Advertisement

فن الكتابة الصحفية


الكتاب: فن الكتابة الصحفية
المؤلف: الدكتور فاروق أبو زيد
الناشر: عالم الكتب
الطبعة: حقوق الطبع محفوظة لدى الناشر
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] مقدمة:
في هذا الكتاب محاولة للجمع بين نوعين من المعرفة في دراسة فن الكتابة الصحفية.
المعرفة النظرية:
بما تعنيه من إحاطة شاملة بكل المؤلفات التي كتبت في الموضوع.. سواء كانت بالعربية أم بالإنجليزية.. مؤلفة أم مترجمة.. ثم استخلاص الأسس أو القوانين العلمية التي يقوم عليها كل فن من فنون الكتابة الصحفية، وذلك من خلال استخدام المنهج العلمي في البحث.
والمعرفة العملية:
بما تعنيه من إحاطة بالتفاصيل الدقيقة للممارسة الصحفية.. ذلك أن فن الكتابة الصحفية من أكثر الفنون عرضة للتطور أو قبولًا له.. وإذا
(1/5)

كانت أسس أو قوانين فن الكتابة الصحفية ثابتة.. فإن تطبيقات هذه الأسس أو القوانين متغيرة ... فهي تتطور بنفس السرعة التي تتطور بها مهنة الصحافة.. باعتبارها أكثر المهن التصاقًا بالحياة الاجتماعية للإنسان.. ولا خلاف في أن أبرز قانون يحكم الحياة الاجتماعية الإنساينة هو قانون التطور.
وكم كان أستاذنا الدكتور عبد اللطيف حمزة مصيبًا حين قال: إنه رب كتاب يؤلف في الفن الصحفي هذا العام يصبح شيئًا قديمًا في ذاته بعد أعوام..!
وعلى هذا الأساس ينقسم الكتاب إلى أربعة فصول، ويضم كل فصل منها عدة مباحث. ويتحدث الفصل الأول عن فن الحديث الصحفي، ويضم ستة مباحث تتناول بالترتيب تعريف الحديث الصحفي، والإعداد للحديث الصحفي، وإجراء الحديث الصحفي، وكتابة الحديث الصحفي. ويتناول المبحث الخامس الحديث التليفوني. أما المبحث السادس فهو يتناول المؤتمر الصحفي.
ويتضمن الفصل الثاني من الكتاب فن التحقيق الصحفي، وهو يضم ثلاثة مباحث يتناول أولها تعريف التحقيق الصحفي.. أما المبحث الثاني فهو يتناول إعداد التحقيق الصحفي. ويتناول المبحث الثالث كتابة التحقيق الصحفي.
ويتحدث الفصل الثالث عن فن التقرير الصحفي، وهو يضم خمسة مباحث؛ يتناول أولها تعريف التقرير الصحفي، ويتناول المبحث الثاني كتابة التقرير الصحفي.. أما المبحث الثالث فهو يتناول التقرير الإخباري، في حين يتناول
(1/6)

المبحث الرابع التقرير الحي، أما المبحث الخامس فهو يتناول تقرير عرض الشخصيات.
ويتحدث الفصل الرابع والأخير عن فن المقال الصحفي، وهو يتضمن ستة مباحث؛ يتناول أولها تعريف المقال الصحفي.. أما المبحث الثاني فهو يتناول فن المقال الافتتاحي، ويتناول المبحث الثالث فن العمود الصحفي.. ويتناول المبحث الرابع فن المقال النقدي، أما المبحث الخامس فيتناول فن المقال التحليلي، وأخيرًا يتناول المبحث السادس الحملة الصحفية.
ولقد فرضت طبيعة هذه الدراسة على المؤلف ثلاثة مناهج علمية:
1- المنهج التحليلي.
2- المنهج المقارن.
3- المنهج التاريخي.
وكان المصدر الأساسي لنا في هذه الدراسة هو المؤلفات العربية والأجنبية الأصلية في الموضوع.. بالإضافة إلى مجموعات الصحف العربية الصادرة في الوطن العربي وخارجه.. بالإضافة إلى نماذج من الصحف البريطانية والأمريكية.
وقد حاولنا بقدر الإمكان الاعتماد على الصحف العربية في تقديم النماذج التطبيقية لفنون الكتابة الصحفية.. وقد اضطررنا لاستخدام بعض النماذج التطبيقية من الصحف الأجنبية في الحالات التي لم تسعفنا فيها الصحف العربية بنماذج تطبيقية تفي بالغرض من البحث.
(1/7)

وتتبقى قضية هامة يثيرها عنوان الكتاب "فن الكتابة الصحفية"، فمنذ أصدر أستاذنا الدكتور محمود عزمي "محاضرات في فن التحرير الصحفي" وبعدما وضع أستاذنا الدكتور عبد اللطيف حمزة كتابه الرائد "المدخل في فن التحرير الصحفي" صار اصطلاح "فن التحرير الصحفي" يُذكر عادة للإشارة إلى فن الكتابة الصحفية..!
ونحن نرى أن اصطلاح "فن الكتابة الصحفية" أكثر تحديدًا ووضوحًا من اصطلاح "فن التحرير الصحفي"، بدليل أن الباحثين في الفن الإذاعي والفن التليفزيوني عندما أرادوا استخدام مصطلح يشير إلى الكتابة الإذاعية والكتابة التليفزيونية استخدموا اصطلاح "فن الكتابة الإذاعية" للإشارة إلى الكتابة الإذاعية.. واصطلاح "فن الكتابة التليفزيونية" للإشارة إلى الكتابة التليفزيونية.. ولم يستخدم أي منهم اصطلاح فن التحرير الإذاعي أو فن التحرير التليفزيوني..!
والأمر نفسه حدث في بقية المجالات التي تتعلق بالكتابة، فهناك فن الكتابة الأدبية وفن الكتاب المسرحية وفن الكتابة السينمائية.. ولم نرَ أحدًا يستخدم اصطلاح فن التحرير الأدبي أو فن التحرير المسرحي أو فن التحرير السينمائي..!
ولا يمكن هنا الاعتداد بقضية الخلق الفني في مجالات الكتابة الأدبية أو المسرحية أو السينمائية أو الإذاعية أو التليفزيونية. فالكتابة الصحفية قضت على هذا الاعتراض عندما صارت "فن"، وأعتقد أن كون الكتابة الصحفية قد صارت فنًّا لم يعد موضع خلاف بين أحد..!
(1/8)

وإذا بحثنا عن الكلمة الإنجليزية التي تستخدم للإشارة إلى الكتابة الصحفية لوجدنا أنها "Writng"، وترجمتها العربية كما جاءت في جميع القواميس: كتابة.. تأليف.. صناعة الكتابة أو التأليف..! ويمكن ينظرة سريعة إلى أسماء الكتب الأجنبية في ثبت المراجع والمصادر بهذا الكتاب؛ لكي نكتشف أن جميع الكتب التي تبحث في موضوع الكتابة الصحفية تستخدم كلمة "Writng"..!
أما كلمة "تحرير" فهي ترجمة للكلمة الإنجليزية "Edit" ومعناها يعد كتابات الآخرين للنشر.. والمحرر "Editor" وهو من يعد كتابات الآخرين للنشر.. وهي تطلق أيضًا على رئيس التحرير في الصحيفة.
وهذا يعني أن عملية الإعداد تنفصل عن عملية الكتابة.. فكتابة الحديث أو التحقيق أو التقرير أو المقال شيء.. وإعدادها للنشر في الصحيفة شيء آخر.. فعملية الكتابة الصحفية يقوم بها كاتب الحديث أو التحقيق أو التقرير أو المقال.. أما عملية الإعداد للنشر فيقوم بها رئيس التحرير أو مدير التحرير أو قسم المراجعة بالصحيفة أو ما يسمى في الصحافة بالمطبخ الصحفي.
ويؤكد هذا المعنى ما يذكره المعجم الوسيط في التفرقة بين كلمتي حرر.. وكتب.. فحرر الكتاب وغيره؛ أي: أصلحه وجوَّد فيه، وحرر الرمي؛ أي: أحكمه.. وحرر العبد؛ أي: أعتقه، ويقال: حرر رقبته.. وحرر الولد؛ أي: أفرد لطاعة الله وخدمة المسجد.. قال تعالى في سورة آل عمران على لسان امرأة عمران: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} ..
(1/9)

ويذكر المعجم الوسيط أن كتب الكتاب تعني خطه، وأن الكاتب هو من يتعاطى صناعة النثر، وأن الكتابة تعني صناعة الكاتب.. وأن كلمة المكاتب تعني مراسل الصحيفة..!
ونخرج من ذلك كله بما نراه من أن اصطلاح "فن الكتابة الصحفية" يتميز عن "فن التحرير الصحفي" بأنه أكثر تحديدًا ووضوحًا.. ولا يسعنا في النهاية إلا أن نعترف بأن القضية تحتاج إلى مناقشة.. وأن ما طرحناه عنها قابل للمراجعة..!
دكتور فاروق أبو زيد
(1/10)

الفصل الأول: فن الحديث الصحفي
المبحث الأول: تعريف الحديث الصحفي
الحديث الصحفي Interview فن يقوم على الحوار بين الصحفي وشخصية من الشخصيات1، وهو حوار قد يستهدف الحصول على أخبار ومعلومات جديدة2، أو شرح وجهة نظرة معينة3، أو تصوير جوانب غريبة أو طريفة أو مسلية في حياة هذه الشخصية4.
والحديث الصحفي قد يُجْرى مع شخص واحد.. وهو الشكل الغالب على الأحاديث الصحفية5؛ ولكنه قد يُجْرى مع عدة أشخاص، كما هو الأمر في الاستفتاء الصحفي6، والحديث الصحفي قد يجريه محرر واحد..
__________
إنجليزي يسحب إسكنر
(1/13)

وهو الأمر الغالب في الأحاديث الصحفية أيضًا1؛ ولكن قد يجريه عدة محررين كما هو الشأن في المؤتمر الصحفي2.
والحديث الصحفي فن صحفي مستقل بذاته؛ ولكن هذا لا يمنع من أن يكون "أداة" للحصول على خبر صحفي3 أو أن يكون جزءًا من تحقيق صحفي4، فالحصول على الغالبية العظمى من الأخبار يتم عن طريق المقابلات الصحفية مع مصادر الأخبار5؛ ولكن هناك فرق كبير بين إجراء مقابلة للحصول على خبر.. وبين اجراء مقابلة للحصول على حديث صحفي6.
إن الحصول مثلًا على خبر عن قانون جديد للإسكان من وزير الإسكان يختلف عن إجراء حديث صحفي مع وزير الإسكان عن القانون الجديد. إن الخبر يستهدف بالدرجة الأولى الإجابة على سؤال: ما هو قانون الإسكان الجديد؟ بينما الحديث الصحفي يستهدف الإجابة على سؤال: لماذا قانون جديد للإسكان؟
وتعريف الحديث الصحفي يمكن أن يتم في بعض الحالات من خلال تحديد أهدافه ووظائفه7، فهناك حديث المعلومات والأخبار أو "الحديث الخبري"8، وهو حديث يستهدف بالدرجة الأولى الحصول على أخبار
__________
إنجليزي يسحب اسكنر
(1/14)

أو معلومات أو بيانات جديدة عن وقائع أو أحداث أو سياسات أو برامج أو قوانين جديدة1.
مثال ذلك: إجراء حديث صحفي مع وزير التموين لشرح وتوضيح السياسة التموينية الجديدة للوزارة.. أو حديث مع وزير المالية لشرح تفاصيل قانون جديد للضرائب.. أو حديث مع وزير الإسكان لتوضيح أبعاد ودلالات قانون جديد للإسكان.
إن هذا النوع من الأحاديث الصحفية الإخبارية لا يهتم بشخصية المتحدث قدر اهتمامه بالمعلومات والأخبار التي يصرح بها خلال الحديث2.
ولكن الحديث الصحفي الخبري يختلف عن الخبر الصحفي؛ فهو لا يقدم لنا ماذا حدث فقط؛ وإنما يضيف إليه: لماذا حدث؟! 3
إن أي شخص عادي يمكنه أن يذهب إلى مصدر الخبر، ويأتي ببيان مكتوب يحمل التفاصيل الكاملة للحدث.. ولكن عندما يذهب المحرر الصحفي إلى مصدر الخبر فإنه لا يكتفي بالحصول على البيان المعد من قبل؛ وإنما يأتي أيضًا بالقصة التي وراء البيان نفسه4.
وإلى جانب "الحديث الخبري" هناك أيضًا "حديث الرأي"، وهو حديث يستهدف بالدرجة الأولى استعراض وجهة نظر شخصية ما في قضية أو قضايا معينة تهم القراء5.
مثال ذلك: إجراء حديث مع مفكر كبير حول مسألة فكرية أو سياسية هامة أو مع سياسي مرموق حول أزمة سياسية أو حديث مع أديب فاز بجائزة محلية أو عالمية.. أو حديث مع عالم له بحث جديد أو اختراع مبتكر أو حديث مع فيلسوف وضع نظرية جديدة أو صاغ منهجًا فكريًّا حديثًا.. وفي هذا النوع من الأحاديث الصحفية ينصرف الاهتمام إلى آراء الشخص الذي يُجْرى معه الحديث أكثر من الاهتمام بشخصه6.
__________
انجليزي يسحب اسكنر
(1/15)

وبالإضافة إلى "الحديث الخبري" و"وحديث الرأي" هناك أيضًا "حديث التسلية والإمتاع"، وهو يستهدف البحث في حياة الشخص الذي يُجْرى معه الحديث1: نشأته وتاريخ حياته وأبرز الجوانب في شخصيته، ثم كيف يفكر، وكيف يمارس حياته، وما أحب الأشياء إلى قلبه، ثم ما أحلامه، وما طموحاته. وفي هذا النوع من الأحاديث الصحفية تكون الشخصية التي يُجرى معها الحديث هي موضوع الحديث نفسه؛ أي: أن الاهتمام ينصرف هنا إلى شخصية المتحدث أكثر من الاهتمام بأخباره أو بآرائه2. ويندرج تحت هذا النوع من الأحاديث الصحفية الأحاديث التي تُجْرى مع كبار نجوم السينما أو المسرح أو الغناء أو نجوم المجتمع أو مع الشخصيات الطريفة والغريبة التي يجد القارئ في حياتهم وسلوكهم نوعًا من المتعة والتسلية.
ولقد عرفت صحافة القرن التاسع عشر الحديث الصحفي؛ ولكنه لم يستخدم بشكل عام كفن من الفنون الصحفية إلا مع بداية القرن العشرين3.. ثم أخذ ينمو بالتدريج وتزداد مكانته حتى أصبح واحدًا من فنون التحرير الصحفي الهامة في الصحافة الحديثة.. وقد كان لانتشار الاختزال في بداية القرن العشرين أثر كبير في التقدم الذي أحرزه فن الحديث الصحفي4؛ ولكن اختراع أجهزة التسجيل وانتشارها في الصحافة جعل من الممكن ليس فقط تسجيل الحديث كما ينطق بالفعل5؛ وإنما أتاح أيضًا إمكانية الاحتفاظ بنص الحديث6، وقضى إلى الأبد على تهمة لم يسلم منها كثير من الصحفيين.. وهي تهمة اختلاق بعض الأقوال التي لم ترد على لسان المتحدث7..!!
__________
انجليزي يسحب اسكنر
(1/16)

والحديث الصحفي يأخذ أشكالًا متعددة، لعل أبرزها ثلاثة أشكال، صار لكل منها ملامحه المتميزة؛ وهي:
1- الحديث المباشر.
2- الحديث التليفوني.
3- المؤتمر الصحفي1.
__________
انجليزي يسحب اسكنر
(1/17)

المبحث الثاني: الإعداد للحديث الصحفي
1- اختيار شخصية المتحدث واختيار موضوع الحديث:
أول خطوة في تنفيذ الحديث الصحفي هي اختيار شخصية المتحدث واختيار موضوع الحديث1، ومن الضروري أن يُرَاعَى في هذا الاختيار أن يكون المتحدث وموضوع الحديث مجاريين للأحداث المحلية أو الدولية أو أن يرتبط هذا الاختيار بقضايا أو مشاكل تهم الرأي العام أو تمس مصالح عدد كبير من القراء2.
إن صدور قانون جديد للأحوال الشخصية مثلًا قد يكون مناسبة لإجراء حديث صحفي مع الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر حول مدى مطابقة القانون الجديد للشريعة الإسلامية. ومن ناحية أخرى، فإن فوز النادي الأهلي بمسابقة الدوري قد يكون موضوعًا لحديث صحفي مع رئيس النادي أو مع مدرب فريق كرة القدم أو مع قائد الفريق.
2- جمع المعلومات الكافية عن الموضوع:
لَا بُدَّ للمحرر الصحفي في مرحلة الإعداد للحديث الصحفي أن يعمل على الحصول على أكبر قدر متاح من المعلومات عن الموضوع الذي سيدور حوله الحديث وعن الشخصية التي سيجري معها الحوار3.. وللمحرر أن يلجأ
__________
انجليزي يسحب اسكنر
(1/19)

في ذلك إلى قسم المعلومات بالصحيفة؛ حيث يوجد ملف كامل لكل شخصية من الشخصيات العامة في المجتمع ولكل موضوع من الموضوعات التي تدخل في اهتمامات الصحيفة.
كذلك يمكن للمحرر أن يقرأ الكتب التي أصدرها المتحدث إذا كان سياسيًّا أو مفكرًا أو كاتبًا أو أديبًا أو شاعرًا، وأن يقرأ بعض أبحاثه إذا كان عالمًا أو باحثًا.. وأن يقرأ أيضًا الكتب التي ألفت عنه إن وُجدت1. ومن الضروري أن يحرص المحرر على قراءة أهم الأحاديث الصحفية التي سبق أن أدلى بها الشخص الذي سيجري معه الحديث حتى يعرف طريقة تفكيره ونوع اهتماماته2، وحتى لا يكرر بعض الأسئلة التي سبق وأن وُجهت إليه في أحاديث سابقة.
ويمكن للمحرر أن يحصل على معلومات قيمة عن شخصية المتحدث من خلال الاتصال بالصحفيين الذين سبق لهم مقابلته3.
وكثير من المحررين الصحفيين في الصحف التي تصدر في دول العالم المتقدم لا يكتفون بما بين أيديهم من معلومات "معلنة" عن شخصية المتحدث؛ وإنما يحاولون أيضًا الكشف عما هو مجهول في حياة هذه الشخصية4؛ مثل محاولة الرجوع إلى أيام دراسته -الثانوية أو الجامعية- ومحاولة الالتقاء بأصدقائه القدامى الذين زاملوه في هذه الفترات؛ ليكشفوا عن جوانب من تاريخه وشخصيته5.. فعن طريق زملائه القدامى يلتقط المحرر كمية كبيرة من المعلومات الهامة وغير المعروفة عن الشخصية التي يجري معها الحديث.. وهو ما يكسب الموضوع مزيدًا من الجدة والطرافة، أضف إلى ذلك أن إدراك المتحدث أن الصحفي يعرف هذا القدر الكبير من المعلومات
__________
انجليزي يسحب اسكنر
(1/20)

عنه سيزيد من ثقته به، وسيمنحه كل ما عنده من معلومات أو آراء حول موضوع الحديث.
ولإدراك أهمية الإعداد المسبق للحديث الصحفي نشير إلى أنه يمكن للصحفي غير المتخصص أن يحصل على حديث صحفي جيد من شخص متخصص في مجال معين من مجالات الحياة إذا أعد نفسه للحديث إعدادًا جيدًا عن طريق الدراسة المسبقة للموضوع وللشخصية التي سيجري معها الحديث1. وعلى سبيل المثال يمكن لصحفي لم يدرس الطب أن يجري حديثًا جيدًا مع الدكتور برنارد جراح القلب العالمي إذا ما أعد نفسه للحديث عن طريق قراءة كل ما يتعلق بجراحة القلب، وبتجاربه السابقة في زرع القلوب، ونسبة العمليات الناجحة إلى العمليات الفاشلة، ويمكن لهذا المحرر الصحفي غير المتخصص في الطب أن يحصل أيضًا على معلومات لا بأس بها عن حياة الدكتور برنارد نفسه وثقافته ودرجاته العلمية وحياته الخاصة عن طريق متابعة بعض ما نُشر عنه في الصحافة العالمية وهو كثير، أو الالتقاء ببعض الصحفيين الذين سبق وأن أجروا معه أحاديث صحفية، أو التحدث مع بعض أصدقائه. ونفس الأمر ينطبق على الحالات الأخرى المشابهة التي يضطر فيها الصحفي غير المتخصص إلى إجراء حديث صحفي مع شخص متخصص.
3- إعداد الأسئلة:
إن المحرر الصحفي الذي يذهب لمقابلة مصدره بدون أسئلة معدة من قبل قد يتوه منه الموضوع الأصلي الذي جاء من أجله أثناء الحوار.. وقد ينحرف المتحدث بالحوار إلى مجالات بعيدة عن نطاق الموضوع الأصلي، كذلك فإن المحرر قد ينسى بعض الأسئلة الهامة التي بدونها يظهر الحديث إلى القراء ناقصًا2، كذلك فإن الإعداد المسبق للأسئلة من شأنه أن يجعل المحرر الصحفي أكثر ثقة في نفسه، وأكثر دراية بموضوعه، وعلى قدر كبير من اللياقة والاستعداد للحوار والمناقشة، وأكثر قدرة على ضبط المناقشة حتى لا تبتعد إلى موضوعات خارج الموضوع الأصلي3.
__________
انجليزي يسحب اسكنر
(1/21)

ومن الضروري أن تقوم أسئلة الحديث الصحفي على أساس قراءات الصحفي في الموضوع.. ودراسته لشخصية المتحدث1، ولا بد أن يوضح المحرر من خلال الأسئلة ما الموضوع الرئيسي الذي سيدور حوله الحديث2، فمن غير المعقول أن تدور غالبية الأسئلة حول قضايا فرعية أو ثانوية في حين لا يكون من نصيب الموضوع الرئيسي غير عدد ضئيل من الأسئلة.
وهناك عدة أسئلة أساسية يجب أن يقوم عليها أي حديث صحفي وهي: ماذا؟ ولماذا؟ ومتى؟ وكيف؟ وأين؟ ومن؟ ولا يشترط أن يجيب الحديث الصحفي عن هذه الأسئلة بنسبة واحدة؛ وإنما يتم التركيز على عدد قليل من هذه الأسئلة حسب طبيعة كل حديث وموضوعه.
ومن الضروري أن تكون أسئلة الحديث الصحفي أسئلة إيجابية لا أسئلة سلبية، والمقصود بالأسئلة الإيجابية هي تلك الأسئلة التي تقدم إجاباتها أخبارًا أو معلومات أو وجهات نظر جديدة.. أما الأسئلة السلبية، فهي تلك الأسئلة التي لا تقدم إجاباتها أي شيء جديد؛ وإنما هي مجرد تَكْرَار لمعلومات معروفة.
كذلك فإن كل سؤال يجب أن يكون إيجابيًّا بالنسبة للسؤال الذي سبقه مباشرة؛ بمعنى أن تقدم إجاباته إضافة على ما قدمته إجابات السؤال السابق، فلا بد أن تكمل الأسئلة بعضها بعضًا، وتدفع الحوار إلى الأمام، لا أن تقف به عند قضية واحدة تتكرر في كل سؤال؛ وبالتالي في كل إجابة، وتترك بقية القضايا المتعلقة بموضوع الحديث دون مناقشة3.
ولا بد أن تكون لغة الأسئلة دقيقة وواضحة؛ بحيث يأتي السؤال واضحًا محددًا خاليًا من أي لبس أو سوء فهم.. بحيث يساعد المتحدث على أن يقدم إجابات واضحة ومحددة أيضًا.. فلغة الحديث لا بد وأن تكون مفهومة من جميع القراء باختلاف ثقافاتهم وتعدد مستوياتهم الاجتماعية4.
__________
انجليزي يسحب اسكنر
(1/22)

ولا يجب أن يخشى المحرر من إعداد أسئلة عنيفة أو مشاغبة، أو أسئلة تتضمن اختلافًا أو معارضة للشخص الذي يجري معه الحديث؛ ولكن بشرط أن يتم ذلك بطريقة لائقة، كما يجب ألا يخشى المحرر من إعداد أية أسئلة يرى أنها يمكن أن تضع يده على معلومات هامة.. حتى ولو أدى طرحه لهذه الأسئلة إلى أن يبدو جاهلًا بالموضوع؛ فقد يكون في طريقه إلى إجراء حديث صحفي مع وزير الاقتصاد ويسمع أو يقرأ وثيقة تقول: إن هناك عجزًا في ميزان المدفوعات في هذا العام.. فلا يجب أن يخشى أن يسأله عن أسباب هذا العجز.. حتى ولو لم يكن يفهم معنى كلمة: عجز في ميزان المدفوعات..!
ومن الضروري أن يكتب المحرر الأسئلة قبل أن يلتقي بالمصدر.. ولكن لا يجب أن يذهب إليه ومعه الأسئلة مكتوبة.. فالأفضل أن يحفظها حتى لا يضطر لقراءتها من الورقة التي أمامه، فإن هذا قد يعطي للمتحدث انطباعًا خاطئًا بأن المحرر لم يدرس موضوع الحديث1.
4- عندما لا يوجد وقت للإعداد المسبق للحديث:
وفي بعض الحالات لا توجد فسحة من الوقت للإعداد المسبق للحديث الصحفي، سواء فيما يتعلق بالقراءة في موضوع الحديث، أو بدراسة شخصية المتحدث، أو بإعداد الأسئلة المناسبة للموضوع2، ففي هذه الحالات لا بد أن يعتمد الصحفي على معلوماته العامة وثقافته وقراءاته السابقة وتجاربه الشخصية، بالإضافة إلى خبرته في العمل الصحفي.. كل ذلك يمكن أن يعوض بعض الشيء عن الإعداد المسبق في الحالات الطارئة3.
وعلى سبيل المثال، فإذا طلب من محرر صحفي أن يجري حديثًا صحفيًّا مع وزير خارجية الصومال الذي ستمر طائرته بمطار القاهرة بعد ساعتين، وسيمكث بالمطار ثلاث ساعات فقط أثناء تزويد الطائرة بالوقود.. وذلك وهو في طريقه إلى مقديشو بعد أن أنهى جولة في عدد من الدول العربية.
__________
انجليزي يسحب اسكنر
(1/23)

هذا المحرر قد لا يجد الوقت ولا الفرصة الكافية للإعداد المسبق للحديث.. إذ لا وقت لديه مثلًا للذهاب إلى قسم المعلومات بالجريدة للاطلاع على ملف وزير خارجية الصومال؛ ليعرف متى تولى منصب وزير الخارجية، وما هي مناصبه السابقة، وما هي طبيعة شخصيته وفكره أو اتجاهه السياسي.
كذلك لا وقت عند هذا المحرر؛ ليعرف ما هي أسباب هذه الجولة التي قام بها وزير الخارجية الصومالي إلى بعض البلاد العربية؛ بل إنه قد لا يعرف ما هي هذه البلاد العربية التي زارها، ولماذا هذه البلاد بالذات، ثم ماذا تم في هذه الرحلة.
وبالطبع فإن هذا المحرر لا وقت لديه ليعد أسئلة الحديث مسبقًا.
في مثل هذه الحالة لا بد لهذا المحرر الصحفي أن يعتمد على ثقافته الخاصة، وخلفيته التاريخية عن الصومال.. فإذا كان هذا المحرر متابعًا لما يحدث حوله في العالم لعرف أن الصومال تخوض صراعًا عنيفًا ضد إثيوبيا، وأنها تساعد جبهة تحرير الصومال الغربي لتحرير مقاطعة "أوجادين" التي تحتلها إثيوبيا، وأن وزير الخارجية الصومالي لا بد أنه يزور الدول العربية طلبًا للتأييد السياسي والعون المادي والعسكري.. كذلك لا بد لهذا المحرر أن يربط هذه الزيارة بتدهور العلاقات بين الصومال والاتحاد السوفيتي الذي اختار تأييد إثيوبيا ضد الصومال.. وهو الأمر الذي دفع الصومال إلى طرد الخبراء السوفيت من البلاد؛ بل وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وعلى ضوء هذه المعلومات يمكن لهذا المحرر أن يدير دفة الحديث.. وأن يطرح الأسئلة المناسبة.
(1/24)

المبحث الثالث: إجراء الحديث الصحفي
1- تحديد موعد اللقاء:
بعد الإعداد الكافي للحديث.. يبدأ المحرر بإجراء الاتصال بالشخصية التي سيتم معها الحديث، وذلك إما بالتليفون أو بالمقابلة المباشرة أو عن طريق بعض الأصدقاء أو الزملاء، وذلك لتحديد موعد اللقاء لإجراء الحديث الصحفي.
ويكفي أن يتصل المحرر بالشخص الذي يريد أن يجري معه الحديث ويخبره: من هو.. وماذا يريد.. ولماذا يريده1.
وفي بعض الحالات قد يجد الصحفي أنه من الأفضل له أن يتصل بالشخص الذي يريد إجراء الحديث معه عن طريق مكتب الصحافة أو قسم العلاقات العامة بالشركة أو المؤسسة أو الوزارة التي يعمل بها2.
فالمعروف أنه قد صار الآن لكل شركة أو مؤسسة أو وزارة قسم للعلاقات العامة، وظيفته تسهيل الاتصال بأجهزة الإعلام وفي مقدمتها الصحافة.. لذلك فقد يضطر الصحفي في كثير من الأحوال إلى العمل من خلال أقسام العلاقات العامة.
وفي حالات كثيرة -وخاصة في غرب أوربا والولايات المتحدة الأمريكية- يحصل الصحفي من خلال تعامله مع أقسام العلاقات العامة على نتائج أفضل من تعامله مع المسئولين مباشرة! ذلك أن موظفي العلاقات العامة في هذه البلاد يدركون أكثر مما يدرك كبار الموظفين أو المسئولين في أية مؤسسة مدى أهمية الإعلام عن المؤسسة في الصحافة.
__________
إنجليزي يسحب إسكنر
(1/25)

ولكن الوضع يختلف في كثير من دول العالم الثالث؛ فالواقع العملي يؤكد أن هذه المكاتب أو الأقسام الخاصة بالعلاقات العامة تشكل في حقيقتها عقبة تحول بين الصحفي وبين الوصول إلى كبار المسئولين في الشركة أو المؤسسة التي يتبعونها.
فأقسام العلاقات العامة ما تزال تعتقد أن وظيفتها حماية كبار موظفيها من الصحافة.. بدلًا من توثيق الروابط بينهما.
ومن المعروف أن البشر يختلفون في مدى الاستعداد أو القدرة أو القابلية للحديث إلى الصحافة1، وفي هذا المجال يمكن أن نقسم الأشخاص الذين تُجْرَى معهم الأحاديث الصحفية إلى ثلاث فئات متميزة:
أولًا: الفئة المتعاونة:
وهذه فئة مستعدة وقابلة للحديث إلى الصحافة.. وهذه الفئة لا تحاول أن تخلق أية صعوبات أمام الصحفي.. بل تعاونه في إجراء الحديث الصحفي.
ولكن عيب هذه الفئة أنها غالبًا ما تكون مستعدة أن تقول أشياء مهمة وأشياء أخرى غير مهمة.. وأنها مستعدة لأن تتحدث في أي موضوع.. وهي فئة لا تعرف كيف تفرق بين الخبر الهام، والخبر الذي لا قيمة له، والرأي الجدير بالانتباه، والرأي المكرر الذي لا يقدم جديدًا.. أي أن هذه الفئة ليست لديها أية فكرة عن تقييم الأخبار أو المعلومات أو الآراء التي يدلون بها.
وهذه الفئة تتطلب من الصحفي عدم ترك المتحدث يسيطر على وقت الحديث، ولا أن يوجهه حيث يشاء في قضايا فرعية أو ثانوية بعيدًا عن الموضوع الرئيسي للحديث؛ وإنما من الضروري أن يعامل المحرر هذه الفئة بحزم وقوة ويضبط مسار الحديث؛ بحيث ينصرف الحوار كله إلى جوهر الموضوع وليس إلى فرعياته2.
__________
انجليزي يسحب اسكنر
(1/26)

ثانيًا: الفئة المترددة:
وهي فئة قلقة متوترة، تحب الحديث مع الصحفيين؛ ولكنها في نفس الوقت تخاف من تبعات التعامل مع الصحافة، وما يمكن أن تثيره من مشاكل أو متاعب. وهذه الفئة تحتاج من الصحفي أن يبذل جهدًا في محاولة حسم ترددها لصالحه.
ولتحقيق ذلك لا بد أن يكون لدى المحرر القدرة على إقناع الشخص المتردد بالفائدة التي يمكن أن يحققها إذا تحدث إلى الصحافة.. وأن تكون لديه القدرة على أن يفرض على الشخص المتردد احترامه والثقة به.. واحترام صحيفته والثقة بها.
كذلك فإن المحرر مطالب بألا يقنع بموافقة الشخص المتردد على التحدث؛ بل يجب أن يستمر في محاربة تردده حتى أثناء الحوار نفسه حتى يدفعه؛ لأن يصرح بكل ما عنده.
ويمكن للمحرر أن يلجأ إلى بعض الأساليب الأخرى لإقناع الشخص المتردد بالتحدث إليه؛ كأن يمتدح بعض النواحي الإيجابية "الحقيقية" في شخصية المتحدث. وكأن يظهر للمتحدث أنه يعرف بعض الأشياء الهامة عنه، سواء فيما يتعلق بتاريخ حياته أو أسلوبه في العمل.
وكأن يحاول أن يقيم مع المتحدث المتردد صداقة شخصية.
وكأن يظهر اهتمامًا زائدًا بالشخص المتردد، وأن يشير إلى أن الأخبار والمعلومات أو الآراء التي سيدلي بها ستكون لها أهمية كبيرة عند قراء الصحيفة. ثم يبقى الإعداد الجيد المسبق لأسئلة الحديث الصحفي، فقد تشكل عاملًا هامًّا من عوامل جذب الشخص المتردد إلى التحدث إلى الصحافة1.
ثالثًا: الفئة المتهربة:
وهذه فئة تكره الحديث إلى الصحافة.. وهي بطبيعتها لا تثق في أحد، ولا تثق بالصحافة والصحفيين بصفة خاصة، وهي أيضًا فئة انطوائية
__________
إنجليزي يسحب إسكنر
(1/27)

لا تتحدث إلا بحساب.. إنها فئة قليلة الكلام1، فإذا طلبت شخصًا من النوع المتهرب إلى حديث صحفي فقد يقول لك: إنه لا يستطيع أن يقول لك شيئًا..! عندئذ: ومَن الذي يستطيع..؟!
وقد يقول لك: إنه لا يعرف شيئًا عن هذا الموضوع..! فسله: ومَن الذي يعرف؟!
وإذا سألت شخصًا متهربًا مبينًا له أنك تريد أن تُجْرِيَ معه حديثًا صحفيًّا لتعرف رأيه في قضية معينة.. فقد يقول لك: ليس عندي أي تعليق..!
عندئذ يمكنك أن تسأله: ولماذا لا تريد التعليق؟ وهل هناك سبب خاص أو عام يمنعك من التعليق؟
ثم قل له بأنك ستكتب ذلك في الصحيفة وستقول: إنه رفض التحدث في الموضوع؛ لأن هناك ما يحول بينه وبين التعبير عن رأيه..!
وقد يقول لك: إنه مشغول جدًّا، ولا وقت لديه للحديث.
عندئذ أخبره بسرعة أنك لن تأخذ وقتًا طويلًا منه.. وأن الأمر لا يعدو بضعة أسئلة يمكنه أن يجيب عنها في دقائق.. وأن رأيه أو معلوماته في الموضوع مهمة جدًّا، ولا يمكن الاستغناء عنها.. ثم ادخل في الأسئلة مباشرة، ولا تتح له أية فرصة أو وقت للاعتراض أو التسويف.. فإذا كانت أسئلتك مباشرة وفي قلب الموضوع.. فإنها يمكن أن تثير اهتمامه وتدفعه إلى الإجابة.. وبهذا يكون الحديث قد تحقق..!
ولكن قد يقول لك الشخص المتهرب: إنه مشغول جدًّا في هذه الأيام، وقد يطلب تأجيل الحديث إلى يوم آخر.. عندئذ لا يجب أن توافق على التأجيل إلا إذا تأكدت أنه جاد في التأجيل.. وأنه لا ينوي التهرب أو التسويف.. فإذا كان صادقًا -ويمكنك أن تكتشف ذلك عن طريق بعض الأسئلة مثل أن تحدد معه موعد المقابلة ومكانها.. وتتفق معه على التصوير.. وتأخذ رَقْم تليفونه الداخلي وتليفون المنزل، ثم تعرف مواعيده في الغد، وتحدد معه كمية الوقت الذي سيخصصه لك، وغير ذلك من الأسئلة- أَجِّل الحديث؛ ولكن ليس قبل أن تحدد وقتًا ملائمًا للقاء القادم له ولك.
__________
1 Ibid p 30-31.
(1/28)

أما إذا أحسست بأنه يتهرب فعاود محاصرته من جديد1، وأَصِر على أن يُجْرَى الحديث في نفس اللحظة.. وألح عليه لتحصل على المعلومات أو الآراء التي تريدها منه.
ويجب على المحرر الصحفي أن يتدرب باستمرار على اكتشاف الشخصيات المتهربة حتى يصبح له بمرور الوقت خبرة في اكتشافهم في أسرع وقت.. بحيث لا يهرب إذا بادروه بالامتناع عن الكلام.. وإنما يهاجمهم بقوة وحزم ويطرح أسئلته على الفور.. فإن أفضل طريقة لمعاملة مثل هذه الشخصيات المتهربة.. هو الهجوم المباغت بالأسئلة المباشرة التي لا تترك لهم أية فرصة أو وقت للاعتراض أو الامتناع عن الكلام.
والإعداد المسبق للحديث الصحفي هو أيضًا سلاح آخر لمهاجمة المتهربين.. فأنت تستطيع أن تدفع الشخص الصامت إلى الحديث إذا ما طلبت منه أن يصحح بعض معلوماتك عن الموضوع.. ثم بالغ في بعض المعلومات التي تعرفها.. وأخبره بأنك ستنشر هذه المعلومات في صحيفتك؛ عندئذ قد يضطر إلى تصحيح هذه المعلومات.. وبمجرد أن يبدأ في التصحيح يكون حديثك الصحفي معه قد بدأ..!
__________
انجليزي يسحب اسكنر
(1/29)

2- إدارة الْحِوَار:
إدارة الحوار في الحديث الصحفي يجب أن تقوم على خطة محددة مبنية على الإعداد المسبق للأسئلة2.
ولكن أول خطوة في الحوار هي أن يفكر الصحفي في الطريقة المثلى التي يجب أن يبدأ بها الحوار، وفي الأسلوب الأمثل للدخول في المناقشة مع المتحدث.. فنقطة البداية في الحوار.. سوف تؤثر دائمًا على طريقة سيره.. والانطباع الأول الذي سيأخذه المتحدث عن المحرر هو الذي يحدد بعد ذلك سلوكه طوال فترة الحوار.
والخطوة الأولى تختلف من حديث صحفي إلى آخر، ومن شخصية إلى شخصية أخرى، فبداية حديث صحفي مع نجمة سينمائية غيره مع سياسي كبير أو وزير مسئول؛ لذلك لا بد للمحرر أن يختار نقطة البدء الملائمة للموضوع.. وللشخص الذي يجري معه الحديث.
ويجب على المحرر أن يركز انتباهه على كل ما ينطق به المتحدث، وأن ينصت إليه جيدًا.. وأن يكون قوي الملاحظة، فربما أشار المتحدث إلى ملاحظة جانبية قد تكشف عن حقائق مثيرة1.
والمحرر الصحفي يجب أن يكون مهذبًا مع المتحدث؛ ولكنه يجب أن يكون في نفس الوقت حازمًا؛ بحيث لا يتوانى عن قطع الحديث إذا أدرك أن المتحدث يتكلم خارج الموضوع.. وبالمقابل لا يجب على المحرر أن يقاطع المتحدث إذا كان يتحدث في صلب الموضوع؛ لأن المقاطعة يمكن أن تحرمك من خبر هام أو رأي مثير يمكن أن يقوله المتحدث إذا لم تقاطعه وتدفعه إلى الحديث في قضية أخرى.
ويجب على المحرر أن يحرص على السيطرة على المناقشة وعلى تحديد سير الحوار في المجرى الذي يريده؛ ذلك أنه إذا سيطر المتحدث على سير المناقشة فقدت أنت السيطرة على هذا الحديث.. لأن المتحدث سيسيره حسبما يريد هو لا حسبما تريد أنت.
ولا بد للمحرر الصحفي أن يحاول -بقدر الإمكان- أن يقصر أسئلته على القضايا الأساسية في موضوع الحديث، وأن يحرص على الحصول على المعلومات الجديدة والمثيرة لاهتمام القراء، والتي تمس مصالحهم، أو الآراء التي تكشف عن وجهات نظر جديدة في الموضوع الذي يجري حوله الحديث الصحفي2، ومن الضروري أن يبتعد الحوار عن الخوض في المعلومات غير المؤكدة أو الآراء غير المسندة أو الموضوعية، كذلك لا بد أن يحرص المحرر الصحفي على إبراز التميز الذي تنفرد به شخصية المتحدث وأن يركز على أن تكون المعلومات والآراء مبنية على حقائق ملموسة.. لا على أوهام أو إشاعات.. فإن قيمة الحديث الصحفي هي في النهاية رهن بقيمة الأخبار والمعلومات، أو الآراء التي أدلى بها المتحدث.
__________
انجليزي يسحب اسكنر
(1/30)

وفي بعض الحالات قد يكون الحديث الصحفي جزءًا من حملة صحفية أو استكمالًا لموضوع صحفي سبق نشره.. في هذه الحالات لا بد أن يأخذ المحرر معه نسخة من الجريدة أو المجلة التي نشرت الحديث أو الموضوع أو التصريح أو الحملة الصحفية، وأن يعطيها للمتحدث حتى يعرف سير الموضوع.. إذ لا يجب أن يفترض المحرر أن المتحدث قد اطلع عليها، فعلى المحرر أن يتوقع أن المتحدث لم يطلع على ما سبق نشره في الموضوع.. ولا يجب عليه أن يحرج المتحدث ليعترف له بأنه لم يتابع الموضوع أو يضطره إلى الكذب والادعاء بأنه يتابع الموضوع؛ بينما يكون في الحقيقة غير متابع له.. وقد يدفعه ذلك إما للامتناع عن الحديث في الموضوع، أو يتحدث في الموضوع دون أن يكون له علم بما سبق نشره في الموضوع، وقد ينتج عن ذلك أن يأتي حديثه معادًا أو مكررًا لما سبق نشره.
كذلك فإن من شأن هذا أن يحرم المحرر من بعض الآراء الهامة أو الأخبار المثيرة التي يمكن أن يدلي بها المتحدث في حالة قراءته لما سبق نشره حول الموضوع؛ بل إن اطلاعه على ما سبق نشره قد يدفعه إلى الرد على بعض الآراء أو تصحيح بعض المعلومات التي سبق نشرها.. وقد يخرج الصحفي من هذا الحديث بموضوع مثير1، أو بمعركة فكرية أو بسبق صحفي..!
__________
انجليزي يسحب اسكنر
(1/31)

3- تسجيل الحوار:
هناك طريقتان رئيسيتان لتسجيل الحديث الصحفي:
الطريقة الأولى: التسجيل في النوتة أو دفتر الملاحظات:
وهي طريقة صعبة وإن كانت ما تزال هي الطريقة الشائعة في العالم كله.. وصعوبتها ترجع إلى كونها طريقة مرهقة، تحتاج من المحرر الصحفي إلى يقظة تامة ودقة متناهية2.
ولكن إذا كان المحرر يفهم في الموضوع جيدًا.. وأعد نفسه إعدادًا مسبقًا للحديث، سواء أكان عن طريق القراءة في الموضوع أم عن طريق إعداد الأسئلة المسبقة. بالإضافة إلى مهارته في فن التسجيل بالنوتة.. فلن يشكل الأمر بالنسبة له أية صعوبة.
والمحرر الصحفي الذي يفضل استخدام النوتة لا بد أن يحرص على الالتزام بالقواعد التالية:
1- أن ينصت جيدًا إلى الحوار، وأن يركز انتباهه على أجوبة المتحدث حتى لا يفوته شيء مما يصرح به.
2- أن يتعلم كيف يتذكر كل ما يدور من حديث أثناء اللقاء مهما كان الوقت الذي يستغرقه الحديث.. وبعد أن تنتهي المقابلة ويغادر المكان الذي جرى فيه الحديث يجب أن يسرع إلى أقرب مكان ليكتب كل ما سمعه خلال الحديث حتى لا ينسى شيئًا.
3- أن يتعلم كيف يختصر كلمات المتحدث، وأن يستوعب المعاني والأفكار التي يقولها في أقل عدد ممكن من الكلمات.
وفي هذه الحالة فمن الأفضل للصحفي أن يتعلم "الاختزال"؛ حتى يتيح له ذلك تسجيل كل ما يدور في اللقاء.. دون أن يترك شيئًا؛ ولكن الواقع الفعلي في الصحافة العالمية يؤكد أن عدد من يتعلمون الاختزال من الصحفيين أقلية ضئيلة.. لذلك فأفضل طريقة لتسجيل الحديث الصحفي هي أن يكتفي المحرر بتسجيل بعض الأجزاء الهامة في الحديث أثناء اللقاء، ثم يستكمل ما بقي من الحديث بعد أن يغادر مكان اللقاء إلى أقرب مكان يعيد فيه كتابة كل ما بقي من الحديث.
وهناك بعض الأشخاص الذين يحبون أن يروا كلماتهم كلها مدونة في النوتة كما نطقوا بها.. والصحفي الذكي يرفض ذلك، ولا يقبل أن يتحول إلى آلة تكتب كل ما يُمْلَى عليها.. فلا بد للمحرر أن يكتفي بتسجيل بعض الملاحظات أو بعض الأجزاء الهامة من الحوار فقط، حتى ولو تطلب الأمر أن ينبه المتحدث "ولكن بأدب ولطف". إن المحرر
__________
انجليزي يسحب اسكنر
(1/32)

هو الذي يحدد ما هي الأجزاء المهمة في الحديث وتلك غير المهمة، وما هي الأجزاء التي تستحق النشر والتي لا تستحق.
4- ألا يدفن المحرر وجهه في النوتة؛ وإنما يجب أن يحرص على أن يظل هناك اتصال شخصي بينه وبين المتحدث.
5- في نهاية المقابلة.. يمكن للمحرر أن يراجع مع المتحدث الأجزاء التي نقلها في النوتة.. بحيث يؤكد على النقاط غير الواضحة أو يعيد كتابة بعض النقاط الهامة التي نسي تسجيلها.
ويمكن للمحرر أن يعطي المتحدث أثناء هذه المراجعة الحق في تصحيح أي خطأ أو تعديل أية معلومة أو فكرة صرح بها أثناء الحديث.
6- في حالة الأحاديث الصحفية التي تستغرق عدة ساعات، فالأفضل عدم الاعتماد على النوتة واللجوء إلى أجهزة التسجيل1.
الطريقة الثانية: استخدام أجهزة التسجيل:
وهذه الطريقة لم تكن مستخدمة في العالم كله قبل ربع القرن الأخير؛ ولكن استخدام أجهزة التسجيل في نقل الأحاديث الصحفية بات من الأمور الشائعة الآن في العالم كله، ورغم أنه لا يوجد إحصاء دولي يبين نسبة مَن يستخدمون أجهزة التسجيل ونسبة من يستخدمون النوتة، إلا أنه من المعتقد أن يعتمد أغلب الصحفيين على أجهزة التسجيل وذلك في السنوات القادمة، سواء في دول العالم المتقدم أو دول العالم الثالث. ورغم انتشار آلات التسجيل فإن هناك حالات كثيرة لا يرحب فيها المتحدث باستخدام جهاز التسجيل، فهناك من لا يحبون أن تسجل كل كلمة من كلماتهم، كذلك هناك البعض الذي يرى أن جهاز التسجيل قد يدمر الجو النفسي الذي يكون بين المحرر والشخصية التي يجري معها الحديث2.
والمحرر الذي يفضل استخدام جهاز التسجيل لا بد أن يحرص على الالتزام بالقواعد التالية:
__________
إنجليزي يسحب إسكنر
(1/33)

1- تعرف على آلتك جيدًا.. واعرف كيف تعمل.. وما الذي تستطيعه.. وما الذي لا تستطيعه.
2- في أي مكان تنوي فيه استخدام جهاز التسجيل.. خذ معك شرائط أكثر مما تتوقع أن تستخدم. فمن المحتمل أن يستغرق الحديث وقتًا أطول مما كنت تتوقع.. وأنه أهم مما كنت تظن.. فإن أي عدد من الشرائط تأخذه معك -مهما كثر- أفضل كثيرًا من أن تترك نفسك للمصادفات المحرجة.
3- اطلب إذنًا باستخدام جهاز التسجيل أثناء الحديث، فاستخدام "النوتة" لا يحتاج إلى إذن؛ ولكن هناك أسباب كثيرة تدعوك للحصول على إذن باستخدام جهاز التسجيل.. أولًا لكي تعرف ما إذا كان المكان الذي سيجرى فيه الحوار مناسبًا للتسجيل حتى يأتي الصوت واضحًا نقيًّا.. ولكي تحقق ثقة المصدر بك أخبره أنك ستكون سعيدًا لأن تلقي بجهاز التسجيل بعيدًا في أي وقت يطالب فيه بذلك، وفي أي وقت يريد أن يدلي ببعض الأقوال الصريحة.
كذلك لا مانع من أن تخبره بأنك لن تتسبب في إحداث ضجة أو إرباك له، أو لأي شخص آخر، وفي أي شكل من الأشكال أثناء استخدامك جهاز التسجيل.
4- اختبر آلتك قبل أن تبدأ اللقاء، كذلك يمكنك أن تختبرها مرة أخرى على الأقل أثناء الحوار نفسه.
وإذا كان لديك الوقت الكافي يفضل أن تختبر جهاز التسجيل في نفس الحجرة أو المكان الذي تجري فيه الحوار.. أما إذا لم يكن لديك وقت لاختبار الآلة فيفضل أن تدير الآلة، وتسأل المتحدث أن يذكر اسمه وعنوانه ووظيفته، وعندئذ دعه يستمع إلى إعادة الشريط، وحاول أن تجعله يهتم بالكيفية التي تعمل بها الآلة.. فهذه إحدى الطرق التي يمكن أن تريح أعصابه وتوطد العلاقة الودية بينك وبينه.
(1/34)

5- أغلق جهاز التسجيل بعد أن تختبره ولا تعد تشغيل الآلة إلا حين يبدأ المتحدث في الإجابة على أسئلتك، أو عندما يبدأ في التصريح ببعض المعلومات أو الآراء الهامة.
6- لا تتردد في غلق جهاز التسجيل إذا بدأ الحوار ينحرف إلى قضايا جانبية بعيدة عن صلب موضوع الحديث.
7- لا تتردد في أن تغلق جهاز التسجيل إذا استقبل المتحدث مكالمة تليفونية، أو أذا دخل أحد مكتبه أو الحجرة التي تجلسون فيها1.
__________
إنجليزي إسكنر
(1/35)

المبحث الرابع: كتابة الحديث الصحفي
أولًا: التمهيد لكتابة الحديث الصحفي:
قبل البدء في كتابة الحديث الصحفي لا بد للمحرر أن يراعي الاعتبارات التالية:
1- أن يراجع بعناية نص الحديث؛ وذلك لاستيعاب المعلومات الواردة به من ناحية.. وللتأكد من أنه حصل على إجابات وافية عن جميع الأسئلة التي تحيط بموضوع الحديث من ناحية ثانية. وإذا اكتشف المحرر نقصًا في بعض الإجابات فعليه أن يحاول استكمالها، ولو احتاج الأمر إلى العودة إلى الاتصال بالمتحدث مرة أخرى.
2- من الضروري أن يقوم المحرر بتقييم المعلومات والبيانات الخلفية للحديث؛ للتأكد من كفايتها لتغطية موضوع الحديث1.
3- ضرورة التأكد من استكمال الحديث لجميع عناصره المساعدة مثل: الصور أو الرسوم أو الإحصائيات والجداول أو الوثائق.. وغير ذلك من العناصر التي تختلف من حديث لآخر2.
ثانيًا: القوالب الفنية للحديث الصحفي:
للحديث الصحفي أربعة قوالب فنية هي:
__________
انجليزي يسحب اسكنر
(1/37)

القالب الأول: قالب الهرم المقلوب:
ويقوم هذا القالب الفني للحديث الصحفي على أساس تشبيه البناء الفني للحديث الصحفي بالبناء المعماري للهرم مقلوبًا؛ حيث ينقسم الحديث الصحفي إلى جزأين اثنين فقط: الجزء الأول يشمل مقدمة الحديث، وهي تحتل قاعدة الهرم المقلوب.. أما الجزء الثاني والأخير فيشمل نص الحديث، وهو يحتل جسم الهرم المقلوب.
وتحتوي المقدمة على أهم ما في الحديث من أخبار وآراء.. في حين يحتوي الجسم على النص الكامل للحديث، وفيه تحتل التفاصيل مكانها في جسم الحديث حسب أهميتها.. فتحتل التفاصيل الأكثر أهمية الأجزاء المتقدمة من الجسم وبعدها تأتي التفاصيل المهمة.. ثم التفاصيل الأقل أهمية.. وهكذا حتى نهاية الحديث الصحفي.. وهو الأمر الذي يوضحه الشكل التالي:
شكل يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟
قالب الهرم المقلوب في كتابة الحديث الصحفي
(1/38)

وفي قالب الهرم المقلوب يفضل أن تحتوي المقدمة على أبرز الأخبار التي يتضمنها الحديث، وذلك في الأحاديث الصحفية التي يغلب عليها الطابع الخبري.. أما الأحاديث التي يغلب عليها طابع الرأي، فيفضل أن تحتوي المقدمة على إبراز الآراء التي أدلت بها الشخصية التي يُجْرَى معها الحديث1.
أما جسم الحديث الصحفي فكثيرًا ما يأتي على شكل س وج، وإن كان يعيب هذا الشكل أنه صار شكلًا تقليديًّا في الصحافة المعاصرة ويحاول البعض تجنبه. ولكن يظل هذا الشكل هو أفضل الأشكال عندما يُجْرَى الحديث مع الشخصيات السياسية الهامة مثل: زعماء الدول وكبار رجال السياسة، وذلك لضمان الدقة في نقل التصريحات التي تدلي بها هذه الشخصيات الهامة، وحتى لا يساء تأويلها إذا قام المحرر بسردها أو تلخيصها.
أما محاولات التجديد في كتابة جسم الحديث الصحفي، فهي تتنوع وتتسع يومًا بعد يوم.. وعلى سبيل المثال، فإن جسم الحديث الصحفي قد اتسع ليشمل بجانب الشكل التقليدي القائم على س وج قيام المحرر في بعض الحالات بتلخيص إجابات المتحدث بدلًا من سردها كاملة كما ذكرها المتحدث بنفسه. كذلك اتسع هذا التجديد ليشمل قيام المحرر بالمزاوجة بين التلخيص والاستشهاد بنصوص كاملة من أقوال المتحدث أو اقتطاع فقرات معينة من كلام المتحدث وإبرازها. كذلك اتسع نطاق التجديد في كتابة جسم الحديث الصحفي؛ بحيث يقوم المحرر بعمل ما يشبه الاستراحة بين فقرات الحديث، يقوم خلالها بوصف المكان الذي التقى فيه بالمتحدث أو وصف
__________
1 نحن لا نميل كثيرًا لمن يقولون بالتفرقة التامة بين حديث الخبر وحديث الرأي.. وذلك لاعتقادنا بأن الرأي -أي رأي- عندما يذكر لينشر في الصحافة.. يتحول إلى خبر. وعلى سبيل المثال، أجرت صحيفة "هيرالد تربيون Herald tribune" حديثًا مع أدموند ماسكي وزير الخارجية الأمريكي، ذكر في جانب منه أنه يرى أن استمرار إسرائيل في بناء المستوطنات في الضفة الغربية يعوق محاولات التوصل إلى سلام دائم في الشرق الأوسط..! هذا الرأي الذي ذكره ماسكي تحول إلى خبر احتل مركز الصدارة في العديد من الصحف والإذاعات العالمية.. فهذا القول لماسكي هو رأي وخبر في نفس الوقت.
"Herald Tribune. August 4, 1980"
(1/39)

جو النقاء نفسه، أو وصف انطباعاته الشخصية عن المتحدث؛ وبذلك لا يكتفي المحرر بنقل نص الحوار الذي دار في هذا اللقاء؛ وإنما يرسم صورة دقيقة للقاء نفسه. وقد يكون لهذا الوصف أهمية كبيرة في جذب اهتمام القارئ مما لا يقل عن أهمية الحوار الذي جرى أثناء اللقاء نفسه..!
أما أبرز محاولات التجديد في كتابة جسم الحديث الصحفي، فهي التي تقوم على تقديم خلفية من المعلومات عن شخصية المتحدث أو حول الموضوع الذي يدور حوله الحديث1.. وهذه الخلفية قد تحتل مكانها في صدر جسم الحديث الصحفي.. أي بعد المقدمة مباشرة.. وقد تتناثر هذه الخلفية في أماكن متفرقة من الحديث؛ بل وأحيانًا تشكل هذه الخلفية مقدمة الحديث الصحفي نفسه.. وفي بعض الحالات قد تقدم هذه الخلفية في إطار بروز منفصل ينشر بجوار الحديث الصحفي.
__________
إنجليزي إسكنر
(1/40)

نموذج للحديث الصحفي المبني على قالب الهرم المقلوب:
مربع إسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
1
- بدأ محرر صحيفة "الشرق الأوسط" التي تصدر في لندن باللغة العربية حديثه مع الرئيس السوداني جعفر نميري بمقدمة أبرز فيها أهم الأخبار والآراء التي أدلى بها الرئيس السوداني.
أجاب الرئيس نميري على أسئلة "الشرق الأوسط".. فتحدث عن العلاقات السوادنية - المصرية بعد تبادل السفراء بين مصر وإسرائيل، وقال: إن العلاقات بين شعبي مصر والسودان علاقات تتداخل، ولا يملك أحد أن ينال منها؛ لكنه أضاف: إن موقف السودان بالنسبة للقضية العربية ثابت وأصيل.
وأوضح الرئيس نميري لـ"الشرق الأوسط" رؤيته حول إمكانية تضامن عربي، أو حتى إيجاد موقف عربي موحد، وأسهب في شرح ما يراه.. وقال: إننا نعيش مرة أخرى في مناخ أواخر الأربعينات والخمسينات من هذا القرن.
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟
__________
1 الشرق الأوسط 24/ 2/ 1980.
(1/41)

- ووصف الرئيس السوداني علاقات بلده بليبيا.. بأنها دولة جارة للسودان، وموازين العلاقة معها هي حسن الجوار. ونفى إقامة قواعد عسكرية دعمًا لنفي السفير الأمريكي في الخرطوم.
وتحدث عن العلاقات السعودية - السودانية.. فقال: إنها أكثر من وثيقة، فهناك الرؤية الواحدة المتطابقة في كافة القضايا العربية والإقليمية.
ونفى الرئيس نميري أن تكون في السودان حكومة ومعارضة؛ وإنما هناك وَحْدَة وطنية تحققت "نص الحديث على الصفحة الرابعة".
- وبعد المقدمة مباشرة دخل المحرر في جسم الحديث؛ حيث أورد نص الحوار الذي جرى بينه وبين الرئيس نميري، واختار للحوار شكل س وج، وهو شكل لا عيب فيه، وخاصة أن الحوار يُجْرَى مع رئيس دولة لا بد أن ينقل كلامه بدقة.
- وقد وضع المحرر في صدر جسم الحديث القضية الأكثر أهمية في الحديث -من وجهة نظره- وهي القضية الخاصة بالعلاقة مع مصر، وخاصة أن الفترة التي أُجري فيها هذا الحديث شهدت كلامًا كثيرًا عن حدوث أزمة في العلاقات السودانية المصرية:
-- فخامة الرئيس.. لوحظ من أجوبتكم في المؤتمر الصحفي الأخير، وضمن خطابكم في المؤتمر القومي الثالث أن السودان سيستمر في توطيد علاقاته بمصر رغم تطبيع العلاقات بينها وإسرائيل، وأعلنتم أن موقفكم في قمة تونس كان هو الصمت.. بينما تردد بعد قمة تونس خبر عن اتصالات سرية تمت بينكم وبين الرئيس السادات.
هل لنا أن نعرف موقف السودان الواضح بعد تبادل السفراء بين مصر وإسرائيل؟
- لعل المطلوب أولًا أن نحدد ما طرحته في المؤتمر الصحفي، وقبله في خطابي أما المؤتمر الثالث، قبل أن نتناول الملاحظات والاستنتاجات كذلك.
(1/42)

لقد تحدثت في المؤتمر القومي وفي مجال السياسة العربية حول نقطتين:
- أولًا: حول العلاقات بين الشعبين المصري والسوداني، وهي علاقات تتداخل، ولا يملك أحد أن ينال منها مهما كانت الاختلافات والخلافات والاجتهادات والتوجهات، للدولة هنا، أو الدولة هناك.
- ثانيًا: حول موقفنا بالنسبة للقضية العربية، هو موقف سبق أن التزمنا به مع الإجماع العربي في قمتي بغداد وتونس، وقبلها في الجزائر والرباط.
ثم إنني تحدثت في المؤتمر الصحفي، وردًّا على سؤال حول موقف السودان بعد قمة تونس، ولما كان السؤال يتضمن إيحاء بأنه كان للسودان موقفًا بعد تونس، وموقفًا مغايرًا قبلها، فلقد بدأ السؤال استمرارًا وتكرارًا لتناول بعض الصحف والمجلات العربية لموقف السودان، وكأنه موقف ينقصه الثبات والوضوح، وذلك في إطار تصريحات مختلفة حينًا، ومشوهة في معظم الأحيان، بالإضافة إلى تحليلات لا تستند إلى الواقع، وذلك رغم أن الموقف السوداني لا ينقصه الوضوح، فهو ثابت وأصيل.
ولذلك فلقد جاءت إجابتي على هذا السؤال واضحة قاطعة، فنحن في السودان لا نستطيع أن نتلاعب في العلاقات بين الشعب المصري والسوداني، والتي هي من العمق والتداخل؛ بحيث يستحيل التأثير فيها أو التصدي لاستمرارها وتواصلها، فهي علاقات قربى ورحم وجوار وأسر متداخلة، ثم أوضحت وفي نفس الوقت أن سحب السفراء إنما يمثل إجراء دوليًّا معترفًا به للتعبير عن خلافات واختلافات قائمة، وهي فيما يتعلق بالعلاقات المصرية السودانية، تتعلق بطريقة تناول القضية العربية.
(1/43)

وهذا الإجراء من جانبنا يتفق في الشكل وإن اختلف في الدرجة، مع ما اتخذته الدول العربية تعبيرًا عن رفضها للتناول المصري للقضية العربية، وإن كنا لم نصل إلى ما وصلت إليه الدول العربية في خلافها مع مصر، فإن ذلك لا يعني أننا من الممكن أن نكون طرفًا ثالثًا في العلاقات المصرية الإسرائيلية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
نأتي بعد ذلك إلى جوهر سؤالك فأقول:
لقد عنيت بالصمت في تونس الامتناع عن إجراء مقابلات صحفية أو الإدلاء بتصريحات مطولة، ولم أكن أعني أن موقفنا في قمة تونس هو الصمت.
لقد شارك السودان في لجان المؤتمر واشترك في صياغة توصياته، وأسهم في وضع قراراته، وأعلن التزامه بها جميعًا وبدون أي تحفظ؛ بل إن السودان عضو مشارك في الوفود الذي قرر المؤتمر إيفادها إلى مختلف دول العالم؛ لشرح الموقف العربي الموحد.
وفيما يتعلق بموقف السودان، بعد خطوة تبادل السفراء بين مصر وإسرائيل، فإنه سيبقى ذات الموقف.
إن السودان مع الإجماع العربي يرفض التسوية الجزئية والحلول المنفردة، ويضع جهده وفي كل المجالات لتأمين الحق العربي، والانسحاب الشامل من جميع الأراضي المحتلة، وإقامة الدولة الفلسطينية، وعروبة القدس، متعاونًا في كل الحالات مع منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
(1/44)

- ثم تناول المحرر في السؤال الثاني قضية أخرى مهمة؛ وهي حول العلاقات السودانية العربية وسر المرارة التي يتحدث بها الرئيس نميري عن هذه العلاقات:
- حديث المرارة:
-- لوحظ كذلك في لقائكم بالصحفيين أنكم تتحدثون عن الدول العربية وتعاملها فيما بينها حديث المرارة.. ربما لتعدد النزاعات والصراعات بين العرب أنفسهم..
فما هي رؤيتكم لإمكانية تضامن عربي، أو حتى إيجاد موقف عربي موحد؟
- سوف تتضح الحقائق قريبًا وقريبًا جدًّا، عن حقيقة الدور الذي قام به السودان، ولا أقول دوري، للوصول إلى صيغة للعمل العربي الموحد، وهو دور سعت بعض الأطراف العربية إلى إجهاضه، بالمماطلة والتسويف والتأجيل وعدم الحسم والتآمر أيضًا.
لقد قمت بزيارات متصلة للدول العربية، ما عدا أقل القليل منها، في رحلة استغرقت من جهدي ووقتي ما يزيد على الشهر، وذلك قبل توقيع اتفاقيات كامب ديفيد؛ حيث لم أكتفِ بمجرد العمل على تحقيق التضامن العربي؛ وإنما قبله التوصل إلى صيغة للعمل العربي الموحد نلتزم بها جميعًا، وفي إطار مقررات قمتي الجزائر والرباط؛ إلا أن هناك أطرافًا عربية قاومت هذا الجهد، وعملت على إجهاضه، وبهذا أسهمت وبصورة مباشرة، سواء ما يتعلق منها بخروج مصر من ساحة العمل العربي الموحد، أو ما يتعلق منها بحقيقة الوضع العربي الراهن، وحيث لا إجماع إلا على رفض اتفاقيات كامب ديفيد، بينما هناك خلافات وصراعات واجتهادات حول ما يمكن أن يكون بديلًا لها.
ولقد حاولت خلال جولة التضامن الأولى والثانية التوصل إلى تصور عربي موحد لجهد عربي مشترك، نتفق عليه جميعًا ونساهم فيه
(1/45)

جميعًا لتأمين حقوقنا المشروعة، وفي إطار بدائل، تستوعب طاقاتنا السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتوظفها لخدمة أهدافنا التي لا خلاف عليها، إلا أن محاولتي اصطدمت بمن طالب بالتأجيل، ومن طالب بانتظار نتائج جهود السادات ومحاولاته؛ بل ولإعطائه فرصة يستخدم فيها كل جهوده للوصول إلى تسوية.
ولقد حدث بعد ذلك ما حدث، ولست في موقع يتيح لي حق توزيع الاتهامات وتحديد المسئوليات؛ ولكنني أقول: إن افتقاد الرغبة لدى البعض للعمل في إطار استراتيجية عربية موحدة، كان وما زال هو السبب فيما وصل إليه الوضع العربي، وما تعاني منه الساحة العربية من جمود وشلل.
وهو جمود وشلل رغم الإجماع على رفض صيغة السلام المصري الإسرائيلي؛ بل هو خطر يصل إلى حد الكارثة بالنسبة لمستقبل الأمة العربية، وأنا أملك الأسباب، وهي على النحو التالي:
- أولًا: إن هناك حقيقة ماثلة لا يمكن إنكارها. إن الأمة العربية أصبحت الآن تواجه إسرائيل، مجردة من ثقل مصر العسكري والحضاري والبشري والاقتصادي، مما يعني خللًا في ميزان القوى، لا يمكن حسمه إلا من خلال موقف عربي موحد، وهو موقف -للأسف- ما زال مفتقدًا ومفقودًا حتى هذه اللحظة.
- ثانيًا: إن إسرائيل رغم ما تدعيه من رغبة في تحقيق السلام، إلا أنها ما زالت بمواقفها السياسية ومواقعها العسكرية، في حالة اشتباك ساخن مع الأمة العربية، فما زالت الأرض العربية محتلة، وما زال الشعب الفلسطيني مشردًا في أرضه وخارج أرضه، وما زالت القدس سليبة وحبيسة للقضية الصهيونية؛ بل إنها ما زالت تمارس عدوانها على الجنوب اللبناني بصورة شبه
(1/46)

يومية، ومن هنا فإن غياب الموقف العربي الموحد لن يتيح لإسرائيل فرصة الاستمرار في صلفها وعدوانها فحسب؛ بل إنه قد يغريها بتوسيع دائرة هذا العدوان كذلك.
- ثالثًا: إن إسرائيل وفي إطار استراتيجيتها الواضحة والمعروفة، إنما تسعى لتكريس التمزق العربي بما يتيح لها فرص المواجهة المنفردة مع مختلف الكيانات العربية، وفي سبيل هذا الهدف، فليس مستبعدًا إن تشن هجومًا يتجاوز مرتفعات الجولان ويتجاوز ضفة الأردن الغربية، ليس بهدف التوسع في المرحلة الحالية، وإنما لتأكيد غيبة الموقف العربي الموحد.
- رابعًا: إن المواجهة مع إسرائيل -في غياب العمل العربي الموحد- لن تقتصر نتائجها وآثارها على ما يمكن أن يترتب عليها عسكريًّا أو حتى اقتصاديًّا بالنسبة لهذا الكيان العربي أو ذلك؛ وإنما ستمتد آثارها إلى داخل كل الكيانات العربية، فمع مشاعر العجز عن المواجهة الموحدة ضد العدوان، فسوف تشهد مختلف الكيانات العربية؛ بل وإنها قد بدأت تشهد بالفعل مرجة من التمزق الداخلي، والصراعات الطائفية والدينية والعرقية.
- خامسًا: إن غياب العمل العربي الموحد في مواجهة الصلف والتعنت الإسرائيلي، قد فتح مجال المزايدات العربية بالفعل، وهي مزايدات تبدأ بالهجمات والحملات الإعلامية، لتنتهي بالتآمر ومحاولات التدخل المباشر وغير المباشر في شئون بعضها البعض، مما يهدر أموالًا ودماء، ما أحوجنا إليها في مواجهة واقع الاحتلال والاغتصاب لحقوقنا القومية.
- سادسًا: إن غياب العمل العربي الموحد قد فتح الباب متسعًا للاستراتيجيات العالمية لتعمل بوفرة في الساحة العربية، مما أدى بالفعل إلى مواجهات عربية من ناحية، ومواجهات بين
(1/47)

تلك الاستراتيجيات في الساحة العربية وعلى حساب أهدافها ومصالحها.
- سابعًا: إن غياب العمل العربي الموحد، والذي يسمح باستقطاب الكيانات العربية إلى ساحة الصراع الدولي وكأطراف فيه، إنما يتيح لإسرائيل المزيد من القوة والقدرة لفرض عدوانها، باعتبارها عاملًا حاسمًا لهذا الصراع، من موقعها كطرف منحاز لأحد أطرافه.
- ثامنًا: إن الثروة العربية مهما كانت المبالغة في تقدير حجمها وتأثيرها، إلا أنها تظل معطلة؛ بل ومستهدفة، وذلك في غياب العمل العربي الموحد، والذي يمكن من خلاله استثمارها سياسيًّا ودوليًّا في خدمة الأهداف العربية.
- تاسعًا: إنه وفي غيبة العمل العربي الموحد نجد أنفسنا في حالة تراجع حتى بالنسبة لما سبق أن أجمعنا عليه في الجزائر والرباط، وأعني به القبول بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، ومن المؤسف والمؤلم أن تحظى هذه المنظمة باعتراف واحترام المنظمات العالمية والإقليمية والدول الأجنبية، في الوقت الذي يتراجع فيه الاعتراف العربي بها، وهو تراجع حتى ولو اتخذ مجرد شكل الهجوم الإعلامي عليها، وهو تراجع حتى لو اضطرت للدفاع عن نفسها في مواجهة أطراف عربية لها.
- عاشرًا: إنني أكاد ألمس حقيقة المخطط الموضوع لإخضاع الأمة العربية، وهو مخطط يتستر حينًا بالتقدمية وأحيانًا باسم الدين، وهو مخطط يستهدف صرف انتباه وجهد الكيانات العربية وخاصة المؤثرة فيها سياسيًّا أو عسكريًّا أو اقتصاديًّا في المواجهة مع إسرائيل، صرف انتباه وجهد هذه الكيانات عن واجبها القومي، إلى حماية أمنها الداخلي.
وإلا بماذا نفسر ما وقع في السعودية مؤخرًا، وهي الدولة العربية الأقدر على إدارة الصراع لمصلحة العرب سياسيًّا واقتصاديًّا ودوليًّا
(1/48)

وعسكريًّا، وما وقع في تونس مؤخرًا، وهي المقر الجديد لجامعة الدول العربية، وما حدث ويحدث في سوريا ساحة المواجهة العسكرية المباشرة مع إسرائيل، وهو مخطط تكرر ومن الممكن أن يتكرر في مختلف الكيانات العربية؛ خدمة لنفس الهدف، هدف صرف الانتباه والجهد عن خدمة القضية القومية والانصراف الكامل إلى تأمين الأوضاع الداخلية.
من هذا كله أقول: إن الوضع العربي الراهن لا يشكل مجرد خطر على الأمة العربية؛ بل هو كارثة لا يمكن تفاديها إلا من خلال نظرة عربية موحدة، وفي إطار استراتيجية للعمل العربي الموحد، وفي نطاق جامعة الدول العربية، كغير محاولة الاجتهاد للعمل خارجها؛ إذ إنها تمثل -وخاصة في هذه المرحلة- الحصن الأخير للتجمع العربي، والساحة الممكنة لبلورة الجهد العربي موحدًا وقادرًا ومفيدًا؛ بل إن الجامعة العربية هي التي يمكن أن تضفي على مثل هذا العمل شرعيته وتحقق ضمان استمراره ومتابعة تنفيذه وحمايته أيضًا.
وإننا في السودان نسعى لوضع استراتيجية للعمل العربي الموحد، وهي استراتيجية تستوعب كل المتغيرات والوسائل والبدائل؛ لتحقيق الأهداف العربية المقررة في قمتي الجزائر والرباط، والمدعومة بمقررات بغداد وتونس، وسوف نتشاور مع الأشقاء العرب وعلى رأسهم منظمة التحرير الفلسطينية، وذلك قبل طرحها على مؤتمر للقمة العربية، وهو مؤتمر لا أرى أن الظروف تسمح بانتظار موعده المقرر في نوفمبر القادم؛ إذ إن الأحداث والمتغيرات لا تحتمل التأجيل ولا ترتبط بالمواعيد.
(1/49)

- أما الأسئلة التالية فهي تدول حول قضايا خطيرة؛ ولكنها أقل أهمية من القضيتين السابقتين.. وذلك لكونها قضايا تتعرض لبعض الأمور الداخلية في السودان1.
--إلى أي حد يطبق الحكم الذاتي في الجنوب السوداني؟ وهل ما طبقتموه تريدون من إثيوبيا أن تطبقه مع إريتريا؟
- لعل الإجابة على هذا السؤال تكمن في قرار المؤتمر القومي الأخير للاتحاد الاشتراكي السوداني، والذي قرر تطبيق الحكم الإقليمي في كافة أنحاء السودان، وهذا دليل على نجاح تجربة الحكم الذاتي في الجنوب، وهو نجاح أدى إلى تعميمها.
وفيما يتعلق بإثيوبيا، فإننا لا نملك لها ولا للإخوة الإريتريين حلًّا جاهزًا للقضية المثارة فيما بينهما؛ إنما نملك فقط جهدنا والذي نسعى لتوظيفه لاستبدال الصراع بالحوار، كما نملك التجربة الناجحة التي حققناها في جنوب السودان، وهي تجربة مطروحة لهم ولغيرهم، كمجرد نموذج ومثال.
-- إلى أين بلغت العلاقة بين الحكومة والمعارضة؟ وما هي صحة ما يقال عن دور معين سيعطى للسيد الصادق المهدي؟
- ليس هناك في السودان من حكومة ومعارضة، وبالتالي فليس هناك حوار بين حكومة ومعارضة؛ وإنما هناك وَحْدَة وطنية تحققت، وهناك مصالحة وطنية بادرت بها، استجاب لها إخوة لنا كانوا يعشون في الخارج، وهي مصالحة غير مشروطة إلا بشرط واحد،
__________
1 هذا الترتيب لأهمية القضايا نابع من كون الصحيفة التي تنشر الحديث صحيفة عربية تصدر في لندن ليقرأها العرب جميعًا في كل مكان.. معنى ذلك: أن هذا الحديث لو أعد في الأصل لينشر في صحيفة سودانية محلية لاختلف ترتيب الأسئلة ولاحتلت الأسئلة المحلية مكان الصدارة في الحديث.
(1/50)

هو العمل من خلال المؤسسات السياسية والتنفيذية القائمة، وفي إطار دستور البلاد، وهذا هو الأساس الذي يعمل في إطاره السودانيون جميعًا؛ حيث الحوار مفتوح للجميع، وحيث الرأي للأغلبية.
وفيما يتعلق بالأخ الصادق المهدي، فلا أملك له دورًا من الممكن أن يؤديه؛ وإنما يملك هو لنفسه تحديد هذا الدور، من خلال المؤسسات وعن طريق الممارسة الديمقراطية؛ حيث تختار الجماهير قيادتها على كل المستويات، فالفرص متاحة لكل سوداني للترشيح لرئاسة الاتحاد الاشتراكي، وبالتالي للترشيح لرئاسة الجمهورية، وهي فرصة كانت متاحة لكل سوداني خلال انعقاد المؤتمر القومي، وكذلك الحال بالنسبة لعضوية المكتب السياسي، وهناك من خاض التجربة ونجح، وهناك من خاضها ولم يوفق، وهناك من أحجم عن المشاركة فيها، وهذا شأنه واختياره.
-- علمنا أن كمية البترول المكتشف عندكم لم تتعد "500" برميل في اليوم، وقلتم في المؤتمر القومي الثالث عبارة: إن هذا البترول هو اكتشاف سياسي؛ بينما السودان يعتبر أكبر دولة إفريقية في المساحة "200 مليون فدان".
فما هو المقصود بأن البترول اكتشاف سياسي؟ وهل تتوقعون أن يرتفع الإنتاج في السنوات القادمة؟
- لم أقل في المؤتمر القومي: إن البترول اكتشاف سياسي؛ وإنما قلت: إن إعلاني عن وجود البترول إنه إعلان سياسي، يتعلق بحقيقة وجود البترول في السودان.
أما الجوانب الفنية في هذا الموضوع، فما زالت في أيدي الفنيين في حقول التنقيب، وهي تتعلق بالكمية والاستثمار التجاري أساسًا.
وأستطيع أن أقول: إن ما تم الكشف عنه حتى الآن قد يغطي جانبًا من احتياجات استهلاكنا
(1/51)

المحلي، ومع ذلك فإن الجهود ما زالت مستمرة، ومساحات التنقيب ما زالت متسعة، وهي تشمل مناطق متعددة وكبيرة في مختلف أنحاء السودان.
- ويؤخذ على هذا الحديث أن المحرر لم يهتم بتقديم المعلومات الخلفية عن شخصية المتحدث، ولا عن القضايا التي تناولها في حديثه.. فقارئ صحيفة "الشرق الأوسط" وهو ليس سوادنيًّا بالضرورة قد لا يعرف تاريخ تولي الرئيس نميري الحكم في السودان، ولا طبيعة العلاقة بينه وبين القوى السياسية السودانية، وخاصة قوى المعارضة التي تعرض لها الحديث الصحفي.
كذلك فإن قارئ الصحيفة قد لا يعرف بالضرورة طبيعة العلاقة الخاصة بين مصر والسودان.
وهذه المعلومات الخلفية كان يمكن للمحرر أن يقدمها، سواء أكان ذلك بعد المقدمة أم في أجزاء متفرقة من الحديث.. أو حتى في إطار برواز خاص منفصل عنه.. وذلك حتى يلم القارئ بأبعاد ودلالات كل سؤال.. والإجابة عليه.
القالب الثاني: قالب الهرم المقلوب المتدرج:
يقوم هذا القالب الفني للحديث الصحفي على أساس تشبيه البناء الفني للحديث الصحفي بالبناء المعماري للهرم المقلوب المتدرج.. حيث يأخذ شكل المستطيلات المتدرجة على شكل هرم مقلوب.
وفي هذا القالب ينقسم الحديث الصحفي إلى جزأين اثنين فقط، كما هو الشأن في قالب الهرم المقلوب؛ الجزء الأول يشمل المقدمة وهي تحتل قاعدة الهرم المقلوب المتدرج، أما الجزء الثاني فيشمل نص الحديث الصحفي، والذي يحتل جسم الهرم المقلوب المتدرج.
وتحتوي المقدمة على أهم الأخبار أو الآراء التي يتضمنها الحديث الصحفي.
أما الجسم فيكتب على شكل فقرات متعددة يقوم المحرر في كل فقرة منها بتلخيص جانب من جوانب الحديث.. وبين كل فقرة وأخرى يورد المحرر نص كلام المتحدث المتعلق بموضوع الفقرة الملخصة؛ وذلك لشرح معناها أو لتأكيد هذا المعنى في ذهن القارئ أو لإضافة معنى جديد.
(1/52)

ومن الضروري أن ترتب كل فقرة ملخصة وما بينها من فقرات مقتبسة من أقوال المتحدث حسب أهمية كل منها؛ بحيث يحتل مكان الصدارة في جسم الحديث الأقوال الأكثر أهمية، ثم تليها الأقوال المهمة، ثم الأقل أهمية، وهكذا حتى نهاية الحديث.
وهو الأمر الذي يوضحه الرسم التالي:
رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
قالب الهرم المقلوب المتدرج في كتابة الحديث الصحفي
(1/53)

نموذج للحديث الصحفي المبني على قالب الهرم المقلوب المتدرج:
شكل يسحب إسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
1
- بدأت الصحيفة حديثها مع الدكتور بطرس بطرس غالي وزير الدولة المصري للشئون الخارجية بمقدمة لخصت فيها أهم ما جاء في الحديث من أخبار وآراء:
يجتمع الرئيس أنور السادات ومناحيم بيجن رئيس وزراء إسرائيل للمرة التاسعة خلال عامين.
وسيعقد الاجتماع في أسوان في إطار زيارة بيجن لمصر التي تستغرق أربعة أيام. وتتناول المحادثات قضايا تطبيع العلاقات وتبادل السفراء ونتائج محادثات الحكم الذاتي وقضية القدس، بالإضافة إلى التطورات الأخيرة في أفغانستان وأحداث إيران.
صرح بذلك الدكتور بطرس بطرس غالي وزير الدولة للشئون الخارجية لـ"الشرق الأوسط".
- وبعد المقدمة جاء جسم الحديث؛ حيث بدأه المحرر بتلخيص لإجابة الوزير عن أكثر الأسئلة أهمية في الحديث؛ وهو: متى يبدأ تطبيع العلاقات بين مصر وإسرائيل؟
وقال: إن تطبيع العلاقات بين مصر وإسرائيل قد ذكر صراحة في اتفاقيات واشنطن، وهو وسيلة وليس هدفًا.
وقال: إن التطبيع له قواعد في اتفاقيات واشنطن، هذه القواعد إذا عدنا إلى نصوص الملحق رقم ثلاثة بشأن العلاقات بين الطرفين ستجد أن التطبيع سيتم على مرحلتين؛ الأولى: ستبدأ
__________
1 الشرق الأوسط 8/ 1/ 1980.
(1/54)

في 26 من هذا الشهر عندما ستنسحب القوات الإسرائيلية إلى خط رأس محمد - العريش، ووفقًا لقواعد تلك الاتفاقية لا بد من إزالة جميع الحواجز ذات الطابع التمييزي القائم في وجه العلاقات الاقتصادية العادية والطبيعية بين مصر وإسرائيل.
- بعد فقرة التلخيص السابقة أورد المحرر نصًّا حرفيًّا من كلام الوزير المصري، جاء في معرض إجابته على سؤال هو: ما موقف مصر بعد التطبيع؟ وهي قضية مهمة في الحديث استحقت إجابة الوزير عليها أن تحتل موقعًا متقدمًا في جسم الحديث الصحفي:
وعن موقف مصر بعد التطبيع قال الوزير: التطبيع عادة؛ وبالتالي فإن الدبلوماسية المصرية والحكومة المصرية سوف تستعمل التطبيع لتحقيق أهداف التسوية الشاملة. فلا أستطيع القول بأن التطبيع قد يؤدي إلى تحسين موقف مصر، وسيؤدي إلى مزيد من الصعوبات أمام الدبلوماسية المصرية.
وقال: إنه وفقًا للاتفاقية -وسنحترم هذه الاتفاقية- سيبدأ التطبيع في 26 كانون الثاني "يناير" الحالي 1980؛ ولكن هذه المرحلة الأولى للتطبيع، وهي عملية إزالة الحواجز، سواء كانت حواجز اقتصادية كالمناطق الاقتصادية أو حواجز ثقافية.
أما المرحلة الثانية للتطبيع -وهذه نقطة مهمة- فلن تبدأ إلا في صورة مفاوضات، فإنها ستتم بين الجانب المصري والجانب الإسرائيلي في موعد لا يتجاوز ستة أشهر بعد إتمام الانسحاب الإسرائيلي؛ بمعنى أن نهاية المرحلة الثانية للتطبيع ستبدأ بعد حزيران "يونيو" 1980، وهذا له أهمية؛ لأن المفاوضات الثلاثية مفروض أن تنتهي ويتحقق الهدف المنشود في أيار "مايو" 1980. فإن المرحلة الثانية متعلقة تمام التعلق بالمفاوضات الثلاثية. فلو حققت المفاوضات الثلاثية الهدف
(1/55)

المنشود لسحبت القوات الإسرائيلية من الضفة الغربية وقطاع غزة في أيار "مايو" 1980؛ فعندئذ لا شك أن المرحلة الثانية من التطبيع ستؤدي إلى نتائج سريعة. بينما لو لم يتحقق الانسحاب من الضفة الغربية والقطاع في أيار "مايو" 1980، أو لم نستطع إقامة الحكم الذاتي الفلسطيني الكامل؛ فعندئذ لا شك أن هذا سيؤثر على المرحلة الثانية من مراحل التطبيع.
- ثم انتقل المحرر بعد ذلك إلى فقرة تلخيصية أخرى، لخص فيها إجابة الوزير على سؤال: ما موقف مصر من خريطة الأحداث في العالم، وتهديد السوفيت لدول الخليج؟ وهو كما نرى سؤال أقل أهمية من السؤالين السابقين:
وردًّا على سؤال عن موقف مصر من خريطة الأحداث في العالم وتهديد الاتحاد السوفيتي لدول الخليج، قال الوزير: إن مصر مرتبطة بمعاهدة الدفاع العربي المشترك. وأعلنت أكثر من مرة ذلك. فلو وقع أي اعتداء خارجي على أي دولة عربية وطلبت تلك الدولة مساعدة مصر عسكريًّا؛ فإن مصر وفقًا لأحكام معاهدة الدفاع المشترك سوف تبادر إلى مساعدة هذه الدولة ومواجهة هذا العدوان الذي وقع عليها؛ لأنه يعتبر بموجب هذه المعاهدة كأنه عدوان وقع على مصر. وإن مصر ستتحمل مسؤلياتها تجاه العالم العربي، رغم الخلافات القائمة كما ستستمر في تحمل مسئولياتها تجاه العالم الإفريقي أيضًا بموجب ميثاق أديس أبابا الذي تم التوقيع عليه في أيار "مايو" 1963، وبموجب عشرات من القرارات التي اتخذتها منظمة الوَحْدَة الإفريقية.
- وعاد المحرر يستشهد بأقوال الوزير في أثناء استعراضه لرأي الدكتور بطرس بطرس غالي في قضية المستوطنات، وهي قضية اعتبرها محرر الصحيفة أقل قضايا الحديث أهمية.. فأرجأها إلى نهاية الحديث:
(1/56)

وحول النقطة الشائكة المتعلقة بالمستوطنات قال الدكتور غالي: مصر -كما قلنا- تعهدت بأن تتفاوض باستمرار وبحسن نية حتى تصل وفقًا للجدول الزمني إلى طريقة 26 أيار "مايو" 1980. وسوف نستمر في التفاوض حتى هذا الطريق، وأملنا أن نتغلب على العقبات، سواء اتخذت هذه العقبات صورة إقامة مستوطنات جديدة أو مجرد الإعلان بإقامة مستوطنات جديدة، أملنا أن نتغلب على هذه الصعوبات، وأن نحقق الهدف المنشود قبل أيار "مايو" 1980.
وفي معرض الإشارة إلى احتمال ألا تتناول إسرائيل عن سياسة المستوطنات قال الوزير: في الواقع كان لإسرائيل أيضًا مستوطنات في سيناء، ومع ذلك قبلت بتصفية هذه المستوطنات. فسابقة سيناء يجب أن تكون موجودة أمام المفاوض المصري كهدف، ويجب أن تستمر في التفاوض حتى نستطيع أن نحقق في الضفة الغربية والقطاع ما حققناه في سيناء.
- ويلاحظ في هذا النموذج للحديث الصحفي المبني على قالب الهرم المقلوب المتدرج أن المحرر بدأ جسم الحديث بالتلخيص، ثم أعقبه بالأقوال المقتبسة.. ثم التلخيص.. ثم الأقوال المقتبسة.. وكان يمكن أن يحدث العكس؛ أي: يبدأ بالأقوال المقتبسة.. ثم يعقبها بالتلخيص.. وهذا.. لا يغير من الأمر شيئًا.. فالمهم هو تحقيق التزاوج بين التلخيص والأقوال المقتبسة حسب أهمية كل منهما في الحديث.. وحسب تقدير المحرر لمدى أحقية أي منهما في احتلال موقع الصدارة في جسم الحديث الصحفي.
القالب الثالث: قالب الهرم المعتدل:
ويقوم هذا القالب الفني على أساس تشبيه البناء الفني للحديث الصحفي بالبناء المعماري للهرم المعتدل؛ بحيث يتكون الحديث الصحفي من ثلاثة أجزاء:
1- مقدمة الحديث: وهي تحتل قمة الهرم المعتدل تعد وتهيئ القارئ للحوار بأن تشير إلى موضوع الحوار.. أو تصف الشخصية التي
(1/57)

يُجْرَى معها الحوار.. أو تصف المكان الذي تم فيه الحوار.. أو تصور جو الحوار وروحه.. أو تحكي قصة هذا اللقاء.
2- جسم الحديث: وهو يحتل جسم الهرم المعتدل، ويحتوي على نص الحوار؛ بحيث يبدأ من الأقل أهمية إلى المهم إلى الأكثر أهمية، فهو يقود القارئ رويدًا رويدًا إلى أهم القضايا التي يتعرض لها المتحدث. ويأخذ جسم الحديث الصحفي عدة أشكال منها الشكل التقليدي القائم على س وج.. وقد يأخذ شكل السرد القصصي على لسان المحرر.. وقد يأخذ شكل المذكرات على لسان المتحدث نفسه، في حين تختفي شخصية المحرر الذي أخذ الحديث تمامًا. وعلى كل فإن للمحرر الصحفي الحرية الكاملة في التجديد والابتكار في اختيار الشكل الفني لجسم الحديث الصحفي، بشرط أن يكون ملائمًا لطبيعة الشخصية التي يجري معها الحديث، ولطبيعة الموضوع أو الموضوعات التي يدور حولها الحديث.
3- خاتمة الحديث: وهي تحتل قاعدة الهرم المعتدل، وتحتوي غالبًا على تلخيص لأهم الأخبار أو الآراء التي أدلى بها المتحدث.. وقد تحتوي الخاتمة على تقييم المحرر لأقوال وتصريحات المتحدث.. وقد تحتوي على انطباعات المحرر عن شخصية المتحدث..
فأهمية الخاتمة في هذا القالب الفني للحديث الصحفي تعود إلى كونها تلخص الانطباع الأخير الذي يتركه الحديث عند القارئ عن شخصية المتحدث، وعن قيمة الآراء التي جرت على لسانه.
ويوضح الشكل التالي البناء الفني للحديث الصحفي المبني على قالب الهرم المعتدل:
(1/58)

رسم يسحب اسنكر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
قالب الهرم المعتدل في كتابة الحديث الصحفي
(1/59)

نموذج للحديث الصحفي المبني على قالب الهرم المعتدل:
صورة إسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
1
__________
1 المجلة 30/ 8/ 1980.
(1/60)

- اختار المحرر لمقدمة حديثه مع شابور بختيار آخر رئيس حكومة في إيران قبل مجيء الإمام الخميني إلى الحكم.. أن تكون شاملة لعدة عناصر، منها وصف المكان الذي تم فيه اللقاء مع بختيار.. ثم تصوير "جو" اللقاء -أي: المناخ- الذي تم فيه:
وسط حراسة مشددة يعيش شابور بختيار آخر رئيس حكومة في إيران قبل مجيء الإمام الخميني إلى الحكم.
وما أن تقترب من المبنى الذي يسكن فيه هذا السياسي المعارض للحكم القائم في إيران، حتى تلاحظ أن الحراس منتشرون في كل مكان، وقد وضعوا أصابعهم على زناد مدافعهم الرشاشة الصغيرة من طراز - ميني - 14 روجر، وعيونهم تراقب كل حركة بحذر شديد، وهم يرتدون سترات واقية من الرصاص.
ويقوم رجال الشرطة بتفتيش الزوار عند مدخل المبنى الواقع في ضاحية باريس، في حين يقف اثنان من رجال الأمن أمام المصعد في الطابق الثاني؛ حيث يخضع القادمون لمزيد من إجراءات التفتيش والتدقيق.
وسط هذا الجو الأشبه بحالة الحصار، استقبلنا شابور بختيار وهو يقول: "لا يحق لي حتى الخروج إلى الشرفة". وكانت هذه المقابلة.
- وقد تلا المقدمة جسم الحديث، وهو يحتوي على نص الحديث الذي اختار له المحرر شكل س وج، وقد بدأ المحرر بتوجيه الأسئلة الأقل أهمية؛ ولكنها تمهد تدريجيًّا للأسئلة الهامة والأسئلة الأكثر أهمية، فجاءت الأسئلة الثلاثة الأول تتحدث عن ظروف محاولة الاغتيال التي تعرض لها بختيار في الثامن عشر من يوليو؛ أي: قبل نشر الحديث بحوالي شهر ونصف:
- كيف تعيش منذ المحاولة التي جرت لاغتيالك في 18 تموز "يوليو" الماضي؟
(1/61)

- عادة أستقبل الزوار من الشخصيات السياسية، ثم أعمل وأتأمل، وأحيانا أتنزه، سيرًا على الأقدام، في الغابة القريبة برفقة رجال الأمن طبعًا؛ إذ على المرء أن يهتم بصحته قبل كل شيء.
- بعد محاولة الاغتيال التي أدت إلى مقتل بعض رجال الأمن الفرنسيين، هل تشعر بأن لك الحق في متابعة نشاطك السياسي هنا؟
- أنا لا أعتبر نفسي مطلقًا لاجئًا سياسيًّا؛ بل مسافر بلا حقيبة، وأكثر من ذلك لم أقدم على أي عمل يستدعي توقيفي أو اعتقالي على الأرض الفرنسية.
- لكنك حرضت الشعب الإيراني؟
- صحيح، لقد أسست حركة المقاومة الوطنية الإيرانية؛ لكن عندما كنت رئيسًا للحكومة في طهران، كان الخميني في فرنسا يمارس حريته وبطريقته الخاصة، فيستقبل من يشاء من الزوار بمعرفة الحكومة الفرنسية، إضافة إلى ذلك أنا أشعر بأنني في وطني هنا، برغم التهديدات الكثيرة. ففرنسا بلدي الثاني، وأنا أقول ذلك برغم التسامح الذي أظهره هذا البلد عندما كان الخميني لاجئًا في "نوفل لوشاتو". وهذا يعني أنني لم أقم حتى الآن بتنظيم أي حركة بالمعنى الصحيح للكلمة؛ بل قصدت فقط أن أجعل النداء الذي وجهته مسموعًا؛ إذ إن الناس باتوا في النهاية قادرين على التغلب على مخاوفهم وعدم البقاء صامتين. أنا لم أقم حتى الآن بإنشاء حركة؛ لأنني أنتظر انتشار السخط والاستياء بين الإيرانيين، هل تعلمون أنه جرى التخطيط للمقاومة الفرنسية بعد ثلاث سنوات على نداء ديجول الشهير؟ إنني أشعر بالثقة المتزايدة؛ لأن الشعب الإيراني بدأ يدرك أن الخميني ليس الشخص الذي حلموا به زمنًا طويلًا، ولا المنقذ الذي كانوا ينتظرونه.
(1/62)

- ثم جاء دور الأسئلة المهمة في الحديث، وقد صاغها المحرر في ستة أسئلة قصيرة، تضمنت سؤال بختيار عن الفئات الإيرانية التي تناصره، وعن مدى وجود أفكار دينية في دعوته، وعن رأيه في نظام الشاه السابق، وعن تقييم تجربته القصيرة في حكم إيران.
- ما هي نوعية الفئات الإيرانية التي تأمل حشدها لمناصرة قضيتك؟
- أولًا: إنها ليست "قضيتي"؛ بل قضية الشعب الإيراني بأسره. فأنا أعتقد أنني أحظى بتأييد الطبقة المثقفة والمتوسطة، والقبائل المنتشرة في منطقتي -ولد بختيار في منقطة تبعد مئات الكيلو مترات عن أصفهان- إضافة إلى كل أولئك الذين هالتهم حالة الفوضى والاضطرابات اللتين أغرق الخميني البلاد بهما، غير أنني أدعو جميع الوطنيين والتقدميين للانضمام إلينا؛ لأن ذلك ضروري لإنقاذ البلاد من الحالة التي وصلت إليها بغية الالتحاق بمسيرة التقدم.
- هل هناك أفكار دينية في دعوتك؟
- أنا مسلم متدين؛ ولكنني لا أعتقد أن السياسة هي من شئون الأئمة ورجال الدين. فهؤلاء يقودون إيران نحو كارثة حقيقية. الشعب الإيراني يستحق حكمًا أفضل.
- هل يستحق شابور بختيار مثلًا؟
- لقد كافحت زهاء 30 عامًا طلبًا للحرية، وحصلت على بعض الإصلاحات الديمقراطية برغم معارضة رجال الدين. وبعد رحيل الشاه أطلقت سراح جميع المسجونين السياسيين بلا استثناء؛ لذلك فإن الناس تذكرني هناك بسبب أعمالي كرجل ديمقراطي - اجتماعي متحرر وحازم.
- هل هذا يعني أنك تدين أيضًا نظام الشاه؟
- أنا شخصيًّا قاسيت الأمرين من ذلك النظام.
- ولكن بعد رحيل الشاه ظهرتَ بمظهر الشخص العنيف؟
(1/63)

- إن الديمقراطية بالنسبة إلَيَّ ليست مرادفة للاضطراب والفوضى.
- لكن الحدود القائمة بين عدم الاستقرار السياسي والاضطراب العادي تتوقف على تقييم الشخص؟
- ربما. تعرف ماذا أحدثت سنتان من الفوضى ببلادي.
- ثم وضع المحرر الأسئلة الأكثر أهمية في نهاية جسم الحديث، وهي عبارة عن سبعة أسئلة قصيرة، وهي تدور حول: نظام الحكم الذي يقترحه بختيار بديلًا عن نظام الإمام الخميني، وعن مدى اعتقاده في احتمال تدخل السوفييت عسكريًّا في إيران، ثم عن خططه لحكم إيران في حال عودته إليها، ثم عن درجة عدائه للإمام الخميني:
- ماذا ستفعل لو عدت إلى طهران والسلطة بين يديك؟
- سأعيد إلى الاقتصاد عافيته وإلى الجيش قوته. الأول سينهض بالبلاد. والثاني سيحميها.
- ما هو نظام الحكم الذي تقترحه؟
- جمهورية بالطبع شرط أن تكون جمهورية أصيلة. وفي الواقع ليس من المهم عندي شكل الدستور، سواء أكان دستورًا ملكيًّا أو جمهوريًّا، طالما أنه يحترم حرية الفرد، ويضمن سير تقدم البلاد.
- في هذه الحالة: من هم حلفاؤك؟
- كل بلد لا يشكل تهديدًا لمصالح إيران الأساسية.
- أي إيران؟
- ليست إيران الخميني طبعًا. فإيران اليوم تسير نحو كارثة أكيدة؛ لأنه ليس للخميني ما يبنيه، فهو راضٍ عن أعمال الدمار والتخريب وأعمال القتل والاغتيالات اليومية، وتظاهرات عرض القوة التي يقوم بها رجال الدين، الذين يجب أن تنحصر مهامهم في القيام بأعمال أخرى
(1/64)

مختلفة تمامًا. إن الخميني لن يدوم طويلًا، فقد انخفض إنتاج إيران بمعدل 20 في المائة عما كان عليه قبل سنتين، كما أن الحرمان من إيرادات النفط سيؤدي بالبلاد إلى شفير الإفلاس، ولو لم يقم الغرب بمغازلة الخميني، لكان انهار الحكم الحالي منذ أشهر.
- هل تعتقد أن السوفييت سيتدخلون عسكريًّا في إيران، كما أشار إلى هذا الاحتمال وزير الخارجية قطب زاده؟
- لا أعتقد أن هذا الاحتمال وارد؛ لأن الاتحاد السوفييتي يعاني حاليًا من مشاكل كبيرة في أفغانستان وبولونيا، كما أن موسكو لم تتحرك في السابق عندما كان يتم إعدام الشيوعيين في ظل النظام الإمبراطوري.
- كيف ستتصرف إذا تمكنت في يوم من الأيام من تولي السلطة في إيران؟
- لقد غضب الكرملين إثر رحيل الشاه عندما أعلنت تشكيل حكومة اجتماعية -ديمقراطية.
- هل أنت عدو الخميني الرقم واحد الذي ينبغي القضاء عليه بالرغم من أنه لا توجد أي علاقات تربطك بـ"المكليين"؟
- نعم، بالرغم من عدم ارتباطي بأية علاقة مع الأسرة الإمبراطورية؛ لأني أمثل في الحقيقة الأسلوب الثالث، أسلوب الحكمة الذي يعيد إلى إيران صحتها وعافيتها.
- أما خاتمة الحديث، فقد تضمنت تقييم المحرر لتصريحات شابور بختيار؛ حيث تساءل المحرر عن مدى جدية طموحاته وإمكانيات تحققها عمليًّا.
كذلك تضمنت الخاتمة تسجيل انطباعات المحرر عن شخصية بختيار:
يبدو من الصعب القول ما إذا كان بختيار يعتقد في قرارة نفسه أن احتمالات عودته إلى طهران واردة أم لا. فطموحاته حاليًا تبدأ
(1/65)

وتنتهي بالعلم الإيراني السابق المعلق على جدار الصالون، وذلك الزر المعلق على صدر سترته الذي يحمل شعار: "إيران لن تموت أبدًا".
لكن الأمر الوحيد الأكيد أن بختيار دخل التاريخ من بابه الواسع، خاصة أن ناشر معجم "لاروس" قرر إفراد مساحة لا بأس بها للتحدث عن هذا الرجل.
- ورغم أن هذا الحديث الصحفي يلتزم بالأسلوب الفني لبناء الحديث الصحفي على قالب الهرم المعتدل، إلا أنه يؤخذ عليه إغفاله تمامًا لذكر أية معلومات خلفية عن شخصية المتحدث أو موضوعات الحديث وقضاياه.
القالب الرابع: قالب الهرم المعتدل المتدرج:
ويقوم هذا القالب على أساس تشبيه البناء الفني للحديث الصحفي بالبناء المعماري للهرم المعتدل المتدرج.. حيث يأخذ الهرم شكل المستطيلات المتدرجة.
ويتكون الحديث الصحفي في هذا القالب من ثلاثة أجزاء: مقدمة وجسم وخاتمة.. فهو يتشابه مع قالب الهرم المعتدل غير المتدرج في الشكل العام؛ ولكن الاختلاف بينهما يأتي في جسم الهرم الذي يأخذ شكل المستطيلات المتدرجة في قالب الهرم المعتدل المتدرج؛ بينما يأخذ الشكل الأملس في قالب الهرم المعتدل غير المتدرج.
والمستطيلات في جسم الهرم المعتدل المتدرج هي نتيجة المزاوجة بين فقرات التلخيص، وبين فقرات الأقوال المقتبسة من تصريحات الشخصية التي يُجْرَى معها الحديث الصحفي.
ويوضح الشكل التالي البناء الفني للحديث الصحفي المبني على قالب الهرم المعتدل المتدرج:
(1/66)

رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
قالب الهرم المعتدل المتدرج في كتابة الحديث الصحفي
(1/67)

نموذج للحديث الصحفي المبني على قالب الهرم المتدرج:
صور تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
1
- لقد بدأ المحرر الاقتصادي لصحيفة الأهرام حديثه مع وزير الاقتصاد المصري الدكتور حامد السايح بمقدمة اختار لها أن تدور حول موضوع الحديث.. لا عن شخصية المتحدث نفسه.. وهو علاقة مصر بالمجموعة الاقتصادية الأوربية.. وذلك قبل يومين فقط من بدء هذه المباحثات بين الوفد الاقتصادي المصري برئاسة الدكتور السايح وبين وفد المجموعة الاقتصادية الأوربية.
__________
1 الأهرام 18/ 4/ 1980.
(1/68)

وهذا الاختيار لموضوع المقدمة اختيار سليم باعتبار أن ما يهم القارئ هو موضوع الحديث وليست شخصية المتحدث؛ إذ لو كان وزير الاقتصاد في ذلك الوقت شخصًا غير الدكتور السايح لما اختلف الأمر بالنسبة لأهمية القضايا التي يناقشها هذا الحديث.
وقامت المقدمة بدور التمهيد للموضوع، وذلك بإبرازها لأهمية هذه المباحثات في تدعيم الاقتصاد المصري من ناحية.. ولإشارتها إلى أهم القضايا التي ستدور حولها هذه المباحثات من ناحية ثانية.. فكأن المقدمة طرحت تساؤلات.. وتركت لجسم الحديث أن يجيب عليها ويشرح تفاصيلها للقارئ:
صباح الأحد -بعد غد- يلتقي الوفد الاقتصادي المصري برئاسة وزير الاقتصاد الدكتور حامد السايح مع المجموعة الاقتصادية الأوربية.
وتعتبر السوق الأوربية المشتركة هي أحد الأبعاد الاستراتيجية الهامة أمام الاقتصاد المصري.
مرة من أجل تمويل مشروعات التنمية المصرية.
ومرة أخرى من أجل المساهمة في المشروعات المشتركة للانفتاح الاقتصادي.
كما أنها سوق رحبة أمام صادرات مصر.
وأيضًا هي أحد المواقع المتقدمة التي نتطلع إليها لنقل التكنولوجيا الحديثة.
والحديث مع الدكتور حامد السايح له جانبان:
أولهما: يدور حول إطار وحدود العلاقات الاقتصادية بين مصر ودول السوق الأوربية المشتركة.
وثانيهما: يتناول بالتحديد: ماذا في حقيبة الوزير من أفكار ومشروعات سوف يطرحها أمام الاجتماع المرتقب بعد غد.
- وفي بداية جسم الحديث يقدم المحرر فقرة طويلة تلخص ما ذكره له الدكتور حامد السايح عن طبيعة العلاقات الاقتصادية بين مصر والمجموعة الاقتصادية الأوربية:
(1/69)

في البداية يوضح الدكتور حامد السايح وزير الاقتصاد أن مصر ترتبط بالمجموعة الأوربية باتفاقين:
- اتفاق التعاون الشامل.
- اتفاق المنسوجات.
أما اتفاق التعاون الشامل:
فقد أبرم في يناير 1977، وقد حل هذا الاتفاق محل الاتفاق التجاري التفصيلي الذي كان قد وقع بين الطرفين في عام 1977، والذي كان يتضمن تبادل مزايا تفضيلية جمركية، دون شموله على مجالات التعاون المالي والفني التي تضمنها اتفاق التعاون الشامل.
واتفاق التعاون الشامل غير محدد الأجل. وإن كان بروتوكول التعاون المالي الملحق به يسري لمدة خمس سنوات فحسب.
ويتضمن بروتوكول التعاون المالي الملحق باتفاق التعاون تقديم المجموعة الأوربية قروضًا ومنحًا تبلغ قيمتها 170 مليون وَحْدَة حسابية "الوَحْدَة الحسابية حوالي 1.4 دولار".
تخفيض الرسوم الجمركية:
أما الجانب التجاري من اتفاق التعاون فقد تم الاتفاق على أن يبدأ العمل به اعتبارًا من أول يوليو 1977، ويتيح تخفيض الرسوم الجمركية والضرائب ذات الأثر المماثل على السلع الصناعية المصرية المنشأ التي تصدر إلى أسواق المجموعة الأوربية بنسبة 80% اعتبارًا من تاريخ دخول الاتفاق حيز التنفيذ. على أن تلغى هذه الرسوم إلغاء كاملًا اعتبارًا من 1/ 7/ 1977، على أن الاتفاق وضع حدودًا عليا لعدد من السلع الصناعية "المنتجات البترولية المكررة، الأسمدة المعدنية الكيماوية الفوسفاتية، خيوط القطن غير المهيأة بغرض البيع بالتجزئة، مصنوعات قطنية أخرى" للاستفادة بهذه الإعفاءات، على أن تحصل الرسوم الجمركية على ما يزيد على هذه الحدود،
(1/70)

وعلى أن تزيد هذه الحدود بنسبة 5% سنويًّا اعتبارًا من العام التالي لسريان الاتفاق، وإن كان الاتفاق قد نص على إلغاء هذه الحدود تمامًا في موعد أقصاه آخر ديسمبر 1979.
أما فيما يتعلق بالمنتجات الزراعية، فقد أتاح الاتفاق تخفيضات جمركية تراوحت بين 40%، 80% لعدد من السلع الزراعية الهامة المصدرة إلى دول المجموعة الأوربية، مع تحديد فترات زمنية معينة لاستفادة بعض هذه السلع من هذه التخفيضات.
وينص الاتفاق على أن تمنح مصر المجموعة الأوربية في مجال التبادل التجاري معاملة لا تقل عن نظام معاملة الدولة الأولى بالرعاية، وذلك بدون الإخلال بالأحكام الخاصة بتجارة الحدود.
مجلس مشترك للتعاون:
وينص اتفاق التعاون على إنشاء مجلس للتعاون له سلطة اتخاذ القرارات اللازمة لتحقيق أهداف الاتفاق، ويتكون من ممثلين عن مصر والمجموعة الأوربية، وتكون رئاسته دورية بين الطرفين، ويجتمع مرة واحدة في السنة أو عند الضرورة.
- ثم يقدم المحرر فقرة من الأقوال المقتبسة لوزير الاقتصاد المصري:
سرعة التنفيذ:
ويلقي الدكتور السايح الضوء على موقف تنفيذ اتفاق التعاون فيقول:
إنه نظرًا لما كان يتطلبه بدء سريان بروتوكول التعاون المالي من وقت للتصديق عليه من جانب دول المجموعة الأوربية التسع، ورغبة في الإسراع في تنفيذه فور التصديق عليه، فقد تم الاتفاق على أن تبدأ فور التوقيع الاتصالات بين الطرفين لتحديد المشروعات والأنشطة التي ترى مصر أن تستخدم في الأنشطة التي ترى مصر أن تستخدم في إنشائها القروض والمعونات التي
(1/71)

يتيحها بروتوكول التعاون المالي، وذلك حتى تكون هذه المشروعات ودراستها جاهزة للتنفيذ فور انتهاء إجراءات التصديق.
وكذلك اتفق على أنه من الممكن أن تتقدم مصر بقائمة بمشروعات تزيد تكلفتها الكلية عن المبالغ المتاحة في بروتوكول التعاون المالي، على أن يتم فيما بعد الاختيار من بين هذه المشروعات في حدود المبالغ المتاحة، ووفقًا للأولويات التي تمنحها مصر لهذه المشروعات.
- ثم يلي ذلك فقرة تلخيصية:
وقد تعددت -منذ توقيع الاتفاق وحتى الآن- الوفود والبعثات المتبادلة بين القاهرة وبروكسل ولوكسمبرج -مقر بنك الاستثمار الأوربي- للتباحث حول المشروعات المرشحة للتنفيذ من خلال بروتوكول التعاون المالي.
- ثم يقدم المحرر فقرة أخرى من الأقوال المقتبسة لوزير الاقتصاد:
وفيما يتعلق بالتبادل التجاري فإن الدكتور السائح يحدد أهم ملامحه فيقول:
- زادت قيمة الصادرات المصرية إلى دول المجموعة الأوربية زيادة واضحة في عام 1979، فبلغت 652 مليون جنيه مصري، مقابل 210 ملايين جنيه في عام 1978، 165 مليون جنيه في عام 1977، وبلغت نسبة صادراتنا إلى دول المجموعة الأوربية التسع إلى جملة صادراتنا إلى دول العالم 50% في عام 1979، مقابل 30% في عام 1978، 24.7% في عام 1977.
- ثم ينهي المحرر جسم الحديث بخاتمة للحديث يتحدث فيها عن مستقبل العلاقات الاقتصادية بين مصر ودول المجموعة الاقتصادية الأوربية:
(1/72)

وتتضمن أوراق وزير الاقتصاد قائمة بمشروعات زراعية يمكن طرحها للتعاون مع المجموعة الأوربية عن طريق قروض ومعونات، وأيضًا عن طريق إنشاء شركات مشتركة، ويبلغ التمويل المطلوب لهذه المشروعات 322.4 مليون وحدة حسابية.
ويبحث الوزير أيضًا آثار توسيع السوق الأوربية على صادرات مصر، وسوف يتقدم بالمقترحات التالية:
إزالة الرسوم الجمركية على صادرات مصر الزراعية عند دخولها أسواق المجموعة الأوربية.
مد العمل بالفترات الزمنية التي تستفيد فيها بعض صادراتنا الزراعية بالتخفيضات الجمركية.
زيادة حصص الغزل والمنسوجات المسموح بتصديرها إلى المجموعة.
إجراء مشاورات مع مصر قبل إبرام اتفاقات توسيع السوق الأوربية.
البدء سريعًا في المفاوضات لعقد البروتوكول الثاني للتعاون بين مصر والمجموعة الأوربية؛ حتى يمكن أن يبدأ سريانه اعتبارًا من أول نوفمبر 1981 فور انتهاء البروتوكول الحالي.
(1/73)

المبحث الخامس: الحديث التليفوني
في كثير من الحالات قد يتم الحصول على الحديث الصحفي عن طريق التليفون.. وخاصة حين لا تتاح للصحفي فرصة اللقاء المباشر مع الشخص الذي يُجري معه الحديث. وفي بعض الحالات يكون السبب في اللجوء إلى الحديث التليفوني السرعة التي يجب أن تتم بها تغطية حدث معين.. والسرعة التي يجب أن يتم بها نشر الحديث مع الشخص الذي يدور حوله هذا الحدث1.. والمطبعة في مثل هذه الظروف لا تستطيع انتظار تحديد موعد مع المتحدث ثم انتظار مقابلة المحرر له..!
وفي بعض الحالات يكون السبب في اللجوء إلى الحديث التليفوني وجود المتحدث في مكان بعيد عن مقر الجريدة أو المجلة، أو عن مكان وجود الصحفي الذي يريد أن يجري حديثًا صحفيًّا معه.. كأن يكون في بلدة أخرى أو في دولة غير الدولة التي يوجد بها الصحفي2.
والحديث التليفوني قد يكون أقصر من الحديث المباشر وأبسط.. ولكنه بالتأكيد أصعب.. فالحديث المباشر يُمكِّن الصحفي من خلق نوع من الألفة أو المودة مع المتحدث.. والمحرر يستطيع أن يغير أو يبدل أو يطور من أسئلته خلال الحوار المباشر، وذلك على ضوء رؤيته لانطباعات المتحدث أو ردود أفعاله للأسئلة التي يوجهها إليه3.
أما في الحديث التليفوني، فالمحرر مطالب بأن يركز تأثيره كله في صوته؛ بحيث يتمكن من إحداث تأثير حسن على المتحدث، وذلك عن طريق اختيار
__________
انجليزي يسحب اسكنر
(1/75)

طريقة الاتصال المناسبة، وتحديد لهجة الاتصال الملائمة لشخصية المتحدث1.
إن أكبر خطر يقف دون نجاح حديث التليفون هو حالة عدم الاهتمام التي ينظر بها أي متحدث إلى حديث التليفون.. فواجب الصحفي أن يبذل أكبر جهد ممكن في الإعداد لهذا الحديث حتى يقنع المتحدث بأهمية هذا الحديث.
إن الإعداد المسبق للحديث التليفوني عمل لا بديل عنه؛ ذلك أن توقف المحرر عن الكلام ولو لثوانٍ قليلة؛ ليتذكر السؤال التالي، قد تجعل المتحدث يعتقد أن المحرر قد أنهى المكالمة فيغلق التليفون.. كذلك فإن هذا التوقف قد يتيح للمتحدث الذي يريد التهرب من الحديث أن يقطع المكالمة بحجة أنها قد انتهت أو أن الخط قد انقطع..!
ومن الضروري أن يحرص المحرر عندما يتصل بالمتحدث أن يطلبه في رقم تليفونه المباشر، فإنه إذا لجأ إلى "السويتش" فإن ذلك قد يسهل للمتحدث أن ينكر نفسه، أو يحول المكالمة إلى شخص آخر أقل أهمية2.
كذلك لا بد للمحرر أن يتأكد أنه يتحدث إلى الشخص المطلوب، وذلك بالتأكد من الاسم الكامل له.. ومن منصبه ورقم تليفونه المباشر أو الداخلي.
ويجب على المحرر أن يحرص على وضع أسئلته بعناية، ومن الأفضل أن يكتبها في ورقة، وأن يضعها أمامه أثناء حديثه بالتليفون حتى لا ينسى شيئًا منها.
وفي بداية المكالمة لا بد للمحرر أن يذكر اسمه بوضوح، وأن يكشف عن هدفه من المكالمة، وأن يحرص على عدم إضاعة الوقت في المقدمات والمجاملات التي لا معنى لها، والتي لا علاقة لها بموضوع الحديث.
كذلك من الضروري أن يذكر المحرر اسم الصحيفة التي يعمل بها، فإن اسم الصحيفة -إذا كانت صحيفة تحظى بالاحترام والتأثير- قد يفتح أمام المحرر كثيرًا من الأبواب المغلقة.
وبجانب ذلك كله لا بد للمحرر أن يحتفظ دائمًا بعلاقة جيدة مع سكرتيري الشخصيات الهامة والبارزة في المجتمع الذي تصدر به الصحيفة، فإن السكرتير
__________
انجليزي يسحب اسكنر
(1/76)

أو السكرتيرة غالبًا ما يكونان مفتاح الشخصية التي يعملان معها.. وهذه العلاقة يجب أن تقوم على الاحترام والثقة1.
وأخيرًا لا بد وأن يتأكد المحرر أثناء المكالمة التليفونية من صحة الأسماء ودقة الأرقام والإحصائيات التي تُمْلَى عليه في التليفون.. ويتأكد أيضًا من المصطلحات الغريبة أو المتداولة وكيفية كتابتها2.
إن الطبيعة الخاصة للحديث التليفوني باعتباره يلبي بالدرجة الأولى حاجة إخبارية عند الصحيفة.. قد انعكست على البناء الفني للحديث التليفوني.. فنجد أن أصلح القوالب الفنية لكتابة الحديث التليفوني هو قالب الهرم المقلوب "غير المتدرج".. ذلك أن هذا القالب الفني يلبي حاجة الصحيفة إلى إبراز أهم الأخبار والآراء التي يدلي بها المتحدث مقدمة الحديث.. ثم يمكن هذا القالب الصحيفة بعد ذلك من نشر نص الحديث في جسم الهرم المقلوب مبتدئة بالمعلومات أو الآراء الأكثر أهمية.. ثم المهمة.. إلى الأقل أهمية.. وهكذا حتى نهاية الحديث. أما كون الحديث التليفوني لا يحتاج إلى استخدام قالب الهرم المقلوب المتدرج.. فذلك لأن الحديث التليفوني غالبًا ما يكون قصيرًا جدًّا، سواء أكان في أسئلته أم في إجابات المتحدث عن هذه الأسئلة.. فلا مجال فيه للتخليص.
__________
انجليزي يسحب اسكنر
(1/77)

رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
البناء الفني للحديث التليفوني المبني على قالب الهرم المقلوب "غير المتدرج"
(1/78)

نموذج للحديث التليفوني المبني على قالب الهرم المقلوب:
رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟
1
- من باريس أجرت "إيلينا سكولينو" المحررة بمجلة "نيوزويك" حديثًا تليفونيًّا مع الرئيس الإيراني "أبو الحسن بني صدر" في طهران واستغرق خمسًا وعشرين دقيقة. وقد اختارت محررة نيوزويك أن تبدأ الحديث بمقدمة أبرزت فيها أهم ما جاء في الحديث، وهو قول الرئيس بني صدر: إن رهائن السفارة الأمريكية بطهران لن يطلق سراحهم حتى تنتهي اللجنة الدولية للتحقيق في شكاوى إيران.. من عملها.. وأن هذا سوف يستغرق عدة أسابيع..!
__________
1 News Week February 25-1980.
(1/79)

صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
- بعد المقدمة جاء جسم الحديث؛ حيث أوردت المحررة نص الحوار التليفوني مع الرئيس بني صدر.. وقد اختارت المحررة سبعة أسئلة.. على الأكثر أهمية في الحديث لتضعها في مركز الصدارة من جسم الحديث، وقد دارت كلها حول مستقبل رهائن السفارة الأمريكية ومحاولة الصحيفة معرفة موعد الإفراج عنهم:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
- بعد ذلك وجهت الصحيفة سؤالًا مهمًّا إلى الرئيس بني صدر وهو عن شروطه للإفراج عن الرهائن. ويلاحظ أنه رغم أهمية هذا السؤال
(1/80)

إلا أنه يعتبر أقل أهمية من الأسئلة السبعة السابقة، وخاصة بالنسبة للقارئ الأمريكي الذي يهمه أن يعرف متى يتم الإفراج عن الرهائن أكثر مما يهمه معرفة شروط الإيرانيين للإفراج عنهم:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟
- وأخيرًا جاء دور الأسئلة الأقل أهمية من كل ما سبق؛ ولذلك وضعتها كتبة الحديث في ذيل الحديث الصحفي؛ أي: في نهاية جسم الحديث الصحفي، وكانت حول ما إذا كانت أزمة الرهائن قد أضعفت من مسعاه لتقوية حكومته وتوحيد البلاد، وكذلك عما إذا كان يعتقد جادًّا بأن الشاه يمكن أن يسلم إلى إيران:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/81)

المبحث السادس: المؤتمر الصحفي
المؤتمر الصحفي شكل من أشكال الحديث الصحفي، وهو عبارة عن حديث تُدْلِي به إحدى الشخصيات الهامة في حضور أكثر من صحفي؛ وذلك لشرح سياسة معينة أو مناقشة قضية تهم الرأي العام المحلي أو الدولي أو الإدلاء بأخبار تمس حدثًا من الأحداث الهامة1.
والمؤتمرات الصحفية يعقدها كبار المسئولين أو الوزراء أو الرؤساء أو الزعماء حين تكون هناك حاجة عاجلة لشرح سياسة معينة أمام أكبر عدد من الصحفيين؛ لكي تصل حقائق الموضوع إلى نسبة كبيرة من الراي العام الذي تخاطبه الصحف التي يمثلونها. كذلك فإن الحاجة إلى عقد المؤتمر الصحفي تكون في حالة صعوبة قيام المسئول بمقابلة كل صحفي على حدة، وهذا يحدث كثيرًا أثناء زيارات الملوك أو الرؤساء أو كبار الشخصيات السياسية لبعض البلاد الأجنبية؛ حيث لا تمكنهم فترة الزيارة القصيرة من مقابلة كل الصحفيين الذين يطلبون تحديد مواعيد لإجراء أحاديث صحفية خاصة لصحفهم؛ عندئذ يكون المؤتمر الصحفي هو الحل البديل، وغالبًا ما يأخذ المؤتمر الصحفي شكل حوار يجري بين الصحفيين والشخصية المسئولة التي تدعو للمؤتمر الصحفي. وعادة يبدأ المؤتمر الصحفي بكلمة أو بيان يلقيه المسئول، وتعقبه مناقشة بينه وبين الصحفيين؛ حيث يرد على كل الأسئلة التي يوجهونها إليه2.
__________
انجليزي يسحب اسكنر
(1/83)

ومن الضروري أن يستعد المحرر الصحفي للمؤتمر؛ وذلك عن طريق الإعداد المسبق للحديث بجمع أكبر قدر من المعلومات والبيانات عن موضوع المؤتمر الصحفي وعن شخصية المتحدث، كذلك عن طريق الإعداد المسبق لعدد من الأسئلة. وفي المؤتمر الصحفي لا يملك الصحفي الفرصة لإيجاد علاقة الألفة أو الصداقة مع المتحدث كما هو الشأن في الحديث المباشر؛ لذلك فالمحرر الصحفي لا بد أن يحاول خلق انطباع جيد لدى المتحدث؛ وذلك عن طريق توجيه الأسئلة المباشرة والواضحة والمحددة، فلا وقت في المؤتمر الصحفي يسمح للصحفي بإعادة السؤال من جديد، وعلى المحرر الصحفي قبل أن يبدأ بتوجيه سؤاله أن يُعرِّف بنفسه وبجريدته1.
وعلى المحرر الصحفي أن يلجأ بصفة عامة إلى الأسئلة القصيرة؛ ولكن شريطة أن تحمل أكبر قدر من التساؤلات؛ لأنه قد لا تتاح للصحفي فرصة أخرى لتوجيه أسئلة؛ لكثرة عدد الصحفيين الذين يحضرون المؤتمرات الصحفية عادة، ولحرص منظمي المؤتمرات على إتاحة الفرصة الأكبر عدد من الصحفيين لتوجيه الأسئلة.
ومن الضروري أن يكون لكل محرر زاوية محددة يتناول منها المؤتمر الصحفي، وهذه الزاوية يجب أن تكون ملائمة لسياسة الصحيفة التي يمثلها ونوعية اهتماماتها وطبيعة القراء، فإذا عقد رئيس الوزراء مؤتمرًا صحفيًّا لشرح أبعاد الميزانية الجديدة، فإن الزاوية التي يجب أن ينظر بها إلى محرر الصحيفة العامة لا بد أن تختلف عن الزاوية التي ينظر بها إلى المؤتمر محرر الصحيفة المتخصصة، فمحرر صحيفة العمال لا بد أن يختلف في نظرته إلى المؤتمر عن محرر صحيفة الفلاحين أو محرر الصحيفة النسائية أو الصحيفة الحزبية..
فكل محرر صحفي يجب أن يذهب إذن إلى المؤتمر الصحفي وفي ذهنه "خط متميز" للموضوع أو "زاوية خاصة"، وهو الأمر الذي يجعل المؤتمر الصحفي يظهر في كل صحيفة وقد أخذ شكلًا مختلفًا عنه في الصحيفة الأخرى؛ وذلك لاختلاف الزاوية التي يتناول منها كل محرر المؤتمر الصحفي2.
لذلك فإن الصحفيين إذا شاهدوا زميلًا لهم يحاول تتبع واستكمال خط متميز له من خلال الأسئلة التي يطرحها في المؤتمر الصحفي، فمن الضروري أن يساعدوه في استكمال أسئلته، أو يتركوه يتم هذه الأسئلة، ويجب أن يحرص كل صحفي ألا يقاطع زميلًا له يطرح أسئلة جيدة.
__________
انجليزي يسحب اسكنر
(1/84)

أما إذا كنت تريد أن تستكمل موضوعًا معينًا وقاطعك زملاؤك من الصحفيين، فلا تخجل من أن تعود ثانية إلى نفس الموضوع؛ لتستكمل موضوعك.
ولا بد أن تنصت وتنتبه إلى كل سؤال يُوَجَّه في المؤتمر الصحفي.. وإلى الأجوبة أيضًا؛ فقد تجد في بعض هذه الإجابات ما يضيف إليك معلومات جديدة، ويثير في ذهنك أفكارًا أخرى قد تخدم موضوعك1.
ولا تخجل من مقاطعة زميل لك حاول أن يستأثر بكل الأسئلة. إن المؤتمرات الصحفية التي يحضرها عدد كبير من الصحفيين غالبًا لا تتاح فيها فرصة توجيه الأسئلة سوى لعدد قليل من الصحفيين. فليس من الضروري في مثل هذه المؤتمرات أن يسأل كل صحفي. فالواجب على بقية الصحفيين الذين لا تتاح لهم فرصة توجيه الأسئلة أن ينصتوا جيدًا للأسئلة والأجوبة ويسجلوها، ثم هم يتولون بعد ذلك متابعة أفكارهم وموضوعاتهم من مصادرهم الخاصة بعد المؤتمر.
إن الشخص الذي ينظم المؤتمر الصحفي يستريح في كثير من الحالات إلى الصحفي الذي يقاطع اتجاهًا جيدًا من الأسئلة؛ لأن ذلك يعطيه فرصة الهرب من بعض الأسئلة المحرجة، فلا تحاول أن تقاطع مثل هذه الأسئلة2.
وفي بعض الحالات يقوم الشخص الذي ينظم المؤتمر الصحفي -وخاصة إذا كان خبيرًا في عمل المؤتمرات الصحفية- بوضع عدد من أصدقائه الصحفيين في الصف الأول ومعهم أسئلة متفق عليها مسبقًا. وقد يزيد على ذلك بأن يمتنع عمدًا عن الإذن بالحديث إلا للصحفيين الأصدقاء له، أو الذين يظهرون ميلًا لطرح الأسئلة السهلة، والصحفي الماهر لا يجب أن يخضع لمثل هذا الترتيب، وعليه أن يفرض على منظم المؤتمر الصحفي أن يتيح له فرصة طرح أسئلته، سواء أكان عن طريق الإلحاح في طلب السؤال أو عن طريق مقاطعة الزملاء الصحفيين الموالين للمتحدث أو المتفقين معه، فالمهم أن يخرج الصحفي من المؤتمر الصحفي وقد حصل على بغيته من الأخبار والمعلومات والآراء الجديدة التي تصلح للنشر في الجريدة التي يعمل بها3.
__________
انجليزي يسحب اسكنر
(1/85)

ولا بد أن ننتبه إلى أن من حق الصحفي أن ينشر الأسئلة التي وجهها بنفسه أو تلك التي وجهها غيره من الصحفيين، وله أن يذكر أسماء هؤلاء الزملاء والصحف التي ينتمون إليها وله ألا يفعل ذلك. ولكن ليس من حقه أن ينسب الحوار والأسئلة كلها إلى نفسه؛ وذلك أن هناك بعض الصحفيين الذين يحضرون بعض المؤتمرات الصحفية، ويكتبون ما جرى في المؤتمر وكأنه حديث شخصي بين الصحفي والشخص المسئول؛ بل إن هناك من يعلن أنه ينفرد بهذا الحديث دون غيره من الصحفيين، وهذا بالطبع سلوك غير أخلاقي، ويتنافى مع تقاليد مهنة الصحافة، ففيه سطو على جهود غيره من الصحفيين، فمن الضروري للصحفي أن يذكر أن هذا الحديث منقول عن المؤتمر الصحفي.
أما بالنسبة للبناء الفني لحديث المؤتمر الصحفي، فإن أصلح القوالب الفنية لكتابة المؤتمر الصحفي هو قالب الهرم المقلوب المتدرج، وهو بذلك يختلف عن القالب الذي يكتب به الحديث التليفوني وهو قالب الهرم المقلوب "غير المتدرج"، ويعود ذلك إلى استحالة أن تقوم أية صحيفة بنشر النص الحرفي لوقائع أي مؤتمر صحفي؛ وذلك لطول بعض هذه المؤتمرات من ناحية.. ولأن الصحيفة غالبًا ما تركز على الزوايا التي تهمها فقط من وقائع المؤتمر الصحفي وتهمل الزوايا الأخرى من ناحية ثانية.
ومن النادر أن نجد صحيفة من الصحف التي تصدر في المجتمعات الديمقراطية المتقدمة تنشر الوقائع الكاملة لأي مؤتمر صحفي، حتى لو كان لرأس الدولة التي تصدر بها الصحيفة.. ولكنا نلاحظ أن العكس يحدث في كثير من الدولة النامية.
واستخدام قالب الهرم المقلوب المتدرج في كتابة المؤتمر الصحفي يُمكِّن الصحيفة من إبراز أهم الأخبار والآراء التي قيلت في المؤتمر.. ثم هو يمكن الصحيفة أيضًا من تلخيص الكثير من وقائع المؤتمر من ناحية.. وإبراز نص بعض الأقوال الهامة للمتحدث من ناحية ثانية وذلك في جسم الحديث.. وبالطبع فإن ترتيب فقرات الجسم والمزاوجة بين التلخيص والأقوال المقتبسة يتم حسب أهمية كل منها بالنسبة لسياسة الصحيفة واهتماماتها؛ بحيث تبدأ بالأكثر أهمية ثم بالمهم.. ثم بالأقل أهمية.. وهكذا حتى نهاية المؤتمر الصحفي.
(1/86)

نموذج للمؤتمر الصحفي المبني على قالب الهرم المقلوب المتدرج:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
- لقد اختارت صحيفة "ديلي ميل" أبرز ما وقع في المؤتمر الصحفي الذي عقده الجنرال بيتر وولز لتضعه في المقدمة.. وهو قوله: "إن روبرت موجابي لن يستطيع إرغامه على ترك زمبابوي":
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
1
__________
1 Daily Mail August 26, 1980.
(1/87)

- وفضلت الصحيفة أن تبدأ جسم المؤتمر الصحفي بفقرة من "الأقوال المقتبسة" للجنرال ولمن يعلن فيها تصميمه على البقاء في زمبابوي على الرغم من تصريحات موجابي:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
- بعد تلك الفقرة من الأقوال المقتبسة رأت الصحيفة أن تقدم فقرة من المعلومات الخلفية؛ لكي تعطي للقارئ فكرة عن أرضية الخلاف بين الجنرال ولس وروبرت موجابي1.. فقد صرح موجابي في لقاء له مع السود الأمريكيين في نيويورك أثناء زيارته للولايات المتحدة الأمريكية.. أنه لا يسمح لأحد أن يقوم بمثل الأفعال التي يقوم بها الجنرال ولس، وأنه مستعد لمساعدته في ترك البلاد! وكان موجابي بذلك يرد على تصريح سابق للجنرال
__________
1 في مارس عام 1980 جرت انتخابات حرة في روديسيا التي كان يسيطر عليها حكم الأقلية البيضاء "230 ألف أبيض مقابل سبعة ملايين ونصف مليون من السود" وفاز الاتحاد الإفريقي الوطني الذي يتزعمه روبرت موجابي بسبعة وخمسين مقعدًا من أصل مائة مقعد، وفاز الاتحاد الشعبي الإفريقي الذي يتزعمه جوشو نكومو بخمسة وعشرين مقعدًا في حين لم يفز الأسقف الأسود المعتدل "أبيل موزوريوا" إلا بثلاثة مقاعد، ولم تفز الجبهة الروديسية التي تضم البيض ويتزعمها أيان سمث إلا بعشرين مقعدًا.. وبذلك تولى موجابي رئاسة الحكومة.. وتحولت روديسيا إلى دولة زيمبابوي المستقلة.. وقد أبقى موجابي على الجنرال بيتر ولس قائد الجيش الروديسي الأبيض قائدًا لجيش زيمبابوي الجديد، وذلك لعدة أشهر ثم عزله.
(1/88)

بيتر ولس بعد عزله قال فيه: إن حزب موجابي قد فاز في الانتخابات عن طريق تخويف الناخبين..!
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
- بعد ذلك أوردت الصحيفة فقرة من الأقوال المقتبسة من تصريحات الجنرال ولس في مؤتمره الصحفي، ذكر فيها أنه وُلد وتربَّى في هذه البلاد، وأنه مصمم على البقاء فيها.. وأنه لا يعرف أن هناك قانونًا يقول لأي شخص أن يترك البلد التي ولد فيها:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟
- ثم أوردت الصحيفة فقرة تلخيصية أشارت فيها إلى قول الجنرال ولس أنه لا يعتقد أن مستر موجابي يستطيع أن يقوم بعمل غير شرعي كطرده خارج البلاد:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/89)

- وأنهت الصحيفة المؤتمر الصحفي بفقرة من الأقوال المقتبسة للجنرال ولس، يؤكد فيها أنه قرر وبصراحة في أوقات متعددة أنه لا يخاف من سيطرة الحكم الإفريقي.. وفي الحقيقة أن سيطرة الإفريقيين على الحكم مقبولة لديه لدرجة بعيدة.
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
البناء الفني للمؤتمر الصحفي المبني على قالب الهرم المقلوب المتدرج
(1/90)

الفصل الثاني: فن التحقيق الصحفي
المبحث الأول: تعريف التحقيق الصحفي
يقوم التحقيق الصحفي على خبر أو فكرة أو مشكلة أو قضية يلتقطها الصحفي من المجتمع الذي يعيش فيه.. ثم يقوم بجمع مادة الموضوع بما يتضمنه من بيانات أو معلومات أو آراء تتعلق بالموضوع، ثم يزاوج بينها للوصول إلى الحل الذي يراه صالحًا لعلاج المشكلة أو القضية أو الفكرة التي يطرحها التحقيق الصحفي1.
فالتحقيق الصحفي يشرح ويفسر ويبحث في الأسباب والعوامل الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو الفكرية التي تكمن وراء الخبر أو القضية أو المشكلة أو الفكرة أو الظاهرة التي يدور حولها التحقيق2.
فالتحقيق الصحفي فن يقوم على التفسير الاجتماعي للأحداث وللأشخاص الذين اشتركوا في هذه الأحداث3. وهو كفن قد يشتمل على بقية الفنون الصحفية الأخرى كالخبر أو الحديث أو الرأي أو الاستفتاء أو البحث4.. بجانب أنه كثيرًا ما يستعين بالصور الفتوغرافية أو الرسوم أو الكاريكاتير5. وقد تساعدنا المقارنة بين فن التحقيق الصحفي وغيره من الفنون الصحفية على مزيد من الفهم لمفهوم التحقيق الصحفي.
__________
انجليزي يسحب اسكنر
3 حمزة عبد اللطيف: المدخل في فن التحرير الصحفي "دار الفكر العربي" القاهرة، الطبعة الأولى، 1956، ص247.
انجليزي يسحب اسكنر
(1/93)

فالتحقيق الصحفي يختلف على سبيل المثال عن الخبر في كون الخبر الصحفي يجيب على أكبر عدد من الأسئلة الخمسة والمعروفة؛ وهي: من؟ ومتى؟ وأين؟ وماذا؟ ولماذا؟ 1 في حين أن التحقيق الصحفي غالبًا ما يركز الإجابة على سؤال واحد وهو: لماذا؟ كذلك يختلف التحقيق الصحفي عن الخبر أيضًا في كون الخبر لا يجب على محرره أن يظهر شخصيته2؛ بينما التحقيق الصحفي غالبًا ما يكشف عن شخصية كاتبه.
ويختلف التحقيق الصحفي عن المقال الافتتاحي في كون المقال الافتتاحي يجب أن يعبر عن سياسة الجريدة؛ بينما التحقيق الصحفي ليس مطلوبًا منه التعبير عن هذه السياسة، وإن كان مطالبًا بألا يتناقض معها.
ويختلف التحقيق الصحفي عن القصة الأدبية في كون القصة الأدبية تُبْنَى على الخيال أو تلتقط جزءًا من الواقع ثم تكسوه بالخيال، في حين أن التحقيق الصحفي يرسم صورة واقعية للحياة3.
والتحقيق الصحفي فن حديث نسبيًّا في الصحافة، فهو لم يستخدم على نطاق واسع إلا في مطلع القرن العشرين، وإن كان قد عرف قبل ذلك بقرن كامل على الأقل.
ويعود الفضل في ظهور التحقيق الصحفي ثم تطوره وانتشاره حتى صار أحد الفنون الصحفية الرئيسية في الصحافة العالمية إلى انتشار التعليم وظهور الأفكار الديمقراطية بما تعنيه من حرية المناقشة وحرية الرأي4. ثم جاء تقدم الفكر الاجتماعي بما يعنيه من تنبه الأذهان إلى ما يحيط بها من القضايا والمشاكل الاقتصادية والسياسية وغيرها. وهو الأمر الذي دفع الناس إلى العمل من أجل تغيير واقعهم الاجتماعي إلى الأفضل.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
3 حمزة عبد اللطيف - المدخل في فن التحرير الصحفي - ص247-249.
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/94)

وقد كان التحقيق الصحفي هو أحد الأدوات الصحفية الهامة لمناقشة هذه المشاكل والقضايا الاجتماعية مناقشة موضوعية وحرة1، ومن خلالها طرحت العديد من الحلول لهذه المشاكل، والتي استهدفت في آخر الأمر الوصول إلى مجتمعات أفضل. غير أن التحقيق الصحفي لم يتطور وينتشر بشكل واسع إلا بعد ازدهار فن طباعة الرتوجرافور أو فن الطباعة الغائرة2، وهو الأمر الذي ساعد على ظهور الصحف والمجلات المصورة.
ثم جاءت أحداث الحرب العالمية الثانية لتساهم في تقدم فن التحقيق الصحفي في الصحافة؛ حيث تطورت فنون الاتصال التليفوني والتلغرافي ونقل الصور بسرعة، فتعطش الناس إلى معرفة الأخبار وتحليلها ودراسة أبعادها وآثارها؛ فكان من الضروري الاعتماد على فن التحقيق الصحفي لإشباع هذه الحاجات الجديدة.
وأخيرًا، فقد ازدهر فن التحقيق الصحفي في السنوات العشرين الأخيرة بفضل التقدم الذي شهدته ميادين الطباعة والتصوير والرسم وصناعة الكليشيهات، فضلًا عن التقدم الهائل في فن التصوير الصحفي3.
والتحقيق الصحفي يلبي وظائف الصحافة الأساسية، فهو من ناحية يلبي وظيفة الإعلام.. حيث يقوم التحقيق بنشر الحقائق والمعلومات الجديدة بين القراء.
وهو من ناحية ثانية يلبي وظيفة الصحافة في تفسير الأنباء.. فالتحقيق الصحفي يقوم بتفسير الأخبار والأحداث وشرحها، وذلك عن طريق الكشف عن أبعادها الاجتماعية والاقتصادية ودلالاتها السياسية.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/95)

والتحقيق الصحفي من ناحية ثالثة يلبي وظيفة الصحافة في التوجيه والإرشاد؛ وذلك بتصديه لقضايا المجتمع ومشكلاته وبالبحث لها عن حلول.
ومن ناحية رابعة، فإن التحقيق الصحفي يلبي وظيفة الصحافة في التسلية والإمتاع، فهو كثيرًا ما يركز على الجوانب الطريفة والمسلية في الحياة.
وأخيرًا، فإن التحقيق الصحفي يلبي وظيفة الصحافة في الإعلان؛ وذلك بترويج سلعة ما، أو الإشادة بمشروع معين، وهو ما يسمى بالتحقيقات الإعلانية.
والحياة الاجتماعية هي التي تقدم للمحقق الصحفي الموضوعات التي يكتب عنها1، فهو غالبًا ما يلتقط أفكار موضوعاته من الأخبار الهامة المنشورة في الصحف والمجلات، أو من بين ثنايا الأحاديث أو المقالات الصحفية، أو مما تذيعه الإذاعة أو التليفزيون من أخبار في برامجها المختلفة. كذلك فإن الملاحظة الشخصية للمحقق الصحفي بالإضافة إلى تجربته الاجتماعية في الحياة غالبًا ما تشكل مصدرًا هامًّا من مصادر التحقيق الصحفي. ويضاف إلى ذلك ما تقع عليه يدي المحقق الصحفي من نشرات أو وثائق أو أبحاث هامة.
وأخيرًا، فإن الرحلات والحفلات العامة والخاصة وكل ما من شأنه أن يعبر عن الحياة الاجتماعية تعتبر مصدرًا أساسيًّا من مصادر التحقيق الصحفي.
والتحقيق الصحفي يمكن أن يستوعب بموضوعاته حياة المجتمع بمجالاتها المتنوعة. فالتحقيق الصحفي يمكن أن يكون موضوعه إحدى المشكلات أو القضايا العامة التي تهم المجتمع كله أو إحدى طبقاته أو فئاته المختلفة. وقد يكون موضوع التحقيق أيضًا شخصية من الشخصيات العامة في المجتمع أو بحثًا علميًّا أو كشفًا أو اختراعًا جديدًا أو مكانًا تاريخيًّا أو حفلًا
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/96)

أو مهرجانًا أو غير ذلك من الموضوعات التي تمتلئ بها حياتنا الاجتماعية1.
ورغم تشعب مجالات التحقيق الصحفي وتعدد موضوعاته إلا أنه يمكن أن نذكر خمسة أنواع رئيسية منها؛ هي2:
1- تحقيق "الخلفية ... Bakground":
وهو التحقيق الذي يستهدف شرح وتحليل الأحداث، والكشف عن أبعادها ودلالاتها.. إنه تحقيق يبحث بالدرجة الأولى عما وراء الخبر.
2- تحقيق "الاستعلام أو التحري ... Ing uiry":
وهو التحقيق الصحفي الذي يلتقط مسألة من المسائل التي تهم الرأي العام، فيجمع كل التفاصيل المتعلقة بها ويعرضها على القراء ويلقي الضوء على جميع الجوانب.. وهذا النوع من التحقيقات ينطلق من النظر إلى التحقيق الصحفي باعتباره أداة من أدوات تشكيل الرأي العام.
3- تحقيق "البحث أو التحقق ... Investigation":
وهذا النوع من التحقيقات الصحفية يشبه إلى حد كبير التحقيق الذي تجريه الشرطة في كشف الجرائم الغامضة.. أي أنه تحقيق يستهدف الكشف عما لا يعرفه أحد.. مثل الكشف عن تلاعب في توزيع المواد التموينية..! أو الكشف عن اختلاسات في بعض مرافق الحكومة..! أو الكشف عن انحراف بعض السياسيين أو سوء استغلال البعض لوظائفهم..!
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/97)

ويندرج تحت هذا النوع من التحقيقات الصحفية ما يسمى بتحقيقات تنظيف المجتمع من الفساد مثلما حدث عندما كشفت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية.. في يونيو 1972 تورط الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في التجسس على المقر الانتخابي للحزب الديمقراطي.. وقد انتهت تحقيقات الواشنطن بوست باستقالة نيكسون، وهو ما عرف بفضيحة ووترجيت..
4- تحقيق.. "التوقع.. Anticipation":
وهذا النوع من التحقيقات الصحفية يستهدف مساعدة القارئ ليس فقط في معرفة كيف وقع هذا الحدث أو ماذا جرى في هذه القضية.. وإنما يستهدف أيضًا وبدرجة أهم مساعدة القارئ في معرفة كيف سيتطور هذا الحدث.. وإلى أين ستنتهي الأمور بهذه القضية! إلى أن كاتب التحقيق الصحفي لن يقول للقارئ: ماذا جرى؟ أو ماذا يجري؟ وإنما يقول له: ماذا سيجري في المستقبل؟ مثلًا: ماذا سيحدث بعد ارتفاع الأسعار؟
وأين سينفق الناس علاواتهم الجديدة؟
ومن سيفوز بالانتخابات في أمريكا كارتر أم ريجان؟
5- تحقيق "الهروب.. Escapism":
وهذا التحقيق يلبي حاجة القارئ إلى التسلية والإمتاع.. وهو يأخذ صفة "الهروبية" من كونه يشد القارئ بعيدًا عن مشاكله اليومية ويهرب به عن اهتماماته السياسية.. ليقدم له الجوانب الطريفة والمسلية والممتعة في الحياة؛ مثل الرحلات المثيرة "أحد هواة تسلق الجبال ينجح في الوصول إلى قمة الهملايا! "، ومثل القصص العاطفية "فتاة أمريكية تقع في غرام شاب صيني! "، ومثل الأحداث الغريبة "رفضت دفع 125 قرشًا لعلاجها.. وماتت وفي حجرتها كنز من التسول..! "، ومثل الموضوعات التي تدور عن نجوم السينما والمسرح والرياضة "أكثر من وجه لبيتر سيلزر! ".
وبجانب هذه الأنواع الخمسة الهامة للتحقيقات الصحفية.. هناك أنواع أخرى للتحقيقات لا بد أن يوليها محرر التحقيقات اهتمامه، مثل التحقيقات التي تعرض للأفلام الجديدة أو المسرحيات والمعارض والندوات
(1/98)

والكتب، أو هناك التحقيقات التي تتناول بعض القضايا التاريخية أو تتناول موضوعات الأزياء والموضة.. وكل هذه تحقيقات عادية لا غنى لأية صحيفة عنها؛ ولكن يجب ألا يتم تناولها بشكل روتيني؛ وإنما يُراعَى في كتابتها اختيار زوايا جديدة تهم القارئ وتدفعه إلى قراءتها.. فالمهم دائمًا أن تختار الموضوع الذي يهم القراء.
(1/99)

المبحث الثاني: إعداد التحقيق الصحفي
أولًا: اختيار فكرة التحقيق
أول خطوة في الإعداد للتحقيق الصحفي هي اختيار فكرة التحقيق أو موضوعه.
وهذه العملية تخضع لعدة اعتبارات، لعل أهمها أن تكون هذه الفكرة مستوحاة من الأحداث الجارية أو مرتبطة بالقضايا التي تشغل المجتمع1.
كذلك لا بد وأن تكون فكرة التحقيق الصحفي جديدة ومبتكرة وقادرة على جذب اهتمام القارئ.. ولكن يجب أن نعي أن أي موضوع أو فكرة سبق طرحها يمكن أن تطرح من جديد.. بشرط أن يتم تناولها من زاوية
__________
1 إن بعض الصحف وبعض الصحفيين -وخاصة في المجتمعات النامية- تنظر إلى التحقيق الصحفي من زاوية أنه مادة لا ترتبط فكرتها أو موضوعها بوقت محدد.. أي أن التحقيق مادة يمكن تأجيل نشرها لأي وقت.. بل يصل الأمر بالبعض إلى اعتبار التحقيق الصحفي مادة "احتياطي" تملأ به الصحف فراغ صفحاتها عندما لا تجد من الأخبار ما يكفي لملء هذه الصحفات!
إن خطورة هذه النظرة أنها تضعف من قيمة الدور الذي يلعبه التحقيق في الصحافة الحديثة في وقت يجب أن يزداد الاهتمام فيه بهذا الفن الصحفي.. فالصحف تتعرض اليوم لمنافسة شديدة في مجال التغطية الإخبارية من الراديو والتليفزيون.. وقد لا تكون هذه المشكلة واردة بنفس المستوى بالنسبة للمجتمعات النامية.. ولكن المشكلة قادمة بالضرورة.
إن السبق الذي تحقق للتغطية الإخبارية في الراديو والتليفزيون.. يفرض على الصحف أن تجد بعدًا جديدًا تواجه به المنافسة.. وهذا البعد يمثله -في رأينا- التحقيق الصحفي.
(1/101)

جديدة.. مثلًا امتحانات الثانوية العامة.. موضوع يتكرر كل عام وبنفس الطريقة في الصحف.. ماذا لو تم تناوله من زاوية جديدة غير تلك الزوايا التي تدخل الرعب في قلوب الطلاب.. مثل: هؤلاء هم الذين يضعون امتحانات الثانوية العامة..! ومثل: كيف يعيش العمال في المطبعة التي تطبع أسئلة الامتحانات؟ ومثل: هل يمكن تسرب أسئلة الامتحانات؟ ومثل: أوائل العام الماضي.. أين هم الآن؟
وهناك مثلًا موضوع آخر كإعلان الميزانية السنوية للحكومة.. وهو موضوع جامد؛ ولكنه يتكرر كل عام.. ماذا لو تم تناوله من زوايا أقل جفافًا.. مثل: 6 كيلو لحم.. و7 كيلو سمك.. وثلاث قطع جاتوه.. نصيب كل فرد في الميزانية الجديدة.. أي: أن يعاد تفسير الميزانية ليقدم المحرر نصيب كل قارئ من الميزانية الجديدة.. فهذا أدعى لجذب اهتمام القارئ من الأرقام العامة الصماء للميزانية..
إن الحصول على فكرة تحقيق صحفي مبتكر هي أصعب جزء في عمل محرر التحقيقات الصحفية ولإدراك الصحف -وخاصة في المجتمعات المتقدمة- لهذه الحقيقة صارت تكلف مندوبي الأخبار في الصحيفة بأن يقدم كل منهم عددًا معينًا من الأفكار التي تصلح لتكون تحقيقات صحفية في المجالات التي يغطون أخبارها1، واعتبر ذلك جزءًا أساسيًّا من عملهم.
وهناك بعض الصحف التي تكلف عددًا من الخبراء والاختصاصيين في مجالات أنشطة الصحيفة المختلفة بتقديم أفكار لتحقيقات صحيفة.. فهي مثلًا تكلف بعض كبار الأطباء باقتراح أفكار لبعض التحقيقات عن الطب..
__________
1 في الوقت الذي تطلب فيه هذه الصحف من مندوبي الأخبار تقديم اقتراحات وأفكار لتحقيقات صحفية، فإنها تمنعهم من تنفيذها؛ وإنما تضع هذه الأفكار والاقتراحات في خدمة محرري قسم التحقيقات.. فإن مندوبي الأخبار هم أسوأ من يكتبون التحقيقات الصحفية، فهم يعتبرونها من الأعمال الكمالية، وغالبًا ما يتعجلون كتابتها أو لا يتحرون الدقة في تغطية موضوع التحقيق تغطية شاملة.
(1/102)

وكذلك الأمر مع أساتذة الجامعات ورجال التعليم ورجال الأعمال والبارزين في المهن المختلفة.. وبهذه الطريقة تضمن الصحف تغذية قسم التحقيقات الصحفية بمورد لا ينضب من الأفكار الصحفية1.
واختيار المحرر لفكرة التحقيق لا يعني أنه يستطيع أن يبدأ في تنفيذه؛ وإنما عليه أن يطرح هذه الفكرة في اجتماع قسم التحقيقات الذي يضم غالبًا خيرة الصحفيين العاملين في الصحيفة، وعليه أن يستمع إلى ملاحظات زملائه من أعضاء القسم ومن رئيسه، وغالبًا ما يحضر هذا الاجتماع رئيس التحرير ونواب رئيس التحرير، ليس فقط لمناقشة الاقتراحات المقدمة من المحررين؛ وإنما لتغذية القسم بالاقتراحات الجديدة.
وعلى المحرر قبل أن يطرح فكرة التحقيق للمناقشة في داخل قسم التحقيقات أن يدرس الفكرة بعناية، وأن يبحث عما إذا كان قد سبق وعولج الموضوع في صحيفة أخرى.. ويكفي أن يسمع في الاجتماع من يقول: لقد سبق نشر هذا الموضوع منذ مدة قصيرة في صحيفة كذا..
إن هذه الكلمة كفيلة بأن تقتل الاقتراح..!
ولكن إذا كان المحرر صاحب الاقتراح قد سبق له دراسة الخلفية الوثائقية للموضوع.. يمكنه عندئذ أن يثبت أن الموضوع جديد ولم يسبق أن تناولته صحيفة أخرى. كذلك يمكنه أن يكشف عن أهمية الزاوية الجديدة التي يتناول منها الموضوع إذا ما كان قد سبق وتناولت الموضوع صحيفة أخرى..
__________
انجليزي يسحب إسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/103)

ثانيًا: جَمْعُ المادة الأولية للتحقيق
المادة الأولية للتحقيق الصحفي هي المعلومات الخلفية للموضوع.. وهذه المعلومات يمكن للمحرر أن يحصل عليها من جهتين:
أ- أرشيف المعلومات بالصحيفة: وفي هذا الأرشيف يجد المحرر جميع ما كُتب عن الموضوع في الصحف والمجلات وكل ما وُضع حول الموضوع من دراسات ووثائق وبيانات.
ب- المكتبة: وفيها يجد المحرر الكتب والمؤلفات التي وضعت في الموضوع أو حوله أو التي تناولته من قريب أو بعيد.
ومن خلال التعامل مع الأرشيف والمكتبة يمكن للمحرر الحصول على التطور التاريخي للموضوع من ناحية، وعلى البيانات الأساسية له من ناحية ثانية، يضاف إلى ذلك ما يرتبط بالموضوع من أرقام وإحصائيات.
فإذا كان المحرر يتناول مثلًا قضية الأحوال الشخصية.. يمكنه أن يحصل من الأرشيف على جميع القوانين التي صدرت للأحوال الشخصية، ويمكنه أن يضع يده على تطور هذه القوانين.. كذلك يمكنه أن يلم بكل ما كتب في الصحف عن الموضوع، وكل ما دار حوله من مناقشات، سواء في الصحف أو في البرلمان أو في مجلس الوزراء.. فمناقشات البرلمان أو مجلس الوزراء تنشرها الصحف أيضًا.
أما المكتبة، فهي تتيح للمحرر أن يطالع الكتب والمؤلفات التي وُضعت في الأحوال الشخصية، ويمكن أن يعرف رأي الشريعة الإسلامية في الموضوع.. ويطلع أيضًا على آراء كبار الأئمة والمشرعين والاجتهادات المختلفة في الموضوع.. وهو الأمر الذي يتيح له ثقافة واسعة وإلمام كامل بكل جوانب الموضوع.
وعلى ضوء هذه الخلفية.. يمكن للمحرر بعد ذلك أن يبدأ في تنفيذ التحقيق الصحفي.
(1/104)

ثالثا: تنفيذ التحقبق الصحفي
...
ثالثًا: تنفيذ التحقيق الصحفي
تنفيذ التحقيق يبدأ عندما يخطو المحرر خطواته الأولى في البحث عن المعلومات الحية عن الموضوع.. والمعلومات "الحية" توجد بالدرجة الأولى عند الأشخاص الذين يدور حولهم موضوع التحقيق أو يمسهم من قريب أو بعيد.. معنى ذلك: أن المحرر قد يضطر إلى إجراء العديد من المقابلات الصحفية مع عدد من الأشخاص الذين يمكنهم إضافة معلومات هامة في الموضوع، سواء كانوا من المسئولين في الحكومة أو من المتخصصين في الموضوع من رجال الجامعات أو الباحثين في مراكز البحوث أو من المواطنين العاديين الذين يمس الموضوع حياتهم أو مصالحهم. وهذه المقابلات تتطلب إعدادًا سابقًا من المحرر يشبه في كثير من الحالات الإعداد المسبق للحديث الصحفي الذي سبق وشرحناه عند الحديث عن إعداد الحديث الصحفي؛ مثل دراسة الشخصية التي يلتقي معها، ومثل الإعداد المسبق لأسئلة المقابلة. كذلك فالمحرر مطالب أثناء إجرائه لهذه المقابلات أن يحرص على ضرورة تحديد موعد سابق مع الشخصيات التي يلتقي بها، وعليه أيضًا أن يفهم طبيعة الشخصية التي يجري معها المقابلة.. وهل تنتمي إلى الفئة المتعاونة أم الفئة المترددة أم الفئة المتهربة، وأن يتعامل مع كل شخص حسب طبيعته. كذلك من الضروري أن يلتزم المحرر بقواعد إدارة الحوار الصحفي، وبقواعد تسجيل الحوار، سواء كان عن طريق النوتة أو دفتر الملاحظات أو جهاز التسجيل.
ولكن من الضروري أن نلاحظ أن المعلومات "الحية" في التحقيق الصحفي لا تؤخذ فقط من أفواه الشخصيات التي يمسها الموضوع.. بل إن بعض الوثائق أو البيانات أو الأرقام أو التقارير التي لم يسبق نشرها وتحوي بيانات هامة في الموضوع يمكن أن تشكل مصدرًا أكثر حيوية من الشخصيات الحية1.
وعلى سبيل المثال فإن الوثائق السرية للبنتاجون "وزارة الدفاع الأمريكية" حول الفظائع التي ارتكبتها القوات الأمريكية في فيتنام، والتي حصلت عليه صحيفة نيويورك تايمز عام 1971 ونشرتها2 أحدثت دويًّا هائلًا في المجتمع الأمريكي؛ أدى فيما بعد إلى الانسحاب الأمريكي من فيتنام..! وكان مجرد نشر الوثائق سبقًا صحفيًّا يسجل كعلامة بارزة في تاريخ هذه الصحيفة.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/105)

المبحث الثالث: كتابة التحقيق الصحفي
أولا: قالب الهرم المعتدل المبني على العرض الموضوعي
...
المبحث الثالث: كتابة التحقيق الصحفي
هناك ثلاثة قوالب فنية لكتابة التحقيق الصحفي تقوم جميعها على أساس البناء الفني للهرم المعتدل.. أي: أن كل قالب لا بد وأن يتكون من ثلاثة أجزاء: المقدمة.. والجسم.. والخاتمة، وهذه القوالب الثلاثة هي:
أولًا: قالب الهرم المعتدل المبني على العرض الموضوعي
في هذا القالب يعرض المحرر وبشكل موضوعي القضية أو المشكلة التي يتناولها التحقيق من خلال مقدمة يحرص فيها على إثارة اهتمام القراء بالموضوع، وهذه المقدمة قد تأخذ عدة أشكال؛ منها قيام المحرر بالتركيز على الزاوية الأساسية لموضوع التحقيق في حين يعرض في جسم التحقيق بقية زوايا الموضوع، وتتولى الخاتمة تقديم خلاصة ما انتهى إليه المحرر من آراء أو تصورات أو حلول للقضية أو المشكلة التي يتناولها التحقيق الصحفي.
وقد تأخذ المقدمة شكل التلخيص السريع لجميع زوايا الموضوع في حين تعرض كل زاوية من هذه الزوايا بالتفصيل في جسم التحقيق.. أما الخاتمة فهي تتولى أيضًا تقديم خلاصة النتائج التي توصل إليها المحرر. أما أبرز الأشكال التي يأخذها هذا القالب في كتابة التحقيق الصحفي، فهو يقوم على طرح المحرر لمجموعة من الأسئلة أو التساؤلات التي تثير اهتمام القارئ بالموضوع.. ثم يقوم بعد ذلك بالإجابة على كل سؤال أو تساؤل منها في جسم التحقيق.. وذلك من خلال عرض المعلومات والوقائع والبيانات التي حصل عليها.. وكذلك من خلال عرض المقابلات الصحفية التي أجراها مع الشخصيات التي ترتبط بالموضوع.. ثم أيضًا من خلال البيانات والمعلومات الخلفية التي جمعها عن الموضوع، سواء من أرشيف المعلومات بالصحيفة أو من المكتبة.. إن ذلك كله يشكل في النهاية الشواهد والأدلة التي يجيب بها المحرر على جميع الأسئلة أو التساؤلات التي طرحها في المقدمة.
(1/107)

أما خاتمة هذا التحقيق، فهي تقدم خلاصة مختصرة للنتيجة أو النتائج التي توصل إليها المحرر، وقد تأخذ هذه الخلاصة شكل التأييد أو المعارضة لرأي من الآراء التي طرحت داخل جسم التحقيق، وقد يتبنى المحرر اتجاهًا جديدًا لم يذكر في جسم التحقيق.. ورغم أن فن التحقيق الصحفي لا يمنع المحرر من إبداء رأيه في الموضوع الذي يتناوله.. إلا أنه يلزمه بأن يكون هذا الرأي منسجمًا مع مجموعة الشواهد والأدلة التي قدمها في جسم التحقيق حتى يكون مقنعًا للقارئ.. أي باختصار: لا بد أن يكون موضوعيًّا..
ويوضح الشكل التالي طريقة كتابة التحقيق الصحفي في قالب الهرم المعتدل المبني على العرض الموضوعي:
رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
قالب الهرم المعتدل المبني على العرض الموضوعي في كتابة التحقيق الصحفي
(1/108)

نموذج للتحقيق الصحفي المكتوب بقالب الهرم المعتدل المبني على العرض الموضوعي:
رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ظ
1
- بدأ محرر صحيفة الأهرام تحقيقه الصحفي عن أزمة التاكسي في القاهرة بمقدمة ضمنها مجموعة من الأسئلة التي طرحت أزمة التاكسي بمختلف جوانبها:
ماذا نصنع إزاء ما يجري الآن في شوارع القاهرة؟ التوصيلة التي يقدرها عداد التاكسي بـ20 قرشًا.. يطلب فيها سائق تاكسي البادج جنيهين، لدرجة أنه وصل أجر تاكسي البادج من المطار إلى وسط القاهرة 10 جنيهات، وببساطة شديدة:
__________
1 الأهرام 19/ 11/ 1978.
(1/109)

السؤال الحائر الذي يجب أن نبحث له عن إجابة هو: مَن المسئول عن ذلك؟
هل هو الاستغلال والجشع من جانب قائدي التاكسي كما يقول الجمهور، أم هي مشكلة خاصة بأصحاب وسائقي التاكسيات، تتعلق بمسائل الصيانة وقطع الغيار والضرائب والأسعار العالية للسيارات التي ارتفعت بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، أم هي مشكلة اختناقات مرور وسوء حالة الطرقات بالمدن وخاصة مدينة القاهرة؟
ما هي الأبعاد الحقيقية؟ وما هي الحلول العملية المطلوبة؟
- أما جسم التحقيق، فقد ضمنه المحرر وجهات نظر جميع الأطراف الذين تتعلق مصالحهم بهذه المشكلة، فبدأ أولًا بآراء الجمهور من الذين يستخدمون التاكسي في قضاء مصالحهم:
في البداية ماذا يقول الناس عن أزمة التاكسي؟
- المواطن محمد فرغلي الموظف بوزارة التأمينات يقول:
إن الجديد في المشكلة هو عدم قبول عدد كثير من سائقي تاكسي العداد المحاسبة على أساس العداد، ونظرًا لأزمة المواصلات فالمواطن مجبر على قبول التسعيرة التي يحددها السائق للمشوار، وهي لا تقل عن ثلاثة أو أربعة أضعاف قيمة المشوار إذا استعمل السائق العداد، بالإضافة إلى ركوب عدد إضافي ولا يلتزم معهم بالعداد.
- سعدية عبد الحكيم ربة بيت تشكو من أن الاستغلال وصل إلى أن سائق التاكسي أصبح لا يعترف بالعائلة أو مجموعة الأفراد الذين يركبون معه، يريد أن يعامل كل واحد منهم على أنه
(1/110)

راكب منفصل، ويحصل من كل فرد على أجر حتى ولو كانوا أسرة واحدة أو مجموعة أصدقاء!
وتحكي قصة سائق تاكسي في مصر الجديدة صمم على تقاضي أجر منها وأجر آخر من أختها لتوصيلهما، كما أنه أضاف في الطريق ركابًا آخرين.
البنديرة لا يعترف بها السائقون!
- المحاسب عبد العزيز كاسب يقول: إن سبب رفض سائقي تاكسيات العداد الاعتراف بقيمة البنديرة كأساس لحساب أجر التوصيلة هو نظام تاكسي البادج الذي يسير في شوارع القاهرة منذ فترة، ويفرض على الركاب الأجر الذي يريده، ويمثل أضعاف بنديرة التاكسي لنفس المشوار، ويتساءل عن سبب عدم تنفيذ القانون الذي يلزم تاكسيات البادج بالسير في مسارات محددة يحصل مقابلها على تعريفة أجر محددة، وهو الهدف الأصلي من سيارات البادج، فالمفروض فيها أن لها مواقف محددة تشرف عليها الحكومة من الجيزة لرمسيس أو من التحرير للهرم للمساهمة في حل أزمة المواصلات.
- يسرية عبد المنعم موظفة بالشئون الاجتماعية تقول: إن الحكومة يجب أن تبحث عن حل سريع لمشكلة مغالاة سائقي التاكسي في أجور التوصيل، وأن تلغي تاكسي البادج أو تلزمه بخطوط محددة لها أجور محددة، وأن يراقب المرور سائقي تاكسي البنديرة، ويشدد العقوبة على الذين يرفضون تشغيل العداد، أو يشغلون العداد ويرفضون أن يحصلوا على أجر التوصيلة بناء على العداد.
- وتقول عواطف محمود وهي موظفة: إنها تضطر لركوب التاكسي للذهاب لعملها والعودة؛ لأن وسائل المواصلات العامة غير محتملة
(1/111)

والمغالاة في أجور التاكسي قد تضطرها للاستقالة من العمل؛ لأن ارتفاع أجور التوصيل أصبح يستوعب معظم المرتب الشهري!
- ثم استعرض المحرر بعد ذلك وجهة النظر الأخرى -أي: السائقون- إذ لا يجب على المحرر أن يكتفي بوجهة نظر واحدة في التحقيق؛ وإنما واجبه أن يتيح لكل الأطراف أن تستعرض وجهات نظرها.. فهو من هذه الزاوية كالمحقق القانوني، يبحث عن الحقيقة المجردة بلا تحيز إلى طرف ضد طرف آخر:
السائقون يدافعون عن أنفسهم!
والآن ماذا يقول السائقون؟
- يقول عبد الله السيد الغندور رئيس اللجنة المهنية النقابية للقاهرة:
إن مشكلة تاكسي البادج أنه عملية غير منظمة حتى الآن، وإن التزام السائق بالمسارات داخل المدينة لن يحقق العائد المطلوب، ويشير إلى أن التاكسي الذي يتم ترخيصه بين المحافظات بحمولة 3 ركاب لا يمكن أن يغطي المصاريف، ويجب ألا يرخص لتاكسي البادج غير 5 راكب؛ حتى لا يؤدي إلى خسارة، ويطالب بحل هذه المشكلة مع وزارة الداخلية.
أما بالنسبة لتاكسي العداد، فإن تسعيرته لم تتغير بالرغم من اختلاف تكاليف المعيشة، فقد ارتفع فقط خلال السنوات العشرة الأخيرة من 6 قروش إلى 8 قروش.
ويطالب السائقون برفع قيمة العداد إلى 15 قرشًا.
الأسعار.. هي السبب!
ويوضح رئيس اللجنة أن من أهم أسباب المشكلة ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، فمثلًا أسعار السيارات تضاعفت خلال السنوات الأخيرة
(1/112)

التاكسي 128 الذي كان ثمنه 1450 جنيهًا من عشر سنوات أصبح الآن ثمنه من شركة النصر 2950 جنيهًا، ويباع الآن بنحو 4000 جنيه! ويحتاج تجهيزه لتاكسي من حيث اللون والعداد إلى نحو 300 جنيه!
هذا بجانب أن الطرقات أيضًا غير ممهدة وتتسبب في إفساد السيارات وحاجتها المستمرة للإصلاح.
أما مشكلة الميكانيكي والكهربائي والسمكري فلا تقتصر فقط على المغالاة في الأجر؛ بل هناك ضغط كبير عليهم مما يؤدي لتعطيل السيارة لعدة أيام في انتظار إصلاحها، وذلك يعتبر تكاليف إضافية على صاحب التاكسي.
ويقول عبد الله الغندور: إن ذلك هو سبب عدم الالتزام بأجرة العداد وسبب تحميل الركاب لتغطية المصاريف.
وكان رأي الغندور بالنسبة لما يقال أن السائق هو المستفيد وليس صاحب السيارة، فقال: حتى صاحب التاكسي والسائق لا يلتزمان بالعداد، وأصبح الآن أن يقوم السائق بتأجير السيارة التاكسي من مالكها، ويقدم له مبلغًا ثابتًا متفقًا عليه، فهناك الآن ما يقال عليه "اتفاق مقاولة" بين السائق وصاحب السيارة.
ويقول رئيس اللجنة النقابية: إن هناك ضرورة لعلاج المشكلة حتى لا نفاجأ باختفاء التاكسي؛ لأن الإحصائيات توضح أن عدد تراخيص التاكسي الجديدة بالقاهرة الكبرى بلغت 21 ألفًا في عام 74 و75، حاليًا انخفض العدد إلى نحو 8 آلاف ترخيص جديد فقط.
أي: أن التراخيص انخفضت إلى نحو الثلث؛ نتيجة لارتفاع التكاليف. كما أن التقديرات توضح أن هناك نحو 3 آلاف تاكسي معطل لا يعمل؛ نتيجة لارتفاع تكاليف الإصلاح!
(1/113)

- ثم جاء المحرر بآراء المسئولين في مرور القاهرة، ولخص وجهة نظرهم في المشكلة:
في إدارة مرور القاهرة قال المسئولون: إن تاكسي البادج يمثل مشكلة؛ لأن صدور الترخيص به يستلزم شروطًا محددة لا يلتزم بها أصحاب وقائدو هذه السيارات، وأساس الهدف من تاكسي البادج أن تخصص له مواقف خاصة، يصدر بتحديدها قرار من المحافظ المختص، وعلى قائدي هذه السيارات الانتظار في هذه المواقف لاستقبال الركاب وتحديد تعريفة الركوب بقرار من المحافظ بعد أخذ رأي المجلس المحلي.
كما يؤكد المسئولون أن هذه التاكسيات التي تقف بمواقف محددة لا تلتزم بالتعريفة؛ ولكن المواطنين لا يشكون.
- وفي الجزء الأخير من جسم التحقيق الصحفي عرض المحرر وجهة نظر الوزير المسئول عن المشكلة:
الوزير يتكلم بصراحة تامة!
ولكن ماذا يقول رئيس نقابة النقل البري المسئول عن سائقي التاكسيات، وهو في نفس الوقت وزير الدولة لشئون الاتصال الجزئي؟
يقول الوزير محمد أحمد العقيلي:
المفروض أن التاكسي بدون عداد "تاكسي البادج" لا يعمل في وسط البلد؛ ولكن الحكومة لا تمانع حاليًا في مروره وسط المدينة؛ نظرًا لأزمة المواصلات.
ويقول العقيلي: إن الأجرة بالنسبة لتاكسي العداد أصبحت غير مجزية للتشغيل؛ نظرًا لسعر السيارة وسوء حالة الشوارع والتكاليف التي يتحملها التاكسي، فمعظم السائقين
(1/114)

من أصحاب سيارات التاكسي يشترون بالتقسيط، ومطلوب منهم توفير القسط الشهري وتوفير مقابل للمعيشة، ويؤدي ذلك للضغط على السائق، وبذله الجهد الذي لا يجد معه وقتًا للراحة..
ويضيف الوزير: إن حل مشكلة عدم الالتزام بالعداد وحل مشكلة تحميل راكب على راكب يتحقق من خلال إعداد تعريفة جديدة مجزية ومناسبة للوقت الحالي لتاكسي العداد، تراعي الظروف الاقتصادية للمجتمع وتكاليف ومصاريف التاكسي.
ويذكر العقيلي أنه تمت المطالبة في المجلس المحلي لمحافظة القاهرة برفع بداية بنديرة التاكسي إلى 15 قرشًا بدلًا من 8 قروش؛ ولكن المجلس لم يوافق. حل المشكلة كما يوضح العقيلي في ضرورة الوصول إلى تعريفة عادلة لتاكسي العداد والبحث عن حل عملي لتاكسي البادج.
- وفي نهاية التحقيق جاء دور الخاتمة التي ضمنها المحرر الخلاصة التي انتهى إليها من تحقيقه حول المشكلة.. وكذلك ضمنها آراءه التي توصل إليها من خلال استعراضه لآراء جميع الأطراف في المشكلة:
والآن، إن المشكلة تحتاج لحل سريع تحتاج إلى حسم من المرور ووزارة الداخلية لمواجهة تسيب تاكسيات البادج تحتاج أيضًا إلى رقابة وزارة الداخلية للالتزام بالعداد وتحتاج إلى إصرار المواطن على عدم التفريط في حقه؛ ولكن المطلوب أولًا دراسة متكاملة لتكلفة تشغيل التاكسي، وتحديد ما هي بنديرة العداد العادلة التي تحقق صالح المواطن وصالح سائق التاكسي ومالكه!
(1/115)

ثانيًا: قالب الهرم المعتدل المبني على الوصف التفصيلي
وفي هذا القالب يصف المحرر في مقدمة التحقيق صورة عامة سريعة للحدث.. أو يصف جزءًا بارزًا منه.. بينما يترك الوصف التفصيلي للحدث؛ ليكتب في جسم التحقيق الصحفي.. أما الخاتمة فهي إما تربط بين التفاصيل المتناثرة لصورة الحدث؛ بحيث تقدم لنا في النهاية الصورة المتكاملة له أو تقتصر على الانطباعات الأخيرة للمحرر عن هذا الحدث.
وهذا القالب يصلح لكتابة التحقيقات الصحفية التي تدور حول الرحلات أو المسابقات الرياضية أو المناقشات البرلمانية أو الاحتفالات والمهرجانات أو الاجتماعات والندوات الانتخابية. ويوضح الشكل التالي طريقة كتابة التحقيق الصحفي في قالب الهرم المعتدل المبني على الوصف التفصيلي:
رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
قالب الهرم المعتدل المبني على الوصف التفصيلي في كتابة التحقيق الصحفي
(1/116)

نموذج للتحقيق الصحفي المكتوب بقالب الهرم المعتدل المبني على الوصف التفصيلي:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
1
- في مقدمة هذا التحقيق الذي يصف فيه المحرر زيارته الأولى إلى مدينة نيويورك اختار أن يرسم صورة عامة وسريعة للمدينة:
نيويورك تتبدل ملامحها كل لحظة. وهنا يفتخرون بأنه ما من مدينة في العالم تفوق نيويورك في سرعة التغيير؛ ولكن هنا أيضًا كما قال لي صديقي الكاتب الأمريكي الزنجي بول رالف: لا يشعر المرء بغياب الروح كما يشعر هنا. نيويورك مسرحية عبثية متجددة العناصر الدرامية من مسرحيات الهابيننينج "happening" ... مسرح مفتوح على قارعة الطريق ... وكل
__________
1 الوطن العربي 5/ 9/ 1980.
(1/117)

ما يجري في الشارع من أحداث ومواقف، بمحاذاة ناطحات السحاب التي تناطح بقممها السحب، والأضواء البراقة التي لا تكف عن التغيير في سرعة غريبة، وتتلون بألوان قوس قزح، والضوضاء والصياح المتعالي، وصراخ بائعات الهوى في الشارع 42، وحركة العابرين في مانهاتن، والمسدسات التي تتأرجح في أكياسها الجلدية مع رجال البوليس الذين يذرعون الشارع جيئة وذهابًا، مرة سيرًا على الأقدام، ومرة أخرى فوق ظهور الخيول.. أنغام الديسكو وإيقاعات الجنون المنغم المنبعث من أجهزة التسجيل الاستريو التي يضمونها في حنان بالغ إلى صدورهم.. ومدمنو المخدرات الذين يقفون على قارعة الطريق ويلعنون في النظام والمارة والعم سام، ويتوسلون إليك أن تمنحهم قطعة الخمسة والعشرين سنتًا، والمتسولون على كل شكل ولون ... هذا عدا المهرجين الذين يعزفون في أبواقهم النحاسية ويمثلون في عرض الشارع.. بشر من كل لون وجنس وملة.
ونيويورك هي مسرح حي لشتى اللغات وجبانة واسعة للبشر.. ما زالت كلمات المغني العجوز تلاحقني أينما كانت وجهتي، آه يا مدينة الفجر والأسى والأبراج بلون الدم.
- وفي جسم التحقيق وصف المحرر تفاصيل الصورة التي رآها في زيارته لمدينة نيويورك.. حيث بدأ الفقرة الأولى من جسم التحقيق بوصف أحياء المدينة وشوارعها ومناخها:
ونيويورك عدة مدن في مدينة واحدة.. تبلغ مساحة نيويورك 10 آلاف كيلو متر مربع. والمقصود بنيويورك هنا ولاية نيويورك الكبرى، التي تتألف من 3 ولايات هي: نيويورك ونيوجرسي
(1/118)

وكونيكتيكت. ويبلغ عدد سكانها 16 مليون نسمة. أما مدينة نيويورك سيتي، فيبلغ عدد سكانها 7895000 نسمة. مساحة المدينة 700 كيلو متر مربع وطولها 55 كم. وهي تتألف من مناطق وأحياء كبرى؛ هي: مانهاتن وبرونكس وبروكلين وكوينز وستاتن أيلاند، وأصغر هذه الأحياء وأقدمها وأعظمها ازدحامًا بالسكان في الوقت ذاته هو حي مانهاتن. تبلغ مساحته 75 كم2، ويصل عدد سكانه إلى 144000 نسمة، يعيشون في تكدس عجيب فوق جزيرة صغيرة.. مانهاتن طولها 25 كم، وعرضها 5 كيلو مترات. في الصيف ترتفع درجة الحرارة في نيويورك -وهي حرارة مشبعة بالرطوبة- إلى 35 درجة مئوية سنتيغراد. وفي الشتاء تهبط إلى 10 درجات مئوية سنتيغراد، وفي ذلك الفصل تجر الرياح القادمة من المحيط أحياء مانهاتن، الفقيرة منها والغنية على حد سواء، لتعصف بالبيوت والبشر، وفي نيويورك، يقولون لك: إن فصل الخريف هو أجمل فصول العام على الإطلاق، فإذا سألت عن الربيع قالوا لك: إن المدينة لا تعرف فصلًا بذلك الاسم!
يبلغ طول شوارع نيويورك وميادينها الواسعة 9 آلاف كيلو متر، ويبلغ طول شارع برادواي، حي الملاهي والمسارح التي تقدم مختلف الأشكال الدرامية التقليدية الكلاسيكية والطليعية في الوقت ذاته، والذي يمتد في طوله عبر حي مانهاتن والبرونكس 402 كم. ويربط بين جزيرة مانهاتن بإقليم نيويورك الكبرى وبالجزر الأخرى 37 جسرًا ونفقًا، ويبلغ طول جسر لوفيرذانو الذي يعتبر أطول جسر في العالم -المعلق فوق المحيط ليصل بين بروكلين وستاتن أيلاند- 4.2 كم، وفي ساعات الليل والنهار تنهب
(1/119)

قضبان نيويورك الحديدية -في خلال 24 ساعة متواصلة- 7 آلاف عربة مترو فوق شريط القضبان الذي يبلغ طوله 380 كم.
- وفي الفقرة الثانية من جسم التحقيق يصف المحرر مترو نيويورك وأثره في حياة سكان المدينة المزدحمة بالسكان:
ومع مجانين نيويورك عليك أن تشاركهم أول الطقوس الصباحية ليوم من أيام العمل فيها فتستقبل المترو، فإذا خرجت منه وأنت ما زلت حيًّا تُرزق "فالمجرمون يتخذون من المترو مركزًا رئيسيًّا لنشاطاتهم في بعض الحالات" واستطعت أن تصل إلى وجهتك، فأنت جدير بأن تعيش في نيويورك؛ لأن مترو نيويورك يعكس قبل أي شيء آخر الحياة على الطريقة النيويوركية.
في كل يوم يركب المترو ملايين من سكان المدينة، يتدافعون داخل تلك الفتحات التي تشبه فتحات المجاري، في عالم ينتمي بغرابته وتكويناته المعمارية والغوطية والسريالية إلى العصور الوسطى.. ممرات وأنفاق كئيبة قذرة وبشر ينتظرون فيلليني ليصورهم على طريقته ...
وبعد ساعات الذهاب والخروج من العمل، تغلق أبواب مركبات المترو ولا تفتح إلا أبواب المركبة الأمامية في المقدمة، حتى إذا اعتدى عليك مجنون استطعت أن تنبه السائق إلى ما يحدث.
وبعد منتصف الليل، يتسلل الصعاليق والمتشردون والسكارى والمشاغبون والباحثون عن أي شكل كان من أشكال الإثارة والمغامرة وتحدي الرعب اليومي، وكل الذين سقطوا من حسابات مجتمع الوفرة، يتسللون إلى ردهات المترو وطرقاته وأنفاقه تحت الأرض وكوابيس
(1/120)

الحلم الأمريكي الذي هوى تطاردهم، حينذاك تتحول مساحاته إلى مشاهد فظيعة للرعب اليومي تحت الأرض في بطن مدينة الجريمة والمخدرات والهروب الغجري المتوحش.
ديزني لاند الفقراء:
ذات ليلة صعدت إلى مركبات المترو حفنة من المراهقين الذين يعيشون في الجيتوهات "الأحياء المغلقة": سود وبورتوريكيون وملونون. وأخذوا يرسمون يوقعون بإمضاءاتهم بالأقلام السحرية ورشاشات الدهان "الأيروسول"، وبالمساحيق والألوان حولوا مركبات الجحيم في نيويورك، وتحول المترو إلى ديزني لاند الفقراء. وحاولت بلدية المدينة أن تزيل تلك الخطوط والأشكال والرسومات والتوقيعات فلم تفلح، وصار تلوين مركبات المترو صرعة جديدة، فأصرعت عصابات الصغار إليه، ونجحت في فترة وجيزة أن تحول المترو الكئيب إلى فيلم جميل من أفلام الرسوم المتحركة للأطفال، وقصيدة للمحرومين والباحثين عن الخلاص في مدينة بلا قلب ...
- وفي الفقرة الثالثة يصف المحرر موجات الهجرة الأجنبية التي تصب في مدينة نيويورك كل يوم:
أحلام الثروة تتبخر:
وفي كل صباح تفتح نيويورك ذراعيها للقادمين الجدد الذين يحلمون بالمجد والثروة: سوريون ويمنيون ويونانيون وإيطاليون.. جحافل من البشر تهبط في أكبر ميناء في العالم، من كوريا وتيوان وهونغ كونغ، تتشابه مع موجات الهجرة الأولى التي جاءت إلى البلاد، التي لم تكن تضم فقط رسل الحرية والديمقراطية
(1/121)

من البيوريتانيين؛ بل أجناسًا تباينت مشاربهم ومعتقداتهم وحرفهم، فكان منهم الفلاح الثري، والعبد الشارد، أو الحرفي الإسكافي، والعامل الماهر، والمجرم، والمشتغل بالدعارة، والمحكوم عليه سياسيًّا أو جنائيًّا ...
وكما كان الحال في البداية مع موجات الهجرة الأولى إلى الأرض الموعودة، تحمل السفن كل يوم موجات جديدة، فهذا جاء بإرادته هربًا من طغيان عقائدي، وذلك طمعًا في بناء ثروة، وكل قادم جديد تراوده أحلام حياة أرتسقراطية ولسان حالة يقول "وطني البلدي الذي يطعمني" ...
- وفي الفقرة الرابعة يصف المحرر التركيب البشري لمدينة نيويورك وأوضاع الأقليات بها:
فقرة تسحب إسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
وأكبر الأقليات عددًا في نيويورك يمثلها "الأفرو - أمريكيون" "الزنوج" يليهم الشيكانو "المكسيكيون الأمريكيون" والبورتوريكيون، وفي حين يعمل المجتمع الأبيض "الواسب
(1/122)

والكاثوليك واليهود" على تسهيل الدمج السريع للمهاجرين الجدد المنتمين إلى مجموعاته، فهو يعمل أيضًا على رفض المهاجرين من المجموعات الأخرى؛ بحيث تظل على هامش المجتمع تسكن الجيتوهات "الأحياء المغلقة" وتعيش على مساعدات الضمان الاجتماعي، وتتحمل وحدها مشاكل أزمة الطاقة والتضخم وما ينجم عنهما من بطالة.
- وفي خاتمة التحقيق يقوم المحرر بالرباط بين التفاصيل المتناثرة لصورة مدينة نيويورك.. ففي كلمات قليلة يقدم لنا وصف الصورة المتكاملة للمدينة الأمريكية المشهورة، وذلك من خلال انطباعاته العامة عن هذه المدينة:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
الدولار ... الدولار ...
نيويورك صورة مصغرة للحياة في أمريكا.. صورة مصغرة لمجتمع جديد.. حيث لا تاريخ ولا تقاليد. فالمجتمع يعرف أن الأخلاط هذه جمعت بينها قيم الآباء المؤسسين: الفعالية والإيقاع السريع، وعدم التمسك بالروتين، والنفور من المبادئ الجامدة والاستغلال الوحشي للطبيعة والقوة البشرية. يتحدثون إليك هنا عن أمور الفكر بالدولار، ويؤمنون بأن الحياة صراع ومغامرة. وحياة الإنسان رهن ببراعته في اغتنام الفرص.
(1/123)

صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ثالثًا: قالب الهرم المعتدل المبني على السرد القصصي
وفي هذا القالب يلجأ المحرر إلى كتابة التحقيق الصحفي في شكل قصة يسردها كما تُسرد القصص الأدبية.. وهذا القالب وإن تماثل في بنائه الفني مع القصص الأدبية -أي: له بداية وعقدة ونهاية- إلا أنه يختلف عنها في كونه يقوم على الوقائع الحقيقية وليس على الوقائع الخيالية كما هو الشأن في القصص الأدبية.
ويستخدم هذا القالب في التحقيقات الصحفية التي تتناول الموضوعات الإنسانية كمصرع عروسة ليلة زفافها.. والحوادث مثل سقوط طائرة أو غرق باخرة أو وقوع زلزال.. بالإضافة إلى التحقيقات الصحفية التي تدور حول بعض الجرائم. ويوضح الشكل التالي طريقة كتابة التحقيق الصحفي في قالب الهرم المعتدل المبني على السرد القصصي:
(1/124)

رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
قالب الهرم المعتدل المبني على السرد القصصي في كتابة التحقيق الصحفي
(1/125)

نموذج للتحقيق الصحفي المكتوب بقالب الهرم المعتدل المبني على السرد القصصي:
رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
1
- بدأ المحرر تحقيقه الصحفي عن هذه الجريمة بمقدمة قصصية سرد فيها بداية الحدث، وهذه المقدمة وإن بدت كمقدمات القصص الأدبية إلا أنها قامت على الحقائق.. فالمحرر هنا يروي وقائع جريمة حدثت بالفعل:
في البلد الذي نشأ فيه كانوا ينادونه "الريس". فقد كان خبيرًا في قضايا البحر ويدير مجموعة من البحارة الأشداء في إحدى الموانئ العربية. كان طويل القامة، أسمر اللون، جمع بكده وتعبه في المهنة الشاقة مالًا كثيرًا، وطار صيته بين التجار كرجل كريم اليد طيب القلب، وإن كان من جانب آخر يعبد الخمرة والنساء الجميلات!
هاجر إلى لبنان في الأربعينات تحت ضغوط ظروف سياسية، وطاب له المناخ فاستقر فيه مع عائلته. لم يكن بحاجة للعمل فلديه ما يكفيه. ثم إنه بلغ من العمر سبعين عامًا وأصبح له أولاد وأحفاد كثيرون وصاروا ينادونه بحق: شيخ القبيلة الختيار. اعتاد في بلده الأصلي بعد الفراغ من العمل المضني الذهاب في الليل إلى البارات حيث يجالس الحسان ويعاقر بنت الحان. هذا دأبه دائمًا. وكم من مرة نبهته زوجته على هذا السلوك وقالت له: أنت تعطي أولادك وحفدتك أسوأ مثل فيما تفعل. اتق الله يا رجل!
__________
1 الحوادث - 2 نوفمبر سنة 1979.
(1/126)

ولكن على مَن تلقي مزاميرك يا داود؟
وفي بيروت لم يغير عاداته. ففي المدينة من المغريات ما لا يوجد مثلها في كل بلاد العرب. كثر ترداده على ملهى معروف. ولا عجب فقد تعرف هناك إلى غانية جميلة شابة تجيد الرقص فأحبها حبًّا جمًّا، أما هي فقد وجدت فيه الصيد الثمين. جعل يصرف عليها بسخاء جنوني حتى بلغ ما صرفه في سبيلها في مهلة ثلاثة أشهر ما يقرب من المائة ألف ليرة. وهذا المبلغ كان في ذلك الزمان يعتبر ثروة وعنوانًا للغنى الكبير.
كانت الراقصة عند اجتماعها به لا ترى في شخصه الكريم سوى أنه الصندوق الحديدي الذي يحوي المال، وأن هذا الصندوق هو تحت تصرفها تغرف منه ما تشاء لإرواء نزواتها، ثم إنه كريم لا يرد لها طلبًا. ومع هذا كله كانت تسيء معاملته وتحتقره علنًا أمام الناس وتهينه أحيانًا وتسميه: "الشيخ المتصابي"، فيبلع الإهانة بصبر؛ لأن حبه لها أعمى بصيرته ولم يعد يرى في الحياة سواها.
هذه الراقصة كانت على علاقة حميمة بمحام ناشئ أحبته بكل جوارحها، وصارت تضحي بكل شيء لإرضائه. وبما أنه فقير الحال لا يملك سوى شباب غض، فقد كانت تأخذ من الغني الثقيل وتعطي الحبيب العزيز على القلب..
وقد وصل الانحلال والضياع بالعاشق العجوز حدًّا جعله يسكت عندما قذفته الراقصة المحترفة بحذائها؛ بل الأدهى من ذلك أنه عندما يراها بحالة عصبية كان يمسك حذاءها ويعطيه لها ويقول لها: اضربيني. فشي خلقك.
- أما جسم التحقيق الصحفي عن هذه الجريمة، فقد ضمنه المحرر التطور الدرامي لأحداث الجريمة حتى وصل بالأحداث إلى نقطة العقدة التي استعد ليقدم نهايتها في الخاتمة أو النهاية، فالمحرر يعتمد في سرده لتفاصيل
(1/127)

الجسم على إثارة اهتمام القارئ، وتشويقه إلى متابعة تطور أحداث الجريمة، تمامًا كما يفعل كاتب القصة الأدبية:
هذه الأخبار غير السارة كانت تصل تباعًا إلى الزوجة الشرعية أم الأولاد، وهي ثرية ناهزت الخمسين من عمرها ولها مكانة في قومها. وقد عز على هذه المرأة الصابرة الفاضلة أن ترى زوجها ينحدر إلى هذا المستوى، ويصبح ألعوبة في يد راقصة بلا أخلاق ولا ذمة، وتسبب له الفضائح أم الناس، وشعرت أن زوجها لن يرتد عن هذه الراقصة مهما كان التقريع قاسيًا؛ فصممت على أمر.
في إحدى الأمسيات اصطحب العاشق العجوز حبيبته الراقصة إلى أحد المطاعم المشهورة في بيروت لتناول طعام العشاء. تركها قرب المطعم في السيارة جالسة في المقعد الأمامي ودخل المطعم يبحث عن مائدة تليق بالمقام حتى يدعوها إليها. في تلك اللحظة بالذات برز شخص قصير القامة يرتدي بنطلونًا من الكَتَّان الكاكي وقميصًا أبيض، واقترب من السيارة التي تجلس فيها الراقصة آتيًا من الخلف حتى وصل إلى الباب الأمامي، وهناك أخرج من جيبه مسدسًا صغيرًا صوبه بهدوء إلى رقبة الراقصة عند النقرة، وأطلق طلقًا واحدًا فقط. كان الطلق الوحيد كافيًا للقضاء على الراقصة والتسبب في موتها العاجل!
سمع الناس الطلق فالتفتوا نحو الصوت، فلمحوا شابًّا يهرب بسرعة متجهًا نحو الأسواق التجارية الضيقة، وشاهدوا ملامحه الخارجية وثيابه؛ ولكن لم يجسر أحد على اللحاق به؛ لأن المسدس كان لا يزال في يده يهدد به وهو يسابق الريح ...
وتقدموا من السيدة الجالسة في المقعد الأمامي فوجدوها قد فارقت الحياة. حصل هذا بلحظات
(1/128)

أثار الذهول لدى الجميع، وخرج العاشق العجوز ليرى ماذا جرى، وإذا به يفاجأ بالفاجعة، ويرى حبيبته وقد أصبحت جثة هامدة.
أقبل رجال الشرطة وحضر النائب العام والمحقق وبدأ التحقيق العدلي.
وأول تدبير قضائي كان توقيف العاشق العجوز مرافق الراقصة عند الحادث، وقد أسند إليه أنه وإن لم يكن القاتل بالذات فهو المحرض حسب نصوص القانون الجزائي يناله عقابه الأصلي؛ أي: الإعدام. وقد تشبث المستنطق بنظرية التحريض التي ألصقها "بالريس" مستندًا إلى أدلة اعتبرها كافية للاتهام، أهمها أن بعض الشهود رأوا العاشق قبل الحادث بساعة يتكلم مع أحد معارفه في المقهى بصوت غير مسموع، إذن فلا بد أن يكون العاشق قد دبر قضية اغتيال الراقصة في هذا الحديث الذي جرى بصوت منخفض. وقد ورد في التحقيقات أن المتهم كان يتناقض في أقواله كثيرًا ولا يعطي أجوبة شافية مقنعة على أسئلة المحقق. ومع ذلك كانت الأدلة ضعيفة لا يرتاح إليها الوجدان لإرسال المتهم إلى المشنقة. واختلف القضاة في الرأي؛ فمنهم من مال للبراءة، ومنهم من اعتبر أن الدليل كافٍ للاتهام ولمحكمة الجنايات أن تدين أو تبرئ..
وبالنتيجة أحيلت القضية أمام محكمة الجنايات. وهنا اتخذت المرافعات شكلًا عنيفًا؛ إذ إن ذوي الراقصة -وهم من أصحاب النفوذ- أثاروا الرأي العام للانتقام من الفاعل. واهتمت عائلة المتهم الثرية اهتمامًا بالغًا بمصير عميدها؛ لأنها تعرف تمامًا أنه ليس بالرجل الشرير وإن كان سلوكه الاجتماعي غير مرضٍ. ثم كيف يُقْدِمُ رجل مثله على قتل من أحب، وبذل في سبيلها جني عمره؟!
(1/129)

كانت الجلسة أمام محكمة الجنايات صاخبة، علت فيها أصوات الفريقين، وانقسم القضاة في الرأي، إلا أنه بعد نقاش ومداولة طويلة قضت المحكمة بإعلان براءة المتهم بأكثرية الأصوات؛ وذلك لضعف الدليل ولوجود الشك ...
وأُخْلِيَ سبيل العاشق الولهان ...
ومع أن حبل المشنقة كاد يدق عنق هذا العاشق لولا لطف الله وإلهامه قضاة الحكم بعدم الإدانة، فإن صاحبنا خرج من السجن ساهمًا ضائعًا يجهل ما كان يحاك ضده من مؤامرات تستهدف رأسه. إذن فهناك قاتل لم يعرف. وهناك قتيلة لم يعرف قاتلها. وهناك محرض لم تكشفه التحقيقات رغم كل الجهود التي بذلت والحكم الصادر لم يحل المشكلة ...
دام الغموض يلف هذه القضية مدة عشر سنوات، وبقيت الحقائق عن هذه الجريمة مجهولة يكتنفها ستار كثيف من الظلام.
- في نهاية التحقيق الصحفي.. حل المحرر عقدة القصة وأزاح الستار عن النهاية المثيرة والغامضة لهذه الجريمة:
بعد تلك المدة؛ أي: عندما مر الزمن على حق النيابة العامة في ملاحقة الفاعل والمحرض، وبعدما تيقن هؤلاء أنهم أصبحوا بمأمن من كل ملاحقة قضائية ظهرت الحقيقة. هذه الحقيقة باحت بها الزوجة الشرعية. وقد أرادت بقول الحقيقة تبرير موقف زوجها وإفهام الرأي العام أنه كان بالفعل بريئًا من دم الراقصة، وأن الحكم كان عادلًا. قالت: إن زوجي لم يكن على علم بشيء مما فعلته أنا، فقد اتفقت مع قاتل محترف لقاء 200 ليرة عثمانية ذهبية للخلاص من الراقصة، التي سببت للعائلة الفضيحة، وأذلت زوجي أمام الناس. وقد
(1/130)

نفذ القاتل المهمة التي أوكلتها إليه بدقة بعدما راقب تحركات هذه الراقصة، ثم إنه بعد قبض المبلغ غادر البلاد حالًا إلى منطقة مجهولة!
وتابعت الزوجة:
ولو قضت محكمة الجنايات بإدانة زوجي، وحكمت ظلمًا بإعدامه لنفذ الحكم بسرعة؛ لأني على يقين بأن وراء الراقصة المجرمة من كان يستميت لإعدام زوجي ولو لم يكن هو القاتل؛ ولكن المحكمة برأته والحمد لله.
أما الزوج العاشق الولهان العجوز، الذي كاد يلتف حول عنقه حبل جاهز كفيل بأن يؤدي به إلى الدنيا الباقية، هذا الرجل لم يكن يدري مما يجري حوله من أهوال ومؤامرات، ولا يرى إلا جسمًا جميلًا كان يتمايل أمامه كل ليلة، ويتراقص على أنغام الموسيقى؛ فيبعث في قلبه نشوة تنسيه العالم أجمع، ولم يفهم من كل ما حدث سوى أنه حُرِمَ من هذه النشوة، وخلت الديار من الحبيب ...
وما أظلم الدنيا من غير حبيب!!
- ثم يبقى أن هناك عديدًا من الشروط التي يجب مراعاتها بشكل عام في أثناء كتابة التحقيق الصحفي وهي:
أولًا: مراعاة التناسب الكامل بين أجزاء التحقيق الصحفي؛ بحيث لا تزيد مثلًا "المقدمة" عن "التفاصيل".
ثانيًا: ألا تكون المادة غير كافية لإقناع القارئ بأهمية الموضوع الذي يطرحه التحقيق.
ثالثًا: الحرص على الاحتفاظ باهتمام القارئ حتى نهاية التحقيق عن طريق إثارة غريزة حب الاستطلاع عنده1.
رابعًا: أن يحرص المحرر على إثراء التحقيق الصحفي الذي يكتبه بحصيلة ثقافته وقراءاته وتجاربه وخبراته في الحياة وبالمعلومات التي
__________
اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/131)

حصل عليها حول الموضوع1، وأن يحرص على أن تكون هذه المعلومات جديدة على القراء، فكلما كانت المعلومات التي يحتويها التحقيق جديدة كلما كان الموضوع نفسه جديدًا.
خامسًا: أن يحرص المحرر على أن يخلق لنفسه أسلوبًا متميزًا في كتابة التحقيق الصحفي؛ ولكن يشترط في هذا الأسلوب أن يلتزم بالقواعد التالية:
- أن يحرص على استخدام الألفاظ المألوفة.
- الابتعاد قدر الإمكان عن المصطلحات والألفاظ العلمية الصعبة أو النادرة أو التي لا تستخدم إلا في مجالات المتخصصين.
- الحذر من الانزلاق إلى العامية المبتذلة.
- الاختيار الدقيق للألفاظ والعبارات الموجزة.
- الاقتصاد في الكتابة مع البعد عن الحشو والإسهاب.
- الحرص على التزام الموضوعية في نقل الآراء والاتجاهات2.
سادسًا: الاهتمام بالصور التي تصاحب التحقيق الصحفي، ولا بد لهذه الصور أن تضيف معلومات أو حقائق جديدة إلى الموضوع، ولا يجب أن تكون تكرارًا للمعلومات التي جاءت به3، وعلى هذا الأساس فلا بد من الاهتمام بكلام الصور، وأن ينظر إليها باعتبارها جزءًا مكملًا للتحقيق. فكثيرًا ما تلعب الصور دورًا كبيرًا في إنجاح التحقيق الصحفي أو إفشاله؛ بل إن هناك تحقيقات صحفية تلعب فيها الصورة الدور الأول بينما يلعب الكلام الدور الثاني؛ مثل تحقيق عن "عرض أزياء الموسم" أو "معرض لزهور الربيع" أو "مهرجان للسينما أو المسرح".
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/132)

الفصل الثالث: فن التقرير الصحفي
المبحث الأول: تعريف التقرير الصحفي
أولا: الفرق بين الخبر الصحفي والتقرير الصحفي
...
الفصل الثالث: فن التقرير الصحفي
المبحث الأول: تعريف التقرير الصحفي
التقرير الصحفي فن يقع ما بين الخبر والتحقيق الصحفي.
ويقدم التقرير الصحفي مجموعة من المعارف والمعلومات حول الوقائع في سيرها وحركتها الديناميكية، فهو إذن يتميز بالحركة والحيوية.
والتقرير الصحفي لا يستوعب الجوانب الجوهرية أو الرئيسية في الحدث فقط، كما هو الشأن في الخبر؛ وإنما يمكن أن يستوعب وصف الزمان والمكان والأشخاص والظروف التي ترتبط بالحدث.
والتقرير الصحفي لا يقتصر على الوصف المنطقي والموضوعي للأحداث؛ وإنما يسمح في نفس الوقت بإبراز الآراء الشخصية والتجارب الذاتية للمحرر الذي يكتب التقرير1. فكلما كان المحرر شاهد عِيَان على الحدث كلما زادت فرصة النجاح أمام التقرير الصحفي.
وتعريف التقرير الصحفي يمكن أن يزداد وضوحًا من خلال المقارنة بينه وبين كل من الخبر الصحفي والتحقيق الصحفي:
أولًا: الفرق بين الخبر الصحفي والتقرير الصحفي
إن الخبر الصحفي يصف بدقة وموضوعية أي واقعة أو حادثة أو فكرة جديدة وصحيحة تمس مصالح أكبر عدد من القراء، وتثير اهتمامهم بما تتضمنه من عناصر، قد تكون المحلية أو العالمية أو التوقيت أو الضخامة أو التشويق أو الصراع أو التوقع أو الغرابة أو الشهرة أو الإنسانية أو الجنس أو الجريمة أو غير ذلك من العناصر التي يختلف النظر إليها من مجتمع إلى مجتمع، ومن عصر إلى عصر آخر.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/135)

فإذا ما قارنا بين هذا التعريف للخبر وتعريفنا للتقرير الصحفي.. لأمكننا أن نضع أيدينا على الفروق التالية:
1- من الضروري أن يختفي كاتب الخبر ... بحيث يفقد الخبر موضوعيته؛ بل صفته كخبر إذا برز من ثناياه شخصية المحرر الذي كتبه1 ... أما في التقرير الصحفي فيفضل أن تظهر شخصية المحرر؛ حيث يكون من حقه أن يعرض إلى جانب الوقائع الملموسة انطباعاته الشخصية وآراءه وأحكامه واستنتاجاته، ويمكنه أيضًا أن يقدم الأشخاص ويعرض وجهات نظرهم.. بل يمكنه أيضًا أن يقدم معلومات ذات طابع وثائقي.
2- يركز الخبر على نقل الحدث فقط ... في حين نرى التقرير يتوسع في سرد التفاصيل، وذلك من خلال ملاحظات المحرر؛ بحيث يستوعب الجوانب التالية:
أ- الظروف التي أدت إلى وقوع هذا الحدث.
ب- الأشخاص الذين لعبوا دورًا في هذا الحدث.
ج- تقديم مزيد من التفاصيل الجانبية عن الحدث ... وهي تفاصيل قد لا تكون ضرورية إذا اقتصر على نشر الحدث كخبر صحفي فقط.
وعلى سبيل المثال ... فعندما ألمح مناحم بيجين رئيس الوزراء الإسرائيلي عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد بأن الإسرائيلين قد شاركوا المصريين وساعدوهم في بناء الأهرام ... فإن الصحف نشرت خبر توقيع الاتفاقية وتصريح مناحم بيجين كما هو ... ولكن بعض الصحف العالمية والعربية سارعت بنشر تقارير صحفية حاولت أن تجيب من خلالها على سؤال: من بنى الأهرام؟
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/136)

ثانيًا: الفرق بين التقرير الصحفي والتحقيق الصحفي
1- يتميز التحقيق الصحفي بالتعمق في بحث ودراسة الأبعاد المختلفة، في حين يكتفي التقرير بتقديم صورة سريعة للحدث، أو يقوم بالتركيز على جانب منه دون أن يفرق في التفاصيل المدعمة بالبحث والدراسة.. فالتقرير الصحفي يقدم تفاصيل أكثر من الخبر وأقل من التحقيق.
2- كذلك يختلف هدف التقرير الصحفي وغرضه عن هدف التحقيق الصحفي وغرضه.
فالتحقيق الصحفي: يستهدف إقناع القارئ بأهمية وخطورة القضية أو المشكلة أو الفكرة التي يطرحها كاتب التحقيق ... وذلك بهدف كسب الرأي العام لصالح القضية التي يطرحها، أو الحل الذي يقدمه لهذه القضية "مشكلة الدروس الخصوصية - ارتفاع أسعار الكتب الجامعية - مغالاة أصحاب المساكن في تقاضي الخلو ومقدم الإيجاز".
أما التقرير الصحفي: فينحصر هدف كاتبه في إثارة اهتمام القارئ بالموضوع، وذلك بتقديم معارف ومعلومات جديدة أو ظريفة أو غريبة أو مسلية عن حدث من الأحداث الجارية، وقد لا يزيد هدف التقرير عن مجرد تسلية القارئ وإمتاعه بالمعلومات الغريبة1.
3- ويختلف أسلوب التقرير الصحفي عن ذلك الأسلوب الذي يكتب به التحقيق الصحفي.
فالتقرير الصحفي: لا يصلح له إلا الأسلوب البسيط الواضح، والجمل القصيرة التلغرافية، وجمع أكبر كمية من الحقائق والمعلومات في أقل قدر ممكن من الكلمات، وهو في ذلك لا يعتني بما كتب في الموضوع من أبحاث ودراسات ولا تقارير ولا يعنيه أن يسجل كل الحقائق بالأرقام أو يدعمها بالبيانات والإحصائيات والرسوم2.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/137)

أما التحقيق الصحفي فهو على العكس من ذلك يحتاج إلى أسلوب بسيط ولكن عميق، وهو يحتاج لكي يقنع القارئ بالقضية أو المشكلة التي يطرحها أن يعتمد في أحيان كثيرة على الدراسات والأبحاث، وأن يستعين بالأرقام والإحصائيات والرسوم الإيضاحية، وغير ذلك مما يحتاجه التحقيق الصحفي.
4- وإذا كان التحقيق الصحفي يحاول أن يشرح ويفسر ويعلق ويبحث في الأسباب والعوامل الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو الفكرية التي تكمن وراء الخبر أو القضية أو المشكلة التي يدور حولها التحقيق الصحفي، إلا أن التقرير الصحفي غالبًا ما يكتفي بزاوية واحدة أو اثنين من زوايا الخبر أو الفكرة أو القضية1.. قد تكون الزاوية الإنسانية أو السياسية أو الفكرية أو الاجتماعية أو الاقتصادية دون أن يتطرق لباقي الجوانب التي هي مهمة التحقيق الصحفي.
5- يتفق التقرير الصحفي مع التحقيق الصحفي في:
1- أنه قد يشتمل على بقية الفنون الصحفية الأخرى؛ كالخبر والتعليق والصور والرسوم.
2- أنه يكتفي بالإجابة على السؤال السادس من الأسئلة الستة وهو: لماذا؟
3- أنه يظهر ويكشف عن شخصية كاتبه.
4- أنه ليس مطالبًا بالتعبير عن سياسة الجريدة وإن كان مطالبًا بألا يتناقض معها.
5- أنه يرسم صورة واقعية للحياة ولا يقوم على الخيال، كما هو الشأن في القصة الأدبية2.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/138)

المبحث الثاني: كتابة التقرير الصحفي
تختلف طرق كتابة التقرير الصحفي عن طرق كتابة الخبر الصحفي. فإذا كان الخبر الصحفي يكتب بطريقة الهرم المقلوب ... أي: أن توضع في المقدمة أهم الحقائق والأحداث أو المعلومات ... ثم يوضع في جسم الخبر المعلومات أو الأحداث أو الحقائق الأقل أهمية1 ... إلا أن التقرير الصحفي يكتب بطريقة معاكسة للخبر الصحفي ... أي: يكتب بطريقة الهرم المعتدل ... أي: تضم مقدمة التقرير الصحفي مدخل أو مطلع يمهد لموضوع التقرير بأن يتناول زاوية معينة من زوايا الموضوع يختارها الكاتب بعناية ... وهذا المدخل أو التمهيد لا يضم خلاصة الموضوع أو أهم حقائقه؛ وإنما يضم فقط مطلع أو مدخل منطقي يتوسل به الكاتب إلى شرح موضوع التقرير؛ بحيث يضم جسم التقرير التفاصيل والشواهد والصور الحية للموضوع؛ ليصل بنا الكاتب في النهاية إلى خاتمة التقرير الصحفي، وهي التي يكشف فيها عن نتائج أو خلاصة ما توصل إليه، أو يقدم لنا أهم نتيجة أو حقيقة وصل إليها في موضوع التقرير.
وهذا التسلسل المنطقي في بناء التقرير الصحفي يجعله يختلف عن بناء الخبر الصحفي في جانبين هامين:
الأول: أنه في حين يحتوي الخبر الصحفي على جزأين فقط وهما: مقدمة الخبر وجسم الخبر ... نجد التقرير الصحفي يحتوي على ثلاثة أجزاء هي: مقدمة التقرير ... وجسم التقرير.. وخاتمة التقرير.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/139)

الثاني: أن بناء الخبر من مقدمة وجسم فقط، واحتواء هذا الجسم على الحقائق الأقل أهمية يتيح لكاتبه أو للصحيفة التي تنشره أن تحذف من جسم الخبر أية أجزاء تراها ... دون أن يؤثر ذلك في سياق الخبر1. في حين أن بناء التقرير الصحفي من مقدمة وجسم وخاتمة، وقيام هذا البناء على تسلسل منطقي يجعل من أجزاء التقرير وَحْدَة عضوية مترابطة، ليس من السهل قطع أو حذف أي جزء منها دون أن يتأثر بذلك بناء التقرير نفسه، وغالبًا ما يؤدي حذف أي جزء -ولو صغيرًا منه- إلى صعوبة فهم هدف التقرير ونتيجته واهتزاز فكرته الأساسية وتسلسله المنطقي2.
ورغم اختلاف أنواع التقرير الصحفي وتعدد مجالاته، فلا بد أن يحتوي على الأجزاء الثلاثة التالية:
أولًا: مقدمة التقرير الصحفي:
وهذه المقدمة لها عدة وظائف، أهمها:
1- أن تمهد للموضوع.
2- أن تهيئ القارئ له.
ومقدمة التقرير الصحفي قد تحتوي على العناصر التالية:
1- واقعة ملموسة.
2- موقف معين.
3- صورة منطقية.
4- زاوية جديدة لموضوع غير جديد.
وتتحدد قيمة المقدمة على ضوء الاعتبارات التالية:
1- مقدرة المقدمة على جذب انتباه القارئ إلى الموضوع الذي يعالجه التقرير الصحفي.
2- قدرة المقدمة على دفع القارئ إلى متابعة قراءة بقية التقرير الصحفي وحتى نهايته.
ثانيًا: جسم التقرير الصحفي:
جسم التقرير الصحفي هو الجزء الذي يضم المعلومات والبيانات الجوهرية في موضوع التقرير ... كذلك يضم الأدلة والشواهد أو الحجج المنطقية التي تدعم الموضوع الذي يتناوله التقرير.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/140)

ومن الضروري أن يحرص كاتب التقرير على أن يضمن جسم التقرير جانبين هامين؛ هما:
1- مسار الحدث أو الواقعة التي يتناولها التقرير ... وتطور هذا المسار منذ بدايته حتى نهايته.
2- الربط بين الوقائع التي يضمها التقرير، وأن يكشف عن العلاقات بينها حتى يكشف ما وراءها أو ما يكتنفها من غموض.
ثالثًا: خاتمة التقرير الصحفي:
وهي آخر جزء في التقرير وأهم ما فيه، ولا بد أن تتضمن:
1- تقييم المحرر لموضوع التقرير الصحفي.
2- عرض للنتائج التي وصل إليها المحرر خلال بحثه في موضوع التقرير.
3- التعميم لحقائق معينة أو آراء خاصة أو لبعض النتائج التي حصل عليها المحرر، وإن كان يفضل ألا يلجأ المحرر إلى التعميم إلا إذا كان مستندًا إلى وثائق أو حقائق لا تقبل الجدل أو النقاش.
ومن الضروري أن يراعي كاتب التقرير توفر صفتين هامتين في خاتمة التقرير الصحفي؛ وهما:
1- أن تحرص بقدر الإمكان أن تثير في ذهن القارئ حوارًا حول موضوع التقرير، وأن تدفعه إلى التفكير في الموضوع ومتابعته فيما بعد إن كان الموضوع يستحق المتابعة.
2- أن تترك خاتمة التقرير صدى عن موضوع التقرير لدى القارئ، وأن تدفعه -في بعض الأحيان- إلى اتخاذ موقف أو تكوين رأي معين تجاه الموضوع أو المشكلة التي يثيرها التقرير الصحفي.
وهناك عدة محاذير يجب أن يتنبه لها كاتب التقرير الصحفي وهو يكتب خاتمة التقرير؛ أهمها:
1- أن يحذر الوقوع في براثن الخاتمة الخطابية التي لا معنى لها، والتي لا تضيف شيئًا إلى موضوع التقرير، فإن من شأن هذه الخاتمة أن تضعف من تأثير التقرير وتفسد أي جهد يكون المحرر قد بذله في كتابة التقرير وجمع مواده.
2- أن يحذر الوقوع في خطأ عدم الاتساق بين المعلومات التي يحتويها جسم التقرير وبين النتائج التي يصل إليها في الخاتمة.. فإن من شأن ذلك أن يفقد التقرير وضوحه الفكري، ويقع به في براثن الغموض الذي يؤدي إلى عدم فهم القارئ لمعنى التقرير ومضمونه، فلا معنى مثلًا لأن يكتب المحرر تقريرًا من إيران يؤكد فيه بالشواهد والأدلة أن الشعب الإيراني كله لا يؤيد الشاه ... وفي خاتمة التقرير
(1/141)

نراه يقول بأنه من المتوقع أن يعود الشاه إلى بلاده ويحسم الصراع لصالحه. ويوضح الشكل التالي طريقة كتابة التقرير الصحفي المبني على قالب الهرم المعتدل:
رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
بناء التقرير الصحفي "الهرم المعتدل"
وكتابة التقرير الصحفي رغم أنها تأخذ شكل قالب الهرم المعتدل، إلا أنها تختلف حسب نوع كل تقرير.. ذلك أن هناك عدة أنواع من التقرير الصحفي تختلف باختلاف المجالات التي تطرقها والأشكال التي تأخذها.. ولكن يبقى أن أهم هذه الأنواع ثلاثة: التقرير الإخباري.. والتقرير الحي.. وتقرير عرض الأشخاص.. وهم موضوع المباحث التالية.
(1/142)

نموذج للتقرير الصحفي المبني على قالب الهرم المعتدل:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
1
- لقد بدأ المحرر تقريره بمقدمة حاول أن يجعل منها تمهيدًا للموضوع، واختار لموضوع المقدمة زاوية جديدة لموضوع قديم؛ هو كيفية الوقاية من الحرب النووية. أما الزاوية الجديدة فكانت الإشارة لأقوال بعض المتطرفين في خوفهم من الحرب النووية القادمة والإشارة لاستعداد البعض منهم بالفعل للحرب القادمة:
__________
1 الشرق الأوسط 31/ 3/ 1980.
(1/143)

اللورد بيلستد المسئول عن استعدادات الدفاع في بريطانيا يقول: إن ما لا يزيد عن 15 مليون نسمة فقط يمكن أن ينجوا في حالة تعرض بريطانيا لهجوم نووي.
وقال: إن عدد الباقين على قيد الحياة يمكن أن يزداد إذا طبق أفراد الشعب البريطاني التعليمات التي ستنشرها الحكومة البريطانية عما قريب ضمن كتيب يهدف إلى إرشاد الناس إلى ما يجب عمله في حالة تعرض البلاد لهجوم نووي.
وقبل تصريح اللورد بيلستد بشهر قدم التليفزيون التجاري في لندن مقابلة مع عقيد سابق في الجيش البريطاني كان نجمه لمع أبان الحرب العالمية الثانية؛ ولكن موضوع المقابلة لم يكن عن الحرب العالمية الثانية؛ بل عن الثالثة.
موضوع المقابلة اقتصر على هذا الضابط وعلى قريته الصغيرة القابعة في جزء جميل من الريف الإنجليزي. فمنذ مدة وهذا الضابط يهيئ قريته لمواجهة هجوم نووي، وكل فرد في تلك القرية يعرف الدور الذي سيلعبه والمهمة الملقاة على عاتقه في حالة تعرض بريطانيا لهجوم نووي.
كما أن القرية مجهزة بملاجئ تحت الأرض لمنع تسرب الإشعاع النووي إليها، والغرض من تلك الملاجئ أن يبقى فيها أهل القرية مدة الـ14 يومًا التي تعقب التفجير النووي، والتي من المفروض أن يظل مفعول الإشعاع النووي فتاكًا خلالها؛ لذلك فهي مجهزة بمخازن الطعام وخزانات المياه العذبة التي تكفي لإطعام أهل القرية وإرواء ظمئهم خلال المدة المذكورة.
(1/144)

وإذا ظن القارئ أن هذا الضابط البريطاني عليه مس من الجنون، فإننا نشير عليه بمتابعة القراءة؛ إذ سيجد أن المجانين كثر.
- أما جسم التقرير فقد حشد المحرر فيه النقاط الهامة التالية:
أ- المعلومات والبيانات الجوهرية في الموضوع، والتي تكشف عن وجود جماعات متطرفة بالفعل تستعد من اليوم لما ستسفر عنه الحرب النووية من دمار.. وهي بذلك تشكل بالنسبة للمحرر الأدلة والشواهد والحجج المنطقية التي تؤكد ما سبق وذكره من إشارات مثيرة في المقدمة عن هذه الجماعات المتطرفة:
ففي الولايات المتحدة تسيطر فكرة انتهاء الحضارة الغربية عن عقول عدد كبير من الناس الذين ينتمون إلى مدن وقرى مختلفة.
وإذا كانت نسبة كبيرة من هؤلاء المتشائمين تعتقد اعتقادًا راسخًا أن نهاية الحضارة الغربية -بل ونهاية العالم على حد تعبير المتناهين في التشاؤم منهم- ستأتي نتيجة لاندلاع حرب نووية، فإن نسبة لا بأس بها تعتقد أنه حتى لو امتنع زعماء العالم عن ضغط أزرار إطلاق الصواريخ وقرع أجراس الهول والدمار، فإن سلسلة متعاقبة من الأمراض والكوارث الطبيعية تقف بالمرصاد للفتك بالحضارة الغربية.
وفي مدينة كارسون في ولاية كاليفورنيا الأمريكية توجد مؤسسة تجارية ضخمة تنحصر نشاطاتها التجارية في تلبية طلبات الباقين على قيد الحياة، الذين ينفقون مئات الآلاف من الدولارات في شراء كميات ضخمة من المواد الغذائية لخزنها بانتظار الموعد المشئوم، وفي العام الماضي بلغت مبيعات تلك المؤسسة أكثر من مليون دولار.
ومن الشخصيات المعروفة على شاشة التليفزيون الأمريكي شخصية ألان رف الذي
(1/145)

يرشد الناس إلى الطرق السليمة للبقاء على قيد الحياة بعد انتهاء الحضارة الغربية، وبالإضافة إلى برنامجه الأسبوعي فإنه يصدر نشرة شهرية في نفس الموضوع ترسل بالبريد إلى 125000 مشترك، يدفع كل منهم 145 دولارًا مقابل اشتراك سنوي. ومن الفضائح التي يسديها لقرائه التخلص من الودائع النقدية واقتناء الذهب والأحجار الكريمة.
ويبدو أن ولاية كاليفورنيا بالذات تئوي نسبة كبيرة من "الباقين على قيد الحياة"، فمن رواد هذه الحركة هناك شخص اسمه بوب سلون، وهو رب عائلة في الـ51 من العمر، مهنته مهندس ميكانيكي. ويرى بوب أن كل شخص عاقل يجب أن يخزن طعامه وما يلزمه من مياه الشرب، وأن يكيف نفسه على العيش بدون كهرباء ولا بنزين، وأن يدافع عن نفسه ضد الأشخاص الذين لم يتخذوا هذه الاستعدادات، فأخذوا على حين غرة يوم النهاية المحتومة.
وفي هذا المجال فإن بوب يسير في استعداداته دون هوادة، منزله يمتلئ بالمأكولات المعلبة، أما بركة السباحة التي تحتل جزءًا جميلًا من حديقة منزله الخلفية، فقد حولها إلى خزان ماء يتسع لكمية من مياه الشرب تصل إلى 18000 جالون.
وكان بوب قد ضحى بمستقبل مهنته، وبالحياة الرغدة التي كان يتنعم بها في بلدة ريتشموند الأرستقراطية في قلب كاليفورنيا؛ لينتقل بأسرته إلى قرية نائية تقبع بين جبال وعرة تعزلها عن مباهج الحياة في معظم مدن ولاية كاليفورنيا الجذابة.
وإذا كانت القرية الإنجليزية تستعد للدفاع عن نفسها، فإن قرية بوب سلون الأمريكية تستعد للهجوم؛ إذ رسم بوب خطة منذ
(1/146)

الآن للتصرف والأخذ بزمام المبادرة في اللحظة التي تلوح فيها عند الأفق بوادر انهيار المجتمع الأمريكي.
وتقضي الخطة بأن يهب هو ورجاله ممن تحت إمرته للانقضاض على مستودعات الحرس القومي والاستيلاء على عرباته المصفحة ودباباته وأسلحته الثقيلة؛ ولكن ضد من ستستخدم هذه الترسانة من الأسلحة؟ وهل تضم قوات الاحتلال السوفيتية المتصورة الاستيلاء على قرية بوب سلون حتى قبل سقوط واشنطن؟
كلا إن هذه الأسلحة لن تستعمل لإيقاف الزحف السوفيتي عند أبواب قريته؛ بل للقضاء على مواطنيه الأمريكيين؛ إذ يعتقد بوب سلون أنه في حالة انهيار المجتمع الأمريكي سيحاول الكثيرون النزوح إلى قريته "الفاضلة"، والاستفادة من الاستعدادات الكبيرة التي قام بها أهل قريته، ثم ستدب الفوضى ويسود الذعر والقلق، وتنتهي أحلامه وتتحطم آمال الكثيرين الذين وضعوا كل ثقتهم من منقذهم. إذن لا بد من حماية القرية والدفاع عن ثرواتها المخزونة. وبالتالي لا بد من إطلاق قذائف دبابات الحرس القومي على المواطنين الأمريكيين.
وإذا ظن المرء أن تلك مجرد أفكار لن يتم تنفيذها أبدًا، فإن ما يقوم به بوب سلون ورجاله كفيل بإثبات عكس ذلك؛ إذ استأجروا ساحة واسعة وحولوها إلى ميدان تدريب على إطلاق النيران.
وعلى عكس نظرة بوب سلون المتشائمة، فإن زعيمًا لمجموعة أخرى من "الباقين على قيد الحياة" ينتظر بفارغ الصبر سقوط المجتمع الغربي وانهيار حضارته. ويعتقد الشخص هذا الذي يُدْعَى كيرت ساكسون أن انتهاء الحضارة
(1/147)

الغربية المعاصرة أمر لا بد منه؛ ولكن هذه الفكرة بالنسبة له تدعو للإثارة وحب المغامرة.
فانتهاء الحضارة يعني فرصة أخرى للبناء من جديد، وسيقتنص هو وأمثاله هذه الفرصة لدخول التاريخ بإقامتهم مجتمعًا جديدًا يعتمد نجاحه على جهود الباقين على قيد الحياة.
وعلى خلاف بوب سلون، فإن كيرت ساكسون كاتب وناشر وكيميائي، وهوايته جمع المعدات الثقيلة واقتناء الأسلحة. ومن بين مؤلفاته كتاب في أربعة أجزاء بعنوان "البقاء على قيد الحياة". وفيه يرسم صورة لحياة المجتمع الناهض من بين الأنقاض كما يراها ويخطط لها.
وإذا ما تجولت في منزله تشعر وكأنك في مستودع للخردة، فمعظم المعدات التي يقتنيها قديمة يعود بعضها إلى عام 1934. كما حول ركنًا من منزله إلى مختبر صغير لإجراء التجارب على أنواع المواد المتفجرة التي يقوم بإنتاجها، وفي إحدى تلك التجارب انفجرت شحنة مما أدى إلى جرح يده اليسرى؛ بحيث لا يقدر على استعمالها مطلقًا.
وهو في فكرته -عن الاستعدادات التي يجب على المرء أن يتخذها كي يبقى حيًّا- يخالف أفكار ألان رف الذي يناشد أتباعه اقتناء الذهب والأحجار الكريمة؛ لأن كل همه انحصر في اقتناء الأسلحة، ويشرح هذا المخلوق نظريته قائلًا: "سيكون هنالك شخصان: واحد يملك الذهب، والآخر يملك السلاح. وقد يحاول الأول تطبيق نظام المقايضة، فيعرض ذهبه على الثاني مقابل بندقيته؛ ولكن صاحب البندقية يكون في وضع قوي يسمح له باستخدام القوة لانتزاع الذهب من الآخر، وإذا كان الكرم والعفو من شيم أجداده فقد يسمح له بمغادرة المكان حيًّا؟ ".
(1/148)

ب- الرابط بين هذه الوقائع والمعلومات في نسيج واحد والخروج من ذلك بمقولة: إن هناك من الناس الأسوياء من ينظرون بجدية إلى مثل هذه الأمور، ويضرب المحرر لذلك بمثل يؤكد أن هذه القضية أثيرت في أسئلة بعض الامتحانات المدرسية في كاليفورنيا.. بل إن الموضوع كان مادة لاستفتاء علمي في المجتمع الأمريكي:
هذه هي الحياة الجديدة التي يستعد ألان رف -بل عشرات الآلاف من الأمريكيين- لاستقبالها بعد انتهاء الحضارة المعاصرة. وإذا ظن المرء أن فكرة استخدام القوة والأسلحة الثقيلة للقضاء على الذين لم يستعدوا لذلك العصر الأسود تسيطر فقط على عقول أناس مثل بوب سلون، فما عليه إلا أن يحاول الإجابة على هذا السؤال الذي كان جزءًا من امتحانات إحدى المدارس الثانوية في كاليفورنيا في نهاية العام الماضي.
يقول السؤال: اندلعت الحرب النووية ففتكت إشعاعاتها الذرية بكل حي ولم ينجُ سوى 15 شخصًا فروا إلى مخبأ محصن ضد الإشعاع؛ ولكن لسوء الحظ فإن كمية الأغذية المخزونة التي يجب أن تستهلك على مدى المدة التي يظل فيها الإشعاع فتاكًا في البيئة لا تكفي إلا لعشرة أشخاص فقط؛ لذا يجب إخراج خمسة أشخاص ليلاقوا حتفهم، وعلى الطالب أن يقرر أي الأشخاص الخمسة يجب أن يساقوا إلى المذبح؟
وإذا كان الاستغراب من توجيه مثل هذا السؤال إلى طلبة المدارس هو رد الفعل الطبيعي المتوقع، فإن استطلاعًا للرأي على عينات مختلفة من طبقات المجتمع الأمريكي أثار الدهشة الممزوجة بالقلق؛ إذ كان السؤال الذي وُجه إليهم: هل تعتقد أن مصير الحضارة المعاصرة الانهيار والدمار في المستقبل القريب؟ وتفاوتت الأجوبة
(1/149)

لأن ثلاثة من عشرة يعتقدون بنهاية الحضارة المعاصرة؛ نتيجة لسلسلة من الكوارث قد تستغرق أسابيع فقط، وستة من عشرة يرون أن الحضارة بدأت عملية الانحلال منذ مدة، وبتطبيق قانون التسارع فإن النهاية تقترب يومًا بعد يوم وسنة بعد سنة، وقد فات الأوان على إيقاف العجلة.
ولكن الشيء الذي أثار الدهشة والقلق أن شخصًا واحدًا من الذين وجه إليهم هذا السؤال لم يكن ليعتقد أنه سؤال سخيف، وصرفه على أنه كلام فارغ؛ بل انحصرت الاختلافات بين وجهات النظر في الطريقة التي ستنهار فيها الحضارة الغربية.
- أما خاتمة التقرير فقد اختار لها المحرر جانبًا طريفًا يخفف من الكآبة التي يمكن أن تصيب القارئ عندما يفكر في الحرب النووية القادمة.. فقد طلب المحرر من القارئ بأن يقوم بأداء أحد الاختبارات التي وضعها دعاة مقاومة الحرب النووية! ومع أن الاختبار مستحيل أن ينفذ -وخاصة من جانب قراء الصحيفة- إلا أنه حقق أحد وظائف الخاتمة؛ وهي أن تترك صدى لدى القارئ ... عن الموضوع.. حتى لو كان هذا الانطباع مجرد الابتسام لطرافة الموضوع!:
"بدون أي إنذار مسبق، انهض من فراشك في الصباح واقطع جميع إمدادات الكهرباء والغاز والماء عن أهل البيت، وأصدر الأوامر إليهم بالبقاء في المنزل ثلاثة أيام كاملة، لا مدارس، لا عمل، لا تسوق، ولا تسمح لأي فرد باستعمال الهاتف.
الطبخ يجب أن يتم باستعمال الشموع أو بحرق أوراق الصحف القديمة، وإذا شعرت بالبرد فإياك واللجوء إلى التدفئة المركزية؛ بل تلحف بكل ما تقع عليه يدك من ملابس قديمة".
هذا هو الاختيار الذي يطلب أحد دعاة البقاء على قيد الحياة إجراءه لمعرفة مدى استعداد الأفراد لمواجهة نهاية الحضارة الغربية!!
(1/150)

المبحث الثالث: التقرير الإخباري
هو التقرير الذي يهتم -في المقام الأول- بعرض وشرح وتفسير بعض زوايا أو جوانب من الأخبار أو الأحداث أو الوقائع اليومية الجارية.. وهو لذلك يسمى في بعض الأحيان بـ"تقرير المعلومات".. وأحيانًا أخرى يسمى "التقرير الموضوعي"..
ويقوم هذا النوع من التقرير بأداء الوظائف التالية:
1- تقديم بيانات ومعلومات جديدة عن خبر أو حدث لا يستطيع الخبر الصحفي أن يوفيه حقه في النشر1.
2- إبراز زوايا أو جوانب جديدة عن حدث معروف.
3- تقديم الخلفية التاريخية أو الخلفية الوثائقية للخبر أو الحدث الذي يتناوله التقرير. فمن شأن هذه الخلفية أن توضح الجوانب الغامضة أو غير المفهومة في الحدث2. وعلى سبيل المثال فإن من يكتب عن النزاع أو الصراع الأخير بين كمبوديا وفيتنام لا يمكن أن يفهم حقيقة هذا النزاع أو دوافعه -وخاصة أنه يقوم بين دولتين يتبنيان نظامًا اجتماعيًّا واحدًا- بدون الكشف عن خلفيته التاريخية، وارتباطه بالصراع الصيني السوفيتي.
__________
1 فابر، فرانس: الصحافة الاشتراكية، ترجمة: نوال حنبلي وآخرون "معهد الإعداد الإعلامي" دمشق، 1977، ص112، 132.
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/151)

4- تقدم تقييم موضوعي لهذه البيانات، سواء كان ذلك عن طريق الأحكام والاستنتاجات والتعميمات التي تدلى بها الشخصيات التي يستشهد بها كاتب التقرير أو تلك التي يتوصل إليها بنفسه.
والتقرير الإخباري لا بد أن يتصف بصفتين بارزتين:
الأولى: الالتزام بالأسلوب الموضوعي في عرض المعلومات والبيانات والآراء ... ويقصد بالأسلوب الموضوعي هو عدم تحيز الكاتب أثناء سرده للمعلومات، أو أثناء تقييمه لها، أو تعميمه لنتائجها ... لذلك يفضل أن يميز كاتب التقرير تمييزًا واضحًا أثناء كتابة التقرير بين ما هو أخبار أو معلومات أو بيانات بحتة.. وبين ما هو رأي لكاتب التقرير نفسه أو لأي من الشخصيات التي يستشهد بها في التقرير.
الثاني: أنه بنفس القدر الذي يجب أن يهتم فيه كاتب التقرير بتقديم المعلومات والبيانات الجديدة، لا بد أن يهتم أيضًا بتقديم الخلفية التاريخية لموضوع التقرير، خاصة تلك الخلفية ذات الطابع الوثائقي.
والتقرير الإخباري هو الذي يلبي اليوم الاحتياجات الإعلامية للقارئ المعاصر، وخاصة فيما يتعلق بالقضايا الحيوية في المجتمع الحديث ... لذلك يندرج تحت هذا النوع العديد من التقارير؛ مثل: التقرير السياسي1، والتقرير الاقتصادي، والتقارير التي تعرض للحروب والأزمات والكوارث والزلازل.. كذلك يندرج هذا النوع التقارير المعنية بشئون التعليم والصحة والعلوم.
ونحن نعتقد أن الجزء الأكبر من مجالات التقرير الإخباري تنصرف إلى تغطية "الأخبار الجادة Hard News"، وهي الأخبار التي تحيط القراء علمًا بالأحوال والمواقف الهامة التي من شأنها التأثير في حياتهم ومستقبلهم إن آجلًا أو عاجلًا؛ مثل: أخبار الشئون العامة Public affair والشئون الاقتصادية economic affair والمشاكل الاجتماعية social problem والعلوم Science والتعليم education ورجال المال Wealthers والصحة health وما يشابه ذلك من الشئون. أما الجانب القليل من التقارير الإخبارية فهو الذي ينصرف إلى تغطية الأخبار الخفيفة Soft News، وهي الأخبار التي تثير اهتمام القراء وتسليهم مثل أخبار الطرائف وأخبار الرياضة وأخبار المجتمع وحوادث التصادم والجرائم والنكبات والجنس2. والتقرير الإخباري شأنه شأن بقية الأنواع من التقارير يكتب بقالب الهرم المعتدل.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/152)

نموذج للتقرير الإخباري:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
1
- بدأ المحرر تقريره الإخباري عن الاضطرابات العمالية في بولدنا بمقدمة، حاول فيها أن يلخص أبرز وقائع الحدث البولوني ونتائجه؛ فالمقدمة هنا تقوم حول واقعة ملموسة يحاول المحرر تفسير بعض زواياها:
- تعيش بولونيا منذ مطلع شهر تموز "يوليو" الماضي نقمة شعبية متصاعدة، وصلت إلى ذروتها في أواسط هذا الشهر مع امتداد الإضرابات العمالية إلى عدد كبير من المصانع في مناطق عديدة، مما أجبر السلطة على القبول
__________
1 المستقبل - 30 أغسطس سنة 1980.
(1/153)

بعد رفض استمر أسابيع، بمحاورة ممثلي العمال المضربين؛ إذ تنكر هؤلاء لتمثيل النقابات العمالية الرسمية لهم، هذه النقابات الواقعة تحت التأثير المباشر للحزب الشيوعي الحاكم.
- بعد المقدمة دخل المحرر في جسم التقرير الإخباري؛ حيث وضع في مركز الصدارة فقرة من المعلومات الخلفية التاريخية عن الأحداث المثيلة لهذه الإضرابات العمالية في التاريخ البولندي القريب:
وإذا كانت هذه الموجة من النقمة الشعبية ضد النظام في بولونيا ليست الأولى؛ إذ سبقتها تحركات عمالية وشعبية أخرى في الأعوام 1956 و1970 و1976 جرى قمعها بالقوة، فإنها تبدو الأكثر شمولًا منذ قيام النظام المقرب من الاتحاد السوفيتي في سنة 1945، والأكثر جذرية كونها تطرح -إضافة إلى المطالب الاقتصادية- مطالب سياسية يصعب على النظام الحاكم تلبيتها من دون أن يشكل ذلك تحولًا أساسيًّا في بنيته وفي سياسته الداخلية والخارجية.
- وفي الفقرة التالية من جسم التقرير أخذ المحرر يقدم بعض ملاحظاته حول طبيعة هذا الحدث:
على أن أول ما يلفت النظر فيما تشهده بولونيا اليوم هو عدم لجوء السلطة إلى العنف لمواجهة حركة الإضراب التي تشل جزءًا كبيرًا من الاقتصاد الوطني منذ أسابيع؛ بل فإن وسائل الإعلام الرسمية تتداول أخبار الإضراب وتعقد على التليفزيون والراديو الرسميين ندوات مناقشة حول الموضوع، بعد أن مارست وسائل الإعلام هذه تعتيمًا كاملًا حول ما يجري استمر حتى أوائل هذا الشهر عندما ظهر أن هذا التعتيم لم يمنع امتداد الإضرابات وتزايدها.
(1/154)

ذلك أن النقمة الشعبية هي تحرك عفوي، جاء بمثابة الرد على وضع اقتصادي متأزم لم تشهده بولونيا في تاريخها الحديث، لدرجة أن ثمة شبح مجاعة يخيم على البلاد، ويدفع السكان إلى تفريغ كل مخازن التموين من محتوياتها كل يوم تحسبًا لفقدان المواد الغذائية الضرورية.
- أما بقية فقرات جسم التقرير، فقد استهدفت عرض وشرح وتفسير بعض زوايا أو جوانب الحدث البولوني ودلالاته:
ومن الطبيعي أن يسود هذا القلق البلاد. فالمأزق الاقتصادي الذي تجتازه بولونيا هو الأصعب من بين كل الدول الاشتراكية، فبولونيا وحدها مدينة للعالم الغربي بـ20 مليار دولار "العالم الاشتراكي كله -بما فيه بولونيا- مدين بمبلغ 80 مليار دولار للعالم الغربي" عليها تسديدها مع فائدتها، مما يشكل مبلغ 6 مليارات دولار سنويًّا، وهو عمليًّا ما تستطيع تأمينه البلاد من العملات الصعبة بفضل صادراتها من الفحم الحجري، ويفرض عليها الاستدانة لاستيراد كل ما تحتاج إليه من الخارج.
وبالإضافة إلى الديون المتراكمة على الاقتصاد البولوني، فإن هذا الاقتصاد يعيش أزمة داخلية قوية. فلقد انخفض الناتج الوطني عام 1979 بنسبة 1، 2% ولم تتوصل الصناعة إلا إلى تحقيق حوالي 55% من النمو المطلوب في الإنتاج. كذلك يعاني الاقتصاد البولوني من الارتفاع المضطرد في أسعار المواد التي يستوردها من البلدان الغربية ومن تضخم الاقتصاد العالمي، زيادة على ذلك تبدو العملة الوطنية
(1/155)

الـ"زلوتي" وكأنها لا تساوي شيئًا يذكر بالمقارنة مع العملات الصعبة. يضاف إلى هذه اللوحة القاتمة المحصول الزراعي السيئ للسنوات الأخيرة، واضطرار بولونيا بعد تخفيف الاتحاد السوفيتي من صادراته النفطية إليها، إلى شراء النفط من السوق السوداء بأسعار عالية جدًّا "حوالي 35 دولارًا للبرميل الواحد" وطبعًا إلي دفعه بـ"العملات الصعبة".
وهكذا يتعمق مأزق الاقتصاد البولوني تحت هاجس أساسي: من أين وكيف الحصول على العملات الصعبة؟ والجواب كان ولا يزال نفسه: الاستدانة ... وزيادة الإنتاج داخليًّا للتمكن من زيادة الصادرات وزيادة الأسعار داخليًّا لمواجهة هذه الحركة التضخمية. ففي 1979 رواحت زيادة الأسعار بين 14 و16% بينما بقيت الرواتب على حالها تقريبًا.
غير أن الشعرة التي قصمت ظهر البعير جاءت في مطلع هذا الصيف مع زيادة أسعار اللحم وتخفيف مصاريف الدولة للتمكن من إيقاف تفاقم العجز. فإذا بكل شيء في البلاد يهتز: مئات الآلاف من العمال يتوقفون عن العمل، ويحتلون المصانع، ويعلنون إضرابًا مفتوحًا مشكلين لجانًا تمثلهم، ويطالبون -إضافة إلى زيادة الرواتب وتخفيض أسعار اللحم- بمطالب سياسية؛ أهمها: تشكيل نقابات حرة، وجعل النقابات القائمة عمالية فعلًا، وليس مجرد نقابات صورية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، والتعهد بعدم ملاحقة المضربين ومنظمي الإضراب، والسماح للكنيسة باستعمال وسائل الإعلام، وإلغاء المعاملة الخاصة لرجال الشرطة،
(1/156)

وبناء نصب تذكاري لشهداء إضرابات 1970، ونشر كامل المطالب في كل وسائل الإعلام ... إلخ.
وأمام إصرار المضربين على هذه اللائحة الطويلة من المطالب "التي تضمنت حوالي 37 مطلبًا" وافقت الدولة على زيادة الرواتب، وتخفيض بعض الأسعار، وتوجه رئيس الحكومة إدوارد بابيوش إلى الشعب عبر وسائل الإعلام، ثم تبعه الرجل الأول في البلاد إدوارد غيريك في محاولة للفصل بين المطالب السياسية والمطالب الاقتصادية ... لكن المضربين أصروا على عدم التنازل عن أي مطلب.
وظهر لفترة أن السلطة قررت التصلب؛ إذ اعتقلت بعض قادة الإضرابات ... لكن الحزب عقد فجأة مطلع هذا الأسبوع اجتماعات طارئة على أعلى المستويات، وظهر غيريك على شاشة التليفزيون مساء الأحد ليعلن -ولأول مرة في التاريخ الحديث لأوربا الشرقية- تجاوب القيادة مع أهم مطالب القاعدة، وإعفاء رئيس الحكومة وعدد من الوزراء من مناصبهم، والاعتراف علنًا بوجود أخطاء، وبضرورة مراجعة السياسة الاقتصادية التي تتبعها الحكومة.
- وفي خاتمة التقرير نجد المحرر يحاول تلخيص تقييمه للحدث البولوني معتمدًا في هذا التقييم على ما سبق، وقدمه في جسم التقرير من معلومات وشواهد ومعلومات خلفية، وهو في الخاتمة أيضًا يحاول أن يطرح استنتاجاته الخاصة حول تطور الحدث البولوني، وما سوف يسفر عنه في المستقبل:
... وارتاح الوضع في بولونيا؛ لكن شيئًا لم يحسم بعد، فكل مرة يتحرك فيها العمال في بولونيا يتغير فورًا رئيس الوزراء، هكذا
(1/157)

حصل عام 1956 وعام 1970 ... وبعد أشهر كادت تعود الأزمة إلى ما كانت عليه.
هذه المرة تنازلت السلطة جديًّا أمام شمولية النقمة الشعبية؛ لكن يجب الانتظار لمعرفة ما إذا كان هذا التنازل يعبر عن تغير جدي في السياسة الداخلية أو هو تدبير مهدئ.
وبديهي أن الأهم اليوم هو معرفة رأي موسكو بالتوجه الجديد للنظام البولوني الذي فاجأ العالم، وخاصة الإعلام الغربي الذي صوره "بعبعًا" يمهد لتحويل بولونيا إلى أفغانستان جديدة.
لكن هذا لم يحدث.
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ويلاحظ بشكل عام حول هذا التقرير أن المحرر التزم بالموضوعية فيما يتعلق بسرد الأحداث؛ ولكنه في نفس الوقت استخدم هذه الأحداث لتقديم تفسيرات تخدم وجهة نظره، كذلك يلاحظ اهتمام المحرر بتقديم أكبر كمية من المعلومات الخلفية عن الحدث، سواء في فقرات مستقلة أو بين السطور.
(1/158)

المبحث الرابع: التقرير الحي
هو التقرير الذي يركز على التصوير الحي للوقائع والأحداث.. فهو يهتم برسم صورة الوقائع أو الأحداث أكثر مما يهتم بشرحها أو تحليلها أو تفسيرها.
فالتقرير الحي يشترك مع التقرير الإخباري في أنهما يتناولان الوقائع والأحداث الجارية ... ولكن في حين يركز التقرير الإخباري على سرد البيانات والمعلومات حول هذه الواقعة وتحليلها وتقييمها.. نجد التقرير الحي يركز على وصف الحدث نفسه أو الواقعة ذاتها.
فالتقرير الحي يقوم بأداء الوظائف التالية:
1- وصف الحدث، والظروف المحيطة به، والمناخ الذي تم فيه، والناس الذين ارتبطوا به.
2- عرض وتصوير وتسجيل التجارب الذاتية، سواء تجارب المحرر -كاتب التقرير- نفسه مع الحدث أو تجارب الأشخاص الذين يمسهم الحدث أو الذين لهم علاقة به ... وهو كثيرًا ما يدع الناس يتكلمون بأنفسهم، ويرسمون بتعبيراتهم الخاصة صورة الحدث كما وقع أو كما تصوره وهو يقع.
3- التعبير عن الأفكار والمشاعر الشخصية لكاتب التقرير أو الأشخاص الذين يدور حولهم الحدث، ويعكس رؤيتهم الخاصة للحدث.
(1/159)

4- أن يجعل القارئ يعيش في الحدث نفسه ... وكأنه شارك في رؤية الحدث.
والتقرير الحي قد يستعين في كثير من الأحوال بالعديد من الأدوات والأشكال التي يستعين بها التحقيق الصحفي دائمًا أن الفرق الجوهري بين التحقيق الصحفي والتقرير الحي هو أن التقرير يكتفي بالتركيز على زاوية واحدة فقط من زوايا الموضوع أو القضية أو الحدث، في حين يهتم التحقيق الصحفي بموضوع القضية ككل، أو بالعناصر الجوهرية في القضية، لا بعنصر واحد منها فقط كما يفعل التقرير الصحفي.. ثم إن التقرير الحي يقوم على التركيز الشديد في حين ينفسح المجال أمام التحقيق الصحفي للإسهاب في عرض القضية أو المشكلة بجميع جوانبها واشتراك كل أطرافها1.
ينصرف الجزء الأكبر من التقارير الحية إلى تغطية الأخبار الخفيفة soft News ولكن في نفس الوقت هناك جانب غير قليل من التقارير الحية تعطي الأخبار الثقيلة Hard News مثل التقارير التي تغطي الجلسات البرلمانية، والاجتماعات الحزبية، والمعارك الانتخابية، والمؤتمرات السياسية، والاحتفالات القومية، والعروض العسكرية، وغير ذلك من المجالات.
والتقرير الحي يكتب أيضًا بطريقة قالب الهرم المعتدل.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/160)

نموذج للتقرير الحي:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
1
__________
1 الأهرام - 1/ 3/ 1979.
(1/161)

- بدأ المحرر الرياضي للأهرام تقريره عن المباراة بين فريق الأهلي لكرة القدم مع فريق المصري في إحدى مباريات مسابقة الدوري العام في مصر.. بمقدمة حاول فيها أن يرسم صورة للروح العامة للمباراة ... حيث ركز على وصف الحدث نفسه ... وهو هنا المباراة.. أكثر مما ركز على سرد وقائعه وتفاصيله:
احتاج الأهلي المصري بأربعة أهداف للا شيء، سجلت كلها على مدى ربع الساعة الأخير من الشوط الأول، ويمكن الآن القول بأن الفرسان الحمر قد ضمنوا استعادة بطولتهم التي فقدوها في الموسم الماضي بغرابة بالغة، ووراء الفوز الثقيل حدث مميز؛ ألا وهو عودة الخطيب في توقيت بالغ الحساسية وبعد غيبة 11 مباراة لقيادة فرسانه، وبكل ما تعنيه العودة من حلاوة في الأداء، وثقة في النفوس، وفاعلية بلا حدود للهجمات، وعلى مدى الشوط الأول الذي سجل خلاله الأهلي الأهداف الأربعة -وهي أعلى نسبة يسجلها منذ بداية الدور الثاني للمسابقة- تمكن النجم العائد -برغم عدم اكتمال لياقته- من تسجيل هدف والمشاركة في آخر، علاوة على التمريرات البينية القاتلة لزملائه، وكم تأثرت الفاعلية أثر خروجه بعد ربع الساعة من بداية الشوط الثاني، التي لم تهتز الشباك خلاله ولو لمرة واحدة.
- أما جسم التقرير، فقد وضع المحرر في مطلعه تشكيل كل من الفريقين المتباريين:
التشكيل: مثل الأهلي: ثابت البطل - أحمد عبد الباقي ومصطفى يونس وماهر همام وفتحي مبروك - جمال عبد الحميد وخالد جاد الله ومختار مختار - مصطفى عبده ومحمود الخطيب وشريف عبد المنعم.
(1/162)

وفي بداية الشوط الثاني اشترك طاهر الشيخ بدلًا من شريف؛ لإحساسه بشد عضلي خفيف، ثم اشترك مجدي عبد الغني بدلًا من الخطيب بعد مرور 15 دقيقة.
مثل المصري: فاروق رضوان - صلاح سليم والخضري والزهار وعليوة محمد طه وأحمد متولي والصفتي - مسعد السقا ومسعد نور وجمال فؤاد.
وفي بداية الشوط الثاني اشترك الحارس حسين صالح بدلًا من زميله رضوان.
- أما الفقرات التالية من جسم التقرير، فقد خصصها المحرر لوصف أحداث المباراة ... ويلاحظ حرص المحرر في أن يجعل القارئ يعيش الحدث نفسه -أي: المباراة- بحيث إن القارئ الذي لم يشاهد المباراة يمكنه أن يأخذ صورة حية لما حدث فيها، وكأنه كان يشهدها بالفعل!:
بداية عصيبة: ظهر المصري كمنافس مشاكس منذ بداية الشوط الأول، بينما اتسم أداء الأهلي بالعصبية نظرًا لأهمية المباراة. وتلوح فرصة مبكرة لشريف الذي احتل مركزًا طيبًا في الساعد الأيمن؛ ولكن الكرة ارتطمت بساقه، ويلجأ ثلاثي هجوم المصري إلى البقاء في الأمام كحركة ذكية لمنع خط ظهر الأهلي من التقدم والذي قل من أفراده الاشتراك في الكرات مع المهاجمين المنافسين، فتعرض مرمى ثابت لبعض الحرج، وبداية من الدقيقة التاسعة يبدأ الخطيب سلسلة من الألعاب المثيرة التي تبدأ بتسديدة قوية تسقط من يدي الحارس رضوان وترتد الكرة بالغة الخطر لمسعد نور؛ ولكنه يتردد في التسديد فيفوته القطار، ويعود الخطيب فيراوغ كالثعلب ويرسل أولى هداياه الثمينة إلى خالد الذي يسدد في يدي الحارس. ثم يترفق القدر
(1/163)

بعبد الباقي الذي فقد الكرة في مراوغة خاطئة، وكاد يدفع الثمن غاليًا؛ ولكن مسعد سدد فوق العارضة. وكأنما رأى يونس أن الأمر قد زاد حدة فرفع علم الإجادة وساهم بقدر وافر في القضاء على أي بادرة خطورة حتى نهاية المباراة، وينشط مصطفى عبده فجأة وبقوة ويطيح بالدفاع الأيسر للمصري؛ ولكنه يضيع فرصتين هائلتين بالتسديد أعلى العارضة. ومن تمريرة رائعة أخرى للخطيب يسدد عبده فترتد إلى شريف؛ ولكنه يسدد بعيدًا من المرمى.
هدف لمبروك: في الدقيقة 31 يتبادل خالد ومختار الكرة التي تصل إلى عبد الباقي ومنه إلى شريف الذي احتل مكانًا في أقصى الجناح الأيمن، ويرفع الكرة عالية لتتخطى الكل وتصل إلى فتحي مبروك المتابع -كما يجب- وينقض عليها بقوة برأسه لتسكن الشباك وتسجل هدفًا طال انتظاره وتصبح نقطة تحول لسير المباراة.
هدف لمختار: أثار هدف مبروك هياجًا هائلًا في أداء الزي الأحمر الذي ضغط بشدة بالغة. وفي الدقيقة 36 يتحكم الكابتن العائد في الكرة ويسدد في المرمى فترتد إليه الكرة ثانية في مكان منحرف جهة اليمين، فيعيد تسديدها فتلمس يدي الحارس وتصل إلى مختار، فلا يجد صعوبة في إيداعها المرمى مسجلًا هدفًا ثانيًا معززًا.
هدف للخطيب: وفي الدقيقة 40 يأتي دور الخطيب للتسجيل، وأثر كرة عرضية من عبد الباقي يوقف الخطيب الكرة على صدره ويسددها أرضية بالقدم اليمنى ببراعة خبير لتسكن الزاوية اليمنى للمرمى كالسهم الزاحف.
هدف لشريف: في الدقيقة 44 يمر خالد الكرة إلى عبده الذي ينطلق متخطيًا الظهير سليم
(1/164)

ويرسلها عرضية بارتفاع نصف متر، وإذا بالأرض تنشق عن شريف عبد المنعم الذي يسددها برأسه من الوضع طائرًا ببراعة ومرونة فائقة لتسكن الزاوية اليسرى من المرمى مسجلة رابع وآخر الأهداف.
شوط عقيم: على مدى الربع الساعة الأول من بداية الشوط الثاني -أي: فترة وجود الخطيب- سنحت للأهلي ثلاث فرص مؤكدة للتسجيل؛ الأولى تمثلت في تمريرة عرضية سريعة للخطيب، قابلها جمال عبد الحميد وعن قرب من الوضع راقدًا فأضاعها، والثانية وأثر تمريرة أخرى بينية من الخطيب لمختار الذي سدد بجوار القائم الأيسر تمامًا، ومن ضربة ركنية لعبده سدد الشيخ الكرة بالرأس في العارضة، ثم يشترك مجدي عبد الغني بدلًا من الخطيب ويتقدم جمال كرأس حربة.. ورويدًا يهدأ أداء الأهلي ويقل مستواه في الوقت الذي ينشط فيه المصري، ويزداد تحكمه في الكرة، يساعده في ذلك عدة أخطاء في أداء الأهلي، تمثلت في انضمام مختار للداخل بدلًا من الفتح في الجناح، والتمرير غير المتقن من الوسط خاصة من مجدي عبد الغني، ويتعرض ثابت لبعض الهجمات الخطيرة وإن كانت قليلة. ولا يخلو الأمر من خطورة للأهلي؛ إحداها تمثلت في ضربة رأس من الشيخ في يدي الحارس.
- وفي النهاية وضع المحرر في خاتمة التقرير تقييمه للمباراة، ورأيه في بعض اللاعبين، وكذلك رأيه في التحكيم:
وبجانب الاختلاف البين في أداء الأهلي ما بين جدية فائقة وأهداف متتالية في الشوط الأول، ثم هدوء وارتباك وعقم في الثاني، فلقد بذل المصري أقصى ما في الوسع، وكان خصمًا شريفًا، فلم يلجأ في أي وقت برغم ثقل الهزيمة لعنف أو خشونة، وفي مقام الإجادة المميزة فهناك الحكم عبد الله فكري، ثم الخطيب ويونس وماهر وعبد الباقي ومبروك، بجانب مسعد نور والسقا والصفتي.
(1/165)

المبحث الخامس: تقرير عرض الشخصيات
هو التقرير الذي يهتم بعرض شخصية ما من الشخصيات المرتبطة بالأحداث، أو التي تلعب دورًا بارزًا في المجتمع المحلي أو المجتمع الدولي.
فعندما تنجح أنديرا غاندي رئيسة الوزراء السابقة للهند في انتخابات فرعية للبرلمان الهندي رغم تكتل الحكومة ضدها.. فإن ذلك قد يدفع الصحفي إلى عدم الاكتفاء بكتابة تقرير إخباري عن هذه الانتخابات ودلالاتها ونتائجها وأثرها على الحياة السياسية في الهند ... وإنما لأن يكتب تقريرًا صحفيًّا يعرض فيه ويحلل شخصية أنديرا غاندي وتاريخها السياسي وملامح شخصيتها ومدى طموحها السياسي وفكرها السياسي والاجتماعي وطموحاتها للمستقبل.
وعندئذ قد يبرز سؤال: ما هو الفرق بين تقرير عرض الأشخاص وبين الحديث الصحفي؟
لنعد أولًا إلى تعريف الحديث الصحفي وبعدها يمكن أن ندرك الفرق بينه وبين التقرير الصحفي، وخاصة تقرير عرض الأشخاص.
إن الحديث الصحفي قد يقوم على الحوار بين الصحفي وبين شخصية عامة في المجتمع المحلي أو العالمي.. وهو حوار قد يستهدف الحصول على أخبار ومعلومات وحقائق جديدة أو شرح وجهات نظر معينة أو تصوير جوانب طريفة أو مسلية في حياة هذه الشخصية1.
__________
اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/167)

والحديث الصحفي قد يُجْرَى مع شخص واحد أو عدة أشخاص كما هو الأمر في الاستفتاء الصحفي.. وقد يجريه محرر واحد أو عدة محررين كما هو الشأن في المؤتمر الصحفي.
والحديث الصحفي لا يستهدف الإجابة على السؤال "ماذا"؛ ولكنه يستهدف بالدرجة الأولى الإجابة على سؤال "لماذا؟ ".
والحديث الصحفي فن مستقل بذاته؛ ولكن هذا لا يمنع من أن يكون "أداة" للحصول على خبر صحفي.. أو أن يكون جزءًا من تحقيق صحفي.
وفي هاتين الحالتين -أي: عندما يكون أداة للحصول على خبر، وعندما يكون جزءًا من تحقيق صحفي- يقف فقط عند حد "المقابلة الصحفية".. أي: يقف عند عملية الإجراءات التي تنتهي بإجراء الحديث.. أما بعد ذلك فيختلف الحديث الصحفي كفن من فنون التحرير الصحفي ... عن المقابلات الصحفية التي تدخل في فن الخبر الصحفي أو في فن التحقيق الصحفي.. أي: أن الفرق يبدأ عند بدء مرحلة الكتابة الصحفية أو التحرير الصحفي1.
أما التقرير الصحفي الذي يعرض الأشخاص، فهو لا يهتم -بالدرجة لأولى- بإجراء حوار مع الشخصية موضوع التقرير، كما هو الشأن في الحديث الصحفي؛ وإنما يهتم بالدرجة الأولى بالرسم المتقن لملامح هذه الشخصية2.
وقد يجري كاتب هذا اللون من التقارير حوارًا مع الشخصية موضوع التقرير؛ ولكن الحوار يجيء في المرتبة الثانية أو الثالثة في الأهمية، وقد لا يستفيد المحرر من هذه المقابلة في الحصول على أخبار أو آراء أو تصريحات؛ وإنما قد يركز استفادته في أخذ فكرة عن ملامح هذه الشخصية وطريقة تفكيرها وأسلوب حياتها، وإن كان هذا لا يمنع المحرر من الاستفادة بأقوال أو تصريحات لهذه الشخصية إذا كان مضمونها يخدم موضوع التقرير3.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
2 فايز فرانس: الصحافة الاشتراكية ص137-146.
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/168)

إن تقرير عرض الأشخاص يقوم بأداء الوظائف التالية:
1- الرسم المتقن للشخصيات المشتركة في الأحداث اليومية الجارية.
2- تصوير عملية الصراع بين الإنسان والطبيعة أو الإنسان والمجتمع أو الإنسان والمرض أو الإنسان والإنسان؛ من أجل الشهرة أو المجد أو المال؛ مثل: صراع أنديرا غاندي من أجل المجد، وصراع جاكلين كيندي من أجل الشهرة، وصراع الرئيس بومدين مع المرض، وصراع شاه إيران مع شعبه.. وصراع الإمام الخميني مع الشاه، وغير ذلك من ألوان الصراع.
وكاتب هذا اللون من التقارير الذي يعرض الأشخاص لا بد أن يحرص كي لا يقع في المحاذير التالية:
1- أن يحرص على الرسم المتقن للشخصية التي يعرضها والتعبير الصادق عن أفكارها وأسلوب حياتها. فلا يضع على لسان الشخصية آراء أو أقوالًا لم تقلها.
2- أن يحرص كاتب التقرير على أن يميز تمييزًا واضحًا بين آراء الشخصية وانطباعاتها عن الشخص موضوع التقرير وبين آراء هذا الشخص نفسه.
3- أن يحذر كاتب التقرير من الوقوع في خطأ الإيحاء بأن أفكار الشخصية موضوع التقرير تتوافق مع الأفكار التي يطرحها المحرر نفسه عن هذه الشخصية. فإن هذا يجعل التقرير أقرب إلى الدعاية الشخصية عن الشخص موضوع التقرير، وهو الأمر الذي يفقد التقرير الصحفي موضوعيته، ويفقد القارئ ثقته في كاتب التقرير نفسه.
وتقرير عرض الأشخاص مثله مثل التقرير الإخباري والتقرير الحي.. يكتب بقالب الهرم المعتدل.
(1/169)

نموذج لتقرير عرض الشخصيات:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
1
- اختار المحرر أن يبدأ تقريره عن أدموند ماسكي وزير الخارجية الجديد للولايات المتحدة الأمريكية بأن يكشف عن دلالة هذا التعيين ومبرراته بالنسبة للرئيس الأمريكي جيمي كارتر:
__________
1 المجلة - 10 مايو سنة 1980.
(1/170)

يعتبر اختيار الرئيس كارتر السناتور أدموند ماسكي كوزير جديد للخارجية خلفًا للوزير المستقيل سايروس فانس، إشارة إلى عدم الاستسلام للأحداث التي أوقعت إدارة كارتر في مأزق كبير في أعقاب العملية الفاشلة لإنقاذ الرهائن في إيران. والسناتور ماسكي يحظى باحترام كبير في واشنطن والولايات المتحدة، ومعروف جيدًا في الخارج.
- وفي جسم التقرير أخذ المحرر في رسم صورة دقيقة لشخصية وزير الخارجية الأمريكي الجديد؛ حيث بدأ باستعراض آرائه السياسية، وخاصة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية:
ومن المعلوم أن الوزير الجديد على اطلاع على القضايا والشئون الخارجية طوال السنوات الـ22 الماضية. كما يعتبر أنه ينتمي إلى المدرسة ذاتها التي انتمى إليها معظم الأمريكيين الذين كانت لهم طموحات في الوصول إلى كرسي الرئاسة الأمريكية.
فموقف ماسكي من موسكو أقرب إلى مواقف فانس منها من مواقف بريجنسكي، إلا أن الرجل الذي أيد الحد من التسلح النووي وإشراك الكرملين في إيجاد الحلول للمشاكل الدولية التي تهم البلدين انحاز عن هذا الخط ليعلن أثر التدخل العسكري السوفيتي في أفغانستان عن موقف يقربه من بريجنسكي أكثر. ثم جاء التدخل العسكري الأمريكي الفاشل في إيران فأعلن ماسكي عن تأييده له، وهذا ما قربه إلى بريجنسكي أيضًا.
القراءات الأولية للمؤشرات السياسية المستجدة في العاصمة الأمريكية تدل على أن الرئيس جيمي كارتر أراد من خلال تعيينه السيد ماسكي أن يطمئن الحلفاء الأوربيين، الذين لا تبهرهم عنتريات بريجنسكي إلى أنه سيعتمد سياسة مكملة للسياسة التي كان ينفذها سايروس فانس
(1/171)

وهي التي تتضمن المزيد من التعاون مع أوربا، وتخفيف حدة التهديدات العسكرية لإيران، وإفساح المجال أمام الإجراءات التي اتخذها الحلفاء لإنهاء الأزمة.
- ثم تعرض المحرر لموقف ماسكي من النزاع العربي الإسرائيلي.. وأفرد لهذا الموقف مساحة كبيرة من الموضوع.. وهو أمر لا يُلام عليه المحرر؛ لأنه يكتب التقرير في مجلة عربية ليقرأه قراء عرب يهمهم بالطبع موقف وزير الخارجية الأمريكي الجديد من قضية فلسطين ومن مجمل النزاع العربي الإسرائيلي:
لقد انتهج لنفسه خطًّا سياسيًّا مواليًا لإسرائيل خلال كافة عمليات التصويت التي رافقت حياته السياسية، وهذه ظاهرة نموذجية لمعظم -إن لم يكن لكافة- أولئك الذين تراودهم طموحات في الوصول إلى منصب رئاسة الجمهورية.
وسجل ماسكي حافل بالتأييد لإسرائيل في كل القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط. إلا أنه عام 1978 صوت إلى جانب صفقة طائرات "ف-15" للمملكة العربية السعودية؛ لكنه في العام التالي صوت إلى جانب مشروع لتعديل القانون الذي عرضه سناتور نيويورك اليهودي جاكوب جافيتس، والذي دعا إلى فرض قيود على سمة الدخول الممنوحة لممثلي منظمة التحرير الفلسطينية الراغبين في زيارة الولايات المتحدة. كذلك صوت ماسكي ضد التعديل المقدَّم من قبل سناتور ولاية كارولينا الشمالية الجمهوري جيسي هيلمز، الذي دعا إلى تجميد مبلغ 4.8 بلايين دولار لإسرائيل ما لم تقم بالتوقيع على معاهدة عدم تزايد السكان؛ لكن مناقشة التعديل توقفت فيما بعد؛ نظرًا إلى انعدام التأييد والمساندة له، ثم عاد ماسكي في وقت لاحق إلى تأييد المشروع دون قيد أو شرط.
- ثم عرض المحرر لبعض الجوانب الشخصية في صورة أدموند ماسكي:
(1/172)

والمعروف عن ماسكي أنه شخص عاطفي، حاد الطباع وفظ، فخلال سعيه إلى ترشيح نفسه للرئاسة عام 1972، لم يتمكن من أن يتحمل الضغط الذي مارسه تجاهه رئيس تحرير جريدة محافظة في نيوهمشاير.
وعندما كتب هذا الأخير مقالة هاجم فيها زوجة السناتور ماسكي، وتعرض لها بالنقد والتجريح، بكى ماسكي أمام الجمهور، وانسحب على أثر ذلك من المعركة.
- ثم أشار المحرر في مجال عرضه لملامح شخصية ماسكي إلى ما تردد عن صراع محتمل بينه وبين زبيغنيو بريجنسكي مستشار الرئيس كارتر لشئون الأمن القومي:
- نصح أحد الشيوخ الأمريكيين زميله السابق وزير الخارجية الجديد أدمون ماسكي بشراء قفازات للملاكمة تحضيرًا للجولة الأولى التي سيقوم بها مع مستشار الرئيس كارتر لشئون الأمن القومي البولوني الكاثوليكي مثله زبيغنيو بريجنسكي.. فرد الوزير الجديد الواثق جدًّا من كلامه: لقد وعد الرئيس كارتر عند عرضه عليَّ هذه الوظيفة بأن أكون أنا الناطق الرسمي باسم خارجية هذه البلاد وليس سواي. وكان يعني بالطبع بريجنسكي الذي تسبب إلى حد كبير في استقالة سايروس فانس وزير الخارجية السابق.
- ثم ينهي المحرر تقريره عن ماسكي بخاتمة قصيرة؛ ولكنها تحمل خلاصة رأيه في وزير خارجية أمريكا الجديد:
(1/173)

وإذا كان الرئيس كارتر يعاني من عدم الخبرة في شئون وشجون واشنطن السياسية فأدمون ماسكي يعرف هذه المدينة جيدًا، وسيقدم كل العون لكارتر.
- أما أهم ما يؤخذ على هذا التقرير فهو خلوه من المعلومات الخلفية التاريخية عن وزير الخارجية الأمريكي الجديد؛ مثل: سنوات عمره، وتاريخه العلمي والسياسي.. وكذلك لم يقدم أية تفاصيل عن أسرته.. وهي أشياء ضرورية في مثل هذه التقارير.
- ويبقى أن نسجل بعض الملاحظات العامة حول فن التقرير الصحفي؛ وهي:
أولًا: من الضروري إدراك أنه لا يوجد فصل تام بين أنواع التقرير الصحفي الثلاثة، فهناك تقارير كثيرة قد تجمع بين صفات التقرير الإخباري.. وفي نفس الوقت تحمل أيضًا بعضًا من صفات التقرير الحي.. فالصحافة مهنة لا تعرف الحدود الصارمة القاطعة بين الفنون الصحفية.
ثانيًا: من الضروري أن يحرص كاتب التقرير الصحفي على اختيار الوقائع والبيانات التي يضمها التقرير بدقة وعناية؛ بحيث لا ينتقي منها سوى تلك المعلومات أو البيانات أو الوقائع التي تساعد على إقناع القارئ بموضوع التقرير ... فكثيرًا ما يجد المحرر كاتب التقرير بين يديه كم كبير من المعلومات؛ بحيث لا يغريه بكتابة أية معلومة أو واقعة تقع بين يديه؛ وإنما يكتفي بنشر تلك المعلومات والبيانات الأساسية والضرورية في الموضوع ... والكافية لإقناع القارئ بموضوع التقرير، والتي ترد على تساؤلاته حول الموضوع.
كذلك فإذا وجد المحرر أن المعلومات أو البيانات أو الوقائع التي بين يديه غير كافية لتغطية جوانب موضوع التقرير، عليه أن يكتفي بتقديم أهم هذه الوقائع أو البيانات في شكل خبر صحفي فقط، ولا داعي إلى تحويلها إلى تقرير صحفي.. فكثيرًا ما يشارك الصحفي في حضور ندوة أو اجتماع أو مهرجان
(1/174)

ولا يجد فيها ما يستحق أن يكون مادة لتقرير صحفي.. وفي هذه الحالة لا يحتاج تغطية مثل هذه الندوات أو المهرجانات لسوى خبر صحفي فقط، فإن أسوأ التقارير هي التي تعتمد على مادة غير كافية لإشباع حاجة القارئ إلى المعلومات حول موضوع التقرير1.
ثالثًا: لا بد أن يكون لكل تقرير صحفي هدف واضح وخطة معينة.. وعلى ضوء هذا الهدف وعلى أساس من هذه الخطة يجب أن يختار الصحفي المعلومات والبيانات التي تخدم هذا الهدف.
رابعًا: يجب أن يحرص كاتب التقرير على الالتزام بالموضوعية، ويرتبط بذلك عدم تشويه الحقائق أو الإقلال من أهميتها أو تضخيم هذه الأهمية، فإن منح كاتب التقرير حق التعبير عن رأيه في أثناء كتابته للتقرير لا يعني أننا نعطيه الحق في تشويه الحقائق؛ وإنما في أن يذكر الحقائق وبجانبها يمكنه أن يذكر وجهة نظره الخاصة2.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/175)

الفصل الرابع: فن المقال الصحفي
المبحث الأول: تعريف المقال الصحفي
المقال الصحفي: هو الأداة الصحفية التي تعبر بشكل مباشر عن سياسة الصحيفة، وعن آراء بعض كُتَّابها في الأحداث اليومية الجارية، وفي القضايا التي تشغل الرأي العام المحلي أو الدولي. ويقوم المقال الصحفي بهذه الوظيفة من خلال شرح وتفسير الأحداث الجارية، والتعليق عليها بما يكشف عن أبعادها ودلالاتها المختلفة1.
وإذا كان الجانب الأكبر من المقالات الصحفية يعبر عن سياسة الصحيفة كما هو الشأن في المقال الافتتاحي، أو يعبر عن آراء كبار كُتَّابها كما هو الشأن في العمود الصحفي أو المقال التحليلي.. إلا أن هناك جانب آخر من المقالات الصحفية قد يعبر عن رأي الكُتَّاب والمفكرين الذين لا يعملون في الصحيفة، ولا يشترط أن يكتب هؤلاء بما يؤيد سياسة الصحيفة؛ بل كثيرًا ما تنشر لهم الصحف مقالات تخالف سياساتها، وذلك عملًا بحرية الرأي، وخاصة في المجتمعات الديمقراطية.
كذلك فإن المقال الصحفي لا يقتصر على شرح الأحداث الجارية وتفسيرها والتعليق عليها؛ وإنما يمكن في بعض الحالات أن يطرح كاتب المقال فكرة جديدة أو تصورًا مبتكرًا أو رؤية خاصة يمكن أن تشكل في حد ذاتها قضية تشغل الرأي العام، وخاصة إذا كانت تمس مصالح القراء أو تثير اهتمامهم لأي سبب من الأسباب.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/179)

وظائف المقال الصحفي:
1- الإعلام: وذلك بتقديم المعلومات والأفكار الجديدة عن الأحداث أو القضايا أو المشاكل التي تشغل الرأي العام.
2- شرح وتفسير الأخبار اليومية الجارية والتعليق عليها بما يوضح أبعادها أو جوانبها المختلفة1.
3- التثقيف.. وذلك عن طريق نشر المعارف الإنسانية المختلفة.
4- الدعاية السياسية: وذلك بنشر سياسة الحكومات والأحزاب ومواقفها المختلفة من قضايا المجتمع.
5- الدعاية الأيديولوجية: وذلك عن طريق نشر الأفكار والفلسفات والدفاع عنها ضد خصومها أو منافسيها.
6- تعبئة الجماهير: وذلك لخدمة نظام سياسي أو اجتماعي معين أو للمساهمة في التنمية الوطنية.
7- تكوين الرأي العام في المجتمع والتأثير على اتجاهاته، سواء بالسلب أو الإيجاب2.
8- التسلية والإمتاع: وهو الأمر الذي تحققه المقالات الترفيهية أو الضاحكة أو الساخرة أو المقالات المسلية أو الظريفة.
لغة المقال الصحفي:
والمقال الصحفي يختلف عن المقال الأدبي أو المقال العلمي:
فالمقال الأدبي هو الذي يعبر عن عواطف كاتبه وتجربته الذاتية ومشاعره الوجدانية تجاه موقف خاص أو موقف عام.
أما المقال العلمي فهو أداة العالم لوصف الحقائق العلمية من خلال منهج علمي يقوم على الموضوعية المطلقة.
أما المقال الصحفي فهو وسط بين الاثنين.. ففيه شيء من ذاتية الكاتب الأدبي.. وفيه شيء من موضوعية العالم3.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
3 حمزة عبد اللطيف: المدخل في فن التحرير الصحفي ص112 و118.
(1/180)

لذلك فلغة المقال الصحفي هي لغة الحياة العامة.. أي: لغة المواطن العادي.. فهي لغة يفهمها جميع القراء مهما اختلفت مستوياتهم التعليمية أو الثقافية أو الاجتماعية.
فإذا كانت لغة المقال الأدبي تقوم على الصور البيانية أو المحسنات اللفظية.. وإذا كانت لغة المقال العلمي تقوم على النظريات والأرقام والإحصائيات والمصطلحات العلمية التي لا يفهمها سوى المتخصصون في كل علم من العلوم.
أما لغة المقال الصحفي فهي تقوم على السهولة والبساطة والوضوح، وهي قد تستفيد بشيء من جمال الأسلوب الأدبي، وقد تستفيد بكثير من دقة الأسلوب العلمي.. ولكن يبقى أن ما يميز المقال الصحفي هو أسلوبه البسيط الواضح السهل1.
ومن الضروري أن نؤكد أن كون لغة المقال الصحفي يجب أن تكون لغة الحياة العامة ... لا يجب أن يعني أن تكون لغة المقال الصحفي هي العامية.. وإنما يجب أن تكون لغة المقال الصحفي لغة عربية فصحى؛ ولكنها ليست فصحى العصر الجاهلي أو العصر العثماني أو العصر المملوكي؛ وإنما فصحى عصر الصحافة ... أي: العصر الحديث.. ثم هي من ناحية أخرى ليست الفصحى الأدبية القائمة على الصور البيانية والمحسنات اللفظية والتركيبات اللغوية؛ وإنما هي الفصحى الصحفية القائمة على البساطة والوضوح والسهولة.. أي: فصحى الحياة العامة.. فصحى التعامل اليومي بين الناس مهما اختلفت مستوياتهم الثقافية.. أي: تلك اللغة العربية الفصحى التي وضحت وسهلت؛ بحيث صارت مفهومة للمواطن العربي العادي.. مهما اختلف مستوى تعليمه، ومهما اختلف القطر العربي الذي ينتمي إليه.
أنواع المقال الصحفي:
وللمقال الصحفي أنواع مختلفة، أخذت تتطور حتى صار كل منها يشكل فنًّا صحفيًّا مستقلًّا بذاته؛ وهي:
1- المقال الافتتاحي.
2- العمود الصحفي.
3- المقال النقدي.
4- المقال التحليلي.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/181)

المبحث الثاني: فن المقال الافتتاحي
المقال الافتتاحي "Leading Article" أو "Editorial Article" يقوم على شرح وتفسير الأخبار والأحداث اليومية والتعليق عليها، بما يكشف عن سياسة الصحيفة تجاه الأحداث والقضايا الجارية في المجتمع.
والمقال الافتتاحي يربط القراء بالصحيفة من ناحية.. وبالأحداث اليومية الجارية من ناحية ثانية1.
كذلك فالمقال الافتتاحي يخلق مشاركة وجدانية بين الصحيفة والقراء، ويدفع القارئ إلى المشاركة في مواجهة القضايا والمشاكل التي تهم المجتمع.
والمقال الافتتاحي يتميز بالخصائص التالية:
1- التعبير عن سياسة الصحيفة، سواء كانت هذه الصحيفة مستقلة أو تابعة لحزب من الأحزاب أو معبرة عن اتجاه سياسي أو اجتماعي أو فكري في البلد الذي تصدر فيه.
2- متابعة الأحداث اليومية، سواء تلك التي تقع في النطاق المحلي أو تلك التي تقع على النطاق الدولي.
3- اهتمامه بالقضايا التي تهم الرأي العام وتشغل أذهان القراء.
4- ضرورة إبراز الخلفية التاريخية للأحداث والقضايا التي يتناولها المقال الافتتاحي بالشرح والتحليل.
__________
1 Walrdrop. A. Gayle: Editor and Editorial Writer p.p. 57-62.
(1/183)

5- استخدام لغة سهلة بسيطة وأسلوب واضح محدد يتلاءم وطبيعة قراء الصحيفة الذين تختلف مستوياتهم الثقافية.
6- القدرة على إقناع القارئ بالقضية أو الرأي الذي تنادي به الصحيفة، بما يقدمه الكاتب من حجج منطقية وأدلة كافية1.
وتختلف وظيفة المقال الافتتاحي حسب طبيعة المجتمع الذي تصدر فيه الصحيفة.. فالمقال الافتتاحي في المجتمعات الليبرالية يعبر عن مالك الصحيفة، سواء كان هذا المالك فردًا من الأفراد، أو جماعة من الجماعات السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية، أو حزبًا من الأحزاب.
أما في الدول الاشتراكية أو الدول الشمولية، فالمقال الافتتاحي يعبر عن سياسة الدولة أو الحزب الحاكم فيها؛ حيث يلعب المقال هنا دور الداعية للنظام السياسي والاجتماعي القائم وللأيديولوجية الفلسفية التي يدين بها هذا النظام.
فليس صحيحًا إذن ما يقال عن أن المقال الافتتاحي يعبر عن رأي هيئة تحرير الصحيفة، سواء في المجتمعات الليبرالية أو المجتمعات الشمولية.. ولنتصور مثلًا وقوع خلاف في الرأي بين هيئة تحرير الصحيفة وبين من يملكها في قضية أو مشكلة معينة.. فالحل الذي يحدث فعلًا في مثل هذه المواقف أن تستبعد هيئة تحرير الصحيفة، ويستقدم غيرهم ممن تتوافق أفكارهم مع ملاك الصحيفة.
والمقال الافتتاحي يكتبه رئيس التحرير أو كبار الكُتَّاب في الصحيفة من الذين يثق بهم رئيس التحرير أو أصحاب الصحيفة.
والمقال الافتتاحي لا يوقع اليوم باعتبار أنه يمثل رأي الصحيفة لا رأي كاتبه حتى ولو كان رئيس التحرير.. ومن المعروف أن المقال الافتتاحي ظل يوقع باسم كاتبه حتى نشوب الحرب العالمية الثانية، وتحول الصحافة إلى صحافة خبر بعد أن كانت صحافة رأي2.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/184)

أما بالنسبة للمساحة التي يجب أن يحتلها المقال الافتتاحي والمكان الذي ينشر فيه ... فغالبًا لا تزيد مساحته عن عمود أو نصف عمود بعد أن كان يحتل قبل الحرب العالمية الثانية مساحة صفحة كاملة، وأحيانًا أكثر عندما كانت الصحافة ما تزال صحافة رأي1.
أما مكان المقال الافتتاحي، فبعد أن كان يحتل في الماضي الصفحة الأولى.. تراجع في الصحافة المعاصرة إلى الصفحات الداخلية، وغالبًا ما يوضع في أحد زوايا صفحة الرأي بالصحيفة.
أما موضوعات المقال الافتتاحي، فهي شاملة لكل الأخبار والحوادث والقضايا والمشاكل التي تشغل الرأي العام.. فالمقال الافتتاحي لا يقتصر فقط على مناقشة القضايا والأخبار السياسية؛ وإنما يمكن أن يتعرض أيضًا للأخبار والقضايا الاقتصادية بل والاجتماعية والثقافية؛ ولكن غالبًا ما يهتم المقال الافتتاحي بالقضايا الجادة، تاركًا القضايا الخفيفة لغيره من الفنون الصحفية التي تصلح لتغطية الموضوعات الخفيفة.
أما المعادلة التي يقوم عليها المقال الافتتاحي، فهي محاولة الربط بين سياسة الصحيفة من ناحية وبين طبيعة النظام السياسي والاجتماعي في البلد الذي تصدر فيه الصحيفة من ناحية ثانية، ثم مراعاة نوع قراء الصحيفة من ناحية ثالثة2.
والمقال الافتتاحي الجيد هو الذي يختار موضوعه بعناية فائقة من ناحية.. وهو الذي يكثر من الحجج والبراهين والأسانيد المنطقية الكفيلة بإقناع القارئ من ناحية ثانية.. وهو الذي يتميز بنسق فكري موحد ومتجانس يشمل المقال من أوله لآخره من ناحية ثالثة3.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/185)

وهناك من يقلل من أهمية المقال الافتتاحي في الصحافة المعاصرة بحجة أن غالبية القراء يعرضون عنه ولا يقبلون على قراءته!
وقد يكون ذلك صحيحًا بالنسبة لكثير من الصحف عديمة الأهمية أو قليلة التأثير.
ولكن المقال الافتتاحي يقرأ بعناية من جانب غالبية القراء بالنسبة للصحف المؤثرة في الرأي العام1.
إن افتتاحيات صحف مثل: التايمز اللندنية والنيويورك تايمز الأمريكية والواشنطن بوسط الأمريكية واللوموند والفيجارو الفرنسيتين، يقبل عليها القراء؛ لأنهم يعرفون مدى تأثيرها على الحكومة وعلى الرأي العام في نفس الوقت، وكثيرًا ما استطاعت افتتاحيات هذه الصحف أن تفرض على الحكومة تغيير سياسيات أو قرارات معينة، أو تفرض عليها تبني مواقف معينة، سواء في السياسة الداخلية أو السياسة الخارجية.
ومن ناحية أخرى، فإن افتتاحيات بعض الصحف قد تؤخذ كدليل على اتجاه الحكومات في الدول التي تصدر فيها هذه الصحف، كما هو الشأن في افتتاحيات صحيفة "البرافدا" السوفيتية وصحيفة "الشعب" الصينية.
كتابة المقال الافتتاحي:
يكتب المقال الافتتاحي بطريقة مخالفة لكتابة الخبر الصحفي ومماثلة لطريقة كتابة التقرير الصحفي.. أي: أنه يكتب بطريقة الهرم المعتدل.. أي: من ثلاثة أجزاء: المقدمة.. والجسم.. والخاتمة2.
فالمقال الافتتاحي يتكون من الأجزاء الثلاثة التالية:
أولًا: مقدمة المقال الافتتاحي
وهي تحتوي على مدخل يثير الانتباه إلى أهمية الخبر أو القضية أو المشكلة أو الفكرة التي يدور حولها المقال، وهذه المقدمة يمكن أن تضم النقاط التالية:
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/186)

1- عرض فكرة مثيرة لاهتمام القراء.
2- طرح قضية هامة تمس مصالح القراء.
3- إبراز خبر هام يشغل الرأي العام.
4- وصف مشكلة خطيرة صارت حديث الناس في المجتمع1.
والمقدمة تقوم بعدد من الوظائف؛ هي:
1- تهيئة ذهن القارئ لموضوع المقال.
2- إعادة تذكرة القارئ بالخبر أو الحادثة أو القضية موضوع المقال.. وهنا لا بد من التفرقة بين تذكير القارئ بالخبر وبين الإغراق في ذكر تفاصيل الخبر.. فالمفروض أن المقال يناقش خبرًا جاريًا أي نشر في يوم نشر المقال أو قبله بقليل؛ بحيث يمكن للقارئ أن يتذكر تفاصيله، لا سيما أن الافتتاحية لا تناقش غالبًا سوى الأخبار الهامة2.
3- جذب انتباه القارئ ودفعه إلى قراءة المقال عن طريق الطرح الجيد والشيق للموضوع3.
ثم يبقى أن نعرف أن مقدمة كل مقال قد تختلف عن غيره من المقالات، وذلك حسب طبيعة الموضوع الذي يعرضه المقال4.
ثانيًا: جسم المقال الافتتاحي
وهو الجزء الذي يحتوي على المادة الجوهرية في المقال.. والجسم قد يحتوي على النقاط التالية:
1- البيانات والمعلومات والحقائق الكافية عن الموضوع.
2- الأدلة والحجج والأسانيد التي تؤيد وجهة نظر كاتب المقال.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/187)

3- الخلفية التاريخية للموضوع.
4- أبعاد الموضوع ودلالاته السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الفكرية.
ووظيفة جسم المقال الافتتاحي تنحصر في النقاط التالية:
1- تقديم البيانات الكافية لإشباع رغبة القارئ في الموضوع.
2- تقديم الحجج المنطقية التي تدعم وجهة نظر الصحيفة في الموضوع.
3- إقناع القارئ بموقف الصحيفة أو سياستها تجاه موضوع المقال.
ثالثًا: خاتمة المقال الافتتاحي
وهي أهم أجزاء المقال، وعليها يتوقف مدى اقتناع القارئ أو عدم اقتناعه بسياسة الصحيفة.
وغالبًا ما تضم الخاتمة النقاط التالية:
1- خلاصة الآراء والأفكار التي تصل إليها الصحيفة في موضوع المقال.
2- دعوة القارئ للمشاركة في إيجاد الحلول للقضية أو المشكلة المطروحة إن كان الأمر يفترض مشاركة القارئ أو تعبئته لتحقيق هدف معين أو لتنفيذ خطة معينة.
3- دفع القارئ إلى اتخاذ موقف معين تجاه موضوع معين1.
ويوضح الشكل التالي طريقة كتابة المقال الافتتاحي المبني على قالب الهرم المعتدل:
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/188)

رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
البناء الفني للمقال الافتتاحي المبني على قالب الهرم المعتدل
(1/189)

نموذج للمقال الافتتاحي المبني على قالب الهرم المعتدل
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
1
إذا طبقنا مفاهيمنا النظرية على هذا المقال الافتتاحي لوجدنا أنفسنا أمام الحقائق التالية:
__________
1 الأهرام - 27/ 1/ 1979.
(1/190)

1- أن المقال شرح وتفسير لخبر هام نشر في اليوم السابق لنشر المقال، وهو عبارة عن مؤتمر صحفي أعلن فيه رئيس الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء أن عدد سكان البلاد وصل إلى 40.5 مليون نسمة بزيادة نصف مليون فرد في خلال خمسة أشهر فقط.
2- أن مقدمة المقال قامت على إبراز خبر هام يشغل الرأي العام وطرح لقضية هامة تمس مصالح القراء ... وعلى وصف مشكلة خطيرة صارت حديث المجتمع.
3- أن جسم المقال قد تضمن العديد من البيانات والحقائق والأرقام التي تؤيد وجهة نظر الصحيفة في خطورة مشكلة تزايد السكان في مصر.. كذلك فقد قدم المقال عددًا من الحجج التي تؤكد الأثر السلبي لتزايد السكان على مستقبل البلاد حين ذكر: "أن كل تقدم نحققه سوف يبتلع القادمون الجدد من السكان آثاره"، وحين ذكر أيضًا: "أن كل الجهود التي ستُبذل قد لا تحقق غير الحفاظ على المستوى الذي نعيش عليه الآن".
4- أما خاتمة المقال فقد حوت خلاصة الرأي الذي انتهت إليه الصحيفة في الموضوع؛ وهو: "إن كل أجهزة الدولة مطالبة بأن تتوقف طويلًا أمام اتجاهات الزيادة السكانية الكبيرة التي تحدث في مصر، وأن تواجه هذه الزيادة بحزم لا يجب التهوين منه، وبخطة مهما تكلفت فإنها سوف تحقق عائدًا أكبر كثيرًا مما لو تركنا الأمور تسير كما هي ليزيد تعدادنا بمعدل فرد واحد كل 29 ثانية".
(1/191)

المبحث الثالث: فن العمود الصحفي
العمود الصحفي: هو مساحة محدودة من الصحيفة لا تزيد عن "نهر" أو "عمود"، تضعه الصحيفة تحت تصرف أحد كبار الكُتَّاب بها، يعبر من خلاله عما يراه من آراء أو أفكار أو خواطر أو انطباعات فيما يراه من قضايا وموضوعات ومشاكل.. وبالأسلوب الذي يرتضيه.
وغالبًا ما يحتل العمود الصحفي مكانًا ثابتًا لا يتغير على إحدى صفحات الجريدة.. وينشر تحت عنوان ثابت.. ويظهر في موعد ثابت، قد يكون كل يوم.. أو كل أسبوع1.
ولا بد أن يحمل العمود الصحفي توقيع كاتبه.
وليس من الضروري أن يلتزم كاتب العمود الصحفي بسياسة الصحيفة.. وإن كان من المتعارف عليه ألا يكون معارضًا لهذه السياسة2.
موضوعات العمود الصحفي:
وليست هناك حدود أو قيود على المجالات والموضوعات التي يطرقها كاتب العمود الصحفي ... فمن حقه أن يكتب في السياسة أو الاقتصاد أو في مشاكل الحياة الاجتماعية أو في قضايا الفكر أو الثقافة أو في الفن أو الأدب.. ولكن الزاوية التي يتناول بها كاتب العمود الصحفي مثل هذه القضايا تختلف عن الزاوية التي يتناولها به كتاب المقال الافتتاحي أو كتاب الأخبار أو التحقيقات الصحفية أو التقارير الصحفية.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/193)

فكاتب العمود الصحفي من الضروري أن يهتم أثناء تناوله لمثل هذه القضايا بالتركيز على كل ما يهم القراء، وأن يخاطب قلوبهم ومشاعرهم وأحاسيسهم؛ بحيث يخرج من تناوله لمثل هذه الموضوعات بالحكمة وبالعبرة والموعظة1.
وعلى سبيل المثال عندما يكتب مصطفى أمين في عموده اليومي "فكرة" بصحيفة الأخبار عن مرور خمس سنوات على خروجه من السجن فينتهي إلى القول:
"إن طعم الحرية لذيذ! إنها تاج على رءوس الأحرار لا يراه إلا المقيدون بالسلاسل والأغلال. إن الجنة مفتوحة الأبواب، والجحيم مغلق الأبواب مليء بالسلاسل والقيود والأغلال. الحمد لله على نعيم الحرية"2.
وعندما يتعرض أنيس منصور في عموده اليومي بالأهرام "مواقف" لأحداث إيران.. لا يعنيه أن يحلل هذه الأحداث، ولا أن يكشف عما وراءها ولا أبعادها أو دلالاتها المختلفة، كما هو الأمر في التقرير الصحفي أو التحقيق الصحفي أو المقال الافتتاحي؛ وإنما هو فقط يقارن بين ما رآه بنفسه منذ سنوات قليلة في طهران حين كان يحوط بالشاه ملوك وأمراء ورؤساء الدول يحتفلون معه بأقدم عرش في التاريخ.. ثم منظر الشاه وهو يترك بلاده وحيدًا إلا من زوجته وعدد من حاشيته3..
الفرق بين العمود ... والمقال الافتتاحي:
يلاحظ أن العمود الصحفي يتفق مع المقال الافتتاحي في النواحي التالية:
1- أن له مكانًا ثابتًا في الصحيفة.
2- أن له عنوانًا ثابتًا في الصحيفة.
3- أنه ينشر بانتظام.
__________
1 Cattanach. Norman: Editorial Writer. p.p. 183-185.
2 أخبار اليوم - 27/ 1/ 1979.
3 الأهرام - 3/ 7/ 1979.
(1/194)

ويختلف العمود الصحفي مع المقال الافتتاحي في النواحي التالية:
1- أن كاتب العمود ليس ملزمًا بالتعبير الحرفي عن سياسة الصحيفة؛ بينما كاتب المقال الافتتاحي ملزم بذلك.
2- أن العمود الصحفي يوقع باسم كاتبه، في حين لا يوقع المقال الافتتاحي باعتبار أنه يمثل آراء هيئة تحرير الصحيفة كلها، وليس محرر بعينه1.
أسلوب العمود الصحفي:
إن العمود الصحفي يهتم أكثر ما يهتم بكل ما يمس مشاعر القراء وعواطفهم.. لذلك لا بد أن يتوفر فيه شيء من جمال الأسلوب الذي يتميز به الأسلوب الأدبي.. فلا يعيب العمود الصحفي أن يعتني كاتبه بألفاظه، وأن يختار أوقعها على العين وأقربها إلى القلب.. وذلك عن طريق استخدام بعض الصور البيانية والموسيقى اللفظية أو الأخيلة الأدبية.. ولكن بشرط ألا يغرق كاتب العمود في ذلك؛ بحيث يفقد العمود صفته الصحفية ويصبح أدبًا خالصًا.. فهنا يتخطى العمود الصحفي لغة الصحافة التي تتلاءم وطبيعة القراء جميعًا.. إلى لغة الأدب التي هي لغة نسبة ضئيلة من القراء ... وفنون الصحافة لم توجد لمخاطبة فئة محدودة من القراء؛ وإنما وُجدت لتخاطب القراء جميعًا مهما اختلفت مستوياتهم الثقافية2.
خصائص العمود الصحفي:
والعمود الصحفي يتميز بالخصائص التالية:
1- الجمع بين بساطة اللغة الصحفية وسهولتها ووضوحها.. وبين جمال اللغة الأدبية.
2- أنه يعبر عن التجربة الذاتية للكاتب.
3- أنه يقوم على أساس وجود علاقة حميمة بين الكاتب والقراء.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/195)

4- أنه يقوم على تطبيق القاعدة الذهبية في الصحافة، والتي تقول: أكبر كمية من المعاني والمعلومات في أقل قدر ممكن من الألفاظ1.
كتابة العمود الصحفي:
يكتب العمود الصحفي كما يكتب المقال الافتتاحي2.. أي: من ثلاثة أجزاء: مقدمة.. وجسم.. وخاتمة.
أولًا: مقدمة العمود الصحفي:
مقدمة العمود الصحفي تشمل مدخلًا أو زاوية، يمهد بها الكاتب لموضوع العمود ... وهذا المدخل أو الزاوية يمكن أن يشمل النقاط التالية:
1- خبرًا من الأخبار أو حدثًا من الأحداث الهامة الجارية، بشرط أن يركز الكاتب على زاوية معينة أثارت انتباهه، ويرى أنها تهم القراء في نفس الوقت، وعلى سبيل المثال يكتب محمد زكي عبد القادر في عموده اليومي بصحيفة الأخبار "نحو النور"، يعلن عن النتائج المتوقعة لمباحثات كامب ديفيد قبل إعلان الاتفاق بيوم واحد فيقول:
"أكتب هذا قبل أن يذاع البيان الختامي لمؤتمر كامب ديفيد، وأيًّا كان البيان وما يمكن أن يتضمنه فإنه طبقًا لكل البيانات والمعلومات والتوقعات لن يكون إلا إذا وقعت معجزة، محققًا للشرعية الدولية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة"3.
2- فكرة أو خاطرة أو لمحة أو انطباع يرى الكاتب أنه يحتاج إلى شرح وتوضيح، أو إلى تفسير وتعليق، أو إلى استخلاص العبرة منه، وعلى سبيل المثال يكتب أنيس منصور في "مواقف" يعبر عن خاطرة شخصية فيقول:
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
3 الأخبار - 18/ 9/ 1978.
(1/196)

"أصبح الإنسان يخجل عندما يسمع قصة حب أو أغنية عشق، أو عندما يرى وجوهًا نضرة تتلون بالنظر وتتوجع بالهمس.
هل أصيبت قلوبنا بالتصلب؟ هل جفت عقولنا؟ هل تطاير ريش أجنحتنا؟
هل تحولنا من طيور عالية الحركة إلى طيور داجنة لاصقة بالأرض؟ ... لا أظن ذلك.. ولكني أرى أن الدنيا شغلتنا عن جوهرنا"1.
3- قضية أو مشكلة أو حدث يرى الكاتب أنه يمس مصالح القراء أو يثير اهتمامهم ... وللكاتب في الحدث أو القضية وجهة نظر يريد الإفصاح عنها.
ولكن يشترط أن تكون الزاوية التي يتناول الكاتب من خلالها هذه القضية ... أقرب إلى اهتمام الناس وتفكيرهم ... أو قد تكون الزاوية هي تجربة الكاتب الذاتية مع الحدث أو القضية نفسها.
ولنضرب مثلًا بأنيس منصور أيضًا؛ حيث كتب يعلق على مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الثالث "سبتمبر سنة 1978"، فبدأ عموده "مواقف" قائلًا:
"لم أدخل السينما في حياتي إلا بعد أن تخرجت من الجامعة، ودخلتها سرًّا، فقد تعلمت أن السينما والمسرح والجلوس على المقاهي عبث لا يصح ... ثم إني لا أقدر عليه.."2.
4- حكمة مأثورة أو مثل شعبي معروف أو قول لمفكر أو كاتب أو فيلسوف، وأحيانًا يبدأ العمود الصحفي بتصريح هام لشخصية من الشخصيات التي تلعب دورًا في الأخبار اليومية ... فيستند إليه كاتب العمود في إبراز الفكرة التي يريد قولها.
__________
1 الأهرام - 30/ 1/ 1979.
2 الأهرام - 26/ 9/ 1978.
(1/197)

ونموذج لذلك ما كتبه كامل زهيري في عموده اليومي "من ثقب الباب"، الذي ينشر يوميًّا في الصفحة الأخيرة بالجمهورية.. حيث بدأ العمود قائلًا:
"توقفت عند خطاب الأستاذ خالد الحسن رئيس وفد فلسطين في المؤتمر البرلماني العربي حين قال: إنه وُلد في يافا ولا يستطيع العودة إليها..
وكثيرون من الفلسطينيين الذين أعرفهم ولدوا على أرض فلسطين -مثل خالد الحسن- ولا يستطيعون العود إليها"1.
ثانيًا: جسم العمود الصحفي:
وهو يضم جوهر المادة التي يحتويها العمود الصحفي.. وقد يشمل النقاط التالية:
1- الأدلة أو الشواهد أو الحجج التي يؤكد بها الكاتب رأيه.
2- تفاصيل الحدث أو الصورة الحية أو القصة أو المشكلة أو القضية التي يطرحها الكاتب على القراء.
3- وعندما يكون العمود عبارة عن سؤال من القارئ وإجابة من الكاتب، فإن جسم العمود الصحفي يتضمن إجابة الكاتب على سؤال القارئ.
ثالثًا: خاتمة العمود الصحفي:
وهي كالمقال الافتتاحي أهم جزء فيه؛ حيث تتضمن رأي الكاتب وخلاصة ما يريد قوله للقراء، وقد تشمل خاتمة العمود الصحفي على النقاط التالية:
1- خلاصة رأي الكاتب في الحدث أو القضية أو المشكلة التي يعرضها.
2- العبرة أو الموعظة أو الحكمة التي يخرج بها الكاتب.
3- النصيحة التي يقدمها الكاتب للقراء بعد أن يجيب على سؤال يقدم له من قارئ في الأعمدة التي يكون موضوعها الإجابة على بعض أسئلة القراء2.
__________
1 الجمهورية - 18/ 9/ 1978.
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/198)

ويوضح الشكل التالي طريقة كتابة العمود الصحفي المبني على قالب الهرم المعتدل:
رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
البناء الفني للعمود الصحفي المبني على قالب الهرم المعتدل
(1/199)

نموذج للعمود الصحفي المبني على قالب الهرم المعتدل:
شكل اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
1
- بدأ الكاتب عموده الصحفي بحكمة فقال:
الطريق إلى النار محفوف بالنيات الطيبة. كلمة حكيمة، ويقال: إنها حديث شريف.
- أما جسم العمود الصحفي فقد حشده الكاتب بالأدلة والشواهد والحجج المنطقية التي تؤكد المعنى الذي أراد الوصول إليه من خلال هذه الحكمة:
أي: من الممكن أن يكون الإنسان حسن النية، ومع ذلك يكون ضارًّا تمامًا، كأن تشفق على ابنك المريض فتعطيه طعامًا ممنوعًا. فأنت بمنتهى حسن النية قد أصبته بضرر بليغ!
من مثل ذلك يقال في التليفزيون للشباب: فالشباب لا يعجب الآباء والمربين والساسة ورجال الدين. فهم "متعصبون" أو "متشددون" في دينهم؛ ولذلك لا بد من شفائهم من هذا المرض!
ولقد سمعت أستاذًا فاضلًا يطالب بفتح الساحات الشعبية للشباب؛ لكي يلعب الكرة. فالشباب لديه طاقة هائلة لا يعرف كيف ينفقها. ولا علاج له إلا الرياضة التي تهد حيله. فإذا عاد إلى البيت ارتمى على الفراش نائمًا خامدًا، وبذلك لا يفكر في دينه أو في دنياه؟!
__________
1 الأهرام - 4 مايو سنة 1980.
(1/200)

وهو كلام مفيد؛ ولكنه ليس العلاج، تمامًا كما يصف الطبيب لأحد المرضى أن يتعاطى القطرة مع أنه يشكو من أوجاع في بطنه.
فالقطرة دواء؛ ولكنها ليست لهذا المرض!
وعيب هذا الذي يقال للشباب هو أننا ننظر إليهم على أنهم مرضى شواذ ووحوش ضارية، يجب أن نقلم أظافرها وأنيابها، ونكتم أنفسها ونبدد طاقتها، مع أن الذي نواجهه ليس مرضًا. فهم شباب مؤمن بالله؛ ولذلك فهو متمسك بالقيم الأخلاقية التي يطالب بها الذين هم أكبر سنًّا؛ إذن فالمرض -إن كان هناك- هو التمسك المتشدد بتعاليم الدين. وليس الدين، أي دين. إذن العلاج هو: كيف تخفف قبضهم على دينهم؟ أي: كيف نطلق سراحهم من هذه الأقفاص الحديدية التي حبسوا أنفسهم فيها؟
- أما خاتمة العمود، فقد حملت خلاصة رأي الكاتب في الموضوع، والعبرة أو النصيحة التي يقدمها في الموضوع:
العلاج هو أن نناقشهم، وأن نفكر معهم، وأن نحترم عقولهم، فهم صغار، وكانت لنا أفكار أسخف من ذلك كثيرًا!
أنيس منصور
- أنواع العمود الصحفي:
هناك خمسة أنواع من العمود الصحفي؛ وهي:
1- العمود الصحفي الذي يغلب عليه الاهتمام بالشئون العامة.. فيتعرض لمختلف القضايا كالسياسة أو الاقتصاد، أو لشئون الأدب والفن، أو لقضايا الحب والزواج والطلاق ومشاكل الحياة الاجتماعية اليومية.. ولكن من الزاوية التي تهم القراء.. وتمس مشاعرهم.. ومن أمثلة هذا العمود في الصحافة العربية: فكرة لمصطفى أمين، ومواقف لأنيس منصور، ومن القلب لمحسن محمد، ومن ثقب الباب لكامل زهيري، وغيرهم.
(1/201)

ونقدم نموذجًا لهذا النوع: العمود الذي كتبه مصطفى أمين عن المشاكل العاطفية للشباب، وذلك في عموده اليومي "فكرة" بصحيفة الأخبار القاهرية.
شكل اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
1
شباب كثيرون يكتبون لي رسائل دامية. كلماتها تذرف دموعًا. سطورها تقطر دمًا. إنها دائمًا القصة الدائمة: طالب أحب طالبة وتعاهدا على الحب إلى الأبد. ولكن الأبد لا يستمر طويلًا! ثم يموت الحب فجأة بالسكتة القلبية في قلب الفتاة، أو تغير رأيها، أو يضغط أهلها عليها لتتزوج العريس "الجاهز" الواقف بالباب!
وكل واحد من هؤلاء يقول: إن الصدمة قد حطمته، وإن الخيانة قضت عليه، بعضهم كره الحياة، وبعضهم كره النساء، وبعضهم أصيب بمرض مزمن، وبعضهم يفكر في الانتحار. وكل هذا كلام فارغ، فليس في استطاعة أي امرأة أن تقضي على رجل. وكل واحد من هؤلاء الشبان سعيد الحظ؛ لأنه لم يتزوج الفتاة التي تخلت عنه. فخير لك أن تتركك المرأة وأنت على شاطئ البحر، من أن تتخلى عنك وأنت في وسط البحر..
وكل واحد منا محتاج لامرأة تصمد معه في العواطف، لا تطير أمام هبوب الرياح. في حاجة إلى جبل يقاوم أعاصير الحياة، لا إلى امرأة من قش يحرقها عود ثقاب، في حاجة
__________
1 الأخبار - 4 مايو 1980.
(1/202)

إلى شريكة حياة تسير معه فوق الشوك، تقتحم الصعوبات، تتغلب على أزمات الحياة. أما الحب الذي لا يصمد للإغراء، ولا يصمد للضغط، ولا يصمد أمام مغريات الحياة، فهو حب زائف.
الفجيعة في الحب لا تجعل الرجل ينتحر؛ بل تجعله يتحدى، ويبدأ من جديد، ويثبت للمرأة التي أحبها أنها هي التي لا تستحقه، فهو يضاعف اهتمامه بدراسته ولا يتخلى عنها، ولا يكره كل النساء؛ لأن امرأة واحدة تخلت عنه. نحن لا نمتنع عن أكل البرتقال؛ لأننا وجدنا برتقالة واحدة مليئة بالدود!
وقبل أن تحكم على امرأة أحببتها اسمع دفاعها عن نفسها. فليس أسوأ من الظالم الذي يحكم على الناس دون أن يسمع دفاعهم. وليس أسوأ من القاضي الذي يحكم وهو غاضب. انتظر حتى تهدأ، وفكر في موقف هذه الفتاة. ضع نفسك مكانها. أنت تتصور أنكما تستطيعان أن تعيشا على الحب. الحب أهم من الغرفة وأهم من المهر وأهم من الطعام. ولكن غيرك يرى أن الحب لا بد أن يجد غرفة يسكنها، ولا بد أن يجد فراشًا ينام فيه، ولا بد أن يجد طعامًا يأكله. إنه من الممكن أن نعيش على الحب وحده شهرًا وشهرين، ونجوع ونتعرى ونتشرد. ولكن بعد الشهرين لن نستطيع أن نقاوم الجوع، ولا بد أن نجد مأوى، ولا بد أن نغطيه خشية أن يصاب بالبرد. ربما تستطيع أن تصبر عشر سنوات حتى تعد نفسك لهذا الزواج، ومن سوء الحظ أن آباء الفتيات وأمهاتهن لا يؤمنون بأن في التأني السلامة
(1/203)

وفي العجلة الندامة. أغلب الأمهات يرغبن في زواج بناتهن في أقرب فرصة ممكنة!
سوف تدهش، أن الحياة سوف تعوضك عما فقدت. ستعطيك الأيام عروسًا أجمل وأذكى وأكثر صبرًا واحتمالًا!
والزوجة الصبورة المؤمنة هي أحسن زوجة في العالم!
مصطفى أمين
2- العمود الصحفي الذي يغلب عليه الاهتمام بالنقد الاجتماعي اللاذع والقائم على السخرية "المضحكة المبكية" من الظواهر السلبية في المجتمع، مثال ذلك عمود "صندوق الدنيا" لأحمد بهجت في صحيفة الأهرام.. وعمود "1/2 كلمة" لأحمد رجب في صحيفة الأخبار.
ونقدم نموذجًا لأحمد بهجت، وهو عن أزمة المرور في شوارع مدينة القاهرة، ويلاحظ عليه الطابع الساخر المصاغ في قالب شبه أدبي:
(1/204)

صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟
1
3- العمود الصحفي الذي يقوم على ذكر أسئلة أو خطابات تصل إلى الكاتب من القراء.. ثم يتولى الرد أو التعليق عليها، أو يكتفي بنشر الأسئلة أو الخطابات دون رد أو تعليق بما يعني موافقته على ما جاء بها من أفكار أو آراء.
وأبرز الأعمدة الصحفية التي تقوم على هذا الأسلوب عمود "ما قل ودل" لأحمد الصاوي محمد.. في صحيفة الأخبار.. وهذا نموذج منه:
__________
1 الأهرام - 12/ 4/ 1980.
(1/205)

صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
1
4- العمود الذي يقوم على الحوار الذي يخلقه الكاتب، سواء على لسانه أو لسان غيره.. وهو قد يأخذ شكل المونولوج؛ أي: الحوار مع نفسه، أو يأخذ شكل الديالوج؛ أي: الحوار مع غيره.. فمرة يأخذ العمود شكل الحوار بين أستاذ وتلميذه.. ومرة يأخذ شكل الحوار بين عجوز وشاب.. ومرة يأخذ شكل الحوار بين رجل وامرأة.. وفي كل
__________
1 الأخبار - 4/ 5/ 1980.
(1/206)

الحالات فإن الكاتب يحرص على جذب اهتمام القارئ بالموضوع عن طريق التجديد في البناء الفني للعمود.
ومثال ذلك ما كتبه محمد زكي عبد القادر في عموده اليومي "نحو النور" في صحيفة الأخبار عن الإرهاق الذي يعانيه الطلاب في المذاكرة استعدادًا للامتحانات:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
1
__________
1 الأخبار - 4/ 5/ 1980.
(1/207)

5- العمود الصحفي الذي يقوم على وصف الطرائف والمفارقات.. وهو يهدف إلى تسلية القارئ عن طريق التركيز على الوصف الكاريكاتوري للجوانب الغريبة أو الطريفة في الحياة وفي المجتمع. ومثال ذلك عمود "صباح الخير" الذي يكتبه جهاد الخازن في صحيفة الشرق الأوسط:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
1
__________
1 الشرق الأوسط - 25/ 4/ 1980.
(1/208)

فن اليوميات الصحفية:
اليوميات الصحفية ليست في حقيقة الأمر سوى مجموعة من الأعمدة الصحفية يكتبها كاتب واحد.. ومرة واحدة في الأسبوع.. فالفقرات التي تضمها اليوميات إذا أخذت كلًّا منها على حدة.. لما اختلفت كل فقرة منها عن العمود الصحفي في شيء.. سواء في موضوع اليوميات أو لغتها أو في بنائها الفني القائم على الهرم المعتدل، فموضوعات اليوميات الصحفية يمكن أن تستوعب السياسة والاقتصاد والاجتماع وقضايا الفكر والفن والأدب، وكذلك مشاكل الناس وهمومهم.
ولغة اليوميات تجمع -شأنها شأن العمود الصحفي- بين بساطة اللغة الصحفية وجمال اللغة الأدبية، وكذلك في كونها تقوم على التجربة الذاتية للكاتب.
وقد انتشرت اليوميات الصحفية في الصحافة العالمية والعربية في النصف الأول من هذا القرن.. وخاصة في أوقات ازدهار صحافة الرأي.. ولكن كثيرًا من الصحف بدأت تخلي صفحاتها من هذا الفن الصحفي مع بداية ربع القرن الأخير.. حيث بات من النادر أن تجد صحيفة تفرد مساحة من صفحاتها لهذا الفن. وبعد أن كان فن اليوميات بابًا رئيسيًّا من أبواب الصحف والمجلات العربية -وغالبًا ما تفسح له صفحتها الأخيرة- صار من النادر أن تجد صحيفة أو مجلة عربية ما زالت تحتفظ بهذا اللون من الألوان الصحفية. ويمكن أن نرجع هذه الظاهرة إلى عاملين:
أولهما: أن فن العمود الصحفي صار يؤدي جميع وظائف اليوميات، بالإضافة إلى تميزه بصغر المساحة التي يشغلها من الصحيفة.
وثانيهما: تراجع صحافة الرأي وغلبة صحافة الخبر على الصحافة المعاصرة.
وعلى سبيل المثال فإن الصحيفة اليومية الوحيدة في مصر التي ما تزال تحتفظ بفن اليوميات هي صحيفة الأخبار القاهرية، والتي ما تزال تفسح له مساحة كبيرة من صفحتها الأخيرة.
(1/209)

والنموذج الذي اخترناه من فن اليوميات الصحفية.. هو إحدى يوميات صحيفة الأخبار.. وهو يحتوي على ثلاث فقرات.. كل منها أشبه بالعمود الصحفي.
شكل يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
1
- في الفقرة الأولى من هذه اليوميات تناول الكاتب بالتعليق والمناقشة قضية ارتفاع الأسعار، وقد وضعها تحت خواطر يوم "الجمعة"، ويلاحظ أن البناء الفني لهذه الفقرة يتماثل تمامًا مع البناء الفني للعمود الصحفي، فقد أثار الكاتب في المقدمة قضية الأسعار؛ حيث ذكر:
الجمعة:
لا نغالي إذا قلنا: إن القاسم المشترك الأعظم في كل حديث يجري بين اثنين أو أكثر في أي مكان من بلادنا هذه الأيام، هو حديث الأسعار وزمامها الذي أفلت، وأحال حياة الجانب الأعظم من أبناء شعبنا إلى عذاب وهم مقيم.
- أما جسم الفقرة، فقد حوى على الأدلة والشواهد التي يؤكد بها خطورة القضية التي يثيرها.. أي: قضية ارتفاع الأسعار:
ولن أحاول أن أعفي المسئولين عن إفلات زمام الأسعار الذي شمل كل شيء؛ بل وأصبح يجري بصورة آلية دون قواعد ولا روابط.. وبلا أسباب أو مبررات في أغلب الأحيان.
__________
1 الأخبار - 21/ 2/ 1980.
(1/210)

بيد أننا لا نستطيع في الوقت ذاته أن نعفي المستهلكين أنفسهم من جانب كبير من المسئولية عن تفشي هذه الظاهرة التي تمس حياة كل فرد منا، فإن موقف اللامبالاة الذي يقفه أغلبنا تجاهها، هو المشجع الأكبر على فتح شهية الجشع الذي لا يرتوي، والذي نرى آثاره في ذلك الارتفاع الحلزوني الذي لا يجد رادعًا يوقفه.
ولست أدعو المواطنين إلى التصدي فرادى للباعة والتجار الجشعين، فإني أعلم جيدًا ما يمكن أن يصيبهم من أذى وعدوان في تلك الحالة، وهو ما يحول دون الإقدام على أي مواجهة مع هؤلاء التجار، وخاصة إذا كان الزبون واهن القوى أو سيدة حريصة على كرامتها.. ومن ثم فإن أسلم الطرق وأكثرها فاعلية في هذا المجال، هو تضافر جمهور المستهلكين في كل حي أو جزء من حي لتكوين جماعة تدافع عن حقوقهم ومصالحهم، وتتصدى بصورة إيجابية لكل محاولة جشعة لاستغلال جماهير المواطنين دون مبرر.
مثل هذه الجمعيات التي تدافع عن المستهلكين موجود في دول عديدة متقدمة، لم يفلت فيها زمام الأسعار بالصورة التي نشهدها اليوم في مختلف مدننا الكبرى والصغرى على السواء.. وكثير من هذه الجمعيات يضم ربات البيوت باعتبارهن أول من يكتوى بموجة الغلاء وارتفاع الأسعار.
ومنعًا لحدوث أي احتكاك مباشر بين جمعيات المستهلكين والتجار، فإن من الأفضل أن تكون مهمة هذه الجمعيات ومندوبيها في البداية مجرد المراقبة ولفت النظر في هدوء
(1/211)

إلى محاولة لاستغلال المواطنين، وفي نفس الوقت إبلاغ المسئولين عن مراقبة الأسعار للقيام بواجبهم لوقف هذا الاستغلال مستخدمين قوة الدولة وسلطانها.
ولا شك أن عدم الالتزام بوضع السعر على كل سلعة، وتقديم إيصالات بثمنها -كما هو الحال في كل دول العالم- يشجع الكثيرين ممن ماتت ضمائرهم على التلاعب في هذه الأسعار، وفقًا لأهوائهم وجشعهم.. والحل هنا هو تشديد العقوبات على عدم وضع السعر فوق كل سلعة مهما كان ثمنها، ففي الخارج نجد هذا السعر موضوعًا في كل شيء يعرض للبيع، ولو كان ثمنه لا يتجاوز بضعة قروش أو ملاليم.
- أما خاتمة الفقرة، فقد تضمنت خلاصة رأي الكاتب واقتراحاته في قضية ارتفاع الأسعار:
شيء آخر نرجوه فيما يتعلق بالحماسة السائدة اليوم حول الأسعار وعلاج ظاهرة ارتفاعها المستمر.. وهو ألا تكون صورة أخرى من أسبوع النظافة، وأسبوع المرور، وأسبوع منع الضجيج ... إلخ، ثم يعود كل شيء كما كان.. وألعن!
- أما الفقرة الثانية في هذه اليوميات، فقد حملت عنوانًا فرعيًّا هو "لمسة وفاء تثير الشجون"، ووضعت تحت خواطر يوم السبت، وهي تماثل تمامًا العمود الصحفي الذي يقوم على إبراز الأسئلة أو الخطابات التي تصل إلى الكاتب من القراء، والتي يتولى الرد والتعليق عليها.. بحيث تضمنت مقدمة الفقرة الإشارة إلى رسالة القارئ:
(1/212)

لمسة الوفاء تثير الشجون
السبت:
مست كلمتي عن تكريم العاملين الذين أفنوا زهرة شبابهم وعمرهم كله في وظائفهم عند تقاعدهم وترًا حساسًا لدى الكثيرين ممن مروا بهذه التجربة، وقد أعربوا في رسائلهم عن أحاسيسهم بالمرارة وخيبة الأمل التي أصابتهم بعد أن بلغوا سن المعاش.
- أما جسم الفقرة، فهو يتضمن نص رسالة القارئ أو جانبًا منها، ثم رد الكاتب عليها:
يقول الأستاذ محمد عزازي المسيري من الإسكندرية: لقد هزتني كلمتك بعنوان "لمسة وفاء نفتقدها.." وجعلتني أستعرض سنينًا من عمري جاوزت الثلاثين في خدمة هذا البلد. منها ما يقارب العشرين عامًا في ديوان محافظة كفر الشيخ، هي عمر الحكم المحلي كله. ثم أتذكر أيامًا كانت تدنيني من سن الستين في يونيو 1979، وانتظرت في أمل أن يكون هذا اليوم جديرًا بمن عمل للدولة كل هذا العمر الطويل، وبتقارير لا تقل عن امتياز.. وانتظرت أن يدخل الوزير المحافظ -الذي كان رجل بروتوكول عندما عمل مديرًا لمكتب رئيس الوزراء السابق- مكتبي ليقول كلمة رقيقة بهذه المناسبة، وأن يحذو حذوه وكيل الوزارة السكرتير العام..
ولكن اليوم مر مع الأسف والألم، ومرت كل الأيام حتى اليوم دون أن يحدث شيء من ذلك.
وأستعرض وأنا أقرأ كلمتك أنواعًا من البشر أقيمت لهم حفلات، وقدمت الهدايا السخية التي جمع ثمنها بالأمر من العاملين.. وأتذكر نوعية هؤلاء وسلوكهم.. ونوعية أولئك الذين خدموا بإخلاص وأمانة.. ولم يقل لهم أحد: "شكرًا ومع السلامة".
(1/213)

وتمر الذكريات.. وفي حفل أقامه خريجو كلية فيكتوريا بالإسكندرية، وقد دعيت إليه كأستاذ أمضى عامين فقط مدرسًا بها، ويقف الابن البار العزيز الوزير منصور حسن ليقدمني أكرم تقديم، ويعترف بفضل أستاذه وأستاذ الكثيرين ممن حضروا هذا اللقاء، بكلمات لم أتمن يومًا أن يقال عني ولو بعضها، مما جعل الدموع تترقرق في عيني.
وعزائي الوحيد يا أخي أنني أرضيت الله والأخيار من خلق الله، فأكرمني الله وبارك لي في أسرتي وفيمن علمتهم.. وتكفيني نظرة حب أقرأها في عيون الأحباب في ديوان المحافظة تعبر عما في قلوبهم من عرفان وتقدير.. وكأنها تقول: الله موجود.
- أما ختمة الفقرة، فقد تضمنت رأي الكاتب واقتراحاته حول الموضوع:
أما آن للشيوخ المصريين أن ينالوا من العطف والتكريم مثلما ينال إخوانهم هؤلاء؟ إنني أرجو أن تتبنى أخبار اليوم الدعوة لمؤتمر لشيوخ مصر يعقد في العام القادم.
- أما الفقرة الثالثة والأخيرة في هذه اليوميات، فقد جاءت تحت عنوان "هذا التشويه للروائع العالمية" وهي عن خواطر نقدية يسجلها الكاتب عن إحدى تمثيليات التليفزيون، وقد وصفها تحت خواطر يوم "الأحد"، وقد اختار الكاتب أن يضع في مقدمة هذه الفقرة القضية التي تثيرها هذه التمثيلية.. وهي تشويه التليفزيون للروائع العالمية:
هذا التشويه.. للروائع العالمية:
الأحد:
إن ما أراه الآن على شاشة التليفزيون من حلقات يقال: إنها مأخوذة عن هذه الرواية التي خلدت اسم صاحبتها شارلوت برونتين
(1/214)

منذ كتبتها من حوالي قرن ونصف قرن، رغم أنها إنتاجها الوحيد في عالم القصة.. يثير في نفسي آلامًا شديدة لهذا التشويه العجيب الذي أراه في أحداث القصة التي تناولها المسرح المصري والسينما العالمية والمصرية، ونالت نجاحًا ما زال مشهودًا به في عالم الفن.
- أما جسم الفقرة، فقد تضمن الأدلة والشواهد والحجج التي يؤكد بها الكاتب رأيه، وذلك من خلال الخلفية التي يقدمها عن هذه التمثيلية، وكذلك من خلال رأيه في التشويه الذي أصابها عندما تحولت إلى عمل تليفزيوني:
"مرتفعات ويذرنج" رواية لها ذكرى عزيزة في قلبي ونفسي منذ أن ترجمتها لأول مرة في مصر في مطلع الأربعينات، وقد شدتني بما فيها من صراع العواطف البشرية والانفعالات والتحليل الدقيق لمختلف المشاعر الإنسانية بما فيها من حب ونضال وثأر للكرامة الجريحة.. وقد أشار علي بتقديمها للقارئ العربي يومئذ أستاذي الفنان العريق زكي طليمات، وأحضر لي نسختها الإنجليزية من صديقه المرحوم القصصي الكبير محمود تيمور.
وإذا كان مجرد التذرع بتمصير القصة الخالدة حجة كافية في نظر مَن قاموا بهذا التشويه، فقد كان في الإمكان الالتزام بالأسس التي قام عليها الصراع الأصلي في القصة بصورة أكثر توفيقًا من هذا، إلى جانب عدم التوفيق في اختيار الملابس والعادات والديكور التي تناسب الحياة في الريف المصري في مطلع الثلاثنيات كما أراد مقتبس القصة.
(1/215)

ولست أدري هل كاتب السيناريو هو المسئول عن عدم تقمص أحمد زكي شخصية بطل القصة الأصيلة "هيثكليف" الذي كان يشبه بالجواد البري الجامح أو الإعصار العنيف الذي تدفعه مشاعره الجارفة إلى اكتساح كل شيء في طريقه.
أما محيي إسماعيل، فقد قلب دور شقيق البطلة إلى صورة كاريكاتير هزلية، يقترب بها كثيرًا من شخصية الكوميدي الراحل عبد السلام النابلسي.
- أما خاتمة الفقرة، فقد حوت خلاصة رأي الكاتب في هذه الظاهرة:
وقد يكون ذلك شيئًا يثير البسمة على شفاه المتفرجين؛ ولكنها بسمة سخرية؛ لأن هذا هو أبعد شيء عن هذه الشخصية كما أرادتها شارلوت برونتين في قصتها الممتازة.
- ومن هذا النموذج لفن اليوميات الصحفية يتضح لنا فعلًا أن هذا الفن ليس سوى مجموعة من الأعمدة الصحفية.. وضعت في مساحة واحدة.. وتحت عنوان واحد.. وبقلم كاتب واحد.
(1/216)

المبحث الثالث: فن العمود الصحفي
...
ويوضح الشكل التالي طريقة كتابة العمود الصحفي المبني على قالب الهرم المعتدل:
رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
البناء الفني للعمود الصحفي المبني على قالب الهرم المعتدل
(1/190)

المبحث الرابع: فن المقال النقدي
المقال النقدي: هو الذي يقوم على عرض وتفسير وتحليل وتقييم الإنتاج الأدبي والفني والعلمي.. وذلك من أجل توعية القارئ بأهمية هذا الإنتاج، ومساعدته في اختيار ما يقرأه أو يشاهده أو يسمعه من هذا الكم الهائل من الإنتاج الأدبي والفني والعلمي الذي يتدفق كل يوم، سواء على المستوى المحلي أو المستوى الدولي1.
مجالات المقال النقدي:
تتسع مجالات اهتمام المقال النقدي لتشمل غالبية النشاط الإنساني الأدبي والفني والعلمي.. ويمكن أن نشير إلى أبرز هذه المجالات في النقاط التالية:
1- الإنتاج الأدبي من قصص وروايات وشعر وأغانٍ.
2- الإنتاج المسرحي، سواء كان إنتاجًا مطبوعًا أو إنتاجًا معروضًا على المسرح.
3- الإنتاج السينمائي من أفلام طويلة وأفلام قصيرة.. وأفلام كارتون وأفلام تسجيلية.
4- الإنتاج الإذاعي والتليفزيوني من تمثيليات وأغانٍ وبرامج منوعة، وغير ذلك من ألوان الإنتاج الإذاعي والتليفزيوني.
5- الفنون التشكيلية من رسوم وصور ونحت وغيرها مما يدخل في مجال الفنون التشكيلية.
__________
1 New man Alec, Reporting. p.p. 173-178.
(1/217)

6- الإنتاج العلمي ممثلًا في المؤلفات والكتب الجديدة، أو المقالات والأبحاث والدراسات، سواء ما كان منها يرتبط بالعلوم الاجتماعية؛ كالتاريخ والفلسفة والاجتماع وعلم النفس والسياسة والاقتصاد وغيرها، أو ما كان متعلقًا بالعلوم الطبيعية؛ كالطب والكيمياء والفيزياء، وغيرها من العلوم1.
وظائف المقال النقدي:
يقوم المقال النقدي في الصحافة بأداء الوظائف التالية:
1- عرض وشرح وتفسير وتحليل الأعمال الأدبية الفنية والعلمية، والكشف عن أبعادها ودلالاتها المختلفة.
2- تقييم شكل ومضمون العمل الفني والأدبي والعلمي، وذلك بالكشف عن جوانبه الإيجابية والسلبية.
3- إرشاد القارئ ومعاونته على اختيار أفضل الأعمال الفنية أو الأدبية أو العلمية المناسبة وذات المستوى المرتفع.. فالمقال النقدي هو الذي يشير مثلًا على القارئ بالفيلم الذي يستحق أن يشاهده والفيلم الذي لا يستحق.. وكذلك الأمر بالنسبة للمسرحيات وبرامج التليفزيون ... والناقد في كل حالة من هذه الحالات يقدم للقارئ نصحيته من خلال الحجج المنطقية التي يدعم بها وجهة نظره.
4- الكشف عن آثار ونتائج العمل الفني والأدبي على الجمهور المتلقي، فالناقد السينمائي لا يهتم فقط بإبراز نواحي الجمال أو القبح، ولا بنواحي الجودة أو الرداءة في الفيلم الذي ينقده ... وإنما يمكنه أن يقوم أيضًا بالإشارة إلى تأثير هذا الفيلم على جمهور المشاهدين، فإذا كان بالفيلم جرعة زائدة من الجريمة أو الجنس أو الانحراف مما يشكل خطرًا على الشباب؛ لكان من حق الناقد أن يكشف عن مثل هذه الآثار، وله أن يقترح من الآراء ما هو كفيل بمعالجة هذه العيوب؛ كأن يطالب بمنع عرض الفيلم مثلًا أو حذف الأجزاء التي يرى خطورتها، أو يكتفي بالمطالبة بمنع عرض الفيلم لمن هم أقل من 16 سنة! 2..
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/218)

لغة المقال النقدي:
إذا كان المقال الافتتاحي يمثل اللغة الصحفية الخالصة.. أي: تلك اللغة العربية الفصحى التي يستعملها المواطن العادي في حياته اليومية.. وإذا كان كاتب العمود الصحفي يجمع بين اللغة الصحفية واللغة الأدبية.. فإن المقال النقدي يجمع بين اللغة الصحفية واللغة العلمية1.
وذلك أن النقد نفسه -سواء كان نقدًا أدبيًّا أو فنيًّا أو علميًّا- يقوم على أساسين:
الأول: النظريات والقواعد والأصول العلمية.. والناقد الأدبي أو الفني أو العلمي ملتزم في كتابته للمقال النقدي بقواعد وأصول ونظريات العلم الذي تخصص فيه.
الثاني: انطباعات الكاتب الذاتية وذوقه الفني ورؤيته الفنية والفكرية الخاصة، فالمقال النقدي ليس مجرد عملية ميكانيكية لتطبيق قواعد علمية صارمة والخروج منها بنتائج محددة.. وإنما هو في نفس الوقت علم وفن.. ومزيج بين موضوعية العالم وذاتية الفنان، ولعل هذا هو الذي يفرق بين ناقد وآخر، رغم أنهما قد يتصديان لنقد عمل واحد.
ونخرج من ذلك بأن لغة المقال النقدي لا بد أن تجمع بين موضوعية ودقة اللغة العلمية وبين جمال وذوق اللغة الأدبية2؛ ولكن لا يجب أن ننسى في الوقت نفسه أن المقال النقدي هو في النهاية من صحفي ينشر في الصحف ليفهمه قراء الصحف؛ وهو لهذا لا بد أن تتوفر فيه أيضًا ملامح وخصائص اللغة الصحفية؛ أي: البساطة والوضوح والسهولة.
بناء المقال النقدي:
يقوم بناء المقال النقدي على طريقة الهرم المعتدل3، تمامًا كالمقال الافتتاحي والعمود الصحفي؛ بحيث يتضمن ثلاثة أجزاء:
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/219)

1- مقدمة المقال النقدي:
وهي تشمل النقاط التالية:
1- القضية أو المشكلة أو الفكرة الهامة التي يثيرها موضوع العمل الفني أو الأدبي أو العلمي.
وعلى سبيل المثال، فإن أكثر الذين تعرضوا بالكتابة النقدية لمسرحية "بكالوريوس في حكم الشعوب" كان مدخلهم إلى الموضوع كونها أول مسرحية عربية تطرح بصراحة أزمة الحكم العسكري في دول العالم الثالث.
2- التجديد أو التطوير أو العصر الجديد الذي يطرحه شكل ومضمون هذا العمل.
وعلى سبيل المثال، فإن أكثر المقالات النقدية التي كتبت عن أغنية "أنت عمري"، التي جمع لأول مرة بين موسيقى عبد الوهاب وصوت أم كلثوم.. وقد ركزت مقدماتها جميعًا على أهمية المقدمة الموسيقية الطويلة للأغنية، باعتبارها تطويرًا في شكل الأغنية العربية بما يعطي للموسيقى دورًا أكبر من الأداء من الكلمات.
3- مدى إقبال الجمهور على العمل أو مدى إدباره عنه!
فالذين كتبوا عن فيلم "رجل لكل العصور" بدءوا مقالاتهم النقدية بإبداء الدهشة من عدم إقبال الجمهور على الفيلم، لدرجة أنه لم يمكث سوى أسبوع واحد في دار العرض! في حين يعتبر الفيلم من الناحية الفكرية والفنية من أهم الأفلام التي أنتجت في السنوات الأخيرة!
2- جسم المقال النقدي:
وهو يضم النقاط التالية:
1- عرض موضوع العمل الفني أو الأدبي أو العلمي.
2- تحليل وتفسير وشرح الأبعاد المختلفة للعمل.
3- تقديم المعلومات الخلفية أو التاريخية للعمل نفسه أو الأشخاص المشتركين فيه.
4- المقارنة بين هذا العمل وغيره من الأعمال المشابهة.
(1/220)

3- خاتمة المقال النقدي:
وهي تشمل النقاط التالية:
1- التقييم النهائي للعمل وتحديد مستواه بالنسبة لغيره من الأعمال المشابهة.
2- دعوة القارئ إلى سماع أو مشاهدة أو قراءة هذا العمل، أو دعوته إلى عدم الاهتمام به1.
ويوضح الشكل التالي طريقة كتابة المقال النقدي المبني على قالب الهرم المعتدل:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
البناء الفني للمقال النقدي المبني على قالب الهرم المعتدل
__________
1 Cattanch. Norman: Bditorial Writing p.p. 111-117.
(1/221)

ولنحاول مثلًا تحليل نموذج للمقال النقدي، وهو المقال الذي نشرته صحيفة الأخبار عن الفيلم الأمريكي "الجانب الآخر من منتصف الليل" أو "الرغبة المدمرة"، كما جاء في الترجمة العربية لاسم الفيلم حين عرض في إحدى دور العرض بالقاهرة:
الجانب الآخر من كل امرأة رجل ... والعكس! 1
- أكد الفيلم الأمريكي: "الجانب الآخر من منتصف الليل".. أن الجانب التقليدي في السينما ما يزال هو الأكثر نجاحًا ... وهذه مصيبة! وأن ميلودراما الحدوتة والسرد الطبيعي والأحداث المتلاحقة ... هو الأسلوب الفائز.. وهذه كارثة! ... وأن كل ما حاولت السينما الحديثة أن تحققه من تطور لم ينل نجاحًا يذكر أمام ذلك الأسلوب القديم الذي اتبعته السينما العالمية منذ اللحظة التي نطقت فيها!! فالفيلم يروي من ناحية "الموضوع" تاريخ حياة امرأة جميلة منذ بدأت حياتها العملية وهي لا تزال شابة صغيرة.. إلى أن استسلمت مع عشيقها للحكم بإعدامها رميًا بالرصاص.. ثم هو يتخذ من ناحية "الشكل" طريق بدء الرواية من نهايتها عن طريق فلاش باك طويل يمثل كل أحداث الفيلم عدا مشاهدة النهاية!.. وهذه الطريقة في كل من "الشكل والموضوع" هي النموذج الخالد للأسلوب التقليدي.. ورغم ذلك، فإن الفيلم قد حقق عند عرضه في أمريكا وأوربا أرقامًا قياسية في الإيرادات.. وهو ما يحققه الآن في مصر أيضًا! ولكن يشفع له من أسباب نجاحه أيضًا.. تلك المهارة الواضحة في كل حرفيات السينما..
__________
1 الأخبار - 30/ 1/ 1979.
(1/222)

فالسيناريو "هيرمان روشير" و"دانيل تاراداس" متقن تمامًا، يجذب المشاهد في انهبار مستمر من مشهد لآخر.. والإخراج "شارل جاروت" يحرص على تحقيق الجو المناسب لطبيعة كل مشهد.. والموسيقى "ميشيل ليجران" تضفي مزيدًا من الدراما للمواقف ... كما بلغت كل من الفرنسية "ماري فرانس بيزيه" التي لعبت شخصية "نويل" والأمريكية "سوزان ساراندون" التي لعبت شخصية "كاترين" مستوى رائعًا في القدرة على الأداء بكل مراحل الشخصية المختلفة ... والفيلم مأخوذ عن كتاب حقق شهرة واسعة للروائي الأمريكي "سيدني شيلدون".. وقد رأيته في لندن في بداية العام الماضي.. ولاحظت ذلك الحشد الذي لا داعي له لمشاهد الجنس.. والتي التهمها مقص الرقيب قبل عرض الفيلم في مصر.. إلا أن كاتبا السيناريو قد التزما التزامًا كبيرًا بالنص الأدبي.. حتى في تقديم كل من شخصيتي "نويل" و"كاترين" بالتوازي.. كل منهما فصلًا أو فصلين على التوالي.. حتى تلتقيا مع أحداث النصف الأخير من الفيلم!
وتبدأ أحداث "الجانب الآخر من منتصف الليل" -ترجموه "رغبة مدمرة"- بالفتاة "نويل باخ" عام 47 في أحد سجون اليونان تؤكد للمليونير اليوناني "ديميريس" الممثل "راف فالون" أنها بريئة من قتل "كاترين".. ثم تتوالى أحداث الفيلم من خلال فلاش باك طويل.. حيث نراها صغيرة جميلة ابنة أسرة فقيرة في مارسيليا عام 39.. والحرب العالمية تدق الأبواب.. واسم هتلر يثير الهلع.. والأب الفقير يبيع ابنته لأحد التجار مقابل مبلغ من المال يشتري به راديو وبعض الملابس!.. إن الفتاة تكتشف هذه الحقيقة.. وتواجه بها
(1/223)

أباها.. فيؤكد لها أن مصالحهما مشتركة.. هو حصل على المال.. وهي ستحقق السعادة.. أنه ينصحها أن سلاحها الوحيد الذي يجب أن ترفعه في مواجهة مجتمع الحرب ... هو جمالها!
ورغم أن "نويل" تبكي وهي تهمس في وجه أبيها: "إنني حزينة عليك".. ورغم أنها تتركه وتهرب من وقع هذا الدرس الأول الذي ألقاه على مسامعها.. إلا أنها لم تنسَ هذا الدرس لحظة.. فقد عرفت كيف تستغل هذا السلاح.. حتى تحولت في باريس إلى عارضة أزياء.. وفي أمريكا إلى نجمة سينما.. وفي اليونان إلى خليلة لأخطر مليونير -وقد أعطى كل من مؤلف الكتاب سيدني شيلدون وكاتبا السيناريو الشبيه الواضح بأوناسيس! - ولكنها لم تنسَ أبدًا حبها الأول.. ذلك الطيار "لاري دوجلاس" -الوجه الجديد "جون بيك"- الذي أنقذها من الوَحْدَة والفقر الكامل لدى وصولها باريس.. وغمرها بحبه.. وقضت معه أجمل أيام حياتها.. لكنه طار في الهواء وتركها تحمل منه جنينًا بعد أن وعدها بالعودة في ميعاد محدد.. طالبًا منها أن تشتري فستان الزفاف!
لقد انتظرت طويلًا.. حتى علمت أنه قد اشترك في الحرب.. وأسقط من طائرات الأعداء أكثر مما سبق له أن أسقط من الفتيات.. وعندما تستغل "نويل" سلاح أنوثتها وتصبح خليلة المليونير اليوناني.. تتوصل بنفوذها ومالها إلى أن تعرف أن حبيبها الأول قد تزوج "كاترين".. وأنه يعمل بالطيران المدني.. فتشتري الهواء أن ترشي كل شركات الطيران.. حتى يفصل وتستأجره قائدًا لطائرتها الخاصة.. ثم تعيد معه أيام الهوى.. وتطلب منه أن يقتل زوجته؛ ليسعدا سويًّا بمال المليونير.
(1/224)

وتتوالى المفاجآت في الجزء الأخير من الفيلم.. فالزوج العاشق يفشل في قتل الزوجة.. لكنها من خلال الرعب تهرع إلى قارب في البحر الهائج وتختفي في خضم الأمواج! وعندما يتهم كلًّا من "نويل ودوجلاس" بقتلها.. يتدخل المليونير الذي يريد أن ينتقم بدوره من عشيقته ... فيشتري المحامي الذي يقنعهما بالاعتراف؛ كي يخفف الحكم إلى ستة شهور.. ولكن عندما يعترفان يصدر الحكم بإعدامهما.. ويكتشفان أن هناك من تآمر على مؤامرتهما.. ثم تبقى المفاجأة النهائية.. عندما تظهر الزوجة التي انتشلتها الراهبات من البحر وانضمت معهن إلى الدير.. حيث يلتقي بها المليونير اليوناني.. ويصافحها.. وكأنه يؤكد أنه قد تمت تصفية كل المؤامرات لصالحهما.
إن قدرة هذا الفيلم في "اصطياد" المتفرج أنه وضع "توليفة" متكاملة بها كل ما يثير ويمتع الجماهير.. الحب والرغبة والعواطف الساخنة ومشاهد الجنس والجريمة والانتقام والقتل والسخاء البالغ في الإنتاج بين مشاهد في أطراف العالم، والرومانسية الشفافة والعنف في نفس الوقت.. توليفة تجارية مضغوطة ومكدسة من خلال حبكة فنية للسيناريو.. بحيث تمر مدة الفيلم التي تتجاوز الساعتين والمتفرج في حالة متعة فعلًا.. إلا أنه بعد أن يخرج يتساءل: ماذا يقول هذا الفيلم؟
فلا يجد سوى الكلام المعاد في السينما منذ أن كانت صامتة.. حول عواطف المرأة ودهائها وشيطانها الذي يخرج ليبتلع كل شيء إذا ما قررت الانتقام.
(1/225)

لقد انتصرت "مليوداراما الحدوتة" بالفعل.. ولكن انتصارها لم يأتِ إلا بسبب تفوق في "الحرفية السينمائية".. وقدرات متميزة في كل عناصر الفن السينمائي ... وهذا يكفي!.
ولنحاول تطبيق المبادئ النظرية لفن المقال النقدي على هذا المقال:
أولًا: لقد اختار الكاتب أن يبدأ مقاله بمقدمة تطرح القضية الهامة -من وجهة نظر الكاتب- التي يثيرها الفيلم؛ وهي أن الجانب التقليدي في السينما -ويقصد به ميلودراما الحدوتة- ما زال ناجحًا!
ثانيًا: أما جسم المقال النقدي فقد احتوى على النقاط التالية:
أ- موضوع الفيلم وفكرته.
ب- رد الفعل الجماهيري؛ حيث أشار الناقد أنه حقق الأرقام القياسية في الإيرادات عند عرضه في أمريكا وأوربا.
ج- رأي الكاتب في حرفيات الفيلم، وشمل ذلك السيناريو والإخراج والموسيقى والتمثيل.
د- معلومات خلفية عن الكتاب الذي أخذت عنه قصة الفيلم، والروائي الأصلي كاتب القصة، ومدى نجاح القصة كعمل أدبي قبل تقديمها في السينما.
هـ- عرض تفصيلي لقصة الفيلم.
ثالثًا: أما خاتمة هذا المقال فقد حوت نقطة "واحدة" وهي: خلاصة حكم الناقد على الفيلم وتقييمه النهائي لمستوى الفيلم ... وهو الأمر الذي لا يحمل دعوة مباشرة للقارئ لمشاهدة الفيلم، وإن كانت هذه الدعوة موجودة في المقال؛ ولكن بشكل مستتر، وخاصة عندما يشير الناقد إلى النجاح الجماهيري للفيلم.. وهذا كفيل وحده بجذب القارئ إلى مشاهدة الفيلم.
(1/226)

الهرم المقلوب:
ومن الضروري أن نشير إلى أن هناك من النقاد في الصحافة من يلجئون في بعض الأحيان إلى كتابة مقالاتهم النقدية في قالب الهرم المقلوب؛ وذلك بأن يضعوا رأيهم النهائي في العمل أو حكمهم النقدي عليه في مقدمة المقال، ثم يضمنوا جسم المقال مجموع الأدلة والشواهد والحجج التي تدعم هذا الرأي، وبذلك قد لا يحتاج هذا المقال إلى خاتمة، وإذا حدث وكانت له خاتمة فهي ليست سوى إعادة تأكيد نفس الحكم الذي بدأ به الكاتب مقاله النقدي.
(1/227)

المبحث الخامس: فن المقال التحليلي
تعريف المقال التحليلي:
المقال التحليلي: هو أبرز فنون المقال الصحفي وأكثرها تأثيرًا.. وهو يقوم على التحليل العميق للأحداث والقضايا والظواهر التي تشغل الرأي العام. والمقال التحليلي يتناول الوقائع بالتفصيل، ويربط بينها وبين غيرها من الوقائع التي تمسه من قريب أو بعيد.. ثم يستنبط منها ما يراه من آراء واتجاهات1. والمقال التحليلي لا يقتصر فقط على تفسير أحداث الماضي أو شرح الوقائع الحاضرة.. وإنما يربط بين الاثنين؛ ليستنتج أحداث المستقبل. ولأن المقال التحليلي يقوم على التحليل العميق والمدروس للأحداث.. فهو غالبًا ما يكون أسبوعيًّا.. ولو كان ينشر في صحيفة يومية.. وليس هناك حجم معين للمقال التحليلي.. ولكنه قد يحتل ساحة صفحة كاملة من الجريدة.
وهناك فاروق جوهري بين المقال التحليلي وبين المقال الافتتاحي -غير الفارق في الحجم والمساحة والمكان الثابت- وهو أن المقال التحليلي لا يعبر عن سياسة الصحيفة وإن كان يجب ألا يختلف معها.. فهناك مساحة كبيرة من الحرية تُمنح لكتاب المقال التحليلي تسمح لهم بالتميز عن رأي الصحيفة2.
ولقد لعب المقال التحليلي دورًا متميزًا في تاريخ الصحافة العربية.. بل إن تاريخ الصحافة العربية هو في واقع الأمر تاريخ كتاب المقال التحليلي
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/229)

منذ رفاعة رافع الطهطاوي وأحمد فارس الشدياق في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وحتى محمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين في النصف الثاني من القرن العشرين.. وبين الفترتين برزت عشرات الأسماء اللامعة في كتابة المقال التحليلي في الصحافة العربية1. الشيخ محمد عبده وعبد الله النديم وأديب إسحاق ورشيد رضا ومصطفى كامل والشيخ علي يوسف وأحمد لطفي السيد وأمين الرافعي وعبد القادر حمزة والدكتور محمد حسين هيكل وطه حسين والعقاد.
وظائف المقال التحليلي:
للمقال التحليلي عدة وظائف هامة؛ ولكن يبرز في مقدمتها الوظائف الثلاث التالية:
1- عرض وتحليل الأحداث الجارية، والكشف عن أبعادها ودلالاتها.
2- مناقشة وطرح القضايا والظواهر التي تشغل الرأي العام المحلي أو الدولي، ومساعدة القراء على فهمها ومتابعتها.
3- التعبير عن السياسات والاتجاهات السائدة في المجتمع، وطرح وجهات نظر القوى السياسية والاجتماعية في البلد الذي تصدر به الصحيفة2.
موضوعات المقال التحليلي:
يتسع المجال أمام كُتَّاب المقال التحليلي -شأنهم شأن كُتَّاب العمود الصحفي- للخوض في مختلف مجالات النشاط الإنساني من سياسة واقتصاد واجتماع وثقافة وفكر.. ولكن ينفرد النشاط السياسي بالاستحواذ على غالبية ما يكتب من مقالات تحليلية.
ولعل في هذا ما يكشف عن فرق هام بين المقال التحليلي وبين العمود الصحفي، فعلى حين تغلب السياسة على المقال التحليلي.. نجد المسائل الاجتماعية تغلب على العمود الصحفي.
__________
1 لمزيد من التفاصيل انظر: حمزة عبد اللطيف: أدب المقالة الصحفية في مصر "سبعة أجزاء" "دار الفكر العربي" القاهرة.
2 Firth. Eric: the Editorial Article: p.p. 66-72.
(1/230)

كذلك فإن هذه الحقيقة تكشف عن فاروق آخر بين المقال التحليلي والمقال الافتتاحي.. إذ يغلب على المقال الافتتاحي طابع "التعليق السريع" على الأحداث الجارية، في حين يغلب على المقال التحليلي طابع "التعليق العميق" على نفس الأحداث الجارية.. لذلك كان في إمكان الكاتب أن يكتب المقال الافتتاحي كل يوم، في حين لا يستطيع غالبًا أن يكتب المقال التحليلي إلا كل أسبوع.
كتابة المقال التحليلي:
يكتب المقال التحليلي -شأنه في ذلك شأن جميع أنواع المقال الصحفي- في قالب الهرم المعتدل.. أي: يحتوي على مقدمة وجسم وخاتمة؛ ولكن المقال التحليلي يتميز عن كل من المقال الافتتاحي والعمود الصحفي بكبر حجم مساحته في الصحيفة.. وهو الأمر الذي يسمح لكاتبه بأن يحشد في جسم المقال أكبر كمية من التفاصيل والحجج المنطقية والأدلة والشواهد التي تشرح موضوع المقال.
كذلك فإن كبر حجم مساحة المقال التحليلي تسمح لكاتبه بحشد كمية كبيرة من المعلومات الخلفية التي تتعلق بموضوع المقال.
فمقدمة المقال التحليلي يمكن أن تحتوي على العناصر التالية:
1- إبراز حدث من الأحداث الهامة الجارية.
2- طرح قضية تشغل الرأي العام وتمس مصالح الجمهور.
3- تقديم اقتراح جديد يثير اهتمام القراء.
أما جسم المقال التحليلي فيتضمن العناصر التالية:
1- المعلومات الخلفية للموضوع الذي يناقشه المقال.
2- حشد الأدلة والشواهد والحجج التي تؤكد وجهة نظر الكاتب.
3- كشف أبعاد الموضوع ودلالاته المختلفة.
4- عرض الآراء المؤيدة أو المعارضة لوجهة نظر كاتب المقال والرد عليها.
أما خاتمة المقال التحليلي فهي تحتوي على العناصر التالية:
1- خلاصة وجهة نظر الكاتب في الموضوع.
2- استثارة ذهن القارئ ودفعه للاهتمام بالقضية التي يطرحها الكاتب.
(1/231)

3- فتح حوار بين الكاتب والقراء من ناحية، وبينه وبين غيره من الكُتَّاب من ناحية ثانية حول موضوع المقال.
ويوضح الشكل التالي طريقة كتابة المقال التحليلي المبني على قالب الهرم المعتدل:
رسم يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
البناء الفني للمقال التحليلي المبني على قالب الهرم المعتدل
(1/232)

نموذج للمقال التحليلي المبني على قالب الهرم المعتدل:
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
1
- اختار الكاتب أن تكون مقدمة مقاله التحليلي حول أهمية حدث من الأحداث الجارية؛ وهو الإضراب الذي قام به عمال بولندا:
إن ما حدث في بولندا أمر لا يكاد يصدق، وهو أخطر من أن يمر بلا تعليق!
إن عامل الكهرباء المفصول الذي يشبه في شكله وثيابه وحياته إحدى شخصيات "ماكسيم غوركي"، والذي ترك زوجته وأطفاله الخمسة بعد
__________
1 المستقبل - 6 سبتمبر سنة 1980.
(1/233)

بدء الإضراب، وتسلق سور مصنع لينين. وتولى فورًا قيادة الإضراب.. هذا العامل جلس وجهًا لوجه أمام نائب رئيس وزراء بولندا، وتحت أضواء كاميرات تليفزيون العالم، يوقع اتفاقًا وكأنه حفل توقيع معاهدة دولية.. ولكنه اتفاق عن دولة شيوعية بين زعيم إضراب عمال وبين ممثل حزب الطبقة العاملة في بولندا!
وسواء نفذ الاتفاق أم لم ينفذ، فإن الحدث المثير قد تم، وقد تم بواسطة عمال بولندا ومثقفيها وحدهم دون فضل لأي أحد عليهم؛ بل وربما برغم أنف العالم كله، وهو حدث سياسي وذهبي وثوري من الدرجة الأولى -وتطور- ولو قبله المعسكر الشرقي، فسوف يكون مدخلًا لتطورات هائلة.. توقعها كثيرون.. ولم يتصور أحد "كيف" يمكن أن تحدث.
- أما جسم المقال، فقد بدأ بفقرة تمهيدية أشار فيها الكاتب إلى جانب من تفاصيل الخبر ورد فعله على بعض التكتلات السياسية العالمية؛ مثل: الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي، وغرب أوربا، والفاتيكان:
في بداية الإضراب، وضع العمال البولنديون العالم كله -دون استثناء- أمام امتحان خطير!
وقد خذلهم العالم كله، أيضًا دون استثناء!
ألم تكن أمريكا -مثلًا- تحرض شعوب شرق أوربا على التمرد؟ ألم تكن دول غرب أوربا تنتظر ساعة تشقق المعسكر الشرقي؟ ألم يكن الفاتيكان يذكي شعلة الكاثوليكية ضد الدولة هناك؟ إلى آخره ... إلى آخره ...
وفجأة بدأ إضراب منظم بشكل مثير في أكثر دول شرق أوربا حساسية؛ وهي
(1/234)

بولندا! وإذا بالعالم كله يصاب بالذعر!! وإذا بأهل الشرق وأهل الغرب وأهل الحياء يحبسون أنفاسهم!
أمريكا وألمانيا الغربية قررتا الإسراع بالقروض المتلكئة إلى "حكومة بولندا"؛ وذلك لمساعدتها في التغلب على الأزمة الاقتصادية التي كانت هي السبب المباشر فيما حدث.
والفاتيكان والكادرينال ويزنسكي يوجهان نداء إلى العمال المضربين "بالاتزان والتعقل". وإذا كانت روسيا ودول شرق أوربا -وهذا مفهوم- قد تمنت الهدوء، والاتفاق دون حاجة إلى صدام، فإن يوغوسلافيا ورومانيا بالذات، وبحكم رقعهما شعار الاستقلال عن موسكو، كانتا أكثر قلقًا واضطرابًا، فها هو شعب من شعوب شرق أوربا يطالب عماله بنوع آخر من الاستقلال أكثر خطورة وعمقًا!
وإذا كان هناك خوف ما -في المعسكر الشرقي- على النظرية الماركسية اللينينية. إلا أن الخوف الأكبر في المعسكر الشرقي والغربي والعالم كله، كان على شيء آخر: هو الوفاق، أو ما يشبهه، الذي يسود بين الدول الكبرى في العالم ...
روسيا لا تريد أن تصل الأمور إلى درجة تهدد أمنها القومي، فتضطر إلى التدخل العسكري في بولندا، كما فعلت في المجر وتشيكوسلوفاكيا وأفغانستان، ليس لأن عندها ذرة من الشك في قدرتها العسكرية على إخماد الإضراب بسرعة؛ ولكن لأن النصر العسكري هنا سيكون هزيمة سياسية، وسيؤدي إلى اتساع الهوة بين الشرق والغرب، وبالتالي انقطاع
(1/235)

العون الغربي اقتصاديًّا وتكنولوجيًّا وتجاريًّا، وتصاعد نفقات التسلح، وبالتالي أيضًا سينعكس هذا كله على الأحوال المعيشية الداخلية لروسيا نفسها، بعد أن قطعت منذ خروشوف مسافة طويلة في طريق "الانفتاح".
وأمريكا أيضًا لا تريد اضطرابًا مثل هذا يجعل الروس يقدمون على حل عسكري؛ ذلك أن أمريكا تعرف أنها ستقف أمامه مكتوفة اليدين؛ فيكون ذلك هزيمة أخرى لأمريكا، ويكون ضربة قاضية لآمال كارتر في إعادة انتخابه.
ودول غرب أوربا لا تريد أن ترى حلًّا عسكريًّا سوفيتيًّا في بولندا؛ ذلك أن أوربا هي أكثر من يتحمل آثار عودة جو الحرب الباردة، ولأن روسيا والمعسكر الشرقي عامة صار أهم سوق اقتصادي وتجاري لغرب أوربا. ولو تأثر ذلك لتدهور مستوى الإنتاج والتصدير والمعيشة في غرب أوربا إلى حد هائل.
هكذا، نحن في عالم تراجعت فيه حرب المذاهب العقائدية، وتقدمت فيه اعتبارات المصالح المادية، فإذا قام في وسط هذا كله شعب صغير يتمرد ويهدد رخاء الآخرين، فإن كل الآخرين يطالبونه بالسكوت والاحتمال، فمصالحه لا يجوز أن تفسد مصالح من هم أقوى وأكبر وأهم.
أما الفقرة الثانية من جسم المقال الافتتاحي، فقد حشدها الكاتب بكمية من المعلومات الخلفية التاريخية عن الموقع الجغرافي لبولندا، وتأثير هذا الموقع على وضعها السياسي:
(1/236)

وقد كان هذا حظ بولندا بالذات، فوجودها بين روسيا وألمانيا عبر التاريخ جعلها أكثر شعب تتعرض خريطته للتغير.. وأحيانًا للمحو التام من على خريطة أوربا.. وجعله بالتالي -كرد فعل- شعبًا شديد الوطنية إلى حد الرومانتيكية، ينتج "شوبان" وأمثاله عبر تاريخه الطويل في الاستشهاد.
فمنذ 41 سنة -باليوم- قامت الحرب العالمية الثانية؛ بسبب مدينة "دانزنغ" التي هي نفسها مدينة "غدانسك" مركز التمرد الحالي، لا لأن "دانزنغ" -أو غدانسك- بالغة الأهمية في حد ذاتها؛ ولكن لأنها بمثابة "بيضة القبان" في ميزان التوازن العالمي.. ليس مسموحًا لها أن تميل قيد أنملة عن مكانها المحدد لها!
هكذا رأينا العالم كله يناشد عمال بولندا "التعقل" و"عدم المبالغة" والاكتفاء بما حدث.
ذكرني هذا بالفصل التاريخي الشهير الذي كتبه "سيتفان زفايغ" بعنوان "أمة تتآمر على شرف امرأة"، روى فيه قصة الكونتيسة البولندية الحسناء "ماري فاليسكا" التي رآها نابليون في حفلة وهو في طريقه إلى غزو روسيا. وكان كل نبلاء بولندا يحاولون انتزاع وعد من نابليون بمنح بولندا استقلالها في حالة انتصاره.. وفهموا أن نابليون قد جُن غرامًا بالكونتيسة الحسناء، وأنه يريدها وأنها امتنعت عليه ... وتوالى النبلاء والأمراء عليها يقنعونها بأن تسلم نفسها لنابليون.. وأن تضحي من أجل بولندا.. حتى رضيت بذلك وهي دامية العينين.
(1/237)

وقد أحبها نابليون بعد ذلك وأحبته ومنحته ابنه الوحيد، وكانت آخر من ودعه على الشاطئ وهو ذاهب إلى منفاه في جزيرة القديسة هيلانة.
وتلك قصة أخرى؛ ولكنني تذكرتها وأنا أرى العالم كله "يتآمر على عفاف بولندا"، ويطلب من بولندا التنازل عن طموحها، في سبيل هناء بقية العالم.. أي: أقوياء هذا العالم.
وفي الفقرة الثالثة من جسم المقال، أشار الكاتب إلى التركيب الاجتماعي والطبقي لقائد الإضراب العمالي البولندي:
على أن هناك من الأحداث ما تبقى نتائجه هامة ومؤثرة، سواء انتهى بالقمع أو بالنجاة..
فقد تم في القرن التاسع عشر -مثلًا- قمع "كومونة باريس" قمعًا رهيبًا؛ ولكن الحادث نفسه ترك بصماته على كل تفكير اشتراكي أو ديمقراطي بعد ذلك..
وفي تقديري أن أحداث بولندا من هذا النوع، أيًّا كان مصيرها..
وقد يصبح هذا العامل الكهربائي المفصول من عمله، والذي تسلق أسوار المصنع صبيحة يوم الإضراب في ثياب رثة، تاركًا خلفه زوجة وخمسة أطفال، وتولى على الفور قيادة حركة الإضراب البالغة الدقة والتنظيم.. قد يصبح "فاليسا" هذا اسمًا في سلسلة أسماء: ماركس وليفين وستالين وبريجنيف. وقد يصبح ورقة مهملة في سلة التاريخ، رمز محاولة فاشلة مهما كانت صحيحة أم خاطئة، في سلسلة أسماء: تروتسكي ودوبتشيك وغيرهما؛ ولكن المؤكد
(1/238)

هو أن كل العمالقة الكبار اليوم.. من هوا كيو فينغ إلى بريجنيف.. إلى كارتر، يحاولون أن يحسبوا كل حركة لهذا العامل الذي كان مغمورًا ومفصولًا من عمله منذ ثلاثة أسابيع.
وفي الفقرة الرابعة من جسم المقال، بدأ الكاتب في تحليل نتائج الحدث البولوني، فأشار إلى أثر هذه الأحداث على الوفاق الدولي من ناحية، وعلى الاتجاهات الفكرية والمذهبية في الدول الشيوعية من ناحية ثانية، وعلى مستقبل الدور الذي يلعبه العمال في الحركة الشيوعية من ناحية ثالثة:
فالنظام الشيوعي كما قام وتدعم في روسيا.. ثم تكرر بصور مشابهة في الصين شرقًا إلى المجر غربًا.. هذا النظام الذي يضم أقل من نصف سكان العالم بقليل.. هناك دائمًا "الجامدون" الذين يعتبرونه نظامًا نهائيًّا للمستقبل. وكان هناك دائمًا الجامدون من ناحية أخرى -مدرسة فوستر دلاس- التي لا ترضى بأقل من تدميره تمامًا. ثم كان هناك من الماركسيين إلى بعض اليمينيين -مثل ديجول- من يراهنون على أن الحرب العالمية ليست الحل؛ ولكن المستقبل هو تطور هذا النظام من الداخل..
ودعاة "الوفاق الدولي" رهانهم على هذا التطور في الشرق والغرب.. حين يزول خوف الزوال في الغرب.. وخوف الحصار في روسيا.. ويتم تبادل المنافع؛ وبالتالي أسباب البقاء بين المعسكرين.. فيبدأ النظام في المعسكر الشرقي يتغير من الداخل.
ولكن كيف؟
لقد أخذت انتفاضات المجر وتشيكوسلوفاكيا شكلًا معاديًا للاتحاد السوفيتي؛ وبالتالي برزت
(1/239)

أسباب الأمن تدخل روسيا وسكوت أمريكا، فهناك في أوربا خط تقسيم اتفق عليه بين الشرق والغرب في "يالطا"، وليس لأحد أي حق في اجتيازه.
ولكن اضرابات بولندا كان لها طابع آخر تمامًا.
فهي منظمة بشكل مذهل.. منضبطة بطريقة تدل على سابق وجود عمل تنظيمي عميق في معزل عن علم السلطة.. وهي منصبة على قضية داخلية محضة. وقد فجرها فرار داخلي معيشي، هو رفع سعر اللحوم.
وقد كسبت الحركة جولة هائلة بمجرد اعتراف الدولة بزعامة الحركة كطرف آخر تدخل معه في مفاوضات رسمية وعلنية، الأمر الذي لم يحدث قط في دولة شيوعية، يحتكر فيها الحزب الشيوعي السلطة كلها، ولا يقبل حتى التغيير إلا من خلاله.
ويجب أن نعترف ويعترف العالم أن هذه المطالب كانت تبدو صعبة التحقيق، مستحيلة القبول من السلطة الشيوعية.
ولكن حكومة بولندا وقعت على أخطر حدث داخل المعسكر كله، حين قبلت أمرين:
الأول: حرية تكوين نقابات العمال بشكل ديمقراطي.
والثاني: حقهم في الإضراب دفاعًا عن مصالحهم.
(1/240)

صحيح.. إن هذا تم في إطار اعتراف النقابات العمالية بوَحْدَة الحزب الشيوعي وسلطته، ونظام الحزب الواحد؛ أي: بالأسس السياسية الراهنة للدولة. ولكن ما تم، رغم ذلك، هو خطوة هائلة نحو التعددية والديمقراطية..
فالدولة لا تناقش الآن نقابات مصنوعة بواسطتها وزعامات لا وزن لها.. ولكنها تناقش نقابات كونت نفسها بنفسها.
وقد كان هناك "جيريك" رئيس الدولة والحزب بمفرده.. الآن صار زعيم آخر يوازنه ويقابله هو "فاليسا"، الذي كان عاملًا مفصولًا، وصار خلال ثلاثة أسابيع زعيمًا شعبيًّا غير منازع في بولندا.
ما معنى هذا "مذهبيًّا"؟
معناه: أن "الطبقة العاملة" الصناعية المستنيرة، التي كانت في خيال "كارل ماركس" تثور على "حزب الطبقة العاملة" أي: الحزب الشيوعي الحاكم، على أساس أن أي حزب شيوعي يعتبر نفسه -أوتوماتيكيًّا- حزب الطبقة العاملة..
ومعناه: أن "الطبقة العاملة" تريد أن تفاوض الدولة -دولة العمال- على أجورها وسياساتها الاقتصادية.. كما تفاوض نقابات الحزب أصحاب العمل.. فكأن "الطبقة العاملة" البولندية المضربة تعتبر الدولة بمثابة "صاحب العمل"، تفاوضه، وتضرب أحيانًا المضغط عليه.
(1/241)

ثم أشار الكاتب إلى تأثير الحدث البولندي على مركزية السلطة في الدولة الشيوعية:
ومعناه: أن "مركزية السلطة" في الدولة الشيوعية وحصرها في يد حزب واحد، مطالبة اليوم بأن تقبل صورة من "تعدد مراكز السلطة".. بوجود مركز آخر قوي يوازيها، ويعادلها، ويناقشها، هو نقابات العمال ...
فهل يمكن أن يقبل "المعسكر الشرقي" هذا التطور الخطير؟
إن المشكلة هي أن من يسمون أنفسهم "الاشتراكيين العلميين" كثيرًا ما لا يدركون أن "العلمية" معناها دراسة كل واقع جديد. وقد أنتج النظام في بولندا طبقة عاملة جديدة قوية مستنيرة لم تكن موجودة من قبل. وبالتالي لا بد من قبول ظروف جديدة وصياغات جديدة تناسبها، أما إذا غفلوا عن التطور، وتمسكوا ببيروقراطية الحزب الحاكم الواحد، فسوف يستمر الصدام بين "حزب الطبقة العاملة" وبين "الطبقة العاملة" ذاتها في صور متزايدة.
وفي فقرة أخرى من جسم المقال.. لجأ الكاتب مرة أخرى إلى المعلومات التاريخية الخلفية عن موقف الاتحاد السوفيتي في عصر البلاشفة من بولندا.. مستفيدًا من هذه الخلفية في طرح تساؤل عن موقف الاتحاد السوفيتي من المشكلة البولندية، وهل سيتدخل لقمع الاضطرابات أم يتفهم التغيرات التي حدثت في المجتمع البولندي؟:
إن في تاريخ الكتابات الشيوعية معركة شهيرة حول بولندا نفسها بين "روزالوكسمبرج" التي دعت إلى ضرورة ضم بولندا إلى الاتحاد السوفيتي؛ لأن بولندا المستقلة سوف تحكمها البورجوازية وليس الطبقة العاملة.. وبين لينين الذي رفض هذا التفكير بشدة وصمم
(1/242)

على حق بولندا في الاستقلال أولًا، ثم في القيام بثورتها بعد ذلك..
ولكن لينين كان رجل ثورة، في حين أن حكام الكرملين الحاليين هم قادة دولة عظمى، لها فوق الحسابات المذهبية حسابات الدول الكبرى؛ من أمن قومي، وتوازن دولي، وخطط استراتيجية ...
ومع ذلك، فلو أن الاتحاد السوفيتي ترك بولندا لتطورها الآن، فإنه سوف يكون قد أقدم على الحل التاريخي للخوف البولندي من "روسيا".. ذلك الخوف الذي يرجع عمره إلى ألف سنة.
وفوق ذلك، قد يكون في نجاح هذا النموذج مخرج للنظم الشيوعية إلى مجال آخر للتطور، بعد أن بقيت حبيسة نموذج واحد طيلة ستين عامًا.
- أما خاتمة المقال فقد حملت خلاصة رأي الكاتب في الأزمة البولندية.. كذلك تضمنت الخاتمة محاولة من الكاتب لاستثارة أذهان القراء ودفعهم للاهتمام بهذه القضية ومتابعتها في المستقبل:
لقد تطورت تلك البلاد اقتصاديًّا بشكل هائل؛ وبالتالي تطورت اجتماعيًّا؛ وبالتالي تراجعت صيغة "دكتاتورية البروليتاريا"؛ حيث لم يعد عمالها "بورليتاريون" بالمعنى الماركسي؛ إنما صارت أحزابهم تتباهى بأن في عضويتها كذا في المائة خبراء فنيين، وكذا في المائة مهندسين، وعمالًا مهرة، فهي طبقة عاملة جديدة.
وكثير من النظم -عبر التاريخ- كان مقتلها في نجاحها في تطوير البلاد اجتماعيًّا واقتصاديًّا. ثم عجزها عن التطوير السياسي الذي يلائم هذه الظروف الجديدة..
"فاليسا" تسلق أسوار مصنع لينين، وفتح الباب لهذا التطور..
وعلينا أن نراقب بعد ذلك ردود الفعل في الشهور القادمة.
(1/243)

الفصل الخامس: الحملة الصحفية
المبحث الأول: تعريف الحملة الصحفية
الحملة الصحفية ليست فنًّا من فنون التحرير الصحفي.. وإنما هي فن استخدام فنون التحرير الصحفي المختلفة في تحقيق الهدف الذي أُعدت الحملة من أجله.
فقد تبدأ الحملة الصحفية بخبر، ثم تتطور إلى تقرير صحفي، ثم إلى تحقيق صحفي.. وقد يجذب الموضوع عددًا من كتاب المقالات في الصحيفة حتى يتحول الموضوع إلى حملة صحفية.. وهو عندما يتحول إلى حملة صحفية لا يصبح فنًّا قائمًا بذاته من فنون التحرير الصحفي؛ وإنما هو فن توظيف فنون التحرير الصحفي لخدمة موضوع الحملة!..
فالحملة الصحفية ليست سوى شكل من أشكال الاستخدام الجيد لفنون التحرير الصحفي.
وعلى هذا الأساس فالحملة الصحفية قد تأخذ شكل الأخبار الصحفية، وقد تأخذ شكل الأحاديث الصحفية، وقد تأخذ شكل التحقيقات الصحفية، أو المقالات الصحفية، أو التقارير الصحفية.. بل وقد تأخذ هذه الأشكال كلها معًا.. بل وقد تتضمن أيضًا الرسوم والصور الفوتوغرافية والكاريكاتير وبقية الفنون الصحفية الأخرى1.
وظائف الحملة الصحفية:
1- تعبئة الرأي العام مع سياسة معينة أو قانون معين أو قرار معين أو اتجاه معين أو فكرة معينة.. أو تعبئته ضد هذه السياسة أو ضد هذا القانون أو ضد هذه الفكرة.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/247)

2- تنظيف المجتمع من الفساد ومن ألوان الانحراف المختلفة1.
أنواع الحملات الصحفية:
وهناك نوعان من الحملات الصحفية؛ وهما:
النوع الأول: الحملة الصحفية المخططة:
وهذه الحملة يخطط لها جهاز التحرير في الصحيفة، ويشرك فيها أكبر عدد من محرري وكُتَّاب الصحيفة، ويدعمها بالوثائق والأدلة والدراسات والأبحاث.. ولا تبدأ هذه الحملة إلا بعد أن تستكمل الصحيفة إعدادها إعدادًا كاملًا للنشر2.
ومثال ذلك الحملة التي أعدتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية عام 1971 ضد فظائع الجيش الأمريكي في فيتنام؛ حيث قامت الصحيفة بالحصول على سبعة آلاف وثيقة سرية من أوراق البنتاجون "وزارة الدفاع الأمريكية" تكشف أسرار هذه الفظائع وتدل عليها، وقد حصلت الصحيفة على هذه الوثائق عن طريق "دانيال الزبرج" الذي حصل على هذه الوثائق من البنتاجون نفسه؛ حيث كان يعمل موظفًا به. وقد نجحت هذه الوثائق في تعبئة الرأي العام الأمريكي ضد حرب فيتنام؛ مما أدى بعد ذلك إلى انسحاب أمريكا من فيتنام.
النوع الثاني: الحملة الصحفية المفاجئة:
وهي الحملة التي تقوم بدون إعداد مسبق، والتي يفرضها تطور الأحداث في المجتمع، فقد ينشر خبر صغير تمسك الصحيفة بأحد خيوطه وتظل تتابعه في مجموعة من الأخبار المتتالية حتى ينفجر الموضوع في حملة صحفية تهز المجتمع كله3.
ومثال ذلك حصول أحد المحررين المبتدئين في صفحة الحوادث بصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية على خبر صغير عن وقوع سطو على المقر الانتخابي للحزب الديمقراطي المعارض في ذلك الوقت. وبمتابعة الخبر مرة تلو المرة اكتشفت الصحيفة تورط الرئيس الأمريكي "الجمهوري" نيكسون في هذا السطو على المقر الانتخابي للحزب المعارض؛ وذلك لتركيب أجهزة تجسس على اجتماعاته الانتخابية.. وتحول الخبر الصغير إلى حملة صحفية قادتها صحيفة الواشنطن بوست، وانتهت باستقالة نيكسون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية..!
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/248)

عناصر الحملة الصحفية:
وتقوم الحملة الصحفية على ثلاثة عناصر لا بد أن تتكامل وتتفاعل؛ لكي تحقق الحملة الصحفية أهدافها.. وهذه العناصر هي:
1- موضوع الحملة:
يجب أن يكون قضية أو مشكلة تهم الرأي العام وتمس مصالح الشعب في نفس الوقت.
2- هدف الحملة:
لا بد أن يكون هدف الحملة واضحًا ومحددًا من البداية؛ بحيث يصبح من السهل على القارئ العادي أن يتبينه؛ ذلك أن عدم وضوح هدف الحملة قد يؤدي إلى بلبلة الرأي العام، وعدم اقتناع القارئ بموقف الصحيفة.
3- جمهور الحملة:
من الضروري أن تنجح الصحيفة في إشراك الرأي العام في تبني القضية أو المشكلة أو الرأي الذي تطرحه الصحيفة في حملتها الصحفية؛ بحيث تنجح في أن تجعل الرأي العام يتحمس للقضية، وبذلك يشكل الرأي العام قوة ضاغطة تساعد الصحيفة على تحقيق الهدف الذي أُعدت الحملة الصحفية من أجله1.
عوامل نجاح الحملة الصحفية:
1- الإعداد المسبق للحملة عن طريق جمع أكبر كمية من المعلومات والبيانات والتفاصيل والأدلة الكافية لإقناع الرأي العام.
وفي الحملات الصحفية المفاجئة لا بد أن تسرع الصحيفة أيضًا بجمع المعلومات والأدلة الكافية لتدعيم موقف الصحيفة.
2- المتابعة المستمرة للموضوع وعرض جوانبه المتعددة وتحليل فرعياته، فلو تكاسلت الصحيفة عن متابعة الحملة الصحيفة لفقدت حيويتها وفقدت بالتالي تأثيرها على الرأي العام2.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/249)

3- أن تفسح الصحيفة صدرها للرأي الآخر وتمنحه فرصة الرد على الاتهامات الموجهة إليه ... إن ذلك سوف يكسبها احترام القراء ويزيد من ثقتهم في صحة موقف الصحيفة وشجاعتها الأدبية1.
4- أن تجند الصحيفة كل إمكانياتها لإنجاح الحملة الصحفية، فتشرك فيها أبرز محرريها وكُتَّابها الكبار.
5- الالتزام بالموضوعية، واحترام الخصم، وعدم توجيه الاتهام بدون أدلة كافية، وعدم الدخول في المهاترات، وعدم الإساءة إلى الأبرياء2.
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/250)

المبحث الثاني: التغطية الصحفية للحملة
إن التغطية الصحفية للحملة.. تعني عملية جمع المعلومات والوثائق والبيانات المتعلقة بموضوع الحملة.. وهي عملية شاقة، وخاصة إذا كان هدف الحملة الكشف عن قضايا الفساد أو الانحراف.. إذ لا بد للصحفي أن يعمل على الحصول على الوثائق والأدلة التي تؤكد دعواه من ناحية.. والتي تحميه أمام القانون.. فلا يتهم بالقذف أو التشهير من ناحية ثانية.. ونجاح الصحيفة يقاس اليوم بمقدار ما تحصل عليه من أمثال هذه الأحداث الغامضة التي تزيح الستار عن حوادث هامة، أو وقائع مثيرة، أو بيانات مجهولة، أو يوجد من يتعمد إخفاءها لتحقيق مصالح شخصية، أو منافع مادية، أو التستر على جرائم، أو فضائح مالية أو خلقية، أو انحرافات في مجال سوء استخدام السلطة، وغير ذلك من القضايا التي تكشف عن الفضائح والجرائم المتنوعة.
فمثل هذه الحملات تهم القراء وتثير انتباههم بما تكشفه من حوادث الاختلاس أو الرشوة أو المحسوبية والإهمال أو استغلال النفوذ. وترضي رغبتهم في تنظيف المجتمع من الفساد1، وعندما تثبت الصحيفة للقارئ أنها صحيفة شجاعة لا تخشى شيئًا من أجل الكشف عن الفساد، ولو أدى الأمر دخولها في مواجهة مع عدد من أصحاب النفوذ، ففي مثل هذه الحالة فإن القارئ سيتطوع ليمد الجريدة بكثير من المعلومات والحقائق، ويكشف لها عن العديد من الأخطاء والانحرافات وأوجه الفساد في المجتمع، ويتحول القراء إلى مندوبين صحفيين في خدمة الجريدة، ومن الضروري أن يدرك الصحفي عندما يتصدى للكشف عن الانحراف والفساد أن تغطيته لمثل هذا الخبر ليس لمجرد حب الاستطلاع، ولا لمجرد استعراض مهارته الصحفية؛ وإنما لا بد أن يتأكد من أن هذه التغطية
__________
1 Hoheherj. John. the Profess loual Jonrnalist. p.p. 308-312.
(1/251)

ستكون في خدمة المجتمع والقراء؛ لأنه ليس من السهل تلطيخ سمعة الناس من أجل إشباع رغبة حب الاستطلاع عند الصحفي أو حتى عند القراء. وعلى سبيل المثال، فإن الصحفي الذي يهتم بالكشف عن تاريخ حياة سياسي بارز سبق اتهامه في سن الشباب في قضية ما، فمثل هذه القصة الخبرية لا تفيد أحدًا، ولا تصلح شيئًا في المجتمع؛ وإنما هي تهدم سمعة رجل بارز، وربما تدمر حياته العائلية؛ بسبب غلطة سبق أن ارتكبها ودفع ثمنها وهو شاب صغير. نفس الأمر عندما يحاول الصحفي أن يكشف أن لأحد الوزراء شقيق أو قريب سبق اتهامه في قضية تمس الشرف أو النزاهة؛ إذ ما مدى مسئولية هذا الوزير عن انحراف شقيقه أو قريبه.. فهل يصح الإساءة لسمعة الوزير بدون ذنب جناه؛ ولكن الأمر يختلف إذا كان هذا الشقيق مدان في تهم تمس استغلاله لنفوذ شقيقه وتستر الشقيق الوزير على هذا الاستغلال أو شاركه فيه!
ولكن يظل هذا النوع من الحملات الصحفية التي تكشف عن الانحرافات والفساد إحدى المهام الرئيسية للصحافة الناجحة، وخاصة في المجتمعات الديمقراطية1. وفي أوربا وأمريكا استطاعت الصحافة أن ترسل بالعديد من السياسيين والنقابيين وكبار رجال الأعمال المنحرفين إلى السجون، ولعل أبرز الأمثلة لذلك الحملة التي كشفت فيها صحيفة الواشنطن بوسط الأمريكية في يونيو 1972 فضيحة ووتر جيت، وتورط الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون في التجسس على المقر الانتخابي للحزب الديمقراطي، وهو الحزب المنافس للحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس نيكسون. وقد انتهت حملة الواشنطن بوسط باستقالة نيكسون من رئاسة الولايات الأمريكية إحدى الدولتين العظميين في عالمنا المعاصر!..
كذلك فإن الصحافة الأمريكية هي التي كشفت عن تهرب سبيرو أجينيو نائب الرئيس الأمريكي السابق نيكسون من الضرائب، وحصوله على رشاوي من بعض كبار رجال المال؛ لتسهيل صفقاتهم مع الحكومة، بالإضافة إلى عدد آخر من التهم، والتي انتهت بإجباره على الاستقالة من منصبه الهام!
ثم هناك الدور الذي لعبته الصحافة في الكشف عن فضيحة رشاوي شركة لوكهيد، والتي أطاحت برئيس وزراء اليابان وعدد آخر من كبار السياسيين في العالم، الذين ثبت تقاضيهم رشاوي من هذه الشركة؛ لتسهيل صفقاتها
__________
1 Hoggart. Richard: Bad News. p.p. 172-183.
(1/252)

التجارية مع الحكومات التي ينتمي إليها مَن أشارت إليهم أصابع الاتهام.
وفي مصر استطاعت دار أخبار اليوم الكشف عن الانحرافات في الاتحاد التعاوني الزراعي؛ حيث انتهت الحملة الصحفية بعزل المسئولين عن الاتحاد وتحويلهم إلى المحاكمة.
كذلك نجحت صحيفة أخبار اليوم في الكشف عن الانحرافات في هيئة الأوقاف المصرية، انتهت بعزل كبار المسئولين فيها، ثم تحويلهم إلى القضاء.
وهناك العديد من الصعوبات التي تواجه الصحفي عندما يتصدى لتغطية حملة تمس حالة من حالات الانحراف أو الفساد في المجتمع، فهناك كثير من المواطنين الذين يعرفون بعض التفاصيل عن هذه القضية قد يمتنعون عن الحديث؛ بل قد يقفون ضد الصحفي، ويحولون بينه وبين الوصول إلى الحقيقة، وذلك إما لخوفهم من التورط في الفضيحة أو لمجرد الخوف من أن تذكر أسماؤهم مقرونة بمثل هذه الفضيحة، أو قد تكون رغبة في حماية أو تعاطف مع جار أو زميل أو رئيس سبق أن عمل معه فترة من حياته، أو خوفًا من تهديد محتمل1؛ ولكن من ناحية أخرى قد يجد الصحفي مساعدات قيمة من رجال البوليس أو رجال النيابة؛ رغبة منهم في الشهرة أو المجد، حين تذكر أسماؤهم في الصحف مقرونة بأنهم يحاربون الفساد في المجتمع؛ بل إن الصحفي قد يجد مساعدات قيمة عن بعض نواب البرلمان أو بعض كبار المسئولين حين يتقدموا ببعض معلوماتهم عن الفساد.
والمذكرات أو البيانات التي يسجلها الصحفي في "النوتة" الخاصة به ليست كافية لإثبات أن المعلومات أو البيانات التي أدلى بها إليه بعض الشهود صحيحة، ونادرًا ما يعتد بها أمام القضاء، كذلك فإن أجهزة التسجيل غير معترف بها في المحاكم لسهولة تزييفها أو تعديلها؛ ولكنها مفيدة خارج المحكمة؛ إذ إنها كثيرًا ما تؤدي إلى انهيار المتهم واعترافه في حالة سماعه تسجيلًا لنفسه يكشف عن انحرافه؛ ولكن يجب الحرص على استعمال هذه الوسيلة في إطار القانون.
أما أهم الوسائل التي يلجأ إليها الصحفي لحماية نفسه من الاتهام بالقذف أو التشهير، ولإثبات الانحراف أو الفساد، هي أن يحاول ضمان أكبر عدد من الشهود في القضية؛ ولكن بشرط أن يتأكد الصحفي من صلابة الشاهد
__________
1 Ibid. p.p. 137-145.
(1/253)

وعدم إمكانية تغييره لشهادته من أجل المال أو تحت ضغط التهديد، وهناك بعض الصحفيين الذين يلجئون إلى تسجيل أقوال الشهود أمام أحد المحلفين، وذلك في أمريكا وأوربا1؛ ولكن المهم في كل الحالات هو دراسة الشهود دراسة دقيقة ووافية من جميع الوجوه قبل الوصول إليهم وتسجيل أقوالهم. وفي الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا الغربية يستخدم الصحفيون أجهزة تسجيل دقيقة لتسجيل بعض الاعترافات أو تسجيل جوانب من ألوان الانحراف أو الفساد. وبعضهم يعمد إلى إخفاء هذه الأجهزة في أزرار القميص أو الجاكت أو في دبوس ربطة العنق؛ ولكن لا بد من الحرص على عدم استخدام الوسائل غير القانونية؛ كمراقبة مكالمات التليفون، وغير ذلك من الوسائل التي تضع الصحفي تحت طائلة القانون؛ لتدخله في حريات الآخرين.
كذلك يجب على الصحفي أن يحرص على عدم الاعتماد على الشهود الذين يستعدون للشهادة من أجل المال، حتى لو كانت شهادتهم صحيحة؛ فإن صحافة دفتر الشيكات -كما تطلق الصحف البريطانية2 على بعض الصحف الأمريكية- غير مضمونة العواقب؛ لأن الشاهد قد يغير أقواله من أجل مزيد من النقود. إن صحافة دفتر الشيكات قد تدفع بعض الصحفيين إلى تزوير الفضائح من أجل الحصول على الشهرة أو المال؛ كما حدث مع صحيفة الديلي ميل البريطانية في قضية اللورد ليلاند في صيف عام 1977 3، وحقيقة القضية أن أحد محرري صحيفة الديلي ميل نشر خبرًا عن اللورد ليلاند، وهو أحد أثرياء إنجلترا، وله مجموعة من الشركات الدولية التي تتعامل في صفقات بمئات الملايين من الجنيهات، ونشر محرر الديلي ميل خطابًا باسم اللورد ليلاند يوصي فيه بمنح رشوة لعدد من كبار السياسيين والمسئولين في عدد من الدول؛ لتسهيل عدة صفقات لإحدى شركاته، وهددت فضيحة العديد من السياسيين والمسئولين في إنجلترا أو بعض دول العالم بفقد مناصبهم، واحتمال تقديمهم إلى القضاء؛ ولكن لم يستمر الأمر طويلًا، واكتشف زيف الحملة التي نشرتها الديلي ميل، فقد اتضح من تحليل مضمون الخطاب المنسوب إلى اللورد ليلاند أنه مزور؛ لأنه وجد بالخطاب أخطاء إملائية؛ بينما عرف اللورد ليلاند بتمكنه من اللغة الإنجليزية، وهكذا انهارت الحملة كلها. وتم القبض على محرر الديلي
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/254)

ميل الذي اعترف بأنه اختلق الحملة، وأنه استعان بأحد المديرين العاملين في إحدى شركات اللورد ليلاند؛ ليزور له الخطاب مقابل عدة آلاف من الجنيهات، وكان موقفًا للديلي ميل لا تحسد عليه، واستغلت الصحف البريطانية الأخرى الفرصة وطالبت باستقالة مستر ديفيد انجلش رئيس تحرير الديلي1..
ولا بد أن ننتبه إلى أن الشهود الذين يقبلون الشهادة من أجل النقود قد يبالغون في شهادتهم من أجل الحصول على أموال أكثر، وهو الأمر الذي يمكن أن يعرض الصحيفة إلى إدانة شخص بريء.
كذلك فإن الصحيفة التي تتعهد بإعطاء الشاهد الرئيسي أموالًا قد تجد نفسها في موقف مدان في المحكمة بتهمة التأثير على العدالة. مثل ذلك: فضيحة بروفيمو وزير البحرية البريطانية، الذي تورط في علاقة غير شرعية مع كريستين كيلر، استغلها أحد الجواسيس السوفيت للحصول على معلومات عن الجيش البريطاني، فقد كشفت الحملة شهود مزيفين كذبوا مقابل أموال دفعت إليهم، وقد كشفتهم الصحافة وقدمتهم إلى المحاكمة2.
كذلك فمن الضروري أن يلجأ الصحفي الذي يهتم بتغطية حملة عن انحراف أو فساد أو يكشف فضيحة نقابية أو مالية أو أخلاقية إلى محامي أو مستشار قانوني يحدد له مدى قانونية تحركاته أثناء تغطية الحدث، والمحامي الرديء هو الذي سيقول للصحفي ما يجب أن يمتنع عن نشره، أما المحامي الذكي فهو الذي يبين للصحفي إلى أي مدى يمكن أن يذهب في النشر.
ومن الأفضل أن يعمل الصحفي في مثل هذه الحالات على أن تكون جميع الأقوال والتصريحات التي يحصل عليها موقعة من أصحابها وفي حضور شهود، كذلك عليه أن يعمل نسخًا مصورة من المستندات التي يحصل عليها كلما أمكنه ذلك، وعليه ألا يستخدم مستندات مسروقة، وإلا تعرضت شهرته للخطر وعرض نفسه للمحاكمة. مثال ذلك: أن دانيال الزبرج الذي سرق سبعة آلاف وثيقة من وثائق وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" عام 1971 الخاصة بفظائع
__________
1 The times: july 13, 1977.
2 Daily Mail.
(1/255)

الجيش الأمريكي في فيتنام، ونشرها متتابعة في صحيفة النيويورك تايمز، قد عرَّض نفسه للسجن عدة سنوات من أجل حصوله على وثائق مسروقة1.
وفي مثل هذه الأخبار أيضًا لا بد أن يحرص الصحفي على البحث عن أكبر عدد من الأدلة غير الشهود، وهو يمكن أن يجد بعض هذه الأدلة في سجلات وثائق الحكومة الرسمية المسموح بالبحث فيها ونقلها؛ مثل: سجلات الوزارات والمحاكم والهيئات والمؤسسات العامة وأرشيف الحكومة نظير رسم معلوم، ففي بريطانيا مثلًا هناك مكتب الوثائق العامة؛ حيث يوجد به جميع وقائع وسجلات المجالس البلدية والمحلية في بريطانيا، ويمكن الاطلاع عليها، وهي تبين تفاصيل مدفوعات الشركات ومرتبات الموظفين الرسميين وامتلاك الأسهم والسندات ونصوص العقود الخاصة بالبيع والشراء وغير ذلك من الأمور المشابهة.
وفي هذه السجلات الرسمية المصرح بالبحث فيها يمكن للصحفي الكشف عن النمو في ثروات بعض المسئولين.. وظروف وملابسات حصولهم على ثرواتهم، وما إذا كانوا قد أساءوا استخدام سلطتهم في الحصول عليها2.
ومن المؤسف أن مثل هذه المعلومات غير متوفرة للصحفي العربي؛ حيث لا توجد سجلات أو أرشيف به هذه المعلومات في بلادنا، وإذا وجد بعضها فهي تعتبر سرًّا من أسرار الدولة لا يباح للصحف البحث فيه، فقد عجزت الصحافة المصرية مرة عن الحصول على أسماء مَن يفتحون مكاتب الاستيراد والتصدير من أقارب المسئولين؛ بسبب عدم وجود المعلومات المنظمة عن مثل هذه الأشياء.
وفي مثل هذه الحالات يمكن للصحفي أن يطلب هذه المعلومات من القراء أنفسهم، فمن يعرف شيئًا يبعث به للصحيفة، وقد نجحت هذه الوسيلة في حالات كثيرة، فقد استطاعت صحيفة وستيرن ميل البريطانية أن تكشف طرق التحايل في ملكية الأراضي في مدينة كاردف، عن طريق كشفها لإحدى حالات التزوير في ملكية قطعة أرض حكومية والاستيلاء عليها، وطلبت من القراء موافاتها بالحالات المماثلة، وكان أن وجدت بين يديها عشرات الحالات معتمدة بالوثائق والمستندات3. ونفس الأمر كررته نفس الصحيفة في الشكوى
__________
انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/256)

من أن اختيار نظار المدارس في جنوب ويلز يتم عن طريق الرشوة بالنقود، وحققت الصحيفة في الاتهام، وطلبت من القراء أن يشاركوها في كشف الحقائق والأسرار المتعلقة بالموضوع. وقد مد القراء الصحيفة بالمعلومات المطلوبة؛ ولكن في طريق عكسي؛ إذ أثبتوا أن الاتهام غير صحيح، وقد اتضح ذلك بالفعل باستثناء حالة واحدة فقط تم فيها تعيين أحد النظار مقابل رشوة1.
ففي مثل هذه الحالات لا بد للصحفي أثناء تغطيته للحملة أن يتخذ الاحتياطات الكافية لعدم الإساءة إلى الأبرياء.
__________
1 Western. Mail. july 12, 1977.
(1/257)

المبحث الثالث: نموذج تطبيقي للحملة الصحفية
"حملة الأسلحة الفاسدة"
تعتبر قضية الأسلحة الفاسدة -التي أثارها إحسان عبد القدوس في منتصف عام 1950 بمجلة روزاليوسف المصرية الأسبوعية- واحدة من أشهر الحملات الصحفية في تاريخ الصحافة العربية.. وأكثرها تأثيرًا.. ويكفي أنه ينظر إليها باعتبارها أحد الأسباب الرئيسية في قيام ثورة 23 يوليو سنة 1952 بمصر.
وتنتمي حملة الأسلحة الفاسدة من الناحية الصحفية إلى الحملات الصحفية المفاجئة.. أي: تلك التي تقوم بدون تخطيط مسبق، والتي يفرضها تطور الأحداث.. وهي بذلك تختلف عن الحملات الصحفية المخططة.. أي: تلك التي يخطط لها جهاز التحرير في الصحيفة.. ولا يبدأ نشر شيء منها قبل أن تستكمل الصحيفة إعداد موضوعاتها إعدادًا كاملًا للنشر.
ويعترف إحسان عبد القدوس بخاصية "المفاجأة" لحملة الأسلحة الفاسدة.. فهو يقول: "كيف بدأت قضية الأسلحة الفاسدة؟ في أحد الأيام ذهبت إلى مجلس النواب.. وفي شبابي الصحفي كنت عندما أسمع أن أحد الشخصيات المهمة سوف تتحدث في المجلس كنت أذهب بنفسي، وفي مجلس الشيوخ كان المتحدث هو المحامي الكبير مصطفى مرعي1.. ولم يكن يتحدث عن الأسلحة
__________
1 مصطفى مرعي: محام ونائب سابق في مجلس النواب في فترة ما قبل ثورة يوليو 1952، وتولى أحد المناصب الوزارية في إحدى حكومات الأقلية في تلك الفترة.. وقد كان وما يزال من الصحفيين المرموقين.. وهو يكتب للصحافة دون أن يعمل بها.. وكان لكتاباته وما تزال تأثير كبير على المثقفين المصريين.
(1/258)

الفاسدة؛ إنما عن استيراد الأسلحة، وذكر في كلامه أن الأسلحة كلها خردة، وبدا واضحًا من حديثه أن يتهم "فاروق" نفسه بأنه مشترك في هذه العملية.
وبعد أن استمعت إلى حديثه خرجت من الجلسة وأنا أغلي، ورحت أفكر في الموضوع وأقلبه من كافة زواياه، ثم كتبت مقالًا.. مقال ليس تحقيق.. مقال عنيف جدًّا.. أيدت فيه مصطفى مرعي، وعرضت القضية، لقد وجدت أخيرًا ما يخفف عني ألم الهزيمة المرة التي عانينا منها في سنة 1948"1.
وهكذا بدأت حملة الأسلحة الفاسدة في مجلة روزاليوسف بالمقال التالي:
مَن هو الضابط الذي يملك قصرًا في جزيرة كابري؟
وزير الدفاع يوجه اتهامًا إلى جميع أسلحة الجيش.
الصحف المصرية تترافع عن المليونير المتهم..
كان استجواب الأستاذ مصطفى مرعي بك عن أسباب استقالة رئيس ديوان المحاسبة السابق شهادة مجد وفَخَار لضباط وجنود الجيش المصري، فقد أثبت المستجوب أن هؤلاء الضباط والجنود لم تهزمهم جرأة العدو وحنكته؛ إنما هزمتهم جرأة موردي السلاح والذخيرة الذين تعاملت معهم وزارة الدفاع الوطني.
إنها شهادة يعتز بها كل ضابط وكل جندي، وتعتز بها كل أرملة شهيد، وكل يتيم مات أبوه في ساحة فلسطين، وكل ثكلى مات ولدها في سبيل العروبة.. فهؤلاء الذين ماتوا كانوا في حياتهم أقوى من قنابل اليهود؛ ولكنهم كانوا أضعف من القنابل التي وصفها مصطفى مرعي بك بأنها تنطلق إلى الوراء، وأنها تصيب من يطلقها، وكانوا أضعف من الرصاص "الخردة" الذي تنقطع أنفاسه في منتصف الطريق، فيخر صريعًا على الأرض قبل أن يصل إلى هدفه من صدور العدو.
وأذكر أنني سألت المرحوم القائمقام أحمد عبد العزيز قائد الكوماندوس في حرب فلسطين عن اليوم الذي لا ينساه من أيام القتال، فأجابني والدموع
__________
1 المستقبل - باريس - 29 يونيو سنة 1981 "مذكرات إحسان عبد القدوس.. يكتبها: جمال الغيطاني".
(1/259)

تلمع في عينيه: "إني لا أستطيع أن أنسى يوم كان الباشجاويش يطلق مدفعه على مواقع العدو، وقد وقف من حوله "طاقم" المدفع من الجنود.. فإذا بإحدى القنابل تنفجر إلى الوراء فتحطم المدفع، وتقتل الباشجاويش وجميع رجاله، فيخروا صرعى فوق حطام المدفع وابتسامة الاستشهاد تضيء وجوههم".
وقد سبق أن أشرت أكثر من مرة إلى أن حديث صفقات الأسلحة التي عقدت في إيطاليا لم يعد سرًّا، وأنه حديث تستطيع أن تسمعه في كل شارع من شوارع روما ونابلي وميلانو، وأشرت إلى أن هناك مندوبًا خاصًّا لا يزال يقيم في روما -وأكتفي بأن أقول أن اسمه "أمين"- يستطيع أن يتحدث طويلًا عن هذه الصفقات التي كان اليهود أنفسهم يحاولون بيعها إلى الجيش المصري ليحاربهم بها!! وأشرت إلى أن هذا المندوب الخاص قاسى الأمرين، وهو يحاول أن يؤدي واجبه بصدق وأمانة.. ولم يقاسِ ما قاساه من عملاء دولة إسرائيل؛ بل من عملاء مصر الذين يشترون السلاح باسمها، والذين كانوا كل منهم يستر على الآخر، وكل منهم يدافع عن الآخر في الإثم.
وسبق أن صرخت على صفحات هذه المجلة، وعلى صفحات مجلات أخرى، مطالبًا بإجراء تحقيق سريع لننقذ سمعة مصر، والتي أصبح معروفًا في جميع أنحاء العالم أنها دولة مغفلة، وأصبحت إدارتها الحكومية شعارًا للرشوة وفساد الخلق والذمم.. وقلت: إني لا أستطيع أن أذكر أسماء؛ لأنه ليس لدي مستندات؛ ولكني أعرف أن أحد ضباط الجيش أصبح يمتلك قصرًا في جزيرة كابري -مصيف أصحاب الملايين- يدعو إليه كل عام شخصيات مصرية كبيرة للتمتع بالجمال والراحة والهدوء، على حساب شهداء فلسطين الذين قتلهم الرصاص المغشوش، وعلى حساب الشعب المصري الكريم الذي ابتزت أمواله باسم العروبة والشهامة.. ثم ناشدت معالي الوزير أن يدعو إليه هذا الضابط ويسأله: "من أين لك هذا؟ " وأن يراجع حسابات جميع الضباط والمتعهدين في البنوك المحلية والأجنبية، لعله -على الأقل- يجد مجالًا للشك!
إلى أن تولى مصطفى مرعي بك شرح استجوابه، فأخرج من تقرير رئيس ديوان المحاسبة السابق مستندات دامغة تثبت التلاعب الخطير الذي حدث في شراء هذه الصفقات، وثبت أنها كانت تتم مع علم رجال وزارة الدفاع بما فيها من تلاعب، ومع علمهم أنها أسلحة مغشوشة، ومع علمهم أن هذه الأسلحة المغشوشة ستوضع في يد جنود وضباط مصريين؛ ليحاربوا
(1/260)

بها في حين أنها لا تكفي لا للحرب ولا للدفاع عن النفس!! ورغم ذلك فقد حاول معالي وزير الدفاع أن يدافع عن هذه الصفقات.
لم ينتظر معاليه حتى يجري بنفسه تحقيقًا دقيقًا.. ولم يسمح معاليه بأن يترك في نفسه حتى مجالًا للشك وسوء الظن الذي يدل على حسن الفطنة! بل أعد دفاعًا -أو أُعِدَّ له دفاع- قام يلقيه في مجلس الشيوخ، وعندما رفض المجلس أن يستمع إليه؛ لأن الوثائق كانت أقوى من أن تحتمل دفاعًا، نشر معاليه هذا الدفاع في الصحف.
وماذا قال معاليه في دفاعه؟
قال: "وقد اتضح لي أن هناك أفرادًا كثيرين، كما أن هناك جهات متعددة، أملت عليها مصالحها الخاصة إثارة الشكوك في كل أعمال التوريدات، كما أن قيام لجنة الاحتياجات بالأعمال الخاصة بالتوريدات من جهة وقيام الجهات المختصة في القوات المسلحة باستلام وفحص ما يورد من جهة أخرى كان ذلك سببًا في حدوث بعض الاحتكاك، وإثارة منافسات أدت إلى التقدم ببعض البيانات التي استند إليها ديوان المحاسبة في مناقضاته".
ولا أظن أن معالي الوزير كان يقصد المعنى الواضح الذي تدل عليه هذه الفقرة، فهو في سبيل الدفاع عن لجنة الاحتياجات التي كانت تتولى عقد الصفقات، اتهم جميع أسلحة الجيش التي كانت تتسلم هذه الصفقات.
المعنى المفهوم من هذه الفقرة؛ هو أن أسلحة الجيش المختلفة "غارت" من لجنة الاحتياجات، وحسدتها على ما تتمتع به من نفوذ ومن اعتمادات، فظنت في الصفقات التي عقدتها حتى أن سلاح المهمات قال في تقرير رسمي: إن هناك "مؤامرة" تدبر ضد الجيش المصري.
ويمكن أن يفهم أيضًا -وهو معنى ليس ببعيد- أن أسلحة الجيش المختلفة كانت تريد أن تتساوى في فرص الاستفادة من هذه الصفقات، فلما أعجزها وأعجز قوادها تطبيق مبدأ "تكافؤ الفرص" في "الإشراف" على اعتمادات حملة فلسطين.. أثاروا هذه الزوبعة، لا باسم الوطنية، ولا باسم مصلحة الجيش، ولا باسم الحرص على أرواح الضباط والجنود المحاربين؛ ولكن لمجرد أنهم لم يستفيدوا كما استفاد غيرهم!!
لا نظن أن معالي الوزير يقصد هذا المعنى الخطير الذي تدل عليه هذه الفقرة الخطيرة من دفاعه..
(1/261)

لا نظن ذلك؛ لأن واجب الوزير يقتضيه أن يصون لها احترامها.. وواجب المحامي يقتضيه ألا يرد تهمة السرقة عن موكله بتوجيه تهمة القتل إليه، وهذا الدفاع هو رد تهمة بتهمة أفظع منها.. تهمة تمس ضميره وخلق ووطنية أسلحة الجيش المختلفة، فلا يمكن أن يكون الوزير قد قصده؛ إنما هي غلطة يحسن بالوزير تصحيحها.
تولى معالي الأستاذ فؤاد سراج الدين باشا الدفاع باسم الحكومة، فبدأ كلامه في مجلس الشيوخ منشدًا معجبًا بسحر بيانه قائلًا: "لم نرَ في هذه القاعة استجوابًا انتحل فيه المتهم صفة المدعي، وصفق المطعون فيه للطاعن، وأحسن المضروب فيه لجلاده، كما وقع في هذا الاستجواب"..
ويريد معاليه أن يقول: إن الاتهامات التي وردت في الاستجواب وقعت كلها في عهد الحكومة السابقة، لا في عهد حكومة الوفد.. وهذا صحيح، إن المتهم هي الحكومات السابقة، والذي وجه الاتهام كان وزيرًا من وزراء هذه الحكومة، فهو يعترف بولايتهم.
لنقل هذا..
إذن لماذا تحمس معالي سراج الدين باشا كل هذا الحماس الذي كاد يفقده أعصابه في الدفاع عن الاتهامات التي وردت في تقرير رئيس الديوان؟!
هل كان يدافع عن السعديين والدستورييين، وعن وزراء السعديين والدستوريين، ومَن عاونهم في حكوماتهم؟! وما هذا الحب المفقود الذي تحرك فجأة في قلب سراج الدين باشا، ودفعه لأن يدافع عن فضائح وقعت في عهد حكومات غير وفديه؟
ولماذا لم يؤيد هذه الاتهامات حتى يدمغ حكم "الأقليات" بفضيحة لا تُمحى على مدى الدهر ما يدعوه إليه واجبه وتعصبه الحزبي؟!
إن هناك سرًّا..
وهو سر ليس في حاجة لأن يفصح عنه فؤاد باشا، لأنه سر مفضوح!!
وقد كان مجرد دفاع فؤاد باشا سراج الدين عن هذه الاتهامات -مع اعترافه بأن حكومته غير مسئولة عنها- كافية لإثباتها.. ولإثبات
(1/262)

أن الجرائم التي يدل عليها الاتهام هي جرائم مستمرة، أكبر من أن تتحملها حكومة واحدة.. ولو أن معاليه اقتصر في دفاعه على نفس مسئولية حكومة الوفد عن هذه الجرائم، فربما كان هذا أفضل له، وأفضل لحكومته، وأفضل لمصر المسكينة التي ضاعت بين مختلف عهودها..
وبعد فإن الرأي العام كله يؤمن بأن هناك جريمة وطنية قد وقعت، وكل جريمة لا بد لها من فاعل..
فأين الفاعل؟
أين المجرم؟
لقد أثار مصطفى مرعي بك غبار الاتهام حول المليونير المصري المدعو عبد اللطيف أبو رجيلة، ومن تعامل معه في الصفقات التي باعها للجيش المصري..
وقد كانت إثارة هذا الاتهام في الوقت الذي لم تبرد فيه بعد جثث الشهداء، ولم تجف دماؤهم من فوق رمال فلسطين -كافية ليثور الرأي العام، وتثور الهيئات مطالبة برأس المتهم.. كان هذا يحدث في أي بلد من بلاد العالم، أما في مصر فلم يحدث منه شيء؛ بل لم يبقَ الاتهام معلقًا أربعة وعشرين ساعة حتى تتولى الحكومة التحقيق؛ إنما ظهرت الصحف كلها في اليوم التالي وقد نشرت دفاعًا مجيدًا يعدد فيه أبو رجيلة الخدمات الجليلة التي أداها لوطنه، ولم ترفض صحيفة واحدة نشر هذا الدفاع؛ بل رأت إحدى الصحف أن ليس من اللياقة أن تنشر اسم "أبو رجيلة" في محضر جلسة مجلس الشيوخ، وهو على ما هو عليه من ملايين، فحذفت اسمه من بين أقوال مصطفى مرعي بك، وأكتفت بأن تشير إليه بكلمة "واحد من الناس"، وبذلك اطمأن صاحب الملايين إلى أن الرأي العام معه، أو على الأقل قد سكت عنه، ما دامت الصحافة قد سكتت عنه؛ بل وأشادت بوطنيته.
ويستطيع أبو رجيلة بعد ذلك أن يتفرغ لبناء قطعة الأرض التي اشتراها -في شارع سليمان باشا- ودفع ثمنها نصف مليون جنيه "كاش"، واستقدم لها خمسة من كبار المهندسين لوضع رسوماتها، ويستطيع بعد ذلك أن يكتفي بابتسامة يوجهها إلى كل مصري يزور إيطاليا، وبخدمة أو خدمتين يقدمها له، فيطمئن إلى أن كل مصري سيشيد بكرامته
(1/263)

وحماسته الوطنية..
وهذا حرام..
حرام في حق مصر، وفي حق الأخلاق، وفي حق المستقبل ... ولولا نقص المستندات لقلت كثيرًا، ولتحدثت عن شبان كان يُرجى منهم خير كثير لولا أن شجعهم سكوت الصحف وتضليل الرأي العام على اتباع طريق الحرام، ولتحدثت عن وزراء سابقين ورجال كبار كان يمكن أن يضعوا مواهبهم في خدمة مصر، لولا أنهم وجدوا في البيئة التي تحيط بهم ما يشجعهم على أن يعيشوا في خدمة أنفسهم على حساب مصر، وهم شبان ورجال اشتركوا جميعًا في صفقات الأسلحة التي كانت محل الاستجواب ...
وحتى لو كانت لدي المستندات الكافية لأقول كل شيء فماذا يجدي ما أقول، إذا وقفت وحيدًا، وليس في يدي سوى قلمي الضعيف، ماذا يجدي أن أصرح وأثور على الورق؛ بينما الكل من حولي قد سدوا آذانهم، وأعمى الجشع عيونهم؟!!
وقد يكون عبد اللطيف أبو رجيلة ومَن على شاكلته أبرياء؛ ولكن براءتهم التي قد تثبت فيما بعد، لا تنفي أنهم اليوم محل اتهام في جريمة لم تستطع أقوال الحكومة أن تنفيها أو تردها.. وهي جريمة لن يقضى على أثرها، إلا ظهور فاعلها وإدانته.. وعندما أطالب بأن تسعى الحكومة جهدها، وأن تنسى جميع الاعتبارات؛ لتكشف عن هذا الفاعل، وتحصر مسئوليته، وتحاكمه بتهمة الخيانة العظمى، فإني لا أرمي إلى الانتقام للجريمة؛ بل أرمي إلى ما هو أهم وأسمى وأخطر.. أرمي إلى إعادة الثقة والاطمئنان إلى ضباط الجيش وجنوده.. فإن كل ضابط وجندي -وأقولها صريحة- لم يعد يطمئن بعدما سمعه في قاعة مجلس الشيوخ إلى سلاحه وذخيرته.. وعندما يفقد الجندي ثقته بسلاحه، فقد ثقته بنفسه، وفقد روح القتال.
وضاع مستقبل مصر!! ولن يستعيد الجندي المصري ثقته بسلاحه وبنفسه إلا إذا اطمأن إلى أن الحكومة جادة في اتهامات ديوان المحاسبة -وهو الرقيب الأعلى في الدولة- واطمأن إلى أن وزارة الدفاع قد طهرت، وطهر المتعاملون معها من كل شائبة، ومن كل شك..
واتقوا الله في مصر، وفي جنود مصر، وفي ضباط مصر1..
__________
1 روزاليوسف - 6 يونيو سنة 1950.
(1/264)

- ويلاحظ أن حملة الأسلحة الفاسدة بدأت بمقال صحفي.. ولم تبدأ بخبر أو حديث أو تحقيق أو تقرير صحفي.. ويعود ذلك إلى أن الطابع العام الذي كان يميز هذه المرحلة في تاريخ الصحافة المصرية هو طابع الرأي.. فقد كانت الصحافة المصرية في هذه الفترة صحافة رأي وليست صحافة خبر.. لذلك كان من الطبيعي أن يكون المقال هو الأداة الصحفية المناسبة لبدء هذه الحملة.
وهناك ملاحظة أخرى.. أن المقال الذي بدأت به الحملة.. قدم وجهة نظر بدلًا من المعلومات والبيانات والوثائق الخاصة بالموضوع.. وهي نقطة ضعف خطيرة في مثل هذه الحملات التي تهدف إلى تنظيف المجتمع من الفساد.. إذ لو كانت الحكومة قد ردت على المقال بوثيقة واحدة تؤكد سلامة الأسلحة لانهارت الحملة قبل بدايتها.. ولكن وجد عاملان هامان ساعدا على استمرار الحملة ونجاحها فيما بعد:
العامل الأول: أن الأسلحة التي استخدمت في حرب فلسطين كانت فاسدة بالفعل.. وهو الأمر الذي أضعف موقف الحكومة في الرد.
العامل الثاني: أنه رغم أن كاتب الحملة قد بدأ الكتابة دون أن يملك سندًا واحدًا يثبت به دعواه.. إلا أنه كان يعتمد على أن مجرد نشر المقال.. سوف يدفع بعض من يملكون الأدلة والوثائق من قراء الصحيفة أن يتقدموا بها إليه.. وقد يكون ذلك بفعل الرغبة في خدمة العدالة ومصلحة الوطن.. أو قد يكون بفعل مصالح خاصة ولتصفية حسابات شخصية.. وقد تحقق ما توقعه الكاتب بالفعل.. فيذكر إحسان عبد القدوس في مذكراته:
بعد عدة أيام، فوجئت بأحد الأشخاص، كنت أعرفه منذ فترة طويلة أثناء الطفولة، جاءني في روزاليوسف، كان شابًّا ولكنه يبدو عليه أنه ميسور الحال، اسمه علي عبد الصمد، وبدأ يحكي لي عن عمليات استيراد الأسلحة. وإذا به يحضر لي مستندات عن عمليات قام بها عدد من الضباط والأمير عباس حليم، لاستيراد أسلحة قديمة، من إسبانيا، من فرنسا، من بلاد أخرى.
وأثناء حديثه وقعت مفاجأة أخرى بالنسبة لي.. أنه هو نفسه يقوم بعمليات استيراد أسلحة، وأن هذه المستندات التي
(1/266)

أحضرها لي، الهدف منها هو التشهير بآخرين أخذوا منه عمليات استيراد كان المفروض أن يقوم بها هو.. يعني: هو خسر في عملية، فأراد مني أن أشنع بالذين كسبوها. طبعًا فرحت جدًّا؛ لأن المستندات التي قدمها لي، لم يكن من الممكن الحصول عليها بسهولة. ولم أكن أستطيع أن أقوم بإثارة قضية ضخمة كهذه إلا إذا كان تحت يدي مستندات تثبت ذلك، خاصة وأنني بسبيل تحديد أشخاص بعينهم، وضع علي عبد الصمد أمامي كل هذه المستندات، وبدأت أستعد لنشر الفصل الأول.
وفي نفس الوقت، أثار مقالي الأول العديدين، من بينهم هيئة الضباط الأحرار، لم أكن أعرف أي شخص منهم، لم أكن أعرف عبد الناصر أو غيره؛ لكنني أعرف عددًا كبيرًا من الضباط كأفراد، أعرف مصطفى لطفي، وعبد المنعم أمين، وغيرهما، بدأ الضباط يتصلوا بي، قالوا لي: إن لديهم عمليات مهمة جدًّا، وسوف نحضر لك تفاصيلها ومستنداتها، الذي عرفته أن القائم بعملية جمع هذه المستندات هو المرحوم صلاح سالم -أحد قادة ثورة يوليو فيما بعد- لأنه كان يعمل مع الفريق حيدر في وزارة الحربية، وكان يستطيع من موقعه أن يحصل على هذه المستندات، وبالفعل جاءوني بتفاصيل عديدة لعمليات أخرى مدعومة بالوثائق، ثم جرى اجتماع بيني وبينهم في منزل صديق عزيز لي اسمه حافظ صدقي، وشفت منهم شخصيات عديدة، لا أذكرهم بالتحديد، ولا أدري هل رأيت منهم جمال عبد الناصر أو لا، لم تكن تهمني الأسماء؛ إنما كانوا بالنسبة لي شبان ثوريين، يجمعنا هدف واحد، تكلمنا طويلًا حول الموضوع، وترتيب الأوراق، ثم بدأت الحملة1.
- وكان للحملة رد فعل عنيف على الحكومة المصرية وفي الرأي العام المصري، وبعد ثلاثة أعداد من النشر في المجلة ... تولت النيابة التحقيق في القضية.. وأصدرت أمرًا بمنع نشر أي تفاصيل عن الأسلحة الفاسدة. وإلى هنا تعتبر الحملة.. من الناحية الصحفية.. حملة ناجحة.. فهي قد أثارت الرأي العام وجعلته يتحمس للقضية؛ بحيث استطاع أن يشكل قوة ضاغطة ساعدت على تحويل القضية إلى سلطات التحقيق.
وقد تولى محمود عزمي النائب العام في ذلك الوقت الإشراف على سير التحقيق.. وفي البداية كان جريئًا إلى أقصى حد.. واشتهر بالنزاهة والأمانة
__________
1 المستقبل - باريس 29 يونيو سنة 1981 "مذكرات إحسان عبد القدوس".
(1/267)

إلى درجة أنه أمر بالقبض على ضباط من ذوي الرتب الكبيرة في الجيش.. بل أمر بالقبض على النبيل عباس حليم.. وكان أحد المتهمين في القضية؛ ولكن لم تمضِ فترة طويلة حتى أخذ النائب العام يتعرض لضغوط كبيرة انعكست على سير التحقيق، فقد أخذ يتباطأ وينحرف مجراه لصالح المتهمين من أصحاب النفوذ.. بل لقد أفرج عن المتهمين مع الاستمرار في القضية.. وقد أثار هذا التطور المريب في سير التحقيق الرأي العام داخل الجيش وخارجه بين صفوف المجتمع كله.
لذلك لم يجد كاتب الحملة في مجلة روزاليوسف سوى أن يعود لإثارة القضية من جديد.. ولكنه ووجه بقرار النيابة بعدم النشر في الموضوع.. فتحايل على القرار بأن بدأ حملة أخرى تدور حول الجيش وعلى حيدر باشا قائد الجيش.. وقد حققت الحملة الجديدة هدفين هامين:
الهدف الأول: تحقيق المتابعة المستمرة لموضوع حملة الأسلحة الفاسدة، وإن كان بشكل غير مباشر امتثالًا لأمر النيابة.. ذلك أن التوقف عن متابعة الحملة معناه فقدانها لحيويتها؛ وبالتالي فقدانها لقوة تأثيرها على الرأي العام.
الهدف الثاني: كشف الانحرافات داخل قيادة الجيش.. وهي نفس القيادات المسئولة عن استخدام الأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين.
لقد بدأ إحسان عبد القدوس الجزء الثاني من حملة الأسلحة الفاسدة بمقال يهاجم فيه قيادة الجيش ممثلة في الفريق محمد حيدر باشا، ويحمله مسئولية الهزيمة في حرب فلسطين1.
وفي المقال الثاني طالب الكاتب صراحة باستقالة الفريق حيدر ... ثم التحقيق معه.. وهذا نص المقال:
- إني أطالب بالتحقيق مع الفريق محمد حيدر باشا..
- أخطاء حيدر باشا وأخطاء إبراهيم عطا الله باشا..
- كيف عين حيدر باشا وزيرًا؟! وكيف عين قائدًا للجيش؟!
- الضابط الصغير الذي لم يستطع حيدر أن يحاكمه!..
- إن الجيش ملك للشعب، وولاؤه يكون للدولة!..
- ماذا قال النقراشي في الجلسة السرية؟ ثم لماذا عدل عن رأيه؟
- المواوي يقول: كان الجيش يقوم بأعمال تتعارض مع التدريب!
__________
1 روزاليوسف - 24 أكتوبر سنة 1950.
(1/268)

- الجبهة الثانية التي فتحها حيدر باشا وهزم فيها!..
إن الذين يطالبون باستقالة الفريق حيدر باشا يترفقون به أكثر مما يحقدون عليه.. وأنا من المترفقين بحيدر باشا المشفقين عليه؛ ولكني رغم ذلك لا أطالبه بالاستقالة؛ وإنما أطالب بالتحقيق معه.. فاستقالة سعادته ليست سوى اعتراف منه بالخطأ أو بالفشل، وهو اعتراف بينه وبين نفسه لا يستفيد منه الجيش، ولا تاريخ الجيش، ولا يصون التقاليد المتبعة في جميع جيوش العالم، والتي تقضي بالتحقيق في أسباب الفشل أو الخطأ أو الهزيمة، ثم تسجيل هذه الأسباب في ملف رسمي يرجع إليه عندما يحتاج القادة إلى موعظة أو إلى درس يوفر عليهم الوقوع في نفس الخطأ ويجنبهم هزيمة جديدة..
وقد أخطأ من قبل قائد آخر هو الفريق عطا الله باشا، وتكررت أخطاؤه حتى ثار عليه بعض ضباط الجيش كما هو معروف، فماذا كانت نتيجة هذه الأخطاء؟
لقد استقال سعادته أو طلب إليه أن يستقيل، ثم نُسي كل شيء بعد حين!!
وكان أن تكررت نفس الأخطاء بعينها في عهد قيادة حيدر باشا؛ بل إننا لو استعرضنا الأيام والحوادث، لظننا أن هذه الأخطاء قد تكررت عن عمد، وأن سياسة المشرفين على الجيش هي سياسة التمادي في كل ما هو خطأ.. ولو كان الفريق عطا الله باشا قد قدم إلى مجلس تحقيق، وسجلت عليه أخطاؤه، وبحثت أسباب هذه الأخطاء لانتهت استقالته -أو إقالته- بتعديل نظم الجيش، وتعديل السياسة المشرفة عليه، ولاستطاع حيدر باشا أن يرجع إلى ملف هذا التحقيق؛ ليوفر على نفسه ما تعرض له سلفه!
وقد قلت: إني مشفق على حيدر باشا.. وإني مشفق عليه من ألسنة الناس، سواء منهم الحكوميون أو المعارضون، وسواء منهم الرسميون أو غير الرسميين، وسواء منهم الكبار أو الصغار، وهي ألسنة حداد لم ترحم حيدر باشا، ولم تحفظ له هيبته ووقاره، وهو الرجل الذي عاش عمره لا يملك سوى الهيبة والوقار..
(1/269)

وإني مشفق على معاليه من همسات ضباطه وجنوده.. هل يريد معاليه أن أترجم له هذه الهمسات؟
ولكنها لم تعد همسات، فقد أصبحت صرخات لا بد أنها وصلت إلى أذني حيدر باشا، رغم أنه حرص في الأيام الأخيرة على أن يغلق على نفسه النوافذ والأبواب.. صرخات سجلها الضباط في منشورات يوزعونها على دور الصحف، وتصل بالبريد إلى آلاف الشخصيات، وسجلها ضباط إدارة المخابرات الحربية في تقاريرهم التي يرفعونها إلى رؤسائهم، والتي يطلع عليها حيدر باشا لو كان مواظبًا على الاطلاع.. وفي كل يوم أتلقى خطابات تحوي هذه الصرخات، ويطلب أصحابها نشرها موقعة بإمضائهم، وأصحابها هم من ضباط الجيش، وهم يذكرون مع أسمائهم رتبهم والوحدات التابعين لها.. وقد أبيت دائمًا أن أنشر هذه الخطابات منسوبة إلى أصحابها؛ لأني أحترم تقاليد الجيش التي تصون الحدود بين المرؤسين والرؤساء، والتي تقوم على هيبة القائد والاحترام الواجب له..
ورغم ذلك فقد ضاق صدر أحد الضباط، وهو اليوزباشي مصطفى كمال صدقي، حتى لم يعد يحتمل السكوت، ورغم إيمانه بتقاليد الجيش، فنشر باسمه الكامل مقالًا مطولًا في مجلة "الاشتراكية" قال فيه بالحرف الواحد: "والمطلوب الآن من حيدر باشا إيقاف زياراته غير المرغوب فيها للوحدات، والتي تأخذ شكلًا استفزازيًّا، قد ينتج عنه أضرار كثيرة!! ".
وقال كلامًا كثيرًا لا أستطيع أن أتحمل مسئولية نشره؛ لأني لا أعرف الظروف التي احتمى بها مصطفى كمال صدقي من القانون حتى أحتمي بها معه!!..
فماذا كان مصير هذا الضابط الصغير؟
لقد قدم إلى مجلس تحقيق في 7 أكتوبر، وانعقد هذا المجلس في إدارة الإمدادات والتموين برياسة الأميرالاي عبد الحميد محمد، وأخذ في استجواب الضابط المتهم..
وهذا هو نص الأسئلة والأجوبة التي دارت في التحقيق:
س: لماذا لم تحاول الحصول على إذن بالنشر في الجرائد؟
ج: إن الدافع الذي دفعني للكتابة في الجرائد دون الحصول على إذن
(1/270)

بالنشر من الجهات المختصة، هو أن ما كتبته لا يمكن أن تسمح لي الرئاسات بنشره؛ لأن هذه الرئاسات كثيرًا ما تنشر بلاغات يظهر فيما بعد كذبها، بدليل البلاغ الذي نشره حيدر باشا، والذي جاء فيه أن صفقات الأسلحة كانت خالية من أي غش ومطابقة للمواصفات، ثم ظهر بعد ذلك عدم صحة هذا الكلام؛ بدليل وجود ضباط الآن مسجونين ومتهمين بالسرقة شكلًا والخيانة العظمى موضوعًا..
س: هل لم يكن هناك طريقة قانونية لرفع صوتك إلى الرئاسات؟
ج: إنني لا أثق برئاسة على رأسها حيدر باشا.
س: ما الذي دعاك لكتابة ما كتبت؟ علمًا بأن التحقيق الآن بين يدي القضاء، ولم يبت فيه بعد.
ج: درجت منذ أن التحقت بالكلية الحربية وبعد تخرجي ضابطًا بالجيش على أن أكون مسئولًا -كما تقضي الأصول العسكرية- عمن هم تحت قيادتي؛ ولذلك أعتبر حيدر باشا مسئولًا عن كل ما اقترفته لجنة مشترواته؛ لأن هذه اللجنة كانت تحت رئاسته المباشرة، ثم إنني رغبت أن يشترك الجيش في التحقيق الموجود الآن بين يدي الهيئة القضائية؛ أي: إثارته بين من تحملوا التضحيات الجسيمة بسبب خيانات لجنة المشتروات..
س: لماذا تهاجم حيدر باشا بالذات؟
ج: ليس بيني وبينه أي عداء شخصي ولكنني هاجمته، وبيده السلطة والقوة، وبإمكانه البطش بشخصي الضعيف، مضحيًا بذلك بمصلحتي الشخصية في سبيل الصالح العام، وحتى يمكن تناول مأساة فلسطين.
س: ما هي الأسباب التي تدفعك إلى هذا الهجوم؟
ج: أولًا: لإبقائه على مساعدي رئيس أركان حرب الجيش السابق في نفس مراكزهم، وتوسيعه لاختصاصاتهم -هنا جملة رأيت حذفها- ثانيًا: لعدم قدرته على اختيار القائد الذي يمكن أن تنجح المعركة على يديه، وإن شئتم أوضحت وأسهبت بما يملأ مجلدًا ضخمًا..
هذا، هو بعض ما جاء في محضر التحقيق مع اليوزباشي مصطفى كمال صدقي -مع احتفاظي برأيي في إجاباته- وقد يعتبر هذا الضابط جريئًا في تحديه للقائد العام للقوات المسلحة إلى هذا الحد؛ ولكن الذين حققوا معه كانوا أجرأ منه، فقد أوقفوا التحقيق معه فجأة، وقبل أن يتم، ودون
(1/271)

أن يحيلوا الضابط المتهم إلى مجلس عسكري، كما يقضي بذلك القانون، ثم اكتفوا بأن منحوه إجازة مرضية يقضيها في بيته..
ماذا بقي للجيش بعد هذا؟!
ماذا بقي للجيش إذا كان ضابط صغير في رتبة يوزباشي يستطيع أن يتحدى القائد العام علنًا، ثم يتحداه مرة ثانية في تحقيق رسمي، ولا يستطيع القائد العام أن يرد تحديه إلا بأن يمنحه إجازة مرضية؟!
لماذا يخاف حيدر باشا من التحقيق مع هذا الضابط؟
وأي قوة في الأرض تستطيع أن تمنعه من محاكمته؟! إلا أن يكون سعادته -أي: حيدر باشا -يخشى أن يمنح هذا الضابط فرصة ليقول فيها أمام هيئة المحكمة أكثر مما قال.
وإذا كان هذا الكلام يستطيع الضباط اليوم أن يقولوه علنًا، فماذا يمكن أن يقولوه همسًا؟!
إن هذه الواقعة وحدها تكفي للتحقيق، لا مع الضابط الصغير؛ بل مع حيدر باشا نفسه، الذي ترك منصبه كقائد عام للقوات المسلحة يتعرض لمثل هذه الجرأة دون أن يحاول الدفاع عنه؛ بل يعمل على أن يصون شخصه قبل أن يصون كرامة المنصب!!
دخول فلسطين:
ولكن هذه الواقعة -للأسف- ليست هي كل الوقائع التي يجب أن يحقق فيها مع حيدر باشا، وكنت قد وعدت سعادته في مقالي الأول أن أجيب له على سؤال: "هل كان الجيش المصري مستعدًّا لدخول فلسطين؟ ". وفهم من هذا المقال أني أحمل حيدر باشا مسئولية دخول الجيش فلسطين بلا استعداد، وقد تطوعت بعض الزميلات بالإجابة على هذا السؤال قبل أن أجيب عليه، ونسب بعضها الخطأ إلى حيدر باشا بوصفه الوزير المسئول، ونسب البعض الآخر الخطأ إلى المغفور له النقراشي باشا بوصفه رئيس الوزارة التي تتحمل المسئولية العامة..
(1/272)

وأحب أولًا أن أسجل أني عندما أكتب عن الجيش أرفعه فوق مستوى الأحزاب، فالجيش -كما قال مونتجمري في إحدى المناسبات- هو "ملك الشعب"، ويجب أن يبتعد عن السياسة وأن يظل كذلك، ويجب أن يكون ولاؤه للدولة؛ ولذلك فإني لا أريد أن أزج بقلمي في اتهامات حزبية، وسيان عندي أن يكون النقراشي أو حيدر أو إبراهيم عبد الهادي أو أي رجل من رجال العهد السابق هو المسئول عن حملة فلسطين، وإني أرحب بالتحقيق مع أي منهم إذا كان هناك وجه للتحقيق معه؛ ولكني أخص حيدر باشا وحده بما أكتبه؛ لأنه لا يزال متمتعًا بسلطانه رغم فشله، ولأني أكتب عن المسئولية الإدارية والفنية والعسكرية..
أما المسئولية الدستورية، فمن أراد أن يبحثها من الزملاء الأعزاء فليبدأ بما نشر في بعض الصحف "وثيقة الاتصال"، وبعد تعيين حيدر باشا وزيرًا للحربية؛ من أن معاليه سيكون وزيرًا دائمًا للحربية؛ أي: وزيرًا للحربية في كل وزارة، ولينته الزملاء الأعزاء عند الأزمة الصامتة السريعة التي قامت عند تأليف وزارة الوفد الحالية، والتي كان من جرائها تعيين حيدر باشا قائدًا عامًّا للقوات المسلحة!!
أما أنا فإذا امتنعت عن الكتابة في المسئولية الدستورية؛ فلأني تعهدت أمام النيابة في قضية سابقة بعدم التعرض لهذه الناحية.
ولنعد إلى مسئولية حيدر باشا..
إن معاليه كان يعلم مدى النقص في أسلحة الجيش وذخيرته ومعداته وتدريب جنوده، ويعلم أن هذا النقص وصل إلى حد أن أوقفت التدريبات السنوية لضرب النار، وحدد الضرب بأقل من "المرتب" المعتاد في بعض الوحدات؛ وذلك لعدم وجود طلقات..
وقد حدث في إبريل عام 48 -أي: قبل إعلان الحرب بشهر واحد- أن جاء اللواء أحمد محمد علي المواوي بك إلى القاهرة من مركز قيادته من العريش ليحضر مؤتمرًا لقواد الأسلحة، عقد في مكتب عثمان باشا المهدي رئيس هيئة أركان حرب، وحضره مدير مكتب حيدر باشا نائبًا عن معاليه.. وأبدى قواد الأسلحة -بما فيهم المواوي بك- في هذا المؤتمر مدى النقص الخطير في الأسلحة والعتاد بين جميع الوحدات، وحُمِلَ محضر هذا المؤتمر إلى معالي حيدر باشا.
(1/273)

وبعد أيام عقد في بلودان مؤتمر مثلت فيه جميع الدول العربية، وتقرر فيه عدم دخول الجيوش النظامية فلسطين؛ اكتفاء بالقوات المتطوعة من بين هذه الجيوش، واكتفاء بمساعدة مجاهدي فلسطين مساعدات فعالة واسعة المدى.
وبعد أيام أخرى وقف المغفور له النقراشي باشا في مجلس النواب وقال في جلسة سرية: إنه تقرر ألا يدخل الجيش المصري النظامي فلسطين، لا لعدم استعداده؛ بل لأن ليس من كرامة الجيوش النظامية أن تحارب عصابات يهودية غير منظمة، ولأنه قد يكون هناك احتمال واحد في الألف، ألا ينتصر الجيش المصري انتصارًا مشرفًا ساحقًا فينتقص هذا من سمعته؛ ولذلك فقد تقرر الاكتفاء بدخول قوات المتطوعين ومساعدتها بالسلاح والرجال.. وبعد أيام أخرى وقف النقراشي باشا في البرلمان المصري مرة ثانية ليقول: إنه قد تقرر دخول الجيش المصري فلسطين، وليقول: إن الجيش مستعد لهذه الحملة التأديبية تمام الاستعداد..
وبذلك تحمل حيدر باشا المسئولية الإدارية والفنية والعسكرية لحملة فلسطين؛ بوصفه الوزير المختص، والوزير الذي يبلغ مجلس الوزراء والبرلمان حقيقة حالة الجيش..
حالة الجيش:
ولكي أبين حقيقة حالة الجيش عند بدء الحملة وفي خلالها، أنقل للقارئ فقرات من محضر رسمي بأقوال سعادة المواوي بك سجل بتاريخ 11 نوفمبر عام 48 "سعت 600":
1- أبان المواوي بك أن العجز الظاهر في مقدرة الوحدات عمومًا -ولا سيما وحدات المشاة- راجع إلى انعدام تدريب هؤلاء الجنود قبل إحضارهم إلى الميدان.
2- اعترف المواوي بك أنه لم يشأ في وقت ما أن يخجل من إظهار هذه الحقيقة السافرة لرؤساء الجيش، حين كلف بقيادة الجيش في العمليات..
3- أظهر المواوي بك أنه وقد خدم في الجيش في منطقة العريش قبل قيام الحملة فترة طويلة من الزمن لم يكن لديه أي تسهيلات لإجراء تدريب مشترك للوحدات التي كانت وقتئذ بالعريش.
(1/274)

4- سجل عزته أن لواء التدريب بعد إنشائه بالقاهرة لم يتفرغ في وقت ما لإتمام تدريبه، وكانت تطلب وحداته للقيام بأعمال تتعارض مع التدريب، وكانت النتيجة الحتمية لذلك أنه لم يستطع أن ينهض بذلك اللواء إلى الدرجة التي كان ينشدها، وإلى الدرجة التي كانت تمكن الجيش في وقت ما من خوض معركة ما..
5- "غير قابل للنشر"..
6- انتقل بعد ذلك إلى الكلام عن بقية أسلحة الجيش، فبدأ بسلاح خدمة الجيش الذي كان عاجزًا تمامًا في بدء العمليات عن إمداد الوحدات بالعربات اللازمة مما أجبره على استئجار عربات مدنية لمساعدته في أعمال الحملة..
7- "غير قابل للنشر"..
8- تكلم عن حالة الطائرات، فأبان أنها كانت على درجة عالية من التحكم في الجو حين لم يكن للعدو نشاط جوي نذكره، ولما طال الزمن وخسرنا العدد الكثير من الطائرات والطيارين تمكن العدو بعد أن جلب طائرات عديدة حديثة النوع من انتزاع السيطرة الجوية بالكلية.
9- الفرسان كانت عريانة قديمة الأزل، والدبابات الخفيفة كانت بحالة يُرْثَى لها، ولم تستطع أن تؤدي واجبها على ما يجب..
10- أطنب سعادته في مدح المدفعية قائلًا: إنها أدت واجبها إلا أنها قليلة بالنسبة لعدد الجيش..
واختتم المواوي بك كلامه قائلًا: "ليس عندي ما أضيفه إلى ما ذكرت سوى: إن كانت مصر ترغب في أن تقوم بعمليات واسعة النطاق بعد ذلك، فليس لدى السلطات المسئولة من حل سوى أن تفكر تفكيرًا جديًّا في إصلاح الجيش إصلاحًا شاملًا".
الجبهة الثانية:
كانت هذه هي حالة الجيش عند بدء حملة فلسطين وخلالها، ورغم ذلك لم تكن الحملة خطأ كاملًا، فقد استطاع هذا الجيش أن ينتصر في المواقع الأولى،
(1/275)

وأن يصل إلى أبواب تل أبيب، وكان يمكن أن يتم له النصر النهائي لو أن حيدر باشا استطاع أن يستفيد من الهدنتين اللتين أعلنتا خلال الحملة، ولو أن سعادته استطاع أن ينتصر في الميدان الخارجي، أو الجبهة الثانية التي فتحها في أسواق أوربا لشراء الأسلحة والذخيرة.. ولكن معاليه هزم في الجبهة الثانية كما هزم في الجبهة الأولى، وكانت هزيمته ترجع إلى سوء اختياره للرجال، وإلى سوء التصرفات، وهي التصرفات التي يحمل معاليه مسئوليتها، سواء كان يدري بها أو لا يدري، وكما يقول الشاعر القديم:
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة
أو كنت تدري فالمصيبة أعظم
وكانت هزيمته في هذه الجبهة الثانية بمثابة تحطيم مخازن الأسلحة للجيش، وكان انتصار العدو في هذه الجبهة معناه انتصارهم في ميدان فلسطين دون حاجة منهم لأن يطلقوا طلقة واحدة..
ولكن، هل كان هذا هو كل ما يتحمله حيدر باشا من مسئولية؟
والخطة الحربية نفسها التي اتبعت، هل كانت خطة عاقلة؟
إني لا أدعي علمًا بالخطط الحربية، ولا أستطيع أن أناقش حيدر باشا وهو القائد العام العبقري الهمام.. ولكني لن أناقشه؛ بل سأكتفي بأن أنقل إلى سعادته صورًا من الأوراق التي يحتفظ بها في وزارته.. وليبق سعادته في منصبه سبعة أيام أخرى ليقرأ المقال التالي!! 1
__________
1 روزاليوسف - 21 أكتوبر سنة 1950.
(1/276)

- ونجحت الحملة الصحفية على محمد حيدر باشا قائد الجيش في أن تثير الرأي العام داخل الجيش، وتطوع عدد كبير من الضباط -وخاصة الضباط الأحرار- في مد إحسان عبد القدوس بالمعلومات والبيانات التي تكشف عن أخطاء قائد الجيش.. ويذكر إحسان عبد القدوس في مذكراته: "كان الذي يمدني بالمعلومات التفصيلية هم الضباط الأحرار.. وأذكر اثنين من الضباط شهدا معي أمام النيابة؛ وهما: عبد المنعم أمين الذي أصبح عضوًا في مجلس قيادة الثورة، ومصطفى لطفي الذي أصبح سفيرًا.. وكان موقفهما في غاية الجرأة.. إذ تضمنت شهادتهما اتهام "فاروق" نفسه..! "1.
وقد شجعت البيانات والوثائق التي وضعها الضباط الأحرار بين يدي إحسان عبد القدوس.. على استمراره في الحملة على محمد حيدر باشا قائد الجيش.. وكتب حلقة ثالثة يكشف فيها أخطاء حيدر باشا في حملة فلسطين.
وهذا هو نص المقال الثالث:
أذكر أني في أغسطس عام 1945 كتبت مقالًا بعنوان: "هذا الرجل يجب أن يذهب"، هاجمت فيه اللورد كيلرن سفير بريطانيا الأسبق، وطالبت بإخراجه من مصر، وقد حققت النيابة العامة في هذا المقال، وأمرت بحبسي احتياطيًّا على ذمة التحقيق، وبعد أن أفرج عني دعاني المغفور له أحمد حسنين باشا وقال لي: "إننا جميعًا نسعى لإخراج كيلرن من مصر؛ ولكن مقالك هذا عرقل مسعانا، فإن بريطانيا دولة عنيدة في مثل هذه المواقف أن تحمي كرامتها وكرامة سفرائها أمام الحملات العلنية"، واستشهد -رحمه الله- بتمسك بريطانيا بأحد سفرائها في تركيا رغم عدم رضائها عنه، لا لشيء إلا لأن الصحف التركية كانت تهاجمه!
ولم أقتنع يومها برأي أحمد باشا حسنين، واستمرت روزاليوسف تهاجم اللورد كيلرن، ثم اشتركت الصحف الأخرى في مهاجمته، واستطاع أحمد حسنين أن يستغل هذه الحملة الصحفية في تأييد مسعاه لدى الحكومة البريطانية حتى طرد اللورد من مصر فعلًا..
__________
1 المستقبل - باريس - 6 يوليو سنة 1981 "مذكرات إحسان عبد القدوس".
(1/278)

وهذا الرأي الذي سمعته من المغفور له حسنين باشا، سمعت مثله هذا الأسبوع من بعض ذوي الرأي!! فقد قيل لي: إن الحملة على حيدر باشا قد تؤجل استقالته إذا كان هناك أمل ان يستقيل، وقد تؤجل التحقيق معه إذا كان هناك أمل في أن يحقق معه أحد.. لا لشيء إلا لمجرد العناد!
عناد من؟!
وإذا جاز لبريطانيا أن تعاند المصريين، فكيف يجوز للمصريين أن يعاند بعضهم بعضًا على حساب المصلحة العامة، وفي مثل هذه المسائل الحساسة المتعلقة بكيان الجيش وسلامته ومستقبله، والتي لا تحتمل الزمن؛ لأن الزمن يزيدها تعقيدًا على تعقيد، وخطرًا على خطر؟!
ومَن الذي يعاند؟
هل هو حيدر باشا الذي يرفض أن يستقسل، ويرفض أن يتقدم إلى مجلس تحقيق، أم هي الحكومة التي تأبى أن تطلب من وزير الحربية التحقيق مع القائد العام للقوات المسلحة؟
وهل هذا هو الموقف الذي كان ينتظره حيدر باشا من نفسه، والذي كان ينتظره منه الناس، وهو يرى نتيجة أخطائه بعينيه، دون أن يتقدم لتحمل مسئولية هذه الأخطاء، ودون أن يتنحى حتى لا يتكرر الخطأ على يديه مرة ثانية؟!
إني أريد أن أحتفظ لحيدر باشا بجميع الصفات الحميدة، أريد أن أقول عنه: إنه شجاع ونزيه، وشهم، وكريم، وطيب، وقد لا يدري معاليه مدى الألم الذي أعانيه عندما أضطر للخضوع أمام المنطق، فأدع القلم ينزع عنه إحدى هذه الصفات أو بعضها!!
ولكن الصفات الحميدة -للأسف- ليست مجرد كلام يقال، ولا مجرد حروف تكتب؛ ولكنها دائمًا صفات لأعمال، فليقل لي معاليه أي عمل يمكن أن أنسبه إليه من بين مواقفه الأخيرة يستحق عليه لقب شجاع، أو لقب غيور على مصالح وطنه وجيشه؟!
(1/279)

هل يريد سعادته أن يستمع إلى مثل من أمثلة الشجاعة والغيرة حدث في مثل موقفه اليوم؟!
لقد طلب المريشال بيتان عقب هزيمة الجيش الفرنسي في أوائل الحرب الأخيرة، وفي عهد الاحتلال الأماني أن يؤلف مجلسًا لتحقيق أسباب هزيمة الجيش الفرنسي، وتحديد المسئولين عن الهزيمة.. طلب بيتان إجراء هذا التحقيق وهو القائد الأول للجيش الفرنسي، وكان يمكن أن ينتهي المحققون إليه ويحملونه المسئولية وحده؛ ولكنه وضع التقاليد العسكرية ومصالح جيشه فوق سلامته ومصلحته الشخصية، كما واقفت ألمانيا على إجراء هذا التحقيق رغم قيام احتلالها لفرنسا، ورغم ما كان يجره التحقيق من إثارة ضباط الجيش وتحمسهم لجيشهم، لا لشيء إلا لأنها دولة عسكرية تقدر تقاليد الجيوش، حتى لو كانت جيوش أعدائها..
ذلك موقف يستحق عليه صاحبه لقب شجاع وشهم وغيور، وإذا أراد من سلسلة هذه المقالات عله يتحمس فيختم عمره الطويل بموقف يؤهله لصفحة معالي الفريق حيدر باشا أن يستزيد من هذه المواقف، فليرجع إلى المقال الأول من صفحات التاريخ، وعله يفكر أن يحمي شيخوخته من كل ما يسمعه وما لا يسمعه!
أما الحكومة فموقفها من هذا العناد غامض، فإني أعلم أنها لن تلح طويلًا على سعادة حيدر باشا إذا قكر سعادته في الاستقالة، كما أنها لن تتردد طويلًا إذا وجدت الظروف التي تتيح لها التحقيق معه.
وهنا أسمح لنفسي بسؤال معالي وزير الحربية: هل يعتقد معاليه أن حالة الجيش تحتمل الاستسلام للظرف؟
لقد كانت إحالة التحقيق في صفقات الأسلحة المغشوشة إلى النيابة العمومية إجراء حاسمًا طمأن ضباط الجيش وجنوده، وهدأت نفوسهم في انتظار نتائجه..
وحيدر باشا كان -وهو وزير للحربية- أخطر على الجيش من الأسلحة المغشوشة، فإن السلاح المغشوش قد يتغلب عليه القائد الصالح، أما القائد القاصر فقد ينهزم حتى لو لم يكن السلاح مغشوشًا!
(1/280)

فلماذا لم يحقق مع حيدر باشا كما حقق في الأسلحة المغشوشة؟! بل لماذا لا تقدمني الوزارة إلى النيابة للتحقيق معي في هذه المقالات إحقاقًا للحق وإزهاقًا للباطل، كما جاء في بلاغ الوزارة الذي قدمتني به إلى النيابة العمومية للتحقيق معي فيما كتبته عن صفقات الأسلحة؟!!
إني مندهش، ومصر كلها في دهشة!!
ثم هناك رجل كنت أعتقد أنه سيؤيدني في مطالبتي بالتحقيق مع معالي الفريق حيدر باشا، وهو اللواء أحمد محمد علي المواوي بك..
فهذا الرجل مظلوم، وأستطيع أن أرى مما بين يدي من وقائع أنه كان مجبرًا على أمره، مسيرًا ولا مخيرًا، وأستطيع لو طلبني محاميًا عنه في التحقيق -لولا أن نقابة المحامين قد نقلت اسمي إلى جدول غير المشتغلين- أن أعدد له مواقف عديدة حاول فيها أن يتجنب الأحداث الجسام التي وقعت خلال الحملة.. ولكن المواوي بك لم يطلب التحقيق في أسباب انسحاب الجيش من فلسطين، وتحديد المسئولية عن هذا الانسحاب، ولا أظنه سؤيدني في هذا الطلب، وقد علمت -أو بلغني- أن عزته قد شرح لمعالي وزير الحربية الحالي كل ما حدث في فلسطين؛ ولكنه عندما سنحت له الفرصة ليسجل هذا الشرح في تحقيق رسمي أَبَى أن يتكلم..
وأخيرًا، لا أستطيع إزاء هذا العناد، إلا أن أستمر في الكتابة؛ بل إني لا أكتب إنما أنقل.. أنقل الهمسات المحبوسة في صدور الضباط والجنود الأبطال، وأنقل آيات السخط من فوق شفاه أرامل وأيتام الشهداء، وأنقل المعلومات الخطيرة التي تتململ في ظلام الأدراج..
القائد العبقري:
وقد تكلمت في المقال الأول عن تدخل حيدر باشا في سلطات القواد، وفي اختيار الضباط، وفي إخفاء خبر الحملة عن قائدها العام حتى الأيام الأخيرة..
وتكلمت في المقال الثاني عن مسئولية دخول الجيش فلسطين بلا استعداد ولا تدريب، وبلا أسلحة صالحة..
وهذا المقال خاص بمسئولية سعادته عن وضع الخطة الحربية التي اتبعت في "تأديب عصابات اليهود"، والتي انتهت بالانسحاب من فلسطين..
(1/281)

هل كان حيدر باشا هو الذي وضع الخطة؟
إنه اتهام خطير؛ لأنه ليس للوزير أن يتدخل في وضع خطة حربية فنية، يجازف فيها بأرواح الجيش وسمعته وكرامته، خصوصًا إذا كان هذا الوزير هو حيدر باشا!
إنه اتهام خطير لم أكن لأجرؤ على توجيهه، إن لم يكن تحت يدي دليل.. وما تحت يدي دليل يقوم على واقعة واحدة تشهد على جميع الوقائع..
فقد حدث أن وضع حيدر باشا خطة للاستيلاء على بعض المستعمرات، وحمل مدير مكتبه هذه الخطة إلى رئيس أركان حرب الجيش في يوم 22 يونيو 48، ولا تزال صورة من هذه الخطة محفوظة في إدارة العمليات الحربية، وأصلها محفوظ في مكتب الوزير.
وقد وضعت هذه الخطة تحت عنوان "مقترحات عن عمليات حربية مقبلة"، وجاء فيها بالنص:
أ- توفير قوة ضاربة من القوات المحتلة أسدود، وتعطى لقائد مستقل؛ لمهاجمة والاستيلاء على مستعمرات: بيرتوفيا، بيت دراس، كفار وينج.
ب- توفير قوة مماثلة من القوات المحتلة المجدل؛ لمهاجمة والاستيلاء على مستعمرات: امخبا، جوليس، خان الواديات، القضبة..
هذه هي إحدى الخطط التي وضعها حيدر باشا.. كيف أباح معاليه لنفسه أن يضع خطة حربية فنية، وأي تجارب اعتمد عليها ليغتصب لنفسه هذا الحق، وأي ثقافة حربية يتمتع بها معاليه ليجرؤ حتى على أن يشير أو يقترح في عمليات تحركات الجنود..
لقد تخرج معاليه في الكلية الحربية -وأنا أنقل التاريخ من الذاكرة عام 1905- وعمل بالجيش عامًا واحدًا أمضاه في سلاح الخيالة للتدريب على ركوب الخيل، ثم نقل إلى سواري بوليس مصر، وظل ضابط بوليس
(1/282)

حتى نال رتبة الأميرالاي، ثم نقل وكيلًا لمصلحة السجون، ثم مديرًا لها فوكيل وزارة لها ثم وزيرًا للحربية..
فأي تجربة في هذا العمل الطويل تبيح لحيدر باشا التدخل في وضع خطة حربية؟
هل كان معاليه يعتقد أن انتصار جيش على الأعداء لا يستلزم من الذكاء والعلم أكثر مما يستلزم انتصار البوليس على إحدى مظاهرات عام 1919؟!
وهل كان معاليه يعتقد أن قيادة جيش لا تستلزم من الهمة والدراية أكثر مما تستلزمه قيادة مساجين مصلحة السجون؟!
إني أضبط قلمي بصعوبة؛ حتى لا يجن معي، ويخرج عما يليق في مخاطبة القواد العظام أمثال حيدر باشا!!
وقد ردت العمليات الحربية على هذه الخطة التي وضعها حيدر باشا ردًّا فنيًّا لو تأمله حيدر باشا لاعتبره إهانة.. فقد جاء في رد العمليات بالنص:
"إن المجدل يجب أن تكون مُؤَمَّنَةً تأمينًا خاصًّا، حتى إذا ما اضطرت قواتنا الموجودة في أسدود إلى الانسحاب -لا قدر الله- بسبب ما، فإنها تنحسب إلى هذه القاعدة، وإلا فيتسبب عن انسحاب القوات من أسدود انهيار جميع الخطوط حتى الحدود المصرية".
ومعنى هذا أن إدارة العمليات تقول لحيدر باشا باللغة المؤدبة الراقية: إنه لا يفقه شيئًا!!
ولا أدري هل طبقت الخطة التي وضعها حيدر باشا رغم أنف إدارة العمليات الحربية أم لا؟ ولكن الذي أعلمه -ويعلمه الجميع- أن الانسحاب الذي قالت فيه إدارة العمليات: "لا قدر الله" قد قدره الله فعلًا..
فانسحب الجيش من أسدود ودير سنيد والمجدل، دون أي هجوم جدي من اليهود؛ وإنما لمجرد أن العدو قطع خطوط مواصلات الجيش المصري في نقطتين بين المجدل والفالوجا، وبين المجدل وغزة، ولم تحاول القيادة أي محاولة لاسترداد هذه المواقع التي قطعت فيها خطوط المواصلات، كما
(1/283)

تم الانسحاب رغم أن أسدود والمجدل كانتا تستطيعان أن تقاوما، على الأقل كما قاومت الفالوجا..
وقد تم هذا الانسحاب بأمر القاهرة، وبعد أن تضاربت أوامرها مدة طويلة، وذلك على الرغم من أن أركان حرب المواوي بك القائد العام رفض الانسحاب، وإن كان قد اضطر له بعد أن وصل أمر القاهرة إلى الثلاثة الكبار الذين كانوا يديرون العمليات في فلسطين في ذلك اليوم؛ وهم: اللواء شعراوي وموسى لطفي ومدير العمليات، وكانوا قد وصلوا فلسطين في 19 أكتوبر في رحلة تفتيشية..
ولم يصدق اليهود أن الجيش المصري قد انسحب من هذه المواقع، وكذبوا عملاءهم العرب الذين أبلغوهم هذا الانسحاب!! فلم يدخلوا دير سنيد إلا بعد 48 ساعة من إخلائها، وبعد أن أخذوا العرب الذين أبلغوهم الخبر رهائن..
وكان من نتيجة هذا الانسحاب أن مجلس الأمن رفض قرار العودة إلى خط 14 أكتوبر الذي يمتد حتى أسدود؛ لأننا تركنا هذه الأرض تفضلًا ودون قتال..
ولا أريد أن أستمر طويلًا في تفاصيل الخطط الحربية؛ لأنها تفاصيل معقدة بالنسبة لي -ولست في عبقرية حيدر باشا- ولو أني أعتمد في سردها على وثائق ومعلومات واقعية..
ولكني أعود فأتساءل: من وضع الخطة العامة التي اتبعت في فلسطين؟
لا شك أن القائد العام للحملة لم يكن له دخل ولا نصيب في وضع هذه الخطة، وقد جاء على لسانه في محضر رسمي بأقواله، وهو المحضر الذي أشرت إليه في العدد الماضي، والذي سجل في يوم 11 نوفمبر عام 1948 "سعت 700" النص التالي: "إن الجيش المصري كان عليه واجب القيام بفصل المستعمرات الشمالية عن الجنوبية في صحراء النقب، مما اضطره إلى احتلال الخط الممتد من أسدود إلى بيت لحم بقوات لم تكن في وقت من الأوقات كافية بالمرة للدفاع عنه، يضاف إلى ذلك بعد هذا الخط عن القاعدة.. السبب الذي من أجله طالت خطوط التموين؛ فاستحالت مراقبتها وحمايتها".
(1/284)

وجاء في نفس المحضر في الفقرة "11" منه ما نصه:
11- تكلم القائد العام كثيرًا عن إجباره على التقدم أكثر مما يجب، السبب الذي من أجله تعرضت خطوط مواصلاته إلى التهديد من جانب العدو "وأظهر سعادته أنه كثيرًا ما اشتكى من تعارض هذه النظرية مع واجبات السلامة العسكرية؛ ولكنه كان دائمًا مأمورًا من القيادة العليا بالقاهرة لمتابعة التقدم المتواصل، رغم إظهار تلك العقبات لهم في كثير من المرات".
هذا ما يقوله المواوي بك عن الخطة التي كان ينفذها، والتي يعترف أنه كان يؤمر بها أمرًا رغم اعتراضه، ورغم تعارضها مع سلامة الجيش الذي يقوده..
تصوروا قائدًا ينفذ خطة غير مقتنع بها؟.. أي نصيب لهذه الخطة من النجاح؟! وأي نصيب لهذا القائد في النصر؟! خطة توضع في القاهرة، دون استشارة قائد الحملة ودون موافقته عليها رغم اعتراضه.
ما هذا؟!
لماذا لم تغير الخطة ما دام المواوي هو الذي سيقوم على تنفيذها؟!
أو لماذا لم يغير المواوي ما دام لا يستطيع تنفيذ هذه الخطة؟! ومن المسئول عن كل ذلك؟!
مَن إن لم يكن حيدر باشا؟!!
إن نفس "المحضر" الذي بين يدي، وهو منزوج من "يومية الحرب" لرياسة القوات المصرية بفلسطين، ويشتمل على رد اللواء فؤاد باشا صادق على أقوال المواوي بك، ونصه:
"إن ما قمتم به من أعمال كان فوق مجهود البشر، وإني أعترف أمامكم بأنك كنت الشخص المتوكل على الله، وأن ستر المولى عز وجل قد أوصلك بهؤلاء الجنود إلى تلك النتائج، التي شرحتها عزتكم لنا، وإني أستطيع بكل اختصار أن ألخص كلامكم كالآتي:
أفهم أنك تعني أنك أمرت بتمثيل رواية هزلية بالجيش المصري
(1/285)

على مسرح فلسطين، كنت أنت أفرادها وجنودها وبطلها الأول، فقد أعطيتني صورة واضحة لحالة القوات التي سأتولى قيادتها لحين عودتك بعد فترة الاستجمام التي أرجو أن تكون قصيرة".
هذا ما يقول فؤاد صادق لزميله المواوي..
ومن أقوال فؤاد باشا صادق نستطيع أن نفهم أن قائد الحملة لم يُتْرَكْ له التصرف في شيء.. لا في وضع الخطة، ولا في مناقشة الخطة التي وضعت، وكل ما تُرك له هو ستر المولى والتوكل على الله!!
وإذا كان فؤاد باشا صادق قد وصف ما كان يجري في فلسطين بأنه رواية هزلية، فإن أحد فصول هذه الرواية، هو إرسال سعادته إلى الميدان معتقدًا أن المواوي بك سيقوم بإجازة قصيرة للاستجمام، وأنه -أي: المواوي- لم يسحب من القيادة بصفة نهائية!!
ألا يكفي كل هذا للتحقيق مع حيدر باشا؟!
ألا يعتبر هذا المحضر الرسمي اتهامًا لمعاليه يوجهه إليه اثنان من أكبر قواد الجيش؟!..
إن لم يكن كل هذا يكفي، فإني لم أنتهِ بعد!
طرائف حيدر باشا:
وبعض تصرفات حيدر باشا يدخل في باب الطرائف، رغم ما أعقبها من مصائب..
ففي سبتمبر عام 48 أرسل سعادة أحمد ثروت بك سفير مصر في باريس برقية خطيرة بالشفرة إلى وزارة الخارجية المصرية، وهذا نص ما بها من معلومات:
"وصلني من مصدر ثقة لا أشك في سلامة أخباره: أن اليهود يجمعون حوالي 40 ألف عسكري في النقب أمام القوات المصرية للحصول على نتائج حاسمة، من خلال النصف الأول من شهر أكتوبر".
(1/286)

وأحالت وزارة الخارجية هذه البرقية إلى معالي وزير الحربية الفريق محمد حدير باشا، فأحالها بدوره إلى رياسة هيئة أركان الحرب، وأحالتها هذه إلى إدارة العمليات، وأحالتها إدارة العمليات إلى القائد العام للحملة، وأحالها القائد العام إلى قواده، فكتب كل منهم على "الإشارة" التي تحملها كلمة "علم"!!
وكان هذا هو كل شيء..
لقد علمت القيادات المختلفة بالمعلومات الخطيرة التي تحملها برقية سفير مصر، وسجلوا علمهم بكلمة "علم"!!
كان هذا هو نصيب برقية مثل هذه يرسلها مصدر موثوق به لدى سفير مصر في باريس، لا أكثر من كلمة "علم"!
وفي الفرصة الوحيدة التي كان يجب أن يتدخل فيها حيدر باشا، فيشرف على استعداد القيادات لمقابلة هذا الهجوم الذي يشير إليه السفير المصري، لم يفعل معاليه شيئًا؛ وإنما أكتفى واستراح ضميره بكلمة "علم"!!
وفي منتصف أكتوبر، تحقق ما جاء في برقية السفير، وما علم به حيدر باشا قبل حدوثه بشهر، فقام اليهود بهجومهم المعروف الذي أعقبه الانسحاب..
- وطرفة أخرى:
فقد حدث أثناء الارتباك الذي صحب الانسحاب أن أرسل أمر انسحاب الفالوجا إلى المجدل، وأرسل أمر انسحاب المجدل إلى الفالوجا، فتسلم سيد طه أمرًا نصه: "انسحب عن طريق البحر"!!
ولعل حيدر باشا يعلم أن بين الفالوجا -حيث قيادة سيد طه- والبحر أميالًا.
- وطرفة ثالثة:
حدث أن قررت القيادة العامة في القاهرة استرداد بير سبع، وهي من أهم المواقع العسكرية، وكانت جميع الحملات التي دخلت فلسطين
(1/287)

من عهد نابليون حتى حملة اللنبي، تتخذ منها قاعدة حربية هامة، وكان اليهود قد بذلوا الكثير في سبيل إخراج الجيش المصري منها..
أتدرون كيف صدر الأمر لاسترداد بير سبع؟
لقد صدرت إشارة إلى الأميرالاي فؤاد ثابت تحمل الأمر التالي: "بسريتين من الكتيبة الأولى احتياط استرد بنفسك بير سبع".
والسرية لا يزيد عددها على مائة عسكري!!
وقد اعتبر الضباط هذا الأمر نكتة، وتندروا فيما بينهم أن المقصود هو أن يسترد فؤاد ثابت بير سبع "بنَفَسه" بفتح النون والفاء!!
- وطرفة رابعة:
فقد وضع اللواء موسى باشا لطفي قائد العمليات المشتركة تقريرًا بتاريخ 9 أكتوبر عام 1948، عن "مسرح العمليات الحربية في فلسطين"، أرسله إلى رئيس هيئة أركان حرب الجيش، وجاء في الباب الثامن منه عن التدريب ما يلي بالنص:
1- الجيش العامل: نظرًا لما لاحظته رئاسة القوات من أن ضباط الصف والعساكر ينقصهم الكثير من "التدريب الابتدائي"؛ لذلك فقد وجد من الضروري البدء في هذا النوع من التدريب، الذي يعتبر الأساس الذي يبنى عليه التدريب الراقي، ولما كان من المتعذر سحب العسكر من المواقع الدفاعية وتدريبهم بعيدًا عنها، فقد اتخذ اللازم لترك أفراد قلائل للمراقبة في خطوط الدفاع أثناء النهار لتدريب الباقين التدريب الابتدائي، وعندما تتم هذه المرحلة فسينقل التدريب إلى مرحلة ضرب النار إذا سمحت حالة الذخيرة بذلك، وبعدها ينتقل إلى مرحلة التدريب الراقي التي تشمل المهارة في الميدان والتدريب الليلي..
واقتراح اللواء موسى لطفي اقتراح عملي رائع؛ ولكن عيبه أنه بدئ في تنفيذه في شهر أكتوبر؛ أي: بعد أن انتهت هدنتان استغرقتا في مجموعهما أكثر من شهرين، وكان يمكن خلالهما أن يتدرب الجنود حتى يكونوا على استعداد لمقابلة الهجوم الأخير..
هذه بعض الطرائف التي تدل على تخبط القيادة التي وضعها حيدر باشا
(1/288)

تحت أمرته.. القيادة المسئولة عن سلامة الجيش وأرواح ضباطه وجنوده.. والتي كانت تخضع لنفوذ حيدر باشا، صاحب النفوذ والسلطان..
وبعد فإني أرجو من حيدر باشا أن يشفق عليَّ أن لم يشفق على نفسه، فحرام أن يكلفني -بعد كل ما بذلته من جهد خلال الأسابيع الثلاثة الماضية- أن أكتب له مقالًا رابعًا، حتى يتحرك..
تحرك يا رجل..
وأعفني من مقال الأسبوع القادم1..
- رغم ضراوة الحملة ضد محمد حيدر باشا قائد الجيش.. فيبدو أنها لم تكن تكفي لإسقاط الرجل.. ولم ييئس إحسان عبد القدوس كاتب الحملة.. واستمر في الهجوم على الرجل.. وكتب الحلقة الرابعة من الحملة، حدد فيها رأيه بأنه لن يتوقف إلا باستقالة قائد الجيش ومحاكمته..
ويعتبر إصرار إحسان عبد القدوس على استمرار الحملة هو أحد أسباب نجاحها، فالمتابعة المستمرة لأي حملة صحفية هو أحد العوامل الرئيسية في نجاحها.. ذلك أن هذه المتابعة تضمن استمرار القضية "ساخنة" من ناحية، وتحتفظ باهتمام الرأي العام بها من ناحية ثانية.. وهو الأمر الذي تحقق في الحملة على حيدر باشا قائد الجيش. نقطة أخرى.. لقد توافق نشر الحلقة الرابعة من الحملة ضد محمد حيدر باشا بصدور قرار باستقالته من قيادة الجيش.. وهو الأمر الذي يعتبر نصرًا صحفيًّا لكاتب الحملة، وهذا هو نص المقال الرابع والأخير في الحملة على حيدر باشا:
ماذا أريد؟
إني لا أطالب باستقالة معالي الفريق حيدر باشا من منصبه بصفته قائدًا عامًا للقوات المسلحة؛ بل إني لم أتحدث عنه إطلاقًا بهذه الصفة، ولا أطالب حتى بالتحقيق معه تحقيقًا مباشرًا؛ بل كل ما أطالب به، هو التحقيق في أسباب انسحاب الجيش المصري من فلسطين تحقيقًا إداريًّا وفنيًّا ينتهي بتحديد المسئولين عن هذا الانسحاب، وتوقيع عقوبات إدارية عليهم، قد يكون من بينها الطرد من خدمة صاحب الجلالة الملك، وقد يكون من بينها إنزال
__________
1 روزاليوسف - 7 نوفمبر سنة 1950.
(1/289)

رتبة المتهم من فريق إلى ملازم ثانٍ، وقد تكون العقوبة هي الاكتفاء بتوجيه اللوم، أو الاكتفاء بخصم ثلاثة أيام من المرتب ... إلخ.
وهذا هو كل ما أطالب به، وليس ذنبي بعد ذلك أن تنحصر المسئولية في حيدر باشا؛ بل ليثق معاليه أني تعبت وتعب معي قلمي لأعفيه من المسئولية -أو من بعض المسئولية- ولكن عبثًا، فكل مستند كان يقع في يدي كان ينتهي إليه، وكل تصرف أو إجراء أو عملية تمت خلال الحملة كانت تتم بعلم معاليه وموافقته.. فهو مسئول دائمًا، ومسئول أولًا ومسئول أخيرًا!!
فهل فيما أطالب به ما يجافي المنطق؟
وهل يحتاج المنطق إلى أربع مقالات طوال عراض أحرق فيها دمي وأعصابي؛ ليقتنع معالي وزير الحربية الحالي، فيهتم بإجراء هذا التحقيق؟
لقد قيل لي على لسان معالي الأستاذ مصطفى نصرت: أن معاليه قد حصر كل جهده في مشكلة استيراد الأسلحة الجديدة، وأنه بلغ من حرصه على أعمال وزارته أنه يطلع على كل ورقة صغيرة أو كبيرة بنفسه قبل أن يوقعها، حتى أنه أصبح يتناول طعامه في بيته وبين يديه أعمدة من "الدوسيات" يقلبها بينما يقلب اللقمة بين شقيه، وهو لذلك قد ضاق وقته عن الاهتمام بفتح تحقيق إداري في أسباب انسحاب الجيش، يسير بجانب التحقيق الذي تجريه النيابة في صفقات الأسلحة..
ويتساءل معاليه -كما بلغني- عما يمكن أن يحدث لو أن هذا التحقيق الجديد شمل عددًا آخر من الكبار غير هؤلاء الذين شملهم تحقيق النيابة كيف تسير أعمال الوزارة بعد ذلك، بعد أن يختفي رؤساء مصالحها بين سجين، وموقوف عن العمل، ومطلوب للتحقيق؟!
وأبدأ، فأطمئن معالي الوزير إلى أن التحقيق في أسباب انسحاب الجيش لن يشمل إلا عددًا محدودًا ومعروفًا من الضباط الكبار؛ ولكنه سيشمل أيضًا الفريق حيدر باشا.. ثم إني مع تقديري للجهد الذي يبذله معالي الوزير لا أوافق معاليه على أن استيراد الأسلحة الجديدة يمكن أن يشغله عن اهتمامه بإجراء التحقيق الذي أطالب به، فإن هذه الأسلحة الجديدة التي نجح معاليه
(1/290)

في استيرادها، تحتاج إلى أيد قديرة لاستعمالها وصيانتها، وتدريب الجنود على القتال بها، ووضع الخطط التي ستشترك في تنفيذها.. ولن يطمئن معاليه إلى أنه وضع هذه الأسلحة في أيدي قديرة إلا بعد أن يبعد عنها الأيدي التي ثبت عدم قدرتها، ثم إن الجيش الآن يتوثب لنهضة جديدة، ويتلهف إلى دم جديد يعوضه عن الدم الذي نزف منه على أرض فلسطين، وهي نهضة لن تقوم إلا على أكتاف قواد أَكْفَاء متعلمين، ولن يغذيها إلا دم نقي غيور على كرامة الجيش ومستقبله.. وواجب الوزير، بل واجب الجميع، أن يدفعوا هذه النهضة إلى الأمام ويباركوها.. ويساهموا فيها، وهي نهضة تقتضي أن يسبقها حركة تطهير كاملة شاملة، سريعة حاسمة، لا يكتفى فيها بتحقيق النيابة، فإن النيابة تبحث عن اللصوص لتأخذ بحق المجتمع عن جريمتهم، ويجب أن تقوم هيئة أخرى لتبحث عن المخطئين، فتبعدهم عن مستقبل الجيش..
هذا هو رأيي؛ بل هذا هو المنطق، الذي أرجو أن يقتنع به معالي الوزير، كما أرجو أن يقتنع به معالي القائد العام للقوات المسلحة!
وإذا قلت: إني أرجو أن يقتنع القائد العام بهذا المنطق، فإني لا أتمادى في الخيال، رغم علامتي التعجب اللتين تعمدت وضعهما في آخر الفقرة السابقة. إنه ليس خيالًا أن يأمر حيدر باشا القائد العام للقوات المسلحة بالتحقيق مع حيدر باشا وزير الحربية السابق!
وليس خيالًا أن يقف مع حيدر باشا أمام المجلس الذي أمر بتشكيله؛ ليعترف بالأخطاء التي وقعت في عهده كوزير للحربية، ثم يبرزها إن وجد وجهًا لتبريرها..
وليس خيالًا أن يتلقى حيدر باشا حكم المجلس عليه بتحميله مسئولية هذه الأخطاء، ثم ينصرف كريمًا، ويقدم استقالته من خدمة جلالة الملك كريمًا مشكورًا..
وكل هذا ليس خيالًا؛ بل حقائق قابلة للتطبيق، فإن أحدًا لا يستطيع أن يدعي بأن حيدر باشا كان يتعمد الخطأ، أو أنه كان يتعمد الهزيمة للجيش؛ بل كل ما هنالك أنه عجز عن الصواب، وعجزت كفاءته عن أن تصل بالجيش إلى النصر، أو تحميه من الانسحاب، والعجز ليس جريمة يعاقب عليها
(1/291)

القانون الجنائي، وليس جريمة تمس الشرف؛ إنما هو نصيب من الأنصبة التي يوزعها الله على الناس -وله في ذلك حكمة- وأصحاب هذا النصيب كان يجب أن يبعدوا عن التصرف فيما لا طاقة لهم على التصرف فيه، ثم كان يجب أن تسجل عليهم الأخطاء التي سببها عجزهم؛ حتى يتجنبها من يلي مناصبهم بعدهم، وكل هذا لا يتأتى إلا بمجلس تحقيق..
أقول: إنه ليس خيالًا أن يطلب حيدر باشا القائد العام التحقيق مع حيدر باشا الوزير السابق؛ إنما هي حقيقة واقعية، لا يقدم عليها إلا الشجعان، ولو أقدم عليها حيدر باشا لدخل التاريخ من أوسع أبوابه، ولترك لمصر سابقة تعتز بها وتباهي بذكراها الأمم..
ويبدو أن حيدر باشا لم يتعود مباهاة الأمم بشيء، فهذا هو المقال الرابع الذي أكتبه عنه وله، دون أن يفكر سعادته في أن يتحرك لا إلى الأمام ولا إلى الوراء..
هل يتجاهلني؟..
إنه لو تجاهلني، فلا يستطيع أن يتجاهل القراء، ولا يستطيع أن يتجاهل الرأي العام، ولا يستطيع أن يتجاهل هذه الهمسات التي ملأت أذنيه، وسدت عليه منافذ المستقبل.
إنه لا يتجاهل؛ ولكنه يقف صامتًا عاجزًا، لا يستطيع حتى أن يقفل عينيه؛ كي لا يرى الرجال الذين كانوا يحيطون به أثناء وزارته، والذين أطلق أيديهم، وأسبغ عليهم حمايته وثقته، وهم يتساقطون من حوله كأوراق الخريف، دون أن يستطيع أن يمد لهم يدًا، أو يدفع عنهم عقابًا أنزل بهم..
إن القلم حائر بين أصابعي! هل أرثي له أو أتحداه؟ هل أبكي عليه أو أصرخ في وجهه؟ هل أطالب بالتحيق معه أو أطالب أن يشفقوا به؟!
ما كان أغناني!!
ما كان أغناه!!
لولا أن عليَّ واجبًا يجب أن أؤديه، وعليه واجبًا لم يؤده حتى الآن!
(1/292)

الخطأ الأكبر:
وحيدر باشا هو الذي يدفعني إلى كتابة هذا المقال الرابع، وهو الذي يدفعني لأزيد في تعداد التصرفات الخطيرة التي وقعت في أثناء حملة فلسطين، على أن ينسب له دائمًا فضل تقديم هذا البلاغ إلى النيابة لا إلى وزير الحربية..
وكنت أعتقد أن المقال السابق سيكون هو المقال الأخير، فإني عندما كنت أكتب عن صفقات الأسلحة، لم أكد أصل إلى المقال الثالث حتى تحمس حيدر باشا وقدم بلاغًا إلى النيابة للتحقيق فيما نشرته روزاليوسف، أصر سعادته على أن ينسب دائمًا فضل تقديم هذا البلاغ إلى النيابة لا إلى وزير الحربية.
ولكن يظهر أن ما أطالب به هذه المرة أخطر مما طالبت به عندما كتبت عن صفات الأسلحة، فإن ثلاث مقالات لم تكفِ لتقديم بلاغ للنيابة "إحقاقًا للحق، وإزهاقًا للباطل".. وأصبح عليَّ أن أكتب مقالًا رابعًا..
أين انتهيت في المقال السابق؟
لقد وصلت بنا الحوادث إلى يوم قيام اليهود بهجومهم الكبير الذي انسحب فيه الجيش المصري من أسدود والمجدل، وترك الفالوجا محاصرة، ثم ما أعقب ذلك من سحب اللواء المواوي بك من القيادة العامة للحملة، ووضع اللواء أحمد فؤاد صادق باشا مكانه..
والمواوي وفؤاد صادق.. كل منهم ينتمي إلى مدرسة عسكرية مختلفة، فالأول يؤمن بالمدرسة التي تحتم طاعة الأمر دون مناقشة، فكان يطيع حتى لو لم يقتنع بالأمر الذي يطيعه، والثاني يؤمن بالمدرسة التي تبيح مناقشة الأوامر العليا، فكان يناقش إلى أن يقتنع أو يعتزل.. ولكن هل تغير الأمر بتغيير القيادة وبتغيير المدرسة التي يتبعها القائد الجديد؟
هل استطاع فؤاد صادق أن يمنع حيدر باشا من التدخل في وضع الخطط، أو هل كف حيدر باشا من تلقاء نفسه عن التدخل؟ وهل أقنعته الحوادث الجسام بأن تجاربه في البوليس، وفي مصلحة السجون، لا تؤهله لوضع خطة حربية، يسير بها أرواح جنود وضباط، وتتعلق بها كرامة أمة وجيش؟!
(1/293)

إن حيدر باشا لم يستطع أن يكف عن التدخل، وكأن العام الذي قضاه وزيرًا للحربية من نوفمبر 47 إلى نوفمبر 48، وتعود خلاله على ممارسة القيادة قد جعله مدمن قيادات.
وكان أهم ما يقلق معاليه في تلك الأيام هو أمر الفالوجا التي تركها معلقة بين السماء والأرض، محاطة بالأعداء من جميع الجهات، وربما كان معاليه يشعر بمسئوليته عن هذا اللواء الكامل الذي تركه محاصرًا، وربما كان شعوره هذا هو الذي يدفعه إلى التفكير ليل نهار في إنقاذ هذا اللواء بأي وسيلة وبأي شكل؛ بل إني أعلم أن معاليه لم يكن ينام أيامها، وكان كثيرًا ما ينام جالسًا في مكتبه وبالوزارة ورأسه فوق ذراعيه..
ولكن هل لجأ معاليه إلى القائد العام ليضع له خطة إنقاذ الفالوجا، أو هل لجأ إلى هيئة العمليات المشتركة؟
لا -ولا تتعجبوا- فقد لجأ معاليه إلى جلوب باشا الإنجليزي قائد الجيش العربي التابع لشرق الأردن!!
أرسل حيدر باشا الأميرالاي سعد الدين صبور بك مندوبًا عنه؛ ليفاوض جلوب في وضع خطة لإنقاذ الفالوجا.
ورحب جلوب باشا بالتعاون مع حيدر باشا، وأسرع ووضع الخطة، وكانت تقضي بأن تدمر قوات الفالوجا جميع أسلحتها الثقيلة، وتنسف جميع ذخائرها، ثم تنسحب بأسلحتها الخفيفة الخاصة بالدفاع الشخصي إلى بيت لحم، مخترقة طرقًا تقع كلها تحت سيطرة اليهود.. والحكمة في نسف وتدمير الأسلحة الثقيلة هي أنها تعوق الانسحاب!
وقد تفضل جلوب باشا فوضع تحت تصرف الجيش المصري لتنفيذ هذه الخطة ضابطًا خبيرًا في الطرق اسمه "لوكهيد" وشاويشًا إنجليزيًّا خبيرًا في تدمير ونسف الأسلحة.
وعاد صبور بك بهذه الخطة إلى حيدر باشا، ومعها خطاب من جلوب باشا يرجو الثقة به، ويستشهد على إخلاصه لمصر وللجيش المصري بعزام باشا!!
(1/294)

وأعلن حيدر ثقته بجلوب، ووافق على الخطة -وربما أبدى إعجابه بها- ثم أمر بتنفيذها..
ورجع صبور بك إلى بيت لحم، وأرسل تفاصيل الخطة مع أمر التنفيذ الصادر من الوزير إلى قائد الفالوجا الأميرالاي السيد طه، وقد أرسلها مع الصاغ معروف الحضري، الذي سعى إلى الفالوجا في قافلة كبيرة مكونة من خمسة وأربعين جملًا تحمل تموينًا للقوات المحاصرة، ويصحبها الضباط الإنجليزي "لوكهيد" والشاويش الإنجليزي، وقد وصلت هذه القافلة الكبيرة إلى الفالوجا بسلام ودون أن يتعرض لها اليهود في الطريق، وهو أمر يثير الريب، كما سيأتي تفصيله.. وقد تم كل هذا دون أن يعلم به القائد العام للحملة، ودون أن يعلم رئيس هيئة أركان حرب الجيش، ودون أن تعلم به هيئة العمليات المشتركة.. وكان الوزير العبقري -نابليون زمانه- يعمل وحده!!
وتلقى السيد طه الخطة وأُمر بتنفيذها فثار، وأعلن عدم موافقته عليها، وعدم موافقته أيضًا على بقاء الضابط والشاويش الإنجليزيين داخل المنطقة المصرية المحاصرة، ثم اتصل بالقائد العام -اللواء فؤاد صادق- وأبلغه خبر هذه الخطة، فثار فؤاد صادق بدوره، وأمر السيد طه بعدم تنفيذ أي أمر لا يتلقاه منه شخصيًّا، كما أمره بطرد الضابط والشاويش الإنجليزيين خارج المنطقة.
واتصل فؤاد صادق بالوزير، واحتج لديه على هذا التدخل في سلطاته، ثم هدد بترك القيادة إن نفذت هذه الخطة، التي وصفها بأنها خطة قاتلة..
واضطر حيدر باشا أن يعرض الخطة على هيئة العمليات المشتركة، فهل يذكر معاليه رأي هيئة العمليات؟ لقد اجتمعت هيئة العمليات المشتركة يوم 21 نوفمبر 48 "سعت 1100" في هيئة مؤتمر، ووضعت تقريرًا هذا نصه:
"اطلعت الهيئة على الخطة التي يحملها الأميرالاي صبور، وعلى اعتراض قائد الفالوجا، وقائد عام القوات، وقررت ما يأتي: إن الهيئة توافق حضرة صاحب العزة قائد القوات المصرية بفلسطين وحضرة صاحب العزة قائد
(1/295)

قوات الفالوجا، على أن هذه الخطة خطيرة جدًّا على القوة المحاصَرة للاعتبارت الآتية:
أ- بعد تدمير الأسلحة الثقيلة تصبح الروح المعنوية في القوة ضعيفة.
ب- تجريد القوة من أسلحتها المعاونة قبل انسحابها يضعف قوة نيرانها، ويقلل بدرجة كبيرة قوة مقاومتها، سواء في مواقعها أو أثناء انسحابها، ويحرمها من الأسلحة الضرورية المطلوبة لتغطية الانسحاب وأعمال المؤخرة..
جـ- تدمير الأسلحة وأعمال النسف، ستلفت نظر العدو إلى نشاط ستقوم به القوة لشق طريقها، وهذا مما يزيد العدو في إحكام تطويق القوة ومضايقتها..
د- من الأفضل استخدام الذخيرة المراد نسفها بإطلاقها على العدو بدلًا من نسفها..
هـ- انسحاب القوة، وهي ما يقرب من أربعة آلاف جندي وضابط، على طريق واحد خطر جدًّا؛ إذ يمكن العدو أن يركز جهوه في هذه المنطقة، خصوصًا وأن هذا الطريق يمر بمنطقة جبلية، ولا يمكن الخروج منه..".
هذا هو تقرير هيئة العمليات المشتركة، وقد وقعه اللواء موسى لطفي، واللواء عبد الله راشد، والقائمقام أحمد عبد الباري، وبقية ضباط الهيئة، وأقره رئيس هيئة أركان الجيش اللواء عثمان المهدي باشا..
ومعنى هذا التقرير: أن هذه الخطة وُضعت لإبادة قوات الفالوجا عن آخرها، بعد أن تقوم بنفسها بتدمير أسلحتها ونسف ذخيرتها الثقيلة..
ورغم ذلك فإن حيدر باشا لم يفقد ثقته في جلوب باشا إلا بعد أن وضع القائد العام -فؤاد صادق- خطة أخرى، طلب فيها معاونة جلوب لفك الحصار على الفالوجا، فرفض جلوب أن يتعاون في تنفيذ هذه الخطة، وقد وضع فؤاد باشا صادق هذه الخطة في تقرير له، نصه:
(1/296)

إذا أردتم الانسحاب، فيجب أن يقوم جلوب والجيش العراقي بهجوم على بيت جيرين واحتلالها قبل أن تتحرك قوات الفالوجا، إما لتسير إلى بيت لحم، أو لتشترك مع القوات العربية في القتال الدائر.
وحمل الأميرالاي سعد الدين صبور هذه الخطة إلى جلوب باشا، وفي يوم 5 يناير 49 أرسل برقية إلى رئاسة هيئة أركان الجيش يبلغها برفض العراق وشرق الأردن معاونة مصر بإرسال قوة هجوم تساعد قوات الفالوجا على الخروج..
كما قال في هذه البرقية: إن جلوب والملك عبد الله يضغطان على وزارة شرق الأردن لعمل صلح مباشرة مع اليهود.
وأكثر من ذلك..
لقد ثبت أن اليهود كانوا على علم بالخطة التي وضعها جلوب قبل أن يعلم بها السيد طه أو فؤاد صادق، فقد حدث بعد ذلك أن أسرع الصاغ معروف الحضري -وهو الذي حمل تفاصيل الخطة إلى الفالوجا- فكان أول سؤال وجهه إليه رجال قلم المخابرات الإسرائيلي هو: "لماذا لم ينفذ الجيش المصري خطة انسحاب الفالوجا التي وضعها جلوب؟ ".
وهذا السؤال نفسه سمعه رجال رسميون في مناسبة رسمية لا أستطيع ذكرها، ولا أذكر تفاصيلها، وكان ذلك قبل أن تنتهي الحملة..
وكان يجب أن يعلم حيدر باشا أن اليهود على علم بهذه الخطة منذ أن تركوا القافلة المكونة من خمسة وأربعين جملًا التي حملت أوامره، تمر في هدوء إلى الفالوجا دون أن يتعرضوا لها.
وقد أمر السيد طه بنحر أربعين جملًا من هذه الجمال لتموين جنوده، وأعاد خمسة جمال فقط إلى بيت لحم بصحبة معروف الحضري تحمل المرضى وبعض المدنيين، فاعتدى اليهود على هذه القافلة الصغيرة، وأسروا "معروف" وقتلوا واحدًا من الرجال، واستطاع الباقون أن يتشتتوا..
متى انتهى.
وبعد، ألا تكفي هذه الحادثة وحدها للتحقيق؟
(1/297)

وهل لو نفذت خطة جلوب، وأبيدت قوات الفالوجا كاملة، واستحلت دماء رجالها باردة لليهود، فهل كان أحد يفكر في التحقيق؟!
قد لا يكفي كل هذا؛ ولكن حيدر باشا نفسه يعلم أني لم أنتهِ من كل ما يمكن نشره، ويؤدي إلى التحقيق معه، وأنا لم أتعب..
ولكن، مَن يدري؟ قد يكون..
استقالة حيدر باشا:
كتبت هذا المقال في صباح يوم الجمعة وفقًا لمواعيد الطباعة في روزاليوسف، وفي مساء يوم السبت قبلت استقالة حيدر باشا، وكان يجب أن أوقف هذا المقال لأني أعتبر هذه الاستقالة هي نهاية الحملة على حيدر باشا.. النهاية التي كتبها سعادته بيده.. ولكن كان الطبع قد بدأ وربما لم يكن الذنب ذنبي؛ بل هو ذنب حيدر باشا الذي يجهل مواعيد الطباعة في روزاليوسف!!
"إحسان"1.
- رغم نجاح الحملة الصحفية في إرغام قائد الجيش على الاستقالة، وإرغام الحكومة على قبول هذه الاستقالة.. إلا أنه لم تمر سوى أسابيع قليلة حتى حدث تحول كبير في قضية الأسلحة الفاسدة -وهي القضية الأصلية التي أمرت النيابة بمنع النشر حولها- كذلك حدث تغير في سير التحقيق في قضية الفساد في الجيش المتهم فيها محمد حيدر باشا قائد الجيش وعدد آخر من كبار الضباط..
لقد دفع هذا التحول في مسار التحقيق بما يبدو أنه في صالح المتهمين.. وذلك التحول لم يكن بسبب البراءة أو عدم كفاية الأدلة؛ وإنما لحدوث تدخل قوي من "الحكم" من أجل لم التحقيق وتبرئة المتهمين دون وجه حق.. لقد دفع ذلك التحول إحسان عبد القدوس إلى إعادة الكتابة في الموضوع من جديد.. وفي 5 ديسمبر سنة 1950 كتب مقالًا تساءل فيه: أين ينتهي مصير تحقيقات الجيش؟ أشار فيه إلى الشائعات
__________
1 روزاليوسف - 14 نوفمبر سنة 1950.
(1/298)

التي تردد وجود تدخل خارجي في تحقيقات النيابة.. وهدد بأنه يملك وثائق جديدة.. وقال: إن المستندات لا تزال في أدراج روزاليوسف.
لقد كتب إحسان عبد القدوس يقول:
- أين ينتهي مصير تحقيقات الجيش..؟
- إني أطالب بتقديمي للمحاكمة إذا ثبتت براءة المتهمين!..
- المتهمون المفرج عنهم يخاصمون النائب العام!..
- المستندات لا تزال في أدراج روزاليوسف..! 1
__________
1 روز اليوسف - العدد 1173 - 5 ديسمبر 1950.
(1/299)

صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/300)

- وابتداء من 9 يناير سنة 1951 -أي: بعد حوالي شهر من المقال السابق- بدأ إحسان عبد القدوس إثارة حملة الأسلحة الفاسدة من جديد، رابطًا بينها وبين قضية الفساد في الجيش المتهم فيها محمد حيدر باشا قائد الجيش. وقد حاول أن يتحايل على قرار النيابة بعدم النشر في الموضوع بأن نشرها في صورة ذكريات يحكي فيها قصة إثارته للقضية، ومن خلال هذه الذكريات أخذ يقدم تفاصيل جديدة عن القضية أعطت الحملة الصحفية دفعة قوية، وجمعت حولها الرأي العام من جديد، وقد أخذت الحملة الجديدة عنوان: كيف أثيرت تحقيقات الجيش أمام النيابة؟ والجديد في هذه المقالات أنها نشرت نص الوثائق التي تؤكد أقوال الكاتب، ومنها صورة لعقود التسليح التي أبرمت بين زوجة أحد الضباط وأحد تجار الأسلحة، وغير ذلك من الوثائق الهامة التي دفعت القضية إلى مرحلة جديدة أكثر إثارة للقراء وللرأي العام.
وهذا هو نص المقال الأول في هذه السلسلة، وهو بعنوان:
1- كيف أثيرت تحقيقات الجيش أمام النيابة؟
في يوليو عام 1949 كنت في إيطاليا، وسمعت هناك عدة أحاديث عن صفقات الأسلحة التي عقدها مندبو الجيش المصري ووكلاؤه، وكانت هذه الأحاديث تشمل تفاصيل دقيقة، وتشمل أرقامًا وتواريخ، وكان يهمس بها في أذني رجال أثق في معلوماتهم بحكم مناصبهم الرسمية، ورغم ذلك فقد كانت مجرد أحاديث، قد تقال في صالون؛ ولكنها لا تصلح للنشر؛ لأنه يعوزها المستندات والأدلة. وهالني بعد ذلك أن هذه الأحاديث لا تدور في أوساط محددة -أقصد أوساط المصريين- بل إنها تدور في كل مكان وعلى لسان كل الناس، وكان يكفي أن تجلس في مقهى "الدونية" بروما، أو تطوف بميدان "الدوم" في ميلانو، ويُعرف عنك أنك مصري؛ حتى تسمع قصة صفقة من صفقات الأسلحة والذخائر!!
وأرسلت من روما برقية إلى "روزاليوسف" ألفت نظر الحكومة المصرية إلى هذه الأحاديث التي تؤذي سمعة مصر وسمعة جيشها، وأطالبها بإجراء تحقيق في هذه الصفقات ومحاكمة المسئولين عنها، وقد نشرت هذه البرقية تحت عنوان "محاكمة مجرمي حرب فلسطين"!
واعتقدت بذلك أني قد أديت واجبي.. وانتهيت!!
(1/301)

وعدت إلى مصر في شهر أغسطس، فتبينت أني كنت مغرورًا عندما اعتقدت أن برقية واحدة تكفي كي تتحرك الحكومة المصرية -بجلالة قدرها- للتحقيق في حادث ما، حتى لو كان هذا الحادث يمس سمعة مصر وكرامتها وهيبتها.. فبدأت أكتب في كل مكان أستطيع أن أكتب فيه، وكنت أكتب تلميحًا لا تصريحًا، وأحرص على ذكر "الجيوش العربية" بدلًا من تحديد الجيش المصري بالذات.. ولكن كان قلمي أضعف من أن يلفت نظر أحد من المسئولين رغم كثرة خطابات التأييد التي كنت أتلقاها من غير المسئولين!
لم يهتم بي أحد، ولم يصدر بلاغ بتكذيب ما ألمحت إليه في مقالاتي، رغم أن بعض هذا التلميح كان أقرب إلى التصريح إلى أن انتهى الأستاذ محمود محمد محمود رئيس ديوان المحاسبة السابق من وضع تقريره، وأشار فيه إلى بعض صفقات الأسلحة والذخيرة إشارة صريحة مدعمة بالوثائق والمستندات، واعتقدت مرة ثانية أن دور الصحافة قد انتهى، واكتفيت بأن أشير في "روزاليوسف" إلى تقرير للديوان، وأنا أحمد الله على أن الحق قد بدأ ينتصر، وأن العدل قد بدأ يأخذ مجراه، وأن سمعة مصر وجيش مصر ستظهر مما علق بها، ومما أذيع عنها في الخارج ...
ولكن تقرير الديوان، لم ينتهِ إلى التحقيق مع المتهمين وإخراجهم من مناصبهم -على أقل تقدير- بل انتهى بخروج رئيس الديوان واضع التقرير، فقد طلب إليه -كما يذكر القراء- أن يحذف من تقريره ما جاء خاصًّا بصفقات الجيش، فأبت عليه كرامته ونزاهته، وفضل أن يستقيل!
وهنا تبينت أن الذين يقفون وراء هذه الصفقات أقوى مما كنت أعتقد، وأقوى من أن ينتصر عليهم قلم؛ بل أقوى من الرأي العام..
ولم أؤيد يومها استقالة الأستاذ محمود، وكتبت أقول: إنه لو اكتفى كل موظف نزيه بالاستقالة، كلما هدد في نزاهته وكرامته، لما بقي لمصر من موظفيها إلا كل من ليس نزيهًا ولا كريمًا.. ثم ناشدت الأستاذ محمود محمد محمود ما دام لم يستطع أن يقاوم، وأن يحتمي في ضمانات منصبه حتى يظهر الحق، ناشدته أن يصدر بيانًا صريحًا بأسباب استقالته.. ولكنه لم يصدر هذا البيان، واكتفى فيما بعد بأن ينشر أنه لم يستقل لأسباب
(1/302)

شخصية، كما قال فؤاد سراج الدين باشا في مجلس الشيوخ، ولم تضع استقالة رئيس ديوان المحاسبة هباء، فقد حمل العبء عنه مصطفى مرعي بك، وحمله في قوة وفي جرأة لم يكن يقدم عليها إلا إنسان كامل كمصطفى مرعي.. وإني أذكر حديثًا دار بيني وبين مصطفى مرعي بك قبل أن يقف وقفته في مجلس الشيوخ بعدة أسابيع، قال لي فيه: "إنني ليس لدى ما أخشى عليه"؛ ولكنك لا تستطيع أن تتصور مدى ما يستطيع هؤلاء الناس أن يرتكبوه في حق الناس، ومدى ما يلزمنا من قوة النفس كي نتحمل ونقاوم ونتقدم، ثم روى لي حادث نجيب الهلباوي، وقد كان الهلباوي وطنيًّا فدائيًّا اتهم في حادث محاولة اغتيال السلطان حسين، وبلغ من قوة وطنيته أنه ضرب والدته عندما جاءته في السجن تغريه بالاعتراف على زملائه، وتقبل الحكم عليه، ثم خرج من السجن فإذا به مضطهدًا حتى من زملائه في الوطنية، وإذا بسعد زغلول نفسه يأبَى عليه وظيفة راتبها ثلاثة جنيهات يعول نفسه منها، وظل هذا الاضطهاد يلاحقه حتى تفتت أعصابه، وانطفأت وطنيته، وباع نفسه للإنجليز نظير عشرة آلاف جنيه، اعترف بها على أولاد عنايت في حادث مقتل السردار!!
وخبط مصطفى مرعي بقبضته على مكتبه -كعادته- وقال وهو يضم شفتيه في قسوة -قسوة على نفسه: "لا بد أن نستمر! " ووقف بعدها في مجلس الشيوخ يقلب صفحات تقرير ديوان المحاسبة، ويطالب بحق مصر في صيانة أموالها وكرامتها وسمعتها وأرواح جنودها وضباطها..
فماذا حدث؟
حدث ما لم يتوقعه أحد، فقد قامت الحكومة ممثلة في فؤاد سراج الدين باشا، تدافع عن التصرفات السوداء التي أوردها ديوان المحاسبة في تقريره..
دافعت عن هذه التصرفات رغم أنها غير مسئولة ولم تقع في عهدها..
وفهم الناس أكثر مما بينه فؤاد سراج الدين في بيانه، وأكثر مما قاله جميع أعضاء مجلس الشيوخ!!
وكما انتهى تقرير ديوان المحاسبة بخروج رئيس الديوان، انتهى استجواب مصطفى مرعي بخروجه من مجلس الشيوخ، وخرج مع الذين أيدوه
(1/303)

في استجوابه، كما عزل رئيس المجلس الذي سمح بأن يسير هذا الاستجواب في مجراه..
وكان يمكن أن ينتهي الأمر عند هذا الحد..
فالسلطة التنفيذية لم تتحرك لاتخاذ إجراء حاسم للتحقيق في صفقات الأسلحة والذخائر..
والسلطة التشريعية لم تجبر السلطة التنفيذية على اتخاذ هذا الإجراء..
وبقيت سلطة واحدة، هل كل ما بقي لمصر من أمل.. السلطة القضائية..
ولكن كيف يثار موضوع هذه الصفقات أمام السلطة القضائية؟
لم يكن هناك إلا طريق واحد؛ هو أن أقدم نفسي للقضاء متهمًا في قضية نشر خاصة بهذا الموضوع!
وهممت بالكتابة..
ولكن ماذا أكتب، ولم يكن تحت يدي -حتى ذلك الحين- مستند واحد أستطيع أن أعتمد عليه، وأن أقدمه للقضاء إثباتًا لحسن نيتي؟
ثم كان يجب أن أكتب عن صفقات غير التي أوردها ديوان المحاسبة في تقريره، وأثارها مصطفى مرعي في مجلس الشيوخ حتى لا يرد عليَّ بأن ما أكتبه سبق أن أثير واتخذ قرار بشأنه، وبذلك أحرم من تقديمي للقضاء، وكنت أعلم أن هناك صفقات لم تثر بعد؛ ولكن -كما سبق أن قلت- لم يكن لدي دليل عليها ... وبدأت أعمل في جمع الأدلة والمستندات..
وفضلت أن أعمل وحدي، بعيدًا عن أجواء السياسة ورجالها؛ بل بعيدًا عن كل صاحب نفوذ أو صاحب اسم معروف..
وكان عليَّ أن أحسب حسابًا للأغراض الشخصية، والتيارات النفعية، التي تعيش بين كل هيئة، وكل جماعة..
وكان عليَّ أن أتأكد من أن كل كلمة أسجلها هي كلمة نظيفة، وكل ورقة أضع يدي عليها، هي ورقة موثوق بها..
(1/304)

كان عليَّ أن أرتفع فوق الأشخاص، وفوق الأغراض؛ لأن القضية التي أتعرض لها ليست قضية شخص ولا قضية غرض خاص؛ إنما هي قضية الجيش الذي تتعلق بأطراف أسلحته وسواعد رجاله كرامة مصر..
وكان يعمل معي شبان فاضت بهم حماستهم، وامتلأت صدورهم غيرة على جيشهم، وتحرروا من كل مطمع إلا أن يُؤمِّنوا مستقبل مصر، ويطهروا حاضرها.. وإلى هؤلاء الشبان يرجع الفضل في كل شيء، إن كان هناك فضل يُذكر..
وكنا نجتمع بطريقة خاصة، ويتصل أحدنا بالآخر بطريقة خاصة أشبه بما كنا نقرأ ونحن صغار في القصص البوليسية.. وكنا نبحث عن مستندات صفقة شراء 16 مدفع 105 م. م، عن طريق شركة "أوليكن"، عندما وقع في يدنا عقد شركة بين زوجة أحد الضباط وتاجر أسلحة..
ولهذا العقد قصة أُرجئها إلى الأسبوع القادم1..
__________
1 روزاليوسف - 9 يناير سنة 1951.
(1/305)

صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/306)

- وفي الحلقة الثانية من مقالات: كيف أثيرت تحقيقات الجيش أمام النيابة؟ كشف إحسان عبد القدوس عن قصة علي عبد الصمد تاجر السلاح -والصديق القديم للكاتب- وهو الذي أحضر له أول مستندات القضية، وكيف قبل أن يذهب معه إلى النيابة ليشهد ضد زملائه من تجار الصلاح.. وكان هدفه أن يدفع بالجماعة المنافسة له إلى السجن، وإذا بشهادته تنتهي بالقبض عليه بنفس التهمة باعتباره شريكًا في استيراد الأسلحة الفاسدة!..
وهذا هو نص المقال الثاني في هذه السلسلة:
قلت في الأسبوع الماضي: إنني كنت أجمع تفاصيل صفقة شراء 16 مدفعًا 105 م. م من إسبانيا عن طريق شركة أوليكن عندما وقع في يدي عقد شركة بين زوجة أحد الضباط وتاجر أسلحة.. أما كيف وقع العقد في يدي، فهي قصة الفضل فيها للحظ وحده..
فقد اتصل بي أحد أصدقائي الشبان، وأبلغني نبأ وجود مثل هذا العقد، كما سلمني ورقة كتبت عليها نصوص العقد بالقلم الرصاص، وبخط إنسان لا أعرفه، وعندما عرفته أقسمت ألا أبوح باسمه..
وكان الخبر مثيرًا.. فإن العادة لم تجرِ بأن تتاجر زوجات الضباط بالسلاح؛ بل لو تاجرت أي امرأة بالسلاح، لكان الخبر مثيرًا، حتى لو لم تكن زوجة أحد الضباط..
ويزيد في أهمية الخبر، أن الضابط الزوج كان صديقًا لإبراهيم المسيري بك رئيس لجنة الاحتياجات التي تتولى عقد صفقات الأسلحة، وكان أركان حرب سلاح المهندسين، وكان عضوًا في لجنة استلام الثكنات البريطانية، فإذا كانت زوجته تتاجر بالأسلحة وهو يتولى هذه المناصب الدقيقة المتصلة بصفقات الجيش، فلا بد أن وراء هذا العقد شيئًا.. ولكني لم أهتم بالبحث عما وراء العقد؛ بل حصرت همي كله في الحصول على العقد نفسه؛ لأنه وحده دليل على اتجاهات بعض الضباط، وعلى أن المشرفين على عقد صفقات الجيش والمتصلين بهم، ليسوا فوق مستوى الشبهات.. ثم هو دليل يثبت حسن نيتي أمام المحاكم مهما قلت بعد ذلك، ومهما واجهت من اتهامات!!
وقلت لصديقي الذي حمل إِلَيَّ خبر هذا العقد: إنني لا أستطيع أن أنشر شيئًا عنه، إلا إذا حصلت على العقد نفسه؛ لأن نشره هو توجيه تهمة خطيرة
(1/307)

محددة يعاقب عليها القانون، إلا إذا استطعت إثباتها، ودليل الإثبات لا يمكن أن يقوم إلا بإبراز العقد نفسه..
وقال الصديق: إن هناك أربعة فقط في مصر كلها يعلمون خبر هذا العقد وهم طرفاه، والشخص الذي نقل نصوصه بالقلم الرصاص، وهو.. وقد أصبحوا خمسة بعد أن عرفت أنا به.. أما طرفاه فليس من مصلحتهما نشر العقد وإثارة ضجة حوله، فكلاهما متهم، أما الشخص الآخر فقد يملك صورة من العقد؛ ولكنه لا يريد أن يبرزها.. وذهبنا إلى هذا الشخص الآخر، وكنا خمسة من الشبان، وكان تجمعنا بعضنا مع بعض يكفي ليخيف أي إنسان؛ ولكننا لم نحاول أن نخيف أحدًا؛ إنما استطعنا أن نقنع الشخص المذكور، بأن من مصلحة القضية أن يسلمنا صورة العقد.. وفي صباح اليوم التالي سلمها لنا، وكانت صورة فوتوغرافية واضحة..
وبقي سؤال:
كيف استطاع هذا الشخص أن يحصل على هذه الصورة قبل أن يسلمها لنا؟ وهو سؤال حير سعادة النائب العام، ولم يجد أمامه تعليلًا إلا بأن يعتقد أني قد حصلت على هذا العقد من تاجر السلاح الذي هو طرف فيه. وهو ما اعتقدته أيضًا حرم الضابط، وأعلنته أمام النيابة، فقد اعتقدت أن الخلاف الذي وقع بين زوجها وبين تاجر السلاح وهو طرف فيه، دعا هذا الأخير، إلى التشهير عن طريقي، وقيل أيضًا: إني اشتريت هذا العقد من تاجر السلاح بمبلغ مائتي جنيه..
وعندما سئلت في التحقيق عن المصدر الذي حصلت منه على هذا العقد، رفضت الإجابة، محتجًّا بسر المهنة الذي يصونه لي القانون..
والحقيقة التي أبَى أن يصدقها الجميع، هو أني لم ألتقِ بتاجر الأسلحة، إلا بعد أن حصلت على هذا العقد فعلًا، وقد سعيت إلى لقائه لأتأكد من صحة العقد وقد أكدها لي، وقال: إن هذا العقد كتب في قهوة "بالميرا" بمصر الجديدة، وقد كتب بخط الضابط نفسه لا بخط زوجته، ثم حمله -أي: الضابط- إلى بيته، وعاد به موقعًا من الزوجة..
وقال لي تاجر السلاح: إنه لم يلتقِ بالزوجة أبدًا، ولم يقصد التعاقد معها؛ إنما العقد كان قائمًا في الواقع بينه وبين الضابط، وقد حاولا مرارًا الاستفادة منه، كما أن هذا الضابط هو الذي قدمه إلى إبراهيم المسيري بك، عندما أراد -أي: تاجر السلاح- أن يشترك في توريد الأسلحة والذخائر للجيش المصري..
(1/308)

كما أبرز لي التاجر عدة عطاءات قدمها للجنة الاحتياجات لتوريد أسلحة، وعدة برقيات متبادلة بينه وبين أصحاب مصانع الذخيرة في فرنسا..
ولو أن هذه العطاءات قبلت؛ لكان الضابط -أو زوجته- شريكا في أرباحها بنسبة 45% كنص العقد..
فإذا كان العقد لم ينفذ -كما قيل في التحقيق- فإنه لم ينفذ لسبب خارج عن إرادة الطرفين؛ وهو ما يسميه القانون "الجريمة الخائبة"..
بل إن هذا العقد يمكن اعتباره قد نفذ، إذا علمنا أن تاجر الأسلحة قد عقد صفقة توريد أسلحة للحكومة السورية -كما اعترف لي- حتى لو لم يكن الطرف الثاني -أي: الضابط- يعلم بخبر هذه الصفقة، وذلك كنص المادة الخامسة من العقد التي جاء فيها:
"لا يحق لأي من الطرفين سواء الأول أو الثاني بالتعاقد أو التعامل أو بيع أو شراء أي أسلحة وما يشابهها أو أجهزة أو أدوات أو مهمات، مما تفيد الحروب لمصلحة قضية البلاد العربية، أو قضية العرب بفلسطين بدون علم الطرف الآخر، وأي تعاقد يظهر يكون كل من الطرف الأول والثاني مشتركين فيه، وتكون نسبة الأرباح موزعة بينهما كما هو مدون بالفقرة الرابعة من هذا العقد"..
ومعنى هذه المادة أن زوجة حضرة الضابط تعتبر شريكة في أي صفقة سلاح يعقدها التاجر، حتى لو لم تتم هذه الصفقة بعلمها..
ومع ذلك، فإني -كما قلت- لم أهتم بالعمليات التي ترتبت على هذا العقد؛ بل اعتبرت العقد في حد ذاته واقعة خطيرة، ثم اهتممت بمظاهر الثراء التي تحيط بالضابط، وكان قد بلغني أنه عضو في نادي السيارات، وأنه يشترك هناك في لعبة "البكاراه" فاتصلت بمفتي باشا محمود باعتباره عضوًا في النادي فأكد لي الواقعة، ثم جمع شهودًا آخرين على أن هذا الضابط كان يشتغل في مكتب إبراهيم باشا خيري وكيل وزارة الدفاع الأسبق، وأحد رجال الشركات الآن، ثم اشتغل في مكتب عمر سيف الدين، وهو ضابط على الاستبداع وأحد موردي السلاح للجيش المصري، وشريك
(1/309)

الأميرالاي حلمي حسين بك مدير الركائب الملكية، في شركة "دلتا موتورز"، وقد وضعت جميع هذه المعلومات أمام النائب عندما استمع إلى شهادتي، ثم طلبت الاستماع إلى أقوال تاجر السلاح في مواجهتي..
ولم يكن تاجر السلاح مقيمًا في بيته في القاهرة؛ بل كان في الإسكندرية، ولم يكن له فيها عنوان معروف..
وسألني النائب العام: أين يمكن العثور عليه؟
قلت: إنه ابن ذوات معروف، وهو يتردد كل ليلة على نادي "الاسكرابية"..
ودعا النائب العام ثلاثة من رؤساء النيابة الذين اختارهم ليعاونوه في التحقيق وقال لهم:
- إنكم جميعًا أولاد ذوات، فهل تعرفون علي عبد الصمد "اسم التاجر"؟!
وأجابوا النفي..
وعاد يسألهم ...
- هل تعرفون نادي الاسكرابية؟
وأجابوا بالنفي..
واتصل النائب العام بمحافظة الإسكندرية، وطلب استدعاء علي عبد الصمد إلى مكتبه في اليوم التالي، وأبلغها أن محله المختار هو "نادي الاسكرابية" أو "نادي الجعران الليلي" كما هو باللغة العربية..
واتصل رجال المحافظة بنادي الاسكرابية، فلم يعثروا على علي عبد الصمد..
وذهبت أنا إلى هناك في الساعة الثالثة صباحًا، فوجدته واتفقت معه على أن نتوجه سويًّا في الساعة العاشرة إلى النائب العام.. وكان مستعدًّا -كما كان دائمًا- لأن يتكلم.. وكنت أعتقد أن النائب العام سيسمع أقواله كشاهد، وكان قد غاب عن ذهني تمامًا أن القانون ينطبق في مثل هذه الحالة على التاجر والموظف..
(1/310)

واستطاع النائب العام أن يكتسب ثقة عبد الصمد، بعد أن حدثه عن عائلته وعن خاله إبراهيم بك يحيى المستشار بمجلس الدولة، ثم بدأ يستمع إلى أقواله..
ولاحظت أنه لم يحلفه اليمين القانونية، التي يحلفها الشهود قبل أن يدلوا بأقوالهم؛ ولكنها كانت ملاحظة عابرة لم تستقر في ذهني طويلًا..
وبدأ عبد الصمد يتكلم فقال كل ما قاله لي وأكثر، وأبرز العقد الأصلي، وجميع أوراقه التي تشمل العطاءات التي تقدم بها إلى وزارة الدفاع، وروى حادث وكيل مصانع الأسلحة الذي استدعاه -أي: علي عبد الصمد- إلى مصر فإذا به يختطف، ويحيط به جماعة من المتعاملين مع لجنة الاحتياجات؛ ليتعاقدوا معه مباشرة.
روى علي عبد الصمد كل هذه الوقائع في صراحة وإسهاب، مؤيدًا أقواله بالمستندات، ثم إذا به يفاجأ -وأفاجأ معه- بالنائب العام وهو يوجه الاتهام إليه..
واصفر وجه علي عبد الصمد، وسكت عن الكلام، ونظر إليَّ نظرة عتاب، وكأنه يقول لي: "عملتها في!! " أو كأنه يتهمني باستدراجه لأقف به أمام النيابة موقف الاتهام، وهو حتى اليوم لا يزال يعتقد أني "عملتها فيه! ".
والواقع أني كنت حسن النية، وكنت جاهلًا بالقانون، وحتى لو لم أكن جاهلًا به لما سعيت لأن أعفي أحدًا من نصوصه إذا انطبقت عليه، فإن الأشخاص لم يكن لهم قيمة في نظري أمام الوقائع، حتى لو كانوا أقرب المقربين إِلَيَّ..
وقبض على التاجر وأفرج بكفالة خمسين جنيهًا.. وقبض على زوجة الضابط وأفرج عنها بكفالة.. وقبض على الضابط وبقي في الحبس حوالي خمسة أشهر..
ولكن هذه الحادثة في حد ذاتها لم تكن ذات قيمة؛ وإنما الضابط المقبوض عليه كان يستطيع أن يتكلم، وأن يتكلم كثيرًا، وكنت قد ذكرت في المقال الذي أذعت فيه خبر هذا العقد: "لو حدث وثارت الريب في نفس صاحب المعالي
(1/311)

الوزير، فقد أمسك بطرف خيط طويل، قد يؤدي به إلى كل شيء، فهذا الضابط ليس هو كل شيء؛ بل هو بعض الشيء".
وكان يجب إقناع الضابط بأن يتكلم..
وقد اقتنع، بعد أن خيل إليه أن رؤساءه قد تخلوا عنه، وأنه هو وحده الذي سيتحمل المصيبة كلها، وعندما تكلم جر الجميع معه إلى السجن، وكان هذا هو ما نسعى إليه..
ورغم ذلك فلم تكن قصة هذا العقد هي أول ما نشرته؛ بل بدأت بنشر تفاصيل صفقة شراء 16 مدفعًا 105 م. م عن طريق شركة أوليكن التي يمثلها في مصر النبيل عباس حليم.. وهي صفقة أرجو أن يرفع الحظر عنها قبل أن أبدأ في روايتها في العدد القادم1.
- وفي الحلقة الثالثة من هذه السلسلة أشار إحسان عبد القدوس إلى أربع وقائع هامة؛ وهي: شراء 16 مدفعًا عن طريق شركة أوليكن.. وواقعة شراء 250 ألف قنبلة يدوية.. وواقعة شراء المراكب "لوتشيا" التي سميت الغردقة.. ثم واقعة تعاقد زوجة أحد الضباط مع أحد موردي السلاح، وهذا هو نص المقال الثالث:
3- كيف أثيرت تحقيقات الجيش أمام النيابة؟
- ماذا يعني لقب "النبيل الشريف"؟
- الرجل الإنجليزي الذي أدلى بشهادته..
- هل أنا مهدد بالقتل؟
شمل قرار الاتهام الخاص بقضية الجيش الذي أذاعته النيابة العامة في الأسبوع الماضي أربع وقائع:
1- واقعة شراء 16 مدفعًا 105 م. م عن طريق شركة أوليكن.
2- واقعة شراء حوالي 250 ألف قنبلة يدوية عن طريق شركة "كستروسيوني ميكانيكا".
__________
1 روزاليوسف - 16 يناير سنة 1951.
(1/312)

3- واقعة شراء المركب "لوتشيا" التي سميت "الغردقة".
4- واقعة تعاقد زوجة أحد الضباط مع أحد موردي السلاح.
وهذه الوقائع الأربعة هي الوقائع التي قدمتها "روزاليوسف" إلى النيابة العامة؛ لتحقق مع المسئولين عنها..
ورغم ذلك -رغم أن النيابة أثبتت صحة جميع الوقائع التي تقدمت بها- فإني أعترف وأقر أني عندما وقفت أمام النائب العام لأول مرة لم أكن أعتقد أن سعادته سيستمر في التحقيق حتى نهايته، أو أن الظروف ستمكنه من ذلك، ومع أنه كان يستمع إلى أقوالي كشاهد فإني كنت أخشى أن يعتبرني متهمًا بين كل لحظة وأخرى، وكانت التهمة التي يمكن أن يوجهها إليَّ تهمة خطيرة بالنسبة إلى سمعة كاتب مثلي ومستقبله، وهي تهمة "التشهير بالجيش"، وكنت أخاف هذه التهمة، رغم أني كنت حريصًا في كل مقال كتبته على تمجيد ضباط الجيش وجنوده، وعلى تعداد السوابق المماثلة التي حدثت في الجيوش الأجنبية الأخرى.. وقلت في إحدى هذه المقالات:
" ... لن أسكت قبل أن أطالب بحق الذين استشهدوا وجرحوا وشوهوا في فلسطين، وإسرائيل براء من دمائهم.. حقهم في الانتقام من المجرم، وحقهم في أن تكون تضحياتهم ثمنًا لجيش أفضل، ولوطن أفضل، ولسلاح أفضل.. سلاح نقتل به العدو.. ولا يقتل صاحبه".
وقلت:
"إذا كانت الرشوة دعاية سيئة، فإن التستر على رشوة دعاية أسوأ، وإذا كانت الجريمة لها خطر محدود، فإن التستر عليها أخطر، وإذا كان الرأي العام ينقم على المتهم في مثل هذه الجرائم، فإن السكوت عليها يجعل الرأي العام ينقم على المتهم وعلى البريء معًا".
وكان لي عذري في هذا الشك الذي داخلني وأنا أقف أمام النائب العام؛ فإن هذه الجرائم التي أعرضها عليه، سبق أن اكتشف مثلها ديوان المحاسبة ولم يستطع أن ينال المسئولين عنها، وسبق أن سمعت الحكومة بها فلم تتحرك لتحقيقها، وسبق أن أثير مثلها في مجلس الشيوخ، فلم يستطع حيالها
(1/313)

شيئًا، والنيابة العامة التي أقف أمامها هي جزء من السلطة التنفيذية -كما قررت محكمة النقض- وهي تخضع أحيانًا للتيارات السياسية والحكومية.. وجميع هذه التيارات تقف ضدي، وتهددني في حريتي ومستقبلي، فمن يضمن لي السلامة؟!
كان هذا هو شعوري في اليوم الأول الذي أدليت فيه بشهادتي؛ ولذلك كنت حريصًا على اختيار كل لفظ أنطق به، وعلى ألا أواجه اتهامًا إلا وتحت يدي مستند قاطع بصحته؛ بل حرصت وأنا أسلم هذه المستندات إلى النائب العام أوقع عليها بإمضائي، وأن أطلب من سعادته أن يوقع عليها بإمضائه؛ زيادة في الحرص، كما أني كنت أرفض أن أسجل في التحقيق أي حادثة سمعت تفاصيلها دون أن أحصل على مستنداتها، وقد أثار هذا الحرص سعادة النائب العام، "وشخط" فِيَّ مرة صائحًا:
- أنت عامل جريء، عامل نفسك وطني متطرف، وبيتحدى ناس كبار، ماتورينا جرأتك دي!
وأجبت في هدوء:
- إني جريء في حدود القانون!
ثم قلت له في صراحة:
- مَن يضمن لي ألا تجعل مني متهمًا وتقبض عليَّ؟
فأجاب:
- لا أحد.. وسأقبض عليك بمجرد أن أرى ذلك!
وكنت في أحوال كثيرة أرفض أن أجيب على بعض الأسئلة إلا بعد استشارة أصدقائي المحامين الذين يشاركونني سوء الظن، وكانوا عندما أعود إليهم ينصحونني ألا أجيب إلا في حدود ما بين يدي من مستندات، وهذا الحرص الذي أبديته جعل النائب العام يعاملني معاملة خشنة، فلم يسمح لي بشرب القهوة طوال مدة الإدلاء بشهادتي التي استمرت ثلاثة أيام، وكان يسمح لي بالتدخين بعد رجاء وإلحاح، وبعد أن أهدد بالتوقف عن الإدلاء بأقوالي..
وفي اليوم الأول كنت متعبًا، فقد غادرت القاهرة في قطار الصباح، ولم أكن قد نمت في الليلة السابقة لكثرة تفكيري في هذا التحقيق، ثم إني بدأت
(1/314)

أدلي بأقوالي في الساعة العاشرة صباحًا حتى الرابعة مساء دون أن أستريح، ودون أن أشرب قهوة، ودون أن أغفو أو أريح رأسي من التنبه اليقظ لكل سؤال وجواب، وبدأت أحس بدوار، وطلبت من سعادة النائب العام أن يريحني، وأن يؤجل التحقيق لليوم التالي؛ ولكنه رفض وقال بحدة:
- لن أتركك تغادر هذا المكتب حتى تتم أقوالك ولو اقتضى الأمر أن تبيت هنا.. وما أدراني؟.. ربما قتلت بعد أن تخرج من هنا، فكيف أتم التحقيق؟!..
قلت، وعلى فمي ابتسامة متعبة:
- التحقيق في مقتلي، أو في صفقات الجيش؟!
- إن مقتلك يحققه أي وكيل نيابة، أما أنا فيهمني تحقيق هذه الادعاءات!
وكان النائب العام يغالي وهو يتحدث عن قتلي، ولم يكن قطعًا يقصد أي نوع من الإيماء، ورغم ذلك فقد فلت لسعادته أنني قد هددت فعلًا بالقتل قبل أن يستدعيني إليه، وكان التهديد بواسطة التليفون، ولم أبلغ عنه النيابة؛ لأني سبق أن أبلغت النيابة عن تهديد وصلني منذ عامين، فكانت النتيجة أن عين أحد رجال البوليس السري لحراستي، وكان هذا الرجل يتبعني في كل مكان، حتى خيل إلي أنه يراقبني وأني مقبوض علي، لا "محروس"، فطلبت إعفاءه وإعفائي من خدماته المشكورة..
وكان أطول نقاش دار بيني وبين سعادة النائب العام، هو النقاش الخاص بالنبيل عباس حليم، وكيل شركة أوليكن في مصر، التي تولت توريد 16 مدفعًا 105 م. م من إسبانيا بمبلغ قدره خمسة ملايين من الدولارات تقريبًا..
وكنت قد تتبعت هذه الصفقة من أولها إلى آخرها؛ أي: منذ تقدمت الشركة بعطائها إلى أن وصلت بعض هذه المدافع إلى مصر، وحصلت على أسماء جميع المتصلين بها، وأسماء جميع الضباط الذين علموا شيئًا عنها، وأسماء أعضاء اللجان التي اختبرتها؛ بل حصلت على تاريخ حياة كل مدفع والمكان
(1/315)

الذي وُضِعَ فيه، والمرات التي طُلب فيها تجربته، ورَفْضِ المختصين إجراء هذه التجربة؛ خوفًا على حياتهم منها..
وقدمت كل هذه المعلومات إلى النائب العام، وقدمت معها الصورة الأصلية للعقد الذي اشتريت به هذه المدافع، والمذكرة التي اشتريت على أساسها، والمذكرة التي قدمتها شركة "بوفرز"، وكان المسئولون في الوزارة قد أخفوها حتى لا تقع في أيدي المحققين..
وقد لا يعلم النائب العام أن هذه الأوراق -رغم علمي بمحتوياتها- لم تصلني إلا في صباح اليوم الذي سافرت فيه من القاهرة إلى الإسكندرية لأدلي إليه بشهادتي، كما لم يلاحظ النائب المحترم الأستاذ عبد الغني أبو سمرة المحامي -الذي تفضل وسافر معي ليقف بجانبي- أن هناك شخصًا طويل القامة احتك بي في محطة مصر، ودس في يدي مجموعة من الأوراق.. وكانت هي هذه الأوراق..
وقد وضعت هذه الأوراق في حقيبتي، ولم أخرجها إلا في مكتب النائب العام، وقد فوجئت ساعتها بوجود توقيع توفيق باشا أحمد على العقد!
وسألني النائب العام "وأنا أكتب من الذاكرة":
- ما معلوماتك عن النبيل عباس حليم في هذه الصفقة؟
- إنه وكيل شركة أوليكن في مصر..
- وما هو الدور الذي قام به في توريد هذه الصفقة؟
- لا أدري.
- ما مسئوليته؟
- إن النبيل نفسه يستطيع أن يحدد مسئوليته!
- لقد ذكرت في مقالاتك اسم النبيل عباس حليم تحت عنوان: "النبيل الشريف"، فماذا تقصد بهذا العنوان؟
- إن عباس حليم يحمل لقب نبيل؛ لأنه أحد أفراد العائلة المالكة، وقد سبق للوفد المصري أن أطلق عليه لقب "شريف" عندما حرم من لقب نبيل في عهد الملك فؤاد!
(1/316)

- ولكن العادة لم تجرِ بالجمع بينهما؟
- أقصد المعنى الظاهر منهما!
- يفهم من هذا العنوان أنك تتهم النبيل عباس حليم في نزاهته؟
- أنا لا أتهم أشخاصًا؛ بل سردت وقائع، وما يهم النيابة هو أني رجوته أن يصدر بيانًا يشرح فيه وقائع هذه الصفقة ويحدد موقفه منها..
واستمرت المناقشة على هذا المنوال، وكان النائب العام يحتد خلالها ويحرص على أن يلقبني بلقب "أفندي"!
وانتهى الأمر بيني وبين النائب العام على أن أدلي له بما لدي من معلومات ينقصها المستندات، ثم يتولى سعادته تحقيقها حتى إذا تثبت من صحتها ذكرها على لساني في التحقيق، وقلت له وقائع كثيرة، كان يتولى التحري عنها في التو واللحظة.. وبدأت أثق فيه، وأطمئن إليه، وأؤمن به..
وكان أول ما كتبته في الصحف بعد أن انتهيت من الإدلاء بشهادتي هو نداء إلى الجمهور، بأن يرسل ما لديه من معلومات عن صفقات الجيش إلى النائب العام، ولو في "بلاغ من مجهول".
وعدت إلى النائب العام على وعد بأن أوافيه بكل ما أحصل عليه من معلومات جديدة..
ومضت أسابيع..
وكنت في زيارة صديق يقيم في أحد الفنادق الكبرى، عندما التقيت في البهو الخارجي بسيدة مصرية معروفة، حادثتني مليًّا عن قضية الجيش، ثم قدمتني إلى رجل إنجليزي من رجال الأعمال، قالت لي عنه: إن لديه معلومات هامة عن إحدى صفقات سلاح البحرية..
وقال الرجل الإنجليزي: إنه لا يريد أن يتدخل في هذه القضية أو يُذكر اسمه فيها؛ ولكنه سمع عني وسمع عن مدى اهتمامي بأمر هذه الصفقات، ثم إن مصر قد أكرمته كثيرًا، وأقل ما يستطيع أن يرد به كرمها هو أن يدلي بما لديه من معلومات خطيرة عن صفقة تمت على حساب مصالح الجيش ومصالح مصر.
(1/317)

والتقينا في اليوم التالي على مائدة شاي في مكان بعيد، وكان معنا السيدة المصرية المعروفة.. وبدأ يحدثني عن صفقة شراء ناقلة السوائل "لوتشيا" التي اشتراها السلاح البحري الملكي، وأطلق عليها اسم الغردقة.
إن هذه المركب عرضها أحد التجار -واسمه "الكابتن عزو"- على السلاح البحري بمبلغ 22 ألف جنيه تقريبًا.. ورفض السلاح البحري شراءها بحجة أنه ليس في حاجة إليها، وبعد ثلاثة أشهر اشترى السلاح البحري هذه المركب بالذات بمبلغ 36 ألف جنيه تقريبًا..
وهذا في حين أن ثمن المركب الأصلي لا يزيد عن 16 ألف جنيه!!
وسلمني الرجل الإنجليزي الكريم المستندات الخاصة بالمكاتبات بين التاجر حسن عزو والسلاح البحري الملكي. وكانت مستندات لا تقبل الشك، ورغم ذلك فإني لم أسلمها إلى النيابة توًّا، كما لم أنشر عنها شيئًا؛ لأن أمر الحظر كان قائمًا؛ إنما أرسلت بعض أصدقائي إلى الإسكندرية ليتأكدوا من واقعة شراء هذه المركب بالذات بمبلغ 36 ألف جنيه، كما تأكدت من هذه الواقعة عندما عثرت على صورة هذه المركب في مكتب التاجر الذي تولى بيعها للسلاح البحري.. واستغرقت هذه التحريات أربعة أسابيع، توجهت بعدها إلى النيابة العامة، وسلمت هذه الأوراق إلى الأستاذ مختار بك قطب الذي يتولى التحقيق في صفقات البحرية، وعندما اطلع عليها في مكتب النائب العام شد على يدي مهنئًا، فقد كان يبحث بنفسه عن أسرار هذه الصفقة!
وأدليت بأقوالي أمام الأستاذ مختار قطب، ولم أذكر اسم الرجل الإنجليزي ولا أشرت إليه؛ احتفاظًا بسر المهنة؛ ولكن استمرار التحقيق وتشعب أطرافه دل على اسمه، فاستُدعى كشاهد وأدلى بأقواله في مواجهتي، ثم قمت بترجمة هذه الأقوال له إلى اللغة الإنجليزية قبل أن يوقعها بإمضائه، وثبتت الواقعة واتهم بها أمير البحار وياور جلالة الملك أحمد بدر بك.
وبعد.. فإني لم أنتهِ من ذِكْرِ جميع وقائع التحقيق.. ولكني أكتفي بهذا القدر إلى أن تُنظر القضية.. حتى لا أتعرض لأسرار ليس من صالح القضية إزاحة الستار عنها الآن1.
__________
1 روزاليوسف - 23 يناير سنة 1951.
(1/318)

يوجد صورة سكانر
(1/319)

يوجد صورة سكانر
(1/320)

- استمرت التحقيقات في قضية الأسلحة الفاسدة، ثم نام التحقيق؛ بسبب دخول أسماء كبيرة ومعروفة منهم "فاروق" نفسه؛ لذلك لم تجد روزاليوسف بُدًّا من أن تعود لتثير القضية من جديد، وكان ذلك في مايو سنة 1951، وخاصة بعد أن أوقف التحقيق الخاص بالفساد في الجيش.. وعودة محمد حيدر باشا قائد الجيش المستقيل إلى منصبه!..
ففي أول مايو سنة 1951 كتب إحسان عبد القدوس مقالًا بعنوان:
حيدر يعود والشهداء لا يعودون!..
نكتفي بنشر الجزء التالي منه:
حيدر يعود، والشهداء لا يعودون..
الخط العريض الذي يسير فيه الجيش..
مطلوب من الوزير أن يكون صفرًا..
سياسة المساومة هي سياسة الوفد..
في شهر أكتوبر الماضي كتبت سلسلة مقالات عن تصرفات الفريق محمد حيدر باشا عندما كان وزيرًا للحربية إبَّان حملة فلسطين..
ولم أطالب في هذه المقالات باستقالة حيدر باشا من منصب قائد عام القوات المسلحة..
ولم أتهمه بمحاولة التأثير على الشهود في قضية صفقات الأسلحة؛ بل إني برأته من كل مسئولية جنائية عن هذه الصفقات، وأكدت في أكثر من مناسبة طهارة ذمته وطيبة قلبه؛ ولكني استشهدت بقول الشاعر القديم:
إن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... أو كنت تدري فالمصيبة أعظم
كل ما طالبت به في هذه المقالات الطوال إجراء تحقيق مع الفريق محمد حيدر باشا في أسباب فشل حملة فلسطين، ولم أطالب بالتحقيق معه تحقيقًا مباشرًا؛ بل طلبت التحقيق في أسباب الهزيمة وتحديد المسئولين عنها،
(1/321)

وتوقيع العقوبات الإدراية عليهم، وإن كنت قد حصرت المسئولية بعد ذلك في حيدر باشا، لا لأني كنت أتعقبه شخصيًّا؛ بل لأن جميع الحوادث والوثائق الرسمية التي اطلعت عليها -والتي لا تزال تحت يدي- كانت تنتهي إليه وإلى تصرفاته، وقد قلت يومها بالحرف الواحد:
"ليس ذنبي أن تنحصر المسئولية في حيدر باشا؛ بل ليثق معاليه أني تعبت وتعب معي قلمي لأعفيه من المسئولية، أو من بعض المسئولية؛ ولكن عبثًا، فكل مستند كان يقع في يدي كان ينتهي إليه، وكل تصرف أو إجراء أو عملية تمت خلال الحملة كانت تتم بعلم معاليه وموافقته.. فهو مسئول دائمًا، ومسئول أولًا، ومسئول أخيرًا".
وكانت هذه الوثائق التي نشرتها، كلها وثائق رسمية محدودة التاريخ والصورة، وكانت تثبت أن حيدر باشا يتدخل في وضع الخطط الحربية، وفي إصدار أوامر التقدم رغم معارضة القواد، وفي إرسال فرق كاملة إلى القتال لتموت دون أن يدرب أفرادها؛ بل دون أن يلقنهم مبادئ الدفاع عن النفس، ثم يسد أذنيه عن صراخ المواوي وهو يشكو نقص تدريب الجنود، ويشكو فساد الأسلحة وفساد حتى سيارات النقل، ويشكو من التدخل في سلطاته، ويشكو من إجباره على الاستعانة بضباط معينين رغم عدم ثقته بهم ... إلخ!!
ولم أكتفِ بهذه الوثائق الصارخة الدامغة لإقناع المسئولين بضرورة إجراء تحقيق في أسباب هزيمة فلسطين؛ بل استشهدت بالتاريخ.. تاريخ الجيوش العريقة التي تعتز بتقاليدها، والتي تحرص على معالجة مواضع الضعف فيها، وتحرص على أن تتجنب الوقوع في خطأ سبق أن وقعت فيه، وتأبَى أن تضع أرواح جنودها وضباطها في أيدي قواد جهلة عاجرين، حتى لو كان هؤلاء القواد من أبطال الفضيلة والنزاهة والشرف.. وقلت: إنه حدث مثل هذا التحقيق عندما هزم الجيش البريطاني في حرب البوير، وحدث مثله في الحرب العالمية الأولى عقب أسر فرقة إنجليزية بكامل معداتها في معركة "كوت العمارة" بالعراق، وحدث تحقيق آخر عقب فشل حملة الدردنيل، وفي كل مرة كان يتراجع فيها الجيش البريطاني، في الحرب الأخيرة كان يجرى تحقيق ينتهي بعزل القائد حتى تتابع على قيادة القوات البريطانية في الشرق خمسة قواد، كان آخرهم مونتجمري..
كتبت كل هذا بالتفصيل الذي لا يدع مجالًا للشك في ضرورة التحقيق في أسباب هزيمة فلسطين، والتحقيق مع الفريق حيدر باشا بالذات، ثم
(1/322)

صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/323)

انتهت هذه المقالات باستقالة سعادته من منصب القائد العام للقوات المسلحة.
- وفي نهاية نفس الشهر "مايو سنة 1951" طرق إحسان عبد القدوس زاوية جديدة في موضوع حملة الأسلحة الفاسدة.. إذ أخذ يكشف قصة المؤامرة على قضية الأسلحة الفاسدة، وكيف تم الضغط على النائب العام "محمد عزمي بك" الذي وقف في بداية التحقيقات موقفًا صُلْبًا لحماية العدالة؛ ولكن ما لبث بعد فترة قصيرة أن استجاب للضغط، وحاول أن ينحرف بالتحقيق، ويتستر على بعض كبار المتهمين من أصحاب النفوذ.. وكتب إحسان عبد القدوس سلسلة مقالات بعنوان:
"من يستطيع أن يروي قصة المؤامرة؟ ".
وشرح في المقال الأول التفاصيل الكاملة للظروف التي تم فيها التحقيق في قضية الأسلحة الفاسدة.. وكيف تم الضغط على النائب العام للانحراف بالتحقيق:
1- من يستطيع أن يروي قصة المؤامرة؟
- النائب العام لا يريد أن يتكلم؛ لأن له ثمانية أولاد.
- وزير العدل كان محاميًا عن متهم بالعيب في الذات الملكية.
- تدخل سراج الدين باشا في القضية أثار أزمة..
- الأثر الذي تركته قضية القطن في قضية الجيش.
- الأسباب التي استقال من أجلها حيدر باشا لا تزال قائمة.
قال النبيل عباس حليم على لسان محاميه في قضية الجيش: إن هناك مؤامرة!
فلتكن هناك مؤامرة..
ولكن، من يستطيع أن يروي قصة هذه المؤامرة؟!
إني شخصيًّا لا أستطيع، أو على الأقل لا أستطيع أن أكتب وأنا مطمئن إلى أن القانون يقف بجانبي؛ لأن المؤامرت تتميز دائمًا بأنها تتم
(1/324)

بلا مستندات، والقانون يحتم على الكاتب أن يجمع مستنداته قبل أن يكتب..
ثم إني أبعدت نفسي عن قضية الجيش منذ أن تولت تحقيقها النيابة؛ لأني كنت أحد طرفي الاتهام بحكم البلاغ المقدَّم من حيدر باشا ووزير الحربية، فخشيت أن أحرج المحققين باتصالي بهم، كما أنهم خشوا على أنفسهم الحرج، فلم يحاول واحد منهم أن يتصل بي؛ بل إنهم فضلوا ألا يدرجوا اسمي في قائمة الشهود حتى لا يثير وجودي في قاعة المحكمة ثائرة المتهمين، كما قال النائب العام مرة..
ولذلك، وقفت من القضية -مع بقية المتفرجين- أرقب وأستمع وأتتبع، وأحاول أن أفهم، وإذا كان أحد لا يستطيع أن يدعي أن بين يديه من المستندات ما يمكنه من رواية تفاصيل المؤامرة كاملة، فإن كل إنسان يستطيع أن يفهم أنه كانت هناك مؤامرة، دون أن يكون في حاجة إلى ذكاء كبير يعينه على الفهم!
إنسان واحد في مصر يستطيع أن يتكلم، وأن يفيض في الكلام، وأن يتحمل مسئولية كلامه، وهو محمد عزمي بك النائب العام السابق..
ولكن عزمي بك له ثمانية أولاد أكبرهم في الثامنة عشرة من عمره، وهو يريد أن يعيش لهم، ويخشى إن تكلم ألا يعيش! ويريد أن يعيش بينهم، ويخشى إن تكلم أن يفارقهم إلى السجن! ويريد أن ينفق عليهم حتى يصيروا رجالًا، ويخشى إن تكلم أن يعجز عن الإنفاق، وليس له من مورد إلا معاشه الحكومي..
ثم إنه يشعر أنه أصبح وحيدًا مكشوف الظهر، فالحكومة لن تتوانى عن أن تبيعه وهو في المعاش كما باعته وهو في منصبه، والرأي العام قد يهتف له؛ ولكنه أعجز من أن يحميه أو يعوض أولاده فيه، ثم إنه قد تعمق في دراسة القانون حتى آمن بأن القانون خدعة كبرى، وتعمق في دراسة أصحاب النفوذ، حتى عرف أن لكل منهم وجهين ولكل منهم لسانين، وليس لأحد منهم ضمير ولا قلب!
(1/325)

وهو لا يزال يذكر ذلك الكبير الذي كان يعاونه في التحقيق، وكان يجلس أمامه وعيناه مسبلتان من شدة خشية الله، وشفتاه تتمتمان بلا انقطاع بآيات القرآن، وأصابعه لا تفارق مسبحته، وصوته يهب كلما جاء ذكر "محمد" مصليًا عليه ومسلمًا.. لا يزال يذكر أن هذا الرجل التقي الورع الذي كسا وجهه الإيمان، كان حربًا على التحقيق، وكان ينقل أخباره وخطواته أولًا بأول إلى المتهمين الذين يهمهم أن يضعوا العراقيل، وأن ينصبوا الشباك، وأن يحبكوا أطراف المؤامرة.
لذلك كله لن يتكلم النائب العام السابق، وسيبقى لسانه حبيس شفتيه، وسيبقى سخطه حبيس صدره، وسيبقى هو حبيس داره، تقوم من حوله أشباح تضطهده في عزلته كما اضطهدته في منصبه!
ورغم ذلك، فهناك الكثير مما يقال:
فقد كان يسيطر على التحقيق ثلاثة أطراف: النيابة العامة، والحكومة، والمتهمون، وكلهم -أو أغلبهم- من أصحاب النفوذ!
وكانت النيابة تعتقد أن الحكومة تقرها في جميع تصرفاتها، وكان النائب العام يعرض خطوات التحقيق أولًا بأول على الحكومة، سواء على النحاس باشا شخصيًّا، أو على مَن يقوم مقامه.
وكانت الحكومة تقر هذه التصرفات صغيرها وكبيرها؛ ولكنها كانت عندما تدير وجهها إلى الناحية الأخرى، تنفي عن نفسها مسئولية هذه التصرفات، وتلقي التبعة كلها على النائب العام وحده، ثم لا تتوانى عن اتهامه بالعناد و"بالجليطة" في اتخاذ إجراءاته.
وهذا ما لم يستطع أن يلمحه النائب العام، أو يتنبه له إلا في المراحل الأخيرة من التحقيق1.
__________
1 روزاليوسف - 29 مايو 1951.
(1/326)

صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/327)

- وفي المقال الثاني أتم إحسان عبد القدوس قصة المؤامرة على قضية الأسلحة الفاسدة، وفيه شرح العوامل التي جعلت النائب العام يخضع للإغراءات:
2- مَن يستطيع أن يروي قصة المؤامرة؟!
- هل طلب النائب العام الإنعام عليه برتبة الباشوية؟
- وزير العدل يطلب أن يحتفظ بملفات القضايا التي حفظت!
- كان النحاس باشا يخشى أن تقوم ثورة في مصر.
- طه حسين يطرد النائب العام من سقارة!!
- الصحفي الذي حاول أن يتوسط في قضية التموين!!
- السؤال الذي يستطيع أن يجيب عليه النبيل عباس حليم.
إني عندما أكتب، أرجو من القارئ أن يتعب معي، وأن يجهد ذاكرته، ويستعين بمعلوماته السياسية والدستورية؛ ليستطيع أن يرى الفراغ الكبير الذي أتعمد أن أتركه بين السطور، وأن يلمح القفزات الواسعة التي أقفزها وأنا أسرد الحوادث، محاولًا أن أحتفظ بتوازني بين ما يجب أن يقال، وما يمكن أن يقال!!
وهذه القصة الطويلة التي بدأتها في العدد الماضي وأحاول أن أتمها بهذا المقال.. قصة المؤامرة على قضية الجيش -كما سماها النبيل عباس حليم- تدور حول مبدأ واحد، هو مبدأ فصل السلطات الذي قرره الدستور، وبالأخص فصل السلطة التنفيذية عن السلطة القضائية.
والنيابة العمومية جزء من السلطة التنفيذية؛ لأن الوزير ومجلس الوزراء يملك تعيين النائب العام ووكلائه أو فصلهم للإجراءات واللوائح؛ ولكن النيابة عندما تبدأ التحقيق تصبح سلطة قضائية، يسمونها "القضاء الواقف"، وليس من حق الوزير، ولا من حق مجلس الوزراء، ولا من حق أي هيئة من هيئات السلطة التنفيذية أن تتدخل في عملها، وإن كان يبقى لهذه السلطة التنفيذية دائمًا حق التصرف في مصائر النائب العام ووكلائه..
(1/328)

فهل تدخلت السلطة التنفيذية في تحقيقات الجيش؟
وهل اطمأن النائب العام ووكلاؤه على مصائرهم في جميع مراحل القضية؟!
إني أترك الإجابة على هذا التساؤل لما يمكنني سرده من تطورات الحوادث التي مرت بهذه القضية؛ ولكني أحب أولًا أن ألفت النظر إلى أنه كان من المغالاة أن نطلب من النائب العام السابق أن يكون ملاكًا، أو أن يكون بطلًا وطنيًّا، فقد كان يكفي أن يكون رجلًا، وهو فعلًا كان رجلًا وخيرًا من كثيرين غيره من الرجال، رغم أنه في الخامسة والخمسين من عمره وله ثمانية أولاد صغار؛ ولكنه كان يخضع لجميع المؤثرات التي يخضع لها الرجال جميعًا، وأولها الحرص على بقائه في منصبه، والحرص على مستقبله، والحرص على أن يجنب نفسه طغيان ظالم، أو دسيسة واش، ثم إنه كان في حاجة إلى أن يشعر بالاستقرار حتى يستطيع أن يؤدي عمله، وحتى يكتسب ثقة معاونيه وتضامنهم معه..
وقد حاول كثيرًا أن يقاوم هذه المؤثرات التي يخضع لها جميع الرجال الذين قدر عليهم أن يتولوا مناصب الدولة، وحاول كثيرًا أن يبين وجة المصلحة العامة لمن لا يستطيع أن يرى إلا بعين المصلحة الخاصة.. ولكن مقاومته لم تُجْدِ، وجاء يوم أحس فيه أن الدنيا كلها قد انفضت من حوله، وتكشفت له وجوه القوم عن مخادعين وجواسيس، فخارت قواه، وبدأ يفقد ثقته في الرأي العام، ويتجه إلى أصحاب الرأي الخاص.. ورغم ذلك لم يغفر له ضعفه ولم تغفر له وَحْدَته، فلحقته يد الانتقام، وأخرج من منصبه قبل أن يتم مهمته..
ولم يستطع محمد عزمي بك أن ينأى بنفسه عن الاتهام، فاتهم بأنه كان يساوم أثناء التحقيق على رفع قيمة مرتبه.. وذلك غير صحيح، فقد رفع مرتبه فعلًا من 1500 جنيه إلى 1800 جنيه قبل أن يبدأ التحقيق في قضية الجيش، وكان وزير العدل يعارض في هذه الزيادة، وكان يريد أن يرفع قيمة مرتب النائب العام إلى 1600 جنيه فقط1.
__________
1 روزاليوسف - 5 يونيه 1951.
(1/329)

صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/330)

- ورغم عنف الحملة الصحفية، وإصرار الكاتب على الاستمرار فيها ومتابعتها؛ حتى يحتفظ بقوة دفعها، واهتمام الرأي العام بها.. إلا أن التحقيقات استمرت فترة.. ثم نام التحقيق؛ بسبب دخول أسماء كبيرة ومعروفة في القضية ومنها "فاروق" نفسه. وبعد عدة شهور قامت الثورة في 23 يوليو سنة 1952، وأعيد التحقيق مرة أخرى في القضية.. وطلب من إحسان عبد القدوس أن يشهد في التحقيق.. وقد رفض الذهاب إلى المحكمة، وكانت حجته في ذلك كما يذكر في مذكراته:
"قلت: إن شهادتي لن تجدي الآن بالنسبة لي.. لأن الهدف الذي كنت أرمي إليه من إثارة هذه القضية تحقق بالفعل؛ وهو قيام الثورة.. فأصبح لا يهمني أبدًا مصير القضية أو مصير المتهمين، ولا أحب أن أشهد عليهم أو أشهد معهم.. إن كل مسئوليتي تنحصر فيما كتبته في روزاليوسف.. ورفضت الشهادة.. طالما أن الهدف الذي سعيت من أجله تحقق.."1.
- ويؤخذ على حملة الأسلحة الفاسدة أنها اعتمدت اعتمادًا كاملًا على فن المقال الصحفي.. ولم تحاول أن تستخدم الفنون الصحفية الأخرى؛ مثل: فن التحقيق الصحفي، وفن الحديث الصحفي، وفن التقرير الصحفي.. والفنون الثلاثة الأخيرة أقدر على التعبير عن مثل هذه الموضوعات أكثر من المقال الصحفي.. فضلًا عن شعبيتها وجاذبيتها للقراء!..
وإن كان من الضروري أن نتعرف أن الحملة لم تقتصر على مقالات إحسان عبد القدوس وحده.. فقد شارك فيها عدد كبير من رسامي الكاريكاتير بروزاليوسف، ونشر كثير من هذه الرسوم الكاريكاتيرية في صفحات متفرقة من المجلة وفي أعداد متعاقبة.. وقد احتل بعضها الصفحة الأولى.. ونقدم بعض النماذج من هذه الرسوم الكاريكاتيرية:
__________
1 المستقبل - باريس - يوليو سنة 1981 "مذكرات إحسان عبد القدوس".
(1/331)

صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/332)

صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/333)

- وبجانب فن الكاريكاتير، فقد جندت مجلة روزاليوسف فن الخبر الصحفي لخدمة حملة الأسلحة الفاسدة، فطالما نشرت العديد من الأخبار التي تكشف بعض أسرار القضية في بابي "أسرار" و"حاول أن تفهم"؛ وبذلك تكون المجلة قد استخدمت ثلاثة فنون صحفية؛ وهي: المقال الصحفي، وفن الكاريكاتير، وفن الخبر.
وهذه نماذج من الأخبار التي نشرتها مجلة روزاليوسف حول قضية الأسلحة الفاسدة.
صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/334)

صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/335)

صورة تسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/336)

- والتقييم النهائي لحملة الأسلحة الفاسدة أنها كانت حملة صحفية ناجحة بالمعيار الصحفي.. فقد نجحت الحملة في أن تحقق الهدف الذي أثيرت من أجله.. وهذا الهدف هو في نظرنا عكس ما يرى إحسان عبد القدوس كاتب الحملة!..
فقيام الثورة لم يكن هدفًا واضحًا أو متخفيًا للحملة.. ولكنه قد يكون أحد نتائجها المباشرة أو غير المباشرة.
إن نجاح أية حملة صحفية رهن بوضوح هدفها.. والهدف الواضح لحملة الأسلحة الفاسدة كان الكشف عن عدد من كبار المسئولين في الدولة تورطوا في عقد صفقات مشبوهة لتوريد أسلحة فاسدة للجيش المصري، وقد حارب الجيش بهذه الأسلحة في فلسطين، وكانت أحد أسباب هزيمته!..
هذا هو الهدف الواضح للحملة، وقد تحقق بالفعل، ومن هنا تعتبر الحملة من الناحية الصحفية.. حملة ناجحة.. بصرف النظر عن مدى العقاب الذي نال مَن تورطوا في عقد هذه الصفقات.. إذ ليس من وظائف الصحافة.. ولا في إمكانها أن تعاقب المنحرفين.. وإنما كل ما تستطيعه هو أن تكشف الانحراف والمنحرفين أمام الرأي العام.. ثم يبقى أمر عقابهم مسئولية النظام السياسي وأجهزته القضائية.. وعدم توقيع العقاب على المسئولين في قضية الأسلحة الفاسدة لا يقلل من نجاح هذه الحملة الصحفية، وإن كان يطرح العديد من علامات الاستفهام حول مدى سلامة البناء السياسي والقضائي في المجتمع!..
(1/337)

المصادر والمراجع:
الدوريات:
أولًا: الدوريات العربية:
1- الأهرام.
2- الأخبار.
3- الجمهورية.
4- الشرق الأوسط.
5- المجلة.
6- المستقبل.
7- الحوادث.
8- الوطن العربي.
ثانيًا: الدوريات الأجنبية:
9- The Tirres.
10- Daily Mirror.
11- News Week.
المؤلفات العربية:
12- حمزة عبد اللطيف: المدخل في فن التحرير الصحفي، الطبعة الأولى، "دار الفكر العربي"، القاهرة.
13- فابر فرانس: الصحافة الاشتراكية، ترجمة: نوال حنبلي وآخرون، "معهد الاعداد الإعلامي"، دمشق، 1971.
(1/341)

انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/342)

انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/343)

انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/344)

انجليزي يسحب اسكنر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
(1/345)

محتويات الكتاب:
الصفحة الموضوع
1 المقدمة
11 الفصل الأول: فن الحديث الصحفي
13 المبحث الأول: تعريف الحديث الصحفي
19 المبحث الثاني: الإعداد للحديث الصحفي
25 المبحث الثالث: إجراء الحديث الصحفي
37 المبحث الرابع: كتابة الحديث الصحفي
75 المبحث الخامس: الحديث التليفوني
83 المبحث السادس: المؤتمر الصحفي
91 الفصل الثاني: فن التحقيق الصحفي
93 المبحث الأول: تعريف التحقيق الصحفي
101 المبحث الثاني: إعداد التحقيق الصحفي
107 المبحث الثالث: كتابة التحقيق الصحفي
133 الفصل الثالث: فن التقرير الصحفي
135 المبحث الأول: تعريف التقرير الصحفي
139 المبحث الثاني: كتابة التقرير الصحفي
151 المبحث الثالث: التقرير الإخباري
159 المبحث الرابع: التقرير الحي
167 المبحث الخامس: تقرير عرض الشخصيات
177 الفصل الرابع: فن المقال الصحفي
179 المبحث الأول: تعريف المقال الصحفي
(1/349)

الصفحة الموضوع
183 المبحث الثاني: فن المقال الافتتاحي
193 المبحث الثالث: فن العمود الصحفي
217 المبحث الرابع: فن المقال النقدي
229 المبحث الخامس: فن المقال التحليلي
245 الفصل الخامس: فن الحملة الصحفية
247 المبحث الأول: تعريف الحملة الصحفية
251 المبحث الثاني: التغطية الصحفية للحملة الصحفية
258 المبحث الثالث: نموذج تطبيقي للحملة الصحفية
339 المصادر والمراجع
(1/350)