إنما يحكي عن نفسه. وإذا جعلتموه على الخطاب قبح: إن نسبتموه إليَّ فهو منديةٌ، وإن نسبتموه إلى النّعمان فهو إزراءٌ وتنقُّض. فيقول: أيدَّ الله الفضل بزيادة مدتّه: الله درُّك يا كوكب بني مرّة. ولقد صحف عليك أهل العلم من الرواة، وكيف لي بأبوي عمرو: المازنيّ والشّيبانيّ، وأبي عبيدة، وعبد الملك، وغيرهم من النّقلة لأسألهم: كيف يروون، وأنت شاهدٌ، لتعلم أني غير المتحرّض ولا الولاَّغ؟ فلا يقرُّ هذا القول في حذنَّة أبي أمامة إلاّ والرواة أجمعون قد أحضرهم الله القادر، من غير مشقّةٍ نالتهم، ولا كلفةٍ في ذلك أصابتهم، فيسلّمون بلطفٍ ورفقٍ. فيقول، أعلى الله قوله: من هذه الشّخوص الفردوسيَّة؟ فيقولون: نحن الرُّواة الذين شئت إحضارهم آنفاً فيقول: لا إله إلاّ الله مكونَّاً مدوّناً، وسبحان الله باعثاً وارثاً، وتبارك الله قادراً لا غادراً!! كيف تروون أيُّها المرحومون قول النابغة في الداليَّة: وإذا نظرت، وإذا لمست، وإذا طعنت، وإذا نزعت، أبفتح التاء أم بضمّها؟ فيقولون: بفتحها. فيقول: هذا شيخنا أبو أمامة يختار الضَّمّ، ويخبر أنّه حكاه عن النَّعمان. فيقولون: هو كما جاء في الكتاب الكريم: " والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين " فيقول، ثبّت الله كلمته على التوفيق: مضى الكلام في هذا يا أبا أمامة، فأنشدنا كلمتك التي أوّلها:
ألمَّا على المطمورة المتأبّدة، ... أقامت بها المربع المتجرّدة
(1/33)

مضمَّخة بالمسك مخضوبة الشَّوى
بدرٍ وياقوتٍ لها متقلّدة
كأنَّ ثناياها، وما ذقت طعمها،
مجاجة نحلٍ في كميتٍ مبرَّده
ليقرر بها النّعمان عيناً فإنّها ... له نعمةٌ، في كل يومٍ مجدده
فيقول أبو أمامة: ما أذكر أنّي سلكت هذا القريَّ قطُّ. فيقول مولاي الشيخ، زيَّن الله أيّامه ببقائه: إن ذلك لعجبٌ، فمن الذي تطوَّع فنسبها إليك؟ فيقول: إنَّها لم تنسب إليَّ على سبيل التَّطوع، ولكن على معنى الغلط والتَّوهمُّ، ولعلَّها لرجل من بني ثعلبة بن سعد. فيقول نابغة بني جعدة: صحبني شابٌّ في الجاهليّة ونحن نريد الحيرة، فأنشدني هذه القصيدة لنفسه، وذكر أنَّه من ثعلبة بن عكابة، وصادف قدومه شكاةً من النُّعمان فلم يصل إليه. فيول نابغة بني ذبيان: ما أجدر ذلك أن يكون! ويقول الشيخ، كتب الله لو مثوبة المتقيّن، لنابغة بني جعدة: يا أبا ليلى، أنشدنا كلمتك التي على الشين التي تقول فيها:
ولقد أغدو بشربٍ أنفٍ، ... قبل أن يظهر في الأرض ربش
معنا زقٌّ إلى سهمةٍ، ... تسق الآكال من رطبٍ وهشّ
فنزلنا بمليعٍ مقفرٍ ... مسَّه طل من الدَّجن ورشّ
ولدينا قينةٌ مسمعةٌ ... ضخمة الأرداف من غير نفش
وإذا نحن بإجل نافرٍ، ... ونعامٍ خيطه مثل الحبش
فحملنا ماهناً ينصفنا، ... فوق يعبوب من الخيل أجش
ثمّ قلنا: دونك الصَّيد به ... تدرك المحبوب منَّا وتعش
فأتانا بشبوبٍ ناشط ... وظليمٍ، ومعه أمُّ خشش
فاشتوينا من غريض طيّبٍ ... غير ممنونٍ، وأبنا بغبش
(1/34)

فيقول نابغة بني جعدة: ما جعلت الشّين قطُّ رويّاً، وفي هذا الشعر ألفاظٌ لم أسمع بها قطُّ: ربشٌ، وسهمة، وخششٌ.
فيقول مولاي الشيخ الأديب المغرم بالعلم: يا أبا ليلى، لقد طال عهدك بألفاظ الفصحاء، وشغلك شرابٌ ما جاءتك بمثله بابل ولا أذرعات، وثنتك لحوم الطَّير الرّاتعة في رياض الجنَّة، فنسيت ما كنت عرفت، ولا ملامة إذا نسيت ذلك، " إنّ أصحاب الجنَّة اليوم في شغلٍ فاكهون، هم وأزواجهم في ظلالٍ على الأرائك متَّكئون، لهم فيها فاكهةٌ ولهم ما يدَّعون ".
أما ربش، فمن قولهم: أرضٌ ربشاء إذا ظهرت فيها قطعٌ من النَّبات وكأنَّها مقلوبةٌ عن برشاء، وأمَّا السهمة فشبيهةٌ بالسُّفرة تتَّخذ من الخوص، وأمّا خشش فإنّ عمرو الشَّيبانيّ ذكر في كتاب الخاء أن الخشش ولد الظبَّية.
فكيف تنشد قولك:
وليس بمعروف لنا أن نردّها ... صحاحاً، ولا مستنكراً أن تعقَّرا
أتقول: ولا مستنكراً، أم مستنكرٍ؟ فيقول الجعديُّ: بل مستنكراً. فيقول الشيخ: فإن أنشد منشدٌ: مستنكرٍ، ما تصنع به؟ فيقول: أزجره وأزبره، نطق بأمرٍ لا يخبره.
فيقول الشيخ، طول الله له أمد البقاء: إنّا لله وإنَّا إليه راجعون، ما أرى سيبويه إلاَّ وهم في هذا البيت، لأنَّ أبا ليلى أدرك جاهليةً وإسلاماً، وغذي بالفصاحة غلاماً.
وينثني إلى أعشى قيس فيقول: ... يا أبا بصيرٍ أنشدنا قولك:
أمن قتلة بالأنقا ... ء دارٌ غير محلولة
كأن لم تصحب الحيَّ ... بها بيضاء عطبوله
أناةٌ ينزل القوسيَّ ... منها منظرٌ هوله
(1/35)

وما صهباء من عانة ... في الذارع محموله
تولَّى كرمها أصه ... ب يسقيه ويغدو له
ثوت في الخرس أعواماً، ... وجاءت، وهي مقتوله
بماء المزنة الغرّا ... ء راحت، وهي مشموله
بأشهى منك للظّمآ ... ن لو أنَّك مبذوله
فيقول أعشى قيس: ما هذه ممّا صدر عنَّي، وإنَّك منذ اليوم لمولعٌ بالمنحولات.
ويمرُّ رفٌ من إوزّ الجنَّة، فلا يلبث أن ينزل على تلك الرَّوضة ويقف وقوف منتظر لأمرٍ، ومن شأن طير الجنَّة أن يتكلَّم، فيقول: ما شأنكنَّ؟ فيقلن: ألهمنا أن نسقط في هذه الرَّوضة فنغنّي لمن فيها من شربٍ. فيقول: على بركة الله القدير. فينتفضن، فيصرن جواري كواعب يرفلن في وشي الجنَّة، وبأيديهنّ المزاهر وأنواع ما يلتمس به الملاهي. فيعجب، وحقَّ له العجب، وليس ذلك ببديعٍ من قدوة الله جلَّت عظمته، وعزَّت كلمته، وسبغت على العالم نعمته، ووسعت كلَّ شيءٍ رحمته، ووقعت بالكافر نقمته. فيقول لإحداهنَّ على سبيل الامتحان: اعملي قول أبي أمامة، وهو هذا القاعد:
أمن آل ميَّة رائحٌ أو مغتد، ... عجلان ذا زادٍ وغير مزوَّد؟
ثقيلاً أوَّل. فتصنعه، فتجيء به مطرباً، وفي أعضاء السامع متسربّاً. ولو نحت صنمٌ من أحجار، أو دفٌّ أشر عند النَّجَّار، ثمّ سمع ذلك الصوت لرقص، وإن كان متعالياً هبط ولم يراع أن يوقص. فيرد عليه، أورد الله قلبه المحابّ، زولٌ، تعجز عنه الحيل والحول، فيقول: هلمَّ خفيف الثَّقيل الأوَّل! فتنبعث فيه بنغمٍ لو سمعه الغريض، لأقرَّ أنَّ ما ترنَّم به مريضٌ. فإذا أجادته، وأعطته المهرة وزادته، قال: عليك بالثقيل الثاني، ما بين مثالثك والمثاني؛ فتأتي به على قريٍّ لو سمعه عبد الله بن جعفر لقرن أغانيَّ بديحٍ إلى هدير ذي المشفر. فإذا رأى ذلك قال: سبحان الله! كل ما كشفت القدرة بدت لها عجائب، لا تثبت لها النجائب؛ فصيري إلى خفيف الثقيل الثاني، فإنّك لمجيدةٌ محسنة، تطرد بغنائك السّنة. فإذا فعلت ما أمر به، أتت بالبرحين، وقالت للأنفس: ألا تمرحين؟ ثمَّ يقترح عليها: الرَّمل وخفيفه، وأخاه الهزج وذفيفة؛ وهذه ألألحان الثمانية، للأذن تمنيها المانية.
فإذا تيقّن لها حذافةً، وعرف منها بالعود لباقةً، هلَّل وكبَّر، وأطال حمد ربَّه واعتبر. وقالك ويحك! ألم تكوني السّاعة إوزَّةً طائرة، والله خلقك مهديَّة لا حائرة؟ فمن أين لك هذا العلم، كأنّك لجذل النفس خلم؟ لو نشأت بين معبدٍ وابن سريج، لما هجت السامع بهذا الهيج، فكيف نفضت بله إوزّ، وهززت إلى الطَّرب أشدَّ الهزَّ؟ فتقول: وما الذي رأيت من قدرة بارئك؟ إنّك على سيف بحرٍ، لا يدرك له عبرٌ، سبحان من يحيي العظام وهي رميم.

لبيد
فبينا هم كذلك، إذ مرَّ شابٌ في يده محجن ياقوت، ملكه بالحكم الموقوت، فيسلّم عليهم فيقولون: من أنت؟ فيقول: أنا لبيد بن ربيعة بن كلاّب. فيقولون: أكرمت أكرمت! لو قلت: لبيدٌ وسكتّ، لشهرت باسمك وإن صمت. فما بالك في مغفرة ربَّك؟ فيقول: أنا بحمد الله في عيشٍ قصّر أن يصفه الواصفون، ولديَّ نواصف وناصفون، لا هرم ولا برم. فيقول الشيخ: تبارك الملك القدُّوس، ومن لا تدرك يقينه الحدوس، كأنَّك لم تقل في الدار الفانية:
(/)

ولقد سئمت من الحياة وطولها وسؤال هذا النّاس: كيف لبيد ولم تفه بقولك:
فمتى أهلك فلا أحفله ... بجلى الآن من العيش بجل!
من حياةٍ قد مللنا طولها ... وجديرٌ طول عيشٍ أن يملّ؟
فأنشدنا ميميتَّك المعلَّقة. ... فيقول: هيهات! إنَّي تركت
الشعر في الدار الخادعة، ولن أعود إليه في الدار الآخرة، وقد عوضّت ما هو خيرٌ وأبرّ.
فيقول: أخبرني عن قولك:
ترَّاك أمكنةٍ، إذا لم أرضها، ... أو، يرتبط بعض النُّفوس حمامها
هل أردت ببعض معنى كلٍّ؟ فيقول لبيدٌ: كلا، إنَّما أردت نفسي، وهذا كما تقول للرَّجل: إذا ذهب مالك، أعطاك بعض الناس مالاً، وأنت تعني نفسك في الحقيقة، وظاهر الكلام واقعٌ على كلّ إنسان، وعلى كلّ فرقة تكون بعضاً للناس..فيقول، لا فتىء خصمه مفحماً: أخبرني عن قولك: أو يرتبط، هل مقصدك: إذا لم أرضها أو يرتبط، فيكون: لم يرتبط؟ أم غرضك: أترك المنازل إذا لم أرضها، فيكون يرتبط كالمحمول على قولك: ترَّاك أمكنةٍ؟ فيقول لبيدٌ: الوجه الأوّل أردت.
فيقول، أعظم الله حظّه في الثواب: فما مغزاك في قولك:
وصبوح صافيةٍ وجذب كرينة ... بموتَّر تأتاله إبهامها؟
فإن الناس يروون في هذا البيت على وجهين: منهم من ينشده تأتاله، يجعله تفتعله، من آل الشيء يؤوله إذا ساسه، ومنهم من ينشد: تأتاله من الإتيان. فيقول لبيدٌ: كلا الوجهين يحتمله البيت، فيقول، أرغم الله حاسده: إنّ أبا عليّ الفارسيّ كان يدّعي، في هذا البيت، أنَّه مثل قولهم: استحى يستحي، على مذهب الخليل
(1/38)

وسيبويه لأنهما يريان أنَّ قولهم: استحيت، إنما جاء على قولهم استحاي، كما أن استقمت على استقام، وهذا على مذهبٌ ظريفٌ، لأنّه يعتقد أنّ تأتى مأخوذةٌ من أوى، كأنّه بني منها افتعل، فقيل: ائتاي، فأعلّت الواو كما تعلُّ في قولنا: اعتان من العون، واقتال من القول. ثمّ قيل: ائتيت، فحذفت الألف، كما يقال: اقتلت. ثمّ قيل في المستقبل، بالحذف، كما قيل: يستحى. فيقول لبيدٌ: معترضٌ لعننٍ لم يعنه، الأمر أيسر ممّا ظنَّ هذا المتكلَّف.
ويقول لبيدٌ: سبحان الله يا أبا بصير، بعد إقرارك بما تعلم، غفر لك وحصلت في جنّة عدن؟ فيقول مولاي الشيخ متكلّماً عن الأعشى: كأنّك يا أبا عقيلٍ تعني قوله:
وأشرب بالرّيف حتى يقا ... ل: قد طال بالرّيف ما قد دجن
صريفيّةً طيّباً طعمها، ... تصفَّق ما بين كوبٍ ودنّ
وأقررت عيني من الغانيا ... ت، إمَّا نكاحاً وإمّا أزنّ
وقوله:
فبتُّ الخليفة من بعلها، ... وسيَّد تيّا ومستادها
وقوله:
فظللت أرعاها، وظلَّ يحوطها ... حتى دنوت إذ الظّلام دنا لها
فرميت غفلة عينه عن شاته، ... فأصبت حبَّة قلبها وطحالها
ونحو ذلك ممّا روي عنه؛ فلا يخلو من أحد أمرين: إمَّا أن يكون قاله تحسيناً للكلام على مذهب الشُّعراء، وإمّا أن يكون فعله فغفر له. قل يا عبادي الذَّين أسرفوا على أنفسهم لا تقطنوا من رحمة الله، إنَّ الله يغفر الذُّنوب جميعاً، إنَّه هو الغفور الرَّحيم.. إنَّ الله لا يغفر أن يشرك به
(1/39)

ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد ضلَّ ضلالاً بعيداً.
ويقول، رفع الله صوته، لنابغة بني جعدة: يا أبا ليلى، إنَّي لأستحسن قولك:
طيبّة النَّشر، والبداهة، وال ... علاَّت، عند الرُّقاد والنَّسم
كأنَّ فاها، إذا تنبَّه، من ... طيب مشيمٍّ وحسن مبتسم
يسنُّ بالضّرو من براقش، أو ... هيلان، أو ضامرٍ من العتم
ركزّ في السام والزَّبيب، أقا ... حيُّ كثيب، تعلُّ بالرّهم
بماء مزنٍ، من ماء دومة قد ... جرّد في ليل شمال شبم
شجّت به قرقفٌ من الرّاح، إس ... فنط عقارٍ، قليلة النَّدم
ألقي فيها فلجان من مسك دا ... رين، وفلجٌ من فلفل ٍ ضرم
ردّت إلى أكلف المناكب، مر ... سومٍ، مقيم في الطَّين؛ محتدم
جونٍ كجوز الحمار، جرَّدة ال ... بيطار، لا ناقسٍ، ولا هزم
تهدر فيه، وساورنه كما
رجَّع هدرٌ من مصعبٍ قطم أين طيب هذه الموصوفة، من طيب من تشاهده من الأتراب العرب؟ كلاّ والله! أين الأهل من الغرب؟ وأين فوها المذكّر، من أفواهٍ ما ولب إليها المنكر؟ إنَّها لتفضل على تلك، فضل الدُّرة المختزنة على الحصاة الملقاة، والخيرات الملتمسة على الأعراض المتّقاة.
ما سامك أيّها الرَّجل وزبيبك؟ ما حسن في العاجلة حبيبك. وإنَّ ثغراً يفتقر إلى قضيب البشام ليجشم حليفه بعض الإجشام! لولا أنَّه ضري بالحبر ما افتقر إلى ضرو مطلوب، أو غصنٍ من العتم مجلوب. وما الماء الذي وصفته من دومة، وغيره ينافي اللَّومة؟ أليس هو إن أقام أجن، ولا يدوم للماكث إذا دجن؟ وإن فقد
(1/40)

برد الشَّمأل؛ رجع كغيره من السَّمل. تلقي الغسر فيه الهابة، وتشبُّه الغرَّاء الشابَّة. والغرَّاء: الهاجرة ذات السَّراب.
وما قرقفك هذه المشجوجة، ولو أنّها للشّربة محجوبة؟ قربت من حاجتك فلا تنط، لا كانت الفيهج ولا الإسفنط؛ طالما ثملت في وفقتك فندمت، وأنفقت ما تملك فعدمت.
ما عقارك وما فلجاك؟ زالت عن مقلتك دجاك؟! ولو دخل مسك دارين، جنة ربّنا الموهوبة لغير الممارين، لعدَّ في ترابها الذَّفر كصيق المقتول، أو دنس قدمٍ مبتول.
زعمت أنَّها تطيّب بالفلفل، وشبهَّها غيرك بنسيم القرنفل! إنّ في هذه المنزلة لنشراً، لا يزيد على نشر الفانية عشراً، ولكن يشفُّ بعددٍ لا يدرك، ليس وراءه مترك.
نزاهة لهذه القهوة أن تدَّخر في أكلف مناكب، من حفظه عدَّ النّاكب! أصبح بطينها مرسوماً، وضع في المتربص وسوماً، فهو جون كجوز الحمار، لا سلم ذخراً للخمَّار! ليس بناقسٍ ولكن منقوص، ذمّه المتحنّف ومن فناؤه القوس تهدر فيه الصهباء المعتصرة وهي قرب نتاج، كالسِّقاب الموضوعة بغير خداج. فإذا وصلت سنَّ البازل بطل الهدير، وأدارها في الكأس مدير.
ويخطر له، جعل الله الإحسان إليه مربوباً، وودَّه في الأفئدة مشبوباً، غناء القيان بالفسطاط ومدينة السّلام. ويذكر ترجيعهنَّ

ميميّة المخبَّل السّعدي
فتندفع تلك الجواري التي نقلتهنّ القدرة من خلق الطَّير اللاقطة، إلى خلق حورٍ غير متساقطة، تلحِّن قول المخبَّل السَّعديّ:
ذكر الربَّاب وذكرها سقم ... وصبا، وليس لمن صبا عزم
وإذا ألمَّ خيالها طرفت ... عيني، فماء شؤونها سجم
(1/41)

كاللّؤلؤ المسجور توبع في ... سلك النِّظام، فخانه النَّظم
فلا يمرُّ حرف ولا حركة، إلاَّ ويوقع مسرّةً لو عدلت بمسرّات أهل العاجلة، منذ خلق الله آدم إلى أن طوى ذرِّيته من الأرض، لكانت الزائدة على ذلك، زيادة اللّج المتموج على دمعة الطّفل، والهضب الشامخ على الهباءة المنتفضة من الكفل.
ويقول لندمائه: ألا تسمعون إلى قول السّعديّ:
وتقول عاذلتي، وليس لها ... بغدٍ، ولا ما بعده علم
إنَّ الثوّاء هو الخلود، وإ ... نَّ المرء، يكرب يومه العدم
ولئن بنيت لي المشقَّر في ... عنقاء، تقصر دونها العصم
لتنقِّبن عني المنيَّة إ ... نَّ الله ليس كحكمه حكم
فيقول إنّه المسكين، قال هذه الأبيات، وبنو آدم في دار المحن والبلاء، يقبضون من الشّدائد على السُّلاّء؛ والوالدة تخاف المنيَّة على الولد، ولا يزال رعبها في الخلد؛ والفقر يرهب ويتَّقى، والمال يطلب ويستبقى؛ والسَّغب موجود والظَّماء، والكمه معروف والكماء؛ ولم يكفف للغير عنان، ولا سكنت بالعفو الجنان. فالحمد لله الذي أذهب عنَّا الحزن إنَّ ربَّنا لغفور شكور. الذي أحلَّنا دار المقامة من فضله، لا يمسُّنا فيها نصب ولا يمسُّنا فيها لغوب.
فتبارك الله القدُّوس! نقل هؤلاء المسمعات من زيِّ ربَّات الأجنحة، إلى زيِّ ربات الأكفال المترجِّحة؛ ثمّ ألهمهنَّ بالحكمة حفظ أشعارٍ لم تمرر قبل بمسامعهنَّ، فجئن بها متقنةً، محمولة على الطَّرائق ملحَّنة، مصيبةً في لحن الغناء، منزّهةً عن لحن الهجناء. ولقد كانت الجارية في الدار العاجلة، إذا تفرِّست فيها النَّجابة، وأحضرت لها الملحِّنة لتلقي إليها ما تعرف من ثقيلٍ
(1/42)

وخفيف، وتأخذها بمأخذٍ غير ذفيف؛ تقيم معها الشّهر كريتاً، قبل أن تلقَّن كذباً حنبريتاً: بيتاً من الغزل أو بتيتن، ثم تعطى المائة أو المائتين. فسبحان القادر على كل عزيز، والمميِّز لفضله كلَّ مزيز.

رباب
ويقول نابغة بني جعدة، وهو جالس يستمع: يا أبا بصير أهذه الربَّاب التي ذكرها السّعديُّ، هي ربابك التي ذكرتها في قولك:
بعاصي العواذل، طلق اليدي ... ن يعطي الجزيل، ويرخي الإزارا
فما نطق الدِّيك حتى ملأ ... ت كوب الزَّباب له فاستدارا
إذا انكبَّ أزهر بين السُّقا ... ة تراموا به غرباً أو نضاراً
فيقول أبو بصيرٍ: قد طال عمرك يا أبا ليلى، وأحسبك أصابك الفند، فبقيت على فندك إلى اليوم! أما علمت أنَّ اللواتي يسمَّين بالرَّباب أكثر من أن يحصين؟ أفتظن أنَّ الربّاب هذه، هي التي ذكرها القائل:
ما بال قومك يا رباب ... خزراً كأنّهم غضاب
غاروا عليك، وكيف ذا ... ك ودونك الخرق اليباب
أو التي ذكرها امرؤ القيس في قوله:
دار لهندٍ، والربَّاب، وفرتنى، ... ولميس، قبل حوادث الأيام
ولعلّ أمّها أمُّ الربّاب المذكورة في قوله:
وجارتها أمِّ الربّاب بمأسل
فيقول نابغة بني جعدة: أتكلمني بمثل هذا الكلام يا خليع بني ضبيعة، وقد مُتَّ كافراً، وأقررت على نفسك بالفاحشة، وأنا لقيت النبيَّ، صلى الله عليه وسلّم، فأنشدته كلمتي التي أقول فيها:
(1/43)

بلغنا السّماء مجدنا وسناءنا، ... وإنّا لنبغي فوق ذلك مظهرا!
فقال: إلى أين يا أبا ليلى؟ فقلت: إلى الجنّة بك يا رسول الله! فقال: لا يفضض الله فاك.
أغرّك أن عدَّك بعض الجهَّال رابع الشُّعراء الأربعة؟ وكذب مفضِّلك، وإنِّي لأطول منك نفساً، وأكثر تصرُّفاً. ولقد بلغت بعدد البيوت ما لم يبلغه أحد من العرب قبلي، وأنت لاهٍ بعفارتك، تفتري على كرائم قومك. وإن صدقت فخزياً لك ولمقارّك! ولقد وفِّقت الهزّانيّة في تخليتك: عاشرت منك النّابح، عشي فطاف الأحوية على العظام المنتبذة، وحرص على انتباث الأجداث المنفردة.
فيغضب أبو بصير فيقول: أتقول هذا وإنَّ بيتاً ممّا بنيت ليعدل بمائةٍ من بنائك؟ وإن أسهبت منطقك، فإنَّ المسهب كحاطب الليل. وإنّي لفي الجرثومة من ربعية الفرس، وإنّك لمن بني جعدة، وهل جعدة إلاّ رائدة ظليم نفور؟ أتعيِّرني في مدح الملوك؟ ولو قررت يا جاهل على ذلك لهجرت إليه أهلك وولدك، ولكنّك خلقت جباناً هداناً، لا تدلج في الظّلماء الدّاجية، ولا تهجَّر في الوديقة الصاخدة. وذكرت لي طلاق الهزّانية ولعلّها بانت عني مسرّة الكمد، والطّلاق ليس بمنكرٍ للسُّوق ولا للملوك.
فيقول الجعديُّ: اسكت يا ضلَّ بني ضلّ، فأقسم أنّ دخولك الجنَّة من المنكرات، ولكنَّ الأقضية جرت كما شاء الله! لحقُّك أن تكون في الدّرك الأسفل من النّار، ولقد صلي بها من هو خير منك، ولو جاز الغلط على ربِّ العزّة، لقلت: إنَّك غلط بك! ألست القائل:
فدخلت إذ نام الرّقي ... ب، فبتُّ دون ثيابها
حتى إذا ما استرسلت ... للنّوم، بعد لعابها
(1/44)

قسَّمتها نصفين ك ... لُّ مسوَّدٍ يرمى بها
فثنيت جيد غريرةٍ، ... ولمست بطن حقابها
كالحقَّة الصّفراء صا ... ك عبيرها بملابها
وإذا لها تامورة ... مرفوعة لشرابها
واستقللت ببني جعدة، وليوم من أيَّامهم يرجح بمساعي قومك. وزعمتني جباناً وكذبت! لأنا أشجع منك ومن أبيك، وأصبر على إدلاج المظلمة ذات الأريز، وأشدُّ إيغالاً في الهاجرة أمِّ الصَّخدان.
ويثب نابغة بني جعدة على أبي نصير فيضربه بكوز من ذهب. فيقول: أصلح الله به وعلى يديه: لا عربدة في الجنان، إنّما يعرف ذلك في الدار الفانية بين السَّفلة والهجاج، وإنّك يا أبا ليلى لمتنزِّع. وقد روى في الحديث، أنَّ رجلاً صاح بالبصرة: يا آل قيسٍ! فجاء النابغة الجعديُّ بعصيّةٍ له، فأخذه شرط ابي موسى الأشعريّ فجلده لأنَّ النبيَّ، صلّى الله عليه وسلّم، قال: من تعزىّ بعزاء الجاهليّة فليس منّا. ولولا أنَّ في الكتاب الكريم: " لا يصدَّعون عنها ولا ينزفون " لظننَّاك أصابك نزف في عقلك. فأمّا أبو بصيرٍ فما شرب إلاّ اللَّبن والعسل، وإنَّه لوقور في المجلس، لا يخفُّ عند حلِّ الحبوة. وإنّما مثله معنا مثل أبي نواسٍ في قوله:
أيُّها العاذلان في الراح لوما ... لا أذوق المدام إلاَّ شميما
نالني بالعتاب فيها إمام ... لا أرى لي خلافه مستقيما
إنّ حظيَّ منها، إذا هي دارت، ... أن أراها، وأن أشمَّ النّسيما
فاصرفاها إلى سواي، فإنّي ... لست إلا على الحديث نديما
فكأنّي وما أحسِّن منها، ... قعديُّ يحسِّن التَّحكيما
(1/45)

لم يطق حمله السّلاح إلى الحر ... ب، فأوصى المطيق ألاّ يقيما
فيقول نابغة بني جعدة قد كان النّاس في أيّام الخادعة يظهر عنهم السَّفه بشرب الّلبن، لا سيَّما إذا كانوا أرقَّاء لئاماً، كما قال الراجز:
يا ابن هشام أهلك النّاس اللَّبن ... فكلُّهم يغدو بسيفٍ وقرن
وقال آخر:
ما دهر ضبَّة، فاعلم، نحت أثلتنا ... وإنّما هاج من جهَّالها اللَّبن
وقيل لبعضهم: متى يخاف شرُّ بني فلانٍ؟ قال: إذا ألبنوا. فيريد، بلَّغه الله إرادته، أن يصلح بين النُّدماء، فيقول: يحب أن يحذر من ملكٍ يعبر فيرى هذا المجلس، فيرفع حديثه إلى الجبار الأعظم، فلا يجرُّ ذلك إلاَّ ما تكرهان، واستغنى ربُّنا أن ترفع الأخبار إليه، ولكن جرى مجرى الحفظة في الدار العاجلة، أما علمتما أنّ آدم خرج من الجنَّة بذنبٍ حقير، فغير آمنٍ من ولد أن يقدر له مثل ذلك.
فسألتك يا أبا بصير بالله هل يهجس لك تمنَّي المدام؟ فيقول: كلا والله! إنها عندي لمثل المقر لا يخطر ذكرها بالخلد. فالحمد لله الذي سقاني عنها السُّلوانة، فما أحفل بأمِّ زنبقٍ أخرى الدهر.
وينهض نابغة بني جعدة مغضباً، فيكره، جنَّبه الله المكاره، انصرافه على تلك الحال، فيقول: يا أبا ليلى، إنَّ الله، جلَّت قدرته، منَّ علينا بهؤلاء الحور العين اللواتي حوَّلهنَّ عن خلق الإوز، فاختر لك واحدة منهنَّ فلتذهب معك إلى منزلك، تلاحنك أرقَّ اللَّحان. وتسمعك ضروب الألحان. فيقول لبيد بن ربيعة: إن أخذ أبو ليلى قينةً، وأخذ غيره مثلها، أليس ينتشر خبرها في الجنَّة، فلا يؤمن أن يسمَّى فاعلو ذلك أزواج الإوزّ.
فتضرب الجماعة عن اقتسام
(1/46)

أولئك القيان.

حسان بن ثابت
ويمرُّ حسَّان بن ثابت فقولون: أهلاً أبا عبد الرحمن، ألا تحدَّث معنا ساعة؟ فإذا جلس إليهم قالوا: أين هذه المشروبة من سبيئتك التي ذكرتها في قولك:
كأن سبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء
على أنيابها، أو طعم غضٍّ ... من التُّفاح هصَّره اجتناء
على فيها، إذا ما اللّيل قلَّت ... كواكبه، ومال بها الغطاء
إذا ما الأشربات ذكرن يوماً ... فهنَّ لطيِّب الرَّاح الفداء
ويحك! ما استحييت أن تذكر مثل هذا في مدحتك رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: إنَّه كان أسحج خلقاً ممَّا تظنُّون، ولم أقل إلا خيراً، لم أذكر أنِّي شربت خمراً، ولا ركبت ممّا حظر أمراً، وإنّما وصفت ريق امرأةٍ، يجوز أن يكون حلاً لي، ويمكن أن أقوله على للظَّنِّ. وقد شفع صلى الله عليه وسلم في أبي بصيرٍ بعد ما تهكَّم في مواطن كثيرة، وزعم أنَّه مسترٍ، مفترياً أو ليس بمفترٍ. وما سمع بأكرم منه صلى الله عليه وسلم: لقد أفكت فجلدني مع مسطحٍ ثم وهب لي أخت مارية فولدت لي عبد الرحمن، وهي خالة ولده إبراهيم.
وهو، زين الله الآداب ببقائه، يخطر في ضميره أشياء، يريد أن يذكرها لحسّان وغيره، ثم يخاف أن يكونوا لما طلب غير محسنين، فيضرب عنها إكراماً للجليس، مثل قول حسّان:
يكون مزاجها عسل وماء
يعرض له أن يقول: كيف قلت يا أبا عبد الرحمن: أيكون مزاجها عسل وماء، أم مزاجها عسلاً وماء، أم مزاجها عسل وماء على الابتداء والخبر؟ وقوله:
(1/47)

فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره؛ سواء
يذهب بعضهم إلى أنَّ من محذوفة من قولك: ويمدحه وينصره، على أن ما بعدها صلة لها. وقال قوم: حذفت على أنَّها نكرة، وجعل ما بعدها وصفاً لها، فأقيمت الصفة مقام مقام الموصوف.
ويقول قائل من القوم: كيف جبنك يا أبا عبد الرَّحمن؟ فيقول: ألي يقال هذا وقومي أشجع العرب؟ ماذا اراد ستَّة منهم أن يميلوا على أهل الموسم بأسيافهم، وأجاروا النبيَّ، صلى الله عليه وسلّم، على أن يحاربوا معه كلَّ عنودٍ؛ فرمتهم ربيعة ومضر وجميع العرب عن قوس العداوة، وأضمروا لهم ضغن الشَّنآن. وإن ظهر منّي تحرُّز في بعض المواطن، فإنّما ذلك على طريقة الحزم، كما جاء في الكتاب الكريم: ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرِّفاً لقتالٍ أو متحيّزاً إلى فئةٍ، فقد باء بغضبٍ من الله، ومأواه جهنَّم وبئس المصير.

عوران قيس
ويفترق أهل ذلك المجلس، بعد أن أقاموا فيه كعمر الدُّنيا أضعافاً كثيرةً، فبينا هو يطوف في رياض الجنَّة، لقيه خمسة نفرٍ على خمس أينق، فيقول: ما رأيت أحسن من عيونكم في أهل الجنان! فمن انتم خلد عليكم النّعيم؟ فيقولون: نحن عوران قيسٍ: تميم بن مقبلٍ العجلانيّ وعمرو بن أحمر الباهليُّ والشَّمّاخ، معقل بن ضرار، أحد بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان، وراعي الإبل، عبيد بن الحصين النُّميريّ، وحميد ابن ثور الهلاليِّ.

قصيدة الشماخ
فيقول للشَّمّاخ بن ضرارٍ: لقد كان في نفسي أشياء من قصيدتك التي على الزاي، وكلمتك التي على الجيم، فأنشدنيهما لا زلت مخلَّداً كريماً.
فيقول: لقد شغلني عنهما النَّعيم الدائم فما أذكر منهما بيتاً واحداً. فيقول لفرط حبّه الأدب وإيثاره تشييد الفضل: لقد غفلت أيُّها
(1/48)

المؤمن وأضعت! أما علمت أنَّ كلمتيك، أنفع لك من ابنتيك؟ ذكرت بهما الموطن، وشهرت عند راكب السَّفر والقاطن؛ وإنَّ القصيدة من قصائد النابغة، لأنفع له من ابنته عقرب، ولعل تلك شانته، وما زانته، وأصابها في الجاهلية سباء، وما وفر لأجلها الحباء. وإن شئت أن أنشدك قصيدتيك، فإن ذلك ليس بمتعذرٍ عليّ. فيقول: أنشدني، ضفت عليك نعمة الله، فينشده:
عفا من سليمى بطن قوٍ، فعالز، ... فذات الغضا، فالمشرفات النَّواشز
فيجده بها غير عليم. ويسأله عن أشياء منها، فيصادفه بها غير بصير، فيقول: شغلتني لذائذ الخلود عن تعهُّد هذه المنكرات: " إن المتَّقين في ظلالٍ وعيونٍ، وفواكه ممَّا يشتهون، كلوا وأشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون "، إنّما كنت أسق هذه الأمور، وأنا آمل أن أفقر بها ناقةً، أو أعطى كيل عيالي سنةً، كما قال الراجز:
لو شاك من رأسك عظم يابس، ... لآل منك جمل حمارس
سوى عليك الكيل شيخ بائس، ... مثل الحصى يعجب منه اللامس
وأنا الان في تفضُّل الله، أغترف في مرافد العسجد من أنهار اللَّبن: فتارةً ألبان الإبل، وتارةً ألبان البقر، وإن شئت لبن الضأن فإنّه كثير جمٌّ، وكذلك لبن المعيز، وإن أحببت ورداً من رسل الأرواي، فربّ نهرٍ منه كأنه دجلة أو الفرات. ولقد أراني في دار الشّقوة أجهد أخلاف شياهٍ لجباتٍ، لا يمتلىء منهنَّ القعب.
فيقول، لا زال مقولاً للخير: فأين عمرو بن أحمر؟ فيقول عمروٌ: ها أنا ذا. فيقول: أنشدني قولك:
(1/49)

بان الشّباب، وأخلف العمر، ... وتغيَّر الإخوان والدّهر
وقد اختلف الناس في تفسير العمر، فقيل: إنّك أردت البقاء، وقيل: إنّك أردت الواحد من عمور الأسنان، وهو اللَّحم الذي بينها. فيقول عمرو متمثلاً:
خذا وجه هرشى أو كلاهما، فإنَّه ... كلا جانبي هرشى لهنّ طريق
ولم تترك فيَّ أهوال القيامة غبَّراً للانشاد، أما سمعت الآية: " يوم ترونها تذهل كلُّ مرضعةٍ عمَّا ارضعت، وتضع كل ذات حملٍ حملها، وترى النَّاس سكارى وما هم بسكارى ولكنَّ عذاب الله شديد " وقد شهدت الموقف، فالعجب لك إذ بقي معك شيء من روايتك! فيقول الشيخ: إنّي كنت أخلص الدُّعاء في أعقاب الصلوات، قبل أن أنتقل من تلك الدار، أن يمتعني الله بأدبي في الدُّنيا والآخرة، فأجابني إلى ما سألت وهو الحميد المجيد: ولقد يعجبني قولك:
ولقد غدوت، وما يفزِّعني ... خوف أحاذره ولا ذعر
رؤد الشَّباب، كأنّني غصن ... بحرام مكّة، ناعم نضر
كشراب قيلٍ عن مطيَّته ... وكلِّ أمرٍ واقعٍ قدر
مدّ النَّهار له، وطال علي ... هـ الليل واستنعت به الخمر
ومسفة دهماء داجنة ... ركدت، وأسبل دونها السِّتر
وجرادتان تغنِّيانهم ... وتلألأ المرجان والشَّذر
ومجلجل دانٍ زبرجده ... حدب كما يتحدَّب الدَّبر
ونَّان حنَّانان، بينهما ... وتر أجشُّ، غناؤه زمر
وبعيرهم ساجٍ بجرَّته، ... لم يؤذه غرث ولا نفر
(1/50)

فإذا تجرّد، شق بازله، ... وإذا أصاخ فإنّه بكر
خلّوا طريق الديدبون فقد ... ولَّى الصَّبا وتفاوت النَّجر
فما أردت بقولك: كشراب قيلٍ؟ الواحد من الأقيال؟ أم قيل ابن عتر من عاد؟ فيقول عمرو: الوجهين ليتصوّران. فيقول الشيخ، بلغه الله الأمانيَّ: ممّا يدل على أنَّ المراد قيل بن عتر، قولك: وجرادتان تغنيّانهم، لأن الجرادتين، فيما قيل، مغنِّيتان غنتا لوفد عادٍ عند الجرهميِّ بمكة، فشغلوا عن الطواف بالبيت وسؤال الله، سبحانه وتعالى، فيما قصدوا له فهلكت عاد وهم سامدون.
ولقد وجدت في بعض كتب الأغاني صوتاً يقال غنَّته الجرادتان، فتفكّنت لذلك، والصوت:
أقفر من أهله المصيف، ... فبطن عردة، فالغريف
هل تبلغنّي ديار قومي ... مهريَّة، سيرها تلقيف
يا أمَّ عثمان نوِّليني ... هل ينفع النّائل الطّفيف
وهذا شعر على قريِّ: أقفر من أهله ملحوب ومن الذي نقل إلى المغنين في عصر هارون وبعده أنَّ هذا الشعر غنَّته الجرادتان؟ إنّ ذلك لبعيد في المعقول، وما أجدره أن يكون مكذوباً.
وقولك: ومسفة دهماء داجنة، ما أردت به؟ وقولك: ومجلجل دانٍ زبرجده؟ فيقول ابن أحمر: أمّا ذكر الجرادتين فلا يدلَّ على أني خصصت قيل بن عترٍ وإن كان في الوفد الذي غنَّته الجرادتان، لأن العرب صارت تسمّي كلُّ قينةٍ جرادةً، حملاً على أنّ قينة في الدّهر الأول كانت تدعى الجرادة. قال الشاعر:
تغنِّينا الجراد، ونحن شرب ... نعلُّ الرّاح خالطها المشور
(1/51)

وأمّا المسفَّة الدَّهماء، فإنّها القدر. وأمّا المجلجل الداني زبرجده، فهو العود، وزبرجده ما حسن منه، أما تسمع القائل يسمّي ما تلوّن من السحاب زبرجاً؟ ومن روى: مجلجل، بكسر الجيم، أراد السحاب.
فيعجب الشيخ من هذه المقالة، ويقول: كأنّك أيُّها الرجل وأنت عربي صميم يستشهد بألفاظك وقريضك، تزعم أن الزبرجد من الزِّبرج، فهذا يقوّي ما ادّعاه صاحب العين من أنّ الدال الزائدة في قولهم: صلخدم، وأهل البصرة ينفرون من ذلك.
فيلهم الله القادر ابن أحمر علم التصريف، ليري الشيخ برهان القدرة، فيقول ابن أحمر: وماذا الذي أنكرت أن يكون الزبرج من لفظ الزَّبرجد؟ كأنّ فعلاً صرِّف من الزّبرجد، فلم يمكن أن يجاء بحروفه كلّها، إذا كانت الأفعال لا يكون فيها خمسة أحرفٍ من الأصول، فقيل: يزبرج، ثم بني من ذلك الفعل اسم فقيل: زبرج، ألا ترى أنَّهم إذا صغَّروا فرزدقاً قالوا: فريزد، وإذا جمعوه قالوا: قالوا: فرازد؟ وليس ذلك بدليل على أن القاف زائدة. فيقول، خلّد الله ألفاظه في ديوان الأدب: كأنّك زعمت أنّ فعلاً أخذ من الزَّبرجد، ثم بني منه الزَّبرج، فقد لزمك على هذا، أن تكون الأفعال قبل الأسماء. فيقول ابن أحمر: لا يلزمني ذلك، لأني جعلت زبرجداً أصلاً، فيجوز أن يحدث منه فروغ ليس حكمها كحكم الأصول. ألا ترى أنهم يقولون: إنّ الفعل مشتقٌّ من المصدر؟ فهذا أصل، ثم يقولون: الصِّفة الجارية على الفعل، يعنون: الضارب والكريم وما كان نحوهما، فليس قولهم هذه المقالة بدليلٍ على أنّ الصفة مشتقة من الفعل، إذا كانت اسماً، وحقٌّ الأسماء أن تكون قبل الأفعال، وإنِّما يراد أنَّه ينطق بالفعل منها كثيراً.
(1/52)

ولمدَّعٍ أن يقول: الفعل مشتقٌّ من المصدر فهو فرع عليه، والصِّفة فرع آخر، فيجوز أن يتقدَّم أحد الفرعين على صاحبه.
ثمَّ يذكر له أشياء من شعره، فيجده عن الجواب مستعجماً، إن نطق نطق محجماً.

تميم بن أبي
فيقول: أيكم تميم بن أبيّ؟ فيقول رجل منهم: ها أنا ذا. فيقول أخبرني عن قولك:
يا دار سلمى خلاءً لا أكلِّفها ... إلاّ المرانة حتى تسأم الدنيا
ما أردت بالمرانة؟ فقد قيل: إنّك أردت اسم امرأة، وقيل: هي اسم ناقةٍ، وقيل: العادة. فيقول تميم: والله ما دخلت من باب الفردوس ومعي كلمة من الشعر ولا الرَّجز، وذلك أنّي حوسبت حساباً شديداً، وقيل لي: كنت فيمن قاتل عليَّ بن أبي طالب. وانبرى لي النَّجاشي الحارثيّ، فما أفلتُّ من اللهب حتى سفعني سفعات.
وإن حفظك لمبقىً عليك، كأنّك لم تشهد أهوال الحساب، ومنادي الحشر يقول: أين فلان ابن فلان؟ والشّوس الجبابرة من الملوك تجذبهم الزّبانية إلى الجحيم، والنسِّوة ذوات التِّيجان يصرن بألسنة الوقود، فتأخذ في فروعهنَّ وأجسادهنَّ، فيصحن: هل من فداء؟ هل من عذرٍ يقام؟ والشباب من أولاد الأكاسرة يتضاغون في سلاسل النار ويقولون: نحن أصحاب الكنوز، نحن أرباب الفانية، ولقد كانت لنا إلى الناس صنائع وأيادٍ فلا فادي ولا معين!
فهتف داعٍ من قبل العرش: " أولم نعمِّركم ما يتذكّر فيه من تذكَّر وجاءكم النّذير فذوقوا فما للظالمين من نصير " لقد جاءتكم الرسل في زمانٍ بعد زمانٍ، وبذلت ما وكّد من الأمان، وقيل لكم في الكتاب: " واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفَّى كلُّ نفسٍ ما كسبت وهم لا يظلمون " فكنتم في لذات السَّاخرة واغلين، وعن أعمال الآخرة متشاغلين، فالآن
(1/53)

ظهر النبأ، لا ظلم اليوم إنَّ الله قد حكم بين العباد.
فيقول، أنطقه الله بكل فضل، إن شاء ربُّه أن يقول: أنا أقص عليك قصّتي: لما نهضت أنتفض من الرّيم، وحضرت حرصات القيامة، والحرصات مثل العرصات، أبدلت الحاء بالعين ذكرت الآية: " تعرج الملائكة والرُّوح إليه في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنةٍ، فاصبر صبراً جميلاً فطال علي الأمد، واشتد الظمأ والومد، والومد: شدَّة الحرِّ وسكوت الرّيح، كما قال أخوكم النّميري:
كأن بيض نعامٍ في ملاحفها ... جلاه طلٌّ وقيظ ليله ومد
وأنا رجل مهياف أي سريع العطش، فافتكرت فرأيت أمراً لا قوام لمثلي به. ولقيني الملك الحفيظ بما زبر من فعل الخير، وجدت حسناتي قليلة كالنُّفا في العام الأرمل والنفأ الرياض، والأرمل قليل المطر. إلا أن التوبة في آخرها كأنها مصباح أبيلٍ، رفع لسالك السبيل. فلمَّا أقمت في الموقف زهاء شهر أو شهرين، وخفت في العرق من الغرق، زينت لي النفس الكاذبة أن أنظم أبياتاً

مدح رضوان
في رضوان، خازن الجنان، عملتها في وزن:
قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان
ووسمتها برضوان. ثمّ ضانكت الناس حتى وقفت منه بحيث يسمع ويرى، فما حفل بي، ولا أظنّه أبه لما أقول.
فغبرت برهة، نحو عشرة أيام من أيّام الفانية، ثم عملت أبياتاً في وزن:
بان الخليط ولو طووعت ما بانا ... وقطَّعوا من حبال الوصل أقرانا
ووسمتها برضوان، ثمّ دنوت منه ففعلت كفعلي الأوَّل، فكأني أحرك ثبيراً، وألتمس من الغضرم عبيراً، والغضرم: تراب يشبه الجصَّ، فلم أزل أتتبع الأوزان التي يمكن أن يوسم بها رضوان حتى أفنيتها، وأنا لا أجد عنده
(1/54)

مغوثةً، ولا ظننته فهم ما أقول، فلمّا استقصيت الغرض فما أنجحت، دعوت بأعلى صوتي: يا رضوان، يا أمين الجبَّار الأعظم على لفراديس، ألم تسمع ندائي بك واستغاثتي إليك؟ فقال: لقد سمعتك تذكر رضوان وما علمت ما مقصدك، فما الذي تطلب أيها المسكين؟ فأقول: أنا رجل لا صبر لي على اللواب أي العطش وقد استطلت مدة الحساب، ومعي صل بالتوبة، وهي للذنّوب كلّها ماحية، وقد مدحتك بأشعارٍ كثيرة ووسمتها باسمك. فقال: وما الأشعار؟ فإني لم أسمع بهذه الكلمة قطّ إلا الساعة. فقلت: الأشعار جمع شعرٍ، والشعر كلام موزون تقبله الغريزة على شرائط، إن زاد أو نقص أبانه الحسُّ، وكان أهل العاجلة يتقربّون به إلى الملوك والسادات، فجئت بشيء منه إليك لعلك تأذن لي بالدُّخول إلى الجنة في هذا الباب، فقد استطلت ما الناس فيه، وأنا ضعيف منين؛ ولا ريب أنّي ممن يرجو المغفرة، وتصحُّ له بمشيئة الله تعالى. فقال: إنك لغبين الرأي! أتأمل أن آذن لك بغير إذن من رب العزة؟ هيهات هيهات! وأنَّى لهم التناوش من مكان بعيد.

مدح زفر
فتركته وانصرفت بأملي إلى خازن آخر يقال له زفر، فعملت كلمةً ووسمتها باسمه في وزن قول لبيد:
تهنى ابنتاي أن يعيش أبوهما، ... وهل أنا إلاّ من ربيعة أو مضر
وقربت منه فأنشدتها، فكأني إنّما أخاطب ركوداً صمّاء، لأستنزل أبوداً عصماء. ولم أترك وزناً مقيّداً ولا مطلقاً يجوز أن يوسم بزفر إلا وسمته به، فما نجع ولا غيَّر. فقلت: رحمك الله! كنَّا في الدار الذاهبة نتقرّب إلى الرئيس والملك بالبيتين أو الثلاثة، فنجد عنده ما نحب، وقد نظمت فيك ما لو جمع لكان ديواناً، وكأنّك ما سمعت لي زجمةً أي كلمة، فقال: لا أشعر
(1/55)

بالذي حممت أي قصدت، وأحسب هذا الذي تجيئني به قرآن إبليس المارد، ولا ينفق على الملائكة، إنّما هو للجان وعلَّموه ولد آدم، فما بغيتك؟ فذكرت له ما أريد، فقال: والله ما أقدر على نفع ولا أملك لخلق من شفع، فمن أي الأمم أنت؟ فقلت: من أمة محمَّد بن عبد الله بن عبد المطَّلب. فقال: صدقت ذلك، نبي العرب، ومن تلك الجهة أتيتني بالقريض، لأنّ إبليس اللعين نفثه في إقليم العرب فتعلَّمه نساء ورجال. وقد وجب عليّ نصحك، فعليك بصاحبك لعلّه يتوصّل إلى ما ابتغيت.
فيئست ممّا عنده، فجعلت أتخلل العالم،

حمزة بن عبد المطلب
فإذا أنا برجل عليه نور يتلألأ، وحواليه رجال تأتلق منهم أنوار. فقلت: من هذا الرجل؟ فقيل: هذا حمزة بن عبد المطَّلب صريع وحشيٍّ، وهؤلاء الذين حوله من استشهد من المسلمين في أحدٍ. فقلت لنفسي الكذوب: الشّعر عند هذا أنفق منه خازن الجنان، لأنَّه شاعر، وإخوته شعراء، وكذلك أبوه وجدُّه، ولعلَّه ليس بينه وبين معدِّ بن عدنان إلا من قد نظم شيئاً من موزون، فعملت أبياتاً على منهج أبيات كعب بن مالكٍ التي رثى بها حمزة، وأوّلها:
صفية قومي ولا تعجزي، ... وبكّي النّساء على حمزة
وجئت حتى وليت منه فناديت: يا سيّد الشهداء، يا عمَّ رسول الله صلَّى الله عليه سلّم، يا ابن عبد المطَّلب! فلّما أقبل عليّ بوجهه أنشدته الأبيات. فقال: ويحك! أفي مثل هذا الموطن تجيئني بالمديح؟ أما سمعت الآية: " لكلِّ امرىء ٍمنهم يومئذ شأنٌ يغنيه " فقلت: بلى قد سمعتها، وسمعت ما بعدها: " وجوهٌ يومئذ سفرةٌ، ضاحكةٌ مستبشرةٌ، ووجوهٌ يومئذٍ عليها غبرةٌ، ترهقها قترةٌ، أولئك هم الكفرة الفجرة ". فقال: إنَّي لا أقدر على ما تطلب. ولكني أنفذ
(1/56)

معك توراً، أي رسولاً إلى ابن أخي عليّ بن أبي طالبٍ، ليخاطب النبيَّ، صلّى الله عليه وسلَّم، في أمرك. فبعث معي رجلاً، فلمّا قصَّ قصتّي على أمير المؤمنين، قال: أين بيَّنتك؟ يعني صحيفة حسناتي. وكنت قد رأيت في المحشر شيخًا لنا كان يدرِّس النحو في الدار العاجلة، يعرف بأبي عليّ الفارسيّ، وقد امترس به قومٌ يطالبونه، ويقولون: تأوَّلت علينا وظلمتنا. فلمّا رآني أشار إليّ بيده، فجئته فإذا عنده طبقةٌ، منهم يزيد بن الحكم الكلابيُّ، وهو يقول: ويحك، أنشدت عني هذا البيت برفع الماء، يعني قوله:
فليت كفافاً كان شرُّك كلُّه، ... وخيرك عني ارتوى الماء مرتوي
ولم أقل إلاَّ الماء. وكذلك زعمت أنِّي فتحت الميم في قولي:
تبدَّل خليلاً بي، كشكلك شكله،
فإنّي خليلاً صالحا ًبك مقتوي وإنّما قلت: مقتوي بضمِّ الميم.
وإذا هناك راجزٌ يقول: تأوّلت عليّ أنّي قلت:
يا إبلي ما ذنبه فتأبيه؟ ... ماءٌ رواءٌ ونصيُّ حوليه
فحرَّكت الياء في تأبيه ووالله ما فعلت ولا غيري من العرب وإذا رجلٌ آخر يقول: ادّعيت عليَ أن الهاء راجعةٌ على الدَّرس في قولي:
هذا سراقة للقرآن يدرسه،
والمرء عند الرَّشا إن يلقها ذيب أفمجنونٌ أنا حتّى أعتقد ذلك؟

قاضي حلب
وإذا جماعةٌ من هذا الجنس كلُّهم يلومونه على تأويله. فقلت: يا قوم، إن هذه أمورٌ هيِّنةٌ، فلا تعتنوا هذا الشيخ، فإنّه يمتُّ بكتابه في القرآن المعروف بكتاب الحجَّة، وإنه ما سفك لكم دماً، ولا أحتجن عنكم مالاً، فتقرَّقوا عنه. وشغلت بخطابهم والنَّظر في حويرهم، فسقط منَّي الكتاب الذي فيه ذكر التَّوبة، فرجعت أطلبه فما وجدته، فأظهرت
(1/57)

الوله والجزع، فقال أمير المؤمنين: لا عليك، ألك شاهدٌ بالتَّوبة؟ فقلت: نعم، قاضي حلب وعدولها. فقال: بمن يعرف ذلك الرجل؟ فأقول: بعبد المنعم بن عبد الكريم قاضي حلب، حرسها الله، في أيَّام شبل الدَّولة، فأقام هاتفاً يهتف في الموقف: يا عبد المنعم بن عبد الكريم قاضي حلب في زمان شبل الدَّولة، هل معك علمٌ من توبة عليّ بن منصور بن طالب الحلبيِّ الأديب؟ فلم يجيبه أحد. فأحذني الهلع والقلُّ، أي الرعدة ثم هتف الثانية، فلم يجيبه مجيب، فليح بي عند ذلك أي صرعت إلى الأرض ثمّ نادى الثالثة، فأجابه قاتل ٌيقول: نعم، قد شهدت توبة عليِّ بن منصور،

توبة علي بن منصور
وذلك بأخرةٍ من الوقت، وحضرت متابة عندي جماعةٌ من العدول، وأنا يومئذٍ قاضي حلب وأعمالها، والله المستعان. فعندها نهضت وقد أخذت الرَّمق، فذكرت لأمير المؤمنين، عليه السَّلام، ما ألتمس، فأعرض عنَّي وقال: إنَّك لتروم حدداً ممتنعاً، ولك أسوةٌ بولد أبيك آدم. وهمت بالحوض، فكدت لا أصل إليه، ثمّ نغبت منه نغباتٍ لا ظمأ بعدها؛ وإذا الكفرة يحملون أنفسهم على الورد، فتذودهم الزَّبانية بعصيٍّ تضطرم ناراً، فيرجع أحدهم وقد احترق وجهه أو يده وهو يدعو بويلٍ وثبور. فطفت على العترة المنتجيبن فقلت: إنّي كنت في الدار الذاهبة إذا كتبت كتاباً وفرغت منه: قلت في آخره: وصَّلى الله على سيّدنا محمّد خاتم النَّبيِّين، وعلى عيرته الأخيار الطَّيبين. وهذه حرمةٌ لي ووسيلةٌ،

فاطمة بنت محمد
فقالوا: ما نصنع بك؟ فقلت: إنَّ مولاتنا فاطمة، عليها السلام، قد دخلت الجنَّة مذ دهرٍ، وإنَّها تخرج في كلِّ حينٍ مقداره أربع ٌوعشرون ساعةً من الدُّنيا الفانية فتسلَّم على أبيها، وهو قائمٌ لشهادة القضاء، ثمّ
(1/58)

تعود إلى مستقرِّها من الجنان، فإذا هي خرجت كالعادة، فاسألوا في أمري بأجمعكم، فلعلّها تسأل أباها فيَّ فلمّا حان خروجها ونادى الهاتف: أن غضُّوا أبصاركم يا أهل الموقف حتى تعبر فاطمة بتت محمد، صلّى الله عليه وسلم، اجتمع من آل أبي طالبٍ خلقٌ كثيرٌ، من ذكورٍ وإناثٍ، ممّن لم يشرب خمراً، ولا عرف قطُّ منكراً. فلقوها في بعض السّبيل، فلّما رأتهم قالت: ما بال هذه الزَّرافة؟ ألكم حالٌ تذكر؟ فقالوا: نحن بخيرٍ، إنّا نلتذُّ بتحف أهل الجنّة، غير أنَّا محبوسون للكلمة السابقة، ولا نريد أن نتسرَّع إلى الجنّة من قبل الميقات، إذ كنّا آمنين ناعمين بدليل قوله: " إنَّ الذين سبقت لهم منّا الحسنى أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون. لا يحزنهم الفزع الأكبر، وتتلقَّاهم الملائكة: هذا يومكم الذي كنتم توعدون " وكان فيهم عليُّ بن الحسين وابناه محمّدٌ وزيدٌ، وغيرهم من الأبرار الصالحين. ومع فاطمة، عليها السّلام، امرأة أخرى جري مجراها في الشرف والجلالة، فقيل: من هذه؟ فقيل: خديجة ابنة خويلد ابن أسد بن بد العزَّى، ومعها شبابٌ على أفراسٍ من نورٍ. فقيل: عبد الله، والقاسم، والطَّيب، والطاهر، وإبراهيم: بنو محمدٍ، صلّى الله عليه وسلم.
فقالت تلك الجماعة التي سألت: هذا وليٌّ من أوليائنا، قد صحّت توبته، ولا ريب أنَّه من أهل الجنَّة، وقد توسَّل بنا إليك، صلّى الله عليك، في أن يراح من أهوال لموقف، ويصير إلى الجنّة فيتعجلَّ الفوز. فقلت لأخيها إبراهيم، صلّى الله عليه: دونك الرجل. فقال لي: تعلَّق بركابي. وجعلت تلك الخيل تخلَّل الناس وتنكشف لها الأمم والأجيال، فلّما عظم الزَّحام طارت في الهواء، وأنا متعلّق بالرِّكاب، فوقفت عند
(1/59)

محمّدٍ، صلّى الله عليه وسلم، فقال: من هذا الأتاويُّ؟ أي الغريب فقالت له: هذا رجلٌ سأل فلانٌ وفلانٌ - وسمِّت جماعةً من الأئمة الطاهرين - فقال: حتَّى ينظر في عمله. فسأل عن عملي فوجد في الدّيوان الأعظم وقد ختم بالتوبة، فشفع لي، فأذن لي في الدُّخول. ولمَّا انصرفت الزَّهراء، عليها السلام، تعلَّقت بركاب إبراهيم، صلّى الله عليه.
فلمّا خلصت من تلك الطُّموش، قيل لي: هذا الصِّراط فاعبر عليه. فوجدته خالياً لا عريب عنده فبلوت نفسي في العبور، فوجدتني لا أستمسك. فقالت الزَّهراء، صلّى الله عليها، لجاريةٍ من جواريها: فلانة أجيزيه. فجعلت تمارسني وأنا أتساقط عن يمينٍ وشمالٍ، فقلت: يا هذه، إن أردت سلامتي فاستعملي معي قول القائل في الدار العاجلة:
ستِّ إن أعيك أمري، ... فاحمليني زقفونه
فقالت: وما زقفونه؟ قلت: أن يطرح الإنسان يديه على كتفي الآخر، ويمسك الحامل بيديه، ويحمله وبطنه إلى ظهره، أما سمعت قول الجحجلول من أهل كفرطابٍ:
صلحت حالتي إلى الخلف حتى ... صرت أمشي إلى الورى زقفونه
فقالت: ما سمعت بزقفونه، ولا الجحجلول، ولا كفرطابٍ، إلاّ الساعة. فتحملي وتجوز كالبرق لخاطف. فلمّا جزت، قالت الزَّهراء، عليها السلام: قد وهبنا لك هذه الجارية فخذه كي تخدمك في الجنان.
فلمّا صرت إلى باب الجنّة، قال لي رضوان: هل معك من جوازٍ؟ فقلت: لا. فقال لا سبيل لك إلى الدخول إلاَّ به فبعلت بالأمر، وعلى باب الجنَة من داخلٍ شجرة صفصافٍ، فقلت: أعطني ورقةً من هذه الصَّفصافة حتى أرجع إلى الموقف فآخذ عليها جوازاً، فقال: لا أخرج شيئاً من الجنَّة إلاّ بإذنٍ من العليِّ الأعلى، تقدَّس وتبارك. فلمّا دجرت بالنازلة،
(1/60)

قلت: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون! لو أن للأمير أبي المرجّى حازناً مثلك، لما وصلت أنا ولا غيري إلى قرقوفٍ من خزانته. والقرقوف: الدِّرهم.
والتفت إبراهيم، صلّى الله عليه، فرآني وقد تخلفت عنه، فرجع إليَّ فجذبني جذبة حصَّلني بها في الجنة.
وكان مقامي في الموقف مدَّة ستَّة أشهرٍ من شهور العاجلة، فلذلك بقي عليَّ حفظي ما نزفته الأهوال، ولا نهكه تدقيق الحساب.
فأنكم راعي الإبل؟ فيقولون: هذا. فيسلّم عليه الشيخ ويقول: أرجو أن لا أجدك مثل أصحابك صفراً حفظك وعربيتك. فيقول: أرجو ذلك، فاسألني ولا تطيلنَّ. فيقول: أحقّ ما روى عنك سيبويه في قصيدتك التي تمدح بها عبد الملك بن مروان من أنَّك تنصب الجماعة في قولك:
أيَّام قومي والجماعة كالّذي ... لزم الرَّحالة أن تميل مميلا
فيقول: حقٌّ ذلك.

حميد بن ثور
وينصرف عنه رشيداً إلى حميد بن ثور فيقول: إيه يا حميد! لقد أحسنت في قولك.
أرى بصري قد رابني بعد صحَّة، ... وحسبك داءً أن تصح وتسلما
ولن يلبث العصران: يومٌ وليلةٌ ... إذا طلبا، أن يدركا ما تيمما
فكيف بصرك اليوم؟ فيقول: إنَّي لأكون في مغارب الجنَّة، فألمح الصَّديق من أصدقائي وهو بمشارقها، وبيني وبينه مسيرة ألوف أعوامٍ للشمس التي عرفت سرعة مسيرها في العاجلة! فتعالى الله القادر على كلّ بديع.
فيقول: لقد أحسنت في الدالية التي أوَّلها:
جلبانةٌ ورهاء، تخصي حمارها
بفي من بغىخيراً لديها الجلامد
إزاء معاشٍ لا يزال نطاقها
شديداً، وفيها سورةٌ، وهي قاعد
(1/61)

تتابع أعوامٌ عليها هزلنها،
وأقبل عامٌ ينعش النّاس واحد فيقول حميدٌ: لقد ذهلت عن كلّ ميمٍ ودال، وشغلت بملاعبة حورٍ خدال. فيقول: أمثل هذه الدالية ترفض وفيها:
عضمَّرةٌ فيها بقاءٌ وشدَّةٌ
ووالٍ لها، بادي النّصيحة جاهد
إذا ما دعا: أجياد؟؟؟؟! جاءت خناجرٌ
لهاميم، لا يمشي إليهنّ قائد
فجاءت بمعيوف الشّريعة مكلعٍ
أرشَّت عليه بالأكفِّ السّواعد وفيها الصّفة التي ظننت القطاميَّ أخذها منك، وقد يجوز أن يكون سبقك لأنّكما في عصرٍ واحد، وذلك قولك:
تأدَّبها، في ليل نحسٍ وقرِّةٍ،
خليلي أبو الخشخاش، والليل بارد
فقام يصاديها، فقالت: تريدني
على الزَّاد؟ شكلٌ بيننا متباعد؟!
إذا قال: مهلاً، أسجحي، لمحت له
بزرقاء لم تدخل عليها المراود
كأنّ حجاجي رأسها في ملثَّمٍ،
من الصخر، جونٍ أخلقته المراود هذه الصِّفة نحوٌ من قول القطاميِّ:
تلفِّعت في طلٍّ وريحٍ تلفُّني،
وفي طرمساء غير ذات كواكب
إلى حيزبونٍ توقد النّار بعدما
تصوَّبت الجوزاء قصد المغارب
فما راعها إلاّ بغام مطيةٍ،
تروح بمحصورٍ من الصوت لاغب
وجنَّت جنوناً من دلاثٍ مناخةٍ،
ومن رجلٍ عاري الأشاجع شاحبٍ
تقول، وقد قرَّبت كوري وناقتي:
إليك! فلا تذعر عليَّ ركائبي والأبيات معروفةٌ، وقلتهذه القصيدة:
فجاء بذي أونين أعبر شأنه،
وعمِّر حتى قيل: هل هو خالد؟؟!
(1/62)

فعزَّاه، حتى أسنداه كأنَّه،
على القرو، علفوفٌ من التُّرك ساند وفيها ذكر الزُّبدة:
فلمّا تجلَّى اللَّيل عنها وأسفرت،
وفي غلس الصُّبح الشُّخوص الأباعد
رمى عينه منها بصفراء جعدةٍ
عليها تعاينه، وعنها تراودٌ فيقول حميدٌ: لقد شغلت عن زبدٍ، وطرد النّافرة من الرُّبد، بما وهب ربَّي الكريم، ولا خوف عليَّ ولا حزن.
ولقد كان الرجل منا يعمل فكره السَّنة أو الأشهر، في الرَّجل قد آتاه الله الشَّرف والمال، فربّما رجع بالخيبة، وإن أعطى فعطاءٌ زهيدٌ، ولكنَّ النّظم فضيلة العرب.
ويعرض لهم لبيد بن ربيعة فيدعوهم إلى منزله بالقيسيَّة، ويقسم عليهم ليذهبنَّ معه، يتمشون قليلاً، فإذا هم بأبياتٍ ثلاثةٍ ليس في الجنَّة نظيرها بهاءً وحسناً، فيقول لبيدٌ: أتعرف أيُّها الأديب الحلبيٌّ هذه الأبيات؟ فيقول: لا والذي حجَّت القبائل كعبته! فيقول: أمَّا الأول فقولي:
إنّ تقوى ربِّنا خير نفل، ... وبإذن الله ريثى وعجل
وأمّا الثاني فهو قولي:
أحمد الله، فلا ندّ له، ... بيديه الخير، ما شاء فعل
وأمّا الثالث فقولي:
من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال، ومن شاء أضلّ
صيَّرها ربِّي اللّطيف الخبير أبياتاً في الجنَة، أسكنها أخرى الأبد وأنعم نعيم المخلَّد.
فيعجب هو وأولئك القوم ويقولون: إنَّ الله قديرٌ على ما أراد.
ويبدو له، أيَّد الله مجده بالتأييد، أن يصنع مأدبةً في الجنان، يجمع فيها من
(1/63)

أمكن من شعراء الخضرمة والإسلام، والذين أصلّوا كلام العرب، وجعلوه محفوظاً في الكتب، وغيرهم ممّن يتأنس بقليل الأدب. فيخطر له أن تكون كمآدب الدار العاجلة، إذ كان البارىء، جلَّت عظمته، لا يعجزه أن يأتيهم بجميع الأغراض، من غير كلفةٍ ولا إبطاءٍ، فتنشأ أرحاءٌ على الكوثر، تجعجع لطحن برٍّ من برّ الجنّة، وإنَّه لأفضل من برِّ الهذليِّ الذي قال فيه:
لا درّ درِّي إن أطعمت رائدهم
قرف الحتيِّ وعندي البرُّ مكنوز بمقدارٍ تفضل به السموات والأرضين، فيقترح، أمضى القادر له اقتراحه، أن تحضر بين يديه جوارٍ من الحور العين، يعتملن بأرحاء اليد: فرحىً من درٍّ، ورحىً من عسجدٍ، وأرحاءٌ لم ير أهل العاجلة شيئاً من شكل جواهرهنّ. فإذا نظر إليهنّ، حمد الله سبحانه على ما منح، وذكر قول الرّاجز:
أعددت للضَّيف وللجيران ... جريتين تتعاوران
لا ترأمان وهما ظئران يصف رحى اليد.
ويبتسم إليهنَّ ويقول: اطحنَّ شزراً وبتّاً. فيقلن: ما شزرٌ وما بتّ؟ فيقول: الشَّزر على أيمانكنَّ، والبتُّ على شمائلكنَّ، أما سمعتنَّ قول القائل:
ونصبح بالغداة أترَّ شيءٍ، ... ونمسي بالعشيِّ طلنفحينا
ونطحن بالرَّحى شزراً وبتّاً ... ولو نعطى المغازل ما عيينا
ويقال: إن هذا الشَّعر لرجل أسر فكتب إلى قومه بذلك.
ويحبس في صدره، عمَّره الله بالسُّرور، أرحاءٌ تدور فيها البهائم، فيمثل بين يديه ما شاء الله من البيوت، فيها أحجارٌ من جواهر الجنّة، تدير بعضها جمالٌ تسوم في عضاه الفردوس، وأينقٌ لا تعطف على الحيران، وصنوفٌ من البغال والبقر وبنات
(1/64)

صعدة، فإذا اجتمع من الطَّحن، ما يظنُّ أنَّه كافٍ للمأدبة، تفرَّق خدمه من الولدان المخلَّدين فجاؤوا بالعماريس، وهي الجداء وضروب الطّير التي جرت العادة بأكلها: كأبجاج العكارم، وجوازل الطّواويس، والسَّمين من دجاج الرَّحمة وفراريج الخلد، وسيقت البقر والغنم والإبل لتعتبط؛ فارتفع رغاء العكر ويعار المعز، وتؤاج الضأن، وصياح الدِّيكة، لعيان المدية. وذلك كلُّه، بحمد الله، لا ألم فيه، وإنَّما هو جدُّ مثل اللَّعب، فلا إله إلاّ بالله الذي ابتدع خلقه من غير رويّةٍ، وصوَّره بلا مثال.
فإذا حصلت النَّحوض فوق الأوفاض، والأوفاض مثل الأوضام بلغة طيّء قال، زاد الله أمره من النَّفاذ: أحضروا من في الجنَّة من الطُّهارة السّاكنين بحلب على ممرّ الأزمان، فتحضر جماعةٌ كثيرةٌ، فيأمرهم باتِّخاذ الأطعمة، وتلك لذِّةٌ يهبها الله، عزَّ سلطانه، بدليل قوله: " وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعين وأنتم فيها خالدون. وتلك الجنَّة التي أورثتموها بما كنتم تعملون. لكم فيها فاكهةٌ كثيرةٌ منها تأكلون ".
فإذا أتت الأطعمة، افترق غلمانه الّذين كأنَّهم اللّؤلؤ المكنون، لإحضار المدعوِّين، فلا يتركون في لجنَّة شاعراً إسلامياً، ولا مخضرماً، ولا عالماً بشيءٍ من أصناف العلوم، ولا متأدَّباً، إلاَّ أحضّروه. فيجتمع بجدٌ عظيمٌ والبجد: الخلق الكثير، قال الشاعر:
تطوف البجود بأبوابه، ... من الضُّر في أزمات السّنينا
فتوضع الخون من الذهب، والفواثير من اللُجين، ويجلس عليها الآكلون، وتنقل إليهم الصَّحاف، فتقيم الصِّحفة لديهم وهم يصيون ممَّا ضمَنته كعمر كويّ وسريٍّ وهما النّسران من النّجوم.
فإذا قضوا الأرب من الطّعام،
(1/65)

جاءت السُّقاة بأصناف الأشربة، والمسمعات بالأصوات المطربة.
ويقول، لا فتىء ناطقاً بالصواب: عليَ بمن في الجنة من المغنيِّن والمغنِّيات: ممّن كان في الدار العاجلة، فقضيت له التَّوبة.
فتحضر جماعةٌ كثيرةٌ من رجالٍ ونساءٍ: فيهم الغريض، ومعبدٌ وابن مسجحٍ، وابن سريجٍ؛ إلى أن يحضر إبراهيم الموصليُّ وابنه إسحاق. فيقول قائلٌ من الجماعة، وقد رأى أسراب قيانٍ قد حضرن، مثل بصبص ودنانير وعنان: من العجب أن الجرادتين في أقاصي الجنَّة. فإذا سمع ذلك لا برح سمعه مطروقاً بما يبهجه، قال: لابدَّ من حضورهما. فيركب بعض الخدم ناقةً من نوق الجنَّة، ويذهب إليهما على بعد مكانهما فتقبلان على نجيبين أسرع البرق اللامع. فإذا حصلتا في المجلس، حيَاهما وبشَّ بهما وقال: كيف خلصتما إلى دار الرحمة بعدما خبطتما في الضلال؟ فتقولان: قدرت لنا التَّوبة ومتنا على دين الأنبياء المرسلين. فيقول: أحسن الله إليكما، أسمعانا شيئاً من التي تروى لعبيد مرة ولأوس أخرى وما سمعتا قطَ بعبيدٍ ولا أوسٍ، فتلهمان أن تغنيِّا بالمطلوب، فتلحِّنان:
ودع لميس وداع الوامق اللاحي
قد فنَّكت في فسادٍ بعد إصلاح
إذ تستبيك بمصقولٍ عوارضه
حمش اللِّثمات عذابٍ غير مملاح
كأنَّ ريقتها بعد الكرى اغتبقت
من ماء أدكن في الحانوت نضّاح
ومن مشعشعةٍ ورهاء نشوتها
ومن أنابيب رمَّانٍ وتفَّاح
هبَّت تلوم، وليست ساعة اللاحي،
هلاَّ انتظرت بهذا اللَّوم إصباحي؟
قاتلها الله، تلحاني، وقد علمت
أنَّي لنفسي إفسادي وإصلاحي!
إن أشرب الخمر، أو أرزأ لها ثمناً،
فلا محالة يوماً أننّي صاح
(1/66)

ولا محالة من قبرٍ بمحنيةٍ،
أو في مليعٍ كظهر التُّرس وضَّاح فتطربان من سمع، وتستفزَّان الأفئدة بالسُّرور، ويكثر حمد الله، سبحانه، كما أنعم على المؤمنين والتّائبين، وخلَّصهم من دار الشّقوة إلى محلِّ النَّعيم.
ويعرض له، أدام الله الجمال ببقائه، الشَّوق إلى نظر كالسحابٍ كالساب الذي وصفه قائل هذه القصيدة في قوله:
إنِّي أرقت، ولم تأرق معي صاح
لمستكفّ، بعيد النَّوم، لمَّاح
قد نمت عنّي وبات البرق يسهرني
كما استضاء يهوديُّ بمصباح
تهدي الجنوب بأولاه وناء به
أعجاز مزنٍ، يسوق الماء دلاَّح
كأنّ ريَّقه، لَّما علا شطباً،
أقراب أبلق ينفي الخيل رمَّاح
كأنّ فيه عشاراً جلَّةً شرفاً،
عوذاً مطافيل، قد همَّت بإرشاح
دانٍ، مسفّ فويق الأرض هيدبه
يكاد يدفعه من قام بالرَّاح
فمن بنجوته كمن بعقوته،
والمستكنُّ كمن يمشي بقرواح
وأصبح الرّوض والقيعان ممرعةً
ما بين منفتقٍ منه ومنصاح فينشىء الله، تعالت آلاؤه، سحابةً كأحسن ما يكون من السُّحب، من نظر إليها شهد أنَّه لم ير قطُّ شيئاً أحسن منها، محلاّةً بالبرق في وسطها وأطرافها، تمطر بماء ورد الجنَّة من طلٍّ وطشٍّ، وتنثر حصى الكافور كأنَّه صغار البرد، فعزَّ إلهنا القديم الذي لا بعجزه تصوير الأمانيّ وتكوين الهواجس من الظُنون.
ويلتفت فإذا هو

جران العود
بجران العود النُّميريّ، فيحييِّه ويرحِّب به، ويقول لبعض القيان: أسمعينا قول هذا المحسن:
حملن جران العود حتى وضعنه
بعلياء في أرجائها الجنُّ تعزف
(1/67)

وأحرزن منَّا كلِّ حجزة مئزرٍ
لهنَّ، وطاح النَّوفليٌّ المزخرف
وقلن: تمتّع ليلة النّأي هذه
فإنَّك مرجومٌ غداً أو مسيَّف وهذا البيت يروى لسحيم فتصيب تلك القينة وتجيد.
فإذا عجبت الجماعة من إحسانها وإصابتها قالت: أتدرون من أنا؟ فيقولون: لا والله المحمود! فتقول: أنا أمُّ عمروٍ التي يقول فيها القائل:
تصدُّ الكأس عنَّا أمُّ عمروٍ ... وكان الكأس مجراها اليمينا
وما شرُّ الثَّلاثة أمَّ عمروٍ ... بصاحبك الذي لا تصبحينا
فيزدادون بها عجباً، ولا إكراماً، ويقولون: لمن هذا الشعر؟ ألعمرو بن عديِّ اللَّخمي؟ أم لعمرو بن كلثوم التغلبيِّ؟ فتقول: أنا شهدت ندماني جذيمة: مالكاً وعقيلاً، وصبحتهما الخمر المشعشعة، لمّا وجدا عمرو بن عديٍّ، فكنت أصرف الكأس عنه، فقال هذين البيتين، فلعلَّ عمرو بن كلثومٍ حسَّن بهما كلامه واستزادهما في أبياته.
ويذكر، أذكره الله بالصّالحات، الأبيات التي تنسب إلى الخليل بن أحمد. والخليل يومئذٍ في الجماعة، وأنَها تصلح لأن يرقص عليها، فينشىء الله، القادر بلطف حكمته، شجرةً من غفرٍ والغفر الجوز فتونع لوقتها، ثمّ تنفض عدداً لا يحصيه إلاّ الله سبحانه، وتنشقُّ كلُّ واحدةٍ منه عن أربع جوارٍ يرقن الرائين، ممنّ قرب والنّائين، يرقصن على الأبيات المنسوبة إلى الخليل، وأوّلها:
إنَّ الخليط تصدَّع ... فطر بدائك أوقع
لولا جوارٍ حسانٌ ... مثل الجآذر أربع
أمُّ الرَّباب وأسما ... ءُ والبغوم وبوزع
(1/68)

لقلت للظّاعن: اظعن ... إذا بدا لك، أو دع!
فتهتزّ أرجاء الجنَّة، ويقول، لا زال منطقاً بالسَّداد: لمن هذه الأبيات يا أبا عبد الرحمن؟ فيقول الخليل: لا أعلم. فيقول: إنّا كنّا في الدار العاجلة نروي هذه الأبيات لك. فيقول الخليل: لا أذكر شيئاً من ذلك، ويجوز أن يكون ما قيل حقَّاً. فيقول: أفنسيت يا أبا عبد الرحمن وأنت أذكر العرب في عصرك؟ فيقول الخليل: إنّ عبور السَّراط ينفض الخلد ممّا استودع. ويخطر له ذكر الفقَّاع الذي كان يعمل في الدار الخادعة، فيجري الله بقدرته أنهاراً من فقَّاعٍ، الجرعة منها لو عدلت بلذَّات الفانية، منذ خلق السموات والأرض إلى يومٍ تطوي الأمم الآخرة، لكانت أفضل وأشفَّ. فيقول في نفسه: قد علمت أنَّ الله قديرٌ، والذي أريد، نحو ما كنت أراه مع الطَّوَّافين في الدار الذاهبة. فلا تكمل هذه المقالة، حتى يجمع الله كلَّ فقَّاعيٍّ في الجنَّة من أهل العراق والشام وغيرهما من البلاد، بين أيديهم الولدان المخلَّدون يحملون السَّلال إلى أهل ذلك المجلس. فيقول، حفظ الله على أهل الأدب حوباءه، لمن حضره من أهل العلم: ما تسمَّى هذه السَّلال بالعربيَّة؟ فيرمُّون أي يسكتون ويقول بعضهم: هذه تسمَّى البواسن، واحدتها باسنةٌ، فيقول قائلٌ من الحاضرين: من ذكر هذا من أهل اللغة؟ فيقول، لا انفكَّت الفوائد واصلةً منه إلى الجلساء: قد ذكرها ابن درستويه، وهو يومئذٍ في الحضرة. فيقول له الخليل: من أين جئت بهذا الحرف؟ فيقول ابن درستوية: وجدته في كتب النضر بن شميل: فيقول الخليل: أتحقُّ هذا يا نضر، فأنت عندنا الثّقة؟ فيقول النَّضر: قد التبس عليَّ الأمر، ولم يحك الرجل، إن شاء الله، إلاَّ حقّاً.
(1/69)

ويعبر بين تلك الأكراس أي الجماعات طاووسٌ من طواويس الجنَّة يروق من رآه حسناً، فيشتهيه أبو عبيدة مصوصاً، فيتكون ذلك في صفحةٍ من الذَّهب. فإذا قضي منه الوطر، انضمَّت عظامه بعضها إلى بعضٍ، ثمَّ تصير طاووساً كما بدأ. فتقول الجماعة: سبحان من يحيى العظام وهي رميم. هذا كما جاء في الكتاب الكريم: " وإذ قال إبراهيم ربِّ أرني كيف تحيي الموتى قال: فخذ أربعةً من الطيَّر فصرهنَّ إليك ثمَّ اجعل على كلِّ جبلٍ منهنّ جزءاً، ثمّ ادعهنَّ يأتينك سعياً، واعلم أنَّ الله عزيزٌ حكيمٌ.
ويقول هو، آنس الله بحياته، لمن حضر: ما موضع يطمئنّ؟ فيقولون: نصبٌ بلام كي. فيقول: هل يجوز غير ذلك؟ فيقولون لا يحضرنا شيءٌ. فيقول: يجوز أن يكون في موضع جزمٍ بلام الأمر، ويكون مخرج الدُّعاء، كما يقال: يا ربِّ أغفر لي، ولتغفر لي. وأمّا قوله الحكاية عن عازار: قال أعلم أنَّ الله على كلُّ شيء قديرٌ فقد قُرِىَء برفع الميم وسكونها، فالرفع على الخبر، والسكون على أنَّه أمرٌ من الله، جلَّ سلطانه. وأجاز أبو عليٍّ الفارسيُّ أن يكون أعلم مخاطبةً من عازر لنفسه، لأن مثل هذا معروفٌ. يقول القائل، وهو يعني نفسه: ويحك ما فعلت وما صنعت! ومنه قول الحادرة الذُّبيانيّ:
بكرت سميَّة غدوة فتمتَّع، ... وغدت غدوَّ مفارق لم يربع
وتمرُّ إوزَّةٌ مثل البختية، فيتمنَّاها بعض القوم شواءً، فتتمثَّل على خوانٍ من الزُّمردُّ، فإذا قضيت منها الحاجة، عادت، بإذن الله إلى هيئة ذوات الجناح، ويختارها بعض الحاضرين كردناجاً، وبعضهم معمولةً بسمّاقٍ، وبعضهم معمولةً
(1/70)

بلبنٍ وخلّ، وغير ذلك، وهي تكون على ما يريدون. فإذا تكرَّرت بينهم قال أبو عثمان المازنيُّ لعبد الملك بن قريب الأصمعيّ: يا أبا سعيدٍ، ما وزن إوزَّة؟ فيقول الأصمعيُّ: ألي تعرِّض بهذا يا فصعل، وطال ما جئت مجلسي بالبصرة وأنت لا يرفع بك رأسٌ؟! وزن إوزَّةٍ في الموجود إفعلةٌ، ووزنا في الأصل إفعلةٌ. فيقول المازنيَّ: ما الدَّليل على أنّ الهمزة فيها زائدةٌ، وأنّها ليست بأصليَّةٍ ووزنها ليس فعلَّةً؟ فيقول الأصمعيُّ: أمَّا زيادة الهمزة في أوَّلها، فيدلُّ عليه قولهم وزُّ. فيقول أبو عثمان: ليس ذلك بدليلٍ على أنّ الهمزة زائدةٌ، لأنَّهم قد قالوا ناسٌ، واصله أناٌس، وميهةٌ لجدريِّ الغنم، وإنَّما هو أميهةٌ، فيقول الأصمعيُّ: أليس أصحابك من أهل القياس يزعمون أنَّها إفعلةٌ، وإذا بنوا من أوى اسماً على وزن إوزَّةٍ قالوا: إيَّاه؟ ولو أنَّها فعلَّةٌ قالوا: إويَّةٌ، ولو جاؤوا بها على إفعلةٍ، بسكون العين، قالوا: إييَّةٌ، والياء التي بعد الهمزة، وهي همزة أوى، جعلت ياءً لاجتماع الهمزتين، ولأنَّ قبلها مكسوراً وهي مفتوحةٌ. وإذا خففَّت همزة مئزرٍ، جعلتها ياءً خالصةً. فيقول المازنيُّ: تأوُّل من أصحابنا وادِّعاءٌ، لأنِّ إوزة لم يثبت أنَّ الهمزة فيها زائدةٌ. فيقول الأصمعيُّ:
ريَّشت جرهم نبلاً فرمى ... جر هماً منهنَّ فوقٌ وغرار
تبعتهم مستفيداً، ثمّ طعنت فيما قالوه معيداً، ما مثلك ومثلهم إلاّ كما قال الأوَّل:
أعلمِّه الرِّماية كلِّ يومٍ، ... فلمَّا أستد ساعده رماني
وينهض كالمغضب، ويفترق أهل ذلك المجلس وهم ناعمون. ويخلبو، لا أخلاه الله من الإحسان، بحوريّتين له من الحور العين، فإذا بهره ما يراه من الجمال
(1/71)

قال: أعزز عليَّ بهلاك الكنديِّ، إنِّي لأذكر بكما قوله:
كدأبك من أمِّ الحويرث قبلها،
وجارتها أمِّ الرَّباب بمأسل
إذا قامتا تضوَّع المسك منهما
نسيم الصّبا جاءت بريا القرنفل وقوله:
كعاطفتين من نعاج تبالةٍ ... على جؤذرين، أو كبعض دمى هكر
إذا قامتا تضوَّع المسك منهما ... وأصورةٌ من اللَّطيمة والقطر
وأين صاحبتاه منكما لا كرامة لهما ولا نعمة عينٍ؟ لجلسةٌ معكما بمقدار دقيقةٍ من دقائق ساعات الدُّنيا، خيرٌ من ملك بني آكل المرار وبني نصر بالجيرة وآل جفنة ملوك الشَّام.
ويقبل على كل ِّواحدةٍ منهما يترشَّف رضا بها ويقول: إنَّ امرأ القيس لمسكينٌ مسكينٌ! تحترق عظامه في السَّعير وأنا أتمثَّل بقوله:
كأنّ المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر
يعلُّ به برد أنيابها، ... إذا غرَّد الطَّائر المستحر
وقوله:
أيَّام فوها كلّما نبَّهتها ... كالمسك بات وظلَّ في الفدَّام
أنفٌ كلون دم الغزال معتَّقٌ ... من خمر عانة أو كروم شبام
فتستغرب إحداهما ضحكاً. فيقول: ممَّ تضحكين! فتقول: فرحاً بتفضلُّ الله الذي وهب نعيماً، وكان بالمغفرة زعيماً، أتدري من أنا يا عليَّ بن منصور؟ فيقول: أنت من حور الجنان اللَّواتي خلقكن الله جزاءً للمتَّقين، وقال فيكنَّ: كأنَّهنّ الياقوت والمرجان فتقول: أنا كذلك بإنعام الله العظيم، على أنّي
(1/72)

كنت في الدار العاجلة أعرف بحمدونة، وأسكن في باب العراق بحلب وأبي صاحب رحىً، وتزوَّجني رجلٌ يبيع السَّقط فطلَّقني لرائحةٍ كرهها من فيَّ، وكنت من أقبح نساء حلب، فلمَّا عرفت ذلك زهدت في الدنيا الغرَّارة، وتوفَّرت على العبادة، وأكلت من مغزلي ومردني، فصيَّرني ذلك إلى ما ترى.
وتقول الأخرى: أتدري من أنا يا عليَّ بن منصور؟ أنا توفيق السَّوداء التي كانت تخدم في دار العلم ببغداد على زمان أبي منصورٍ محمَّد بن عليٍّ الخازن وكنت أخرج الكتب إلى النُّساخ.
فيقول: لا إله إلاّ الله، لقد كنت سوداء فصرت أنصع من الكافور، وإن شئت القافور. فتقول: أتعجب من هذا، والشاعر يقول لبعض المخلوقين:
لو أنَّ من نوره مثقال خردلةٍ
في السُّود كلِّهم، لأبيضّت السُّود ويمرُّ ملكٌ من الملائكة، فيقول: يا عبد الله، أخبرني عن الحور العين، أليس في الكتاب الكريم: " إنَّا أنشأناهنَّ إنشاءً، فجعلناهنَّ أبكاراً، عرباً أتراباً، لأصحاب اليمين ". فيقول الملك: هنَّ على ضربين: ضربٌ خلقه الله في الجنَّة لم يعرف غيرها، وضربٌ نقله الله من الدار العاجلة لمَّا عمل الأعمال الصالحة. فيقول، وقد فكر ممَّا سمع، أي عجب: فأين اللّواتي لم يكنَّ في الدار الفانية؟ وكيف يتميَّزن من غيرهنَّ؟ فيقول الملك: قف أثري لترى البديء من قدره الله. فيتبعه، فيجيء به إلى حدائق لا يعرف كنهها إلاّ الله، فيقول الملك: خذ ثمرةً من هذا الثمر فاكسرها فإنَّ هذا الشجر يعرف بشجر الحور.
فيأخذ سفرجلةً، أو رمَّانةً، أو تفَّاحةً، أو ما شاء الله من الثمار، فيكسرها، فتخرج منها جاريةٌ حوراء عيناء تبرق لحسنها حوريّات الجنان، فتقول: من
(1/73)

أنت يا عبد الله؟ فيقول: أنا فلان بن فلانٍ. فتقول: إنَّي أمنَّى بلقائك قبل أن يخلق الله الدُّنيا بأربعة آلاف سنة. فعند ذلك يسجد إعظاماً لله القدير ويقول: هذا كما جاء في الحديث: أعددت لعبادي المؤمنين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، وبله ما أطلعتهم عليه وبل في معنى: دع وكيف.
ويخطر في نفسه، وهو ساجدٌ، أنَّ تلك الجارية، على حسنها، ضاويةٌ، فيرفع رأسه من السُّجود وقد صار من ورائها ردفٌ يضاهي كثبان عالجٍ، وأنقاء الدَّهناء، وأرملة يبرين وبني سعدٍ، فيهال من قدرة اللّطيف الخبير ويقول: يا رازق المشرقة سناها، ومبلغ السائلة مناها، والذي فعل ما أعجز وهال، ودعا إلى الحلم الجهَّال، أسألك أن تقصر بوص هذه الحوريَّة على ميلٍ في ميل، فقد جاز بها قدرك حدَّ التأميل. فيقال له: أنت مخيَّر في تكوين هذه الجارية كما تشاء. فيقتصر من ذلك على الإرادة.
ويبدو له أن يطَّلع إلى أهل النّار فينظر إلى ما هم فيه ليعظم شكره على النّعم، بدليل قوله تعالى: " قال قائلٌ منهم: إنّي كان لي قرينٌ، يقول أئنَّك لمن المصدِّقين، أئذا متنا وكنَّا ترباً وعظاماً أئنَّا لمدينون. قال هل أنتم مطَّلعون. فاطَّلع فرآه في سواء الجحيم، قال: تالله إن كدت لتردين، ولولا نعمة ربِّي لكنت من المحضرين ".
فيركب بعض دوابِّ الجنَّة ويسير، فإذا هو بمدائن ليست كمدائن الجنَّة، ولا عليها النّور الشّعشعانيُّ، وهي ذات أدحالٍ وغماليل. فيقول لبعض الملائكة: ما هذه يا عبد الله؟ فيقول: هذه جنِّة العفاريت الذين آمنوا بمحمَّد، صلَّى الله عليه وسلَّم، وذكروا في الأقحاف، وفي سورة الجنَّ، وهم عددٌ كثيرٌ. فيقول: لأعدَّلنَّ إلى هؤلاء فلن أخلو لديهم من أعجوبةٍ. فيعوج عليهم، فإذا هو بشيخٍ
(1/74)

جالسٍ على باب مغارةٍ، فيسلِّم عليه فيحسن الرَّدَّ ويقول: ما جاء بك يا إنسيُّ؟ إنَّك بخيرٍ لعسيّ، مالك من القوم سيّ! فيقول: سمعت أنَّكم جنٌّ مؤمنون فجئت ألتمس عندكم أخبار الجنَّان، وما لعلَّه لديكم من أشعار المردة.
فيقول ذلك الشيخ: لقد أصبت العالم ببجدة الأمر، ومن هو منه كالقمر من الهالة لا كالحاقن من الإهالة، فسل عمّا بدا لك.
فيقول: ما أسمك أيّها الشيخ؟ فيقول: أنا الخيثعرر أحد بني الشِّيصبان، ولسنا من ولد إبليس ولكنَّا من الجنّ الذين كانوا يسكنون الأرض قبل ولد آدم، صلّى الله عليه.
فيقول: أخبرني عن أشعار الجنِّ، فقد جمع منها المعروف بالمرزبانيّ قطعةً صالحة. فيقول ذلك الشيخ: إنّما ذلك هذيانٌ لا معتمد عليه، وهل يعرف البشر من النَّظيم إلاّ كما تعرف البقر من علم الهيئة ومساحة الأرض؟ وإنَّما لهم خمسة عشر جنساً من الموزون قلَّ ما يعدوها القائلون، وإنَّ لنا لآلاف أوزانٍ ما سمع بها الإنس. وإنَّما كانت تخطر بهم أطيفالٌ منَّا عارمون فتنفث إليهم مقدار الضُّوازة من أراك نعمان. ولقد نظمت الرّجز والقصيد قبل أن يخلق الله آدم بكورٍ أن كورين. وقد بلغني أنّكم معشر الإنس تلهجون بقصيدة امريء القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل

آداب الجنَّ
تحفِّظونها الحزاورة في المكاتب، وإن شئت أمليتك ألف كلمةٍ على هذا الوزن على مثل: منزل وحومل، وألفاً على ذلك القبريّ يجيء على منزل وحومل، وألفاً على منزلاً وحوملاً، وألفاً على: منزله وحومله، وألفاً على: منزله وحومله، وألفاً على: منزله وحومله. وكلُّ ذلك لشاعرٍ منَّا هلك وهو كافرٌ، وهو
(1/75)

الآن يشتعل في أطباق الجحيم. فيقول، وصل الله أوقاته بالسعادة: أيُّها الشيخ، لقد بقي عليك حفظك! فيقول: لسنا مثلكم يا بني آدم يغلب علينا النِّسيان والرُّطوبة، لأنِّكم خلقتم من حماءٍ مسنونٍ، وخلقنا من مارجٍ من نار. فتحمله الرَّغبة في الأدب أن يقول لذلك الشّيخ: أفتملُّ عليَّ شيئاً من تلك الأشعار؟ فيقول الشيخ: فإذا شئت أمللتك ما لا تسقه الرِّكاب، ولا تسعه صحف دنياك.
فيهمُّ الشّيخ، لا زالت همتَّه عاليةً، بأن يكتتب منه، ثمَّ يقول: لقد شقيت في الدار العاجلة بجمع الأدب، ولم أحظ منه بطائلٍ، وإنَّما كنت أتقرَّب به إلى الرؤساء، فأحتلب منهم درَّبكيء وأجهد أخلاف مصورٍ، ولست بموفَّقٍ إن تركت لذَّات الجنَّة وأقبلت أتنسخ آداب الجنَّ ومعي من الأدب ما هو كان لاسيما وقد شاعالنسيان في أهل أدب الجنة، فصرت من أكثرهم رواية وأوسعهم حفظاً، ولله الحمد.
ويقول لذلك الشيخ: ما كنيتك لأكرمك بالتَّكنية؟ فيقول: أبو هدرش، أولدت من الأولاد ما شاء الله، فهم قبائل: بعضهم في النّار الموقدةٍ، وبعضهم في الجنان. فيقول: يا أبا هدرش، مالي أراك أشيب وأهل الجنّة شبابٌ؟ فيقول: إنَّ الإنس أكرموا بذلك وأحرمناه، لأنّا أعطنا الحولة في الدار الماضية، فكان أحدنا إن شاء صار حيَّةً رقشاء، وإن شاء صار عصفوراً، وإن شاء صار حمامة، فمنعنا التصوَّر في الدار الآخرة، وتركنا على خلقنا لا نتغيَّر، وعوّض بنو آدم كونهم فيما حسن من الصور. وكان قائل الإنس يقول في الدار الذاهبة: أعطينا الحيلة، وأعطي الجنُّ الحولة.
ولقد لقيت من بني آدم شرّاً، ولقوا منّي كذلك، دخلت مرَةً دار أناسٍ أريد أن أصرع فتاةً لهم، فتصوَّرت في صورة عضلٍ أي جرذٍ فدعوا لي
(1/76)

الضَّياون، فلمَّا أرهقتني تحوَّلت صلاً أرقم ودخلت في قطيلٍ هناك، فلمَّا علموا ذلك كشفوه عني، فلمَّا خفت القتل صرت ريحاً هفَّافةً فلحقت بالرَّوافد ونقضوا تلك الخشب والأجذال فلم يروا شيئاً. فجعلوا يتفكَّنون ويقولون: ليس هاهنا مكانٌ يمكن أن يستتر فيه. فبيناهم يتذاكرون ذلك عمدت لكعابهم في الكلَّة، فلمَّا رأتني أصابها الصَّرع، واجتمع أهلها من كلِّ أوبٍ، وجمعوا لها الرقاة، وجاؤوا بالأطبَّة وبذلوا المنفسات، فما ترك راقٍ رقيةً إلاَّ عرضها عليَّ وأنا لا أجيب، وغبرت الأساة تسقيها الأشفية وأنا سدكٌ بها لا أزول، فلمَّا أصابها الحمام طلبت لي سواها صاحبةً، ثمّ كذلك حتى رزق الله الإنابة وأثاب الجزيل، فلا أفتأ له من الحامدين:
حمدت من حطِّ أوزاري ومزَّقها
عنَّي، فأصبح ذنبي اليوم مغفوراً
وكنت آلف من أتراب قرطبة
خوداً، وبالصِّين أخرى بنت يغبورا
أزور تلك وهذي، غير مكترث
في ليلةٍ، قبل أن أستوضح النُّورا
ولا أمرُّ بوحشيٍّ ولا بشرٍ،
إلاّ وغادرته ولهان مذعورا
أروِّع الزِّنج إلماماً بنسوتها
والرُّوم والتُّرك والسِّقلاب والغورا
وأركب الهيق في الظَّلماء معتسفاً
أولا، فذبَّ ريادٍ بات مقرورا
وأحضر الشَّرب أعروهم بآبدةٍ
يزجون عوداً ومزماراً وطنبوراً
فلا أفارقهم حتَّى يكون لهم
فعلٌ، يظلُّ به إبليس مسرورا
وأصرف العدل ختلاً عن أمانته
حتى يخون، وحتى يشهد الزُّورا
وكم صرعت عواناً في لظى لهبٍ
قامت تمارس للأطفال مسجوراً
وذادني المرء نوحٌ عن سفينته،
ضرباً، إلى أن غدا الظُّنبوب مكسورا
(1/77)

وطرت في زمن الطُّوفان معتلياً
في الجوِّ حتى رأيت الماء محسورا
وقد عرضت لموسى في تفرُّده
بالشاء ينتج عمروساً وفرفورا
لم أخله من حديثٍ مَّا، ووسوسةِ
إذ دكَّ ربُّك في تكليمه الطُّورا
أضللت رأي أبي ساسان عن رشدٍ
وسرت مستخفياً في جيش سابورا
وساد بهرام جور وهو لي تبعٌ
أيَّام يبني على علاَّته جورا
فتارةً أنا صلُّ في نكارته،
وربَّما أبصرتني العين عصفورا
تلوح لي الإنس عوراً أو ذوي حولاً
من بعد ما عشت بالعصيان مشهورا
حتى إذا انفضَّت الدُّنيا ونودي: إس
رافيل ويحك، هلاَّ تنفخ الصُّورا
أماتني الله شيئاً، ثمّ أيقظني
لمبعثي، فرزقت الخلد مبرورا فيقول: لله درُّك يا أبا هدرش؟ لقد كنت تمارس أوابد ومندياتٍ، فكيف ألسنتكم؟ أيكون فيكم عربٌ لا يفهمون عن الروم، ورومٌ لا يفهمون عن العرب، كما نجد في أجيال الإنس؟ فيقول: هيهات أيّها المرحوم؟ إنَّا أهل ذكاءٌ وفطنٍ، ولابدَّ لأحدنا أن يكون عارفاً بجميع الألسن الإنسيَّة، ولنا بعد ذلك لسانٌ لا يعرفه الأنيس. وانا لاذي أنذرت الجنَّ بالكتاب المنزل: أدلجت في رفقةٍ من الخابل نريد اليمن، مررنا بيثرب في زمان المعو أي الرُّطب ف سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرُّشد فآمنَّا به ولن نشرك بربنا أحداً: وعدت قومي فذكرت لهم ذلك، فتسرعت منهم طوائف إلى الإيمان، وحثَّهم على ما فعلوه أنّهم رجموا عن استراق السَّمع بكواكب محرقاتٍ.
فيقول: يا أبا هدرش، أخبرني، وأنت الخبير، هل كان رجم النُّجوم في الجاهليَّة؟ فإنَّ بعض النَّاس
(1/78)

يقول إنَّه حدث في الإسلام. فيقول: هيهات؟ أما سمعت قول الأوديِّ:
كشهاب القذف يرميكم به ... فارسٌ، في كفِّه للحرب نار
وقول ابن حجرٍ:
فانصاع كالدُّرِّيِّ يتبعه ... نقعٌ يثور، تخاله طنبا
ولكنَّ الرَجم زاد في أوان المبعث، وإنَّ التِّخرُّص لكثيرٌ في الإنس والجنِّ، وإنَّ الصِّدق لمعوزٌ قليلٌ، وهنيئاً في العاقبة للصَّادقين.
وفي قصِة الرَّجم أقول:
مكَّة أقوت من بني الدَّردبيس
فما لجنِّيِّ بها من حسيس
وكسِّرت أصنامها عنوةً،
فكلُّ جبتٍ بنصيلٍ رديس
وقام في الصَّفوة من هاشمٍ
أزهر لا يغفل حقَّ الجليس
يسمع ما أنزل من ربّه ال
قدُّوس وحياً مثل قرع الطَّسيس
يجلد في الخمر، ويشتدُّ في ال
أمر، ولا يطلق شرب الكسيس
ويرجم الزَّاني ذا العرس لا
يقبل فيه سؤلةً من رئيس
وكم عروسٍ بات حرَّاسها
كجرهمٍ في عزَّها أو جديس
زفَّت إلى زوجٍ لهاء سيّدٍ
ما هو بالنِّكس ولا بالضّبيس
غرت عليها، فتخلَّجتها
بواشك الصَّرعة قبل المسيس
وأسلك الغادة محجوبةً
في الخدر، أو بين جوارٍ تميس
لا أنتهي عن غرضي بالرُّقى،
إذا انتهى الضَّيغم دون الفزيس
وأدلج الظَّلماء في فتيةٍ
ملجنِّ فوق الماحل العربسيس
في طاسمٍ تعزف جنَّانه،
أقفز إلاَّ من عفاريت ليس
بيضٍ، بها ليل، ثقالٍ، يعا
ليل، كرامٍ، ينطقون الهسيس
(1/79)

تحملنا في الجنح خيلٌ لها
أجنحةٌ، ليست كخيل الأنيس
وأينقٌ تسبق أبصاركم
مخلوقةٌ بين نعامٍ وعيس
تقطع من علوة في ليلها
إلى قرى شاسٍ بسيرٍ هميس
لا نسك في أيَّامنا عندنا
بل نكس الدَّين فما إن نكيس
فالأحد الأعظم، والسَّبت كال
إثنين، والجمعة مثل الخميس
لا مجسٌ نحن، ولا هوَّدٌ
ولا نصارى يبتغون الكنيس
نمزِّق التَّوراة من هونها،
ونحطم الصُّلبان حطم اليبيس
نحارب الله جنوداً لإب
ليس أخي الرأي الغبين النَّجيس
نسلِّم الحكم إليه إذا
قاس، فنرضى بالضَّلال المقيس
نزين للشارخ والشيخ أن
يفرغ كيساً في الخنا بعد كي
ونفتري جنَّ سليمان كي
نطلق منها كلَّ غاوٍ حبيس
صيَّر في قارورةٍ رصِّصت
فلم تغادر منه غير النَّسيس
ونخرج الحسناء مطرودةً
من بيتها عن سوء ظنٍّ حديس
نقول: لا تقنع بتطليقةٍ
وأقبل نصيحاً لم يكن بالدَّسيس
حتى إذا صارت إلى غيره
عاد من الوجد بجدٍّ تعيس
نذكره منها، وقد زوِّجت،
ثغراً كدرٍّ في مدامٍ غريس
ونخدع القسيِّيس في فصحه
من بعد ما ملِّىء بالأنقليس
أصبح مشتاق إلى لذّةٍ
معلَّلاً بالصِّرف أو بالخفيس
أقسم لا يشرب إلاّ دوي
ن السُّكر، والبازل تالي السَّديس
قلنا له: أزدد قدحاً واحداً
ما أنت أن تزداده بالوكيس
(1/80)

يحميك في هذا الشَّفيف الذي
يطفىء بالقرِّ التهاب الحميس
فعبّ فيها، فوهى لبُّه
وعُدَّ من آل اللَّعين الرّجيس
حتَّى يفيض الفم منه على
نمرقتيه بالشَّراب القليس
ونسخط الملك على المشفق ال
مفرط في النَّصح إذا الملك سيس
وأعجل السِّعلاة عن قوتهأ
في يدها كشح مهاةٍ نهيس
لا أتَّقي البرَّ لأهواله
وأركب البحر أوان القريس
نادمت قابيل وشيثاً وها
بيل على العاتقة الخندريس
وصاحبي لمك لدى المزهر ال
معملِ لم يعي بزيرٍ جسيس
ورهط لقمان وأيساره
عاشرت من بعد الشَّباب اللَّبيس
ثمَّت آمنت، ومن يرزق ال
إيمان يظفر بالخطير النّفيس
جاهدت في بدرٍ وحاميت في
أحدٍ وفي الخندق رعت الرّئيس
وراء جبريل وميكال نخ
لي الهام في الكبّة خلي اللِّسيس
حين جيوش النّصر في الجوَّ، وال
طاغوت كالزَّرع تناهى، فديس
عليهم في هبوات الوغى
عمائمٌ صفرٌ كلون الوريس
صهيل حيزوم إلى الآن في
سمعي أكرم بالحصان الرَّغيس
لا يتبع الصَّيد ولا يألف ال
قيد ولا يشكو الوجى والدَّخيس
فلم تهبني حرَّةٌ عانسٌ،
ولا كعابٌ ذات حسنٍ رسيس
وأيقنت زيني منَّي الُّتقى،
ولم تخف من سطواتي لميس
وقلت للجنِّ: ألا يا اسجدوا
لله، وانقادوا انقياد الخسيس
فإنَّ دنياكم لها مدَّةٌ
غادرةٌ بالسَّمح أو بالشَّكيس
(1/81)

بلقيس أودت ومضى ملكها
عنها، فما في الأذن من هلبسيس
وأسرة المنذر حاروا عن ال
حيرة كلٌّ في ترابٍ رميس
إنَا لمسنا بعدكم فاعلموا
برقع، فاهتاجت بشرٍّ بئيس
ترمي الشّياطين بنيرانها
حتى ترى مثل الرَّماد الدَّريس
فطاوعتني أمَّةٌ منهم
فازت، وأخرى لحقت الرَّكيس
وطار في اليرموك بي سابحٌ
والقوم في ضربٍ وطعنٍ خليس
حتَّى تجلَّت عنِّي الحرب كال
جمرة في وقدة ذاك الوطيس
والجمل الأنكد شاهدته
بئس نتيج النّاقة العنتريس
بين بني ضبَّة مستقدماً
والجهل في العالم داءٌ نجيس
وزرت صفِّين على شبطةٍ
جرداء، ما سائسها بالأريس
مجدِّلاً بالسَّيف أبطالها
وقاذفاً بالصَّخرة المرمريس
وسرت قدَّام عليٍّ غدا
ة النَّهر حتى فلّ غرب الخميس
صادف منَّي واعظٌ توبةً
فكانت اللَّقوة عند القبيس فيعجبٌ، لا زال في الغبطة والسُّرور، لما سمعه من ذلك الجنيِّ، ويكره الإطالة عنده فيودِّعه.
ويحمُّ فإذا هو بأسدٍ يفترس من صيران الجنّة وحسيلها فلا تكفيه هنيدةٌ ولا هندٌ أي مائة ولا مائتان فيقول في نفسه: لقد كان الأسد يفترس الشاة العجفاء، فيقيم عليها الأيَّام لا يطعم سواها شيئاً.
فيلهم الله الأسد أن يتكلّم، وقد عرف ما في نفسه، فيقول: يا عبد الله، أليس أحدكم في الجنَّة تقدَّم له الصِّحفة وفيها البهطُّ والطِّريم مع النَّهيدة، فيأكل منها مثل عمر السّموات والأرض، يلتذّ بما أصاب فلا هو مكتفٍ، ولا هي
(1/82)

الفانية؟ وكذلك أنا افترس ما شاء الله، فلا تأذى الفريسة بظفرٍ ولا نابٍ، ولكن تجد من اللَّذة كم أجد بلطف ربِّها العزيز. أتدري من أنا أيُّها البزيع؟ أنا أسد القاصرة التي كانت في طريق مصر، فلمَّا سافر عتبة بن أبي لهبٍ يريد تلك الجهة، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: " اللهمَّ سلَّط عليه كلباً من كلابك "، ألهمت أن أتجوَّع له أيَّاماً، وجئت وهو نائمٌ بين الرُّفقة فتخللَّت الجماعة إليه، وأدخلت الجنَّة بما فعّلت.
ويمرُّ بذئبٍ يقتنص ظباءً فيفني السُّربة بعد السُّربة، وكلَّما فرغ من ظبيٍ أو ظبية، عادت بالقدرة إلى الحال المعهودة، فيعلم أنَّ خطبه كخطب الأسد، فيقول: ما خبرك با عبد الله؟ فيقول: أنا الذئب الذي كلَّم الأسلمي على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم، كنت أقيم عشر ليالٍ أو أكثر، لا أقدر على العكرشة ولا القواع، وكنت إذا همّمت بعجيّ المعيز، آسد الراعي عليَّ الكلاب، فرجعت إلى الصاحبة مخرَّق الإهاب. فتقول: لقد خطئت في أفكارك، ما خير لك في ابتكارك، وربمّا رميت بالسِّروة فنشبت في الأقراب، فأبيت ليلتي لما بي، حتى تنتزعها السِّلقة وأنا بآخر النَّسيس، فلحقتني بركة محمّد صلى الله عليه وسلم.
فيذهب، عرِّفه الله الغبطة في كلّ ِسبيل، فإذا هو ببيتٍ في أقصى الجنة، كأنَّه حفش أمةٍ راعيةٍ، وفيه رجلٌ ليس عليه نور سكّان الجنّة، وعنده شجرةٌ قميئةٌ ثمرها ليس بزاكٍ. فيقول: يا عبد الله، لقد رضيت بحقيرٍ شقنٍ. فيقول: والله ما وصلت إليه إلاَّ بعد هياطٍ ومياطٍ وعرقٍ من شقاءٍ، وشفاعةٍ من قريشٍ وددت أنّها لم تكن: فيقول: من أنت؟ فيقول أنا الحطيئة العبسي فيقول: بم وصلت إلى الشّفاعة؟ فيقول بالصَّدق.
فيقول: في أيِّ شيءٍ؟ فيقول: في قولي:
(1/83)

أبت شفتاي اليوم إلا تكلمُّماً ... بهجرٍ، فما أدري لمن أنا قائله
أرى لي وجهاً شوَّه الله خلقه، ... فقبِّح من وجهٍ، وقبِّح حامله
فيقول: ما بال قولك:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والنّاس
لم يغفر لك به؟ فيقول: سبقني إلى معناه الصّالحون، ونظمته ولم أعمل به، فحرمت الأجر عليه. فيقول: ما شأن الزبرقان ابن بدرٍ؟ فيقول الحطيئة: هو رئيسٌ في الدُّنيا والآخرة، انتفع بهجائي ولم ينتفع غيره بمديحي.

الخنساء السُّلميّة
فيخلِّفه ويمضي، فإذا هو بامرأة في أقصى الجنَّة، قريبةٍ من المطلَّ إلى النار. فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا الخنساء السُّلميّة، أحببت أن أنظر إلى صخرٍ فاطلَّعت فرأيته كالجبل الشّامخ والنار تضطرم في رأسه، فقال لي؟ لقد صحَّ مزعمك فيَّ؟ يعني قولي:
وإنَّ صخراً لتأتمُّ الهداة به ... كأنَّه علمٌ في رأسه نار
فيطلَّع فيرى إبليس، لعنه الله، وهو يضطرب في الأغلال والسّلاسل ومقامع الحديد تأخذه من أيدي الزَّبانية. فيقول: الحمد لله الذي أمكن منك يا عدو الله وعدوَّ أوليائه! لقد أهلكت من بني آدم طوائف لا يعلم عددها إلاّ الله. فيقول: من الرجل؟ فيقول: أنا فلان ابن فلانٍ من أهل حلب، كانت صناعتي الأدب، أتقرَّب به إلى الملوك. فيقول: بئس الصَّناعة؟ إنَّها تهب غفَّةً من العيش، لا يتَّسع بها العيال، وإنَّها لمزلَّةٌ بالقدم وكم أهلكت مثلك! فهنياً لك إذ نجوت، فأولى لك ثمَّ أولى؟! وإنَّ لي إليك لحاجةً، فإن قضيتها شكرتك يد المنون. فيقول: إنّي لا أقدر لك على نفعٍ، فإن الآية سبقت في
(1/84)

أهل النَّار، أعني قوله تعالى: " ونادى أصحاب النَّار أصحاب الجنَّة أن أقبضوا علينا من الماء أو ممّا رزقكم الله، قالوا إنَّ الله حرَّمهما علىالكافرين ".
فيقول: إنِّي لاأسألك في شيءٍ من ذلك، ولكن أسألك عن خبرٍ تخبرينه: إنَّ الخمر حرِّمت عليكم في الدُّنيا وأحلَّت لكم في الآخرة، فهل يفعل أهل الجنَّة بالولدان المخلَّدين فعل أهل القريات؟ فيقول: عليك البهلة؟! أما شغلك ما أنت فيه؟ أما سمعت قوله تعلى: " ولهم فيها أزواجٌ مطهَّرةٌ وهم فيه خالدون "؟ فيقول: وإنَّ في الجنَّة لأشربةً كثيرةً غير الخمر، فما فعل بشَّار بن بردٍ؟ فإنَّ له عندي يداً ليست لغيره من ولد آدم: كان يفضِّلني دون الشعراء، وهو القائل:؟ إبليس أفضل من أبيكم آدمٍ فتبيَّنوا يا معشر الأشرار
النّار عنصره، وآدم طينةٌ، ... والطِّين لا يسمو سموَّ النّار
لقد قال الحقَّ، ولم يزل قائله من الممقوتين.
فلا يسكت من كلامه، إلاَّ ورجلٌ في أصناف العذاب يغمِّض عينيه حتى لا ينظر إلى ما نزل به من النِّقم، فيفتحها الزَّبانية بكلاليب من نارٍ، وإذا هو بشَّار بن بردٍ قد أعطي عينين بعد الكمه، لينظر إلى ما نزل به من النَّكال.
فيقول له، أعلى الله درجته: يا أبا معاذٍ، لقد أحسنت في مقالك، وأسأت في معتقدك، ولقد كنت في الدّ؟ ار العاجلة أذكر بعض قولك فأترحِّم عليك، ظنَّا نَّ التَوبة ستلحقك، مثل قولك:
ارجع إلى سكنٍ تعيش به ... ذهب الزَّمان وأنت منفرد
ترجو غداً، وغدٌ كحاملةٍ ... في الحيِّ لا يدرون ما تلد؟!
(1/85)

وقولك:
واهاً لأسماء ابنة الأشدِّ ... قامت تراءى إذ رأتني وحدي
كالشَّمس بين الزَّبرج المنقدِّ ... ضنَّت بخدٍّ، وجلت عن خدِّ
ثمَّ انثنت كالنَّفس المرتدّ؛ ... وصاحب كالدُّمَّل الممدِّ
أرقب منه مثل حمَّى الورد، ... حملته في رقعةٍ من جلدي
الحرُّ يلحى، والعصا للعبد، ... وليس للملحف مثل الرَّدِّ
الآن وقع منك اليأس! وقلت في هذه القصيدة: السُّبد، في بعض قوافيها، فإن كنت أردت جمع سُبدٍ، وهو طائرٌ، فإنّ فعلاً لا يجمع على ذلك؛ وإن كنت سكنت الباء فقد أسأت، لأنَّ تسكين الفتحة غير معروفٍ، ولا حجَّة لك في قول الأخطل:
وما كلُّ مغبونٍ إذا سلف صفقةً ... براجع ما قد فاته برداد
ولا في قول الآخر:
وقالوا: ترابيُّ، فقلت: صدقتم ... أبي من ترابٍ خلقه الله آدما
لأنَّ هذه شواذٌّ، فأمَّا قول جميل:
وصاح ببينٍ من بثينة، والنَّوى ... جميعٌ بذات الرَضم صردٌ محجَّل
فإنَّ من أنشده بضمِّ الصَاد مخطىء، لأنَّه يذهب إلى أنَّه أراد الصُّرد فسكَّن الراء، وإنَّما هو صردٌ أي خالصٌ من قولهم: احبك حباً صرداً، أي خالصاً، يعني غراباً أسود ليس فيه بياضٌ، وقوله: محجَّلٌ أي مقيَّد، لأنَّ حلقة القيد تسمَّى حجلاً،

قول عديُّ بن زيد
أعاذل قد لاقيت ما بزع الفتى
وطابقت في الحجلين مشي المقيَّد
(1/86)

والغراب يوصف بالتَّقييد لقصر نساه، قال الشاعر:
ومقيّدٍ بين الدِّيار كأنَّه ... حبشيُّ داجنةٍ يخرُّ ويعتلي
فيقول بشَّارٌ: يا هذا! دعني من أباطيلك فإنِّي لمشغولٌ عنك. ويسأل عن امرىء القيس بن حجر، فيقل: ها هو ذا بحيث يسمعك. فيقول: يا أبا هند إنَّ رواة البغداديين ينشدون في قفا نبك، هذه الأبيات بزيادة الواو في أوَّلها، أعني قولك:
وكأنَّ ذرى رأس المجيمر غدوةً
وكذلك:
وكأنَّ مكاكيَّ الجواء
وكأنَ السِّباع فيه غرقى فيقول: أبعد الله أولئك! لقد أساؤوا الرواية، وإذا فعلوا ذلك فأيُّ فرقٍ يقع بين النّظم والنّثر؟ وإنما ذلك شيءٌ فعله من لا غريزة له في معرفة وزن القريض، فظنَّه المتأخِّرون أصلاً في المنظوم، وهيهات هيهات! فيقول: أخبرني عن قولك: كبكر المقاناة البياض بصفرةٍ ماذا أردت بالبكر؟ فقد اختلف المتأوِّلون في ذلك فقالوا: البيضة، وقالوا: الدُّرّة، وقالوا: الرّوضة، وقالوا الزّهرة، وقالوا: البرديّة.
وكيف تنشد: البياضِ، أم البياضَ، أم البياضُ؟ فيقول: كلُّ ذلك حسنٌ، وأختار البياض، بالكسر، فيقول: فرَّغ الله ذهنه للآداب: لو شرحت لك ما قال النحويّون في ذلك لعجبت. وبعض المعلِّمين ينشد قولك.
من السِّيل والغثاء فلكة مغزل
فيشدِّد الثاءً. فيقول: إنّ هذا لجهولٌ. وهو نقيض الذين زادو الواو في أوائل الأبيات: أولئك أرادوا النَّسق، فأفسدوا الوزن: وهذا البأس أراد أن يضحِّح الزَّنة فأفسد اللّفظ. وكذلك قولي:
فجئت وفد نضَّت لنومٍ ثيابها
منهم من يشدِّد الضاد، ومنهم من ينشد بالتخفيف، والوجهان من قولك: نضوت الثّوب. إلاّ أنك إذا شد؟؟ ّ؟ دت الضاد، أشّبه الفعل من النّضيض، يقال: هذه
(1/87)

نضيضةٌ من المطر أي قليلٌ، والتخفيف أحبُّ إليَّ، وإنما حملهم على التشديد كراهة الزَّحاف، وليس عندنا بمكروه.
فيقول: لا برح منطقياً بالحكم: فأخبرني عن كلمتك الصاديِّة والضاديّة والنُّونيّة التي أوَّلها:
لمن طللٌ أبصرته فشجاني ... كخطِّ زبورٍ في عسيب يمان
لقد جئت فيها بأشياء ينكرها السَّمع، كقولك:
فإن أمس مكروباً فيا ربَّ غارة ... شهدت على أقبِّ رخو اللَّبان
وكذلك قولك في الكلمة الصَّادية:
على نقنقٍ هيقٍ له ولعرسه
بمنقطع الوعساء بيضٌ رصيص وقولك:
فأسقي به أختي ضعيفة، إذ نأت،
وإذ بعد المزداد غير القريض في أشباه لذلك، هل كانت غرائزكم لا تحسُّ بهذه الزِّيادة؟ أم كنتم مطبوعين على إتيان مغامض الكلام وأنتم عالمون بما يقع فيه؟ كما أنَّه لا ريب أنَّ زهيراً كان يعرف مكان الزِّحاف في قوله:
يطلب شأو امرأين قدِّما حسباً ... نالا الملوك، وبذَّا هذه السُّوقا
فإنَّ الغرائز تحسُّ بهذه المواضع، فتبارك الله أحسن الخالقين.
فيقول امرؤ القيس: أدركنا الأوّلين من العرب لا يحفلون بمجيء ذلك، ولا أدري ما شجن عنه، فأمَّا أنا وطبقتي فكنَّا نمرُّ في البيت حتى نأتي إلى آخره، فإذا فني أو قارب تبيَّن أمره للسامع.
فيقول، ثبَّت الله تعالى الإحسان عليه: أخبرني عن قولك:
ألا ربَّ يومٍ منهنَّ صالحٍ ... ولا سيما يومٌ بدارة جلجل
أتنشده: لك منهنَّ صالحٍ فتزاحف الكفِّ؟ أم تنشده على الرواية الأخرى؟
(1/88)

فأمَّا يومٌ، فيجوز فيه النّصب والخفض والرفع فأما النصب فعلى ما يجب للمفعول من الظُّروف، والعامل في الظَّرف هاهنا فعلٌ مضمرٌ، وأمَّا الرفع فعلى أن تجعل ما كافَّةً، وما الكافَّة عند بعض البصريِّين نكرةٌ، وإذا كان الأمر كذلك ف هو بعدها مضمرةٌ، وإذا خفض يومٌ، ف ما من الزَّيادات. ويشدَّد سيَّ ويخفَّف: فأمَّا التشديد فهو اللغة العالية، وبعض النَّاس يخفَّف، ويقال: إنَّ الفرزدق مرَّ وهو سكران على كلابٍ مجتمعةٍ. فسلَّم عليها فلمّا لم يسمع لجواب أنشأ يقول:
فما ردَّ السّلام شيوخ قومٍ ... مررت بهم على سكك البريد
ولا سيَّما الذي كانت عليه ... قطيفه أرجوانٍ في القعود
فيقول امرؤ القيس: أمَّا أنا فما قلت في الجاهليّة إلاَّ بزحافٍ: لك منهَّن صالحٍ. وأمَّا المعلِّمون في الإسلام فغيَّروه على حسب ما يريدون، ولا بأس بالوجه الذي اختاروه. والوجوه في يوم متقاربةٌ، وسيَّ تشديدها أحسن وأعرف. فيقول: أجل، إذا خففِّت صارت على حرفين أحدهما حرف علِّةٍ.
ويقول: أخبرني عن التَّسميط المنسوب إليك، أصحيحٌ هو عنك؟ وينشده الذي يرويه بعض النَّاس:
يا صحبنا عرَّجوا ... تقف بكم أسج
مهريَّةٌ دلج، ... في سيرها معج
طالت بها الرِّحل
فعرَّجوا كلُّهم ... والهمُّ يشغلهم
(1/89)

والعيس تحملهم ... ليست تعلِّلهم
وعاجت الرٌّمل
يا قوم إنَّ الهوى ... إذا أصاب الفتى
في القلب ثمَّ ارتقى ... فهدَّ بعض القوى
فقد هوى الرَّجل فيقول: لا والله ما سمعت هذا قطُّ، وإنّه لقريُّ لم أسلكه، وإنَّ الكذب لكثير، وأحسب هذا لبعض شعراء الإسلام، ولقد ظلمني وأساء إليَّ! أبعد كلمتي التي أوَّلها:
ألا أنعم صباحاً أيُّها الطَّلل البالي،
وهل ينعمن من كان في العصر الخالي؟
خليليَّ مرَّا بي على أمّ جندب ... لأقضي حاجات الفؤاد المعذَّب
يقال لي مثل ذلك؟ والرَّجز من أضعف الشَّعر، وهذا الوزن من أضعف الرَّجز.
فيعجب، ملأ الله فؤاده بالسُّرور، لما سمعه من امرىء القيس ويقول:: كيف ينشد:
جالت لتصرعني فقلت لها: قرى
إنَّي امرؤ صرعى عليك حرام أتقول: حرام، فتقوي؟ أم تقول: حرام، فتخرجه مخرج حذام وقطام؟ وقد كان بعض علماء الدَّولة الثانية يجعلك لا يجوز الإقواء عليك. فيقول امرؤ القيس: لا نكرة عندنا في الإقواء، أما سمعت البيت في هذه القصيدة:
فكأنَّ بدراً واصلٌ بكتفةٍ، ... وكأنَّما من عاقلٍ إرمام
فيقول: لقد صدقت يا أبا هند، لأنَّ إرماماً هاهنا، ليس واقعاً موقع الصِّفة
(1/90)

فيحمل على المجاورة، لأنَّه محمول على كأنَّما، وإضافته إلى ياء النَّفس تضعِّف الغرض. وقد ذهب بعض الناس إلى الإضافة في قول الفرزدق:
فما تدري إذا قعدت عليه ... أسعد الله أكثر أم جذام
فقالوا: أضاف كما قال جريرٌ:
تكلم قريشي والأنصار أنصاري
وكذلك قوله:
وإذا غضبت رمت ورائي مازنٌ ... أولاد جندلتي كخير الجندل
وبعضهم يروي: أولاد جندلة كخير الجندل وجندلة هذه هي أمُّ مازن بن مالك بن عمرو بن تميم وهي من نساء قريش.
وإنَّا لنروي لك بيتاً ما هو في كلَّ الرِّوايات، وأظنُّه مصنوعاً لأنَّ فيه ما لم تجر عادتك بمثله، وهو قولك:
وعمرو بن درماء الهمام إذا غدا ... بصارمه، يمشي كمشية قسورا
فيقول: أبعد الله الآخر، لقد اخترص، فما اترَّص! وإنَّ نسبة مثل هذا إليَّ لأعدُّه إحدى الوصمات، فإن كان من فعله جاهليّاً، فهو من الذين وجدوا في النَّار صليّاً، وإن كان من أهل الإسلام، فقد خبط في ظلام.
وإنَّما أنكر حذف الهاء من قسورة، لأنَّه ليس بموضع الحذف، وقلَّ ما يصاب في أشعار العرب مثل ذلك. فأمَّا قول القائل:
إنَّ ابن حارث إن أشتق لرؤيته ... أو أمتدحه، فإنّ النَّاس قد علموا
فليس من هذا النَّحو، إذ كان التّغيير إلى الأسماء الموضوعة أسرع منه إلى الأسماء التي هي نكراتٌ، إذ كانت النَّكرة أصلاً في الباب.

عنترة العبسيُّ
وينظر فإذا عنترة العبسيُّ متلدَّدٌ في السَّعير، فيقول: ما لك يا أخا عبسٍ؟ كأنَّك لم
(1/91)

تنطق بقولك:
ولقد شربت من المدامة بعدما
ركد الهواجر، بالمشوف المعلم
بزجاجةٍصفراء ذات أسرَّةٍ
قرنت بأزهر في الشَّمال مفدَّم وإنِّي إذا ذكرت قولك: هل غادر الشُّعراء من متردَّم لأقول: إنَّما قيل ذلك وديوان الشِّعر قليلٌ محفوظٌ، فأمَّا الآن وقد كثرت على الصائد ضباب، وعرفت مكان الجهل الرِّباب. ولو سمعت ما قيل بعد مبعث النّبي، صلى الله عليه وسلّم، لعتبت نفسك على ما قلت، وعلمت أنّ الأمر كما قال حبيب بن أوسٍ:
فلو كان يفنى الشِّعر أفناه ما قرت
حياضك منه في العصور الذّواهب
ولكنَّه صوب العقول إذا انجلت
سحائب منه، أعقبت بسحائب فيقول: وما حبيبكم هذا؟ فيقول: شاعرٌ ظهر في الإسلام. وينشده شيئاً من نظمه: فيقول: أمّاالأصل فعربيٌّ، وأمّا الفرع فنطق به غبيٌّ، وليس هذا المذهب علىما تعرف قبائل العرب. فيقول، وهو ضاحكٌ مستبشرٌ: إنَّما ينكر عليه المستعار، وقد جاءت العارية في أشعار كثيرٍ من المتقدِّمين، إلا إنها لاتجتمع كاجتماعها فيما نظمه حبيب بن أوسٍ.
فما أردت بالمشوف المعلم؟ الدِّينار أم الرِّداء؟ فيقول: أيُّ الوجهين أردت، فهو حسنٌ ولا ينتقض.
فيقول، جعل الله سمعه مستودعاً كل الصالحات: لقد شقَّ عليَّ دخول مثلك إلى الجحيم، وكأنَّ أذني مصغيةٌ إلى قينات الفسطاط وهي تغرِّد بقولك:
أمن سميَّة دمع العين تذريف؟ ... لو أنَّ ذا منك قبل اليوم معروف
تجلِّلتني إذ أهوى العصا قبلي، ... كأنَّها رشأٌ في البيت مطروف
العبد عبدكم، والمال مالكم ... فهل عذابك عنِّي اليوم مصروف
(1/92)

وإنِّي لأتمثِّل بقولك:
ولقد نزلت، فلا تظنِّي غيره، ... منِّي بمنزلة المحبِّ المكرّم
ولقد وفِّقت في قولك: المحبِّ، لأنَّك جئت باللَّفظ على ما يجب في أحببت، وعامّة الشُّعراء يقولون: أحببت، فإذا صاروا إلى المفعول قالوا: محبوبٌ. قال زهير بن مسعودٍ الضَّبِّيُّ:
واضحة الغرَّة محبوبةٌ ... والفرس الصّالح محبوب
وقال بعض العلماء: لم يسمع بمحبٍّ إلا في بيت عنترة.
وإنَّ الذي قال: أحببت، ليجب عليه أن يقول: محبُّ، إلا أنَّ العرب اختارت: أحبَّ في الفعل، وقالت في المفعول: محبوب. وكان سيبويه ينشد هذا البيت بكسر الهمزة:
إحبُّ لحبِّها السودان حتى ... إحبُّ لحبِّها سود الكلاب
فهذا على رأي من قال: مغيرة، فكسر الميم على معنى الإتباع، وليس هو عنده على: حببت أحبُّ.
وقد جاء حببت، قال الشاعر:
ووالله لولا تمره ما حببته ... ولا كان أدنى من عبيدٍ ومرشق
ويقال: إنَّ أبا رجاءٍ العطارديَّ قرأ: فاتَّبعوني يحببكم الله بفتح الياء.
والباب فيما كان مضاعفاً متعدِّياً أن يجيء بالضّمِّ، كقولك: عددت أعدُّ، ورددت أردُّ، وقد جاءت أشياء نوادر كقولهم: شددت الحبل أشد؟ وأشدُّ، ونممت الحديث أنمّ وأنمُّ، وعللت القول أعلُّ وأعلُّ.
وإذا كان غير متعدٍّ فالباب الكسر، كقولهم: حلَّ عليه الدَّين يحلُّ، وجلَّ الأمر يجلُّ.
والضمُّ في غير المتعديّ أكثر من الكسر فيما كان متعدّياً، كقولهم: شَحَّ يَشُحُّ وَيشِحُّ، وشبّ الفرس يَشُبُّ ويَشِبُّ، وصحّ الأمر يَصِحُّ ويَصُحُّ، وفحتِ الحيَّة تَفِحُّ وتفُحُّ، وجّمُّ الماء يَجِمُّ ويَجُمُّ، وجدَّ في الأمر يّجِدُّ ويَجُدُّ في حروفٍ كثيرةٍ.
وينظر فإذا
(1/93)

علقمة بن عبيدة فيقول: أعزز عليَّ بمكانك! ما أغنى عنك سمطا لؤلؤك. يعني قصيدته التي على الباء: طحا بك قلبٌ في الحسان طروب والتي على الميم: هل ما علمت وما استودعت مكتوم فبالذي يقدر على تخليصك، ما أردت بقولك:
فلا تعدلي بيني وبيين مغمَّرٍ ... سقتك روايا المزن حين تصوب
وما القلب، أم ماذكرها ربعيَّة ... يخطُّ لها من ثرمداء قليب
أعنيت بالقليب هذا الذي يورد، أم القبر؟ ولكلٍ وجهٌ حسنٌ.
فيقول علقمة: إنَّك لتستضحك عابساً، وتريد أن تجني الثَّمر يابساً، فعليك شغلك أيُّها السَّليم!
فيقول: لو شفعت لأحدٍ أبياتٌ صادقةٌ ليس فيها ذكر الله، سبحانه، لشفعت لك أبياتك في وصف النَّساء، أعني قولك:
فإن تسألوني بالنسِّاء فإننِّي ... بصيرٌ بأدواء النِّساء طبيب
إذا شاب رأس المرء، أو قلّ ماله، ... فليس له في ودِّهنَّ نصيب
يردن ثراء المال حيث علمنه، ... وشرخ الشِّباب عندهنَّ عجيب
ولو صادفت منك راحةً لسألتك عن قولك:
وفي كلِّ حيٍّ قد خبطَّ بنعمةٍ ... فحُقّ لشاشٍ من نداك ذنوب
أهكذ نطقت بها طاءً مشدّدةً، أم قالها كذلك عربيٌّ سواك؟ فقد يجوز أن يقول الشاعر الكلمة، فيغيِّرها عن تلك الحال الرواة.
وإنَّ في نفسي لحاجةً من قولك:
كأس عزيزٌ من الأعناب عتَّقها ... لبعض أربابها حانيَّةٌ حوم
فقد اختلف النَّاس في قولك حوم، فقيل: أراد حُمَّاً، أي سوداً، فأبدل من إحدى الميمين واواً. وقيل: أراد حوماً أي كثيراً فضمَّ الحاء للضَّرورة، وقيل: حومٌ، يحام بها على الشِّرب أي يطاف.
وكذلك قولك:
يهدي بها أكلف الخدَّين مختبرٌ ... من الجمال كثيرٌ اللّحم عيثوم
فروي: يهدي، بالدَّال غير معجمةٍ، ويهذي بذالٍ معجمةٍ.
وقيل: مختبرٌ، من
(1/94)

اختبار الحوائل من اللواقح، وقيل: هو من الخبير أي الزُّبد، وقيل: الخبير اللحم، وقيل: هو الوبر.

عمرو بن كلثوم
فليت شعري ما فعل عمرو بن كلثوم، فيقال: ها هوذا من تحتك، إن شئت أن تحاوره فحاوره.
فيقول: كيف أنت أيُّها المصطبح بصن الغانية، والمغتبق من الدُّنيا الفانية؟ لوددت أنَّك لم تساند في قولك:
كأنَّ متونهنَّ متون غدرٍ ... تصفِّقها الرَّياح إذا جرينا
فيقول عمروٌ: إنك لقرير العين لا تشعر بما نحن فيه، فأشغل نفسك بتمجيد الله واترك ما ذهب فإنّه لا يعود. وأمّا ذكرك سنادي، فإنَّ الإخوة ليكونون ثلاثةً أو أربعةً، ويكون فيهم الأعرج أو الأبخق فلا يعابون بذلك، فكيف إذا بلغوا المائة في العدد، ورهاقها في المدد؟ فيقول: أعزز عليَّ بأنَّك قصرت على شرب حميم، وأخذت بعملك الذّميم، من بعد ماكانت تسبأ لك القهوة من خُصٍ أو غير خصّ، تقابلك بلون الحصّ.
وقالوا في قولك سخيناً قولين: أحدهما أنّه فعلنا من السّخاء والنون نون المتكلمين، والآخر أنّه من الماء السّخين لأنَّ لأندرين وقاصرين كانتا في ذلك الزمن للرُّوم، ومن شأنهم أن يشربوا الخمر بالماء السَّخين في صيفٍ وشتاءٍ.
ولقد سئل بعض الأدباء بمدينة السِّلام عن قولك:
فما وجدت كوجدي أمُّ سقبٍ ... أضلَّته فرجعت الحنينا
ولا شمطاء لم يترك شقاها ... لها من تسعة إلاّ جنينا
هل يجوز نصب شمطاء. فلم يجب بشيء، وذلك يجوز عندي من وجهين: أحدهما على إضمار فعلٍ دلَّ عليه السامع معرفته به، كأنَّك قلت: ولا أذكر
(1/95)

شمطاء، اي إنَّ حنينها شديدٌ، ويجوز أن يكون على قولك: ولا تنسَ شمطاء، أو نحو ذلك من الأفعال، وهذا كقولك: إنَّ كعب بن مامة جوادٌ ولا حاتماً، أي ولا أذكر حاتماً، أي إنَّه جوادٌ عظيم الجود، قد استغنيت عن ذكره باشتهاره.
والآخر، أن يكون من ولاه المطر إذا سقاه السَّقية الثانية، أي هذا الحنين اتَّفق مع حنيني، فكأنَّه قد صار له وليّاً، ويحتمل أن يكون من ولي يلي، وقلب الياء على اللغة الطائيّة.
وينظر فإذا الحارث اليشكريُ فيقول: لقد أتبعت الرُّواة في تفسير قولك:
زعموا أنَّ كلَّ من ضرب العي ... ر موالٍ لنا، وأنَّا الولاء
وما أحسبك أردت إلا العير الحمار.
ولقد شنَّعت هذه الكلمة بالإقواء في ذلك البيت، ويجوز أن تكون لغتك أن تقف علىآخرالبيت ساكناً، وإذا فعلت ذلك، اشتبه المطلق بالمقيَّد، وصارت هذه القصيدة مضافةً إلى قول الراجز:
دارٌ لظميا وأين ظميا ... أهلكت أم هي بين الأحبا
وبعض الناس من ينشد قولك:
فعشن بخيرٍ لا يضر ... ك النُّوك ما أعطيت جدًّا
فيجمع بين تحريك الشِّين وحذف الياء، من: عاش يعيش، وذلك رديٌ. ومنه قول الآخر:
متى تشئي يا أمَّ عثمان تصرمي ... وأوذنك إيذان الخليط المزايل
وإنّما الكلام: متى تشائي، لأنَّ هذا السّاكن إذا حُرُّك عاد الساكن المحذوف.
ولقد أحسنت في قولك:
(1/96)

لا تكسع الشُّول بأغبارها ... إنَّك لا تدري من النَّاتج
وقد كانوا ف يالجاهليَّة يعكسون ناقة الميت على قبرة، ويزعمون أنَّه إذا نهض لحشره وجدها قد بعثت له فيركبها فليته لا يهص بثقله منكبها. وهيهات! بل حشروا عراةً حفاةً بهماً أي غرلاً وتلك البليَّة ذكرت في قولك:
أتلهَّى بها الهواجر إذ ك ... لُّ ابن همٍّ بليَّةٌ عمياء

طرفة بن العبد
ويعمد لسؤال طرفة بن العبد فيقول: يا ابن أخي يا طرفة خفَّف الله عنك، أتذكر قولك:
كريم يروِّي نفسه في حياته ... ستعلم إن متنا غداً أيُّنا الصَّدي
وقولك:
أرى قبر نحّامٍ بخيلٍ بما له ... كقبر غويٍّ في البطالة مفسد
وقولك:
متى تأتني، صبحك كأساً رويَّةً
وإن كنت عنها غانياً، فاغن وازدد فكيف صبوحك الآن وغبوقك؟ إنّي لأحسبهما حميماً، لا يفتأ من شربهما ذميماً.
وهذا البيت يتنازع فيه: فينّسبه إليك قومٌ، وينسبه آخرون إلى عدىّ بن زيدٍ، وهو بكلامك أشبه، والبيت:
واصفر مضبوحٍ نظرت حويره
على النار، واستودعته كفَّ مجمد وشدَّ ما اختلف النُّحاة في قولك:
أألاأيُّهاذا الزَّاجري أحضر الوغى،
وأن أشهد اللَّذات، هل أنت مخلدي؟ وأمّا سيبويه فيكره نصب أحضر، لأنّه يعتقد أنَّ عوامل الأفعال لا تضمر. وكان الكوفيَّون ينصبون أحضر بالحرف المقدَّر، ويقوَّي ذلك: وأن أشهد
(1/97)

اللَّذات، فجئت بأن، وليس هذا بأبعد من قوله:
مشائيم ليسوا مصلحين قبيلةً، ... ولا ناعبٍ إلاّ ببينٍ غرابها
وقد حكى المازنيُّ عن عليّ بن قطربٍ أنَّه سمع أباء قطرباً، يحكي عن بعض العرب نصب أحضر.
ولقد جئت بأعجوبةٍ في قولك:
لو كان في أملاكنا ملكٌ ... يعصر فينا، كالّذي تعصر
لاجتبت صحني العراق على ... حرفٍ أمونٍ، دفُّها أزور
متَّعني يوم الرّحيل بها ... فرعٌ تنقَّاه القداح يسر
ولكنّك سلكت مسالك العرب، فجئت بقريِّ كلمة المرقِّش:
هل بالدَّيار أن تجيب صمم؟ ... لو كان حيّاً ناطقاً كلُّم
وقول الأعشى: أقصر فكلُّ طالبٍ سيملّ على أنَّ مرقِّشاً خلط في كلمته فقال:
ماذا علينا أن غزا ملكٌ ... من آل جفنة ظالمٌ مرغم
وهذا خروجٌ عمَّا ذهب إليه الخليل.
ولقد كثرت في أمرك أقاويل النَّاس: فمنهم من يزعم أنَّك في ملك النُّعمان اعتقلت، وقال قومٌ: بل الذي فعل بك ما فعل عمرو بن هندٍ.
ولو لم يكن لك أثرٌ في العاجلة إلا قصيدتك التي على الدال، لكنت قد أبقيت أثراً حسناً.
فيقول طرفة: وددت أنّي لم أنطق مصراعاً، وعدمت في الدار الزّائلة إمراعاً، ودخلت الجنَّة مع الهمج والطَّغام، ولم يعمد لمرسي بالإرغام، وكيف لي بهدءٍ وسكون، أركن إليه بعض الركون؟ " وأمّا القاسطون فكانوالجهنِّم حطباً ".
ويلفت
(1/98)

عنقه يتأمّل، فإاذ هو بأوس بن حجر، فيقول: يا أوس، إنَّ أصحابك لا يجيبون السائل فهل لي عندك من جوابٍ؟ فإنِّي أريد أن أسألك عن هذا البيت:
وفارقت وهي لم تجرب، وباع لها
من الفصافص بالنُّمِّيِّ سفسير فإنّه في قصيدتك التي أوِّلها:
هل عاجلٌ من متاع الحيِّ منظور
أم بيت دومة بعد الوصل مهجور ويروي في قصيدة النَّابغة التي أوَّلها:
ودِّع أمامة والتّوديع تعذير،
وماوداعك من قفَّت به العير وكذلك البيت الذي قبله: قد عرِّيت نصف حولٍ اشهراً حدداً يسفي على رحلها في الحيرة المور وكذلك قوله:
إنّ الرَّحيل إلى قومٍ، وإن بعدوا،
أمسوا ومن دونهم ثهلان فالنِّير وكلاكما معدودٌ في الفحول، ايِّ شيءٍ يحمل ذلك؟ فلم تزل تعجبني لاميَّتك التي ذكرت فيها الجرجة وهي الخريطة من الأدم فقلت لمّا وصفت القوس:
فجئت ببيعتي مولياً لا أزيده ... عليه بها، حتَى يؤوب المنخَّل
ثلاثة أبرادٍ جيادٍ، وجرجةٌ، ... وأدكن من أري الدَّبور معسَّل
فيقول أوسٌ: قد بلغني أنَّ نابغة بني ذبيان في الجنَّة، فأسأله عمَا بدا لك فلعلَّه يخبرك، فإنَّه أجدر بأن يعي هذه الأشياء، فأمَّا أنا فقد ذهلت: نارٌ توقد، وبنانٌ يعقد؛ إذا غلب عليَّ الظَّمأ، رفع لي شيءٌ كالنّهر، فإذا اغترقت منه لأشرب، وجدته سعيراً مضطرماً، فليتني أصبحت درماً، وهو الذي يقال
(1/99)

فيه: أودى درمٌ. وهو من بني دبِّ بن مرَّة بن ذهل بن شيبان ولقد دخل الجنَّة من هو شرَّ منِّي، ولكنَّ المغفرة أرزاقٌ، كأنَّها النَّشب في الدار العاجلة. فيقول، صار وليُّه من المتبوعين، وشانئه بالسفَّه من المسبوعين: إنّما أردت أن آخذ عنك هذه الألفاظ، فأتحف بها أهل الجنَّة فأقول: قال لي أوسٌ، وأخبرني أبو شريح.
وكان في عزمي أن أسألك عمّا حكاه سيبويه في قولك:
تواهق رجلاها يداه، ورأسه ... لها قتبٌ خلف الحقيبة رادف
فإنَّي لا أختار أن ترفع الرِّجلان واليدان، ولم تدع إلى ذلك ضرورةٌ، لأنِّك لو قلت: تواهق رجليها يداه لم يزغ الوزن؛ ولعلَّك، إن صحَّ قولك لذلك، أن تكون طلبت المشاكهة، وهذا المذهب يقوى إذا روي: يداها بالإضافة إلى المؤنَّث، فأمَّ في حال الإضافة إلى ضمير المذكَّر فر قوَّة له.
وإنّي لكارهٌ قولك: والخيل خارجةٌ من القسطال أخرجت الاسم إلى مثالٍ قليلٍ، لأنَّ فعلاً لم يجيء في غير المضاعف، وقد حكي: ناقةٌ بها خزعالٌ أي بها ظلعٌ.
ويرى رجلاً في النَّار لا يميّزه من غيره، فيقول: من أنت أيُّها الشَّقيُّ؟ فيقول: أنا أبو كبيرٍ الهذلي، عامر بن الحليس، فيقول: إنَّك لمن أعلام هذيلٍ، ولكني لم أوثر قولك:
أزهير هل عن شيبةٍ من معدل ... أم لا سبيل إلى الشَّباب الأوَّل
وقلت في الأخرى:
أزهير هل عن شيبةٍ من مصرف ... أم لا خلود لعاجزٍ متكلِّف
وقلت في الثّالثة: أزهير هل عن شيبةٍ من معكم أي من محبس فهذا يدلُّ على ضيق عطنك بالقريض، فهلاّ ابتدأت كلَّ قصيدة بفنٍّ؟ والأصمعيُّ
(1/100)

لم يرو لك إلاَّ هذه القصائد الثلاث، وقد حُكي أنّه يروي عنك الرائية التي أوَّلها: أزهير هل عن شيبةٍ من مقصر وأحسن بقولك:
ولقد وردت الماء لم يشرب به ... بين الشّتاء إلى شهور الصّيِّف
إلاّ عواسل كالمراط معيدةً ... باللَّيل مورد أيِّمٍ متغضِّف
زقبٌ يظلُّ الذِّئب يتبع ظلِّه ... فيه، فيستنُّ استنان الأخلف
فصددت عنه ظامئاً، وتركته ... يهتزُّ غلفقه، كأن لم يكشف
فيقول أبو كبيرٍ الهذليّ: كيف لي أن أقضم على جمراتٍ محرقاتٍ، لأرد عذاباً غدقاتٍ؟ وإنَّما كلام أهل سقر ويلٌ وعويلٌ، ليس لهم إلاّ ذلك حويلٌ، فاذهب لطيّتك، واحذر أن تشغل عن مطيَّتك.
فيقول، بلَّغه الله أقاصي الأمل: كيف لا أجذل وقد ضمنت لي الرَّحمة الدائمة، ضمنها من يصدق ضمانه، ويعمُّ أهل الخيفة أمانة؟ فيقول: ما فعل صخر الغيِّ؟ فيقال: هاهو حيث تراه. فيقول: يا صخر الغىِّ ما فعلت دهماؤك؟ لا أرضك لها ولا سماؤك! كانت في عهدك وشبابها رؤدٌ، يأخذك من حبابها الزَّؤد، فلذلك قلت:
إنّي بدهماء عزِّ ما أجد ... يعتادني من حبابها زؤد!
وأين حصل تليدك؟ شغلك عنه تخليدك، وحقّ لك أن تنساه، كما ذهل وحشيُّ دمي نساه.
وإذا هو برجلٍ يتضوّر، فيقول: من هذا؟ فيقال: الأخطل التَّغلبيّ، فيقول له: ما زالت صفتك للخمر، حتى غادرتك أكلاً للجمر، كم طربت السَّادات على قولك:
أناخوا فجرّوا شاصياتٍ كأنَّها ... رجالٌ من السُّودان لم يتسربلوا
(1/101)

فقلت: اصبحوني، لا أبا لأبيكم ... وما وضعوا الأثقال إلاّ ليفعلوا
فصبوا عقاراً في الإناء كأنَّها، ... إذا لمحوها، جذوةٌ تتأكّل
وجاؤوا ببيسانيَّةٍ هي، بعدما ... يعلُّ بها السّاقي، ألذُّ وأسهل
تمرُ بها الأيدي سنيحاً وبارحاً، ... وتوضع باللَّهم حيَّ، وتحمل
فتوقف أحياناً، فيفصل بيننا ... غناء مغنٍّ، أو شواءٌ مرعبل
فلذَّت لمرتاحٍ، وطابت لشاربٍ ... وراجعني منها مراحٌ وأخيل
فما لبَّثتنا نشوةٌ لحقت بنا ... توابعها ممّا نُعلّ وننّهل
تدبُّ دبيباً في العظام كأنَّه ... دبيب نمالٍ في نقاً يتهيّل
ربت وربا في كرمها ابن مدينةٍ ... مكبٌّ على مسحاته يتركَّل
إذا خاف من نجمٍ عليها ظماءةً ... أدَّب إليها جدولاً يتسلسل
فقلت: اقتلوها عنكم بمزاجها، ... وحبَّ بها مقتولةً حين تقتل
فقال التَّغلبيّ: إنّي جررت الذّارع، ولقيت الدَّارع، وهجرت الآبدة، ورجوت أن تدعى النَّفس العابدة، ولكن أبت الأقضية.
فيقول، أحلَّ الله الهلكة بمبغضيه: أخطأت في أمرين، جاء الإسلام فعجزت أن تدخل فيه، ولزمت أخلاق سفيه؛ وعاشرت يزيد بن معاوية، وأطعت نفسك الغاوية؛ وآثرت ما فني على باقٍ، فكيف لك بالإباق؟ فيزفر الأخطل زفرةً تعجب لها الزَّبانية، ويقول: آه على أيّام يزيد أسوف عنده عنبرا، ولا أعدم لديه سيسنبرا؛ وأمزح معه مزح خليل، فيحتملني احتمال الجليل؛ وكم ألبسني من موشيّ، أسحبه في البكرة أو العشيّ، وكأنِّي بالقيان الصّدحة بين يديه تغنِّيه بقوله:
(1/102)

ولها بالماطرون إذا ... أنفذ النّمل الذي جمعا
خلفةٌ حتى إذا ظهرت ... سكنتت من جلِّقٍ بيعا
في قبابٍ حول دسكرةٍ ... حولها الزّيتون قد ينعا
وقفت للبدر ترقبه، ... فإذا بالبدر قد طلعا
ولقد فاكهته في بعض الأيَّام وأنا سكران ملتخٌّ فقلت:
اسلم سلمت أبا خالدٍ ... وحيَّاك ربُّك بالعنقز
اكلت الدَّجاج فأفنيتها، ... فهل في الخنانيص من مغمز
فما زادني عن ابتسام، واهنزَّ للصِّلة كاهتزاز الحسام فيقول، أدام الله تمكينه: من ثمَّ أتيت! أما علمت أنّ ذلك الرجل عاندٌ، وفي جبال المعصية ساندٌ؟ فعلام اطَّلعت من مذهبه: أكان موحِّداً، أم وجدته في النُّسك ملحداً؟ فيقول الأخطل: كانت تعجبه هذه الأبيات:
أخالد هاتي خبِّريني وأعلني ... حديثك، إنَّي لا أسرُّ التنّاجيا
حديث أبي سفيان لمّا سما بها ... إلى أحدٍ حتى أقام البواكيا
وكيف بغى أمراً عليَّ ففاته ... وأورثه الجدُّ السَّعيد معاويا
وقومي فعلَّيني على ذاك قهوةً ... تحلَّبها العيسيُّ كرماً شآميا
إذا ما نظرنا في أمورٍ قديمةٍ ... وجدنا حلالاً شربها المتواليا
فلا خلف بين النَّاس أنَّ محمّداً ... تبوّأ رمساً في المدينة ثاويا
فيقول، جعل الله أوقاته كلَّها سعيدةً: عليك البهلة! قد ذهلت الشّعراء من أهل الجنّة والنَّار عن المدح والنَّسيب، وما شُدهت عن كفرك ولا إساءتك. وإبليس يسمع ذلك الخطاب كلُّه فيقول للزَّبيانية: ما رأيت أعجز
(1/103)

منكم إخوان مالكٍ! فيقولون: كيف زعمت ذلك يا أبا مرّة؟ فيقول: ألا تسمعون هذا المتكلِّم بما لا يعنيه؟ قد شغلكم وشغل غيركم عمّا هو فيه! فلو أنَّ فيكم صاحب نحيزةٍ قويَّةٍ، لوثب وثبةً حتى يلحق به فيجذبه إلى سقر. فيقولون: لم تصنع شيئاً يا أبا زوبعة! ليس لنا على أهل الجنَّة سبيلٌ.
فإذا سمع، أسمعه الله محاَّبه، ما يقول إبليس، أخذ في شتمه ولعنه وإظهار الشَّماتة به. فيقول، عليه اللَّعنة: ألم تنهوا عن الشَّمات يا بني آدم؟ ولكنَّكم، بحمد الله، ما زجرتم عن شيءٍ إلاّ وركبتموه. فيقول، واصل الله الإحسان إليه: أنت بدأت آدم بالشَّماتة، والبادىء أظلم: ثمَّ يعود إلى كلام الأخطل فيقول: أأنت القائل هذه الأبيات:
ولست بصائمٍ رمضان طوعاً ... ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بقائمٍ كالعير أدعو ... قبيل الصُّبح: حيَّ على الفلاح!
ولكنَّي سأشربها شمولاً ... زأسجد عند منبلج الصِّباح!
فيقول: أجلٌ، وإنَّي لنادمٌ سادمٌ، وهل أغنت النَّدامة عن أخي كسعٍ؟ ويملُّ من خطاب أهل النَّار، فينصرف إلى قصره المشيد، فإذا صار على ميلٍ أو ميلين، ذكر أنَّه ما سأل عن مهلهل التَّغلبيَّ ولا عن المرقِّشين وأنَّه أغفل الشَّنفرى وتأبَّط شرّاً، فيرجع على أدراجه، فيقف بذلك الموقف ينادي: أين عديُّ ابن ربيعة؟ فيقال: زد في البيان. فيقول: الذي يستشهد النُّحويُّون بقوله:
ضربت صدرها إليَّ وقالت: ... يا عديّاً لقد وقتك الأواقي
وقد استشهدوا له بأشياء كقوله:
ولقد خبطن بيوت يشكر خبطةً، ... أخوالنا، وهم بنو الأعمام
(1/104)

وقوله:

الندامى
ما أرجِّي بالعيش بعد ندامى ... كلُّهم قد سقوا بكأس حلاق
فيقال: إنّك لتعرِّف صاحبك بأمرٍ لا معرفة عندنا به، ما النّحويّون؟ وما الاستشهاد؟ وما هذا الهذيان؟ نحن خزنة النَّار، فبيِّن غرضك تُجب إليه.
فيقول: أريد المعروف بمهلهلٍ التَّغلبيِّ، أخي كُليب وائلٍ الذي كان يضرب به المثل.
فيقال: ها هو ذا يسمع حوارك، فقل ماتشاء.
فيقول: يا عديَّ بن ربيعة، أعزز عليَّ بولوجك هذا المؤلج! لو لم آسف عليك إلا لأجل قصيدتك التي أوَّلها:
أليلتنا بذي حسمٍ أنيري ... إذا أنت انقضيت فلا تحوري
لكانت جديرةً أن تطيل الأسف عليك، وقد كنت إذا أنشدت أبياتك في ابنتك المزوَّجة في جنب تغرورق من الحزن عيناي، فأخبرني لِمَ سُمَّيت مهلهلاً؟ فقد قيل: إنّك سُمَّيت بذلك لأنَّك أوَّل من هلهل الشِّعر أيّ رقَّقه.
فيقول: إنَّ الكذب لكثيرٌ، وإنَّما كان لي أخٌ يقال له امرؤ القيس فأغار علينا زهيربن جنابٍ الكلبيُّ، فتبعه أخي في زرافةٍ من قومه، فقال في ذلك:
لما توقَّل في الكراع هجينهم ... هلهلت أثار مالكاً أو صنبلا
وكأنَّه بازٌ علته كبرةٌ ... يهدي بشكَّته الرَّعيل الأوَّلا
هلهلت: أي قاربت، ويقال: توقَّفت، يعني بالهجين زهير بن جنابٍ. فسمَّي مهلهلاً فلمَّاهلك شبَّهت به فقيل لي: مهلهل. فيقول: الآن شفيت صدري بحقيقة اليقين.
فأخبرني عن هذا البيت الذي يروى لك:
أرعدوا ساعة الهياج وأبرق ... نا كما توعد الفحول الفحولا
(1/105)

فإنَّ الأصمعيَّ كان ينكره ويقول: إنّه مولَّدٌ، وكان أبو زيدٍ يستشهد به ويثبته.
فيقول: طال الأبد على لبدٍ! لقد نسيت ما قلت في الدار الفانية، فما الذي أنكر منه؟ فيقول: زعم الأصمعيُّ أنَّه لا يقال أرعد وأبرق في الوعيد ولا في السّحاب.
فيقول: إنَّ ذلك لخطأٌ من القول، وإنَّ هذا البيت لم يقله إلاّ رجلٌ من جذم الفصاحة، إما أنا وإمَّا سواي، فخذ به وأعرض عن قول السُّفهاء.
ويسأل عن المرقِّش الأكبر، فإذا هو به في أطباق العذاب، فيقول: خفَّف الله عنك أيُّها الشَّاب المغتصب، فلم أزل في الدار العاجلة حزيناً لما أصابك به الرّجل الغفُليُّ، أحد بني غفيلة ابن قاسطٍ، فعليه بهلة الله! وإنّ قوماً من أهل الإسلام كانوا يستزرون بقصيدتك الميميَّة التي أوّلها:
هل بالدّيار أن تجيب صمم ... لو كان حيّاً ناطقاً كلَّم
وإنّها عندي لمن المفردات، وكان يعض الأدباء يرى أنَّها والميميَّة التي قالها المرقَّش الأصغر ناقصتان عن القصائد المُفضَّليَّات، ولقد وهم صاحب هذه المقالة.
وبعض النّاس يروي هذا الشّعر لك:
تخيّرت من نعمان عود أراكةٍ،
لهندٍ، ولكن من يبلغه هندا؟
خليلي َّجوراً بارك الله فيكما،
وإن لم تكن هندٌ لأرضكما قصدا
وقولا لها: ليس الضّلال أجارنا
ولكننَّا جُرنا لنلقاكم عمدا ولم أجدها في ديوانك، فهل ما حُكي صحيحٌ عنك؟ فيقول: لقد قلت أشياء كثيرةً، منها ما نُقل إليكم ومنها ما لم يُنقل، وقد يجوز أن أكون قلت هذه الأبيات ولكني سرفتها لطول الأبد، ولعلَّك تنكر أنّها في هندٍ، وأنَّ صاحبتي أسماء، فلا تنفر من ذلك، فقد ينتقل المُشبِّب من الاسم إلى الاسم، ويكون في بعض عُمره مُستهتراً بشخصٍ من النّاس، ثمّ ينصرف إلى شخصٍ
(1/106)

آخر، ألا تسمع إلى قولي:
سفهٌ تذكُّره خويلة بعدما ... حالت ذُرا نجران دون لقائها
وينعطف إلى المُرقِّش الأصغر فيسأله عن شأنه مع بنت المنذر وبنت عجلان فيجده غير خبيرٍ، قد نسي لترادف الأحقاب فيقول: ألا تذكر ما صنع بك جنابٌ الذي تقول فيه:
فآلى جنابٌ حلفةً فأطعته، ... فنفسك ولِّ اللَّوم إن كنت لائما
فيقول: وما صنع جناب؟ لقد لقيت الأقورين، وسقيت الأمرَّين، وكيف لي بعذاب الدَّار العاجلة!.
فإذا لم يجد عنده طائلاً تركه، وسأل عن الشَّنفرى الأزديِّ فألفاه قليل التِّشكِّي والتَّألّم لما هو فيه، فيقول: إنَّي لا أراك قلقاً مثل قلق أصحابك. فيقول: أجل، إنَّي قلت بيتاً في الدّار الخادعة فأنا أتأدَّب به حيريَّ الدهر، وذلك قولي:
غوى فغوت، ثم ارعوى بعد وارعوت
وللصبر إن لم ينفع الشكو أجمل وإذا هو قرينٌ مع تأبَّط شرّاً، كما كان في الدَّار الغرَّارة.
فيقول، أسنى الله حظَّه من المغفرة، لتأبّط شرّاً: أحقُّ ما روي عنك من نكاح الغيلان؟ فيقول: لقد كنَّا في الجاهليَّة نتقوَّل ونتخرَّض، فما جاءك عنَّا ممّا ينكره المعقول فإنّه من الأكاذيب، والزَّمن كلَّه على سجيَّةٍ واحدةٍ، فالذي شاهده معدُّ بن عدنان كالذي شاهد نضاضة ولد آدم. والنُّضاضة آخر ولد الرَّجل.
فيقول، أجزل الله عطاءه من الغفران: نّقلت إلينا أبياتٌ تنُسب إليك:
أنا الذي نكح الغيلان في بلدٍ ... ما طلَّ فيه سماكيُّ ولا جاد
في حيث لا يعمت الغادي عمايته ... ولا الظَّليم به يبغي تهبّادا
(1/107)

وقد لهوت بمصقولٍ عوارضها ... بكرٍ تُنازعني كأساً وعنقادا
ثمّ انقضى عصرها عنِّي وأعقبه ... عصر المشيب، فقل في صالح: بادا
فاستدللت على أنّها لك لمَّا قلت: تهبّادا، مصدر تهبَّد الظليم إذا أكل الهبيد، فقلت: هذا مثل قوله في القافيَّة:
طيف ابنة الحرِّ إذ كُنَّا نواصلها
ثمّ اجتننت بها بعد التِّفرّاق مصدر تفرَّقوا تفرّاقاً، وهذا مطَّردٌ في تفعَّل، وإن كان قليلاً في الشعر، كما قال أبو زبيدٍ:
فثار الزَّاجرون فزاد منهم ... تقرّاباً، وصادفه ضبيس
فلا يجيبه تأبَّط شراً بطائلٍ.
فإذا رأى قلة الفوائد لديهم، تركهم في الشَّقاء السّرمد، وعمد لمحلِّه في الجنان، فيلقى آدم، عليه السّلام، في الطّريق فيقول: يا أبانا، صلَّى الله عليك، قد روي لنا عنك شعرٌ: منه قولك:
نحن بنو الأرض وسكَّانها ... منها خُلقنا، وإليها نعود
والسَّعد لا يبقى لأصحابه ... والنَّحس تَّمحوه ليالي السُّعود
فيقول: إنَّ هذا القول حقُّ، وما نطقه إلاّ بعض الحكماء، ولكنِّي لم أسمع به حتى السّاعة.
فيقول: وفرّ الله قسمه في الثَّواب: فلعلَّك يا أبانا قُلته ثمَّ نسيت، فقد علمت أنَّ النِّسيان متسرّعٌ إليك، وحسبك شهيداً على ذلك الآية المتلوَّة في فرقان محمَّدٍ، صلّى الله عليه وسلم: " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً " وقد زعم بعض العلماء أنّك إنّما سمِّيت إنساناً لنسيانك، واحتجَّ على ذلك بقولهم في التَّصغير: أنيسيان، وفي الجمع: أناسيّ، وقد روي أنَّ الإنسان من النَّسيان عن ابن عبَّاس، وقال الطائيّ:
(1/108)

لا تنسين تلك العهود وإنَّما ... سُميِّيت إنساناً لأنّك ناس
وقرأ بعضهم: " ثمَّ أفيضوا من حيث أفاض النَّاس بكس السَّين، يريد النّاسي، فحذف الياء، كما حذفت في قوله: سواء العاكف فيه والباد. فأمّا البصريُّون فيعتقدون أنَّ الإنسان من الأنس، وأنَّ قولهم في التَّصغير: أنيسيان، شاذ، وقولهم في الجمع: أناسيُّ، أصله أناسين، فأبدلت الياء من النون. والقول الأوَّل أحسن.

آدم كان ينطق العربية في الجنة
فيقول آدم، صلَّى الله عليه: أبيتم إلاَّ عقوقاً وأذيَّةً، إنّما كنت أتكلَّم بالعربيَّة وأنا في الجنَّة، فلمّا هبطت إلى الأرض نُقل لساني إلى السُّريانيَّة، فلم أئطق بغيرها إلى أن هلكت، فلمَّا ردَّني الله، سبحانه وتعالى، عادت عليَّ العربيَّة، فأيُّ حينٍ نظمت هذا الشعر: في العاجلة أم الآجلة؟ والذي قال ذلك يجب أن يكون قاله وهو في الدار الماكرة، ألا ترى قوله: منها خُلقنا وإليها نعود فكيف أقول هذا المقال ولساني سُريانيُّ؟ وأمَّا الجنّة قبل أن أخرج منها فلم أكن أدري بالموت فيها، وأنّه ممّا حُكم على العباد، صُيِّر كأطواق حمام، وما رعى لأحدٍ من ذمامٍ، وأمّا بعد رجوعي إليها، فلا معنى لقولي: وإليها نعود، لأنَّه كذبٌ لا محالة، ونحن معاشر أهل الجنَّة خالدن مخلَّدون.
فيقول، قُضي له بالسَّعد المؤرَّب: إن بعض أهل السَّير يزعم أنَّ هذا الشّعر وجده يعرب في متقدم الصُّحف بالسُّريانيَّة، فنقله إلى لسانه، وهذا لا يمتنع أن يكون.
وكذلك يروون لك، صلَّى الله عليك، لمّا قتل قابيل هابيل:
تغيَّرت البلاد ومن عنيها ... فوجه الأرض مغبرُّ قبيح
وأودى ربع أهلها، فبانوا ... وغودر في الثَّرى الوجه المليح
وبعضهم ينشد: وزال بشاشة الوجه المليح على الأقواء. وفي حكايةٍ، معناها
(1/109)

على ما أذكر أنَّ رجلاً من بعض ولدك يعرف بإبن دريد أنشد هذا الشعر، وكانت روايته: وزال بشاشة الوجه المليح فقال: أوَّل ما قال: أقوى.
وكان في المجلس أو سعيد السِّيرافيُّ فقال: يجوز أن يكون قال: وزال بشاشة الوجه المليح بنصب بشاشة على التَّمييز، وبحذف التَّنوين لإلتقاء السّاكنين، كما قال:
عمرو الذي هشم الثَّريد لقومه
ورجال مكَّة مسنتون عجاف قلت أنا: هذا الوجه الذي قاله أبو سعيدٍ شرٌّ من إقواء عشر مراتٍ في القصيدة الواحدة.
فيقول آدم، صلّى الله عليه: أعزز عليَّ بكم معشر أبينيَّ! إنّكم في الضَّلالة متهوِّكون! آليت ما نطقت هذا النّظيم، ولا نطق في عصري، وإنَّما نظمه بعض الفارغين، فلا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله! كذبتم علىخالقكم وربَّكم، ثمَّ على آدم أبيكم، ثمَّ على حوُّاء أمِّكم، وكذب بعضكم على بعض، ومآلكم في ذلك الأرض.

ذات الصفا
ثمّ يضرب سائراً في الفردوس فإذا هو بروضة مؤنقةٍ، وإذا هو بحيَّاتٍ يلعبن ويتماقلن، يتخاففن ويتثاقلن، فيقول: لا إله إلاّ الله! وما تصنع حيّةٌ في الجنّة؟ فينطقها الله، جلَّت عظمته، بعدما ألهمها المعرفة بهاجس الخلد فتقول، أما سمعت في عمرك بذات الصَّفاء، الوافية لصاحبٍ ما وفى؟ كانت تنزل بواد خصيب، ما زمنها في العيشة بقصيب، وكانت تصنع إليه الجميل في ورد الظاهرة والغب، وليس من كفر للمؤمن بسبٍّ فلمّا ثمَّر بودِّها ماله، وأمل أن يجتذب آماله، ذكر عندها ثاره، وأراد أن يفتقر آثاره، وأكبّ على فآسٍ معملةٍ، يحدُّ غرابها للآملة، ووقف للسّاعية على صخرةٍ، وهمَّ أن ينتقم منها
(1/110)

بأخرةٍ، وكان أخوه ممَّن قتلته، جاهرته في الحادثة أو قيل ختلته، فضربها ضربةً، وأهون بالمقر شربةً، إذا الرَّجل أحسَّ التَّلف، وفقد من الأنيس الخلف! فلمَّا وقيت ضربة فأسه، والحقد يمسك بأنفاسه، ندم على ما صنع أشدَّ النّدم، ومن له في الجدة بالعدم؟ فقال للحيّة مخادعاً، ولم يكن بما كتم صادعاً: هل لك أن نكون خلَّين، ونحفظ العهد إليَّن؟ ودعاها بالسفه إلى حلف، وقد سُقي من الغدر بخلف. فقالت: لا أفعل وإن طال الدَّهر، وكم قصم بالغير ظهرٌ! إنِّي أجدك فاجراً مسحوراً، لم تأل في خُلَّتك حوراً؛ تأبى لي صكَّةٌ فوق الرأس، مارستها أبأس مراسٍ، ويمنعك من أربك قبرٌ محفور، والأعمال الصّالحة لها وفور.
وقد وصف ذلك نابغة بني ذبيان فقال:
وإنِّي لألقى من ذوي الضِّغن منهم،
وما أصبحت تشكو من البثّ ساهره
كما لقيت ذات الصَّفا من خليلها،
وكانت تديه المال غباً وظاهره
فلمّا رأى أن ثمر الله ماله،
فأصبح مسروراً، وسدَّ مفاقره
أكبَّ على فأسٍ يحدُّ غرابها
مذكَّرةٍ، من المعاول، باترة
وقام على جحرٍ لها فوق صخرةٍ،
ليقتلها، أو تخطىء الكفُّ بادره
فلمّا وقاها الله ضربة فأسه
وللبرِّ عينٌ لا تغمِّض ناظره
فقال: تعالي نجعل الله بيننا
على مالنا، أو تنجزي لي آخره
فقالت: معاذ الله أفعل إننّي
رأيتك مسحوراً يمينك فاجره
أبى لي قبرٌ لا يزال مقابلي،
وضربة فأسٍ فوق رأسي فاقره وتقول حيّةٌ أخرى: إنّي كنت أسكن في دار الحسن البصريِّ فيتلو القرآن
(1/111)

ليلاً، فتلقَّيت منه الكتاب من أوَّله إلى آخره.
فيقول، لا زال الرُّشد قريناً لمحلِّه: فكيف سمعته يقرأ: فالق الإصباح؟ فإنَّه يروى عنه بفتح الهمزة كأنّه جمع صبحٍ، وكذلك: بالعشيِّ والإبكار كأنّه جمع بكرٍ، من قولهم: لقيته بكراً، وإذا قلنا: إنَّ أنعماً وأشدّاً جمع نعمة بكرةٍ، على طرح الهاء، فيجوز أن تكون الأبكار جمع بكرةٍ، فتكون على قولنا: بكرٌ وأبكارٌ، كما يقال جندٌ وأجناد.
فتقول: لقد سمعته يقرأ هذه القراءة، وكنت عليها برهةً من الدَّهر، فلمّا توفَّي، رحمه الله، انتقلت إلى جدارٍ في دار أبي عمرو بن العلاء، فسمعته يقرأ، فرغبت عن حروفٍ من قراءة الحسن كهذين الحرفين، وكقوله: الأنجيل، بفتح الهمزة. فلمَّا توفِّي أبو عمرو كرهت المقام، فانتقلت إلى الكوفة، فأقمت في جوار حمزة بن حبيبٍ، فسمعته يقرأ بأشياء ينكره عليه أصحاب العربيَّة، كخفض الأرحام في قوله تعالى: " واتَّقوا الله الذّي تساءلون به والأرحام " وكسر الياء في قوله تعالى: " وما أنتم بمصرخيّ " وكذلك سكون الهمزة في قوله تعالى: " استكباراً في الأرض ومكر السّيء " وهذا إغلاقٌ لباب العربيَّة، لأنَّ الفرقان ليس بموضع ضرورةٍ، وإنّما حُكي مثل هذا في المنظوم. وقد روي أنَّ امرأ القيس قال:
فاليوم أشرب غير مستحقبٍ ... إثماً من الله، ولا واغل
وبعضهم يروي: فاليوم أسقى، وإذا روي: فاليوم أشرب، فيجوز أن يكون ثمَّ إشارةٌ إلى الضمَّ لا حكم لها في الوزن، فقد زعم سيبويه أنَّهم يفعلون ذلك في قول الراجز:
متى أنام لا يؤرِّقني الكرى، ... ليلاً ولا أسمع أصوات المطي
(1/112)

وهذا يدل على أنَّهم لم يكونوا يحفلون بطرح الإعراب، فأمّا قول الرَّاجز:
إذا اعوججن قلت: صاحب قوِّم
في الدَّوِّ، أمثال السَّفين العوَّم فإنَّه من عجيب ما جاء، وقد بله قائله عن أن يقول: صاح قوِّم، فلا يكون بالوزن إخلالٌ، ولكنَّ الذين يحتجُّون له يزعمون أنَّه أراد أن يعادل بين الجزئين، لأنَّ قوله: حب قوِّم، في وزن قوله: نل عوَّم، وهذا يشبه ما ادَّعوه في قول الهذلي:
أبيت على معاري فاخرات ... بهنَّ ملوَّب كدم العباط
يزعم النّحويُّون أنَّ قوله: معاري، بفتح الياء، حمله عليه كراهه الزِّحاف، وهذا قولٌ ينتقض، لأنَّ في هذه الطائيَّة أبياتاً كثيرةً لا تخلو من زحافٍ، وكلُّ قصيدةٍ للعرب وغيرها على هذا القريِّ.
وكذلك قوله:
عرفت بأجدثٍ فنعاف عرقٍ ... علاماتٍ كتحبير النِّماط
فيه زحافان من هذا الجنس، ثمَّ يجيء في كلِّ الأبيات إلا أن يندر شيءٌ. وقد روي عن الأصمعيِّ أنَّه لم يسمع العرب تنشد إلا: أبيت على معارٍ، بالتّنوين، وهذا لا ينقض مذهب أصحاب القياس، إذا كانوا يروون عن أهل الفصاحة خلافه.
ويهكر، أزلفه الله مع الأبرار المتَّقين، لما سمع من تلك الحيَّة، فتقول هي: ألا تقيم عندنا برهةً من الدَّهر؟ فإنِّي إذا شئت انتفضث من إهابي فصرت مثل أحسن غواني الجنَّة، لو ترشَّفت رضابي لعلمت أنّه أفضل من الدِّرياقة التي ذكرها ابن مقبلٍ في قوله:
سقتني بصهباء درياقةٍ ... متى ما تليِّن عظامي تلن
ولو تنفَّست في وجهك لأعلمتك أنَّ صاحبة عنترة تفلةٌ صدوفٌ والصَّدوف:
(1/113)

الكريهة رائحة الفم، وإنّما تعني قوله:
وكأنَّ فارة تاجرٍ بقسيمةٍ
سبقت عوارضها إليك من الفم ولو أدنيت وسادك إلى وسادي، لفضِّلتني على التي يقول فيها الأوَّل:
باتت رقوداً سار الرَّكب مدَّلجاً،
وما الأوانس في فكرٍ لسارينا
كأنَّ ريقتها مسكٌ على ضربٍ،
شيبت بأصهب من بيع الشآمينا
يا ربّ، لا تسلبني حبَّها أبداً،
ويرحم الله عبداً قال: آمينا فيذعر منها، جعل الله أمنه متَّصلاً، والطّالب شأوه من تقصير منتصلاً، ويذهب مهرولاً في الجنَّة ويقول في نفسه: كيف يركن إلى حيَّةٍ شرفها السُّمُّ، ولها بالفتكة همّ؟ فتناديه: هلُمَّ إن شئت اللَّذَّة، فإنَّي لأفضل من حيَّة ابنة مالكٍ التي ذكرها العبسيُّ في قوله:
ما ولدتني حيَّة ابنة مالكٍ ... سفاحاً، ولا قولي أحاديث كاذب
وأحمد عشاراً من حيَّة ابنة أزهر التي يقول فيها القائل:
إذا ما شربنا ماء مزنٍ بقهوةٍ ... ذكرنا عليها حيَّة ابنة أزهرا
ولو أقمت عندنا إلى أن تخبر ودَّنا وإنصافنا، لندمت إن كنت في الدَّار العاجلة قتلت حّيةً أو عثماناً.
فيقول وهو يسمع خطابها الرَّائق: لقد ضيّق الله عليَّ مراشف الحور الحسان، إن رضيت بترشُّف هذه الحيَّة.
فإذا ضرب في غيطان الجنَّة، لقيته الجارية التي خرجت من تلك الثَّمرة فتقول: إنِّي لأنتظرك منذ حينٍ فما الذي شجنك عن المزار؟ ما طالت الإقامة معك، فأملَّ بالمحاورة مسمعك، قد كان يحقُّ لي أن أوثر لديك على حسب ما تنفرد به العروس، يخصُّها الرّجل بشيءٍ دون الأزواج.
فيقول:
(1/114)

كانت في نفسي مآرب من مخاطبة أهل النّار، فلمّا قضيت من ذلك وطراً عدت إليك، فاتبعيني بين كثب العنبر وأنقاء المسك.
فيتخلّل بها أهاضيب الفردوس ورمال الجنان؛ فتقول: أيّها العبد المرحوم، أظنُّك تحتذي بي فعال الكنديّ في قوله:
فقمت بها أمشي، تجرُّ وراءنا
على إثرنا أذيال مرطٍ مرحَّل
فلمّا أجزنا ساحة الحيّ، وانتحى
بنا بطن خبثٍ ذي قفافٍ عقنقل
هصرت بفودي رأسها فتمايلت
عليَّ هضيم الكشح ريَّا المخلخل فيقول: العجب لقدرة الله! لقد أصبت ما خطر في السُّويداء، فمن أين لك علمٌ بالكنديّ وإنَّما نشأت في ثمرةٍ تبعدك من جنٍّ وأنيس؟ فيقول: إنَّ الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
ويعرض له حديث امرىء القيس في داره جلجلٍ، فينشىء الله، جلّت عظمته، حوراً عيناً يتماقلن في نهرٍ من أنهار الجنَّة، وفيهنَّ من تفضلهنّ كصاحبة امرىء القيس، فيترامين بالثَّرمد، وإنّما هو كأجلِّ طيب الجنَّة، ويعقر لهنَّ الرَّاحلة، فيأكل ويأكلن من بضيعها ما ليس تقع الصِّفة عليه من إمتاعٍ ولذاذةٍ.
ويمرُّ بأبياتٍ ليس لها سموق أبيات الجنّة، فيسأل عنها فيقال: هذه جنِّة الرُّجز، يكون فيها: أغلب بني عجلٍ والعجَّاج ورؤبة وأبو النّجم وحميدٌ الأرقط وعذافر بن أوسٍ وأبو نخيلة وكلُّ من غفر له من الرُّجاز، فيقول: تبارك العزيز الوَّهاب! لقد صدق الحديث المرويُّ إنَّ الله يحبُّ معالي الأمور ويكره سفسافها؛ وإنَّ الرّجز لمن سفساف القريض، قصّرتم أيّها النَّفر فقصر بكم.
ويعرض له رؤبة فيقول: يا أبا الجحّاف، ما أكلفك بقوافٍ ليست بالمعجبة تصنع رجزاً على الغين
(1/115)

ورجزً على الطاء وعلى الظاء، وعلى غير ذلك من الحروف النّافرة، ولم تكن صاحب مثلٍ مذكورٍ، ولا لفظٍ يستحسن عذبٍ.
فيغضب رؤبة ويقول: ألي تقول هذا وعنِّي أخذ الخليل، وكذلك أبو عمرو بن العلاء، غبرت في الدّار السّالفة تفتخر بالَّلفظة تقع إليك ممّا نقله أولئك عنِّي وعن أشباهي؟ فإذا رأى، لا زال خصمه مغلَّباً، ما في رؤبة من الانتخاء قال: لو سبك رجزك ورجزاً أبيك، لم تخرج منه قصيدةٌ مستحسنةٌ، ولقد بلغني أنَّ أبا مسلم كلَّمك بكلامٍ فيه ابن ثأداء، فلم تعرفها حتى سألت عنها بالحيِّ، ولقد كنت تأخذ جوائز الملوك بغير استحقاق، وإنّ غيرك أولى بالأعطية والصِّلات.
فيقول رؤبة: أليس رئيسكم في القديم، والذي ضهلت إليه المقاييس، كان يستشهد بقولي ويجعلني له كالأمام؟ فيقول، وهو بالقول منطقٌ: لا فخر لك أن استشهد بكلامك، فقد وجدناهم يستشهدون بكلام أمةٍ وكعاء يحمل القطل إلى النّار الموقدة في السَّبرة التي نفض عليها الشَّبم ريشه، وهدم وأجلُّ أيامها أن تجني عساقل ومغروداً، وتتلو نعماً مطروداً، وإنَّ بعلها في المهنة لسَّيء العذير، غلظ عن الفطن والتَّحذير، وكم روى النُّحاة عن طفلٍ، ماله في الأدب من كفلٍ، وعن امرأةٍ، لم تعدّ يوماً الدّرأة.
فيقول رؤبة: أجئت لخصامنا في هذا المنزل؟ فامض لطيّتك، فقد أخذت بكلامنا ما شاء الله. فيقول، أسكت الله مجادلة: أقسمت ما يصلح كلامكم للثنّاء، ولا يفضل عن الهناء، تصكُّون مسامع الممتدح بالجندل، وإنَّما يطرب إلى المندل ومتى خرجتم عن صفة جملٍ،
(1/116)

ترثون له من طول العمر، إلى صفة فرسٍ سابحٍ، أو كلبٍ للقنص نابح، فإنًّكم غير الرّاشدين فيقول رؤبة: إنّ الله سبحانه وتعالى قال: " يتنازعون فيها كأساً لا لغوٌ فيها ولا تأثيم، وإن كلامك لمن اللغو، ما أنت إلى النصغة بذي صغو.

العجّاج
فإذا طالت المخاطبة بينه وبين رؤبة، سمع العجّاج فجاء يسأل المحاجزة.
ويذكر، أذكره الله بالصّالحات، ما كان يلحق أخا النِّدام، من فتور في الجسد من المدام، فيختار أن يعرض له ذلك من غير أن ينزف له لبُّ، ولا يتغير عليه خبَّ فإذا هو يخال في العظام النّاعمة دبيب نملٍ، أسرى في المقمرة على رملٍ، فيترنَّم بقول إياس بن الأرتِّ:
أعاذل لو شربت الخمر حتى ... يظلَّ لكلِّ أنملةٍ دبيب
إذاً لعذرتني وعلمت أنِّي ... لما أتلفت من مالي مُصيب
ويتَّكىء على مفرشٍ من السُّندس، ويأمر الحور العين أن يحملن ذلك المفرش فيضعنه على سريرٍ من سرر أهل الجنَّة، وإنَّما هو زبرجدٌ أو عسجدٌ، ويكوِّن البارىء فيه حلقاً من الذَّهب تطيف به من كلِّ الأشرار حتى يأخذ كلُّ واحدٍ م الغلمان، وكلُّ واحدةٍ من الجواري المشبَّهة بالجمان، واحدةً من تلك الحلق، فيُحل على تلك الحال إلى محلِّه المُشيَّد بدار الخلود، فكلَّما مرَّ بشجرةٍ نضخته أغصانها بماء الورد قد خلط بماء الكافور، وبمسكٍ ما جني من دماء الفور، بل هو بتقدير الله الكريم.
وتناديه الثَّمرات من كلِّ أوبٍ هو مستلقٍ على الظَّهر: هل لك يا أبا الحسن، هل لك؟ فإذا أراد عنقوداً من العنب أو غيره انقضب من الشَّجرة بمشيئة الله، وحملته القدرة إلى فيه، وأهل الجنَّة يلقونه بأصناف التَّحيَّة وآخر دعواهم أن الحمد لله ربِّ العالمين: لا يزال
(1/117)

كذلك أبداً سرمداً، ناعماً في الوقت المتطاول منعمَّاً، لا تجد الغير فيه مزعماً. وقد أطلت في هذا الفصل، ونعود الآن إلى الإجابة عن الرَّسالة: فهمت قوله: جعلني الله فداءه، لا يذهب به إلى النِّفاق، وبعد ابن آدم من الوفاق، وهذه غريزةٌ خصَّ بها الشيخ دون غيره، وتعايش العالم بخداع، وأضحوا من الكذب في إبداع. لو قالت شيرين الملكة لكسرى: جعلني الله فداءك في إقامة أو سرى، لخالبته في ذلك ونافقته، وإن راقته بالعطل ووافقته، على أنَّه أخذها من حالٍ دنيَّة، فجعلها في النُّعمى السَّنَّية، وعتبه في ذلك الاحبَّاء، وجرت لهم في ذلك قصصٌ وأنباءٌ، وقيل له، فيما ذكر، والله معالم بمن جدب أو شكر: كيف تطيب نفس الملك لهذه المومس، وهي الوالجة في المغمِّس؟ فضرب لهم المثل بالقدح، وإذا حظيت الغانية فليست بالمفتقرة إلى الصَّدح، جعل في الإناء الشَّعر والد؟ َّم، وقال للحاضر ولا ندم: أتجيب نفسك لشرب ما فيه؟ وإنَّما يجنح إلى تلافيه. إنَّها لا تطيب، وهي بالأنجاس قطيب.
فأراق ذلك الشيء وغسله، وهذَّب وعاءه ثمَّ عسله، وجعل فيه من بعد مداما، وعرضها على النَّدامى، فكلّهم بهش أن يشرب، ومن يعاف العاتقة والغرب؟ فقال: هذا مثل شيرين، فلا تكونوا في السَّفه مسيرين.
كم من شبل نافق أسدا، وأضمرا له غلاًّ وحسداً؟ ولبوءةٍ تداجي هرماساً، تنبذ إليه المقة وتبغض له لماساً؟ وضيغمٍ نقم على فرهود، وودَّ لو دفنه بالوهود؟ والفرهود ولد الأسد بلغة أسد شنوءة، وهو، آنس الله الإفليم بقربه، أجلُّ من أن يشرح له مثل ذلك، وإنَّما أفرق من وقوع هذه الرِّسالة في يد
(1/118)

غلامٍ مترعرعٍ، ليس إلى الفهم بمتسرِّع، فتستعجم عليه اللَّفظة، فيظلُّ معها في مثل القيد، لا يقدر على العجل ولا الرُّويد.
وكم خالبت الذِّئاب السَّلق، وفي الضّمائر تُكنُّ الفلق أي الدَّواهي، ومنه قول خلفٍ.
موت الإمام فلقةٌ من الفلق والسَّلق، جمع سلقةٍ: وهي أنثى الذئب.
وملكٍ سانى ملكةً، ثمَّ صنعت له مهلكةً؟؟! يقول القائل: بأبي أنت، جاد عملك وأتقنت! ولو قدر لبتَّ الودج، وإنَّما جامل وسدج.
ولعل بعض العتارف يلفظ إلى البائضة حبَّة البرِّ، ويأنس بها في حرٍّ وقرّ، وفي فؤاده من الضِّغن أعاجيب، وتكثر وتقلُّ المناجيب، والمناجيب ها هنا تحتمل أمرين: أحدهما من النَّجابة، والآخر من قولهم: مناجيب أي ضعافٌ، من قول الهذليّ:
بعثته في سواد اللَّيل يرقبني ... إذ آثر النَّوم والدِّفء المناجيب
والمعنى: أنَّ المناجيب من النَّجابة تقلُّ، والمناجيب من الوهن تكثر.
ولعلّ ذلك الصّاقع يرقب لأمّ الكيكة حماماً، ولا يرقب لها ذماماً. يقول في النّفس المتحدِّثة: ليت الذِّابح بكرَّ على المنقضة، فإنها عين المبغضة. أو يقول: لو أنِّي جعلت في قدرٍ، أو في بعض الوطس فلحقت بالهدر، لتزوَّجت هذه من الدِّيكة شابَّاً مقتبلاً، يحسن لها حبَّاً قبلاً.
وأنا أذكره بالكلمة العارضة، إذ كان قد بدأ بالإيناس، وترك مكايد النّاس: ألا يعجب من قول العرب: فداءٍ لك، بالكسر والتنوين كما قال الرّاجز:
ويهاً فداءٍ لك يا فضاله ... أجرَّه الرُّمح، ولا تباله
ويروى تهاله.
وذكر أحمد بن عبيد بن ناصحٍ، وهو المعروف بأبي
(1/119)

عصيدة، أنَّ قولهم فداءٍ لك بالكسر، إذا كان لها مرافع لم يجز فيها الكسر والتَّنوين. ولا ريب أنَّه يحكي ذلك عن العلماء الكوفييِّن. وعينَّنه في قول النّابغة:
مهِّلاً فداءٍ لك الأقوام كلّهم ... وما أثمِّر من مالٍ ومن ولد
فأمّا البصريّون فقد رووا في هذا البيت: فداءٌ لك.
وكيف يقول الخليل المخلص، وهو عن الهجران متقلِّص: إنَّ حنينه حنين واله من النُّوق، وهي الذّاهلة إن حمل عليها بعض الوسوق، وإنَّما تسجع ثلاثاً أو أربعاً، ثمَّ يكون سلوُّها متبعاً؟ فأما الحمامة الهاتفة فقد رزقها الباريء صيتاً شائعاً، وظلَّ وصفها بالأسف ذائعاً، تنهض إلى التقاط حبٍّ، وتعود إلى جوز لها ذات أب، فإن هي صادفته أكيل بازٍ أو سوذانق، ليس من أبصر اثره بالآنق غدا به ظفر شاهين، وهي، البائسة، من اللاَّهين، فما هي إلا مثل الحيوان، تملُّ حالها في أقصر أوان.
وقد زعم زاعمٌ، لا يصدَّق، أنَّ الحمائم في هذا العصر، يبكن مقعداً هلك في عهد نوحٍ، أبرح له البارح أم رمي بالسُّنوح، وإنَّ دوامها على ذلك لدليل الوفاء، وما العوض عن خليل الصّفاء؟ لا عوض ولا نائب إلاَّ فيه، وكيف يعتب الزَّمن على تجافيه؟ وإنَّما حشي بشرٍّ وغدر، وكتب له العزُّ في القدر.
وأمّا الظَّبية فإنّها لا توصف بحنين، ولكن تبتقل بلبِّ منين. ومن لها باليانع من الأراك، ولا تقول لفارس الخيل الشَّازبة: دراك ومن كان وجده يعدل عن الخلد، فإنّه إذا جنب إلى الولد، فسوف تذره المدد ناسياً، كأنَّه ما جزع آسياً ...
وما أقلَّ صدق الألاّف، ولو بيعوا من الذَّهب، لا الورق، بآلافٍ:
(1/120)

وليس خليلي بالملول، ولا الذّي ... إذا غبت عنه، باعني بخليل
وأحسب كثيِّراً تفوَّه بهذه المقالة على غرَّة، وما عرف مكان الشِّرِّة، فكيف يقدر على إخاء الملك، أم كيف يرتفع إلى الفلك؟ وأمّا ما ذكره من حالى، غطِّي شخصه أن يلحظ بنواظر الغير، ومتِّع من مالٍ بحير أي كثير، قال الرَّاجز:
يا ربنَّا من سرَّه أن يكبرا ... فسق له ياربِّ مالاً حيرا
فطالما أعطي الوثن سعوداً، فصار حضوره للجهلة موعوداً! فإن سررت بالباطل، فشهرت باتِّخاذ النياطل، وإنَّ الصابر مأجورٌ محمود، ولا ريب أن سيقدر لمن ظعن شربٌ مثمود. وأحلف كيمين امرىء القيس لمَّا رغب في مقامه عند الموموقة، ولم يفرق من الرامقة ولا المرموقة، فقال:
فقلت: يمين الله، أبرح قاعداً ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
والأخرى التي أقسم بها زهيرٌ، إذ عصفت بالحرب القائمة هير، أعني قوله:
فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله
رجالٌ بنوه، من قريشٍ وجرهم
يميناً لنعم السِّيدِّان وجدتمأ
على كلِّ حالٍ من سحيلٍ ومبرم وبالحذَّاء التي نطق بها ساعدة، والمهجة إلى ملكها صاعدةٌ، فقال:
حلف أمرىٍء برٍّ سرفت يمينه
ولكلِّ من ساس الأمور مجرّب وأولي مع ذلك أليَّة الفرزدق لمَّا رهب وقوع انتقام، فاغتنم ما بين الكعبة والمقام، ووصف ما صنع فقال:
ألم ترني عاهدت ربِّي وإننّي ... لبين رتاجٍ قائماً ومقام
على حلفةٍ، لا أشتم الدّهر مسلماً ... ولا خارجاً من فيِّ زور كلام
(1/121)

إنِّي لمكذوب عليه كما كذبت العرب على الغول، وإنَّها عمَّا يؤثر لفي شغول، وكما تقوَّلت الأمثال السائرة على الضَّبِّ وله بالكلدة إرباب الصَّبِّ. وكما تكلَّمت على لسان الضِّبع وهي خرساء، ما أطلق لسانها الوضح ولا المساء.
يظنُّ أنَّني من أهل العلم، وما أنا له بالصاحب ولا الخلم.
وتلك لعمري بليَّةٌ، تفتقد معها الجليِّة. والعلوم تفتقر إلى مراسٍ، ودارسٍ للكتب أخي دراس.
ويقال إننَّي من أهل الدِّين، ولو ظهر ما وراء السَّدين، ما اقتنع لي الواصف بسبٍّ، وودَّ أن يسقيني جوزلاً بشبّ، وكيف يدّعى للعلج الوحشيّ، وإنَّما أبد في الرّوض الحبشي، أن تغريده في السَّحر أشعار موزونةٌ، تأذن لنظيرها المحزونة؟ وهل يصوَّر لعاقلٍ لبيب، أنَّ الغراب النّاعب صدح بتشبيب، وأنَّ العصافير الطّائرة بأجنحةٍ، كعصافير المنذر الكائنة للتَّمنحة؟ وكيف يظنُّ الظانُّ أن للطائر أساجيع حمامة، وإنَّه لأخرس مع الدَّمامة؟ فبعد من زعم أنَّ الحجر متكلِّمٌ، وأنَّه عند الضَّرب متألِّم. ومن ألتمس من اللُّغام كسوةً، فإنَّه لا يجد إسوةً.
ولو أنِّى لا أشعر بما يقال فيَّ، لأرحت من إنكاري وتلافيّ، وكنت كالوثن: سواءٌ عليه إن وقِّر من الوقار، وإن أوقر من الأوقار وكالأرض السَّبخة ما تحفل أن قيل: هي مريعة، أو قيل لها: بئست الزَّريعة؛ وكالفرير المعتبط: ما يأبه لقول الآكل: إنّه لساحٌّ ولا إذا قصب: إنَّه بالدِّكة شاحٌ. والله المستنصر على الإلاقيّ، لم توزن الراكدة بالأواقيّ والإلاقيُّ منسوبٌ إلى الإلاق وهو البرق الكاذب وكيف أغتبط إذا تخرِّص عليَّ،
(1/122)

وعزيت المعرفة إليَّ؟ ولست آمناً في العاقبة، فضيحةً غير مصاقبة، ومثلي، إن جذلت بذلك، مثل من اتُّهم بمالٍ، فاعتقد أنَّ ما ذاع من الخبر يأتيه بجمال، فسرّه قول الجهلة: إنّه لحلف اليسار. فطلب منه بعض السَّلاطين أن يحمل إليه جملةً وافرةً، فصادف كذوبةً زافرة، وضربة كي يقرَّ، وقتل في العقوبة ولم يعظ البرّ.
وقد شهد الله أنِّي أجذل بمن عابني، لأنّه صدق فيما رابني، وأهتمُّ لثناءٍ مكذوب، يتركني كالطَّريدة العذوب، ولو نطحت بقرني الجرادة، لامتنعت من كلِّ إرادة، فأمّا روق الوعل، فأعوزه عندي نطيحٌ، لأنِّي بروق الظّبي أطيح. فغفر الله لمن ظنَّ حسناً بالمسيء، وجعله حجّة في النَّسيء. ولولا كراهتي حضوراً بين النّاس، وإيثاري أن أموت ميتة علهبٍ في كناس، فاجتمع معي أولئك الخائلون، لصحَّ أنَّهم عن الرُّشِد حائلون، وأتار لهم الحقُّ الطّامس وقبض على القتاد اللاّمس.
وأمّا وروده حلب، حرسها الله، فلو كانت تعقل لفرحت به فرح الشّمطاء المنهبلة، ليست بالآبلة ولا المؤتبلة، شحط سليلها الواحد، وما هو لحقِّها جاحدٌ. وقدم بعد أعوامٍ، فنقعت به فرط أوامٍ، وكانت معه كالخنساء ذات البرغز، رتعت به في الأصيل، وليس هو لحشفٍ بوصيل، فلمّا رأت المكان آمناً، ولم تخش للسِّراح الخمع كامناً، انبسطت في المراد الواسع وخلَّفته، يحاول أنفاً تكل؟ فته، لتجرَّ لذلك الولد ما في الأخلاف، ولا تلافي بعيد التّلاف، فعادت المسكينة فلم تصبه، فقالت للصّمد: لا تنصبه إن كان وقع في مخالب
(1/123)

الذِّيب، ومني ببعض التَّعذيب، فأنت القادر عل تعويض الأطفال، والعالم بعقبى الطَّيرة والفال. فبينما هي تردَّد بين العلة والوله بغم لها الفقيد من حقفٍ اتخذ فيه مربضاً، ولم يرَ من الرُّماة منبضاً، هكع لما شبع. فما ساءه القدر ولا سبع. فغمر فؤادها ابتهاجٌ، من بعد ما وضح لها المنهاج.
ولو رجع القارظ إلى عنزة، ما بان فيها الطَّرب للرّجعة، وما قدر من زوال الفجعة، إلا دون ما أنا مضمرٌ مجنُّ، من المسرَّة بدنوِّ الدِّيار. وإلقائه عصا التِّسيار، فالحمد لله الذي أعاد البارق إلى الغمام الوسميّ، وأتى المومض بحلى السُّميّ وإنَّ حلب المنصورة لتختلُّ إلى من يعرف قليلاً من علم، في أيَّام المحاربة والسِّلم، فما باله يّد الله الآداب بأن يزيده في المدة فإنما لغرابها كالعدَّة.
وإني لأعجب من تمالؤ جماعة، على أمرٍ ليس بالحسن ولا الطاعة، ولا ثبت له يقينٌ، فيشوفه الصَّنع أو يقين قد كدت ألحق برهط العدم، من غير الأسف ولا النَّدم، ولكنَّما أرهب قدومي على الجبَّار، ولم أصلح نخلي بإبار. وقيل لبعض الحكماء: إنَّ فلاناً تلطَّف حتى قتل نفسه، ولم يطق في الدّار الخالية عفسه، وكره أن يمارس بدائع الشُّرور، وأحبَّ النُّقلة إلى منازل السُّرور، فقال الحكيم قولاً معناه: أخطأ ذلك الشابُّ المقتبل، وله ولأمِّه يحقّ الهبل، هلاَّ صبر على صروف الزَّمان، حتى يمنو له القدر مانٍ؟ فإنَّه لا يشعر علام يقدم، ولكلِّ بيتٍ هدم! ولولا حكمة الله جلَّت قدرته، وأنَّه حجز الرَّجل عن الموت، بالخوف من العلز والفوت، لرغب كلُّ من احتدم غضبه، وكلَّ عن ضريبةٍ مقضبه، أن تنزع له
(1/124)

من الموت كؤوسٌ، والله العالم بما يؤوس.
وأمَّا أبو القطران الأسديُّ، وأيُّ البشر من الخطوب مفديّ، فصاحب غزلٍ وتبطُّل، وتوفُّرٍ على الخرَّد وتعطُّل، وما أشكُّ أنّ الشّيخ، أقرّ الله عين الأدب بالز؟ َّيادة في عمره أشدّ شوقاً إلى أحمد بن يحيى مع صمعه، وأبي الحسن الأثرم مع ثرمه، من المرّار بن سعيد عند رجاء العدة وخوف الوعيد، وهو ذلك المتهيّم إلى وحشيّة، وإن فقد لبينها الحشيّة، وادّكر ثغراً كالإٌغريض، وخدّا ًيعدل بلون الإحريض وإنَّما ودُّ الغانية خلابٌ وخداعٌ، وللكمد في هواه ابتداعٌ. ولو هلكت تلك المرة والمرّار يعيش، لعدِّ أنَّه بتلفها نعيش، ولا سيَّما بعد السَّنّ العالية، وقوَّة النّفس الآلية. ولعلّ ابا القطران لو متّع بهذه المذكورة ما يكون قدره مائة حقبةًٍ، على غير الجزع والرِّقبة، لجاز أن يغرض من الوصال، إذا علم أنَّ حبله في اتِّصال. ولو نزل بها شيءٌ تتغيَّر به عن العهد، لتمننَّى أن تقذف إلى غير المهد، لأنَّ ابن آدم بخيلٌ ملول، نسري به إلى المنيَّة أمونٌ ذلول. ولو أصابها العور، بعد أن سكن عينها الحور، لظنَّ أن ذلك نبأ لا يغفر ولا يكفَّر، فكيف يعتب على الفاهين، وينتقم من القوم السّاهين؟ والله سبحانه، قد رفع ذلك عن ساهٍ ما علم، ونائمٍ إذا أحسّ بالمؤلم ألم.
ومن أين لذلك الشّخص الأسدي، ما وهبه الله للشيخ من وفاءٍ لو علم به السّموءل لاعترف أنَّه من الغادرين، أو الحارث ابن ظالم لشهد أنَّه من السّادرين؟؟؟! من قولهم فعل كذا وكذا سادراً، أي لا يهتمُّ لشيء، وإنّما عاشر أبو القطران أعبداً في الإبل وآمياً، ونظر إلى عقبه دامياً، ممَّا يطأ على هراسٍ،
(1/125)

ومن له في المكلأة بالفراس؟ وهو التِّمر الأسود، ومن أبيات المعاني:
إذا أكلوا الفراس رأيت شاماً ... على الأنباث منهم والغيوب
فما تنفكُّ تسمع قاصفاتٍ ... كصوت الرّعد في العام الخصيب
ولعلّه لو صادف غانيةً على وحشيّة بشقِّ الأبلمة لسلاها غير المؤلمة، وإنَّما ديدن ذلك الرّجل ونظرائه صفقه ناقةٍ أو ربع، وما شجره المغترس بالنَّبع. إذا جنى الكمأة بجح، وخال أنَّه قد نجح! ولو حضر أخونة حضرها الشّيخ لعاد كما قال القائل:
فلو كنت عذريَّ العلاقة لم تبت
بطيناً، وأنساك الهوى كثرة الأكل وهو، قدَّر الله له ما أحبَّ، قد جالس ملوك مصر التي قال فيها فرعون: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون؟ وقد أقام بالعراق زمناً طويلاً، وأدام على الأدب تعويلاً، وبالعراق مملكة فارس، وهم أهل الشَّرف والظّرف، يوفي صرفهم في الأطعمة على كلِّ صرف، ولا ريب أنَّه قد جالس بقاياهم، واختبر في المعاشرة سجاياهم، وعاطوه الأكؤس ألات التّصاوير، على عاد المرازبة والأساوير، كما قال الحكميُّ:
تدور علينا الكأس في عسجديَّةٍ ... حبتها بأنواع التصاوير فارس
قرارتها كسرى، وفي جنباتها ... مهاً تدَّريها بالقسيّ الفوارس
وأبو القطران كان يستقي النُّطفة بخلبةٍ، ويجعلها في الغمر أو العلبة، وإذا طعم فمن له باللَّهدة، وإن أخصب شرع في النَّهيدة. وما أشكُّ أنَّه، أمتع الله الآداب ببقائه، لو رزق محاورة أبي الأسود على عرجه وبخله
(1/126)

المتناذر وجرجه، لكانت مقتة له أبلغ من مقة مهديّ ليلاه ولا أقول رؤبة أبيلاه. ولو أدرك محاضرة أبي الخطَّاب لكان بدوش عينيه أشدَّ شغفاً من الحادرة بسميَّة، ومن غيلان بميَّة لأنّه قال:
وعيان قال الله: كونا، فكانتا، فعولان بالألباب ما تفعل الخمر وهو بجلع أبي الحسن سعيد بن مسعدة، أعجب من كثيِّر بشنب عزَّة، والعذريِّ بلمى بثينة. ولو كان أبو عبيدة أذفر الفم، لما أمنت مع كلفه بالأخبار، أن يقبِّله شقَّ البلسة بلا استكبار، وفي الحديث عن عائشة، رحمة الله عليها: كان رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، يقبِّلني شقَّ التينة. وروى بعضهم: شقَّ التمرة. وذلك أن يأخذ الشّفة العليا بيده، والسُّفلى بيده الأخرى، ويقبِّل ما بين الشفتين.
وأما من فقده من الأصدقاء لمّا دخل حلب، حرسها الله، فتلك عادة الزَّمن، ليس على لسالم بمؤتمن، يبدِّل من الأبيات المسكونة قبوراً، ولا يلحق بعثرة جبوراً. وإنَّ رمس الهالك لبيت الحقَّ، وإن طرق بالملمَّ الأشقّ. على أنّه يغني الثّاوي بعد عدمٍ، ويكفيه المؤونة مع القدم. وإنَّ الجسد لمن شرٍّ خبيءٍ، يبعد من سبيٍ وسبيء. قال الضّبيّ:
ولقد علمت بأن قصري حفرةٌ ... ما بعدها خوفٌ عليَّ ولا عدم
فأزور بيت الحقِّ زورة ماكث ... فعلام أحفل ما تقوَّض وانهدم؟
وما زالت العرب تسمّي القبر بيتاً، وإن كان المنتقل إليه ميتاً، قال الرّاجز:
اليوم يُبنى لدويد بيته ... يا ربَّ بيت حسبٍ بنيته
ومعصمٍ ذي برةٍ لويته ... لو كان للدّهر بلىً أبليته
(1/127)

أو كان قرني واحدا ًكفيته فأمّا الفصل الذي ذكر فيه الخليل، فقد سقط منه اسم الذي غلا فيَّ، وقرن بالنُّجوم الصَّلافيَّ، ومن كان، فغفر الله جرائمه، وحفظ له في الأبد كرائمه، فقد أخطأ على نفسه فيما زعم وعليَّ، ونسب مالا أستوجب إليَّ. وكم أعتذر وأتنصَّل، من ذنبٍ ليس يتحصَّل!؟ وإنَّي لأكره بشهادة الله تلك الدَّعوى المبطلة، كراهة المسيح من جعله ربَّ العزَّة، فما ترك للفتن من مهزَّة بدليل قوله تعالى: " وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للنّاس اَّتخذوني وأمِّي إلهين من دون الله، قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحقٍّ، إن كنت قلته فقد علمته، تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك، إنِّك أنت علاَّم الغيوب ".
وأمّا أبو الفرج الزَّهرجيُّ فمعرفته بالشّيخ تقسم أنّه للأدب حليفٌ، وللطَّبع الخيَّر أليفٌ.
ووددت أنَّ الرَّسالة وصلت إليَّ، ولكن ما عدل ذلك العديل، فبعدما تغنَّى هديل، هلاَّ اقتنع بنفقةٍ أو ثوبٍ، وترك الصُّحف عن نوب!؟ فأرب من يديه، ولا اهتدى في اللَّيلة بفرقديه. لو أنّه أحد لصوص العرب الذَّين رويت لهم الأمثال السّائرة، وتحدَّثت بهم المنجدة والغائرة، لما اغتقرت ما صنع بما نظم، لأنّه أفرط وأعظم، أي أتى عظيمة وبتك من القلائد نظمةً.
وقد وفَّق أبو الفرج وولده، وصار كاللُّجّة ثمده، لمَّا درس عليه الكتب، وحفظ عنه ما يكون الترُّتب، فسلَّم العاتكة إلى القاريِّ، والنَّافجة إلى المرء الدّاريّ، والرُّمح الأطول إلى ابن الطُّفيل، والأعنَّة إلى أحلاس الخيل.
وإن كان الشّيخ مارس
(1/128)

من التَّعب أمَّ الرُّبيق، فقد جدّد عهده الأوَّل بقويق، وإنَّه لنعم النَّهر، لا يغرق السّابح ولا يبهر، وبناته المخطوبات صغارٌ، يؤخذن منه في الغفلة ولا يغار. يعلوهنَّ، والقدر يغولهنَّ، سترن الأنفس فما تبرَّجن، ولكن بالرّغم خرجن. خدورهنَّ من ماء، زارتهنَّ الملموءة بالإلماء والملموءة الشّبكة، يقال: ألمأ على الشيء إذا أخذه كلَّه ما يشعر قويقٌ المسكين، أعربٌ سبت من ولد أم رومٌ، ولا يحفل بما تروم. ولقد ذكره البحتريُّ، ونعته الصنَّوبريُّ، وإخال أنَّ الشّيخ أفسدته عليه دجلة وصراتها، وأعانها على ذلك فُراتها.
وأمَّا حلب، فإنّها الأمُّ البرَّة، تعقد بها المسرَّة، وما أحسبها، إن شاء الله، تظاهر بذميم العقوق، أو تغفل المفترض من الحقوق ووحشيّة يحتمل أن يكون، آنس الله الآداب ببقائه، جعلها نائبة عمن فقده من الإخوان، الذين عُدم نظيرهم في الأوان. وكذلك تجري أمثال العرب: يكنون فيها بالاسم عن جميع الأسماء، مثال ذلك أن يقول القائل:
فلا تشلل يدٌ فتكت بعمروٍ، ... فإنّك لن تُذلُّ ولن تضاما
يجوز أن يرى الرجل رجلاً قد فتك بمن اسمه حسَّان أو عطاردٌ أو غير ذلك، فيتمَّثل بهذا البيت، فيكون عمرو فيه واقعاً على جميع من يتمثَّل له به. وكذلك قول الرّاجز:
أوردها سعدٌ وسعدٌ مشتمل صار ذلك مثلاً لكلَّ عمل عملاً لم يحكمه، فيجوز أن يُقال لمن اسمه خالدٌ أو بكرٌ أو ما شاء الله من الأسماء. ويضعون في هذا الباب المؤنَّث موضع المذكَّر، والمذكّر موضع المؤنَّث، فيقولون للرّجل: أطرِّي فإنِّك ناعلةٌ،
(1/129)

والصيَّف ضيعَّت اللَّين، محسنة فهيلي، وابتدئيهنَّ بفعال سبيت. وإذا أرادوا أن يخبروا بأنَّ المرأة كانت تفعل الخير ثمّ هلكت فانقطع ما كانت تفعله، جاز أن يقولوا: ذهب الخير مع عمرو ابن حممة. وجائزٌ أن يقولوا لمن يحذِّرونه من قرب النّساء: لا تبت من بكريٍّ قريباً؛ والبكريُّ أخوك فلا تأمنه. ومثل هذا كثير.
وأمَّا شكواه إليّ، فإننّي وإيّاه لكما قيل في المثل: الثّكلى تعين الثكلى، وعل ذلك حمّل الأصمعيُّ قول أبي داود:
ويصيخ أحياناً كما اس ... تمع المضلُّ دعاء ناشد
كلانا بحمد الله مضلُّ، فعلى من نحمل وعلى من ندلُّ؟ أمّا المطيّة فآلية، وأمّا المزادة فخاليةٌ، والرّكب يفتقر إلى الحصاة، وكلَّهم بهش للوصاة:
يشكو إليّ جملي طرل السُّرى ... صبرٌ جميلٌ، فكلانا مبتلى
إن اشتكت السَّمرة سفن العاضد إلى السَّيالة، فإنَّها تشكو النّازلة إلى شاكٍ، والصَّدق أفضل من الابتشاك. ولا أرتاب أنَّه يحفظ قول الفزازيِّ منذ خمسين حجَّة أو أكثر:
أعيين هلاَّ إذ بلت بحبِّها ... كنت استعنت بفارغ العقل
أقبلت تبغي الغوث من رجلٍ ... والمستغاث إليه في شغل!
ولا يزل أهل الأدب يشكون الغير في كلَّ جيل، ويخصُّون من العجائب بسجلٍ سجيلٍ. وهو يعرف الحكاية أنّ مسلمة بن عبد الملك أوصى لأهل الأدب بجزءٍ من ماله، وقل: إنَّهم أهل صناعةٍ مجفوَّةٍ. وأحسب أنَّهم والحرفة خلُقا توأمين، وإنما ينجح بعضهم في ذات الزُّمين، ثمّ لا تلبث أن تزل قدمه، ويتفرَّى بالقدر أدمه. وقد سمع في مصر بقصَّة أبى الفضل وسعيد،
(1/130)

وما كان أحدهما من الآخر ببعيد. وإذا كان الأدب على عهد بني أميَّة يقصد أهله بالجفوة، فكيف يسلمون من باسٍ، عند مملكة بني العبّاس؟ وإذا أصابتهم المحن في عدَّان الرشيد فكيف يطمع لهم بالحظِّ المشيد؟ أليس أبو عبيدة قدم مع الأصمعيَّ وكلاهما يريد النُّجعة، ولا يلتمس إلى البصرة رجعة، فتشبِّث بعبد الملك، وردَّ معمرٌ، ومن يعلم بما يجنُّ الخمر.
ومن بغى أن يتكسَّب بهذا الفنِّ، فقد أودع شرابه في شنٍّ، غير ثقةٍ على الوديعة، بل هي منه في صاحب خديعة.

سيبويه
وقد روي أن سيبويه لمَّا أختبر شأنه وراز، رغب في ولاية المظالم بشيراز، وأنَّ الكسائيَّ تحوَّب ممّا صنع به، فأعانه كي يشحط على مطلبه.
فأمّا حبيب بن أوسٍ فهلك وهو بالموصل على البريد: وصاحب الأدب حليف التّصريد.
وأمّا الذين ذكرهم من المصحَّفين، فغير البررة ولا المنصفين. وما زال التتّفل يعرض لأذاة الأسد، وما أحسبه يشعر بمكان الحسد، فإذا أدَّلج وردٌ هموس، تشقى به التامكة، أو اللَّموس، فثعالة به منذرٌ، كأنّه للمفترس محذِّر، ولا يراه الضّيغم موضعاً للعتاب، ويجعل أمره فيما يحتمل من الخطب المنتاب. وكم من أغلب مثارٍ، يسهَّد لغناء الطَّيثار، وإذا هو بليلٍ تغنَّى، فالقسور به معنَّى:
ما يضرُّ البحر أمسى زاخراً ... أن رمى فيه غلامٌ بحجر
أو كلّما طنَّ الذّباب أروعه؟ ... إنَّ الذُّباب إذاً عليَّ كريم!
ومازال الهمج يقولون، ويقصرون عن المكرمة فلا يطولون، وإنهم عما أثَّل متثاقلون، وطلاَّب الأدب في حباله واقلون.
من انفرد بفضيلةٍ
(1/131)

أثيرةٍ، فإنّه يتقدَّم بمناقب كثيرةٍ، وإن حسَّاد البارع لكما قال الفرزدق:
فإن تهج آل الزِّبرقان، فإنّما ... هجوت الطّوال الشُّمَّ من يذبل
وقد ينبج الكلب النّجوم ودونها ... فراسخ تقصي ناظر المتأمِّل
يعدو على الحاسد حسده، ويذوب من كبتٍ جسده:
فهل ضربة الرّوميِّ جاعلةٌ لكم ... أباً عن كليبٍ، أو أباً مثل دارم؟
فأمّا ما ذكره من قول أبي الطَّيب: أذمُّ إلى هذا الزّمان أهيله فقد كان الرّجل مولعاً بالتّصغير، لا يقنع من ذلك بخلسة المغير؛ كقوله:
من لي بفهم أهيل عصر يدعي ... أن يحسب الهندي فيهم باقل؟
وقوله:
حبيببتا قلبي، فؤادي هيا جمل
وقوله:
مقالي للأحيمق يا حليم
وقوله:
ونام الخويدم عن ليلنا
وقوله:
أفي كل يوم تحت ضبني شويعر
وغير ذلك مما هو موجود في ديوانه، ولا ملامة عليه، إنما هي عادة صارت كالطبع، فما حسن بها مألوف الربع، ولكنها تغتفر مع المحاسن، والشام قد يظهر على المراسن.
وهذا البيت الذي أوله:
أذم إلى هذا الزمان أهيله
إنما قاله في علي بن محمد بن سيار بن مكرم بأنطاكية قبل أن يمدح سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان، والشعراء مطلق لهم ذلك،
(1/132)

لأن الآية شهدت عليهم بالتخرص وقول الأباطيل: " ألم تر أنهم في كل وادٍ بهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون؟ " وأهل كلمة أصل وضعها للجماعة، فيقال: ارتحل أهل الدار، فيعلم السامع أن المتكلم لا يقصد واحداً بما قال، إلا أن هذه الكلمة قد استعملت للآحاد، فقيل: فلان أهل الخير وأهل الإحسان، قال حاتم الطائي:
ظلت تلوم على بكر سمحت به
إن الرزيئة في الدنيا ابن مسعود
غادره القوم بالمعزاء منجدلاً،
وكان أهل الندى والحزم والجود وكأن هذه اللفظة أصلها أن تكون للجمع، ثم نقلت إلى الواحد، كما أن صديقاً وأميراً ونحوهما إنما وضعن في الأصل للأفراد، ثم نقلن إلى الجمع على سبيل التشبيه. وكذلك قولهم: بنو فلان أخ لنا. ويقال: أهل وأهلة، وأهلات في الجمع، قال الشاعر:
فهم أهلات حول قيس بن عاصم
إذا أدلجوا بالليل، يدعون كوثرا وقال بعض النحويين في تصغير آل الرجل: يجوز أويل وأهيل، كأنه يذهب إلى أن الهاء في أهل أبدلت منها همزة، فلما اجتمعت الهمزتان جعلت الثانية ألفاً، ومثل هذا لا يثبت.
والأشبه أن يكون آل الرجل، مأخوذاً من آل يؤول، إذا رجع، كأنهم يرجعون إليه أو يرجع إليهم.
أما ما ذكره من حكاية القطربلي وابن أبي الأزهر، فقد يجوز مثله، وما وضح أن ذلك الرجل حبس بالعراق، فأما بالشام فحبسه مشهور.
وحدثت أنه كان إذا سئل عن حقيقة هذا اللقب، قال: هو من النبوة، أي المرتفع من الأرض. وكان قد طمع في شيء قد طمع فيه من هو
(1/133)

دونه. وإنما هي مقادير، يديرها في العلو مدير، يظفر بها من وفق، ولا يراع بالمجتهد أن يخفق.
وقد دلت أشياء في ديوانه أنه كان متألهاً، ومثل غيره من الناس متدلهاً فمن ذلك قوله:
ولا قابلاً إلا لخالقه حكما
وقوله:
ما أقدر الله يخزي بريته ... ولا يصدق قوماً في الذي زعموا
وإذا رجع إلى الحقائق، فنطق اللسان لا ينبيء عن اعتقاد الإنسان، لأن العالم مجبول على الكذب والنفاق، ويحتمل أن يظهر الرجل بالقول تديناً، وإنما يجعل ذلك تزيناً، يريد أن يصل به إلى ثناء، أو غرض من أغراض الخالبة أم الفناء، ولعله قد ذهب جماعة هم في الظاهر متعبدون، وفيما بطن ملحدون.

دين دعبل
وما يلحقني الشك في أن دعبل بن علي لم يكن له دين، وكان يتظاهر بالتشيع، وإنما غرضه التكسب، وكم أثبت نسباً بنسب ولا أرتاب أن دعبلاً كان على رأي الحكمي وطبقته، والزندقة فيهم فاشية، ومن ديارهم ناشية.
وقد اختلف في أبي نواس: ادعي له التأله وأنه كان يقضي صلوات نهاره في ليله، والصحيح أنه كان على مذهب غيره من أهل زمانه، وذلك أن العرب جاءها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي ترغب إلى القصيد، وتقصر هممها عن الفصيد، فاتبعه منها متبعون، والله أعلم بما يوعون، فلما ضرب الإسلام بجرانه، واتسق ملكه على أركانه، مازج العرب غيرهم من الطوائف، وسمعوا كلام الأطباء وأصحاب الهيئة وأهل المنطق، فمالت منهم
(1/134)

طائفة كثيرة. ولم يزل الإلحاد في بني آدم على ممر الدهور، حتى إن أصحاب السير يزعمون أن آدم صلى الله عليه وسلم، بعث إلى أولاده فأنذرهم على ذلك المنهاج إلى اليوم.
وبعض العلماء يقول إن سادات قريش كانوا زنادقة. وما أجدرهم بذلك! وقال شاعرهم يرثي قتلى بدر، وتروي لشداد بن الأسود الليثي:
ألمت بالتحية أم بكر ... فحيوا أم بكر بالسلام
وكائن بالطوي طوي بدر ... من الأحساب والقوم الكرام
وكائن بالطوي طوي بدر ... من الشيزى تكلل بالسنام
ألا يا أم بكر لا تكرى ... على الكأس بعد أخي هشام
وبعد أخي أبيه، وكان قرماً ... من الأقوام شراب المدام
ألا من مبلغ الرحمن عني ... بأني تارك شهر الصيام
إذا ما الرأس زايل منكبيه، ... فقد شبع الأنيس من الطعام
أيوعِدونا بن كبشة أن سنحيا؟ ... وكيف حياة أصداء وهام؟
أتترك أن ترد الموت عني، ... وتحييني إذا بليت عظامي؟
ولا يدعي مثل هذه الدعاوي إلا من يستبسل وراءها للحمام، ولا يأسف له عند الإلمام.
وحدثت أن أبا الطيب أيام كان إقطاعه " بصف " رؤي يصلي بموضع بمعرة النعمان يقال له كنيسة الأعراب وأنه صلى ركعتين، وذلك في وقت العصر، فيجوز أن يكون رأى أنه على سفر، وأن القصر له جائز.
وحدثني الثقة عنه حديثاً معناه: أنه لما حصل في بني عدي
(1/135)

وحاول أن يخرج فيهم، قالوا له وقد تبينوا دعواه: ها هنا ناقة صعبة، فإن قدرت على ركوبها أقررنا أنك مرسل. وأنه مضى إلى تلك الناقة وهي رائحة في الإبل، فتحيل حتى وثب على ظهرها، فنفرت ساعة وتنكرت برهة، ثم سكن نفارها ومشت مشي المسمحة، وأنه ورد بها الحلة وهو راكب عليها، فعجبوا له كل العجب، وصار ذلك من دلائله عندهم.
وحدثت أيضاً أنه كان في ديوان اللاذقية، وأن بعض الكتاب انقلبت على يده سكين الأقلام فجرحته جرحاً مفرطاً، وأن أبا الطيب تفل عليها من ريقه، وشدها غير منتظر لوقته، وقال للمجروح: لا تحلَّها في يومك. وعد له أيّاماً وليالي، وإن ذلك الكاتب قبل منه، فبرىء الجرح، فصاروا يعتقدون في أبي الطيب أعظم اعتقاد، ويقولون: هو كمحيي الأموات.
وحدث رجل: كان أبو الطيب قد استخفى عنده في اللاذقية أو في غيرها من السواحل، أنه أراد الانتقال من موضع إلى موضع، فخرج بالليل ومعه ذلك الرجل، ولقيهما كلب ألح عليهما في النباح ثم انصرف، فقال أبو الطيب لذلك الرجل وهو عائد: إنك ستجد ذلك الكلب قد مات. فلما عاد الرجل ألفى الأمر على ما ذكر (ولا يمتنع أن يكون أعد له شيئاً من المطاعم مسموماً وألقاه له وهو يخفي عن صاحبه ما فعل. والخريق سم الكلاب معروف) .
وأما القطربلي وابن أبي الأزهر فمن الزول اجتماعهما على تأليف كتابٍ، وقل ما يعرف مثل ذلك. ونحو منه قصة " الخالديين " اللذين كانا في الموصل وهما شاعران، وقد كانا عند سيف الدولة وانصرفا على حد مغاضبة. ولهما ديوان ينسب إليهما لا ينفرد فيه أحدهما بشيء دون الآخر
(1/136)

إلى في أشياء قليلةٍ. وهذا متعذر في ولد آدم إذا كانت الجبلة على الخلاف وقلة الموافقة.
فأما أن يعمل الرجل شيئاً من كتابٍ، ثم يتمّه الآخر، فهو أسوغ في المعقول من أن يجتمع عليه الرجلان. والبغداديون يحكون أن أبا سعيد السيرافي عمل من كتابه المعروف بالمقنع أو الإقناع إلى باب التصغير، ثم توفي وأتّمه بعده ولده أبو محمد.
وقد يجوز مثل هذا، وليس عندهم فيه ريب، وحكى لي الثقة أن أبا علي الفارسي كان يذكر أن أبا بكر بن السراج عمل من (الموجز) النصف الأول لرجل بزاز، ثم تقدم إلى أبي علي بإتمامه، وهذا لا يقال أنه من إنشاء أبي علي لأن الموضوع من (الموجز) ، هو منقول من كلام ابن السراج في (الأصول) وفي (الجمل) ، فكأن أبا علي جاء به على سبيل النسخ، لا أنه ابتدع شيئاً منه عنده.
والذين رووا ديوان أبي الطيب يحكون عنه أنه ولد سنة ثلاث وثلثمائة. وكان طلوعه إلى الشام سنة إحدى وعشرين، فأقام فيه برهة ثم عاد إلى العراق ولم تطل مدته هنالك. والدليل على صحة هذا الخبر أن مدائحه في صباه إنما هي في أهل الشام إلا قوله:
كفي أراني ويك لومك ألوما
وأما شكيته أهل الزمان إليه، فإنه سلك في ذلك منهاج المتقدمين، وقد كثر المقال في ذم الدهر حتى جاء في الحديث: " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " وقد عرف معنى هذا الكلام، وأن باطنه ليس كظاهره، إذ كان الأنبياء عليهم السلام، لم يذهب أحد منهم إلى أن الدهر هو الخالق، ولا المعبود.
وقد جاء في الكتاب الكريم: " وما يهلكنا إلا الدَّهر " وقول بعض النّاس: الزمان حركة الفلك، لفظ لا حقيقة له. وفي كتاب سيبويه ما يدل على
(1/137)

أن الزمان عنده: مضي الليل والنهار. وقد تعلق عليه في هذه العبارة.
وقد حددته حداً ما أجدره أن يكون قد سبق إليه إلا أني لم أسمعه، وهو أن يقال: الزمان شيء أقل جزءٍ منه يشتمل على جميع المدركات، وهو في ذلك ضد المكان، لأن أقل جزءٍ منه لا يمكن أن يشتمل على شي كما تشتمل عليه الظروف، فأما الكون فلا بد من تشبثه بما قل وكثر.
والذين قالوا: " وما يهلكنا إلى الدهر " وغير ذلك من المقال، مثل البيت المنسوب إلى الأخطل، وذكره حبيب بن أوسٍ لشمعلة التغلبي، وهو:
فإن أمير المؤمنين وفعله ... لكالدهر لا عار بما فعل الدهر
وقول الآخر:
الدهر لاءم بين ألفتنا، ... وكذاك فرق بيننا الدهر
وقل أبي صخر:
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها
فلما انقضى ما بيننا، سكن الدهر لم يدع أن أحداً منهم كان يقرب للأفلاك القرابين، ولا يزعم أنها تعقل، وإنما ذلك شيء يتوارثه الأمم في زمان بعد زمان.

شاتم الدهر
وكان في عبد القيس شاعر يقال له " شاتم الدهر "، وهو القائل:
ولما رأيت الدهر وعراً سبيله، ... وأبدى لنا وجهاً أزب مجدعا
وجبهة قرد كالشراك ضئيلة، ... وأنفاً، ولوى بالعثانين أخدعا
ذكرت الكرام الذاهبين أولي الندى ... وقلت لعمرو والحسام: ألا دعا
وأما غيظه على الزنادقة والملحدين فأجره الله عليه، كما أجره على الظمأ في طريق مكة، واصطلاء الشمس بعرفة، ومبيته بالمزدلقة. ولا ريب أنه ابتهل
(1/138)

إلى الله، سبحانه، في الأيام المعدودات والمعلومات، أن يثبت هضاب الإسلام، ويقيم لمن اتبعه النير من الأعلام. ولكن الزندقة داء قديم، طالما حلم بها الأديم. وقد رأى بعض الفقهاء أن الرجل إذا ظهرت زندقته ثم تاب فزعاً من القتل، لم تقبل توبته. وليس كذلك غيرهم من الكفار، لأن المرتد إذا رجع قبل منه الرجوع.
ولا ملة إلا ولها قوم ملحدون، يرون أصحاب شرعهم أنهم موالفون وهم فيما بطن مخالفون، ولا بد أن ينهتك مخادع، وتبدو من الشر جنادع.
وقد كانت ملوك فارس تقتل على الزندقة، والزنادقة هم الذين يسمون الدهرية، لا يقولون بنبوة ولا كتاب.
وبشار إنما أخذ ذلك عن غيره، وقد روي أنه وجد في كتبه رفعة مكتوب فيها: إني أردت أن أهجو فلان بن فلان الهاشمي فصفحت عنه لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وزعموا أنه كان يشار سيبويه، وأنه حضر يوماً حلقة يونس بن حبيبٍ فقال: هل ههنا من يرفع خبراً؟ فقالوا: لا فأنشدهم:
بني أمية هبوا من رقادكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود
ليس الخليفة بالموجود فالتمسوا ... خليفة الله بين الناي والعود
وكان في الحلقة سيبويه، فيدعي بعض الناس أنه وشى به. وسيبويه، فيما أحسب كان أجل موضعاً من أن يدخل في هذه الدنيات، بل يعمد لأمور سنيات وحكى عنه أنه عاب عليه قوله:
على الغزلى من السلام، فطال ما ... لهوت بها في ظل مخضرة زهر
فقال سيبويه: لم تستعل العرب الغزلى، فقال بشار: هذا مثل قولهم البشكى والجمزي، ونحو ذلك.
وجاء بشار في شعره بالنينان (جمع نونٍ من السمك)
(1/139)

فيقال إنه أنكره عليه، وهذه أخبار لا تثبت. وفيما روي في كتاب سيبويه أن النون يجمع على نينان، فهذا نقض للخبر.
وذكر من نقل أخبار بشار أنه توعد سيبويه بالهجاء، وأنه تلافاه واستشهد بشعره. ويجوز أن يكون استشهاده به على نحو ما يذكره المتذاكرون في المجالس ومجامع القوم. وأصحاب بشارٍ يروون له هذا البيت:
وما كل ذي لبٍ بمؤيتك نصحه، ... وما كل مؤتٍ نصحه بلبيب
وفي كتاب سيبويه نصف هذا البيت الآخر، وهو في باب الإدغام لم يسم قائله. وزعم غيره أنه لأبي الأسود الدؤلي.
ويقال: إن يعقوب بن داود وزير المهدي تحامل بشار حتى قتل، واختلف في سنه: فقيل كان يومئذ ابن ثمانين سنة، وقيل أكثر، والله العالم بحقيقة الأمر.
ولا أحكم عليه بأنه من أهل النار، وإنما ذكرت ما ذكرت فيما تقدم لأني عقدته بمشيئة الله، وإن الله لحليم وهاب.
وذكر صاحب كتاب الورقة جماعة من الشعراء في طبقة أبي نواس ومن قبله، ووصفهم بالزندقة، وسرائر الناس مغيبة، وإنما يعلم، بها علام الغيوب. وكانت تلك الحال تكتم في ذلك الزمان خوفاً من السيف، فالآن ظهر نجيث القوم، وانغاصت التريكة عن أخبث رأل.
وكان في ذلك العصر رجل له أصدقاء من الشيعة وصديق زنديق، فدعا المتشيعة في بعض الأيام، فجاء الزنديق فقرع حلقة الباب وقال:
أصبحت جم بلابل الصدر، ... متقسم الأشجان والفكر
فقال صاحب المنزل: ويحك! مم ذا؟ فتركه الزنديق ومضى، فلقيه صاحب المأدبة فقال له: يا هذا، أردت أن توقعني فيما أكره (خوفاً من أن يظن
(1/140)

أصدقاؤه أنه زنديق) فقال: ادعهم ثانية وأعملني بمكانهم. فلما حصلوا عنده، جاء الزنديق فقال:
أصبحت جم بلابل الصدر، ... متقسم الأشجان والفكر
فقالوا: ويحك! مما ذا؟ فقال:
مما جناه على أبي حسن ... عمر وصاحبه أبو بكر
وانصرف. ففرح الشيعة بذلك، ولقيه صاحب المنزل فقال: جزيت عني خيراً، فقد خلصتني من الشبهة! وكان يجلس في مجلس البصرة جماعة من أهل العلم، وكان فيهم رجل زنديق له سيفان، قد سمى أحدهما " الخير " والآخر " الفلح " فإذا سلم عليه رجل من المسلمين قال:
صبحك الخير ومساك الفلح
ثم يلتفت لأصحابه الذين قد عرفوا مكان السيفين فيقول:
سيفان كالبرق إذا البرق لمح
فأما قول الحكمي: تيه مغن وظرف زنديق فقد عيب عليه هذا المعنى، وقيل: إنه أراد رجلاً من بني الحارث كان معروفاً بالزندقة والظرف، وكان له موضع من السلطان.
وقوله في صدر هذا البيت:
نديم قيلٍ محدثه ملكٍ
فهو نحو من قول امريْ القيس:
فاليوم أشرب غير مستحقب، ... إثماً من الله ولا واغل
وليس ينبغي أن يحمل على قول من وقف على الهاء كما قال:
يا بيذره، يا بيذره، يا بيذره
وكما قال الآخر:
يا رب أباز من العصم صدع ... تقبض الظل عليه فاجتمع
(1/141)

لما رأى ألا دعه ولا شبع ... مال إلى أرطأة حقف فاضطجع
لأن هذأ حسن فيه إظهار الهاء، إذ كان الكلام تاماً يحسن عليه السكوت، وقوله: محدثه ملك، مضاف ومضاف إليه، فلا يحسن فيه مثل ذلك، إذ كان الاسمان كاسم واحد.

صالح بن عبد القدوس
وأما صالح بن عبد القدوس فقد شهر بالزندقة، ولم يقتل، ولله العلم، حتى ظهرت عنه مقالات توجب ذلك. ويروى لأبيه عبد القدوس:
كما أهلكت ملكة من زائرٍ ... خربها الله وأبياته
لا رزق الرحمن أحياءها ... وأشوت الرحمة أمواتها
وقد كان لصالح ولد حبس على الزندقة حبساً طولاً، وهو الذي يروى له:
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها
فما نحن بالأحياء فيها ولا الموتى
إذا ما أتانا زائر متفقد
فرحنا، وقلنا: جاء هذا من الدنيا وأما رجوعه عن الزندقة لما أحس بالقتل، فإنما ذلك على سبيل الختل. فصلى الله على محمد، فقد روي عنه أنه قال: " بعثت بالسيف، والخير في السيف، والخير بالسيف ". وفي حديث آخر: لا تزال أمتي بخير ما حملت السيوف ". والسيف حمل صالحاً على التصديق، ورده عن رأي الزنديق، وتلك آية من آيات الله إذا هي ظهرت للنفس الكافرة، فقد فني لا ريب زمانها، ولا يقبل هناك إيمانها: " لم تكن آمنت من قبل " وللسفه طل ووبل.
وأما " القصار " فجهل يجمع ويصار، ولو تبع حقاً مقروباً، لكفي سماً مشروباً، ولكن الغرائز أعاد، ولا بد من لقاء الميعاد.
وأما
(1/142)

المنسوب إلى الصناديق، فإنه يحسب من الزناديق. وأحسبه الذي كان يعرف بالمنصور، ظهر سنة سبعين ومائتين، وأقام برهة باليمن، وفي زمانه كانت القيان تلعب بالدف وتقول:
خذي الدف يا هذه والعبي ... وبثي فضائل هذا النبي
تولى نبي بني هاشم ... وقام نبي بني يعرب
فما نبتغي السعي عند الصفا، ... ولا زورة القبر في يثرب
إذا القوم صلَّوا فلا تنهضي، ... وإن صوّموا فكلي واشربي
ولا تحرمي نفسك المؤمنين ... من أقربين ومن أجنبي
فكيف حللت لذاك الغريب ... وصرت محرمة للأب؟
أليس الغراس لمن ربّه ... وروّاه في عامه المجدب؟
وما الخمر إلا كماء السحا ... ب طلق، فقد ست من مذهب
فعلى معتقد هذه المقالة بهلة المبتهلين.
وهذه الطبقة، لعنها الله، تستعبد الطغام بأصناف مختلفة، فإذا طمعت في دعوى الربوبية لم تتئب في الدعوى، ولا لها عما قبح رعوى، وإذا علمت أن في الإنسان تميزاً، أرته إلى ما يحسن تحيزاً.
وقد كان باليمن رجل يحتجب في حصن له، ويكون الواسطة بينه وبين الناس خادماً له أسود قد سماه جبريل، فقتله الخادم في بعض الأيام وانصرف. فقال بعض المجان:
تبارك الله في علاه ... فر من الفسق جبرئيل
فطل من تزعمون رباً ... وهو على عرشه قتيل
ويقال إنه حمله على ذلك ما كان يكلفه من الفسق.
وإذا طمع بعض
(1/143)

هؤلاء، فإنه لا يقتنع بالإمامة ولا النبوة. ولكنه يرتفع صعداً في الكذب، ويكون شربه من تحت العذب (أي الطُّحلب.) ولم تكن العرب في الجاهلية تقدم على هذه العظائم، والأمور غير النظائم. بل كانت عقولهم تجنح إلى رأي الحكماء. وما سلف من كتب القدماء. إذ كان أكثر الفلاسفة لا يقولون بنبي، وينظرون إلى من زعم ذلك بعين الغبي.
وكان ربيعة بن أمية بن خلفٍ الجمحي، جرى له مع أبي بكر الصديق، رحمة الله عليه، خطب، فلحق بالروم، ويروى أنه قال:
لحقت بأرض الروم غير مفكرٍ ... بترك صلاة من عشاء ولا ظهرِ
فلا تتركوني من صبوح مدامةٍ ... فما حرم الله السلاف من الخمرِ
إذا أمرت تيم بن مرة فيكم ... فلا خير في أرض الحجاز ولا مصرِ
فإن يك إسلامي هو الحق والهدى ... فإني قد خليته لأبي بكرِ
وافتن الناس في الضلالة حتى استجازوا دعوى الربوبية، فكان ذلك تنطساً في الكفر، وجمعاً للمعصية في المزاد الوفر. وإنما كان أهل الجاهلية يدفعون النبوة ولا يجاوزون ذلك إلى سواه.
ولما أجلى عمر بن الخطاب، رحمة الله عليه، أهل الذمة عن جزيرة العرب، شق ذلك على الجالين، فيقال إن رجلاً من يهود خيبر يعرف بسمير بن أدكن قال في ذلك:
يصول أبو حفصٍ علينا بدرةٍ ... رويدك إن المرء يطفو ويرسب
كأنك لم تتبع حمولة ماقطٍ ... لتشبع، إن الزاد شيء محبب
فلو كان موسى صادقاً ما ظهرتم ... علينا ولكن دولة ثم تذهب
ونحن سبقناكم إلى المين فاعرفوا ... لنا رتبة البادي الذي هو أكذب
(1/144)

مشيتم على آثارنا في طريقنا ... وبغيتكم في أن تسودوا وترهبوا
وما زال اليمن منذ كان، معدناً للمتكسبين بالتدين، والمحتالين على السحت بالتزين. وحدثني من سافر إلى تلك الناحية، أن به اليوم جماعة كلهم يزعم أنه القائم المنتظر، فلا يعدم جباية من مالٍ، يصل بها إلى خسيس الآمال.
وحكي لي أن للقرامطة بالأحساء بيتاً يزعمون أن إمامهم يخرج منه، ويقيمون على باب ذلك البيت فرساً بسرجٍ ولجام، ويقولون للهمج والطغام: هذا الفرس لركاب المهدي، يركبه متى ظهر بحق بديٍ. وإنما غرضهم بذلك خدعُ وتعليل، وتوصل إلى المملكة وتضليل.
ومن أعجب ما سمعت أن بعض رؤساء القرامطة في الدهر القديم، لما حضرته المنية جمع أصحابه وجعل يقول لهم لما أحس بالموت: إني قد عزمت على النقلة، وقد كنت بعثت موسى وعيسى ومحمداً، ولا بد لي أن أبعث غير هؤلاء! فعليه اللعنة، لقد كفر أعظم الكفر، في الساعة التي يجب أن يؤمن فيها الكافر، ويؤوب إلى آخرته المسافر.
وأما الوليد بن يزيد فكان عقله عقل وليد، وقد بلغ سن الكهل الجليد، ما أغنته نية سابجة، ولا نفعت البنابجة. وشغل عن الباطية، بجريرة النفس الخاطية. دحاه إلى سقر داحٍ، فما يغترف بالأقداح. وقد رويت له أشعار، يلحق به منها العار، كقوله:
أدنيا مني خليلي ... عبد لا دون الإزار
فلقد أيقنت أني ... غير مبعوثٍ لنار
واتركا من يطلب الجن ... ة يسعى في خسار
سأروض الناس حتى ... يركبوا دين الحمار
(1/145)

فالعجب لزمان صير مثله إماماً، وأورده من المملكة جماماً ولعل غيره ممن ملك يعتقد مثله أو قريباً، ولكن يساتر ويخاف تثريباً. ومما يروى له:
أنا الإمام الوليد مفتخراً ... أجر بردي، وأسمع الغزلا
أسحب ذيلي إلى منازلها، ... ولا أبالي من لام أو عذلا
ما العيش إلى سماع محسنةٍ ... وقهوة تترك الفتى ثملا
لا أرتجي الحور في الخلود وهل ... يأمل حور الجنان من عقلا؟
إذا حبتك الوصال غانية ... فجازها بذلها كمن وصلا
ويقال إنه لما أحيط به، دخل القصر وأغلق بابه وقال:
دعوا لي هنداً والرباب وفرتنى
ومسمعة، حسبي بذلك مالا
خذوا ملككم، لا ثبت الله ملككم
فليس يساوي بعد ذاك عقالا
وخلوا سبيلي قبل عير وما جرى،
ولا تحسدوني أن أموت هزالا فألب عن تلك المنزلة أي ألب، ورئي رأسه في فم كلب.
كذلك نقل بعض الرواة، والله القائم بجزاء الغواة. ولا حيلة للبشر في أم دفرٍ، أعيت كل حضرٍ وسفرٍ. كان حق الخلافة أن تفضي إلى من هو بنسكٍ معروف، لا تصرفه عن الرشد صروف، ولكن البلية خلقت مع الشمس، فهل يخلص من سكن في رمس؟ وأما أبو عيسى بن الرشيد، فليس بالناشد ولا النشيد. وإن صح ما روي عنه فقد باين بذلك أسلافه، وأظهر لأهل الديانة خلافه.
وما يحفل ربه بالعبيد صائمين للخيفة ولا مفطرين، ولكن الإنس غدوا محظرين. وربما كان الجاهل أو المتجاهل، ينطق بالكلمة وخلده بضدها آهل، وإنما أقول ذلك راجياً أن أبا عيسى ونظراءه، لم
(1/146)

يتبعوا في الغي أمراءه، وأنهم على سوى ما علن يبيتون، لقد وعظهم الميتون.
ورأى بعضهم عبد السلام بن رغبان، المعروف بديك الجن، في النوم وهو بحسن حالٍ، فذكر له الأبيات الفائية التي فيها:
هي الدنيا، وقد نعموا بأخرى، ... وتسويف الظنون من السواف
أي (الهلاك) فقال: إنما كنت أتلاعب بذلك ولم أكن أعتقده. ولعل كثيراً ممن شهر بهذه الجهالات تكون طويته إقامة الشريعة، والإرتاع برياضها المريعة. فإن اللسان طماحُ، وله بالفند إسماح. وكان أبو عيسى المذكور يستحسن شعره في البيتين والثلاثة، وأنشد له الصولي في نوادره:
لساني كتومُ لأسراره، ... ودمعي نموم بسري مذيع
ولولا دموعي، كتمت الهوى، ... ولولا الهوى، لم يكن لي دموع
فإن كان فر من صيام شهر. فلعله يقع في تعذيب الدهر، و " لاييأس من روح الله إلى القوم الكافرون ".
وأما الجنابي فلو عوقب بلد بمن يسكنه، لجار أ، تؤخذ به " جنابة "، ولا يقبل لها إنابة. ولكن حكم الكتاب المنزل أجدر وأحرى: " ألا تزر وازرة وزر أخرى ". وقد اختلف في حديث الركن معه: فزعم من يدعي الخبرة به أنه أخذه ليعبده ويعظمه، لأنه بلغه أنه يد الصنم الذي جعل على خلق زحل. وقيل: جعله موطئاً في مرتفق، وهذا تناقض في الحديث. وأي ذلك كان، فعليه اللعنة ما رسا " ثبير " وهمى صبير.
وأما العلوي البصريّ فذكر بعض الناّس أنّه كان قبل خروجه يذكر أنّه من عبد القيس ثمَّ من أنمار. وكان أسمه أحمد، فلمّا خرج تسمّى عليّاً. والكذب كثير جمّ، كأنه في النَّظر طود أشم؛ والصدّق لديه كالحصاة،
(1/147)

توطأ بأقدام عصااة. تلك الأبيات النمنسوبة إليه مشهورة وهي.
أيا حرفة الزمني ألم بك الرّدى
أمالي لي خلاص منك والشمَّل جامع
لئن قنعت نفسي بتعليم صبية
يد الدهّر إني بالمذلة قانع
وهل يرضين حرُّ بتعليم صبية
وقد ظنَّ أنَّ الرزَّق في الأرض واسع؟ وما أمنع أن يكون حملة حب الحطام، على أن غرق في بحرٍ طامٍ، يسبح فيه ما دامت السموات والأرض إلاّ ما شاء ربَّك إن ربكَّ فعَّال لما يريد. وقد رويت له أبيات تدل على تألهٍ، وما أدفع أن تكون قيلت على لسانه، لأن من خبر هذا العالم حكم عليه بفجور ومين، وأخلاق تبعد من الزَّين. والأبيات:
قتلت النّاس إشقاقاً ... على نفسي كي تبقى
وحزت المال بالسَّيف ... لكي أنعم لا أشقى
فمن أبصر مثواي، ... فلا يظلم إذاً خلقا
فواويلي إذا ما متُّ ... عند الله ما ألقى
أخلداً في جوار اللّ ... هـ أم في ناره ألقى؟
وأنشدني بعضهم أبياتاً قافَّية طويلة الوزن، وقافيتها مثل هذه القافية، قد نسبت إلى عضد الدّولة. وقيل إنّه أفاق في بعض الأيّام، فكتبها على جدار الموضع الذي كلن فيه، وقد نحي بها نحو أبيات البصريّ. وأشهد أنَّها متكلَّفة، صنعها رقيع من القوم، وأنّ عضد الدولة ما سمع بها قط.
وأمَّا الحكاية عن أصحاب الحديث أنَّهم صحفوا زخمة فقالوا: رحمة، فلا أصدَّق بما يجري مجراها، والكذب غالب ظاهر، والصدق، خفي متضائل، فإنا لله وإنا إليه
(1/148)

راجعون. وكذلك أدعاء من يدَّعي أنَّ علياً، عليه السلام، قال: تهلك البصرة بالزنج؛ فصحَّفها أهل الحديث: بالريح، لا أؤمن بشيء من ذلك. ولم يكن عليّ، عليه السلام، ولا غيره ممن يكشف له علم الغيب، وفي الكتاب العزيز: قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وفي الحديث المأثور: أنه سمع جواري يغنيَّن في عرس ويقلن:
وأهدى لنا أكبشاً ... تبحبح في المربد
وزوجك في النّادي ... ويعلم ما في غد
فقال: لا يعلم ما في غدٍ إلى الله.
ولا يجوز أن يخبر منذ مائة سنة أن أمير حلب، حرسها الله، في سنة أربع وعشرين وأربعمائة، أسمه فلان بن فلان، وصفته كذا؛ فإن أدعى ذلك مدّعٍ فإنمّا هو متخرِّص كاذب.
وأمّا النجوم فإنمّا لها تلويح لا تصريح، وحكي أنَّ الفضل ابن سهل كان يتمثل كثيراً بقول الراّجز:
لئن نجوت ونجت ركائبي من غالب ومن لفيف غالب
إنّي لنجَّاء من الكرائب وأنّ غالباً كان فيمن قتله، فهذا ينَّفق مثله. وأجدر بهذه الحكاية أن تكون مصنوعة. فأما تمثله بالشعر فغير مستنكر، وربما أتفق أن يكون في الوقت جماعة يسمون بهذا الاسم، فيمكن أن يقترن معنى بلفظٍ، على أنَّ في الأيام عجائب، وفوق كلّ ذي علم عليم.
وقد حكي أنَّ إياس بن معاوية القاضي كان يظن الأشياء فتكون كما ظن، ولهذه العلَّة قالوا: رجل نقاب وألمعيَّ، قال أوس:
(1/149)

الألمعيّ
الذي يظن بك الظ ... ن كأن قد رأى وقد سمعا
وقال: نقاب يحدِّث بالغائب.
فأمّا الحسين بن منصور فليس جهله بالمحصور. وإذا كانت الأمةّ ربّما عبدت الحجر، فكيف يأمن الحصيف البجر؟ أراد أن يدير الضّلالة على القطب، فانتقل عن تدبير العطب، ولو انصرف إلى علاج البرس، ما بقي ذكر عنه في طرس، ولكنّها مقادير، تغشى النّاظر بها سمادير. فكون ابن آدم حصاة أو صخرة، أجمل به أن يجعل سخرةّ. النّاس إلى الباطل سراع، ولهم إلى الفتن إشراع.
وكم افتري للحلاج، والكذب كثير الخلاج، وجميع ما ينسب إليه مما لم تجر العادة بمثله فإنّه الميّن الحنبريت، لا أصدّق به ولو كريت. وممّا يفتعل عليه أنّه قال للّين قتلوه: أتظنون انكم إيّاي تقتلون؟ أنمّا تقتلون بغلة المادراني وأنّ البغلة وجدت في إصطبلها مقتولة.
وفي الصّوفية إلى اليوم من يرفع شأنه، ويجعل من النجَّم مكانه. وبلغني أنَّ ببغداد قوماً ينتظرون خروجه. وأنهم يقفون بحيث صُلب على دجلة يتوقَّعون ظهوره. وليس ذلك ببدع من جهل النّاس، ولو عبد عابد ظبي كناس، فقد نزل حظ على قرد، فظفر بأكرم الورد. وقالت العامة: اسجد للقرد في زمانه. وأنا أتحوَّب من ذكر القرد الذي يقال: إنّ القوادّ في ومن زبيدة كانوا يدخلون للسلام عليه وأنّ يزيد ابن مزيد الشَّيبانيَّ دخل في جملة المسلَّمين فقتله. وقد روي أن يزيد بن معاوية كان له قرد يحمله على أتانٍ وحشيةٍ ويرسلها مع الخليل في الحلبة.
وأمّا الأبيات التي على الياء:
يا سرّ يدقُّ حتَّى ... يجل عن وصف كلّ حيّ
(1/150)

وظاهراً باطناً تبدَّى ... من كلّ شيء لكل شيء
يا جملة الكل، لست غيري ... فما اعتذاري إذا إلي؟
فلا بأس بنظمها في القوَّة، ولكن قوله: إليّ، عاهة في الأبيات: إن قيد فالتقيد لمثل هذا الوزن لا يجوز عند بعض النّاس، وإن كسر الياء من إلي فذلك رديء قبيح.
وأصحاب العربية مجمعون على كراهة قراءة حمزة: وما أنتم بمصرخيّ: بكسر الياء. وقد روي أنَّ أبا عمرو بن العلاء سئل عن ذلك فقال: أنه لحسن، تارة إلى فوق، وتارة إلى أسفل، يعني فتح الياء في مصرخيّ وكسرها والذين نقلوا هذه الحكاية يحتجون بها لحمزة ويذهبون إلى أن أبا عمرو أجاز الكسر لالتقاء الساكنين. وإن صحت الحكاية عنه، فما قالها إلا متهَّزئاً على معنى العكس، كما الغنوي وهو سهل بن خنظلة:
لا يمنع النّاس منيّ ما أرادت، ولا ... أعطيهم ما أرادوا، حسن ذا أدبا
أي ليس ذلك بحسن وهذا كما يقول الرّجل لولده إذا رآه قد فعل فعلاً قبيحاً: ما أحسن هذا! وهو يريد ضدّ الحسن. ولم يأت كسر هذه الياء في شعر فصيح. وقد طعن الفراء على البيت الذي أنشده:
قال لها: هل لك يا تا فيّ؟ ... قالت له: ما أنت بالمرضيِّ
وقد سمعت في أشعار المحدثين: إليّ وعليّ، ونحو ذلك، وهو دليل على ضعف المنَّة وركاكة الغريزة؟ وكذلك قوله: الكلّ، وإدخاله الألف واللامّ مكروه. وكان أبو علي يجيزه ويدعي إجازته على سيبويه، فأما الكلام القديم فيفتقد فيه الكل والبعض، وقد أنشدوا بيتاً لسحيم:
رأيت الغنيّ والفقير كليهما
إلى الموت يأتي الموت للكل معمدا
(1/151)

الحلاج
وينشد لفتى كان في زمن الحلاّج:
إن يكن مذهب الحلول صحيحاً ... فإلهي في حرمة الزَّجَّاج
عرضت في غلالة بطراز ... بين دار العطّار والثلاّج
زعموا لي أمراً وما صحَّ لكن ... هو من إفك شيخنا الحلاجّ
وهذه المذاهب قديمة، تنتقل في عصر بعد عصر، ويقال إن فرعون كان على مذهب الحلولية، فلذلك ادّعى أنه رب العزَّة.
وحكي عن رجلٍ منهم أنّه كان يقول في تسبيحه:
سبحانك سبحاني ... غفرانك غفراني
وهذا هو الجنون الغالب، إنّ من يقول هذا القول مسدود في الأنعام، ما عرف كنه الإنعام. وقال بعضهم:
أنا أنت بلا شكٍّ ... فسبحانك سبحاني
وإسخاطك إسخاطي ... وغفرانك غفراني
ولم أجلد يا ربّي، إذا قيل هو الزّاني وينو آدم بلا عقول، وهذا أمر يلقنه صغير عن كبير، فيكون بالهلكة أوفى صبير: أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون، إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضل سبيلاً.
ويروي لبعض أهل هذه النخلة:
رأيت ربّي يمشي بلا لكلة ... في سوق يحيى فكدت أنفطر
فقلت: هل في اتصالنا طمع؟ ... فقال: هيهات! يمنع الحذر
ولو قضى الله ألفة بهوى ... لم يك إلاّ السجود والنّظر
وتؤدَّي هذه النّحلة إلى التناسخ، وهو مذهب عتيق يقول به أهل الهند، وقد كثر في جماعة من الشّيعة، نسأل الله التوفيق والكفاية.
وينشد لرجل
(1/152)

من النصُّيرية:
أعجبني أمنّا لصرف اللّيالي ... جعلت أختنا سكينة فاره
فازجري هذه السّنانير عنها ... واتركيها وما تضم الغراره
وقال آخر منهم:
تبارك الله كاشف المحن ... فقد أرانا عجائب الزّمن
حمار شيبان شيخ بلدتنا ... صيرّه جارنا أبو السكن
بدل من مشيه بحلته ... مشيته في الحزام والرّسن
ويصوّر لهم الرأي الفاسد أباجير ومشبهَّات، فيسلكون في تغلسَّ وفي الترهات.
وحكى لي عن بعض ملوك الهند، وكان شابّاً حسناً، أنّه جدَّر فنظر إلى وجهه في المرآة وقد تغير، فأحرق نفسه وقال: أريد أن ينقلني الله إلى صورة أحسن من هذه.
وحدثني قوم من الفقهاء، ما هم في الحكاية بكاذبين، ولا في أسباب النحَّل جاذبين، أنّهم كانوا في بلاد محمود وكان معه جماعة من الهند قد وثق بصفائهم، يفيض عليهم الأعطية لوفائهم، ويكونون أقرب الجند إليه إذا حلّ وإذا ارتحل، وأن رجلاً منهم سافر في جيشٍ جهزه محمود، فجاء خبره أنّه قد هلك بموت أو قتل، فجمعت امرأته لها حطباً كثيراً وأوقدت ناراً عظيمة واقتحمتها والنّاس ينظرون، وكان ذلك الخبر باطلاً، فلمّا قدم الزّوج أوقد له ناراً جاحمة ليحرق نفسه حتى يلحق بصاحبته، فاجتمع خلق كثير للنّظر إليه، وأنّ أصحابه من الهند كانوا يجيئون إليه فيوصونه بأشياء إلى أمواتهم: هذا إلى أبيه وهذا إلى أخيه. وجاءه إنسان منهم بوردة وقال: أعط هذه فلاناً يعني ميتاً له، وقذف نفسه في تلك النّار.
وحدّث من شاهد إحراقهم
(1/153)

نفوسهم أنّهم إذا لذعتهم النّار أرادوا الخروج فيدفعهم من حضر إليها بالعصيرّ والخشب. فلا إله إلاّ الله، لقد جئتم شيئاً إدّاً.
وفي الناس من يتظاهر بالمذهب ولا يعتقده، يتوصَّل به إلى الدنيا الفانية، وهي إغدر من الورهاء الزّانية.
وكان لهم في الغرب رجل يعرف بابن هانئ وكان من شعرائهم المجيدين، فكان يغلة في مدح المعزّ أبي تميم معدٍّ، غلوا عظيماً حتى قال يخاطب صاحب المظلَّة:
أمديرها من حيث دار لشدَّ ما ... زاحمت تحت ركابه جبريلا
وقال فيه وقد نزل بموضع يقال له رقَّادة:
حلَّ برقادة المسيح ... حلَّ بها آدم ونوح
حلّ بها الله ذو المعالي، ... وكل شيءٍ سواه ريح
وحضر شاعر يعرف بابن القاضي بين يدي ابن أبي عامر صاحب الأندلس فأنشده قصيدة أوَّلها:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار ... فاحكم، فأنت الواحد القهار
ويقول فيها أشياء، فانكر عليه ابن أبي عامر، وأمر بجلده ونفيه.
وأدل رتب الحلاجّ أن يكون شعوذياً، لا ثاقب الفهم ولا أحوذيا، على أنَّ الصوفيَّة تعظمِّه منهم طائفة، ما هي لأمره شائفة.
وأمّا ابن أبي عون فإنهّ أخذ في لون بعد لون، غرّ البائس بأبي جعفر، فما جعل رسله في أوفره؛ وقد تجد الرّجل حاذقاً في الصناعة، بليغاً في النّظر والحجة، فإذا رجع إلى الدّيانة ألفي كأنّه عير مقتاد، وإنمّا يتبع ما يعتاد.
والتأله موجود في الغرائز، يحسب من الألجاء الحرائز، ويلقن الطّفل الناشئ ما سمعه من الأكابر، فليبث
(1/154)

معه في الدّهر الغابر.
والذين يسكنون في الصوامع، متعبدون في الجوامع، يأخذون ما هم عليه كنقل الخبر عن المخبر، لا يميَّزون الصدّق من الكذب لدى المعبّر، فلو أنّ بعضهم ألفى الأسرة من المجوس لخرج مجوسياً، أو من الصّابئة لأصبح لهم قريناً سياً. وإذا المجتهد نكب عن التقّليد، فما يظفر بغير التبليد. وإذا المعقول جعل هادباً، نقع بريه صادياً، ولكن أين من يصبر على أحكام العقل، ويصقل فهمه أبلغ صقل؟ هيهات! عدم ذلك في من تطلع عليه الشمس، ومن ضمنه في الرِّمم رمس، إلىّ أن يشذّ رجل في الأمم، يخص من فضل بعمم.
ربمّا لقينا من نظر في كتب الحكماء، وتبع بعض آثار القدماء، فألفيناه يستحسن قبيح الأمور، ويبتكر بلبّ مغمور، إنّ قدر على فظيع ركبه، وإن عرف واجباً نكبَّه، كأنّ العالم سعوا له في إفقاد، فهو يعتقد شرّ اعتقاد؛ وإنّ أودع وديعه خان، وإن سئل عن شهادة مان، وإن وصف لعليل صفةّ فما يحفل أقتلته بما قال، أم ضاعف عليه الأثقال؛ بل غرضه فيما يكتسب، وهو إلى الحكمة منتسب.
وربّ زارٍ بالجهالة على أهل ملّة، وعلتَّه الباطنة أدهى علَّة، وإن البشر لكما جاء في الكتاب العزيز " كل حزبٍ بما لديهم فرحون ".
والإمامية تقَّربوا بالتعّفير، فعدّه بعض المتدينةٍ ذنباً ليس بغفير، ويحضر المجالس أناس طاغون، كأنهذم للرّشد باغون، وأولئك، علم الله، أصحاب البدع والمكر، ومن لك بزنحٍ في دكر! كم متظاهر باعتزال، وهو مع المخالف في نزال! بزعم أنّ ربّه على الذّرَّة يخلد في النار، بله الدّرهم وبله الدّينار، وما ينفكّ يحتقب المآثم عظائم، ويقع بها في أطائم. ينهمك على العهار والغسق، ويظعن من الأوزار الموبقة
(1/155)

بأوفى وسق، ويقنت على رهط الإجبار، ويسند إلى عبد الجبار. يطيل الدأب في النهّار واللّيل، ويضمر أنّ شيخ المعتزلة غير طاهر الرُّدن ولا الذّيل، فقد صيّر الجدل مصيدة، ينظم به الغيّ قصيدة.
وحدَّثت عن إمام لهم يوقرّ ويتبع، وكأنه من الجهل ربع أنّه كان إذا جلس في الشرّب، ودارت عليهم المسكرة ذات الغرب، وجاءه القدح شربه فاستوفاه، وأشهد من حضرة على التوبة لما اقتفاه.
والأشعري إذا كشف ظهر نمي، تلعنه الأرض الرّاكدة والسمي، إنّما مثله مثل راعٍ حطمة، ويخبط في الدهماء المظلمة، لا يحفل علام هجم بالغنم، وأن يقع بها في الينم، وما أجدره أن تأتي بها سراحين، تضمن لجميعها أن يحين! فمن له أيسر حجى، كأنمّا وضع في دجى، إلا من عصمه الله باتباع السّلف، وتحمل ما يشرع من الكلف:
وإنّا، ولا كفران لله ربنَّا،
لكالبدن، لا تدري متى حتفها البدن إن شعر قلد، المسكين، سواه فإنمّا وثق بمن أغواه، وإن بحث عن السِّرَّ وتبّصر، أقصر عن الخبر وقصَّر.
والشيعة يزعمون أمنّ عبد الله بن ميمون القدّاح، وهو من باهلة، كان من علية أصحاب جعفر بن محمدٍ؟، عليه السلاّم، وروى عنه شيئاً كثيراً، ثم رتدّ بعد ذلك، فحدثني بعض شيوخهم أنّهم يروون عنه ويقولون: حدّثنا عبد الله بن ميمون القدّاح كأحسن ما كان، أي قبل أن يريدّ. ويروون له:
هات اسقني الخمرة يا سنبر ... فليس عندي أنَّني أنشر
أما ترى الشِّيعة في فتنة ... يغرها من دينها جعفر؟
قد كنت مغروراً به برهةً ... ثمّ بدا لي خبر يستر
وممّا ينسب إليه:
(1/156)

مشيت إلى جعفر حقبةً ... فألفيته خادعاً يخلب
يجرّ العلاء إلى نفسه ... وكلّ إلى حبله يجذب
فلو كان أمركم صادقاً ... لما ظل مقتولكم يسحب
ولا غضّ منكم عتيق ولا ... سما عمر فوقكم يخطب
والحلولّيهّ قريبة من مذهب التناسخ، وحدَّثت عن رجلٍ من رؤساء المنجمين من أهل حرانّ أقام في بلدنا زماناً، فخرج مرّة من قومّ يتنزهون، فمروا بثورٍ يكرب، فقال لأصحابه: لا أشك في أنّ هذا الثور رجل كان يعرف بخلفٍ بحرُّان، وجعل يصيح به: يا خلف، فيتفَّق أن يجوز ذلك الثّور، فيقول لأصحابه: ألا ترون إلى صحَّة ما خبرتكم به؟ وحكي لي عن رجلٍ آخر ممّن يقول بالتنّاسخ أنّه قال: رأيت في النّوم أبي وهو يقول لي: يا بنيّ، إنّ روحي قد نقلت إلى جملٍ أعور في قطار فلانٍ، وإنيّ قد اشتهيت بطيخةّ. قال: فاخذت بطيخة وسألت عن ذلك القطار وجدت فيه جملاً أعور، فدنوت منه بالبطيخة، فأخذها أخذ مريد مشتهٍ! أفلا يرى مولاي الشّيخ إلى ما رمي به هذا البشّر من سوء التمّييز، وتحيزهم إلى ما يمتنع من التحييز؟ وأمّا ابن الرّواندي فلم يكن إلى المصلحة بمهدي، وأمّا تاجه فلا يصلح أن يكون نعلاً، ولم يجد من عذابٍ وعلاً أي ملجأ، قال ذو الرّمة.
حتّى إذا لم يجد وعلاّ ونجنجها ... مخافة الرّمي حتى كلهّا هيم
ويجوز أن ينظم تاجه عقارب، فما كان المحسن ولا المقارب، فكيف له إذا توج شبواتٍ، أليس يمينه عن تلك الصبوات؟ وهل تاجه إلاّ كما قالت الكاهنة: أفّ وتف، وجورب وخف!؟ قيل: وما جورب وخف؟ قالت
(1/157)

واديان يجهنم.
ما تاجه بتاج ملك، ولكن دعي بالمهلك، ولا اتخّذ من الذّهب، وسوف يصوَّر من اللهّب، ولا نظم من درّ، بل وقع من عناء بقرّ، يقال: صابت بقرٍ، إذا وقعت في موضعها، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشرّ. قال الشاعر:
ترجيَّها وقد صابت بقرٍ ... كما ترجوا أصاغرها عتيب
ما توَّج من الفضة، ولا يقنع له بالقضَّة، ما هو كتاج كسرى، لكن طرق بسوء المسرى، ولا تاج الملك انوشروان، ولكل أثقل وجرّ الهوان، ذلك تاج فرس عنقاً، فظن على من توِّج به محنقاً. ليس هو كتاج المنذر، ولكن مندية غويّ حذّر، ولا هو كخرزات النعّمان، بل شين يدخر في الأزمان. وما يفقر مثبه إلى أن ينقض منه وبه تقوضّ.
وأمّا الدامغ فما إخاله دمغ إلاّ من الفّه، وبسوء الخلافة خلفه. وفي العرب رجل يعرف بدميغ الشيطان، وهذا الرّجل كذاوي الخيطان. وإنمّا المنكر، أنَّه في الآونة يذكر. دلّ ممن وضعه على ضعف دماغ، فهل يؤذن لصوت ماغٍ؟ من قولهم: مغت الهرة إذا صاحت.
رماني بأمرٍ كنت منه ووالدي بريئاً ومن جول الطوَّي رماني رجع عليه حجره، وطال في الآخرة بجره. بئس ما نسب إلى راوند، فهل قدح في دباوند؟ إنمّا هتك قميصه، وأبان للنظر خميصه.
وأجمع ملحد ومهتد، وناكب عن المحجَّة ومقتدِ، أنّ هذا الكتاب الذي جاء بن محمد صلى الله عليه وسلم كتاب بهر بالإعجاز، ولقي عدّوه بالأرجاز. ما حذي على مثال، ولا أشبه غريب الأمثال. ما هو من القصيد الموزون، ولا الرَّجز من
(1/158)

سهلّ وحزون. ولا شاكل خطابة العرب، ولا سجع الكهنة ذوي الأرب. وجاء كالشمس اللائحة، نوراً للمسرَّة والبائحة؛ لو فهمه الهضب الرّاكد لتصدع، أو الوعول المعصمة لراق الفادرة والصدّع: " وتلك الأمثال نضبها للنّاس لعلهم يتفكرون " وإنّ الآية منه أو بعض الآية، لتعترض في أفصح كلم يقدر عليهم المخلوقون، فتكون فيه كالشَّهاب المتلألئ في جنح غسق، والزّهرة البادية في جدوبٍ ذات نسق؛ فتبارك الله أحسن الخالقين.
وأمّا القضيب فمن عمله أخسر صفقة من قضيب. وخير له من إنشائه، لو ركب قضيباً عند عشائه، فقذفت به على قتاد، ونزعت المفاصل كنزع الأوتاد:
إن الطرٍّمّاح يهجوني لأشتمه
هيهات هيهات، عيلت دونه القضب كيف للنّاطق به أن يكون اقتضب وهو يافع، إذ ماله في العاقبة شافع. وودّ لو أنّه قضبه، أو تلتئم عليه الهضبة.
وقد صد أن يكون مثل القائل:
وروحة دنيا بين حييّن رحتها ... أسير عروضاً، أو قضيباً أروضها
وقضيب وادٍ كانت فيه وقعة في الجاهلية بين كندة وبين بني الحارث ابن كعب فكيف لهذا المائق أن يكون قتل في قضيب، وسقط في إهابه الخضيب. فهو عليه شرّ من قضيب الشجرّة على السّاعية، ومن له ان يظفر بمنطق الناّعية؟ وكيف له أن يجدَّع بقضيب هندي ويلبس ممّا لفظ به ثوب المفديّ؟ لقد أنزل الله به من النكّال، ما لا يدفع بحمل الأنكال؛ فهو كما قال الأوّل:
فلم أر مغلوبين يفري فرينا، ... ولا وقع ذاك السَّيف وقع قضيب
(1/159)

وهذا البيت يستشهد به، كما علم، لأنّه قال: مغلوبين يفري، وإنمّا يجب أن يقال: يفريان، ولكنّه أجرى الاثنين مجرى الجمع. ومثله قول الرّاجز:
مثل القارخ نتقت حواصله
وأما الفريد فأفرده من كلّ خليل، وألبسه في الأبد برد الذّليل. وفي كنده حيَّ يعرفون بالحيّ الفريد، وهم بنو الحرث بن عديّ بن ربيعة بن معاوية الأكبر بن الحرث الأصغر ابن معاوية بن الحرث الأكبر بن معاوية بن ثور بن مرتَّع بن معاوية ابن ثورٍ، وهر كندّة؛ وأصحاب النّسب يقولون: كنديّ بن غفير بن عديّ بن الحارث بن مرّة بن أددّ بن زيد بن يشجب ابن عريب بن زيد بن كهلان بن سبإ، وإنمّا قيل لهم الحيّ الفريد، لأنّ بني وههبٍ حالفوا بني أبي كربٍ وبني المثل ولم يدخل معهم بنو الحارث ولا مع بني عديّ، فقيل لهم الحي الفريد.
ومن انفرد بعزَّةٍ لوقارته، فإن فريد ذلك الجاحد ينفرد لحقارته، كأنّه الأجرب إذا طلي بالعنية، فرّ من دنوه من يرغب عن الدنيّة. وإذا جذلت الغانية بفريد النظّام، فهو قلادة مآثم عظام. وذكر أبو عبيدة أنَّ في ظهر الفرس فقارة يقال لها الفريدة، وهي أعظم الفقار. فلو حمل فريد ذلك المتمرَّد على جواد لحطم فريدته، أو زينّ به المحبُّ الغانية لأهلك خريدته.
وأما المرجان فإذا قيل إنّه صغار اللؤلؤ، فمعاذ الله أن يكون مرجانه صغار حصى، بل أخس من أن يذكر فينتصى. وإذا قيل إنّه هذا الشيء الأحمر الذي يجيء به من المغرب، فإن ذلك له قيمة وخسارة كتابه مقيمة، وإنمّا هو مرجان، من مرجت الخيل بعضها مع بعض، وتركتها كالمهملة في الأرض أو لعلّه مرجّان من جنى الشجّرة أو مرجانّ من الشياطين الفجرة،
(1/160)

أو جان من الحيات المقتولة بأيسر الأمر، والمبغضة إلى المنفرد والعمر أي الجماعة من النّاس.

ابن الرّومي
وأمّا ابن الرّومي فهو أحد من يقال: إنّ أدبه كان أكثر من عقله، وكان يتعاطى علم الفلسفة، واستعار من أبي بكر ابن السراج كتاباً فتقاضاه به أبو بكرٍ، فقال ابن الرّومي: لوّ كان المشتري حدثاً لكان عجولاً.
والبغداديّون يدّعون انّه متشّيع، ويستشهدون على ذلك بقصيدته الجيميَّة، وما أراه إلاّ على مذهب غيره من الشعراء.
ومن أولع بالطيَّرة، لم ير فيها من خيرة، وإنمّا هو شر متعجل، وللأنفس أجل مؤجّل، وكلّ ذلك حذر من الموت الذي هو ربق في أعناق الحيوان، حكم لقاؤه في كلّ أوان.
وفي النّاس من يظنّ أنّ الشيء إذا قيل جاز أن يقع، ولذلك قالت العامّة: الإرجاف أوّل الكون. ويقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم، تمثل بهذا البيت ولم يتممه:
تفاءل بما تهوى يكن، فلقلمّا ... يقال لشيء: كان إلاّ تحقّقا
ومهما ذهب إليه اللّبيب، فالخير في هذه الدّنيا قليل جدّاً، والشرّ يزيد عليه بأجزاءٍ ليست بالمحصاة، وما أشبه ذوي التقى بالعصاة، كلّهم إلى التّلف يساقون، يلقون ما كره ولا يعاقبون، ولعلّ الله، جلّت قدرته، يميزهم في المنقلب، ويسعف بمراده أخا الطَّلب.
وقال علقمة:
من تعرّض للغربان يزجرها ... على سلامته لا بد مشؤوم
وكان ابن الرّومي معروفاً بالتَّطير، ومن الذي أجري على التّخيّر؟ وقد جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أخبار كثيرة تدل على كراهة الاسم الذي ليس بحسنٍ، مثل مرّة وشهاب والحباب لأنّه يتأوله في معنى الحّية.
ونحو
(1/161)

من حكاية ابن الرّومي التي حكاها النّاجم ما حكي عن امرأة من العرب أنّها قالت للأخرى: سمّاني أبي غاضبة، وإنمّا تلك نار ذات غضى، فالحمد لربيّ على ما قضى، وتزوجت من بني جمرة رجلاً أحرق، وما أمرق. أي لم يكثر مرقه وكان اسمه تورباً وإنمّا ذلك تراب، فشمتت بي الأتراب، وكان يدعى جندلة فمضضت عنده بالجندل، ولا شممت رائحة مندل، وكان اسم أمّه سوّارة فلم تزل تساورني في الخصام، ولا تنفعني بعصام.
فقالت الأخرى: لكن سّماني أبي صافية، فصفوت من كلِّ قذى، وجنّبت مواقع الأذى، وزوجّني في بني سعد بن بكر فبكرّ عليّ السعد، وأنجز لي الوعد. واسم زوجي مُحَاسِن، جزيَ الصّالحة، فقد حاسن وما لاسن، واسم أبيه وقاف، رعاه الله، فقد وقف عليَّ خيره، ولأكثر لديّ ميره، واسم أمّه راضية، رضيت أخلاقي، ولم تجنح إلى طلاقي.
وإذا كان الرّجل خثارماً، لم يزل في الكثكث آرما: إن رأى سمامةّ من الطير، حسبها من السّمام، أو حمامةّ فرق من الحمام، كما قال الطاّئي:
هنّ الحمام، فإن كسرت، عيافةًَ، ... من حائهنّ، فإنّهن حمام
وإن عرضت له خنساء من البشر، فإنّه لا يأمن من البشر، يقول: أخاف من رفيقٍ يخنس، وأمرٍ يدنس. وإن كانت الخنساء من الوحوش، نفر قلبه من الحوش، إنّ رآها سانحةً، هزّت من رعبه جانحة. يقول: قد ذهب أهل عقلٍ وافر، من أرباب المناسم وصحب الحافر، يتطيرون بالسنّيح، ويرهبون معه المنيح. وإن أتته بقدرٍ بارحة، عاين بها النجَّلاء الجارحة، يقول: ألم يك ذوو خيلٍ وسروج، يخشون الغائلة من البروج؟
(1/162)

وإن لقي رجلاً يدعى أخنس، فكأنّما لقي هزبراً تبهنس. يقول: ما يؤمنني أن يكون كأخنس بني زهرةٍ فرّ بحلفائه عن وفر، وطرحت القتلى في الجفر؟! وإن استقبل من يولع بذلك أعفر، فإنّه ينتظر أن يعفرَّ، وإن بصر بالأدماء. أيقن بسفك الدّماء، وإنّ جبهه ذيّال، فكأنّه الهصور العيّال؛ يقول: ما؟ أقربني من إذالةٍ، تبطل كلام العدّالة؟! وإن آنس نعامةً بقفرٍ، وهو مع الرّكب السّفر، فما يأخذها من النعيم، ويجعلها بالهلكة مثل الزّعيم. يقول، من الفند العيّ: أوّلها نعى وإنمّا ذلك من النعَّيّ. وإن عنّ له في الخرق ظليم، فذلك العذاب الأليم. يقول: ليت شعري من الذي يظلمني. أيأخذ نشبي أم يكلمني؟ وإن نظر إلى عصفورٍ، قال: عصف من الحوادث بوفورٍ، فهو طول أبده في عناء، ولا بد له من الفناء.
ولهذه الطوّية جعل ابن الرّومي جعفراً من الجوع والفرار ولو هدي صرفه إلى النهر الجرار، لأن الجعفر النّهر الكثير الماء، ولكنّ إخوان هذه الخليقة، لا يحملون الأشياء الواردة على الحقيقة.
وأراد بعضهم السَّفر في أولّ السنَّة فقال: إن سافرت في المحرم، كنت جديراً أن أحرم، وإن رحلت في صفر، خشيت على يدي أن تصفر، فأخّر سفره إلى شهر ربيعٍ، فلمّا سافر مرض ولم يحظ بطائل، فقال: ظننته من ربيع الرَّياض، فإذا هو من ربع الأمراض.
وأمّا إعداده الماء المثلوج فتعلّة، وما ينفع بالحيل غلة، وتقريبه الخنجر تحرّر من جبان، وتنقض الأقضية وما بنى البان؛ ورب رجلٍ يحتفر له قبراً بالشام، ثمّ يجشمه القدر بعيد الإجشام، فيموت باليمن أو الهند، والحتف بالغائرة والفند: " ما تدري نفس بأبي أرض تموت، إن الله عليم خبير ".
وكما أنَّ النفَّس جهلت مدفن عظامها، فهي الجاهلة بالقاطع
(1/163)

لنظامها. كم ظاّن أنّه يهلك بسيف، فهلك بحجر من خيفٍ.
وموقن أنّ شجبه يقدر على مهادٍ، فألقته الأسل ببعض الوهاد.
والبيتان اللّذان رواهما النّاجم عن أبي الرّومي مقيدان، وما علمت انّه جاء عن الفصحاء هذا الوزن مقيداً، وإلاّ في بيت واحدٍ يتداوله رواة اللّغة، والبيت:
كأن القوم عشُّوا لحم ضأن، ... فهم نعجون قد مالت طلاهم
وهذا البيت مؤسس، والذي قال ابن الروميّ بغير تأسيسٍ.
وما يدري النّاجم، ولعّله بالفكر راجم، أفي الجّنة حصل ذلك الشيّخ أم في السّعير، وما اثقل وسوق العير.
وأما أبو تمّام، فما أمسك من الدّينّ بزمام، والحكاية عن ابن رجاءٍ مشهورة، والمهجة بعينها مبهورة. فغن قذف في النّار حبيب، فما تغني المدح ولا التشّبيب. ولو أنَّ القصائد لها علم، وتأسف لما يشكو الخلم، لأقامت عليه الممدودتان اللتّان في أوّل ديوانه، مأتماً يعجب لأسوانه. فسناحتا عليه كابنتي لبيد، وجرعتاهما من الثكل نظير الهبيد، وقالتا ما زعمّه الكلابيّ في قوله:
وقولا: هو الميت الذّي لا حريمه ... أضاع، ولا خان الصديق ولا غدر
إلى الحول، ثمّ اسم السلاّم عليكما ... ومن بيك حولاً كاملاً، فقد اعتذر
وكأنّي بهما لو قضي ذلك، لاجتمعت إليهما الممدودات، كما تجتمع نساء معدودات. فيجئن من كلّ اواب، ويتوعدون المحفل على نوب.
ولو فعلن ذلك لبهارتهن الباثَّيات بمأتم أعظم زنيناً، وأشد في الحندس حنيناً، كما قال العبقسي:
يجاوبن الكلاب بكلّ فجر ... فقد صحلت من النوح الحلوق.
(1/164)

وإذا كان مأتم الممدودات في مائة ممّن يعدهن ويظاهر، وجب أن يكون مأتم البائيّات في الآفٍ تعلن وتجاهر لأنَّّ الباء طريق ركوب، والمد في القصائد سبيل منكوب.
وما نظمه على التّاء، فإنه لا يعجز عن الإيتاء.
وتجيء الثّائيتان وكلتاهما كابنة الجون، وتبتدر في حالك اللّون. ولو صوَّرتا من الآدميات، لزادنا على قينتي ابن خطلٍ في المرئيّات، وإنّ الثاء لقليلة في شعر العرب إلاّ أنهّمّا تستعينان كلمة كثيِّرٍ:
حبال سلامة أضحت رثاثا ... فسقياً لها جدداً أو رماثا
وبأراجيز رؤبة وما كان نحوها من القوافي المتكلفّة، والأشعار المتعسَّفة، ولهما فيما نظم ابن دريدٍ، أعوان بالعجل والرَّويد. فأمّا الدّاليات والرّائيّات وما بني على الحروف الذلل: كاليم والعين واللام وما جرى مجراهنُّ، فلو اجتمع كلّ حيّزٍ منهن وهو فراد، لضاق عنهنّ الصدرّ والإيراد، وزدن على ما ذكر أنّه اجتمع في جنازة أحمد بن حنبل من النسّاء والرجال، ويقال أنّه لم يجتمع في الجاهلية ولا الإسلام جمع أكثر ممّا اجتمع في موت أحمد، حزر الرّجال بألف ألفٍ، والنسّاء بستمّائة ألفٍ، والله العالم بيقين الأشياء.
وإن كان حبيب ضيَّع صلواته، فإنّه لضال بفلواته، لا يبلغ فيه كيد العداة، ما بلغ إهمال غداة. كم ضدٍّ نكص عنه ذا بهر، وليس كذلك صلاة الظّهر، إنّ تركها فإنّها شاهدة، وفي الشكيَّة له جاهدة. وكم من قصرٍ، يشيد في الجنة بصلاة العصر، ومسكٍ في الجنة متأرِّج لمصلِّي المغرب ليس بالحرج، وحور أشئن ببديع الإنشاء، لمن حافظ على صلاة العشاء، وقد جاء في الحديث النهَّي أن تسمى العتمة. وروي: " لا تخدعوا عن اسم صلاتكم فإنمّا يعتم بحلاب الإبل " وفي حديثٍ
(1/165)

آخر: " إنَّ العتمة اسم بنت الشيطان ".
وإنّ من يعجز عن اداء تلك الرّكعات، ليشتمل على نيَّة عات.
فليت حبيباً قرن بين الصلاتين، فجعلها كهاتين، كما قال القائل: قرن الظّهر إلى العصر كما تقرن الحقَّة بالحق الذَّكر وإنَّي لأضن بتلك الأوصال أن يظل جسدها وهو بالموقدة صال، لأنه كان صاحب طريقةٍ مبتدعة، ومعان كاللّؤلؤ متتبعة، يستخرجها من غامض بحارٍ، ويغض عنها المستغلق من المحار.
وإن ابتدرته مهنة مالك، فقد نبذ في المهالك، فليته كالجعديّ، أو سلك به مسلك عديّ، أو كان مذهبه مذهب حاتم فقد كان متألّهاً، ومن الخشية متولهَّاً، وقال:
وإنّي لمجزي بما أنا عامل ... ويضطمني ماويّ بيت مسقَّف
أو ليته لحق يزيد بن مهلهلٍ، قد وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، وطرح عنه ثوب الغبي.

الإفشين
وأمّا المازيار، فحلاّل بالسَّفه سيار، وحسبه ما يتجرعّ من الحميم، ويحتمل من المقال الذميم، وقد خلد له في الكتب ما يوجب، لعنه إلى يوم الدّين، وأنَّي له أن يجعل كأديم ودينٍ ورحم الله ابن أبي داؤد، فلقد شفى الأنفس من الجواد، وكشف حال الأفشين، فعلم انّه آلف شينٍ، مخالف رشادٍ وزين.

بابك
وبابك فتح باب الطغّيان، ووجد من شرار الرّعيان، واظن جهاده، عليه التبَّار، أفضل جهادٍ عرف، وذنبه أكبر ذنبٍ اقترف. ولعلهّ يود في الآخرة أنّه ذبح عن كلّ من قتل في عدّانه، مائة مرّة في نهل مدّانه، ثم خلص من العذاب المطبق، واستنفذ عنقه من الربّق.
والعجب لأبي مسلم، خبط في الجنان المظلم، وظنّ أنّه على شيء،
(1/166)

فكان كالمعتمد على الفيء، حطب لنارٍ أكلته، وقتل في طاعة ولاةٍ قتلته. وليس بأول من دأب لسواه، وأغواه الطمّع فيمن أغواه. وإنمّا سهر لأمّ دفرٍ وتبع سراباً في قفرٍ، فوجد ذنبه غير المغتفر، عند صاحب الدولة أبي جعفر.
وكلّ ساعٍ للفانية لا بدّ له من الندّم، في أوان الفرقة وحين العدم، فذمنّا يحسب من الضّلال، كما تمنّى القنع أخو الإقلال، وهذه زيادة في النّضب، وفاز بالسبَّق حائز القصب. نذمهّا على غير جناية، ولم تخبر أحداً بالعناية، بل أبناؤها في المحن سواء، لا تاعفهم الأهواء، فرب حاملٍ حزمة عضيدٍ ليس رثده بالنضيد، يعجز ثمنها عن القوت، ويكايد شظف عيشٍ ممقوت، يلج سلاء في قدمه، ويخصبه الشائك بدمه، وهو أقل أشجاناً من الواثب على السرير، ينعم برشأ غرير، يجمع له الذهب من غير حلٍّ، بإعنات الأمم وإسخاط الإلّ، وإذا ملأ بطنه من طعام، وسبح في بحرٍ من الترف عامٍ، فتلك النعّم ولذاته، تحدث لأجلها أذاته، يختلجه القدر على غفولٍ، وغاية السّفر إلى قفول. وما يدري العاقل، إذا افتكر، أي الشخصين أفضل: أربيب عقد عليه إكليل، أم ارقش ظله في المك ظليل؟ كلاهما بلغ آراباً، وأحدهما يأكل تراباً، الآخر يعل بالراح، ويجتهد له في الأفراح.
وما علمنا النّسك موقياً، ولا في الأسباب الراّفعة مرقياّ، والعالم بقدرٍ عاملون، أخطأهم ما هم آملون، ما آمن أن تكون الآخرة بإرزاق، فتغدو الرّاجحة إلى المهراق، على أن السّر مغيب، وكلنا في الملتمس مخيب، والجاهل وفوق الجاهل، من ادّعى المعرفة بغبّ المناهل، واللّعنة على الكاذبين.

الكيسانية
أمّا الذين يدعون في عليّ، عليه
(1/167)

السلام، ما يدعون، فتلك ضلالة قديمة، وديمة من الغواية تتّصل بها ديمة، وقد روي أنّه حرقّ عبد الله ابن سبأ لمّا هاجر بذلك النبإ.
واعتقاد الكيسانية في محمد بن الحنفية عجيب، لا يصدق بمثله نجيب، وقد روي أنّ أبا جعفر المنصور رفعت له نارّ في طريق مكّة في اللَّيلة التي مات فيها، فقال: قاتل الله الحميريَّ، لو رأى هذه النّار لظن أنها نار محمد بن الحنفية!.
وعلي له سابقة، ومحاسن كثيرة رائقة، وكذلك جعفر بن محمد ليس شرفه بالثمد.
وقد بلغني أنّ رجلاً بالبصرة يعرف بشاباس، تزعم جماعة كثيرة أنّه رب العزّة، وتجبى إليه الأموال الجمّة، ويحمل إلى السّلطان منها قسماً وافراً، لكون بما طلب ظافراً، وهو إذا كشف، ساقط لاقط، يبذه إلى الفضل الماقط، والماقط الذي يكرى من بلدٍ إلى بلد. وحدِّثت أنّ امرأة بالكوفة يدعى لها مثل ذلك.

ابن الراوندي
وقد سمعت من يخبر أنّ لابن الرّاوندي معاشر تذكر إنّ اللاهّوت سكنه، وأنّه من علمٍ مكنه، ويخترصون له فضائل يشهد الخالق وأهل المعقول، أنّ كذبها غير مصقول، وهو في هذا أحد الكفرة، لا يحسب من الكرام البررة، وقد أنشد له منشد، وغيره التقي المرشد:
قسمت بين الورى معيشتهم ... قسمة سكران بيّن الغلط
لو قسم الرّزق هكذا رجل ... قلنا له: قد جننت فاستعط
ولو تمثل هذان البيتان لكانا في الإصر يطولان أرمي مصر، فلو مات الفطن كمداً لما عتب، فأين مهرب العاقل من شقاءٍ رتب؟! أكل ما خدم خادع، أرسلت من الكفر مصادع؟ والمصادع: السهام وما حسنت السوداء الغالبة بسفيهٍ
(1/168)

دعواه، إلا وافق جهولاً عواه أي عطفه.
وقد ظهر في الضيعة المعروفة بالنَّيرب المقاربة لسرمين رجل يعرف بأبي جوف، لا يستتر من الجهل بحوف، والحوف أزير من أدمٍ مشقق الأطراف السّافلة تتزر به الحارية وهي صغيرة وكان يدَّعي النّبرة، ويخبر بأخبار مضحكة، وتثبت نيته على ذلك ثبات المحكة، وكان له قطن في بيت فقال: إنّ قطني لا يحترق وأمر ابنه أن يدني سراجاً إليه، أخذ في العطب، وصرخت النّساء، واجتمعت الجيرة، وإنمّا الغرض إطفاء! وحدثّني من شاهد، أنّه كان يكثر الضّحك بغير موجب، ولا عند حدّثٍ معجب، فقيل له: ممّ تضحك؟ فقال كلاماً معناه: إنّ الإنسان ليفرح بهيّنٍ قليل، فكيف من وصل إلى العطاء الجليل؟ وكان بيّن الجنون، ليس خبله بالمكنون، فاتبعه الأغبياء، وكذب ما يقوله الأنبياء، حتى قتله والي حلب، حرسها الله، وذلك بعد مقتل البطريق المعروف بالدَّوقس في بلد أفامية، وكان الذي حثّ على قتله جيش بن محمد بن حمصامة لأنّ خبره رقي إليه، فأرسل إلى سلطان حلب، حرسها الله، يقول: أقتله وإلاّ أنفذت إليه من يقتله؛ وكان السّلطان يتهاون به لأنّه حقير، وربَّ شاةٍ نتج منها الوقير، أي قطيع الغنم.
وبعض الشّيعة يحدّث أنّ سلمان الفرسيّ في نفرّ معه جاؤوا يطلبون عليّ بن أبي طالبٍ، سلام الله عليه، فلم يجدوه في منزله، فبينما هم كذلك جاءت بارقة تتبعها راعدة، وإذا عليٌ قد نزل على إجاَّر البيت، في يده سيف مخضوب بالدّم، فقال: وقع بين فئتين من الملائكة، فصعدت إلى السماء لأصلح بينهما! والذين يقولون هذه المقالة يعتقدون أن الحسن والحسين ليسا من ولده، فحاق بهم العذاب الأليم.
أفلا يرى إلى هذه
(1/169)

الأمّة كيف افتنت في الضّلالة، كافتنان الرّبيع في إخراج الأكلاء، والوحش الرّائعة الأطلاء!؟ وللكذب سوق ليست للصدّق، تجعل الأسدّ من أبناء الفرق.
وأمّا الذي ذكره نم بلوغ السِّنِّ، فإن الله، سبحانه، خلق مقراً وشهداً، ورغبة في العاجلة وزهداً، وإذا اللّبيب أنعم النّظر، لم ير الحياة إلىّ تجذبه إلى الضَّير، وتحث جسده على السيَّر؛ فالمقيم كأخي ارتحال، لا تثبت الأقضية به على حال: صبح يتبسّم وإمساء، لا يلبث معهما النَّساء، كأنّهما سيدا ضراء والعمر ثلّة في اقتراء، وهما على السّارح يغيران، فيفنيان السّائمة ويبيران.
وإن كان، مكنَّ الله وطأة الأدب ببقائه، قد أماط الشبيبة فإنما أنفقها في طلب علومٍ وآداب، صيرَّ طلابها ألزم دابٍ، ولو كان لها على الحيّ تلبث، كان لها بنفسه النفّيسة تشبث، ولكنها بعض الأعراض، لا تشعر بحياة وانقراض.
وإذا كنّا على ذمِّ هذه المنزلة مجمعين، ولقراقها مزمعين، فلم نأسف على نأي الخوّانة؟ إن الأشاءة لمن العوانة، والأشاءة النخّلة الصغيرة، والعوانة النخّلة الطوّيلة ومتى اخلص قرين الغفلة توبةً، فإنّها لا تترك حوبةّ، تغسل ذنوبه غسل النّاسكة جزيز الفرار، في متدفق سحاب مدرار، كثر فيه القهل والدَّنس، فأحبَّ رحضه الأنس، وكان قد أخذ عن أثباج غنمٍ بيض، تفوق ما يرتع من الربيض، فعاد وكأنه كافور الطيّب، أو ما ضحك من كافورٍ رطيب، والكافور: الطّلع، وقيل هو وعاء الطَّلعة.
فأمّا الغانيات بعد السبّعن، فالأشيب لديهن كالعاسل يباكر العين، وقد حكي أنّ أبا عمرو بن العلاء كان يخضب، فاشتكى في بعض الأيام، فعاده بعض أصحابه، فال: تقوم إن شاء
(1/170)

الله تعالى من علتّك. فقال: ما آمل بعد ستٍ وثمانين. وعاد إليه وقد تماثل فقال: لا تحدث بما قلت لك. وهذا من ظريف ماروي، رغب في تمويهّ بالخضاب، وكتم سنه عن كلّ الأصحاب.
وقد تحدّث بعض طلاّب الأدب انّه، أدام الله تزيين المحافل بحضوره، ذكر التزويج يريد الخدمة، فسرني ذلك، لأنّه دل على إقامة بالوطن، وفي قربه الفرحة لذوي الفطن. إذ كان كالشجّرة الوارف ظلالهما في الهواجر، والبارد هواؤها في ناجر، والطّيب ثمرها للذّائق، والأرج نسيمها للناشق.
وهو يعرف حكاية الخليل عن العرب: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيّا الشوابّ؛ ولا خيرة عند التّواب، ولكن النّصف، ممنّ يوصف:
لاتنكحن عجوزاً إن أتيت بها ... واخلع ثيابك عنها ممعناً هرباً
وإن أتوك وقالوا: إنهّا نصف ... فإنّ أطيب نصفيها الذي ذهبا
لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون ولعله تقدر له كصاحبة أبي الأسود أمّ عمروٍ، ورب خيرٍ تحت الخمر:
كثوب اليماني قد تقادم عهده ... ورقعته ماشئت في العين واليد
أو كما قال الآخر:
ضناك على نيرين أمست لداتها ... بلين بلى الريّطات وهي جديد
وحكي عن أبي حاتمٍ سهل بن محمد أنّه قرأ على الأصمعي شعر حساّن بن ثابت، فلمّا انتهى إلى قوله:
لم تفتها شمس النّهار بشيء ... غير أن الشباب ليس يدوم
قال الأصمعي: وصفها والله بالكبر، وقد يجوز ما قال، والأشبه أن يكون قال هذا وهي شابَّة، على سبيل التأسف، أي أن الأشياء لا بقاء لها، كما قال الآخر:
أنت نعم المتاع، لو كنت تبقى؛ ... غير أن لا بقاء للإنسان
(1/171)

ولو نشط لهذه المأربة، لتنافست فيه العجز والمكتهلات، وعلت خطبة المنهبلات، لأن العاقلة ذات الإحصاف، تجنب إلى معاشرة حليف الإنصاف. وهل هو كما قال الأوّل:
يا عز هل لك في شيخ فتى أبداً ... وقد يكون شباب عير فتيان
فليس بأوّل من طلب نجوزاً، فتزوج على السنِّ عجوزاً، كما قال:
إذا ما أعرض الفتيان عنّي ... فمن لي أن تساعفني عجوز
كأنّ مجامع الّلحيين منها ... إذا حسرت عن العرنين كوز؟
ويروي للحادث بن جازَّة، ولم أجده في ديوانه:
وقالوا مانكحت؟ فقلت: خيراً ... عجوزاً من عرينة ذات مال
نكحت كبيرة، وغرمت مالاً، ... كذاك البيع: مرتخص وغال
وأعوذ بالله ممّا قال الآخر:
عجوزاً لو أن الماء يسقى بكفَّها ... لما تركتنا بالمياه نجوز!
وما زالت العرب تحمد الحيزبون والشهلة، ولا تكره مع لشرخ الكهلة. وقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم، خديجة ابنة خويلدٍ وهو شاب، وهي طاعنة في السّن. وقالت له أم سلمة ابنة أبي أمية: يا رسول الله، إني امرأة قد كبرت وما أطيق الغيرة. فقال: أمّا قولك: قد كبرت، فإنا أكبر منك، وأمّا الغيرة، فإننّي سوف أدعو الله أن يزلها عنك. وقال الشاعر:
فما أنا ابن رهمٍ قد علمتم ... ولا ابن العاملية فاحذروني
ولكني ولدت بنجمٍ شكسٍ ... لشمطاء الذوائب حيزبون
ولا أشك أنّه قد استخدم في مصر أصناف حوارٍ، وهن للمآرب موارٍ،
(1/172)

ولولا أنّ أخا الكبرة يفتقر إلى معينٍ، لكانت الحزامة أن يقتنع بورد ألمعين، فهو بعرف قول القائل
ما العيش إلا القفل وألمفتاح ... وغرفة تخرقها الرّياح
لا صخب فيها ولا صياح
وحدَّثني ابن القنسري المقرئ، أنّه سمعه يسأل عن غلامٍ للخدمة، وربما كان استخدام الأحرار، يمنع من القرار، فقد قال أبو عبادة:
أنا من ياسر ويسر ونجح ... لست من عامرٍ ولا عمّار!
ما بأرض العراق يا قوم حرّ ... يفتديني من خدمة الأحرار؟
وأن يخدم نفسه الوحيد، خير من أن يلج بيته العبيد؛ فطالما أحوجوا المالك إلى ضرب، وأن يتقَّيهم بالعرب.
ورب نازلٍ من أهل الأدب في خان، ليس بالخائن ولا المستخان، بخدمه صبي من الرّق حرّ، وفي خدمته السرّق والضرّ. وإذا أرسله بالبتك، بنات الدرّهم ليأتيه بالطبيخة حين يكثر الطبيخ ويتيح، سعره المشتعل متيح، سرق في السّبيل القطع، وانتهى في الخيانة وتنطع، ثمّ وقف بالبائع، فغبنه غبن الرّائع، فأخذ صغيرة من بطيخ، لا تلقى النّاظر بمثل الورس اللطيخ. ثم انصرف بها لاعباً، كأنهّا هدى كاعباً، فلم يزل يتلقف بها في الطريق، حتى كسرها بين فريق؛ فاختلط حبُّها بالحصباء، وزهد في قربها كلّ الأرباء. ويجوز أن يحملها في حال السّلامة، ويمضي ليسبح مع الفتيان، فإذا نزل في الماء اختطفها بعض العرمة من الصبيان، فأكلها وهو يراه، لا يحفل بأديمها إذ فراه. وقد يرسله بالغضارة يلتمس لبناً، فيقال من سوء الّرأي غبناً، فإذا حصل فيها
(1/173)

الهدبد، عثر فإذا هو على الصحّراء متلبدّ، وصارت الفخارة خزفاً لا يراد، يلغيه النسّكة والمرادّ، فإن كان صاحبه يذهب مذهب ابن الروميّ عدّ أن تحطم الغضارة، فناء عيشه ذي الغضارة؛ فدعا بالحرب، وشده عن فوات الأرب، وما يصنع بذلك المصمقرّ، وقد حان المرتحل إلى المقرِّ؟ وكان في بلدنا غلامٌ لبعض الجند يزعم، ويصدق فيما يزعم، أنَّه كان مملوكاً لأبي أسامة جنادة بن محمّد الهرويّ بمصر، وكان يأسف لفراقه، ويعجب من جميل أخلاقه، ويقول إنّه باعه من أجل العوم، فما أوقع غلاءً في السَّوم.
وإنّما ذكرت ذلك لأنّه، عرَّف الله الوقت بحياته أي طيِّبه، ممّن قد عرف جناده وجرّبه.
وأمّا أهل بلدي، حرسهم الله، فإذا كان الحظُّ قد أعطاني حسن ظنِّ الغرباء، فلا يمتنع أن يعطيني تلك المنزلة من الرّهط القرباء. ولكنّهم كطلاّب الخطبة من الأخرس، وحرِّ ناجرٍ من شهر القرس.
وسيّدي الشّيخ أبو العبّاس الممتَّع: في السّنِّ ولدٌ، وفي المودّة أخٌ، وفي فضله جدٌّ أو أبٌ. وإنّه في أدبه، لكما قال تعالى: " وما لأحدٍ عنده من نعمةٍ تُجزى ".
وأمّا إشفاق الشّيخ - عمر الله خلده بالجذل، وأراح سمعه من كلِّ عذل - فتلك سجية الأنيس، لا يختص بها أخو الجبن عن الشّجاع البئيس. ومن القسوط، تعرُّض بالقنوط. " قل يا عبادي الَّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ".
كم من أديبٍ شرب وطرب ثمّ تاب وأجاب العتَّاب. فقد يضلُّ الدّليل0في ضوء القمر، ثمّ يهديه الله بأحد الأمر، وكم استنقذ من اللُّجِّ غريقٌ، فسلم وله تشريق.
وقد كان الفضيل بن عياضٍ، يسيم في أوبل رياض، ثمّ حسب في الزُّهَّاد، وجعل من أهل الاجتهاد.
وربّ خليعٍ وهو فتى، تصدَّر لمّا
(1/174)

كبر وأفتى، ومغنٍّ بطنبور أو عود، قدر له تولِّي السُّعود، فرقي منبراً للعظات، من بعد إرسال اللَّحظات.

عمر بن عبد العزيز
ولعلّه قد نظر في طبقات المغِّنين فرأى فيهم عمر بن عبد العزيز، ومالك بن أنسٍ، هكذا ذكر ابن خرداذبة، فإن يك كاذباً فعليه كذبه.
والحكاية معروفةٌ أن أبا حنيفة كان يشارب حمَّاد عجرد وينادمه، فنسك أبو حنيفة وأقام حمّادٌ في الغيِّ، فبلغه أن أبا حنيفة يذمُّه ويعيبة، فكتب إليه حمّاد:
إن كان نسكك لا يتمّ ... بغير شتمي وانتقاصي
فاقعد وقم بي كيف شئ ... ت مع الأداني والأقاصي
فلطالما زكِّيتني، ... وأنا المقيم على المعاصي
أيّام تعطيني وتأ ... خذ في أباريق الرَّصاص

عمر بن الخطاب
أليس الصّحابة، عليهم رضوان الله، كلّهم كان على ضلالٍ، ثمَّ تداركهم المقتدر ذو الجلال؟ وفي بعض الرّوايات أن عمر بن الخطّاب خرج من بيته يريد مجمعاً كانوا يجتمعون فيها للقمار، فلم يجد فيه أحداً فقال: لأذهبنَّ إلى الخمَّار، لعلِّي أجد عنده خمراً. فلم يجد عنده شيئاً. فقال: لأذهبنّ ولأسلمنَّ.
والتوفيق يجيء من الله سبحانه وتعالى بإجبار، وفيما خوطب به النبيُّ صلى الله عليه وسلم: " ووجدك ضالاًّ فهدى ".
وذكر أبو معشر المدني في كتاب المبعث حديثاً معناه أنّ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، ذبح ذبيحةً للأصنام فأخذ شيئاً منها فطبخ له، وحمله زيد بن حارثة ومضيا ليأكلاه في بعض الشِّعاب، فلقيهما زيد بن عمرو ابن نفيل، وكان من المتألِّهين في الجاهليّة، فدعاه النبي صلى لله عليه وسلم، ليأكل من الطعام، فسأله عنه فقال: هو من شيءٍ ذبحناه لآلهتنا. فقال زيد بن عمرو:
(1/175)

انّي لا آكل شيءٍ ذُبح للأصنام، وإنِّي على دين إبراهيم صلى الله عليه، فأمر النبيُّ صل الله عليه وسلم، زيد بن حارثة بإلقاء ما معه.
وفي حديث آخر، وقد سمعته بإسنادٍ: أن تميم بن أوسٍ الدَّاريَّ، والدّار قبيلةٌ من لخم كان يهدي إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، في كلَّ سنةٍ روايةً من خمر، فجاء بها في بعض السّنين، وقد حرجت الخمر، فأراقها، وبعض أهل اللّغة يقول: فبعّها.
والمطبوخ وإن أسكر فهو جارٍ مجرى الخمر، على أنَّ كثيراً من الفقهاء قد شربوا الجمهوريَّ والبختج والمنصَّف، وذكر، عند أحمد بن يحيى ثعلبٍ، أحمد بن حنبل وإن كان شرب النّبيذ قطّ؟ والنّبيذ عند الفقهاء غير الخمر، فقال ثعلب: أنا سقيته بيدي في ختانةٍ كانت لخلف بن هشام البزَّاز.
فأمّا الطِّلاء فقد كان عمر بن الخطّاب، عليه السّلام، جزَّأ منه على نصارى الشّام لجنود المسلمين، والمثل السّائر:
هي الخمر تكنى الطِّلاء ... كما الذّئب يُكنى أبا جعدة
وهذا البيت يُروى ناقصاً كما علم، وهو ينسب إلى عبيد ابن الأبرص وربّما وجد في النّسخة من ديوانه، وليس في كلِّ النُّسخ. والذي أذهب إليه أن هذا البيت قيل في الإسلام عدما حُرِّمت الخمر.
وإنّما لذَّة الشّرب فيما يعرض لهم من السكر، ولولا ذلك لكان غيرها من الأشربة أعذب وأدفأ، وقال التغلبيُّ:
علِّلاني بشربةٍ من طلاءٍ ... نعمت النِّيم في شبا الزّمهرير
ويروى لدعبل:
علِّلاني بسماعٍ وطلا، ... ونصيفٍ جائعٍ يبغي القرى
(1/176)

وهذا يدلُّ على أن الطِّلا يسكر ويروي للهذليّ:
إذا ما شئت باكرني غريضٌ ... وزقٌّ فيه نيٌّ أو نضيج
وقال آخر:
لا تسقني الخمر إلاّ نيئة قدمت ... تحت الخام، فشرُّ لاخمر ما طبخا
وإن كان، هيَّأ الله له المحابَّ، قد شرب نيًّا، وقال له الندمان: هنيّاً، فله أسوةٌ بشيخ الأزد محمد بن الحسن إذ قال:
بل ربّ ليلٍ جمعت قطريه لي ... بنت ثمانين عروسٌ تجتلى
ثمّ قال في آخر القصيدة:
فإن أمت فقد تناهت لذّتي ... وكلّث شيءٍ بلغ الحدّ انتهى
وما أختار له أن يأخذ بقول الحكمي:
قالوا كبرت فقلت ما كبرت يدي ... عن أن تسير إلى فمي بالكاس
وهو يعرف البيت:
وما طبخوها، غير أنَّ غلامهم ... سعى ليلةً في كرمها بسراج
وقول عبد الله بن المعتزِّ:
ذكر العلج أنَّهم طبخوها، ... فرضينا ولو بعود خلال
وقدماً طلب النَّدامى مطبوخاً، شبَّاناً في العمر وشيوخاً، ينافقون بالصِّفة ويوارون، وعن الصّهباء العاتقة يدارون، وأبيات الحسين بن الضّحاك الخليع التي تنسب إلى أبي نواسٍ معروفةٌ:
وشاطريِّ اللّسان مختلق التّ ... كريه، شاب المجون بالنُّسك
بات بغمَّى يرتاد صالية ال ... نّار ويكني عن ابنة الملك
(1/177)

دسست حمراء كالشّهاب له ... من كفِّ خمّار حانةٍ أفك
يحلف عن طبخها بخالقه، ... وربَّ موسى ومنشىء الفلك
كأنَّما نصب كأسها قمرٌ ... يكرع في بعض أنجم الفلك
ومن النِّفاق أن يظهر الإنسان شرب ما أجاز شربه بعض الفقهاء، ويعمد إلى ذات الإقهاء، فقد أحسن الحكميُّ في قوله:
فإذا نزعت عن الغواية، فليكن ... لله ذاك النَّزع، لا النّاس
وقد آن لمولاي الشّيخ أن يزهد في شيمة حميد، وينصرف عن مذهب أبي زبيدٍ وإنَّما عنيت حميداً الأمجيَّ قائل هذه الأبيات:
شربت المدام، فلم أقلع ... وعوتبت فيها فلم أرجع
حميد الّذي أمجٌ داره، ... أخو الخمر ذو الشَّيبة الأصلع
علاه المشيب عى حبِّها، ... وكان كريماً فلم ينزع
وقال آخر:
تعاتبني في الرَّاح أمٌ كبيرةٌ ... وما قولها، فيما أراه، مصيب
تقول، ألا تجفو المدام فعندنا ... من الرّزق تمرٌ مكثبٌ وزبيبُ؟
فقلت: رويداً مالزّبيب مفرّحي، ... وليس لتمرٍ في العظام دبيب
فإنّ حميداً علَّها في شبابه ... ولم يصح منها حين لاح مشيب
وإذا تسامعت المحافل بتوبته، اجتمع عليه الشّبان المقتبلون، والأدباء المتكلمون، وكلُّ أشيب لم يبق من عمره إلاّ ظمء حمارٍ، كما اجتمع لسمر أصناف السُّمّار، فيقتبسون من آدابه، ويصغون المسامع لخطابه، وجلس لهم في بعض المساجد بحلب، حرسها الله، فإنَّها من بعد أبي عبد الله بن خالويه
(1/178)

عطلت من خلخالس وسوار، ونارت من الأدب أشدّ النَّوار.
وإذا كان لك بتفضلُّ الله، أعدَّ معه خنجراً كخنجر ابن الرّوميّ، أو الذي عناه ابن هرمة في قوله:
لا أمتع العوذ بالفصال ولا ... أبتاع إلاّ قريبة الأجل
لا غنمي في الحياة مدّ لها ... إلاَّ دراك القرى، ولا إبلي
كم ناقةٍ قد وجأت منحرها ... بمستهلِّ الشُّؤبوب، أو جمل
فإذ جلس في منزله، مجلسه الذي يلتقط أهله زهر أسحار، بل لؤلؤ بحار، فيكون ذلك الخنجر قريباً منه، فإذا قضي أن يمرَّ بباب المسجد الكهل المرقَّب الذي أراده القائل بقوله:
إذا الكهل المرقَّب غاض ألنا ... إلى سيءّ له في القرو ثان
كأنَّ الذّارع المغلول منها ... سليبٌ من رجال الدَّيبلان
وثب إليه وثبة نمرٍ، إلى متخلِّفة وقير أمرٍ، أو أمر بعض أصحابه بالوثوب إليه، فوجأه بذلك الخنجر وجأةً فانبعث بمثل الدّم، أو الخالص من العندم، وقرأ هذه الآية: " إنَّ الحسنات يذهبن السِّيئات، ذلك ذكرى للذّاكرين ".
فإذا مضى صاحبه مستعدياً إلى السّلطان فقال: من فعل ذلك بك؟ فسمّاه له، قال السّلطان بمشيئة الله: لا حرَّ بوادي عوفٍ، ما أصنع بجنث الأدب وبقيّة أهله؟ ووطئها تحت قدمه، وحسبها من زعانف أدمه. ما يفعل ذلك مرّةً أو اثنتين، إلاّ وحمله الذّوارع قد اجتنبت تلك النّاحية، كما اجتنب أبو سفيان بن حربٍ طريقه من خوف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال حسّان:
إذا أخذت حوران من رمل عالجٍ
فقولا لها: ليس الطّريق هنالك
(1/179)

ولا بأس إن كان المعدُّ مشملاً يشتمل عليه في الكمِّ، فإذا ضرب به ذارع الخمر، ذكر من نظر في كتاب المبتدإ حديث طالوت لمّا أمر ابنته وهي امرأة داود، صلّى الله عليه، أن تدخله عليه وهو نائمٌ ليقتله. فجعلت له في فراش داود زق! َ خمرٍ ودسته عليه، وضربه بالسيف وسالت الخمر، فظنَّ أنَّها الدّم، فأدركه الأسف والنّدم، فأومأ بالسيف ليقتل نفسه ومعه ابنته، فأمسكت يده، وحدَّثته ما فعلته، فشكرها على ذلك.
ويكون السّكران إذا ألمَّ بذلك المسجد، ترتر ومزمز، كما في الحديث، واستنكه، فإن أوجبت الصورة أن يجلد جلد، ولا يقتصر له الشّيخ، أغراه الله، أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، على أربعين في الحدَّ على مذهب أهل الحجاز، ولكن يجلده ثمانين على مذهب أهل العراق، فإنَّها أوجع وأفجع. ويقال إن النبيّ صلى الله عليه وسلم، جلد أربعين، فلمّا صار الأمر إلى عمر بن الخطَّاب، عليه السّلام، استقلَّها، فشاور علياً، عليه السّلام، فجعلاها ثمانين.
وإذا صحّت الأخبار المنقولة بأنّ أهل الآخرة يعلمون أخبار أهل العاجلة، فلعلّ حواريَّه المعدَّات له في الخلد، يسألن عن أخباره من يرد عليهنّ من الصُّلحاء، فيسمعن مرّةً أنّه بالفسطاط، وتارةً أنّه بالبصرة، ومرّةً أنّه ببغداد، وخطرةً أنّه بحلب. فإذا شاع أمر التّوبة، ومات ناسكٌ من أهل حلب أخبرهن بذلك، فسررن وابتهجن، وهنّأهنَّ جاراتهنَّ. ولا ريب أنّه قد سمع حكاية البيتين الثابتين في كتاب الاعتبار:
أنعم الله بالخيالين عينا ... وبمسراك يا أميم إلينا!
عجباً ما جزعت من وحشة اللَّح ... د ومن ظلمة القبور علينا!
وأعوذ بالله من قومٍ يحثُّهم المشيب على أن يستكثروا من أمّ زنبقٍ، كأنّها
(1/180)

المنجية من بنت طبق، كما قال حاتم:
وقد علم الأقوام لو أنَّ حاتماً ... أراد ثراء المال، كان له وفر
يفكُّ به العاني، ويؤكل طيِّباً ... وليست تعرِّيه القداح ولا اليسر
أماويّ إن يصبح صداي بقفرةٍ ... من الأرض، لا ماءٌ لديَّ ولا خمر
تري أنَّ ما أهلكت لم يك ضرَّني ... وأنَّ يدي ممّا بخلت به صفر
وقال طرفة:
فإن كنت لا تستطيع دفع منيَّتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي
وقال عبد الله بن المعتز:
لا تطل بالكؤوس مطلي وحبسي ... ليس يومي، يا صاحبي، مثل أمسي
لاتسلني وسل مشيبي عنّي، ... مذ عرفت الخمسين أنكرت نفسي
فهذا حثتَّه كثرة سنيه على أن يستكثر من السُّلافة، وما حفظ حقَّ الخلافة، وإنّ العجب طمعه أن يبلي، كأنّه في العبادة شحب وبلي، ولكنّ القائل قال لمعاوية بن يزيد:
تلقَّاها يزيدٌ عن أبيه، ... فخذها يا معاوي عن يزيدا!
وقد كان محمّد بن يزيد المبرَّد ينادم البحتريَّ ثمّ ترك. وأنا أضنُّ به، ميزّ الله من الغيظ قلب عدوِّه، أن يكون كأبي عثمان المازني: عوتب في الشّراب فقال: إذا صار أكبر ذنوبي تركته.
وأمّا إبراهيم بن المهديّ فقد أساء في تعريضه بالكأس لمحمّد بن حازم، ولكن من عبث بالبمَّ والزِّير، لم يكن في الدّيانة أخا تعزير. وقد روي أنّ المعتصم دعا إبراهيم كعادته فغنَّاه البيتين اللذين يقال فيهما: غنّى صوت ابن شكلة، وبكى إبراهيم، فقال له المتعصم: ما يبكيك؟
(1/181)

فقال: كنت عاهدت الله إذا بلغت ستين سنةً أن أتوب، وقد بلغتها. فأعفاه المعتصم من الغناء وحضور الشراب.
والتّوبة إذا لم تكن نصوحاً، لم يلف خلقها منصوحاً. وكان في بلدنا رجلٌ مغرمٌ بالقهوة، فلمّا كبر رغب في المطبوخ، وكان يحضر مع نداماه وبين يديه خرداذيُّ فيه مطبخةٌ، وعندهم قدحٌ واحدٌ، فيشرب هو من المطبوخ ويشرب صحابه من النيء، فإذا جاء القدح إليه ليشرب، غسله من أثر الخمر وشرب فيه، فإذا فرغ خرداذيُّ المطبوخ رجع فشرب من شراب إخوانه.
وأمّا مخاطبته غيره وهو يعني نفسه، فهو كقولهم في المثل: إيّاك أعني واسمعي يا جارة. ولا عندد عن الجبلَّة، يريد المتنسِّك أن ينصرف حبُّه عن العاجلة، وليس يقدر على ذلك، كما لولا تقدر الظبية أن تصير لبؤةً، ولا الحصاة أن تتصوَّر لؤلؤةً: يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنَّك كنت من الخاطئين. وقول القائل في الدّعاء: اللهم اجعل وصعي بازياً، يكون للسّفه مواذياً.
ولقد علمت ولا أنهاك عن خلق ... أن لا يكون امرؤ إلاّ كما خلقا
وإنَّا لنجد الرّجل موقناً بالآخرة، مصدِّقاً بالقيامة، معترفاً بالوحدانية وهو يحجأ على النّابح بعظمٍ، وعلى الجارية بعارية نظمٍ، كأنّه في الأرض مخلدٌ، وإن فني سهلٌ وجلدٌ.
وكثير من الذين يتلون الآية: " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبّةٍ أنبتت سبع سنابل في كلِّ سنبلة مائة حبِّةٍ، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسعٌ عليم ". وهم بها مصدِّقون، ومن خشية إلههم مشفقون، يضنُّون بالقليل التافه ولا يسمحون للسّائل ولا الوافه، فكيف تكون حال من ينكر حديث الجزاء، ولا يقبل عن الفانية حسن العزاء؟ وقد
(1/182)

مرّ به حديث أبي طلحة، أو أبي قتادة ومعناه أنهّ خاصم يهوديّاً إلى النبيّ صلّى الله وسلّم، وكان لأبي طلحة حديقة نخلٍ، وبينه وبين اليهوديّ خلفٌ في نخلةٍ واحدةٍ. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم، لليهوديّ: أتسمح له بالنخلة حتى أضمن لك نخلةً في لجنّة؟ ونعتها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنعوت أشجار الجنّة. فقال اليهوديُّ: لا أبيع عاجلاً بآجل. فقال أبو طلحة: أتضمن لي يا رسول الله كما ضمنت له حتى أعطه الحديقة؟ فقال: نعم. فرضي أبو طلحة بذلك. وأخذ اليهوديّ وذهب إلى حديقته، فوجد فيها امرأته وأبناءه وهم يأكلون من جناها، فجعل يدخل إصبعه في أفواههم فيخرج ما فيها من التمر، فقالت امرأته: لِمَ تفعل هذا ببنيك؟ فقال: إنّي قد بعت الحديقة. فقالت: إن كنت بعتها بعاجلٍ فبئس ما فعلت! فقصَّ عليها الخبر، ففرحت بذلك.
ولو قيل لبعض عبَّاد هذا العصر: أعط لبنةً ذات قضَّةٍ، لتعطى في الآجلة لبنةً من فضَّة، لما أجاب. لو سئل أمةً عوراء، يعوَّض منها في الآخرة بحوراء، لما فعل. على أنّه من المصدِّقين، فكيف من غذي بالتكذيب، وجحد وقوع التّعذيب؟ وأمّا فاذوه فلقي طائر الحين، متكفياً من بين جناحين، فلا إله إلاَّ الله، ما أعدَّ المهراس، ليفضح به الرأس، ولكن لكلِّ أجل كتابٌ، والشرُّ يبكر وينتاب. منته نفسه التّوبة، فكانت كصاحبة امرىء القيس لمّا قال لها:
منَّيتنا بغدٍ وبعد غدٍ ... حتى بخلت كأسوإ البخل

أبي الهذيل العلاف
ويحكى عن أبي الهذيل العلاَّف أنّه كان يمرُّ في الأسواق على حمارٍ ويقول: يا قوم احذروا توبة غلامي. وكان له غلامٌ يعد نفسه التّوبة، فسقطت عليه آجرةٌ
(1/183)

فقتلته، والدّنيا الغرَّارة ختلته.
وأوّل ما سمعت بأخبار الشّيخ، أدام الله تأثيل لفضل ببقائه، من رجلٍ واسطيٍّ يتعرّض لعلم العروض، ذكر أنّه شاهده بنصيبين، وفيها رجلٌ يعرف بأبي الحسين البصري، معلماً لبعض العلويّة، وكان غلامٌ يختلف إليه يعرف بابن الدن، وقد اجتاز الشّيخ ببلدنا والواسطيُّ يومئذٍ فيه. وقد شاهدت عند أبي أحمد عبد السّلام بن الحسين المعروف بالواجكا رحمه الله، فلقد كان من أحرار النّاس كتباً عليها سماعٌ لرجلٍ من أهل حلب، وما أشكُّ أنّه الشّيخ، أيّد الله شخصه بالتّوفيق، وهو أشهر من الأبلق العقوق، لا يفتقر إلى تعريف بالقريض، بل يصدح شرفه بغير التّعريض. قال البكريُّ النَّسابة لرؤبة: من أنت؟ قال: أنا ابن العجَّاج. قال: قصَّرت وعرَّفت. وإنّما هو في الاشتهار، كما سطع من ضوء نهارٍ، وكما قال الطائيُّ:
تحميه لألاؤه أو لو ذعيتَّه، ... من أن يذال بمن أو ممَّن الرّجل؟
وإن تناسخت الأمم في العصور، فهو عليُّ بن منصور الذي مدحه الجعفيُّ، فقال والخالق وفيّ:
في رتبةٍ حجب الورى عن نيلها ... وعلا، فسمّوه عليَّ الحاجبا
حجب طلاب الأدب عن تلك الرّتبة، ونزل بالمشّامخة لا العتبة. وأمّا العلماء الذين لقيهم، فأولئك مصابيح النّاجية وكواكب الدّاجية، وإنَّ في النّظر إليهم لشرفاً، فكيف بمن اغترف من كلِّ بحرٍ وجد غرفاً؟ وإنّما أقول ذلك على الاقتصار، ولعلَّه قد نزف بحارهم بالقلم والفهم، وفتحوا له أغلاق البهم جمع بهمةٍ وهو الأمر الذي لا يهتدى له فأخذ عن الكتابيّ سور التنّزيل، وفاز بثواب جزيل، فكأنما لقنّه إيّاه الرّسول، وبدون تلك الدّرجة يبلغ
(1/184)

السُّول. أو أخذها عن جبرئيل، فى غير ولا تبديل. وسهّلوا له ما صعب من جبال العربيّة، فصارت حزونة كتاب سيبويه عنده كالدِّمات، وغني في اللُّجج عن ركوب الأرماث.
وأمّا انحيازه إلى أبي الحسن، رحمه الله، فقد كان ذلك الرّجل سيَّداً، ولمن ضعف من أهل الأدب مؤيَّداً، ولمن قوي منهم وادّاً، ودونه لللنوب محاداً، وكان كما قال القائل:
وإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيهما ذوو الأرحام
وكما قال الطّائيّ:
كلُّ شعبٍ كنتم به آل وهب ... فهو عبي وشعب كل أديب
والمثل السّائر: على أهلها تجني براقش. وذكر الصُّوليّ أنّه دخل على المتَّقي بعدما قتل بنو حمدان محمّد بن رائق، فسأله عن أبيات نهشل بن حرِّيّ:
ومولىّ عصاني واستبدَّ برأيه ... كما لم يطع بالبفتين قصير
فلما رأى ما غب أمري وأمره ... وناءت بأعجاز الأمور صدور
تمنَّى نئيشاً أن يكون أطاعني ... وقد حدثت بعد الأمور أمور
يقال: فعل كذا نئيشاً، أي بعدما فات، قال الشاعر:
إنّك يا قطين ولت منهم ... لألأم مالك عقباً وريشاً
تناءت منكم عدس بن زيدٍ ... فلم تعرفكم إلا نئيشاً
وما زال الشّبان المحسون من أنفسهم بالنهضة، يبغون ما شرف من المراهص، وكيف بالسّلامة من الواهص؟ والمثل السّائر: رأي الشّيخ خير من مشهد الغلام. ورمّا سار الطّالب سورّة، فواجهت من القدر زورةّ، إنّ الغفة من العيش، لتغني المجتهد عن البري والرّيش، ولكن لا موئل من القضاء
(1/185)

المحتوم، وآهٍ من عمرٍ بالتّلف مختوم:
وسورة علمٍ لن تسَّدد، فأصبحت ... وما يتمارى أنّها سورة الجهل
وأمّا حججه الخمس فهو، إن شاء الله، يستغني في المحشر بالأولى منهن، وينظر في المتأخرين من أهل العلم، فلا ريب أنّه يجد فيهم من لم يحجج، فيتصدّق عليهم بالأربع.
وكأنّي به وعماعم الحجيج، يرفعون التّلبية بالعجيج، وهو يفكر في تلبيات العرب وأنّها جاءت على ثلاثة أنواع: مسجوع لا وزن له، ومنهوك، ومشطورٍ.
فالمسجوع كقولهم:
ليبك ربنّا لَّبيك، ... والخير كله بيديك
والمنهوك على نوعين: أحدهما من الرَّجز، والأخر من المنسرح، فالذي من الرَّجز كقولهم:
لبيك إن الحمد لك، ... والملك لا شريك لك
إلا شريك هو لك ... تملكه وما ملك
أبو بناتٍ بفدك فهذه من تلبيات الجاهليّة، وفداك يومئذ فيها أصنام، وكقولهم.
لبيك يا معطي الأمر، ... لبيّك عن بني النّمر
جئناك في العام الزَّمر ... نأمل غيثاً ينهمر
يطرق بالسيّل الخمر.
والذي من المنسوج جنسان: أحدهما في آخره ساكنان، كقولهم:
لبيك ربَّ همدان، ... من شاحطٍ ومن دان
جئناك نبغي الإحسان ... بكلّ حرفٍ مذعان
نطوي إليك الغيطان: ... نأمل فضل الفغران
والآخر لا يجتمع فيه ساكنان كقولهم:
لبيك عن بجيلة ... الفخمة الرّجيلة
ونعمت القبيلة ... جاءتك بالوسيله
نؤّمل الفضيله وربّما جاؤوا به على قوافٍ مختلفة، كما رورا في تلبية بكر بن وائل:
لبيك حقاً حقاً ... تعبّداً ورقاً
جئناك النَّصاحه ... لم نأت للرَّقاحه
والمشطور جنسان: أحدهما عند الخليل من الرّجز، كما روي في تلبية تميم:
لبيك لولا أنّ بكراً دونكا ... يشكرك الناس ويكفرونكا
(1/186)

ما زال منّا عثج يأتونكا والآخر من السريع وهو نوعان: أحدهما يلتقي فيه ساكنان كما يروون في تلبية همدان:
لبيك مع كل قبيلٍ لبوك ... همدان أبناء الملوك تدعوك
قد تركوا أصنامهم وأنتابوك، ... فاسمع دعاءً في جميع الأملوك
قوهم: لبَوك، أي لزموا أمرك، ومن روى: لبَّوك، فهو سناد مكروه.
والمشطور الذي لا يجتمع فيه ساكنان كقولهم:
لبيك عن سعدٍ وعن بنيها ... وعن نساءٍ خلفها تعنيها
سارت إلى الرّحمة تجتنيها والموزون من التلبية يجب أن يكون كلهّ من الرجز عند العرب، ولم تأت التلبية بالقصيد. ولعّلهم قد لبّوا به ولم تنقله الرّواة.
وكأني به لمّا اعتزم على استلام الرّكن، وقد ذكر البيتين اللذّين ذكرهما المفجع في حدَّ الإعراب:
لو كان حياّ قبلهن ظعائناً، ... حيَّا الحطيم وجوهنَّ وزمزم
لكنَّه عمّا يطيف بركنه ... منهنَّ صمّاء الصدى مستعجم
فيعجب من خروجه من المذكَّر إلى المؤنث. وإذا حمل هذا على إقامة الصفّة مقام الموصوف لم يبعد.
وكذلك يذكر قول الآخر:
ذكرتك والحجيج له عجيجٌ ... بمكثة والقلوب لها وجيب
فقلت ونحن في بلدٍ حرامٍ ... به لله أخلصت القلوب
أتوب إليك يا ربّاه ممّا ... جنيت فقد تظاهرت الذّنوب
فأمّا من هوى ليلى وحبِّي ... زيارتها، فإنِّي لا أتوب
(1/187)

فيقول: أليس قال البصريون إنَّ هاء النُّدبة لا تثبت في الوصل والهاء في قوله: يا ربَّاه، مثل تلك الهاء ليس بينهما فرقٌ؟ ولكن يجوز أن يكون مغزاهم في ذلك المنثور من الكلام، إذ كان المنظوم يحتمل أشياء لا يحتملها سواه.
ولعلّه قد ذكر هذه الأبيات في الطَّواف:
أطوِّف بالبيت فيمن يطوِّف، ... وأرفع من مئزري المسبل
وأسجد باللّيل حتى الصّباح، ... وأتلو من المحكم المنزل
عسى فارج الكرب عن يوسفٍ ... يسخِّر لي ربَّة المحمل
فقال: ما أيسر لفظ هذه الأبيات لولا أنّه حذف أن من خبر عسى! فسبحان الله، لا تعدم الحسناء ذاماً، وأيُّ الرّجال المهذَّب.
وذكر عند النَّفر وتفرُّق الناس هذين البيتين:
ودّعي القلب يا قريب وجودي ... لمحبٍّ فراقه قد أحمّا
ليس بين الحياة والموت إلاَّ ... أن يرّدوا جمالهم فتزمّا
وقول قيس بن الخطيم:
ديار التي كادت ونحن على منى ... تحلُّ بنا، لولا نجاء الرّكائب
ولم أرها إلاَّ ثلاثاً على منى ... وعهدي بها عذراء ذات ذوائب
تبدّت لنا كالشّمس تحت غمامةٍ ... بدا حاجب ٌ منها، وضنَّت بحاجب
وميّز بين هذين الوجهين في قوله: تحلُّ بنا، لأنََّه يحتمل أن يكون: تحلّ فينا، وقد يجوز أن يريد: تحلنا، كما يقال: انزل بنا هاهنا، أي أنزلنا، ومنه قوله:
كما زلَّت الصّفواء بالمتنزل
وإن كانت الحجج التي أتى بهامع مجاورةٍ، فقد أقام بمكّة حتى صار أعلم بها من
(1/188)

ابن داية بوكره، والكدريِّ بأفاحيصه، والحرباء بتنضبته.
وإن كان سافر إلى اليمن أو غيره، وجعل يحجُّها في كلّ سنة، فذلك أعظم درجة في الثّواب، وأجدر بالوصول إلى محلِّ الآوَّاب. ولعلّه قد وقف بالمغمِّس وترحَّم على طفيلٍ الغنوي لقوله:
هل حبل شماء بعد الهجر موصول ... أم أنت عنها بعيد الدّار مشغول؟
إن هي أحوى من الرِّبعي، حاجبه، ... والعين بالإثمد الحاري مكحول
ترعى أسرة مولّيٍ أطاع لها ... بالجزع، حيث عصى أصحابه الفيل
وإنّما أطلقت التّرحُّم على طفيلٍ إذ كان بعض الرّواة يزعم أنَّه أدرك الإسلام، وروى له مدحٌ في النبي صلّى الله عليه وسلم، ولم أسمعه في ديوانه، وهو:
وأبيك خيرٍ إنَّ إبل محمّدٍ ... عزلٌ تماوح أن تهبَّ شمال
وإذا رأين لدى الفناء غريبةً ... فاضت لهنَّ من الدّموع سجال
وترى لها حدَّ الشّتاء على الثّرى ... رخماً، وما تحيا لهنّ فصال
وأنشد أبيات ابن أبي الصّلت الثّقفي:
إن آيات ربنا ظاهراتٌ ... ما تمارى فيهنّ إلا الكفور
حبس الفيل بالمغمَّس حتى ... ظلَّ يحبو، كأنَّه معقور
كلُّ دين يوم القيامة عند الله ... إلاَّ دين الحنفية بور
وما عدم أن تخطر له أبيات نفيلٍ:
ألا حييت عنّا ردينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا
ردينة لو رأيت، فلا تريه، ... لدى جنب المغمِّس ما رأينا
إذا لعذرتني ورضيت أمري، ... ولم تأسي على مافات بينا
(1/189)

حمدت الله إذ أبصرت طيراً ... وحصب حجارةً تلقى علينا
وكلُّ القوم يسل عن نفيلٍ ... كأنَّ عليَّ للحبشان دينا!
وليت شعري أقارناً أهلّ أم مفرداً؟ وأرجو أن لا تكون لقيته بمكَّة شهلةٌ تعرض عليه فتيا ابن عبّاسٍ، حلف ما بها من باسٍ، فتذكَّر قول القائل:
قالت، وقد طفت سبعاً حول كعبتها:
هل لك يا شيخ في فتيا ابن عبّاس؟
هل لك في رخصة الأطراف ناعمةٍ
تمسي ضجيعك حتى مصدر النّاس فأمّا المنتسبون إلى جوهرٍ، فالجوهر بعد إدراك الحظِّ، يرجع إلى تغيير وتشظٍّ، كم درّةٍ في تاج ملك، لمّا رمي بالمهلك، فضتَّها من الأسف حظاياه، وهل تثني من الأجل سراياه؟ وأخرى على نحر كعاب، شطَّت عن الدَّنس والعاب، منيت بالنقابة أو النُّحاز، فجعلتها الوالدة في منحاز.
وكأنّي به وقد مرَّّ بأنطاكية فذكر قول امرىء القيس:
علون بأنطاكيَّةٍ فوق عقمةٍ، ... كجرمة نحلٍ أو كجنّة يثرب
وخطر له أن النّطك وهو اللّفظ الذي يجب أن يشتق منه أنطاكية لو كانت عربيّةً، مهملٌ لم يحكه مشهورٌ من الثِّقات. ولمّا مرَّ بملطية أنكر وزنها وقال: فعلية، مثالٌ لم يذكر، وإذا حملناها على التّصريف وجب أن تكون ياؤها زائدةً لأن قبلها ثلاثةً من الأصول.
وأمّا صديقه الذي جدب عند السَّبر، فهو يعرف المثل: أعرض عن ذي قبر، إذا حجز دون الشّخص ترابٌ، فقد تقضَّت الآراب، من ليم في حال حياته، استحقَّ المعذرة في مماته، ولعله نطق بما نطق في معنى انبساطٍ، لا وهو بالكلم ساطٍ، ومن غفر ذنب حيٍّ وهو يلحق به الأذاة، فكيف لا يغفر له بعد الميتة وقد عدم منه الشَّذاة؟ وسلامٌ
(1/190)

على رمسٍ من مخالسٍ، يعدل بألف تسليمةٍ في المجالس، وهو يعرف ما قالوه في معنى البيت:
وآتي صاحبي حيث ودَّعا
أي أزور قبره.
وأمّا الذي أنكره من البديه، فمولاي الشّيخ مكرَّرٌ في الأدب تكرير الحسن والحسين في آل هاشم، والوشم المرجَّع بكفِّ الواشم، وهل يعجب لسعجةٍ من قمريّ، أو قطرةٍ تسبق من السّحاب المريّ؟ ولو باده خزامى عالجٍ بالرائحة لجاز أن يرعف غضيضها، أو البروق الوامضة لما امتنع أن يعجل وميضها. وفي النّاس من يكون طبعه المماظَّة، فيؤذي الجليس، ويكثر التّدليس وهو يعلم أنّه فاضل، لا ينضله في الرّمي مناضل.
والبديه ينقسم أفانين، ويصرّف للنّفر أظانين. فمنه القبل، ولعلّه فيه أجرى من سبل، أو هو السَّبل. والمراد بسبل الفرس الأنثى المعروفة، والسَّبل: المطر.
وبديه التّمليط، ولا تجود الرّاسية بالسَّليط.
وبديه الإعنات، وذلك الموقظ من السِّنات، وهو يختلف كاختلاف الأشكال، ولا ينهض به ذو الوكال.
وأمّا أبو عبد الله بن خالويه وإحضاره للبحث النُّسخ، فإنّه ما عجز ولا أفسخ أي نسي ولكن الحازم يريد استظهاراً، ويزيد على الشّهادة الثانية ظهاراً:
أرى الحاجات عند أبي خبيبٍ، ... نكدن، ولا أميَّة في البلاد
أين كأبي عبد الله؟ لقد عدمه الشّام! فكان كمكَّة إذ فقد هشام، عنيت هشام بن المغيرة، لأنَّ الشاعر رثاه فقال:
أصبح بطن مكَّة مقشعرّاً ... كأنَّ الأرض ليس بها هشام
يظلُّ كأنّه أثناء سوطٍ ... وفوق جفانه شحمٌ ركام
فللكبراء أكلٌ كيف شاءوا ... وللصُّغراء حملٌ واقتثام
(1/191)

وأبو الطيب اللّغوي اسمه عبد الواحد بن عليٍّ، له كتابٌ في الإتباع صغير على حروف المعجم في أيدي البغداديين، وله كتابٌ يعرف بكتاب الإبدال، قد نحا به نحو كتاب يعقوب في القلب، وكتابٌ يعرف بشجر الدرِّ، سلك به مسلك أبي عمر في المداخل، وكتابٌ في الفرق قد أكثر فيه وأسهب. ولا شكَّ أنَّه قد ضاع كثيرٌ من كتبه وتصنيفاته، لأنّ الرّوم قتلوه وأباه في فتح حلب. وكان ابن خلويه يلقبِّه قرموطة الكبرثل، يريد دحروجة الجمل، لأنّه كان قصيراً.
وحدّثني الثقه أنّه كان في مجلس أبي عبد الله بن خالويه وقد جاءه رسول سيف الدّولة يأمره بالحضور ويقول له: قد جاء رجلٌ لغويُّ، يعني أبا الطّيب هذا، قال المحدِّث: فقمت من عنده ومضيت إلىالمتنبي فحكيت له الحكاية، فقال: السّاعة يسلء الرّجل عن شوط براحٍ، والعلَّوض، ونحو ذلك، يعني أنّه يعنته.
وكان أبو الطيب اللّغوي بينه وبين أبي العبّاس بن كاتب البكتمريّ مودّةٌ ومؤانسةٌ، وله يقول:
يا عبد إنّك عند القلب جنتَّه ... حبّاً، وإّنَك عند الطَّرف ناظره
أزمعت سيراً، فقل ما أنت قائله ... واذكر لراعي الهوى، ما أنت ذاكره
لا أشتكي سهراً طالت مسافته ... اللّيل يعلم أنّي الدّهر ساهره
قوله: يا عبد، يريد: يا عبد الواحد، كما قال عديُّ بن زيد في الأبيات الصادية التي مضت:
غيبَّت عنّ؟ ي عبد في ساعه الشَّرّ ... وجنِّبت أوان العويص
يريد عبد هندٍ.
وقد كان أبو الطيب يتعاطى شيئاً من النَّظم.
وقد علم الله أنّي لا في العير ولا في النّفير، ومن للجارمة بالتّكفير؟ كلَّما رغبت في الخمول، قدِّر لي غير المأمول، كان حقُّ الشّيخ إذ أقام في معرَّة النّعمان سنةً ان لا يسمع لي بذكرٍ، ولا
(1/192)

أخطر له على فكر، والآن فقد غمر إفضاله، وأظلَّني دوح أدبه لا ضاله، وجاءتني منه فرائد لو تمثِّلت لواحدة منها تومةً، لم تكن بالصحف مكتومةً، ولاستغنى بثمنها القبيل، وعمر إليها السّبيل؛ ينظر منها النّاظر لى جوهرةٍ، مثل الزّهرة، كما قال الرّاجز:
ذهب لمّا أن رآها تزمره ... وقال: يا قوم، رأيت منكرة
شذرة واد إذ رأيت الزُّهرة وبعضهم يروي: ترمله، مكان: تزمره، وهي أكثر الرّوايتين على ما فيها من الإكفاء.
وهو، أدام الله عزَّ الأدب بحياته، كريم الطّبع والكريم يخدع، ومن سمع جاز أن يخال، والجندل لا ينتج الرِّخال.
وأمَّا ما ذكره من ميله في مصر إلى بعض اللّذات، فهو يعرف الحديث: أريحوا القلوب تع الذِّكر. وقال أحيحة بن الجلاح:
صحوت عن الصِّبا واللهو غول ... ونفس المرء آونة ملول
وكان ينبغي أن يكون في هذا الوقت يضبط ما معه من الأدب بدرس من يدرس عليه، إذ كانت السِّنُّ لابدَّ لها من تأثير، وأن ترمي بقلَّةٍ كلَّ كثيرٍ، ولكنَّ قطرته الفاردة تغرَّق، ونفسه إذا برد يحرِّق، وقال رجلٌ من قريش:
لله درّي حين أدركني البلى ... على أيِّما تأتي الحوادث أندم؟؟؟؟!
ألم أجتل البيضاء يبرق حجلها ... لها بشرٌ صافٍ ووجهٌ مقسَّم؟
ولم أصطبح قبل العواذل شربةً ... مشعشعةً، كأنَّ عاتقها الدّم
ولعلّه قد قضى الأرب من ذلك كلَّه، والأشياء لها أواخر، وإنَّما العاجلة سرابٌ ساخر، وقد عاشر ملوكاً ووزراء، فلا منقصة ولا إزراء، وقد سمع
(1/193)

نبأ النّعمان الأكبر، إذ فارق ملكه فراق المعبر، وتعوَّض من الحرير المسوح، ورغب في أن يسوح، وإيّاه عنى العباديُّ في قوله:
وتذكَّر ربَّ الخورنق إذ فكَّ ... ر يوماً وللهدى تفكير
سرَّه ملكه وثرة ما يم ... لك والبحر معرضاً والسّدير
فارعوى جهله فقال: وما غب ... طة حيٍّ إلى الممات يصير؟
والسُّكر محرَّمٌ في كلِّ الملل، ويقال: إنّ الهند لا يملِّكون عليهم رجلاً يشرب مسكراً، لأنّهم يرونه منكراً، ويقولون: يجوز أن يحدث في المملكة نبأٌ الملك سكران، فإذا الملك المتبع هكران.
لعنت القهوة، فكم تهبط بها رهوةٌ؛ لا خيرة في الخمر، توطىء على مثل الجمر. من اصطبح فيهجاً، فقد سلك إلى الدّهية منهجاً. من اغتبق أمَّ ليلى، فقد سحب في الباطل ذيلاً. من غري بأمَّ زنبق، فقد سمح بالعقل الموبق. من حمل بالرّاحة راحاً، فقد أسرع للرّشد سراحاً. من رضي بصحبة العقار فقد خلع ثوب الوقار. من أدمن قرقفاً، فليس على الواضحة موقفاً. من سدك بالخرطوم، رجع إلى حال المفطوم. المواظبة على العانِّي، تمنع بلوغ الأماني. الخيبة لسبيئةٍ، تخرج من سرٍّ كلَّ خبيئةٍ. لا فائدة في الكميت، جعل حيَّها مثل الميت. من بلي بالصَّرخديّ، لم يكن من الفاضحة بالمفديّ. ما أخون عهود السُّلاف، تنفض مرير الأحلاف. أمّا السُّلافة، فسلٌّ وآفة. كم شابٍّ في بني كلابٍ، مات غبطةً، وما بلغ من الدّنيا غبطة؟! رماه بسحافٍ قاتلٍ، إدمان المعتقَّة ذات المخاتل. من بكر إلى الشَّمول، فرأيه ينظر بطرف مسمول. أقلُّ عنتاً من كرينة، ليثٌ زأر في العرينة. كم بربطٍ، عصف بجعد
(1/194)

وسبط! كم مزهرٍ، أوقع هاجداً في السَّهر! وهو يعرف أبيات المتنخِّل:
ممّا أقضِّي ومحار الفتى ... للضبع والشيبة والمقتل
إن يمس نشوان بمصروفةٍ ... منها بنيءٍ، وعلى مرجل
لا تقه الموت وقيّاته ... خطَّ له ذلك في المحبل
وينبغي أن يزِّهده في الصّهباء الصّافية، أن نداماه الأكرمين أصبحوا في الأجداث العافية، كم جلس مع فتيانٍ، أتى عليهم الزّمن كلَّ الإتيان، فكان كما قال الجعديُّ:
تذكّرت والذّكرى تهيج لي الهوى
ومن حاجة المحزون أن يتذكّرا
نداماي عند المنذر بن محرِّقٍ
فأصبح منهم ظاهر الأرض مقفرا وهو يعرف الأبيات التي أوّلها:
خليليَّ هبَّا طال ما قد رقدتما، ... أجدّكما لا تقضيان كراكما؟
وهل يعجز أن يكون كما قال الآخر:
أمّا الطّلاء فإنّى لست ذائقها ... حتى ألاقي بعد الموت جبَّارا
كأنّه كان نديمه على الطِّلاء، فلمّا رماه التّلف من غير بلاء، حرَّم عليه شربها، حتى تسكنه الرّاكدة تربها.
وسرَّتني فيئة الدّنانير إليه، فتلك أعوانٌ، تشتبه منها الألوان، ولها على النّاس حقوقٌ، تبرُّ إن خيف عقوق.
قال عمرو بن العاص لمعاوية: رأيت في النّوم أن القيامة قد قامت وجيء بك وقد ألجمك العرق. فقال معاوية: هل رأيت ثمَّ من دنانير مصر شيئاً؟ وهذه لا ريب من دنانير مضر لم تجيء من عند السُّوق، ولكن من عند الملوك، ولم تكن مهر هلوك، فالحمد لله الذي سلَّمها إلى هذا الوقت ولم تكن كذهبٍ مخزونٍ،
(1/195)

صار إلى الخمّارة مع الموزون، كما قال:
وخمَّارةٍ من بناتٍ المجوس ... ترى الزِّقَّ في بيتها شائلا
وزنَّا لها ذهباً جامداً، ... فكالت لنا ذهباً سائلا
ولا ألغز عنها هذا البيت:
دنانيرنا من قرن ثورٍ، ولم تكن ... من الذهب المضروب بين الصّفائح
لو رآها المرقِّش لعلم أنّها أحسن من وجوه حبائبه، لمَّا غدا الظّاعن بربائبه، فقال:
النَّشر مسكٌ، والوجوه دنا ... نيرٌ، وأطراف الأكفِّ عنم
وإنها لأحسن من الوجوه التي ذكرها الجعدي، وزعم أن حسنها بديّ، فقال:
في فتوٍ شمّ العرانين أمثا ... ل الدّنانير شفن بالمثقال
أخذت من جوائز كرامٍ صيدٍ، تارةً بالخدمة وتارة بالقصيد، ولم تكن في العيدية مرهناتٍ، ولا عند الغرض موهناتٍ، كما قال ردَّادٌ الكلابيُّ:
يطوي ابن سلمى بها عن راكبٍ بعراً ... عيديَّة، أرهنت فيها الدّنانير
وهي عند البله والكيس، أجود من الخاتم الذي ذكره ابن فيسٍ، فقال:
إن ختمت جاز طين خاتمها، ... كما تجوز العبديّة العتق
أراد بالعبدية دنانير نسبها إلى عبد الملك بن مروان، ويقال إنّه أول من ضرب الدّنانير في الإسلام.
وجلتّ عن نقد الصّيرفي، وهي الرّواجح لدى الميزان الوفّي، حاش الله أن تكون كما قال الفرزدق:
تنفى يداها الحصى في كلّ هاجرةٍ ... نفي الدّنانير تنقاد الصّياريف
(1/196)

وهذا البيت ينشد على وجهين: الدّنانير والدّارهيم.
ولا هي من دنانير أيلة، باع بها البائع نخيله، وإنمّا ذكروا دنانير أيلة لأنهّا كانت في حيّز الرّوم فتأتيها الدَّنانر من الشام، قال:
وما هبرزي من دنانير أيلةٍ ... بايدي الوشاة مشرقاً يتأكَّل
الوشاة: النقاشون الذين يشونه ولو رآها الضبيّ محرزٌ، لشهد أنهّا حين تبرز، أجلُّ من تلك القسمات وإن كانت في أوجه ذي سماتٍ، قال:
كأن دنانيراً عى قسماتهم، ... وإن كان قد شفّ الوجوه لقاء
ومعاذ الله أن نقرن بحوذان وادٍ، سقته روائح وغوادٍ، حتى إذا القيظ وهج، تمزّق ما لبس وانهج، قال الشاعر:
وربَّ وادٍ سقاه كوكب أمر ... فيه الأوابد والأدم اليعافير
هبطته غادياً والشّمس شارقة ... كأن حوذانه فيه الدّنانير
ولو أخذ مثلها النّادم على بيع كميته، لأسكنت البهجة في خلده وبيته، ولم يأسف أن عوض حماراً من فرس، ولوجد على الشّكوى ذا خرسٍ، ولم يقل:
ندمت على بيع الكميت، وأنمّا ... حياة الفتى هم له وخسار
وامّا أتاني بالدنّانير سائمي، ... أصاخت وهشت للبياع نوار
وقالت: أتم البيع واشتر غيره، ... فحولك في المشتى بنون صغار
فأنفقت فيهم ما أخذت، ولم يزل ... لدي شراب راهن وقتار
إلى أن تداعى الجند بالغزو وانجلت ... غوم شتاء سحبهن غزا
وأعوزني مهر يكون مكانه ... كأن ليس ين العالمين مهار
(1/197)

وسار على الخل المغذَّة صحبتي ... وسرت وتحتي للشقاء حمار
ولله المنّة كما نجّاها بالقدر من بكورٍ، ليس من بكره بالمشكور، يحمل معه دنانير، ولا يصحب من القوم صنانير، أي بخلاء فيقيم بهم في الدَّسكرة أيامّاً، أيقاظاً في السكر أو نياماً، فتفني الذَّهب أقداح، كأنّها جزور الميسر وهي القداح قال الجعدي:
ود سكرةٍ صوت أبوابها ... كصوت المواتح في الحوأب
سبقت إليها صياح الدّيوك ... وصوت نواقي لم تضرب
وقال آخر:
وقبضةٍ من دنانير غدوت بها ... للدّسكري وحولي فتية مح
ولم يزل ثمّ يسقينا ويأخذها ... حتى استقلَّ بما في الصّرَّة القدح
ولو كان الشيخ أدرك من تقدم من الملوك، لكن كلّ واخد منها كالذي قال فيه القائل
وأصفر من ضرب دار الملوك ... يلوح على وجهه جعفر
يزيد على مائة واحداً، ... إذا ناله معشرٌ أيسروا
ودنانيره، بإذن الله، مقدَّسات، ما هنَّ بالحرج ملدسات
والحزامة من سومه وشيمه، فلا يدفع إلى مقارض شيئاً من عيمه أي مختاراته وفي الكتاب العزيز: " ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدَّه إليك " وهذا قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: وقد كان في زمانه من تخرج، يتضمخ بالنسك ويتأرخ، فأما اليوم فلو أمن كتابي على نميٍَّ، لأسرعت إليه الظنَّن إسراع رميّ والرَّمي ههنا سحاب
(1/198)

سريع الإقشاع، من قول الهذلي:
أولئك ودعوت أتاك منهم ... رجال مثل أرمية الحميم
وما عنيت بالكتابي، من نسب إلى توارةٍ وإنجيل، دون من نسب إلى القرآن البجيل.
على أنّه لا بدّ من أمانةٍ مفترقة في البلاد، تكون للخيّر من التّلاد، وإنّها في الآخرة لأشرف، وأرحض لما يقترف، فليشفق على الصّبابة، إشفاق الندَّس ذي اللَّبابة، فكل واحدٍ منها دينار أعزةٍ، يبعث الرّابي على الهزّة، كما قال سحيم:
تريك غداة البين كفاً ومعصماً ... ووجهاّ كدينار الأعزَّة صافيا
ولو نظر إليه قيس بن الخطيم لما شبّه به وجه كنوده، وجعله من أنصر جنوده، ولم يسمح أن يقول:
صرمت اليوم حبلك من كنودا ... لتبدل وصلها وصلاً جديدا
عشيَّة طالعت فأرتك قصراً ... محاسن فخمة منها وجيدا
ووجهاً خلته لمّا بدا لي ... غداة البين ديناراً نقيدا
ولمثله قصد ربيعة بن المكدَّم، لمّا أيقن بحتفٍ مقدَّم، فقال:
شديّ علىَّ العصب أنَّ سيّار ... فقد رزيت فارساً كالدّينار
أو ملكه مالك بن دينار مع زهده، وبلوغه في الورع أقصى جهده، لجاز أن يحجأ به على دينار أبيه، وقد يكذب قائل في التشبيه.
وكلّ هبرزيٍ من هذه الصُّفر المباركة، أبلغ في قضاء الحاجة من دينارٍ الذي اختاره للمأربة قائل هذا البيت:
هل أنت باعث دينارٍ لحاجتنا ... أو عبد ربٍ أخا عون بن مخراق
وهذا البيت يتداوله النحويوّن، وزعم بعض المتأخرين من أهل العلم أنّه
(1/199)

مصنوع، وما أجدره بذلك! فأمّا قول

الفرزدق:
رأيت ابن دينارٍ يزيد رمى به ... إلى الشام يوم العنز، والله قاتله
لو كان دينار هذا المذكور كأحد هذه الدّنانير، لأرب به أن ينسب إليه يزيد.
وأين هي من دنانير النّخَّة التي قال في واحدها القائل:
عميّ الذي منع الدّينار ضاحيّةّ، ... دينار نخَّة جرمٍ وهو مشهود
ودينار النَّخَّة دينار كان يأخذه المصدَّق إذا فرغ من الجباية.
وكل نقيشٍ من هذه الرّاجعة بعد اليأس، أنقع لغليل الصَّديان، من دينار الذي دعاه لسقيه راكب فلاةٍ، وهو على كور علاةٍ فقال:
أقول لدينارٍ وهنَ شوائل، ... بنا كنعامٍ طالبات رئال
لكّ الويل أدركني بشربة آجن ... من الماء، ما مشروبها بزلال
فما كاد دينار يغيث بنطفة ... حشاشة نفسٍ آذنت بزوال
ولا هو كدينار الأخطل الذي ذكره في قوله:؟ كمت ثلاثة أحوال بطينتها حتى اشتراها عبادي بدينار
لو وقع إلى عبادي لما مذل ... به لخمَّار، ولو حسب في الضمَّار
ولا كالدّينار في البيت الذي أنشده أبو عمرو الزّاهد:
وفي الكتاب أسطر محكوكه، ... لا حظَّ في الدّينار للكاروكه
زعم أن الكاروكة القوادة.
والعجب لها تفر من بنان السّارق، فرار دنانير الشَّارق، وصفها أبو الطيب فقال:
وألقى الشّرق منها في ثيابي ... دنانيراً تفر من البنان
لو رآها كثيرَّ عزة لآلى أوكد أليةٍ، أنّها أحسن من الهرقليَّة، التي شبه
(1/200)

بمنفردها نفسه فقال:
يروق عيون النّاظرين كأنّه ... هرقلي وزنٍ، أحمر التبّر، راجح
وإن كانت زائدة على الثمانين، ... فقد أوفت على عدَّة أصحاب
موسى الذين جاء فيهم: " واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا " وعلى عدّة الاستغفار المذكور في قوله: " إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم "، وعلى عدّة أذرع السّلسلة في قوله تعالى: " في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه ".
ولو كان الإنسان في قليب عمقه ثمانون قامةً، جاز أن تستنقذه هذه المصفرَّة من غير مرضٍ، والزّائلة بما يعترض من الجرض وإنّما ذكرت ذلك لقول الأعشى:
ولو كنت في جبٍ ثمانين قامةً ... ورقيِّت أسباب السّماء بسَّلم
ولو كانت سنو زهير مثلها لما وصف نفه بالسآمة، ولكانت له أنهض قامة والقامة الأعوان، كأنّها جمع قائم. قال الرّاجز:
وقامني ربيعة بن كعب ... حسبك ما عندهم وحسبي
ولو أدركه عروة بن حزام وهو يقول:
يكلفّني عمّي ثمانين ناقة ... وما لي يا عفراء غير ثمان
لجاز أن يرقّ له فيغيثه من هذه الثّمانين ببعضها أو يسمح له بكلّها، لأنّه كريم طبع، وعوده في النُّوب عود نبعٍ؛ ولو صارت في يد عروة هذه الثمانون، لبلغ بها الأمنية لأنّ النّاقة في ذلك الزّمان كانت ربّما اشتريت بعشرةٍ دراهم.
الفرزدق
وفي بعض أخبار الفرزدق، أنّ رجلاً من ملوك بني أمية أعطاه مائة من إيل الصّدقة، فباعها بألفٍ وخمسمائة درهم، بعدما عني به، وزيد في الثمن. وقد
(1/201)

مرّت به الحكاية التي يذكرها أصحاب التاريخ، أن الجمل كان يباع في زمن أبي جعفر المنصور بدرهمٍ، وأنّه صادر قوماً من أصحابه، وكانت لهم نعج، فباعوها ثماني نعاجٍ بدرهم. هذا ممّا وجد بخط المرزبانيّ في تاريخ ابن شجرة. وهي أنصر من الثمّانين التي ذكرها العلوي البصري في قوله:
عبرت إليهم في ثمانين فارساً، ... فأدركت منهم بغيتي ومراديا
ولولا خشية الغلوِّ لقلت: ومن ثمانين ألفاً ذكرها السِّنبسيُّ في قوله:
ثمانون ألفاً، ولم أحصهم، ... وقد بلغت رجمها أو تزيد
وكيف لهمَّام بن غالبٍ أن ترميه الحوادث بهذه الثمانين، كما رمته بسنيه في قوله:
رمتني بالثِّمانين اللّيالي، ... وسهم الدّهر أقتل سهم رام
ولو ملكها راعي ثمانين الذي يقال فيه، أحمق من أعي ضأنٍ ثمانين، لجعلت له عقلاً صافياً، وثوباً من الدّّعة ضافياً.
والمثل السّائر: وجدان الدّعة والرَّقين، يذهب أفن أفين، ويروى: يغطِّي أفن ألأفين. وليس للرِّقة، شرف هذه الأشكال المشرقة، وللذهب على الفضَّة صرف، والمكارم لها عرف.
وهو يعرف حكاية الحطيئة مع سعيد بن العاص لمَّا قال له: أيُّ النّاس أشعر؟ قال: الذي يقول، وهو أبو دؤادٍ الإياديُّ:
لا أعدُّ الإقتار عدماً ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام
قال: ثمّ من؟ قال: الذي يقول وهو حسان بن ثابت:
ربَّ علمٍ أضاعه الما ... ل وجهلٍ غطِّى عليه النّعيم
قال: ثمّ: قال: الذي يقول وهو أعشى قيس:
بيضاء ضحوتها وصف ... راء العشيّة كالعراره
(1/202)

قال: ثمّ من؟ قال: ثمّ حسبك بي إذا وضعت رجلاً على رجل، ثم عويت في آثار القوافي، كما يعوي الفصيل في آثار الإبل.
وقال الشاعر:
وجدت بني الجعراء قوماً أذلَّةً ... ومن لا يهنهم يمس وغداً مهضَّما
وأحمق من راعي ثمانين ترتعي ... يجنب السَّتار بقل روضٍ موسَّما
وتلك الثمانون، ألقي فيها الرَّيع إلى أن يصير قيراطها قنطاراً، ولا فتئ كلُّها معطاراً أي هو قريب من عطر، لا يعدم في صيامٍ ولا فطر، أوفر حظَّاً في المحمدة من التي ذكرها الحرَّاني السّلمي، أبو المحلمَّ عوف بن المحلم في قوله:
إنَّ الثّمانين، وبلِّغتها، ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وبدَّلتني بالشَّطاط الخنا ... وكنت كالصَّعدة تحت السَّنان
لأن التي ذكرها تضعف، وهذه تنعش وتسعف، وتلك تجعل الرّجل بعد كونه كالقناة، كأنّه قوس في أيدي الحناة، وهذه تقيم الأود، وتسر الأسود. والبيت المنسوب إلى أبي العتريف معروف:
حبشي له ثمانون عيباً ... كسبته مهابة وجالا
ولعّله قد اجتاز في أرض الموصل، بالقرية التي تعرف بثمانين وهي قريبة من الجبل المعروف بالجوديِّ، فإن كانت ثمانون القرية وطن أناسٍ، فهذه تجري مجرى الوطن في الإيناس، كما قال:
الفقر في أوطاننا غربة، ... والمال في الغربة أوطان
لله درّ الذّهب من خليلٍ، فإنّه يفيء بظلٍّ ظليلٍ؛ وإن دفن لم يبال، ما هو كغيره بالٍ؛ أعطي نفيس المقدار، فما همَّ شرفه بانحدار؛ والدر إذا كسر ذهبت قيمته، ولم يحفظ إن تنحطم كريمته، وربَّ ذهب في سوار،
(1/203)

غبر زماناً غير متوار، ثمّ جعل في خلخال، تختال بلبسه ذات الخال، ثمّ نقل إلى جامٍ أو كاسٍ، وهو بحسنه كاسٍ، ما تغيَّر لبشار النّيران، ولا غدر بوفيّ الجيران.
ولعّل هذه الثمّانين، قد أدرك ذهبها قارون، وموسى المرسل وأخاه هارون، وليس للهلكة به اتّصال، ولا من العزة له انفصال، يعظمَّ في أرض السند، وبلاد الهند.
وأمّا ابنة الأخت، أدام الله لها الصيانة، فإنّها أدلَّت على الخال إذ كان أحد الوالدين، فهمَّت أن تأكل بيدين، وما هي بأختٍ للّرجل الذي قال فيه القائل:
ووراء الثأر منَّي ابن أختٍ ... مصع، عقدته ما تحل
ولا تجعلها أختاً للهجرس لأنّه طالب خاله بثأرٍ، فلم يقبح ما فعل من الآثار، ولكن تشبه أن تكون أختاً لابن مضرسٍ حين فاتتها الأخوة من الهجر، وهو المعروف بالخنوت واسمه توبة، وكان له أخ يقال له طارق رهط خاله، فرأى أن يقتل خاله، وقال:
بكت جزعاً أميّ رميله أن رأت
دماً من أخيها في المهنَّد باديا
فقلت لها: لا تجزعي إنَّ طارقاً
حميمى الذي كان الخليل المصافيا
وما كنت، لو أعطت ألفي نجيبةٍ
وأولادها لغواً تساق، وراعيا
لأرضى بوترٍ منهم دون أن أرى
دماً من بني عوفٍ على السيف جاريا
وما كان في عوفٍ دم لو أصبته
ليوفيني من طارقٍ غير خاليا وهو القائل:
لتبك النسّاء المعولات لطارقٍ
ويبكين مرداساً قتيل قنان
قتيلان لا تبكي المخاض عليهما،
إذا شبعت من قرملٍ وأفان
(1/204)

ويجوز أن يكون قد رشح إلى هذه المرأة شيء من آداب الخؤولة، فليتق معرَّة بيانها، أكثر من اتقّائه خلسة بنانها. فهو يعلم أنَّ الشعر ورثه زهير بن أبي سلمى من خاله بشامة بن الغدير ولم يكن مزينة شعر يذكر، وحضره زهير عند الوفاة فأراد أن يعطيه شيئاً من ماله، فال بشامة: أما بكفيك أنّي ورَّثتك غرائب القصيد؟ وربمّا كان في نساء حلب، حرسها الله، شواعر، فلا يأمن أن تكون هذه منهنّ، فطالما كنَّ أجود غرائز من رجالهنّ، وحدّث رجل ضرير من أهل آمد يحفظ القرآن، يأنس بأشياء من العلم، انّه كان وهو شاب له امرأة مقينة تزين النساء في الأعراس، وكان ينجم في القرع، وكان يعتمد حفظ تلك الأشعار ويدرسها في بيته، ولا غريزة له في معرفة الأوزان، فيكر البيت. فتقول له امرأته الماشطة: ويلي! ما هذا جيد! فيلاجها ويزعم أنّها مخطئة. فإذا أصبح مضى فسأل من يعرف ذلك، فأخبره أنّ الصواب معها، وعرفَّه كيف يجب أن يكون، فإذا لقنه عنه، عاد في اللّيلة الثانية، فذكره وقد أصلح، فتقول الماشطة: هذا الساعة جيد.
وكان لي كريَّ من أهل البادية عرف بعلوان وله امرأة تزعم أنّها من طيّ، فكان لا يعرف موزون الأبيات من غيره، وكانت المرأة تحس بذلك. وكانت تتأسف على طفلٍ مات لها يقال له رجب، وكانت تنشد هذا البيت:
إذا كنت من جرَّا حبيبك موجعاً
فلا بدَّ يوماً من فراق حبيب فقالت يوماً:
إذا كنت من جرَّا رجيب موجعاً
فعلمت أنّ الوزن مختلّ، فقالت:
إذا كنت من جرَّاً رجيبن موجعا
فحركت التنوين وأنكرت تحريكه بالطبع. فقالت:
إذا كنت من جرَّا رجيبك موجعاً
فأضافته إلى الكاف فاستقام الوزن
(1/205)

واللّفظ.
وفي الكتاب العزيز " يا أيُّها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم، وإنّ تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم ".

مذهب الحلولَّ
وأمّا أبو بكر الشبلي، رحمه الله، فلا ريب أنّه من أهل الفضل، وأرجو أن يكون سالماً من مذهب الحلولَّية.
وأنشدني له منشد:
باح مجنون عامرٍ بهواه
وكتمت الهوى، قفزت بوجدي
وإذا كان في القيامة نودي
أين أهل الهوى؟ تقدمت وحدي هكذا أنشدته: نودي بسكون الياء، ولا أحب ذلك وإن كان جائزاً، وإنّما يوجد في أشعار الضَّعفة من المحدثين.
فإن صحَّ أن هذين البيتين له، فلا يمتنع أن يعترض عليه قائل فيقول: من زعم أنّه صافٍ، فما يجب أن يأتي بغير الإنصاف، وادّعاؤه الانفراد من العالم لا يسلمَّه إليه البشر، إن كان هواه للمخلوقين أو الخالق ولا يقين، فله في الأمم نظراء كثير.
وأنا أعتذر إلى مولاي الشيخ الجليل من تأخير الإجابة، فإن عوائق الزّمن منعت من إملاء السوداء، كأنّها سوداء التي عناها القائل:
نبئِّت سوداء تنآني وأتبعها
لقد تباعد شكلانا وما اقتربا
وجدتها في شبابي غير مطلبةٍ،
فكيف والرّأس جون، تسعف الطلبا وأنا مستطيع بغيري، فإذا غاب الكاتب، فلا إملاء. ولا ينكر الإطالة عليّ، فإنّ الخالص من النّضار العين، طالما اشتري بأضعافه في الزِّنة من اللجين، فكيف إذا كان الثمن من النميات يوجدن في الطّرق مرميّات؟ وعلى حضرته الجيلة سلام يتبع قرومه إفاله، وتلحق بعوذه أطفاله.
(1/206)