Advertisement

روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار



الكتاب: روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار
المؤلف: محمد بن قاسم بن يعقوب الأماسي الحنفي، محيي الدين، ابن الخطيب قاسم (المتوفى: 940هـ)
الناشر: دار القلم العربي، حلب
الطبعة: الأولى، 1423 هـ
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] مقدمة [المحقق]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
1- ابن قاسم الأماسي (864- 940 هـ)
اشتهر هذا العلّامة بأنه «ابن الخطيب» تارة و: «ابن الخطيب قاسم» و «الأماسيّ» و «ابن قاسم» تارات أخرى. وكل ذلك مستمدّ من اسم أبيه حينا، أو أحد أجداده حينا آخر.
وهو محيي الدين، محمد بن الخطيب قاسم بن يعقوب بن أحمد الأماسي الحنفي. أما نسبته فهي إلى «أماسية» وهي بلدة في بلاد الروم (الترك) حيث ولد ابن الخطيب سنة 864 هـ، الموافقة لسنة 1460 م، وفي هذه المدينة كانت نشأته العلمية الأولى، إذ قرأ العلوم على أبيه، وعلى نخبة من العلماء، كالعلامة علي الطوسي، والمولى خضر بك. واستمرّ على ذلك حتى فرغ من قراءة الأصول والفروع سنة 880 هـ وهو في السادسة عشرة من عمره، وهذا يدل على نبوغه مبكرا، وعلى دأبه في تحصيل مختلف العلوم المعروفة في عصره.
وهكذا بدأ فضله يظهر، وشهرته تصعد، وراح يمارس التدريس في بلدته «أماسية» مدّة ثم ترقّى في عمله هذا، حتى أصبح مدرسا في إحدى المدارس الثماني المشهورة في القسطنطينية، وهكذا أمضى بقية حياته في هذه المهنة، متنقلا بين مختلف المدارس في بلاد الروم، كما نصبه السلطان بايزيد خان معلما لابنه السلطان أحمد.
(1/5)

وبقي على هذه الحال، يدرّس ويؤلف الكتب، حتى وافته المنيّة في مدينة «أدرنة» سنة 940 هـ الموافقة لسنة 1534 م. وصلّي عليه وعلى العلامة ابن كمال باشا صلاة الغائب في الجامع الأموي بدمشق، يوم الجمعة ثاني ذي القعدة من السنة المذكورة.
كان الأماسيّ عالما صالحا متقشفا، مقبلا على العلم والعبادة طوال حياته التي امتدت ستا وسبعين سنة هجرية. وكان طليق اللسان، جريء الجنان، قويا على المحاورة مقتدرا على المناظرة فصيحا عند المباحثة، وكل ذلك جعله يتفوق على كثير من علماء عصره.
وعرف عن الأماسيّ أنه كان ذا أنفة وإباء، وقانعا بما هو فيه، لا يتزلف ولا يتقرّب إلى أحد من الوزراء أو السلاطين، ويقول لطلابه: نحن المخدومون وهم الخدّام، ويقول عن السلطان العثماني: يكفيه فخرا أن يذهب إليه عالم مثل ابن الخطيب (يعني نفسه) .
وقد ساعده ذكاؤه وحبّه للعلم والتعليم على أن يتقن كثيرا من علوم عصره.
فكان عارفا بالحديث النبوي، ذا مهارة في القراءات والتفسير، والتواريخ، واطلاع عظيم على العلوم الغريبة: كالأوفاق والتعبير والجفر والموسيقا، مع المشاركة في علوم أخرى كثيرة، وهذا كله جعله قريبا من الناس، الذين يفدون عليه، أو يسعون إلى استماع دروسه في الحلقات العلمية والدينية، إذ كانت له أيضا يد طولى في الوعظ والتذكير. وكان- إلى ذلك- شاعرا ينظم القصائد بالعربية والتركية.
ألّف الأماسيّ كتبا كثيرة ومختلفة، ومعظمها حواش على شروح بعض المؤلفات، ورسائل وتعليقات في موضوعات مختلفة، ولم يطبع منها سوى
(1/6)

كتاب «روض الأخيار» هذا الذي يجده القارىء بين يديه، وأما سائر كتبه الأخرى فمنها ما هو مفقود، ومنها ما هو مخطوط ومحفوظ في مكتبات العالم، ونذكر، فيما يلي، أشهر مؤلفاته وأهمّها:
1- أنباء الاصطفا، في حق آباء المصطفى (ص) .
2- تحفة العشّاق. منظومة تركية لطيفة.
3- حاشية على «شرح الفرائض السراجية للسيد الشريف الجرجاني» «1» 4- حاشية على أوائل «شرح الوقاية» لصدر الشريعة. وقد حالت بعض العوائق دون إتمام هذه الحاشية.
5- حاشية على رسالة «السبع أشكال على المواقف» وهذه الرسالة لمصلح الدين، مصطفى القسطلاني المتوفى سنة 901 هـ.
6- حاشية على المقدّمات الأربع.
7- رسالة في الرؤية والكلام.
8- رسالة في «فضل الجهاد» .
9- رسالة في «القبلة» ومعرفة سمتها.
10- رسالة في مختارات العلم.
11- رسالة في موضوعات العلوم.
12- روض الأخيار وهو الذي نخصّه بالتعريف الآتي.
(1/7)

2- روض الأخيار:
العنوان الكامل لهذا الكتاب هو: «روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار» . وعنوانه هذا يدل على مضمونه ومحتواه. فقد انتخبه الأماسي من كتاب ضخم للزمخشري (538 هـ) عنوانه «ربيع الأبرار» ، وهذا الكتاب- كما قال الأماسيّ- «بحر زاخر لا تدرك غايته، ولا ترجى نهايته» وهذا ما حفزه إلى الاختيار منه على وجه الاختصار مع الزيادة عليه. ويوضح الأماسي ذلك بقوله:
«استخرجت من نخب فرائده، وكتبت من نكت فوائده ما استحسنته على وجه الاختصار، متجنّبا عن الإملال الحاصل من الإكثار، ليسهل ضبطه على الطالبين، ولتكثر فيه رغبة الراغبين. وألحقت به ما عثرت عليه في كتب الأدباء.
وما سمعته من أفاضل العلماء من لطائف الحكايات وعجائب العبارات، وسمّيته بروض الأخيار، المنتخب من ربيع الأبرار..» .
وقدّم الأماسيّ كتابه هذا هدية إلى سدّة السلطان سليمان بن السلطان سليم خان.
وهذا الكتاب يعدّ من كتب الأدب والثقافة العامّة، أو ما يسمى قديما «علم المحاضرات» وهذه التسمية تطلق على الكتب التي تعنى بالأدب، شعره ونثره، وتسعى إلى تزويد القارىء بمختلف الموضوعات والعلوم التي عرفها العرب والمسلمون كالأغاني لأبي الفرج الأصفهاني والعقد الفريد لابن عبد ربّه وعيون الأخبار لابن قتيبة. وكثر هذا النوع من التأليف في عصري المماليك والعثمانيين وقد وصلت إلينا، من هذين العصرين، كتب كثيرة جدا. وهذه الكتب تضم نصوصا ونقولا من كتب المؤلفين السابقين، الذين فقدت معظم كتبهم على مرّ الزمن، بسبب الكوارث والكوائن التي اجتاحت البلاد إبان الخلافة الإسلامية أو
(1/8)

السلطنة المملوكية والعثمانية. ومن هنا تأتي أهمية تلك الكتب التي وصلت إلينا من عصري المماليك والعثمانيين، اللذين ظلمهما عدد من الباحثين حين أطلقوا عليهما اسم «عصور الانحطاط» أو «عصور الانحدار» . وهذا الحديث ذو شجون، ولا يتسع المقام هنا للإفاضة وبسط الكلام.
وقد جعل ابن قاسم الأماسي كتاب «روض الأخيار» أشبه بمائدة كبيرة عليها صنوف كثيرة ومتنوعة من الأطعمة والحلويات، أو دوحة ذات ظلال وأشجار ومياه عذبة، وترك للقارىء الحريّة في الاختيار والانتقاء من تلك الروضة الفينانة، والحديقة الغنّاء، وإنك لتجد في رياض «الأماسيّ» الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والمختارات الشعرية والنثرية الجميلة والحكم، والرسائل والأخبار المشوّقة التي تدل على اتساع المخزون الأدبي والثقافي عند مؤلفه.
وقد كسّره الأماسي على خمسين روضة، والروضة الواحدة هنا يقصد بها ما يسمّى عادة بالباب أو الفصل. ولكل منها عنوان يطول أو يقصر، بحسب ما تشتمل عليه كل روضة من رياضه.
وهذا الكتاب بروضاته الخمسين لا يكاد يترك شيئا من شؤون الدين والدنيا، كالعبادات، والجهاد والقضاء، والصّبر والذكر، ومكارم الأخلاق والصناعات، والسماء بما فيها من سحاب ومطر، والأرض بما عليها من ثلج ورياح ونيران وسرج، وكذلك الصحة والمرض، والأجوبة المسكتة، والطعام والنساء والحبّ، والألحان والغناء والأضاحيك والمداعبات، والبكاء، والحزن، والملابس، فضلا عن اللغة واللحن في الكلام، والحماقة، والمكر والاحتيال، والسفر والغربة والفصاحة والبلاغة، وأحوال الجواري، والوصايا ... الخ.
(1/9)

وهذا كله جرّ المؤلف إلى إيراد أخبار وأشعار طابعها المجون الصريح، الذي ينافي آداب عصرنا اليوم، وليس ضروريا إثباته في مطاوي الكتاب لما فيه من الفحش وهجرا لقول، ولا فائدة من إذاعته ونشره، فإن لكلّ مقام مقالا، ولكل أيام كلاما. وهو قليل جدا، على كلّ حال.
وقد انتهى الأماسي من تأليف كتابه هذا سنة 921 هـ، مؤرخا إياه بجملة «جاء بفضله» التي وردت في شعر له أثبته في آخر كتابه.
والذي يقرأ هذا الكتاب، أو يتصفّحه يعجب جدا بما بذله مؤلفه من جهد ووقت، وبهذا المخزون الأدبي والثقافي الذي يطل علينا كلما أنعمنا النظر فيه، وهذا ما يجعل الكتاب ذا قيمة كبيرة، وقد أصبح اليوم نادر الوجود لأن آخر طبعة له كانت سنة 1307 هـ أي مضى عليها أكثر من قرن. فقد طبع أربع مرات بمصر فيما سلف من السنين، وذلك في السنوات 1279 هـ و 1280 و 1292 و 1307 هـ» وهذا ما جعل الحاجة إلى نشره وطبعه ضرورية اليوم.
هذا، وقد اعتمدت في قراءة الكتاب وتصحيحه على طبعتين اثنتين «1» هما:
1- طبعة بولاق بمصر سنة 1280 هـ وعدد صفحاتها 290 وحروفها متعبة للقارىء.
2- طبعة المطبعة الميمنية بمصر في شعبان من سنة 1307 هـ وصفحاتها 256.
وقد قابلت بين هاتين الطبعتين، اللتين تتشابهان في المضمون والمحتوى، والفرق بينهما ضئيل جدا، وقمت بضبط الكتاب وتصحيحه وتقسيم نصوصه إلى
(1/10)

فقرات مناسبة ووضع علامات الترقيم في أماكنها الملائمة، وكل ذلك خلا منه الكتاب، كما قمت بما تقتضيه النصوص والأخبار والأشعار من شرح وتعليق ضرورين، لئلا يضخم حجم الكتاب على ما فيه، هو نفسه، من ضخامة أيضا.
وعسى أن يجد قارىء هذا الكتاب، في حلّته العصرية القشيبة، وفي موضوعاته الشائقة ما يجعله موقنا أنه من الكتب النفيسة النادرة.
والله الموفّق إلى سواء السبيل.
محمود فاخوري حلب في ا 5/1/2000 م الموافق 28 رمضان 1420 هـ
(1/11)

[مقدمة الكتاب]
بسم الله الرّحمن الرّحيم نحمدك اللهم على ما علّمتنا من البيان. وألهمتنا من التبيان. ونشكرك على ما أسبغت علينا من الإحسان. ونسألك المغفرة والرضوان. ونصلي على رسولك المبعوث إلى كافة الخلق بأعدل الأديان. محمد وعلى آله الكرام. وأصحابه العظام. ما دار دور الزمان. وحدث حوادث الأكوان.
وبعد: فيقول العبد المتضرّع إلى فاتح القلوب وساتر العيوب، محمد بن قاسم بن يعقوب، دفع الله بلطفه وكرمه عنه وعن والديه كل الكروب، وغفر له ولهما بفضله جميع الذنوب: لمّا كان علم المحاضرات علما نافعا في أنواع المحاورات. وهو علم عال من العلوم العربية، وفن فاخر من الفنون الأدبية، يحتاج إليه طوائف الأنام، ويرغب فيه العلماء العظام، حتى المولى الفاضل العلامة، أجلّه الله تعالى في دار المقامة، الذي لا يرى مثله في الأنام، إلى انقراض الدهور والأيّام، ولا يسمع نظيره في الأدوار، ما دار الفلك الدوّار، قد صنّف فيه كتاب ربيع الأبرار، وأودعه ما لا يعدّ من الأسرار، إلّا أنه بحر زاخر لا تدرك غايته ولا ترجى نهايته، قد قصرت عن إحاطته الأوهام، وعجزت عن محافظته الأفهام، استخرجت من نخب فرائده، وكتبت من نكت فوائده، ما استحسنته على وجه الاختصار، متجنبا عن الإملال الحاصل من الإكثار، ليسهل ضبطه على الطالبين، ولتكثر فيه رغبة الراغبين، وألحقت به ما عثرت عليه في
(1/12)

كتب الأدباء، وما سمعته من أفاضل العلماء، من لطائف الحكايات، وعجائب العبارات، وسميته ب (روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار) ، ثم جعلته تحفة للعتبة العليا، وهدية للسّدّة العظمى لا زالت ملجأ لأعلام العلماء الكاملين، وملاذا لأعيان الأمراء والسلاطين، ما دامت الأرض ودارت أفلاك السماء، من قال آمين يسّر الله له ما يشاء، أعني عتبة من عمّ بفيض فضله طوائف الأيام، وسدّة من استنار بضياء عدله ظلم الظّلم في صفحات الأيام:
أقامت في الرقاب له أياد ... هي الأطواق والناس الحمام
لقد حسنت بك الأيام حتى ... كأنّك في فم الزمن ابتسام
رافع رايات الخلافة الكبرى، وواضع أوضاع السلطنة العظمى، ماحي آثار الجهل والظلم والطغيان، وممهد قواعد العلم والعدل والإحسان، ظلّ الله تعالى في الأرضين قهرمان «1» الماء والطين، السلطان ابن السلطان ابن السلطان ابن السلطان ابن السلطان سليمان ابن السلطان سليم خان ابن السلطان أبي يزيد ابن السلطان محمد خان، لا زالت ظلال رايات سلطنته ساطعة على مفارق العالمين، وشموس معدلته «2» طالعة على سكان الآفاق والأرضين، ولا زالت الأيام طائعة لأوامره وأحكامه، والأجرام العالية جارية وفق مطلبه ومرامه، فلو وقع عليه من عين عنايته العميمة شيء من الالتفات، لكان هذا الكتاب نور العيون الكمّل وأعيان الثقات، ولو طلع عليه من شعاع سعادته سمة من النظر، لسار ذكره مسير الشمس والقمر.
(1/13)

والمأمول من كرم عالم الأسرار، أن يسهّل علينا الأوطار «1» ، ويضع عن ظهورنا الأوزار، إنه الكريم الغفار والمهيمن الستار، ومجيب الدعوات وقاضي الحاجات.
(1/14)

الروضة الأولى في الدين وما يتعلق به من العبادات
عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال على المنبر: «أشعر كلمة قالتها العرب كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل» «1» . علي رضي الله عنه: كل ما يتصور في الأفهام فالله خلافه. الشافعي رحمه الله تعالى: من انتهض لطلب مدبّره فإن اطمأنّ إلى موجود «2» ينتهي إليه فكره فهو مشبّه «3» وإن اطمأنّ إلى نفي محض فهو معطّل «4» وإن اطمأنّ إلى موجود واعترف بالعجز عن إدراكه فهو موحّد. علي رضي الله عنه «5» :
كيفية المرء ليس المرء يدركها ... فكيف كيفية الجبار ذي القدم
هو الذي أنشأ الأشياء مبتدعا ... فكيف يدركه مستحدث النّسم «6»
وعنه رضي الله عنه: إن العقل لإقامة رسم العبوديّة لا لإدراك الربوبيّة. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله احتجب عن البصائر كما احتجب عن الأبصار وإنّ الملأ
(1/15)

الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم» . سأل رجل عليّا رضي الله عنه: هل رأيت ربّك؟ فقال: أفأعبد ما لا أرى؟ فقال: كيف تراه؟ قال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان. حكيم: الواجب على المرء الإقرار بإنيّة «1» الله تعالى وعبادته وترك البحث عن طلبه فإنّ طالبه لا ينال غير الطلب شيئا. عليّ رضي الله عنه: ما يسرّني أن متّ طفلا وإن دخلت الجنّة ولم أكبر فأعرف ربّي. من عرف ربّه جلّ ومن عرف نفسه ذلّ. قال يعقوب عليه السلام للبشير «2» : على أيّ دين تركت يوسف؟ قال: على الإسلام. قال: الآن تمت النعمة على يعقوب وعلى آل يعقوب. وقال موسى عليه السّلام: أين أجدك يا رب؟ قال: يا موسى إذا قصدت إليّ فقد وصلت إليّ. وسئل أعرابي عن دليل وجود الصانع، فقال: البعرة تدلّ على البعير، وآثار الأقدام تدلّ على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج «3» وبحار ذات أمواج ألا تدلّ على العليم الخبير؟!. وسئل صوفيّ عن الدليل على أنّ الله تعالى واحد فقال: أغنى الصباح عن المصباح. عيسى عليه السّلام: لا يجد العبد حقيقة الإيمان حتى لا يحب أن يحمد على عبادة الله. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ لكل بدعة كيد بها الإسلام وليّا يذبّ عنه» . الشعبيّ: أحبب آل محمد ولا تكن رافضيا، وأثبت وعيد الله ولا تكن مرجئيا، ولا تكفّر الناس بذنب فتكون خارجيا، وألزم الحسنة ربّك والسيئة نفسك ولا تكن قدريا.
(1/16)

خفّ الروافض مثل في السّعة لأنه لا يرى المسح على الخفين ويرى المسح على الرجل فيوسعه ليتمكّن من إدخال يده فيه ليمسح برجله. ابن مسعود رضي الله عنه رفعه «1» : «ليس الجماعة بكثرة الناس، من كان معه الحق فهو الجماعة وإن كان وحده» . الثوري رحمة الله عليه: الجماعة العالم ولو على رأس جبل.
عليّ رضي الله عنه: إن دين الله بين المقصّر والغالي «2» فعليكم بالنمرقة الوسطى، فبها يلحق المقصّر، ويرجع إليها الغالي.
سقراط: خير الأمور أوساطها. صوفيّ: هذا قلبي فتّشوه فإن وجدتم فيه غير الله فانبشوه. لمّا ظهر موسى عليه السّلام في أيام سقراط قال: نحن قوم مهذّبون لا حاجة لنا إلى تهذيب غيرنا «3» . رأس الدين صحة اليقين. عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يحدّثنا ونحدّثه، فإذا جاءت الصلاة لم يعرفنا ولم نعرفه» . وقيل لبعضهم: ما بال المتهجّدين أحسن الناس وجها؟
قال: إنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نورا من نوره. وكانت رابعة رحمها الله تعالى تصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة، وتقول: ما أريد بها ثوابا ولكن ليسرّ بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ويقول للأنبياء: انظروا إلى امرأة من أمتي، هذا عملها في اليوم والليلة.
وصلّى الحجاج في جنب ابن المسيّب فرآه يرفع قبل الإمام ويضع رأسه، فلمّا سلّم أخذ بثوبه حتى فرغ من صلاته ودعائه، ثم رفع نعله على الحجاج فقال: يا سارق يا خائن تصلي هذه الصلاة؟ لقد هممت أن أضرب بها وجهك.
وكان الحجاج حاجّا فرجع إلى الشام وجاء واليا على المدينة، ودخل من فوره
(1/17)

المسجد قاصدا مجلس سعيد بن المسيّب فقال له: أنت صاحب الكلمات؟
قال: نعم أنا صاحبها. قال: جزاك الله تعالى من معلّم ومؤدّب خيرا، ما صلّيت بعدك إلّا ذاكرا قولك.
وكان الحمام يقع على رأس ابن الزبير في المسجد الحرام ويحسبه جذعا منصوبا لطول قيامه في الصلاة. وكانت العصافير تقع على ظهر إبراهيم بن يزيد ابن شريك التيمي «1» ساجدا كما تقع على الحائط.
قال رجل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ادع الله أن يرزقني مرافقتك في الجنة. قال:
أعنّي بكثرة السجود» . وعن ابن عباس رضي الله عنهما: بعث الله تعالى نبيّه صلّى الله عليه وسلّم بشهادة أن لا إله إلّا الله، فلمّا صدّق زاد الصلاة، فلمّا صدّق زاد الزكاة، فلمّا صدّق زاد الحجّ ثم الجهاد، ثم أكمل لهم الدين. مقاتل «2» رضي الله عنه:
«كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يصلّي بمكة ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشيّ. فلمّا عرج به إلى السماء أمر بالصلوات الخمس» . علي رضي الله عنه: إذا مات العبد بكى عليه مصلّاه من الأرض ومصعد عمله من السماء. جابر رضي الله عنه: «قيل: يا رسول الله إنّ فلانا يصلّي بالليل، فإذا أصبح يسرق! فقال: لعلّ صلاته ستنهاه» .
قال شيخ من تميم: صلّى بنا سفيان المغرب فقرأ الفاتحة، فلما بلغ نَسْتَعِينُ
بكى حتى قطع القراءة، ثم عاد، فلمّا صلّى التفت فقال:
لا ينبغي لمثلي أن يتقدّم. فما تقدم حتى مات. بعضهم: صليت خلف ذي
(1/18)

النون المصري «1» فلمّا أراد أن يكبّر رفع يديه فقال: الله. ثم بهت وبقي كأنه جسد لا روح فيه إعظاما لربّه. ثم قال: ظننت أن قلبي انخلع من هيبة تكبيره.
بعضهم: لا يفوت أحدا صلاة بجماعة إلّا بذنب. أبو سليمان الداراني «2» رحمه الله: أقمت عشرين سنة لم أحتلم. فدخلت مكة فأحدثت بها حدثا، فلما أصبحت احتلمت، وكان الحدث أن فاتتني صلاة العشاء بجماعة. سعيد بن المسيّب «3» : حججت أربعين حجّة، وما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة. روي أنه صلّى الصبح بوضوء العشاء خمسين سنة. حاتم الأصمّ «4» :
فاتتني الصلاة بجماعة، فعزّاني أبو إسحاق النجاري وحده، ولو مات لي ولد لعزّاني أكثر من عشرة آلاف، لأن مصيبة الدين أهون عند الناس من مصيبة الدنيا. وكان السلف يعزّون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتهم التكبير الأول، وسبعا إذا فاتتهم الجماعة.
وقيل لصوفيّ: أرفع اليدين في الصلاة أفضل أم إرسالهما؟ فقال: رفع القلب إلى الله أنفع منهما جميعا. وأوحى الله تعالى إلى داود عليه السّلام: يا داود كذب من ادّعى محبتي، فإذا جنّه الليل نام عني، أليس كلّ حبيب يحب خلوة بحبيبه؟. الحسن: إذا بكيت من خشية الله فلا تمسح دموعك، فإنه أنور لوجهك، وإذا توضأت فلا تمسح وضوءك فإنه أنور لوجهك إذا قمت بين يدي ربك. يونس بن عبيد «5» : ما اشتغل رجل بالتطوع إلّا استخفّ بالفرائض.
(1/19)

الثوري «1» : إذا رأيت رجلا يحب أن يؤمّ فأخّره. النبي صلّى الله عليه وسلّم: «زكاة الجسد الصيام» . أبو هريرة رفعه: «من أفطر يوما من غير رخصة رخّصها الله لم يقض عنه صيامه الدهر» .
الزّهري «2» : عجبا للناس تركوا الاعتكاف، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يفعل الشيء ويتركه، ولم يترك الاعتكاف منذ دخل المدينة إلى أن فارق الحياة. عن عطاء الخراساني «3» : مثل المعتكف كمثل عبد ألقى نفسه بين يدي الله تعالى يقول:
لا أبرح حتى تغفر لي. عائشة رضي الله عنها: ما خالطت الزكاة مالا إلّا أهلكته. «أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عائشة أن تقسم شاة فقالت: يا نبيّ الله ما بقي منها غير عنقها، فقال صلّى الله عليه وسلّم: كلّها بقي غير عنقها» . ومنه قوله:
يبكي على الذاهب من ماله ... وإنما يبقى الذي يذهب
وعنه صلّى الله عليه وسلّم: «ردّوا مذمّة السائل ولو بمثل رأس الطائر من الطعام» . عيسى عليه السّلام: من ردّ سائلا خائبا لم تغش الملائكة ذلك البيت سبعة أيام.
كان نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم لا يكل خصلتين إلى غيره: كان يضع طهوره بالليل ويخمّره «4» بيده، وكان يناول المسكين بيده. عن الشعبي «5» : من لم ير نفسه أحوج إلى ثواب الصدقة من الفقير إلى صدقته فقد أبطل صدقته فضرب بها وجهه.
النّخعي: كانوا يرون أن الرجل المظلوم إذا تصدّق بشيء دفع عنه الأخذ بالظلم.
(1/20)

وكان الرجل يضع الصدقة ويمثل قائما بين يدي الفقير يسأله قبولها، حتى يكون في صورة السائل. كان بعضهم يبسط كفّه ليأخذ الفقير الصدقة ويده هي العليا.
عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الصدقة تسدّ سبعين بابا من الشرّ» . وقف السائل على امرأة تتعشّى فقامت ووضعت لقمة في فيه، ثم بكرت إلى زوجها في مزرعته فوضعت ولدها وقامت لحاجة لها، فاختلسه الذئب، فوقفت فقالت: يا ربّ ولدي.
فأتى آت فأخذ بعنق الذئب فاستخرج ولدها من فيه بغير أذى ولا ضرر، وقال لها: هذه اللقمة التي وضعتها في فم السائل. وقف سائل على عليّ رضي الله عنه فقال لأحد ولديه: قل لأمّك هاتي درهما من ستة دراهم، فقالت:
للدّقيق، فقال: لا يصدق إيمان عبد حتى يكون بما في يد الله أوثق منه بما في يده، فتصدّق بالستة. ثم مرّ به رجل يبيع جملا، فاشتراه بمائة وأربعين وباعه بمائتين، فجاء بالستين إلى فاطمة، فقالت: ما هذا؟ فقال: ما وعدنا الله على لسان أبيك: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
«1» .
وجّه رجل ابنه في تجارة، فمضى عليه شهر ولم يقف له على خبر، فتصدّق برغيفين وأرّخ ذلك اليوم، فلمّا كان بعد سنة رجع ابنه سالما رابحا، فسأله: هل أصابك بلاء؟ فقال: غرقت السفينة بنا في وسط البحر وغرقت، فإذا أنا بشابّين أخذاني وطرحاني على الشطّ وقالا: قل لوالدك: هذا برغيفين فكيف لو تصدّقت بزيادة؟.
دخلت امرأة شلّاء على عائشة فسألتها، قالت: كان أبي يحبّ الصدقة وأمي تبغضها، لم تتصدّق في عمرها إلا بقطعة شحم وخلقان «2» ، فرأيت في
(1/21)

المنام كأنّ القيامة قد قامت، وكأنّها قد غطّت عورتها بالخلقان، وفي يدها قطعة الشحم تلحسها من العطش، وذهبت إلى أبي فإذا هو على حافة حوض يسقي الناس، فطلبت منه قدحا فسقيته أمي «1» ، فنودي: من سقاها أشلّ الله يده..
فانتبهت كما ترين.
فضيل «2» : بلغني أن رجلا وامرأته كانا يعيشان بغزلها «3» ، فانطلق به إلى السوق يوما فباعه بدرهم، ثم مرّ برجلين يختصمان فسأل: فيم يختصمان؟
فقيل: في درهم، فدفع درهمه إليهما، فقالت امرأته: أصبت ووفّقت، فذهب في اليوم الآخر بمثله فلقي بائع سمكة فاشتراها منه بغزله، فوجدت امرأته في بطنها درّة، فباعها بمائة وعشرين ألفا، فوقف السائل على الباب فشاطره «4» فذهب ثم رجع فقال: أنا رسول ربك، فقد ابتلاك في الضرّاء فوجدك صبورا كريما، وفي السرّاء فوجدك شكورا حليما، وأعطاك بالدرهم الذي أعطيت أربعة وعشرين قيراطا، عجّل لك قيراطا واحدا وادّخر لك ثلاثة وعشرين قيراطا يعطيكها في الآخرة. ودخل على عليّ كرّم الله وجهه بعض أصحابه فرآه باكيا فقال:
ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: سبع «5» أتت عليّ ولم يرد عليّ فيها ضيف ولا سائل.
عمر بن عبد العزيز: الصلاة تبلّغك نصف الطريق، والصوم يبلّغك دار
(1/22)

الملك، والصدقة تدخلك عليه. وفي الحديث: «أن آدم لما قضى مناسكه لقيته الملائكة فقالوا: برّ حجّك يا آدم قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام» .
وفيه: «أن الله ينظر كل ليلة إلى أهل الأرض، فأوّل من ينظر إليه أهل الحرم وأوّل من ينظر إليه من أهل الحرم أهل المسجد، فمن رآه طائفا غفر له، ومن رآه مصلّيا غفر له، ومن رآه قائما مستقبل القبلة غفر له» . عن مجاهد «1» أن الحجّاج إذا قدموا إلى مكة تلقّتهم الملائكة فسلّموا على ركبان الإبل، وصافحوا ركبان الحمر، واعتنقوا المشاة اعتناقا. وكان من عادة السلف أن يشيّعوا الغزاة وأن يستقبلوا الحاجّ ويقبّلوا بين أعينهم ويسألوهم الدعاء لهم، ويبادروا ذلك قبل أن يتدنسوا بالآثام. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله قد وعد هذا البيت أن يحجّه في كل سنة ستمائة ألف، فإن نقصوا كمّلهم الله من الملائكة، وإنّ الكعبة تحشر كالعروس المزفوفة، وكل من حجّها يتعلق بأستارها يسعون حولها حتى تدخل الجنة، فيدخلون معها» . وفي الحديث: «إن من الذنوب ذنوبا لا يكفّرها إلا الوقوف بعرفة» . وفيه: «أعظم الناس ذنبا من وقف بعرفة فظن أن الله لم يغفر له» .
بعض السلف: إذا وافق يوم عرفة يوم الجمعة غفر لكل أهل عرفة، وهو أفضل يوم في الدنيا، وفيه حجّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حجة الوداع وكان واقفا إذ نزل قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
«2» .
قال أهل الكتاب: لو أنزلت علينا هذه الآية لجعلناها يوم عيد. فقال عمر رضي الله عنه: أشهد لقد نزلت في يوم عيدين اثنين، يوم عرفة ويوم الجمعة، على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو واقف بعرفة.
(1/23)

لمّا بنى آدم البيت قال: يا ربّ إنّ لكلّ عامل أجرا فما أجر عملي؟ قال: إذا طفت به غفرت لك ذنبك. قال: زدني. قال: جعلته قبلة لأولادك. قال:
زدني. قال: أغفر لكل من استغفرني من الطائفين به من أهل التوحيد من أولادك. قال: يا رب حسبي. قيل للحسن: ما الحجّ المبرور؟ قال: أن ترجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة. مكحول «1» : قلت للحسن: أريد أن أخرج إلى مكة، قال: لا تصحب رجلا يكرم عليك فينقطع الذي بينك وبينه.
عن عبّاد بن عبّاد «2» : أردت أن أحجّ فأتاني ابن عون فقال: احفظ عني خلّتين:
عليك بحسن الخلق، والبذل. فرأيت في المنام كأنّ حمّاد بن زيد «3» أتاني بخلتين وقال: أهداهما إليك ابن عون فقلت: قوّمهما. قال: ليس لهما قيمة «4» . عن عبد العزيز بن أبي داود: جاورت هذا البيت ستين سنة وحججت ستين حجّة فما دخلت في شيء من أعمال البرّ فخرجت فحاسبت نفسي إلّا وجدت نصيب الشيطان فيه أوفر من نصيب الله.
عن عليّ رضي الله عنه: «القرآن فيه خبر من قبلكم ونبأ من بعدكم وحكم ما بينكم» . عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اتلوا القرآن وابكوا، وإن لم تبكوا فتباكوا» . «وأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عبد الله بن عمر أن يختم القرآن في سبع ليال» . وعن عثمان رضي الله عنه: أنه كان يفتتح ليلة الجمعة بالبقرة إلى المائدة، وليلة السبت بالأنعام إلى هود، وليلة الأحد بيوسف إلى مريم، وليلة الإثنين بطه إلى (طسم)
(1/24)

موسى وفرعون «1» ، وليلة الثلاثاء بالعنكبوت إلى (ص) ، وليلة الأربعاء بتنزيل «2» إلى الرحمن، ويختم ليلة الخميس. وقيل: أحزاب القرآن سبعة:
الحزب الأول ثلاث سور، والثاني خمس سور، والثالث سبع سور، والرابع تسع سور، والخامس إحدى عشرة سورة، والسادس ثلاث عشرة سورة، والسابع المفصّل من (ق) . عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا قام أحدكم بالليل فليجهر بقراءته، فإن الملائكة وعمّار الدار يستمعون إلى قراءته ويصلون بصلاته» .
قالوا: قراءة القرآن في المصحف أفضل للنظر فيه وحمله. وعن عثمان رضي الله عنه: خرق مصحفين لكثرة قراءته فيهما. وكان الصحابة يكرهون أن يمضي يوم ولم ينظروا في مصحف. ودخل فقيه على الشافعي في وقت السحر وبين يديه المصحف فقال له: شغلكم الفقه عن القرآن إني لأصلي العتمة «3» وأضع المصحف بين يديّ فما أطبقه حتى أصبح. وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان، سنين، ترك جميع العبادات وأقبل على قراءة القرآن في المصحف.
وعن كل واحد من أبي حنيفة والشافعي أنه يختم في شهر رمضان ستين ختمة.
علي رضي الله عنه: من قرأ القرآن وهو قائم في الصلاة كان له بكل حرف مائة حسنة، ومن قرأه وهو جالس في الصلاة فله بكلّ حرف خمسون حسنة، ومن قرأه وهو في غير الصلاة، وهو على وضوء، فخمس وعشرون حسنة، ومن قرأه على غير وضوء فعشر حسنات. قالوا: أفضل التلاوة على الوضوء، والجلوس شطر القبلة وأن يكون غير متربّع ولا متكىء ولا جالس جلسة متكبر،
(1/25)

ولكن نحو ما يجلس بين يدي من يهابه ويحتشم منه. وقيل لابن عباس: أيجوز أن يحلّى المصحف بالذهب والفضة؟ قال: حليته في جوفه. وختم القرآن في ركعة واحدة أربعة من الأئمة: عثمان بن عفان، وتميم الداري «1» ، وسعيد بن جبير «2» ، وأبو حنيفة.
عيسى عليه السّلام: العبودية ترك الدعوى واحتمال البلوى وحب المولى.
عن عليّ رضي الله عنه: إنّ قوما عبدوا رغبة فتلك عبادة التجارة، وإن قوما عبدوا رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار.
فضيل: أنا أعبد الله لحبّه ولا أستطيع أن لا أعبد. محمود الوراق «3» رحمه الله تعالى:
تعصي الإله وأنت تظهر حبّه ... هذا وربّي في القياس بديع
لو كان حبّك صادقا لأطعته ... إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع
قيل: من أطاع الله جلّ وارتفع، ومن عصاه ذلّ واتّضع. في نوابغ الكلم:
طهّرت فاك بمساويك لولا نجّسته بمساويك «4» . خفّف أعرابيّ الصلاة ثم قال:
اللهم زوّجني حور العين. فقال عمر: أسأت النقد وأعظمت الخطبة «5» .
(1/26)

قال الأصمعي: كان أعرابيّ من بني ضبّة إذا توضأ بدأ بوجهه ثم يتذرّع ويتكوّع «1» ثم يغسل فرجه، وبعد ذلك كان يقول: لا أبدأ بالخبيثة قبل وجهي.
وقال أيضا: خرجنا إلى البصرة فنزلنا على ماء لبني سعد، فإذا أعرابية نائمة فأنبهناها للصلاة فأتت الماء فوجدته باردا، فتركته وتوجّهت إلى القبلة ولم تمسّ الماء، ثم قالت: اللهمّ إني قمت وأنا عجلى، وصلّيت وأنا كسلى، فاغفر لي عدد الثرى. فقلنا لها: ما هذه؟ فقالت: إنّ صلاتي هذه لصلاتي منذ أربعين يوما. ورئي أعرابيّ في حزيران على شاطىء نهر يغوص غوصة، ثم يخرج فيعقد عقدة. فقيل له: ما هذا؟ قال: جنابات الشتاء أقضيها في الصيف. وتقدّم أعرابيّ يصلّي بالناس فقرأ الفاتحة بفصاحة وبيان ثم قال:
ويوسف إذ دلّاه أولاد علّة ... فأصبح في قعر البؤيرة ثاويا «2»
أمّ رجل فقرأ سورة القارعة فقال بدل قوله تعالى: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ
:
فأمه زانية. فقطع الجماعة الصلاة وضربوه فقال: لم تضربوني بسبب الكافرين؟. تقدّم رجل في صلاة الصبح فقرأ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ
إلى قوله فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ
فحصر فكرّرها حتى قرب أن تطلع الشمس، وفي الجمع رجل كان قد وضع جرابه أمامه، فرفع جرابه وقال: أنا أذهب إلى مكاني ولا أعرف أين يذهب هؤلاء القرطبانون «3» .
تقدّم رجل في صلاة وقرأ: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً
فحصر فسكت زمانا طويلا.
(1/27)

وكان خلفه أعرابيّ قال: إن لم يذهب نوح أرسل أحدا مكانه وخلّصنا من هذا.
وصلّى الهادي «1» الفجر بالناس فقرأ: عَمَّ يَتَساءَلُونَ
فلمّا بلغ إلى قوله: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً
أرتج عليه «2» فردّد مِهاداً
، ولم يجرؤ أحد أن يردّ عليه لكونه أهيب الناس. فعلم فقرأ: أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ
ففتح عليه. ويعدّ هذا من محاسنه. وقيل للحجّاج بن أرطاة «3» : مالك لا تحضر الجماعة؟ فقال:
أكره أن يزاحمني البقّالون. وخفّف أعرابي صلاته، فقام عمر إليه بالدّرّة فقال:
أعدها. فلمّا فرغ قال: هذه خير أم الأولى؟ فقال: بل الأولى، قال: لم؟
قال: لأنّ الأولى صلّيتها لله وهذه خوفا من الدّرّة. فضحك.
قال مؤذّن: حيّ على الصلاة، والناس يتبادرون إليه، فقال رجل: لو قال:
حيّ على الزكاة، ما جاء إليه أحد. وسمعت امرأة مؤذنا يؤذن بعد طلوع الشمس ويقول: الصلاة خير من النوم. فقالت: النوم خير من هذه الصلاة. ومرّ سكران بمؤذن رديء الحنجرة فجلد به الأرض يدوس بطنه، فاجتمع الناس عليه فقال: ما بي رداءة صوته «4» ولكن شماتة اليهود والنصارى بالمسلمين. وسمعت امرأة: «صوم يوم كفّارة سنة» فصامت إلى الظهر ثم أفطرت فقالت: يكفيني كفّارة ستة أشهر. أسلم مجوسيّ فثقل عليه الصوم، فنزل إلى سرداب له وقعد يأكل، فسمع ابنه حسّه فقال: من هذا؟ فقال: أبوك الشقيّ، يأكل خبز نفسه ويفزع من الناس. وشهد أعرابيّ عند حاكم فقال المشهود عليه: أتقبل شهادته وله من المال كذا وكذا ولم يحجّ؟ قال: بل والله حججت كذا حجّة،
(1/28)

قال: سله أصلحك الله عن مكان زمزم، فقال: إني حججت قبل أن تحفر زمزم. وقيل لمدنيّ: مالك من آلة الحجّ؟ قال: التلبية. وقيل لسائل: أما تستحي تسأل بالقرآن؟ قال: اسكتوا لو جعتم كما أجوع لبعتم جبرائيل وميكائيل فضلا عن القرآن. والله أعلم.
(1/29)

الروضة الثانية في العلم والحكمة والأدب والكتابة وما اتّصل بذلك
عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يوزن مداد العلماء ودماء الشهداء يوم القيامة فلا يفضل أحدهما على الآخر، ولغدوة في طلب العلم أحبّ إلى الله من مائة غدوة، ولا يخرج أحد في طلب العلم إلا وملك موكّل به يبشّره بالجنة، ومن مات وميراثه المحابر والأقلام دخل الجنة» . علي رضي الله عنه: أقلّ الناس قيمة أقلّهم علما. وقيل: قيام الدنيا بأربعة: بعلم العلماء، وعدل الأمراء، وعبادة البدلاء «1» ، وسخاوة الأسخياء. يقال: الأمم على اختلاف الأزمان والأديان متفقة على مدح أخلاق أربعة: العلم والزهد والإحسان والأمانة. قيل: الملوك حكّام على الناس والعلماء حكّام على الملوك. الأستاذ أبو إسماعيل الكاتب رحمه الله تعالى:
لا تيأسنّ إذا ما كنت ذا أدب ... على خمولك أن ترقى إلى الفلك
بينا ترى الذهب الإبريز مطّرحا ... في التّرب إذ صار إكليلا على الملك
يقال: من غرس العلم اجتنى النباهة، ومن غرس الزهد اجتنى العزة، ومن غرس الإحسان اجتنى المحبة، ومن غرس الفكرة اجتنى الحكمة، ومن غرس الوقار اجتنى المهابة، من غرس الكبر اجتنى المقت، ومن غرس الحرص اجتنى الذل، ومن غرس الطمع اجتنى الكمد. قيل:
(1/30)

ولم أر أمثال الرجال تفاوتت ... لدى الفضل حتى عدّ ألف بواحد
وقيل:
وما تخفى المكارم حيث كانت ... ولا أهل المكارم حيث كانوا
في التاريخ: فيثاغورث أخذ الحكمة عن سليمان بن داود عليهما السّلام بمصر، واستخرج بذكائه علم الألحان وتأليف النغم، وادّعى أنه استفاد ذلك من مشكاة النبوة «1» . وله مرتبة عالية بين الفلاسفة وكان سقراط تلميذا له.
ذكر أفلاطون في كتاب «النواميس» أن النبيّ وما يأتي به لا يصل إليه الحكيم بحكمته ولا العالم بعلمه. وعنه: ما معي من العلم إلّا علمي بأني لست بعالم.
عن جالينوس: إنّ أبي لم يزل يؤدّبني بما كان يحسنه من علم الهندسة والرياضيات إلى خمس عشرة سنة ثم تعلّمت الطب في ثلاث سنين. وسئل بعضهم: العلم أفضل أم المال؟ قال: العلم. قال: فما بال الناس يرون أهل العلم على أبواب أصحاب الأموال من غير عكس؟ قال: العلماء عارفون منفعة المال، وهم جاهلون منفعة العلم.
عن سهل بن عبد الله التّستري «2» : ما عصى الله أحد بمعصية أشدّ من الجهل، مطيّة من ركبها زلّ، ومن صحبها ذلّ. من الجهل صحبة الجهّال، ومن المحال محاولة ذوي المحال «3» . خير المواهب العقل، وشرّ المصائب الجهل. الجاهل يطلب المال، والعاقل يطلب الكمال. الجهل بالفضائل من أقبح الرذائل. بعض الفضلاء:
(1/31)

لا تعجبنّ الجهول حلّته ... فذاك ميت وثوبه كفن
سفيان: ما من عمل أفضل من طلب العلم إذا صحّت فيه النية، يعني تريد به الدار الآخرة. وكان يقال: تعلّموا العلم وإن لم تنالوا به حظّا فلأن يذمّ الزمان لكم أحسن من أن يذمّ بكم. بعض السلف: العلوم أربعة: الفقه للأديان، والطّبّ للأبدان، والنجوم للأزمان، والنحو للّسان. قيل: العلم علمان: علم ينفع، وعلم يرفع، فالرافع هو الفقه في الدين، والنافع هو الطب. علي رضي الله عنه: من اقتبس علما من علوم النجوم من حملة القرآن ازداد به إيمانا ويقينا.
ثم تلا: إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ
«1» . خصّ المتقين لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم الحذر إلى النظر والتدبير.
بعضهم: النظر في النجوم، الذي يستدلّ به على توحيد الله وكمال قدرته، من أعظم الطاعات. ابن عباس رضي الله عنهما: هو علم من علوم النبوة، وليتني كنت أحسنه. قد قيل: أول من نظر في النجوم والحساب إدريس عليه السّلام. عن ميمون بن مهران «2» : إياك والتكذيب بالنجوم فإنه من علوم النبوة.
أبو هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «بينا رجل مستلق ينظر إلى النجوم والسماء فقال: والله إني لأعلم أنّ لك خالقا وربّا، اللهم اغفر لي. فنظر الله إليه فغفر له» . وكان الرجل في بني إسرائيل إذا عبد الله ثلاثين سنة أظلّته غمامة. ففعل ذلك رجل ولم تظلّه، فشكا إلى أمه فقالت: لعلك أذنبت في هذه السنين. قال: لا. قالت:
فهل نظرت إلى السماء فردّدت طرفك وأنت غير مفكّر فيها؟ قال: نعم. قالت:
(1/32)

من ههنا «1» . وكان علماء بني إسرائيل يسترون من العلوم علمين: علم النجوم وعلم الطب، فلا يعلّمونهما أولادهم لحاجة الملوك إليهما لئلا يكونا سببا في صحبة الملوك والدنوّ منهم، فيضمحلّ دينهم.
وقال ابن عباس لعكرمة مولاه: اذهب فانظركم بقي من الليل؟
فقال: إني لا أبصر النجوم. فقال ابن عباس: نحن نتحدّى بك فتيان العرب وأنت لا تبصر النجوم؟ وقال: وددت أن أعرف «الهفت دوازده» «2» يريد النجوم السبعة السيارة والبروج الاثني عشر. قالوا: لا بأس بالاعتماد على قول المنجّمين في الغرّة. عن محمد بن مقاتل «3» : أنه كان يسألهم «4» ويعتمد على قولهم إذا اتفق جماعة منهم. عن بعض المنجّمين: موالد الأنبياء بالسنبلة والميزان «5» .
وكان طالع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الميزان. وقال: ولدت بالسّماك «6» ، وفي حساب المنجّمين هو السّماك الرامح. إذا طلع الدّبران «7» يبست الغدران. إذا طلع سعد السّعود ذاب كل جمود واخضرّ كل عود وانتشر كل مصرود «8» . إذا طلع الحوت خرج الناس من البيوت. الشمس في الحوت والبرد يموت:
إذا ما مضى من آب عشرون ليلة ... أتاك رقيم البرد من كل جانب «9»
(1/33)

إذا طلع القلب «1» جاء الشتاء كالكلب، وصار أهل البوادي في الكرب. علي رضي الله عنه: يكره أن يسافر الرجل أو يتزوّج في محاق الشهر «2» وإذا كان القمر في العقرب. قيل لابن دكين «3» : ما الدليل على أن المشتري سعد؟ قال: حسّنه المنجّمون. النظر إلى زحل يورث حزنا، كما أن النظر إلى المشتري يفيد سرورا. وقيل لأعرابي: ما أعلمك بالنجوم؟ قال: من ذا الذي لا يعلم أجذاع «4» بيته. وقيل لأعرابية: أتعرفين النجوم؟ قالت: سبحان الله أما نعرف أشياخنا وقوفا علينا كلّ ليلة؟. قال معاوية لدغفل بن حنظلة «5» العلّامة حين ضمّ إليه ابنه يزيد: علّمه العربية والأنساب والنجوم. فيلسوف: اضرع لمن فوقك في العلم ودونك في الجهل. أبو يوسف «6» رحمه الله تعالى: تعلموا كلّ علم إلّا ثلاثة: النجوم فإنه يكثر الشؤم، والكيمياء فإنه يورث الإفلاس، والجدال في الدين فإنه يورث الزندقة.
ثعلب: وددت أن الليل [يكون] نهارا حتى لا ينقطع عني أصحابي. قيل لابن شبرمة «7» ، وكان كوفيا: أنتم أروى أهل الحديث أم أهل البصرة؟ فقال:
نحن أروى لأحاديث القضاء، وهم أروى لأحاديث البكاء. علي رضي الله عنه:
الحكمة ضالّة المؤمن، فالتقفها ولو من أفواه المشركين. وعن النبي صلّى الله عليه وسلّم:
(1/34)

«فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم رجلا» . وروي: «كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» .
أتى أبو حنيفة إلى حمّاد لطلب الفقه فقال: تعلّم في كلّ يوم ثلاث مسائل ولا تزد عليها شيئا حتى يتّفق لك العلم. ففعل ففقه حتى أشير إليه بالأصابع. وكان أبو حنيفة يقول: ما أتانا عن الله ورسوله فعلى الرأس والعين، وما أتانا عن الصحابة اخترنا أحسنه ولم نخرج عن أقاويلهم، وما أتانا عن التابعين فنحن رجال وهم رجال. سأل الأعمش أبا حنيفة عن مسائل فأجاب، فقال الأعمش: من أين لك هذا؟ قال: مما حدثتنا به. فقال: يا معشر الفقهاء أنتم الأطباء ونحن الصيادلة. وكان أبو يوسف إذا سئل عن مسألة أجاب فيها وقال: هذا قول أبي حنيفة، ومن جعله بينه وبين الله فقد استبرأ لدينه. الأئمة الأجلّة: الحنفيّة.
الجود والحلم حاتميّ وأحنفيّ، والعلم والدين حنيفي وحنفي. كان يقال: أربعة لم يسبقوا ولم يلحقوا: أبو حنيفة في فقهه، والخليل في نحوه، والجاحظ في تأليفه، وأبو تمام في شعره. أحمد بن حرب: أبو حنيفة في العلماء كالخليفة في الأمراء.
رئي واصل بن عطاء «1» يكتب من فتى حديثا، فقيل له: أتكتب من هذا؟
فقال: أما أنا فأحفظ «2» له منه ولكني أردت أن أذيقه كأس الرياسة ليدعوه ذلك إلى الازدياد في العلم. قال أبو عبيدة: ما ينبغي أن يكون في الدنيا مثل النظّام «3» سألته وهو صبي عن عيب الزجاج فقال: سريع الكسر بطيء الجبر. سأل رجل
(1/35)

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن أفضل الأعمال فقال: «العلم بالله، والفقه في دينه» وكرّرهما عليه. فقال: يا رسول الله أسألك عن العمل فتخبرني عن العلم. فقال: «إن العلم ينفعك معه قليل العمل، وإن الجهل لا ينفعك معه كثير العمل» . المتعبد بغير علم كحمار الطاحونة يدور ولا يقطع المسافة. عن عيسى عليه السّلام: من علم وعمل وعلّم عدّ في الملكوت الأعظم عظيما.
كان مالك بن أنس رحمه الله تعالى إذا أراد أن يحدّث توضأ وسرّح لحيته وجلس في صدر مجلسه بوقار وهيبة تعظيما لحديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. وأراد الرشيد أن يسمع منه «الموطأ» مع ابنيه فاستخلى المجلس «1» ، فقال مالك: إنّ العلم إذا منع منه العامّة لم ينتفع به الخاصة. وأذن للناس فدخلوا. عن وهب: ابذل علمك لمن يطلبه، وادع إليه من لا يطلبه، وإلّا فمثلك مثل من أهدي إليه فاكهة فلم يطعمها ولم يطعمها حتى فسدت. لما أراد الإسكندر المضيّ إلى أقاصي البلاد قال لأرسطاطاليس: أوصني. قال: عليك بالعلم فاستنبط منه ما يحلو بألسنة الناطقين ويجذب قلوب السامعين، تنقد لك الرعية من غير حرب.
حكيم: قوت الأجسام المطاعم والمشارب، وقوت العقل الحكمة والعلم. عليّ رضي الله عنه: أوضع العلم «2» ما وقف على اللسان، وأرفعه ما ظهر في الجوارح والأركان. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «هلاك أمتي في شيئين: ترك العلم وجمع المال» .
حكيم: علم المرء بأنه لا يعلم أفضل علمه. الخليل: العلوم أقفال
(1/36)

والسؤالات مفاتيحها. من لم يتعلم في صغره لم يتقدم في كبره. الزّهري: تعلّم سنة خير من عبادة سنتين، وثمرة الأدب العقل الراجح، وثمرة العلم العمل الصالح، وأفضل ما أعطي العبد في الدنيا الحكمة، وفي الآخرة الرحمة.
الخليل: كنت إذا لقيت عالما أخذت منه وأعطيته. تخرّق كتاب سيبويه في كمّ المازني نيّفا وعشرين مرة. قال رجل لأفلاطون: كيف قويت على جمع هذا العلم كله؟ قال: أفنيت من الزيت في السراج أكثر من الشراب الذي شربته في عمري. وعن أبي يوسف: مات لي ابن فأمرت رجلا أن يتولى أمر دفنه، ولم أدع مجلس أبي حنيفة، خفت أن يفوتني منه يوم. ويقال: عليك بالدّرس، فإنّ الدّرس غرس. قيل: لم يطلب العلم من لم يطل درسه ولم يكدّ نفسه.
قيل لابن عباس رضي الله عنهما: بم أدركت هذا العلم؟ قال: بلسان سؤول، وقلب عقول، وراو غير ملول. وقيل لبزرجمهر: بم نلت ما نلت؟
قال: ببكور كبكور الغراب، وحرص كحرص الخنزير، واحتمال كاحتمال الكلب، وتملّق كتملّق السّنور «1» . وعن أبي يوسف رضي الله عنه: اختلفت إلى أبي حنيفة رضي الله عنه تسع عشرة سنة وما فاتني صلاة الغداة مع أبي ليلى «2» .
وعن زفر «3» رحمه الله تعالى: اختلفت إلى أبي حنيفة خمسا وعشرين سنة وما فاتني فطر ولا أضحى «4» .
(1/37)

وقيل: خزائن المنى على قناطر المحن. أحمد بن حنبل: كنت في مجلس أبي يوسف حين أمر ببشر المريسيّ «1» فجرّ برجله فأخرج. ثم رأيته في المجلس فقيل له: كيف رجعت إلى المجلس؟ فقال: لست أضيّع حظّي من العلم بما فعل بي في الأمس. وقيل: من أخلد إلى التواني حرم الأماني. ابن عباس رضي الله عنهما: ذللت طالبا فعززت مطلوبا.
وسئل الهندواني عن أهل بخارى حين عوده إلى أهل بلخ. فقال: رأيت فقيها ونصف فقيه، الفقيه: الميداني، ونصف الفقيه محمد بن فضيل، لأنه لا يعرف الحسابيات. فسمع محمد فاشتغل بها حتى صار قدوة بها. وروى صاحب «المحيط» عن أستاذه حسام الدين عن والده برهان الدين أنّ طريقة الخطّائين عرفت بالوحي. النّخعيّ: سل مسألة الحمقى واحفظ حفظ الأكياس.
الحسن: من استتر عن الطلب بالحياء «2» لبس للجهل سربالا، فاقطعوا سرابيل الحياء فإنه من رقّ وجهه رقّ علمه. عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهنّ الحياء أن يتفقّهن في الدين. مجاهد: لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر. عليّ رضي الله عنه: من أفتى الناس بغير علم لعنته السماء والأرض.
ويقال: كان الصحابة يتدافعون أربعة أشياء «3» : الإمامة، والوديعة، والوصية، والفتوى. قيل: أسرع الناس إلى الفتوى أقلّهم علما، وأشدّهم دفعا
(1/38)

لها أورعهم. وعن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أجرؤكم على النار أجرؤكم على الفتوى» . ابن مسعود رضي الله عنه: إنّ الذي يفتي الناس في كلّ ما يستفتونه لمجنون. سألت بنت عليّ البلخي أباها عن القيء إذا خرج إلى الحلق، فقال: يجب إعادة الوضوء، فرأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: لا يا عليّ حتى يكون ملء الفم. فقال:
علمت أن الفتوى تعرض على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فآليت على نفسي أن لا أفتي أبدا. بعض أصحاب أبي حنيفة قال: سمعته يقول: من أبغضني جعله الله مفتيا.
سأل رجل ابن عمر عن شيء فقال: لا أعلم. ثم قال بعد ما ولّى الرجل:
نعم ما قال ابن عمر، قال لما لا يعلم: لا أعلم. ابن مسعود: جنّة العالم:
«لا أدري» فإذا أخطأها فما أصاب. قال الهيثم بن جميل: شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في ثنتين وثلاثين منها: لا أدري. وكان عبد الله بن يزيد بن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده «لا أدري» حتى يكون أصلا منه في أيديهم إذا سئل أحدهم عمّا لا يعلم قال: لا أدري. وسئل الشعبي عن مسألة فقال: لا أعلم. فقيل: ألا تستحيي وأنت فقيه العراقين؟ قال: ولم أستحيي مما لا تستحيي منه الملائكة حين قالت: لا علم لنا إلّا ما علّمتنا؟. سفيان بن عيينة: كنت في حلقة رجل من ولد عبد الله بن عمر، فسئل عن شيء فقال: لا أدري. فقال له يحيى بن سعيد: العجب منك كلّ العجب، تقول: لا أدري، وأنت ابن إمام الهدى. فقال: أعجب مني عند الله من قال بغير علم، أو حدّث بغير ثقة. وسئل عليّ رضي الله عنه عن شيء على المنبر فقال: لا أدري. فقيل: ليس هذا مكان الجهّال. فقال: هذا مكان الذي يعلم شيئا ويجهل شيئا، وأما الذي يعلم ولا يجهل فلا مكان له. وسئل أبو يوسف عن شيء فقال: لا أدري. فقيل: تأكل من بيت المال كلّ يوم كذا
(1/39)

درهما وتقول: لا أدري؟ فقال: آكل بقدر علمي، ولو أكلت بقدر جهلي ما كفاني ما في الدنيا جميعا. سئل ثعلب عن شيء فقال: لا أدري، فقيل: إليك تضرب أكباد الإبل وأنت تقول: لا أدري؟ فقال للقائل: لو كان لأمّك بعدد ما لا أدري بعر لاستغنت. سئل أبو بكر القباطيّ وهو على المنبر فقال: لا أدري.
فقيل: ليس هذا موضع الجهّال. فقال: إنما علوت بقدر علمي، ولو علوت بقدر جهلي لعلوت السماء.
أعرابيّ: لا تقل فيما لا تعلم فتتّهم فيما تعلم. من فاته الأدب فاته أعظم الآداب. أرسطاطاليس: من ترك الأدب عقم عقله. من قعد به حسبه نهض به أدبه. حسن الأدب يستر قبيح النّسب. الفضل بالعلم والأدب لا بالأصل والنسب. من ساء أدبه ضاع نسبه. كل خير ينال بالطلب يزداد بالأدب. الأدب مال واستعماله كمال. النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما نحل «1» والد ولده نحلا أفضل من أدب حسن» . قيل: من لم يؤدّبه الأبوان أدّبه الملوان «2» . جالينوس: إن ابن الوضيع إذا كان أديبا كان نقص أبيه زائدا في شرفه، وإن ابن الشريف إذا كان غير أديب كان شرف أبيه زائدا في سقوطه. لقمان: اغد عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا ولا تكن الخامسة فتهلك. عليّ رضي الله عنه: الناس عالم أو متعلم وسائر الناس همج. الثوري: هتف العلم بالعمل، فإن أجابه استقرّ وإلا ارتحل. أبو حيان التوحيدي: لا تأنس بالعمل ما دمت متوحشا من العلم، ولا تثقنّ بالعلم ما دمت مقصرا في العمل، ولكن اجمع بينهما.
(1/40)

وكان يقال: العلم قائد والعمل سائق والنفس حرون «1» فإذا كان قائد بلا سائق بلدت، وإذا كان سائق بلا قائد عدلت يمينا وشمالا. وكان يقال: يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم واحد. وكتب رجل إلى أخ له: إنك قد أوتيت علما فلا تطفئنّ نور علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنور علمهم. وعن أبي حنيفة رضي الله عنه: إني لأدعو الله لحمّاد «2» فأبدأ به قبل أبويّ. ودخل على الواثق معلّمه فبالغ في إكرامه وإجلاله، فقيل له في ذلك فقال: هو أوّل من فتق لساني بذكر الله تعالى، وأدناني من رحمة الله. وسئل الإسكندر: مالك تعظّم مؤدّبك أشدّ من تعظيمك لأبيك؟ فقال: أبي حطّني من السماء إلى الأرض، ومؤدّبي رفعني من الأرض إلى السماء. وقيل لبزرجمهر:
ما بالك تعظيمك لمعلّمك أشدّ من تعظيمك لأبيك؟ قال: لأن أبي سبب حياتي الفانية ومعلّمي سبب حياتي الباقية، فأنا من بحاره مغترف، ومن ثماره مخترف «3» . قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «النظر في وجوه العلماء عبادة» .
وسئل محمد بن جعفر الصادق رضي الله عنه عن ذلك فقال: الذي إذا نظرت إليه ذكّرك أمور الآخرة، ومن كان على خلاف ذلك فالنظر إليه فتنة. قال أبو الدرداء «4» رضي الله عنه: ويل لمن لا يعلم، مرة، وويل لمن يعلم ولا يعمل، سبع مرات. قال الخليل: زلّة العالم مضروب بها الطبل، وزلة الجاهل يخفيها الجهل.
(1/41)

قال الأوزاعي «1» : ما من شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملا.
سحنون: ما أسمج العالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد، فيسأل عنه فيقال:
عند الأمير. فضيل: شرّ العلماء من يجالس الأمراء وخير الأمراء من يجالس العلماء. كان ابن المبارك «2» يقول: الشرطيّ خير من أصحابنا. فقيل: يا أبا عبد الرحمن كيف ذلك؟ قال: الشرطيّ إذا كبر تاب، وهم إذا كبروا دخلوا في عمل السلطان. وقيل للضحّاك: مالك لا تأتي عمر بن عبد العزيز؟ قال: والله لأعرف أنه إمام عادل ولكنه لا يلبث بين أظهركم إلّا قليلا، وأمراء بني أمية لا يعرفوني فأكره أن آتيه فيشهرني فيولع بي أمراء بني أمية بعده.
قال ابن عبد الحكم: كنت عند مالك أقرأ عليه، فحضرت الظّهر، فقمت لأصلي فقال: ما الذي قمت إليه بأفضل مما كنت فيه إذا صحّت النية. قال أبو بكر بن عيّاش: كنا عند الأعمش نكتب الحديث ونحن صبيان، فمرّ صديق له فقال: من هؤلاء؟ قال: هم الذين يحفظون عليك دينك.
عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الفتنة تجيء فتنسف العباد نسفا وينجو العلماء منها» . وفقه العبادلة مثل، وهم: ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير وابن العاص رضي الله عنهم. قال أرسطاطاليس: الحكمة للأخلاق كالطب للأجساد. حكيم: تقول الحكمة: من التمسني ولم يجدني فليعمل أحسن ما يعلم وليترك أقبح ما يعلم، فإذا فعل ذلك فأنا معه. وقيل: حبّ السلطان العلم يلقّح الخواطر العقم. تلقّى
(1/42)

الرشيد الكسائي في بعض الطرقات، فوقف عليه فسأله عن حاله فقال: لو لم أجتن من ثمرة العلم والأدب إلّا ما وهب الله لي من وقوف أمير المؤمنين عليّ لكان كافيا. بقي أبو يوسف على باب الرشيد حولا لا يصل إليه، فوقعت واقعة وهي أن الرشيد كان يهوى جارية لزبيدة وحلفت بأن لا تبيعها ولا تهبها إياه، فأعضلت على الفقهاء «1» ، فسئل أبو يوسف فقال: يا أمير المؤمنين أفتيك وحدك أم بحضرة الفقهاء ليحصل اليقين ويزول الشك؟ فأحضروا فقال: المخرج أن تهبك نصفها وتبيعك نصفها. فصدّقوه. ثم قال: أريد أن أطأها اليوم. قال:
أعتقها فتزوّجها. ففرح وعظم أمره عنده.
المأمون: لولا الحرص لخربت الدنيا، ولولا الشهوة لانقطع النّسل، ولولا حبّ الرياسة لبطل العلم. ولما قدم الرشيد الرّقة أشرفت أمّ ولد له من قصره فرأت الغبار قد ارتفع وأسرع الناس، فقالت: ما هذا؟ قالوا: قدم من خراسان عالم يقال له ابن المبارك. قالت: هذا والله الملك لا هارون الذي لا يجمع الناس إلّا بالسّوط والخشب «2» . نظر مزيد إلى امرأته تصعد في الدّرجة فقال:
أنت طالق إن صعدت، وطالق إن وقفت، وطالق إن نزلت. فرمت نفسها من حيث بلغت، فقال لها: فداك أبي وأمي، إن مات مالك احتاج إليك أهل المدينة في أحكامهم. وصنع عيسى عليه السّلام للحواريّين طعاما فلما أكلوا وضّأهم «3» بنفسه، فقالوا: يا روح الله نحن أولى أن نفعله منك. قال: إنما فعلت هذا لتفعلوه بما تعلمون.
(1/43)

قال ذو النون المصري: إياك أن تطلب العلم بالجهل، قيل: كيف يطلب العلم بالجهل؟ قال: إذا قصدت العلم في غير وقته، وتخطّيت الرقاب، وتركت في طلبه حرمة الشيوخ، ولم تستعمل فيه السّكينة والوقار والأدب، فذلك طلب العلم بالجهل. قال أبو عبيدة: ما قرعت بابا على عالم قطّ. قال طاوس: ما حمل ماء العلم في مثل قرب «1» الحلم. قال وهب: إنّ للعلم طغيانا كطغيان المال. الحسن: لقيت قوما من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقولون: من عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح. قيل: العامل بغير علم كالسائر على غير الطريق، فاطلب العلم طلبا لا يضرّ بالعبادة، واطلب العبادة طلبا لا يضرّ بالعلم. قال عطاء بن أبي رباح: ما رأيت مجلسا أكرم من مجلس ابن عباس، إذ هو أكثر فقها وأعظم حفيّة: إن أصحاب القرآن عنده، وأصحاب الفقه عنده، وأصحاب الشعر عنده، ويصدّرهم كلّهم في واد واسع. ورأى ابن كثير قارىء مكة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المنام جالسا والناس يسألونه، فقال: إني كنزت تحت المنبر كنزا وقد أمرت مالكا أن يقسمه فيكم، فاذهبوا إلى مالك.
قال محمد بن إسحاق بن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء، ولا فوق الأرض، أعلم بالحديث ولا أحفظ له من محمد بن إسماعيل البخاري. وكان يقال: حديث لا يرفعه محمد بن إسماعيل ليس بحديث. وقال البخاري: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح. قال: ما وضعت في كتاب «الصحيح» حديثا إلّا اغتسلت قبل ذلك وصلّيت ركعتين. كان ذلك بمكة شرّفها الله، والغسل بزمزم، والصلاة خلف مقام إبراهيم عليه السّلام،
(1/44)

وترجم أبوابه «1» في الروضة الشريفة صلّى الله على صاحبها وسلّم، ووضع تراجمه بين قبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومنبره. وكان يصلّي لكل ترجمة ركعتين. وقال:
أخرجته من ستمائة ألف حديث، وصنّفته في ستّ عشرة سنة، وجعلته حجّة فيما بيني وبين الله تعالى. وعدد الأحاديث المسندة فيه سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا.
أول من بنى «دار الحديث» على الأرض الملك العادل نور الدين. بعض الأعلام رحمة الله تعالى عليه:
علم الحديث وسيلة مقبولة ... عند النبيّ الأبطحيّ محمد
فاشغل به أوقاتك البيض التي ... ملّكتها تشرف بذاك وتسعد
ومن أئمة الحديث: ابن الأثير صاحب «جامع الأصول» . وصف أعرابي نفسه بالحفظ فقال: كنت كالرّملة، لا يقطر عليها شيء «2» إلّا شربته. وشكا رجل إلى وكيع بن الجرّاح «3» سوء الحفظ فقال: استعينوا على الحفظ بترك المعاصي. فأنشد الرجل يقول:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأنّ العلم نور ... ونور الله لا يهدى لعاصي
قال رجل من الأنصار للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إني لأسمع الحديث ولا أحفظه فقال:
استعن بيمينك- أي اكتبه-» . وقال عليه الصلاة والسّلام: «قيّدوا العلم
(1/45)

بالكتابة» . ويقال في المثل: ما حفظ فرّ، وما كتب قرّ «1» . ويقال: الحفظ صيد، والكتابة قيد. الشعبيّ: إذا سمعت شيئا فاكتبه ولو في الحائط. وقيل:
تكثّر من العلم لتفهم، وتقلّل منه لتحفظ. قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: العلم أكثر من أن يحصى، فخذوا من كلّ شيء أحسنه. وأنشأ رضي الله عنه يقول:
ما حوى العلم جميعا أحد ... لا ولو مارسه ألف سنه
إنّما العلم بعيد غوره ... فخذوا من كل شيء أحسنه «2»
أرسطو: ليكن ما تكتبه من خير ما تقرأ، وما تحفظ من خير ما تكتب.
وقيل: القلم قيّم الحكمة، وإن لهذه العلوم نفرة فاجعلوا الكتب لها حماة، والأقلام عليها رعاة. ثمامة بن الأشرس «3» : ما أثبتته الأقلام لا يطمع في دروسه الأيام. وقيل: الأقلام رسل الكلام. قال فيلسوف: الخطّ لسان اليد.
قال أقليدس: الخطّ هندسة روحانية ظهرت بآلة جسمانية. ويقال: الخطّ عند الفقير مال، وعند الغني جمال، وعند الأكابر كمال. قيل: الدّواة من أنفع الإداوات «4» ، والحبر أجدى من التّبر. وقيل: الدواة غدير تفيض ينابيع الحكمة من قراره، وتنشأ سحب البلاغة من أقطاره.
ونظر جعفر البرمكي إلى خطّ حسن فقال: لم أر باكيا أحسن تبسّما من
(1/46)

القلم. قال سهل بن هارون: القلم أنف الضمير، إذا رعف أعار أسراره وأبان آثاره. عن أعرابيّ: خطّ الأقلام صور، هي في الأبصار سود، وفي البصائر بيض. قيل: تخاصم صاحب قلم مع صاحب سيف في الصّدارة. قال صاحب السيف: السلطنة تحصل بي. وقال صاحب القلم: أنا راجح بأربعة: لأن القلم يحتاج إليه في دفع الأعداء، ونفع الأحياء، وإنه علّة الدّخل والسيف علّة الخرج، وإنه لا يوجد باغ من أصحاب الأقلام، وإن صاحب القلم يدفع صاحب السّيف بالرأي، بدون العكس. فتعيّن الصدارة لصاحب القلم. قال المأمون:
لله درّ القلم يحوك «1» وشي المملكة. قيل:
إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم ... وعدوّه ممّا يكسب المجد والكرم
كفى قلم الكتّاب فخرا ورفعة ... مدى الدهر، أنّ الله أقسم بالقلم
أيوب بن غسان قال:
فما شيء بأحسن من ثياب ... على حافاتها أثر المداد
قيل: من السّؤدد سوادان: سواد الكاتب، وسواد الراكب. قيل: المداد خلوق «2» الكتبة. ونظر أعرابيّ كتابا فقال: كواكب الحكم في ظلم المداد. ومرّ عبد الحميد بإبراهيم بن خالد وهو يكتب خطّا رديئا فقال: أطل جلفة قلمك وأسمنها وحرّف قطّتك «3» وأيمنها. ففعل، فجاد خطّه. قال عليّ كرّم الله وجهه لكاتبه عبيد الله بن أبي رافع: ألق دواتك وأطل جلفة قلمك وفرّج بين السّطور،
(1/47)

وقرمط بين الحروف «1» ، فإن ذلك أجدر بصباحة الخطّ.
وأول من خطّ بالقلم إدريس النبيّ عليه السّلام. وأول من نقل الخطّ الكوفيّ إلى طريقة العربية ابن مقلة «2» . قال أبو منصور الثعالبي في خطّه:
خطّ ابن مقلة من أرعاه مقلته ... ودّت جوارحه لو حوّلت مقلا
والدرّ من درّه ذو صفرة حسدا ... والنّور من نوره ذو حمرة خجلا «3»
قيل: كتب ابن مقلة كتاب هدنة بين المسلمين والروم، فوضعوه في كنيسة قسطنطينية، وكانوا يبرزونه في الأعياد، ويجعلونه في جملة تزايينهم في أخصّ بيت العبادات، ويعجّبون به الناس من حسنه. ثم جاء ابن البوّاب وزاد في تغريب الخط. ثم جاء ياقوت المستعصمي الخطّاط وختم فنّ الخطّ وأكمله وأدرج في بيت جميع قوانينه فقال:
أصول، وتركيب، كراس، ونسبة ... صعود، وتشمير، نزول، وإرسال
عبد الله بن المعتز قال:
إذا أخذ القرطاس خلت يمينه ... تفتّح نورا أو تنظّم جوهرا
قيل: الكتاب بستان والخطّ نرجسه. قيل لأبي بكر الخوارزمي عند موته: ما تشتهي؟ قال: النظر في حواشي الكتب. نظر المأمون إلى بعض أولاده وهو
(1/48)

ينظر في كتاب، قال: يا بنيّ ما كتابك هذا؟ قال: بعض ما يشحذ الفطنة ويؤنس من الوحشة. فقال: الحمد لله الذي رزقني ذرّية يرى «1» بعين عقله أحسن مما يرى بعين وجهه. وسئل بعض الملوك عن مشتهاه فقال: حبيب أنظر إليه، ومحتاج أنظر له، وكتاب أنظر فيه.
وخير جليس في الزمان كتاب «2»
وقيل: إذا كتبت كتابا فأعد النظر إليه، فإنما يختم على قلبك.
الخليل: إذا نسخ الكتاب ثلاث نسخ ولم يعارض «3» تحوّل بالفارسية. قال ابن المبارك: ما قرأت كتاب رجل قطّ إلا عرفت مقدار عقله. إسماعيل الثقفي:
عقول الرجال في أطراف أقلامها. وقيل: من ألّف كتابا أو شعرا إنما يعرض الناس على عقله، فإن أصاب فقد استهدف، وإن أخطأ فقد استقذف «4» .
وقالوا: لا يزال المرء في فسحة من أمره ما لم يقل شعرا أو يؤلّف كتابا. رأى الخليل مع رجل دفترا بخطّ دقيق فقال: أيست يا هذا من طول العمر «5» ؟. يقال للخطّ الرديء: خطّ الملائكة، لأن خطّهم غير بيّن للناس، وأجود الخطّ أبينه.
القلم الرديء كالولد العاقّ والأخ المشاقّ «6» .
عليّ رضي الله عنه، حين ضرب: ما قطعت قطيعة غنم، ولا لبست
(1/49)

السراويل على القدم، ولا جلست على براية القلم، فمن أين أصابني هذا الألم؟. يقال: لا تكتب بالقلم المعقود «1» ، ولا تمشط بالمشط المكسور، ولا تمش بين القبور. وقيل لرافضيّ: ما علامة النّصب في عمرو؟ قال: بغض عليّ ابن أبي طالب. وقيل لأعرابيّ: أتهمز إسرائيل؟ قال: إني إذا رجل سوء.
وقيل لآخر: أتهمز الفأرة؟ قال السّنّور يهمزها.
ووقع نحويّ في كنيف، فجاؤوه بكنّاسين، فقال: اطلبا لي حبلا رقيقا، وشدّاني شدّا وثيقا، واجذباني جذبا رفيقا. فقالا: والله لا نخرجه، هو في السّلح «2» إلى الحلق ولا يدع الفضول. واستأذن رجل على سيبويه فقال سيبويه لغلامه: قل له انصرف، قال الرجل للغلام: أنا أحمد وأحمد لا ينصرف. قال سيبويه للغلام: قل له: أحمد إذا عرّف فلا ينصرف، وأمّا إذا نكّر فينصرف. قد جرى مثل ذلك بين عمر النّسفي والزمخشري والقحفاريّ. قال:
أضمرت في القلب هوى شادن ... مشتغل بالنحو لا ينصف
وصفت ما أضمرت يوما له ... فقال لي المضمر لا يوصف
فقدت في دار بعض الرؤساء مشربة «3» فضّة، فوجّه إلى ابن ماهان «4» فقال:
المشربة سرقت نفسها. فضحك منه، فاغتاظ فقال: هل في الدار جارية تسمّى فضة؟ فقالوا: نعم. فقال: الفضة أخذت الفضة. فكان كما قال.
وافتقدت امرأة بعض الكبار خاتما فوجّهت إلى أبي معشر «5» فقال: خاتم الله
(1/50)

أخذه. فتعجبت من قوله ثم طلبته فوجدته في أثناء ورق المصحف. صلب منجّم، فقيل: هل رأيت هذا في نجمك؟ فقال: رأيت رفعة ولكن لم أعلم أنها فوق الخشبة. وسأل منجم رجلا عن طالعه فقال: تيس. فقال: ليس في السماء تيس.
قال الرجل: كان يقول المنجمون: الطالع في ولادتك جدي وأنا صرت كهلا فلا بدّ أن يصير طالعي تيسا.
ونظر مدنيّ إلى قوم يستسقون ومعهم الصبيان، فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: نرجو بهم الإجابة. قال: لو كان دعاؤهم مجابا لما بقي في الأرض معلّم. قال أبو عثمان «1» : مررت يوما بمعلّم بين يديه غلام يقرأ: وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي
. وقال المعلّم: إِلى يَوْمِ الدِّينِ
«2» .
معلّم الصبية شرّ الورى ... وعقله أنقص من عقلهم
بقدر ما يلقي إلى ذهنهم ... من علمه يكسب من جهلهم
وكان بعض الكتّاب يكتب، وإلى جنبه رجل يتطلّع في كتابه. فلمّا شقّ عليه كتب فيه: ولولا ثقيل بغيض كان إلى جنبي يتطلّع لشرحت جميع ما في نفسي.
فقال الرجل: يا سيدي والله ما كنت أتطلع. قال: ومن أين قرأت هذا الذي أنكرت؟. ودخل حاجب الحجاج وقال: فلان الكاتب بالباب- قال ابن قرّة «3» : الكتّاب أسوأ. الناس خلقا- ودخل الكاتب وأكرمه الحجاج فخرج، وقال الحجاج: لولا حقّ صحبتك لقتلتك يابن قرّة. قال الله تعالى: كِراماً كاتِبِينَ
. قال ابن قرّة: أنا أقول في كتّاب الديوان لا في ملائكة الرحمن.
فضحك وعفا عنه. والله سبحانه وتعالى أعلم.
(1/51)

الروضة الثالثة في السلطنة والإمارة والوزارة والسياسة والعدل والعفو والطاعة للولاة وما ناسب ذلك
النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «زيّن الله السماء بثلاث: بالشمس والقمر والكواكب، وزين الله الأرض بثلاث: بالعلماء، والمطر، وسلطان عادل» . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «أحبّ العباد إلى الله تعالى وأقربهم منه مجلسا يوم القيامة إمام عادل» . وعن عبد الله بن مسعود أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «عدل ساعة خير من عبادة سنة» . وعن ابن عباس أنه قال: قال صلّى الله عليه وسلّم: «والذي نفسي بيده إنّ الإمام العادل ليرفع له في كل يوم مثل عمل رعيته، فصلاته تعدل تسعين ألف صلاة» . عن أنس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما من أحد أفضل عند الله من إمام إن قال صدق، وإن حكم عدل» .
قال عمر رضي الله عنه للنبي صلّى الله عليه وسلّم: أخبرني عن هذا السلطان الذي ذلّت له الرقاب، وخضعت له الأجساد، ما هو؟ قال: «ظلّ الله في الأرض، فإذا أحسن فله الأجر وعليكم الشكر، وإن أساء فعليه الإصر وعليكم الصبر» . قال مالك بن دينار «1» : وجدت في بعض الكتب: يقول الله تعالى: أنا مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، ولا تشغلوا ألسنتكم بسبّ الملوك ولكن توبوا إلى الله أعطّفهم عليكم.
(1/52)

وأوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه: إذا عصاني من يعرفني سلّطت عليه من لا يعرفني. هوشنك «1» : أنا رحمة للمصلحين ونقمة على المفسدين. الشعبيّ لام الحجّاج على ظلمه، فأعطى له دينارا كامل العيار وقال: بعه. فذهب إلى الصرّافين، قالوا: ناقص العيار. فجاء وحكى ما وقع فقال: اذهب إلى فلان في محلّة كذا. فذهب إليه فقال ذلك الرجل: هذا كامل العيار. فقال الشعبيّ:
أظلمك الحجّاج؟ قال: لا بل أنا في راحة من دولته ولا يترك علينا أحدا يظلم. قال مالك بن دينار: إذا غضب الله على قوم سلّط عليهم صبيانهم.
فضيل «2» : لو كان لي دعوة مستجابة لما جعلتها إلّا في الإمام، لأنه إذا صلح الإمام أمنت العباد والبلاد. فقبّل ابن المبارك رأسه وقال: يا معلم الخير من يحسن هذا غيرك؟
يقال: الملك والدين توءمان. قال عليّ رضي الله عنه: السلطان حياة الرعية وصلاح البرية. وعنه كرّم الله وجهه: قلوب الرعية خزائن راعيها، فما أودعه من عدل أو جور وجده. قال ابن السماك للرشيد: إنّ الله قد وهب لك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك ببعضها، ولم يجعل فوق قدرك قدرا فلا تجعل فوق شكرك شكرا. عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطعمهم الطيّب ويأكل الغليظ ويلبس الخشن ويعطيهم الحق ويزيدهم. وأعطى رجلا عطاء أربعة آلاف درهم وزاده ألفا فقيل له: ألا تزيد ابنك كما تزيد هذا؟ فقال: هذا ثبت أبوه يوم أحد ولم يثبت أبو هذا.
(1/53)

قال أبو بكر رضي الله عنه: إنّا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأخذ لهم درهما ولا دينارا، ولكن أكلنا من جريش «1» طعامهم، ولبسنا من خشن ثيابهم، وليس عندنا من فيئهم إلّا هذا الناضح، وهذا العبد الحبشيّ، وهذه القطيفة «2» فإذا قبضت فادفعوها إلى عمر. فلمّا قبض أرسلوها إليه، فبكى حتى سالت دموعه ثم قال: رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده. شأن الهمم العالية الإعراض عن الزخرف الحائل، والإقبال على ما هو باق غير زائل.
كان عمر بن عبد العزيز من أشدّ الناس تنعّما قبل الخلافة، ولما ولي زهد في الدنيا. وخطب في جمعة فقوّمت ثيابه فلم تبلغ قيمتها ثلاثة دراهم. ويقال: من شهد من سوّاه زهد فيمن سواه، ومن عرف الإله لم يألف إلّاه. قبل سعيد بن المسيّب مال السلطان من الخمس ولم يقبله الثّوري «3» ، وقال: أعلم أنه لي حلال، ولكن أكره أن يقع لهم في قلبي مودّة. الحسن: لا يردّ جوائز الأمراء إلّا مراء أو أحمق. ونهى الثوري عن القرب من المنبر، فقيل: أليس يقال: ادن واستمع؟ قال: ذاك لأبي بكر وعمر والخلفاء، وأمّا هؤلاء فتباعد عنهم ولا تستمع كلامهم ولا تر وجوههم. قال الفقيه: كنت أفتي بعدم أخذ الإجارة على تعليم القرآن وبحرمة دخول العلماء على السلاطين، وبمنع العالم من الخروج إلى الرستاق «4» ، فرجعت عن الكلّ، لضياع القرآن وحاجة الخلق ولجهل أهل الرستاق.
(1/54)

عمر رضي الله عنه: أشقى الولاة من شقيت به رعيّته. عليّ رضي الله عنه:
إن شرّ الناس إمام جائر ضلّ وضلّ به، وأمات سنّة مأخوذة وأحيا بدعة متروكة، وإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «يؤتى يوم القيامة بالجائر وليس معه نصير ولا عاذر، فيلقى في جهنم فيدور فيها كما تدور الرحى، ثم يرتبط في قعرها» .
ابن عباس رضي الله عنهما ورفعه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ من أشراط الساعة إماتة الصلاة واتباع الشهوات والميل إلى الهوى وتكون أمراء خونة، ووزرة فسقة.
فوثب سلمان فقال: بأبي أنت وأمّي إنّ هذا لكائن؟ قال: نعم يا سلمان، عندها يذوب قلب المؤمن كما يذوب الملح في الماء، ولا يستطيع أن يغيّر.
قال: أو يكون ذلك؟ قال: نعم يا سلمان، إن أذلّ الناس يومئذ المؤمن، يمشي بين أظهرهم بالمخافة، إن تكلّم أكلوه، وإن سكت مات بغيظه.
ولزمت بعض أمراء بلخ كفّارة يمين، فسأل فقيها فقال: كفّر بالصيام.
فبكى، لأنّ في أمره بالصيام أنّ جميع ما يملكه حرام ولا شيء له. إيّاك والإمارة فإنها للدماء أمارة، وللبلاء إبارة «1» . علامة إدبار الإمارة كثرة الطاعون وقلّة العمارة. وقيل: علامة إدبار دولة الملك أن يصحب الأحداث ومن لا عبرة له بالعواقب، وأن يقصد أهل مودّته بالأذى، وأن ينقص خراجه عن قدر مؤنة ملكه، وأن يكون تقريبه وتبعيده للهوى لا للرأي، والاستهانة بناصح العلماء.
عن بعض الحكماء: الملك للحق بمنزلة الجبال للأرض، فلا بدّ أن يكون وقورا حليما صبورا، وأمينا، لا مستعجلا في عقوبة رجل إذا سمع في حقه شيئا. وإلّا لا يأمن منه أحد، وتفسد قلوب الرعية عليه، وإذا اضطر إلى
(1/55)

المحاربة لا يقوم بنفسه بل يقوم تحت رايته، وإذا قام مقامه ابنه يجب أن يجلّ أجلّاء أبيه، لأن الحب والبغض يتوارثان، فلا يكادون يخلّون بينه وبين مكروه، ولا يقدّم أحداث القوم عليهم فتفسد عليه قلوبهم، وإذا جلس مكان العدوّ بالقهر لا يتركهم أمراء، لأنّ التعصب لا يخرج من قلوبهم، ولا يستبدّ برأيه، ويستشير في الأمور المشكلة كثيرا من أركان الدولة تحرّزا عن الخطأ. وينبغي أن يكون مبسوط اليد فإنّ الخلق لا تتبعه إلا لغرض دنيويّ، ولا يكون إنعامه مخصوصا بطائفة فإنّ الإمارة موقوفة على العسكر والفقراء والعلماء والبلغاء والشعراء وأهل الحرف. ويفوّض كلّ أمر إلى أهله وإلا فسدت قلوب المستحقّين عليه. فإنّ ألف ألف من الفصحاء لملك واحد لقليل، وعدوّا واحدا لكثير. وينبغي أن يكون له في كلّ سوق وقطر من يثق به من الناس، ليقف على ما هي عليه، ثم يطلعه عليه، فإنه كثيرا ما يقع في قلوب العامّة ما وقع وسيقع.
وأتي عمر بن عبد العزيز برجل، فقال: لولا أني غضبان لعاقبتك. وكان إذا أراد عقاب رجل حبسه ثلاثة أيام مخافة التعجيل في أوّل الغضب. عن بعض الحكماء: إيّاك وغرّة الغضب، فإنها تصيّرك إلى ذلّة الاعتذار. عليّ كرّم الله وجهه: حدّة المرء تهلكه. وعنه: حلم المرء عونه. وعنه: سوء الخلق وحشة الإخلاص. يقال: خرج «1» المال يؤتى بالتعويض والإخلاف، وأمّا النفوس فليس لإتلافهنّ تلاف. أردشير بابك: لا أستعمل السيف لمن عصى حيثما تكفي العصا، وما أتصدّى للعدوّ «2» بالصّول والنصل إذا كان يؤثّر فيه القول الفصل.
قيل: الفكر المعقول أمضى من الباتر المصقول. قيل:
(1/56)

غضب الكريم وإن تأجّج ناره ... كدخان عود ليس فيه سواد
وينبغي للسلطان أن يؤخر العقوبة إلى انكسار غضبه، ويعجّل مكافأة المحسنين ويستعمل الأناة فيما يحدث، ففي تأخير العقوبة إمكان العفو، وفي تعجيل المكافأة مسارعة الأولياء إلى الطاعة. وينبغي أن يكون وزيره مصلحا، فإن الوزير إذا صلح صلح الملك، وإذا فسد فسد الملك:
وإصابة الخلفاء فيما حاولوا ... مقرونة بكفاية الوزراء
في أمثالهم: لا تسأل عن السلطان من هو؟ وانظر إلى الوزير من هو؟ لن يفلح وزير عند أمير ما طلع ابنا جمير، وسمر ابنا سمير «1» ، اتل على كلّ من وزر: كَلَّا لا وَزَرَ
«2» ، ألا أخبركم بالنفس الوزّارة، نفس بلاها الله تعالى بالوزارة. كلّ وزير موسى إلّا وزير موسى «3» . يقال: أحسن الوزراء حالا من أعدّ لكل أمر يجوز وقوعه عدّة، وأسوؤهم حالا من ترك الإعداد للنوازل ثقة بنفسه، واعتمادا بفطنته.
ويقال: من ظنّ من الملوك أنّ لعلمه فضيلة عن علم وزيره فقد غلط، وإن خالف بعد حجّة ظاهرة لم يفلح. وعن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أراد الله بأمير خيرا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه، وإن أراد غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكّره، وإن ذكر لم يعنه» . ويقال: إذا أحبك الوزير فلا تخش الأمير، ولا تثقنّ بالأمير إذا أبغضك الوزير. قال الإسكندر لوزير وزر له مدّة طويلة، ولم ينبّهه على عيب: لا حاجة لي في خدمتك فإني إنسان،
(1/57)

والإنسان لا يخلو من الخطأ والنسيان، فإن لم تقف مني على خطأ فأنت جاهل، وإن وقفت وسترت فأنت خائن. سولون: من صحب السلطان فليصبر على قسوته كصبر الغوّاص على ملوحة بحره.
الإسكندر: لا تتلبّس بالسلطان في وقت اضطراب الأمور عليه، فإنّ البحر لا يكاد يسلم راكبه في وقت سكونه، فكيف لا يهلك مع اختلاف رياحه واضطراب أمواجه؟. ومن هذا أخذ المتنبي قوله في سيف الدولة:
هو البحر غص فيه إذا كان ساكنا ... على الدّرّ واحذره إذا كان مزبدا «1»
أبو علي الصّغاني: إيّاك والملوك، فإنّ من والاهم أخذوا ماله ومن عاداهم أخذوا رأسه. عن بعض السلف: يا بنيّ اتّق السلطان فإنه يغضب غضب الصبيّ ويصول صيال الأسد. وخرج أسد وذئب وثعلب فاصطادوا حمار وحش وغزالا وأرنبا. فقال الأسد للذئب: اقسم، فقال: الحمار للملك، والغزال لي، والأرنب للثعلب: فضرب رأس الذئب فقطع، ثم قال للثّعلب: اقسم، فقال:
الحمار يتغدّى به الملك، والغزال يتعشّى به، والأرنب يأكله بين ذلك. قال:
من علّمك هذا؟ قال: رأس الذئب.
حكي أن أسدا كان يلازمه ذئب وثعلب، فمرض الأسد، وتأخر الثعلب فسأل عنه الذئب، فقال: علم علّتك واشتغل بكسبه. فلمّا دخل عليه قال: ما أخّرك مع علمك بحالي؟ قال: جزت البلاد «2» إلى أن ظفرت بدوائك. قال: ما
(1/58)

هو؟ قال: خصية الذئب. فلمّا دخل الذئب عليه وثب فقطع خصيته وخرج الذئب والدم يسيل. قال الثعلب: يا صاحب السراويل الحمر إذا جالست الملوك فانظر كيف تذكر حاشيتهم عندهم. عن بعض الفضلاء: إن قرّبك السلطان فكن منه على حدّ السنان، وإن استرسل إليك فلا تأمننّ انقلابه عليك، وارفق به رفقك بالصبي، وكلّمه بما يشتهي ما لم يضيع في ذلك حقا من حقوق الله تعالى، ولا يحملنّك ما ترى من الاستماع على أن تدخل بينه وبين أهله وولده وحشمه إلا بخير، فإنّ سقطة الداخل بين الملك وأهله سريعة، وإذا وعدت فحقّق، وإذا قلت فاصدق، ولا تجهر بكلامك كمكالم الأصمّ، ولا تخافت كمخاطب الأخرس، وإذا تحدثت بسماع فأسنده إلى أهله، وإيّاك والأحاديث الغريبة المنكرة.
قال المنصور: الملوك تحتمل كلّ شيء من أصحابها إلّا ثلاثا: إفشاء السر، والتعرض للحرم، والقدح في الملك. وقيل: إياك والملوك فإنهم يستصغرون ضرب الرقاب، ويستعظمون ردّ الجواب. عن الإسكندر: السعيد من لا يعرفنا ولا نعرفه، فإن عرفنا أطلنا يومه وأطرنا نومه. عن بعض الحكماء: أربعة من استقبلها بالرّدع في أربعة أحوال هلك: الملك في غضبه، والسيل في هجومه، والفيل في غلمته، والرعية في هيجها. عن بزرجمهر: لا يجوز الاعتراض على كلام الأمراء. قيل: من صحب الملوك بما لا يوافقهم كان هدف نبل الهلكة.
يقال: ليس من شأن ذوي الحزم مكاشفة الملوك بالنصائح في المحافل. وقيل:
من صحب الملوك بما يكرهون فلا يكرمونه. ويقال: ثلاثة إذا لم تنزل منزلتها يتحوّل عنها: الملك، والعالم، والنعمة. ويقال: العطب كل العطب من عناد
(1/59)

المقتدرين عند الغضب، والسيول الداهمة عند الصّبب «1» ، والدولة المقبلة في عنوان افتتاحها، وعصوف رياحها. قال هرمز بن سابور: نحن كالنار، من قاربها كثر عليه ضررها، ومن باعدها انتفع بها. وقيل: إن جالست الملوك فالزم الصمت، واستعمل الوقار، واحفظ الأسرار. أبو الفتح البستي قال:
إذا خدمت الملوك فالبس ... من التقوّي أشدّ ملبس
فادخل إذا ما دخلت أعمى ... واخرج إذا ما خرجت أخرس «2»
قيل: حرمة مجلس الملك إذا غاب كحرمته إذا حضر. الأصمعيّ: قال لي الرشيد أوّل يوم دخلت عليه: يا عبد الملك لا تعلّمنا في ملا، ولا تسرع إلى تذكيرنا في خلا، واتركنا حتى نبتدئك بالسؤال، فإذا بلّغت الجواب فلا تزد، وإيّاك والبدار إلى تصديقنا، وإياك وإطالة الحديث، إلّا أن نستدعي ذلك، وإذا رأيتنا صارفين عن الحق فأرجعنا إليه برفق، بلا إضجار ولا تخطئة، وعلّمنا من العلم ما نحتاج إليه على المنابر وفاضل المخاطبات، ولا تكلمنا بغوامض الكلم وغرائب اللغة. وقيل: من استبدّ بتدبيره زلّ، ومن استخف بأميره ذلّ.
عن لقمان: إذا زادك الرئيس تقديما فزده إجلالا. عن أرسطو: من طلب خدمة السلطان بغير أدب خرج من السلامة إلى العطب. وكلام الملوك ملوك الكلام. عن بعض الأكابر: أرباب الدول ملهمون. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من ولي على عشرة كان له عقل أربعين، ومن ولي على أربعين كان له عقل أربعمائة» .
قيل: مشاورة الملوك للاستظهار على الآراء، لا لتقليد الوزراء. يقال: الملك
(1/60)

أعقل وإن كان الوزير أعلم. قال الرشيد للأصمعي: أنت أعلم منا ونحن أعقل منك. قيل: لولا فضل عقل الملك على عقول العلماء لما تواضعوا للعالم تعظيما لعلمه، وكم من عالم أبعده السلطان لحمقه الذي دلّ عليه قبيح فعله لا لجهله. وأصدق شاهد على كرم النفس اختصاص الفضلاء بالصحبة، واختيار العقلاء للمنّة.
ويقال: احذر الدنو من ذوي الدناءة لئلا تعديك طباعهم اللئيمة، وأخلاقهم الذميمة. أفلاطون: لا تصحب الشرّير فإن طبعك يسرق من طبعه شرّا وأنت لا تدري. عن لقمان: ثلاث فرق يجب على الناس مداراتهم: الملك المسلّط والمرأة والمريض. قال أبو الحسن طلحة رحمه الله:
احذر مباسطة الملوك ولا تكن ... ما عشت بالتقريب منهم واثقا
فالغيث عيشك إن ظمئت وربما ... ترمي بوارقه إليك صواعقا
قيل: لا يغرنك تقرّب الأمراء، وتملّق النساء، وضحك الأعداء، وحرّ الشتاء. ابن الدهان «1» :
لا تجعل الهزل دأبا فهو منقصة ... والجدّ تعلو به بين الورى القيم
ولا يغرّنك من ملك تبسّمه ... ما تصعق السحب إلّا حين تبتسم
الحجاج: جور السلطان خير من ضعفه، لأن ذاك يخصّ وهذا يعمّ. ابن المعتز: من شارك السلطان في عزّ الدنيا شاركه في ذلّ الآخرة. ابن السّماك:
الذّباب على العذرة «2» أحسن من القارىء على أبواب الملوك.
(1/61)

عجبت لأهل العلم كيف تغافلوا ... عن الدين واستغشوا ثياب المهالك
يطوفون حول الظالمين كأنما ... يطوفون حول البيت وقت المناسك
قدم ابن المبارك «1» بغداد، فأتاه الرشيد للزيارة فقعد على الباب، فلم يفتح له الباب، وقال: أنا عنه في غنى. فقام الرشيد وانصرف. وبعث يحيى للاستئذان لزيارته، فقال ليحيى: أما تستحيي؟ مثلك يكون رسول مثله، ولم يؤذن له.
قيل في ابن المبارك:
إذا سرت عبد الله من مرو ليلة ... فقد سار عنها نورها وجمالها
إذا ذكر الأخيار في كلّ بلدة ... فهم أنجم فيها وأنت هلالها
وكان الثوري يقول: أشتهي أن أكون مثل ابن المبارك سنة، والله ما أقدر ولا ثلاثة أيام. سهل بن عبد الله التستري «2» رحمه الله تعالى: اجتنب صحبة ثلاثة من أصناف الناس: الجبابرة الغافلين، والقرّاء المداهنين، والمتصوّفة الجاهلين. محمد بن واسع «3» : والله لسفّ التراب «4» ولقم القصب خير من الدنوّ من أبواب السلاطين. سعد بن حميد: عمل السلطان كالحمّام، من فيه يريد الخروج منه، ومن هو خارج يريد الدخول. الفاخريّ: أعطانا الملوك الآخرة طائعين، وأعطيناهم الدنيا كارهين.
(1/62)

قال كسرى لشيرين: ما أحسن هذا الملك لو دام، فقالت: لو دام ما انتقل إلينا. عزل عمار بن ياسر عن الكوفة فقال: وجدتها حلوة الرّضاع مرّة الفطام.
فيلسوف: الملك الأعظم أن يملك الإنسان شهوته. قال الأوّلون: ليس في الأرض عمل أكدّ لأهله من سياسة العوامّ. قدّم حمزة العدويّ السارق إلى معاوية، فأمر بقطع يده، فقال:
يدي يا أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك من عار عليها يشينها
ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها ... إذا ما شمال فارقتها يمينها
فأبطل عنه الحدّ، فهو أوّل حدّ أبطل في الإسلام. كان عمر رضي الله عنه إذا نظر إلى معاوية قال: هذا كسرى العرب. أردشير: إذا رغب الملك عن العدل رغب الرعية عن الطاعة. وعنه: لا سلطان إلا برجال، ولا رجال إلّا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل وحسن سياسة. قيل: الرياسة لا تتمّ إلّا بحسن السياسة. قيل: السياسة أساس الرّياسة. قيل: من حسنت سياسته دامت رياسته. يقال: خير الملوك من أحسن في فعله ونيته، وعدل في جنده ورعيّته. ابن المبارك:
لولا الخلافة ما قامت لنا سبل ... وكان أضعفنا نهبا لأقوانا
قيل: السيف والسنان يفعلان ما لا يفعل بالبرهان. عمر رضي الله عنه: ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن. إدريس عليه السّلام: من سكن موضعا ليس فيه سلطان قاهر، وقاض عادل، وطبيب عالم، وسوق قائمة، ونهر جار، فقد ضيّع نفسه وأهله وماله وولده.
ولم يكن بعد أردشير أعدل من أنوشروان، وهو الذي ولد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
(1/63)

لسبع سنين خلت من ملكه، وقال: «ولدت في زمن الملك العادل» . وسائر الأكاسرة كانوا ظلمة يستعبدون الأحرار. قيل: لما مات أنوشروان كان يطاف بتابوته في جميع مملكته وينادي مناد: من له علينا حقّ فليأت. فلم يوجد أحد له عليه درهم في ولايته. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة» .
وعنه صلّى الله عليه وسلّم: «العدل عزّ الدين، وقوة السلطان، وفيه صلاح الخاصّة والعامّة» .
لا تظلمنّ إذا ما كنت مقتدرا ... فالظّلم آخره يأتيك بالنّدم
تنام عيناك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم «1»
الحكماء: عدل السلطان أنفع من خصب الزمان. قيل: لا يكون العمران إلا حيث يعدل السلطان. وقيل: العدل تعمّ عوائده، والندى تخصّ فوائده. بعض الحكماء: لا سائس مثل العقل، ولا سيف مثل الحق، ولا عون مثل الصدق.
الماجشون «2» : عرج بروحي، فصعد بي الملك حتى أتى إلى السماء الدنيا فاستفتح ففتح له حتى انتهى إلى السابعة، فقيل له: من معك؟ قال:
الماجشون. فقيل: لم يأن له بعد، بقي من عمره كذا. ثم هبط بي فرأيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعمر بن عبد العزيز بين يديه، فقلت للملك: إنه لقريب المقعد من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: إنه عمل بالحقّ في زمن الجور، وإنّهما عملا بالحقّ في زمن الحقّ. قيل: من طالت غفلته زالت دولته. وقيل: زوال الدّول باصطناع السّفّل «3» . قيل: ترك المعاتبة للسّفلة على صغائر الجرائم مدعاة لهم إلى الكبائر العظائم.
(1/64)

لمّا حصر عثمان رضي الله عنه، قال لبعض جلسائه: وددت أن رجلا صدقا «1» أخبرني عني وعنهم. فقام فتى من الأنصار وقال: يا أمير المؤمنين إنك تطأطأت لهم فركبوك، وتغافلت فسلبوك، وما جرّأهم على ظلمك إلّا إفراط حلمك، قال: صدقت، اجلس. ثم قال: ما يشبّ نيران الفتن؟ قال: سألت عن ذلك شيخا من تنوخ كان باقعة البقّاع «2» ، فقال: يشبّها أمران: أحدهما أثرة تضغن الخاصة والثاني حلم يجرّىء العامّة. قال: فما يخمدها؟ قال: يقول الشيخ: يخمد الفتن في ابتدائها استقالة العثرة، وتعميم الخاصّة بالأثرة، فإذا استحكمت أخمدها الأزم «3» . قال عثمان: فهو ذاك حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين.
سأل يزدجرد حكيما: ما صلاح الملك؟ قال: الرفق بالرعية، وأخذ الحق منها بغير عنف، والتودّد إليها بالعدل، وأمن السّبل، وإنصاف المظلوم. قال:
ما يثير الفتنة؟ قال: ضغائن تحقدها جراءة عامّة ويولّدها استخفاف خاصّة، ويؤكّدها انبساط الألسن بضمائر القلوب، وإشفاق موسر وأمن معسر وعطلة ملتذّ ويقظة محروم. قال: فما يسكنها؟ قال: أخذ العدّة لما يخاف وإيثار الجدّ حين يلتذّ الهزل، والعمل بالحزم، والادّراع للصبر، والرضا بالقضاء.
يقال: قد تعامل الرعية المتشمّرة للفساد بالرفق فتترك أحقادها وتذلّ مقادها، وقد تعامل بالخوف فتكاشف بما غيّبت، وتقدم على ما تهيبت حتى يعود وفاقها
(1/65)

شقاقا، وقطرها سيلا بعّاقا «1» ، ثم إن غلبت فهو الدّمار، وإن غلبت لا يحصل بغلبتها افتخار، ولم يدرك بقهرها ثار. قيل: العدل معمار الأرض. المهديّ:
كان كثير العزل والولاية خشية من استيلاء الولاة على الرعية. دخل عليه رجل ومعه نعل فقال: هذه نعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فقبّلها ووضعها على عينيه وأمر له بعشرة آلاف درهم، فلمّا انصرف قال: والله لم ير هذه النعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولكن لو رددته يقول للناس: أعطيته نعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فردّها، فيصدّقه أكثر الناس، لأنّ العامة شأنهم نصر الضعيف على القويّ. وكان إذا جلس للمظالم يقول: أدخلوا عليّ العلماء والقضاة لأردّ المظالم حياء منهم.
هاجت ريح شديدة في زمانه فدخل بيتا وألزق خدّه بالتراب وقال: اللهم إن كنت أنا المطلوب فها أنا بين يديك، اللهم لا تشمت بي الأعداء من أهل الأديان. ولم يزل حتى انجلت. كان يصلي بالناس الصلوات الخمس في جامع البصرة، فأقيمت الصلاة يوما، فقال أعرابيّ: يا أمير المؤمنين لست على طهر، وقد رغبت في الصلاة خلفك. فوقف في المحراب قائما حتى توضأ الأعرابيّ وجاء فكبّر وصلّى، وعجب الناس من خلقه. قيل: العدل حصن وثيق، في رأس جبل أنيق، لا يحطمه سيل، ولا يهدمه منجنيق. قيل: الملك العادل مكنوف بعون الله، ومحروس بعين الله.
سهل بن عبد الله «2» : من أنكر إمامة السلطان فهو زنديق، ومن دعاه السلطان فلم يجب فهو مبتدع، ومن أتاه من غير دعوة فهو جاهل. وعنه: هذه الأمّة ثلاث وسبعون فرقة اثنتان وسبعون هالكة، كلهم يبغضون السلطان، والناجية هذه
(1/66)

الواحدة التي مع السلطان. وسئل: أيّ الناس خير؟ فقال: السلطان. فقالوا:
نراه شرّ الناس. فقال: إنّ لله تعالى في كلّ يوم نظرتين: نظرة إلى سلامة أموال المسلمين، ونظرة إلى سلامة أبكارهم، فيطّلع في صحيفته فيغفر له جميع ذنوبه. وقال: الخليفة إذا كان غير صالح فهو من الأبدال وإذا كان صالحا فهو القطب «1» الذي تدور عليه الدنيا.
يقال: إمام غشوم خير من فتنة تدوم. قال بليغ: رأيت صورة قمريّة في سيرة عمريّة. آخر: رأيت بفلان نور القمرين، وعدل العمرين. وأوّل خطبة خطبها عمر رضي الله عنه: أيها الناس، إنه والله ما منكم أحد هو أقوى عندي من الضعيف، حتى آخذ الحقّ له، ولا أصغر عندي من القويّ حتى آخذ الحق منه. ثم نزل.
قال رجل لسليمان بن عبد الملك، وهو جالس للمظالم: ألم تسمع قول الله تعالى: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
«2» قال: فما خطبك؟ قال:
وكيلك اغتصب ضيعتي وضمّها إلى ضيعتك الفلانية. قال: فضيعتي ملك لك، وضيعتك مردودة إليك. وكتب إلى الوكيل بذلك وبصرفه عن عمله. عتب المنصور أمراءه «3» ، قال: كان لآل مروان غلام اسمه الحجاج، قد أتمّ أمر العراق، وفي دولتي أمراء لا يقدرون على طرف واحد. فقيل له: إنّ عبد الملك سلّم الأمر إلى ذلك الغلام، يفعل ما يريده، ولا يقدر أحد من أمرائك أن يأخذ
(1/67)

درهما خوفا منك. قال: صدقت، وأنا لا أقدر أن أبيع ديني بدنياي. خرج الرشيد إلى بعض الرّساتيق «1» فتظلّمت إليه امرأة من جنده، فقال: ألا تقرئين كتاب الله: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها
«2» فقالت: يا أمير المؤمنين أما قرأت: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا
«3» . قال: صدقت. وأمر بإخراج العسكر من تلك الناحية.
قيل: كان توقيع المأمون هذه الكلمات: المظلوم موقوف على النّصرة وإن عقمت محنته، والظالم على مدرجة العقوبة وإن طالت مدّته، ولكلّ مدّة غاية، ولكلّ محنة نهاية، وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ
»
. وجد في جيب يحيى بن خالد بعد موته في الحبس رقعة فيها: قد تقدّم المدّعي، والخصم في الأثر، والحاكم لا يحتاج إلى بيّنة. فلما وقف عليها الرشيد بكى وقال: والله صدق. تظلّم أهل الكوفة إلى المأمون من واليهم فقال: ما علمت في عمّالي أعدل منه وأقوم بأمر الرعية. فقال رجل منهم: يا أمير المؤمنين، فعلى أمير المؤمنين أن يولّيه بلدا بلدا حتى يلحق كلّ بلد من عدله مثل الذي لحقنا، وإذا فعل ذلك لم يصبنا منه أكثر من ثلاث سنين. فضحك وعزله.
قال ابن المبارك: هلك أبو جعفر وما عدل، وقد أعدّ بيتا للأموال التي أخذها من العمّال مصادرة وجعلها فيه، وكتب عليها أسامي أصحابها. فلما عزم على الحج قال لابنه المهديّ: إذا متّ فاردد على العمال أموالهم. ففعل، فأحبّه الناس. وفي رواية، قال: يا محمد قد هيّأت لك أمرا ترضى به الناس،
(1/68)

وتحسن بها سيرتك ولا تغرم من مالك شيئا. أعطى المنصور، مع اشتهاره بالبخل، في يوم واحد عشرة آلاف ألف درهم. قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم: بم النجاة من هذا الأمر؟ قال: بشيء هيّن. قال: وما هو؟ قال: لا تأخذ شيئا إلا من حقه ولا تضعه إلا في حقه. قال: ومن يطيق هذا؟ قال: من طلب الجنة وهرب من النار.
عبد الله بن طاهر سأل بعض الزهاد: كم تبقى هذه الدولة فينا؟ قال: ما دام بساط العدل في هذا الإيوان إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
«1» .
سئل عمر بن عبد العزيز عن سبب توبته، فقال: ضربت غلاما لي، فقال: اذكر تلك الليلة التي صبيحتها يوم القيامة. فعمل ذلك الكلام في قلبي. وقف سليمان ابن عبد الملك بعرفات إذ حجّ ومعه عمر بن عبد العزيز فرعدت رعدة شديدة من رعد تهامة، فغشي على سليمان، فقال عمر: يا أمير المؤمنين هذا صوت الرحمة، فكيف بك عند صوت العذاب؟ فوجم سليمان، ثم قال: يا عمر ألا ترى إلى كثرة الناس؟ فقال: إنهم بعض خصمائك. فاشتدّ بكاء سليمان. وقال له يوما وقد أعجبه ملكه: كيف ترى ما نحن فيه؟ فقال: سرور لولا أنه غرور، ونعيم لولا أنه عديم، وملك لولا أنه هلك، وفرح لو لم يعقبه ترح، ولذّات لو لم تقترن بآفات، وكرامة لو صحبتها سلامة. فبكى سليمان حتى اخضلّت لحيته بدموعه.
عليّ رضي الله عنه: العفو زكاة الظفر. أمر زياد بضرب عنق رجل، فقال:
أيّها الأمير، إن لي بك خدمة. قال: وما هي؟ قال: إن أبي جارك بالبصرة.
(1/69)

قال: ومن أبوك؟ قال: نسيت اسمي فكيف اسم أبي؟ فردّ زياد كمّه إلى فيه وعفا عنه. عاتب محمد بن زبيدة «1» أبا نواس فقال: يا أمير المؤمنين تمام العفو أن لا يذكر الذنب. النعمان بن المنذر:
تعفو الملوك عن العظي ... م من الذنوب لفضلهم
ولقد تعاقب في اليس ... ير وليس ذلك لجهلهم
بل ليخاف شدّة نكالهم. إبراهيم بن المهديّ كان مختفيا فأتي به إلى ابن أخيه المأمون، فدخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين ذنبي أكبر من أن يحيط به عذر، وعفوك أعظم من أن يتعاظمه ذنب. غلام أبي تمّام يخاطب مولاه:
إذا عاتبتني في كلّ ذنب ... فما فضل الكريم على اللئيم؟
آخر:
تبسّطنا على الآثام لمّا ... رأينا العفو من أثر الذنوب
آخر:
أنا المذنب الخطّاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو
أبو جعفر البستي:
اقبل معاذير من يأتيك معتذرا ... إن برّ عندك فيما قال أو فجرا
فقد أطاعك من يرضيك ظاهره ... وقد أجلّك من يعصيك مستترا «2»
محمد بن سيرين «3» : إذا بلغك عن أخيك ما يسوء فاطلب له عذرا، فإن لم
(1/70)

تجد فقل: لعل له عذرا. قيل لرجل: ما ظنّك بأخيك؟ قال: ظنّي بنفسي.
ومن يك ذا فم مرّ مريض ... يجد مرّا به الماء الزّلالا «1»
آخر:
ولا تتركنّ العفو عن كلّ زلّة ... فما العفو مذموم وإن عظم الجرم
غيره:
تحمّل زلّة الإخوان عنهم ... إذا زلّوا وأنت بهم رفيق
ومن يبغي الصديق بغير عيب ... سيبقى الدهر ليس له صديق «2»
صبّ على الحسن بن عليّ رضي الله عنهما بعض غلمانه الماء، فأصاب ثيابه شيء منه، فخاف الغلام وقال: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
قال: كظمت. فقال الغلام: وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ
قال: عفوت. فقال: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
«3» . قال: أعتقتك ووهبت لك أربعمائة دينار. المأمون كان غاية في العفو، ولذلك قال: لو علم الناس حبّي للعفو لتقرّبوا إليّ بالجرائم. وقال:
والله إني قد استلذذت العفو استلذاذا أظنّ أن الله لا يأجرني عليه. قيل: الحليم من يغفر الذنب العظيم. قيل: شفيع المذنب إقراره، وتوبته اعترافه. يقال:
تعامي المذنب عن ذنبه ذنب آخر.
(1/71)

أذنب رجل من قوّاد المهديّ، وكان قد عتب عليه غير مرّة، فقال له: إلى متى تذنب؟ قال: ما أبقاك الله لنا، منّا الذنب ومنك العفو. فاستحيا منه ورضي عنه. عليّ رضي الله عنه: إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه. وقال رضي الله عنه: أعظم الذنوب ما استخفّ به صاحبه. جحود الذنب ذنبان. بعض الأكابر: عرفت ما اعترفت من تقصيرك، فوجدت الاعتراف أوكد معاذيرك. اعتذر رجل إلى يحيى بن خالد فأساء «1» ، فقال يحيى: ذنبك يستغيث من عذرك. اعتذر رجل إلى ابن أبي خالد فأساء، فقال لأبي عبّاد: ما تقول فيه؟ قال: يوهب له جرمه، ويضرب لعذره أربعمائة «2» . مسّ عبد ساق مولاه حين صعوده على المرقاة فقال: ما تفعل يا غلام؟ فقال: يا مولاي اعذرني فإني زعمتك سيّدتي. قيل لبعض الحكماء: ما المروءة؟ قال: باب مفتوح، وطعام مبذول، وإزار مشدود.
الحسن البصري: من مروءة الرجل صدق لسانه، واحتمال عثرات إخوانه، وبذل المعروف لأهل زمانه، وكفّ الأذى عن أباعده وجيرانه. قيل: الكريم حمول، واللئيم محمول. عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنا أعلم متى تهلك العرب. فقيل: متى تهلك؟ قال: إذا ساسهم من ليس له تقى الإسلام ولا كرم الجاهلية قال الراوي: صدق عمر فما دام سائسهم من له تقى الإسلام، مثل الخلفاء الأربعة، أو من له كرم الجاهلية مثل معاوية لم يهلكوا. فلمّا ساسهم يزيد الذي ليس له تقى الإسلام ولا كرم الجاهلية هلكوا. يقال: ثلاثة «3» تجرّ
(1/72)

الهلك إلى الملك: أن يتأمّر على عقل الملك الشهوات واللذات، وتحاسد الوزراء المقتضي لتخالف الآراء، ونكول الجنود عن الجلاد، وترك المناصحة في الجهاد.
وهم صنفان: صنف وسّع عليهم الملك فأبطرهم الإتراف، وضنّوا بنفوسهم عن التعرّض للإتلاف، وصنف قدّر عليهم الأرزاق، فكتموا الأحقاد ولزموا النفاق.
قيل: خير الملوك من تمكّن في قلوب رعيّته محبّته، كما تقرّر هيبته بخمسة: إكرام شريفها، ورحمة ضعيفها، وإغاثة لهيفها «1» ، وكفّ عدوان عاديها، وتأمين سبل رائحها وغاديها، فمن عدم شيئا منها فقد أحقد الرعية بقدر فقدها. يقال: العاقل لا يكون تحت سلطنة ملك اجتمع فيه خصلتان: الانهماك في اللذات، وإضاعة الفرص. يقال: تميّز الملوك عن الرعية بتميّز اللذات، لا بفضيلة الآلات، وهي خمسة: رحمة تشمل الرعية، ويقظة تحفظهم، وصولة تذبّ عنهم «2» ولبابة يكيد بها الأعداء، وحزامة «3» ينتهز بها الفرص. يقال:
الحزم التزام مؤاخاة العدوّ، ما دامت له ريح هابّة ودولة مقبلة، والعجز إضاعة الفرصة فيه، إذا ركدت ريحه وأدبرت دولته.
يقال: الملك كالسّوق، يجلب إليها ما يروج فيها، فإذا خلا بأهل الجدّ نبّهوه بالنصائح على اعتماد المصالح، والإعداد للخطوب في المهل الفسائح «4» فأتعبوه، وإذا خلا بأهل الهزل اعتمدوه بالفكاهات وحسّنوا له انتهاز فرص الشهوات فأطربوه، فحمله ذلك على أن يجهم «5» أهل الجدّ فاجتنبوه،
(1/73)

ويهشّ إلى أهل الهزل فجلبوه. في المثل السائر: أمر مبكياتك، لا أمر مضحكاتك «1» . يقال: قبيح على اللبيب أن يعجبه مدح المادحين، أو يضغنه قدح القادحين، قبل أن يتفقد أعماله، فيعلم ما عليه وماله، وكان من الذين خسروا خسرانا مبينا، وفضّل عليه الناقصات عقلا ودينا. يقال: النصيحة بشعة المبادي، وحلوة العواقب، فهي كالأدوية يسوء استعمالها، ويسرّ مآلها، ويذمّ عبّها، ويحمد غبّها. يقال: يسعد النّصحاء بالملك إذا كان مؤيدا بفضيلة العقل، متنزّها عن رذيلة الهزل، فإن لم يكن كذلك يشقى به النّصحاء، ويسعد به المداهنون.
دخل أبو عمرو على بعض الأمراء فسأله عن شيء فصدقه، فلم يستحسن ذلك الأمير، فغضب أبو عمرو وخرج وهو يقول:
أنفت من الذّلّ عند الملوك ... وإن أكرموني وإن قرّبوا
إذا ما صدقتهم خفتهم ... ويرضون منّي بأن يكذبوا
يقال: أولى النّصحاء بالقبول من سعادتك سعادة له، فسعيه لك سعي له.
يقال: الأمين من الوزراء من يصحب الملوك بالصدق في المناصحة، والخائن من يصحبهم بالمداراة والمداهنة. عليّ رضي الله عنه: إنما أمهل فرعون في دعواه لسهولة إذنه «2» وبذل طعامه. عن سعيد بن المسيّب: نعم الرجل عمر بن عبد العزيز لولا حجابه. قيل: إنّ داود عليه السّلام ابتلي بالخطيئة لحجابه. قال بعض الشعراء:
(1/74)

ليس الحجاب بآلة الأشراف ... إنّ الحجاب مجانب الإنصاف
ولقلّ من يأتي فيحجب مرّة ... فيعود ثانية بقلب صافي
أبو العتاهية:
متى ينجح الغادي إليك بحاجة ... ونصفك محجوب ونصفك نائم «1» ؟
أبو تمام:
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إنّ السماء ترجّى حين تحتجب «2»
ابن نباتة السعدي مدحا:
ولو كان الحجاب بغير نفع ... لما احتاج الفؤاد إلى الحجاب «3»
أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السّلام: لا تقتل السامريّ «4» فإنه سخيّ.
جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما: ما أنعم الله على عبد نعمة فلم يحتمل مؤنة الناس إلّا عرّض تلك النعمة للزوال. يقال: من احتفل في غلوّه استفل «5» من علوّه. بهرام بن هرمز: المروءة اسم جامع للمحاسن كلّها. يقال: جمع المروءة في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
«6» الآية.
(1/75)

الشافعي رحمه الله تعالى قال لابنه: والله لو علمت أنّ الماء البارد يثلم في مروءتي ما شربت إلّا حارّا حتى أفارق الدنيا. قيل: الفتوّة إظهار النعمة، وإخفاء المحنة. وقيل: كفّ الأذى وبذل النّدى، وترك الشّكوى. قيل لأنوشروان: ما الجود الذي يسع الناس كلّهم؟ قال: إرادة الخير لجميعهم، وبسط الوجه لهم.
يحيى البرمكيّ: أعط من الدنيا وهي مقبلة، فإنّ ذلك لا ينقص شيئا منها، وأعط منها وهي مدبرة فإنّ منعك لا يبقي عليك منها شيئا. قال أنس رضي الله عنه: كنت عند الحسن بن عليّ رضي الله عنهما فدخلت عليه جارية بيدها طاقة ريحان، فحيّته بها فقال لها: أنت حرّة لوجه الله تعالى. فقلت له: حيّتك جارية بطاقة ريحان لا قيمة لها فأعتقتها. قال: كذا أدّبنا الله تعالى فقال: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها
«1» وكان أحسن منها إعتاقها.
أمر المأمون الحسن بن عيسى كاتب وزيره عمرو بن مسعدة أن يكتب كتابا، فالتفت الحسن إلى الوزير ينتظر الإذن منه، ففهمه عنه المأمون فقال: يعطى الحسن مائة ألف لانتظاره أمر صاحبه. عليّ رضي الله عنه: كن سمحا ولا تكن مبذّرا، وكن مقدّرا ولا تكن مقتّرا. سقراط: أفضل السّيرة طيب الكسب وتقدير الإنفاق. عليّ رضي الله عنه: لا تستحي من العطاء القليل فإن الحرمان أقلّ منه. قيل للأحنف: ما الإنسانية؟ قال: التواضع عند رفعة، والعفو عند قدرة، والعطاء بغير منّة. بعض السّلف: الأيدي ثلاث: يد بيضاء وهي المبتدئة بالمعروف، ويد خضراء وهي المكافئة، ويد سوداء وهي المانّة. عليّ رضي الله عنه: السخاء ما كان ابتداء، فأمّا ما كان عن مسألة فحياء. قال ابن
(1/76)

عباس رضي الله عنهما لابن أخيه: أفضل العطيّة ما أعطيت الرجل قبل المسألة، فإذا سألك فإنما تعطيه ثمن وجهه حين بذله لك. وأنشد في هذا المعنى:
ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... عوضا وإن نال الغنى بسؤال
فإذا السؤال مع النوال وزنته ... رجح السؤال وخفّ كلّ نوال
وقال آخر:
ما ماء كفّك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي إذا أفنيته عوضا
وقال آخر:
بئس المطاعم حين الذلّ يكسبها ... القدر منتصب والقدر مخفوض
يقال: أجلّ النوال ما وصل قبل السؤال. قيل: أولى الناس بالنوال أزهدهم في السؤال. قال المبرّد «1» : كان في خلق حسن بن رجاء «2» شراسة، وفي كفّه ضيق. فكتب إليه [بعض] الناس: أعزّ الله الأمير، رجلان حرّ وعبد، فثمن الحرّ الإكرام، وثمن العبد الإنعام. فأصلحه هذا القول أياما ثم رجع إلى طبعه.
قيل: أفضل الفعال صيانة العرض بالمال. عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه:
سأمنح مالي كلّ من جاء طالبا ... وأجعله وقفا على القرض والفرض
فإمّا كريم صنت بالمال عرضه ... وإمّا لئيم صنت عن لؤمه عرضي «3»
(1/77)

أبو الطيب:
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محبّ أو إساءة مجرم «1»
قيل: من ليس له إحسان ليس له إخوان. عليّ رضي الله عنه قال: يسود المرء قومه بالإحسان إليهم. بعض الحكماء: من جاد ساد، ومن ساد قاد، ومن قاد ملك العباد. أبو نواس في الخصيب:
فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أنّ الدائرات تدور
فما جازه جود ولا حلّ دونه ... ولكن يسير الجود حيث يسير «2»
قيل: خير المال ما وقي به العرض. سئل الإسكندر عن أفضل ما سرّه من ملكه، فقال: اقتداري على أن أكثر الإحسان إلى من سبقت منه حسنة إليّ.
وقيل له: لم لا تكنز الأموال كما كانت تفعل الملوك؟ فقال: كنوزي هم أصحابي، أكنز الأموال فيهم لا في البيوت. قيل: من حفظ ماله ضيّع رجاله.
عليّ كرّم الله وجهه: أحسن الكنوز محبة القلوب. أفلاطون: من لم يواس الإخوان عند دولته، خذلوه عند فاقته. يقال: المواساة أفضل الأعمال، والمداراة أجمل الخصال. قيل: من بسط يده بالإنعام صارت نعمته على الدوام. يقال: من جاور الكرام أمن من الإعدام «3» . قيل: من قرب برّه بعد ذكره. البستيّ:
إذا ملك لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذاهبه»
(1/78)

آخر:
حسن الفعال من الصلصال مقصود «1» ... والمرء بالفعل مذموم ومحمود
فإنّما يرفع الإنسان أربعة: ... العلم والحلم والإحسان والجود
يقال: من هان عليه المال توجّهت إليه الآمال. من رقي في درجات الهمم عظم في عيون الأمم. من كبرت همّته كثرت قيمته. قيل: من تمام الكرم إتمام النعم. في الحكمة: ثواب الجود خلف ومحبّة ومكافأة، وجزاء البخل حرمان وإتلاف ومذلّة. عمر بن عبد العزيز: لو تحالفت الأمم وجئنا بالحجّاج لغلبناهم، ما كان يصلح للدنيا ولا للآخرة، لقد ولي العراق وهو أوفى العمارة، فأخسّ بها «2» حتى صيّر خراجها أربعين ألف ألف، وقد أدّى عاملي ثمانين ألف ألف، وإن بقيت إلى قابل رجوت خراج عمر بن الخطاب رضي الله عنه مائة ألف ألف.
قيل: من بذل فلسه صان نفسه. دخل رجل عليه ثياب رثة يوما على الإسكندر، فتكلّم بفصاحة فقال الإسكندر: ليكن حسن ثيابك كحسن كلامك، فقال: أنا قادر على الكلام وأمّا الثياب فأنت تقدر عليها. فخلع عليه وأكرمه.
عن بعض الأسخياء أنّ محتاجا سأله فقال: من أنت؟ فقال: الذي أحسنت إليّ وقت كذا. فقال: مرحبا بمن توسّل بنا علينا. قيل: أحقّ الناس بحلّتك أصدقهم في خلّتك «3» . كان لملك وزير كاف لأمور السياسة، فهرب منه، فكتب الملك إليه بخطّه، ووعده من الملك والملك. فأجاب: أمّا بعد فإني
(1/79)

كنت حرّ الأصل فاستعبدني برّك، وردّني إلى الحرّية جفاؤك، فلست بعائد إلى الرّقّ، والسلام.
قيل: الإنسان عبد الإحسان. يقال: إذا كانت القلوب مجبولة على مقة المحسن «1» ، وكانت المحبة رقّا، والأحرار يكرهون الاسترقاق، فالحرّ في الحقيقة من فدى قلبه من رقّ محبّة المحسنين، بمكافأتهم على إحسانهم جهده.
وما مال من أعطى الكرام بناقص ... ولكنه عند الكرام ودائع
بعض الحكماء: العجب ممن يشتري العبيد بماله، كيف لا يشتري الأحرار بفعاله. الشافعي رحمه الله تعالى:
وأحسن إلى الأحرار تملك رقابهم ... وخير تجارات الكرام اكتسابها «2»
البستيّ رحمه الله تعالى:
من جاد بالمال مال الناس قاطبة ... إليه، والمال للإنسان فتّان
من كان للخير منّاعا فليس له ... على الحقيقة إخوان وخلّان «3»
المتنبي:
ما كنت أعتقد المكارم والعلا ... والعلم والإفضال والإحسانا
قد حازهنّ من البريّة واحد ... حتى رأيت بعيني البرهانا «4»
قيل: من زرع خيرا حصد أجرا. إسكندر: استقلل كثير ما تعطي، واستكثر
(1/80)

قليل ما تأخذ، فإنّ قرّة عين الكريم فيما يعطي، ومسرّة قلب اللئيم فيما يأخذ.
بعض الكرام:
لا يألف الدّرهم المضروب صرّتنا ... لكن يمرّ عليها وهو منطلق
إنا إذا اجتمعت يوما دراهمنا ... ظلّت إلى طرق المعروف تستبق «1»
بعضهم:
ملأت يدي من الدنيا مرارا ... فما طمع العواذل في اقتصادي «2»
ولا وجبت عليّ زكاة مال ... وهل تجب الزكاة على جواد
قيل:
كفى حزنا أنّ الجواد مقتّر ... عليه، ولا معروف عند بخيل
يقال: الجود والشجاعة ينبوعان من عين واحدة، وهي قوّة النفس وبعد الهمّة. وكانوا يقولون: لا يكون الشجاع إلّا جوادا حتى نقض ذلك عبد الله بن الزبير فإنه كان شجاعا وكان يبخل.
أبو تمام:
أيقنت أنّ من السماح شجاعة ... وعلمت أنّ من الشجاعة جودا «3»
كعب بن زهير: لما بلغ في مدحه صلّى الله عليه وسلّم إلى قوله:
(1/81)

نبّئت أنّ رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول «1»
ألقى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بردته عليه. قيل لبزرجمهر: أيّ شيء نلته وأنت به أشدّ سرورا؟ فقال: ما يأتي على مكافأة من أحسن إليّ. عليّ رضي الله عنه: عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردد شرّه بالإنعام عليه. وعنه رضي الله عنه: ازجر المسيء بثواب المحسن. قيل: الحرّ لا تذهله إساءة من كان أحسن إليه عن شكر إحسانه السالف عنده. عليّ رضي الله عنه: ليس شيء بشرّ من الشرّ إلّا عقابه، وليس شيء بخير من الخير إلّا ثوابه. النبي صلّى الله عليه وسلّم: «تواضع للمحسن إليك وإن كان عبدا حبشيا، وانتصف ممن أساء إليك وإن كان حرّا قرشيا» .
الجاحظ: من قابل الإساءة بالإحسان فقد خالف الله في تدبيره. ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا تجب من لا يسألك، ولا تسأل من لا يجيبك.
عليّ رضي الله عنه: «بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جيشا وأمّر عليهم رجلا وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا. فأجّج نارا وأمرهم أن يقتحموا فيها، فأبى قوم أن يدخلوها وقالوا: إنما فررنا من النار. وأراد قوم أن يدخلوها فبلغ ذلك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: لو دخلوها لم يزالوا فيها. وقال: لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف» . وقال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» . عليّ كرّم الله وجهه: جعل الطاعة غنيمة الأكياس عند تفريط الفجرة «2» . وعنه رضي الله عنه:
إياكم والفرقة فإن الشاذّ من الناس للشيطان، كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب، ألا من عاد إلى هذا الشعار فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي. يريد شعار الخوارج.
الحجّاج: والله لطاعتي أوجب من طاعة الله تعالى، لأن الله تعالى يقول:
(1/82)

فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
«1» فجعل فيها استثناء، وقال في حقّنا: وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا
«2» فلم يجعل فيها استثناء. فلو قلت لرجل: ادخل من هذا الباب، فلم يدخل حلّ لي دمه. وقيل له: أنت حسود. قال: أحسد مني من قال:
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
«3» . قال عبد الملك له: كيف طاعتك؟ قال: كطاعة الحمار الحمول العمول، إن حمل عليه اثنان قال: هو ذاك، وإن حمل عليه ثلاثة قال: هو ذاك، وإن أقضم رضي، وإن لم يقضم عمل العمل.
أمر رجل رجلا، فقال: أنا أطوع لك من الرداء، وأذلّ لك من الحذاء.
ولو أنه قال مت حسرة ... لسارعت طوعا إلى أمره
يقال: المهذّب مطواع. بعض الخلفاء «4» : دلّوني على رجل إذا كان في قوم وهو منهم فكأنّه أميرهم، وإذا كان أمير القوم فكأنه رجل منهم. قالوا: هو ربيع ابن زياد «5» . قال: صدقتم. أبرويز «6» : أطع من فوقك يطعك من دونك. وكان يقول: إذا أردت أن تفتضح فمر من لا يمتثل بأمرك. إسفنديار «7» : إذا أردت أن تطاع فسل ما يستطاع. وعنه: إنّ المولى إذا كلّف عبده ما لا يطيقه فقد أقام عذره في مخالفته. سئل أنو شروان: من أسوأ الناس حالا؟ فقال: عالم يجري
(1/83)

عليه حكم الجاهل. قيل: إذا ساد اللئام باد الكرام. وقيل: إذا ارتفع الوضيع اتّضع الرفيع. دولة الأشرار محنة الأخيار. إذا ملك الأراذل هلك الأفاضل. إذا ساد السّفل خاب الأمل. من أجلّ الغنائم دولة الأكارم.
أمرّ من طعم كلّ مرّ ... خضوع حرّ لغير حرّ
آخر:
لا بدّ للمرء من سجود ... في زمن السّوء للقرود
ابن نباتة رحمه الله تعالى:
سجدنا للقرود رجاء دنيا ... حوتها دوننا أيدي القرود
فما بلّت أناملنا بشيء ... وما نلنا سوى ذلّ السجود «1»
صاحب كليلة «2» : لا يردّ بأس العدوّ القويّ بمثل الخضوع، كما أن الحشيش يسلم من العاصف «3» بلينه لها وانثنائه معها. قال عمر بن عبد العزيز لمؤدّبه:
كيف كانت طاعتي لك؟ قال: أحسن طاعة. قال: فأطعني كما كنت أطيعك، خذ من شاربك حتى تبدو شفتاك، ومن ثوبك حتى يبدو عقباك. فضيل: من أطاع المخلوق فقد آثره عليه تعالى، ما أبالي فعلت ذلك أو صلّيت لغير القبلة.
إبراهيم بن أدهم: لأن أدخل النار وقد أطعت الله أحبّ إليّ من أن أدخل الجنة وقد عصيت الله. عليّ رضي الله عنه: من أراد الغنى بلا مال، والعزّ بلا عشيرة، والطاعة بلا سلطان، فليخرج من ذل معصية الله تعالى إلى عزّ طاعته، فإنه واجد ذلك كلّه. والله تعالى أعلم.
(1/84)

الروضة الرابعة في الجهاد والقتل والشهادة والحرب والصلح والأسلحة والغارة والهزيمة والشجاعة والجبن وما ناسب ذلك
أبو هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «تكفّل الله لمن جاهد في سبيله، لا يخرجه من بيته إلّا جهاد في سبيله أو تصديق كلمته، بأن يدخل الجنة أو يرجع إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة» . وعنه عليه الصلاة والسلام: «ثلاثة حقّ على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء «1» » . كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد رضي الله عنهما، حين أخرجه إلى أهل الرّدّة: اعلم أنّ عليك عيونا من الله ترعاك، فإذا لقيت العدوّ فاحرص على الموت توهب لك السلامة، ولا تغسل الشهداء من دمائهم فإنّ دم الشهيد يكون له نورا يوم القيامة. أوّل من عقدت له راية الإسلام للجهاد في سبيل الله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه.
حضّ منصور بن عمار «2» على الغزو، فطرحت امرأة رقعة قرىء منها:
رأيتك يابن عمار تحض على الجهاد وقد ألقيت ذؤابتي فلست أملك والله غيرها، فبالله اجعلها قيد فرس غاز في سبيل الله، فعسى الله أن يرحمني، فارتجّ المجلس بالبكاء. النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تتمنّوا لقاء العدوّ وسلوا الله العافية، فإذا
(1/85)

لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» . كان النبي صلّى الله عليه وسلّم أشجع الناس. عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «فضّلت على الناس بأربع:
بالسماحة، والشجاعة، وكثرة الجماع، وشدة البطش» . عن النبي صلّى الله عليه وسلّم:
«الحرب خدعة» . وقيل: إذا لم تغلب فاخلب «1» وقيل: حازم في الحرب خير من ألف فارس، لأن الفارس يقتل عشرة أو عشرين، والحازم قد يقتل جيشا بحزمه وتدبيره.
بعضهم: كن بحيلتك أوثق منك بشدّتك، وبحذرك أفرح منك بنجدتك.
قيل: المكر أبلغ من النجدة. علي بن أبي طالب رضي الله عنه لبعض بنيه: لا تدع أحدا إلى البراز، ولا يدعوك أحد إلا أجبته، فالداعي باغ، والباغي مصروع. قيل: من تفكّر في العواقب لم يشجع. قيل: تفكّر قبل أن تتقدم، فالإتيان بالتندّم لا يغني بعد التقدم. قيل: من خاصم بغير حجّة، وقاتل بغير نجدة، وصارع بغير قوة، فقد أعظم الخطر وأكثر الضرر. قيل: ترك التقدم أحسن من التندم. قيل لعبّاد بن الحصين «2» : إن جاءتك الخيل فأين نطلبك؟
قال: حيث تركتموني. قيل: لم تكن القتلى في عسكر إلا وأكثرهم من عبد القيس، ولا يكون الفتح إلا في ناحيتهم. قيل لبعض بني المهلب: بم نلتم ما نلتم؟ فقال: بصبر ساعة. قيل: إذا انقضت المدة لم تنفع العدّة. كان يقال لعمر رضي الله عنه «مفتاح الأمصار» لأنه الذي فتح أكثرها.
بعض العرب: ما لقينا كتيبة فيها علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه إلا أوصى
(1/86)

بعضنا إلى بعض. نظر إليه رجل وقد سبق العسكر فقال: قد علمت أن ملك الموت في الجانب الذي فيه علي رضي الله عنه. الأصمعي: سمعت أعرابيا يصف قوما فقال: ألحاظهم سهام، وألفاظهم سمام «1» ، اصطفوا كجناح العقاب الكاسر، وشدّوا شدّة الضّيغم الخادر «2» ، فما ثنوا أعنّتهم وما كفّوا أسنّتهم حتى هزموا القوم. أرقلوا «3» إلى الموت إرقال الجمل المغاضب، وانقضّوا على العدو انقضاض رجوم الكواكب. جعلوا أرشيتهم «4» الرماح فاستقوا بها الأرواح. قيل:
ما ظنكم بسيوف الله في أيدي أوليائه وقد نصرهم من سمائه، وسلطهم على أعدائه.
تميم الداري «5» رضي الله عنه: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: ليبلغنّ هذا الأمر ما بلغ الليل ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعزّ عزيز يعزّ الله به الإسلام وذلّ ذليل يذلّ الله به الكفر. أوصى الرشيد عبد الملك بن صالح أمير سريّته فقال: أنت تاجر الله لعباده، فكن كالمضارب الكيّس، إن وجد ربحا اتّجر وإلا احتفظ برأس المال، ولا تطلب الغنيمة حتى تحرز السلامة، وكن من احتيالك على عدوّك أشدّ خوفا من احتيال عدوّك عليك. قيل: احترس من تدبيرك على عدوّك كاحتراسك من تدبيره عليك، فربّ هالك بما دبّر ومكر وساقط في الذي احتفر، وجريح بالسلاح الذي شهر. قيل: دون نيل المعالي هول العوالي. قيل: درك الأحوال في ركوب الأهوال.
لقمان: من لم يركب الأهوال لم ينل الآمال. وعنه: العدة ليوم الشدة.
(1/87)

قيل: بالصبر على لبس الحديد يتنعّم بالثوب الجديد. في الصبر على النوائب إدراك الرغائب. ربّ قعدة تمنع قعدات وأكلة تمنع أكلات. قيل لعلي رضي الله عنه: بم غلبت الأقران «1» ؟ فقال: بتمكين هيبتي في قلوبهم. قيل للإسكندر:
إن في عسكر (دارا) «2» لمائة ألف مقاتل، فقال: إن القصاب الحاذق لا تهوله كثرة الأغنام. وصف رجل آخر فقال: كان ركونا للأهوال، غير ألوف للظلال.
البحتري:
مسترسلين إلى الحتوف كأنها ... وفر بأرض عدوّهم يتنهّب «3»
الطائي:
مسترسلين إلى الحتوف كأنما ... بين الحتوف وبينهم أرحام «4»
وصف أعرابيّ رجلا فقال: هو ابن الحرب، أرضع بلبنها، وربّي في حجرها. فيلسوف: لا تصغّر أمر من حاربت، فإنك إذا ظفرت لم تحمد، وإن عجزت لم تعذر. أشار على الإسكندر أصحابه أن يبيّت الفرس «5» فقال: ليس من الإنصاف أن يقاتل قومي عني وأنا أترك القتال عنهم.
بكر بن وائل: الحذر لا يغني من القدر. قيل: السلامة في الإقدام، والحمام في الإحجام. عظائم الترك قالوا: ينبغي للقائد في الحرب أن تكون فيه
(1/88)

أخلاق من البهائم: شجاعة الديك، وقلب الأسد، وحملة الخنزير، وروغان الثعلب، وصبر الكلب على الجراحة، وحراسة الكركيّ «1» ، وحذر الغراب، وغارة الذئب. كان لأهل مدينة قائد جيش جبان، وطبيب لم يعالج أحدا إلّا قتله. فظهر عليهم عدوّ فشاوروا الإسكندر فقال: اجعلوا طبيبكم صاحب جيشكم، وصاحب جيشكم طبيبكم. سئل أعرابيّ عن رجل فقال: هو يسرع الغارة، ويحمي الجارة. قصد الإسكندر موضعا فحاربته النساء فكفّ عنهنّ وقال: هذا جيش إن غلبناه ما لنا من فخر، وإن كنا مغلوبين فتلك فضيحة الدهر.
كيخسرو «2» : أعظم الخطايا محاربة من يطلب الصلح. قيل: الصلح بقاء الآجال، وحرم الأموال. قيل: الحرب صعبة ومرّة، والحرب أمن ومسرّة. إذا حكم السلاح حكم بالفساد والصلاح. قيل: الحرب تأخذ وتعطي، والمتعرّض لها قد يصيب وقد يخطي، والسلامة في السلم الذي لا يثمر على الدين فصما، ولا يجرّ على الملك وصما. في الحديث: «خمس بخمس: ما نقض العهد قوم إلّا سلّط الله عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله تعالى إلّا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلّا فشا فيهم الموت، ولا طفّفوا الكيل إلّا منعوا النبات وأخذوا بالسنين «3» ، ولا منعوا الزكاة إلّا حبس عنهم القطر» . عبد الله بن الحسن: إياك ومعاداة الرجال فإنك لن تعدم مكر حليم، أو مفاجأة لئيم.
زيد بن حارثة رضي الله عنه: لا تستنشروا السباع من مرابضها فتندموا، وداروا الناس في جميع الأحوال تسلموا.
(1/89)

قيل: الفتنة نائمة فمن أيقظها فهو طعامها. عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعمرو بن معدي كرب: أخبرني عن الحرب. فقال: هي مرّة المذاق، إذا قلصت عن الساق. ربّ خطرة يسيرة عادت همّة كبيرة، ومن الجمرة تكون النار العظيمة. قيل: موطنان تذهب فيهما العقول: المباشرة والمسابقة. قيل:
الهرب في وقته خير من الوقوف في غير وقته. قيل: من هرب من معركة فعرف سبيل مفرّه إلى مستقرّه فهو شجاع. سأل عمرو بن العاص معاوية: إني أرى منك في بعض الأوقات إقداما فأحكم بشجاعتك، وأرى في بعضها إحجاما فأحكم بجبنك، فأخبرني. فقال معاوية:
شجاع إذا ما أمكنتني فرصة ... وإن لم تكن لي فرصة فجبان
سئل ابن القرّية «1» عن الدهاء فقال: تجرّع الغصّة، وتوقّع الفرصة.
المهلب: الإقدام على الهلكة تضييع، كما أنّ الإحجام عن الفرصة جبن.
المتوكل لأبي العيناء «2» : إني أفرق من لسانك. فقال: يا أمير المؤمنين الشريف ذو فرق وإحجام، واللئيم ذو وقح وإقدام. افراشياب «3» قال لأخيه: إنّ الشجاع محبّب حتى إلى عدوّه والجبان مبغّض حتى إلى أمّه. قيل: الشجاعة صبر ساعة. عليّ رضي الله عنه: الصبر مطيّة الظفر. قيل: الصبر درج «4» ، تفضي بمن عرج إلى الفرج. قيل: كما يجذب المغناطيس الحديد يجذب الصبر الظفر. قيل: إنّ أقلّ الصبر ظليل، وإن مضلّه ذليل.
(1/90)

كتب زياد إلى ابن عباس: صف لي الشجاعة والجبن والجود والبخل.
فقال: الشجاع هو المقاتل عمن لا يعرفه، والجبان يفرّ من عرسه، والجواد يعطي من لا يلزمه حقّه، والبخيل يمنع من نفسه. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «شرّ ما في الرجل شحّ هالع، وجبن خالع» . يقال للجبان: جثم الخوف على أحشائه، وطارت عصافير رأسه إن أحسّ نبأة «1» طار فؤاده، وإن طنّت بعوضة طال سهاده، يفزعه صرير باب، وطنين ذباب، إن نظرت إليه شزرا غشي عليه شهرا، يحسب خفوق الرياح قعقعة الرماح. يقال: فرّ فرار الليل من وضح النهار. قيل لبعضهم: كيف حالك؟ قال: صارت الدنيا عليّ مثل سمّ الخياط «2» .. قيل:
الجبن حرص على تأخير الأجل المحتوم، والشّره حرص على تغيير الرزق المقسوم، ومن أسوأ حالا ممن سعى لتبديل الآجال والأرزاق، ورجا دفع ما قدّر له أنه لاق، وأن لا يقيه منه واق.
قيل لرجل تعرّض له الأسد فأفلت منه: كيف تخلّصت؟ قال: بسلامة، إلّا أنّ الأسد خري في سراويلي. أعرابيّ لابنه: كن يدا لأصحابك على من قاتلهم، ولكن إيّاك والسيف فإنه ظلّ الموت، واتّق الرمح فإنه رشاء «3» المنية، واحذر السّهام فإنها رسل الهلاك. في وصية سليمان عليه الصلاة والسلام: يا بنيّ لا تخالط السفهاء لأن انكسارهم يأتي بغتة. وعنه عليه السّلام: الانكسار يتبعه الذل. لما أقبل هرمز لمحاربة بهرام قال له حاجبه: أما تستعدّ؟ قال:
عدّتي ثبات قلبي وأصالة رأيي ونصل سيفي ونصرة خالقي.
(1/91)

ابن الرومي رحمه الله تعالى:
لم أر شيئا حاضرا نفعه ... للمرء كالدرهم والسيف
يقضي له الدرهم حاجاته ... والسيف يحميه من الحتف «1»
قيل لعبّاد بن الحصين «2» ، وكان من أشجع الناس: في أيّ جنّة «3» تحبّ أن تلقى عدوّك؟ قال: في أجل مستأخر. قيل لبعضهم: أي الجنن أوقى؟ فقال:
العافية. قيل لآخر: لو احترست، فقال: كفى بالأجل حارسا. قيل: السيف حرز إذا جرّد، وهيبة إذا أغمد. قيل: الشرف مع السيف. وصفه رجل فقال:
ملك رئيس، ضحك عبوس، لهوه قطف الرؤوس، وهزله خطف النفوس.
أبو نصر في السيف:
له حسام صقيل المتن جرّده ... كأنه ملك في كفّه لهب
كالنار بالفعل لكن ليس مشتعلا ... كالماء بالجرم لكن ليس ينسكب
آخر:
جنين هواه أن يفارق أمّه ... له المهد هام والقماط قتام «4»
الحجّاج: اتّقوا الغبار فإنه سريع الدخول بطيء الخروج. كان ذو الفقار «5» عند أولاد علي رضي الله عنه، يتوارثونه حتى وقع إلى آل بني عباس. قال الأصمعيّ: رأيت هارون متقلدا سيفا فقال لي: ألا أريك ذا الفقار؟ اسلل سيفي
(1/92)

هذا. فاستللته فرأيت فيه ثماني عشرة فقارة. قال المبرّد في كتاب الاشتقاق:
كانت فيه حزوز مطمئنة شبّهت بفقار الظهر، وهو سيف منبّه بن الحجاج، وكان صفيّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة بني المصطلق، وقيل: في غزوة بدر، والله أعلم. عبد الملك بن عمير: أهدت بلقيس إلى سليمان بن داود عليهما السلام سبعة أسياف، أحدها ذو الفقار. ثم صار لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
استطال عليّ رضي الله عنه درعا فقال: لينقص منها كذا حلقة. فقبض محمد ابن الحنفية بإحدى يديه على ذيلها وبالأخرى على فضلها ثم جذبها فقطع من الموضع الذي حدّه له أبوه. عليّ رضي الله عنه: إن أكرم الموت القتل، والذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسيف أهون من منيّة على فراش. قيل لأبي مسلم صاحب الدعوة «1» : في بعض الكتب النازلة: من قتل بالسيف فبالسيف يموت. فقال: الموت بالسيف أحبّ إليّ من اختلاف الأطباء والنظر في الماء «2» ، ومقاساة الداء والدواء. فذكر ذلك للمنصور فقال: صادف منيته كما أحبّ. عيسى عليه السّلام مرّ بقتيل فقال: قتلت فقتلت، وسيقتل قاتلك.
لما اعتلّ خالد بن الوليد جعل يقول: لقيت كذا وكذا زحفا فما في جسدي موضع شبر إلّا وفيه ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، وها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت العير «3» ، فلا نامت أعين «4» الجبناء.
(1/93)

ولما ارتفعت الأصوات عليه أنكر بعض الناس فقال عمر رضي الله عنه: دع نساء بني المغيرة يبكين أبا سليمان، ويذرفن دموعهنّ سجلا أو سجلين ما لم يكن نقع أو لقلقة «1» . قال خالد بن الوليد: أنا سيف الله، حين رأى بني حنيفة قد سلّوا السيف. قيل: أربعة يسرع إليها الخلف: الحرق والقتل والتزويج والحجّ.
عليّ رضي الله عنه: بقيّة السيف «2» أنمى عددا وأكثر ولدا وعوين ذلك في ولد عليّ، وولد المهلّب، فقد قتل مع الحسين عامّة أهل بيته لم ينج إلّا ابنه عليّ لصغره، فأخرج الله من صلبه الكثير الطيّب. وقتل يزيد بن المهلب وإخوته وذراريهم، ثم مكث من بقي منهم نيّفا وعشرين سنة لا يولد فيهم أنثى، ولا يموت منهم غلام. قبر الحسين بن علي رضي الله عنهما بكربلاء، ورأسه بالشام في مسجد دمشق على رأس أسطوانة. عمر بن عبد العزيز: لو كنت في قتلة الحسين وأمرت بدخول الجنّة لما فعلت حياء من أن تقع عليّ عين محمد صلّى الله عليه وسلّم.
جزعت عائشة رضي الله عنها حين احتضرت، فقيل لها، فقالت: اعترض في حلقي يوم الجمل. قيل لمجنون: أيسرّك أن تصلب في صلاح هذه الأمة؟
فقال: لا، ولكن يسرّني أن تصلب هذه الأمة في صلاحي. قيل لعتيبة المدني:
ألا تغزو؟ فقال: والله إني لأكره الموت على فراشي فكيف أنتجعه «3» .
قيل لرجل لم يخرج إلى الغزو وجانب العدوّ: لم لا تخرج إلى الغزو؟
فقال: والله ما أعرف واحدا منهم، ولا يعرفني أحد منهم، فمن أين وقعت العداوة بيني وبينهم؟. ولي أعرابيّ اليمن فجمع اليهود وقال: ما تقولون في عيسى؟ قالوا: قتلناه وصلبناه. فقال: لا تخرجوا من السجن حتى تؤدّوا ديته.
(1/94)

قيل لأعرابيّ: أيسرّك أن تكون من أهل الجنّة وأنك لا تدرك ثأرا؟ قال: بل يسرّني أن أدرك الثأر وأنفي عني العار، وأدخل مع فرعون النار. يقال: الموت في طلب الثار خير من الممات في عار. قيل لسقراط: لم لم تذكر في شريعتك عقوبة من قتل أخاه؟ فقال: لا أعلم أنّ هذا شيء يكون.
استعرض الإسكندر جنده، فتقدّم إليه رجل على فرس أعرج فأمر بإسقاطه، فضحك الرجل، فاستعظم ضحكه في ذلك المقام، فقال له: ما أضحك وقد أسقطتك؟ قال: التعجب منك. قال: كيف؟ قال: تحتك آلة الهرب وتحتي آلة الثبات ثم تسقطني؟ فأعجب بقوله وأثبته. قسم معن بن زائدة «1» سلاحا في جيشه، فدفع إلى رجل سيفا رديئا، فقال: أصلح الله الأمير أعطني غيره، قال: فخذه فإنه مأمور، قال: هو مما أمر أن لا يقطع أبدا. فضحك وأعطاه غيره. عرض عمرو بن ليث «2» عسكره، فمرّ به رجل على فرس أعجف فقال:
لعن الله هؤلاء، يأخذون المال ويسمّنون أكفال «3» نسائهم. فقال: أيها الأمير لو نظرت إلى كفل امرأتي لرأيته أهزل من كفل دابتي. فضحك وأمر له بمال وقال:
خذه وسمّن به كفل دابتك وامرأتك.
وقع في بعض العساكر هيج فوثب خراسانيّ إلى دابّته ليلجمها فصيّر اللجام في الذنب دهشا فقال: هب جبهتك عرضت، ناصيتك كيف طالت؟. نظر فيلسوف إلى رام سهامه تذهب يمينا وشمالا، فقعد في موضع الهدف وقال: لم أر موضعا أسلم من هذا. قال المنصور لبعض الخوارج بعد الأخذ: عرّفني من أشدّ أصحابي إقداما؟ فقال: لا أعرفهم بوجوههم فإني لم أر إلّا قفاهم. اجتاز
(1/95)

كسرى في بعض حروبه برجل قد استظلّ بشجرة وقد شدّ دابّته وألقى سلاحه، فقال: يا نذل نحن في الحرب وأنت بهذه الحالة تتقي من الحرّ؟ فقال: أيها الأمير بلغت هذا السنّ «1» بالتوقي. فضحك وأعطاه مالا. قيل لرجل: إذا انهزمت غضب الأمير. قال: أن يغضب الأمير وأنا حيّ أحبّ إليّ من أن يرضى وأنا ميت. قيل لبعض المنهزمين: من خير الناس؟ قال: من صبر أخزاه الله ومن هرب نجّاه الله.
أتي الحجّاج برجل من أصحاب ابن الأشعث»
فقال: أسألك أن تقتلني وتخلّصني. فقال الحجّاج: لم؟ قال: لأني أرى في المنام كلما نمت أنك تقتلني، وقتلة تخلّصني أهون من ذلك. فضحك وخلّى سبيله. قال سقراط لرجل هرب من الحرب: الهرب من الحرب فضيحة. فقال الهارب: شرّ من الفضيحة الموت. الحجاج: ولّيتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها، النوازع إلى أعطانها «3» ، لا يلوي الشيخ على بنيه، ولا يسأل المرء عن أخيه. سمع الجمّاز محبوسا يقول:
اللهم احفظني. فقال: قل: اللهمّ ضيّعني حتى ينقلك من ههنا، فحفظه لك أن يبقيك في الحبس. كتب رجل من أهل السجن إلى الرشيد: ما مرّ يوم من نعيمك إلّا مرّ يوم من بؤسي، والأمر قريب، والسّلام. أتي المنصور برجل جان فأمر بقتله، فقال: إنّ الله أعظم سلطانا منك وهو عاقب بالخلود لا بالفناء. فحبسه.
حكي أن يوسف عليه السّلام دعا لأهل السجن فقال: اللهم عطّف عليهم الأخيار، ولا تخف عنهم الأخبار. فيقال: إنهم أعلم الناس بكلّ خبر. خرج
(1/96)

الحجاج يوما إلى الجامع فسمع ضجّة شديدة فقال: ما هذا؟ فقيل: أهل السجون يضجّون من شدّة الحرّ. فقال: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
«1» . وأحصي من قتلهم سوى من قتل في عساكره فوجد مائة وعشرون «2» ألفا، ووجد في حبسه مائة ألف وأربعة آلاف رجل وعشرون ألف امرأة. وكان حبس الرجال والنساء في مكان واحد، ولم يكن في محبسه سقف ولا ظلّ من الشمس، وربما كان يستتر الرجل من الشمس بيده، من الحرّ، فيرميه الحرس من فوقه بالآجرّ. وكان أكثرهم مقرّنين في السلاسل.
عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: لو جاءت كلّ أمّة بمنافقيها وجئنا بالحجاج فضلناهم. قيل: لمّا صلب الحجاج عبد الله بن الزبير جاءت أمّه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما فلما رأته حاضت مع كبر سنّها وقد بلغت مائة سنة، وخرج اللبن من ثدييها، فقالت: حنّت إليه مراتعه، ودرّت عليه مراضعه. ثم دخلت على الحجاج فقالت: أما حان لهذا الراكب أن ينزل؟ فقال الحجاج: خلّوا بينها وبين جيفتها. قيل: صلب عبد الله بن الزبير ثالث مصائب المسلمين، الأولى: قتل عثمان، والثانية: قتل الحسين، والثالثة: صلبه ورمي الكعبة بالمنجنيق وهدمه «3» واستحلال الحرم والإغارة على أهل مكة. اللهم احفظ أمّة محمد عليه أفضل الصلاة والسّلام عن أمثال هذه المصائب. مرّت امرأة جعفر ابن يحيى «4» به وقد صلب فقالت: لئن صرت اليوم آية، كنت بالأمس غاية.
والله أعلم.
(1/97)

الروضة الخامسة في الظن والفراسة والعقل والفطنة والرأي والتدبير والتجارب والمشاورة
عليّ رضي الله عنه: اتّقوا ظنون المؤمنين، فإنّ الله جعل الحق على ألسنتهم. قيل لعالم: من أسوأ الناس حالا؟ قال: من لا يثق بأحد لسوء ظنّه، ولا يثق به أحد لسوء فعله. طلب المتوكّل جارية الزّقّاق «1» بالمدينة، فكاد يزول عقله لفرط حبّها. فقالت لمولاها: أحسن الظنّ بالله وبي، فإني كفيلة لك بما تحبّ. فحملت «2» ، فقال لها المتوكل: اقرئي، فقرأت: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ
«3» . ففهم المتوكل ما أرادت فردّها. قيل لصوفي: ما صناعتك؟ قال: حسن الظنّ بالله وسوء الظنّ بالخلق. كان ابن الزبير يقول: لا عاش بخير من لم ير برأيه ما لم ير بعينه. يقال: من لم تعرفك غائبا أذناه لم تعرفك شاهدا عيناه. قيل: كما أنّ الأبصار تنطبع فيها المشاهدات إذا سلمت من صدأ الآفات، فكذلك العقول مرايا تنطبع فيها الغائبات إذا سلمت من صدأ الشهوات.
قيل ليعقوب عليه السّلام: إنّ بمصر رجلا يطعم المساكين ويملأ حجر اليتيم. فقال: ينبغي أن يكون هذا من أهل البيت. فنظروا فإذا هو يوسف عليه
(1/98)

السّلام. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ في كل أمّة محدّثين أو مروّعين، فإن يكن في هذه الأمّة أحد فإنّ عمر منهم» . المحدّث: المصيب في رأيه كأنما حدّث بالأمر، والمروّع: الذي يلقى الأمر في روعه. عليّ رضي الله عنه: ما أضمر أحد شيئا إلّا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه. يقال: الاعتبار بالعين والكلام على ما في القلب. قيل: اعتبر ما في قلب أخيك بعينه، فالعين عنوان القلب.
وقيل: شاهد الحبّ والبغض اللحظ، فاستنطق العيون تعلم المكنون.
ألا إنّ عين المرء عنوان قلبه ... تخبّر عن أسراره، شاء أم أبى
أشار ابن عباس على عليّ رضي الله عنهم بشيء فلم يعمل به، ثم ندم فقال:
ويح ابن عباس، كأنما ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق. يقال: ألمعيته ألمعية ابن عباس، وفراسته فراسة إياس «1» . لما سأل عمر رضي الله عنه ابن عباس عن ليلة القدر فقال: خلق الله السموات سبعا والأرضين سبعا والأيام سبعا، فكذلك ليلة القدر في السبع الأواخر من رمضان. فقال «2» : إنك ألمعيّ يابن عباس.
سمع إياس بن معاوية نباح كلب فقال: إنه مربوط على جنب بئر. فقيل: بم عرفته؟ قال: سمعت أوّلا نداء الكلب ثم سمعت صدى. فرأوا كما قال.
الشافعي ومحمد بن الحسن رأيا رجلا، فقال أحدهما: نجّار، وقال الآخر: حدّاد. فسألا عنه «3» فقال: كنت حدّادا والآن نجار. قالوا: إذا رأيت رجلا يخرج بالغداة ويقول: وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى
«4» ، فاعلم أنّ في جواره وليمة ولم يدع إليها، وإذا رأيت قوما يخرجون من عند قاض وهم يقولون:
(1/99)

وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا
«1» ، فاعلم أنّ شهادتهم لم تقبل، وإذا قيل للمتزوّج صبيحة البناء على أهله: كيف ما قدمت عليه؟ فقال: الصلاح خير من كلّ شيء، فاعلم أنّ امرأته قبيحة، وإذا رأيت إنسانا يمشي ويلتفت فاعلم أنه يريد أن يحدث، وإذا رأيته يعدو ويعثر فاعلم أنه في حاجة، وإذا رأيت رجلا خارجا من عند الوالي وهو يقول: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
«2» ، فاعلم أنه قد صفع.
الفكر قبل العمل يدفع هيبة البداهة. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «العقل نور في القلب يفرق به بين الحق والباطل» . يقال: العقل كالبعل، والنفس كالزوجة، والجسم كالبيت، فإذا تسلّط العقل على النفس اشتغلت النفس بمصالح الجسم كما تشتغل المرأة المقهورة بمصالح البيت، فصلحت الجملة، وإن غلبت النفس كان سعيها فاسدا كالمرأة التي قهرت زوجها ففسدت الجملة. أنس رضي الله عنه: «قيل: يا رسول الله، الرجل يكون حسن العقل كثير الذنوب، فقال:
وما من آدميّ إلّا وله ذنوب وخطايا يقترفها، فمن كانت سجيته العقل وغريزته اليقين لم تضرّه ذنوبه، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: لأنه كلما أخطأ لم يلبث أن يتدارك ذلك بتوبة وندامة على ما كان منه فتمحى ذنوبه ويبقى له فضل يدخل به الجنة» .
وعنه أيضا رضي الله عنه: «أثنى قوم على رجل عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى بالغوا في الثناء بخصال الخير، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: كيف عقل الرجل؟
فقالوا: يا رسول الله نخبرك عنه باجتهاده في العبادة وأصناف الخير وتسألنا عن عقله! فقال نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ الأحمق يصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر، وإنما يرتفع العباد غدا في الدرجات وينالون الزّلفى من ربهم على قدر عقولهم» .
(1/100)

بعض الحكماء: إذا أقبلت الدول خدمت الشهوات العقول، وإذا أدبرت خدمت العقول الشهوات. العاقل يترك ما يحبّ ليستغني عن العلاج بما يكره.
الحسن: كان عقل آدم عليه السّلام مثل عقل جميع أولاده. عامر بن قيس:
إذا عقلك عقلك عمّا لا يعنيك فأنت عاقل. عليّ بن عبيدة «1» : العقل ملك والخصال رعيّة، فإذا ضعف عن القيام عليها وصل الخلل إليها. فسمعه أعرابيّ فقال: هذا كلام يقطر عسله. معن بن زائدة: ما رأيت قفا رجل إلّا عرفت عقله، قيل: فإن رأيت وجهه؟ قال: ذاك حينئذ كتاب أقرؤه. بعض العلماء:
العاقل من يرى بأوّل رأيه آخر الأمور، ويهتك عن مهمّاتها ظلم السّتور، ويستنبط دقائق القلوب، ويستخرج ودائع الغيوب.
بعض الحكماء: إذا صحبت إنسانا فانظر إلى عقله لا دينه، فإنّ دينه له، وعقله له ولك. بعضهم: إذا كمل العقول نقص الفضول. قيل: مرآة العواقب في يد صاحب التجارب. لما عزل عمر رضي الله عنه زيادا عن كتابة أبي موسى الأشعريّ، قال زياد: أعن عجز أم خيانة يا أمير المؤمنين؟ قال: لا عن أحدهما، ولكن أكره فضل عقلك على العامّة. وكان من دهاة العرب. كتب إلى معاوية بعد ولاية العراق: قد أخذت العراق بيميني وبقيت شمالي فارغة فتعرض بالحجاز. فسمع ذلك عبد الله بن عمر فرفع يده إلى السماء وقال: اللهمّ اكفنا شمال زياد. فخرجت قرحة في يده فقتلته. الأستاذ أبو إسماعيل الكاتب «2» :
أعدى عدوّك أدنى من وثقت به ... فحاذر الناس واصحبهم على دخل
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت ... مسافة الخلف بين القول والعمل
(1/101)

فيلسوف: عقل الغريزة سلّم إلى عقل التجربة. قيل: أيدي العقول تمسك أعنّة الأنفس. وقيل: كل شيء إذا كثر رخص غير العقل فإنه إذا كثر غلا.
أعرابيّ: العاقل متصفّح، والجاهل متسمّح. أعرابيّ: لو صوّر العقل لأظلمت معه الشمس، ولو صوّر الحمق لأضاء معه الليل. العاقل من كان على جميع شهواته رقيب من عقله. سقراط: إذا لم يكن عقل الرجل أغلب الأشياء عليه كان هلاكه في أغلب الأشياء عليه. يقال: لفلان من عقله رقيب على شهوته، يهدي إلى الهدى، ويردّه عن الردى. قيل: يعيش العاقل بعقله حيث كان، كما يعيش الأسد بقوّته حيث كان. لقمان: غاية الشرف والسّؤدد حسن العقل، فمن حسن عقله غطّى عيوبه، وأصلح مساويه، وأرضى عنه موادّيه «1» . عليّ رضي الله عنه: العاقل من وعظته التجارب. قيل: كل شيء يحتاج إلى العقل، والعقل يحتاج إلى التجارب. الحكيم: العقل والتجربة في التعاون، بمنزلة الماء والأرض، لا يطيق أحدهما بدون الآخر إنباتا. فيلسوف: من عرف التجارب طابت له المشارب.
محمود الورّاق «2» رحمه الله تعالى:
إنّ اللبيب إذا تفرّق أمره ... فتق الأمور مناظرا ومشاورا
وأخو الجهالة يستبدّ برأيه ... فتراه يعتسف الأمور مخاطرا
قيل: العاقل يقدّم التجريب قبل التقريب، والاختبار قبل الاختيار، والثقة قبل المقة «3» .
وما المرء منفوعا بتجريب غيره ... إذا لم تعظه نفسه وتجاربه
(1/102)

قيل لحكيم: متى عقلت؟ قال: حين ولدت، فلما رأى إنكارهم قال:
بكيت حين جعت- وطلبت الثدي حين أصبحت، وسكتّ حين أعطيت. يعني من عرف مقادير حاجاته فهو عاقل. بطليموس: كل عمل يأذن فيه العقل فهو صواب. وعنه: لا يشرب السمّ اتكالا على ما عنده من الترياق. قال المنذر لابنه النعمان، فيما أوصاه به: دع الكلام وأنت عليه قادر، وليكن من عقلك ما ترجع إليه أبدا. فقال النعمان: مرني بأمر جامع. فقال: الزم الحزم والحياء.
يقال: ذو العقل لا تبطره المنزلة السنيّة، كالجبل لا يتزعزع وإن اشتدّت عليه الريح، والسخيف تبطره أدنى منزلة، كالحشيش يحرّكه أدنى ريح.
قيل لعليّ رضي الله عنه: صف لنا العاقل، فقال: هو الذي وضع الشيء موضعه، قيل: فصف لنا الجاهل، قال: قد فعلت. يعني الذي لا يضع الشيء موضعه. قال الحجاج لابن قرّة: من أعقل الناس؟ قال: الذي يحسن المداراة مع أهل زمانه. قيل: المواساة أفضل الأعمال، والمداراة أجمل الخصال. في صحف إبراهيم عليه السّلام: العاقل ينبغي أن يكون مقبلا على شانه، عارفا لأهل زمانه، حافظا للسانه. بعض المشايخ: من لم يكن عارفا لأهل زمانه فهو جاهل. لقمان: من عاداه قومه طال يومه، وطار نومه. وعنه: أعط أخاك تمرة، وإن أبى فجمرة. قيل:
وفي الشرّ نجاة حين لا يجديك إحسان «1»
المتنبي:
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضرّ كوضع السيف في موضع الندى «2»
(1/103)

عليّ رضي الله عنه: الحلم غطاء ساتر، والعقل حسام قاطع، فاستر خلقك بحلمك، وقاتل هواك بعقلك. يوسف النمريّ: أتى جبريل آدم عليهما السّلام بثلاث خصال: الحياء والدين والعقل، فقال: اختر واحدة منها، فاختار العقل، فقال الحياء والدين: أمرنا أن لا نفارق العقل حيث كان. أبو بكر رضي الله عنه: أفضل الناس عند الله من عزّ به الحقّ، وانتشر عنه الصدق، ورتق برأيه الفتق. يقال: إذا غلب العقل الهوى صرف المساوي إلى المحاسن فجعل البلادة حلما، والحدّة ذكاء، والمكر فطنة، والهذر بلاغة، والعيّ صمتا، والعقوبة أدبا، والجبن حذرا، والإسراف جودا. قيل: هجين عاقل خير من هجان «1» جاهل.
ابن المقفع: ما رأيت حكيما إلا وتغافله أكثر من فطنته. قيل لبزرجمهر:
من أكمل الناس؟ قال: من لم يجعل سمعه غرضا للفحشاء، وكان الأغلب عليه التغافل. بعض الحكماء: التواضع أمان من التقاطع، والتملق أمان من التفرّق، والتغافل عن بعض الأمور تعاقل، والتناعس في بعضها تكايس «2» . في المثل:
تغافل كأنك واسطي «3» . ملك: إذا شاورت العاقل كان عقله لك. فيلسوف:
لا رأي لمن تفرّد برأيه. المأمون: إذا أنكرت من عقلك شيئا فاقدحه بعاقل.
قيل: الرأي مرآة العقل، فمن أردت أن ترى صورة عقله فاستشره. إذا عطّلت الرويّة بطلت القضيّة. يقال: أنجح الآراء ما كثر امتحانه وأطيل تأمله. قيل:
كل رأي لم تتمخّض به الفكرة ليلة كاملة كان مولودا بغير تمام. قيل: أفضل الرأي ما أجادت الفكرة نقده، وأحكمت الرويّة عقده.
(1/104)

كان عمر رضي الله عنه إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان واستشارهم وقال: هم أحدّ قلوبا. قيل: رأي الشيخ كالزّند الذي انثلم، ورأي الشابّ كالزند الصحيح يورى بأيسر اقتداح. حكيم: اجعل سرّك إلى واحد ومشورتك إلى ألف. فيلسوف الهند: بالرأي ينال ما لا ينال بالقوة والجنود. عليّ رضي الله عنه: نعم المؤازرة المشاورة، وبئس الاستعداد الاستبداد. الأرّجانيّ رحمه الله تعالى:
شاور سواك إذا نابتك نائبة ... يوما وإن كنت من أهل المشورات
فالعين تنظر منها ما دنا ونأى ... ولا ترى نفسها إلا بمرآة «1»
عبد الملك بن مروان: لأن أخطىء وقد استشرت، أحبّ إليّ من أن أصيب وقد استبددت. فضل بن سهل «2» : الرأي يسدّ ثلم السيف، والسيف لا يسدّ ثلم الرأي. قيل:
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أوّل وهي المحلّ الثاني «3»
عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «المستشير معان» . بعض الحكماء: لا يصلح الرأي إلّا بثلاث: دربة في الأمور، ونظر بالسياسة، وفكر في العواقب. الحسن: الناس ثلاثة: فرجل رجل، ورجل نصف رجل. ورجل لا رجل. فأما الرجل فذو الرأي والمشورة، وأمّا نصف الرجل فالذي له رأي ولا يشاور، وأمّا الذي ليس برجل فالذي لا رأي له ولا يشاور. يقال: أعقل الرجال لا يستغني عن مشاورة أولي الألباب، وأفره الدوابّ لا يستغني عن السّوط، وأورع النساء لا تستغني
(1/105)

عن الزوج. قيل: من بدأ بالاستخارة وثنّى بالاستشارة، لحقيق أن لا يضلّ رأيه.
كان يقال: من أجهد رأيه واستخار ربّه واستشار صديقه، قضى الله في أمره ما أحبّ. عليّ رضي الله عنه: لا تدخلنّ في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر، ولا جبانا يضعفك عن الأمور، ولا حريصا يزيّن لك الشره بالجور، فإنّ البخل والجبن والحرص يجمعها سوء الظنّ بالله تعالى. عمر رضي الله عنه: ما تشاور قوم قطّ إلا هدوا إلى أرشد أمرهم. سليمان عليه السّلام: يا بنيّ لا تقطع أمرا حتى تؤامر «1» مرشدا، فإذا فعلت فلا تحزن. يضرب للحازم أنّ رجلا شكا إلى أخيه قلّة مرفقه «2» في عمله، واستشاره في التفصي «3» عنه فقال له: إن كلبا لقي كلبا في فيه رغيف محرق، فقال: ويحك ما أردأ هذا الرغيف! فقال: نعم، لعنة الله عليه وعلى من يتركه حتى يجد خيرا منه.
كان بعض الماضين إذا استشير قال لمشاوره: أنظرني حتى أصقل عقلي بنومة. قال المنصور لولده: خذ عنّي ثنتين: لا تقل من غير تفكّر، ولا تعمل بغير تدبّر. قيل: يفسد التدبير ثلاثة أسباب: أحدها كثرة الشّركاء فيه، المفضية لانتشاره وبطلانه، والثاني تحاسد الشركاء لدخول الهوى والغرض، والثالث أن يملك التدبير من غاب عن الأمر المدبّر فيه دون من باشره، فإنه يدخل حقده للمباشر الحاضر. بزرجمهر: إنّ الحازم إذا أشكل عليه الرأي بمنزلة من أضلّ لؤلؤة فجمع ما حول مسقطها من التراب ثم التمسها حتى وجدها، وكذلك الحازم
(1/106)

يجمع وجوه الرأي في الأمر المشكل ثم يضرب بعضها ببعض حتى يخلص رأيه.
قيل إذا حلّت المقادير ضلّت التدابير. وقيل: إذا حان الحين حارت العين.
يقال: من نظر في المغابّ «1» ظفر بالمحابّ، ومن استدّت «2» عزائمه اشتدّت دعائمه. قيل: الرأي السديد أحمى من الأيد الشديد «3» . قيل للأحنف: بم سدت قومك؟ قال: بحسب لا يطعن فيه، ورأي لا يستغنى عنه. سمع محمد ابن يزداد وزير المأمون قول القائل:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإنّ فساد الرأي أن يتردّدا «4»
فأضاف إليه:
وإن كنت ذا عزم فأنفذه عاجلا ... فإنّ فساد العزم أن يتقيّدا
شهاب الدين: كن ذا عزيمة، فإنّ عزائم الرجال تحرّك الأسباب. في بعض السلاطين:
عزماته مثل السيوف صوارما ... لو لم يكن للصارمات فلول «5»
وقيل:
عزماته مثل النجوم ثواقبا ... لو لم يكن للثاقبات أفول
وصف رجل عضد الدولة فقال: وجه فيه ألف عين، وفم فيه ألف لسان، وصدر فيه ألف قلب. لقمان: يا بنيّ شاور من جرّب الأمور فإنه يعطيك من رأيه
(1/107)

ما قام عليه بالغلاء وأنت تأخذه بالمجّان. أردشير بن بابك: أربعة تحتاج إلى أربعة: الحسب إلى الأدب، والسرور إلى الأمن، والقرابة إلى المودّة، والعقل إلى التجربة.
الإسكندر: لا تستحقر الرأي الجزيل من الرجل الحقير، فإنّ الدّرّة لا يستهان بها لهوان غائصها. إذا كانت مغالبة القدر مستحيلة فمن أعوان نفوذه الحيلة. إذا التبست المصادر ففوّض الأمر إلى القادر. معارضة العليل طبيبه توجب تعذيبه.
إنما الكيّس الماهر من استسلم لقبضة القاهر. من الدليل على أنّ الإنسان مصرّف مغلوب ومدبّر مربوب، أن يتبلّد رأيه في بعض الخطوب، ويعمى عليه الصواب المطلوب، فإذا تدميره في تدبيره، واغتياله في احتياله، وهلكته في حركته.
عليّ رضي الله عنه: الرأي بالدول «1» ويذهب بذهابها. أبو العباس بن مسروق: من ترك التدبير عاش في راحة. عليّ كرم الله وجهه: من كثر فكره في العواقب لم يشجع. قيل: الفكر في العواقب يزجر الرجل عن الاقتحام في المعاطب.
ومن يطلب العزّ المنيع فقل له ... بأنّ مفاتيح الأمور مصاعب
أبو إسماعيل «2» رحمه الله تعالى:
حبّ السلامة يثني همّ صاحبه ... عن المعالي ويغري المرء بالكسل
فإن جنحت إليه فاتّخذ نفقا ... في الأرض أو سلّما في الجوّ فاعتزل
(1/108)

الروضة السادسة في القضاء والحكومة وذكر الشهود والديون والخصومات
أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليس أحد يحكم بين الناس إلا جيء به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه، فكّه العدل وأسلمه الجور» . وعنه صلّى الله عليه وسلّم: «من حكم بين اثنين تحاكما إليه فلم يقض بينهما بالحق فعليه لعنة الله» .
أبو حازم: دخل عمر على أبي بكر رضي الله عنهما فسلّم عليه فلم يردّ، فقال لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: أخاف أن يكون وجد عليّ «1» خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فكلّم عبد الرحمن أبا بكر فقال: أتاني وبين يديّ خصمان، وقد فرّغت لهما قلبي وسمعي وبصري، وعلمت أنّ الله تعالى سائلي عنهما وعمّا قالا وعمّا قلت. استعدى رجل عمر على علي رضي الله عنهما، وعليّ جالس، فالتفت عمر إليه فقال: يا أبا الحسن قم فاجلس مع خصمك. فقام وجلس مع خصمه، فتناظرا فانصرف الرجل، ورجع عليّ إلى مجلسه، فتبيّن عمر في وجهه التغيّر فقال: يا أبا الحسن مالي أراك متغيرا؟ أكرهت ما كان؟ قال: نعم، قال:
وماذا؟ قال: كنيتني بحضرة خصمي فلم لا قلت لي: قم يا عليّ فاجلس مع خصمك؟ فأخذ عمر برأس عليّ وقبّل بين عينيه.
عن أبي حنيفة رضي الله عنه: القاضي كالغريق في البحر الأخضر، إلى متى
(1/109)

يسبح وإن كان سابحا؟. أراد عمر بن هبيرة «1» أبا حنيفة على القضاء فأبى، فحلف ليضربنّه بالسّياط وليسجننّه. وفعل، حتى انتفخ وجه أبي حنيفة ورأسه من الضرب، فقال: الضرب بالسياط في الدنيا أهون عليّ من مقامع الحديد في الآخرة. عن ابن عون: ضرب أبو حنيفة مرتين على القضاء، ضربه ابن هبيرة، وضربه أبو جعفر، أحضر بين يديه فدعا له بسويق «2» وأكرهه على شربه. ثم قام فقال له: إلى أين؟ فقال: إلى حيث بعثتني. فمضى به إلى السجن فمات فيه رحمه الله تعالى. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من قلّد القضاء ذبح بغير سكين» . أنس، يرفعه: «القضاة جسور للناس، يمرون على ظهورهم يوم القيامة» . عرض على عبد الله بن وهب «3» القضاء فقال: لم أكتب هذا العلم لأحشر يوم القيامة في زمرة القضاة.
عن سراج الأمّة أبي حنيفة رضي الله عنه، قال لأصحابه: أنتم مسارّ «4» قلبي وجلاء حزني، وقد ألجمت هذا الفقه وأسرجته وتركت الناس يلتمسون ألفاظكم ويطؤون أعقابكم، فبجّلوا هذا العلم وصونوه عن ذلّ القضاء. وعنه:
لا يترك القاضي على القضاء إلا حولا حتى لا ينسى العلم. كان ببغداد رجل يتعبد، اسمه رويم «5» ، فولي القضاء، فلقيه الجنيد «6» فقال: من أراد أن يستودع
(1/110)

فعليه برويم فإنّه كتم حبّ الرياسة أربعين سنة حتى قدر عليها. عرض المأمون القضاء على أبي سليمان، فقال: يا أمير المؤمنين احفظ حقوق الله تعالى فإني غير مأمون الغضب، ولا أرضى أن أحكم بين عباده، فقال: صدقت وقد أعفيناك. يقال: القضاء قضاء، والتدريس تلبيس «1» ، وتولية الأوقاف كحمل أحد أو قاف «2» ، والتصوف التصلّف. أنوشروان: ما عدل من جارت قضاته، ولا صلح من فسدت كفاته. قيل:
وقاض لنا جاهل جائر ... وأحكامه ما ترى ماضيه
له امرأة هي أولى لنا ... فيا ليتها كانت القاضيه
وقيل:
ما قضى الله كائن لا محاله ... فاحترازي من القضاء جهاله
ابن عباس رضي الله عنهما: أكرموا الشهود، فإن الله يستخرج بهم الحقوق، ويدفع بهم الظّلم. جابر رضي الله عنه، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا غمّ إلا غمّ الدّين، ولا وجع إلا وجع العين» . أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله» . عمرو ابن دينار «3» : «قال رجل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أرأيت إن قتلت شهيدا فأين أنا؟
قال: في الجنة. ثم قال: قال لي جبريل: إن لم يكن عليه دين» . الخدريّ «4» رضي الله عنه: «شهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جنازة رجل من الأنصار فقال: أعليه دين؟
(1/111)

قالوا: نعم. فرجع. فقال عليّ رضي الله عنه: أنا ضامن يا رسول الله، فقال: يا عليّ فكّ الله رقبتك كما فككت عن أخيك المسلم، ما من رجل يفكّ عن رجل دينه إلا فكّ الله رهانه يوم القيامة» .
حكيم: الدّين يجمع كل بؤس، همّ بالليل وذلّ بالنهار، وهو ساجور «1» الله في أرضه، فإذا أراد الله أن يذلّ عبدا جعله طوقا في عنقه. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من امتشط قائما ركبه الدّين» . مات مجوسيّ وعليه دين، فقال مسلم لولده: بع دارك وخفّف ظهره، قال: وهل يدخل به الجنّة؟ قال المسلم: لا. قال: دعه ليبيت في النار وأكون في الدار. قال رجل لآخر: علّمني الخصومة، قال:
أنكر ما عليك، وادّع ما ليس لك، واستشهد بالموتى، وأخّر اليمين إلى أن تنظر فيها. تقدّم رجلان إلى قاض، فتكلم أحدهما، ولم يترك الآخر يتكلم، فقال:
أيها القاضي، تقضي على غائب؟ قال: كيف؟ قال: أنا غائب إذا لم أترك أن أتكلم.
شهد قوم عند ابن شبرمة على قراح «2» فيه نخل، فسألهم عن عدد النخل فلم يعرفوا، فردّ شهادتهم، فقال رجل منهم: أنت تقضي في هذا المسجد منذ ثلاثين سنة، فكم فيه من أسطوانة؟ فأجازهم. احتكم رجلان إلى شريح «3» ، فأقرّ أحدهما في خلال كلامه بشيء توجّه به الحكم عليه، فحكم عليه شريح، فقال الرجل: أصلحك الله، تحكم بغير شهود؟ فقال: قد شهد عليك ابن أخت
(1/112)

خالتك «1» . جاءت امرأة إليه وشكت من زوجها فقالت: لا يعطيني نفقة، فقال الزوج: أنا أنفق ما أقدر عليه، وهي تسأل ما لا أقدر عليه. فقال شريح:
كيف ذاك؟ فقال: أنا أقدر على الماء وهي تسأل الخبز. فضحك وأحسن إليهما. «2»
(1/113)

الروضة السابعة في المتصوفة والقصّاص
اعلم أنّ المسلمين بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يتّسم أفاضلهم بسمة سوى صحبة الرسول عليه الصلاة والسّلام، ثم سمي من صحب الصحابة التابعين، ثم قيل لمن بعدهم أتباع التابعين. ثم اختلف الناس، فقيل لخواصّ الأمّة: الزهّاد والعبّاد. ثم ظهرت البدعة وادّعى كل فريق أنّ فيهم زهّادا وعبّادا، فانفرد خواصّ أهل السنّة، المراعون أنفاسهم مع الله، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوّف. واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين. وأوّل من سمّي باسم الصوفيّ أبو هاشم الثوريّ. ولولا أبو هاشم الصوفيّ لما عرفت دقائق الرياء.
سأل بعض الصوفية في منامه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن التصوّف، فقال: ترك الدعاوى وكتمان المعاني. بعضهم: صدور الأحرار قبور الأسرار. بطليموس: قلوب الأحرار حصون الأسرار. قيل: حق الأسرار صونها عن الأغيار. السّهروردي، عن رابعة «1» :
إني جعلتك في الفؤاد محدّثي ... وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانس ... وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
قالت رابعة في مناجاتها: إلهي أتحرق قلبا يحبّك بالنار؟ فسمعت: ما كنّا نفعل هذا فلا تظنّي بنا ظنّ السّوء. سئل رويم «2» عن التصوف فقال: الصوفيّ هو
(1/114)

الذي لا يملك شيئا ولا يملكه شيء. قال أبو عبد الله الخفيف: جئت يوما إلى صحبة رويم ثم لما رجعت وضع يده على كتفي وقال: يا بنيّ هو بذل الروح فلا تشتغل بترّهات الصوفية. الشبلي «1» : التصوف ترويح القلب بمراويح الصفاء، وتجليل الخواطر بأردية الوفاء والتملّق بالسخاء والبشر في اللقاء. قيل: من حسن صفاؤه وجب اصطفاؤه. الجنيد رضي الله عنه: حكايات المشايخ جند من جنود الله عز وجلّ. وسئل ما نفعها؟ فتلا قوله تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ
«2» الآية. لقّنني كلمة التوحيد الشيخ مصلح الدين قدّس سرّه. رويم: من قعد مع الصوفية وخالفهم في شيء مما يتحققون به نزع الله نور الإيمان من قلبه. سئل رويم عن الأنس فقال: هو أن تستوحش من غير الله، حتى من نفسك. وسئل عن المحبّة فقال: الموافقة في جميع الأحوال، وأنشد:
ولو قلت لي مت متّ سمعا وطاعة ... وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا
لقي عمر رضي الله عنه ناسا من أهل اليمن فقال: ما أنتم؟ قالوا:
متوكّلون. قال: كذبتم بل أنتم متأكّلون «3» ، ألا أخبركم بالمتوكل، هو رجل ألقى حبّة في بطن الأرض توكلا على الله. سئل أنس عن قوم يصعقون «4» عند القراءة، فقال: ذلك فعل الخوارج. وقال: «وعظ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوما فإذا رجل قد صعق فقال: من ذا الملبّس علينا ديننا؟ إن كان صادقا فقد شهر نفسه، وإن كان كاذبا فمحقه الله» . سئل ابن سيرين عمّن يسمع القرآن فيصعق، فقال: ميعاد ما
(1/115)

بيننا وبينهم أن يجلسوا على حائط فيقرأ عليهم القرآن من أوّله إلى آخره، فإن صعقوا فهم كما قالوا. قيل لعائشة رضي الله عنها: إنّ قوما إذا سمعوا القرآن صعقوا. فقالت: القرآن أكرم من أن ينزف من عقول الرجال، ولكنه كما قال الله تعالى: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
«1» . قال ابن السّماك للمتصوّفة: إن كان لباسكم هذا موافقا لسرائركم فقد أحببتم أن يطّلع الناس على سرائركم، وإن كان مخالفا فقد هلكتم. عمر رضي الله عنه: من أظهر للناس خشوعا فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقا على نفاق.
الحسن: إن قوما جعلوا تواضعهم في ثيابهم، وكبرهم في صدورهم، حتى لصاحب المدرعة «2» بمدرعته أشدّ فرحا من صاحب المطرقة بمطرقته. قيل لبعضهم: بع جبّتك، فقال: إذا باع الصياد شبكته فبأيّ شيء يصيد؟. دخل محمد بن كعب على سليمان بن عبد الملك، فقال: ما هذه الثياب الرّثة؟
فقال: أكره أن أقول لزهد، فأطري نفسي، أو أقول لفقر فأشكو ربّي. أبو الحسين الثوريّ: التصوّف كان حالا فصار قالا «3» ، ثم ذهب الحال والقال وبقي الاحتيال. قيل: بالصوفية يضرب المثل في الأكل فيقال: آكل من الصوفية، لأنهم يعتادون بكثرة الأكل وعظم اللقمة وجودة القضم، ويأكلون أكل الغنيمة.
سئل بعض العلماء عن التصوّف فقال: أكلة ورقصة. وقيل فيهم:
جماعة نذلة خسيسه ... همّتها الرقص والهريسه
وقيل:
أيا جيل التصوّف شرّ جيل ... لقد جئتم بأمر مستحيل!
(1/116)

أفي القرآن قال الله فيكم: ... كلوا أكل البهائم وارقصوا لي؟ «1»
بعض الصوفية: الرقص نقص. وأول من أحدث اللعب بالرقص:
السامريّ «2» ، أحدثه حين أخرج لهم عجلا جسدا له خوار، مع الدفّ والمزمار.
قال بعضهم إذ سئل عن التصوّف: تغيير الشكل لأجل الأكل. نقش بعض الصوفية على خاتمه: أُكُلُها دائِمٌ
. ونقش آخر: آتِنا غَداءَنا
«3» .
قيل:
عجبت من شيخ ومن زهده ... يذّكر النار وأهوالها
يكره أن يشرب في فضّة ... ويشرب الفضّة إن نالها
المأمون: أمور الدنيا أربعة: إمارة وتجارة وصناعة وزراعة، فمن لم يكن أحد أهلها كان كلّا على الناس. بعض الأكابر: قوام الدنيا والدين العلم والكسب، فمن رفضهما فقال: أبتغي الزهد لا العلم، والتوكل لا الكسب، وقع في الجهل والطمع. بعض الحكماء: بذل الجهد في طلب الحلال، وقلّة الحوائج إلى الناس أفضل العبادة. قيل:
ليس التصوّف أن يلاقيك الفتى ... وعليه من لبس المجوس مرقّع
بطرائق سود وبيض لفّقت ... وكأنه فيه غراب أبقع
(1/117)

سأل بعض شيوخ الزمان عضد الدين عن موضع ذكر المشايخ في القرآن، فقال: في جنب العلماء حيث قال الله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
«1» . سئل بعض الصوفية عن تمزيق الثوب في السماع فقال: إنّ موسى عليه السّلام وعظ في بني إسرائيل فمزق واحد منهم قميصه، فقال الله تعالى لموسى عليه السّلام: قل له: مزّق قلبك لا ثوبك. بعض أهل الحقيقة: الوجد عجز الروح عن احتمال غلبة الشوق عند وجود حلاوة الذكر. قيل لأحمد بن حنبل: إنّ جماعة كذا يقومون ويرقصون. قال: هم عشّاق، دعهم يفرحوا مع الله ساعة.
خبّاب بن الأرتّ «2» رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ بني إسرائيل لما قصّوا هلكوا» . روي أن كعبا كان يقصّ فلما سمع هذا الحديث ترك القصص. ابن عمر رضي الله عنهما: لم يقصّ على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولا على عهد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وإنما كان القصص حين كانت الفتنة. مرّ عليّ رضي الله عنه بقاصّ فقال: ما اسمك؟ فقال: أبو يحيى.
فقال: أنت أبو اعرفوني أيها الناس. ابن أبي قلابة: ما أمات العلم إلا القصّاص. ابن المبارك: سألت الثوريّ: من الناس؟ فقال: العلماء. فقلت:
من الأشراف؟ قال: المتّقون. فقلت: ومن الملوك؟ قال: الزّهّاد. فقلت:
ومن الغوغاء؟ قال: القصّاص الذين يستأكلون أموال الناس بالكلام. قلت:
ومن السّفلة؟ قال: الظّلمة. سئل فضيل عن الجلوس إلى القاصّ يقوم مرّة ويجثو مرّة ويرفع صوته، قال: هذا ليس لله، هذا بدعة، ما كان على عهد
(1/118)

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولا على عهد أبي بكر وعمر، قاصّ، ولكن إذا كان الرجل يذكر الله ويخوّف فلا بأس أن يجلس معه.
قيس بن جبير: هذه الصعقة التي عند القصّاص من الشيطان. بعض القصّاص: أول من يدخل الجنّة من البهائم الطّنبور. قيل له: كيف ذاك؟ قال:
لأنه يضرب بطنه ويعصر حلقه ويعرك أذنه، لا يجمع الله هذا على أحد إلا أدخله الجنة. كان بمرو قاصّ يبكي بمواعظه، فإذا طال مجلسه بالبكاء أخرج من كمّه طنبورا صغيرا وينقره ويقول: مع هذا الغمّ الطويل نحتاج إلى فرح ساعة. وهب رجل لقاصّ خاتما بلا فصّ، فقال: وهب الله لك في الجنة غرفة بلا سقف.
بعض القصّاص: اشكروا الله. فقالوا: لم هو؟ فقال: تفسون فيذهب عنكم رائحته، وتتبخرون فتعلق بكم رائحته، ألم يك هذا من الله نعمة ضافية؟ والله سبحانه وتعالى أعلم.
******
(1/119)

الروضة الثامنة في الصناعات والمحترفين والكسب والتجارة والغنى والفقر وما ناسب ذلك
سهل بن سعد: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «عمل الأبرار من الرّجال:
الخياطة، وعمل الأبرار من النساء: الغزل» . «وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخيط ثوبه ويخصف نعله، وكان أكثر عمله في بيته الخياطة» . سعيد بن المسيّب: كان لقمان الحكيم خيّاطا. ابن شوذب: كان إدريس خيّاطا. أنس، عنه صلّى الله عليه وسلّم: «لا تلعنوا الحاكة «1» فإنّ أول من حاك أبي آدم عليه السّلام» . مجاهد، في قوله تعالى: وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
«2» الحوّاكون. كعب: لا تستشيروا الحاكة، فإن الله تعالى سلب عقولهم ونزع البركة من كسبهم. مجاهد: مرّت مريم، في طلب عيسى عليه السّلام، بحاكة، فسألت عن الطريق فأرشدوها إلى غير الطريق، فقالت: اللهم انزع البركة من كسبهم، وأمتهم فقراء، وحقّرهم في أعين الناس. فاستجيب دعاؤها. عن بعض الحكماء أنه رأى شخصا يفتخر بعلم الصياغة فقال:
إني لأكره علما لا يكون معي ... إذا خلوت به في جوف حمّام
عمر رضي الله عنه: إني لأرى الرجل يعجبني فأقول: هل له حرفة؟ فإن قالوا: لا. سقط من عيني. مرّ داود عليه السّلام بإسكاف، فقال له: يا
(1/120)

هذا، اعمل وكل، فإن الله يحبّ من يعمل ويأكل، ولا يحب من يأكل ولا يعمل. قيل: كسب الحلال والنفقة على العيال من أعمال الأبدال «1» . عليّ رضي الله عنه: من مات تعبا من كسب الحلال مات والله عنه راض. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من رزق من شيء فليلزمه» . قيل لبعضهم: ما المروءة؟ فقال: العفة والحرفة. قيل: من لم يغل دماغه في الصيف لم يغل قدره في الشتاء. يزيد بن المهلب: ما يسرّني أني كفيت أمر الدنيا كله، لئلا أتعود على العجز.
من نصائح التجار: أعط المتاع للطالب الأوّل، وخير رأس المال الديانة.
سبحان من جعل غفلة التجّار وحرصهم لطيّ البلاد سببا لمصالح العباد. قال خيّاط لابن المبارك: أنا أخيط ثياب السلاطين، فهل يخاف عليّ أن أكون من أعوان الظّلمة؟ قال: لا، أعوان الظلمة من يبيع منك الخيط والإبرة وأمّا أنت فمن الظلمة أنفسهم. كذب الدلّال: مثل. يقال: لكل أحد رأس مال، ورأس مال الدلّال الكذب. وروي: أوّل من دلّ: إبليس، حيث قال: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى
«2» . شهد رجل حلقة الشعبيّ، فلمّا قام قال له:
إني أجد في قفاي حكّة، أفتراني أن أحتجم؟ فقال الشعبيّ: الحمد لله، نقلنا من الفقه إلى الحجامة «3» .
قال حائك للأعمش: ما تقول في الصلاة خلف الحائك؟ فقال: لا بأس بها على غير وضوء. قال: وما تقول في شهادته؟ قال: مقبولة مع شهادة عدلين.
(1/121)

عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا خير فيمن لا يحبّ المال ليصل به رحمه، ويؤدّي به أمانة، ويستغني به عن خلق ربّه» . الإمام الشافعي رضي الله عنه:
لقد طفت في شرق البلاد وغربها ... وجرّبت هذا الدهر باليسر والعسر
فلم أر بعد الدّين خيرا من الغنى ... ولم أر بعد الكفر شرّا من الفقر «1»
بعضهم:
لا بدّ للمرء من مال يعيش به ... وداخل القبر محتاج إلى الكفن
الثوري: المال في هذا الزمان عزّ للمؤمن. وقال: المال سلاح المؤمن في هذا الزمان. وقال: لأن أخلّف عشرة آلاف يحاسبني الله عليها أحبّ إليّ من أن أحتاج إلى الناس. وكانت له بضاعة يقلّبها ويقول: لولا هذه لتمندل بي «2» بنو العباس. قيل: هي ألف دينار. قيل: للمال مدخل عسير ومخرج يسير.
مولانا سعد الدين «3» رحمة الله عليه:
فرّق فرق الدروس واجمع مالا ... فالعمر مضى ولم تنل آمالا
لا ينفعك القياس والعكس ولا ... افعنلل يفعنلل افعنلالا «4»
وله رحمة الله عليه:
طويت بإحراز الفنون وكسبها ... رداء شبابي، والجنون فنون
(1/122)

وحين تعاطيت الفنون ونلتها ... تبيّن لي أنّ الفنون جنون «1»
الحكماء: جمع المال كإعلاء الحجر العظيم إلى ذروة الجبل الشامخ، وخرجه كإلقائه منها. قيل: اكتساب المال من الوجه الذي ينبغي صعب، وتفريقه سهل كما قيل:
له مصعد صعب ومنحدر سهل
ذكر في صحيفة سليمان، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، أنّ الحكمة مع الغنى يقظانة، ومع الفقر نائمة. بعضهم: التوجه إلى المصالح الضرورية يمنع الرجل من الفضائل الكثيرة. قيل:
حياة بلا مال حياة ذميمة ... وعلم بلا مال كلام مضيّع
المتنبي:
فلا مجد في الدنيا لمن قلّ ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قلّ مجده «2»
عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما يخشى المؤمن الفقر مخافة الآفات على دينه» .
بعضهم: قلّة المال، وكثرة العيال، نعوذ بالله من ذلك الحال. أبقراط: قلّة العيال أحد اليسارين «3» . ترك ابن المبارك دنانير وقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجمعها إلّا لأصون بها حسبي وديني. قيل لأفلاطون: لم تجمع العلم والمال؟
قال: لعزّ الكمال. وقيل له: لم صار الرجل يقتني مالا وهو شيخ؟ فقال: لأن يموت الإنسان فيخلف مالا لأعدائه خير من أن يحتاج في حياته إلى أصدقائه.
(1/123)

وقال: اطلب في حياتك العلم والمال والعمل الصالح، فإنّ الخاصة تفضلك بما تحسن من العلم، والعامّة بما تملك من المال، والجميع بما تعمل من العمل الصالح.
قيل لآخر: لم تحبّ هذه الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ قال: وإن أدنتني منها فقد صانتني عنها. ابن عيينة «1» من كان له مال فليصلحه، فإنكم في زمان من احتاج فيه إلى الناس كان أوّل ما يبذله دينه. قال عليّ رضي الله عنه لابن الحنفيّة «2» : يا بنيّ إني أخاف عليك الفقر فاستعذ بالله منه، فإن الفقر منقصة للدّين، مدهشة للعقل، داعية للمقت. وعنه كرّم الله وجهه: الفقر الموت الأكبر. وعنه أيضا رضي الله عنه: إنّ المال حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله تعالى لأقوام. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أشقى الأشقياء من جمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة» . قيل:
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الجهل والإفلاس بالرّجل «3»
لقمان، إذا مرّ بالأغنياء كان يقول: يا أهل النعيم الأصغر، لا تنسوا النعيم الأكبر. وإذا مرّ بالفقراء يقول: إيّاكم أن تغبنوا مرّتين. نظر أعرابيّ إلى دينار فقال: ما أصغر قامتك وأكبر همتك. يقال: الدينار مفتاح الأوطار، والدرهم مزيل الهمّ. وقيل: الدراهم مراهم. قيل: النقود تحلّ العقود. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم:
«الدراهم والدنانير خاتمان من خواتيم الله تعالى، فمن ذهب بخاتم من خواتيم
(1/124)

الله قضيت حاجته» . أبو الفتح البستيّ:
أشفق على الدرهم والعين ... تسلم من العينة والدّين «1»
فقوّة العين بإنسانها ... وقوّة الإنسان بالعين «2»
ابن فارس اللّغويّ:
إذا كنت في حاجة مرسلا ... وأنت بها كلف مغرم
فأرسل حكيما ولا توصه ... وذاك الحكيم هو الدرهم «3»
البستي:
الناس أعوان من والته دولته ... وهم عليه، إذا عادته أعوان
سحبان من غير مال باقل حصر ... وباقل في ثراء المال سحبان «4»
وقيل:
إنّ الدراهم في المواطن كلّها ... تكسو الرجال مهابة وجمالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحة ... وهي السلاح لمن أراد قتالا «5»
وقيل:
لم ير ذو الحاجة في حاجة ... أقضى من الدرهم في كفّه
(1/125)

وقيل:
على الحاجات أقفال ثقال ... مفاتحها الهدايا في الظلام
قيل: الدرهم حاكم صامت، وعدل ساكت، وخاتم من الله نافذ، ولهذا المعنى سمي الدينار دينارا، ولهذا عظم وعيد من احتبسه وكنزه، فإنه كمن احتبس حاكما للناس تمشي به أمور معاشهم. ولذا قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إن الذي يشرب في آنية فضة إنما يجرجر في جوفه «1» نار جهنم» لأنّه يؤدّي إلى منع الناس عن تصريفها في معاملاتهم. ولعظم منافعه قال الله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً
«2» .
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «نعمّا المال الصالح للرجل الصالح» . بعضهم: أمور الدنيا تدور على ثلاث مدوّرات: الدينار والدرهم والرغيف. وقيل:
ما مرسل أسرع في النجاح ... من أبيض مدوّر الصّفاح
وقيل:
نعم المعين على المروءة للفتى ... مال يصون عن التبذّل نفسه
لا شيء أنفع للفتى من ماله ... يقضي حوائجه ويجلب أنسه
وإذا رمته يد الزمان بسهمه ... غدت الدّراهم دون ذلك ترسه
أبو ذرّ، رفعه: «صاحب الدّرهمين أشدّ حسابا يوم القيامة من صاحب الدرهم» . الحسن: ما أعزّ أحد درهما إلّا أذله الله. عليّ رضي الله عنه: من
(1/126)

أتى غنيا فتواضع له لغناه ذهب ثلثا دينه. أرسطاطاليس: محبّة المال وتد الشرّ كله لأنّ الشرّ كله متعلق به. الحسن: أوّل دينار ضرب وضعه إبليس على عينيه وقال: من أحبك فهو عبدي:
النار آخر دينار نطقت به ... والهمّ آخر هذا الدرهم الجاري
والمرء بينهما إن لم يكن ورعا ... لا شكّ يجمع بين الهمّ والنار
فضيل: بخس الميزان سواد الوجه يوم القيامة، وإنما أهلكت القرون الأولى لأنهم أكلوا الربا، وعطّلوا الحدود، ونقصوا الكيل والميزان. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم:
«التجّار هم الفجّار. فقيل: أليس الله أحلّ البيع؟ فقال: بلى، ولكنهم يحدّثون فيكذبون، ويحلفون فيحنثون» . عيسى عليه السلام: المال فيه داء كثير. فقيل: يا روح الله، ما داؤه؟ قال: يمنع صاحبه حقّ الله. فقيل: فإن أدّى حقّ الله؟ قال: لا ينجو من الكبر والخيلاء. فقيل: فإن نجا؟ قال:
يشغله إصلاحه عن ذكر الله. قال رجل لإبراهيم بن أدهم: اقبل منّي هذه الجبّة.
فقال: إن كنت غنيا قبلتها منك. فقال: أنا غنيّ. فقال: كم مالك؟ فقال:
ألفان. فقال: أيسرّك أن يكون أربعة آلاف؟ قال: نعم. قال: أنت فقير، لا أقبلها منك.
عليّ رضي الله عنه: يابن آدم، ما كسبت فوق قوتك فأنت فيه خازن لغيرك. عامر: أحبّ الناس إلى الله الفقراء، فكان أحبّ خلقه إليه الأنبياء عليهم السلام، فابتلاهم بالفقر. أنس رضي الله عنه، رفعه: «يقول الله تعالى لملائكته؟ ادنوا من أحبّائي، فتقول الملائكة: سبحانك من أحبّاؤك؟ فيقول:
ادنوا من فقراء المسلمين» . محمد بن عبد الوهاب: ما رأيت أذلّ من الأغنياء في
(1/127)

مجلس سفيان الثوريّ، وما رأيت أعزّ من الفقراء في مجلسه. وكان يقال:
الفقراء في مجلس سفيان أمراء. فضيل: من أراد عزّ الآخرة فليكن مجلسه مع المساكين.
أبو بكر رضي الله عنه: لا تحقرنّ أحدا من المسلمين، فإنّ صغيرهم عند الله كبير. كان مولانا جلال الدين قدّس الله سرّه يسأل خادمه عن المأكولات، فإن قال: لا شيء في البيت، كان يفرح ويحمد الله تعالى، وإن قال: ما لا بدّ منه حاضر، كان ينفعل ويقول: تجيء رائحة فرعون من داري. ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «يا معشر الفقراء ألا أبشّركم بأنّ فقراء المسلمين يدخلون الجنّة قبل أغنيائهم بنصف يوم، وهو خمسمائة عام» . قال عون:
صحبت الأغنياء فلم يكن أحد أكثر غمّا مني، لأني كنت أرى ثيابا خيرا من ثيابي، ودابّة خيرا من دابّتي. ثم صحبت المساكين فاسترحت. ابن أدهم:
طلب أبناء الدنيا الراحة في الغنى فأخطؤوا، ولو علموا أنّ الملك ما نحن فيه لقاتلونا عليه بالسيف. قيل:
غنى النفس ما يكفيك عن سدّ حاجة ... فإن زاد شيئا زاد ذاك الغنى فقرا «1»
أرسطو: أعظم الناس محنة من قلّ ماله وعظم مجده. عبد الملك لرجل:
مالي أراك واجما؟ قال: أشكو ثقل الشّرف. فقال: أعينوه على حمله. أبو إسماعيل «2» :
أريد بسطة مال أستعين بها ... على أداء حقوق للعلا قبلي
(1/128)

ابن أدهم: طلبنا الفقر استقبلنا الغنى، وطلب الناس الغنى استقبلهم الفقر.
قال الحكماء: الشهرة آفة وكل الناس يتولّاها، والخمول راحة وكلّ يتوقّاها.
عمر رضي الله عنه: الفقر والغنى مطيّتان لست أبالي أيتهما ركبت. الشيخ أحمد الغزالي قدّس الله سرّه قال: من ميخ طويله در كل زدم نه در دل «1» . الإمام اليافعي رحمه الله تعالى: لو سقط من السماء قلنسوة ما وقعت إلا على رأس من لا يريدها. يقال: الدنيا تطلب الهارب وتهرب من الطالب. قيل: ما منع مال من حق إلا ذهب في باطل أضعافه. عليّ رضي الله عنه: إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما منع غنيّ والله سائلهم عن ذلك.
نزل جبريل عليه السلام على لقمان وخيّره بين النبوّة والحكمة، فاختار الحكمة، فمسح بجناحه على صدره فنطق بها. فلمّا ودّعه قال: أوصيك بوصيّة فاحفظها: يا لقمان لأن تدخل يدك إلى مرفقك في فم تنين «2» خير لك من أن تسأل فقيرا قد استغنى. وقرىء عند المنصور قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا
«3» . فقال: حدّ الله النفقة: نهى عن الإسراف والتقتير، وأمر بالقصد والتقدير. حكيم: حسن التدبير مع الكفاف أكفى من المال الكثير مع الإسراف. قيل: الإسراف في العشرة يورث الإشراف على العسرة. النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
«الاقتصاد نصف العيش، وحسن الخلق من الدين» . الحسن رضي الله عنه:
المؤمن قد أخذ عن الله أدبا حسنا فإذا وسّع الله عليه وسّع على عياله، وإذا قتر عليه قتر عليهم.
(1/129)

دخل لص على بعض الفقراء ففتّش في البيت فلم يجد شيئا، فلمّا أراد أن يخرج قال صاحب البيت: إذا خرجت فأغلق الباب. فقال اللصّ: من كثرة ما أخذت من بيتك تستخدمني؟. كان سائل يمشي ومعه ابنه الصغير، فسمع امرأة خلف جنازة وهي تقول: أين يذهبون بك يا سيدي؟ إلى بيت ليس فيه غطاء ولا وطاء»
ولا غداء ولا عشاء. فقال ابن السائل لأبيه: هذا إلى بيتنا يذهبون به.
خرج يوما الأعمش لتلامذته ضاحكا، فسئل عن سبب الضحك فقال: لي بنت صغيرة فأردت أن أخرج إليكم فأخذت بذيلي وسألت درهما فقلت: ليس لي درهم، فتوجّهت إلى أمها وقالت: ألم تجدي أحدا حتى قبلت هذا الفقيه الفقير؟. تناهد قوم «2» ، فقال أحدهم: عليّ كذا، وقال ذاك: عليّ كذا، وفيهم مفلس، فقيل: وما عليك؟ فقال: لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
******
(1/130)

الروضة التاسعة في الرزق والحرمان وتبدّل الأحوال والتفاوت
ثوبان «1» ، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الرجل ليحرم الرزق بالذنب الذي يصيبه، ألا ترى أن آدم عليه السلام كان في الجنة في عيش رغد، فأخرج منها إلى الدنيا بالمعصية التي كانت منه؟» . عليّ رضي الله عنه: إذا غضب الله على أمّة غلت أسعارها، ولم تربح تجّارها، ولم تزك ثمارها «2» ، ولم تغزر أنهارها، وحبس عنها أمطارها، وغلبها شرارها. أرسطو: جحد الإنعام يوجب الحرمان. موسى عليه السلام، قال في مناجاته: لم ترزق الأحمق وتحرم العاقل؟ فقال: ليعلم العاقل أنه ليس في الرزق حيلة لمحتال. أبو بكر محمد بن سابق:
فكم قويّ قويّ في تقلّبه ... مهذّب الرأي، عنه الرزق ينحرف
وكم ضعيف ضعيف في تقلبه ... كأنه من خليج البحر يغترف
هذا دليل على أن الإله له ... في الخلق سرّ خفيّ ليس ينكشف
ابن الراوندي:
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة ... وصيّر العالم النّحرير زنديقا
وأجاب عنه من قال:
نكد اللبيب وطيب عيش الجاهل ... قد أرشداك إلى حكيم كامل
(1/131)

عليّ كرّم الله وجهه:
كم من أديب فهم عقله ... مستكمل العقل مقلّ عديم
ومن جهول مكثر ماله ... ذلك تقدير العزيز العليم «1»
أبو جعفر:
المرء يرزق لا من حسن حيلته ... ويصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي
فيلسوف: إفراط العقل مضرّ بالجدّ. بزرجمهر: وكّل الله الحرمان بالعقل والرزق بالجهل، ليعلم أن لو كان الرزق بالحيلة لكان العاقل أعلم بوجوه مطلبه والاحتيال بمكسبه. أبو الطيب:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشّقاوة ينعم «2»
ابن ميكال:
العقل في طلب المطالب عقلة ... عجبا لأمر العاقل المعقول «3»
وأخو الدراية والرواية متعب ... والعيش عيش الجاهل المجهول
المتقدّم في الحذق متأخر في الرزق. يقال: حرفة الأدب أعدى من الجرب. ابن دريد: أوضح الدلائل على نقص الرجل في صناعته أن يكون محظوظا منها، لأنك لا تجد متناهيا في حرفته إلّا متناهيا في حرفته «4» .
كم عاقل أخّره عقله ... وجاهل صدّره جهله
(1/132)

وقيل:
عذلوني على الحماقة جهلا ... وهي من عقلهم ألذّ وأحلى
حمقي قائم بقوت عيالي ... ويموتون إن تعاقلت هزلا
عبد الخالق:
قلّ الحفاظ فذو العاهات محترم ... والشهم ذو الفضل يؤذى مع سلامته
كالقوس يحفظ عهدا وهو ذو عوج ... وينفذ السهم قصدا لاستقامته
الحمدوني:
إنّ المقدّم في حذق بصنعته ... أنّى توجّه فيها فهو محروم
وقيل:
تموت الأسد في الغابات جوعا ... ولحم الطير يطرح للكلاب
وخنزير ينام على فراش ... وذي أدب ينام على التّراب
وقيل:
إن الزمان لتابع للأنذل ... تبع النتيجة للأخسّ الأرذل
وقيل:
الدهر مع الأنام كالميزان ... لا يرفع غير صاحب النقصان
شمس المعالي:
قل للذي بصروف الدهر عيّرنا ... هل عاند الدهر إلّا من له خطر
أما ترى البحر تعلو فوقه جيف ... ويستقرّ بأقصى قعره الدّرر
(1/133)

وفي السماء نجوم غير ذي عدد ... وليس يكسف إلّا الشمس والقمر
الأرّجاني:
لو كنت أجهل ما علمت لسرّني ... جهلي كما قد ساءني ما أعلم
كالصّعو يرتع في الرياض وإنما ... حبس الهزار لأنه يترنّم «1»
أبو إسحاق الغزيّ:
لا غرو أن تجني عليّ فضائلي ... سبب احتراق المندليّ دخانه «2»
الشيخ عبد القاهر:
كبّر على العقل يا خليلي ... ومل إلى الجهل ميل هائم
وكن حمارا تعش بخير ... فالسعد في طالع البهائم
الباخرزي:
لو علم الوالد أنّ ابنه ... يحرم بالآداب ما علّمه
يرزق ذا الجهل على جهله ... وذا الحجا من حذقه أحرمه
لقمان: كسدت اليواقيت في بعض المواقيت. التقى ملكان فتساءلا، فقال أحدهما: أمرت بسوق حوت اشتهاه فلان اليهوديّ. وقال الآخر: أمرت بإهراق زيت اشتهاه فلان العابد. قالت أمّ الإسكندر في دعائها له: رزقك الله حظّا يخدمك به ذوو العقول، ولا رزقك عقلا تخدم به ذوي الحظوظ.
(1/134)

الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى:
لو كان بالحيل الغنى لوجدتني ... بنجوم أقطار السماء تعلّقي
لكنّ من رزق الحجا حرم الغنى ... ضدّان مفترقان أيّ تفرّق
ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق «1»
المأمون: سمعت الرضيّ يقول: ثلاثة موكّل بها ثلاثة: تحامل الأيام على ذوي الأدوات الكاملة، واستيلاء الحرمان على المتقدّم في الصنعة، ومعاداة العوامّ لأهل المعرفة.
الحسين المغربي:
أرى الناس في الدنيا كراع تنكّرت ... مراعيه حتى ليس فيهنّ مرتع
فماء بلا مرعى، ومرعىّ بغير ما ... وحيث يرى ماء ومرعى فمسبع
أرسطاطاليس: حركة الإقبال بطيئة، وحركة الإدبار سريعة، لأنّ المقبل كالصاعد من مرقاة إلى مرقاة، والمدبر كالمقذوف به من علو إلى سفل.
بعضهم:
إذا أقبلت جاءت تقاد بشعرة ... وإن أدبرت ولّت تقدّ السلاسلا
إذا ولّت دولة زلّت أمّة.
عليّ كرّم الله وجهه:
أقول لدهر قد توالت صروفه ... أليس لهذا يا زمان زوال؟
فقال: اصطبر كم دولة قد تغيّرت ... لكلّ زمان دولة ورجال «2»
(1/135)

كتب مفلس على خاتمه: اصبر فالدهر دول. الأستاذ أبو إسماعيل:
لا تسهرنّ إذا ما الرزق ضاق ونم ... ما دمت في ظلّ أمن ساكن البال
فبين غفوة عين وانتباهتها ... يقلّب الدهر من حال إلى حال
جابر بن ثعلبة:
كأنّ الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ... ولم يك صعلوكا إذا ما تمولا
ولم يك في بؤس إذا بات ليلة ... يناغي غزالا ساجي الطّرف أكحلا
إذا جانب أعياك فاعمد لجانب ... فإنّك لاق في البلاد معوّلا
سئل بزرجمهر: كيف اضطربت أمور آل ساسان وفيهم مثلك؟ قال: استعانوا بأصاغر العمّال على أكابر الأعمال، فآل أمرهم إلى ما آل. مالك بن دينار:
مررت على قصر تضرب فيه الجواري بالدفوف ويقلن:
ألا يا دار لا يدخلك حزن ... ولا يذهب بساكنك الزمان
ثم مررت عليه بعد حين وهو خراب، وثمّة عجوز فقالت: يا عبد الله، والله قد دخلها الحزن وذهب بأهلها الزمان. عبد الملك بن عمير: رأيت رأس الحسين رضي الله عنه بين يدي ابن زياد في قصر الكوفة ثم رأيت رأس ابن زياد بين يدي المختار، ثم رأسه بين يدي مصعب، ثم رأسه بين يدي عبد الملك، قال سفيان: فقلت: كم بين أوّل الرؤوس وآخرها؟ قال: اثنتا عشرة سنة.
المدائنيّ: رأيت رجلا يطوف بين الصّفا والمروة على بغلة، ثم رأيته راجلا في سفر، فقلت له: لم تمشي ويركب الناس؟ فقال: ركبت حيث يمشي الناس فكان حقا على الله أن يرجّلني حيث يركب الناس.
أبو العتاهية:
لئن كنت في الدنيا بصيرا فإنما ... بلاغك منها مثل زاد المسافر
(1/136)

إذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليس بضائر «1»
المغربي رحمه الله تعالى:
أقول لقوم شامتين بنكبتي ... رويدا فقد يغني عن الكسر جابر
لئن سلبوا مالي فعرضي سالم ... وإن نقصوا كتبي ففضلي وافر
وقيل:
من كان فوق محلّ الشمس منزله ... فليس يرفعه شيء ولا يضع «2»
وقيل:
وما رفعتي في عسجد أستفيده ... ولكنّه في مفخر أستجيده
الأستاذ أبو إسماعيل رحمه الله تعالى:
وإن علاني من دوني فلا عجب ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
فاصبر لها غير محتال ولا ضجر ... في حادث الدهر ما يغني عن الحيل «3»
كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا نظر إلى خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل قرأ:
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
«4» . لأنهما من خيار الصحابة وأبواهما أعدى عدوّ لله ورسوله. أحمد بن سهل: الرجال ثلاثة: سابق ولا حق وما حق، فالسابق الذي يسبق أباه بفضله، واللاحق الذي يلحق بأبيه في شرفه، والماحق الذي محق
(1/137)

شرف آبائه. ولد عمر بن أبي ربيعة في الليلة التي قبض فيها عمر رضي الله عنه، فسمي باسمه، وكان الناس يقولون: أيّ حقّ رفع وأيّ باطل وضع؟
عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كلّ يوم في خليقته أمر «1»
غيره:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
فيأمن خائف ويفكّ عان ... ويأتي أهله النائي الغريب «2»
******
(1/138)

الروضة العاشرة في ذكر الدنيا والآخرة والسنة والشهر واليوم والليلة والساعة وما ناسب ذلك
عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت» . عليّ رضي الله عنه: الدنيا والآخرة كالمشرق والمغرب، إذا قربت من أحدهما بعدت من الآخر. يحيى بن معاذ: الدنيا دار خراب، وأخرب منها قلب من يعمرها، والآخرة دار عمران، وأعمر منها قلب من يطلبها. حكيم: الدنيا تطلب لثلاثة أشياء: للغنى والعزّة والراحة، فمن زهد فيها عزّ، ومن قنع استغنى، ومن قلّ سعيه استراح. القدماء: ثمرة الدنيا السرور، وما تسرّ عاقلا قطّ. ابن المعتزّ:
وحلاوة الدنيا لجاهلها ... ومرارة الدنيا لمن عقلا
غيره:
إذا أرت الدنيا نباهة خامل ... فلا ترتقب إلّا خمول نبيه
قيل: من أراد في الدنيا زيادة لا يستحقها أصابه نقصان وهو مستحقّ له. قيل:
ألا إنما الدنيا كظلّ سحابة ... أظلّتك يوما ثم عنك اضمحلّت
فلا تك فرحانا بها حين أقبلت ... ولا تك محزونا بها حين ولّت
وقيل:
ومن كان للدنيا أشدّ تصوّرا ... تجده عن الدنيا أشدّ تصوّنا
وقيل:
أحلام نوم أو كظلّ زائل ... إنّ اللبيب بمثلها لا يخدع
(1/139)

أبو إسماعيل رحمه الله تعالى:
ملك القناعة لا يخشى عليه ولا ... يحتاج فيه إلى الأنصار والخول
ترجو البقاء بدار لا ثبات لها ... وهل سمعت بظلّ غير منتقل؟ «1»
محمد بن سوقة: مثل الدنيا والآخرة ككفّتي الميزان، بقدر ما تترجّح إحداهما تخفّ الأخرى. قيل: مثل الدنيا والآخرة كرجل له امرأتان، فإن أرضى إحداهما أسخط الأخرى. قيل:
عتبت على الدنيا بتقديم جاهل ... وتأخير ذي لبّ فأبدت لي العذرا
بنو الجهل أبنائي، وأمّا بنو النّهى ... فإنهم أبناء ضرّتي الأخرى
اجتمعت عند رابعة رحمها الله تعالى جماعة من الفقهاء والزهّاد، فذمّوا الدنيا وهي ساكتة. فلمّا فرغوا قالت: من أحبّ شيئا أكثر من ذكره إمّا بمدح أو بذمّ، فإن كانت الدنيا في قلوبكم لا شيء فلم تذكرون لا شيء. الفضيل: جمع الخير كلّه في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا، وجمع الشرّ كله في بيت وجعل مفتاحه حبّ الدنيا.
قيل لعابد: لم تركت الدنيا؟ فقال: لأني أمنع من صافيها فأمتنع من كدرها. وقيل لآخر: خذ حظّك من الدنيا، فإنك فان عنها. فقال: الآن وجب أن لا آخذ حظّي منها. بعض الزهّاد:
رضيت من الدنيا بلقمة يابس ... ولبس عباء لا أريد سواهما
لأني رأيت الدهر ليس بدائم ... ودهري وعمري فانيان كلاهما
(1/140)

قيل: من كان دنياه همّه كثر في الدنيا والآخرة غمّه. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة، ولا الآخرة للدنيا، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه» . قال لقمان لابنه: يا بنيّ لا تدخل في الدنيا دخولا يضرّ بآخرتك، ولا تتركها تركا فتكون كلّا على الناس. أردشير بن بابك: لا تركننّ إلى الدنيا فإنها لا تبقي على أحد، ولا تتركها فإنّ الآخرة لا تنال إلّا بها. سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما: الدنيا جمعة من جمع الآخرة، وعمرها سبعة آلاف سنة ومائة سنة، وليأتينّ عليها مئون من سنين لا يوجد عليها موحّد.
وعن كعب: الدنيا ستة آلاف سنة. قيل لصوفيّ: فلان يستغيث من الدنيا.
فقال: قل له: استغاثة دنياك منك أكثر من استغاثتك منها. بعض أهل الحقيقة:
ما ألهاك عن مولاك فهو دنياك. قال رجل عند الأصمعيّ رحمه الله تعالى: فسد الزمان، فقال الأصمعيّ:
إنّ الجديدين في طول اختلافهما ... لا يفسدان ولكن يفسد الناس «1»
وقيل:
نذمّ زماننا والعيب فينا ... ولو نطق الزمان إذا هجانا «2»
وقيل:
يقولون: الزمان له فساد ... وهم فسدوا وما فسد الزّمان
وقيل:
كلّ من لاقيت يشكو دهره ... ليت شعري هذه الدنيا لمن؟
(1/141)

إنما الدنيا لذي جهل بها ... ولبيب العقل فيها في حزن
كانت عائشة رضي الله عنها تنشد قول لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
وكانت تقول: رحم الله لبيدا كيف لو عاش في زماننا؟. أبو ذرّ رضي الله عنه: ما مرّ يوم ولا ليلة ولا شهر ولا سنة، إلا والذي قبله خير منه، سمعت ذلك من نبيكم صلّى الله عليه وسلّم. يونس بن ميسرة: مالنا لا يأتي علينا زمان إلا بكينا منه، ولا ولّى عنّا زمان إلا بكينا عليه؟ قيل:
وما مرّ يوم أرتجي منه راحة ... فأخبره إلا بكيت على أمس
سعيد بن حميد:
لم أبك من زمن شكوت صروفه ... إلّا بكيت عليه حين يزول «1»
قيل لابن جريج: كم صيفكم بمكة؟ قال: ثلاثة عشر شهرا. قيل لبعض العرب: قد جاء رمضان، فقال: لأبدّدنّ شمله بالأسفار. قيل لبعضهم: أيّما أطيب، الخريف أم الربيع؟ قال: الربيع للعين والخريف للفم.
أبو الفرج الببغاء:
زمن الورد أطيب الأزمان ... وأوان الربيع خير أوان
وقيل:
أبشر فقد ذهب الشتاء ببرده ... وأتى الربيع أخو الحياة بورده
(1/142)

الشيخ ابن العربي: أفضل الشهور عندنا شهر رمضان، ثم ربيع الأول، ثم رجب، ثم شعبان، ثم ذو الحجة، ثم شوّال، ثم ذو القعدة، ثم المحرّم.
أراد بعض الأعراب السفر في أوّل السنة فقال: إن سافرت في المحرّم كنت جديرا أن أحرم، وإن رحلت في صفر حشيت على يدي أن تصفر. فأخّر السفر إلى ربيع، فلمّا سافر مرض ولم يحظ بطائل فقال: ظننته من ربيع الرياض فإذا هو من ربيع الأمراض. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما قال الناس لقوم طوبى لكم إلا وقد خبأ لهم الدهر يوم سوء» .
إنّ الليالي لم تحسن إلى أحد ... إلّا أساءت إليه بعد إحسان
وقيل:
أحسنت ظنّك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف شرّ ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر
وقيل:
لا صحة المرء في الدنيا تؤخّره ... ولا يقدّم يوما موته الوجع
سقراط: لا تركننّ إلى الزمان فإنه سريع الخيانة لمن ركن إليه. وعنه: من سرّه الزمان في حال ساءه في أخرى. شدّ عامل رجلا على أسطوانة ليضربه فقال: حلّني من هذه وشدّني على الأخرى. قيل: ولم؟ قال: أرجو بينهما فرجا. فحلّ منها وشدّ على الأخرى، فورد عليه كتاب بالعزل ومطالبته بالأموال فخلّي ذلك «1» وشدّ العامل مكانه.
(1/143)

عليّ رضي الله عنه:
إذا ضاق الزمان عليك فاصبر ... ولا تيأس من الفرج القريب
وطب نفسا فإن الليل حبلى ... عسى تأتيك بالولد النجيب «1»
وقيل:
وإني رأيت الدهر منذ صحبته ... محاسنه مقرونة بمعايبه
إذا سرّني في أوّل الأمر لم أزل ... على حذر من غمّه في عواقبه
عديّ بن زيد:
يا راقد الليل مسرورا بأوّله ... إنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا
لا تأمننّ بليل طاب أوّله ... فربّ آخر ليل أجّج النارا «2»
قيل لأعرابيّ: كيف ترى الدنيا؟ فقال: قحبة، يوما لعطار ويوما لبيطار.
يقال: لا تغترّ بصفاء الأوقات، فإنّ تحتها غوامض الآفات. قيل لأعرابيّ: كيف رأيت الدهر؟ قال: وهوب لما سلب، وسلوب لما وهب، كالصبيّ إذا لعب.
ألا إنما الدنيا على المرء فتنة ... على كل حال، أقبلت أم تولّت
ابن المبارك: خرج أهل الدنيا منها ولم يذوقوا أطيب ما فيها. قيل: وما هو؟ قال: معرفة الله تعالى. قيل:
فحسبك قول الناس فيما ملكته: ... لقد كان هذا مرّة لفلان
سقراط: أهل الدنيا كصور في صحيفة، كلما نشر بعضها طوي بعضها.
(1/144)

فيثاغورس: الدنيا دول، مرّة لك ومرة عليك.
ابن الرومي رحمة الله عليه:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلّا فما يبكيه منها، وإنها ... لأوسع ممّا كان فيه وأرغد «1» ؟
عيسى عليه السّلام: الدنيا قنطرة، فاعبروها ولا تعمروها. نوح عليه السّلام: وجدت الدنيا كدار له «2» بابان، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر. قيل:
دخلنا كارهين لها فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا
وما حبّ البلاد بنا ولكن ... أمرّ العيش فرقة من هوينا
قيل: لو رضي الناس بأرزاقهم رضاهم بأوطانهم، لما شكا أحد فقره. كتب داود الطائيّ إلى صديق له: اجعل الدنيا كيوم صمته عن شهوتك، واجعل فطرك الموت. بعض أهل الحقيقة: إن أردت السلامة سلّم على الدنيا، وإن أردت الكرامة كبّر على الآخرة. المنصور لمّا حضرته الوفاة: بعنا الآخرة بنومة.
أعرابيّ: كيف تفرح بعمر تقطعه الساعات، وسلامة بدن معرّض للآفات؟ قيل:
تظلّ تفرح بالأيام تقطعها ... وكلّ يوم مضى يدني من الأجل
قيل لأعرابيّ: انظر إلى الهلال، فقال: ما أصنع به؟ محلّ دين، ومقرّب حين. أنشد ابن الأعرابيّ:
(1/145)

ما سبعة كلّهم إخوان ... ليسوا يموتون وهم شبّان
لم يرهم في موضع إنسان
هي أيام الجمعة. قال رجل:
تطاول الليل لا تسري كواكبه ... أم حار حتّى رأيت النّجم حيرانا؟
فأجابه الآخر:
ما طال ليل ولا حارت كواكبه ... ليل المحبّ طويل كيفما كانا
الجنيد: دخلت يوما على السريّ «1» ، وهو قاعد يقرأ هذا البيت ويبكي:
لا في النهار ولا في الليل لي فرج ... فلا أبالي أطال الليل أم قصرا؟
قيل: إن الليل والنهار خزانتان ما أودعتهما أدّتا، وإنهما يعملان فيك فاعمل فيهما. قيل لراهب: متى عيدكم؟ قال: كلّ يوم لا أعصي الله فيه عيد. أبو السّمط في المتوكل:
بدولة جعفر حسن الزمان ... لنا في كلّ يوم مهرجان
جعلت هديتي لك فيه وشيا ... وخير الوشي ما نسج اللسان
احتضر عابد فقال: ما تأسّفي على دار الأحزان والغموم والخطايا والذنوب، وإنما تأسّفي على ليلة نمتها، ويوم أفطرته، وساعة غفلت فيها عن ذكر الله تعالى. ذهب الجمهور إلى أن القعود في صفر أولى من الحركة. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من بشّرني بخروج صفر أبشّره بالجنّة» . أسقلتينوس «2» : من عرف
(1/146)

الأيام لم يغفل عن الاستعداد. وعنه: كم من دهر ذممتموه فلمّا صرتم إلى غيره مدحتموه.
سئل ابن عباس عن النيروز: لم اتخذوه عيدا؟ فقال: لأنه أول السنة المستأنفة، وآخر السنة المنقطعة، وكانوا يستحبّون أن يقدموا فيه على ملوكهم بالطّرف والهدايا، فاتّخذه الأعاجم سنّة وهو أوّل يوم من فروردين ماه «1» . قيل:
كان الرسم في زمن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن يوم البطالة يوم السبت، ولا يقرأ في يوم السبت. ثم في زمن الخصّاف «2» كان متردّدا بين الاثنين والثلاثاء.
أنس رضي الله عنه: «سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الأيام فقال: يوم السبت يوم مكر وخديعة، لأنّ قريشا مكرت فيه في دار الندوة، ويوم الأحد يوم غرس وعمارة، لأن الله تعالى ابتدأ فيه خلق الدنيا، ويوم الاثنين يوم سفر وتجارة، لأن شعيبا عليه السّلام سافر فيه واتّجر فربح، ويوم الثلاثاء يوم دم، لأن حوّاء حاضت فيه، وأراق ابن آدم دم أخيه فيه، ويوم الأربعاء يوم نحس مستمرّ، لأن الله تعالى أغرق فيه فرعون وأهلك عادا وثمود، ويوم الخميس يوم قضاء الحوائج والدخول على السلاطين، لأنّ إبراهيم عليه السّلام دخل فيه على الملك فأكرمه وقضى حوائجه وأهدى له (هاجر) ، ويوم الجمعة يوم خطبة ونكاح، لأنّ الأنكحة كانت تعقد فيه» .
وفي الحديث: «نعوذ بالله من شرّ يوم الأحد، وإيّاكم والشخوص في يوم الأحد، فإنّ له حدّا كحدّ السيف» . والأربعاء عندهم مشؤوم، والذي لا
(1/147)

يدور «1» أشأم. وعن ابن عباس يرفعه: «آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمرّ» . قيل:
لقاؤك للمبكّر فأل سوء ... ووجهك أربعاء لا يدور
قيل: يحمد فيه الاستحمام. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما من شيء بدىء يوم الأربعاء إلا وقد تمّ» . كان صاحب «الهداية» يتوقف في ابتداء الأمور على الأربعاء ويروي هذا الحديث ويقول: كان هكذا يفعل أبي ويرويه عن شيخه أحمد ابن عبد الرشيد. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من احتجم يوم الخميس فحمّ مات في ذلك المرض» . عن ابن مسعود رضي الله عنه: من قلّم أظفاره يوم الجمعة أخرج الله منه داء وأدخل فيه شفاء.
الأصمعيّ دخلت على الرشيد يوم الجمعة وهو يقلم أظفاره فقال: قلم الأظفار يوم الجمعة من السنّة، وبلغني أنه ينفي الفقر. فقلت: يا أمير المؤمنين وأنت تخشى الفقر؟ فقال: وهل أحد أخشى من الفقر منّي؟. عليّ رضي الله عنه، رفعه: «من صام يوم الجمعة صبرا واحتسابا أعطي عشرة أيام غرّ زهر لا تشاكلهنّ أيام الدنيا» . «من سالت من عينه قطرة يوم الجمعة قبل الرواح أوحى الله إلى ملك الشّمال: اطو صحيفة عبدي فلا تكتب عليه خطيئة إلى مثلها من الجمعة الأخرى» . العلّامة: استغنم تنفّس الأجل، وإمكان العمل، واقطع ذكر المعاذير والعلل، فإنك في أجل محدود، وعمر غير ممدود.
عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ألا أدلّكم على ساعة من ساعات الجنة، الظلّ فيها ممدود، والرزق فيها مقسوم، والرحمة فيها مبسوطة، والدعاء فيها مستجاب؟
(1/148)

قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس» .
عليّ رضي الله عنه: «مرّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعائشة رضي الله عنها قبل طلوع الشمس، وهي نائمة، فحرّكها برجله وقال: قومي لتشاهدي رزق ربك ولا تكوني من الغافلين، إنّ الله يقسم أرزاق العباد بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس» . والله سبحانه وتعالى أعلم.
******
(1/149)

الروضة الحادية عشرة في السماء والسحاب والثلج والمطر والرّيح والحرّ والبرد
عن ابن عباس ومجاهد والضحاك، رضي الله عنهم، أنّ العرش غير الكرسي. وعن الحسن: العرش والكرسي واحد. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «اهتزّ العرش لموت سعد بن معاذ «1» » . أبو حازم: لا يكون ابن آدم في الدنيا على حال وإلا ومثاله في العرش على تلك الحال، فلو نظرت إليك عيون أهل الأرض لأحببت أن يروك على ما تحبّ لا على ما تكره، فكيف بربّ العزة الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟. رابعة القيسية: ما سمعت الأذان إلا ذكرت منادي يوم القيامة، وما رأيت الثلوج إلا ذكرت تطاير الكتب، وما رأيت الجراد إلا ذكرت الحشر. في المثل: لا يضرّ السحاب نباح الكلاب «2» .
أنس رضي الله عنه: «أصابنا ونحن مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مطر فخرج فحسر ثوبه عنه حتى أصابه، فقلنا: يا رسول الله، لم صنعت هذا؟ فقال: لأنه حديث عهد بربّه» . عمّار رضي الله عنه، يرفعه: «مثل أمتي كالمطر، يجعل الله في أوّله خيرا وفي آخره خيرا» . أبو هريرة رضي الله عنه، يرفعه: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «الريح من روح الله» .
(1/150)

الصبا موصوفة بالطيّب والرّوح، لانخفاضها عن برد الشمال، وارتفاعها عن حرّ الجنوب. كان للمتوكل بيت يسميه بيت مال الشّمال، فكلما هبّت الريح شمالا تصدّق بألف درهم. وكيع: لولا الريح والذباب لأنتنت الدنيا. أبو الفتح البستي:
سبحان من خصّ الفلزّ بعزّة ... والناس مستغنون عن أجناسه
وأذلّ أنفاس الهواء، وكلّ ذي ... نفس فمفتقر إلى أنفاسه «1»
أبو بكر بن عيّاش: لا تخرج من السحاب قطرة حتى تعمل فيه الرياح الأربع:
فالصبا تهيّجه، والجنوب تدرّه، والدبور تلقحه، والشمال تفرّقه. عبد الله بن عمرو: أربع من الرياح رحمة: الناشرات والمبشرات واللواقح والذاريات، وأربع عذاب: الصرصر والعقيم في البرّ والعاصف والقاصف في البحر. وتقول العرب في أحاديثها: إنّ الجنوب قالت للشمال: إنّ لي عليك فضلا، أنا أسري وأنت لا تسرين. فقالت الشمال: الحرّة لا تسري. هبّت ريح شديدة فصاح الناس: القيامة القيامة. فقال مزبد: هذه قيامة على الريق بلا دابة ولا دجال.
عليّ رضي الله عنه: توقّوا البرد في أوّله وتلقّوه في آخره، فإنه يفعل بالأبدان كفعله بالأشجار، أوّله يحرق، وآخره يورق. يقال: الحرّ يؤذي الرجل والبرد يقتله. سئل رجل عريان عما يجد في يوم قرّ «2» فقال: ما عليّ كثير مؤنة منه، قيل: كيف؟ فقال: دام بي العري فاعتاد بدني ما تعتاد وجوهكم. قيل لأعرابيّ: ما أعددت للبرد؟ قال: طول الرّعدة. ويقال: إن برد الربيع مونق، وبرد الخريف موبق. أبو صفوان: وضوء المؤمن في الشتاء يعدل عبادة الرهبان
(1/151)

كلّها. يحيى بن ذي الشامة المعيطيّ:
جاء الشتاء وليس عندي درهم ... وبمثل ذلك قد يصاب المسلم
لبس العلوج خزوزها وفراءها ... وكأنّني بفناء مكة محرم «1»
يقال في وصف يوم بارد: يوم قد تعذّر فيه الخروج، لتراكم الثلوج. يوم يجمد خمره، ويخمد جمره. يوم فيه جمد الراح في الأقداح، كالأقداح في الراح. في ديوان المنظوم:
شتاء تقلص الأشداق منه ... وبرد يجعل الولدان شيبا
وأرض تزلق الأقدام فيها ... فما تمشي بها إلّا دبيبا
وقيل:
بلاد إذا ما الصيف أقبل جنّة ... ولكنّها عند الشتاء جحيم
غانم العاصميّ:
يشتهي الإنسان في الصيف الشتا ... فإذا جاء الشّتا أنكره
فهو لا يرضى بحال واحد ... قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ
القاضي عياض في صيف بارد:
كأنّ كانون أهدى من ملابسه ... لشهر تموز أنواعا من الحلل
أو الغزالة من طول المدى خرفت ... فما تفرّق بين الجدي والحمل «2»
(1/152)

محمد بن عبد العزيز: البرد عدوّ للدين. ابن عباس رضي الله عنهما، يرفعه: «إنّ الملائكة تفرح بذهاب الشتاء رحمة للمساكين» . أنس، يرفعه:
«استعينوا على قيام الليل بقائلة النهار «1» ، واستعينوا على صيام النهار بسحور الليل، واستعينوا على حرّ الصيف بالحجامة، واستعينوا على برد الشتاء بأكل التّمر والزّبيب» .
الخدري، يرفعه: «إذا كان يوم حارّ فإذا قال الرجل: لا إله إلا الله، ما أشدّ حرّ هذا اليوم، اللهم أجرني من حرّ جهنم. قال الله تعالى لجهنم: إنّ عبدا من عبيدي استجارني من حرّك وأنا أشهدك أني قد أجرته. وإذا كان اليوم شديد البرد، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله، ما أشدّ برد هذا اليوم، اللهمّ أجرنى من زمهرير جهنم. قال الله تعالى لجهنم: إن عبدا من عبيدي استجارني من زمهريرك، وإني أشهدك أني قد أجرته. قالوا: وما زمهرير جهنّم؟ قال: بيت يلقى فيه الكافر فيتميّز من شدّة برده» .
جلس عيسى عليه السّلام في ظلّ خباء عجوز، فقالت: من الذي جلس في ظلّ خبائنا؟ قم يا عبد الله. فقام وقعد في الشمس، فقال: لست أنت أقمتني، إنما أقامني الذي لم يرد أن أصيب من الدنيا شيئا. لما خلع المستعين قيل له:
اختر بلدا تحلّه، فاختار البصرة، فقيل: حارّة، فقال: أترونها أحرّ من فقد الخلافة؟. جاء قزوينيّ من بغداد في الصيف، فسئل: ما فعلت في بغداد؟
فقال: فعلت عرقا. المأمون: من مروءة الرجل أن توجد منه رائحة الطّرفاء «2» أيام الشتاء. قيل: رائحة الطّرفاء رائحة الظّرفاء. والله سبحانه وتعالى أعلم.
(1/153)

الروضة الثانية عشرة في النار والسّراج والماء والبحر والجنّة والرياحين والعقار
قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لجبريل: «ما لي لم أر ميكائيل ضاحكا قطّ؟ فقال: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار» . أنس، يرفعه: «إنّ أدنى أهل النار عذابا الذي يجعل له نعلان يغلي منهما دماغه في رأسه» . عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليلة أسري بي سمعت هدّة، فقلت: يا جبريل ما هذه الهدّة؟ فقال: حجر أرسله الله تعالى من شفير جهنّم فهو يهوي منذ سبعين خريفا، بلغ قعرها الآن» . قيل لعطاء: أيسرّك أن يقال لك: قع في النار، فتحترق، فتذهب ولا تبعث؟
فقال: والله الذي لا إله إلا هو لو طمعت أن يقال لي ذلك لظننت أن أموت فرحا قبل أن يقال لي قع فيها.
هشام بن الحسن الدّستوائي، من أصحاب الحسن: كان لا يطفىء السراج بالليل، فقال له أهله: إنّا لا نعرف الليل من النهار، فقال: إني إذا أطفأت السراج ذكرت ظلمة القبر فلم يأخذني النوم. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «تقول جهنم للمؤمن: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي» . أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أسرج في مسجد سراجا لا تزال الملائكة تستغفر له ما دام في المسجد ضوء من ذلك السراج» . عليّ رضي الله عنه: سئل كيف كان حبّكم لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قال:
كان والله أحبّ إلينا من أموالنا وآبائنا وأمّهاتنا وأبنائنا ومن برد الشراب على الظمأ.
(1/154)

أنس، يرفعه: «من حفر بئر ماء شربت منها كبد حرّى «1» من الإنس أو الجنّ أو السباع أو الطيور فله أجر ذلك إلى يوم القيامة، ومن بنى مسجدا كمفحص «2» قطاة أو أصغر بنى الله له بيتا في الجنّة» . أنس رضي الله عنه، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم:
«سبعة للعبد تجرى بعد موته: من علّم علما، أو أجرى نهرا، أو حفر بئرا، أو بنى مسجدا، أو أورث مصحفا، أو ترك ولدا صالحا يدعو له، أو صدقة تجرى له بعد موته» .
المأمون: في الماء البارد ثلاث: يلذّ، ويهضم، ويخلص الحمد. كان الصاحب «3» يقول إذا شرب ماء بثلج: قعقعة الثلج بماء عذب تستخرج الحمد من أقصى القلب. ثم يقول: اللهمّ جدّد اللعن على يزيد. نزل نعمان بن المنذر تحت شجرة ليلهو، فقال عديّ: أيها الملك أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ ثم أنشأ يقول:
ربّ ركب قد أناخوا حولنا ... يمزجون الخمر بالماء الزلال
ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالا بعد حال «4»
فتنغّص على النعمان يومه. مرّ كسرى بوردة ساقطة فقال: أضاع الله من أضاعك. ونزل فأخذها وقبّلها وشرب في مكانها سبعة أيام. بعض الأدباء:
دخلت يوما على الرشيد وبين يديه طبق فيه ورد، وعنده جارية مليحة شاعرة، فقال الرشيد: شبّهه بشيء، فقلت:
(1/155)

كأنه خدّ محبوب يقبّله ... فم الحبيب وقد أبدى به خجلا
فقالت:
كأنه لون خدّي حين يدفعني ... كفّ الرشيد لأمر يوجب الغسلا
فقال الرشيد: قم فهذه هيّجتنا. أنوشروان: النرجس ياقوت أصفر، على زمرّد أخضر، بين لؤلؤ أبيض. المبرّد:
نرجسة لاحظني طرفها ... تشبه دينارا على درهم
غرس معاوية نخلا بمكة في آخر خلافته فقال: ما غرستها طمعا في إدراكها ولكن ذكرت قول الأسديّ:
ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا تكون له في الأرض آثار
آخر:
يا ربّ حيّ ميّت ذكره ... وميّت يحيا بأخباره
ليس بميت عند أهل النّهى ... من كان هذا بعض آثاره
يقول أهل البدو إذا ظهر البياض قلّ السواد، وإذا ظهر السواد قلّ البياض.
السواد: التمر، والبياض: اللبن. وتقول الفرس: إذا زخرت الأودية كثر الثمر، وإذا اشتدّت الرياح كثر الحبّ. زياد: أحسنوا للمزارعين فإنكم لا تزالون سمانا ما سمنوا. قيل: لا ضيعة، على من له ضيعة. قيل: الضّيعة إذا تعاهدتها ضعت، وإن لم تتعاهدها ضاعت. يقال: الضّياع مدارج الهموم.
إبراهيم بن إسحاق المصعبيّ: كيمياء الملوك العمارة، ولا تحسن بهم التجارة. نظر حكيم إلى رجل باع أرضا وأكل ثمنها فقال: المعهود أن تأكل
(1/156)

الأرض الناس وهذا قد أكل الأرض. بكى شيخ حجازيّ ليلته وهو يردّد قوله تعالى: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ
«1» فقيل له: لقد أبكتك آية ما يبكى عند مثلها! فقال: وما ينفعني عرضها إذا لم يكن لي فيها موضع قدم؟.
يحيى بن معاذ الرازيّ: في الدنيا جنة من دخلها لم يشتق إلى الجنة. قيل:
وما هي؟ قال: معرفة الله تعالى. خرج على سهل الصعلوكيّ من سجن حمام يهوديّ في طمر اسودّ من دخانه، فقال: ألستم تروون: «الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر» ؟ فقال له سهل على البداهة: إذا صرت إلى عذاب الله كانت هذه جنتك، وإذا صرت إلى نعم الله كانت هذه سجني. فعجب الحاضرون من بديهته بهذا الجواب. والله سبحانه وتعالى أعلم.
******
(1/157)

الروضة الثالثة عشرة في البلاد والديار والأبنية وما يتعلّق بها
ابن مسعود رضي الله عنه: ما من بلد يؤخذ فيه بالهمّة قبل العمل إلا مكّة.
وتلا قوله تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
«1» . ومن خصائص الحرم أنّ الذئب يتبع الظبي، فإذا دخله كفّ عنه، وأنه لا يسقط على الكعبة حمام إلا وهو عليل، وأنه إذا حاذى الكعبة فرقة من طير تفرّقت فرقتين ولم يعلها طائر قطّ. وإذا أصاب المطر الباب الذي جهة العراق كان الخصب بالعراق تلك السنة. وكذلك في كل شقّ، وإذا عمّ عمّ كلّ البلاد، وأنّ حصا الجمار لا يزيد على مقداره. ومن سنّة أهل الحرم أنّ كل من علا الكعبة من عبيدهم فهو حرّ. وبمكّة صلحاء لم يدخلوا الكعبة قطّ تعظيما لها.
روي أنّ عيسى عليه السّلام تكون هجرته، إذا نزل من السماء، إلى المدينة فيستوطنها حتى يأتي أمر الله تعالى إليه. أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم:
«إذا أهبط الله عيسى عليه السّلام من السماء فإنه يعيش في هذه الأمّة ما شاء الله، ثم يموت بمدينتي هذه ويدفن إلى جانب عمر رضي الله عنه» . عائشة رضي الله عنها عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فتحت البلاد كلّها بالسيف إلا المدينة فإنها فتحت بقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله» . عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الإيمان ليأرز «2» إلى المدينة كما تأرز الحيّة إلى جحرها» .
(1/158)

محمد بن قيس بن مخرمة، يرفعه: «من مات في أحد الحرمين بعثه الله تعالى يوم القيامة آمنا» . يقال: البقاع تشرف وتفضل بمقام الصالحين الأخيار، ولقد شرّف الله بيت المقدس بمقام الأنبياء، والمدينة بهجرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه إليها. الأصمعي: البصرة عثمانية من يوم الجمل، والكوفة علوية من يوم استوطنها عليّ كرّم الله وجهه، والشام أمويّة لسكون معاوية بها، والجزيرة خارجيّة لأنها مسكن ربيعة، وهي رأس كل فتنة. عليّ كرّم الله وجهه: شرّ البلاد بلاد لا أمن فيها. «سأل عمر رضي الله عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أيّ البقاع خير، وأيّ البقاع شرّ؟ فقال: لا أدري. فسأل جبريل عن ذلك فقال: لا أدري.
فقال له: سل ربّك. فسأله فقال: خير البقاع المساجد وشرّ البقاع الأسواق» .
عائشة رضي الله عنها عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أحبّ البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» . معاذ رضي الله عنه، رفعه: «من علّق قنديلا في المسجد صلّى عليه سبعون ألف ملك، حتى ينكسر ذلك القنديل، ومن بسط فيه حصيرا صلّى عليه سبعون ألف ملك حتى ينقطع هذا الحصير» . وعنه صلّى الله عليه وسلّم:
«إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان» . وعنه صلّى الله عليه وسلّم: «من ألف المسجد ألفه الله تعالى» .
سعيد بن المسيّب: من جلس في المسجد فإنما يجالس ربّه، فما حقّه إلا أن يقول خيرا. وفي الحديث: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش» . وفي الحديث المرفوع: «من سعادة المرء أن يقدر رزقه في بلده وحال سكونه، ومن شقائه أن يجعل رزقه في غير بلده أو في سياحة» .
كان سفيان يقول: والله ما أدري أيّ البلاد أسكن؟ فقيل: خراسان، فقال:
مذاهب مختلفة. قيل: والشام؟ قال: يشار إليك بالأصابع. قيل: فالعراق؟
(1/159)

قال: بلدة الجبابرة. قيل: مكة؟ قال: تذيب الكيس والبدن. وعنه: إذا سمعت في بلد برخص فاقصده فإنه أسلم لدينك وأقلّ لهمّك.
يقال: إذا رأيت في موضع سلامة دين وصلاح قلب وسكون نفس لا تمل إلى غيره، فإنك لا تأمن أن تقع في شرّ منه، وتطلب المكان الأوّل فلا تقدر عليه. وفي الخبر: البلاد بلاد الله عزّ وجلّ والخلق عباده فأيّ موضع رأيت فيه رفقا فأقم واحمد الله تعالى. قيل:
حلب تفوق بمائها وهوائها ... وبنائها والزهد في أبنائها
بلد يظلّ به الغريب كأنه ... في أهله فاسمع جميل ثنائها
عن مالك بن دينار أنه حضر رجلا يبني دارا وهو يعطي الأجراء الدراهم، فمدّ يده فأعطاه درهما فطرحه في الطين، فتعجب الرجل وقال لمالك: كيف طرحت الدرهم في الطين؟ فقال مالك: أنت طرحت كلّ دراهمك في الطين- يعني ضيّعتها في البناء-. سلمة بن أحمد: دخلت قصر الرشيد فقلت:
أمّا بيوتك في الدنيا فواسعة ... فليت قبرك بعد الموت يتّسع
فجعل هارون يبكي.
قال رجل للحسن: بنيت دارا أريد أن تدخلها وتدعو الله. فدخلها فنظر إليها ثم قال: أخربت دارك وعمرت دار غيرك، غرّك من في الأرض ومقتك من في السماء. مرّ الحسن بدار بعض المهالبة فقال: رفع الطين ووضع الدين. سئل النّخعيّ عن البناء فقال: وزر لا أجر. فقيل: بناء لا بدّ منه. فقال: لا أجر ولا وزر. قالوا: لذّة الدنيا في الغناء والزناء والبناء. قيل: المعمار معمر.
يقال: شرف الرجل بناؤه، وهمّة المرء داره وجاره. كتب على جدار قصر
(1/160)

إنّ آثارنا تدلّ علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار
يقال: دارك قميصك إن شئت ضيّق وإن شئت وسّع. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من سعادة المرء المسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء» . وعنه صلّى الله عليه وسلّم:
«الشؤم في المرأة والفرس والدار» «1» . سئل بعضهم عن الغنى فقال: سعة البيوت، ودوام القوت. قيل لبعضهم: ما سبب السرور؟ فقال: دار قوراء «2» ، وامرأة حسناء، وفرس مربوط بالفناء. وقيل: المنازل الضيّقة العمى الأصغر.
الحكماء: لذّة الطعام في ساعة، ولذّة النكاح في شهر، ولذة البناء في العمر كله. قيل: أوّل من بنى بالجصّ والآجرّ فرعون. الأصمعي للرشيد: فتى كان بالبصرة له بيت من قصب، كان يغشاه الفتيان، فإذا أطربهم سمره يقول بعضهم: عليّ ألف آجرّة، والآخر: عليّ الجصّ، والآخر: عليّ أجرة البناء.
فإذا أصبح لم ير منه أثرا. فضحك الرشيد وقال: نبني لك قصرا. وأمر له بألفي دينار.
دخل على الحجاج رجل يدّعي معرفة ألسن الطير، فإذا هامتان تجاوبتا فقال: ما يقولان؟ فقال: يقول أحدهما: زوّجني بنتك، فيقول الآخر: لا أزوّجك إلا بأربعمائة قصر منيف. فقال: أين نجد ذلك؟ قال: ما دمت حيّا لا نعدمه. قال: كيف؟ قال: تقتل الأخيار فتعطّل الديار.
يقال: جنّة الرجل داره. ويقال: لتكن الدار أوّل ما يشترى وآخر ما يباع.
قال بعض الأشراف لابنه: حسّن أثرك في الدنيا واسمع قول الشاعر:
(1/161)

ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ... ولا تكون له في الأرض آثار «1»
غيره:
ومن السعادة للفتى ... ما عاش، دار فاخره
فاقنع من الدنيا بها ... واعمل لدار الآخره
بعض السلف: نعم البيت الحمّام يذهب القشافة «2» ، ويعقب النظافة، ويغشى التخمة، ويطيّب البشرة.
بيت بنته حكماء الورى ... وهو إلى الحكمة منسوب
غيره:
بيت ترى الجدران فيه منابعا ... وترى السماء كثيرة الأقمار
الثعالبي رحمة الله عليه:
وحمّام له حرّ الجحيم ... ولكن شابه برد النعيم
رأيت به ثوابا في عقاب ... وزرت به نعيما في جحيم
غيره:
حمّامنا ليس فيه ماء ... وبرده ماله انقضاء
ترعد في الصيف فيه بردا ... فصيف حمّامنا شتاء «3»
(1/162)

غيره:
وجدت في الصيف به رعدة ... فكيف أرجو عرقا في الشّتا؟
عمر رضي الله عنه: نعم البيت الحمّام، يذهب بالدّرن، ويذكّر بالنار.
بدويّ دخل حمّاما فاستطابه فقال لصاحبه:
إنّ حمامك هذا ... غير مذموم الجوار
ما رأينا قبل هذا ... جنّة في وسط نار
صاحب الهداية رحمه الله تعالى:
ولم أدخل الحمّام من أجل لذّة ... فكيف ونار الشوق بين جوانحي؟
ولكنني لم يكفني فيض عبرتي ... دخلت لأبكي من جميع جوارحي
يقال: الحمّام من بناء الجنّ لسليمان عليه السّلام، قال جنيّ لسليمان عليه السّلام: أبني لك دارا تكون في بيوته الفصول الأربعة من السنة. فبنى الحمام.
قالوا: يكره دخول الحمّام بين العشاءين، وقريبا من المغرب، ويكره للرجل أن يعطى امرأته أجرة الحمّام فيكون معينا لها على المكروه.
كان ببابل سبع مدائن، وفي كلّ مدينة أعجوبة: في إحداها تمثال الأرض، فإذا التوى على الملك بعض أهل مملكته بخراجهم فرّق أنهارهم فلا يطيقون سدّ الشقّ، وما لم يسدّ في التمثال لم يسدّ في ذلك البلد. وفي الثانية حوض إذا أراد الملك أن يجمعهم لطعامه أتى كلّ واحد بما أحبّ من شراب فصبّ في ذلك الحوض فاختلطت الأشربة، فكلّ من سقي منه كان شرابه الذي جاء به. وفي الثالة طبل، إذا أرادوا أن يعلموا حال الغائب عن أهله قرعوه، فإن كان حيّا صوّت وإن كان ميتا لم يسمع له صوت. وفي الرابعة مرآة، إذا أرادوا أن يعلموا
(1/163)

حال الغائب نظروا فيها فأبصروا فيها على أيّ حالة هو عليها، كأنهم يشاهدونه.
وفي الخامسة إوزّة من نحاس، فإذا دخل غريب صوّنت الإوزّة صوتا سمعه أهل المدينة. وفي السادسة قاض جالس على الماء، فيأتي الخصمان فيمشي المحقّ على الماء حتى يجلس مع القاضي، ويرتطم المبطل «1» . وفي السابعة شجرة ضخمة لا تظلّل إلّا ساقها، فإن جلس تحتها أحد ظلّلته إلى ألف رجل، فإن زاد على الألف واحد جلسوا كلّهم في الشمس. والله سبحانه وتعالى أعلم.
******
(1/164)

الروضة الرابعة عشرة في الملك والجنّ والشياطين والحيوانات
سعيد بن المسيّب: الملائكة عليهم السّلام ليسوا بذكور ولا إناث ولا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون، والجنّ يتوالدون وفيهم ذكور وإناث ويموتون، والشياطين ذكور وإناث يتوالدون ولا يموتون بل يخلدون في الدنيا كما خلد فيها إبليس، وإبليس هو أبو الجنّ. وقيل: الملائكة خلقوا من الهواء، والشياطين من النار.
عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «عليكم بإناث الخيل فإنّ ظهورها حرز وبطونها كنز» .
قيل: لحم البقر داء، ولبنه دواء، وسمنه شفاء. قال موسى للخضر عليهما السّلام: أيّ الدوابّ أحبّ إليك؟ فقال: الفرس والحمار والبعير، لأن الفرس مركب أولي العزم من الرسل، والبعير مركب هود وصالح وشعيب ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم، والحمار مركب عيسى وعزير عليهما السّلام، وكيف لا أحبّ شيئا أحياه الله بعد موته قبل الحشر.
عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّ الله تعالى خلق في زمن موسى عليه السّلام طائرة اسمها العنقاء، لها أربعة أجنحة من كل جانب، وكان وجهها كوجه الإنسان، وفي أعضائها من كلّ شيء حسن قسط، وخلق لها ذكرا مثلها وأوحى إليه: إني خلقت طائرين عجيبين وجعلت رزقهما في الوحوش التي حول بيت المقدس، وآنستك بهما وجعلتهما زيادة فيما فضّلت به بني إسرائيل، فتناسلا وكثر نسلهما. فلمّا توفي موسى انتقلت فوقعت بنجد والحجاز، فلم تزل تأكل
(1/165)

الوحوش وتخطف الصبيان إلى أن نبىء خالد بن سنان العبسيّ بين عيسى ومحمد عليهم السّلام فشكوهما إليه فدعا الله فقطع نسلهما وانقرضت.
قيل: ربما باضت الدجاجة بيضتين في يوم واحد، وهو من أسباب موتها.
الإمام الرازي رحمه الله تعالى كان جالسا في مجلس علمه فجاء بازي يتبع حمامة، فألقت الحمامة نفسها على الإمام فدخلت في كمّه، فانصرف البازي.
فتعجب الناس، فقام شرف الدين من أصحابه وقال بديهة:
جاءت سليمان الزمان حمامة ... والموت يلمع من جناحي خاطف
من أنبأ الورقاء أنّ محلّكم ... حرم، وأنك ملجأ للخائف
فأجازه بألف دينار.
السلطان ملك شاه: كان مولعا بالصّيد وضبط ما اصطاده، فكان عشرة آلاف، فتصدّق بعشرة آلاف دينار، وصار كلّما قتل صيدا تصدّق بدينار. يقال:
فلان أعمر من القراد «1» ، وذاك أنها تعيش سبعمائة سنة. وقيل: أعمر من حيّة، لأنها لا تموت إلا قتلا. ويقال: أعمر من النسر «2» ، لأنه يعيش ثلاثمائة سنة.
خطب المأمون، فوقع ذباب على عينه فطرده، فعاد مرارا حتى قطع الخطبة، فلما صلّى أحضر أبا الهذيل فقال له: لم خلق الله الذباب؟ فقال: ليذلّ به الجبابرة. فقال: صدقت، وأجازه بمال.
لقمان: يا بنيّ لا تكوننّ الذرّة أكيس «3» منك، تجمع في صيفها لشتائها.
(1/166)

قيل: اشتدّ الشتاء فطلب ضفدع من ذرّة ذخيرة فقالت: لم ترنّمت في الصيف في أطراف النهار وتركت الادّخار للشتاء؟. نظر ابن السبابة إلى مبارك التركيّ على دابة فرفع رأسه إلى السماء وقال: يا ربّ هذا حمار وله دابّة، وأنا إنسان وليس لي حمار؟. عبد الحميد الكاتب: لا تركب الحمار فإنه إن كان فارها أتعب يدك، وإن كان بليدا أتعب رجلك.
لقي رجل رجلا على حمار فقال: إلى أين؟ فقال: إلى صلاة الجمعة، فقال: ويحك، اليوم يوم الثلاثاء، فقال: طوبى لي إن أوصلني حماري الجامع يوم السبت. قيل للبغل: من أبوك؟ قال: الفرس خالي. قيل: لم يرد الله بالنملة صلاحا حين أنبت لها جناحا. وقيل: إذا جاء أجل البعير تجوّل حول البير. العرب: إذا صاح غراب البين في ديار قوم تفرّقوا. قيل:
إذا الكلب لا يؤذيك عند نبيحه ... فذره إلى يوم القيامة ينبح
قيل: من يمشى إثر الغراب، سيرجع إلى الخراب. محمد بن دانيال «1» :
بي من أمير شكار ... نار تذيب الجوانح «2»
لمّا حكى الظبي حسنا ... حنّت إليه الجوارح
ركب أبو يوسف مع الرشيد، فتخلّف أبو يوسف، فقال: أيها القاضي الحق بي، فقال: فرسك إن حرّكته طار، وإن تركته سار، ودابّتي إذا حرّكت قطفت وإذا تحرّكت وقفت، فانتظرني فإنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لصاحب الدابّة: «القطوف أمير
(1/167)

على الركب» «1» فأمر أن يركب على جنيبه «2» وقال: هذا أهون من تأمّرك عليّ.
رأى أعرابيّ امرأة تأكل الجراد فقال: يا عجبا قد رأيت الجراد يأكل الحرث «3» ، وما رأيت الحرث يأكل الجراد.
البازي قال للديك: ما أعرف أقلّ وفاء منك، لأنّ أهلك يربّونك من البيضة وإذا كبرت لا يدنو منك أحد إلا طرت ههنا وههنا، وأنا أوخذ من الجبال ويخيطون عينيّ، ويجيعونني في بيت مظلم، وإذا أطلقوني على الصيد فآخذه وأعود إليهم. فقال الديك: لأنك ما رأيت بازيا في سفّود «4» وكم قد رأيت ديوكا في سفافيد. يعرف الفهد بكثرة النوم، والغراب بحدّة البصر، والفأرة بحدّة السمع، والقرد بالجبن، وكذا الأرنب. أبو الطيب:
أرانب غير أنهم ملوك ... مفتّحة عيونهم نيام
ولو لم ترع إلا مستحقا ... لرتبته أسامهم المسام
ولو لم يعل إلا ذو محلّ ... تعالى الجيش وانحطّ القتام «5»
يقال: طلب العير القرنين فضيّع الأذنين «6» . والله سبحانه وتعالى أعلم.
(1/168)

الروضة الخامسة عشرة في ذكر الحبّ والبغض في الله والمجالسة والإخاء والجوار والصحبة وما ناسب ذلك
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أكثروا من الإخوان فإنّ ربكم حييّ كريم يستحيي أن يعذّب عبده بين إخوانه يوم القيامة» . وعنه صلّى الله عليه وسلّم: «من نظر إلى أخيه نظر مودّة لم يكن في قلبه إحنة لم يطرف «1» حتى يغفر الله له ما تقدّم من ذنبه» . عليّ رضي الله عنه: لا يكون الصديق صديقا حتى يحفظ أخاه في ثلاث: في نكبته، وغيبته، ووفاته.
وليس ذكري لك عن خاطر ... بل هو موصول بلا فضل
عمر رضي الله عنه: ثلاث يثبتن الودّ في صدر أخيك: أن تبدأه بالسلام، وأن توسّع له في المجلس، وتدعوه بأحبّ أسمائه إليه. سقراط: أثن على ذي المودّة خيرا عند من لقيت، فإنّ رأس المودّة حسن الثناء، كما أن رأس العداوة سوء الذكر. وعنه: لا تكون كاملا حتى يأمنك عدوّك فكيف بك إذا لم يأمنك صديقك؟.
زياد: إن كان لك صديق وولي ولاية فبقي لك منه واحد من عشر من الصداقة فليس بصديق سوء. وعنه: إذا كان لك صديق صادق الودّ فلا تتمنّ له منزلة رفيعة لأنّ في ذلك تغيّرا عن الوداد. قيل: لا تنظر إلى صديقك إذا بلغ منزلة
(1/169)

بعينك التي نظرته بها قبل، وإذا جعلك أبا فاجعله ربا «1» . ولما بشر هشام بن عبد الملك بالخلافة سجد وسجد من حوله شكرا غير الأبرش الكلبيّ، فقال له: ما منعك؟ قال: إني معك ليلا ونهارا وغدا ترتقي إلى السماء فأين أجدك؟ قال:
أصعد بك معي، فقال: الآن أسجد عشرين سجدة.
إذا لم أنل في دولة المرء غبطة ... ولم يغشني إحسانه ورعايته
فسيّان عندي موته وحياته ... وسيّان عندي عزله وولايته
كان هشام يعتمّ فقام إليه الأبرش ليسوّي عمامته فقال: مه إنّا لا نتخذ الإخوان خولا «2» . قام عمر بن عبد العزيز فأصلح سراجه، فقال بعض من حضر: لم لا أمرتني بإصلاحه يا أمير المؤمنين؟ فقال: ليس من المروءة استخدام المرء جليسه. قيل لبعض الفضلاء: كم لك من صديق؟ فقال: ما أعلم، لأنّ الدنيا مقبلة عليّ، والأموال موجودة لديّ، وإنما يعرف ذلك إذا ولّت الدنيا:
ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها ... فكيفما انقلبت يوما به انقلبوا
قيل: إذا احتاج إليك عدوّك أحبّ بقاءك، وإذا استغنى عنك وليّك هان عليه موتك. سأل الرشيد رجلا عن بني أميّة فقال: كانوا يتغايرون على الإخوان كتغايرهم على القيان. قيل: لتكن غيرتك على صديقك كغيرتك على صديقتك.
في كتب الهند: من علامة الصديق أن يكون لصديق صديقه صديقا، ولعدوّ صديقه عدوّا. قيل: ليس من المروءة أن لا تحبّ من يبغضه عدوّك. قيل: لا يحبّك من يحبّ عدوّك. عليّ رضي الله عنه: لا تتخذنّ عدوّ صديقك صديقا:
(1/170)

تحبّ عدوّي ثم تزعم أنني ... صديقك؟ ليس النّوك عنك بعازب «1»
غيره:
أترجع أحباب بنقص وذلّة ... وترجع أعداء بفضل وعزّة؟
إذا كان هذا في الأحبّة فعلكم ... فلا فرق ما بين العدا والأحبّة
صوفيّ: إذا صحّ الودّ سقطت شروط الأدب. بعض العارفين:
إذا ما حبال الودّ تشتدّ بيننا ... فلا شكّ أن يطوى بساط التكلّف
عليّ رضي الله عنه: شرط الألفة ترك الكلفة. الجنيد «2» : لا تصحب من تحتاج أن تكتمه ما يعرف الله منك. قيل: صن الاسترسال منك حتى تجد مستحقا له، واجعل أنسك آخر ما تبذله من ودّك. جعفر بن محمد: إياك وسقطة الاسترسال فإنها لا تستقال. الأكثم: الانقباض عن الناس مكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء. قيل: إذا أقبل عليك مقبل بودّ فلا تكثر الإقبال عليه، فالإنسان من شأنه التباعد ممّن دنا منه والدنوّ ممن تباعد عنه. قيل: من أحببت فلا تأمنه، ومن أبغضت فلا تهجره. وقيل: خالط الناس وزايلهم. الفضيل: من سخافة عقل الرجل كثرة معارفه.
قيل: المروءة التامّة مباينة العامّة. وقيل: من استأنس بالله استوحش من الناس. كان ابن المبارك لا يجالس إلا كتبه، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال:
كيف أستوحش وأنا أجالس الله تعالى والملائكة والأنبياء والخلفاء والعلماء
(1/171)

والأولياء والشهداء؟ أفترون أن أدع مجالسة هؤلاء وأجالسكم؟. وقيل:
الاستئناس بالناس من علامة الإفلاس. حفص بن حميد: من لم ينقص كلّ يوم صديقا لا يفلح أبدا. ابن الرّوميّ رحمه الله تعالى:
عدوّك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرنّ من الصحاب
فإنّ الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب «1»
سقراط: أنفع ما اقتناه الإنسان الصديق المخلص. قيل لفيلسوف: ما الصديق؟ فقال: اسم بلا مسمّى. قال فضيل لسفيان: دلّني على أخ أركن إليه، فقال: تلك ضالّة لا توجد. أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى:
سألت الناس عن خلّ وفيّ ... فقالوا ما إلى هذا سبيل
تمسّك إن ظفرت بذيل حرّ ... فإنّ الحرّ في الدنيا قليل
قيل: أبعد الناس سفرا من كان سفره في طلب أخ صالح. أبو الحسن رحمه الله تعالى:
تطلّبت في الدنيا خليلا فلم أجد ... وما أحد غيري لذلك واجد
فكم مضمر بغضا يريك محبة ... وفي الزّند نار وهو في اللمس بارد
المعريّ:
وقد غرضت من الدنيا فهل زمني ... معط حياتي لغرّ بعد ما غرضا
جرّبت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ودّ امرىء غرضا «2»
(1/172)

أعرابيّ: اللهمّ اكفني بوائق الثّقات، والاغترار بظاهر المودّات. آخر: اللهمّ احفظني من الصديق، فقيل له في ذلك، فقال: إني أتحرّز من العدوّ. قيل:
احذر من تأمنه فودائع الناس لم تذهب إلا عند الثقات. قيل: قلّ من يؤذيك إلا من تعرفه. ذمّ العباس بن الحسن العلوي رجلا فقال: هو يترصّد في صداقته ما يتوثّب به في عداوته. عليّ رضي الله عنه: إخوان هذا الزمان جواسيس العيوب. الموسويّ رحمه الله تعالى:
إذا أنت فتّشت القلوب وجدتها ... قلوب الأعادي في جسوم الأصادق
قيل: من كفّ عنك أذاه فهو صديق صدق. وقيل: خير ما في اللئيم أن يكفّ ضرّه. المتنبيّ:
إنّا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر الناس إحسان وإجمال «1»
الأصمعيّ: دخلت على الخليل وهو جالس على الحصير الصغير، فأشار إليّ بالجلوس فقلت: أضيّق عليك، فقال: مه إنّ الدنيا بأسرها لا تسع متباغضين، وإنّ شبرا بشبر يسع المتحابّين. قيل: ما ضاق مجلس عن متحابّين، ولا اتّسع لمتباغضين.
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكنّ أخلاق الرجال تضيق «2»
أبو محمد غانم بن الوليد:
صيّر فؤادك للمحبوب منزلة ... سمّ الخياط محلّ للمحبّين
ولا تسامح بغيضا في معاشرة ... فقلّما تسع الدنيا بغيضين
(1/173)

وقيل:
وأطيب الأرض ما للنفس فيه هوى ... سمّ الخياط مع الأحباب ميدان
قيل: اثنان ظالمان: رجل وسّع له في مكان ضيق فقعد متربّعا، ورجل أهديت له نصيحة فاتّخذها ذنبا. قيل لبعض أهل المجلس: انتقل، فقال: النقلة مثلة. وكان المأمون كثير التنقل في مجالسه ويقول:
لا بدّ للنفس إن كانت مدبّرة ... من التنقّل من حال إلى حال
الأحنف: ما جلست مجلسا خفت أن أقام منه لغيري. الشعبيّ: لأن أدعى من بعيد أحبّ إليّ من أن أدفع من قريب. دخل بعض الصوفية على الجنيد رحمه الله تعالى وقعد في طرف المسجد، فقال له: ارتفع، فقال: حسبي يا سيدي من مجلسك مكان من قلبك. قيل: الأشراف في الأطراف.
عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من أحبّ أخاه فليعلمه» . ابن مسعود رضي الله عنه:
ما الدخان على النار بأدلّ من الصاحب على الصاحب.
تخيّر أخا تصحبه في الله ساعة ... فكلّ امرىء يصبو إلى من يجانس
قدم ناس إلى مكة المشرّفة شرّفها الله تعالى، فقالوا: قدمنا إلى بلدكم فعرفنا خياركم من شراركم في يومين، قيل: كيف؟ قالوا: لحق خيارنا بخياركم وشرارنا بشراركم فألف كلّ شكله. أخذ جماعة من اللصوص فقال أحدهم: أنا كنت مغنيا لهم وما كنت منهم. فقيل له: غنّ، فغنّى بقول عديّ:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكلّ قرين بالمقارن يقتدي «1»
(1/174)

فقيل له: صدقت، وأمر بقتله. قيل: جالس العقلاء، أعداء كانوا أو أصدقاء، فالعقل نفع على العقل. قيل: مجالسة أهل الفضل ذكاء العقل.
قيل: العاقل بخشونة العيش مع العقلاء أسدّ منه بلين العيش مع الجهال. قيل:
آخ الكريم واسترسل إليه، ولا عليك أن تصحب العاقل وإن لم يكن كريما لتنتفع بعقله، واهرب كلّ الهرب من اللئيم الأحمق. قيل: من صبر مع الأحمق فهو مثله. قيل: لا شيء أوحش من الوحدة، والوحدة أنس من شرار الإخوان.
كان مع مالك بن دينار كلب فقيل له: يا أبا يحيى ما هذا؟ فقال: خير من جليس السوء. قيل لحكيم: أيّ الكنوز خير؟ فقال: أمّا بعد تقوى الله فالأخ الصالح. قيل: المرء كثير بأخيه. محمود الورّاق:
تكثّر من الإخوان ما اسطعت إنهم ... عماد إذا استنجدتهم وظهور
فما بكثير ألف خلّ وصاحب ... وإنّ عدوّا واحدا لكثير
قيل لعبد الله بن المقفع: أصديقك أحبّ إليك أم نسيبك؟ فقال: إنما أحبّ النسيب إذا كان صادقا، والصديق نسيب الروح. قيل:
نسيبك من ناسبت بالودّ قلبه ... وجارك من صافيته لا المصاقب «1»
قد أحسن الذي قال: الأخ الصالح خير لك من نفسك لأنّ النفس أمّارة بالسوء، والأخ الصالح لا يأمرك إلّا بخير. بعضهم: الصديق الموافق خير من الشقيق المنافق. قالوا: لا بأس بتناول مال أخيه في الدين إذا علم رضاه. روي أنّ شدّاد بن حكيم خرج من المسجد الجامع ببلخ «2» فرأى غلاما يمسك دابّة
(1/175)

فركب الدابّة وذهب إلى بيته والغلام وافقه، فخرج صاحب الدابّة فلم يجدها فذهب إلى بيته ماشيا. ولما رجع الغلام أخبر سيده بما وقع، فقال: يا غلام إن صدقت فأنت حرّ لوجه الله تعالى.
دخل الفتح الموصليّ في بيت صديقه فقال لجاريته ائتيني بكيس الدراهم، فأخذ درهمين من الكيس، فلما رجع الرجل إلى بيته أخبرته الجارية بذلك فقال:
أنت حرّة لوجه الله تعالى إن صدقت. وفي الحديث: «ربّ أخ لك لم تلده أمّك» «1» . المأمون: الإخوان ثلاثة: أخ كالغذاء يحتاج إليه في كلّ وقت، وأخ كالدواء يحتاج إليه أحيانا، وأخ كالداء لا يحتاج إليه أبدا. لقمان: إذا أردت مؤاخاة رجل فانظر، فإن كانت محاسنه أكثر فارتبطه. حكيم: ليكن اختيارك من الأشياء جديدها، ومن الإخوان قديمهم.
معاوية لكاتبه: عليك بصاحبك الأقدم، فإنّك تجده على مودّة واحدة وإن قدم العهد وبعدت الديار، وإياك وكل مستحدث فإنه يأكل مع كلّ من أكل، ويجري مع كل ريح. قيل: لا تستبدلنّ أخا قديما بأخ مستفاد «2» فإنه لا يستقيم لك. أبو تمام:
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحبّ إلّا للحبيب الأوّل
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأوّل منزل «3»
قيل: عليك بمستطرف الإخوان، سيحدث منهم مستظرف الإحسان، وتأمن منهم بوائق الثقات. وقيل في جواب أبي تمام:
(1/176)

نقّل فؤادك حيث شئت فلن ترى ... كهوى جديد، أو كوصل مقبل
مالي أحنّ إلى خراب مقفر ... درست معالمه كأن لم تؤهل؟
بعضهم:
أنا مبتلى ببليّتين من الهوى: ... شوق إلى الثّاني، وذكر الأوّل
قسم الفؤاد لحرمة وللذّة ... في الحبّ من ماض ومن مستقبل
لقمان: من أسرف في الوصال أشرف على الملال. يقال: الصديق الألوف لا يباع بالألوف. الحكماء: كما يبرأ بالدواء سقم الأبدان، تشفى النفوس بصداقة الإخوان. أبو الطيب:
وأحسب أني لو هويت فراقكم ... لفارقته والدهر أخبث صاحب
فياليت ما بيني وبين أحبّتي ... من البعد ما بيني وبين المصائب «1»
إسحاق الموصلي:
نعم الصديق صديق لا يكلّفنا ... ذبح الدجاج، ولا شيء الفراريج
يرضى بلونين من كشك ومن عسل ... وإن تشهّى فزيتون بطسّوج
منصور لرجل: ما مالك؟ قال: ما يكفّ وجهي، ويعجز عن برّ الصديق.
فقال: تلطّف في المسألة والإعطاء. الشافعيّ رحمه الله تعالى:
لمّا عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت نفسي من همّ العداوات
إني أحيّي عدوّي عند رؤيته ... لأدفع الشرّ عني بالتحيّات «2»
(1/177)

قيل:
زمان كلّ حبّ فيه خبّ ... وطعم الخلّ خلّ لو يذاق
لهم سوق بضاعتها نفاق ... فنافق فالنّفاق لها نفاق «1»
الحماسيّ:
وفي الناس إن رثّت حبالك واصل ... وفي الأرض عن دار القلى متحوّل
إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل «2»
مسلم بن يسار: ما من عمل إلا وأخاف أن يكون قد دخله ما أفسده، إلّا الحبّ في الله، ومرضت مرضا فلم أجد شيئا أوثق في نفسي من قوم كنت أحبّهم، لا أحبّهم إلّا لله.
حبّ الصديق، إذا كانت مودته ... لله، فرض على العلّامة الفطن «3»
الأعمش: أدركت أقواما لا يلقى الرجل أخاه الشهر والشهرين، إذا لقيه لم يزده على: كيف أنت؟ وكيف حالك؟ ولو سأله شطر ماله لأعطاه، ثم أدركت آخرين إذا لم يلق الرجل منهم أخاه يوما سأل عنه الدجاجة ولو سأله حبّة من ماله يمنع. مجاهد: لو لم يكن لك من صاحبك الصالح، إلّا أنّ حياءه يمنعك من معصية الله تعالى كفاك. في وصيّة عليّ رضي الله عنه: لقاء أهل الخيرات عمارة القلوب. قيل: من رأيت فيه خصلة من الخير فلا تفارقه فإنه يصيبك من
(1/178)

بركاته. قال الحجاج لابن القرّة: ما الكرم؟ قال: صدق الإخاء في الشدّة والرخاء.
عمر رضي الله عنه: احذر صديقك إلّا الأمين، ولا أمين إلّا من خشي الله.
أبو بكر الخوارزميّ: من لم يؤاخ إلا من لا عيب فيه قلّ صديقه، ومن لم يرض من صديقه إلا بإيثاره إياه على نفسه دام سخطه، ومن عاتب صديقه على كلّ ذنب كثر عدوّه. كان إبراهيم عليه السّلام إذا ذكر زلّته غشي عليه وسمع اضطرابه من ميل، فقال له جبريل: يا خليل الله، الخليل يقرئك السّلام ويقول: هل رأيت خليلا يخاف خليله؟ فقال: يا جبريل كلّما ذكرت الزلّة نسيت الخلّة «1» .
أنس رضي الله عنه: رأيت أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم فرحوا بشيء لم أرهم فرحوا بشيء أشدّ منه، حين قال رجل: يا رسول الله، الرجل يحبّ الرجلّ على العمل من الخير يعمل به ولا يعمل بمثله، فقال: «المرء مع من أحبّ» . قيل:
وإذا الرجال توسّلوا بوسيلة ... فوسيلتي حبّي لآل محمد
أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا زار العبد أخاه في الله ناداه مناد من السماء: طبت وطاب ممشاك، بوّأت لك منزلا في الجنّة» . وعنه صلّى الله عليه وسلّم: يقول الله عزّ وجلّ: «حقّت محبّتي للمتحابّين فيّ والمتزاورين فيّ» .
قيل: الزيارة تغرس المودّة. في كتب الهند: ثلاثة تزيد في الأنس والثقة:
الزيارة والمؤاكلة والمحادثة. كان للسّنجاريّ صاحب انقطع عنه أياما فعتبه بالكتاب، فكتب الصاحب إليه بيتي الحريريّ رحمه الله تعالى:
لا تزر من تحبّ في كلّ شهر ... غير يوم ولا تزده عليه
(1/179)

فاجتلاء الهلال في الشهر يوم «1» ... ثمّ لا تنظر العيون إليه
فقال في جوابه:
إذا حققت من خلّ ودادا ... فزره ولا تخف منه ملالا
وكن كالشمس تطلع كلّ يوم ... ولا تك في زيارته هلالا
قيل: يقرب الطريق، في زيارة الصديق. المجنون:
وكنت إذا ما جئت ليلى بأرضها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
آخر:
تقرّب لي دار الحبيب وإن نأت ... وما دار من أبغضته بقريب
عمر رضي الله عنه: تزاوروا ولا تجاوروا. قيل: إدمان اللقاء سبب الجفاء. قيل: قلّة الزيارة أمن من الملالة، وكثرة التعاهد سبب التباعد. اعتذر رجل لآخر بتأخره عنه، فقال: ما رأيت إحسانا يعتذر منه إلّا هذا. قيل: دواء ما لا تشتهيه النفس تعجيل فراقه. بعضهم: كان لي قرين إذا كلّمته آذاني وأثمت، وإذا تركته استرحت. عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه» . وروي: «من هجر أخاه فوق ثلاث فمات دخل النار» .
أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «تفتح أبواب السماء في كلّ يوم اثنين وخميس، فيغفر في ذلك اليوم لكلّ عبد لا يشرك بالله شيئا إلّا من بينه وبين أخيه شحناء» . عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «أنه هجر بعض نسائه أربعين يوما» .
قيل لمغيرة بن شعبة «2» : إنّ بوّابك يأذن لأصحابه قبل أصحابك. فقال: إنّ
(1/180)

المعرفة لتنفع عند الكلب العقور، والجمل الصّؤول «1» فكيف بالرجل العقول؟
قيل: الكلب لا ينبح على من في داره. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» . ابن عمر رضي الله عنهما: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إنّ الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة ألف بيت من جيرانه البلاء.
ثم قرأ: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ
«2» الآية.
داود عليه السّلام: اللهمّ إنّي أعوذ بك من مال يكون عليّ فتنة، ومن ولد يكون عليّ ربّا، ومن حليلة تقرّب الشيب قبل المشيب، وأعوذ بك من جار تراني عيناه وترعاني أذناه، إن رأى خيرا دفنه، وإن سمع شرّا طار به. لقمان:
يا بنيّ حملت الحجارة والحديد فلم أر شيئا أثقل من جار السوء. قيل: اصحب السلطان بالحذر، والصديق بالتواضع، والعدوّ بالتحرّز، والعامّة بالبشر.
بزرجمهر: وقّر من فوقك، وارحم من دونك، وأحسن مكافأة أكفائك. ابن عباس رضي الله عنهما: لجليسي عليّ ثلاث: أرميه بنظري إذا أقبل، وأوسّع له إذا جلس، وأصغي إليه إذا حدّث. وعنه رضي الله عنه: إني لأستحيي أن يطأ الرجل بساطي ثلاث مرّات ولا يرى عليه أثر برّي. يحيى بن أكثم: ما رأيت أكرم من المأمون: بتّ عنده ليلة فعطش، فكره أن يصيح بالغلمان، وكنت منتبها فو الله قد قام ومشى قليلا إلى البرادة «3» حتى شرب ورجع. ورأيته ليلة وأنا عنده وحدي وقد أخذه سعال، فرأيته يسدّ فاه بكمّه كيلا أنتبه. والله أعلم بالصواب.
(1/181)

الروضة السادسة عشرة في الجهل واللّحن والتحريف والخطأ وما ناسب ذلك
معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنتم على بيّنة من ربّكم ما لم تظهر منكم سكرتان: سكرة الجهل، وسكرة حبّ الدنيا» . يقال: نفور العلم من الجاهل أشدّ من نفور العالم من الجهل. قيل:
سقام الحرص ليس له شفاء ... وداء الجهل ليس له طبيب
يقال: كلام العاقل قوت، وجواب الجاهل سكوت. المعرّي:
وإنّي وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل
ولمّا رأيت الجهل في الناس فاشيا ... تجاهلت حتى ظن أنّي جاهل
فواعجبا كم يدّعي الفضل ناقص ... ووا أسفا كم يظهر النقص كامل «1»
وصف رجل فقيل: يغلط من أربعة أوجه: يسمع غير ما يقال له، ويحفظ غير ما يسمع، ويكتب غير ما يحفظ، ويحدّث غير ما يكتب. أرسطاطاليس:
العاقل يوافق العاقل، والجاهل لا يوافق الجاهل ولا العاقل، مثل ذلك:
المستقيم الذي ينطبق على المستقيم، فأمّا المعوجّ فإنه لا ينطبق على المعوجّ ولا على المستقيم.
دخل خالد بن صفوان الحمّام فسمع رجلا يقول لابنه وهو يريد أن يعرّف خالدا بلاغته: ابدأ بيداك وثنّ برجلاك. ثم قال: يا بن صفوان هذا كلام قد
(1/182)

ذهب أهله. فقال خالد: بل ما خلق الله له أهلا. عليّ رضي الله عنه: الناس أعداء ما جهلوا. أبو الأسود الدّؤلي: إذا أردت أن تعذّب عالما فاقرن معه جاهلا. أفلاطون: ما ألمت نفسي إلّا من ثلاث: من غنيّ افتقر، وعزيز ذلّ، وحكيم تلاعبت به الجهّال. أرسطو: صديق الجاهل مغرور. وعنه: الجاهل عدوّ لنفسه، فكيف يكون صديقا لغيره. قيل لجالينوس: متى ينبغي للإنسان أن يموت؟ فقال: إذا جهل ما يضرّه مما ينفعه. يقال: اجتنب الجاهل فإنه يجني على نفسه، وهي أحبّ النفوس إليه. قيل: الجاهل يفسد لعدم تهدّيه للإصلاح مع رغبته في الصلاح، والأحمق يفسد لأنه يتلذّذ بالفساد، ويتألّم بجريان الأمور على السداد. كان مسلمة بن عبد الملك يعرض الجند، فقال لرجل منهم: ما اسمك؟ فقال: عبد الله، بالنصب. فقال: ابن من؟ فقال: ابن عبد الرحمن، بالجرّ. فأمر بضربه فقال: بسم الله بالرفع، فقال: دعوه فلو كان تاركا للّحن لتركه تحت السّياط. قرع رجل باب نحويّ، فخرج صبيّ، فقال الرجل: يا صبيّ أباك أبيك أبوك ههنا؟ فقال الصبيّ: لا لي لو. ابن السّماك:
أعقل الناس محسن خائف، وأجهلهم مسيء آمن. ذو النون المصري رحمه الله تعالى: من جهل قدره هتك ستره. قيل:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... وأجسامهم قبل القبور قبور
وكلّ امرىء لم يحي بالعلم ميّت ... وليس له حتى النشور نشور
وقيل:
ماتوا وعشنا فهم عاشوا بموتهم ... ونحن في صورة الأحياء أموات
أخي فبادر إلى زاد تحصّله ... ولا تسوّف فللتأخير آفات
(1/183)

بعض الأفاضل:
موت التقيّ حياة لا نفاد لها ... قد مات قوم وهم في الناس أحياء
وقيل:
ما مات من كان حيا ذكره أبدا ... وفي الدفاتر قد تتلى فوائده
ولم يزل ذكره في الناس منتشرا ... وينفع الخلق في الدنيا عوائده
ولذا قيل: الناس كلّهم هالكون إلّا العالمون «1» . قيل:
وليس بفقر فقدك المال والغنى ... ولكنّ فقد الفضل عندي هو الفقر
وقيل:
العلم أنفس شيء أنت ذاخره ... من يدرس العلم لم تدرس مفاخره
فاجهد بنفسك فيما أنت تجهله ... فأوّل العلم إقبال وآخره
عليّ رضي الله عنه: ربّما أخطأ البصير قصده، وأصاب الأعمى رشده.
تكلّم رجل عند عبد الله بن عبّاس فأكثر الخطأ، فدعا عبد الله بغلام له فأعتقه، فقال له الرجل: ما سبب هذا الشكر؟ فقال: أن لم يجعلني الله مثلك. شهد سلميّ الموسوس عند جعفر بن سليمان على رجل فقال: أصلحك الله، ناصبيّ رافضيّ قدريّ مجبّر، شتم الحجاج بن الزبير الذي هدم الكعبة على عليّ بن أبي سفيان. فقال له جعفر: لا أدري على أيّ شيء أحسدك؟ أعلى علمك بالمقالات أم على معرفتك بالأنساب؟ فقال: أصلح الله الأمير، ما خرجت من الكتّاب حتى حذقت هذا كلّه. سقراط: لا تردّنّ على ذي خطأ فإنه يستفيد منك
(1/184)

علما ويتخذك عدوّا. قيل:
لا تركننّ إلى قوم تعلّمهم ... فكلّهم مبغض في زيّ أحباب
يقال: من كثر لغطه كثر غلطه. سقراط: لو سكت من لا يعلم لسقط الاختلاف. أبو الطيب:
وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السّقيم «1»
أبو سعيد الضرير لأبي تمّام: لم لا تقول ما يفهم؟ فقال: يا أبا سعيد لم لا تفهم ما يقال؟ مولانا قطب الدين الشيرازي في بعض المتصدّين لشرح المجسطي «2» من الجهّال: لو علم والد بطليموس أنّ مثله يشرح كلام ولده لاختصى. مولانا جلال الدين الداواني: لو علم العلماء الأسلاف أنه يخلف بعدهم نظائرنا من الأجلاف لأوصوا أن تدفن كتبهم معهم في قبورهم، بل لم يظهروا قطّ ما في صدورهم.
حضر مجلس الأعمش قوم ليسمعوا الحديث فقال: ما اليوم؟ فقال رجل منهم: الاثنين. فقال الأعمش: الاثنان، ارجعوا فأعربوا كلامكم ثم اطلبوا الحديث. وقيل: كان سيبويه في ابتداء أمره يصحب الفقهاء والمحدّثين، وكان يستملي على حمّاد، فلحن يوما فردّ عليه حمّاد فأنف من ذلك، فلزم الخليل فبرع في النحو. سمع رجل رجلا يقرأ: الأكراد أشدّ كفرا ونفاقا، فقال له: قل ويحك: الأعراب «3» . فقال: كلهم يقطعون الطريق. والله تعالى أعلم.
(1/185)

الروضة السابعة عشرة في الجنون والحمق والغفلة والمكر والاحتيال وترك الأناة والعجلة
أنس رضي الله عنه: «مرّ برسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجل، فقال رجل: يا رسول الله هذا مجنون. فأقبل عليه وقال: أقلت مجنون؟ إنما المجنون المقيم على المعصية ولكن هذا مصاب» . عيسى عليه السّلام: عالجت الأكمه والأبرص فأبرأتهما، وعالجت الأحمق فأعياني. قيل:
لكلّ داء دواء يستطبّ به ... إلا الحماقة أعيت من يداويها
عليّ رضي الله عنه: ليس من أحد إلا وفيه حمقة فبها يعيش. المبرّد:
دخلت دير هزقل»
فرأيت مجنونا مربوطا فدلعت لساني في وجهه فنظر إلى السماء وقال: لك الحمد والشكر، من خلّوا؟ ومن ربطوا موضع المجانين «2» ؟.
قيل لمجنون: أتعرف الله؟ فقال: ألا أعرف من أجاعني وأعراني وسلب عقلي وأخزاني؟. قيل لمجنون: عدّ لنا مجانين البصرة، فقال: كلّفتموني شططا، أنا على عدّ عقلائها أقدر. يقال: نزلت به البطنة ونأت عنه الفطنة.
اصطحب أحمقان في طريق، فقال أحدهما للآخر: تعال نتمنّ فإن الطريق تقطع بالحديث، فقال أحدهما: أنا أتمنى قطائع «3» غنم أنتفع برسلها «4» ولحمها
(1/186)

وصوفها ويخصب معها رحلي، ويشبع بها أهلي. وقال الآخر: أنا أتمنى قطائع ذئاب أرسلها على غنمك حتى تأتي عليها. فقال: ويحك أهذا من حقّ الصحبة وحرمة العشرة؟ وتلاحما واشتدّت الملحمة بينهما. فرضيا بأول من يطلع عليهما حكما، فطلع عليهما شيخ على حمار بين زقّين من عسل، فحدّثاه، فنزل عن الحمار وفتح الزّقّين حتى سال العسل في التراب، ثم قال: صبّ الله دمي مثل هذا العسل إن لم تكونا أحمقين. شرد لهبنقة بعير فقال: من جاء به فله بعيران، فقيل له: أتجعل في بعير بعيرين؟ فقال: إنكم لا تجدون حلاوة الوجدان، فنسب إلى الحمق وصار مثلا فيه. ولدت دغة فصاح الولد فقالت لامرأة: أيفتح الجعر فاه «1» ؟ فقالت المرأة: نعم ويسبّ أباه. فصارت مثلا في الحمق.
بكر بن معتمر: إذا كان العقل تسعة أجزاء احتاج إلى جزء من الحمق ليقدم في الأمور، فإن العاقل أبدا متوان متوقّف متخوّف. جابر بن عبد الله، يرفعه:
«كان رجل متعبّد في صومعة فأمطرت السماء وأعشبت الأرض، ورأى حماره يرعى في ذلك العشب فقال: يا ربّ لو كان لك حمار لرعيته مع حماري. فبلغ ذلك بعض الأنبياء فهمّ أن يدعو عليه، فأوحى الله إليه أن لا تدع عليه فإني أجازي العباد على قدر عقولهم» . وهب بن منبّه: خلق ابن آدم أحمق ولولا حمقه ما هنأه عيش. قيل لأعرابيّ: يا مصاب، فقال: بل أنت أصوب مني، أي أجنّ. يقال: عقله منه على سفر.
يظنّ بأنّ الخمل في القطف نابت ... وأنّ الذي في داخل التين خردل
قيل: هو ذو بصيرة بلهاء عند تشابه النوائب، وتجربة عمياء عن تأمّل العواقب. كان يقال: مجالسة الأحمق خطر، والقيام عنه ظفر. أهل بغداد:
(1/187)

فلان الساعة سقط من المحمل. يريدون أنه غبيّ، شبّهوه في غباوته بالخراسانيّ الوارد عليهم ولم يختبر أحوال بلدهم. كتب سعد بن أبي وقّاص إلى عمر رضي الله عنهما: إني أصبت فيما أفاء الله «1» على رسوله صندوقا من ذهب، عليه قفل من ذهب، ولم أفتحه. فكتب إليه أن بعه فإني أحسبه حمقة من حمقات العجم. ففعل، ففتحه المشتري فأصاب فيه حريرا مدرجا. فجعل يكشفه حتى أفضى إلى درج ففتحه فإذا فيه كتاب، فأتى ببعض من يقرؤه، فإذا فيه: تسريح اللحية من جانب الحلق أنفع من ألف تسريحة إلى الحلق. فاستقال مشتريه «2» فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إلى سعد أن استحلفه أكان يقيلنا لو أصاب فيه كنزا واستقلناه؟ فسئل الرجل فقال: ما كنت لأقيلكم. فلم يقيلوه. قال رجل لامرأته وهو يحبّها: أنا لك والله مائق. أراد: وامق «3» ، أي محبّ، فقالت: لست لي وحدي بمائق أنت والله مائق لكلّ أحد.
الشّلوبين كان جالسا على شاطىء نهر وبيده كراريس، فوقع منها واحدة بالماء فلم تصل يده إليها ليأخذها فجذبها بكرّاسة أخرى فتلفت الأخرى. بينا ابن عمر رضي الله عنهما جالس إذ جاءه أعرابيّ فلطمه، فقدم إليه وافد بن عبد الله «4» فجلد به الأرض، فقال ابن عمر: ليس بعزيز من ليس في قومه سفيه. قيل:
ومن يحكم وليس له سفيه ... يلاق المعضلات من الرجال
قال الشافعي: لا بدّ للفقيه من سفيه يناضل عنه ويحامي عليه. عن الأحنف:
(1/188)

أكرموا سفهاءكم فإنّهم يكفونكم النار والعار. جعفر بن محمد: إنهم ليطفئون الحريق، ويستنقذون الغريق، ويسدّون البرنيق «1» . قال رجل لزهير الباني: يا أبا عبد الرحمن ألا توصيني بشيء؟ فقال: احذر لا يأخذك الله وأنت على غفلة.
ابن المقفّع: من أدخل نفسه فيما لا يعنيه ابتلي فيه بما يعنيه. زياد بن أبيه: ليس العاقل الذي يحتال للأمر إذا وقع فيه ولكنّ العاقل الذي يحتال للأمور حذرا أن يقع فيها. إياس بن معاوية: لست بخبّ والخبّ لا يخدعني. عمران بن حطّان «2» يصف الدّنيا:
أحلام نوم أو كظلّ زائل ... إنّ اللبيب بمثلها لا يخدع
ابن المقفع: إذا نزل بك مكروه فانظر: فإن كان له حيلة فلا تعجز وإن كان مما لا حيلة له فلا تجزع. قبيصة بن جابر: لو أنّ مدينة لها سبعة أبواب لا يخرج منها إلّا بمكروه ودهاء لخرج مغيرة بن شعبة من أبوابها كلّها. مغيرة بن شعبة: ما خدعني أحد مثل غلام من بني الحارث فإني ذكرت له امرأة فقال: إني رأيت رجلا يقبّلها. ثم تزوّجها فقلت له، فقال: رأيت أباها يقبّلها. قال الضحّاك بن مزاحم لنصرانيّ: لو أسلمت. قال: ما زلت محبّا للإسلام إلّا أنه يمنعني منه حبّي للخمر. فقال: أسلم واشرب الخمر. فلما أسلم قال له: قد أسلمت فإن شربتها حددناك وإن ارتددت قتلناك. فاختر لنفسك ما شئت. فقال:
أختار السلامة. وحسن إسلامه. قيل: ما هو إلا خديعة، وسراب بقيعة «3» .
(1/189)

أعرابيّ: سكنت في فطس «1» عفريت. قيل: الحيلة تجري مجرى القوّة بل هي ألطف عوضا. يقال: ربّ حيلة، أنفع من قبيلة. يقال: إذا طلبت عدوّك بالقوة فلا تقدمنّ عليه حتى تعلم ضعفه عنك، وإذا طلبته بالمكيدة فلا يعظمنّ أمره عندك وإن كان عظيما. قيل: الحيل تفتح أبواب الجبل. بعض السلف: إنّ كيد النساء أعظم من كيد الشيطان، فإنّ الله تعالى قال: إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
«2» وقال: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً
«3» . جحد رجل مال رجل، فاحتكما إلى إياس بن معاوية فقال للطالب: أين دفعت إليه هذا المال؟ قال: عند شجرة كذا بمكان كذا. قال:
فانطلق إلى الشجرة لعلّك تتذكّر كيف كان الأمر؟ فمضى، وجلس خصمه، فقال إياس بعد ساعة: أترى خصمك بلغ موضع الشجرة، قال: لا. قال: يا عدوّ الله أنت خائن، فقال: أقلني «4» أقالك الله، وأقرّ. أتي معن بن زائدة بثلاثمئة أسير فأمر بضرب أعناقهم فقال أحدهم: أنشدك الله ألّا تقتل ضيفانك، فقال: أحسنت، فأطلقهم.
دلّيت من السماء سلسلة في أيام داود عليه السّلام، عند الصخرة التي في بيت المقدس، فكان الناس يتحاكمون عندها، فمن مدّ يده إليها وهو صادق نالها، ومن كان كاذبا لم ينلها إلى أن ظهرت بينهم الخديعة، وذلك أن رجلا أودع جوهرة فخبّأها في عكازة. وطلبها المودع فجحدها «5» . فتحاكما، فقال المدّعي: إن كنت صادقا فلتدن مني السلسلة، فمسّها. ودفع المدّعى عليه العكازة إلى المدّعي وقال: اللهمّ إن كنت تعلم أني رددت الجوهرة فلتدن مني السلسلة. فمسّها، فقال الناس: قد سوّت السلسلة بين الظالم والمظلوم، فارتفعت بشؤم الخديعة. وأوحي إلى داود
(1/190)

عليه السّلام أن احكم بين الناس بالبيّنة واليمين. فبقي ذلك إلى السّاعة. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «المؤمن وقّاف، والمنافق وثّاب» . وعنه صلّى الله عليه وسلّم: «من تأنّى أدرك ما تمنّى» . قيل: من تأنّى غنّى. قال آدم عليه السلام لأولاده: كلّ عمل تريدون أن تعملوا فقفوا له ساعة فإني لو وقفت ساعة لم يكن أصابني ما أصابني. قيل:
لا تعجلنّ لأمر أنت طالبه ... فقلّما يدرك المطلوب بالعجل
فذو التأنّي مصيب في مقاصده ... وذو التعجّل لا يخلو من الزّلل
وقّع ذو الرياستين: إنّ أسرع النار التهابا أسرعها خمودا، فتأنّ في أمرك.
أعرابيّ: إياكم والعجلة فإنّ العرب تكنيها أمّ الندامات. قيل: من ورد عجلا صدر خجلا. قيل: لا يكاد يعدم الصّرعة من عادته السّرعة. قيل: لا يحسن التعجيل إلّا في تزويج البنت، ودفن الميت، وقرى الضيف، والغسل من الجنابة. يقال: من أسرع في الجواب أبطأ في الصواب. والله أعلم.
(1/191)

الروضة الثامنة عشرة في الجوابات المسكتة ورشقات اللسان
عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا يعدي شيء شيئا، فقال أعرابيّ: يا رسول الله إنّ النّقبة «1» تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة، فتجرب كلّها. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: فما أجرب الأوّل؟» . لمّا توجّه عمر إلى الشام قال له رجل:
أتدع مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فقال: أدع مسجد رسول الله لإصلاح أمّة رسول الله، ولقد هممت أن أضرب على رأسك بالدّرّة حتى لا تجعل الردّ على الأئمة عادة فتتخذها الأخلاف سنّة. عليّ رضي الله عنه قال له يهودي: ما دفنتم نبيّكم حتى اختلفتم. فقال: إنما اختلفنا عنه لا فيه، ولكنّكم ما جفّت أرجلكم من البحر حتى قلتم لنبيّكم: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
«2» .
خرج خادم من دار سليمان بن المنصور وبيده عود لجارية سليمان يريد إدخاله دار الرشيد، فمرّ على شيخ يلقط النّوى ويتقوّت بثمنه، فكسر العود، فتعلّق به الخادم. وبلغ الخبر الرشيد فأمر بقتله، فقال سليمان: ألا تسمع كلامه؟
فأحضر وفي يده كيس فيه نوى، فقال الرشيد: ما حملك على ما صنعت؟
فقال: رأيت منكرا فغيّرته، وأنت وآباؤك تقولون على المنابر: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
«3» الآية. فهابه الرشيد ولم يقدر على التكلم، فقام الشيخ وخرج،
(1/192)

فقال الرشيد للخادم: الحقه ببدرة، فلحقه فلم يقبل، وقال: قل له يردّها على من أخذ منه. ثمّ ولّى منشدا:
أرى الدنيا لمن هي في يديه ... بلاء كلّما كثرت لديه
إذا استغنيت عن شيء فدعه ... وخذ ما أنت محتاج إليه
رفع رجل رجلا إلى عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه وقال: إنّ هذا زعم أنه احتلم على أمّي فقال: أقمه في الشمس واضرب ظلّه. سئل عليّ رضي الله عنه عن مسافة ما بين الخافقين «1» فقال: مسيرة يوم للشمس. قيل لعليّ كرّم الله وجهه: ما بال خلافة عثمان مع خلافتك كانت متكدّرة، بخلاف خلافة الشيخين؟ فقال: كنت أنا وعثمان من أعوانهما، وأنت وأمثالك من أعواننا.
قال رجل لجعفر بن محمد رضي الله عنهما: ما الدليل على الله تعالى؟ ولا تذكر لي العالم والعرض والجوهر. فقال له: هل ركبت البحر؟ قال: نعم. قال:
هل عصفت بكم الريح حتى خفتم الغرق؟ قال: نعم. قال: فهل انقطع رجاؤك من المركب والملّاحين؟ قال: نعم. قال: هل تتبّعت نفسك أن ثمّة من ينجيك؟ قال: نعم. قال: فإن ذاك هو الله.
شهد أعرابيّ عند معاوية بشيء يكرهه، فقال معاوية: كذبت. فقال: والله الكاذب متزمّل في ثيابك. فتبسّم معاوية وقال: هذا جزاء من عجّل. قيل: قال معاوية لعقيل بن أبي طالب: إن فيكم شباقة «2» يا بني هاشم. قال: فينا في الرجال، وفيكم في النساء. قيل: إنّ معاوية قال لابن عباس: يا بني هاشم ما لكم تصابون في أبصاركم؟ قال: كما تصابون أنتم في بصائركم. مرّ نصر بن
(1/193)

سيّار بأبي الهند وكان شريفا وهو يميل سكرا فقال: أفسدت شرفك. فقال: لو لم أفسد شرفي لم تكن أنت والي خراسان. الأصمعيّ: اجتاز هارون بالبادية فإذا عجوز فسلّم عليها وقال: ممن أنت؟ فقالت: من طيّىء. فقال: ما منع طيّئا أن يكون فيهم مثل حاتم؟ فقالت: الذي منع الخلفاء أن يكون فيهم مثلك.
فأعطاها مالا عظيما، فاستكثروه فقال: والله لو أعطيتها الخلافة ما أوفيتها.
سعي بالإمام الشافعيّ إلى الرشيد بأنه يرى إمامة آل أبي طالب ولا يرى إمامة آل عباس، فاستحضره فقال حين دخوله عليه: بلغني كذا وكذا، فقال: يا أمير المؤمنين والله لأن أكون مع قوم يظنون أني من أنفسهم أحبّ إليّ من أكون مع قوم يرون أنّي عبد لهم. فاستحسن كلامه. أبو العلاء المعرّي:
يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار؟ «1»
وأجيب عنه:
هناك مظلومة عزّت بقيمتها ... وههنا ظلمت هانت على الباري «2»
وأجاب أيضا شمس الأئمة الكردري:
قل للمعرّي عار أيّما عار ... جهل الفتى وهو عن ثوب التّقى عاري
لا تقدحنّ زناد الشعر من حكم ... شعائر الشرع لم تقدح بأشعار
فقيمة اليد نصف الألف من ذهب ... ولو تعدّت فلا تسوى بدينار
سفيان بن عيينة، بكى يوما، فقال له يحيى بن أكثم: ما يبكيك يا أبا
(1/194)

محمد؟ قال: بعد مجالستي أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بليت بمصاحبتك. فقال له يحيى وكان حدّيثا «1» : فمصيبة أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمجالستك بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أعظم من مصيبتك. فقال: يا غلام أظنّ السلطان سيحتاج إليك. قال رجل لصاحب منزل: أصلح خشب هذا السقف فإنه يتفرقع. فقال: لا تخف إنما هو يسبّح، قال: أخاف أن تدركه رقّة فيسجد. في المثل: قال الجدار للوتد: لم تشقّني؟ قال الوتد: سل من يدقّني. قيل لعبادة: ما ورثت أختك من زوجها؟
قال: أربعة أشهر وعشرة أيام وأربع بنات.
مرض رجل وعنده امرأة مات عنها خمسة أزواج فقعدت عند رأسه تبكي وتقول: على من تتركني؟ فرفع رأسه وقال: على الزوج السابع الشقيّ. سأل رجل رجلا، فشتمه، فقال: تردّني وتشتمني؟ قال: كرهت أن أردّك غير مأجور. قيل لأبي الحارث: أيولد لابن ثمانين سنة ولد؟ قال: نعم، إذا كان له جار ابن عشرين سنة. بعضهم: رأيت رجلا معه ابنه لا يشبهه، فقلت: ابنك لا يشبهك، فقال: أو يترك جيراننا أن يشبهنا أولادنا. قالت عجوز لزوجها: أما تستحيي أن تزني ولك حلال طيّب؟ فقال: أما حلال فنعم وأما طيّب فلا. قيل لمزبد: هل في بيتك دقيق؟ قال: لا، ولا جليل. مدح أبو مقاتل الضرير الحسن بن زيد بقصيدة أوّلها:
لا تقل بشرى ولكن بشريان ... غرّة الداعي ووجه المهرجان
فكره الحسن افتتاحه بلا، فقال أبو مقاتل: لا كلمة أشرف من كلمة التوحيد وأوّلها «لا» . قيل لسقراط: إنّ الكلام الذي قلته لم يقبل. فقال: ليس يلزمني
(1/195)

أن يقبل، إنما يلزمني أن يكون صوابا. قال الإسكندر لابنه: يابن الحجّامة، فقال: أمّا هي فقد أحسنت التخيّر وأما أنت فلم تحسن. قال الفرزدق لزياد الأعجم: يا أقلف «1» . قال له: يا بن النمّامة ما أعجلك بما عرّفتك به أمّك.
قال رجل لغلام: ليتك تحتي، فقال الغلام: مع ثلاثة. قال أعرابيّ لابنه: يابن الأمّة. فقال له: والله لهي أعذر منك حيث لم ترض إلّا حرّا.
غنّى إبراهيم للرشيد فقال: أحسنت أحسن الله إليك، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّما يحسن الله إليّ بك. فأمر له بمائة ألف. لعب الرشيد مع أصحابه بالكرة والصّولجان فاقتسموا، فقال ليزيد بن مزيد: كن أنت من جانب عيسى بن جعفر، قال: لا. فغضب هارون، فصعق فقال: يا أمير المؤمنين إني حلفت أن أكون معك في الجدّ والهزل. فطاب قلبه وأمر له بعطاء. قال المتوكّل لأبي العيناء: إلى متى تمدح الناس وتذمّهم؟ فقال: ما أحسنوا وأساؤوا. نظر رئيس إلى أبي هفّان وهو يسارّ رجلا. قال: فيم تكذبان؟ قالا: في مدحك.
سأل المأمون أبا يونس فقيه مصر عن رجل اشترى شاة فضرطت فخرجت منها بعرة ففقأت عين رجل: على من الدّية؟ قال: على البائع، قال: لم؟ قال:
باع شاة في استها منجنيق ولم يبرأ من العهدة «2» . سمع مجنون رجلا يقول:
اللهمّ لا تأخذني على غفلة. قال: إذا لا يأخذك أبدا. قال المعتصم لفتح بن خاقان وهو صبيّ: أرأيت يا فتح أحسن من هذا الفصّ «3» (لفصّ في يده) ؟
قال: نعم يا أمير المؤمنين اليد التي هو فيها أحسن منه.
جيء برجل تنبّأ إلى المعتصم، فقال: أشهد أنك رجل أحمق. قال: كذا
(1/196)

العادة، كلّ نبيّ من بني نوعه. تنبّأ رجل عند ملك، قال: ألك معجزة؟ قال:
ما تريد؟ قال: أريد أن تخرج الساعة بطّيخا من الأرض. قال: أمهلنا ثلاثة أيام. قال: أريد السّاعة. قال: إنّ الله تعالى مع كمال قدرته يخرجه في ثلاثة أشهر، أنت لا تمهلنا ثلاثة أيام؟ فضحك وأمر بتوبته وتشريفه «1» إذ علم أنه مزاح. ادّعى أسود في مصر النبوّة فأتى المأمون وقال: أنا موسى. قال: كان لموسى معجزة من اليد البيضاء وتقليب العصا. قال: أتى موسى بمعجزة لقول فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
«2» ولو قلت ذلك لأتيتك بمعجزة. جيء بامرأة تنبّأت إلى الواثق، قال: ما تقولين في محمد؟ قالت: نبيّ. قال الواثق: فهو قال:
«لا نبيّ بعدي» . قالت: ولم يقل لا نبيّة بعدي.
أتي برجل اتّهم بالزندقة إلى هارون فقال: أنت زنديق؟ قال: أنا أصلي وأصوم. قال: آمر الآن بأن يضربوك حتى تقرّ بالزندقة. قال: ابن عمّك كان يضرب الناس إلى أن يقرّوا بالإسلام وأنت تضرب لإقرار الكفر. فخجل وتركه.
كان لعمران بن حطّان زوجة جميلة، وكان هو قصيرا دميما. فقالت له ذات يوم: اعلم أني وإيّاك في الجنة. قال: كيف؟ قالت: لأنك أعطيت مثلي فشكرت وأنا بليت بمثلك فصبرت، والصابر والشاكر في الجنة. وجاء رجل إلى إياس بن معاوية وقال: لو أكلت التمر أتضربني؟ قال: لا. قال: لو أكلت الشّونيز «3» مع الخبز ما يلزم؟ قال: لا يلزم شيء. قال: لو شربت قدرا من الماء؟ قال: لا يمنع. قال: شراب التمر أخلاط منها فكيف يكون حراما؟ قال إياس: لو رميتك بالتراب أيوجع؟ قال: لا. قال: لو صبّ عليك قدر من
(1/197)

الماء أيتكسّر عضو منك؟ قال: لا. قال: لو فعلت «1» من الماء والتراب لبنا فجفّ في الشمس وضربت به رأسك كيف يكون؟ قال: ينكسر الرأس. قال:
ذاك مثل هذا.
اجتمع شريك بن عبد الله ويحيى بن عبد الله في دار الرشيد، فقال يحيى لشريك: ما تقول في النبيذ؟ قال: حلال. قال: فقليله خير أم كثيره؟ قال:
قليله. قال: ما رأيت خيرا قطّ إلّا والازدياد منه خير إلّا خيرك هذا. اعترض رجل المأمون فقال: أنا رجل من العرب. فقال: ليس بعجيب. قال: أريد الحجّ. قال: الطريق أمامك. قال: ليس لي نفقة. قال: سقط عنك الفرض. قال: جئتك مستجديا لا مستفتيا. فضحك وبرّه. قال الخيّاط المتكلم: ما قطعني»
إلّا غلام قال لي: ما تقول في معاوية؟ قلت: أنا أقف فيه. قال: ما تقول في ابنه يزيد؟ قلت: ألعنه. قال: فما تقول فيمن يحبّه؟
قلت: ألعنه. قال: أفترى معاوية كان لا يحبّ ابنه؟. دخلت أمّ أفعى العبدية على عائشة رضي الله عنها فقال: يا أمّ المؤمنين ما تقولين في امرأة قتلت ابنا لها صغيرا؟ قالت: وجبت لها النار. قالت: فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الكبار عشرين ألفا؟ قالت: خذوا بيد عدوّة الله. سأل ملك شيعيّ مذكّرا «3» عن أفضل البشر بعد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: من بنته في بيته. أنشد ابن الفارض يوما في الخلوة بيت الحريريّ:
(1/198)

من ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط؟
فسمع قائلا يقول ولم ير شخصه:
محمد الهادي الذي ... عليه جبريل الأمين هبط
قال المتوكل يوما: أتعلمون ماله عتب الناس على عثمان؟ فقال بعض جلسائه: لم؟ قال: لمّا قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قام أبو بكر على المنبر دون مقام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بمرقاة «1» ، ثم قام عمر دون مقام أبي بكر بمرقاة، فلما ولي عثمان صعد ذروة المنبر فقعد مقعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فأنكر المسلمون ذلك. فقال عبادة: يا أمير المؤمنين ما أحد أعظم منّة عليك ولا أسبغ معروفا من عثمان.
قال: كيف ويلك؟ قال: لأنه صعد ذروة المنبر ولولا ذلك لكان كلما قام خليفة نزل عن مقام من تقدّمه بمرقاة فكنت أنت تخطبنا من بئر جلولاء «2» .
ولّى المنصور سليمان بن راميل الموصل وضمّ إليه ألفا من العجم وقال: قد ضممت إليك ألف شيطان تذلّ بهم الخلق. فعثوا في نواحي الموصل، فكتب إليه: كفرت النعمة يا سليمان. فأجاب سليمان: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا
«3» . فضحك المنصور وأمدّه بغيرهم. خالد بن ربيع:
رأيت في النخاسين «4» جارية مليحة، قلت: ما اسمك؟ قالت: جنّة.
قلت: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ
«5» قالت: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
«6» . الأصمعيّ: رأيت
(1/199)

دكّانا فيه أنواع الطيور المشويّة، وأنواع الفواكه، وامرأة في غاية الجمال، فقلت: وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ [20] وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ [21] وَحُورٌ عِينٌ [22] كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ
«1» فقالت بالفور: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
«2» .
الرشيد بات مع جارية قارئة وقال: اجعلي ظهرك إليّ. قالت: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
«3» قال: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
«4» قالت:
وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها
«5» . طلب الرشيد الوقاع من جارية، قالت:
وَفارَ التَّنُّورُ
«6» كنّت عن الحيض. قال: سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ
«7» قالت: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
«8» . نزل مخنّث في ماء ليغتسل، فجاء قوم من آل أبي معيط يرمونه، فقال: لا ترموني فلست بنبيّ. قال المنصور لبعض أهل الشام: ألا تحمدون الله إذ رفع عنكم الطاعون منذ وليناكم؟ فقال الشاميّ: إنّ الله أعدل من أن يجمعكم علينا والطاعون. فسكت. ولم يزل يطلب له العلل حتى قتله. أخّر يعقوب بن ليث «9» رجلا من أهل سجستان موسرا فأفقره، فدخل عليه بعد مدّة فقال له: كيف أنت الساعة؟ قال: كما كنت قديما. قال: وكيف كنت قديما؟ قال: كما أنا الساعة. فأطرق وأمر له بعشرة
(1/200)

آلاف. أبو العتاهية قرأ يوما قصيدة ومنها:
فاضرب بطرفك حيث ش ... ئت فلن ترى «1» إلا بخيلا
فلامه جماعة وقالوا: أما تستحي؟ تجعل الجميع بخلاء. قال: هذا سهل كذّبوني بأحد. عليّ رضي الله عنه: نعم الناصر الجواب الحاضر. قيل:
بليت به فقيها ذا جدال ... يكابر بالدليل وبالدّلال
سألت وصاله والوصل حلّ ... فقال: نهى النبيّ عن الوصال
يقال: ربّ قول أشدّ من صول. صولة اللسان أنفذ من طعن السّنان.
جراحات السّنان لها التئام ... ولا يلتام ما جرح اللسان
أبو بكر رضي الله عنه: لين الكلام، من أخلاق الكرام. المعرّي:
وقد تنطق الأشياء وهي صوامت ... وما كلّ نطق المخبرين كلام «2»
وقيل:
لا تحسبنّ بشاشتي لك عن رضا ... فوحقّ مجدك إنني أتملّق
ولئن نطقت بشكر جودك مفصحا ... فلسان حالي بالشكاية أنطق
أوحد الزمان:
قالوا تركت الشعر قلت ضرورة ... باب الدواعي والبواعث مغلق «3»
خلت الديار فلا كريم يرتجى ... منه النّوال ولا مليح يعشق
ومن العجائب أنه لا يشترى ... ويخان فيه مع الكساد ويسرق
(1/201)

سأل رجل الشعبيّ عن المسح على الّلحية فقال: خلّلها، قال: أتخوّف أن لا تبلّ، قال: فانقعها من أوّل الليل. روى الشعبيّ حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«تسحّروا ولو أن يضع أحدكم إصبعه على التراب ثم يضعها في فيه» فقال رجل: أيّ الأصابع؟ فتناول الشعبيّ إبهام رجله وقال: هذه. قال رجل لأبي يعقوب: إذا نزعت ثيابي ودخلت النهر للغسل إلى أين أتوجّه، إلى القبلة أو غيرها؟ قال: الأفضل أن يكون وجهك إلى ثيابك التي نزعتها. وسأله آخر: إذا شيّعنا جنازة فقدّامها أفضل أن نمشي أم خلفها؟ فقال: اجهد أن لا تكون عليها وامش حيث شئت.
خاصمت امرأة زوجها إلى الشعبيّ فبكت، فقال الشعبيّ: أظنّها مظلومة، فقال: إنّ إخوة يوسف جاؤوا أباهم عشاء يبكون وهم ظالمون. سئل الشعبيّ عن لحم الشيطان، قال: نحن نرضى منه بالكفاف، فقيل له: ما تقول في الذباب؟
قال: إن اشتهيته فكله. ادّعى رجل الفقه وبسط على بابه البواري «1» وقعد للفتوى، واحتفّ به الناس، فجاء رجل وقال: يا فقيه ما تقول فيمن أدخل إصبعه في أنفه فخرج عليها دم؟ فقال: يحتجم، فقال: قعدت فقيها أم طبيبا؟
فقال: لك طبيبا ولغيرك فقيها. سأل سقّاء من فقيه مسألة على باب السلطان فقال:
أهذا موضع مسألة؟ فقال السقّاء: أهذا موضع فقيه؟. بعض الأدباء: حضرت لتعليم المعتزّ وهو صبيّ فقلت: بأيّ شيء نبدأ اليوم؟ فقال: بالانصراف.
قال عبد الله بن حازم لقهرمانه: إلى أين تمضي يا هامان؟ قال أبني لك صرحا. فتعجب من جوابه لأنه أشار إلى أنه فرعون إن كان هو هامان. اعترض
(1/202)

رجل جارية رقّاصة فقال: هل في يدك صناعة؟ فقالت: لا، ولكن في رجلي. قال علويّ لأبي العيناء: أتبغضني وقد أمرت بالصلاة عليّ، تقول:
صلّى الله على محمد وآله، فقال: إني أقول الطّيبين الأخيار، فتخرج أنت. عاد شريح «1» زياد بن أبيه، فلمّا خرج قيل له: كيف تركته؟ فقال: تركته يأمر وينهى، خيّل أنه صحيح يقوم بإمارته آمرا وناهيا. وإنما أراد أنه مشف «2» يأمر بتنفيذ وصيّته وينهى عن النوح عليه.
رمى المتوكّل عصفورا فلم يصبه، فقال ابن حمدون: أحسنت. قال: كيف أحسنت؟ قال: إلى العصفور. قال الفرزدق: ما استقبلني أحد بمثل ما استقبلني به نبطيّ قال: أنت في الكنيف «3» من قدمك إلى أنفك. قلت: لم حاشيت العينين؟ قال: حتى ترى هوان نفسك، فبهتّ. قالت امرأة لزوجها: يا متعفّن الخصيتين. فقال: كيف لا، وهما سالكان درب فرجك منذ أربعين سنة؟. قال رجل لجرير: أنت تقذف المحصنات، فقال: إذن لا يصيب أمّك من ذلك شيء. قال عمرو بن عبيد للفرزدق: متى عهدك بالزنى. فقال: منذ ماتت عجوزك. يقال: بلطف الكلام، يخدع الكرام. كان يقال: أحضر الناس جوابا من لم يغضب. الأصمعيّ:
لم أر مثل الرفق في لينه ... قد أخرج العذراء من خدرها
من يستعن بالرّفق في أمره ... يستخرج الحيّة من جحرها
أبو الحسن التّنوخيّ:
الرفق يمن وخير القول أصدقه ... وكثرة المزح مفتاح العداوات
(1/203)

والصدق برّ، وقول الزّور: صاحبه ... يوم المعاد حريّ بالعقوبات
الأصمعيّ: من علامة الأحمق الإجابة قبل استقصاء الاستماع. أرسطو:
السرعة في الجواب توجب العثار. أعرابيّ في وصف متناظرين: أوّل مجلسهم انتطاح، وآخره اصطلاح. شقيق بن إبراهيم البلخيّ: قال لي إبراهيم بن أدهم:
أخبرني عما أنت عليه. فقلت: إذا رزقت أكلت وإذا منعت صبرت. فقال لي:
هكذا تعمل كلاب بلخ. فقلت له: كيف تعمل أنت؟ قال: إذا رزقت آثرت وإذا منعت شكرت. قيل: المبطل مخصوم وإن غلب، والمحقّ فالح وإن خصم. يقال: من أجاب السّفيه سفه، ومن سكت عن جوابه نبه. قيل: من غاظك بقبح الشّتم منه، فغظه بحسن الحلم عنه.
وجدت الرفق أبلغ في السموّ ... ولم أر كالتواضع في العلوّ
ومن بسط اللسان على سفيه ... كمن دفع السلاح إلى العدوّ
وقيل:
بالرفق تبلغ ما تهواه من أرب ... وصاحب الخرق «1» محمول على خطر
قيل لبعض الحكماء: ما الأشياء الناطقة الصامتة؟ فقال: الدلائل المخبرة والعبر الواعظة. قيل لحكيم: مالك تدمن إمساك العصا ولست بكبير ولا مريض؟ فقال: لأعلم أنّي مسافر. قال الرشيد لبهلول: من أحبّ الناس إليك؟
فقال: من أشبع بطني، فقال: أنا أشبعه فهل تحبّني؟ قال: الحبّ بالنسيئة لا يكون. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
(1/204)

الروضة التاسعة عشرة في الحياء والسكوت والعزلة والوحدة والاختلاط
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لكلّ دين خلق، وخلق الإسلام الحياء» . وعنه صلّى الله عليه وسلّم:
«الحياء شعبة من الإيمان» . عليّ رضي الله عنه: من كساه الحياء ثوبه، لم ير الناس عيبه. أعرابيّ: لا يزال الوجه كريما ما غلب حياؤه، ولا يزال الغصن نضيرا ما بقي لحاؤه «1» .
يعيش المرء ما استحيا كريما ... ويبقى العود ما بقي الّلحاء
وما في أن يعيش المرء خير ... إذا ما المرء فارقه الحياء «2»
قيل: الوجه المصون بالحياء، كالجوهر المكنون في الوعاء. الإمام الشافعيّ رضي الله عنه، زار الإمام أبا حنيفة ببغداد، قال: فأدركتني صلاة الصبح وأنا عند ضريحه، وصلّيت الصبح فلم أجهر بالبسملة ولا قنتّ حياء من أبي حنيفة رضي الله عنه. الربيع: ما دخل الشافعيّ بغداد إلا ومشى إلى قبر أبي حنيفة وزاره ودعا عنده فقضيت حاجته. أرسطاطاليس: من استحيا من الناس ولم يستحي من نفسه فلا قدر لنفسه عنده. وهب: إذا كان في الصبيّ خلقان الحياء والرهبة، طمع في رشده. عليّ رضي الله عنه: لا تعمل الخير رياء، ولا تتركه حياء.
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «رحم الله امرأ أمسك فضل لسانه، وبذل فضل ماله» .
عليّ رضي الله عنه: إذا تمّ العقل نقص الكلام. قيل: من كثر لغطه كثر غلطه.
(1/205)

النخعيّ: إنما يهلك الناس فضول الكلام وفضول المال. وهيب بن الورد: بلغنا أنّ الحكمة عشرة أجزاء، تسعة من الصمت والعاشر العزلة. لقمان: يا بنيّ إذا افتخر الناس بحسن كلامهم فافتخر أنت بحسن صمتك. قيل: الصمت زين العاقل وستر الجاهل. كان رجل يحضر مجلس أبي يوسف كثيرا ويطيل السكوت، فقال له يوما: مالك لا تتكلّم ولا تسأل عن مسألة؟ فقال: أخبرني أيها القاضي متى يفطر الصائم؟ فقال: إذا غابت الشمس. قال: فإن لم تغب إلى نصف الليل؟ فتبسّم وتمثّل ببيت جرير:
وفي الصمت زين للغبيّ وإنما ... صحيفة لبّ المرء أن يتكلّما «1»
قال: ما دلّ على الأحوال كالأقوال، ولا هتك قناع العقول مثل سماع المقول. عائشة رضي الله عنها، رفعته: «عجبت من ابن آدم وملكاه على نابيه، فلسانه قلمهما وريقه مدادهما، كيف يتكلم فيما لا يعنيه؟» . لقمان:
لكلّ شيء دليل، ودليل العقل الفكر، ودليل الفكر الصمت. لما خرج يونس عليه السلام من بطن الحوت طال صمته، فقيل: ألا تتكلم؟ فقال: الكلام صيّرني في بطن الحوت. قيل: يقول اللسان كل صباح ومساء للجوارح: كيف أنتنّ؟ فيقلن: بخير إن تركتنا. فيثاغورس: أكثر الآفات تعرض للحيوانات من عدم الكلام، وللإنسان من قبل الكلام. وعنه: ينبغي أن يعرف الوقت الذي يحسن فيه الكلام من الوقت الذي يحسن فيه السكوت.
حكيم: إن أعجبك الكلام فاصمت، وإن أعجبك الصمت فتكلّم. يقال:
الكلمة أسير في وثاق الرجل فإذا تكلّم بها صار أسيرا في وثاقها. عليّ رضي الله عنه: بكثرة الصمت تكون الهيبة. وعنه رضي الله عنه: لا خير في الصمت عن
(1/206)

الحكم كما أنه لا خير في القول بالجهل. تحدّثوا عند الأوزاعيّ وفيهم أعرابيّ لا يتكلم، فقيل له: لم لا تتحدّث. فقال: إنّ الحظّ للمرء في أذنه، وإنّ الحظّ في لسانه لغيره. فقال الأوزاعيّ: لقد حدّثكم فأحسن. النخعيّ: كانوا يتعلّمون السكوت كما يتعلّمون الكلام.
قيل لعروة بن مالك: ألا تحدّثنا ببعض ما عندك من العلم؟ قال: أكره أن يميل قلبي باجتماعكم عندي إلى حبّ الرياسة فأخسر الدارين. وكان قتادة يقول:
لولا حبّ الحسن الرياسة لمشى على الماء. قيل للأحنف: بأيّ شيء سدت قومك؟ فقال: لو عاب الناس الماء البارد ما شربته. الربيع بن الخيثم: تفقّهوا ثم اعتزلوا وتعبّدوا. أراد الحسن الحجّ فطلب ثابت البنانيّ أن يصاحبه فقال له:
ويحك دعنا نتعايش بستر الله تعالى، إني أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه. فضيل: كان يقال: من استوحش من الوحدة واستأنس بالناس لم يسلم من الرياء. شقيق بن إبراهيم: اصحب الناس كما تصحب النار، خذ منفعتها واحذر أن تحرقك. الجنيد: سمعت من السّريّ السقطيّ قال: إنّ شيخي أبا جعفر السّماك دخل عليّ يوما فرأى عندي جماعة فرجع وقال: يا سريّ صرت مناخ البطّالين. ولم يستحسن اجتماعهم. عمر رضي الله عنه: في العزلة راحة عن خلطاء السوء.
رأى سفيان بن عيينة سفيان الثوريّ في المنام فقال له: أوصني، فقال: أقلل من معرفة الناس، ثلاث مرات. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أحبّ العباد إلى الله تعالى الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا شهدوا لم يقرّبوا، أولئك أئمة الهدى ومصابيح الظّلم» . مالك بن دينار قال لراهب: عظني. فقال: إن استطعت أن تجعل بينك وبين الناس سورا من حديد فافعل. قيل لسقراط: لم لا تعاشر الملوك؟ فقال: وجدت الانفراد بالخلوة، أجمع لدواعي السّلوة. قيل
(1/207)

لرجل: ما تجد في الخلوة؟ فقال: الراحة من مداراة الناس، والسلامة من شرّهم. قيل: توحّد ما أمكنك، فمن وطئته الأعين وطئته الأرجل. حكيم:
العاقل مستوحش من زمانه، منفرد عن إخوانه. حاتم الأصمّ: الزم بيتك فإن أردت الصاحب فالله يكفيك، وإن أردت الرفيق فرفيقاك يكفيانك والقرآن يؤنسك، وذكر الموت يعظك. الشافعيّ رحمه الله تعالى:
فطوبى لنفس وطّنت قعر دارها ... مغلّقة الأبواب مرخى حجابها «1»
عبد المحسن الصّوري:
أنست بوحدتي حتى لو اني ... رأيت الأنس لاستوحشت منه
ولم تدع التجارب لي صديقا ... أميل إليه إلّا ملت عنه
وقيل:
ولا عيش إلّا في الخمول مع الغنى ... وعافية تغدو بها وتروح
ابن فارس اللغوي:
إذا ازدحمت هموم القلب قلنا ... عسى يوما يكون لها انفراج
نديمي هرّتي، وأنيس نفسي ... دفاتر لي، ومعشوقي السراج
وقيل:
عفا الله عن هذا الزمان فإنه ... زمان عقوق لا زمان حقوق
وكلّ رفيق فيه غير موافق ... وكلّ صديق فيه غير صدوق
وقيل:
إن شئت أن يسودّ ظنك كله ... فاجعله في هذا السّواد الأعظم «2»
(1/208)

ليس الصديق بمن يعزّك ظاهرا ... متبسّما من باطن متجهّم
أبو إسماعيل رحمه الله تعالى:
أعدى عدوّك أدنى من وثقت به ... فحاذر الناس واصحبهم على دخل
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت ... مسافة الخلف بين القول والعمل «1»
وقيل:
مضى الأحرار وانقرضوا جميعا ... وخلّفني الزمان على العلوج
وقالوا لي: لزمت البيت جدّا ... فقلت: لفقد فائدة الخروج
أبو بكر رضي الله عنه: استراحة المؤمن في خموله. وقيل: استوحش من الناس كما تستوحش من السبع. قيل: ما بقي من الناس إلا حمار رامح أو كلب نابح، أو أخ فاضح. أبو الدرداء: احذروا الناس فإنهم ما ركبوا بعيرا إلا أدبروه «2» ، ولا ظهر جواد إلا عقروه، ولا قلب مؤمن إلّا خرّبوه. قيل: استعذ من شرار الناس، وكن من خيارهم على حذر. قيل: اصطلح الناس على سقم السّريرة وزور العلانية. حكيم كتب إلى أخ له: يا أخي إياك والإخوان الذين يكرمونك بالزيارة ليغصبوا لك يومك فإنك إنما تنال الدنيا والآخرة بيومك، فإذا ذهب يومك فقد خسرت الدنيا والآخرة. عابد: إن الله غيور لا يحبّ أن يكون في قلب المؤمن أحد غير الله. عليّ رضي الله عنه: طوبى لمن شغله عيبه عن
(1/209)

عيوب الناس، وطوبى لمن لزم بيته، وأكل قوته، واشتغل بطاعته، وبكى على خطيئته، فكان من نفسه في شغل، والناس منه في راحة. في الحديث:
«المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس» . قيل: أجهل الناس من استأنس بالوحدة وتكثّر بالخلوة. قيل: إياكم والعزلة فإنّ في ملاقاة الناس معتبرا نافعا ومتّعظا واسعا. قيل: البيت رمس «1» ما لزمته. ولقد أحسن الذي قال:
وحدة العاقل خير ... من جليس السوء عنده
وجليس الخير خير ... من جلوس المرء وحده
الحكيم: ينبغي للعاقل أن يتخيّر جليسه كما يتخيّر مأكوله ومشروبه، وفي تخيّرهما صلاح البدن، وفي تخيّر الجليس صلاح النفس. قيل:
ما ضاع من كان له صاحب ... يقدر أن يصلح من شانه
وإنما الأرض بسكّانها ... وإنما المرء بإخوانه
قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما: ادع الله أن يغنيني عن الناس.
فقال: إنّ حوائج الناس متصل بعضها ببعض كاتصال الأعضاء فمتى يستغني المرء عن بعض جوارحه؟ ولكن قل: أغنني عن شرار الناس. سمع عمر رضي الله عنه رجلا يقول: اللهم أغنني عن الناس، فقال: أراك تسأل الموت، قل:
اللهم أغنني عن شرار الناس. والله تعالى أعلم.
(1/210)

الروضة العشرون في الصبر وضبط النفس والعفاف والورع والحلال والحرام
جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الإيمان فقال: الصبر والسماحة» . الحسن: وجدت الدنيا والآخرة في صبر ساعة. أبو الفتح البستيّ:
ولم أر مثل الشكر جنّة غارس ... ولم أر مثل الصبر جنّة لابس «1»
قال عبد الله الدارانيّ لمالك بن دينار: يا مالك إن سرّك أن تذوق حلاوة العبادة وتبلغ ذروة سنامها فاجعل بينك وبين شهوات الدنيا حائطا من حديد. قيل:
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصّبرا «2»
قيل للأحنف: إنك شيخ ضعيف وإنّ الصيام يضعفك، فقال: إني أعدّه لشرّ يوم طويل، والصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذابه. الأحنف: من لم يصبر على كلمة يسمع كلمات، وربّ غيظ قد تجرّعته مخافة ما هو أشدّ منه.
يونس بن عبيد: لو أمرنا بالجزع لصبرنا. إذا نفذ سهم القضا، عليك بحسن الرضا. عليّ بن الحسين رضي الله عنهما: احتمال الصبر عند البليّة أسلم من إطفائها بالمشقّة. قيل:
وليس الفتى من خوّر الخطب صبره ... ولكنّه من خار في صبره الخطب
(1/211)

وقيل:
هوّن عليك فإنّ كلّ شديدة ... إن لم تشدّدها عليك تهون
وتيقن أنّ الذي هو كائن ... بالكره منك وبالرضا سيكون
وقيل:
وما نبالي إذا أرواحنا سلمت ... مما فقدناه من مال ومن نشب «1»
فالمال مكتسب والمجد مرتجع ... إذا النفوس وقاها الله من عطب
وقيل:
إذا ضاق أمر أو تعذّر مطلب ... فعند إله العالمين مناشط
وقيل:
إن نال نيلا من الأنذال ينقصه ... حاشى له أن يذيب النفس بالضجر
فالتّبر من حجر إذ صار منكسرا ... والتّبر تبر وما يزداد في الحجر
في المثل: من طلب الرياسة صبر على مضض السياسة.
الصبر أوّله مرّ مذاقته ... لكنّ آخره أحلى من العسل
عمر رضي الله عنه: لو كان الصبر والشكر بعيرين ما باليت أيّهما ركبت.
رجل اشترى من رجل دارا فقال: لو صبرت لاشتريت منك الذراع بعشرة دراهم، فقال البائع: لو صبرت أنت لبعتك مائة ذراع بدرهم. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
«لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا ممّا به بأس» .
عليّ رضي الله عنه: العفاف زينة الفقر. سليمان عليه السّلام: الغالب على شهواته أشدّ من الذي يفتح مدينة وحده. زاهد: إني لأشتهي الشّواء منذ أربعين
(1/212)

سنة ما صفا لي درهمه. سقط من يد كهمس بن الحسن التميمي دينار فطلبوه فوجدوه فأبى أن يأخذه وقال: لعلّه ليس بديناري. ابن سيرين «1» : ما غشيت امرأة قطّ في يقظة ولا في نوم غير أمّ عبد الله، وإني لأرى المرأة في منامي فأعلم أنها لا تحلّ لي فأصرف بصري. بعضهم: ليت عقلي في اليقظة كعقل ابن سيرين في المنام.
ابن المبارك: أراد أبو حنيفة رحمه الله تعالى أن يشتري جارية، فمكث عشر سنين يختار ويشاور من أيّ سبي يشتريها؟. اختلطت غنم الغارة «2» بغنم أهل الكوفة، فسأل أبو حنيفة: كم تعيش الشاة؟ فقالوا: سبع سنين. فترك أكل اللحم سبع سنين. وحملت إليه بدرة «3» من عند المنصور فرمى بها في زاوية البيت. فلما توفّي جاء بها ولده حمّاد إلى حميد بن قحطبة «4» وقال: أوصاني أبي بردّ هذه الوديعة إليك، فقال: رحم الله أباك لقد شحّ على دينه إذ سخت به أنفس أقوام. مروان بن معاوية: ما من أحد إلّا وقد أكل بدينه، حتى سفيان الثوريّ: فإنه كان له أخ يعمل ببضاعته وهو جالس، ولولا دينه ما فعل ذلك.
فضيل: لأن أطلب الدنيا بالطبل والمزمار أحبّ إليّ من أن أطلبها بديني. وعنه رحمه الله تعالى: لأن يطلب الرجل الدنيا بأقبح ما تطلب به أحسن من أن يطلبها بأحسن ما تطلب به الآخرة. الحسن: لو وجدت رغيفا من حلال لأحرقته ثم دققته ثم ذريته ثم داويت به المرضى.
(1/213)

قال رجل للثوري: أصاب ثوبي خلوق «1» من خلوق الكعبة. قال: اغسله فكم فيه من دم مسلم. فضيل في ابنه عليّ: كانت لنا شاة أكلت يسيرا من علف بعض الأمراء، فما شرب من لبنها بعد. إبراهيم بن أدهم: أنا بالشام منذ أربع وعشرين سنة ما جئت لجهاد ولا رباط، ولكن لأشبع من خبز حلال. عائشة رضي الله عنها قالت: «يا رسول الله من المؤمن؟ قال: المؤمن من إذا أصبح نظر إلى رغيفيه من أين يكسبهما؟» . قيل في وصف رجل: هو بماله متبرّع، وعن مال غيره متورّع. لم يتدنّس بحطام، ولم يتلبّس بآثام. يقال: إنّ الحلال يقطر والحرام يسيل. سأل الملك نور الدين الفقيه نجم الدين عن لبس خاتم في يده، وكان فيه بعض من الذهب، فقال: تتحرّز من هذا وتحمل إلى خزائنك من الحرام كذا وكذا من الأموال؟ فوقّع الملك برفع ذلك كله.
مرّ يحيى بأبي عبد الله التونسيّ وسلّم عليه فقال: ما تقول في صلاتي في هذه الثياب التي عليّ؟ فاستغرب العابد ضحكا وقال: مثل مثل الكلب يتمعّك «2» في الجيفة ويتلطّخ بدمها ويأكل النجس، فإذا بال رفعه رجله تنزّها عن البول، وأنت بطنك مملوء من الحرام وتسأل عن ثيابك؟ فبكى ونزل عن دابته وتجرّد من ثيابه، واقتفى أثر العابد وأقام معه ثلاثة أيام. ثم أمره بالاحتطاب فكان يحتطب ويبيع ويأكل من كسبه ويتصدّق بفضله. وكان الناس إذا أتوا إلى العابد لطلب الدعاء يقول: سلوا يحيى فإنه خرج من الدنيا عن قدرة. والله سبحانه وتعالى أعلم.
(1/214)

الروضة الحادية والعشرون في ذكر الله وحمده والتسبيح والدعاء والصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والاستغفار
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أصبح وأمس ولسانك رطب بذكر الله، تصبح وتمس وليس لك خطيئة» . قال موسى صلوات الله عليه: أي ربّ ما علامة رضاك عني؟ فقال: ذكرك إياي يابن عمران. رفع الله العذاب عن بني إسرائيل ستمائة سنة بقولهم: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
«1» .
قال موسى عليه السّلام: يا ربّ إنك لتعطيني أكثر من أملي. قال: إنك تكثر قول: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
«2» . بعض المتصوّفة: لا يعرض أحد عن ذكر الله إلا أظلم عليه وقته، وتشوّش عليه رزقه. سئل الشّبليّ عن قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية» فقال: أهل البلاء أهل الغفلات عن ذكر الله تعالى. حكي عن منصور الحلّاج أنه لمّا قطعت أطرافه كتب في مواقع دمه: الله الله. وعن زليخا أنها افتصدت يوما فكتب من آثار دمها في الأرض: يوسف يوسف.
معاذ بن جبل رضي الله عنه رفعه: «ما من مسلم يبيت على ذكر طاهرا فيتعارّ «3» من الليل فيسأل الله خيرا من الدنيا والآخرة إلّا أعطاه إياه» . سعيد بن
(1/215)

جبير: أوّل من يدعى إلى الجنّة الذين يحمدون في السّرّاء والضرّاء. فضيل:
بلغني أنّ أكرم الخلائق على الله تعالى يوم القيامة وأحبّهم إليه وأقربهم الحمّادون على كل حال. أبو هريرة رضي الله عنه يرفعه: «إذا عطس أحدكم فليقل:
الحمد لله على كل حال، وليقل أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، ويقول هو:
يهديكم الله ويصلح بالكم» . ابن عباس رضي الله عنهما: من سبق العاطس بالحمد لله وقي وجع الرأس والأضراس. جابر، يرفعه: «لقد بارك الله للرجل في حاجة أكثر الدعاء فيها، أعطيها أو منعها» . عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يقول:
«اللهمّ إنّي أعوذ بك من الفقر إلّا إليك، ومن الذلّ إلّا لك» . طاوس: إني لفي الحجر ليلة إذ دخل عليّ عليّ بن الحسين رضي الله عنهما، فقلت: هذا رجل صالح من أهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لأسمعنّ دعاءه، فسمعته يقول:
(عبيدك ببابك، ومسكينك بفنائك، وفقيرك بفنائك) فما دعوت بهنّ في كربة إلا فرّج الله عنّي.
ابن المسيّب: سمعت من يدعو بين القبر والمنبر: اللهمّ إني أسألك عملا بارّا ورزقا دارّا وعيشا قارّا. فدعوت به فلم أر إلّا خيرا. ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ما انتهيت إلى الركن اليماني قطّ إلا وجدت جبرائيل قد سبقني إليه ويقول: قل يا محمد: اللهمّ إني أعوذ بك من الكفر والفقر والفاقة ومن مواقف الخزي» . سأل الثوريّ جعفر بن محمد عن الدّعاء عند البيت الحرام فقال: إذا بلغت البيت ضع يدك على الحائط ثم قل: يا سابق الفوت، ويا سامع الصوت، ويا كاسي العظام لحما بعد الموت. ثم ادع بما شئت. ثم قال: إذا جاءك ما تحبّ فأكثر من «الحمد لله» ، وفيما تكره أكثر من «لا حول ولا قوة إلا بالله» ، وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار. الحسن: من دخل المقابر
(1/216)

وقال: اللهمّ ربّ الأرواح الفانية والأجساد البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليها روحا منك وسلاما مني، كتب الله له بعدد من مات، من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة، حسنات. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يقولها إذا دخل الجبّانة.
عن أبي الدّرداء رضي الله عنه، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ما صيد طائر ولا حوت إلا بتضييع التسبيح» . ميمون بن مهران: أتي الصّدّيق بغراب وافر الجناحين، فجعل يمدّ جناحه ويقول: ما صيد مصيد ولا عضدت شجرة إلّا بتضييع التسبيح.
الصاحب بن عباد: سمعت ابن سمعون يوما على الكرسيّ يقول: سبحان من أنطق باللحم، وبصّر بالشحم وأسمع بالعظم. أشار إلى اللسان والعين والسمع.
شكا رجل إلى الحسن رجلا يظلمه فقال: إذا صلّيت الركعتين بعد المغرب وسلّمت فاسجد وقل: يا شديد القوّة يا شديد المحال يا عزيزا أذللت بعزّتك جميع ما خلقت، صلّ على محمد وآله واكفني مؤنة فلان بما شئت. فلم يرع إلا بالناعية في الليل فسأل عنه فقيل: مات فلان فجأة. هبط جبريل على يعقوب عليهما السلام فقال: يا يعقوب إنّ الله يقول لك: قل: يا كثير الخير ويا دائم المعروف ردّ عليّ ابنيّ. فأوحى الله إليه: وعزّتي لو كانا ميّتين لنشرتهما لك.
كان أبو مسلم الخولاني إذا أهمّه أمر قال: يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك ونستعين. عن بعض الأكابر من المغاربة أنه قال: مما جرّب للخلاص من المخاوف والنجاة من الأعداء أن يقول المرء: حسبي الله ونعم الوكيل سبعين مرّة ثم يقول: حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
«1»
(1/217)

ثلاث مرّات. عن بعض الأولياء: إذا أردت أن تقدم على جبّار أو سلطان، فإذا وقع بصرك عليه فكبّر ثلاثا وقل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
«1» بعد أن تستغفر الله سبعين مرّة قبل ذلك، وهو سرّ من أسرار الله تعالى. سعيد ابن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: إذا دخلت على سلطان مهيب تخاف منه أن يسطو عليك فقل: الله أكبر الله أكبر وأعزّ مما أخاف وأحذر، اللهمّ ربّ السموات السبع وربّ العرش العظيم كن لي جارا من عبدك فلان وأشياعه وأتباعه، تبارك اسمك وجلّ ثناؤك وعزّ جارك ولا إله غيرك.
عن جعفر الخلديّ قال: ودّعت أبا الحسن المزيّن الصغير فقلت: زوّدني شيئا، فقال: إذا ضاع منك شيء، أو أردت الجمع بينك وبين إنسان فقل: (يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه إنّ الله لا يخلف الميعاد «2» ، اجمع بيني وبين كذا) . فالله يجمع بينك وبينه. فقال: فما دعوت إلا استجيب لي. قتادة رضي الله عنه: (بلغني أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان إذا رأى الهلال قال: «هلال خير ورشد» ثلاث مرّات، «آمنت بالذي خلقك» ثلاث مرّات، «الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا» ) . روي أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يقول إذا سمع صوت الرعد والصواعق: «اللهمّ لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك» . قالوا: من آداب الدعاء أن يترصّد الأوقات الشريفة، كما بين الأذان والإقامة- لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «الدعاء بين الأذان والإقامة لا يردّ» - وحالة السجود، ووقت السحر، وأن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه- لما روى سلمان رضي الله عنه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ ربّكم حييّ كريم من عبده إذا رفع يديه إليه أن
(1/218)

يردّهما صفرا «1» » . وعن أبي الدرداء رضي الله عنه: ارفعوا هذه الأيدي قبل أن تغلّ بالأغلال- ويمسح بهما وجهه بعد الدعاء- قال عمر رضي الله عنه: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا مدّ يديه في الدعاء لم يردّهما حتى يمسح وجهه» - وأن لا يرفع بصره إلى السماء، وأن يخفض صوته- لقوله تعالى: تَضَرُّعاً وَخِيفَةً
«2» - وأن لا يتكلّف، ويأتي بالكلام المطبوع الغير المسجوع، لقوله عليه السّلام: «إياكم والسّجع في الدعاء، بحسب أحدكم أن يقول: اللهمّ إني أسألك الجنّة وما قرّب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل» .
قيل: ادع بلسان الذلّة والاحتقار، لا بلسان الفصاحة والانطلاق. وكانوا لا يزيدون في الدعاء على سبع كلمات فما دونها، كما ترى في آخر سورة البقرة.
ومن الآداب أن يستفتح الدعاء بالذّكر ولا يبدأ بالسؤال، عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: «ما سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يستفتح الدعاء إلا قال: سبحان ربي العليّ الأعلى الوهّاب» . قيل لسفيان الثوريّ: ادع ربك، قال: ترك الذنوب هو الدعاء.
ابن المبارك: جاء رجل إلى عبد العزيز بن أبي داود وأنا عنده فقال: ادع الله لي. فقال: مراد خداي آب روى نيست «3» . قال هرم بن حيّان لأويس رحمهما الله تعالى: صلنا بالزيارة واللقاء، فقال أويس: قد وصلتك بما هو أنفع لك، هو الدعاء بظهر الغيب، لأنّ الزيارة واللقاء قد يعرض فيهما التزيّن والرياء.
مورق العجلي رحمه الله: سألت الله حاجة مذ أربعين سنة ما قضاها لي، وما أيست منها. مرّ معروف الكرخي بسقّاء يقول: رحم الله من يشرب من هذا
(1/219)

الماء. فشرب وهو صائم وقال: عسى الله أن يستجيب. شريح رحمه الله تعالى: اللهمّ إني أسألك الجنّة بلا عمل عملته، وأعوذ بك من النار بلا ذنب تركته. خالد: اتقوا مجانيق الضعفاء. أي دعواتهم. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من صلّى عليّ صلّت عليه الملائكة ما صلّى عليّ، فليقلل عبد من ذلك أو ليكثر» .
وعنه صلّى الله عليه وسلّم: «من صلّى عليّ في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب» . وعنه عليه الصلاة والسلام: «إنّ في الأرض ملائكة سيّاحين يبلّغونني عن أمتي السلام» . وعنه عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليمات وأكمل التحيات: «ليس أحد منكم يسلّم عليّ إلّا ردّ الله روحي حتى أردّ عليه السّلام» .
قال رجل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إني أذنبت ذنبا، قال: استغفر ربّك، قال:
إني أتوب ثم أعود، قال: كلّما أذنبت فتب واستغفر ربّك حتى يكون الشيطان هو الخسير» . عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: (سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك) كفّر الله عنه ما كان في مجلسه ذلك» . الحسن، يرفعه: «إنّ إبليس قال: وعزّتك لا أفارق ابن آدم ما دام الروح في جسده. فقال الربّ جلّ جلاله: وعزّتي لا أمنعه التوبة ما لم يغرغر «1» » . عليّ رضي الله عنه: سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه وهو الصادق يقول: سمعت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما من عبد أذنب ذنبا فقام فتوضّأ فأحسن وضوءه وصلّى واستغفر من ذنبه إلا كان حقا على الله أن يغفر له لأنه يقول: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
«2» .
عمر رضي الله عنه: جالسوا التوّابين فإنهم أرقّ أفئدة. الحسن، يرفعه: «إنّ
(1/220)

المؤمن ليذنب الذنب فيدخله الجنّة. قالوا: يا نبيّ الله كيف يدخله الجنّة؟ قال:
يكون نصب عينه تائبا مستغفرا حتى يدخل الجنّة» .
عليّ رضي الله عنه: لا خير في الدنيا إلّا لأحد رجلين: محسن يزداد كلّ يوم إحسانا، ومسيء يتدارك بالتوبة. وعنه: ترك الخطيئة أهون من طلب التوبة. ابن المسيّب، يرفعه: «المستغفر باللسان وهو مصرّ كالمستهزىء بربّه» . بعض العلماء: العبد بين ذنب ونعمة، لا يصلحهما إلا الاستغفار.
السّريّ السقطي: أنا أستغفر الله من قولي: «الحمد لله» منذ ثلاثين سنة.
فقيل: كيف؟ فقال: وقع حريق بالليل فخرجت أنظر دكّاني فقيل: الحريق أبعد من دكّانك، فقلت: الحمد لله. ثم قلت: هب أنّ دكّانك تخلّص أما تهتمّ للمسلمين؟. قال رجل لمزيد: أماتك الله. قال: آمين بعدك بألف سنة. قال عبادة لرجل: من أين أقبلت؟ قال: من لعنة الله. قال: ردّ الله غربتك. قيل:
الحمد لله الذي أخمد جمرته، وسلب إمرته، وأذلّ عترته، ولم يقله عثرته.
قيل لبعض المجّان: كيف أنت في دينك؟ قال: أخرقه بالمعاصي وأرقعه بالاستغفار. قيل لأعرابيّ اشتدّ مرضه: لو تبت، فقال: لست ممن يعطي على الذلّ، فإن عافاني الله تبت وإلّا متّ هكذا.
أعوذ بالله من كلّ ما يؤدّي إلى موارط نقمه، ويحجب عن موارد نعمه، آمين يا معين، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(1/221)

الروضة الثانية والعشرون في الصحة والأمراض والعلل والطب والدواء وما ناسب ذلك
الحكماء: المطالب نوعان: خير ولذّة، وهما لا يحصلان تماما إلّا بوجود الصحة. سقراط: لا ينبغي لك أن تهمل أمر صحة بدنك. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ما من مسلم يمرض مرضا إلّا حطّ الله عنه خطاياه كما تحطّ الشجرة ورقها» . وعنه صلّى الله عليه وسلّم: «داء الأنبياء الفالج واللّقوة «1» » . قال الجاحظ: ومن المفاليج إدريس النبيّ عليه السّلام، وممن فلج من الكبراء: أبان بن عثمان «2» . كانوا يقولون:
رماه الله بفالج أبان، ولقوة معاوية، وبهق «3» عبد الملك، وبرص أنس بن مالك، وجذام أبي قلابة، وعمى حسان، وصمم ابن سيرين. قيل بحضرة أعرابيّ: ما أشدّ من وجع الضرس؟ قال: كلّ داء شرّ داء. جعفر بن محمد الصادق: ثلاث قليلهنّ كثير: النار والفقر والمرض. خرجت قرحة في كفّ محمّد بن واسع فقيل: إنّا نرحم منها، فقال: وأنا أشكر الله إذ لم تخرج في عيني. قيل لجالينوس حين نهكته العلّة: أما تتعالج؟ قال: إذا كان الداء من السماء بطل الدواء. سئل بعضهم عن دليل الصانع قال: ذلّ اللبيب وفقر الأديب وسقم الطبيب.
(1/222)

نعلّل بالدواء إذا مرضنا ... وهل يشفي من الموت الدواء
ونختار الطبيب وهل طبيب ... يؤخّر ما يقدّمه القضاء؟
قيل: إذا نزل قدر الربّ بطل حذر المربوب. قيل: ثلاث يهلكن: الجماع على البطنة، والقديد «1» اليابس، وشرب الماء البارد على الريق. الحارث:
أربعة تهدم البدن: الجماع على الامتلاء، والاستحمام على الشبع، وأكل القديد، ونكاح العجوز. قباد بن فيروز: المرض حريق الجسد، والحزن منبت المنايا. قالوا: النيران ثلاث: نار تأكل وتشرب وهي نار الحمّى تأكل اللحم وتشرب الدم، ونار تأكل ولا تشرب وهي نار الدنيا، ونار لا تأكل ولا تشرب وهي نار جهنّم. جالينوس: الغمّ المفرد يميت القلب ويجمّد الدم في العروق فيهلك صاحبه، والسرور المفرط يلهب حرارة الدم حتى تغلب الحرارة الغريزية فيهلك. سفيان بن عيينة: أجمع أطباء فارس وابن كلدة أنّ الداء إدخال الطعام على الطعام قبل انهضام الأول. ابن سينا رحمه الله:
جميع الطبّ في البيتين درج ... وحسن القول في قصر الكلام
فقلّل إن أكلت وبعد أكل ... تجنّب فالشّفا في الانهضام
وليس على النفوس أشدّ بأسا ... من ادخال الطعام على الطعام
وفي خمس توقّ الماء حتما ... فتلك الخمس مجلبة السّقام
عقيب الأكل والإعيا وباه ... وحمّام وصحو من منام
سئل الحارث عن الحمية قال: الاقتصاد في الأكل لأن الأكل فوق المقدار يضيّق على الروح ساحتها ويسدّ مسامّها. قيل: كفى بالمرء عارا أن يكون صريع
(1/223)

مآكله وقتيل أنامله، فكم لقمة أكلت نفس حرّ، وأكلة منعت أكلات دهر؟. أبو بكر بن أحمد رحمه الله:
يا زائدا في أكله لقمة ... أسقمت جسما سالما بالتّخم
فيالها من لقمة أسقمت ... جسما وردّت عدّة من لقم
يقال: الأكل فوق المقدار يضيّق على الروح ساحته. قيل: راع غذاءك تحكم به بناءك. قيل: من غرس الطعام ثمرة السقام. وقالوا: إدخال اللحم على اللحم يقتل السباع في البرّ. يقال: ليس للبطنة خير من خمصة تتبعها.
الحارث: البطنة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وأعطوا كل بدن ما اعتاد.
يقال: لم يوجد كتاب أجود في معرفة الأدوية المفردة من كتاب الجامع لابن البيطار. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «المعدة بيت الداء» . جالينوس: استدامة الصحة بترك التكاسل في الرياضة، وبترك الامتلاء من الطعام والشراب. وعنه: الإقلال من الضارّ خير من الإكثار من النافع. سئل عن الأخلاط فقال: الدم: عبد مملوك وربما قتل العبد مولاه، والصفراء: كلب عقور في حديقة، والبلغم الملك كلما أغلقت عليه بابا فتح بابا آخر، والسوداء: الأرض إذا تحرّكت تحرّك ما عليها.
وعنه: يعالج ما في الرأس بالغرغرة، وما في المعدة بالقيء، وما في البدن بإسهال البطن، وما بين الجلد بالتعريق، وما في داخل العروق بإرسال الدم.
أبقراط: العافية ملك خفيّ لا يعرفها إلا من عدمها. قيل: مما يورث الهزال النوم على غير وطاء، وكثرة الكلام برفع الصوت. النظّام: ثلاث يحلقن العقل: طول النظر في المرآة، والاستغراب «1» في الضحك، ودوام النظر في
(1/224)

البحر. «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الحجامة في نقرة القفا فإنها تورث النسيان، وأمر بأن يستنجى بالماء البارد فإنه صحة من الباسور» . يقال: الجرب علة إذا عرضت للمرء هرّبت عن فراشه عرسه، بل نفّرت عن نفسه نفسه، وهو ربع من أرباع الخسران، وقسم من أقسام الخذلان.
أعاذك الله من أشياء أربعة ... الموت والعشق والإفلاس والجرب
عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
جسّ الطبيب يدي يوما فقلت له ... إن المحبة في قلبي فخلّ يدي
ليس احمراري لحمّى خالطت جسدي ... لكن لطارق همّ حلّ في كبدي
عباس بن الأحنف رحمه الله:
قالت مرضت فعدتها فتبرّمت ... وهي الصحيحة، والمريض العائد
والله لو أن القلوب كقلبها ... ما رقّ للولد الضعيف الوالد
وقيل:
قد عادني الحبيب في الأمراض ... بالسقم كطرفها فؤادي راضي
في سقمي صادفت شفائي حقا ... زارت فبلغت منتهى أغراضي
آخر:
جاءتني تستبين حال المرض ... عن جسمي تشتهي انتقال المرض
تعتاد عيادتي مريضا فلذا ... والله لم أشته زوال المرض
آخر:
لا تعجبوا من حياتي بعد فرقتكم ... فربما طار طير وهو مذبوح
(1/225)

خطب المأمون بمرو فسعل الناس فنادى بهم: ألا من كان به سعال فليتداو بشرب خلّ الخمر، ففعلوا فانقطع سعالهم. أرسطاطاليس: إنّ سمّ الحيّة حياة لها وتلف لغيرها، والسمّ ما دام في الحيّة فهو سخين، فإذا خرج إلى غيرها برد حتى يقتل بشدّة برده. كانت الأدوية تنبت في محراب سليمان عليه السّلام فيقول كلّ نبت: يا رسول الله أنا دواء لداء كذا. قيل: الشراب من آنية الرصاص أمان من القولنج. عليّ رضي الله عنه، رفعه: «ادّهنوا بالبنفسج فإنه بارد في الصّيف حارّ في الشتاء» . وعنه كرّم الله وجهه: عليكم بالزيت فإنّه يكشف المرّة «1» ، ويذهب البلغم، ويشدّ العصب، ويذهب بالإعياء، ويحسن الخلق، ويطيّب النفس، ويذهب بالهمّ. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إن يكن في شيء شفاء ففي شرطة حجّام أو شربة من عسل» .
لقمان: لا تطيلوا الجلوس على الخلاء فإنه يورث الباسور، وكانت مكتوبة على أبواب الحشوش «2» . حمّوا عند فتح خيبر فشكوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال:
«أيها الناس إن الحمّى رائد الموت وسجن الله في الأرض وقطعة من النار، فإذا وجدتم من ذلك شيئا فبرّدوا لها الماء في الشّنان «3» ثم صبّوا عليكم فيما بين المغرب والعشاء» ففعلوا ذلك فذهبت عنهم. قال الحجاج لطبيبه: أخبرنا بجوامع الطبّ. فقال: لا تطأ من النساء إلا شابّة، ولا تأكل من اللحوم إلا لحم فتيّ، وإذا تغدّيت فاستلق، وإذا تعشّيت فامش ولو على الشوكة، ولا يدخل بطنك طعام حتى يستمرىء «4» ما فيه، ولا تأو إلى فراشك حتى تأتي الخلاء
(1/226)

فتنقض، وكل الفاكهة في إقبالها وذرها في إدبارها. عليّ بن موسى الرّضا رضي الله عنهما: اثنان عليلان أبدا: صحيح متخم، وعليل مخلّط.
أبقراط: الحمية في الصحة كالتخليط في المرض. محمد بن زكريا الرازي: الحمية المفرطة والمبادرة إلى الأدوية والتقليل من الأغذية لا يحفظ الصحة بل يجلب الأمراض. وعنه: ينبغي للطبيب أن يبشّر أبدا بالصحة وإن كان غير واثق بها، فإن مزاج البدن تابع لأغراض النفس. وعنه: إن استطاع الطبيب أن يعالج بالأغذية دون الأدوية فقد وافق السعادة. وعنه: ينبغي للمريض أن يقتصر على واحد ممن يثق به من الأطباء. أبقراط: الطبّ قياس وتجربة. العادة إذا قدمت صارت طبيعة ثانية. كل مرض معلوم السبب موجود الشفاء. أرسطو:
المجرّب أحكم من الطبيب.
جالينوس: الطبيعة كالمدّعي، والعلّة كالخصم، والنبض والقارورة كالبيّنة، ويوم البحران «1» يوم القضاء والفصل، والطبيب كالقاضي. العليل الذي يشتهي أرجى من الصحيح الذي لا يشتهي. إعطاء المريض ما يشتهيه أنفع من أخذه مما لا يشتهيه. الصفراء بيتها المرارة وسلطانها في الكبد، والبلغم بيته المعدة وسلطانه في الصدر، والسوداء بيتها الطحال وسلطانها في القلب، والدم بيته القلب وسلطانه في الرأس. الحارث: دخل على مريض فقال: أنا وأنت والعلة ثلاث وإن كنت معي غلبناها وإلا تغلبت. الحارث: لا تشرب الدواء إلا عند الضرورة فإنه لا يصلح شيئا إلا أفسد مثله. ابن سينا:
ولا تتعرّض للدواء وشربه ... مدى الدهر إلا عند إحدى العظائم
(1/227)

جالينوس: الدواء ينقي وينكي. سأل الحجاج بعض الأطباء: أيّ شيء دواء آكل الطين وقد اعتاد به؟ فقال: عزيمة مثلك أيها الأمير، فرمى الحجاج الطين ولم يعد إليه أبدا. قيل: إذا تغدّيت فنم ولو على رأس الغنم، وإذا تعشّيت فدر ولو على رأس الجدر. يقال: إذا ألمّ الألم فعليك المعالجة بالمعالجة. ابن سينا:
بالشّبه تحفظ صحة موجودة ... والضدّ فيه شفاء كلّ سقام
لا تحقر المرض اليسير فإنه ... كالنار تصبح وهي ذات ضرام
قيل للنظّام «1» وفي يده قدح دواء: ما حالك؟ فقال: أصبحت في دار بليات أدفع آفات بآفات. أبقراط: داووا كلّ مريض بعقاقير أرضه فإن الطبيعة تتطلّع لهوائها وتنزع إلى غذائها. مرض غسان حين ولي الرقة فما كان ينجع فيه الدواء، فقال له طبيبه أبو عبّاد: سببه الهواء، فبعثه إلى بغداد بجربان «2» ملئت من هوائها، فكان كلّ يوم يفتح جرابا في وجهه حتى برىء. صدع «3» المأمون بطرسوس «4» فلم ينفعه علاج فوجه إليه قيصر قلنسوة وكتب: بلغني صداعك فضعها على رأسك ليسكن، فخاف أن تكون مسمومة فوضعت على رأسه فسكن، فتعجب، ففتقت فإذا فيها رقّ «5» ، فيه: (بسم الله الرّحمن الرّحيم، كم من
(1/228)

نعمة من الله في عرق ساكن حم (1) عسق
«1» لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
«2» من كلام الرحمن خمدت النيران، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال الرشيد حين كان بطوس «3» لرجل: خذ هذه البدرة واعرض هذه القارورة على أسقف فارس وبختشوع من غير أن يتشاعر، أو قل: إنها قارورة أخ لك، فقال الأسقف: ما أشبه هذا الماء بماء الرشيد، فانتظر ولا ترحل فإنّ أخاك ميت غداة غد. وقال بختشوع مثله. عرض رجل على أيوب الطبيب قارورة فقال:
ما هي بقارورتك لأنه ماء ميّت وأنت حيّ تكلّمني، فما فرغ من كلامه إذ خرّ الرجل ميتا. قيل لجالينوس: ما بالك إذ خرجت أطبّ أقرانك؟ قال: إني أنفقت في الزيت ما أنفقوه في الحميا. عن فروة بن مسيك أنه قال: يا رسول الله أرض عندنا هي أرض ربعنا وميرتنا وإن وباءها شديد. فقال صلّى الله عليه وسلّم: «دعها عنك فإنّ من القرف التلف» «4» . عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «فرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد» .
يقال: يقاس عليه جميع الأمراض المعدية التي كتب الطبّ بسرايتها شاهدة.
أرسل الزهريّ إلى مصر، فقيل: لا تدخل مصر ففيها طاعون. فقال: إنما خلقنا لطعن أو طاعون، أي للشهادة. أرسل أبو بكر رضي الله عنه جيشا إلى الشام فقال: اللهمّ اجعل مناياهم بطعن أو طاعون. هرب سليمان بن عبد الملك من الطاعون فتلي عليه قوله تعالى: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا
«5» فقال: ذلك القليل نريده.
(1/229)

قالوا: من قدم أرضا فأخذ من ترابها فجعله في مائها ثم شربه عوفي من وبائها. في النوابغ: إذا كثر الطاغون أرسل الله عليهم الطاعون. وفيه: أمارة إدبار الإمارة، كثرة الوباء وقلّة العمارة. كان أنوشروان يمسك عما تميل إليه شهوته من الطعام ويقول: تركنا ما نحبه لنستغني عن العلاج بما نكره. عبد الله ابن شبرمة «1» : عجبت ممن يحتمي عن الطعام مخافة الداء كيف لا يحتمي عن الذنوب مخافة النار.
النعمان بن بشير: إنما المؤمنون كرجل إذا اشتكى المؤمن اشتكى له المؤمنون. قيل لأعرابيّ: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قيل: فما تشتهي؟
قال: الجنة. قيل: أفلا ندعو طبيبا؟ قال: هو الذي أمرضني. أنس رضي الله عنه: «دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على شابّ وهو في الموت فقال: كيف تجدك؟
قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي. قال: هما لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلّا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف» . دخل ابن السماك على الرشيد في عقب مرض فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله ذكرك فاذكره، وأطلقك فاشكره. عليّ رضي الله عنه، يرفعه: «من أتى أخاه المسلم يعوده مشى في مخرفة «2» الجنة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة» . بعض الحكماء: إذا دخل العوّاد على الملك فحقّهم أن لا يسلّموا عليه فيحوجوه إلى الردّ فإذا علموا أنه لاحظهم دعوا له دعاء يسيرا وخرجوا.
عليّ رضي الله عنه: ربما أخطأ البصير قصده، وأصاب الأعمى رشده.
استأذن الربيع بن خيثم على ابن مسعود فخرجت جارية حسناء فغمض عينيه
(1/230)

فقالت: على الباب رجل أعمى يقول: أنا الربيع بن خيثم. فقال: ليس بأعمى إنما غضّ بصره عما نهاه الله تعالى عنه. الأصمعيّ: العميان أكثر الناس نكاحا، والخصيان أصحّ الناس أبصارا، لأنهما طرفان فما نقص من أحدهما زاد في الآخر. قيل: الضرير أنكح من البصير. سمع أبو العيناء المتوكل يقول: ما يمنعني من نظم أبي العيناء في جملة الندماء إلا أنه ضرير. فقال: إن أعفاني عن المسابقة ورؤية الهلال وقراءة نقوش الخواتيم صلحت لمنادمته. أنشد الشيخ ابن حجر رحمه الله تعالى قبل موته:
خانني ناظري وهو دليلي ... بانتقالي من بعده عن قليل
وكذا الركب إن أرادوا رحيلا ... قدّموا ضوءهم أمام الرحيل
في الحديث: «العيادة قدر فواق الناقة «1» » . مرض مدنيّ في الشام فعاده جيرانه فقالوا له: ما تشتهي؟ فقال: أن لا أرى إنسانا:
إني لأفتح عيني حين أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا «2»
أطال قوم عيادة بكر بن عبد الله المزنيّ، فقال: المريض يعاد والصحيح يزار. سريّ السقطيّ: مرضت في طرسوس وجاء إلى عيادتي جمع من الثقلاء فأطالوا الجلوس حتى أملّوني، ثم استدعوا مني فرفعت يدي وقلت: اللهمّ علّمنا كيف نعود المرضى. عاد ثقيل مريضا فأطال الجلوس فقال المريض: قد تأذينا من كثرة الداخلين. فقال العائد: أغلق الباب؟ فقال: نعم ولكن من خارج.
بعض الأدباء: لا تؤذ أخاك بكثرة الجلوس فإن في التخفيف راحة النفوس.
(1/231)

بعضهم: رحم الله امرأ زار وخفّف. قيل لعليّ بن عبيدة وقت العيادة: ما تشتهي؟ قال: عين الرقباء وأكباد الحسّاد وألسن الوشاة. قال أعرابيّ لمريض:
كيف تجدك؟ قال: أقربكم إلى الله. قال الأعرابيّ: اللهمّ باعد عبدك عنك.
يقال لمن شرب الدواء: كم لبست نعلك؟ كم تخطيت إلى بيت الكرامة؟
كم حدا «1» برقك وصبّ سحابك؟ كتب بعض الوزراء إلى إسحاق بن حنين وقد استعمل مسهّلا:
أبن لي كيف أمسيت ... وما كان من الحال
وكم سارت بك الناق ... ة نحو المنزل الخالي؟
صدع ملك فأمره الطبيب أن يضع قدميه في الماء الحارّ. فقال خصيّ عنده:
أين القدم من الرأس؟ فقال: وأين وجهك من بيضتيك فذهبت لحيتك؟. شكا رجل إلى طبيب وجع البطن وقال: أكلت سمكا ولحم بقر وبيضا وماشا «2» .
فقال: انظر إنّ متّ من هذا وإلّا فارم نفسك من جبل قاف. وشكا آخر إلى طبيب وجع البطن فقال: أكلت خبز الشعير مع قطعة نخالة رطبة، فقال: اذهب إلى البيطار فإني لا أعرف علاج الحمر. وجاء رجل إلى آخر من الأطباء وشكا وجع البطن وقال: أكلت خبزا محترقا، فأتى الطبيب بالميل والمكحلة، فقال:
عيني صحيحة، فقال: لو كانت صحيحة لم تأكل محترقا. استوصف رجل طبيبا فأشار إليه بالكرفس «3» فسأله عن فعله فقال: يفتح السّدد، فقال: لا كان الله لك إنّا إلى سدّ الفتح أحوج.
(1/232)

شكا المأمون إلى طبيب فقال: اجتنب الرطب والماء البارد، فقال: لولا هما لم نحتج إليك. قالت امرأة لزوجها- وكان أصلع-: لست أغبط إلّا شعرك حيث فارقك فاستراح منك. قيل لأصلع: إن الصلعة من نتن الدماغ، فقال: لو كان كذلك لم يكن على حر امرأتك طاقة شعر. قال أصلع لرجل: رأيتك لابس جوشن «1» بلا بيضة، فقال: أردت أن آخذ البيضة «2» منك. اشترى أعرابيّ غلاما فقيل: يبول في الفراش، فقال: إن وجد فراشا فليبل عليه راشّا. كان رجل يتعاطى الصّراع فلا يصرع أحدا، فترك الصّراع وتعاطى الطبّ، فمرّ به حكيم فقال: الآن تصرع خلقا كثيرا.
(1/233)

الروضة الثالثة والعشرون في المدح والثناء وطيب الذكر والذمّ والهجو والشتم والغيبة
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا رأيتم المدّاحين فاحثوا في وجوههم التراب» . قال العتبيّ: هو المدح بالباطل والكذب، وأمّا مدح الرجل بما فيه فلا بأس فيه.
وقد مدح أبو طالب والعباس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وحسان وكعب وغيرهم ولم يبلغنا أنه حثا في وجه مادح ترابا، ومدح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المهاجرين والأنصار، ومدح نفسه فقال: «أنا سيّد ولد آدم» . وقال يوسف عليه السّلام: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
«1» وقال ابن مسعود: في حثو التراب معنيان: أحدهما التغليظ في الردّ عليه، والثاني أن يقال له: بفيك التراب. مدح رجل هشام بن عبد الملك فقال: يا هذا إنه قد نهي عن مدح الرجل في وجهه. فقال له: ما مدحتك وإنما ذكّرتك نعم الله تعالى عليك لتجدّد له شكرا. فقال هشام: هذا أحسن من مدحك ووصله وأكرمه. قيل في المدح:
من كان فوق محل الشمس موضعه ... فليس يرفعه شيء ولا يضع
وقيل:
كأنّك في الإعطاء للمال مبغض ... وفي كلّ حرب للمنيّة عاشق
قال رجل لآخر: أنت بستان الدنيا، فقال: وأنت النهر الذي يشرب منه ذلك
(1/234)

البستان. السّلاميّ «1» :
فيسّرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر
الخطيب العراقيّ رحمة الله عليه:
فلأيّ باب غير بابك أرجع ... وبأيّ جود غير جودك أطمع
سدّت عليّ مذاهبي ومسالكي ... إلا إليك فدلّني ما أصنع
وكأنما الأبواب بابك وحده ... وكأنما أنت الخليقة أجمع
لمّا ظفر المأمون بعمّه إبراهيم شاور فيه أحمد بن خالد، فقال: يا أمير المؤمنين إن قتلته فلك نظراء، وإن عفوت عنه فمالك نظير.
الباخرزي «2» في المدح:
وليس به عيب سوى أنّ ضيفه ... يلام بنسيان الأحبّة والوطن
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من أنعم على عبد نعمة فلم يشكرها فدعا عليه استجيب له» . قيل: محبة الذكر الجميل من جبلّة الإنسان وخصائصه.
يهوى الثناء مبرّز ومقصر ... حبّ الثناء طبيعة الإنسان
قيل: الذي ينفر عن القبيح ويحثّ على الجميل أربعة: العقل، والحياء، والمدح والهجاء، والترغيب والترهيب. قيل: من لم يردعه الذمّ عن سيئة ولم يستدعه المدح إلى حسنة فهو جماد. قيل في المدح:
البحر أنت سماحة وفصاحة ... الدرّ ينثر من يديك وفيكا
(1/235)

والبدر أنت صباحة وملاحة ... والخير مجموع لديك وفيكا
وهب: من مدحك بما ليس فيك، فلا تأمن أن يذمّك بما ليس فيك. زياد ابن أبيه: من مدح رجلا بما ليس فيه، فقد بالغ في هجائه. يقال: من أفرط كمن فرّط.
سئل حكيم عن أحسن شيء في العالم فقال: حسن الذكر. قيل لشبيب بن شيبة «1» : ما بال عبد الله بن أهتم ينتقصك؟ قال: لأنه شقيقي في النسب وجاري في البلد وشريكي في الصناعة. قال رجل لآخر: إني أحبّك، قال: صدقت، قال: بم علمت؟ قال: لأنك لست لي بشريك ولا نسيب ولا جار قريب. قال المتوكّل لأبي العيناء: ما بقي في المجلس أحد إلّا ذمّك غيري. فقال:
إذا رضيت عني كرام عشيرتي ... فلا زال غضبانا عليّ لئامها
قيل: الكامل من عدّت كلماته، والسعيد من حسبت هفواته. قيل:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلّها ... كفى المرء فخرا أن تعدّ معايبه «2»
المتنبي:
فإذا أتتك مذمّتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأنّي كامل
أبو تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت، أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
(1/236)

رثى الشريف الرضي أبا إسحاق الصابىء، فعاتبه الناس، فقال: إنما رثيت فضله. قيل:
إنّ العرانين «1» تلقاها محسّدة ... ولا ترى للئام الناس حسّادا
قيل لأبي العيناء «2» : إن ابن حمدون يضحك منك، قال: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ
«3» . قال المتوكّل لأبي العيناء: ما تقول في محمد ابن مكرّم والعباس بن رستم؟ فقال: هما الخمر والميسر وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
«4» . قيل: ما تقول في مالك بن طوق «5» قال: لو كان في بني إسرائيل ونزلت آية البقرة ما ذبحوا غيره. عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال للحطيئة:
ويلك لا تهج الناس فقال: إذا أموت أنا وعيالي جوعا. بعضهم:
وقالوا في الهجاء عليك إثم ... وليس الإثم إلا في المديح
قيل لسقراط: هل من إنسان لا عيب فيه؟ قال: لو كان إنسان لا عيب فيه لكان لا يموت. يقال في ذمّ الرجل: جرى في الغواية إلى الغاية، وفي مخالفة النّهى إلى النهاية. وقيل في الهجو:
نديمك عطشان وضيفك جائع ... وكلبك نبّاح وبابك مغلق
شرابك مختوم وخبزك لا يرى ... ولحمك بين الفرقدين معلق
(1/237)

وقيل في جماعة:
مات الكرام ومرّوا وانقضوا ومضوا ... ومات في إثرهم تلك الكرامات
وخلّفوني في قوم ذوي سفه ... لو أبصروا طيف ضيف في الكرى ماتوا
الحسن: ذمّ الرجل نفسه في العلانية مدح له في السرّ. كان أبو الطيب الطاهريّ يهجو بني سامان فقال له نصر بن أحمد يوما: إلى متى تأكل خبزك بلحوم الناس؟ فخجل ولم يعد. سمع أعرابيّ قوله تعالى: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً
«1» فامتعض، ثم سمع وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
«2» فقال: الله أكبر، هجانا الله ثم مدحنا. وكذلك فعل الشاعر حيث يقول:
هجوت زهيرا ثم إني مدحته ... وما زالت الأشراف تهجى وتمدح
غيره:
ولا تتخذ هجو الرجال صناعة ... فربّ قواف طيّرت هام من هجا
ووقف جدي على سطح فمرّ به ذئب فشتمه، فقال له الذئب: أنت لا تشتمني إنما يشتمني المكان الذي أنت فيه. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس» . عليّ رضي الله عنه: من نظر في عيوب الناس فأنكرها ثم رضيها لنفسه فذاك الأحمق بعينه. أنس رضي الله عنه: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في حجة الوداع: «أيّها الناس إنّ أموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، إياكم والغيبة فإنّ الله حرّم أكل لحم الإنسان كما
(1/238)

حرّم ماله ودمه» . جابر رضي الله عنه، رفعه: «إن الرجل يزني فيتوب فيتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه» . اغتاب رجل رجلا عند معروف الكرخيّ فقال: اذكر القطن إذا وضع على عينيك. قيل لابن سيرين: مالك لا تقول في الحجاج شيئا؟ فقال: أقول فيه حتى ينجيه الله لتوحيده ويعذّبني باغتيابه؟ وكان قد جعل على نفسه وإذا اغتاب تصدّق بدينار.
فضيل: كان يقول: ما لعنت إبليس قطّ. عبد الله بن المبارك: قلت لسفيان:
ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة ما سمعته يغتاب عدوّا قطّ. أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السّلام أن المغتاب إذا تاب فهو آخر من يدخل الجنة وإن أصرّ فهو أوّل من يدخل النار. يقال: سامع الغيبة أحد المغتابين. فضيل: الغيبة فاكهة القرّاء. محمد بن حرب: أوّل من عمل الصابون سليمان عليه السّلام، وأوّل من عمل القراطيس يوسف عليه السّلام، وأوّل من عمل السويق ذو القرنين، وأوّل من عمل الجرادق نمرود، وأوّل من كتب القراطيس الحجاج، وأوّل من بنى المدائن في الإسلام الحجاج، وأوّل من اغتاب إبليس اغتاب آدم عليه السّلام.
قيل لرجل من العرب: من السيد فيكم؟ قال: الذي إذا أقبل هبناه وإذا أدبر اغتبناه. يحيى بن خالد: وصف الفضل بن سهل عند الرشيد فلما جاءه تحيّر وأرتج عليه، فنظر الرشيد إلى يحيى نظرة منكر فلما ذهب قال: يا أمير المؤمنين من أبين الدلالة على فراهة «1» العبد شدّة إفراط هيبته لسيده، فقال الرشيد:
أحسنت والله، فقرّب الفضل إليه. ابن خالويه:
إذا لم يكن صدر المجالس سيدا ... فلا خير فيمن صدّرته المجالس
وكم قائل مالي رأيتك راجلا ... فقلت له من أجل أنك فارس
(1/239)

الروضة الرابعة والعشرون في العزّة والشرف والرياسة والذلّ والهوان والخسّة وسقوط الهمّة وما ناسب ذلك
قيل للحسن بن عليّ رضي الله عنهما: فيك عظمة، قال: لا بل فيّ عزّة، قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
«1» . كان الرجل يجلس مع الحسن إلى ثلاث حجج «2» لا يسأله عن مسألة، هيبة له. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم:
«قدّموا قريشا ولا تقدّموها وتعلّموا منها ولا تعلّموها» . سئل عيسى عليه السّلام: أيّ الناس أشرف؟ فقبض قبضتين من تراب ثم قال: أيّ هذين أشرف؟
ثم جمعهما وطرحهما وقال: الناس كلّهم من تراب وأكرمهم عند الله أتقاهم.
بعض الفضلاء: الشرف بالهمم العالية، لا بالرمم البالية. عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه ينشد:
إذا أردت شريف الناس كلهم ... فانظر إلى ملك في زيّ مسكين
ذاك الذي حسنت في الناس سيرته ... وذاك يصلح للدنيا وللدين
غيره:
بلغت سماء المجد عزّا ورفعة ... رويدا فما فوق السموات منزل
غيره:
والدرّ والدرّيّ خافا جوده ... فتحصّنا في البحر والأفلاك «3»
(1/240)

غيره:
ويكاد من كرم الطباع وليدهم ... يهب التمائم ليلة الميلاد
وإذا امتطى مهدا فليس ينيمه ... إلا نشيد مدائح الأجداد
أبو الطيب:
فقد غيّب الشهّاد في كلّ موطن ... وردّ إلى أوطانه كلّ غائب «1»
أبو تمام:
هيهات لا يأتي الزمان بمثله ... إنّ الزّمان بمثله لبخيل
وله رحمه الله:
تعوّد بسط الكفّ حتى لو انه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله
ولو أنّ ما في كفّه غير نفسه ... لجاد بها فليتّق الله سائله
زهير:
تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
وقيل:
تواضع لمّا زاده الله رفعة ... وإن رفيع القدر من يتواضع
أبو الحسين البلخي: معاداة الأغنياء، من عادات الأغبياء. ومن عادى معانا عاد مهانا، لأن اعتزاء الغنيّ إلى الله واعتزازه بصنع الله. أراد عاصم الخروج إلى
(1/241)

البصرة فقال للشعبيّ: ألك حاجة؟ قال: إذا أتيتها فبلّغ الحسن سلامي. قال:
ما أعرفه. قال: انظر إلى أجلّ رجل في عينك وأهيبه في صدرك فأقرئه سلامي، هو أنور من ليلة القدر، وأشهر من يوم بدر. مخرمة بن عبد الله:
ما رأيت من العلماء أهيب من الشافعيّ من بعيد ولا أبرّ وأكرم من قريب.
الشعبيّ: كانت درّة عمر رضي الله عنه أهيب من سيف الحجاج. ولما جيء بالهرمزان ملك خوزستان أسيرا إلى عمر لم يزل الموكّل به يقتفي أثر عمر حتى عثر عليه في المسجد نائما متوسّدا درّته، فلمّا رآه الهرمزان قال: هذا هو الملك؟! والله إني خدمت أربعة من الملوك الأكاسرة أصحاب التيجان فما هبت أحدا منهم كهيبتي لصاحب هذه الدرّة. دخل أبو تمام على أحمد بن أبي داود وقد طال وقوفه بالباب ولم يصل إليه فقال أحمد: أحسبك عاتبا، فقال: إنما يعتب على واحد وأنت الناس جميعا، فقال: من أين لك هذا؟ قال: من قول أبي نواس:
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد «1»
ابن المقفّع: من تعزّز بالله لم يذلّه سلطان، ومن توكّل عليه لم يضرّه إنسان. من طال كلامه سئم، ومن قلّ احترامه شتم. إياك واللّجاج فإنه يوغر الصدور، وينتج النفور، ويقلّب القلوب، ويفتح باب الحروب. يقال: هو في عيش غريض «2» وجاه عريض. اصطنع أنوشروان رجلا فقيل: إنه لا قديم له، فقال: اصطناعنا إيّاه بيّنه وشرّفه.
يقال: أسباب الرياسة خمسة: صدق اللهجة، وكتمان السرّ، والوفاء
(1/242)

بالعهد، وابتدار النصيحة، وأداء الأمانة. أرسطو: الارتقاء إلى السؤدد صعب، والانحطاط إلى الدناءة سهل. وعنه: لا يسود من يتتبع العيوب الباطنة من إخوانه. يقال: التنقير تنفير. وقيل: التنقيب يريب الأريب.
فضيل: ما عشق الرياسة أحد إلا حسد وبغى وطغى. وعنه: من عشق الرياسة لم يفلح. وعنه: لا يطلب الرياسة أحد إلّا طلب عيوب الناس ومساوئهم، وكره أن يذكر أحد عنده بخير. وعنه: ما كثر تبع رجل إلا كثرت شياطينه. إبراهيم بن أدهم: كن ذنبا ولا تكن رأسا، فإنّ الذنب ينجو والرأس يهلك. خالد بن صفوان: كان الأحنف يفرّ من الشرف والشرف يتبعه.
الحسن: لقد صحبت أقواما: إنّ الرجل [منهم] «1» لتعرض له الكلمة من الحكمة، لو نطق بها لنفعته ونفعت أصحابه، فما يمنعه إلا مخافة الشهرة. قال رجل لابن الجوزي: تركت الدنيا وحبّ الرياسة لا يخرج من قلبي. فقال:
المكاتب «2» عبد ما بقي عليه درهم. أبو هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «كفى بالمرء فتنة أن يشار إليه بالأصابع» .
ابن سيرين: لم يمنعني من مجالستكم إلا مخافة الشهرة، فلم يزل بي البلاء حتى أخذ بلحيتي فأقمت على المصطبة. فقيل: هذا ابن سيرين. فضيل: كان أحدهم إذا جلس إليه أربعة أو أكثر قام مخافة الشهرة. قال معمر: رأيت قميص أيوب يكاد يمشي على الأرض، فقلت: ما هذا؟ قال: إنما كانت الشهرة فيما مضى في تذييلها واليوم الشهرة في تقصيرها. وكان يقول للخياط: اقطع وأطل فإنّ الشهرة اليوم في القصر.
(1/243)

أوس بن حارثة الطائي: من قلّ ذلّ، ومن أمر فلّ. عليّ رضي الله عنه:
مسكين ابن آدم: مكتوم الأجل، مكتوب العمل، تؤذيه البقّة، وتقتله الشقّة، وتنتنه العرقة، وتميته الغرقة. ذمّت أعرابيّة قوما فقالت: لهم صبر على غضّ الهوان. في ديوان المنظوم:
الهون والموت إن خيّرت بينهما ... فعجّل الموت لي إن أختر الهونا
قال الحسين رضي الله عنه يوم قتله:
وذلّ الحياة وذلّ الممات ... وكلا أراه طعاما وبيلا
فإن كان لا بدّ إحداهما ... فسيروا إلى الموت سيرا جميلا
وقيل:
ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلّان عير الحيّ والوتد
هذا على الخسف مربوط برمّته ... وذا يشجّ فلا يرثي له أحد
سئل أبو حنيفة عن السّفلة فقال: هم كفّار النعمة. وعن أبي يوسف: هم البائعون دينهم بالدنيا. وعن محمد بن الحسن: هم الذين يأكلون في الطرقات.
وعن الأصمعيّ: هم الذين لا يبالون بما قالوا أو قيل لهم. وعن عبد الله بن المبارك: هم الذين يتسفّلون ويحضرون أبوابا يطلبون الشهادة. وعن ابن الأعرابيّ: هم الذين يأكلون الدنيا بدينهم. فقيل له: ومن سفلة السفلة؟ فقال:
هم الذين يصلحون دنيا غيرهم بفساد دينهم. وسئل عليّ رضي الله عنه فقال:
الذين إذا اجتمعوا غلبوا، وإذا تفرّقوا لم يعرفوا. سأل قتيبة طاوسا عن شيء فلم يجبه فقيل: هو أمير خراسان. فقال: لذلك أهون عليّ. قيل في خسيس: له همّة خامدة وكفّ جامدة.
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إيّاكم والشحّ فإنّ الشحّ أهلك من قبلكم» . مرّ عليّ رضي الله عنه على مزبلة فقال: هذا ما بخل
(1/244)

به الباخلون. وعنه رضي الله عنه: البخل جامع لمساوىء القلوب، وهو زمام يقاد به إلى كل سوء. كان عمر بن حفص بن سالم لا يسأله أحد من أهله حاجة إلا قال: لا، فقال له عمرو بن عبيد: أقلل من قول لا، فإنه ليس في الجنة لا. بعض البخلاء لابنه: يا بنيّ اعلم أنّ لفظ لا يدفع البلا، ولفظ نعم يزيل النّعم. قيل لبخيل: من أشجع الناس؟ فقال: من يسمع وقع أضراس الناس على طعامه ولا تنشقّ مرارته. قيل لخمين: أتغدّيت عن فلان؟ قال: لا ولكن مررت ببابه وهو يتغدّى، فقيل: كيف علمت؟ قال: رأيت غلمانه بأيديهم قسيّ البنادق يرمون بها الذباب في الهواء. قيل لرجل: من يحضر مائدة فلان؟ قال:
الملائكة. قيل: ومن يأكل معه؟ قال: الذباب في وقت. الحسن: البخل بالطعام من أخلاق الطغام. الحجاج: البخل على الطعام أقبح من البرص على الجسد. سئل رجل: من يحضر مائدة فلان؟ قال: أكرم الخلق وألأمهم، يعني الملائكة والذّباب. كان مكتوبا على خوان كسرى: اتق الشحّ فإنه أدنس شعار وأوحش دثار. قيل في وصف البخلاء:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمّهم: بولي على النار
قيل لجمين: أما يكسوك محمد بن يحيى؟ قال: لو كان له بيت مملوء من الإبر وجاء يعقوب ومعه الأنبياء شفعاء، والملائكة ضمناء، والأولياء شهداء، ليستعير منه إبرة ليخيط بها قميص يوسف الذي قدّ من دبر ما أعاره إيّاها. نزل ابن أحمد الشاعر على عمّار بن مسروق فقيل له: على من نزلت؟ فقال: على أبي الخصيب والخبز من عندي. فقيل: وكيف؟ فقال: لأنّ خبزه مكتوب عليه: لا حافظ إلا الله وهو في ثني «1» الوسادة وهو متكّىء عليها.
(1/245)

رغيف في الحجاب عليه قفل ... وبوّاب وحرّاس منيعه
رأى في بيته يوما رغيفا ... فقال لضيفه هذا وديعه
كتب بعضهم لمن هرب من الضيف:
يا تارك البيت على الضيف ... وهاربا منه على الخوف
ضيفك قد جاء بزاد له ... فارجع وكن ضيفا على الضيف
أبو نواس: قلت لبخيل: لم تأكل وحدك؟ قال: السؤال عمن أكل مع الغير. يقال: إذا سألت اللئيم فغافصه «1» ولا تدعه يتفكّر لأنه كلّما تفكّر ازداد بعدا. قيل: شرّ ما في الكريم أن يمنعك جداه، وخير ما في اللئيم أن يكفّ عنك أذاه. قيل: ثوب الجود خلف، وثواب البخل تلف. كان يقال: الجواد يأكل ماله والبخيل يأكل ماله. دخل هشام بن عبد الملك بستانا له فأكل أصحابه من ثمارها فقالوا: بارك الله لك فيها. فقال: كيف يبارك الله فيها وأنتم تأكلونها؟ قيل في وصف بخيل:
يمحو كتاب الفلس في كفّه ... من شدّة القبض على الفلس
يكتب بالحبر على خبزه ... أعاذك الله من الضرس
أمر عبد الله بن الزبير لأبي الجهم العدويّ بألف درهم فدعا له وشكر، فقال: بلغني أنّ معاوية أمر لك بمائة ألف فسخطتها وشكوته وقد شكرتني، فقال أبو الجهم: بأبي أنت أسأل الله أن يديم لنا بقاءك فإني أخاف إن فقدناك أن يمسخ الناس قردة وخنازير، كان ذلك من معاوية قليلا وهذا منك كثير. فأطرق عبد الله ولم ينطق. الحسن البصري: المؤمن لا يكون ممسكا أعوذ بالله منه. والله تعالى أعلم.
(1/246)

الروضة الخامسة والعشرون في الصدق والأمانة والوفاء والكذب والرياء والسعي والنميمة والغدر والخيانة والسرقة
أبو بكر رضي الله عنه: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا أبا بكر عليك بصدق الحديث ووفاء العهد وحفظ الأمانة فإنها وصية الأنبياء» . ابن عباس رضي الله عنهما: «أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم التّجّار، فقال: يا معشر التجار إنّ الله باعثكم يوم القيامة فجّارا إلّا من صدق ووصل وأدّى الأمانة» . مكتوب في التوراة: الأمين من أهل الأديان كلها عائش بخير. عليّ رضي الله عنه: من استهان بالأمانة، وقع في الخيانة. قيل: من تسرّع إلى الأمانة، فلا لوم على من اتّهمه بالخيانة.
ومن تنصّح قبل أن يستنصح، فلا لوم على من اتّهمه بالخداع. ومن عني بكشف ما يستر عنه، فلا لوم على من اتهمه بخبث الطبع. في نوابغ الكلم: الأمين آمن، والخائن حائن «1» . ذمّ أعرابيّ رجلا فقال: إنّ الناس يأكلون أماناتهم لقما وإنّ فلانا يحسوها حسوا. لقمان: يا بنيّ كن أمينا تعش غنيّا. قال رجل لسلمان رضي الله عنه: يا أبا عبد الله فلان يقرئك السّلام. فقال: أما إنك لو لم تفعل لكان أمانة في عنقك.
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «الكذب مجانب الإيمان» . يقال: رأس المآثم الكذب، وعمود الكذب البهتان. أرسطاطاليس: فضل الناطق على الأخرس بالنطق، وزين النطق الصدق، فالأخرس والصامت خير من الناطق الكاذب. من اشتهر
(1/247)

بالكذب علم رياؤه ومهانته، وعدم حياؤه وأمانته، وإن عاقد لم يوثق بعقده وإن واعد لم يسكن إلى وعده، وإن تظلم تسرع إليه التهمة، وإن تألّم تباعد عنه الرحمة. يقال: إذا كان الخبر محتملا للصدق والكذب فالحكم بأحدهما قبل الامتحان جور. يقال: لا يكن سمعك لأوّل مخبر ولا ثقتك لأوّل مجلس.
يقال: إنما يقضي بصدق الخبر عصمة المخبر لا صدقه. يقال: أما يخاف الكذوب أن يذوب. قيل: من صدقت لهجته، ظهرت حجّته. من قلّ صدقه، قلّ صديقه. قال رجل: لا أكذب كذبة بألف درهم، فقال جليسه: أمّا هذه فواحدة بلا درهم. قيل: إيّاك وحكاية ما تسمعه ليجد عدوّك سبيلا إلى تكذيبك.
قيل: الكذوب بين مهانة الدنيا وعذاب الآخرة. بعضهم: لو لم أترك الكذب تأثّما لتركته تكرّما. بعض الحكماء: لا تأمن بمن كذب لك أن يكذب عليك.
خطب الحجاج يوما فأطال، فقام رجل وقال: الصلاة الصلاة الوقت يمضي ولا ينتظرك يا أمير. فحبسه. فقال قومه: إنه مجنون. قال: إن أقرّ جنّته «1» .
فقيل له فقال: معاذ الله أن أقول ابتلاني وقد عافاني، فبلغه فعفا عنه لصدقه.
سكت أحنف عنده «2» فقال: لم لا تتكلّم؟ فقال: أخافك إن صدقت، وأخاف الله إن كذبت. أوصى المسترشد ابنه عند وفاته فقال: يا بنيّ إن أردت المهابة فلا تكذب فإن الكاذب لا يهاب ولو حفّ به مائة ألف سيف. الأصمعيّ: قلت لأعرابيّ معروف بالكذب: أصدقت قطّ؟ قال: لولا أني أصدق في هذا القول لقلت لك لا. عباس لابنه عبد الله: إني أرى عمر يقدّمك على الشيوخ فاحفظ عني ثلاثا: لا تفشينّ سرّا، ولا تغتابنّ أحدا عنده، ولا تجرينّ عليه كذبة. قتيبة
(1/248)

ابن مسلم: لا تطلبوا الحوائج من كذوب فإنه يقرّ بها وإن كانت بعيدة ويبعدها وإن كانت قريبة، ولا من رجل قد جعل المسألة مأكلة فإنه يقدّم حاجته، ولا من أحمق فإنه يريد نفعك ويضرّك. فيلسوف: من عرف من نفسه الكذب لم يصدّق الصادق. الحسن رحمه الله تعالى: المنافق يعطيك لسانه ويمنعك قلبه. ابن مسعود رضي الله عنه: أعظم الخطايا اللسان الكذوب.
معاذ بن جبل رضي الله عنه: قال لي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يا معاذ احذر أن ترى عليك آثار المحسنين وأنت تخلو من ذلك فتحشر مع المرائين» . صلّى رجل فقيل له: ما أحسن صلاتك؟ فقال: مع ذلك إني صائم. قيل لبعض المرائين:
كم لك منذ نزلت العراق؟ قال: منذ عشرين سنة وأصوم منذ ثلاثين سنة.
محمود الورّاق:
أظهروا للناس نسكا ... وعلى الدينار داروا
وله صاموا وصلّوا ... وله حجّوا وزاروا
لو يرى فوق الثريا ... ولهم ريش لطاروا
آخر:
تصوّف كي يقال له أمين ... وما يغني التصوّف والأمانه
ولم يرد الإله به ولكن ... أراد به الطريق إلى الخيانه
أمر عمر رضي الله عنه لرجل بكيس فقال الرجل: خذ الخيط، فقال عمر:
مع الكيس؟ سمع سعيد بن المسيّب ذات ليلة في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عمر بن عبد العزيز يجهر بالقراءة في صلاته، وكان حسن الصوت وهو إذ ذاك أمير المدينة، فرفع سعيد صوته وقال: أيها المصلّي إن كنت تريد الله بصلاتك فاخفض صوتك، وإن كنت تريد الناس فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا، فسكت وخفف ركعته ثم أخذ نعله وخرج. ابن مسعود رضي الله عنه: يكون
(1/249)

الرجل مرائيا في حياته وبعد موته، فقيل: كيف ذلك؟ قال: يحبّ أن تكثر الناس على جنازته. يقال: المرائي يغتال العقول، بما يفعل ويقول الحريريّ:
أنا في النهار خطيب، وفي الليل أطيب.
كم من فتى تحسبه ناسكا ... يستقبل الليل بأمر عجيب
غطّى عليه الليل أستاره ... فبات في لهو وعيش خصيب
ولذة الأحمق مكشوفة ... يسعى بها كلّ عدوّ رقيب
أبو نواس:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل عليّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أنّ ما يخفى عليه يغيب
لما سمع هذا أحمد بن حنبل بكى وردّد «1» . قيل: الرياء شراب يخدع الفطن القاصرة، ولا يخفى على البصائر الباصرة.
يقال: قلوب الحكماء تستنشق الأسرار من لمحات الأبصار، وطالما دلّت أوائل المبصرات على أواخر المنتظرات. من الأدلّة على مكاشفة الله القلوب لبعض الغيوب، أنّ الإنسان قد يتوقع الشيء من مكروه أو محبوب ثم يقع ما يتوقع، وأنّ الإنسان قد يرى إنسانا فيحبه أو يبغضه لغير إحسان أو جناية ثم يقع الإحسان أو الجناية. سقراط: اتقوا من تبغضه قلوبكم. بعض العلماء: لعنة الله على كل من له لسانان ووجهان. حذيفة: لا يدخل الجنة قتّات «2» . أنس، رفعه: «من مشى بالنميمة بين العباد قطع الله له نعلين من نار يغلي منهما دماغه» . قيل: من نمّ لك نمّ عليك.
(1/250)

قالوا في السعاة: كفاك أنّ الصدق محمود إلّا منهم، وأنّ أصدقهم أخبثهم.
يقال: يسعى عليك كما يسعى إليك. عاتب مصعب بن الزبير الأحنف على شيء بلغه عنه فاعتذر، فقال: أخبرني بذلك الثقة، فقال: كلّا يا أمير، الثقة لا ينمّ. قال رجل لعمرو بن عبيد: إنّ الأسواريّ لم يزل يذكرك ويقول: الضالّ، فقال عمرو: يا هذا والله ما رعيت حق مجالسته حتى نقلت إلينا حديثه، ولا رعيت حقي حتى نقلت عن أخي ما أكرهه، اعلم أنّ الموت يعمّنا والبعث يحشرنا والقيامة تجمعنا والله يحكم بيننا. وشى واش برجل إلى الإسكندر فقال: أتحبّ أن نقبل منك ما قلت فيه، على أن نقبل منه ما يقول فيك؟ فقال: لا، فقال:
كفّ عن الشرّ يكفّ عنك. قال رجل لفيلسوف: عابك فلان بكذا، فقال:
لقيتني بقبحك ما استحياني أن يلقاني به. صالح بن عبد القدّوس «1» :
من يخبّرك بشتم عن أخ ... فهو الشاتم لا من شتمك
ذاك شيء لم يواجهك به ... إنما اللوم على من أعلمك
جاء رجل إلى وهب فقال: إن فلانا شتمك. فقال وهب: أما وجد الشيطان بريدا غيرك؟. قيل لعاقل: فلان يشتمك بالغيبة. فقال: ولو ضربني وأنا غائب لم أبال به. سمع حكيم من أبيه مذمّة رجل فقال: يا أبت مالك ترضى أن يكون على لسانك ما لا ترضى أن يكون على بدن غيرك؟. الجنيد: ستر ما عاينت، أحسن من إشاعة ما ظننت. عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: من سمع بفاحشة فأفشاها، فهو كالذي أتاها. قيل لأنوشروان: نفقات الوكيل في منزله زائدة على المقدّر له، قال: هل رأيتم نهرا يسقي قبل أن يشرب. مات بعض خدّام هشام بن عبد الملك فكتب رجل إليه: إن عبدا من عبيدك مات وخلّف
(1/251)

ثمانين ألف دينار، إن أمر الخليفة فلتذهب إلى بيت المال. فكتب هشام: هذا قليل لمن وصل إلينا فلتقسّم على ورثته. كتب رجل إلى المعتصم: إن فلانا مات وخلّف مالا كثيرا وليس له وارث غير ابن واحد. فكتب المعتصم: أمّا المال فثمره الله، وأمّا الميت فرحمه الله، وأمّا اليتيم فأنبته الله، وأمّا الساعي فلعنه الله. كتب رجل إلى الصاحب بن عبّاد: إنّ فلانا مات وترك عشرة آلاف دينار ولم يخلّف إلا بنتا واحدة. فكتب على ظهر المكتوب: النصف للبنت والباقي يردّ عليها، وعلى الساعي ألف ألف لعنة. كتب طاهر بن الحسين في رقعة نمام: قد سمعنا ما كره الله فانصرف لا رحمك الله. قيل: النميمة من سلاح النساء وحصون الضعفاء.
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان» . مالك بن دينار: كفى للمرء خيانة أن يكون أمينا بالخونة. احتضر رجل فإذا هو يقول: جبلين من نار جبلين من نار.
فسئل أهله عن عمله فقالوا: كان له ميكالان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر.
قيل: الخائن في المنزور، كالخائن في الموفور، ولذلك أوعد الله بالنقير والقطمير، كما خوّف بالمثاقيل والقناطير. عليّ كرّم الله وجهه: الوفاء لأهل الغدر غدر، والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله. عمر رضي الله عنه: أشكو ضعف الأمين وخيانة القويّ. أبو بكر رضي الله عنه: ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: البغي والنكث والمكر، قال الله تعالى: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
«1» فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
«2» وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
«3» . كان
(1/252)

عمر بن مهران يكتب على روسمه «1» : اللهمّ احفظه ممن يحفظه. سئل أفلاطون:
من أحقّ أن يؤتمن على تدبير المدينة؟ قال: من كان في تدبير نفسه حسن المذهب. قيل: من يسلم من العيوب؟ قال: من جعل عقله أمينه، وحذره وزيره، والمواعظ زمامه، والصبر قائده، والاعتصام بالتقوى ظهيره، وخوف الله جليسه، وذكر الموت أنيسه. قال المنصور لعامل بلغه عنه خيانة: يا عدوّ الله وعدوّ أمير المؤمنين، أكلت مال الله؟ فقال: يا أمير المؤمنين، نحن عيال الله وأنت خليفة الله والمال مال الله، فمال من نأكل إذا؟ فضحك وقال: خلّوه ولا تولّوه؟.
مرّ عمرو بن عبيد بجماعة وقوف فقال: ما هذا؟ فقيل: السلطان يقطع سارقا، فقال: لا إله إلا الله يقطع سارق العلانية سارق السرّ. أمر الإسكندر بصلب السارق فقال: أيها الملك إني فعلت ما فعلت وأنا كاره، فقال: وتصلب وأنت للصلب كاره. سرق مدنيّ قميصا فأعطاه ابنه ليبيعه فسرق، فجاء فقال له: بكم بعته؟ قال: برأس المال. قال لرجل غلامه: قد سرق الحمار يا سيدي فقال: الحمد لله حيث لم أكن على ظهره. كان للمأمون خادم يتولى وضوءه فسرق طاسه فقال له: لم سرقتها فهلا أتيتني بها فاشتريتها منك، فقال:
فاشتر مني ما بين يديك الآن، فقال: بكم؟ قال: بدينارين، فاشتراه منه فقال:
هذا الآن في أمان؟ قال: نعم، وقال: فلنا فيه كفاية إلى دهر ولو خلوت بالكعبة لسرقتها. سرق رجل من مجلس أنوشروان جام «2» ذهب وهو يراه فلما فقده الشرابيّ «3» قال: والله لا يخرج أحد حتى ينبش، فقال أنوشروان: لا
(1/253)

تتعرّض لأحد فقد أخذه من لا يردّه، ورآه من لا ينمّ عليه. سرق رجل من مجلس معاوية كيس دنانير وهو يراه، فقال الخازن: لقد نقص من المال كيس دنانير، فقال: صدقت وأنا صاحبه وهو محسوب لك. العرب: الخلّة تدعو إلى السّلّة «1» . قيل: البريء جريء والخائن خائف. قطع قوم بالبادية فكتب الحجاج إلى عمر بن حنظلة: أمّا بعد فإنكم أقوام قد استبحتم هذه الفتنة، فلا على حقّ تقيمون، ولا عن باطل تمسكون، وإني أقسم بالله لتأتينّكم مني خيل تدع أبناءكم يتامى ونساءكم أيامى. سرق لرجل درهم فقيل له: يكون في ميزانك يوم القيامة، فقال: قد سرق مع الميزان. سرق لرجل آخر خرج فقيل له: لو قرأت عليه آية الكرسي لم يسرق، فقال: قد كان فيه مصحف بالتمام. دخل اللصوص على أبي بكر الربابيّ يطلبون شيئا فرآهم يدورون في البيت فقال: يا فتيان هذا الذي تطلبونه في الليل قد طلبناه في النهار فما وجدناه، فضحكوا وخرجوا. سرق لآخر بغل فقال واحد: الذنب لك في إهمالك أمره، وقال آخر: الذنب للسائس، فقال: يا قوم واللصّ لا ذنب له؟. سئل رجل: إلى أين؟ فقال: إلى الكناسة «2» لأشتري حمارا، فقيل له: قل إن شاء الله، فقال:
لست أحتاج إلى الاستثناء فالدراهم في كمي والحمير في الكناسة فلم يبلغ الكناسة حتى طرّ «3» دراهمه من كمّه، فرجع فقال له رجل: من أين؟ قال: من الكناسة إن شاء الله، سرق دراهمي إن شاء الله. والله سبحانه وتعالى أعلم.
(1/254)

الروضة السادسة والعشرون في الشفاعة والعناية وإصلاح ذات البين والصلاح والفساد وذكر الشرّ والفجور والعداوة والغيرة والحسد والبغضاء
عوف بن مالك الأشجعيّ: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «شفاعتي يوم القيامة لكلّ مسلم» . ابن عمر رضي الله عنهما: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» . عثمان رضي الله عنه رفعه: «من غشّ العرب لم يدخل في شفاعتي ولم تنله مودّتي» . صائن الدين:
إذا احتاج النوال إلى شفيع ... فلا تقبله تضح قرير عين
إذا عيف النوال لفرد منّ ... فأولى أن يعاف لمنّتين
أبو هريرة رضي الله عنه رفعه: «من نفّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسرّ على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر على مسلم ستر الله عليه في الدنيا والآخرة» . عن جبرائيل عليه السّلام قال: يا محمد لو كانت عبادتنا على وجه الأرض لعملنا ثلاث خصال:
سقي الماء للمسلمين، وإعانة أصحاب العيال، وستر الذنوب على المسلمين.
أبو الدرداء رضي الله عنه، رفعه: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين» . عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «حسب امرىء من الشرّ أن يخيف أخاه المسلم» . بعض الأكابر:
(1/255)

إنّ المكارم كلّها لو حصّلت ... رجعت بجملتها إلى شيئين
تعظيم أمر الله جلّ جلاله ... والسعي في إصلاح ذات البين
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب» . قيل:
وإذا تقارنت السعود فعندها ... يرجى الصلاح وتحسن الأحوال
وقيل:
قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
قيل: الإصلاح في الأمور صعب وإفسادها سهل. يقال: نظم الشوارد وضمّ الأوابد «1» عسير، وتفريق المنظمات وتبديد المجموعات يسير. في المثل: ألف صياد لا يقوم بمكشكش «2» واحد. قيل:
أرى ألف بان لا تقوم بهادم ... فكيف ببان خلفه ألف هادم
وقيل:
إن كان ريعك شرّا أنت زراعه ... أو كان نسجك خزّا أنت غازله «3»
البحتريّ:
إذا ما الجرح رمّ على فساد ... تبيّن فيه تفريط الطبيب
أبو الطيب:
فإنّ الجرح ينفر بعد حين ... إذا كان البناء على فساد
(1/256)

جعفر بن محمد عن آبائه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يزداد المال إلا كثرة، ولا يزداد الناس إلّا شحّا، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق» . الحسن: إنّ صحبة الأشرار، تورث سوء الظنّ بالأخيار. لقمان: يا بنيّ كذب من يقول: إنّ الشرّ يطفىء الشرّ، فإن كان صادقا فليوقد نارين ثم لينظر هل تطفىء إحداهما الأخرى؟ وإنما يطفىء الماء النار. سقراط: إذا وليت أمرا فأبعد عنك الأشرار فإنّ جميع عيوبهم منسوبة إليك. أبو العيناء: رأيت جارية في النخّاسين تحلف أن لا ترجع إلى مولاها، فقلت لها: لم؟ فقالت: يا سيدي يواقعني من قيام ويصلي من قعود، ويشتمني بإعراب ويلحن في القرآن، ويصوم الاثنين والخميس ويفطر في رمضان، ويصلي الضحى ويترك الفجر.
أبو هريرة رضي الله عنه، رفعه: «إن للإيمان سربالا يسربله الله من يشاء، فإذا زنى العبد نزع الله منه سربال الإيمان، فإذا تاب ردّه الله عليه» . وعنه رفعه:
«إنّ السموات السبع والأرضين السبع لتلعن العجوز الزانية والشيخ الزاني» . بلغ عثمان رضي الله عنه أنّ قوما على فاحشة، فأتاهم وقد تفرّقوا، فحمد الله وأعتق رقبة. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أعدى عدوّك نفيستك بين جنبيك» . أبو بكر رضي الله عنه: العداوة تتوارث. داود عليه السّلام: لا تشتر عداوة واحد بصداقة ألف.
الحارث بن شمر الغسانيّ: من اغترّ بكلام عدو فهو أعدى عدوّ لنفسه. كان حاتم أسيرا في بلاد عنزة فلطمته أمة لهم فقال: لو ذات سوار لطمتني.
ولا غرو أن يبلى شريف بخامل ... فمن ذنب التنّين تنكسف الشمس
السيد الحميري:
من كان أفضل خلق الله كلّهم ... أمسى له الناس أعداء وحسادا
(1/257)

من علامة الشقاء، مجانبة الأصدقاء، وأقتل الداء تكثير الأعداء. صالح بن سليمان: لا تستصغروا عدوّا فإن الغدير ربما يشق بالذباب. تقول العرب:
أصبحا يتكاشحان ولا يتناصحان، ويتكاشران ولا يتعاشران. قيل لكسرى: أيّ الناس أحبّ إليك أن يكون عاقلا؟ قال عدوّي، قيل: وكيف؟ قال: لأنه إذا كان عاقلا فإني منه في عافية. في المثل: عدوّ عاقل خير من صديق جاهل.
كما قيل:
إنّ اللبيب من العدا في بغضه ... أحنى إليك «1» من الصديق الجاهل
فيلسوف: كونوا من المسرّ المدغل أخوف منكم من المكاشف المعلن، فإنّ مداواة العلل الظاهرة أهون من مداواة ما خفي وبطن. قيل: إياك أن تعادي من إذا شاء طرح ثيابه ودخل مع الملك في لحافه. يزداد الكاتب: إذا لم تستطع أن تعضّ يد عدوّك فقبّلها. يقال: دار عدوّك لأحد أمرين: إما لصداقة تؤمّنك، أو فرصة تمكّنك. إدريس عليه السّلام: عوّدوا أنفسكم إكرام الأخيار والأشرار، أمّا الأخيار فلخيرهم وأما الأشرار فلاستكفاء شرّهم. أبو سليمان:
ما دمت حيّا فدار الناس كلّهم ... فإنما أنت في دار المداراة
من يدر دارى ومن لم يدر سوف يرى ... عما قليل نديما للندامات
حسام الدين السفناقي رحمه الله تعالى:
إذا أرسلت فارسل ذا وقار ... كريم الطبع حلو الاعتذار
يؤلّف بين نيران وماء ... ويصلح بين سنّور وفار
(1/258)

وقيل:
وإنّ بقاء المرء بعد عدوّه ... وإن ساعة من عمره لكثير
وقيل:
يقول لك العقل الذي بيّن الهدى ... إذا أنت لم تدرأ عدوّا فداره
وقبّل يد الجاني التي لست واصلا ... إلى قطعها وانظر سقوط جداره
يقال: محاسبة الصديق دناءة وترك الحق للعدوّ غباوة. قيل:
إذا كان الزمان زمان سوء ... وكان الناس أمثال الذئاب
فكن كلبا على من كان ذئبا ... فإن الذئب ينفى بالكلاب «1»
يقال: صرفك البصر إلى عدوّك إضاعة، وإصغاؤك إلى حديثه طاعة.
يقال: عجبا لمن يصغي إلى عدوّه سمعا، وهو لا يرجو عنده نفعا. يقال:
أظهر البشر لثلاثة: الصديق والعدوّ والنعمة. البستيّ رحمه الله:
وإن لقيت عدوّا فالقه أبدا ... والوجه بالبشر والإشراق غضّان «2»
غيره:
وحظك من صديقك أن تراه ... عدوّا في هواك لمن تعادي
فلا يغررك ألسنة رطاب ... بواطنهنّ أكباد صوادي
يقال: من هاب عدوّه فقد جهز إلى نفسه جيشا. يقال: إذا ازدحمت الشهوات نجمت العداوات. أرسطو: من الشناعات تتولّد الآفات.
قيل: كثرة الغيرة إضجار وقلتها اغترار. معاوية: ثلاث من السؤدد:
الصلح، واندحاق «3» البطن، وترك الإفراط في الغيرة. قيل: اتهام الرجل المرأة
(1/259)

في غير موضع التهمة يدعوها إلى ارتكابها. قيل لبعض عشاق قينة: لم لا تغار عليها؟ فقال: منع الناس من ورود الفرات صعب. في الخبر: «أيما امرأة غارت فصبرت دخلت الجنة» . قيل: غيرة النساء أشدّ من غيرة الرجال. كان ابن عمر يقول: نعوذ بالله من قدر وافق إرادة حاسد. قيل لرسطاليس: ما بال الحسود أشدّ غمّا؟ قال: لأنه يأخذ نصيبه من غموم الدنيا، ويضاف إلى ذلك غمه لسرور الناس.
يقال: الحاسد مبتلى غير مرحوم، وظالم في صورة مظلوم، فإنه اعترض على ربه فسخط قسمته وأخطأ كلمته. يقال: ما جاور الحسد دينا إلا فسد ولا فضلا إلا كسد. يقال: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له، بخيل بما لا يملك. التهاميّ «1» :
إني لأرحم حاسديّ لحرّ ما ... ضمّت صدورهم من الأوغار
نظروا صنيع الله بي فعيونهم ... في جنّة وقلوبهم في نار
أبو الطيب:
وفي تعب من يحسد الشمس نورها ... ويجهد أن يأتي له بضريب «2»
قيل:
وكيف يداري المرء حاسد نعمة ... إذا كان لا يرضيه إلّا زوالها
(1/260)

أبو الطيب:
وكيف لا يحسد امرؤ علم ... له على كلّ هامة قدم
وله:
وهكذا كنت في أهلي وفي وطني ... إن النفيس غريب حيثما كانا
أبو تمام:
ما ضرّني حسد اللئيم ولم يزل ... ذو الفضل يحسده ذوو التقصير
قيل لأفلاطون: بم ينتقم الإنسان من عدوّه؟ قال: بأن يزداد فضلا في نفسه. بعض حكماء العرب: الحسد داء منصف يفعل في الحاسد أكثر من فعله في المحسود. قيل:
كلّ العداوة قد ترجى إزالتها ... إلا عداوة من عاداك عن حسد
الأصمعيّ: رأيت أعرابيّا قد بلغ عمره مائة وعشرين سنة فقلت له: ما أطول عمرك؟ فقال: تركت الحسد فبقيت. قيل: من كثر غمره لم يطل عمره. قيل لعبد الله بن عروة: لزمت البدو وتركت قومك، قال: وهل يبقى إلا حاسد نعمة أو شامت على نكبة؟. واثلة بن الأسقع، رفعه: «لا تظهر الشماتة بأخيك المسلم فيرحمه الله ويبتليك» . قيل لأيوب عليه السّلام: أيّ شيء كان عليك في بلائك أشدّ؟ قال: شماتة الأعداء. ابن أبي عيينة المهلبيّ:
كلّ المصائب قد تمرّ على الفتى ... فتهون غير شماتة الأعداء
سئل الحسن: أيحسد المؤمن؟ قال: وما أنساك بني يعقوب عليه السّلام؟.
مالك بن دينار: شهادة القرّاء مقبولة في كلّ شيء إلا شهادة بعضهم على بعض فإنهم أشدّ تحاسدا من السوس في الوبر. كثر القاصدون لطلب العلم إلى (فضل)
(1/261)

فحسدوه، ووضعوا امرأة أقرّت بأنه راودها، فانتقل (فضل) عن قريته فيبس زرعهم، ثم دعوه إلى القرية فقال: لا أعود حتى تقرّوا بكذبكم. ففعلوا، فقال: لا حاجة لي في مساكنة من يكذب. أنس رضي الله عنه، رفعه:
«الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» . عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان «1» فإنّ كل ذي نعمة محسود» .
قيل: من لم يمش سرّه يمشه سرّه «2» . وقيل: من أذاع سرّه أضاع نفسه.
ولها سرائر في الضمير طويتها ... نسي الضمير بأنها في طيّه
عليّ رضي الله عنه: سرّك أسيرك، فإذا تكلّمت به صرت أسيره.
إذا عاتبت من أفشى حديثي ... وسرّي عنده، فأنا الملوم
أبو جعفر الكاتب:
إذا المرء أفشى سرّه بلسانه ... ولام عليه غيره فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه ... فصدر الذي يستودع السرّ أضيق
وقيل في ضدّه:
والخلّ كالماء يبدي لي ضمائره ... على الصفاء ويخفيها على الكدر
وقيل:
رأيتك مثل الجوز يمنع مخّه ... صحيحا ويعطي خيره حين يكسر
غيره:
سرّي عليك كأسرار الزجاجة لا ... يخفى على العين منه الصفو والكدر
(1/262)

عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ألا أخبركم بشراركم؟ من أكل وحده، وضرب عبده، ومنع رفده، ألا أخبركم بشرّ من ذلكم؟ من يبغض الناس ويبغضونه» . قيل:
كثير المذاق، مرّ المذاق. قيل في حاسد: إذا رأى نعمة بهت، وإذا رأى عثرة شمت. قيل: لو كانت المشاجرة شجرا، لم تثمر إلّا ضررا. عن عليّ كرّم الله وجهه: كثرة الوفاق نفاق، وكثرة الخلاف شقاق. في المثل السائر: لولا الوئام لهلك الأنام. قيل: الخلاف غلاف الشرّ. قيل: ليس في الاختلاف طمع في الائتلاف. وفي ضدّه قيل: ربّ مخالفة دعت إلى محالفة، ومعاسرة تحمل على معاشرة. قيل: استدم مودّة أخيك بترك الخلاف عليه، ما لم تكن عليه منقصة أو غضاضة. قيل: بإحياء الملاطفة، تستمال القلوب العارفة. يقال: حسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار. الشافعيّ رحمه الله:
إنّي أحيّي عدوّي عند رؤيته ... لأدفع الشرّ عني بالتحيّات
لمّا عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت نفسي من همّ العداوات
فخالط الناس واصبر ما بقيت لهم ... أصمّ أبكم أعمى ذا تقيّات
يقال: حسن الاعتذار يميت الوغار ويسلّ الأوغار. قيل: رأس الحكمة التودّد إلى الناس.
يعد رفيع الناس من كان عاقلا ... وإن لم يكن في قومه بنجيب
وإن حلّ أرضا عاش فيها بعقله ... وما عاقل في بلدة بغريب
قيل: عدوّ الرجل حمقه، وصديقه عقله. والله سبحانه وتعالى أعلم.
(1/263)

الروضة السابعة والعشرون في الصحة والنعمة وشكرها وكفرانها والتوكل والقناعة
معاوية بن قرّة: أشدّ الناس حسابا الصحيح الفارغ. ابن عيينة: من تمام النعمة طول الحياة في الصحة والأمن والسرور. عائشة رضي الله عنها: لو رأيت ليلة القدر ما سألت الله إلا العفو والعافية. بزرجمهر: إن كان شيء فوق الحياة فالصحة، وإن كان شيء مثل الحياة فالغنى، وإن كان شيء فوق الموت فالمرض، وإن كان شيء مثل الموت فالفقر. ابن السماك: النعمة من الله على عبده مجهولة فإذا فقدت عرفت. موسى عليه السّلام: يا ربّ دلني على أخفى نعمة، قال: النفسان تدخل أحدها وهو بارد وتخرج الآخر وهو حارّ ولو لاهما لفسد عيشك، وهل تبلغ قيمة نفس منهما؟
من جعل الحمد خاتمة للنعمة جعله الله فاتحة للمزيد. كان الصاحب يقول:
أستحسن قول البحتريّ: الشكر نسيم النعم. قيل: من لم يشكر الله على النعمة فقد استدعى زوالها. عليّ رضي الله عنه: إذا وصل إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلّة الشكر. وعنه رضي الله عنه: إذا رأيت ربك يتابع عليك نعمه فاحذره. حكيم: للشكر ثلاث منازل: ضمير القلب، ونشر اللسان، ومكافأة اليد. أعرابيّ: من كان مولى نعمتك فكن عبد شكره عليها. في الحكمة: عند التراخي عن شكر النعم، يحلّ عظيم النقم. أنشدت عائشة رضي الله عنها:
نجزيك أو نثني عليك وإنّ من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى
(1/264)

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «صدق القائل يا عائشة، إن الله إذا أجرى على يد رجل خير الرجل فلم يشكره فليس لله بشاكر» . قيل لذي الرمّة: لم خصصت بلال بن أبي بردة «1» بمدحك؟ قال: لأنه وطأ مضجعي وأكرم مجلسي وأحسن صلتي، فحقّ لكثير معروفه عندي أن يستولي على شكري. يقال: شكر الإله بطول الثناء، وشكر الولاة بصدق الولاء، وشكر النظير بحسن الجزاء، وشكر من دونك ببذل العطاء.
لأشكرنّك معروفا هممت به ... إنّ اهتمامك بالمعروف معروف
ولا ألومك إن لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف
سأل المنصور بعض بطانة هشام عن تدبيره في حروبه فقال: فعل كذا وصنع كذا رحمه الله. فقال المنصور: عليك لعنة الله تطأ بساطي وتدعو لعدوّي. فقام الرجل وهو يقول: والله إن نعمة عدوّك لقلادة في عنقي لا ينزعها إلا غاسلي.
فقال المنصور: ارجع يا شيخ فإني أشهد أنك نتيجة حرّة وثمرة شريف، ودعا له بمال. فقال: لولا افتراض طاعتك ما قبلت بعده لأحد نعمة. فقال المنصور:
لكفيت قومك فخرا، كن أوّل داخل عليّ وآخر خارج من عندي.
إن الذي هو كالقرطاس والقلم ... أخو اللسانين ذو وجهين في الكلم
سوّد محياه كالقرطاس منتقما ... واضرب مقلّده بالسيف والقلم
جلس المعتصم في خلافته وجعل إبراهيم بن المهديّ يقلب خاتما في يده، فقال العباس بن المأمون: ما هذا الخاتم؟ فقال: خاتم رهنته في أيام أبيك فما فككته إلا في أيام أمير المؤمنين. فقال العباس: لئن لم تشكر أبي على حقن دمك مع عظم جرمك فلا تشكر أمير المؤمنين على فكّ خاتمك. فأفحمه. عليّ
(1/265)

رضي الله عنه: أقلّ ما يلزمكم لله أن لا تستعينوا بنعمه على معاصيه.
فلو أنّ لي في كلّ منبت شعرة ... لسانا يطيل الشكر فيك لقصّرا
قيل: اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك. يقال: النعم محتاجة إلى الأكفاء، كما تحتاج إليها الكرائم من النساء، وأهل البطر ليسوا من أكفاء النعم، كما أنّ الأرذال ليسوا أكفاء عقائل «1» الحرم. يقال: اللئيم كالنار إكرامها إضرامها، وكالخمر حبيبها سليبها، وتبيعها صريعها. الحسن: إذا استوى يوماك فأنت ناقص. قيل: كيف ذاك؟ قال: إن الله زادك في يومك هذا نعما فعليك أن تزداد فيه شكرا. داود عليه السّلام: إلهي كيف أشكر لك وأنا لا أطيق الشكر إلا بنعمتك؟ فأوحى إليه: يا داود ألست تعلم أن الذي بك من النعم منّي؟ قال:
بلى يا ربّ. قال: فإني أقتصر على ذلك منك شكرا.
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «القناعة مال لا ينفد» . قيل لأبي حازم: ما مالك؟ قال:
لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله واليأس مما في أيدي الناس. أبو عبيد: سمعت الشافعيّ رحمه الله يقول لمحمد بن الحسن وقد دفع إليه خمسين دينارا: لا تحتشم. فقال محمد: لو كنت عندي ممن أحتشمه ما قبلت برّك.
أهدى عصام إلى حاتم شيئا فقبله فقيل: لم قبلت؟ قال: وجدت في أخذي ذلي وعزّه، وفي ردّه عكسه، فاخترت ذلي وعزّه.
الثوريّ: ما وضع أحد يده في قصعة غيره إلّا ذلّ له. وعنه رحمه الله: لم يفقه عندنا من لم يعدّ البلاء نعمة، والرخاء مصيبة. من باع الحرص بالقناعة فقد ظفر بالغنى. رويم البغدادي: الصبر ترك الشكوى، والرضا استلذاذ
(1/266)

البلوى. صلى معروف الكرخي خلف إمام فلما انفلت قال له: من أين تأكل؟
قال: اصبر لي حتى أعيد ما صليت خلفك. قال: ولم؟ قال: لأن من شك في رزقه شك في خالقه. إن نباشا تاب على يدي أبي يزيد البسطامي رحمه الله فسأله أبو يزيد عن حاله فقال: نبشت عن ألف فلم أر وجوههم إلى القبلة إلا رجلين. فقال أبو يزيد: مساكين أولئك تهمة الرزق حوّلت وجوههم عن القبلة.
وعن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه:
أتطلب رزق الله من عند غيره ... وتصبح من خوف العواقب آمنا
وترضى بصرّاف وإن كان كافرا ... ضمينا ولا ترضى بربك ضامنا
قيل لرابعة العدوية رحمها الله: قد غلا السعر بالبصرة فقالت: لو كان وزن حبة من الطعام بمثقال ذهب ما باليت، فإنّ علينا أن نعبده كما أمرنا، وعليه أن يرزقنا كما وعدنا. محمد بن إدريس الأندلسي:
مثل الرزق الذي تطلبه ... مثل الظلّ الذي يمشي معك
أنت لا تدركه متبعا ... فإذا وليت عنه تبعك
بعضهم: رأيت الحسين بن منصور «1» ينشد وهو فوق الخشبة:
طلبت المستقرّ بكل أرض ... فلم أر لي بأرض مستقرّا
أطلت مطامعي فاستعبدتني ... ولو أني قنعت لكنت حرّا
وقيل:
إن كان عندك رزق اليوم فاطّرحن ... عنك الهموم فعند الله رزق غد
والله أعلم.
(1/267)

الروضة الثامنة والعشرون في الهديّة والرّشوة
أهدى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعمر هدية فردّها، فقال: يا عمر لم رددت هديتي؟
قال: سمعتك تقول: (خيركم من لا يقبل شيئا من الناس) . قال: يا عمر إنما ذاك ما كان على ظهر مسألة، فأما إذا كان من غير مسألة فإنما هو رزق ساقه الله إليك. قالت أمّ الحكيم رضي الله عنها: «قلت للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أتكره ردّا للّطف «1» ؟ قال: أقبّحه، لو أهدي إليّ كراع لقبلت، ولو دعيت لأجبت» .
وقالت: سمعته صلّى الله عليه وسلّم يقول: «تهادوا فإنه يضعّف الحبّ ويذهب بغوائل الصدر» . الجاحظ: التهادي سنة متقلّبة، ومكرمة متقبّلة. عائشة رضي الله عنها: اللطفة عطفة، تزرع في القلوب المحبة. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «تهادوا تحابوا» وعنه عليه الصلاة والسّلام: «الهدية رزق من الله تعالى، فمن أهدي إليه شيء فليقبله» . النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الهديّة تجلب السمع والبصر والقلب» . قال ذو الرّياستين: لا يوقى المحذور بمثل الهدية.
إذا دخل الهدية دار قوم ... تطايرت العداوة من كواها
جاء (عافية) القاضي إلى المهديّ فاستعفاه من القضاء، فقال: ما السبب؟
قال: تقدّم إليّ خصمان منذ شهرين ولم أحكم بينهما رجاء أن يصطلحا، فوقف أحدهما على جنيّ الرطب وجمع رطبا لم يوجد مثله ورشا بوّابي على أن يدخل الرطب، فلما وضع الطبق إلى يديّ، أنكرت وطردته ورددت الطبق، فلما تقدّم اليوم مع خصمه، لم يتساويا في قلبي ولا عيني. يا أمير المؤمنين هذا حالي ولم
(1/268)

أقبل، فكيف لو قبلت؟ وقد فسد الناس؟ إني أخاف أن أهلك فأقلني أقالك الله. فأقاله. قيل:
ما من شفيع وإن تمت شفاعته ... يوما بأنجح في الحاجات من طبق
إذا تلثّم بالمنديل منطلقا ... لم يخش صولة بوّاب ولا غلق
ابن عباس رضي الله عنهما: ما أهدى المسلم لأخيه هدية أفضل من كلمة حكمة يزيده الله بها هدى، أو يردّ بها عنه ردى. كان إبراهيم بن أدهم إذا أهدي إليه شيء لم يردّه وكافأه بمثليه، فإذا لم يجد إلا ثوبه خلعه. أهدى مالك إلى الليث صينية فيها تمر فأعادها مملوءة ذهبا.
سأل ابن المبارك مرّة سائل فأعطاه درهما، فقال بعض أصحابه: إنّ هؤلاء يأكلون في غدائهم الشواء والفالوذج. فقال: والله ما ظننت أنه يأكل إلا البقل والخبز. وقال: يا غلام ردّه وأعطه عشرة دراهم. وكانت سفرة ابن المبارك تحمل على بعير وحدها وفيها من أنواع المآكل، وهو صائم الدهر، وكان يربو كسبه في التجارة كلّ سنة على مائة ألف فيفرّقها في العلماء والعباد، وربما أنفق من رأس المال. وإذا أقام ببغداد يتصدّق كل يوم بدينار. عبد الملك بن مروان:
ثلاثة أشياء تدلّ على مقدار عقول أربابها: الكتاب يدلّ على مقدار عقل كاتبه، والرسول يدلّ على مقدار عقل مرسله، والهدية تدلّ على مقدار عقل مهديها.
وعنه أيضا: ثلاثة أشياء تدلّ على عقل الرجل: مهاداة الأصحاب، وملاقاته بالبشر للأحباب، وعدم المؤاخذة فيما ينقل إليه من الأكذاب.
كتب إبراهيم بن إسماعيل إلى المأمون يوم النيروز: وجهت إلى أمير المؤمنين جام «1» فضة مذهبة فيها سبع تفاحات من مسك وعنبر وسكّ وصندل «2» وكافور
(1/269)

وزعفران وعود، وتفاءلت لأمير المؤمنين، باجتماعها وفيوح رائحتها، أن يملك الأقاليم السبعة وأن يفوح عدله وحسن سيرته في رعيته كفيوحها إن شاء الله تعالى. قيل: إذا سرّك أن يثبت لك الصديق، فليكن لك عليه الفضل. قالت امرأة يحيى بن طلحة له: أما ترى أصحابك إذا أيسرت لزموك، وإذا أعسرت تركوك؟ فقال: هذا من كرمهم يأتوننا في حالة القدرة على الإحسان، ويتركوننا في حالة الضعف. محمد بن عليّ رضي الله عنهما: أيدخل أحدكم يده في كمّ أخيه فيأخذ حاجته؟ فقيل: لا. فقال: فلستم إذا بإخوان. قيل:
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من أهديت إليه هدية وعنده قوم فهم شركاؤه» . قال بعض: الخبر على ظاهره. وحمله البعض على الاستحباب. روي أنه أهدي إلى أبي يوسف القاضي دنانير، فروى بعض جلسائه هذا الحديث، فقال: هذا في الفواكه ونحوها. وذكر الفقيه أبو جعفر عن أبي القاسم أنه أهدي إليه هدية من دنانير فذكر هذا الحديث فقال: معنى الحديث أنهم شركاؤه في السرور. وقال البعض: هذا في مثل أصحاب الصّفّة «1» وأهل الخانقاه «2» . أهدي إلى بعض العارفين شيء وكان عنده رجل، فقال الرجل: الهدايا تشترك. فقال العارف:
ليك تنها خو شترك. فأعطاه كلّه للرجل ولم يقبل منه شيئا.
الحسن: كان القاضي في بني إسرائيل إذا اختصم إليه خصمان رفع أحدهما الرشوة في كمّه فأراها إيّاه فلا يسمع إلا قوله، فأنزل الله تعالى: سَمَّاعُونَ
(1/270)

لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ
«1» . وعنه: إذا دخلت الرشوة من الباب خرج الحق من الكوّة. قيل: وإن سدّت الكوّة؟ قال: يخرج من حيث يدخل ملك الموت. في «النوابغ» «2» : البراطيل، تنصر الأباطيل. البستيّ: الرشوة رشاء الحاجات. والله سبحانه وتعالى أعلم.
(1/271)

الروضة التاسعة والعشرون في الطعام وألوانه والضيافة وذكر الأكل والشّبع والجوع واللذة والألم وما يتّصل بذلك
حذيفة رضي الله عنه: عنه عليه الصلاة والسّلام: «من قلّ طعمه صحّ بدنه، ومن كثر طعمه سقم بدنه وقسا قلبه» . وعنه عليه الصلاة والسّلام: «لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب، فإن القلب يموت كالزرع إذا كثر عليه الماء» .
لقمان: من احتمى من الأغذية، استغنى عن الأدوية. قيل: كل قليلا تعش طويلا. ابن سينا:
واجعل طعامك كل يوم مرّة ... واحذر طعاما قبل هضم طعام
عليّ رضي الله عنه: كان يفطر ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند عبد الله بن جعفر، لا يزيد على اللقمتين أو الثلاث. عيسى عليه السّلام: يا بني إسرائيل لا تكثروا الأكل فإنه من أكثر الأكل أكثر النوم، ومن أكثر النوم أقلّ الصلاة، ومن أقلّ الصلاة كتب من الغافلين. أبو سليمان الدارانيّ: لكلّ شيء صدأ وصدأ نور القلب الشّبع. كان سليمان بن داود عليهما السّلام يأكل خبز الشعير ويطعم الناس الحوّارى «1» . عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ما زيّن الله رجلا بزينة أفضل من عفاف بطنه» . عمرو بن عبيد: ما رأيت الحسن ضاحكا قطّ إلا مرّة قال رجل من جلسائه: ما آذاني طعام قطّ. فقال له آخر: لو كان في معدتك حجارة
(1/272)

لطحنتها. فضحك. فضيل: خصلتان تقسيان القلب: كثرة الأكل وكثرة الكلام.
قيل ليوسف عليه السّلام: مالك لا تشبع وفي يدك خزائن الأرض؟ فقال:
إني إذا شبعت نسيت الجائعين. دخل سفيان بن عيينة على الرشيد وهو يأكل بملعقة فقال: حدّثت عن جدّك ابن عباس في قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ
«1» أي جعلنا لهم أيديا يأكلون بها. فكسر الملعقة. الأصمعيّ قال: أكل أعرابيّ بخمس أصابع فقيل له: لم تفعل هكذا؟ قال: إذا أكلت بثلاث غضبت بقيّة الأصابع. وقيل لآخر: لم تأكل بخمس؟ قال: ما أفعل؟ ليست بزائدة منها. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أكرموا الخبز فإن الله أكرمه وسخر له بركات السماء والأرض» . كان ابن سيرين إذا دعي إلى وليمة قال: يا جاريتي هاتي قدحا من سويق فإني أكره أن أجعل حدّة جوعي على طعام الناس.
كان عمر يقول: يا بنيّ لا تخرج من منزلك حتى تأخذ من حلمك، يعني التغدي. يقال: الندامة أربعة: ندامة يوم وهي أن يخرج الرجل من منزله قبل أن يتغدّى، وندامة سنة وهي ترك الزراعة في وقتها، وندامة عمر وهي أن يتزوّج امرأة غير موافقة، وندامة الأبد وهي أن يترك أمر الله تعالى. عليّ رضي الله عنه: من أراد البقاء فليباكر الغداء، وليخفّف الرداء، وليقلّ غشيان النساء.
فقيل: وما خفّة الرداء؟ قال: قلّة الدّين. عائشة رضي الله عنها: ما شبع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من هذه البرّة السمراء حتى فارق الدنيا.
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يا عليّ ابدأ بالملح واختم به، فإنّ فيه شفاء من سبعين داء» .
(1/273)

في الحديث: «من داوم على اللحم أربعين يوما قسا قلبه، ومن تركه أربعين يوما ساء خلقه» . قيل: اللحم ينبت اللحم، والشحم لا ينبت الشحم ولا اللحم. قالوا: إذا ألقي اللحم في العسل وأخرج بعد شهر وجد طريّا لم يتغيّر.
قيل لصوفيّ: ما تقول في الفالوذج؟ قال: لا أحكم على غائب. دعي (مزيد) إلى طعام فقال: أنا صائم. فلما قدم الفالوذج زحف نحوه وقال: أنا على صوم يوم أقدر من ترك هذا. حماد بن سلمة: دخلت على إياس بن معاوية وهو يأكل الفالوذج فقال: ادن وكل فإنه يزيد في العقل. أبو يوسف «1» : كنت أتعلّم عند أبي حنيفة فجاءت أمي وقالت: هذا صبيّ يتيم، أطعمه من مغزلي، اتركه يكسب دانقا. فقال أبو حنيفة: يتعلّم هذا لأكل الفالوذج بدهن الفستق. وقدّم إليّ هارون يوما فالوذجا بدهن الفستق فضحكت، فقال: لم تضحك؟ فأخبرته بما وقع. فقال رحمه الله: كان ينظر بعين عقله ما لا يراه بعين رأسه. الحسن:
كان على مائدة ومعه مالك بن دينار فأتي بالفالوذج، فامتنع مالك عن أكله فقال الحسن: كل فإنّ نعمة الله عليك في الماء البارد أكثر من هذا. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «أنّه أكل الرّطب بالبطيخ» . عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يأكل البطيخ بالسكر. عن الحسن البصريّ: لعاب البسر بلباب النحل بخالص السمن ما عابه مسلم. ابن عباس رضي الله عنهما: «سئل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أيّ الشراب أفضل؟ قال: الحلو البارد» . قالوا: أراد العسل. ويقال: أجود الأعسال الذي إذا قطرت منه قطرة على وجه الأرض، استدارت كما يستدير الزئبق. سئل فيلسوف عما يزيد في العمر فقال: من أدام أكل العسل ودهن جسمه بالزيت زاد الله في عمره.
بعضهم: من أطعم ولم يثمر فكأنما صلّى العشاء ولم يوتر. المأمون: أربعة
(1/274)

من الثمار لأربعة من الأعضاء: التفاح للقلب، والسفرجل للمعدة، والتين للطحال، والبطيخ للمثانة. بزرجمهر: في البطيخ عشر خصال: هو ريحان، وتحفة، وفاكهة، وإدام مقنع، وخبيص مهيأ، ودواء للمثانة، وحرض للغمر والزهومة «1» ، ومذهب لرائحة النورة عند الاستحمام، وكوز لمن عسر عليه ما يشرب فيه، وهاضوم الثقيل من الطعام. أبو نواس: مائدة بلا بقل، كشيخ بلا عقل. ومجلس بلا ريحان، كشجرة بلا أغصان. أكل أعرابيّ في شهر رمضان، فقيل: ما هذا؟ قال: سمعت الله تعالى يقول: كلوا من ثمره إذا أثمر وينعه «2» ، وأنا خفت أن أموت قبل الإفطار فأكون عاصيا. رمدت عين صهيب فأكل التمر، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أتأكل التمر وبك رمد؟ فقال: آكل بالجانب السليم. فضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» . قيل:
ثلاث هنّ في البطيخ زين ... وفي الإنسان نقصان وذلّه
خشونة جلده والثقل فيه ... وصفرة لونه من غير علّه
إذا قطّعته إربا تراه ... كبدر قطّعت منه أهلّه
قيل في حقّ بعض المدغلين «3» :
كبطيخة البستان ظاهر جلدها ... صحيح ويبدو داؤها حين تفلق
عليّ رضي الله عنه: كلوا العنب حبّة حبّة فإنه أهنأ وأمرأ. وروي عنه: إذا طبختم فأكثروا القرع فإنه يسكّن القلب الحزين.
أبو هريرة رضي الله عنه: ما شبع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأهله ثلاثة أيام تباعا من
(1/275)

خبز حنطة حتى فارق الدنيا. عمر رضي الله عنه: «ما اجتمع عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إدامان إلا أكل أحدهما وتصدّق بالآخر» . عائشة رضي الله عنها: «ما كان يجتمع لونان في لقمة في فم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، إن كان لحما لم يكن خبزا، وإن كان خبزا لم يكن لحما» . وعن عائشة رضي الله عنها: ما شبع آل محمد من خبز برّ حتى قبضه الله. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من أكل وذو عينين ينظر إليه ولم يواسه ابتلي بداء لا دواء له» . لقمان: يا بنيّ لا تأكل شبعا، فإنك إن نبذته للكلاب كان خيرا لك من أن تأكله.
ابن عمر رضي الله عنهما، رفعه: «إذا رأيتم أهل الجوع والتفكر فادنوا منهم، فإن الحكمة تجري على ألسنتهم. سمرة بن جندب، رفعه: «من تعوّد كثرة الطعام والشراب قسا قلبه» . العرب: أقلل طعاما، تحمد مناما. قيل لحكيم: أيّ الطعام أطيب؟ قال: الجوع. كان يقال: نعم الإدام الجوع. قيل لمدنيّ: بم تتسحّر الليلة؟ قال: باليأس من فطور القابلة «1» . قيل: من ضبط بطنه ضبط الأخلاق الصالحة كلّها. قيل لسمرة بن جندب: إنّ ابنك أكل طعاما كاد يقتله. فقال: لو مات ما صليت عليه. أنس رضي الله عنه، رفعه: «من السرف أن تأكل كلّ ما اشتهيت» . عائشة رضي الله عنها: «أراد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يشتري غلاما، فألقى بين يديه تمرا فأكل، فأكثر فقال عليه الصلاة والسّلام:
«إنّ كثرة الأكل شؤم» .
المدائني: كانت العرب لا تعرف الألوان، إنما طعامهم اللحم يطبخ بماء وملح، حتى كان زمن معاوية فاتخذ الألوان وتنوّق «2» فيها وما شبع مع كثرة ألوانه
(1/276)

حتى مات، لدعاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. قال عليّ رضي الله عنه لرجل من بني ثعلب:
آثرتم معاوية عليّ؟ فقال: لا والله ولكن آثرنا البرّ الأحمر «1» والزيت الأصفر والقسب «2» الأسود. قيل: أوّل من صنع المضيرة معاوية، وكان أبو هريرة يستطيبها ويأكلها عنده في أيام صفين، ويصلّي خلف عليّ فسمي شيخ المضيرة.
أردشير: احذروا صولة الكريم إذا جاع وصولة اللئيم إذا شبع. كان الحسن يكره ذكر الموت على الطعام. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من أكل من سقط المائدة عاش في سعة وعوفي في ولده وولد ولده من الحمق» . سئل يوسف بن أسباط عن السمن والعسل فقال: لا بأس إذا كان ثمنهما من حلال. قدّم إلى عبادة رغيف يابس فقال: هذا نسج في أيام بني أمية ولكن محوا طرازه. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «الأكل في السوق دناءة» . أمّ سلمة رفعته: «لا تشموا الطعام كما تشمّه السباع» .
الأحنف: جنّبوا مجلسنا ذكر النساء والطعام، فإني أبغض الرجل أن يكون وصّافا لبطنه وفرجه، وإنّ من المروءة أن يترك الرجل الطعام وهو يشتهيه. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا حضر العشاء والعشاء فابدؤوا بالعشاء» . عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من أطعم أخاه حتى يشبعه وسقاه حتى يرويه بعّده الله من النار بسبعة خنادق، ما بين الخندقين مسيرة خمسمائة عام» . أنس رضي الله عنه، رفعه: «من لقم أخاه لقمة حلواء صرف الله عنه مرارة الموقف يوم القيامة» . قالوا: الأكل ثلاثة: مع الفقراء بالإيثار، ومع الإخوان بالانبساط، ومع أبناء الدنيا بالآداب» . قال يزيد ابن أبي زياد: ما دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى إلّا حدّثنا حديثا حسنا وأطعمنا طعاما حسنا. وعن كعب بن مالك: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يلعق أصابعه
(1/277)

الثلاث بعد الطعام» . ولا بأس بأن يدخل الرجل بيت صديقه ويأكل وهو غائب، وقد «دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دار بريرة فأكل طعامها وهي غائبة» . عن محمد بن واسع وأصحابه أنهم كانوا يدخلون منزل الحسن فيأكلون ما يجدون بغير إذن، وقد «قصد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والشيخان منزل أبي الهيثم بن التيهان وأبي أيوب الأنصاريّ لذلك» . كان الشافعيّ رحمه الله تعالى نازلا بالزّعفرانيّ «1» ببغداد، وكان يرقم «2» كل يوم في رقعة ما يطبخ من الألوان ويدفعها إلى الجارية، فأخذها الشافعيّ وألحق لونا آخر، فعرف ذلك المضيف فأعتق الجارية سرورا بذلك.
وعنه عليه الصلاة والسّلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» . تمام الضيافة التطلّق وطيب الحديث. قيل: إكرام الضيف تلقّيه بطلاقة الوجه وتعجيل قراه والقيام بنفسه في خدمته، وقد جاء في الرواية أنّ الله تعالى أوحى إلى إبراهيم عليه السّلام: أكرم أضيافك. فأعدّ لكل منهم شاة مشويّة، فأوحى الله إليه: أكرم. فجعله ثورا، فأوحى إليه: أكرم. فجعله جملا، فأوحى إليه: أكرم. فتحيّر وعلم أن إكرام الضيف ليس في كثرة الطعام، فخدمهم بنفسه، فأوحى إليه: الآن قد أكرمت الضيف. نزل الشافعيّ بمالك فصبّ بنفسه الماء على يديه وقال: لا يرعك ما رأيت مني فخدمة الضيف فرض.
جعفر بن محمد: أحبّ إخواني إليّ أكثرهم أكلا وأعظمهم لقمة، وأثقلهم عليّ من يحوجني إلى تعاهده في الأكل. وعنه: تتبيّن محبة الرجل لأخيه بجودة أكله في منزله. عليّ رضي الله عنه: لأن أجمع قومي على صاع طعام أحبّ إليّ من أن أعتق رقبة. وعنه رضي الله عنه: إذا طرقك إخوانك فلا تدّخر عنهم ما
(1/278)

في المنزل ولا تتكلّف ما وراء الباب. قيل: إذا طرقت فما حضر، وإذا دعيت فلا تذر. العرب: تمام الضيافة الطلاقة عند أوّل وهلة والملاطفة عند المؤاكلة.
أعرابيّ: مما يزيد في طيب الطعام مؤاكلة الكريم الودود. وكان سنّة السلف أن يقدّموا جملة الألوان دفعة ليأكلوا كل ما يشتهى. حكيم: إذا كان خبزك جيدا وماؤك باردا وخلّك حامضا فلا مزيد. قيل: الكريم لا يحظر تقديم ما يحضر.
يقال: أحضر لإخوانك ما حضر على خوانك.
عن يونس النبيّ عليه السّلام أنّ إخوانه زاروه فقدّم إليهم كسرا وجنى لهم بقلا وقال لهم: كلوا ولولا أنّ الله لعن المتكلّفين لتكلّفت لكم. وعن أنس وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أنهم كانوا يقدّمون الكسر اليابسة وحشف التمر «1» ويقولون: ما ندري أيهما أعظم وزرا؟ الذي يحتقر ما يقدّم إليه، أو الذي يحتقر ما عنده أن يقدّمه؟. في الحديث: «ترك الغداء مسقمة، وترك العشاء مهرمة» . قيل لعامر بن قيس: ما تقول في الإنسان؟ قال: وما أقول فيمن إذا جاع فزع وإذا جاع طمع؟. حبس ذو النون فلم يأكل أياما، فبعثت إليه أخت له في الله تعالى طعاما على يد السجّان فلم يأكل وقال: هو حلال، ولكن جاءني على طبق ظالم وأشار إلى يد السجّان.
سئل (فضيل) عمن يترك الطيبات من الحوّارى واللحم والخبيص للزهد فقال:
وما أكل الخبيص؟ ليتك تأكل وتتقي، إن الله لا يكره أن تأكل الحلال إذا اتقيت الحرام، انظر كيف برّك لوالديك، وصلتك للرحم، وعطفك على الجار، ورحمتك للمسلمين، وكظمك للغيظ، وعفوك عمن ظلمك، وإحسانك إلى من
(1/279)

أساء إليك، وصبرك واحتمالك للأذى، فأنت إلى إحكام هذا أحوج منك إلى ترك الخبيص. أمّ سلمة، رفعته: «انهسوا «1» اللحم فإنه أهنأ وأمرأ وأبرأ» .
الحارث بن كلدة: إذا تغدّى أحدكم فلينم على غدائه، وإذا تعشّى فليتخطّ أربعين خطوة. قال لقمان لابنه: كل أطيب الطعام ونم على أوطأ الفراش. أراد: أكثر الصيام وأطل القيام حتى تستطيب الطعام وتستمهد الفراش.
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «شرّ الطعام طعام الوليمة يدعى إليه الأغنياء دون الفقراء» .
عوتب رجل على ترك إجابة الدعوة فقال: إن الذين قبلكم كانوا يدعون للمؤاخاة والمواساة وأنتم إنما تدعون للمكافأة والمباهاة. شقيق: ما بقيت وليمة ولا مأتم على السنة، ولقد ندمت على الإجابة غير مرّة، ولم أندم على ترك الإجابة مرّة.
يقال: المتزهّد إذا ضاف إنسانا حدّثه بسخاء إبراهيم عليه السّلام وإذا ضافه إنسان حدّثه بزهد عيسى عليه السّلام وقناعته. ثلاثة تضني: سراج لا يضيء، ورسول بطيء، ومائدة ينتظر لها متى تجيء. قيل: خير الغداء بواكره، وخير العشاء بواصره «2» . وصف لسابور «3» رجل لقضاء القضاء فاستقدمه ودعاه إلى الطعام، فأخذ دجاجة فنصّفها ووضع نصفها بين يديه فأتى عليه قبل فراغ الملك، فصرفه إلى بلده، وقال: إنّ سلفنا كانوا يقولون: من شره إلى طعام الملوك كان إلى أموال الرعايا والسوقة أشره.
الجاحظ: إذا وضع الملك بين يديك شيئا على مائدته فلعله إن لم يقصد كرامتك وإيناسك أن يكون أراد تعرّف صبر نفسك، فبحسبك أن تضع يدك عليه
(1/280)

أو تنتش منه شيئا، وإنما يحسن التبسط مع الصديق والعشير، فأمّا الملوك فيرتفعون عن هذه الطبقة، ومن حقّ الملك أن لا يحدّث على طعامه لا بجدّ ولا بهزل، وإن حدّث فمن حقه أن يصغى لحديثه والبصر خاشع ولا يعارض. دعا ملك رجلا إلى مائدته، فقال: أنا سوقيّ لا أحسن مؤاكلة الملوك، فقال: لتكن أظفارك مقلومة، وطرف كمّك نظيفا، وصغّر اللقمة، ولا تدسم الملح والخلّ «1» ، وكل مع من شئت. كانت ملوك آل ساسان إذا قدّمت موائدهم زمزموا ولم ينطق ناطق بحرف حتى ترفع، فإن اضطّروا إلى كلام أشاروا إشارة.
وضع معاوية بين يدي الحسن بن عليّ رضي الله عنهم دجاجة ففكها فقال له:
هل بينك وبين أمّها عداوة؟ فقال الحسن: هل بينك وبين أمّها قرابة؟. أكل عذريّ مع معاوية فرأى ثريدة كثيرة السمن فحزّها بين يديه فقال: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها
«2» فقال: فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ
«3» . رأى محمق زنجيّا يأكل خبز حوّارى فقال: يا قوم انظروا إلى الليل كيف يأكل النهار. كان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: اللهمّ ارزقنا ضرسا طحونا، ومعدة هضوما، ودبرا نثورا «4» . قيل:
إذا قلّ خبز البيت ضاق بأهله ... وإن كان بيتا واسع الطول والعرض
ويتّسع البيت الصغير لأهله ... إذا كان فيه الخبز بعضا على بعض
وقيل:
خلق الله للحروب رجالا ... وخلقنا لقصعة وثريد
(1/281)

وقيل:
إذا صوّت العصفور طار فؤاده ... وليث حديد الناب عند الثرائد
صوفيّ: من جلس على المائدة فأكثر كلامه غشّ بطنه. قيل لحكيم: أيّ الأوقات أحمد للأكل فقال: أمّا عن قدرة فإذا اشتهى، وأمّا من لم يقدر فإذا وجد. قعد طبيب على مائدة خليفة فطلب الجبن اليابس وقال: إنه يمرىء الطعام ويلذّ الشراب وينقّي الدماغ. فقالوا: ليس بحاضر. قال: دعوه فإنه يفسد الأسنان ويورث النسيان ويثقل اللسان. قال الخليفة: بأيّ الكلامين أعمل؟
قال: بالأوّل إذا وجد، وبالثاني إذا فقد. أكل السلطان محمود مع بعض ندمائه يوما باذنجانا وهو جائع وقال: طعام طيّب، فأفرط النديم في مدحه، ثم شبع السلطان وقال: مضرّ، فبالغ النديم في عدّ مضارّه. فقال: مدحته لي الآن! فقال: أنا نديمك لا نديمه، أتكلّم بما يطيب لك. حثّ رجل رجلا على الأكل من طعامه فقال: عليك تقريب الطعام، وعلينا تأديب الأجسام. قعد صبيّ مع قوم على طعام فأخذ يبكي فقالوا: ما يبكيك؟ قال: حارّ. قالوا: فاصبر حتى يبرد. قال: أنتم لا تصبرون.
قيل لطفيليّ: لم أنت حائل اللون؟ قال: للفترة بين القصعتين مخافة أن يكون قد فني الطعام. قال طفيليّ: ليس شيء أضرّ على الضيف من أن يكون ربّ البيت شبعان. قيل لطفيليّ: فيم لذّتك؟ قال: في مائدة منصوبة، ونفقة غير محسوبة، عند رجل لا يضيق صدره من البلع، ولا يحبس نفسه من الجرع. قصد جماعة من الطفيليين وليمة فقال رئيسهم: اللهمّ لا تجعل البوّاب لكازا في الصدور، دفّاعا في الظهور، طرّاحا للقلانس، وهب لنا رحمته ورأفته وبشره، وسهل علينا إذنه، فلمّا دخلوا تلقّاهم المضيف فقال الرئيس: غرّة
(1/282)

مباركة موصول بها الخصب، معدوم معها الجدب، فلما جلسوا على الخوان قال: جعلك الله كعصا موسى، وخوان إبراهيم، ومائدة عيسى في البركة، ثم قال لأصحابه: افتحوا أفواهكم، وأقيموا أعناقكم، وابسطوا الكفّ، وأجيدوا اللفّ «1» ، ولا تمضغوا مضغ المتعلّلين الشباع المتخمين، واذكروا سوء المنقلب، وخيبة المضطرب، خذوا على اسم الله. قيل لطفيليّ: ما معنى قوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
«2» ؟ قال: أراد أهل القرية، كما نقول: أكلنا سفرة فلان، نريد ما في السفرة. قيل لطفيليّ: من أشعر الناس؟ قال: عبد الله بن المعتز لأنه قال:
ولم أر ديباجا ولم أر سندسا ... بأحسن في دار الكرام من الخبز
رجل لغلامه: هات الطعام وأغلق الباب. قال الغلام: الواجب أوّلا غلق الباب ثم إتيان الطعام. فقال: أنت حرّ لعلمك بالحزم. أتى طفيليّ باب قوم فحجبوه فاحتال حتى دخل، وهو يقول:
نزوركم لا نكافيكم بجفوتكم ... إنّ المحبّ إذا لم يستزر زارا
يقرّب الشوق دارا وهي نازحة ... من عالج الشوق لم يستبعد الدارا
في وصف طفيليّ:
أراك الدهر تطرق كلّ دار ... كأمر الله يحدث كلّ ليله
كأنك مثل عفريت جريء ... فتدخل دارنا في ألف حيله
يقال: فلان يحاكي حوت يونس في جودة الالتقام، وثعبان موسى في سرعة الالتهام. جاء الطفيليون إلى وليمة فسدّ الباب، فعلوا على الجدار، فرماهم
(1/283)

صاحب الوليمة وقال: أتنظرون إلى حرمنا وبناتنا قالوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ
«1» . بنان الطفيليّ: حضرت يوما في دعوة بعض الأكابر وعنده طبق لوزية فأخذ بواحدة وأعطاني فقلت: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ
«2» فأعطاني ثانيا فقلت: إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ
«3» وثالثا فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ
«4» ورابعا فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ
«5» وخامسا وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ
«6» وسادسا خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
«7» وفي السابع وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً
«8» وفي الثامن وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً
«9» وفي التاسع وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ
«10» وفي العاشر تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ
«11» وفي الحادي عشر إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً
«12» وفي الثاني عشر إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً
«13» ، ثم وضع الطبق بين يديّ وقال: إني أخاف أن تقرأ: وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
«14» .
(1/284)

وأنشد أبو عمرو:
إنّ أبا عمرة شرّ جار ... يجرّني في ظلم الصحاري
جرّ الذئاب جيفة الحمار
وأبو عمرة هو الجوع. قيل لأعرابيّ: أتعرف أبا عمرة؟ فقال: كيف لا أعرفه؟ وهو متربّع في كبدي. اتخذ بنو حنيفة إلها من حيس «1» فعبدوه سنين ثم أصابهم مجاعة فأكلوه. دعا يحيى بن أكثم عدوله فقدّم إليهم مائدة صغيرة، فتضامّوا عليها حتى كان أحدهم يتقدّم فيأخذ اللقمة ثم يتأخر حتى يتقدّم الآخر، فلمّا خرجوا قيل لهم: أين كنتم؟ قالوا: كنّا في صلاة الخوف. سئل بعض الظرفاء عن دعوة حضرها فقال: كان كلّ شيء باردا إلّا الماء. بنى بدويّ على أهله ولم يولم، فاجتمع فتيان الحيّ يطوفون بخبائه وهم يقولون: أولم ولو بيربوع، أو بقراد مجدوع، قتلتنا من الجوع. سأل رجل يزيد بن هارون عن أكل المدر قال: حرام، قال الله تعالى: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ
«2» ولم يقل: كلوا الأرض. قيل لشيخ: ما أحسن أكلك؟ قال: عملي منذ ستين سنة. رأى المغيرة على مائدته رجلا ينهش اللحم ويتعرّق فقال: يا غلام ناوله سكينا.
فقال: سكين كل امرىء في رأسه. قيل لسعد القرقرة وهو مضحك النعمان بن المنذر: ما رأيتك إلا وكنت تزيد شحما وتقطر دما. فقال: لأني آخذ ولا أعطي ولا ألام متى أخطىء فأنا الدهر ضاحك مسرور. (القرقرة: القهقهة) ، وهو معدود في الأكلة. قالوا: كلّ طعام أعيد عليه التسخين فهو فاسد، وكل غناء خرج من تحت السبال «3» فبارد. شرب أعرابيّ نبيذا عند الموصلي فقال:
(1/285)

شربنا شرابا طيّبا عند طيّب ... كذاك شراب الطيبين يطيب
شربنا وأهرقنا على الأرض فضلة ... وللأرض من كأس الكرام نصيب
قيل لبعض العرب: ما أمتع لذات الدنيا؟ قال: ممازحة الحبيب بلا رقيب.
قيل:
طوبى لمن عاش عشر يوم ... له حبيب بلا رقيب
قيل لسقراط: أيّ الأشياء الذّ؟ قال: استفادة الأدب، واستماع أخبار لم تسمع. أفلاطون: إذا أردت أن تدوم لك اللذة، فلا تستوف الملتذّ به بل دع فيه فضلة. قيل: ما فات مضى وما سيأتيك فأين؟ قم فاغتنم اللذة بين العدمين «1» .
بعضهم:
اسكن إلى سكن تلذّ به ... ذهب الزمان وأنت منفرد
أفلاطون: ما ألمت نفسي إلّا من ثلاث: من غنيّ افتقر، وعزيز ذلّ، وحكيم تلاعبت به الجهّال. والله سبحانه وتعالى أعلم.
(1/286)

الروضة الثلاثون في ذكر النساء والتزوّج وأخلاق النساء والخطبة وذكر الغلمان واللواطة والإماء والجماع والذّكر والفرج وما ناسب ذلك
عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لو أن امرأة من نساء الجنة أشرفت على الأرض لملأت الأرض بريح المسك ولأذهبت ضوء الشمس والقمر» . عبد الله رضي الله عنه رفعه: «يسطع نور في الجنة فيرفعون رؤوسهم، فإذا هي حوراء ضحكت في وجه زوجها» . عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أعظم النساء بركة أيسرهنّ مؤنة» . قيل: ثلاثة تفرّح القلب وتجمّ العقل والفؤاد: الزوجة الجميلة، والكفاف من الرزق، والأخ المؤنس. أبو القاسم الحكيم: من لم تكن عنده زوجة جميلة فليس عنده مروءة، ومن لم يكن عنده أولاد فليس له فخر من الدنيا، ومن لم يكن عنده هذان فليس له غمّ. مغيرة بن شعبة رضي الله عنه: صاحب المرأة الواحدة إن حاضت حاض وإن مرضت مرض، وصاحب الاثنتين بين جمرتين أيتهما أدركته أحرقته، وصاحب الثلاث في رستاق «1» كل ليلة في قرية، وصاحب الأربع عروس في كل ليلة. وعنه: أحصنت مائة امرأة. الحسن بن عليّ رضي الله عنهما: تزوّج خمسا وتسعين امرأة. محمد بن عليّ رضي الله عنهما: اللهمّ ارزقني امرأة تسرّني إذا نظرت، وتطيعني إذا أمرت، وتحفظني إذا غبت. عن
(1/287)

النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أعظم النساء أحسنهنّ وجوها وأرخصهنّ مهورا» . عليّ رضي الله عنه: من سعادة الرجل خمسة: أن تكون زوجته موافقة، وأولاده أبرارا، وإخوانه أتقياء، وجيرانه صالحين، ورزقه في بلده. وعنه صلّى الله عليه وسلّم: «إنما النساء لعب فمن اتخذ لعبة فليستحسنها» . قيل: المرأة منظر الرجل وقرّة عينه، وحسن الصورة أوّل نعمة تلقاك. قيل لرجل: أيّ النساء أشهى؟ قال: التي تخرج من عندها كارها فترجع لها والها. بعض العرب قال لبنيه: صفوا ما تشتهون من النساء. فقال أكبرهم: يعجبني الأطراف والأعطاف والأرداف. وقال الأصغر:
يعجبني الثغور والشعور والنحور. قال في ضدّه بعضهم: إيّاك والجمال، فإنه مطمع للرجال. ثم أنشد:
لا تطلب الحسن يوما إن آفته ... أن لا يزال طوال الدهر مطلوبا
وما تصادف يوما لؤلؤا حسنا ... بين اللآلىء إلا كان مثقوبا
الحارث المحاسبيّ رضي الله عنه: فقدنا ثلاثة مع ثلاثة: حسن الوجه مع الصيانة، وحسن القول مع الأمانة، وحسن الإخاء مع الوفاء. قيس: إياك والجمال الفائق فإنه مرعى.
ولن تصادف مرعى مونقا أبدا ... إلا وجدت به آثار مأكول
يقال: المشرب العذب مزدحم. ربيع بن زياد: من أراد النجابة فعليه بالطوال، ومن أراد اللذاذة فعليه بالقصار فإنهن لذيذات النكاح. الحجاج: من تزوّج قصيرة فلم يجدها على الموافقة فعليّ مهرها. بعض الأطباء: لا تأكل ولا تركب ولا تنكح إلا فتيّا. قيل: مجامعة العجوز يخاف منها موت الفجأة. أبو الأسود: قال لابنته: إياك والغيرة فإنها مفتاح الطلاق، وأمسكي عليك فضل النكاح وفضل الكلام وكوني كما قال:
(1/288)

خذي العفو مني تستديمي مودّتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
قالت امرأة لبنتها: كوني لزوجك أمة يكن لك عبدا، واحفظي عني عشر خصال: الأولى حسن المصاحبة ففيها راحة القلب، الثانية جمال المعاشرة بالسمع والطاعة ففيها رضا الربّ، الثالثة التفقد لموضع عينه فلا تقع عينه على قبيح منك، الرابعة التعاهد لموضع أنفه فلا يجد منك خبيث رائحة، الخامسة الحفظ لماله بحسن التدبير، السادسة رعاية حشمه مع التدبير، السابعة التعاهد لوقت طعامه فحرارة الجوع ملهبة، الثامنة السكوت عند منامه فتغيص النوم مغضبة، التاسعة عدم إفشاء سرّه، العاشرة عدم عصيانه في أمره. فإن أفشيت سرّه لم تأمني مكره وغدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره.
الحسين بن عليّ رضي الله عنهما: إذا خلوتم بالنساء فداعبوهنّ ولا تكونوا كالفحل الذي يعلو بغتة. قاضي خان: لا بأس للرجل أن يمسّ فرج زوجته لكي تتحرّك. أبو يوسف: سألت أبا حنيفة عن مسّ الرجل فرج زوجته، فقال: لا بأس به وأرجو أن يعظم أجره. قال رجل لامرأته: ما خلق أحبّ إليّ منك، فقالت: وما خلق أبغض إليّ منك، فقال: الحمد لله الذي أولاني ما أحببت وابتلاك بما كرهت.
قيل: لا تسمعوهنّ الغناء، فإنه داعية للزنى. عمر رضي الله عنه: جنّبوهنّ الكتابة ولا تسكنوهنّ الغرف. قيل لأعرابيّ: ما خلّفت لأهلك؟ قال:
الحافظين. قيل: وما هما؟ قال: أعرّيهنّ «1» فلا يبرحن وأجيعهنّ فلا يمرحن.
بعض السلف تزوّج امرأة فاجرة، ثم قال لها: الثياب على مرادي والخروج
(1/289)

على مرادك، أو بالعكس. فاختارت الخروج، فاشترى لها ثيابا دنيئة فقالت المرأة: بارك الله عليك نجّيتني من الفجور. فتابت على يده. يقال: إن المرأة مثل الحمامة إذا نبت لها جناح طارت، كذلك الرجل إذا زيّن امرأته بالثياب الفاخرة لا تجلس في البيت. في (النوابغ) : النساء متى عرفن قلبك بالغرام ألصقن أنفك بالرّغام. قيل للإسكندر: انبسط ملكك فأكثر من النساء ليكثر ولدك، فقال: لا يحسن بمن غلب الرجال أن تغلبه النساء. معاوية: هنّ يغلبن الكرام ويغلبهنّ اللئام. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «استعيذوا بالله من شرار النساء وكونوا من خيارهنّ على حذر» . قال رجل: ما دخل داري شرّ قطّ، فقال له حكيم: من أين دخلت امرأتك؟. قيل: أكثروا لهنّ من لا، فإن نعم تغريهنّ بالمسألة.
قيل: الأمور الغير المتناهية مطلبة النساء.
قيل:
شيئان يعجز ذو الرياضة عنهما ... رأي النسا وإمارة الصبيان
خرج الرشيد يوما من عند زبيدة ضاحكا، فسئل فقال: قدم من مصر ثلاثمائة ألف دينار فوهبتها لزبيدة، ثم ما خرجت حتى عربدت عليّ وقالت: أيّ خير رأيت منك؟. قيل: شرّ أخلاق الرجال الجبن والبخل، وهما خير أخلاق النساء. يقال: شيئان لا تحمد عاقبتهما: الطعام عند الاستمراء، والمرأة عند الموت. قيل: المرأة سبع معاشر، وقيل: حيوان شرير. سئل رجل من العرب: عن حالة امرأته فقال: ما دامت حيّة تسعى فهي حية تسعى. قيل لفيلسوف: أيّ السباع أخسّ؟ قال: المرأة. عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أوثق سلاح إبليس النساء. قيل:
واحذر عجوزا تولّيها على الحرم ... فالذئب ليس بمأمون على الغنم
(1/290)

قال ذو الرمّة «1» :
لا تأمننّ على النساء أخا تقى ... ما في الرجال على النساء أمين
كلّ الرجال وإن تحفّظ جهده ... لا بدّ أنّ بنظرة سيخون
التنوخيّ عليه الرحمة:
قل للمليحة في الخمار المذهب ... أفسدت نسك أخي التقى المترهّب
نور الخمار ونور خدّك تحته ... عجبا لوجهك كيف لم يتلهّب
قال الدارميّ رحمة الله تعالى عليه:
قل للمليحة في الخمار الأسود ... ماذا أردت بناسك متعبّد
قد كان شمّر للصلاة إزاره ... حتى قعدت له بباب المسجد
داود عليه السّلام: امرأة السوء لبعلها كالحمل الثقيل على الشيخ الكبير، والمرأة الصالحة كالتاج المخوّص «2» كلّما رآها قرّت عينه. قال داود لسليمان عليهما السّلام: امش خلف الأسد والأسود ولا تمش خلف امرأة. مرّ شاعر بنسوة فقال:
إنّ النساء شياطين خلقن لنا ... نعوذ بالله من شرّ الشياطين
فأجابته واحدة:
إنّ النساء رياحين خلقن لكم ... وكلّكم يشتهي شمّ الرياحين
خرجت بعض أزواج الخلفاء من الحمّام فنظرت في المرآة فاستحسنت وجهها فكتبت على الحائط:
(1/291)

أنا التفاحة الحمرا ... عليها الطلّ مرشوش
فكتب تحته أبو نواس:
بفرج عرضه شبر ... عليه العهن منفوش «1»
عليّ رضي الله عنه:
دع ذكرهنّ فما لهنّ وفاء ... ريح الصّبا وعهودهنّ سواء
يكسرن قلبك ثم لا يجبرنه ... وقلوبهنّ من الوفاء خلاء
العرب: شرّ النساء الحميراء المحياض، والسويداء الممراض.
قال بعض الخلفاء: الإماء ألذّ مجامعة، وأغلب شهوة، وأحسن في التبذّل، وآنق في التدلّل، فقال جليس له: لتردّد ماء الحياء في وجه الحرّة أحسن من تبذّل الأمة. قيل: من أراد قلّة المؤنة وخفّة النفقة وحسن الخدمة وارتفاع الحشمة فعليه بالإماء. قيل: السرور في السّراريّ. وقيل: الجارية الوسيمة من النعم الجسيمة. وقيل: لا خير في بنات الكفر قد نودي عليهنّ في الأسواق ومرّ عليهنّ أيدي الفسّاق. وقيل: الجواري كجند السوق والحرائر كجند الدور.
قال هارون لجاريته سرور: يا سرور ما تحبّ النساء من الرجال؟ قالت:
سخونة الماء وقوّة الباه وطيب النكهة ... قيل لجارية: أنت بكر؟ قالت: كنت فعافاني الله تعالى. أبو الحسن الباخرزيّ رحمه الله تعالى:
يا خالق العرش حملت الورى ... لمّا طغى الماء على جاريه
(1/292)

وعبدك الآن طغى ماؤه ... في الصلب فاحمله على جاريه
بات الرشيد بين جاريتين كوفيّة ومدنية تدلّكانه، فالمدنيّة ترقّت حتى وصلت إلى آلة العمل فاستمسكت به، فقالت الكوفية: نحن شركاء، فقالت المدنية:
حدّثنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من أحيا أرضا ميتة فهي له» . فغافلتها الكوفية وأخذته بيديها جميعا فقالت: حدّثنا الأعمش عن خيثمة عن ابن مسعود عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «الصيد لمن أخذه لا لمن أثاره» .
سهل بن معاذ الجهنيّ رفعه: «من أحبّ في الله وأبغض في الله وأعطى في الله ومنع في الله وأنكح في الله فقد استكمل الإيمان» . قيل: الأبكار أشدّ حبّا وأقلّ خبّا «1» . تزوّج الحسن بن عليّ رضي الله عنهما امرأة فبعث إليها مائة خادم مع كل خادم ألف درهم. عليّ رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لعثمان: «لو أنّ لي أربعين بنتا لزوّجتك واحدة بعد واحدة حتى لا تبقى منهنّ واحدة» . جاء رجل إلى الحسن يستشيره في تزويج بنته، فقال: زوّجها من رجل تقيّ، فإن أحبّها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها. شاور رجل آخر في تزوّج امرأة فقال: إن كنت تريدها خالصة لك من دون المؤمنين فلا تطمع. قالت امرأة لزوجها: يا ديوث يا مفلس، فقال: الحمد لله ليس لي ذنب، فالأوّل منك والثاني من الله تعالى. كتب رجل تعويذا لابن رجل وسأله عن اسم أمّه، قال: لم عدلت عن اسم أبيه؟ قال: لأن الأم لا يشكّ فيها، قال: اكتب إن كان ابني فعافاه الله، وإن لم يكن ابني فلا شفاه الله. كانت امرأة مزيد حبلى، فنظرت إلى وجهه فقالت: الويل لي إن كان الذي في بطني يشبهك، فقال: الويل إن لم يكن. قيل لرجل: لا يشبهك ابنك. فقال: أيترك جيراننا أن يشبهنا أولادنا.
(1/293)

عوتب الكسائيّ في ترك التزوّج فقال: مكابدة العفة عنهنّ أيسر من الاحتيال لمصلحتهنّ. قيل لمالك بن دينار: لو تزوّجت، قال: لو استطعت لطلّقت نفسي. إسماعيل الزاهد لم يتأهّل قطّ. يونس بن حبيب النحوي: لم يتزوّج ولم تكن له همة إلا في طلب العلم ومحادثة الرجال. قيل لرجل: مات عدوّك، فقال: وودت أنّكم قلتم تزوّج. قيل:
تزوّجت لم أدر وأخطأت لم أصب ... فياليتني قد متّ قبل التزوّج «1»
فو الله لا أبكي على ساكن الثرى ... ولكنّما أبكي على المتزوّج
بعضهم:
الزوج شؤم وفي التزويج منقصة ... والله فرد يحبّ الفرد فانفرد
لو كان في كثرة الأولاد منفعة ... ما قيل ما اتخذ الرحمن من ولد
الأصمعيّ: النكاح فرح شهر، وترح دهر، وكسر ظهر، وإلزام مهر.
وقيل: التزوّج سرور شهر، وغموم دهر. سئل حكيم عن التزوّج فقال: بقل شهر، وشوك دهر. قيل: التزوّج أوّله حلاوة، وآخره عداوة. وقال آخر:
مكابدة العزلة أيسر من الاحتيال لمصلحة العيال. قال رجل: كنّا في إملاك فلان، قال حكيم: لا تقل في إملاكه بل قل في إهلاكه. خطب أسديّ قبيح الوجه امرأة قبيحة، وأتاهم متعمّما فزوّجوه، فقيل للمرأة: إنه قبيح وقد تعمّم لك، قال: وأنا قد تبرقعت قبل أن يتعمم لي. زوّج رجل ابنته من قبيح فلمّا دخل أنكر بعض العدول على الصهر فقال: أبليت ابنتك بمقاساة هذا الوجه،
(1/294)

فقال: لو يأتيها لحسبته في الحسن يوسف. قيل للشعبيّ: ما اسم امرأة إبليس؟
قال: ذاك نكاح ما شهدته.
قال رجل لامرأته: هل لك في ابن عمّ كاس من الحسب، عار من النشب «1» ، يصلصل «2» معك في دارك، ويقلّبك بيمينك لشمالك، يواصل ثلاثة في واحد، يدخل الحمام في طرفي النهار؟ فقالت: لا يسمعنّ هذا منك أحد.
فتزوّجت منه. خطب رجل امرأة فقالت: لي شروط: أطلب من المهر ألف دينار، ومن النفقة كلّ يوم كذا، ومن الثياب كذا. قال: نعم، ولكن لي عيوب. قالت: ما هي؟ فقال: أنا شره بالجماع أستكثر منه وأبطىء الفراغ وأسرع الإفاقة، فقالت المرأة: يا جارية أحضري أهل المحلّة فهو ساذج لا يعرف الخير من الشرّ.
امتنعت امرأة من رجل خطبها فقيل لها في ذلك، فقالت: لأنهم يقلّلون الصداق ويعجّلون الطلاق. قيل لابن السبابة: قد كرهت امرأتك شيبتك، فقال: إنما مالت إلى الأبدال لقلّة المال، والله لو كنت في سنّ نوح وشيبة إبليس وخلقة منكر ونكير ومعي مال لكنت أحبّ إليها من مقتر في جمال يوسف وخلق داود وسنّ عيسى وجود حاتم وحلم أحنف.
ولن تبلغ العليا بغير الدراهم
مرّ سليمان بعصفور يدور حول عصفورة فقال: هل تدرون ما يقول؟ يقول:
زوّجيني نفسك حتى أسكنك عرفة بدمشق، وكذب، ما بدمشق عرفة، ولكنّ كل خاطب كذّاب.
(1/295)

خزيمة التميميّ:
قالوا نكحت صغيرة فأجبتهم ... أشهى المطيّ إليّ ما لم يركب
كم بين حبّة لؤلؤ منظومة ... ثقبت وحبّة لؤلؤ لم تثقب
فأجابته امرأة:
إنّ المطيّة لا يلذّ ركوبها ... ما لم تذلّل بالزمام وتركب
والدرّ ليس بنافع أربابه ... ما لم يؤلّف في النظام ويثقب
يقال: بنت عشرة لوزة مقشّرة للناظرين، بنت خمسة عشر لعبة للاعبين، بنت عشرين ذات شحم ولحم ولين، بنت ثلاثين ذات بنات وبنين، بنت أربعين عجوز في الغابرين، بنت خمسين اقتلوها بالسكين، بنت ستين عليها لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
مرضت عجوز فأتى ابنها بطبيب فرآها متزيّنة بأثواب مصبوغة، فعرف حالها فقال: ما أحوجها إلى الزوج، فقال الابن: ما للعجائز والأزواج؟ فقالت:
ويحك أنت أعلم من الطبيب؟!. رغبت عجوز إلى أولادها أن يزوّجوها، وكان لها سبعة بنين، فقالوا: إلى أن تصبري على البرد متعرّية لكلّ واحد منّا ليلة، ففعلت، فلما كانت في السابعة ماتت فسمّيت تلك الأيام أيام العجوز. قالت امرأة: لا يعجبني الشابّ يمطح مطح «1» المهر طلقا أو طلقين ثم يربض بناحية الميدان، ولكن أين أنت من شيخ يضع قبّ استه «2» على الأرض ثم سحبا وجرا. قيل: لا تشبع عين من نظر، ولا أرض من مطر، ولا أنثى من ذكر،
(1/296)

ولا أذن من خبر. قيل لرجل كانت امرأته تشارّه: أمّا أحد يصلح بينكما؟ قال:
قد مات الذي يصلح بيننا. قيل لأعرابيّ يسرف في الجماع: أما تخاف عليك العمى؟ فقال: وهبت بصري لذكري. قيل: لم ير فيما يعاشر الناس أعمر من البغال ولا أقصر عمرا من العصافير. بعض الأطباء: منيّك نفسك فإن شئت فأخرج وإلّا فلا. جالينوس: صاحب الجماع يقتبس من نار الحياة فليكثر منه أو ليقلّ. قيل لأرسطاطاليس: أيّ وقت أجامع؟ قال: إذا اشتهيت أن تضعف.
أبقراط: مثل المنيّ في الظهر كمثل الماء في البئر، وإن نزفته فار، وإن تركته غار. وعنه: إنّ المجامع يقترح «1» من ماء الحياة. وسئل: كم ينبغي للإنسان أن يجامع؟ قال: في كلّ سنة مرّة، قيل: وإن لم يصبر؟ قال: في كلّ شهر.
قيل وإن لم يصبر؟ قال: في كلّ أسبوع مرّة. قيل: وإن لم يصبر؟ قال: منيّه روحه أيّ وقت شاء يخرجه. معاوية: ما رأيت منهوما على الجماع إلّا تبيّنت ذلك في مشيته.
أبو عليّ بن سينا:
لا تكثرنّ من الجماع فإنه ... ماء الحياة يصبّ في الأرحام
سئل الحارث بن كلدة «2» عن وقت الجماع فقال: عند إدبار الليل يكون الجوف أخلى والنفس أهدى والقلب أشهى والرحم أوفى، فإن أردت الاستمتاع نهارا تسرّح عينيك في جمال وجهها، ويجتني فوك من ثمار حسنها، ويعي سمعك من حلاوة لفظها، وتسكن الجوارح كلّها إليها. قال معاوية لصعصعة:
(1/297)

أيّ النساء أشهى؟ فقال: المواتية لما تهوى، والمجانبة لما لا ترضى. تزوّج رجل امرأة فقال: إنّي سيّىء الخلق، فقالت: أسوأ خلقا منك من أحوجك إلى سوء الخلق. فما جرى بينهما وحشة إلى الموت. الأصمعيّ رأيت رجلا يطوف بالبيت يحمل شيخا كبيرا، فقلت له: أحسن إليه، فقال: من تراه لي؟ قلت:
أبوك أو جدّك، فقال: هو ابني صيّره إلى ما رأيته سوء خلق امرأته.
رأى يحيى بن أكثم في دار المأمون جماعة من صباح الغلمان فقال: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ
«1» ، فرفع ذلك إلى المأمون فعاتبه، فقال: إنّ وردي انتهى إلى هذا الموضع. قيل لأبي نواس: زوّجك الله الحور العين، فقال: لست بصاحب نساء، بل الولدان المخلّدين. قيل لشيخ يتعاطى اللواطة: أما تستحي؟
قال: أستحي وأشتهي. قيل للوطيّ: السارق والزاني يستر حالهما وأنت افتضحت واشتهرت. فقال: من كان سرّه عند الصبيان كيف لا يفتضح؟.
إسحاق الموصليّ: كان لي جار يعرف بأبي حفص وينبز باللواطة، فمرض جاره فعاده فقال له: كيف تجدك أما تعرفني؟ فقال المريض بصوت ضعيف: بلى أنت أبو حفص اللوطيّ، فقال: تجاوزت حدّ المعرفة لا رفع الله جنبك. قيل:
بلغ من تلوّط فلان أنه يقبّل الخرء لقرب عهده من الاست. قيل لأبي مسلم صاحب الدعوة: لم قدّمت الغلام على الجارية؟ قال: لأنه في الطريق رفيق، وفي الإخوان نديم، وفي الخلوة أهل. قيل لبعضهم: لم اخترت الغلام؟
فقال: لأنه لا يحبل ولا يحيض. قيل لبعضهم: لم فضّلت الغلمان؟ قال:
(1/298)

لقد أوصى كتاب الله فينا ... بتفضيل البنين على البنات
سأل بعضهم رجلا: إلى أيّ الجنسين تميل من غلام أو جارية؟ فقال:
إلى كليهما، فقال: أنت إذا الغراب يأكل الخرء ويلتقط الحبّ. قيل لرجل حصل مع صبيّ على منارة وقد حلّا سراويلهما: ما تصنع؟ قال: أبدل تكتي بتكته. أدخل الجمّاز غلاما ففعل به، فلمّا سئل الصبيّ فقال: أدخلني الجمّاز لأفعل به. فبلغ ذلك الجمّاز فقال: قد حرّمت اللواطة إلا بوليّ وشاهدين. خرج غلام من حمص إلى بغداد فرأى كثرة الاستمتاع بالإجارة، فاستردّته أمّه لمرمّة «1» طاحونة له بحمص، فكتب إليها: يا أمّاه إن استا في العراق خير من طاحونة بحمص. قيل في غلام: اكتسب بالإجارة ثم اتّجر، فقطع عليه الطريق.
وضامن الأقوات والأرزاق ... ما أفلحت دراهم البزاق
قال رجل لغلامه: يا مؤاجر، قال: أنت صيّرتني كذا. قيل لمؤاجر في رمضان: هذا شهر كساد، قال: أبقى الله اليهود والنصارى. قيل في مخنّث:
له قراح في سراويله ... يزرع فيه قصب السكر
قال رجل لغلام يصحبه فتركه ومال إلى آخر: يا غدّار تركتني؟ فقال: الدنيا قبّان ونحن مع الرجحان. بشار:
من زادنا النقد زدنا في مودّته ... ما يطلب الناس إلا كلّ رجحان
كتب غلام على تكّته:
(1/299)

أقفلت يا قوم على تكّتي «1» ... وإنما مفتاحها الدرهم
راود أبو الهذيل غلاما، فقال: أنا للنظر لا للواطة.
نصيب الفتى في الروض شمّ ونظرة ... وما الرعي إلّا من طباع البهائم
غيره:
وكنّا نرجي أن نرى العدل ظاهرا ... فأعقبنا بعد الرجاء قنوط
متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها ... وقاضي قضاة المسلمين يلوط
سئل الأحنف: ما بال أستاه الرجال يكون عليها الشعر دون أستاه النساء؟
فقال: أستاه الرجال حمى وأستاه النساء مرعى. سئل مخنّث: ما بال هن النساء ينبت أسرع؟ فقال: لقربه من السماء ويسقى من فوق.
قال رجل لابن شعيب: إني إذا دخلت الصلاة انتشرت آلتي، هل تكون لي الصلاة؟ فقال: طوبى لك، فأنا أتمنّى ذلك في الفراش. قال رجل لجارية: ما أوسعك! فقالت: فديت من كان يملؤه. بعض الأكابر اشترى جارية، فقيل:
كيف وجدتهافقال: فيها خصلتان من الجنة، البرد والسعة. كان رجل يعشق جارية فاجتمع بها ليلة فأخذ يعاتبها، فقالت: يا جاهل، دع الكتاب والعتاب واجعل قميصي بجنبي. استعرض رجل جارية فقال: أتحسنين أن تضربي بالعود؟ فقالت: لا، ولكن يعجبني أن أجلس على العمود. قيل لبصريّة:
أتشتهين الرجال؟ قالت: لا أدري غير أني أعلم أن الأوّل داء والثاني دواء والثالث شفاء ومن ربّع فنفسي له فداء. كانت امرأة تبكي عند قبر فقيل لها: من هو؟ قالت: زوجي وكان والله يجمع بين الجناح والساق ويهتزّ منه الصارم
(1/300)

للأعناق، وقالت: قد كذبتك امرأة تزعم أنها تبكي لغير ما أخبرتك به. تزوّج رجل امرأة فلمّا دخل عليها أخذ يقبّلها ويلاعبها فقالت:
ليس بهذا أمرتني أمّي ... والله لا تمسّني بضمّ
ولا بتقبيل ولا بشمّ ... إلا بزعزاع يسلّ همّي
لمثل هذا ولدتني أمّي
تزوّج رجل بامرأة فولدت في اليوم الخامس، فمشى الرجل إلى السوق واشترى لوحا ودواة، فقيل: ما هذا؟ قال: من يولد في خمسة أيّام يمشي إلى المكتب في ثلاثة أيام. كان أبو دلف متشيّعا ويقول: من لم يعلن التشيّع فهو ولد زنى، فقال ابنه دلف: لست على مذهبك، فقال: والله لقد وطئت أمّك قبل الشّراء.
ابن سيرين ألذّ الجماع أفحشه. الأحنف: إذا أردتم الحظوة عند النساء فأفحشوا في الجماع وأحسنوا الخلق. قيل للشعبيّ: ما تقول في رجل إذا وطىء امرأته تقول: قتلتني، أوجعتني؟ فقال: اقتلها ودمها في عنقي. قيل: موطنان يذهب فيهما العقل: المباشرة والمسابقة. الحسن: أكثروا من مداعبة النساء وملاعبتهنّ، ولا تكونوا كالبهيمة التي يطرقها الفحل بغتة، فالمداعبة للشهوة كالرعد والبرق للمطر.
إنما القبلة عنوان الصلة ... مثل عربون الحمول المقبلة
طلب رجل إلى امرأة فقالت: الإيناس قبل الإبساس «1» . جامع رجل فاجرة، فلمّا قرب من الفراغ قال: ما تقولين في الاعتزال؟ قالت: بلغني أنه
(1/301)

مكروه، فقال: ولم يبلغك في الزّني كراهية؟. كان ليوسف بن عمر جارية تصحبه في السفر والحضر، وكانت يوما قائمة على رأسه إذ ورد عليه كتاب فقرأه فتغيّر وجهه، فقالت: كتاب عزل؟ قال: كيف علمت؟ قالت: بتغيّر وجهك هذا عندك من مرّة واحدة، فكيف حالي وأنا أطعمه عندك دائما؟. قعد أعرابيّ بين رجلي امرأة فلم يتحرّك ساعة، فقالت: يا خائب! فقال: الخائب من فتح جرابه ولم يكتل فيه. قال رجل لامرأة: أريد أن أذوقك لأعلم أنت أطيب أم امرأتي، فقالت: سل زوجي فإنه ذاقني وذاقها. فخجل الرجل.
قيل:
فلم يزل خدّها ركنا ألوذ به ... والخال في صحنه يغني عن الحجر
المرزوقيّ: كثير من نساء العرب طلبن التشبيب من الشعراء مع العفّة كعزّة وليلى وميّة وللخلفاء معهنّ محاورات. عن بعض السلف لمّا حجّ قال لصاحبه:
هل نتمّ حجّنا؟ ألم تسمع قول ذي الرّمة «1» :
تمام الحج أن تقف المطايا ... على خرقاء واضعة اللثام «2»
عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ما من حلال أبغض إلى الله من الطلاق» . كان الحسن بن عليّ رضي الله عنهما مطلاقا مذواقا «3» ، فقيل له في ذلك فقال: رأيت الله تعالى علّق بهما الغنى فقال: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
«4» ، وفي موضع آخر: وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ
(1/302)

سَعَتِهِ
«1» . قيل: أجمل القبيح الطلاق. وقيل: الفرج بعد الشدّة لفظ الثلاث «2» . بعضهم: الحمد لله الذي جعل في الطلاق اختلاسا للأرزاق فقال:
وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ
. قيل: إذا لم يكن وفاق فطلاق.
بعضهم: تعاهدوا نساءكم بالسبّ وعوّدوهنّ بالضرب، وكونوا كما قال الله تعالى: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَ
«3» الآية. والله أعلم.
(1/303)

الروضة الحادية والثلاثون في الأصوات والألحان والغناء والسماع واللهو واللعب واللذّات وذكر النبيذ والسّكر وما شاكل ذلك
لمّا بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثنيّة الوداع في هجرته استقبله الجواري يضربن بالدفوف ويغنّين ويقلن:
طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
دخل الشعبيّ وليمة فأقبل على أهلها فقال: ما لكم كأنكم جمعتم على جنازة، أين الغناء والدفّ؟. قيل لأبي حنيفة وسفيان: ما تقولان في الغناء؟
فقالا: ليس من الكبائر ولا من أسوأ الصغائر. قيل: لا يكره الغناء إلا من عرضت له آفة في حاسّته، كما لا يكره الطيب إلّا من في شمّه آفة. وقيل: من سمع الغناء ولم يرتح له كان عديم الحسّ، أو سقيم النفس.
ومن سمع الغناء بغير قلب ... ولم يطرب فلا يلم المغنّي
وقيل: الغناء غذاء الأرواح كما أنّ الأطعمة غذاء الأشباح، وهو يصفّي الفهم، ويرقّق الذهن، ويليّن العريكة، ويثني الأعطاف، ويشجّع الجبان، ويسخّي البخيل. بعض العلماء: الأمّ تناغي الصبيّ فيقبل سمعه على مناغاتها، وإذا اصطادوا الفيلة جمعوا لها الملاهي والمغنّين فتلهى عن رعيها وتسهو عن الهرب حتى تؤخذ وتخطم «1» ، والإبل تزداد نشاطا بالحدو، وتسرع وتلتفت يمنة
(1/304)

ويسرة وتتبختر في مسيرها. تخاصم إبراهيم بن المهديّ وإسحاق الموصليّ في الغناء، فقال له إسحاق: جعلت فداءك إلى من نتحاكم، والحاكم بيني وبينك البهائم. وكانت الطير تقف على رأس داود عليه السّلام لاستماع صوته.
بعض الحكماء: لذّات الدنيا أربع: لذة الطعام والشراب والنكاح والسماع، وفي وصول لذة غير السماع حركة وتعب وفي إكثارها ضرر. أفلاطون: من حزن فليسمع الأصوات الحسنة، فإنّ النفس إذا حزنت خمد نارها، وإذا سمعت ما يطربها ويسرّها اشتغل منها ما خمد. وفي المثل: مغنيّة الحيّ لا تطرب.
قيل: ليس للقرباء ظرافة الغرباء. كتب على مضراب «1» مغنية اسمها رجحان:
غضي جفونك يا عيون النرجس ... حتى أفوز بنظرة من مؤنسي
العلامة:
إن كان عقلك موصوفا برجحان ... فاعمل بما خطّ في مضراب رجحان
أراد إخفاء العمل. بعض حكماء الروم: إذا ثقل المريض وضعف فأسمعوه ألحانا طيّبة. وما زالت ملوك فارس تلهي المحزون بالسماع، وتعلّل به المريض وتشغله عن التفكر، ومنهم أخذت العرب. مات ملك في العجم وبقي له ابن صغير، وكان للملك وزير عاقل امتحن سلامة حسّ الصغير واستقامته فأحضر المغنّين، فلمّا سمع الصبيّ تحرّك وضرب برجله الأرض، فوضعوه مكان الأب. سمع معاوية صوتا حسنا فحرّك رجله فقيل: ما هذا؟ فقال: إن الكريم لطروب. قيل: من لم يحرّكه الربيع بأزهاره والعود بأوتاره فهو فاسد المزاج ليس له علاج.
(1/305)

يقال: متى اجتمع في مادة السماع نظم لطيف وصوت ظريف ووجه نظيف يكسب فرحا وسرورا. قيل: الغناء الفائق غذاء الروح. وقيل: غذاء الآذان أغاني القيان. يقال: السماع الطيب يزيل أحزان النفوس، ويهيّج الطرب في الرؤوس. بعضهم: غناء يحرّك النفوس ويرقص الرؤوس ويحرّض الكؤوس.
بعض العلماء: السماع محرّك للقلب ومهيّج لما هو الغالب عليه.
صحب الجنيد شابّ كلّما سمع شيئا زعق فنهاه عنه، وكان بعد ذلك يضبط، فلمّا سمع يوما زعق وخرجت روحه. غنّى مغنّ بهذا البيت:
بين السيوف وعينيه مشاركة ... من أجلها قيل للأغماد أجفان
فقام رجل متواجدا وقال: أعد، فأعاد المغنّي، ثم صرخ الرجل صرخة هائلة ووقع فمات. ابن المبارك: كنت يوما في بستان وأنا شابّ وكان معي أصحابي فأكلنا وشربنا، وكنت مولعا بضرب العود، فأخذت العود في الليل لأضرب به فنطق العود وقال: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ
«1» الآية، فضربته بالأرض وكسرته وتركت الأمور الشاغلة عن الله تعالى. يقال: إذا حضر الغناء ليس إلا السكوت والاستماع للمغنّي. قيل:
حكم الغناء تسمّع وندام ... ما للحديث مع الغناء نظام
لو كان لي أمر قضيت قضية ... إن الحديث مع الغناء حرام
سأل الرشيد يوما أبا العيناء عن السماع، فقال: شرحه طويل وشروطه كثيرة، وأما الشرائط اللازمة فثلاث: أن يكون للمغنّي صباحة الخدّ ورشاقة القدّ وحلاوة المقال وحسن الفعال، وأن يكون المغنّي والمستمع قريبين ومتحاذيين،
(1/306)

وأن يكون الشعر الذي يتغنّى به لفظه عجيبا ومعناه لطيفا. أرسطو: إذا كان المغني كريه المنظر لا بدّ وأن يكون مختفيا لئلّا يزيل قبح منظره لذّة صوته.
يقال: ما خلقت الأغاني إلّا للغواني. قيل: من نعيم الدنيا أن تسمع الغناء من فم تشتهي تقبيله. الجاحظ: كم فرق بين غناء فم تشتهي تقبيله وبين غناء فم تريد أن تصرف نظرك عنه؟!.
سمع رجل غناء حسنا فقال: السكر على هذا شهادة. قيل: أحسن الناس غناء من أطرب الخاشع وأفهم السامع. أذّن البعلبكيّ مؤذّن المنصور فرجّع، وجارية تصبّ الماء على يده فارتعدت حتى وقع الإبريق من يدها، فقال للمؤذن: خذ هذه الجارية فهي لك، ولا ترجّع هذا الترجيع. الحسن بن عليّ العلويّ: قلت لمغنّ: غنّني، فقال: هذا أمر؟ فقلت: أسألك، فقال: هذا حاجة؟ فقلت: إن رأيت، فقال: هذا إبرام؟ قلت: فلا تغنّ، فقال: هذا عربدة. قيل: أوّل صلة المغنّي أن يقال له: أحسنت. إسحاق بن إبراهيم الموصليّ: كان ابن أبي حفصة يتغدّى عند أبي فإذا فرغ قال: أطعموا آذاننا رحمكم الله. ممن يضرب به المثل في الغناء ابن الجامع، فيقال: هذا غناء ابن الجامع. سأل المعتصم إسحاق الموصليّ عن النغم: كيف تميّز بينها على تشابهها؟ فقال: يا أمير المؤمنين هذه أشياء تحيط بها المعرفة ولا تؤدّيها الصّفة.
بعض السلف: إبليس أوّل من تغنّى وأوّل من حدا وأول من ناح، تغنّى في أكل الشجرة، وحدا في الهبوط، وناح على الجنة حين خرج منها. يقال: أول من غنّى في الإسلام طويس، وهو مثل في الشؤم، يقال: أشأم من طويس.
وكان يقول: إنّ أمّي كانت تمشي بالنمائم بين نساء الأنصار، ثمّ ولدتني في اللية التي مات فيها الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وفطمتني يوم موت أبي بكر، وبلغت الحلم يوم
(1/307)

مات عمر وفي ذلك اليوم ختنت، وتزوّجت يوم قتل عثمان، وولد لي يوم قتل عليّ، فمن مثلي؟. يزيد بن المهلّب: قال لأهله: إياكم والغناء فإنه يسقط المروءة وينقص الحياء ويبدي العورة ويزيد الشهوة، وإنه لينوب عن الخمر ويصنع بالعقل ما يصنع السكر، وإن كان ولا بدّ فجنّبوه النساء، فإنه داع للزنى. نزل قوم بالكميت فأضافهم، فغنّى رجل منهم وكان حسن الصوت، فقال: حقّ على الرجل أن يحصن سمع حرمه كما يحصن فرجهنّ. قيل: الغناء رقية الزنى. وقيل:
الغناء إدام المدام. وقيل: مما يفسد العقل الولوع بالسماع وطول ملازمته.
يقال: إن أبا نصر الفارابيّ أوّل من وضع الآلة المسمّاة بالقانون وأول من ركّبها. نافع: سمع ابن عمر رضي الله عنهما مزمارا فوضع إصبعيه في أذنيه وقال: «كنت مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا» . المأمون: الطبل لهو غليظ.
كانت لبعض الظرفاء جاريتان مغنّيتان: حاذقة ومتخلّفة، فكان يخرق قميصه إذا غنّت الحاذقة، ويخيطه إذا غنّت الأخرى. سمع فيلسوف صوت مغنّ بارد فقال: يزعم أهل الكهانة أنّ صوت البوم يدلّ على موت الإنسان، فإن كان ما ذكروا حقّا فصوت هذا يدلّ على موت البومة. قيل لرجل من العرب: ما الجمال؟ قال: غور العينين وإشراف الحاجبين ورحب الأشداق وبعد الصوت.
سأل الحجاج بعض جلسائه عن أرقّ الصوت عندهم، فقال أحدهم: ما سمعت صوتا أرقّ من صوت قارىء حسن الصوت يقرأ كتاب الله تعالى في جوف الليل. فقال: إنّ ذلك لحسن. وقال آخر: ما سمعت صوتا أعجب من أن أترك امرأتي ماخضا «1» وأتوجّه إلى المسجد بكيرا فيأتيني آت فيبشّرني بغلام.
(1/308)

فقال: واحسناه. فقال شعبة بن علقمة التميميّ: لا والله ما سمعت قطّ أعجبّ إليّ من أن أكون جائعا فأسمع خفخفة الخوان «1» . فقال الحجاج: أبيتم يا بني تميم إلّا حبّ الزاد. قيل لمخنّث: أيّ الأصوات أحبّ إليك؟ فقال: نشنشة القليّة «2» وقرقرة القنّينة وخفخفة الخوان ونشنشة التكة. بريدة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
«من لعب بالنردشير «3» فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه» .
عليّ رضي الله عنه: الشطرنج ميسرة العجم. أبو سليمان الدارانيّ: خرجت شهوة الشطرنج من قلبي بعد أربع وعشرين سنة. سئل الإمام أبو إبراهيم المزنيّ عن لعب الشطرنج فقال: إذا سلم المال من الخسران، واللسان من الفحش والبهتان، والصلاة من ما سمعت السهو والنسيان، كان ذلك أدبا بين الخلّان. وكان الشعبيّ يلعب به مستدبرا لحذقه. وممن يضرب به المثل في لعب الشطرنج محمد الصوليّ. العلامة: دخلت في زمن الحداثة على شيخ يعرف بأردشير فلعب بالنردشير. فقلت: الأردشير «4» والنردشير بئس المولى وبئس العشير. كان عروة بن الزبير يقول لأولاده: العبوا فإن المروءة مع اللعب. عليّ رضي الله عنه:
إيّاكم وتحكيم الشهوات على أنفسكم. معاذ بن جبل رضي الله عنه: بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى اليمن فقال: «إياكم والتنعّم فإنّ عباد الله ليسوا بالمتنعّمين» . داود الطائي رحمه الله: إذا كنت تشرب الماء البارد المروّق، وتأكل اللذيذ الطيّب، وتمشي في ظلّ ظليل، فمتى تحبّ الموت والقدوم على الله تعالى؟.
(1/309)

قيل لأعرابيّ: أما تشرب النبيذ؟ فقال: لا أشرب ما يشرب عقلي. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من بات سكران بات للشيطان عروسا» . عيسى عليه السّلام: حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة، والنساء حبائل الشيطان، والخمر داعية إلى كلّ شرّ. قيل لعبّاس بن المرداس «1» لم تركت العقار «2» وهو يزيد في جلادتك وسماحتك؟
فقال: أكره أن أصبح سيد القوم وأمسي سفيههم. المأمون: رأى على وجه بعض أبنائه خدشة، فقال: ما أصابك؟ قال: ركبت البارحة فرسا أشقر فصرعني، فقال: لو ركبت الأشهب لما صرعك، فالابن كنى عن الصهباء والأب عن الماء. كان في يد النظّام قدح وهو على غرفة فأنشأ يقول:
اشرب على طرب وقل لمهدّدي ... هوّن عليك يكون ما هو كائن
فلمّا تكلّم بهذا سقط من الغرفة، وكان آخر كلامه وما ختم به عمره، فمات بإذن الله. الأمين: اشرب الكاس، وشم الآس، من غير نعاس، وذلك أحبّ إليّ من مداراة الناس.
سكر النعمان بن المنذر ليلة فدفن نديميه الأسديين، فلمّا أصبح علم وجعل لنفسه يوم بؤس ويوم نعيم، وفي يوم البؤس يقتل من لقيه، وفي يوم النعيم يغنيه. خرق قميصه ملك حال السكر وهو في كمال الحسن، وقال شاعره ونديمه:
بسّيه حال كردى يبرهن ... در بزم منحوران
كشودى روزن فردوس ... برري كنهكان «3»
(1/310)

فأعطاه الملك ما ملكه في ذلك المجلس من الخدم والأثاث والمنزل والثياب فتجرّد. قيل لمعربد في وجهه خموش: ما هذه الكلوم؟ فقال: آثار الكلام.
شرب رجل مع معربد فقال له: أترى بأسا؟ قال: لا ولكن أتوقّعه. قيل:
صاحب السكّير يرجع إمّا إلى قردية وهو الذي يضحك ويرقص، أو إلى كلبية وهو الذي يهارش، أو إلى خنزيرية وهو الذي يتقايأ ويخرأ، أو إلى إنسانية وهو الذي يحسن خلقه. قيل:
الراح كالريح إن مرّت على عطر ... طابت وتخبث إن مرّت على جيف
عبد الملك بن مروان للأخطل: ما تصنع بالخمر أوّلها داء وآخرها خمار؟
فقال: يا أمير المؤمنين إنّ بينهما حالة خالية عنهما لا أبيعها بملكك. أرسطو:
قليل الخمر سمّ الموت وكثيرها سمّ الحياة. رجل: رأيت يونس بن عبيد يضحك فقلت: ما أضحكك؟ قال: مرّ بنا سكران فسلّم علينا فلم نردّ عليه فقعد يبول وسطنا، فقلنا: ما تصنع؟ فقال: ما ظننت هنا أحدا. تقيّأ سكران مضطجعا فلعق كلب فمه فقال: بارك الله فيك مسحت فمي بالمنديل، ثم بال على وجهه فقال: رحم الله أباك غسلت وجهي بعد المسح بالماء الحارّ. وكان (بابك) قد شرب الخمر في ليلة قتل في صباحها. عمر رضي الله عنه: شرب الخمر مفتاح كل شرّ. قيل: الخمر مطيّة لكلّ خطيّة. خرج المهديّ متصيّدا فغاب عن خيله ووصل إلى دار أعرابيّ فأطعمه وسقاه نبيذا فلمّا شرب قال:
أتدري من أنا؟ قال: لا والله، قال: أنا من خدم الخاصّة، قال: بارك الله لك في موضعك، وسقاه مرّة أخرى، فقال: من أنا؟ فقال: أنت كما قلت، فقال: لا بل من أمراء الجيش، فقال: رحبت بلادك وطاب مرادك، ثم سقاه قدحا ثالثا فقال المهديّ: من أنا؟ فقال: أنت كما قلت، فقال: لا والله أنا
(1/311)

أمير المؤمنين، فأخذ الأعرابيّ الركوة فأوكاها «1» وقال: لئن شربت رابعا لتقولنّ: إنّي رسول الله. فضحك المهديّ، فلمّا أحاطت به الخيل طار قلب الأعرابيّ خوفا، فقال له المهديّ: لا بأس عليك، وأمر له بصلة سنيّة. فقال الأعرابيّ: أشهد أنّك صادق لو ادّعيت الرابعة. شرب رجل من إداوة «2» عليّ رضي الله عنه فسكر فجلده، فقال: إنه من نبيذك! فقال: إنما جلدت لسكرك. قيل لسعد بن سلم: أتشرب النبيذ؟ قال: لا، قيل: لم؟ قال:
تركت كثيره لله وقليله للناس. قيل لبعضهم: كيف شربك؟ قال: لو وطئت زبيبا لسكرت شهرا. أنوشروان: النبيذ صابون الغمّ.
أبو منصور الثعالبي «3» :
وإذا البلابل أفصحت بلغاتها ... فانف البلابل باحتساء بلابل
أبو نواس: الراح صديق الروح، وقيد اللذّات ومفتاح المسرّات. أسعد السنجاريّ في الخمر:
كادت تطير وقد طرنا بها فرحا ... لولا الشباك التي صيغت من الحبب
قيل: الغناء بلا شراب كتحيّة بلا عطيّة ورعد بلا مطر وشجر بلا ثمر. قيل:
السماع كالروح، والخمر كالجسد، فباجتماعهما يتولّد السرور. قيل:
إنّ المدام أدام الله حرمتها ... غمّ بلا نغم سمّ بلا دسم
محمود الشيرازيّ رحمه الله «4» :
(1/312)

يقولون كافات الشتاء كثيرة ... وما هي إلّا واحد غير مفترى
إذا صحّ كاف الكيس فالكلّ حاصل ... لديك وكلّ الصيد يوجد في الفرا
ابن التعاويذيّ «1» :
إذا اجتمعت في مجلس الشّرب سبعة ... فما الرأي في التأخير عنه صواب
شواء وشمّام وشهد وشاهد ... وشمع، وشاد مطرب، وشراب
أبو عليّ الفارسيّ: أنشدني ابن دريد لنفسه:
وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... أتت بين لوني نرجس وشقائق
حكت وجنة المعشوق صرفا فسلّطوا ... عليها مزاجا فاكتست لون عاشق
حكيم الهند: عجبا لمن كان شرابه عصير الكرم، وطعامه الخبز واللحم، ثم اقتصد في أكله وشربه وجماعه وتعبه، كيف يمرض وكيف يموت؟!. سقى بعضهم ضيفا له نبيذا رديّا وقال: هذا نبيذ عانة، فقال الضيف: بل أسفل من العانة «2» على أربع أصابع. جلس المتوكل مع جمع فيهم يحيى بن أكثم، فلما أفرطوا في الشرب أمر له بالانصراف، فقال: خلّطنا، فقال يحيى: أحوج ما تكونون إلى قاض إذا خلّطتم. فاستظرفه المتوكّل وأمر أن تطلى لحيته بالغالية»
، ففعل فقال: ضاعت الغالية وهذا كان يكفيني دهرا، فأمر له
(1/313)

بروق «1» من الغالية ودرج «2» بخور محفلا في كمه. الحكيم: الصاحي بين السكارى كالحيّ بين الموتى يأكل من بقولهم، ويضحك على عقولهم. يقال:
طيب المدام بطيب الندام.
قيل لأعرابيّ: كم تشرب النبيذ؟ فقال: على مقدار النديم. وقيل:
إنما يستعذب الرا ... ح بأخلاق النديم
قيل لبعضهم: ما العيش؟ فقال: طرح الحشمة وترك الطب. أبو إسحاق الموصليّ: كانت خلفاء بني أميّة لا يظهرون للندماء والمغنّين، وكان بينهم وبين ندمائهم ستارة، وبنو العباس في الأوّل ظهروا ثم احتجبوا، ولم ير أبو جعفر قطّ يشرب الماء، والمهديّ في أول أمره احتجب ثم ظهر. وقال: اللذة في مشاهدة السرور والدنوّ من الأحباب. المأمون: النبيذ بساط إذا رفع لم ينشر.
(1/314)

الروضة الثانية والثلاثون في الملابس والخواتيم والألوان والخضاب والروائح والتصاوير
خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم وعليه رداء قيمته ألف درهم، وربما قام صلّى الله عليه وسلّم إلى الصلاة وعليه رداء قيمته أربعة آلاف درهم. وكان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه يرتدي برداء قيمته أربعمائة دينار، وكان يقول لتلامذته: إذا رجعتم إلى بلادكم فعليكم بالثياب النفيسة. كان ابن عباس رضي الله عنهما يرتدي برداء قيمته ألف دينار. واشترى تميم الداريّ حلّة بألف ليصلي فيها. وكان الحسن يلبس ثوبا بأربعمائة درهم. وكان سعيد بن المسيب يلبس الحلّة بألف درهم ويدخل المسجد، فقيل له في ذلك فقال: أنا أجالس ربي. اشترى النبي صلّى الله عليه وسلّم حلة بثمانين ناقة. بعث معاوية إلى كعب بن زهير ليبيعه بردة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم يبع، فبيعت بعد موت كعب بعشرين ألف درهم، وهي البردة التي كان يلبسها الخلفاء في العيدين. كان الأعمش يلبس قميصه مقلوبا ويقول: الناس مجانين يجعلون الخشن إلى نفوسهم والليّن إلى عيون الناس.
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: «البس جديدا وعش حميدا» . السرخسيّ: يلبس الغسيل في عامّة الأوقات، ويظهر النعمة في بعض الأوقات حتى لا يؤذي المحتاجين. نظر أعرابيّ إلى ثياب رقاق فقال: هذا لباس يخرج من الدين ويفسد المروءة. عن ابن عمر رضي الله عنهما: من لبس مشهور الثياب ألبسه الله ذلّة يوم القيامة. أنس رضي الله عنه: «دخلت على رسول الله
(1/315)

صلّى الله عليه وسلّم وهو في عباء يهنأ بعيرا له «1» » . عليّ رضي الله عنه رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه عليه إزار فيه إحدى وعشرون رقعة من أديم ورقعة من الثياب. كان كمّ قميص عليّ لا يجاوز أصابعه وكان يقول: ليس للكمّين على اليدين فضل، فاشترى قميصا وجاوز كمّه أصابعه فقطعه. رئي على عليّ رضي الله عنه إزار خلق «2» مرقوع فقيل له. فقال: يخشع له القلب وتذلّ له النفس ويقتدي به المؤمنون. يقال: ما توفّر رجل على الزينة والشارة «3» إلا كانت به غرارة «4» .
يقال: من أحسّ بالرذيلة من نفسه التمس الفضيلة من لبسه. الباخرزيّ:
لا حبّذا البخت أعيانا ومال إلى ... قوم تعدّهم الأرذال أعيانا «5»
يدرّع البصل المذموم أكسية ... ويترك النرجس المشموم عريانا
وكان ينشد المبرّد كثيرا في مجلسه:
يا من تلبّس أثوابا يتيه بها ... تيه الملوك على بعض المساكين
ما غيّر الجلّ أخلاق الحمير ولا ... نقش البراذع أخلاق البراذين «6»
قيل: من فطن لنقيصة ذاته أكملها بتحسين أدواته. يقال: من حدث له التنسّك فافتتح أمره بلبس الخسيس فليس له وصول، ومن حدث له الغنى فافتتحه بلبس النفيس فليس له حصول. من مضارّ البزّة السنيّة أن صاحبها إن أساء عدّ
(1/316)

قليله كثيرا، وصغيره كبيرا، وإن أحسن فقليله لا يشكر، وكثيره لا يستندر. كان عمر بن عبد العزيز تشترى له الحلّة بألف دينار فيقول: ما أجودها لولا خشونة فيها، فلما استخلف كان يشترى له الثوب بخمسة دراهم فيقول: ما أجوده لولا لينه. رجاء بن حيوة: قوّمت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو يخطب باثني عشر درهما، وكانت قباء «1» وعمامة وقميصا وسراويل ورداء وخفّين وقلنسوة. أبو الطيّب الطبري:
قوم إذا غسلوا ثياب جمالهم ... لبسوا البيوت إلى فراغ الغاسل «2»
مسلم بن يسار: إذا لبست ثوبا فظننت أنك فيه أفضل مما أنك في غيره، فبئس الثوب لك. منصور بن عمار: من تقوى من لباس التقوى لم يستتر بشيء من لباس الدنيا. الحسن: من لبس الصوف تواضعا زاده الله نورا في بصره ونورا في قلبه، ومن لبسه للكبر والخيلاء كوّر في جهنّم مع المردة. ابن سيرين: كان عيسى عليه السّلام يلبس الصوف، ونبيّنا صلّى الله عليه وسلّم يلبس الكتان، والأحبّ إلينا أن نقتدي به صلّى الله عليه وسلّم. قال بعض الأمراء لحاجبه: أدخل عليّ رجلا عاقلا، فأتاه برجل فقال: بم عرفت عقله؟ قال: رأيته لبس الكتان في الصيف، والقطن في الشتاء. حذا «3» عليّ رضي الله عنه لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم نعلين جديدين، فلما رآهما استحسنهما فخرّ ساجدا ثم قال: «أعوذ بنور وجهك أن أستحسن شيئا مما أبغضت» ، فتصدّق بهما ولم يلبسهما. قال فضيل في قوله تعالى: لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً
«4» : لا يستحسن
(1/317)

شسعه «1» على شسع أخيه. اشترى مزيد لامرأته ثوبا فقالت: هو خشن، فقال: أيما أخشن هو أم الطلاق؟ فرضيت به.
الوليد بن يزيد بن عبد الملك: دخل يوما على هشام بن عبد الملك وقد تعمم بعمامة مضريّة، فسأله عن ثمنها فقال: بألف درهم، فقال: قد أسرفت، فقال الوليد: أنا أشتري لأشرف عضوي بألف وأنت تشتري لأخسّ عضوك جارية بعشرة آلاف، فأيّنا أسرف؟. خرج عباس بن الوليد بن عبد الملك وعليه جبّة أرغوانيّة «2» ، وفي رأسه عمامة مصريّة مذهّبة، على فرس عربية مسرجة بسرج مذهب، فقال له عمّه مسلمة: يا أبا الحارث أصبحت قارونيّا، فقال: كلا هو قال: إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي
«3» وأنا أقول: هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي
«4» ، فاستحسنه الحاضرون. كان أردشير وأنوشروان يخرجان ما في خزائنهما من الثياب في النيروز والمهرجان ويفرّقانها بين الناس على قدر مراتبهم، ويقولان: لا يناسب الملوك ادّخار الثياب كالعامّة. وأنشد عباس بن الأحنف للفضل بن يحيى رحمه الله:
بهجات الثياب يخلقها الده ... ر وحسن الثناء غضّ جديد
فاكسني ما يبيد أصلحك الل ... هـ فإني أكسوك ما لا يبيد
فقال: حبّا وكرامة، نحن نكسوك ما بقينا وبقيت، وأمر له ولعياله ما يحتاج إليه من الكسوة. وقيل: البس من الثياب ما يخدمك، لا ما يستخدمك. قيل
(1/318)

لراهب: لم تلبسون السواد؟ فقال: لأنه أشبه بلباس المصيبة. قيل: لكلّ شيء راحة، وراحة الثوب طيّه، وراحة البيت كنسه. قيل: إنّ الثوب يقول: صنّي بالليل أصنك بالنهار. الصدر القونوي في شرح قوله صلّى الله عليه وسلّم: «دم على الطهارة يوسّع عليك في الرزق» الملابس إذا فصّلت وخيطت في وقت رديء لا تصل به خواصّ رديئة، شهدت بصحته التجارب المكرّرة. جابر بن عبد الله: تختّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في يمينه.
عائشة رضي الله عنها: «كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يتختّم في يمينه» ، وذكر البعض: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يتختّم في يمينه والخلفاء بعده، فنقله معاوية إلى اليسار، وأخذ المروانية بذلك، ثم نقله السفاح إلى اليمين إلى أيام الرشيد فنقله إلى اليسار وأخذ الناس بذلك. ابن عمر رضي الله عنهما: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أراد أن يذكر شيئا أوثق في خاتمه خيطا» . جعفر بن محمد: كان خاتم عليّ كرّم الله وجهه من ورق، ونقشه: نعم القادر الله تعالى. عليّ رضي الله عنه: تختّموا بخواتيم العقيق فإنه لا يصيب أحدكم غمّ ما دام ذلك عليه. رأى حكيم دنيئا في يده خاتم من ذهب فقال: هذا حمار وعليه لجام من ذهب.
عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «البياض نصف الحسن» . وعنه صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله خلق الجنّة بيضاء، وإن أحبّ الثياب إلى الله البيض، فليلبسها أحياؤكم وكفّنوا فيها موتاكم» .
وعنه عليه الصلاة والسّلام: «جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله اتخذت غنما رجوت نسلها ورسلها «1» وإني لا أراها تنمو، فقال: ما لونها؟ قالت: سود، قال: عفّري» . أهدي إلى مروان بن محمد غلام أسود، فأمر عبد الحميد أن يكتب فيه ويذمّه ويزجره، فكتب له: لو وجدت لونا أشرّ من السواد وعددا أقل من الواحد لأهديته لك والسّلام. قيل لحكيم: ما تقول في السودان؟ فقال:
(1/319)

خير الأسود كلونه. قيل في حقّ الأسود: إذا جاع سرق، وإذا شبع زنى.
يقال: إذا وجدت خيطا أسود لا تأخذه فإن فيه شؤما. قال المتوكّل لرجل: لم ملت إلى السودان؟ قال: إنهم أسخن، وكان (عبادة) حاضرا فقال: نعم هم أسخن للعين «1» .
نظر رجل إلى سوداء مختمرة بمعصفر فقال: كأنها فحمة في رأسها نار. قال أبو يوسف القاضي لأبي نهيك: ما تقول في السوداء؟ فقال: النور في السواد.
أراد نور العين في سوادها. كان هارون الرشيد يحبّ من الألوان السواد فسأل يوما بعض العلماء عن السواد فقال: لا يلبّي فيه محرم، ولا يكفّن فيه ميت، ولا تجلى فيه عروس. فصعب على الرشيد ذلك، فقال القاضي أبو يوسف:
النور في السواد، فتهلّل وجه الرشيد وقال: أحسنت فلله أنت. عن سعيد بن المسيب أنه قال لأسود: لا تحزن فإنه كان من خيار الناس ثلاثة من السودان:
بلال ومهجع «2» ولقمان. قيل لمدنيّ: كيف رغبتكم في السواد؟ فقال: لو وجدنا بيضاء لسوّدناها. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «الحمرة من زينة الشيطان، والشيطان يحبّ الحمرة» . العتابيّ: جمال كل مجلس أن يكون سقفه أحمر وبساطه أحمر. أبو رمثة: «انطلقت مع أبي نحو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرأيته عليه بردان أخضران» . عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا «تزوّجوا الزرق فإنه فيها يمنا» . عن عقبة بن عامر عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «عليكم بالحناء فإنه خضاب الإسلام، وإنه يصفّي البصر ويذهب بالصداع ويزيد في الباه، وإياكم والسواد فإنّ من سوّد سوّد الله وجهه يوم القيامة» .
(1/320)

وعنه عليه الصلاة والسّلام: «عليكم بالخضاب فإنه أهيب لعدوّكم وأعجب إلى نسائكم» . جابر رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «غيّروا هذا بشيء واجتنبوا السواد» قاله لأبي قحافة والد أبي بكر لمّا أسلم يوم الفتح، وكان رأسه أبيض. أبو هريرة رضي الله عنه، رفعه: «إن اليهود والنّصارى لا يصبغون، فخالفوهم» . قالوا: الخضاب للرجل، والمرأة بالحمرة والصفرة مستحب، وبالسواد حرام، ومن فعل ذلك من الغزاة ليكون أهيب في وجه العدوّ ولا للتزيّن فغير حرام. وما روي أن عثمان والحسن والحسين خضبوا لحاهم بالسواد محمول على ذلك. عن أبي عامر الأشعريّ: رأيت أبا بكر الصديق يغيّر بالحناء والكتم «1» . وكان عمر لا يغيّر شيبه بشيء، وقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من شاب شيبة في الإسلام فله نور يوم القيامة» ، فلا أحبّ أن أغيّر نوري. أبو ذرّ عنه عليه الصلاة والسلام: «إن أحسن ما غيّرتم به الشيب الحنّاء والكتم» . عليّ بن عيسى: قال لإبراهيم بن إسماعيل يوما: إن الخضاب باطنه داء، وظاهره غرور، ثم لقيه وقد اختضب فقال: أين كلامك؟ فقال: تفكّرت فإنّ أمور الدنيا كلّها مرمّة «2» وهذا من مرمتها. ابن الروميّ:
فإن تسأليني عن خضابي فإنني ... لبست على فقد الشباب حدادا
قيل لرجل خضب لحيته وقد ابيضّت قبل أوان الشيب: ما هذا الخضاب؟
فقال: من شهد الزور يسودّ وجهه. وقيل:
إذا ذهب الشباب وليس إلا ... غبار الشيب أو ذلّ الخضاب
فليس إلى الحياة ركون حرّ ... فموت الشيخ من عين الصواب
(1/321)

قال أبو حنيفة للحجّام: التقط هذه الشعرات البيض، فقال: لا لأنها تكثر، فقال: إذن التقط السود لعلّها تكثر. بعضهم: التقط من لحية عبده طاقة بيضاء، فقال: ما تصنع؟ فقال: بيضاء، فقال: انتف لحية أبيك كلّها فإنها بيضاء.
كان حجام يلتقط من لحية رجل بياضها، فلما كثر قال يوما: ما ترى في الحصاد وقد ذهب وقت الالتقاط.
أبو هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا تردّوا الطيب فإنه طيّب الريح خفيف المحمل» . «كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يعرف خروجه برائحة المسك، وكان يحبّ المسك» . قيل:
ويضوع مسكا طيب ريح ثيابه ... وكذاك ريح الماجد الوهّاب
عمر رضي الله عنه: لو كنت تاجرا ما اخترت على العطر، فإن فاتني ربحه لم يفتني ريحه. أهدى عبد الله بن جعفر لمعاوية قارورة من الغالية «1» ، فسأله كم أنفق عليها، فذكر مالا فقال: هذه غالية، فسميت بذلك. عكرمة: كان ابن عباس يطلي جسده بالمسك، فإذا مرّ في الطريق قال الناس: أمرّ ابن عباس أم مرّ المسك؟. أبو قلابة: كان ابن مسعود إذا خرج من بيته إلى المسجد عرف جيران الطريق أنه قد مرّ من طيب ريحه. عن تميم الداريّ أنه اشترى حلّة بثمانمائة وهيّأ طيبا بمثلها، فإذا قام من الليل تطيّب ولبس حلّته وقام في المحراب. وكان الزهريّ يشمّ منه رائحة المسك حتى من علاقة سوطه.
الشعبيّ: الرائحة الطيبة تزيد في العقل. يقال: من طاب ريحه زاد عقله، ومن نظف ثوبه قلّ همّه.
بعضهم رأى صوفيا قذرا فقال: ليس طريق الجنّة على الكنيف. قيل:
المروءة الظاهرة، الثياب الطاهرة. وجد رجل قرطاسا في الأرض فيه اسم الله
(1/322)

فرفعه، وكان عنده دينار فاشترى به مسكا فطيّبه به، فرأى في منامه كأنّ قائلا يقول له: كما طيّبت اسمي لأطيبنّ ذكرك. كان عيسى عليه السّلام يخمّر «1» أنفه من الرائحة الطيبة دون الكريهة، فقيل له فقال: لا حساب في الكريهة وفي الطيبة حساب. سرق أعرابيّ نافجة «2» مسك، فقيل له: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ
«3» ، فقال: إذا أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل. قيل: من الظرافة والكرم الاستقصاء في التبخّر. وضعت مجمرة تحت رجل فاستعجل الواضع وقال: لا تضجر منها، فقال له الرجل: أقعد على المستراح ساعات فلا أضجر، أضجر من عشر ساعة أتبخّر فيها؟. جاء رجل إلى بقّال فقال: إن كان عندك بصل فأعطني كي أصلح به رائحة فمي، فقال البقّال: أأكلت سلحا «4» فتصلح فمك بالبصل؟.
أبو طلحة الأنصاريّ رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تمثال» . جابر رضي الله عنه: «أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عمر يوم الفتح وهو بالبطحاء أن يأتي الكعبة فيمحو كلّ صورة فيها» فلم يدخلها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى محيت كل صورة كانت فيها.
(1/323)

الروضة الثالثة والثلاثون في الأضاحيك والملح والمداعبات وما جاء من النهي عن المزاح والترخيص فيه والضحك والهزل والفرج بعد الشدّة وما ناسب ذلك
لقي يحيى عيسى عليهما السّلام فتبسّم عيسى في وجه يحيى، فقال يحيى مالي أراك لاهيا كأنك آمن؟ فقال عيسى: مالي أراك عابسا، كأنك آيس؟ فقال:
لا نبرح حتى ينزل الوحي، فأوحى الله عزّ وجلّ: أحبّكما إليّ أحسنكما ظنّا بي، وروي: أحبّكما إليّ الطّلق البسّام. قيل لسفيان الثوريّ: المزاح هجنة فقال: بل سنّة لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إني لأمزح ولا أقول إلّا الحقّ» . عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال لا مرأة من الأنصار: «الحقي زوجك ففي عينيه بياض. فسعت المرأة نحو زوجها مرعوبة، فلما وافته قال لها: ما دهاك؟ فقالت: إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لي:
إن في عينيك بياضا، فقال الرجل: إنّ في عينيّ بياضا، لا لسوء» . «أتت عجوز أنصاريّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله ادع لي بالمغفرة، فقال لها:
أما علمت أن الجنّة لا تدخلها عجوز، فصرخت، فتبسّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال:
أما قرأت قول الله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (35) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (36) عُرُباً أَتْراباً
«1» .
ورأى نعيمان عكّة عسل في يد أعرابيّ فاشتراها منه وجاء بها بيت عائشة رضي الله عنها في يومها وقال: خذوها، فتوهّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه أهداها له، ومرّ
(1/324)

نعيمان وترك الأعرابيّ على الباب، فلما طال قعوده قال: يا هؤلاء ردّوها عليّ إن لم تحضر قيمتها، فعلم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالقصّة فوزن له الثمن، وقال لنعيمان: ما حملك على هذا؟ قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يحبّ العسل ورأيت الأعرابيّ معه العكّة. فضحك عليه الصلاة والسّلام، ولم يظهر له نكيرا. أبو هريرة رضي الله عنه: كان مزّاحا، وكان مروان ربما استخلفه على المدينة فيركب حمارا وقد شدّ عليه برذعة وفي رأسه شيء من الليف فيسير فيلقى الرجل فيقول: الطريق قد جاء الأمير. سئل النخعيّ: هل كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يضحكون؟ قال: نعم والإيمان في قلوبهم أمثال الجبال الرواسي. الشافعيّ رضي الله عنه:
إن كنت منبسطا سمّوك مسخرة ... أو كنت منقبضا قالوا به ثقل
وإن أصاحبهم قالوا به طمع ... وإن أجانبهم قالوا به ملل
أردشير: إن للآذان مجّة «1» ، وللقلوب ملّة، ففرّقوا بين الحكمتين بلهو.
بعض العرب: روّحوا الأذهان كما تروّحون الأبدان. كان ابن عباس يقول عند ملله من دراسة العلم: حمّضوا «2» فيخوضون في الأخبار والأشعار.
الشعبيّ: كان مزّاحا، قيل له: ما لنا نراك نحيفا؟ وكان ضئيلا، قال: إني زوحمت في الرحم، لأنه كان أحد التّوءمين. وقال لخيّاط مرّ به: عندنا حبّ «3» مكسور تخيطه؟ قال الخياط: إن وجد خيط من الريح. ودخل عليه يوما رجل ومعه امرأة في البيت فقال: أيّكما الشعبيّ؟ فقال الشعبيّ: هذه. الأصمعيّ:
شهرت بالأدب ونلت بالملح. أبو العيناء: سمعت الأصمعيّ يقول: النوادر
(1/325)

تشحذ الأذهان وتفتح الآذان. الحكماء: الهزل في الكلام كالملح في الطعام.
البستيّ «1» :
أفد طبعك المكدود بالهمّ راحة ... تجمّ وعلّله بشيء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما يعطى الطعام من الملح
دخل أبو العيناء بلدة والصبيان يلعبون ويترامون بالحجارة، فوقع حجر على رأسه فانكسر، وكان لم يجد صديقا فلم يأكل تلك الليلة طعاما، ثم بعد الصبح ذهب إلى أمير البلدة، فقال له الأمير: في أيّ يوم دخلت؟ قال: فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ
»
، قال: في أيّ ساعة؟ قال: فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ
«3» ، قال:
وأين نزلت؟ قال: بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
«4» ، فضحك ووصله.
عبد الملك بن مروان سأل سويدا عن عشرة أعضاء في الإنسان أولها كاف، فقال: الكفّ والكتف والكوع «5» والكرسوع «6» والكاهل «7» والكبد والكرش والكلية والكفل «8» والكعب. فقال عبد الملك: أخطأت في الكرش فإنها للحيوان بمنزلة المعدة للإنسان، فقال سويد: أمهلني ساعة، قال: إلى متى تريد؟
فذهب سويد إلى الخلاء لحاجته فنظر إلى آلته فذكر الكمرة «9» ، فأسرع
(1/326)

مكشوف الإزار فرحا وقال: يا أمير المؤمنين الكمرة الكمرة وهي تمام العشرة، فضحك كثيرا وأمر له بإنعام كثير. عطاء بن السائب: كان سعيد بن جبير لا يقصّ علينا إلا أبكانا من وعظه، ولا يقوم من مجلسه حتى يضحكنا بمزحه.
أفلتت من معاوية ريح على المنبر فقال: أيها الناس إن الله خلق أبدانا وجعل فيها أرواحا فمتى يتمالك الناس أن لا تخرج منهم؟ فقام صعصعة بن صوحان فقال: أمّا بعد فإن خروج الأرواح في المتوضآت سنّة وعلى المنابر بدعة، وأستغفر الله لي ولكم.
خرج الرشيد إلى البساتين وجعفر البرمكيّ معه فإذا شيخ راكب على حمار رطب العينين، فغمز الرشيد جعفرا عليه فقال: أين تريد يا شيخ؟ فقال: في شغل لا يهمّك، فقال: أدلّك على شيء تداوي به عينيك؟ فقال: مالي حاجة إلى دوائك، فقال: بل لك حاجة، خذ عيدان الهواء وغبار الماء وورق الكمء فصيّره في قشر جوز اليأس واكتحل به فتذهب هذه الرطوبة، فاتّكأ الشيخ على ظهر حماره فضرط ضرطة طويلة وقال: هذه أجرة صنعتك فإن نفعنا زدناك.
فضحك الرشيد وكاد أن يسقط من على فرسه.
حضر على مائدة يزيد بن مزيد أعرابيّ فقال لأصحابه: افرجوا لأخيكم، فقال: لا حاجة لي إنّ أطنابي «1» طوال، يريد سواعده، فلمّا مدّ يده حبق «2» ، فقال يزيد: ما أحسب إلّا طنبا من أطنابك قد انقطع. حبق كاتب عمر بن عبد
(1/327)

العزيز بين يديه، فرمى قلمه وقام خجلا، فقال له: لا بأس عليك خذ قلمك واضمم إليك جناحك وليفرّخ روعك «1» ، فما سمعتها من أحد أكثر مما سمعت من نفسي.
نظر الحسن إلى ذي زيّ حسن فسأل عنه فقيل: ضارط يكتسب بذلك المال، فقال: ما طلب أحد الدنيا بما تستحقّه إلا هو.
قال رجل لمخنّث: لأضربنّك إلى الخراء، فضربه سوطا فلطّخ البساط، فقيل: ما هذا؟ فقال: ألست تريد الخراء فخذه وخلّصني.
ضرط أبو الأسود عند معاوية فقال: اكتمها عليّ يا أمير المؤمنين، فقال: ذاك لك، فاجتمع عنده ناس فقال: أعلمتم أن أبا الأسود ضرط آنفا، فقال أبو الأسود: إنّ من لا يؤتمن على ضرطة لحريّ أن لا يؤتمن على إمرته. سئل أبو حفص الورّاق في بعض مداعباته: ما بال الفسو لا يبقى والطيب يعلق ويبقى؟ فقال: إن للباطل صولة ثم تضمحلّ، وللحقّ دولة لا تنخفض ولا تذلّ. سأل رجل بعض الأطباء عن القرقرة فقال: ضراط لم ينضج. سمع عبادة بن يزيد من جوف أحمد بن حمدون قرقرة فقال له: ولدت في شباط؟ يعني أنك كثير الرياح.
(1/328)

كان ابن سيرين ينشد:
نبّئت أن فتاة كنت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول
ويضحك حتى يسيل لعابه. اتّكأ جحا على جارية أبيه وهي نائمة، فقالت: من هذا؟ فقال: اسكتي أنا أبي. وكان إسحاق بن أبي فروة مزاحا فقال لأعرابيّ يوما وهو يمازح: أتشهد بما لم تره عيناك؟ قال:
نعم أشهد أنّ أباك فعل بأمّك ولم أر ذلك، فأفحم فجعل على نفسه أن لا يمازح أبدا. عبد الله بن سالم: كان يقول: ترك الضحك من العجب أعجب من الضحك بغير عجب. الحسن: يا بن آدم تضحك ولعلّ كفنك خرج من عند القصّار. يقال: العجب ممن هو في سواء الجحيم وهو يضحك، وممن هو في بحبوحة الجنّة وهو يبكي، كما روي «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان يبكي حتى يبلّ الأرض» . الأحنف: كثرة الضحك تذهب الهيبة، وكثرة المزاح تذهب المروءة، ومن لزم شيئا عرف به. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
«المزاح استدراج من الشيطان واختداع من الهوى» . عليّ رضي الله عنه:
ما مزح امرؤ مزحة إلا مجّ من عقله مجّة. وعنه رضي الله عنه: إياك أن تذكر من الكلام ما يكون مضحكا وإن حكيت ذلك عن غيرك. مزح رجل عند الحسن فقال له: إنما هو عمرك فاقطعه بما شئت. حكيم: تجنّب شؤم الهزل ونكد المزاح فإنهما بابان إذا فتحا لم يغلقا إلّا بعد عسر. الحسن:
ضحك المؤمن غفلة من قلبه. إبراهيم: رآني فضيل أضحك فقال:
يا إبراهيم ألّا أحدّثك حديثا حسنا؟ قلت: بلى رضي الله عنك. قال:
لا تفرح إنّ الله لا يحبّ الفرحين. يزيد بن معاوية على منبره: ثلاث يخلقن العقل: سرعة الجواب، وطول الصمت، والاستغراب في الضحك. قال
(1/329)

عبد الملك لبنيه: إياكم والمزح فإنه يذهب البهاء، وإياكم والقهقهة فإنها تذهب الهيبة. بعضهم: لا تمازح الشريف فيحقد عليك، والدنيء فيجرؤ عليك.
يقال: المزح يجلب صغيرة الشرّ وكبيرة الحرب. قيل: المزح أوّله فرح وآخره ترح.
ابن مسعود رضي الله عنه: عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لو كان العسر في جحر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه، ثم قرأ: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
«1» » . بعض الحكماء: إن بقيت لم يبق الهمّ. بعض الفصحاء: طلع سعده بعد الأفول وبعد صيته بعد الخمول، فكان كمن أحيي وهو رميم وأنبت وهو هشيم. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
«النصر مع الصبر والفرج مع الكرب وإنّ مع العسر يسرا» . عليّ رضي الله عنه:
عسر المرء مقدّمة اليسر.
إذا تضايق أمر فانتظر فرجا ... فأضيق الأمر أدناه إلى الفرج
وقيل:
عسى وعسى يثني الزمان عنانه ... بتصريف حال والزمان عثور
فتدرك آمال وتحوى رغائب ... وتحدث من بعد الأمور أمور
وكان أبو سعيد السيرافي ينشد كثيرا:
اسكن إلى سكن تسرّبه ... ذهب الزمان وأنت منفرد
ترجو غدا وغد كحامله ... في الحيّ لا يدرون ما تلد
عليّ رضي الله عنه: عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أفضل أعمال أمتي انتظارها فرج الله
(1/330)

تعالى» . اللهمّ يا فارج الهمّ ويا كاشف الغمّ افرج همّنا واكشف غمّنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
(1/331)

الروضة الرابعة والثلاثون في البكاء والحزن والمكاره والشدائد والبلايا والخوف والجزع والشكوى والعتاب
بكى نوح عليه السّلام ثلاثمائة سنة بقوله: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي
«1» . وصف عيسى عليه السلام أولياء الله فقال: سقوا زروعهم بأعينهم حتى أنبتوا وأدركوا الحصاد يوم فقرهم. أنس رضي الله عنه: «ذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم النار وبين يديه حبشيّ فاشتدّ بكاؤه، فنزل جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إنّ الله تعالى يقول: وعزّتي وجلالي وكرمي وسعة رحمتي لا تبكي عين عبد في الدنيا من مخافتي إلّا كثر ضحكه في الآخرة» . كعب: لأن أبكي من خشية الله حتى تسيل دموعي على وجنتي أحبّ إليّ من أن أتصدّق بجبل من ذهب.
بعضهم: رأيت الحسن سنين فما أخطأني يوم أن أرى دموعه تحادر على لحيته. بكى ثابت البنانيّ حتى كاد بصره يذهب، فقال له الطيب: أعالجك على أن لا تبكي، فقال: ما خيرهما إذا لم تبكيا؟. معاوية بن قرّة: من يدلّني على رجل بكّاء بالليل بسّام بالنهار؟. كان يقال: عليك بسلاح الصبيّ. أرادوا التملّق والبكاء.
عن البعض أنه قال: ولدت وأنت تبكي والناس يضحكون، فاجتهد أن تموت ضاحكا والناس يبكون. فنظمه بعضهم وقال:
(1/332)

أنت الذي ولدتك أمّك باكيا ... والناس حولك يضحكون سرورا
فاحرص على عمل تكون إذا بكوا ... في يوم موتك ضاحكا مسرورا
وقيل:
أمور تضحك السفهاء منها ... ويبكي من عواقبها اللبيب
فضيل: البكاء بكاءان: بكاء بالقلب، وبكاء بالعين، فبكاء القلب البكاء على الذنوب وهو البكاء النافع، وأمّا بكاء العين فإنك ترى الرجل تبكي عيناه وإنّ قلبه لقاس. وقال ذرّ لابنه عمر «1» : ما بالهم يتكلّمون فلا يبكي أحد وإذا تكلّمت أنت كثر البكاء؟ قال: يا أبت ليست النائحة المستأجرة كالنائحة الثكلى. أبو حنيفة رضي الله عنه: عن حمّاد قال: بشّرت إبراهيم بموت الحجّاج فسجد، وما كنت أرى أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت إبراهيم بكى من الفرح. بعضهم:
هجم السرور عليّ حتى إنه ... من فرط ما قد سرّني أبكاني
إنّ السرور إذا تزايد بامرىء ... أبكاه مثل تزايد الأحزان
كان سفيان عند رابعة فقال: واحزناه، فقالت: قل: واقلّة حزاناه، فإنك لو كنت حزينا ما هنأك العيش. أبو بكر محمد بن أحمد: رأيت الشبليّ «2» في الجامع وقد كثر الناس عليه وهو يقول: رحم الله عبدا دعا لرجل فقد بضاعته.
فخرق الحلقة غلام حدث وقال: من صاحب البضاعة؟ قال: أنا، قال:
ما البضاعة؟ قال: الصبر، وقد فقدته، فبكى الناس بكاء عظيما. أويس القرني رحمة الله عليه: كن في أمر الله كأنك قتلت الناس كلّهم، يعني خائفا مغموما.
أبو حنيفة رحمه الله: ما أعلم أشدّ حزنا من المؤمن، يشارك أهل الدنيا في
(1/333)

همّ المعاش، وتفرّد بهمّ آخرته. شعيب بن حرب: كنت إذا نظرت إلى الثوريّ رأيته كأنه رجل في أرض مسبعة خائف الدهر كلّه، وإذا نظرت إلى عبد العزيز بن أبي روّاد رأيته كأنه يطّلع إلى القيامة من كوّة. الأعمش: كنت إذا رأيت مجاهدا ظننت أنه خربندج «1» ضلّ حماره، وهو مغتمّ يتفكّر في أمر الآخرة. إبراهيم بن بشار: صحبت إبراهيم بن أدهم فرأيته طويل الحزن دائم الفكر واضعا يده على رأسه كأنما أفرغت عليه الهموم إفراغا.
عن داود صلوات الله عليه قال: إلهي أمرتني أن أطهّر قلبي ووجهي ويديّ ورجليّ، فبماذا أطهّر قلبي؟ قال: يا داود بالهموم والغموم. ليث بن الحكم:
الغموم التي تعرض للقلوب كفّارات للذنوب. أبقراط: للقلب آفتان: الغمّ يعرض منه النوم، والهمّ يعرض منه السّهر، لأن في الهمّ فكرا بما سيكون والغمّ لا فكر فيه. جالينوس: الهمّ فناء القلب، والغمّ مرضه. ثم بيّن وقال: الغمّ بما فات، والهمّ بما هو آت. لم يزل زكريا يرى ولده يحيى عليهما السّلام مغموما باكيا مشغولا بنفسه، فقال: يا ربّ طلبت منك ولدا أنتفع به، قال:
طلبته وليّا والوليّ لا يكون إلّا هكذا.
تزوّج مغنّ نائحة فسمعها تقول: اللهمّ أوسع علينا في الرزق، فقال: يا هذه إنما الدنيا فرح وحزن، وقد أخذنا بطرفي ذلك، إن كان فرح دعوني وإن كان حزن دعوك. نفقت دابّة (الجنديّ) «2» فقيل له: لا تغتمّ فلعلّه خير، فقال: لو كان خيرا لكان حيّا وإلى جنبه بغل. سمع حكيم رجلا يقول لآخر: لا أراك الله مكروها، فقال: كأنك دعوت عليّ بالموت، فإنّ من كان في الحياة فلا بدّ وأن يرى مكروها. قيل:
(1/334)

الدهر سلك حوادث وخطوب
أبو العتاهية:
تأتي المكاره حين تأتي جملة ... وترى السرور يجيء في الفلتات
الشافعيّ رحمه الله:
محن الزمان كثيرة لا تنقضي ... وسروره يأتيك كالأعياد
كان لسفيان جار مخنّث فمرض فعاده سفيان مع أصحابه فقال: كيف تجدك؟
فقال: إنّ العلل والآفات تجيء باقات والعافية تجيء طاقات، فقال سفيان: ما خرجنا إلّا بفائدة. قيل: الدنيا حسودة لا تأتي بشيء إلا غيرته. قيل للحسن:
كيف أصبحت؟ فقال: كيف يصبح من هو غرض لثلاثة أسهم: سهم رزيّة وسهم بليّة وسهم منيّة. وقيل لآخر هذا، فقال: أصبحت غرض الرزايا والبلايا والمنايا. وقيل: الليل والنهار غرسان يثمران للبريّة صنوف البليّة. قيل لأعرابيّ: كيف أصبحت؟ قال: لا كما يرضى الله تعالى ولا كما يرضى الشيطان ولا كما أرضى أنا، فإن الله يرضى أن أكون مؤمنا عابدا، والشيطان يرضى أن أكون كافرا، وأنا أرضى أن أكون مرزوقا، ولست كذلك. قيل للشبليّ: في الدنيا أشغال وفي الآخرة أهوال، فمتى النجاة؟ فقال: دع أشغالها تأمن أهوالها. عليّ رضي الله عنه: زوايا الدنيا مشحونة بالرزايا.
قيل: البرايا أهداف البلايا. الصاحب: الإنسان بين أنياب الدهر ونوائبه تحطّمه بصريفها وتعتوره بصروفها. فرقد السنجيّ: قرأت في التوراة التي لم تتبدّل: من ملك استأثر، ومن لم يستشر ندم، والحاجة الموت الأكبر، والهمّ نصف الهرم. قيل: الهمّ يشيّب القلب ويعقم العقل فلا يتولّد معه رأي ولا
(1/335)

تصدق معه رويّة. الثوريّ: لم يفقه عندنا من لم يعدّ البلاء نعمة والرخاء مصيبة. مرّ موسى عليه السّلام برجل كان يعرفه مطيعا لله وقد مزّقت السباع لحمه وأضلاعه، وكبده ملقاة، فوقف متعجّبا فقال: أي ربّ عبدك ابتليته بما أرى، فأوحى إليه أنه سألني درجة لم يبلغها بعمله، فأحببت أن أبتليه لأبلغه تلك الدرجة. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أحبّ الله عبدا ابتلاه وإذا أحبّه الحبّ البالغ اقتناه، قالوا: وما اقتناؤه؟ قال: لا يترك له مالا ولا ولدا» .
حذيفة رضي الله عنه: إنّ أقرّ يوم «1» لعيني ليوم لا أجد فيه طعاما، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «إن الله ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده بالخير، وإن الله يحمي «2» عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي أحدكم المريض من الطعام» . وهب بن منبّه: البلاء للمؤمن كالشكال «3» للدابّة. جابر بن عبد الله رفعه: «يودّ أهل العافية يوم القيامة أنّ لحومهم كانت تقرض بالمقاريض لما يرون من ثواب الله لأهل البلاء» . الشيخ الشاطبيّ: كان يعتلّ العلّة الشديدة فلا يشتكي ولا يتأوّه، وإذا سئل عن حاله قال: العافية، ولا يزيد على ذلك. قيل:
لله درّ النائبات فإنها ... صدأ اللئام وصيقل الأحرار
الجاحظ: جهد البلاء أن تظهر الخلّة وتطول المدّة وتعجز الحيلة ثم لا تعرف إلّا أخا صارما وابن عمّ شامتا وجارا كاشرا ووليّا قد تحوّل عدوّا وزوجة مختلقة وجارية متعبة وعبدا يحقرك وولدا ينهرك. العرب: ويل أهون من ويلين. يقال:
خرط القتاد دونه «4» . لمّا اتخذ الله إبراهيم عليه السّلام خليلا ألقى في قلبه الوجل
(1/336)

حتى إن خفقان قلبه ليسمع من بعيد كما يسمع خفقان الطير في الهواء. مسروق:
إنّ المخافة قبل الرجاء فإنّ الله تعالى خلق جنّة ونارا فلن تخلصوا إلى الجنّة حتى تمرّوا بالنار. قيل لفضيل: بم بلغ ابنك الخوف الذي بلغ؟ قال: بقلّة الذنوب.
عن بعض أصحاب عطاء يقول: إن أخوف ما أخاف على عطاء شدّة خوفه، وقد انسلخ مجرى دموعه من البكاء. قيل لرابعة القيسية: هل عملت عملا ترين أنه مقبول؟ قالت: إن كان شيء فخوفي من أن يردّ عليّ عملي. فضيل: إذا قيل لك: أتخاف الله تعالى؟ فاسكت، فإنك إن قلت لا فقد أجبت بأمر عظيم، وإن قلت نعم فالخائف لا يكون على ما أنت عليه. بعض أهل المعرفة: لا يجزع من المصيبة إلّا من يتهم ربّه.
شكا رجل إلى آخر الفقر فقال له فضيل: يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك. محمد بن الحسين:
لا تظهرنّ لعاذل أو عاذر ... حاليك في الضرّاء والسرّاء
فلرحمة المتوجعين مرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء
الأحنف: شكوت إلى عمّي صعصعة بن معاوية وجعا في بطني فنهرني ثم قال: يابن أخي إذا نزل بك شيء فلا تشكه إلى أحد، فإنما الناس رجلان:
صديق تسوءه وعدوّ تسرّه، والذي بك لا تشكه إلى مخلوق مثلك، فإنه لا يقدر على دفع مثله عن نفسه، ولكن إلى من ابتلاك به وهو قادر على أن يفرّج عنك، يا بن أخي إحدى عينيّ هاتين ما أبصر بها سهلا ولا جبلا منذ أربعين سنة وما أطلعت على ذلك امرأتي ولا أحدا من أهلي. قيل: ليس بمحافظ على الخلّة «1» من لا يعاتب على الزلّة.
(1/337)

أبو تمام:
إذا ذهب العتاب فليس ودّ ... ويبقى الودّ ما بقي العتاب
غيره:
إذا عاتبتني في كلّ ذنب ... فما فضل الكريم على اللئيم
غيره:
وليس عتاب المرء للمرء نافعا ... إذا لم يكن للمرء لبّ يعاتبه
عليّ بن الوصيف:
إذا أنا عاتبت الملول فإنما ... أخطّ بأقلامي على الماء أحرفا
وهبه ارعوى بعد العتاب ألم تكن ... مودّته طبعا فصارت تكلّفا
غيره:
غيري جنى وأنا المعاتب فيكم ... فكأنني سبّابة المتندّم
(1/338)

الروضة الخامسة والثلاثون في الأخلاق والعادات الحسنة والقبيحة والحلم والوقاحة والغضب والرفق والعنف والرقة والقسوة وخفّة الروح والثقل والتواضع والكبر والافتخار
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «حسن الخلق زمام من رحمة الله في أنف صاحبه، والزمام بيد الملك، والملك يجرّه إلي الخير، والخير يجرّه إلى الجنة، وسوء الخلق زمام من عذاب الله في أنف صاحبه والزمام بيد الشيطان والشيطان يجرّه إلى السوء والسوء يجرّه إلى النار» . قيل: «إن الصبيان أخذوا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في طريق المسجد وقالوا: كن لنا جملا كما تكون للحسن وأخيه، قال لبلال: اذهب إلى البيت وائت بما وجدته لأشتري نفسي منهم، فأتى بثمان جوزات فاشترى بها نفسه» .
وقال عليه الصلاة والسّلام: «رحم الله أخي يوسف باعوه بثمن بخس دراهم معدودة وباعوني بثمان جوزات» . بعض السلف: الحسن الخلق ذو قرابة عند الأجانب، والسيّىء الخلق أجنبيّ عند الأقارب. سقراط: رأس الحكمة حسن الخلق. الأصمعيّ: قلت لابن المقفّع: من أدّبك؟ قال: نفسي: كنت إذا رأيت من غيري حسنا أتيته، وإذا رأيت قبيحا أبيته. إبراهيم الصوليّ:
أولى السجيّة طرّا أن تواسيه ... عند السرور الذي واساك في الحزن
إنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن «1»
(1/339)

سقراط: من حسن خلقه طابت عيشته، ودامت سلامته، وتأكدت في النفوس محبته، ومن ساء خلقه تنكّدت معيشته، ودامت بغضته، ونفرت النفوس منه. أفلاطون: حسن الخلق من صبر على سيىء الخلق. أرسطو:
سيىء الخلق مخاطر بنفسه. وعنه: بلين الكلام تدوم المودّة في الصدور، وبخفض الجناح تتمّ الأمور، وبسعة الأخلاق يطيب العيش ويكمل السرور.
بعض الفضلاء: من ساء خلقه ضاق رزقه. سقراط: حسن الخلق يغطّي غيره من القبائح، وسوء الخلق يقبّح غيره من المحاسن. قيل: من حسن خلقه كثر صديقه، ومن لانت كلمته وجبت محبته.
عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أوّل ما يوضع في الميزان الحسن الخلق» «1» . وعنه عليه الصلاة والسّلام: «ثلاثة يعذرون بسوء الخلق: المريض والصائم والمسافر» .
يقال: ما تقلّد امرؤ قلادة أحسن من حلم. قيل: الحلم حجاب الآفات وملح الأخلاق. شتم الشعبيّ رجل فقال: إن كنت كاذبا فغفر الله لك، وإن كنت صادقا فغفر الله لي. تكلّم اليزيديّ مع الكسائيّ بين يدي الرشيد فظهر كلامه على الكسائيّ فرمى بقلنسوته الأرض فرحا بالغلبة، فقال الرشيد: لأدب الكسائيّ مع انقطاعه أحبّ إلينا من غلبتك مع سوء أدبك. في المثل: العصا لمن عصى.
يقال: من لم تقوّمه الكرامة قوّمته الإساءة. بزرجمهر: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة التواضع المحبّة.
البحتريّ:
أرى الحلم بؤسا في المعيشة للفتى ... ولا عيش إلّا ما حباك به الجهل
(1/340)

وقيل:
أرى الحلم في بعض المواضع ذلّة ... وفي بعضها عزّا يسوّد فاعله
قيل للإسكندر: فلان يحبّ بنتك فيجب أن يقتل، قال: إذا قتلنا المحبّ والعدوّ يلزم أن لا يبقى في الأرض أحد. كان معاوية رضي الله عنه معروفا بالحلم فلم يغضبه أحد، فادّعى واحد أن يغضبه فدخل عليه وقال: أطلب منك أن تزوّجني والدتك فإن لها دبرا كبيرا، فقال: ذلك سبب حبّ أبي لها، ثم قال للخازن: أعطه ألف دينار ليشتري بها جارية. مرّ عيسى عليه السّلام على قوم من اليهود فأطالوا عليه اللسان، فأثنى عليهم، فسئل فقال: كلّ أحد ينفق ما عنده.
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» . قيل:
إذا لم تصن عرضا ولم تخش خالقا ... وتستح مخلوقا فما شئت فاصنع
حكيم: الخرس خير من الكذب، والخصاء خير من الزنى، والمعيشة بالجهد والفاقة خير من المعيشة بالبذاء وقلّة الحياء. ذكر رجل وقحا فقال: لو دقّ بوجهه الحجارة لرضّها، ولو خلا بأستار الكعبة لسرقها. ابن سلّام: العاقل شجاع القلب والأحمق شجاع الوجه. الفاقة خير من الصفافة «1» . قيل في وقح:
الصخر أهشّ عند وجهه في الوقاحة. أنو شروان: أربع قبائح وهي في أربعة أقبح: البخل في الملوك، والكذب في القضاة، والحدّة في العلماء، والوقاحة في النساء. يقال: كل ذي وجه حييّ ذو لسان عييّ. بشار:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز باللذّة المستهتر اللهج
(1/341)

سلم الخاسر:
من راقب الناس مات همّا ... وفاز باللذّة الجسور
وكان يقال: اثنان لا يتفقان أبدا: القناعة والحسد، واثنان لا يفترقان أبدا:
الحرص والقحة. هجا أبو الهول الحميريّ الفضل بن يحيى ثم أتاه راغبا إليه فقال له: بأيّ وجه تلقاني؟ قال: بالوجه الذي ألقى به ربي وذنوبي إليه أكثر.
فضحك ووصله. قيل في وقح:
لو أنّ لي من جلد وجهك رقعة ... لجعلت منها حافرا للأشهب
لقمان: ثلاث من كنّ فيه فقد استكمل الإيمان: من إذا رضي لم يخرجه رضاه إلى الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له. جعفر رضي الله عنه: من لم يغضب عن الجفوة لم يشكر للنعمة.
يقال: من استغضب ولم يغضب فهو حمار. قيل:
ليست الأحلام في حال الرضا ... إنما الأحلام في حال الغضب
عن المبرّد أنه كتبه على ظهر أخصّ كتبه ليكون نصب عينيه.
عليّ رضي الله عنه: دم على كظم الغيظ تحمد عواقبك. معاذ بن أنس الجهنيّ رضي الله عنه: عنه صلّى الله عليه وسلّم: «من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله تعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيّره في أيّ الحور شاء» .
وروي: «ملأه الله أمنا وإيمانا» . يقال: أسرع الناس غضبا الصبيان والنساء وأكثرهم ضجرا الشيوخ. فضل بن سهل: ما أسترضي الغضبان ولا أستعطف السلطان. بعض الحكماء:
(1/342)

إن كنت تطلب رتبة الأشراف ... فعليك بالإحسان والإنصاف
وإذا اعتدى أحد عليك فخلّه ... والدهر فهو له مكاف كاف
وقيل:
إذا أنت جازيت المسيء بفعله ... ولم تك ذا فضل على كلّ مذنب
فأنت ومن يجني الجناية واحد ... فقد سقط الإحسان من كلّ جانب
يقال: التحمّل من سوء الخلق من أخلاق الأبرار. كانت عائشة تبكي على جارية، فقيل لها في ذلك فقالت: أبكي حسرة على ما فاتني من تحمّل خلقها، فإنها كانت سيئة الخلق. كتب أرسطو إلى الإسكندر: الأرذال ينقادون بالخوف، والأخيار بالحياء، فاستعمل في الأولى البطش وفي الثانية الإحسان، وليكن غضبك لا شديدا ولا ضعيفا، فإن ذلك من أخلاق السباع وهذا من أخلاق الصبيان، وإذا أعطاك الله ما تحبّه من الظفر فافعل ما أحبّ الله من العفو.
سقراط: دواء الغضب الصمت. أفلاطون: الحلم لا ينسب إلا إلى من قدر على السطوة وعفا، والزهد لا ينسب إلا إلى من ترك بعد القدرة. أرسطو:
امتحن المرء في وقت غضبه لا في وقت رضاه وفي قدرته لا في ذلّته.
يقال: ليس من عادة الكرام سرعة الانتقام. عائشة رضي الله عنها: عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله إذا أراد بأهل بيت خيرا أدخل عليهم باب رفق» . وروت أيضا:
«من رفق بأمتي رفق الله به ومن شقّ على أمتي شقّ الله عليه» . قيل:
والرفق يظفر بالآمال صاحبه ... ويعقب المرء في الحاجات إنجاحا
بزرجمهر: كن شديدا بعد رفق لا رفيقا بعد شدّة، لأنّ الشدّة بعد الرفق عزّ، والرفق بعد الشدّة ذلّ. الحكماء: الّلجاج أقلّ الأشياء منفعة في العاجل،
(1/343)

وأكثرها مضرّة في الآجل. وقيل: اللجاج والضجرة توءمان، والعناد والندامة أخوان. قيل: اللجاج يوغر القلوب، ويفتح الحروب. زبيدة للمأمون: ما أقعدني بهذا اليوم إلا يوم قيامي باللجاج مع أبيك. أراد الرشيد أن يجامع زبيدة فمنعت ولجّت، وجامع جارية سوداء فولد منها المأمون، فأشارت إلى القصة زبيدة. قيل: الظفر لمن احتجّ لا لمن لجّ. قيل: اللجوج يدخل فيما ليس منه خروج. الأحنف: نزل قوله تعالى: فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا
«1» في حق الثقلاء.
قيل للأعمش: ما الذي أعمش عينيك؟ فقال: النظر إلى الثقلاء. قيل:
إذا حلّ الثقيل بدار قوم ... فما للساكنين سوى الرحيل
يقال: أثقل من واش على عاشق. سأل رجل صديقا أن يمشّيه إلى رجل فقال: اعفني فإنه ثقيل بغيض، فقال: يا سيدي احسبه الكنيف الذي تأتيه في كلّ يوم مرتين، فمضى معه. ابن عمر رضي الله عنهما: اتقوا من تبغضه قلوبكم. قيل: مجالسة الثقيل حمّى الروح. قيل: أضيق السجون معاشرة الأضداد. قيل لأنوشروان: ما بال الرجل يحتمل الحمل الثقيل ولا يحتمل مجالسة الرجل الثقيل؟ فقال: يحمل الحمل الثقيل بجميع أعضائه، والثقيل تنفرد بحمله الروح. شرب رجل بغيض عند آخر فلما أمسى لم يأته بسراج، فقال: أين السراج؟ فقال: إنّ الله تعالى يقول: وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا
«2» .
عاد الشعبيّ ثقيل فأطال الجلوس فقال: ما أشدّ ما مرّ عليك في مرضك؟ فقال:
قعودك عندي.
سقط رجل من سطح فانكسرت رجلاه وصار الناس يعودونه ويسألونه، فلما أكثروا ضجر، وكتب قصّته في رقعة فإذا دخل عائد عليه وسأله عن حاله دفع
(1/344)

الرقعة إليه. كان أبو هريرة رضي الله عنه إذا رأى ثقيلا يقول: اللهم اغفر لنا وله وأرحنا منه. عليّ كرّم الله وجهه: صحبة الأحمق عذاب الروح. وعنه كرّم الله وجهه: كثرة الإلحاح توجب المنع. وعنه رضي الله عنه: قلّة الكلام تستر العيوب وتقلّل الذنوب. قيل: من حق الداخل على الكرام قلّة الكلام وسرعة القيام.
قال ثقيل لمريض: ما تشتهي؟ قال: أن لا أراك. قال رجل لأعمى: إن الله لم يأخذ من عبد كريمتيه إلّا عوّضه منهما شيئا، فما عوّضك؟ قال: أن لا أراك.
كان لابن سيرين خاتم نقشه: أبرمت فقم. فإذا استثقل إنسانا دفعه إليه ليقرأه.
قيل: قلّة الزيارة أمان من الملالة، وكثرة التعاهد سبب التباعد. وقيل:
إدمان اللقاء، سبب الجفاء. عمررضي الله عنه: تزاوروا، ولا تجاوروا.
«كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يكره الزيارة المملّة والقعدة المنسئة «1» . وقال صلّى الله عليه وسلّم: «زر غبا تزدد حبّا» . قيل: الزيارة تغرس المودّة. منهاج الشريعة:
عليك بإقلال الزيارة إنها ... تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا
ألم تر أنّ القطر يسأم دائبا ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
من علامة الأحمق الجلوس فوق القدر، والمجيء في غير الوقت. في كتب الهند: ثلاثة تزيد في الأنس: الزيارة والمؤاكلة والمحادثة. اعتذر بعض الأدباء إلى صاحب له في تأخيره فكتب له:
إذا صحّ الضمير فكلّ هجر ... وإعراض يكون إلى اتّصال
زار أعرابيّ عبد الله بن طاهر فحجبه فكتب إليه:
إذا كان الجواد له حجاب ... فما فضل الجواد على البخيل
فأجاب:
(1/345)

إذا كان الكريم عديم مال ... ولم يعذر تعلّل بالحجاب
وقيل:
فتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر
بعض الفضلاء: من أغلق على أخيه بابه، ذمّ الناس خلقه وآدابه.
عديّ بن زيد:
إذا أنت لم تنفع بودّك أهله ... ولم تنك «1» بالبؤسى عدوّك فابعد
غيره:
تزدحم الناس على بابه ... والمنهل العذب كثير الزحام
وقيل:
من عوّد الناس إحسانا ومكرمة ... لا يعتبنّ على من جاء في الطلب
دخل أبو حنيفة على الأعمش فأطال الجلوس ثم قال له: لعلّي ثقلت عليك، فقال: إني لأستثقلك وأنت في منزلك فكيف وأنت في منزلي؟. مرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على صبيان في المكتب فسلّم عليهم.
دخل عالم على إسماعيل السامانيّ الأمير فأكرمه وقعد في حضرته بالأدب وشيّعه عند الخروج بسبع خطوات، فلامه بعض الحاضرين فقال: إكرام العلماء واجب علينا. ورأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في تلك الليلة يقول: يا إسماعيل قد أعطاك الله بسبع خطواتك سبعا من أبنائك ملوكا. دخل يوما على الرشيد محمد بن الحسن الشيبانيّ «2» فزاد في تعظيمه، فقال بعض خواصّه: من تواضع بهذا التواضع لا يهاب منه. فقال الرشيد: الهيبة التي تزول بالتواضع للعلماء جديرة أن تزول. إدريس عليه السّلام: عوّدوا أنفسكم إكرام الأخيار والأشرار، أمّا الأخيار
(1/346)

فلأجل خيرهم، وأمّا الأشرار فلاستكفاف شرّهم. ابن مخلد: خرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر، فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر:
اجلس فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من أحبّ أن يمثل له الرجال قياما فليتبوّأ مقعده من النار» . أبو أمامة: خرج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلينا متوكّئا على عصاه، فقمنا إليه فقال: «لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظّم بعضهم بعضا» . قيل:
لا معنى للقيام، إذا لم يكن بين الأقوام. عليّ بن الحسين: عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في وصيته لعليّ رضي الله عنه: «يا عليّ لا فقر أشدّ من الجهل ولا وحشة أشدّ من العجب» . رأى رجل رجلا يختال في مشيته فقال: جعلني الله مثلك في نفسك ولا جعلني الله مثلك في نفسي. قيل لحكيم: ما الشيء الذي لا يحسن أن يقال وإن كان حقّا؟ قال: مدح الرجل نفسه. نظر رجل إلى ولد أبي موسى يختال فقال: يمشي كأنّ أباه خدع عمرا «1» . سمع الفرزدق أبا بردة يقول: كيف لا أتبختر وأنا ابن أحد الحكمين؟ فقال له: أحدهما مائق «2» والآخر فاسق، فكن ابن أيّهما شئت. نظر عمر بن عبد العزيز إلى علويّ يمشي مشية منكرة فقال له:
يا هذا إن الذي شرفت به لم تكن هذه مشيته. الحسن: لو كان الرجل كلّما قال أصاب أو كلّما عمل أحسن أو شك أن يجنّ من العجب»
. نظر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى أبي دجانة يتبختر بين الصفّين فقال: «إنّ هذه مشية يبغضها الله إلّا في هذا المكان» .
قيل: الكبر في الأجناس الذليلة أرسخ، ولكنّ القلّة والذلّة مانعتان من ظهور
(1/347)

كبرهم. وصل ابن الأفلح إلى باب بعض الرؤوساء فمنعه البوّاب من الدخول فكتب إليه:
حمدت بوّابك إذ ردّني ... وذمّه غيري في ردّه
لأنه قلّدني نعمة ... تستوجب الإغراق في حمده
أراحني من قبح ملقاك لي ... وكبرك الزائد في حدّه
أبو مسلم: ما تاه إلا وضيع ولا فاخر إلا لقيط. يقال: اجلس حيث يؤخذ بيدك، ولا تجلس حيث يؤخذ برجلك. قيل لبزرجمهر: هل تعرف نعمة لا يحسد عليها صاحبها؟ قال: نعم، التواضع. قيل: فهل تعرف بلاء لا يرحم صاحبه؟ فقال: نعم، العجب. عليّ رضي الله عنه: الإعجاب يمنع الازدياد.
وعنه: عجب المرء بنفسه أحد حسّاد عقله. وعنه: من رضي بنفسه كثر الساخط عليه. وعنه: إياك والإعجاب بنفسك فإنّ ذلك من أعظم فرص الشيطان في نفسه، ليمحو به ما يكون من إحسان المحسن. قام داود عليه السّلام ليلة فكأنه أعجب بها، فأوحى الله إلى الضفدع أن كلّميه، فقالت: يا داود كأنك أعجبت بليلتك، فهذا مقامي منذ عشرين ليلة، ما دخل جوفي قطرة ماء ولا خضرة شكرا لله حين سلّم بيضتي. بعض ملوك يونان: من رفع نفسه فوق قدره استجلب مقت الناس. فقال وزيره: من رفع نفسه فوق قدره ردّه الناس إلى قدره.
الأصمعيّ: عن رجل: ما رأيت ذا كبر قطّ إلّا تحوّل داؤه إليّ. يريد أني أتكبّر عليه. كان يقال: للعادة سلطان على كلّ شيء. ما استنبط الصواب بمثل المشاورة، ولا حصّنت النعمة بمثل المواساة، ولا اكتسبت البغضة بمثل الكبر.
أرسطو: من افتخر ارتطم. وعنه: من عرف نفسه لم يضع بين الناس. وعنه:
من تكبّر على الناس أحبّ الناس ذلّته. وعنه: بإصابة المنطق يعظم القدر،
(1/348)

وبالتواضع تكثر المحبة، وبالحلم تكثر الأنصار، وبالرفق تستخدم القلوب، وبالوفاء يدوم الإخاء، وبالصدق يتمّ الفضل. مطرّف: لأن أبيت نائما وأصبح نادما، أحبّ إليّ من أن أبيت قائما وأصبح معجبا. هشام بن حسان: سيئة تسوءك خير من حسنة تعجبك. قال رجل لعائشة رضي الله عنها: متى أكون محسنا؟ قالت: إذا علمت أنك مسيء. قال: فمتى أكون مسيئا؟ قالت: إذا ظننت أنك محسن. الأحنف: عجبت لمن جرى مجرى البول مرّتين كيف يتكبّر!. مالك بن دينار: مبدأ المرء نطفة مذرة «1» وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بينهما يحمل العذرة «2» فكيف يتكبّر؟!. وقيل:
كيف يزهو من رجيعه ... أبد الدهر ضجيعه
الباخرزيّ:
أرى أبناء آدم أبطرتهم ... حظوظهم من الدنيا الدنيّه
فلم بطروا وأوّلهم منيّ ... إذا نسبوا وآخرهم منيّه
قيل لابن المبارك: ما التواضع؟ قال: التكبّر على الأغنياء. وأخذ هذا المعنى شاعر فنظمه:
لم ألق مستكبرا إلا تحوّل لي ... عند اللقاء له الكبر الذي فيه
ولا حلالي من الدنيا ولذّتها ... إلا مقابلتي للتّيه بالتّيه
قيل في استكبار إبليس:
عجبت من إبليس في خبثه ... وقبح ما أظهر من نيّته
تاه على آدم في سجدة ... وصار قوّادا لذرّيّته
(1/349)

رشيد الدين:
كم محسن غرّه الطاعات تنصره ... يوم النشور وبطش الله يخزيه
وكم مسيء بسوء الفعل معترف ... تراه والله بالغفران يجزيه
قيل لمحمد بن واسع: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت قريبا أجلي، بعيدا أملي، سيّئا عملي. قيل للحسن: كيف حالك؟ قال: ما ظنّك بأناس ركبوا في سفينة حتى إذا توسّطوا البحر انكسرت وتعلّق كلّ إنسان بخشبة فعلى أيّ حال هم؟ قيل: شديدة. قال: حالي أشدّ من حالهم. إسماعيل بن أبي خالد:
كنت أمشي مع الشعبيّ وأبي سلمة، فسأل الشعبيّ أبا سلمة: من أعلم أهل المدينة؟ فقال: الذي يمشي بينكما. يعني نفسه. الجاحظ: لو لم يصف الطبيب مصالح دوائه للمتعالجين لما كان له طالب ولا فيه راغب. وكان كعب بن زهير إذا أنشد قصيدة قال لنفسه: أحسنت والله وجاوزت الإحسان، فيقال له:
أتحلف على شعرك؟ فيقول: نعم لأني أبصر به منكم. يوسف عليه الصلاة والسّلام: قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
«1» . قيل لسعيد بن جبير: يا أبا محمد كنت بأصبهان لا تحدّث وبالكوفة تحدّث، فقال: انشر بزّك «2» حيث تعرف. سلمان الفارسيّ رضي الله عنه:
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم
قيل لرجل من بني عبد الدار: ألا تأتي الخليفة؟ قال: أخشى أن لا يحمل الجسر شرفي.
(1/350)

الروضة السادسة والثلاثون في العمل والكدّ والتعب والسرعة والشغل والطلب والاستجداء ورفع الحوائج وقضائها
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «الكيّس «1» من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها ثم تمنّى على الله» . عليّ رضي الله عنه: جاء رجل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: ما ينفي عنّي حجة الجهل؟ قال: العلم. قال: فما ينفي حجّة العلم؟ قال: العمل. داود الطائيّ رحمه الله: أرأيت المحارب إذا أراد أن يلقى الحرب أليس يجمع آلته؟ فإذا أفنى عمره في جمع الآلة فمتى يحارب؟ وإنّ العلم لآلة، فإذا أفنى المرء عمره في جمعه فمتى يعمل؟!. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
«تعلّموا ما شئتم أن تعلّموا، فلن ينفعكم الله بالعلم حتى تعملوا، فإنّ العلماء همتهم الرعاية والسفهاء همّتهم الرواية» . الأوزاعيّ: إذا أراد الله بقوم شرّا أعطاهم الجدل، ومنعهم العمل. أبو تمام:
ولم يجدوا من عالم غير عامل ... خلافا ولا من عامل غير عالم
في المثل: الكسل باب من الزندقة. عليّ كرّم الله وجهه: تدارك في آخر العمر ما فات من أوّله. أبو مسهر:
ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له ... من الله في دار البقاء نصيب
فلن تعجب الدنيا رجالا فإنها ... متاع قليل والزمان قريب
(1/351)

وقيل:
على المرء أن يسعى لتحسين حاله ... وليس عليه أن يساعده الدهر
وقيل:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأعمال نفسك فاجعل
عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: إنّ الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما. وقيل:
إنّا لنفرح بالأيّام نقطعها ... وكلّ يوم مضى من عدّة الأجل
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا ... فإنما الربح والخسران في العمل
كان الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى ينشد كثيرا:
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخرا يكون كصالح الأعمال
لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إليه طاوس: إذا أردت أن يكون عملك خيرا كلّه فاستعمل أهل الخير. فقال: كفى موعظة. عبد الله بن السائب: إنّ أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الموتى فلا تخزوا موتاكم.
عن عباد بن عباد الخوّاص أنه دخل على إبراهيم بن صالح وهو أمير فلسطين، فقال: عظني، فقال: أصلحك الله، بلغني أن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الموتى، فانظر ماذا يعرض على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من عملك. فبكى إبراهيم حتى سالت دموعه. كان أبو أيّوب الأنصاري يقول: اللهمّ إني أعوذ بك أن أعمل عملا أخزى به عند عبد الله بن رواحة «1» . وقد آخى بينهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومات ابن رواحة قبله.
(1/352)

أنس رضي الله عنه، يرفعه: «يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله» . وقيل: خير الأعمال ما أثّل المجد وحصل الحمد، وشرّ الأعمال ما كان عناؤه طويلا وغناؤه «1» قليلا. قيل: الأعمال البهيميّة، ما عمل بغير نيّة. بعضهم: العمل سعي الأركان إلى الله، والنية سعي القلوب إلى الله، والقلب ملك والأركان جنوده، ولا يحارب الملك إلا بالجنود ولا الجنود إلا بالملك. قيل: النيّة جمع الهمّ «2» في تنفيذ العمل للمعمول له، وأن لا يسنح في السرّ ذكر غيره. رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرجة في لبن قبر إبراهيم ابنه فأمر أن تسدّ وقال: «أما إنها لا تضرّ ولا تنفع ولكن العبد إذا عمل عملا أحبّ الله أن يتقنه» .
الدارانيّ: عمل الرجل مع رفيقه ومع أهله عمل في السرّ، لأنه لا يقدر أن يكتم منهما. عليّ رضي الله عنه: قليل مدوم عليه خير من كثير محلول عنه.
وعنه: أفضل الأعمال ما أكرهت نفسك عليه. قيل: حرّك يدك يفتح لك باب الرزق. قيل لروح بن حاتم: لقد طال وقوفك بالشمس. فقال: ليطول وقوفي في الظلّ. قيل: من غلى دماغه في القيظ غلت قدره في الشتاء. قيل: في كدّ البدن روح الروح. في الوصايا: اكدح تربح. قيل: من جدّ وجد وجدّ «3» . وقيل:
وقلّ من جدّ في أمر يحاوله ... واستصحب الصبر إلّا فاز بالظفر
تقول العرب: فلان وثّاب على الفرص. ويقال: الزم الخبز ما دام التنّور حارّا. قيل: إضاعة الفرصة غصّة. وقيل: الفرصة تمرّ مرّ السحاب. عمر بن حبيب، كان له بستان ومعه غلامه فأذّن المؤذن فقال الغلام: الله أكبر الله أكبر، فقال: سبقتني إليها، أنت حرّ ولك هذه النخلة.
(1/353)

يقال: أخفّ من خلسة منتهز وجلسة مستوفز. يقال: أسرع من الماء منحدرا ومن النجم منكدرا «1» . يقال: أسرع حتى ظلّه لم يلحقه. قال عديّ بن أرطاة لإياس بن معاوية: إنك لسريع المشية، قال: ذاك أبعد من الكبر وأسرع في الحاجة. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن» .
يقال: تفرّق بفلان شعب الدنيا، إذا كثرت أشغاله. قال عبد الله بن سليمان لأبي العيناء: اعذرني فإني مشغول. فقال: إذا فرغت لم أحتج إليك، وما أصنع بك فارغا؟ وأنشد:
فلا تعتلل بالشغل عنّا فإنما ... تناط بك الآمال ما اتّصل الشغل
واعتذر بعض السلطانية إلى رجل بالشغل فقال: لا بلغت يوم فراغك. شكا الفضل من كثرة أهل الحاجة فقال بعض الحاضرين من الفضلاء: إن أحببت أن لا يلتقي ببابك اثنان فاعتزل ما أنت فيه، فإن نعم الله جاءت بهم إليك، ثم أنشد:
من لم يواس الناس من فضله ... عرّض للإدبار إقباله
فقال: صدقت جزاك الله من ناصح خيرا. كتب إلى بعضهم: قد عذرك الشغل في إغفال الحاجة واعذرني في إذكارك وإلّا فعملك محيط وقدرتك واسعة. وإلى آخر: العاقل إذا ولي ولاية يطلب انتهاز الفرصة وتقليد المنّة فإنّ المنن قلائد في أعناق الرجال، والولاية قريبة إلى الزوال، والحاصل إمّا ذكر جميل، أو خزي طويل. وإلى فضل بن مروان:
تفرعنت يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل
قيل:
إذا مضى أحد يتلو له أحد ... وهكذا كان حكم الله يطّرد
(1/354)

سئل شبيب حين خرج من دار الخلافة فقال: رأيت الداخل راجيا، والخارج راضيا. قيل للصادق: ما كفّارة عمل السلطان؟ قال: قضاء حوائج الإخوان.
المأمون لوزيره: اغتنم قضاء حوائج الناس فإنّ الدهر أدور «1» والعمر أقصر من أن يتمّ حال أو يدوم سرور. قيل:
لا تقطعنّ يد الإحسان عن أحد ... ما دمت تقدر والأيام تارات
فاشكر فضيلة صنع الله إذ جعلت ... إليك لا لك عند الناس حاجات
يقال: لا شيء أضيع للملك وأهلك للرعية من شدّة الحجاب. قيل:
على أيّ باب أطلب الإذن بعد ما ... حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه
لبعض الظرفاء:
وأخبرني البوّاب أنّك نائم ... وأنت إذا استيقظت أيضا فنائم
قيل: الحاجات تطلب بالرجاء، وتدرك بالقضاء. يقال: المأمول خير من المأكول. حكي: أن رجلا سأل من رجل شيئا فأراد أن يكسر دينارا فقال: إيّاك أن تفرّق بين اسم الله ورسوله، فترك وأعطاه الدينار. تعرّض أعرابيّ لمعاوية في طريقه فسأله فمنعه ثم عاوده في مكان آخر فقال: ألم تسألني آنفا؟ فقال: نعم ولكن بعض البقاع أيمن من بعض. فضحك ووصله. يقال: الغريق يتعلّق بكلّ شيء والعاشق يطوف بكلّ حيّ «2» . قيل: من طلب ما لا يعنيه، فاته ما يعنيه.
قيل: من أراد زيادة لا يستحقّها أصابه نقصان وهو مستحقّ له. قيل:
طلبت بك التكثير فازددت قلّة ... وقد يخسر الإنسان في طلب الربح
(1/355)

يقال: هو كطالب القرط قطعت أذنه، كما طلب العير «1» القرنين فضيّع الأذنين.
إذا أصبت فالزم وإذا وجدت فاغنم. قيل:
لكلّ إلى شأو «2» العلا حركات ... ولكن عزيز في الرجال ثبات
في المثل: من ثبت نبت. قيل لصوفيّ: كيف حالك؟ فقال: طلبت فلم أرزق، وحرمت فلم أصبر.
أبو هريرة رضي الله عنه رفعه: «سلوا الله في حوائجكم حتى في شسع النعل، فإن الله تعالى إذا لم ييسّره له لم يتيسّر» . فيثاغورس: متى التمست فعلا من الأفعال فابدأ إلى ربك بالابتهال في النجح فيه. عليّ رضي الله عنه مرفوعا:
«إذا أراد أحدكم الحاجة فليبكر في طلبها يوم الخميس وليقرأ إذا خرج من منزله آخر سورة آل عمران، وآية الكرسي، وإنّا أنزلناه في ليلة القدر وأمّ الكتاب، فإنّ فيها قضاء حوائج الدنيا والآخرة» . شكا رجل إلى أخيه الحاجة والضيق، فقال له: يا أخي أغير تدبير ربك تريد، لا تسأل الناس وسل من أنت له. دخل سليمان ابن عبد الملك الكعبة فقال لسالم بن عبد الله: ارفع حوائجك، فقال:
والله لا أسأل في بيت الله غير الله.
مطرّف: قال لإخوانه: من كانت له حاجة إليّ فليكتبها في رقعة فإني أكره أن أرى ذلّ السؤال في وجه أحد. عليّ رضي الله عنه:
لنقل الصخر من قلل الجبال «3» ... أخفّ عليّ من منن الرجال
يقول الناس لي في الكسب عار ... فقلت العار في ذلّ السؤال
(1/356)

وقيل:
استغن عن كلّ ذي قرب وذي رحم ... إنّ الغنيّ من استغنى عن الناس
جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين رضي الله عنهم: إني لأسارع إلى حاجة عدوّي خوفا من أن أردّها فيستغني عنّي. الفضل بن الربيع: من كلّم الملوك في حاجة في غير وقتها جهل مقامه، وأضاع كلامه. عليّ رضي الله عنه: صاحب السلطان كراكب الأسد. وعنه: اصحب السلطان بالحذر، والصديق بالتواضع.
وعنه: لا تكثر الدخول على الملوك، فإنك إن صحبتهم ملّوك، وإن نصحتهم غشّوك. في كتب الهند: لا تكثر الحاجة فإنّ العجل إذا أفرط في مصّ أمّه نطحته. يقال: المسألة خموش في وجه صاحبها. الأمين عند حصره ببغداد ونفاد ما عنده وطلب الناس الرزق: قتل الله الفريقين: الذين معي يطلبون مالي.
والذين عليّ يطلبون نفسي. من خفّت مؤنته، خفّت مودّته. قيل:
من عفّ خفّ على الصديق لقاؤه ... وأخو الحوائج وجهه مملول
جلس الإسكندر للناس يوما فلم يسأله أحد حاجة، فقال لجلسائه:
إني لا أعدّ هذا اليوم من أيام ملكي. كتب ابن عنين حين مرض إلى الملك ابن سيف الدين:
انظر إليّ بعين مولى لم يزل ... يولي «1» الندى وتلاف «2» قبل تلافي
أنا كالذي «3» يحتاج ما يحتاجه ... فاغنم ثوابي والثناء الوافي
(1/357)

فجاء بنفسه ومعه ثلاثمائة دينار فقال: هذه الصلة وأنا العائد. عمر رضي الله عنه: الغنيّ من يفرح بالسؤال كما يفرح الآخذ بالعطاء. عبد الله بن عمر: الغنيّ من لم يميّز بين أن يأكل عنده عدوّ أو صديق. قيل لحكيم: من أحبّ الناس إليك؟ قال: من أحسن إليّ. فقيل: ثم من؟ قال: من أحسنت إليه. ابن سينا:
يا غافلا عن حركات الفلك ... نبّهك الله فما أغفلك
مالك للغير إذا صنته ... وكلّ ما أنفقت منه فلك
بعض الملوك: أنا لا أرضى أن يكون جهل لا يسعه علمي، ولا ذنب لا يسعه عفوي، ولا حاجة لا يسعها جودي. قيل للإسكندر: ما يسرّك؟ فقال: مكافأة من أحسن إليّ، والعفو عمن أساء إليّ.
قال رجل لابنه: إيّاك أن تريق ماء وجهك عند من لا ماء في وجهه.
قيل لأعرابيّ: ما السقم الذي لا يبرأ والجرح الذي لا يندمل؟ فقال:
حاجة الكريم إلى اللئيم. اسقلتينوس: فوت الحاجة خير من طلبها من غير أهلها. قال رجل لبنيه: يا بنيّ تعلّموا الردّ فإنه أسدّ «1» من الإعطاء. قيل:
يلومونني بالبخل جهلا وضلّة ... وللبخل خير من سؤال بخيل
بعض الأكابر لابنه: يا بنيّ اعلم أنّ لفظ (لا) يدفع البلا، ولفظ (نعم) يزيل النعم.
أنس، رفعه: «من قضى لأخيه المسلم حاجة كان كمن خدم الله عمره» .
ابن السكيت: كتب رجل إلى صديقه: قد عرضت لي قبلك «2» حاجة، فإن
(1/358)

نجعت «1» فالفاني منها حظّي والباقي حظّك، وإن تعذّرت فالعذر مقدّم لك والسّلام. كتب الواقديّ إلى المأمون دينه، فكتب المأمون بخطّه: فيك سخاء أطلق يديك، وحياء يمنعك ذكر تمام دينك، فأمرت لك ضعف ما سألت، فإن قصّرنا فجنايتك عليك، وإلّا فزد بسط يدك، فإنك حدّثتني أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:
«يا زبير إنّ مفاتيح الرزق بإزاء العرش، ينزل الله سبحانه وتعالى للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثّر كثّر له، ومن قلّل قلّل عليه» . بعض الأدباء:
كلّ من أحوجك الدهر إليه ... فتعرّضت له هنت عليه
(1/359)

الروضة السابعة والثلاثون في الطمع والرجاء والأمل واليأس والحرص والتمنّي والوعد وإنجازه وإخلافه والمطل والتسويف
في الحديث: «إياك والطمع فإنه الفقر الحاضر» . عليّ رضي الله عنه: أكثر مصارع العقول تحت بروق الطمع. فيلسوف: العبيد ثلاثة: عبد رقّ، وعبد شهوة، وعبد طمع. الأصمعيّ: كان يقال: العبد حرّ إذا قنع، والحرّ عبد إذا طمع. عليّ رضي الله عنه: الطمع رقّ مؤبد. عضد الدولة: كان يحبّ هذا البيت وينشده كثيرا، لأبي تمام:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل معزولا
أبو الفتح البستيّ رحمه الله:
من شاء عيشا رخيّا يستفيد به ... في دينه ثم في دنياه إقبالا
فلينظرنّ إلى من فوقه أدبا ... ولينظرنّ إلى من دونه مالا
اجتمع الفضيل وسفيان وابن كريمة اليربوعيّ فتواصوا فافترقوا وهم مجمعون على أنّ أفضل الأعمال: الحلم عند الغضب، والصبر عند الطمع. يقال:
الطامع في وثاق الذلّ. بعض الأولياء: الطمع مرض والسؤال نزع والحرمان موت. ذو النون: من قنع استراح من أهل زمانه، واستطال على أقرانه. قيل:
من تجاوز الكفاف لم يغنه الإكثار. بعض العلماء: الحرص ينقص قدر الإنسان ولا يزيد في رزقه. قيل: الحرص ذلّ عاجل والطمع فقر حاضر. عليّ رضي
(1/360)

الله عنه: كثرة الآمال، تقطع أعناق الرجال. دارا الأصغر: لا تطمع في كل ما تسمع. قيل: الطمع يدنّس الثياب ويعرّي الإهاب.
قيل لأشعب: ما بلغ بك من طمعك؟ قال: أرى دخان جاري فأثرد «1» .
وقال: كانت شاة لي على السطح فأبصرت قوس قزح فحسبته حبلا من قتّ «2» فوثبت فطاحت فاندقّت عنقها. يقال: من شره وقع فيما كره. وكان يقعد إلى الطبّاق فيقول: وسّع وسّع فعسى أن يهدي لي فيه من يشتريه. وقال: ما رأيت أطمع منّي إلّا كلبا تبعني على مضع العلك فرسخا.
عليّ رضي الله عنه: طال حزن من قصر رجاؤه. قيل لرجل: كيف حالك؟
فقال: أخدم الرجاء إلى أن ينزل القضاء. قيل:
ومن لم يعشق الدنيا قديما ... ولكن لا سبيل إلى الوصال
ابن عائشة: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، فإن موسى عليه السّلام ذهب يقتبس النّار فكلّم الجبّار. كان ابن سيرين يقول: أنا لما أحتسب أرجى مني لما أحتسب، قال الله تعالى: وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
«3» . فضيل: الخوف أفضل من الرجاء ما كان العبد صحيحا، فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل من الخوف.
صلّى محمد بن أبي توبة بمعروف الكرخي ثم قال: لا أصلي بكم أخرى. فقال معروف: أو أنت تحدّث نفسك بصلاة أخرى؟ نعوذ بالله من طول الأمل، فإنه يمنع خير العمل. عليّ كرّم الله وجهه: طوبى لمن لا أمل له. أسعد بن محمد:
(1/361)

يريد المرء أن يعطى مناه ... ويأبى الله إلّا ما يشاء
وكل شديدة لزمت بقوم ... فيأتي بعد شدّتها رخاء
أبو إسماعيل رحمه الله:
أعلّل النفس بالآمال أرقبها ... ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
الطائيّ رحمه الله:
أهتزّ عند تمنّي وصلها طربا ... وربّ أمنية أحلى من الوطر
قيل: المرء ما دام حيّا خادم الأمل. وقيل: لا ينقضي الأمل ما بقي الأجل.
أتى رجل إلى خالد بن عبد الله لحاجة فقال: أتكلّم بجراءة اليأس أو بهيبة الأمل؟ قال: بجراءة الأمل، فسأله وقضى حاجته. وقيل: ربّ أمنية تضحك منها المنيّة. قيل:
أرى الناس في آمالهم في وساوس ... ومن دونها سيف المنيّة منتضى
في المثل: في الرغبة شؤم.
بالحرص فوّتني دهري فوائده ... وكلّما زدت حرصا زاد تفويتا
وقيل: من جرى في عنان أمله، كان عاثرا بأجله. قيل: لو رأيتم الأجل ومروره لأبغضتم الأمل وغروره. قيل: لو ظهرت الآجال، لافتضحت الآمال، فإياكم وطول الأمل، فإن من ألهاه أمله أخزاه أجله، ومن أطلق في أمله فرّط في عمله.
لم يبق جودك لي شيئا أؤمّله ... تركتني أسكن الدنيا بلا أمل
عبد الله رضي الله عنه: «سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الغنى فقال: اليأس عما
(1/362)

في أيدي الناس» . أبو عبد الله وزير المهديّ: اليأس حرّ والرجاء عبد.
قيل لحكيم: ما بال الشيخ أحرص على الدنيا من الشابّ؟ قال: لأنه ذاق من طعم الدنيا ما لم يذقه الشابّ. أنوشروان: احذر خدمة الحرصى فلا راحة لحريص. يقال: الحرص مفتاح التعب ومطيّة النصب. قيل للإسكندر:
ما سرور الدنيا؟ فقال: الرضا بما رزقت منها. قيل فما غمّها؟ فقال:
الحرص. قيل لسقراط: ما رأيناك مغموما! قال: ليس لي شيء متى ضاع مني عدمته. يقال: من رضي حظي. وقيل: من اطّرح الاقتراح استراح. عمر بن عبد العزيز: أصبحت ومالي سرور إلا في مواقع القدر. قيل: الرضا اطّراح الأفراح على العالم بالصلاح. يقال: إذا كان القدر حقّا كان سخطه حمقا. لما قدم سعد بن أبي وقاص مكة بعد ما كفّ بصره قيل له: أنت مجاب الدعوة لم لا تسأل ردّ بصرك؟ قال: قضاء الله تعالى أحبّ إليّ من بصري. قيل لحكيم:
ما السبب في قبض الكفّ عند الولادة وفتحها عند الموت؟ فأنشد:
ومقبوض كفّ المرء عند ولادة ... دليل على الحرص المركّب في الحيّ
ومبسوط كفّ المرء عند مماته ... يقول انظروا إنّي خرجت بلا شيّ
يقال: الخذلان مسامرة الأماني والتوفيق رفض التواني. أعرابيّ: وعد الكريم نقد وتعجيل، ووعد اللئيم مطل وتعليل. كاتب: أمّا بعد: فحقيق من أزهر بقول أن يثمر بفعل. قيل: قليل عاجل، خير من كثير آجل. لقمان: حبّة بنقد، خير من بدرة «1» بوعد. في المثل: قليل في الجيب، خير من كثير في الغيب. وقيل: إذا خيّرت بين ذرّة منقودة، ودرّة موعودة، فمل إلى النقد، وفضّل اليوم على الغد، فإنّ للتأخير آفات، وللعزائم بدوات «2» ، وللغداة
(1/363)

معقبات، وبينها وبين النّجز عقبات وأيّ عقبات. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «عدة المؤمن كأخذ باليد» «1» .
قيل: العذر الجميل أحسن من المطل الطويل. قيل: تأخير الإسعاف من قرائن الإخلاف، فإن أدرت الإنعام فأنجح، وإن تعذرت الحاجة فأفصح.
أبو إسحاق:
جود الكريم إذا ما كان عن عدة ... وقد تأخّر لم يسلم من الكدر
إن السحائب لا تجدي بوارقها ... نفعا إذا هي لم تمطر على الأثر
كتب أبو العيناء إلى بعض الرؤوساء حين تأخّر وعده: ثقتي بك تمنعني من استبطائك، وعلمي بشغلك يدعوني إلى إخبارك، وليس لي مع ثقتي بعلوّ همّتك أمن من اخترام الأجل «2» ، فإنّ في الآجال آفات الآمال، فسح الله في أجلك وبلّغك منتهى أملك. قال رجل لبعض الأمراء: وعدتني بكذا، فقال:
ما أذكره، فقال الرجل: عدم ذكرك لأنّ من وعدته كثير فتنسى، وأنا لا أنساه لأن من أسأله مثلك قليل. فاستحسنه وقضى حاجته. أبو إسحاق:
وما طل الوعد مذموم وإن سمحت ... يداه من بعد طول المطل بالبدر
يا دوحة الجود لا عتب على رجل ... يهزّها وهو محتاج إلى الثمر
وعد رجل رجلا ولم يف له، فقال: أخلفتني، فقال: والله ما أخلفتك
(1/364)

ولكنّ مالي أخلفك. الجاحظ: مواعيد القيان الآل «1» في الفيافي «2» ، والهشيم تذروه الرياح السوافي «3» . مدح بشار خالد بن برمك، فأمر له بعشرين ألفا، فأبطأ عليه فقال لقائده: أقمني حيث يمرّ، فأخذ بلجام بغلته وقال:
أظلّت علينا منك يوما سحابة ... أضاءت لنا برقا وراث «4» رشاشها
فلا غيمها يصحى فييأس طامع ... ولا غيثها يأتي فتروى عطاشها
أبو تمام:
يا أيها الملك النائي بزورته ... وجوده لمراعي جوده كثب «5»
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إن السماء ترجّى حين تحتجب
أبو الطيب:
إذا بدا حجبت عينيك هيبته ... وليس يحجبه ستر إذا احتجبا
وله أيضا:
كالشمس في كبد السماء وضوءها ... يغشى البلاد مشارقا ومغاربا
الطائيّ:
قريب الندى نائي المحلّ كأنه ... هلال قريب النور ناء منازله
وقيل:
وكل خفيف الشأن يسعى مشمّرا ... إذا فتح البوّاب بابك إصبعا
(1/365)

ونحن الجلوس الماكثون رزانة ... وحلما إلى أن يفتح الباب أجمعا
بعض الحكماء:
ألا ربّ نصح يغلق الباب دونه ... وغشّ إلى جنب السرير يقرّب
(1/366)

الروضة الثامنة والثلاثون في الحسن والقبح والسّمن والهزال والطّول والقصر والقوّة والضعف
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ما حسّن الله خلق عبده وخلقه إلا استحيا أن يطعم لحمه النار» . نظر أرسطاطاليس إلى ذي وجه حسن، فاستنطقه، فلم يحمده، فقال:
بيت حسن لو كان فيه سكن. وقال آخر: طشت «1» ذهب فيه خلّ. كان ابن شبرمة يقول: ما رأيت على رجل لباسا أحسن من فصاحة، ولا رأيت على امرأة لباسا أحسن من شعر. الأصمعيّ: أدخلت على هارون جارية للبيع، فتأمّلها فقال لصاحبها: خذ بيدها وانطلق، ولولا كلف بوجهها وخنس بأنفها «2» لشريتها، فأخذها فلما بلغت الستر قالت: يا أمير المؤمنين ردّني لأنشد بيتين خطرا لي، فردّها فأنشدت:
ما سلم الظبي على حسنه ... كلّا ولا البدر الذي يوصف
الظبي فيه خنس بيّن ... والبدر فيه كلف يعرف
فاشتراها وقرّب منزلتها، وكانت من أخصّ جواريه. مولانا عضد:
إذا ما التحى المحبوب طار جماله ... فلحيته ريش يطير بها الحسن
وأقبح شيء أن يرى ذو عوارض «3» ... يحبّ وأعضاء تضمّ بها خشن
(1/367)

بعضهم:
عابوه لما التحى فقلنا ... عبتم وغبتم عن الجمال
هذا غزال ولا عجيب ... تولّد المسك من غزال
وقيل:
زعم البنفسج أنّه كعذاره «1» ... حسنا فسلّوا من قفاه لسانه
قيل: يجب أن يكون في المرأة أربعة أشياء سود: شعر الرأس، والحاجبين، وأهداب العينين، والحدقة. وأربعة بيض: اللون، وبياض العينين، والأسنان، والساق. وأربعة حمر: اللسان، والشفتان، والوجنتان، والألية. وأربعة مدوّرة: الرأس، والعنق، والساعد، والعرقوب «2» . وأربعة واسعة: الجبهة، والعين، والصدر، والوركان. وأربعة غليظة: العجز، والفخذان، والعضلتان، والركبتان. وأربعة صغيرة: الأذنان، والثديان، واليدان، والرجلان. وأربعة طيبة: الريح، والفم، والأنف، والفرج. وأربعة عفيفة: الطرف، والبطن، واللسان، واليد. قيل: لا تحسن المرأة حتى يعظم ثدياها. وقيل: خير الثدي ما يوافي الضجيع ويروي الرضيع. قيل للنظّام: أيّ مقادير الثدي أحمد؟ فقال: وجدت الناس مختلفين في الشهوات ولكن يقول الله تعالى في وصف الحور العين: وَكَواعِبَ أَتْراباً
«3» . رأت رابعة الحسن يقبّل غلاما مليحا صغيرا، فقالت: أما شغلك حبّ الله عن غيره؟ فقال: من أحبّ
(1/368)

الله أحبّ من حسن خلقه. قيل لأعرابيّ: أتعرف الجمال؟ قال: إي لعمري، فقالوا: وما هو؟ فقال: عظم الأنف وسعة الشّدق وضخامة القدمين والكعبين.
الأصمعيّ: رأيت بدويّة من أحسن الناس وجها ولها زوج قبيح، فقلت:
يا هذه أترضين أن تكوني تحت هذا؟ فقالت: يا هذا لعلّه أحسن فيما بينه وبين الله تعالى فجعلني ثوابه، وأسأت فيما بيني وبين ربي فجعله عقوبتي، أفلا أرضى بما رضي الله تعالى. ذهب جماعة من المتموّلين إلى الأعمش وهو قائم في بابه، فلما رآهم مقبلين عليه دخل إلى بيته وخرج مسرعا في تلك الساعة، فسئل عن سبب ذلك فقال: رأيتكم قبحاء المنظر ثقلاء الصحبة فدخلت إلى امرأتي فلما رأيتها رضيت بكم، فإن فوق المحنة محنة.
قال حكيم لشابّ قبيح الوجه حسن الأدب: قد أخفت محاسن أدبك قبائح وجهك. قال رجل لمنصور بن الحلاج «1» : إن كنت صادقا فيما تدّعيه فامسخني قردا، فقال: لو هممت لذلك لكان نصف العمل مفروغا منه. قيل: أقبح من القبيحة في عين ضرّتها، كما يقال في الحسن: أحسن من الحسناء في عين أمّها. قيل: أقبح من زوال النعمى وفوت المنى وطلعة الردى. قيل: أسمج من واو عمرو. قيل للحظوة: إلى أين تذهبين؟ فقالت: أقارن القباح. الجاحظ:
ما أخجلني إلا امرأة حملتني إلى صائغ وقالت له: مثل هذا. فبقيت مبهوتا فسألت الصائغ عن سببه فقال: هي امرأة استعملتني في صورة شيطان فقلت: لا أدري كيف أصوّره، فأتت بك وقالت: مثل هذا. وقرع عليه قوم الباب، فخرج غلامه فسألوه: ما يصنع؟ فقال: هو ذا يكذب على الله. فقيل: كيف؟
قال: نظر في المرآة فقال: الحمد لله الذي خلقني فأحسن صورتي. وقيل فيه:
لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا ... ما كان إلّا دون قبح الجاحظ
(1/369)

الشيخ أبو إسحاق: كان يساير مع أصحابه فرأوا من بعيد شخصا فقال بعضهم لبعض: هذا حجة، فلما قرب رأوه قبيحا فالتفت إليهم وقال: دحضت حجّتكم «1» فقبّلوا يده. حجّ مخنث فرأى رجلا قبيح الوجه يستغفر، فقال: يا حبيبي ما أرى لك أن تبخل بهذا الوجه على جهنم. قال رجل للجمّاز: خرج في دمّل في أقبح موضع، قال: كذبت هو ذا أرى وجهك ليس فيه شيء. زياد بن أبيه: رأى على مائدته رجلا قبيحا وأكولا أكل ما في المائدة ولم يبق شيئا، فقال له: ألك أولاد؟ قال: تسع بنات، قال: أيشبهنك؟ قال: أنا أحسن منهنّ وهنّ آكل مني. فضحك وأحسن له. خطب رجل عظيم الأنف امرأة فقال لها:
أما قد علمت شرفي وأنا كيّس، كريم المعاشرة، محتمل للمكاره. فقالت: ما أشكّ في احتمالك للمكروه مع حملك هذا الأنف أربعين سنة.
الربيع بن سليمان: سمعت الشافعيّ رحمه الله تعالى يقول: ما رأيت سمينا عاقلا إلا محمد بن الحسن. قيل:
لا أعشق الأبيض المنفوخ في سمن ... لكنني أعشق السمر المهازيلا
قيل: اللحية الطويلة عشّ البراغيث. يقال: طول الآذان دليل على طول العمر. قدّم رجل ليقتل وكان طويل الآذان فقيل له: زعموا أنّ من عظم آذانه طال عمره، فقال: لو تركوني لطال. وأحضر رجل طويل الآذان للقتل فأخذ يلمس أذنه ويقول: واضياع أملي وانقطاع رجائي. الجاحظ: ما طالت لحية رجل إلا تكوسج «2» عقله. قيل: ما زادت لحية عن قبضة إلا نقص بمقدار زيادتها من العقل. ابن الروميّ:
(1/370)

إذا عرضت للفتى لحية ... وطالت فصارت إلى سرّته
فنقصان عقل الفتى عندنا ... بمقدار ما زاد من لحيته
قيل:
هلّوفة يحملها مائق ... مقلوب هارون بها لائق «1»
قيل: كانت لحية القاضي الحسين العوفيّ طويلة جدّا إلى ركبتيه. قيل: قطع اللحية الزائدة عن القبضة سنّة. قيل لمخنّث: لم تنتف لحيتك وهي من هبة الله؟
فقال: أمر الله بقوله: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها
«2» ولم أجد أحسن منها فرددتها. وقيل لآخر: لم تنتف لحيتك؟ فقال: وأنت لم لا تنتفها. الباخرزيّ:
بليت بكوسج في عارضيه ... يعزّ «3» الشّعر عزّ الكيمياء
ومهما أجدب الوجنات فاعلم ... بأن لم يسقها ماء الحياء
قيل: من قصرت قامته وصغرت هامته وطالت لحيته، كان حقيقا على المسلمين أن يعزوه على قلّة عقله. جلس أنوشروان يوما للمظالم فأقبل إليه رجل قصير قائلا: أنا مظلوم قصير. فقال أنوشروان: القصير لا يظلمه أحد. فقال:
أيها الملك من ظلمني أقصر مني. فضحك وأمر بإنصافه. قال للقمان الحكيم سيده: اذبح لي شاة وائتني بأطيب مضغتين فيها، فأتاه باللسان والقلب، فسكت عنه ثم أمره أن يذبح شاة وقال: ألق أخبث مضغتين منها، فرمى بالقلب واللسان
(1/371)

وقال: إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا.
أبو اليمان: كان عندنا شيخ يزعمون أنه يعرف اسم الله الأعظم فسألته فقال لي: يا بن أخي أتعرف قلبك؟ قلت: نعم. قال: إذا رأيته قد رقّ وأقبل فسل الله حاجتك فذاك اسم الله الأعظم. بكر بن عبد الله: رحم الله امرأ كان قويا فأعمل قوته في طاعة الله أو كان ضعيفا فكفّ ضعفه عن معصية الله. وقال بزرجمهر: من يقو فليقو على طاعة الله، ومن ضعف فليضعف عن محارم الله.
(1/372)

الروضة التاسعة والثلاثون في العشق والمحبة والهوى
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من عشق فعفّ وكتم ثم مات مات شهيدا» . يحيى بن معاذ الرازي: لو أمرني الله أن أقسم العذاب بين العباد ما قسمت للعاشقين عذابا. قال محمد بن عبد الله بن طاهر لأولاده: عفّوا تشرفوا، واعشقوا تظرفوا. يقال:
أوّل العشق النظر وأوّل الحريق الشرر. قيل:
أذني لبعض نساء الحيّ عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
سأل الرشيد رجلا: ما أشدّ ما يكون من العشق؟ قال: أن يكون ريح البصل من محبوبه أحبّ إليه من ريح المسك من غيره. أعرابية في وصف العشق:
خفي أن يرى وجلّ «1» أن يخفى، فهو كامن ككمون النار في الحجر، إن قدحته وري «2» وإن تركته توارى، وإن لم يكن شعبة من الجنون فهو عصارة السحر.
الحكماء: العشق طائر لا يلتقط إلا حبّة القلب. سئل أفلاطون عن العشق فقال:
داء لا يعرض إلا للفرّاغ. بعضهم:
العشق جهل عارض ... صادف قلبا خاليا
وقيل:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكّنا «3»
(1/373)

الباخرزيّ:
تملّكني واختار صدري مسكنا ... ومن عادة الملّاك أن يسكنوا الصدرا
وله:
أطلعت يا قمري على بصري ... وجها شغلت بحسنه نظري
ونزلت في قلبي فلا عجب ... فالقلب بعض منازل القمر
الجاحظ: العشق اسم لما فضل عن المحبة كما أنّ السرف اسم لما جاوز الجود، والبخل اسم لما جاوز حدّ الاقتصاد. قيل: أشقى الأشقياء وزراء الأحداث من الملوك وعشاق الفتيان من الشيوخ. وقيل: من جرى مع هواه طلقا «1» جعل للعذل «2» فيه طرقا. وقيل: ليس الأسير من أوثقه عداه، وإنما الأسير من أوبقه «3» هواه. وقيل: أوّل الهوى هون وآخره هون. وقيل: الهوى كالنار إذا أحكم إيقادها عسر إخمادها، وكالسيول إذا اتصل مدّها تعذّر صدّها.
الأصمعيّ: سألت من عذريّ «4» : ما لكم إذا عشقتم تموتون؟ قال: في رجالنا خفّة وفي نسائنا عفّة. قيل لبني عذرة: ما بال قلوبكم كأنها قلوب الطير؟
تنماس «5» كما ينماس الملح في الماء! فقالوا: إنا ننظر من محاجر العين وأنتم لا تنظرون إليها. وقيل لأعرابيّ منهم: ممن أنت؟ قال: من قوم إذا أحبّوا ماتوا.
فقالت جارية: هذا عذريّ وربّ الكعبة. البستيّ:
(1/374)

خذوا بدمي هذا الغلام فإنّه ... رماني بسهمي مقلتيه على عمد
ولا تقتلوه إنما أنا عبده ... ولم أر حرّا قطّ يقتل بالعبد
وأنشد بعض الحنفيّة لردّه:
خذوا بدمي من رام قتلي بلحظه ... ولم يخش بطش الله في قاتل العمد
وقودوا به جبرا وإن كنت عبده ... ليعلم أنّ الحرّ يقتل بالعبد
وقيل:
عيناه أعانتا على سفك دمي ... لكن شفتاه شفّتا عن سقمي «1»
مذ حين مشت إلى هواه قدمي ... فالدمع مدامتي نديمي ندمي
وقيل:
علامة من كان الهوى في فؤاده ... إذا لقي المحبوب أن يتغيّرا
زارت عبيدة الريحانيّ جارية كان يهواها وعنده إخوانه فحان وقت الظهر، فبادروا إلى الصلاة وهما يتحدّثان فأطالا حتى كادت الصلاة تفوت، فقيل: يا أبا الحسن الصلاة، فقال: رويدكم حتى تزول الشمس. أي حتى تذهب الجارية.
يقال: ناط حبّها بقلبي نائط «2» وساط «3» بدمي سائط. كان لسليمان بن عبد الملك غلام وجارية يتحابّان فكتب إليها الغلام:
ولقد رأيتك في المنام كأنّما ... عاطيتني من ريق فيك البارد
(1/375)

وكأنّ كفّك في يدي وكأننا ... بتنا جميعا في فراش واحد
فطفقت يومي كلّه متراقدا ... لأراك في نومي ولست براقد
فأجابته:
خيرا رأيت وكل ما عاينته ... ستناله مني برغم الحاسد
إني لأرجو أن تكون معانقي ... فتبيت مني فوق ثدي ناهد
وأراك بين خلاخلي ودمالجي ... وأراك بين مداخلي ومجاسدي «1»
فبلغ ذلك سليمان فأنكحهما وأحسن جهازهما.
مرّ مالك بن دينار بدار ليلا وإذا قائل يقول:
يا سيدي قد جاءك المذنب ... يرجو الذي يرجوه من يعتب
فاصفح له عن ذنبه منعما ... وهب له منك الذي يطلب
فوقف مالك يتسمع ويبكي والقائل يردّد البيتين بصوت حزين، فلما قارب السحر قال:
يا ناصبا مقلته فتنة ... إليك من مقلتك المهرب
فقال مالك: يا فاسق إنّما كان تضرّعك لغير الله، ومضى. أعرابيّ: كنت آتيها عند أهلها فتجهمني «2» بلسانها وترحّب بطرفها. ليلى العامرية:
لم يكن المجنون في حالة ... إلا وقد كنت كما كانا
لكنّه باح بسرّ الهوى ... وإنني قد ذبت كتمانا
(1/376)

المجنون:
تعلقت ليلى وهي بكر صغيرة ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم «1»
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا ... إلى الآن لم نكبر ولم يكبر البهم
قيل لأعرابيّ: ما بلغ بك حبّك لفلانة؟ فقال: إني لأذكرها وبيني وبينها عقبة الطائف فأجد من ذلك رائحة المسك. ابن مرخية: سألت سعيد بن المسيّب وكان مفتي المدينة: هل في حبّ دهماء وزر؟ فقال: إنما تلام على ما تستطيع من الأمر.
قيل:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... كم زاد باللوم للمشتاق أهواء
قيل: النهي عن الشيء داع إلى تعاطيه، واستدلّ على ذلك بفعل آدم وحوّاء نهيا عن الشجرة. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «لو نهي الناس عن فتّ البعر فتّوه وقالوا: ما نهينا عنه إلا وفيه شيء» . قيل: من عذل عاشقا زمّر في است ميت ليطرب.
بعضهم: عذلك لا ينفع وكلامك لا يسمع.
قيل: المرأة تكتم الحبّ أربعين سنة ولا تكتم البغض يوما واحدا. قيل:
لا شيء أصيد لامرأة ولا أذهب لعفّتها من أن يحيط علمها بأنّ رجلا أحبّها. ابن داود: من كثرت لحظاته، دامت حسراته.
أبو حاتم:
أبرزوا وجهه الجم ... يل ولاموا من افتتن
لو أرادوا عفافنا ... ستروا وجهه الحسن
(1/377)

آخر:
وأنت إذا أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كلّه أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر
أبو الفتح:
لا ترمينّ إلى الحسان بنظرة ... إني أراها آفة الألباب
إني رأيت الكلب أسرعه عمّى ... ما كان مسكنه لدى القصّاب
بعضهم: لأن يرى ألف رجل امرأتي أسهل عندي من أن ترى امرأتي رجلا.
الحسن: النظر إلى الوجه الحسن عبادة. قيل: النظر إلى الماء والخضرة والوجه الحسن يزيد في العقل ونور البصر. حكماء الهند: اللحظ ترجمان القلب، واللسان ترجمان اليد. وقيل: اللحظ يقرب من اللفظ. وقيل: ربّ طرف أفصح من لسان. قيل: المكاتبة دلالة المحبة. محمد بن الجهم: أنعم عليّ بكتاب فهو لسان من اعترضته العوائق عن المشاهدة والمحادثة.
قال رجل لآخر: إني أحبّك، فقال: رائد ذلك عندي. وقال رجل لعبد الله ابن جعفر: إنّ فلانا يقول: إنّي أحبّك فبم أعلم صدقه؟ فقال: استخبر قلبك فإن كنت تودّه فإنه يودّك. قيل:
وعلى القلوب من القلوب دلائل ... بالودّ قبل تشاهد الأشباح
قال الإسكندر لأفلاطون وقد أراد سفرا: أرشدني. فقال: لا تملأن قلبك محبة لشيء ولا يستولينّ عليك بغضة، واجعلهما قصدا، فالقلب كاسمه يتقلّب.
عليّ رضي الله عنه: أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما. عائشة رضي الله
(1/378)

عنها: جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها. يحيى بن خالد قال لأولاده: إذا كرهتم الرجل من غير سوء أتاه فاحذروه، وإذا أحببتم الرجل من غير سبق خير منه إليكم فارجوه. قيل:
لا أسأل الناس عمّا في ضمائرهم ... ما في ضميري لهم من ذاك يكفيني
وقيل:
وقالوا قد صفت منا قلوب ... وقد صدقوا ولكن من ودادي
وقيل في بعض أهل الكياسة:
بصير بأعقاب الأمور كأنه ... يرى بصواب الرأي ما هو واقع
أراد أنوشروان أن يصيّر ابنه هرمز وليّ عهده، فاستشار وزراءه، فذكر كلّ وزير عيبا، قال بعضهم: قصير، فقال: لا يرى إلا راكبا أو جالسا. وقال بعضهم: أمّه روميّة، فقال: الأبناء ينسبون إلى الآباء. فقال الموبذ «1» : هو مبغّض إلى الناس، فقال: العيب عندي هذا. قيل: من كان له عيب، ولا يكون ذلك العيب بغض الناس له، فلا عيب له. قال الأحنف يوما: فقير صدوق خير من غنيّ كذوب. فقال بعض أصحابه: ووضيع محبب خير من رفيع مبغّض. فقال: هذه إلى هذه. قيل: المرأة إذا أحبّتك آذتك، وإذا أبغضتك خانتك. وقيل: حبّها أذى وبغضها داء بلا دواء. قال رجل ليوسف عليه السّلام: إني أحبّك. فقال: ما رأيت من الحبّ خيرا، أحبّني أبي فألقيت في الجبّ، وأحبّتني امرأة العزيز فألقيت في السجن، فأعفني عافاك الله. قال ناصبيّ «2» لرافضيّ «3» : أتحبّ عائشة؟ فقال الرافضيّ: أترضى أن أحبّ امرأتك؟
(1/379)

قال: لا، قال: فلم ترى لائقا لحرم الرسول صلّى الله عليه وسلّم ما لا ترضى لحرمك.
العرب: تزعم أنّ من خدرت رجله فذكر محبوبه سكن الخدر. قيل:
إذا خدرت رجلي أبوح بذكره ... ليذهب عن رجلي الخدور ويذهب
ويقولون: من اختلج عينه أبصر محبوبه.
كتب بعضهم في عذر ترك توديع محبوبه: ما أعرضت عن تشييعك إلا استفظاعا لتوديعك، وما تركت توديعك إلا كراهية تجديد العهد بفراقك. جعفر الصادق: إذا شيّعت فأقصر، وإذا تلقّيت فأمعن. قيل: قطيعة الوصال قطع الأوصال. كتب بعضهم: ودّعت قلبي يوم توديعك، فهو يتصرّف بتصرّفك وينصرف بمنصرفك. قيل لصوفيّ: لم تصفرّ الشمس عند الغروب؟ فقال:
حذر الفراق. قيل: ما أكثر صدع الفراق، بين الرفاق!. وقيل: بكفّ الفرقة، نار الحرقة. قيل: الجنة أثر من آثار الوصال، والنار شرارة من حرارة الانفصال. الرشيد: كان يهوى جارية فتغاضبا فأمر جعفر العباس بن الأحنف أن يعمل فيه شيئا، فأنشد:
راجع أحبّتك الذين هجرتهم ... إنّ المتيّم قلّما يتجنّب
إن التجنّب إن تطاول منكما ... دبّ السلوّ له فعزّ المطلب
وأمر إبراهيم الموصلي فغنّى به عند الرشيد، فأرضاها الرشيد، فأمرت لكلّ من العباس وإبراهيم بعشرة آلاف، وأمر الرشيد لكلّ منهما بأربعين ألفا.
الباخرزيّ:
وربّ نهار للفراق أصيله ... ووجهي كلا لونيهما متناسب
وله:
أيحسن في المروءة أن أسيرا ... وأترك عندكم قلبي أسيرا
(1/380)

وله:
أضنى الهوى جسدي وأكسف بالي ... وحرمت وضل الشادن الطبّال
رمت الوصال فقال أمر هيّن ... لكنّ كيسك مثل طبلي خالي
عباس بن الأحنف:
تحمل عظيم الذنب ممن تحبّه ... وإن كنت مظلوما فقل أنا ظالم
فإنّك إن لم تغفر الذنب في الهوى ... يفارقك من تهوى وأنفك راغم
ابن الفصيح:
زار الحبيب فحيّا ... يا حسن ذاك المحيّا
من صدّه كنت ميتا ... من وصله عدت حيّا
سار إلى الحسن صديق له يريد توديعه، فأنشده الحسن:
وما الدهر إلا هكذا فاصطبر له ... رزية مال أو فراق حبيب
ذكر أعرابيّ امرأة فقال: كاد الغزال يكونها لولا ما تمّ منها ونقص منه.
بعضهم: ما كانت أيامي معها إلا كأباهيم القطا قصرا ثم طالت بعدها شوقا إليها وأسفا عليها. قيل: من تمّ سروره قصرت شهوره. وقيل:
ألا إنّ أيام البلاء على الفتى ... طوال وأيام السرور قصار
قيل: سنة الوصل سنة، وسنة الهجر سنة. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «حبّك للشيء يعمي ويصمّ» أي يعمي عن الرشد ويصمّ عن الوعظ. قيل:
إنّ المحبّ عن العذّال في صمم «1»
(1/381)

قال معاوية: لولا (يزيد) لأبصرت رشدي. قيل:
ولست براء عيب ذي الودّ كلّه ... ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا
وعين الرضى عن كلّ عيب كليلة ... كما أنّ عين السخط تبدي المساويا
وقيل:
وعين البغض تبرز كلّ عيب ... وعين الحبّ لا تجد العيوبا
وقيل:
إنّ البغيض وإن تملّح جهده ... سمج ومنظر من تحبّ مليح
وقيل:
وللبغض عين لا تزال عبوسة ... وعين الرضى مكحولة بالتبسّم
وقيل:
ويقبح من سواك الفعل عندي ... فتفعله فيحسن منك ذاكا
ليم محمد بن سكّرة بحبّه غلاما أعرج، فأنشد:
قالوا بليت بأعرج فأجبتهم ... العيب يحدث في غصون البان
إنّي أحبّ حديثه وأريده ... للنوم لا للجري في الميدان
وأنشد بعد التحائه:
قالوا التحى وستسلو عنه قلت لهم ... هل يحسن الروض ما لم يطلع الزهر
هل التحى طرفه الساجي فأهجره ... أم هل تزحزح عن أجفانه الحور
وقيل:
وموت الفتى خير له من صبابة ... إذا كان ذا حالين يصبو ولا يصبي
ويستظرف قول المتنبي:
(1/382)

أنت الحبيب ولكني أعوذ به ... من أن أكون محبّا غير محبوب
المنصور: قال للربيع: سل حاجتك. فقال: حاجتي أن تحبّ الفضل ابني. قال: ما سبب المحبّة؟ قال: أن تفضل عليه فإذن أحبّك وإذا أحبّك أحببته. فقال: لم اخترت المحبة من الأشياء؟ فقال: إذا أحببته صغر عندك كبير إساءته، وكبر صغير إحسانه، وصارت ذنوبه كذنوب الصبيان، وحاجته إليك حاجة الشفيع العريان. يقال: التنقل من خلة إلى خلّة كالتنقل من ملّة إلى ملّة.
بعض الأكابر: كان الهوى فيما مضى أن يسرّ أحدهم بلبان مضغته حبيبته، كما قيل:
ولو كنت ميتا قيل دفني وجاءني ... لبان بريق الحبّ قد صار معجونا
وأدخل ذاك العلك بالريق في فمي ... لقمت به حيّا ولو كنت مدفونا
أو بسواك استاكت به. وقيل:
ولو أنّ السّواك أتى بريق ... من المحبوب يهدى لي كفاني
واليوم يطلب أحدهم الخلوة الصحيحة كأنه أشهد على نكاحها أبا سعيد وأبا هريرة. قيل:
لم يخلق الرحمن أحسن منظرا ... من عاشقين على فراش واحد
وقيل:
لا شيء أطيب في الدنيا وساكنها ... من وامق قد خلا يوما بموموق «1»
وقيل:
ما لذّة أكمل في طيبها ... من قبلة في إثرها عضّه
(1/383)

ابن الخطيب:
وشادن في الوصال جادلنا ... وعند نيل المراد جادلنا «1»
وبرقع الحسن قد أماط لنا ... سألته قبلة فماطلنا
قيل: من أمات شهوته، أحيا مروءته. وقيل: من عفّت أطرافه حسنت أوصافه.
عليّ رضي الله عنه: قبلة الولد رحمة، وقبلة المرأة شهوة، وقبلة الوالدين عبادة، وقبلة الأخ رقّة. وزاد الحسن فقال: وقبلة الإمام العادل طاعة. قلت:
وقبلة يد العالم العامل والوليّ الصالح الكامل خير وبركة. قيل: قبلة المؤمن المؤمن المصافحة، وقبلة الرجل زوجته في الفم محبة، وقبلة الوالد الولد في الرأس «2» ، وقبلة الأمّ الابن في الخدّ شفقة.
(1/384)

الروضة الأربعون في العجز والكسل والبلادة والتواني والنسيان
عليّ رضي الله عنه: من أطاع التواني ضيّع الحقوق. كتب على عصا ساسان: الحركة بركة، والتواني مهلكة، والكسل شؤم، والأمل زاد الفجرة، وكلب طائف خير من أسد رابض، ومن لم يحترف لم يعتلف. وقيل: من طلب جلب ومن جال نال. وقيل: ما اشتار العسل من اختار الكسل. ويقال:
عليك بالإقدام ولو على الضرغام، فإن جراءة الجنان تنطق اللسان وتطلق العنان.
أبو إسماعيل:
إنّ العلا حدّثتني وهي صادقة ... فيما تحدّث أن العزّ في النّقل «1»
لو كان في شرف المأوى بلوغ علا ... لم تبرح الشمس يوما دارة الحمل
في المثل: من جسر أيسر، ومن هاب خاب. أبو مسلم لقوّاده: عليكم بالجراءة فإنها من أسباب الظفر. قيل لعليّ: بم غلبت الأقران؟ فقال: بتمكين هيبتي في قلوبهم. العرب: الشجاعة وقاية، والجبن مقتلة، فاعتبروا، إنّ المقتول مدبرا أكثر من المقتول مقبلا. بعض الشجعان لرفيقه: اشدد قلبك فقد أقبل العدوّ، فقال: كلّما شددته استرخى. ابن السكيت:
نفسي تروم أمورا لست مدركها ... ما دمت أحذر ما يأتي به القدر
(1/385)

ليس ارتحالك في كسب الغنى سفرا ... لكن مقامك في ضرّ هو السفر
وقيل: من العجز والتواني نتجت الفاقة. أعرابيّ: العاجز هو الشابّ القليل الحلية والملازم للحليلة.
الحريريّ رحمه الله: لا تسثقلنّ الرحلة ولا تستكرهنّ النقلة، فإنّ أعلام شريعتنا وأشياخ عشيرتنا أجمعوا على أنّ الحركة بركة، والطراوة سفتجة «1» ، وذرّوا «2» على من زعم أن الغربة كربة والنّقلة مثلة «3» ، وقالوا: هي تعلّة من اقتنع بالرذيلة، ورضي بالحشف «4» وسوء الكيلة. قيل:
نيل المعالي وحبّ الأهل والوطن ... ضدّان ما اجتمعا للمرء في قرن
يقال: فلان يخدعه الشيطان عن العزم فيمثّل له التواني في صورة التوكّل ويورثه الهوينى بإحالته على القدر. أبو بكر رضي الله عنه:
العجز عن درك الإدراك إدراك ... والبحث عن سرّ ذات الربّ إشراك
محمد الشهرستاني:
لقد طفت في تلك المعاهد كلّها ... وسيّرت طرفي بين تلك العوالم
فلم أر إلّا واضعا كفّ حائر ... على ذقنه أو قارعا سنّ نادم
أبو عليّ:
اعتصام الورى بمغفرتك ... عجز الواصفون عن صفتك
تب علينا فإننا بشر ... ما عرفناك حقّ معرفتك
(1/386)

قيل: فاز بالدرّ غائصه، وحاز بالصيد قانصه. قيل: من دام كسله خاب أمله. سئل بعض البرامكة عن سبب زوال دولتهم، قال: نوم الغدوات وشرب العشيات. الحكماء: الحزم أسدّ الآراء والغفلة أضرّ الأعداء. من قعد عن حيلته أقامته الشدائد، ومن نام عن عدوّه نبّهته المكايد.
من أعجبته آراؤه غلبته أعداؤه، من استضعف عدوّه اغترّ ومن اغترّ ظفر به.
أفراسياب: من ادّرع الحزم أمن سهام المكايد. قيل: أول الحزم المشورة.
سأل ابن الهيثم من بعض العقلاء: من يشير «1» معاوية في هذه القضية؟ قيل:
عمرو بن العاص، فقال: من يشير عليا؟ قيل: هو مستبدّ برأيه، فقال: إن المستشير لمنجح والمستبدّ مكبّ، والله لقد نالها معاوية. بشّار:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستشر ... بحزم نصيح أو نصيحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإنّ الخوافي قوّة للقوادم
بعضهم:
لقد جلب الفراغ عليك شغلا ... وأسباب البلاء من الفراغ
حكيم: من دلائل العجز كثرة الإحالة على القدر. الحسن: إنّ أشدّ الناس صراخا يوم القيامة رجل سنّ سنّة ضلالة فاتّبع عليها، ورجل فارغ مكفيّ قد استعان بنعم الله على معاصيه. قيل لسهل بن هارون: خادم القوم سيّدهم، فقال: هذا من أخبار الكسالى. يقال: الخيبة نتيجة مقدّمتين: الكسل والفشل، وثمرة شجرتين: الضجر والملل، والسآمة من أخلاق العامة لا من أخلاق
(1/387)

السامة «1» . الحكماء: أبرّ الملوك بأسلافهم من تمّ به سعيهم. قيل: الحرمان شعاره الكسل، ودثاره التسويف والعلل. قيل: الكسل باب الخصاصة «2» .
الكسلان إذا أرسلته إلى حاجة يكهن «3» عليك. طاهر بن فضل: الكسلان منجّم والبخيل طبيب.
إنّ الهوينى تورث الهوانا ... يدعى بها معتادها كسلانا
أبو بكر الخوارزميّ:
لا تصحب الكسلان في حالاته ... كم صالح بفساد آخر يفسد
عدوى البليد إلى الجليد سريعة ... والجمر يوضع في الرماد فيخمد
لقمان: يا بنيّ إيّاك والكسل والضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤدّ حقّا وإذا ضجرت تصير على حمق. بعضهم: الكسل أحلى من العسل. قيل:
إنّ البطالة والكسل ... أحلى مذاقا من عسل
إن لم تصدّقني فسل ... من كان قبلي قد كسل
وقيل في عكسه:
ليس البطالة والكسل ... بالجالبين لك العسل
فانصب فإن الله قد ... حثّ المطيع على العمل
ابن السماك: جلاء القلوب استماع الحكمة، وصدؤها الملالة والفتور.
المأمون: إنّ النفس لتملّ الراحة كما تملّ التعب.
(1/388)

عمر رضي الله عنه: إني لأكره أن أرى أحدكم فارغا سبهللا «1» لا في عمل دنياه ولا في عمل آخرته. قيل: إن كان الشغل مجهدة فإن الفراغ مفسدة. عليّ رضي الله عنه: عشر تورث النسيان: كثرة الهمّ، والحجامة في النقرة، والبول في الماء الراكد، وأكل التفاح الحامض، وأكل الكزبرة، وأكل سؤر الفأر، وقراءة ألواح القبور، والنظر إلى المصلوب، والمشي بين الجملين المقطورين، وإلقاء القمل حيّا. قلت: والمشي حافيا على النجاسة، والجلوس على مكانها ولو أزيلت، والأكل على الجنابة، وعدم التسمية قبل دخول الخلاء، وإدمان استعمال القوابض «2» .، وأكل لحم الفرس فإنه يورث البلادة، وكذلك إدمان أكل لحم الجمل ومخّ التيس الكبير. قال العلامة: يا إنسان عادتك النسيان، أذكر الناس ناسي، وأرقّ القلوب قاسي. أبو الفتح البستيّ: في الاعتذار من النسيان إلى بعض الرؤساء:
يا أكثر الناس إحسانا إلى الناس ... يا أحسن الخلق إعراضا عن الباس
نسيت وعدك والنسيان مغتفر ... فاغفر فأوّل ناس أول الناس
الخليل: كان يتردّد إليّ شخص بليد يتعلّم العروض ولم يعلق بخاطره منه شيء، فقلت له يوما: قطّع هذا البيت:
إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
فشرع في تقطيعه ثم نهض ولم يعد، فعجبت من فطنته مع بلادته. يقال:
هذا أمر يضيق به فضاؤك وتسقط كسفا «3» سماؤك. كان رجل ينسى أسماء
(1/389)

مماليكه فقال: اشتروا لي غلاما له اسم مشهور فلا أنساه، فاشتروا له غلاما وقالوا: اسمه واقد، فقال: هذا اسم لا أنساه اجلس يا فرقد. قالت العرب:
عقرة العلم النسيان. وفي الحديث: «آفة العلم النسيان» .
(1/390)

الروضة الحادية والأربعون في التعجب
عن عليّ بن أبي ربيعة: شهدت عليا رضي الله عنه قد أتي له بدابّة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال:
الحمد لله الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ
«1» ، ثم قال: الحمد لله والله أكبر، ثلاث مرات، ثم قال: سبحانك إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي
«2» فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك فقلت: يا أمير المؤمنين من أيّ شيء تضحك؟ قال: «رأيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فعل ما فعلت أنا ثم ضحك، فقلت يا رسول الله من أيّ شيء تضحك؟ قال: إن ربك يعجب من عبده إذا قال:
اغفر لي ذنوبي وهو يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيره» . وعنه صلّى الله عليه وسلّم: «يعجب ربّكم من شابّ ليس له صبوة «3» » . الخليل: أنشد في بعض البخلاء:
لا تعجبنّ لخبز زلّ عن يده ... فالكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا
عليّ رضي الله عنه: عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذي هرب منه ويفوته الغنى الذي إياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء، وعجبت للمستكبر الذي كان بالأمس نطفة ويكون غدا جيفة، وعجبت لمن شكّ في الله وهو يرى خلقه، وعجبت لمن نسي الموت وهو يرى من يموت، وعجبت لمن أنكر النشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى، وعجبت
(1/391)

لعامر دار الفناء وتارك دار البقاء. قيل:
لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر
البيضاويّ: عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم: «من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلّا بالله، لم يضرّه» . قيل لبحّار: ما أعجب ما رأيت من عجائب البحر؟
فقال: سلامتي منه.
ركب نحويّ سفينة فقال للملّاح: أتعرف النحو؟ قال: لا، قال: ذهب نصف عمرك. فهاجت الريح واضطربت السفينة فقال له الملاح: أتعرف السباحة؟ قال لا، قال: ذهب كل عمرك. ركب أعرابيّ البحر فرأى في أمواجه الأهوال، ثم ركبه مرّة أخرى وهو ساكن فقال: لا يغرّني حلمك. قيل: كانت حيّة نائمة فوق حزمة شوك فحملها السيل فنظر إليها الثعلب فقال: مثل هذه السفينة لا يصلح لها إلا مثل هذا الملاح. قيل لبزرجمهر: من أعلم الناس بالدنيا؟ فقال: أقلّهم منها تعجّبا. قيل:
الدهر فيه لمن تعجّب عبرة وعجائب
يقال: النجيب ابن النجيب، هذا شيء عجيب.
وأرى النجابة لا يكون تمامها ... لنجيب قوم ليس بابن نجيب
قيل: الكرم التبرّع قبل السؤال. السّفاح: من شدّد نفّر ومن لان تألّف والتغافل من أخلاق الكرام. وقيل:
ليس الغبيّ بسيّد في قومه ... لكنّ سيد قومه المتغابي
كتب أبو الفتح البستيّ وزير السلطان سبكتكين في وصية سبكتكين لابنه السلطان محمود: اجعل وزيرك من كان له فضل وأصل، فإن كان فاضلا غير أصيل فاجعل بالتدريج.
(1/392)

الروضة الثانية والأربعون في الظلم والبغي والأذى
جابر رضي الله عنه رفعه: «من اقتطع شيئا من مال امرىء مسلم بيمينه حرّم الله عليه الجنة، فقالوا: يا رسول الله وإن كان شيئا يسيرا؟ قال: وإن كان قضيبا من أراك» . ابن عمر رضي الله عنهما رفعه: «لردّ دانق من حرام يعدل عند الله سبعين حجة مبرورة» . عليّ رضي الله عنه: «يقول الله تعالى: اشتدّ غضبي على من ظلم من لا يجد ناصر غيري» . يقال: الظلم يجلب النّقم ويسلب النّعم. المتنبي:
الظلم من خلق النفوس فإن تجد ... ذا عفّة فلعلّة لا يظلم
قيل: الظلم قاطع الحياة، ومانع النبات. كسرى: الظلم يخرب بيت المظلوم والظالم. وقيل: الظلم أوّله إعراض وآخره انقراض. يقال: إن الله يمهل ولا يهمل. قيل:
جيراننا جار الزمان عليهم ... إذ جار حكمهم على الجيران
غيره:
وما من يد إلّا يد الله فوقها ... وما ظالم إلا سيبلى بظالم
غيره:
والظلم نار فلا تحقر صغيرتها ... فربّ جذوة نار أحرقت بلدا
غيره:
يا ذا الذي ركب الفساد وعنده ... أنّي أسود إذا ركبت فسادا
أضللت رأيك عامدا أو ساهيا ... من ذا الذي ركب الفساد فسادا
(1/393)

أبو ذرّ، رفعه: «يقول الله تعالى: إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما فلا تظالموا» . أوس بن شرحبيل، رفعه: «من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام» . وعنه عليه الصلاة والسّلام:
«من مشى خلف ظالم سبع خطوات فقد أجرم» ، وقال الله تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ
«1» أبصر أبو هريرة رضي الله عنه رجلا يعظ رجلا فقال آخر: دعه فإن الظالم لا يضرّ إلا نفسه، فقال أبو هريرة: كذبت والذي نفسي بيده إنه ليضرّ غيره، حتى إن الحبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم. قيل:
جار الزمان على أهل المروءات ... بكل أعجوبة من جوره آتي
وقيل:
إنّ الكرام قليلة الأعمار ... فهم كنبت الروض في الأنهار
أبو الطيب:
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ... يخلو من الهمّ أخلاهم من الفطن
غيره:
زمان رأينا فيه كلّ العجائب ... وأصبحت الأذناب فوق الذوائب
غيره:
ويلعب ريب الدهر بالحازم الجلد ... كما يلعب الصرّاف بالدرهم الصّلد
غيره:
وقل للأعور الدجّال هذا ... زمانك إن قصدت إلى الخروج
عليّ رضي الله عنه رفعه: «إياكم والظلم فإنه يخرب قلوبكم» . وعنه مرفوعا: «الويل لظالم أهل بيتي عذابهم مع المنافقين في الدرك الأسفل من
(1/394)

النار» . النجاشيّ: الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم. يقال: ثلاثة ترفع عنهم الرحمة عند ثلاثة: المبذّر لماله عند الفاقة، والنهم في الطعام عند الهيضة «1» ، والظالم عند العقوبة. يقال: الشرّ بالشرّ والبادي أظلم والثاني أسلم. يوسف بن أسباط: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحبّ أن يعصى الله في أرضه.
عليّ رضي الله عنه: إيّاك ودعوة المظلوم، فإنما سأل الله حقّه وإن الله لا يمنع من ذي حقّ حقّه. بعض السلف: دعوتان أرجو إحداهما كما أخشى الأخرى:
دعوة مظلوم أعنته، ودعوة ضعيف ظلمته. قيل: من غدر شانه غدره ومن مكر حاق به مكره. أبو العيناء: كانت لي خصماء ظلمة فشكوتهم إلى أحمد بن أبي دواد قلت: قد تظاهروا عليّ فصاروا يدا واحدة فقال: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
«2» فقلت: لهم مكر، فقال: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
«3» فقلت: هم كثيرون، فقال: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ
«4» .
يقال: أقرب الأشياء صرعة الظلوم، وأنفذ السهام دعوة المظلوم، من طال عدوانه زال سلطانه، ومن كثر ظلمه واعتداؤه قرب هلكه وفناؤه. شرّ الناس من ينصر الظلوم ويخذل المظلوم. من ظلم عقّه أولاده، ومن بغى نصر أعداؤه، ومن ساء عزمه رجع إليه سهمه. من جار حكمه أهلكه ظلمه. من قبح ملكه حسن هلكه. أعظم الملوك من قبض نفسه وبسط عدله. أقبح الأشياء سخافة الولاة وظلم القضاة وغفلة السادات. بالراعي تصلح الرعية وبالعدل تملك البريّة.
من عدل في سلطانه استغنى عن أعوانه. الظلم مسلبة للنّعم والبغي مجلبة للنقم.
كان الرشيد قد حبس رجلا فقال الرجل للموكل عليه: قل لأمير
(1/395)

المؤمنين: كل يوم يمضي من نعمتك ينقص من محنتي والأمر قريب والموعد الصراط والحاكم الله. فلمّا بلغ الرشيد خرّ مغشيّا عليه ثم أفاق وأمر بإطلاقه.
بعض مشايخنا: كان من ديدن السلطان بسمرقند الامتحان بنفسه مرّات لطلبة مدرسته المرتبين أعالي وأواسط وأداني، بعد تعيين جماعة كثيرة من العدول الأفاضل غير المدرّسين للامتحان حذرا من الحيف، وكان يعدّ الحيف في الرتبة بين المستعدّين من قبيل الكفر في الدين. مرّ عامر برجل قد صلبه الحجاج فقال: يا ربّ إن حلمك على الظالمين قد أضرّ بالمظلومين فرأى في منامه أن القيامة قد قامت وكأنه دخل الجنة فرأى المصلوب فيها في أعلى عليين فإذا مناد ينادي: حلمي على الظالمين أحلّ المظلومين في أعلى عليين. كان رجل ظالم مسمّى بالعلاء واليا على مازندران وقد خرج الناس يوما إلى الاستسقاء فلما فرغ الإمام من الصلاة صعد على المنبر ورفع يده للدعاء وقال: اللهمّ ادفع عنّا البلاء والوباء والغلاء، وفي المجلس أعرابيّ رأى ظلما منه فقام وقال: والعلاء والعلاء. قيل:
وراعي الشاء يحمي الذئب عنها ... فكيف إذا الرّعاء لها ذئاب «1»
وقيل:
أوتيت ملكا لترعانا فتأكلنا ... أكل الذئاب أذئب أنت أم راعي؟
لقي ملكشاه رجلا يبكي فسأله فقال: ابتعت بطيخا فأخذوه مني وكان في أول قدوم البطيخ، فقال لبعض غلمان: إن نفسي قد تاقت إلى البطيخ فطف في العسكر، فعاد ومعه بطيخ فأحضر من وجد عنده وكان أميرا فقال: من أين لك هذا؟ فقال: جاء به الغلمان، فقال: أحضرهم الساعة، فعرف الأمير القصة فغيّبهم وعاد قائلا: ما وجدتهم. فقال ملكشاه لصاحب البطيخ: هذا مملوكي قد
(1/396)

وهبته لك والله لئن خلّيته لأضربنّ عنقك، فأخذه الرجل وانصرف، فاشترى الأمير نفسه منه بثلاثمائة دينار، فعاد الرجل إلى الملك فقال: بعت مملوكي، فقال: أرضيت، قال نعم، قال فامض مع السلامة.
عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أسرع الخير ثوابا صلة الرحم وأعجل الشرّ عقوبة البغي» .
وعنه صلّى الله عليه وسلّم: «آفة الشجاعة البغي» . قيل: ما اجتمع الملك والبغي على سرير إلا خلق. قيل: ما أعطى البغي أحدا شيئا إلا أخذ منه أضعافه. قيل: سمين البغي مهزول ووالي الغدر معزول وجيش العدوان مفلول وعرش الطغيان مثلول. فيروز ابن يزدجرد: من سلّ سيف البغي قتل به، ومن أوقد نار الفتنة كان وقودا لها.
عن ابن عباس: لو بغى جبل على جبل لدكّ الباغي. يقال: الباغي هدف التبار ومثل الاعتبار. عليّ رضي الله عنه: من خان سلطانه أبطل أمانه.
دخل بعض الخوارج على المأمون فقال له المأمون: ما حملك على الخلاف؟ قال: كتاب الله إذ يقول: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
«1» . قال: وما دليلك على تنزيله؟ قال: الإجماع. قال: فكما رضيت بالإجماع في التنزيل فارض به في التأويل. فقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين. قدم ابن أبي جهل المدينة فجعل يمرّ في الطريق فيقول الناس: هذا ابن أبي جهل، فذكر ذلك لأمّ سلمة فذكرته لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فخطب الناس فقال: «لا تؤذوا الأحياء بسبّ الأموات» . فضيل رحمه الله: والله لا يحلّ لك أن تؤذي كلبا ولا خنزيرا بغير حقّ فكيف أن تؤذي مسلما؟ أبو هريرة رضي الله عنه: قال أبو القاسم صلّى الله عليه وسلّم: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه وإن كان أخاه لأبيه وأمّه» . وعنه رضي الله عنه قلت: «يا رسول الله علّمني شيئا أنتفع، قال: أزل الأذى عن الطريق» .
(1/397)

الروضة الثالثة والأربعون في الأسماء والكنى والألقاب
عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما من بيت فيه اسم محمد إلّا وسّع الله عليهم الرزق، فإذا سميتموهم محمدا فلا تضربوهم ولا تشتموهم، ومن ولد له ثلاثة ذكور فلم يسمّ أحدهم أحمد أو محمدا فقد جفاني» . دعا بعض القرّاء بعض الخلفاء باسمه فغضب وقال: أين الكنية؟ قال: إن الله تعالى ذكر أحبّ عباده إليه باسمه وأبغضهم بكنيته، حيث قال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ
«1» وقال: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
«2» . كانت العرب إذا ولد لأحدهم أوّل مولود يكنّى به وكذا امرأته. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ما بعث الله رسولا إلا كان حسن الوجه حسن الاسم حسن الصوت» . عليّ رضي الله عنه: ما اجتمع قوم في مشورة فلم يدخلوا فيها من اسمه محمد إلّا لم يبارك لهم فيها. ابن أبي ليلى: أحبّ الأسماء إلى الله تعالى ما فيه الإقرار بالعبودية. عليّ رضي الله عنه، رفعه: «إذا سمّيتم الولد محمدا فأكرموه ووسّعوا له في المجلس ولا تقبّحوا له وجها» .
أنس رضي الله عنه: عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من رفع قرطاسا من الأرض مكتوبا عليه بسم الله الرحمن الرحيم، إجلالا له ولاسمه عن أن يداس كان عند الله من الصديقين وخفّف عن والديه وإن كانا مشركين» . عن عائشة رضي الله عنها، قالت لخياط يخيط لها: أسمّيت حين ضربت بإبرتك؟ قال: لا، قالت: فافتق
(1/398)

ما خطت. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يردّ دعاء أوّله بسم الله الرحمن الرحيم، فإنّ أمّتي يأتون يوم القيامة وهم يقولون بسم الله الرحمن الرحيم فتثقل حسناتهم في الميزان، فتقول الأمم: ما أرجح موازين أمّة محمد صلّى الله عليه وسلّم، فتقول الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم: إنّ ابتداء كلامهم ثلاثة أسماء من أسماء الله تعالى، لو وضعت في كفّة الميزان ووضعت سيّئات الخلق في كفّة أخرى لرجحت حسناتهم» . يقال: اسم الله الأعظم الحيّ القيوم، وقيل: ذو الجلال والإكرام، وعن الحسن: الله والرحمن. ولد معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وعبد الله عند معاوية بالشام، فسأله معاوية أن يسميه باسمه ودفع إليه خمسمائة ألف درهم وقال: اشتر بها لسميّي ضيعة.
وينبغي للداخل على الملك أن يتلطّف في مراعاة الأدب، كما حكي أن سعيد ابن مرّة الكنديّ: دخل على معاوية فقال له: أنت سعيد، فقال: أمير المؤمنين السعيد، وأنا ابن مرّة. وقال المأمون للسيد بن أنس: أنت السيد، فقال: أنت السيد وأنا ابن أنس. كان قصيّ بن كلاب يقول: ولد لي أربعة، فسميت اثنين منهم بآلهتي، يعني عبد العزّى وعبد مناف، واثنين بنفسي وبداري، يعني عبد قصيّ وعبد الدار- وهي دار الندوة بناها قصيّ وكانت قريش لا تفصل أمرا ذا بال إلا فيها. دقّ رجل على عمر بن عبيد الباب، فقال: من هذا؟ فقال: أنا، قال: لست أعرف في إخواننا أحدا اسمه أنا. سأل رجل رجلا: ما اسمك؟
قال: بحر، قال: أبو من؟ قال: أبو الفيض، قال: ابن من؟ قال: ابن الفرات، فقال: ما ينبغي لصديقك أن يلقاك إلا في زورق. دقّ رجل على بشار، فقال: من؟ قال: أنا، فقال: يا أنا ادخل. دقّ رجل الباب على الجاحظ، فقال: من؟ قال: أنا، قال: أنت والدقّ سواء. وقال بعضهم في
(1/399)

الجواب: ما أفلح ذو أنا. ذهب رجل إلى باب فدقّه، فقيل: من؟ قال: عبد من الأرض جميعا قبضته والسموات مطويّات بيمينه «1» . فقال رجل: إن نصف المصحف بالباب.
رأى الإسكندر سميّا له لا يزال ينهزم فقال: يا رجل إمّا أن تغيّر اسمك وإمّا أن تغيّر فعلك. مالك بن أنس: عن يحيى بن سعيد أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال يوما:
«من يحلب هذه اللقحة «2» ؟ فقام رجل فقال له: ما اسمك؟ قال: مرّة، قال:
اجلس، فجلس، ثم قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: من.. الخ؟ فقام رجل، فقال: ما اسمك؟ قال: يعيش، قال: احلب، فحلب» . عمر رضي الله عنه: قال لرجل: ما اسمك؟ قال: جمرة، قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب، قال:
من أين؟ قال: من الحرقة، قال: أين تسكن؟ قال: في الحرّة، فقال عمر:
أدرك أهلك فقد احترقوا، فرجع فوجدهم قد احترقوا. أراد عمر رضي الله عنه الاستعانة برجل فسأله عن اسمه فقال: ظالم بن سرّاق، فقال: تظلم أنت ويسرق أبوك، ولم يستعن به. قيل لصبيّ من العرب: من أبوك؟ فقال:
وو وو، لأن اسم أبيه كان كلبا. قال رجل للفرزدق: من أنت؟ قال:
فرزدق، فقال: لا أعرفه إلا فتيتا «3» تأكله نساؤنا، فقال: الحمد لله الذي جعلني في بطون نسائكم.
(1/400)

الروضة الرابعة والأربعون في السفر والغربة وما ناسب ذلك
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «عليكم بالدّلجة «1» فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار» . كعب بن مالك: قلّما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخرج في سفر إلا يوم الخميس. وفي الحديث: «نعوذ بالله من شرّ يوم الأحد، وإياكم والشخوص «2» في يوم الأحد فإنّ له حدّا كحدّ السيف» . قيل: من لزم القرار سيم الصّغار «3» . وقيل:
لقد هنت من طول المقام ومن يقم ... طويلا يهن من بعد ما كان مكرما
وطول مقام الماء في مستقرّه ... يغيّره لونا وريحا ومطعما
غيره:
بلاد الله واسعة الفضاء ... ورزق الله في الدنيا فسيح
فقل للقاعدين على هوان ... إذا ضاقت بكم أرض فسيحوا
أبو الطيب:
هوّن عليك صروف الدهر والزمن ... وعش حميدا بلا همّ ولا حزن
والعزّ في غربة خير لذي أدب ... من المقام بدار الذلّ في الوطن
غيره:
كن للغريب إذا رأيت مساعدا ... فعساك يوما أن تكون غريبا
(1/401)

غيره:
سافر تجد عوضا ممن تفارقه ... وانصب فإنّ اكتساب المجد في النّصب
فالأسد لولا فراق الغاب ما افترست ... والسهم لولا فراق القوس لم يصب
بديع الزمان: الماء إذا طال مكثه ظهر خبثه، وإذا سكن متنه ظهر نتنه، والضعيف يسمج لقاؤه إذا طال ثواؤه، ويثقل ظلّه إذا انتهى محلّه.
عليّ رضي الله عنه: ست من المروءة: ثلاث في الحضر، وثلاث في السفر، فأمّا اللاتي في الحضر: فتلاوة كتاب الله تعالى، وعمارة مسجد الله، واتخاذ الإخوان في الله. وأمّا اللاتي في السفر: فبذل الزاد، وحسن الخلق، والمزاح في غير معاصي الله تعالى. يقال: للمترافقين في السفر ثلاثة حقوق:
إن خاف على نفسه أو ماله صانه، وإن استعان في الأمور أعانه، وإن افتقر إلى زاد مانه «1» . وفي الحضر ثلاثة أخرى: مسامحته بصغائر ذنوبه، ومناصحته في ظاهر عيوبه، وتفخيمه في مشهده وغيوبه، فإن ترقّيا إلى المصادقة يجب عليه قبول الأعذار، والمكاشفة بالأسرار، والمعاونة بالبدن والمال على جلب المسارّ ودفع المضارّ، فإن حصّلا الأقوى وجب إباحة المال بلا استثمار، ومحو الذنوب بلا اعتذار، وحصول أنس لا يتخلّله نفار، وهذا مقام الخلّة. حكيم: السفر ميزان الأخلاق. قيل لرجل: السفر قطعة من العذاب، فقال: بل العذاب قطعة من السفر.
يقال: غمّ الدنيا أربعة: البنت وإن واحدة، والدّين وإن درهما، والغربة وإن يوما، والسؤال وإن حبّة. يقال: الغربة كربة والنّقلة مثلة. قيل:
(1/402)

كل العذاب قطعة من السفر ... يا ربّ فارددني إلى روح الحضر
قيل لابن الأعرابيّ: لم سمّي السفر سفرا؟ فقال: لأنه يسفر عن أخلاق القوم، أي يكشف.
عن ابن عباس رضي الله عنهما: خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلّة. وقيل:
الواحد شيطان والاثنان شيطانان، والثلاثة ركب. سافر أعرابيّ خليع فرجع خائبا فقال: ما ربحنا من سفرنا إلّا ما قصّرنا من صلاتنا. بعض العرب: الغبطة الكفاية مع لزوم الأوطان، والجلوس مع الإخوان، والذلّة التنقّل في البلدان.
والتنحّي عن الأوطان. قيل لأعرابيّ: ما السرور؟ قال: أوبة بغير خيبة، وألفة بغير غيبة. قيل: الغريب كالفرس الذي زايل أرضه «1» وفقد شربه، وهو ذاو «2» لا يسمن. عسرك في بلدك أعزّ من يسرك في غربتك. أعرابيّ: أردت السفر فقلت: إن سافرت في صفر أخاف أن تصفر يدي «3» وإن سافرت في محرّم أخشى أن أحرم، فأخّرته إلى ربيع، وسافرت فمرضت، وكان ظني أنه من ربيع الرياض، فصحّ أنه من ربيع الأمراض. قيل:
لقرب الدار في الإقتار خير ... من العيش الموسّع في اغتراب
يقال: من سعادة جدّك وقوفك عند حدّك. عمر رضي الله عنه: لولا حبّ الوطن لخرب بلد السوء، فبحبّ الأوطان عمرت البلدان. قيل:
لا ينسينّ كريم أرض منشئه ... وليس عندي من ينسى بإنسان
(1/403)

وقيل:
وكيف تنسين أرضا قد جررت بها ... ذيل الصبا والعلا والعيشة الرغد
وقيل:
بلاد بها حلّ الشباب تميمتي ... وأوّل أرض مسّ جلدي ترابها
يقال: ربّ غريب كالبدر الطالع، والكوكب اللامع، يهتدي بضيائهما السائر ويأنس برؤيتهما السامر. أراد أعرابيّ سفرا فقال لامرأته:
عدّي السنين لغيبتي وتصبّري ... وذري الشهور فإنهنّ قصار
فأجابته:
واذكر صبابتنا إليك وشوقنا ... وارحم بناتك إنهنّ صغار
الشافعيّ رضي الله عنه:
تغرّب عن الأوطان في طلب العلا ... وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرّج همّ واكتساب معيشة ... وعلم وآداب وصحبة ماجد
فإن قيل في الأسفار ذلّ ومحنة ... وقطع فياف واحتمال شدائد
فموت الفتى خير له من قعوده ... بدار هوان بين واش وحاسد
أسعد بن إسحاق:
تحوّلت عن تلك الديار وأهلها ... وآثرت قول الشاعر المتمثّل:
إذا كنت في دار يهينك أهلها ... ولم تك مسجونا بها فتحوّل
الزبيدي:
الفقر في أوطاننا غربة ... والمال في الغربة أوطان
(1/404)

والأرض شيء كلها واحد ... والناس إخوان وجيران
إبراهيم الصوليّ:
لا يمنعنّك خفض العيش في دعة ... نزاع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكل بلاد إن حللت ... بها أهلا بأهل وجيرانا بجيران
(1/405)

الروضة الخامسة والأربعون في العبيد والجواري والخدم
كان زيد بن حارثة لخديجة رضي الله عنها، اشتري لها بسوق عكاظ، فوهبته لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فجاء أبو يريد شراءه منه فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن رضي بذلك فعلت» فسئل زيد فقال: ذلّ الرّقّية مع صحبته أحبّ إليّ من عزّ الحرية مع مفارقته، فقال عليه الصلاة والسّلام: «إذا اختارنا اخترناه» فأعتقعه وزوّجه أمّ أيمن وبعدها زينب بنت جحش. عليّ رضي الله عنه: «كان آخر كلام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» . ابن عمر رضي الله عنهما: «جاء رجل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله نعفو عن الخادم، فصمت، ثم أعاد عليه فصمت، فلما كانت الثالثة قال: اعفوا عنه كلّ يوم سبعين مرّة» . كان الحسن بن زياد يكسو مماليكه كما يكسو نفسه اتباعا لقول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ألبسوهم مما تلبسون» .
أراد رجل بيع جاريته فبكت فسألها فقالت: لو ملكت منك ما ملكت منّي ما أخرجتك من يدي، فأعتقها. قيل: شرّ الناس من يبيع الناس. يقال: ثلاثة لا يفلحون: بائع البشر، وقاطع الشجر، وذابح البقر. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «مثل الذي يعتق عند الموت كمثل الذي يهدي إذا شبع» . كان لعثمان بن عفّان عبد فاستشفع بعليّ رضي الله عنه أن يكاتبه، فكاتبه، ثم عاد عثمان بالعبد فقال: إني عركت أذنك فاقتصّ مني، فأخذ بأذنه فقال عثمان: شدّ شدّ يا حبّذا قصاص الدنيا لا قصاص الآخرة. أحمد بن سهل: عزّ الملوك بالمماليك. كان لمحمد بن
(1/406)

سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عباس خمسون ألف مولى، وهو وأخوه جعفر بن سليمان من ملوك بني هاشم وفرسانهم، وقد زوّجه المهديّ بنته العباسة ونقلها إلى البصرة. عليّ رضي الله عنه: اجعل لكلّ إنسان من خدمك عملا تأخذه به فإنه أحرى من أن يتواكلوا في خدمتك. تغدّى سليمان عند يزيد بن المهلّب فقيل له: صف لنا أحسن ما رأيت في منزله، قال: رأيت غلمانه يخدمونه بالإشارة دون القول.
لقمان: لا تأمننّ امرأة على سرّ، ولا تطأ خادمة تريدها للخدمة. طلب معاوية رضي الله عنه جواري فقال: كلّ رائعة من بعيد مليحة من قريب. قيل:
لا تبذل رقّك لمن لا يعرف حقّك. يقال: لزم العبد لسيّده التفويض إليه وترك الاعتراض عليه. يقال: سخط العبد لحكم سيده إنكار لحقّه وفرار من رقّه.
قيل: ما تحقق بالعبودية من لم يسرّه من مولاه ما يضرّه من سواه. يقال: ليس بحرّ من انقاد لشهواته ولا من خدم سوى ذاته. قيل: إذا كانت العبودية خدمة المعبود فأعبد العبيد ثلاثة: الملك والمحبّ والمنعم عليه. والملك أعبد الثلاثة. عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من ولي أمر المسلمين فهو عبد المسلمين. فقال له الأحنف بن قيس لما رآه يهنأ بعيرا «1» : لو أمرت بهذا بعض العبيد، فقال: أيّ عبد أعبد مني؟. يقال: أمران يسلبان من الحرّ كمال الحريّة: قبول البرّ وإفشاء السرّ.
في المثل السائر: لا تفش سرّك إلى أمة ولا تبل على أكمة. يقال: المرأة مؤهلة لبيت تقمّه وطعام ترمّه «2» ومغزل تديره وشبق تسكته وتثيره، فمن أشركها في أمره وأطلعها على سرّه فقد لحق بها. يقال: قلّما تنفع خدمة الجوارح إلا
(1/407)

بخدمة القلب. ماتت للمهديّ جارية فجزع عليها جزعا شديدا، فكتب إليه أبوه:
كيف تجزع على أمة؟ فقال: جزعي لشيمتها لا لقيمتها. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «بئس المال في آخر الزمان المماليك» . مجاهد: إذا كثر الخدم كثر الشياطين.
معاوية: التسلّط على المماليك من لؤم القدرة. ابتاع بعض مشايخي غلاما فقلت: بورك لك فيه، فقال: البركة مع من قدر على خدمة نفسه، فاستغنى عن استخدام غيره، فخفّت مؤنته وهانت تكاليفه وكفي سياسة العبد. أميروس:
التسلّط على المماليك دناءة. وعنه صلّى الله عليه وسلّم: «الحرائر صلاح البيت والإماء هلاكه» . يقال: إذا لم تجد من الخدم إلا من ساء أدبه فاخدم نفسك فإنه يحمل على قلبك بسوء الأدب من الأذى أضعاف ما يرفع عن بدنك بخدمته من العناء.
يقال: لا تسمح لولدك ولا لامرأتك ولا لخادمك بما فوق الكفاية، فإن طاعتهم لك مقرونة بحاجتهم إليك. يقال: اليسار مفسدة للنساء لاستيلاء شهوتهنّ على عقولهنّ. دعا عليّ كرّم الله وجهه غلامه مرات فلم يجبه فنظر فإذا هو بالباب فقال: لم لا تجيبني؟ فقال: لثقتي بحلمك وأمني من عقوبتك، فاستحسن كلامه وأعتقه وقال: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه. يحيى بن أكثم: بتّ ليلة عند المأمون فعطش وقام فشرب بنفسه، وكنت قد قصدت إلى الماء فقال: استخدام الرجل ضيفه لؤم، وأردت إيقاظ الخدم فقال: هم نيام وقد تعبوا في الخدمة وإني أسمعهم في الخلاء يشتمونني وأعفو عنهم. وعنه: جلس المأمون على جانب دجلة عند دخوله إلى بغداد وعنده العلماء والأشراف فإذا بملّاح في سفينة عتيقة يدخل الماء في جوانبها وعليه ثوب خلق «1» وهو يصيح بأعلى صوته: أتظنون أن هذا المأمون ينبل في عيني وقد قتل أخاه الأمين، فسمع وتبسّم والتفت إلينا وقال: ما الحيلة عندكم حتى أنبل في عين هذا السيد الجليل.
(1/408)

الصوليّ: غضب المأمون على رجل فقال: يا أمير المؤمنين إن قديم الخدمة وحديث التوبة يمحوان ما بينهما من الإساءة، فرضي عنه. وقف رجل بين يديه فقال: والله لأقتلنّك، فقال: يا أمير المؤمنين تأنّ عليّ، فقال: قد حلفت، فقال: لأن تلقى الله حانثا خير لك من أن تلقاه قاتلا، فعفا عنه. عبد الله بن طاهر: كنت عند المأمون ثاني اثنين فنادى: يا غلام يا غلام، بأعلى صوته، فدخل غلام تركيّ فقال: ألا ينبغي للغلام أن يأكل أو يشرب أو يتوضأ أو يصلي؟
كلّما خرجنا من عندك تصيح: يا غلام يا غلام، إلى كم يا غلام يا غلام، فنكس رأسه طويلا فما شككت في أنه يأمرني بضرب عنقه، فرفع رأسه وقال: يا عبد الله إن الرجل إذا حسنت أخلاقه ساءت أخلاق خدمه وإذا ساءت أخلاقه حسنت أخلاق خدمه، فلا نستطيع أن نسيء أخلاقنا لتحسين أخلاق خدمنا. قيل ليحيى بن خالد البرمكيّ: لم لا تؤدّب غلمانك؟ فقال: هم أمناؤنا على أنفسنا فإذا أخفناهم كيف نأمنهم؟. عثمان رضي الله عنه: ما ملك رقيقا، من لم يتجرّع بغيظ ريقا.
أكثم: الحرّ حرّ وإن مسّه الضرّ، والعبد عبد وإن مشى على الدرّ. قيل في وصف عبد: غلام يأكل فارها «1» ، ويعمل كارها، ويبغض قوما، ويحبّ نوما.
كان لرجل غلام من أكسل الناس فأمره بشراء عنب وتين فأبطأ حتى نوّط «2» روحه، ثم جاء بأحدهما فضربه وقال: ينبغي لك إذا استقضيتك حاجة أن تقضي حاجتين، ثم مرض فأمره أن يأتي له بطبيب، فجاء به وبرجل آخر، فقال: لم
(1/409)

أتيت بالآخر؟ فقال: أما ضربتني وأمرتني أن أقضي حاجتين في حاجة، فجئتك بالطبيب فإنه رجاؤك، وإلّا حفر هذا، فهذا طبيب وهذا حفّار. كان لإسحاق الموصليّ غلام يسقي من في الدار فقال له يوما: ما حالك؟ قال: يا مولاي ما في الدار أشقى مني ومنك، قال: وكيف؟ قال: أنت تطعمهم وأنا أسقيهم.
هشام بن عبد الملك لزيد بن عليّ: بلغني أنك تطلب الخلافة ولست لها بأهل، فقال: لم؟ قال: لأنك ابن أمة، فقال: لقد كان إسماعيل ابن أمة وإسحاق ابن حرّة، وقد أخرج الله من صلب إسماعيل خير ولد آدم صلّى الله عليه وسلّم.
(1/410)

الروضة السادسة والأربعون في السنّ وطول العمر وقصره والشيخ والشابّ
عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «البركة مع أكابركم» .
وقال: «من بلغ الثمانين من هذه الأمّة حرّمه الله على النار» . وقال: «إن الله يحبّ أبناء الثمانين» . وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا بلغ المرء ثمانين سنة فإنه أسير الله في الأرض تكتب له الحسنات وتمحى عنه السيئات» . الحسن:
أفضل الناس ثوابا يوم القيامة المؤمن المعمّر. عبد الله: كان الرجل فيمن قبلكم لا يحتلم «1» حتى يأتي عليه ثمانون سنة. روي: أن رجلا قال للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
أصابني فقر، فقال: «لعلّك مشيت أمام شيخ «2» » . وعنه صلّى الله عليه وسلّم: «من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن» . وعنه صلّى الله عليه وسلّم: «ثلاثة لا يستخفّ بهم إلا منافق: إمام مقسط، وذو شيبة في الإسلام، وذو علم» . أردشير لابنه: وقّر المشايخ فهم مواطن الوقار ومعادن الآثار ورواة الأخبار وضبطة الأسرار، وإن رأوك في قبيح منعوك وإن لقوك في جميل أيّدوك، وإياك وأغمار الشبّان فهم أهل الصبوة إلى الشهوات. يزيد بن المهلّب لابنه: ليكن جلساؤك ذوي الأسنان «3» فالشباب شعبة من الجنون. مرّ الحسن بشبّان فقال: شوبوا مجلسكم بشيخ.
قيل: من عرف حقّ من فوقه عرف حقّه من دونه. قيل لبعض الشجعان وهو
(1/411)

شيخ: لا بدّ لك من راجلين ليركباك، قال: نعم، وأمّا ألف رجل فلا يقدرون على أن يرجّلوني بعد الركوب. خدم بعض الملوك رجل بمرسوم ثم شاخ ولم يقدر على شيء فعرض للملك فقال: ليعط مرسوم الشيخ كاملا وليطلب لخدمته رجل، فإنه لا يليق للملوك أن ينقصوا عطاءهم عن خدمهم إذا عجزوا عن الخدمة. وهب بن منبه: إن أصغر من مات من ولد آدم عليه السلام ابن مائتي سنة. يحيى بن معاذ: مقدار عمرك في جنب عيش الجنّة كنفس واحد، فإذا ضيّعت نفسك فخسرت عيش الأبد فإنك لمن الخاسرين. عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما: من تمنّى طول العمر فليوطّن نفسه على المصائب. عثمان رضي الله عنه: من طال به الزمان، يرى في نفسه الهوان.
لشيب رأسي بكت عيني ولا عجب ... يجري العيون «1» سقوط الثلج في القلل
عبد العزيز بن أبي روّاد: من لم يتّعظ بثلاث لم يتّعظ بشيء: الإسلام والقرآن والشيب.
يا عامر الدنيا على شيبه ... فيك أعاجيب لمن يعجب
ما عذر من يعمر بنيانها ... وجسمه مستهدم يخرب
شمس الدين البخاريّ:
ألم تستحي من وجه المشيب ... وقد ناجاك بالوعظ المصيب
أراك تعدّ للآمال ذخرا ... فما أعددت للأجل القريب؟
وقيل:
يا شيبتي دومي ولا تترحّلي ... وتيقّني أنّي بوصلك مولع
(1/412)

قد كنت أجزع من حلولك مرّة ... فالآن من حذر ارتحالك أجزع
أعرابيّ: وضع رداء مجونه لما بدا الفجر من ليالي قرونه «1» . قيل لرجل:
ألا تشرب؟ فقال: شيب الرأس مطردة عن الكأس. قيل: الشيب مطيّة الأجل وطريدة الأمل. نظر أبو يزيد قدّس الله سرّه إلى المرآة فقال: ظهر الشيب، ولم يذهب العيب، ولا أدري ما في الغيب. قيل: إنّ أوّل من شاب من ولد آدم إبراهيم الخليل عليهما السلام. فقال: يا ربّ ما هذا؟ فقال: نوري، فقال:
ربّ زدني من نورك ووقارك. عيّر حكيم بالشيب فقال: نور يورثه تعاقب الليالي والأيام، وحلم يفسده مرّ الشهور والأعوام، ووقار يلبسه مدى العمر ومضيّ الدهر. رأى حكيم شيبة فقال: مرحبا بثمرة الحكمة وجني التجربة ولباس التقوى. عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يقول الله تعالى: الشيب نوري فلا يجمل بي أن أحرق نوري بناري» .
حكيم: الشيب نور لمن اهتدى وظلمة لمن ظلم. حكيم: إن خير نصفي عمر الرجل آخره: يذهب جهله، ويثوب حلمه، ويجتمع رأيه، وشرّ نصفي عمر المرأة آخره: يسوء خلقها، ويحدّ لسانها، ويعقم رحمها. أنس، رفعه:
«خير شبابكم من تشبّه بكهولكم وشرّ كهولكم من تشبّه بشبابكم» .
أيوب عليه السلام: إن الله يزرع الحكمة في قلب الصغير والكبير، فإذا جعل الله العبد حكيما في الصّبا لم يضع منزلته عند الحكماء حداثة سنّه وهم يرون عليه من الله نور كرامته. دخل الحسين بن الفضل على بعض الخلفاء وعنده كبير من أهل العلم، فأحبّ أن يتكلّم فزجره وقال: أصبيّ يتكلّم في هذا المقام؟ فقال:
(1/413)

إن كنت صبيّا فلست بأصغر من هدهد سليمان ولا أنت بأكبر من سليمان حين قال: (أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ)
«1» . قال أبو العباس المبرّد في الكامل: ليس بقدم العهد يفضّل القائل، ولا بحداثته يهضم المصيب. الأستاذ أبو إسماعيل:
لا تحقرنّ الرأي وهو موافق ... حكم الصواب إذا أتى من ناقص
فالدرّ وهو أجلّ شيء يقتنى ... ما حطّ قيمته هوان الغائص
الحجاج بن يوسف الثقفيّ:
إذا كانت السبعون داءك لم يكن ... لدائك إلا أن تموت طبيب
إذا ما انقضى القرن الذي أنت فيهم ... وخلّفت في قرن «2» فأنت غريب
أبو دلف:
في كلّ يوم أرى بيضاء قد طلعت ... كأنما طلعت في ناظر البصر
أبو الطيب:
متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها في السواد
وقيل:
لكلب عقور أسود اللون رابض ... على صدر سوداء الذوائب كاعب
أحبّ إليها من معانقها الذي ... له لحية بيضاء فوق الترائب
بعض النساء: لأن أرى على صدري حيّة سوداء، أحبّ إليّ من أن أرى شيبة بيضاء. قيل:
(1/414)

قد شارف التسعين من أعوامه ... ودنت منيّته وحان حصاده
واسودّ مشرق لونه وتضعضعت ... أركانه وابيضّ منه سواده
يحيى بن أكثم: ولي القضاء وهو ابن إحدى وعشرين سنة فقال له رجل يريد أن يخجله: كم سنّ القاضي أيّده الله؟ فقال: مثل سنّ عتّاب بن أسيد «1» حين ولّاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إمارة مكة وقضاءها. فأفحمه. ابن عباس رضي الله عنهما رفعه: «من أتى عليه أربعون سنة ثم لم يغلب خيره شرّه فليتجهّز إلى النار» .
محمد بن عليّ بن الحسين: إذا بلغ الرجل أربعين سنة ناداه مناد من السماء: دنا الرحيل فأعدّ زادا. أنس رضي الله عنه رفعه: «لكلّ شيء فصال، وفصال أمّتي ما بين الستّين إلى السبعين» . وقال: «أنا في معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين» . قال رجل لعبد الملك: كم لك من السنين؟ فقال: أنا في معترك المنايا ابن ثلاث وستين سنة، سمعت العرب تقول: ما بين الستين والسبعين دقّاقة الرقاب.
قيل: إذا جاوز الرجل الستين وقع بين قوّة العلل، وعجز العمل، وضعف الأمل، ووثبة الأجل. قيل: المشيب غمامة تمطر الأمراض. وقيل: هو أوّل مواعيد الفناء. وقيل: هو واعظ نصيح ومنذر فصيح. سأل الحجاج شيخا فقال: كيف طعمك؟ قال: إذا أكلت ثقلت، وإذا تركت ضعفت. فقال:
كيف نكاحك؟ قال: إذا بذلت لي عجزت، وإذا منعتني شرهت. قال: كيف نومك؟ قال: أنام في المجمع، وأسهر في المهجع. قال: كيف قيامك وقعودك؟ قال: إذا أردت القعود تباعدت عني الأرض، وإذا أردت القيام
(1/415)

لزمتني. فقال: كيف مشيك؟ قال: تعقلني الشعرة وتعثرني البعرة.
قيل لأبي بكر الخوارزميّ وكان شيخا: كم بلغت من السنّ؟ قال: منزلة دقّاقة الرقاب. قيل لأبي العيناء: كيف أنت؟ قال: في الداء الذي يتمنّاه الناس. يعني الهرم. قيل: من متّع بكبر بلي بعبر، ومن تأخّر يومه ملّه قومه.
محمد بن عليّ الواسطىّ:
يا ربّ لا تحيني إلى زمن ... أكون فيه كلّا على أحد
خذ بيدي قبل أن أقول لمن ... ألقاه عند القيام خذ بيدي
أحمد بن حنبل: ما شبهت الشباب إلّا بشيء كان في كمي فسقط. يونس النحويّ:
ثنتان لو بكت الدماء عليهما ... عيناي حتى تؤذنا بذهاب
لم يبلغا المعشار من حقّيهما: ... شرخ الشباب وفرقة الأحباب
قال رجل لفضل بن مروان: كم سنّك؟ قال: سبعون، ثم سأله بعد سنين فقال: سبعون، فقال: ألم تخبرني منذ عشرين سنة بهذا؟ قال: بلى ولكن أنا رجل ألوف إذا كنت في سنة أقمت فيها عشرين سنة.
بعض الحكماء: مبدأ ظهور المشيب في الناصية كرم، وفي القفا لؤم، وفي الهامة وقار، وفي الفودين «1» شرف، وفي الصدغين شحّ، وفي الشارب فحش. قيل لرجل: أين شبابك؟ فقال: ذهب به خصال من طال أمده، وكثر ولده، وقلّ عدده، وذهب جلده. قيل: باليد الفارغة والنفس المستريحة
(1/416)

والشباب المقبل تكتسب الآثام ويستحلّ الحرام. أبو نواس: إنّ الشباب مطيّة الجهلات ومحسّن الضحكات. الواسطيّ: حان حصادي ولم يصلح فسادي.
قيل: شيب الرجل قبل أوانه من كثرة استعمال الطيب، أو هجران الحبيب. قيل لأعرابيّ: قد شخت وأفنيت عمرك بالبطالة فامش إلى الحجّ، فقال:
ليس لي دراهم، فقيل: بع دارك، فقال: وإذا رجعت فأين أسكن؟ وإن أقمت مجاورا أليس يقال: يا قرطبان «1» بعت دارك وجئت تسكن داري؟. وقيل:
وقالوا أفق من نومة اللهو والصبا ... فقد لاح صبح في دجاك عجيب
فقلت أخلائي دعوني ونومتي ... فإنّ الكرى عند الصباح يطيب
وقيل:
وقائلة خلّ التصابي لأهله ... فإنّ الصبا بعد المشيب جنون
فقلت لها لا تعذليني فإنما ... ألذّ الكرى عند الصباح يكون
أقبل الغنى على أبي زيد المروزيّ وقد أسنّ وتساقطت أسنانه وعجز عن الجماع، فقال: لا بارك الله فيك قد أقبلت حيث لا ناب ولا نصاب. الشيخ ابن الحاجب: لما طلب للتدريس في الإسكندرية في آخر عمره أنشد:
ولما مضى فقري وأيام فاقتي ... وساعد دهري بالغنى نفد العمر
******
(1/417)

الروضة السابعة والأربعون في النوم والسهر والرّؤيا والفأل والطّيرة والكهانة والرّقى
ابن عباس رضي الله عنهما: عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أشراف أمّتي حملة القرآن وأصحاب الليل» . قالت أمّ سليمان بن داود عليهما السلام: يا بنيّ لا تكثر النوم فإن أصحاب النوم يأتون يوم القيامة مفاليس. قيل: كثرة النوم تجلب الدّمار وتسلب الأعمار. قيل: ما هلك من هلك قبلكم إلا بثلاث: بفضول الطعام والمنام والكلام. ابن عباس رضي الله عنهما:
إذا كثر الطعام فحذّروني ... فإن القلب يفسده الطعام
إذا كثر الكلام فسكّتوني ... فإن الدين يهدمه الكلام
إذا كثر المنام فنبّهوني ... فإن العمر ينقصه المنام
إذا كثر المشيب فحرّكوني ... فإن الشيب يتبعه الحمام
قيل: من لزم الرقاد حرم المراد. يقال: إذا أردت الكرامة فقل للكرى مه «1» . حكيم: الدهر مقسوم بين حياة ووفاة، فالحياة اليقظة والوفاة النوم، وقد أفلح من أدخل في حياته من وفاته. وقيل:
وليلك شطر عمرك فاغتنمه ... ولا تذهب بشطر العمر نوما
قيل: سورة النوم والجوع والعطش ساعة فإن صبرت تجاوزتك ساعات.
(1/418)

قيل: النّعاس يذهب العقل، والنوم يزيد فيه. أبقراط: من كثر نومه ولانت طبيعته ونديت جلدته طال عمره. العرب: نومة الضحى في الصيف مبردة وفي الشتاء مسخنة. المعريّ:
وفضيلة النوم الخروج بأهله ... عن عالم هو بالأذى مجبول
محمد بن نصر الحارثيّ، ترك النوم قبل موته بسنين إلّا القيلولة، ثم ترك القيلولة. داود بن رشيد: قمت ليلة فأخذني البرد فبكيت من العرى «1» ، فنمت فرأيت قائلا يقول: يا داود أنمناهم وأقمناك فتبكي علينا، فما نام بعدها. محمد ابن يوسف: كان لا يضع جنبه للنوم لا صيفا ولا شتاء. وقيل: علّة غلبة النوم كثرة الشرب، وكثرة الشرب من كثرة الأكل. مكحول: من أوى إلى فراشه ثم لم يتفكّر فيما صنع في يومه فإن عمل خيرا حمد الله تعالى وإن أذنب استغفر الله كان كالتاجر الذي ينفق ولا يحسب حتى يفلس وهو لا يشعر. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:
«الرؤيا الصالحة بشارة المؤمن بما له عند الله من الكرامة في الآخرة» .
وعنه صلّى الله عليه وسلّم: «أصدق الرؤيا ما كان بالأسحار» . وعنه صلّى الله عليه وسلّم: «أصدق الرؤيا رؤيا النهار لأنّ الله خصّني بالوحي نهارا» . جعفر الصادق: أصدق الرؤيا رؤيا القيلولة. ابن سيرين: من نام على جنبه الأيمن واستقبل القبلة وقرأ: والشمس والليل والتين وقل يا أيها الكافرون وسورة الإخلاص والمعوّذتين، ثم يسأل الله تعالى ما يريده أراه الله تعالى في منامه ما يحبّه. قيل: من المستحبّ عند النوم أن يقول الرجل: اللهمّ إني أعوذ بك من سيّىء الأحلام، وأستجيرك من ملاعب الشيطان في اليقظة والمنام. رئي في المنام توران شاه بن أيوب وهو ينشد:
(1/419)

إني خرجت من الدنيا وليس معي ... من كل ما ملكت كفّى سوى كفني
معروف الكرخي: رأيت في المنام كأني دخلت الجنّة ورأيت قصرا فرشت مجالسه وأرخيت ستوره وقام ولدانه، فقلت: لمن هذا؟ فقيل: لأبي يوسف، فقلت: بم استحقّ هذا؟ فقالوا: بتعليمه الناس العلم وصبره على أذاهم. أبو الحسن: رأيت إمام الهدى أبا منصور الماتريدي في المنام، فقال: يا أبا الحسن ألم تر أنّ الله غفر لامرأة لم تصلّ قطّ؟ فقلت: وبم ذاك؟ قال: باستماعها للأذان وإجابتها المؤذن.
أبو هريرة رضي الله عنه رفعه: «إذا ظننتم فلا تحققوا وإذا تطيّرتم فامضوا وعلى الله فتوكّلوا» . وفي الحديث: «أنه كان يحبّ الفأل ويكره الطّيرة» . ابن عباس رضي الله عنهما رفعه: «من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر» . أراد عليّ رضي الله عنه: الخروج فأراد تثبيطه ناظر في النجوم، فقال: أيها الناس إيّاكم وتعلّم النجوم إلّا ما يهتدى به في برّ أو بحر فإنها تدعو إلى الكهانة، فالمنجّم كالكاهن والكاهن كالساحر والساحر كالكافر والكافر في النار، سيروا على بركة الله. فرجع مظفّرا. لمّا تجهّز المعتصم لفتح عمّورية حكم المنجّمون بعدم عوده صحيحا، فكان في ذلك من الفتح العظيم ما لا يوصف، فقال أبو تمام:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب
وقيل:
يقولون تأثير الكواكب في الورى ... فما بال من تأثيره في الكواكب
بعض العارفين: إنّ الأنفاس الإنسانيّة هي التي تدير الأفلاك، ولما وقع قران
(1/420)

الكواكب السبعة في دقيقة من الدرجة الثالثة من الميزان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة حكم المنجّمون بخراب الرّبع المكوّن من الرياح فكان وقت البيدر ولم يتحرّك ريح ولم يقدر الدهاقين «1» على رفع الحبوبات «2» . استوصى تلميذ شيخه بعد التكميل عند افتراقه فقال له: إن أردت أن لا تحزن أبدا فلا تصحب منجّما، وإن أردت أن تبقي لذّة فمك فلا تصحب طبيبا. بعضهم:
أدبّر بالنجوم ولست أدري ... وربّ النجم يفعل ما يشاء
عكرمة رضي الله عنه: كنا عند ابن عباس فمرّ طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير، فقال ابن عباس: لا خير ولا شرّ.
لا تنطقنّ بما كرهت فربّما ... نطق اللسان بحادث فيكون
بنى المعتصم قصرا وجلس فيه، فأنشده إسحاق الموصليّ:
يا دار غيّرك البلى ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك
فتطيّر وأمر بهدمه.
قيل: تأبى الظرفاء من إعطاء السفرجل إلى الأحبّة لاشتماله على حروف سفرجل. سأل الرشيد بعض أصحابه عن شجرة فقال: شجرة الوفاق تحرّزا عن لفظ الخلاف «3» ، وسأل كاتبا عن شيء فقال: لا وأيّدك الله، بالواو «4» ، وتأبى الكتّاب في حقّ المخدّرات عن كتابة لفظ حراستها لاشتماله على حر واست.
سأل المهديّ معلمه: كيف تأمر بالسواك؟ فقال: استك يا أمير المؤمنين.
(1/421)

فردّه، وسأل عن عالم النحو فدلّ على الكسائيّ فاستقدم فسأله فقال: سك يا أمير المؤمنين. فقال: أصبت وأعطاه عشرة آلاف درهم. رأى رجل جميلا الشاعر يأكل سمنا، فقال: لا تأكله فإنه سم زيدت في آخره نون، فقال جميل: كل أنت الحيّة فإنها حياة حذفت منها الألف. تساقطت النجوم في أيام بعض الأمراء فخاف من ذلك وأحضر المنجّمين والعلماء فما أجابوه بشيء، فقال جميل الشاعر:
هذي النجوم تساقطت ... لرجوم أعداء الأمير
فتفاءل به وأمر له بصلة سنيّة.
عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوّذتين فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه لأنها أعظم بركة من يدي» .
******
(1/422)

الروضة الثامنة والأربعون في الشعر والفصاحة والبلاغة
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أنا أفصح العرب بيد أني من قريش واسترضعت في بني سعد بن بكر فأنّى يأتيني اللحن» . وحين ردّته حليمة إلى مكة نظر إليه عبد المطلب وقد نما نموّ الهلال وهو يتكلّم بفصاحة فامتلأ سرورا وقال: جمال قريش، وفصاحة سعد، وحلاوة يثرب. وكان شبيب بن شيبة من أفصح الناس وهو من بني سعد. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «سيكون بعدي أمراء يعظون الحكماء على منابرهم وقلوبهم أنتن من الجيف» . وسمع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من العباس عمّه كلاما فقال: «بارك الله لك يا عمّ في جمالك» أي فصاحتك. وعنه صلّى الله عليه وسلّم: «الجمال في اللسان» . وقال صلّى الله عليه وسلّم لحسّان: «قل فو الله لقولك أشدّ عليهم من وقع السهام في غلس «1» الظلام» . ويقال: أقبح الكلام إكثار تنبسط حواشيه وتنقبض معانيه، فلا يرى له أمد، ولا ينتفع به أحد. أطال خطيب بين يدي الإسكندر فزجره وقال: ليس تحسن الخطبة بحسب طاقة الخطيب ولكن على حسب طاقة السامع. حكيم: إنّ اللسان إذا كثرت حركته مرقت عذوبته.
يولّد اللؤلؤ المنثور منطقه ... وينظم الدرّ بالأقلام في الكتب «2»
الهيثم بن صالح لابنه: يا بنيّ إذا أقللت من الكلام أكثرت من الصواب، وإذا أكثرت من الكلام أقللت من الصواب. عمر رضي الله عنه: من كثر كلامه كثر
(1/423)

سقطه، ومن كثر سقطه قسا قلبه، ومن قسا قلبه قلّ ورعه. قيل: من كثر لغطه كثر غلطه. سئل بعضهم عن البلاغة فقال: من عمد إلى معان كثيرة فأدّاها بلفظ قليل، أو معان قليلة ففخّمها بلفظ جليل.
يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحيّ الملاحظ خيفة الرقباء
يكتب في الدعوة:
كل المآرب ما نرجوه يحضرنا ... سوى حضورك فانعم بالمبادرة
وفي عذر عدم المجيء:
ولو قدرت على الإتيان جئتكم ... سحبا على الوجه أو مشيا على الرأس
وفي الانقطاع:
إذا ما تقاطعنا ونحن ببلدة ... فما فضل قرب الدار منّا على البعد؟
وفي الشوق:
لو أنّ بعض الشوق أكتب نحوهم ... يفنى المداد وتنتهي الألفاظ
وفي تهنئة الصحة:
وما أخصّك في برّ بتهنئة ... إذا سلمت فكلّ الناس قد سلموا
وفي التعزية:
أشركتمونا جميعا في سروركم ... فلهونا إذ حزنتم غير إنصاف
من الأمثال:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إنّ السفينة لا تجري على اليبس
وقيل:
ما كلّف الله نفسا فوق طاقتها ... ولا تجود يد إلا بما تجد
(1/424)

وقيل:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد «1»
وقّع جعفر البرمكيّ على ظهر رقعة فيها قصيدة: إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيرا، وإذا كان الإيجاز كافيا كان الإكثار عيّا. سئل عليّ رضي الله عنه عن اللسان فقال: معيار أطاشه الجهل وأرجحه العقل. قال عبد الملك لرجل:
حدّثني، فقال: يا أمير المؤمنين افتتح فإنّ الحديث يفتح بعضه بعضا.
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «الشعر جدل «2» من كلام العرب يشفى به الغيظ ويتوصّل به إلى المجالس وتقضى به الحاجة» . ضجر شعبة من إملاء الحديث فرأى أبا زيد الأنصاريّ فأنشد:
استعجمت «3» دارميّ لا تكلّمنا ... والدار لو كلّمتنا ذات أخبار
ثم قال: إليّ أبا زيد، فجاءه فتناشدا، فقال بعض أصحابه: نقطع إليك ظهور الإبل لنسمع منك الحديث وأنت تقبل على الأشعار! فغضب شديدا وقال:
أنا أعلم بالأصلح لي. قيل لجميل: لو قرأت القرآن كان أنفع لك من الشعر، فقال: حدّثنا أنس عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إنّ من الشعر لحكمة» . الخليل:
الشعراء أمراء الكلام يصرّفونه أنّى شاؤوا، جائز لهم فيه ما لا يجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده، ومن تسهيل الفظ وتعقيده، ومدّ مقصوره وقصر ممدوده، والجمع بين لغاته، والترصيف بين صلاته، واستخراج ما كلّت الألسن عن تعقّله، والأذهان عن فهمه، يبعّدون القريب ويقرّبون البعيد، يحتجّ لهم
(1/425)

ولا يحتجّ عليهم. مدح الفرزدق هشاما فأجازه بأربعة آلاف، فقيل له: إنك لا تمدح المهلّب، فقال: أما علمتم أن الّلها تفتح الّلها «1» . قيل لنصيب: هرم شعرك؟ فقال: ما هرم شعري ولكن هرم الجود والكرم، لقد مدحت الحكم بن المطّلب بقصيدة فأعطاني أربعمائة شاة وأربعة آلاف دينار ومائة ناقة. بعض الشعراء:
لئن أدركت في نظمي فتورا ... ووهنا في بياني والمعاني
فلا تنسب بنقصي إنّ رقصي ... على مقدار تنشيط الزمان
يقال: الجود حارس العرض عن الذمّ. سيف الدولة الحمداني «2» : إعطاء الشعراء من فروض الأمراء. يقال: لكلّ شيء لسان ولسان الزمان الشعر. عمر رضي الله عنه: تعلّموا محاسن الشعر فإنه يدلّ على محاسن الأخلاق.
لولا جرير والفرزدق لم يكن ... ذكر جميل من بني مروان
الصاحب: بدىء الشعر بملك وختم بملك. يعني امرأ القيس وأبا فراس.
عن الفرزدق أنّ سليمان بن عبد الملك سمع قوله:
فبتن بجانبيّ مفرّعات ... وبتّ أفضّ أغلاق الختام
فقال: وجب عليك الحدّ، فقال: يا أمير المؤمنين قد درأ الله عني الحدّ بقوله: (وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ)
«3» . حجر بن عمرو الكنديّ: قال لابنه امرىء القيس: يا بنيّ إنّ أحسن الشعر أكذب ولا يحسن الكذب بالملوك. بعض الفضلاء:
(1/426)

لا تحسبنّ الشعر فضلا بارعا ... ما الشعر إلا محنة وخبال «1»
فالهجو قذف والرثاء نياحة ... والذمّ عيب والمديح سؤال
وقيل:
إنّ بعضا من القريض هراء ... ليس شيئا وبعضه أحكام
ذهب جماعة من الشعراء إلى خليفة فتبعهم طفيليّ، فلمّا دخلوا على الخليفة دخل، فقرؤوا قصائدهم واحدا بعد واحد وأخذوا العطاء، فبقي الطفيليّ متحيّرا فقيل له: اقرأ شعرك، فقال: لست بشاعر وإنما أنا رجل ضالّ، كما قال الله تعالى: (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ)
«2» . فضحك الخليفة وأمر له بإنعام. ابن العلّاف: أتانا خادم ليلا في دار المعتضد، فقال: يقول أمير المؤمنين: أرقت بعدكم الليلة، فقلت:
ولمّا انتبهنا للخيال الذي سرى ... إذا الدار قفر والمزار بعيد
ومن أتمّه بما يوافق غرضي فله جائزة، والشعراء حاضرون فابتدرت وقلت:
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي ... لعلّ خيالا طارقا سيعود
فذهب الخادم ثم عاد بجائزة واستحسان. منع بعضهم من الدخول على بعض الأمراء فكتب:
داعيك على الباب نهاه البوّاب ... بالردّ عن الدخول فاغتمّ وخاب
هل يرجع كالنكبة عن حضرتكم ... أم يدخل كالدولة من غير حجاب
الشعبيّ: كنت أحدّث عبد الملك وهو يأكل فيحبس اللقمة فأقول: أجزها
(1/427)

أصلحك الله فإن الحديث من ورائك، فيقول: والله لحديثك أحبّ إليّ منها.
يقال: القول بحسب همّة القائل يقع، والسيف بحسب عضد الضارب يقطع.
قيل: الكلام إذا صدر من القلب وقع في القلب. العلامة: ربّ صدقة من بين فكّيك خير من صدقة من بين كفّيك. يقال: البلاغة ما رضيته الخاصّة وفهمته العامّة. سئل بعض الحكماء: ما الذي جعل الفصيح ألكن؟ قال: الحاجة.
قيل لعمر رضي الله عنه: الصمت مفتاح السلامة، فقال: نعم ولكنّه قفل الفهم. ابن عيينة: الصمت منام العلم والنطق يقظته، ولا منام إلا بيقظة ولا يقظة إلا بمنام. ابن المبارك:
وهذا اللسان بريد الفؤاد ... يدلّ الرجال على عقله
يقال: القول لا تملكه إذا نمي «1» كالسهم لا يملكه الذي رمي.
قال لأبي دلف بعض من ادّعى الغريب من اللغة: كنت في دار الضرب فرأيت عين الأمير «2» أخرجت من النار وهي تحت المطارق، فقال بعد الخجل: أعمى الله حدقتك. فضحكوا وانصرف بالخزي. دخل رجل على عبد الله بن طاهر فقال: ما رأيناك منذ أيام، فقال: جئت إلى حضرة الأمير أعزّه الله فرأيت في حاجبه عبوسا فانصرفت مخافة من سخطه، قال: هذا خلق لم ير مني قطّ. لعلّه أراد فلانا الحاجب، فقال: المراد هذا، فضحك وقال مستهزئا: إنّ من الشعر لحكمة، ثم سقطت منزلته عنده. قال رجل يدّعي التعمق في الفصاحة لبعض الملوك وفي يده برص: يا مولاي عندي منك يد بيضاء لا أستطيع القيام
(1/428)

بشكرها، فقال بعد الخجل: قم واخرج فإنه شكر، الشتم أحسن منه. أنشد ذو الرمّة هشام بن عبد الملك:
وما لعينك منها الماء ينسكب ... كأنه من كلى مفرية سرب «1»
قال: بل عينك. العلامة: ما رأيت على امرأة أحسن من شحم ولا على رجل أحسن من فصاحة. مرّ الأصمعيّ بحيّ من أحياء العرب فوجد صبيّا يلعب مع الصبيان في الصحراء ويتكلّم بالفصاحة، فقال الأصمعيّ: أين أباك يا صبيّ؟
فنظر إليه الصبيّ ولم يجب، ثم قال: أين أبيك؟ فنظر إليه ولم يجب كالأوّل، ثم قال: أين أبوك؟ فقال: فاء «2» إلى الفيفاء لطلب الفيء، فإذا أفاء الفيء فاء «3» . سقط عيسى بن عمر عن حمار فاجتمع الناس عليه فقال: ما لكم تكأكأتم عليّ كتكأكئكم على ذي جنّة، افرنقعوا عني، فقيل: إن جنّيه يتكلّم بالهنديّة.
الأحنف: سمعت كلام أبي بكر حتى مضى، وكلام عمر حتى مضى، وكلام عثمان حتى مضى، وكلام عليّ حتى مضى، لا والله ما رأيت أبلغ من عائشة رضي الله عنها. وقال معاوية: ما رأيت أبلغ من عائشة رضي الله عنها، ما أغلقت بابا فأرادت فتحه إلا فتحته، ولا فتحت بابا فأرادت إغلاقه إلا أغلقته.
******
(1/429)

الروضة التاسعة والأربعون في القرابات والأنساب وذكر حقوق الآباء والأمّهات وحبّ الأولاد وصلة الأرحام والشفقة والنصيحة والزّجر عن القبيح
عليّ رضي الله عنه رفعه: «إيّاكم وعقوق الوالدين فإنّ ريح الجنة يوجد من مسيرة خمسمائة عام ولا يجد ريحها عاقّ، ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان، ولا جارّ إزاره خيلاء» . فيلسوف: من عقّ أباه عقّه ولده. قيل لعليّ بن الحسين:
إنك من أبرّ الناس ولا تأكل مع أمّك في صحفة، فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت عينها إليه فأكون قد عققتها. سأل الزمخشريّ بعض العلماء عن سبب قطع رجله فقال: أمسكت عصفورا في صباي وربطته بخيط في رجله وأفلت من يدي ودخل في خرق فجذبته فانقطعت رجله، فتألّمت والدتي وقالت: قطع الله رجل الأبعد «1» كما قطعت رجله، فلمّا رحلت إلى بخارى لطلب العلم سقطت عن الدابة فانكسرت رجلي. وقيل: أصابه البرد في الطريق فسقطت رجله، وكان يمشي بخشب.
في وصيّة سليمان عليه السلام: يا بنيّ احفظ وصيّة أبيك ولا تنس وصية والدتك ليطول عمرك. النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «حقّ كبير الإخوة على صغيرهم كحقّ الوالد على ولده» . وقع بين الحسين وأخيه الحسن رضي الله عنهما كلام، فقيل له:
(1/430)

ادخل على أخيك فإنه أكبر منك، فقال: سمعت جدّي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «أيما اثنين جرى بينهما كلام وطلب أحدهما رضا الآخر كان سابقه إلى الجنة» وأنا أكره أن أسبقه. فسمع الحسن الخبر فأتاه عاجلا. عثمان رضي الله عنه: كان عمر رضي الله عنه يمنع أقرباءه ابتغاء وجه الله تعالى وأنا أعطي قرابتي لوجه الله، ولن ترى مثل عمر رضي الله عنه. لما أنشدت قتيلة:
والنّضر أقرب من أصبت وسيلة ... وأحقّهم إن كان عتق يعتق «1»
لو كنت قابل فدية لفديته ... بأعزّ ما عندي إليه وينفق
رقّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليها وبكى وقال: «لو جئتني من قبل لعفوت» ثم قال:
«لا تقتل قريش صبرا «2» بعد هذا» . أبو سعيد الخدريّ رضي الله عنه: «قلت يا رسول الله أيولد لأهل الجنّة؟ قال: والذي نفسي بيده إنّ الرجل ليتمنّى أن يكون له ولد، فيكون حمله ووضعه وشبابه الذي ينتهي إليه في ساعة واحدة» . عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «الولد ريحان من الجنّة» . فضيل: ريح الولد من الجنّة. دخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده ابنته عائشة فقال: من هذه يا أمير المؤمنين؟
قال: هذه تفاحة القلب. عمر رضي الله عنه: تكثّروا من العيال فإنكم لا تدرون ممن ترزقون.
نعم الإله على العباد كثيرة ... وأجلّهنّ نجابة الأولاد
غيره:
(1/431)

في المهد ينطق عن سعادة جدّه ... أثر النجابة ساطع البرهان
قالوا: صاحب العيال أعظم أجرا. الأوزاعيّ: الفارّ من عياله كالآبق «1» لا يقبل منه صوم ولا صلاة حتى يرجع إليهم.
قيل: العداوة في الأقارب كالسمّ في العقارب. قيل لبعض حكماء العرب:
ما تقول في ابن العمّ؟ قال: عدوّك وابن عدوّك. يقال: من سرّته بنوه ساءته نفسه. بعض السلف: الأقارب عقارب أمسّهم بك رحما أشدّهم لك ضررا.
العلّامة:
أقارب كالعقارب في أذاها ... فلا تولع بعمّ أو بخال
فكم عمّ يجيء الغمّ منه ... وكم خال عن الخيرات خال
عاتب أعرابيّ ابنه وذكر حقّه فقال: يا أبت إن عظيم حقّك عليّ لا يبطل صغير حقّي عليك. قال رجل لعمر رضي الله عنه: خدمك بنوك؟ فقال: بل أغناني الله عنهم. قيل لأعرابيّ: ما تقول في ابنك؟ - وكان عاقا- فقال: بلاء لا يقاومه الصبر، وفائدة لا يجب عليها الشكر. قيل لعيسى عليه السّلام: لم تكره الولد؟ فقال: إن عاش كدّني وإن مات هدّني. يقال: قلّة المال وكثرة العيال نعوذ بالله من ذلك الحال. محمد فورك: شغل العيال نتيجة متابعة الشهوة بالحلال، فما ظنّك بقصّة شهوة الحرام؟. قيل: إنّ مثل الرجل بأهله وعياله مثل الدّخنة «2» الطيبة تحترق ويلذّ بطيب رائحتها آخرون.
بعض الأكابر: الولد السوء يشين السلف ويهدم الشرف والجار السوء يفشي
(1/432)

السرّ ويهتك الستر. نظر أعرابيّ إلى ابن له قبيح فقال: يا بنيّ لست من زينة الحياة الدنيا. قيل لرجل: أيّ ولدك أحبّ إليك؟ فقال: صغيرهم حتى يكبر، ومريضهم حتى يبرأ، وغائبهم حتى يقدم. قال الرشيد لموسى بن جعفر: إني قاتلك، قال: لا تفعل فإني سمعت أبي يقول: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن العبد يكون واصلا لرحمه، وقد بقي من أجله ثلاث سنين، فيمدّها الله له فيجعلها ثلاثين سنة، ويكون العبد قاطعا لرحمه وقد بقي من أجله ثلاثون سنة، فيقصّرها الله له فيجعلها ثلاث سنين» . عمر بن عبد العزيز: من وصل أخاه بنصيحة في دينه ونظر له في صلاح دنياه فقد أحسن صلته. مطرّف: وجدنا أنصح العباد لله الملائكة، وأغش العباد الشياطين. يقال: من كتم السلطان نصحه، والأطباء مرضه، والإخوان بثّه، فقد خان نفسه. سليمان الخواص: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الأشهاد فهي تبكيت.
محمد بن تمّام: الموعظة جند من جنود الله ومثله «1» مثل الطين يضرب به على الحائط فإن استمسك نفع وإن وقع أثّر. كتب رجل إلى صديق له: أما بعد فعظ الناس بفعلك ولا تعظهم بقولك، واستحي من الله بقدر قربه منك، وخفه بقدر قدرته عليك، والسلام. يقال: من كان له من نفسه واعظ، كان له من الله حافظ. قيل: من اصفرّ وجهه من النصيحة اسودّ لونه من الفضيحة. عبد العزيز ابن أبي روّاد: كان الرجل إذا رأى من أخيه شيئا أمره في ستر ونهاه في ستر، فيؤجر في نهيه ويؤجر في ستره. وعظ مجوسيّ أبا مسلم فقال: قل ما يقبل، وخذ ما يسهل، وافعل ما يجمل. عليّ رضي الله عنه: إياك وما يسبق إلى
(1/433)

القلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره، فليس كل سامع نكرا تطيق أن تسمعه عذرا. قيل:
لن ترجع الأنفس عن غيّها ... حتى ترى منها لها واعظا
وقيل:
وقد تنطق الأشياء وهي صوامت ... وما كل نطق المخبرين كلام
وقيل:
لعمرك ما للمرء كالربّ حافظ ... ولا مثل لبّ المرء للمرء واعظ
لقمان: يا بنيّ ارحم الفقراء لقلّة صبرهم، وارحم الأغنياء لقلّة شكرهم، وارحم الجميع لطول غفلتهم. دخل عامل على عمر رضي الله عنه: فوجده مستلقيا وصبيانه يلعبون على بطنه. فأنكر ذلك، فقال عمر رضي الله عنه: كيف أنت مع أهلك؟ قال: إذا دخلت سكت الناطق، فقال: اعتزل فإنك لا ترفق بأهلك وولدك، فكيف ترفق بأمّة محمد صلّى الله عليه وسلّم.
(1/434)

الروضة الخمسون في الموت والوصيّة والمصيبة وما يتصل بذلك من ذكر القبر والنّعش والتّعزية
ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا مات لأحدكم الميت فحسّنوا كفنه وعجّلوا إنجاز وصيته وأعمقوا له في قبره وجنّبوه جار السوء.
قيل: يا رسول الله وهل ينفع الجار الصالح في الآخرة؟ فقال: هل ينفع في الدنيا؟ قالوا: نعم، فقال: كذلك ينفع في الآخرة» . قال ابن المبارك: أحبّ إلينا أن يكفّن الرجل في ثيابه التي كان يصلّي فيها. عن أبي الدرداء رضي الله عنه: ما من مؤمن إلا والموت خير له، ومن لم يصدّقني فإن الله تعالى يقول:
وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ
«1» وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ
«2» . ولما أحسّ الموت ابن أدهم قال: أو تروا لي قوسي، فقبض على قوسه، فقبض الله روحه والقوس في قبضته. ميمون بن مهران: بات عند عمر ابن عبد العزيز فرآه كثير البكاء والمسألة للموت، فقال: صنع الله على يديك خيرا كثيرا فأحييت سنّة وأمتّ بدعة، ففي حياتك خير وراحة للمسلمين، فقال: أفلا أكون كالعبد الصالح لما أقرّ الله عينه وجمع له أمره قال: تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
«3» . يعني يوسف عليه السّلام. قيل: ما تمنّى الموت نبيّ قبله ولا بعده.
(1/435)

قال عليّ رضي الله عنه حين طاف بين الصّفّين «1» بقميص رقيق، فقال ابنه الحسن: ما هذا بزيّ المحاربين يا بنيّ أبوك لا يبالي على الموت سقط أم عليه سقط الموت. قال عمار بصفّين «2» : الآن ألاقي الأحبة محمدا وحزبه. قال حذيفة حين احتضر: جاء حبيب على فاقة، لا أفلح من ندم على الموت، وكل من العشرة كان يحبّ الموت. سرّ بشر بن منصور حين احتضره الموت فسئل عنه فقال: سبحان الله أخرج من بين الظالمين والحاسدين والباغين والمغتابين وأقدم على أرحم الراحمين. لما توجّه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري إلى سمرقند بلغه أنه وقع بينهم بسببه فتنة، فقال: اللهمّ ضاقت عليّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك. فمات في ذلك الشهر.
قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم: ما لنا نكره الموت؟ فقال: لأنّكم عمّرتم الدنيا وخرّبتم الآخرة، فأنتم كارهون الانتقال من العمران إلى الخراب.
بكى الخولاني عند موته فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لطول السفر وقلّة الزاد، وقد سلكت عقبة لا أدري إلى أين تهبط بي وإلى أيّ المكانين أسقط.
إبراهيم النخعيّ: لما احتضر جزع جزعا شديدا فسئل عن السبب فقال: أنا أتوقّع رسولا من ربي إمّا إلى الجنة وإمّا إلى النار، والله لوددت أن تتلملم روحي في حلقي إلى يوم القيامة. ابن المعتزّ: الموت باب الآخرة. عائشة رضي الله عنها: «لما مات عثمان بن مظعون كشف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الثوب عن وجهه فقبّل بين عينيه وبكى طويلا، فلمّا رفع السرير قال: طوبى لك يا عثمان لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها، ولمّا دفن قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: نعم السلف هو لنا» . وقيل لأعرابيّ: ما
(1/436)

سبب موت أبيك؟ قال: كونه أنشده أبو القاسم:
نمضي كما مضت القبائل قبلنا ... لسنا بأوّل من دعاه الداعي
حكيم في الإسكندر: أمات هذا كثيرا من الناس لئلّا يموت فمات. قيل:
آه من غربة بغير إياب ... آه من حسرة على الأحباب
لما احتضر إبراهيم عليه السّلام قال: هل رأيت خليلا يقبض روح خليله، فأوحي إليه: هل رأيت خليلا يكره لقاء خليله؟ فقال: اقبض روحي الساعة. أمّ سلمة: قال لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا فإن الملائكة تؤمّن على ما تقولون» .
قال عبد الله بن مرزوق لسلامة: يا سلامة لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: أن تحملني وتطرحني على المزبلة لأموت عليها فلعلّه يرى مكاني فيرحمني. قال عمرو بن العاص عند احتضاره لابنه عبد الله: يا بنيّ من يأخذ المال بما فيه من التبعات؟ قال: من جدع الله أنفه، ثم قال: احملوه إلى بيت مال المسلمين، ثم دعا بالغلّ والقيد فلبسهما ثم قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إن التوبة مبسوطة ما لم يغرغر «1» ابن آدم بنفسه» ، ثم استقبل القبلة فقال: اللهمّ أمرتنا فعصينا ونهيتنا فارتكبنا، هذا مقام العائذ بك فإن تعف فأهل العفو أنت، وإن تعاقب فبما قدّمت يداي، لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
«2» . فمات وهو مغلول مقيّد، فبلغ الحسن بن عليّ رضي الله عنهما فقال: استسلم الشيخ حين أيقن بالموت، ولعلّه ينفعه.
(1/437)

المزنيّ: دخلت على الشافعي في مرض موته، فقلت: كيف أصبحت؟
فقال: أصبحت من الدنيا راحلا، وللإخوان مفارقا، ولسوء عملي ملاقيا، ولكأس المنية شاربا، وعلى الله واردا، فلا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنّيها أم إلى النار فأعزّيها. ثم أنشأ يقول:
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت رجائي نحو عفوك سلّما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما
لما بلغ معاوية موت الحسن بن عليّ رضي الله عنهما سجد وسجد من حوله، فدخل عليه ابن عباس رضي الله عنهما فقال له: يابن عباس أمات أبو محمد؟ قال: نعم رحمه الله، وبلغني سجودك، والله يابن آكلة الأكباد «1» لا يسدّ حسدك إياه حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك. قيل:
مضيت والحاسد المغبون يتبعني ... إنّ المنية كأس كلّنا حاسي «2»
لو كان للناس ضيق في مزاحمتي ... فالموت قد وسّع الدنيا على الناس
أبو الطيب:
بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد
مطرّف: إنّ هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم فالتمسوا نعيما لا موت فيه. في الحديث المرفوع: «لو أن الطير والبهائم تعلم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا» . وقيل:
(1/438)

كم ذا أنبّه منك طرفا ناعسا ... يبدي سباتا كلّما نبّهته
فكأنك الطفل الصغير بمهده ... يزداد نوما كلّما حرّكته
من بصّرك فقد نصرك، ومن وعظك فقد أيقظك، ومن أوضح لك فبيّن فقد نصح لك وزيّن، ومن أعذر «1» وبصّر فما غدر ولا قصّر. ويقال: من أنذر فقد أعذر. كتب إمام الحرمين إلى نظام الملك: هب أنك ملكت نواصي الأمم وقواصي الهمم، انزع من صماخيك صمام الصمم حتى أنشد لك بيتا من الحكم:
إذا تمّ أمر بدا نقصه ... توقع زوالا إذا قيل تمّ
أبو تمام:
ثم انقضت تلك السّنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام
يقال: إذا آل الأمر إلى الكمال عاد إلى الزوال. ميمون بن مهران: شهدت جنازة ابن عباس رضي الله عنهما بالطائف فلمّا وضع على المصلّى ليصلّى عليه جاء طائر أبيض حتى وقع على أكفانه ثم دخل فيها فالتمس فلم يوجد، فلما سوّي عليه سمعنا من نسمع صوته ولا نرى شخصه: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي
«2» . في الحديث المرفوع: «لا يتمنّ أحدكم الموت إلّا من وثق بعلمه» . سمع الحسن امرأة تبكي خلف جنازة وتقول: يا أبتاه مثل يومك لم أره، فقال لها: بل أبوك مثل يومه لم يره. ثوبان «3» رفعه: «من اتّبع الجنازة فأخذ بجوانب السرير الأربعة غفر له أربعون ذنبا كلّها كبيرة» . يقال:
(1/439)

قد يحمل الشيخ الكبي ... ر جنازة الطفل الصغير
في الحديث المرفوع: «كسر عظم المؤمن في مماته ككسره في حياته» .
الثوريّ: ينبغي لمن كان له عقل إذا أتى عليه عمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يهيّىء كفنه.
عثمان رضي الله عنه رفعه: «أيّما مسلم شهد له أربعة بخير أدلخه الله الجنة، قلنا: وثلاثة؟ قال: وثلاثة، قلنا: واثنان؟ قال: واثنان، ولم نسأله عن الواحد» .
ثوبان: «خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في جنازة فرأى ناسا ركوبا فقال: ألا تستحيون، إنّ ملائكة الله يمشون على أقدامهم وأنتم على ظهور الدوابّ» مطر بن عكامس رفعه: «إذا قضى الله لرجل أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة» . وأنشد:
إذا ما حمام المرء كان ببلدة ... دعته إليها حاجة فيطير
يقال: كم أمنيّة جلبت منيّة. وقيل: الإنسان ينسى حمامه، ويريد أن يفجر أمامه. وقيل:
ومتعب النفس مرتاح إلى بلد ... والموت يطلبه في ذلك البلد
صاحب الهداية: أنشدنا أبو البركات بنيسابور:
إنّا على الدنيا ولذّتها ... ندور والموت علينا يدور
كرّ بنو الأرض وسكّانها ... منها خلقنا وإليها نحور «1»
أبو العتاهية:
وليس من منزل يأتيه مرتحل ... إلا وللموت سيف فيه مسلول
وله رحمه الله تعالى:
أآمل أن أخلّد والمنايا ... تبين عليّ من كل النواحي
وما أدري إذا أمسيت حيّا ... لعلّي لا أعيش إلى الصباح
(1/440)

وله رحمه الله تعالى:
الناس في غفلاتهم ... ورحى المنيّة تطحن
وله رحمه الله تعالى:
لا تأمن الموت في لحظ وفي نفس ... وإن تترّست بالحجّاب والحرس
واعلم بأنّ سهام الموت نافذة ... لكلّ مدّرع منا ومتّرس
ابن عباس رضي الله عنهما: توشك المنايا تسبق الوصايا. أعرابيّ: ما من الموت مناص ولا عنه خلاص. جابر رفعه: «الذي يوصي عند الموت كالذي يقسم ماله عند الشبع» . معاوية بن قرّة عن أبيه رفعه: «من حضرته الوفاة فأوصى وكانت وصيته على كتاب الله تعالى كانت كفّارة لما ترك من زكاته في حياته» . ابن عباس رضي الله عنهما: الضّرار في الوصية من الكبائر. يقال: جزعك في مصيبة صديقك أحسن من صبرك، وصبرك في مصيبتك أحسن من جزعك.
نصر بن سيّار: كل شيء يبدو صغيرا ثم يكبر إلّا المصيبة فإنها تبدو كبيرة ثم تصغر. أبو مروان: كلّ مصيبة لم يذهب فرح ثوابها حزنها فهي المصيبة العظمى.
عزّي سليمان بن أبي جعفر في ابن له فقيل: كان لك من زينة الحياة الدنيا وهو اليوم من الباقيات الصالحات. عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «دفن البنات من المكرمات» «1» . عزّى سلمان الفارسيّ رضي الله عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن ابنة له فقال: يا رسول الله القبر صهر لها منك وثواب الله خير لك منها، أعظم الله لك الأجر فنعم الصهر القبر. فتبسّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: «هذه التعزية التي عزّى بها جبريل عليه السّلام» . عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أوّل تحفة المؤمن إذا مات أن يغفر الله لكلّ من شيّع جنازته» . ويقال: نعم الختن القبر. قيل: دفن الحرم
(1/441)

من أعظم النّعم. الفرزدق:
وأهون مفقود إذا الموت ناله ... على المرء من أصحابه من تقنّعا
يقال: الناس بين فرح لمولود وترح لمفقود. قيل لمجوسيّ: ما معنى قولنا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
«1» ؟ فقال: لا أعرف ولكن أعرف أنه لا يقال في دعوة ولا في مجلس ولا في عرس. حضر المنصور جنازة بنت عمّه وجلس وهو متألّم، فأقبل أبو دلامة وجلس عنده، فقال له المنصور: ويحك ما أعددت لهذا المكان؟ - وأشار إلى القبر- فقال: ابنة عمّ أمير المؤمنين. فضحك حتى استلقى على قفاه.
عليّ رضي الله عنه: من ضرب يده على فخذه عند مصيبة فقد حبط أجره.
مات لمسلم بن يسار ابن فقال: يا بنيّ شغلني الحزن لك عن الحزن عليك.
محمد بن الحسن الشيبانيّ صاحب أبي حنيفة: استسلم لأمر الله فيما ذهب واشكره على ما وهب. أرسطو: الاشتغال بما فات تضييع للأوقات. يحيى بن خالد: التعزية بعد ثلاث تجديد للمصيبة، والتهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودّة.
في وصيّته صلّى الله عليه وسلّم لأبي ذر: «زر القبور تذكر بها الآخرة، ولا تزرها بالليل، وصلّ على الجنازة لعلّ ذلك يحزنك، فإن الحزين في ظلّ الله تعالى» . محمد بن سعد المدنيّ: «مرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمقبرة فنادى: يا أهل القبور ألا أخبركم بما حدث بعدكم؟ تزوّجت نساؤكم وبيعت مساكنكم وقسّمت أموالكم، فهل أنتم مخبرون بما عاينتم؟ ثم قال: ألا إنهم لو أذن لهم في الجواب لقالوا: وجدنا خير الزاد التقوى» . أنس رضي الله عنه: «شكا رجل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قسوة قلبه، فقال: اطلع على القبور واعتبر بالنشور» . كان عثمان رضي الله عنه إذا وقف على قبر بكى ما لا يبكي عند ذكر الجنة والنار، فقيل له فقال: سمعت رسول الله
(1/442)

صلّى الله عليه وسلّم يقول: «القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج فما بعده شرّ منه» . وروي عن أنس رضي الله عنه: لو أن بني آدم علموا كيف عذاب القبر ما نفعهم العيش في الدنيا، فنعوذ بالله من عذاب القبر. معاوية رضي الله عنه: عند الموت قال:
هو الموت لا ينجو من الموت والذي ... نحاذر بعد الموت أدهى وأفظع
وقيل:
فلو كنّا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كلّ حيّ
ولكنّا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعدها عن كلّ شيّ
حاتم الأصمّ: ما من صباح ومساء إلا ويقول الشيطان لي: ما تأكل وما تلبس؟ وأين تسكن؟ فأقول له: آكل الموت، وألبس الكفن، وأسكن القبر.
ونحمد الله تعالى على ما يسّر لنا من الإتمام. ونشكره على ما أسبغ علينا من الإفضال والإنعام، ونصلّي على أكرم الأنام وأفضل الكرام، سيد الأولين والآخرين محمد الشافع المشفّع في يوم القيام، وعلى آله البررة الفخام، وصحبه المهرة العظام، ما دارت الشهور والأعوام، وتعاقبت الليالي والأيام، ونسأل الله الكريم الغفار، أن يجيرنا من عذاب القبر وعذاب النار، وأن يحشرنا في زمرة الأبرار، بحرمة رسوله المختار. محمد صلوات الله عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. والحمد لله ربّ العالمين.
لمحرره المعترف بالذنوب محمد بن قاسم بن يعقوب:
تفضّل علينا يا كثير المواهب ... بلطف وإحسان لك الحمد والثنا
وما مقصدي إلا رضاء ورحمة ... وما الغير سؤلي منك يا غاية المنى
(1/443)

وله أيضا:
يا عالما بجميع الحال في الطلب ... نرجو النجاة من الأحزان والكرب
أعط الخلاص من الأوزار قاطبة ... وارحم عبيدك خلّصنا من التعب
اللهم أجب دعاءنا ولا تخيّب رجاءنا..
قد تمّ هذا الروض في فصل الربيع ... راع الزمان بريعه في فصله
لمّا سألت العقل عن إتمامه ... قد قال في التاريخ جاء بفضله
(1/444)