Advertisement

شرح أدب الكاتب



الكتاب: شرح أدب الكاتب لابن قتيبة
المؤلف: موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر بن الحسن، أبو منصور ابن الجواليقى (المتوفى: 540هـ)
قَدَّمَ له: مصطفى صادق الرافعي
الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
قال العلامة أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي رحمه الله بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع " فالحمد لله بادئ بدء على نعمه التي لا ينفدها عدو لا يحصرها حد حمدا يخلد على الأبد ويدوم به المستند ويميل منتهى رضاه ويوجب المزيد من نعماه وصلى الله على سيدنا محمد نبي الرحمة وسراج الأمة وعلى آله وأصحابه المنتخبين وعترته الطيبين الطاهرين.
وبعد فإنه سألني جماعة من أهل العلم أن أذكر لهم من شرح خطبة أدب الكاتب لأبي محمد عبد الله بن مسلم قتيبة الدينوري رحمه الله وتفسير أبياته وإيضاح مشكلاته وتبيين ما رد عليه فيه ما لا تسع جهالته ولا تسيم إطالته فأجبتهم إلى ذلك وبالله أستعين فيما نحوته وأتوكل عليه فيما عزوته وأسأله التوفيق في القول والعمل وأعوذ به من الخطل والزلل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
قال أبو محمد " أما بعد حمد الله بجميع محامده والثناء عليه بما هو أهله والصلاة على رسوله المصطفى ".
أما حرف تفصل به الجمل سمعت قائلا قال فلان كريم عاقل فقيه فيقال له على طريق إثبات بعض هذه الصفات ونفى بعضها أما كريم فكريم وأما عاقل فعاقل أي هذه الصفات هي الثابتة وفيما بقى شك وفيها معنى الشرط ولا بد لها من الجواب بالفاء لتضمنها معنى الشرط كقولك " أما زيد فمنطلق وأما عمرو فذاهب " فزيد وعمرو مرفوعان بالابتداء وموضعهما بعد الفاء ومنطلق وذاهب خبر الابتداء وتقديره
(1/15)

مهما يكن من شيء فزيد منطلق فحذفت هذه الجملة استغناء بأما عنها وعوضت من الحذف عمل ما بعد الفاء قبلها إذا قلت أما زيداً فضربت لأن الفاء وسائر حروف العطف لا يعمل ما بعدها فيما قبلها وإنما لزم تقديم الاسم في قولك أما زيد فمنطلق لأن أما نائبة من حرف الجزاء والفعل المجازي به ولا بد للفعل من فاعل فلذلك وليتها الأسماء دون الأفعال. وبعد منصوب على الظرف وهو معرب لإضافته إلى الحمد والعامل فيه ما في أما من معنى الفعل والتقدير مهما يكن من شيء بعد حمد الله وإن شئت كان العامل فيه ما بعد الفاء بتقدير فإني رأيت بعد حمد الله أكثر أهل. وجاز تقديمه لأنه ظرف والظروف يتسع فيها. وقبل وبعد معربتان بالنصب والجر إذا كانتا مضافتين أو نكرتين فإن قطعتهما عن الإضافة بنيتهما على الضم لأن الفتح والكسر يكون فيهما إعراباً وإنما استحقا البناء لأن معناهما يفهم بالإضافة فلما دلتا مفردتين على ما تدلان عليه مضافتين بنيتا لخروجهما عن بابهما ومفارقتهما. طريقتهما فإن نكرتهما أعربتهما لزوال العلة التي أوجبت لهما البناء فتقول جئت قبلا وبعدا ومن قبل ومن بعد ويسميهما النحويون في حال الحذف غاية لأن نهاية لأن الكلمتين ما أضيفتا إليه فلما حذف المضاف إليه صار آخر كل واحدة منهما غاية لها. وحمد مصدر حمدت أحمد حمداً ومحمدة ومحمدة وهو أعم من الشر لأن الحمد الثناء على الرجل بما فيه من حسن والشكر الثناء عليه بمعروف أولاه والمحامد جمع محمدة ومحمدة وهي أيادي الله ونعمه. والثناء بتقديم الثاء ممدود تكرير الحمد ولا يكون في الذم وهو فعال من ثنيت تقول منه أثنيت على الرجال أثناء حسناً والثناء الاسم وربما استعمل في الشر قال زهير:
سيأتي آل حصن حيث كانوا ... من الكلمات ما في ثناء
وقال الأعشى
وإن عتاق الخيل سوف يزوركم ... ثناء على أعجازهن معلق
ولقائل أن يقول إنما سمى الذم ثناء في هذين البيتين على سبيل التهكم والهزء ويقال أن الأعشى أراد المدح الذي يحدين به والحادي من ورائها كما ان الهادي أمامها. وأما النثا بتقديم النون والقصر فهو الخبر يكون في الخير والشر والفعل
(1/16)

منه نثا ينثو وفي صفة مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنثى فلتاته ولا تلتفت إلى قول لا يصرف منه فعل وقال بعض أهل اللغة الثناء يكون في الخير والشر والنثا لا يكون إلا في الذكر الجميل والقول هو الأول. وقوله " بما هو أهله " أي بالمدح الذي يؤنس بأنه له ويستحقه وكذلك قوله تعالى " هو أهل التقوى وأهل المغفرة " أي يؤنس باتقاء عقابه ويؤنس بالعمل المؤدي إلى مغفرته أي لا ينفر عن التقوى. قال اليزيدي أنست به واستأنست وأهلت به بمعنى واحد. ومنه يقال أهل الرجل إذا تزوج للأنس الذي بين الزوجين. والصلاة في اللغة الدعاء وسمى ما تعبدنا الله به صلاة لأن المصلي يدعو في صلاته والعرب تسمى الشيء إذا تعلق به أو جاوزه أو كان منه بسبب ومن ذلك الصلاة على الميت إنما هي الدعاء له وقال الزجاج الأصل في الصلاة اللزوم يقال قد صلى واصطلى إذا لزم ومن هذا هو يصلى في النار أي يلزمها قال وقال أهل اللغة في الصلاة أنها من الصلوين وهما مكتنفا الذنب من الناقة وغيرها وأول موصل الفخذين من الإنسان فكأنهما في الحقيقة مكتنفا العصعص قال والقول عندي هو الأول إنما الصلاة لزوم ما فرض الله والصلاة من أعظم الفرض الذي أمر بلزومه وقيل سميت صلاة من صليت العود إذا لينته لأن المصلي يلين ويخشع والصلاة من الله الرحمة ومن الملائكة دعاء واستغفار ومن الناس التي فيها الركوع والسجود قال الأعشى في أن الصلاة الدعاء.
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... نوماً فإن لجنب المرء مضطجعا
وقال: وصلى على دنها وارتسم أي دعا لها بالبركة وتكون الصلاة كنيسة اليهود وأنشد ابن الأنباري.
اتق الله والصلاة فدعها ... إن في الصوم والصلاة فسادا
أراد بالصلاة ما ذكرت والصوم ذرق الظليم. والرسول قال ابن الأنباري سمي رسولا لأنه يتابع أخبار الذي بعثه أخذ من قولهم جاءت الإبل رسلاً أي متتابعة.
(1/17)

وقيل سمى رسول لأنه ذو رسالة وهو فعول في معنى مفعل من أوزان المبالغة كضروب لمن كثر من الضرب. والرسول في غير هذا الموضع بمعنى الرسالة قال الزجاج في قوله تعالى " إنا رسول رب العالمين " معناه إنا رسالة رب العالمين أي ذو رسالة رب العالمين. وقال كثيّر
لقد كذب الواشون ما بحت عندهم ... بسرّ ولا أرسلتهم برسول
أي برسالة.
والمصطفى المختار وهو مفتعل من الصفوة ومن الصفو وهو ضد الكدر وقلبت التاء طاء لتوافق الصاد في الأطباق وأصله مصتفو فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. وآل الرجل أشياعه وأتباعه أهل ملته وآل الأنبياء من كان على دينهم وقد يقع الآل مكان الأهل وأصل آل أهل لأنك تقول في تصغيره أهيل والتصغير يرد الشيء إلى أصله فأبدلوا الهاء همزة كما أبدلوا الهمزة هاء في هرقت الماء وهياك والأصل أرقت وإياك والآل في غير هذا الموضع الشخص والآل الذي يرفع الشخوص وقوله " فأني رأيت أكثر أهل زماننا عن سبيل الآدب ناكبين ومن اسمه متطيرين ولأهله هاجرين " رأيت هنا بمعنى علمت وهي تتعدى إلى مفعولين لا يقتصر على أحدهما قال الشاعر:
تقوه أيها الفتيان إني ... رأيت الله قد غلب الجدودا
رأيت الله أكبر كل شيء ... محاولة وأكثره جنودا
وتستعمل رأيت بمعنى الإحساس بالبصر تقول رأيت زيداً أي أبصرته فتتعدى إلى مفعول واحد وقد ترد متعديه إلى مفعول واحد فقط وذلك من أفعال القلوب والمعنى فيها الرأي والاعتقاد وعلى هذا قالت العرب فلان يرى التحكيم قال ابن برهان وعليه تأول أبو يوسف قوله تعالى " بما أراك الله " التقدير بما أراكه الله ولو كان أراك بمعنى أعلمك مع كونه من أفعال القلوب لوجب أن يتعدى إلى ثلاثة مفعولين الثالث هو الثاني ولا يصح حذف المفعول الثالث ولا يصح في هذه الآية حذف مفعول به ثالث. والسبيل الطريق تذكر وتؤنث وجمعها سبل قال الله تعالى " قل هذه سبيلي " وقال عز وجل " وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا ".
(1/18)

والأدب الذي كانت تعرفه هو ما يحسن من الأخلاق وفعل المكارم مثل ترك السفه وبذل المجهود وحسن اللقاء قال الغنوي.
كأنه ينكر على نفسه أن يعطيه الناس ولا يعطيهم. واصطلح الناس بعد الإسلام بمدة طويلة على أن يسموا العالم بالنحو والشعر وعلوم العرب أدبياً ويسمون هذه العلوم الآدب وذلك كلام مولد لأن هذه العلوم حدثت في الإسلام. واشتقاقه من شيئين يجوز أن يكون من الآدب وهو العجب ومن الآدب مصدر قولك أدب فلان القوم يأدبهم أدباً إذا دعاهم طرفة.
نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر
فإذا كان من الآدب الذي هو العجب فكأنه الشيء الذي يعجب منه لحسنه ولأن صاحبه الرجل الذي يعجب منه لفضله وإذا كان من الآدب الذي هو الدعاء فكأنه الشيء الذي يدعو الناس إلى المحامد والفضل وينهاهم عن المقابح والجهل. والفعل منه أدبت آدب أدباً حسناً وأنا أديب. و " ناكبين " عادلين والناكب العادل عن الطريق وإنما قيل للعادل عن الشيء ناكب لأنه يوليه منكبه وقالوا للريح العادلة عن مهاب الرياح الأربع نكباء ونكب ينكب نكابة إذا كان عريفاً ونكب ينكب إذا اشتكى منكبه. " ومن اسمه " قال أوب على نون من تحرك بالكسر لالتقاء الساكنين إذا دخلت عليها همزة الوصل قال سيبويه وقد فتح قوم فصحاء فقالوا من ابنك وقالوا عن الرجل فلم يفتحوا كما فتحوا نون من لأنه لم تتوال فيه كسرتان فان دخلت على اسم فيه لام التعريف فتحت نونها نحو من القوم ولم يجيزوا الكسر إلا شاذا وأصل التحريك لالتقاء الساكنين الكسر من بين سائر الحركات وإنما خص به لأن ما يحرك لالتقاء الساكنين فحركته للبناء دون الإعراب ألا ترى أنك تجد في الكلام قبيلين يعربان ولا جر فيمها أحدهما الفعل المضارع والثاني باب مالا ينصرف فلما كانت الكسرة أقل الحركات تصرفا في الإعراب كانت أبعدها منه وإذا كانت أبعدها من الأعراب كانت أقربها إلى البناء فلما احتاجوا إلى إزالة التقاء الساكنين آثروا ما هو أذهب في مناسبة البناء. واشتقاق الاسم من السمو في قول البصريين وهو الصحيح لأنك في الجمع والتصغير ترد اللام المحذوفة تقول أسماء وسمى ولو كان من السمة لقيل أوسام ووسيم فدل على أن من سما يسمو وأيضاً فإنه لا يعرف فيما حذفت فاؤه شيء تدخله ألف الوصل إنما تدخله هاء التأنيث كالزنة والعدة وأصله سمو وأسماء كحنو وأحناء وفيه خمس لغات اسم واسم وسم وسم وسمى كهدى فمن ضم السين قال هو من سما يسمو ومن كسرها قال هو من سمى
(1/19)

يسمى وحذف آخره وسكن أوله اعتلالا على غير قياس ودخلته همزة الوصل لسكون أوله وقيل لحقته همزة الوصل عوضاً من النقص الذي دخله. وقوله متطرين أي متشائمين لنفور طباعهم عنه والطائر والطير الشؤم وأصل ذلك من الطير لأن العرب كان من شأنها عيافة الطير وزجرها والتشاؤم ببارحها وهو ما أخذ منها ذات اليسار إذا أثاروها وبنعيق غربانها قسموا الشؤم طيرا وطائرا وطيرة لتشؤمهم بها هذا هو الصحيح والطيرة في الشر والفأل في الخير والزجر يجمعهما والزاجر الذي يزجر الطير والوحش فيستخرج الطيرة والفأل. " ولأهله هاجرين " الهاجر القاطع يقال هجرته هجراً وهجرة وهجرانا إذا قطعته وسمى المهاجرون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم هجروا أوطانهم إلى مستقره عليه السلام ومنه سميت الهاجرة وهي انتصاف النهار أما لانقطاعها عن وقت البرد وطيب الهواء أو لأنه يهجر السير فيها أي يقطع.
وقوله " أما الناشئ منهم فراغب عن التعليم والشادي تارك للازدياد والتأدب في عنفوان الشباب ناس أو متناسٍ ليدخل في جملة المجدودين ويخرج عن جملة المحدودين ".
الناشئ الحدث الشاب حين نشأ أي ابتدأ في الارتفاع عن حد الصبى إلى الإدراك أو قرب منه يقال للشاب والشابة إذا كانا كذاك وهم النشا مثل خادم وخدم قال نصيب:
ولولا أن يقال صبا نصيب ... لقلت بنفسي النشأ الصغار
والفعل منه نشأ ينشا نشأ ونشأة ونشاءة قال الفراء العرب تقول هؤلاء نشء صدق فإذا طرحوا الهمزة قالوا هؤلاء نشو صدق ورأيت نشا صدق ومررت بنشء صدق. وأجود من ذلك حذف الواو والألف والياء لأن قولهم يسل أكثر من قولهم يسأل. وقوله " راغب عن التعليم " أي زاهد فيه صادف عنه لما يرى من قلة رغبة من فوقه. " والشادي " الذي قد شدا شيئاً من العلم أي أخذ منه طرفا وتعلمه شدا يشدو شدوا. والشادي في غير الموضع المغني. وكأن الشادي المبتدئ بالأخذ من الشيء. والمتأدب الذي قد أخذ من الآدب بحظ وهو متفعل من الآدب يقال منه أدب الرجل يأدب إذا صار أديباً مثل كرم يكرم إذا صار كريماً. وعنفوان الشباب أوله وجدته وكذلك عنفوان البنات وكل شيء أوله ومثل عنفوان الشباب ريعانه وريقه بالتشديد والتخفيف وجنه وسكراته واصطمته وشرخه وربانه كله أوله.
(1/20)

وقوله ناس أو متناس الناسي الذي طبعه النسيان ولا يحفظ وإن تعمل للحفظ يقال منه نسي ينسى نسيانا والمتناسي الذي يتهيأ له أن يحفظ ولا يحفظ وهو الذي يتعمد النسيان يقال منه تناسى ويتناسى وتناسياً وقيل هو الذي يظهر النسيان كالمتجاهل والمتعاقل. ليدخل في جملة المجدودين المجدودون المحظوظون يقال منه جد الرجل فهو مجدود ما تقول حظ فهو محظوظ وفلان جد حظ وجدي حظي وجديد حظيظ إذا كان ذا جد وحظ والجد بفتح الجيم الحظ هنا وهو أيضاً القطع وأب الأب وأبو الأم والعظمة. والجد بالكسر ضد الهزل والاجتهاد في العمل والجد بالضم البئر الجيدة الموضع من الكلأ. " ويخرج عن جملة المحدودين " المحدودون المحرومون كأنهم منعوا الرزق وأصل الحد المنع ومنه سمى البواب حداداً لمنعه الناس من الدخول وسمى حد السارق حداً لمنعه إياه من المعاودة. وأراد بالمحدودين العلماء وقيل لبعض الحكماء لم لا يجتمع العلم والمال فقال لعدم الكمال وقال إبراهيم بن شكلة:
مع أنني واجد في الناس واحدة ... الرزق أروغ شيء عن ذوي الأدب
وقوله " فالعلماء مغمورون وبكثرة الجهل مقموعون حين خوى نجم الخير وكسدت سوق البر وبارت بضائع أهله ".
وأحد العلماء عالم كشاعر وشعراء ويكون وأحدهم عليما ككريم وكرماء وظريف وظرفاء. والمغمور الخامل وهو مأخوذ من الغمر وهو الماء الكثير وأصله التغطية فكأن المغمور الذي قد غشيه ماء كثير فغطاه وهو ههنا الذي غمر بجهل الناس فلا يعرف. والغمير نبت صغير في أصل الكبير كأنه غمره. والغمر الذي لم يجرب الأمور لغلبة الجهل عليه والغمر الحقد منه أيضاً. وكرة الجهل دولته ورجوعه قال الله تعالى " ثم رددنا لكم الكرة عليهم " أي الدولة والفعل منه كريكر كراً إذا عطف ورجع بضم الكاف من المستقبل وما كان من فعل ومضاعفا غير متعد فعين مستقبله في الأكثر مكسورة نحو عف يعف وخف يخف وما كان متعدياً فيفعل منه مضموم كمد يمد ورد يرد إلا أحرفا جاءت بالوجهين وهي شده يشده ويشده وعله يعله ويعله إذا سقاه ثانيا ونم الحديث ينمه وينمه وهره يهره ويهره كرهه وبته يبته ويبته قطعه وأضني الأمر يؤضني ويئضني إذا أضطرك ومن قال حببته فمضارعه
(1/21)

أحبه بالكسر. والجهل ضد العلم وأصله من الطيش والخفة فحقيقة الجهل خفة تصيب الإنسان استجهلت فلانا إذا استخففته حتى تنزيه واستجهل هو أي أنتقل من حد العلم إلى الجهل كما تقول استنوق الجمل واستتيست الشاة قال الشاعر:
هيهات قد سفخت أمية رأيها ... واستجهلت حلماؤها سفهاؤها
حلماؤها مبتدأ وسفهاؤها الخبر ويجوز أن يكون حلماؤها بدلا من أمية بدل الاشتمال وسفهاؤها رفع باستجهلت تقديره وسفهت حلماء أمية فاستجهلت سفهاؤها. والمجهلة الامر يحملك على الجهل. والمقموع المقهر تقول قمعته أي أذللته وقمعته أي ضربته بالمقمعة. وخوى نجم الخير أي سقط واصله من الانواء وهي منازل القمر وقد ذكرها ابن قتيبة. وأصل أخوى من الخلو يقال خوى نجم كذا إذا خلا من المطر عند سقوطه أي أخلف مطره يخوى خيا وأخوى أيضا يقال خوى المنزل يخوى خويا إذا خلا وخوى يخوى وخوى جوفه من الطعام مثله وقال كعب ابن زهير في خوى النجم:
قوم إذا خوت النجوم فانهم ... للطارقين النازلين مقار
وأنشد الفراء في أخوى
وأخوت نجوم الاخذ إلا أنضة ... أنضة محل ليس قاطرها يثري
ثم استعمل خوى فيما يقل خيره وتسقط دولته يقال خوى النجم مشدد إذا طار وخوى إذا أفل وسمى النجم نجما بالطلوع يقال نجم النجم والنبت إذا طلعا وكل طالع ناجم. وكسدت سوق البر الكساد خلاف النفاق ونقيضه وسوق كاسدة بائرة وقيل الكساد الفساد والسوق موضع البيع وسميت سوقا لأن الأشياء تساق اليها أي تجلب للبيع وهي مؤنثة وقد جاء تذكير ما في الشعر قال الشاعر:
بسوق كثير ريحه وأعاصره
والبر كل ما تقرب به إلى الله عز وجل من عمل خير فهو بر هذا قول الزجاج وقال غيره البر خير الدنيا وخير الاخرة فخير الدنيا ما ييسره الله للعبد من الهدى والنعمة والخيرات وخير الاخرة والفوز بالنعيم الدائم في الجنة والفعل منه بررته أبره براً والبر الاسم وبارت السوق أفرط رخص سلعتها وكسدت وقي الحديث " نعوذ بالله من بوار الأيم " أي كسادها وهو أن تبقى المرآة في بيتها لا يأتيها خاطبها وأصل ذلك من الفساد والهلاك يقال بارت الأرض إذا خرجت وبار الشيء إذا هلك. والبضاعة
(1/22)

القطعة منة المال يتجر فيها واشتقاقها من البضع وهو القطع ومنه البضعة من اللحم وهي القطعة منه وسيف باضع إذا مر بشيء قطع منه بضعة ويقال بضعه بلسانه يبضعه بضعا.
وقوله " وصار العلم عاراً على صاحبه والفضل نقصا وأموال الملوك وقفاً على النفوس والجاه الذي هو زكاة الشرف يباع بيع الخلق " العار العيب ولم يستعمل الفعل منه إلا بالزيادة عيرت الرجل تعييراً رميته بالعار. والفضل الزيادة من علم وغيره يقال فضل الرجل وفضل واسم الفاعل من فضل فاضل مثل فهو عالم وجمعه فضلة ككاتب وكتبة فأما فضلاء فهو جمع فعيل ولم يتكلموا به اكتفاء بفاعل وفعيل مبنى لما ماضيه فعل ككرم فهو كريم وحلم فهو حليم والجمع حلماء وكرماء ولما جاء فضل على وزن كرم آخرجوه في الجمع إلى باب فعيل فقالوا فضلاء ومثله شاعر شعراء على غير قياس فأما علماء فإنه لما جاء فيه عالم وعليم استغنوا بجمع عليم عن جمع عالم فقالوا علماء. والمعنى وصار ما في الإنسان من الزيادة ومن العلم الذي تحلاء القلوب لنباهته مغمور بالمستعلين بضده فهم يرونه نقصاً لخلوهم منه وافتقار أهله وأهل العلم يرون أن ما أعطوا من العلم أفضل مما حرموا من المال إلى هذا ذهب الشاعر في قوله:
ما سرني أن ملك الأرض أصبح لي ... وأنني كنت عرياناً من الآدب
وقوله وأموال الملوك وقفاً على النفوس أي وصارت أموال الملوك حبساً على شهوات النفوس وملاذها غير مصروفة في سبل الخير وطرق البر وقوله وقفا روى أبو عبيد عن الكسائي وقفت الدابة والأرض وكل شيء إذا حبسته فأما أوقفت فهي ردية وعن أبي عمرو بن العلاء وقفت في كل شيء إلا أني لو مررت برجل واقف فقلت ما أوقفك ههنا لرأيته حسنا قال أبو زيد أوقفت الرجل على خزية إذا كنت لا تحبسه بيدك ووقفت دابتي إذا حبستها بيدك وقال أبو عمرو الشيباني كان على أمر فأوقف أي أقصر. ثعلب أوقفت المرأة إذا علمت لها وقفا وهو السوار من العاج فقد ثبت من هذه الأقوال أن لا وقفت خمسة مواضع ويحكى عن اليزيدي أنه قال سألت ابن قتيبة عن قوله وقفا على النفوس فقلت لم تزل الأموال كذلك فقال الأموال في سالف الدهر كانت تنفق في الحقوق الواجبة اللازمة فصارت اليوم تنفق في
(1/23)

المواضع التي تميل النفس إليها وروى لنا الشيخ أبو زكرياء عن القصباني عن الزخرفي في النقوش بالقاف والشين المعجمة يريد به زخرفة الدور وتزويقها ووشى الثياب وتوسيعها وأصل النقش الأثر وقال أعرابي يذهب الرماد حتى ما ترى له نقشا أي أثرا في الأرض. والجاه المنزلة عند السلطان وألفه منقلبة من واو وقال قوم هو مقلوب من الوجه واستدلوا بقولهم وجه الرجل إذا صار ذا جاه فحولت فاء الفعل إلى وضع العين ومثله طمرت العين قذاها أي طرحته وما أطيبه وأيطبه والمعنى وصار الجاه الجاه الذي يجعله ذوو والشرف زكاة لشرفهم فيبذلونه لذوي الحاجات والرغبات عند من يبيعه بأدنى عرض ويبذله بالتافه ولا يرى منحه تطوعا كما كان يفعله من كان قبل من الرؤساء وذكر أن الحسن بن سهل جاءه رجل يستشفع به في حاجة فقضاها فأقبل الرجل يشكر فقال الحسن علام تشكرني ونحن نرى أن للجاه زكاة كما أن للمال زكاة ثم أنشأ الحسن يقول:
فرضت عليّ زكاة ما ملكت يدي ... وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا
فإذا ملكت فجد فإن لم تستطع ... فاجهد بوسعك كله أن تشفعا
والزكاة سميت بذلك لأنها مما يرجى به زكاة المال وهي زيادته ونماؤه وقال قوم سميت زكاة لأنها طهرة واحتجوا بقوله تعالى " وتزكيهم بها " وأصلها زكوة على فعله فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها والفعل منها زكى الرجل ماله يزكيه تزكيه والزكاة أيضاً الصلاح يقال رجل تقي زكي وزكا الزرع ظهرت زيادته. والشرف الرفعة تقول شرف الرجل يشرف شرفاء والخلق الثوب البالي سمى خلقا لملاسته ومن ذلك قيل للصخرة الملساء خلقاء وقيل في ضده حلة شوكاء إذا كانت حديدا اشتقوا لها وصفا من لفظ الشوك لخشونة ملبسها والخلق يستعمل في المذكر والمؤنث بغير هاء لأنه مصدر والفعل منه خلق الثوب خلوقة خلوقا وأخلق اخلاقا وجمع الخلق خلقان واخلاق وقالوا ثوب أخلاق للواحد فوصفوه بصيغة الجمع كما قالوا حبل أرماث ونحو ذلك قال الشاعر:
جاء الشتاء وقميصي أخلاق
وتأويل ذلك أن القميص وإن كان واحدا فهو مضموم بعضه إلى بعض من قطع متفرقة فصارت الأخلاق لازمة لتلك القطع.
وقوله واضت المروءات في زخارف النجد وتشييد البنيان ولذات النفوس في
(1/24)

اصطفاق المزاهر ومعاطاة الندمان ونبذت الصنائع وجهل قدر المعروف وماتت الخواطر ".
آضت رجعت والأيض الرجوع والمروءة كمال الرجولية وهي مصدر قولك مرؤ مروءة وقوم مريؤون ومراء وهي مشتقة من شيئين احداهما أنها مأخوذة من المرء كالإنسانية من الإنسان والآخر أنها من امرأني الطعام لأن الإنسان يهضم نفسه على الصبر على المكارم يشهد لذلك قول الشماخ.
وكل خليل غير هاضم نفسه ... لوصل خليل صارم أو معارز
والزخارف جمع زخرف وهو الزينة والحسن والزخرف الذهب وكل محسن مزين زخرف أي زينتها والنجد ما نجد ونضد من متاع البيت والجمع النجود وأصله الارتفاع ومنه سمي ما ارتفع من الأرض نجدا وسميت نجد نجدا لارتفاعها عن الغور والنجد الطريق الواضح وتقول أمر نجد أي واضح ونجد الأمر نجودا أي وضح ودليل نجد أي هاد، وتشييد البنيان رفعه وأطالته ويقال شيدته فهو مشيد أي مرفوع فاما المشيد فالمطلى بالشيد وهو الجص تقول منه شدته ويقال هما بمعنى واحد. والبنيان مصدر بنى يبني بنيانا وأصله الكسر كما تقول عصى عصيانا وهو من أبنية المبالغة وجاء مضموما كما قالوا الطغيان والطغيان والغنبان والغنبان. واصطفاق المزاهر أصوات العيدان وهو افتعال من الصفق وهو الضرب وأصله اصتفاق فقلبت التاء طاء لما تقدم والمزاهر جمع مزهر وهو العود وسمى مزهراً لحسن صوته ومن ذلك زهرة الدنيا حسنها وبهجتها وزهرة الحياة الدنيا غضارتها وحسنها وروى ابن الأعرابي عن أبي المكارم قال الزاهر الحسن من النبات. والمعاطاة المناولة وأصلها معاطوة من عطا يعطو إذا تناول فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها. والندمان النديم كما يقال رحمن ورحيم وهو واحد وأصله المنادم على الشراب ثم كثر حتى صار النديم المصاحب والمجالس على غير شراب وفعلان من أبنية المبالغة ولم يجئ من فعل فعلان وفعيل وفاعل إلا قولهم ندم فهو ندمان ونديم ونادم وسلم فهو سالم وسليم وسلمان ورحم فهو راحم ورحيم ورحمان ذكره المفضل بن سلمة وجمع الندمان ندامى مثل سكران وسكارى
(1/25)

وجمع النديم ندماء مثل ظريف وظرفاء الشاعر في الندمان.
إذا كنت ندماني فبالأكبر اسقنى ... ولا تسقنى بالأصغر المتثلم
وقال برج بن مسهر
وندمان يزيد الكأس طيبا ... سقيت إذا تغورت النجوم
وأخبرت عن عبد الله بن مسلم أنه قال أنما قيل لمشارب الرجل نديمه من الندامة لأن معاقر الكأس إذا سكر تكلم بما يندم عليه وفعل ما يندم عليه فقيل لمن شاربه نادمه لأنه فعل مثل فعله كما تقول ضاربه وشاتمه ثم اشتق من ذلك نديم كما تقول جالسه فهو جليسه وقاعده فهو قعيده ويدل على هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصف الجنة " فيها أنهار من عسل مصفى وأنهار من كاس ما بها صداع ولا ندامة ". ونبذت الصنائع تركت وأعرض عنها وأصل النبذ الرمى نبذت الشيء من يدي إذا رميته ومنه سمى النبيذ نبيذاً لأن التمر يلقى ويترك حتى يدرك. والصنائع جمع صنيعة وهي الإحسان وقدر المعروف قيمته وهو القدر أيضا والمعروف والعرف اصطناع الخير واعتقاده في أعناق الرجال وسمى معروفاً لأن كل إنسان فعله أو لم يفعله يعرف فضله ولا ينكر حسنه. والخواطر جمع خاطر وهو الفكر وفاعل يجمع على فواعل إذا كان اسما فأما النعت فلا يجمع عليه لئلا يلتبس بالمؤنث لا تقول في جمع ضارب ضوارب لأنه جمع وقد جاءت أحرف في المذكر على هذا الجمع نحو فارس وفوارس لأنه يختص بالرجال وهالك وهوالك قال ابن جذل الطعان.
فأيقنت أني ثائر ابن مكدم ... غداتئذ أو هالك في الهوالك
وناكس ونواكس قال الفرزدق
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأبصار
وقال ابن الأعرابي حارس وحوارس وحاجب وحواجب من الحجابة ومن ذلك ما جاء في المثل مع الخواطئ سهم صائب وقولهم أما وحواج بيت الله ودواجه جمع حاج وداج والداج الأعوان والمكارون وغائب وغوايب وشاهد وشواهد وقال عتيبة بن الحارث:
ومثلى في غوايبكم قليل
(1/26)

فقيل له نعم وفي شواهدنا وحكى المفضل رافد وروافد وأنشد:
إذ قل في الحي الجميع الروافد
وقوله " وسقطت همم النفوس وزهد في لسان الصدق وعقد الملكوت فأبعد غايات كاتبنا في كتابته أن يكون حسن الحظ قويم الحروف وأعلى منازل أديبنا أن يقول من الشعر أبياتا في مدح قينة أو وصف كأس ".
الهمم جمع همة وهي العزيمة وما يجيله الإنسان في نفسه وهو اتساع همه يقال هم بالشيء إذا عزم عليه أو حدث به نفسه وقيل للملك همام لأنه إذا هم بشيء فعله والزهادة في اللغة أصلها القلة فمعنى قولهم زهدت في الشيء أي قلت رغبتي فيه قال الليث الزهد والزهادة في الدنيا ولا يقال الزهد إلا في الدين والزهادة في الأشياء كلها وقال ثعلب في الفعل منه زهد وزهد وزهد. ولسان الصدق الثناء الحسن قال الله تعالى " واجعل لي لسان صدق في الآخرين " واللسان لسان الإنسان والكلام واللغة والرسالة ويقال للسان الإنسان مقول ولقلق. والصدق ضد الكذب واشتقاقه من قولهم رمح صدق إذا كان قويا صلبا ومنه يقال هو صدق النظر وصدق اللقاء إذا كان قويهما فحقيقة معنى الصدق قوة الخبر كما أن معنى ضعف الخبر من قولهم حمل عليه فما كذب أي فما ضعف. وعقد الملكوت مصدر عقدت الحبل عقدا شددته والملكوت الملك وهو فعلوت منه مثل الجبروت من التجبر والرحموت من الرحمة والمعنى وقلة الرغبة في الثناء الحسن وفي بلوغ الملك وقيل أراد بعقد الملكوت اعتقاد ملكوت الله بالقلب ومعرفته على الحقيقة بنور النفس ويروى وعقد الملكوت بضم العين وفتح القاف جمع عقده أي زهد في اتخاذ الشرف والرعفة بالتوحيد والعلم. والغايات جمع غاية وغاية الشيء منتهاه وغاية الجيش رايته، كذلك غاية الخمار والغاية القصبة التي تصاد بها العصافير والقويم وإنما ذكر ذلك منكرا على من اقتصر من الكتاب على حسن الحظ دون غيره ورأى أنه قد تناهى في الكمال إذا كان حسن الحظ ولم يقصد إلى عيب حسن الحظ فإن ذلك محمود بالجملة وقد جاءت في الحظ والقلم آثار كثرة فمنها ما روى عن ابن عباس رحمه الله أنه قال في قوله تعالى " أو إثارة من علم " قال الحظ الحسن وفسر بعضهم قوله تعالى " يزيد في الخلق ما يشاء " أنه الحظ الحسن وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " الحظ الحسن يزيد الحق وضوحا " وقيل حسن الحظ
(1/27)

إحدى البلاغتين ورداءته إحدى الزمانتين وأنكر أيضاً على من رضى من الأدباء يقتصر من الآدب على أن يقول من الشعر أبياتا في مدح قينة أو وصف كأس وقنعٍ بهذه المنزلة وكان ذلك أفضل ما فيه وليست هذه مرتبة العلماء فأما من كان عالما وانضم الى علمه طبع في قول الشعر فليس هذا الطعن متعلقا به وأبيات تصغير أبيات وإنما جاز تصغير هذا الجمع لأنه جمع قلة وجمع القلة يشبه التصغير من حيث أنه تقليل كما أن التصغير تقليل وشبة الآحاد ألا ترى أنه يفسر به العدد نحو ثلاثة أكلب وأصل العدد أن يفسر بالواحد نحو أحد عشر درهما فلهذا المعنى صغر على لفظة فأما جمع الكثرة فلا يجوز تصغيره على لفظه لأن المراد بتصغير الجمع تقليل عدده وذلك ضد الكثرة فكان يتنافى لكن يرد إلى أدنى العد فإن لم يكن له أدنى عدد رد إلى الواحد وألحق الواو والنون إن كان ممن يعقل والألف والتاء إن كان مما لا يعقل تقول في جعافر جعيفرون وفي مساجد مسجدات فأما أسماء الجموع فتحقيرها تحقير الآحاد تقول في تحقير قوم ورهط قويم ورهيط. وأمثلة القلة أربعة أفعل كاء كلب وأفعل كاء جمال وأفعلة كأرغفة وفعله كصبية وحده من الثلاثة إلى العشرة. والقينة الأمة مغنية كانت أو غير مغنية قال زهير.
رد القيان جمال الحي فاحتملوا ... إلى الظهيرة أمر بينهم لبك
أراد الإماء أنهن رددن جمال الحي لشد أقتابها عليها واشتقاقها من قانت المرأة الجارية إذا زينتها والماشطة تدعى المقينة وقال ابن كيسان إنما سميت قينة لأنها تعمل بيدها مع غنائها وكل صانع بيده قين إلا الكاتب ثم سميت الأمة وإن تكن صانعة قينة للمغنية وإن لم تكن أمة قينة إذا كان الغناء صناعة لأن ذلك من عمل الإماء دون الحرائر والوصف النعت للشيء بحليته والكأس القدح فيه الخمر فإن لم يكن فيه خمر فهو قدح والكأس مهموزة مؤنثة وجمعها كؤوس قال الأزهري وأحسب اشتقاقها من قولهم كأص فلان الطعام والشراب إذا أكثر منه لأن الصاد والسين يتعاقبان في حروف كثيرة لقرب مخرجيهما وذكر قوم إن الكأس الشراب بعينه.
وقوله " وأرفع درجات لطيفنا أن يطالع شيئا من تقويم الكواكب وينظر في شيء من القضاء وحد المنطق ثم يعترض على كتاب الله بالطعن وهو لا يعرف معناه وعلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكذيب وهو لا يدري من نقله "
الدرجات المنازل والدرجة العلو في المنزلة ودرجات الجنان منازل ارفع من
(1/28)

منازل. واللطيف يريد به الدقيق الفكر من الناس الذي يغوص على المعاني ويعني به المتفلسف والمنجم لدقة نظرهما ولطف فهمهما. وطالع الشيء إذا أشرف عليه ولم يستقص ويبالغ فيه وهو مما جاء من فاعل للواحد وطالع الوعل الماء إذا ورده مشرفا عليه. قال النمر بن تولب:
إذا شاء طالع مسجورة ... ترى حولها النبع والسأسما
المسجورة عين مملوءة والنبع شجر تعمل منه القسى والسأسم قيل شجر الآبنوس والتطلع التشوف وتقويم الكواكب حساب سيرها وحركاتها وهو مصدر قومته تقويما قال أبو زيد أقمت الشيء وقومته فقام بمعنى استقام قال والاستقامة اعتدال الشيء واستواؤه واستقام فلان بفلان أي مدحه وأثنى عليه. والكوكب النجم وهو مما جاءت فاؤه وعينه من موضع واحد كددن وهو اللعب ويقال كوكب وكوكبة كما قالوا بياض وبياضة وعجوز وعجوزة وكوكب الشيء أيضا معظمه وكوكب الروضة نورها وكوكب الحديد بريقه وتوقده وذهب القوم تحت كل كوكب إذا تفرقوا والقضاء يريد به أحكام النجوم ههنا وهمزة القضاء منقلبة من ياء وهو فعال من قضيت وأصله قضاى فقلبت الياء همزة لوقوعها طرفا بعد ألف زائدة والقضاء في اللغة على ضروب كلها يرجع إلى معنى انقطاع الشيء وتمامه فمنها قوله تعالى " وقضى ربك ألا تعبدو إلا إياه " والقضاء الإعلام وقضينا إلى بني إسرائيل أعلمناهم إعلاماً قاطعا والقضاء الفصل في الحكم وقضاء الدين أداؤه لأن أداءه يقطع ما بين الغريمين وكل ما أحكم فقد قضى قضاء. وحد المنطق قيل يريد به صناعة المنطق وهي علم القياسات والحد والقسمة. والحد هو لفظ وجيز دال على حقيقة الشيء كقولك في حد الإنسان حي ناطق مائت وسمى الحد حدا لأنه يمنع المحدود أن يخرج منه بعضه أو يدخل فيه غيره والحد في اللغة المنع. وقوله بالطعن الطعن مصدر طعن قال قوم يقال طعن بالرمح يطعن بضم العين طعنا وطعن عليه في علم أو نسب أو ما أشبهه يطعن بفتح العين طعنانا وينشدون قوله الشاعر:
وأبى ظاهر الشناءة إلا ... طعنانا وقول ما لا يقال
وقال آخرون يطعن ويطعن طعنا وطعنانا فيهما جميعا قال الكسائي لم أسمع أحدا من العرب يقول يطعن بالرمح ولا في الحسب إنما سمعت يطعن وقال الفراء سمعت أنا يطعن بالفتح. ومعنى الشيء محنته وحاله التي يصير إليها أمره وعن
(1/29)

ثعلب المعنى والتفسير والتأويل واحد ويقال عناني هذا الأمر يعنيني عناية فأنا معنى واعتنيت بأمره. والتكذيب مصدر كذبة إذا نسبه إلى الكذب وأكذبه إذا وجده كاذبا وقال الكسائي أكذبته إذا أخبرت أنه جاء بالكذب ورواه وكذبته إذا أخبرت أنه كاذب وقال ثعلب هما بمعنى واحد وأصل النقل تحويل الشيء من موضعٍ إلى موضعٍ.
وقوله " قد رضي عوضا من الله ومما عنده بأن يقول فلان لطيف وفلان دقيق النظر يذهب إلى أن لطف النضر قد أخرجه عن جملة الناس وبلغ به علم ما جهلوه فهو يدعوهم الرعاع والغثاء والغثر ".
العوض البدل والخلف وهو اسم من قولك عاض يعوض عوضا وعياضا يقال عاضه الله خيرا وأعاضه وعوضه. والرعاع رذال الناس وضعفاؤهم وهم الذين إذا فزعوا طاروا ويقال للنعامة رعاعة كأنها أبدا منخوبة فزعة والغثاء ما حمله السيل من القماش شبه به السفلة لأنه لا ينتفع به قال أبو زيد غثا الماء يغثو غثوا وغثاء إذا كثر فيه البعر والورق والقصب وعنه أيضا غثا الوادي يغثو غثوا فهو غاث إذا كثر غثاؤه والغثر جمع أغثر وهو الأحمق وعن الأصمعي الغثراء من الناس الغوغاء وأصله من الغثر وهي الغمرة ويقال للضبع غثراء للونها وهي أحمق الدواب فشبه الحمقى من الناس بها.
وقوله " وهو لعمر بهذه الصفات آولى وهي به أليق لأنه جهل وظن أن قد علم فهاتان جهالتان ولأن هؤلاء جهلوا وعلموا أنهم يجهلون " قوله لعمر الله هو قسم ببقائه عز وجل والعمر البقاء ويقال عمر وعمر وعمر ولا يستعمل في القسم إلا الفتح لأن القسم كثر في الكلام فاستعمل فيه المفتوح لأنه الأخف وهو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف تقديره لعمر الله قسمى أو ما أقسم به فان حذفت اللام نصبت فقلت عمر الله ونصبه أما بفعل القسم أو على حذف الباء أو على المصدر كأنك قلت عمرتك الله تعميرا فجعلت العمر في موضع التعمير. وقوله أليق أي ألصق وألزم وأصل الالتياق لزوم الشيء للشيء يقال هذا الأمر لا يليق بك أي لا يحسن بك حتى يلصق بك ومن قال لا يليق بك فمعناه أنه ليس بوفق لك ومنه تلييق الثريد بالسمن إذا أكثر أدمه ويقال لقت الدواة وألقتها أي ألصقت المداد بها وما ألاقتنى البلاد أي ما لصقت بي أي لم أثبت بها وظن أن قد علم أي أيقن أنه قد عرف والظن يكون يقينا وشكا وتهمة فإذا كان يقينا وشكا دخل على المبتدأ والخبر فنصبهما وإذا
(1/30)

كان تهمة تعدى إلى مفعول واحد. وعلم الأول بمعنى عرف يتعدى إلى مفعول واحد والثاني من أفعال الشك واليقين يتعدى إلى مفعولين.
وقوله " ولو أن هذا المعجب بنفسه الزاري على الإسلام برأيه نظر من جهة النظر لأحياه الله بنور الهدى وثلج اليقين ولكنه طال عليه أن ينظر في علم الكتاب وفي أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته وفي علوم العرب ولغاتها وآدابها.
المعجب الذي يعجب بما يكون منه وأن كان قبيحا والزاري المستصغر العايب يقال زري عليه فعله إذا عابه عليه زاري ومزرية وزريانا عن أبي زيد وأزري به إذا قصر به إزراء والإسلام أصله الانقياد وقيل الإخلاص والرأي أي القلب وهو ما يراه الإنسان في الأمر وجمعه آراء وأراء على القلب والفعل منه رأى وراء وقوله نظر من جهة النظر يريد أن الناظر منهم لو نظر من جهة الحق والتبصر والاسترشاد لهداه الله ولكنه يقصد معاندة الحق والإعجاب برأيه. والهدى الرشد تقول منه هديت إلى الحق وهديت للحق قال ابن الإعرابي الهدى إخراج شيء إلى شيء والهدى أيضا الطاعة والروع والهدى الهادي في قوله تعالى " أو أجد على النار هدى " أي هاديا والهدى أيضا الطريق قال الشماخ.
قد وكلت بالهدى إنسان ساهمة ... كأنه من تمام الظمئ مسمول
ويقال هداه في الطريق هدى وهداه الطريق هداية وهديت العروس هداء وأهديت الهدية والهدى اهداء والهدى أحد المصادر التي جاءت على فعل نحو السرى والتقى والبكا. وثلج اليقين برد اليقين والثلج الشيء الذي تسر به يقال ثلج فؤادي بالشيء يثلج وثلج يثلج أيضا إذا سر به وبرد ما كان يجد من حرارة الحزن كما يقال في ضده أحرق الحزن فؤاده ويقال في غير هذا المعنى ثلج فؤاد الرجل فهو مثلوج إذا كان بليدا وثلجت السماء جاءت بثلج كمطرت جاء بمطر. والصحابة بالفتح الأصحاب وهي في الأصل مصدر يقال صبحه بالضم وصحابة بالفتح وجمع الصاحب صحب مثل راكب وركب وصحبة مثل فاره وفرهة وصحاب مثل جائع وجياع وصحبان مثل شاب وشبان والأصحاب جمع صحب مثل فرخ وأفراخ وجمع الأصحاب أصاحيب وقولهم في النداء يا صاح معناه يا صاحبي ولا يجوز ترخيم المضاف إلا في هذا وحده سمع من العرب مرخما. والعلوم جمع علم مصدر علم وجاز جمعه لاختلاف أنواعه فإن لم تختلف أنواعه ولم تدخله
(1/31)

الهاء لم يثن ولم يجمع. وقوله ولغاتها اللغات جمع لغة وأصل اللغة لغوة من لغا يلغو إذا تكلم وقال ابن الإعرابي لغا فلان عن الصواب وعن الطريق إذا مال عنه قال واللغة أخذت من هذا لأن هؤلاء تكلموا بكلام مالوا فيه عن لغة هؤلاء الآخرين وقال الكسائي لغا في القول يلغا وبعضهم يقول يلغو قال ولغى يلغى لغة والمصدر لغو وقال الليث اللغة واللغات واللغين اختلاف الكلام في معنى واحد.
وقوله " فنصب لذلك وعاداه وانحراف عنه إلى علم قد سلمه له ولأمثاله المسلمون وقل فيه المتناظرون له ترجمة تروق بلا معنى واسم يهول بلا جسم "
نصب لذلك أي قصد له وتجرد يقال منه نصب فلان لفلان نصبا وكل شيء جعلته علما فهو نصب والنصب ضرب من السير لين وهو أيضا ضرب من الغناء والنصب بفتح الصاد التعب والنصب الشر والنصب بالكسر لغة في النصيب. وقوله وعاداه هو فاعله من العداوة وهي خلاف المصادقة واشتقاق العداوة من العدوان وهو الظلم وقال ابن الأنباري قولهم هو عدوه معناه هو يعدو عليه بالمكروه ويظلمه. وقوله ترجمة الترجمة تفسير لسان بلسان آخر وهو تفعلة من رجمت أرجم رجما إذا ظننت وحدست ومنه قوله تعالى " رجما بالغيب " وقال الهذلي:
إن البلاء لدى المقاوس مخرج ... ما كان من عيب ورجم ظنون
فكأن الترجمان الذي يصيب بطنه معنى كلام المتكلمين بلسانين قال اللحياني يقال ترجمان وترجمان وقهرمان وقهرمان. ويروق يعجب راقني الشيء يروقني أي أعجبني. ويهول يخيف والهول المخافة من الأمر على ما يهجم عليه منه كهول الليل وهول البحر تقول هالني الأمر يهولني وأمر هائل والجسم يجمع البدن وأعضاؤه من الناس والإبل والدواب ونحو ذلك مما عظم من الخلق الجسيم والفعل جسم يجسم جسامة والجسمان جسم الرجل أيضا وكذلك الجثمان وهو ههنا مثل.
قوله " فإذا سمع الغمر والحدث الغر قوله الكون والفساد وسمع الكيان والأسماء المفردة والكيفية والكمية والزمان والدليل والأخبار المؤلفة راعه ما سمع وظن أن تحت هذه الألقاب كل فائدة وكل لطيفة فإذا طالعها لم يحل منها بطائل ".
الغمر الذي لم يجرب الأمور يقال منه غمر بالضم يغمر غمارة وجمع الغمر
(1/32)

أغمار وهو المغمر أيضا. والحدث الناشئ فإن قلت السن زدت ياء فقلت حديث السن وجمع الحدث حدثان ورجل حدث وحدث إذا كان كثير الحديث حسن السياق له وهو حدث ملوك إذا كان صاحب حديثهم ويقال أخذه منه ما قدم وما حدث ولا يضم حدث في شيء من الكلام إلا مع قدم اتباعا له والغر الحدث الغافل وهو العزيز والغرارة الحداثة وقد غريغر بالكسر غرارة وجارية غرة وغريرة وعيش غرير إذا كان لا يفزع أهله والغار الغافل. والكون عندهم وجود الجوهر عن عدم مثل وجود عمرو بعد أن لم يكن والفساد عدم الجوهر عن وجود مثل أن يموت عمرو بعد أن كان حيا. ومثل بعضهم الكون والفساد بالنطفة تقع في الرحم فتنعقد منها علقة ثم تصير خلقا فإذا انعقدت النطفة فسد المنى فيصلح غيره ويفسد هو قال ومثلوا هذا بالحطب والرماد فتكون الرماد يفسد الحطب وقالوا وليس شيء يتكون إلا بفساد غيره فهذا معنى الكون والفساد وسمع الكيان كتاب من كتب أرسطاطاليس وقالوا تأويله اسمع معنى ما تكون أو يتكون والكيان بالسريانية هو الطبيعة ويريدون بالطبيعة الشيء الذي يصرف هذه الأجسام ويحركها إلى مواضعها كالمعنى الذي يحرك المسجد إلى أسفل والمعنى الذي يحرك النار إلى العلو. ويروي سماع الكيان وليس بالجيد لأنهم يسمونه سماع الجوهر وسمع أقرب إلى سماع لأنهما مصدران والسمع إنما هو الصيت وسمى بذلك لأنه أول ما يسمعه المتعلمون لهذا العلم ويسمى أيضا السمع الطبيعي والسماع الطبيعي. والأسماء المفردة هي الأسماء التي ركب منها الكلام التام نحو زيد وعمرو والإنسان والفرس وكذلك الأفعال المفردة يعبرون عنها بالأسماء المفردة نحو خرج وعلم فإذا ركبت حصل منها كلام تام مفيد نحو زيد خارج وعلم عمرو والفرس جواد وهو الذي يسميه النحويون جملة. والكيفية قالوا هو من قولهم كيف هذا الشيء وكيف زيد فكيف سؤالك عن حال الجسم من الحرارة والبرودة والسواد والبياض والكمية هو من قولهم كم المال وكم هذا الشيء وكم سؤال عن عدد وهو عدد من مساحة الإنسان كقولك ذراع وذرعان وشبر وشبران والزمان كقولك كان الخروج اليوم أو أمس ويسمونه مقولة متى والدليل كقولك غلام زيد وعبد عمرو وهو يسمى الإضافة والأخبار المؤلفة أي المجموعة وهي الأخبار التي انتقلت من الألفاظ المفردة وذلك أنك إذا قلت خرج زيد كان ذلك خبر قد ائتلف من لفظتين مفردتين إحداهما خرج والأخرى زيد وهو بمنزلة الكلام الذي يسميه النحويون جملة. راعة أي
(1/33)

أفزعه والروع بالفتح الفزع والروع بالضم الجلد وسمى روعاً لأنه موضع الروع أي الفزع فمعنى راعه أصاب بالفزع روعه أي قبله كما تقول جلده وفي الحديث " إن في كل أمة محدثين ومروعين فإن يكن في هذه الأمة منهم أحد فهو عمر " فالمروع الذي ألقى في روعه الصواب والصدق وكذلك المحدث كأنه حدث بالحق الغائب فنطق به والأروع الجميل الذي يروعك بجماله والفائدة ما يستفيده من مال أو علم أي يستحدثه ويحصل له ويقال أفدت المال أعطيته غيري وأفدته استفدته قال القتال:

مهلك مال ومفيد مال
أي مستفيد وفاد المال نفسه يفيد إذا ثبت له والاسم الفائدة. واللطيفة ما يطرف به الرجل صاحبه ويتحفه به من مال أو علم ليعرف بره. واللطف البر والكرامة وجمع لطيفة لطائف. وطالعها أشرف عليها ووقف على معناها. ولم يحل لم يظفر يقال ما حليت منه شيأ أي ما أصبت وحكى أبو جعفر الرواسي ما حليت منه بطائل بالهمز أي ما أصبت ويقال حلي الشيء بعيني وبصدري وفي عيني وفي صدري وحلا في فمي الشراب يحلو ويحلى فيهما جميعا. والطائل الشيء النفيس الذي له فضل مأخوذ من الطول وهو الفضل.
وقوله " إنما هو الجوهر يقوم بنفسه والعرض لا يقوم بنفسه ورأس الخط والنقطة لا تنقسم والكلام أربعة أمر واستخبار وخبر ورغبة ثلاثة لا يدخلها الصدق والكذب وهي الأمر والاستخبار والرغبة وواحد يدخله الصدق والكذب وهو الخبر "
لفظة الجوهر ليست بالعربية وإنما هي فارسية معربة ويجوز أن تكون عربية ووزنها فوعل من الجهر والجوهر عندهم هو الجسم وحدوه بأنه الشيء الذي له طول وعرض وعمق وهو يقوم بنفسه والعرض كالطعم والريح واللون وهو لا يقوم بنفسه وإنما يوجد في الأجسام. ونهايات الجسم عندهم سطوح والسطح ماله طوله وعرض فقط ولا عمق له ونهايات السطح خطوط والخط هو طول فقط ولا عرض له ولا عمق له ونهاية الخط النقطة وهي جزء لا يتجزأ وليس يراد نقطة ينقطها الكاتب لأن تلك شكل بسيط وإنما هي شيء يدرك بالوهم لا قدر له ونهاية الخط نقطتان والخط المستقيم هو الموضوع على مقابلة النقطة وقالوا النقطة لا تنقسم لأنها لو انقسمت لكانت خطا وقولهم رأس الخط معناه ابتداء الخط ونهايته فأتم
(1/34)

الأشكال هو المجسم وهو الطويل العريض العميق دون الجهات الست التي هي قدام ووراء ويمين وشمال وفوق وتحت فكل طويل عريض عميق ذي جهات ست جسم وليس إلى وجود شكل أتم من هذا السبيل وإذا حل الجسم بأن يرفع منه العمق بقي الطول والعرض بذلك الشكل البسيط ثم ينحل هذا البسيط إلى الخطوط بأن يقدر رفع العرض منه فيبقى الطول وحده وهو الخط وإنما هو خط وهمي لا ما يصوره الكاتب ثم ينحل الخط إلى نقطة وهو نهاية ما يتناهى إليه وليس دونها ما هو أصغر منها فتنحل إليه. وقد اختلف الناس في معاني الكلام اختلافا كثيراً فزعم الأوائل أنه أربعة أقسام خبر واستخبار وأمر وطلب واختلف المتأخرون في ذلك وزاد بعضهم الدعاء والتمني والعرض وزادوا شيئاً آخر ونقصوا فالخبر النبأ عمن تستخبر تقول أخبرني وخبرني وجمع الخبر أخبار والخبر العلم بالشيء والاستخبار طلب الخبر وهو الاستفهام كقولك أزيد عندك والدعاء النداء بمن تريد عطفه أورده أو تنبيهه كقولك يا زيد والتمني أن تقدر الشيء وتحب أن يصل إليك واشتقاقه من المنى وهو القدر نحو قولك ليت لي مالا أنفقه والعرض كقولك إلا تنزل بنا والأمر لمن هو دونك نحو اذهب والطلب والرغبة لمن هو فوقك تقول للخليفة انظر في أمري ففصلوا بينهما في التسمية والنهي خلاف الأمر كقولك لا تفعل. وقال عبيد الله بن أحمد الفزاري النحوي عندي أن أصل الكلام كله في لسان العرب هو الخبر لأن الكلام المفيد لا يكون إلا جملة لها طرفان أحدهما الحديث والآخر المحدث عنه وأن الاستخبار هو جملة الخير زيد عليه حرف دل به المتكلم على أنه يريد أن يلفظ الخير كما يزيد المثبت حرفاً يدل على أن جملة الخبر منفية لا مثبتة وكذلك الأمر هو جملة اسم وفعل دل بها الأمر على أنه يريد من المأمور أن يستحق أن يخبر عنه بذلك وعلى هذا سبيل النهي والطلب والتمني والعرض والدعاء وسائر أجناس الكلام.
وقوله " والآن حد الزمانين مع هذيان كثير والخبر ينقسم على تسعة آلاف وكذا مائة من الوجوه فإذا أراد المتكلم أن يستعمل بعض تلك الوجوه في كلامه كانت وبالاً على لفظه وقيداً للسانه وعياً في المحافل وعقلة عند المتناظرين "
قالوا الزمان ماض وحاضر ومستقبل وهو متصل بمنزلة الحظ الممدود حتى
(1/35)

يكون الماضي متصلا بالحاضر والحاضر متصلا بالمستقبل فالحد الذي يتصل به زمان بزمان يسمونه الآن آخر الزمان الماضي وأول الزمان المستقبل بمنزلة النقطة التي يتصل بها الخطان حتى يصيرا واحدا فتكون النقطة مبدأ لأحد الخطين ومنتهى للخط الآخر والآن في غير هذا الموضع مبنى لتضمنه معنى الإشارة وقيل حذفت منه الألف واللام وضمن معناهما فبنى وزيدت فيه الألف ولام أخرى وبني على حركة لسكون ما قبل آخره وفتح لأن الفتحة أخف الحركات أو لأن الفتحة من الألف وهو من شاذ ما بنى لأن فيه الألف واللام وسبيلهما أن تمكنا ما دخلنا عليه وأصله أو أن فحذفت الألف وقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وقيل ألفه منقلبة من ياء تقول آن يئين أينا وأخبرت عن ابن الأنباري أنه قال الآن تفتح نونه وتكسر فمن كسرها قال أصله من الأوان ومن فتحها قال أصله آن لك فدخلت الألف واللام والنون لازم لها الفتح فأما الآن في هذا الموضع فحكمه أن يعرب قرأت على أبي زكرياء عن عال بن عثمان بن جني عن أبيه قال اللام في قولهم الآن حد الزمانين غير اللام في قوله تعالى " قالوا الآن " لأنها في قولهم الآن حد الزمانين بمنزلتها في قولهم الرجل أفضل من المرأة والملك أفضل من الإنسان أي هذا الجنس أفضل من هذا الجنس كذلك الآن إذا رفعه جعله اسم جنس هذا المستعمل في قولك كنت الآن عنده وسمعت الآن كلامه فمعنى هذا كنت في هذا الوقت الحاضر بعضه وقد تصرمت أجزاء منه عنده فهذا معنى غير المعنى في قولهم الآن حد الزمانين فأعرفه وقوله في الحكاية عنهم والخبر ينقسم على تسعة آلاف وكذا وكذا مائة من الو جوه قدوهم وذلك أن المتقدمين اصطلحوا على أن كذا كناية عن العدد فإذا قلت له على كذا وكذا درهما فأقل ذلك أحد عشر درهما لأنه أول عدد ميز بالواحد المنصوب وإذا قلت كذا وكذا درهما فأقله أحد وعشرون وعلى هذا القياس بقية العدد فقوله كذا وكذا مائة أقل ذلك إحدى وعشرون مائة فكأنه قال والخبر ينقسم على تسعة آلاف وإحدى وعشرين مائة فيصير أحد عشر ألفا ومائة وهذا غلط عليهم بعبارة فاسدة لأن العادة لم تجر بأن يقال له على إحدى وعشرون مائة إلا أن يحمل على ما روي عن جابر كنا خمس عشرة مائة وهو نادر. وإن خفض مائة كان لحنا لأنه حكاية عن نيف وعشرين ومميز ذلك منصوب أبدا وجره لحن والصواب أن تقول وكذا مائة بحذف كذا الثانية وخفض مائة على سبيل الحكاية فيكون تقديره ثلاث مائة أو أربع مائة ولعل تكرير كذا وقع من الناقل والله أعلم.
(1/36)

والهذيان كثرة الكلام في غير معنى والوبال أصله الثقل ومنه كلأ وبيل إذا كان لا يمري لثقله وقال تعالى " فأخذناه أخذا وبيلا " أي ثقيلا شديدا ومنه الوابل من المطر لغلظ قطره وشدته. وقياد للسانه أي يقبض لسانه عن التصرف في الكلام كما يقبض القيد اتساع الخطو. والعي الحصر وهو مصدر قولك عي فلان بالمنطق يعيا وأعييت من التعب إعياء ومعناهما واحد لأن الإعياء انقطاع عن العمل من التعب كما أن العي انقطاع الكلام من الحصر. وبالمحافل جمع محفل وهو المجلس والمجتمع في غير مجلس أيضا وأصله الاجتماع والكثرة ومنه المحفلة وهي الشاة التي يجمع لبنها في ضرعها. وعقلة أي حبسة والعقل في اللغة الحبس والمنع ومنه سمى العقل عقلا لأنه يحبس صاحبه عن الحمق وما لا ينبغي ومنه العقال لأنه يمنع يد البعير عن البسط وعقل الدواء بطنه حبسه عن الحدث والدرة عقيلة البحر لأنها محتبسة فيه.
وقوله " ولقد بلغني أن قوماً من أصحاب الكلام سألوا محمد بن الجهم أن يذكر لهم مسألة من حد المنطق حسنة لطيفة فقال لهم ما معنى قول الحكيم أول الفكرة آخر العمل وأول العمل آخر الفكرة فسألوه التأويل فقال مثل هذا رجل قال إني صانع لنفسي كنا فوقعت فكرته على السقف ثم انحدر فعلم أن السقف لا يقوم إلا على اصل ثم ابتدأ في العمل بالأصل ثم بالأس ثم بالحائط ثم بالسقف فكان ابتداء تفكره آخر عمله وآخر عمله بدء تفكره فأية منفعة في هذه المسألة وهل يجهل أحد هذا حتى إلى إخراجه بهذه الألفاظ الهائلة وهكذا جميع ما في هذا الكتاب ".
محمد بن الجهم رجل من البرامكة من أصحاب المنطق وللكندي إليه رسالة. والتأويل التفسير وهو رد فرع إلى أصل واشتقاقه من آل يؤل إذا رجع فإذا قيل أولت كذا فمعناه رددته إلى أصله وقال النصر أصل التأويل من الإيالة وهي السياسة فكأن المتأول للكلام سائسه وواضعه موضعه. والكن ما وقى وستر من كل شيء وهو الكنان أيضا والفعل منه كننت الشيء أكنه كنا وأكننته إكنانا إذا جعلته في كن. والأس أصل البناء وهو الأساس أيضا فجمع الأس أساس وجمع الأساس أسس. وقوله في الحكاية عنه فكان ابتداء تفكره آخر عمله وآخر عمله بدء تفكره غلط لأن قوله وآخر عمله بدء تفكره هو قوله فكان ابتداء تفكره آخر عمله فقد كرر والصواب أن يقول وآخر تفكره بدء عمله. ويقع في بعض الروايات في أول هذه المسألة أو
(1/37)

الفكرة آخر العمل وآخر العمل أول الفكرة وهو تكرير أيضا.
وقوله " ولو أن مؤلف حد المنطق بلغ زماننا هذا حتى يسمع دقائق الكلام في الدين والفقه والفرائض والنحو لعد نفسه من البكم أو يسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وصحابته لأيقن أن للعرب الحكمة وفصل الخطاب ".
دقائق جمع دقيقة وهو ما غمض معناه ودق. والدين هنا الملة ويكون الطاعة والعادة والجزاء والحساب والسلطان. والفقه أصله العلم يقال فحل فقيه إذا كان حاذقا بالضراب وكل عالم بشيء فهو فقيه ومنه قولهم ما يفقه ولا ينقه معناه لا يعلم ولا يفهم يقال فقهت الكلام إذا فهمته حق فهمه ثم صار الفقه علما لعلم الشريعة تقول منه فقه الرجل بضم القاف إذا صار فقيها وقد أفقته أي بينت له تعلم الفقه ففقه عنى بكسر القاف كما تقول أفهمته ففهم. والفرائض جمع فريضة بمعنى مفروضة وهي ما أوجبه الله على العباد ودخلت فيها الهاء لأنها جعلت إسما لا نعتا واشتقاقها من الفرض وأصل الفرض الحزفي الشيء ومنه فرض الصلاة وغيرها لأنه لازم للعبد كلزوم الحز المحزوز والنسب إلى الفرائض فرضي ترده إلى فريضة وكذلك كل جمع غير مسمى به إذا نسبت إليه رددته إلى واحده. والنحو أصله القصد تقول نحا ينحو نحوا إذا قصد ثم صار اسما لعلم الإعراب وذلك لما يحكى أن عليا عليه السلام رسم لأبي الأسود الدئلي الرفع والنصب والخفض وقال انح نحو هذا. والبكم جمع أبكم وهو الأخرس عيا وإن كان يتكلم والفرق بينه وبين الأخرس أن الأخرس لا يتكلم خلقه كالبهيمة العجماء. والحكمة العقل والعلم وهي الحكم أيضاً وكل كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة واصل ح ك م في اللغة المنع من ذلك الحاكم لأنه يمنع من الظلم وحكمة الدابة لأنها ترد غربها وجماحها. والفصل في اللغة قطع ما بين الشيئين. والخطاب مراجعة الكلام وهو مصدر خاطب خطاباً كجادل جدالا فكأن معنى فصل الخطاب قطع الجدال والخصام بإصابة الحجة وقيل في قوله تعالى " فصل الخطاب " أن يفصل بين الحق والباطل ويميز بين الحلم وضده وقيل أما بعد وداود أول من قالها وقيل الفهم في القضاء وقيل الشاهدان ويمين المدعى عليه.
وقوله " فالحمد لله الذي أعاذ الوزير أبا الحسن أيده الله من هذه الرذيلة وأبانه بالفضيلة وحباه بخيم السلف الصالح ورداه رداء الإيمان وغشاه بنوره وجعله هدى
(1/38)

في الضلالات ومصباحا في الظلمات وعرفه ما اختلف فيه المختلفون على سنن الكتاب والسنة ".
يعني بالوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان كاتب المتوكل لأنه عمل له هذا الكتاب فاصطنعه وأحسن صلته واشتقاق الوزير من الوزر وهو الحمل وكأن الوزير يحمل عن السلطان الثقل وقيل اشتقاقه من الوزر وهو الجبل الذي يعتصم به يريد أن السلطان يعتمد عليه ويلجأ إلى رأيه. والرذيلة النقيصة والخسيسة ورذالة كل شيء أردؤه والرذل والرذال من الشيء الدون والفعل رذل يرذل رذالة وهم الرذلون والأرذلون والأرذال. وأبانه بمعنى ميزه وأفرده بالفضل ممن تقدم ذمهم وهو من بان يبين بينا وبينونة وأبانه الله عن كذا أي أفرده وأبعده ويكون أيضاً أبانه لفضيلة أي أظهره بفضيلة العلم والدين فهذا من البيان والفضيلة الدرجة الرفيعة في الفضل وحباه أعطاه والحباء العطية والخيم الأصل والغريزة. والسلف المتقدمون والمعنى فضله الله بشيمة من تقدم من الصالحين ورداه رداء الإيمان أي زينه بزينة الإيمان قال ابن الأعرابي يقال أبوك رداؤك ودارك رداؤك وكل ما زينك فهو رداؤك وغشاه بنوره أي غطاه. قال أبو عمرو وأصل الضلال الغيبوبة يقال ضل الماء في اللبن إذا غاب وضل الكافر عن الحجة ضلالة إذا غاب وضل الناسي إذا غاب عنه حفظه والمصباح السراج بالمسرجة والمصباح نفس السراج وهو قرطه الذي تراه في القنديل ومصابيح النجوم أعلام الكواكب واحدها مصباح والسنة في الأصل سنة الطريق وهو طريق سنة أوائل الناس فصار مسلكا لمن بعدهم والسنة الطريقة المستقيمة المحمودة ولذلك قيل فلان من أهل السنة والسنن الاستقامة والقصد يقال تنح عن سنن الطريق وسننه وسننه أي محجته.
وقوله " فقلوب الخيار له معتقلة ونفوسهم إليه صبة وأيديهم إلى الله فيه مظان القبول ممتدة وألسنتهم بالدعاء له شافعة يهجع ويستيقظون ويغفل ولا يغفلون ".
الخيار خلاف الاشرار ويقال للواحد خيار يقال ناقة خيار وجمل خيار وفي حديث مرفوع اعطوه جملا رباعيا خيارا والخيار الاسم من الاختيار ويكون الخيار جمع أخير وقلما يجمع أفعل على فعال إلا أنه قد جاء أعجف وعجاف وأبغث وبغاث وأبرق وبراق. ومعتلقة مفتعلة من العلاقة يقال علق الرجل الشيء إذا أحبه يعلق علقا وعلاقة. وصبة مشتاقة والفعل من الصبابة صب يصب صبا فهو صب
(1/39)

فالأول فعل والثاني فعل والصبابة رقة الشوق والرأفة رقة الرحمة والعشق رقة الحب واشتقاقها من الصبب وهو المنحدر من الأرض لأن المحب ينحدر قلبه إلى محبوبه كما أن الهوى مأخوذ من الهوى وهو الانحدار والسقوط يقال هوى إذا سقط انحدر يشهد لهذا قوله تعالى " واجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم " ومظان القبول جمع مظن وهو مفعل يراد به الزمان ونصبه على الظرف والعامل فيه ممتدة وتقديره وأيديهم ممتدة في الأوقات التي يوقنون أن الدعاء يستجاب فيها وإن جعلته ظرف مكان قدرته حيث يظن القبول وممتدة منبسطة وشافعة تدعو مرة بعد مرة ومعنى الشفع في اللغة الزيادة ومنه شفعت الرجل إذا صرت ثانيا له والشفع الزوج ومنه الشفعة وهو أن يشفعك فيما تطلب حتى تضمه إلى ما عندك فتزيده وتشفعه بها أي كان وترا فضم إليه ما شفعه وزاده. وقوله يهجع ويستيقظون أي ينام ولا ينامون الليل من الدعاء والشكر له يقال هجع الرجل هجوعا إذا نام قال تعالى " كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ".
وقوله " وحق لمن قام لله مقامه وصبر على الجهاد ونوى فيه نيته أن يلبسه الله لباس الضمير ويرديه رداء العمل ويصور إليه مختلفات القلوب ويسعده بلسان الصدق في الآخرين ".
وحق أوجب يقال حق لك أن تفعل كذا وحق عليك فإذا قلت حق قلت لك وإذا قلت حق قلت عليك ومعناه وجب عليك أن تفعل وهو حقيق أن يفعل كذا من الفعلين جميعاً. وقوله لمن قام لله أي حفظ ما استرعاه الله وتمسك به وأدى حقوقه يقال للخليفة هو القائم بالأمر وفلان قائم بكذا وكذا إذا كان حافظا له متمسكا قال الله تعالى " ومن أهل الكتاب أمة قائمة " إنما هو من المواظبة على الأمر والقيام به. وقوله وصبر على الجهاد صبره أي حبس نفسه عليه أخبرني المبارك بن عبد الجبار عن الحسن بن علي عن المازني عن ابن الأنباري قال: قال بعض أهل العلم صبر النفوس سمي صبراً لأن تمرره في القلب وإزعاجه للنفس كتمرر الصبر في الفم قال وقال غيره سمي صبر النفوس صبرا لأنه حبس لها عن الاتساع في الغي والانبساط فيما يؤثر ومما يسخط الرب تعالى ذكره والجهاد مصدر جاهد في سبيل الله مجاهدة وجهادا. ونوى فيه نيته أي قصد قصده يقال فلان ينوي كذا من سفر أو عمل أي يقصده أن يلبسه الله لباس الضمير أي يظهر الله عز وجل ضميره
(1/40)

الجميل. ويرديه رداء العمل معناه أن كل من عمل عملا لله تعالى فيه طاعة أبان الله ذلك في بشرة وجهه وألبسه نورا ومن كان عاصيا كان بالضد من ذلك فالرداء في هذا الموضع النور استعارة. ويصور يميل إليه ويضم أي يجمع إليه ما اختلف من الأهواء حتى يقع الإجماع على محبته وتصطحب القلوب على طاعته ويقال صار عنقه يصورها ويصيرها إذا أمالها وأصار لغة. ولسان الصدق في الآخرين الثناء الحسن في الأمة الآخرة.
وقوله " فإني رأيت كثيرا من كتاب زماننا كسائر أهله قد استطابوا الدعة واستوطأوا مركب العجز وأعفوا أنفسهم من كد النظر وقلوبهم من تعب الفكر حين نالوا الدرك بغير سبب وبلغوا البغية بغير آلة وقد لعمري كان ذاك فأين همة النفس وأين الأنفة من مجانسة البهائم ".
سائر عند البصريين مأخوذ من سؤر الشيء وهو بقيته فيرون أنه يجب أن يقدم قبل هذه الكلمة بعض الشيء الذي هي مضافة إليه فيقال لقيت الرجل دون سائر بني فلان لأن الرجل بعضهم وكذلك هي هنا لأن المعنى كبقية أهله ولا يحسن أن يقول لقيت القوم سائر الناس وعلى هذا المنهج أكثر كلام العرب وقال قوم سائر ماخوذ من سار يسير وقولهم لقيت سائر القوم أي الجماعة التي ينتشر فيها هذا الاسم ويسير ومما يدل على أن سائرا قد يكون بمعنى الجميع وما أنشدنيه أبو زكريا عن أبي العلاء المعري:
لو أن من يزجر الحمام ... يقوم يوم وردها مقامي
إذا أضل سائر الأحلام
وقال الأحواص؟ فجلتها لنا لبابة لما وقذ النوم سائر الحراس وقال ذو الرمة:
أصاب خصاصةً فبدا كليلاً ... كلا وانفل سائره انفلالاً
(1/41)

يصف ظهور القمر من خلل السحاب. والدعة الراحة والخفض في العيش وفاؤها محذوفة وهي واو الفعل منها ودع يودع دعة فهو وادع واتدع تدعة وتدعة فهو متدع واستوطئوا مركب العجز وجدوه وطيأ لا تعب فيه وهو استفعلوا من الشيء الوطئ وهو اللين الوثير. والعجز الضعف تقول منه عجزت عن الشيء أعجز إذا ضعفت عنه. وأعفوا أنفسهم أراحوها ورفهوها. والكد الشدة في العمل والتعب والدرك المطلوب وأصل الدرك قطعة حبل تشد في الرشاء إذا لم يلحق الركية وقل ماء الطوى فينالون حاجتهم من سقي الماء ثم قيل لكل من نال مراده قد نال الدرك وقولهم أنا ضامن الدرك أي بلوغ محابك. والسبب الحبل ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى أرب سبب والبغية ما تطلبه. والآلة الأداة والمراد به ما يحتاج إليه الكاتب من العلم الذي به تتم كتابته كأداة الصانع التي بها تظهر صناعته. والأنفة الاستنكاف والاستكبار يقال أنفت من الشيء آنف أنفا وانفه وانافا وأرقت البارحة وأرقت والمجانسة المشاكلة وأخبرني ثابت بن بندار عن محمد بن عبد الواحد عن أبي سعيد السيرافي عن ابن دريد قال كان الأصمعي يدفع قول العامة هذا مجانس لهذا ويقول ليس بعربي خالص يعني لفظة الجنس. والبهائم جمع بهيمة وسميت بهيمة لأنها أبهمت عن أن تميز وقيل للاصبع إبهام لأنها تبهم الكف أي تطبق عليها وطريق مبهم إذا كان خفيا لا يستبين وضربه فوقع مبهما أي مغشيا عليه.
وقوله " واي موقف أخزى لصاحبه من موقف رجل من الكتاب اصطفاه بعض الخلفاء لنفسه وارتضاه لسره فقرأ عليه يوما كتابا وفي الكتاب ومطرنا مطراً كثر عنه الكلأ فقال الخليفة ممتحنا له وما الكلأ فتردد في الجواب وتعثر لسانه ثم قال لا أدري فقال سل عنه ".
أخزى أفعل من الخزي والخزي الهوان والسوء يقال خزى الرجل يخزي خزيا وأخزاه الله إخزاء. والخليفة السائل عن الكلأ المعتصم وكان أميا لأن الرشيد سمعه يقول وقد مات بعض الخدم استراح من المكتب فقال أو قد بلغت منك كراهة المكتب هذا وأمر بإخراجه منه والرجل الذي اصطفاه أحمد بن عمار بن شاذي المذاري ويكنى أبا العباس وكان ولي العرض للمعتصم بعد الفضل بن مروان ولم يكن وزيرا وإنما كان الفضل بن مروان اصطنعه لنفسه لثقته وصدقة فلما نكب الفضل رد المعتصم الأمر إلى أحمد بن عمار وكان محمد بن عبد الملك
(1/42)

الزيات أبو جعفر يتولى قهرمة الدار في خلافة المعتصم في دراعة سوداء فورد كتاب على المعتصم من صاحب البريد بالجبل يصف فيه خصب السنة فقال فيه وكثر الكلأ فقال المعتصم لأحمد بن عمار ما الكلأ فقال لا أدري فقال لا أدري فقال أنا لله وأنا إليه راجعون خليفة أمي وكاتب أمي قال من يقرب منا من كتاب الدار فعرف مكان محمد بن عبد الملك فدعا به فقال له ما الكلأ فقال النبات كله رطبه ويابسه والرطب خاصة يقال له خلى واليابس يقال له حشيش ثم اندفع في صفات النبت من حين ابتدائه إلى اكتهاله إلى هيجه فاستحسن المعتصم قوله فقال ليتقلد هذا العرض على ثم خض مكانه منه حتى استوزره وقد حكى بعضهم أن المسؤول عن الكلأ الفضل بن مروان وكان كاتبه الحسن بن سهل فسأل الفضل الحسن عنه فأخبره فصار إلى المعتصم فقال قد سالت فإذا هو العشب فأمر له بمائة ألف درهم فانصرف إلى الحسن بالمال فقال لو ضربك مائة مقرعة على قلة فهمك كان أكثر من أن يعطيك مائة ألف درهم على ما تجهله.
وقوله " ومن مقام آخر في مثل حاله قرأ على بعض الخلفاء كتابا ذكر في حاضر طيء فصحفه تصحيفا أضحك منه الحاضرين ".
هذا شاجع بن القاسم كاتب أوتامش التركي قرأ على المستمعين وصحف هذه اللفظة فقال حاء ضرطي والحاضرين جماعة الناس الحضور ومثل ما ذلك ما صحفه بعضهم أن الأمير أوغل وأبعط في أرض فقرأ وانعظ والإبعاط الإبعاد والانعاظ انتشار عضو الرجل وانتصابه ومثله أيضا ما أخبرني به المبارك بن عبد الجبار عن الحسن بن علي عن محمد بن العباس عن ابن الأنباري قال حدثنا المقدمي عن الحار ث بن محمد قال حدثني بعض أصحابنا قال بكر بن أبي خالد فقرأ على المأمون قصصا فجاع فمرت به قصة عليها فلان بن فلان اليزيدي فقرأ الثريدي فقال المأمون باغلام صحفة مملوءة نريدا لأبي العباس فإنه أصبح جائعا فاستحيا وقال ما أنا بجائع ولكن صاحب القصة أحمق نقط على الياء ثلاث نقط فقال ما أنفع حمقه لك وأحضرت الصحفة مملوءة ثريداً وعراقا وودكا فخجل أحمد فقال له المأمون بحياتي لما ملت إليها فأكلت فعدل فأكل حتى اكتفى وغسل يده وعاود القراءة ومرت به قصة عليها فلان بن فلان الحمصي فقرأ الخبيصي فقال المأمون يا غلام جاما مملوءا خبيصا لأبي العباس فإن طعامه كان مبتورا فاستحيا فقال يا
(1/43)

سيدي صاحب القصة أحمق فتح الميم فصارت بسنين فقال لولا حمقه وحمق صاحبه مت اليوم من الجوع فأتي بجام مملوء خصيبا فخجل فقال المأمون بحياتي عليك ألا ملت نحوه فأكلت فأكل وغسل يده وعاود القراءة فما سقط بحرف حتى انقضى المجلس.
وقوله " ومن قول آخر في وصف برذون أهداه وقد بعثت به أبيض الظهر والشفتين فقيل له أرثم ألمظ فقال لهم فبياض الظهر قالوا لا ندري قال فإنما جهلت من الشفة ما جهلتم من الظهر ".
البرذون من الخيل ما كان من غير نتاج العراب والأنثى برذونة وسيرته البرذنة وقوله بعثت به الصواب بعثته لأن بعثت متعد بنفسه فاستغنى عن حرف الجر قال الله تعالى " يا ويلنا من بعثنا " ولم يقل من بعث بنا وقال عز اسمه " ثم بعثنا من بعدهم موسى " وإذا ابيضت جحفلة الفرس العليا فهو أرثم وإذا ابيضت جحفلته السفلة فهو ألمظ فأراد أبيض الظهر فهو أرحل وقيل الأرحل الذي في موضع ملبده بياض من البلق.
وقوله " ولقد حضرت جماعة من وجوه الكتاب والعمال والعلماء بتحلب الفيء وقتل النفوس فيه وإخراب البلاد والتوفير العائد على السلطان بالخسران المبين وقد دخل عليهم رجل من النخاسين ومعه جارية ردت عليه بسن شاغية زائدة فقال تبرأت إليهم من الشغا فردوها علي بالزيادة فكم في فم الإنسان من سن فما كان فيهم أحد عرف ذلك حتى أدخل رجل منهم سبابته في فيه يعد بها عوارضه فسال لعابه وضم رجل فاه وجعل يعدها بلسانه فهل يحسن بمن ائتمنه سلطان على رعيته وأمواله ورضي بحكمه ونظره أن يجهل هذا من نفسه وهل هو في ذلك إلا بمنزلة من جهل عدد أصابعه ".
الفيء الغنيمة والخراج وتخلبه جبابته واستخراجه والسلطان الحجة ولذلك قيل للأمراء سلاطين وقال الزّجاج اشتقاقه من السليط وهو ما يضاء به ومن هذا قيل
(1/44)

للزيت السليط. والسلطان يذكر ويؤنث يقال قضت به عليك السلطان فمن ذكره ذهب به إلى معنى الرجل ومن أنثه ذهب به إلى معنى الحجة وقال محمد بن يزيد من ذكر السلطان ذهب به إلى معنى الواحد ومن أنث ذهب به إلى معنى الجمع وواحدة سليط كقفيز وقفزان ولم يسمع من غيره. وقوله من النخاسين واحدهم نخاس وسمي نخاسا لنخسه الدواب وهو تغريزه مؤخر الدابة ثم قيل لبائع الناس نخاس أيضا. وقوله بسن شاغية الشغا اختلاف نبتة الأسنان لا غير وهو أن يركب بعضها بعضا فتخرج من منبتها ولذلك قيل للعقاب شغواء لفضل منقارها الأعلى على الأسفل وإنما تبرأ إليهم من الشغا لأنه لا ينكتم إذ العيان يدركه. وقوله فردوا عليّ بالزيادة أي زعموا أن هذه السن الشاغية زائدة على عدد الأسنان فكم في فم الإنسان من سن ليعلم هل هي زائدة أم لا وربما وقع في بعض النسخ بسن شاغية أي زائدة وهي غلط من الكاتب وأما الزيادة فهي الثعل والمصدر الثعل وعدد الأسنان اثنان وثلاثون سنا أربع رباعيات وأربعة أنياب وأربعة ضواحك واثنتا عشرة رحى وأربعة نواجذ من وهي أقصاها وقيل للنواجد الضواحك لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ضحك حتى بدت نواجذه وروى أن ضحكه كان تبسماً وآخر الأضراس لا يبديه الضحك. والسبابة الإصبع التي تلي الإبهام وسميت بذلك لأن الساب يشير بها كما سميت دعاءة ومسبحة والعوارض جمع عارض وهو الناب والضرس الذي يليه وقوله في فيه أصل فوفوه بدليل تفوهت وفويه وأفواه فحذفوا الهاء وهي لام الكلمة وابدلوا منها الميم فقالوا فم.
وقوله " ولقد جرى في هذا المجلس كلام في ذكر عيوب الترقيق فما رأيت أحدا منهم يعرف فرق ما بين الكوع والوكع ولا الحنف من الفدع ولا اللمى من اللطع ".
الرقيق اسم جنس للعبيد لا واحد له من لفظه وقد رق فلان أي صار عبدا وسمي العبيد رقيقاً لأنهم يرقون لمالكهم ويذلون ويخضعون. والوكع ميل إبهام الرجل على الأصابع حتى تزول فيرى شخص أصلها خارجا يقال وكعت توكع وكعا وهي وكعاء والأدواء والعيوب تأتي على فعل كثيرا كشتر وعمى وضلع. والكوع اعوجاج
(1/45)

اليد من قبل الكوع وهو رأس الزند الذي يلي الإبهام والفعل منه مثل الأول. والحنف إقبال كل واحدة من الإبهامين على صاحبتها في قول الأصمعي وقال ابن الأعرابي الأحنف الذي يمشي على ظهر قدميه والفدع قال الأصمعي أن تميل الكف على وحشيها وهو ما أدبر عن الإنسان منها يقال فدعت تفدع فدعا وكذلك في الرجل. واللمي سمرة في الشفة تضرب إلى السواد وهو يستحسن وكذلك الحوة واللعس رجل المى وامرأة لمياء ويقال شجرة لمياء أي سوداء الظل لكثافة ورقها واللطع له موضعان أن تذهب الأسنان وتبقى أصولها واللطع أيضا في الشفاه بياض يصيبها وأكثر ما يعتري ذلك السودان.
وقوله " فلما أن رأيت هذا الشأن كل يوم إلى نقصان وخشيت أن يذهب رسمه ويعفو أثره جعلت له حظا من عنايتي وجزءاً من تأليفي فعملت لمغفل التأدب كتبا خفافا في المعرفة وفي تقويم اللسان واليد يشتمل كل كتاب منها على فن وأعفيته من التطويل والتثقيل لأنشطه لتحفظه ودراسته إن فاءت به همته وأقيد عليه بها ما أضل من المعرفة واستظهر له بإعداد الآلة لزمان الإدالة أو لقضاء الوطر عند تبين فضل النظر وألحقه مع كلال الحد ويبس الطينة بالمرهفين وأدخله وهو الكودن في مضمار العتاق ".
رسم كل شيء أثره وترسمت الموضع طلبت رسومه ويعفو يدرس هنا ومصدره العفاء بالمد وهو في غير هذا الموضع بمعنى يكثر ومصدره العفو وهو من الأضداد. والعناية مصدر قولك عنيت بالشيء فأنا معنى به إذا اهتممت به ويقال عنى بفتح العين فهو عان. قال الشاعر:
عان بقصواها طويل الشغل
ويشتمل يحيط ويحتوي عليه. والفن الضرب من الأشياء. وأعفيته تركته وخلصته والنشاط طيب النفس وخفتها للعمل والتعب يقال منه نشطته فنشط نشاطا. وفاءت رجعت. وقوله ما أضل من المعرفة يقال أضللت الشيء إذا ضاع منك فلم تهتد له. واستظهر له معناه احتاط له واستوثق وهو مأخوذ من البعير الظهري وهو ما جعلته عدة لحاجتك لأنه زيادة على حاجة صاحبه إليه أن انقطع من ركابه شيء أو أصابه آفة ثم يقال استظهر ببعير ظهري محتاطا به ثم أقيم الاستظهار مقام الاحتياط في كل شيء وقيل سمى البعير ظهريا لأن صاحبه يجعله وراء ظهره
(1/46)

فلا يركبه ولا يحمل عليه ويجعله عدة لوقت الحاجة. والاعداد تهيئة الشيء لوقت الحاجة واسم الشيء الذي تعده وتهيئه عدة مثل الأهبة يقال أعددت للأمر عدته وعتاده. وزمان الإدالة وقت رجوع الدولة بعد زوالها أي زمان النصر والغلبة يقال أدال الله فلانا إدالة ودال هو دولة وهو الانتقال من حال إلى حال والمداولة مفاعلة من الدولة ومنه قول الحجاج أن الأرض ستدال منا كما أدلنا منها معناه أنه تأكلنا كما نأكلها ولقضاء الوطر كل حاجة تكون لك فيها همة فإذا بلغتها قلت قضيت وطري من هذا الأمر أي حاجتي وجمع الوطر أوطار وقوله عند تبين فضل النظر يقال بان الشيء وأبان إذا وضح ولم يك فيه شك وابنته أي تأملته وتوسمته وفيه لغات آخر تكون لازمة ومتعدية وهي استبان الشيء واستبنته وبين وبينته وتبين وتبينته تبيينا وتبيانا والمبين في صفات الله تعالى قد فسر بالوجهين قيل أبان جميع ما يحتاج إليه العباد في كتابه فيكون متعديا وقيل المبين بمعنى البين الربوبية وقرئ " آيات مبينات " بكسر الياء وفتحها فمن كسر فالمعنى واضحات ومن فتح فالمعنى إن الله بينها وقرئ " ولتستبين سبيل المجرمين " بالرفع وعليه أكثر القراء فيكون غير واقع وقد قرئ سبيل المجرمين بالنصب المعنى ولتستبين أنت يا محمد سبيل المجرمين أي لتزداد استبانة والمعنى أني احتطت له فجعلت ما الفته عدة لوقت رجوع الدولة إليه أو لبلوغ أربه من العلم إذا أنعم فيما ألفت النظر وقوله مع كلال الحد غير صواب لأن الكلال مصدر كل إذا أعيا فأما كل الحد فمصدره كل وكلول وكلة وكذلك اللسان والطرف وكل إذا أعيا كلالا وكلالة. قال الشاعر:
فإن تقعدي أقعد ولا أخشى موردا ... ولا هلك مال أو كلالة راحلة
وهذا مثل ضربه للبليد القليل المضاء وشبهه بالسيف الجهام الذي لا يمضي في الضريبة. وقوله بالمرهفين مثل أيضا ضربه لذوي الفهم والذكاء والمرهف المرقق المحدد شبههم به في مضائهم وحدتهم. ويبس الطينة جمودها وشبه طبع البليد بها إذ كانت لا تقبل الختم ولا تطوع في العمل والكودن البرذون ووزنه فوعل والواو فيه زائدة واشتقاقه من الكدنة وهو غلظ الجسم وما ابين الكدانة فيه أي الهجنة وجمعه كوادن والكودن والكودني البغل قال:
خليلي عوجا من صدور الكوادن ... إلى قصعة فيها عيون الضياون
شبه الثريدة الزريقاء بعيون السنانير لما فيها من الزيت. والمضمار مفعال من
(1/47)

الضمر وهو موضع تضمير الخيل والضمر الهزال ولحوق البطن وتضمير الخيل أن تعلف قوتا بعد سمنها ويكون المضمار وقتا للأيام التي تضمر فيها الخيل للسباق أو للركض إلى العدو وتضميرها أن تشد عليها سروجها وتجلل بأجلة حتى تعرق تحتها فيذهب رهلها ويشتد لحمها ويحمل عليها غلمان خفاف يجرونها ويعنفون بها فإذا فعل ذلك بها امن عليها البهر الشديد عند حضرها ولم يقطعها الشد ويسمى ذلك التضمير والإضمار وروي عن حذيفة رحمه الله أنه خطب فقال اليوم مضمار وغدا السباق والسابق من سبق إلى الجنة أراد اليوم العمل في الدنيا للاستباق غدا إلى الجنة كالفرس الذي يضمر قبل أن يسابق عليه والمضمار أيضا الغاية جرى الفرس في مضماره أي في غايته والفعل منه ضمر وضمر يضمر ضمورا واضمرته أنا. والعتاق جمع عتيق من الخيل سمى بذلك لتقدمه في سيره يقال عتق الفرس بفتح التاء إذا تقدم الخيل فنجا وعتقت من يمين أي تقدمت قال أوس:
على ألية عتقت قديما ... فليس لها وإن طلبت مرام
والذكر والأنثى فيه سواء والفعل منه عتق بضم التاء عتاقة صار عتيقا ويقال للجميل ما أعتقه وأبين العتق فيه وبه سمى أبو بكر رضوان الله عليه عتيقا وقيل بل دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال " يا أبا بكر أنت عتيق الله من النار " فسمى يومئذ عتيقا واسمه عبد الله بن عثمان.
وقوله " وليست كتبنا هذه لمن يتعلق من الإنسانية إلا بالجسم ومن الكتابة إلا بالاسم ولم يتقدم من الأداة إلا بالقلم والدواة ولكنها لمن شدا شيئا من الإعراب فعرف الصدر والمصدر والحال والظرف وشيئاً من التصاريف والأبنية وانقلاب الياء عن الواو والألف عن الياء وأشباه ذلك ".
الإنسانية جبلة الإنسان وفطرته مثل البشرية والعبودية وإذا وصف الإنسان بها فالمراد أنه على الأوصاف التي يجب أن يكون الإنسان عليها وقوله ولم يتقدم من الأداة بالقلم والدواة يقول ليست كتبنا التي ألفناها لمن لم يتوجه في شيء من آلة الكتابة إلا في الخط. والإعراب في اللغة البيان ومنه الحديث " الثيب يعرب عنها لسانها " أي يبين وسمى النحويون اعتقاب الحركات على أواخر الأسماء المتمكنة والأفعال المضارعة اعرابا لأنه يكون الإعراب أي البيان للمعاني المختلفة وقيل الإعراب منقول من قولهم عربت معدته أي فسدت فكان المعنى في الأعراب إزالة
(1/48)

الفساد ورفع الأبهام لأنك إذا خالفت بين الحركات وجعلت كل واحدة على معنى إتضح المراد وزال اللبس فأعربت على هذا الوجه مثل أعجمت الكتاب أي أزلت عجمته وهذه الهمزة تسمى همزة السلب. والصدر الفعل والمصدر اسم الحدث والفعل عبارة عنه وسمى مصدر عند البصريين لأن الفعل صدر عنه وأخذ منه أصل له وقال الكوفيون سمى مصدر لأنه صدر عن الفعل وأخذ منه ولكل واحد من القولين حجج ليس هذا موضعها وهو منصوب أبدا إذا ذكر بعد فعله فضله وذكره بعد فعله لأحد ثلاثة أشياء توكيد الفعل كضربت ضربا وبيان النوع كقمت قياما طويلا وعدد المرات كضربت ضربات وهو موحد أبدا لأنه اسم الجنس فإن اختلفت أنواعه أو دخلته الهاء جاز تثنيته وجمعه. والحال قال ابن السراج هي هيئة الفاعل أو المفعول في وقت ذلك الفعل وهي اسم نكرة تأتي بعد تمام الكلام ويكون منصوبا أما بفعل أو بمعنى فعل وتعتبرها بإدخال كيف على الفعل والفاعل تقول كيف جاء عبد الله فكيف الجواب راكبا والأحوال ثلاث منتقلة كجاء زيد راكبا ومؤكذة كقوله " وهو الحق مصدقا " ومقدرة كمررت برجل معه صقر صائدا به غدا أي مقدراً الصيد به غدا والحال تذكر وتؤنث وتجمع على الأحوال. والظرف على ضربين ظرف زمان وظرف مكان وسمي ظرفا لتضمنه الأشياء كما تتضمنها الأوعية والكوفيون يسمونه المحل لحلول الأشياء فيه وهو منصوب أبدا ويزاد فيه معنى في وليست في لفظه فإن ظهرت إلى اللفظ لم يكن ظرفا وصار اسما صريحا وجعل التضمن لفى فظرف الزمان نحو السنة والشهر واليوم وغدوة وعشية وما أشبه ذلك وهو يتضمن الأحداث دون الجثث تقول القتال اليوم ولا تقول زيد اليوم لأنه لا فائدة فيه وظرف المكان نحو خلف وقدام وفرسخ وميل وما أشبه ذلك وهو يتضمن الأحداث والجثث تقول القتال أمامك وزيد وراءك والتصاريف جمع تصريف وهو تنقل الاسم والفعل في وجوه من الأمثلة نحو ضرب يضرب ضربا فهو ضارب ومضروب ولا يكون في الحرف لأنه جامد. والأبنية أمثلة الأسماء والأفعال وهي على ضربين أصول وذوات زوائد فأما الأصول فأقل أصول الأسماء عند البصريين ثلاثة أحرف وعند الفراء ومن تابعه حرفان وتكون رباعية وخماسية وأقل أصول الأفعال ثلاثة وأكثرها أربعة أحرف وعدة أمثلة الأسماء الأصول تسعة عشر بناء في قول سيبويه واثنان وعشرون بناء في قول غيره وأمثلة الأفعال الأصول أربعة ثلاثة ثلاثية وواحد رباعي وينتهي بالزيادة إلى تسعة عشر بناء وأما أبنية الأسماء ذوات
(1/49)

الزوائد فكثيرة وانقلاب الياء عن الواو يكون إذا اجتمعا وسبقت إحداهما بالسكون كطويت الثوب طيا ولويته ليا ويكون أيضا بأن تسكن الواو وينكسر ما قبلها فتنقلب ياء نحو ميقات وميعاد أصلهما موقات وموعاد لأنهما من الوقت والوعد وأما انقلاب الياء واو فإذا سكنت وانضم ما قبلها نحو موقن وموسر وهما من اليقين واليسر وأصلهما ميقن وميسر وانقلاب الألف عن الياء إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما نحو قضى ودعا والأصل قضى ودعو وكذلك إذا كانتا في موضع العين مثل قال وباع أصلهما مقول وبيع لأنه من القول والبيع. وقوله واشباه ذلك كإبدال الهمزة من الياء والواو إذا كانتا لا مين وقبلهما ألف زائدة في مثل قضاء وعطاء ورداء وكساء وتبدل من الألف المنقلبة من الياء والواو إذا كانتا عينين كقائم وبائع ونحوه وإذا كان الفعل معتل اللام كقضى يقضي وغزا يغزو اعتل اسم الفاعل منه والمفعول نحو قاض وغاز ومقضى ومغزو.
وقوله " ولابد له مع كتبنا هذه من النظر في الأشكال لمساحة الأرضين حتى يعرف المثلث القائم الزاوية والمثلث الحاد والمثلث المنفرج ومساقط الأحجار والمربعات المختلفات والقسي والمدورات والعمودين ويمتحن معرفته بالعمل في الأرضين لا في الدفاتر لأن المخبر ليس كالمعاين " معنى لا بد لا فراق يقال لابد اليوم من قضاء حاجتي أي لا فراق ومنه قول ام سلمة ابد يهم ثمرة ثمرة أي فرقي فيهم وأبدهم حقوقهم إذا فرقها فيهم وبد الرجل رجليه إذا باعد بينهما قال أبو ذؤيب:
فأبّدهّن حتوفهن فهاربٌ ... بدمائه أو باركٌ متجعجع
يصف صياداً فرق سهامه في حمر الوحش. والأشكال جمع شكل بفتح الشين وهو المثل ويعني به ههنا المساحات فإنها وان اختلفت صيغتها فصورها متماثلة. والمساحة ذرع الأرضين والأرضون جمع أرض يقال أرض وأرضون وأراض وأروض وإنما فتحت الراء في جمع السلامة ليفرق بين ما جمع بالواو والنون من الحيوان وبين ما حمل عليه من غير الحيوان قالوا والأشكال التي تقع عليها المساحة ستة أجناس المربعات والمثلثات والمدورات والمقوسات والمطبلات وذوات الأضلاع الكثيرة فالمربعات خمسة أجناس أو لها المربع المطلق وهو كل شكل أحاطت به أربعة خطوط متساوية وكانت زواياه الأربعة قوائم. والثاني
(1/50)

المختلف الأضلاع القائم الزوايا والثالث المعين وهو الذي استوت أضلاعه واختلفت زواياه والرابع الشبيه بالمعين وهو الذي طولاه متساويان وعرضاه متساويان إلا أن عرضه مخالف لطوله وزواياه مختلفة والخامس المختلف الأضلاع والزوايا والزاوية انحراف خطين كل واحد عن نقطة في بسيط على غير استقامة وهو شكل يحيط به خطان خط مستقيم فتصير الزاويتان اللتان عن جنبيه متساويتين فذلك الخط عمود على الحظ الواقع عليه وكل واحدة من الزاويتين قائمة وسمى عمودا لأنه مستوٍ فإن صير إحدى الزاويتين اللتين عن جنبيه أعظم من الأخرى فليس بعمود والكبرى من الزاويتين منفرجة والصغرى حادة. والخطوط ثلاثة خط مستقيم وخط مدور فالخط المستقيم هو الموضوع على مقابلة أي النقط كانت عليه بعضها ببعض يعني أنك إذا وصلت بين نقطتين متقابلتين بخط فذلك الخط هو الخط المستقيم وقيل الخط المستقيم هو أقصر خط وصل بين نقطتين وقيل هو كل خط وجد فيه ثلاث نقط على سمت واحد غير المستقيم يدخل تحته المقوس والدائرة فإذا انحرف الخط عن الاستقامة فهو غير المستقيم فإن تقوس فلم يلتق طرفاه فهو المقوس فإن التقى طرفاه وكان له مركز تتساوى الخطوط الخارجة منه إلى المحيط فذاكم الدائرة. والمثلثات ثلاثة أجناس مثلث حاد الزوايا وهو أن تكون زواياه الثلاث حواد ومثلث قائم الزاوية وهو أن تكون فيه زاوية واحدة قائمة وزاويتان حادتين فيقال له قائم الزاوية ولا يجوز أن يقع في مثل زاويتان قائمتان لأن كل مثلث فزواياه الثلاث مساويات لزاويتين قائمتين فمحال أن يقع فيه زاويتان قائمتان فإذا لم يقع فيه قائمتان فالمنفرجتان أبعد لأن المنفرجة أكبر من القائمة. ومثلث منفرج الزاوية وهو أن يقع زاوية منفرجة وزاويتان حادتان ومحال أن يقع فيه زاويتان منفرجتان أو زاوية منفرجة وزاوية قائمة والأخرى حادة. وتحديد المثلث أيضا من خطوطه يكون ثلاثة أجناس مثلث متساوي الأضلاع وهو أن تتساوى أضلاعه الثلاث ومثلث متساوي الساقين وهو أن يتساوى ضلعان منه ويخالف الثالث فالثالث هو القاعدة والمتساويان ساقاه والثالث ما اختلفت أضلاعه الثلاث. والمقوس كل شكل يحسط به شكل مقوس فلا يلتقي طرفاه وهو بعض الدائرة وهو ثلاثة أجناس مقوس هو نصف الدائرة ومقوس أكبر من نصف دائرة ومقوس هو أصغر من نصف دائرة والخط الذي يصل بين طرفيه يقال له الوتر وسهمه خط يصل بين القوس والوتر. وأما الدائرة فهو شكل يحيط به خط واحد مستدير في داخله
(1/51)

نقطة هي مركزه وكل الخطوط التي تخرج من تلك الدائرة إلى محيطها متساوية. والمطبل شكل يحيط به أربعة خطوط في وسطها انحراف عن الاستقامة إلى داخله فوسطه أصغر من طرفيه. وذوات الأضلاع الكثيرة هي الأشكال التي يحيط بكل واحد منها أكثر من أربعة خطوط. والعمودان ضلعا المثلث القائم الزاوية. ومسقط الحجر هو النقطة التي لو نصب المثلث قائماً وأرسل حجر من زاويته إلى الضلع السفلى التي توتر تلك الزاوية وقع عليها أي على النقطة، والمعاين المشاهد وياؤه غير مهموزة لأن الياء إذا صحت في الفعل الماضي لم تهمز في اسم الفاعل يقول عاين فهو معاين وبايع فهو مبايع.
وقوله " وكانت العجم تقول من لم يكن عالما بإجراء المياه وحفر فرض المشارب وردم المهاري ومجاري الأيام في الزيادة والنقص ودوران الشمس ومطالع النجوم وحال القمر في استهلاله وأفعاله ووزن الموازين وذرع المثلث والمربع والمختلف الزاويا ونصب القناطر والجسور والدوالي والنواعير على المياه وحال أدوات الصناع ودقائق الحساب كان ناقصا في حال كتابته "
المياه جمع ماء وأصل ماء موه وتصغيره مويه والواحدة ماهه وماءه ويجمع الماء أيضاً على الأمواه ويقال ماهت البئر وأماهت إذا كثر ماؤها وهي تموه وتماه. والفرض جمع فرضة وهي النقب والثلمة تنحدر منه إلى نهر أو واد ثم كثر ذلك حتى سمى كل موضع يرده الناس من شفار الأنهار فرضة قال الأصمعي الفرضة المشرعة وجمعها فراض واشتقاقها من الفرض وهو الحزفي الشيء والقطع يقال منه فرضت الخشبة وفرضة القوس الحز الذي يجري عليه الوتر وفرضها أيضا. والمشارب جمع مشرب وهو موضع الشرب. والردم ردمته ردما وهو أبلغ من السد لأن الردم ما جعل بعضه على بعض يقال ثوب مردم إذا كان مرقعا رقعة فوق أخرى. والمهاوي جمع مهواة وهي الحفرة أو الوهدة العميقة والمهاواة موضع في الهواء مشرف ما دونه من جبل وغيره يقال هوى يهوي هيا وهويا وهويانا إذا سقط قال الراجز:
لتقربن قربا جلديا ... ما دام منهن فصيل حيا
فقدنا الليل فهيا هيا
(1/52)

يريد أهوي وأعجلي والجلدي الشديد والقرب الليلة التي يصبح في صبيحتها الماء قال زهير:
فشج بها الأماعز وهي تهوي ... هوي الدلو أسلمها الرشاء
والهاوية اسم من أسماء جهنم سميت بذلك لهوى المجرمين فيها. وقوله ومجاري الأيام في الزيادة والنقص المجاري جمع مجرى وهو مصدر وتقريب ذلك أن اليوم والليلة أربع وعشرون ساعة مستوية إذا نقص من النهار شيء زاد في الليل مثله حتى يستوفي اليوم والليلة أربعا وعشرين ساعة فإذا نزلت الشمس الحمل اعتدلا وسمى الاعتدال الربيعي ويكون في النصف الأخير من آذار ثم يزيد النهار إلى أن تبلغ الشمس آخر الجوزاء وذلك في النصف الأخير من حزيران فيكون هذا انتهاء طول النهار وقصر الليل ثم يأخذ الليل من النهار إلى أن ينتهي قصر النهار وطول الليل وذلك يكون في النصف الأخير من كانون الأول وهو كون الشمس في آخر القوس ثم يأخذ النهار من الليل حتى يرجع الاعتدال الربيعي. وقوله ودوران الشمس هو تقلبها وتصرفها وهو مصدر دار دورا ودورانا وإذا جاء الاسم على فعلان فبابه الحركة والاضطراب نحو نزوان وقفزان وغليان وغثيان إلا ما أشذوا نحو الميلان والشنآن وموتان الأرض للموات منها. ودوران الشمس يختلف لأنها تسير في يوم سيرا ثم تسير في غدا غيره فلا يمكن شرحه. وقوله وحال القمر في استهلاله قال الليث غرة القمر حين يهله الناس في غرة الشهر تقول أهل القمر ولا يقال أهل الهلال وقد غلط في ذلك وكلام العرب أهل الهلال واستهل رواه الثقات أبو عبيد عن أبي عمرو وثعلب عن ابن الإعرابي ويسمى القمر لليلتين من أول الشهر هلالا ولليلتين من آخر الشهر ليلة ست وسبع وعشرين هلالا وسمى ما بين ذلك قمرا ويقال أهللت الهلال واستهللنا قال أبو العباس سمى الهلال هلالا لأن الناس يرفعون أصواتهم بالأخبار عنه يقال أهل الرجل واستهل إذا رفع صوته وسمى القمر قمر البياضة والأقمر الأبيض وإفعاله عندهم تأثيراته وقوله ووزن الموازين هي جمع ميزان واصله موزان وإنما قلبت في الواحد الواو ياء لانكسار ما قبلها والموازين آلات تقاس بها الأرضون فيعرف بها قدر ما بينها من ارتفاع وانخفاض. وقوله وذرع المثلث والمربع والمختلف الزوايا. أما المثلثة الحادة الزوايا فهي التي إذا ضربت ضلعين من أضلاعها أيتهما كانت كل واحدة منهما في مثلها وجمعته كان أعظم من الضلع الباقية في مثلها مثاله أرض مثلثة ضلع خمس عشرة ذراعا وأخرى
(1/53)

أربع عشرة وأخرى ثلاث عشرة فبابها أن تضرب أربع عشرة في مثلها فيكون مائة وستا وتسعين ثم تضرب ثلاث عشرة في مثلها فيكون مائة وتسعا وستين فيكون ثلاثمائة وخمساً وستين فهي أكبر من ضرب الضلع الطولي ولهذا الجنس من المثلثات ثلاثة أعمدة إذا كانت المثلثة مختلفة الأضلاع. والمنفرجة كل مثلثة إذا ضربت كل واحدة من ضلعيها القصريين في نفسها وجمع كان أقل من ضرب الضلع الطولي في نفسها مثالة أرض مثلثة مختلفة الأضلاع منفرجة الزوايا ضلع ثماني عشرة ذراعا وضلع عشرة أذرع وضلع اثنتا عشرة ذراعا بابها أن تضرب ثماني عشرة في مثلها فيكون ثلاثمائة وأربعا وعشرين ثم تضرب عشر في مثلها فيكون مائة وأربعا وأربعين ثم تضرب عشرا في مثلها فيكون مائة وأربعا وأربعين ومائة فتكون مائتين وأربعا وأربعين فضرب الضلع الأولى أكثر من ضرب الضلعين القصريين فبان أن هذه المثلثة منفرجة المزويا. ولهذا الجنس من المثلثات عمود واحد يقع على الجانب أطول منها. والقائمة الزوايا كل مثلثة إذا ضربت ضلعها الطولى في نفسها كان مثل ما يرتفع من ضرب كل واحدة من الضلعين القصريين في نفسها إذا جمع مثاله أرض مختلفة الأضلاع قائمة الزاوية منها ضلع عشر أذرع وأخرى ثماني أذرع وأخرى ست أذرع فبابها أن تضرب عشرة في مثلها فتكون مائة ثم تضرب ثمانية في مثلها فتكون أربعة وستين ثم تضرب ستة في مثلها فتكون سنة وثلاثين فتجمع أربع وستين وستة وثلاثين فتجمع أربع وستين وستة وثلاثين فيكون مائة فقد بان أن ضرب الضلعين ساوى مبلغه مبلغ ضرب الضلع الطولي. وهذا الضرب من المثلثات هو نصف المربعة ولها عمود يقع على ضلعها
(1/54)

الطولي لأن ضلعيها القصريين كل واحدة منهما عمود الأصل. المربعات الجنس الأول ما ساوى طولاه عرضيه فمثال أرض مربعة متساوية الأضلاع كل ضلع من أضلاعها عشر أذرع تكسيرها أن تضرب عشرة في عشرة فتكون مائة. والجنس الثاني ما يزيد طولاه على عرضيه مثاله أرض مربعة متساوية الطولين متساوية العرضين كل طول منها خمس عشرة ذراعا وكل عرض منها عشرة أذرع فبابها أن تضرب خمسة
عشر في عشرة فيكون مائة فقد بان أن ضرب الضلعين ساوى مبلغه مبلغ ضرب الضلع الطولي. وهذا الضرب من المثلثات هو نصف المربعة ولها عمود يقع على ضلعها الطولي لأن ضلعيهما القصريين كل واحدة منهما عمود الأصل. المربعات الجنس الأول ما ساوى طولاه عرضيه فمثاله أرض مربعة متساوية الأضلاع كل ضلع مائة. والجنس الثاني ما يزيد طولاه على عرضيه مثاله أرض مربعة متساوية الطولين متساوية العرضين كل طول منها خمس عشرة ذراعا وكل عرض منها عشرة أذرع فبابها أن تضرب خمسة عشر في عشرة فيكون مائة وخمسين فذلك تكسيرها. الثالث المتساوي الطولين المختلف العرضين تكسيره من قبل الإضلاع مثاله أن تكون أرض مربعة أحد عرضيها أربع أذرع والثاني الذي يقابله ست عشرة والطولان عشر عشر وليست بقائمة الزوايا فبابها أن يستخرج عمودها وهو الخط الممدود في وسطها وهو أن تلقي أربعة من ست عشر فيكون الباقي اثني عشر فتأخذ نصفها وهو ستة فتضربه في مثله فيكون ستة فتضربه في مثله فيكون ستة وثلاثين ثم تضرب أحد الطولين وهو عشرة في الآخرة وهو عشرة فيكون مائة فتلقي منه ستة وثلاثين فيبقى أربعة وستون فتأخذ جذرها وهو ثمانية فذلك العمود ومعرفة تكسيرها أن تجمع أربعة وستة عشر فيكون عشرين فتأخذ نصفها وهو عشرة فتضربها في العمود وهو ثمانية فيكون ثمانين فذلك تكسيرها. الرابع أن تكون أرض مربعة مختلفة أحد طوليها خمس عشرة ذراعا والثاني ثلاث عشرة وأحد طوليها تسع عشرة والثاني خمس أذرع فبابها أن تضرب خمسة عشر في مثلها فيكون مائتين وخمسة وعشرين ثم تضرب ثلاثة عشر في مثلها فيكون مائة وتسعة وستين ثم تلقيها من مائتين وخمسة وعشرين فيبقى ستة وخمسون فتلقي نصفها فيبقى ثمانية وعشرون ثم تلقي أحد العرضين من الآخر فيبقى أربعة عشر فتقسم ثمانية وعشرين على أربعة عشر فيخرج القسم اثنتين فتزيدها على نصف الأربعة عشر وهو سبعة فتكون تسعة وهو مسقط الحجر على تسع عشرة مما يلي خمسة عشر وإذا اردت عن تعرف عمودها فاضرب تسعة من مثلها يكون أحدا وثمانين فأسقطها من مائتين وخمسة وعشرين يبقى مائة وأربعة وأربعون فتأخذ جذرها وهو اثنا عشر فذلك عمودها وإذا أردت تكسيرها جمعت العرضين وهو تسعة عشر وخمسة فتصير أربعة وعشرين فتلقي نصفها وهو اثنا عشر وتضربها في العمود وهو اثنتا عشرة يكون مائة وأربعا وأربعين وهو تكسيرها. الخامس وهو يعرف بالمعنيات ومعرفة تكسيرها من قبل القطر مثاله أرض قطرها الأول ست عشرة ذراعا وقطرها الآخر اثنتا عشرة ذراعا فبابها أن تضرب نصف أطول القطرين في الأقصر وإن شئت ضربت ثمانية في اثنى عشر فيكون ستة وتسعين فهو تكسيرها أو
(1/55)

تضرب ستة عشر في ستة فيكون ستة وتسعين أو تضرب ستة عشر في اثنى عشرة فيكون مائة واثنين وتسعين فتأخذ نصفها وهو ستة وتسعون فذلك تكسيرها. والمدورات أحد وجوه تكسيرها أن تضرب القطر في نفسه وتضع مما يخرج به الضرب سبعة ونصف سبعة فما بقي فهو التكسير مثاله أرض مدورة قطرها أربع عشرة ذراعا ويحيط بها أربع وأربعون ذراعا فباب تكسيرها أن تضرب القطر وهو أربع عشرة في مثله فيكون مائة وستا وتسعين فتلقي سبعها وهو ثمان وعشرون ثم تلقي نصف سبعها وهو أربع عشرة فيكون الباقي مائة وأربعا وخمسين ذراعا فهو تكسيرها ومما يعرف به الدوران تضرب القطر في مثله ثم تضربه في عشرة فما بلغ أخذ جذرة فما كان فهو الدور مثاله أرض مدورة قطرها أربع عشر ذراعا كم يحيط بها تضرب أربعة عشر في مثلها تكون مائة وستة وتسعين ثم تضربها في عشرة تكون ألفا وتسعمائة وستين ثم تأخذ جذر ذلك يكون أربعة وأربعين وربعا وربع عشر تقريبا فهو الذي يحيط بها. المقوسات وهي لا تخلو من أن تكون نصف مدورة أو أقل أو أكثر فإن كان سهم القوس مثل نصف الوتر فهي نصف مدورة فإن كان السهم أقل من نصف الوتر فهي أقل من نصف مدورة وإن كان أكثر من نصف الوتر فهي أكبر من نصف مدورة فإذا أردت أن تعلم أي مدورة هي فاضرب نصف الوتر في مثله وأقسمه على السهم وزد ما خرج على السهم فما خرج فهو قطر المدورة التي القوس منها مثال ذلك قوس وترها ثماني أذرع وسهمها أربع أذرع وهذه القوس نصف المدورة فاضرب نصف الوتر وهو أربعة في مثله يكون ستة عشر فتقسمها على السهم وهو أربعة يخرج القسم أربعة فتزيده على السهم وهو أربعة تصير ثمانية وهو قطر المدورة التي القوس
منها ووتر القوس التي هي نصف المدورة وهو قطر المدورة بأسرها وإن قيل قوس وتراها ثماني أذرع وسهمها ذراعان وهذه القوس أقل من نصف مدورة كم قطر المدورة فبابها أن تأخذ نصف الوتر وهو أربعة فتضربه في مثله يكون ستة عشر فتقسمها على السهم وهو ذراعان يكون ثماني أذرع وهو قطر تلك المدورة التي القوس منها. فأما تكسير القوس فله وجوه كثيرة فمنها أن تضرب ربع الوتر في الدور فما بلغ فهو التكسير. مثاله أرض مقوسة وترها أربع عشرة ذراعا ودورها اثنان وعشرون ذراعا بابها أن تضرب ربع الوتر وهو ثلاثة ونصف في الدورة وهو اثنان وعشرون يكون سبعة وسبعين فتلك التكسير. وقوله ونصب القناطر والجسور القناطر جمع قنطرة وهي أزج يبني بالآجر أو بالحجارة على الماء يعبر عليه وهي عربية قال طرفة: ووتر القوس التي هي نصف المدورة وهو قطر المدورة بأسرها وإن قيل قوس وتراها ثماني أذرع وسهمها ذراعان وهذه القوس أقل من نصف مدورة كم قطر المدورة فبابها أن تأخذ نصف الوتر وهو أربعة فتضربه في مثله يكون ستة عشر فتقسمها على السهم وهو ذراعان يكون ثماني أذرع وهو قطر تلك المدورة التي القوس منها. فأما تكسير القوس فله وجوه كثيرة فمنها أن تضرب ربع الوتر في الدور فما بلغ فهو التكسير. مثاله أرض مقوسة وترها أربع عشرة ذراعا ودورها اثنان وعشرون ذراعا بابها أن تضرب ربع الوتر وهو ثلاثة ونصف في الدورة وهو اثنان وعشرون يكون سبعة وسبعين فتلك التكسير. وقوله ونصب القناطر والجسور القناطر جمع قنطرة وهي أزج يبني بالآجر أو بالحجارة على الماء يعبر
(1/56)

عليه وهي عربية قال طرفة:
كقنطرة الرومي أقسم ربها ... لتكتنفن حتى تشاد بقرمد
وتقول عبرنا على القنطرة الجديد بلا هاء لأنها في تأويل مفعول وما كان كذلك كان بغير هاء إذا ذكرت الموصوف كعين كحيل وكف خضيب وعبرنا على القنطرة العتيقة بالهاء لأنها ليست في تأويل مفعول فلا وجه لحذف الهاء. والجسور جمع جسر وجسر بفتح الجيم وكسرها وهو ما مد على الماء من خشب يعبر عليه وجمعه جسور قال الراجز:
دبدبة الخيل على الجسور
ويقال رجل جسر إذا كان طويلا ضخما شجاعا ومنه قيل للناقة جسرة وقال ابن مقبل موضع رحلها جسر وإن ليجسر فلانا أي. والدوالي جمع دالية وهي شيء يتخذ من خوص وخشب يستقي بها بحبال تشدبها في رأس جذع طويل وهي عربية محضة وفي حديث معاذ بن جبل ما سقي بالدوالي فنصف العشر وقال المسيب بن غلس يصف خليجا:
وكأن بلق الخيل في حافاته ... ترمي بهن دوالي الزراع
والنواعير جمع ناعورة وهو دولاب يديره الماء ويسمع له صوت وسمى ناعورة بصوته يقال نعر الرجل ينعر إذا صاح وامرأة نعارة صخابة وليست الناعورة بعربية أنشدني أبو زكرياء لبعضهم يصفها:
ناعورة تحسب في صوتها ... متيما يشكو إلى زائر
كأنما كيزانها عصبة ... صيبوا بريب الزمن الواتر
قد منعوا أن يلتقوا فاغتدى ... أولهم يبكي على الآخر
والأدوات جمع أداة وهي الآلة وألفها واو وأصلها أدوة فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ولكل ذي حرفة أداة وهي آلته التي يقيم بها حرفته وأداة الحرب سلاحها ورجل مؤد كامل أداة السلاح. والصناع جمع صانع وهم الذين يعملون بأجيديهم والحرفة الصناعة وامرأة صناع إذا كانت حاذقة رفيقة اليدين بالعمل والحرز
(1/57)

وتسوية الأساقي والدلاء ورجل صنع اليدين بكسر الصاد وسكون النون إذا أضفت قال:
صنع اليدين بحيث يكوى الأصيد
ورجل صنع إذا أفردت فتحت الصاد وحركت النون قال:
أنبل عدوان كلها صنعا
واصنع الرجل إذا أعان أخرق وكل ما صنع فيه فهو صنع مثل السفرة ويكون الصنع الشواء. والدقائق جمع دقيقة والدقيق الأمر الغامض وإذا قيل رجل دقيق فالمراد به القليل الخير والدقيق أيضا ضد الغليظ والمداقة فعل اثنين يقال أنه ليداقه الحساب ويقال دق الشيء يدقه إذا أظهره وقال زهير:
ودقوا بينهم عطر منشم
أي أظهروا العداوات والعيوب والحساب والحسابة عدك الشيء يقال حسبت الشيء أحسبه حسابا وحسابة وحسبانا بالضم وحسبانا بالكسر إذا عددته قال النابغة:
وأسرعت حسبة في ذلك العدد
وقال الله تعالى " الشمس والقمر بحسبان " أي بحساب وقال الراجز في حسابه:
يا جمل أسقاك بلا حسابه
وحسبت الشيء بالكسر أحسبه وأحسبه بكسر السين وفتحها والكسر شاذ وهو أجود اللغتين وقرئ بهما وليس في السالم فعل يفعل غير حسب يحسب ونعم ينعم والمصدر محسبة ومحسبة وحسبانا.
وقوله " ولا بد مع ذلك من النظر في جمل الفقه ومعرفة أصوله من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته كقوله البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه والخراج بالضمان وجرح العجماء جبار ولا يغلق الرهن والمنحة مردودة والعارية مؤداة والزعيم غارم ولا وصية لوارث ولا قطع في ثمر ولا كثر "
(1/58)

البنية يراد بها الشهود ومن يجري مجراهم من الحجج التي يقيمها المدعي واليمين القسم وهي مؤنثة وجمعها أيمان وأيمن واليمين على وجوه اليد والقوة واليمن يقال قدم فلان على أيمن اليمن أي اليمن وقيل في قول الشماخ:
تلقاها عرابة باليمين
أي بالقوة واليمن واليد اليمنى وفسر قوله تعالى " وعن أيمانهم " أي من قبل دينهم والمعنى في الحديث أن تكون في يد رجل دار أو مال فيجيء آخر فيقول هذه الدار لي وهذا المال لي وينكر الذي في يده الشيء فعلى الذي طالب البنية شاهدان عدلان أو رجل وامرأتان يشهدون أن الشيء له فان شهدوا حكم له بالشيء وإن لم تكن له بنية فعلى الجاحد المدعي عليه اليمين بالله ما الأمر على ما يدعي عليه فإن حلف كان الشيء له. والخراج بالضمان قال أبو عبيد وغيره من أهل العلم معنى الخراج في هذا الحديث غلة العبد يشتريه الرجل فيستغله زمانا ثم يعثر منه على عيب دلسه البائع ولم يطلعه عليه فله رد العبد على البائع والرجوع عليه بجميع الثمن والغلة التي استغلها المشتري من العبد طيبة له لأنه كان في ضمانة ولو هلك هلك من ماله وهذا معنى قول شريح لرجلين احتكما إليه في مثل هذا فقال للمشتري رد الداء بدائه ولك الغلة بالضمان وجملة معنى الخراج الغلة. وقوله وجرح العجماء جبار قال أبو عبيد أراد بالعجماء البهيمة سميت عجماء لأنها لا تتكلم قال وكل من لا يقدر على الكلام فهو أعجم ومستعجم يقال قرأ فلان فاستعجم عليه ما يقرأ إذا التبس عليه ولم يتهيأ له أن يمضي فيه وصلاة النهار عجماء لأنه لا يسمع فيها قراءة ومعنى جرح العجماء جبار البهيمة تفلت فتصيب إنسانا في إفلاتها فذلك هدر وهو معنى الجبار. وقوله لا يغلق الرهن أب لا يستحقه المرتهن وهو معنى الجبار. وقوله لا يغلق الرهن أب لا يستحقه المرتهن إذا لم يرد الراهن ما رهنه فيه وكان هذا من فعل أهل الجاهلية فأبطله النبي صلى الله عليه وسلم بقوله " لا يغلق الرهن " قال زهير.
وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا
أي أنها ارتهنت قلبه فذهبت به والغلق الهلاك ومعنى لا يغلق الرهن أي لا يهلك والفعل من الرهن رهنته أرهنه رهنا قال الأصمعي ولا يقال أرهنته وروي بيت ابن همام السلولي:
فلما خشيت أظافيرهم ... نجوت وأرهنهم مالكا
(1/59)

وقال هو كما يقول قمت واصك عينه قال ورواية من روي وأرهنتهم مالكا خطأ وغيره يجيزها. والمنحة مردودة قال أبو عبيد المنحة عند العرب على معنين أحدهما أن يعطي الرجل صاحبه المال هبة أو صلة فيكون له وأما المنحة الأخرى فان يمنح الرجل أخاه ناقة أو شاة يحتلبها أزمانا ثم يردها وهو تأويل قوله المنحة مردودة والمنحة أيضا أن تكون في الأرض يمنح الرجل الرجل أرضه ليزرعها ومنه الحديث " من كانت له أرض فليزرعها أو يمنحها أخاه " أي يدفعها إليه يزرعها فإذا رفع زرعها ردها على صاحبها والمنحة منفعتك أخاك تمنحه ولك شيء يقصد به قصد شيء فقد منحته إياه وفي المنحة لغتان منحة ومنحة والفعل منها منحت أمنح وفي الحديث " من منح منحة ورق " يراد به القرض والعارية الشيء الذي يتداوله القوم بينهم وهي منسوبة إلى العارة وهو اسم من الإعارة يقال أعرته الشيء أعير إعارة وعارة كما تقول أطعته إطاعة وأجبته إجابة وجابة وهي من ذوات الواو وأصلها عورية فقلبت الواو ألفا لنحركها وانفتاح ما قبلها تقول هم يتعاورون العواري بينهم بالواو وهي المعاورة والتعاور شبه المداولة والتداول في الشيء يكون بين اثنين قال ذو الرمة:
وسقط كعين الديك عاورت صحبتي ... أباها وهيأنا لموقعها وكرا
يعني الزند وما سقط من ناره وتقول في جمعها عواري فأما قول من قال أنها منسوبة إلى العار فليس بشيء لأن العار من ذوات الياء والعارية من ذوات الواو وتقول استعرت منه العارية فأعارنيها ومعنى الحديث أن المستعير يجب عليه رد العارية على المعير وللعرب سبعة أسماء تضعها موضع العارية لينتفع بها المستعير ثم يردها إلى العير وهي المنحة والعرية والإفقار والأخبال والأعمار والأكفاء والأقارب فالمنحة التي مضى ذكرها. والعرية النخلة يعطي الرجل أخاه ثمرها عامه ذلك من بين نخلة كأنه لما أعطاه ثمرها فقد أعراها من الثمر. والإفقار أن يعطي الرجل دابته فيركبها ما أحب في سفر أو حضر ثم يردها عليه واشتقاقها من فقار الظهر وهي خرز الصلب بقوله أفقره معناه أمكنه من ركوب فقاره أي ظهره. والأخبال أن يعطي الرجل البعير أو الناقة يركبها ويجتز وبرها وينتفع بها ثم يردها وإياه اراد زهير بقوله:
هناك أن يستخلبوا المال يخلبوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا
(1/60)

واشتقاقها من الخبل وكان الرجل إذا أصابته شدة جاء إلى صاحبه فاستدعى معونته على الخبال الذي لحقه فأخبله أي أعطاه ما يستعين به أي أزال خباله. والإكفاء أن يعطي الرجل الناقة لينتفع بلبنها ووبرها وولد عامها ذلك والفرق بينه وبين الأخبال أن الولد في الأخبال يرد مع الناقة وفي الإكفاء لا يرده. والإعمار والأقارب في المنازل والاسم العمري والرقبي فالعمري فالعمري أن يسكن الرجل الرجل الدار فإذا مات رجعت إليه كأنه جعلها له عمرة والأقارب أن يعطيه داراً ويقول له أن مت قبلي رجعت إليّ وإن مت قبلك هي لك وأصله من المراقبة لأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه والفعل من هذه الأشياء كلها أفعلتك بالألف إلا المحنة فإنها بغير ألف. والزعيم الكفيل وكذلك القبيل والضمين والصبير يقال منه زعمت به أزعم زعامة أي كفلت قال الله تعالى " وأنا به زعيم " فإذا كان لرجل على آخر مال فضمنه إنسان لرب المال فضمانه جائز ولرب المال أن يأخذه بالمال الذي كان عليه وإن شاء أخذ الضمين وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله وقال غيره إذا وقع الضمان فقد برئ الذي كان عليه المال. ولا وصية لوارث هو أن يكون للرجل وراث فيوصى لأحدهم بشيء من تركته ويزوي عنه الباقين فلا يجوز له أن يجمع بين الميراث والوصية لكراهية إزواء الميراث عن الورثة إلا أن يجيز الورثة الوصية فإن أجازوها كانت ماضية وفي حديث عن الحسن رحمه الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث إلا أن يجيزه الورثة. ولا قطع في ثمر ولا كثر الكثر الجمار والجذب منه ما كان خشنا والثمر يعني الثمر المعلق في رؤوس النخل والشجر الذي لم يحرز في الجرين والجرين الذي يجعل فيه ثمر النخل فإذا جد وأحرز في الجرين فعلى السارق فيما بلغت قيمته ربع دينار القطع وهو معنى حديث عمر رضي الله عنه لا قطع في عام سنة ولا في عذق معلقا.
وقوله " ولا قود إلا بحديدة والمرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديتها ولا تعقل العاقلة عمدا ولا عبدا ولا صلحا ولا اعترافا ولإطلاق في إغلاق والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا والجار أحق بصقبه والطلاق بالرجال والعدة بالنساء ".
أما قوله لا قود إلا بحديدة فقد اختلف الفقهاء فيه فمنهم من تعلق به وقال لا يقتل من قتل بحديد بل تؤخذ منه الدية وبعضهم يقول إذا قتل بما مثله يقتل قتل مثل أن يرميه بصخرة عظيمة وما أشبه ذلك هو قول الشافعي رحمه الله وقال قوم متى قتل
(1/61)

بغير حديدة لم يقد منه إلا بالسيف والمرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديتها هو تفاعل من العقل وهو الدية أي تساوي الرجل في الدية إلى الثلث فما جاوزت الثلث ردت إلى نصف دية الرجل ومعناه أن دية المرأة في الأصل على النصف من دية الرجل كما أنها ترث نصف ما يرث الابن فأما في الأعضاء فما كان فيه أقل من ثلث دية نحو الإصبع فإن فيها عشر الدية وهو عشر من الإبل فكذلك الإصبعان والثلاث وما أشبه ذلك مما لا يجب فيه ثلث الدية فإن دية أعضاء المرأة على النصف من دية الرجل نحو دية الرجل والعين والشفة وما أشبه ذلك وهو قول سعيد بن المسيب ومن تابعه من أهل المدينة وسأل رجل من أهل العراق سعيدا قال أرأيت رجلا قطع إصبع امرأة قال عليه عشر الدية قال فاصبعين قال عشران قال فثلاث قال ثلاثة أعشار قال فأربعا قال عشر أن فقال له فلما اشتد جرحها وعظمت بليتها نقص عقلها قال أعراقي أنت بذلك جاءت أمسنة يريد السنة فأبدل لام التعريف ميما وهي لغة وفي تسميتهم الدية عقلا قولان أحدهما من قولهم عقل الظبي يعقل عقولا إذا احترز في الجبل والموضع يسمى معقلا ووعل عاقل فكأن الدية قد صارت حرز للقاتل من القتل وصار ممتنعا بها كامتناع الوعل بقلة الجبل والقول الآخر أن الإبل وإن كانت تجمع وتعقل بفناء ولي المقتول ثم كثرت حتى سميت الدية وإن كانت دراهم أو دنانير أو غير ذلك عقلا وأصل العقل في اللغة الحبس والمنع والدية أصلها ودية وهي مصدر واسم فحذفت واوها كما حذفت من زنة وعدة والعاقلة قيل هم العصبة والقرابة من قبل الأب ولا تعقل منهم صغير ولا مجنون ولا أنثى ومعرفة ذلك أن تنظر إلى إخوة الجاني من قبل الأب فيحملون ما تحمل العاقلة فإن احتملوها أدوها في ثلاث سنين وإن لم يحتملوها رفعت إلى بني جده فإن لم يحتملوها رفعت إلى بني جد أبيه فإن لم يحتملوها رفعت إلى بني جد أبي جده ثم هكذا لا ترفع عن بني أب حتى يعجزوا وقيل العاقلة القبيلة وقيل هم أهل الديوان الذين يقبضون معه العطاء والمعنى أن القتل إذا كان عمدا محضا لم تلزم العاقلة الدية وكذلك إذا صولح الجاني من الدية على مال بإقرار منه لم تلزم العاقلة الدية وكذلك إن اعترف أنه قتل خطأ فليس على عاقلته ديته وإذا جنى عبد لرجل حر على إنسان جناية خطأ لم تغرم عاقلة الجاني ثمن العبد وهذا أشبه بالمعنى قال الأصمعي خطأت أبا يوسف القاضي لأنه تأوّل معنى قوله لا تعقل العاقلة عبداً إذا قتل عبد لرجل رجلاً لم يجب على عاقلة المولى شيء قال فقلت لو كان الأمر على هذا لقال ولا تعقل العاقلة
(1/62)

عن عبد لأنه يقال عقلت العاقلة عن القاتل وعقلت العاقلة المقتول. وأنثت العاقلة على معنى الجماعة العاقلة. ولإطلاق في إغلاق معنى الإغلاق الإكراه والإجبار كأنه يغلق عليه الباب ويحبس أو يضيق عليه أمره حتى يضطر إلى تطليق امرأته فكأنه قد أغلق عليه باب المخرج مما ألجئ إليه فوضع الإغلاق موضع الإكراه كالرجال يغلق عليه محبسه لا يجد سبيلاً إلى التخلص منه وإغلاق القاتل إسلامه إلى ولي المقتول فيحكم في دمه ما شاء يقال أغلق فلان بجريرته قال الفرزدق:
أساري حديد أغلقت بدمائها
والاسم الغلاق قال عدي بن زيد ويقول العداة أودى عدي وبنوه قد أيقنوا بالغلاق وقد اختلف أهل العلم في طلاق المكرة فقال أهل الرأي يقع طلاقه وقال أهل الظاهر لا يقع. وقوله البيعان بالخيار ما لم يتفرقاهما البائع والمشتري وسميا بيعين لأن كل واحد منهما يقال له بائع والبيع من الأضداد يكون البيع ويكون الشراء وكذلك الشراء يقع عليهما جميعا وقد اختلف في الافتراق هنا فمن الفقهاء من يرى أنه افتراق الأبدان ومنهم من يرى أنه افتراق والأول أظهر. والجار أحق بصقبة أي بما لاصقه وقاربه والصقب القرب يقال اصقبت دارنا أي دنت يريد الشفعة وهو أن يبيع الرجل داراً أو بستانا ثم يجيء جاره فيطلب الشفعة فإن له ذلك وقال الشافعي رحمه الله وهو الجار الذي لا تنفصل شركته واحتج ببيت الأعشى:
أيا جارتا بيني فإنك طالقة
فجعل الزوجة جارة لأنها لا تنفصل من بعلها ما لم يطلقها والشريك أقرب إلى شريكه من الجار. وقوله الطلاق بالرجال والعدة بالنساء معناه أن الطلاق يعتبر به حال الرجل والعدة تعتبر بها حال النساء فإذا كان حراً وتحته أمة فالطلاق ثلاث والعدة حيضتان وإن كان الزوج عبداً وتحته حرة فالطلاق بنتان والعدة ثلاث حيض وقوله " وكنهيه في البيوع عن المخابرة والمحاقلة والمزانبة والمعاومة والثنيا وعن ربح ما لم يضمن وبيع ما لم يقبض وعن بيعتين في بيعة وعن شرطين في بيع وعن بيع وسلف وعن بيع الغرر وبيع المواصفة وعن الكالئ بالكالئ وعن تلقي الركبان ".
(1/63)

المخابرة مزارعة الارض على الثلث أو الربع أو النصف أو أكثر من ذلك أو أقل وهو الخبر أيضا ومن ذلك قيل للاكار خبير لأنه يخابر الارض والخابرة هي المواكرة والخبراء الارض تنبت السدر وكان ابن الاعرابي يقول أصل المخابرة من خيبر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أقرها في أيدي اهلها على النصف فقيل خابروهم أي عاملوهم في خيبر ثم تنازعوا عن ذلك ثم جازت بعد. والمحاقلة مفاعلة من الحقل الذي هو الزرع يقال أحقل الزرع إذا تشعب من قبل أن تغلظ سوقه أومن الحقل الذي هو القراح ويقال في مثل لا تنبت البقلة الا الحقلة يضرب مثل للكلمة الخسيسة تخرج من الرجل الخسيس وفيها أقوال أو لها أنها بيع الزرع في سبله بالبر فخذا غير جائز لأنه بيع مثل بمثل مجازفة وقيل هي بيع زرع بزرع مثله وغلتهما من جنس واحد وقيل هي بيع السنبل قائما بعرض وقد اختلفوا في ذلك فقال قوم لا يجوز بيع السنبل حتى يشتد قوم وقال لا يجوز بيعه على كل وجه لأنه في أكمامه مستتر لا يعلم صحة الحب فيه وقيل هي بمعنى المزارعة بالثلث والربع وأقل من ذلك وأكثر وفي حديث رافع بن خديج قال كنا نحاقل الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى فجاء ذات يوم عمومتي فقالوا نهى رسول الله عن أمر كان لنا نافعا وطواعية رسول الله انفع لنا نهانا أن نحاقل بالأرض وهذا يدل على أنه بمنزلة المخابرة. والمزابنة بيع التمر في رؤس النخل بالتمر واشتقاقها من الزبن وهو الدفع يقال حرب زبون للشديدة وتزابن القوم تدافعوا وذلك أن المتبايعين إذا وقفا على الغبن أراد المقهور أن يفسخ البيع وأراد الغابن ان يمضيه فتزابنا أي تدافعا واختصما وإنما نهى عنه لأنه بيع التمر بالتمر لا يجوز الا مثلا بمثل فهذا مجهول لا يعلم أيهما أكثر ويدخل في المزابنة بيع العنب على الكرم بالزبيب كيلا وقيل المزابنة بيع ما في رؤوس النخل من الرطب بخرصه يقول أبيعك رطب هذه النخلة على ان يجيء منه ألف رطل تمر فان زاد فهو لك وأن نقص فهو عليك فهذا لا يجوز أيضا عند الفقهاء وقيل المزابنة بيع ما في الشجر بمثله من التمر وروى عن مالك أنه قال المزابنة كل شيء من الجزاف الذي لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده بيع بشيء مسمى من الكيل والوزن والعدد وشبيه بهذا لما يدفع بين السلامة والعيب في السلعة ارش لأن مبتاع الثوب بشرط الصحة إذا وقف على عيب فيه وقع بينه وبين البائع أرش أي خصومة واختلاف تقول أرشت بين القوم وحرشت إذا اوقعت بينهم الشر فسمى ما نقص الثوب من العيب أرشا اذ كان سبب الارش.
(1/64)

والمعاومة بيع الانخل والشجر عامين أو أعواما وهي مفاعلة من لفظ العام والعام حول يأتي على شتوة وصيفة وأخبرني الحسن بن عبد الملك عن الحسن بن على عن محمد بن العباس عن أبي محمد الزهري عن ثعلب فال السنة من أي يوم عددتها فهي سنة والعام لا يكون إلا شتاء وصيفا وليس السنة والعام مشتقا من شيء قال فإذا عددنا من اليوم إلى مثله فهو سنة يدخل فيه نصف الشتاء ونصف الصيف والعام لا يكون إلا صيفا وشتاء ومن الأول يقع الربع والربع والنصف والنصف إذا حلف لا يكلمه عاما لا يدخل بعضه في بعض إنما هو الشتاء والصيف. والثنيا هو أن يستثنى مجهولا من معلوم فأن العرب كانت تبيع النخل وغيره وتستثني لأنفسها أشياء غير معلومة كقولك أبيعك نخلى الا ما آكل أنا وأهلي منه فهذا لا يجوز باجماع وكذلك إذا قال أبيعك رطب هذه النخل الا ألف رطل منه لم يجز أيضا وكذلك إذا باع جزروا بثمن معلوم واستثنى الرأس والاكارع فأن البيع فاسد والثنيا من الجزور الرأس والقوائم سميت ثنيا لأن البائع في الجاهلية كان يستثنيها إذا باع الجزور فسميت الاستثناء الثنيا وقال الشاعر:
جمالية الثنيا مساندة القرى ... عذافرة تختب ثم تنيب
ويروي مذكرة يصف ناقة بأنها غليظة القوائم كقوائم الجمل ولا يدخل الرأس في هذا لأن عظمه هجنه. وكل من باع بيعا فاستثنى منه مجهولا فالعقد باطل ومن استثنى معلوما قد عرفاه جميعا فالعقد جائز. وقوله وربح ما لم يضمن هو أن يبتاع من الرجل سلعته ويقول ان خرجت عني في البيع فالبيع لازم والثمن علي وأن لم يخرج عني في البيع فلا بيع بيني وبينك فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وفيه وجه آخر وهو أن يأتي الرجل الرجل فيقول له أشتر لي سلعة أنا أربحك فيها فيشتري المأمور تلك السلعة ولا أرب له فيها وبيع ما لم يقبض هو أن يسلف الرجل في طعام ثم يبيعه من غير المستسلف عند محل الأجل من غير أن يقبضه وعن مالك إذا أشترى شيئاً جزافا باعه وأن لم يقبضه فأن أسلف فيه حتى يقبضه باجماع. وقوله بيعتين في بيعة يكون في أشياء منها أن يقول أكتل من طعامي ما أحببت بغير سعرا فإذا بعت لغيرك بسعر فقد بعتك بذلك السعر فيصير إذا باع الثاني فقد باع الأول فقد صار ذلك بيعتين في بيعة ومنها ان يقول أبيعك هذا بدينار على ان تعطيني به عشرين درهما ومنها أن يقول بعتك هذه السلعة بكذا نقداً وبأزيد منه مؤجلا وعند مالك أنه قد وجب عليه أحد الثمنين لا ينفك منه إن شئت النقد وإن شئت المؤجل فهذا منهي
(1/65)

عنه فإذا خيره في النسيئة والنقد والقبول والترك كان البيع جائزاً. وقوله وعن شرطين فبدينارين فهذا محظور غير جائز. وعن بيع سلف هو أن يسلف الرجل مائة دينار في كر طعام إلى سنة يشترط عليه أن لم تأتني بالكر الطعام إلى سنة فقد بعتك أياه بمائتين فهذا بيع وسلف وقيل هو أن يقول أشتريت هذه السلعة بمائة دينار على أن تسلفني مائة أخرى فهذا لا يجوز لأنه لا يؤمن أن يكون باعه السلعة بأقل من ثمنها من أجل القرض. وبيع الغرر هو ما كانت الجاهلية تفعله وذلك أن الرجل كان يشتري من الرجل عبده الآبق وجمله الشارد فهذا بيع الغرر والفاسد باجماع ومن الغرر بيع ما في بطن الناقة أو بيع ولد ذلك الحمل أو ما يضرب الفحل في عامه. وأما بيع المواصفة فهو أن يقول الرجل أبيعك ثوبا من صفته كذا ومنة نعته كذا فيقول قد أشتريته فهذا البيع باطل عند الشافعي وقال أهل العراق إذا وجدها المبتاع على الصفة لم يكن به الخيار فأن لم يجدها على الصفة فالبيع باطل وهو رأي مالك والكاليء بالكاليء النسيئة يقال تكلأت كلأة أي أستنسات نسيئة والنسيئة التأخير أخبرني طراد بن محمد عن أحمد بن علي عن علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد قال تفسيره أن يسلم الرجل إلى الرجل مائة درهم إلى سنة في كر طعام فإذا أنقضت السنة وحل الطعام عليه قال الذي عليه الطعام للدافع ليس عندي طعام ولكن بعني هذا الكر بمائتي درهم إلى شهر فهذه نسيئة أنتقلت إلى نسيئة فكل ما أشبه هذا هو هكذا ولو قبض الطعام منه ثم باعه منه أو من غيره بنسيئة لم يكن كالئا بكاليء قال أبو زيد تقول كلأت في الطعام تكليئا واكلأت فيه اكلاء إذا أسلفت فيه وما أعطيت في الطعام من الدراهم نسيئة فهي الكلأة. وقوله عن تلقى الركبان معنى ذلك أن أهل المصر كانوا إذا بلغهم ورود الإعراب بالسلع تلقوهم قبل أن يدخلوا المصر فاشتروا منهم ولا علم الإعراب بسعر المصر فغبنوهم ثم أدخلوه المصر فباعوه وأغلوه وهو نحول قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يبع حاضر لباد " وكان الإعراب إذا قدموا بالسلع لم يقيموا على بيعها فتسهلوا فيه وكان ناس من أهل المصر يتوكلون لهم بيعها وينطلق الإعراب إلى باديتهم فنهوا عن ذلك ليصيب الناس منهم وقوله " في أشباه لهذا إذا هو حفظها وتفهم معانيها وتدبرها أغنته بإذن الله عن كثير من إطالة الفقهاء ".
الأشباه الأمثال الواحد شبه وشبه بدل وبدل وهي مثل النهي عن بيع العربان وهو
(1/66)

أن يستام الرجل السلعة ثم يدفع إلى صاحبها ديناراً عربونا على أنه أن اشترى السلعة كان الذي دفعه إليه من الثمن وأن لم يشترها كان الدينار لصاحبه ولا يرتجعه منه. ومثل النهي عن المنابذة وهو أن يقول الرجل لصاحبه إذا نبذت إليّ الثوب أو نبذته إليك فد وجب البيع إذا نبذت الحصاة فقد وجب البيع وهذا معنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهي عن بيع الحصاة. ومثل ذلك النهي عن الملامسة وهو أن يقول الرجل لصاحبه إذا لمست ثوبي أو لمست ثوبك فقد وجب البيع بكذا وكذا وقيل هي أن يلمس المتاع من وراء الثوب ولا ينظر إليه ويقع البيع على ذلك وهذه بيوع كانت في الجاهلية فنهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم. ويقال فهمت الشيء أي عقلته وعرفته وتفهمته تعرفته شيئا بعد شيء وفهمته غيري وأفهمته وتدبرها أي نظر في عاقبتها والتدبير قيس دبر الكلام بقبله لتنظر هل يختلف ثم جعل كل تمييز تدبيرا ومنه تدبير العبد وهو أن يعتق الرجل عبده بعد موته فكأنه تأخير عتقه إلى وفاة مولاه وهي دبر أمره وقوله " ولا بد له مع ذلك من دراسة أخبار الناس وتحفظ عيون الحديث ليدخلها في تضاعيف سطوره متمثلا إذا كتب أو يصل بها كلامه إذا حاور ومدار الأمر عن القطب وهو العقل وجودة القريحة فإن القليل معهما بإذن الله كاف والكثير مع غيرهما مقصر " دراسة أخبار الناس قراءتها وتعلمها وأصل الدرس المحو والأخلاق ومنه قيل للثوب الخلق درس وجمعه درسان ودرس الأثر يدرس دروسا ودرسته الريح تدرسه درسا أي محته فمعنى درست الكتاب أي ذللته بكثرة القراءة حتى خف حفظه عليّ ودرست السورة أي حفظتها. وعيون الحديث مختاره وأفضله وقد عيب ذلك عليه وقيل الصواب أن يقال أعيان الحديث لأن العيون جمع عين الماء والعين التي يبصر بها ويقال في سائر الأشياء أعيان يقال أعيان المال وأعيان الرجال وأعيان الثياب وللعين في اللغة مواضع كثيرة ليس هذا موضعها. وقوله في تضاعيف سطوره أي في أثناء سطوره. والمحاورة مراجعة الكلام في المخاطبة تقول حاورته في المنطق وأحرت له جوابا وما أحار بكلمة والاسم المحاورة كالمشورة من المشاورة قال الشاعر:
بحاجة ذي بث ومحورة له ... كفى رجعها من قصة المتكلم
(1/67)

وأصل الحور الرجوع عن الشيء وإلى الشيء وكل شيء تغير من حال إلى حال فقد حار يحور قال لبيد:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رماداً بعد إذ هو ساطع
ومدار مفعل من يدور وأصله مدور فنقلت الفتحة من الواو إلى الدال وقلبت ألفا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن ويسمى النحويون هذا إعلال الإتباع معناه أنه تبع الفعل في الإعلال والقطب أصله للرحى وهو الحديدة القائمة في وسط الطبق الأسفل من الرحيين وعليه تدور الرحى وفيه أربع لغات قطب وقطب وقطب وقطب ويقال لكوكب صغير بين الجدي والفرقدين أبيض لا يبرح مكانه أبدا قطب شبه بقطب الرحى لأن الكواكب تدور عليه وهو لا يزول الدهر ويقال فلان قطب بني فلان أي سيدهم الذي يدور عليه أمرهم وقطب رحى الحرب رئيسها وشبه العقل بالقطب لأن قوام الإنسان بعقله كما أن قوام الرحى بقطبها والعقل التمييز الذي به يتميز الإنسان من سائر الحيوان وسمى عقلا لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك أي يحسبه وقال ابن الأعرابي العقل التلبب في الأمور والعقل القلب وقيل لاعرابي ما العقل فقال لم ير كاملا في أحد كيف يوصف. وأخبرني المبارك بن عبد الجبار عن إبراهيم بن عمر عن محمد بن محمد بن حمدان عن ابن الأنباري عن محمد بن المرزبان عن شيخ له قال الأصمعي كانت العرب تقول من كانت فيه خصلة أحمد من عقله فبالحرى أن تكون سبب هلاكه قال فحفظت الحديث فحدثت به المدائنى فقال هذا حديث حسن وعندي آخر يشبهه كانت العرب تقول من لم يكن عقله من أكمل ما فيه كان هلاكه من أيسر ما فيه قال فحقظت الحدثيين فحدثت بهما أحمد بن يوسف فقال هذان حديثان حسنان وعندي آخر لا يشبههما كانت العرب تقول من لك يكن عقله أغلب خصال الخير عليه كان سريعا إلى حتفه فحفظت الأحاديث فحدثت بها أبا دلف فقال هذه الأحاديث حسان عندي حديث أحسن منها غير أنه لا يشسبهها كانت العرب تقول كل شيء إذا كثر رخص إلا العقل فأنه إذا كثر غلا قال فحفظت الأحاديث فحدثت بها الحسين بن على الكوكبي فقال أن للكلام وشيا وهذا اسكندراني وشى الكلام وكان الحسن يقول ما تم دين رجل حتى يتم عقله وبعد فقد قال ابن السماك من لم يتحرز من عقله بعقله هلك من قبل عقله. وقوله وجودة القريحة قال ابن الأعرابي قريحة الرجل طبييعته التي جبل عليها وجمعها قرائح لأنها أول أمره والقريحة أول ماء
(1/68)

يخرج من البئر حين تحفر قال الشاعر:
فإنك كالقريحة عام تمهى ... شروب الماء ثم تعود ماجا
والاقتراح أول الشيء وقروح كل شيء أوله. ويؤيد قوله والكثير مع غيرهما مقصر ما أخبرني أبو القاسم علي بن أحمد البندار عن أبي أحمد الفرضي عن الصولي قال حدثنا جبلة بن محمد قال حدثنا أبي قال جاء رجل إلى ابن شبرمة فسأله عن مسألة ففسرها له فقال له لم أفهم فأعاد فقال لم أفهم فقال إن كنت لم تفهم لأنك لم تفهم فستفهم بالإعادة وان كنت لم تفهم لأنك لا تفهم فهذا داء لا دواء له.
وقوله " ونحن نستحب لمن قبل عنا وائتم بكتبنا أن يؤدب نفسه قبل أن يؤدب لسانه ويهذب أخلاقه قبل أن يهذب ألفاظه وبصون مروءته عن دناءة الغيبة وصناعته عن شين الكذب ويجانب قبل مجانبة اللحن وخطل القول شنيع الكلام ورفث المزح " ائتم اقتدي وهو افتعل من الأمام وهو القدوة وقدم القوم أي تقدمهم اخذ الإمام وكذلك قولهم فلان إمام القوم معناه هو المتقدم لهم فيكون الإمام رئيسا كقولك إمام المسلمين والتهذيب التصفية والتنقية ورجل مهذب أي مطهر الأخلاق ويصون مروءته أي يقيها مما يفسدها والصوان الشيء الذي تصون به أو فيه شيئاً أو ثوبا والفرس يصون عدوه جريه إذا ذخر منه ذخيرة لحاجته وقيل للأحنف ما المروءة قال العفة والحرفة وقيل لآخر ذلك فقال أن لاتفعل في سريرتك شيئا تستحي منه في علانيتك وقال عمر رضي الله عنه حسب المرء دينه وأصله عقله ومروءته وخلقه والدناءة الخسة وهي مصدر قولك دنؤ الرجل فهو دنيء إذا كان خسيسا وهو الذي لا يبالي ما قال وما قيل له وقد دنوت من فلان أدنو دنواً وأنا دان إذا قربت منه ودخل أبو ز يد الأنصاري على أمير الكوفة قبل أن يتعلم النحو فقال ادن يا أبا زيد فقال أنادني
أيها الأمير فضحكوا منه أراد أنا دان فخجل فتعلم النحو فصار رئيسا فأما دنأ يدنأ بالهمز فمعناه سفل في فعله ومجن. والغيبة فعلة من الغيب وهو أن يقال في الرجل من خلفه ما فيه من السوء فإذا استقبل به فتلك المجاهرة فإذا قيل ما ليس فيه فذلك البهت وهي الاسم من اغتاب يغتاب وقال ابن الأعرابي عاب إذا اغتاب وغاب إذا ذكر إنساناً بخير أو شر والغيبة فعلة منه تكون حسنة وتكون قبيحة وقد غلط فيه قالوا
(1/69)

لأنه لو كانت الغيبة تحتمل شيئين لأبانه الله عز وجل ولم يقع النهي عنها مجرداً فقال تعالى: " ولا يغتب بعضكم بعضا " بشر ألا ترى البشارة تكون مطلقة في الخير فإذا كانت في الشر قرنت به. والشين ضد الزين وهو القبح. والكذب في اللغة ضعف الخبر يقال حمل فلان على فلان فما كذب أي فما ضعف ولا يذكب الرجل الا من مهانة نفسه. ومجانبة اللحن مباعدته وقد جانبه أي باعده والجار الجنب الغريب وسمى الجنب جنباً لتباعده عن الطهارة واللحن الخطأ من الأكم وأصله من الميل والعدول فإذا قيل لحن فلان فتأويله أنه قد أخذ في ناحية غير الصواب وعدل عنه إليها قال الشاعر:
منطق صائب وتلحن أحيا ... ناً وخير الحديث ما كان لحنا
تأويله خير الحديث من مثل هذه ما كان لا يعرفه كل أحد أنما يعرف أمرها من أنحاء قولها وقال بعضهم يريد أنها تخطىء في الأعراب وذلك أنه يستملح من الجواري ذاك إذا كان خفيفا ويستثقل منهن لزوم حلق الأعراب واللحن أيضا اللغة لحن الرجل بلحنه إذا تكلم بلغته ولحن القول معناه قال الله تعالى: " ولتعرفنهم في لحن القول " واللحن واحد الالحان وهي الضروب من الأصوات الموضوعة المصوغة ولحن القدح صوته إذا نقرته فلم يكن صافيا ولحن القوس صوتها عند الانباض وكذلك السهم إذا لم يكن حنانا عن الادامة على الاصبع واللحن بفتح الحاء الفطنة يقال منه لحن يلحن ومنه قوله النبي صلى الله عليه وسلم " لعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته " أي أفطن لها وأغوص عليها. وخطل القول اضطرابه وفساده يقال للاحمق العجل خطل ورمح خطل إذا كان مضطربا وقال أبو عبيد الهراء المنطق الفاسد ويقال الكثير والخطل مثله يقال خطل الرجل في كلامه وأخطل. وشنيع الكلام قبيحه وقد شنع شناعة فهو والاسم الشنعة وقد شنع فلان على فلان أي شهره بفعلة قبيحة. والرفث قبح الكلام يقال رفث الرجل يرفث رفثا وهو الذي جاء فيه النهي في التنزيل وحدا ابن عباس فقال:
وهن يمشين بنا هميسا ... ان تصدق الطيرننا لميسا
فقيل له أتقول الرفث وأنت محرم فقال أنه ليس بين الرجال رفث كأن الرفث عنده حديث النساء بالجماع ونحوه. والمزح الدعابة وهو المزاحة والمزاح يقال مزح يمزح فهو مازح والجمع مزح قال ابن الاعرابي هم الخارجون من طبع الثقلاء
(1/70)

المتميزون من طبع البغضاء ومما ورد في ذم المزاح قول أكثم بن صيفي المزاحة تذهب المهابة وقال خالد بن صفوان المزاح سباب النوكي وقال عمر بن عبد العزيز اياي والمزاح فأنه يجر القبيحة ويورث الضغينة ويروي عن سعيد بن العاصي أنه قال لا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا الدنيء فيجتريء عليك وقال الشاعر: أما المزاحة والمراء فدعهما خلقان لا أرضاهما لصديق وقوله " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولنا فيه أسوة حسنة يمزح ولا يقول الا حقا ومازح عجوزاً فقال " أن الجنة لا يدخلها العجز " وكانت في علي رضوان الله عليه دعابة وكان ابن سيرين يضحك ويمزح حتى يسيل لعابه وسئل عن رجل فقال توفي البارحة فلما رأى جزع السائل قرأ " الله يتوفى الانفس حين موتها والتي لم تمت في منامها "
أسوة قدوة والعجز جمع عجوز مثل رسول ورسل وهي المرأة الشيخة الطاعنة في السن والفعل منه عجزت تعجز تعجيزا ًوامرأة معجزة ضخمة العجيزة وللعجوز في اللغة مواضع فمنها العجوز المسمار الذي في قائم السيف يكون معه آخر يسمى الكلب والعجوز البقرة والعجوز الخمر ويقال للرجل عجوز وللمرأة عجوز وعجوزة بالتاء أيضاً فلما قال أن الجنة لا يدخلها العجز فبكت المرأة قال " تدخلينها وأنت شابة " وذلك أن أهل الجنة جرد مرد مكحلون جعاد أبناء ثلاث وثلاثين سنة على خلق آدم سبعون باعا في سبع أذرع ومثله قول علي عليه السلام لا يدخل الجنة أعجمي يقول تقلب ألسنتهم فيكونون عربا. والدعابة المزاح ومنه قوله النبي عليه السلام لجابر " فهلا بكرا تداعبها وتداعبك " والفعل منه دعب يدعب دعبا مثل مزح يمزح مزحا إذا قال قولاً يستملحٍ ورجل دعابة. وأبن سيرين هو محمد بن سيرين ويكنى أبا بكر وكان سيرين عبداً لأنس بن مالك كاتبه على عشرين ألفا وأدى المكاتبة فكان من سبي ميسان ويكنى أبا عمرو واللعاب الريق والفعل منه لعب الرجل لعبا إذا سال لعابه بفتح العين ويقال لعب بكسرها قال لبيد:
لعبت على أكتافهم وحجورهم ... وليدا وسموني مفيداً وعاصما
مفيد من الفائدة وعاصم من الشر ويروى لعبت وألعب الصبي إذا صار ذا لعاب يسيل منم فيه وأراد أبن سيرين بقوله توفي أي نام لأن الرجل إذا نام توفي الله تعالى نفسه لأن في الإنسان نفساً وروحاً فالروح هو الذي يكون به الغطيط والنفس
(1/71)

والحركة والنفس هي التي يكون بها التمييز والمخاطبة فإذا نام الرجل خرجت نفسه وبقي روحه وإذا مات خرج النفس والروح جميعاً. والبارحة الليلة الماضية ولا تكون بارحة حتى يمضي نصف يومها يقال فعلت البارحة كذا وكذا من نصف النهار وفعلت الليلة من غدوة إلى نصف النهار والعامة تخطئ فتقول من أول النهار أو ضحوة فعلت البارحة كذا وكذا وهذا خطأ ويقال من نصف الليل إلى نصف النهار كيف أصبحت ومن نصف النهار إلى نصف الليل كيف أمسيت. والرجل الذي سئل عنه ابن سيرين هشام بن حسان.
وقوله " ومازح معاوية الأحنف بن قيس فما رئي مازحان أو قر منهما قال له معاوية يا أحنف ما الشيء الملفف في البجاد قال له السخينة يا أمير المؤمنين أراد معاوية قول الشاعر:
إذا ما مات ميت من تميم ... فسرك أن يعيش فجئ بزاد
بخبز أو بتمر أو بسمن ... أو الشيء الملفف في البجاد
تراه يطوف الآفاق حرصاً ... ليأكل رأس لقمان بن عاد
والملفف في البجاد وطب اللبن وأراد الأحنف أن قريشا كانت تعير بأكل السخينة وهي حساء من دقيق يتخذ عند غلاء السعر وعجف المال وكلب الزمان والأحنف لقب وقد مر شرح الحنف ولقب به لأنه كان أحنف الرجل قالت مرقصته:
والله لولا حنف برجله ... ما كان في فتيانكم من مثله
وأسمه صخر بن قيس بن معاوية بن حصن بن عباد بن مرة بن عتبة بن تميم وأسمه الضحاك ويكنى أبا بحر وكان سيد بني تميم وحكيمهم وحليمهم ومن كلامه الخلق ليس لكذوب مروءة ولا لحسود راحة ولا لبخيل خلة ولا لملولٍ وفاء ولا لسيء الخلق سؤدد وخاطر رجل علىى ألف درهم أن يغضب الأحنف فجاء فلطمه فقال له يا ابن أخي ما أردت إلى ذلك فقال بايعت على أن ألطم سيد بني تميم فقال ويحك لست بسيدهم ولكن سيدهم جارية بن قدامة فذهب الرجل فلطمه فقطع يده. وأوقر أفعل من الوقار وهو السكينة والوداعة وقر الرجل يقر وقار فهو وقور ووقر أيضاً
(1/72)

بضم القاف يوقر قال العجاج: ثبت إذا ما صيح بالقوم وقر والبجاد الكساء المخطط وجمعه بجد. والسخينة دقيق يلقى على ماء أو على لبن فيطبخ ويؤكل أو يحسى وهي السخونة أيضاً وقال ابن السكيت هي التي ارتفعت عن الحساء ونقلت أن تحسى وهي دون العصيدة قال وإنما يأكلون السخينة في شدة الدهر وقال غيره السخينة تعمل من دقيق وسمن وبها سميت قريش سخينة قال كعب بن مالك:
زعمت سخينة أن ستغلب ربها ... وليغلبن مغالب الغلاب
أراد معاوية أن تميما كانت تعير النهم وهو أفراط الشهوة للطعام والحرص عليه وأن لا تشبع عينه وإن شبع بطنه وسبب هجائهم به أن رجلاً من البراجم وهم بنو حنظلة بن زيد موناة بن تميم وسموا بذلك لأنهم تبرجموا على سائر أخوتهم بني يربوع بن حنظلة وربيعة بن حنظلة ومالك بن حنظلة وقالوا نجتمع فنصير كبراجم الكف وهي رؤوس الأشاجع والأشاجع عروق ظاهر الكف مر بنا عمر وبن هند وقد ألقى فيها بني دارم وسبب ذلك أن المنذر بن ماء السماء وضع ابنا له صغيراً يقال له مالك عند زرارة بن عدس أي استرضعه فبلغ حتى صار رجلاً وأنه خرج ذات يوم يتصيد فأخفق فمر بابل لسويد بن ربيعة بن زيد بن عبد الله بن دارم وكانت عنده بنت زرارة قد ولدت له سبعة غلمة فأمر مالك ببكرة منها سنمة فنحرها ثم أشتوى وسويد نائم فلما أنتبه سويد شد على مالك بعضا فضربه ولم فأمه ومات الغلام فخرج سويد هارباً حتى لحق بمكة وعلم أنه لا يأمن فحالف بني نوفل فغزا عمرو بن هند دارم وأخد أمرأة سويد فبقر بطنها وقتل سبعة بنين له بعضهم فوق بعض وآلى عمرو ليحرقن من بني دارم مائة فأخذ ثمانية وتسعين رجلاً بأسفل أوارة من ناحية البحرين وأمر بأخدود فخدلهم ثم أضرم ناراً فلما تلظى وأحتدم قذف بهم فيه فاحترقوا وأقبل راكب عند المساء من بني كلفة بن حنظلة من البراجم لا يعلم بشيء مما كان فوضع بعيره فأناخ وأقبل يعدو فقال له عمرو ما جاء بك قال حب الطعام فأني قد أقويت ثلاثاً لم أذق طعاماً فلما سطع الدخان ظننته دخان طعام فقال عمرو إن الشقي راكب البراجم فذهبت مثلاً ورمى به في النار فاحترق فهجت
(1/73)

العرب بذلك تميما فقال ابن الصعق من هوازن:
ألا أبلغ لديك بني تميم ... بآية ما يحبون الطعاما
وقال أبو مهوش الأسدي ثم الفقعسي:
إذا ما مات ميت من تميم
الأبيات. وخص لقمان بن عاد لعظمه. ويطوف يكثر التطواف. والآفاق النواحي وقوله بأكل السخينة مما أخذ عليه والصواب تعير أكل السخينة بغير باء وقد نهى عن استعماله بالباء فيما تلحن فيه العامة من هذا الكتاب وأنشد بيت النابغة:
وعيرتني بنو دبيان رهبته
وبيت المتلمس:
تعيرني أمي رجال
وبيت الأخيلية
وعيرتني داء
ولكنه خالف إلى ما نهى عنه. والعار العيب والسبة يقال عاره إذا عابه والمعاير المعايب وتعاير القوم تعايبوا وغلاء السعر ارتفاعه عن حدود الثمن وأصله غلا والغلو الارتفاع عن الشيء ومجاوزة الحد ومنه الغلو بالسهم وهو أن ترمي به حيث ما بلغ وكل شيء ارتفع فقد تغالى وعجف المال هزاله يكون للناس والماشية يقال عجف يعجف عجفا والعجف أيضاً غلظ العظام وعراؤها من اللحم والمال الإبل والبقر والغنم يقال رجل مال أي ذو مال وكذلك الإثنان والجمع. وكلب الزمان شدته يقال كلب الشتاء إذا اشتد وكذلك كلبته يقال أصابتهم كلبة من الزمان أي شدة وقحط وكذلك هلبه والكلبة شدة البرد قال:
أنجمت قرة الشتاء وكانت ... قد أقامت بكلبة وقطار
وقال ابن الإعرابي الكلب القيادة والكلب الأكل الكثير بلا شبع والكلب القد والكلب وقوع الحبل بين القعو والبكرة وهو المرس والكلب أنف الشتاء وحده والكلب صياح الذي قد عضه الكلب الكلب قال وقال المفضل أصل هذا إن داء
(1/74)

يقع على الزرع فلا ينحل حتى تطلع عليه الشمس فيذوب فإن أكل منه المال قبل ذلك مات ومنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن سوم الليل أي رعيه وربما ند بعير فأكل ذلك الزرع قبل طلوع الشمس فإذا أكله مات فيأتي كلب فيأكل من لحمه فيكلب فإن عض إنسانا كلب المعضوض فإذا سمع نباح كلب أجابه ويقال دواؤه أن يسقى دم ملك.
وقوله " فهذا وما أشبه مزح الأشراف وذوي المروءات فأما السباب وشتم السلف وذكر الأعراض بكبير الفواحش فما لا نرضاه لخساس العبيد وصغار الولدان " السباب مصدر سابه مسابة وسباباً وأصل السب القطع ثم صار السب شتماً قال الشاعر:
فما كان ذنب بني مالك ... بأن سب منهم غلام فسب
سب أي شتم فسب أي قطع يريد معاقرة غالب أبي الفرزدق وسحيم ابن وثيل الرياحي لما تعاقرا بصوأر فعقر سحيم خمسا ثم بدا له وعقر غالب مائة ولم يكن يملك غيرها. والسلف المتقدمون من آباء الرجل وأقاربه الذين هم فوقه في السن والفضل وأحدهم سالف قال طفيل الغنوي يرثى قومه:
مضوا سلفاً قصد السبيل عليهم ... وصرف المنايا بالرجال يقلب
وأصله من التقدم يقال سلف إليه مني كلام أي تقدم وسبق وسلافة الخمر أول ما يخرج من عصيرها والسلفة الطعام الذي يتعلل به قبل الغذاء والسلف السلم. والأعراض جمع عرض وقد اختلف الناس في عرض الرجل فقال قوم جسمه ومنه قولهم هو طيب العرض أي طيب ريح الجسد ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل الجنة " لا يبولون ولا يتغوطون إنما هو عرق يخرج من أعراضهم مثل ريح المسك " أي من أبدانهم وقال قوم عرض الرجل نفسه واحتجوا بقول حسان:
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
وقال قوم عرض الرجل خليقته المحمودة وقال آخرون عرضه ما يمدح به ويذم وقال آخرون عرضه حسبه وقيل عرضه أسلافه ومنه قول عمر للحطيئة كأني بك عند بعض الملوك تغنيه بأعراض الناس معناه تثلب أسلافهم والعرض أيضاً الرجل يعترض الناس بالباطل وهو العرضن أيضاً والمرأة عرضة وعرضنة والعرض وادي
(1/75)

اليمامة والعرض كل واد فيه قرى ومياه يقال أخصب ذلك العرض وأخصبت أعراض المدينة وهي قراها التي في أوديتها. والخساس جمع الخسيس وهو الذي لا يبالي ما قال وما قيل له والعبيد اسم لجماعة عبد وهو خلاف الحر يقال عبد وأعبد وعبيد وعباد وعبدان وعبدان بتشديد الدال وعبدي بالقصر وعبداء بالمد وعبد ومعبدة ومعبوداء وأصل العبودية الخضوع والذل والتعبيد التذليل يقال طريق معبد أي مذلل والولدان جمع وليد مثل ظليم وظلمان: وقوله " ونستحب له أن يدع في كلامه التقعير والتقعيب كقول يحيى بن يعمر لرجل خاصمته امرأته أئن سألتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها " يدع يترك تقول دع ذا وهو يدعه ولا يقال في الأكثر ودع ولا وداع ولكن تارك وقد جاء ودع وهو قليل قرأ عروة بن الزبير " ما ودعك ربك " بالتخفيف وسائر القراء بالتشديد وأنشد الأصمعي لأنس بن زنيم الليثي:
ليت شعري عن أميري ما الذي ... غاله في الحب حتى ودعه
وقال آخر: وكان ما قدموا لأنفسهم أكثر نفعاً من الذي ودعوا والتقعير تفعيل من قعر الشيء إذا انتهى إلى قعره قال الكسائي قعرت الإناء إذا شربت ما فيه حتى ينتهي إلى قعره وقعرت البئر إذا نزلت فيها حتى تنتهي إلى قعرها وقعر الرجل قعرت الإناء إذا شربت ما فيه حتى ينتهي إلى قعره وقعرت البئر إذا نزلت فيها حتى تنتهي إلى قعرها وقعر الرجل إذا روى فنظر فيما يغمض من الرأي حتى يستخرجه كأنه إذا تكلم بكلام غريب عويص أحتيج إلى إخراج معانيه كما يحتاج إلى إخراج ما في القعر وقال ابن الإعرابي القعر العقل التام يقال هو يتقعر في كلامه إذا كان يتبحر. والتقعيب مثل التقعير ومعناه التعمق وهو تفعيل من القعب وهو القدح من الخشب قال ابن الأعرابي هو قدر ري الرجل وقال الليث هو قدح غليظ جاف وكلام له قعر أي غور وقال الأصمعي كان ابن جريج يعقب في كلامه إذا تكلم يجمع فاه كأنه قعب وهذا على جهة التشبيه والاستعارة. وقوله ثمن شكرها الشكر الفرج قال الهذلي:
صناع بأشفاها حصان بشكرها ... جواد بقوت البطن والعرق زاخر
قوله والعرق زاخر أي حسبها كريم. والشبر النكاح وكانت خاصمته في مهرها
(1/76)

والشبر العطية قال العجاج الحمد لله الذي أعطى الشبر. أنشأت ابتدأت. تطلها تبطل حقها طل بنو فلان فلانا حقه يطلونه إذا منعوه إياه أو مطلوه من قولهم طل دمه وأطل وطل وأطله الله إذا ذهب هدراً والدم مطلول وطليل. وقوله تضهلها تعطيها قليلاً قليلاً من حقها وأصله من قولهم بئر ضهول إذا كانت قليلة الماء وشاة ضهول إذا كانت قليلة الدر والضهل والضحل الماء القليل.
وقوله " وكقول عيسى بن عمر وابن هبيرة يضربه بالسياط والله إن كانت ألا أثيابا في أسيفاط قبضها عشاروك فهذا وأشباهه كان يستثقل والأدب غض والزمان زمان وأهلوه يتحلون فيه بالفصاحة ويتنافسون في العلم ويرونه تلو المقدار في درك ما يطلبون وبلوغ ما يؤملون فكيف به اليوم مع انقلاب الحال وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيهقون المتشدقون ".
عيسى بن عمر هذا ثقفي من أهل البصرة ومن متقدمي النحويين بها وعنه أخذ الخليل بن أحمد وكان صاحب تقعير في كلامه واستعمال للغريب فيه وفي قراءته وضربه يوسف بن عمر بن هبيرة الثقفي وكان يوسف ابن عم الحجاج ويكنى أبا عبد الله ولي اليمن لهشام ثم ولاه العراق ومحاسبة خالد بن عبد الله القسري وكان بعض أصحاب خالد استودع عيسى بن عمر وديعةفكتب يوسف بن عمر إلى واليه بالبصرة أن يحمل إليه عيسى بن عمر مقيداً فدعا به ودعا بالحداد فأمره بتقييده وقال له لا بأس عليك إنما أرادك الأمير لتؤدب ولده قال فما بال القيد إذاً فذهبت مثلاً بالبصرة فلما أتى به يوسف بن عمر سأله عن الوديعة فأنكر فأمر به فضرب فلما أخذته السياط جزع فقال أيها الأمير إنما كانت أثيابا في أسيفاط فرفع الضرب عنه. وأثياب تصغير أثواب وكان الأصل أثيوابا فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء وأشيفاط تصغير أسفاط وإنما يحقر من الجموع جمع القلة دون جمع الكثرة وخص بالتصغير جمع القلة لأن التحقير تقليل في الحقيقة كما أن التكسير تكثير فكرهوا أن يأتمع علم القلة وصيغة الكثرة. والعشارون جمع عشر وهو الذي يأخذ من القوم عشر أموالهم وهو العاشر أيضاً تقول منه عشرت القوم أعشرهم بالضم وإذا كنت لهم عاشر أقلت أعشرهم أقلت أعشرهم بالكسر. والأدب غض أي طري ناضر تتوق إليه النفوس لحسنه ونضارته والغض الناضر الطري من كل شيء والفعل منه غضضت تغض وبعضهم يقول غضضت تغض والزمان زمان أي والزمان لم يتغير ولم يفسد
(1/77)

وهو على طبعه الأول كما تقول إذا الناس ناس أي هم على طباعهم التي خلقوا عليها لم يتغيروا إلى الفساد. ويتحلون يتزينون بالعلم كما يتزين بالحلى. والفصاحة الإبانة والبلاغة ورجل فيصبح وقد فصح فصاحة وأصله من الخلوص يقال أفصح اللبن إذا ذهب عنه اللباء وخلص وفصح إذا ذهبت رغوته قال:
ولم يخشوا معالته عليهم ... وتحت الرغوة اللبن الفصيح
وافصح الصبح إذا بدا ضوؤه. ويتنافسون في العلم أي يرغبون فيه ويتحاسدون وقوله تعالى " وفي ذلك فليتنافس المتنافسون " أي فليرغب الراغبون وشيء نفيس يرغب فيه وقد نفست عليك بالشيء أنفس نفاسة إذا ضنت به ولم تحب أن يصل إليه ورجل نفوس أي حسود. وقوله تلو المقدار معناه تابع للمقدار والتلو الذي يتبع يقال تلوت الشيء أتلوه إذا تبعته والجحش يتلو أمه أي يتبعها والمقدار مفعال من القدر وهو قضاء الله تعالى ومعنى ذلك أنهم يرون أن ما يطلبون ويؤملون لا يدركونه ويبلغونه إلا بقدر الله تعالى ثم بالبلاغة والعلم وهما من أقوى أسباب النجح وأدعى الوصل إلى بلوغ المطلب. والثرثار الكثير الكلام وأصله من الكثرة يقال عين ثرة غزيرة الدمع وطعنة ثرة كثيرة الدم تشبيها بالعين قال الشاعر:
يا من لعين ثرة المدامع
والمتفيهق الذي يتوسع في كلامه ويملأ به فمه وأصل الفهق الامتلاء والاتساع يقال انفهقت الطعنة وانفهقت العين وأرض فيهق واسعة قال رؤية:
وإن علوا من فيف خرق فيهقا
وقال الأعشى:
تروح على آل المحلق جفنة ... كجابية الشيخ العراقي تفهق
ويروى السيح فمن رواه بالشين والخاء المعجمتين أراد كسرى باد ومن رواه بالسين والحاء المهملتين أراد به النهر الذي يسيح على جانبيه وفي الحديث قيل يا رسول الله وما المتفيهقون قال " المتكبرون " قال أبو عبيد وهو يؤول إلى المعنى الأول لأن ذلك إنما يكون من الكبر وقال الليث المتفيهق الذي ينفتح
(1/78)

بالبذخ يقال هو يتفيهق علينا بما غيره. والمتشدق الذي يتوسع في منطقة ويملأ به شدقيه وهو مفتعل من الشدق يقال شدق وأشدق لغتان.
وقوله " ونستحب له إن استطاع أن يعدل بكلامه عن الجهة التي تلزمه مستثقل الأعراب ليسلم من اللحن وقباحة التقعير فقد كان واصل ابن عطاء سام نفسه للثغة إخراج الراء من كلامه ولم يزل يروضها حتى إنقاد له طباعه وأطاعه لسانه وكان لا يتكلم في مجالس التناظر بكلمة فيها راء وهذا أشد وأعسر مطلبا مما أردناه "
استطاع استفعل من الطوع وهو نقيض الكرة يقال ما أستطيع وما أسطيع وما أسطيع وما استيع فمن قال أسطيع بضم الهمزة فإنه زاد السين عوضا من حركة الواو التي هي عين الفعل لأن الأصل أطوع وقيل زيدت عوضا من تحويل حركة الواو إلى الطاء في إطاع ومن قال أسطيع حذف التاء تخفيفا لقربها من الطاء ومن قال أستيع حذف الطاء للتخفيف أيضاً وطاع له إنقاد له فإذا مضى لأمره فقد أطاعه فإذا وافقه فقد طاوعه. ويعدل يميل يقال عدل عن الطريق إذا مال عنه وعدلته أنا ومصدره والعدول قال المراد:
فلما أن صرمت كان أمري ... قويما لا يميل به العدول
وعدل في الحكم عدلاً ومعدلة ومعدلة وهو خلاف الجور والعادل المنصف والعادل الجائر عن الشيء المائل عنه وعدلت الشيء بالشيء عدلاً إذا سويته به ومنه كذب العدلون بالله والعامة تقوله بالذال معجمة وهو خطأ. والجهة أصلها وجهة وفيها قولان أحدهما أنه مصدر منقول إلى الاسم ومصدر فعل المعتل إذا جاء على فعلة أعل نحو العدة والزنة حملاً على يعد ويزن وأصله وعدة ووزنة فاستثقلوا كسرة الواو مع كونها مصدر فعل معتل قد كانت هذه الواو محذوفة فيه فالقوا حركتها على الساكن الذي بعدها وحذفوها فقالوا جهة وعدة وزنة فأما الاسم فإن الواو تثبت فيه ولا تحذف تقول وعدة ووزنه ووجهة قال تعالى " ولكل جهة " والقول الآخر إنه حذفت الواو في جهة على غير قياس وشبه بالمصدر. والسوم أن تجشم إنسانا مشقة أو سواء أو ظلما قال الله تعالى " يسومونكم سوء العذاب " واللثغ واللثغة قال المبرد هو أن يعدل بحرف إلى حرف وقال الليث الألثغ الذي يتحول لسانه من السين إلى الفاء وقال أبو
(1/79)

زيد الألثغ الذي لا يتم رفع لسانه في الكلام وفيه ثقل وفي النوادر ما أشد لثغته وما أقبح لثغته فاللثغة الفم واللثغة ثقل اللسان للكلام ألثغ بين اللثغة ولا يقال بين اللثغة. وقوله حتى إنقاد له طباعه ويروى إنقادت له طباعه السجية وهو عند الفراء والكوفيين واحد مؤنث لا جمع وربما ذكر مثل النجار إلا أن النجار مذكر عند البصريين أنه جمع طبع فيؤنثه تأنيث الجمع. ويروضها يذللها وأصله من رياضة الدابة قال امرؤ القيس:
ورضت فذلت صعبة أي إذلال
والتناظر مصدر قولك تناظر الخصمان إذا تحاجا ويقال فلان يناظر فلانا أي يحاجه وإشتقاق ذلك من النظير وهو المثل فمعنى المناظرة أن تقطع الحجة بنظيرها وقيل للمثلين نظيران لأن الناظر إذا رآهما قال هما سواء والتأنيث النظيرة والجميع النظائر في الكلام والأشياء. وكان واصل يكنى أبا حذيفة ويلقب الغزال وكان معتزليا بصريا ولم يكن غزالاً ولكنه لقب بذلك لأنه كان يلزم الغزالين ليتعرف المتعففات من النساء فيجعل لهن صدقته ومن كلام واصل بن عطاء لبشار بن برد حين هجاه بقوله:
مال أشايع غزالاً له عنق ... كنقنق الدو إن ولى وإن مثلا
وكان واصل طويل العنق وكان بشار يلقب بالمرعث فقال واصل أما لهذا الأعمى الملحد أما لهذا المشنف المكتني بأبي معاذ من يقتله فجعل الأعمى موضع الضرير والملحد موضع الكافر والمشنف مكان المقرط والكنية مكان بشار بن برد.
وقوله " وليس حكم الكتاب في هذا الباب حكم الكلام لأن الأعراب لا يقبح منه شيء في الكتاب ولا يثقل وإنما يكره فيه وحشي الغريب وتعقيد الكلام كقول بعض الكتاب في كتابه إلى العامل فوقه وأنا محتاج إلى أن تنفذ إلي جيشاً لجبا عرمرماً ".
وحشي الغريب الذي ينفر عن الطباع وكل ما نفر عن الناس ولم يستأنس بهم فهو وحشي والغريب من الكلام البعيد من العرف والأستعمال وتعقيده تصعيبه يقال عقد فلان كلامه تعقيداً إذا أعماه وأعوصه ويقال لئيم أعقد ليس بسهل الجلق ورجل أعقد إذا كان في اسانه رتج وكبش أعقد ملتوي الذنب.
(1/80)

والجيش الجند يسيرون لحرب أو غيرها وكأن أصله من جاشت القدر جيشاً وجيشانا وكل شيء يغلي فهو يجيش. واللجب ذو اللجب وهو صوت العسكر يقال عسكر لجب وسحاب لجب بالرعد ولجب الأمواج كذلك وكل صوت عال مختلط فهو لجب قالت صفية بنت عبد المطلب وضربت الزبير فرآها نوفل بن خويلد فقال إنك تضربينه ضرب مبغضة فقالت:
من قال أبغضه فقد كذب ... وإنما أضربه لكي يلب
ويهزم الجيش ويأتي بالسلب
يقال لب الرجل إذا صار له لب وهو العقل والعرمرم الكثير وهو فعلعل من العرام وعرام الجيش حدهم وشرتهم وكثرتهم قال أوس بن حجر:
ترى الأرض منا بالفضاء مريضة ... معضلة منا بجمع عرمرم
يقال عضلت المرأة إذا نشب ولدها في رحمها.
وقوله " وكقول آخر في كتابه عضب عارض ألم ألم فأنهيته عذراً وكان هذا الرجل قد أدرك صدراً من الزمان وأعطى بسطة في العلم واللسان وكان لا يشان في كتابته الا بتركه سهل الألفاظ ومستعمل المعاني وبلغني أن الحسن بن سهل أيام دولته رآه يكتب وقد رد عن هاء الله خطاً من آخر السطر إلى أوله فقال ماهذا فقال طغيان في القلم وكان هذا الرجل صاحب جد وأخا ورع ودين لم يمزح بهذا القول ولا كان الجيش أيضاً عنده ممن يمازح " هذا الكاتب اسمه شريح من أهل مرو عضب قطع والعضب القطع ومنه سمى السيف القاطع عضبا ورجل عضب اللسان إذا كان خطيبا. وعارض ألم أي حادث وجع والعارض في غير هذا جانب عراق القربة وهو السير في أسفل القربة والعارض السحاب المطل والعارض واحد العوارض وهي ما بين الثنايا والأضراس والعارض الخد يقال أخذ الشعر من عارضيه والعارض الجراد يملأ الأرض يقال مر بنا عارض من جراد وألم نزل والألمام الزيارة الخفيفة وأن يأتي الشيء لوقت ولا يقيم عليه والألمام مقاربة الشيء. وأنهيته أبلغته والأنهاء
(1/81)

الأبلاغ أنهيت إليه السهم أي أوصلته إليه وأنهيت إليه الكتاب والرسالة قال الكسائي إليك أنهي المثل وأنهى المثل وانتهى المثل ونهي ونهى ونهي بالتخفيف. وقوله كان هذا الرجل يعني أحمد بن شريح. والبسطة الزيادة والفضيلة واصلها من الانبساط والاتساع والطغيان مجاوزة الحد والطغوان لغة فيه والفعل طغوت وطغيت والاسم الطغوي وكل شيء جاوز القلم قلما بالقلم وهو البري ولا يسمى قلما إلا إذا برى وإلا فهو أنبوبة وكل ما قطعت منه شيئاً بعد شيء فقد قلمته ومنه قلمت أظفاري والقلم أيضاً واحد الأقلام وهي القداح والقلم طول أيمة المرأة وامرأة مقلمة أي أيم والقلمة العزاب من الرجال الواحد قالم والنساء مقلمات والقلم كالجلم وقول الفرزدق:
رأت قريش أبا العاصي أحقهم ... باثنين بالخاتم الميمون والقلم
قيل أراد بالقلم القضيب الذي يختصر به لأنه يقلم أي يقطع وقيل أراد بالقلم الخلافة. والجد ضد الهزل تقول منه جد فلان في الأمر بالكسر جدا والجد الأجتهاد في الأمر تقول منه جد فلان في أمره وأجد والجد في دعاء الوتر إن عذابك الجد بالكفار ملحق أي عذابك الحق. والورع التحرج والفعل منه ورع يرع رعة فهو ورع بكسر الراء فيهن والورع بفتح الراء الجبان والفعل منه ورع يورع وقال إبن السكيت الورع هو الضعيف يقال إنما مال فلان أوراع فكان المتورع يجبن ويضعف عن الأقدام على الأشياء خوفاً من تبعته. وقد عيب عليه قوله ولا كان الحسن عنده ممن يمازح لأنه ذكر قبل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح.
وقوله " ونستحب له أيضاً أن ينزل ألفاظه في كتبه فيجعلها على قدر الكاتب والمكتوب إليه وألا يعطي خسيس الناس رفيع الكلام ولا رفيع الناس وضيع الكلام فإني رأيت الكتاب قد تركوا تفقد هذا من أنفسهم وخلطوا فيه فليس يفرقون بين من يكتب إليه فرأيك في كذا وبين من يكتب إليه فأن رأيت كذا ورأيك إنما يكتب بها إلى الأكفاء والمساوين ولا يجوز أن يكتب بها إلى الرؤساء والأستاذين لأن فيهما معنى الأمر ولذلك نصبت "
خلطوا فيه أي أفسدوا ويقال خلط بالتشديد في الشر وخلط بالتخفيف في الخير. ويفرقون يميزون يقال فيما كان تمييزاً فرق بالتخفيف فرقت بين
(1/82)

الحق والباطل وما كان من جمع ففرق بالتشديد فرقت بين زيد وعمرو ونصب رأيك على معنى قر رأيك لأنه مصدر والعامل فيه الفعل الذي صدر عنه ورأى يكون بمعنى نظر وبمعنى علم وإضمار الفعل جائز في كل المصادر المأمور بها لأن الأمر لا يكون إلا بالفعل فإذا أضمرته دل المصدر عليه ولو كان خبراً لم يجز فيه الإضمار لأن الخبر يكون بالفعل وغيره وإن كتب فرأيك موفقاً ثنى موفقا وجمعه فقال فرأيكما موفقين ورأيكم موفقين ولا يجوز الأفراد على هذا الوجه فأن جعل التوفيق للرأي لم يثن ولم يجمع فكتب فرأيكما موفق ورأيكم موفق. والأكفاء الأمثال وأحدهم كفؤ قال الله تعالى " ولم يكن له كفؤاً أحد " والرؤساء جمع رئيس يقال رأس الرجل القول يرأسهم رأساً ورياسة وفلان رأس القوم ورئيسهم وقد ترأس عليهم والرئيس أيضاً الذي رأسه البرسام أي أصاب رأسه والرئيس أيضاً الذي ضرب رأسه قال:
كأن سحيله شكوى رئيس ... يحاذر من سرايا واغتيال
فيقال الرئيس ههنا الذي شج وهو رأس الكلاب وهو فيها بمنزلة الرئيس في الناس. والأستاذين الواحد أستاذ وهو الماهر بصنعته وهذه الكلمة ليست بالعربية ولا توجد في الشعر الجاهلي ولو كانت عربية لوجب أن يكون أشتقاقها من الستذ وليس ذلك بمعروف وربما خاطبوا الخصى بالأستاذ إذا عظموه وإنما أخذ ذلك من الأستاذ الذي هو الصانع لأنه ربما كان تحت يده غلمان يؤدبهم فكأنه أستاذ في حسن الأدب.
وقوله " ولا يفرقون بين من يكتب إليه وأنا فعلت ذلك وبين من يكتب إليه ونحن فعلنا ذلك ونحن لا يكتب بها عن نفسه إلا آمر أوناهٍ لأنه من كلام الملوك والعظماء قال الله عز وجل " أنا نحن نزلنا الذكر " وقال " أنا كل شيء خلقناه بقدر " وعلى هذا الابتداء خوطبوا في الجواب فقال حكاية عمن حضره الموت " رب أرجعون " ولم يقل رب ارجعن.
إنما جاز الأخبار عن الواحد بلفظ الجماعة لأن الملوك والعلماء والعظماء يستغنى برأي الواحد منهم وفهمه عن الجماعة فالملك يلي أمر جماعة من يسوسهم من أهل مملكته فهم له منقادون وعلى طاعته مجتمعون فحسن منه لفظ الجمع في الأخبار عن نفسه لذلك والعالم يحتاج إليه الجميع ممن يضطر
(1/83)

إلى علمه فقد حصل فيه ما يجتمع في الكثير المقصرين عنه ولذلك سمى عالما لحاجة الأمة إليه. ونحن جمع أنا من غير لفظها وحرك آخره بالضم لألتقاء الساكنين لأن الضمة من جنس الواو التي هي علامة الجمع ونحن كناية عنهم.
وقوله " وربما صدر الكاتب كتابه بأكرمك الله وأبقاك فإذا توسط كتابه وعدد على المكتوب إليه ذنوبا له قال فلعنك الله وأخزاك فكيف يكرمه الله ويلعنه ويخزيه في حال وكيف يجمع بين هذين في كتاب " صدر أي كتب صدره والصدر أعلى مقدم الشيء وصدر القناة أعلاها وصدر الأمر أوله والصدرة من الأنسان ما أشرف من أعلى صدره ويقال صدر الفرس إذا جاء وقد سبق بصدره. ولعنه الله أبعده واللعن في اللغة معناه الطرد والأبعاد قال الشماخ:
ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين
أراد مقام الذئب اللعين كالرجل ويقال أراد مقام الذئب الذي هو كالرجل اللعين وهو المنفي والرجل اللعين لا يزال منتبذاً عن الناس شبه الذئب به. وأخزاه الله أي أهانه والخزي الهوان وقد خزى الرجل يخزي خزياً وخزاه يخزوه إذا ساسه قال لبيد:
غير أن لا تكذبنها في التقى ... وأخزها بالبر لله الأجل
وقوله " وقال أبرويز لكاتبه في تنزيل الكلام إنما الكلام أربعة سؤالك الشيء وسؤالك عن الشيء وأمرك بالشيء وخبرك عن الشيء فهذه دعائم المقالات إن التمس إليها خامس لم يوجد وإن نقص منها رابع لم تتم فإذا طلبت فأسجح وإذا سألت فأوضح وإذا أمرت فاحكم وإذا أخبرت فحقق " أسجح أي أحسن وأرفق وسهل وقالت عائشة رضي الله عنها لعلي يوم الجمل ملكت فأسجح وقال عبد يغوث بن وقاص الحارثي:
أقول وقد شدوا لساني بنسعةٍ ... أمعشر تيم أطلقوا عن لسانيا
أمعشر تيم قد ملكتم فأسجحوا ... فإن أخاكم لم يكن من بوائيا
ويقال وجه أسجح أي مستقيم الصورة. وأوضح أي بين وأظهر يقال وضح
(1/84)

الشيء إذا بان وظهر وأوضحته أنا. وأحكم أي شدد وأوثق وأصله من المنع وحقق قال أبو زيد حققت الأمر أحققته إذا كنت على يقين منه.
وقوله " وقال له أيضاً وأجمع الكثير مما تريد في القليل مما تقول يريد الإيجاز وهذا ليس بمحمود في كل موضع ولا بمختار في كل كتاب بل لكل مقام مقال ولو كان الإيجاز محموداً في كل الأحوال لجرده الله في القرآن ولم يفعل الله ذلك ولكنه أطال تارة للتوكيد وحذف تارة للإيجاز وكرر تارة للأفهام وعلل هذا مستقصاة في كتابنا المؤلف في تأويل مشكل القرآن " الأيجاز ضد الأطالة يقال أوجز الكلام والعطية ونحوها والأكثر في الكلام أوجز وفي الوعد أنجز وأمر وجيز وكلام وجيز ووجز وموجز وموجز يقال وجز في كلامه وأوجز وقد توجزت الشيء مثل تنجزت والأيجاز يستحسن إذا صح به المعنى وكان في الكلام دليل على ما أختصر نحو قوله تعالى " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن أرتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن " ففي هذا حذف وذلك أن المرأة لا تكون معتدة بالشهور وهي مرتابة بإنها تحيض أو لا تحيض وإنما تكون العدة بالشهور إذا يئس يأسا لا ريب فيه والمعنى والله أعلم واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن أرتبتم في يأسهن فزال الريب فعدتهن وفي قوله " واللائي لم يحضن " حذف أيضاً تقديره واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر فحذف لدلالة ما قبله عليه. ومثله قوله " يبين الله لكم أن تضلوا " لأن البيان لم يوضع للضلال إنما وضع لإزالته فكان المعنى والله أعلم لئلا تضلوا ومنه قوله تعالى " حتى توارت بالحجاب " يريد الشمس فاضمرها ولم يجرد لها ذكر ومثل ذلك في القرآن والكلام كثير. والأطالة والتكرير يقعان لتأكيد وتعظيم كقوله تعالى " أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى " وكقوله سبحانه " كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون " " وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين " وكقول ابن الخرع:
فكادت فزارة تصلى بنا ... أولى فزارة أولى فزارا
وكقول عبيد.
هلا سألت جموع كن دة يوم ولوا أين أينا
(1/85)

فهذا وشبهه إنما كرر لتأكيد ما يشتمل عليه من معنى التوعد والأعذار ومما جاء منه في معنى التعظيم قوله النابغة:
إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها ... سواقط من حر وقد كان أظهرا
وكقول سوادة بن عدي:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نفض الموت ذا الغنى والفقيرا
والمشكل المشتبه واشتقاقه في قول بعضهم من الشكلة وهي الحمرة تختلط بالبياض وهذا شيء أشكل وقال الرياشي أشكل على الأمر إذا اختلط وكان أشكل الأمر صار له أشكال أي أشباه وأمثال. ومعنى القرآن الضم والجمع من قولهم ما قرأت الناقة سلاقط أي لم تضم رحمها على ولد وقال قطرب لم تقرأ جنينا لم تلقه قال ويجوز أن يكون معنى قرأت القرآن أي لفظت به مجموعا والقول الأول هو المعروف.
وقوله " وليس يجوز لمن قام مقاما في تخضيض على حرب أو حمالة لدم أو صلح بين عشائر أن يقلل الكلام ويختصر ولا لمن كتب إلى عامة كتابا في فتح أو استصلاح أن يوجز ولو كتب كاتب إلى اهل بلد في الدعاء إلى الطاعة والتحذير للمعصية كتاب يزيد بن الوليد إلى مروان حين بلغه عنه تلكؤ في بيعته أما بعد فإني أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى فاعتمد على أيتهما شئت لم يعمل هذا الكلام في أنفسها عمله في نفس مروان " أعم مذاهب العرب وفصحاء الكتاب الإشارة إلى المعاني باللفظ الوجيز ويرون ذلك من أحسن الصناعة ولكل من الإيجاز والإطالة موضع يخصه وقيل إنما سمي البليغ بليغا لأنه يبلغ من أدبه بإيجازه مالا يبلغه المتكلف بإكثاره وقيل لحكيم الفرس ما البلاغة فقال تصحيح الأقسام واختصار الكلام وقيل لحكيم الروم ما البلاغة فقال الاختصار عند البديهة والغزارة عند الحاجة وقيل لبليغ الهند ما البلاغة قال البصر بالحجة والمعرفة بمواضع الفرصة وقيل إذا كفاك الإيجاز فالإكثار عي. وأخبرني أبو القاسم علي بن أحمد البندار عن الفرضي عن الصولي عن محمد بن عروس عن أبيه قال كان جعفر بن
(1/86)

يحيى يقول البلاغة تناسب المعاني وعذوبة الألفاظ وأن يكون للكلام حد يحجزه عن الخروج إلى غيره وعن دخول غيره عليه كقول علي رضي الله عنه أين من سعى واجتهد وأعد واحتشدو جمع وعدد وبنى وشيد وفرش
ومهد فاتبع كل لفظة لفظة تناسبها ولو قلب بعض الألفاظ إلى بعض لكان كلاما مستويا ولكن أين سماء من أرض وقيل لبعض البلغاء ما البلاغة فقال سد الكلام معانيه وإن قصر وحسن التأليف وإن طال وقال معاوية لعمرو بن العاص من أبلغ الناس قال من اقتصر على الإيجاز وتنكب الفضول قال فمن أصبر الناس قال أردهم لجهله بحلمه وقيل لأعرابي من أبلغ الناس قال أحسنهم لفظا وأمثلهم بديهة يعني أحسنهم انتزاعاً للمثل على البديهة وقعد أعرابي إلى ربيعة الرأي فأكثر ربيعة ثم قال يا أعرابي ما البلاغة فقال الإقلال في الإيجاز قال فما العي قال ما كنت فيه منذ اليوم وقيل للمفضل ما الإيجاز فقال تقليل الكثير وتقصير الطويل. والتحضيض مصدر قولك حضضته على الشيء إذا حرضته عليه وحثثته والحض الحث على الخير. والحمالة تحمل الدية عن القوم ويقال أيضا حمال بلا هاء قال الأعشى:
فرع نبع يهتز في غصن المج د عظيم الندى كثير الحمال
والحمالة بكسر الحاء علاقة السيف والجمع الحمائل وكذلك المحمل بكسر الميم والجمع الحامل. والعشائر جمع عشيرة وهي القبيلة ومن دونها ومن أقرب إلى الرجل من أهل بيته والمعشر والنفر والرهط هؤلاء معناها الجمع وهي للرجال دون النساء لا واحد لشيء منها من لفظة وقيل المعشر كل جماعة أمرهم واحد مثل معشر المسلمين ومعشر المشركين. والتلكؤ الاعتلال والامتناع يقال تلكأت تلكؤاً إذا اعتللت وامتنعت. ويحذر يخوف والنحذير التخويف والحذار المحاذرة والحذر والحذر التحرز حذرت أحذر حذراً ورجل حذر وحذر أي متيقظ. والإنذار الإعلام مع التحذير يقال أنذرته أنذره إنذار إذا أعلمته وحذرته ولا يكون المعلم منذراً حتى يحذر بإعلامه فكل منذر معلم وليس كل معلم منذراً.
وقوله " هذا منتهى القول فيما نختاره للكاتب فمن تكاملت له هذه الأدوات
(1/87)

وأمده الله بآداب النفس من العفاف والحلم والصبر وسكون الطائر وخفض الجناح فذلك المتناهي في الفضل العالي في ذرى المجد الحاوي قصب السبق الفائز بخير الدارين إن شاء الله " الإمداد أن يرسل الرجل لرجل بمدد يقال أمددنا فلانا بجيش ومال وغير ذلك قال الله تعالى " يمددكم ربكم بخمسة آلاف " وقال في المال " أيحسبون إنما نمدهم به من مال وبنين " وقال " وأمددناكم بأموال وبنين " ومد النهر وحكى قوم أمد ومده نهر آخر إذا زاد في مائة قال:
سيل أتيٌّ مده أتيّ
ومددت الدواة وأمددتها إذا زدت في مائها ونقسها وأصل المد الزيادة والمادة الزيادة المتصلة. وقوله من العفاف قال علماء أهل اللغة العفاف الكف عما لا يحل يقال عف يعف عفا عفافا وعفة ورجل عف وامرأة عفة. والحلم ترك الإعجال بالعقوبة يقال حلمت عنه أحلم حلما وأنا حليم. والصبر الحبس صبرت نفسي على الأمر أي حبست وقتله صبراً إذا أمسكه ثم قتله ومنه قيل للرجل يقدم فتضرب عنقه قتل صبرا يعني أنه أمسك على الموت وكذلك إن حبس رجل نفسه على شيء يريده قال صبرت نفسي ومنه يمين الصبر وهو أن يحبسه السلطان على اليمين حتى يحلف بها. وسكون الطائر مثل يقال للرجل الحليم إنه لساكن الطائر أي إن طائره لا ينفر من سكونه وذلك أن الطير لا يقع إلا على ساكن فيراد أنه ساكن لا يتحرك حتى يصير بذلك عند الطائر كالجدران والأبنية التي لا تخاف الطير وقوعاً عليها ولا حلولاً بها وفي قولهم كأنما على رؤوسهم الطير قولان أحدهما أنهم لا يتحركون فصفتهم صفة من على رأسه طائر يريد أن يصيده فهو يخاف أن تحرك طيران الطائر وذهابه والآخر هو أن نبي الله سليمان عليه السلام كان يجلس هو وأصحابه ويقول للريح أقلينا وللطير أظلينا ويستشعر أصحابه السكون والسكوت فشبهوا بجلساء سليمان عليه السلام الذين لا يتحركون والطير تظلهم من فوق رؤوسهم وللطائر مواضع فالطائر الحط والطائر العمل والطائر التطير. وخفض الجناح يريد لين
(1/88)

الجانب قال الله تعالى " واخفض جناحك لمن اتّبعك من المؤمنين " أي ألن جانبك لهم. والمتناهي الذي بلغ النهاية وهي الغاية. والذرى بضم الذال جمع ذروة وذورة وهي أعلى الشيء فأما الذرى بفتح الذال فهو الكنف. والمجد بلوغ نهاية الكرم وأصله من الكثرة وأن تأكل الماشية حتى تمتلئ بطونها يقال راحت الإبل مجدا وموجدا ومنه رجل ماجد ومجيد وقد مجد ومجد بالفتح والضم فكأن الماجد الممتلئ كرما وشرفا قال ابن السكيت الشرف والمجد يكونان بالآباء يقال رجل شريف وماجد أي له آباء متقدمون في الشرف. والحسب والكرم يكونان في الرجل وإن لم يكن له آباء لهم شرف. والحاوي الجامع. والقصب جمع قصبة وكانت العرب تنصب في الرهان قصباً تكون لهم كالغايات يقع السبق إليها وقال أبو عبيدة كانوا يعطون الأول والثاني والثالث من السوابق في الحلبة قصبا كلما سبق فرس أعطى قصبة يقال هذا فرس مقصب إذا كان سابقا بأخذ القصب وصفة القصبة التي تعطي صاحب السابق من الخيل يوم الحلبة يكتب كتاب هذا فرس فلان بن فلان سبق يوم كذا ثم يعلق ذلك الكتاب في رمح أو قصبة يترك في يد صاحب الفرس يطوف بها على الناس فيعرف سبقه فيعطى على ذلك. والفائز الظافر بخير الدنيا والآخرة.
قال أبو محمد: بسم الله الرحمن الرحيم " باب معرفة ما يضعه الناس غير موضعه " من ذلك أشفار العين أصل ش ف ر في اللغة القلة ومن ذلك قيل لحرف كل شيء شفر لأنه أقله ومنه يقال شفر مال الرجل إذا قل وعيش مشفر أي ضيق قال الشاعر يصف النساء:
مولعات بهات هات وإن شف ر مال طلبن منك الخلاعا
وقال الآخر:
قد شفرت نفقات القوم بعدكم ... فأصبحوا ليس فيهم غير ملهوف
ومنه قولهم في النفي ما بالدار شفر بفتح الشين أي ما بها أحد وقال اللحياني شفر لغة وقال البصريون والكوفيون بأسرهم العرب تقول لحرف كل
(1/89)

شيء من القبر والمياه والأنهار والعينين شفر وشفير فإذا جاوزوا هذا قالوا شفر وقولهم ما بالدار شفر أي أحد.
وحمة العقرب أصلها حموة وكذلك لغة ودغة اسم امرأة حمقاء يضرب بحمقها المثل وبغة لولد الناقة الذي بين الهبع والربع وقيل أصلها حمية من الحمى يقال اشتد حمو الشمس وحمى الشمس وأخبرت عن محمد بن عبد الواحد عن ابي سعيد عن ابن دريد قال سألت أبا حاتم عن الحمة فقال سألت الأصمعي عن ذلك فقال هي فوعة السم أي حرارته وقال ابن الأعرابي يقال لسم العقرب الحمة والحمة ولم يحك التشديد غيره وهو الثقة الأمين. وإبرة العقرب شوكتها وإبرة الذراع الناتئ في وسط المرفق وما يليه مما يلي البطن كسر قبيح ومما يلي الجانب الآخر كسر حسن قال الشاعر:
الحسن والقبح في عضو من الجسد
وقال ابن سيرين يكره الترياق إذا كان فيه الحمة يقال درياق وترياق وطرياق وطراق وليس له اشتقاق لأنه رومي معرب.
قال أبو محمد وتقول المجوس إن ولد الرجل إذا كان من أخته ثم خط على النملة شفى صاحبها قال الشاعر قيل إنه لعمرو بن حممة الدوسي:
لنا العزة القعساء والبأس والندى ... بدينا بها في كل ناد وفي حفل
وإن تشرب الكلبى المراض دماءنا ... برين ويبرى ذو نجيس وذو خبل
ولا عيب فينا غير عرق لمعشر ... كرام وأنا لا نخط على النمل
وهذا البيت يروى لمزاحم العقيلي وعروة بن أحمد الخزاعي. العزة الغلبة والمنعة والقعساء الثابتة يقال عز أقعس. والنادي مجلس القوم ومتحدثهم. والحفل المجتمع. والكلبي المجانين والكلب الجنون ولقد مضى شرحه والنجيش الداء الذي لا يبرأ. والخبل الجنون وفساد الأعضاء يقول لنا الفضل على الناس بالغلبة والشدة ونحن ملوك دماؤنا تشفي من الكلب وقوله ولا عيب فينا نفى أن يكون فيهم عيب ثم قال مثل هذا كثير ويعدونه من صنعة الشعر والمعنى لكن مع انتقائنا من العيوب فينا عرق معشر كرام وهو كقولك ما في فلان عيب إلا إنه سخي أي لا عيب فيه يقول فعيبنا أنا لا نخط على النمل أي
(1/90)

لسنا بمجوس ومثله قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
والمعشر في اللغة كل جماعة فوق العشرة وأمرهم واحد نحو معشر المسلمين ومعشر الكافرين والأنس معشر والجن معشر وقيل معناه أنا لا نأتي ما قد جمعه النمل في الصيف فنأخذه في الشتاء من قراها ونأكله. وقوله بمجوس لا ينصرف للتعرف والتأنيث لأنه اسم قبيلة ولا يجوز أن تدخله الألف واللام إلا بعد النسبة إليه ومجوس اسم للجمع كتمر فإذا نسبت إليه قلت مجوسي ثم تجمع مجوسياً المنسوب فتقول مجوس فمجوس جمع وليس باسم الجمع ثم تدخل الألف واللام على جمع مجوسي فتقول المجوس.
قال أبو محمد الطرب خفة تصيب الرجل لشدة السرور أو لشدة الجزع قال النابغة الجعدي واسمه عبد الله بن قيس ويكنى أبا ليلى:
سألتني جارتي عن أمتي ... وإذا ما عي ذو اللب يسل
سألتني عن أناس هلكوا ... شرب الدهر عليهم وأكل
طلبوا الملك فلما أدركوا ... بحساب وانتهى ذاك الأجل
وضع الدهر عليهم بركه ... فأراه لم يغادر غير فل
وأراني طرباً في أثرهم ... طرب الواله أو كالمختبل
جارته هنا امرأته قال الأعشى:
أيا جارتا بيني فإنك طالقة
وأمته قومه وأمة الرجل قرنه الذي يكون فيه وعي ذو اللب أي لم يعرف وجه الأمر ولم يهتد له واللب العقل ولب كل شيء خالصه ومنه سمى سم الحية لبا يقول إذا لم يعرف العاقل وجه الأمر سأل عنه وقوله شرب الدهر عليهم وأكل شرب أهل الدهر والمعنى لما ماتوا فنسوهم وفارقهم الحزن عليهم عادوا إلى الأكل والشرب. وقوله فلما أدركوا لما علم للظرف والمعنى لما نالوا ما قدره الله لهم وبلغوه من أحوال الملك المحسوبة والسنين المعلومة وانتهت أجالهم ماتوا وذهبوا. وقوله وضع الدهر عليهم بركه أي صدره كأنه افتراسهم كما يفترس الأسد الفريسة وهذا مثل وإنما يريد أهلكهم ولم يغادر لم يترك غبر فل أي غير بقية منكسرة وأصل الفل المنهزمون. وقوله وأراني يروى بفتح الهمزة
(1/91)

وضمها على ما لم يسم فاعله وإنما تعدى هذا الفعل إلى ضمير الفاعل وأنت لا تقول ضربتني لأنه من أفعال الشك واليقين وهي غير مؤثرة يقول أراني استخف من بعدهم كما يستخف الواله وهو المتحير أو المختبل وهو الذاهب العقل يقال منه وله يوله ولهاً ويروي أو كالمحتبل وهو الذي قد وقع في الحبالة ويروى كالمتبل وهو مفتعل من التبل والتبل أن يسقم الهوى الإنسان.
" وقال آخر " نسبه بعضهم إلى بشار والصحيح إنه لأبي جنة الأسدي بالجيم والنون كذا أخبرت عن الحسن بن بشر الآمدي وأسم أبي جنة حكيم بن عبيد ويقال حكيم بن مصعب وهو خال ذي الرمة:
فلما ودعونا واستقلوا ... إلى صهب هواديهن قود
كتمت عواذلي ما في فؤادي ... وقلت لهن ليتهم بعيد
وفاضت عبرة أشفقت منها ... تجود كأن وابلها الفريد
فقلن لقد بكيت فقلت كلا ... وهل يبكي من الطرب الجليد
ولكن قد أصاب سواد عيني ... عويد قذى له طرف حديد
فقالوا ما لدمعهما سواء ... أكلتا مقلتيك أصاب عود
قوله استقلوا يقول لما احتمل من يحب على الابل سايرين والصهب الابل البيض يضرب بياضها إلى الحمرة والهوادي الأعناق والقود الطوال كتمت عواذلي مافي فؤادي أي أخفيت عنهن ما أجده من الوجد بالمتحملين وأظهرت لهن السرور ببعدهم خوفاً من لائمتهن وبعيد يقع للواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد وكذلك قريب قال الله تعالى " وما هي من الظالمين ببعيد " والمعنى مكان بعيد وقريب ومن بناه على قرب وبعد ولم ينو المكان ثنى وجمع وأنث. وقوله وفاضت عبرة أشفقت منها أي خفت من ظهورها وتجود تأتي بدمع غزير والوابل أكثر منه وأصلهما في المطر والفريد جمع فريدة وهي الشذرة من الفضة كاللؤلؤة وقوله كلا ليس الأمر كما زعمتن ومعناها الردع والزجر والجليد الجلد يقول لم أبك ولكن أصاب عيني عود أقذاها فجرى دمعها فقالوا أي قال العاذلون والعاذلات فلذلك أتى بالواو ما لدمعهما سواء أي فما أجرى دمع الأخرى وإنما قالوا ذلك تكذيبا له وكلتا اسم لتثنية المؤنث كما أن كلا للمذكر وألفها للتأنيث وتاؤها منقلبة عن الوار وأصلها كلوى.
(1/92)

وقوله من ذلك الحشمة. الحشمة في اللغة لها موضعان أحدهما الغضب والآخر الحياء وقيل للمبرد الحشمة الغضب والحشمة الحياء ما معنى ذلك فقال الغضب والحياء كلاهما نقصان يلحق النفس فكان مخرجهما واحدا وسمي حشم الرجل حشماً لأنهم يغضبون لغضبه.
وأما زكنت الأمر فقال ابن درستويه معناه حزرت وخمنت وقال وأهل اللغة يقولون معناه علمت ويستشهدون عليه ببيت قعنب وليس فيه دليل على تفسيرهم أنما معناه خمنت على مثل ما خمنوا عليه من سوء الظن والعرب تقول فلان صاحب أركان وليس يعنون به صاحب علم ولكن صاحب حزر وأنشد أبو محمد بيت قعنب:
ولن يراجع قلبي حبهم أبدا ... زكنت منهم على مثل الذي زكنوا
يقول قد علمت من بغضهم لي مثل ما علموا من بغضي لهم فقلبي لا يودهم أبداً لذلك يعني بني ضب وبني وهب وهم بنو أعمامه من بني عبد الله بن غطفان وكانوا يحسدونه ويروى زكنت من بغضهم.
وقوله أن القافلة لا تسمى قافلة حتى يصدروا. فقال الأزهري هذا غلط ما زالت العرب تسمي الناهضين في ابتداء الأسفار قافلة تفاؤلاً بأن ييسر الله لها القفول وهو شائع في كلام فصحائهم والذي قال الأزهري هو قول ابن الأعرابي.
وأما المأتم فأصله من الجمع وهو الأتم في الخرز وهو أن ينفتق خرزتان فتصيرا واحدةً وأمرأة أتوم إذا التقى مسلكاها والفعل منه أتم يأتم وأتم يأتم ومأتم من أتم يأتم وقال أبو عطاء السندي وكان فصيحاً واسمه مرزوق:
ألا أن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود
عشية قام النائحات وشققت ... جيوب بأيدي مأتم وخدود
يرثى ابن هبيرة وكان المنصور قتله بعد أن أمنه وسبب ذلك أنه دخل على المنصور يوما فقال له حدثنا فقال له يا أمير المؤمنين إن سلطانكم حديث وإمارتكم جديدة فأذيقوا الناس حلاوة عدلها وجنبوهم مرارة جورها فو الله يا أمير المؤمنين لقد محضت لك النصيحة ثم نهض فنهض معه سبعمائة من
(1/93)

قيس فأثأره المنصور بصره وقال لا يعز ملك فيه مثل هذا ثم قتله فلما حمل رأسه إليه قال للحرسي أترى إلى طينة رأسه ما اعظمها فقال الحرسي طينة أمانه أعظم من طينة رأسه. قوله لم تجد لم تسمح بالبكاء وجمود قليلة الدمع يقال عين جامدة وجمود وسنة جماد قليلة القطر وعشية بدل من قوله يوم واسط وأسماء الزمان تضاف إلى الأفعال وهو تحديد وتوقيت ومعنى قيام النائحات تهيؤها للنوح كما تقول قامت السوق والجيوب جمع جيب والفعل منه جبت القميص إذا قورت جيبه وجيبته إذا عملت له جيبا وقال سلمت جبت القميص وجبته وأنشد لأبي حية النميري واسمه الهيثم بن الربيع:
رمته أناة من ربيعة عامر ... نؤوم الضحى في مأتم أي مأتم
فجاء كخوط البان لا متتابع ... ولكن بسيما ذي وقار وميسم
فقلن لها سرا فديناك لا يرح ... صحيحا وإلآ تقتليه فألممي
فألقت قناعا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين كف ومعصم
وقالت فلما أفرغت في فؤاده ... وعينيه منها السحر قلن له قم
فود بجدع الأنف لو أن صحبه ... تنادوا وقالوا في المناخ له نم
قوله رمته أي رمته بنظرها إليه والأناة المرأة التي فيها فتور عند القيام وأصلها ونأة من الونى وهو الفتور والكسل والواو المفتوحة لم تزل منها الهمزة إلا في أحرف يسيرة هذا أحدها وقد يجوز أن تكون أناة من التأني وهو التمكث وربيعة بن عامر بن صعصعة أخو نمير ووصفها برقاد الضحى لأنها مكفية مكرمة تخدم ولا تخدم والخوط الغصن والبان شجر شبه به الشباب الناعم وخص البان لأن قضبانه أحسن القضبان في الطول والاستواء والمتتايع الذي يتهافت على أمر ليس بالحميد وموضع كخوط نصب على الحال ولا متتايع ارتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف كأنه قال لا هو متتايع ولكن استدراك بعد نفي أي جاء غير متتايع ولكن بهذه السيما وهي العلامة والمسيم الحسن وأثر الجمال يقول نحل لما رمته فصار كأنه خوط بان قضافة ونحافة ومع ذلك كان وقورا موسوما بالحسن والجمال. وقلن لها أي قالت النسوة التي حوالي هذه المرأة لها وقوله سرا يجوز أن يكون مصدرا في موضع الأمر كأنه قال ساريه مسارة فوقع السر موقع المسارة فيكون على هذا لا يرح جواب الأمر الذي دل عليه سرا ويجوز أن يكون سرا مصدرا في موضع الحال ويكون لا
(1/94)

يرح مجزوما بلا النهي ويجعل النهي في اللفظ للرجل والمرأة هي المنهية كما تقول لا أرينك ههنا والمعنى لا تكن ههنا فأراك أي يقلن لها قد ألقيته في فتنة العشق فلا تدعيه يروح صحيحا وأدنيه من الموت أن لم تقتليه والممى أي قاربى وأظهر التضعيف ضرورة لأن الميم هنا تلزمها الحركة. وألقت قناعا القناع المقنعة يقول طرحت قناعها وسترت بمعصمها وجها كالشمس والمعصم من موضع السوار من اليد. وقوله وقالت يجوز أن يكون معناه تكلمت كما تقول قال وقلنا أي تكلم وتكلمنا وقيل معناه أو مأت أو تهيأت لأمر تريده وافرغت صبت السحر في عيني الرجل وفؤاده وسحرت عينه لأنه رآها فوق ما هي عليه من الحسن والسحر إخراج الشيء في أحسن معارضه حتى يفتن ويروى قلن له أنعم على القلب أي أحزن وتوجد من العشق ويجوز أن يكون معنى أنعم هزءاً أي قد صدناك واستعبدناك. وقوله فود بجدع الأنف الباء هنا تفيد معنى العوض تقول هذا بذاك أي عوض من ذاك وتنادوا يجوز أن يكون تجمعوا من الندى وهو المجلس وأن يكون من النداء يريد تداعوا وقالوا ذلك وجدع الأنف قطعه والمناخ موضع الإناخة.
قال أبو محمد ومن ذلك الحمام. الحمام اسم جنس الواحدة حمامة يقع على الذكر والأنثى وحكى عن الأصمعي أنه قال اليمام ضرب من الحمام بري. وانشد أبو محمد لحميد بن ثور الهلالي ويكنى أبا الأخضر:
وما هاج هذا الشوق إلا حمامة ... دعت ساق حر ترحة وترنما
من الورق حماء العلاطين باكرت ... عسيب أشاء مطلع الشمس أسحما
عجبت لها أنى يكون غناؤها ... فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما
فلم أر مثلي شاقة صوت مثلها ... ولا عربيا شاقه صوت أعجما
يقول ما أثار شوقي إلا صوت قمرية تدعو ذكرها وقيل الحر فرخ الحمام والساق أبوه وقيل ساق حر حكاية صوتها والترحة الحزن والترنم الصوت الذي لا يفهم والورق جمع ورقاء وهي التي لونها كلون الرماد وحماء سوداء والعلاط سمة في العنق يعني طوقها والعسيب عود السعفة والإشاء صغار النخل والأسحم الأسود وإن بمعنى كيف ويكون أنى بمعنى أين أيضا وتفغر تفتح يقول عجبت كيف يفصح غناؤها بما في جوفها من الحزن ولم تفتح فاها فتنطق فهي مطبقة فمها لا تفتحه وقوله فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها بقول لم
(1/95)

أر إنساناً هيج شوقة صوت حمامة ولا عربيا مثلي شاقه صوت أعجم وهو الذي لا يفصح وذلك أن العربي لا يهتدي إلى غناء الأعجمي فلا يطرب له فإذا أطربه غناؤه فذاك متناهي الحسن وعنى بالأعجم الحمامة ويروى ولم أر محزونا له مثل صوتها أي لم أر محزونا أملح صوتا من صوتها.
وأنشد أبو محمد للنابغة الذبياني واسمه زياد ويكنى أبا إمامة:
وأحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام سراع وارد الثمد
قالت إلا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد
فحسبوه فألفوه كما وجدت ... ستاً وستين لم ينقص ولم يزد
فكملت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة في ذلك العدد
ليت الحمام ليه إلى حمامتيه ... ونصفه قديه تم الحمام ميّه
يخاطب النعمان ويعتذر إليه مما بلغه عنه. أحكم أي كن حكيما والحكم الحكمة مثل نعم ونعمة ونحل ونحلة تقول أحكم كحكم فتاة الحي إذ أصابت فوضعت الأمر موضعه وهي لم تحكم بشيء إنما قالت شيئا كانت فيه حكيمة يقول فأصب أنت في الأمر ولا تقبل ممن سعى عليّ وقال الأصمعي سمعت ناسا بالبادية يحدثون أن ابنة الخس كانت قاعدة في جوار فمر بها قطا وارد في مضيق من الجبل فقالت:
يا ليت ذا القطا لنا ومثل نصفه معه ... إلى قطاة أهلنا إذاً لنا قطاً مائه
فاتبعت القطا فعدت على الماء فإذا هي ست وستون. وقال أبو عبيدة زرقاء اليمامة كان اسمها اليمامة فسميت جو اليمامة وقال ابن الكلبي اسمها عنز وكانت زرقاء فنسبت إلى اليمامة وكانت من بقية طسم وجديس وكانوا من ساكني اليمامة وهي إذ ذاك من أخصب البلاد وأكثرها خيرا فمر بها سرب من قطا على مسيرة ثلاث فنظرت إليها فقالت:
ليت الحمام ليه إلى حمامتيه ... ونصفه قدية تم الحمام ميّة
وكان لها قطاة فنظر فإذا القطا كان ستا وستين وكان وقع في شبكة صياد فعدته وهو يمر بين جبلين حين نظرت إليه وحسبته وأسرعت الحسبة والثمد الماء القليل وقدي أي حسبي وهي كلمة تستعمل كثيرا ولا يعرف استعمالها مع الظاهر وإذا جاءت مع المضمر فإنما يخاطب بها المواجه وحذف النون من
(1/96)

قدني عند سيبويه للضرورة وعند الفراء لغة. ويروى فياليت ما هذا الحمام. والحمام بالرفع والنصب فمن رفع جعل ما كافة ومن نصب جعلها زائدة والحمام يذكر ويؤنث ويوصف بالواحد والجمع فلذلك قال وارد وكل ما كان بينه وبين واحده التاء فهو اسم للجمع وحكمه وكذلك. والثمد الماء القليل ويحفه يكون من جانبيه والنيق أرفع موضع في الجبل وإذا كان الحمام بين جانبي نيق ضاق عليه الموضع وركب بعضه بعضا فكان أشد لعده. وقوله مثل الزجاجة يريد عينا صافية كصفاء الزجاجة فحسبوه الهاء للحمام. وقوله لم تنقص ولم تزد يروى بالتاء والياء فالياء ضمير العدد وقيل هو ضمير الحمام والتاء ضمير المرأة وروى أبو عبيدة فكلمت مائة بالتخفيف أي فتمت وقال الأصمعي الحسبة الجهة التي يحسب منها وهي مثل القعدة والجلسة والحسبة هي المرة الواحدة تقول اسرعت أخذاً في تلك الجهة.
وقوله ومن ذلك الربيع. قال أبو يحيى بن كناسة في صفة أزمنة السنة وفصولها وكان علاّمة بها أعلم أن السنة أربعة أزمنة الربيع الأول وهو عند العامة الخريف ثم الشتاء ثم الصيف وهو الربيع الآخر ثم القيظ قال وهذا قول العرب البادية قال والربيع الأول هو الخريف عند الفرس يدخل لثلاثة أيام من أيلول قال ويدخل الشتاء لثلاثة أيام من كانون الأول قال ويدخل الصيف الذي هو الربيع عند الفرس لخمسة أيام تخلو من آذار ويدخل القيظ الذي هو صيف عند الفرس لأربعة أيام حزيران. قال أبو يحيى وربيع أهل العراق موافق لربيع الفرس وهو الذي يكون بعد الشتاء وهو زمان الورد وهو أعدل الأزمنة وفيه تقطع العروق ويشرب الدواء قال وأهل العراق يمطرون في الشتاء كله ويخصبون في الربيع الذي يتلو الشتاء وأما أهل اليمن فإنهم يمطرون في القيظ ويخصبون في الخريف الذي تسميه العرب الربيع الأول.
وأنشد أبو محمد شاهداً على ظل الليل لذي الرمة واسمه غيلان بن عقبة:
قد أعسف النازح المجهول معسفه ... في ظل أخضر يدعو هامه البوم
بالصهب ناصبة الأعناق قد خشعت ... من طول ما وجفت أشرافها الكوم
أعسف أسير على غير هداية والنازح الخرق البعيد والمعسف والعسف واحد وهو أن يأخذ على غير هدى والمجهول الذي لا يهتدي لطريقه وقد بالغ
(1/97)

في وصف نفسه بقطع الفلوات وارتكاب الأهوال لأنه لم يكفه أن يجعل الموضع الذي يسير فيه خرقا لا يهتدي فيه حتى أخبر أنه يسري فيه في ليل أسود لا قمر فيه وذلك لقطعه ثم جعله لا يسمع به سوى صوت البوم وذلك أروع له وأبعد من الأنيس. والهام جمع هامة وهي أنثى البوم والذكر الصدأ والأخضر هنا الأسود وظله ستره ويروى في ظل أغضف وهو المتثنى والصهب جمع أصهب وصهباء وهي الإبل التي يخالط بياضها حمرة وهو أن يحمر أعلى الوبر وتبيض أجوافه وجمل صهابى أي أبيض اللون وهو نجار العتق. وخشعت تطامنت. والوجيف ضرب من السير سريع. وأشرافها أسنمتها الواحد شرف والكوم جمع أكوم وكوماء وهي العظيمة السنام يقول أعسف هذا المكان المجهول معصفة في ليل متراكب الظلمة بالإبل الصهب الناصبة الأعناق وقد تطامنت اسنمتها العظام الطوال ولصقت بظهورها من طول سيرها السريع.
قال أبو محمد ومنه قول الله عز وجل " حتى تفيء إلى أمر الله " أي ترجع وأنشد لامرئ القيس بيتا وقبله:
فلمّا رأت أن الشريعة همها ... وأن البياض من فرائضها دامي
تيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظل عرمضها طامي
أخبرني المبارك بن عبد الجبار عن علي بن عمر عن عبيد الله بن محمد المروزي الكاتب عن ابن الأنباري عن العنزي عن علي بن الصباح عن هشام بن محمد عن فروة بن سعيد بن عفيف بن معدي كرب عن أبيه عن جده قال قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ناس من أهل اليمن فقالوا يا رسول الله أحيانا الله بيتين من شعر امرئ القيس خرجنا نريدك فلما كنا ببعض الطريق ضللناه فبتنا على غير ماء فلم نزل ثلاثا على ذلك حتى استذرينا بظل الطلح والسمر فبينا نحن على ذلك إذ أقبل راكب على بعير متلثم بعمامة فتمثل رجل منا بقول امرئ القيس فلما رأت. البيتين فقال الراكب من يقول هذا قلنا امرؤ القيس قال فو الله ما كذب هذا ضارج عندكم فحبونا إليه على الركب فوجدناه ماء قد علاه العرمض وهو الطحلب فشربنا منه حتى روينا وحملنا ما كفانا حتى وقفنا على الطريق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ذاك رجل شريف في الدنيا مذكور فيها منسي في
(1/98)

الآخرة خامل فيها يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء يقودهم إلى النار " في رأت ضمير يعود إلى ناقته والفريصة اللحمة في ناغض الكتف على الجنب وهو أول ما يرعد من الدابة إذا فزع. يقول لما رأت الناقة أن الشريعة همها تيممت العين أي قصدتها وإنما جعل البياض من فرائصها داميا ليدل على ما لحقها من الكلال والتعب في طول السير وقال أبو إسحق الحربي الصواب وإن البياض من فراسنها دامي والفراسن جمع الفرسن وهو في يد الناقة والسلاميات عظام الفرسن. وقوله عرمضها العرمض الخضرة التي تعلو الماء. والطامى المرتفع. وضارج جبل.
وأنشد أبو محمد للشماخ ويكنى أبا سعد يمدح عرابة الأوسى وقبله:
إليك بعثت راحلتي تشكى ... حروثا بعد محفدها السمين
إذا بركت على شرف وألقت ... عسيب جرانها كعصا الهجين
إذا الأرطى توسد أبرديه ... خدود جوازئ بالرمل عين
الراحلة من الإبل التي يختارها الرجل لمركبه. والحروث الهزال والمحفد السنام يقول لم أزل أذيبها في السير إليك حتى أنضيتها بعد سمنها والشرف ما ارتفع من الأرض. والعسيب هنا عظم الذنب. والجران باطن عنق البعير وهو ما أصاب الأرض منه إذا برك وأراد بالهجين الراعي شبه عنق ناقته بالعصا لهزالها. والأرطى ضرب من الشجر وخصه لأن منبته في الرمل والبقر والظباء تعوذ وتكنس فيه من الحر والبرد والمطر. وقوله توسد أبرديه أي اتخذ الظل والفيء وسادة. والجوازئ الظباء التي تجتزئ بالرطب عن الماء. والعين جمع عيناء وهي الواسعات العيون.
قال أبو محمد ومن ذلك الآل والسراب. أما السراب فإنما سمي سرابا لأنه يسرب سربا أي يجري جريا يقال سرب الماء يسرب سروبا قال الفراء وهو ما لصق بالأرض والآل الذي يكون كالملاء بين السماء والأرض كأنه الماء قال ويكون من الضحى إلى زوال الشمس والسراب بعد الزوال إلى صلاة العصر. والآل الشخص والآل الأحوال جمع آلة والآل الخشب المجرد والآل الأهل. وأنشد أبو محمد للنابغة الجعدي:
حتى لحقنا بهم تعدي فوارسنا ... كأننا رعن قف يرفع الآلا
(1/99)

قال وهذا من المقلوب. قوله تعدي أي تستحضر الخيل يقول هي تمرح بهم فكان ذاك نزوان الآل ومفعول تعدى محذوف أراد تعدى فوارسنا أفراسهم والرعن أنف نادر من الجبل. والقف الجبيل الصغير وقال أبو عبيدة الرعن والآل كلاهما يرفع أحدهما الآخر وليس هذا من المقلوب لأنه شبه الكتيبة برعن والقف وشبه ما على الكتيبة من الحديد بالآل فلو كان الآل هو الرافع لم يكن التشبيه واقعا لأن الحديد أبدا يعلو الكتيبة. والقيعة جمع قاع وهو المنبسط من الأرض الذي لا نبت فيه ومثله نار ونيرة وولد وولدة وأخ وأخوة قال أبو محمد إنما الدلج سير الليل وأنشد للشماخ:
كأنها وقد براها الاخماس ... ودلج الليل وهاد قياس
ومرج الضفروماج الاحلاس ... شرائج النبع براها القواس
يهوى بهن بختري هواس ... كأن حر الوجه منه قرطاس
ليس بما ليس به باس باس ... ولا يضر البر ما قال الناس
الضمير في كأنها يرجع إلى الإبل والاخماس جمع خمس والخمس أن ترد الإبل الماء يوماً وتدعه ثلاثة أيام وترد في اليوم الخامس وبراها هزلها وقطع لحمها والهادي الدليل والقياس الذي يقيس طريقا بطريق فيأخذ بالأشبه ومن روى قسقاس فهو الهادي المتفقد الذي لا يغفل إنما دأبه التلفت والتنظر يقال ليلة قسقاسة شديدة الظلمة يقول هزل هذه الإبل اظماؤها وسراها واتعاب دليلها الماهر بالدلالة فلا ينزل ولا يتوقف للاستدلال فتستريح الإبل ومرج قلق يقال مرج الخاتم في يدي إذا قلق والضفر نسيج من الشعر عريض يشد في وسط الناقة يقول اضطراب بطانها منت هزالها والاحلاس جمع حلس وهو الكساء الذي يكون تحت الرحل والقتب يلي ظهر البعير والشرائج جمع شريجة وهو أن يشق القضيب نصفين فتعمل منه قوسان فيقال لكل واحدة شريج وشريجة وبراها قطعها وقوله يهوى بهن أي يسرع بهذه النوق بخترى وهو المتبختر والهواس والهواسة الرجل المجرب الشجاع وحر الوجه خالصه وشبهه بالقرطاس لبياضه. قال أبو محمد أبو زبيد يذكر قوما يسرون اسم أبي زبيد حرملة بن المنذر:
تواصوا بالسرى هجرا وقالوا ... إذا ما ابتز أمركم النعوس
(1/100)

فإياكم وهذا العرق واسموا ... لموماة فآخذها مليس
وحفوا بالرحال على المطايا ... وضموا كل ذي قرن وكيسوا
فباتوا يدلجون وبات يسري ... بصير بالدجى هاد غموس
تواصوا أي أوصى بعضهم بعضا هجرا أي وقت الهاجرة والسرى سير الليل خاصة. وابتزاي عري من الأمر وجرد ويروى ابتز بالفتح أي إذا غلب أمركم ناعس وقوله فإياكم وهذا العرق أي احذورا هذا العرق وأبعدوا عنه وهو الجبل ويقال الغيضة وميلوا إلى الموماة وهي الفلاة وأصلها موموة فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وآخذها طريقها الذي يؤخذ فيه فاعل بمعنى مفعول كقوله تعالى ماء دافق أي مدفوق ومليس أي أملس. وحفوا بالرحال يقول إذا أعييتم وغلبكم النعاس فأنيخوا بنا في الموماة وإياكم أن تنيخوا قريبا من هذا العرق وأديروا الرحال حولهم وأعدوا الرماة. والقرن الجعبة وكيسوا أي استعملوا الكيس وهو العقل قال الشاعر:
فلو كنتم لميسة أكاست ... وكيس الأم يعرف في البنينا
ولكن أمكم حمقت فجئتم ... غثاثاً ما ترى فيكم سمينا
فباتوا يدلجون أي يسرون الليل وبات الأسد يسري معهم حيث لا يرونه يراعى غرتهم. وقوله هادٍ أي مهتد إلى الطريق والمأخذ والهموس الذي لا يسمع لقوائمه وطء ولا يحس به أحد. والدجى الظلمة الواحدة دجية، ويروي عموس وغموس بالعين والغين ومعناهما الشديد: قال أبو محمد وكان رجل من أصحاب اللغة يخطئ الشماخ في قوله:
وكنت إذا لاقيتها كان سرنا ... لنا بيننا مثل الشواء الملهوج
وكادت غداة البين ينطق طرفها ... بما تحت مكنون من الصدر مشرج
وتشكو بعين ما أكل ركابها ... وقيل المنادى أصبح القوم أدلجي
يقول كنت إذا لاقيت هذه المرأة لم أتمكن من مسارتها والاشتفاء بحدثيها وتعرف ما عندها لي إلا على عجلة وغير تمكن من اتمام الحديث خوف الرقباء فكان سرنا مثل الشواء الذي لم يتم نضجه وقوله بما تحت مكنون من الصدر أي مكتوم. ومشرج مشدود كشرج العيبة وهي عراها المداخل بعضها
(1/101)

في بعض يقول كادت هذه المرأة غداة الفراق تبكي فيعلم ببكائها في ضميرها فيقوم بكاؤها مقام النطق بسرنا والبوح به وتشكو بعين معناه أنها لا تقدر على الكلام من التعب والجهد فهي تومئ بطرفها إليه وقوله ما أكل ركابها قال أبو علي يجوز أن ينشد ما أكلت ركابها على أن يكون بمعنى المصدر فيكون التقدير وتشكو بعين إكلال ركابها ولا يكون في الصلة شيء يرجع إلى ما لأنها إذا كانت بمعنى المصدر لم يكن في صلتها عائد إليها والمعنى على ضربين أحدهما أن يكون وتشكو بعيني إكلال ركابها إياها فترك ذكر المفعول للدلالة عليه والآخر أن يكون وتشكو كلال ركابها ولا تقدر المفعول ولكن كأنك قلت وتشكو أن أكلت ركابها أي صارت ذات كلال وفي ذلك دلالة على كلالها إذ كانت معهن تسير بسيرهن ويجوز ما أكلت ركابها على أن يكون ما بمعنى الذي فيكون التقدير وتشكو بعين الذي أكلته ركابها فتحذف الهاء العائدة إلى الموصول والذي أكلته ركابها هو التعب والكلال فهذا في المعنى مثل الأول وإن كان تقدير اللفظ مختلفا وهذا الوجه هو الرواية في البيت فيما روى عن الأصمعي ويجوز تشكو بعين ما أكل ركابها على أن تكون ما بمعنى الذي ويكون فاعل أكلّ ضمير ما والذي أكل ركابها في المعنى هو دؤوت السير وكثرته وموضع ما مع صلته في كل هذه الوجوه نصب. ويجوز وتشكو بعين ما أكل ركابها على أن تكون ما تعجبا كأنه قال وتشكو بعين ما أكل ركابها فتعجب من كلال ركابها فيكون موضع ماجراً صفة للعين كما تقول مررت برجل ما أحسن ثوبه ولا يجوز أن تكون مانفيا في قول من رفع فقال ما أكل ركابها لقوله وقيل المنادى ولا يكون مع هذا الأمر منادى الرفقة والائتمار له إلاّ تكل الركاب ويكون قيل المنادى على هذا التأويل أصبح القوم أدلجي محمولاً على فعلٍ آخر غير تشكو هذه الظاهرة كأنه وتشكو قيل المنادى إلا أن هذا الظاهر دلّ عليه وإن شئت حملت قيل المنادى في هذا الوجه على موضع الباء وما جرته مثل مررت بزيد وعمراً ويكون في الأقاويل الأخر مثل قولك وتشكو زيدا وعمراً فهذا ما يحتمله ها البيت وقيل في قوله وتشكو يعني الناقة وشكواها رغاؤها وأثر الكلال فيها وما بمعنى الذي وقال بعضهم الشكوى ههنا من المرأة يقول غمزت بعينها وأومأت بيدها لأنها لا تقدر على الكلام ممن تهابه والقول الأول قيل أنه قول الأصمعي ويروى وقيل المنادى وقول المنادى فالقول
(1/102)

مصدر والقيل والقال اسمان وهذا على أن المنادى نادى في أول الليل أو في وسطه.
قال أبو محمد " ومن ذلك العرض ". أخبرت عن ابن الأنباري أنه قال أنكر ابن قتيبة أن يكون العرض الآباء والأسلاف واحتج بالحديث في أهل الجنة وليس في احتجاجه بهذا الحديث حجة له لأن الأعراض عند العرب المواضع التي تعرق من الجسد وقال والذي يدل على غلطه في هذا التأويل قول مسكين الدارمي:
رب؟ مهزولٍ سمينٍ عرضه ... وسمين الجسم مهزول الحسب
معناه مهزول البدن والجسم كريم الآباء وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للحطيئة كأني بك عند رجل من قريش قد بسط لك نمرقةً وكسّر أخرى وقال يا حطيئة غننا فاندفعت تغنيه بأعراض الناس فمعناه بثلب أسلافهم وآبائهم وقال الآخر:
قاتلك الله ما أشد عليك ال بذل في صون عرضك الخرب
يريد في صوت أسلافك اللئام وقول حسان: فان أبي ووالده وعرضي
معناه فان أبي ووالده وآبائي فأتى بالعموم بعد الخصوص ذكر الأب ثم جمع الآباء كما قال الله تعالى " ولقد آتينا سبعاً من المثاني والقرآن العظيم " فخص السبع ثم أتى بالقرآن العام بعد ذكره إياها وقول أبي ضمضم اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك معناه إني تصدقت عليهم بما يلحقوني من الأذى في أسلافي فجعلتهم من إثم ذلك في حل. وقول أبي الدرداء أقرض من عرضك ليوم فقرك من سب أباك وأسلافك فلا تسب أباه وأسلافه ولكن اجعل ذلك قرضا عليه ليوم القصاص والجزاء قال وقول ابن قتيبة لا يجوز أن يكون الأسلاف لأنه إذا ذكر أسلافه لم يكن التحليل إليه لذكره قوما موتى ليس المعنى في هذا عندنا على ما قال لأنه لم يحلله من سبّه الآباء وإنما أحله مما وصل إليه من الأذى في ذكره أسلافه انتهى كلام أبي بكر فهذه الشواهد التي استشهد بها ابن قتيبة على أن العرض النفس متأولة كما ترى والدليل القاطع
(1/103)

عن ان العرض النفس حديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم " فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه " أراد احتاط لنفسه لا يجوز فيه معنى الآباء وكذلك قوله ليّ الواجد يحل عقوبته وعرضه لا يكون عرضه إلا نفسه وقد اختلف الناس في العرض وحمله على ما قيل فيه أنه النفس والبدن والريح والحسب وما يمدح به الرجل ويذم وخلائقه المحمودة والموضع الذي يعرق منه الجسد والعرض أيضا الرجل الذي يعترض الناس بالباطل والعرض وادي اليمامة والعرض كل واد فيه قرى ومياه. وأنشد لحسان بن ثابت ابياتا قبلها:؟ ألا أبلغ أبا سفيان عني مغلغلة فقد برح الخفاء
هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
اتهجوه ولست له بكفءٍ ... فشركما لخيركما الفداء
فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
يعني أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وكان رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضعته حليمة وكان يألفه في الجاهلية فلما بعث عاداه وهجاه ثم أسلم عام الفتح وشهد حنيناً والمغلغلة الرسالة تحمل من بلد إلى بلد. وقوله فقد برح الخفاء أي انكشف الستر واتضح الأمر وهو مثل والخفاء مصدر خفي الأمر خفاء إذا اكتتم ويروى فأنت مجوف نخب هواء والمجوف الذي لا قلب له كالقصبة الجوفاء وكذلك النخب والهواء الرجل الجبان يقال رجل هواء وقوم هواء وأصله من قولهم وعاء هواء إذا كان منخرق الأسفل لا يعي شيئا والكفء النظير يقال كفءٌ وكفؤ وكفؤ قالوا وكفئ على فعيل وكفاء على فعال والوقاء ما وقى شيئاً وهو كالفداء يقول هجوكم لا ينقصه كما أن مدحكم لا يرفعه.
قال أبو محمد " ومن ذلك العترة " أما العترة فهي نسل الرجل وربما جعلوها الأسرة واشتقاقها من العتر وهو الأصل فكأنها الجماعة التي أصلها واحد ومعنى حديث أبي بكر رضي الله عنه نحن عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي خرج منها وبيضته التي تفقأت عنه. التفقؤ التشقق وضرب البيضة مثلاً ومعنى قوله وإنما جيبت العرب عنا كما جيبت الرحا عن قطبها يقول خرقت العرب عنا وكنا وسطا وكانت العرب حوالينا كما خرقت الرحا في وسطها القطب وهو الذي تدور عليه الرحا وهذا مثل أيضا.
(1/104)

وأما الجاعرتان فقال أبو زيد وغيره هما من البعير العظمان المكتنفان أصل الذنب والذنب بينهما وقال الليث هما حيث يكوي الحمار في مؤخره وهما الرقمتان وهذا قريب من قول أبي زيد وحكى بعضهم عن الأصمعي هما حرفا الوركين المشرفان على الفخذين والرقمتان أيضا شبه ظفرين متقابلين في باطن أعضاد الفرس والحمار وأنشد أبو محمد بيتا لكعب ابن زهير وقبله.
كأني شددت بأنساعها ... قويرح عامين جاباً شنونا
يقلّب حقباً ترى كلّهن ... قد حملت فأسرّت جنينا
فأبقين منه وأبقى الطرّاد ... بطنا خميصا وصلبا سمينا
وعوجا خفافا سلامٍ الشظى ... وميظب أكم صليباً رزينا
إذا ما انتحاهنّ شؤبوبه ... رأيت لجاعرتيه غضونا
الاتساع حبال من أدم الواحد نسع وقويرح تصغير قارح يريد حمار وحش شبه ناقته به في قوتها وصلابتها ثم أخذ في وصف الحمار والأتن الجأل يهمز ولا يهمز وهو الصلب الغليظ. والشنون الذي بين السمين والمهزول والحقب جمع أحقب وحقباء وهي التي في حقوبها بياض وأسرت جنينا أي أضمرت ولدا في بطنها فأبقين منه أي أبقت الاتن من العير وأبقى الطراد أيضا بطناً خميصا أي ضامرا. وعوجا خفافا يعني قوائم منحنية خفيفة. وسلام الشظى سليمة من الداء والعيب. والشظى عظمٌ لاصق بالذراع وميظب أكمٍ يريد أنه مواظب أبدا على الأكم يعني، حوافر تديم دقّ الأكم والصليب الصلب. وقوله انتحاهنّ أي قصدهنّ وشؤبوبه شدة دفعته في جريه والهاء راجعة إلى العير والضمير في انتحاهنّ يرجع إلى الأتن. والغضون الاسترخاء والتثني من الهزال.
قال أبو محمد وأما قول الهذلي في صفة الضّبع عشنزرةٌ جواعرها ثمان فلا أعرف عن أجذ من علمائنا فيه قولا أرتضيه.
الهذلي هو الأعلم واسمه حبيب بن عبد الله وهو أخو صخر الغيّ وأول هذا الشعر:
أعبد الله ينذر يال سعد ... دمي إن كان يصدق ما يقول
متى ما يلقني ومعي سلاحي ... يلاق الموت ليس له عديل
(1/105)

فشايع وسط ذودك مقبئناً ... لتحسب سيداً ضبعاً تبول
عشنزرة جواعرها ثمانٍ ... فويق زماعها خدم حجول
قوله ينذر أي يوجب على نفسه سفك دمي يقول أن لقيته لأقتلنه ويروى يوعد أي يتهدد. وسعد بن هذيل بن مذركة بن الياس بن مضر. والمعنى أن كان يصدق فتعجبوا له يريد أنه كاذب لا يقدر على ما يقول. وقوله فشايع أي ادع أبلك ويروى تشايع أي تنادي. وتدعو ذودك والذود ما بين الثلاث إلى العشر من الإبل. ومقبئناً منتصبا ويروى مستقناً من القنّ وهو الذي يقيم مع غنمه يشرب ألبانها ويكون معها حيث ذهبت. وتنول تحرك رأسها ويروى تبول يهزأ به. وعشنزرة غليظة مسنة يريد الضبع. وقوله جواعرها ثمان قال ابن قتيبة لا أعلم عن أحد من علمائنا فيه قولاً أرتضيه قال لنا الشيخ أبو زكريا قد وجدنا في ذلك قولا مرضيا وذلك أن هذا مبنيٌّ على قولهم في المثل " أحاديث الضّبع من استها بالليل " يضرب مثلا للباطل وهو أن في حياء الضبع خروقا كثيرة فإذا كان الليل استقبلت الريح بحيائها فيسمع له عند ذلك كالحديث فجعل الشاعر هذه الخروق جواعر وادعى أنها ثمان. والزمعة التي خلف الظّلف مثلٍ الزيتونة. والخدم جمع خدمة وهي مثل الخلخال وقيل جعل جواعرها ثمانياً يريد أن خلقها منتشر وإنما هي جاعرتان ويروى عشوزنة وهي أيضا الغليظة.
قال أبو محمد ومن ذلك الفقير والمسكين.
اختلف أهل اللغة في الفرق بين الفقير والمسكين فمذهب يونس بن حبيب ومن وافقه أن الفقير أحسن حالا من المسكين وقد ذكر ابن قتيبة حجته ومذهب الأصمعي ومن وافقه أن المسكين أحسن حالا من الفقير قال ابن الأنباري وهو الصحيح عندنا لأن الله عز اسمه قال " أما السفينة فكانت لمساكين " فأخبر أن للمسكين سفينة من سفن البحر وهي تساوي جملة من المال وقال تعالى " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس. إلحافا " فهذه الحال التي أخبر بها عن الفقراء هي دون الحال التي أخبر بها عن المساكين قال والذي احتج به يونس من قول الأعرابي لا والله بل مسكين يجوز أن يكون أراد لا والله بل أنا أحسن حالا من الفقير وليس في بيت الراعي حجّةٌ لأن
(1/106)

المعنى كانت لهذا الفقير حلوبة فيما مضى وليست له في هذه الحال حلوبة. ومعنى الفقير في كلام العرب المفقور الذي نزعت فقرة من فقر ظهره فانقطع صلبه من شدة الفقر فلا حال هي أوكد من هذه. ومعنى المسكين الذي سكنه الفقر أي قلل حركته واشتقاقه من السكون والفعل منه تمسكن وتسكّن إذا صار مسكينا كتمدرع إذا لبي المدرعة. وأنشد أبو محمد بيت الراعي النميري ولم يكن راعيا وإنما كان يجيد وصف الإبل فلقب الراعي واسمه عبيد بن حصينٍ ويكنى أبا جندل وقبل البيت:
أزرى بأموالنا قوم بعثتهم ... بالعدل فينا فما أبقوا ولا قصدوا
نعطي الزكاة فما يرضى خطيبهم ... حتى تضاعف أضعافا لها عدد
أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد
قوله أزرى بأموالنا أي قصر بها يقال زريت عليه إذا عبت عليه فعله وأزريت به إذا قصّرت به والمعنى أنهم أهانوا الأموال وأسرفوا في هلاكها فلم يبقوا على شيء. والقصد ضدّ الإسراف. وخطيبهم متكلمهم ومتقدمهم يقول لا يرضى بالزكاة حتى يأخذ اضعافاً كثيرة لها عدد تعدياً وظلماً. شكا إلى عبد الملك ظلم السعاة على الصدقات لقومه وجورهم عليهم وأنهم لم يتركوا للفقير شيئاً والفقير لا يجب عليه في المقدار الذي يملكه صدقة ولا سبيل عليه للسعاة. وقوله وفق العيال أي ما يكفي عياله وحلوبته يراد به ما فيه لبن يحلب ويقال ما لفلان حلوبة ولا ركوبة أي ناقة يحلبها وناقة يركبها. وقوله لم يترك له سبد أي لم يترك له شيء وهذه الكلمة تستعمل في النفي إذا عبر عن الإنسان وأخبر عنه أنه لا يملك شيئاً قيل ما له سبد ولا لبدٌ بمعنى ما له شيءٌ والسبد من الشعر واللبد من الصوف هذا الأصل ثم اتسع فيه.
قال أبو محمد والخائن الذي أؤتمن فأخذ وأنشد للنمر بن تولب العكلي.
وإن بني ربيعة بعد وهب ... كراعي البيت يحفظه فخانا
وهب رجل من ربيعة نازع النمر بن تولب في بئر تدعي الدخول وهي بئر نميرة الماء وكان النمر سقاه فلم يشكر له يقول وهب أمثل ربيعة فإذا خان فكلهم خائن كما يقال في بني فلان بعد فلان خير أي إذا لم يكن فيه خير فليس في أحد منهم وقوله كراعي البيت أي كمن أؤتمن على بيت فخان الذي
(1/107)

ائتمنه عليه ويروى يحفظه بضم الياء أي يجعل حافظا له.
قال " والملآم الذي يقوم بعذر اللئام " فيه لغتان ملآم على وزن مفعال وملأم على وزن مفعل. وقوله ومن ذلك التليد والتلاد. التاء فيهما بدل من الواو وأصلهما من الولادة والواو تبدل منها التاء كثيرا.
وقوله " ومن ذلك اللبة يذهب الناس إلى أنها النقرة التي في النحر وذلك غلط " قد وهم في هذا لأن اللبة والنقرة والثغرة والمنحر شيء واحد وهي الهزمة بين الترقوتين قال الراجز: وتارة في ثغر النحور وروى أبو العشراء عن أبيه قال قلت يا رسول الله أما تكون الزكاة إلا من اللبة أو الحلق فاللبة موضع النحر والحلق موضع الذبح فكأنه ظن أن النحر يكون في موضع الذبح وإنما النحر ودج في أصل العنق والذبح في آخره مما يلي الرأس والإبل تنحر ولا تذبح والبقر تذبح تنحر والغنم تذبح.
قال أبو محمد " إنما الآرى الآخيّة التي تشد بها الدابة من تأرّيت بالمكان إذا أقمت به ".
الآخية وزنها فاعولة من تأخّيت أي قصدت وتيممت وهو عود يعرض في الحائط والجميع الأواخي والأخايا وفي الحديث " لا تجعلوا ظهوركم كأخايا الدواب " يعني في الصلاة وأنشد لأبي قحفان عامر بن الحارث أعشى بأهلة بيتا قبله:
لا يغمز الساق من أينٍ ولا وصب ... ولا يزال أمام القوم يقتفر
لا يتأرّى لما في القدر يرقبه ... ولا يعضّ على شرسوفه الصفر
يرثى المنتشر بن وهب ويقال أنها لأخت المنتشر. قوله لا يغمز الساق يقول
(1/108)

هو مصحح لا يصيب ساقه ألم فيغمز من أجله ولا يعيا إذا مشى ولا يتوصب لشدته وقوته ويجوز أن يكون المراد إذا لحقه ألم من التعب لم يغمز ساقه كما يفعل الناس بلا يصبر على ذلك إلى أن يزول ولا يميل إلى الدعة والرفاهية. والأين الأعياء والوصب ألم التعب للمشي ويقتفر يتتبع أي يتقدم أصحابه فينظر لهم الأثار وقوله لا يتأرى أي لا يتحبس ليدرك الطعام أن أصاب شيئاً أكله وإن لم يصب شيئا صبر على الجوع ولا يحرص على طيب الطعام يريد أنه ليس بشرهٍ نهمٍ ينتظر إدراك القدر. والشراسيف مقاط الأضلاع الواحد شرسوفٌ. والصفر حية تكون في الجوف كان يقال في الجاهلية إذا جاع الإنسان عضت على شراسيفه.
وقوله ابن قتيبة " ولا يقال اطعمنا ملّةً " يريد به أجود الوجهين فإنه يجوز أن يقال أطعمنا ملّة يراد خبز ملّةٍ فيحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه ومثله في القرآن والكلام كثير.
قال أبو محمد العبير عند العرب الزعفران وحده وأنشد للأعشى:
فبان بحسناء رقراقةٍ ... على أن في الطرف منها فتورا
مبتلّة الخلق مثل المهاة ... لم تر شمسا ولا زمهريرا
وتبرد برد رداء العروس ... في الصيف رقرقت فيه العبيرا
وتسخن ليلة لا يستطيع ... نباحا بها الكلب إلا هريرا
بأن أي فارق بحسناء أي بامرأة جميلة ولا يقال للرجل أحسن والرّقراقة البيضاء الناعمة ويقال هي التي يبرق وجهها كأن الماء يجري فيه ويروى برّاقة. والطرف اسم جامع للبصر وهو ههنا تحريك الجفون والفتور الاسترخاء وإنما يستحسن الفتور في الجفون لا في نفس البصر والمبتلة التامة الخلق ولا يوصف به الرجل ويقال المبتلة التي لم يركب لحمها بعضه بعضا وقيل هي المنقطعة عن النساء لها عليهنّ فضل. والمها بقر الوحش الواحدة مهاةٌ والمها البلّور أيضا. وقوله لم تر شمسا ولا زمهريرا أي هي في كن لم تجد حرا ولا بردا. وقوله وتبرد برد رداء العروس في الصيف أي تبرد هذه المرأة في الصيف بردا مثل برد رداء العروس إذا رقرقت فيه العبير أي صبغته بالزعفران وصقلته أي قد جمعت في الصيف البرد وطيب الرائحة. ثم قال وتسخن ليلة لا
(1/109)

يستطيع يقول هي حارة في الليلة الشديدة البرد التي لا يقدر الكلب فيها على النباح من شدة البرد إلا أن يهر هريراً وهو دون النباح كما قال الآخر: سخنة في الشتاء باردة في الصيف سراج في الليلة الظلماء.
قال أبو محمد " ومن ذلك الأعجمي والعجمي ". قال الفراء وأبو العباس الأعجم الذي في لسانه عجمة والأعجمي هو العجمي قال ابن الأنباري وهو الصحيح عندنا. والأعراب أهل البادية والعرب أهل الأمصار فإذا نسبت رجلا إلى أنه من أعراب البادية قلت أعرابيّ ولا يقال عربيّ لئلا يشتبه بالنسبة إلى أهل الأمصار قال الفراء إذا نسبت رجلا إلى أنه يتكلم بالعربية وهو من العجم قلت رجل عربانيّ وإنما سميت العرب عربا لحسن بيانها وإيضاح معانيها من قولهم قد أعربت عن القوم إذا تكلمت عنهم وابنت معانيهم.
قال أبو محمد " إنما أشلاء الكلب أن تدعوه إليك وكذلك الناقة والفرس والشاة " وأنشد لأبي نخيلة:
إني إذا ما جاع جار الجنب ... أشليت عنزي ومسحت قعبي
ثم تهيأت لشرب قأب ... دأبا على ماء بدئ عذب
وأنشده ابن المفجع:
ضبا على ما بدئ عذب ... في قعدتي ولست بالمقرنبي
أمثل شيء ما ترى من شطبي ... تسعى يداي وألوي عجبي
إذ مر يهوي كرشاء الغرب
وهو إناء من خشب والضب الجلب بجميع الأصابع واقرنبي جلس على رجليه متجمعا يقول فأنا أرجف من الكبر يقول أخاف الذئب إذا مر وليس في نهوض وأنا التمس بيدي في الأرض حجرا أرميه به وألوى عجبي أتلفت لا يقول دعوت عنزي لاحتلبها ومسحت قعبي لا حلب فيه ثم تهيأت أي تأهبت لأن أشرب شربا كثيرا مرويا. والقأب الشرب المروي الكثير يقال قأب وقئب وذأج وصيب إذا شرب شرباً كثيراً الماء البديء المبتدأ منبعه ويقال في
(1/110)

مبتدأ الورد ويقال هو العجيب عذوبةً وأما الأشلاء فقد جاء في معنى الإغراء وهو قليل قال بلال بن جرير: نزلنا بجلاد فأشلى كلابه علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل وقال آخر:
خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل ... على الرغم من تلك النوابح والمشلي
وقوله " ومن ذلك حاشية الثوب " الحاشية مشتقة من الحشا وهو الناحية لأنها ناحية الثوب يقال أنا في حشا فلان أي في ناحيته وقيل أن حاشيتا الثوب جانباه الطويلان في طرفيهما الهدب واشتقاق الطرة من الطر وهو القطع لأنها مقطوعة من جملة الثوب وكذلك الطرة من الشعر سميت طرة لأنها مقطوعة من جملته والطرة بالفتح المرّة الواحدة وبالضم الشيء المقطوع بمنزلة الغرفة والغرفة وقال ابن دريد طرّة الثوب موضع هدبه.
وأما الهجين وهو الذي أبوه خير من أمه فالفعل منه هجن يهجن هجانة وهجنة وهجونة والهجنة في الكلام ما يلزمك من العيب تقول لا تفعل هذا فيكون عليك هجنة. والأقراف مداناة الهجنة من قبل الأب وأنشد عن أبي عبيدة لهند بنت النعمان بن بشير في روح بن زنباع:
وهل هند إلا مهرة عربية ... سليلة أفراس تجللها بغل
فإن نتجت مهرا كريما فبالحري ... وإن يك إقراف فمن قبل الفحل
تقول أنا في خلوص نسبي بمنزلة المهرة العربية الكريمة وروح في أيتشاب نسبه كالبغل فإن ولدت كريما فهو خليف أن يشبهني وإن ولدت لئيما فمن قبل أبيه من قبلي وفي البيت إقواء ويروى وإن يك إقراف فأقرفه الفحل ويروى فما أنجب الفحل ويروى فجاء به الفحل.

باب ما جاء مثنى في مستعمل الكلام
قوله " العمر أبو بكر وعمر " إن قيل كيف غلب عمر على أبي بكر وهو أفضل قيل إن الاسم أخف من الكنية وقيل لأن العرب إذا ذكروا اسمين بدؤا بالأدنى منهما يقولون ربيعة ومضر وسليم وعامر ولم يترك له قليلاً ولا كثيراً وقيل
(1/111)

لعثمان يوم الدار نسألك سيرة العمرين وسئل قتادة عن عتق أمهات الأولاد فقال أعتق العمران فمن بينهما من الخلفاء أمهات الأولاد ففي قول قتادة العمران عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز.
وقوله " وقال حجازي لرجل استضافه " الحجازي هو مزيد وقول مزبد الليل والحرة فالحرة أرض غليظة تركبها حجارة سودٌ وعني حرة المدينة وحرار العرب خمس حرة بني سليم وحرة ليلى وحرة راجل وحرة واقم بالمدينة وحرة النار لبني عبس. وقولهم ما يدري أي طرفيه أطول قال بعضهم المعنى أي نصفيه أطول والطرف الأسفل أطول من الطرف الأعلى فالنصف الأسفل طرف والنصف الأعلى طرف والخطر ما بين منقطع الضلوع إلى أطراف الوركين وذلك نصف البدن والسرة بينهما كأنه جاهل لا يدري أي طرفي نغسه أطول. قال أبو محمد وأنشد أبو زيد لعون بن عبد الله بن عتبة:
وكيف بأطرافي إذا ما شتمتني ... وما بعد شتم الوالدين صلوح
يقول كيف أغفر لك شتمك والديّ ولا صلح بعد شتم الوالدين وصلوح مصالحةٌ قال وأطرافه أبواه وإخوته وأعمامه وكل قريب له محرم وقيل الأطراف السادة واحدهم طرف وطريف كما أن أحد الاشراف شريف وينشد:
عليهن أطراف من القوم لم يكن ... طعامهم حباً بزغبة أسمرا
ويروي برغمة وهو موضع وأراد بالحب العدس.

باب تأويل المستعمل من مزدوج الكلام
يقال مزدوج ومزدوجٌ جميعا المفتوح الواو مصدر أو مفعول على قولهم قصيدة مزدوجة أي ازدواجها الشاعر. قولهم له الضح والريح قال ابن الأعرابي الضح ما برز للشمس والريح ما اصابته الريح وقال الأصمعي الضح الشمس وأنشد:
أبيض ابرزه للضح راقبه
وقال أبو عبيدة جاء بالضح والريح معناه جاء بكل شيء والضح البراز الظاهر والاختيار أن يكون الضح الشمس.
(1/112)

قال أبو محمد " له الويل والأليل " فالأليل الأنين قال ابن ميادة وميادة أمه واسمها الرماح بن أبرد:
خليليّ سيرا واذكرا الله ترشدا ... وسيلا ببطن النسع حيث تسيل
وإن أنتما كلمتماها سقتكما ... يمانية ريّا الغمام هطول
تقولا لها ما تأمرين بوامق ... له بعد نومات العيون اليل
قوله سيلا أي اهبطا وانحدرا والنسع اسم واد. والريا السحابة الممتلئة ماء والهطول فعول من الهطلان وهو تتابع القطر المتفرق العظام والوامق المحب. ومعنى ما تأمرين بوامق أي ما تأمرين في أمره اتهجرينه أم تصلينه. والإليل أنين وتوجع وقرأت بخط الصولي قال سمعت
أبا العباس أحمد بن يحيى رحمه الله قال الأليل من وجدٍ بلغ القلب والأنين من علةٍ والحنين تشوق والرنين الضجة من البكاء والحنين صوت يتردد في الحلق مع البكاء لا ينفذ عنه. وقولهم لا يقبل منه صرف ولا عدل فيه سبعة أقوال يروى عن النبي عليه السلام أنه قال " الصرف التوبة والعدل الفدية " وهو قول مكحول ومذهب الأصمعي وقال يونس الصرف الاكتساب والعدل الفدية وقال أبو عبيدة الصرف الحيلة وقال قوم الصرف الفريضة والعدل التطوع وقال الحسن العدل الفريضة والصرف النافلة وقال قتادة في قوله تعالى " وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها " لو جاءت بكل شيء لم يقبل منها وقيل العدل المثل واحتجوا بقوله تعالى " أو عدل ذلك صياما " وقال جماعة من أهل اللغة العدل والعدل لغتان لا فرق بينهما بمنزلة السلم والسلم وقال الفراء العدل ما عادل الشيء من غير جنسه والعدل ما عادل الشيء من جنسه يقال عندي عدل صوبك أي قيمته من الدراهم أو غيرها أخبرت بذلك عن ابن الأنباري وقولهم " ما يعرف هراً من برّ " قال الفراء الهر العقوق والبرّ اللطف والمعنى ما يعرف براً من عقوق وقال خلد بن كلثوم الهر السنور والبر الجرذ وقال ابن الأعرابي ما يعرف هارا من بارا لو كتبت له وقال أبو عبيدة ما يعرف الهرهرة من البربرة والهرهرة صرت الضأن والبربرة صوت المعز.
وقولهم " حياك الله وبياك " في حياك ثلاثة أقوال الملك والسلم قال الله تعالى " إذا حييتم بتحية " معناه إذا سلم عليكم والبقاء قال الشاعر:
ولكل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحيه
(1/113)

وفي بياك خمسة أقوال قال الفراء معناه كمعنى حياك وهو كقولهم بعداً وسحقاً ودخلت الواو لمّا خالف لفظه وقال الأحمر معناه حياك الله وبوأك منزلا فتركت العرب الهمز وأبدلوا من الواو ياء ليزدوج الكلام فتكون بياك على مثل حياك وقال أبو زيد وأبو مالك حياك الله وبياك معناه حياك وقربك وقال ابن الأعرابي معناه قصدك بالتحية وقال الأصمعي معنى بياك أضحكك ذهب إلى قول المفسرين وذلك أنهم زعموا أن قابيل لما قتل هابيل مكث آدم سنة لا يضحك فأوحى الله إليه حياك الله وبياك قال وما بياك قال أضحكك فضحك. وأنشد ابو محمد للحذلمي شاهدا على أن بياك اعتمدك:
باتت تبيا حوضها عكوفا ... مثل الصفوف لاقت الصفوفا
وأنت لا تغنين عني فوفا ... ثم تقول أعطني التشريفا
يصف الإبل ومشيها إلى الحوض لتشرب شبهها بالصفوف من الناس التي تلقى مثلها وقوله وأنت يعني امرأته لا تغنين عني فوفا وذلك أن تسأل رجلا فيقول بظفر إبهامه على ظفر سبابته ولاذا ومنه الفوف وهو البياض في أظفار الأحداث يقول وأنت لا تعينيني على عمل بشيء مما أحتاج إليه ثم تريدين أن أمدحك وأشرفك من غير استحقاق والتشريف ذكرها بالجميل ومدحها وقوله عكوفا أي عاكفة والعاكف المقبل على الشيء والملازم له قال وأنشد ابن الأعرابي لرويسد الأسدي:
فينا لبيد وأبو محياه ... وعسعس نعم الفتى تبيّاه
لبيدا اسم رجل هو في اللغة الجوالق الصغير. وأبو محياه رجل كنى بماءة في بلاد بني أسد تسمى محياه. وعسعس أيضا اسم رجل يقال هو عسعس بن سلامة وكان مذكوراً في صدر الإسلام ويقع في بعض النسخ ومنه التحيات لله يراد الملك لله قال عمرو بن:
وكل مفاضة بيضاء زغف ... وكل معاود الغارات جلد
أسير به إلى النعمان حتى ... أنيخ على تحيته بجند
(1/114)

أي أسير بهذا الفرس الذي يعاود الغارات إلى النعمان وبهذه المفاضة يقال درع مفاضةٌ وفيوضٌ إذا كانت سابغة وجند موضع وتحيته ملكه.
وقولهم " ما به حبض ولا نبض " يروى حبض ونبّض وإلا كثر التحريك والمسكن مصدر والمحرك اسم ومعناها التحرك يقال حبض القلب يحبض حبضاً إذا ضرب ضرباً شديداً وكذلك العرق يحبض ثم يسكن وهو أشد من النبض ويقال حبض الشيء نقص حبضاً ومنه سهم حابض إذا سقط بين يدي الرامي ويقال من النبض نبض ينبض نبضاناً وهو تحركه وربما أنبضته الحمى وغيرها من الأمراض ومنبض القلب حيث تراه ينبض وحيث تجد همس نبضاته.
وقولهم " ما له سبد ولا لبدٌ " أي ماله ذو شعر ولا ذو وبر متلبد ولهذا سمى المال سبداً وقال الأصمعي ماله سبد ولا لبداي ماله قليل ولا كثير وقال غيره السّبد من الشعر واللبد من الصوف. وقوله " هم بين حاذف وقاذف " معناه أنهم في شر ومكروه عظيم والحذف الرمي بالعصا والخذف بالخاء الرمي بالحصى الصغار بأطراف الأصابع والقذف يكون بالسهم والحصى والكلام وغير ذلك. وقوله " هو جائع نائع " اختلفوا في النوع فقال بعضهم هو الجوع وقال بعضهم هو العطش قال وهو بالعطش أشبه لقول العرب هو جائع نائع فلو كان الجوع نوعا لم يحسن تكريره وقيل إذا اختلف اللفظان جاز التكرير والمعنى واحدٌ وقال ابن الأنباري أكثر أهل اللغة أن النائع الجائع وقيل لابنة الخسّ ما أحدٌ شيء قالت ضرس جائع يقذف في معي نائع وقيل هو اتباع كحسنٍ بسنٍ وأنشد أبو محمد على العطشان:
لعمر بني شهاب ما أقاموا ... صدور الخيل والأسل النياعا
الأسل الرماح وقيل أطراف الأسنة والنياع العطاش إلى الدماء.
وقوله " ما ذقت عنده عبكة ولا لبكة " أصل العبك خلطك الشيء والعبكة قطعة من سويق وقيل العبكة ما يتعلق بالسقاء من الوضر ويقال هي الشيء الهين واللبك جمعك الثريد لتأكله واللبكة اللقمة منه.
وقوله " لا يدالس ولا يوالس " قال ابن الأنباري معناه لا يخلط قال الشاعر:
(1/115)

هم السمن بالسنوات لا ألس فيهم
أي لا تخليط فيهم والسنوت الكمون وقيل الشبت وقيل الرازيانج وقيل العسل.

باب ما يستعمل من الدعاء في الكلام
" أرغم الله أنفه " قال الأصمعي الرغم كل ما أصاب الأنف مما يؤذيه ويذله والرغم أيضا المساءة والغضب يقال فعلت كذا على رغمه أي على مساءته وغضبه وقال ابن الأعرابي وأبو عمر ومعنى أرغم أنفه أي عفره بالرغام وهو تراب يخلط فيه رمل. وقولهم " قمقم الله عصبه " معناه قبض عصبه وجمع بعضه إلى بعض وضمه أخذ من القمقام وهو الجيش يجتمع من ههنا وههنا حتى يكثر وينضم بعضه إلى بعض والقمقام البحر أيضاً منه والقمام السيد لأن قومه ينضمون إليه والقمقام صغار القردان لأن خلقه منضم بعضه إلى بعض قال الحربي معنى قمقم الله عصبه سلط عليه القردان. وقولهم " استأصل الله شأفته " قيل في معناه ايضا أن الشأفة الأصل. وفي قولهم " اسكت الله نأمته " أن النأمة عرق في شواة الرأس. وقوله " أباد الله خضراءهم " أي سوادهم الخضرة عند العرب السواد يقال الليل أخضر لسواده وإنما قيل للأسود أخضر لأن الشيء إذا اشتدت خضرته رئي أسود وقال أحمد بن عبيد يقال أباد الله خضراءهم وغضراءهم معناه جماعتهم. ويقال في قولهم " بالرفاء والبنين " أنه مأخوذ من رفوت الرجل إذا سكّتّه قال الهذلي:
رفوني وقالوا يا خويلد لم ترع
وقوله " مرحبا وأهلا " قال الفراء هو منصوب على المصدر وفيه معنى الدعاء كأنه قال رحب الله بك مرحبا وأهلك أهلا والرحب والرّحب السّعة وسميت الرّحبة لاتساعها.

باب تأويل كلام من كلام الناس مستعمل
قولهم " حلب الدهر أشطره " كأنه استخرج درّة الدهر في حلبة لطول تجربته
(1/116)

وهي بدل من الدهر بدل الاشتمال والتقدير حلب أشطر الدهر. وقولهم " أخذ الشيء برّمته " فيه قولان أحدهما أن الرّمة في هذا الموضع قطعة حبل يشدّ بها الأسير وذلك أنهم كانوا يشدون الأسير فإذا قدموه ليقتل قالوا أخذناه برمته أي بالحبل المشدود به ثم استعمل في غير هذا والقول الآخر قد ذكره ابو محمد وأنشد للأعشى بيتا قبله:
تنخّلها من بكار القطاف ... أزيرق آمن أكسادها
كحوصلة الرأل في دنها ... إذا اجنئت بعد أقعادها
فقلت له هذه هاتها ... بأدماء في حبل مقتادها
تنخلها أي تخير هذه الخمرة. وألازيرق الخمار وجعله أزرق لأنه كان علجا. وبكار القطاف أوله حين يقطف فيعصر أراد أول الخمر. وقوله آمن أكسادها يقول قد علم أنها جيدة فهو لا يخاف كسادها يقال أكسد الرجل إذا كدت سوقه وشبهها بحوصلة الرأل لحمرتها والرأل فرخ النعامة وحوصلته حمراء. ويقال بل أراد أن السنين أتت عليها فقللتها حتى اجنئت أي أضحت وأميلت بعد ما كانت منتصبة وهو إقعادها فقلت له أي للخمار هذه هاتها أي يعني هذه الخمرة فإني لا أريد غيرها. بأدماء أي بناقة أدماء وهي الصادقة البياض السوداء الأشفار والذكر آدم وفي الظباء الحمراء وفي الناس السمراء ومقتادها عبدها الي يقودها ويروي هاتها إلينا بأدماء مقتادها أي بالتي يقتاد عبدها الذي يقودها ويروي هاتها إلينا بأدماء مقتادها أي بالتي يقتاد صاحبها مثلها كما تقول امرأة حاطبها وجارية طالبها أي بالتي يطلب مثلها ويقال في قولهم " مابه قلبةٌ " أنه داء يصيب الإبل في رؤوسها فتقلبها إلى فوق. وأنشد أبو محمد لحميد بن ثور وذكر فرسا:
لا رحح فيها ولا اصطرار ... ولم يقلب أرضها البيطار
ولا لحبليه بها حبار
الرحح سعة الحافر وهو عيب يقال حافر أرحّ إذا كان واسعا والاصطرار ضيقة وهو عيب يقال حافر مصطر إذا كان ضيقا. ولم يقلب أرضها أي قوائمها والبيطار العالم بأحوال الخيل وأدوائها ويقال له ايضا بيطر ومبيطر. وقوله ولا لحبليه بها حبار يقول لم يشدها بحبليه فيؤثرا فيها وحبلاه الزيار والشكال.
(1/117)

وقولهم " فلان نسيج وحده " أي هو واحد في معناه ليس له فيه ثان كأنه ثوب نسج على حدته لم ينسج معه غيره. ووحده منصوب في جميع كلام العرب إلا في ثلاثة مواضع نسيج وحده وعيير وحده وجحيش وحده وهما ذم يراد بهما رجل نفسه لا ينتفع به غيره وهي نكرات وهو في غير هذا منصوب كقولك لا آله إلا الله وحده لا شريك له وفي نصبه ثلاثة أقوال قال قوم من البصريين هو منصوب على الحال وقال يونس وحده عندهم بمنزلة عنده وقال هشام وحده منصوب على المصدر وفعله وحد يحد. وقولهم " لئيمٌ راضع " فيه أربعة أقوال أحدهما أنه الذي رضع اللؤم من ثدي أمّه أي ولد في اللؤم ونشأ فيه وقيل الراضع الذي يأخذ الخلالة من رأس الخلالة فيأكلها بخلا وحرصا على أن لا يفوته شيء وقيل الراضع هو الراعي لا يمسك معه محلبا فإذا جاءه إنسان فسأله أن يسقيه احتج بأنه لا محلب معه وإذا أراد هو الشرب رضع الناقة والشاة والوجه الرابع الذي ذكره. وقولهم " وضع على يدي عدل " هو العدل بن جزء بن سعد العشيرة وفي الكتاب هو العدل بن فلان وأخبرت عن محمد بن سعد أنه قال إنما سمي سعد العشيرة لأنه طال عمره وكثر ولده فكان ولده وولد ولده ثلاثمائة رجل فكان يركب فيهم فيقال من هؤلاء معك يا سعد فيقول عشيرتي مخافة العين عليهم فقيل سعد العشيرة. وقولهم " برح الخفاء " يقال برح الخفاء من قولهم ما برحت من مكاني أي ما زلت ومن قال برح أراد انكشف وزال الخفاء وأول من قاله شقّ الكاهن. وقولهم " لا تبلم عليه " فيه قولان أحدهما الذي ذكره وهو قول الأصمعي والثاني هو تفعّل من الأبلمة وهي خوصة المقل والمعنى لا يجمع عليه أنواع المكروه كجمع الخوصة لبقل وفي الأبلمة ثلاث لغات أبلمةٌ وأبلمةٌ وابلمة. وقولهم " طعنه فقطره " إذا ألقاه على أحد قطريه فإن ألقاه على وجهه قيل قحطبه وإن ألقاه على رأسه قيل نكته وإن ألقاه على قفاه قيل نكته وإن ألقاه على قفاه قيل سلقه وسلقاه وأنشد أبو محمد عن أبي زيد:
قد أركب الاله بعد الآله ... وأترك العاجز بالجداله
منعفراً ليست له محاله قوله الآله بعد الآله أي الحالة بعد الحالة والمنعفر المتلطخ بالعفر وهو التراب. والمحالة ههنا الحيلة. وقوله " بكى الصبيّ حتى فحم " مصدره الفحم
(1/118)

والفحم والفحم. وقولهم " غضب واستشاط " يجوز أن يكون من شاط إذا هلك كأنه احتدّ حتى أشرف على الهلاك قال الأعشى:
قد نطعن العير في مكنون فائله ... وقد يشيط على أرماحنا البطل
وقد يجوز أن يكون معنى استشاط هلك حلمه ومنه الغضب غول الحلم وسمى الشيطان لأنه يشيط بقلب ابن آدم أي يميل فقولهم غضب واستشاط يجوز أن يكون أيضا من الميل عن الحق والجور عنه إذا كان غضبه فيما لا يرضى فإن كان الغضب في حق فمعنى استشاط أي حاد عن طبعه الذي كان عليه. وقولهم " عدا فلان طوره " إذا افتخر فوق مقداره وادعى رتبة ليس لها وذلك أن الطوار فناء الدار وليس لأحد حقٌ ما عدا فناءه والطور في غير هذا الحال. وقيل في قولهم " أمر لا ينادي وليده " قال ابن الأعرابي معناه أمر كامل ما فيه خلل ولا اضطراب قد قام به الكبار فاستغنى بهم عن نداء الصغار وقال الفراء هذه لفظة تستعملها العرب إذا أرادت الغاية وأنشد:
لقد شرعت كفّا يزيد بن مزيد ... شرائع جود لا ينادى وليدها
وقوله وقال أبو العميثل العميثل الرجل الطويل وقيل الأسد. وقولهم " لكل ساقطة لاقطة " معناه لكل كلمة ساقطة أي يسقط بها الإنسان لاقط أي متحفظ لها فكان يجب أن يقال لكل ساقطة لاقط أي لكل كلمة خطأ متحفظ لها فأدخلت الهاء في اللاقطة ليزدوج الكلام كما قالوا أني لآتيه بالغدايا والعشايا وقال الفراء العرب تدخل الهاء في نعت المذكر في المدح والذم للمبالغة يذهبون في المدح إلى معنى الداهية وفي الذم إلى معنى البهيمة ولم يقل هذا غير الفراء ومن أخذ بقوله. وقولهم " على ما خيّلت " معناه على ما أرت الحال وشبهت فأضمر الحال ولم يجر لها ذكرٌ لعلم المخاطب بها كما قال تعالى " حتى توارت بالحجاب " يعني الشمس فاضمرها ولم يجر لها ذكر. ويقال معنى قولهم على ما خيّلت أي ما أرتك نفسك أنه الصواب ويقال على ما تخيلت وخيلت هو الكلام الجيد والأصل فيه من قولهم خيلت السحابة وتخيلت إذا أرت مخيلة المطر والمخيلة نفس السحابة فإذا أردت الفعل قلت
(1/119)

مخيلة والفعل منه خالت وأخالت وأخيلت وتخيلت. وقولهم " تركته يتلدد " معناه بقي متحيرا ينظر مرة إلى هذا اللديد ومرة إلى هذا اللديد وقال الأصمعي هو مأخوذ من لديدي الوادي وهما جانباه ومن ذلك اللدود وهو ما سقيه الإنسان في أحد شقي الفم وقولهم " كبر حتى صار كأنه قفة " اشتقاق القفة من تقفف أي تقبّض واجنمع يقال استقفّ الشيخ إذا انضم وتشنّج وقال بعضهم القفة شجرة مستديرة ترتفع من الأرض قدر شبر وتيبس فيشبّه بها الشيخ إذا عسا فيقال كأنه قفة قال أبو بكر بن الأنباري وجائز أن يشبه الشيخ بقفة الخوص. وقولهم " خبيثٌ داعر " الداعر الخبيث الفاجر يقال دعر الرجل دعراً إذا كان يسرق ويزنى ويؤذي الناس وهو الدّعار أيضا فهو بالدال وأما الذاعر بالذال معجمة فالمفرغ يقال قد ذعرت الرجل إذا أفزعته، وقولهم " مائة ونيف " النيف وزنه فيعل ولا يجوز تخفيفه لعلتين أحداهما أن المخفف من المشدد إنما يستعمل فيما يستعملونه ولا يجعل قياسا والأخرى أن الميت والهين كثر استعماله وهذا قل استعماله لأن كل شيء معلوم أنه يموت من جماد وحيوان يقال مات الثوب بلي وماتت الأرض لم تنبت وليست كل مائة تزيد ولو قيل لجاز وقد خففت النية فقالوا النية. وقال أبو العباس الذي حصلنا من كلام حذاق البصريين والكوفيين أن النيف من واحد إلى ثلاث والبضع من أربع إلى تسع ولا يقال نيّفٌ إلا بعد كل عقد. قال أبو محمد وقولهم " لاجرم " قال الفراء هي بمنزلة لا بد ولا محال ثم كثرت في الكلام حتى صارت كقولك حقاً واصله من جرمت أي كسبت قال الشاعر هو أبو أسماء بن الضريبة.
ولقد طعنت أبا عينة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
جرمت معناه كسبت وهو يتعدى إلى مفعولين كما أن كسبت كذلك ففزارة المفعول الأول وأن تغضبوا المفعول الثاني قال أبو عبيدة معناه أحقّت الطعنة لعم الغضب وروى قوم فزارة الغضب وحقيقة معنى لا جرم أن لا نفي لكلام وجرم بمعنى كسب وقولع تعالى " لا جرم أنهم في الآخرة " لا نفي لما ظنوا أنه ينفعهم فردّ ذلك فقيل لا ينفعهم ذلك ثم ابتدئ فقيل " لاجرم أنهم في الأخرة هم الآخرون " أي كسب ذلك العمل لهم الخسران وفي لا جرم ست لغات لا جرم أنك محسن وهي لغة أهل الحجاز ولا جرم أنك محسن بضم الجيم وتسكين الراء وبنو فزارة يقولون لا جرانك محسن وبنو عامر يقولون لا جرم أنك قائم ويقال لا إن ذا جرم إنك عمرو لا جرم أن لهم
(1/120)

النار على وزن لا لا كرم. قال أبو محمد وكان الدليل بالفلاة ربما أخذ التراب فشمه ليعلم أعلى قصدٍ هو أم على جور ثم كثر ذلك حتى سمعوا البعد مسافة وأنشد لرؤية:
تنشّطته كل مغلاة الرهق ... مسودة الأعطاف من وشم العرق
مضبورة قرواء هر جاب فنق ... مائرة الضبعين مصلات العنق
إذا الدليل استاف ألاق الطرق يصف ناقة والنّشط سرعة المشي يقول رمت بيديها ثم ردتها سريعاً إلى صدرها أي أسرعت المشي في هذا المهمه. والهاء في تنشطه راجعة إلى المهمة وأصل النشط الجذب. والمغلاة السريعة السير من الغلو وهو بعد الخطوة ويقال المغلاة الناقة التي تغلو في سيرها والوهق من المواهقة وهو التباري في السير مع المواظبة عليه. والأعطاف الجوانب الواحد عطف. يقول جهدت هذه الناقة جتى عرقت فبقي أثر عرقها أسود كالوشم ويقال أن الناقة إذا وردت لخمس عرقت عرقا خاثرا كالزفت. والمضبورة هي المجموع بعضها إلى بعض الموثوقة الخلق ومنه إضبارة الكتب والقرواء الطويلة القرى وهو الظهر ولا يكاد يقال للذكر أقرى والهر جاب الطويلة على وجه الأرض الضخمة الوثيقة الخلق والفنق الكثيرة واللحم وامرأة فنقٌ أي مفتّقة منعمة. ومائرة الضبعين أي مترددتهما. والضبعان العضدان. والمصلات السهلة العنق أي ليست بكثيرة لحم العنق ولا بكثيرة الشعر. وأخلاق الطرق البعيدة القديمة الواحد خلقٌ وهي الطرق التي لا يسار فيها لقدمها. يقول هذه الناقة تهتدي في هذا الموضع الذي يضل فيه الدليل وتسرع فيه السير. وإنما يقصد بشم التراب رائحة الأبوال والأبعار فيعلم بذلك أنه مسلوك.
ومن المنسوب قول أبي محمد " القطا كدرى نسب إلى معظم القطا وهي كدرٌ وكذلك القمري منسوب إلى طير دبس " ليس بصحيح عندهم لأن الجمع لا ينسب إليه إذا لم يسم به والصحيح أنه منسوب إلى القمرة والدبسة والكدرة. وقوله: " والحداد هالكي لأن أول من عمل الحديد الهالك بن عمرو " وقيل إنما سمي الحداد بذلك لأنه يتهالك على الحديد إذا حلاه ومنه سميت الفاجرة هلوكا لتثنيها في مشيها.
(1/121)

باب أصول أسماء الناس المسميين بالنبات
قال أبو محمد ثمامة واحدة الثمام وهو شجر له خوص وأنشد لعبيد ابن الأبرص:
عيّوا بأمرهم كما ... عيت ببيضتها الحمامه
جعلت لها عودين من ... نشمٍ وآخر من ثمامه
يمدح حجر بن عمرو والد امرئ القيس والضمير في عيّوا يعود إلى بني أسد وكان حجر مالك بن أسد أي لم يدروا كيف يصنعون بأمرهم كما لم تدر الحمامة كيف تصنع ببيضتها وذلك أن الحمامة تضع بيضتها بين عودين رخو وصلبٍ فهو على خطر ويروى برمت بنو أسد. والنشم شجر يتخذ منه القسى يوصف بالصلابة. والثمام خيطان صغار العيدان دقاق تأكله الإبل والغنم.
قال أبو محمد شقفرة واحدة الشقر وهو شقائق النعمان وأنشد:
وهم ماهم إذا ما لبسوا ... نسج داود لبأس محتضر
وتساقى القوم كأساً مرة ... وعلا الخيل دماء كالشقر
ما استفهام على سبيل التعجب أي شيء هم إذا لبسوا الدروع وحضروا الحرب. والبأس الحرب والشدة وما يخاف. والمحتضر الحاضر والكأس المر ما يتجرعونه من الحتوف. وعلا الخيل أي ألبستها دماء من كثرة الجراحات ويروى وعلى الخيل بالجر على أن يكون على حرفا وشبّه الدماء بالشقر لحمرة الدم. وقول أنسٍ كنّاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقلة كنت أجتنيها وكان يكنى أبا حمزة. الحمزة في الطعام شبه اللذعة والحرارة وكذلك الشيء الحامض إذا لذع اللسان وقرصه فهو حامز ورمانة حامزةٌ فيها حموضة. والبقلة التي جناها أنس كان فيها لذع للسان فسميت البقلة حمزةً بفعلها.
وفي المسمين بأسماء الطير سعدانة الحمامة. والسعدانة كركرة البعير واسم شجرة وجمعها السعدان وهي أيضا العقدة في أسفل الميزان.
(1/122)

المسمون بأسماء السباع قال أبو محمد " حيدرة الأسد ". ابن الأعرابي الحيدرة في الأسد مثل الملك في الناس وسمى بذلك لغلظ عنقه وقوة ساعده ومنه غلام حادرٌ إذا كان ممتلئ البدن شديد البطش والياء زائدة وقال أبو زيد الحيدرة الهلكة يقال رماه الله بالحيدرة أي بالهلكة. وأنشد أبو محمد لعلي رضي الله عنه ولم يختلف الرواة أن هذه الأبيات لعلي:
أنا الذي سمتني أمي حيدره ... رئبال آجام شديد القصره
أكيلكم بالصاع كيل السندره الرئبال ها هنا الأسد وقد يوصف به الذئب واللص والآجام جمع أجمة وهو موضع القصب. والقصرة أصل العنق. والسندرة مكيال كبير. وخص الأم بالتسمية لأن أبا طالب غاب عن مولده فسمته أمه بذلك فلما رجع سماه عليا. وقوله " هيصم الأسد " أخذ من الهصم وهو الكسر يقال هصمه وهزمه إذا كسره وهو الهصمصم أيضا وقال الأصمعي الهيصم الغليظ الشديد. وقوله " نهشل الذئب " قيل إنه مأخوذ من النهش واللام زائدة وقال ابن الأعرابي نهشل إذا عضّ إنسانا تجمشا ونهشل إذا أكل أكل الجائع. وقوله " كلثوم الفيل " سمي بذلك لاستدارة وجهه والكلثمة استدارة الوجه مع كثرة اللحم.
المسمون بأسماء الهوام قال أبو محمد " شبت دابة تكون في الرمل " وأنشد لساعدة بن جؤية بيتا قبله:
فلم ينتبه حتى أحاط بظهره ... حسابٌ سربٌ كالجراد يسوم
فورّك لينا لا يثمثم نصله ... إذا صاب أوساط العظام صميم
ترى أثره في صفحتيه كأنه ... مدارج شبثانٍ لهن هميم
الهاء في ينتبه تعود إلى ولد امرأة شبه وجده بها في قوله:
وما وجدت وجدي بها أمّ واحد ... على الناي شمطاء القذال عقيم
لم ينتبه لم يشعر وأحاط بظهره أتاه من ورائه. سرب قطيع رجال هاهنا.
(1/123)

ويسوم يمرّ مراً سهلاً يعني القطيع حساب عدد رجال. وورك حمل عليهم سيفا لينا يقال ورك فلان ذنبه على فلان أي حمله عليه ويقال وركه حرّفه بعض التحريف ويقال صيره على جانبه الأيسر فهو يقع على الورك لا يثمثم لا يتعتع ولا يرد نصله ويقال مصممّ وأثره فرنده والشبثان واحدها شبث وهي دابة كبيرة الأرجل صفراء رأسها ثلثاها وهي شبيهة بالعقربان تخرج في بعض الليل تدب وقال الباهلي هو دخال الأذن. وصفحتاه جانباه والمدارج جمع مدرج وهو الممشى.
وقوله " الذر جمع ذرة وهي أصغر النمل وبه سمي الرجل ذرا " يجوز أن يكون سمي به ويجوز أن يكون سمي مصدر ذر البقل إذا طلع وكذلك الشمس وذررت الشيء المسحوق إذا أخذته بأطراف أصابعك ونثرته. والفرعة القملة العظيمة والفرعة أيضا أعلى الجبل وفريعة تصغير واحدة منهما.
المسمون بالصفات وغيرها ابن القرّيّة هو أيوب بن زيد بن قيس والقرية أمه وهو من بني هلال بن ربيعة بن زيد مناة بن عامر وكان لسناً خطيباً وكان مع الحجاج فقتله بسبب اتهمه فيه بميل إلى ابن الأشعث. وقال أبو محمد " الحوفزان فوعلان من حفزه يقال أنه سمي بذلك لأن بسطام بن قيس حفزه بالرمح حين خاف أن يفوته فسمى بتلك الحفزة الحوفزان " وأنشد:
ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة سقته نجيعا من دم الجوف أشكلا هكذا الرواية عنه وهو سهو والصحيح أن الذي حفزه قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر في يوم جدود وكان من حديثه فيما بلغنا عن أبي عبيدة قال عز الحوفزان وهو الحارث بن شريك فأغار على من بالقاعة من بني سعد بن زيد مناة فأخذ نعما كثيرا وسبى نساءً فيهن الزرقاء من بني ربيع بن الحارث فأعجب بها وأعجبت به فلما انتهى إلى جدود ومنعتهم بنو يربوع بن حنظلة ان يردوا الماء ورئيسهم عتيبة بن الحارث ابن شهاب فقاتلوهم فلم تكن لغزى بكربهم يدان فصالحوهم على أن أعطوا بني يربوع بعض غنائمهم وجلال تمر زعمت بكر أنهم أصابوهن من بني سعدٍ على أن يخلوهم وورد الماء فقبلوا
(1/124)

ذلك وأجاروهم فبلغ ذلك بني سعد فقال قيس بن عاصم في ذلك:
جزى الله يربوعا بأسوأ سعيها ... إذا ذكرت في النائبات أمورها
ويوم جدودٍ قد فضحتم أباكم ... وسألمتم والخيل تدمى نحورها
ولما أتى بني سعد الصريخ ركب قيس بن عاصم في أثر القوم حتى أدركوهم بالأشمين فألحّ قيس على الحوفزان وقد حمل الزرقاء خلفه على فرسه ونجابها وكانت فرس قيس إذا أوعست قصرت وتمطر عليها الربذ فلما جدّ ألحقته بحيث يكلم الحوفزان فقال له قيس يا أبا حماد أنا خير لك من الفلاة والعطش فقال الحوفزان ما شاء الربذ فلما رأى قيس فرسه لا تلحقه بالحوفزان نادى قيس الزرقاء فقال ميلي يا جعار فلما سمعها الحوفزان دفعها بمرفقه فألقاها على عجر فرسه وخاف قيس إلا يلحقه إذا خف فرسه فنجله بالرمح في خرابة وركه ولم يقصده وعرج منها ورد قيس الزرقاء إلى بني ربيع قال سوار بن حبان المنقري ونحن حفزنا البيت. الحفز الأعجال يقول أعجلته بطعنة سقته نجيعاً وهو دم الجوف الطري والأشكل الأحمر يخلطه بياض. فأما بسطام بن قيس فهو ابن عم الزبرقان. وكيع هو وكيع بن حسال بن قيس بن أبي سود ويكنى أبا مطرف وكان سيد بن تميم. وحماد عجرد مضاف إلى رجل اسمه عجرد. قتيبة بن مسلم الباهلي ويكنى أبا حفص وهو قتيبة بن مسلم بن عمرو بن حصين بن أسيد بن زيد بن قضاعي ابن هلال بن عمرو بن باهلة وكان مسلم بن عمرو عظيم القدر عند يزيد بن معاوية وكان قتيبة على خراسان عاملا للحجاج ومن قبل ذلك على الريّ ثم خلع فقتل بفرغانة سنة سبع وتسعين. عامر بن فهيرة مولى أبي بكر وكان للطفيل بن الحارث أخي عائشة لامها أم رومان وأسلم عامر فاشتراه أبو بكر وأعتقه وكان وكان ممن يعذّب في الله وكان عامر بن فهيرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة يخدمه وشهد يوم بدر وبئر معونة واستشهد يومئذ رحمه الله. الزبر قان هو حصين بن بدر ابن امرئ القيس ابن خلف بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم رئيس قومه وإنما كان يصفر عمامته لأن سادات العرب كانت تصبغ عمائمها بالزعفران لا يفعل ذلك غيرهم. وقوله إنما سمي مهلهلاً لأنه أول من
(1/125)

وإنما هو من طاء يطاء إذا ذهب في الأرض فهو فيعل من هذا لأنهم انتقلوا عن منازلهم التي كانوا بها وأرضهم إلى أرضين آخر.

باب آخر من صفات الناس
قال أبو محمد " اصطلب الرجل إذا جمع العظام فطبخها ليخرج ودكها فيأتدم به " وأنشد للكميت بن زيد الأسدي ويكنى أبا المستهل:
واحتل برك الشتاء منزله ... وبات شيخ العيال يصطلب
يصف شدة الزمان وجدبه واحتل وحل واحد والبرك والبركة الصدر يريد ذلك معظم الشتاء وإذا اشتد البرد أجدبت البادية وقل الطعام فيها وأحتاج صاحب العيال إلى الاحتيال. وأنشد أبو محمد لأبي خراش واسمه خويلد بن مرة الهذلي بيتا قبله:
كأني إذ عدوا ضمنت رحلي ... من العقبان خايته ظلوباء
جريمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا
بزه سلاحه يقول كأني إذ عدوا إلى الغارة ضمنت بزى أي ركبت فرسا كالعقاب والجريمة الكاسبة والناهض فرخها والنيق أرفع موضع في الجبل وثم يكون وكر العقاب يقول ترى لعظام ما جمعت من صيدها عند وكرها صليبا أي ودكا والخايتة العقاب يقال خاتت العقاب إذا انقضت يصف سرعة عدو فرسه:

باب معرفة في السماء والنجوم والأزمان والرياح
قال الزجاج السنة أربعة أجزاء لكل ربع منها سبعة أنواء كل نوء منها ثلاثة عشر يوما ويزاد فيها يوم واحد لتكمل أيام السنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوما وهذا ما تقطع به الشمس بروح الفلك كلها فإذا نزلت الشمس يوما من هذه المنازل سترته لأنها تستر ثلاثين درجة خمس عشرة درجة خلفها وخمس عشرة درجة أمامها فإذا انتقلت عنه ظهر فإذا اتفق أن يطلع منزل من هذه المنازل مع الغداة ويغرب رقيبه فذلك النوء وهو مأخوذ من ناء ينوء إذا نهض متثاقلا والعرب تجعل النوء للغارب لأنه ينهض للغروب متثاقلا على ذلك أكثر أشعارها وبعضهم يجعله للطالع وهو مذهب المنجمين لأن الطالع له التأثير والقوة والغارب ساقط ولا قوة وقال الحربي جعلوا النوء للساقط من المغرب
(1/126)

لما كان لا يطالع نجم أبداً إلا بسقوط نظيره نقلوه من الطالع فجعلوه للذي يغرب وهذه المنازل كلها تقطع من المشرق إلى المغرب في كل يوم وليلة مرة وهو دور الفلك ولكن النوء ينسب إلى المنزل الذي يظهر من تحت الشعاع ويتفق طلوعه مع الغداة كما ذكرت لك ولا يتفق ذلك لكل واحد منهما إلا في السنة مرة.
فالربع الأول ابتداؤه في تسعة عشر يوما من آذار وبعضهم يقول في عشرين يوما وفيه إستواء الليل والنهار يطلع يوم العشرين مع الغداة فرغ الدلو الأسفل ويسقط العوا والعرب تنسب نوءه إلأى العوا وهو الغارب وكذلك سائر الأنواء فنذكرها على مذاهبهم والعواء تمد وتقصر وهي خمسة كواكب كأنها ألف معطوفة الذنب ولذلك سميت العواء للانعطاف الذي فيها يقال عويت الشيء إذا عطفته وقال بعضهم سميت العواء كأنها خمسة كلاب تعوي خلف الأسد وهي في برج السنبلة. والثاني السماك وهما سما كان الأعزل والرامح فالأعزل كوكب يقدمه يقال هو رمحه وهو في برج الميزان وسمي الآخر أعزل لأنه لا كوكب معه شبه بالرجل الأعزل وهو الذي لا رمح معه وقيل سمي أعزل لأن القمر لا ينزل به وسمى سماكا لارتفاعه وعلوه وهو اسم خص به ولا يقال لغيره من الأشياء إذا علا سماك والسماك الرامح لا نوء له. والغفر ثلاثة كواكب غير زهر منها كوكبان قدام الزبانيين والزبانيان قرنا العقرب وإنما سمى الغفر من الغفرة وهو الشعر الذي في طرف ذنب الأسد وقيل إنما سمى الغفر لأنهما كأنهما ينقصان بنقصان ضوئها من قولك غفرت الشيء إذا غطيته لأنه لما خفى صار كالمغفرة وقال أبو عبيدة الغفر شعر صغار دون الكبار وريش صغار دون الكبار سمى بذلك لأنه يغطي الجلد لأنه دون ما فوقه والغفر النكس في المرض وسمى النكس غفراً لتغطيته العافية. والزباني كوكبان مقتونان وهما قرنا العقرب وبعضهم يسميها يدي العقرب واشتقاقها من الزبن وهو الدفع لأن كل واحد منهما مرتفع مندفع عن صاحبه غير مقارن له. والإكليل ثلاثة كواكب مصطفة على رأس العقرب فلذلك سميت الإكليل والقلب وهو كوكب أحمر نير وسمى بذلك لأنه في قلب العقرب. والشولة كوكبان مقترنان أحدهما مضيء سمى بذلك لأنه ذنب العقرب وذنب العقرب وذنب العقرب شائل أي مرتفع ومنه يقال شال الميزان أي ارتفع وأهل الحجاز يسمون الشولة الإبرة وهي التي تسميها العامة
(1/127)

أرق الشعر فغير صحيح وأخبرني ابن أيوب بإسناده عن ابن الكلبي أنه قال إنما سمي مهلهلا ببيت قاله وهو:
لما توقل في الكراع هجينهم ... هلهلت أثأر مالكا أو صنبلا
وكان مهلهل جاهليا. قال أبو محمد " حفص زبيل من جلود " لم يسم الرجل حفصاً بالزبيل وإنما سمى باسم الأسد لأنه يدعى حفصا كما يسمى أسداً وبه كني عمر رضي الله عنه قال ثعلب ومدح رجل رجلا فقال " وإن حفصا كحفص الضيغم العادي " قال أراد كحفص فحذف التنوين لالتقاء الساكنين ويقال لولد الأسد حفص. الأخطل سمي بذلك من قولك خطل في كلامه يخطل خطلا إذا كان مضطرب الكلام مفوها لا من الخطل الذي هو استرخاء الأذن كما ذكر أبو محمد. وقريش قيل سميت قريشاً لتقرشها أي لتجمعها إلى مكة من حواليها حين غلب عليها قصي ابن كلاب وقيل سميت قريشا لأنهم كانوا أهل تجارة ولم يكونوا أصحاب ضرع وزرع والقرش الكسب وروى عن ابن عباس أنه قال قريش دابة تسكن البحر وأنشد في ذلك:
وقريش هي التي تسكن البح ر بها سميت قريش قريشا
العاتكة التي قد عتك بها الطيب وقال قوم العاتكة من النساء الطاهرة وقد حكى عتك عليهم بالسيف إذا حمل عليهم وعتك في أمره إذا جد فيمكن أن يكون اشتقاق عاتكة من هذا كله. رؤبة في الكلام خمسة أشياء أخبرنا ابن بندار عن محمد بن عبد الواحد عن أبي سعيد عن ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم قال الأصمعي أخبرني يونس قال كنت في حلقة أبي عمرو بن العلاء فجاء شبيل بن عزرة الضبعي فتزحزح له أبو عمرو وألقى له لبد بغلته فجلس فقال ألا تعجبون من رؤيبتكم هذا سألته عن اشتقاق أسمع لم يدر ما هو قال يونس فما تمالكت إذ ذكر رؤبة أن قمت فجلست بين يديه فقلت لعلك تظن أن معدّ بن عدنان كان أفصح من رؤبة أنا غلام رؤبة ما الروبة والروبة والروبة والروبة والرؤبة قال ثم فسره لنا يونس فقال الروبة الحاجة يقال قمت بروبة أهلي أي بحاجتهم والروبة حمام الفحل يقال أعرني روبة فحلك أي جمامه
(1/128)

الروبة القطعة من الليل والروبة اللبن الحامض يصبّ على الحليب حتى يروب والرؤبة مهموزة القطعة من الخشب يرقع بها العسّ أو القدح وأنشد أبو محمد لبشر بن أبي خازم الأسديّ بيتا قبله:
ويوم النسار يوم الجفار ... كانا عذابا وكانا عراما
فأما تميم تميم بن مر ... فألفاهم القوم روبى نياما
يوم النسار يوم لبني أسد والنسار موضع وقعة كانت لبني أسد على بني تميم والجفار موضع وقعة بين بني أسد وتميم أيضاً وقال الأصمعي الجفار ليست بموضع ولكنها إبلٌ غزارٌ ذهب بها إلى مكان فسمى ذلك المكان بها والعرام الشر الدائم وألفاهم وجدهم على هذه الحال وقوله روبى أي ناعسون الواحد رائب مثل مائق وموقى في قول الأصمعي وأبي عبيدة وقال غيرهما الواحد أروب مثل أحمق وحمقى ويقال الواحد روبان مثل كسلان وكسلى وقال ابن الأعرابي العرب تقول أكل حتى شبع وشرب حتى روى ونام حتى راب ومثل روبى نياما في أنهما بمعنى واحد قوله الآخر: وألفى قولها كذبا وميتا وقوله وروى نقلة الأخبار إن طيئا أول من روى المناهل فسميت بذلك هذا قول ابن الكلبي ونسبوا إلى طيء بيتا قدروي لغيره وهو:
فإن الماء ماء أبي وجدي ... وبئري ذو حفرت وذو طويت
وطويت لا همز فيه وقد يجوز أن يقال لما اجتمعت الياءات فروا إلى الهمز وذلك إنهم إذا بنوا فيعلا من طوى اجتمعت ثلاث ياءات إحداها الواو المنقلبة عن الياء فليس همزهم في هذا الموضع أبعد من سيد إذا قالوا سيايد وقال بعض أهل اللغة طيءٌ مأخوذ من طاء في الأرض إذا ذهب فيها قال المعمري اشتقاقه من قولهم للماء والطين المختلط طاءة على فعله والألف بدل من ياء أو واو فإذا بنيت فيعلا منه صار طيئاً وسواء كانت فيه الألف ياء أو واو لأن ياء فيعل تسبق الواو بالسكون أو الياء فتصر ياء منقلبة وسموا بذلك لأن أرض أرض مياه وط قال المبرد سألت الناس عن طيّيء مم اشتق فلم يحسنوه قال
(1/129)

حمّة العقرب وإنما الحمة السم. فهذه السبعة أنواء الربيع.
والربع الثاني الصيف وأول أنوائه النعائم وهي ثمانية كواكب زهر مضيئة أربعة منها في المجرة وتسمى الواردة وأربعة خارجةٌ منها تسمى الصادرة وسميت النعايم تشبيها بالخشبات التي تكون على البئر أربعٌ كذا وأربعٌ كذا أي كهيئة الخشب الذي على البئر تعلق فيه البكرة والدلاء. والثاني من أنواء الصيف البلدة ليست بكوكب وإنما هي فرجة بين النعايم وسعد الذابح خالية من النجوم ينزل بها القمر فعدت مع النجوم التي هي منازل القمر وإنما سيمت البلدة تشبيها بالفرجة بين الحاجبين الذين هما غير مقرونين يقال رجل أبلدٌ إذا كان مفترق الحاجبين. والثالث سعد الذابح وهو كوكبان صغيران أحدهما موتفع في الشمال والآخر هابط في الجنوب مع الشمالي وهو الأعلى منهما كوكب صغير يقال أن ذلك الكوكب شاته التي تذبح وبين الكوكبين قدر ذراع في مرآة العين وهو من نحوس المنازل. والرابع سعد بلع وهو كوكبان صغيران مستويان في المجري وسمى بلع لأن الذابح معه كوكب بمنزلة شاته وهذا لا كوكب معه كأنه قد بلع شاته وقيل سمى بلع لأن بين الكوكبين قدر زراع برأي العين فصورته صورة فم مفتوح ليبلع وهو غير مصروف لأنه معدول عن بالع كعمر معدول عن عامر وسعد مضاف إلى بلع وقيل سمى بلع لأنه طلع حين قال الله تعالى " يا أرض أبلعي ماءك " وسعد السعود ثلاثة كواكب أحدهما أنور من الآخرين سمى سعد السعود لأن طلوعه يقع عند انكسار الحر وابتداء الأمطار ورعى الماشية وهو وقت ابتداء ما به يعيش الناس وسائر الحيوان من النبات والزرع واستكمال بلوغه وسعد الأخبية كوكبان عن شمال الخباء والأخبية أربعة كواكب واحد منها في وسطها يسمى الخباء لأنه على صورة الخباء وقيل سمى سعد الأخبية لأنه إذا طلع خرجت حشرات الأرض وهوامها من حجرتها جعلها لها كالأخبية. وفرغ الدلو الأعلى وبعضهم يسميه عرقوة الدلو العليا وهما كوكبان أزهران مفتوقان سميا عرقوةً تشبيهاً بعراقي الدلو وسيما فرغا لأن فيهما تأتي الأمطار الكثيرة وقيل سميا بذلك لأنهما على صورة صليب الدلو.
الربع الثالث الخريف وأول أنوائه فرغ الدلو الأسفل ويقال عرقوة الدلو
(1/130)

السفلى وصورته كوكبان مضيئان مفترقان يتبعان عرقوه الدلو العليا وإنما سمى بذلك لأنه ابتداء المطر. والحوت وهو كوكب أزهر نيّر يسمى قلب السمكة وهو في وسط السمكة مما يلي رأسها وصورة السمكة التي في المجرى كواكب تنفرج من فم السمكة فلا تزال تتسع كالحبلين إلى وسطها ثم لا تزال تنظم إلى ذنبها. الشرطان وهما كوكبان مفترقان مع الشمالي منهما كوكب أصغر منه سمي شرطين لأنهما كالعلامتين لأن سقوطهما علامة ابتداء المطر يقال أشرط نفسه أي أعلمها علامة يعرف بها وبه سمي الشّرط. البطين ثلاثة كواكب متقاربة طمس غير نيّرات وهو تصغير بطن والبطن مذكر سمي بذلك لأنه بطن الحمل. الثريا وهي ستة كواكب مجتمعة طمس سميت بذلك لأن مطرها تكون منه الثروة والغنى وهي تصغير ثروى ولم تستعمل في كلامهم إلا مصغرة لم ينطق بمكبرها. والدّبران كوكب أحمر يبرق وبعضهم يسميه الفنيق وتسمى الكواكب الصغار التي بينه وبين الثريا القلاص وبعضهم يسميه الراعي وسم الدبران لأنه دبر الثريا والثريا تسمى النجم. والهقعة ثلاثة كواكب متقاربة صغار وهي رأس الجوزاء وصورتها كأنها أثر ثلاثة أصابع في تراب ندٍ كأنك جمعت بين السبابة والأبهام ونكتَّ بأطرافها في الأرض وسميت الهقعة تشبها بهقعة الدابة وهي دائرة تكون عند رجل الفارس في جند الدابة.
والربع الرابع من أجزاء السنة وهو فصل الشتاء أول أنوائه الهنعة وهي كوكبان أبيضان مقترينان في المجرى بين الجوزاء والذراع المقبوضة وسميا هنعة من قولك هنعت الشيء إذا عطفته وثنيت بعضه على بعض فكأن كل واحد منهما منعطف على صاحبه. الذراع ذراع الأسد المقبوضة وهما كوكبان نيّ؟ ران بينهما كواكب صغار يقال لها الأظفار لأنها في مواضع مخالب الأسد فلذلك قيل لها الأظفار وإنما قيل لها الذراع المقبوضة لأنها ليست على سمت الذراع الأخرى هي مقبوضة عنها. النثرة لطخة صغيرة بين كوكبين وهي بين فم الأسد ومنخريه فكأنها مخطة الأسد لأنها كقطعة من سحاب ويجوز أن تكون سميت نثرة لأنها كأنها قطعة من سحاب نثرت. الطرف كوكبان صغيران مفترقان بينهما قدر قامة للناظر وسمي الطرف لأنهما عينا الأسد. الجبهة أربعة كواكب فيها عوج وأحدهما برّاق وهو الثاني منها وسمكيت بذلك لأنها جبهة الأسد
(1/131)

ويسمى هذا النوء أيضاً نوء الأسد. والزّبرة كوكبان نيران سميا بذلك لأنهما موضع زبرة الأسد وهو موضع الشعر الذي بين كتفيه ويقال لهما الخراتان من الخرت وهو الثقب كأنهما ينخرتان إلى جوف الأسد أي ينفذان إليها وقال بعضهم إنمكا سميا الخراتين لأنهما في عجز الأسد وهذا غلط لأن رأى العين تدركهما في موضع زبرة الأسد. الصّرفة كوكب أزهر عنده كواكب طمس سميت بذلك لإنصراف البرد بسقوطه.
ومن الناس من يجعل الربع الأول ابتداؤه لثلاثة وعشرين تمكضي من أيلول وعند ذلك يستوي الليل والنهار وهو نوء فرغ الدلو الأسفل.
" ذكر كل نجم ورقيب " الشرطان رقيبه الغفر البطين رقيبه الزباني الثريا رقيبها الأكليل الدبران رقيبه القلب الهقعة رقيبها الشولة الهنعة رقيبها النعايم والذراع رقيبها البلدة النثرة رقيبها سعد الذابح الطرف رقيبه سعد بلع ورقيب الجبهة سعد السعود ورقيب الخراتين سعد الأخبية ورقيب الصرفة عرقوة الدلو العليا وبعضهم يسميه فرع الدلو الأعلى ورقيب العواء عرقوة لدلو السفلى ورقيب السماك الحوت.
وقوله وثلاثة النفل إنما سميت نفلا لأن الغزر كانت الأصل وصارت زيادة النفل زيادة على الأصل وقيل لأن القمر يزيد فيها مشتق من النفل وهو الزيادة والعطية ويوضع موضع قوله ثلاثة ظلم ثلاثة خنس لأن القمر يخنس فيها أي يتأخر طلوعه وقيل فيها أيضاً نحس لأن القمر ينحس فيها أي يمحق وأما الدّأدئ فهو مأخوذ من الدّأداة من عدو البعير وهو أن يقدم يده ثم يتبعها الأخرى سريعا ففي هذه الثلاث النفل مكث القمر حتى تكون غيبوبته تقرب من طلوعه جداكما يسرع اتباع يد البعير يده التي يقدمها.
قال أبو محمد وكل من أتاك ليلا فقد طرقك وأنشد لهند ابنة عتبة:
نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق
إن تقبلوا نعانق ... أو تدبروا نفارق
فراق غير وامق قالت هذه الأبيات يوم أحد تحضض قريشاً على القتال أرادت نحن بنات
(1/132)

ذي الشرف في الناس كأنه النجم في علّو قدره والنمارق جمع نمرقة وهي الوسادة والوامق المحب. وقوله إياه الشمس ضوءها إياة وزنها فعلةٌ وأصله إيوة ويقال أياء الشمس بغير مفتوح ممدود وإياً بكسر الهمزة وبغير تاء مقصورٌ كل ذلك جائزٌ.
وقوله " الرياح أربع الشمال وهي تأتي من ناحية الشام " صفة في الأصل وليس باسم وكذلك الجنوب وسميت شمالاً لأنها تهبّ عن شمال الكعبة وسميت الجنوب جنوباً لأنها تهب من الجانب الآخر وهو يمين الكعبة وبذلك سمى اليمن والشأم وسميت القبول قبولاً لأنها تهب من قبل الكعبة والقبول هي الصبا وسميت الدبور دبورا لأنها تهب من دبر الكعبة وفي الشمال سبع لغات يقال شمالٌ وشمألٌ وشأملٌ وشمولٌ وشيملٌ وشملٌ وشملٌ والفعل من هذه الرياح الأربع فعلت بغير ألفٍ شملت وجنبت وصبت وقبلت. وقوله ودراريّ النجوم عظامها الواحد درّي إنما نسب إلى الدوران كان الكوكب أكثر ضوءاً من الدّرّ لأنه يفضل الكواكب بضيائه كما يفل الدر سائر الحب ودّري بمعناه وكسر أوله حملا على وسطه وآخره لأنه يثقل عليهم ضمة بعدها كسرة وياءان كما قالوا للكرسي كرسي والسها وزنه فعل من السهو وقولهم أربها السها وتريني القمر هذه امرأة يكلمها رجل بما خفي وغمض من الكلام وكانت تكلمه بما ظهر ووضح فجعل السها مثلا لكلامه له لأنه خفيٌّ وجعل القمر مثلا لكلامها لأنه واضح بيّنٌ وهذا المثل لابن الغز وكان عظيم الذكر فكان إذا واقع امرأة ذهب عقلها فأنكرت امرأة ذلك فقالت سأجرب فلما واقعها قال أترين السها قالت ها هو ذا وأشارت إلى القمر فضحك وقال أريها السها وتريني القمر فلما كان أيام الحجاج شكي إليه خراب السواد فحرم لحوم البقر ليكثر الحرث فقال بعض الشعراء:
شكونا إليه خراب السواد ... فحرم فينا لحوم البقر
فكان كما قيل في بعده ... أريها السها وتريني القمر
ويقال للسّها الصيدق. والعيّوق نجم أحمر مضيء يتلو الثريا لا يتقدمها ووزنه فيعولٌ من عاق يعوق لأن العرب تزعم أن القمر رام المسير عليه فاعتاقه عن ذلك ولا يكون منزلا للقمر ويقال في المثل أبعد من العيّوق يراد من مجرى القمر لأنه يجري بالبعد منه.
(1/133)

قال أبو محمد " وسهيل كوكب أحمر منفرد عن الكواكب ولقربه من الأفق تراه أبداً يضطرب " وأنشد لجران العود بيتال قبله:
أبيت كأن العين أفنان سدرة ... عليها سقيطٌ من ندى الليل ينطف
أراقب لوحا من سهيل كأنه ... إذا ما بدا من آخر الليل يطرف
الأفنان الأغصان الواحد فنن والسقيط والجليد والضريب بمعنى واحد وينطف يقطر شبه سقوط الدمع من عينيه بأغصان سدرةٍ عليها جليد يقطر طول ليلة وأراقب أنظر ولوحاً أي ما يلوح منه وذلك أن سهيلا يطلع في آخر الليل فلا يمكث إلا قليلاً حتى يسقط فهو يطرف كما تطرف العين والمعنى أن الليل طال عليه فهو ينتظر الصبح.
وقال أبو محمد في الأوقات " وأيام العجوز عند العرب خمسة " قال ابن دريد أيام العجوز ليس من كلام العرب في الجاهلية إنما ولد في الإسلام وقال أبو علي الفارسي إنها من أيام العرب وإنما سميت بذلك لأنها آخر البرد واشتقاقه من العجز وذكر الشرقي بن القطامي ورجل من النّمر ابن قاسط قالا أصابت الناس سنة فلما تصرم الشتاء جزوا أغنامهم وإبلهم وقالوا لعجوزهم إلا تجزّين قالت حتى تصرم أيامنا هذه قال فأصابتهم قحلةٌ فقلبت الإبل وأقعصت الشاء فحزموا رأيها وسموا تلك الأيام أيام العجوز وهي الصنّ والصنّبر وأخوهما الوبر وآمر ومؤتمر ومخزي الشيخ في الكسر وملقم الأمة الجمر هذا قول الشرقيّ والنمريّ وقال أبو الشرقيّ بعد مؤتمر ومجفر الظعن ومخزي الشيخ في الكسر وقال غيرهم بعد مؤتمر مغلّلٍ ومطفئ الجمر وقال بعض الأعراب:
كسع الشتاء بسبعة غبر ... أيام ششهلتنا من الشهر
فإذا مضت أيام شهلتنا ... صن وصنّبر مع الوبر
وبآمر وأخيه مؤتمر ... ومعللل وبمطفئ الجمر
رجل الشتاء موليا هربا ... وأتتك وافدة من النجر
والنجر الحر ويروى لافحة يقال أصابني لفح من برد ولفح من حر وهي أربعة من آخر شباط وثلاثة من أول آذار
وقوله " والأيام المعدودات أيام التشريق " اختلف الناس في التشريق فقيل سميت بذلك لأنهم يشرقون اللحم في الشمس الشارقة وقيل سميت بذلك لأن
(1/134)

البدن والذبائح تشرق بالدماء من الشّرق وقيل سميت بذلك لأن الأرض تحمر بالدم فكأنها تشرّق بذلك لأن الأحمر يقال له شرق وقيل إنما كانوا يقولون أشرق تثير كما نغير والذي كان يقول ذلك أبو سيّارة عميلة بن خالد العدواني أحد بني وابش وكان يدفع بالناس من المزدلفة عل حمار أربعين سنة فضربت به العرب المقل فقالوا أصح من عير أبي سيارة. وقيل سميت أيام التشريق لأنهم كانوا يلبسون الأطفال الثياب الحمر فلذلك قيل أيام التشريق وذهب بعض الفقهاء إلى ان التشريق التكبير وأنكر ذلك غيره. وقيل إنما قالوا أيام التشريق لأنهم كانوا يأتون المشرق أي المصلى وهذا راجع إلى شروق الشمس لأنهم كانوا يجتمعون في وقت شروقها ولم يكن لهم بد في الجاهلية من أن يجتمعوا فيها للدعاء والتعبد.
قال أبو محمد " ويسمى الشحم ندى لأنه بالنبت يكون " وأنشد لابن أحمر:
كثور العداب الفرد يضربه الندى ... تعلّى الندى في متنه وتحدّرا
شبه ناقته بالثور الوحشي في سرعتها وسمنها والعداب مسترق الرملة ومنقطعها والندى الأول المطر الثاني والشحم وقال الأصمعي أراد بالندى الأول المطر وبالثاني الكلأ والبقل يقول اسمنه فعلا السمن في جسمه وانحدر واستبان عليه في جميع بدنه. وقيل أنه يصف امرأة شبهها من غفلتها وليس عيشها بالثور من بقر الوحش.
قال أبو محمد " ويقولون للمطر سماء لأنه من السماء ينزل " وأنشد لمعاوية بن مالك معود الحكماء وسمي معود الحكماء بقوله:
أعوّد مثلها الحكماء بعدي ... إذا ما الحقّ في الأشياع نابا
وكنت إذا العظيمة أفظعتني ... نهضت ولم أدب لها دبابا
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
أفظعتني أي هالتني وغلبتني ولم أكد أطيقها وقوله نهضت أي قمت بها ولم أعجز عنها ولم أتلقها أدبّ إليها بل استقبلتها ناهضا بأعبائها والدباب الدبيب. وقوله إذا نزل السماء بأرض قوم معناه إذا غيثت بلاد أعدائنا وأعشبت خرجنا إليها وقصدناها ورعينا عشبها لعزنا ومنعتنا ولم يكن ذلك عن رضي منهم وصلح فقال معنى وإن كانوا غضابا أي مطرت بلادهم وأعشبت ولم يكن لهم
(1/135)

سائمة ترعاها فهم غصاب لذلك. قال أبو محمد " وأضعف المطر الطل وأشده الوابل ومنه يكون السيل " قال الشاعر:
هو الجواد ابن الجواد ابن سبل ... إنّ ديّموا جاد وإن جادوا وبل
الجواد الفرس الكرين وسيل أم أعوج الأكبر لبني جعدة قال النابغة الجعدي:
وعنا جيح طوال شزب ... نجل فياض ومن آل سبل
يريد أنه كريم الآباء والأأمهات وقوله أن ديموا أي أن أتوا بديمة وهي مطر مع سكون يوما وليلة وأكثر أتى بالجواد وهو أغزر من الديمة وإن جادوا أتى بالوابل وهو المطر الشديد الضخم القطر فضله في طبقات الجود كما فضل زهير هر ما في طبقات الشجاعة في قوله:
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا أطعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
أسماء القطنّية قال أبو العباس القطنيّة الحبوب التي تخرج من الأرض ويقال قطينة وسميت بذلك لأن مخارجها من الأرض مثل الثياب القطنية وقيل لأنها تزرع كلها في الصيف وتدرك في آخر وقت الحر وقيل سميت بذلك لقطونها في بيوت الناس يقال قطن بالمكان إذا أقام به وقيل هي الخلف وخضر الصيف وقيل القطنية ما كان سوى الحنطة والشعير والزبيب والتمر وقيل القطنية اسم جامع لهذه الحبوب التي تطبخ مثل العدس والخلر والفول والدجر وهو اللوبياء والحمص وماشا كلها مما يقتات وجمعها القطاني وهو جمع الجمع وليس لها واحد من اللفظ.
" النخل " قلب النخلة عسبها وهو لبها الذي لم تفرق خوصه وكباستها قنوها وتثنيته قنوان وجمعه قنوان ومثله مما جمعه مثل تثنيته صنو وصنوان وصنوان وكير وكيران وكيران ونير ونيران ةونيران وجن وجنان وجنان وريد ويدان وريدان وهو الترب وسيدان وسيدان فهذه
سبعة عزيزة الوجود. وقوله " وهو فحال النخل بالتشديد ولا يقال فحل " غير موافق عليه قد حكى فيه فحل أيضا وجمعه فحول وفي حديث عثمان لا شفعة في بئر ولا فحل وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل دار رجل من الأنصار وفي ناحية البيت فحل من تلك الفحول أي حصير من
(1/136)

تلك الحصر التي ترمل من سعف الفحال من النخيل فتكلم به على التجوز كما قالوا فلان يلبس القطن والصوف وقال أحيجه بن الجلاح:
تأبري يا خيرة الفسيل ... تأبري من جند فشولي
إذ ضن أهل النخل بالفحول تأبري اقبلي وجند موضع وشولي ارتفعي وطولي وأراد إذ ضن أهل النخل بطلع الفحول قد وقف على حديث عثمان فيما رد على أبي عبيد وقال قد تدبرت هذا الحديث فرأيت لفظه يدل على أنه أراد لا شفعة في نفس البئر والفحل وكان الصواب أن يقول ولا يقال فحال في غير النخيل كما قال ابن السكيت.
ذكور ما شهر منه الإناث قال أبو محمد " الثعلبان ذكر الثعالب " وأنشد:
أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب
هذا البيتن يضرب مثلا للذليل المستضعف وهو فيما أخبرت عن الحسن بن علي عن محمد بن العباس عن أحمد بن معروف عن الحارث بن أبي أسامة عن محمد بن سعد لراشد بن عبد ربه وهو أحد الوفد الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة من بني سليم فأسلموا وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم رهاط وفيها عين يقال لها عين الرسول وكان راشد يسدن صنما لبني سليم فرأى يوما ثعلبانا يبول عليه فقال أرب يبول الثعلبان برأسه البيت ثم شد عليه فكسره ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ما اسمك " فقال غاوي بن عبد العزي فقال " أنت راشد بن عبد ربه " فأسلم وحسن إسلامه وشهد الفتح مع النبي صلى الله عليه وسلم وقال رسول الله " خير قرى عربية خبير وخير بني سليم راشد " وعقد له على على قومه. قال " والعلجوم ذكر الضفادع " ويقال له أيضا العدمول والأنثى ضفدعة والولد الشرنوغ والشفدع.
قال " والشيهم ذكر النافذ " وأنشد للأعشى يهجو عمير بن عبد الله بن المنذر عجز بيت قبله:
فإني وثوبي راهب اللج والتي ... بناها قصيّ وحده وابن جرهم
(1/137)

لئن جد أسباب العداوة بيننا ... لترتحلن مني على ظهر شيهم
اللج غذير عند دير هند ابنة النعمان وكانت ترهبت فيه حين غضب كسرى على أبيها النعمان قصيّ هو قصيّ بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب جد النبي عليه السلام وكان اسمه زيدا وابن جرهم هو الحارث بن مضاضٍ الجراهمي وكام أمر الكعبة إلى جرهم ثم صار إلى خزاعة ثم صار إلى قصيّ وقيل أراد بثوبي راهب اللّجّ ما يعيده راهب اللجّ أقسم بثوبي راهب اللجّ وبالكعبة التي بناها قصي وجرهم لئن استحكمت أسباب العداوة بينه وبين عمير ليركبنّ منه مركباً صعباً لا يمكنه الاستقرار عليه كما لا يستقر على ظهر الشيهم ويروي لئن شبّ أي أوقد وقيل في الشيهم أنه الذّعر والياء فيه زائدة كزيادتها في خيفق يقال شهمت الرجل إذا ذعرته.
إناث ما شهر منه الذكور قوله " والأنثى من الوعول أرويةٌ " هذه رواية أبي عبيدٍ عن الأحمر وقال الأصمعي يقال للذكر والأنثى أرويةٌ وكذلك قال أبو زيد الذكر والأنثى عندهم أرويةٌ وهي من الشاء لا من البقر فأما الأنثى فيقال لها وعلةٌ. ويقال للجماعة أيضا وعلةٌ وأوعال وقوله " والأنثى من العقبان لقوة " الذي حكى الثقات في اللّقوة أنها السريعة الاختطاف الثقفة ولم يقولوا أنها تختصّ بالأنثى وهي صفة في الأصل قال امرؤ القيس:
كأني بفتخاء الجناحين لقوة ... صيود من العقبان طأطأت شملالي
وفيها لغتان لقوة ولقوة وامرأة لقوة ولقوة وكذلك الناقة إذا كانت تسرع اللقح والفتح في هذه أجود والعقاب يقع على الذكر والأنثى والذكر الغرن والغيد تقديره المطر.
ما يعرف جمعه ويشكل واحده الذراريح أعظم من الذباب شئياً مجزّعة مبرقشةٌ بسواد وحمرة وصفرة لها جناحان تطير بهما وهي سمّ قاتل فإذا أرادوا أن يكسروا حدّ سمّه خلطوه بالعدس فيصير دواءً لمن عضه الكلب الكلب. وقال أبو محمد " الشمائل
(1/138)

واحدها شمالٌ " وأنشد لعبد يغوث بن وقاص الحارثي عجز بيت وقبله:
ألا لا تلوماني كفى اللوم مابيا ... فما لكما في اللوم خير ولاليا
ألم تعلما أن الملامة نفعها ... قليل وما لومي أخي من شماليا
كان عبد يغوث أسرته التيم تيم الرباب يوم الكلاب الآخر وشدوا لسانه خوفا من هجائه فلما أحسّ بالقتل سألهم يخلوا لسانه ويدعوه يذم أصحابه وينوح على نفسه وحلف ألآ يهجوهم ففعلوا فقال قصيدة أولها هذان البيتان والكلاب اسم ماء كانت عليه وقعتان فيقال الكلاب الأول والكلاب الثاني وألا لاستفتاح الكلام وقوله لا تلوماني نهى عاذليه عن لومه يقول ما نزل بي من الهم قد زاد على اللوم فإذا لمتماني بعد وقوع الحادثة لم يجد لومكما نفعا ولم تنفعا به والملامة بعد وقوع المكروه نفعها قليل فلا تلوماني على ترك الحزم والتأهب لوقوع الحادثة فإني لا ألومكما على تخاذلكما وتأخركما عني فليس أخلاقي لوم الإخوان وشمالي أخلاقي وأراد بالأخ الجماعة ويروى أخاً.
وقوله " سواسيةٌ " يقال للقوم إذا استووا في الشر سواسيةٌ وليس له واحد من لفظه ويروى عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال ما أشدّ ما هجا القائل وهو الفرزدق سواسيةٌ كأسنان الحمار وذلك أن أسنان الحمار مستوية وقال ذو الرمة:
وأمثل أخلاق امرئ القيس أنها ... صلاب على عضّ الهوان جلودها
لهم مجلس صهب السبال أذلة ... سواسية أحرارها وعبيدها
ويقال ألآم سواسية وأرآد سواسية يقال هو لئمه ورئده أي مثله والجمع ألآم وأرآد. وقوله " الكمأة واحدها كمء " قال الجرمي سمعت يونس يقول هذا كمء كما ترى لواحدة الكمأة فيذكرونه فإذا أرادوا جمعه قالوا هذه كمأة قال أبو زيد قال منتجع كمء واحد وكمأة جمع قال أبو خيرة كماة للواحد وكمء للجميع فمرّ رؤبة بن العجاج فسألوه فقال كمء وكمأة كما قال منتجع.
ما يعرف واحده ويشكل جمعه قوله " وكذلك الجليّ وهو الأمر العظيم جمعها جلل " الصواب عند البصريين الجلل بالألف واللام وأجاز الكوفيون جلل. وقوله " ويقول في جمع
(1/139)

الأيام سبت وأسبت وسبوت " ويجوز السبات وسمي سبتا لأنهم كانوا يسبتون الأعمال فيه أي يقطعونها وقيل سمي سبتاً لانقطاع الأيام عنده. والأحد يجمع آحاداً على أقل العدد تقول أحد وثلاثة آحاد وأصله وحد فاستثقلوا الواو فأبدلوا منها الهمزة فإذا جزت إلى الكثرة قلت الأحود مثل أسود وأما الاثنان فلا تلحقها علامة التثنية لأن لفظهما لفظ التثنية ولا علامة الجمع على من قال الاثنين ولكن تقول مضى يوما الاثنين وأيام الاثنتين ولو قلت مضى الاثنانان جمعت بين إعرابين وقد حكيت مضى الاثنانان وهذا على من جعل الواحد اثنان وقد حكى عن بعض أسد مضت اثان كثيرة وحكى اثانين وهي ضعيفة. والثلاثاء يؤنث على اللفظ ويذكر على اليوم فيقال ثلاثة ثلاثا وات وثلاث ثلاثا وات وكذلك الأربعاء تقول أربعة أربعا وات وأربع أربعا وات وتجمع أربعاوي والخميس يجمع في أدنى العدد على أخمسةٍ كفقير واقفزة وأخماس أيضا فإذا جاوزت العشرة فهي الخمس والخمسان كالرغف والرغفان ويجمع على أخمساء كنصيب وانصباء ويقال وجمعةٌ ذهبوا بها إلى أنها صفة اليوم لأنه يجمع الناس كما يقال رجل همزة لمزة وروى عن أبي هريرة قال قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لأي شيء سمي يوم الجمعة قال " لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم وفيها الصعقة والبعثة وفيها البطشة وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له ".
وأما الشهور فإن المحرم سمي محرما لتحرميهم إياه وخصوه بهذا الاسم وإن كانوا يحرمون غيره لأنه أول السنة وأوقعوا الفرق فيما بعد ويجمع محرمات وإن شئت قلت محارم ومحاريم. وسمي صفر صفرا لأنه وقع بعد شهر حرام فانتشروا فيه للغارة فصفرت بيوتهم من الرجال والخير والصفر الخالي من كل شيء وقال أبو عبيدة سمي صفراً لأن العرب كانت
لها بلدة بالشام يقال لها الصفرية تمتار منها الطعام كل عام وقيل سمي صفراً لأنه كانت تصفر فيه الأشجار ويجمع أصفارا لما كان دون العشرة فإذا كثرت فهي الصفور والصفار. وشهرا ربيع سميا بذلك لطيب وقتهما والربيع عندهم الوقت الذي أنجم فيه البرد وظهرت الأنوار والزهر وقال أبو عبيدة وأيضا سمي ربيعا لارتباع القبائل فيه أي لمقامهم فيه ويجمع على أربعة وربع. وجماديان سميا بذلك لجمود الماء فيهما لأن الوقت الذي وضعوا فيه التسمية كان الماء جامدا فيه
(1/140)

في وقت جمادتين وذلك في صبّارة القركما أن شهر رمضان في محارّة القيظ ويجمعان على جماديات وإن شئت جمعتها فقلت جمادي بفتح الجيم. ورجب سمي بذلك لتعظيمهم إياه يقال رجبت إذا عظمته والمرجب في اللغة المعظم المبجل ويسمى رجب الاسّم والأصبّ كما قالوا ضربة لازم وسمي بذلك لأنه لا يسمع فيه قعقعة سلاح ويسمى أيضاً منصل الآل جمع ألة وهي الحربة ومنصل الأسنة ويجمع على الأرجاب في القلة والكثرة الرجاب والرجوب. وشعبان سمي بذلك لانشعاب القبائل فيه وتفرقهم وكل قوم يلحقون بقومهم ومياههم وبلادهم وقالوا سمي شعبان لتشعب الشجر فيه لأن بعد جمود الماء يجري في العود ويجمع على شعبانات وإن شئت شعاب على حذف الزوائد فأما شعابين فرديئة لأن فعلان لا يكون بمنزلة سرحان. ورمضان سمي بذلك لأن أول ما وقع في شهر شديد الحر فأخذوه من الرمضاء فعلان من ذلك والرمضاء الحصى إذا أصابه حر الشمس فحمي لذلك عند الهاجرة ويجمع رمضانات وليس شيء من أسماء الشهور والأيام يمتنع من الجمع بالألف والتاء نحو رجبات وصفرات وقد قيل رماضنين وهي رديئة وقيل أرمضة على غير واحدة ويجوز في رمضان رماض على حذف الزوائد. وشوال سمي بذلك لأن الإبل كانت تقل ألبانها فيه يقال ناقة شائلةٌ بالهاء والجمع شول وقيل كانت تشول فيه الإبل أي تحمل فتشول بأذنابها. وذو القعدة سمي بذلك لأنهم كانوا يقعدون فيه عن الغزو والغارات لأنه من أشهر الحرم ويتأهبون للحج فسمي ذو القعدة بذلك. وسمي ذو الحجة لأنه من شهور الحج والموسم وأشهر الحج شهران وبعض ثالث شوال وذو القعدة عشر من ذي الحجة فسماه الله تعالى شهرا فقال الحج أشهر معلومات.
معرفة في الخيل وما يستحب في خلقها قال أبو محمد " يستحب في الأذن الدقة والانتصاب ويكره فيها الخذا وهو استرخاؤها قال الشاعر ":
يخرجن من مستطير النقع دامية ... كأن آذانها أطراف أقلام
يخرجن يعني الخيل والمستطير المتفرق المتنشر والنقع الغبار وسمي نقعاً
(1/141)

لارتفاعه ولذلك سمي الصياح نقعاً قال لبيد:
فمتى ينقع صراخ صادق ... يحلبوه ذات جرس وزجل
يقول متى سمعوا صوت مستغيث أغاثوه ودامية عليها الدم وشبه آذان الخيل في دقتها وانتصابها برؤوس الأقلام. قال أبو محمد " ويستحب في الناصبة السبوغ ويكره فيها السفا وهي خفة الناصبة قال عبيدٌ ":
فذاك عسر وقد أراني ... تحملني نهدةٌ سرحوب
مضبّر خلقها تضبيراً ... ينشق عن وجهها السبيب
قوله فذك عصر أي دهر قد مضى فعلت ذاك فيه يقول كانت هذه الأشياء منى دهرا وقد كنت أحيانا تحملني فرس نهدة وهي المشرفة الجسيمة والسرحوب الطويلة، الذكر والأنثى فيه سواء والمضبر الموثق وقوله ينشق عن وجهها السبيل أي ينفرج لكثرته وطوله. قال أبو محمد والسيب شعر الناصبة قال سلامة بن جندل يصف فرسا:
من كل حت إذا ما ابتل ملبده ... صافي الأديم أسيل الخديعبوب
ليس بأسفى ولا أقنى ولا سغل ... يعطي دواء قفي السكن مربوب
قوله من كل حت دخل من للتبيين لأنه لما قال وكرنا خيلنا وقال بعده والعاديات بيّن من أي الخيل هي ومثله قوله تعالى " فاجتنبوا الرجس من الأوثان " والحت السريع وأخذ من قولهم حتته مائة أي عجلت له النقد وقيل هو السريع العرق وقوله إذا ما ابتل ملبده يريد يكون سريعا في الوقت الذي يبتدئ فيه بالعرق ويلتهب والملبد موضع اللبد وصافي الأديم وهو الجلد أي لحسن القيام عليه وقصر الشعرة قد صفا لونه ويروى ضافي السيب أي سابغ شعر الذنب والعرف واليعبوب قيل هو الطويل الجسم وقيل هو البعيد القدر في الجري وقيل الواسع الشحوة وهو الكثير الأخذ من الأرض بين الخطى وقيل هو الذي يجري جرية الماء وكل ذلك صحيح والأصل فيه عباب الأمر والبحر أي أعظمه وأكثره وقوله ليس بأسفى في ليس ضمير يعود إلى حت وبأسفى في ليس ضمير يعود إلى حت وبأسفى خبره والأسفى الخفيف البناصبة وأصل السفا الخفة يقال فرس أسفى إذا خفت ناصيته ولا يقال للأنثى سفواء وبغلة سفواء ولا يقال للذكر أسفى والأقنى الذي في أنفه إحديداب والسغل الضعيف الخلق المضطرب الصقلين وهما
(1/142)

الخاصرتان ويروى ولا صغل في معنى سغل والدواء ما يداوى به الفرس في تضميره والقفية ما يؤثر به الصبي والضيف يقال أفقيته بكذا وكذا إذا آثرته به وهو مقفى به إذا كان مؤئرا به ومربوب نعت لحت تقديره من كل حت مربوب وهو الذي قد ربى وقيم على إصلاحه وتعهده ولم يترك يرود لكرامته على أهله.
قال أبو محمد " والسفافي البغال والحمير محمود قال الراجز " هو دكين ابن رجاء الفقيمي يمدح عمر بن هبيرة:
جاءت به معتجرا ببرده ... سفواء تردى بنسيج وحده
مستقبلا ريح الصبا بخده ... تقدح قيس كلها بزنده
من تلقه من بسطل يرده ... وكلهم أن تلقه يفده
المعتجر الذي يلفّ العمامة على رأسه من غير أن يديرها تحت الحنك وتردى تعد وقوله بنسيج وحده معناه بالرجل الذي لا نظير له ووحده هنا جر بالإضافة ولا يضاف وحده في شيء من الكلام إلا في ثلاثة مواضع موضع في المدح وهو هذا وموضعان في الذم وهما جحيش وحده وعيير وحده وهو فيما عدا هذه المواضع منصوب أبدا على معنى المصدر وقوله مستقبلا ريح الصبا بخده معناه أن العرب كانت تطعم عند هبوب الصبا كما قالت:
إذا هبت رياح أبي عقيل ... دعونا عند هبتها الوليدا
ورياح أبي عقيل هي الصبا وأبو عقيل كنية لبيد بن ربيعة يقول يستقبل هبوبها بشروجه وقوله تقدح قيس كلها بزنده أي كلهم يسعون بجده وينتفعون برفده والبطل الشجاع لأنه تبطل عنده دماء الأقران وقوله يسرنده أي يغلبه ويعلوه وقوله يفده تقول فدتك نفسي أي كانت فداءك من السوء.
وقول أبي محمد " السفافي البغال والحمير محمود " هذا غلط لأنه توهم أن السفافي الخيل والبغال والحمير شيء وإنه خفة الناصبة فيها وليس الأمر كما توهم السفافي الخيل خفة الناصبة وهو مذموم وفي البغال خفة المشي وهو محمود حكى أبو عبيد عن الأصمعي قال السفواء من البغال السريعة ومن الخيل الخفيفة الناصبة وأنشد البيت الذي أنشده أبو محمد والسفا من الياء
(1/143)

لأنك تقول سفت الريح التراب تسفيه سفيا فأما بغلة سفواء فهو مثل جبيت الخراج جباوة والقياس سفياء.
قال ابو محمد " ويستحب في الجبهة السعة " قال امرؤ القيس يصف فرسا:
لها جبهة كسراة المجن ... حذفه الصانع المقتدر
وعين لها حدرة بدرة ... شقت مآقيها من آخر
لها منخر كوجار الضباع ... فمنه تريح إذا تنبهر
السراة الظهر والمجن الترس وحذفه أي أخذ من جوانبه والصانع المقتدر هو العامل البحاذق وحدرة قال الأصمعي مكتنزة صلبة وقال ابن الأعرابي واسعة وبدرة عظيمة ويقال تبدر بالنظر شقت مآقيها أي جوانبها التي تلي الأنف وإنما يريدانها واسعة وليست بمشقوقة وقال من أخر لان العين تتسع من آخرها والوجار حجر الضبع يقال وجار ووجار ويروى كوجار السباع فمنه تريح أي تخرج نفسها ويقال معناه تستريح يقال أرح القوم إذا استراحوا وتنبهر أي ينقطع نفسها.
قال أبو محمد " ويستحب في العين السمو والحدة " قال أبو داود يصف فرسا:
وقد أغدو بطرف هيك ل ذي ميعة سكب
أسيل سلجم المقب ل لا شخت ولا جأب
طويل طامح الطرف ... لي مفزعة والكلب
نبيل سلجم اللحيي ن صافي اللون كالقلب
حديد الطرف والمنك ب والعرقوب والقلب
الطرف الفرس الكريم والهيكل الضخم والميعة النشاط والسكب السريع الجري الذي يسيل في سيره وأسيل طويل الخد سبطه وسلجم طويل ومقبله رأسه وعيناه والشخت الدقيق والجأب الغليظ وطامح الطرف أي رافع الطرف إلى ترقب وثوب الكلب على الصيد فيبادره إليه من نشاطه ويقال هو ينظر إلى حيث ينبح الكلب والقلب سوار من فضة شبه صفاء لونه بصفاء الفضة.
قال أبو محمد " وهم يصفونها بالقبل والشوس والخوص وليس ذلك عيبا
(1/144)

فيها ولا هو خلقة إنما تفعله لعزة أنفسها قالت الخنساء ":
ولما أن رأيت الخيل قبلا ... تباري بالخدود شبا العوالي
كذا أنشد رأيت بضم التاء ونسب الشعر إلى الخنساء وليس لها والصواب رأيت بفتح التاء على الخطاب والشعر لليلى الإخيلية ترثي توبة وتعير قابضا فراره عنه وهو قابض بن عبد الله ابن عم توبة وأول الأبيات:
ولما أن رأيت الخيل قبلا ... تباري بالخدود شبا العوالي
صرمت حباله وصددت عنه ... بعظم الساق ركضا غير آل
على ربذ القوائم أعوجي ... شديد الأسر منكمش التوالي
قولها تبارى تعارض وتسابق والشبا أطراف الأسنة الواحد شباة والعوالي جمع عالية الرمح وهي ما دون السنان إلى نصف القناة يقول كأن الخيل تريد أن تسبق أسنة الرماح والمعنى إنها لا تالو جهدا ويروى لما أن رأيت صرمت حباله تقول لما رأيت الخيل على هذه الحالة صرمت حبال ابن عمك توبة وأسلمته وجعلت تركض فرسك وأنت فار غير مقصر تستحثه بعظم ساقك في الركض والآلي المقصر وقولها على ربذ القوائم أي خفيف القوائم وأعوجي منسوب إلى أعوج الأكبر وهو فرس لغنى وأعوج الأصغر لبني هلال بن عامر والأسر الخلق والقوة ومنكمش سريع والتوالي يريد آخر عدوه ويقال عجزه ورجلاه وإنما يصف أنه سريع اليدين منكمش الرجلين ويروى منكفت النوالي أي منقبضهما. قال أبو محمد "، يستحب في المنخر السعة لأنه إذا ضاق شق عليه النفس فكتم الربو في جوفه فيقال له عند ذلك فقد كبا " الربو البهر وهو أن يعدو الرجل أو الفرس حتى يغلبه البهر وكبا الفرس يكبو إذا ربا وانتفخ من فرق أو عدو حتى يقوم فلا يتحرك من الأعياء والكبو الامتلاء. قال ويستحب في الأفواه الهرت قال وأنشد:
هريت قصير عذار اللجام ... أسيل طويل عذار الرسن
وقد فسره والهريت الواسع الشدقين الطويل شق الفم وأنشد أبو محمد لأبي داود:
قربا مربط النعامة إن ... الحرب فيها تلاتل وهموم
كتفاها كما يركب قين ... قتبا في أحنائه تشميم
(1/145)

ولها منخر كمثل وجار الض بع تذري به العجاج السموم
وهي شوهاء كالجوالق فوها ... مستجاف يضل فيه الشكيم
قربا أدنيا مربط العرادة والعرادة اسم فرسه ومربطها الموضع الذي تشد فيه أي شداها بالقرب مني لأركبها إذا فجثتني العدو فإني مستعد للحرب وتلاتل أي حركات وعناء وشبه كتفيها بالقتب لارتفاعهما وذلك مما يستحب والقين للبعير بمنزلة الأكاف للبغل وإحناؤه ما عطف من خشبه وكل شيء فيه إنفراج وإعوجاج فهو حنو وتشميم إرتفاع وقوله تذرى به العجاج السموم يقول إذا هبت السموم رمت بالعجاج في وجار الضبع فأخبر أن منخرها واسع كوجار الضبع والوجار حجر الضبع والثعلب والشوهاء التي في رأسها طول وفي فمها سعة ولا يقال للذكر من الخيل أشوه إنما هي صفة للأنثى فإذا قيل امرأة شوهاء فهو من الأضداد تكون الحسنة وتكون القبيحة وشبه فمها بالجوالق لعسته ومستجاف أجوف واسع ويضل فيه الشيكم أي يضيع فيه فأس اللحام. قال وقال طفيل ويكنى أبا قران:
وعارضتها رهوا على متتابع ... شديد القصيري خارجي محنّب
كأن على أعطافه ثوب مائح ... وإن يلق كلب بين لحييه يذهب
المعارضة أن يسير حيالها ويحاذيها ويقال عارض فلان فلاناً إذا أخذ في طريق وأخذ هو في غيره فالتقيا وعارضه أيضا إذا فعل مثل فعله والضمير في وعارضتها يعدو إلى رعال الخيل التي ذكرها في قوله: كأن رعال الخيل لما تبددت
والزهو العدو السهل والمتتابع المتساوي الخلق الذي يشبه بعضه بعضا والخارجي الذي ليس من أصل معروف في الجودة فيخرج سابقا وأعطافه نواحيه شبه جلده وقد ابتل بالعرق بثوب المائح وهو الذي يدخل البئر فيملأ الدلو فكلّما جذبت الدلو وقع عليه من مائها شيء فابتل وإن يلق كلب بين لحييه يهذب هذا على طريق المبالغة أراد أنه واسع الشدقين.
قال أبو محمد " ويستحب في العنق الطول واللين ويكره فيها القصر والجسأة قال الشاعر " هو خالد بن الصعقب النهدي وقبل البيت الذي أنشده:
تصبّ لها نطاف القوم سراً ... ويشهد خالها أمر الزعيم
(1/146)

تواتر بين شد غير كد ... وأرخاء وتقريب طميط
كغادية السحابة إذا ألحت ... على المعزاء بالبرد الهزيم
ملاعبة العنان بغصن بان ... إلى كتفين كالقتب الشميم
النطاف جمع نطفة وهو الماء القليل يريد أنها تؤثر بالماء سراً من القوم لكرامتها وخالها قيمها من قولهم فلان خال مال إذا كان حسن القيام عليه يعني فارسها والزعيم الرئيس يريد أن فارسها شريف إذا كانت مشورة حضرها وتواتر أي تتابع أي يجيء شيء ثم ينقطع ثم يجيء بعده شيء والشد العدو يقول تجيء به ولا تكد فيه ولا تضرب والأرخاء جريٌ سهل والتقريب في قول الأصمعي أن يضع الفرس يديه معا ويرفعهما معاً وقال أبو زيد إذا رجم الأرض رجماً فهو التقريب والطميم العدو السهل وقال الأموي طم الفرس في سيره طميما وهو مضاؤه وخفته والغادية السحابة تمطر أول النهار وألأحت اشتد وقعها والمعزاء الأرض ذات الحصى والأمعز مثلها والهزيم المنهزم الذي لا يستمسك والملاعبة النشيطة تلاعب العنان بجيد كغضن بان في طوله واعتداله والشميم المرتفع.
فأما خبر سلمان بن ربيعة فروى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شك في العتاق والهجن فدعا سلمان بن ربيعة الباهلي بطست من ماء أو بترس فيه ماء فوضع بالأرض ثم قدمت الخيل إليه فرسا فرسا فما ثنى منها سنبكه فشرب هجنة وما شرب ولم يئن سنبكه عرّبه وروى أيضاً أن سلمان بن ربيعة الباهلي عرض الخيل فمر عمرو بن معدي كرب على فرس فقال سلمان هذا هجين فقال عمرو وعتيق فقال سلمان هو هجين قال عمرو وعتيق فأمر به سلمان فعطش ثم دعا بطست من ماء ودعا بخيل عتاق فشربت فجاء فرس عمرو فثنى يده وشرب وهذا صنيع الهجين فقال له سلمان ترى فقال أجل الهجين يعرف الهجين فبلغت عمر فكتب إليه قد بلغني ما قلت لا ميرك وبلغني إن لك سيفا تسميه الصمصامة وعندي سيف أسميه مصمما وأيم الله لئن وضعته على هامتك لا أقلع حتى أبلغ به شيئاً وقد ذكره فإن سرك أن تعلم أحق ما أقول فعد. قال أبو محمد " ويستحب ارتفاع الكتفين والحارك والكاهل " وأنشد لزهير بن مسعود الضبي بيتاً قبله:
يا ليت شعري والمنى ضلة ... والمرء ما يأمل مكذوب
(1/147)

هل تذعرن الوحش بي في الضحى ... كبداء كالصعدة سرحوب
مدفقة المتنين ينمي بها ... هاد كجذع النخل يعبوب
وكاهل أفرع فيه مع إلا ... فراع أشراف وتقبيب
المنادى محذوف تقديره يا هؤلاء ليت شعري بمعنى علمي وهو في موضع نصب بليت والخبر محذوف تقديره واقع أو كائن تمنى أن يعلم هل تذعرن الوحش وقوله والمنى ضلّة إلى آخر البيت اعتراض أي التمني ضلال وهي جمع منية وهي الأمنية وقوله والمرء ما يأمل مكذوب أي كذب ما تمناه حين حدّثته به نفسه والكبداء من الخيل العظيمة الوسط والصعدة القناة تنبت مستوية شبهه بها في الطول والسرحوب الطويلة وقوله مدفقة أي مندفقة منصبة والمتنان والمتنيان مكتنفا الصلب والهادي العنق شبهه في طوله بجذع النخل واليعبوب الشديد الجري والكاهل مقدم الظهر مما يلي العنق وهو الثلث الأعلى فيه ستّ فقارات والتقبيب الضمر.
قال أبو محمد " ويستحب عرض الصدر " وأنشد لأبي النجم:
راح ورحنا بشديد زجله ... نفرعه فرعا ولسنا نعتليه
يهمهم الصوت وطوراً يصهله ... منتفخ الجوف عريض كلكله
الرواح التصرف بالعشي وهذا على أعمال الفعل الثاني والزجل الصوت الرفيع ونفرعه نكفّه يقال فرعت الفرس إذا كبحته باللجام فسال الدم وعتل الناقة والفرس إذا أخذ بزمامها فقادها قوداً ويقال لا أتعتّل معك شبراً أي لا أبرح مكاني ولا أجيء معك والهمهمة نحو الحمحمة وهي دون الصهيل كأنها حكاية صوته إذا طلب العلف أو رأى صابحه ومنتفج بالجيم أي عظيم الجوف والانتفاخ بالجيم يكون عن غير علة والانتاخ بالخاء عن علة والكلكل الصدر. قال أبو محمد " فأما الجؤجؤ والزور وهما شيء واحد فيستحبفيهما الضيق قال عبد الله بن سليمة " ويقال سلمة ويقال سليم:
ولقد غدوت على القنيص بشظيم ... كالجذع وسط الجنة المغروس
متقارب الثفنات ضيق زوره ... رحب اللبان شديد طي ضريس
القنيص الصيد وهو القنص والشيظم الفرس الطويل وقوله ووسط الجنة أراد
(1/148)

وسط الجنة فسكنها وهي لغة قال: ووسط الدار ضربا واحتمايا فأما وسط الذي يكون ظرفا فبالا سكان ولم يسمع فيه التحريك تقول جلس وسط القوم لا غير وأراد كالجذع المغروس وسط الجنة والجنة البستان وسميت جنة لأن الأشجار تجن أرضها أي تسترها والثفنات مواصل الذراعين في العضدين والساقين في الفخذين وإنما الثفنات للبعير وهو ههنا مستعار والمعنى أن مرفقيه أحدهما قريب من الآخر ورحب واسع واللبان الصدر وقوله شديد طي ضريس أي شديد طيّ الفقار ضرس ضرساً وأصله في البئر إذا طويت بحجارة وقيل ضرست ضرسا. قال أبو محمد " ويستحب أيضاً عظم جنبيه وجوفه وانطواء كشحه قال النابغة الجعدي ":
وغارة تسعر المقانب قد ... سارعت فيها بصلدم صمم
خيط على زفرة فتم ولم ... يرجع إلى دقةٍ ولا هضم
الغارة الخيل المغيرة يقال أغار الفرس إغارة وغارة وهي سرعة حضره وتسعر تهيج والمقانب جمع مقنب وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين من الخيل وقوله بصلدم أي بفرس صلدم وهو الشديد والصمم نحوه وهو الشديد الخلق المعصوب ويروى قد حاربت فيها ومعنى قوله خيط على زفرة أي خلق منتفجا مجفر الجنبين عظيمهما كأنه زفر فخلق على ذلك ولم يرجع إلى دقة خلق عليها ووالهضم إنضمام الجنبين ويروى رقةٍ. قال أبو محمد " ويستحب أشراف القطاة ويكره تطامنها " وأنشد لامرئ القيس:
ولم أشهد الخيل المغيرة بالضحى ... على هيكل نهد الجرازة جوال
سليم الشظا على الشوى شنج النسا ... له حجبات مشرفات على الفالي
وصم حوام ما بقين من الوجى ... كأنه مكان الردف منه على رال
وقبل ذلك: كأني لم أركب جواداً للذة يقول ذهب عني الشباب فإني لم أفعل هذا والضحى ارتفاع النهار وخص الضحى لأن الغارة تكون في وجه الصبح والهيكل الفرس الضخم والنهد المشرف
(1/149)

ويروى عبل الجزارة أي غليظ القوائم والجزارة القوائم والرأي ولا يدخل فيها الرأس هنا لأن عظمه هجنه وسميت جزارة لأن الجزار يأخذها أجرته وجوال نشيط وهو الذي يكثر التجوال وهو المجيء والذهاب وسليم الشظا صحيحه والشظا عظيم لاصق بالذراع من باطنه مثل المخرز فإذا تحرك ذلك العظيم شظي والعبل الغليظ والشوي القائم وشنج النسا انقباضه والنسا عرق يأخذ من الفخذ إلى الساق وألفه منقلبة عن الياء أو عن الواو لأنك تقول في تنيته نسيان ونسوان والحجبات رؤوس الأوراك التي تشرف على الجنبين وفي الورك ثلاثة اسماء حرفاها اللذان يشرفان على الفخذين الجاعرتان واللذان يشرفان على الظهر الغرّابان واللذان يشرفان على الخاصرتين الحجبتان والفالي عرق من فوارة الورك قصير إلى الرجل وهو مقلوب الفائل مثل شاك وشائك وجرف هار وهائر وقوله مشرفات على الفالي أي أشرفت على هذا العرق وقوله وصمّ صلاب يعني حوافره وحوام موانع ما يقين من الوجى معناه ما يتقين الوجى إذا مشين والوجى أن يشتكي حوافره من الحفا وذلك إذا رق والمعنى ليس تمّ وجىً يتقين منه كما قال:
لا تفرع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب فيها ينجحر
المعنى ليس هناك أرنب فتفزعها الأهوال وهو كقولك ما يشتكي من المشي أي هو قوي عليه وقوله على رأل مهموز ولكنه خفف الهمزة لأن القصيدة مردفة.
قال أبو محمد " ويستحب في الخيل أن ترفع أذنابها في العدو " ويقال ذلك من شدة الصلب قال النمر بن تولب:
أأهلكها وقد لاقيت فيها ... مراس الطعن والضرب الشجاجا
وتذهب باطلا عدوات صهبى ... على الأعداء تختلج اختلاجا
جموم الشد شائلة الذنابي تخال بياض غرتها سراجا
قوله أهلكها يعني أبله والمراس مصدر قولك مارسه ممارسة ومراسا والمرس من شدة العلاج والشجاج مصدر قولك شاجه إذا شج كل واحد منهما صاحبه والشج الضرب في الوجه والرأس خاصة وهو بدل من الضرب على جهة التبيين وصهبى اسم فرسه يقول لا يذهب عدو فرسي في طلب هذه الإبل
(1/150)

باطلا وقوله تختلج اختلاجاً أي تنتزع من نفسها سيرها وعدوها وجموم الشدّ كبيرته والشد العدو وهو الحضر وشائلة الذنابي مرتفعة الذنب.
قال أبو محمد " ويستحب طول الذنب " وأنشد لامرئ القيس بن حجر بيتا قبله:
وأركب في الروع خيفانة ... كسا وجهها سعفٌ منتشر
لها حافر مثل قعب الوليد ... ركب فيه وظيف عجر
لها ثنن كخوافي العقاب ... سود يفين إذا تزئبر
وساقان كعباهما أصمعان ... لحم حماتيهما منبتر
لها عجزٌ كصفاة المسيل ... أبرز عنها جحاف مضر
لها ذنب مثل ذيل العروس ... تسد به فرخها من دبر
الروع الفزع والخيفانة الجرادة قبل أن يستوي جناحاها تشبه الفرس بها لعرض صدرها ودقة مؤخرها وقيل شبهت بها لخفتها وسرعتها وأراد بالعسف الناصبة ومنتشر متفرق وقد عاب الأصمعي ذلك عليه لأن الناصبة يستحب أن تكون صغيرة مدورة والقعب القدح الصغيرة والوليد الصبي وصف حافرها بالتقعيب والوظيف ما بين الرسغ إلى الركبة وفي الرجل ما بين الرسغ إلى العرقوب والعجز الغليظ والثنن شعرات خلف الرسغ والخوافي دون الريشات العشر من مقدم الجناح شبهها بخوافي العقاب لرقتها وسوادها ويستحب أن يكون شعر الثنن والسبيب والناصية لينا ويفين بلا همز يكثرن وتزئبر تنتفش وتقشعر ثم ترجع فتقع مواقعها أي تدحو ويروي يفئن بالهمزاي يرجعن يقال فاء يفيء إذا رجع والكعوب المفاصل فأراد إنهما ليستا برهلتي المفاصل والأصمعان اللطيفان في صلابة وحدة والحماتان اللحمتان اللتان في عرض الساق تريان كالعصبتين من ظاهر وباطن والمنبتر المتفرق المنقطع وأراد إنه لا لحم عليهما ويروى لها كفل والكفل ردف العجز والصّفاة الصخرة الملساء وخص صفاة المسيل لأنها تصلب في الماء وتملاس شبه كفل الفرس بها في صلابتها وأملاستها وإكتنازك لحمها وأبرز أظهر والجحاف السيل الذي يذهب بكل شيء ويقال سيل محجاف وجراف والمضر العظيم الكثير الذي ركب ضريري الوادي وهما جانباه ويقال المضر الداني وكل شيء دنا منك حتى
(1/151)

يزحمك فقد أضربك وقيل الملح وقوله لها ذنب مثل ذيل العروس أي أنها صافية الذنب وقد فسره.
قال أبو محمد " وإذا سمن انفلقت فخذاه أي أنفلقت بلحمتين فجرى النسا بينهما واستبان كأنه حية وإذا قصر كان أشد لرجله " وأنشد:
بشنج موتر الأنساء ... جابي الضلوع خفق الأحشاء
الجابي الداني والخفق المضطرب والأحشاء جمع حشىً وهو ما بين الأضلاع إلى الورك والشنج المتقبض.
قال أبو محمد " ومن الحيوان ضروب توصف بشنج النسا وهي لا تسمح بالمشي منها الظبي " وأنشد لأبي داود يصف فرسا:
له ساقا ظليم خا ضب فوجئ بالرعب
وقصري شنج الأنساء نباح من الشعب
الظليم ذكر النعام والخاضب الذي قد أكل البقل فاحمر ظنبو باه وأطراف ريشه ويقال للأنثى خاضبه ويقال الخاضب الظليم الذي قد أخضرت له الأرض قال الراجز: العارد الشول الذي لم يخضب العارد الغليظ الجاسئ أي شوله قد غلظ وعسا ولم يسرع في الحضر إسراع الظليم الذي أكل البقل وذلك أقوى له وإذا فرغ كان أشد لعدوه والقصيري والقصيري آخر الأضلاع وهي الضلع التي تلي الخاصرة وقيل التي تلي أصل العنق وشنج متقبض نباع معناه في صوته يقال له ذلك إذا أسن لن صوته إذا كبر يشبه نباح الكلب ويقال ظبيّ أشعب إذا تباعد طرفا قرنيه والجمع شعبٌ أراد أن قصري هذا الفرس كقصري ظبي من الظباء الشعب. قال أبو محمد " ومنها الغراب يحجل كأنه مقيد قال الطرماح بن حكيم الطائي يصف غرابا:
وجرى بينهم غداة تحملوا ... من ذي الأبارق شاحج يتفيد
شنج النسا حرق الجناح كأنه ... في الدار أثر الظاعنين مقيد
الأبارق حمع أبرق وهو المكان الذي فيه رمل وطين أو حجارة وطين وهو
(1/152)

في الأصل صفة كأنه يقال مكان أبرق ثم كثر حتى صيروه أسما فلا يقولون مكان أبرق وجمعوه جمع الأسماء فقالوا أبارق كأحامد ولم يقولوا برق كحمر وبينهم فراقهم وشاحج غراب مصوت ويتفيد يتبختر وتفيدت المرأة تبخترت والحرق المتحات الريش وقيل الحرق القليل الريش ويروى أدفى الجناح وهو المائل المسترخي.
قال أبو محمد " ويكره فيها الفرق " وأنشد لا مرئ القيس: لها كفل كصفاة المسيل وقد مر تفسيره قال ولذلك قالت الشعراء: لها كفل مثل متن الطراف والطراف القبة من الأدم شبه الكفل بظهر الطراف في أملاسه وأستوائه قال وقال طفيل:
وأحمر كالديباج أما سماؤه ... فربا وأما أرضه فمحول
يصف فرساً الديباج أعجمي معرب شبهه به في لونه يقول قوائمه ممحصة ليست برهلةٍ وأعلاه سمين وقد مضى تفسير بيت أبي دواد " له ساقا ظليم ". قال أبو محمد وقال آخر: له متن عيرٍ وساقا ظليم المتن والمتنة لغتان والمتن يذكر ويؤنث وهما متنان لحمتان معصوبتان بينهما صلب الظهر معلوبتان بعقب والجميع المتون شبه متنه بمتن العير وهو حمار الوحش في اندماجه وإكتناز لحمه وشبه ساقه بساق الظليم في يبسه وسرغه عدوه. قال أبو محمد " ويستحب مع ذلك أن يكون ما فوق الساقين من فخذيه طويلا فيوصف حينئذ بطول القوائم " قال أبو داود:
ولقد أغتدي يدافع ركني ... أجوليّ ذو ميعةٍ إضريج
شرجبٌ سلهبٌ كأن رماحا ... حملته وفي السراة دموج
أغتدي أسير غداة والأجوالي الفرس الذي يجول بفارسه ويروى أعوجى منسوب إلى أعوج والأضريج الفرس الكثير العرق الشديد الجري كأنه يتضرج
(1/153)

في عدوه أي يتفتح ويقال هو الواسع الصدر ويقال الأضريج الأشقر من قولهم ضرّج بالدم إذا لّطخ به والشّرجب الطويل وكذلك السلهب وقوله كأن رماحا جملته شبه قوائمه بالرماح في طولها والسراة الظهر والدموج الإندماج وهو انفتال الظهر.
قال أبو محمد " ويستحب أن يكون في رجليه انحناء وتوتير وهو التجنيب بالجيم قال أبو داود:
يعلو بفارسه منه إلى سند ... عال وفيه إذا ما جدّ تصريب
وفي اليدين إذا ما الماء أسهله ... ثني قليل وفي الرجلين تجنيب
يعلو بفارسه أي يعلو هذا الفرس بفارسه أي يرتفع به إلى ظهره إذا جرى وعدا فإذا جد في عدوه رأيت فيه تصريبا كأنه يعتمد في الاختصار على صدره والهاء في منه تعود إلى الفرس وإذا ما الماء أسهله أي سال عرقه ويقال معناه أسهل منه أي انحدر من أعاليه وقوله ثنى قليل أي يثنى يديه قليلا.
قال أبو محمد " ويستحب أن تكون الأرساغ غلاظاً يابسة " قال الجعدي:
وأوظفه أيّد جدلها ... كأوظفة الفالج المصعب
ظماء الفصوص لطاف الشظى ... نيام الأباجل لم تضرب
كأن تماثيل أرساغه ... رقاب وعولٍ على مشرب
أيد فيعل من الأبد وهو القوة وجد لها فتلها وطيّها والوظيف ما بين الركبة والرسغ والفالج البعير ذو السنامين والمصعب الفحل من الإبل الذي يودع من الركوب والعمل للفحلة ولم يمسه حبل وظماء الفصوص أي يابسها وواحد الفصوص فص وهو ملتقى كل عظمين في المفاصل وقوله لطاف الشظى أي شظاها لم ينتشر والشظى عظم لاصق بالذراع دقيق الطرف غليظ الأصل ونيام الأباجل أي ساكنة لم تضرب الأياجل العروق الواحد إبجل والتماثيل الصور واحدها تمثال والوعول تيوس الجبال وشبه الأرساغ برقاب الوعول لغلظلها وشدتها. وأنشد بعده بيت امرئ القيس: لها ثنن كخوافي العقاب وقد تقدم تفسيره.
(1/154)

قال أبو محمد " ويستحب أن تكون نسورها صلابا وفيها تقعّبّ مع سعة " قال عوف بن عطية بن الخرع:
لها حافر مثل قعب الوليد ... يتخذ الفأر فيه مغادا
القعب قدح صغير والوليد الصبي الصغير والمغار السرب والهاء فيه تعود على القعب ويجوز أن تعود على الحافر أي لو أتخذ فيه الفار مغاراً لصلح من سعته وتقعبه. قال أبو محمد وقال آخر:
بكل وأب للحصى رضاح ... ليس بمصطر ولا فرشاح
وقد فسره والوأب المجتمع ومنه الإية الاستحياء لأنها اجتماع وتقبضٌ والمصطر الضيق وهو مفتعل من الصر وهو الجمع والرضاح الذي يكسر الحصى والحجارة من صلابته.
" ومن عيوب الخيل أيضاً مما لم يذكره ابن قتيبة " الشخت وهو القليل اللحم الدقيق وكذلك الضئيل والغش نحوه والرطل والجمع رطال وهو الضعيف الخفيف والمكبون والجمع مكابين القصير القوائم الرحيب الجوف الدقيق العظام والسغل والصغل القليل اللحم وقيل الصغير الجرم والجانب وهو الغليظ القصير وكذلك الجحد.
قال أبو محمد " العيوب الحادثة في الخيل " قوله " والعصبة التي تنتشر هي العجاية " يقال العجاية والعجاوة لغتان وهي عصبة مستطلية في الوظيف ومنتهاها الرسغ. وقوله " الشظا عظم لاصق بالذراع " يقال الشظاة بالهاء والشظا بغير هاء وهما واحد وهو عظيمٌ رقيق وقال ابن الأعرابي هو عصبة رقيقة بين عصبتين والشظا من ذوات الواو يكتب بالألف لأنك تقول شظوان وجاء الفعل منه على فعل لأنه عيب كما تقول خفي. وقوله "، العرن جسوء في رسغ رجله وموضع ثنتها لشيء يصيبه من
(1/155)

الشقاق أو المشتقة " قال بعضهم هي المشقة خفيفة لأنه يصيبه من الشكال أو الحبل والصحيح المشقة بتشديد القاف كذا روى عن أبي عبيدة. وأما المشش فغنتيصيب العظم فيسترخي ذلك المكان حتى ينتفخ وهو شبه المشاش ليست له صلابة العظم الصحيح وذلك أحد ما جاء من المضاعف بالإظهار في أحرف يسيرة قد ذكرت في آخر الكتاب.

باب خلق الخيل
ويروى خلق الخيل فخلق مصدر ومعنى الخلق في اللغة التقدير وخلقٌ جمع خلقة وهي الحالة التي يخلق المخلوق عليها.
قال أبو محمد " فإن كان قصيراً طويل الذنب " قيل فرس ذائل قال النابغة:
وهم ساروا بحجر في خميس ... فكانوا يوم ذلك عند ظني
وهم زحفوا لغسان بزحف ... رحيب السرب أرعن مرثعن
بكل مجرب كالليث يسمو ... إلى أوصال ذيال رفن
حجر أبو امرئ القيس وهم يعني بني أسد وهم قتلوا أبا امرئ القيس والخميس الجيش لأنه خمس كتائب وقوله فكانوا يوم ذلك عند ظني أي فظفروا به وقتلوه والزحف تمشي الفئتين تلتقيان للقتال فتمشي كل فئة مشيا رويداً إلى الفئة الأخرى قبل التداني للضراب وكل فئة زحف وأصل ذلك من زحف الصبي على استه قبل أن يقوم وغسان هو مازن ابن الأزد وإنما غسان ماءٌ نسبوا إليه والرحيب الواسع والسرب مسرحه وطريقه حيث سرب يقول هو واسع لكثرة الجيش والمرثعن الذي لا يكاد يبرح من كثرته كما قال: تناجز أولاه ولم يتصرم والمجرب بكسر الراء الذي قد جرب الأمور وعرفها والمجرب بفتح الراء هو الذي قد جرب في الأمور وعرف ما عنده والأوصال جمع وصال وهو العضو وقد فسر باقي البيت.
قال أبو محمد " والهضبّ الكثير العرق " قال طرفة:
أيها الفتيان في مجلسنا ... جرّدوا كل أمونٍ وطمر
أعوجيات تراها تنتحي ... مسلحبات إذا جد الحضر
(1/156)

من يعابيب ذكور وقح ... وهضبات إذا ابتل العذر
أيه الفرسان دعوا ورفعوا أصواتهم والتأييه الدعاء برفع الصوت والمجلس متحدث القوم حيث يجلسون والمجلس أيضاً أهل المجلس جردوا ألقوا عن الخيل الجلال والجريدة الخيل التي تختار فتجرد في مهمّ أمورهم والأمون الموثق الخلق الآمن من العثار الطبّر الوثوب والأعوجيات منسوبات إلى أعوج فحلّ معروف تنتحي تعمد في السير والمسلحبات المستقيمات والحضر العدو واليعابيب جمع يعبوب وهو الفرس الطويل وقال أبو عبيدة اليعبوب الجواد البعيد القدر في الجري وقال ابن الأعرابي اليعبوب النهر السريع الجرية وبه شبه الفرس وخص الذكور لصلابتها والقح جمع وقاح وهو الصلب الحافر يقال حافر وقاح إذا كان صلباً والعذر جمع عذار وهو السير المتصل بحدائد اللجام يكون على خدّ الفرس يعني إنها يكثر جريها عند عرقها. وقوله " مشدودات بالسنف " فالسنّفّ جمع سناف وهو حبل يشد من التصدير إلى خلف الكركرة يقال منه أسنفت البعير أسنافا إذا جعلت له سنافا وذلك إذا خمص بطنه واضطرب تصديره والتصدير الحزام قال أبو محمد " وكان الأصمعي يخطئ عدي بن زيد في قوله في وصف الفرس فارها متتابعا " وذلك قوله:
تأبيت منهن المصير فلم أزل ... أيسر طرفا ساهم الوجه فارعا
ترّبيته لم أله عن ثغباته ... فتبصره عين إذا شير ضابعا
فصاف يفرى جله عن سراته ... يبذ القياد فارها متتابعا
غافبيبيبي ويروي يبذّ الجياد. تأبيت تعمدت والضمير في منهن يعود إلى الحمر في قوله: وعيون يباكرن النظيمة مربعا والعون جمعا عانة وهي القطعة من الحمير والمصير الموضع الذي تصير إليه ويعرف بها أيسر أسدد والطرف الفرس العتيق الكريم يوصف الكريم يوصف به الذكر يقال طرف ولا يقال طرفة وقوله ساهم الوجه يستحب من الفرس أن يكون معروق
(1/157)

الوجه والسهومة الضمر والفارع المشرع تربيته يعني الطرف أي ربيته وثغباته فضول ما يبقى من اللبن يقول لم أله عن أن أرويه حتى يبقى في إنائه ثغبا من شرابه أي لم أترك ذاك والثغب قد اختلف فيه فقال أبو عبيد هو الموضع المطمئن في أعلى الجبل يستنقع فيه ماء المطر وقال ابن الإعرابي الثغبان مجاري الماء بين كل ثغبين طريق وقال ابن السكيت الثغب تحتفره المسايل من عل فإذا انحطت حفرت أمثال الدبار فيمضي السيل منها ويغادر الماء يصفو فالماء ثغب والمكان ثغبٌ وثغبٌ أيضا فيهما وشير اختبر وأجرى يقول فلا تراه العين إذا تأملته ضابعاً فصاف أقام صيفه يفرّي يمزّق جله من مرحه يبذ يسبق والمتتابع يشبه بعضه بعضا في استواء الخلق وتتابعه.
" شيات الخيل " الشيات جمع شية والشية اللون وأصلها وشيةٌ لأنها مصدر وشيت فأعلت لاعغلال الفعل في يشي ةأصله يوشي فحذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة ثم جعلت اسما للون كما أن الدية تكون مصدرا واسما.
قوله " إذا ابيض أعلى رأسه فهو أصقع " وهو مأخوذ من الصقيع وهو الجليد ويقال للعقاب صعقاء وكل صاد تجيء قبل القاف وكذلك كل سين فللعرب فيها لغتان منهم من يعلها سينا ومنهم من يجعلها صادا ولا يبالون أمتصلة كانت أم منفصلة بعد أن يكونا من كلمة واحدة إلا أن الصاد في بعضها أحسن والسين في بعضها أحسن.
وقوله " إذا ابيض قفاه فهو أقنف " كأنه مقلوب أقفن واشتقاقه من القفن وهي لغة في القفا قال الراجز: أحب منك موضع القفنّ وإحدى النونين زائدة والقفينة الشاة تذبح من قفاها وقيل التي يبان راسها لأنه يبلغ بالقطع القفا. وقوله " فإن شابت ناصيته فهو أسعف " إنما يوصف بذلك إذا كان في ناصيته لون مخالف للبياض كأن البياض خالط ذلك اللون ودنا منه وكل شيء دنا فقد أسعف ومكان مساعفٌ ومنزل مساعف أي
(1/158)

قريب وسميت الغرة التي على قدر الدراهم فما دون قرحة لأنه بياض في سواد وغيره من ألوان يقال للصبح أقرح لذلك ويقال لضرب من الكمأة بيض صغار قرحان الواحدة قرحانة. وسميت الغرة إذا طالت ودقت ولم تبلغ الجحفلة شمراخا تشبيهاً بالغصن يقال للغصن الدقيق الرخص يخرج من سنته في أعلى الغصن الغليظ شمراخٌ وشمروخ وكذلك الماء عليه البسر وسميت شادخةً لأنها اتسعت يقال شدخت الغرة إذا كان رطبا رخصا لم يشتد قال: شادخة الغرة نجلاء العين وقال الآخر: شدخت غرة السوابق فيهم وسميت الغرة مبرقعة لأنها برقعت وجهه كبرقع المرأة وسمي الذي رجعت غرته في أحد شقي وجهه لطيما كأنه لطم خده بها وسمي أخيف لاختلاف لوني عينيه وأصل الخيف الاختلاف ومنه الناس أخياف ويقال نخيف فلان ألوانا إذا تغير. وسمي الذي ابيضت أشفاره مغرباً لأنه جعلت غروبه بيضا. وسمي الأبيض الشفة العليا أرثم تشبيها بالمرثوم الأنف وهو الذي انكس أنفه فتلطخ بالدم ومنه قول ذي الرمة:
تثنى النقاب على عزتين أرنبة ... شماء مارتها بالمسك مرثوم
فشبه أنفها ملغما بالطيب بأنف مكسور متلطخ بالدم. والألمظ من التلمظ وهو تحريك اللسان في الفم بعد الأكل كأنه يتبع بقية الطعام بين أسنانه وسمي أدرع من المدرع والمدرعة كأنه سربل بلونه دون رأسه وعنقه وإلا رحل الأبيض موضع الرحل من البعير والآزر الأبيض موضع الأزار من الإنسان والأخصف يقال للظليم أخصف لسواد فيه وبياض والنعامة خصفاء ويقال للأبيض البطن أنبط كأنه مقلوب أبطن والتحجيل من الحجل وهو القيد والأعصم الأبيض موضع المعصم من المرأة والأقفز من القفازين وهو شيء يلبسه نساء الإعراب في أيديهن يغطي الأصابع واليد مع الكف وقيل هو سترة اليد إلى المرفقين والتخديم تفعيل من الخدمة وهي الخلخال قال والشكال أن يكون بياض التحجيل في يد ورجل من خلاف وهو مكروه وهذا هو الصحيح
(1/159)

وقوم يجعلون الشكال البياض في ثلاث قوائم وهذا القوم رديء لأن الشاعر قد مدح بهذا في قوله:
تعدى من قوائمها ثلاث ... بتحجيل وقائمة نهيم
فلو كان مكروها لما مدح به.
ألوان الخيل قال أبو محمد " الكميت للذكر والأنثى سواء " قال قوم الكميت معرب وأصله بالفارسية كميتة أي مخلط كأنه اجتمع فيه لونان سواد وحمرة وقال قوم هو مصغر على طريق الترخيم من أكمت كزهير من أزهر ويستعمل إلآ مصغرا وإنما لزمه التصغير على هذا القول لأن فيه بعض السواد وبعض الحمرة ولم يكمل سواده ولا كملت حمرته فلذلك استعمل مصغرا.
والأسماء التي جاءت مصغرة لا مكبر لها كثيرة منها الكميت والكميت أيضا الحمر سميت بذلك لكلفتها والكعيت البلبل والكحيل القطران والكسيت الذي يجي آخر خيل الحلبة واللبيد طائر والبطين ثلاثة كواكب متقاربة طمس غير نيرات وهو تصغير بطن والبطن مذكر سمي بذلك لأنه بطن الحمل وسهيل النجم والحميقيق طائر والصّليفاء طائر والرضيم طائر والشقيقة طائر والزغية بالغين معجمة طائر والخليقاء من الفرس كموضع العرنين من الإنسان وهو ما لأن من الأنف والعزيراء فجوة الدبر من الفرس والغريراء طائر والسويطاء ضرب من الطعام والشويلاء موضع والمريطاء جلدة رقيقة بين السرة والعانة والهييماء موضع والسويداء موضع والعميصاء أيضاً نجم من نجوم السماء ويقال رماه الله بسهم ثم رماه هدياه أي على إثره والحميا سورة الخمر والثريا من منازل القمر معروفة والحديا من التحدي يقال تحدى فلان لفلان إذا تعرض له بالشر ويقال أنا حدياك على هذا الأمر أي أخاطرك عليه والحذيا من الحذية وهي العطية ومنه قولهم أحذاني كذا أي أعطاني والقصيري آخر الضلوع وقد يقالقصري والحجيّا الأحجية والحبيّا موضع والهوينا السكون والخفض والرتيلي دويبة تلسع والعقيب ضرب من الطير والأديبر دويبة والأعيرج ضرب من الحيات والأسليم عرق في الجسد والخويخية الداهية فأما مهيمن من
(1/160)

أسماء الله تعالى وهو الأمين ومسيطر وهو المتملك وميطر البيطار ومبيقر الذي يلعب البقيري وهي لعبة لهم والمبيقر أيضا الذي يخرج من أرض إلى أرض فأسماء لفظها لفظ التصغير وهي مكبرة في المعنى.

ومن باب الدوائر من الخيل
المهقوع قيل المهقوع في أول الأمر محمود يستحب إذ كان أبقى الخيل حتى أراد رجل شراء فرس مهقوع فامتنع صاحبه من بيعه فقال:
إذا ما جرى المعقوع بالمرء أنعظت ... حليلته وازداد حراً متاعها
فزعموا أن صاحب الفرس بقي عنده كاسداً لا يقدر على حيلة. قال أبو محمد " ويكره الرجل إلا أن يكون به وضحٌ غيره قال الشاعر " وهو مرقش الأكبر.
غدونا بصاف كالعسيب مجلل ... طويناه حينا فهو شرب ملوح
أسيلٌ نبيل ليس فيه معابةٌ كميت كلون الصرف أرجل أقرح أي غدونا للصيد بفرس صافي اللون وقوله كالعسيب يريد في ضمره وجدله والعسيب طرف السعفة وطويناه يريد في الضمر والشرب الضامر والملوح الشديد الضمر وروى أبو عمرو بضاف وقال ضاف طويل وقال أبو فقعس إذا أصبت الفرس عريض ثلاث طويل ثلاث قصير جديد ثلاث صافي ثلاث رحة ثلاث أخذت ما شئت عريض الجبهة واللبة والورك طويل البطن والهادي والذراع قصير الظهر والعسيب والرسغ جديد القلب والأذن والمنكب صافي العين والأديم والصهيل رحب المنخر والجنب والشدق وقوله أسيلٌ أي طويل نبيلٌ أي عظيم الخلق لا عيب فيه سليم الأضاء رائق اللون والصرف صبغ أحمد تعل به الجلود شبه لون الفرس به.
" السوابق من الخيل " لم يذكر أبو محمد جميع أسماء خيل الحلبة وأسماء خيل الحلبة عشرة
(1/161)

لأنهم كانوا يرسلونها عشرة عشرة. فالأول منها السابق وهو المجلي لأنه كان يجلي عن صاحبه. والثاني المصلي لأنه يضع جحفلته على صلا السابق والثالث المسلي لأنه يسليه والرابع التالي والخامس المرتاح والسادس العاطف والسابع المؤمل والثامن الحظي والتاسع اللطيم لأنه يلطم عن الحجرة والعاشر السكيت لأنه يعلو صاحبه تخشعٌ وسكوت ويقال السكّيت أيضاً بتشديد الكاف والفسكل الذي يجيء في الحلبة آخر الخيل ويقال للحبل الذي يجعل في صدور الخيل يوم الرهان المقبص والمقوس وقال النبي صلة الله عليه وسلم الخيل تجري بأعراقها وعتقها فإذا وضعت على المقوس جدت بجدود أربابها وقيل في أسماء خيل الحلبة إن أولها المجلي ثم المصلي ثم المسلي ثم العاطف ثم المرتاح ثم الخظي ثم المؤمل هذه السبعة حظوظ ثم اللواتي لا حظوظ لها اللطيم ثم الوغد ثم السكيت. وقال محمد بن يزيد بن مسلمة بن عبد المطلب يصف الحلبة وذكر أسماء الخيل:
فجلى الأغر وصلى الكميت ... وسلّى فلم يذمم الأدهر
وإتبعها رابع تاليا ... وإني من المنجد المتّهم
وما ذمّ مرتاحها خامسا ... وقد جاء يقدم ما يقدم
وسادسها العاطف المستحير ... يكاد لحيته يحرم
وخاب المرمّل فيما يخيب ... وعنّ له الطائر الأشأم
وجاء الحظيّ لها ثامنا ... فأسهم حصّته المسهم
حدا سبعة وأتى ثامناً ... وثامنة الخيل لا تسهم
وجاء اللطيم لها تاسعاً ... فمن كل ناحية يلطم
يخبّ السكيت على أثرها ... وعلياه من قتبه أعظم
على ساقة الخيل يعدو بها ... مليما وسائسه ألوم
إذا قل من ربّ ذا لم يجب ... من الحزن بالصمت مستعصم
" العلل " قال أبو محمد والعذرة وجع الحلق. وأنشد عجز بيت لجرير أوله:
غمز ابن مرة يا فرزدق كينها ... غمز الطبيب نغانغ المعذور
ابن مرة هو ابن عمران بن مرة المنقري والكين لحم باطن الفرج وجمعه
(1/162)

كيون والضمير في كينها يعود إلى جعثن أخت الفرزدق وكانت امرأة صالحة وإنما قال ذلك جرير لأن الفرزدق نزل في بني سعد بن زيد مناة على بني حمان بن كعب فبات عندهم ليلة فلما أصبح وقد غدا القوم يقرون في حياضهم سمع امرأة تستغيث من دور بني سعد فاتبع الصوت فدخل فإذا امرأة قائمة وإذا ابنتها نائمة في ملحف وقد تطوي عليها أسود فقال الفرزدق لا بأس عليك أسكتي فسكتت وهي لا تعرفه فأخذ التراب فألقاه على الأسود فخلى عن الجارية وذهب والجارية نائمة على حالها فلما رأى الفرزدق ثاورها وصاحت الأم فخرج الفرزدق هارباً حتى أتى رب منزلة الحمانيّ وجاء الناس إلى المرأة فأخبرتهم خبر الأسود والفرزدق وبلغ الحمانيين ذلك فقالوا إن بني منقر سيطلبونك فاخرج فقد غررتنا وأبقيت فينا عاراً فخرج فجاء المنقريون فقالوا أين الفرزدق فقال الحمانيون قد أخرجناه فلا ينزل بنا أبدا فقالت بنو منقر من لنا برجل يصنع بأخت يصنع بأخت الفرزدق مثل ما صنع الفرزدق فقالوا ما لكم مثل عمران بن مرة المنقري فإنه لا تدرك شدة عدوه ولا يجارى فأتوه فقالوا قد علمت ما ألزمنا هذا الخبيث من العار فاصنع شيئاً اهتك به ستراً وخذ ثوباً فانطلق عمران بن مرة ليلاً فرصد جعثن ابنة غالب حتى إذا خرجت تريد بعض بيوتهم وثب عليها فنادت يال مجاشع أما ههنا أحدا يمنعني من ابن مرة وجرها وأستلب بعض ثيابها فغشيه القوم فولى هارباً فلم يدركوه فهو السبب الذي قرفت به جعثن والنغانغ لحمات حول اللهاة الواحد نغنغ والمعذور الذي أصابته العذرة.
قال أبو محمد " والشغاف داء يسيل إلى الصدر " قال النابغة:
على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألما تصح والشيب وازع
وقد حال همّ دون ذلك والج ... ولوج الشغاف تبتغيه الأصابع
في هذا الوقت الذي أنا فيه قلت للشيب ما أقبح بك أن تصبو الما نفق من غيك وقد وزعك المشيب أي نهاك وكفك وحال منع وقوله دون ذلك أي دون ما شبّبت به وبكيت عليه والشغاف داء يأخذ تحت الشراسيف في البطن من الشق الأيمن والشراسيف جمع شرسوف وهي مقاط الأضلاع تبتغيه الأصابع أي أصابع الأطباء ينظرون أنزل من ذلك الموضع أم لا وإنما ينزل عند البرء فيقول دخل الهم ذلك المدخل.
(1/163)

قال أبو محمد " والصفار والصفر هما اجتماع الماء في البطن يعالج بقطع النائط وهو عرق في الصلب قال العجاج " يصف الثور والكلاب وأنه يعطف عليها بطعنها بقرنه.
وبجّ كل عاندٍ نعور ... أجوف ذي ثوّارةٍ تؤور
قضب الطبيب نائط المصفور بجّ شقّ وفيه ضمير يعود إلى الثور الذي وصفه والعاند عرق ينفجر منه الدم فلا ينقطع ولا يكاد يرقأ والنعور الذي يخرج منه الدم فلا ينقطع وأجوف عميق مجوّفٌ وذو ثوّارةٍ أي ذو دمٍ والثؤور الظاهر وقضب الطبيب يعني قطعه وهو منصوب على المصدر إما ببج لأنه في معناه وإما بفعل يدل عليه بج تقديره وبج كل عاند وقضبه قضبا مثل قضب الطبيب ثم حذف الموصوف ثم صفته وأقام ما أضيفت إليه مقامها والنائط عرق في الصلب يسقى العظام ويقال له النخاع مثل الوتين الذي يسقى العروق واللحم ويقال أن الوتين والنائط نهرا البدن والمصفور الذي في بطنه الماء الأصفر. وقال أبو محمد " وقد يعالج بالكي واللدود وغير ذلك قال ابن أحمر وكان سقي بطنه:
ولا علم لي مانوطة مستكنة ... ولا أي من قارفت أسقي سقائيا
شربت الشكاعي والتددت ألدة ... وأقبلت أفواه العروق المكاويا
النوطة ما ينتفخ من الجسد ويتعلق قال أبو عبيد يقال للبعير إذا ورم نحره وأرفاعه قد نيط وبه نوطة يقول لا أدري من أي شيء أصابني هذا الداء أمن طعام أم شراب وقوله أسقى سقائياً أي ملأ بطني وقيل هو مثل يقال من أسقى سقاءه عند الأمير أي من أغتابه فجعل ما أصابه عن بعض المآكل التي لا يعرف ضررها بمنزلة المغتاب له وهو لا يعلم بضرر ما قيل فيه وقارنت دانيت والشكاعي نبت وهو من أحرار البقول يتداوى به والألدة جمع اللدود وهو دواء يوجره الإنسان في أحد شقي فيه وأفواه العروق المكاويا أي جعلتها قبالتها والمكاوي مكواة وهي حديدة يكوى بها.
(1/164)

" الشجاج " لم يذكر أبو محمد رحمه الله جميع الشجاج وأسمائها والشجاج أحد عشر شجة أخبرت عن ابن السكيت قال قال أبو زيد الشج في الوجه والرأس ولا يكون إلا فيهما فأيسر الشجاج الدامية وهي الدامعة بالعين غير معجمة التي يظهر دمها من غير أن يسيل. والحارصة والحرصة التي جرحت من وراء الجلد ولم تخرقه قال الأصمعي الحارصة التي تحرص الجلد أي تشقه من قولهم حرص القصار الثوب إذا شقه. ثم الباضعة وهي التي جرحت الجلد وأخذت في اللحم والبضع القطع. ثم المتلاحمة وهي التي أخذت في اللحم ولم تبلغ السمحاق ثم السمحاق وهي اللاطئة والملطاة وهي التي بينها وبين الجلد قشرة رقيقة وكل قشرة رقيقة فهي سمحاق ومنه قيل على ثرب الشاة سماحيق من شحم وفي السماء سماحيق من غم وهو اسم لها ولا يصرف منه فعل ثم الموضحة وهي التي أوضحت عن العظم أي أبدت وضحه ثم المقرشة وهي التي تصدع العظم ولا تهشم والهاشمة وهي التي هشمت العظم فنقش وأخرج وتباين فراشه ثم المنقلة وهي التي تنقل منها العظام وتخرج ثم الآمّة وبعض العرب يقول المامومة وهي التي تبلغ أم الرأس وهي الدماغ وربما نقشت وربما لم تنقش وصاحبها يصعقلصوت الرعد ولرغاء البعير ولا يطيق البروز في الشمس ثم الدامغة بالغين معجمة وهي التي تخسف الدماغ ولا بقية لها وقرأت بخط أبي الحسن علي بن محمد بن عبيد الكوفي قال ماسر جويه خلق الرأس وركب من جميع أجزاء الجسد من العظام والجلد واللحم والعصب والعروق والحجب فأعلى الرأس الجلد وهو الذي إذا كانت فيه الجراحة فهي الدامية وتحت ذلك الجلد لحم رقيق فإذا انتهت إليه الجراحة فهي الباضعة وتحت ذلك اللحم حجاب رقيق فإذا
انتهى إليه أول الجراحة فهي أول المتلاحمة وتحت ذلك الحجاب العروق وتحت العروق وتحت العروق حجاب رقيق وتحت ذلك الحجاب عصب فإذا انتهت الجراحة إليه فهي منتهى المتلاحمة وتحت ذلك العصب حجاب فإذا انتهت إليه الجراحة فهي السمحاق وتحت ذلك العظم حجاب فإذا انتهت الجراحة إلى العظم فهي الموضحة فإذا إنكسر أعلى العظم فهي الهاشمة فإذا إنقطع أعلى العظم فبان وضح مشاش العظم فهي
(1/165)

المنقلة وتحت العظم حجاب فيه بعض الصلابة فإذا انتهت إليه الجراحة وبان عنه العظم فهي الآمة وعن الفراء الموضحة والموضحة والموضح ثلاث لغات.
" فروق في خلق الانسان " ذكر أبو محمد البشرة والأدمة وقد اختلف الناس فيهما فقال قوم البشرة باطن الجلد والأدمة ظاهره وهذا القول الغالب وقال قوم البشرة ما ظهر والقةلان متقاربان لأنه يجوز أن يستعار أحدهما للآخر للمقاربة فمن حجة البشرة أنها باطن الجلد قولهم بشرت الأديم إذا أخذت باطنه بشفرة ومن حجة أنها ظاهر الجلد قولهم باشرت المرأة إذا ألصقت بشرتك ببشرتها وقولهم فلان مؤدم مبشر إذا وصف بالكمال وأصل ذلك في الأديم ثم أستعير في الناس. ذكر أبو محمد اختلاف الناس في الجانب الأنسي والوحشي والجيد الذي عليه الجمهور قول أبي زيد قال وقال الأصمعي الوحشي الذي يركب منه الراكب ويحتلب الحالب ولذلك قالوا فجال على وحشيه وانصاع جانبه الوحشي أما قوله فجال على وحشيه فقد ذكره جماعة من الشعراء منهم الأعشى وهو قوله:
فمرّ نضي السهم تحت لبانه ... وجال على وحشيه لم يعتمّ
يعني حمار وحش واللبان الصدر ونضي السهم قدحه وهو ما جاوز من السهم الريش الى النصل يعني اخطأه فمر تحت صدره أي خاف الرمي من قبل يساره فجال على يمينه ولم يعتم لم يبطىء وقال ضابيء بن الحارث البرجمي يصف الثور والكلاب.
فجال على وحشية وكأنها ... يعاسيب صيف أثره اذ تمّهلاأأأأأأأأأاااااااأأأاتياسيايلنيس
كأنها يعني الكلاب واليعاسيب جمع يعسوب وهو فحل النحل شبه الكلاب بها وتمهل وقف وقال عبد بني الحسحاس يصف الثور والكلاب أيضاً:
فجال على وحشية وتخاله ... على متنه سباً جديداً يمانياً
أي جال حين طردته الكلاب وتخاله تظنه والسب الشقّة البيضاء من الثياب شبه جلد الثور به والهاء في تخاله لايجوز أن تعود على الثور لأنها لو عادت عليه لوجب رفع سب وما بعده بالابتداء لأن مفعول يخال الثاني هو الأول في
(1/166)

المعنى إذا كان مفرداً وليس السب الثور فوجب إذا أن تعود الهاء على مصدر تخال ويكون التقدير وتخال خيلاً سباً جديداً يمانياً على ظهره وهكذا قدوره وعندي أن الهاء تعود على البياض فأضمره للعلم به أي وتخال البياض على ظهره سباً وقد صرح الراعي بأن الوحشي الأيمن في قوله:
فجالت على شق وحشيها ... وقد ريع جانبها الأيسر
وأما قوله انصاع جانبه الوحشي فهو لذا الرمة والبيت:
وانصاع جانبه الوحشي وانكدرت ... يلحبن لا يأتلي المطلوب والطلب
إنصاع الثور يمضي على أحد شقيه وإنكدرت الكلاب انقت يمررن مستقيمات والثور المطلوب والطلب الكلاب جمع طالب كخادم وخدم ولا يأتلي لا يقصر. قال أبو محمد " يقال رجل أغمّ القفا وذلك مما يذم به قال هدبة بن خشرم العذري:
فأوصيك إن فارقتني أم معمر ... وبعض الوصايا في اماكن ينفعا
فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا ... أغم الوجه ليس بأنزعا
ضروبا بلحييه على عظم زوره ... إذا القوم هشوا للفعال تقنعا
ولا قرزلاً وسط الرجال جنادفا ... إذا ما مشى أو قال قولاً تبلتعا
تبلتع تفاصح ويقال للكثير الكلام البلتعاني والقرزل القصير والجنادف الذي إذا مشى حرك منكبيه يخاطب امرأته يقول إن هلكت فلا تنكحي رجلاً لئيما والغمم عندهم مذموم ولهذا يقال في المدح رجل واضح الجبين وصلت الجبين وعندهم أن بعض الخلق يدل على الكرم وبعضها يدل على اللؤم وفي ليس ليس ضمير يعود على والوجه مجرور معطوف على القفا وبعضهم ينشد أغم القفا والوجه بالرفع والجيد جر الوجه عطفاً على ما قبله واللحيان العظمان من جانبي الفم والزور الصدر يريد أنه قصير العنق فلحياه يصيبان صدره لقصر عنقه وهشوا ارتاحوا أي أرتاحوا لفعل المعالي تقنع يريد هو بهذه المنزلة ولا يريد أن يتجاوزها لقصور همه وقوله ينفعا أراد النون الخفيفة وأبدل منها الألف للوقف.
واختلفوا في النواشر والرواهش وقال ابن الرواهش عروق باطن
(1/167)

الذراع والنواشر عروق ظاهر الكف وروي عن الأصمعي أنه قال في الرواهش كما قال إبن الأعرابي وقال في النواشر أنها عروق باطن الذراع.
فروق في الأسنان قال أبو محمد " وولد الظبية أول سنة طلا وخشفٌ ثم هو في الثانية جذع ثم هو ف الغالثة غنك ح زال ثنياً حتك يموت قال الشاعر " أنشدنيه جعفر بن أحمد عن القاض أبي عبد الله محمد ةن سلامة عن محمد ابن أحمد عن إبن دريد عن الاشنانداني:
فجاءت كسن الظبي لم أر مثلها ... سناء قتيلٍ أو حلوبة جائع
تقطع أعناق التنوط بالضحى ... وتفرس في الظلماء أفعى الأجارع
هذا رجل قتل فتحكم أهله الأ يأخذوا ديته إلا أثناء فالظبي ثني أبدا لا يربع ولا يسدس ولا يضلع يقول جاءت هذه الأبل كسن الظبي أثناء كلها ثم قال لم أر مثلها سناء تيل والسناء ممدود الشرف يقول هذه الدية شرف هذا القتيل لأن أهله أعزة فتحكموا في ديته ثم وصف الأبل فقال تقطع أعناق التنوط بالضحى أرادانها طوال الأعناق والتنوط طائر يغشش في أطول ما يمكنه من الأغصان ثم يعلق العش في موضع لحج من الشجر فلا ينال يقول فهذه الأبلر لطول أعناقها تعطو الشجر فتنال أعشاش التنوط حتى تقطاها. وتفرس في الظلماء أفعى الأجارع يقول هي مجمرة شداد الأخفاف صلابها فهي تخبط الأفاعي فتقتلها والأجارع جمع أجرع وجرعاء وهي الأرض السهلة ذات الرمل.
فروق في الأصوات قال أبو محمد " والكرير من الصدر " وأنشد للأعشى يمدح هوذة بن علي الحنفي:
وأهلي فداؤك يومك النزال ... إذا كان دعوى الرجال الكريرا
المعنى أن الحرب إذا تناهت في الشدة بأن غناء هوذة وصبره عليها وظفره
(1/168)

فيها والنزال في الحرب أن يتنازل الفريقان وإنما تكون أصوات الرجال الكرير في شدة الحرب.
قال أبو محمد " والأفعى تفح بفيها وتكش بجلدها " قال الراجز:
كأن صوت شخبها المرفض ... كشيش أفعى أجمعت لعض
فهي تحكّ بعضها ببعض الشخب ما يخرج من اللبن من الضرع إذا عصره الحالب وكل ما يخرج في عصرةٍ واحدة فهو شخب والمرفضّ المتفرق شبه صوت الشخب إذا خرج من الضرع بصوت تحكّك جلد الأفعى.

باب معرفة في الطعام والشراب
قال أبو محمد " وفلان يدعو الجفلى والأجفلي إذا عم قال طرفة ":
نحن في المشتاة تدعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر
المشتاة الشتاء والشتاء عندهم جدب والانتقار أن يخص بدعوته والاسم منه النقري والآدب الداعي والدعوة المأدبة والمأدبة ومعنى البيت نحن مطاعيم كرام دعواتنا في الجدب والأزل عامة لا نخص بها بعض الناس دون بعض وفي الشتاء تقل الألبان وتخف الأزواد عندهم فعند ذلك يبين جود الجواد والجفلي في موضع نصب نعت لمصدر محذوف كأنه قال ندعو الدعوة الجفلى كما يقال ندعو الدعوة العامة.
قال أبو محمد " والأرشم الذي يتشمم الطعام ويحرص عليه قال البعيث " يهجو جريرا:
لقي حملته أمه وهي ضيفة ... فجاءت بيتنٍ للضيافة أرشما
ويروي بنّز. أللقى الشيء الملقى يجوز أن يكون منصوباً بإضمار فعل تقديره اهج لقى أو ذمّ لقى ويجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر ابتداءٍ محذوف ومخرجه على الذم كأنه قال أنت لقى وقد جوز بعضهم نصبه على النداء وهو بعيد لأن النكرة لا يحذف منها حرف النداء لا تقول راكبا تعال تقديره يا لقى ولا يجوز أن يكون منصوبا على الحال ويكون العامل حملته لأن
(1/169)

اللقي هو المطروح بعد الولادة في موضع ليلتقط فيمتنع أن يكون حملته في حال ما هو لقي. والنّزّ الخفيف. المعنى أنه يخف عند الضيافة والاستطعام وقوله وهي ضيفة أي جاءت به لغير رشدةٍ واليتن الذي تخرج رجلاه من الرحم قبل يديه وهي ولادة مذمومة عندهم.
قال أبو محمد " البغر أن يشرب الماء فلا يروي قال وعير رجل من قريش فقيل مات أبوك بشما وماتت أمك بغرا " الذي عير ذلك ولد سليمان بن عبد الملك يقال أنه أصاب امرأة سليمان البغر حتى ماتت وكان سليمان بن عبد الملك أكل ثمانين كلية بعد الغداء فمات بشما.
قال أبو محمد " يدي من اللحم غمرة ومن اللبن والزبد وضرة " وأنشد لأبي الهندي عبد الله بن شبث بن ربعي:
ستغنى أبا الهندي عن وطب سالم ... أباريق لم يعلق بها وضر الزبد
مفدمة قزاً كأن رقابها ... رقاب بنات الماء تفزع للرعد
الوطب سقاء اللبن والتلطخ بوسخه ومفدمه مشدودة وشبه أعناق الأباريق بأعناق طير الماء وجعلها تفرغ للرعد لأنها تمد أعناقها مع طولها فتزداد طولا. وقولهم يدي من كذا فعلة المسموع منهم في ذلك ألفاظ قليلة وقد قاس قوم من أهل اللغة على ذلك أشياء فقال يدي من الإهالة سنخة ومن البيض زهمة ومن التراب تربة ومن التين والعنب والفواكه كتنة وكمدة ولزجة ومن العشب كتنة أيضاً ومن الجبن نسمة ومن الجص شهرة ومن الحديد والشبه والصفر والرصاص سهكةٌ وصدئة أيضا ومن الحمأة ردغة ورزغة بغين معجمة ومن الخضاب ردعة بعين غير معجمة ومن الحنطة والعجين والخبز نسغة ومن الخل والنبيذ خمطة ومن الدبس والعسل دبقة ولزقة أيضا ومن الدم شحطة وشرقة ومن الدهن زنخة ومن الرياحين ذكية ومن الزهر زهرة ومن الزيت قنمة ومن السمك سهكة وصمرة ومن السمن دسمة ونسمة ونمسة ومن الشهد والطين لثقة ومن العذرة جعرة وطفسة أيضا ومن العطر عطرة ومن الغالية عبقة ومن الغسلة والقدر وحرة ومن الفرصاد قنئة ومن اللبن وضرةٌ ومن اللحم والمرق غمرةٌ ومن الماء بللة وسبرة ومن المسك ذفرة وعبقة ومن النتن قنمة ومن النفط
(1/170)

جعدة قال أبو محمد " والعلماء بلغة العرب يجعلون الطلا الخمر بعينها ويحتجون بقول عبيد:
هي الخمر تكّنى الطلا ... كما الذئب يكنى أبا جعده
هذا البيت ناقص وهكذا ويروى وهو من الضرب الرابع من المتقارب وقد سقط من صدره جزء وتمامه هي الخمر والخمر تكني الص هذا البيت ناقص وهكذا يروى وهو من الضرب الرابع من المتقارب وقد سقط من صدره جزء وتمامه هي الخمر والخمر تكنى الصلاء أو نحو ذلك ومعنى البيت أن الخمر يكنى عنها بالطلاء وهي كنية حسنة وتفعل فعلا قبيحاً كما أن كنية الذئب حسنة وفعله قبيح.
قال أبو محمد " والخمطة التي أخذت شيئاً من الريح " قال أبو ذؤيب:
فأقسم ما أن بالة لطميّةٌ ... يفوح بباب الفارسين بابها
وما الراح راح الشأم جاءت سبيئة ... لها غاية تهدي الكرام عقابها
عقار كما النيء ليست بخمطة ... ولا خلّةٍ يكوي الشروب شهابها
البالة بالفارسية بيلة وهي الوعاء وعاء الطيب واللطمية منسوب إلى اللطمية واللطمية عيرٌ تحمل المتاع والعطر فإن لم يكن في المتاع عطر فليست بلطيمة والفارسون تجار وكان كل شيء يأتيهم من ناحية العراق فهو عندهم فارسي ويفوح ويهيج وبابها أراد باب حانوتها وسميت لطيمة لأنها يتطيب بها الملاطم وهي الخدان والعارضان والراح الخمر وسبيئة مشتراةٌ والغاية الراية بعينها وهي العلامة وكان الخمار ينصب غاية على بابه إذا رأى الشريف علم أن ثم خماراً وخمراً تباع والشاعر يرى أن الخمر إنما يشتريها الكرام وعقابها رايتها والعقاب والراية واحد وإذا اختلف اللفظان حسن وأن كان المعنى واحدا والعقار التي تعاقر الدن أو تعاقر العقل ويقال هي التي بقيت منها بقية في أسفل دنها لطول مر السنين عليها كماء النيء أراد في صفائه وهو ما قطر من اللحم والخمطة التي أخذت طعم الادراك ولم تدرك وتستحلم والخلة الحامضة ولا خلة أي مجاوزة القدر خرجت من حال الخمر إلى حال الحموضة والخل يقول فليست بخمطة لم تدرك ولا خلة قد جاوزت الادراك ولكنها على ما ينبغي
(1/171)

أن تكون عليه في طعمها وطيبها والشروب جمع شرب وهم الندامى أي فليس يؤذي الندامى حدتها ويقال ماء النيء الدم وروي كماء الني والني الشحم. قال أبو محمد " والكسيس السكر " وأنشد:
فإن تسق من أعناب وج فإننا ... لنا العين تجري من كسيس ومن خمر
الكسيس قيل هو شراب يتخذ من الذرة أو الشعير وقال أبو عمرو والكسيس من أسماء الخمر قال وهي القنديد وأما السكر فقال أبو عبيد السكر نقيع التمر الذي لم تمسه النار ووج الطائف وبها كروم كثيرة وأراد فإن تسقمن ماء أعناب وج فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
فروق في الأرواث قال " وونيم الذباب " وأنشد:
لقد ونم الذباب عليه حتى ... كأن ونيمه نقط المداد
أخبرني ابن بندار عن ابن رزمة عن أبي سعيد عن أبن دريد أن أبا حاتم أنكر هذا ولم يعرفه ولا البيت الذي احتج به على أنه جاء به في كتاب الفرق واستضعفه يقال ونم ينم ونماً وونيما شبه خرؤ الذباب عليه بنقط المداد.
معرفة في الوحوش قال أبو محمد " والشاة الثور من الوحش " قال تالأعشى يصف ثوراً يحفر كناسه:
يلوذ إلى ارطاة حقفٍ تلفه ... خريق شمال يترك الوجه أقتما
منكبا على روقيه يحفر عرقها ... على ظهر عريان الطريقة اهيما
فلما أضاء الصبح ثار مبادراً ... وحان انطلاق الشاة من حيث خيّما
يلوذ يلجأ وأرطاة واحدة الارطي وهو شجر ورقه عبل مفتول ومنبته الرمال وله عروق حمر يدبغ بورقه أساقي اللبن فيطيب طعم اللبن فيها ووزن ارطي فعلى وألفها الأولى أصل والثانية للالحاق لا للتأنيث والقف ما أعوج من
(1/172)

الرمل وجمعه احقاف. والخريف ريح شديدة الهبوب والشمال الريح التي تهب عن يمين مستقبل قبلة العراق. والاقتم الذي تعلوه قتمة وهي الغبرة وقوله مكباً أي مطأطئٌ رأسه يحفر عرق هذه الارطاة فيتخذ كناسا يكتن فيه من الحر والبرد يقال اكب على الشي إذا عكف عليه واكببت على الشيء إذا تجانأت عليه وقد كببته لوجهه وهذا من النوارد أن يكون المتعدي بغير همزة واللازم بالهمزة. وقوله على ظهر عريان الطريقة أي على ظاهر طريق وأهيم رمل غير متماسك ونما يحتفر في أصول الأرطي لأن منبته رمل واحتفاره يسهل عليه.
وقوله فلما اضاء الصبح ثار أي قام هذا الثور مبادرا من كناسه وهو الوقت الذي حان فيه تركه الكناس زخيم أقام.
فروق في أسماء الجماعات قال أبو محمد " وهنيدة المائة لا يدخلها ألف ولام ولا تصرف " قال جرير بن عطية بن الخطفي ويكني أبا حرزة:
أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ... ما في عطائهم منّ ولا سرف
يمدح يزيد بن عبد الملك ويذكر إيقاعه بالمهالبة يقول لا يمن إذا أعطى ولا يغفل عمّن ينبغي أن يعطيه وهنيدة اسم للمائة معرفة فإذا قلت هند كان اسما للمائتين وكان عبد الملك أعطاه مائة ناقة من نعم كلب وثمانية أعبد رعاؤها لما مدحه بالقصيدة التي يقول فيها:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
معرفة في الآلات قال أبو محمد " والكرب أن يشد الحبل على العراقي ثم يثني ثم يثلث قال الحطيئة ":
سيري أمام فإن الأكثرين حصى ... والأكرمين إذا ما ينسبون أبا
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا
قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا
(1/173)

يمدح بني أنف الناقة من بني قريع وهم قبيلة من بني سعد بن زيد مناة بن تميم وكانوا يغضبون من أنف الناقة لأن قريعاً نحر جزورا فقسمها بين نسائه فبعثت جعفراً هذه أمه فأتى أباه وقد قسم الجزور ولم يبق إلا رأسها وعنقها فقال شأنك بهذا فأدخل يده في أنفها وجعل يجرها فسمى أنف الناقة فكانوا يغضبون من ذلك حتى مدحهم الحطيئة فقال: قوم هم الأنف والأذناب غيرهم فصاروا يفتخرون به. وأمام ترخيم أمامة والحصى العدد الكثير وأباً نصب على التمييز يقول إذا عقدوا لجارهم حلفا وأعطوه عهداً حكموه كما تحكم الدلو إذا شدّت بالحبل ثم شدّ العناج بعد ذلك وهو حبل يشد من تحتها في عروق تجعل في أسفلها إذا ضخمت الدلو فإن انقطعت الأوذام امسكها العناج والكرب أن يثنى عقد الحبل على خشب الدلو وهذا على طريق التمثيل.
أسماء الصناع قال أبو محمد " كل صانع عند العرب فهو أسكاف " قال الشماخ:
قالت الأيدعى لهذا عراف ... لم يبق إلا منطق وأطراف
وريطتان وقميص هفهاف ... وشعبتا ميس براها أسكاف
العراف الطبيب لم يبق إلا منطق أي أنه قد أنحله الشوق ومنه السير حتى لم يبق منه إلا كلامه وما يبين منه الأيداه ورجلاه وثيابه والهفهاف الذي تحركه أدنى ريح من رقته ويقال هفهاف أيضاً وابلشعبتان قادمة الرحل وأخرته والميس خشب تعمل منه الرحال وبراها نجرها وعملها. وتروى هذه الأبيات لابن مطر وللجليج بن يزيد والصحيح أنها للشماخ وروى ثعلب عن ابن الإعرابي قال أسكف الرجل إذا صار إسكافا قال والأسكاف عند العرب كل صانع غير من يعمل الخفاف فإذا أرادوا معنى الأسكاف في الحضر قالوا هذا الأسكف وأنشد:
وضع الأسكف فيه رقعا ... مثل ما ضمّد جنبيه الطحل
قال " والعصاب الغزال قال رؤبة " يصف أبلاً أسرعت السير:
طاوين مجهول الخروق الأجداب ... طيّ القساميّ برود العصاب
(1/174)

طاوين فأعلن من قولك طوى المنزل إذا قطعه والمجهول من الأرض الذي لا علم فيه والخروق جمع خرق وهو الفلاة الواسعة والأجداب جمع الجديب وهوالذي لا مرعى به يريد هذا المجهول طواهن بهزله أياهن في السير قيه كما طوينه أي قطعنه ومثله: يطوين أجواز الفلاء ويطوين وطي القسامي منصوب على تقدير فطويته طيا مثل طي القسامس فمثل منصوب على أنه صفة طيا ثم حذف طيا وأقيم مقامه وحذف مثل وأقيم طي القسامي مقامه.

باب معرفة في الطير
أنشد للكميت
وما من تهتفين به لنصر ... بأقرب جابةً لك من هديل
تهتفين تنادين والهتف الصوت الشديد هتف يهتف. والجابة الاسم من قولك أجاب والمصدر الإجابة كما تقول أطاع والاسم الطاعة يريد أن من تدعوه لنصرها لا يجيبها كما أن الهديل كذلك.
قال أبو محمد " ومرّة يجعلونه الطائر نفسه قال جرّان العود ":
ذكرت الصبى فأنهلت العين تذرف ... وراجعك الشوق الذي كنت تعرف
وكان فؤادي قد صحا ثم هاجني ... جمائم ورقٌ بالمدينة هتف
كأن الهديل الضالع الرجل وسطها ... من البغي شريبٌ يغرّد مترف
انهلت سالت وأصل ذلك أن يقطر قطراً له صوت وذرفت من الذرفان وهو الذريف وهو أن يقطر قطؤاً ضعيفاً وقوله قد صحا أي سكن ما به وزال وورق في ألوانها تغير وهو جمع أورق وورقاء والمصدر الورقة وهو سواد في غبرة كلون الرماد وهتف تصيح والهديل ههنا الفرخ بعينه وظالع يغمز من رجله يقول من نشاطه كأنه ظالع لما هو فيه من الطرب وشريب الذي قد أكثر الشرب حتى سكر ويغرد يصيح ويروى بغرّةٍ وهي مدينة بالشام بها قبر هاشم بن عبد مناف ومترف منعم مخلي فيما يريد ويروى مترفٌ وهو السكران وروى أحمد بن
(1/175)

عبيد منزف بكسر الزاي أي قد شرب شرابه حتى أنفده يقال أنزف الرجل إذا نفدت خمره.
قال أبو محمد " ومرّة يجعلونه الصوت قال ذو الرمة ":
أرى ناقتي عند المحصب شاقها ... رواح اليماني والهديل المرجع
المحصب الموضع الذي يرمى فيه بحصى الجمار والحصباء الحصى الصغار وشاقها هيج شوقها ورواح اليماني يعني نفرهم واليماني ينفر قبل النفر بيوم والهديل صوت الحمام يقول لما رأت الإبل نحدج وسكعت الهديل اشتاقت.
قال أبو محمد " وأبو براقش طائر يتلون ألواناً " وأنشد بيتا قبله:
أن يغدروا أو يبخلوا ... أو يجبنوا لا يجفلوا
يغدو عليك مرجلي ن كأنهم لم يفعلوا
كأبي براقش كل لو ... ن لونه يتخيل
يهجو قومه يقول إذا فعلوا هذه المقابح والمخازي لم يبالوا ولم يستحيوا للؤمهم وحمقهم وكانوا بمنزلة من لم يفعل فعلا يذم به وقوله مرجلّين يقال رجّل فلان شعره إذا سرحه ودهنه ويقال للمشط المرجل والمسرح ويتخيّل يظن ويروى يتحول أي يتغير من حال إلى حال يقول يتنقلون في المذام كلها ولا يقتصرون منها على البعض كتنقل لون هذا الطائر إلى كل لون.
قال أبو محمد " والواق بكسر القاف الصرد سمى بحكاية صوته " قال:
وجدت أباك الخير بحراً بنجوة ... بناه له مجد أشمّ قماقم
سنان معد في الحروب إذا لها ... وقد طاح منهم سادة ودعائم
وليس بهياب إذا شد رحله ... يقول عداني اليوم واق وحائم
ولكنه يمضي على ذاك مقدما ... إذا صد عن تلك الهنات الخثارم
هذه الأبيات رواها أبو عبيد لخثيم بن عدي بن عطيف بن تويل ابن عدي بن حباب الكلبي ولقبه الرقاص ويقال إن الرقاص حمل حمالة فسأل فيها قومه فلم يعطه أحد منهم كبير شيء فحملها مسعود بن بحر فقال الرقاص هذه الأبيات. النجوة الموضع المرتفع والأشم الطويل والقماقم العظيم الضخم
(1/176)

وطاح هلك. والسادة جمع السيد والدعائم جمع دعامة وهو ما يسند به الشيء وهم ههنا السادة وعداني صرفني والغراب والصرد يتطيرون بهما والخثارم المتطير يقال إذا هاب المتطير الأمر من أجل الطيرة مضى هو عليه ولم يهب والهنات كناية عن الأمور التي تيطير منها أي إذا صد المتطير عن الأمر الذي يحاوله من أجل الهنات.
قال أبو محمد " ويقال له أيضا ابن ماء يبزق قال ذو الرمة:
وماء قديم العهد بالناس آجنٌ ... كأن الدّبا ماء العضا فيه يبزق
وردت أعتسافاً والثريا كأنها ... على قمة الرأس ابن ماء محلّق
الآجن الماء المتغير من طول العهد والقدم أجن يأجن ويأجن أجونا يقال كأن الدبا بصق في الماء مما أكمل من الغضا أخضر أسود والدبا جراد صغار لم يطر واعتسافاً أخذاً على غير هدى وقمة الرأس أعلاه ابن ماء يعني طائر الماء محلق مرتفع في جو السماء فإذا رأى سمكة غاص عليها.
قال أبو محمد " والمكاء طائر يسقط في الرياض ويمكو أي بصفر " وأنشد:
إذا غرد المكاء في غير روضه ... فويل لأهل الشاء والحمرات
غرد طرب في صوته والروضة كل مكان مستدير فيه ماء ونبات وسميت روضة لا ستراضة الماء فيها أي استنقاعه ولا يغرد المكاء في غير روضه إلا في زمان الجدب وخصّ أهل الشاء والحمير بالويل لأن الإبل تستطيع اللحوق بالغيث حيث كان ولا تستطيع ذلك الشاء والحمر قال الراعي: ذباب
تناول عرق الغيث إذ لا يناله ... جمار ابن جزءٍ عاصم وأفارقه
الأفارق جمع فرق وهو القطيع من الغنم.
" معرفة في الهوام والذباب ومواضع الطير " قال أبو محمد " والوزع سامّ أبرص ولا يتثنى ولا يجمع وأنشد أبو زيد ": هذا رجل أتهم ولده فعرض عليه الأبارص فتقزرها فقال وأشار إلى ذكره لو
(1/177)

كنت لهذا خالصاً أي لو خرجت منه لكنت أعرابياً خالصاً يأكل الأبارص.
وأنشده المفجع والله لو كنت بضم التاء لكنت بضم التاء فيهما وروى أكل الأبارصا وقال في تفسيره هذا يخاطب أباه ويعاتبه وقد كلفه عملاً شاقاً فيه مهنة فقال لو كنت ممن يصلح لهذا العمل لكنت كالعبد المذال الذي يأكل الأبارص.
قال أبو محمد " والنبز دويبه تدب على البعير فيتورم " وأنشد لشبيب ابن البرصاء يصف إبلا سمنت وحملت الشحوم:
كأنها من بدن وإيقار ... دبت عليها عارمات الأنبار
ويروى ذربات العارمات الشديدات الخبيثات وهو مأخوذ من العرام وهو الشدّة والحدة وذربات مشتق من الذرب وهو الحدة يقال في لسان فلان ذرب أي حدة ويروى من بدن واستيقار وهو في معنى وإيقار والوقر الحمل ويروى واستيفار وهو مأخوذ من الشيء الوافر يقول كأن هذه الإبل من سمنها لسعتها الأنبار فورمت جلودها وحبطت بطونها. قال أبو محمد " والزبابة فارة صماء تضرب بها العرب المثل يقولون أسرق من زبابة ويشبهون بها الجاهل قال ابن حلّزة "
ولقد رأيت معاشراً ... قد ثمّروا مالا وولدا
وهم زباب حائر ... لا تسمع الآذان رعدا
المعاشر الجماعات وثمروا أعطوا ويروى ثمروا أي كثروا والولد جمع ولد مثل أسد وأسد والحائر المتحير الذي يجيء ويذهب لا يتجه لشيء.
قال أبو محمد " ونزك الضب ذكره وله نزكان وكذلك الحرذون وأنشد الأصمعي "
جيى المال عمال العراق وجبوتي ... محلقة الأذناب صفر الشواكل
رعين الدبا والنقد حتى كأنما ... كساهن سلطان ثياب المراجل
ترى كل ذيال الشمس عارضت ... سما بين عرسيه سمو المخابل
سبحل له نزكان كانا فضيلة ... على كل حاف في البلاد وناعل
جباية المال جمعه واستخراجه والجباية الجمع يقال جبيت الماء في
(1/178)

الحوض إذا جمعته والجوابي الحياض لأنه يجيء فيها الماء أي يجمع ومهلّقة الأذناب لا شعر عليها والشواكل جمع شاكلة وهي الخاصرة والدبا صغار الجراد والنقد الواحدة نقدةٌ ضرب من الشجر أي صدن الجراد ورعين النقد والمراجل ضرب من البرود وذيال طويل الذنب ويكون المتبختر وسما ارتفع وعرساه زوجتاه والمخايل المفاخر بالخيلاء المتكبر وذلك لنزكيه والسجل العظيم. وهذا الشعر لرجل من ربيعة استعمله بن عبد الله القسري على ظهر الحيرة فلما كان يوم النيروز أهدت الدهاقين والعمال جامات الذهب وأهدى هو قفصا من ضباب وقال هذه الأبيات.
قال أبو محمد " والكشية شحم بطنه " وأنشد:
وأنت لو ذقت الكشي بالأكباد ... لما تركت الضب يعدو بالواد
أخبرنا المبارك بن عبد الجبار بن عبد العزيز الأزجي عن المخلص عن أبى محمد السكري عن أبي سعيد قال حدثني محمد بن أبي الوزير قال إن أول من دل على نفسه الضب إذ كان كل شيء يتكلم قال فمر راكب في بعض الأيام فلما ولى صاح به الضب:
يا أيها الراكب ينجو بالواد ... إنك لو ذقت الكشى بالأكباد
لما تركت الضب يسعى بالواد يقول لو ذقت كشي الضباب مع أكبادها لحملك طيبها على صيدها حتى كنت لا تدع بواد ضباً إلا حرشته. وهذا كما قال أمية:
بآبة قام ينطق كل شيء ... وخان أمانة الديك الغراب
قال أبو محمد " ومكنه بيضه قال أبو الهندي ":
ومكن الضباب طعام العريب ... ولا تشتهيه نفوس العجم
العرب مؤنثة لقولهم العرب العاربة وكان القياس أن يقال في تصغيرها عربية كما يقال في تصغير شمس شمسية لأن تصغير المؤنث الثلاثي تلحق به الهاء كما تلحق صفته وقد جاء مثل هذا في أسماء يسيرة وهذا التصغير على طريق التعظيم كما قال أنا عذيقها المحكك وعذيقها المرّجب. والعرب اسم جنس
(1/179)

ينسب الواحد منه إليه ومثله العجمي منسوب إلى العجم. يقول بيض الضباب من طعام العرب المستطاب وليس من طعام العجم.
" وفي الحية والعقرب " قال أبو محمد " والحفّات حية تنفخ ولا تؤذي " قال جرير:
لا يعجبنك أن ترى المجاشع ... جلد الرجال ففي القلوب الخولع
أيفا يشون وقد رأوا أحفّاثهم ... قد عضّه فقضى عليه الأشجع
يهجو الفرزدق ومجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. والفياش المفاخرة والجلد مصدر الجليد من الرجال وهو القوي الشديد والخولع الجبن والفزع وهذا إستفهام على سبيل التوبيخ وضرب الحفّاث مثلا للفرزدق والأشجع وهو الشجاع مثلا له يقول كيف يفاخرون بشاعرهم وقد قتله هجاءً.
" معرفة في جواهر الأرض " قال أبو محمد " الصرفان الرصاص " وأنشد للزباء:
ما للجمال مشيها وئيدا ... أجند لا يحملن أمٍ حديدا
أم صرفانا بارداً شديدا ... أم الرجال قبّضاً قعودا
قالت هذه الأبيات لما نظرت إلى الجمال التي جاء بها قصير بن سعد صاحب جذيمة وكان قد احتال عليها وجعل الرجال في توابيت وجعل التوابيت في جوالقات فرأتها تسير نثقلة فأنكرت ثقلها وقالت هذه الأبيات والقصة مشهورة ومشيها خفض على البدل من الجمال بدل الاشتمال والتقدير ما لمشي الجمال وئيداً والوئيد من المشي الرويد ونصبه قيا الرصاص وقيل جنس من التمر والقبّض جمع قابض وهو المجتمع ويروى جثما جمع جاثم.
" نوادر من الكلام المشتبه " قال أبو محمد " الجمع المجتمعون والجماع المتفرقون قال أبو قيس ابن الأسلت "
نذودهم عنا بمستنّة ... ذات عرانين ودفاع
(1/180)

حتى تجلت ولنا غاية ... من بين جمع غير جماع
نذودهم ندفعهم ونمنعهم والمستنة الكتيبة الماضية على سنن واحد لا تعرّج على شيء وعرانين القوم رؤساؤهم ومتقدموهم في الفضل والشجاعة والعرانين الأنوف وبها شبه السادة ويقال للشيء إذا كان شديد الدفع يتدافع له دفاع ويجوز أن يكون دفاع جمع دافع مثل كافر وكفار وهم الذين يدفعون الأعداء وقوله حتى تجلت أراد حتى تجلت الحرب فأضمرها ولم يجر لها ذكر وقوله ولنا غاية أي جماعة وغاية الجيش ورايته واحد والجماع الفرق من ههنا وههنا يقول ذلك الجمع منا لم يستعن بأحد غيرنا وهو خلاف ما رواه أبو محمد ويروى بين يدي رجراجة فخمة الرجراجة التي تمخض من كثرتها والفخمة العظيمة الكثيرة العدد.
قال أبو محمد " وإذا كان الفحل كريماً من الإبل قالوا فحيل قال الراعي " يصف إبلاً ولم يكن راعياً ولكنه كان يجيد وصف الإبل فلّقب الراعي واسمه عبيد بن حصين:
بنيت مرافقهنفوق مزلة ... لا يستطيع بها القراد مقبلا
كانت نجائب منذرٍ ومحرقٍ ... أماتهن وطرقهنّ فحيلا
قوله مرافقهن يريد مرافق هذه الإبل مزلة مزلقة يريد مغرز المرفق من الجنب أملس فالقراد لا يثبت عليه من ملاسته ومقيلاً مستقراً وهو مثل. وقوله أماتهن أي أمهات هذه الإبل كانت نجائب منذر أي المنذر بم امرئ القيس بن النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر اللخمي وهو أبو النعمان بن المنذر ومحرق هو امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن نصر وهو أول من عاقب بالنار وقوله وطرقهن الطرق الفحل هنا مسمى بالمصدر والمعنى ذو طرقهن والفحيل الكريم. قال أبو محمد " وقتبٌ عقرٌ أيضاً غير واق قال البعيث " البعيث لقب له واسمه خداش بن بشر ويكنى أبا يزيد وسمي البعيث بقوله فيما أخبرني علي بن الحسن يرفعه إلى ابن الكلبي:
تبّعث مني ما تبّعث بعد ما ... أمرت حبالي كلها مرة شزرا
ألد إذا لا قيت قوماً بخطة ... الح على أكتافهم قتب عقر
(1/181)

الألد الشديد الخصومة يقول إذا لقيت قوماً في خصومةٍ تأذوا بي وشقت عليهم مجادلتي وكنت عليهم في الشدة كالقتب العقر على ظهر البعير والخطّة الحالة الصعبة.

شرح باب تسمية المتضادين باسم واحد
المحققون من علماء العربية ينكرون الأضداد ويدفعونها قال أبو العباس أحمد بن يحيى ليس في كلام العرب ضدّ قال لأنه لو كان فيه ضدّ لكان الكلام محالاً لأنه لا يكون الأبيض أسود ولا الأسود أبيض وكلام العرب وإن اختلف اللفظ فالمعنى يرجع إلى أصل واحد مثل قولهم التلعة وهي ماعلا من الأرض وهي ما انخفض لأنها مسيل الماء إلى الوادي فالمسيل كله تلعة فمرة يصير إلى أعلاه فيكون تلعة ومرة يتحدر إلى أسفله فيكون تلعة فقد رجع الكلام إلى أصل واحد وإن اختلف اللفظ. وكذلك الجون هو الأسود وإذا اشتد بياض الشيء حتى يعشي البصر رئى كالأسود. والصارخ المستغيث والصراخ المغيث لأنه صراخ منهما. والأهماد السرعة والإهماد الإقامة لأمها حركة منك تظهرها مرة فتسرع وتمسكها مرة فتقيم ويجوز أن يكون الإهماد في لغ قوم الإقامة وفي لغة قوم السرعة. والقرء الوقت فاحتمل أن يكون للحيض والطهر لأن الحيض يأتي لوقت والظهر يأتي لوقت. ووراء خلف وقدام لأن الأمام يقطع ويخلف فيصير وراء. الماثل لبمنتصب وهو اللاطئ لأنه ظهر فرأيته ثم زال فصار المنتصب لاطئا ويجوز أن يكونا من اغتين وشعبت الشيء جمعته وفرقته لأنك إذا لاءمت التفرق صار إجماعا. الجلل العظيم والصغير لأنه شيء يزيد في النفس وينقص ويجوز أن يكونا من لغتين والرهوة الارتفاع والانخفاض لأنه موضع فمرة ينحدر فيه ومرة يعلي فيه ويكون من لغتين. الظن يقين وشك لأن الشك قد يزول فيصير يقيناً. الخناذيذ الخصيان من الخيل والفحولة لأن الخناذيذ الكرام والكرام يكون فيها الخصي والفحل. قال أبو العباس السدقة اختلاط الضوء والظلمة لأن الضوء يضعف فيصير ظلمة وقد تضعف الظلمة فتصير ضوءاً. وأخبرني ابن بندار عن ابن رزمة عن أبي سعيد عن ابن دريد أنه قال وأسدف الفجر إذا أضاء قال وهي لغة لهوازن دون سائر العرب تقول هوازن أسدفوا لنا أي أسرجوا لنا. وقال ابن قتيبة أصل السدفة السترة فكأن الظلام إذا أقبل ستر الضوء إذا أقبل ستر الظلام. والجلل الكبير
(1/182)

والصغير لأن الصعير قد يكون كبيراً عند ما هو أصغر منه والكبير قد يكون صغيراً عندما هو أكبر منه فكل واحد منهما صغير كبير وكذلك النبل. الناهل العطشان والريان لأن الشرب الأول ربما روي منه الشارب فهو ريان وربما لم يرو فيحتاج إلى العلل فيكون عظشان. الهاجد المصلي بالليل وهو النائم لأنه وقت يقع فيه الانتباه والنوم. الصريم الصبح والصريم الليل لأن كلّ واحد منهما ينصرم من صاحبه. الخشب السيف إذا برد ولم يصقل وهو الصقيل لأن الصقل يتلو الخشب والشيء قد يسمى بما قاربه أو كان منه بسبب الحي خلوفٌ غيب ومتخلفون لأن من يبقى خلف لمن غاب ومن غاب يخلف من بقي. أسررت الشيء أخفيته إذا أظهرته أزلت خافيه. وأما قوله طلعت على القوم أقبلت عليهم وطلعت عنهم غبت عنهم فليس من الأضداد وإنما تغير معنى الفعل بتغير الحرف فهو كقولك دعوت له ودعوت عليه. وشريت الشيء أشتريته وبعته وكذلك بعت الشيء أشتريته وبعته لأنهما متعاوضان قال الراجز في أن الجون الأبيض وهو الخطيم الضبابي:
لا تسقه حزراً ولا حليبا ... إن لم تجده سابحاً يعبوبا
ذا ميعة يلتهم الجبوبا ... يترك صوان الحصى ركوبا
بزلقات قعّبت تقعيبا ... يترك في آثارها لهويا
يبادر الآثار أن تؤوبا ... وحاجب الجونة أن يغيبا
كالذئب يتلو طمعاً قريبا
الهاء في لا تسقه تعود إلى فرس والحزر من اللبن الحازر وهو الحامض والسابح السريع الذي يمد يديه في عدوه واليعبوب الكثير العدو والميعة النشاط ويلتهم يأخذ ويبتلع بسرعة والجبوب الأرض جعله كأنه يبتلع الأرض ن شدة أسراعه والصوان الحصى الصلب والحجارة والصوى جمع صوة وهي الأرض التي فيها ارتفاع وغلظ الركوب الموطئ المذلل الذي تسهل ذلك المكان ولم يصعب السير فيه بعد ذلك والزلقات الحوافر الملس التي تزلق عليها اليد أي ذوات زلق والتعقيب في الحوافر محمود واللهوب جمع لهب وهو الشق في الجبل وأراد أنه ينزل في الصوى يحفره بحوافره فيها مثل اللهوب التي تكون في الجبال وقوله يبادر الآثار أي إذا طردت طريدة وتبعتها
(1/183)

الخيل لتردها سبق هو الآثار أي أثار الخيل التي تطلبها حتى يلحقها قبل أن ترجع الخيل إلى مأمنها وكان إدراكه لها قبل مغيب الشمس وحاجب كل شيء جانبه وحرفه وشبهه بالذئب إذا أسرع في عدوه لشيء يطمع فيه في موضع يقرب منه وإذا ضمرت الخيل سقيت اللبن فأراد أنه إن لم يكن على هذه الأوصاف فلا تضمّره. قال أبو محمد " والنبل الصغار والكبار " وأنشد لحضرميّ ابن عامر الأسدي:
يزعم جزء ولم يقل جللا ... أنى تروحت ناعما جذلا
إن كنت أزننتني بها كذبا ... جزء فلاقيت مثلها عجلا
أفرح أن أزرأ الكرام وأن ... أورث ذوداً شصائصا نبلا
قيل كان حضرمي بن عامر عاشر عشرة من أخوته فماتوا فورثهم فمر حضرمي وعليه حلة لأخيه على جزء بن مالك بن جبيل أحد بني موألة بن همام وهو ابن عم حضرمي فقال جزء أيفرح أن ورث أخاه حلته فبلغت حضرمي بن عامر فقال حضرمي هذه الأبيات مع أبيات أخر فلم يمكثوا إلا أياما حتى دخل أخوة لجزء سبعة مغرة يحفرونها فانهارت عليهم فماتوا جميعاً فبلغ حضرمي بن عامر فقال إنا لله كلمة وافقت قدرا واورثت حقدا وباقي الأبيات.
كم كان في أخوتي إذا استعمل ال لابطال نحت العجاجة الأسلا
من ماجد واجد أخي ثقة ... يعطي جزيلا ويقتل البطلا
أروع رصتم الأرامل وال لايتام أكناف بيته رسلا
إن جئته خائفا حباك وإن ... قال سأعطيك نائلا فعلا
الزعم ما كان بين الشك واليقين والجلل في هذا البيت الهين وتروحت ورحت واحد والناعم المتنعم والجذل السرور وقوله أزنتني اتهمتني يقال فلان يزنّ بكذا أي يتهم والأسل الرماح والصتم الرجل الذي قد أسن ولم ينقص والرسل الجماعة وقوله أفرح أراد فرح وهذا استفهام على سبيل الإنكار قال الليث الذود ولا يكون إلا إناثا وهو القطيع من الإبل ما بين الثلاث إلى العشر وقيل ما بين الثلاثة إلى العشرة من الإناث والذكور وقيل ما بين الثنتيت إلى التسع من الإناث دون الذكور وقال:
ذود صفايا بينها وبيني ... ما بين تسع فإلى اثنتين
يغنيننا من عيلة ودين
(1/184)

وقيل هو ما بين الثلاث إلى خمس عشرة والشصائص جمع الشصوص قال الأصمعي هي الناقة التي لا لبن لها وقد أشصت فهي شصوص وهذا شاذ على غير قياس قال الكسائي شصّت بغير ألف وأصله من الشدة واليبس. قال أبو محمد " الناهل العطشان والريان قال النابغة " الذبياني يمدح الحارث الأعرج الغساني:
والله والله لنعم الفتى ال لاعرج لا النكس ولا الخامل
الحارب الوافر والجابر ال محروب والمرجل والحامل
والطاعن الطعنة يوم الوغى ... ينهل منها الأسل الناهل
النكس الفسل من الرجال مشبه بالنكس من السهام وهو الذي انكسر فوقه فجعل أسفله أعلاه والجمع أنكاس ويقال هو الضعيف الجبان والخامل الذي لا ذكر له والحارب الوافر الذي يسلب من له مال ووفر والجابر المحروب الذي يعين المحروب وهو المسلوب فيعطيه ويعينه والمرجل هو الذي يأخذ الفرسان والركبان فيسلبهم دوابهم فيرجلهم والحامل الذي يحمل الضعفاء والرجالة على الخيل والإبل والوغى الحرب وأصله الصوت في الحرب وكذلك الوعي والوحي والأسل الرماح والناهل العطشان وإنما جعل النهل من الأضداد لأن النهل الشرب الأول وقد تكتفي الشاربة بأول شربة وقد لا تكتفي فلذلك جعل من الأضداد وجعل الرماح عطاشا كأنها تعطش إلى الدماء فإذا أشرعت فيها رويت ويروى ينهل أي يروى. قال أبو محمد " الخناذيذ خصيان الخيل وهي الفحولة قال بشر بن أبي خازم " الأسدي:
كفينا من تغيب واستبحنا ... سنام الأرض إذ قحط القطار
بكل قياد مسنفة عنود ... أضر بها المسالح والغوار
وخنذيذ ترى الغرمول منه ... كطيّ الزق علقه التجار
يقول كفينا من تغيب عنا ونبنا عنه في مغيبه ما دام وأصلا لحبلنا واستبحنا سنام الأرض يعني خير بقاعها حين عم الناس الجدب يقال قحط المطر وقحط وقحط الناس واقحطوا وهو الكثير في الاستعمال والباء في قوله بكل قياد تتعلق بقوله استبحنا والمسنفة المتقدمة وروى أبو عبيدة مسنفة وهو خيط يشد من الحقب إلى التصدير إذا ضمرت ويفعل هذا بالإبل والخيل لئلا يضطرب
(1/185)

السرج والرحل والعنود التي تعند عن الطريق لمرحها والمسالح والمراقب والثغور سواء والغوار مصدر غاورت والخنذيذ الضخم الشديد عن ابن الأعرابي وقيل هو الكريم والغرمول قال وعاء الذكر والخناذيذ أطراف تنذر من الجبل وقوله كطي الزق أراد أن غرموله مما أثر فيه الكلال والأعياء قد استرخى وتطوى وكان عليه طي زق خال علق لينحدر بما علقه وفي الكلام حذف تقديره ترى طي الغرمول منه كطي الزق. وأنشد أبو محمد على المائل: فمنها مستبين وماثل ومعناه واضح يصف داراً قد درس بعضها وبقي بعض.
" كتاب الهجاء "

باب في إقامة الهجاء
قال أبو محمد " ويختزلون من الكلام ما لا يتم الكلام على الحقيقة إلا به " الفصل وأنشد لذي الرمة بيتاً قبله:
يعاورن حد الشمس خزراً كأنها ... قلات الصفا عادت عليها المقادح
فلما لبسن الليل أو حين نصبت ... له من خذا آانها وهو جانح
حداهن شحّاجٌ كأن سحيله ... على حافتيهن ارتجاز مفاضح
يعاورن حد الشمس أي ينظرون إلى الشمس مرة ويصددن مرة وإنما أراد غؤور عيونهن وعادت عليها أي كرت عليها المقادح التي يغرف بها الماء الواحد مقدح وهو الأناء أراد أو حين أقبل الليل نصبت آذانها لبرد الليل وكانت قبل ذلك مسترخية والخذا الاسترخاء والجانح المائل يعني الليل أنه مال على الأرض وقيل أراد أن الشمس قد جنحت للمغيب يقول رفعت رؤوسها مع الليل حين غابت الشمس ونصبت آذانها وحداهنّ ساقهنّ والشحاح الحمار وشحيجه صوته وكذلك سحيله يقول كان نهيق الحمار في ناحيتي هذه الأتن ارتجاز صوت فيه سباب فضاح. وقال النمر بن تولب:
فإن أنت لاقيت في نجدة ... فلا تتهيبك أن تقدما
فإن المنية من يخشها ... فسوف تصادفه أينما
النجدة الشجاعة والبأس والقوة وحذف مفعول لاقيت يريد إذا لاقيت
(1/186)

حرباً في نجدة أو داهية أو ما أشبه ذلك والمعنى إذا لاقيت قوماً ذوي نجدة في حرب ونحوها فلا تتهيب الأقدام عليهم فإن الذي يخشى المنية تلقاه أين ذهب من الأرذ وأين كان منها وقوله فلا تتهيبك أن تقدما من المقلوب أراد فلا تتهيب أن تقدم أي فلا تتهيب الأقدام ومن يخشها بدل المنية بدلا الاشتمال.

باب دخول ألف الاستفهام على ألف القطع
أنشد بيت ذي الرمة:
أيا ظبية الوعساء بين جلا جلٍ ... وبين النقا آذءنت أم أم سالم
الوعساء رابية رمل من النية تنبت أحرار البقل وجلا جل والنقا موضعان والنقا أيضا الكثيب من الرمل وروى أبو عمرو ها أنت يقول ها أنت ظبية أم أمّ سالم وإذا شبه الشاعر المرأة بالظبية فإنما يريد حسن جيدها.

ومن باب حذف الألف من الأسماء في الجميع
أنشد للأعشى:
ولقد شربت ثمانيا وثمانيا ... وثمان عشرة واثنتين وأربعا
إنما عدد ما شرب ولم يجمله أرادة التكثير والتعظيم وثماني عشرة تثبت فيها الياء تارة وتحذف أخرى واثباتها أكثر.

باب حروف توصل بما وباذ وغير ذلك
قال أبو محمد " وتكتب ويلمّه موصولة أن لم تهمز " وأنشد للمتنخل الهذلي بيتا قبله:
لقد عجبت وما بالدهر من عجب ... أنى قتلت وأنت الحازم البطل
ويلمه رجلاً تأبى به غبنا ... إذا تجرد لا خال ولا بخل
يرثى ابنه أثيلة وكان خرج مع ابن عم له يقال له ربيعة بن حجذر فأغاروا
(1/187)

على طائفة من فهر يقال لهم بنو سعد فقتلوا أثيلة وأفلت ربيعة ابن حجدر على رجليه. أنى بمعنى كيف يقول كيف قتلت وأنت شجاع بطل ولم يعجب من الدهر لأنه يقتل فيه البطل وينجو الضعيف وقوله ويلمه كلمة تقال عند التعجب ولا يراد بها الدعاء عليه وقوله إذا تجرد أي تجرد للأمور لا خال أي ليست فيه مخيلة ولا بخل والغبن النقص يقول تأبى به أن تظلم إذا كان معك وتقبل به نقصانا ويروى خذل وهو الذي يخذل.

في باب ما نقص منه الياء لاجتماع الساكنين
أنشد ابو محمد للأعشى ولقد شربت ثمانيا وثمانيا وقد مر تفسيره قال أبو محمد " فإذا نصبت قلت ركبت برذونا رباعيا قال العجاج: كأن تحتي أحذريا أحقبا رباعياً مرتبعا أو شوقبا يصف جملا شبهه بالأحذري في سرعته وقوته وهو حمار وحش والحمر الأحذرية تكون فيما بين العراق وكاظمة نسبت إلى احذر فرس تبرر وضرب في الحمر الوحشية وقيل كان حمارا. والأحقب الذي في موضع الحقيبة منه بياض والمرتبع الذي بين الطويل والقصير والمرتبع أيضا الذي يأكل الربيع والشوقب الطويل.

باب ما يكتب بالياء والألف من الأسماء
وأنشد أبو محمد على رجا البئر أنه من الواوي قول الشاعر:
فلا يرمي بي الرجوان إني ... أقل القوم من يغني مكاني
يقال فلان لا يرمي به الرجوان إذا كانت لا تقطع دونه الأمور يقول ليس مثلي من يطرح وتقطع الأمور دونه فقل من يقوم مقامي ويغني غنائي ويسد مسدي.
(1/188)

قال أبو محمد " ومن العرب من يقول رحوت الرحا ومنهم من يقول رحيت " وأنشد قول مهلهل بن ربيعة التغلبي:
قتيل ما قتيل المرء عمرو ... وجساس بن مرة ذي ضرير
كأنا غدوة وبني أبينا ... بجنب عنيزة رحيا مدير
القتيل هو كليب بن ربيعة بن الحارث التغلبي وعمرو هو عمرو بن الحارث بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة وجساس هو جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان وهو ابن عم عمرو بن الحارث وكان سبب ذلك أن كليبا خرج يوما يدور في حماه فإذا هو بحمرة على بيض لها فلما نظرت إليه صرصرت وخفقت بجناحيها فقال أمن روعك أنت وبيضك في ذمتي ثم دخلت ناقة البسوس الحمى فكسرت البيض فرماها كليب في ضرعها فاستغاثت البسوس بجارها جساس وكان كليب زوج أخت جساس فعدا عليه جساس ومعه عمرو بن الحارث ابن عمه فقتلاه فوقعت الحرب بين بكر وتغلب أربعين سنة ولم تسكن الحرب حتى قتل جساس فقال مهلهل هذه الأبيات في يوم عنيزة من أيامهم وقوله ذي ضرير يقال أنه لذ وضرير على الشيء إذا كان ذا صبر عليه ومقاساة يقال ذلك في الناس والدواب وقوله وبني أبينا أراد بهم بكر بن وائل وعنيزة موضع وقوله رحيا مدير شبههم في هذا اليوم بالرحيين لأنهم تكافؤا فيه فلم يكن لبكر على تغلب ولا لتغلب على بكر.

باب التاريخ والعدد
وقد تقدم شرح التاريخ واشتقاقه وأما العدد فمبنى على الوقف لأن المراد به مجرد العدد ولا يراد الأخبار عنه تقول واحد إثنان ثلاثة أربعة فمتى أخبر عنه أو عطف بعضه على بعض أعرب تقول ثلاثة وأربعة وخمسة وتقول في الأخبار أربعة خير من ثلاثة وكذلك حروف التهجي مبنية إذا جردت من الأخبار أو العطف كقولك باتاثا فإن قلت باء وتاء وثاء أو قلت هذه باء حسنة وجيم جيدة أعربت وعدد المذكر بالهاء وعدد المؤنث بغير هاء وعلة ذلك أن العدد جمع والأغلب على الجموع التأنيث فجرى العدد عليه والمعدود مذكر ومؤنث والمذكر الأصل فحصل له التأنيث وحذفت الهاء من عدد المؤنث للفرق بينهما.
(1/189)

باب ما يجري عليه العدد في تذكيره وتأنيثه
قال أبو محمد " وتقول سار فلان خمس عشرة من بين يوم وليلة " وأنشد للنابغة الجعدي يصف بقرة أخذ الذئب ولدها فطلبته:
فطافت ثلاثا بين يوم وليلة ... وكان النكير أن تضيف وتجأرا
يريد فطافت هذه البقرة ثلاثة أيام جؤدرها حين أخذه الذئب ولم يكن عندها من الإنكار إلا أن تشفق وتصيح والإضافة الشفقة أضاف إضافة والجؤار الصوت مع خضوع ويروى أقامت.

باب ما لا ينصرف
أعلم أن أصل الأسماء أن تكون منصرفة وما لا ينصرف منها مشبه بالفعل من وجهين لأن الفعل فرع على الاسم من وجهين فلا يدخله جر ولا تنوين لأنهما لا يدخلان الفعل ويكون جره كنصبه والأسباب التي تمنع الصرف تسعة كلها فروع وثوان لا وائل وهي وزن الفعل والتعريف والانيث اللازم والألف والنون المضارعتان لألفي التأنيث والوصف والعدل والجمع والعجمة والتركيب فكل اسم اجتمع فيه اثنان من هذه أو واحد يقوم مقام اثنين امتنع من الصرف بأن لا يدخله جر ولا تنوين أن تدخله الألف واللام أو الإضافة فإنه حينئذ ينصرف لأنهما من خواص الأسماء فبطل بها شبه الفعل وعاد الاسم بهما إلى أصله ومنهم من يقول انجر ولا يقول انصرف ويقول المقصود بمنع الصرف التنوين لأنه علامة للأخف والجر تابع للتنوين فإذا أمن دخول التنوين دخله الجر فإن احتج على من قال انصرف بحروف الجر أنها تختص بالاسم ولا توجب له الصرف فإن الألف واللام والإضافة أشد اختصاصا بالاسم من حروف الجر من حيث أن المضاف والمضاف إليه كالاسم الواحد ألا ترى أنه يكتسي من المضاف إليه التعريف والتنكير والاستفهام والشرط وأما حرف التعريف فإنه جعل كبعض حروفه بدليل أنه جعل أولا لئلا يتطرق عليه
(1/190)

الحذف وايضا فإنه جعل حرفاً واحداً لئلا يقوم بنفسه وجعل ساكنا ليكون أشد اتصالا بالاسم واجتلبت همزة الوصل لسكونه ويفارق حروف الجر من حيث أنه لا يتعلق بفعل كما تتعلق حروف الجر بالأفعال.
قال أبو محمد " وما كان منها على ثلاثة أحرف أوسطه ساكن فمنهم من يصرفه ومنهم من لا يصرفه " وأنشد:
لم تتلفع بفضل مئزرها ... دعد ولم تغد دعد في العلب
ويروى ولم تسق دعد جمع في هذا البيت بين اللغتين. التلفع أن يشمل الإنسان بالثوب حتى يجلل به جسده وهو استمال الصماء عند العرب والتلفع بالثوب مثله قال:
وهبت الشمال البليل وإذ ... بات كميع الفتاة ملتفعا
والعلبة إناء من جلد بعير كالعس يحتلب فيه والجمع علاب وعلب يقول إنها صغيرة ليست بعد ممن يلتحف ولا يحتاج أن يشرب بالعلب لأنه يرويها الغمر أو نحوه.
" وفي باب ما يكون للذكور والإناث وفيه علم التأنيث " أنشد بيت الأعشى: فلما أضاء الصبح قام مبادرا وقد مر تفسيره.

باب أوصاف المؤنث بغير هاء
أنشد أبو محمد على ملحفة جديد في تأويل مجدودة قول الشاعر:
أبى حبّي سليمي أن يبيدا ... وأمسى حبلها خلقاً جديدا
يبيد يهلك ويفنى وحبلها وصلها وخلقاً بالياً وجديد ههنا بمعنى مجدود أي مقطوع مبتوت.
قال أبو محمد فإذا أرادوا الفعل قالوا طالقة يريد إذا جروه على الفعل ألحقوه علامة التأنيث كما ألحقوها الفعل نحو طلقت فهي طالقة كما تقول
(1/191)

امرأة حامل فإذا أجريته على حملت قلت حاملة قال:
تمخضت المنون له بيوت ... أنى ولكل حاملة تمام
وأنشد الأعشى:
أيا جارتا بيني فإنك طالقه ... كذاك أمور الناس غاد وطارقه
كان الأعشى تزوج امرأة فرغب بها عنه فأتاه قومها يتهددونه بالضرب أو يطلقها فقال أيا جاريتا بيني البيت فقالوا ثنة فقال:
وبيني فإن البين خير من العصا ... وألا تزال فوق رأسي بارقه
قالوا ثلث فقال:
وبيني حصان الفرج غير ذميمة ... وموموقة فينا كما كنت وامقه
الجارة ههنا المرأة وقوله بيني أي فارقي وقوله غاد وطارقه ذكر غاد على إرادة الجمع وأنت طارقة على إرادة الجماعة يقول كذاك أمور الناس منها ما يغدو أي يأتي غدوة ومنها ما يطرق أي يأتي ليلا والحصان العفيفة وغير ذميمة أي غير مذمومة وموموقة محبوبة وفي لا تزال ضمير العصا وبارقة لائحة وهي خبر لا تزال.

باب الأسماء التي تتفق ألفاظها وتختلف معانيها
قال أبو محمد " والفتاء من السن ممدود " وأنشد للربيع بن ضبع الفزاري:
إذا عاش الفتى مائتين عاما ... فقد ذهب اللذاذة والفتاء
أخبرنا الشيخ أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار قال أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني قال حدثني أبو بكر أحمد بن محمد الجوهري قال حدثنا الحسن بن عليل الغنزي قال حدثنا علي بن الصباح بن الفران الكاتب قال أخبرنا أبو المنذر هشام بن محمد الشائب الكلبي قال سمعت اسحق بن الجصاص وشرقيا وغير واحد يقولون عاش ربيع بن ضبع بن وهب بن بغيض بن مالك ومالك هو حممة بن سعد بن عدي بن فزارة مائتي سنة فقال:
ألا أبلغ بنيّ ربيع ... فأشرار البنين لكم فداء
(1/192)

بأني قد كبرت ورق عظمي ... فلا تشغلكم عني النساء
وإن كنايني لنساء صدق ... وما آلى بنيّ ولا أساؤا
إذا كان الشتاء فأدفئوني ... فإن الشيخ يهدمه الشتاء
وأما حين يذهب كل قرّ ... فسربال خفيف أو رداء
إذا عاش الفتى مائتين عاماً ... فقد ذهب البشابة والفتاء
ألا لافتتاح الكلام وقوله فأشرار البنين لكم فداء وصفهم بالبر وقوله فلا تشغلكم عني النساء يقول لا يشغلكم عن تفقد أموري وإصلاحها نساؤكم والكنائن جمع كنة وهي امرأة الابن أو الأخ وقوله نساء صدق أي هن نعم النساء وقوله وما آلى بني أي ما أبطؤا ولا قصروا وهو من ألوت يقول ما أبطأ بني عن فعل المكارم وما يجب عليهم من القيام بأمري وإصلاح شأني وقوله إذا كان الشتاء كان ههنا تامة لا اسم لها ولا خبر أي إذا جاء الشتاء فألبسوني ما يدفع عني البرد فالشيخ يؤذيه البرد ويضعفه ويقل حركته والسربال القميص يقول فإذا ذهب البرد وجاء الحر فاكسوني قميصا رقيقا ورداءً وأو هنا بمعنى الواو والبشاشة الهشاشة ويروى اللذاذة والفتاء مصدر لفتى يقال فتى بيّن الفتاء وقوله مائتين عاما كان الوجه أن يقول مائتي عام ولكنه اضطر فأثبت النون ونصب على التمييز.

ومن باب ما يمد ويقصر قال أبو محمد والبكاء يمد ويقصر
وأنشد:
بكت عيني وحقّ لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل
قوله وحقّ لها بكاها أي وجب لها البكاء وهذا عذر لعينه في البكاء ثم رجع على نفسه يلومها فقال وأي شيء يجدي عليها البكاء كما قال الهذلي: ماذا يغير ابنتي ربع عويلهما وكما قال الأحوص:
فإن يكن البكاء يرد شيئاً ... فقد أعولت لو نفع العويل
(1/193)

كتاب تقوم اللسان

باب الحرفين اللذين يتقاربان في اللفظ والمعنى ويلتبسان
فربما وضع الناس أحدهما موضع الآخر قال أبو محمد " وكبر الشيء معظمه " قال: وقال الله عز وجل " والذي تولى كبره منهم " وقال قيس بن الخطيم:
كأن لبّاتها تبدّدها ... هزلى جراد أجوافه جلف
تنام عن كبر شأنها فإذا ... قامت رويداً تكاد تنغرف
جمع اللّبة بما حولها وشبّه ما نظم في عقدها بالجراد لأنه يصاغ على صيغة الجراد وتنغرف وتنقصف بمعنى واحد يصف امرأة بالنعمة والرفاهية وقلة العمل وهذا يحسنها وينعم بدنها وقال تنام عن معظم شأنها لأنها كفية تخدم ورويداً معناه برفق ودعةٍ وتنغرف أي تنقطع من نعمتها.
قال أبو محمد " والحرق النار نفسها يقال في حرق الله " قال رؤبة:
تكاد أيدين تهوى في الزهق ... شداً سريعاً مثل أضرم الحرق
يصف الحمر تهوي أي تسقط هوّة والزهق مجاوزة القدر في كل شيء يريد أنهن يمددن أيديهن فوق القدر يقال للفرس إذا جرى مع خيل فتقدمها وسبقها قد انزهق منها والشد العدو الشديد والأضرم الأشعال شبه عدوهن باشتعال النار.
قال أبو محمد " والعرّ قروح تخرج في مشافر الإبل وقوائمها قال النابغة ":
أتوعد عبداً لم يخنك أمانة ... وتترك عبداً ظالما وهو ضالع
وحملتني ذنب امرئ وتركته ... كذى العرّ يكوى غيره وهو راتع
يخاطب النعمان بن المنذر ويعتذر إليه مما وشت به بنو قريع وقوله أتوعد أي أتهدد وقوله وتترك عبدا ظالما أي ظالما ربّه في خيانته وتركه لقضاء حقه والضالع الجائر ويروى طالع بالطاء أي معوج عن الحق أخذ من طلع البعير والعر قروح تخرج في مشافر الإبل وأعناقها مثل القوباء وكان أهل الجاهلية
(1/194)

بجهلهم يعترضون بعيرا من الإبل الصحيحة فيكوون مشفره وفخذه وعضده يرون أنهم إذا فعلوا ذلك ذهب القرح من إبلهم يقول فأنا بريء وغيري السقيم المذنب فحملتني ذنبه وأعفيته ضربه مثلا.
قال أبو محمد " الطعم الطعام والطعم الشهوه " وأنشد لأبي خراش:
أردّ شجاع البطن قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم
وأغتبق الماء القراح فأتنهي ... إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم
يخاطب امرأته أم الأديبر شجاع البطن حية تكون فيه والطعم ما أكل وشجاع البطن في الحقيقة إنما هو لذع الجوع وليس هناك حية وإنما هذا شيء كان يعتقده أهل الجاهلية ويسمونه الصفر وقد أبطله النبي صلى الله عليه وسلم في قوله " لا عدوى ولا طيرة ولا صفر " والماء القراح الخالص يقال لكل خالص من ماء أو غيره مما يؤكل ويشرب قراح والمزلج المدفع ويقال لكل ما لا يبالغ فيه مزلج وذا طعم طيبا في فيه وقوله فأنتهي أي أكف نفسي عن الطعام إذا شربت الماء القراح وإذا كان الزاد طيبا في المزلج فأنا أشرب الماء القراح وأوثر أضيافي باللبن. ومثله بيت عروة بن الورد: أقسّم جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد ويقال زاد ذو طعم إذا كان طيباً.
قال أبو محمد " والحور النقصان " وأنشد لسبيع بن الخطيم التيمي:
لولا الآله ولولا مجد طالبها ... للهو جوها كما نالوا من العير
واستعجلوا عن حثيث المضغ فازدردوا والذم يبقى وزاد القوم في حور أغار بنو صبح على إبل سبيع فاستغاث بزيد الفوارس الضبي عليهم فانتزعها منهم فمدحه يقول لولا الآلة ولولا شرف زيد وكرمه لأخذ هؤلاء القوم إبلي والهوجة ألا يبالغ في انضاج اللحم يريد أكلوا لحمها غير نضيج وابتلعوه من غير مضغ جيد والازدراد الابتلاع يريد الذم يبقى على الأيام والأكل يذهب.
(1/195)

قال أبو محمد " والمروحة الأرض التي تخترق فيها الريح " وأنشد: كأن راكبها غصن بمروحةٍ إذا تدلت به أو شارب ثمل شبه راكب هذه الناقة في تحريكه لسرعتها بغصن شجرة والشجرة في مكان كثير الريح فالغصن لا يستقر يذهب يمينا وشمالا أو برجل سكران يتمايل من السكر وقوله إذا تدلت به يريد إذا هبطت به الناقة من نشاز إلى مطمئن من الأرض وهذا البيت تمثل به عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذلك أنه كان في بعض أسفاره على ناقة صعبة قد أتعبته إذ جاءه رجل بناقة قد ريضت وذللت فركبها فمشت به مشياً حسنا فأنشد هذا البيت ثم قال أستغفر الله. قال الأصمعي فلا أدري أتمثل به أم قاله.

باب الحروف التي تتقارب ألفاظها وتختلف معانيها
قال أبو محمد " والوكف العيب " قال الشاعر يقال أنه عمرو بن امرئ القيس الخزرجي:
نحن المكيثون حين نحمد بال مكث ونحن المصالت الأنف
الحافظو عورة العشيرة لا يأتيهم من ورائهم وكف
والله لا تزدهي كتيبتنا ... أسد غريف مقيلها الغرف
" 2 " يحفظون العشيرة أن يصيبهم ما يعابون به ولا يضيعون ما استحفظوا فيلحق العشيرة عيب بذلك والمكيثون المقيمون والمصالت جمع مصلات أراد المصاليت ويقال هو جمع مصلت وهو الماضي المنجرد والأنف جمع آنف وهو الذي يغضب ويأبى أن يضام وتزده تستخف والكتيبة من الجيوش ما جمع فلم ينتشر والغرفجمع غريف والغريف الأجمة يقول لا تستخف كتيبتنا فرسان كأنهم أسد غريف.

باب اختلاف الأبنية في الحرف الواحد لاختلاف المعنى
قال أبو محمد " ورجل طهرٌ إذا اشتكى ظهره مثل فقر إذا اشتكى فقاره " وأنشد لطرفة:
وإذا تلسنني ألسنها ... أنني لست بموهون فقر
(1/196)

قوله تلسنني أي تأخذني بلسانها والموهون الضعيف من الكبر وقيل في الفقرانه من قولهم أفقرك الصيد فارمه وفقر إذا تمكن منه الرامي وصف امرأة وقال لا أصبرعلى ما يسوؤني من كلامها لأني شاب كريم يرغب فيه وليس في عيب احتملها لأجله وقد عابوا عليه ذلك وقالوا مخاصم وليس بمحب لأن المحب من شأنه الخضوع لحبيبه أبدا.
قال أبو محمد " فإذا أطعمه الناس فهو تامرٌ قال الحطيئة ":
هلا غضبت لرحل جا رك إذ تنبّده حضاجر
أغررتني وزعمت أن ك لابنٌ بالصيف تامر
يخاطب الزبرقان بن بدر وكان الزبرقان ضمن له أن يحسن جواره فجفته امرأة الزبرقان في غيبته فتحول عنه إلى بني أنف الناقة بن قريع وهجا الزبرقان وهلا تخضيض وحضاجر اسم من أسماء الضبع وهذا بناء غريب جاء على أبنية الجمع وهو للواحد وهذا مثل ضربه لامرأة الزبرقان أي هي في الحمق وتضييعها امره بمنزلة الضبع ويقال إن الضبع احمق الدواب وتنبذه تلقيه وتفرقه ويريد بقوله اغررتني بأنك توسع عليّ التمر واللبن وان عندك منهما ما فيه كفايتي فلم اجد ذلك كما وصفت.

باب المصادر المختلفة عن الصدر الواحد
قال ابو محمد " وأبلاه الله يبليه ابلاء حسنا قال زهير ":
فرحت بما حدثّت عن سيديكم ... كانا امرأين كل شأنهما يعلو
جزى الله بالاحسان ما فعلا بكم فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو ويروى كل امرهما أي فرحت بالحمالة التي حملاها وروى الاصمعي رأى الله بالاحسان أي رأى فعلهما حسنا فأبلاهما أي صنع الله اليهما خير الصنيع الذي يبتلى به عباده والانسان يبلى بالخير والشر فيقول ابلاهما خير ما يبلو به. وقوله " حفيت الدابة حفى إذا رق حافرها وحفى يحفى فهو حافٍ والأول حف " إذا مشى الرجل بلا نعل فهو حافٍ وإذا رقت قدمه فهو حفٍ قال يونس ويتداخلون فيوضع احدهما موضع الآخر قال الرجز: كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع
(1/197)

باب الافعال
قال أبو محمد " وبدّن الرجل إذا أسنّ وهو رجل بدن " قال الأسود ابن يعفر:
هل لشباب فات من مطلب ... أم ما بكاء البدن الاشيب
هذا استفهام على سبيل التفجع والتوجع لفقد الشباب يقول هل لما مضى مرّد وقوله من مطلب أي من وجه يطلب فيه ثم رجع على نفسه يوبخها ويعاتبها فقال أم ما بكاء البدن الاشيب أي لايحسن بالكبير أن يبكي تحسرا على فقد الشباب.
وقال أبو محمد " زغت الناقة عطفتها قال ذو الرمة ":
كأن رجليه رجلا مقطف عجل ... إذا تجاوب من برديه ترنيم
وخافق الرأس فوق الرحل قلت له ... زغ بالزمام وجوز الليل مركوم
قوله كأن رجليه أي رجلا الجندب الذي ذكره في قوله يضحي بها الارفش وهو الجراد رجلا مقطف أي رجلا صاحب بعير قطوفٍ او برذونٍ أو حمار شبه ضرب رجليه على الارض بضرب رجل المقطف بعيره وهو عجل وأراد ببرديه جناحيه وترنيم صوت وخافق الرأس يريد وربّ رجل يخفق رأسه من النعاس وشدة السير ويروى مثل السيف وشبهه بالسيف في مضائه وزغ أي اعطف ويروى زع أي كف وجوز الليل معظمه ووسطه والمركوم الذي تراكمت ظلمته بعضها على بعض يخاطب رفيقه بذلك.
قال أبو محمد " فان قتله عشق النساء أو الجن فليس يقال فيه الا اقتتل قال ذو الرمة ":
اذا ما امرؤ حاولن أن يقتتلنه ... بلا إحنة بين النفوس ولا ذحل
تبسّمن عن نور الاقاحي في الثرى ... وفترن من أبصار مضروجة نجل
حاولن اجتهدن في قتله يعني النساء والاحنة الحقد والذحل الوتر والطائلة وتبسمن جواب إذا والتبسم أول الضحك والنور من الزهر الابيض والاقحوان البابونج ونوره يشبه به الثغر شبه ثغورهن بنوره وفترن أي ضعفن ومضروجة واسعة الضرج أي واسعة شق العين ونجل واسعات العيون ويروى كحل.
قال أبو محمد " تأيّبت بالتشديد والقصر تحسبت " وأنشد للكميت:
قف بالديار وقوف زائر ... وتأيّ انك غير صاغر
(1/198)

يقول صاحبه تلبّث بالوقوف على الديار فلست صاغرا في فعلك ذلك والصاغر الذليل يقال صغر الرجل يصغر صغراً وصغاراً فهو صاغر إذا رضى بالضيم فأقربه. قال أبو محمد " وثغر الرجل فهو مثغور إذا كسر ثغره قال جرير " يهجو عبيد الله بن غاضرة لأنه فضل الفرزدق:
أيشهد مثغور علينا وقد رأى ... سميرة منا في ثناياه مشهدا
مثغور هو عبيد الله بن غاضرة بن عمرو بن قرط العنبري ويروى وقد رأى ثميلة وثميلة عنبري قال السكري وكان من قصة مثغور أن عثمان بن عفان رحمه الله استعمل سمرة بن عمر بن قرط على هوافي النعم والهوافي الضوال تهفو تذهب فتقع في إبل الناس وكان لا يخبر في نعم قوم بضالة إلا أخذها فعرّفها فكان من ذهب له بعير أتاه فطلبه عنده فبلغه أن ناقة ضالة في نعم سحيل بن وثيل الرباحي فأتى الإبل وفيها غلمة لسحيم وأم سحيم وسحيم غائب ومعه أعبد له فقال أعرضوا على إبلكم فأبت أم سحيم وهي ليلى بنت شداد أحد بني ثعلبة بن يربوع فقال لها سمرة مري غلمانك يعرضوا على الإبل فأبت عليه فوقع بينها وبينه كلام فأهوى إليها فقالت فمى فمى فأراد العبيد عرضها فأهوت لبعضهم وهي عجوز كبيرة فدفعها فنادت فمى وزعموا أن ثنيتها سقطتا قبل ذلك بزمان فكانتا مصرورتين في خمارها فلما رأى ذلك سمرة انصرف ولم يكن سحيم شاهداً فلما أتاه الخبر أتى على عبيد بن غاضرة ابن سمرة فانتزع تثنيته فكان يدعى مثغوراً فاستعدى سمرة عثمان فرفع سحيم إلى المدينة وحبست إبله حتى ضاعت فشكا ذلك إلى عثمان فقال أبعدك الله ما حملك على ما صنعت قال كسر فم أمي قال فهلا استعديت؟ فحسبه ثم إن بني العنبر اصطلحوا على أن يعقلوا فم صاحبهم وبنو يربوع على أن يعقلوا فم صاحبهم ففعلوا وخلى سبيل سحيم.
وقال أبو محمد " أدين بالفتح آخذ بالدين " وأنشد لسويد بن الصامت الأنصاريّ:
أدين وماديني عليكم بمغرم ... ولكن على الشم الجلاد القرواح
المغرم الغرم والشم الطوال والجلاد اللواتي تصبر على الجدب والعطش وغيرهما والقراوح جمع قرواح وهي التي انجرد كربها وطالت وجمعها قراويح
(1/199)

بالياء وحذفها ضرورة يخاطب قومه يقول آخذ بالدين ويقضيه عني ثمر نخلى ولا أكلفهم قضاءه.
قال أبو محمد " وأدين بالضم أعطى الدين " قال أبو ذؤيب:
أدان وأنبأه الأولون ... بأن المدان مليّ وفي
أدان إذا باع بيعاً إلى أجل فصار له على الناس دين وأبنأه الأولون أي الناس الأولون يعني المشايخ أن الذي بايعته مليّ وفي فكتب عليه كتاب شبه آثار الدار وقد درست بكتابه هذا الكتاب في قوله عرفت الديار كرقم الدواة. قال أبو محمد " فإذا جاؤا بالباء قالوا أوعدته بالشر " قال العديل بن الفرخ العجلي وكان الحجاج طلبه فهرب منه وهجاه:
أوعدني بالسجن والأداهم ... رجلي ورجلي شئنة المناسم
الأداهم القيود الواحد أدهم وشثنة غليظة وأراد بالمناسم هنا باطن رجليه واصابعهما على طريق الاستعارة وإنما المنسم للبعير خاصة بمنزلة الظفر من الإنسان وهذا كما استعار الآخر الحافي للقدم فقال: على البكر يمريه بساق وحافر ورجلي في موضع نصب عظف على ضمير المفعول في أوعدني تقديره وأوعد رجلي بالأداهم فعطف على عاملين كما قال أبو النجم:
أوصيت من برّة قلباً حرا ... بالكلب خيراً والحماة شرّا
ولا يحسن أن يجعل رجلي بدلا من الضمير المنصوب في أوعدني فيكون التقدير أوعد رجلي بالسجن وبالأدهم لأنه لايقال سجن رجله وإنما يقال سجنه وقيد رجله بالسجن للشخص والقيد للرجل والعطف على عاملين قد جاء في القرآن وهو في الشعر كثير.
قال أبو محمد " لاح النجم إذا بدا وألاح إذا تلألأ " قال المتلمس: هجعوا ناموا والهجوع النوم وسهيل هذا الكوكب الذي يراه الناس بالعراق أربعين يوما ومسيره من اليمن ويدوم طلوعه بها ولا يراه أهل الشام ولا خراسان
(1/200)

والضرم دق الحطب الذي يسرع اشتعاله الواحدة ضرمة ومقبوس مشعل والقبس النار.
قال أبو محمد " جزت الموضع وأجزته قطعته وخلفته قال امرؤ القيس ":
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبت ذي قفافعقنقل
هصرت بفودي رأسها فتمايلت ... عليّ هضيم الكشح ريا المخلخل
الساحة والباحة والفجوة والعروة كلها عرصة الدار ورحبتها وانتحى اعترض والخبت بطن من الأرض ويروى بطن حقف وهو ما اعوج من الرمل وانثنى وجمعه أحقاف والعقنقل المتعقد الداخل بعضه في بعض وجواب لما هصرت بفودي رأسها وقال بعضهم الجواب قوله وانتحى بنا والواو مقحمة ويجوز أن تكون الواو غير مقحمة ويكون الجواب محذوفا يكون التقدير فلما أجزنا ساحة الحي أمنا ويكون رواية البيت الذي بعده على هذا:
إذا قلت هاتي نوليني تمايلت وهصرت جذبت وثنيت والفودان جانبا الرأس والكشح ما بين منقطع الأضلاع إلى الورك والمخلخل موضع الخلخال يصف دقة خصرها وعبالة ساقيها وهضيم الكشح منصوب على الحال وكذلك ريّا المخلخل ومن روى إذا قلت هاتي نوليني فمعنى التنويل التقبيل ويكون إذا ظرف تمايلت وهو الجواب وهضيم عند الكوفيين بمعنى مهضمومة فلذلك كان بلا هاء وعند سيبويه على النسب وريّا فعلى من الري وهو انتهاء شرب العطشان ومعنى البيت أنه إذا قال لها نوليني تمايلت عليه ملتزمة له.
قال أبو محمد " أشررت الشيء أظهرته " قال كعب بن جعل في يوم صفين:
وقد صبرت حول ابن عم محمد ... لدى الموت شهباء المناكب شارف
فما برحوا حتى رأى الله صبرهم ... وحتى أشرّت بالأكف المصاحف
يمدح عليّاً عليه السلام لأن عامتهم كانوا ربيعة وكعب تغلبي وتغلب من ربيعة وليس مدحاً لأهل الشام ولدى بمعنى عند وشهباء كتيبة الشهبة بياض يصدعه
(1/201)

سواد وجعلها شهباء لما فيها من بياض السلاح في حال السواد والمنكب من كل شيء مجمع عظم العضد والكتف وحبل العاتق من الإنسان والطائر وكل شيء وأراد بالمناكب النواحي والشارف الناقة المسنة واستعاره للكتيبة. ما برحوا يعني أصحاب علي وصبروا حتى رأى الله صبرهم وحتى أظهر أهل الشام المصاحف ودعوا إلى التحكيم والقصة معروفة. قال أبو محمد " بعضهم يجيز نصف النهار ينصف إذا انتصف " وأنشد للمسيب بن علسٍ:
نصف النهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب ما يدي
أراد انتصف النهار والماء غامره لم يخرج منه ذكر غائصا أنه غاص وانتصف النهار ولم يخرج من الماء وشريك الغواص ما يدري ما يلقى الغواص من الشدة والجهد في طلب الدرة التي غاص من أجلها والماء مبتدأ وغامره خبره والجملة في موضع الحال وإذا كانت الجملة حالا كان فيها عائد إلى ذي الحال فإن لم يكن فيها عائد لم يكن من الواو بدّ لتسد مسد العائد.
قال أبو محمد " أجمع فلان أمره فهو مجمع إذا عزم عليه " قال الشاعر:
نهلّ ونسعى بالمصابيح وسطها ... لها أمر حزم لا يفرّق مجمع
المصابيح هنا جمع مصباح وهو إناء يسقى فيه الصبوح شرب الغداة يقول نسعى على الضيفان بهذه الآنية نسقيهم فيها اللبن وقوله لها أمر حزم يعني للمرأة التي هي أمّ مثواهم أي لها جودة رأي غير منتشر ولا متفرق لأنها أشارت بمذق اللبن لقصوره عن كفاية الضيفان لأنه يقول في البيت الذي بعده:
نمدّ لهم الماء لا من هوانهم ... ولكن إذا ما ضاق شيء يوسع

باب ما يكون مهموزاً بمعنى وغير مهموز بمعنى آخر
قال أبو محمد " ونكيت في العدو أنكى نكايةً قال أبو النجم ".
ننكي العدى ونكرم الأضيافا.
ننكي العدى أي نوقع بهم ونبالغ في عقوبتهم والأضياف جمع ضيف وفعلٌ لا يجمع في القلة على أفعال إلا إذا كانت عينه معتلة فلذلك جمع على أفعال وسمي النازل على القوم ضيفا لأنه مال إلى من نزل عليه والإضافة الإمالة.
(1/202)

باب ما يهمز من الأسماء والأفعال والعوام تبدل الهمزة فيه أو تسقطها
قال أبو محمد " وهي الكمألأة بالهمز والواحدة كمء " هذه الكلمة جاءت شاذة لأن القياس أن يكون الواحد بالهاء واسم الجنس بغير هاء كتمرة وتمر وحبة وحب وشعيرة وشعير فجاءت هذه الكلمة مخالفة للقياس قال يونس هذا كمء لواحد الكمأة مذكر فإذا أرادوا جمعه قالوا هذه كمأة قال أبو زيد قال منتجع بن نبهان كمء واحدو كمأة الجمع وقال أبو خيرة كمأة للواحد وكمء للجمع وهذا القول على القياس إلا أن الأكثر بخلافة قال رؤبة كمء وكمأة كما قال منتجع.
قال أبو محمد " أزللت إليه زلة ولا يقال زللت " قال كثير:
وإني وإن صدّت لمثنٍ وصادق ... عليها بما كانت إلينا أزلت
يقول أنا معترف بما أحسنت إلي واصطنعته عندي من الجميل لا أكفره وإن أعرضت عني وهجرتني وقد اعترض الشرط بين اسم أن وخبرها فسد خبرها مسد الجواب.

باب ما لا يهمز والعوام تهمزه
قال أبو محمد " هزلت الدابة وعلفتها " وأنشد:
إذا كنت في قومٍ عدىً لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيب
هذا الشعر لمالك أو الحارث بن سعد بن ثعلبة بن دوران بن أسد بن خزيمة وقبل هذا البيت:
لعمري لرهط المرء خير بقية ... عليه وإن عالوا به كل مركب
من الجانب الأقصى وإن كان ذا غنى ... جزيل ولم يخبرك مثل مجرب
تبدلت من دوران قسراً وأرضها ... فما ظفرت كفّي ولا طاب مشربي
إذا كنت البيت. واسم دوران سالم ولقب دوران لأنه كان يقول لقومه كل يوم قد آن حلول الديدان في الأبدان فاتركوا اللهو والزموا الجد فقد أبادت الدنيا الأمم والآباء وستفنى الباقين والأنباء. كان هذا الشاعر فارق قومه وتحول إلى قشرٍ وقشر من قبائل اليمن فلم يحمد جوارهم وظلموه فأوصى ابنه وقال له إذا كنت في قوم
(1/203)

غرباء لست منهم فاحتمل منهم المكروه فإنك إن حاولت أن تنتصف منهم لم تجد معينا وقوله لرهط المرء خير بقية يقول إن ظلموه فظلمهم دون ظلم غيرهم والمجرب الذي قد خبر الأمور وعرفها. قال أبو محمد " زكنت الأمر ازكنه أي علمته وأزكنت فلانا أي أعلمته وليس هو في معنى الظن " وأنشد للغطفاني.
زكنت منهم على مثل الذي زكنوا.
وقد مضى تفسيره. قال أبو محمد " ما نجع فيه القول قال الأعشى " يمدح هوذة بن علي الحنفي:
سائل تميما به أيام صفقتهم ... لما أتوه أسارى كلّهم ضرعا
وسط المشقر في عشواء مظلمة ... لا يستطيعون بعد الضر منتفعا
لو أطعموا المن والسلوى مكانهم ... ما أبصر الناس طعماً فيهم نجعا
الصفق والصفقة في البيع والبيعة ضرب اليد على اليد للأيجاب وضرع إذا ذلّ وخشع هنأ ومرأ والسلوى طير بيض مثل السمانى الواحدة سلواة والمنّ الترنجبين يقول لو أطعموا في مكانهم من المشقر المن والسلوى ما نفعهم ولا كان هبيئاً ولا مريئاً وذلك أن بني تميم أغاروا على لطيمة كسرى فوجه إلى عامله المكعبر بهجر أن يكفيه إياهم فأمهل حتى أدرك النخل وحضر بنو تميم للشراء والميرة فقسم فيهم صعاما وقال إن الملك أمرني أنأقسم فيمن كان ههنا من بني تميم فأدخلوا فجعل يدخلهم الصفا والمشقر رجلا رجلاً فيأخذ سلاحه ثم يقتله وكان هوذة بن علي يوم الصفقة بهجر وكانت الملوك تدنيه وتوجهه فشفع لسرى بني تميم فأطلق له عن مائة منهم وكان نصرانياً فأطعمهم السوبق والبسر في الجفان حتى إذا كان يوم الفصح كساهم ثوبين ثم أطلقهم فمدحه الأعشى بهذا الشعر. قال أبو محمد " ورعد لي بالقول وبرق قال ابن أحمر ":
قالت له يوماً ببطن سبوحة ... في موكب زجل الهواجر مبرد
يا جل ما بعدت عليك بلادنا ... فأبرق بأرضك ما بدا لك وارعد
بطن سبوحة من وراء بستان ابن معمر من وراء جبل يقول كانت تواصله وهي مجاورته فلما أبردوا بالرواح قالت له يا هذا جل ما بعدت بلادنا عليك أي عظم بعد بلادنا عليك فليكن مقامك وخيرك وشرك ببلادك ولا تأتنا وقوله زجل الهواجر أراد غناء حداتهم في ذلك الوقت أن الحداة كفوهم وأنزلوهم حتى أبردوا وارتحلوا
(1/204)

فزجلهم صياح حداتهم في أنزالهم. قال أبو محمد " وبعضهم يجيز أرعد وأبرق ببيت الكميت ":
أرعد وأبرق يا يزي د فما وعيدك لي بضائر
عنى يزيد بن خالد بن عبد الله القسري وكان خالد حبس الكميت وكتب في أمره إلى هشام بن عبد الملك وذكر أنه هجا بني أمية فكتب هشام إلى خالد أن اقطع يده ورجليه وأصلبه فلمابلغ الكميت ذلك هرب من السجن في زي امرأة ومدح مسلمة بن عبد الملك واستجار به وهجا خالدا ويزيد ابنه.

باب ما يشدد والعوام تخفقه
قال أبو محمد " الفلّو مشدد الواو قال دكين " ابن رجاء الفقيمي:
كأنه لما تدانى مقربه ... وانقطعت أو ذامه وكربه
وجاءت الخيل جميعا تذنبه ... شيطان جن في هواء يوقبه
أذنب فانقض عليه كوكبه ... كان لنا وهو فلوّ نرببه
المقرب سير القارب وهو طالب الماء والوذم سير يشد به عروة الدلو والكرب ان يعقد الحبل على العراقي ثم يثني ثم يثلث شبهه في سرعته بدلو انقطعت من رشائها فسقطت كما قال زهير.
هويّ الدلو يسلمها الرشاء وقوله تذنبه تتلوه وتتبعه يقال ذنبت الشيء أي تلوته. ويوقبه يدخله وأذنب أجرم وانقض النجم هوى وشبه سرعة مرّة بسرعة انقضاض النجم كما قال ذو الرمة.
كأنه كوكب في أثر عفرية والفلّو المهر وقد فلوناه فطمناه ونربيه أي نربيه ونصلحه.
قال أبو محمد " وهي الأترّجة والأترّج أبو زيد يحكي ترنجة وترنج " وأنشد لعلقمة بن عبدة بيتا قبله:
رد القيان جمال الحي فاحتملوا فكلها بالتزيديات معكوم
(1/205)

عقلا ورقما تظلّ الطير تخطفه ... كأنه من دم الأجواف مدموم
يحملن أترّجة نضج العبير بها ... كأن تطيابها في الأنف مشموم
خص الجمال لأنهن كانوا يحملون النساء عليها لشدتها وذلها والتزيديات ضرب من البرود فيها خطوط حمرٌ نسبت إلى قبيلة يقال لها تزيد بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة كانوا حاكة نسبت البرود إليها قاله أبو عمرو ويقال تزيد بن حيدان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وقيل التزيديات الهوادج يجاء بها من شقّ بلاد قضاعة وقوله عقلا ورقما أي عكمت بالعقل والرقم وهما ضربان من الوشي فيهما حمرة وقال الأصمعي العقل خيط يعقل بخيط آخر يدخل فيه من تحته ثم يرفع على خيط وانتصب عقلا على أنه مفعول معكوم على حذف حرف الجر وإنما قال تظل الطير تتبعه يريد انه يخيّل إليها أنه لحم كما قال طفيل.
تظل الطير تتبع زهوه.
والمدموم المطلى بالدم وقوله تخطفه أي تسلبه تحسبه لحما من حمرته وقوله يحملن أترجّةً كنى بالأترجة عن المرأة وشبه طيبها بها والتطيات مصدر كالترماء والتّصعاق والتقدير كأن طيبها في الأنف عبير شموم أو مسك مشموم والعبير أخلاط من الطيب تجمع بالزعفران.
قال أبو محمد " والقبّرة والقبّر " وأنشد لكليب بن ربيعة التغلبي:
يا لك من قبرّةٍ بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري خرج كليب يدور في حماه فإذا هو بحمرة على بيض لها فلما نظرت إليه صرصرت وخفقت بجناحيها فقال أمن روعك أنت وبيضك في ذمتي ثم دخلت ناقة البسوس الحمى فكسرت البيض فرماها كليب في ضرعها فكان هذا سبب الحرب بين بكر وتغلب ولها حديث يطول ذكره والمعمر المنزل الذي تعمره ويقال كنت بمعمر صدق أي بمنزل صدق ويقال أول من قال ذلك طرفة بن العبد وهو يومئذ صبي وذلك أن عمرا قفل من أرضه إلى سواها وحمل الغلام معه فلما نزلوا
(1/206)

ذهب طرفة بفخ له ونصبه للقنابر وقعد عليها عامة يومه فجعلن يحدن عن الفخ وينقرن ما حوله ثم انتزع فخه من التراب ورجع إلى عمر وأصحابه فلما تحملوا وركبوا جعلت القنابر يلتقطن ذلك الحب الذي ألقاه لهن فرآهن فقال عند ذلك هذه الأبيات وبعدها.
لا بد من أخذك يوماً فاصبري.
قال أبو محمد " وهي القوصرة " وأنشد:
أفلح من كانت له قوصرّة ... يأكل منها كل يوم مرة
معنى قوله أفلح أي فاز بالعيش والنعمة وأصل الفلح والفلاح البقاء ويقال لكل من أصاب خيرا مفلح والقوصرّة وعاء من قصب يكنز فيه النمر وربما خففت وهو ههنا كناية عن المرأة كما يكنى عنها بالقارورة ومثله: أفلح من كانت له مزّخه.
وهي مفعلة من الزخ وهو النكاح.
وقول الأصمعي عنست المرأة إذا كبرت ولم تزوج فهي معنّسة ولا يقال عنست قال يوسف بن أبي سعيد هذا على أنهما قد رواهما في قول الهذلي.
حتى أتت أشمط عانس.
وفي قول الآخر: والعانسون ومنا المراد والشيب.
وفي قول الأعشى.
والبيض قد عنست.

ومن باب ما جاء خفيفا والعامة تشدده
قال أبو محمد عنبٌ ملاحيّ مخففة اللام من الملحة وهو البياض وأنشد الأصمعي.
ومن تعاجب خلق الله غاطية ... يعصر منها ملاحيّ وغربيب
(1/207)

التعاجيب لا واحد لها من لفظها إنما هي أعجوبة وأعاجيب وغاطية عالية والملاحي الأبيض والغربيب الأسود يصف كرمة.

باب ما جاء محركا والعامة تسكنه
قال أبو محمد وطلعت الزّهرة للنجم قال الشاعر أنشده أبو زيد في نوادره:
قد وكلتني طلتي بالسمسرة ... وأيقظتني لطلوع الزهرة
قال أبو زيد زعموا أن امرأة أمرت زوجها بالسمسرة فقال لها ويلك إني أخاف أن أوضع ثم ذهب إلى السوق فخسر عشرة فقال:
قد أمرتني طلتي بالسمسرة ... وأيقظتني لطلوع الزهرة
فكان ما ربحت وسط الغيثرة ... وفي الرخام أن وضعت عشره
طلة الرجل امرأته وكذلك عرسه وحليلته وحنته وزوجه وزوجته وجارته والسمسار القيم بالأمر الحافظ له والمصدر السمسرة وفي الحديث كنا نسمى السماسرة بالمدينة فسمانا رسول الله صلى الله عليه وسلم التجار وقال الأعشى:
فأصبحت لا أستطيع الكلام ... سوى أن أكلم سمسارها
والغثيرة الجماعات من الناس المختلطون.
قال أبو محمد " وهو سلف الرجل قال أوس ":
والفارسية فيهم غير منكرة ... فكلهم لأبيه ضيزن سلف
يهجو بني مالك بن ضبيعة والفارسية عنى بها الملة الفارسية أي المجوسية والضيزن الذي يزاحم أباه في امرأته وقوله سلف يقول الرجل منهم يأتي أمه وخالته فهو ضيزن لأبيه بالأم وسلف له بالخالة ويروى والفارسية فيكم غير منكرة يخاطبهم بذلك والسلف زوج أخت امرأة الرجل يقال هو سلفه وظأمه وظأبه.
(1/208)

باب ما جاء بالصاد وهم يقولونه بالسين
قال أبو محمد " فأما السفح الذي ذكره الأعشى في قوله ":
حل أهلي بطن الغميس فبادو ... لى وحلت علوية بالسخال
ترتعي السفح والكثيب فذاقا ... وفروض القطا فذات الرئال
يقول حل قومي يقول فارقت جبيرة فحللت مع قومي ببطن الغميس وهو قريب من الكوفة وبادو لي بسواد العراق وحلت علوية أي حلت جبيرة وأهلها بالعالية والعالية ما جاوز الرمة إلى مكة وقال ابن الأعرابي علوية مرتفعة والعالية مكة والمدينة وألواذها وما قرب منها والسخال من أرض العالية وهي هضاب صغار متقارب بعضها من بعض في أرض مستوية إذا نظر إليها الناظر ظنها سبخا لا ترعى حتى يقرب منها فحيئذ يعلم أنها هضاب صغار وقوله ترتعي لا يريد جبيرة وإنما يريد القبيلة أي ترعى إبلهم السفح سفح الجبل وهو خضيضه من أصله حيث يسفح الماء من الجبل عليه إذا كثرت الأمطار والسفح ههنا موضع معروف والكثيبما علا من الرمل وارتفع وهو هنا موضع بعينه وذوقار موضع كانت فيه حروب بين الفرس وبكر بن وائل وروض القطا رياض يتصل بعضها ببعض والقطا يبيض فيها ويأويها فلذلك نسبت إليه وذات الرئال مفاوز متصل بعضها ببعض يكون فيها النعام لقلة مائها والنعام لا يريد الماء والرئال فراخ النعام يقال رالٌ وأرآلٌ وأرالٌ فإذا كثرت فهي الرئال.

باب ما جاء مكسور والعامة تفتحه
السرادب والدهليز أعجميان معربان وليس في الكلام فعلال إلا في المضاعف نحو القلقال والزلزال. والأنفخة فيها ثلاث لغات إنفخة بالتخفيف وإنفحّة بالتشديد ومنفخة بكسر الميم وتخفيف الحاء وفتح الميم خطأ والإطربة عجين يرقق ويقطع صغاراً ويطبخ بلحم وقال الليث هو طعام يتخذه أهل الشام.
قال أبو محمد " طعام مدود وتمر مسوس " قال:
قد أطعمتني دقلا حوليا ... مدّوداً مسوسا حجريّا
(1/209)

هو زرارة بن صعب بن دهر وذلك أن امرأة عامرية خرجت في سفرٍ يمتارون من اليمامة فلما امتاروا وصدروا جعل زرارة يأخذه بطنه فيتخلف خلف القوم فقالت العامرية:
لقد رأيت رجلا دهريا ... يمشي وراء القوم سيتهيا
كأنه مضطغنٌ صبيا دهري منسوب إلى بني دهر بطن من بني كلاب ومضطغن طبيا أي كأن على بطنه صبيا من عظمه فأجابها زرارة:
قد أطمعتني دقلا حوليا ... نفاية مسوسا حجريا
قد كنت تفرين به الفريا الدقل أردأ التمر وما لم يكن من التمر ألوانا فهو دقلٌ والحولي الذي أتى عليه حول وقوله: تفرين به الفريا أي كنت تكثرين فيه القول وتعظيمه والفري العجب.
وقوله " ثوب مزابر ودرهم مزابق " كان الوجه أن يقال مزابر ومزابق بفتح الباء لأنه في معنى المفعول ولكنه جاء على لفظ الفاعل لأن ذلك قد ظهر فيه. والسمك القريب القريب العهد بالتلميح. والنرسيان ضرب من التمر جيد والعرب تضرب الزبد بالنرسيان مثلا فيما يستطاب وهذه الكلمة غير عربية ولا تجتمع النون والراء والسين في كلمة عربية.

باب ما جاء مفتوحا والعامة تضمه
أنشد أبو محمد على التخوم لأبي قيس صرمة بن أبي أنس رحمه الله:
يا بني الأرحام لا تقطعوها ... وصلوها قصيرة من طوال
يا بني التخوم لا تظلموها ... إن ظلم التخوم ذو عقال
كان أبو قيس من بني النجار وكان قد ترهب ولبس المسوح وفارق الأوثان وهمّ بالنصرانية ثم أمسك عنها ودخل بيتا فاتخذه مسجدا لا يدخله طامث ولا جنب وقال اعبد رب إبراهيم فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أسلم
(1/210)

وحسن إسلامه والعقال داء لا دواء له والنجوم تروى بضم التاء وفتحها فمن رواها مضمومة فهو جمع تخم مثل فلس وفلوس ومن فتح التاء جعله واحداً وجمعه على جمع النعت مثل غفور وغفر وصبور وصبر يقول لبنيه يا بني لا تتعدوا حدودكم فتأخذوا من الأرض ما ليس لكم فإن عقوبة ذلك تتعلق بكم فلا تفارقكم وهذا على طريق المثل. والروشم سكة الدراهم والدنانير والذي يرشم به الطعام وغيره يقال بالشين والسين قال: دنانير شيفت من هرقل بروسم وقال الأعشى: وصلى على دنها وارتشم قال وهو النشوط والشبوط فالنشوط كلام عراقي وهو سمك يمقر في ماء وملح وانتشطت السمكة إذا قشرتها. والشبّوط ضرب من السمك دقيق الذنب عريض الوسط لين الممس صغير الرأس وفيه لغة أخرى شبوط بضم الشين ورأيت في كتاب أبي حاتم هو السبوط والشبوط. ودوارة الرأس الشعر المستدير في وسطه ومنه قولهم فلان لا تقشعر دوائره. مزربان الزأرة المزربان الرئيس والزأرة اسم موضع.
وفي باب ما جاء مكسورا والعامة تضمه قال أبو محمد " يقال دابة قماص ولا يقال قماص " سيبويه يقول قماص والعيوب تأتي كثيرا على فعال بكسر الفاء نحو النفار والشماس والضراج والأدواء تأتي على فعال بضم الفاء مثل القلاب والخمال والنحاز والدكاع.

باب ما جاء على يفعل مما يغير
قال أبو محمد " هررت الحرب أهرها قال عنترة ":
حلفت لهم والخيل تردى بنامعا ... نزايلكم حتى تهرّوا العواليا
الرديان ضرب من السير أي تعدو بنا وبهم جميعا وقوله نزاولكم أي لا نزايلكم فحذف لا للعلم بها قال الله عز وجل " تالله تفتؤ تذكر يوسف " أي لا تفتأ
(1/211)

والعوالي الرماح وتهرّوا تكرهوا أي نزاولكم حتى تكرهوا الحرب وتسأموها. وفي باب ما جاء على يفعل مما يغير قال أبو محمد " وقصت عنقه توقص " هذا قد رد عليه والصواب وقص على ما لم يسم فاعله ووقصت عنقه ولكنه قد جاء وقصت عنقه ووقصت ورجل او قص قال ابن مقبل: فبعثتها تقص المقاصر

باب ما جاء على لفظ ما لم يسم فاعله
قال أبو محمد " وعنيت فأنا أعنى به ولا يقال عنيت قال الحارث بن حلزة ":
وأتانا عن الأراقم أنبأء وخطبٌ نعني به ونساء
إن أخواننا الأراقم يغلو ن علينا في قيلهم أحفاء
الأراقم أحياء من بني تغلب وبكر بم وائل وأنباء جمع نبأ وهو الخبر والخطب الأمر العظيم وقوله نعنى به فيه قولان أحدهما نتهم ونظنّ به أي يعنوننا به والآخر أن يكون من العناية أي نهتم به كما يقال عنيت بحاجتك أعني بها. ونساء فيه قولان أيضا يساء بنافيه الظّن والآخر نساء نحن له أنفسنا لاهتمامنا بهذا الخطب. وقوله إن اخواننا يروى بفتح أن وكسرها فمن فتح فموضعها رفع على البدل من قوله أنباء ومن كسرها ابتدأها ويغلون يرتفعون في القول علينا ويظلموننا ويحملوننا ذنب غيرنا وأصل الغلو في اللغة الزيادة والارتفاع وأحفاء يحتمل وجهين إحداهما أن يكون معناه الاستقصاء من قولك أحفيت شعري إذا استقصيت أخذه كأنهم استقصوا علينا ونقضوا العهد والآخر أن يكون من أحفيت الدابة إذا كلفتها ما لا تطيق حتى تحفى فيكون معناه ألزمونا ما لا نطيق. قال أبو محمد " نتجت الناقة ولا يقال نتجت ولكن يقال نتجت ناقتي " قال الكميت:
إذا طرّق الأمر بالمفلفات ... يتناً وضاق به المهبل
وقال المذمر للنتاجين ... متى ذمرت قبلي الأرجل
طرّق ضاق يقال طرّقت القطاة إذا عسر عليها خروج بيضها وكذلك الناقة إذا
(1/212)

عسر عليها خروج ولدها فضربه مثلا للأمر الذي يضيق بالناس فلا يجدون منه مخرجا والمفلفات الدواهي والفلق الداهية واليتن أن تخرج رجلا المولود قبل يديه يضرب مثلا لانقلاب الأمر والمهبل أقصى الرحم وقيل موضع الولد من الرحم قال الهذلي.
خطّ له ذلك في المهبل.
وقيل هو البهو بين الوركين حيث يجثم الولد وقبل ما بين الغلقين أحدهما فم الرحم والآخر موضع العذرة والمذمر الذي يدخل يده في حياء الناقة لينظر أذكر جنينها أم أنثى وهو أن يلمس مذمرة فإن كان غليظا علم أنه ذكر وإن لم يكن غليظا علم أنه أنثى والمذّمر العنق والكاهلوما حوله إلى الذفري وهو العظم الناشز وراء الأذن هذا مثل ضربه لانقلاب الأمر وجواب إذا في قوله بعد فنفسي فداؤهم في الحروب.

باب ما ينقص منه ويزاد فيه ويبدل بعض حروفه بغيره
قال أبو محمد " شتان ما هما بنصب النون ولا يقال ما بينهما قال الأعشى ":
وقد أسلّي الهمّ حين اعترى ... بجسرة دوسرة عاقر
شتان ما يومي على كورها ... ويوم حيان أخي جابر
الجسرة العظيمة من النوق والدوسرة مثلها والعاقر التي لم تحمل وذلك أصلب لها يقول أسلى الهمّ بركوب ناقة هذه صفتها ثم قال شتان ما يومي على كورها والكور الرجل بأداته وحيان رجل من بني حنفيه كان ينادم الأعشى وله أخ يقال له جابر يقول أن يومي في الرحيل والركوب على كور هذه الناقة ليس مثل يومي مع حيان وشربنا وتنعيمنا أي هذا مفترق وحيّان كان خليلا للأعشى ولم يكن جابر مثله فغضب لما ضمه الأعشى إليه ولم ينادمه فاعتذر إليه بالقافية.
قال أبو محمد " وليس قول من قال لشتان ما بين اليزيدين بحجة " وأنشد لربيعة الرقي ويكنى أبا أسامة.
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سليم والأغر بن حاتم
فهمّ الفتى الأزديّ إتلاف ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
(1/213)

اليزيدان يزيد بن حاتم المهبلي وهو الممدوح ويزيد بن أسيد وكان المنصور قد عقد ليزيد بن أسيد على ديار مضروعقد ليزيد بن حاتم على ديار إفريقية وسارا معا فكان يزيد بن حاتم يمون الكتيبتين جميعا أصحابه وأصحاب يزيد بن أسيد وقال ربيعة أيضا فيهما:
يزيد الخير أن يزيد قومي ... سميك لا يجود كما تجود
يقود كتيبة وتقود أخرى ... فترزق من تقود ومن يقود
وقال يزيد قومي لأنه كان مولى بني سليم ويزيد بن أسيد سلمى وربيعة الرقي لا يستشهد بشعره وكان ربيعة مدح يزيد بن حاتم فأنح له ولم يكفه فكتب إليه.
أراني ولا كفر إن الله راجعا ... بخفّي حنين من يزيد بن حاتم
فدعاه وحشا خفيه دنانير وأمر له بغلمان وجوار وكسى فقال لشتان ما بين البيتين. وشتان مصروفة عن شتت والفتحة في النون هي الفتحة في التاء والفتحة تدل على أنه مصروف عن الفعل الماضي وقيل هـ يكسبحان من التسبيح اسم المصدر. قال ابو محمد " ويقال سمكٌ مليحٌ ولا يقال مالحٌ وقد قال غدافر وليس بحجة " وعذافر فقيميٌّ.
لو شاء ربي لم أكن كريا ... ولم أسق بشعفر المطيا
بصرية تزوجت بصريا ... يطعمها المالح والطريا
وجيد البرّ لها مقليّا ... حتى نتت سرتها نتيّا
وفعلت ثنتها فريّا عذافر هذا من بني فقيم وكان يكري إبله إلى مكة وأكرى معه رجل من بني حنفة من أهل البصرة بعيراً يركبه هو وزوجته وكان اسمها شعفر وكان الحنفي وزوجته سمينين فنزل الفقيميّ يزجر بهما فقال هذه الأبيات والمطي جمع مطية وهي الناقة وقد مضى اشتقاقها والمقلي المشوي على المقلى ونتت أصله نتأت وأبدل الهمزة ألفا وحذفها رلتقاء الساكنين ونتياً أراد نتوءاً فقلب الهمزة ياء وقبلها واو ساكنة فقلبت واو ساكنة فقلبت الواو ياء وادغمت الياء في الياء والثنة ما بين السّرّة والعانة
(1/214)

وهي مراق البطن والفريّ العجب. وقد جاء المالح في شعر من قوله حجة وهو جرير قال يهجو آل المهلب:
كانوا إذا جعلوا في صيرهم بصلا ... ثم اشتووا مالحا من كنعد جدفوا
الصير الصحناة والكنعد ضرب من السمك يريد كانوا ملاحين.
وقال أبو محمد " يقال فاظ الميت يفيظ فيظاً ويفوظ فوظاً كذاروه الأصمعي وأنشد لرؤبة ".
والأسد أمسى شلوهم لفاظا ... لا يدفنون منهم من فاظا
يمدح بني تميم ويهجو ربيعة والأسد وكانا متخالفين على مضر ويذكر من قتلت مضر من ربيعة والأسد في الحروب التي كانت بينهم في المربد وهي واقعة مشهورة والأسد لغة في الأزد والشلو الجسد واللفاظ الملفوظ يقول لا يدفنون قتلاهم لكثرتهم.
قال أبو محمد " ولا يقال فاظت نفسه ولا فاضت إنما يفيض الماء وأنشد الأصمعي ":
كادت النفس أن تفيظ عليه ... إذ ثوى حشو ربطةٍ وبرود
كاد من أفعال المقاربة وهي تستعمل بغير أن يقال كاد فلان يفعل معناه قارب الفعل ولم يفعل لأن مقاربة الفعل تمنع من ذخول أن من حيث أن أن للاستقبال ولكن كاد تشبّه بعسى كما تشبه عسى بكاد وثوى أقام والريطة الملاءة والبرود جمع بردٍ.
قال أبو محمد " قولهم ياما صّان خطأ إنما هو يامصّان ويامصّانة " وأنشد بيتا لزياد الأعجم يهجو خالد بن عتاب بن ورقاء وقبله:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا ... أبظراء أم مخنونة أم خالد
فإن تكن الموسى جرت فوق بظرها ... فما ختنت إلا ومصّان قاعد
يقول أنا في شك أمختونة هي أم لا ثم قال وإن كنت أعلم أنها كذلك فإن
(1/215)

كانت مختونة فما ختنت إلا بعد ما كبر ابنها فختنت بحضرته وعني بمصان ابنها ويروى ختنت وخفضت ووضعت وبضعت وهي بمعنى واحد. ويقال رجل مصّانٌ وماص ولا يقال ماصان.
قال أبو محمج " هو أخوه بلبان أمه ولا يقال بلبن أمه " قوله ولا يقال بلبن أمه قد يقال في الناس لبن ولبان ولا يقال لبان في غير الناس والأكثر في الناس اللبان وجاء في الحديث في لبن الفحل أنه يحرّم ولم يرو لبان الفحل وهو أن يكون للرجل امرأة ترضع فكل من أرضعته بلبنه فهم ولد زوجها محرمون عليه وعلى ولده من ولد تلك المرأة ومن ولد غيرها لأنه ابوهم جميعا وفي حديث آخر أن خديجة بكت فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم " ما يبكيك " فقالت درت لبنة القاسم. وأنشد أبو محمد للأعشى يمدح المحلق من بني بكر بن كلاب واسمه عبد العزيز وإنما سمّي المحلق لأن فرسه كدمه فصار اثر ذلك كالحلقة.
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تحرّق
تشبّ لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلّق
رضيعي لبان ثدي أن تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرق
لعمري أقسم ببقائه ولاحت نظرت واليفاع المشرف وقوله وبات على النار يقول بات على هذه النار الجود والمحلق لأن الجود ضجيع المحلق لا يفارقه وقوله رضيعي لبانٍ يريد أنهما أخوان وأمهما واحدة وهذا على طريق المثل وقوله تقاسما يريد تحالفا ألا يفارق أحدهما صاحبه وقوله بأسحم داج قيل هو الرماد يقول تحالفاعند الرماد وهو صنيع الفرس وإلا سحم الأسود الداجي الشديد السواد وقيل بأسحم داج يعني الليل أي تحالفا بالليل وقيل هو الرحم وذلك أن الندى حالف المحلق في الرحم قبل ولادته وقيل هو الدم وذلك أن العرب إذا تحالفت غمست أيديها في الدم وعوض من أسماء الدهر وهو مبني على الضم والفتح والكسر يقول لا نتفرق ابدا. وأنشد ابو محمد لأبي الأسود الدؤلي:
دع الخمر يشربها الغواة فإنني رأيت أخاها مغنيا لمكانها
فالا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها
يخاطب مولى له كان يحمل تجارة إلى الأهواز وكان إذا مضى إليها يتناول شيئاً من الشراب فاضطرب أمر البضاعة فقال أبو الأسود هذه الأبيات ينهاه عن
(1/216)

شرب الخمر ويقول إنّ الزبيب يقوم مقامها فإن لم تكن الخمر نفسها من الزبيب فهي أخته اغتديا من شجرة واحدة وقيل أنه عني بقوله أخوها الطلاء.
قال أبو محمد " ويقال جاء بالضج والريح أي جاء بما طلعت عليه الشمس وجرت عليه الريح ولا يقال الضيح " وأنشد لذي الرمة بيتا قبله:
يظل بها الحرباء للشمس ماثلا ... على الجذل إلا أنه لا يكبر
إذا حول الظل العشي رأيته ... حنيفا وفي قرن الضحى ينتصر
غدا أكهب الأعلى وراح كأنه ... من الضج واستقباله الشمس أخضر
قوله يظل بها أي يقيم بالصحاري نهاره والحرباء دويبة على خلقة العظاءة أكبر منها شيئا يستقبل الشمس في الظهائر ويدور معها والماثل المنتصب والجذل أصل الشجرة وأراد الشجرة هنا ولم يرد أصلها أي كأنه يصلّي إلا أنه لا يكبر وقوله إذا حول الظل يقول إذا زالت الشمس استقبل قبلة المشرق والحنيف المسلم وربما قال حنيفا لأنه تلك الساعة بالعشية مستقبل القبلة وهو في حد الضحى أي في وقت الضحى مخالف للقبلة فإنما ينتصر من ذا يدور مع عين الشمس كيف ما دارت وقرن الضحى حاجبها وناحيتها وقوله أكهب الأعلى الكهبة غبرة إلى السواد ويروى أصفر الأعلى وهو هكذا يصفر على الشمس ويخضر والضح الشمس قال أبو محمد " قال أبو زيد هما خصيان إذا ثنيا فإذا أفردت الواحدة قلت هذه خصية وهما أليان فإذا أفردت قلت ألية " وأنشد:
قد حلفت بالله لا أحبه ... إن طال خصياه وقصر زّبه
يقول أقسمت امرأة هذا الرجل بالله أنها لا تحبه لكبره ومن عادة الكبير إن يسترخي صفنه فتطول خصياه ويتشنج ذكره فيقصر وقصّر تخفيف قصر وكل ما كان على فعل أو فعل يجوز تخفيفه.
وأنشد أبو محمد ايضاً بيتاً قبله:
كأنما عطية بن كعب ... ظعينة زاقفة في ركب
ترتج ألياه ارتجاج الوطب الظعينة المرأة شبه عجزه بعجز المرأة والركب أصحاب الإبل والارتجاج
(1/217)

الاضطراب والوطب سقاء اللبن. قال أبو محمد " يقال هو مني مدى البصر ولا يقال مد البصر " قال القحيف:
بنات بنات أعوج ملجمات ... مدى الأبصار عليتها الفحال
أعوج فرس كان لغني بن أعصر وهو أعوج الأكبر وليس في العرب فحل أشهر ولا أكثر نسلا ولا الشعراء والفرسان أكثر له ذكرا به وافتخارا من أعوج ومدى البصر متناه وقد يقال مد البصر ومدى أجود وأكثر قال الأصمعي وأول ماروي من عدو أعوج أنه أغير على الناس في يوم النسار وصاحب أعوج الأكبر موثقه بثمامة فلما أغارت الخيل في وجه الصبح جال في متنه ثم صاح به ونسى الوثاق فاقتلع الثمامة وخرج يخف به كأنه حذر وفٌ فسار مسيرة أربع ليال.
قال أبو محمد " وأما المستأهل فهو الذي يأخذ الإهالة " وأنشد لعمرو بن أسوى ابن عبد القيس:
لا بل كلي ياميّ واستأهلي ... إن الذي أنفقت من ماليه
استأهلي أي إهالة وهوالشحم المذاب وياميّ نداء مرخم يريد ياميّة ويجوز في الياء الضم والفتح. وأنشد أبو محمد في الحافرة:
أحافرةً على صلعٍ وشيبٍ ... معاذ الله من سفهٍ وعار
انتصب حافرة لأنه في معنى المصدر أقيم مقامه تقدير الكلام أرجوعاً إلى أول أمري وقد صلعت وشبت يريد أرجع رجوعاً ثم حذف الفعل واكتفى بالمصدر ثم جعل الاسم في موضع المصدر وقد أقاموا الصفات والأسماء مقام المصدر وحذفوا الفعل معها كقولهم هنيئاً مريئاً في الصفات وترباً وجندلا في الأسماء وذلك محمول على باب سقياً ورعياً.
قال أبو محمد " عدس زجر البغل والعوام تقول عد " وأنشد:
إذا حملت بزتي على عدس ... فما أبالي من غزا ومن جلس
يريد ببزته سلاحه يقول إذا فعلت ذلك فما أبالي من غزا ومن تخلف عن الغزو. قال أبو محمد " وقال ابن مفرّع الحميري ":
عدس مالعباد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق
(1/218)

كان سعيد بن عثمان بن عفان استصحب يزيد بن مفرغ حين ولي خراسان فلم يصحبه وصحب عباد بن زياد بن أبي سفيان فلم يحمده فهجاه فأخذه عبيد الله بن زياد فحبسه وعذبه فلما طال حبسه بعث رجلاً وحمله أبياتاً وأمره أن ينشدها على طريق دمشق إذا انصرف الناس من الجمعة على باب معاوية:
أبلغ لديك بني قحطان قاطبة ... عضّت بأير أبيها سادة اليمن
أمسي دعيّ زياد فقع قرقرة ... يا للعجائب يلهو بابن ذي يزن
فلما سمع أشراف اليمن هذا الشعر دخلوا على معاوية فكلموه فوجه رجلا يقال له جهنّام من بني راسب وكتب له عهداً وأنفذه على البريد وأمره أن يبدأ بالحسن فيخرج منه يزيد بن مفرغ قبل أن يعلم عباد ففعل جهنام ذلك فلما أخرجه من الحبس قرب إليه دابة من البريد ليركبها فلما استوى عليها قال عدس ما لعباد البيت يقول لا سلطان لعباد عليك والطليق المطلق وهذا مبتدأ وطليق خبره وتحملين جملة في موضع الحال والتقدير وهذا طليق في حال حملك له ويقال أن هذا في معنى الذي وقد حكاه جماعة وتحملين صلته وهو في موضع رفع بالابتداء وطليق خبره وتقديره والذي تحملينه طليق ويجوز حذف العائد من الصلة إذا كان متصلا للصوق الاسم بالصلة. وأخبرني ابن بندار عن ابن رزمة عن أبي سعيد عن ابن دريد أنه قال كان الخليل يزعم أن عدسا كان عنيفا بالبغال أيام سليمان بن داود فالبغال إذا قيل لها عدس انزعجت.
قال أبو محمد " وهو الدرياق ولا يقال الترياق قال الشاعر " هو تميم بن أبي بن مقبل وقبل البيت الذي أنشده:
ليالي ليلى على عانطٍ ... وليلى هوى النفس ما لم تبن
سقتني بصهباء درياقة ... متى ما تلن عظامي تلن
عانط بلد ويروى ناعط وقوله ما لم تبن أي ما لم تفارق يريد كانت النفس تهواها مدة اجتماعنا وتجاورنا وبعد ما فارقت وقوله سقتني بصهباء أي سقتني صهباء يعني خمرا فزاد الباء كما قال الله عز وجل: عينا يشرب بها عباد الله " أي يشربها وسميت الخمر صهباء للونها والصهبة في الألوان الحمرة والدرياقة من أسماء الخمر ايضا. قال أبو محمد " وهو الحندقوق نبطيّ معرب قال ولا يقال حندوقي " في هذه الكلمة أربع لغات يقال حندقوق وحندقوق وحندقوقي وحندقوقي
(1/219)

أخبرني بذلك أبو زكرياء.

باب ما يعدى بحرف صفة أو بغيره والعامة
لا تعديه أولا يعدى والعامة تعديه " قوله " إياك وإن تفعل كذا ولا تقول إياك أم تفعل بلا واو ألا ترى إنك تقول إياك وكذا ولا يقال غياك كذا " العلة في ذلك أن لكل واحد من الاسمين فعلا ينصبه مقدرا غير فعل صاحبه وهو معطوف عليه بالواو فإذا قال إياك والشر فالتقدير احفظ نفسك واتق الشر قال الشاعر:
فإياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك المصادر
وكذلك المثل فإياه وإيا الشوابّ. قال " وقد جاء في الشعر وهو قليل " وأنشد عجز بيت وأوله: إلا أبلغ أبا عمر رسولا وإياك المحاين أن تحينا الرسول هنا الرسالة قال الشاعر:
لقد كذب الواشون ما بحت عندهم ... بسر ولا أرسلتهم برسول
أي برسالة والمحاين المهالك وتحين تهلك يريد أحذرك المهالك أن تقع فيها فتهلك. قال أبو محمد " وتقول كاد فلان يفعل كذا ولا يقال كاد أن يفعل " إنما لم يستعمل كاد بأن لأن كان لمقاربة الفعل ومشارفته وأن للاستقبال والتراخي وقرب وقوع الفعل خلاف بعده لكن كاد شبهت بعسى فاستعملت بغير أن كما شبهت عسى بكاد فاستعملت بغير أن في نحو قوله.
عسى الهمّ الذي أمسيت فيه.
وأنشد.
قد كاد من طول البلى أن يمصحا.
يمصح يذهب ومعنى البيت أن ما أتى عليه من الدهر قد قارب دروسه.
(1/220)

قال أبو محمد " وتقول عيرتني كذا ولا يقال عيرتني بكذا " قال النابغة:
وعيرتني بنو ذبيان رهبته ... وهل عليّ بأن أخشاك من عار
ويروى خشيته قال أبو عبيدة أحمى النعمان أحمى النعمان بن الحارث الأصغر بن الحارث الأوسط وهو الأعرج بن الحارث بن أبي شمر الغساني وهو الأكبر ذا أقر قال وهو واد نخل أي واسع وهو مملوء حمضاً ومياها ويقال له أيضا سبطر أي كثير البنات فاحتماه الناس فتربعه بنو ذبيان فنهاهم النابغة وخوفهم أغارة الملك فعيروه خوفه النعمان وأبوا فتربعوه وكان النابغة منقطعاً إليه فلما مات وكان يكنى أبا حجر رثاه النابغة بقوله: دعاك الهوى واستجهلتك المنازل قال أبو عبيدة وقيل بل أغار حصن بن حذيفة في بني اسد وغطفان على بعض نواحي الشام فنزلوا ذا أقر فنهاهم النابغة عن ذلك وحذرهم إغارة الملك فعصوه فبعث إليهم النعمان بن الحارث الغساني جيشاً عليهم ابن الجلاح الكلبي فأغار عليهم بذي اقر فقال النابغة في ذلك قصيدة اولها:
لقد نهيت بني ذبيان عن أقر ... وعن تربعهم في كل أصفار
يقول وعيرتني بنو ذبيان البيت أقر جبل وذو أقر واد وتربعهم إقامتهم في الربيع وقال في كل أصفار لأن الربيع وافق صفرا في ذلك الوقت وقال أبو عبيدة في كل إصفار حين يتصفر الماء ويتزيل الشجر ويبرد الليل وذلك في آخر الصيف. وأنشد أبو محمد للمتلمس:
تعيرني أمي رجال ولن ترى ... أخا كرمٍ إلا بأن يتكرما
كان المتلمس في أخواله بني يشكر يقال أنه ولد فيهم ومكث عندهم حتى كادوا يغلبون على نسبه فسأل الملك عمرو بن هند مضرط الحجارة الحارث بن التوأم اليشكري عن المتلمس وعن نسبه فوقع فيه الحارث فقال الملك أواناً يزعم أنه من بني يشكر واوانا يزعم أنه من بني ضبيعة أضجم فقال عمرو بن هند ما هو إلا كالساقط بين فراشين يقول أنه لغير رشدة لا يعرف أبوه فبلغ ذلك المتلمس فقال الأبيات أي لن ترى أنسانا له كرم وحسبٌ إلا يتكرم عن الشيء الذي يبلغه ويعفو
(1/221)

يقول فأنا اتركم واغفر ولا أكون مثل الحارث بل أعفوا وأصفح وأنشد أبو محمد لليلى الإخيليه:
أعيرتني داء بأمك مثله ... وأي حصان لا يقال لها هلا
تهجو النابغة الجعدي وترد عليه قوله.
ألا حييا ليلى وقولا لها هلا قالت تعيرني داء بأمك مثله فغلبته. هلا زجر تزجر به الفرس الأنثى إذا نزا عليها الفحل لتقر وتسكن وهذا مثل ضربه يقول وأي أنثى ليست كذلك. وقد نهى ابن قتيبة عن تعدية عيرت بالباء واستعمله هو في قوله أن قريشا كانت تعير بأكل السخينة وكذلك عامة العلماء ينهون عن الباء في عيرته بكذا ويستعملونه في كلامهم.

باب ما جاء فيه لغتان استعمل الناس أضعفهما
قال أبو محمد " يقولون نصحتك وشكرتك والأجود نصحت لك وشكرت لك " ثم أنشد للنابغة الذبياني:
نصحت بني عوف فلم يتقلوا ... رسولي ولم تنجح لديهم وسائلي
يعني بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان وكان حذرهم أن يغزوهم عمرو بن الحارث الأصغر الغساني ويروى رسائلي ووسائلي أي رسالتي والوسائل جمع وسيلة وهو ما يتوصل به إلى الإنسان. قال أبو محمد ويقولون للمرأة هذه زوجة الرجل والأجود زوج وزوجة قليل قال الفرزدق:
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
قال ذلك حين وقع بينه وبين النوار بنت أعين زوجته شر فخرجت من أجل ذلك مستعدية إلى عبد الله بن الزبير ولها حديث يقول من سعى في فساد امرأتي كمن سعى إلى الأسد ليأخذ بولها في يده يريد أن من يتعرض لي كمن يتعرض
(1/222)

للأسد والشرى موضع تكثر فيه الأسد.
قال أبو محمد " ويقال هو ابن عمه دنية ودنياً أجود ويقال دنيا أيضا " قال النابغة:
وثقت له بالنصر إذ قيل قد غزا ... بغسان غسان الملوك الأشايب
بنو عمه دنيا وعمرو بن عامر ... أولئك قوم بأسهم غير كاذب
الأشايب جمع أشيب وأشايب ويروى إذ قيل قد غزت قبائل من غسان غير أشايب أي غير أخلاط أي هم صميم كلهم وهو جمع أشابة وقوله بني عمه دنيا أي غزا بني عمه لحا وقوله بأسهم غير كاذب أي هم صادقوا البأس لا يضعفون في القتال.

باب ما يّغير من أسماء الناس
أنشد أبو محمد على أن السدوس الطيالسة بيتا ليزيد بن حذاق قبله:
ألا هل أتاها أن شكة حازم ... لدي وأني قد صنعت شموسا
وداويتها حتى شتت حبشية ... كأن عليها سندساً وسدوسا
الشكة السلاح والحازم الجيد الرأي والشموس اسم فرسه وصنعتها حسن قيامه عليها وداويتها أي سقيتها اللبن بالصيف حتى شتت أي حين جاء الشتاء وهي قوية وقوله حبشية أي اخضرت من العشب ذهبت شعرتها الأولى وسمنت والأخضر عندهم أسود قال الله تعالى " مدهامتان " أي سوداواد من شدة الخضرة والسدوس الطيالسة الخضر شبه لونها وهذا الاستفهام خارج على وجه التمني كأنه يودّ أن يتأدى إلى المرأة أنه مترشح لملاقاة الأعداء.
قال أبو محمد " قال الأصمعي سألت ابن أبي طرفة عن المسدفي شعر الهذلي ".
ألفيت أغلب من أسد المسد حدي د الناب أخذته عفر فتطريح
(1/223)

الشعر لأبي ذؤيب وألفيت وجدت والأغلب الغليظ العنق أخذته عفر يعني المرثي شبهه في شدته وشجاعته بالأسد وعفر أي يعفّره في التراب فيطرحه ويقال عفر جذب وتطريح يطرحه.
" وفي باب ما يغير من أسماء البلاد "
قال أبو محمد هي البصرة مسكّنة الصاد وكسرها خطأ قال الفرزدق:
لولا ابن عتبة عمرو والرجاء له ... ما كانت البصرة الحمقاء لي وطنا
السّيلحون قرية بقرب الكوفة قال الشاعر:
وتجبى إليه السيلحون ودونها ... صريفون في أنهارها والخورنق
" كتاب الأبنية "

باب فعلت وأفعلت باتفاق المعنى
قال أبو محمد " أضاء القمر وضاء " وأنشد للعباس بن عبد المطلب يمدح النبي صلى الله عليه وسلم:
من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشرٌ ... أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسراً وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق
وأنت لما ظهرت أشرقت ال ... أرض وضاءت بنورك الأفق
قوله في الظلال جمع ظل يعني ظلال الجنة أراد أنه كان طيّباً في صلب آدم عليه السلام وآدم في الجنة قبل أن يهبط من الجنة إلى الأرض وقوله حيث يخصف الورق حيث خصف آدم وحواء عليهما من ورق الجنة أي ضمّا بعضاً إلى بعض وقوله ثم هبطت البلاد يعني لما هبط آدم عليه السلام إلى الأرض لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في صلبه ولم يكن إذ ذاك بشراً ولا مضغة ولا علقة بل نطفة يريد بل كنت نطفة وقوله تركب السفين يريد ركوب نوح السفينة وقت الطوفان وكنت في
(1/224)

صلبه والسفين جمع سفينة وهذا الجمع غريب في المصنوعات ولا يكون إلا في المخلوقات نحو شعيرة وشعير وتمرة وتمر ولا يقال قصعة وقصعٌ وقوله ألجم نسراً نسرٌ صنمٌ وألجمهم منعهم من الكلام وقوله تنقل من صالب أي من صلب إلى رحم يقال صلبٌ وصلبٌ وصالبٌ وقوله إذا مضى عالمٌ أي مضى قرن بدا قرن وقيل للقرن طبق لأنهم طبق للأرض يقال هذا مطر طبق الأرض وقوله لما ظهرت أي ولدت وأشرقت أضاءت وأنّث الأفق على معنى الناحية. قال أبو محمد " سلكته وأسلكته قال الله عز وجل ما سلككم في سقر " وقال عبد مناف بن ريع الهذلي:
كأنهم تحت صيفي له نحم ... مصرح طحرت أسناؤه القردا
حتى إذا أسلكوهم في قتائده ... شلاّ كما تطرد الجمالة الشردا
صيفي سحاب له نحم صوت رعد ينحم مثل نحيم الدابة مصرح صرح بالماء صبه وانكشف فصار غيما خالصاً ونفى عنه القرد والقرد من السحاب الصغار المتلبد المتراكب بعضه على بعض وطحرت دفعت والأسناء جمع سناً وهو الضوء ويقال مطر مطحرٌ إذا كان شديد الدفعة بعيد المذهب يقول كأنهم تحت مطر صيفي مما يقع بهم من الضرب وقتائدة مكان والشلّ الطرد والجمالة أصحاب الجمال وقال الأصمعي ليس لإذا جواب قال ويقال إن قوله شلاّ هو الجواب كأنه قال حتى إذا اسلكوهم في هذا الموضع شلّوهم شلاّ.
قال أبو محمد " هلكت الشيء وأهلكته قال العجاج ":
ومهمةٍ هالك من تعرجا ... هائلة أهواله من أدلجا
المهمة القفر من الأرض وهالك من وصف المهمة ومن تعرّج في معنى الذين تعرّجوا فيه والألف واللام في معنى الذي فيصير المعنى هالك المتعرجين فيه ويجوز أن يكون هالك من فعل المتعرجين والضمير العائد إلى المهمة محذوف تقديره ومهمةٍ هالك متعرجوه كما تقول ومكان مهتد سالكوه فإذا نقلت الضمير وأدخلت الألف واللام قلت ومكان مهتد السالكين بنصب السالكسن وتنوين مهتد ويجوز الإضافة فتقول مهتدي السالكين وهذا التفسير على غير الوجه الذي ذكره ابن قتيبة بمعنى أهلكت ويقول هلكت لا يتعدى وتقدير يبث العجاج مستقيم على أن هالكاً لا يتعدى والذين جعلوا هلكت بمعنى أهلكت في التعدي استشهدوا بهذا البيت وجعلوا الفعل للمهمة وهائلة من وصف المهمة وأهواله فاعلة ومن أدلج
(1/225)

مفعول يعني أن أهواله تهول من أدلج فيه.
قال أبو محمد " جلا القوم عن الموضع وأجلوا تنحوا عنه وأجليتهم وجلوتهم " قال أبو ذؤيب:
تدلى عليها بين سبّ وخيطة ... بجرداء مثل الوكف يكبو غرابها
فلما جلاها بالأيام تحيزت ... ثبات عليها ذلّها واكتئابها
يصف مشتار العسل وإنه يتدلى لأخذه من الجبل لأن النحل تعسل في الجبال والجرداء ها هنا الصخرة الملساء شبه الصخرة في أملاسها بالنطع والوكف النطع والكبوّ العثار والسبّ الحبل بلغة هذيل والخيطة الوتد وقيل أن الخيطة درّاعة يلبسها المشتار وجلاها طردها والأيام الدخان وتحيزت تفرقت وتميزت في كل وجه ويقال اجتمع بعضها إلى بعض ويروى تحيرت أي بقيت لا تدري إلى أين تذهب والذي يأخذ العسل لا يصعد إلا ومعه شيء يدخن به عليهن لئلا يلسعنه يقال منه آمها يؤومها أوماً والثبات جمع ثبةٍ وهو القطعة من القوم ومن كل شيء والاكتئاب الحزن.
قال أبو محمد " وهنه الله فأوهنه قال طرفة ":
وإذا تلسنني ألسنها ... أنني لست بموهون فقر
وقد تقدم تفسيره. وأنشد.
أقتلت سادتنا بغير دم ... إلا لتوهن آمن العظم
هذا الاستفهام على سبيل الإنكار والمعنى ما قتلت به سادتنا بغير دم أراقوه إلا لتذلنا فنكون بمنزلة العظم الصحيح الآمن من الوهن حتى لحقه كسرٌ فأوهنه وأضعفه وإذا قتل سادة القوم فقد ذهب عزهم وذلوا. قال أبو محمد " خطئت وأخطأت قال الله تعالى " لا يأكله إلا الخاطئون " وأنشد بيتا لأمية بن أبي الصلت:
عبادك يخطئون وأنت ربٌّ ... بكفّيك المنايا لا تموت
هكذا أنشده لا تموت والقصيدة ميمة وأولها:
سلامك ربنا في كل فجر ... بريئاً ما تغنثك الذموم
عبادك يخطئون وأنت رب ... بكفيك المنايا والحتوم
(1/226)

من الآفات لست لها بأهل ... ولكن المسيء هو الظلوم
قوله سلامك ربّنا أي سلمنا يا رّبنا وقوله ما تغتثك أي ما تلزمك ويروى ما تليق بك الدموم وهي جمع ذم وبريئا نصب على الحال وهذه الحال موكدة ويروى بريءٌ بالرفع وهو خبر مبتدأ تقديره أنت بريء. يقال خطئت خطأ إذا أثمت قال الله تعالى " إنه كان خطئاً كبيرا " وأخطأت في غيره يقال لأن تخطئ في العلم خير من أن تخطأ في الدين وأبو عبيدة يقول هما لغتان والحتوم جمع حتم وهو القضاء وقوله من الآفات من تتعلق بقوله بريئاً من الآفات والمليم الذي يأتي بما يلام عليه.

باب فعلت الشيء عرضته للفعل
قال أبو محمد " أبعت الشيء عرضته للبيع " قال الأجدع بن مالك الهمداني:
فرضيت آلاء الكميت فمن يبع ... فرسا فليس جوادنا بمباع
آلاء الكميت خصاله ويقال نعمه جعل نجاته به من المهالك نعماً ويروى أفلاء الكميت وهو جمع فلو كعدو وأعداء ويقال في جمعه فلاء وفليّ وفلي يقول لرغبتنا في جوادنا وخبرنا بعتقه وكرمه لا نعرضه للبيع إذا عرض الناس خيلهم للبيع ويروى فمن يبع بفتح الياء ويبع بضمها.

باب فعلت الشيء وجدته كذلك
قال أبو محمد " وأقهرت الرجل وجدته مقهورا " وأنشد بيتا للمخبل السعدي قبله:
ألم تعلمي يا أم عمرة أنني ... تخاطأني ريب الزمان لأكبرا
وأشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون سبّ الزبرقان المزعفرا
تمنى حصين أن يسود جذاعه ... فأمسى حصين قد أذل وأقهرا
يهجو الزبرقان قوله تخاطأني بمعنى تخطاني أي تجاوزني ريب الزمان وريبه
(1/227)

صروفه وحوادثه وقوله وأشهد بالنصب عطف على لأكبرا وأشد من عوف وعوف هذا هو عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم والحلول الجماعة الواحد حال أي نازل ويحجون يقصدون والسّبّ العمامة ها هنا وحصين اسم الزبرقان ورهطه يقال لهم الجذاع ويقال لأخوتهم الأحمال قال جرير:
أم من يقوم لشدة الأحمال
وقوله قد أذل وأقهر أي وجد ذليلا مقهورا ويروى قد أذل وأقهر أي صار إلى الذل والقهر. وأنشد للأعشى:
أثوى وقصر ليلة ليزودا ... فمضى وأخلف من قتيلة موعدا
ويروى أثوى على طريق الاستفهام يقال ثوى وأثوى لغتان وزودت الرجل الزاد فتزوده ومن الزاد اشتقاق المزود وفي مضت ضمير يعود إلى الليلة والتقدير فمضت الليلة ويروى فمضى أي مضى الرجل لأجل وعدها ويجوز أن يكون الضمير في مضت لقتيلة وهو اسم امرأة وأضمره على شريطة التفسير يريد أنه حبس نفسه عليها لتزوّده فلم تفعل.
قال أبو محمد " وأهيجتها أي وجدتها هائجة النبات " وأنشد لرؤبة: حتى إذا ما اصفر حجران الذرق وأهيج الخلصاء من ذات البرق
أي اصفر عشب الحجران وهو جمع حاجر وهو الأرض ترتفع على ما حولها وينخفض وسطها فيجتمع في ذلك الانخفاض ماء السماء ويمنعه الحاجر أن يفيض ومنه قيل لمنزل بطريق مكة حاجر ويروى حيران الذرق وهي جمع حائر وهو الموضع الذي يجتمع فيه الماء والذرق الحندقوق يصف هيج الأرض وفي أهيج ضمير فاعل يعود إلأى حمار وحش وقد تقدم ذكره والخلصاء مكان بعينه والبرق جمع برقاء وهي أرض ذات رمل وطين أو حجارة وطين.

أفعل الشيء أتى بذلك واتخذ ذلك
قال أبو محمد " ألام الرجل أتى بما يلام عليه " وأنشد.
ومن يخذل أخاه فقد ألاما.
(1/228)

قال أبو عبيدة كان رجل من بني نفيل بن عمرو بن كلاب أتى عمير بن سلميّ فأجاره وكتب له على سهم عمير أجار فلانا وعمير هذا هو أحد الأوفياء الثلاثة في الجاهلية وهم السموءل ابن عادياء والحارث بن ظالم وعمير بن سلميّ وكان لعمير أخوان وهما مرارة وقرين ابنا سلمي وكان مع الكلابي أخ له صبيح الوجه فقال قرين أخو عمير للكلابي ذات يوم لا تقربن أبيات نسائنا بأخيك هذا فوجده يوما يتحدث إلى بنت امرأة فرماه بسهم فقتله وكان عمير المجير غائباً فلما رأى ذلك الكلابي أتى سلمىّ فعاذ به وقال:
وإذا استجرت من اليمامة فاستجر ... زيد بن يربوع وآل مجمع
وأتيت سلميّا فعذت بقبره ... وأخو الزمانة عائذ بالأمنع
أقرين إنك لو شهدت فوارسي ... بعمايتين إلى جوانب ضلفع
حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن ... للغدر خائنة مغلّ الإصبع
فلما عاد عمير أخذ أخاه وبلغ ذلك وجوه بني حنيفة فأتوه وكلموه فقال لا والله إلا أن يعفو عنه جاري فأتوا أخا المقتول فأضعفوه له الدية فأبى وكلمت عميرا أمه وهي أم قرين فأبى ثم أخرج أخاه حتى قطع وادي اليمامة فربطه إلى نخلة وقال أما إذا أبيت أن تعفو وتأخذ الدية فأمهل حتى أقطع الوادي راجعاً وشأنك ولا أرينك تقتله فقالت أمهما:
يعد معاذرا لا عذر فيها ... ومن يخذل أخاه فقد ألاما
وعمايتان وضلفع موضعان يقول لو رأيت فوارسي في هذا الموضع لهبتهم وامتنعت عن قتل أخي والمغل الخائن والمعاذر جمع معذرة وهي مفعلة من عذر يعذر وأقيم مقام الاعتذار ومعنى الاعتذار محو أثر الموجدة من قولهم اعتذرت المنازل إذا درست ويقال بل معناه قطع ما في القلب.
" أفعلت الشيء جعلت له ذلك " قال أبو محمد أرعى الله الماشية جعل لها ما ترعاه قال وأنشد أبو زيد:
كأنها ظبية تعطو إلى فنن ... تأكل من طيب والله يرعيها
تعطو تتناول والفنن الغصن وقوله من طيب أي من عشب طيب يصف امرأة
(1/229)

شبه عنقها بعنق الظبية إذا مدتها وذلك أحسن لها وإذا شبهت المرأة بالظبية فإنما يراد حسن عنقها وإذا شبهت بالبقرة فإنما يراد حسن عينيها.
" أفعلت وأفعلت بمعنيين متضادين " إحدى الهمزتين في هذا الباب للتعدية والأخرى للسلب فقوله " أشكيت الرجل احوجته إلى الشكاية " هذه الهمزة للتعدية شكا هو واشكيته أنا شكيته نزعت عن الأمر الذي شكاني له إذا أزلت شكايته وكذلك طلب الرجل الشيء وأطلبته الشيء جعلته يطلبه فالهمزة هنا للتعدية وقوله أطلبته اسعفته بما طلب الهمزة للسلب المعنى أغنيته فأزلت طلبته وأفزعت القوم أحللت بهم الفزع الهمزة للتعدية فزعوا وأفزعتهم وقوله وأفزعتهم إذا فزعوا إليك فأغثتهم والمعنى أزلت فزعهم وقوله وأودعت فلانا مالا دفعته إليه وديعة هذه للتعدية هذه التعدية وقوله " وأودعته قبلت وديعته " الهمزة فيه للسلب لأنه أخذها منه فكأنه شاركه إياها. أسررت الشيء أظهرته الهمزة فيه للسلب كأنك أزلت ما تغطيه فظهر وأسررته كتمته الهمزة فيه للتعدية.
" أفعل الشيء في نفسه وافعل الشيء غيره " قال أبو محمد " أضاءت النار واضاءت النار غيرها قال الجعدي ":
فلما دنونا لجرس النبوح ... وما نبصر الحي إلا التماسا
أضاءت لنا النار وجهاً أغر ... ملتبساً بالفؤاد التباسا
لما علمٌ للظرف وهي تجيء لوقوع الشيء لوقوع غيره يقول لما لحقنا بالحيّ الذي قصدناه ليلاً ودنونا من جرس أي سمعنا أصواتهم والجرس الصوت والنبوح ضجة الحي وجلبتهم والنبوح أيضاً جماعات الناس الكثيرة أي سمعنا أصوات الجماعات وقوله وما نبصر الحي إلا التماساً أي ما نبصرهم من ظلمة الليل معاينة لكن لمسناهم وجواب لما قوله أضاءت لنا النار وجهاً أغر وهذا يسمى التضمين والمعنى أبدت لنا النار لما قربنا من أصوات الحي وجها أبيض ملتبسا بالفؤاد أي مختلطا حبه بقؤادي ويقال ضاءت النار وأضاءت غيرها.
(1/230)

" فعل الشيء وفعل الشيء غيره " قال أبو محمد " جبرت اليد وجبر الرجل واليد. قال العجاج " يمدح عبيد الله بن معمر التيمي وكان غزا أبا فديك بهجر فقتله.
قد جبر الدين الآله فجبر ... وعور الرحمن من ولي العور
جبر الدين أي أصلحه فصلح وعور الرحمن أي أفسد من ولى العور أي من ولاه ترك الحق والفساد وأصل العور الفساد من ذلك عور العين هو فساد بصرها والعور في الكلام قبحه وفساده ومنه الكلمة العوراء وعورت الركية أفسدتها بالكبس لينضب ماؤها يقول أصلح الله الدين بعمر فانصلح به وأفسد أمر أبي فديك لأنه ولاه العور والفساد أي ملكه الإفساد فأصلح الفاسد بتولية عمر.
" فعلت وأفعلت بمعنين متضادين " قد مضى القول في الأضداد قال أبو محمد " هجدت صليب ونمت قال وقال بعضهم تهجدت سهرت وهجدت نمت قال لبيد ":
ومجود من صابات الكرى ... عاطف النّمرق صدق المبتذل
قال هجدنا فقد طال السرى ... وقدرنا أن خنى الدهر غفل
المجود الذي أخذه النعاس يقول رب صاحب لي يأخذه النعاس والصبابات جمع صبابة وهي هاهنا بقية النوم ويقال لبقية كل شيء صبابة والكرى النوم والنمرق والنمرقة والميرة ما افترشه الراكب على الرحل كالمرفقة غير أن مؤخرها أعرض من مقدمها ولها أربعة سيور تشد بآخره الرحل وواسطه. الصّدق الصلب يريد أنه نزل عن رحله فعطفها ونام عليها ولم يحط رحله يريد أنه صبور عند ابتذاله نفسه وقوله هجدنا أي نوّمنا يقول دعنا ننام وقدرنا دنونا وخنى الدهر أحداثه يقول قد دنونا إن لم يعقنا الدهر الأصمعي قدرنا على التهجد أن غفل عنا الدهر.
(1/231)

" أفعلته ففعل " قال أبو محمد " قد جاء في هذا انفعل وافتعل قال الكميت ":
ولن أخبر جاري من حليلته ... عما تضمنت الأبواب والكلل
ولن أبيت من الأسرار هينمة ... على دقارير أحكيها وافتعل Hأن
لا خطوتي تتعاطى غير موضعها ... ولا يدي في حميت السكن تندخل
يمدح نفسه بالعفة في الفرج واللسان يقول لا أصف امرأة جاري في الشعر فيسمع بذلك زوجها ولا أذكر عما تضمنت أبواب بيتها وكللها أي لا أخبر عن أخبار داخل بيتها والكلل جمع كلة وهي الستر والكلة أيضا غشاء من ثوب رقيق يتوقى به من البعوض والذباب وغير ذلك ولا أصنع حديثاً لا أصل له من الوقيعة في الناس وإشاعة الحديث السيء عنهم تخرضاً والهينمة الكلام الخفي والدقارير الدواهي واحدها دقرارة وقوله لا خطوتي تتعاطى غير موضعها أي لا أتخطى أفنية الجيران على الوجه المكروه والحميت زق السمن والعسل والسكن أهل الدار وهذا مثل.
وأنشد بيتا للفرزدق قبله:
أنى بني لي دارم عادية ... في المجد ليس أرومها بمذال
وأبي الذي ورد الكلاب عشية ... بالخيل تحت عجاجها المنجال
دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم وهو جد الفرزدق وأراد بالعادية الشرف القديم والأروم الأصل والمذال المهان ويروى بمزال أي بمنحى عن موضعه وقوله وأبي الذي ورد الكلاب هو جده سفيان بن مجاشع كان في الكلاب الأول مع شرحبيل المقتول ابن الحارث بن عمرو آكل المرار وقتل مع سفيان يومئذ ابنه مرة ومسوما معلما والسومة العلامة والمنجال الجائل وهو المقبل والمدبر وقيل المنجال المنكشف انجالت السحابة وانجابت أي انفرجت والعجاج الغبار.
(1/232)

أفعل الشيء وفعلته "
هذا الباب نادر لأنه خلاف القياس إذ القياس أن يعدى الفعل بالهمزة إذا كان لازماً نحو قام زيد وأقمت زيداً وخرج عمرو وأخرجت عمراً فأما أقشع الغيم نفسه بالألف في اللازم وقشعته الريح بغير ألف في المتعدي فمخالف للقياس وكذلك باقي الباب.
" معاني أبنية الأفعال. فعلت ومواضعها " قال أبو محمد " وتدخل فعّلت على أفعلت إذا أردت تكثير العمل والمبالغة " واستشهد بقوله تعالى " جنات عدن مفتحة لهم الأبواب " وبقوله تعالى " وفجرنا الأرض عيونا " قال وقال الفرزدق:
ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمار
أراد أبا عمرو بن العلاء بن عمار مدحه الفرزدق وأفتخر بصحبته وحذف التنوين من عمر وتخفيفا.

أفعلت ومواضعها "
قال أبو محمد " قالوا سقيته وأسقيته قلت له سقياً " قال ذو الرمة:
وقفت على ربع لمية ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
وأسقيته حتى كاد مما أبثه ... تكلمني أحجاره وملاعبه
الربع المنزل وأسقيته أدعو له بأن يسقى الغيث وأبثه أخبره بما في نفسي والملاعب جمع ملعب وهو موضع اللعب.
(1/233)

تفاعلت ومواضعها
قال أبو محمد " وتأتي تفاعلت بمعنى إظهارك ما لست عليه مثل تغافلت وتجاوزت " وأنشد للأغلب:
إذا تخازرت وما بي خزر ... ثم كسرت الطرف من غير عور
وجدتني ألوي بعيد المستمر ... أحمل ما حملت من خير وشر
الخزر انقلاب الحدقة نحو اللحاظ وتخازر إذا تكلف ذلك والعور ذهاب إحدى العينين والألوي الشديد الخصومة ملتو على خصمه بالحجة ولا يقر على شيء واحد وقال أبو عبيد يضرب هذا المثل للرجل الصعب الخلق الشديد اللجاجة وقوله بعيد المستمر أي بعيد الاستمرار أي غير مستمر.

تفعّلت ومواضعها
قال أبو محمد " وتدهقت أي تشبهت بالدهاقين وتحملت " وأنشد لحاتم:
تحلم عن الأذنين واستبق ودهم ... ولن تستطيع الحلم حتى تحلما
الأدنون جمع الأدنى والأصل الأدنوون وكذلك جمع ما أشبهه فلما قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها التقت ساكنة مع واو الجمع فحذفت الألف لالتقاء الساكنين ودلت الفتحة عليها يقول تكلف الحلم عن أقاربك وأدانيك حفظا لودهم والحاجة إليهم ثم قال ولن تستطيع الحلم حتى تتكلفه وتخالف طباعك التي تحملك على الغضب وفي الحديث أشدكم من ملك نفسه عند الغضب. قال أبو محمد " وتقيست وتنزرت وتعرّبت قال الراجز وقيس عيلان ومن تقسيا " قيس عيلان بن مضر ويقال قيس بن عيلان وليس في الأسماء عيلان بعين غير معجمة غيره واسمه الناس بالنون وأخاه الياس بالياء وفيه العدد وكان الناس متلافا وكان إذا نفذ ما عنده أتى أخاه الياس فيناصفه ماله أحياناً ويوسيه أحياناً فلما طال ذلك عليه وأتاه كما كان يأتيه قال له الياس غلبت عليك العيلة فأنت عيلان فسمى لذلك عيلان وجهل الناس ومن قال قيس بن عيلان فان
(1/234)

عيلان كان عبداً لمضر حضن ابنه الناس فغلب على نسبه وقيل أنه فرس كان للناس غلب على نسبه. وتقيس أدخل نفسه في القيسيين وانتسب إليهم.

أفعوعلت وأشباهها
قال أبو محمد " وكذلك حلى واحلولي وخشن واخشوشن " قال حميد بن ثور:
فصاف صنيعاً يمتري أرحبته ... مكودا إذا ما استفرغ الخور جودها
فلما أتى عامان بعد انفصاله ... عن الضرع واحلولى دماثاً يرودها
رماه المماري بالذي فوق سنه ... بسن إلى عليا ثلاث يزيدها
يصف ولد ناقة وصاف أتى عليه الصيف وصنيع أي مصنوع قد علف ويمتري يرتضع أمه وأرحبية منسوبة إلى أرحب وهو حي من همدان والمكود الناقة التي دام غزرها والخور الغزارة الواحدة خوارة وجودها ما تجود به من لبنها عند الحلب والارتضاع يقول إذا انقطع لحم الغزار دام لبن هذه الناقة وقوله عامان أي صيفان وشتاءان كملا بعد انفصاله عن الضرع أي بعد أن فصل عن أمه احلولى أي استحلى والدماث الأرض السهلة اللينة أي لما طاب له المرعى رماه المماري وهو الذي يمتري في سنّه أي يشك فيه فيزيد فوق سنه سناً أخرى فيعدّه ابن ثلاث سنين وإذا كان حقا ظنّ أنه رباع لعظمه وضخمه. قال أبو محمد " وفعللت يتعدى قالوا صعررته فتصعرر وأنشد سود كحب الفلفل المصعرر ". الفلفل حب معروف والمصعرر المدور يجوز أن يصف نوقا ذهبت ألبانها فكمشت أخلافهن فشبه حلماتها بالفلفل كما قال الفرزدق:
رأيت عرى الأحقاب والغرض التقت ... إلى فلفل الأطباء منها ذؤوبها
وقد يشبه بعر الظبية بالفلفل قال الراجز.
يبعرن مثل الفلفل المصعرر وقد يشبه القراد به أيضا أنشد أبو زيد:
قردانه في العطن الحوليّ ... سود كحب الفلفل المقليّ
(1/235)

ويقال لدحاريج الجعل الصعارير. قال أبو محمد " وجلببته " معنى جلببته ألبسته الجباب والجلبات كل ما غطى به من ثوب وغيره. قال " وصومعته " ومعنى صومعته ضممته ورفعته ومنه الصومعة والمتصمع المنضم ريشه بالدم قال أبو ذؤيب فخرّ ريشه متصمع. وقوله " وما كان على فعلت فإنه لا يتعدى " قد حكى بعضهم حرفاً واحدا قال نصر بن سيار أرحبكم الدخول في طاعة الكرماني أي أوسعكم. قال أبو محمد " وما كان على افعللت فإنه لا يتعدى نحو احمررت واحماررت وأشببهت وأشهاببت قال ونظيره من بنات الأربعة اطمأننت واشمأززت وزن اطمأنت واشمأززت افعللت ومعنى اطمأن إلى الشيء سكن إليه ومعنى اشمأز تقبض.

ومن باب فعلت في الواو والياء بمعنى واحد
يقال كنوت عن الشيء إذا تكلمت بما يدل عليه وكنيت الرجل سميته باسم ابنه توقيرا له عن ذكر اسمه وتعظيما وقد تغلب الكنية على الاسم كأبي لهب وقد يكنى عن الإنسان بفلان وفلانة وعن البهيمة بالفلان والفلانة ويكنى عما يفحش ذكره كالغائط والحش ويقال كنوت الرجل بفلان وفلانا وبأبي فلان وأفصحها عند الفراء كني بفلان.
والمحو طمس الأثر وحزوت الطير إذا مرت بك فزجرتها هل مرت بسعد أو بنحس.
وقال أبو محمد في أبنية من الأفعال بالياء والواو بمعنى واحد طيحته أي أذهبته وتيهته أضللته وتاه ضل تبيّغ الدم بصاحبه إذا هاج به فكاد يقتله وتضيعت ريحه فاحت وشيطه أحرقه وأصل الإشاطة الإحراق ثم يقال أشاط دمه إذا سفكه وأشاطه أهلكه وشاط هلك قال الأعشى.
وقد يشيط على أرماحنا البطل
وديختهم ذللتهم وداخ فلان ذل ويقال ذيختهم أيضا بالذال معجمة.

ومن باب ما يهمز أوله من الأفعال ولا يهمز بمعنى واحد
أرشت بينهم أي حرشت.
(1/236)

قال والوجد الغني وأنشد الحمد لله الغني الواجد.
الواجد بمعنى الغني وهو تأكيد له وهم إذا أرادوا توكيد الكلمة بلفظها أتوا بلفظة في معناها من غير لفظها كما قال.
وألفى قولها كذبا ومينا
والمين الكذب فيكون أحسن من تكرارها بلفظها.

ومن باب ما يهمز أوسطه من الأفعال ولا يهمز بمعنى واحد
ذوي العود إذا ذبل وأخذ في اليبس ورقأ الدم انقطع. ناوأت الرجل عاديته ودارأته دافعته واحبنطأت انتفخت غضبا وروات في الأمر نظرت فيه وفكرت وأرجأت الأمر أخرته.

ومن باب فعلت وفعلت بمعنى
شحب لونه تغير من حر الشمس أو من سفر أو من مرض وخثر اللبن غلظ ورعف الرجل قطر أنفه دما ومعنى رعف سبق وتقدم يقال رعف الفرس الخيل إذا تقدمها وسبقها يقال.
به ترعف الألف إذا أقبلت.
ومن باب فعلت وفعلت بمعنى
سفه وسفه معنى السفه في اللغة الخفة ومعنى السفيه الخفيف العقل وتسفهت الرياح الشيء حركته واستخفته قال:
مشين كما هتزت رياح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم
وسرو الرجل يسرو والسرو الشرف في مروءة وجمع السرى سراة بفتح السين على غير قياس والقياس سراة مثل قضاة ويقال سخا الرجل يسخو وسخى يسخى وسخو يسخو ومعناه التوسعة يقال سخوت النار إذا اجتمع الجمر والرماد ففرجته فالسخاء توسعة الصدر بالعطاء وقوله لببت أي صرت لبيبا واللب العقل ولب كل شيء خالصه.

ومن باب فعل يفعل ويفعل
قال أبو محمد برض له من ماله أي أعطاه قليلا والبرض اليسير. وعند عن الحق أعرض عنه وولاه جانبه والعند الجانب ومنه عاند فلان فلانا أي جانبه فكان في جانب والآخر في جانب. ومن المعتل قالوا وجد يجد ويجد من الموجدة والوجدان جميعا قال وهو حرف شاذ لا نظير له
(1/237)

من ذوات الياء والواو وذلك أن فعل إذا كانت فاؤه واواً تحذف في المستقبل لوقوعها بين ياء وكسرة ويعل المصدر لاعلال الفعل فيقال وعد يعد عدة وكان الأصل يوعد وعدة فوجد يجد على القياس ويجد بالضم على غير قياس لأنه على يفعل وإذ جاء كذلك فكان حقه أن يقال يوجد لأن الواو لم تقع بين ياء وكسرة فتحذف لاط حبه بقلبي لصق طباني دعاني ماهت الركية كثر ماؤها.
ومن معتل فعل قال أبو محمد " لم يأت فعل يفعل بالفتح في الماضي والمستقبل إذا لم يكن فيه أحد حروف الحلق إلا في حرف واحد جاء نادرا وهو أبى يأبى قال وزاد أبو عمرو وركن يركن " قد جاء غير ذاك وهو قلا يقلا وسلا يسلا وجبا يجبا ووجهه أن الألف أخت الهمزة والهمزة حرف حلق فهو كقرأ يقرأ إذا لينت همزته فقلت قرا يقرا وأما ركن يركن فمركب من لغتين يقال ركن يركن وركن يركن. ومن فعل يفعل قالوا فضل يفضل وهو مركب ايضا من لغتين فضل يفضل كعلم يعلم وفضل يفضل كقتل يقتل فأخذ مستقبل فضل فركب على ماضي يفضل فقالوا فضل يفضل. ومن معتل فعل يفعل أيضا مت ثم قالوا تموت وكذلك دمت ثم قالوا تدوم وهذان أيضا أخذا من لغتين وذلك أن قوما يقولون مت تمات ودمت تدام على القياس فأخذ قوم لغة الذين كسروا الماضي فتكلموا بها وأخذوا لغة الدين ضموا المستقبل فتكلموا بها فخرجت عن القياس وليس في الكلام فعل يفعل سوى هذه الثلاثة.

باب المبدل
قال أبو محمد " وصيت الشيء بالشيء ووصلته " وأنشد لذي الرمة بيتاً قبله:
نؤم بآفاق السماء وترتمي ... بنا بينها أرجاء داوية غبر
نصى الليل بالأيام حتى صلاتنا ... مقاسمة يشتق أنصافها السفر
يقول إنما نقصد الطريق بآفاق السماء يقول نهتدي بالسماء وكواكبها فإذا لم تكن كواكب اهتدينا بالمشرق والمغرب والأرجاء النواحي وبينها الهاء للدوية أي نأخذ مرة كذا والدوية المستوية التي تسمع فيها دوياً وغبر جمع أغبر صفة للأرجاء ونصي نواصل يقال وصى يصي وصيا إذا
(1/238)

وصل أي نصل سرى الليل بسير النهار فلا نجعل بينهما فرجة ويشتق أي يشق والسفر المسافرون الواحد سافر يقول سفرنا متصل فصلاتنا على النصف من صلاة المقيم ومقاسمة منصوب بيشتق ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار فعل دل عليه يشتق وإذا لم يكن المصدر من لفظ الفعل وكان في معناه فمن النحويين من ينصبه بالفعل الذي بمعناه ومنهم من يمنع من ذلك ويقول لا ينصبه إلا فعل من لفظه ويجعل الفعل الذي ليس من لفظه دالا على فعل من لفظه يعمل فيه.
قال أبو محمد " نقز ونفز سواء " وأنشد عجز بيت للشماخ قبله:
إذا أنبض الرامون عنها ترنمت ... ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز
هتوف إذا ما خالط الظبي سهمها ... وإن ربع منها أسلمتها النوافز
يصف قوسا والأنباض إن يمد وترها ثم يرسله فتصوت وترنمت أي صوتت وزنت والثكلى الذي مات ولدها والجنائز جمع جنازة وجنازة وهو السرير الذي للميت وهتوف أي تهتف إذا وقع سهمها في الظبي وأن ريع أي افزع من القوس ولم يقع به سهمها استلمه قوائمه من فرقها حين يسمع صوتها فلا تتبعه قيخرق حتى لا يقدر على البراح من مكانه والنوافر القوائم لأنها تنفز أي تقفز.
قال أبو محمد " سكنت الريح وسكرت قال أوس بن حجر ":
خذلت على ليلة ساهرة ... بصحراء فلج إلى ناظره
تزاد ليالي في طولها ... فليست بطلق ولا ساكره
كأن أطاول شوك السيال ... تشك به مضجعي شاجره
أنوء برجل بها ذهنها ... واعيت بها أختها الغابرة
يقال أن أوس بن حجر انطلق مسافرا حتى إذا كان في أرض بني أسد والناس بادون في ربيع بين شرج لعبس وبين ناظرة ليلا حيث البيوت جالت به ناقته فصرعته ظلاما فاندقت فخذه وسرحت الناقة فبات في مكانه فلما أصبح غدت جوار من بني أسد يجتنبن الخطمي والكمأة ومن جنى الأرض وإذا ناقته تجول حوالي زمامها فلما رأينه رعن منه فأجلين غير حليمة ابنة فضالة بن كلدة وكانت أصغرهن فقال من أنت قالت ابنة فضالة قال اذهبي
(1/239)

إلى أبيك وأعطاها حجرا فقولي له يقول لك ابن هذا ائتني فأتته فبلغته فقال لقد أتيت أباك بمدح طويل أبو بهجاء طويل وأحتمل بيته فبناه عليه وقال لا أتحول أبدا أو تبرأ وأقام عليه حتى برأ وكانت حليمة ابنة فضالة تقوم عليه فقال أبياتا وهي التي ذكرت بقول خذلت على أن ليلتي ساهرة أي ساهر صاحبها كما تقول نهاره صائم أي يصوم فيه والطلق اليوم الطيب الذي لا حر فيه ولا برد واستطال الليلة لما لقي فيها من الألم والشدة والسيال نبت له شوك أبيض تشبه به الأسنان تشك تغرز شاجرة طاعنة يريد كأن امرأة تطعنني بذلك الشوك وأنوء أنهض وجعل القوة ذهنا والغابرة الباقية يقول واحدة صحيحة بها قوة.
قال أبو محمد " ثاخ وساخ في الأرض سواء أي دخل قال أبو ذؤيب ":
والدهر لا يبقى على حدثانه ... مستشعر حلق الحديد مقنع
تغدو به خوصاء يفصم حربها ... حلق الرحالة فهي رخو تمزع
قصر الصبوح لها فشرح لحمها ... بالنيّ فهي تثوخ فيها الإصبع
الحدثان حوادث الدهر وربما أنث الحدثان يذهب به إلى الحوادث قال:
وحمال المئين إذا ألمت ... بنا الحدثان والأنف النّصور
ومستشعر فارس اتخذ الحديد شعارا والشعار الثوب الذي يلي بدن الفارس والخوصاء الغائرة العين وإنما يريد فرسا تغدو بهذا الرجل والفصم إنصداع الشيء من غير يينونة والرحالة سرج من جلود ليس فيه خشب كانوا يتخذونه للركض الشديد وحلق الرحالة حلق الحزام ويقال الأنريم يقول يفصله ويكسر من شدته أي تعدو فتنفصم حلق الحزام وقال فهي رخو أي هي شيء رخو أي شيء سهر وتمزع تمر في عدوها سراً سريعا خفيفا وقال أبو عبيدة المزع أول العدو وآخر المشي ويروي يقصم والقصم الكسر وقوله قصر الصبوح أي حبس والصبوح شرب الغداة وشرح خلط أي جعل لحمها شريحتين لأنه خلط بشحم والني الشحم وتثوخ تدخل وتغيب وأراد أن عليها من اللحم والشحم ما لو غمزت بإصبعك لم تبلغ العظم ولم يرد أن الإصبع تغيب فيه قال الأصمعي هذا من أخبث ما نعت به الخيل لأن هذه لوعدت
(1/240)

ساعة لانقطعت لكثرة شحمها وإنما توصف الخيل بقلة اللحم ويقول الناصر لأبي ذؤيب أنه لما أراد أنها تسمن بإقامة الألبان لها سمنا من حكمه أن يكون لحمه شريحين وأنه لو دخلت فيه الإصبع لكانت لا تبلغ العظم لا أنها صارت كذلك.

إبدال الياء من أحد الحرفين المثلين
قال أبو محمد " تظنيت من الظن وأصله تظننت قال العجاج ":
إذا الكرام ابتدروا الباع بدر ... تقضي البازي إذا البازي كسر
ضرب الباع مثلا للكرم وابتدروا وتسابقوا يقول إذا الكرام ابتدروا وتسابقوا إلى فعل المكارم سبقهم هذا الممدوح وأسرع إليها كانقضاض البازي في طيرانه على الصيد وذلك أسرع ما يكون من الطيران ونصب تقضي بفعل مضمر تقديره وتقضّض تفضّض البازي ويجوز أن ينصب ببدر لأنه في معنى تفضض يمدح بذلك عمر بن عبيد الله بن معمر القرشي.
وأنشد أبو محمد.
باتت تكركره الجنوب.
أي باتت الجنوب تكرر هذا السحاب أي تردد بعضه على بعض حتى يكثف.
قال أبو محمد وأنشد عجز بيت للفرزدق قبله:
إذ هن ساقطن الحديث كأنه ... جنى النحل وأبكار كرم تقطف
موانع للأسرار إلا لأهلها ... ويخلفن ما ظن الغيور المشفشف
معنى ساقطن جئن منه بالشيء بعد الشيء يقول يلتذ بحديثهن وحلاوة كلامهن وطيبه كما يلتذ بالعسل والخمر حلاوة وطيبا وجني النحل العسل وأبكار الكرم أول ما يدرك منه وصفهن بحفظ السر والعفاف يقول لا يطلعن أحدا على أسرارهن إلا من استودعهن إياها والغيور المشفشف الذي قد شفته الغيرة أي نقصت جسمه لأن فرط غيرته تحمله على سوء الظن بهن فيخلف ظنه ويكذبنه لعفتهن.
(1/241)

باب ما أبدل من القوافي
قال أبو محمد أنشد للفراء:
والله ما فضلي على الجيران ... إلا على الأخوال والأعمام
المعنى أنه يعد فضله على جيرانه كفضله على أعمامه وأخواله وأهله وأما مجيئه بالميم مع النون فإنه يسميه بعض الناس الأكفاء ومعنى الأكفاء الإمالة يقال كفأت الإناء إذا أملته لينصبّ ما فيه ويسميه بعض الناس الاقواء والجيد أن الأقواء اختلاف حركة حرف الروي كقول النابغة خبرنا الغراب الأسود مع قوله أو في غد وهو من أقوى الفاتل الحبل إذا ظهرت قوة من قواه على سائر القوى والأكفاء يكون باختلاف الحروف المتقاربة المخارج فإن تباعدت مخارج الحروف فهو الإجارة بالراء المهملة. قال أبو محمد وأنشد غيره:
قالت سليمى لا أحب الجدعين ... ولا السباط أنهم مناتين
يا رب جعد فيهم لو تدرين تضرب ضرب السبط المقاديم الجعد من العرب والسبط من العجم قال ثعلب الجعد من الرجال والسبط الذي ليس بمجتمع وذلك أن الرجل إذا كان مداخلا اجتمع بعضه في بعض كان اشد لأسره وأقوى لخلقه وإذا اضطرب خلقه وأفرط في طوله كان أرخى له والجعد يكون مدحا ويكون ذما فإذا كان مدحا كان له معنيان أحدهما أن يكون معصوب الخلق شديد الأسر غير مسترخ ولا مضطرب والثاني أن يكون شعره جعدا غير سبط لأن السبوطة غالبة على شعور العجم من الروم والفرس وجعودة الشعر هي الغالبة على شعور العرب. وأما الجعد المذموم فله معنيان أيضا أحدهما أن يكون قصيرا متردد الخلق والآخر يقال رجل جعد إذا كان لئيما بخيلا ورجل جعد اليدين وجعد الأصابع إذا كانت الراحة قصيرة وهو ذم والجعودة في الخدين ضد الإسالة وهو ذم ويقال ثرى جعد إذا ابتل فتقعد وزند جعد مجتمع وقال ابن الأنباري قال الرستمي الجعد الخفيف من الرجال وقال أحمد ابن عبيد هو المجتمع الشديد الأسر ومناتين جمع منتن وزاد الياء من أجل الشعر وقوله يا رب جعد المنادى
(1/242)

محذوف تقديره يا هذه رب جعد أي رجل جعد يضرب المقاديم ضربا مثل ضرب السبط والمقاديم جمع مقدام وهو الرجل الجريء المقدم في الحرب ويقال ضربه فركب مقاديمه أي وقع على وجهه واحدها مقدم. وأنشد أبو محمد:
كأن أصوات القطا المنقض ... بالليل أصوات الحصى المنقز
القطا ضرب من الطير معروف وزهو ثلاثة أضرب كدرىّ وجونى وغطاط فالكدري والجوني ما كان كدر الظهر أسود باطن الجناحين مصفر الحلق قصير الرجلين في ذنبه ريشتان أطول من سائر الذنب والغطاط ما اسود باطن أجنحته وطالت أرجله واغبرت ظهوره غبرة ليست بالشديدة وعظمت عيونه والمنقض المنحط الذي هوى في طيرانه ليسقط والمنقز المنعل من القز وهو الوثب والقفز ويروى المنغص والمنفز والمنقز ويروى المنفص. قال أبو محمد وأنشد غيره:
والله لولا شيخنا عباد ... لكمرونا اليوم أو لكادوا
يحمل حوقاء لها أحياد ... لها رئات ولها أكباد
فرشط لما كره الفرشاط ... بفيشة كأنها ملطاط
قوله لكمرونا أي لغلبوا بعظم الكمرة أو لقربوا من الغلب والكمرة رأس الذكر من الإنسان خاصة وقد زعم قوم أنه يقال لكل ذكر من الحيوان وحوقاء عظمة الحرق والحوق حرف الكمرة وهو إطارها والأحياد جمع جيد وهو الحرف الناتئ من الشيء نحو حيود القرن وحيد الجبل نادر يندر منه وقوله لها رئات جمع رئة وأكباد جمع كبد وليس ثم رئة ولا كبد وإنما أراد عظمها وقوله فرشط الفرشطة أن يلصق الرجل اليتيه بالأرض ويتوسط ساقية والملطاط قال ابن دريد ملطاط الرأس جملته والفيشة والذكر. وعباد هذا رجل من إياد له حديث وذلك أن حيين كانا قد جعلا بينهما خطرا في المكامرة فغلب الحي الذي فيه عباد قال أبو محمد وأنشد الفراء:
كأن تحت درعها المنقد ... شطار ميت فوقه بشط
قال أبو عبيدة كانت عند يربوع بن ثعلبة العدوى من بني عدي بن
(1/243)

عبد مناه امرأة من بني ضبة فنشزت عليه فخاصموه فقال يربوع:
جارية من ضبن بن أد ... بدّاء تمشي مشية الأبد
مياسة في مجسد وبرد ... قالت لها إحدى ألأك النكد
ويحك لا تستحسري وجدي ... حتى أتقنت بوارم مرد
فأجابه بعض قومها:
جارية إحدى بنات الزّط ... لم تدر ما غرس فسيل الخط
تميس بين مجسد ومرط ... كأن تحت درعها المنعط
لما بدا منها الذي تغطي ... شطاً رميت فوقه بشط
رابي المجس حسن المختط ... لم ينز في البطن ولم ينحط
كجبهة الشيخ العبام الثط
ضبة بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر والبداء المرأة السمينة المتباعدة ما بين الفخذين من كثرة لحمها والرجل أبد والمجسد بضم الميم الثوب المصبوغ بالجساد وهو الزعفران والمجسد بكسرها الثوب الذي يلي الجسد والنكد جمع أنكد ونكداء وهو المشؤوم لا تستحسري لا تتلهفي ويقال لا تلقى ثيابا. وجدي أي اتركي الزينة والوارم المنتفخ يعني هنها والمراد بمعناه يقال ناقة مرد إذا شربت الماء فورم ضرعها وحياؤها والخطسيف البحرين وعمان ويريد أنها مخدرة لم تبرز من خدرها وتميس تتبختر والمرطّ كساء من خز أو صوف تأتزر به والدرع قميص المرأة والمنعط والمرط كساء من خز أو صوف تأتزر به والدرع قميص المرأة والمنعط المنشق ورواية الكتاب المنقد وهو المنشق طولا لما بدا منها الذي تغطى يعني هنها وشطا اسم كان وتحت درعها خبره وشطا السنام جانباه وصف متاعها بالعظم وقوله لم ينز لم يرتفع ولم ينحط فيصير بين فخذيها إذا ضمتهما بل هو في موضع اعتدال والمحبس موضع الجس والرابي المرتفع والمختط حدوده من جوانبه والعبام الرجل الثقيل وجبهته تكون غليظة والزّط جيل من الناس والثط هنا الذي لا لحية له وشبهه بالثط لأنه حميس لا شعر عليه. وقد روى هذا الرجز لأبي النجم قرأت في كتاب الأغاني الكبير لأبي الفرج قال أبو عمرو بعث الجنيد بن عبد الرحمن إلى خالد بن عبد الله القسري بسبي من الهند بيض فجعل يهب أهل البيت كما هو للرجل من
(1/244)

قريش من وجوه الناس حتى بقيت جارية منهن جميلة كان يدخرها لنفسه وعليها ثياب أرضها فوطتان فقال لأبي النجم هل عندك فيها شيء حاضر وتأخذها الساعة قال نعم أصلحك الله فقال العريان بن الهيثم النخعي كذب ما يقدر على ذلك وكان على شرط خالد بن عبد الله فقال أبو النجم:
علقت خودا من بنات الزط ... ذات جهاز مضغط ملط
رابي المجس جيد المخط ... كأنه قط على مقط
إذا بدا منه الذي تغطي ... كأن تحت ثوبها المنعط
شطا رميت فوقه بشط ... لم يعل في البطن ولم ينحط
فيه شفاء من أذى التمطي ... كهامة الشيخ اليماني الثط
وأومأ بيده إلى هامة العريان فضحك خالد وقال للعريان هل تراه احتاج إلى أن يروي فيها يا عريان قال لا والله ولكنه ملعون ابن ملعون.
قال أبو محمد وأنشد غير الفراء:
إذا نزلت فاجعلاني وسط ... أني كبير لا أطيق العندا
العند الجانب والناحية وكان هذا الشاعر قد كبر والرجل إذا كبر عاد كالصبي والصبيان يخافون بالليل يقول اجعلاني وسطكما فإني لا أطيق أن أكون في الجانب ويروي العنّدا وهو جمع عاند أو عنود فعاند وعند كشاهد وشهّد وعنود وعندٌ وعنّدٌ يقال ناقة عنودٌ إذا تنكبت الطريق من قوتها ونشاطها وذلك مما يمدح به ويستحب والرواية الجيدة إذا ركبت كذا رواه لنا ثابت عن ابن رزمة عن أبي سعيد وقال العند ميلك عن الشيء عند يعند ويعند عندا وعندا وعنودا.
قال أبو محمد وأنشد ابن الأعرابي:
أبلج لم يولد بنجم الشح ... ميمم البيت كريم السنخ
الأبلج الواضح ما بين العينين الذي ليس بمقرون الحاجبين وكذلك الأبلد والاسم البلجة والبلدة يقول لم يولد بطالع بخل يصفه بالكرم وميمم مقصود
(1/245)

والسنخ الأصل ويروى غمر الأجاري والغمر الكثير الجري والإجازي ضرب من العدو. وأنشد أبو محمد لابن هريم:
قبحت من سالفة ومن صدغ ... كأنها كشية ضب في صقع
السالفة صفحة العنق والصدغان ما بين اللحية والرأس والكشية شحمة بطن الضب والصقع الناحية. وأنشد أبو محمد:
كأنها والعهد مذ أقياظ ... أس جراميز على وجاذ
أقياظ جمع قيظ والأس الأساس وهو واحد والجمع آساس والجراميز جمع جرموز وهو الحوض الصغير يتخذ للإبل ويقال حوض يتخذ في قاع أو روضة مرتفع الأعضاد فيسيل فيه الماء ثم يفرغ من بعد ذلك والوجاذ جمع وجذ وهو النقرة يستنقع فيها الماء وكذلك الوقط وجمعه وقاط شبه الدار وقد مضت عليها أعوام فدرست ببقايا حياض تهدمت.
قال أبو محمد وأنشد غيره يعني غير ابن الأعرابي:
حشورة الجنبين معطاء القفا ... لا تدع الدمن إذا الدمن طفا
إلا بجرع مثل أثباج القطا الحشورة العظيمة البطن والمعطاء القفا التي لا شعر على قفاها والذكر أمعط ومثله الامرط وقد معط شعره إذا نتفه والدمن البعر ونحوه وطفا علا أي لا تعاف الدمن الذي فوق الماء ولكن تجرع الماء جرعا مثل اثباج القطا والثبج مستدار الكاهل إلى الصدر يصف ناقة.
والروي في هذه الابيات الألف وليست مكفأةً فلا تكون حينئذ مما ابدل من القوافي.
" ومن المقلوب " قال أبو محمد " بتلت الشيء وبلته قطعته " وانشد للشنفري يصف امرأة بالحياء والعفاف:
كأن لها في الارض نسيا تقصه ... على أمها وان تحدثك تبلت
أميمة لا يخزي نثاها حليلها ... إذا ذكر النسوان عفت وجلت
يقول كأنها من شدة حيائها إذا مشت تطلب شيئاً ضاع لا ترفع رأسها
(1/246)

والنسي الشيء المنسى وتبلت أيتقطع كلامها ولا تطيله من فرط حيائها او من نعمتها وأمها قصدها الذي تريده وموضع على أمها نصب على الحال أي تقصه آمة ونثاها خبرها يقول إذا ذكرت أفعالها لم تسوء حليلها بحسن مذهبها وعفتها. قال أبو محمد " انتقى الشيء وانتاقه من النقاوة قال الراجز * مثل القياسي انتاقها المتقي " القياسي جمع قوس قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها المنقي الذي ينتقيها ويختارها وجمع في البيت بين اللغتين.

باب ما تتكلم به العرب من الكلام الاعجمي
قال أبو محمد " الكرد العنق " وأنشد للفرزدق:
وكنا إذا الجبار صعر خده ... ضربناه دون الاثنين على الكرد.
صعر خده اماله كبراً والعتود من اولاد المعز ما رعى وقوى ونب صاح يقال نب التيس ينب نبيبا وهو صوته عند السفاد والانثيان الاذنان.
قال أبو محمد " والدست الصحراء " وأنشد للاعشى.
يمدح سلامة ذا فايش الحميري وفارس هذا الجيل وحمير بن سبا والاعراب سكان البدو من العرب يقول قد علموا ثباتك في الحرب ونزولك والنزول أشد مواقف الحرب قال الشاعر:
لم يطيقوا أن ينزلوا ونزلنا ... وأخو الحرب من أطلق النزولا
وأنشد أبو محمد للبيد: فمتى ينقع صراخ صادق يحلبوه ذات جرس وزجل
فخمة ذفراء ترتى بالعرى ... قردمانيا وتركا كالبصل
ينقع يرتفع والنقع ارتفاع الصوت أي متى يرتفع صوت مستغيث يحلبوه أي يغيثوه بكتيبة ذات جرس وهو الصوت الخفي والزجل الصوت الشديد ويقال جرس
(1/247)

وجرس بمعنى واحد قالل خداش بن زهير:
لا تدعوني فاني غير تابعكم ... لا أنا منكم ولا حسي ولا جرسي
والزجل الصوت الرفيع والفخمة الكتيبة الضخمة وهي وصف لذات جرس وترتى تشد والعرى عرى الدروع يقول دروع هذه الكتيبة طوالل والدروع إذا كانت طوالا جعلوا لها عرى تقرب من وسطها إذا أرادوا رفعها رفعوا من أطراف الدروع في عراها وشبه الترك بالبصل لبياضه والترك البيض جمع تركة ويقال شبهه به لاستدارته وجعل الكتيبة ذفراء لما يعلوها من سهك الحديد والذفر حدة ريح الشيء.
وأنشد أبو محمد علي البازي للعجاج:
فهو إذا ما اجتافه جوفي ... كالخص إذ جلله الباري
يصف ثور وحش وكناسه. أجتافه دخل في جوفه والجوفي العظيم الجوف شبه كناس الثور وهو بيته بهذا الذي يقال له الكوخ المعمول بالقصب والبواري.
قال أبو محمد " والسبيج بقيرة وأصله بالفارسية شبي وهو القميص وأنشد للعجاج:
واستبدلت رسومه سفنجا ... أصك نغضا لا يني مستهدجا
كالحبشي التف أو تسبجا
الرسوم جمع رسم وهو من آثار الدار ما لم يكن له شخص والسفنج الظليم قال ابن الأعرابي سمي بذلك لسرعته وأصك من نعته لأنه تصتك عرقوباه إذا عدا يقال صكّ يصك صككا والنغض من صفته وقيل له نغض لأنه إذا عجل في مشيته ارتفع وانخفض والمستهدج المستعجل أي أفزع فمر والهدجان مشية الشيخ ومشية الظليم وهو سعي ومشي وعدو كل ذلك إذا كان في ارتهاش ويروى مستهدجا أي عجلان وشبهه في لونه بالحبشي والتف اشتمل وتسبج اشتمل بالسبيج.
وأنشد من هذه الأرجوزة بيتاً قبله:
وكل عيناء تزّجى بحزجا ... كأنه مسرول أرندجا
في ناعجات من بياض نعجا ... كما رأيت في الملاء البردجا
عيناء بقرة وصفت بذلك لسعة عينيها وتزجى تسوق والبحزج ولدها والارندج
(1/248)

جلود سود يقول كأنه قد ألبس سراويل من الارندج لسواد قوائمه والناعجات البقر لبياضهن والملاء جمع ملاءة وهي الريطة وقال
فهن يعكفن به إذا حجا ... عكف النبيط يلعبون الفنزجا
يوم خراج يخرج السمرجا يعكفن أي يقبلن عليه والعكف إقبالك على الشيء لا تصرف عنه وجهك وحجا وقف يقول هذا البقر يقبلن على الثور إذا وقف لا يصرفن وجوههن عنه والنبيط النبط وقال ابن الأعرابي الفنزج لعب النبيط إذا بطروا وقال الأصمعي الفنزج النزوان. وقال:
مياحة تميع مشيا رهوجا ... تدافع السيل إذا تعمجا
يصف امرأة والمياحة التي تختال في مشيتها وتنثنى والرهوج السهل من المشي والتعمج التلوي يقول هي تتلوى وتتثنى كما يتلوى السيل ونصب مشياً على المصدر لأن يمتج بمعنى تمشي مشياً سهلا مثل تدافع السيل متلويا. وقال:
وصاح خاشى شرها وهجهجا ... وكان ما اهتض الجحاف بهرجا
يصف حربا يقول صاح من خشي هذه الحرب جنبا وفرقا وقوله هجهجا أي زجر واهتض كسر والجحاف والتجاحف في القتال تناول القوم بعضهم بعضا بالسيوف والعصي يقول كان ما كسرت المجاحفة في الحرب من القتل وغيره بهرجا أي باطلا لا يثأر من قتل.
وأنشد للنابغة الذبياني ويروى لأوس بن حجر:
هل تبلغينهم حرف مصرمة ... أجد الفقار وإدلاج وتهجير
قد عربت نصف حول أشهراً جددا ... يسفى على رحلها بالحيرة المور
وقارفت وهي لم تجرب وباع لها ... من الفصافص بالنّمي سفسير
الحرف الناقة الضامر شبهت بحرف الكتابة وقيل شبهت بحرف الجبل وقيل سميت حرفاً لانحرافها من السمن إلى الهزال والمصرمة التي لا لبن بها وإذا لم يكن بها لبن كان أقوى لها وإلا جد الموثوقة الخلق والفقار خرز الظهر الواحدة فقارة والأدلاج سير الليل والتهجير سير نصف النهار وعريت تركت من الركوب ويروى
(1/249)

وقد ثوت نصف حول أي أقامت والجدد التامة والمور التراب الدقيق ويسفى تحمله الرياح حتى تصيره عاليا على الرحل وقارفت دنت من الجرب ولما تجرب بعد وإنما دنت من الجرب لأنها أقامت في الريف ويقال معناه دانت الجربى وباع لها اشترى لها والفصافص الرطبة والنميّ الفلوس الواحدة نمية ونمية والسفسير الخادم وقيل السفسير الذي يقوم على الناقة يصلح شأنها والجمع السفاسرة يصف طول مقامه بالريف وما يقرب منه حتى خشي على ناقته من الجرب لأن الجرب عندهم يكثر بالريف وصارت تعتلف الرطبة وألقت علف الأمصار يهجو بذلك حيا من إياد يقال لهم برد يريد أنه أطال المقام عندهم فلم يصنعوا به خيراً.
قال أبو محمد " والمقمجر القواس وهو بالفارسية كما نكر " وأنشد للحماني:
وقد أقلتنا المطايا الضمّر ... مثل القسيّ عاجها المقمجر
أقلتنا حملتنا والمطايا جمع مطية والضمر جمع ضامر والضمر الهزال لأنها إذا ضمرت بدت ضلوعها وهي معوجة فشبهها بالقسي وعاجها عطفها. قال وقال الأعشى:
وبيداء تحسب آرامها ... رجال إياد بأجيادها
البيداء الفلاة سميت بيداء لأن الأشياء تبيد فيها أي تهلك لسعتها كما سميت مفازة من قولهم فوّز الرجل إذا هلك والآرام الأعلام الواحد إرم وإرمىّ ويرميّ وإيرميّ وشبهها برجال إياد إذا لبسوا الأجياد وهي جمع جيد وهي مدرعة من صوف وإياد توصف بعظم الأجسام وقيل بأجيادها أي بأعناقها في طولها ويروى بأجلادها والأجلاد الأجسام.
وأنشد أبو محمد علي القيروان قول امرئ القيس:
وغارة ذات قيروان ... كأن أسرابها الرعال
الأسراب جمع سرب وهو القطيع من البقر والظباء والنساء والقطا والخيل شبه أسراب الخيل برعال النعام والرعلة النعامة سميت بذلك لأنها لا تكاد ترى إلا سابقة للظليم. قال أبو محمد قال الأعشى وذكر الخمار:
فقلت لمنصفنا اعطه ... فلما رأى حضر إشهادها
أضاء مظلته بالسرا ج والليل غامر جدّادها
(1/250)

المنصف والناصف الخادم والضمير في أعطه للخمار وقد تقدم ذكره في قوله إلى جونة عند حدادها والحداد الخمار أي قلت لخادمنا اعط الخمار حكمه ويروى شهّادها قال ابن الأعرابي يعني الدراهم وقال الأخفش شهادها الذين يشهدونها أضاء مظلته بالسراج أراد أنه طرقة ليلا فسرج سراجه والليل غامر جداد المظلة وقيل جدادها طرائقها الواحدة جدة وكذلك طرائق الجبال التي على غير لونها قال أبو أأضا عبيدة الجداد خصاص ما بين شعر المظلة وقال الأصمعي الجداد سلوك الثوب يعني أن الثوب لازق بمؤخر البيت قد ألبسه لم ينكشف بعد والمظلة أعظم ما يكون من الشعر. وأنشد أبو محمد لأوس يصف ناقته:
أضرت بها الحاجات كأنما ... أكب عليها جازر متعرق
تضمنها وهم ركوب كأنه ... إذا ضم جنبيه المخارم رزدق
أي هزلها تدآب السير عليها لقضاء حوائجه حتى ذهب لحمها فصارت في الهزال مثل ناقة قد أخذ الجازر ما على عظامها من اللحم ويقال عرقت العظم إذا أخذت ما عليه من اللحم وقوله تضمنها أي تضمن الطريق هذه الناقة وذلك إذا علته وأخذت فيه والوهم الطريق الواضح والركوب الذي قد ذلله كثرة الوطء مرة بعد مرة والمخارم جمع مخرم وهو منقطع أنف الجبل وشبهه بالسطر الممدود لامتداده واستوائه وأنشد أبو محمد لرؤبة.
ضوابعا نرمي بهن الرزدقا.
الضوابع جمع ضابعة وهي الناقة التي تمد ضبعيها في سيرها والضبع العضد ونرمي بهن أي بأخفافهن في السير.
قال أبو محمد " والديابوذ ينسج على نيرين وهو بالفارسية دوابوذ " وأنشد للشماخ بيتا قبله:
طال الثواء على رسم بيمؤود ... أودى وكل جديد مرّة مود
دار الفتاة التي كنا نقول لها ... يا ظبية عطلا حسانة الجيد
كأنها وابن أيام تربيه ... من قرة العين مجتابا ديابود
الثواء الإقامة والرسم أثر الدار ويمؤود موضع وأودى هلك ويروى أتوى أي خلا من أهله ويروى خلا صار خاليا ودار الفتاة يروى بالرفع والنصب
(1/251)

والخفض فمن رفع جعله خبر مبتدأ محذوف تقديره هي دار الفتاة ومن نصب فبإضمار فعل كأنه قال اذكر دار الفتاة ومن خفض جعله بدلا من رسم والعطل الذي لا حلى عليها والحسانة الحسنة وهو للمبالغة وقوله يا ظبية على طريق التشبيه والهاء في كأنها راجعة إلى الظبية وابن أيام ولدها ترببه تربه ومن قرة العين أي هو قرة عينها ومجتابا داخلا فيه وتفسير الديابود أن لحمته خيطان وهو ثوب أبيض.
وأنشد أبو محمد شطر بيت للأعشى قبله:
ويأمر لليحموم كل عشية ... بقت وتعليق فقد كاد يسنق
فذاك وما أنجى من الموت ربه ... بساباط حتى مات وهو محرزق
ذكر ملوكا بادوا وذكر النعمان فقال ولا الملك يقول فما بقوا ولا بقي النعمان وفي يأمر ضمير يعود إلى النعمان واليحموم فرس كان حمله عليه كسرى حين ملكه، وألقت الرطبة والتعليق ما يعلق عليه من العلف ويسنق يتخم والهاء في ربه تعود إلى اليحموم وساباط المدائن ومحرزق محبوس ويروى محزرق بتقديم الزاي وهي رواية البصريين وبتقديم الراء رواية الكوفيين يقول لم يدفع ملكهم ما نزل بهم من انتقال الملك عنهم وقوله فذاك أشار به إلى الملك وهو في موضع رفع بالابتداء وخبره محذوف ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف وفي أنجى ضمير تقديره وما أنجى الملك الذي للنعمان ربه حتى أخذه وحبسه حتى مات. وأنشد أبو محمد بيتا لرؤبة قبله:
حتى تركن أعظم الجؤشوش ... حدباً على أحدب كالعريش
رثاً ضعيف حيلة النطيش ... في جسم شخت المنكبيت قوش
يصف سنين مجدبة والجؤشوش الصدر يقول تركن عظام الصدر حدبا على رجل كذلك والعريش هنا الهودج شبه به عظام الصدر ويقال العريش بيت من خشب ورثاً ضعيفا والنطيش القوة والشخت الدقيق والقوش القليل اللحم.
وأنشد أبو محمد للمثقب العبدي عجز بيت قبله:
تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبداً وديني
أكلّ الدهر حل وارتحال ... أما يبقي عليّ ولا يقيني
فابقى باطلي والجد منها ... كدكان الداربنة المطين
(1/252)

يربد لو قدرت ناقتي لقالت ذلك ودرأت دفعت وأزلت الشيء عن موضعه والوضين حزام الرحل وأشار بقوله هذا إلى ما استمرت به عادته معها وموضع أهذا دينه إلى آخر البيت الذي يليه نصب مفعول تقول وما بعد القول محكى إذا كان جملة وأكل نصب على الظرف وحلّ مبتدأ والألف استفهام ومعناه التعجب والتقريع وقوله أما يبقي علي ولا يقيني يريد وألاّ يقيني فحذف ألف الاستفهام وتكرير الاستفهام وتكرير الاستفهام مبالغة في التعجب وقوله فأبقى باطلي أي ركوبي لها في طلب اللهو والغزل والجد مثل دكان الدرابنة والدكان الدكة وهو فعلان من الدك والمطين من طنته أطينه يقول فان كنت قد أتعبتها بمواصلة السير فهذه حالها والكاف في موضع نصب مفعول أبقى. وقال أبو دواد الأيادي:
فنهضنا إلى أشم كصدر الر مح صعل في حالبيه اضطمار
فسرونا عنه الجلال كما سل ل لبيع اللطيمة الدّخدار
نهضنا أي قمنا والأشم الفرس المشرف وصعل صغير الرأس والحالبان عرقان يكتنفان السرة والاضطمار افتعال من الضمر فقلبت التاء طاء لتوافق الضاد في الأطباق والضمر لحوق البطن بالصلب وصدر الرمح أعلاه وقوله فسرونا أي كشفنا ويروى فسللنا واللطيمة الإبل التي تحمل بز التجار والطيب. وقال الكميت:
هاجت عليها من الأشراط نافخة ... بفلتة بين إظلام وإسفار
تزجي دوالح من ثجاجة قطف ... تجلو البوارق عنه صفح دخدار
قوله من الأشراط يريد من الشرطين وهما من منازل القمر والنافخة الريح الشديدة ويقال النعام هي الريح التي تجيء دفعة واحدة بغتة ويروى نافحة بالحاء وهي الباردة والفلتة آخر ليلة من الشهر المنقضى وأول لسلة من الشهر الداخل وتكون في كل شهر وقوله بين إظلام وإسفار أي بين إدبار الليل وإقبال النهار وقيل بين إظلام السحاب وإسفار البرق وتزجى تسوق والدوالج السحائب الموقرة بالماء والقطف جمع قطوف وهي البطيئة السير من ثقلها والبوارق جمع بارقة وهي البرقة وقوله عنها أي عن الدوالح ومن روى عنه أي عن الحمار شبه بياض ظهره بالثوب الأبيض.
(1/253)

دخول بعض الصفات على بعض "
قال أبو محمد تدخل من على على أنشد الكسائي:
باتت تنوش الحوض نوشاً من علا ... نوشاً به تقطع أجواز الفلا
يصف إبلا باتت تشرب من ماء الحوض وتتناول ما فيه من الماء تناولا من فوق تقطع به أرضا بعيدة وتستغني به عن المبالغة فيه والأجواز جمع جوز وهو الوسط والفلا جمع فلاة.
قال أبو محمد وتدخل من على عن قال ذو الرمة:
أقول لنفسي واقفا عند مشرف ... على عرصات كالرسوم النواطق
ألماً يئن للقلب ألا تسوقه ... رسوم المغاني وابتكار الحزائق
وهيف تهيج البين بعد تجاور ... إذا نفحت من عن يمين المشارق
العرصات جمع عرصة وهي كل بقعة ليس فيها بناء والرسوم جمع رسم وهو الأثر بلا شخص ويئن يحن ومشرف جبل رمل والمغاني المنازل واحدها مغنى والحزائق جمع حزيقة وهي الجماعة من الناس والهيف ريح حارة تأتي من قبل اليمن وهي معطوفة على قوله رسم المنازل وتهيج البين أي تفرق الناس لأنها إذا هبت يبس البقل وجفت الغدر فعاد الناس إلى المياه الأعداد ونفحت هبت. وأنشد أبو محمد عجز بيت للقطامي:
فقلت للركب لما أن علابهم ... من عن يمين الحجيا نظرة قبل
ألمحة من سنا برق رأى بصري ... أم عالية اختالت بها الكلل
الركب أصحاب الإبل خاصة ونظرة قبل أي مستأنفة والقبل استئناف الشيء والحجيا موضع وقوله ألمحة مفعول رأى وسنا البرق ضوؤه واللمحة اللمعة من لمعان البرق يقول أرأى بصري ضوء البرق أم رأى وجه عالية واختالت افتعلت من الخيلاء والكلل جمع كلة وهو من الستور ما خيط فصارت كالبيت.
قال أبو محمد " وجيئت من عليه كقولك من عنده قال مزاحم:
أذلك أم كدرية ظل فرخها ... لقي بشر ورى كاليتيم المعيّل
غدت من عليه بعدما تم ظمؤها ... تصل وعن قيض بزيزاء مجهل
(1/254)

يريد أذلك الظليم أحب إليك أم قطاة كدرية وهو ضرب من القطا واللقي المتروك وشروري موضع كاليتيم اليتيم في البهائم موت الأم وفي الناس موت الأب والولد الصغير المعيل الذي لا شيء له وقوله غدت من عليه أي غدت القطاة من فوق فرخها وكانت تحضنه والظمء ما بين الشربتين ويروى بعدما تم خمسها والخمس سير أربع ليال تصل أي يسمع لجوفها صوت من العطش والقيض قشر البيض الأعلى ويروى ببيداء والبيداء المفازة التي لا أعلام بها ومن روى بزيزاء فلا وجه لترك الصرف ألا أن يجعل اسم بقعة بعينها ولو روى بزيزاء مجهل مضافا لكان جائزاً وكان تقديره بزيزاء أرض مجهل والزيزاء أرض مجهل والزيزاء الأرض الغليظة الصلبة.
قال أبو محمد " وتدخل الباء على الكاف " وأنشد:
وزعت بكا لهرواة أعوجى ... إذا ونت الركاب جرى وثابا
قوله وزعت أي كففت في الحرب من يتقدم بفرس مثل الهرواة صلابة وهي العصا والأعوجي منسوب إلى أعوج الأكبر فحل كان لغنى ابن أعصر وونت ضعفت وفترت والركاب الإبل ليس لها واحد من لفظتها وثاب رجع إليه عدوه. وأنشد أبو محمد لامرئ القيس:
ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تصوب فيه العين طورا وترتقي
قوله رحنا أي سرنا عشيا وقوله بكابن الماء أي بفرس مثل ابن الماء وهو طائر من طير الماء وتصوب فيه العين طورا وترتقي أي تنظر العين إلى أسفله تارة وأعلاه أخرى تردد النظر إليه لحسنه والطور التارة.
قال أبو محمد وتدخل الكاف على الكاف قال خطام الريح المجاشعي واسمه عياض بن بشر بن عياض:
حي ديار الحي بين السهبين ... لم يبق من آي بها تبقين
غير رماد وحطام كنفين ... وصاليات ككما يؤثفين
السهب الفضاء الواسع في طمأنينة والآي جمع آية وهي العلامة وكنفين أراد كنيفين تثنية كنيف وهو الحظيرة تحظر للإبل والغنم من الشجر لتقيها البرد والريح وحطامه ما تكنسر منه والصاليات الأثافي وهي الحجارة التي تنصب
(1/255)

تحت القدر وصلاها احتراقها بالنار ويروى وركودها ثبوتها وإقامتها وقوله ككما يؤثفين أي مثل ما نصبن أثافي لم يزلن والكاف الأولى زائدة وكان حقه أن يقول يثفين ولكنه أخرجه على الأصل لأن الأصل أن يقال في مستقبل أكرم أأكرم فكر هو اجتماع همزتين فحذفوا إحداهما ثم اتبعوا باقي حروف المضارعة الهمزة لئلا يختلف الباب ويقال أثفيت الأثفيّة إذا نصبتها واثفتها وثفيتها. قال أبو محمد وأنشد القسم بن معن يصف طريقا:
علي كالخنيف السحق يدعو به الصدى ... له قلب عفى الحياض أجون
قوله كالخنيف أي على طريق كالخنيف وهو ثوب يتخذ من كتان غليظ والسحق البالي وشبه الطريق به لدروسه وقلة من يسلكه والصدى ذكر البوم وإنما تسكن البوم في المواضع الخالية والقلب جمع قليب وهو البئر مطوية كانت أو غير مطوية وسميت قلبيا لأنها قلب ترابها والعفي جمع عاف وهو الدارس والأجون التي تغير ماؤها من طول مكثه ويروى له قلبٌ عاديةٌ وصحون والعادية القديمة والصحون جمع صحن وهو ساحة وسط الفلاة ونحوها من متون الأرض ويروى له صدد ورد التراب دفين وصدد الطريق ما استقبلك منه وورد التراب الذي لونه إلى الحمرة والدفين المدفون العافي.

دخول بعض الصفات مكان بعض "
أنشد أبو محمد على أنّ في مكان على:
وهم صلبوا لعبديّ في جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلا بأجدعا
العبدي منسوب إلى عبد العيس وقوله بأجدعا أي بأنف مجدوع وهو المقطوع وروى لي هذا البيت عن ابن دريد:
ونحن صلبنا الرأس في جذع نخلة.
أي على جذع نخلة قال وهو لامرأة قد دعت عليهم.
وأنشد أبو محمد لعنترة العبسي:
بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السبت ليس بتوأم
(1/256)

يروى بطل بالجر والرفع فمن جر حمله على قوله عن حامي الحقيقة معلم ومن رفع فبإضمار مبتدأ أي هو بطل والبطل الشجاع الذي تبطل عنده الدماء والفعل منه باطل بطالة بفتح الباء وسرحة شجرة والمعنى كأن ثيابه على سرحة من طوله والعرب تمدح بالطول وتذم بالقصر ويحذى يلبس ونعال السبت المدبوغة بالقرظ وكانت تلبسها الملوك وقوله ليس بتوأم أي لم يولد معه آخر فيكون ضعيفا.
قال أبو محمد " إلى مكان في " قال النابغة الذبياني:
أتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب
فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطليّ به القار أجرب
يخاطب النعمان بن المنذر كانت تحية ملوكهم في الجاهلية أبيت اللعن ومعناها أبيت أن تأتي من الأشياء ما تلعن عليه والنصب العناء والتعب وقوله فلا تتركني بالوعيد البيت أي لا تتوعدني فيستوحش مني الناس فلا أجار ولا أكلم لسخطك عليّ وابعادك لي واجتنب كما تجنبت الإبل البعير الأجرب الذي قد هنئ بالقطران. قال أبو محمد وقال طرفة:
وإن يلتق الحي الجميع تلاقني ... إلى ذروة البيت الرفيع المصمد
يقول إذا التقى الحي الجميع للمفاخرة وذكر المعالي تجدني في الشرف مع ذروة البيت وذروة كل شيء أعلاه والبيت هنا الأشراف والمصمد الذي يصمد إليه في الحوائج أي يقصد.
قال أبو محمد " ويقال رضيت عليك بمعنى عنك قال القحيف العقيلي ":
إذا رضيت عليّ بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها
يمدح حكيم بن المسيب القشيري وقشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وقشير وعقيل والحريش وجعدة أخوة وهم بنو كعب بن ربيعة يقول إذا رضيت عني بنو قشير سرني رضاها.
قال أبو محمد ورميت على القوس بمعنى عنها قال:
أرمي عليها وهي فرع أجمع ... وهي ثلاث أذرع وإصبع
وهي إذا أنبضت عنها تسجع ... ترنم النحل أبى لا يهجع
(1/257)

قوله وهي فرع أجمع يقول هذه القوس عملت من غصن ولم تعمل من شق عود وإذا كانت من غصن كان أقوى له وقوله وهي ثلاث أذرع وإصبع أي هي تامة والانباض أن تجذب وتر القوس بإصبعين ثم ترسله فتصوت يقال انبضت وانضبت على القلب إذا فعلت ذلك والترنم من الرنيم وهو تطريب الصوت ونصب ترنم بإضمار فعل تقديره ترنم ترنم النحل أي مثل ترنم، ويجوز أن يكون منصوبا بتسجع لأنه في معنى ترنم، وهو مثل قولهم تبسمت وميض البرق والنحل يذكر ويؤنث.
قال أبو محمد وقال ذو الإصبع العدواني:
أنكما صاحبيّ لن تدعا ... لومي ومهما أضع فلن تسعا
لن تعقلا جفرة علي ولم ... أوذ صديقا ولم أبل طبعا
إلا بأن تكذبا عليّ ولا ... أملك أن تكذبا وأن تلعا
يخاطب صاحبين له استجفاهما وتبرم بكثرة لومهما فقال لا يكون عندكما وسع لما أضيع إذا أنا ضعفت عنه أي لم تبلغا مبلغي ولن تقوما مقامي والجفرة من أولاد المعز إذا رعت وشربت الماء وانتفخ جنباها والذكر جفرٌ قال الأصمعي الجفرة لا تعقل وإنما أراد بكرة فقال جفرة ليحقرها أي لم أجن جناية فتحتملا عني شيئاً ولم أفعل شيئاً يسوء صديقا ويدنس عرضا فتعيباني به وتكونا صادقين في أخباركما عنى بذلك وإن عبتماني بشيء من ذلك كنتما كاذبين وأنا لا أملك منعكما من الكذب والطبع تدنس العرض وتلطخه ويقال ولع الرجل يلع ولعا وولعاناً إذا كذب. قال أبو محمد " وقال آخر " هو دوسر بن غسان بن هذيل بن سليط بن يربوع.
إذا ما امرؤ ولّى علي بوده ... وأدبر لم يصدر بأدباره ودي
ولم أتعذر من خلالٍ تسوءه ... كما كان يأتي مثلهن على عمد
لم يصدر لم يرجع أي إذا ذهب عني امرؤ لم أطلب وده يقول لا أود من لا يودني ولم أتعذر من خلال تسوءه أي لم أعتذر من الخصال التي آتي إليه من شيء يسوءه كما كان لا يعتذر إلى من مثلها متعمدا.
قال أبو محمد " ويقال أتينا فلانا نسأل به أي عنه " وأنشد لعلقمة ابن عبدة:
(1/258)

فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له في ودهنّ نصيب
يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشباب عندهنّ عجيب
يقول أن تسألوني عن النساء فإني عالم بما يحببن وما يبغضن فالذي يحببن المال والشباب والذي يبغضن ضد ذلك والثراء كثرة المال وشرخ الشباب أوله. وأنشد لابن أحمر:
تسائل بابن أحمر من رآه ... أعارت عينه أم لم تعارا
عمرو بن أحمر من باهلة وهو أحد عوران قيس وهم خمسة شعراء تميم بن أبي بن مقبل والراعي والشماخ وابن أحمر وحميد بن ثور يقول تسائل هذه المرأة عن ابن أحمر أصارت عينه عوراء أم لم تعورو يقال عارت العين وعرتها أنا وعورتها ويروى تعارا بفتح التاء وتعارا بكسرها وهي لغة فيما كان مثله وأراد تعارن بالنون الخفيفة التي للتأكيد فأبدل منها ألفا على نية الوقف ويروى وربت سائل عني حفي والحفي المستقصى في السؤال. قال أبو محمد وأنشد أبو عمرو بن العلاء والشعر للأخطل:
دع المغمر لا تسأل بمصرعه ... وأسأل بمصقلة البكري ما فعلا
المغمر السدوسي أبو خالد بن المغمر ومصقلة بن هبيرة الشيباني اشترى ألف رجل أهل بيت واحد.
قال أبو محمد " وقال آخر " هو مالك بن حريم الهمداني:
ولا يسأل الضيف الغريب إذا شتا ... بما زخرت قدري له حين ودعا
زخرت جاشت وارتفعت وعلت.
قال أبو محمد " يقال رميت عن القوس بمعنى بالقوس " قال امرؤ القيس ":
تصدّ وتبدي عن أسيل وتتقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفل
أي تعرض عنا وتبدي عن خد أسيل ليس بكز وتلقانا بناظرة يعني عينها ووجرة موضع وأراد بوحش وجرة الظباء ومن روى عن شتيت أراد عن ثغر
(1/259)

شتيت والشتيت المتفرق ومطفل ظبية لها طفل وإنما قال مطفل ولم يقل مطفلة لأنه لم يجره على الفعل ولو أجراه على الفعل لقال مطفلة ولكنه أراد النسب أي ذات طفل في قول أهل البصرة وقال الكوفيون إنما حذف الهاء لأن المذكر لا يشركها فيه وأراد بناظرة مطفل من وحش وجرة فجاء بالتنوين ويجوز أن يكون اراد بناظرة من وحش وجرة ناظرة مطفل ثم حذف ناظرة وأقام مطفلا مقامها والمعنى تعرض عنا حياء وتبسم فيبدو ثغرها وتتقي أي تعرض عنا ثم تلاحظنا كما تلاحظ الظبية طفلها وذلك أحسن ما تكون. وقول ابن قتيبة أن عن في هذا البيت بمعنى الباء أي تصد بأسيل فجعل عن من صلة تصد ليس كذلك وإنما عن من صلة تبدي أي تبدى عن خد أسيل وتبدى تتعدى بعن كما قال.
يوم تبدي البيض عن أسؤقها
قال أبو محمد في مكان الباء قال زيد الخيل:
يحضض جبار عليّ ورهطه ... وما صرمتي فيهم لأول من سعى
ترّعى باطراف الشعاب ودونها ... رجال يصدون الظلوم عن الهوى
ويركب يوم الروع فيها فوارس ... بصيرون في طعن الأباهر والكلى
يحضض يحرض ويحث يقال حضضت الرجل إذا حثثته على الخير والشر جميعا وحضضته بالتخفيف إذا حثثته على الخير وحثثته إذا حرضته على سوق أو سير ولا يكون الحض في السير والسوق وجبار اسم رجل ورهطه نفره وهم ما دون العشرة من الرجال والصرمة القطعة من الإبل ما بين الثلاثين إلى الأربعين يقول ليست إبلي لأول جماعة تغزوني لأني أقاتل عنها وأدافع وقوله ترعى أي ترعى والشعاب جمع شعب وهو الموضع المنفرج بين الجبلين وهو جمع نادر ومثله قدح وقداح ودونها رجال أي دون هذه الصرمة رجال يردون الظالم عن هواه والروع الفزع وفيها أي من أجلها وقوله بصيرون في طعن الأباهر والكلى أي هم بصراء عالمون بمواضع الطعن والأباهر جمع أبهر وهو عرق مستبطن الصلب والكلى جمع كلية وللإنسان وكل حيوان كليتان وهما لحمتان حمراوان منبترتان لازقتان بعظم الصلب. قال أبو محمد وقال آخر:
وخضخض فينا البحر حتى قطعنه ... على كل حال من غمار ومن وحل
(1/260)

يصف سفناً قوله خضخضن أي حركن والغمار جمع غمرة وهي معظم الماء أي قطعن بنا غمرة وضلحة. قال وقال آخر:
تلوذ في أم لنا ما تغتصب ... سمالها أنف عزيز ذو ذنب
وحاجب ما أن نواريه العطب ... من السحاب ترتدي وتنتقب
أراد بالأم سلمى أحد جبلى طيء وجعلها أمّاً لهم لأنها تجمعهم وتضمهم كما تضم الأم أولادها وكل شيء انضمت إليه أشياء فهو أمّ لها وقوله ما تغتصب أي هي منيعة على من أرادها ويروى ما تعتصب أي ليست بامرأة فتعتصب وإنما هي على الحقيقة جبل وسما ارتفع وانف الجبل نادر يندر منه ويتقدم والعزيز الممتنع والذنب التلعتين وهو ذنب التلعة والحاجب حاجب الجبل وهو ناحيته والعطب القطن يريد ثياب القطن أي لا تتوارى بثياب القطن وهذا الغاز عن هذا الجبل الذي هو سلمى ولما جعلها أمّاً استعار لها الردية والانتقاب والمعنى أن السحاب يكون حواليها يواريها من النظر كما يواري الرداء والنقاب المرأة. قال وقال الأعشى:
ربي كريم لا يكدر نعمة ... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا
تنوشد تفوعل من قولك نشدتك الله أي سألتك ويقال أنشدت الضالة أي سألت عنها وواحد المهارق مهرق وهي أعجمية معربة وهي الصحائف أي إذا ذكر بكتبه وسئل عنها أعطى ما سئل ويروى في الصحائف.
قال أبو محمد على مكان اللام قال الراعي:
وذات إثارة أكلت عليها ... نباتاً في أكمته قفارا
جماديا تحني السيل فيه ... كما فجرت بالحدب الديارا
رعته أشهراً وخلا عليها ... فطار الني فيها واستغارا
يصف ناقة ذات إثارة أي ذات سمن والإثارة شحم متصل بشحم آخر ويقال هي بقية من الشحم العتيق يقال سمنت الناقة على إثارة أي على بقية شحم أكلت عليها أي على هذه الإثارة نباتا في أكمته أي في علفه الواحد
(1/261)

كمام وقوله قفارا أي خالياً من الناس لم يرع فرعته وحدها وجماديا نبت في جمادي أي تثني وتعطف وكما فجرت أي شققت والديار المشارات الواحدة ديرة رعته أي رعت هذه الناقة هذا النبات أشهرا وتخلت به لم يرعه غيرها وطار النيّ أي ارتفع الشحم واستغار أي هبط فيها ودخل كما قال ابن أحمر:
تعلىالندى في متنه وتحدرا
قال أبو محمد في اللام بمعنى على يقال سقط لفيه أي على فيه وأنشد لكعب بن جدير المنقري:
وأشعت قوام بآيات ربه ... كثير التقى فيما ترى العين مسلم
شككت له بالرمح جيب قميصه ... فخر صريعا لليدين وللفم
على غير ذنب غير أن ليس تابعا ... عليا ومن لا يتبع الحق يظلم
يذكرني حم والرمح شاجر ... فهلا تلا حم قبل التقدم
الأشعث الجاف الشعر المنتشره قوام كثير القيام في صلاته بقراءة القرآن شككته انتظمته وخر سقط والصريع المصروع وقوله على غير ذنب أي فعلت به ذلك ولم يذنب إلا بتركه عليا ويظلم يضع الحق في غير موضعه بقوله لمحمد بن طلحة بن عبد الله وكان آخذاً بزمام جمل عائشة رضي الله عنها يوم الجمل فجعل لا يحمل عليه أحدا إلا حمل عليه وقال حم لا ينصرون فاجتمع عليه نفر كل ادعى قتله وادعى هذا الشاعر أنه طعنه.
وأنشد للطرماح بن حكم:
كأن مخواها على ثفناتها ... معرس خمس وقعت للجناحين
وقعن اثنتين واثنتين وفردة ... يبادرن تغليسا سمال المداهن
المخوى موضع تخويها وهو ما تجافى منها عن الأرض إذا بركت والثفنات مواضع مباركها من قوائمها وكركرتها ومعرس حيث عرست والتعريس النزول من آخر الليل والخمس أي خمس ثفنات شبه آثار ثفناتها بآثار لق
(1/262)

حين وقعت على الجناجن وهي عظام الصدر وقعن اثنتين واثنتين يعني ركب اليدين والرجلين وفردة يعني الكركرة فشبه آثار هذه المواضع بأفاحيص القطائم رجع إلى القطا فقال يبادرن تغليسا إلى السمال وهي بقايا الماء الواحد سملة والمداهن نقر في القفا الواحد مدهن. وأنشد أبو محمد لعمرو بن أحمر:
تقول وقد عاليت بالكور فوقها ... يسقى فلا يروى إلى ابن أحمرا
فاعل تقول مضمر يعود إلى ناقة قد تقدم ذكرها في قوله:
نهضت إلى القصواء وهي معدة
وعاليت أي أعليت والكور الرحل بأداته تقول هذه الناقة وقد وضعت الكور عليها أن ابن أحمر لا يروى مني من شر ولا يشبع ولا يعدل عني إلى غيري إنما يركبني دون أبله وضرب السقي مثلا لركوبه إياها.
قال أبو محمد إلى بمعنى عند قال أبو كبير الهذلي عامر بن الحليس:
أزهير هل عن شيبة من معدل ... أم لا سبيل إلى الشباب الأول
أم لا سبيل إلى الشباب وذكره ... أشهى إلي من الرحيق السلسل
زهيرة ترخيم زهرة وهي ابنته من معدل أي انعدال وانحراف يقول هل أستطيع أن أعدل عن الشيب أي انصراف عنه وآخذ غير طريقة والرحيق السهل وقيل الخمر وسلسل سلس الدخول في الحلق وقيل البارد اللين في الحلق وقيل العذب. وأنشد أبو محمد للراعي:
ثقال إذا راد النساء خريدة ... صناع فقد سادت إلي الغوانيا
الثقال المرأة إذا كانت ذات كفل ومآكم وهي الثقيلة في مجلسها أيضا وراد النساء أي خففن في الذهاب والمجيء إلى بيوت جاراتهن والخريدة الحيية وقد أخردت اخراداً وقيل الخريدة التي لم تمسس والصناع الحاذقة الرقيقة اليدين بالعمل والغواني جمع غانية وهي التي غنيت بحسنها وجمالها وقيل التي غنيت ببعلها وقد يقع الغواني على النساء جمع.
وأنشد أبو محمد للنابغة الجعدي يصف بقرة:
اتيح لها فرد خلا بين عاذب ... وبين جماد الحر بالصيف أشهرا
(1/263)

ولما رآها كانت الهم والمنى ... ولم ير فيها دونها متغبرا
وكان إليها كالذي اصطاد بكرها ... شقاقا وبغضا أو أطم وأهجرا
الضمير في لها يرجع إلى بقرة قد تقدم ذكرها أخذ السباع ولدها وأتيح قدر والفرد الثور الوحشي وعاذب وجماد الحر موضعان يعني أن الثور أقام بين هاذين الموضعين صيفه ولما رآها أي لما رأى الثور البقرة كانت منيته وهواه ولم ير فيها ما يؤخره عنها والمتغبر المتأخر وكان إليها أي كان الثور عندها أي عند هذه البقرة في الكراهية والبغضة كالذئب الذي أكل ولدها أو أطم أي أزيد بغضا وكل شيء تجاوز القدر فقد طم ومنه الطامة الكبرى وأهجر أي أقبح وأفحش.
وأنشد أبو محمد لحميد بن ثور عجز بيت قبله:
كأن الجمان الفصل نيطت عقوده ... ليالي جمل للرجال خلوب
بوحشية أما ضواحي متونها ... فملس وأما خلقها فتليب
موشحة الأقراب أمّا سراتنها ... فملسٌ وأمّا جلدها فذهيب
صبحناهم الآطام حول مزاحم ... قوانس أولى بيضنا كالكواكب
ذكرتك لما اتعلت من كناسها ... وذكرك سبات اليّ عجيب
الجمان اللؤلؤ الصغار والفصل الذي يفصل به غيره ونيطت علقت والعقود جمع عقد وهو القلادة وخلوب خدوع وليالي تصطاد الرجال بحسنها وشبابها والباء في بوحشية تتعلق بقوله نيطت أي علقت على وحشية وهي الظبية والضواحي جمع ضاحية وهو ما برز منها والمتون جمع متن وهو الظهر وجمعه بما حوله والملس التي لا أثر بها ويروى فبيض وأما خلقها فتليب أي طويل والذهيب المذهب أي جعل عليه الذهب وهو فعيل بمعنى مفعل كبغيض بمعنى مبغض والموشحة الظبية الأدماء لأن في متنيها خطين أسودين يتبعان متنيهما فجعلهما لهما كالوشاح وقال ملس ولم يقل أملس ذهب بها إلى المواضع والسراة الظهر والأقراب جمع قرب وهو الخاصرة وما يليها وقوله ذكرتك لما اتلعت من كناسها أي رفعت عنقها وأخرجت رأسها من الكناس
(1/264)

فنظرت والكناس بيت الوحشي وسمي كناسا لأنه يكنس الرمل حتى يصل إلى برد الثرى وجمعه كنس وكنس والسبات جمع سبة وهي البرهة من الدهر ويروى ذكرك أحيانا.
وأنشد أبو محمد:
لعمرك أن المسّ من أم جابر ... اليّ وإن باشرتها لبغيض
المباشرة الصاق البشرة وهي ظاهر الجلد بالبشرة والمباشرة يكنى بها عن النكاح والمس اللمس باليدين ويكنى به أيضا عن النكاح والبيت يحتمل المعنيين. قال أبو محمد في عن مكان على وأنشد لذي الإصبع بيتا قبله:
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا انت دياني فتخزوني
حيث في موضع نصب يريد أضرب من رأسك ذلك الموضع وكانوا يقولون أن المقتول إذا لم يدرك بثأره خرج من رأسه هامة تقول اسقوني اسقوني فإذا قتل قاتله أمسكت وقيل معناه ألا تدع شتمي أضربك على هامتك حيث تعطش والعرب تقول العطش في الرأس قال قد علمت إني مروى هامها وقوله لاه ابن عمك فحذف لام الجر ولام التعريف وابن عمك مبتدأ ولله خبره والكلام تعجب وتفخيم ولا أفضلت في حسب أي لم تفضلني في حسب فتستطيل عليّ ويقال أفضل عليه إذا ناله من فضله وأحسن إليه وأفضل من كذا ترك منه شيئاً وأفضل عنه أتى بفضل دونه وذاهبا عنه وإنما قيل هذا لأن عن لما عدا الشيء منصرفا عنه وقوله ولا أنت دياني فتخزوني أي ولا أنت مالك أمري فتسوسني يقال دنته أي ملكته وخزوته سسته وقهرته وروى أحمد بن عبيد لاه ابن عمك على الخفض وقال هو قسم المعنى ورب ابن عمك وقوله لا أفضلت جواب القسم. وأنشد لقيس بن الخطيم:
صبحناهم الآطام حول مزاحم ... قوانس أولى بيضنا كالكواكب
لو أنك تلقي حنظلا فوق بيضنا ... تدحرج عن ذي سامه المتقارب
(1/265)

صبحناهم أي غاديناهم ويروى الآجام جمع أطم وأجم وهو الحصن وقيل هو كل بيت مربع.
يقول لما أطلعنا عليهم كانت قوانس كالنجوم لبريقها وخص أولى البيض لأن الرؤية عليها تقع أولا ولأن ما وراءها يستره الغبار وقوله لو أنك تلقى حنظلا فوق بيضنا لم يسقط إلى الأرض لشدة تراصنا وانضمام بعضنا إلى بعض وذلك من كثرتهم وذو السام البيض المطلى بالذهب ويقال أن السام في البيت خطوط ذهب والسام عروق الذهب الواحدة سامه. قال أبو محمد عن مكان بعد وأنشد بعض بيت للحارث بن عباد قبله:
لا بخير أغنى قتيلاً ولا ره ط كليب تزاجروا عن ضلال
قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيال
بجير هو بجير بن عمرو بن مرة بن عباد وكليب هو كليب بن وائل بن الحارث بن عباد اعتزل الفريقين حتى قتل مهلهل بجيرا وقال بؤ بشسع نعل كليب فغضب الحارث حينئذ وقال هذا الشعر وقوله تزاجروا أي زجر بعضهم بعضا والنعامة اسم فرس الحارث بن عباد والمربط الموضع الذي تربط فيه واللقاح الحمل والحيال ضده وإذا بقيت الناقة أعواما لم تلقح ثم ألقحت كان أقوى لولدها كما أن الأرض إذا لم تزرع أعواما كان أكثر لنباتها لأن النتاج بمنزلة الحرب عندهم وهذا مثل ضربه لشدة الحرب. وأنشد أبو محمد لامرئ القيس:
ويضحى فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
يضحى أي يدخل في الضحاء وهي ههنا تامة لا خبر لها وفتيت المسك ما تفتت منه أي تحات عن جلدها في فراشها وقيل كأن في فراشها مسكا من طيب جسدها كما قال:
وجدت بها طيبا وإن لم تطيب
(1/266)

ونؤوم الضحى منصوب على أعني وفيه معنى المدح ولا يجوز نصبه على الحال لأن الفعل لم يعمل في المضاف إليه شيئا وقد روى نؤوم الضحى على معنى هي نؤوم الضحى ويجوز نؤوم الضحى بالجر على البدل من الهاء والألف في فراشها والضحى مؤنثة وتصغيرها والقياس ضحية ولم يقولوه لئلا يلتبس بتأنيث ضحوة والانتطاق الانبراز للعمل والتفضل أن تبقى في ثوب واحد. وأنشد أبو محمد للعجاج.
ومنهل وردته عن منهل ... قفرين هذا ثم ذا لم يؤهل
المنهل المورد يريد رب مورد وردته بعد مورد آخر نزلته قفرين لم يردهما أحد خاليين يعني المنهلين لم يؤهل لم يحل به قوم فيكون أهله.
وأنشد أبو محمد للجعدي:
وأسأل بهم أسداً إذا جعلت ... حرب العدو تشول عن عقم
شالت الناقة إذا رفعت ذنبها عند اللقاح فاستعاره للحرب والعقم مصدر قولك عقمت المرأة وعقمت الرحم إذا لم تقبل الولد وإذا لقحت الناقة بعد ذلك كان أقوى لولدها وهذا كقوله لقحت حرب وائل عن حيال. قال أبو محمد عن مكان من أجل قال لبيد يصف الحمار والاتن:
وأقبلها النجاد وشايعته ... هواديها كأنضية المغالي
لورد تقلص الغيطان عنه ... يبذ مفازة الخمس الكمال
أقبلها استقبل بها النجاد جمع نجد وهو المرتفع من الأرض وهواديها أوائلها والأنضية جمع نضى وهو قدح السهم والمغالي المرامي لصاحبه لينظرا أيهما أبعد سهما والغيظان جمع غائط وهو أرض منصوبة شجيرة وتقلص الغيطان عنه من بعده ويجوز أن يكون المعنى أنها تطوي له طيا ويبذ يسبق ويقطع ويقلص يقصر أي يقطعها السير.
وأنشد أبو محمد للنمر بن تولب:
ولقد شهدت إذا القداح توحدت ... وشهدت عند الليل موقد نارها
(1/267)

عن ذات أولية أساود ربها ... وكأن لون الملح فوق شفارها
توحدت فيه قولان أي أخذ كل واحد قدحا واحداً لغلاء اللحم وقيل توحدت أي توحد بها رجلان لم يشركهما غيرهما وقوله وشهدت عند الليل موقد نارها لأنهم قسموها بالعشى فلم يفرغوا حتى أدركهم الليل ولأأوقدوا نارا وقوله عن ذات أولية أي من أجل ذات أولية أي قد أكلت وليا بعد ولي فهي سمينة وقوله أساوداي إساره وأخادعه عنها ولا يكون ذلك إلا عند الغلاء والجدب يحتز كل واحد إلى نفسه النقص من الثمن ولا يظهر السوم لئلا يزاد عليه والشفار السكاكين العراض شبه ما جمد من الشحم على السكين بالملح لبياضه والمعنى أنه وصف نفسه بأنه ممن يشهد ضرب القداح على الإبل والدخول في الإيسار ويشهد نحرها وتفرقه لحمها وليس هو ممن يغيب عن ذلك وهذا إنما تفعله الكرماء الأجواد.
قال أبو محمد:؟ سقى أم عمرو كل آخر ليلة حناتم سود ماؤهن ثجيج
إذا هم بالإقلاع هبت له الصبا ... فعاقب نشء بعدها وخروج
شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج
قوله كل آخر ليلة مثل قوله لا أكلمك آخر الليالي ومعناه لا أكلمك ما بقي من الزمان ليلة والحنائم الجرار الخضر جمع حنتم شبه السحاب الأسود بها والأخضر عند العرب الأسود ويقال للسحاب إذا كان ريان أسود كأنه الحنتم ثم كثر حتى سمي به السحاب وثجيج صبوب والإقلاع الانقشاع يقول إذا هم هذا السحاب أن يتقشع هبت له الصبا فجمعته فأعقب أي جاء بعده سحاب يعني غيما خرج من غيم ويقال للسحاب أول ما ينشأ قد نشأ له نشءٌ حسن وخرج له خروج حسن أي غيم بعد غيم قوله شربن يعني أن السحاب شربن من ماء البحر ومتى معناها من في لغة هذيل على لجج أي متى لجج أخرجت الماء من البحر وتكون متى لجج بمعنى وسط لجج تقول أخرجته من متى كمي أي من وسطه لهن نئيج أي مر سريع مو صوت ويروى تروت بماء البحر ثم تنصبت على جبشيات تنصبت ارتفعت على حبشيات أي سحابات سود. وانشد أبو محمد لعنترة:
(1/268)

شربت بماء الدحر ضين فأصبحت ... زورا: تنفر عن حياض الديلم
في شربت ضمير يعود إلى ناقة ذكرها قبل هذا البيت أي شربت من ماء الدّحر ضين وهما دحرض ووسيع فغلب أحدهما على الآخر والزوراء المائلة يقال زور يزور زورا فهو أزور وقيل قرى النمل وقيل بني سعد يقول مالت عنها لأنها تخافها وذلك أن إبله وابل قومه كانت تشرب من مياه بني سعد حين كانوا مجاورين فيهم فلما ارادت بنو سعد الغدر بهم نفروا إبلهم عهن مياههم بعد ما كانت ألفتها.
قال أبو محمد الباء بمعنى في وأنشد صدر بيت للأعشى:
ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي فما يرد سؤالي
دمنه قفرة تعاورها الصي ف بريحين من صبا وشمال
قوله ما بكاء الكبير استفهام على سبيل التوبيخ والإنكار على نفسه والكبير هو الأعشى نفسه فجعل اسنفهامه ذا كأنه يستخبر غيره ثم صرح فقال وسؤالي فبين أنه يريد ما بكائي في الأطلال كأنه يسفه نفسه والأطلال ما شخص من إعلام الدار وقوله فما يرد سؤالي يقول وأي شيء يجدي على سؤالي كما تقول للرجل وأي شيء يجدي عليك أسفك ودمنة تروى بالرفع والنصب والجر فمن رفع جعل ما جحدا كأنه قال ولا ترد السؤال الدمنة ومن نصب جعل الدمنة مفعولة كأنه قال وما سؤالي دمنة ومن خفض جعل دمنة بدلا من الاطلال وتقديره وما بكاء الكبير بدمنة قفرة والدمنة آثار الناس وما سودوا وهي مثل الإبعار والسرجين وما اشبههما والقفرة التي لا أنيس بها ولا ماء ولا مرعى وتعاورها الصيف أي اختلفت عليها رياحه فمرة تسفي عليها الصبا ومرة الشمال وخص الصيف لكثرة الغبار فيه وقلته في الشتاء والكلام مقلوب ووجهه تعاورها ريحان من صبا وشمال في الصيف ومثله جعلت القلنسوة في رأسي وإنما يجعل الرأس في القلنسوة.
(1/269)

قال أبو محمد إلى بمعنى مع وأنشد لابن مفرغ:
سدخت غرة السوابق فيهم ... في وجوه إلى اللمام الجعاد
شدخت الغرة إذا فشت واتسعت واللمام جمع لمة وهي ما ألم من الشعر بالمنكب والجعاد جمع جعدة وهي ضد السبطة وهم يمدحون بالجعودة ويذمون بها وهذا الشاعر يمدحهم بذلك لأن الجعودة في العرب والسبوطة في العجم وإذا قيل فلان جعد الكف فهو ذم يعنون أنه بخيل أي هو مقبوض الكف وقوله في وجه أي في وجوه حسان وحذف الصفة أفخم واستعار الغرة من الخيل لأن الخيل تمدح بها والمعنى ظهر فضل السبق فيهم وقال ذو الرمة:
خليلي عوجا اليوم حتى تسلما ... على دارمي من صدور الركائب
بصلب المعا أو برقة الثور لم يدع ... لها جدة حول الصبا والجنائب
بها كل خوار إلى كل صلعة ... ضهول ورفض المذرعات القراهب
الخليل المصفي المودة وعوجا أي ميلا ومن زائدة وركائب جمع ركوب وهي كل دابة تركب والمعا موضع ويروى ببطن المعا والبطن الغامض من الأرض والثور موضع والبرقة حجارة ورمل مختلط وخوار يعني ثور وخواره صوته وقيل خوار غزال يخور إلى أمه وصلعة صغيرة الرأس يعني نعامة وضهول يذهب ويرجع يقال ما ضهل إليك أي ما رجع إليك والرفض فرق وهو ما أرفض وتفرق والمذرعات البقر معهن أولادهن والقراهب المسنات الواحد قرهب.
قال أبو محمد على بمعنى الباء وأنشد:
شدوا المطيّ على دليل دائب ... ما بين كاظمة وسيف الأجفر
الدائب المجد وكاظمة موضع والسيف شاطئ البحر والأجفر موضع قال أبو محمد وقول أبي ذؤيب:
وكأنهن ربابة وكأنه ... يسر يفيض على القداح ويصدع
(1/270)

الربابة خرقة أو جلدة تجمع فيها القداح أراد كأنهن قداح ربابة كأنهن يعني الأتن شبه اجتماعهن باجتماع القداح في الربابة واشتقاق الربابة من قولهم رب الشيء أي جمعه وأصلحه وكأنه يعني الحمار قال أبو عبيدة شبه الحمار باليسر وشبه أتنه بقداح يحليها ويعليها ويريد حسن طاعتها له وانقيادها لتدبيره ويفيض على القداح أي بالقداح يقال أفاض القوم في الحديث إذا اندفعوا فيه وأفاضوا من عرفة إذا دفعوا وقيل يفيض على القداح أي يعتمد عليها فيدفعها بالاحالة فلذلك عداه بعلى ومعنى يصدع يبين الحكم ويحكم بما يخرج وقيل معناه يقول بأعلى صوته هذا قدح فلان قد فار وقيل على القداح أي عندها كما يقال فلأن على النار أي عندها وقال الرماني جعل على القداح بدلا من على اليد.
وقال أبو محمد على بمعنى مع وأنشد للبيد:
أرقت له وأنجد بعد هدء ... وأضحى من على السعب الرحال
يضيء ربابه والمزن حبشا ... قياما بالحراب وبالالال
كأن مصفحات في داره ... وانواحا عليهن المآلي
قوله له أي للبرق وأنجد خرج إلى نجد والهدء بعد ساعة من الليل والرباب السحاب الذي دون السحاب الأعلى يكون أبيض ويكون أسود يتربع من تحت السحاب كأنه معلق به والحبش الحبشة فشبه ذلك الرباب في سواده من دون السماء برجال حبش بأيديهم حراب تلوح لبياض البرق في سواد الرباب والآلّة الحربة وإنما كرره لاختلاف اللفظين ويروى جيشا أي كأنه جيش قيام بالحراب والمصحفات السيوف يضرب بها صفحا وذراه أعاليه والمآلي واحدها ميلاه وهي خرقة تكون مع النائحة تشير بها إذا ناحت ويروى مصفحات بكسر الفاء وهن النساء يصفقن يقال صفحت إذا صفقت وقيل في المصفحات بفتح الفاء إنها الإبل التي قد صفحت عن أولادها أي ردت عنها فهي تحنّ إليها فشبه صوت الرعد بحنين الإبل ويقال صفحته عن حاجته إذا رددته عنها والأنواح جمع نوح وهي النساء المجتمعات والمآلي جمع مئلاه وهي خرقة سوداء تمسكها النائحة تشير بها شبه لمعان البرق بلمح النائحة
(1/271)

بميلانها وأنشد للمشاخ يصف قوساً اشتراها وعدد الأاشياء التي شراها بها.
فقال إزار شرعبيّ وأربع ... من السّيراء أو أوراق نواجز
ثمان من الكوري حمر كأنها ... من الجمر ما أزكى على النار خابز
وبردان من خال وسبعون درهما ... على ذاك مقروظ من القد ماعز
الشرعبي جنس من البرود جاء على لفظ المنسوب وأصل الشرعبة قطع الأديم واللحم طولا والسيراء جن من البرود المسيرة لأن فيها خطوطا كالسيور وقوله أربع شقاق والأواقي جمع أوقية وأصله التشديد وهو وزن معروف والنواجز جمع ناجزة وهي الناجحة كما تقول نقدا وثمان صفة لأواق وكورى منسوب إلى الكور يريد من الذهب الذي أدخل الكور وخلص ما فيه والخال ضرب من البرود أرضها حمر وفيها خطوط خضر والمقروظ المدبوغ بالقرظ والماعز الشديد والقد السير يقال هو جراب أو وعاء لهذه الأشياء ويقال عني به الوتر.
قال أبو محمد على بمعنى من وأنشد لصخر الغي الهذلي بيتا قبله:
لحق بني شعارة أن يقولوا ... لصخر الغي ماذا تستبيث
متى ما تنكروها تعرفوها ... على أقطارها علق نفيث
شعارة لقب نسبه له قوم صخر تستبيث تستعين أي حقهم أن ينصحوا لصخر ويعلموه ما يثير على نفسه وقوله متى ما تنكروها أي متى ما تشكوا فيها فتقولوا ما هذه ترد عليكم وتعرفوها يعني كتيبة كريهة ونفيث ينفث بالدم يسمع له صوتا في خروجه ويروى متى أقطارها أي من أقطارها ويقال معناه وسط اقطارها وأقطارها نواحيها وعلق دم ونسب أبو محمد هذا الشعر إلى صخر الغي وإنما هو لأبي المثلم الهذلي في صخر الغي وقومه. وقال أبو محمد في بمعنى من قال امرؤ القيس:
إلا أنعم صباحا أيها الطلل البالي ... وهل ينعمن من كان في العصر الخالي
وهل ينعمن من كان أقرب عهده ... ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال
(1/272)

إلا لاستفتاح الكلام وقوله أنعم صباحا دعا له بالنعم في الصباح ثم رجع منكراً على نفسه فقال كيف ينعم من مرت عليه السنون وليس له عهد بالخفض مذ ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال والأحوال جمع حول وهو السنة ويقال أن في هنا بمعنى مع أي كيف ينعم من كان هكذا والعصر والعصر واحد. قال أبو محمد يقال فلان عاقل في حلم أي مع حلم وأنشد للنابغة الجعدي يصف فرسا.
ولوح ذراعين في بركة ... إلى جؤجؤ رهل المنكب
كا عظم عريض فهو لوح لت برك ففتحت الباء والجؤجؤ الزور ورهل المنكب أي مسترخي جلد المنكب فهو يموج لسعته.
وأنشد أبو محمد بيتا قبله:
كأن ريقتها بعد الكرى اغتبقت ... من مستكن نماه النحل في نيق
أو طعم غادية في جوف ذي حدب ... من ساكن المزن يجري في الغرانيق
الكرى النوم والغبوقشرب العشي ونماه رفعه والنيق أرفع موضع في الجبل وأراد بالمستكن عسلا في كن شبه حلاوة ريقة هذه المرأة بعد النوم وهو الوقت الذي تتغير فيه الأفواه في طيبه وعذوبته بحلاوة عسل هذه صفته ثم قال أو طعم غادية يريد أنه في عذوبته كطعم ماء سحابة وهي التي تمطر غدوة ومطر أول النهار عندهم أحمد من مطر آخره والحدب الموضع المرتفع نحو الأكمة وقوله يجري في الغرانيق أي تجري الغرانيق فيه وهذا من المقلوب ويمكن أن يكون يجري مع الغرانيق، والغرانيق ضرب من طير الماء الواحد غرنوق وقالوا غرنيق والمزن جمع مزنه وهي السحابة البيضاء.
قال أبو محمد اللام بمعنى مع وأنشد لمتمم بن نويرة بيتا قبله:
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
(1/273)

قوله كنا يريد كنت وأخي مالك كندماني جذيمة وهما مالك وعقيل ابنا فارح بن مالك بن كعب بن القين بن جزء من قضاعة نادما جذيمة الأبرش حين ردا عليه ابن أخته عمرو بن عدى وهو عمرو ذو الطوق بن نمارة اللخمي وذلك أنه قال لهما حين ردا عليه عمراً حكمكما فقالا منادمة الملك فكانا نديميه ثم قتلهما وجذيمة الوضاح بن فهم الأزدي وكان أول ملوك الطوائف، وقتلته الزباء وحديثه معروف والحقبة الدهر ويقال هي ثمانون سنة ولن يتصدعا لن يتفرقا ولن ينفى بها المستقبل كما أن لم ينفى بها الماضي. وأنشد أبو محمد في أن اللام بمعنى بعد قول الراعي:
لا يتخذن إذا علون مفازة ... ألا بياض الفرقدين دليلا
حتى وردن لتم خمس بائص ... جدا تعاوره الرياح وبيلا
لا يتخذن إذا علون مفازة أي لا تتخذ هذه الإبل دليلا إذا علت مفازة وهي المهلكة ألا الفرقدين حتى وردن لتم خمس أي لتمام خمس والخمس أن ترد الإبل الماء يوما وتدعه ثلاثة ايام وترد في اليوم الخامس والبائص السابق البعيد الطلب جدا وهي البئر الجيدة الموضع من الكلأ والجميع أجداد وتعاوره تداوله وهو أن تهب عليه هذه ثم هذه والوبيل الوخيم وهو من نعت الجد.
قال أبو محمد اللام بمعنى من أجل وأنشد للعجاج:
تسمع للجرع إذا استحيرا ... للماء في أجوافها خريرا
يصف إبلا وردت الماء والجرع بلع الماء واستحير إحارته أدخلته في أجوافها وخرير الماء صوته يقال سمعت خرير الماء وقسيبه.
قال ابو محمد الباء بمعنى على وأنشد لعمرو بن قميئة: بودك ما قومي على أن تركتهم سليمى إذا هبت شمال وريحها يقول بودك مجاورة قومي على أنك قد تركتهم وفارقتهم سليمى يريد يا سليمى وما صلة وكانت امرأته أشارت عليه بفراق قومه فلما فارقتهم ندمت فقال لها هذه المقالة وأراد بودك مجاورتهم على شدة الزمان قال أبو علي يجوز أن تكون الباء للقسم وما استفهام كا، هـ أقسم بودها عليها لتسألن قومه في هذا
(1/274)

الوقت وهذا كثير كقول الآخر:
فسائلي القوم ما جودي وما حسبي ... إذا الكماة التقت فرسانها الصيد
وتتعلق على من قوله على أن تركتهم بما في قومي من معنى الفعل كأنه رده إلى الأصل ضرورة لأن القوم إنما هو لمن يقوم بما يراد منه مما يعانيه ذوو الكفاية ولذلك استعمل في الرجال دون النساء ومثل القوم الملأ سموا بذلك لأنهم مليئون بما يراد منهم والتقدير ما قومي متروكين في هذا الوقت ويكون العامل في إذا هذا المعنى دون تركت كأنه قال سلي ما قومي وقت ويطمعون في المحل وينحرون قال ويجوز إذا جعلت ما صلة أن ترفع قومي بالابتداء وعلى أن تركتهم الخبر فأما قوله شمال وريحها فإنه يريد الريح التي هي مثل الشمال في البرد وأخبرت عن ابن الأنباري أنه قال يروى على وجهين، بودك بفتح الوار وبودك بضمها فمن فتح الواو أراد بصنمك ومن ضمها أراد التي بيني وبينك والمعنى أي شيء وجدت قومي يا سليمى على تركك إياهم أي قد رضيت بقولك في ذلك وإن كنت تاركة لهم فاصدقي وقولي الحق. قال أبو محمد الباء بمعنى من اجل قال لبيد:
وكثيرة غرباؤها مجهولة ... ترجى نوافلها ويخشى ذامها
غلب تشذر بالذحول كأنها ... جن البدي رواسياً أقدامها
قوله وكثيرة يريد ورب جماعة كثيرة غرباؤها ثم حذف الموصوف وأقام الصفة مقامه هذا أصح ما قيل فيه إلا أن إقامة الصفة مقام الموصوف في مثل هذا قبيح لما يقع فيه من الأشكال ألا ترى إنك لو قلت مررت بجالس كان قبيحا ولو قلت مررت بظريف كان حسنا وغرباؤها مرفوع بكثير أي كثرت غرباؤها غلب من صفة الجماعة أيضا واحدهم أغلب وهو الغليظ العنق تشذر يوعد بعضهم بعضا وقيل إذا تفاخروا وتثالبوا وتشذرت الناقة إذا شالت بذنبها والذحول جمع ذحل وهو الحقد والبدى والبادية وقيل موضوع والرواسي الثوابت
(1/275)

ونصبه على الحال وإقدامها رفع برواس وصرف رواسي للضرورة ويروي تشازر أي ينظر بعضهم إلى بعض بمؤخر عينه للحقود التي بينهم وقيل أراد بكثيرة غرباؤها قبة النعمان يحضرها الوفود وغيرهم وقيل في البدى أنه واد لبني عامر.

زيادة الصفات
أنشد أبو محمد على زيادة الباء قول أمية بن أبي الصلت الثقفي:
سنة أزمة تخيل بالنا س ترى للعضاه فيها صريرا
لا على كوكب ينوء ولا ري ح جنوب ولا ترى طمرورا
إذ يسفون بالدقيق وكانوا ... قبل لا يأكلون خبزا فطيرا
السنة تقع على سنة الجدب يقال أصابت الناس سنة أي جدب وأزمة شديدة تخيل تلون والعضاه كل شجر من شجر البر له شوك وصرير صوت يقول تسمع صوت العضاه لشدة الريح والبرد وأنه لا مطر فيها وقوله لا على كوكب يقول لم تمطر فيها نوء ولا هبت جنوب ومع الجنوب يكون السحاب والمطر ولا ترى طمرورا يقال الطمرور العود اليابس والجمع طمارير وقوله إذ يسفون بالدقيق أي يستفون الدقيق والاستفاف الاقتماح ولا يكون إلا في شيء يابس صغار كالسمسم والخشخاش ونحو ذلك.
وقال أبو محمد قال الراعي:
هن الحرائر لا ربات أحمرة ... سود المحاجر لا يقرأن بالسور
الحراير الكريمات وأحمرة جمع حمار جمع القلة والكثير حمر وخص الحمر لأنها رذال المال وشره يقال شر المال ما لا يزكى ولا يزكى يعني الحمر والمحاجر جمع محجر وهو من الوجه حيث يقع عليه النقاب وما بدا من النقاب محجر أيضا يقول هن خيرات كريمات يتلون القرآن وليس بإماء سود ذوات حمر يسقنها.
(1/276)

وأنشد أبو محمد بيتاً للنجاشي قبله:
ونصر وسعد فاستغاث شريدها ... إلى الصليان الجون والعلجان
بواديمان ينبت الشث صدره ... وأسفله بالمرخ والشبهان
الباء من قوله بواد متعلقة باستغاث والشثّ شجر طيب الريح مر الطعم ينبت في جبال الغور وتهامة قال الشاعر يصف النساء:
فمنهن مثل الشتّ تعجب ريحه ... وفي غيبه مر المذاقة والطعم
والصليان والعلجان ضربان من النبت والجون الأسود ونصر وسعد قبيلتان وفرارها من فر منها وانهزم لجأ إلى هذه الأماكن وصدره أعلاه والمرخ أقدح العفار بالمرخ ثم اشدد إن شئت أو ارخ وقال الأعشى:
زنادك خير زناد الملوك ... صادف منهن مرخ عفارا
والشبهان الثمام أو نبت يشبه الثمام لغة يمانية يقول في حرب صفين.
قال أبو محمد وقال الأعشى:
ضمنت برزق عيالنا أرماحنا ... ملء المراجل والصريح الأجردا
وقبله:
جعل الآلة طعامنا في مالنا ... رزقاً تضمنه لنا لن ينفدا
يريد أنهم فرسان ذوو نجدة يكثرون الغزو فرزقهم مما تفيء عليهم رماحم وقوله ملء المراجل تبيين لقوله برزق عيالنا ونصبه على البدل من موضع الباء أي ضمنت ملء المراجل وهي القدور الواحد مرجل واشتقاقه من الرجل وهي القطعة من الجراد لأنها تطبخ فيه والصريح الأجرد اللبن الخالص أخذ من النخلة الجرداء وهي التي لا ليف عليها والمعنى أنهم يغزون فينغمون الإبل فيشربون ألبانها ويأكلون لحومها.
(1/277)

وانشد ابو محمد بيت امرئ القيس:
فقلت يمين الله ابرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
فلما تنازعنا الحديث واسمحت ... هصرت بغصن ذي شماريخ ميال
نصب يمين الله بإسقاط حرف القسم الحلف بيمين الله فلما حذف الباء نصب الاسم وأراد فقلت والله لا أبرح فحذف لا ولا تحذف من جواب القسم كثيرا قال الله تعالى قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف والوصل كل عظم على حد لا يكسر ولا يوصل به غيره وهو الكسر والجدل وقوله فلما تنازعنا الحديث أي تجاذبنا وأسمحت لانت وانقادت بعد صعوبة وهصرت جذبت ومدت عصنا أي عنقا شبه عنقها وشعرها بغصن ذي شماريخ وميال يميل من كثرته.
وأنشد أبو محمد قولا الراجز
نضرب بالسيف ونرجو بالفرج
أي نقاتل ونأمل من الله النصر. قال أبو محمد وقال حميد بن ثور:
سقى السرحة المحلال بالبهرة التي ... بها الشرى دجن دائم وبروق
بأبطح راب كل عام يمده ... على الحول عراض الغمام دفوق
أبى الله إلا أن سرحة مالك ... على كل أفنان العضاه تروق
السرحة شجرة من شجر العضاه قال بعضهم السرحة هنا بأرض بني هلال وهي مبدأ من مبادئهم ومنزل من منازلهم وليست بها سرحة أضخم منها والمبدأ ما تباعد منها من الماء وكنى بها عن امرأة والعرب تكنى بالسرحة عن المرأة قال:
فيا سرحة الركبان ظلك بارد ... وماؤك عذب لا يحل لشارب
والمحلال الذي يختار للنزول والبهرة أرض لينة سهلة واسعة والشرى شجر الحنظل ولا ينبت إلا بأطيب الأرض ويروى بها السرح والدجن الباس
(1/278)

الغيم السماء ويقال هو الغيم ويقال المطر، وقيل ظلمة الليل وظلمة الغيم وهو أحسن الأقوال والأبطح موضع فيه رمل وحصى صغار تنبسط على وجه الأرض ويقال الأبطح ما تطامن من الأرض مثل بطن الوادي وقوله سرحة مالك يعني امرأة مالك والرابي المشرف على الحول يريد رأس كل حول والعراض سحاب كثير البرق والاضطراب لا يكاد يخلف والأفنان الأغصان والعضاه كل شجر من شجر البر له شوك وتروق تفضل وإنما جعل أفنانها تفضل أفنان العضاه لأن العضاه لها شوك والسرحة لا شوك لها ولذلك سميت سرحة لسهولتها ولأن منبتها أسهل. ويقال أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما نهى الشعراء أن يشببوا بالنساء قال حميد بن ثور هذه الأبيات:
فهل أنا أن عللت نفسي بسرحة ... من السرح موجود عليّ طريق

إدخال الصفات وإخراجها
قال أبو محمد واستجبتك واستجبت لك قال:
وداع دعايا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب
فقلت ادع أخرى وارفع الصوت دعوة ... لعل أبا المغوار منك قريب
قوله فلم يستجبه أي لم يجبه وأبو المغوار كنية أخيه يعني أنه كان يجيب من دعاه إلى الجود ولم يكن من يجيب من دعا إليه سواه.
قال أبو محمد اخترت الرجال زيدا واخترت من الرجال زيدا وأنشد:
أستغفر الله ذنباً لست محصيه ... ربّ العباد إليه الوجه والعمل
لست محصيه الإحصاء منتهى العدد واشتقاقه من الحصى وأصله أنهم كانوا يضعون المعدود على الأرض فإذا نفذ قالوا أحصينا أي بلغنا الحصى ثم قيل أحصيت الشيء إذا عددته وقوله إليه الوجه والعمل أي القصد والعمل أي وله العمل أي العبادة قال أبو محمد قال عنترة:
أن المنية لو تمثل مثلت ... مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل
ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل
قوله أن المنية لو تمثل معناه لو كانت المنية صورت لكانت في صورتي
(1/279)

ومثالي عند النزال والضنك الضيق والطوى الجوع وقوله وأظله يريد أنه أصبح على الجوع يقال ظل يفعل كذا إذا فعله نهارا وبات يفعل كذا إذا فعله ليلا يعرض بقيس بن زهير لأنه كان أكولا وكانت عبس غزت بني تميم وعليها قيس بن من عبس فهزمت بنو عبس بني تميم فوقف عنترة ولحقتهم كتيبة من الخيل فحامى عنترة عن الناس فلم يصب منهم أحد وكان قيس رئيسهم فساءه ما صنع عنترة يومئذ حتى قال حين رجع والله ما حمى الناس إلا ابن السوداء:

أبنية الأسماء
قال أبو محمد ما له عندي قدر ولا قدر وأنشد للفرزدق:
وما صب رجلي في حديد مجاشع ... مع القدر إلا حاجة لي أريدها
يقول كان حبسي قد قدره الله علي وكان لي فيه مع ذلك حاجة ولم يكن لي منه بد وقيل قاله لما قيد نفسه وآلى أن لا يرفع عنه القيد حتى يحفظ القرآن. قال أبو محمد طريق يبس ويبسٌ وأنشد لعلقمة بن عبدة:
وقاتل من غسان أهل حفاظها ... وهنب وقاش قاتلت وشبيب
تخشخش أبدان الحديد عليهم ... كما خشخشت يبس الحصاد جنوب
يريد أهل غسان قال الأصمعي غسان ماء بنوا به ويروى ما صعت أي قاتلت والمماصعة المضاربة بالسيوف وهنب بن أهوذ بن بهراء بن عمرو ابن الحاف بن قضاعة وقاش وشبيب ابنا دريم بن القين بن أهوذ وقوله يخشخش أراد بتخشخش أي تصوت وأبدان الحديد الدروع والجواشن وما يجري مجراها شبه بالسلاح على لا بسيه بيبس الكلأ إذا هبت الريح عليه فهزته واحتك بعضه ببعض فجاء له صوت واليبس اليابس واليبس الاسم والحصاد الحصيد من الزرع.
(1/280)

قال أبو محمد وهو اللغو واللغا، وأنشد للعجاج بيتا قبله:
ورب أسراب حجيج كظم ... عن اللغا ورفث التكلم
أقسم برب أسراب حجيج والأسراب الجماعات الواحدة سرب وهي القطعة من الناس وغيرهم والحجيج جماعة الحاج كالكليب والكظم جمع كاظم وهو الساكت واللغو واللغا اختلاط الكلام وما كان غير معقود عليه والرفث كلام النساء بالجماع.

ومن باب فعل وفعلٍ من معتله
قال أبو محمد غير وغارة وأنشد لأبي ذؤيب الهذلي عجز بيت قبله:
لنا صرم ينحرن في كل شتوة ... إذا ما سماء الناس قل قطارها
وسود من الصيد أن فيها مذانب ... نضار إذا لم نستفدها نعارها
لهن نشيج بالنشيل كأنها ... ضرائر حرمى تفاحش غارها
الصرم جمع صرمة وهي القطعة من الإبل ليست بعظيمة ما بين العشرة إلى العشرين ومن الناس ما بين الخمسة إلى العشرين والقطار جمع قطر يقول إذا اشتد البرد وقل القطرنحرنا للأضياف والفقراء والسود القدور والصيدان والبصريون يكسرون الصاد والمذنب المغارف ونضار أي من أثل يقول إذا لم نشترها استعرناها قال السكري والنضار بالكسر الذهب والفضة واحدها نضر وأراد بالنشيج صوت غليانها والنشيل اللحم والحرمى رجل منسوب إلى الحرم على غير قياس وتفاحش عظم شبه أصوات غليان القدور بأصوات هؤلاء الضرائر إذا اختصمن.
ومن باب فُعْل وفُعُلُ
قال أبو محمد يقولون قد علم ذاك أي علم وأنشد لأبي النجم بيتا قبله:
كأنما في نشرها إذا نشر ... فغمة روضات تردين الزّهر
(1/281)

هيجها نضج من الطل سحر ... وهزت الريح الندى حتى قطر
لو عصر منه البان والمسك انعصر النشر الريح الطيبة والفغمة الرائحة تملأ الخياشيم يقال منه فغمتني رائحة الطيب إذا سدت خياشيمك وتردين لبسن والزهر من النور الأصفر والنضج الرش وهزت حركت يصف المرأة بكثرة الطيب يقول لو عصر منها الطيب لانعصر شبه ريح المرأة بريح الروضة وقيل بل الضمير منها يعود إلى الروضة أي المسك ينعصر من الروضة.
قال أبو محمد وإذا جاء الفعل على فعل لم يخففوه نحو ضرب وأكل وقتل لأنهم لا يستثقلون الفتحة وقد قال الأخطل:
وما كل مغبون وإن سلف صفقة ... براجع ما قد فاته برداد
أصل الغبن في اللغة ثني الشيء من دلو أو ثوب لينقص من طوله فالغبن في الشراء نقصان الحظ أو نقصان العقل ونظر الحسن إلى رجل غبن آخر في بيع فقال إن هذا يغبن عقلك قال أحمد بن يحيى أي ينقصه وسلف صفقة الصفق في البيع والبيعة ضرب اليد على اليد والرداد أن يرد كل واحد على صاحبه ما أخذ منه.

ومن باب ما جاء على مفعل فيه لغتان مفعلٌ ومفعلٌ
قال أبو محمد قال أكثرهم موحلٌ وقال بعضهم موحلٌ وأنشد للمتنخل الهذلي:
فأصبح العين ركودا على ال أوشاز أن يرسخن في الموحل
العين بقر الوحش وركود سكون ثوابت على الأوشاز مخافة الغرق من هذا السيل والوحل والأوشاز جمع وشز كالإنسان وهو ما ارتفع من الأرض والركود القيام جمع راكد وهو الساكن الثابت يقال بات فلان راكدا أي قائما يصلي منتصبا وصف قبل هذا البيت غثاء ملأ الأودية وقلع الشجر حتى التجأت الوحش خوفا من أن ينالها إلى الأماكن المرتفعة لئلا ترسخ في الوحل وصف المطر بالكثرة.

ومن باب أَفْعلَ وَفَعِل
قال أبو محمد وأوجل ووجل وأنشد:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول
(1/282)

هذا الشعر لمعن بن أوس يقوله لصديق له كان معن متزوجا بأخته فأتفق إنه طلقها وتزوج غيرها فآلى أخوها ألا يكلمه فقال معن أبياتاً أولها هذا البيت يستعطفه وبعد هذا البيت:
وإني أخوك الدائم العهد لم أخن ... أن أبزاك خصم أو نبابك منزل
أحارب من حاربت من ذي عداوة ... وأحبس مالي أن غرمت فأعقل
وإن سؤتني يوماً صفحت إلى غد ... ليعقب يوماً منك آخر مقبل
فلا تغضبن قد تستعار ظغينة ... وترسل أخرى كل ذلك يفعل
إذا انصرمت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل
لعمرك رفع بالابتداء وخبره محذوف لكثرة الاستعمال ولأنه معلوم وتقديره لعمرك قسمي وأوجل أي خائف ولا فعلاء له يقال رجل أوجل ولا يقال امرأة وجلاء استغنوا عنه بوجلة ويروى تغدو وتعدو وأول مبني على الضم لقطعه عن الإضافة كقبل وبعد وموضع على أينا نصب على أنه مفعول أدرى والمعنى وبقائك ما أدري أينا يكون المقدم في عدو الموت عليه وقوله أن أبزاك أي قهرك وألقى حركة الهمزة من أبزا على النون وحذف الهمزة ونبا المنزل إذا ارتفع فلم يستقر عليه وقوله وإن سؤتني يوما يقول أن فعلت ما يسوءني تجاوزت إلى غد ليجيء يوم آخر مقبل منك بما يسرني. قال أبو محمد وأشنع وشنع قال أبو ذؤيب:
والدهر لا يبقي على حدثانه ... مستشعر حلق الحديد مقنع
بينا تعتقه الكماة وروغه ... يوما اتيح له جريء سلفع
يتناهبان المجد كل واثق ... ببلائه واليوم يوم أشنع
قوله مستشعر فارس جعل الدرع له شعاراً يلبسه وقوله بينا تعتقه كان الأصمعي يرويه بينا تعتقه بالجر ويقول بينا تضاف إلى المصادر خاصة والنحويون يخالفونه ويقولون بينا وبينما عبارتان عن الحين مبهمتان تضافان إلى الجمل التي بينهما فيرفعون ما بعدهما بالابتداء والخبر محذوف ويروون بينا تعتقه بالرفع بالابتداء والخبر محذوف تقديره بينا تعتقه الكماة حاصل أي موجود أتيح أي قدر له فارس جريء المقدم والسلفع الجريء الصدر والأشنع الكرية ويتناهبان المجد يجعلانه بينهما نهبى ويروى متحاميين المجد أي كل واحد منهما يحمي المجد لنفسه يطلب الذكر به ونصبه على الحال.
(1/283)

ومن فعيل وفاعل
قال أبو محمد وعريف وعارف وأنشد عجز بيت لطريف بن عمرو بن تميم العنبري:
أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إليّ عريفهم يتوسم
فتوسموني غنني أنا ذاكم ... شاكي السلاح في الحوادث معلم
قال ابن حبيب كانت سوق عكاظ يتوافون بها من كل أوب ولا يتوافى بها أحد إلا تبرقع وأعتم على برقعه خشية أن يؤسر فيكثر فداؤه فكان أول عربي استفتح ذلك وكشف القناع طريف بن عمرو بن تميم العنبري لما رآهم يتطلعون في وجهه ويتفرسون في شمائله قال قبح الله من وطن نفسه على الأسر وأنشأ يقول أوكلما الأبيات وعكاظ قريبة من عرفات وهي من أعظم أشواق العرب وكانت تقوم في النصف من ذي القعدة فلا يبرحون حتى يروا هلال ذي الحجة فإذا رأوا هلال ذي الحجة انقشعت وقوله يتوسم أي يتعرف وشاكي السلاح الذي لسلاحه شوكة أي حد وهو من الشوك ثم يقلب والمعلم الذي يجعل لنفسه في الحرب علامة يعرف بها وأعلم حمزة رضي الله عنه بريشة نعامة. وأنشد أبو محمد شاهدا على غارق قول أبي النجم: من بين مقتول وطاف غارق ومعناه بين:

ومن باب فعْل وفعيل
قال أبو محمد وسمج وسميج قال أبو ذؤيب
فإن تصرمي حبلى وإن تتبدلي ... خليلا ومنهم صالح وسميج
فإني صبرت النفس بعد ابن عنبس ... وقد لج من ماء الشؤون لجوج
قوله فإن تصرمي حبلى أي تقطعي وصلي والصرم القطع وسميج ليس عنده خير ويروى فإن تعرضي عني وقوله فإني صبرت النفس الفاء وما بعدها جواب الشرط وقوله في البيت المتقدم ومنهم صالح وسميج اعتراض وقع بين الشرط وجوابه وصبرت النفس حبستها عن الجزع وابن عنبس رجل رثاه
(1/284)

والشؤون جمع شأن وهي شعب الرأس التي بين العظام فزعم الناس أن الدموع تخرج منها حتى تصير إلى العين واللجوج اسم مثل السعوط والوجور وأراد لج دمع لجوج.

ومن باب ما يكسر ويفتح
قال أبو محمد وهي الأرزبة التي يضرب بها بالتشديد فإذا قلتها يالميم خففت فقلت مرزبة وأنشد بيتاً قبله:
معي حسام كالشهاب المستعر ... به ضربت كل صنديد اشر
ضربك بالمرزبة العود النخر
الحسام السيف القاطع والحسم القطع والشهاب الشعلة من النار ساطعة والمستعر المتوقد والصنديد الشجاع والأشر البطر والمرزبة شبه عصية من حديد والنخر البالي.
قال أبو محمد وهو عشر الشيء فإن فتحت العين قلت عشير فزدت ياء وكذلك ثمين وأنشد:
فما صار لي في القسم ألا ثمينها
الشعر ليزيد ابن الطثرية يصف امرأة لها سبعة أخدان هو ثامنهم وأوله:
أرى سبعة يسعون للوصل كلهم ... له عند ليلى دينة يستدينها
فأرسلت سهمي وسهطم حين أوخشوا ... فما صار لي في القسم إلا ثمينها
وكنت عزوف النفس أكر أن يرى ... لي الشرك من ورهاء طوع قرينها
الدينة الدين يستدنيها يطلبها وكان له عندها دين أيضا فاجتمعوا كلهم في المطالبة لها فما حصل بيده إلا الثمين لأن شركاءه سبعة أنفس وهو الثامن والدين الذي لهم هو حظ لكل واحد منهم مما يناله من الاستمتاع بها وأوخشوا خلطوا وقيل دخل بعضهم في بعض والعزوف الذي يصرف نفسه عن الشيء الذي يضع منه ولا يحسن به فعله وكره أن يكون له شركاء في هذه المرأة
(1/285)

والطوع المنقاد ويجوز أن يعني بقرينها نفسها يقال للنفس قرين وقرون وقرينة وقرونة يريد أن نفسها تطاوع كل من دعاها إلى وصله ويجوز أن يكون الطوع مصدر فعل لم يسم فاعله ويقوم قرينها مقام الفاعل ويكون القرين بمعنى الخليل والمعنى أن هذه المرأة مطاع صديقها أي هي التي تطيعه ويكون معنى الكلام قد دل على الفاعل المحذوف أنه هي.
قال أبو محمد وقال الراجز:
لم يغذها مدولا نصيف
هو سلمة بن الأكوع كان النبي صلى الله عليه وسلم في مسير فقال لسلمة بن الأكوع أنزل هات من هناتك فنزل سلمة يرتجز ويقول:
لم يغذها مد ولا نصيف ... ولا تميرات ولا تعجيف
لكن غذاها اللبن الخريف ... المحض والقارص والصريف
فلما سمعته الأنصار يذكر التميرات والمد والنصيف علموا أنه يعرض بهم فاستنزلوا كعب بن مالك فقالوا يا كعب أنزل فأجبه فنزل كعب يرتجز ويقول:
لم يغذها مد ولا نصيف ... ولا تميرات ولا تعجيف
لكن غذاها حنظل نقيف ... ومذقة كطرة الخنيف
تنبت بين الزرب والكنيف
فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اركبا اركبا " مخافة أن يجري بينهما شيء. يصف جارية بالنعمة وأنها بدوية لم تنشأ بالقرى يعرض بالأنصار والمد مكيال معروف والتميرات تصغير تمرات وهو جمع قلة يقول ليست تسكن الأمصار فيكون غذاؤها القليل من التمر والبر ويروى لبن الخريف لأنه أدسم وأغلظ من سائر الألبان والمحض من اللبن الذي لم يشب بماء حلواً كان أو حامضا والقارص الذي حمض والصريف من اللبن الحار حين ينصرف به عن الضرع والتعجيف تقليل الطعم حتى يعجف صاحبه أي يهزل ويحتمل أن يكون أراد بالتعجيف اليابس والحشف من التمر والحنظل النقيف المنقوف يقال نقفت الحنظل إذا كسرته حتى تستخرج الهبيد وهو حبه وكانت قريش
(1/286)

وثقيف تستخرج بالطبخ بعد أن تعالج حتى تذهب فعرض لهم بذلك معيرا كما قال الشاعر:
لم يعللن بالمغافير والصم غ ولا تقف حنظل الخيطان
والمذقة الشربة من اللبن الممزوجة بالماء والخنيف ثوب كتان أردأ ما يكون منه وطرة الثوب قالوا جانبه الذي لا هدب له وقال بعضهم طرة الثوب موضع هدبه وشبه المذقة بها لأن اللبن إذا مزج بالماء يضرب لونه إلى الزرقة وطرة الخنيف كذلك ليست بناصعة البياض والزرب حظيرة من غصنة تعمل للغنم والكنيف الحظيرة يريد أن تلك المذقة تدر عما تعلفه الإبل في الزروب والكنف ولا تدر عن الكلأ وذلك أن مكة ليس بها رعي يسام فيه المال لأنه واد غير ذي زرع.
قال أبو محمد ويقال أحاد وثناء وثلاث ورباع كل ذلك لا ينصرف ولم نسمع فيما جاوز ذلك شيئاً على هذا البناء غير قول الكميت: خصالا عشارا هذا البيت في قصيدة له يمدح بها أبان بن الوليد وقبله:
رجوك ولم تتكامل سنوك ... عشرا ولا نبت فيك انغارا
لأدنى خسا أو زكا من سنيك ... إلى أربع فبقوك انتظارا
ولم يستريثوك حتى رميت فوق الرجالا خصالا عشارا يقول تبينوا فيك السؤدد لسنة أو سنتين من مولدك فرجو أن تكون كبيرا مطاعاً رفيع الذكر ولم تبلغ عشر سنين وقوله ولا نبت فيك اتغارا أي اتغرت ولم تنبت اسنانك بعد وقوله لأدنى خسا أو زكا فالخسا الفرد والزكا الزوج وخسا وزكاينون ولا ينون والمعنى أنهم رجوك أن تكون كذلك لأقل ما يعبر عنه بخسا وزكا وهو سنة أو سنتان إلى أن صار لك أربع سنين فظهر للناس ما دلهم على ما رجوه منك وتفرسوه عند كمال سنك وقوله فبقوك أي انتظروك يقال
(1/287)

بقوت الشيء انتظرته ومنه يقال للمؤذنين بقاة لأنهم ينتظرون أوقات الصلوات وانتظارا منصوب ببقوك لأنه في معنى انتظروك انتظارا ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار فعل من لفظ المصدر لأنه لما قال فبقوك فكأنه قال وانتظروك انتظارا حتى رميت أي زدت على الرجال الكاملين خصالا عشر. وقول ابن قتيبة " ولم نسمع فيما جاوز رباع شيئا غير قول الكميت " فإنه قد روى لنا يحيى بن علي عن هلال بن المحسن عن ابن الجراح عن ابن الجراح عن ابن الأنباري عن أبيه عن الرستمي عن ابن السكيت أنه قال، قال أبو عمرو يقال احاد وثناء وثلاث ورباع وخماس وكذلك إلى العشرة. وأنشد أبو محمد لصخر بن عمرو السلمى.
ولقد قتلتكم ثناء وموحدا ... وتركت مرة مثل أمس الدابر
كذا روي لما عنه والذي روي في شعر صخر مثل أمس المدبر والأبيات غير مؤسسة وقبله:
ولقد دفعت إلى دريد طعنة ... نجلاء تزغل مثل عط المنخر
يعني دريد بن الصمة والنجلاء الواسعة وتزغل ترمي الدم دفعا دفعا والعط الشق شبه سعة الطعنة بسعة شق المنخر والمدبر المولي يقال دبر النهار وأدبر إذا ولى ويروى لزيد بن عمرو الكلابي أبيات مؤسسة منها كامس الدابر وهي:
أعقرتم جملي برحلي قائما ... ورميتم جاري بسهم ناقر
فإذا ركبتم فالبسوا أدراعكم ... إن الرماح بصيرة بالحاسر
إذ تظلمون وتأكلون صديقكم ... فالظلم تارككم بجاث عاثر
إني ساقتلكم ثناء وموحداً ... وتركت ناصركم كأمس الدابر
وسبب هذه الأبيات أن رجلا أتى يزيد فقال إني أريد الخروج إلى مكان كذا وغنيّ بطريقي فقال يزيد هذا جملي فاركبه فإن غنيا والد وجملي يعرف فركب الأسدي الجمل فمر بالغنويين فخرجوا وعقروا البعير فرجع إلى يزيد فأخبره فقال هذه الأبيات الناقر من السهام الذي يصيب القرطاس ويتعلق به والحاسر الذي لا درع عليه والجاثي البارك على ركبتيه والعاثر الكابي. قال أبو محمد ويقال مثنى كما قيل موحد ولا ينون لأنه معدول وأنشد لساعدة بن جؤيّه بيتا قبله:
(1/288)

ولو أنه إذ كان ما حمّ واقعا ... بجانب من يحفي ومن يتودد
ولكنما أهلي بواد أنيسه ... ذئاب تبغي الناس مثنى وموحد
حمّ قدر يقول لو كان هذا الذي لا بد أن يصيبني بجانب من يحفى بي ومن يتودد أي من يودني لكان أهون لما بي ولكنه إلى جانب من لا يودني ولا مالي بي والتحفي الكرامة والترفق ويقال معناه لو كان ما أراد أن يصيبني صابني بجانب أهلي ولكنما أصابني وأنا ناءٍ وأهلي بواد ليس به أنيس هم مع لسباع والوحش في بلد قفر وتبغي تطلب ومثنى وموحد صفة لقوله ذئاب مثنى وموحد.
" ومما يقال بالياء والواو " قال أبو محمد وفلان مرضيّ ومرضوّ وأنشد:
ما أنا بالجافي ولا المجفى
هو من جفا يجفو وإنما أتى به بالياء لأنه بناه على جفى فانقلبت الواو ياء للكسرة قبلها وبنى مفعولا عليه يصف نفسه بحسن الخلق والكرم يحب الناس ويحبونه قال أبو محمد وقال آخر:
أنا الليث معديا عليه وعاديا
الشعر لعبد يغوث بن وقاص الحارثي وقبله:
وتضحك مني شيخة عبشمية ... كأن لم ترى قبلي أسيراً يمانيا
وقد علمت عرسي مليكة إنني ... أنا الليث معديا عليه وعاديا
ويروى كهلة يقال شيخ وشيخة وكهل وكهلة ورجل ورجلة عبشمية من بني عبد شمس يعني امرأة الأهتم الذي كان مأسوراً عنده فجعلت تضحك منه وقوله كأن لم ترى خاطبها بعدما أخبر عنها وعرسه امرأته ويقع على الرجل أيضا يقال هو عرسها وهي عرسه يقول قد علمت امرأتي إني كالليث غالبا ومغلوبا وكانت تيم الرباب أسرته يوم الكلاب الثاني وروى بعضهم لحنظلة بن فاتك:
تسائلني ماذا تكون بداهتي ... أنا الليث معديا عليه وعاديا
والبداهة الفجاءة.
(1/289)

وفي باب ماجاء فيه ثلاث لغات من بنات الثلاثة
قال أبو محمد وهذا َفم وُفم وفم وكان الأصمعي يروي:
اذا تقلص الشفتان عن وضح الفم
البيت لعنترة وأوله:
ولقد حفظت وصاة عمي بالضحى
اذ تقلص الوصاة الوصية وبالضحى أي في وقت الضحى وتقلص ترتفع وفي الحرب ترتفع الشفة من الإنسان حتى يرى كأنه يتبسم.

ومن باب ما جاء فيه أربع لغات من بنات الثلاثة
قال أبو محمد العفو والعفو والعفو والعفا ولد الحمار وأنشد:
وطعن كتشهاق العفا همّ بالنهق
الشعر لأبي الطمحان القيني واسمه حنظلة بن شرقي يمدح عمرو بن عمرو بن عدس في وقعة أوقعها ببني ملقط الطائيين وقبله:
فما انفك حتى لم يدع بين هامه ... وبين سلامي فرسن مخه تنقي
بضرب يزيل الهام عن سكناته ... وطعن كتشهاق العفا همّ بالنهق
السلامى عظام الفرسن تنقي يكون فيها نقي وهو المخ وسكناته مستقرة الذي يجب ان يكون فيه يريد أن الضرب أزال الرؤوس عن مواضعها والتشهاق مصدر شهق شهيقا وتشهاقا شبه سعة الطعنة وفتحها بفتح فم الجحش إذا شهق وفمه يتسع عند الشهيق والشهيق قبل النهيق.

وفي باب معاني أبنية الأسماء ألفاظ من الغريب غير مفسرة ذكرت تفسيرها
الحبط من الدواب الذي يأكل فيكثر حتى ينتفخ لذلك بطنه والحبج الإبل الذي أكل العرفج فيشتكي لذلك بطنه واللوي الذي يشتكي جوفه
(1/290)

واللوى وجع في الجوف واللقس الشره واللقس أيضاً السيء الخلق الخبيث النفس الفحاش الضبس قال بعضهم هو في لغة تميم الخب وفي لغة قيس الداهية وقيل الضبس الملح على غريمه ولحج في الشيء نشب فيه فهو لحج.
ومن الألوان الأقهب الأبيض يعلو بياضه حمرة والأصدأ الذي يخالط شقرته سواد والخصيف الذي فيه لونان سواد وبياض. ومن العيوب الأشتر الذي انقلب جفن عينه الأسفل وقال أبو زيد الشتر انقلاب الجفن من أسفل وأعلى والآدر العظيم الخصيين والشلل فساد اليد والرجل أشل والثول كالجنون رجل اثول وامرأة ثولاء والشيب سمي بذلك لاختلاط سواد شعر الرأس واللحية ببياضهما من قولهم شبت الشيء بالشيء إذا خلطته به وكذلك الشمط سمي شمطا لاختلاط الشعر الأسود بالأبيض وكل شيئين خلطهما فقد شمطهما وهما شميط ومنه سمي الصباح شميطا لاختلاطه بسواد الليل والرجل اشمط والمرأة شمطاء ويقال رجل أشيب ولا يقال امرأة شيباء إلا في قولهم باتت بليلة شيباء للهدى إذا لم تفتض في ليلة زفافها والرسح خفة العجز رجل أرسح وامرأة رسحاء والأميل الذي لا يثبت على السرج والأميل أيضا الذي لا سيف معه من الصاد والصيد وهو داء يأخذ الإبل في رؤوسها فيلوي أحدها رأسه. ومن الأدواء القلاب داء يشتكي البعير منه قلبه فيموت من يومه والخمال ظلع يكون في قوائم البعير والنحاز داء يصيب الإبل في رئاتها تسعل منه والدكاع داء يأخذ الإبل في صدورها والخيل والسهام تغير الوجه من حر الشمس والسواف مرض المال وهلاكه والخراط إسراع البعير في السير. ومن الوسوم العلاط كي اوسمة تكون في مقدم العنق عرضا والخباط سمة بالفخذين والعراض حديدة تؤثر بها أخفاف الإبل لتعرف بها آثارها والجناب سمة في الجنب والكشاح سمة في أسفل الضلوع الهباب صوت التيس إذا أراد السفاد والصراف شهوة الكلبة للسفاد.

ومن باب شواذ الأبنية
قال أبو محمد قال لي أبو حاتم سمعت الأخفش يقول جاء على فعل حرف واحد وهو الدئل قال وهي دويبة صغيرة
(1/291)

تشبه ابن عرس قال وأنشدني الأخفش:
جاؤا بجيش لو قيس معرسه ... ما كان إلا كمعرس الدّئل
الشعر لكعب بن مالك الأنصاري وبعده:
عار من النسل والثراء ومن ... أبطال أهل البطحاء والأسل
وسبب ذلك أن أبا سفيان نذر بعد نذر ألا يمس رأسه ماء حتى يغزو محمدا فخرج في مائتي راكب من قريش نحو المدينة فبعث رجالا من قريش إلى المدينة فوجوداً رجلين في حرث فقتلوهما ثم انصرفوا راجعين ونذر بهم الناس فخرج رسول الله صلة عليه وسلم في طلبهم حتى بلغ قرقرة الكدر ثم انصرف راجعا فرأوا من مزاود القوم ما قد طرحوها في الجوف يتخففون منها للنجاء وقد كان أبو سفيان قال وهو يتجهز من مكة إلى المدينة أبياتا يحرض بها قريشا أولها:
كروا على يثرب وجمعهم ... فإن ما جمعوا لكم نفل
فرد عليه كعب رحمه الله قوله بأبيات منها البيتان اللذان تقدم ذكرهما معرسه موضع تعريسه والتعريس النزول من آخر الليل وصف الجيش بالقلة والحقارة يقول لو قدر مكانهم عند تعريسهم كان كمكان هذه الدابة عند تعريسها وقوله قيس قدر قست الشيء بالشيء إذا قدرته به والنسل الولد وقد تناسل بنو فلان إذا كثر أولادهم والثراء الكثرة وأهل البطحاء من قريش الذين ينزلون الشعب بين جبلي مكة وهم قريش البطاح وقريش الظواهر الذين ينزلون خارج الشعب وقريش البطاح أكرم من قريش الظواهر والأسل الرماح.
قال أبو محمد قال سيبويه ولا يعرف في الكلام أفعلاء إلا أرمداء وهو الرماد العظيم وأنشد:
لم يبق هذا الدهر من آيائه ... غير أثافيه وأرمدائه
هكذا أنشده أبو محمد عن سيبويه يروى أثريائه وقد روى غيره هذه الأبيات على غير ما رواها وهي.
(1/292)

لم يبق هذا الدهر من آياتها ... غير أثافيها وارمداتها
فالعين من عرفان بيناتها ... تهمع من مجرى مدامعاتها
فعلى هذا الإنشاد لا شاهد فيه لأن أرمدت جمع أرمدة وأرمدة جمع رماد فهو جمع الجمع وكذلك مدامعات جمع مدامع ومدامع جمع مدمع وهو موضع الدمع وصف منزلا درس لما ارتحل أهله عنه يقول لم يبق من رسومه ومعالمه ألا الأثافي وهي الأحجار التي تنصب عليها القدر الواحدة أثفية والثرياء الثرى وهو التراب الندي ومن روى من آيائه فهو أي والآي جمع آية وهي العلامة يقول لم يبق مما يعرف به هذا المنزل إلا موقد ناره ويقال أن الرماد يبقى ألف سنة.
قال أبو محمد وليس في الكلام مفعل قال الكسائي قد جاء حرفان نادران لا يقاس عليهما وهو قول الشاعر:
وهو إذا ما هز للتقدم ... ليوم روع أو فعال مكرم
يصف رجلا بالشجاعة والجود يقول إذا ما هز في يوم فزع ليتقدم تقدم وقاتل وكذلك إن هز في يوم عطاء وجود أعطى وجاد. وقال الآخر:
بثين الزمي إلا أنّ لا أن لزمته ... على كثرة الواشين أي معون
بثين ترخيم بثينة يريد يا بثينة وبثينة تصغير بثنة ومعناها في اللغة الزبدة والبثنة أيضا الرملة اللينة والبثنة النعمة في النعمة يقول ردي على الواشين قولهم وإذا سألوك فقولي لا فانهم إذا عرفوا منك ذلك انصرفوا عنك وتركوك فيكون لزوم لا عونا لك عليهم.
قال أبو محمد قد جاء فعلول في حرف واحد نادر قالوا بنو صعفوق لخول باليمامة قال العجاج:
هافهوذا فقد رجا الناس الغير ... من أخذهم على يديك والثؤر
من آل صعفوق واتباع آخر
قوله فهو ذا أي الأمر هو الذي ذكرته من مدحي لعمر بن عبد الله بن معمر التيمي ورجا الناس أن يتغير أمرهم من فساد إلى صلاح ومن شر إلى خير بإمارتك ونظرك في أمورهم ودفع ما دهمهم من أمر الخوارج والثؤر جمع
(1/293)

ثؤرة وهي الثأر أي آملون أن يثأر بمن قتلت الخوارج من المسلمسن وآل صعفوق من الخوارج وأشياعهم أتباعهم ويقال لبني صعفوق الصعافقة وصعفوق لا ينصرف لأنه أعجمي وقد تكلمت به العرب مفتوح الأول.
قال أبو محمد قال سيبويه قد جاء فعلاء بفتح العين في الأسماء دون الصفات قالوا قرماء وجنفاء وهما مكانان وأنشد:
رحلت إليك من جنفاء حتى ... أنخت فناء بيتك بالمطالي
وأنشد: كأن حوافر النحام لما تروح صحبتي أصلا محار
على قر ماء عالية شواه ... كأن بياض غرته خمار
المطالي قال أبو علي واحدها مطلاء زعموا قال وهذا في الأماكن مثل قولهم محلال والمطالي إلى جنب النباج وقال غيره إنما أراد المطلاء فجمعها بما حولها وهو واد في بلاد بني أبي بكر بن كلاب. وقول الآخر كأن حوافر النحام هو سليك بن السلكة السعدى والنحام اسم فرسه وكان فرسه مات في هذا الموضع وانتفخ فشخصت قوائمه أي ارتفعت فشبهها بالمحار وهي الصدف وشبه غرته بالخمار ويروى عالية شواه وهما مبتدأ وخبر ويروى عاليه شواه وشواه قوائمه.
قال أبو محمد وقال سيبويه قد جاء فعلاء في حرف واحد وهو صفة قالوا للأمة ثأداء بتسكين الهمزة وثأداء بفتحها وأنشد للكميت:
وما كنا بني ثأداء لما ... شفينا بالأسنة كل وتر
أي لم نكن هجناء أولاد أماء وأولاد الإماء يعيرون أمهاتهم يقول لو كنا بني أماء لما شفينا نفوسنا ولا أدركنا ثأرنا من أعدائنا والوتر الذحل.
قال أبو محمد قال سيبويه وهبلع وهو صفة قال وأنشد غيره:
فشحا جحا فله جراف هبلع
البيت لجرير وأوله:
وضع الخزير فقيل أين مجاشع ... فشحا جحا فله جراف هبلع
الخزير أن يقطع اللحم صغارا وتغلى بماء كثير فإذا نضج ذر عليه
(1/294)

الدقيق وقيل هو الحساء من الدسم والدقيق وبنو مجاشع يعيرون الخزيرة فشحا أي يفتح فمه والجحفلة من الفرس بمنزلة الشفة من الإنسان فاستعارها هنا لمجاشع تقبيحا والجراف الكثير الأكل والهبلع الشديد البلع.
قال أبو محمد ولم يأت على فعلان إلا حرف واحد قال:
ألا يا ديار الحي بالسبعان
الشعر لابن مقبل تميم بن أبي وعجز البيت:
أمل عليها بالبلى الملوان
السبعان جبل في قبل فلح والملوان الليل والنهار ولا يفرد واحد منهما يريد أن الليل والنهار أملا عليها أسباب البلى فزاد الباء كما قال لا يقرأن بالسور وهو من أمللت الكتاب أمله وخاطبها ثم خرج من خطابها إلى الأخبار عن الغائب وقيل يجوز أن يكون أمل عليها من قولك أمللت الرجل إذا أضجرته وأكثرت عليه مما يؤذيه كأن الليل والنهار أملاها بكثرة ما فعلا بها من البلى.
قال أبو محمد ولم يأت فيعل إلا في المعتل نحو سيد وميت غير حرف واحد جاء نادراً قال رؤبة:
ما بال عيني كالشعيب العيّن
الشعيب المزادة وهي في الأصل صفة غالبة فعيل في معنى مفعول والعين التي فيها عيون فهي تسيل وهم يشبهون خروج الدمع من العين بخروج الماء من خرز المزادة كما قال كأنهما مزادتا متعجل يعني عينيه يروى العين والعين بالفتح والكسر.

شرح ما في شواذ الأبنية من الأمثلة الغريبة
قال أبو محمد قال سيبويه ليس في الكلام فعل إلا حرفان في الأسماء إبل والحبر وهو القلح في الأسنان وحرف في الصفة قالوا امرأة بلز وهي الضخمة قال ابن قتيبة وقد جاء حرف آخر وهو إيل. قلت وقد جاء في
(1/295)

الصفات أتان إبد وهي المتوحشة وقيل التي تلد كل عام ورويت عن ابن دريد إنه قال دبس ودبس فهذا في الأسماء. قال أبو محمد قال سيبويه ليس في الكلام فعل وصف الأحرف واحد من المعتل يوصف به الجميع وذلك قولك قوم عدي قال ابن قتيبة وقال غيره قد جاء مكان سوى أي عدل بين الموضعين قلت وقد جاء غير ذلك قال الله تعالى " دينا قيما " وقالوا لحم زيم وهو المتعضل المتفرق ومنازل زيم أي متفرقة ومال خير أي كثير وزيم أيضا اسم فرس الأخنس بن شهاب قال فيها:
هذا أوان الشد فاشتدي زيم
ومثل بمغفور ومغثور ومغمور واحد المغافير وهي شيء ينضجه العرفط حلو كالناطف وله رائحة كريهة تشبه رائحة الثوم. الهذلول الخفيف والبعكوك الرهج والغبار والمرّيق العصفر والجرجار نبت والدهداه صغار الإبل والصلصال الطين اليابس الذي يصل من يبسه أي يصوت يقال قرب حقحاق وهقهاق وقهقاه إذا كان شديدا صعبا والحملاق ما يظهر من العين إذا فتح الرجل عينه وقنطار قيل ألف دينار وقيل ملء مسك ثور ذهبا وشملال ناقة سريعة والسرداح الناقة الطويلة وجمعها سرداح والسرداح الناقة الكثيرة اللحم والسرداح أماكن تنبت النجمة والنصى قال:
عليك سرداح من السرادح ... ذا عجلة وذا نصي واضح
هلباج رجل ضخم فدم والهلباج والهلباجة الأحمق الأصمعي الهلباج أخثر اللبن فأما قولهم بهماه وسعلاه فإن الألف فيهما ليست لتأنيث لأنه لا يجتمع في اسم علامتان للتأنيث وكذلك رجل عزهاه وهو الذي لا يحب اللهو والغزل. الضيزى القسمة الجائرة قلعم وهو اسم. هبلع الشديد البلع والمسيطر المتعهد للشيء المسلط عليه والمهيمن الشاهد والمؤيمن وأصله مؤيمن وسبى طيبة إذا لم يكن عن غدر ولا نقض عهد والأبلم خوص المقل وإمدان منقع ماء والأربيان ضرب من السمك ويوم أرونان صعب شديد وعجين انبجان إذا انتفخ وعظم. قال ولم يأت على فعاليل الأحرف واحد قالوا ماء سخاخين ليس وزن سخاخين فعاليل وإنما وزنه فعاليل لأن العين تكررت ولم تتكرر اللام وألنجج افنعل العود الذي يكتحل منه يقال ألنجج ويلنجج
(1/296)

ويلنجوج وألنجوج ورجا ندد وهو الشديد الخصومة والسيراء ضرب من البرود فيه خطوط كالسيور خفيق الناقة السريعة مأخوذ من خفقان الريح.

شواذ التصريف
قال أبو محمد من ذلك قولهم إني لتيه بالغدايا والعشايا فجمعوا الغداة غدايا وأنشد:
هتاك أخبية ولاج أبوبة ... يخلط بالجد منه البر واللينا
الخباء جمعه أخبية وكذا جمع فعال في القلة كفراش وأفرشة وكساء واكسية وباب جمعه أبواب على أفعال كقولهم مال وأموال وقاع وأقواع فغيره عن أفعال إلى فعلة لتقدم أخبية والمعنى أن هذا الممدوح يغير على أعدائه فيستبيحهم ويهتك بيوتهم يقتلعها من مواضعها ويسبي نساءهم وهو شريف رفيع القدر إذا قصد الملوك ولج أبوابهم ولم يحجب لعزه ومحله ووصفه أنه يجد في موضع الجد ويلين في موضع اللين.
قال أبو محمد وقال آخر هو منظور بن مرثد الأسدي:
هل تعرف الدار بأعلى ذي القور ... قد درست غير رماد مكفور
مكتئب اللون مروح ممطور ... أزمان عيناء سرور المسرور
عيناء حوراء من العين الحير
وهو الجبل الصغير أي هل تعرف الدار بأعلى المكان ذي القور وقد درست وذهبت معالمها الأرمادا مكفورا وهو الذي سفت عليه الريح التراب فغطاه ومكتئب اللون يضرب لونه إلى السواد كلون وجه الكئيب والمروح الذي أصابته الريح والممطور الذي أصابه المطر وعيناء امرأة وهي مبتدأ وسرور المسرور خبره وأزمان مضاف إلى الجملة والمعنى هل تعرف الدار في الزمان الذي كانت فيه هذه المرأة تسر من رآها لحسنها وحوراء أي حوراء العين والحور بياض بياض العين في شدة سواد سوادها والعين جمع عيناء وهي
(1/297)

البقرة شبهها بها والحير أراد الحور جمع حوراء كسرت حاؤه فانقلبت واوه ياء وراوه غيره من العين الحور.
وأنشد أبو محمد شاهدا على أرض مسنية ومسنوة قول الراجز:
ما أنا بالجافي ولا المجفى
وقد مضى تفسيره وتفسير البيت الذي بعده وهو:
أنا الليث معدوا علي وعاديا وأنشد أبو محمد على التلقاء بيتا للراعي:
أملت خيرك هل تأتي مواعده ... فاليوم قصر عن تلقائك الأمل
مواعد جمع موعد يقول رجوت خيرك هل تصدق فيه مواعيدك فقد عجز الأمل حين لقيتك أي خاب.
وأنشد أبو محمد:
مكتئب اللون مروح ممطور
وقد مضى تفسيره.
وأنشد أبو محمد:
وماء قدور في القصاع مشيب
البيت للسليك ابن السلكة السعدى وأوله: سيكفيك ضرب القوم لحم معرض وماء قدور ويروى مشوب يخاطب صاحباً له كان اسمه صرد وكان معه في غزوة يقول سيكفيك اللبن الحامض الذي كنت تشربه واللحم المعرض بالضاد معجمة وهو الذي لم يتم تضجه مثل المضهب والملهوج وإنما لم ينضجوه لعجلتهم لأنهم غزاة وقيل في المعرض إنه الكثير ويروى معرص الصاد غير معجمة وهو الذي قد أخذ في التغير وقد ردت الرواية الأولى فقيل
(1/298)

هي تصحيف ويروى مغرض بالغين والضاد المعجمتين وهو الطري.
وأنشد أبو محمد قال أنشد الكسائي فيما جاء بالواو:
ويأوي إلى زغب مساكين دونهم ... فلا لا تخطاه الرفاق مهوب
الشعر لحميد بن ثور وهو في صفة قطاة والإنشاد الصحيح:
غدت لم تباعد في السماء ودونها ... إذا نظرت أهوية وصبوب
فجاءت وما جاء القطاثم قلصت ... لمسكنها والواردات تنوب
وتأوي إلى زغب مساكين دونها ... فلا لا تخطاه الرفاق مهوب
قوله لم تباعد أي لم تحلق في السماء فيكون أبطأ لها ولم تسف إلى الأرض فيكون أضعف لها ولكنها أخذت وسطا من ذلك فارتفعت عن الأسفاف وانخفضت عن التحليق وقوله ودونها إذا نظرت أهوية وصبوب يقول لم ترتفع فتكون إذا نظرت إلى الأرض فكأنها تنظر إلى أهوية وهي البئر وصبوب منصب الماء في الأرض ومنحدره قوله فجاءت وما جاء القطا يقول جاءت هذه القطاة وما جاء القطا بعد لأنها تبادر ألأولادها أن تعطش وقوله لمسكنها أي لفراخها التي في عشها وتنوب تجيء ناب للورد جاء للشرب وقوله وتأوي أي تنضم إلى زغب يعني فراخها الزغب ما يكون على الفرخ من الريش قبل ان يقصب ومساكين أي هي صغار لا تطير والرفاق جمع رفقة وهم الذين ينهضون في سفر يسيرون معاً وينزلون معاً لا يفترقون ومهوب يهاب.
أخبر أن هذه الفلاة مخوفة لا تتخطى من هولها ويروى:
تبادر أطفالا مساكين دونها ... ملاً ما تخطاه العيون رغيب
الأطفال أفراخها والملا الصحراء ما تخطاه العيون أي لا تدرك العيون أقصاه ولا تقطعه والتخطي أن ترفع بصرك إلى أقصى شيء تراه وتدع ما دونه ورغيب واسع والذي روى لنا عن ابن قتيبة دونهم بالميم والصواب دونها لأن الهاء والميم تختص بمن يعقل.
قال أبو محمد قال سيبويه ومما جاء على أصله:
وصاليات ككما يؤثفين
(1/299)

وقد فسر. قال أبو محمد وقول الآخر:
كرات غلام في كساء مؤرنب
هو من بيت لليلى الأخيلية وقبله:
إذا افترت ضرب الجناحين عاقبت ... على شزنيها منكباً بعد منكب
فلما أحسا جرسها وتضوّرا ... وآبتهما من ذلك المتأوب
تدلت إلى حص الرؤوس كأنها ... كرات غلام في كساء مؤرنب
أي إذا المنكب ومرة على هذا المنكب وفترت أعيت وجرسها صوتها وتضوّرا يعني فرخيها أي تحركا وآبتهما رجعت إليهما مساء من ذلك المكان ويروي:
إذا ما احسا رزها وتضوعا
الرز الصوت وتضوعا تحركا وقوله حص الرؤوس فراخ لا ريش عليها وكرات جمع كرة شبه رؤوس الفراخ بكرات في لطفها واستدارتها والمؤرنب المنسوج من مسوك الأرانب.
قال أبو محمد وأغضى الليل فهو غاض ومغض وأنشد بيتاً لرؤبة قبله:
يقطع أجواز الفلا انقضاضى ... بالعيس فوق الشرك الرفاض
كأنما ينضحن بالخضخاض ... يخرجن من أجواز ليل غاض
نضو قداح النابل النواضي
الأجواز جمع جوز وهو الوسط والانقضاض من قولهم انقض الطائر انقضاضا إذا هوى في طيرانه ليسقط على شيء والعيس الإبل البيض الذكر أعيس والأنثى عيساء والشرك أخاديد الطريق الواحدة شركة والرفاض المتفرقة يمينا وشمالا كأنما ينضحن أي يعرقن بالخضخاض وهو القطران الرقيق شبه عرق الإبل به وعرقها أسود ويخرجن يعني الإبل والغاضي المظلم ويروى من أجواف والنضو الخروج شبه خروجها من الليل بخروج القداح من الرمية. وانشد أبو محمد بيتاً للعجاج قبله:
(1/300)

ومنهل معرد بالنهال ... دفن وطام ماؤه كالجريال
يكشف عن جماته دلو الدال ... عباية غثراء من أجن طال
المنهل المشرب والتعريد ترك القصد وسرعة الذهاب والنهال جمع ناهل ويكون العطشان والريان والدفن الركية والجميع دفان والطامي الماء المرتفع والجريال صبغ أحمر شبه ماءه والجمات جمع جمة وجمة البئر اجتماع مائها والدالي الجاذب للدلو من البئر ليخرجها ويقال الدالي معناه صاحب الدلو كاللابن والتامر والعباية الكساء والغثراء كالغبراء ويعني بالعباية ما على الماء من الغلفق لأنه لا يورد والأجن المتغير طال عليه طلاء وهو ما ألبسه.
قال أبو محمد ولا يقال مفعل في شيء من هذا إلا في حرف واحد قال عنترة:
ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم
الباء في قوله بمنزلة متعلقة بمصدر محذوف لأنه لما قال نزلت دل على النزول والمعنى لقد نزلت مني بمنزلة مثل منزلة المحب فلا تظني غيره والهاء في غيره يحتمل أن يكون ضمير ما قال وما قال بمعنى القول هو مصدر وفي الكلام حذف وهو حذف المفعول الثاني من الظنّ كأنه قال فلا تظني غيره حقا أي غير قولي حقاً ويجوز أن تكون الهاء في غير ضمير الحب أي لا تظني غير حبك في قلبي وحذف المفعول الثاني والمحب جاء على أحب والأكثر في الكلام محبوب.
وقال أبو محمد وقال أبو عبيدة في قول الشاعر:
فقلت لها فيئي إليك فإنني ... حرام وإني بعد ذاك لبيب
فيئي إليك أي ارجعي إلى نفسك وقوله حرام أي محرم ولبيب أراد ملب بالحج ويجوز أن يكون قوله إليك نائباً مناب الأمر فكأنه قال ارجعي ارجعي.

ومما يحتاج إلى معرفته من هذا الباب
قال أبو محمد وقالوا مذروان والأصل مذريان. والمذروان فرعا الأليتين يقول قائل كيف قال والأصل مذريان وهو من الواو من ذرايذرو فالأصل الواو
(1/301)

فكيف جعل ابن قتيبة الأصل الياء فالقول أن كل مقصور على أربعة أحرف فتثنيته بالياء سواء كان من الواو أو الياء فلزيادة الحرف الرابع بني بالياء لأنها أخف من الواو فأراد ابن قتيبة بالأصل ما استعملته العرب ولم يرد أصل الكلمة وكذلك قولهم عقلته بثنايين بياء غير مهموزة لأنه لا يفرد واحدة فيقال ثناء وذلك أن الواو والياء متى وقعتا طرفاً بعد ألف زائدة همزتا فإذا ثني مثل هذا بقيت همزته بحالها فقيل في تثنية كساء كساءان ورداء رداءان فأما قولهم عقلته بثنايين غير مهموز فإن همزته تحصنت من حيث أنه لم يفرد واحدة فتتطرف ياؤه ولو تطرفت لاستحقت الهمزة بأن يقال ثناء فيقال ثناءان ومعنى عقلته بثنايين أن تشديديه بطرفي حبل فهو حبل واحد تشد بأحد طرفيه يد البعير وبالطرف الآخر اليد الأخرى واتفق البصريون والكوفيون على إلا يهمزوه ويقال لذلك الحبل الثناية وخطئى الليث في تجويز همزه. وقال في قولهم حل حبيته إنما غيروا واوها لأن الفعل الثلاثي إذا كانت لامه واواً والحقتنه بالرباعي قلبت واوه ياء لخفة الفتحة فتقول في غزا يغزو ودنا يدنو أغزيت وأدنيت وألهيت ولا تقل أغزوت وكذلك ما أشبهه.
قال أبو محمد قال الفراء وجاء التبيان مكسور الأول وهو مصدر بينت قال ولا يكون التفعال إلا اسما موضوعا. أعلم أن ما جاء على هذا المثال فهو على ضربين اسم ومصدر فأما المصادر فتجيء على تفعال بفتح التاء نحو التهيام والتهدار والتلعاب والترداد وهكذا سائر المصادر التي على هذا المثال ولم يأت منها شيء على تفعال بكسر التاء إلا التلقاء والتبيان وهما في القرآن والتنضال من المناضلة منهم من يجعله اسما وكذلك قولهم جاء بالتيفاق الهلاك منهم من يجعله مصدرا ومنهم من يجعله اسما وأما الأسماء فجاءت على تفعال بكسر
التاء وهي التنبال القصير ورجل تيتاء أي عذيوط وهو الذي يحدث عند الجماع وتبراك موضع وتعشار موضع وتقصار قلادة قصيرة في العنق وتيغار حب مقطوع وتمراج برج صغير للحمام وتمساح دابة تكون في الماء ورجل تمساح أي كذاب وتمتان واحد التماتين وهي خيوط يضرب بها الفسطاط ورجل تكلام كثير الكلام وتلقام كثير اللقم وتلعاب كثير اللعب وتمثال واحد التماثيل وتجفاف الفرس معروف وترباع موضع وترعام اسم شاعر وترياق في معنى درياق وطرياق فهذه الاسماء التي جاءت على
(1/302)

تفعال أملاها الشيخ أبو زكريا عن أبي العلاء.
قال أبو محمد ومن المشاذ قولهم للرجل حيوة وللقط ضيون. وجه شذوذه أنه كان يجب أن يكون حية وضين لأن الواو والياء إذا اجتمعتا وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وادغمت الياء في الياء وهذا عقد من عقود التصريف وهذا يدل على أن الياء أخف من الواو. وعر طليل صفة العنق الغليظ. مأجج موضع ومهدد اسم امرأة وكان القياس أن تدغما فيقال ماج ومهد كمرد ومفر لكنهما ملحقان بجعفر ولو أدغما لذهب لفظ أفعل ولد الضأن الصغير والأنثى إمرة ورجل إمرٌ أحمق وهو الضعيف من الرجال وإمع وإمعه التابع الذي لا رأي له. هيّج رجل ضخم وفحل هيج وهو المنتفخ قال أبو محمد كل أفعل فالاسم منه مفعل بكسر العين إلا حرفاً واحداً نادراً لا يعرف غيره قالوا أسهب في كلامه فهو مسهب. قلت وجاء حرفان آخران حكاهما غيره قالوا ألفج فهو ملفج إذا أعسر وأحصن فهو محصن إذا تزوج. والسّرّية يجوز أن يكون اشتقاقها من السر كما ذكر وهو النكاح ويجوز أن تكون فعلية من السر وهو السرور لأنها تسر مالكها ويجوز أن تكون فعلية من السرور مثل علية من العلو لأن مالكها يشتريها أي يختارها يقال اشتريت الشيء أي اخترته ويجوز أن تكون فعلية من السراة وهو الظهر لأنها مركب كما قال الشاعر:
ما إن أرى وركوب الخيل يعجبني ... كمركب بين دملوج وخلخال
ولا يراد ركوب الظهر ولكن لما كانت مركباً وكان الظهر موضع الركوب من الدواب اشتق اسمها منه.

ومن باب ما جمعه وواحده سواء
أنشد أبو محمد على أن قناً قد يجمع أقنّة بياً لجرير قبله
إن سليطاً في الخسار أنه ... أولاد قوم خلقوا أقنّة
(1/303)

أراد بن رياح بن يربوع وكرر أن توكيدا أراد أنه في الخسار وقوله أولاد قوم أي أولاد هذه القبيلة خلقوا خلق العبيد كقولهم للذي قدره قدر العبيد هو العبد زلمة والعبد القن الذي ملك هو وأبواه.

ومن أبنية نعوت المؤنث
قال أبو محمد وقال العجاج وذكر ريحا:
حدواء جاءت من جبال الطور
وصف قبله مركباً في قوله:
لأياً يثانيه عن الحؤور ... جذب الصراريين بالكرور
إذ نفخت في جله المشجور ... حدواء جاءت من جبال الطور
يصف مركباً من مراكب البحر شبه سرعة حمله بسرعة مره لأيا بعد بطء يثانيه يثنيه والحؤور مصدر حار يعني أنه عظيم والكرور جمع كر وهو حبل الشراع ويروى عن الجؤور مصدر جار يجور أي بعد بطء يقيمه على الطريق وواحد الصراريين صراري وهم الملاحون وجذب فاعل يثانيه ونفخت هبت وقوله في جله الجل الشراع والمشجور الذي يجعل فيه عود لئلا يرجع والحدواء الريح الشمال لأنها تحدو السحاب ومن جبال الطور أي الشام.
قال أبو محمد وقال امرؤ القيس:
ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحري وتدر
الديمة المطر تدوم مع سكون وأقل وقت الديمة ثلث يوم والهطلاء المتتابعة القطر في تفرق وعظم وطبق الأرض أي تعم بمطرها الأرض وتحري تعمد وتدر تمطر. قال أبو محمد " وعلامات التأنيث تكون آخراً بعد كمال الاسم إلا كلتا فإن التاء وهي علامة التأنيث جعلت قبل آخر الاسم " قلت ليست التاء في كلتا للتانيث وإنما الألف للتأنيث والتاء فيها منقلبة عن واو وهي لام الفعل ووزنها فعلى وأصلها كلوى وأبدلت الواو تاء كما أبدلت في تراث وتخمة والتاء تبدل من الواو كثيراً وأصل كلا كلو فهذه الواو المنقلبة ألفاً في كلا هي المنقلبة تاءً في كلتا وأما بهماة فالألف ليست للتأنيث وإنما الهاء علامة
(1/304)

التأنيث والألف قبلها زائدة لغير التأنيث إذ لا يجتمع في اسم علامتان للتأنيث.
ومما جاء فيه المصدر على غير الصدر أنشد أبو محمد للقطامي بيتا قبله:
ولكن الأديم إذا تفرى ... بلى وتعينا غلب الصناعا
ومعصية الشفيق عليك مما ... يزيدك مرة منه استماعا
وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبّعه اتباعا
تفري تشقق والتعين أن تصير فيه عيون والصناع الحاذقة بالعمل ومعصية الشفيق يقول معصيتك الذي يشفق عليك ولا تسمع منه يزيدك مرة أن تسمع منه وقوله وخير الأمر ما استقبلت منه هذا البيت يضرب مثلا في الأخذ بالحزم يقول الحزم أن لا يتهاون الإنسان بالأمور حتى إذا فاتت أخذ يتتبعها فيصلحها بل يستقبلها بالإصلاح في أول ما تأتى ومنه قولهم في المثل خذ الأمر بقوابله أي باستقباله قبل أن يدبر فيفوتك قال الأصمعي ومن هذا قولهم شر الرأي الدبريّ أي الذي يكون في آخر الأمر. وأنشد أبو محمد عجز بيت أوله:
بما لم تشكروا المعروف عندي ... وإن شئتم تعاودنا عوادا
يقول كان انحرافي عنكم وهجراني لكم لأنكم كفرتم الغحسان فإن شئتم أن أعود إلى الإحسان فعودوا إلى الشكر.
هذا آخر ما صنفه الشيخ الإمام العالم حجة الإسلام أبو منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي من شرح أدب الكاتب وما أشكل من أبياته وغريبه.
كتبه إسماعيل ولده والحمد لله وصلاته على سيدنا محمد وآله الطاهرين في سنة خمس وثلاثين وخمسمائة هجرية حامداً لله تعالى ومصلياً على محمد النبي الأمي وآله ومسلماً.
(1/305)