Advertisement

ضرائر الشعر



الكتاب: ضرائر الشِّعْر
المؤلف: علي بن مؤمن بن محمد، الحَضْرَمي الإشبيلي، أبو الحسن المعروف بابن عصفور (المتوفى: 669هـ)
المحقق: السيد إبراهيم محمد
الناشر: دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: الأولى، 1980 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
قال الشيخ الإمام الأستاذ العالم العلامة، فريد دهره، ووحيد عصره، أبو الحسن علي بن مؤمن بن عصفور الحضرمي الإشبيلي، رحمه الله:
الحمد لله ملء القلوب والضمائر، وفوق وسع الحامد والشاكر. أحمده سبحانه كما يجب لجلاله، وأصلي على سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله.
أما بعد، فإن أئمة النحويين كانوا يستدلون على ما يجوز في الكلام، بما يوجد في النظام. والاستدلال بذلك لا يصح إلا بعد معرفة الأحكام التي يختص بها الشعر، وتمييزها عن الأحكام التي يشركها فيها النثر.
أشار من الإصابة تقدم لفظته، والمهابة تخدم لحظته، معلى منار العلوم، ورافع أربابها من التخوم إلى النجوم. سيدنا ومولانا الخليفة الإمام المستنصر بالله المنصور بفضل الله أمير المؤمنين، أبو عبد الله ابن الراشدين الهادين المهتدين. إلى وضع تأليف مشتمل على أصناف الضرائر، محتو على ما يحسن للناظم دون الناثر. فوضع العبد في ذلك كتاباً صغير الحجم، حاصراً لضروب الأحكام المختصة بالنظم، وحين أحزر غاية تمامه، وأبرز ثمره من كمامه. أناله من بركتهم، ما يرفعه إلى حضرتهم. أبقاها الله كعبة للقاضي والداني، وغاية الآمال والأماني، وجعل تراب أرضها رثماً في الشفاه، غرراً في الجباه. بمنه وكرمه.
(1/11)

ذكر ما يحتمله الشعر
أعلم أن الشعر لما كان كلاماً موزوناً يخرجه الزيادة فيه والنقص منه عن صحة الوزن، ويحيله عن طريق الشعر، أجازت العرب (فيه) ما لا يجوز في الكلام، اضطروا إلى ذلك أو لم يضطروا إليه، لأنه موضع ألفت فيه الضرائر.
دليل ذلك قوله:
كم بجود مقرف نال العُلي ... وكريمٍ بخُله قد وضَعه
في رواية من خفض (مقرفا). ألا ترى أنه فصل بين (كم) وما أضيفت إليه بالمجرور، والفصل بينهما من قبيل ما يختص بجوازه الشعر، مع أنه لم يضطر إلى ذلك، إذ يزول عن الفصل بينهما برفع مقرف أو نصبه.
وألحقوا الكلام المسجوع في ذلك بالشعر، لما كانت ضرورة في النثر أيضاً هي ضرورة النظم. دليل ذلك قولهم: (شهر ثري، وشهر ترى، وشهر
(1/13)

مرعى)، فحذفوا التنوين من (ثرى) ومن (مرعى) اتباعاً لقولهم ترى، لأنه فعل فلم ينون لذلك.
وكذلك قالوا: الضيح والريح، فأبدلوا الحاء ياء اتباعاً للريح، والأصل الضح. حكى ذلك الخليل وأبو حنيفة الدينوري.
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ارجعن مأزورات غير مأجورات). والأصل موزورات، لأنه من الوزر، فأبدلوا الواو ألفاً اتباعاً لمأجورات.
وقد جاء مثل ذلك أيضاً في فواصل القرآن لتتفق. قال الله تعالى: (فأضلونا السبيلا)، وقال سبحانه: (وتظنون بالله الظنونا). فزيادة الألف في (الظنونا) والسبيلا) بمنزلة الألف في الشعر على جهة الإطلاق.
(1/14)

ولكن السجع يجري مجرى الشعر ساغ لأبي محمد الحريري أن يقول: (فألفيت فيها أبا زيد السروجي يتقلب في قوالب الانتساب، ويخبط في أساليب الاكتساب).
فأشبع الكسرة في قواليب اتباعاً لأساليب.
(1/15)

ذكر أنواع الضرائر
اعلم أنها منحصرة في: الزيادة، والنقص، والتأخير، والبدل.

فصل الزيادة
وهي منحصرة في: زيادة حركة، وزيادة حرف، وزيادة كلمة، وزيادة جملة. فأما زيادة الحركة فنحو قول رؤبة:
وقاتمِ الأعماقِ ... خاوي المخترق
مشتبه الأعلامِ ... لماع الخَفَق
(1/17)

يريد: الخفق، فحرك الفاء لما اضطر إلى حركتها بالفتح، اتباعاً لحركة الخاء. ومثل ذلك قوله:
صوادق العقبِ ... مهاذيب الوَلَق
يريد: الولق، وقول زهير:
ثم استمروا وقالوا إن منزلكم ... ماء بشرقي سلمى فيد أوركك
وإنما اسم الماء رك، وقوله أيضاً في هذه القصيدة:
كما استغاث بسيئ فز غيطلة ... خاف العيون فلم ينظر به الحشك
يريد: الحشك، وهو امتلاء الضرع: حشك يحشك حشكا، وقول الهذلي:
(1/18)

إذا تجرد نوح قامتا معه ... ضرياً أليماً بسبت يلعج الجلدا
وقول طرفة:
أيها الفتيان في مجلسنا ... جردوا منها وراداً وشُقُر
يريد: شقرا، فحرك القاف بحركة الشين ووقف على المنصوب بحذف التنوين، وقول الآخر:
قضين حجا وحاجات على عجلِ ... ثم استدرن إلينا ليلة النّفرِ
يريد: النفر.
فأما قول الآخر:
تقول عِرسي إذ ... رأتني كالنَّسِرْ
أسود كالقفة محروم الصَّدر
وقول الآخر:
أنا ابن ماوية ... إذ جد النَّقُر
(1/19)

فليس من هذا النوع، إنما هو من باب إلقاء حركة الحرف الآخر على الساكن الذي قبله في الوقف. وهو جيد في الكلام والشعر.
ومن زيادة الحركة أيضاً قول قعنب ابن أم صاحب
مهلاً أعاذلَ قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوام وإن ضننوا
يريد: ضنوا، وقول الآخر:
وإن رأيت ... الحِججَ الرواددا
قواصرا بالعمر ... أو مواددا
يريد: الرواد، والمواد.
فأما قول العجاج:
يشكو الوجا ... من أظللِ وأظْلَلِ
(1/20)

وقوله:
(تعبداً لذي) ... الجلال الأجْللِ
يريد: من أظلّ، والأجلّ، و (قول) الآخر:
قد علمت ذاك ... بمنات ألْببِه
يريد: ألبه، وقول الآخر:
حتى إذا الليل ... عليه ادلهمما
وقول الآخر:
إن بني ... للئام زَهَده
ما لي من ... صدورهم من مَوْدده
يريد: مودة، فليس في شيء من ذلك زيادة حركة، بل (ردت) فيه الحركة التي كانت قبل الحرف المضعف إلى الأول من المثلين، رجوعاً إلى الأصل عند الاضطرار إلى ذلك.
(1/21)

وربما حرك الساكن بحركة غير مجانسة لحركة الحرف الذي قبله. إلا أن ذلك من الندور بحيث لا يجوز القياس عليه. أنشد أبو زيد:
علام قتل ... مسلم تعبدا
مذ سنة ... وخَمسون عددا
يريد: وخمسون.
وأما زيادة الحرف فمنها: الحاقك التنوين فيما لا ينصرف، رداً إلى أصله من الصرف، وذلك نحو قول النابغة:
فلتأتينك قصائدُ ولتدفعن ... جيشاً إليك قوادم الأكوار
وقوله:
إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائبِ
(1/22)

فصرف قصائد، وعصائب التي في آخر البيت. ونحو قول أبي كبير الهذلي
ممن حملن به وهنَّ عواقد ... حبك النطاقِ فعاش غير مُهبَّل
فصرف عواقد، ونحو قول أمية بن أبي الصلت:
فأتاها أُحَيمرُ كأخي السه ... م بِعضْبِ فقال كوني عقيرا
فصرف أحيمر، وقول امرئ القيس:
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... فقالت لك الويلات إنك مُرجلي
وقوله:
رب رام من بني ثُعَل ... مثلجُ كفيه في قتره
(1/23)

فصرف عنيزة، وثعل، وحكمه أن لا ينصرف، للعدل والتعريف، بدليل قول حاتم:
فليت شعري وليتُ غير مدركة ... بأي حال ترى أضحى بنو ثُعَلا
والبيت من قصيدته التي أولها:
مهلا نَوادر أقلي اللوم والعذلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فُعلا
وصرف ما لا ينصرف في الشعر أكثر من أن يحصى. وزعم الكسائي والفراء أنه جائز في كل ما لا ينصرف إلا أفعل منك، نحو أفضل من زيد. وزعما أن (من) هي التي منعته الصرف. وذلك باطل، بدليل أنهم صرفوا: خيراً من عمرو، وشرا من بكر، مع وجود (من) فيهما. فثبت بذلك أن المانع لصرفه كونه صفة على وزن (أفعل) بمنزلة (أحمر). فكما أن (أحمر) يجوز صرفه في الضرورة، فكذلك (أفعل من).
وذهب بعض البصريين إلى أن كل ما لا ينصرف يجوز صرفه، إلا أن يكون آخره ألفاً، فإن ذلك لا يجوز فيه، لأن صرفه لا يقام به قافية ولا يصحح به وزن.
والصحيح أن صرفه جائز لما بيناه، قبل، من أن الشعر قد يسوغ فيه
(1/24)

ما لا يسوغ في الكلام، وإن لم يضطر إلى ذلك الشاعر. وأيضاً فإن السماع قد ورد بصرف ما في آخره ألف: قال المثلم بن رياح المري:
إني مقسم ما ملكت فجاعل ... أجراً لآخرة ودنيا تنفع
رواه ابن الأعرابي بصرف دميا.
فإن قلت كيف جعلت صرف ما لا ينصرف من قبيل الضرائر، وقد زعم أبو الحسن الأخفش في الكبير له أنه سمع من العرب من يصرف في الكلام جميع ما لا ينصرف؟ وحكى الزجاجي أيضاً في نوادره مثل ذلك. فالجواب أن صرف ما
لا ينصرف في الكلام إنما هو لغة لبعض العرب. قال أبو الحسن: فكان ذلك لغة الشعراء، لأنهم قد اضطروا إليه في الشعر فصرفوه، فجرت ألسنتهم على ذلك.
وأما سائر العرب فلا يجبرون صرف شيء منه في الكلام، فلذلك جعل من قبيل ما يختص به الشعر.
ومنها: تنوين الاسم المبني للنداء، إجراء له مجراه قبل النداء. وإذا نون جاز فيه وجهان: أحدهما إبقاؤه على بنائه، والآخر نصبه رداً إلى أصله
(1/25)

من الإعراب. وذلك محو قول الأحوص:
سلام الله يا مطر عليها ... وليس عليك يا مطُر السلام
وقول لبيد:
قدَّموا إذ قيل فيسُ قدموا ... واحفظوا المجد بأطراف الأسَلْ
يريد: يا قيس، وقول الآخر:
فطر خالدُ إن كنت تستطيع طيرة ... ولا تقعن إلا وقلبك خافق
يريد: يا خالد، قول الآخر:
يا هرمُ وأنت ... أهلُ عَدْل
إن ولد الأحوص ... يوماً قَبلِ
وقول الآخر:
ضربت صدرها إليَّ وقالت ... يا عدُي لقد وقتك الأواقي
(1/26)

وقال آخر:
يا عديُ لقلبك المهتاج. . .
والنصب في جميع ذلك جائز.
ومنها: إثبات التنوين والنون في اسم الفاعل في حال اتصال الضمير به، إجراء للمضمر مجرى الظاهر أو لاسم الفاعل مجرى الفعل المضارع، نحو قول
الشاعر:
وليس بمُعْييني وفي الناس ممتع ... رفيقُ إذا أعيى على رفيق
وقوله:
وما أدري وظني كل ظن ... أمُسْلمُني إلى قومي شَراحي
وقوله:
هل الله من سَرْو الفَلاة مُريُحني ... ولمّا تَقَسّمني النهارُ الكوانسُ
كان الوجه أن يقال: بمعيي، ومريحي، ومسلمي، لولا الضرورة، ونحو قول الشاعر:
هم القائلون الخير والآمرونه ... إذا ما خشوا من مُحدثِ الأمر مُعظَما
(1/27)

وقول الآخر:
ولم يرتفق والناس مُحضرونهُ ... جميعاً وأيدي المعتفين رواهقه
كان الوجه أن يقال: محتضروه، والآمروه، لولا الضرورة.
وزعم بعضهم أن الهاء للسكت. وذلك ضعيف، لما يلزم من إدخالها على معرب، وبابه أن لا يدخل إلا على مبني، ومن تحريكها وحكمها أن تكون ساكنة، ومن إثباتها في الوصل وبابها ألا تلحق إلا في الوقف.
ومنها: تنوين الاسم العلم الموصوف بابن المضاف إلى العلم أو ما جرى مجراه رداً إلى أصله، نحو قوله:
فإن لا يكن مال يثاب فإنه ... سيأتي ثنائي (زيداً) بن مهلهل
وقوله:
جارية من قيس ... بن ثعلبة
كأنها حِلْيَةُ ... سيفِ مُذْهبه
(1/28)

فإن قال قائل: هلا جعلت ابنا وابنة بدلين مما قبلهما، لا وصفين حتى لا يكون
ثبات التنوين ضرورة. فالجواب أن ابنا وابنة إنما تأتي العرب بهما على طريق الوصف، لا على طريق البدل، بدليل أنهم لا يثبتون التنوين في قولك: قام زيد بن عمرو، وقامت هند بنت بكر، وأمثالهما، إلا في ضرورة شعر. ولو كانا بدلين لكثر تنوين مثل ذلك في الكلام.
ومنها: إلحاقهم النون الثقيلة أو الخفيفة في الفعل المضارع إذا كان منفياً، أو مقللاً، أو موجباً لم تدخل عليه لام قسم، أو جواب شرط أو فعل شرط غير مفصول بينه وبين أداة الشرط بما الزائدة، نحو قول أبي حناء الفقعسي:
يحسبه الجاهل ما ... لم يَعْلما
شيخاً على ... كرسيه معمما
يريد: يعلمن، فأبدل النون ألفاً في الوقف، وقول جذيمة الأبرش:
ربما أوفيتُ في علم ... تَرْفعنْ ثوبي شِمالاتُ
وقول ابن الخَرع:
(1/29)

فمهما تشأ منه فزارةُ تعطكم ... ومهما تشأ منه فزارة تَمنعا
وقول الآخر:
نبتم نبات الخيزراني في الثرى ... حديثاً متى ما يأتك الخير يَنْفعا
الأصل: يمنعن، وينفعن، فأبدلت النون ألفاً في الوقف، وقوله:
من تثْقَفَن منكم فليس بآئب ... أبداً وقتل بني (قتيبة) شافي
وقوله:
قليلاً به ما يحمدنك وارثُ ... إذا نال مما كنت تجمع مغنما
وقوله:
وأبوك بشر ما يفند عمره ... وإلى بلى ما يرجِعنَّ جديد
أجرى الفعل المضارع في جميع ذلك مجراه في المواضع التي تلحقه النون فيها
في فصيح الكلام.
ومنها: زيادتهم هذه النون في اسم الفاعل، أجرى في ذلك مجرى الفعل المضارع، لكونه في معناه وجارياً عليه في قوله:
(1/30)

أريت إن جئت ... به أملودا
ملففاً ويلبس ... البرودا
أقائلَنّ أحضري ... الشهودا
يريد: أتقولن، وقول الآخر:
أشاهرنّ بعدنا ... السيوفا
وأبعد من ذلك زيادتهم لها في آخر الاسم الذي ليس في المعنى الفعلي ولا جارياً عليه، تشبيهاً له بالاسم الذي هو في معناه نحو قول الراجز:
أحب منك ... موضع الوِشْحَني
وموضع الإزار ... والقَفَنَّي
فزاد نوناً مشددة في (الوشح) و (القفا)، وفتح ما قبلها، تشبيهاً بالنون المشددة في نحو (أتفعلن).
وأما قول الآخر:
كأن مجرى ... دمعها المُسْنَنَّ
قطننة من جيد ... القُطْنُنَّ
(1/31)

فأشبه ما يحمل عليه أن يكون زاد على القطن نوناً ليلحقه ببرثن، فقال: قطنن، ثم شدد النون الآخرة، على حد قول الآخر:
ببازل وجناء ... أو عَيْنهَلَّ
ويروي من جيد القطن، بتشديد النون، إلحاقاً لقطن بمثل عتل.
ومنها: إثبات الزيادة اللاحقة لـ (من) في الاستثبات في باب الحكاية وصلا،
إجراء له مجرى الوقف، وهو قليل لم يسمع منه إلا قول الشاعر:
أتوا ناري فقلتُ مَنُونَ أنتم ... فقالوا الجن قلتُ عموا ظلاما
كان الوجه أن يقول: من أنتم، إلا أن الضرورة منعته من ذلك.
ومنها: إشباع الحركة فينشأ عنها حرف من جنسها. فمن إنشاء الألف عن الفتحة قول ابن هَرمة:
فأنت من الغوائل حين ترمي ... ومن ذم الرجال بمُنْتَزاح
(1/32)

يريد بمنتزح، وقول الفرزدق:
فظلا يِخَيطان الوَراق عليهما ... بأيديهما من أكل شرَّ طعامِ
وقول الآخر أنشده الفارسي:
والأرض أورثت ... بني آداما
ما يغرُسُوها ... شجراً أياما
يريد: آدم، وقوله:
أقول إذ خرت ... على الكَلْكَال
يا ناقتي ما جُلْتِ ... من مَجَالِ
يريد الكلكل، وقوله:
أعوذ بالله من ... العَقْرابِ
الشائلاتِ عقَ ... دَ الأذنابِ
يريد العقرب، وقول الهذلي:
(1/33)

بينا تَعانُقِه الكماةَ وروغِه ... يوماً أتيح له جريء سَلْفَعُ
يريد: بين تعانقه.
وأما قول عنترة:
يَنْباعُ من ذفري غضوبِ جَسرة ... زيافة مثل الفينق المُكْدمِ
فجعله الفارسي من هذا. وقال: (أراد ينبع، فأشبع الفتحة).
وقال الأصمعي: (انباع الشجاع ينباع: إذا انخرط من بين الصفين ماضياً. وأنشد:
يطرق حلماً وأناة معاً ... ثمت ينباع انبياع الشجاع
وقد يجيء مثل هذا في الكلام شذوذا: حكى أبو علي عن أحمد بن يحيى
(1/34)

أنه سمع: جيء به من حيث وليسا (و) خذه من حيث وليسا، بإشباع حركة ليس.
وحكى الفراء: أكلت لحما شاة، ويريد لحم شاة.
ومن إشباع الواو عن الضمة قوله، أنشده الفراء:
الله يعلم أنا في تلفتنا ... يوم اللقاء إلى أحبابنا صُورُ
وأنني حيث ما يثني الهوى بصري ... من حيثما سلكوا أدنو فأنظُورُ
يريد: فأنظر، وقول الآخر، أنشده الفراء أيضاً:
لو أن عَمْراً ... هم أن يَرْقُودا
كأن في أنيابها ... القَرَنْفُولْ
يريد: القرنفل.
ومن هذا النوع يجب أن يكون قول (الوليد):
(1/35)

إني سمعت بليل ... نحو الرصافة رنة
خرجت أسحب ذيلي ... أنظور ما شأنهنه
وهو ينشد: أنظر، بغير واو، وهو كسر في البيت. قال أبو العلاء المعري: (أن طيئاً تقول أنظور في معنى أنظر).
ومن إنشاء الياء عن الكسرة قوله:
يحبك قلبي ما حييت فإن أمت ... يحبك عظم في التراب تَريبُ
يريد: تربا، اسم فاعل من ترب، وقول امرئ القيس في إحدى الروايتين:
كأني بفتخاء الجناحين لقوةِ ... دفوفِ من العُقبان طأطأت شيمالي
يريد: شمالي، وقول الفرزدق:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدنانيرِ تنقادُ الصياريِف
(1/36)

يريد الصيارف، وقول زهير:
عليهن فرسان كرام لباسهم ... سوابيغُ زغفُ لا تُخَرقها النّبل
يريد: سوابغ، ولو حذف الياء لم يضر ذلك بالبيت، وقول التغلبي:
وسواعيدَ يُخْتليْن اختلاء ... كالمَغَالي يطرن كل مطير
يريد: سواعد - زيادة الياء في جميع ذلك ضرورة، لأنها إنما تزاد في الجمع إذا كانت الياء والواو أو الألف رابعة في المفرد، نحو: قنديل، وبهلول، ودينار، أو إذا كان الآخر مضعفاً غير مدغم، نحو قردد وقراديد، كراهية التضعيف. وما عدا ذلك لا تزاد الياء في آخره إلا في شاذ من الكلام، نحو قولهم في جمع مطفل ومشدن: مطافيل ومشادين، أو في ضرورة شعر، تشبيهاً له بما جمع على غير واحدة، نحو: لمحة وملامح.
وذهب الكوفيون إلى أن ذلك جائز في كل اسم يجمع على (مفاعل) في الكلام والشعر، إلا أن يكون ما قبل الآخر ساكناً، نحو: سبطر، فإن ذلك لا يجوز، بل تقول في جمعه سباطير لا غير، لأن الإشباع لا يتصور إذ ذاك في المفرد فيبني الجمع عليه.
واستثنى الفراء موضعين آخرين سوى ذلك. أحدهما ما كان مضاعف الآخر مدغماً، نحو مرد، لم يجز فيه مراديد، لأن الحرف المضعف بمنزلة حرف واحد، فكرهوا أن يصير في الجمع اثنين بظهور التضعيف. والآخر: ما كان على وزن فاعل: زعم أنهم لا يقولون في جمعه فواعيل، وجعل السبب
(1/37)

ذلك أن برقعا قد قيل فيه برقوع، ونحو مفتح قد قيل فيه مفتاح، فحمل الجمع على ما يتحمله المفرد من الزيادة. قال: ولم يأت في فاعل فاعيل، فكفوا عن الياء في جمعه لذلك. قال: قد
حكي لنا أن العرب قالت: سوابيغ. وهو شاذ.
وأجاز زيادة الياء في ما عدا ذلك. وحكي أنهم يقولون: منكر ومناكير، وموعظة ومواعيظ، ومعذرة ومعاذير، ومخمصة ومخاميص، ومطفل ومطافيل، ومدخل ومداخيل: قال: سمعت بعض العرب تقول: وسع الله مداخيلك، ومرفق ومرافيق، وأنشد:
في فتية كسيوفِ الهِند قد حسروا ... أيدي السرابيل عن حد المرافيقِ
ودمل ودماميل، وأنشد:
ولست بمن أدعي له أن تفتحت ... عليه دماميل استه وحبونها
وجميع ذلك عند البصريين شاذ أو ضرورة.
وما اعتذر به عن امتناعهم من أن يقولوا فواعيل في جمع فاعل، مناقض لما رواه من جمع مطفل ومخمصة ومدخل ومنكر، على مطافيل ومخاميص ومداخيل ومناكير، لأنه لا يقال مفعيل ولا مفعال.
ومن هذا القبيل مد المقصور. وفيه خلاف، فأجازه الكوفيون وطائفة من البصريين، فيما ذكر ابن ولاد ومنعه أكثر البصريين. واحتجوا على منعه بأن مد المقصور لا يتصور إلا بأن يزاد في الكلمة ما ليس في أصلها، وإنما يجوز في الضرورة رد الكلمة إلى أصلها، لا إخراجها عن ذلك.
(1/38)

واحتج الكوفيون على إجازته بالسماع والقياس. أما السماع فقوله، أنشده الفراء:
قد علمت أخت ... بني السّعلاءِ
وعلمت ذاك ... مع الجراء
أن نعم مأكولا ... على الخَواءِ
يا لك من تمر ... ومن شيشاءِ
ينشب في ... المعسل واللهاءِ
فمد السعلى والخوى واللهى، وهي مقصورة، وقول طرفة:
لها كبد ملساء ذات أسرة ... وكشحان لم ينقض طواءهما الحَبل
فمد الطوى وهو مقصور، وقول الآخر، أنشده ابن الأعرابي:
يا حُسنها في ... الرّضاءِ والغَضَب
فمد الرضى وهو مقصور، وليس بمصدر راضي، نحو رامي رماء، كما ذهب إليه بعضهم، لأنه قرنه بالغضب، فدل ذاك على أنه أراد الرضى الذي هو ضد الغضب. ولو كان بمعنى المراضاة، لقرن به ضده وهو المغاضبة. وأنشد الأخفش، أيضا، في مدى الرضى، في الكبير له:
(1/39)

فرضيت عنها بالرضاء لما أتت ... من دون غضبة صعبها ويسارِ
وقول العجاج:
والمرء يبليه ... بِلاَء السربالْ
تناسخ الإهلال ... بعد الإهلال
رواه الأخفش في الكبير له بلاء السربال، بكسر الباء والمد، وقول الآخر:
سيغنيني الذي أغناك عني ... فلا فقر يدوم ولا غناء
فمد الغني، ضد الفقر: مقصور، وليس المراد به مصدر غانيته أي فاخرته بالغنى عنه. لأنه قرنه بالفقر، فدل ذلك على أنه يريد السعة في المال لا المفاخرة بالغنى عنه.
ومن هذا القبيل في أنه قد مد للضرورة، إلا أنه لم يكن أخره قبل ذلك ألفا، قول الشاعر:
فكلهمُ مستقبحٌ لصواب من ... يخالفه مستحسنٌ لخطائه
فمد الخطأ وهو مقصور، وقد قيل أن المد لغة.
بل ما هو أشذ من هذا، وهو مد المقصور في المال في حال السعة: فرا طلحة
(1/40)

بن
مصرف: (يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار)، فمد السنا الذي يراد به الضوء، وهو مقصور.
وأما القياس فإنه لا فرق بين زيادة الألف قبل الآخر في الخوى، والسعلى، واللهى، والطوى، والرضى، والغنى، فيجتمع ألفان إذ ذاك، فتنقلب الثانية همزة، وبين زيادتها قبل الآخر في: منتزح، وورق، وكلكل، وعقرب. فكما زيدت الألف قبل الآخر في هذه الأسماء وأشباهها، فلذلك (لا ينكر) زيادتها قبل آخر المقصور.
وإلى جواز مد المقصور ذهب ابن ولاد وابن خروف من المتأخرين، وزعما أن س دل على جوازه في الشعر بقوله: مدوا فقالوا منابير. قال ابن ولاد: فزيادة الألف قبل آخر المقصور كزيادة هذه الياء في الشعر،
(1/41)

(إذا) كانا جميعاً ليسا (من أصل الكلمة).
ومنها: إثبات حرف العلة في الموضع الذي يجب حذفه فيه سعة الكلام، إجراء للمعتل مجرى الصحيح، نحو قول جرير:
فيوماً يجاذبن الهوى غير ماضي ... ويوماً ترى منهن غولا تَغولُ
ونحو قول الفرزدق:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا
وقول الكميت:
خريع (دوادي) في ملعب ... تأزرُ طوراً وترخي الإزارا
(1/42)

وقول الآخر:
قد عَجبتْ مني ... ومن يُعَيْليا
لما رأتني ... خلِقاً مُقْلَوليا
كان الوجه في جميع ذلك أن يقال: غير ماض، ومولى موال، وخريع (دواد)، ومن يعيل، لولا الضرورة.
ومثل ذلك:
أبيت على معاري فاخرات ... بهن مُلوب كدم العباط
ولو أنشد على معار، لكان البيت مستقيماً، غير أنه يصير مزاحفاً، لأن الخبن على مفاعلتن من الوافر، فيسكن خامسه ويصير على مفاعلين. ويسمى هذا الزحاف العصب. فلما كره الزحاف أثبت الياء، إجراء للمعتل مجرى الصحيح. وذكر المازني أنه سمع أعرابياً ينشد:
أبيت على معارٍ فاخرات ... . . . . . . . .
(1/43)

فاحتمل قبح الزحاف لاستواء الإعراب.
ومثل ذلك أيضاً قول الآخر:
ما أن رأيت ولا أرى في مدتي ... كجواري يلعبن في الصحراء
فجمع بين ضرورتين: إحداهما إثبات الياء وتحريكها، وكان حقه أن يحذفها فيقول كجوار. والثانية أنه صرف ما لا ينصرف، وكان الوجه لما أثبت الياء، إجراء لها مجرى الحرف الصحيح، أن يمنع الصرف فيقول كجواري. ومثل ذلك قول أمية ابن أبي الصلت:
له ما رأت عينُ البصيرِ وفوقه ... سماء الإله فوق سَبْع سمائيا
ورواه ابن السراج: فوق ست سمائيا. وفيه ثلاث ضرائر إحداهما أن سماءة قياسها أن يجمع على سمايا، كخطايا، فجمعها على سمائي كالصحيح، نحو سحابة وسحائب. والثانية أنه كان حكمه أن يقول سبع سماء كجوار. والثالثة أنه جمع سماءة على سمائي، وكان حقها أن تجمع على سماء، بحذف التاء، كشمامة وشمام، لأنها من جنس المخلوقات كتمرة
(1/44)

وتمر، أو بالألف والتاء، فيقال: سماوات كشمامات.
ومثل ذلك في الفعل قوله:
ألم يأتيك والأنباءُ تَنْمي ... بما لاقت لبونُ بني زياد
وقول الآخر:
قال لها من ... تحتها وما استوى
هُزي إليك الجذع ... يَجْنيكِ الجنا
وقول الآخر:
هجوتَ زيانَ ثم جئتَ معتذراً ... مِنْ هَجو زِبانَ لم تَهْجو ولم تَدع
وقول الآخر، أنشده الكسائي:
أبا خالدِ فأكسوهما حلتيهما ... فإنكما إن تفعلا فتيان
كان الوجه في جميع ذلك أن يقال: ألم يأتك، ويجنك، ولم تهج، وفاكسهما إلا أنه أجرى المعتل مجرى الصحيح لما أضطر إلى ذلك.
(1/45)

ولا يجوز مثل ذلك في الألف عند المحققين من النحويين: لا يقال: لم تخش، ولا لم ترض. وسبب ذلك شيئان: أحدهما أن الجازم ليس له، إذ ذاك، ما يحذفه إلا الحركة المقدرة في اللف، وإذا حذفها وجب أن يرجع حرف العلة إلى أصله، فيقال: لم تخش، ولم ترض، لأن انقلاب الياء ألفاً إنما كان لتحركها وانفتاح ما قبلها. فإذا ذهبت الحركة للجزم، وجب أن يصح لذهاب الحركة منها، فلما لم يصححوها، دل ذلك على أنهم لم يحذفوا الحركة المقدرة. والآخر أن الياء والواو، لما شاع ظهور الضمة فيهما إذا أجريا مجرى الحرف الصحيح، ومن ذلك قوله:
فعوضني منها غناي ولم تكن ... تُسَاوِيْ عنزي غيرَ خَمْسة (دراهم)
حذف الجازم تلك الحركة الظاهرة، ولم يحذف حرف العلة، كما يفعل بالصحيح، والألف لا يمكن ظهور الحركة فيها، فلم يجر لذلك مجرى الحرف الصحيح.
فأما قول الشاعر:
إذا العجوز ... غضبت فطلق
ولا ترضاها ... ولا تملق
فينبغي أن يجعل فيه (لا) الداخلة على (ترضاها) نافية والواو واو حال، مثلها في: قمت وأصك عينه، فيكون المعنى، إذ ذاك فطلقها غير مترض
(1/46)

لها، ويكون قوله: (ولا تملق) جملة نهي معطوفة على جملة الأمر التي هي (طلق). ولا ينبغي أن تجعل (لا) حرف نهي، لأنها لو كانت للنهي لوجب حذف الألف من ترضاها.
وكذلك قول عبد يغوث:
وتضحكُ مني شيخةُ عبشميةُ ... كأن لم تَري قبلي أسيراً يمانياً
ينبغي أن يحمل على أن الألف من ترى بدل من الياء التي هي ضمير المخاطبة والأصل: كأن لم تري، على حد قولهم في ييأس: يائس. ويؤيد ذلك قول رواية من روى: كأن لم تري.
ومنها: رد حرف العلة المحذوف لالتقاء الساكنين، اعتداداً بتحريك الساكن الذي حذف من أجله، وإن كان تحريكه عارضاً، نحو قوله، أنشده الفراء:
ويها فداء لك ... يا فُضَاله
أجِره الرُّمُح ... ولا تَهاله
وقول الآخر:
تسائل بابن أحمر من رآه ... أعارت عينُه أم لم تعارا
(1/47)

وقول الآخر، أنشده أبو زيد:
ما كان إلا ... طلق الإهماد
وكرنا بالأغْربِ ... الجِيادِ
حتى تحاجرن ... عن الذُوّادِ
تحاجُرَ الري ... ولم تكادي
وقول الآخر:
يا حب قد أمسينا ... ولم تَنام العَيْنا
كان الوجه في جميع ذلك أن يقال: ولا تهله، ولم تعر، ولم تكد، ولم تنم العينان، إلا أنه اضطر فرد حرف العلة المحذوف واعتد بتحريك الآخر في جميع ذلك وإن كان عارضاً، ألا ترى أن الميم من قوله: (ولم تنام العينا) إنما حركت لالتقائها مع لام التعريف وهي ساكنة، وأن اللام من (تهاله)، والدال من (تكادي) إنما (حركتا لالتقائهما) مع حرف الإطلاق وهو ساكن، وأن الراء من (تعارا) إنما حركت لأجل النون الخفيفة المبدل منها الألف، والأصل: لم تعرن، ولحقت النون الخفيفة الفعل المنفي بلم، كما لحقته في قول الآخر:
يَحْسِبُه الجاهل ... ما لم يَعلما
(1/48)

ومن هذا القبيل جعل الكسائي قول امرئ القيس:
لها متنتان خظاتاكما ... أكب على ساعديه النمر
فقال: يريد خطتا، إلا أنه اعتد بحركة التاء، وإن كانت عارضة بسبب التقاء الساكنين.
وأما غيره فإنه يقول: إن أصله خظاتان، بمنزلة في قول الآخر:
ومتنانِ خَظاتان ... كزُحُلوفِ من الهَضْبِ
إلا أنه حذف النون ضرورة.
ومنها: إثبات ألف (أنا) في الوصل، إجراء له مجرى الوقف، نحو قول الأعشى:
فكيفَ أنا وانتحالي القواف ... ي بعد المشيبِ كفى ذاك عارا
وقول الآخر:
(1/49)

أنا سيفُ العشيرةِ فاعرِفوني ... حَميداً قد تذريت السّنَاما
فإن قيل: كيف يكون هذا ضرورة، ومن القراء من يقرأ: (وأنا أعلم بما أخفيتم) وما كان مثله في القرآن بإثبات الألف؟ فالجواب أن الذي قرأ بذلك وصل بنية
الوقف، كما قرأ بعضهم: (فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه)، (وما أدراك ما هية نار حامية) بإثبات هاء الوقف إلا أن الفصل بين النطقين، لقصر زمانه، خفي على السامع.
ومنها: تضعيف الآخر في الوصل، إجراء له مجرى الوقف، نحو قول ربيعة بن صبح:
هبت الريح ... بمور هبا
تترك ما أبقى ... الدبا سبسبا
كأنه السيل ... إذا اسلحبا
أو كالحريق ... وافق القصبا
والتبن والحلفاء ... فالتهبا
(1/50)

فشدد آخر (سبسب)، و (القصب)، و (التهب) في الوصل ضرورة. وكأنه شدد وهو ينوي الوقف على الباء نفسها، ثم وصل القافية بالألف، فأجتمع له ساكنان، فحرك الباء وأبقى التضعيف، لأنه لم يعتد بالحركة لكونها عارضة، بل أجرى الوصل مجرى الوقف. ومثل ذلك قول رؤبة:
ضَخْمُ يُحبّ ... الخُلقَ الأضْخَما
يريد: الأضخم، وقول الآخر:
ببازلِ وجناَء ... أو عَيهَلَّ
كأن مَهْواها ... على الكَلكلَّ
يريد: أو عيهل، وعلى الكلكل، فشدد.
ومنها: إثبات هاء السكت في حال الوصل، نحو قوله:
يا مرحباهُ ... بحمارِ ناجيه
إذا أتى قربتُه ... للسَّانِيه
وقوله:
يا مرحباهُ ... بِحمارِ عفراءْ
إذا أتى قربته ... لما شاءْ
(1/51)

من الشعير ... والحشيش والماء
قال أبو الفتح: (وهو شاذ ضعيف عند أصحابنا لا يثبتونه في الرواية ولا يحفظونه في القياس، من جهة أنه لا يخلو من أن تجري الكلمة على حد الوقف أو على حد الوصل. فإن أجراها على حد الوصل فسبيله أن يحذف الهاء وصلا، لاستغنائه عنها في الوصل بما يتبع الألف. وإن كان على حد الوقف، فقد خالف ذلك بإثباته إياها متحركة، بالكسر كانت أو بالضم، وهي في وقف بلا خلاف ساكنة. ولا يعلم هنا منزلة بين الوصل والوقف يرجع إليها وتجري هذه الكلمة عليها. فلهذا كان إثبات الهاء متحركة خطأ عندنا.
وهذا الذي أنكره قد جاء مثله، وهو قوله:
له زجل كأنه صَوْتُ حادٍ ... إذا طلب الوسيقَة أو زَميرُ
وأشباهه. ألا ترى أن قوله: (كأنه صوت حاد) ليس على حد الوقف، لأن الضمير متحرك، ولا على الوصل، لأنه غير ممطول. فهو بين الوصل والوقف. وقد أثبت هو هذا وأمثاله، ولم ينكره، فكذلك ينبغي أن لا ينكر (يا مرحباه) وأمثاله من جهة القياس، لأنه لا فرق بينهما، ألا ترى أنه أثبت الهاء الساكنة في الوصل وحكمها أن لا تكون إلا في الوقف، وحرك الهاء لالتقائها وهي ساكنة مع الألف، على حد ما يفعل بالساكنين
(1/52)

إذا اجتمعنا في حال الوصل. كما أثبت ذلك حركة الضمير، وهي لا تثبت إلا في حال الوصل. فمن حرك بالكسر فعلى أصل التحريك لالتقاء الساكنين. ومن حرك بالضم فعلى حد ما حكاه قطرب من أن بعضهم فر فحرك بالضم. ومثل ذلك قول المجنون:
فقلت إياه رباهُ أول سؤلتي ... لنفسي ليلى ثم أنت حسيبها
ومنها: قطع ألف الوصل في الدرج، إجراء لها مجراها في حال الابتداء بها. وأكثر ما يكون ذلك في أول النصف الثاني من البيت، لتقدير الوقف على الأنصاف التي هي الصدور. نحو قول حسان بن ثابت:
لتَسْمعنَّ وشيكاً في دياركم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا
وقول لبيد:
ولا يبادرُ في الشتاءِ وليدُنا ... ألقدرَ ينزلهاُ بِغَيْرِ جِعالِ
(1/53)

وقول الآخر:
أو مُذْهبُ جددُ على ألواحِهِ ... ألناطقُ المزبورُ والمختوم
ألا ترى أن همزة الوصل الداخلة لام التعريف مقطوعة في جميع ذلك، ونحو قول الآخر:
لا نسبَ اليومَ ولا خلة ... اتسع الخَرقُ على الراقع
ألا ترى أنه قطع ألف (اتسع) وهي ألف وصل.
وقد يقطع في حشو البيت. وذلك قليل، ومنه قول قيس بن الخطيم:
إذا جاوز الاثنين سرَّ فإنه ... بنثِ وتكثير الوشاةِ قمينُ
وقول جميل:
(1/54)

ألا لا أرى اثنين أحسنَ شيمةَ ... على حَدثان الدهرِ مني ومن جُملِ
وأنشد قدامة:
يا نَفسُ صبراً ... كلُّ حيَّ لاقي
وكل اثنين ... إلى افتراقِ
ألا ترى أن الألف من (اثنين) مقطوعة في جميع ذلك، وهي ألف وصل.
ومنها: زيادة حرف في الكلمة على طريق التوهم، نحو قوله:
طلبُ لعُرفِك يابن يحيى بعدما ... تَقطعت بي دونك الأسباب
زاد تاء على التوهم، وذلك أن تقطعت كثرت في كلامه، حتى ظن أنها (فعلت)، فزاد عليها التاء التي تزاد في (تفعلت)، وقوله:
إن شَكْلي وإن شكلَك شتى ... فالزمي الخُصّ (واخفضي تَبْيضّي)
كثر (تبيضي) عنده، حتى توهم أنها (تفعل)، فزاد فيها ضاداً.
(1/55)

وهذا من القلة والندور بحيث لا يقاس عليه.
فأما قول رؤبة:
أقفرت الوعساءُ ... والعَثاعثُ
من أهلها ... والبرقُ البَرارثُ
فإنه من قبيل ما يجمع على غير واحدة الملفوظ: في جمع لمحة ملامح. لأن الواحد، فيما زعم الأصمعي، برث، يقال: مكان برث، أي سهل التراب. والجمع براث.
وأما زيادة الكلمة، فمنها: الجمع بين العوض والمعوض منه، نحو قوله:
وما عليك أن ... تقولي كُلّما
سبحت أو هَللتِ ... يا اللهمَّ ما
فأدخل حرف النداء على اللهم، ولا يجوز ذلك في الكلام، لأن الميم المشددة عوض منه، والجمع بين العوض والمعوض منه لا يجوز إلا في ضرورة. ومثله قوله الآخر، أنشده الفراء:
(1/56)

إني إذا ما ... حدثُ ألمّا
أقول يا اللهم ... يا اللهما
ومنها: إدخال لام التأكيد في موضع لا تدخل فيه في سعة الكلام، نحو ما أنشده قطرب من قوله:
ألم تكن حلفْتَ ... بالله العَليّ
أنّ مطاياك لَمنْ ... خير المطيّ
فزاد اللام في خبر (أن) المفتوحة، ومثله قول الآخر، أنشده ابن دريد عن أبي عثمان المازني:
فنافسْ أبا المغْراء فيها ابن دَراعِ ... على أنه فيها لَغيرُ مُنافِس
وقول الآخر، أنشده الفراء:
(1/57)

وأعلم أن تسليماً وتركاً ... للامتشابهان ولا سَواءُ
ألا ترى أن اللام قد زيدت في البيتين في خبر (أن) المفتوحة.
وقد جاء مثل ذلك في الشاذ: قرأ ابن جبير: (إلا أنهم ليأكلونَ الطعامَ)، بفتح (أن).
ونحو قول الآخر، أنشده أبو علي:
مرُّوا عِجالاّ وقالوا كيف صاحبكم ... قال الذي سألوا أمسى لَمجْهودا
فزاد اللام في خبر (أمسى)، وقول الآخر، أنشده ابن الأعرابي:
ثُمّتَ يَعْدُوا لَكأن ... لم يَشعُر
رِخْوَ الإزار رمّح ... التبختُرِ
فزاد اللام في (كأن)، وقول الآخر:
وما زلت من اسما لدن أن عرفُتها ... لكالهائم المقصي بكل بلادِ
(1/58)

فزاد اللام في خبر زال، وقول الآخر:
. . . . . . . . . ... ولكنني من حبها لَعميد
فزاد اللام في خبر لكن، وقول الآخر:
أم الحُليْس ... لَعجُوزُ شَهْربَهْ
ترضى من اللّحمْ ... بعظم الرَقَبةْ
فزاد اللام في خبر المبتدأ.
فأما ما رواه أبو الحسن الأخفش عن العرب، من قولهم: إن زيداً وجهه لحسن، فالذي سهله كون الجملة من المبتدأ والخبر في موضع خبر (إن). وهو مع ذلك ضعيف.
ومنها: زيادة (أن) و (إن) على طريق التأكيد في موضع لا تزادان فيه في فصيح الكلام.
فمن زيادة (أن) قول ابن صريم اليشكري:
ويوماً توافينا بوجهٍ مُقَسّم ... كأن ظبيةٍ تعطو إلى وارقٍ السلَم
(1/59)

وقول الآخر:
حَمُومُ الشَد شائلةُ الذنابي ... وهاديها كأن جذعِ سَحُوق
ألا ترى (أن) زيدت في البيتين بين الكاف والاسم المجرور بها، وقول الآخر:
أردت لكيما أن تطيرَ بقربتي ... فتتركها شنا ببيداء بَلقع
(أن) فيه زائدة غير عاملة، لأن (لكيما) تنصب الفعل بنفسها، ولا يجوز إدخال ناصب على ناصب.
وأما قول حسان:
فقالت أكل الناس أصبحت مانحاً ... لسانَك كيما أنْ تغُرَّ وتَخْدعاَ
(فإن) فيه ناصبة لا زائدة أظهرت للضرورة. لأن (كيما) إذا لم تدخل عليها اللام، كان الفعل بعدها منتصباً بإضمار (أن)، ولا يجوز إظهارها في فصيح الكلام.
ومن ذلك، عند بعض النحويين، دخول (أن) في خبر كاد، نحو قول رؤبة:
(1/60)

قد كَاد مِن طَولِ ... البِلى أن يَمْصَحَا
وقول الآخر:
كادت النّفْسُ أن تفيظ عليه ... إذ ثوى حَشو ريطةٍ وبُرود
والصحيح أن دخولها في خبر كاد ضرورة، إلا أنها ليست - مع ذلك - بزائدة.
لعملها النصب زائدة لا تعمل. بل هي مع الفعل الذي نصبته بتأويل مصدر، وذلك المصدر في موضع خبر كاد، على حد قولهم: (زيد إقبال وإدبار).
ومما زيدت فيه (أن)، عند بعض النحويين، في قول أبي ذؤيب:
فأجبتُها أما لجسمي أنه ... أودى بَنيَّ من البلاد فودعوا
قال: يريد: أن ما، إلا أنه أدغم. و (أن) زائدة. و (ما) موصولة بمنزلة الذي. والتقدير: فأجبتها الذي لجسمي أنه أودى بني.
ومن زيادة (إن) المكسورة الهمزة قول الشاعر، أنشده س:
ورج الفتى للخير ما إن رأيته ... على السن خيراً لا يزال يزيد
(1/61)

فزاد (أن) بعد (ما) وليست بنافية، تشبيهاً لها ب (ما) النافية. ألا ترى أن المعنى: ورج الفتى للخير مدة رؤيتك إياه لا يزال يزيد خيراً على السن، لكن لما كان لفظها كلفظ (ما) النافية زادها بعدها، كما تزاد بعد (ما) النافية في نحو قولك: ما أن قام زيد، وقول الآخر، أنشده أبو زيد:
يرجى المرءُ ما إن لا يلاقي ... وتَعْرض دون أدناه الخطوبُ
فزاد (أن) بعد (ما)، وهي اسم موصول، لشبهها باللفظ بـ (ما) النافية، وقول النابغة في إحدى الروايتين.
إلا الأواريَّ لا إنْ ما أبينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلدِ
فزاد (إن) بعد (لا) لشبهها ب (ما) من حيث كانتا للنفي. وزعم الفراء أن (لا)، و (إن)، و (ما) حروف نفي، وأن النابغة جمع بينها على طريق التأكيد.
ومنها: زيادة حرف الجر في المواضع التي لا تزاد فيها في سعة الكلام، نحو قول قيس بن زهير:
(1/62)

ألم يأتيك والأنياءُ تَنْمِي ... بما لاقَتْ لبونُ بني زِيادِ
فزاد الباء في فاعل (يأتي). ألا ترى أن المعنى: ألم يأتيك ما لاقت لبون بني
زياد، وقول النمر بن تولب:
ظَهرتْ ندامتهُ وهان بِسخطها ... شيئاً على مَربُوعها وعِذارها
التقدير: هان سخطها، وقول عمرو بن ملقط:
مهما لي الليلة مهما لِيهْ ... أودي بِنَغليَّ وسرباليه
التقدير: أودى نعلاي وسرباليه، وقول امريء القيس:
ألا هل أتاها والحوادثُ جمّةُ ... بأن امرأ القيس بن تملكَ بيقرا
التقدير: ألا هل أتاها أن امرأ القيس بن تملك بيقر، وقول الآخر:
نَضْربُ بالسيفِ ... ونرجو بالفرجْ
(1/63)

التقدير: نرجو الفرج، وقول امرئ القيس:
وكذاك لا خيرُ ولا ... شرُ على أحدٍ بدائمْ
التقدير: لا خير ولا شر على أحد دائماً، فزاد الباء في خبز (لا).
وبالجملة لا تنقاس زيادة الباء في سعة الكلام إلا في خبر (ما) وخبر (ليس) وفاعل عمرو بذاهب، وكفى بالله شهيداً، أي كفى الله، وكفى بنا حبك، وأحسن بزيد، ما أحسنه: ويلزم زيادتها في فاعل (أفعل) بمعنى ما أفعله. وما عدا هذه المواضع لا تزاد فيه الباء إلا في ضرورة أو شاذ من الكلام يحفظ ولا يقاس عليه.
ومنها: زيادة (من) على الاسم النكرة والمعرفة في الكلام الواجب، نحو قول الأسود بن يَعَفرُ:
هوى بهم من حبهم وسفاههم ... من الريح لا تمري سحاباً وقَطرا
التقدير: هوى بهم الريح، وقول الآخر:
وكأنما ينأى بجانب دفها ال ... وحشي من هزج العشي مأوم
(1/64)

والتقدير ينأى هزج العشي بجانب دفها الوحشي.
ويدل على أن (من) زائدة، و (هزج) في موضع رفع بـ (ينأى) قوله:
هرَّ جنيبُ كلما عطفت له ... غضبي اتقاها باليَدينِ وبالفمِ
فأبدل (هر)، وهو مرفوع، من (هزح).
وقول الآخر، وهو جزء بن ضرار أخو الشماخ:
أمْهرَ منها ... حيةَ ونينانْ
التقدير: أمهرها.
ومنها: زيادة الكاف، نحو قول رؤبة:
(1/65)

لواحق الأقرابِ ... فيها كالمَقق
والمقق: الطول. ألا ترى أنه إنما يقال: في الشيء طول، ولا يقال فيه كالطول.
ومنها: زيادة (علي)، نحو قول حميد بن ثور:
أبى الله إلا أن سرحةَ مالكِ ... على كل أفنانِ العضاةِ تَرُوقُ
التقدير: أفنان العضاة تروق: لا يحتاج في تعديها إلى حرف جر. وإنما يقال: راقني الشيء يروقني، أي أعجبني.
ومنها: زيادة (في)، نحو قول سويد بن أبي كاهل:
أنا أبو سعدِ ... إذا الليلُ دجا
تَخَالُ في ... سَودادهِ يَرَنْدجا
(1/66)

التقدير: تخال سواده يرندجا.
وزيادة هذه الأحرف الثلاثة، أعني (الكاف) و (على) و (في)، من القلة والندور بحيث لا يجوز القياس عليها عند أحد من النحويين.
ومنها: زيادة اللام على المفعول في حال تأخره عن الفعل العامل فيه تقوية للعمل، نحو قول ابن ميادة:
وملكت ما بين العراقِ ويثربٍ ... مُلكاْ أجارَ لمُسلمِ ومعَاهدِ
يريد: أجار مسلماً ومعاهداً، وقول الآخر:
فلما أن (توافقنا) قليلا ... أنخنا للكلاكلِ فارتمينا
يريد: أنخنا الكلاكل.
وقد يجيء ذلك في سعة الكلام، نحو قوله تعالى: (قل عسى أن يكون ردف لكم)، أي ردفكم، إلا أن ذلك لا يحسن إلا في الشعر، فلذلك أورد في الضرائر.
ومنها: زيادة (ما) بعد كاف الجر، نحو قول الأعشى:
(1/67)

كما راشدِ تجدين امرءاً ... تفكر ثم ارعوي أو نَدمْ
يريد: كراشد، وقول الكميت:
يركضن في المهمة اليَبابِ كما ... أقربِ أرضِ لها أباعِدُها
يريد: كأقرب أرض، وقوله:
وأنجيتني من موقف ذي عداوة ... كما ابنةِ زبا أو أطم وأكيدا
يريد: كابنة زبا، وقول عدي بن زيد:
كما أنتم كنا وكما ... نحن تكونون
يريد: كأنتم كنا، وكنحن تكونون.
وبعد (كما)، نحو قوله:
كما ما امرؤُ في معشر غير قومه ... ضعيفُ الكلام شَخْصهُ متضائل
يريد: كما امرؤ.
(1/68)

وبين البدل والبدل منه، نحو قوله:
وكأنه لَهقُ السراة كأنه ... ما حاجبيه معينُ بسواد
يريد: كأنه حاجبيه.
وأقل من ذلك زيادتها أول الكلام، نحو قول عبدة بن الطيب، أنشد ذلك له أبو زيد.
ما مع أنك يوم الوِرد ذو جرز ... ضخمُ الجُزارة بالسَّلمين وكّارُ
ما كنت أولَ ضبٍ صاب تلعَتَهُ ... غيثُ فأمرعَ واستخلتْ له الدار
قال أبو زيد: (ما زائدة)، يريد: مع أنك يوم الورد ذو جرز، ما كنت أول ضب صاب تلعته غيث.
ومنها: إدخال الحرف على الحرف، على جهة التأكيد لا تفاقهما في اللفظ والمعنى، أو في المعنى لا في اللفظ، نحو قول بعض بني أسد:
فلا والله لا يُلْفي لما بي ... ولا لِلما بهم أبداً دواء
فزاد على لام الجر لاماً أخرى للتأكيد، ونحو قول الآخر، أنشده الفراء:
(1/69)

فلئن قوم أصابوا غِرةُ ... وأصبنا من زمانِ رَنَقا
لَلَقد كنا لدى أزماننا ... لصنيعين لبأسٍ وتُقى
فزاد على لام لقد لاماً أخرى للتأكيد، ونحو قول الآخر:
فأصبحنَ لا يسألنه عن بِما بِه ... أصعَّد عن جَوَّ السّما أم تصوبا
فأدخل عن على (الباء) تأكيداً، لأنهم يقولون: سألت عنه، وسألت به، والمعنى واحد.
ومن هذا القبيل قول النابغة في أحد القولين:
إلا الأواري لا إن ما أبينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
فجمع بين (إن) و (ما) الزائدتين بعد (لا) النافية تأكيداً للنفي، وقول الآخر:
طعامُهمْ لئن أكلوا (معن) ... وما إنْ لا (تحاك) لهم ثياب
فجمع بين (إن) و (لا) الزائدتين بعد (ما) تأكيدا للنفي.
ومنها: زيادة الواو، والفاء، وبل، وأم.
(1/70)

فمن زيادة الواو قول أبي خراش:
لعَمْرُ أبي الطَّيْرِ المربة غدوة ... على خالدِ لقد وَقعتِ على لَحم
ولحم امرئٍ لم تَعم الطيرُ مثلهُ ... عشيةَ أمسى لا يُبين من البَكْم
يريد: لحم امرئ، وهو بدل من لحم المتقدم، إلا أنه اضطر فزاد الواو بين البدل والمبدل منه، وقول الآخر، أنشده الفراء:
فإن رشيداً وابن مروانَ لم يكن ... ليفعل حتى يُصدرِ الأمر مُصْدرا
يريد: إن رشيد بن مروان، فزاد الواو بين الصفة والموصوف، وقول الآخر:
(1/71)

ولما رأى الرحمن أن ليس فيهم ... رشيد ولا ناه أخاه عن الغَدْرِ
وَصَبَّ عليهم تغلب بنة وائل ... وكانوا عليهم مثل راغية البَكْرِ
يريد: صب عليهم، فزاد الواو في جواب (لما)، وقول الآخر:
حتى إذا قَمِلتْ بطونكم ... ورأيتم أولادكُم شَبّوا
وَقَلبْتُمُ ظهر المجن لنا ... إن اللئيم الغادر الخب
يريد: قلبتم، فزاد الواو في جواب (إذا)، وقول أبي كبير:
فإذا وذلك ليس إلا حينه ... وإذا مضى شيء كأن لم يُفْعلِ
وقول الآخر، أنشده الأخفش:
كنا ولا تعصى الحليلةُ بعلَها ... فاليوم تضربه إذا ما هو عَصَى
الواو زائدة في خبر (كان). والتقدير: (كنت قد يئست)، وكنا لا تعصى الحليلة بعلها.
(1/72)

ومن زيادة الفاء قوله:
يموتُ أناس أو يشيبُ فتاهم ... ويحدث ناس والصغير فيكبر
يريد: والصغير يكبر، وقول أبي كبير:
فرأيت ما فيه فثُمَّ رزيته ... فلبثت بعدك غير راض معمري
يريد: ثم رزيته، وقول الأسود بن يعفر:
فَلَنهشل قومي ولي في نهشل ... نسب لعمر أبيك غير غِلابِ
زاد الفاء في أول الكلام، لأن البيت أو القصيدة.
ومثل ذلك زيادة (بل) في قول العجاج:
بَلْ ما هاج أحزاناً ... وشجواً قد شجا
ألا ترى أنه زاد (بل) أول الكلام، لأن هذا البيت أول الرجز، وجعلها وإن لم ينتظمها الوزن كالفاء التي انتظمها الوزن في بيت الأسود. ولا يحفظ زيادة (بل) إلا في هذا البيت.
ومن زيادة (أم) قول الراجز، أنشده أبو زيد:
(1/73)

يا دهر أم ما ... كان مشيي رَقَصا
بَلْ قَدْ تَكُونُ ... مِشْيتي تَوَقّصا
يريد: يا دهر ما كان مشيي رقصاً، وقول الشاعر:
يا ليت شعري لا منجي من الهرم ... أم هل على العَيشِ بعد الشّيبِ من نَدم
يريد: ياليت شعري هل على العيش بعد الشيب من ندم. واعترض، بقوله: لا منجي من الهرم، بين شعري والجملة التي في موضع معموله.
وأجاز الفارسي في قوله أبي ذؤيب:
فأجبتها أما لجسمي أنه ... أودى بنيَّ من البلاد فودعوا
أن يكون الأصل في (أما): أم ما، وتكون (أم) زائدة، و (ما) بمعنى الذي.
والتقدير: فأجبتها الذي لجسمي أنه أودى.
وعلى زيادة (أم) حمل أبو زيد قوله تعالى: (أفلا تبصرون أم أنا خير) التقدير، عنده: أنا خير من هذا الذي هو مهين. ووافقه على جواز ذلك أبو بكر بن طاهر، من المتأخرين.
(1/74)

والصحيح أنها غير زائدة، لأن زيادتها قليلة، فلا ينبغي أن تحمل الآية عليها، إذ قد يمكن حملها على ما هو أحسن من ذلك. ألا ترى أنه يمكن أن تكون منقطعة،
على ما ذهب إليه س، أو متصلة، على ما ذهب إليه الأخفش. وقد بين النحويون الوجهين، فأغنى ذلك عن ذكره هنا.
ومنها: زيادة (إلا)، نحو قول الشاعر:
أرى الدهرَ إلا منجنوناّ بأهله ... وما صاحبُ الحاجات إلا مُعذبا
هكذا رواه المازني، يريد: أرى الدهر منجنوناَ بأهله. وكذلك جعلها في قول الآخر:
ما زال مذ وجفت في كل هاجرةِ ... بالأشعث الورد إلا وهو مهموم
يريد: هو مهموم، فزاد (إلا) والواو في خبر (زال)، وفي قول الآخر:
وكلهم حاشاك إلا وجدته ... كعين الكذوب جهدها واحتفالها
يريد: وكلهم حاشاك وجدته، وفي قول ذي الرمة:
حراجيج ما تنفك إلا مناخةَ ... على الخَسْف أو نَرمي بها بلداً قفرا
(1/75)

يريد: ما تنفك مناخة.
وهذه الأبيات كلها تحتمل (إلا) فيها أن تكون غير زائدة، إلا البيت الأول فإنها لا تكون فيه إلا زائدة، وذلك بأن تجعل (زال) و (تنفك) (تامتين)، وتكون (إلا) إذ ذاك داخلة على الحال.
ويقال إن ذا الرمة لما عيب عليه قوله: (ما تنفك إلا مناخة) فطن له، فقال: إنما قلت: (آلا مناخة)، أي شخصاً، كما قال:
فما بلغت بنا سَفوانَ حتى ... طرحن سِخَالهن فصِرْن آلا
وكذلك، أيضا، تجعل (إلا) في قوله: (وكلهم حاشاك إلا وجدته) إيجابا للنفي الذي يعطيه معنى الكلام. ألا ترى أن المعنى: ما منهم أحد، حاشاك، إلا وجدته. وعلى ذلك حمله الفراء.
ومنها: زيادة (لا) لفظاً ومعنى، قول جرير:
ما بالُ جهلكَ بعد الحلمِ والدينِ ... وقد علاك مشيبُ حين لا حينِ
يريد: حين حين، أي في وقته. وقول الآخر:
(1/76)

أبي جوده (لا) البخلَ واستعجلت به ... نعم من فتى لا يمنع الجودَ قاتلَه
يريد: أبي جودة البخل. ولا ينبغي أن تجعل منصوبة الموضع بـ (أبي) والبخل بدل منها، لأن (لا) إذا استعملت اسماً مدت: قال الشاعر:
كأنك في الكتاب وجدت لاَء ... محرمة عليك فما تَحلَ
فمد (لا) لما جعلها اسماً. وقول الآخر، أنشده أبو الحسن الأخفش:
لو لم تكن غَطَفانُ لا ذنوبَ لهَا ... إلى لامت ذَوُو أحسابها عُمرا
قال أبو الحسن: لا زائدة. والمعنى لها ذنوب إلي.
ومنها: زيادة (كان) للدلالة على الزمان الماضي، نحو قول الفرزدق:
في لجةٍ غمرت أباك بُحُورها ... في الجاهلية - كان - والإسلام
وقول الآخر، أنشده الفارسي:
في غرف الجنة العليا التي وجبت ... لهم هناك بسعي - كان - مشكورِ
(1/77)

يريد: بسعي مشكور، وقول الآخر، أنشده الفراء:
سراة بني أبي بكر تساموا ... على - كان - المسومةِ العرابِ
وقول غيلان بن حريث:
إلى كناس - كان ... - مُستعيدهِ
يريد: إلى كناس مستعيده، وقول امرئ القيس، في الصحيح من القولين:
أرى أم عمرو دمعها قد تحدرا ... بكاء على عمرو وما كان أصبرا
يريد: وما أصبر، أي: وما أصبرها.
وقد تزاد في سعة الكلام، ومنه قول قيس بن غالب البدري: (ولدت فاطمة بنت الخرشب الكملة من عبس، لم يوجد - كان - مثلهم يريد: لم يوجد مثلهم، إلا أن
ذلك لا يحسن إلا في الشعر.
وإنما أوردت زيادتها في (فعل)، دون زيادة الجملة، لأنها في حال زيادتها غير مسندة إلى شئ. وسبب ذلك أنها لما زيدت للدلالة على الزمان الماضي، فقيل: زيد - كان - قائم، أشبهت (أمس) من قولك: زيد
(1/78)

- أمس - قائم، فحكم لها بحكم (أمس)، فلم تسند إلى شئ، كما أن (أمس) كذلك. ونظير ذلك استعمالهم (قلما)، وهي في الأصل غير مسندة إلى فاعل، لما كانت في معنى ما لا يسند إليه، وهو حرف النفي، ألا ترى أنك تقول: قلما يقوم زيد، إذا أردت ذلك المعنى.
ولا يزاد شئ من أخواتها، إلا أن يسمع من ذلك شئ، فيحفظ ولا يقاس عليه لشذوذه، نحو ما حكاه أبو الحسن من قولهم: ما أصبح أبردها، وما أمسى أدفاها، يعنون الدنيا، أي: ما أبردها في الصباح، وما أدفاها في المساء.
وأما زيادة الجملة فمنها: زيادة (أكاد)، و (تكاد)، نحو قول حسان:
وتكاد تكسل أن تجيء فراشَها ... في جسم خرعبةٍ ولين قوامِ
يريد: وتكسل أن تجيء فراشها، لأن المرأة إنما توصف بالكسل، لا بمقاربته، كما قال امرؤ القيس:
. . . . . . . . . ... يطفن بجماء المرافق مِكسال
وقول الآخر:
فإن لا ألومُ النفس فيما أصابها ... وإن لا أكادُ بالذي نلت أنجح
يريد: وإن لا أنجح بالذي نلت.
(1/79)

فأما قول حسان:
على ما قام يشتمني لئيمُ ... كخنزيرٍ تمرغ في رماد
وقول بعض بني نبهان:
فإن كنت سيدنَا سُدْتَنَا ... وإن كنت للخال فأذهب فَخَلْ
فزعم أبو الفتح أن (قام) في البيت الأول، و (فأذهب) في البيت الثاني زائدتان، لأن المعنى: وإن كنت للخال فخل، وعلام يشتمني، وإنهما زيدتا توكيداً للكلام وتمكيناً له.
والصحيح أنهما غير زائدتين، لأنه لا موجب لزيادتهما. بل (قام) في بيت حسان ليست ضد (قعد)، بل (في) معنى ثبت، من قوله تعالى (إلا ما دمت عليه قائماً). وكأنه قال: ما ثبت يشتمني لئيم. وكذلك (اذهب) في البيت الثاني له معنى لا يفهم إلا منه. ألا ترى أن المعنى: إن سرت فينا سير السادة المرضية سدتنا، وإن كنت تبغي الخال فأذهب فأطلب لذلك قابلاً وبه راضياً، فإننا لا نقبل ذلك ولا نرضاه. ولو جعلت زائدة لا معنى لها، لكان الكلام يعطي ظاهره الرضى بالخال والقرار على الإدلال، وهو خلاف مراد الشاعر.
ولم تزد العرب من الأسماء شيئاً إلا الضمير، في الفصل خاصة، في نحو قولك: ظننت زيداً هو القائم، لأنه لا موضع له من الإعراب. ألا ترى
(1/80)

أنه لا يمكن أن يكون تأكيداً لزيد، لأن الظاهر لا يؤكد بالمضمر، ولا بدلاً منه، لأن الضمير إذا كان بدلاً من منصوب كانت صيغته صيغة الضمير المنصوب. فلو كان بدلاً منه لوجب أن يقال: ظننت زيداً إياه القائم.
وزعم الكسائي أن العرب قد زادت من الأسماء (من) في الشعر واستدل على ذلك بقول عنترة:
يا شاة مَن قنص لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرمِ
وقول الآخر:
آلُ الزبير سنَام المجد قد علمت ... ذاك القبائلُ والأثْرون مَنْ عَددا
والتقدير عنده في البيت الأول: يا شاة قنص، وفي البيت الثاني: والأثرون عدداً.
ولا حجة له في البيتين على زيادة (من)، لاحتمال أن تكون فيهما نكرة موصوفة،
كما هي في قوله:
إني وإياك إذ حلت بأرحلنا ... كمن بواديه بعد المحلِ ممطورِ
ألا ترى أن ممطوراً صفة لـ (من)، وأن المعنى: كإنسان ممطور بواديه بعد المحل، وتكون في بيت عنترة موصوفة بالمصدر الذي هو (قنص)، على
(1/81)

حد قولهم: مررت برجل فطر، أي مفطر، وفي البيت الآخر بالاسم الموضوع موضع المصدر، وهو (عددا)، والمعنى: يا شاة إنسان قانص، والأثرون قوماً معدودين.
وزعم أبو عبيدة أن قول لبيد:
إلى الحولِ ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعَتَذرْ
إنما هو على زيادة (اسم)، وكأنه قال: ثم السلام عليكما، وكذلك قول غيلان:
لا يُنعشُ الطرف إلا ما تخونه ... داع يناديه باسم الماء مبغوم
لأن المعنى: يناديه بالماء.
والمعنى كما قاله أبو عبيدة، لكنه ليس على زيادة (اسم)، كما ذهب إليه، بل ما ذكره أبو علي من حذف مضاف، أي: ثم اسم معنى السلام عليكما، وباسم معنى الماء. واسم معنى السلام هو السلام، وكذلك اسم الماء هو الماء، وإضافة المعنى الذي هو المسمى إلى اللفظ الذي هو الاسم قد جاء في كلامهم: حكى أحمد بن إبراهيم - أستاذ ثعلب: (هذا ذو
(1/82)

زيد، أي صاحب هذا الاسم الذي هو زيد. ومن ذلك قوله:
فكذبوها بما قالت فصبحهم ... ذو آل حسان يزجي الموت والشرعا
أي أصحاب هذا الاسم الذي هو آل حسان.
(1/83)

فصل النقص
وهو منحصر في نقص حركة، ونقص حرف ونقص كلمة.
فأما نقص الحركة منه: حذفهم الفتحة من عين (فعل)، مبالغة في التخفيف، نحو
قول الراجز، أنشده الأصمعي:
على محالاتٍ ... عُكسنَ عَكسا
إذا تسداها ... طلابا غَلسا
يريد: غلسا، وقول الآخر:
وما كل مغبون ولو سَلف صفقة ... يراجع ما قد فاته برداد
يريد: سلف، وقول الآخر:
وقالوا ترابي فقلت صدقتهم ... أبي من تراب خَلقَهُ الله آدمُ
(1/84)

يريد: خلقه الله، وقول أبي خراش:
ولحم امرئ لم تطعم الطير مثله ... عشية أمسى لا يبين من البَكمِ
يريد: من البكم. ومنه قول ذي الرمة:
أبت ذِكر عودن أحشاَء قلبه ... خفوقاً ورَفضَاتِ الهوى في المفاصل
فحكم لـ (رفضات)، وهو اسم، بحكم الصفة: ألا ترى أن (رفضات) جمع (رفضه)، و (رفضه) اسم. والاسم إذا كان على وزن (فعله)، وكان صحيح العين، فإنه إذا جمع بالألف والتاء لم يكن بد من تحريك عينة، اتباعاً لحركة فائه، نحو: جفنه وجفنات وقصعة وقصعات. وإن كان صفة بقيت العين على سكونها، نحو: ضخمة وضخمات، وصعبة وصعبات. وإنما فعلوا ذلك - فرقاً بين الاسم والصفة، وكان الاسم أولى بالتحريك لخفته، فأحتمل لذلك (ثقل) الحركة، وأيضا فإن الصفة تشبه الفعل، لأنها ثانية عن الاسم غير الصفة، كما أن الفعل ثان عن الاسم. فكما أن الفعل إذا لحقته علامة جمع، نحو: ضربوا، ويضربون، لم يغير، فكذلك لم تغير الصفة إذا لحقتها علامتا الجمع، وهما الألف والتاء. فكان ينبغي - على هذا - أن يقول: (رفضات)، إلا أنه لما اضطر إلى التسكين حكم لها بحكم الصفة فسكن العين.
(1/85)

ومثل ذلك قوله:
ولكن نَظْراتٍ بعين مريضةِ ... أولاك اللواتي قد مثلن بها مثلا
وقول الآخر:
على صروفَ ... الدهرِ أو دولاتها
يدلننا اللمة ... من لماتها
فتستريح النفس ... من زَفراتها
وقول الآخر:
وحملت زَفْرات الضحى فأطقتُها ... وما لي بزَفراتِ العشي يدان
وقول لبيد:
رحلن لشقة ونُصِبن مصبا ... لوَخْرات الهواجرِ والسموم
وقول الآخر، أنشده ابن الأعرابي:
يا صاحب اجتنبن الشام إن بها ... حمّى زعافا وحصباتٍ وطاعونا
وقول الآخر، أنشده الزجاجي، في نوادره، لأعرابية:
فاجتث خيرهما من جنب صاحبه ... دهر يكر بفرحات وترحات
(1/86)

ومما يبين لك صحة ما ذكرته من أن تسكين العين إنما هو بالحمل على الصفة، أن أكثر ما جاء من ذلك في الشعر إنما هو مصدر لقوة شبه المصدر باسم الفاعل الذي هو صفة. ألا ترى أن كل واحد منهما قد يقع موقع صاحبه: يقال رجل عدل، أي عادل، فوقع (عدل)، وهو مصدر، موقع (عادل)، وهو اسم فاعل. وقال تعالى: (ليس لوقعتها كاذبة)، أي: كذبُ فوقع (كاذبة)، وهو اسم فاعل، موقع (كذب)، وهو مصدر.
والمعتل اللام من (فعلة) بمنزلة الصحيح اللام في أن العين لا تسكن في جمع الاسم منه إلا في ضرورة، نحو قوله:
دعا دعوة كرز وقد أحدقوا به ... فراغ ودعوات الخبيب تروغ
وقد شذوا في شيء من هذا المعتل اللام، فاستعملوا عينة ساكنة، في سعة الكلام: حكى أبو الفتح عن بعض قيس: ثلاث ظبيات، بإسكان الباء. وروي أيضاً عن أبي زيد عنهم: شرية وشريات.
ومنه: حذفهم الفتحة من آخر الفعل الماضي تخفيفاً، نحو قول وضاح اليماني
عجب الناس وقالوا ... شعر وضاح اليماني
إنما شعري - قَند ... قد خُلطْ (بالجلجلان)
(1/87)

وقول نَهشل بن حَري، في إحدى الروايتين:
فلما تبَيَّن غب أمري وأمره ... وولت بإعجاز الأمور صدورُ
يريد: تبين، وقول كعب بن زهير:
. . . . . . . . . ... ومن أشْبهْ أباه فما ظلم
يريد: أشبه.
وحذفها من الفعل المعتل اللام أحسن من حذفها من آخر الصحيح اللام، نحو قول جرير:
هو الخليفة فارضُوا ما رضَي لكم ... ماضي العزيمةِ ما في حكمه جَنفُ
وقول الآخر، أنشده أحمد بن يحيى:
ليت شعري إذا القيامة قامت ... ودُعي بالحساب أين المصير يريد: دعي.
(1/88)

وقد جاء ذلك في سعة الكلام، قرأ الحسن: (وذروا ما بَقي من الربا)، سكن الياء، إلا أن ذلك شاذ يحفظ ولا يقاس عليه.
ومنه: حذفهم الفتحة التي هي علامة أعراب من آخر الفعل المضارع، نحو قول الراعي:
تأبى قضاعة أن تعرف لكم نسباً ... وابنا نزارِ فأنتم بيضةُ البلدِ
وقال الآخر:
فإن ببابِ الدار عينا وإن تُرَعْ ... جداراً لتلك العين أهنى وأجمل
وقال الآخر، في إحدى الروايتين:
أخلق بذي الصبر أن يظفرْ بحاجته ... ومُدمن القرع للأبواب أن يلجا
ألا ترى أنه قد سكن (تعرف)، (وترع) و (تظفر)، ثم حذفت اللام من (تراع) لالتقاء الساكنين، ونحو قول لبيد:
(1/89)

تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتَبطْ بعضَ النفوس حمامها
ألا ترى أنه أسكن (يرتبط)، وهو في الأصل منصوب، لأنه بعد (أو) التي بمعنى (إلا أن)، وكأنه قال: إلا أن يرتبط بعض النفوس حمامها. وإذا كانت بمعنى (إلا أن)، لم يكن الفعل الواقع بعدها إلا منصوباً بإضمار (أن).
وحذفها من آخر الفعل المعتل أحسن، نحو قوله:
إذا شئت أن تَلْهوُ ببعض حديثها ... رفعن وأنزلن القطينَ المولدا
وقول الآخر:
فما سودتني عامر عن وراثة ... أبي الله أن أسْمُو بأمَّ ولا أبِ
وقول الآخر:
وأن يَعُرَينَ إن كُسِي الجواري ... فَتَنْبو العين عن كرم عِجافِ
(1/90)

ألا ترى أنه قد حذف الفتحة من آخر (تلهو)، و (أسمو)، و (تنبو) تخفيفاً وإجراء للنصب مجرى الرفع.
ومثل ذلك قول الآخر:
إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا ... تعالوا إلى أن يأتيناَ الصيد نحطبِ
هكذا رواه الفراء. ووجهه أنه سكن الياء من (يأتينا) تخفيفاً، ثم حذفها اجتزاء بالكسرة عنها. ومثل ذلك قول الآخر، أنشده اللحياني في نوادره:
وأغضى على أشياء منك لتُرْضِني ... وأدعى إلى ما سَّركم فأجيب
فسكن الياء من (ترضيني)، واجتزأ بالكسرة عنها.
ومن هذا النوع أيضا حذف (الفتحة) التي هي علامة إعراب، من آخر الاسم المعتل، تخفيفاً وتشبيهاً للمنصوب بالمرفوع والمخفوض، نحو قوله:
إن القَوافي يتَّلجن موالجا ... تَضَايقُ عنها أن تُوَلَّجها الإبرْ
(1/91)

وقول الآخر:
فتى لو ينادي الشمسَ ألقت قناعها ... أو القمر الساري لألقى المقالدا
وقول النابغة:
رَدت عليه أقاصيه ولبده ... ضرب الوليدة بالمسحاة في الثأد
وقول الآخر:
كأن أيديهن ... بالقاع القَرقْ
أيدي جوارٍ ... يتعاطين الوَرق
وقول الآخر:
يا دارَ هندٍ عفت إلا أثافيها ... . . . . . . . . .
ألا ترى أن (القوافي)، و (الساري)، و (أقاصيه)، و (أيديهن)، و (أثافيها) في موضع (نصب)، وهي مع ذلك مسكنة الأواخر.
(1/92)

ومثل ذلك قول الآخر:
فلو أن واش باليمامة دارُه ... وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا
يريد: واشيا، وقول الآخر:
وكسوت عارٍ لحمه فتركته ... جذلان يسحب ذيله ورداءه
يريد: عارياً، وقول الآخر:
ومن يطيق مذكِ عند صبوته ... ومن يقوم لمستورٍ إذا خلعا
يريد: مذكياً.
وحذفت الياء في جميع ذلك لما خففت بالتسكين، لالتقائها مع التنوين وهو ساكن.
وتسكين الياء في حال النصب من الضرائر الحسنة.
ومنه: حذف علامتي الإعراب - الضمة والكسرة من الحرف الصحيح تخفيفاً، إجراء للوصل مجرى الوقف أو تشبيهاً للضمة بالضمة من (عضد)، وللكسرة بالكسرة من (فخذ) و (إبل)، نحو قول امرئ القيس في إحدى الروايتين:
(1/93)

فاليوم أشربْ غير مُسْتحقِبٍ ... إثماً من الله ولا واغِلِ
يريد: أشرب، وقول الآخر:
سيروا بني العم فالأهواز منزلكم ... ونهر تيري فما تعْرفْكم العرب
يريد: فما تعرفكم، وقول الآخر:
وناع يخبرنا بمقتل سيد ... تقطع من وجد عليه الأنامل
(1/94)

يريد: يخبرنا، وقول ابن قيس الرقيات:
وأنتِ لو باكرت مشمولةَ ... صهباء مثل الفرس الأشقر
رُحتِ وفي رجليكِ ما فيهما ... وقد بدا هَنْكِ من المئزر
وقول الآخر:
بكل مُدَمّاةٍ وكل مثقف ... تنقاه من مَعْدنْه في البحر جالبه
يريد: من معدنهِ.
وأنكر المبرد والزجاج التسكين في جميع ذلك، لما فيه من إذهاب حركة الأعراب، وهي لمعنى، ورويا موضع (فاليوم أشرب): (فاليوم فأشرب)، وموضع (هند من المئزر): (ذاك من المئزر)، وموضع (فما تعرفكم): (فلم تعرفكم).
والصحيح أن ذلك جائز سماعاً وقياساً. أما القياس فإن النحويين اتفقوا على جواز ذهاب حركة الإعراب للإدغام - لا يخالف في ذلك أحد منهم.
(1/95)

وقد قرأت القراء:
(ما لك تأمنا) بالإدغام، وخط في المصحف، بنون واحدة، فلم ينكر ذلك أحد من النحويين. فكما جاز ذهابها للإدغام، فكذلك ينبغي أن لا ينكر ذهابها للتخفيف.
وأما السماع فثبوت التخفيف في الأبيات التي - تقدم ذكرها. وروايتهما بعض تلك الأبيات على خلاف التخفيف لا يقدح في رواية غيرهما هـ. وأيضاً فإن ابن محارب قرأ: (وبعولَتْهن أحَقّ بردهن)، بإسكان التاء. وكذلك قرأ الحسن: (وما يَعدهُمُ الشيطان)، بإسكان الدال. وقرأ أيضاً (مسلمة ابن محارب) (وإذ يعدكم الله)، بإسكان الدال.
وكأن الذي حسن مجيء هذا التخفيف في حال السعة شدة اتصال الضمير بما قبله، من حيث كان غير مستقل بنفسه، فصار التخفيف لذلك كأنه قد وقع في كلمة واحدة. والتخفيف الواقع في الكلمة، نحو: عضد في عضد، وفخذ في فخذ، وإبل في إبل، سائغ في حال السعة، لأنه لغة لقبائل ربيعة، بخلاف ما شبه به من المنفصل، فإنه لا يجوز إلا في الشعر.
فإن كانت الضمة والكسرة اللتان في آخر الكلمة علامتي بناء، اتفق النحويون على جواز حذفهما في الشعر تخفيفاً، نحو قول أبي نخيلة:
(1/96)

إذا اعوججن ... قلت صاحِبْ قوم
بالدو أمثالَ ... السفين العومِ
وقول العذافر الكندي:
قالت سليمى ... اشترْ لنا دقيقا
وهات خبز ... البر أو سويقا
وقول الآخر:
فاحذر ولا تَكْتَرْ ... كريا أهوجا
علجا إذا ساق ... بنا عَفَنْجَجَا
وقول الآخر:
ومن يتّقْ فإن الله معْهُ ... ورزق الله مؤتاب وغادي
ألا ترى أن الأصل: صاحب قوم، واشتر، ولا تكتر كرياً، ومن يتق فإن الله، إلا أنه سكن إجراء للمتصل مجرى المنفصل، أو إجراء للوصل مجرى الوقف، كما تقدم في تسكين المرفوع والمخفوض.
فأما قراءة من قرأ: (ويخشَ الله ويتّقْه)، فسكن القاف، يريد: ويتقه، فإن التسكين فيها أحسن من التسكين في (اشتر لنا) وأمثاله،
(1/97)

لشدة اتصال الضمير بما قبله، على ما تقدم تبيينه.
وأما نقص الحرف فمنه: وصل ألف القطع، نحو قول أبي الأسود:
يا با المغيرة رب أمرِ مُعْضل ... فرجتهُ بالمكرِ مني والدّها
يريد: يا أبا المغيرة، وقول الآخر:
يا للرجالِ لحادثِ الأزمانِ ... و (النسوةِ) من آل (أبي) سفيان
و (قول) حاتم الطائي:
أبوهم أبي والأمهات امهاتنا ... فأنعم ومتعني بقيس بن جَحْدرِ
يريد: والأمهات أمهاتنا، وقول أبي زبيد الطائي:
وأيقن أكدر إذ صاروا ثمانيةُ ... أن قد تفرد أهلُ البيت بالثمن
يريد: أكدر، على وزن أحمر، وهو هاهنا اسم كلب، وقول الآخر، أنشده أبو الحسن:
(1/98)

تضب لثات الخيل في حجراتها ... وتسمع من تحت العَجاجِ لها ازملا
يريد: لها أزملا. والأزمل: الصوت، وقول الآخر:
قلت لشيطاني ... وشيطاناتي
لا تقربوني أنا ... في الصلاة
وقول الآخر:
حتى يقول ... كل من راهُ إذْ راهْ
يا ويحه من ... جملِ ما أشقاه
يريد: من رآه إذ رآه. وأنشد أحمد بن يحيى:
هُويّ جندِ ... إبليسِ المِريدِ
يريد: جند إبليس.
وقد جاء ذلك في الفعل: قال الطرماح:
ألا أيها الليل الطويل ألا أصبح ... بتم وما الإصباح فيك بأروح
يريد: ألا أصبح، وقال الآخر:
ما شدّ أنفسهم وأعلمهم بما ... يحمي الذمار به الكريم المسلم
(1/99)

يريد: ما أشد أنفسهم. وأنشد أبو علي:
إن لم أقاتل ... فألْبِسوني بُرقُعا
وفتخاتٍ في ... اليدين أربعا
يريد: فألبسوني. ومثل ذلك قول الآخر:
ت لي آل عوف فانْدهم لي جماعة ... وسل آل عوف أي شيء يضيرها
يريد: ائت، فحذف الهمزة التي هي فاء (الكلمة)، فبقيت التاء متحركة، فلم يحتج إلى اجتلاب همزة وصل، وقول الآخر:
فإن نحن لم ننهض لكم فنبزكم ... فَتُونا فقودونا إذا بالخزائمِ
يريد: فأتونا، فحذف الهمزة. وهو في الشعر كثير.
وقد جاء منه شيء في الكلام: حكى أبو زيد: (لاب لك)، يريدون: لا أب لك. وقرأ سالم بن عبد الله: (فمن تعجل في يومين فلا آثم عليه) بحذف همزة (أثم). وقرأ ابن محيصن: (وآتيتم إحداهن).
(1/100)

وقرأ ابن كثير في بعض الروايات عنه:
(إنها لإحدى الكبر)، بحذف همزة إحدى. وحكى أبو علي الدينوري أن العرب يقولون: (مخيرك)، يريدون: ما أخيرك. وحكى أيضاً عن المازني أن العرب يقولون: (ما شر اللحم للمريض)، (ما خير اللبن)، تريد: ما أشر، وما أخير. وحكى الكوفيون أيضاً عن العرب: (ما خبر اللبن للصحيح، وما شره للمبطون).
ومنه: ترك صرف ما ينصرف. وفيه خلاف، فأجازه الكوفيون وبعض البصريين. ومنعه س وأكثر البصريين. واحتج المانعون له بأنه إخراج الاسم عن أصله، لأن الأسماء المعربة الأصل فيها أن تكون منصرفة. قالوا: وإنما يجوز في الضرورة رد الكلمة إلى أصلها، لا إخراجها عن ذلك. وزعموا أن ما أنشده الكوفيون، شاهداً على منع صرف ما ينصرف، على غير ما أولوه، أو ينشد على غير ما أنشدوه. ألا ترى أنهم استدلوا بقول عباس بن مرداس:
(1/101)

فما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع
فلم يصرف مرداساً، وهو أبوه وليس بقبيلة. والرواية عندنا فيه: (يفوقان شيخي). وشيخه هو مرداس. واستدلوا بقول (ابن قيس الرقيات):
ومصعب حين جد الأم ... ر أكثرها وأطيبها
فلم يصرف مصعباً. والرواية عندنا فيه: (وأنتم حين جد الأمر). واستدلوا بقول دوسر بن دهبل القريعي:
وقائلةِ ما بال دَوْسرَ بعدنا ... صحا قَلْبُه عن آل ليلى وعن هندِ
فترك صرف دوسر. والجيد الصحيح، عندنا، في إنشاد بيت دوسر: (وقائلة ما للقريعي بعدنا) واستدلوا بقول ذي الإصبع:
وممن ولدوا عام ... رُ ذو الطولِ وذو العرضِ
فلم يصرف عامراً، ولم يجعله قبيلة، لأنه قد وصفه بالمذكر، فقال: (ذو الطول وذو العرض). ولو كان قبيلة لقال: ذات الطول وذات العرض ولا حجة لهم في
ذلك، لأن عامراً أبو القبيلة، فيجوز أن تعنى به القبيلة فلا
(1/102)

يصرف، ثم يذهب به مذهب أبي الحي، فيقال ذو الطول، كما قال عز وجل: (ألا إن ثمود كفروا رَبَّهم ألا بُعدا لثمود)، فصرف الأول لما ذهب به مذهب (أبي) الحي، وترك صرف الثاني لما ذهب به مذهب القبيلة.
وما ذكروه من التأويل في هذا البيت ممكن. وأما الأبيات الثلاثة التي تقدمت قبل هذا البيت، فلا يقدح روايتهم لها في رواية الكوفيين، بل الروايتان محمولتان على الصحة. إلا أنه لا دليل للكوفيين على ما ذهبوا إليه من منع الصرف في بيت مرداس، ولا في بيت ابن قيس الرقيات، لأن حذف التنوين لا يكون دليلاً على منع الصرف إلا بشرط أن يستعمل الاسم، مع ذلك، في موضع (الجر) مفتوحاً. وكذلك أيضاً لا دليل لهم في قول الزبير بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم، في أخيه العباس:
إن أخي عباسَ ... عف ذو كرمْ
فيه عن العوراء ... إن قيلت صمم
وفي قول الآخر:
لولا انقطاع الوحي بعد محمد ... قلنا محمدُ من أبيه بديل
لأن عباساً ومحمداً ليسا في موضع الخفض.
ومن هذا القبيل قول أبي الطيب:
(1/103)

فحمدانُ حمدون وحمدونُ حارث ... وحارثُ لقمان ولقمانُ راشد
والصحيح عندي ما ذهب إليه الكوفيون، بدليل قول دوسر: (ما بال دوسر بعدنا)، قول عمرو بن عدي، ابن أخت جذيمة:
فإن تستنكري عمرا فإني ... أنا ابن عديَّ حقاً فأعرفينا
وقول الأخطل:
طلب الأزارق بالكتائب إذ هوت ... بشبيبَ غائلة النفوس غدور
وقول أبي دهبل:
أنا أبو دهبلَ ... وهْبُ لوهَبْ
من جُمحِ والعز ... فيهم والحسبْ
وقول الكميت:
يرى الراؤون بالشقرات منها ... كنار أبي حباحبَ والظبينا
(1/104)

وقول حسان بن ثابت:
. . . . . . . . . ... شلت يدا وحشيَّ من قاتل
ألا ترى أن دوسراً، وعدياً، وشبيباً، ودهبلاً، وأبا حباحب، ووحشياً، في موضع خفض، وهي مع ذلك مفتوحة غير منونة.
ووجه منعها الصرف اعتدادهم فيها بعلَّة واحدة من العلل المانعة للصرف، وهي العلمية، تشبيهاً لها بالعلة التي تمنع الصرف وحدها.
ومنه: حذف التنوين لالتقاء الساكنين، نحو قول حسان:
لو كنت من هاشم أو من بني أسد ... أو عبد شمس أو أصحاب اللوى الصيد
أو من بني زهرةِ الأخبار قد علموا ... أو من بني خلفِ الخضر الجلاعيد
يريد: من بني خلف الخضر، وقول أبي الأسود:
فألفيته غير مُسْتَعتبٍ ... ولا ذاكرَ الله إلاّ قليلا
يريد: ولا ذاكراً الله إلا قليلاً، وقول ابن قيس الرقيات:
تذهل الشيخ عن بينه وتبدي ... عن خدام العقيلةُ العذراءُ
(1/105)

يريد: عن خدام العقيلة، وقول الآخر:
حُمَيْدُ الذي أمج داره ... أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع
يريد: حميد الذي. وقول الآخر، أنشده الفراء:
لتجدّنّي ... بالأميرِ برّا
وبالقناة ... مدعسا مكرّا
إذا غطيفُ ... السلمي فرّا
يريد: غطيف السلمي.
فأما قراءة أبي عمرو: (عزيرُ ابن الله)، فإنما حذف التنوين لأنه جعل (ابن الله) صفة لعزير، والخبر محذوف، والتقدير: عزيرُ ابن الله إلهنا. والعرب تحذف التنوين من الاسم العلم الموصوف (بابن) المضاف إلى العلم لالتقاء الساكنين، وهما التنوين وباء (ابن)، مع كثرة الاستعمال الداعية إلى التخفيف. فأما حذفه فيما عدا ذلك، فإنما سببه مجرد التقاء الساكنين، وهو غير جائز إلا في الضرورة. وقد نص س على ذلك في الباب الذي ترجمته: باب من اسم الفاعل (الذي) جرى مجرى الفعل المضارع
(1/106)

في المفعول في المعنى.
ومنه حذف النون من الثنية والجمع من غير أن يكونا موصولين أو مضافين، نحو قول الشاعر:
يقولون ارتحل قبلي قريشاً ... وهم متكنفو البيتَ الحراما
يريد: وهم متكنفون البيت، ونحو قول تأبط شرا:
هما خطتا إما إسارُ ومنةُ ... وإما دمُ والقتلُ بالحر أجدر
في رواية من رفع إسارا ومنه، يريد: هما خطتان، وقول الآخر:
لنا أعنز لبن سمان فبعضها ... لأولادها ثِنْتا وفي بيتنا عنز
يريد: لأولادها ثنتان. وفي قول أبي حناء الفقعسي:
قد سالم الحيات ... منه القدما
الأفعوان والشجاع ... الشجعما
(1/107)

هكذا رواه الكوفيون بنصب الحيات وحذف النون من (القدما). التقدير:
القدمان، وقول الآخر:
ولم تَنَام ... العينا
يريد: العينان، وقول أبي نخيلة:
كأن أذنيه ... إذا تشوفا
قادمتا أو ... قلما محرفا
يريد: قادمتان أو قلمان محرفان. هكذا أنشده الكوفيون، ونظروا به بيت أبي حناء المتقدم.
وذهب الفراء في قول امرئ القيس:
لها متنتان خظاتا كما ... أكب على ساعديه النّمرْ
إلى أنه أراد خظاتان، فحذف النون. وأستدل على ذلك بقول الآخر:
ومتنان خظاتان ... كزحلوف من الهَضْبِ
(1/108)

ولا يحفظ شيء من ذلك في كلام العرب، إلا ما نسبوه إلى كلام الطير، وهو قول الحجلة للقطاة: (قطا قطا، بيضك ثنتا وبيض مائتا)، أي ثنتان ومائتان.
ووجه حذف النون في جميع ذلك التشبيه بما يجوز حذفها منه في فصيح الكلام، وهو الموصول، نحو قول الأخطل:
ابني كليبٍ إن عميّ اللذا ... قتلا (الملوك) وفككا الأغلالا
وقول الأشهب بن رميلة:
إن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد
ومنه: حذف النون الذي هو علامة للرفع في الفعل المضارع، لغير ناصب ولا جازم، تشبيهاً لها بالضمة من حيث كانتا علامتي رفع، نحو قول أيمن بن خريم:
(1/109)

وإذ يغصبوا الناس أموالهم ... إذا ملكوهم ولم يغصبوا
وقول الآخر:
أبيت أسري ... وتبيتي تدلكي
وجهك بالعنبر ... والمسك الذكي
وقول الآخر، أنشده الفارسي:
والأرض أورثت ... بني آداما
ما يغرُسُوها ... شجراً أياما
وقول الآخر، أنشده ابن جني في كتاب القد له:
تسلأ كل ... حرة نحيين
وإنما سلأت ... عكتين
ثم تقولي ... اشتر لي قرطين
ألا ترى أن النون قد حذفت من: يغصبون، وتبتين، وتدلكين، ويغرسون، وتقولين، لغير ناصب ولا جازم، كما فعل بالحركة في: (أشرب) من قوله:
فاليوم أشربْ غير مستحقب ... . . . . . . . . .
(1/110)

ولا يحفظ شيء من ذلك في الكلام، إلا ما جاء في حديث خرجه مسلم في قتلى بدر، حين قام عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداهم. . . الحديث، فسمع عمر قول النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا رسول الله، كيف يسمعوا، وأنى يجيبوا، وقد جيفوا) فحذف النون من (يسمعون) و (يجيبون).
ومنه: حذف النون الخفيفة الداخلة على الفعل المضارع للتأكيد، من غير أن يلقاها ساكن، نحو قوله، أنشده أبو زيد في نوادره:
اضرِبَ عنك الهمومَ طارقها ... ضَرْبكَ بالسّوْطِ قونَسَ الفرس
قال ابن خروف: إنما جاز ذلك على التقديم والتأخير، فتوهم اتصال النون من (اضربن) بالساكن بعده.
والصحيح أنه حذفها تخفيفاً، لما كان حذفها لا يخل بالمعنى، وكانت الفتحة التي
في الحرف قبلها دليلة عليها.
ويدلك على صحة ذلك قول الشاعر، أنشده الجاحظ في البيان له:
خلافاً لقولي من فَيالة رأيه ... كما قيل قبل اليوم خالفَ تُذكرا
(1/111)

يريد: خالفن، وقول الآخر، أنشده الفارسي:
إن ابن أحوص مغرور فبلَّغَهُ ... في ساعديه إذا رام العلا قصر
يريد: فبلغنه، وقول الآخر:
يا راكباً بلغَ إخواننا ... من كان من كندة أو وائلِ
يريد: بلغن. ألا ترى أن النون من (خالفن)، و (بلغنه) و (بلغن) لا يمكن أن يقال إنها حذفت على توهم اتصالها بساكن.
ومثل ذلك ما أنشده أبو زيد في نوادره:
في أي يومي ... من الموت أفر
أيوم لم يُقْدرَ ... أم يوم قدر
يريد: لم يقدرن، ودخلت النون على الفعل المنفي بلم، كما دخلت عليه في قول الآخر:
يحِسبه الجاهلُ ... ما لم يَعْلما
(1/112)

ولا يجوز مثل هذا في سعة الكلام إلا شاذاً، نحو قراءة أبي جعفر المنصور: (ألم نشرحَ لك صدرك)، بفتح الحاء.
ومنه: حذف نون الوقاية من: (ليت)، (عن)، و (من) و (قد)، نحو قول زيد الخيل:
كمنيةِ جابرٍ إذ قال ليتني ... أصادِفُه وأتلف جل مالي
وقول الآخر:
أيها السائل عنه وعني ... لست من قيسِ ولا قيس مني
وقول الآخر:
قدني من نصر ... الخُبَيْبين قدى
وقول الآخر، أنشده أحمد بن يحيى:
قد القلب من وجد برحت به قد ... وللقلب من وجد بها أبداً قدى
(1/113)

ولا يجوز في الكلام إلا ليتني، وعني، ومني، وقدني. هذا مذهب البصريين. وزعم الكوفيون أنه يجوز في ما بعد (قد) النصب والخفض، يقال: قد عبد الله درهم، فمن نصب عبد الله قال: قدني درهم، فأثبت النون، ومن خفض عبد الله قال، إذا أضاف إلى نفسه، قدي درهم.
والصحيح ما ذهب إليه البصريون، لأنه لا يحفظ قدي، بحذف النون، إلا في ضرورة الشعر.
ومنه: حذف نون لكن، ومن، ولم يكن، لالتقاء الساكنين تشبيهاً بالتنوين، أو بحرف المد واللين، من حيث كانت ساكنة وفيها غنة، وهي فضل صوت في الحرف، كما أن حرف المد واللين ساكن، والمد فضل صوت فيه.
فمن حذف نون (من) قول الأعشى.
وكأن الخمرَ المدامةَ مِ الأس ... فنط ممزوجةُ بماء زلال
يريد: من الأسفنط. وفيه جمع بين ضرورتين: حذف نون (من)، وقطع همزة الوصل، وقول الآخر:
أبلغ أبا دُخْتَنُوسَ مالكة ... غير الذي قد يقال مِ الكذب
يريد: من الكذب، وقول أبي صخر:
(1/114)

وكأنهما مِ الآن لم يتغيروا ... وقد مر للدارين من بعدنا عَصْر
يريد: من الآن.
ومن حذف نون (لكن) قول النجاشي:
فلست بآتية ولا أستطيعه ... ولاكِ اسقني إن كان ماؤك ذا فضل
يريد: ولكن اسقني.
ومن حذف نون (لم يكن) قوله:
لم يكُ الحق على أن هاجه ... رسم دار قد تعفى (بالطلل)
يريد: لم يكن الحق.
فإن قال قائل: لم زعمت أن حذف (نون) لم يكن ضرورة وهي تحذف في فصيح الكلام، قال الله تعالى: (خلقتك من قبل ولم تَكُ شيئاً)،
(1/115)

فالجواب أن نقول: إن العرب إنما تحذفها في الكلام إذا لم يكن بعدها ساكن، لأنها إذ ذاك تكون ساكنة - تشبه الواو في (يغزو) والياء في (يرمي) والألف في (يخشى) في السكون وفي أن فيها فضل صوت، وهو المد، فأجروها لذلك مجراها في الحذف للجازم. وأما إذا كان بعدها ساكن، فإنها إنما تحذف لالتقاء الساكنين، إذ لو لم تحذف لالتقاء الساكنين لوجب تحريكها. وإذا تحركت لم (تشبه) الياء ولا الواو ولا الألف. وإذا لم تشبهها، لم يحذفها الجازم.
ومنه: قصر الممدود. والنحويون مجمعون على جوازه، لما فيه من رد الاسم إلى أصله بحذف الزائد منه، نحو قول الشاعر:
أنزل الناسَ بالظواهرِ منها ... وتبّوا لنفسه بطحاها
وقول الآخر، أنشده الفراء:
ترامت به النسوان حتى رمَوْا به ... وَرَا طرِق الشامِ البلادَ الأقاصيا
وقول الراجز:
لابدُ من صنعا ... وإن طال السفر
فـ (البطحا)، و (ورا)، و (صنعا) ممدودات، وقد قصرت للضرورة بحذف الألف التي قبل الهمزة لأنها زائدة لغير معنى. فلما حذفت الألف، رجعت الهمزة
في (بطحا) و (صنعا) إلى أصلها، لأنها مبدلة من ألف التأنيث. وإنما كانت قلبت همزة لاجتماعها مع الألف التي كانت قبلها.
(1/116)

وأما الهمزة في (ورا)، فإنها أصل، وإنما صارت ألفاً بعد القصر، لأنهم سهلوها بإبدالها ألفاً، على حد قولهم في هنأ هنا: قال الشاعر:
راحت بمسلمة البغال عشية ... فأرعى فزارة لا هناك المرتع
وحكى السكري عن الكسائي والفراء في شرحه شعر الكميت أنهما قالا إن العرب لا تكاد تقصر ممدوداً في رفع ولا خفض، يقولون! رأيت قضاءك، ولا يقولون: هذا قضاك، ولا (مررت) بقضاك. فعلى هذا قول النمر:
يسر الفتى طول السلامة والبقا ... فكيف ترى طول السلامة يفعل
وقول السموأل بن عادياء:
بني لي عادياً حصناً حصيناً ... إذا ما سامني ضَيْمُ أَبَيت
(1/117)

وقول الأعشى:
عنده البر والتقى وأسا الشق ... وحمل لمُضْلعِ الأثقالِ
في رواية من كسر الهمزة، من القليل عندهما، لأن البقاء، و (عادياء)، و (الأساء) - وهو الدواء، في موضع رفع، وقد قصرت. ولا فرق عند البصريين بين المنصوب وغيره.
وفي بيت السموأل دليل على ما ذكرناه من أن المحذوف في بطحاء وصنعاء وأشباههما، الألف التي قبل همزة التأنيث لا همزة التأنيث. ألا ترى أنه منع (عاديا) الصرف، ولو كان المحذوف منه الهمزة التي للتأنيث لصرفه، إذ ليس فيه إذ ذاك ما يوجب منع الصرف، فلما منعه الصرف دل ذلك على أن الألف التي في آخره هي الهمزة المبدلة من ألف التأنيث عادت إلى أصلها.
وزعم الفراء أنه لا يجوز أن يقصر من الممدود إلا ما يجوز أن يجيء في بابه
(مقصور)، فلا يجوز عنده قصر حمراء، وصفراء، وأشباههما، لأن مذكرهما أفعل والصفة إذا كانت للمذكر على وزن (أفعل) لم يكن المؤنث إلا على وزن فعلاء.
(1/118)

وهذا الذي ذهب إليه باطل، بدليل قول الأعشى:
والقارح العدا وكل طِمِرة ... ما أن تنالُ يدُ الطويل قَذَالها
وقول أبي الأسود:
رأيت الْتِوا هذا الزمانِ بأهله ... وبينهم فيهم تكون النوائبُ
وقول الآخر:
ولكنما أهدى لقيس هدية ... بفي من أهداها لك الدهرَ إثَلبُ
وقول الآخر:
فلو أن الأطبا كانُ حولي ... وكان مع الأطباء الأساه
ألا ترى أن (العدا) فعال كقتال، وضراب، والصفة التي تكون على هذا الوزن لا تجيء على مثال فعلى فتكون من المعتل مقصورة. وكذلك اهداء مصدر أهدى، مثل أكرم إكراماً. والتواء مصدر التوى. ولا يجيء المصدر من أفعل على (أفعل)، ولا من أفتعل على (افتعل)، فيكون مثالهما من المعتل مقصوراً. وكذلك الأطباء جمع طبيب، وأفعلاء جمع (فعيل) لا يجيء في كلامهم إلا ممدوداً.
ومنه: الاكتفاء بالحركات عن حروف المد واللين المجانسة لها الكائنة في
(1/119)

أواخر الكلم، نحو قول خفاف بن ندبة:
كنواحِ ريش حمامةِ نجديةِ ... ومسحت باللثتين عصف الأثمد
وقول مضرس الأسدي:
وطرتُ بمنصلي في يعملاتِ ... دوامي الأيدِ يخبطن السريحا
وقول الأعشى:
وأخو الغوانِ متى يَشأ يَصرِ منه ... ويَعُدْنَ أعداءّ بُعَيْدَ وِدادِ
ألا ترى الياء من (نواحي)، و (الأيدي)، و (الغواني) قد حذفت واجتزئ بالكسرة عنها. ووجه ذلك التشبيه بقصر الممدود، أو بحذفهم لها مع التنوين، من جهة أن الألف واللام والإضافة يعاقبان التنوين، فحكم لكل
(1/120)

واحد منهما بحكم ما عاقبة. فكما تحذف الياء في (نواح)، و (غوان)، و (أيد) مع التنوين، (فكذلك) حذفت في قوله: كنواح ريش حمامة، مع الإضافة، (وحذفت) في (الأيد) و (الغوان) مع الألف واللام.
ومثل ذلك قول الآخر:
كفاك كف ما ... تليق درهما
جواداً وأخرى تُعطِ ... بالسيف الدما
يريد: تعطي، وقول بعض الأنصار:
. . . . . . . . . ... ولقد تُخْفِ شيمتي إعسار
يريد: تخفي.
ومن الناس من أنكر على س وغيره من النحويين جعلهم حذف الياء من (الأيد) وأمثاله من ضرورة الشعر. وأستدل على ذلك بأنه قد جاء في القرآن حذف الياء في غير رؤوس الآي، وقرأ به عدة من القراء، كقوله سبحانه وتعالى: (من يهدِ الله فهو المهتِد ومن يضلل فلن تجد له ولياً
(1/121)

مرشداً) (و) في آي غيرها.
وهذا لا يلزم النحويين لأنهم إنما أرادوا من لغته إثبات الياء في الأيدي وأمثاله قد يحذفها في الضرورة لما ذكرناه.
وأما الألف الكائنة في آخر الكلمة فإن حذفها والاكتفاء بالفتحة منها قليل، ومنه قول رؤبة:
وَصّاني العَجّاجُ ... فيما وصّني
يريد: فيما وصاني. وإنما قال ذلك فيها لخفتها.
ومنه: حذف الياء والواو الواقعتين صلة لهاء الضمير المتحرك ما قبلها في الوصل، إجراء لها مجرى الوقف، نحو قول رجل من بأهلة:
أو معبر الظّهرِ ينبي عن وليته ... ما حجّ رَبّهُ في الدنيا ولا اعتمرا
وقول الشماخ:
(1/122)

له زجل كأنهُ صوتُ حادٍ ... إذا طلب الوسيقَة أو زَميرُ
وقول حنظلة بن مالك:
وأيقن أن الخيلَ أن تلتبسْ به ... تكن لفسيل النخل بعده آبر
وقول الأعشى:
وما له من مجد تليد وما له ... من الريح حظ لا الجنوب ولا الصبا
ألا ترى أن الواو قد حذفت من صلة هاء الضمير في: ربه، وكأنه، وبعده، وله من قوله: (ما له من مجد).
ونحو قول مالك بن حريم:
فإن يك غثاً أو سميناً فإنني ... سأجعل عينيه لنفِسه مَقْنَعَا
يريد: لنفسه، فحذف الياء واجتزأ بالكسرة.
فأما قوله تعالى: (نوله ما تولى ونصله جهنم) و (خيراً يره) و (شراً
(1/123)

يره) و (يرضه لكم)، فإنما حذفت صلة الضمير في جميع ذلك، لأنها قد كانت محذوفة قبل الجزم في: نوليه، ونصليه ويراه، ويرضاه. فلما حذفت الياء والألف، لم يعتد بالحذف فتركت صلة الضمير محذوفة على ما كانت عليه في الرفع. فلذلك (كان) حذف الصلة فيما جاء من هذا النوع جائزاً في سعة الكلام. وإنما يكون حذف الصلة ضرورة إذا لم يكن ما قبل هاء الضمير ساكناً في الأصل، كالأبيات التي تقدم ذكرها.
والأحسن إذا حذفت الصلة للضرورة أن يسكن الضمير، حتى يكون الوصل قد أجري مجرى الوقف إجراء كاملاً، نحو قوله:
وأشرب الماء ما بي نحوه عطش ... إلا لأن عيونَهْ سيل واديها
وقول الآخر:
فظلت لدى البيت العتيق أخيله ... ومطواي مشتاقان لَهْ أرقان
بل زعم أبو الحسن الأخفش أن حذف صلة الضمير وتسكينه لغة لأزد السراة.
(1/124)

وأما الألف الواقعة صلة لهاء ضمير المؤنث، فإن حذفها والاجتزاء بالفتحة عنها من قبيح الضرائر، نحو قول بعض العرب:
أما تقود به شاةُ فتأكلها ... أو أن تبيعَهَ في بعضِ الأراكيب
يريد: أو أن تبيعها.
وكذلك أيضاً حذفها في الوقف وإلقاء حركة الضمير على ما قبلها من قبيل الضرائر. ومن ذلك قوله:
فإني قد سئمت بدارِ قومي ... أموراً كنت في لَخْمِ أخافَهْ
يريد: أخافها، وقول الآخر:
ليس لواحدٍ ... على نِعمة
إلا ولا اثنين ... ولا أهمه
يريد: ولا أهمها، إلا أن الألف من (أخافها) و (أهمها) حذفت وسكنت الهاء ونقلت حركتها إلى الحرف الذي قبلها.
وربما فعلوا ذلك في سعة الكلام: حكى الفراء: (بالفضلِ ذو فضلكم الله به، والكرامة ذات أكرمكم الله به)، يريد: بها، فحذفت الألف ونقلت حركة الهاء إلى الباء.
ومنه: حذف الياء من (هي) والواو من (هو)، وهو أقبح من حذفها من صلة
الضمير المتصل، لأنهما متحركتان تثبتان وصلاً ووقفاً. فمن حذف الياء من (هي) قوله:
(1/125)

دار لسعدي إذْ ... هِ من هواكا
ومن حذف الواو من (هو) قول العجير السلولي:
فبيناه يشري رحله قال قائل ... لمن جَمَلُ رخو الملاطِ نجيب
وقول الآخر:
وأعطيه ما يرجو وأوليه سؤله ... وألحقه بالقوم حَتَاهُ لاحق
وقول الآخر:
بَيْنَاهُ في دار صدقٍ قد أقام بها ... حيناً يعللنا وما نعلله
ووجه ذلك إجراء الياء والواو مجرى الياء والواو المنصوبتين. والياء والواو المنصوبتان قد يسكنان في الضرورة، إجراء لهما مجرى الياء والواو المرفوعتين، على ما تقدم تبيينه، فسكنتا. كذلك صار (إذ هي) بمنزلة (عليهي)، و (بيناهو) و (حتاهو) بمنزلة (لهو)، فلما صارتا كذلك حذفت الياء واجتزئ بالكسرة (عنها)، والواو (واجتزئ) بالضمة عنها، إجراء الضمير المنفصل مجرى الضمير المتصل.
(1/126)

وكان حذف الياء والواو (منهما) أقبح من حذفهما من الضمير المتصل، لأنه لم يتوصل إلى حذفهما إلا بعد تسكينهما، وهو ضرورة. وأيضاً فإن حذفهما يؤدي إلى بقاء الضمير المنفصل على حرف واحد. وذلك قبيح، لأنه عرضة للابتداء، فلا أقل من أن يكون على حرفين: حرف يبتدأ به، وحرف يوقف عليه.
ومنه: الاجتزاء بالكسرة عن الياء التي هي ضمير، وبالضمة عن الواو التي هي ضمير أيضاً. فمن الاجتزاء بالكسرة عن الياء قوله:
أما ترضى عَدوتِ دون موتي ... لما في القلب من حنق الصدور
يريد: عدوتي، وقوله:
فما وجد النهدي وجداً وجدته ... ولا وجد العذري - قَبلِ - جميل
يريد: قبلي، وقوله:
ومن قَبْلِ نادى كل مولى قرابة ... فما عطفت يوماً عليك العواطف
يريد: قبلي.
ومن الاجتزاء بالضمة عن الواو قوله:
فلو أن الأطبا كانُ حولي ... وكان مع الأطباء الأساه
(1/127)

يريد: كانوا:
وقد يحذفان ويسكن ما قبلهما في الوقف. فمما جاء في ذلك في الياء قول لبيد:
إن تقوى ربنا خير نَفَلْ ... وبإذن الله ريثي وعَجَلْ
يريد: وعجلي، وقول الأعشى:
فهل يمنعنيَّ ارتيادي البلا ... دَ من حذر الموت أن يأتينْ
وقوله:
ومن شانئ كاسفِ لونه ... إذا ما انتسبت له أنكرنْ
يريد: أن يأتيني، وأنكرني.
وليس حذف الياء من (أنكرني) و (يأتيني) على حد حذف المفعول لفهم المعاني الجائز في فصيح الكلام، وإنما هو حذف بسبب الوقف، ولذلك أثبتت نون الوقاية، لأن الحذف للوقف عارض، فحكم للياء المحذوفة بحكمها لو كانت ملفوظاً بها.
ومما جاء من ذلك في الواو قوله:
لو أن قومي حين ... أدعوهم حَمَلْ
على الجبال الصم ... لا رفض الجبل
(1/128)

يريد: حملوا، وقوله:
شبوا على المجد ... وشابوا واكتهلْ
يريد: واكتهلوا، وقوله:
جزيت ابن آوى بالمدينة قرضه ... وقلت لشفاع المدينة أوجِفُ
يريد: أوجفوا.
ومنه: الاجتزاء بالحركات عن حروف المد واللين المجانسة لها في حشو الكلمة. فمما جاء من الاجتزاء بالضمة عن الواو قوله:
واتبعت أخراهم طريق أُلاَهُمْ ... كما قيل نَجْمُ قد خوى مُتَنابع
يريد: أولاهم، وقوله:
حتى إذا ابتلت ... حلاقيم الحُلقُ
يريد: الحلوق، وقوله:
كلمع أيدي مثاكيل مسلبة ... يندبن ضرس بنات الدهر والخُطب
(1/129)

يريد: الخطوب، وقوله:
إن الذي قضا ... بذا قاض حكيم
أن ترد الماء ... إذا غاب النُّجُم
يريد: النجوم.
ومما جاء بالاجتزاء بالكسرة عن الياء قوله:
وأنتم على رأس الطوىَ مَلاطمُ ... وأنتم لدى لحم الجزور لئام
يريد: ملاطيم، جمع ملطوم، وقوله:
وبدلت بعد الزعفران وردعه ... صدا الدرع من مستحكمات المَسامرِ
يريد المسامير، وقول أم البهلول:
رخو العقاص ... فاحم تباكره
بعنبر مصونة ... قوارِرُه
يريد: قواريره، جمع قارورة، وقول غيلان بن حريث:
والبكرات (الفسج) ... العَطَامِسا
(1/130)

يريد: العطاميس، جمع عيطموس، وهي الناقة الفتية العظيمة الحسناء وقول الآخر:
في فتية كلما تجمعت ال ... بيداء لم يهلعوا ولم يَهلعوا ولم يَخِموا
يريد: ولم يخيموا، وقول الآخر:
وغَيرِ سُفْعِ ... مُثلِ يَحَاممِ
يريد: يحاميم، جمع يحموم، وقول العجاج:
وكحل العينين ... بالعَواوِر
يريد: العواوير، جمع (عوار).
ومما جاء من الاجتزاء بالفتحة عن الألف قول رجل من شعراء حمير:
كأنما الأسد في عرينهم ... ونحن كالليل جاش في قَتَمِهُ
يريد: في قتامه، وقول الآخر، أنشده قطرب:
ألا لا بارك الله في سُهَيْل ... إذا ما الله بارك في الرجالِ
(1/131)

وقول الآخر، أنشده قطرب أيضا:
أقبل سيل جاء ... من عند الله
يَحْرِد حَرْدَ ... الجنة المُغِلّه
فحذفت الألف من اسم الله، وقول الآخر، أنشده أبو زيد:
أنا على طول ... الكلال والتّوَنْ
مما نقيم الميل ... من ذات الضفن
يريد: والتواني، وقول الآخر:
مثل النقا لبده ... ضرب الطّللْ
يريد: الطلال.
والاجتزاء بالفتحة عن الألف أقل من الاجتزاء بالكسرة عن الياء، و (بالضمة) عن الواو.
ومنه: تخفيف المشدد في القوافي، نحو قول امريء القيس:
لا وأبيك ابنة العامري ... (م) لا يدعي القوم إني أفرْ
(1/132)

وقوله في هذه القصيدة:
إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... (تحرقت) الأرض واليوم قَرْ
يريد: أفر، وقر.
وهو كثير قد جاء في عدة أبيات من هذه القصيدة. وإنما خفف ليستوي له بذلك الوزن وتطابق أبيات القصيدة. ألا ترى أنه لو شدد (أفر)، لكان آخر أجزائه على (فعول) - من الضرب الثاني من المتقارب، وهو يقول بعد هذا:
تميم بن مر وأشياعها ... وكندة حولي جميعاً صُبرْ
وآخر جزء من هذا البيت (فعل)، وهو من الضرب الثالث من المتقارب. وليس بالجائز له أن يأتي في قصيدة واحدة بأبيات من ضربين، فخفف لتكون الأبيات كلها من ضرب واحد.
وسواء في ذلك الصحيح والمعتل. ومن التخفيف في المعتل:
حتى إذا ما لم ... أجد إلا السّري
كنت امراءاً من ... مالك بن جَعْفرِ
يريد: السري، وقول امرأة من بني عقيل:
حَيْدَةُ خالي ... ولَقيط وعَلِي
(1/133)

وحاتم الطائي ... وهّاب المئي
يريد: وعلي، وقول عمران بن حطان:
يوماً يمانٍ إذا لاقيت ذا يمن ... وإن لقيت معدياً فعدناني
يريد: فعدناني، وقول العجاج:
أدركتها قدام ... كل مِدْرهِ
بالدفع عني درء ... كل عُنْجُهي
يريد: درء كل عنجهي، وقول الآخر:
عذرتك يا عيني الصحيحة بالبكا ... فما لك يا عوراءُ والهملاني
يريد: والدمع الهملاني، فحذف الموصوف وخفف.
وقد يحذف المشدد في الوقف ويحذف حرف بعده. ومن ذلك قول لبيد:
(1/134)

وقبيل من لكيز حاضر ... رهط مرجوم ورهط ابن المُعَلْ
يريد: المعلي، وقول النابغة:
إذا حاولت في أسد فجورا ... فإني لستُ منك ولستَ مِنْ
يريد: مني.
وقد يخففون المشدد في غير القوافي، إلا أن ذلك قليل. ومنه قول ابن رواحة الأنصاري:
فسرنا إليهم كافَة في رحالهم ... جميعاً علينا البَيْضُ لا يتخشع
(1/135)

يريد: كافة، وقول الآخر:
جزي الله الدّوَابَّ جزاء سوء ... وألبسهن من جِربِ قميصا
وقول الآخر، أنشده القتبي:
فيا ليت اللحى كانت حشيشا ... فَيعْلِفَها دَوَابُ المسلمينا
يريد: دواب، وقول (ابن قيس) الرقيات:
بكّى بعينك واكف القَطْرِ ... ابن الحواري العالِي الذكْرِ
يريد: ابن الحواري.
ومنه: ترخيم الاسم في غير النداء، إجراء له مجرى النداء عند الاضطرار إلى ذلك. وهو جائز باتفاق من النحويين على لغة من لا ينوي رد المحذوف، بل يجعل ما بقي من الاسم كاسم غير مرخم، نحو قول امرئ القيس:
لنعم الفتى تعشو إلى ضوءِ نارهِ ... طريفُ بنُ مالٍ لَيلةَ الجوع والخَصَرْ
يريد: ابن مالك، وقول الأسود بن يعفر:
وهذا ردائي عنده يستعيرهُ ... ليسلبني نفسي أمالُ بنُ حَنْظل
(1/136)

يريد: ابن حنظلة، وقول الآخر:
وقد (سقطت) ... مالكاً وحَنْظلا
وقول جميل:
بثين الزمي (لا) إن (لا) إن لزمته ... على كثرة الواشين أي مَعُون
يريد: أي معونة، وقول الآخر:
ليومِ رَوْعِ أو ... فَعَالِ مَكْرُمِ
يريد: مكرمة، وقول الآخر:
مالك لا تَنْهم ... يا فلاحُ
إن النهيم ... للسقاء راح
يريد: راحة.
(1/137)

واختلفوا في الترخيم على لغة من نوى رد المحذوف، فأجازه س وغيره من متقدمي النحويين، وأنشدوا شاهداً على جواز ذلك قول زهير:
خذوا حظكم يا آل عكرمِ واذكروا ... أواصرنا والرَّحْمُ بالغيب تذكر
يريد: عكرمة، فحذف التاء وأبقى المحذوف الذي كان قبلها على فتحة، لأنه نوى رد التاء المحذوفة.
ومنه قول جرير:
ألا أضحت حبالكم رماما ... وأضحت منك شاسعة أُمَاما
يريد: أمامة.
وأنكر ذلك أبو العباس المبرد. وتأول البيت الأول على أن يكون قد ذهب بـ (عكرم) فيه مذهب القبيلة، فمنع الصرف للتأنيث والتعريف. وزعم أن الرواية في البيت الثاني:
. . . . . . . . . ... وما عهدُ كعهدك يا أماما
وما تأوله في (عكرم) ممكن. وأما البيت الثاني فحجة عليه. وما ذكر أنه رواه:
(وما عهد كعهدك يا أماما)، وليس فيه طعن على رواية غيره.
(1/138)

ويدل أيضاً على جواز الترخيم في غير النداء على لغة من نوى رد المحذوف قول امرئ القيس:
وعمرو بن درماء الهمام الذي غزا ... بذي شُطب عضِب كمشية قسورا
يريد: قسورة. وقول ابن حبناء التميمي:
إنّ ابن حارثَ إن أشْتقْ لرؤيته ... أو أمتدحْهُ فإن الناس قد علموا
يريد: ابن حارِثة، وقول الآخر:
أبا عرو لا تَبْعَدْ فكل ابن حرِةٍ ... سيد عواه داعي موته فيجيب
يريد: أبا عروة. ألا ترى أن التاء في جميع ذلك قد حذفت وبقى الحرف الذي كان قبلها على فتحه.
ومثل ذلك أيضاً قول الآخر، أنشده الفراء:
وما أدري وظَنّي كُلّ ظَنِ ... أمسلمني إلى قومي شَرَاحي
(1/139)

(فرخمه) بحذف آخره وحرف العلة الزائد قبله، وأبقى الحرف الذي كان قبلها، وهو الحاء، على حركته، على حد قولهم في ترخيم منصور: يا منص.
وقد يجيء حذف آخر الاسم في غير النداء، وأعني بذلك النكرة التي ليس في آخرها تاء تأنيث. والاسم المعرف بالألف واللام، نحو قول كثير:
خليلي أنْ أم الحكيم تباعدت ... فأخلت بخيمات العُذَيْب ظلالها
يريد: العذيبة، فرخمها وفيها الألف واللام، وقول الآخر:
أناس تنال الماء قبل شفاههم ... لهم واردات الغُرضِ شم الأرانب
يريد: الغرضوف فرخمه، وفيه الألف واللام، بحذف آخره وحرف العلة الزائد قبله، وقول عدي:
ليس حي على ... المنون بخالِ
يريد: بخالد، فرخمه، وهو نكرة ليس فيه تاء التأنيث، وقول الآخر:
تحاذر وقع السوط خوصاء ضمها ... كلال فجالت في حِجا حاجبٍ ضُمْرِ
يريد: في حجاج حاجب، فرخمه، وهو أيضاً نكرة ليست فيه تاء تأنيث.
(1/140)

وربما جاء شيء من ذلك في الكلام شاذاً: حكى ابن الأعرابي: (هم بين حاذِ وقاذ، يريدون: بين حاذف وقاذف، فرخما، وهما نكرتان ليس في واحد منهما تاء تأنيث.
وكأن (ما) جاء من ذلك مشبه بما شذوا فيه في النداء فرخموه وهو نكرة ليست فيه تاء، نحو قولهم: يا صاح، يريدون: يا صاحب.
والترخيم في هذا النوع أقل من الترخيم فيما قبله.
وربما حذفوا آخر الاسم المبني والحرف، تشبيهاً بالاسم المعرف، إلا أن ذلك قليل جداً. ومنه قوله:
أو راعيان لبعران شردن لنا ... كي لا يحسان من بعراننا خبرا
يريد: كيف لا يحسان، وقول الآخر:
وطرفك أما جئتنا فاصرفنه ... كما يحسبوا أن الهوى حيث تنظر
يريد: كي ما، فحذف آخر (كي)، وقول عدي بن زيد:
فإن أهْلكْ فسَوْ تجدون فقدي ... وإن أسلم يطب لكم المعاشُ
يريد فسوف.
(1/141)

وقد يحذفون من آخر الكلمة أكثر من حرف واحد على غير مذهب ترخيم الاسم، إذا اضطروا إلى ذلك، وهو أيضاً قليل جداً لا يجوز القياس عليه، نحو قول علقمة:
كأنّ إبريقَهم ظبي على شرفٍ ... مفدمُ بسبا الكتانَ مَلْثُوم
يريد: بسبني الكتان، فحذف النون والياء المشددة وزاد ألفاً للإطلاق، أو بسبائب الكتان، فحذف الهمزة والباء، وقول لبيد:
دَرَس المَنَا بمتالع فأبانِ ... . . . . . . . . .
يريد: المنازل، وقول الأخطل:
كانت مَنَاها بأرضِ ما يبلغها ... بصاحِب الهمّ إلا الناقَةُ الأجُدُ
يريد: منازلها، وقول أبي داود:
(1/142)

يبدين جندل (حائر) لجنوبها ... فكأنما (تذكي) سنابكها الحبا
يريد: الحباحب، وقول العجاج:
قواطنا مكة ... من ورق الحَمِي
يريد: الحمام، فحذف الألف والميم المتطرفة، فصار (اللحم) - على حرفين، ثم خفضه لإضافة (ورق) إليه. على ذلك حمله س وأكثر النحويين.
وذهب أبو العلاء المعري إلى أنه أراد من ورق الحمام الحمي، أي المحمي، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه وخفف الياء المشددة، فقال: من ورق الحمي. ففي البيت على مذهبه ضرورتان: إحداهما حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، مع أن الصفة غير خاصة بجنس الموصوف لأن (الحمي قد) يوصف بها (غير) الحمام. وذلك غير جائز في سعة الكلام: لا يجوز أن تقول: مررت بطويل، تريد: برجل طويل، لأن الطول صفة غير خاصة بالرجل، إذ قد
يوصف به غيره. والأخرى: تخفيف الياء المشددة.
وقد يجيء الحذف في حشو الكلمة، إذا اضطر إلى ذلك، إلا أن يكون من الندور بحيث لا يلتفت إليه، نحو قوله:
(1/143)

حين ألقت بقباء بركها ... واستحر القتل في عبد الأشَلْ
يريد: عبد الأشهل من الأنصار.
ووجه ذلك أنه شبه الهاء بالهمزة لمقاربتها لها في المخرج، فحذفها وألقى حركتها على الساكن قبلها، كما يفعل بالهمزة في (شمأل) و (ملأك) ونحوهما. ألا ترى أنك إذا خففت الهمزة منهما قلت: شمل وملك.
وأما نقص الكلمة فمنه: إضمار حرف الخفض وإبقاء عمله من غير أن يعوض منه شيء، نحو قوله:
لاهِ ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني
يريد: لله ابن عمك، وقوله:
رأين خليسا بعد أحوى تلعب ... بفوديه سبعون السنينَ الكواملِ
يريد: سبعون من السنين الكوامل، وقوله:
رسم دارِ وقفتُ في طَلَلهْ ... كدت أقضي الحياة من جَلله
(1/144)

يريد: رب رسم دار، وقول ذي الرمة:
أصهبَ يمشي ... مِشْيَةً الأمير
لا أوطف الرأس ... ولا مقرورِ
يريد: رب أصهب، وهو أول الرجز، (وقوله):
فأما تعرضن أميم عني ... وينزعك الوشاة أو لو النياط
فحور قد لهوت بهن عين ... نواعم في المروط وفي الرياط
يريد: فرب حور، فأضمر (رب) بعد الفاء التي هي جواب الشرط.
ولا يجوز شيء من ذلك في سعة الكلام، إلا في اسم الله تعالى في القسم، فإنه قد يحذف منه حرف الجر ويبقى عمله تخفيفاً لكثرة الاستعمال، فيقال: الله لأفعلن، بخفض اسم الله. ومن ذلك قوله:
ألا رب من تغشته الله ناصح ... ومن قلبه لي في الظباء السوانح
في رواية من رواه بخفض اسم الله، أو في شذوذ من الكلام، نحو ما روى عن رؤبة من أنه كان يقال له: (كيف أصبحت، عافاك الله)، فيقول: (خير والحمد الله)، يريد: على خير.
ومنه: حذف حرف الخفض من المعمول ووصول العامل إليه بنفسه
(1/145)

للضرورة، تشبيهاً له بالعامل الذي يصل بنفسه، نحو قول جرير:
تمرون الديارَ ولم تعوجوا ... كلامكم عليَّ إذاَ حرام
يريد: على الديار، وقول النابغة:
فبت كأن العائِدات فرشنني ... (هراساً) به يُعلي فراشي ويُقشَب
يريد: فرشن لي، فحذف اللام وأوصل الفعل إلى الضمير بنفسه. ومثل ذلك قول الآخر:
تحن فتبدي ما بها من صَبَابةٍ ... وأخفي الذي لولا الأسا لقضاني
يريد: لقضي علي، وقول الآخر:
ما شُقّ جيبُ ولا ناحتك نائحة ... ولا بكتك جياد غير أسلاب
يريد: ولا ناحت عليك، وقول زيد بن عامر:
(1/146)

بخلت فطيمة بالذي يرضيني ... إلا الكلام وقلما يُجْديني
يريد: يجدي علي، وقول الآخر، لأنشده أبو زيد:
كأن عينيّ ... وقد بانوني
غربان في جدول ... منجنون
يريد: بانوا عني.
ومنه: العطف على ضمير الخفض المتصل من غير إعادة الخافض، تشبيهاً له بالعطف على الظاهر، نحو قوله:
الآن قربت تهجونا وتشتمنا ... فأذهب فما بك والأيام من عجبِ
يريد: وبالأيام، وقوله:
آبكَ، آية بي ... أو مُصَدّرِ
من حُمُر الجِلّةِ ... جَأبِ حَشْورِ
(1/147)

يريد: أو بمصدر، وقوله:
وقد رام آفاق السماء فلم يجد ... له مصعداً فيها ولا الأرض مقعدا
يريد: ولا في الأرض، وقوله:
ما إن بها والأمورِ من تلفِ ... ما حم من أمر غيبه وقعا
يريد: وبالأمور، وقوله:
أمرُّ على الكتيبة لا أبالي ... أفيها كان حتفي أم سواها
يريد: أم في سواها، وقوله:
هلاّ سألت بذي الجماجم عنهم ... وأبي نعيمٍ ذي اللوا المتخرق
يريد: وعن أبي نعيم، وقوله:
أو بين ممنون عليه وقومه ... إن كان شاكرها وإن لم يشكر
يريد: وعلى قومه، وقوله:
أريحوا البلاد منكم ودبيبكم ... بأعراضكم مثل الإماء الولائد
يريد: ومن دبيبكم، فحذف حرف الجر من جميع ذلك للضرورة. ومثل ذلك قوله:
تُعَلّق في مثل السواري سيوفُنا ... فما بينها والأرض (غوط) نفانف
(1/148)

فعطف (الأرض) على الضمير المخفوض بـ (بين)، من غير أن يعيدها. التقدير:
وبين الأرض.
ولا يجيء (شيء) من ذلك في سعة الكلام عند المحققين من البصريين. والكوفيون (يجيزونه). فأما قوله تعالى: (وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين)، فـ (من) في موضع نصب، والمعنى: جعلنا لكم فيها معائش والعبيد والإماء. وأما قراءة من قرأ: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام)، فمن العطف على ضمير الخفض من غير إعادة خافض، لأن المعنى: تساءلون به وبالأرحام. وهو بمنزلة قول العرب: أسألك بالله وبالرحم. وهي قراءة ضعيفة لما ذكرناه من أن العرب لا تعطف مخفوظاً على مخفوض قد كنى عنه إلا في الشعر لضيقه.
ومنه: إضمار الجازم وإبقاء عمله، وهو أقبح من إضمار الخافض وإبقاء عمله، لأن عوامل الأفعال أضعف من عوامل الأسماء. فمما جاء في ذلك قوله:
محمد تَفْدِ نفسَك كلّ نفس ... إذا ما خفت من شيءٍ تَبَالا
(1/149)

يريد: لتفد نفسك، وقوله:
قلت لبوابٍ ... لديه دارُها
تِيذَنْ فإني ... حَمْؤها وجَارها
يريد: لتيذن، وقوله، أنشده الفراء:
من كان لا ... يزعم أني شاعرُ
فَيَدْنُ مني ... تنهه الزواجرُ
يريد: فليدن، وقوله:
على مثل أصحابِ البعوضة فاخمشي ... لك الويل حر الوجه أو يبكِ من بكا
يريد: أو ليبك، وقوله:
فقلت ادعى وأدعُ فإن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان
يريد: ولأدعُ، فحذف الجازم في جميع ذلك، وهو لام الأمر للضرورة.
(1/150)

ومنه: إضمار (أن) الناصبة وإبقاء عملها من غير أن يعوض منها شيء، تشبيهاً لها بإضمار بعد (الحروف) التي جعلت عوضاً منها، وأعني بذلك الحروف التي ينتصب الفعل بعدها بإضمار (أن).
فمما جاء من ذلك قوله:
فلم أر مثلها خباسة واحدٍ ... ونهنهت نفسي بعد ما كدت أْفَعَله
يريد: أن أفعله، وقوله:
وحَقّ لمن أبو بكر أبوه ... يوفقَه الذي رفع الجبالا
يريد: أن يوفقه، وقول طرفة:
ألا أيهذا الزاجري أحْضُر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
في رواية من رواة: أحضر، بالنصب، يريد: أن أحضر، وقول أبي طالب:
(1/151)

لقد خفت إن لم يصلح الله أمركم ... تكونوا كما كانت أجاديث وائل
يريد: أن تكونوا.
وقد استعمل ذلك أبو الطيب، فقال:
وكلما لقي الدينار صاحبه ... في كفه افترقا من قبل يصطحبا
ولا يجوز ذلك في سعة الكلام. فإن جاء شيء منه حفظ ولم يقس عليه لشذوذه. حكي من كلامهم: (مره يحفرها)، (ولابد من تَتَبعها)، و (خذ اللص قبل يأخذك)، بنصب يحفرها، وتتبعها، ويأخذك.
وزعم الطبري أن العرب تقول: (تصنع ماذا،) و (تفعل ماذا) بنصب (تصنع) و (تفعل)، لأن معناه: تريد أن تصنع ماذا، وتريد أن تفعل ماذا، فنصبوه بهذا المعنى. فإذا قالوا: تريد ماذا، لم ينصبوا (تريد)، لأنه لا يستقيم أن تقول: تريد أن تريد ماذا، لأن الإرادة لا تراد. وهذا شيء لا أعلم أن أحداً حكاه غيره.
ومنه: استعمال الفعل الواقع في موقع خبر (عسى) بغير (أن)، نحو قول مالك ابن الريب:
(1/152)

وماذا عسى الحجاج يبلغُ جهده ... إذا نحن جاوزنا حفير زياد
وقول هدبة بن خشرم:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكونُ وراءه فرجُ قريبُ
وقول الآخر:
فأما كيسُ فنجا ولكن ... عسى يَغْتَرّ بي حَمِقُ لئِيمُ
وقول الآخر:
عَسَى الله يُغْني عن بِلادِ بن قادرِ ... بمنهمر جون الربابِ سكوبِ
كأن الوجه أن يقال: وماذا عسى الحجاج أن يبلغ جهده، وعسى الكرب الذي أمسيت فيه أن يكون، وعسى أن يغتر بي، وعسى الله أن يغني.
وما ذكرته من استعمال الفعل الواقع في موضع خبر (عسى) بغير (أن) ضرورة، هو مذهب الفارسي وجمهور البصريين. وظاهر كلام س يعطي أنه جائز في الكلام، لأنه قال: (واعلم أن من العرب من يقول: عسى يفعل، يشبهها بكاد)، فأطلق القول ولم يقيد ذلك بالشعر. إلا أنه
(1/153)

لا ينبغي أن يحمل كلامه على عمومه، لما ذكره أبو علي من أنها لا تكاد تجيء بغير (أن) إلا في ضرورة. وأيضاً فإن القياس يقتضي أن لا يجوز ذلك إلا في الشعر، لأن استعمالها بغير (أن) إنما هو بالحمل على (كاد)، لشبهها بها من حيث جمعتها المقاربة، و (كاد) محمولة في استعمالها بغير (أن) على الأفعال التي هي للأخذ في الفعل، نحو: جعل يفعل، وطفق يفعل، من جهة أنها لمقاربة ذات الفعل، فقربت لذلك من الأفعال التي هي للأخذ في الفعل. وليست (عسى) كذلك، لأنها فيها تراخياً، ألا ترى أنك تقول: عسى زيد أن يحج العام الآتي. وإنما عدت في أفعال المقاربة مع ما فيها من
التراخي، من جهة أنها تدخل على الفعل المرجو، والفعل المرجو قريب بالنظر إلى ما ليس بمرجو. فلما كانت محمولة في استعمالها بغير (أن) على ما هو محمول على غيره، ضعف الحمل فلم يجيء إلا في الضرورة.
ومنه: حذف حرف النداء من النكرة المقبل عليها، نحو قول (الراجز):
جارِيَ لا ... تستنكري عذيِري
يريد: يا جاري، وقول أبي نخيلة:
إذا اعوججن قلت ... صاحبْ قوم
يريد: يا صاحب، وقوله، أنشده الأصمعي:
كليه وجريه ضَباعِ وابشري ... بلحم امرئٍ لم يشهد اليومَ نَاصره
(1/154)

يريد: يا ضباع، وقول الآخر:
فقلتُ له عطارُ هلا أتيتنا ... بدُهْن الخُزَامي أو بخوْصَة عرْفج
يريد: يا عطار.
وهو في الشعر كثير. وقد جاء شيء منه في الكلام، قالوا: (افتد مَخْنُوق، وأطرق كرا، وأصبح ليلُ). إلا أن ما جاء منه شاذَ يحفظ ولا يقاس عليه. وإنما لم يجز الحذف في سعة الكلام، لأن قولك: (يا رجل) أصله: يا أيها الرجل، فحذفت الألف واللام و (أي)، لأنها وصلة لما فيه الألف واللام، فانحذفت بحذفهما وصارت (يا) عوضاً من الألف واللام المحذوفة. ويعرف بها الاسم لنيابتها مناب أداة التعريف، فلو حذفت (يا) بعد ذلك لكثر الحذف، وكثرته إجحاف.
ومنه إضمار (لا) النافية غير الداخلة على الفعل المستقبل في جواب القسم، نحو قول النمر:
وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم ... تلاقونه حتى يؤوب المُنَخّلُ
يريد: لا تلاقونه، وقول أبي ذؤيب:
وأنسى نشيبةَ والجاهلُ ال ... مُغمّر يحسب أني نَسي
يريد: ولا أنسى نشيبة، وقول الآخر:
(1/155)

تنفكّ تسمع ما حيي ... ت بهالكِ حتى تَكُونَهْ
يريد: لا تنفك.
وأما حذفها من الفعل المستقبل الواقع جواباً للقسم فجائز في سعة الكلام، نحو قوله تعالى: (تالله تفتأ تذكرُ يوسف)، المعنى: لا تفتأ.
ومما حذفت منه أيضاً ضرورة في غير الفعل قول أوس بن حَجر
حتى إذا الكَلاّبُ قال لها ... كاليومِ مَطْلُوباً ولا طلَبا
يريد: لا كاليوم مطلوباً ولا طلباً، وقول الآخر:
رأيتك يا بن الحارثية كالتي ... صناعتها أبقت ولا الوهى ترقع
يريد: لا صناعتها أبقت.
ومنه: حذف (ما) النافية. وهو قليل جداً. وهو قوله:
لعَنْرُ أبي دهماء زالت عزيزة ... على قومها ما فتل الرند قادح
يريد: ما زالت عزيزة.
ومنه: حذف النون الداخلة على الفعل المضارع وإبقاء اللام، نحو قوله:
(1/156)

تألى ابن أوس حلفة لَيُرّدني ... إلى نسوةٍ كأنهنّ مفائد
يريد: ليردنني. وقوله:
لَينْجُو من ملامتها وكانوا ... إذا شَهِدوا العظائم لم يُليموا
يريد: لَيْنُجنّ.
ومنه: إثبات النون الداخلة على الفعل المضارع للتأكيد وحذف اللام، أنشد يعقوب:
فَليأزِلَنّ (ويبْكؤن) لقاحه ... ويعللَنَّ وليده بسمارِ
يريد: وليبكؤن، وليعللن، وقوله:
ليت شِعْري وأشْعُرَنّ إذا ما ... قربوها منشورة ودُعِيتُ
يريد: ولأشعرن، وقوله:
وقتيل مرة أثأرن فإنه ... فِرغُ وإن أخاهم لم يقصد
(1/157)

يريد: لأثأرن.
ومنه: حذف همزة الاستفهام إذا أمن اللبس للضرورة، نحو قول امرئ القيس:
أحارِ ترى برقاً أريك وميضه ... كلمع اليدين في حَبِيَّ مُكَللِ
يريد: أترى، وقول الكميت:
طَربتُ وما شوقاً إلى البيض أطرب ... ولا لَعباً مني وذو الشيب يَلْعب
يريد: أو ذو الشيب يلعب، وقول الآخر:
أصبحت فيهم آمناً لا كمعشر ... أتوني وقالوا من ربيعة أو مُضَرْ
يريد: أمن ربيعة أو مضر.
وأكثر ما يوجد ذلك مع (أم)، لأن فيها دلالة عليها، نحو قوله:
لَعَمْرُكَ ما أدري، وإن كنت دارياً ... بسبغٍ رمين الجمر أم بثمان
يريد: أبسبع، وقوله:
(1/158)

لعمرك ما أدري وإن كنت دارياً ... شعيثُ بن سَهمْ أم شعيثُ بن منْقِرِ
يريد: أشعيث بن سهم.
وقد حذفت مع (أم) في الشاذ في قراءة ابن محيصن: (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم) بهمزة واحدة من غير مد.
وكأن الذي سهل حذفها كراهية اجتماع الهمزتين مع قوة الدلالة عليها ألا ترى أن (سواء) تدل عليها بما فيها من معنى التسوية، إذ التسوية لا تكون إلا بين اثنين، ويدل عليها مجيء (أم) من بعد ذلك.
فأما قول عمر بن أبي ربيعة:
ثم قالوا تحبها قلت بَهْراً ... عَدَد النجم والحصا والترابِ
فليس على حذف الهمزة كما ذهب إليه بعضهم، لعدم الدليل على ذلك. وإنما قالوا له: أنت تحبها، قد علمنا ذلك وتحققناه منك.
(1/159)

ومنه: حذف الفاء من جواب الشرط إذا كانت جملة اسمية أو فعلاً مرفوعاً، لأنه إذ ذاك في تقدير جملة اسمية، نحو قوله:
من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله مثلان
يريد: فالله يشكرها، وقوله:
أأبي لا تبعد فليس بخالد ... حي ومن تصب المنون بعيد
يريد: فهو بعيد، فأضمر المبتدأ وحذف الفاء، وقوله:
يا أقرعَ بن ... حابس يا أقرعُ
إنك إن يُصْرعْ ... أخوك تُصْرَعُ
يريد: فتصرع، أي فأنت تصرع، وقوله:
فقلت تَحَمْل فوق طَوْقَكَ إنَها ... مُطَبّعة مَنْ يأتِها لا يَضِيرُها
(1/160)

يريد: فلا يضيرها، أي فهو لا يضيرها.
ومنه: حذف حرف العطف إذا دل المعنى عليه، نحو قوله، أنشده أبو الحسن الأخفش:
كيف أمسيتَ كيف أصبحتَ مما ... يزرع في فؤاد الكريم
يريد: وكيف أصبحت، وقوله:
فأصبحن ينشرن آذانهن ... في الطرح طرفاً شمالاً يميناً
يريد: ويميناً، وقوله، وأنشده ابن الأعرابي:
ما لي لا أُسْقَى ... على علاتي
صبائحي غبايقي ... قَيَلاتي
يريد: صبائحي وغبايقي وقيلاتي، وقوله:
ضرباً طِلَخْفاً ... في الطّلَى (سَخِينا)
يريد: و (سخينا). والطلخف أشد من (السخين).
ومنه: استعمال (أما) غير مكررة من غير أن يأتي معها شيء يؤدي عن معناها فيستغني به عن تكرارها، نحو قول الفرزدق:
(1/161)

نهاضُ بدارٍ قد تَقَادمَ عَهْدها ... وأما بأموات ألم خيالُها
يريد: إما بدار.
ومن ذلك عند (س) قول النمر:
سقته الرواعد من صَيّفِ ... وإن من خريفِ فلن يعدما
يريد: أما من صيف وأما من خريف، فحذف (أما) الأولى و (ما) من (أما) الثانية فظهرت النون لأن (أما) مركبة من (أن) و (ما). وإنما قلبت النون لأجل الإدغام، فلما حذفت (ما) زال موجب قلب النون ميماً، وهو الإدغام، وظهرت.
فإن جئت مع (أما) بما يغني عن تكرارها، جاز أن تستعمل غير مكررة في الكلام والشعر، فتقول: أما أقعد وإلا فقم، وقام إما زيد أو عمرو.
ومن ذلك قول المثقب العبدي:
(1/162)

فأما أن تكونَ أخي بحقٍ ... فأعرف منك غَثّي أو سميني
وإلا فاطرحني واتخذني ... عدواً أتقيك وتتقيني
وقول الآخر:
إما مشيفُ على مجدٍ ومكرمة ... أو أسرةُ لك فيمن يُهلكُ الورق
ومنه: مباشرة الفعل المضارع لـ (أن) المخففة من الثقيلة وحذف الفصل، نحو قول الشاعر، أنشده الفراء عن القاسم بن معن قاضي الكوفة:
إني زعيم يا نوي ... قة إن سلمت من الرزاح
أن تهبطين بلادَ قو ... م يُرْتَعُون من الطّلاحِ
وقول الآخر:
يا صاحبي فدت نَفْسي نُفُوسكما ... وحيثما كنتما لاقيتما رشدا
أن تقرآن على أسماء ويحكما ... مني السلام وأن لا تشعرا أحدا
(1/163)

وقول الآخر:
إذا كان أمر الناس عند عجوزهم ... فلابد أن يلقون كل يَبابِ
وقول (تميم).
أبي الناسُ ويبَ الناس أن يشترونها ... ومن يَشْتَري ذا علة بصحيح
وقول الآخر:
وإني لأختار القرى طاوي الحشا ... محاذرة من أن يقالُ لئيم
قال أبو بكر بن الأنباري: (رواه الكسائي والفراء عن بعض العرب برفع يقال):
ولا يحسن شيء من ذلك في سعة الكلام حتى يفصل بين (أن) والفعل بالسين أو (سوف) أو (قد) في الإيجاب، وبـ (لا) في النفي. فإن جاء شيء منه في الكلام حفظ ولم يقس عليه، نحو قراءة (ابن) مجاهد: (لمن أراد أن يتم الرضاعة) برفع (يتم).
(1/164)

ومن النحويين من زعم أن (أن) في جميع ذلك هي الناصبة للفعل، إلا أنها أهملت حملا على (ما) المصدرية، فلم تعمل لمشابهتها لها في أنها تقدر مع ما بعدها بالمصدر.
وما ذكرته - قبل - من أنها مخففة من الثقيلة أولى. وهو مذهب الفارسي وابن جني، لأنها هي التي استقر في كلامهم ارتفاع الفعل المضارع بعدها.
ومنه: حذف المضاف من غير أن يقام المضاف إليه مقامه، نحو قوله:
رحم الله أعظماً دَفَنوها ... بِسِجسْتانَ طلحة الطلحاتِ
في رواية من خفض (طلحة)، يريد: أعظم طلحة الطلحات، فحذف المضاف الذي هو (أعظم) لدلالة (أعظم) المتقدم الذكر عليه، ولم يقم المضاف إليه، وهو طلحة، مقامه، بل أبقاه على خفضه.
ومثله قول عنترة في إحدى الروايتين:
وكالورقِ الخُفافِ وذات غرب ... ترى فيها عن الشَّرع ازورارا
يريد: وكالورق ورق الخفاف، فحذف المضاف، وهو (ورق) لدلالة الورق عليه. ولا يمكن أن يكون (الخفاف) بدلاً من الورق، لأنه أعم منه، وقول امرئ القيس في إحدى الروايتين أيضاً:
(1/165)

قعدت له وصحبتي بين ضارج ... وبين تلاع بثلثِ فالعرض
يريد: تلاع يثلث، فحذف المضاف الذي هو (تلاع) لدلالة (تلاع) المتقدم الذكر عليه. وإنما لم يكن بد من تقدير حذف المضاف، لأنه لا يمكن إبدال (يثلث) و (العريض) من (تلاع)، لأنهما أعم منه. ألا ترى أن التلاع بعضهما، وقوله:
يا نُعْمَها ليلةً حتى تَخوّنَها ... داعٍ دعا في فُرُوع الصّبح شحَّاج
يريد: دعاء شحاج، فحذف المضاف الذي هو (دعاء) لدلالة (داع) عليه. ألا ترى أنه لا يمكن أن يكون (شحاج) صفة ل (داع)، لأنه مخفوض و (داع) مرفوع.
ومثل ذلك في مثل قول أبي دؤاد:
أكل امرئ تحسبين امرءاً ... ونارِ تَوَقّدُ بالليلِ نارا
يريد: وكل نار، فحذف (كلا) لدلالة (كل) المتقدم عليه. وأما الأخفش فيجعل (ناراً) المخفوض معطوفاً على (امرئ) المخفوض، و (ناراً) المنصوب معطوفاً على امرئ المنصوب، ولا يتكلف إضمار (كل) لأنه يجيز العطف على عاملين.
وإن جاء شيء من هذا النوع في الكلام حفظ ولا يقاس عليه، نحو ما حكاه الفراء عن بعض العرب أنه قال: (أما والله لو تعلمون العلم الكبيرة
(1/166)

سنه الدقيق عظمه)،
يريد: لو تعلمون العلم علم الكبيرة سنه. فحذف (علماً) لدلالة (العلم) عليه. ونحو ما حكى الكسائي عن بعض العرب أنه قال: (أطعمونا) لحمياً سميناً شاة ذبحوها)، يريد: أطعمونا لحماً سميناً - لحم شاة ذبحوها. فحذفت (لحماً) لدلالة (لحم) المتقدم عليه.
ومن هذا النوع عند (س): (ما كل سوداء تمرة بيضاء شحمة)، فحذف (كل) لدلالة (كل) المتقدم عليه. والأخفش يجعله من العطف على عاملين كما تقدم.
ومنه: حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه من غير أن يدل عليه، معنى الكلام، بل شيء خارج عنه، نحو قول ذي الرمة:
عشية فرّ الحارِثيون بعدما ... قضى نَحْبه في مُلتقى القومِ هَوْبرُ
يريد: ابن هوبر. قال ابن الكلبي: (هو يزيد بن أوبر)، وقول أوس:
فهل لكم فيها إليَّ فإنني ... بصير بما أغيا النطاسي حِذْيما
(1/167)

يريد: ابن حذيم وهو طبيب كان في الجاهلية، وقول الصلتان:
أرى الخَطفي بذ الفرزدقَ شعرُهُ ... ولكن خيراً من كليبٍ مَجَاشِع
يريد: ابن الخطفي، وهو جرير، والخطفي جده، وقول النابغة:
وكل صَمُوتٍ نَثْلَةٍ تَبّعيه ... ونَسج سُلَيمٍ كلَّ قضَاَء ذَائل
يريد: أبا سليم، وهو داود، لأنه هو الذي صنع الدروع، وسليم: تصغير (سليمان)، صلوات الله عليه، تصغير ترخيم.
ومثله قول الحطيئة:
فيه الرماح وفيه كل سابغة ... بيضاء محكمة من صنع سلام
يريد: من صنع أبي سلام، وأراد بسلام سليمان، صلوات الله عليه.
(1/168)

ومن ذلك أيضاً قول الراجز:
صبحن من كاظمة ... الخص الخَربُ
يحملن عَبّاسَ بنَ ... عبدِ المطلبْ
ومنه: حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه في الموضع الذي يقبح ذلك فيه في سعة الكلام، نحو قوله:
عباس يا الملك المتوج والذي ... عرفت له بيت العلا عدنانه
يريد: يا أيها الملك، وقوله:
فيا الغلامان ... اللذان فرا
إياكما أنْ ... تُكْسِباني شَراً
يريد: فيا أيها الغلامان.
وإنما قبح ذلك فلم يستعمل إلا في الشعر لما يؤدي إليه من مباشرة ما فيه الألف واللام حرف النداء، وذلك لا يجوز في الكلام فيما عدا اسم الله تعالى.
ومثل ذلك قول الآخر:
من أجلك يا التي تيمت قلبي ... وأنت بخيلة بالوصل عني
(1/169)

يريد: يا أيها التي، ونحو قوله:
وقُصْري شَنِج الأنْسا ... ءِ نباحِ مِن الشُّعْبِ
يريد: قصري ثور شنج الأنساء.
وإنما لم يجز حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه في هذا البيت وأمثاله، لأن الصفة التي هي (شنج) غير خاصة بجنس الموصوف المحذوف. ألا ترى أن (شنج النسا) يوصف به الفرس والغزال وغيرهما، والصفة إذا كانت غير خاصة بجنس الموصوف لم يجز حذفها وإقامتها مقامه في الكلام. وقد تقدم تبيين ذلك في فصل نقص الحرف.
ومنه: حذف الموصوف وإبقاء الصفة وهي جملة أو مجرور، نحو قوله:
مالك عندي غيرُ ... سَهْمٍ وحَجَرْ
وغَيْرُ كبداء ... شديدةِ الوتَرْ
(1/170)

جادت بكفّيْ كان ... من أرمى البَشَرْ
يريد: بكفي شخص كان من أرمى البشر، وقوله:
لو قلت ما في ... قومها لم تِيثَم
يَفْضُلُها في ... حَسَبٍ وميسِم
يريد: أحد يفضلها.
وهو مع (من) أحسن منه مع غيرها، نحو قول النابغة:
كأنك من جمالِ بني أُقَيْشٍ ... يُقَعْقَعُ خلف رجليه بِشَنّ
يريد: كأنك جمل من جمال بني أقيش، وقول ذي الرمة:
فَظَلوا ومنهمْ دمعه سابق له ... وآخر يثني دمعة العَيْن بالمهل
يريد: ومنهم فريق دمعه سابق له، وقول الآخر:
(1/171)

لكم مسجداً الله المزوران والحصا ... لكم (قبصه) من بَسْن أْثرى وأقْترا
يريد: من بين رجل أثرى ورجل أقتر، وقوله:
فعاش ولم يُوتَرْ ومات ولم يَدَعْ ... من الناس إلا من أبات على وِتْرِ
يريد: إلا شخصاً قد أبات على وتر، وقوله:
وما الدّهْرُ إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبْتغي العَيْشَ أكدحُ
يريد: فمنهما تارة أموت فيها، فحذف الموصوف والضمير العائد عليه من صفته.
وربما جاء ذلك في الكلام مع (من)، نحو قولهم: (منا ظعن ومنا أقام) يريدون: منا فريق ظعن ومنا فريق أقام. وإنما حسن حذفه مع (من) لأنها بمعنى بعض، فكأنهم قالوا: بعضنا ظعن وبعضنا أقام.
ومنه: حذف الضمير الرابط للصلة بموصول غير (أي)، أو للصفة
(1/172)

بالموصوف إذا كان الضمير مبتدأ مخبراً عنه باسم غير ظرف ولا مجرور، ولم يكن في
الصلة ولا في الصفة طول.
فمما جاء من ذلك في الصفة قوله:
وهن علي خَدّيْ شَبِيب بنِ عامرِ ... أثرن عَجَاجاتٍ سنايكها كُدْرُ
يريد: هي كدر، أي العجاجات، وقوله:
إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... عاراً عليك ورُبّ قتلٍ عارُ
يريد: ورب قتل هو عار.
ومما جاء في الصلة قوله:
لم أر مثل الفتيان في غير ال ... أيام ينسون ما عواقُبها
يريد: ما عواقبها.
فإن كان في الصلة أو في الصفة طول جاز حذفه في الكلام والشعر، نحو قولك: مررت برجل ضارب زيداً، تريد: هو ضارب زيداً، ومررت بالذي شاتم عمراً، تريد: هو شاتم عمرا، لأن الصفة والصلة قد طالتا بمعمول الخبر.
(1/173)

فمما جاء من ذلك في الصفة قول عمر بن أبي ربيعة:
قلت أجيبي عاشقاً ... بحبكم مكلفُ
يريد: هو بحبكم مكلف، وقول الآخر:
أقلب في بغداد عيني لا أرى ... سنا الصبح أو ديكاً ببغداد صائح
بلاد بها كانت شكاتي فلم أعد ... ولو مت ما قامت عليَّ النوائح
يريد: أو ديكاً هو ببغداد صائح.
ومما جاء من ذلك في الموصول قول الأعشى:
فأنت الجوادُ وأنت الذي ... إذا ما النفوسُ بلغن الصدورا
جدير بطعنة يوم اللقا ... ء تضرب منه النساء النحورا
يريد: وأنت الذي هو جدير.
وحكى من كلامهم: (ما أنا بالذي قائل لك سوءاً، أي بالذي هو قائل).
فأما قراءة يحيى بن يعمر (تماما على الذي أحسن)، وقراءة رؤبة: (مثلا ما بعوضة) برفع (بعوضة)، فهما من قبيل الشاذ الذي
(1/174)

لا يقاس عليه لعدم الطول من الصلة.
ومنه: حذف الضمير الرابط للصلة بالموصول إذا كان مجروراً بحرف جر، ولم يدخل على الموصول أو على ما أضيف إليه حرف مثل ذلك الحرف الذي دخل (على) الضمير، أو يكون قد دخل عليه حرف مثله إلا أن العامل في الموصول والضمير ليسا بمعنى واحد.
فمن الأول قوله في أحد الوجهين:
فقلت لها: لا والذي حج حاتمُ ... أخونك عهداً إنني غير خوّان
يريد: لا والذي حج حاتم له، وقول الآخر:
فأصبح من أسماء قيس كقابضٍ ... على الماء لا يدري بما هو قابضُ
يريد: بما هو قابض عليه، وقول الآخر:
ناديتُ باسم ربيعةَ بن مكدمٍ ... إن المنوةَ باسمه الموثوقُ
يريد: الموثوق به.
ألا ترى أن الضمير المحذوف من صلة (الذي) في البيت الأول مجرور باللام، ومن صلة (ما) في البيت الثاني مجرور بـ (على)، ومن (صلة)
(1/175)

(الموثوق) في البيت الثالث مجرور بالباء، والموصولات ليست كذلك.
ومن الثاني قول الآخر:
فأبلغا خالدَ بْنَ نَضْلةَ والْ ... مَرْءُ مُعنىّ بلوم من يَثقُ
يريد: من يثق به.
ألا ترى أن الضمير المحذوف والمضاف إلى الموصول، وهو (لوم)، مجروران
بالباء إلا أن العامل في الضمير (يثق)، وفي المضاف إلى الموصول (معنى)، وهما مختلفان المعنى.
والصفة في جميع ذلك بمنزلة الصلة، تقول: مررت برجل مررت به، وإن شئت قلت: مررت (برجل مررت)، (تريد) رجل مررت به. وتقول: ضربت رجلاً مررت (به)، وسررت برجل مررت به، ولا يجوز أن تحذف الضمير، فتقول: ضربت رجلاً مررت، وسررت برجل مررت، إلا في ضرورة شعر.
ومنه: حذف الضمير الرابط للجملة الواقعة خبراً بالمخبر عنه إذا كان حذفه يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، نحو قول الأسود بن يعفر:
وخالدُ يَحْمَدُ ساداتناُ ... بالحقّ لا يحمد بالباطلِ
وقول الآخر:
قد أصبحت أم ... الخيار تدعي
علي ذنباً كلّه ... لم أصنعِ
(1/176)

وقول الآخر:
وقالوا تعرفها المنازلَ من منى ... وما كل من وافى منى أنا عارُف
يريد: أنا عارفه، وقول الآخر أيضاً:
أرجزاً تطلب ... أم قريضاً
كلاهما أجِدُ ... مستريضا
يريد: أجده مستريضاً.
ألا ترى أن (يحمد) و (أصنع) و (عارف) مهيآت للعمل في المبتدآت التي هي أخبار لها، وهي مع ذلك مقطوعة عن العمل فيها. فحذف الرابط في هذه الأبيات وأمثالها يحسن في الشعر ولا يحسن في سعة الكلام، بل إن جاء منه شيء حفظ ولم يقس عليه.
فمما جاء من ذلك قراءة يحيى: (أفَحُكمُ الجاهِليّةِ يَبْغُون) برفع حكم. التقدير: يبغونه.
هذا مذهب المحققين من البصريين، وأما الكوفيون ومن أخذ بمذهبهم من البصريين، فإنهم يجيزون حذفه في سعة الكلام، بشرط أن يكون المبتدأ
(1/177)

(كلا) أو اسم استفهام، نحو قولك: كل الدراهم قبضت، وأي رجل ضربت.
والصحيح أنه لا فرق بين اسم الاستفهام و (كل) وبين غيرهما من الأسماء إذا أدى حذف الرابط إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه.
ومنه: حذف ضمير الشأن أو القصة إذا كان اسماً ل (أن) وأخواتها، نحو قوله:
فلا تَشْتُم المولى وتَبْلُغْ أذَاتَهُ ... فإن به تثأى الأمور وترأبُ
يريد: فإنه (به) تثأى الأمور، وقول الآخر:
كأن على عرنينه وجبينه ... أقام شُعاع الشمسِ أو طلع البَدْرُ
يريد: كأنه على عرنينه، وقول الآخر:
إن من يَدْخُلِ الكميسة يوماً ... يَلْقَ فيها جآذراً وظباء
يريد: إنه من يدخل الكنيسة: ولا يجوز أن يكون (من) اسم (إن) لأنها اسم شرط، وأسماء الشرط لا يتقدمها عامل إلا الخافض، بشرط أن يكون معمولاً لفعل الشرط، نحو قولك: بمن تمرر أمرر.
ومثل ذلك قول الأعشى:
إن من لام في بني بنت حسّا ... نَ ألمه وأعْصِهِ في الخُطُوبِ
(1/178)

يريد: إنه من لام، وقول أمية بن أبي الصلت:
ولكنّ مَنْ لا يَلْقَ أمراً يَنُوبُهُ ... بعُدَّته يَنْزِلْ بهِ وهْو أعْزَلُ
يريد: ولكنه من.
ومن ذلك قول جميل:
ألا ليتَ أيامُ الصفاءِ جديدُ ... ودهر تولى يا بثين يعود
في رواية من رفع الأيام، يريد: ليتها أيام.
فحذف هذا الضمير يحسن في الشعر ويقبح في الكلام، إلا أن يؤدي حذفه إلى أن تكون (أن) وأخواتها داخلة على فعل، فإنه إذ ذاك يقبح في الكلام والشعر، لأنها حروف طالبة للأسماء، فاستقبحوا لذلك مباشرتها للأفعال.
وإنما قبح حذفه في الكلام وإن لم يؤد الحذف إلى مباشرة (أن) وأخواتها للأفعال، لأنه مفسر بالجملة التي بعده فأشبهت الجملة لذلك، وإن كانت في الخبر، الجملة الواقعة صفة في نحو قولك: رأيت رجلاً يحبه عمرو، وفي أن كل واحدة من الجملتين مفسرة لما قبلها، والجملة الواقعة صفة يقبح حذف موصوفها وإبقاؤها. فكذلك أيضاً يقبح حذف ضمير الشأن والقصة وإبقاء الجملة المفسرة له وأيضاً يستعمل. والحذف مناقض لذلك.
فأما قول الراعي:
فلو أنّ حَقّ اليوم منكم إقامةُ ... وإن كان سَرْحُ قد مضى فَتَسَرّعا
(1/179)

وقول الآخر:
فليتَ دَفَعْت الهم عني ساعةُ ... فبتنا على ما خيلت ناعمي بال
فيحتمل أن يكون المحذوف فيهما ضمير الشأن، فيكون التقدير: (فلو أنه حق اليوم منكم إقامة، و (فليته دفعت)، ويكون البيتان إذ ذاك من قبيل ما يقبح في الكلام والشعر، لما يلزم في البيت الأول من ولاية الفعل لـ (أن)، وفي البيت الثاني لولايته لـ (ليت) ويحتمل أن يكون المحذوف ضمير المخاطب، فيكون التقدير: (فلو أنكر حق اليوم)، و (ليتك دفعت الهم). وحملها على الوجه أولى، لأنه لا يلزم فيه من القبح ما يلزم في الوجه الأول.
ومنه: العطف على ضمير الرفع المتصل من غير أن يؤكد بضمير رفع منفصل
أو يكون في الكلام طول يقوم مقام التأكيد، نحو قوله، أنشده الفراء:
ألم تر أن النبعَ يَصْلبُ عودهُ ... ولا يستوي والخروعُ المُتَقَصّفُ
وقوله:
ورجا الأخَيْطلُ مِنْ سَفَاهةِ رأيه ... ما لم يكن وأبُ له لِينَالا
(1/180)

وقول عمر بن أبي ربيعة:
قلت إذا أقبلتْ وزُهرُ تَهَادى ... كنِعاج المَلاَ تَعسّفْنَ رَمْلا
وقول الآخر:
فلما التقينا والجيادُ عشيةَ ... دَعَوْا يا لَكَلبِ وانتمينا لعامر
وقول الآخر:
فأقسم أن لو التقينا وأنتم ... لكان لنا يومُ من الشر مظلمُ
كان الوجه في البيت الأول أن يقال: ولا يستوي هو والخروع، وأن يقال في الثاني: ما لم يكن هو وأب له، وفي الثالث: إذ أقبلت هي وزهر، وفي الرابع: فلما التقينا نحن والجياد، وفي الخامس: أن لو التقينا نحن وأنتم، إلا أن ضرورة الوزن أوجبت حذف الضمير المؤكد في جميع ذلك.
وإنما قبح العطف على الضمير المتصل من غير تأكيد ولا طول يقوم مقامه، لأن الضمير - ضمير الرفع المتصل جعلته العرب بمنزلة الجزء من الفعل، وكذلك جعلوا إعراب الفعل بعد الضمير في: تفعلان وتفعلون وتفعلين. ألا ترى أنه لو لم يكن كالجزء من الفعل لكنت قد حلت به (بين) الفعل وإعرابه، وذلك غير سائغ. فلما كان كالجزء من الفعل امتنع أن يقال: قمت وزيد وأمثاله، لأن حرف العطف إذ ذاك يكون كأنه لم يتقدمه معطوف
(1/181)

عليه، وفي ذلك إخراج له عن وضعه. فإذا وكد قام التأكيد مقام ذكر المعطوف عليه، لأنه هو في المعنى. ألا ترى أن (أنت) من قولك: قمت أنت وزيد، هو التاء في المعنى. وجعلوا الطول في قولك: قمت
اليوم وزيد عوضاً عن التأكيد. ولذلك أجازوا العطف معه من غير تأكيد: قال الله تعالى: (أئذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا لمخرجون)، فعطف على المتصل بـ (كان) من غير تأكيد لقيام الطول بخبرها مقامه.
ومنه: حذف الخبر في باب (كان) لدلالة المعنى عليه، نحو قول التيمي:
لَهْفي عليك للهفة من خائف ... يبغي جوارك حين ليس مجير
يريد: ليس في الدنيا مجير، وقول الآخر:
فإن قصدوا لحقٍ حَقّ فأقصدْ ... وإن جاروا فجر حتى يصيروا
يريد: حتى يصيروا لك تبعاً.
وإنما لم يجز حذفه إلا في ضرورة لأنه عوض عما اخترم منها الدلالة على الحدث، فلزم ذلك.
ومنه: حذف الموصول وإبقاء صلته. وهو عند البصريين من الضرائر التي لا يقاس عليها لقبحها، نحو قول جرير:
هل تذكرن إلى الديرين هجرتَكُمْ ... ومَسْحَكُم صُلْبَكُم رَخْمانُ قُرْبانا
(1/182)

يريد: تذكرن مسحكم صلبكم وقولكم: يا رحمن قربانا - كأنه عيرهم اللكنة التي في النصارى - فحذف المصدر، وهو قولكم، وهو من قبيل الموصولات، وأبقى صلته، وهو يا رحمن قربانا، لأنه في موضع مفعول به.
وهو عند الكوفيين جائز في سعة الكلام. ومنه قوله تعالى (ومنا دون ذلك)، وقوله سبحانه: (لقد تقطع بينكم) التقدير: (ومنا من دون ذلك) و (لقد تقطع ما بينكم). و (ما) و (من) - عندهم - موصولتان.
والآيتان وأشباههما عند البصريين على تقدير موصوف محذوف. وقد تقدم تبيين ذلك.
وأما نقص الجملة فمنه قوله، أنشده يعقوب في معاني الشعر له:
فأصبحت من ... وصلنا كأن لمِ
وقول ابن هرمة:
وعليك عهد الله أن ببابه ... أهْلَ السيالة إنْ فَعلتَ وإن لم
يريد: وإن لم تفعل، فحذف جملة الفعل والفاعل، واكتفى منها بالجازم وهو (لم).
ومثله قول الآخر:
يا رب شيخ من ... لُكَيْزٍ ذي غَنَمْ
في كفه زيغ ... وفي فيه فَقَمْ
(1/183)

أجلح لم يشمط ... وقد كان ولمْ
يريد: وقد كان ولم يجلح.
وإنما لم يجز الاكتفاء بـ (لم) وحذف ما تعمل فيه إلا في الشعر، لأنها عامل ضعيف، فلم يتصرفوا فيها بحذف معمولها في حال السعة. بل إذا كان الحرف الجار - وهو أقوى في العمل منه لأنه من عوامل الأسماء، وعوامل الأسماء أقوى من عوامل الأفعال - لا يجوز حذف معموله، فالأحرى أن لا يجوز ذلك في الجازم.
فإن قال قائل: فلم جاز الاكتفاء بـ (لما) وحذف معمولها في سعة الكلام وهي جازمة، فقالوا: قاربت المدينة ولما - أي ولما دخلها - ولم يجز ذلك في لم؟ فالجواب أن تقول: إن الذي يسوغ ذلك فيها كونها نفياً لـ (قد فعل). ألا ترى أنك تقول في نفي قد قام زيد: لما يقم، فحملت لذلك على (قد). فكما يقال: لم يأت زيد وكأن قد، أي: وكأن قد أتى، فيكتفي بـ (قد)، فكذلك أيضاً قالوا: قاربت المدينة ولما، أي: ولما أدخلها، فاكتفوا بـ (الما).
ومنه: حذف فعلي الشرط والجواب بعد (أن)، نحو قول امرأة من العرب:
قالت سُلَيْمى لَيْتَ ... لي بَعْلاً بِمَنْ
يَغْسِلُ رأسي ... وينسيني الحَزَنْ
وحاجة ما إن لها ... عندي ثَمَنْ
مستورة قضاؤها ... منه ومِنْ
(1/184)

قالت بناتُ العم: ... يا سلمى وإنْ
كان فقيراً ... معدماً قالت وإنْ
تريد: وإن كان فقيراً معدما فزوجينه.
ولم يجيء ذلك في غير (إن) من أدوات الشرط. وسبب ذلك أنها أم أدوات الشرط، فجاز فيها من التصرف ما لم يجز في غيرها.
ومنه: قول الآخر:
نادوهم ألا ... الجموا ألا تا
قالوا جميعاً ... كلهم ألافا
يريد: ألا تركبون، وألا فأركبوا، فحذفت الجملة التي هي اركبوا، واكتفى بحرف العطف وهو الفاء. ولولا الضرورة لم يجز ذلك. وكذلك أيضاً اكتفاؤه بالتاء من (تركبون) وحذف سائر الجملة، إنما ساغ للضرورة.
ومثل ذلك قول (الآخر):
بالخير خيرات ... وإن شراً فآ
ولا أريد الشر ... إلا أن تآ
(1/185)

أراد: فأصابك الشر، فاكتفى بالفاء والهمزة وحذف ما بعدهما وأطلق الهمزة بالألف. وأراد بقوله: (إلا أن تآ) إلا أن تأبى الخير، فاكتفى بالتاء والهمزة وحذف ما بعدهما وحرك الهمزة بالفتح وأطلقها بالألف.
ونحو من ذلك قول الآخر:
قلت لها قفي ... لنا قالت قاف
لا تحسبي إنا ... نسينا الإيجاف
تريد: قد وقفت، فاكتفت بالقاف.
ومثل ذلك أيضاً، إلا أن الدليل على المحذوف متأخر عنه، قوله:
قد وعدتني ... أم عمرو أن تا
تَدْهَنُ رأسي ... وتفليني وا
وتمسح القنفاء ... حتى تنتا
ألا ترى أنه حذف ما بعد التاء والواو من غير أن يتقدم له دليل على ذلك المحذوف، ثم أعادها مع ما كان قد حذفه ليبين المعنى الذي أراده قبل.
(1/186)

فصل التقديم والتأخير
وهي منحصرة في: تقديم حركة، وتقديم حرف، وتقديم بعض الكلام على بعض.
فأما تقديم الحركة لأجل الضرورة فقليل. والذي جاء من ذلك نقل حركة الضمير في نحو: (ضربه) إلى الحرف المتحرك قبله في حال الوقف، نحو قوله، أنشده الجوهري:
ما زال شيبان ... شديداً هبصُهْ
حتى أتاه قرنه ... فوقَصُهْ
يريد: فوقصه، فنقل حركة الهاء إلى الصاد.
وذكر ابن دأب أن أعشى همدان قال:
(1/187)

مَنْ دَعَا لِيغُزَيّلي ... أربح الله تِجَارَتُهْ
فجمع بين ثلاث ضرائر: إحداها نقل حركة الضمير المضاف إليه (تجارة) إلى الحرف المتحرك قبله في حال الوقف. والأخرى: حذف علامة الرفع من اسم الله تعالى تخفيفاً. والثالثة: إشباع حركة لام الجر، فنشأت عنها الياء.
إلا أن الأصمعي أنكر ذلك، وقال: (الأعشى من الفحول ولا يقع في مثل هذا).
وكذلك أيضاً أنكره خلف الأحمر، وقال: (ولقد طمع ابن دأب في الخلافة حين طمع أن يجوز هذا على الأعشى).
ومثل ذلك نقل حركة ضمير المؤنث في (أضربها) وأمثاله إلى الحرف المتحرك قبله بعد حذف صلته في حال الوقف، نحو قوله:
فإني قد سئمت بدار قومي ... أموراً كنت في لخم أخَافهْ
يريد: أخافها، الألف ونقل حركة الهاء إلى الفاء. وقد تقدم ذكر ذلك في فصل نقص الحرف.
ومما جاء من ذلك أيضاً نقل الحركة من حرف الأعراب إلى الساكن قبله فيما يؤدي النقل فيه إلى بناء معدوم. ولا يحفظ ذلك إلا في قول أوس:
(1/188)

لنا صرخة ثم إسكاته ... كما طرقت بنفاس بِكُرْ
بضم الكاف، هكذا رواه بعض الرواة فيما زعم سعيد بن المبارك بن الدهان في كتابه المسمى بالغرة. والمشهور في روايته (بكر)، بكسر الكاف.
وأما تقديم الحرف فمنه قول الشاعر:
حتى استفأنا نساَء الحي ضاحيةً ... وأصبح المرءُ عمرو مثبتاً كاعي
يريد: كائعاً.
والدليل على أن كاعياً مقلوب من (كائع) أنه قد وجد لـ (كائع) مادة مستعملة، يقال: كاع فهو كائع، ولم يوجد (كعا) مستعملة ولا حفظ (كاع) إلا في هذا البيت.
وقوله:
هُمُ أوردوك الموتَ حتى لقيتَه ... وجاشت إليك النفس بين الترائقِ
يريد: التراقي، جمع ترقوة، وقول ذي الرمة:
(1/189)

تكاد أو إليها تفرى جلودها ... ويكتحلُ التالي بمَوْرِ وحاطبِ
يريد: أوائلها، وقول الأجدع بن مالك:
وكأن أولاها كَعابُ مُقامرٍ ... ضُربت على شُزُنِ فهن شواعي
وقول القطار:
. . . . . . . . . ... ولا تَقَضّي بَواقي دَيْنها الطادي
يريد: الواطد، وقول الآخر:
مَرْوان مروان أخو ... اليوم اليَمي
يريد: اليوم، يقال: يوم يوم، أي: صعب. إلا أنه لما قلب جاءت الواو متطرفة بعد كسرة فأنقلبت ياء، وقول الآخر:
(1/190)

ولو أني رميتُك من بعيدٍ ... لعاقك عن لقاء الحي عاقي
يريد: (عائق)، وقول الراجز:
مثل القياسِ ... انتاقها المُنَقَّي
يريد: انتقاها.
والقلب في الكلام كثير. وإنما ذكرنا منه ما جاء للضرورة ولم يستعمل في سعة الكلام.
وأما تقديم بعض الكلام على بعض فمنه: الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف والمجرور، نحو قول ذي الرمة:
كأن أصوات - من إيغالهن بنا - ... أواخر المَيْسِ أصواتُ الفراريج
(1/191)

يريد: كأن أصوات أواخر الميس من إيغالهن بنا، فقدم المجرور وفصل به بين المضاف والمضاف إليه، وقول أبي حية: (الوافر)
كما خط الكتاب بكف - يوماً - ... يهودي يُقارب أو يزيل
يريد: بكف يهودي يوماً، فقدم الظرف وفصل به بين المضاف والمضاف إليه.
ومن الفصل بينهما بالمجرور، قول درني بنت عبعبة:
هما أَخوا الجَربِ مَنْ لا أخاله ... إذا خافَ يوماً نَبْوةً فدعاهما
تريد: هما أخوا من لا أخاً له في الحرب، وقول الشاعر:
مُؤخّرُ - عن أنيابه - جِلْدِ رأسهِ ... وأسنانه مثل الزجاج خَرُوج
يريد: مؤخر جلد رأسه عن أنيابه، وقوله:
كم بجودٍ مقرفٍ نال العلى ... وكريمُ بُخلُه قد وَضَعهْ
(1/192)

في رواية من خفض مقرفاً، يريد: كمقرف نال العلى بجود، وقوله:
كم فيهم ملكِ أغر وسوقةٍ ... (حكمٍ بأرديةِ المَكارمِ مُحتبي)
يريد: كم ملك أغر فيهم.
ومن الفضل بينهما بالظرف قول عمرو بن قميئة:
لما رأت ساتيدما استعبرت ... لله دَرّ - اليومَ - من لامها
يريد: لله در من لامها اليوم، وقوله - أنشده الفراء:
فَرشْني بِخَيرٍ لا أكونَنْ ومدحتي ... كناحِت - يوماً - صَخْرةً بعسيلِ
يريد: كناحت صخرة بعسيل يوماً. والعسيل: مكنسة يكنس بها العطار بلاطه من العطر. وقوله:
(1/193)

كم - دون سلمى - ... فلواتِ بيدِ
منضية للبازلِ ... القَيْدُودِ
يريد: كم فلوات بيد دون سلمى.
والفصل بين المضاف والمضاف أليه بالظرف والمجرور من الضرائر الحسنة. ومثله في الحسن الفصل بينهما بالمعطوف على الاسم المضاف مع حرف العطف، نحو قول الفرزدق:
يا من رأى عارضاً أُسَرُّ به ... بين ذِرَاعيْ وجبهةِ الأسدِ
يريد: بين ذراعي الأسد وجبهته، فقدم المعطوف وحرف العطف، وفصل بهما ومثله قول الأعشى:
ولا نقاتل بالعِصِيّ ... ولا نرامي بالحجارة
إلا علالة أو بدا ... هة قارح نهد الجزارة
يريد: إلا علالة قارح نهد الجزارة أو بداهته.
وقد جاء شيء من هذا النوع في الكلام، حكى الفراء: (قطع الله
(1/194)

(الغداة) يد ورجل من قاله)، يريد: يد من قاله ورجله. وقال الكسائي: (برئت إليك من مائة (وعشري) النخاسيين)، يريد: من مائة النخاسين وعشريهم.
وما ذهب إليه المبرد من أن هذا النوع ليس فيه فصل بين المضاف والمضاف إليه، بل المضاف إليه الاسم الأول محذوف لدلالة الثاني عليه، والأصل في قوله: بين ذراعي وجبهة الأسد: بين ذراعي الأسد وجبهة الأسد، فحذف الأسد الأول لدلالة الثاني عليه، باطل بدليلين:
أحدهما: أنه لو كان الأمر، لوجب أن يقال: بين ذراعين وجبهة الأسد، فيثبت النون، كما أنهم لما حذفوا المضاف إليه (كل) و (بعض) و (أي) أثبتوا فيها التنوين. فلما حذفوا النون من (ذراعي)، دل ذلك على أنه مضاف إلى (الأسد).
فإن قال قائل: يلزمكم أيضاً أنتم مثل ذلك في الثاني: ألا ترى أن (جبهة) - على مذهبكم - قد حذف ما كانت مضاف إليه. فالجواب أن تقول: إنها، وإن لم تكن مضافة، فهي صورة المضاف من حيث وليها (الأسد) مخفوضاً في اللفظ، وقد حذف منها التنوين. والشيء إذا أشبهه الشيء في اللفظ، قد تعامله العرب معاملته. ألا ترى أنهم قد زادوا (أن) بعد (ما) غير النافية في قول الشاعر:
(1/195)

ورجَّ الفتى للخير ما إن رأيته ... على السن خيراً لا يزال يزيد
لما كانت تشبه (ما) النافية في اللفظ.
والآخر: أنه يلزم على مذهب المبرد أن يقول: رأيته بين ذراعي وجبهتك، يريد: رأيته بين ذراعيك وجبهتك، إذ لا ما نع يمنع من ذلك على مذهبه. وأما ما ذكرناه
فلا يجوز ذلك، لأن ضمير الخفض شديد الاتصال بما يخفضه، فلم يجز الفصل بينهما لذلك. فلما يسمع من كلامهم مثل: بيم ذراعي وجبهتك، دل على صحة ما ذهب إليه من الفصل بين المضاف والمضاف إليه.
وما ذكرناه من الفصل هو مذهب س.
ومنه: الفصل بينهما بسائر الأسماء التي ليست ظروفاً ولا مجرورات، نحو قول الشاعر:
فزججتُها بمزحة ... زجَّ - القَلُوصَ - أبي مزاده
يريد: زج أبي مزادة القلوص. وفصل به بين المضاف والمضاف إليه وليس بظرف ولا مجرور، وقوله:
(1/196)

أشم كأنه رجلُ عبوسُ ... مخالطُ - جرأةً - وقت التوادي
يريد: مخالط وقت التوادي جرأة، أي لجرأته، فقدم المفعول من أجله، وهو المصدر، وفصل بينهما. وقوله:
يفركن حَبّ ... السّنبل الكُنَافجِ
بالقاع فركَ القطنَ ... المحالج
يريد: فرك المحالج القطن. وقوله، أنشده أبو عبيدة:
وحلق الماذِيّ ... والقوانِس
فداسَهُمْ دوسَ ... - الحصادَ - الدائسِ
يريد: دوس الدائس الحصاد. وقول الطرماح:
يطفن (بحوزي المراتع) لم يرع ... بواديه من قرع - القسي - الكنائن
يريد: قرع الكنائن القسي.
وهذا النوع أقل من الأول. وأكثر النحويين لا يجيز القياس عليه في الشعر وبعضهم يجيزه.
(1/197)

وقد أخذ أبو الطيب بمذهب من أجازه، فقال:
حملت إليه من ثناي حديقة ... سقاها الحجي سَقي - الرياضَ - السحائب
يريد: سقي السحائب الرياضَ.
ومن هذا القبيل قراءة ابن عامر: (قتل أولادَهم شركائِهم) بنصب (أولادهم) وخفض (شركائهم) التقدير: قتل شركائهم أولادَهم.
وزعم الفراء أن هذه القراءة خطأ عند النحويين. وادعى أن الذي
(1/198)

دعا ابن عامر إلى ذلك أن مصحف أهل الشام فيه ياء مثبتة في (شركائهم)، فقدر لذلك أن الشركاء هم المضلون لهم الداعون إلى قتل أولادهم، فأضاف القتل إليهم كما يضاف المصدر إلى فاعله، ونصب (أولادهم) لأنهم المفعولون. ولو أضاف المصدر إلى المفعولين، فقال: (قتل أولادهم)، للزمه أن يرفع الشركاء، فيكون مخالفاً للمصحف. فكأن اتباع المصحف أثر عنده.
وهذا عندي تحامل عليه. ولا ينكر مجيء الفصل بين المضاف والمضاف إليه بغير ظرف ولا مجرور في الكلام، وإن لم (ينقس) ذلك. فقد حكى أبو عبيدة عن أبي سعيد، وهو أعرابي لقيه أبو الدقيش، أنه سمعه يقول: (إن الشاة تسمع صوت - قد علم الله - ربها، فتقبل إليه وتثغو)، يريد: صوت ربها قد علم الله، فقدم الجملة وفصل بها بين المضاف والمضاف إليه. وقراءة ابن عامر أسهل من هذا.
ومثل ذلك قوله:
وكم - قد فاتني - بطلٍ كميٍ ... وياسر فتية سمح هضوم
يريد: وكم بطل كمي قد فاتني، فقدم الجملة وفصل بها بين (كم) وما أضيف إليه. وقد فصلوا، أيضاً، بينهما في الشعر بمجرور واسم غير ظرف.
(1/199)

ومن ذلك قوله:
تمر على ما تستمر وقد شفت ... غلائِل - عبدُ القيس منها - صدورِها
وبمجرور واسمين غير ظرفين. ومن ذلك قوله، أنشده ابن الأعرابي:
نفي الذَمَّ عن أثوابه مثل ما نفى ... أذى درناً عن جلده - الماءُ - غاسلِ
يريد: مثل ما نفى الماء أذى غاسل درنا عن جلده.
وقد فعلوا أيضاً ما هو أشد من هذا كله، وقدموا مع ذلك المضاف إليه على المضاف: أنشد أبو عبيدة:
تفرق ألاف الحجيج على مِنى ... وصدعهم مُسْي النوى عند أربع
يريد: وصدعهم النوى عند مسى أربع ليال، ففصل بين (عند) وما أضيفت إليه، وهو مسي، بـ (النوى)، وليس بظرف، وقدم مع ذلك (مسي) عليها.
ومنه: الفصل بين حرف الجر والمجرور. وهو أقبح من الفصل بين المضاف والمضاف إليه، نحو قول الفرزدق:
وإني لأطوي الكشح من دون ما أنطوي ... وأقطع بالخرق الهَبُوعِ المراجمِ
يريد: وأقطع بالهبوع المراجم الخرق. وفصل بين الباء ومخفوضها وهو (الهبوع) وقول الآخر:
(1/200)

مُخَلّقة لا يُستَطاعُ ارتقاؤها ... وليس إلى - منها - النزولِ سبيلُ
فقدم منها وفصل به بين حرف الجر والمجرور.
وحكى الكسائي: (أخذته بأرى ألف درهم)، يريد: بألف درهم أرى. فقدم (أرى) وفصل بين الباء ومخفوضها في سعة الكلام. وهذا من الندور بحيث لا يلتفت إليه.
ومنه: الفصل بين الحروف التي لا يليها إلا الفعل في سعة الكلام وبين الفعل، نحو قوله:
لن - ما رأيت أبا يزيد مقاتلاً - ... أدعَ القتالَ وأشهدَ الهَيْجاَء
يريد: لن أدع القتال وأشهد الهيجاء ما رأيت أبا يزيد مقاتلاً، ففصل بين (لن) والفعل المتصل بها، ونحو قوله:
فَقَدْ - والشك - بَيّنَ لي - عناءُ ... بوشك فراقهم صردُ يصِيحُ
يريد: فقد بين لي بوشك فراقهم صرد يصيح والشك عناء، ففصل بين (قد) والفعل. وذلك قبيح جداً. ومثله قول الآخر:
تِهْتم علينا لأن الذئبَ كلمكم ... فقد - لعمري - أبوكم - كلم الذيبا
(1/201)

يريد: فقد كلم أبوكم الذيب لعمري.
ونحو قوله:
عليك سلام بَعْدَ - سَوْف - سلامِها ... تَمُرّ سنون بَعْدها وشُهُورُ
يريد: بعد سلامها سوف تمر سنون وشهور (بعدها)، ففصل بين (سوف) والفعل بمخفوض (بعد)، وفصل بين (بعد) ومخفوضها بـ (سوف).
وقول الفرزدق:
فلما - للصلاةِ - دعا المنادي ... نَهَضْتُ وكنتُ منها في (غرور)
يريد: فلما دعا المنادي للصلاة، ففصل بين (لما) والفعل بالمجرور. وقوله:
صددِت وأطولتِ الصدودَ وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم
يريد: وقلمان يدوم وصال على طول الصدود، ففصل بين (قلما) والفعل بالاسم المرفوع وبالمجرور.
(1/202)

ونحو قوله:
نوائب من لدن ابن آدم لم تزل ... تباكر من لم - بالحوادث - تطرقِ
يريد: تباكر بالحوادث من لم تطرق، ففصل بين (لم) ومجزومها وهو (تطرق)، بالمجرور، وقول ذي الرمة:
فأضحت مغانيها قفاراً رسومُها ... كأن لم - سوى أهلٍ من الوحشٍ - توهلِ
يريد: كأن لم تؤهل، فقدم الظرف والمجرور وفصل بهما بين (لم) ومجزومها، وهو (توهل).
وجميع ذلك لا يجوز الفصل بينه وبين الفعل في سعة الكلام.
ومنه: الفصل بين الأعداد والتمييز المنتصب بها، نحو قوله:
في خمسَ عشرةَ - من جُمادى - ليلةً ... لا أستطيع على الفراش رُقاداَ
يريد: في خمس عشرة ليلة من جمادى، فقدم المجرور وفصل به بين خمس عشرة وتمييزه المنتصب به، وقوله:
على أنني بعد ما مضى ... ثلاثون - للهجر - حولاً كميلا
(1/203)

يريد: ثلاثون حولاً كميلاً للهجر، فقدم المجرور وفصل به بين (ثلاثين) وتمييزها، وقوله:
وأشهد عند الله أني رأيتها ... وعشرين - منها - إصبعاً من (ورائيا)
يريد: وعشرين إصبعاً منها، فقدم المجرور أيضاً، وفصل به بين عشرين وتمييزها.
وإنما قبح الفصل بين هذه الأعداد وتمييزاتها، لضعف عملها فيها من حيث كانت محمولة في العمل على الصفة المشبهة، والصفة المشبهة محمولة في عملها على اسم الفاعل، واسم الفاعل محمول في عمله على الفعل.
فإن قال قائل: فلم جاز الفصل بين (كم) وتمييزها بالظرف والمجرور في فصيح الكلام، فقيل: كم في الدار رجلاً، وكم اليوم عندك رجلاً، مع أن ضعفها في العمل وضعف أسماء العدد على حد سواء؟ فالجواب أن العرب لما منعتها التصرف الجائز في أسماء العدد، بأن ألزمتها صدر الكلام، فلم يجز لذلك فيها أن تكون فاعلة ولا مفعولاً لم يسم فاعله، ولا اسماً لـ (أن) وأخواتها ولا خبراً لها، ولا اسماً لـ (ما) ولا خبراً لها، ولا اسماً لـ (كان) وأخواتها، وذلك كله جائز في أسماء العدد، جعلوا التصرف فيها بالفصل بينها وبين تمييزها بالظرف والمجرور عوضاً مما منعته من التصرف.
ومنه: الفصل بين الصفة والموصوف بما ليس معمولاً لواحد منهما، نحو قوله:
(1/204)

أمرتَّ من الكتان خيطاً وأرسلت ... رسولا - إلى أخرى - جريئاً - تعينها
يريد: وأرسلت إلى أخرى تعينها رسولا جريئاً، ففصل بين (رسول) وصفته بالمجرور، وفصل بين المجرور بـ (إلى) وصفته، وهي تعينها، بصفة رسول وهي (جريئاً)، وقول الآخر:
أقول لقومٍ في الكنيفِ تروحوا ... عشيةَ بتنا عند ماوان رُزَّحِ
يريد: أقول لقوم رزح في الكنيف تروحوا عشية بتنا عند ماوان.
فإن كان الفصل بينهما بمعمول أحدهما جاز في الكلام والشعر، نحو قوله تعالى: (ذلك حشر علينا يسير). التقدير: ذلك حشر يسير علينا، ففصل بين (حشر) وصفته بـ (علينا) لأنه معمول للصفة.
ومنه: الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، نحو قول لبيد:
فصلقنا في مراد صَلْقَةً ... وصُدَاءٍ ألحقتهم بالثّللْ
يريد: فصقلنا في مراد وصداء صقلة، وقول البعيث:
(1/205)

وَجَدْتُ أباها راضياً بي وأمها ... فأعطيت فيها الحُكم حتى حَوْيتها
يريد: وجدت أباها وأمها راضياً.
ومنه: الفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف أو المجرور، نحو قول الأعشى:
وفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيمَ عزائكا
مورثةً مالاً وفي الحي رفعةً ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا
ففصل بين حرف العطف، وهو الواو، وبين المعطوف، وهو رفعة، بالمجرور وقول الأعشى أيضاً:
يوماً تراها كشِيْهِ أردية ال ... عصبِ ويْوماً أديمَها نَغِلا
وهو عند الفارسي والمحققين من النحويين من قبيل الضرائر، لما فيه من الفصل
بين حرف العطف والمعطوف، لأن حرف العطف عطف ثلاثة أشياء على ثلاثة أشياء: فعطف (يوماً) على يوم المتقدم الذكر، و (أديمها على الضمير المنصوب المتصل بـ (ترى)، و (نغلا) على موضع (كشبه أردية العصب). والتقدير: تراها يوماً كشبه أردية العصب وترى يوماً أديمها نغلا.
وإذا عطف بحرف عطف أكثر من اسم واحد على مثله، لم يسع أن يقال: إنه قد فصل بالمعطوف الأول من حرف العطف وما بعده، بدليل أنك تقول: أعطيت زيداً درهماً وبكراً ديناراً، في فصيح الكلام. فالجواب أن تقول: إن حروف العطف قد تنزلت من المعطوف منزلة جزء منه، بدلالة قولهم:
(1/206)

وهو، وهي - يسكنون الهاء في فصيح الكلام تشبيهاً لها بـ (عضد) و (كبد). فكما لا يجوز الفصل بين أجزاء الكلمة، كذلك لا يجوز الفصل بين حرف العطف والمعطوف الذي يجب له أن يكون متصلاً بحرف العطف. وأعني بذلك الاسم الذي ليس بظرف ولا مجرور. دليل ذلك أن العامل إذا كان له معمولان أحدهما ظرف أو مجرور، كانت مرتبة المفعول أن يتقدم عليه. فكما أن مرتبة ما ليس بظرف ولا مجرور أن يلي العامل، فكذلك مرتبته أن يلي ما يقوم مقام العامل. وهو حرف العطف.
ومثله أن يقع بعد أداة الشرط - ما عدا (إن) - اسم وفعل، فيقدم الاسم ويؤخر الفعل لضرورة الوزن، نحو قوله:
صعدة نابتة في حائرِ ... أينما الريحُ تميَّلْها تَملْ
وقول عدي بن زيد:
فمتى واغلُ يَنُبْهُمْ يحيو ... هـ وتَعْطفْ عليه كاس الساقي
وقول هشام المري:
فمن نحن نؤمنهْ يبتْ وهو آمن ... ومن لا نُجرْه يمسِ منا مُرَوّعا
(1/207)

كان الوجه في جميع ذلك أن يقدم الفعل، فيقال: أينما تمليها الريح تمل، ومتى ينبهم واغل يحيوه، ومن نؤمنه يبت وهو آمن، إلا أن الضرورة دعت إلى تقديم الاسم في جميع ذلك.
فإذا وقع الاسم والفعل بعد (إن) من أدوات الشرط، فإن كان الفعل ماضياً، جاز لك أن تقدم أيهما شئت في فصيح الكلام، إلا أن تقديم الفعل أولى، فتقول: إن قام زيد قام عمرو. ولك أن تقول: إن زيد قام، قام عمرو - قال الله سبحانه: (وإن أحداً من المشركين استجارك فأجره).
وإن كان الفعل مضارعاً قدمته، ولا يجوز تقديم الاسم عليه إلا في ضرورة، نحو قوله:
يثني عليك وأنت أهل ثنائه ... ولديك إن هو يستزدك مزيد
ومنه: أن يقع بعد أدوات الاستفهام - ما عدا الهمزة - اسم وفعل، فإنك تقدم الفعل على الاسم في سعة الكلام، ولا يجوز تقديم الاسم على الفعل إلا في ضرورة شعر، نحو قوله:
أم هل كبير بكى لم يقض عبرته ... إثر الأحبة يوم البين مشكوم
لولا الضرورة لقال: أم هل بكى كبير.
ومنه: تقديم المضمر على الظاهر لفظاً ورتبة، نحو قول حسان:
(1/208)

فلو كان مجد يُخْلدُ اليوم واحداً ... من الناس أبقى مجده اليوم مطعما
ألا ترى أنه قدم الضمير العائد على (مطعم) لفظاً ورتبة لأنه متصل بالفاعل و (مطعم) مفعول، ورتبة الفاعل أن يكون قبل المفعول.
ومثله قول الآخر:
ألا ليت شعري هل يَلُومَنَّ قومُه ... زهيراً على ما جر من كل جانبِ
وقوله:
جزى ربُّه عني عديَّ بن حاتم ... جزاَء الكلابِ العاويات وقد فَعَلْ
وقوله، أنشده السكري:
جزى ربُّه عني عديَّ بن حاتم ... بتركي وخذلاني جزاء موفرا
وقول بكر بن معدان:
لما عصى أصحابُه مصعباً ... أدى إليه الكيل صاعاً بصاعْ
(1/209)

ولا يجوز شيء من ذلك في حال السعة.
ومنه: تقديم المعطوف على المعطوف عليه. وأحسن ما يكون ذلك في الواو. ولا يجوز التقديم فيها إلا بشرط أن لا يؤدي التقديم إلى وقوعها صدر الكلام، لا يقال: وزيد عمرو قائمان، ولا إلى أن يلي عاملاً غير متصرف، لا يقال: إن وزيداً عمراً قائمان، وبشرط أن لا يكون المعطوف عليه مخفوضاً، لا يقال: مررت وزيد بعمرو.
فمما جاء من ذلك قوله:
جمعتَ وفحشاً غيبةً ونميمةً ... ثلاثَ خصال لست عنها بمرعوي
وقوله:
لعن الإله وزوجَها معها ... هندَ الهنودِ طويلةَ البظْرِ
يريد: لعن الإله هند الهنود، وزوجها معها، وقول ذي الرمة:
كأنا على أولاد أحقبَ لاحها ... ورَمْيُ السفا أنفاسَها بِسِهام
جنوبُ ذوت عنها التناهي وأنزلت ... بها يومَ ذباتِ السبيبِ صيام
(1/210)

يريد: لاحها جنوب ذوت التناهي ورمي السفا، وقول الآخر:
ثم اشتكيت لأشكاني وساكنُه ... قبرُ بسنجار أو قبر على قَهَدِ
يريد: لأشكاني قبر بسنجار وساكنه، وقول الآخر أيضاً:
وأنت غريم لا أظن قضاءه ... ولا العنزيّ القارظَ الدهَر جائيا
يريد: لا أظن قضاءه جائيا ولا العنزي القارظ الدهر، فقدم المعطوف على المعطوف عليه وعامله، وهو الضمير المستتر في (جاء).
وقد جاء ذلك في الفاء: قول الشاعر:
وإني متى ما أدعُ باسْمكَ لا تُجيبْ ... وكنت جديراً أن تُجيبَ فتسمعا
أي: أن تسمع فتجيب.
وقد جاء ذلك في (أو): (أنشد) أبو علي:
لا هم أن عامرَ ... بن عمرو
الأعورَ الأعسرَ ... أو لا أدري
أحدهما عائدة ... بحجر
يريد: أحدهما عائدة بحجر أو لا أدري.
(1/211)

ومنه: تقديم النعت، نحو قول الفرزدق:
متقلداً لأبيه كانت عنده ... أرباقَ صاحبَ ثَلّةٍ وبِهام
يريد: متقلداً أرباق صاحب ثلة وبهام كانت عنده لأبيه، فقدم المعت على المنعوت بدلاً منه. وقول الآخر:
ولست مقراً للرجال ظلامة ... أبي ذاك عمي الأكرمان وخاليا
يريد: أبي (ذاك) عمي وخالي الأكرمان، فقدم النعت على أحد المنعوتين.
ومثل ذلك نحو قوله:
فأوردتها ماء كأن جمامه ... من الأجن حناءُ معاً وصًبِيبُ
يريد: كأن جمامه حناء وصبيب معاً.
ومنه: تقديم ما بعد (إلا) عليها، نحو قول الأعشى:
أحل به الشيبُ أثقالهَ ... وما اغتره الشّيْبُ إلا اغترارا
يريد: وما اغتره اغتراراً إلا الشيب، فقدم. وإنما لم يكن بد من هذا التقدير لأنها لو
جعلت داخلة على المصدر لفظاً وتقديراً، لم يكن للكلام فائدة، إذ معلوم أنه لا يغتره الشيب خلاف الاغترار.
(1/212)

ومنه: تقديم المجرور على حرف الجر. وهو من القلة بحيث لا يلتفت إليه، نحو قوله:
أتجزعُ أن نفس أتاها حمامُها ... فهلا التي عن بَيْنَ جنبيك تدفع
يريد: فهلا عن التي بين جنبيك تدفع.
ومنه ما يكثر فيه التقديم والتأخير وإخراج الكلام عن وضعه حتى لا يفهم منه المعنى المراد إلا بعد تدبر كثير. وذلك قبيح جداً لا ينبغي لأحد أن يرتكبه (نحو) قول الفرزدق:
فليست خراسان التي كان خالدُ ... بها أسدُ إذ كان سيفاً أميرَها
وذلك أنه يمدح خالد بن الوليد ويذم أسداً، وكانا واليين بخراسان، وكان خالد وليها قبل أسد. وتقدير البيت: فليست خراسان (بالبلدة) التي كان خالد بها سيفاً إذ كان أسد (أميرها) وقوله:
وما مثله في الناسِ إلا مملكاً ... أبو أمه حيّ أبوه يُقاربه
(1/213)

وقول الآخر، أنشده أبو الفتح:
فأصبحت بَعْدَ - خَطَّ - بَهْجَتِها ... كأنّ - قَفُراً - رُسُومَها - قَلَما
وقول الآخر:
لها مقلتا أدماء ظُلً خميلة ... من الوَحْشِ ما تنفكُّ ترعى عَرَارها
يريد: لها مقلتا أدماء من الوحش ما تنفك ترعى خميلة ظل عرارها. وقول القُلاخ:
فما من فتى كنا من الناس واحداً ... به نبتغي منهم عديلاً نُبادِلهْ
فأما قول الفرزدق:
هيهاتَ قد جَهِلت أميةُ رَأيها ... واستجهلت حلماؤها سفهاؤها
حَرْبُ تردد بينهم بتشاجر ... قد كفرت آباؤها أبناؤها
(1/214)

فإنه ينبغي أن يحملا على أن الكلام تم في البيت الأول عند قوله: (واستجهلت)، ويكون قوله: (حلماؤها سفهاؤها) مبتدأ (وخبراً)، على حد قولهم: زيد زهير، أي: حلماؤها مثل سفهاؤها في الاستجهال، وتم في البيت الثاني عند قوله: (قد كفرت)، أي: لبست الدروع. ويكون أيضاً قوله: (آباؤها أبناؤها) مبتدأ وخبر، على حد قولك: زهير، أي آباؤها مثل أبنائها في التكفير، لأنهما إذا حملا على ما ذكرته سلما من التقديم والتأخير.
(1/215)

فصل البدل
وهو منحصر في: إبدال حركة من حركة، وحرف من حرف، وكلمة من كلمة، وحكم من حكم.
فأما إبدال الحركة من الحركة فمنه: إبدال الكسرة التي قبل ياء المتكلم في غلامي وأمثاله في غير النداء فتحة، فتقلب الياء لذلك ألفاً، إجراء له مجراه إذا كان (منادي)، نحو قول:
أطوف ما أطوف ثم آوي ... إلى أما (ويرويني النقيع)
يريد: (إلى) أمي، وقوله:
فيا لَهْفَ ما أما عليك إذا غدا ... على ذوو الأضغانِ بالنّظَرِ الشّزْرِ
يريد: ما أمي عليك، أي: يا لهف أمي عليك، ونحو قول الآخر،
(1/216)

أنشده ثعلب:
إن أخَيّي ... بِنْتُهُ بنتايا
يريد: بنته بنتي يا هذا. فحول الكسرة فتحة والياء ألفاً، وحذف المنادي. وهو قليل جداً.
ومنه:
تحريك نون التثنية بالفتح بدل الكسر. ولا يكون ذلك إلا في النصب والخفض طلباً للتخفيف، نحو قوله:
على أحوذيين استقلت عشيه ... فما هي إلا لمحة فتغيب
رواه الكوفيون بفتح النون من أحوذيين. وقول الآخر:
يا رب خالِ لك ... من عُرَيْنه
حج على ... قُلَيّصِ جُوَيْنه
فَسْوته لا ... تنقضي شهريْنَه
شهري ربيعِ ... وجمادَيَيْنَه
ففتح النون من شهرين والنون من جماديين وألحقهما هاء السكت.
(1/217)

وقد فتحوها أيضاً في لغة من يجعل التثنية بالألف على كل حال إلا إنهم لم يفتحوها في هذه اللغة إلا في حال النصب، وكأنهم أجروا الألف مجرى الياء لكونها واقعة موقعها. ومن ذلك قوله:
أعرف منها ... الأنف والعَيْنانا
ومنخرين ... أشبها ظَبْيانا
وقول الآخر:
ألقى عليك ... المغرم الأونانا
يريد: الأونين.
وقد جاءت نون التثنية في حال الرفع محركة بالضم أنشده أبو عمر المطرز
في اليواقيت له:
يا أبتا ... أرقني القنانُ
فالغمْضُ لا ... تَطْعَمه العَيْنانُ
من أجل بُرغوث ... له أسنانُ
وللبعوضِ فوقنا ... دَنَدانُ
(1/218)

وهذه الصفة التي في نون العينين تحتمل أن تكون إعراباً، إجراء منه للتثنية مجرى المفرد في إعرابها بالحركات، وأن تكون لالتقاء الساكنين، على حد ما حكاه قطرب من قولهم: فر يا زيد، بضم الراء.
ومنه:
تحريك نون الجمع بالكسر بدل الفتح على أصل التحريك لالتقاء الساكنين نحو قول جرير:
عَرين من عُرَينة ليس منا ... برئت إلى عُرَيْنَةَ من عَرِين
عَرَفْنا جَعْفراً وبني رياحٍ ... وأنكرنا زعانَف آخرين
ومن العرب من يجعل الأعراب في النون من جمع المذكر السالم. وذلك كله لا يحفظ إلا في الشعر نحو قوله:
وإن لنا أبا حسنٍ علياً ... أب بر ونحن له بنينُ
وقوله:
ما سدحي ولا ميت مسدهما ... إلا الخلائَف من بعد النبيينِ
(1/219)

وقوله:
وإن أتم ثمانيناً رأيت له ... شخصاً ضئيلاً وكل السمع والبصر
وقوله:
وماذا يدَّري الشعراء مني ... وقد جاوزت حد الأربعينِ
ووجه ذلك إجراء جمع السلامة وما جرى مجراه مجرى المفرد. ولذلك ثبتت النون في حال الإضافة في قوله:
ولقد ولدت بنينَ صدقٍ سادة ... ولأنت بعد الله كنت السيدا
وقوله:
ذراني من نجدٍ، فإن سنينه ... لَعِبنِ بنا شيباً وشيبننا مردا
وقول الآخر:
سنيني كلُّها لاقيتُ حرباً ... أعد مع الصلاِدمةِ الذُّكور
(1/220)

ألا ترى أن النون من (البنين)، و (ضاربين)، و (سنين)، قد ثبتت في حال الإضافة، ولو حكم لها بحكم النون لم تثبت.
وأما إبدال الحرف من الحرف، فإنهم قد يفعلون ذلك في الشعر في الموضع الذي لا يجوز فيه مثله في الكلام، ليتوصلوا به إلى ما اضطروا إليه من تحريك ساكن أو تسكين متحرك أو غير ذلك.
فمنه: إبدال الهمزة من الألف، نحو قول شبيب بن ربيع:
لأدأها كرهاً وأصبح بيته ... لديه من الأغوالِ نوح مُسلبُ
يريد: لأداها، فأبدل الألف همزة لما كانت تقرب منها في المخرج ليتوصل بذلك إلى التحريك الذي اضطره الوزن إليه، وحركها بالفتح لأن الألف التي الهمزة بدل منها منقلبة من حرف مفتوح.
ومثله قول ابن كثوة:
ولي نَعَامُ بني صفوان زوزأةً ... لما رأى أسداً في الغاب قد وثبا
(1/221)

يريد: زوزاة.
ومثله قول الراجز أنشده الفراء:
يا دار ميٍ ... بدكاديك البُرَقْ
صَبْراً فقد هيجت ... شوق المشتَئِقْ
يريد: المشتاق، وحرك الهمزة بالكسر لأن الألف التي هي بدل منها منقلبة من حرف مكسور.
ومثل ذلك أيضاً قول كثير:
وللأرض أما سودها فتجللت ... بياضاً، وأما بيضها فادهأمّت
يريد فادهامت. وقول دُكَين:
راكدة مخلاته ... ومحلبه
وجله حتى ... أبيأض ملبيه
وقول الآخر:
يا عجباً لقد ... رأيت عجبا
حمارَ قبان ... يسوق أرنبا
(1/222)

خاطمها زأمّها ... أن تذهبا
يريد: زامها. وقول الآخر:
وبعد انتهاضِ الشيبِ من كل جانبٍ ... على لمتي حتى أشعأل بَهيمها
يريد: أشعال. فأبدلت الألف في جميع ذلك بهمزة ليتوصل بالإبدال إلى التحري. وكانت الحركة فتحة لأنها أخف الحركات.
ومثل ذلك أيضاً قول العجاج:
فَخِنْدفُ هامةُ ... هذا العالِم
يريد: العالم، فأبدل ألف همزة لتكون القافية غير مؤسسة كأخواتها. ألا ترى أنه قال قبل ذلك:
يا دَار سَلْمى يا اسلَمي ... ثم أسْلمي
وكانت الهمزة المبدلة منها ساكنة لأن التحريك يبطل الوزن، ولأنها بدل من ألف زائدة ساكنة في اللفظ والتقدير.
(1/223)

ومنه: إبدال الهمزة من الياء حيث لا يجوز ذلك في الكلام، نحو قوله:
قد كأد يذهب بالدنيا وبَهْجَتها ... مواليءُ ككباشِ العُوسِ سُحّاحُ
وقوله:
. . . . . . . ... كمشتريء بالخيلِ أحمرةً بُتْرا
وإنما أبدلت الياء من موالٍ ومشترٍ همزة للاضطرار إلى التحريك واستثقال الضمة والكسرة في الياء. وكان المبدل همزة إجراء لها في ذلك مجرى الألف لمشابهتها لها في الاعتلال واللين.
ومنه: إبدال الهمزة من ياء مبدلة من حرف صحة، نحو قول:
ينشب في ... المعسل واللهاء
أنشب من ... مآشر حداء
يريد: من مآشر حداد. فأبدل الدال ياء كراهية التضعيف، ولم يعتد بالألف فاصلة، ثم أبدل الياء همزة لوقوعها طرفاً بعد ألف زائدة.
ومنه: إبدال الهمزة من واو ساكنة مضموم ما قبلها، نحو قوله:
أحَبُّ المؤقدين إليّ مؤسى ... وحَرْزَةُ إذا أضاَءهُما الوَقُود
(1/224)

يريد: موسى. وكأنه قدر ضمه الميم على الواو لقيام الدليل على أن رتبة الحركة أن تكون بعد الحرف فهمزها كما تهمز الواو المضمومة في (أثوب) و (أدؤر) وأمثالهما.
ومنه: إبدال الهاء همزة، نحو قوله:
وبلدةٍ قالصةٍ ... أمواؤها
يَسْتَنّ في رأدِ ... الضّحى أفْيَاؤها
يريد: قالصة أمواهها، فأبدل الهاء همزة لما كانت مقاربة لها، لتتفق القوافي، وليكون الجمع على وفق المفرد في ذلك. وقوله:
فقال فريق أإذا إذ نحوتهم ... نعم وفريق ليمن الله ما ندري
يريد: أهذا، فأبدل الهاء همزة وفصل بين الهمزتين بألف. وإنما فعل ذلك لأن الوزن اضطره لزيادة هذه الألف الفاصلة، وحكم هذه الألف الفاصلة أن يفصل بها
بين الهمزتين لكراهية اجتماعهم نحو قولهم: أأنت فعلت كذا، فأبدل الهاء همزة ليسوغ الإتيان بها. وسهل له ذلك تجاورهما في الخروج.
ومنه: إبدال الياء من حرف من الحروف الصحاح، نحو قول رجل من يشكر:
(1/225)

لها أشاريرُ من لحمٍ تُتَمّرُهُ ... من الثعالي ووَخْزُ من أرانيها
يريد: من الثعالب، ومن أرانبها، فأبدل الباء ياء لأنه اضطر إلى التسكين ليصح له الوزن، والباء لا تسكن في هذا الموضع وأمثاله، فأبدل منها ياء، لأن الياء تسكن في حال الخفض كما أبدلت الياء منها في قوله: (لا وربيك) لما كرهوا التضعيف. حكى ذلك أحمد بن يحيى. وقد يمكن أن يكون جمع ثعالة فيكون الأصل فيه إذ ذاك الثعائل إلا أنه قلب.
ومثل ذلك قول الشاعر:
ومنهلٍ ليس ... له حوازقُ
ولضفادي جَمّة ... نَقانِقُ
يريد: ولضفادع. وقوله:
إذا ما عُدَّ أربعة فِسالُ ... فزوجُك خامسُ وأبوك سادي
يريد: (وأبوك) سادس. وقوله:
(1/226)

مضت ثلاث سنين منذ حل بها ... وعام حلت وهذا التابع الخامي
يريد: الخامس. وقوله:
قد مر يومان ... وهذا التالي
وأنت بالهجران ... لا تبالي
يريد: الثالث، فأبدلت العين من ضفادع ياء للعلة التي تقدم ذكرها في أرانبها. وأبدلت السين في سادس وخامس و (الثاء في) الثالث ياء لتوافق القوافي.
وأما قول الآخر:
ثلاثة أيامٍ كرامٍ ورابعُ ... وما الخام فيهم بالبخيلِ المُلومِ
فإنه لما أبدل السين من الخامس ياء، اجتزأ بالكسرة عنها.
(1/227)

ومن ذلك قول عامر بن جؤين:
فيا ليت أني بعدما طاف أهلها ... هلكت ولم أسمع بها صوتَ (إيسانِ)
فأبدل من النون، ياء لشبهها بها من جهة أنها فيها غنة، وهو فضل صوت فيها، كما أن في الياء لينا، وهو فضل صوت فيها. ولمقاربتها لها فيما ذكرناه أدغمت فيها، نحو: من (يوم)، وقول الآخر:
رأت رجلاً أما الإله فيتقي ... وأما بفعل الصالحين فيأتمي
وقول العجاج:
تَقَضَّيَ البازي ... إذا البَازي كَسرْ
يريد: تقضض، وهو تفعل من الاقتضاض، فأبدل من الضاد الأخيرة ياء. وقول الآخر:
قامت به تنشد ... كل منشد
فَايْتَصَلَتْ بمثلِ ... (ضوء) الفرقد
(1/228)

يريد: فاتصلت، فأبدلت التاء الأولى ياء.
وسبب البدل في جميع ذلك كراهية التضعيف. ولما أبدلت الضاد الأخيرة من (تقضض) ياء والميم الأخيرة من (يأتم)، قلبت الضمة التي قبلها كسرة لتصح الياء، على حد قولهم في جميع ظبي أظب. ولما قلبت الياء الأولى من (فاتصلت) ياء ساكنة كما أن الياء التي أبدلت منها كذلك، ثبتت الفتحة قبلها ولم تنقلب كسرة على قياس الياء الساكنة المفتوح ما قبلها.
وقول ابن هرمة:
إن السباعَ لتهدا عن فرائسها ... والناس ليس بهادٍ شرّهم أبدا
يريد: بهاديء، فأبدل من الهمزة ياء، ليكون سبباً إلى حذفها لاجتماعها مع التنوين وهما ساكنان، لما اضطر إلى ذلك. وقول الآخر:
ولا يرهَبُ ابن ما عشتُ صولتي ... ولا أختتي من صَوْلَةِ المُتَهَدّدِ
يريد: ولا أختتيء. فأبدل من الهمزة ياء لما احتيج إلى التسكين لأن الياء تسكن في هذا الموضع وأمثاله والهمزة لا تسكن فيه.
ومنه: إبدال الهمزة المفتوحة المفتوح ما قبلها ألفاً، نحو قول الفرزدق:
راحَتْ بِمَسْلَمةَ البغالُ عشيةً ... فارعَيْ فَزَارةُ لا هناك المَرْتَعُ
(1/229)

يريد: لا هنأك، فأبدلت الهمزة ألفاً لما احتاج إلى التسكين، والهمزة لا تسكن في مثل هذا الموضع. وسهل ذلك كون الهمزة والألف من مخرج واحد. ومثله قوله الآخر:
إذا (ملا) بطنه ألبانها حلبا ... باتت تغنيه (وضرى) ذات أجراس
يريد: ملأ بطنه.
ومنه أبيات لبعض المتقدمين كان القياس فيها أن يكون قوافيها همزات فجاءت بالياء بدل الهمزة، وهي قوله:
إذا ما المرء صم ولم يكلم ... ولم يك سمعُه إلا نِدايا
ولاعب بالعَشِيّ بني بنيه ... كفعل الهر يحترش العظايا
يلاعبهم وودّوا لو سَقَوْه ... من الذيفان مترعة مِلايا
فأبعده الإله ولا يُوقّي ... ولا يشفي من المرض الشفايا
ألا ترى أنه كان الوجه أن يقول: نداء، وعظاء، وشفاء، فيقلب الياء همزة لتطرفها ووقوعها بعد ألف زائدة، وأن يقول (ملا) لأنه من (ملأ)، لكنه اعتد (بألف) الإطلاق، كما اعتدت العرب بهاء التأنيث في
(1/230)

(عظاية) و (سقاية)، فزالت الياء بذلك عن التطرف فثبتت. وإبدال الهمزة في (ملايا) لتتفق القوافي.
ومنه: إبدالهم الجيم من الياء الخفيفة، نحو قول هميان بن قحافة
يُطير عنها الوَبَر ... الصُّهابجا
يريد: الصهابي، من الصهبة، فحذف إحدى اليائين تخفيفاً وأبدل من الأخرى جيماً لتتفق القوافي. وسهل ذلك كون الجيم والياء متقاربين في المخرج. ومثل ذلك قول الآخر، أنشده الفراء:
يا رب إن كنت ... قبلت حجتجُ
فلا يزال شاحج ... يأتيك بج
أقمر نهات ... ينزي وَفْرَتَج
(1/231)

يريد: حجتي، ويأتيك بي، وينزي وفرتي، فأبدل من الياء جيماً. وقول الآخر:
حتى إذا ما أمْسَجَتْ ... وأمْسَجَا
يريد: أمست وأمسى. إلا أنه ردهما إلى أصلهما، وهو أمسيت وأمسيا، ثم أبدل الياء جيماً لتقاربهما، لما اضطر إلى ذلك.
ومنه: إبدال ألف (ما) و (ههنا) هاء في الوقف، عند الاضطرار إلى ذلك، نحو قوله:
الله نجاك ... بكفي مُسْلِمه
من بَعْدما ... وبَعْدما وبَعْدِمه
يريد: وبعدما. وقوله:
قد وردَتْ ... من أمكنه
من ههنا ... وههنه
يريد: وهاهنا. وسهل ذلك كون الألف والهاء من مخرج واحد.
ومنه: إبدال الجيم شيناً لتتفق القوافي. ولا يحفظ من ذلك إلا قوله:
إذ ذاك إذ حبلُ ... الوصالِ مدمشُ
(1/232)

يريد: مدمج. وسهل ذلك أيضاً كون الجيم والشين متقاربتين في المخرج.
وأما إبدال الكلمة من الكلمة فمنه استعمال بعض حروف الخفض موضع بعض، نحو قول القحيف العقيلي:
إذا رَضِيتْ عليّ بنو قُشَيرٍ ... لَعَمْر الله أعجبني رضاها
يريد: عني. ونحو قول الراعي:
رعته أشهراً وخلا عليها ... فطار التي فيها واستغارا
يريد: وخلالها. وقول أبي ذؤيب:
وكأنهن ربابة وكأنه ... يَسَرُ يفيض على القداحِ ويصدع
(1/233)

يريد: يفيض بالقداح. وقول الشماخ:
وبُرْدانِ من خالٍ وسبعون دِرْهماً ... على ذاك مقروظُ من القَدّ ماعزُ
يريد: مع ذاك. وقول زيد الخيل:
وتركب يوم الروع فيها فوارس ... يصيرون في طَعن الأباهرِ والكُلي
يريد: بصيرون بطعن الأباهر. وقوله:
وخَضْخَضْن فينا البَحْرَ حتى قَطَعْنَه ... على كل حالٍ من غمارٍ ومن وَحْلِ
يريد: خضخضن بنا البحر. وقوله:
نلوذ في أم ... لنا ما تغتصب
من السحاب ... ترتدي وتنتقب
(1/234)

يريد: نلوذ بأم. ونحن قول امرئ القيس:
ويضحي فتيتُ المِسكِ فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
يريد: بعد تفضل. وقول النمر:
ولقد شهدت إذا القداحُ توحدت ... وشهدت عند الليل موقد نارها
عن ذات أولية أساود ربها ... وكأن لون الملح لون شفارها
يريد: من أجل ذات أولية. ونحو قول الشاعر:
أزمعتَ من آلِ ليلى ابتكارا ... وشَطّت على ذي نوى أن تزارا
يريد: إلى آل ليلى. وقول النابغة:
فلا تتركنّي بالوَعِيد كأنّني ... إلى الناس مَطْليّ به القار أجربُ
(1/235)

يريد: كأنني في الناس. وقول عمرو بن أحمر:
تقول وقد عالَيْتُ بالكور فَوقَها ... أيُسقَي فَلاَ يَرْوي إليّ ابن أحمرا
يريد: فلا يروي مني.
فهذه الأبيات وأمثالها فيها خلاف بين النحويين. فأهل الكوفة يحملونها على ما يعطيه الظاهر من وضع الحرف موضع غيره. وأهل البصرة يبقون الحرف على معناه الذي عهد فيه إما بتأويل يقبله اللفظ، أو بأن يجعلوا العامل مضمناً معنى ما يعمل في ذلك الحرف إن أمكن، ويرون أن التصرف في الأفعال بالتضمين أولى من التصرف في الحروف بجعل بعضها موضع بعض، لأن الحروف بابها أن لا يتصرف فيها. وأيضاً فإن الفعل إذا عدي تعدى غيره بالتضمين الذي ذكرناه كان لذلك سبب، وهو كون الفعلين يؤولان إلى معنى واحد، وإذا قدر أن أحد الحرفين وضع موضع الآخر من غير تضمين للعامل فيه معنى ما يتعدى بذلك الحرف، كان وضعه موضعه لغير سبب، فإن لم يمكن التأويل ولا التضمين اعتقدوا إذ ذاك أن أحد الحرفين موضوع موضع الآخر:
فعلى هذا قول القحيف (إذا رضيت علي) إنما عدي بعلي لأن الرضى عن الشخص إقبال عليه. فكأنه قال: إذا أقبلت علي.
وقول الراعي (وخلا عليها) يفيد ما يفيده قوله: وقف عليها. فعدى (خلا) بـ (على) كذلك.
(1/236)

وقول أبي ذؤيب (تفيض على القداح) الظاهر من أمر (على) فيه أن يكون بدلاً
من الباء، وإنما جاز ذلك لأن معنى (أفاض بالقداح) أوقع الإضافة على القداح.
وقول الشماخ (على ذلك مقروظ) المجرور خبر لـ (مقروظ)، وإذا كان خبراً له كان متعلقاً بمحذوف: التقدير زائد على ذاك مقروظ. هذا إن كان مراده أن يعطي مع الأشياء التي ذكرها قبل جلداً مقروظاً، أي مدبوغاً بالقرظ. وإن كان مراده (بالمقروظ) عيبة من جلد مدبوغ بالقرظ، فيها البردان والسبعون درهماً، كانت (علي) في موضعها، لأنها إذا كانت في المقروظ فالمقروظ عليها.
وقول زيد الخيل (بصيرون في طعن الأباهر)، إنما عدي بصير بفي لأن قولك: (هو بصير بكذا) يرجع إلى معنى هو حكيم فيه متصرف في وجوهه. وقوله (وخضخضن فينا البحر) ينبغي أن يحمل على حذف مضاف، يريد: وخضخضن في سيرنا البحر.
وقوله: (نلوذ في أم لنا)، ضمن، (نلوذ) معنى (نصير)، لأنه إذا لاذ بالجبل فقد صار فيه. ويريد بالأم سلمى - أحد جبليْ طيئ.
وقول امرئ القيس (لم تنطق عن تفضل): (عن) فيه بمعنى (بعد) على ما يعطيه الظاهر، وإنما وقعت (عن) موقع (بعد) لتقارب معنييهما، لأن عن تكون لما عدا الشيء وتجاوزه و (بعد) لما تبعه وعاقبه. فقولك: (أطعمه عن جوع)، يريد أنه فعل الإطعام بعد الجوع، فقد عدا وقته وقت الجوع وتجاوزه. وكذلك إذا جعلت النطاق بعد التفضل فقد عدا وقت الانتطاق وقت التفضل وتجاوزه.
وقول النمر (عن ذات أولية أساود ربها): (عن) متعلق بـ (أساود).
(1/237)

و (أساود) مضمن (معنى) (أسائل)، لأن المساودة هي المسارة، ومسارته له في حقها سؤال عنها. ويمكن أيضاً أن يكون (أساود) مضمناً معنى (أخادع)، لأنه إنما ساود ربها ليخدعه عنها.
وقوله: (أأزمعت من آل ليلى ابتكاراً): (من) فيه، عندي واقعة في محلها،
والمعنى: أأزمعت من أجل آل ليلى ابتكاراً، لأنه إذا أزمع ابتكاراً إليهم فقد أزمعه من أجلهم.
وقول النابغة (إلى الناس مطلي به القار أجرب): إنما وقعت فيه (إلى) موقع (في)، لأنه إذا كان بمنزلة البعير الأجرب المطلي بالقطران الذي يخاف عدواه فيطرد عن الإبل إذا أراد الدخول بينها، كان مبغضاً إلى الناس. فعومل (مطلي) كذلك معاملة (مبغض).
وكذلك قول ابن أحمر (أيسقي فلا يروي إلى ابن أحمرا) فهو على ظاهرة من وقوع (إلى) فيه موضع (من). والذي سهل ذلك أن الري ضد الظمأ. والظمأ يتعدى بـ (إلى)، يقال: ظمئت إلى الماء. فعدى (يروي) بـ (إلي) حملا على ضدها، وهو (يظمأ)، لأن العرب كثيراً ما تجري الشيء مجرى ضده.
وقد يجيء في الكلام ما ظاهره أن حرف الخفض واقع فيه موقع غيره، نحو قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان). ألا ترى أن المعنى: في ملك سليمان. ويقال: إن فلاناً لظريف عاقل إلى حسب ثاقب، أي مع حسب ثاقب.
والبصريون يتأولون ذلك كما بيناه قبل. فيجعلون (تتلو) مضمناً معنى (تتقول)، لأن معنى الآية أنهم تقولوا على ملك سليمان ما لم يكن فيه. وكذلك قولك: (إن فلاناً لظريف عاقل إلى حسن) معناه أن له ظرفاً وعقلاً
(1/238)

مضافين إلى حسن. فلما دخل الكلام على هذا المعنى، استعملت (إلى) فيه. وكذلك يفعل بكل ما جاء من هذا النوع.
وإنما أورد هذا النوع في الضرائر، وإن كان قد جاء في الكلام، لأن مجيئه في الشعر كثير واسع، ومجيئه في الكلام قليل لا يجوز القياس عليه.
ومنه: إبدال اسم مفرد من اسم مفرد. وهو على ضربين: ضرب جائز في الشعر دون الكلام ينقسم أربعة أقسام:
أحدها: أن يشتق للمسمى من اسمه اسماً آخر ويوقعه عليه بدل اسمه، نحو قول الحطيئة:
وما رضيت لهم حتى رفدتهم ... من وائلٍ رهط بسامٍ بأصرام
فيها الرماح وفيها كل سابغةٍ ... بيضاء محكمة من نَسج سلام
يريد: بسلام سليمان عليه السلام. وسهل ذلك كون سليمان وسلام المشتق منه يرجعان إلى معنى السلامة. وقول دريد بن الصمة:
فإن تنسنا الأيام والدهر تعلموا ... بني قارب أنا غضابُ لمعبدِ
(1/239)

يريد أخاه عبد الله، فأشتق معبداً من اسمه. ألا تراه يقول في هذه القصيدة:
تنادوا فقالوا أردت الخيل فارساً ... فقلت: أعبدُ الله ذلكم الردى
وسهل ذلك كون الاسمين يرجعان إلى معنى العبودية. وقول البَعيث يخاطب جريراً:
أبوك عطاءُ ألأم الناس كلهم ... فقبحت من نسلٍ وقبح من كهل
يريد: أباه عطية، فاشتق منه (عطاء)، وجعله أباً له لأن العرب تسمي العم أباً، فلا يكون على هذا من قبيل البدل، وقول الآخر:
بِسَحْبِلِ الدّفينِ ... عَيْسجورِ
يريد: بسحبل، فاشتق منه (سحبلاً) لما اضطره الوزن إلى ذلك.
فأما قول (العبد):
(1/240)

وما دُمْيَةُ من دُمَى ميسنا ... ن مُعْجِبةُ نظراً واتصافا
يريد: ميسان. وقول الآخر:
أعرَفْتَ الدار أم أنكرتَها ... بين تِبْراكٍ فَشسَّيْ عَبقُرْ
وقول طرفة:
بجفان تعتري نادِينَا ... من سديفٍ حين هاج الصَّنَّبرْ
فإنما هو تحريف، للضرورة، وليست مشتقة من (ميسان)، و (عبقر)، و (صنبر)، لأنها ليست على أوزان الأسماء.
وقد جاء هذا التحريف في شعر أبي الطيب في قوله:
من مبلغ الأعراب أني بعدهم ... لاقيت رَسْطاليس والاسكندرا
حكى أبو علي عن أبي زيد اسمه أرسطو طاليس. ومحال أن يقول أبو زيد ذلك إلا وقد وصل إليه من حيث يثق. وإذا كان كذلك فرسطاليس تحريف له. والتحريف في الأسماء الأعجمية أسهل من التحريف في الأسماء العربية، لأن العرب كثيراً ما تخلط فيها لأنها ليست من لغتهم.
(1/241)

والثاني: أن يكون الاسم مشتركاً ويكون الوزن لا يساعدك على الإتيان بمثله، فتأتي بدله بالاسم الذي يكون لشريكه، وذلك قول (الأحمر):
حدوا بأبي أم الرئالِ فأجفلتْ ... نَعَامَتُه عن عارضٍ مُتَلَهّبِ
يريد: بأبي أم الرئال (قطريا)، وكنيته أبو نعامة، فوضع أم الرئال موضع نعامة لما اضطره الوزن إلى ذلك. وقول المرار:
وخَيْفَاء ألقى الليثُ فيها ذراعه ... فسرت وساءت كلّ ماشٍ ومُصرمِ
يقول مطرت بنوء الذراع، وهو ذراع الأسد، فلم يتزن له، فوضع الليث موضع الأسد. وقول الآخر:
طَرْمح أقطارَها أحوى لوالدةٍ ... صَحْماَء والفحلُ للضرغام ينتسبُ
يصف إبلاً طرمح أقطارها، أي ملأها شحماً، عشب أرض (صحماء) نبت بغيث مطر بنو الأسد، فأوقع (الضرغام) موقع (الأسد) للضرورة
(1/242)

وكنى بالوالدة عن الأرض وبالفحل عن الغيث، وجعله منتسباً للضرغام، وهو الأسد، لأنه مطر بنوئه. وقول آخر، أنشده علي بن سليمان:
بني رَبَّ الجَوادِ فلا تفيلوا ... فما أنتم، فنعذركم، لفيل
أراد: ربيعة الفرس، فلم يتزن له فوضع (ربا) موضع (ربيعة) لأنه رب الفرس أي صاحبة، ووضع (الجواد) موضع (الفرس).
ومن ذلك قول امرئ القيس:
وخرقٍ كجَوفِ العَيْر قَفْرٍ مضلة ... قطعت بسام ساهمٍ الوَجْهِ حُسان
في قول من قال إن العير رجل من بقايا عاد (الآخرة) يقال له حمار بن مويلع. وكان ينبغي له أن يقول: كجوف حمار، إلا أنه لم يتزن له، فوضع العير موضعه. وكان لهذا الرجل جوف فيه ماء معين. وكان يزرع في نواحيه ويقري الضيفان. وكان على الإسلام. وكان له عشرة بنين أصابتهم صاعقة، فماتوا، فغضب وكفر ومنع الضيافة، فأقبلت نار من أسفل ذلك الجوف بريح عاصف، فأحرقت الجوف (وما فيه)، فضربت
(1/243)

به العرب مثلا.
والثالث: أن يكون الاسم لا يساعد الوزن عليه فيجعل بدله اسم ما هو منه بسبب، نحو قول لبيد:
بجلالةٍ توفي الجديلَ سريحة ... مثل الفنيقِ هنأته بعصيم
أراد أن يقول: هنأته بهناء، فلم يمكنه، فأوقع موقعه العصيم، وهو أثر الهناء، لما كان منه بسبب. ونحو قول الجعدي:
كأن فاها إذا تنسم في ... طيب مُشَمَّ وحُسنِ مُبْتَسم
رُكّب في السام والزبيب أقا ... حي كَثيبِ تَنْدى من الرَّهَم
أراد أن يقول: ركب في السام والخمر، فلم يتزن له، (فأوقع الزبيب موقع الخمر) إذ كانت من سببه. وقول رؤبة:
كالنحل في ماء ... الرضاب العَذْبِ
(1/244)

أراد: كالعسل، فلم يتزن له، فجعل بدله النحل لأنها من سببه. وقد يمكن أن يجعل على حذف مضاف تقديره: كعسل النحل، فلا يكون من هذا النوع.
والرابع: أن لا يضع على المسمى اسمه، بل يضع بدله اسم مسمى آخر، على طريق الاستعارة، في موضع يقبح فيه ذلك، نحو قول طرفة:
من الزّمِراتِ أسْبلَ قادماها ... وضرتها مركنة درور
الزمرات: القليلة الصوف. وقادماها: خلفاها. والقادمان إنما هما للناقة لأن لها أربعة أخلاف خلفان منها قادمان وخلفان آخران، فأستعار ذلك للشاة، وهي استعارة قبيحة، لأن الشاة إنما لها خلفان خاصة، ومعنى القادمين إنما يتحقق بالنظر إلى (الآخرين) وقول هميان:
لو لَقِيَ الفيلَ ... بأرض سابجا
لدَقّ منه العُنْق ... والدّوَارِجا
السيابجة قوم من السند يستأجرون ليقاتلوا، ويكونون كالمبذوقة، فجعل الفيل سيبجاً مع أن هذا المعنى لا يتصور منه. وسبب ذلك أنه من ناحية بلادهم. قول بعض السعديين وذكر إبلاً:
سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى مِلك أظلافه لم تُثَقّقِ
(1/245)

فاستعار للملك ظلفاً ولا ظلف له، وإنما أراد قدميه. وإنما تحسن هذه الاستعارة في الذم، فاستعملها في غير موضع الذم، فقبحت لذلك.
والضرب الذي لا يجوز في الشعر ولا في الكلام ما يجيء على طريق الغلطة لأنه الغالط لا ينبغي أن يتبع على غلطة، نحو قوله:
والشيخُ عثمان ... أبو عفان
فكني عثمان أبا عفان على وجه الغلط، وإنما كنيته أبو عمرو، وعفان اسم أبيه. وقول الآخر:
مثل النصارى ... قتلوا المسيحا
وإنما اليهود - على ما قالت اليهود والنصارى - قتلوا المسيح. وقد كذبهم الله في
ذلك بقوله: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم). والذي غلطه كون اليهود والنصارى مخالفين للإسلام، فظن أنهم جميعاً مشتركون فيما ينكرونه من الأشياء. وقول الآخر:
ومحورٍ أُخْلِصَ ... من ماءِ اليَلَبْ
يريد: الحديد، فغلظ فجعل اليلب الحديد، وإنما اليلب (جلود) يضم بعضها إلى بعض ويجعل تحت البيض وقاية. وكأن الذي غلطه قول عمرو بن كلثوم:
(1/246)

علينا البَيْضُ واليَلَبُ اليماني ... . . . . . . . . .
فتوهم أن اليلب أجود من الحديد، وقول ابن أحمر:
لم يَدْرِ ما نسج اليَرَنْدج قبلها ... ودارس أعوص دارس متجدد
اليرندج جلود سود يتخيل أنها مما تنسج. وقول أبي نخيلة:
برية لم ... تأكل المرققا
ولم تذق من ... البقول الفستقا
يريد: أن الفستق من البقول. وقول رؤبة:
كما أتقى ... محرم حج أيدعا
الأيدع: دم الأخوين، فتوهم أنه الزعفران.
(1/247)

فأما قول زهير:
(فَتُنْتِجْ) لكمِ غِلْمانَ أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضعْ فَتُفْطمِ
(فذهب) بعضهم إلى أن قوله (كأحمر عاد) غلط منه، وإنما هو أحمر ثمود الذي عقر الناقة فنزل العذاب بسبب ذلك على قومه، فصار مشؤوماً عليهم. وليس كذلك، بل العرب تسمي ثمود عاداً الآخرة، وتسمي قوم هود عاداً الأولى. قال الله تعالى: (وأنه أهلك عاداً الأولى).
كذلك قول حميد بن ثور:
لما تحملت الحمول حسبتها ... دَوْماً بأيلة ناعماً مكموما
ظن بعضهم أن ذلك غلط لأن الدوم لا يكمم، وإنما يكمم النخل.
(1/248)

وليس كذلك عندي. بل ينبغي أن يحمل على أنه سمي النخل دوماً لشبهه به.
وكذلك قول لبيد:
نَحْنُ بَني أمّ ... البنين الأربعَةْ
المطعمون الجفنة ... المُدَعْدَعَةْ
لم يقل الأربعة، وهم خمسة، على جهة الغلط. وإنما قال ذلك لأن أباه كان مات وبقي أعمامه وهم أربعة.
ومنه: إبدال المفرد من التثنية ووضعه موضعها، نحو قوله:
بَدّلك بلونِ ... لونينْ
سوادَ وجهٍ ... وبياضَ عَيْنيْن
يريد: بلونين لونين. ألا ترى أنه دعا عليها أن يبدل سواد عينها بياض وجهها وبياض وجهها سواد عينها.
وقول حسان بن تبع:
(1/249)

شر يوميها و (أخزاه) لها ... ركبت عنز بِحِدْجٍ جملا
وقول خليج الأعيوي:
لأخوين كانا خير أخوين شيمةً ... وأسَرعَهُ في حاجةٍ لي أريدها
وقول الفرزدق:
. . . . . . . . . ... وجدَّي خطيبُ المشرقين (وشاعره)
وقول الآخر:
ومَهْمَهَيْنِ ... قَذَفَيْنِ مَرْتَيْن
ظهراهما مثل ... ظهور الترسين
قطعتُه بالنعتِ ... لا بالنعتين
(1/250)

ألا ترى أن الضمير في جميع ذلك مفرد مع أنه عائد على اثنين. ولولا الضرورة لكان الوجه أن يقال: وأخزاهما، وأسرعهما، وشاعرهما، وقطعتهما.
فأما قول امرئ القيس:
وعين لها حدرة بدرة ... شقت مآقيها من أخرْ
يريد: وعينين، ولذلك أعاد عليها ضمير اثنين، فإن ذلك ليس من قبيل الضرائر، لأن وضع المفرد وضع الشيئين المتلازمين من نحو العينين واليدين والرجلين جائز في الكلام والشعر.
ومنه قوله عليه السلام: (إن لعينك حقاً) يريد: لعينيك.
ومنه: إبدال المفرد من الجمع ووضعه موضعه حيث لا يجوز ذلك في الكلام، نحو قول الأسود بن يعفر:
تَبَيّنَهُمْ ذو اللُّبّ حين يراهُمُ ... بسيماهُمُ بيضاً لحاهم وأصلعا
يريد: وصلعاً. وقول القطامي:
(1/251)

كأن نسوع رجلي حين ضمت ... حوالبَ غزرا ومِعًي جياعا
يريد: وأمعاء. وقول علقمة.
بها جيفُ الحَسْرى فأما عظامُها ... فبيض وأما جلدها فصليب
يريد: وأما جلودها. وقول الآخر:
كلوا في بعض بطنكم تعفوا ... فإن زمانكم زمنُ خَميصُ
يريد: في بعض بطونكم وقول الآخر:
لا تُنكروا القَتْل ... وقد سُبِينَا
في حَلْقِكِمْ عَظْم ... وقد شُجِينا
يريد: في حلوقكم. وقول الآخر، أنشده أبو عبيدة:
وأدْخُلُ الجَوْفَ أجوافَ البيوتِ على ... مثل النّساءِ رجالُ (ما لَهُمْ) غيرُ
فأفرد الجوف وهو يريد الجمع بدليل إبداله الجمع منه. وقول الآخر:
(1/252)

فإنْ تصلوا ما قرّب الله بيننا ... فإنكم أعمام صدق وخاليا
ومنه: وضع التثنية موضع المفرد وجعلها بدلاً منه، نحو قول الفرزدق:
. . . . . . . . . ... وعنْدي حُساما سيفه وحَمائُلهْ
يريد: حسام سيفه. وقوله أيضاً:
عشيةً سال المربدان كلاهما ... سحابةَ موتٍ بالسيوفِ الصّوارمِ
وإنما هو مربد البصرة. وقول عنترة:
كيف المزارُ وقد تربّع أهلُها ... بعُنَيزَتَيْن وأهُلنَا بالغَيْلمِ
يريد: عنيزة. وقول رؤبة:
يُخْشى بوادي ... العَثّريْن أضَمُهْ
يريد: عَثر. وقول الآخر:
تَطْلُب لي ... بِرَامَتَيْنِ سَلْجَما
(1/253)

يريد: رامة. وقول الآخر أنشده الفراء:
يسعى بكبداء ... وِلهْذِمَيْن
قد جعل الارطاة ... جنتين
يريد: جنة.
ويكثر ذلك في أسماء الأماكن، لأن الداخل إليها يرى لها وجهين عن يمينه ويساره.
فأما قوله:
قولا لعَمْرو بن هندٍ غير متئب ... يا أخنس الأنْفِ والأضراسِ كالعدسِ
وقول الآخر:
فإن تزجراني يا ابن عفانَ أزدجرْ ... وإن تدعاني أحمِ عرضاً ممنعا
فقد قيل إن الألف من (قولا) و (تزاجرني) ضمير اثنين وضع موضع ضمير الواحد، بدليل قوله في البيت الأول: (غير متئب)، ولم يقل غير
(1/254)

متئبين، وفي البيت الثاني: (يا ابن عفان)، فدل ذلك على أنه لم يخاطب غيره. وقد قيل إن الألف فيهما بدل من النون الخفيفة في الوصل، إجراء (له) مجرى الوقف، والأصل: قولن، وإن تزجر، وإن تدعن.
ومنه: وضع التثنية موضع الجمع وجعلها بدلاً منه حيث لا يجوز مثله في الكلام، نحو قول الفرزدق:
وما قمت حتى كاد من كان مسلما ... ليلبس مسودى ثياب الأعاجم
يريد: مسودات ثياب الأعاجم. وقول الآخر:
كأن حُمُولَهمْ لما التقينا ... ثلاثة أكْلبٍ يتطاردان
يريد: يتطاردن.
ومنه: وضع الجمع موضع المفرد وجعله بدلاً منه حيث لا يسوغ ذلك في حال السعة، نحو قول الأعشى:
ومثلك مُعْجبة بالشبا ... ب (صاك) العبير بأجسادها
يريد: (بجيدها). وقول امرئ القيس:
يطير الغلام الخف عن صَهَواته ... ويلوي بأثواب العنيفِ المثقّلِ
(1/255)

يريد: عن صهوته. وقول الفرزدق:
وإذا ذكرتَ أباك أو أيامه ... أخزاك حَيْثُ تُقَبَّل الأحجَارُ
وإنما هو حجر واحد. وقوله أيضاً:
فيا ليتَ داري بالمدينةِ أصبحت ... بأحفارِ فلجٍ أو بِسْيفِ الكواظمِ
يريد: الحفر، وكاظمة.
ووجه ذلك أن العرب قد توقع على الجزء اسم الكل. ألا ترى أنك لو لمست ناحية من الحجر أو من الصهوة أو من الجيد، لقلت لمست الحجر ولمست الصهوة ولمست الجيد.
ومما وضع فيه الجمع موضع المفرد أيضاً قول عبيد:
أقفر من أهله ملحوبُ ... فالقُطّبِياتُ فالذنوب
يريد: القطبية، وهي بئر معروفة، فجمعها بما حواليها.
ومنه أيضاً: وضع الجمع موضع التثنية في الموضع الذي لا يجوز فيه
(1/256)

(ذلك في) الكلام، نحو قول الأسود بن يعفر:
أتاني من الأنباءِ أن مُجَاشِعاً ... وآل فُقيمٍ والكراديس أصفقوا
يريد معاوية وقيساً ابني مالك من مر بن زيد مناة، ويقال لهما الكردوسان، فوضع الكراديس موضعهما.
ومنه: وضع العطف موضع التثنية أو موضع الجمع واستعماله بدلاً منهما حيث لا يسوغ ذلك في سعة الكلام. فمن الأول قوله:
ليثُ وليثُ في ... مَحَلّ ضَنْكِ
كلاهما ذو ... أشرٍ ومَحْكِ
وقوله:
كأن بين ... فَكّها والفَكِّ
فأرة مسك ... ذُبحتْ في سُكِّ
وقوله:
أنْجَبُ عِرْسٍ ... وُلدا وعِرْسِ
(1/257)

كان الوجه في جميع ذلك أن يقال: ليثان في محل ضنك، وكان بين فكيها فأرة مسك، وأنجب عرسين ولدا.
ومن الثاني قوله:
كأنّ حَيْثُ ... يَلْتقي منه المحلْ
من جانِبَيْه ... وَعِلانِ ووَعلْ
ثلاثةُ أشْرَفْنَ ... في طَوْدٍ عُتُل
كان الوجه أن يقول: ثلاثة أوعال لولا الضرورة.
وقد جاء مثل ذلك في شعر ابن هانئ، وهو قوله:
أقمنا بها يوماً ويوماً وثالثاً ... ويوماً له يوم الترحل خامس
يريد: أياماً أربعة.
ومنه: وضع صيغة الأمر موضع خبر (كن) وجعلها بدلاً منه، نحو قوله:
ألا يا أم فارع لا تلومي ... على شئ رفعت به سماعي
وكوني بالمكارم ذكريني ... ودلي دل ماجدةٍ صَناع
(1/258)

فجعل (ذكريني) في موضع (مذكرة). وهو قبيح، لأن فعل الأمر لا يقوم مقام الخبر في باب (كان).
وإنما فعل ذلك لأن (كوني) أمر في اللفظ ومحصول الأمر منه لها إنما وقع على التذكير، فلما كان في المعنى أمراً لها بتذكيره، استعمل فيه لفظ الأمر.
ومنه: وضع الجملة غير الخبرية موضع الوصف وإبدالها منه، نحو قوله:
فإنما أنْتَ ... أخُ لا نَعْدمهْ
ألا ترى أنه وضع (لا نعدمه)، وهي جملة دعاء، موضع مدعو له بالمواصلة. وقول الآخر:
حتى إذا كاد ... الظلام يَخْتلطْ
جاؤوا بِمَذْقٍ هل ... رأيت الذيبَ قَطْ
فوضع (هل رأيت الذيب قط)، وهي جملة استفهامية، موضع (مشبه لون الذئب،
وذلك غير جائز في الكلام.
وقد يمكن أن يحمل ذلك على إضمار القول، فيكون التقدير، وإنما أنت أخ نقول إذا أخبرناه، لا نعدمه، وجاؤوا بمذق يقول منرآه: هل رأيت الذئب قط، فهذا لونه، إلا أن ذلك الفهم المعنى.
(1/259)

ومنه: وضع الجملة الفعلية المنفية موضع الجملة الفعلية التي يراد بها النهي وإبدالها منها، نحو قول زهير:
القائلين يساراً لا تناظِرُهُ ... غشاً لسيدِهِمْ في الأمْرِ إذ أمروا
يريد: لا تناظره.
ومنه: وضع ضمير الرفع المنفصل حيث لا يسوغ ذلك في الكلام، نحو قوله:
يا ليتني وَهُما نَخْلو بمنزلة ... حتى يرى بعضنا بعضاً ونأتلفُ
كان الوجه أن يقال وإياهما، لولا الضرورة.
ومنه: وضع ضمير الرفع المنفصل بدل ضمير الرافع المتصل، نحو قول المرار ابن منقذ:
لم آت بعدهم حياً فأخبرهمُ ... إلا يزيدُهُم حُبّاً إليّ هُمُ
يريد: إلا يزيدونهم حياً إلى، فوضع الضمير المنفصل، وهو (هم)، موضع الضمير المتصل، وهو الواو، للضرورة، وقول طرفة:
أصَرَمْت حَبْلَ الحي أم صرموا ... يا صاح بل صَرَم الحبالَ هُمُ
(1/260)

يريد: بل صرموا الحبال، فوضع أيضاً الضمير المنفصل موضع الضمير المتصل، لما اضطر إلى ذلك.
ومنه: وضع ضمير النصب المتصل بدل ضمير النصب المنفصل أو بدل النفس. فمن الأول قول أمية:
بالوارثِ الباعثِ الأموات قد ضمنت ... إياهم الأرضُ في دَهْرِ الدهارير
يريد: قد ضمنتهم. وقول حميد الأرقط:
إليكَ حتى ... بَلغَتْ إياكا
يريد: حتى بلغتك، فوضع إياك موضع الكاف للضرورة. وقول بعض اللصوص:
كأناّ يَوْم قُرّى إن ... ما نقتل إيّانا
قتلنا منهُمُ كُلّ ... فتى أبيضَ حَسّانا
كان الوجه أن يقول: إنما نقتل أنفسنا، كما قال تعالى: (ربنا ظلمنا أنفسنا)، فوضع الضمير المنفصل موضعه لما اضطر إلى ذلك.
(1/261)

ومن الثاني قوله، أنشده الفراء:
وما علينا إذا ما كنت جارتنا ... أن لا يجاورنا إلاك ديار
يريد: إلا إياك، فوضع الضمير المنفصل، وهو الكاف، موضعه للضرورة وقول الآخر:
قَدْ بِتّ أحرسني وحدي ويَمْنَعُنِي ... صوت السبِاع به يَضْبحن والهام
الوجه أن يقول: أحرس نفسي، كما قال تعالى: (إني ظلمت نفسي) فوضع الضمير المتصل موضعه لما اضطر إلى ذلك.
ومنه: وضع صيغة ضمير النصب المنفصل بدل صيغة ضمير الرفع المنفصل المجعول في موضع خفض بكاف التشبيه، وذلك قوله:
فأحْسنْ وأجمل في أسيرك أنه ... ضَعيفُ ولم يأسرْ كإياك آسرُ
يريد: كأنت آسر. فوضع إياك موضع أنت للضرورة. وإنما قضى على (إياك) بأنها في موضع (أنت) لأن الكاف لا تدخل في سعة الكلام على مضمر إلا أن يكون صيغته صيغة ضمير رفع منفصل، نحو قولهم: ما أنا كأنت ولا أنت كأنا.
ومنه عند الفارسي: وضع الفعل بدل المصدر من غير أن يكون على تقدير حذف (أن)، نحو قوله أنشده أبو زيد:
(1/262)

ولا يلبث الحر الكريم إذا ارتمت ... به الجَمَزي قد شد حيزومها الضّفْرُ
(سَيكْسِب) مالاً أو يفئ له الغنى ... إذا لم تعجلْه المنيةُ والقَدْرُ
قال: فقوله (سيكسب مالاً) يدل على وقوع الفعل موقع الاسم، لا على تقدير حذف (أن)، لأن ذلك لا يستقيم مع السين، والمخففة من الثقيلة لا نعلمها حذفت، ولا يستقيم تقدير الحال لمكان السين. والمعنى لا يلبث أن يكسب مالاً.
ولا دليل له في ذلك عندي على وضع الفعل موضع الاسم لاحتمال أن يكون معمول (يلبث) محذوفاً والتقدير: ولا يلبث الحر الكريم إذا ارتمت (به) الجمزي قد شد خيزومها الضفر عن إدراك (المنى)، ثم استأنف فقال: سيكسب مالاً أو يفيء له الغنى.
ومنه: وضع الفعل موضع المصدر على تقدير حذف (إن) وإرادة معناها من غير إبقاء عملها، نحو قوله:
وما راعني إلا يَسِيرُ بِشُرْطةٍ ... وعهدي به قيناً يفش بكيرِ
يريد: وما راعني إلا أن يسير بشرطة. فحذف (أن) وأبطل عملها وهو يريد معناها.
(1/263)

والدليل على أن الفعل المضارع يحكم له بحكم ما هو منصوب بـ (أن) وإن كان مرفوعاً قوله:
ألا أيهذا الزاجري أحْضُرَ الوغى ... وأن أشهدَ اللذاتِ هل أنت مخلدي
في رواية من رفع (أحضر) ألا ترى أنه عطف (أن أشهد على) أحضر، فدل ذلك على أن المراد أن احضر.
ومثله قول أسماء بن خارجة:
أو ليس من عجبِ أسائلكم ... ما خَطْبُ عاذلتي وما (خطبي)
يريد: أن أسائلكم. وقول علي بن الطفيل السعدي:
وأهلكني لكم في كل يومٍ ... تعوجكم عليّ وأستقيمُ
يريد: وأن أستقيم، أي واستقامتي لكم. وقوله:
جَزِعت حِذَارَ البَيْنِ يوم تحمّلوا ... وحَقّ لمثلي يا بُثينَة يَجْزَع
يريد: أن يجزع. وقوله:
(1/264)

نفاك الأغر بن عبد العزيزِ ... وحقك تُنفَي عن المَسْجدِ
يريد: وحقك أن تنفي عن المسجد. وقول الآخر، أنشده يعقوب:
لولا يُرائي الناسَ ... لم يُصَلَّ
يريد: لولا أن يرائي الناس.
وقد يجيء مثل هذا في الكلام، نحو قولهم: (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه). إلا أن ذلك يقل في الكلام ويكثر في الشعر، فلذلك أوردناه في جملة ما يختص به الشعر.
ومنه: وضع الاسم موضع الفعل الواقع في موضع خبر (كاد) وموضع (أن) والفعل الواقع في موضع خبر (عسى)، نحو قول تأبط شراً:
فأبت إلى فهمٍ وما كدت آئباً ... وكم مثلها فارقتها وهْي تَصْفِرُ
وقول الآخر:
أكثرتَ في العَذْلِ ... مُلِحّاً دائما
لا تُكْثِرَنْ إني ... عسيت صائما
(1/265)

كان الوجه أن يقال: وما كدت أؤوب، وإني عسيت أن أصوم، إلا أن الضرورة منعت من ذلك.
وقولهم في المثل: (عسى الغوير أبؤسا) شاذ يحفظ ولا يقاس عليه.
وأما إبدال الحكم من الحكم فمنه: قلب الإعراب أو غيره من الأحكام لأن اللفظ إذا قلب حكمه أعطى، بدله، حكم غيره، نحو قول خداش بن زهير:
وتُرْكَبُ خَيْلُ لا هوادَة بيننا ... وتَشْقَى الرماحُ بالضياطرةِ الحُمرِ
يريد: وتشقى الضياطرة الحمر بالرماح، فجعل إعراب (الرماح) للضياطرة وإعراب الضياطرة للرماح، ويروي: وتعصي الرماح بالضياطرة
(1/266)

الحمر. يقال: عصى بالرمح إذا طعن به، و (عصى) بالسيف إذا ضرب به. وقول الراعي:
و (صبحته) كلاب الغوث يؤسدها ... مستوضحون يرون العَيْنَ كالأثر
يريد: يرون الأثر كالعين. والمستوضح الذي ينظر هل يرى شيئاً. وقول النابغة:
وقد خِفْتُ حتى ما تزيد مخافتي ... على وَعِل في ذي المطارة عَاقلِ
يريد: حتى ما تزيد مخافة وعلى علي مخافتي. وقول ذي الرمة:
وتكسو المجِن الرخو خَصْراً كأنه ... إهانُ ذَوي عن صُفْرَة فَهْو أخْلق
المجن: الوشاح، والرخو: المضطرب لرقة خصرها. يريد: تكسو الخصر مجناً. وقول القطامي:
(1/267)

فلما أن جرى سِمَنُ عَلَيها ... كما بَطَّنْتَ بالفَدَنِ السَّياعا
يريد: كما بطنت الفدن بالسياع. والفدن: القصر. والسياع: الطين فيه التبن.
وقول رؤبة:
ومَهْمَةٍ مُغْبَرةً ... أرجَاؤه
كأنّ لوْنَ ... أرْضِهِ سَماؤه
يريد: كأن سماءه لغبرتها لون أرضه، وقوله:
مثل القنافذ هَدّجُوانَ قَدْ بَلَغتْ ... نَجْرَانَ أو بلغت سوآتِهم هَجَرُ
يريد: أو بلغت سوآنهم هجر، وقول أبي النجم:
قبل دُنُوّ الأفْقِ ... من جَوْزائِهِ
يريد: قبل دنو الجوزاء من الأفق، وقول العباس بن مرداس:
(1/268)

فَدَيْتُ بنَفْسهِ نَفْسي ومالي ... ومَا آلوكَ إلا ما أطيقُ
يريد: فديت نفسه بنفسي ومالي. وقول النمر بن تولب:
فإن المَنِيّةَ مَنْ يَخْشَها ... فسَوْفَ تُصادفُه أينما
فإن أنتَ حاوَلتَ أسبابَها ... فلا تَتَهيّبْكَ أنْ تُقْدما
يريد: فلا تتهيبها، لأن المنية لا تهاب أحداً، وقول ابن مقبل:
ولا تَهيّبَني المَوْمَاةُ أركبُها ... إذا تجاوبت الأصداء بالسّحرِ
يريد: ولا أتهيب الموماة، وقول الفرزدق:
لا تحسبن دراهماً شَرّفْتها ... تمحو مَخَازيَكَ التي بعُمانِ
يريد: دراهم شرفتك، وقول النابغة الجعدي، أنشده له أبو عبيدة:
(1/269)

كانت فَريضَةُ ما تقول كما ... كان الزّناءُ فريضَةَ الرّجمِ
يريد: كما كان الرجم (فريضة) الزنا، وقول الآخر أنشده أبو عمرو بن العلاء:
وإن بني شَرَاحيلَ بنَ عَمْرو ... تمارَوْا والفُجُور من التماري
يريد: والتماري من الفجور، ونحو قول الفرزدق:
ووفراء لم تُخْرَزْ بِسَيْرِ وكيعةٍ ... غَدَوْتُ بها طياً يدي بِرِشائها
يريد: طيا رشائها بيدي، وقول الآخر أنشده بعض البغداديين:
كما دَحَسْتَ الثّوْبَ ... في الوِعَائَيْن
يريد: الثوبين في الوعاء.
وهذا ليس بقلب إعراب، وإنما قلب حكم الإفراد والتثنية فجعل التثنية التي ينبغي أن تكون للثوب (للوعاء)، وجعل الإفراد الذي ينبغي أن يكون (للوعاء) للثوب. ومثله قول الآخر:
إذا أحسنَ ابن العمّ بعد إساءةٍ ... فلست لشرّيْ فِعْلهِ بِجَهُولِ
(1/270)

يريد: لشر فعليه. وقول الآخر، أنشده بعض البغداديين أيضاً:
لما خشيت ... نَسَبَيْ أضْواها
يريد: أضوا نسيبها. فجمع بين قلب الإعراب وقلب الإضافة.
وأما قول الحطيئة:
فلما خشيت الهول والعَيُر ممسك ... على رَغْمه ما أمْسك الحبلَ حافره
فإن كثيراً من النحويين جعلوه مقلوباً، وزعموا أنه يريد: ما أمسك الحبل حافره، إلا الأصمعي فإنه زعم أنه غير مقلوب وأن الحافر هو الذي يمسك الحبل، إذ لولاه لخرج الحبل من رجله.
والقلب مقيس في الشعر بلا خلاف لكثرة مجيئه فيه. وقد جاء أيضاً في الكلام: حكى أبو زيد: (إذا طلعت الجوزاء انتصب العود في الحرباء. يريد: انتصب الحرباء في العود). وحكى أبو الحسن (عرضت الناقة على الحوض، وعرضتها على الماء)، يراد بذلك، عرضت الماء والحوض عليها. وحكى أيضاً من كلامهم: (أدخلت القلنسوة في رأسي)، يريدون: أدخلت رأسي في القلنسوة. إلا أن ذلك لم يكثر في الكلام كثرته في الشعر، فلم يجز لذلك القياس عليه.
ومنه: أن يكون الاسم مذكراً فيحكم له بحكم المؤنث بدلاً من تذكيره، أو يكون مؤنثاً فيحكم له بحكم المذكر بدلاً من تأنيثه، حملاً على المعنى.
(1/271)

فمن الأول قول رويشد:
يا أيها الرجلُ المزجي مطيته ... سائلْ بني أسَدٍ ما هذه الصّوْتُ
فأنث الصوت لأنه بمعنى الصرخة والاستغاثة. وقول الآخر:
وحمال المئين إذا ألمت ... بنا الحدثَانُ والأنِفُ النّصُورُ
فأنث الحدثان لأنه قد يراد به الكثرة، فيكون في معنى الحوادث. وقول الآخر:
أتَهْجُرُ بَيْتاً بِالْحِجَازِ تَلَفّعَتْ ... بَهِ الخَوْفُ والأعْداءُ مِنْ كُلّ جَانِبِ
فأنث الخوف لأنه بمعنى المخافة. وقول الآخر:
تدعى هوازن والقميص مفاضة ... فوق النطاقِ تشد بالأزرار
فأنث القميص لأن مراده به الدرع وهي مؤنثة. وقول عمر بن أبي ربيعة:
فكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاثُ شخوصٍ كاعبان ومعصرُ
(1/272)

فأنت الشخص ولذلك أسقط التاء من العدد، لأنه أراد بالشخوص النساء، وقول الآخر:
وإن كلاباً هذه عَشْرُ أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العَشْر
فأنث البطن ولذلك أسقط التاء من عدده، لأنه أراد بالبطون القبائل، بدليل قوله: وأنت بريء من قبائلها العشر.
فأما قوله:
فَعَوّضَني منها غِنَاي ولم تكنْ ... تُساويُ عَنْزي غَيْرَ خَمْسَ دَّرَاهِمِ
فالصحيح في روايته (خمس دراهم)، بفتح السين وتشديد الدال، يريد: خمسة (دراهم)، إلا أنه أدغم ك (عمامة دَاود).
ومن هذا النوع قول لبيد:
فمضى وقدمها، وكانت عادةُ ... منه إذا هي عودت أقدامها
فأنث الأقدام لأنه بمعنى التقدمة. وقول الآخر:
(1/273)

أزيَد بنَ مَصْبوحٍ فلو غيركم صبا ... غَفَرنا وكانت من سجيتنا الغُفُر
فأنث الغفر لأنه بمعنى المغفرة.
وزعم الكوفيون أن اسم (كان) إذا كان مصدراً مذكراً والخبر مؤنثاً مقدماً عليه، جاز في سعة الكلام لتذكير والتأنيث. فأجازوا أن يقال: كان رحمة المطر الذي أصابنا البارحة، وكانت رحمة. قالوا: فمن ذكر فلأن المطر مذكر والنية به التقديم، فكما يقال: كان المطر الذي أصابنا رحمة، فكذلك تفعل إذا قدم الخبر. ومن أنث فلأن الخبر قد ولى (كان) وهو مؤنث، والأخبار سبيلها أن تكون موافقة للأسماء لأنها هي في المعنى، وأيضاً فإن الاسم مصدر وتذكير المصدر وتأنيثه
بمعنى واحد، ولذلك لم يجز التأنيث إذا كان الاسم غير مصدر نحو قولك: (كان شمساً وجهك)، ولا يجيزون أن يقال: (كانت شمساً وجهك). فعلى هذا قول لبيد (وكانت عادة منه إذا هي عردت أقدامها)، هو عندهم من قبيل ما يجوز في الكلام والشعر، وكذلك قول الآخر: وكانت من سجيتنا الغفر، لأنه يريد: سجية من سجايانا الغفر.
والصحيح عندي ما ذهب إليه أهل البصرة، لأنه لا يحفظ في سعة الكلام مثل: كانت رحمة المطر الذي أصابنا. واحتجاجهم على جواز ذلك بقراءة أهل المدينة وعاصم وأبي عمرو: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا) بتأنيث (تكن) لأن (أن) مذكرة وخبر لكن قد تقدم على اسمها وهو مؤنث، لا حجة لهم فيه، لأن (أن) مع صلتها إنما هي على حسب ما هي
(1/274)

بتقديره. فإن قدرت (أن قالوا) بالقول حكم لأن وصلتها بحكم المذكر، وإن قدرته بالمقالة أو بالقولة حكم لها مع صلتها بحكم المؤنث.
فأما قول حاتم:
أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عَذَرتْني في طِلابِكمُ عُذْر
فينبغي أن لا يحمل على أنه أنث العذر لأنه بمعنى المعذرة أو العذري، لأن ذلك شيء لم تدع إليه ضرورة، إذ قد يمكن أن يكون جمع العذير، وهو الحال، على عذر، كنذير ونذر، ثم خفف، ويكون المعنى: وقد عذرتني الأحوال التي ترونها مني.
وقد شذ شيء من هذا في الكلام: حكى الأصمعي عن بعضهم: كان ذلك مذ دوخت الإسلام، فأنث الإسلام لأنه بمعنى الملة. وحكي أيضاً عن أبي عمرو أنه سمع رجلاً من أهل اليمن يقول: (فلان لغوب، جاءته كتابي فاحتقرها، فقال له: أتقول جاءته كتابي، فقال: نعم أليس بصحيفة).
ومن الثاني قول عامر بن جؤين:
فلا مُزْنَةُ ودقت وَدْقَها ... ولا أرْضَ أبْقلُ إبْقَالَها
(1/275)

فذكر الأرض لأنها بمعنى المكان، فكأنه قال: ولا مكان أبقل إبقالها. وقوله:
لو كانَ مِدْحَةُ حَيّ مُنْشراً أحداً ... (أحيا) أباكن يا ليلى الأماديح
فذكر المدحة لأنها بمعنى المدح، وقول الآخر:
إن السماحةَ والمروة ضُمَّنا ... قبراً بمرو على الطريقِ الواضحِ
فذكر السماحة لأنها بمعنى السماح، ثم غلب المذكر على المؤنث. وقول الآخر:
هنيئاً لسعدِ ما اقتضى بعد وقعتي ... بناقةِ سَعْدِ والعشية بارد
لأنها في معنى العشي، وقول الآخر أنشده ثعلب:
وقائعُ في مُضَرٍ تسعةُ ... وفي وائلٍ كانت العاشِرة
فذكر الوقائع لأنها بمعنى الأيام، ولذلك أدخل التاء في عددها، وقول الآخر:
(1/276)

فإن تَكْسُني يا ربّ صَلّيْتُ خَمْسَةً ... وإلا تَرَكْتَ الخَمْسَ غَيْرَ ذميم
فذكر الصلاة حملاً على معنى الدعاء، ولذلك ألحق التاء في العدد أولاً. وقول طفيل بن عوف الغنوي:
إذ هي أحوى من الربعي خاذلة ... والعين بالأثمد الحاري مكحول
فذكر العين لأنها بمعنى الطرف، وقول الآخر أنشده، هشام بن معاوية:
يمت بقربي الزينبين كليهما ... إليك وقربى خالد وحبيب
فذكر الزينبين حملاً على معنى الشخصين، وقول الآخر، أنشده الفراء:
وكلتاهما قد خُطّ في صحيفتي ... فلا العَيْشُ أهوَاهُ ولا الموتُ أرْوَحُ
فذكر كلتا حملاً على المعنى لأن معنى كلتاهما قد خط لي، وكلا الأمرين قد خط لي، واحد.
ومن هذا النوع أيضاً عند المبرد ومن أخذ بمذهبه، حذف علامة التأنيث من الفعل
المسند إلى المفرد من ظاهر المؤنث الحقيقي، نحو قول جرير:
(1/277)

لقد ولد الأخَيطِلَ أمُّ سوءِِ ... على بابِ أستها صُلُبُ وشَام
وقول الآخر:
إن امرءاً غره منكن واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور
ألا ترى أن التاء قد حذفت من الفعل المسند إلى (أم) في البيت الأول، وإلى (واحدة) في البيت الثاني.
وإن جاء شيء من ذلك في سعة الكلام، كان شاذاً عنده يحفظ ولا يقاس عليه. وسواء في ذلك أن يفصل بين الاسم والفعل أو لا يفصل. نحو ما حكي من قولهم: قال فلانة، وحضر القاضي اليوم امرأة.
وذهب أبو موسى الجزولي إلى إجازة حذف علامة التأنيث. إلا أن حذفها عنده من غير فصل ليس بكثير.
وذهب الزمخشري إلى منع حذفها في الكلام إذا عدم الفصل وأجاز الحذف مع الفصل إلا أن جوازه ليس بالواسع عنده.
(1/278)

وذهب النحاس إلى أن ذلك لا يجوز في نحو قولك: قامت هند، لئلا يلتبس المذكر بالمؤنث إذ قد يسمى المذكر باسم المؤنث، وأجازه في قولك: جاءتني امرأة وأمثاله لأنه قد عرف المعنى. ففرق بين العلم وغيره.
والصحيح عندي ما ذهب إليه المبرد، لأن سيبويه ذكر أن ذلك (في الواحد من الحيوان قليل) ثم قال: وهو في الآدميين أقل ف (حضر القاضي امرأة) وأمثاله على هذا أقل قليل. وما كان على هذه الصفة لا يجوز القياس عليه.
وأما قوله:
بعيد الغزاة فما أن يزا ... ل مضطمراً طرتاه طليحا
فإن إسقاط علامة التأنيث من مضطمر ليس بضرورة، لأن الصفة إذا أسندت إلى
ظاهر المفرد المؤنث غير الحقيقي، حذف منها علامة التأنيث في سعة الكلام، كما يحذف من الفعل المسند إليه فيقال: طلع الشمس وطلعت الشمس.
وتذكير المؤنث أحسن من تأنيث المذكر، لأن التذكير أصل التأنيث، فإذا ذكرت المؤنث ألحقته بأصله وإذا أنثت المذكر أخرجته عن أصله.
ومنه: العطف على التوهم، نحو قوله:
(1/279)

أجدك لست الدّهْرَ رائيَ رامةٍ ... (ولا عاقلٍ) إلا وأنت حبيبُ
ولا مصعد في المصعدين لمنعج ... ولا هابطٍ ما عشت هَضْبَ شَطيبِ
ألا ترى أن (مصعداً) و (هابطاً) كانا حكمهما أن ينصبا لعطفهما على (رائي رامة) وهو منصوب لأنه خبر (ليس). لكن الكسائي رواهما بالخفض بدل النصب، على توهم ما من عادته أن يزاد في خبر ليس، وهو الباء. ألا ترى أنه يجوز لك أن تقول في الكلام: لست الدهر برائي رامة. ومثله قول زهير:
بدا لِيَ أني لَسْتُ مدركَ ما مضى ... ولا سابقٍ شيئاً إذا كان جائياً
وقول الآخر:
مشائيمُ ليسوا مصلحينَ عَشيرةُ ... ولا ناعبٍ إلا ببينٍ غُرَابُها
فـ (سابق) في البيت (الأول) خفض على توهم الباء في مدرك،
(1/280)

و (ناعب) في البيت الثاني خفض على توهم الباء في مصلحين.
ومثل ذلك، في مذهب من يعتقد أن الخافض إذا حذف مع (إن) و (أن) كانا مع صلتيهما بتقدير اسم منصوب، قول الآخر:
وما زرتُ سلمى أن تكون حبيبةً ... إليَّ ولا دينٍ بها أنا طالبه
ألا ترى أنه خفض (دين) لما كان من عادته أن يقول: وما زرت سلمى لأن تكون حبيبة. ونحو من ذلك قول مسور بن زياد الحارثي:
يقول رجالُ ما أصيب لهم أب ... ولا من أخٍ، أقبلْ على المال تعقل
ألا ترى أنه قال: ولا من أخ لما كان له أن يقول: ما أصيب لهم من أب فيزيد (من) في المعطوف عليه.
وأقبح من جميع ما تقدم من هذا النوع قول الآخر:
أجدك لن ترى بِثُعَيْلبَاتٍ ... ولا بيدان ناجيةً ذَمُولا
ولا متداركٍ والشّمْسُ طِفْلُ ... ببعض نواشغ الوادي حمولا
ألا ترى أنه كان ينبغي له أن يرفع (متدارك) على أن يكون خبر المبتدأ مضمر فيكون التقدير إذ ذاك: ولا أنت متدارك، إلا أنه استعمل بدل الرفع الخفض لما كان معنى لن ترى بثعيلبات واحداً، فعامله لذلك معاملته.
(1/281)

وإنما كان هذا أقبح من جميع ما تقدم لأن المعنى الذي حمل عليه في الأبيات المتقدمة قد يخرج إلى اللفظ، والمعنى الذي حمل عليه في هذا البيت لا يخرج إلى اللفظ.
وقول الآخر:
إن تركبوا فركوبُ الخيل عادَتُنا ... أو تنزلونَ فإنا مَعْشرُ نُزُل
ألا ترى أن (تنزلون) حكمه أن يحذف منه النون للجزم لأنه معطوف على الفعل المجزوم بأداة الشرط، وهو (تركبوا)، لكنه اضطر إلى رفعه بالنون فأستعمل الرفع بدل الجزم حملاً على (أتركبون) المضمن معنى (أن تركبوا)، لأن الفعل المستقيم عنه جائز فيه أن يضمن معنى الشرط. إلا أن ما حمل عليه رفع (تنزلون) لا (يخرج) إلى اللفظ.
ومنه: أن يعامل الاسم الذي ليس بمبتدأ، لا في اللفظ ولا في التقدير، معاملة المبتدأ أو الاسم الذي هو معمول الناسخ من نواسخ الابتداء فيخبر عنه كما يخبر عنهما. فالأول نحو قوله:
أقول له كالنُّصْحِ بيني وبينه ... هَل أنت بنا في الحَجّ مرتجلان
فمرتجلان مرفوع على أنه خبر عن المبتدأ الذي هو ضمير المخاطب وعن ضمير المتكلم المجرور بالباء، مع أن الضمير المجرور بالباء ليس مبتدأ في اللفظ ولا في التقدير، فكان حكمه أن لا يخبر عنه لكنه حكم له، بدلاً من حكمه، بحكم المبتدأ فأخبر عنه.
(1/282)

والذي سوغ له ذلك الحمل على المعنى. ألا ترى أنه لا فرق في المعنى بين قوله: هل أنت بنا في الحج مرتجلان، وبين أن يقول: هل أنت وأنا في الحج مرتجلان.
والثاني نحو قوله:
لعلّي إن مالت بي الريح ميلةً ... على ابن أبي الذبانِ أن يتندّما
فأخبر بقوله: أن يتندما عن الضمير المجرور بالباء، مع أنه ليس بمبتدأ في اللفظ ولا في التقدير ولا معمولاً لناسخ من نواسخ الابتداء، فكان حكمه أن لا يخبر عنه، لكنه حكم له، بدلاً من حكمه، بحكم المبتدأ فأخبر عنه واستغنى بالأخبار عنه عن الإخبار عن اسم (لعل).
والذي سوغ له ذلك أيضاً الحمل على المعنى. ألا ترى أنه لا فرق في المعنى بين ما قاله وبين أن يقول: لعل ابن أبي الذبان إن مالت بي الريح ميلة عليه أن يتندم، خبراً عن اسم (لعل)، ويكون الرابط له به محذوفاً. والتقدير: لعلي إن مالت بي الريح ميلة علي ابن أبي الذبان أن يتندم بميلي عليه، فيكون الرابط باسم لعل المضمر المضاف إليه ميل المحذوف.
ومنه: تأكيد الاسم المخفوض بالإضافة باسم مخفوض (بمن)، حملاً على المعنى، نحو قول قيس بن الخطيم:
نحن بغرسِ الوديَّ أعلمناُ ... منا بركضِ الجيادِ في السُّدَفِ
(1/283)

فوكد ضمير المتكلم المخفوض بإضافة (أعلم) إليه بالمجرور بـ (من) حملاً على المعنى. ألا ترى أن قوله:
نحن بغرس الوديَّ أعلمنا ... منا بركض الجياد في السدف
معناه أعلم منا بركض الجياد، فلذلك حكم له، بدلاً من حكمه، بحكم الضمير المجرور بـ (من).
ومنه: انتصاب الفعل المضارع بعد الفاء في غير الأجوبة الثمانية، وهي الأمر والنهي والنفي والاستفهام والتمني والعرض والتحضيض والدعاء. ونحو ذلك قوله:
سأتركُ منزلي لبني تميمٍ ... وألحقُ بالحجازِ فأستريحا
وقول الآخر:
هنالك لا تجزونني عند ذلكم ... ولكن سيجزيني الإله فيُعْقِبا
وقول الآخر:
قوارصُ تأتيني وتحتقرونها ... وقد يملأ القَطْرُ الإناَء فيُفْعَما
(1/284)

وقول طرفة:
لنا هضبة لا ينزلُ الذّلَ وَسْطَها ... ويأوي إليها المستجير فَيُعْصَما
ألا ترى أن الأفعال الواقعة بعد الفاء في جميع ذلك منصوبة من غير أن يتقدم الفاء شيء من الأجوبة الثمانية، وكان حكمها أن تكون مرفوعة لأن الأفعال التي قبلها مرفوعة وهي معطوفة عليها وداخلة في معناها. إلا أنه لما أضطر إلى استعمال النصب بدل الرفع، حكم لها بحكم الأفعال الواقعة بعد الفاء في الأجوبة الثمانية، فنصب بإضمار (أن)، وتؤولت الأفعال التي قبلها تأويلاً يوجب النصب فحكم لقوله: (وألحق بالحجاز) بحكم ويكون مني لحاق بالحجتز، ولقوله: (سيجزيني الإله) بحكم (يكون من الإله جزاء لي)، ولقوله، (وقد يملأ القطر الإناء) بحكم (قد يكون من القطر ملء الإناء)، ولقوله: (يأوي إليها المستجير) بحكم (يكون من المستجير آوي إليها)، لأن المعنى في جميع ذلك واحد، وجعلت
مع الفعل معطوفة بالفاء على ذلك المصدر المتوهم.
ومنه: انتصاب الفعل بإضمار (أن) بعد (أو) العاطفة إجراء لها في ذلك مجرى (أو) التي بمعنى (إلا أن)، نحو قوله:
فَسِرْ في بِلادِ الله والتمس الغنى ... تَعِشْ ذا يسارٍ أو تموت فتُعْذَرا
ألا ترى أنه نصب الفعل الواقع بعد (أو)، بإضمار (أن)، وليست بمعنى (إلا أن) لأن المعنى لا يساعد على ذلك، إذ لا يلزم من سيره في بلاد
(1/285)

الله والتماسه الغنى أن يعيش ذا يسار (إلا) أن يموت، وإنما هي لأحد الشيئين. ألا ترى أن المعنى: سر في بلاد الله والتمس الغنى يكن أحد الشيئين: عيش ذو يسار أو موت فتعذر، فكان ينبغي أن يكون الفعل الذي بعدها مجزوماً لأنه معطوف على (تعش) وهو مجزوم. إلا أنه لما اضطر إلى استعمال النصب بدل الجزم حكم لها بحكم الفعل الواقع بعد (أو) التي بمعنى (إلا أن)، وتأول الفعل الذي قبلها تأويلاً يوجب النصب، فحكم لقوله: (تعش ذا يسار) بحكم (يكن لك عيش ذو يسار) لأن المعنى فيهما واحد، ونصب الفعل الذي بعدها بإضمار (أن) وعطف (أن) والفعل المنصوب بها على ذلك المصدر المتوهم.
ومنه: نصب معمول الصفة المشبهة باسم الفاعل في حال إضافته إلى ضمير موصوفها، نحو قولك: مررت برجل حسن وجهه، بنصب وجه. ولا يجوز ذلك إلا في ضرورة، نحو قوله:
أنعَتُها إني ... من نعاتها
كوم الذرى ... وادقَةُ سرّاتِها
ألا ترى أنه قد نون (وادقة) ونصب معمولها، وهي مضافة إلى ضمير موصوفها، وكان الوجه أن يرفع السرات. إلا أنه أضطر إلى أستعمال النصب بدل الرفع فحمل الصفة ضميراً مرفوعاً عائداً على صاحب الصفة ونصب معمول الصفة
إجراء له، في حال إضافته إلى ضمير الموصوف مجراه إذا لم يكن مضافاً إليه.
(1/286)

وكذلك أيضاً لا يجوز خفض معمولها في حال إضافته إلى ضمير الموصوف إلا عند الاضطرار لأن الخفض لا يكون إلا من نصب. ومن ذلك قول الأعشى:
فقلت له هذه هاتها ... إلينا بأدماَء مُقُتادِها
ألا ترى أنه أضاف الصفة، وهي (أدماء)، إلى معمولها، وهي (مقتاد)، في حال إضافته إلى ضمير موصوفة. وقول الآخر في الصحيح من القولين:
أقَامَتْ على رَبْعَيْهما جارتا صَفَا ... كُمَيْتَا الأعالي جَوْنَتا مُصْطَلاهُما
ألا ترى أنه أضاف الصفة، وهي (جونتا)، إلى معمولها، وهي (مصطلى)، في حال إضافته إلى ضمير موصوفة.
ومنه: أن يستعمل الاسم للضرورة استعمالاً لا يجوز فيه في سعة الكلام. فمن ذلك قوله:
مَهْمَا لِيَ الليْلةَ مهما ليه ... أودى بِنَعْلي وسِرْ باليهْ
ألا ترى أن (مهما) لا يستعمل في سعة الكلام إلا اسم شرط. إلا أنه لما اضطر استعملها اسم استفهام بدل ذلك الاستعمال الجائز فيها في حال السعة.
(1/287)

ومنه قوله:
ما أنت بالحَكَم التُرضي حُكومته ... ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل
ألا ترى أن الألف واللام، الداخلة على (ترضى)، من الأسماء الموصولة، لأنها بمعنى الذي، يريد: الذي ترضى، وحكمها في الكلام أن لا تدخل إلا على اسم الفاعل أو اسم المفعول، نحو: الضارب، والمضروب، تريد الذي ضَرب، والذي ضُرب. إلا أنه لما اضطر جعل وصلها بالفعل بدلاً من وصلها باسم الفاعل، إجراء لها في ذلك مجرى ما هي في معناه، وهو (الذي). ومثل ذلك قوله:
فذو المال يُعْطَى مَالَه دون عرْضِه ... لما نابه والطارق اليتعهد
يريد: الذي يتعهد. وقوله:
أحين اصطفاني أن سكتَّ وإنني ... لفي شُغُلِ عن رَحْلي اليَتَتَبّعُ
يريد: الذي يتتبع. وقوله:
لا تبعثَنّ الحَرْبَ إني لك ال ... يُنْذِرُ من نيرانها فاصْطَلِ
يريد: الذي ينذر، وقول ذي الخرق الطهوي:
(1/288)

يقول الخنى وأبْعضُ العًجْم ناطقاً ... إلى رَبّنا صَوْتُ الحِمارِ اليُجَدّعُ
وقوله أيضاً:
ويَستَخرج اليَرْبُوع من نافقائه ... ومن حجره يالشيحةِ اليَتَقَصَّعُ
يريد: الذي يجدع، والذي يتقصع.
ومن النحويين من ذهب إلى أن هذه الألف واللام الداخلة على الفعل ليست الداخلة على اسم الفاعل واسم المفعول، بل هي مبقاه من الذي وذلك باطل بدليل أنها لو كانت مبقاة منه لجاز أن يقع في صلتها الفعل الماضي كما يقع في صلة الذي، فلنا لم تدخل من الأفعال إلا على الفعل المشبه لاسم الفاعل، وهو المضارع، دل ذلك على أنها الداخلة على اسم الفاعل في الكلام.
فأما الألف واللام في قول الآخر:
من القوم الرّسُول الله منهم ... لَهُمْ دانت رِقابُ بني مَعدَّ
يريد: الذي رسول الله منهم، فالأظهر أن تكون مبقاة من الذين، لأنه وصلها بالجملة الاسمية ولم يدخلها على اسم الفاعل ولا على ما أشبهه.
(1/289)

ومنه قول الفرزدق:
أتته بمجلومٍ كأن جبينه ... صلاءة ورس وَسْطها قد تفَلّقا
فاستعمل (وسط) في حال إخراجها عن الظرفية، وجعلها مرفوعة بالابتداء ساكنة السين، وذلك غير جائز في سعة الكلام، بل حكمها إذا أخرجت عن الظرفية أن
تستعمل مفتوحة السين، فيقال: وسط الدار أحر. وإنما تسكن تشبيهاً إذا استعملت ظرفاً، نحو قوله أنشده هشام:
إن الدلال وحسن العفا ... ف وسط بيوت بني الخزرج
وقول الآخر أنشده أحمد بن يحيى:
الشعراء ... فأعلمَنُ أرْبَعَةْ
فشاعر ينشد ... وسط المجمعة
وشاعر لا يرتجى ... لمنفعة
وشاعر يقال ... خمر في دعه
وشاعر آخر ... لا يُجْرَى معه
إلا أن الفرزدق لما أضطر، في حال استعمالها اسماً، إلى التسكين سكن سينها بدلاً من التحريك الذي هو حكمها في سعة الكلام، إجراء لها مجراها إذا استعملت ظرفاً.
ومثل ذلك قول عدي بن زيد:
وَسَطُ كاليراعِ أو سُرُج المج ... دل يخبو حيناً وحيناً ينير
(1/290)

وقول القتال الكلابي:
مِنْ وَسْطِ جَمْعِ بني فريصةَ بعدما ... هَتَفتْ رَبيعةُ يا بني جَوَّابِ
فسكن سين (وسط)، وهي مجرورة بـ (من). وحرف الجر إذا دخل على الظرف خرج عن حكم الظرفية، وحكم لها بحكم الأسماء.
وهذا الذي ذكرته هو مذهب البصريين وبعض الكوفيين.
وأما الفراء ومن أخذ بمذهبه من الكوفيين فيزعمون أنها إذا كانت ظرفاً، وكانت بمعنى (بين)، كانت ساكنة السين. وإذا كانت بخلاف ذلك كانت مفتوحة السين. فأجازوا أن يقال: احتجم زيد وسط رأسه والبصريون لا يجيزون في قوله:
(احتجم زيد وسط رأسه) وأمثاله إلا بتسكين السين، لأنها ظرف. ولا يفرقون بين ما يتقدر فيه بـ (بين) وما ليس كذلك.
فعلى هذا قوله أنشده الفراء:
. . . . . . . . . ... فَوَسْط الدار ضَرْباً واحتماما
غير ضرورة عندنا، لأن وسط الدار ظرف. وينبغي أن يكون عند الفراء ومن أخذ بمذهبه ضرورة، لأن (وسط) فيه ليست بمعنى (بين).
ومنه قول المرار بن سلامة العجلي:
(1/291)

ولا يَنْطقُ الفَحْشاء من كان منْهمُ ... إذا جَلَسوا منّا ولا من سوائنا
فأستعمل (سواء) اسماً بدليل إدخال حرف الجر عليها، وحكمها في سعة الكلام أن لا تستعمل إلا ظرفاً، وكذلك (سوى) لا يخرج عن الظرفية إلا في الضرورة، نحو قوله:
فلم يبق منها سوى هامدٍ ... وسُفْع الخدودِ وغًيْر النُؤيّ
لأنه لما اضطر إلى إخراجهما عن الظرفية جعلا بمنزلة (غير) وحكم لهما بحكم الأسماء بدلاً من ذلك الحكم الذي كان في حال السعة. ومن ذلك قول الأعشى:
تجانَفُ عن جو اليمامةِ ناقتي ... وما قصدت من أهلها لسوائكا
وسواء وسوى معناهما واحد، إلا أنك إذا فتحت السين مددت، وإذا كسرتها قصرت.
وحكى الكوفيون أن أبا ثروان قال: (أتاني سواك)، فأستعمل
(1/292)

(سوى) اسماً في سعة الكلام. وذلك شاذ يحفظ ولا يقاس عليه.
ومنه قوله:
صبحنا الخزرجيةَ مرهفات ... أبان ذوي أرومتِها ذووها
فذوو جمع (ذو) بمعنى صاحب، وحكمها في الكلام أن تضاف إلى الظاهر،
فأضافها لما اضطر إلى الضمير بدلاً لها من الظاهر، إجراء لها في ذلك مجرى ما هي في معناه، وهو (صاحب). قول الآخر أنشده الكوفيون:
وإنا لنرجو (علاجاً) فيك مثلما ... رَجَوناه قِدْماً في ذويك الأوائل
وقول الآخر أنشده الفارسي:
إنما يَعْرفُ ذا الفَضْ ... لِ من الناس ذووه
ومنه قوله:
زحرت به ليلةً كلها ... فجئت به مؤيداً خنفقيقا
(1/293)

فوكد (ليلة)، وهي نكرة، بـ (كل)، وحكمها في الكلام أن لا يجوز تأكيدها بـ (كل) ولا بما في معناها، لكنه لما اضطر حكم لها بحكم المعرفة بدلاً من حكمها. ومثل ذلك قول الآخر:
قد صَرّتِ البَكرة ... يوماً أجْمَعَا
فوكد (يوماً)، وهي نكرة، بـ (أجمع). وقول الآخر:
يا ليتني كنت صبياً مُرْضعا
تَحْمِلُني الذّلْفَاءُ ... يوماً أكتعا
فجميع بين استعمل ضرورتين: إحداهما تأكيد النكرة بـ (أكتع)، والأخرى استعماله دون (أجمع)، ومما استعمل فيه (أكتع) غير تابع لـ (أجمع) قول أعشى ربيعة.
نزلنا بالدوائر واتقونا ... بنعمان بن زرعة أكتعينا
وما ذكرته من أن النكرة لا تؤكد بـ (كل) أو ما هو في معناها إلا في ضرورة، هو مذهب البصريين. وأما الكوفيون فيزعمون أن النكرة
(1/294)

لا تخلو من أن تكون مؤقتة أو غير مؤقتة. فإن كانت مؤقتة، كما هي في الأبيات المتقدمة الذكر، جاز تأكيدها في سعة الكلام. وإن كانت غير مؤقتة وأعني بذلك أن تكون غير معلومة
القدر، لم يجز تأكيدها في الكلام ولا في الشعر، لأنه لا فائدة في ذلك، وذلك نحو رجال ودراهم: لا يجوز أن تقول: جاءني رجال كلهم، ولا قبضت دراهم كلها.
والصحيح عندي ما ذهب إليه أهل البصرة من أن النكرة لا تؤكد في الكلام أصلاً مؤقتة أو غير مؤقتة، لأن تأكيد غير (المعرفة) لا فائدة. فأما قوله:
عداني أن أزورك أن بهمي ... عجايا كلها إلا قليلا
فـ (كلها) تأكيد للضمير المرفوع المستتر في (عجايا) العائد على (البهم)، لا لـ (عجايا) لأنها نكرة غير مؤقتة، كما وكد الضمير المستتر في الصفة في قول الآخر:
نلبث حولاً كاملاً كلّه ... لا نلتقي إلا على مَنْهجِ
فـ (كله) تأكيد للضمير المرفوع المستتر في (كامل) العائد على (حول).
ومنه: الإخبار بالمعرفة عن النكرة. ولا يجوز في الكلام إلا عكسه، لكن الشاعر لما اضطر حكم للنكرة بدلاً من حكمها بحكم المعرفة فأخبر عنها بالمعرفة، نحو قول حسان:
(1/295)

كأن سبيئةً من بَيْتِ راس ... يكون مزاجها عَسلُ وماءُ
فأخبر بـ (مزاجها)، وهو معرفة، عن (عسل)، وهو نكرة. وقوله:
قفي قبل التفرق يا ضُباعا ... ولا يك موقفُ منك الوداعا
فأخبر بـ (الوداع)، وهو معرفة، عن (موقف)، وهو نكرة. وقول مرداس بن حصين:
كأن دارسة لما التقينا ... لِنَصْل السّيْفِ مجتمع الصداع
فأخبر بـ (مجتمع الصداع)، وهو معرفة، عن (دراطة)، وهو نكرة. وقوله:
وجارك لا يَذْمُمْكَ إن مسبةً ... على المرء في الادْنَيْن ذَمَ المُجاورِ
فأخبر بـ (ذم المجاور)، وهو معرفة، عن (مسبة)، وهو نكرة. وقوله:
وإن عناء تفهَّم جاهلاً ... فيحسب جهلاً أنه منك أعلم
فأخبر بـ (أن) وصلتها، وهي تجري مجرى المعرفة، عن (عناء)، وهو نكرة.
وقوله:
(1/296)

بمكة حِنْطَةُ بُلّت بماء ... يكون إدامَها لبنُ حليبُ
فأخبر بـ (إدامها)، وهو معرفة، عن (لبن)، وهو نكرة. وقوله:
. . . . . . . . . ... ما كان والدَها جنَّ ولا بَشَرُ
فأخبر ب (والدها)، وهو معرفة، عن (جن وبشر)، وهما نكرتان.
ومن هذا النوع مجيء الاسم الذي هو صفة عن الأصالة حالا من النكرة مؤخراً عنها. وحكمه أن يكون تابعاً لها لكنهم حكموا له في الشعر بحكم المعرفة بدلاً من حكمه، فأتوا بالحال مؤخرة عنه كما يأتون بها مؤخرة عن المعرفة، وذلك نحو قوله:
وما حل سَعْديُّ غريباً ببلدة ... فَيُنْسَبُ إلا الزبرقان له أبُ
فجعل (غريباً) حالاً من (سعدي) مؤخرة عنه، وهو نكرة. وقول الآخر أنشده الفارسي:
حَبَونْا بها فيما اعتسرنا علالةً ... علالة حبٍ مستسراً وظاهراً
فجعل (مستسراً) و (ظاهراً) حالين من (حب) وهو نكرة.
ومنه: الجزم بـ (إذا). وحكمها في الكلام أن لا تجزم، إلا أنها شبهت للاضطرار بـ (متى) من حيث كانت مثلها، ألا ترى أنهما ظرفا زمان وفي كل واحد منهما معنى الشرط، فحكم لها من أجل ذلك بحكم (متى)،
(1/297)

بدلاً من حكمها، فجزم بها كما يجزم بـ (متى). وذلك نحو قول قيس بن الخطيم: (الطويل).
إذا قَصُرتْ أسيافُنا كان وَصْلُها ... خطانا إلى أعدائنا فنضاربِ
فـ (قصرت) في موضع جزم بـ (إذا) وكذلك (كان)، بدليل جزم (نضارب)
المعطوف عليها، إلا أن الباء من (نضارب) إنما كسرت لكونها وسكون ياء الإطلاق بعدها. وقول الفرزذق:
ترفع لي خندق والله يرفعها ... ناراً إذا خمدت نيرانهم تقدِ
فـ (خمدت) في موضع جزم بـ (إذا) بدليل جزم جوابها، وهو (تقد). وقول يعض السلوليين:
إذا لم تزل في كل دار عرفتها ... لها واكف من دمع عينيك يَسجُم
فـ (لم يزل) في موضع جزم بـ (إذا)، بدليل جزم جوابها، وهو (يسجم)، وقول أعشى همدان:
(1/298)

وإذا تُصبك من الحوادث نكبة ... فأصبر، فكل غيابة ستكشفُ
فجزم (تصبك) بـ (إذا).
فإن قال قائل: هلا جزم بـ (إذا) في سعة الكلام كما جزم بـ (متى)، إذ معنى الجزاء موجود فيها. فالجواب: أن الذي منع من ذلك في حال السعة تقصيرها عن أدوات الجزاء، من جهة أن الباب فيها أن المقطوع بوقوعها، نحو قولك: إذا أحمر البسر فأتني. ألا ترى أن احمرار البسر لا بد من وقوعه وأدوات الشرط الجازمة الباب فيها أن لا تدخل على الأفعال غير المقطوع بوقوعها، نحو قولك: إن قام زيد قام عمرو. وإن جاء ما ظاهره خلاف ذلك يؤول: ومنه: قول الفرزدق:
فلن تستطيعوا أن تزيلوا الذي رسا ... لنا عند عال فوق سبعين دائم
فثنى (سبعاً)، يريد سبع السماوات وسبع الأرضيين، ولا يجوز ذلك في سعة الكلام، لأن أسماء العدد استغنت العرب ببعضها عن تثنية بعض، ما عدا مائة وألفاً فإنهما يثنيان في سعة الكلام، لأنه ليس في أسماء العدد ما يغني عن تثنيتهما. لكنه لما اضطر شبه (سبعاً) بمائة وألف، من حيث كانت اسم عدد كما إنهما كذلك فحكم لها بحكمهما بدلاً من حكمها.
فأما قوله: (الطويل)
فلما التقينا واحدين علوته ... بذي الكف إني للكماة ضروب
(1/299)

فليس (واحدين) فيه تثنية (واحد) الذي هو من أسماء العدد، لما ذكرناه من (أن) أسماء العدد ما عدا مائة وألفاً لا يثنى، بل هو تثنية واحد الذي هو صفة بمعنى: مفرد.
ومنه: إجراؤهم الاسم الذي فيه تاء التأنيث في الوصل مجراه في الوقف، نحو قوله:
لما رأى لا ... دعَهْ ولا شَبَعْ
مال إلى أرطاة ... حقف واضطجع
وقوله:
لستُ إذنْ لزعْبلَهْ إن لم أغَيّ ... ر بِكْلتي إن لم أساو بالطول
ألا ترى أن (دعه) و (زعبله) قد قلبت (التاء) منهما هاء في الوصل (وهو) غير جائز في سعة الكلام. إلا أنه لما اضطر حكم لها بالحكم الذي كان لها في حال الوقف بدلاً من الحكم الذي لهما في الوصل فسكن التاء وقلبها هاء كما يفعل بها في حال الوقف.
ومنه: استعمال الفعل الحرف المشبه له عند الاضطرار إلى ذلك. وهو من قبيح الضرائر. وذلك قوله:
(1/300)

قد سَوأ الناس ياما ليس بَأسَ به ... وأصبح الدهر ذو العرنين قد جدعا
ألا ترى أن (ليس) حكمها في الكلام أن ترفع الاسم وتنصب الخبر لكنه لما اضطر حكم لها بحكم (لا) بدلاً من حكمها لكونهما بمعنى واحد، وهو النفي فجعلهما مع الاسم الذي دخلت عليه بمنزلة اسم واحد، كما يفعل بـ (لا) في نحو قولك: لا رجل في الدار.
ومنه: استعمال الحرف اسماً للضرورة، نحو قول الأعشى:
أتنهون ولا يَنْهَى ذوي شططِ ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفُتلُ
فجعل الكاف فاعلة لـ (ينهى). وقول امرئ القيس:
وإنك لم يَفْخَرْ عليك كفاخرٍ ... ضعيفٍ، ولم يَغْلِبْك مثل مُغَلّبِ
فجعل الكاف فاعلة بـ (يفخر). والدليل على أنها فاعلة في البيتين أنه لابد للفعل من فاعل. فلا يجوز أن يكون الفاعل محذوفاً ويكون تقديره في البيت الأول: ناه كالطعن، وفي البيت الثاني: فاخر كفاخر ضعيف، لأنه لا يخلو بعد الحذف أن يقام المجرور مقامه أو لا يقام، فإن لم يقم مقامه لم يجز
(1/301)

ذلك، لأن الفاعل لا يحذف من غير أن يقام شيء مقامه، وإن قدر قائماً مقامه لزم أن يكون المجرور فاعلاً، والمجرور الذي حرف الجر فيه غير زائد لا يكون فاعلاً فلما تعذر حذف الفاعل على التقديرين لم يبق إلا أن تكون الكاف هب الفاعلة: عوملت معاملة (مثل) لأن معناها كمعناه، وحكم لها بحكمه بدلاً من حكمها للضرورة.
ومما استعملت أيضاً الكاف فيه اسماً قول ذي الرمة:
أبيت على ميَّ كئيباً وبَعْلها ... علي كالنقا من عالجِ يَتَبطحُ
فجر الكاف بعلي. وقول سلامة العجلي:
على كالخنيف السّحقِ يدعو به الصدى ... له قُلبُ عُفّي الحياضِ أُجُون
(1/302)

فجر الكاف أيضاً بـ (علي). وقول امرئ القيس:
ورُحْنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تَصَوبُ فيه العَيْنُ طَوْراً وترتقي
وقول ابن غادية السلمي:
وَزَعْتُ بكالهراوةِ أعوجيَّ ... إذا ونت الرياحُ جرى وثابا
ألا ترى أن الكاف مجرورة في البيتين بالباء.
والدليل على أن الكاف في جميع ذلك ليست بحرف جر أن حرف الجر لا يدخل
على حرف الجر إلا أن يكونا في معنى واحد، فيكون أحدهما تأكيداً للآخر نحو قوله:
فلا والله لا يلْفَي لما بي ... ولا للما بهم أبداً دواءُ
فأدخل على لام الجر لاماً أخرى للتأكيد، وقول الآخر:
فأصبحن لا يسألنني عن بما به ... أصعد في علو الهوى أم تصوبا
(1/303)

فأدخل (عن) إلى الباء تأكيداً، لما كانا يستعملان في موضع واحد، فيقال: سألت به، وسألت عنه، و (على) والباء ليسا بمعنى الكاف فيكون دخولهما عليها على طريق التأكيد.
فإن قال قائل: فلعل الكاف حرف جر، ويكون المجرور، بـ (على) والباء محذوفاً. والتقدير: على كفل كالنقا، وعلى طريق كالخنيف، وبفرس كالهراوة، وبفرس كابن الماء. فالجواب أن ذلك لا يسوغ لأنك إن لم تقدر المجرور بالكاف قائماً مقام المحذوف، لزم من ذلك أن يكون الحرف الذي هو الكاف مع الاسم المجرور به في موضع خفض بـ (على) و (الباء). وذلك لا يجوز، لأن حروف الجر إنما تجر الأسماء وحدها. فلما تعذر أن تكون الكاف حرفاً على التقديرين اللذين تقدم ذكرهما، لم يبق إلا أن تكون قد جعلت اسماً بالجمل على ما هي في معناه، وهو (مثل)، للضرورة.
فأما قول خطام المجاشعي:
وصاليات ككما يؤثفين
فتحمل الكاف الثانية من قوله (ككما) أن تكون اسماً بمنزلة (مثل)، فتكون في موضع جر بالكاف التي دخلت عليها، وتحتمل أن تكون الكافان حرفي جر ووكد أحدهما بالآخر كما وكدت إحدى اللامين بالأخرى في قوله: ولا للما بهم أبدا دواء. والوجه الأول أحسن لأن استعمال الكاف اسماً في الشعر أوسع من إدخال
حرف جر على حرف جر مثله للتأكيد.
(1/304)

ومما استعملت أيضاً الكاف فيه اسماً قول الكميت:
علينا كالنهاء مضاعفات ... من الماذي لم تؤذ المتونا
فجعل الكاف في موضع رفع بالابتداء وخبرها المجرور المتقدم عليها وكأنه قال: علينا مثل النهاء.
ومثل ذلك قول مزاحم العقيلي:
غدت من عليه بعدما تم ظمؤها ... تصل عن (قيض) بزيزاء مجهلِ
فاستعمل (على) اسماً للضرورة، إجراء لها مجرى ما هي في معناه، وهو (فوق) بدليل إدخاله حرف الجر عليها. وقول يزيد القشيري:
(1/305)

(غدت) من عليه تنفض الطل بعدما ... رأت حاجب الشمس استوى وترفعا
يعني: الظبية، أي: غدت من عند خشفها.
ومثل ذلك قول القطامي:
فقلت للركب لما أن علا بهم ... من عن يمين (الحُبيا) نظرة قبل
وهو ذي الرمة:
وهيفِ تهيج البين بعد تجاوز ... إذا نفحت من عن يمين المشارقِ
وقول رجل من بني أسد:
جرت عليه كل ريح سيهوج ... من عن يمين الخط أو سماهيج
(1/306)

وقول الآخر:
فقلت اجعلن ضوء الفراقد كلها ... يميناً ومهوى النجم من عن شمالكا
وقول قطري:
فلقد أراني للرماح درية ... من عن يميني تارة وأمامي
فـ (عن) في جميع ذلك اسم بمنزلة (جانب)، بدليل إدخال خرف الجر عليها،
وهو (من).
وهذا الذي ذكرناه في (عن) و (على) والكاف هو مذهب البصريين. وأما الكوفيون فيزعمون أن حرف الجر إذا دخل على (عن) و (على) والكاف، لم تكن أسماء، بل سادة مسد الاسم ونائبه عنه. واحتجوا على ذلك بأن قالوا: لو كانت أسماء، كما يقوله البصريون، لقيل: عنك مرغوب فيه، تعني به: ناحيتك مرغوب فيها.
وهذا الذي استدلوا به لا يلزم ذلك في الأسماء التي لم تكن حروفاً قط. ألا ترى أن من الأسماء ما لا ينصرف بل يلتزم فيه ضرب واحد من الأعراب.
(1/307)

نحو: سبحان الله، ومعاذ الله. فإن العرب التزمت فيهما النصب على المصدرية. و (أيمن الله) التزمت فيه الرفع على الابتداء، فكذلك (عنك) لم تجعله العرب في موضع رفع على الابتداء، واستعملته في غير ذلك من المواضع التي تستعمل فيها الأسماء. مع أن هذا الذي ذكروه لا يطرد في كل ما استعمل من الحروف أسماء. ألا ترى أن الكاف حرف جر في الأصل، ولما استعملوها استعمال الأسماء في الشعر جعلوها فاعلة ومجرورة ومبتدأه، كما تقدم تبيينه.
ومنه: أن يستعمل الحرف للضرورة استعمالاً لا يجوز مثله في الكلام. نحو قول العجاج:
وأم أو عال كها أو أقربا
فجر بالكاف الضمير المتصل، وحكمها في سعة الكلام أن لا تجر إلا الظاهر أو الضمير المنفصل لجريانه مجرى الظاهر، فيقال: ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا. حكى الكسائي عن بعض العرب أنه قيل له: من تعدون الصعلوك فيكم، فقال: هو الغداة كأنا. لكنه لما اضطر أبدلها من حكمها حكم ما هي في معناه، وهو (مثل)، فجعلها تجر الضمير المتصل كما تجر الضمير المنفصل كما يجره (مثل).
ومن ذلك قوله:
فلا ترى ... بَغلاً ولا حائلاً
كهو ولا كهن ... إلا حاظلا
(1/308)

وقوله:
وإذا الحَرْبُ شَمّرتْ لم يَكن كِي ... حين تدعو الكُماةُ فيها: نَزَالِ
أنشده الفراء وقال: أنشديه بعض أصحابنا، ولم أسمعه أنا من العرب.
قال الفراء: (وحكي عن الحسن البصري: أنا كك، وأنت كي. واستعمال هذا في حال السعة شذوذ لا يلتفت إليه.
ومثل ذلك قول الآخر:
فلا والله لا يُلْقَى أنَاسُ ... فتى حتاك يا ابن أبي يزيد
فحكم لـ (حتى) بحكم (إلى) بدلاً من حكمها لما اضطر، لأن معناهما واحد، وهو انتهاء الغاية، فجر بها المضمر كما يجر بـ (إلى). وحكمها في الكلام إذا كانت جارة أن لا تجر إلا الظاهر.
ومنه: جعل اسم (كأن) المخففة من الثقيلة ظاهراً أو ضمير الشأن أو قصة محذوفاً، إلا أنهم لما اضطروا حكموا لها بدلاً من ذلك بحكمها إذا كانت مثقلة، فجعلوا اسمها ظاهراً، نحو قوله:
كأنْ وَريدَيْه ... رِشاءاً خُلْبِ
أو ضميراً لا يراد به الشأن ولا القصة. وذلك نحو قوله:
(1/309)

. . ... كأنْ ظبيةُ تعطو إلى وراق السَّلم
في رواية من رفع (ظبية)، يريد: كأنها ظبية
ومنه: قوله:
لكنْ فوارسُ نُعْمٍ وأسرتها ... يوم الصُّلَيْفاء لم يُوفون بالجارِ
وقوله:
وأمْسَوا بها ليلَ لو أقسموا ... على الشمس حولين لم تطلعُ
فحكم لـ (لم)، بدلاً من حكمها، بحكم (ما) لما كانت (ما) نافية مثلها، فرفع المضارع بعدها كما يرفع بعد (ما).
ومنه: قوله أنشده الأخفش:
وما بأسَ لو ردت علينا تحية ... قليلُ على من يعرف الحق عابُها
فحكم لما بحكم (لا) بدلاً من حكمها، لشبهها بها من حيث كانا
(1/310)

نفي، فبناها مع الاسم الذي دخلت عليه كما يفعل بـ (لا) في نحو قولك: لا رجل في الدار.
هذه جملة الضرائر قد استوعبتها مجملة ومفصلة، فلم يشذ منها إلا ما لا بال له إن كان شذ. ويجوز القياس على ما كثر استعمالها منها. وما لم يكثر استعماله فلا سبيل إلى القياس عليه.
(تم الكتاب بعون الله جل وعز، على يد العبد المخطئ الفقير إلى الله عبد القادر بن عمر البغدادي، من نسخة سقيمة محرفة. يسر الله على التصحيح كما يسر الله الكتابة. وكان الفراغ منها في يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الثانية. (وكان ابتداء الكتابة يوم الخميس السابع عشر جمادى الأولى) من شهور سنة ست وسبعين بعد الألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل صلاة وأزكى تحية. وحسبنا الله ونعم الوكيل).
(1/311)