Advertisement

كتاب الشعر أو شرح الأبيات المشكلة الإعراب


الكتاب: كتاب الشعر أو شرح الأبيات المشكلة الإعراب
المؤلف: الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسيّ الأصل، أبو علي (المتوفى: 377هـ)
تحقيق وشرح: الدكتور محمود محمد الطناحي
الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة - مصر
الطبعة: الأولى، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم

هذا باب في
تفسير الكلم التي سميت بها الأفعال
قال الأعشى:
فاذهبي ما إليكِ أدركنى الحل ... م عدانى عن هيجكم أشغالى
وأنشد أبو زيد:
أعيّاشُ قد ذاق القيون مرارتى ... وأقدرتَ نارى فادنَ دونك فاصطل
وأنشد أبو عبيدة:
فقلتُ لها فيئى فإنّنى ... حرام وإنّى بعدَ ذاكِ لبيبُ
(1/3)

وأنشد أحمد بن يحيى:
إذهب إليكَ فإنّى من بنى أسدٍ ... أهل القبابِ وأهلِ الخيل والنّادى
وقال الفرزدق:
إذا جشأتْ نفسى أقولَ لها ارجعى ... وراءك واستحيى بياضَ اللهازم
وأنشد علىّ بن سليمان:
فرتْ يهودُ وأسلمتْ جيرانها ... صمّى لما فعلتْ يهودَ صمام
وقال:
أيوعدنى بالقتل أعورُ عاقرُ ... إليكَ فنهنه من وعيدكَ عامر
وقال الأسود بن يعفر:
كان التفرق بيننا عن مئرةٍ ... فاذهب إليك فقد شفيت فؤادى
وقال عمور بن كلثوم:
(1/4)

إليكم يابنى بكر ٍإليكم ... ألمّا تعلموا منّا اليقينا
[قال أبو على رحمه الله]: إن سأل سائل عن هذه الكلم، أأسماء هي، أم أفعال؟
قلنا: إنّها أسماء. والدّلالة على ذلك أنّها لا تخلو من أن تكون أمساءً، أو أفعالاً.
ولو كان شئ من ذلك فعلاً، لا تّصلَ الضميرُ بما اتّصل به منها، على حدّ ما يّتصل بالأفعال، فلمّا اتّصل به على حدّ اتّصاله بغير الفعل، ثبت أنّه اسم، ليس بفعل.
فلمّا كان هاء اسماً لقولهم: خذ، واتّصل به الضمّيرُ، على اتّصاله بغير الفعل، في قولهم: هاؤما، وهاؤمُ،، ولم يكن: هاءا، ولاهاءوا، كقولهم: اضربا، واضربوا، ولكن كقولك: أنتما، وأنتم، دّل أنّهليس بفعل، وإذا لم يكن فعلاً كان اسماً.
فإن قلت: فقد يتّصلُ الضّميرُ بالفعل، على حدّ ما اتّصل بهاؤما، وهاؤمُ، وذلك قولك: قمتما، فهلاّ لم يدلّ اتّصاله على هذا الوجه عندك، أنّه اسم، إذ قد يتّصل بالفعل، على ما أريناك؟
قيل: هذا ليس بداخل على ما قلنا، لأنّ ما أورته من قمتما ليس بأمر وهذه الكلم موضوعة للأمر، فلو كان فعلاً لا تّصل بها الضمير، على حدّ ما يتّصل بأمثلة الأمر، فلمّا لم يتّصل به، على ذلك الحدّ، دلّ ذلك [على] أنّه ليس بفعل.
(1/5)

فإن قال: فهلاّ زعمت أنها أفعالُ، لأنه كما اتّصل به الضمير، على حدّ ما ذكرته، ممّا يتّصل بغير الأفعال، فقد اتّصل به أيضاً على نحو ما يتّصل بالفعل، لأنّ أبا عمر قد حكى أنّ منهم من يقول: هاءا، ومهاءوا، فهذا مثل: اضربا، واضربوا.
أو هلاّ قلت: إنّه يكون اسماً تارةً، وفعلاً أخرى.
قلت: إنّ الذي قال: هاؤما وهاؤمُ، فهو عنده اسم، والذى قال: هاءءءا، وهاءوا، فهو عنده فعل، كما أنّ من قال: مررتُ عليه، كانت الكلمة عنده حرفاً، والذى قال: من عليه، وكانت عنده اسماً
قيل: قد ثبت أنه اسمُ. بالدّلالة التي ذكرنا، من اتّصال الضّمير به، ومن قال: هاءا أو هاءى، فإنه عنده اسمُ أيضا، في الأصل، إلاّ أنّه لمّا كان واقعاّ موقع مثال
الأمر، أجراه مجراه، في اتّصال الضّمير به، على حدّ اتّصاله به، وأجراه مجرى ما يقابله، ويستعمل استعماله، من قولهم: هاتِ، وهاتيا، ألا ترى كيف ألحق حرف الّلين آخرها، كلحاقها في آخر هاتى، والمهاتاة، فشّبهه بهذا، كما شبّه ليس بما،
(1/6)

عند سيبوبه، في قولهم: ليس الطّيب إلاّ المسك، حيث كانت بمعناه، وواقعة موقعه.
واتّصال الضّميرِ بقولهم: هاء، في قول من قال: ها إيا، لا يدلّ أنّه فعلُ محضُ، إذ كان للشبّه بغيره، كما أنّ اتّصالَ الضّمير بليس، على حدّ اتصاله بكان، لم يجعله مثله، وإن كان قد جعل في الإعمال بمنزلته، ألا ترى أنه ينفى بليس ما في الحال، كما ينفى بما ما كان في الحال، فكونها على أمثلة الماضى، إنمّا هو شبه لفظىُّ، لا حقيقة تحته.
يدّلك على ذلك. أنّه لا يدلّ على زمان، كما يدلّ سائر أخواته عليه.
فأمّا دلالته على نفى الحال، فهى على حدّ دلالة (ما عليه، فلو جاز لقائل أن يقول: إنّه يدلّ على الكائن الذي لم ينقطع، كما تدلّ الأمثلة ُ. لجاز لآخر أن يقول ذلك بإزائه، في ما.
على أن ذلك يفسد من موضع آخر، وهو أنّه لم يلحقه من حروف الضارعة. شئ، ولو كان من أمثلة الحال، لم يخل من أحدها.
فإذا فسد كونه مثالاً للحاضر بهذا، ثبت أنه لا دلالة فيه على ما مضى، ولا على ما لم يقع، ولا على ما هو كائن لم ينقطع.
وإذا خلا من ذلك، لم يكن في الحقيقة فعلاً، إلا أنّه لماّ كان وصلهم المضمر به، على حدّ وصله بالأمثلة المأخوذة من الأحداث، ولم يكن ذلك في ما ونحوه، وذكره النحويّون مع الفعل، وإن لم يكن فعلاً، كما ذكروا إمّا مع حروف العطف، وإن لم يكن
(1/7)

حرف عطف، وليس في الحقيقة كذلك، ألا ترى أنّ هذه الأمثلة إنّما صيغت
لتدلّ على ضروب الزّمان، ولولا ذلك لأغنت ألفاظ الأحداث عنها، يدلّك على ذلك أنّها بنيت على أقسام الزّمان، فكما كان الزّمان على أنحاء ثلاثةٍ عندهم، كذلك كانت هذه الأمثلة التي صيغت من ألفاظ الأحداث، ويدلك على ذلك في الأمثلة، وخلعوا منه دلالة الحدث، وذلك في الأمثلة الداخلة على الابتداء والخبر، فمن ثمّ لزمتها الأخبارُ، وكان الكلامُ غيرَ مستقلّ بهذه الأمثلة مع الفاعل، لتوازى هذه الجملة ُ، بلزوم هذه الخبر لها، الأمثلة التي لم يخلع عنها دلالة الحدث. ألا ترى أنّها لو لم تلزمها الأخبار، لا نتقصت عنها، ولم توازها. فكان تجريدهم هذه الأمثلة للأزمنة، وخلعهم دلالة الحدث عنها، كتجريدهم من بعض الكلم، الخطاب، وخلعهم معنى الاسم عنه، وذلك قولهم: ذلك، وأولئك، وأنت، فكما أنّ الغالب والأعمّ في هذا، معنى الحرف، بدلالة بنائهم [لها] قبل خلع معنى الاسم عنه، كذلك نعلم أنّ الغالب والأعمّ في هذه الأمثلة، إنّما هو دلالة الزّمان، فمن ثمّ جاز أن يخلع عنها معنى الحدث، فتتجّرد دلالتها على الزّمان.
ويدّلك على ذلك، أنّه ليس مثال من هذه الأمثلة، التي تنزعُ عنها دلالتها على الحدث، إلا وجائز فيه أن لا ينزع ذلك عنه، فيستقل بفاعله استقلال سائر الأمثلة بفاعليها.
فالأصل الثابت في هذه الأمثلة، هو ما ى ينفك من دلالتها عليه، ومن ثمّ جاءت المصادر المشتقّة منها هذه الأمثلة، دالّةً على الحدث، دون الزّمان، ألا ترى أنّ الكون
(1/8)

الذي هو مصدر المثال بفاعله في دلالته على الحدث، كالكون الذي هو مصدر المثال الذي لا ستقل به؟
فهذا ممّا يدلّك على أخذ المثالين جميعاً من لفظ الحدث، وإنمّا جرد دلالة الزّمان، ليعلم أنّ الغرض في صياغة هذه الأمثلة إنّما هو الدلالةُ على أقسام الأزمنةِ.
وإذا كان حكم الأمثلة، هذا الذي ذكرنا، ولم يكن في ليس دلالة على ضرب من
الضروب الثلاثة، ثبت أنه ليس بفعل على الحقيقة، وإنّما أجروها مجرى الأفعال في اللفظ، كما أجروا ما مجراها، وكما أنّ أخواتها أجريت مجراها، [وكما] جعلوا النون في لدن عدوةً بمنزلة النون في ضارب ونحوه، من الأسماء المعملة عمل الفعل.
(1/9)

ويدلّك على أنّها ليست كالأمثلة التي ذكرناها، أنّها لا توصل بها ما التي تكون مع الفعل في تقدير المصدر، كما وصلوها بأخواتها، ألا ترى أنك لا تقول: ما أحسن ما ليس زيدُ قائماً، فتصل بليس [ما]، كما لا تصلها بما النافية. فهذا مما يبين أنّها ليست بمنزلة أخواتها، وأنه قيل فيه: إنّه فعلُ، للشبه اللفظى ّ.
فكما كان هذا حكم ليس، وإن أتّصل بها الضمير على هذا النحو الذي اتّصل [به]، كذلك [يكون] حكم هاء في قول من قال: هاءيا، هاءوا.
واعلم أن قولهم: هاؤما، وهاؤموا، من نادر العربية، وما لا نظير له، ألا ترى أنّه ليس في الأسماءِ السمّى بها الأفعالُ. اسمُ ظهر فيه علامة الضّمير، كما ظهر فيه علامة الضمّير، كما ظهر في هاؤما، وهاؤم، وإنّما يكون الضمير الذي تتضمنّه على حدّ الضّمير الذي يكون في أسماء الفاعلين، وهذا مما يدّيلك أنّها أسماء، لأنّ الضّمير لا يظهر في الأسماء المقامة مقام الفعل، إلا أن ذلك وإن كان نادراً عن قياس نظائره، فهو غير شاذ في الاستعمال، ألا ترى أنه قد جاء في التنزيل: (هاؤمُ اقرءوا كتابيهْ)، وقد جاء أيضاً على قياس نظائره.
(1/10)

وحكى أبو عمر أنّهم يقولون: ها يارجل، وها يا رجلان، وها يا رجال، وهذا بمنزلة رويد) في أنّك تستعمله للواحد والاثنين والجميع.
فأمّا الوجه الآخر، فهو نادر عن قياس نظائره، وقليل في الاستعمال أيضاً على ما حكاه أبو عمر، وقلّة هذا في الاستعمال، كقّلة الاستعمال ليس الطّيب إلا المسك على التشبيه بما.
ونظير ها في القياس ليس، إلاّ أنّ ليس مطّرد فلا الاستعمال، كثير فيه، وهذا غير مطّرد فلا الاستعمال.
وممّا يدّلك على أنّ هذا الضرّب أسماءُ، وليست بأفعال: أنّ فعال، نحو دراك [ونزال] وتراكِ، لا يخلو من أن يكون اسماً، أو فعلاً، فلو كان فعلاً لوجب إذا نقلته، فسمّيتَ به شيئاً، أن تعربه، ولا تدعه من بنائه، ألا ترى أنّ الأفعالَ إذا نقلتْ فسمّى بها، تعربُ، وتزالُ عمّا كانت عليه من البناء، قبل النّقل، لا تختلفُ العربُ ولا النحويّون في ذلك، وإنكان عيسى قد خالفَ في كيفيّة الإعراب.
وأنت إذا نقلتْ شيئاً من ذلك، فكان في آخره راءُ، تركته، في قول الحجازّيين والتّميميين، على بنائه، ولم تغيرّه عمّا كان عليه قبل النقّل، فدّل ذلك على أنّه اسمُ، إذ لو كان فعلاً لغيّرتَ، كما غيّروا: [أضربْ و] كعسبَ، ويزيدَ، ونحو ذلك عمّا كان عليه قبل التسمية به.
(1/11)

فإن قلت: هلاّ قلتَ إنه فعلُ، لإعراب بنى تميمٍ، من ذلك في التسمية، ما لم يكن آخرهُ راءً؟
قيل: هذا لا يدلّ، لأنهم جهلوه بمنزلة أينَ و (0 كيف إذا سمّىَ به، وإجماعهم مع الحجازّيين، على إقرار البناءِ فيه بعد النّقل، فيما كان آخره راءً، دلالةُ على أنه اسمُ عندهم، فلم يغيّروه عن البناءِ، كما لم يغيّروه قبلُ، لأنّه في كلا الموضعين اسمُ.
فإن قلتَ: إنما لم يعربه، لأنه [قد] حكى، فكان بمنزلة برقَ نحره، ونحوه.
قيل: هذا لا يستقيم، لأنّ الضّميرَ الذي يحتمله هذا الضّربُ، ليس على حدّ ما يحتمله الفعلُ، إنّما هو على حدّ ما يحتمله الاسمُ، ألا ترى أنّه لا يظهر إذا جاوزتَ الواحد، في عامّة هذه الأسماء كما لا يظهرُ في أسماءِ الفاعلين، والظّروف ونحوها، ولو كان الضّميرُ فيها على حدّ كونه في الأفعال، لظهرتْ له في اللفظ
علامةُ، فلمّا لم تظهر [كما لم تظهر] في أسماء الفاعلين، والصّفات المشبّهة بها، دلّ على أنّها احتملت الضّميرَ، على حدّ ما احتملته، وإذا كان ذلك لم تحكه، كما لا تحكى اسماءَ الفاعلين، إذا سمّيتَ بها في الأمرِ الأشهر الأفشى، فلا يكون إذنْ سفارِ وحذامِ في الحكاية، كقوله: أنا أبن جلا، ولكم جذامِ في قوله:
إذا قالتْ حذامِ فصدّقوها
(1/12)

بعد النّقل، مثله قبل النّقل، لأنه نقله من اسمٍ إلى اسمٍ، فتركله في النّقل على حالهِ قبل النّقل.
فإن قلت: فهلاّ استدللتَ بتنوين ما نوّنَ من هذا، على أنّه اسمُ، نحو صهْ وصهٍ، لأنّ التنوين مما يختصُّ الاسمَ، كما أنّ دخولَ لامَ التعريف كذلك؟
فإنّ هذا التنوينَ الذي في صهٍ ليس الذي في يدٍ، ودمٍ، ألا ترى أنّ هذا إنّما يلحق بعد استيفاء الاسمِ جميع وجوه الإعراب، ونمكّنه فيه، وقد لا يلحق ضرباً منها، وإن كان معرباً، كبابِ ملا ينصرف ُ.
فإذا كان التنوينُ من وصفهِ أن لا يلحقَ إلاّ بعد تمكّنِ ما يلحقه في الإعراب، ولم يكن صهٍ وبابه معرباً، علمتَ أنه ليس إيّاه، ولكنه التنوين الذي يلحقُ الأسماء التي هي غير متمكنّة، وما أشبهها في قلّة التمكّن من الأصوات، نحو غاقِ، وعمرويهٍ، فيدلّ على أن المرادَ بالاسم، أو بالصّوت، النّكرةُ، فلهذا [المعنى] يلحقُ، وليس الذي يلحقُ بعد استيفاءِ الاسمِ وجوه الإعراب كذلك، ألا انه يلحقُ المعرفة، في نحو زيدٍ، وجعفرٍ، وفرذدقٍ، كما يلحق النكرة، في رجلً، وفرس ٍ، فتعلم أنّه، وإن كان على لفظه، فهو غيره، كما أنّ الذي يلحقُ القوافىَ [في] نحو:
من طللٍ كالأتحمّى أنهجنْ
(1/13)

غير هما، وإن كان على لفظهما، ألا ترى أنه يلحقُ الفعلَ، كما يلحقُ الاسمَ، ويلحقُ ما فيه لامُ المعرفةِ، كما يلحقُ ما لا لامَ فيه، ويلحقُ المعرفة َ، كما يلحق
النكرة، ولو كانت التي في زيدٍ، ورجلٍ، لم تلحقْ في قوله:
يا أبتا علّكَ أو عساكنْ
ولا مع الام، في قوله:
يا صاحِ ما هاجَ الدّموعَ الذّرفنْ
و:
أقلّى اللّومَ عاذلَ والعتابنْ
(1/14)

فقد تتفّقُ الألفاظُ في الحروف، وتختلفُ المعانى، كما كان ذلك في الأسماء والأفعال.

وهذا باب منه آخر
أنشد أحمدُ بن إبراهيم، قال أنشدتنى امرأةُ من بنى قريط بن أبى بكر بن كلاب:
أوّه من ذكرى حصينٍ ودونه ... نقاً هائلُ جعد الثّرى وصفيحُ
قال: قالت: أوّهِ من ذكرى [أوّتِ من ذكرى]، وأوّيةِ من ذكرى، كلّ ذلك تأوّهُ.
قال أبو علىّ رحمه الله: أمّا أوّهِ [من ذكرى]، فمن قولهم، أوّاهُ، وآهةَ الرجلِ الحزينِ، وكان القياسُ أن تسكّنَ الهاءُ التي هي لامُ، لأنّ ما قبلها متحرّكُ، وما قبل الآخر من أفّ ولبّ غير متحرّك، ومن ثمّ أسكنوا الآخرَ من قولهم:
بذخْ بقرقارِ الهديرِ بذّاخْ
(1/15)

قال أحمد بن يحيى: معناه افخرْ به. إلا أنّه حرّك الآخر، من أوّهِ للإتباع، إذ قد فعلوا [ذلك] ببعض المعرب، نحو أخوكَ.
وأمّا أوّت من ذكرى، فمن ذكرى، فمن قولهم: آوّتاهْ، الفاء همزةُ، والعينُ والّلامُ من باب قوّةٍ.
ويحتمل ضربين: أحدهما أن يكون الفعلُ سمّىَ بغعلةٍ، كما سمّىَ بلبّ، وبأفّ، والكسرةُ فيه للبناء، ويقاربُ ذلك قولهم: كيّةَ، ودّية َ.
والآخرُ: أن يكون على فعلةٍ، والألفُ على حدّ التي في منتزاح، لأنّه لو كانت فاعلةً لا نقلبت اللامُ ياءً،
(1/16)

ولم تدغم العين فيه، ألا ترى أنّك لو بنيت مثل فاعلةٍ من قويت، لقلت: قاويةُ غداً، ويمكن أن تكون فاعلةً في الأصل، إلاّ أنّ الواو صحّتْ، لأنه لم يشتق منه فعل، فيلزم قلب الواو الى الياء، فلمّا لم يجر على الفعل، وكانت مبنيّة على التأنيث، [صحّتْ] كما صحّت في شقاوة وغباوة، ونحو ذلك.
ويجوز أن تكون أوّت من ذكرى فعلة، سمّى بها الفعل، ألا ترى أنّهم قالوا: كان من الأمر كيّةَ وكيّةَ، وذيّةَ وذيّة، فكنوا بها لاعن الجمل، كذلك تكون اسماً للفعل.
وأمّا أويّةِ من ذكرى فينبغى أن يكون تحقير أوّت، وحقرت كما حقّرت الأسماء المبهمة ُ، كما حقّر الذي والّتى، تحقيرها، ففتح الأوّل منه، كما فتح من المبهمة، ومن الذي، وهذه أجدر، لأنّها أقلّ تصرفاّ، والضمير الذي فيه لا يمنع من تحقيره، الا ترى أن رويد مصغّر، وهو اسم الفعل، لأن الضمير [الذي] فيه على حدّ الضمير الذي في اسماء الفاعلين، وما شبّه بها من الصفات.
ويجوز أن تكون أوّية تصغير آوّة، كقولك في حارثٍ: حريثُ، وأما قول الشاعر:
أولى فأولى يا امرأ القيس بعدما ... خصفنَ بآثار المطىّ الحوافرا
(1/17)

فإن أولى وزنه أفعل، من ولى يلي، كأنه يريد وليه الشّرُّ، وما يكرهه، وهو اسيمُ، إلا أنّه لا ينصرف، لأنه قد صار علماً للوعيد، فصار بمنزلة رجلٍ اسمهُ أحمدُ، كما أنّ ما حكاه أبو زيد، من قولهم:
ما رأيت عنده أبعد، علم كذلك، فكذلك قولهم:: [أولى] وأمّا في التنزيل:
(أولى لك فأولى. ثم أولى لك فأولى)، فهذا خطاب للموعد، وموضعه رفع بالابتداء، وحذف الخبرُ الذي هو
لك بعد قوله: (أولى) الثانية، كما حذف من قولهم: زيدُ منطلقُ وعمرو.
فإن قال قائل: أيجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، ويكون التقدير: الوعيد أولى لك من غيرك، فحذف المبتدأ، وألزم الحذف المبتدأ، وألزمَ الحذفُ الخبرَ، كما ألزمَ الحذفُ الصفّةُ، في قولهم: رأيته عامّا أوّل، وقول الشاعر:
يا ليتها لأهلى إبلا ... أو هزلت في جدب عامٍ أوّلا
أو هل يجوز أن يكون أفعل ميتدأ، والمراد به: أفعل من غيرك، ولك الخبرُ؟
(1/18)

فالقول في ذلك: أنّ أولى لا يجوز في واحد من التقديرؤين، أن يكون أفعل من كذا، كما كان ذلك في عامٍ أوّل، ونحو قوله: (فإنّه يعلمُ السّرّ وأخفى)، لأنّ أبا زيدٍ حكى أنّهم يقولون: أولاة الآن، وهاه الآن، إذا أودوا، فدخول علامة التأنيث على أفعل يدّلك أنّه ليس بأفعل من كذا، وأنّه مثل أرملةٍ، وأضحاةٍ، في أنّه علة أفعل، لا يراد فيه اتّصالُ الجارّ به، إلاّ أنّهم جعلوا المؤنث فيه أيضا معرفة، كما جعلوا المذكّرُ كذلك، فصار شئٍ سمّىَ بأضحاة، فلم ينصرف.
فأمّا ما في البيت من قوله: أولى فأولى يا امرأ القيس، فإنّ الخبر منه محذوف، للعلم به، ألا ترى أن الكلمة استعملت كثيراً في الوعيد، حتى صارت علماً لله، فحذف الخبر لذلك.
والمعنى في [قوله] بعد ما خصفنّ بآثار المطّى [الحوافرا]: [بعدما]
(1/19)

خصفنّ بآثار قوائم آثار الحوافر، ومثل ذلك في المعنى:
مستحقباتُ رواياها جحافلها ... يأخذنَ بينَ سوادِ الخطّ فالّلوبِ
ومثله قول الأعشى:
وما خلتُ أبقى بيننا من موّدة ... عراضُ المذاكى المسنفاتِ القىئصا
فإن قلت: أيجوز أن يكون أولى اسماً للفعل، وفيه ضمير المخاطب، كأفّ،
(1/20)

ولبّ، وشتّان، ووشكان، وسرعان، وما أنشده أبو زيدُ، من قوله:
لو شكان ما غنّيتمُ وشمتّمُ ... بإخوانكمْ والعزّ لم يتجمّع
ويكون لك في أولى لك لا يكون الخبر، ولكنه بمنزلة قولهم: لك في هلمّ لك للتّبيين، وفى سقياً لك، ونحو ذلك، ويكون امتناع التّنوين من الدّخول عليه، كامتناعه من الدّخول على سرعان ونحوه، [لا] كما امتنع من الدّخول على غير المنصرف.
فالقول ذلك أنّ أبا زيدٍ حكى [عنهم] أنهم يقولون: أولاة الآن، بالرفع، وهذا تأنيث أولى، ولو كان اسماً للفعل، لم يرفع، ألا ترى أنك لا تجدُ فيما سمّىُ به الفعل شيئاً مرفوعاً، فتجعل أولى مثله.
فأمّا الكسر في أوّة فللبناء، ولا يكون التقديرُ بالكلمة، بالإضافةَ، لأنّ هذه الكلمُ لم تضف.
(1/21)

فإن قلتُ: فهلاّ جازت الإضافة فيها، كما جازت إضافةُ أسماءِ الفاعلين، والصفّات المشبّهة بها، وفى كلّ من ذلك ضميرُ.
فالقول أن ّ ذلك الضميرَ، الذي في اسم الفاعلِ، لمّا لم يقعْ به اعتدادُ، صار الاسم الذي يتضمنه بمنزلة غلامٍ، ورجلٍ، وليست هذه الأسماءُ كذلك، ألا ترى أنها قد قامت مقام الجمل، في نحو: صه، ورويد عليّا، فلمّا مقامها لم تجز إضافتها، كما لم تجز لإضافة الجمل.
فإن قلت: فقد قالول: رويدُ زيدٍ.
فهذا ليس سمّىَ به الفعلُ، ولكنه المصدر المصغّر بحذف الزّوائد، وعلى هذا وصف به، في نحو: ضعه وضعاً رويداً، وكذلك القول في بله زيداّ، من نصب زيداً، جعل بله اسماً للفعل، ولا يجوز إضافته على هذا القول، ومن قال: بله زيدٍ، جعله مصدراً مضافاً، مثل رويدُ زيدٍ.
وإذا لم يجز إضافة هذه الأسماء، كانت الهاء في تراكها، ومناعها، في موضع
(1/22)

نصب، على حدّ انتصابها في: اتّركها، وامنعها، ولو جاز تقديم الضمير عليها،
لقلتَ: إيّاها تراكِ، ولكنّ التّقديم عليها لا يجوز عند أصحابنا، ومن ثمّ حملوا قول الشاعر:
يا أيّها المائح دلوى دونكا
على مضمر عامل فيه، غير دونك، لأنهم لا يجيزون: زيداً دونك، وعلى هذا تأوّلوا الأية (كتاب الله عليكم) ولم يحملوها على (عليكم).
فمّا ما حكاه أبو زيدٍ من قولهم: أولا الآن، فالآن متعلقُ بمحذوف، كما تقول: الوعيد الآن، أو غداّ.
وما حكاه من قولهم: هاه الآن، فاسم الزّمان متعلق بما هو اسم الفعل، خلاف الأول.
(1/23)

ولا يجوز أن يكون الآن [الآخرُ] في موضع خبرٍ، كما كان ذلك في قولهم: أولاة الآن، ألا ترى أنّ هذه الأسماءَ لم يخبرْ عنها، في موضعٍ من كلامهم، كما لم يخبر عن الجمل.
(1/24)

هذا باب
ممّا يكون مرّةً اسماً من أسماء الفعل
ومرّة مصدراً، ومرّة حرف جرّ
قال الشاعر:
حمّال أثقال أهلِ الودّ آونةً ... أعطيهمُ الجهدَ منّى بلهَ ما أسعُ
قال أبو الحسن، في باب من الاستثناء: إنّ بله حرف جرّ.
قال أبو علىّ: ووجهُ كونه ِحرفاً، أنّه يمكن أن يقال: إنّك إن حملته على أنّه اسم فعلٍ، لم يجز، لأنّ الجمل التي تقع في الاستثناء، مثل: لا يكون زيداً، وليس عمراً، وعدا [خالداً]، فيمن جعله فعلاً، ليس شئ منه أمراً، وهذا يراد به الأمرُ، وهو اسمُ للفعل، فإذا كان ذلك كذلك لم يجز، لأنّه لا نظير له.
فإن قلت: فلم لا تجعله المصدر، لأنّ الصدر قد وقع في الاستثناء، في قولك: أتانى القومُ ما عدا زيداً، والتقدير ُ: مجاوزتهم زيداً، فهو مصدرُ؟
فإنه يمكن أن يقال: إن ما زائدة، وليست التي للمصدر، وعدا إذا قدرّت زيادة ما كان جملةً، فليس في ذلك دلالةُ، لاحتماله غير ذلك. والحروف قد وقعت في الاستثناء، نحو: خلا، وحاشا، ولا وجه لهذه الكلم إلاّ تكون حروفَ جرّ.
(1/25)

فإذا كان بله زيدٍ، هنا ليس يخلو من أن يكون اسمَ فعلٍ، أو مصدراً، أو حرفاً، وليس يجوز ُ وقوعُ اسم الفعل هنا، لما قدّمنا، ولا المصدرُ، لأنه لم تقع عليه دلالةُ، من حيث جاز أن تكون ما زائدةً في ما عدا: كان حرف جرّ، لأنّ حروف الجرّ قد وقعت في موضع الاستثناء.
وقال سيبويه: أمّا بله [زيداً]، فتقول: دعْ زيداً، وبله هاهنا بمنزلة المصدر، كما تقول: ضرب زيدٍ.
[قال أبو علىّ]: فمن قال: بله زيداً، جعله يمنزلة دعْ، وسمّى به الفعل، ومن قال:
بلهُ زيدٍ، فأضاف، جعله مصدراً، ولا يجوز أن تضيفَ، ويكون مع الإضافةِ اسمَ الفعل، لأنّ هذه الأسماءَ التي تسمّى بها الأفعالُ، لا تضاف، ألا ترى أنّه قال ك جعلوها بمنزلة النجاءك، أي لم يضيفوها إلى المفعول به، كما أضافوا أسماءَ الفاعلين والمصادرَ إليه. فهى في قوله على ضربين: مرّةً تجرى مجرى الأسماء التي تسمّى بها الأفعال، ومرة تكون مصدراً.
وقال أبو زيد: إنّ فلانا لا يطيقُ أن يحملَ الفهرَ، فمنْ بلهِ أن يأتىَ بالصخّرة! يقول: لا يطيقُ أن يحملَ الفهرُ، فكيف يطيقُ حملَ الصّخرةِ؟
قال: وبعض العرب يقول: من بهلِ أن يحملَ الصّخرة!، فقلب، وأنشد لكعب ابن مالك:
تذرُ الجماجمَ ضاحياً هاماتها ... بله الأكفّ كأنّها لم تخلقِ
(1/26)

فما حكاه أبو زيد، من دخول من عليه، والإضافةِ والقلبِ، يدّل أنّه مصدرُ، وليس باسم فعل، لأن أسماءَ الفعل لا تضافُ، ولا يدخل عليها عواملُ الأسماءِ، ألا ترى أنّ أبا الحسن يقول: إنّ دونك ليس يبتصب على حدّ انتصابه قبل.
ويقوّى كونه مصدراً، أنّ أبا عمرو الشّيبانّى حكى: ما بلهك لا تفعل كذا؟ أي مالك؟
ومن الناس من ينشد: بلهَ الأكفّ على [هذا] الإنشادِ اسمُ فعلٍ، كأنه قال: دع الأكفّ، فجعلها اسماً لدعْ.
والدلالةُ على جواز ِ كونها للفعل - كما أجاز [فيه] سيبوبه - قول الشاعر:
تمشى القطوفُ إذا غنّى الحداةُ بها ... مشىَ الجوادِ فبلهَ الجلّةَ النّجبا
فأمّا قول الشاعر: بله م أسعُ، فيجوز على قياس قول سيبوبه أن يكونَ موضعُ ما نصباً، ويكون في بله ضمير، ويدلّ على ذلك: بلهَ الجلّةَ النّجبا.
(1/27)

ويجوز أن يكون حرّاً، على من أنشدَ: بله الأكفّ، وعلى إجازته، أنه مصدرُ،
وكذلك قول أبى دوادٍ:
فدتْ نفسى وراحلتىِ ورحلى ... نجادكَ بلهَ ما تحتَ النّجادِ
فأمّا ما يتعلق به من فيما حكاه أبو زيدٍ، من قوله: فمن بلهَ الأكفّ وبلهَ زيدٍ، كقوله تعالى:
(فضربَ الرقّابِ).
وليست الفتحة التي في بلهَ) في قول من نصب بها، الفتحة التي فيها ن في قول من أضافها، لأنها في الإضافة نصبهُ، كالتى في ضربَ الرّقابِ، وفى القول الآخرَ فقحةُ، كفتحة رويدٍ. وحكى البغداذيون: تيدكَ زيداً، قالوا: فإذا وصلته بالكاف، لم يكن إلّا النّصب، وهذا الذي قالوه صحيحُ، وذاك أن الكاف لا تخلو من أن تكون اسماً، أو تكون للخطاب، مجرّدةً من معنى الاسم، فإن كانت اسماً، كان بمنزلة ضرب زيدٍ عمراً، وإن كانت الأخرى، كان بمنزلةِ رويدك زيداً، فإذا لم تلحقها الكافُ أجازوا فيها النّصبَ: تيدَ زيداً وهذا يكون بمنزلة رويدَ زيداً.
ولم أعلمْ أحداً حكى لحاقَ الكاف بلهَ، وقياس من حعلها اسماً للفعل أن يجوّزَ لحاقَ الكافِ لها، على قوله.
(1/28)

وأرى أن هذا الحرف مأخوذ من التّودة، الفاءُ واوُ، أبدل منها التاءُ، والعينُ همزةُ، وقد ألزمتْ بدلَ الياءِ، بمنزلةِ ما حكاه سيبوبه، من أنه سمع [بعض َ العرب يقول]: بيسَ [فلا يحقّقُ الهمزةَ، ويدعُ الحرفَ على الأصل].
(1/29)

هذا باب من
الأصوات
ولحاقِ لامِ التّعريف لها
قال ذو الرّمّة:
ونادى بها ماءٍ إذا ثارَ ثورةً ... أصيبحُ نوّامُ إذا قام يخرقُ
وقال:
لا يغشُ الطّرفَ إلاّ ما تخونّهُ ... داعٍ ينتديه باسم الماءِ مبغومُ
وقال آخرُ:
يدعونني بالماء ِ ماءٍ أسودا
(1/30)

قال سيبوبه، في لو وليت ونحوه، إذا جعل اسماً: جعلوه بمنزلة ابن عرسٍ، وقال في الحاء والجيم، ونحوه: جعلوه بمنزلة البّاس. ممّا يدلّ على ما قال، قول النمّر:
علقتْ لوّا تكرّرهُ ... إنّ لوّا ذاك أعيانا
فوصفه بذاك، يدلّ بمنزلة اب، عرسٍ، وزيدٍ.
فيقول القائلُ: إنّ هذا الضّربَ من قبيل لو وغاق، ونحوه، فكيف ألحقَ لامَ التعريف، في قوله: باسم الماءِ، وقد قال في البيت الآخر: بها ماءٍ على القياس.
فقول في ذلك أن قوله: باسم الماءِ إن شئتَ قلت: إنّ تقديره: يناديه بالماء، والاسم دخوله وخروجه سواءُ، كقوله: ثم اسمُ السّلامِ عليكما، أي السّلامُ، ومثل [ذلك] قول الشاعر:
لو أنّ حىَّ الغانياتِ وحشا
أي الغانيات، وأنشد أبو زيد:
يا قرّ إنّ أبكَ حىّ خويلد ... قد كنت ُ خائفه على الإحماقِ
(1/31)

وأنشد أبو الحسن:
أبو بجرٍ أشدُ النّاسِ منّا ... علينا بعد حىّ أبى المغيرهْ
وأنشد أحمد بن إبراهيم:
وحىّ بكرٍ طعّنا طعنةً نجرا
وحكى في أبيات، أنه سمع من يقول فيها: قالهنّ حىُّ رياحٍ رياحاً.
ومثل حىّ في هذا: ذو فمن ذلك قول الشّمّاخ:
أطارَ نسبيلهُ عنه جفالاً ... وأدمجَ دمجَ ذى شطنٍ بديعِ
(1/32)

ومثله: ذو آلِ حسّان.
وإن شئت جعلتَ الاسمَ المسمّى، على الاتساع، لمصاحبته له، وكثرةِ الملابسةِ، ولا يكون ذلك بأبعد من قولهم: ولد له ستون عاماً ونحوه، وإسناد الفعل إلى الستّين، لمّا كانت الولادةُ فيها.
فإن شئتَ قلتَ: إن التقدير ُ: يناديه باسم معنى الماءِ، فحذف المضافَ، واسمُ معنى الماء هو الماءُ، فيكون التقدير ُ: باسمِ ماءٍ، وتكون الألفُ واللامُ فيه زائدةً، لأنّها لم تلحق هذا القبيل، ألا ترى أنّهم لم يلحقوه غاق وصهٍٍ، ونحوه.
فإن قلت: فقد ألحقوهما الخازبازِ، والغالب عليه عندكُ أنّه صوتُ، ويقوّى ذلك اشتقاقهم منه الخزباز، والخازباءُ، وهو بمنزلة هلّل ولبّى، ونحو ذلك، فيمن جعله تثنيةً.
قيل: هذا الغالب عندنا على الخازبازِ، ولكن جاز دخول اللامِ فيه، ولم يكن بمنزلةِ غاق وطيخَ ووقبّ وطقّ ونحو ذلك، ممّا أجرى مجرى سامّ أبرص عند سيبوبه،
(1/33)

لأنهم قد أوقعوه أيضاً على غير الأصوات، ألا ترى أنهم قد قالوا: إنه ورم، وقد أنشد أبو زيد:
يا خازباز أرسل ِ الّهازما ... إنّى أخاف أن تكون لازما
وقد قالوا أيضاً: إنّه نبات، قال الشاعر:
تقلّع فوقه القلعُ السّوراى ... وجنّ الخازبازِ به جنونا
فلّا جاء لغير الصّوت، لزمه الألف واللامُ.
وقد يجوز أن يشبّه ما كان من باب العبّاس بباب سامّ أبرصَ، لأنّ ما دخله الألفُ واللامُ من ذلك كثيرُ، يدلّك على ذلك قول الراعى:
فلمّا دعتْ شيباً بجنبىْ عنيزةٍ ... مشافرها في ماءٍ مزنٍ وباقلِ
(1/34)

وقال ذو الرمّة:
تنادينَ باسمِ الشّيبِ في متهدّمٍ ... جوانبه من بصرةٍ وسلامٍ
وإنّما شيب حكاية صوت جذبها الماءَ، ورشيفها له عند الشّربِ. وقال:
دعهنّ ردفىِ فارعوينَ لصوتهِ ... كما رعتَ بالجوتَ الظّماَء الصّواديا
(1/35)

الجوتُ: دعاءُ الإبل إلى الماءِ. وقال آخر:
وأرقع الجفنة بالهيه الرثّع
وحكى بعض البغداديّين: أنّ العرب تقول: كيف لى بفلان؟ فيقال: كلّ الكيفِ، والكيفَ، وأين مثلك؟ فيقال: كلّ الأينِ، والأينَ. وحكى سيبوبه: لا من أين. فحكى البناءَ والأعرابَ جميعاً، مع دخولِ لام المعرفة عليه، ومّما يقوى ما حكاه من ذلك، أنّ أبا زيدٍ أنشد:
يحجلُ فيها مقلزُ الحجولِ ... بغيا ًعلى شقّيه كالمشكولِ
بخطّ لامِ ألفٍ موصولِ ... والزّاىَ والرّا أيّما تهليلِ
[قال: أدخل الألفَ واللام، فتركه على البناء الذي كان عليه].
(1/36)

قال: يصفُ جندياً، فكما تركه على ما كان عليه، قبلَ إلحاقِ اللام، من كونهِ على حرفين، أحدهما حرفُ لين، فلم يخرجه بذلك عن حكم الأصوات، كذلك إذا أدخلَ الامَ.
ويقوّى ذلك أنّ لحاقَ اللامِ الأسماءَ لا يوجبُ لها الأعرابَ، ألا ترى قولهم: الآن، والذى، والتى، واللاتى، ونحوِ ذلك. فأمّا ما ذكرهَ سيبوبه، من أنّ منهم من يقول: هذا يومُ أثنين مباركاً فيه، فيحذفُ اللامَ منه، فالذي فعل ذلك خالف بينه وبين الأسماءِ الأخرِ، لأن تلك على أمثلةِ الأسماءِ التي ليست بعددٍ، فأشبه من أجل ذلك العّباس َ ونحوه.
ولمّا كان اثنان على لفظ العددِ، جعله بمنزلةِ (أمثلة) الأسماء التي لا تشبه الصّفات، إذا جعلتْ أعلاماً. والذي ألحق اللامَ فقال: الاثنان، جعله بمنزلةِ الأحدِ، لأنه عددُ، وقد أدخلوا اللامَ، فكأنّه أراد الشيءَ بعينه في العددَ، كما يريده في الصّفة، فجعله بمنزلةِ تسميتهم الاسمَ بالفضلْ، في إلحاق لامِ المعرفةِ به، لمّا جعله إيّاه في المعنى، ولم يقولوا هذا في زيدٍ، وإن كان في الحقيقة زيادةً في عدد المولودِ له، وفى عدّتهِ، كما فعلوا ذلك بالفضل، لأنّ ذلك كلّه مذهبُ ووجهُ، فله أن يستعمل أحدهما ويرفضَ الآخر، وله أن يجمعَ بينهما، كما قال:
(1/37)

والتّيمُ ألأمُ من يمشىِ وألأمهمْ ... ذهلُ بن تيمٍ بنو السّودِ المدانيسِ
فألحقَ مرّةً، ولم يلحقْ أخرى. وقال ابن الرّقاع:
أرواحُ أمْ بكرةُ فاغتداءُ ... بديونٍ لم نقضهنّ الشّفاء
الشّفاء: اسمُ امرأةٍ.
ولم يتمكن إلحاق اللام في المصادر غير الصفات، إذا سمي بها، نحو زيدٍ، وعونٍ، وعمرٍو، لأن الأصل في إلحاق اللام إنما هو في الصفات، لأنها تصيرُ بمنزلة الوصف الغالب، نحو النابغة. ويجوز أن يكون الذين أستجازوا إلحاق اللام المصدر، إذا صار علماً، نحو التيم، والفضل، والغمر، هم الذين جعلوا المصدر بمنزلة الوصف، فأجروه مجراها، في إلحاق اللام، كما أجروها مجرى الصفات، حيث قالوا: عدلةُ، فأنثوا كما أنثوا الصفة. وهذا يتجه على قول من قدر المضافَ، ثم حذفه، وأقام المضافَ إليه مقامه،
(1/38)

ولا يكون على قول من جعله الشيء بعينه، لأن ذلك لا يلحقه التأنيثُ، إذ كان معنى ليس بعين، إلا أن تقول: إنهم قد يؤنثون للفظِ، كقوله:
وكنا إذا الجبارُ صعر خده ... ضربناه فوق الأنثيين على الكردِ
وقد يحتمل قوله: والتيم ألأمُ من يمشي وجهاً آخر، وهو أن تجعل التيم جمعاً،
كيهودىّ ويهودَ، ثم تعرفه، كما قال الله تعالى: وقالت اليهود، فأنثَ وألحق اللامَ. ويهود إذا كان المراد به الإفراد، لا يلحقه اللام، لأن الاسم قد صار غالباً يراد به القبيلةُ.
ويقوّى ذلك قولهُ: وألأمهم.
وأمّا قولهُ:
يومُ كثيرُ تناديهِ وحيّلهْ
فإعرابه على قياس من أعربَ سفارِ ونحوه، إذا سمّى به، وقول الآخرَ:
(1/39)

بحّى هلا يزجونَ كلّ مطيّةٍ ... أمامَ المطايا سيرها متقاذفُ
وتركه على البناء، على قياس من تركه مبنياً مع التّسمية.
(1/40)

باب من
حذف حروف المعانى
قال الشاعر:
لاه ابنُ عمّكَ لا أفضلتَ في حسبٍ ... عنّى ولا أنت ديّانى فتخزونى
عنّى، قيل: معناه علىّ، وقال [آخر]:
كحلفةٍ من أبى رياحٍ ... يسمعها لاههُ الكبارُ
ويروى: لاهمُ الكبارُ.
(1/41)

[قال أبو علىّ]: حروف المعانى تحذف مع الأسماء على ضروب، أحدهما: أن يحذفَ [الحرفُ] ويضمّنَ الاسمُ معناه، وهذا يوجب بناء الاسم، نحو أينَ، وخمسةَ عشرَ، وأمسِ، في قول الحجازيّين ومن بناه، ولهىَ أبوكَ.
والآخرُ: أن يعدلَ الاسمُ عن اسمٍ فيه حرفُ، فهذا المعدولُ لا يجب بناؤه، لأنه لم يتضمّن الحرفَ، فيلزمَ البناءُ، كما تضمّنه الأوّلُ، لأنّ الحرفَ يرادُ في ذلك البناء الذي وقعَ العدلُ عنه، وإذا كان هناك مراداً لم يتضمّن هنا الاسمَ، ألا ترى في ذلك أنّه محالُ أن يرادَ ثمّ، فيعدلَ هذا عنه، ويتضمّنَ معناه، لأنّك إذاً تثبتُ الحرفَ في موضعين، فلا يكون حينئذ عدلاً، ألا ترى أنّ العدلَ إنما هو أن تلفظَ ببناءٍ، وتريد الآخرَ، فلا بدّ من أن يكون البناءُ المعدولُ غير المعدولِ عنه، ومخالفاً له، ولا شئَ يقعُ فيه الخلافُ بين سحرَ المعدولِ والمعدولِ عنه، إلاّ إرادةُ لامِ التعريف في المعدولِ عنه، وتعرّى المعدولِ منه، فلو ضمّنته معناه، لكان بمنزلةِ إثباته، ولو أثبتّه لم يكن عدلاً، فإذا كان كذلك، لم يجزْ أن يتضمّنه لم يجزْ أن يبنى كما بنى أمسِ.
والضّربُ الثالث: أن يحذف الحرفُ في اللّفظ، ويكون مراداً فيه، وإنما تحذفهُ من اللفظ اختصاراً واستخفافاً، فهذا يجرى مجرى الثّبات، فمن هذا القسم: الحذفُ في
جميع الظّروفِ، [في] حذفت اختصاراً، لأنّ في ذكرك الأسماءَ الى هي ظروفُ دلالةً على إرادتها، ألا ترى أنّك إذا قلت: جلستُ خلفك، وقدمت اليومَ، علمَ أنّ هذا
(1/42)

لا يكون شيئاً من أقسام المفعولات، إلاّ الظّرفَ، فلمّا كان كذلك، كان حذفها بمنزلة ِ إثباتها، لقيام الدّلالةِ عليها، فإذا كنيتَ رددتَ في التي كانت محذوفةً للاختصارِ، وللدّلالةِ القائمةِ عليها، لأنّ الضميرَ لا يتميّزُ، ولا ينفصل، كما كان ذلك في المظهرَ، ألا ترى أنّ الهاء في كناية الظّرفِ، كالهاء في كناية المفعولِ به، فإذا رددتَ الحرفَ الذي كنت حذفته، فوصلته به، دلّ على أنه من بين المفعولات ظرفُ، فقد علمتَ بردّك له في الإضمار أنّك لم تضمّن الاسمَ معنى الحرف فتبينه، وأنه مرادُ في حال الحذف، إلاّ أنّ في ظهور الاسم دلالةً عليه، فحذفته لذلك، فهذا يشبه قولهم: اللهِ لأفعلنّ في أنهم مع حذفهم ذلك يجرى عندهم مجرى غير المحذوف، إلاّ أنه لمّا حذف في الظّرف، واستغنى عنه، وصل الفعلُ إليه، فانتصب، والجارُّ إذا حذفوه على هذا الحدّ الذي ذكرته لك، من أنّ الدّلالة على حذفه قائمةُ، يجرى على ضربين: أحدهما أن يوصل الفعلُ، كباب الظّروف، واخترت الرجالَ زيداً.
والآخرُ: أن لا يوصل الفعلُ، ولكن يكون الحرفُ كمثبتِ في اللّفظ، فيجرّون به، كما يجرّون به
(1/43)

وذلك، إلاّ أن الفعل حذف بعدها، لدلالتها عليه، كما حذف بعد إنْ كذلك، في نحو قولهم: الناس مجزيوّن بأعمالهم، إن خيراً فخيرُ، وقال:
قد قيل ذلك إن حقاًّ وإن كذبا ... فما اعتذراك من شئٍ إذا قيلا
(1/57)

وممّا حذف بعده الفعل أنْ الناصبة للفعل، في قوله:
أبا خراشةَ أمّا أنت ذا نفرٍ ... فإنّ قومى لمَ تأكلهمُ الضبّغُ
فالفعل بعد أنْ مرادُ، إلا أنّه عوّض منه ما فصار الفعلُ لا يظهر معه، قال سيبويه: فإن كسرتَ إمّا لملا يجز الفعل.
فإن قلت: لمَ لمْ يجزْ حذفه، وقد حذفَ الفعلُ في نحو: إن خيراً فخيرُ؟
فالقول أنّ حذفه يقبح، وإن كان قد جاء فيما ذكرتَ، لأنّ دخول ما قد أشبه دخول اللامِ التي تؤكدّ الفعل، ألا ترى أنّ النّون تدخل معها على المضارع، في نحو: (وإمّا تخافنّ)، وفى: عضةٍ ما ينبتنّ شكيرها، كما تدخلُ مع اللام،
(1/58)

فلمّا كان كذلك لم يجز أن تحذفَ الفعلَ هنا، وقد أتيتَ بما تؤكّده، إذ الأولى من تأكيده تبقيته، وترك حذفه، وفذكرك ما يوّكدهُ لا يلائمُ حذفه.
ومثلُ حذفِ الفعل بعد أنْ في قوله: أمّا أنتَ ذانفرٍ وكونِ ما عوضاً منه، حذفه بهد إنْ وتعويض ما منه، في [قولهم]: إمّا لا، وسمعتُ أبا إسحاق يقول: إنّها تقال ممالةً ووجه ذلك أنّ الحوفَ كلّها صارت بمنزلة كلمةٍ واحدة، فأميلَ الألفُ الآخرُ منها، كما أميلتَ الألفُ الآخرُ منها، كما أميلتَ الألفُ في حبارى، وحبالى، ونحو ذلك.
ومن لا في قولِ ذى الرّمّة:
خليلىّ هل من حيلةٍ تعلمانها ... يدنيّكما من وصلِ مىّ احتيالها
فنحتالها أولا فإلاّ فلم نكنْ ... بأوّل راجٍ حيلةً لا ينالها
التقدير: أولا تعلمانها.
فأمّا قوله: فإلاّ فلمَ نكنْ فالتقدير: فإنْ لا تعلما فلم نكنْ، فحذف الفعلَ بعد إن كما حذف في قوله: إن حقّا وإن كذبا.
ومثل ذلك فى حذف الشرط بعد لا قولهُ:
(1/59)

أقيموا بنى النّعمان عنّا صدوركم ... وإلاّ تقيموا صاغرين الرّءوسا
تقديره: وإلاّ تقيموا تقيموا، فحذفَ الفعلَ بعد لا، من حيث كان شرطاً، لا من حيثُ حذف بعد قوله في أولا والمثبتُ هو الجزاءُ، ومن ذلك قول الكميت، أو غيره:
أأسلمُ ما تأتى به من عداوةٍ ... وبغضٍ لهم لا جيرِ بل هو أشجبُ
تقديره: لا أسلمُ، أي لا هو أسلمُ، فحذفَ المبتدأ، وجعل لا بدلاً منه، كما ومثلُ ذلك قولهم: أزيدُ عندكَ أم لا؟ ومن ذلك قولُ ابن أحمر:
وجردٍ يعلهُ الداعى إليها ... متى ركبَ الفوراسَ أو متى لا
مقل قوله:
وإلاّ تقيموا صاغرين الرءوسا
(1/60)

قولُ الأحوص:
فطلقها فلستَ لها بكفءٍ ... وإلاّ يعلُ مفرقكَ الحسامُ
(1/61)

باب من
الحروف التي تتضمّن معنى الفعل
قال الشاعر:
كأنّه خارجاً من جنب صفحته ... سفودُ شربٍ نسوه هند مفتادِ
العاملُ في الحال ما في كأنّ من معنى الفعل.
فإن قلتَ: لم لايكون العاملُ ما في الكلام، من معنى التشبيه، دون ما ذكرتَ، مما في كأنّ من معنى الفعل؟
فإن قلتَ: لم لا يكونُ العاملُ ما في الكلام، من معنى التشبيه، دونَ ما ذكرتَ، مما في كأنّ من معنى الفعل؟
فالقول: أنّ معنى التشبيه لا يمتنعُ انتصاب الحالِ عنه، نحو: زيدُ كعمروٍ مقبلاً، ويدُ عمروُ مقبلاً، إلاّ أنّ إعمال ذلك في البيت لا يستقيم، لتقدّم الحال، وهى لا تتقدّم على ما يعملُ فيها من المعانى.
فإن قلت: لمَ لمَ يعملْ في نحو: أزيدُ أبوكَ؟ وما هندُ أمّكَ، ونحو هذا، فتعمل في
الحالِ معنى الفعل، الذي هو: أستفهمُ، أو أنفى، ونحو ذلك، كما أعملتَ ما في كأنّ من معنى الفعل.
(1/62)

فالقولُ: أنّ هذه الحروف كأنّها وضعت اختصاراً، لتنوبَ عن هذه المعانى، وتدّل عليها، ألا ترى أن الهمزة في الاستفهام قد أغنتْ عن أستفهمُ، وكذلك ما عن أنفى، فلو أعملتْ معانى الفعل في هذه المواضع، كما أعمل المعنى في كأنّ، والظّروف، لأدّى ذلك إلى نقضِ الفرض الذي وصفنا، من إرادة الاختصار، ألا ترى أن هذه الحروف لو أعملتْ، لكانت الأفعالُ كالمرادة، كما أنّها لمّا أعملتْ في الظّروف كانت مرادةً، إذا كانت مرادةً كأنّها مذكورة، وإذا كانت مذكورةً كان ذلك نقضَ الفرضِ الذي أريد من الاختصار.
فإن قلت: فهلاّ يعملُ ما في كأنّ من معنى الفعل، وفى ليتَ ولعلّ؟
فهذا كان القياس فيها، ولكنْ لمّا جئنَ على لفظ الأفعال، أعملتْ إعمالها، وإن كانت لو لم تجئ على ألفاظها لم تعملْ، ألا ترى أنّ المعنى الواحد قد تجده في كلامهم لا حكم له، فإذا انضمّ إليه معنىً آخرُ، قوّى المعنى، فحدث باجتماعها حكمُ لم يكن في الانفراد، فكذلك هذه الحروف، لمّا انضمّ إلى المعنى لفظ الفعل، عملَ بعضَ عملهِ، كما صار أحمدُ كأذهبُ.
من ذلك امّا في قولهم: أمّا زيدُ فمنطلقُ، فالذى يدلّ على تضمنّه معنى الفعل، دخول الفاءِ في جوابه.
والذى يدلّ على أنّ الفاءَ جوابُ، أنّها لا تخلو من أن تكونَ للعطفِ أو للجزاء، فلا يجوز أن تكون للعطف، لأنّها لو كانت له لم تخلُ من أن تعطف مفرداً على مفرد، أو جملةً على جملةَ، وليس في هذا الكلام واحدُ منهما، فإذا لم يكن ثبت أنّها ليست عاطفةً.
وإذا لم تكن عاطفةً، كانت للجزاء، والجزاءُ لا يكون إلاّ بفعل، أو بمعنى فعلٍ،
وليس ها هنا فعلُ، فثبتَ أنّه هنا معناه، وذلك المعنى تتضمّنه أمّا، ولم يذكرِ الفعلُ بعدها،
(1/63)

لتضمّنها معناه، وإغنائها عنه، كما لم يذكرَ بعد يا في النداء، ومن هنا أجازوا: أمّا يومَ الجمهة فإنّى خارجُ، ولم يجيزوا: أمّا زيداً فإنّى ضاربُ، لأنّ الحالَ والظّرف يعمل فيهما المعنى، ولا يعملُ في المفعول به، فصار العاملُ في الحال معنى الفعل، كما صار العاملُ بعد كأنّ معناه.
فأمّا تقديمهم ما يتعلق بما بعد الفاء، نحو: أما زيدُ فمنطلق، فلتحسين اللفظ، وإجرائهم إيّاه على ما سائرِ الكلام، ألا ترى أنّ العاطفة والمجازيةَ لا تليان إلاّ الأسماءَ المفردةَ، والجملَ، ولا تلى واحدةُ منهما الحرفَ، فقّدمَ ما قدّمَ، ممّا فصلَ بين أمّا والجزاء، لتحسين اللّفظ، كما أكّد الضّمير في نحو: (إنّه يراكمْ هو وقبيلهُ) لذلك،
فإذا كان كذلك، علمت أن الفاءَ محذوفة في قول الشاعر:
فأمّا القتالُ لا قتال لديكم ... ولكّن سيراً في عراضِ المواكبِ
فأمّا قوله تعالى: (وأمّا إن كان من أصحاب اليمين. فسلامُ لكَ من أصحاب اليمين)، فالفاءُ جواب أمّا، ولا تكون جوابَ الجزاء، ألا ترى أن
(1/64)

جواب أمّا لا يحذف في حال السّعة والاختيار، وجواب إنْ قد يحذف في الكلام، في نحو: أنت ظالمُ إن فعلتَ، إلاّ أنّ أمّا وجوابها استغنى بهما عن جواب الجزاء، كما استغنى عن جواب الجزاء في قولهم: أنت ظالمِ، عن جواب: إن فعلت،
ومثلُ سدّ الفاءِ، وما هو جوابُ له، مسدّ الجوابين، قوله عزّوجلّ: (ولولا رجالُ مؤمنون ونساءُ مؤمناتُ لم تعلموهمْ أنْ تطؤوهمْ فتصيبكمْ منهمْ معرّةُ بغيرِ علمٍ ليدخلَ اللهُ في رحمتهِ من يشاءُ لو تزيّلوا لعذّبنا الذّينَ كفروا)، قوله: (لعذّبنا) قد سدّ مسدّ الجوابين، كما كان الجواب في الآية الأخرى كذلك.
فأمّا فصلك بين أمّا وجوابها، وبالشرطِ، في قوله تعالى: (وأمّا إنْ كانَ من
أصحابِ اليمينِ)، أنت لا تقول: أمّا ينطلقُ فزيدُ، وأمّا مررتُ فبزيدٍ، فلأنّ الشرطَ، وإن كان على ألفاظ الجمل، فقد خرج من أحكامها، ألا ترى أنّ أبا الحسن قد ذهب إلى أنّ الجازمَ للجزاء هو فعل الشّرط، ولو كان باقياً على أحكام الجمل، لم يجز ذلك فيه
فإن قال قائل: فهل تقول في لولا إنه متضمّنُ لمعنى الفعل، كما قلتَ في أمّا من حيث كان مقتضياً للجواب، اقتضاءَ أمّا له؟
قيل: إنّ اقتضاء الحرفِ للجواب، لا يدّل على تضمّنه معنى الفعل، ألا ترى أنّ لمّا وإنْ ولو يقتضين أجوبةً، ولم تتضمّن واحدةُ منهنّ معنى الفعل،
(1/65)

ولم تتضمّن أمّا معنى الفعل، لاقتضائها الجوابَ، ولكنْ لتعلّق الظّرف والحال به، وأنّ الفاء قد قامت الدّلالةُ أنّها جوابُ، ولا تكون جواباً إلاّ لفعلٍ، أو لمعناه، فلمّا لم يوجدْ واحدُ منهما بعد أمّا علمَ أن أمّا هو المتضمن لذلك، وليس لولا كذلك.
وقد حكى عن أبي عثمان، أنّ ناساً زعموا أن الاسمَ بعد لولا مرتفعُ به، وهذا لم يذهب إليه سيبويه.
وممّا يضعّف ذلك، أنّ الحروفَ التي ترفعُ الأسماء َالظاهرةَ، تنصب، كما ترفع، نحو ما ولات وإنّ وأخواتها، وليس فيها شئُ يرفعُ ولا ينصب، فليس هذا القولُ بالمستقيم، لدفعِ الأصولِ له.
ومن ذلك يا التي تلحقُ المنادى، في نحو، يا زيدُ، ويا عبدَ اللهِ، ويا رجلاً، وتلحقُ غير المنادى أيضاً وذلك نحو لحاقها في نحو: (ألا يا اسجدوا للهِ)، وقوله:
(1/66)

يا دارَ سلمى يا اسلمى ثم اسلمى
فإن قلت: فلمَ لا يكون المنادى مراداً محذوفاً هنا، كما يحذفُ المفعولُ في مواضعُ من كلامهم؟
فالذى يدُلك على أنه غير محذوف، وأنّ التّنبيهَ لحقَ مثالَ الأمر، للحاجة إلى
استعطاف المأمورِ، كالحاجة إلى استعطافِ المنادى، قولهم: هلمّ، وبناؤهم الحرفَ مع الفعل على الفتح، فكما أنذ التنبيه لحق المثالَ دونَ المأمور كذلك في قولهم: ألا يا اسلمى ونحوه.
ويدّل على تضمّنه معنى الفعل، انتصاب الحال عنه، ووصوله مرّةً بالجارّ، ومرّةً بغيره، وجواز الإمالةِ فيه، وأنّ الفعلَ لا يظهرُ معه، كما لم يظهر مع أمّا.
(1/67)

ومثلُ يا في وصولها إلى المفعول به، بحرف الجرّ، قولهم: حىّ في قولهم: حىّ على الصلاة فوصلتْ بعلى، كما وصلتْ يا باللاّم، إلاّ أنّ هذا من الأسماءِ التي سمّيت بها الأفعالُ، وتشابتها، لتضمّنهما معنى الفعل، وقد وصلوها بهلْ، فقالوا: حىّ هلَ، وزعم أنّ بعضهم يقول: حىّ هلَ الصّلاةَ، وقال أبو زيد: حىّ هلَ، وحىّ هلٍ، وحىّ هلكَ.
والقولُ في حىّ هلٍ: أن التنوينَ دخله للتنكير، كما دخل في صهٍ، ونحوها، كأنّه قدّر فيه الإسكان، كأنّه قال: حىّ هلْ، على الوقفِ، كما قال لبيدُ:
يتمارى في الذي قلتُ له ... ولقد يسمعُ قولى حىّ هلْ
ولا يجوز أن تكون حركةُ اللامِ للإضافة، لأنّ هذه الأسماءَ التي سمّيتْ بها الأفعالُ، لا تضافُ، ألا ترى أنّه قال: جعلوها بمنزلة النّجاءكَ، أي لم يضيفوها إلى المفعول، كما أضافوا المصادر، وأسماءَ الفاعلين، إليه.
ويجوز أن يكون لمّا نكّرَ، حرّكَ بالكسر، ليكون على لفظ غيرهِ، في أمثالهِ من النّكرات، نحو: صهٍ، وإيهٍ، ولمّا جرى في كلامهم غير مضافٍ، لإجرائهم إيّاه مجرى
(1/68)

الفعل، لنصبهم الأسماءَ المخصوصة بعده، لم يستجيزوا إضافتها إلى المفعول به، فيكون ما لم يجعل بمنزلة الفعل، على حدّ ما جعلَ من هذه الأسماء بمنزلته، ألا ترى أنّ الأسماءَ لم تجعلْ بمنزلة الفعل مفردةً، حتى ينضمّ إليها جزءُ آخرُ، وإن كان فيها ضميرُ، لأن الضميرَ الذي في اسم الفاعل، لمّا لم يظهر في
أكثر أحواله، صار لا حكمَ له.
فإذا لم يضيفوا هذا البابَ، لأنّ إضافته يخرج ُبها عن الحدّ الذي استعملتْ عليه: علمتَ أنّ الكافَ في: حىّ هلكَ للخطاب، لا لضمير الاسم، وإذا كان ذلك علمتَ أنّ الكافَ فيه الهاء في: هاهناهْ، وهاؤلاهْ، في أنّها لحقت الألفَ لتبينّها، لمّا لم تلتبس بالإضافة، فكذلك الكافُ في حيّهلكَ لحقتْ للخطاب، حيث لم يجز لحاقُ التي تكون اسماً في هذا الموضع، كما لم تلحق الهاء التي لحقتْ في: هاهناهْ، أفعاهْ، ونحوها.
والضّمير الذي في: حىّ هلَ، ينبغى أن يكون في مجموع الاسمين، ولا يكون في كلّ واحدٍ منهما ضميرُ، كما كان في: حىّ على الصلاة، ضميرُ، لأنّ الاسمين جعلا بمنزلةِ اسمٍ واحدِ، كما أنّ خمسة عشر َ بمنزلة مائةٍ، فكما أنّ خمسةَ عشرَ حكمهُ حكمُ المفرد، كذلك حىّ هلَ، حكمهَ حكمُ المفرد، وإذا كان كذلك كان متضمناً ضميراً واحداً.
ويدّلك على ضمّ الكلمةِ الثانية إلى الأولى، قول ابن أحمر:
أنشأت أسأله عن حالِ رفقتهِ ... فقال حىّ فإنّ الرّكبَ قد ذهبا
(1/69)

باب
ما لحقه من الحروف بعض ما لحق الأسماءَ
والأفعال
من ذلك قولهم: إذاّّ في الحرف الذي هو جوابُ وجزاءُ، لحقه الإلغاءُ في قولهم:
أنا إذاً أكرمك، كما لحقَ الفعلَ في قولهم: ما كان أحسنَ زيداً، والاسمَ في قولهم: كان زيدُ هو العاقل.
ووقعتْ آخراً غير متصّلةٍ بالفعل، كقولك: أنا أكرمك إذاً، لمشابهتها الاسمَ، كما وقعتْ لمّا آخراً، لمّا استعملت استعمال الأسماء، في قولهم: لمّا جئتَ جئتُ، ألا ترى أنّه ظرفُ من الزّمان.
ولّا جاء فيها ما أشبهت به الاسمَ والفعلَ، أبدلتْ من نونها الألفُ في الوقف، كما أبدلت في: رأيت رجلا، و (لنسفعا).
ولحق أمّا البدلُ في قولهم: أيما إذا الشّمسُ عارضتْ، كما لحقَ قيراطاً،
(1/70)

وظلتُ، وذاك أنّها أشبهت الفعل بما ذكرنا.
ولحقتْ بعضَ الحروف تاء التأنيث، وذلك نحو ربّ، وربّتَ، وثمّ، وثمّتَ، ولا، ولاتَ، وقال:
ثمّتَ لا تجزونني عند ذاكمُ ... ولكنْ سيجزينى الإلهُ فيعقبا
وأنشد أبو زيد:
ماوىّ بل ربتّما غارةٍ ... شعواء كاللّذعةٍ بالميسمِ
(1/71)

وأنشد أيضا:
يا صاحبا ربّتَ إنسانٍ حسنْ ... يسألُ عنك اليومَ أو يسأل عنْ
وقياس من أسكنَ التاء، في: ثمّتْ، وربّتْ، أن يقفَ عليها بالتاء، كما يقف على ضربتْ، وقياسُ من حرّكَ أن يقف بالهاء، كمايقف على كيّةَ، وذيّةَ، بهاءٍ.
(1/72)

باب
ما لحقه الحذفُ من الحروف
الحروفَ على ضربين: حرفُ فيه تضعيفُ، وحرفُ لا تضعيفَفيه، فما كان فيه تضعيفُ من الحروف، فقد يخفّفُ بالحذف منه، كما فعل ذلك في الاسم والفعل، بالحذف أو القلب، وذلك نحو إنّ، ولكنَّ، وربَّ.
والقياسُ إذا حذف المدغمُ فيه، أن يبقى المدغمُ على السّكون، قد جاء:
أزهيرُ إن يشبِ القذالُ فإنّه ... ربَ هيضلٍ لجبٍ لففتُ بهيضلِ
ويمكن أن يكون الآخرُ منه حرّك، لمّا لحقه الحذفُ والتأنيث، فأشبه بهما الاسمَ، كما حرّك الآخرُ من ضربَ. ولم نعلمهم خفّفوا ثمّ.
وحكى أبو عمرَ، عن يونس أنّ لكنّ إذا خفّفتْ، لا تكون حرف عطف، ووجه قوله أنّ لكنّ إذا خفّفت، كانت بمنزلة إنّ وأنّ، فكما أنّهما بالتخفيف لم يخرجا عمّا كانا عليه قبل التخفيف، فكذلك تكون لكنّ، فإذا قال: ما جاءنى زيدُ لكنْ عمرو، كان الاسمُ مرتفعاً بلكنْ، والخبر مضمر ُ، وإذا قال: ما ضربتُ زيداً لكنْ عمراً، كان في لكنْ ضمير القصّة، وانتصب زيدُ بفعلٍ مضمر.
(1/73)

فإن قلت: فهل خفّفت لعّل، كما خفّفت إنّ، وأنّ، ولكنّ؟
فالقول في ذلك أنّ لعّل إنما هو: علّ، واللامُ فيه زيادةُ، على حدّ زيادتها في قراءةِ سعيد بن جبير: (إلاّ أنّهم ليأكلونَ الطعام)، وعلى حدّ ما أنشده أحمد بن يحيى:
مرّوا سراعا ًفقالوا: كيف صاحبكم ... قال الذي سألوا أمسى لمجهودا
وقد جاء بلالامٍ، قال جريرُ:
علّ الهوى من بعيدٍ أن يقربّه ... أمّ النّجومِ ومرّ القومِ بالعيسِ
فهو على أوزان الفعل، كإنّ وأنّ، وخول اللامِ عليها، كدخول الكاف في كأنّ، إلا أنّ معنى التشبيه في كأنّ بالكاف قائمُ.
وعلى التخفيف يحمل ما أنشده أبو زيد، من قول الشاعر:
(1/74)

فقلتُ ادعُ أخرى وارفعِ الصوتَ دعوةً ... لعل أبي المغوار منك قريب
إن فتحت اللام، أو كسرتَ، فوجهُ الكسر ظاهرُ، وأما الفتحُ، فإن لام الجرّ يفتحها قوم مع المظهر، كما تفتح مع المضمر، فإنما خفف لعل، واضمر فيه القصة والحديثَ، كما أضمر في إن وأن، والتقدير: لعله لأبي المغوار منك قريبُ، أي جواب قريب، فأقام الصفة مقام الموصوف. [وأنشد أبو الحسن]:
لعلّ اللهِ يمكنني عليها ... جهازاً من زهيرٍ أو أسيدِ
وما لا تضعيفَ فيه، فقد لحقه الحذفُ، منه مذْ، فيمنْ جرّبها.
وحذف الألفُ من ها، في قولهم: هلمّ، لأنها إنّما هي: لمّ، لحقتها ها للتنبيه، فإن قال قائل: إنما هي: هلْ، دخلتْ على أمّ.
قبل: ليس يخلو ذلك من أن تكون ها التي للتنبيه، كما قلنا، أو تكون هلْ.
(1/75)

فإن كانت هلْ، لم تخلُ من أن تكون التي للاستفهام، أو التي بمعنى قد، أو تكون هلْ، الذي هو الصوتُ المستعملُ للحضّ والحثّ.
فلا يحوز أن تكون التي للاستفهام، لأن الاستفهام إنّما يدخلُ على ما كان خبراً.
ولا يجوز أن تكون بمعنى قد، لأنها تدخلُ على الخبر.
ولا تكون التي للحضّ، لأن تلك متحرّكةُ الآخر بالفتح، فإذا وقف عليها، وقف بالألف، كما يوقف على أنا بها.
فإن قال: أسكنت في هذا الموضع، كما أسكنها لبيدُ، في قوله:
ولقد يسمعُ قولى حيّلْ
قيل: هذا الإسكان ليس بالأكثرِ الأعرفِ في كلامهم، ومع ذلك فلا يجوز أن
تسكنها في هذا الموضع، لأنّه قد ضمّت إلى غيرها، فجعل معها كالشئ الواحد، يدّل على ذلك اتّفاق الجميع، على تحريك الآخر منها بالفتح، فإذا كان كذلك لزم أن يحرّك الصّدر منهما بالفتح، ولا يسكّن، ألا تراهم لمّا جعلوا الكلمتين في حىّ هل، شيئاً واحداً، حرّكوا منهما بالفتح [فكذلك حرّكوا هلْ بالفتح] صدراً، كما حركوها آخراً، بالفتح.
وزعم الخليلُ أنّ لنْ أفعل، إنّما هي: لا أن، وقد ذكرنا الاحتجاج لقوله.
(1/76)

باب من
زيادة الحروف
قال الشاعر:
وكأنّه لهقُ السّراةِ كأنّه ... ما حاجبيه معيّنُ بسوادِ
فقوله:
حاجبيه بدلُ منفساً أهلكته ... وإذا هلكتُ فعند ذلك فاجزعى
(1/77)

لا تكون إحدى الفاءين إلاّ زائدة.
وقال:
وقفتُ فيها أصيلالاً أسائلها ... أعيتْ جواباً وما بالرّبع من أحدِ
ففى قولهم: ما جاءنى من أحدٍ، دلالةُ على أنّ من زيادةُ، لأنّ معنى الجمع والعموم، إنّما علمَ بأحدٍ، ولم يعلم بمنْ، كما علم في قولهم: ما جاءنى رجلُ بها.
ويدّلك على أنّ أحداً للكثرة والعموم، أنّها مثلُ كرّابٍ، وديّارٍ، وعريبٍ، ونحو ذلك، وعلى هذا قوله جلّ وعزّ: (فما منكمْ من أحدٍ عنه حاجزين).
وإذا لم تتجه في هذه المواضع التي ذكرنا إلاّ على الزّيادة، ثبت أنّ الحكمَ بزيادتها في نحو: ما جاءنى من رجلٍ، جائزُ، وأنّها في الكلام على ضربين: تكون زيادةً،
على نحو زيادتها في [نحو]: ما جاءنى أحدُ، وتكون للجمع والكثرة.
(1/78)

وإذا كان كذلك، علمتَ أنّ إنكارَ من أنكر على النحويّين، أنّ من هذه لا يجوز أن تحمل على الزّيادة، لحدوث معنى الكثرة بدخولها، غير مستقيم.
وممّا جاء فيه الحرفُ زائداً، قولهم: لعلّ، يدلّ على زيادتها قوله:
يا أبتا علّك أو عساكا
ومن النّظر أنّها لا تخلو من أن تكون زائدةً، أو غير زائدة، فإن كانت غيرَ زائدة، فلا تخلو من أن تكون التي للابتداء، أو التي للقسم، أو الفاصلة بين الإيجاب والنّفى، أو الجارّة في قول من فتح، ولا يجوز أن تكون في ضربٍ من هذه الضّروب، فإذا لم يجزْ ذلك، ثبت أنها زائدة.
(1/79)

باب
مما يكون الحرف فيه على لفظ واحد
يحتمل غير معنى
قال الشاعر:
فإنك كالليل الذي هو مدرِكى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسعُ
يحتملُ أن تكون نافيةً، كأنه قال: ما خلتُ أن المنتأى عنك واسعٌ، لأنك
كالليل المدركى أينما كنتُ.
ويجوز أن تكون التي للجزاء، كأنه قال: إن خلت أن المنتأى عنك واسعٌ، أدركتنى، ولم أفتك، كما يدركني الليلُ، والأول أشبه.
وكذلك قوله عز وجل: (قُلْ إِن كَانَ لِلرّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوّلُ الْعَابِدِينَ) يكون المعنى: ما كان للرحمن ولدٌ، كقوله تعالى: (مَا كَانَ للهِ أَن يَتّخِذَ مِن وَلَدٍ).
(فَأَنَاْ أَوّلُ الْعَابِدِينَ) تكون الفاء عاطفة جملة على جملة.
وتكون إن للجزاء، [أي] إن كان للرحمن ولد في زعمكم، فأنا أول العابدين له، ويكون في هذا دلالة على نفي الولد عنه، لأن ذا الولد لا يستحق العبادة.
وكذلك: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ) تكون أن الناصبة
(1/80)

للفعل وصلت بمثال الأمر، كما يوصل الذي بتفعل وتكون أن بدلا من الضمير، وتكون أن للتفسير، بمنزلة أي.
ومن ذلك قوله:
فأجبتها أمَّا لجسمى أنَّهُ ... أودى بنيَّ من البلادِ فودَّعوا
يحتمل أما غير شيء منه: أن يكون حكى الكلمة التي من كلام سائله، ونظير ذلك ما حكاه سيبويه، من أن القائل يقول: لم فعلت ذا؟ فيقول المجيب: لمه؟ لم أنه ظريف، فقوله: لمه؟ حكاية لما كان من كلام السائل، من لمه؟ فكذلك يحكى هنا ما كان من كلام السائل، وهو قوله: أما وهي أم المنقطعة، وما التي للاستفهام، فيكون التأويل: لجسمى أنه أودى بني من البلاد، فيكون أنه مرتفعاً بالظرف الذي هو لجسمى.
فإن قلت: فما معنى قوله: لجمسى أنه أودى، وهل يستقيم على هذا: لجسمى هلاك بنى؟
فالقول: أنه قد حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، كأنه قال: لجسمى
(1/81)

أسف هلاك بنى، أو خزنه، أو شحوبه، ونحو ذلك مما يلوح الأجسام، ويغيرها، والمعنى فيه: الأسف الحادث عن هلاكهم، قال جرير:
فبتُّ والهمُّ تغشانى طوارقه ... من خوفِ رحلةِ بين الظاعنين غدا
التقدير: من خوف الارتحال، وخوف الفراق، وإنما هو مما يحدث عنه، وكذلك قول الأخر:
فما للنَّوى لا باركَ الله في النَّوى ... وهمَّ لنا منها كهمَّ المراهنِ
همُّ الرَّان وهمُّ الفراق ايحدث عنهما.
ويجوز أن تكون أما إنما هي أن المخففة من الشديدية وتكون ما موصولة، فيكون التقدير: فأجبتها بأن الذي لسمى انه أودى بني، فيكون ما في موضع رفع بالابتداء، ويكون أنه في موضع الخبر، وتكون الجملة في موضع رفه بأنه خبر الهاء المضمرة في أن المخففة من الشديدة، ألا ترى أن المعنى: فأجبتها بأنه الذي لجسمى [إيداء بنى].
(1/82)

ويجوز أن تكون ما زائدة، فيكون التقدير: فأجبتها بأنه لجسمى [كذا].
ويجوز أن تكون أن زائدة، فيكون التقدير في فأجبتها: قلت، عند البغداديين، فأغنى عنه، وعند غيرهم يضمر القول، كأنه قال: فأجبتها فقلت: الذي بجسمى أنه أودى بنى، فيكون ما ابتداء، وأنه الخبر، وتكون الجملة في موضع نصب بالقول المضمر، وتكون أن زائدة، على قياس ما انشده أبو زيد، من قوله:
ويماً توافينا بوجهٍ مقسَّمٍ ... كأن ظبيةٍ تعطو إلى وارقِ السَّلمْ
أي كظبيةٍ.
وتكون أما هي أم دخلت على ما على قياس ما حكاه أبو زيد، من زيادة أم.
ويجوز أن تكون أن التي للتفسير، كالتي في قوله عز وجل: (وَانطَلَقَ الْمَلاُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُواْ) التأويل: أي وأى هي التفسير وقوم يقولون: إن معناه: قال، أو قلت، فكان المعنى: فأجبتها أن الذي لجسمى، أو أجبتها فقلت: لجسمى، إذا جعلت ما زائدة.
(1/83)

ويجوز أن تكون أما في قوله أما لجسمى هي أما التي قولك: أما زيد فمنطلق، وأما جسمى فشاحب، وأما جنبى فلا يلائم مضجعاً، إلا انه حذف الفاء، لنه في شعر، كما حذفه الآخر، من قوله:
فأمّا القتالُ لا قتالَ لديكمُ
والتقدير: مهما يكن من شيء فلجسمى انه، فيرتفع أن بالظرف، فإذا فتحت أن كان الظرف متعلقاً بالمحذوف الذي يتعلق به، في نحو: يوم الجمعة القتال.
ولو كسرت أن كما تكسيرها في قولك: أما اليوم فإني راحلٌ، وأما غداً فإني مقيمٌ، لكان الظرف متعلقاً بما في أما من معنى الفعل، ولا يجوز أن يتعلق بما بعد إن لما ذكر في موضعه.
وقد أجاز قوم زيادة حرفين، كما أجازوا كلهم زيادة حرف، وأنشدوا:
كما ما امرئٍ في معشرٍ غير قومهِ ... ضعيف الكلامِ شخصهُ متضائلُ
بجر امرئ، على أن تكون ما في كما والأخرى زائدتين، وأنشدوه أيضاً بالرفع: كما ما امرؤٌ، على أن تكون موصولة.
ويدل على جواز توالى زيادتين، قول أمية:
طعامهمُ لئنْ أكلوا معنًّ ... وما إنْ لا تحاكُ لهم ثيابُ
(1/84)

وقد أنشدوا أبياتاً أخر، في توالى زيادة حرفين، فيجوز على قياس قولهم، أن يكون الحرفان إن وما زائدين، يكون المعنى: فأجبتها فقلت: لجسمى انه أودى بنى.
ولا يجوز أن تكون أم، من أما أم المنقطعة، وقوله ما هذه الكلمة موصولة، إلا على حد الحكاية، كما قدمناه.
وكذلك لا يجوز أن تكون زائدة، لأن أم استفهام، والجواب ضرب من البخر، فلا يجوز أن تجيب بما ليس بخبر.
واختلفوا في قول الشاعر:
سقته الرَّواعدُ من صيَّفٍ ... وإن منْ خريفٍ فلن يعدما
فحمله سيبويه على انه إما المكسورة الهمزة التي يجئ لأحد المرين، نحو ضربت إما زيداً وإما عمراً، تقديره الرواعد، إما من صيف، وإما من خريف، فحذف إما، لأن المبقاة تدل عليها، ومثل ذلك في حذف إما منه في الشعر، قول الفرزدق:
(1/85)

تهاضُ بدارٍ قد تقادمَ عهدها ... وإمَّا بأمواتٍ ألمَّ خيالها
فحذف إما، والتقدير: تهاض إما بدارً، وإما بأموات، فكذلك سقته الرواعد، إما من صيف، وغما من خريف، فحذف إما.
لقد كذبتكَ نفسك فاكذبنها ... فإن جزعا وإن إجمال صبرِ
تقديره: فإما جزعت، وإما أجملت صبرا، يدل على ذلك أنه لا يخلو [من] أن تكون إن الجزاء، أو الأخرى التي ذكرناها، فلو كانت التي للجزاء، وألحقت الفاء، في قولك: فإما جزعاً للزمك أن تذكر الجواب، ألا تراك أنك لو قلت: أنت ظالمٌ إن فعلت، لسد ما تقدم حرف الشرط، مسد الجواب، ولو ألحقت الفاء، فقلت: أنت ظالمٌ فإن فعلت، للزمك أن تذكر للشرط جواباً، ولا تجتزئ بما تقدم، عما يقتضيه الشرط من الجزاء.
فكما أن إن في قوله: فإن جزعا في معنى إما كذلك في بيت النمر، فهذا مذهب سيبويه في البيت.
وقال أبو عبيدة: إن زائدة، تقديره: سقته الرواعد من صيف ومن خريف، وجاز زيادة إن هنا، كما جاز زيادتها في نحو: ما إن فعلت، ما إن فعلت، وهذا في نحو قولك: ضرب القوم زيداًُ من داخل ومن خارج.
(1/86)

وقال الأصعمي: إن للجزاء، كأنه قال: سقته الرواعد من صيف، وإن سقته من خريف، فحذف الفعل بعد إن، لأن إن قد يحذف بعدها الفعل، وإن لم يجز له في الكلام ذكر، فإذا جرى له ذكر، كان حذفه أقوى وأبين.
والمعنى في الأقاويل كلها: فلن يعدم الرىَّ.
وأنشد أبو زيد لقيس بن زهير:
قلتُ به أخاك بخير عبسٍ ... فإنْ حرباً حذيف وإنْ سلاما
فهذا على قياس ما ذهب إليه، في فإن جزعا غنما هو إما تقديره: قتلته فإما
حاربت حرباً وإما سالمت سلاماً، وكان المعنى: لا أبالي واحداً منهما.
ويجوز على قياس قوله [في] فعند ذلك فاجزعى أن تكون إن للجزاء، وما قبله يسد مسد الجواب.
(1/87)

باب
الحروف التي تدل على معان
فإذا ضم منها حرف إلى حرف دلك بالضم على
معنى آخر لم يدل واحد منهما عليه قبل الضم
من ذلك لولا معناها امتناع الشيء لوجود غيره، نحو: لولا زيد لزرتك، دلت الكلمة في حال الضم على ما تدل عليه لو مفردة ولا لا وكذلك لولا التي للتحضيض، واتفق اللفظان في الكلمتين، واختلف معناهما، كما كان ذلك في الحروف المفردة، نحو همزة الاستفهام، وهمزة النداء، [واللام في: لزيد واللام في ليضرب زيدٌ] واللام في: لزيدٌ منطلقٌ، واللام في: تفعلن، وهل في قولك: هل زيدٌ منطلقٌ؟ وهل التي بمنزلة قد في نحو: (هَلْ أَتَىَ عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ)، وقوله:
أهلْ رأونا بسفح القف ذي الأكمِ
ولا التي تنفى بها النكرة، ولا التي في نحو: لا تفعل، وإن التي للنفي، في نحو قوله تعالى: (وَلَقَدْ مَكّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مّكّنّاكُمْ فِيهِ) فإن للنفي، يبين لك ذلك قوله تعالى:
(1/88)

(مكّنّاهُمْ فِي الأرْضِ مَا لَمْ نُمَكّن لّكُمْ).
فكما اتفقت ألفاظ الحروف المفردة، واختلفت معانيها، كذلك هذه الحروف المركبة.
ومن ذلك: هلا، في التحضيض ومنه: لو ما، في نحو قوله تعالى: (لّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ).
ومن ذلك إما في: ضربت إما زيداً وإما عمراً، لا يدل على ما يدل عليه إن، ولا ما يدل عليه ما.
فهذا شان هذه الحروف.
فأما لما فإن لم بدخول ما عليها قد تغيرت عما كانت عليه، ألا ترى أنها صارت ظرفاً، ولم تكن كذلك قبل، إلا إنها بقيت على الجزم والنفي اللذين كانا فيه قبل، وذلك نحو: (وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الّذِينَ جَاهَدُواْ).
(1/89)

باب
مما إذا ائتلف منه الكلم الثلاث كان كلاماً مستقلاً
قال لبيد:
قلَّ ما عرَّس حتَّى هجتهُ ... بالتباشير من الصُّبح الأولْ
أعلم انهم قالوا: أقل رجل يقول ذاك، وأقل امرأة تقول ذاك، وأقل امرأتين تقولان ذاك، فحملوا الصفة فيه على المضاف إليه أقل، لا على أقل.
فإن قال قائل: ما موضع يقول ذاك ويقولان ذاك.
فالقول فيه أن موضعه جر، على ما عليه استعمالهم، ولا يجوز أن يكون رفعاً، لأنه لو كان رفعاً، لكان ينبغي أن يكون محمولاً على أقل، إما أن يكون وصفاً له، أو خبراً.
فإن قلت: إذا كان أقل مبتدأ، فما خبره؟
فالقول فيه: أنه لا يخلو من أن يكون ضميراً، متروك الإظهار والاستعمال، كما كان خبر الاسم بعد لولا كذلك، أو يكون قد استغنى عن خبر المبتدأ بالصفة
(1/90)

الجارية على المضاف أقل إليه، وصار أقل لا خبر له، لما فيه من معنى النفي، كما أن قلما في قولهم:
صددت فأطولت الصدود وقلَّما ... وصالٌ على طولِ الصُّدود يدومُ
غير مسند إلى فاعل، لما فيه من معنى النفي، فكما صار قل غير مسند إلى فاعل، كذلك أقل غير مسند إليه خيرٌ، لأن كل واحد منهما قد جرى مجرى صاحبه، ألا ترى انهم قالوا: قل رجلٌ يقول ذاك إلا زيدٌ، كما قالوا: ما رجلٌ يقول ذاك إلا زيدٌ، وقالوا: اقل رجل يقول ذاك إلا زيدٌ، فأبدلوا زيداً من أقل، وأجروه مجرى: قل رجلٌ يقول ذاك إلاَّ زيدٌ، ألا ترى انه يبدل من رجل المجرور، بل أجرى مجرى: قلَّ رجلٌ.
فأما صفة الاسم الذي يضاف إليه أقل، فإنه يكون فعلاً، أو ظرفاً، لأن الظرف كالفعل والفاعل، ألا ترى انه في صلات الموصولة كالفعل لاستقلال الموصول به.
وقال أبو الحسن: لو قلت: أقل ذي جمة، أو نحو ذلك، لم يحسن.
قال أبو علي: وإنما امتنع هذا، لأن أقل قد جرى مجرى حرف النفي، فلم يظهر له خبر، كما أن قل جرى مجراه، فلم يسند إلى فاعل.
(1/91)

فإذا علمت أنه قد جرى مجرى حرف النفي، بما ذكرت وبأنهم قالوا: قل رجل يقول [ذاك] إلا زيدٌ، [فجعلوه بمنزلة: ما رجلٌ يقول ذاك إلاّ زيدٌ]، كان قولهم: أقل رجل يقول ذاك أقل فيه بمنزلة حرف النفي، وحرف النفي ينبغي أن يدخل على كلام تام، والكلام التام: الفعل والفاعل، وما حكمهما من الظرف، وليس المبتدأ وخبره مما يجري مجرى الفعل والفاعل هاهنا، ألا ترى أن أبا الحسين يقول: لو قلت: أقل رجلٍ وجهه حسنٌ، لم يحسن، فدل ذلك انهم جعلوا أقل بمنزلة ما وما حقها أن تنفي فعل الحال في الأصل، ويؤكد ذلك أنه صفة، والصفة ينبغي أن تكون مصاحبة للموصوف، فكما لا تدخل ما في نفي الفعل، إلا على فعل وفاعل، وكذلك ينبغي أن يكون الوصف الواقع بعد الاسم المضاف إليه أقل فعلاً وفاعلاً،
أو ظرفاً، لأن الظرف كالفعل، [ألا ترى أن قوله تعالى: (وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ) صار دخول الفاء في الخبر للجزاء، كدخولها إذا كانت الصلة فعلاً محضا، كقوله تعالى: (الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ) ثم قال: (لّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبّهِمْ) فإن كان كذلك، فلو أوقعت جملة من ابتداء وخبر بعده، لم يحسن، لن ما في الأصل، لا تنفيها، غنما تنفي الفعل، ولو أوقعت صفة لا معنى للفعل فيها، نحو ذات الجمة، وما أشبهه، مما لا يشابه الفعل، لم يجز ولو أوقعت الصفة المشابهة للفعل نحو ضارب وصالح، لم يحسن في القياس أيضاً، ألا ترى أن هذا موضع جملة، واسم الفاعل لا يسد مسد الجملة، ولذلك لم تستقل الصلة به،
(1/92)

واسم الفاعل في صفة الاسم المجرور برب، أحسن منه في صفة الاسم المضاف إليه أقل، لأن رب وما انجر به من جملة الكلام، ألا ترى أن الفعل الذي يتعلق به مراد، وإن كان قد يترك من اللفظ، كما أن تتعلق به الكاف، في قولك: الذي كزيد، كذلك فإذا كان كذلك كانت فضلة، والفضلة لا يمتنع أن توصف بالصفات التي لا تناسب الفعل، والتي تناسبه، وليس صفة المضاف إليه أقل كذلك، ألا ترى أقل بمنزلة حرف النفي، كما كان قل كذلك، وحكم حرف النفي أن يدخل على جملة.
ووجه جواز وصف الاسم المضاف إليه أقل بصالح ونحوه: أن هذا الضرب قد أجرى مجرى الجمل، في غير هذا الموضع، ألا ترى أن سيبويه قد أجاز حكاية [عاقلة] لبيبة ونحوها، إذا سمى بها، فجعله في ذلك بمنزلة الجمل، حيث كان في حكمها، من حيث كان حديثاً ومحدثاً عنه، وقد جرى هذا النحو مجرى الفعل والفاعل أيضاً في الأسماء المسمى بها الفعل، وكذلك فيما ذكرنا.
والأقيس فيما انجر برب، أن يوصف بفعل وفاعل [أو اسم فاعل] لأن أصل رب، وإن كان كما ذكرنا، فقد صار عندهم بمنزلة النفي، ألا ترى أنها لا تقع إلا صدراً، كما أن النفي كذلك، وأن المفرد بعده قد دل على أكثر من واحد، وهذا مما
يختص به النفي ونحوه.
(1/93)

فإذا كان كذلك، صار ذلك الأصل كالمرفوض، وصار الحكم لهذا الذي عليه الاستعمال الآن، وقد صار كالنفي، بما لزمه، مما ذكرنا، كما صار أقل رجلٍ، بمنزلة ذلك.
فكما أن حكم صفة المضاف إليه أقل، وان يكون على ما ذكرنا، كذلك حكم ما انجر برب.
ومما يدل على أن أقل متنزل منزلة النفي، امتناع العوامل الداخلة على المبتدأ من الدخول عليه، امتناعها على ما لزمه حرف النفي.
ومما جرى مجرى أقل رجل فيما ذكرنا قولهم: خطيئة يوم لا أصيد فيه، ألا ترى أن الكلام محمول على ما أضيف خطيئة إليه، كما كان محمولاً على ما أضيف أقل إليه، ولم يعد على خطيئة مما بعده 1كر، كما لم يعد على أقل شيء مما بعده.
وقياس خطيئة أن تمتنع العوامل الداخلية على المبتدأ والخبر، من الدخول عليها، كما امتنعت من الدخول على أقل لاتفاقهما فيما ذكرت، وفي المعنى، ألا ترى انه يريد: ما يوم لا أصيد ألا الخطأ، فصار كقولهم: ى أقل من جهة المعنى، ومن جهة حمل ما بعدها على ما أضيفت إليه من دونها.
(1/94)

والقياس فيها وفي أقل أن يكون ما جرى بعدهما من الكلام قد سد مسد الخبر، وصار معنى أقل امرأتين تقولان ذاك: ما امرأتان تقولان ذاك، وكذلك خطيئة حمل الكلام على المعنى، فلم يحتج إلى إضمار خبر، كما لم تحتج إليه في قولك:
أذاهبٌ أخواك؟ وما أشبهه.
وأما قول لبيد:
قلَّ ما عرَّسَ حتى هجته
فإن قولهم: قل يستعمل على ضربين، أحدهما: أن يكون بمعنى النفي، لا يثبت به
شيء، والآخر: أن يكون خلاف كثر، يثبت به شيء قليلٌ.
فمن الأول: قولهم: قل ما سرت حتى ادخلها، تنصب الفعل معه بعد حتى، كما تنصب في قولك: ما سرت حتى ادخلها، ومنه: قلما سرت فأدخلها، فتنصب معها بالفعل كما تفعل ذلك بالفاء بعد النفي، ومنه: قل رجلٌ جاءني إلاَّ زيدٌ [كما تقول: ما جاءني إلاَّ زيدٌ]، فهذا في هذه المواضع بمنزلة النفي.
ولو أردت نفي كثر، لجاز الرفع في الفعل حتى، كما تقول: سرت قليلاً حتى أدخلها.
ولو أجرى هذا الضرب مجرى الأول، على معنى أن القليل لم يعتد به لقتلته
(1/95)

لكان ذلك قياساً على كلامهم، ألا تراهم قالوا: ما أدري أأذن أو أقام، فجعل الفعل غير معتد به، والبيت ما قد ثبت فيه التعريس، ولم ينفه البتة، يدلك على ذلك قول ذي الرمة:
زار الخيالُ لمىَّ هاجعاً لعبت ... به التَّنائفُ والمهرَّيةُ النُّجبُ
معرساً في بياض الصُّبح وقعتهُ ... وسائرُ السَّير إلاَّ ذاك منجذبُ
(1/96)

وهذا شيء من ائتلاف الكلم
من زعم أن حب مع ذا، في قولهم، حبذا زيد، بمنزلة شيء واحد، وجب أن يزعم أن ارتفاع زيد بعده، بمنزلة ارتفاع الاسم بعد الاسم المبتدأ، ولا يكون بمنزلة ارتفاعه بعد الفعل، نحو قام زيد، وذلك أن الفعل جعل مع الاسم شيئاً واحداً عنده، فصار الحكم للاسم، وتبع الفعل الاسم؛ ألا ترى أنك لو جعلت الاسم تابعاً للفعل، لجعلت الاسم غير معتد به، ولجعلته بمنزلة بعض أجزاء الفعل، وليس يوجد اسم في نحو هذا، ليس يقع به اعتداد.
فإن قلت: الفصل.
فإن الفصل وإن لم يكن له حظ في الإعراب، فإنه دال على معنى؛ ألا ترى أنه
في قول قوم أنها تؤذن بأن الخبر معرفة، أو قريب من المعرفة، وعند قوم آخرين أنه يفصل الخبر من الصفة.
والفعل قد جاء غير معتد به نحو: ما كان أحسن زيداً. فإن قلت: فقد جاءت ظننت لغواً، في نحو: زيد ظننت منطلق.
فإن حبذا هنا ليس بلغو؛ ألا ترى أن الذي بعده مفرد، والمفرد لا يكون كلاماً إذا ألغيت حبذا، كما يكون زيد منطلق، كلاماً، إذا ألغيت ظننت.
فإذا كانة كذلك، وجب أن يجعل الفعل تابعاً للاسم، والحكم للاسم، كما كان الحكم فيما جعل مع الحرف اسماً للفعل، لاسم الفعل دون الحرف، وذلك قولهم: هلم؛ لأنه كما أن الاسم أقدم رتبة من الفعل، فكذلك الفعل أقدم رتبة من الحرف.
(1/97)

باب من
التقديم والتأخير
قال الهذلي:
ولكنْ فتىً لم تخشَ منه فجيعةً ... حديثاً ولا فيما مضى أنت وامقُ
تقديره: ولكن فتى وأنت وامق، لم تخش منه فجيعة؛ حديثاً، ولا فيما مضى، فحذف الضمير العائد إلى الموصوف من اسم الفاعل، كما يحذف من الصلة، والحذف من الفعل أكثر.
وقال الفرزدق:
وما أحدٌ في غيرهم بطريقهمْ ... من الناس إلاَّ فيهمُ بمقيمِ
تقديره: وما أحد من الناس في غيرهم بطريقهم إلا فيهم.
وقال النابغة:
يثرنَ الثَّرى حتى يباشرونَ برده ... إذا الشَّمسُ مجَّتْ ريقها بالكلاكلِ
المعنى: يثرن الثرى حتى يباشرون برده بالكلاكل، إذا الشمس مجت ريقها.
(1/98)

وقال:
إذا تغنَّى الورقُ هيَّجنيِ ... ولو تعزَّيتُ عنها أمَّ عمَّارِ
هيجني دل على ذكرني، فكأنه أم عمار، ولو تعزيت عنها. هذا رواية الكتاب، وتفسير الخليل، وقد روى: ذكرني.
وقال الشماخ:
تخامصُ عن بردِ الوشاح إذا مشتْ ... تخامصَ حافي الخيل في الأمعزِ الوجى
التقدير: حافي الخيل الوجى في الأمعز، ومثل ذلك في المعنى:
إذا تجافينَ عن النَّسائجِ ... تجافىَ البيضِ عن الدَّمالجِ
وقال ذو الرمة:
حتى إذا زلجتْ عن كلِّ حنجرةٍ ... إلى الغليل ولم يقصعنهُ نغبُ
يريد: زلجت نغب عن كل حنجرة إلى موضع الغليل، فأما قوله:
كأنّها إبلٌ ينجو بها نفرٌ ... من آخرين أغاروا غارةً جلبُ
يريد: كأنها إبل جلب، أي تجلب لسوق، ينجو بها نفر، أغاروا من آخرين، فهم ينجون بهذه الإبل، فكذلك هذا الحمار، ينجو بهذه الحمير.
(1/99)

فهذا كلام على وجهه، إنما قدم فيه بعض الصفة على بعض، ومثل ذلك، في تقديم الجملة على المفرد، في الصفة عز وجل: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ)، فأما قوله:
عيناً مطحلبةَ الأرجاءِ طاميةً ... فيها الضفَّادعُ والحيتانُ تصطخبُ
فالتقدير: فيها الضفادع مصطخبة، والحيتان، فموضع تصطخب نصب، والخبر مضمر، مثل: فيها زيد قائماً وعمرو.
ومن رواه: تصطحب، بالحاء، فنراه خفى هذا المعنى عليه، مع وضوحه.
وقال أبو الحسن، في قوله عز وجل: (وَالّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نّسَآئِهِمْ ثُمّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) المعنى: والذين يظاهرون من نسائهم، فتحرير رقبة لما قالوا، ثم يعودون إلى نسائهم.
فإن قلت: كيف جاز أن تقدر تقديم (لِمَا قَالُواْ)، وهو متعلق بالمصدر، وقد تقدم؟
(1/100)

قيل: لا يمتنع أن يتقدم، على وجه التبيين، ليس على أنه متعلق بالصلة، كقوله:
أبعلى هذا بالرحى المتقاعس
وقوله:
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
(1/101)

[وقوله تعالى]: (وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ).
لم يجعلوا بالعصا متعلقاً بالجزاء، ولكن جعلوه تبييناً للجلد، فكذلك ما تأوله أبو الحسن.
فأما ما قدره من التقديم والتأخير، فكقوله: (اذْهَب بّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمّ تَوَلّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ) التقدير: فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم.
وقد تؤولت على أن يكون التقدير: (وَالّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نّسَآئِهِمْ ثُمّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ) أي ثم يعودون للقول، والقول في المعنى هو المقول فيه، مثل ضرب الأمير، ونسج اليمن، وقاله الخلق، وقال: (وَهُوَ الّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمّ يُعِيدُهُ) فالخلق هو
(1/102)

المخلوق؛ ألا ترى أن الذي يعاد، هو الأجسام، وأنه مثل قوله: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ)، ومثل ذلك: العائد في هبته، أي في موهوبه، ألا ترى أن العود لا يكون إلى الهبة، التي هي العقد الموجب للتمليك، إذا انضم إليه القبض، فإذا كان كذلك، كان المراد الموهوب، فكذلك قوله عز وجل: (ثُمّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ).
فإن قلت: فكيف وقعت اللام موقع إلى في قوله: عدت إلى كذا؟
فإن ذلك لايمتنع؛ ألا ترى أنه قد جاء: (قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقّ)، (وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ) و (بِأَنّ رَبّكَ أَوْحَىَ لَهَا)، (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ).
وقال: (وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله لَيَقُولَنّ كَأَن لّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدّةٌ).
قيل: إن التقدير: ليقولن يا ليتني كنت معهم كأن لم يكن بينكم وبينه مودة.
وهذه الجمل التي يقع فيها التقديم والتأخير، على ضربين: منها ما هو تقديم جملة على جملة، كنحو ما ذكرنا، ومنها ما هو اعتراض.
(1/103)

فمن الاعتراض قوله تعالى: (وَلاَ تُؤْمِنُوَاْ إِلاّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنّ الْهُدَىَ هُدَى اللهِ أَن يُؤْتَىَ أَحَدٌ مّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ) تقديره: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم. وقوله: (إِنّ الْهُدَىَ هُدَى اللهِ) اعتراض.
وكذلك قوله: (إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ إِنّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً) فالخبر (أُوْلَئِكَ لَهُمْ)، وأبو الحسن يقول: إن التقدير: أجر من أحسن عملاً
منهم، وقد يكون على قول له آخر: إنا لا نضيع أجرهم؛ لأن من أحسن عملاً، هم الذين آمنوا في المعنى.
وأما قوله:
شختُ الجزارةِ مثلُ البيتِ سائرهُ ... منَ المسوحِ خدبٌّ شوقبٌ خشبُ
فإن سائره يرتفع بمثل، ولا يكون ابتداء مؤخراً؛ لأنك حينئذ تفصل بين الحال وذي الحال بالأجنبي منهما، وهذا النحو من الفصل الأجنبي، وإن كان قد جاء.
في الشعر، فإذا أمكن حمله على غيره، لم يحمل على الفصل.
(1/104)

باب
مما قلب الكلام فيه
عن الحد الذي ينبغي أن يكون عليه
قال أبو زيد: يقال: إذا طلعت الجوزاء انتصب العود في الحرباء. يريدون: انتصب الحرباء في العود.
وقال أبو الحسن: تقول: عرضت الناقة على الحوض، وعرضتها على [الماء] وإنما يريدون: عرضت الماء عليها. وقال الحطيئة:
فلمَّا خشيتُ الهونَ والعيرُ ممسكٌ ... على رغمه ما أمسكَ الحبلَ حافرهْ
التقدير: أمسك الحبل حافره، والمعنى: ولست كالعير، ومثله:
(1/105)

ربَّ ثاوٍ يملُّ منه الثَّواءُ
أي: ولست كذاك، وينشد للفرزدق:
ووفراَء لم تخرزْ بسيرٍ وكيعةٍ ... غدوتُ بها طيَّا يدي برشائها
قيل فيه: طيار شائها بيدي. وأنشد الطوسي:
لمّا خشيتُ نسبيْ إضوائها
(1/106)

يريد: غضواء نسبيها، وأنشد أيضاً:
كما لففتَ الثَّوبَ في الوعاءينْ
أي الثوبين في الوعاء. وأنشد أبو الحسن:
وإنْ أنت لاقيتَ في نجدةٍ ... فلا تتهيَّبك أن تقدما
قال: يريد: لا تتهيبها، وحكى سيبويه: تهيبتني البلاد، فيكون معناه القلب، على تأويل أبي الحسن، وقال ابن مقبل:
ولا تهيَّبني الموماةُ أركبها ... إذا تجاوبت الأصداءُ بالسَّحرِ
وقال الأخطل:
مثلُ القنافذ هدَّاجون قد بلغتْ ... نجرانُ أو بلغتْ سوآتهم هجرُ
(1/107)

قال أبو الحسن: جعل هجر كأنها هي البالغة، وهي المبلوغة في المعنى، وأنشد لكعب الغنوي:
وكنْ أنت ترعى سرَّ نفسك واعلمنْ ... بأنَّ أقلَّ الناسِ للسِّرِّ ساترهْ
قال: يريد: إن أستر الناس للسِّرِّ أقلهم، وهذا يشبه: دخلت الكمة في راسي، والخاتم في إصبعي، وقال الفرزدق:
لا تحسبنَّ دراهماً سرَّقتها ... تمحو مخازيكَ التي بعمانِ
(1/108)

قال: يريد: سرقنك، وهذا الضرب كثير. وأما قوله:
إلى ملكٍ ما أمُّه من محاربٍ ... أبوه ولا كانت كليبٌ تصاهرهْ
فتقديره: أبوه ما أمه من محارب، فقدم خبر المبتدأ، وهو جملة، كما قدمه وهو منفرد، نحو منطلق زيد، ومشنوء من يشنؤك.
(1/109)

باب من
مجاري أواخر الكلم من العربية
اعلم أن أبا الحسن قال في قول الراجز:
خالط من سلمى خياشم وفا
إن التقدير: وفاها، فحذف المضاف إليه، وكذلك قال في قولهم: لتيس غير؛ إن التقدير: ليس غيره.
وحكى بعضهم أن من الناس من قد لحنه، والتلحين ليس بشيء؛ لاحتماله ما قال أبو الحسن.
وفيه قول آخر: وهو أنه جاء به على قول من لم يبدل من التنوين الألف في النصب، ولكن جعل النصب؛ في أن لم يبدل من التنوين فيه الألف، كالجر والرفع، كما جعلوا النصب في نحو:
كفى بالنَّأي من أسماء كاف
(1/110)

مثل الجر والرفع، فكذلكم جعل النصب مثلهما في نحو قوله:
وآخذ من كلِّ حيٍّ عصمْ
وهذه اللغة - وإن لم يحكها سيبويه - فقد حكاها أبو الحسن وغيره، ووجهها من القياس ما أعلمتك.
فإذا جاز أن يقدر على هذه اللغة، قدرناه عليها، فكانت الألف في الكلمة التي هي بدل من عين الفعل، وجاز ذلك؛ لأنه ليس يبقى الاسم المتمكن على حرف؛ ألا ترى أن الألف منقلبة عن العين، فصار في ذلك كالأسماء التي لما أمن لحاق التنوين بها، جاز أن تبقى على حرفين؛ أحدهما حرف لين، كقوله: ذو، التي في المعنى الذي وذا وتا، ونحو ذلك مما جاء على حرفين، أحدهما حرف لين، لما لم يكن مما يلحقه التنوين.
(1/111)

فكذلك قوله: خياشيم وفا لا يمتنع أن يكون على حرفين، أحدهما حرف لين، على الوجه الذي ذكرنا.
واعلم أنه لايجوز أن تقول: كسرت فاي، كما تقول: رأيت فاك؛ لأن الفاء إنما تتبع العين، فكما أن العين إذا كانت في موضع جر انقلبت ياء، كذلك إذا كانت في موضع كسر؛ ألا ترى أنه لا فصل في اللفظ بين الكسر والجر، في قولك: مررت لغلامك، ورأيت غلامي، فكذلك لا يكون بين: كسرت في، ووضعته في في، لكونه في الموضعين في موضع كسرة، وعلى هذا القياس أنشدوا:
ومنا لقيط وابنماه وحاجب
فتحوا النون؛ لانفتاح الميم؛ لمجاورة الألف، كما اتبعت الفاء، ومن في، في النصب، في قولك: كسرت في، حركة عين الإعراب، في نحو: رأيت غلامي، كما أتبعته حركة الإعراب.
واعلم أن ما ذهب إليه؛ من أن قولهم: م الله، إنما هو محذوف من: أيمن الله، يتجه على أن الياء قد حذفت، كما حذفت الواو؛ لأنهما يتفقان في الإعلال، في مواضع، فلما حذفت سقطت همزة الوصل، وحذفت النون، كما حذفت في دد؛ لأنها توافق
(1/112)

حروف الاعتلال، في أشياء كثيرة. وجاز الحذفان؛ لأنهما ليسا على التوالي، فيكره، وهذا في الاسم مثل عه، وشه، فبقي الاسم على حرف واحد.
ووجه بقائه على حرف واحد، أن الإضافة تلزمه، ولا يستعمل وحده، فجاز لذلك، كما جاز عند الجميع بقاء الاسم على حرفين، أحدهما حرف لين؛ من أجل الإضافة، أو علامة التأنيث، في نحو: شاة، ولاة.
فلما جاز عند الجميع بقاء الاسم على حرفين؛ أحدهما حرف لين، من أجل الإضافة، وإن لم يكن ذلك في الإفراد، كذلك جاز بقاؤه على حرف واحد من أجل الإضافة؛ ألا ترى أن كون الاسم على حرفين، أحدهما حرف لين؛ في أنه غير موجود إلا في الإضافة، أو ما في حكمها، كبقاء الاسم على حرف واحد؛ في أنه ليس إلا في الإضافة.
وما ذهب إليه من ذلك، أولى من قول من قال إنه محذوف من من الجارة؛ ألا ترى أن الحروف لا تحذف، وأن من حذف: ولاك اسقني إنما حذفه لالتقاء
(1/113)

الساكنين في الضرورة، على التشبيه ب (أحَدُ اللهُ)، ولا ذاكر الله، وهذا في الكلام، وليس في الشعر، فليس حذفه إذاً لالتقاء الساكنين، ولكن على حد دد.
والحذف في الكلام إذا كان موضعاً تتحرك فيه النون، لا تحذف، فكذلك لو كان من م الله إنما حذف للالتقاء الساكنين، وجب ألا تحذف؛ لأنه موضع تتحرك فيه، كما لم يحذف من (لَمْ يَكُنِ الّذِينَ كَفَرُواْ)، فأما قوله:
لم يكُ الحقُّ على أن هاجهُ
(1/114)

فشعر، وليست من الحروف التي يحذف منها؛ لأنها ليست بمضاعفة.
فإذا كان كذلك، كان حلمه على أنه من التي في من ربي لا يسوغ لأمرين؛ أحدهما أنمه قد حذف ما لا يحذف مثله، والآخر أنه استعمل الحرف مضموماً، في غير الموضع الذي استعملوه فيه؛ ألا ترى أنه زعم أنه لا يستعمل ذلك إلا في هذا الاسم وحده، يعني في من ربي في القسم.
واعلم أن القول في أدل، وأجر، وأحق، وقلنس: أن الواو أبدلت ياء، في هذا النحو، لما كانت تغلب عليه الياء في الإضافة إلى المتكلم، فلما أبدلت ياء، أبديت من الضمة الكسرة، كما أبدلت منها، في مرمى، لما أبدلت واو مفعول ياء؛ لإدغامها في الياء،
(1/115)

ومن زعم أن قول الشاعر:
قدرٌ أحلَّك ذا المجازِ وقد أرى ... وأبيَّ مالكَ ذو المجاز بدارِ
إنما رد الواو التي هي لام الفعل في الإضافة إلى الياء، كما رده مع الكاف، في نحو: أبوه، وأبوك، فليس بمصيب. وذاك أن هذا الموضع لما كان يلزمه الإعلال بالقلب، وقد استمر فيه الحذف، أمضى ذلك فيه، ولم يرد فيه ما كان يلزمه الإعلال له.
وإنما أبي جمع، مثل عشري، يدلك على ذلك قول الشاعر:
وقد شئيتْ بها الأقوامُ قبلى ... فما شئيتْ أبيَّ ولا شئيتُ
وقد أنشدوا قول الشاعر:
(1/116)

أبي جوده لا البخلَ واستعجلتْ به ... نعمْ من فتىً لا يمنع الجودَ قاتلهْ
على ضربين: لا البخل، ولا البخل، بالجر، والجر قول أبي عمرو، فيما رواه يونس، عنه، جعلها مضافة إليه؛ لن لا قد تكون للجود، وللبخل، ألا ترى أنه لو قال: امنع الحق واحرم المساكين، فقال: لا، كان هذا جوداً.
فاما بقاؤهما على حرفين، فمثل: رأيت فازيد، وذا مال.
(1/117)

باب من
التثنية
قال عنترة:
أحولي تنفضُ استكَ مذوريها ... لتقتلني فها أنذا عمارا
اعلم أن التثنية على ضربين: أحدهما أن يلحق الاسم فيها
حرف التثنية، ويكون في تقدير الانفصال، والآخر: أن يصاغ الاسم على التثنية، ولا يقدر فيها انفصال الواحد، كما قدر في الوجه الأول، ولكن بني على التثنية، كما بني نحو السماوة والعظاية، على التأنيث، غير مقدر فيها دخول التاء على التذكير، وهذا أحد ما يدل على أن التثنية حرف الإعراب.
فالأول كقولك: رجل ورجلان، وامرأة وامرأتان، وعصا وعصوان، ورحاً ورحيان، ومعزى ومعزيان، ونحو ذلك.
(1/118)

والثاني كقولهم: مذروان، وعقلته بثنايين، فهذان بنياً على التثنية، كما بنى نحو الإداوة على التأنيث، ولولا ذلك لانقلبت الواو والياء، كما انقلبتا في ردائين،
ومغزيان، فلا مفرد لكل واحد من مذروين وثنايين، كما انه لا مذكر للإداوة والنهاية.
ومما ثنى على غير واحدة قولهم: ضبعان، لذكر الضباع. زعم أبو الحسن وأبو عمر، أنهم إذا أرادوا تثنية ضبعان، قالوا في تثنيته: ضبعان، قالوا في تثنيته: ضبعان، فثنوا المذكر على اسم المؤنث، فغلب المذكر المؤنث في هذا الباب.
وقال أبو زيد: قالوا: ضبع وضبعان، وثلاث أضبع، وهي الضباع، وضبعان، وضبعانان، وثلاثة ضبعانات، وهي الضباع، الذكارة منها.
قال أبو علي: نقول: إنه لا يخلو من أن يكون قاله قياساً او سماعاً، وإنما لم نقطع على أنه قاله سماعاً؛ لأنه لم يسند القول فيه إليهم، كما أسنده في الضبع، فقال: قالوا: ضبع. فيحتمل أن يكون قال ذلك قياساً على الضبع، ويحتمل أن يكون سمع اللفظة كما حكاها مثناه.
فإن كان قاله قياساً، كان قول أبي الحسن أولى؛ لأنه روى استغناءهم بتثنية المؤنث عن تثنية ضبعان، ولا يجوز القياس فيما يرد المسموع، أو المفهوم منه.
(1/119)

وإن كان قد سمع هذه اللفطة مثناه، فلا دلالة في سماعها على دفع ما رواه الحسن وأبو عمر؛ لأنه يمكن أن يكون القائل لذلك من العرب، جمع ضبعاناً المفرد، على ضبعان؛ لأن فعلاناً من ابنية الجموع، فيجوز أن يكون جمع ضبعاناً بحذف الزيادة، كما جمعوا كرواناً وورشاناً، على ذلك، فقالوا: كروان، قال:
كأنهم الكروان أبصرن بازيا
فالكسرة فيها غير الكسرة التي كانت في الواحد، كما أن الألف والنون كذلك، وكما أن الكسرة في: قنوان، وصنوان، غير الكسرة في: قنو، وصنو، وكذلك الكسرة في سيدان، [وسيدة]، غير التي كانت في سيد، قال ابو زيد: قالوا: سيد، وهي السيدان، وسيدة. وكذلك الكسرة في: ذيخة، غير الكسرة التي في ذيخ، قال أبو
زيد: ثلاث ذيخة، وهي الضباع، الذكارة، وقال: قالوا: عجل، وثلاثة عجلة.
وكما أن الكسرة في دلاص وهجان؛ إذا أردت لبهما الجمع، إنما هي على حد ظراف، وشراف، وليست التي كانت في الواحد.
وكذلك الضمة التي في الفلك، وأنت تريد الجمع، غير التي كانت في الواحد؛
(1/120)

لأنها على حد رهن، ورهن، وكث، وكث، وورد، وورد، ونحو ذلك.
ويجوز أن يكون شبه الألف والنون، في ضبعان، في الواحد، بالتانء، فحذفها، وكسر الكلمة، على حذف التاء منها، كما قالوا: نعمة وأنعم، وأكمة وآكم، وامة وآم، وشدة واشد، كما شبهها الآخر بها، فيما أنشده الأصمعي:
قبِّحتمُ يا ظرباً مجحَّرهْ ... أو الوبارِ يبتدرنْ الحجرهْ
ألا ترى ان الواحد: ظربان، ويكون تثنية الجمع، كقولهم: جمالان، قال:
لأصبحَ القومُ أوباداً ولم يجدوا ... عند التّفرُّقِ في الهيجا جمالين
(1/121)

وقالوا: لقاحان سوداوان، وإنما لقاح جمع لقحة، حكاه سيبويه، وأنشد أبو زيد:
هما إبلانِ فيهما ما علمتمُ ... فعنْ أيَّها ما شئتمُ فتنكَّبوا
فإذا أمكن فيه هذا الذي وصفنا لم يكن القولان متدافعين.
ومما ثنى على غير واحده، ما حكاه بعض البغداديين، من انهم يقولون: هذه فعلت ذاك، وهاتا فعلت [ذاك]، وذه فعلت [ذا]، وذي، ويثني في اللغات كلها: هاتان.
ومن هذا الباب: تثنية الأسماء المبهمة، [الأسماء] المثناة فيها مصوغة في التثنية، وليست على حد رجل ورجلان، ولكن على حد رجل ورجلان، ولكن على حد مذروان، لأن التنكير لا يجوز أن يلحقها.
(1/122)

باب
تحريك نون الاثنين
قال أبو زيد: أنشدني المفضل، لرجل من بني ضبة، هلك مذ أكثر من مائة سنة:
وهيَ ترى سيئَّها إحساناً ... أعرفُ منها الأنفَ والعينانا
ومنخرينِ أشبها ظبياناً
فتحريك النون بالفتح، يحتمل غير وجه: منها أن حركتها لما كانت لالتقاء الساكنين، ورأى التحريك في التقائهما من المنفصل والمتصل، لا يحرك بضرب واحد من الحركة، جعل التثنية مثل ذلك؛ ألا ترى أنهم قالوا: رد، ورد، ورد، وقالوا: عوض، وعوض، ونحو ذلك، فلم يلزموا في المتصل ضرباً واحداً من التحريك، فكذلك جعل نون التثنية بمنزلته.
ويجوز أن يكون شبه التثنية بالجمع، لما رآهم يقولون: مضت سنون، ويقولون: مضت سنين، فيجعلون النون في الجمع، حرف الإعراب، جعلها في التثنية كذلك.
ويجوز أن يكون شبه غير العلم بالعلم، ألا ترى أن النحويين قد أجازوا في رجل يسمى بتثنية، أن يجعلوا النون حرف الإعراب، فيقولوا: هذا زيدان وعمران. وكان القياس ألا يعرى من شيء يدل على التثنية، كما أنه إذا سمي بجمع بالألف والتاء، لم يعروه
(1/123)

مما يدل على حكاية ذلك؛ إلا أنهم لما قالوا: السبعان، في الاسم المخصوص، فلم يبقوا شيئاً يدل على حكاية التثنية، جاز على ذلك تغيير ما سمي بتثنية.
وقد حكى البغداديون تحريك نون التثنية بالفتح، إذا وقعت بعد الياء، وأنشدوا: على أحوذيين.
ويشبه أن يكونوا شبهوا التثنية بالجمع، فكما فتحوا النون بعد الياء، في الجمع، كذلك فتحوا ما بعد الياء في التثنية، وهذا مما يقوى فتح النون، في قوله: العينانا؛
ألا ترى أنه ليس يلزمها على رأيهم، وعلى ما أنشدوه، حركة واحدة.
وما عليه الجمهور أولى، من جهة القياس أيضاً، وهو الأكثر في الاستعمال، وذلك أن هذه الياء لا تلزم الكلمة، وقد وجدت من الحروف مالم يقع به الاعتداد، لما لم يلزم، فالياء في هذا الموضع لتيست بلازمة، ألا ترى أن منهم من يجعلها في جميع الأحوال ألفاً،
(1/124)

وقد حذفوا هذه النون، في غير الإضافة، كما حكى عن الكسائي أنه أنشد:
يا حبِّ قد أمسينا ... ولم تنامِ العينا
[قال]: أراد: العينان، فحذف النون، وقوله: إن عمى اللذا أشبه شيئاً؛ لأن الاسم قد طال بالصلة.
(1/125)

باب
الاسم المفرد الدال على التثنية
كما أن كلا اسم مفرد دال على الجمع
قال جرير:
ولو شاءت أمامهُ قد نفعنا ... بعذبٍ باردٍ يشفي الأواما
كلا يومىْ أمامةَ يومُ صدٍّ ... وإن لم نأتها إلاَّ لماما
فكلا يرتفع بالابتداء، ويوم خبره، وهو مفرد، فيدل [ذلك] على أن المبتدأ أيضاً كذلك.
ومن ذهب إلى أنه تثنية، لم يستقم قوله، بدلالة السماع والقياس، فأما السماع: فإن ما جاء منه في كلامهم يدل على غير التثنية، كبيت جرير، وكقول الآخر:
فكلاهما في كفَّه يزنيَّةٌ ... فيها سنانٌ كالمنارةِ أصلعُ
(1/126)

وقوله:
وكلاهما قد عاش عيشةَ ماجدٍ ... وحوى العلى لو أنّ شيئاً ينفعُ
وكقول الأعشى:
كلا أبويكمْ كان فرعاً دعامةً ... ولكنَّهم زادوا وأصبحتَ ناقصاً
وقوله:
أكاشره وأعلمُ أن كلانا ... على ما ساَء صاحبه حريصُ
ونحو ذلك، ولو كان تثنية لم يستقم هذا؛ ألا ترى أنه لايستقيم: الرجلان قام، والغلامان في كفه.
ولو جاء شيء من ذلك مثنى، لم يكن في تثنيته دلالة؛ لأن ما جاء من الإفراد،
(1/127)

على ما ذكرنا، قد ثبت به أنه اسم مفرد، فإذا جاء شيء من ذلك على التثنية، كان محمولاً على المعنى، دون اللفظ، [وذلك] كقول الفرزدق، أنشده أبو زيد:
كلاهما حينَ جدَّ الجريُ بينهما ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي
فحمل مرة على اللفظ، ومرة على المعنى، كما أن قوله سبحانه: (إِن كُلّ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلاّ آتِي الرّحْمَنِ عَبْداً) وقوله عز وجل: (وَكُلّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) كذلك، وما أقل ما يجيء على المعنى، وفي التنزيل: (كِلْتَا الْجَنّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئاً).
ومما يدل على فساد كونها تثنية أنها قد جاءت مضافة إلى التثنية، فلو كانت تثنية لم يجز إضافتها إلى التثنية؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، ألا ترى أنهم يقولوا:
(1/128)

مررت بهما اثنيهما، ولا مررت به واحده، كما قالوا: مررت بهم ثلاثتهم، لما كان الاثنان هو الضمير المضاف إليه.
ففي إجازتهم لإضافة كلا مع امتناعهم من إضافة اثنيهما وواحده، دلالة على مخالفة كلا لهما، في باب التثنية.
ووما يدلك على رفضهم إضافة الشيء إلى نفسه، أنهم لما قالوا: مررت بهم
ثلاثتهم، أو ثلاثتهم، وأربعتهم، وأربعتهم، فتركوا الجمع للكثرة، وأضافوا الثلاثة ونحوها إليه، ولم يجز ذلك في التثنية؛ لأن التثنية في الضمير لا يجوز أن يراد به أكثر من الاثنين، فيحصل فيه إضافة الشيء إلى نفسه، رفضوا ذلك، وصيغ كلا مفرداً دالاً على التثنية، كما كان كل دالاً على الجمع، وأضافوا هذا المفرد إلى ضمير التثنية؛ لأنه لا يمتنع إضافة المفرد إلى الاثنين، نحو قولك: أحدهما، وهذا أفضلهما، وأيهما أخوك، فلو كان كلا لفظه التثنية لرفض إضافته إلى التثنية، كما رفض إضافة الاثنين إليه، في قوله: اثنيهما، وكما رفضوا أن يقولوا: مررت به واحده؛ من حيث كان الواحد الضمير المضاف إليه، فقالوا في هذا المعنى: مررت به وحده؛ لتقع إضافة المصدر إلى ضمير المفرد، وليس المصدر بالضمير، في هذا المعنى.
فهذا مما يتبين منه أن كلا مفرد اللفظ، وإن كان يدل على التثنية.
فإن قيل: ما تنكر أن تجوز إضافته، كما جاز إضافة كل؟
قيل: إنما يكون بمنزلة كل إذا كان مفرداً؛ ألا ترى أن كلا مفرد أيضاً،
(1/129)

فإذا كان مثنى، كان بمنزلة الاثنين سواء، ألا ترى أنه ليس غير المضاف إليه، كما أن اثنين [ليسلا] غير المضاف إليهما، وليس كل كذلك؛ ألا ترى أن كلا عبارة عن أجزاء الشيء المضاف إليه، والأجزاء غير المجزأة. فكلا إذا كان تثنية، لا يكون بمنزلة كل.
ويدل أيضاً على أن كلا ليس بتثنية، أن الحرف المنقلب منه، لايخلو من أن يكون للتثنية، كالذي في رجلان ورجلين، أو يكون لام الفعل، فالدلالة على أنه لام الفعل، وليس بحرف تثنية، أن حرف التثنية لم تبدل منه التاء في شيء من كلامهم، وقد أبدلت من اللامات، في نحو بنت، وأخت، فلما أبدلوا من هذه الحرف أيضاً، فقالوا: كلتا، ثبت أنه لام، وليس بحرف تثنية.
فإن قلت: لم لا تكون التاء زائدة، والحرف الذي بعدها حرف التثنية، كما يقوله أبو عمر؟ قيل: إن قول أبي عمر في ذلك، لا دلالة عليه، والأصول تدفعه؛ ألا ترى أن التاء لم تزد في هذا النحو، ولم يقل أحد في التاء، في نحو: بلتع: إنها زائدة، وقد ثبت البدل من الحرف الذي هو لام قبل ألف [التأنيث]، نحو: شروى، وتقوى، ورعوى، وكذلك الألف في كلتا تكون على هذا الحد، وزلا تكون زائدة، كما لم تكن زائدة في غير هذه الكلمة، في هذا الموضع.
فإن قال: لو كانت للتأنيث لم تنقلب في نحو: كلتهما، ألا ترى أن ألف التأنيث لم تنقلب في هذا النحو، وقد انقلبت اللامات، فإذا انقلبت انقلاب اللامات، ثبت أنها لام، وليست ألف تأنيث.
(1/130)

قيل: إن ألف التأنيث، وما أشبهها، مما ليس بلام، قد انقلبت، ألا ترى أن من قال: أفعى، وأفعو، يفعل ذلك في حبلى، كما قالوا: حبلأا، ورأيت حبلأ وقد انقلبت حروف التثنية والجمع، وهي زوائد، كما أن ألف التأنيث كذلك، فلانقلاب فيها لا يمنعها أن تكون ألف تأنيث.
وأيضاً فإنها لما كانت آخراً، وقد انقلبت الألف التي هي لام آخراً، انقلبت الزائدة أيضاً؛ لئلا يختلف الآخر، والمعنى الذي وجب الانقلاب في الآخر من المذكر، موجود في المؤنث، وهو لزوم الإضافة لها، ومشابهتها بذلك على، ولدى.
فأما ما يدل على أنها في حال دخول التاء، مفرد، كالحال قبل دخول التاء، قوله تعالى: (كِلْتَا الْجَنّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا): وقول الشاعر:
فكلتاهما خرَّتْ وأسجدَ رأسها ... كما سجدتْ نصرانةٌ لم تحنَّف
(1/131)

باب من
التثنية يدل على الكثرة
أنشد الأصمعي، لعلي بن الغدير الغنوى:
وإذا رأيتَ المرَء يبشعبُ أمره ... شعبَ العصا ويلجُّ في العصيانِ
فاعمدْ لما تعلو فما لكَ بالَّذي ... لاتستطيعُ من الأمور يدانِ
لم يرد بقوله: يدان التثنية التي هبي من أنقص من ثلاثة، ولكن بالغ في نفي القوة [عنه]، وأخبر عن اعتياصه عليه، وقلة انقياده له، وعلى هذا قولهم: لايدين بها لك.
وكأن هذا المعنى في التثنية، يشبه اللفظ في مذروان، وثنايين، ألا ترى أن ذلك لم يكن في الواحد، وإنما حدث في التثنية، كما أن التصحيح لم يكن في الواحد، إنما اعترض في التثنية؛ لبناء التثنية عليه، ومن هذا الباب على مذهب الخليل قولهم: لبيظك، ألا ترى انه يريد ملازمة بعد ملازمة، ومن سعديك متابعة بعد متابعة،
(1/132)

وليس يريد الاثنين، الزائد على الواحد، ومن ذلك قولهم: نعم الرجلان أخواك، فهذا في أن المراد فيه الكثرة يشبه قولهم: هذان خير اثنين في الناس، ومن ذلك قول الفرزدق:
وما قمتُ حتَّى كادَ من كان مسلماً ... ليلبسَ مسودَّىْ ثيابِ الأعاجمِ
التثنية مراد بها الكثرة، ألا ترى أن ثياب الأعاجم ليس لها مسودان اثنان، إنما يريد [به] الكثرة، والمراد ما يلبسه الرهخبان من سود الثياب، ومما يبين ذلك في قوله:
وكلُّ رفيقيْ كلِّ رحلٍ وإن هما ... تعاطى القنا قوماً هما أخوانِ
(1/133)

فأما قوله:
لو أنَّ عصمَ عمايتينِ ويذبلٍ ... سمعا حديثكِ أنزلا الأوعالا
فالمعنى: عصم عمامتين، و [عصم] يذبل، وقال: سمعا، وهما كثرة، كما قال: جملان، وإبلان، وفي التنزيل: (أَنّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقاً
(1/134)

فَفَتَقْنَاهُمَا)،
والأرض ليس يراد بها الواحد، إنما يراد بها الأرضون، يدلك على ذلك قوله: (خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنّ)، فالأرض كالإبل، والسموات كجمالين. فقد علمت أن المراد بكل واحد من المثنى الجمع، وإن اختلفا فيما رأيت.
(1/135)

باب من
الجمع بالواو والنون
قال الشاعر:
إنْ يكُ لاساَء فقد ساءني ... تركُ أبينيكَ إلى غيرِ راعْ
لا يخلو قولهم: أبينون، في تحقير، أبناء، من أن يكون مقصوراً من أفعال، أو تحقير أفعل، أو يكون اسماً صيغ في التحقير.
فلا يجوز أن يكون مقصوراً من أفعال؛ لأن أفعال لم يقصر في موضع غير هذا، فلا يستقيم أن تدعى فيه شيئاً لا نظير له، وقد خولف فيه، ولم يجيء في شيء، كما جاء أسد وأسد، ونحوه.
(1/136)

ولا يستقيم أيضاً أن يكون تحقير أفعل، وإن كان أفعل مثل أفعال؛ في أن كل واحد منهما للعدد القليل.
فإن قلت: أوليس قد قالوا: صبي، وصبية، وغلام، وغلمة، وقالوا في التصغير: أصبية، قال:
فارحمْ أصيبيتي الذين كأنَّهم
وفي الحديث: كل يلطح أغيلمة بني عبد المطلب، وأفعله من فعله، كأفعل من أفعال؛ في أن كل واحد جمع أدنى العدد، وجاء التكثير على أحدهما، ووقع التحقير على الآخر، فكذلك أبينون، وإلى هذا ل [القول] يذهب بعض البغداديين، ومما يقوى ذلك انهما قد يتعاقبان على الكلمة الواحدة، كأفرخ وأفراخ.
(1/137)

قيل: لا يستقيم أن يكون هذا على أفعل، وإن كان ما ذكرته من أدنى العدد، يقوم كل واحد مقام الآخر؛ لدخول الواو والنون، وهما في أنه للعدد القليل، مثل البناء المبنى له، فلا يستقيم إذا إلحاق الواو النون له، كما لايجتمع الحرفان لمعنى واحد في الكلمة؛ ألا ترى أنك إذا جمعت اسماً فيه علامة التأنيث، بالألف والتاء، أزلتها بالحذف، أو القلب، فكما أزلت العلامة، فلم تجمع بينهما، كذلك لا يستقيم أن تجمع بين الواو والنون، وبين بناء أدنى العدد؛ لاجتماع شيئين بمعنى واحد، في الكلمة.
فإذا لم يستقم ذلك، علمت أنه اسم صيغ في التحقير، كما قال، كأنك حقرت أبناً، مثل أعمى.
فإن قلت: فمن أبيات الكتاب:
قد شربتْ إلاَّ دهيدهينا ... قليِّصاتٍ وأبيكرينا
فالقول في ذلك أنه ضرورة، وكأن الذي استهواه أن أفعل جمع من أبنية الجموع القليلة، وقد جاء ضربان منه بالتاء، وهو أفعلة، وفعلة، فلما وافقتهما أفعل في القلة، وكان تأنيث الجمع قائماً فيه، قدر أن التاء تلزم، فقدر فيها التأنيث، كما جاء [منه] في البناءين
(1/138)

الآخرين، فلما لم تثبت عوض منها، كما عوض من العلامة التي ينبغي أن تثبت فيها، فقال: أبيكرين، كما قيل: أرضون.
فإذا كان كذلك، لم تجتمع علامتان لمعنى، ألا ترى أن الياء كأنها عوض من علامة التأنيث، كما أنها في أرضين كذلك.
وأما أبينون، فإذا لم تكن فيه ضرورة، وكان التصغير قد يصاغ فيه الأسماء التي لا تكون في التكبير، نحو عشيشية، وأنيسيان، وكذلك يحمل أبنا، على هذا النحو، دون افعل، فيلزم فيه اجتماع شيئين لمعنى.
والدليل على أن الواو والنون لأدنى العدد، أنهما كالألف والتاء، وهما جميعاً بعد التثنية، فهما وإن وقع للعدد الكثير، فأصلهما للقليل، فلم يدع وقوع ذلك على العدد
الكثير، انه في الأصل للقلة، كما أن وقوع شسوع على العدد القليل، لم يرفع عنه حكم الكثرة، فيسوغ فيه التحقير، وكما أن أرسان لما وقع على الكثير، لم يمتنع فيه ما يجوز في العدد القليل، وما هو الأصل.
وأما الدهيدهينا، فيشبه أن يكون لما حذف حرف اللين، الذي كان يجب
(1/139)

إثباته، شبه ذلك بعلامة التأنيث؛ من حيث الحذف، والحذف يجعل الواو والنون عوضاً من ذلك، كما جعلهما عوضاً من علامة التأنيث.
فإن قال قائل: إذا زعمتم أن تاء التأنيث لما لم تدخل في أرضين، فعوض منها الواو والنون، فصار لذلك بمنزلة ثبة وثبون، لما حذفت منها اللام جمع بالواو والنون؛ ليكون ذلك عوضاً من المحذوف، الذي هو اللام، فما بالهم قالوا: غحرون، وإوزة، وإوزون، وقال الشاعر:
لاخمسَ إلاَّ جندلُ إلا حرِّينْ ... والخمسُ قد يجشِّمك الأمرِّينْ
(1/140)

وقال الآخر:
تلقى الإوزُّونَ في أكناف دارتها ... فوضى وبينَ يديها التَّينُ منثورُ
فجمعوا بالواو والنون، وهو على أربعة أحرف، وما كان على أربعة أحرف، لم ترد تاء التأنيث في تحقيره، وكذلك لاينبغي أن يجمع بالواو والنون أيضاً، كما لم يجمع ما ثبت فيه العلامة بهما.
قيل: [إن قولك] إحلاون وإوزون، فيه حرف مضاعف، والتضعيف اعتلال، ألا ترى أنه قد يحذف في القوافي، في نحو: من سر وضر، ونحو: من إنس ولا جان، ويبدل منه حرف العلة، كقولك: تشاففت ما في
(1/141)

الإناء، وتشافيته.
فلما كان الحرف بهذا الوصف أشبه اأرضاً؛ في أنه كأنه على ثلاثة أحرف، فعوضت، كما عوض أرض الجمع بالواو والنون.
ونظير ذلك إدخالهم همزة الوصل، في امرئ وامرأة، ألحقوهما كما الحقوا ابنا
واسماً، ونحو ذلك، من المحذوف اللام، حيث كانت اللام همزة وحرف إعلال، والهمزة قد تحذف حذفاً، في مثل:
يا با المغيرةِ ربِّ أمرٍ معضلٍ ... فرَّجته بالنُّكرِ منَّى والدَّها
وقد يسكن ما قبلها في المرء فيحذف، فلما لم تلزم الهمزة الكلمة، متحركاً ما قبلها، أشبه واو سوير ونحو ذلك.
فكما نزلوا امرءاً منزلة المحذوف منه؛ حيث ألحقت همزة الوصل أوله، كذلك نزل إوزة، وإحرون، منزلة أرض، التي على ثلاثة أحرف، فجمعا بالواو والنون، كما جمعت.
(1/142)

وإن شئت قلت: إن هذا في الشذوذ، كشذوذ وراء، وقدام حيث قالوا: وريئة، وقديديمة، فكما أثبتوا التاء في تحقيرهما، وإن كانا على أربعة، كذلك جمعوا الإوزون، بالواو والنون، وإن كان على أربعة أحرف.
وإن شئت قلت: إن الهمزة لما لنم تثبت في واحد إحرون، وإنما لحقت في الجمع في حرة، لم يكن لازماً، ولما لم يلزم لم يجب الاعتداد بها، كحروف كثيرة، لما لم تلزم، لم يجب الاعتداد بها، وإذا كان كذلك، فكأنك جمعت ما هو على ثلاثة أحرف، ثالثه حرف معتل،
فصار بمنزلة ما هو على حرفين، وكذلك إوز، لما قيل: الوز.
وإن شئت قلت: إن هذه الهمزة إنما لحقت لتغير الجمع عليه الواحد في حرة، فصار بمنزلة الحركة في سنين وثبون، التي غيرت بها سنة وثبة، فصار الحرف بمنزلة الحركة؛ من حيث اجتمعا فيما ذكرت لك، كما أن الحرف قام مقام الحركة في غير هذا.
(1/143)

باب آخر
من الجمع بالواو والنون، يبقى فيه الاسم المجموع
على حرف واحد.
قال:
وذلك أنَّ ألفكمُ قليلٌ ... لواحدنا أجلْ أيضاً وميناَ
التقدير: أجل أيضاً وإن ألفاً ومئتين قليل لواحدنا، فحذف الألف [الآخر]؛ لجرى ذكره، كما حذف الآخر، في قوله:
ألا فالبثا شهرين أو نصفَ ثالثٍ ... إلى ذاكَ ما قد غيَّبتني غيابيا
أي شهرين [أو شهرين] ونصف شهر ثالث.
فأما قوله: ومينا فإنه اسكن الهمزة؛ لن مئي من مئين، بمنزلة إبل، فأسكن، كما تسكن العين من إبل، ثم قلبها قلباً وهي ساكنة قبلها كسرة، فانقلبت ياء ساكنة، فاجتمعت مع الياء التي هي حرف الإعراب، فحذفت الأولى منهما، كما تحذف من عمين وشجين، يدلك على أنه قلبها: أنه لايخلو من القلب، أو التخفيف القياسي، فلو كان على التخفيف القياسي، لكان في الرفع، على أحد القولين، بين بين، وعلى الآخر يقلب ياء [محضا]، وفي النصب والجر، بين بين، فلما لم يكن على شيء من ذلك، علمت أنه ليس بتخفيف، وأنه قلب، كما قلبها في قوله:
(1/144)

وكنت أذلّ من وتدٍ بقاعٍ ... يشججُ رأسه بالفهر واجى
وقوله: لا هناك المرتع. ونحو ذلك، فصار مين ولو رفعت على الموضع دون اللفظ، لجاز ذلك في الإعراب، وفي حكم القافية، لجواز وقوع أمين، مع أمون في هذا النحو، ولو جعلت النون حرف الإعراب، في هذا النحو، على قولك: سنينٌ، لقلت: مينٌ، ولا يجوز في ذلك مونٌ.
وجاز بقاء الاسم على كلمة واحدة، لتكثرها بحروف الجمع، وهذا مما يؤكد ما ذهب إليه في قولهم: مُ الله، وقد قدمنا ذكره، كأن لزوم الإضافة هناك،
(1/145)

كلزوم
حرفي الجمع هنا.
فإن قال قائل: فإذا سميت رجلاً بشيةٍ، فرخمته، على من قال: يا حارُ، فهلا قلت: ياشى، ولم ترد الفاء، لأن الاسم هنا لا يلحقه التنوين، فلا يؤدي إلى بقاء الاسم على حرف واحد.
قيل: إنه إذا رخم هذا الترخيم، فقد جعل اسماً على حياله، ولا يستقيم أن يبنى إلا على ما يكون عليه الأسماء، ألا ترى أنه قد يجوز أن يلحقه التنوين للضرورة في النداء، على حد ما لحق: يا مطراً، ويا مطرُ، فإذا لحقه في قول من رفع، بقي على حرفٍ، وهذا مما يكره ويرفض أن يصير إليه بناء الاسم، ألا ترى أنك لو سميت امرأة بلو، أوكى، أو نحو ذلك، زدت عليه ما يكون به على أمثلة الأسماء التي يلحقها التنوين.
(1/146)

باب
مما كسر من الأسماء
وجمع بعد التكسير على حد التثنية
قال العجاج: جذبُ الصرارين بالكرورِ
صراريُّ فيه: فعاليل، لأن الصاري الملاح، فالعتلال في اللام، وليس بخلوا فعاليل من أن يكون جمعاً لفعالٍ، أو فعّال، ففعّالٌ في الصفة قد كثر، وفعال، كقراء، وكرامٍ، وحسان.
فإن جعلته جمعاً لفعالٍ، فقد كسّروا ذلك في قولهم: الجبابير في البيت الذي أنشده، وقد ذكر ذلك في الأبنية أيضاً.
وأما فعّالٌ فقد يجوز أن تشبهها بكلابٍ فتكسره، كما كسروا كلاليب،
(1/147)

فكان قوله: إشرافَ مرديٍّ على صرّائهِ
الأشبه [فيه] أن يكون واحداً، ألا ترى أن فعّالاً كشهادٍ، لم نعلمه جاء مكسراً، كما جاء تكسير فعالٍ، نحو جمال وجمائل.
فأما لحاق الواو والنون للكلمة، وقد كسرت هذا التكسير فإنهم استجازوا جمعها بالواو والنون، كما جمعهوه بالألف والتاء، فيما حكاه أبو عمر، عن أبي عبيدة: أنهم قالوا: ناقةٌ مفاتيحُ، وأينقٌ مفاتيحات، وهي الخصبة، الكثيرة اللبن، قال: وقد قالت العرب في سراويل: سراويلات، [قال]: وقالوا في وصف الضبع: حضاجر، وحضاجرات وحكى أبو عثمان - فيما أظن -: صواحبات يوسف، فكما جمعوه هذا الجمع،
(1/148)

كذلك جمعوه بالواو والنون، وقد أنشد بعض البغداديين:
قد جرت الطيّر أيامنينا ... قالت وكنتُ رجلاً فطينا
وكأن الجمع إنما جاء في هذا الضرب، كما جاءت التثنية، فيما حكاه من قولهم: لقاحان سوداوان، ونحو قول الشاعر: بين رماحي دارمٍ ونهشل
(1/149)

وجمالين في البيت الذي تقدم.
فكما جاز في هذا الضرب من الجمع، كذلك جاز في باب مفاعل، لأنهما يجتمعان في أنهما بناءان للكثرة.
ومما يحسن جمع هذا الضرب من الجمع المكسر بالواو والنون، كما جمعت الآحاد على ذلك، أنه قد أوقع على الآحاد، وإن كان ذلك في جمع الأجزاء، وذلك نحو: حضاجر؛ للضبع، نحو قولهم: سراويل، وحكى بعض البغداديين: نور تعاشيب، وأنشد: نوراً تعاشيب وذلك مع ذلك: تباشير الصبح.
فإذا جمع جمال، وثنى لقاح، ولم يقعا على هذا الموقع في وصف الآحاد بهما، كان جمع هذا أجدر، ألا ترى أن أكباشاً وأعشاراً، ونحوهما، لما وقعا على الواحد، أجرى مجراه في التكسير.
فأما أبيكرينا فليس كالصرارين؛ وذلك أن هذا الضرب من الجمع القليل، والواو
والنون أيضاً له، فلما اجتمعا فيما ذكرنا؛ وجب ألا يجمع بينهما، كما لم يجمع بين الحرفين، إذا كانا لمعنى، ومن ثم قال: إن من قال: لقاحان سواداون، لم يقل: أقوالان؛
(1/150)

لأن أقوالاً بغير تثنية، قد وقع عليه أقوالان، ألا ترى أنه قد يجوز أن يعنى بأقوال ثلاثة وأربعة وخمسة، وقد يجوز أن يقع على عشرة، فلما جاز أن يقع نفس البناء بلا تثنية، على ما تقع عليه التثنية، رفض ذلك، واستغنى عنه بإغناء المثال عن التثنية.
وليس باب لقاحان، وجمالان، ورماحي دارم كذلك؛ لأن الجمع لا يغني عن التثنية، كما أن تمران، وعلمان ونحو ذلك، من أسماء الأجناس التي تختلف، لم يستغن فيه عن التثنية، فاستعملت فيها على حد ما استعملت في جمالين.
ولو جمعت نحو أفعال، بالألف والتاء، لم يستقم، وذلك أن أفعالاً للعدد القليل، والألف والتاء أيضاً له، فلا يستقيم أن يجتمع في الكلمة شيئان لمعنى.
فهذا عندي قياس قول سيبويه في أبينون ألا ترى أنه جعل أبنا، مثل أعمى، ولم يذهب فيه إلى أنه أفعل، كما ذهب إلى ذلك من ذهب.
(1/151)

باب من
الجمع بالواو والنون
مما حذف فيه ياء النسب وكان حقه أن يتثبتا فيه
أنشد أبو زيد:
تهددنا وأوعدنا رويداً ... متى كنّا لأمك مقتوينا
قالوا: رجل مقتوى، وقالوا في الجمع: مقتوون، كما قالوا: أشعريٌّ وأشعرون، فحذفوا ياء النسب، مع الجمع بالواو، في هذين الموضعين، ونحوهما.
فأما تصحيحهم الواو؛ فإن شئت قلت: صححوها في الجمع الذي على حد التثنية، كما صححوها في جمع التكسير، حيث قالوا: مقاتوةٌ، كما أنهم لما حذفوا ياء النسب من الجمع، على حد التثنية، حذفوهما في التكسير، فقالوا: المهالبة.
وإن شئت قلت: بنوا مقتوون على الجمع، كما بنوا مذروان على حد التثنية، ألا ترى أنهم لم يفردوا الواحد منه بغير حرف النسبة، كما لم يفردوا واحد مذروان، وإنما استعمل واحده بحرف النسب: مقتويٌّ.
وفيه قول آخر، وهو أن الواو صحت لما كانت النسبة مرادة في الكلمة،
(1/152)

فصححت الواو مع الحذف، كما كانت تصح مع الإثبات، ليكون تصحيحها دلالةً على إرادة النسب، كما صحت الواو والياء في عور، وصيد، ليعلم أن الفعل بمعنى يلزم تصحيح الواو فيه، وكذلك ازدوجوا، واعتوروا، ألا ترى أنك لو بنيت منه افتعلوا، لا تريد فيه معنى تفاعلوا، لأعللت.
فأما النون فقد فتحت كما فتحت في مسلمون وقد جعلت حرف الإعراب، كما جعلت في سنين ونحوه، حرف الإعراب، حكى ذلك عن أبي عبيدة، وحكاه أبو زيد، إلا أن أبا زيدٍ حكى الفتح والكسر، في الواو، وفيما قبل الياء، فيمن جعل النون حرف الإعراب، وحكيا جميعاً: رجل مقتوين، ورجلان مقتوين، ورجال
مقتوين، قال أبو زيد: وكذلك المرأة والنساء.
فأما ما انفرد أبو زيد، بحكايته من كسر الواو، التي قبل الياء وفتحها، فالأصل فيه الكسر، ألا ترى أنك لو أثبتت ياء النسب، لقلت: مقتويون، فإذا حذفتهما وأنت تريدها، وجب تقرير الكسرة، كما كانت تقرر مع الياءين، لو أثبتتهما، فالذي فتح إنما أبدل من كسرة الواو، الفتحة، كما أبدل الكسرة من الفتحة، في قوله:
(1/153)

فلا أعني بذلك أسفليكم ... ولكني أريدُ به الذّوينا
فأبدل من الفتحة في الواو، الكسرة، يدلك على أن الأصل فيها الفتحة، قوله تعالى: (ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ) و (ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ) وكما أبدل الكسرة من الفتحة، في قوله:
وبالعذواتِ منبتنا نضارٌ ... ونبعٌ لا فصافص في كبينا
والواحد: الكبا، فلم يفتح العين من الكبين، كما لم يفتحهما من الذوين وإنما جاز ذلك في الفتحة والكسرة، لأنهما كالمثلين، ألا ترى أنهم قد حركوا بالفتح مكان الكسر، في جميع ما لا ينصرف، وجعلوا النصب والجر على لفظ واحد، في التثنية، وضربي الجمع المسلّم، في التأنيث والتذكير، وقالوا: مررت بإبراهيم بن زيد، فوقعت الفتحة موضع الكسرة، وكان ينبغي أن يكسر، لأن تحريك الميم بمنزلة تحريك الراء، من امرئ، إذا أقرت الهمزة، وبمنزلة تحريك الميم بالكسر، فيمن قال: بالمرء، فكما كانت كل واحدة من الكسرة والفتحة، في هذه المواضع، بمنزلة الأخرى، كذلك جاز أن تفتح الواو وتكسر، من مقتوين، فيما رواه أبو زيد.
(1/154)

فأما إجراؤه الكلمة، وهو جمع، على الواحد، مما اجتمع أبو زيد، وأبو عبيدة، في حكايته، فوجهه أنه قد جاء: (هُنّ أُمّ الْكِتَابِ)، ولم تكن: أمهات.
فكما أجرى الواحد على الجميع، كذلك في مقتوين؛ وصف الواحد بالجميع، وكأن الذي حسن ذلك أنه في الأصل مصدر، ألا ترى أنه مفعلٌ من القتو، والمصدر يكون للواحد والجميع، على لفظ واحد، فلما دخله الواو والنون، وكانا معاقبين لياء
النسب، صارتا كأنهما لغير معنى الجمع، كما كانتا في ثبةٍ وبرةٍ، لما كانتا عوضاً من اللام المحذوفة، لم يكونا على حالهما، في غير ماهما فيه عوضٌ؛ ألا ترى أن نحو طلحة لا يجمع بالواو والنون. فجرى مقتوون على الواحد والجميع، كما كان يجري المصدر عليهما.
وهذا الاعتلال يستمر في قول من لم يجعل النون حرف إعراب، وفي قول من جعلها حرف إعراب؛ ألا ترى أن من قال: سنين، فجعل النون حرف إعراب، فهو في إرادته الجمع كالذي لم يجعلها حرف إعراب، ومن هذا الباب إنشاد من أنشد:
قدنى من نصرِ الخبيبينِ قدى
(1/155)

من أنشده على الجمع، أراد الخبيبين، ونسب إلى أبي خبيب، يرده ويريد شيعته، وعلى هذا قراءة من قرأ: (سَلاَمٌ عَلَىَ إِلْ يَاسِينَ) أراد النسب إلى إلياس، وزعموا أن في بعض القراءات: (سَلاَمٌ عَلَىَ إِدْ اسِينَ) كأن الواحد إدريس، وإدراس.
ومن أنشد الخبيبين على التثنية، أراد: عبد الله ومصعباً، فثناهما، كما قالوا: العجاجان، وسنة العمرين، ونحو ذلك.
وكما جمع هذا النحو على حد الثنية، كذلك جمع على التكسير، في نحو: المهالبة، والمناذرة، والسبابحة، ومن هذا الباب: الأعجمون، في قوله تعالى: (وَلَوْ نَزّلْنَاهُ عَلَىَ بَعْضِ الأعْجَمِينَ)، ومن زعم أن أعجمون جمع أعجم، فقد غلط، لأن نحو أعجم لا يجمع بالواو والنون، كما أن عجماء لا تجمع بالألف والتاء، إذا كانت صفة، فإنما أعجمون جمع أعجمي، وحذف ياء النسب، وإنما أعجم وأعجمي، كأحمر وأحمري، ودوار، ودواري، يراد بكل واحدٍ منهما ما يراد بالآخر، إلا أن حكم اللفظ مختلف.
(1/156)

فأما الألف في قوله: مقتوينا فيتحمل ضربين: من قال: مقتوِين أو مقتوَين، فالألف
في قوله: بدلٌ من التنوين، كالتي في: رأيت رجلا، ومن قال: هؤلاء مقتوون، وبمقتوين، فالألف على قوله للإطلاق، كقوله: أقلي علي اللومَ عاذل والعتابا
ومن هذا الباب إنشاد من أنشد.
(1/157)

باب
ما جعلت فيه النون المفتوحة
اللاحقة بعد الواو والياء في الجمع حرف إعراب
أنشد أبو زيد:
دعاني من نجدٍ فإنّ سنينهُ ... لعبنَ بنا شيباً وشيبننا مردا
وأنشد أيضا:
سنيني كلّها لاقيتُ حرباً ... أعدّ مع الصلادمة الذّكورِ
وأنشد بعض البغداديين، لشاعر، في حذيفة بن بدرٍ:
ولقد ولدتَ بنينَ صدقٍ سادةً ... ولأنت بعد الله كنت السيدا
وقال:
وماذا يدري الشعراء منّي ... وقد جاوزتُ رأسَ الأربعين
(1/158)

اعلم أن هذه النون إذا جعلت حرف الإعراب، صارت ثابتةً في الكلمة، فلم تحذف في الإضافة، كما كانت تحذف قبل، كما لا تحذف نون فرسن، وضيفن، ورعشن، ونحو ذلك من النونات التي تكون حرف إعراب، وإن كانت زائدة، ويكون حرف اللين قبلها الياء، ولا يكون الواو، لأن الواو تدل على إعراب بعينه، فلم يجز ثباتها؛ من حيث لم يجز ثبات إعرابين في الكلمة؛ ألا ترى أنهم إذا نسبوا إلى رجلان ونحو ذلك من التثنية، حذفوا، فقالوا: رجليٌّ، مع أن الألف قد لا تدل على إعراب بعينه؛ لأن قوماً يجعلون حرف الإعراب في الأحوال الثلاث ألفاً،
فإذا حذفوا ذلك، مع أنهم قد جعلوها بمنزلة الدال فيه، لا تكون لإعراب مخصوص، فأن لا تثبت الواو الدالة على إعراب مختص أولي.
فأما من أجاز ثبات الواو في هذا الضرب من الجمع، وزعم أن ذلك يجوز فيه، قياساً على قولهم: زيتونٌ، فقوله في ذلك يبعد من جهة القياس، مع أنا لم نعلمه جاء في شيء عنهم، وذاك أن هذه الواو لم تكن قط إعراباً، ولا دالة عليه، كما كانت التي في مسلمون، فالواو في زيتونٍ كالتي في منجنون، في أنه لم يكن إعراباً قط، كما أن التي في منجنون كذلك، وعلى ما ذهب إليه الناس، جاء التنزيل، وهو قوله تعالى: (وَلاَ طَعَامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ)، لما صارت النون حرف إعراب، صار حرف اللين قبله الياء، وقال:
(1/159)

(لَفِي عِلّيّين وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلّيّونَ)، فأما قوله:
ولها بالماطرون إذا ... أكلَ النّملُ الذي جمعا
فأعجمي، وليست الواو فيه إعراباً، كالتي في سنين.
فأما ثبات الياء في سنين، وفلسطين، وقنسرين، فإنهما لما لم تدل على إعرابه بعينه، أشبهت التي في شمليل، وقنديل، ولذلك ثبتت في النسب، ولم تحذف، كما حذف ما يكون [في] ثباته في الاسم اجتماع علامتين للإعراب، وقد كثر هذا الضرب في الجمع، حتى لو جعل قياساً مستمراً، كان مذهباً، فمن ذلك ما جاء من قول الطرماح:
ترى أصواؤه متجاوراتٍ ... على الأشرافِ كالرفق العزين
وقال:
خلتْ إلا أياصرَ أو نؤياً ... محافرها كأسرية الأضين
(1/160)

يريد جمع أضاةٍ، وقال:
حسانُ مواضع النّقب الأعالي ... غراثُ الوشحِ صامتة البرين
وهو جمع برةٍ، وقال في وصف القطاة:
ترى لخلوق جلّتها أدواى ... مولعةً كتوليع الكرين
(1/161)

وأما قول الشاعر:
يمرّون بالدّهنا خفافاً عيابهمْ ... ويخرجنَ من دارينَ بجرَ الحقائب
فإنه يحتمل ضربين: أحدهما أن يكون أعجمياً، [فيكون] كهابيل، وحاميم، والآخر: أن يكون عربياً، فيكون فعلين. فإذا جعلته فعلين، احتمل أمرين، أحدهما أن يكون مثل غسلين، إلا أنه لم يصرف؛ لأنه اسم بلدةٍ، أو بقعة، والآخر أن يكون مثل عليين، والدليل على جواز كنه مثل عليين، قول كثيرٍ:
أفيدَ عليها المسكُ حتى كأنّها ... لطيمةُ داريّ يفتّق فارها
وقد جاء في الشعر، مسك دارين، قالك
مسايح فودى رأسه مسبغلةٌ ... جرى مسكُ دارين الأحمُّ خلالها
فداريٌّ يدلُّ على أن دارين كعليين.
ومن قال: فلسطين، قال: دارينيٌّ.
والبيتان جميعاً لكثير، فقد جعله بمنزلة قولهم: فلسطون.
(1/162)

باب
الألف والتاء تحذف فيه اللام
قال الشاعر:
وكأنّها بالجزع جزعِ نبايعٍ ... وألاتِ ذي العرجاء نهبٌ مجمعُ
قال أبو عبيدة: ألاتٌ: واحدها ذاتٌ.
إن سأل سائل عن وزن أُلات.
فالقول فيه أنّ العين منها لا تخلو من أن تكون ساكنةً أو متحركةً.
فإن قلت: لم لا تقول إنها ساكنةٌ، لأن السكون الأصل، والحركة زائدةٌ، فلا يحكم بها إلا بدلالةٍ، ولا دلالة هنا؛ ألا ترى أنه يجوز أن تكون مثل ثباتٍ، وقلاتٍ، وتكون اللام محذوفةً.
فالقول أن الدلالة على أن العين متحركةٌ، أن آخرها ألفٌ، وإذا كان الآخر ألفاً، ثبت أن العين متحركةٌ؛ لأن اللام لم تنقلب ألفاً إلا لتحرك ما قبلها.
(1/163)

والدلالة على أن تحرّك العين هنا يوجبُ انقلابَ اللام ألفاً، كما يجب ذلك فيما تمكن في الأسماء، مثل هدىً، ولغىً، فلما وقعت على الصورة الموجبة للقلب في هذه الأسماء المنقلبة، انقلبت، كما لما وقعت الواو، في ذات مالٍ، متحركة بين متحركين، انقلبت، فاللام من أُلاتٍ، كالعين في ذاتٍ، في انقلابهما.
والدلالة على أن الآخر من قولنا: ألاتٌ، ألفٌ، وأنها قد حذفت: أنها بمنزلة نظيرها الذي هو ذواتٌ، فكما حذفت اللام هنا، كذلك حذفت من ألات، لأنها بمعناها، كما أجرى يذر مجرى يدع. وقد اتفقا في لزوم الإضافة إليهما، فجريا لذلك مجرى ما لم يتمكن، مثل هيهات، فيمن كسر التاء، ألا ترى أن من فتح التاء، فقال: هيهاة، فقياس قولهم أن الكلمة من مضاعف الياء، وأن اللام المنقلبة عن الياء، قد حذفت مع ألف الجمع في هيهات، فكذلك حذفت من ألات وذواتٍ.
فإن قال قائل: إذا كان أُلاتٌ، على ما ذكرته، فهو فعلق، فما باله إذا جمع بالواو
(1/164)

والنون، قالوا في جمعه: ألون، و (نَحْنُ أُوْلُو قُوّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ)، ولو كان كما وصفت لوجب أن يكون مثل مثنون، ومعلون.
فالقول في ذلك: أنه لما جُمع جمع المؤنث، فأجرى مجرى الجمع الذي بمعناه، فيما ذكرنا، كذلك أجرى جمع المذكر مجرى جمع المذكر، في أن كسر العين فيها، فقيل: ألين، كما قيل: ذوين، وقال:
فلا أعنى بذلك أسفليكم ... ولكنّي أريد به الذّوينا
فكما كسر العينُ من الذوينَ، وكان حقها أن تفتح؛ لأن ذوينا جمع ذواً، وقد ثبت ب (ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ) أن العين مفتوحة، كذلك كسرت العين من ألين وكان حقها الفتح في نحو قوله:
ظعائن من بني الحلاّف تأوي ... إلى خرسٍ نواطق كالفتينا
وكما قال:
لا فصافصُ في كبينا
(1/165)

وكما كسروا المفتوح في هذه المواضع، كذلك فتحوا المكسور، فيما حكاه أبو زيد، في قوله: مقتوينٌ، وإنما ذلك لتقارب الحركتين، كما تقدم.
وقد يجوز في ألاتٍ، وهو أن يكون الآخر من أُل ياء، وحذفت الياء مع الألف والتاء، كما حذفت الياء من الذي، مع ألف التثنية، في قولهم: اللذان.
فإن قلت: فإنّ هذا يلزم منه أن يكون الاسم على فعل، وفعلٌ ليس في أبنية الأسماء، مفردها ولا جمعها.
فالقول: أنه يجوز أن يكون كثن، وموقٍ، لا أن أصل البناء الكسر، فانفتحت اللام، التي هي عينٌ، لمجاورة الألف، لا لأنه في الأصل كانت مفتوحةً، ويقوي ذلك قولهم: أُلون، ولو كان على الوجه الأول، لكانت العين التي هي لامٌ مفتوحة.
ويجوز في كسر العين من الذّوينا وجه آخر، وهو أن تكون العين منه أتبع اللام، كما أتبع الفاء العين، ألا ترى أنك تقول: ذو مالٍ، فتتبع الفاء العين، وكذلك ذات مالٍ، فتتبع الفاء الحركة التي كانت تجب للألف، وكذلك تتبع العين التي هي واو، الحركة
(1/166)

التي كانت تجب للياء التي حذفتها في ذوين كما حذفتها من عمين.
ونظير ذلك قولهم: كسرت فيّ، أتبعت الفاء التي هي فاءٌ، الحركة التي كانت تجب للياء المنقلبة عن الواو، التي هي عين فمٍ.
فإن قلت: أفتجد شيئاً من هذه الأشياء التي يسميها قومٌ، المعربة من مكانين قد أتبع
في موضعين، مرة أتبع الفاء العين، ومرة أتبع العين اللام، حتى يجوز ما قدرته من هذا التقدير، في الذوينا.
قلنا: قد أرينا ذلك في امرئ، والمرء قد اتبعا من موضعين أيضاً. وفي هذا الجمع شيء آخر، وهو أن عامة هذه الجموع، إذا جاء من غير ألفاظ أحادها، لم يجمع نحو رجل وقوم، وامرأة ونساء، وشاةٍ وشاء، وجمل وجامل، وألو وألات، جمع ذا وذوات، على هذا الحد وقد جمع بالألف والتاء والواو والنون، وقد قالوا: نسوة ونساء، فكأنهم لما استجازوا تكسيره في نساء، كذلك استجازوا جمعه بالواو والنون، والألف والتاء.
وحكى بعض البغداديين، أن من الناس من يعيب على الكميت قوله: الذوينا، ووجه العيب عندي أنه أفرد ما قد لزمته الإضافة ولم يفرد، وكأنه أفرده، لأن الإضافة لما كانت قد لزمته، علم أنه وإن أفرد، كان المراد به الإضافة، كما أن كلا كذلك، والقياس
(1/167)

فيه ألا يفرد ولا يوصف، كما لم يوصف كل إذا أفرد، ولم يوصف به، كما لم يوصف بكل محذوفاً وهذا يدل على جواز دخول الألف واللام، في كل.
وإنما يريد بالذوينا، ملوك اليمن، كذي يزن، وذي رعين، ونحو أسمائهم هذه.
(1/168)

باب آخر، من الجمع بالألف والتاء
قال الشاعر:
فلمّا جلاها بالأيام تحيزت ... ثباتٍ عليها ذلها واكتئابها
ثبات: جمع ثبةٍ، والبغداديون ينشدون تحيزت ثباتاً وزعم سيبويه أن هذه التاء لا تفتح في موضع، وحكوا أيضاً: سمعت لغاتهم.
وهذا الذي حكوه من هذه الحكاية، وأنشدوه من البيت، لا يدل على تحريك التاء في الجمع، بالفتح، وذلك أنه يجوز أن تكون لغةٌ على فعلة، مثل نعرةٍ، وإن كان قد استعمل محذوفاً، فتمموه كقولهم: مهاة ومهى، وحكاة وحكى، وقال أبو
الخطاب: واحد الطلى: طلاة.
(1/169)

فكذلك لغاتهم يكون على فعلة، كما قالوا - فيما حكى أحمد بن يحيى - سِم وسُم وسُماة، فرد اللام وإن كانت قد حذفت، فقولهم لغاتهم مثل قولهم سماةٌ، وكذلك قوله:
يعثرن في حد الظّباةِ كأنّما ... كسيت برودَ بني يزيد الأذرعُ
يجوز أن يكون واحداً، وأن يكون جميعاً، ومثله في الحذف والإتمام، قولهم: غدٌ وغدوٌ.
ووجهٌ آخر، وهو أنه يجوز أن يكون رد لام الفعل، مع التاء في المفرد، كما يرد مع الهاء التي للجمع مثل أخوات، ونظير ذلك ما أنشد أبو زيد وأبو الحسن:
تقولُ ابنتي لما رأتنيَ شاحباً ... كأنك فينا يا أباتِ غريبُ
(1/170)

فرد اللام مع التأنيث، وكذلك ردها في قولهم: سمعت لغاتهم فأما إضافتهم إياه إلى الجماعة، فلا يوجب أن يكون جمعاً، ألا ترى أنه قد جاء: (وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ).
وأما من قال: استأصل الله عرقاتهم، وعرقاتهم فإن من قال: عرقاتَهم تكون الألف فيه للإلحاق، ومن قال: عرقاتِهم كان جمع عرق ولا تحمله على أنه جمع عرقاةٍ، وحذف الألف، كما حذفت من هيهات وألات، لأن هذا الحذف قد جاء فيما نقص تمكنه.
(1/171)

باب آخر، من الجمع بالألف والتاء
أنشد أبو عثمان:
تخيّرها أخو عاناتِ دهراً ... ورجا خيرها عاماً فعاما
قال الرياشي: حدثت أن بعض العرب يقول - وليس بالمعروف -: أخذت إراتهم وإرة مثل عدة، فينصب وفيها تاء الجمع.
قال الرياشي: فكأنه عندي قول من قال: هذه سنينٌ، فجعل الإعراب في النون. قال أبو علي: القول في إراتهم ونصب التاء منها، يكون على ما قدمناه من قولهم: سمعت لغاتهم وتحيزت ثباتاً.
(1/172)

فإن قلت: فكيف يصح هذا التقدير، وقد قال الرياشي: وأرت إرة، فالواو هنا فاء الفعل، وحرف العلة من لغات وثبات، لامه.
قلنا: ذلك يجوز أن يكون على القلب، والدليل على جوازه على ذلك، أن أبا عمرو الشيباني قال: الإرة: المكان الذي يعتلج فيه القوم، ويقتتلون وحكى: قد ائترى القوم إرة منكرة فلما جاء ائترى، كذلك تكون الإرات كعنبة، في تقدير اللام منها مقلوبة.
فأما إذا سميت رجلاً بمسلمات، على قول من قال: يبرين فإن القياس على يبرين أن تحرك التنوين، بدلالة أن التنوين كالنون في مسلمين، من حيث يثبت في تسمية الواحد، وكذلك عرفات تحرك التاء بالكسر، كما أثبت الياء في مسلمين فتقول: مسلماتن، وفي النكرة: مسلماتن، إلا أن هذا القياس وجب أن يفرض أيضاً لأنك لو قسته لجعلت علامة التأنيث في الدرج، والألف والتاء، وإن كانتا علامة الجمع فهما للتأنيث، ألا ترى أنك حذفت التاء معه من مسلمة، حيث قلت مسلمات، فإذا ثبت أنه علامة تأنيث، لم يجز أن تجعل النون حرف إعراب، فإذا لم يجز أن تجعل التنوين حرف إعراب، فالذي قبل التنوين إنما هو الحركة، والتاء التي هي بعد الألف والحركة لا تكون حرف إعراب، ولا يتأتى فيها ذلك، لأنك لو جعلتها حرف إعراب. لزمك أن تحرك الحركة وإنما الذي يتحرك للإعراب الحروف دون الحركات.
(1/173)

فإذا كان ذلك غير جائز، ثبت أن التاء حرف إعراب، وإذا ثبت حرف إعراب، لم يخل من أن يجري مجرى الواحد، أو مجرى الجميع، فلا يجوز أن يجري مجرى
الواحد، وفيه ما لا يصحب إلا تاء الجميع، ألا ترى أن الألف لا تلحق إلا مع الجمع، ولا تلحق مع الواحد، فإذا لزمه ما يمنه أن يجعله للواحد، ويدفعه، وهو الألف ثبت أنه للجمع، وإذا ثبت أنه للجمع ثبت أن تاء الجميع لا تنفتح في موضع النصب أبداً، وقد نص على أن هذه التاء لا تنفتح في الجمع، سيبويه، في حد الإضافة، في باب النسب إلى التثنية والجمع بالتاء.
فإن قال قائل: فاجعل الألف غير التي تصحب التاء للجمع، لأن تاء التأنيث قد يقع قبلها الألف الزائدة لغير التأنيث، نحو أرطاةٍ، فاجعل الألف على هذا الحد لا التي تلحق مع تاء الجميع.
قيل: هذا لا يستقيم، لأن الألف لا تخلو من أن تجعلها للتأنيث، أو للإلحاق، فلا يجوز أن تجعلها للتأنيث، لأنه قد لحق بعدها التاء، فلا يدخل تأنيث على تأنيث، ولا يجوز أن تجعلها للإلحاق، لأنها تلحق في أكثر الأمر، ما لا نظير له في الأصول، وإذا لم يكن له نظير في الأصول لم يكن للإلحاق، ألا ترى إلحاقها في عرفاتٍ، وأذرعاتٍ، وعانات وكل ذلك لا يصح أن يكون للإلحاق.
فإذا لم يجز التأنيث، ولا الإلحاق، ثبت أنها التي تلحق مع تاء الجميع.
فإن قلت: فقد تلحق الألف على غير الوجهين اللذين ذكرت من التأنيث والإلحاق، وهي التي في قبعثري، ألا ترى أنها ليست للإلحاق ولا للتأنيث فإذا كان كذلك فاجعل التي في مسلمات، مثله.
(1/174)

قيل: هذا فذ، لا ثاني له، وما كان كذلك، فالقياس عليه غير سائغ. على أن هذا يمتنع من وجه آخر، وهو أن الذي يقول: أذرعات فلا يصرف، لتشبيهه بالواحد، لا يقف عليه بالهاء، ولو كانت الألف غير المصاحبة للجمع، لقلبت التاء هاء في الوقف فلما لم يقبلو ذلك، كما لم يقلبوا ما هو تاء جميع قبل أن ينقل إلى اسم الواحد، دل أن التاء للجميع، فكما لم يقلب التاء هاءً في الوقف، بل تركها كما
كانت في الجمع، كذلك لا يفتح التاء في موضع النصب، كما لم يفعل ذلك في الجمع، قبل أن ينقله إلى الواحد.
وإذا ثبت أن التاء للجميع، لم يجز فتحه في موضع النصب.
وليس النون في مثل سنين، ويبرين كالتنوين في مسلمات، لما قدمت ذكره، فلذلك جاز أن يكون حرف إعراب، وإن امتنع التنوين في مسلمات وعلى هذا ما أنشده أبو زيد:
دعاني من نجدٍ فإن سنينه
فأما قول الرياشي: إن من فتح التاء، في إراتهم فهو على قول من قال: سنين، فما ذكرناه يدل أن الأمر ليس كما ذهب إليه والذي قاله من العرب، إنما استهواه أنه للواحد، فجعله بمنزلة طلحة.
وهذا الشذوذ بمنزلة اليجدع لا يعرج عليه، ألا ترى أن قياسه على
(1/175)

ما عرفتك، وقلة استعماله، يقول الرياشي أنه قليل.
وأما استأصل الله عرقاتهم فمن فتح التاء جعلته اسماً مفرداً، والألف فيه للإلحاق بهجرعٍ، ومثله في الإلحاق: معزى، وذفرى، فيمن نون.
ومن كسر جعله جمعاً، والألف هي المصاحبة لتاء التأنيث، وليست للإلحاق، كالقول الأول، كأنه جمع عرق ونظير هذا قولهم: هيهاة وهيهات من فتح جعله واحداً ومن كسر جعله جمعاً ووقف عليه بالتاء.
فأما الألف في هيهاة، في قول من فتح، فيحتمل أمرين: يجوز أن تكون من باب
(1/176)

الحاحاة، والصيصية، فيكون إلى هذا معكوس قولهم لصوت الراعي: يهياه.
ويجوز أن تمون مثل الفيفاة، والأول أجود؛ لأن باب قلقال أكثر من باب قلقال.
فإن قلت: فهلا قطعت بسقوطها، على زيادتها، كما استدللت بالفيف على الفيفاة.
فإن ذلك لا يستقيم؛ لأنه غير متمكن؛ ألا تراهم قالوا: هاذان، واللذان، والألف
على القولين جميعاً سقت من الواحد؛ لالتقاء الساكنين.
ولو كان عِرْقاتِهم جمع عِرْقاتَهم المنصوب التاء، لأبدلت من الألف الياء في الجمع بالتاء، وإن شت قلت: هو جمعه، وحذفوا الألف في الجمع؛ لأنها وإن كانت للإلحاق فهي زائدة، فإذا حذفوا الأصل، فحذف الزائد أجدر؛ ألا تراهم قالوا: ذوات مال.
وإن شئت قلت: استغنوا بجمع عرق، عن جمع عرقات، كما استغنوا [بجمع] لجبة، عن جمع لجبة، حيث قالوا: لجبات.
(1/177)

باب من
الأسماء المبنية
قال الشماخ:
وحلأَّها عن ذى الأراكةِ عامرٌ ... أخو الخضرِ يرمى حيث تكون النَّواحزُ
القول في حيث أن موضعه نصب بأنه مفعول به، ألا ترى أنه ليس يريد أنه يرمى في ذلك المكان، وإنما يريد أنه يرميه، فهو مفعول به، وإذا كان مفعولاً به، كان اسماً، ولم يكن ظرفاً، ويبين ذلك قوله:
وأعلا حيثُ ركِّبنَ أعجفُ
فالإضافة يخرج بها المضاف إليه عن أن يكون ظرفاً، فيكون اسماً، وأنشد بعض البغداديين:
يهزُ الهرانعَ همُّه عقدُ الخصىَ ... بأذلِّ حيث يكونُ منْ يتذلَّلُ
(1/178)

فزعم أن حيث يكون اسماً. والقول في ذلك أن أفعل لا يضاف إلا إلى ما هو بعضه، فإذا كان كذا فإنه يراد به الموضع؛ لأنه مضاف إلى مواضع.
وجاز أن يراد بحيث الكثرة؛ لإبهامها، كما تقول: أفضل رجل، فكذلك لما أضاف أذل صار كأنه قال: بأذل موضع.
فحيث: موضع، ولا يجوز مع الإضافة إليها أن تكون ظرفاً، كقولك:
يا سارق الليلة أهل الدار.
وقد حكى قطرب فيها الإعراب. ومما جاء فيه حيث مفعولاً به قوله: (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) ألا ترى أن حيث لا تخلو من أن تكون جراً أو نصباً؛
(1/179)

فلا يجوز أن تكون جراً؛ لأنه يلزم أن يضاف إليه أفعل، وأفعل إنما يضاف إلى ما هو بعض له، وهذا لا يجوز في هذا الموضع، فلا يجوز أن يكون جراً، وإذا لم يكنه، كان نصباً بشيء دل عليه، يعلم أنه فعول به، والمعنى: الله يعلم مكان
رسالاته، وأهل رسالته، فهو إذاً اسم أيضاً، وقد أنشد بعض البغدايين:
كأنَّ منها حيثُ تلوى المنطقا ... حقفاَ نقاً مالاً على حقفىْ نقا
هذا أنشدوه، وقال: جعل حيث اسماً.
فإن قلت: إن حيث إنما جاء اسماً في الشعر، وقد يجوز أن تجعل الظروف أسماء في الشعر.
فالقول: أن ذلك قد جاء اسماً في غير شعر، نحو ما حكيناه عن قطرب، وقد حكى أحمد بن يحيى، عن بعض أصحابه، أنهم قالوا: هي أحسن الناس حيث نظر ناظر يعنى الوجه، فهذا قد جاء في الكلام، وقد أنشد الكسائى:
أما ترى حيثُ سهيلٍ طالعا
(1/180)

فجعله اسماً.
فإن قال قائل: إذا كان اسماً، فلم لا يعرب، لزواله عن أن يكون ظرفاً؟
قيل: كونه اسماً لا يوجب خروجه عن البناء؛ ألا ترى أن منذ حرف، فإذا استعلمت اسماً، في نحو، مذيومان لم تخرج عن البناء، وكذلك على، وعن إذا قلت: من عن يمين الخط، وكذلك قول:
غدت من عليه
كذلك كم بنيت في الاستعهام، فإذا صارت خبراً بقيت على بنائها، وكذلك حيث إذا صاؤت اسماً.
فأما موضع يكون
في قول:
بأذلِّ حيثُ يكونُ من يتذلَّل
فجر، بأنه صفة حيث، كأنه: بأذل موضع يكونه، أي يكون فيه، فحذف الحرف، وأوصل الفعل، وليس يجر لإضافة حيث إليه؛ لأن حيث إنما تضاف إلى الفعل،
إذا كان ظرفاً، فإذا لم يكن ظرفاً لم ينبغ أن يضاف إلى الفعل، وليس حيث في البيت بظرف.
وإنما لم يعرب من لم يعربه؛ لأنه جعله بمنزلة ما ومن في أنهما لم يعربا إذا وصفا، وكانا نكرتين، وذاك أن الإضافة في حيث كانت للتخصيص، كما أن الصفة كذلك، فلما جعل اسماً، ولم يضف، وصار لزوم الصفة له للتخصيص، بمنزلة لزوم الصلة للتخصيص، فضارع حال الوصف حال الإضافة.
(1/181)

وقد زعم أبو الحسن أن حيث قد يكون اسماً للزمان، وأنشد:
للفتى عقلٌ يعيشُ بهِ ... حيثُ تهدى ساقه قدمهْ
فجعل حيث حيناً.
فإن قلت: فهل يجوز هذا أن تكون موضع الجملة بعد حيث جراً لإضافة حيث إليه، كما تضاف أسماء الزمان إلى الجمل؟
فإن ذلك لا يمتنع فيه، إذا كان زماناً، ولو جعلت حيث في قوله: بأذل حيث يكون زماناً، لم يسهل؛ لأن أفعل هذا بعض ما يضاف إليه، وإذا قلت: هذا أذل رجل، فالمعنى: هذا رجل ذليل، ولا يكاد يقال: زمان ليل، كما يقال: موضع ذليل ألا ترى أن الأماكن قد وصفت بالعز، فإذا جاز وصفها بالعز، جاز وصفها بخلاقه، فمما جاء مما وصف بالعز، قولهم: تمرد ما رد وعز الأبلق. ويدلك على أن الأبلق موضع، قول الأعشى:
بالأبلقِ الفردِ من تيماَء منزلهُ ... حصنٌ حصينٌ وجارٌ غيرُ غدَّارِ
وقال:
أنوفهمُ أذلُّ من السِّراطِ
(1/182)

وقال:
ترى الأكمَ فيها سجَّداً للحوافرِ
ولا تكاد تسمع وصف الزمان بالذل، كما تسمعه في المكان.
فلا يجوز إذاً أن يكون موضع يكون جراً بأنه صفة حيث، ويجعل حيث اسم زمان.
فأما قوله تعالى: (هُوَ الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولاً)، فالمعنى فيه خلاف الصعوبة، كقوله: (وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً)، وقوله: (الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشاً).
فإن قلت: حين ذليل، على معنى أن الذي فيه ذليل، كما قلت: ليل نائم، تريد: الذي فيه نائم، فهو قياس.
فأما قول المحدث: ذل الزمان لهم، فليس ذلك من الذل الذي هو الهوان،
(1/183)

ولكن انقياد ما يريدونه لهم [فيه]، وانتقاء اعتياصه عليهم، وما في التنزيل من قوله سبحانه: (أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) فهو ذل التواضع، الذي يقتضيه الدين، وترك الباو والنخوة، لا ذل الهوان، وفي الحديث: مثل المؤمن كمثل الجمل الأنف أي المنقاد.
(1/184)

وأما قوله:
همُ أنشبوا زرق القنا في نحورهم ... وبيضاً تقيضُ البيضَ من حيثُ طائرهْ
فالمعنى: من حيث فرخه، والدماغ يقال له: الفرخ، فوضع الفرخ لأنه هو في المعنى، وحرف لإقامة القافية، كما حرفوا لإقامة الوزن، في نحو قوله:
ربَّ مسقىَّ بغيلى أسدٍ ... قد تقدَّمت بفَّراط السَّبا
فوضع الغيلين موضع الذراعين وأنشدنا على بن سليمان:
كأنَّ نزو فراخ الهام بينهمُ ... نزوُ القلاتِ زهاها قالُ قالينا
ومما حرف قوله:
وقاَء عليه الليثُ أفلاذَ كبدهِ ... وكهَّلهُ قلدٌ من البطنِ مردمُ
وأنشدنا أبو الحسن علي بن سليمان:
(1/185)

بني ربَّ الجوادِ فلا تفيلوا ... فما أنتمْ فنعذركم لفيل
قال: يريد ربيعة الفرس.
وقال: طائره فأضاف الطائر إلى ضمير البيض، لأنه ملتبس به، كما أضاف الإناء إلى الشارب منه، لا لتباسه به، من أجل سربه منه، في قوله:
إذا قال قدنى قلتُ بالله حلفةً ... لتعنى عنَّى ذا إنائكَ أجمعا
(1/186)

هكذا أنشدوه أبو الحسن، وانشده احمد بن يحيى: لتغنن عني.
وحيث في الأمر الشائع يضاف إلى جملة، فإذا كان كذلك، فيخبر المبتدأ محذوف، كأنه [قال]: بحيث طائره حال، أو ثابت.
ومثل قوله: من حيث طائره في التحريف، ووضع الطائر موضع الفرخ، قول الآخر:
حدوا بأبي أمَّ الرَّئالِ فأجفلت ... نعامتهُ عن عارضٍ متلهَّبِ
أبو أم الرئال: أراد قطريا، وكنيته أبو نعامة، فوضع أم الرئال موضع نعامة.
فأما قوله: فاجفلت نعامته فقال: أجفلت، وقل ما يستعمل: أجفلت، ولكن قد قال الآخر:
دعاهُ ضاحباهُ حين خفَّتْ ... نعامتهمْ وقد حفزَ القلوبُ
وقال آخر:
وقلت لنفسي بعدما زفَّ رألها ... رويدكِ لمَّا تشفقى حينَ مشفق
(1/187)

وقال آخر:
تلقى خصاصه بيننا أرماحنا ... شالتْ نعامةُ أيَّنا لم يفعلِ
وقد قيل في قوله: خفت نعامتهم أي تفرقوا، فمشوا على أقدامهم، وعلى هذا قوله:
وابنا نعامة عند ذلك مركبي
وقيل: إن باطن القدم يسمى النعامة، وقيل أيضاً: شالت نعامتهم: أي أجفلوا، كما أجفلت النعامة، وقالوا: طار طير فلان: إذا غضب وخف، قال:
(1/188)

فلما أتانى ما يقول تطايرتْ ... عصافيرُ رأسي وانتشيتُ من الخمرِ
وأما قول البعيث:
أبوك عطاءٌ ألأمُ الناسِ كلَّهم
فإنه يجوز أن يكون حرف عطية، وقال فيه: عطاء، وقد قيل: إن عمه كان اسمه عطاء، فيجوز أن يكون جعل العم أباً، كما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في العباس، رضوان الله عليه: ردوا على أبي وفي التنزيل: (إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهاً وَاحِداً) وإسحاق عم.
(1/189)

وقوله:
همُ أنشبوا زرقَ القنا
تقديره: زرق أسنة القنا، ألا ترى أن الزرقة [إنما] توصف بها الأسنة دون الرماح، لأن الرماح توصف بالسمرة، كقوله:
وأسمرَ خطَّياَّ كانَّ كعوبه ... نوى القسبِ قد أربى ذراعاً على العشرِ
وقال:
وفي صدره أظمى كانَّ كعوبه ... نوى القسب عرَّاصُ المهزَّةِ أزبرُ
أظمى: أسمر، رجلٌ أظمى، وامرأة ظمياءُ: إذا كانا أسمرين.
ومما وصف فيه السنان بالزرقة قوله:
وزرقٍ كستهنَّ الأسنَّةُ هبوةً ... أرقٌّ من الماءِ الزُّلالِ كليلها
واحد الأسنة: سنان، وهي المسان التي توقع بها الأسنة، مثل قوله: كستهن الأسنة هبوة قول الآخر:
دلفتُ لها بأبيضَ مشرفىَّ ... كأنَّ على مواقعهِ غبارا
(1/190)

وكذلك كل أبيض شديد البياض، يوصف بالزرقة، وعلى هذا قال في صفة الماء:
فلمَّا وردنَ الماَء زرقاً جمامهُ ... وضعنَ عصىَّ الحاضرِ المتخَّيمِ
وقد يجوز أن يكون قوله:
همُ أنشبوا زرق القنا
على إقامة الصفة مقام الموصوف، أراد الزججة الزرق، فحذف الموصوف، وأضافها إلى القنا، كما يضيف إليها الموصوف.
(1/191)

باب من
من لحاق النون الفعل المضارع للجمع
أو لعلامة الرفع
قال الشاعر:
إنّا قصدناك نرجو منك نافلةً ... من رملِ يبرينَ إنَّ الخيرَ مطلوبُ
أعلن أن قولهم النساء: أنتن ترين، النون فيه علامة الضمير، فلا يحذف في موضع الجزم والنصب، وعلى هذا قوله عز وجل: (إِلاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ) و (إَلاّ أَن يَعْفُونَ)، ولو قلت للواحدة من النساء: أنت ترين، لكان [صورة] اللفظ في الواحدة كصورة اللفظ في جماعتين، إلا انك تحذف النون، للجزم والنصب، من فعل الواحدة، ولا تحذف من الفعل المسند غلى جماعتهن.
فاما قولهم: يبرين، فليس بيفعلن، من بري يبري، مثل يرمين، ولكن ياؤه فاء، ولا يجوز أن يكون للمضارعة، ألا ترى انه لو كان مثل يرمين، لكان وزنه يفعلن،
(1/192)

في فعل جماعة النساء، وفي قولهم: يبرون، دلالة على انه ليس بيفعلن، لأنها لو كانت يفعلن، للزم أن تنقلب الياء التي هي لام، واواً، والياء إذا كانت لاماً لم تنقلب، في هذا النحو، إلى الواو، وإنما ينقلب ما كان زيادة دون ما كان لاماً.
فهذه النون إنما يتقلب ما قبلها، فيصير مرة ياء، ومرة واواً، إذا كانت زائدة، فإذا جعلت النون حرف الإعراب، حركت بما تحرك به لام الفعل، وعلى هذا: الأربعين، وآخرين، وسنين، فأما إذا كانت الياء أو الواو التي قبلها لام فعل، فإن ذلك لا يكون فيه، إلا ترى أن فلسطين، وقنسرين، ونصيبين، ليس في شيء منه ما قبل نونه لام فعل.
فأما قولهم في بعض الأخذ: الينجلب، فالنون إذا كانت ثانية، لم يحكم بزيادتها، فإذا لم يحكم بذلك، حصلت من الأربعة، وإذا حصلت من الأربعة، فالأربعة لا تلحقها الياء: زائدة في أولها، ألا ترى قوله في يستعور فإذا كان كذلك
(1/193)

كان الينخجلب بمنزلة الجحمرش وقد يتجه على هذا أن يكون إتقحل بمنزلة قرطعب، فيكون ما اتفق فيه بعض حروف القحل وليس منه.
فأمام ما حكى من قولهم: ما استطيع عليه، بكسر الألف وأن المعنى: لا أستطيعه فإن همزة المضارعة [إنما كسرت لأن] همزة الوصل تلحق الماضي، وما لحقته الهمزة الموصولة، أو كان حكم ما تلحقه، فإنهم يكسرون أوله، كما كسروا نعلم ونحوه.
(1/194)

باب
مما يختلف فيه معنى حرف المضارعة
مع اتفاق اللفظ
قال الأعشى:
فآليت لا أرثى لها من كلالةٍ ... ولا من حفى حتى تلاقى محمَّدا
يجوز أن تكون التاء في تلاقى من فعل الغيبة، وفي الفعل ضمير الغائبة، كما تقول: هند تلاقى زيداً، وأسكن الياء في موضع النصب، نحو:
يا دارَ هندٍ عفتْ إَّلا أثافيها
ويجوز أن تكون التاء لاحقة فعل المخاطب بعد الغيبة، كقوله سبحانه: (إِيّاكَ نَعْبُدُ) بعد الغيبة، وتكون الياء للضمير، والنون محذوفة.
ويجوز أن تكون التاء للمخاطب، والمعنى: حتى ألاقى، إلا أنه نزل نفسه منزلة
(1/195)

المخاطب، كما قال:
وهل تطيقُ وداعاً أيها الرجلُ
وكقوله:
أرمى بها البيدا إذا هجَّرتْ ... وأنتَ بينَ القروِ والعاصرِ
وغنما يعنى بذلك نفسه، وعلى هذا قراءة من قرأ: (قال أعلم أن الله على كل شيء قدير).
وقول الفرزدق:
يداكَ يدٌ إحداهما النَّيلُ كلَّهُ ... وراحتك الأخرى طعانٌ تغامرهْ
تكون التاء للمخاطب تغامر أنت أيها المخاطب المطاعنة، ويجوز أن يكون: راحتك تغامر، كما تقول: كتبت يد، وقال تعالى: (فَوَيْلٌ لّهُمْ مّمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ)،
(1/196)

فكما نسبت الكتابة إلى اليد، دون جملة الإنسان، كذلك ينسب الطعان إلى الراحة، لأنها بها تكون، كما تكون الكتابة باليد.
وقول الهذلي:
زجرتُ لها طيرَ الشَّمالِ فإن تكنْ ... هواك الذي تهوى يصبك اجتنابها
تقديره: إن تكون هواى الذي تهوى تلك، فقال: هواك، كما قال:
وأناتَ بينَ القروِ والعاصرِ
وقوله: يصبك اجتنابها أي يصيبك اجتناب الطير المزجورة، أي يصيبك ما تكره من زجرها، والمعنى: يصيبني، إلا أنه أخرجه على لفظ الخطاب، كما قال:
هوالك.
والمعنى: إني لا أصرمها، ولا أحول عن ودها، وإن لم تستقم هي لي، ولم تعتقد في هذا الاعتقاد.
ومثل قوله: تهوى في أن التاء للغائب المؤنث، دون المخاطب، قول الحطيئة:
منعَّمةٌ تصونُ إليكَ منها ... كصونك من رداء شرعبىَّ
أي تصون هي: وليس تصون لك أيها المخاطب، كما أن تهوى في قوله: فإن تكن هواك الذي تهوى ليس لك.
ومثل قول الحطيئة في المعنى، قول ذي الرمة:
رخيماتُ الكلام مبتَّلاتٌ ... جواعلُ في البرى قصباً خدالا
(1/197)

ومثله:
لها بشرٌ مثل الحرير ومنطقٌ ... رخيمُ الحواشي لا هراءٌ ولا نزرُ
وأما قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنّ رَبّكَ أَوْحَىَ لَهَا)، فيكون (تحدثُ) للأرض، كأنه: إذا زلزلت الأرض يومئذ تحدث هي.
وتكون التاء للخطاب، كأنه: قال الإنسان: يومئذ تحدث [أخبارها] مثل: (إِيّاكَ نَعْبُدُ) بعد تقدم الغيبة، ويقوى ذلك قوله تعالى: (بِأَنّ رَبّكَ أَوْحَىَ لَهَا) وهو خطاب.
وأنشد أبو زيد لجاهلي:
وقبلك ما أهاب الرجالُ ظلامتى ... وفَّقأتُ عينَ الأشوسِ الأبيانِ
وأخرج لي حقَّى سليماً فلم أبؤْ ... بنعمى امرئٍ فيه يدي ولساني
فهذا يحتمل تأويلين، أحدهما أن تجعل يدي ولساني بدلاً من الضمير في
(1/198)

لم أبؤ مثل: ضربت زيداً رأسه، ويكون الضمير في فيه لإخراجه، كأنه [قال]: لم أبؤ بنعمى امرئ في إخراجه، أي لني أخرجته بنفسي، لا بمعونة غيري، وهذا مما يدل أن المبدل منه معتد [به] في الكلام، وليس بمطرح، ألا ترى ثبات همزة
المضارعة للمتكلم، مع إبدال غير الضمير من الضمير.
والتأويل الآخر: أن تكون الهاء في فيه لامرئ، كأنه: لم أبو بنعمى امرئ في نصرته يدي ولساني، أي لم أبؤ بنعمى ممن انصره بيدي ولساني، وبنصرني، ولكن استغنيت في إخراج حقي عمن أنصره بيدي ولساني، وبنصرني بهما.
وأما قول الفرزدق:
وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
وأنت لا تقول: يدافع أنا، [إنما] تقول: أدافع، فلأن الكلام محمول على المعنى، وقوم يقولون في نحو: (إِنّمَا حَرّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ): إن المعنى ما حرم
(1/199)

عليكم إلا الميتة، فكأنه قال: ما يدافع إلا أنا، وقد قال سيبويه قريباً مما قالوا، [وهو] قوله: إنما سرت حتى ادخلها، إذا كنت محتقراً لسيرك إلى الدخول، لأنك لا تجعله سيراً يؤدي إلى الدخول، وأنت تحتقره.
وانشد أبو زيد:
ما كان إلا طلقُ الإهمادِ ... وكرُّنا بالأغربِ الجيادِ
حتى تحاجزنَ عن الذوَّاد ... تحاجزَ الرَّىَّ ولم تكادى
إن جعلت تكاد للغيبة، كما تقول: هذه الإبل لم تكد تروى، وهو الظاهر، فالياء في تكادى للإطلاق، وكان القياس: لم تكد، إلا أنه لما تحركت الدال، رد رمت المرآة، فلا ترد، وقد جاء هذا في الضرورة.
ومعنى لم تكد: [لم تكدي تروى، فحذف تروى، ومثل ذلك في
(1/200)

حذف خبر كاد قوله:
هممتُ ولم أفعل وكدتُ وليتنى ... تركت على عثمان تبكي حلائلهْ
تقديره: وكدتُ أفعل، فحذف.
ومثل ذلك في الضرورة:
أجرَّهُ الرُّمحَ ولا تهالهْ
وكان القياس: ولا تهله، كما قالوا: لم أبله، أو لم أهله، إذ حرك بالفتح،
(1/201)

لالتقاء الساكنين، لمجاورة الألف، كما قال: (لا تضارَّ)، ويا إسحار، في ترخيم رجل، اسمه اسحارُّ، وأنشد الكسائى، فيما حكى:
يا حبَّ قد أمسينا ... ولم تنامِ العينا
وحكى الرياشي عن الأصعمي، عن أبي عمرو، أنه قال: المعنى: ولم تكادى تروين، فالفعل على هذا للخطاب، والياء ضمير، وليس كالوجه الأول، وأنشدوا:
ما هنَّ إلا أربعٌ بواقى ... حمرٌ تعرذَينَ ولا تساقى
وأما قول الشاعر:
نثيرُ بها نقع الكلابِ وانتمُ ... تثيرون نقعانَ الملاَ بالمعازق
فقال: أنتم تثيرون، وقال عز وجل: (وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ)، وكان القياس أن يتصل الضمير، كما اتصل في: أنتم فعلتم، فكذلك كان القياس في المضارع، ومن قال:
(1/202)

إلاَّ يزيدهمُ إلىَّ همُ
فقياس قوله أن يفصل ضمير المخاطب أيضاً، ووجه اتصال الضمير، واستعمال علامة الغيبة، انهم قد تحولوا في غير هذا من الخطاب إلى الغيبة، فكذلك فعلوا [هذا] في المضارع.
(1/203)

باب
ما كان لامه من الأفعال حرف علة
وما أجرى من الملحق مجرى اللام
قال الشاعر:
هجوتَ زبَّانَ ثم جئتَ معتذراً ... من هجو زبَّان لم تهجو ولم تدع
وقال آخر:
ألم يأتيك والأنباء تنمى ... بما لاقت لبونُ بني زيادِ
وقال آخرُ:
ما أنس لا أنساه آخر عيشتي ... ما لاح بالمعزاءِ ريعُ سرابِ
(1/204)

هذه الحروف تحذف في موضع الجزم، في الكلام والاختيار، كما حذفت النون له، في التثنية والجمع، وفعل الواحد المؤنث المخاطب، وربما لم تحذف في الشعر، فقدر الشاعر، في الواو والياء الحركة، كالأبيات التي قدمناها، وتشبه الألف بالياء، في نحو: لا أنساه في البيت، ونحو قوله:
إذا العجوز غضبتْ فطلَّق ... ولا ترضَّاها ولا تملَّقِ
وحكى بعض البغداذيين: أسويت زيداً، إذا جعلته إسوتى، وهذا لا يجوز أن يكون أفعلته [من الإسوة، ولكن فعليته، نحو: جعبيته، وسقليته، ويجوز أن يكون أفعلته] من التسوية والسواء.
(1/205)

ويدل على تقديره الشاعر: الحركة في الياء والواو، وحذفها في الضرورة، أن سيبويه زعم أن أعرابياً من أفصح الناس، من كليب، أنشد لجرير.
فيوماً يوافينى الهوى غير ماضي ... ويوماً ترى منهنّ غولاً تغوَّلُ
فأما قوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىَ) فعلى الخبر، وليس بنهي، وكذلك قوله جل وعز: (وَلِتَصْغَىَ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاَخِرَةِ) وأبو الحسن يحمله على أن
المعنى: ولتصغين، وأنشد:
إذا قال قدنى قلتُ بالله حلفةً ... لتغنى عنَّى ذا إنائكَ اجمعا
وقد أنشدوا عن الكسائى:
أبا واصلٍ فاكسوهما حلَّتيهما ... فإنّكما إن تفعلا فتيانِ
بما قامتا إن تغلواكم فغاليا ... وإن ترخصا فهو الذي تردان
(1/206)

القول في قوله: فاكسوهما حليتهما أنه يحتمل أمرين:
أحدهما أن يكون أراد الوقف على مثال الأمر المسند إلى الواحد، فأثبت ولم يحذف، كما لو يحذف من قوله: لم تهجو.
والآخر: أن يكون قد خاطب الواحد، وصرف الخطاب بعد إلى الاثنين، اللذين في قوله: فإنكما إن تفعلا، وجعل الاثنين جمعاً، ومثل مخاطبة الواحد، وتوجيه الخطاب بعد إلى غيره، قوله تعالى: (يَأيّهَا النّبِيّ إِذَا طَلّقْتُمُ النّسَآءَ)، ومثل الاثنين اللذين يجعلان جمعاً قوله تعالى: (قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ)، فالواو على هذا في اكسوهما واو ضمير، وليست اللام، كالتأويل الأول، ومثل الاثنين اللذين جعلا على لفظ الجمع، قول الأسود بن يعفر:
أتانى من الأنباءِ أنّ مجاشعاً ... وآل فقيمٍ والكراديسَ أصفقوا
زعموا أن الكراديس: معاوية وقيس ابنا مالك بن زيد مناة بن تميم، يقال لهما: الكردوسان، فسماهما الكراديس.
وقوله: فهو الذي تردان، وحذف حرف اللين منه، فغن ذلك ليس بلحن، وذلك أن هذه الحروف، وإن كانت أصولاً في الكلم، فهي تشه الزيادة، ألا ترى أن الواو التي هي لام [الفعل] في قوله: لا يسلو بمنزلة المدة التي في التعانيق والثجل،
(1/207)

والياء في منزلي، بمنزلة الياء في ينسلى فيمكن جعله ينفعل من سلا، والألف في نحو آدم، وآخر، بمنزلة الألف، في: ضارب، والألف في مرامي، بمنزلة اللف في
حبارى، ومن ثم قال الخليل، في أفعل من اليوم: أووم، فجعلها بمنزلة اللف في سوير.
وقال أبو عثمان: قياس قوله أن تكون الهمزة بعدها بين بين فلما أشبه الزائد حذفه، كما حذف الزائد وكأنهم حذفوا هذا، كما زادوا في نحو: الدراهم والمراجيل، لما رأوا القبيلين قد استويا، في كثير من المواضع، وما يثبت ذلك قول الأسود:
وأتبعت أخراهمْ طريق ألاهمُ ... كما قيل نجمٌ قد خوى متتايعُ
ألا ترى انه حذف الواو، التي هي عينٌ، مع أنها لم تنقلب إلى غيرها، فإذا استجاز ذلك، كان ما انشد عن الكسائي أجوز، لن الحرف قد انقلب فيه عن الأصل، فصار لذلك أشبه بالزائد.
(1/208)

باب
من الابتداء
قال الفرزدق:
يداكَ يدٌ إحداهما النَّيلُ كلُّهُ ... وراحتكَ الأخرى طعانٌ تغامرهْ
المراد بقوله: يد، وغن كان قد أفردها، التثنية، كأنه قال: يداك يدان، إحداهما كذا، ولو كان المراد بقوله: يد الإفراد، على ما عليه اللفظ، لم يجز، لأنك إن جعلتها خبراً لليدين، لم يستقم أن يكون المبتدأ مثنى، والخبر مفرداً، وغن جعلتها مبتدأة، لم يجز أن تقول: يد إحداهما كذا، كما لا تقول: زيدٌ أحدهما كذا، إنما تقول: الزيدان أحدهما خارجٌ.
فإذا لم يخل إذا أفردها من أن تكون خبر ابتداء، أو مبتدأ ولم تسغ جملها على واحد منهما، علمت أن المراد بالإفراد التثنية، كأنه قال: يداك يدان، إحداهما كذا،
والأخرى كذا، فالجملة التي هي: إحداهما كذا، في موضع رفع، لأنها صفة ليد، وهي نكرة، ورجع الذكر إلى اليد من الصفة، بلفظ التثنية، لنه حمل الكلام على المعنى، دون اللفظ.
وقال: وراحتك الأخرى فوضع الراحة موضع اليد، لا يكون إلا كذلك، ألا ترى انك لو قلت، يداه تجودان، ورجله الأخرى تفعل كذا، لم يكن كلاماً، فإنما جاز هذا لوضعه الراحة موضع اليد.
ونظير وضع الراحة موضع اليد هنا، وضعهم الكف موضعها أيضاً، فيما أنشدها أبو عبيدة:
(1/209)

أتوعدني وراء بني رياحٍ ... كذبتَ لتقصرنَّ يداكَ دوني
وأنشد أبو زيد:
قلتمْ له اهجُ تميماً لا أبالكمُ ... في كفَّ عبدكمُ عن ذاكمُ قصرُ
ففي البيت الأول: لتقصرن يداك دوني، وفي هذا البيت:
في كَّف عبدكمُ عن ذاكمُ قصرُ
فكما وضع الكف موضع اليد، كذلك وضع الراحة موضعها، في قوله: وراحتك الأخرى.
[ومثل قوله: وراحتك الأخرى]، في وضعه الراحة موضع اليد، قول الشاعر:
صلَّى على عزَّةّ الرحمنُ وابنتها ... ليلى وصلَّى على جارتها الأخرِ
جعل ابنتها جارة لها، كما جعل الراحة يداً، لما قال: وراحتك الأخرى.
فأما قوله: تغامره فيكون فاعله الراحة، أي تغامر الراحة الطعان، وتكون أنت أيها المخاطب تغامر الطعان.
(1/210)

والطعان: مصدر طاعن، وليس بجمع طعنة، كصفحة وصحاف.
ومثل ما وضع المفرد فيه موضع التثنية، قول امرئ القيس:
وعينٌ لها حدرةٌ بدرةٌ ... شقَّتْ مآقيهما من أخرْ
فأما قول الفرزدق:
ولكن هما ابن الأربعينَ قد التقتْ ... أنابيبه مردى حروبٍ على ثغرِ
فقال: هما ابن الأربعين، هكذا رواه أبو الحسن، ولم يقل: ابنا، وقد كان القياس.
فأما الأربعين فيكون لهما، ولا يحتاج إلى تثنية، كأنه قال: هما ابنا هذا الزمان، وهذه المدة، كما تقول، هما ابنا عم، وهما ابنا خالة، وهما أبوا زيدٍ، وآباء زيدٍ، فلا تثني المضاف إليه.
وقد يجوز أن يكون المراد في قوله: هما ابن الأربعين أي كلاهما ابن الأربعين، وكل واحد منهما ابن الأربعين، فحمل الكلام على هذا، ومثله قوله عز وجل: (وَالّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) أي اجلدوا كل واحد من القاذفين، ألا ترى انه لا يجلد جميع القاذفين ثمانين.
(1/211)

وكما وضع المفرد موضع التثنية، في هذا الموضع، كذلك وضع موضع الجمع، في نحو ما انشده أبو زيد:
فأصبحَ أخداني كأنَّ عليهمُ ... ملاَء العراق والثغامَ المنزَّعا
يبَّينهمْ ذو الَّلبَّ يراهمُ ... بسيماهمُ بيضاً لحاهمْ وأصلعا
راجز:
تأمَّل القرنين وانظر ما هما ... أحجراً أم مدراً تراهما
إنَّكَ لن تذلَّ أو تغشاهما ... وتبركَ اللَّيلَ إلى ذراهما
النصب في أحجراً على: أزيداً ضربته؟ ومن قال: أزيدٌ ضربته؟ فرفع، قال: احجرٌ أم مدرٌ تراه؟
وكان القياس: احجراً أو أحجرٌ أم مدر تراه، لأنك تقول: أزيدٌ قام أم عمرو، وأزيدٌ أم عمرو قام، كما تقول: أيهما قام، ولا تقول: قاما، فيجوز أن يقال: إن هذا في
(1/212)

أم مثل قوله تعالى: (إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللهُ أَوْلَىَ بِهِمَا).
ويجوز أيضاً أن يكون حمل على المعنى، لما كان الحجر والمدر المذكوران هنا، هما القرنان، فثنى، وإن كان في التقدير مفرداً، لنه في المعنى للقرنين، وهما تثنية.
وقد يجوز أن يجعل قوله: أحجرٌ أم مدرٌ بدلاً من نما، فإذا جعلته كذلك، لم يجز فيهما إلا الرفع، لن ما في موضع رفع، فقد أعدت حرف الاستفهام، ويكون تراهما على هذا صفة للنكرة، وحملت تراهما على المعنى، ولم تقل: تراه، كما حملته فيما تقدم على المعنى.
لأن ما بعد الاستفهام لا يستغنى بما قبله، وإذا كان كذلك فالخبر لا بد منه؟
فالقول انك إذا قدرته بدلاً، لم تحتج إلى الخبر، وتقدير حذفه، لأنه في التقدير موضوع موضع ما تبدله منه، وغنما كررت الهمزة في الاستفهام، ليكون البدل على حسب المبدل منه، في الاستفهام، وجاز هذا في الألف، لأنك قد تحمل متا بعدها على ما قبلها، ألا ترى انك تقول إذا قال: مررتُ بزيدٍ: أزيدٍ؟ وأزيد نية، فكما حملت هنا ما بعدها على ما قبلها، كذلك يكون في البيت، وما أشبهه.
قال جرير:
وكائنْ بالأباطحِ من صديقٍ ... يرانى لو أصبتُ هو المصابا
(1/213)

موضع هو رفع، لكونه وصفاً للضمير الذي في يرانى ولا يكون هو فصلاً، لن هو للغائب، والمفعول الأول في يراني للمتكلم، والفصل إنما يكون الأول في المعنى، كقوله جل وعز: (إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً)، ألا ترى أن أنا هو المفعول الأول المعبر عنه بني.
ومعنى يراني هو المصابا: أي يراني للصداقة المصاب، لغلظ مصيبتي عليه، لصداقته، وليس كالعدو أو الأجنبي، الذي لا يكرثه ذاك.
ويجوز أن يكون التقدير في يراني: يرى مصابى أي مصيبتي وما نزل بي، المصاب، كقولك: أنت أنت، ومصيبتي المصيبة، أي ماعداه جلل وهين، فيجوز على هذا التقدير أن يكون هو فصلا.
فأما قوله تعالى: (تَجِدُوهُ عِندَ اللهِ هُوَ خَيْراً)، فيجوز في (هو) أمران، يجوز أنم يكون وصفاً للمضمر الذي هو المفعول الأول، في (تجدوهُ)، ويكون (خيراً) المفعول الثاني، فإن جعلت (هو) فصلاً، لزم أن تقدر حذف من من الكلام،
(1/214)

لأن الفصل لا يكون إلا بين معرفتين، أو ما يقرب من المعرفة، وغنما يقرب من المعرفة، إذ قدر من معها، ونظير ذلك في الحذف قوله تعالى: (فَإِنّهُ يَعْلَمُ السّرّ وَأَخْفَى) أي أخفى من السر، والذي هو أخفى من السر: ما يهجس للإنسان، ويخطر له، كقوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) ومن ذلك قول الآخر:
فأضحى ولو كانت خراسانُ دونهُ ... رآها مكانَ السُّوق أو هي أقربا
لا تخلو هي في قوله: أو هي أقربا من أن تكون مبتدأ، أو وصفاً، أو فصلاً، أو ظرفاً:
فلا يكون مبتدأ، لا نتصاب ما بعده، فبقى أن يكون وصفاً، أو فصلاً، وذلك أنت قوله: رآها مكان السوق دل على: أو رآها، فحذفها من اللفظ، لدلالة ما تقدم عليها، فصار التقدير: أو رآها أقربا، أي: أو رآها أقرب من السوق، فصارت هي فصلاً بين الهاء والخبر المنتصب.
وقد يجوز أن تجعل قوله: هي وصفاً للهاء، التي هي المفعول الأول، كما جاء ذلك في: (تجِدُوهُ عِنْدَ الله هوَ خيْراً).
والأول أوجه: لأن المحذوف بحذفه يستغنى عن وصفه، وهذا مثل قوله: زيدٌ رأيت منطلق.
(1/215)

ويجوز أن يكون أقربا ظرفاً، فإذا جعلته ظرفاً، ولم تجعله وصفاً، كان هي مبتدأ، وأقرب الخبر، والتقدير: أوهي أقرب من السوق، ومثله: (وَالرّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ).
فأما خبر أضحى فمحذوف، تقديره: فأضحى مشمراً، أو مجدا، أو نحو ذلك، مما يدل عليه ما بعده.
عدى بن زيد:
من رأيتَ المنونُ عرَّينَ أم منْ ... ذا عليه من أن يضامَ خفيرُ
لا يخلو قوله: رأيت من أن تعلها أو تلغيها، لأنها قد وقعت بين المبتدأ وخبره: موضع خبر المنون، والجملة بأسرها في موضع نصب، لوقوعها موقع المفعول الثاني لرأيت.
وقال: عرين فجعل المنون جمعاً، إما لأنه ذهب بها مذهب الجنس، أو لأنه وضع الواحد موضع الجميع، كما تقدم في هذا الباب.
وإن ألغيت، كان في موضع رفع بالابتداء، والجملة التي هي المنون عرين في موضع رفع، بأنه خبر المبتدأ الذي هو من.
(1/216)

والهاء مرادة في عرين ليعود من الخبر ذكر إلى المبتدأ ولا بد من ذلك ألا ترى أن المنون ليست بمن في المعنى، فإذا لم تكن إياه، فلا بد من ذكر يعود من الخبر إلى المبتدأ.
ومن قال: زيداً ضربته، كان من في موضع نصب عنده، كما تقول: زيداً أبوه يضربه، إذا أردت: أبو زيد يضرب زيداً، فقدمت المفعول.
ولا يكون في المنون في كلا الوجهين، من إعمال رأيت وإلغائها إلا الرفع، لأنها ليست بمفعولة، في اللفظ، ولا في المعنى، غنما هي فاعلة في المعنى، ومرتفعة في اللفظ بالابتداء.
قال امرؤ القيس:
تنَّورتها من أذرعاتٍ وأهلها ... بيثربَ أدنى دارها نظرٌ عالِ
أدنى: ينبغي أن يرتفع بالابتداء، وإذا ارتفع به اقتضى خبراً، ونظرٌ لا يجوز أن يكون خبره، على ما عليه ظاهر الكلام، لنه ليس به، ألا ترى أن أدنى أفعل، وأفعل هذا لا يضاف إلا إلى ما هو بعض له، وإذا كان كذلك وجب أن يكون أدنى من الدار، بعضها، وبعض الدار لا يكون النظر، فإذا كان كذلك حملناه على أحد أمرين:
(1/217)

إما أن يكون حذفت المضاف إلى الأدنى، وجعلته: نظر أدنى دارها نظر عال.
وإما أن تحذف المضاف من النظر، فيكون: أدنى دارها ذو نظر، ليكون الثاني الأول.
أبو كبير الهذلي:
في رأس مشرفةِ القذالِ كأنَّما ... أطرُ السَّحاب بها بياضُ المجدلِ
أطر السحاب: انحناؤه، والانحناء لا يكون البياض، والقول في ذلك أن الأطر العطف، فسمى المأطور أطراً، كما سمى المخلوق خلقاً، وحذف المضاف، فتقديره: كأنما بياض أطر السحاب، أي بياض مأطور السحاب به، بياض المجدل، فيكون قد شبه اللون باللون.
أنشد بعض اصحاب الأصعمي:
وضاربتَ يومَ الجسرِ والموتُ كانعٌ ... وأبناؤه بينَ الذَّراعين والنَّحرِ
يحتمل انتصاب بين ضروبا، أحدها: أن يكون ظرفاً لكانع، كانه قال: كانعٌ في هذا الموضع، فإذا كان كذلك أضمرت لقوله، أبناؤه خبراً، كأنك قلت: وأبناؤه كانعة، فدل ما تقدم من قوله: كانع عليه، كما تقول: زيدٌ منطلقٌ والعمرونَ.
(1/218)

ويحتمل أن يكون صفة لكانع، ويحتمل أن يكون حالاً مما فيه من الضمير، فإذا كان كذلك كان في الوجهين جميعاً متعلقاً بمحذوف.
ويحتمل أن يكون خبراً لقوله: أبناؤه فيكون فيه ضميرٌ من الأبناء، ويتعلق بمحذوف أيضاً.
ويحتمل أن يضمر كانعة لدلالة ما تقدم عليه، فيكون متعلقاً بهذا المحذوف.
قال شاعر:
هزيمٌ كأنَّ البلقَ في حجراته ... تحامينَ أمهاراً فهنَّ ضوارحُ
الظرف فيه يجوز أن يتعلق بالبلق، على أن يكون ظرفاً له، كقوله: طاط عن الحق كأنه قال: بعيد عنه، فكذلك البلق، فكأنه قال: ابلاقت في حجراته.
ويجوز أن يكون حالاً، فيجوز أن يتعلق بكأن، على حد قوله:
كأنَّه خارجاً من جنبِ صفحتهِ
(1/219)

وعلى أنه ظرفٌ يعمل فيه معنى الفعل.
ويجوز أن يتعلق بتحامين على هذين الوجهين.
ويجوز وجه آخر، وهو أن يكون حالاً من أمهارٍ كأنه: تحامين أمهاراً في حجراته، فلما قدم انتصب على الحال، على حد:
لعزّةَ موحشاً طللُ
ومثل ذلك في المعنى قوله:
يقولُ النَّاظرون غلى سناهُ ... نرى بلقاشمسنَ على مهارِ
طرفة:
خيرُ حيَّ لمعدَّ علموا ... لكفئ ولجارٍ وابن عمّْ
إذا جعل خير خبر مبتدأ محذوف، كان علموا صفة، لن خيرحى نكرة، وعلموا: عرفوا، ولا يحتاج إلى مفعول ثان، وإن شئت كان، علموهم، فحذفت الضمير، لنه صفة، كما تقول: مررتُ برجلٍ أكرمتُ.
(1/220)

وإن لم تجعله خبر مبتدأ محذوف، كان علموا على ضربين، أحدهما: عرفوا:
وخير حي حال مقدمة.
والآخر: علم القلب، فيكون خير حي مفعولاً مقدماً، ولكفئ بدل من لمعد.
وإن شئت جعلت علموا خبراً لمبتدأ، وتنصبت خير حي أي هم علموا خير حي.
قال الكميت، أو عيره:
وأنتَ ما أنت في غبراَء مظلمةٍ ... إذا دعتْ ألليها الكاعبُ الفضلُ
إن قلت: بم يتعلق الظرف؟
فالقول فيه انه في موضع حال، والعامل فيها ما في قوله: ما أنت من معنى المدح والتعظيم، كأنه قال: عظمت حالاً في غبراء، وليس في الكلام ما يصح أن يكون عاملاً في الظرف، غير ما ذكرنا، ألا ترى انه لا يتعلق بمظلمة بغبراء، من حيث لم تتقدم الصفة على الموصوف، فكذلك ما يتعلق به، ولا يصح في المعنى أيضاً.
(1/221)

ويدلك على كون معنى الفعل في هذا الكلام، انه استغنى به عن جواب إذا، كأنه قال، إذا دعت ألليها الكاعب الفضل، عظمت، أو أغنيت، أو كفيت، أو نحو هذا.
وإذا صح معنى الفعل من ذلك، من حيث ذكرنا، كان قول الأعشى، أيضاً:
بانتْ لطيَّتها عرارهْ ... يا جارتا ما أنتِ جارهْ
جارةٌ فيه، في موضع نصب بما في ما أنت مما ذكرنا.
وأنشد احمد بن يحيى لعلقمة:
وقد أصاحبُ فتياناً شرابهم ... خضرُ المزادِ ولحمٌ فيه تنشيمُ
المضاف قبل خضر المزاد محذوف، لأن التقدير: شرابهم شراب خضر المزاد، ألا ترى أن خضر المزاد لا يكون الشراب.
(1/222)

والمبتدأ الذي قوله: لحم فيه تنشيم خبره، محذوف تقديره: وطعامهم لحم كذا، لأنك إن لم تقدر حذف المبتدأ، كان التقدير: شرابهم شراب خضر المزاد ولحم، واللحم لا يكون شراباً فإذا كان كذلك، فلا بد من تقدير حذف المبتدأ.
وأنشد احمد بن يحيى:
من الصُّهبِ السَّخالِ بكلَّ وهدٍ ... حوارٌ وهي لازمةٌ حوارا
إن قيل: ما موضع قوله: من الصهب؟
فإنه يكون ظرفاً والعامل فيه قوله: بكل وهد ألا ترى أن الظرف يتقدم إذا عمل فيه المعنى، ولا يجوز أن يكون حالاً، لأن الحال لا يتقدم إذا عمل فيه المعنى، كما يجوز تقدم الظرف.
فقولك: بكل وهدٍ على هذا، مستقر فيه ضمير، على قول من تقدم بالابتداء، ولا شيء فيه، على قول من رفع بالظرف.
وإن جعلت: من الصهب المستقر، فقولك: بكل وهدٍ يجوز أن يكون حالاً متقدمة، وفيها ذكر من حوار.
قال عنترة:
لقد كذبتكَ نفسك فاصدقنها ... لما منَّتكَ تغريراً قطامِ
(1/223)

يجوز أن يكون ما بمنزلة الذي، ةوةضعت موضع من وقد تأول أبو الحسن، على هذا مواضع من القرآن، فيكون التقدير: لمن منتك تغريراً قطام، وأنث ما على المعنى، في قوله: لما منتك كقوله تعالى: (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنّ).
فإن رفعت التعرير، فقلت: لما منتك تعرير قطام، وجعلت ما بمنزلة الذي، أو المصدر، لم يسقم، لأنك تفصل بين الصلة والموصول.
فغن قلت: أضمر في قوله: منتك شيئاً، وأجعل قطام بدلاً منه، لم يجز أيضاً، لأن البدل لا يجوز إخراجه من الصلة، كما لا يجوز ذلك في المبدل منه.
ولكن غن أضمرت في منتك فاعلاً فقلت: الذي منتك، تريد: الذي منتكه، فتعود الهاء إلى الموصول، ثم كأنه قيل لك، من الممنى؟ فقلت: قطام لم يمتنع، لأنه لا فصل حينئذ في ذلك بين صلة وموصول.
ويجوز أن تجعل ما زائدة، فيكون: لمنتك تغريراً، فعدى منت إلى مفعولين، كقوله:
. . . . . فإنَّما ... منَّتك نفسكَ في الخلاءِ ضلالا
(1/224)

أو جعله مفعول له، كقولك: منتك التغرير.
قال الأعشى:
هذا النهارُ بدالها من همَّما ... ما بالها بالَّليل زالَ زوالها
رواه أبو الحسن: هذا النهار، بالنصب، وكذلك رواه أبو عمرو الشيبانى.
فأما من رفع النهار فجعله وصفاً لهذا، وحذف الراجع من خبر المبتدأ، كأنه: هذا النهارُ بدالها فيه.
فأما فاعل بدا فيكون البداء، الظاهر في قول الآخر:
لعلَّك والموعودُ حقٌ لقاءهُ ... بدالكَ في تلك القلوصِ بداءُ
فأضمر المصدر الذي أظهره هذا الشاعر الآخر، لدلالة الفعل عليه، ومثل ذلك قوله عز وجل: (ثُمّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الاَيَاتِ).
ويجوز في قياس قول أبي الحسن، في إجازته زيادة من في الواجب: هذا النهارُ بدالها فيه من همَّها، أي همَّها.
(1/225)

ومن استجار حذف الفاعل، ممن خالف سيبويه، جاز على قياس قوله: أن يكون من همها صفة للفاعل المحذوف، كأنه: بدالها بدو من همها، فتحذف الفاعل، وتقيم صفته مقامه، ولا تضمره في الفعل.
ومن أضمر في بدا الفاعل، ولم يجز زيادة من في الواجب، كما يجيزه أبو الحسن، كان قوله: من همها في موضع نصب بالحال، وفيه ضمير يعود إلى المضمر، في بدا.
ومن نصب النهار من قوله: هذا النهار جاز نصبه وجهان: أحدهما على: زيداً
مررت به، والآخر: أن يكون ظرفاً لبدا، كأنه: بدالها البداء في هذا النهار.
ويجوز أن يكون قوله: هذا في قول من نصب النهار إشارة إلى الارتحال، كأنه لما قال: رحلت قال: هذا الارتحال بدالها النهار، فيكون في بدا ذكر يعود إلى المبتدأ الذي هو هذا وكان المعنى عليه، لأن المعنى: هذا الارتحال، والمفارقة بدالها في النهار، فما بالها في الليل يعتادنا خيالها، هلا فارقتنا بالليل، كما فارقتنا بالليل، كما فارقتنا بالنهار!
فأما فاعل زال في قول من نصب زوالها فجائز أن يكون الهم، لن ذكره قد تقدم، كأنه قال: زال الهم زوالها، فدعا عليها بأن يزول زوالها، أي زال همها معها، حيث زالت، وقد حكى هذا القول عن أبي عمرو الشيباني.
ويجوز أن يكون فاعل زال اسم الله عز وجل، كأنه قال: زال الله زوالها، من قوله، زلته فلم ينزل، وعلى هذا قول ذي الرمة:
وبيضاَء لا تنحاشُ وأمُّها ... إذا ما رأتنا زيل منَّا زويلها
(1/226)

وقال الأعشى:
وما عنده مجدٌ تليدٌ ولالهُ ... من الريح فضلٌ لا الجنوبُ ولا الصَّبا
تقدير هذا: ولا له من فضب الريح فضل، ولا فضل الجنوب، ولا فضل الصبا، فحذف المضاف، والمعنى أنه لم ينل أحداً، فيكون كريح الجنوب، في مجيئها بالغيث، ولم ينفس عن أحد كربة، فيكون كريح الصبا، في طيبها وروى غيره:
وما عنده رزقٌ علمتُ زلا لهُ ... علىَّ من الرَّيح الجنوبُ ولا الصَّبا
وتقدير هذا أيضاً: ولا له على من فضل الريح، فضل الجنوب، ولا فضل الصبا.
وقال أمية:
له ما رأتْ عينُ البصيرِ وفوقه ... سماءُ الإلهِ فوقَ ستَّ سمائيا
(1/227)

المعنى: فوق ما رأت عين الضمير سماء الإله.
فأما فوق ست سمائيا فمن رفع الاسم بالظرف، كان متعلقاً بمحذوف، في موضع حالٍ، والعامل فيها الظرف الأول، وذو الحال سماء الإله، والذكر الذي في قوله: فوق ست سمائيا المرفوع يعود إليها.
ومن رفع الاسم بالابتداء، كان التقدير عنده، وسماء الإله فوقه، وكان قوله: فوق ست سمائيا حالاً من الذكر المرفوع في فوقه، والذكر الذي في قوله: فوق ست سمائيا يعود إلى هذا الذكر.
ولا يجوز أن يكون فوق ست سمائيا حالاً من سماء الإله كما كان في القول الآخر، لأنه لم يعمل فيها ما يصح أن يكون عاملاً في حال، ولا تعمل السماء في حال.
فإذا كان كذلك، علمت أن الحال التي هي فوق ست سمائيا، عن الذكر العائد إلى الابتداء العامل فيها العامل في ذي الحال الرفع.
وقال أمية أيضاً:
ومن خلفه ذاك المبينُ شعارهُ ... له أثر على البرّية عاليا
قيل: المبين، يعني الشمس، وشعاره: ما استشعر من الضوء.
(1/228)

وقوله: له أثر على البرية إن جعلت قوله: على البرية متعلقاً بالأثر، وجعلته جارياً مجرى المصدر، كقوله:
غزاتكَ بالخيل أرض العدوَّ
وقوله:
وبعد عطائك المائة الرتاعا
فإن الحال، على قول من رفع بالظرف، عن النكرة، التي هي أثر والعامل في الحال التي هي عاليا الظرف الذي هو له، والذكر الذي في الحال يعود على أثر النكرة.
ومن رفع بالابتداء، كان الحال عن الذكر الذي في له، والحال للذكر، والعامل فيها الظرف.
وإن جعلت قوله: على البرية صفة للنكرة، وجب أن تعلقه بمحذوف، وتضمنه ضميراً مرفوعاً، فيصلح أن يكون عالياً حالاً عن الضمير الذي في الصفة، ولا يصح ذلك على التقدير الأول، لنه بمنزلة اسم منصوب، لا ذكر فيه فيكون عنه حالٌ.
(1/229)

فأما قوله: له أثر على البرية عاليا فإن من رفع الاسم بالظرف، يجئ على قوله أن يعمل في الجملة التي هي: له إثر واحد من ثلاثة أشياء: الظرف، أو الاسم المبهم، أو المبين.
ومن رفع بالابتداء، زاد في الكلام على قوله اسم، يجوز أن يكون الحال عنه أيضاً، وهو الذكر الذي يصير في الظرف، العائد غلى الابتداء، والعامل في الحال أيضاً أحد الأشياء الثلاثة التي يجوز عمل كل واحد منها في القول الآخر فيها، والعائد من الحال إلى ذي الحال، الذكر الذي في له المجرور.
ولا يجوز أن يكون العائد إليه مرفوعاً، لأنه قد ارتفع به الظاهر، أو المضمر، على قول من رفع بالابتداء، فإذا ارتفع به شيء ظاهرٌ أو مضمر، لم يحتمل أن يرتفع به شيء آخر، فيرتفع به شيئان، ولكن العائد إلى ذي الحال، الذكر المجرور.
وقال أمية:
رجلٌ وثورٌ تحتَ رجل يمينه ... والنَّسرُ للأخرى وليثٌ مرصدُ
قوله: للأخرى خبر للنسر، وليث مرصد معطوف على النسر، ومرصد صفة للنكرة، والخبر محذوف، تقديره: وليث مرصد للأخرى، فحذف، مثل زيد منطلق وعمرو، كان النسر والليث، في هذه الجهة، مثل الرجل والثور، في الجهة
الأخرى.
قال أمية، يعظم الله تعالى:
الحاملُ النارَ في الرطبين يحملها ... حتى تجئ من اليبسين تضطرمُ
لا يخلو قوله: الحامل من أن يكون ابتداء، أو خبر مبتدأ، فغن كان خبر مبتدأ، أمكن أن يكون جميع ما في البيت من صلة الحامل.
(1/230)

فأما قوله: في الرطبين فإنه يجوز تعلقه بشيئين، أحدهما: أن يكون ظرفاً للحمل، أي يحمل في الرطبين، ولا شيء فيه على هذا.
ويجوز أن يكون حالاً من النار، فيتعلق بمحذوف، ويتضمن ضميراً من ذي الحال، التي هي النار.
فأما قوله: يحملها فيكون حالاً مؤكدة من الحمل الذي في الصلة، مثل قوله:
كفى بالنَّأىِ من أسماءَ كاف
وأبيات نحوها قد جاءت.
وإذا جعلت يحمل حالاً، أمكن أن يكون في الرطبين حالاً من ضمير النار المنصوبة، وان يكون ظرفاً للفعل، ولا يكون حالاً من ضمير الفاعل، كما لم يجعله حالاً من الضمير المرفوع في الحامل، لأن الحامل اسم الله عز وجل، فلا يكون أن تجعله حالاً من الرطبين.
فإن قلت: فقد قال تعالى: (وَهُوَ اللهُ فِي السّمَاوَاتِ).
(1/231)

فذلك أحسن، لعموم المدح.
ولا تمتنع على واحد من المذهبين أن تجعله حالاً من الضمير، وإن كانت الحال متقدمة، لأن ذا الحال مضمر.
وأما حتى فتكون متصلة بالحامل، التقدير: حمل في الرطبين كي يجئ في اليبسين، كما تقول: كلمته حتى يأمر بشيء، أي كي يأمر لي، واليبسين ظرف
ليجئ، ويضطرم حال من الضمير الذي في يجئ.
وإن شئت جعلت من اليبسين متعلقاً بيضطرم، فجعلته ظرفاً، أو حالاً.
وإن جعلت الحامل ابتداء، وجعلت يحملها الخبر، لم يحسن أن تجعله خبراً، كما جعلته حالاً، لأن الحال قد تجئ مؤكدة، والأخبار ينبغي أن تكون مفيدة، ألا ترى انه حمل:
إذا كان يومٌ ذو كواكب أشنعا
(1/232)

على وقع، ولم يجعلها الأخرى.
فإن قال: أجعل يحملها الخبر، وأعلق حتى به، وأتأول وجهيها، فأقول: يحمل إلى أن يجيء، أو كي يجيء؛ ليكون فيه زيادة فائدة على ما كان في المبتدأ، ألا ترى أنه قد جاز: ضرب ضرب شديد، ونفخ نفخ شديد، فجاز من أجل الصفة، وحسن، ولولا الصفة لم يحسن: ضرب ضرب، ولا نفخ نفخ، فكذلك أجعل ما تعلق بيحملها محسناً لأن يكون خبراً، كالصفة في ضرب ضرب شديد؛ لاجتماعهما جميعاً، في زيادة الفائدة، وإذا كان كذلك، يم يكن بمنزلة قولك: الذاهبة جاريته صاحبها؛ لأن هذا الخبر لا زيادة فقيه على ما أفاد المبتدأ، وهذه المتعلقات قد جرت عنده مجرى الصفة، لما تحدثه من التخصيص، كتخصيص الصفات؛ ألا ترى أنه قد أجاز: سير عليه ملى من النهار، جعلت من النهار متعلقاً بمحذوف، أو جعلته متعلقاً بنفس ملى، فهو قول.
وقال أمية يصف الهلال:
لانقصَ فيه غيرَ أنَّ خبيَّهُ ... قمرٌ وساهورٌ يسلُّ ويغمدُ
يقول: إن الهلال خلقته أبداً واحدة، وإنما يراه الرائي ناقصاً لقربه من الشمس، فعلى قدر قربه منها، وبعده عنها، يكون تمامه ونقصه، نفي مرآة العين.
(1/233)

فأما قوله: وساهور فلا يخلو من أن يكون معطوفاً على قمر، أو يكون قوله: ساهور اسئنافاً، فلا يجوز أن يكون معطوفاً على قمر، على حد قولك: خيبك
درهم ودينار؛ ألا ترى أن الساهور ليس بخبى للقمر، ولا منه في شيء، إنما الساهور ظل الأرض، الذي يكسف القمر، بستره ضياء الشمس عن القمر، وضياءه عنها، والساهور، فاعول من الساهرة، التي هي الأرض، وقد قيل: إن الساهر الذي هو خلاف الراقد مأخوذ من ذلك؛ لن الساهر لايقصد الأرض، وهذا عندي على غير قياس؛ لأن الساهر ينبغي أن يكون الجانح إلى الأرض، لا المتجافي عنها، كما قال:
وصاحب نبَّهته لينهضا ... إذا الكرى في عينه تمضمضا
فقام عجلانَ وما تأرَّضا
أي لا يثقل ججانحاً إلى الأرض، ولكنه يخف إذا دعى، غلا أن الساهر جاء على نحو: تأثم، إذا اجتنب الإثم، وتحوب، إذا لم يرتكب الحوب، فكذلك سهر: جفا عن الأرض.
والتقدير في الإعراب: وثم ساهور، أو: في الوجود ساهور، يسل ويغمد، أي يسل القمر منه، وذلك إذا كان متجلياً غير مكسوف، ويغمد القمر فيه إذا كسف، فالتقدير: وفي الوجود ساهور، يسل منه القمر تارة، ويغمد فيه أخرى.
ويسل ويغمد في موضع رفع؛ لأنه صفة ساهور، ومنه وفيه محذوفتان، كما حذف فيه عنده، من قوله عز وجل: (يَوْماً لاّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نّفْسٍ شَيْئاً)،
(1/234)

أو يكون حذف الحرف، وأوصل الفعل بغير حرف، وحذف الضمير، كما حذف من قوله: الناس رجلان؛ رجل أكرمت، ورجل أهنت.
وقال:
وترى شياطيناً تروغُ مضافةً ... ورواغها ضمنٌ إذا ما تطردُ
ترى، تقديره: تعلم؛ لأنك لا تحس الشياطين، ولكن تعلمهم بخبر الصادقين.
فإن جعلت تروغ المفعول الثاني، كان قوله: مضافة طحالاً، وإن جعلت مضافة
المقعول الثاني، كان موضع تروغ نصباً، بأنه حال، والأحسن أن تجعله وصفاً؛ لأن شياطيناً نكرة.
قالوا: وإنما وصف العرش والكرسي، فكأنه قال: وتعلم شياطين تجيء لتسترق السمع.
قال: والمضاف: الملجأ، قالوا: واشتقاقه من الضيف، والضيف سمي ضيفاً؛ لنه يعدل عن الطريق، فينزل بقوم، والتقدير: وذو رواغها ضمن، وكان القياس أن يقول: ضامن؛ لأن فعل إنما يكون لما ثبت، مما يكون خلقة، أو غرلايزة في لزوم الخلق، وقد علق هذا باستقبال، فكان ينبغي أن يكون مثل: بعيرك صائداً غداً، وعينه عاورة بعد غد؛ لتوقع عليه الجاري على الفعل، لا الذي هو لما ثبت واستقر.
ووجهه الحكاية لما يصير إليه في المستقبل، كقوله تعالى: (وَنَادَىَ أَصْحَابُ النّارِ)، وهو لم يكن بعد، ومثله من الحكاية لما مضى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلّذِيَ أَنعَمَ اللهُ
(1/235)

عَلَيْهِ)، وقوله: (هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوّهِ).
وتقال أمية:
لولا وثاقُ الله ضلَّ ضلالنا ... ولسرَّنا أنَّا نتلُّ ونوأدُ
وثاق: في موضع توثقه؛ لأنه يتعدى في المعنى إلى الشياطين، المعنى: لولا توثقه الله الشياطين، بما علمنا من الاستعاذة منها.
ووقوع الوثاق موقع التوثقة، كوقوع السراح موقع التسريح، في قوله عز وجل: (وَسَرّحُوهُنّ سَرَاحاً جَمِيلاً)، في أنه وقع موقع التسريح، كما قال عز وجل: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)؛ لأن الوثاق خلاف السراح.
ويجوز على قوله:
غزاتكَ بالخيلِ أرضَ العدو ... وفليومَ من غزوةٍ لم تجمْ
وقوله:
باكرتُ حاجتها الدَّجاجَ بسحرةٍ ... لأعلَّ منها حينَ هبَّ نيامها
(1/236)

أن تعمل نفس الوثاق، وكذلك قوله:
أأكفرُ بعد ردّ الموت عنِّي ... وبعدَ عطائك المائةَ الرَّتاعا
والوثاق: اسم اللعين، كالدهن، وليس اسم الحديث؛ ألا ترى أن قوله سبحانه: (فَشُدّواْ الْوَثَاقَ) إنما هو اسم ما يوثق به [الأسير]؛ من قيد، أو حبل.
وأما قوله: ضل ضلالنا فيكون على أن يسند ضل إلى الضلال، كما قالوا: جن جنونه، فأسند جن إلى الجنون، قال:
هبَّتْ له ريحٌ فجنَّ جنونه ... لمّا أتاه نسيمها يتوجَّسُ
وعلى هذا حمل بعض البغداديين قول ابن مقبل:
تخالُ ناعرها بالَّليلِ مجنونا
قال: هو على: جن جنونه، كأن ناعراً من النعرة التي تدخل الأنف.
ويروى:
تخال باغزها بالليل مجنونا
(1/237)

وقال أوس:
إذا ناقةٌ شدَّتْ بحبلٍ ونمرقٍ ... إلى حكمٍ بعدي فضلَّ ضلالها
وقالوا: عمى عماه، وعلى هذا قول رؤبة:
وبلد عامية أعماؤه
وقالوا: خرجت خوارجه.
ويكون ظل ضلاله على: صاحب ضلاله، وصاحب ضلاله هوهو، فيسميه الضلال؛ لكثرة ملابسته له، وشدة ذهابه فيه، فيسميه باسم الحدث؛ لكثرة ذلك منه.
وقريب من هذا: شغل شاغل، وشعر شاعر؛ كأنه يشبه الحدث بالعين، فيضيف
إليه ما يضاف إلى العين.
وعكس هذا قولهم: أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة، فهذا قد نزل فيه العين تنزيل الحدث؛ ألا ترى أنه جعل ظرف الزمان خبراً عنه، ومن ذلك قول الشاعر:
(1/238)

جدَّتْ جدادِ بلاعبٍ وتقشَّعتْ ... غمراتُ قالبِ لبسةٍ حيرانِ
وقال أمية:
والنارُ فيها كظهرِ الرَّألِ هابيةٌ ... في الأرض منها إذا استوشيتها سررُ
قال الراوي: لا أدري كيف الرواية.
قوله: فيها يجوز فيه ثلاثة اضرب، أحدها: أن يكون مستقراً، فيكون قوله: كظهر الرأل حالاً عن الضمير المرفوع الذي في فيها.
ويجوز أن يكون ظرفاً، والعامل فيه: كظهر الرأل، وإن تقدم عليه، ولا يجوز أن يكون حالاً؛ لأن العامل إذا كان معنى لايتقدم عليه الحال، وإن جاز تقدم الظرف عليه.
ويجوز ان يكون فيها متعلقة بهابية. ولايكون في قوله: فيها ذكر، على هذا، ولا إذا كانت ظرفاً للكاف.
ويجوز أن يكون فيها وكظهر الرأل على: حلو حامض، فيكون الذكر على قياس ما يكون فيهملا، فإذا جعلته كذلك، كان هابية حالاً من كل واحد من الظرفين على انفراده، في قول من جعل في كل واحد ضميراً.
(1/239)

وقيل: شبه النار بظهر الرأل؛ لأن ظهر الرأل أحمر، وهابيه: غبراء.
استوشيتها: حركتها.
وسرر: خطوط وآثار.
قال ذو الرمة:
وحتىَّ أتى يومٌ يكادُ من اللَّظى ... به التُّومُ في أفحوصهِ يتصيَّحُ
قوله: في أفحوصه يكون ظرفاً لشيئين، لا ذكر فيه على ذلك؛ يجوز أن يكون ظرفاً ليكاد، كأنه: يكاد التوم في أفحوصه.
ويجوز أن يكون ظرفاً ليتصيح.
ويجوز أن يكون حالاً من التوم، والعامل فيه: يكاد.
ويجوز أن يكون حالاً من الفاعل في يتصيح على المذهبين جميعاً؛ لأن ذا الحال مضمر، وفي الظرف ذكره على الوجهين.
فأما قوله: من اللظى فيجوز أن يتعلق بشيئين: بيكاد، وبيتصيح، كأنه: يكاد التوم في أفحوصه يتصيح من اللظى به.
فغن قلت: كيف جاز هذا، نهو فصل بمفعول المفعول؟ هلا امتنع، كما امتنع: كانت زيداً الحمى تأخذ؟
فالقول أن هذا لايمتنع في الظرف، ألا ترى انه قد جاء.
فلا تلحني فيها فإنَّ بحبِّها ... أخاكَ مصابُ القلبِ جمٌّ بلابلهْ
(1/240)

فأما يكاد فموضعه رفع؛ لأنه وصف للنكرة، والعائد إلى الموصوف من الصفة، الهاء التي في به، وبه في موضع نصب، لتعلقها باللظى.
وأنشدنا علي بن سليمان:
لسانك لي أرىٌ وغيبك علقمٌ ... وشرُّكَ مبسوطٌ وخيرك ملتوى
ليس يخلو اللسان من أحد معنيين: إما أن يكون الجارحة، أو الذي بمعنى الكلام، كقوله عز وجل: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رّسُولٍ إِلاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ)، كأن المعنى: بلغتهم، مما يقوى ذلك إفراد اللسان حيث [أ (يد به اللغة، وجمعه حيث] أريد به الجارحة، قال عز وجل: (وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ)، وأنشد أبو زيد:
ندمتُ على لسانٍ كان منِّي ... فليتَ بأنَّه في جوف عكمِ
(1/241)

فذها تعلم أنه لايريد به الجارحة، لأن الندم لايقع على الأعيان، إنما يقع على معان
فيها.
فإن قلت: فقد قال:
فليت بأنه في جوف عكم
والمعنى لايكون في جوف العكم، إنما يكون العين.
قيل: هذا اتساع، وإنما أراد: فليته كان مطوياً لم ينشر، كما قال أوس:
ليس الحديثُ بنهبي بينهنَّ ولا ... سرٌّ يحدِّثنه في الحيِّ منشورُ
فليس المنشور هنا كقولك: نشرت الثوب، الذي هو خلاف طويته، وإنما يريد أنه لا يذاع ولا يشاع، فاتسع، وكذلك قوله:
إنِّي أتاني لسانٌ لا أسرُّ به ... من علو لا كذبٌ فيه ولا سخرُ
(1/242)

فإن جعلته من هذا الوجه، أمكن أن يكون لي متعلقاً به، كقولك: كلامك لي جميل.
وإن جعلت اللسان الجارحة، احتمل أن تريد المضاف فتحذفه، فإذا حذفته احتمل وجهين، أحدهما: أن يكون علي: صلى المسجد، أي أهله، والآخر: أن تحذف المضاف، فتجعل اللسان الكلام، كما قالوا: اجتمعت اليمامة، فجعلهم كأنهم اليمامة، وكما قال:
إذا انتمُ باللَّيلِ سرَّا ... قٌ وصبحَ غدٍ صرارهْ
فجعلهم الحدث، فكذلك تجعل اللسان الحدث. فإذا جعلته كذلك، أمكن أن يتعلق به لي كما تعلق به في الوجه الأول، وكما أجاز أن تجعل اسم الزمان خبراً عنه، كذلك يتعلق به الجار.
فعلى هذين الوجهين؛ هذا، والذي ذكر أولاً، يجوز أن يتعلق به الجار تعلقه بنفس المصدر، ويجوز في لي بعد، أن يتعلق بمحذوف، ويكون هو وقوله: أرى الخبر، مثل: حلو حامض.
ويجوز فيه أيضاً أن تجعله خبر المبتدأ، الذي هو لسانك، وتجعله الجارحة؛
(1/243)

لأنك
قد تقول: فلان لطيف اللسان، تريد به الكلام وتلقى الناس بالجميل، فيكون الخبر، ويحتمل ضميراً للمبتدأ، وتجعل أرياً بدلاً من الضمير الذي في لي.
ويجوز أن يكون لي في موضع نصب على الحال، كأنه أراد: لسانك أرى لي، فيكون صفة إذا تأخرت، فإذا تقدمت صار حالاً، كقوله:
لعزَّة موحشاً طللُ
فإن قلت: إن أرياً معناه: مثل أرى، فالعامل معنى فعل، وإذا كان معنى فعل، لم يجز تقدم الحال عليه.
فالقول في ذلك: انك تضمر فعلاً يدل عليه هذا الظاهر، فتنصب الحال عنه، كما أضمر فعلاً انتصب عنه المفعول به، في قوله:
تبدَّلْ خليلاً بي كشكلكَ شكله ... فإنِّي خليلاً صالحاً بك مقتوى
فكما أن خليلاً في هذا البيت، محمول على فعل مضمر، كذلك يكون الفعل المضمر المنتصبة الحال عنه، كأنه: لسانك يستحلى ثابتاً لي.
وإن شئت قلت: إن الحال لما كانت على لفظ الظرف، وكانت في المعنى تشبه الظرف، جعلها الشاعر بمنزلة الظرف، فأعمل فيها المعنى، وإن كانت متقدمة عليه،
(1/244)

كما يعمله في الظرف متقدماً، و، ن تجعل اللسان حدثاً، ولا تجعله الجارحة؛ لأنه قد عطف عليه حدثاً، وهو الغيب؛ أشبه، للتشاكل.
وعلى كل هذه الوجوه، في قولك: لي ذكر، إلا إذا علقته بالأول، على معنى الرسالة، والحدث، فإنه على ذلك لاشيء فيه، كما لاشيء في: بزيد، من قولك: مروري بزيد حسن.
أنشد أبو زيد، لحاتم الطائي:
شهدتُ ودعوانا أميمةُ أنَّنا ... بنو الحربِ نصلاها إذا شبَّ نورها
إذا جعل أميمة اسماً يدعونها وينادونه، جاز أن يكون دعوانا موضعه نصب، بأنه
مفعول [معه] كأنه: شهدت مع دعوانا [أميمة] وموضع أميمة نصب بالمصدر.
وإن كان أميمة كالشعار لهم في الحرب، فإنه ينبغي أن يكون موضع الدعوى رفعاً بالابتداء، وخبره مضمر، كأنه: شهدت ودعوانا قول أميمة، والجملة في موضع نصب، بأنها حال.
(1/245)

ويجوز أن تجعل الواو كالباء، كالتي في قوله: بعت الشاء؛ شاة ودرهم، أي بدرهم، فيكون المعنى: شهدت بدعوانا، أي شهدت بما نعتزي به وننتمي، وموضع دعوانا على هذا نصب على الحال، كما تقول: شهدت بسلاحي.
(1/246)

باب
من الابتداء لا يكون خبره ظرف الزمان
سمعت أبا اسحاق ينشد:
كأن لم يكونوا حمى يتَّقى ... إذ الناسُ إذْ ذاكَ من عزَّ بزَّا
قوله: إذ ذاك لا يجوز أن يكون خبراً للناس، لأنك لا تقول: الناس أمس، ولكن التقدير: غذ الناس من عز منهم بز إذ ذاك، فيرجع الذكر الذي تقدره محذوفاً إلى الناس، مثل السمن منوان بدرهم، ويكون قوله: إذ ذاك متعلقاً ببز.
ومن بمعنى الذي، ولا يكون بمعنى الجزاء؛ لأن الشرط وجوابه لا يعمل واحد منهما فيما قبله عندهم. ومن أجاز من البغداديين أن يعمل جزاء الشرط فيما تقدمه، جاز على قياس قوله أن يكون من شرطاً، وبز جوابه، وإذا منتصب الموضع جملة، والتقدير: إذ ذاك كائن أو موجود. وقال آخر:
(1/247)

مسحوا لحاهمْ ثم قالوا سالموا ... يا ليتني في القوم إذ مسحوا اللِّحى
قوله في القوم لايكون ظرفاً، ولا حالاً؛ لأنك إن جعلته واحد منهما، كما جعلته في قوله: كأنه خارجاً حالاً، بقي إذ خبراً عن المتكلم، فلا يجوز، كما لم يجز: يا ليتني أمس، فلا يكون في القوم إلا متعلقاً بمحذوف.
فأما إذ مسحوا فيجوز أن تعلقها مرة بليتني، وأخرى بالمستقر الذي هو في القوم؛ لأن في كل واحد منهما معنى فهل، وتعلقه بالمستقر أولى، من حيث كان إليه أقرب.
عدي بن زيد:
وحبي بعد الهدو تهادي ... هـ شمال كما يزجى الكسير
لا يخلو قوله: بعد الهدو من أن يكون متعلقاً بمحذوف، أو بما في حبي من معنى الفعل، أو بقوله: تهاديه.
فلا يجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف؛ لأنك إن علقته به صار صفة للحبي، من حيث كان نكرة، والنكرة توصف بالظروف، كما توصف بالجمل، من حيث وصلت الموصولة بالظروف، كما وصلت بالجمل، والنكرة إذا كانت عيناً لا توصف بظروف الزمان، كما لا يخبر بها عنها.
فإذا لم يجز ذلك كان غما متعلقاً بما في حبي من معنى الفعل، وإما بتهاديه، والأحسن أن يكون متعلقاً بالفعل الصريح، ولا يكون متعلقاً بحبي، لأنه وإن كان ممكناً
(1/248)

أن يكون من حبا يحبو، أي يدنو بعضه إلى بعض، وينضم، فإنه قد استعمل اسماً، فكأن ما فيه من معنى الفعل قد أزيل عنه، كما أن درا في قولهم: لله درك صار عند سيبويه بمنزلة قولهم: لله بلادك فلم يستعمل استعمال المصادر، فكذلك لا يستعمل هذا الاسم استعمال الصفات.
وإن شئت علقته بما في حبي من معنى الفعل، وإن كان على ما وصفت، ألا ترى أن الأربق والأبطح، وإن استعملا استعمال الأسماء، وكسرا تكسيرها، لم يخلع منهما معنى الوصف؛ بدلالة أنهم لم يصرفوهما، ولا نحوهما في النكرة، إذا لك يصرفوهما في النكرة، علمت أن معنى الصفة نقر فيهما، وإذا أقررت فيهما معنى الصفة، علقت الظرف والحال بهما.
عمران بن حطان:
يوماً يمانٍ إذا لاقيتُ ذا يمنٍ ... وإن أتيتُ معدِّيّاً فعدناني
المبتدأ محذوف، التقدير: يوماً أنا يمان، ولم يتعلق الظرف بقوله: يمان، ولكن حمل الكلام على المعنى، كأنه قال: أنتقل يوماً إذا لاقيت، فظرف الزمان متعلق بهذا المقدر.
ويلزم أن يقدر هذا التقدير، من وجهة آخر، وهو أنه جواب إذا، فكأنه قال: إذا لاقيت ذا يمن تنقلت إليه، كما أنه إذا قال: أنت ظالم إن فعلت، يصير التقدير: إن
فعلت ظلمت، وإذا متعلق بهذا الفعل الثاني المقدر، ولا يكون متعلقاً بيمان؛ لأن الظرفين من الزمان لايتعلقان بعامل إلا على طريق بدل أحدهما من الآخر، وليس ذا موضع بدل.
(1/249)

واعلم أنه لايجوز: متى زيد؟ في الاستفهام، كما لايجوز في الخبر: يوم الجمعة زيد؛ لأنك في الوجهين جميعاً تسند اسم الزمان إلى الجثة، وظروف الزمان لاتكون أخباراً عنها، وقد حكى: متى أنت وبلادك؟ ومتى أنت وأرضك؟ وهذا كلام متسع فيه، والمعنى: متى عهدك ببلادك؟ ومتى عهدك أرضك؟ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كما قالوا: اليوم خمر وغداً أمر.
فأما قولهم: وبلادك، فالواو فيه بمعنى الباء، كما قالوا: بعت الشاء شاه ودرهم، والمعنى: شاة بدرهم، إلا انك لما عطفته على المرفوع ارتفع بالعطف عليه، كما قالوا: كل رجل وضيعته، فاستغنى عن الخبر، لما كان المعنى: كل رجل مع ضيعته، فكذلك استغنى هنا عن خبر المبتدأ، حيث كان المعنى: متى عهدك ببلادك؟ فأما قوله عز وجل: (وَيَقُولُونَ مَتَىَ هُوَ) ف (هُوَ) ضمير الإعادة، لدلالة قوله تعالى: (فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا) عليه.
أنشد أحمد بن يحيى:
أنا أبو المنهالِ بعضَ الأحيانْ ... ليس عليَّ حسبي بضؤلانْ
(1/250)

إن قلت: بم يتعلق قوله: بعض الأحيان فالقول فيه أنه يتعلق بأحد شيئين؛ إما أن يكون أبو المنهال كنية بعض من يقرب منه، فقال: أنا أبو المنهال، أي مثله، فيتعلق الظرف بهذا الذي يتحدث من معنى الفعل، أو يكون أبو المنهال رجلاً نبيهاً، أو ممتنعاً على من يريده، وقد عرف بذلك حتى إذا ذكر دل على النباهة والامتناع، فيتعلق الظرف بهذا المعنى، ومثل ذلك قوله تعالى، فيمن قرأ: (كَلاّ إِنّهَا لَظَىَ نَزّاعَةً لّلشّوَىَ) ألا ترى أن لظى، وإن كانت علماً، فقد صار إذا ذكرت دلت
على التلظي، فكما انتصبت الحال عن معنى الفعل الذي في هذا الاسم، كذلك يتعلق الظرف بما في أبي المنهال، من معنى الفعل.
فأما قول الأعشى:
إذ انتمُ بالَّليل سرَّا ... قٌ وصبحَ غدٍ صرارهْ
فقال أبو عبيدة: زعموا أن جحدراً - وهو ربيعة بن ضبيعة - كان يجمع القردان، فيصرها فيأتي البرك إذا أمسى، فيرسلها عليها فتنتشر، فيضم ما انتشر منها. فهذا يدل على أنه جعلهم هذا الحدث؛ لكثرته منهم، وأنهم قد عرفوا به، ولا يجوز أن تقدر
(1/251)

المضاف المحذوف مرادا؛ لأنه لو كان كذلك، صار اسم الزمان الذي هو صبح غد خبراً عن العين، وهذا لا يجوز، فإذا لم يجز هذا، علمت أنه جعلهم إياه.
فأما قول أوس:
تركتُ الخبيثُ لم أشاركْ ولم أدقْ ... ولكن أعفَّ الله مالي ومطعمي
فقومي وأعدائي يظنُّون أنَّني ... متى يحدثوا أمثالها أتكلَّم
فإن الكلام فيه محمول على المعنى، وهذا يدل على صحة ما أجازه من قوله: زيد حين يأتيك أضرب، لما كان المعنى: زيد اضرب حين يأتيني، ومثل ذلك في الحمل على المعنى: إنك ما وخيراً وإن كان العطف على غير ذلك، وكما حمل قولهم: أقائم أخواك؟ على المعنى. وكذلك التسوية في قولهم: سواء عليك اذهب أم جاء،
(1/252)

و (سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) فكذلك حمل ما ذكرناه على المعنى.
ويقوى ذلك كثرة ما جاء من حمل الظروف على المعنى، كقوله عز وجل: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىَ يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ) فكذلك: أزيد حين يأتيك تضربه؟ وكذلك قوله: إنني أتكلم متى يحدثوا.
(1/253)

باب
ما يرتفع بالظرف دون الابتداء
قال عدي بن زيد:
وحبيٍّ بعد الهدوِّ تهادي ... هِ شمالٌ كما يزجَّى الكسيرُ
وسطهُ كاليراع أو سرجِ المج ... دلِ حيناً يخبو وحيناً ينير
القول في ذلك أن وسطه يجوز أن ينشد على وجهين، أحدهما أن يرفع، فيقال: وسطه كاليراع، فيجعل الوسط الذي هو ظرف، اسماً في الشعر، كما قال الفرزدق:
أتتهُ بمجلومٍ كأنَّ جبينه ... صلاءةُ ورسٍ وسطها قد تفلَّقا
(1/254)

فرفعه بالابتداء، وقال القتال الكلابي:
سائلْ ربيعةَ هل رددتَ لقاحها ... والخيلُ مقعيةٌ على العقابِ
من وسطِ جمعِ بني قريطٍ بعدما ... هتفتْ ربيعةُ يا بني جوَّابِ
فأسكن العين مع دخول الجار عليه.
فإذا رفع وسطاً، احتمل [الكاف] أمرين، أحدهما أن يكون ظرفاً، كالتي في قولك: جاءني الذي كزيد، ومن رأى أن يجعلها اسماً في الكلام، جعلها هنا أيضاً اسماً.
(1/255)

وإن نصب وسطه على الظرف، كان موضع الكاف رفعاً بأنها فاعلة بالظرف، ولا يجوز أن يكون رفعاً بالابتداء، ومما جاء الكاف فيه رفعاً بأنها فاعلة قول أوس:
علا رأسها بعدَ الهبابِ وسامحتْ ... كمحلوجِ قطنٍ ترتميه النَّوادفُ
وقال آخر:
فوا عجباً إنَّ الفراقَ يروعني ... به كمناقيش الحليِّ قصارُ
وقال الأعشى:
أتنتهون ولن ينهي ذوي شططٍ ... كالطَّعنِ يهلكُ فيه الزَّيتُ والفتلُ
فالكاف في هذه البيات فاعلة.
(1/256)

وأما ما أنشده أحمد بن يحيى، من قول الشاعر:
بيننا كذاك رأينني متلفعاً ... بالبردِ فوقَ جلالةٍ سرداحِ
فإنه أضاف بيتاً إلى الكاف، كما تضاف إلى المصدر في قوله:
بينا تعانقهِ الكماةَ وروغهِ ... يوماً أتيحَ له جريءٌ سلفعُ
وكما أضيف مثل إليها في قوله:
فصيروا مثل كعصف مأكول
(1/257)

ولا يكون الحرف؛ لأن الاسم لا يضاف إلى الحرف، وينبغي أن تجعل الكاف بمنزلة مثل، في أنها تدل على أكثر من واحد، كما أن مثلاً كذلك، في نحو قوله عز وجل: (إِنّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ) لأن بين تضاف إلى أكثر من واحد. ويجوز أن تكون [الكاف] زائدة، كزيادتها في قوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، وذاك منجرة بها، والمعنى الإضافة إلى ذاك، وقد أضيف بين إلى المبهم المفرد، في نحو قوله سبحانه: (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ).
فإن قدرت الإضافة إلى الفعل الذي هو: رأينني، كما أضافه الأخر إليه، في قوله:
(1/258)

بينا أنازعهم ثوبي وأجذبهمْ ... إذا بنو صحفٍ بالحقِّ قد وردوا
وكما أضيفت إلى التي من الابتداء والخبر، في قوله:
بينا نحنُ نطلبه أتانا ... معلِّقَ وفضةٍ راعِ
وفصلت بين المضاف والمضاف إليه بالظرف، فهو وجه.
وقول الآخر:
رأتني كأفحوصِ القطاةِ ذؤابتي ... وما مسَّها من منعمٍ يستثيبها
إن قلت: اجعل الكاف بمنزلة مثل، فأرفع بها، كما أرفع بمثل، فليس بالسهل؛
(1/259)

لأنها ليست على ألفاظ الصفات، ولكن يجوز أن تجعل ذؤابتي مبتدأ، والظرف خبراً له مثل: في الدار زيد، ومن رفع بالظرف، كان ذؤابتي مرتفعة بالظرف. ويجوز أن
تجعل ذؤابتي بدلاً من ضمير المتكلم؛ لأنها بعضه، فيكون بمنزلة: ضربت زيداً رأسه، ثم تكون الكاف بعد ذلك على ضربين:
إن جعلت رأيتُ من رؤية العين، كانت الكاف في موضع نصب على الحال، وإن جعلتها التي بمعنى العلم، كانت في موضع المفعول الثاني.
فكما أن الكاف في الأبيات التي تقدمت، فاعلة، كذلك الكاف في قوله: وسطه كاليراع فاعله بذلك؛ لأن الظرف في موضع صفة، فترتفع الكاف بالظرف، ومن ذلك قول الشماخ:
وماءٍ قد وردتُ لوصلِ أروى ... عليه الطَّيرُ كالورقِ اللَّجينِ
أما الطير فيرتفع بالظرف بلا خلاف.
وأما قوله: كالورق اللجين فإنه يحتمل ضربين، أحدهما أن يكون حالاً من الطير، والآخر: أن يكون وصفاً للماء، تقديره: وماء كالورق اللجين وردته لوصل أروى، عليه الطير، ومثل قوله: وماء كالورق اللجين في المعنى، قول علقمة:
فأوردته ماءً جماماً كأنَّه ... من الأجنِ حنَّاءٌ معاً وصبيبُ
(1/260)

فكما شبه خثورة الماء؛ لتقادم عهده بالورادة، وللأجون بالحناء، كذلك شبهه الشماخ بالورق اللجين.
وقوله: عليه الطير على هذا، قد حذف منه المضاف، ومثل ذلك قول الهذلي:
تجيلُ الحبابَ بأنفاسها ... وتجلو سبيخَ جفالِ النُّسالِ
السبيخ: ما نسل من ريش الطير.
وقال الأعشى:
وقليبٍ أجنِ كأنَّ من الرِّي ... شِ بأرجائه سقوطَ نصالِ
وقال العجاج:
غيايةً غثراءَ من أجنِ طالْ
(1/261)

وإن جعلت قولك: كالورق اللجين حالاً للطير، صار فيه ضميره، ويكون معنى عليه الطير أن الطير اتخذت فيه الأوكار؛ لخلائه وكثرتها عليه، [وقلة من يرده فالطير لكثرتها عليه]، وتكابسها فيه، كالورق اللجين، ومثل ذلك في المعنى [قول الراعي]:
بدلوٍ غيرِ مكربةٍ أصابتْ ... حماماً في جوانبه فطارا
كأنه استقى بسفرةٍ، فلذلك لم تكن مكربة، والطير قد اتخذت فيه الوكار للخلاء.
فقوله: كالورق اللجين، مثل قولك: صائداً به وصائد به بعد قولك: مررت برجل معه صقر صائد به فجعله مرة حالاً من الهاء، في معه، وأخرى صفة لرجل.
(1/262)

ومثل ذلك فيما ذكرناه قوله:
ربَّما تكره النُّفوسُ من الأم ... رِ له فرجةٌ كحلِّ العقالِ
ومن ذلك قول الشماخ:
وإرثِ رمادٍ قد تقادمَ ماثلٍ ... ونؤيينِ في مظلومتينِ كداهما
(1/263)

فكداهما في موضع رفع؛ ألا ترى أن الظرف وصف للمثنى؛ من حيث كان منكوراً، وذكرهما مما ارتفع به عائداً إليهما. وقال المرار الفقعسي:
وصارتْ شميطاً كلُّ وجناَء حرَّةٍ ... لها تحتَ مجرى الأخدعينِ حميمُ
فحميم في البيت مرتفع بالظرف؛ لأنك إن جعلت قوله: لها لكل، أو لوجناء، أو لحرة، كان صفة له، وكل ما ذكرنا مما يجوز أن يكون الظرف وصفاً له، نكرة.
فأما تحت مجرى الأخدعين فهو ظرف لقولك: لها، ولا شيء فيه. ويجوز أن تجعله وصفاً لحميم، فلما
قدمته عليه صار موضعه نصباً على الحال، ومن ذلك قول الطرماح:
فلمَّا غدا استذرى له سمطُ رملةٍ ... لحولينِ أدنى عهدهِ بالدَّواهنِ
(1/264)

ويروى: سيد قفرة، وأدنى مرتفع بالظرف، لأن ما قبله منكور، فأما قوله:
كأنَّهمُ صابتْ عليهم سحابةٌ ... صواعقها لطيرهنَّ دبيبُ
فارتفاع دبيب على الخلاف، ولو كانت صواعق نكرة، ارتفع دبيب بالظرف.
ويحتمل قوله: صواعقها ضربين من الإعراب، أحدهما أن يكون بدلاً من
(1/265)

السحابة؛ لاشتمالها عليها، كأنه قال: صواعق سحابةٍ. ويجوز أن يرتفع بالابتداء، ولطيرهن دبيب في موضع الخبر، والمعنى أن الطير تدب، فلا تطير، من خوف الصاعقة، ومثله في المعنى قول ابن أحمر:
وأفلتُّ من أخرى تقاصرَ طيرها ... عشيَّةَ أدعو بالسَّتارِ المقيَّرا
تقاصر طيرها: أي تقاصرت عن الطيران.
والمقير: رجل، وقيل: جبل.
وأخرى: يريد داهية أخرى.
وقال: لطيرهن دبيب، والطير: جمع طائر، ولكل طائر دبيب، فأفرد دبيباً، ولم يجمعه؛ لأنه مصدر.
(1/266)

باب
ما جاء في الشعر من الفصل بين المبتدأ وخبره
وبين غيرهما بالأجنبي
قال الفرزدق:
وما مثله في الناسِ إلا مملَّكاً ... أبو أمَّه حيٌّ أبوه يقاربهْ
تقديره: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكاً أبو أمه أبوه، ففصل بين المبتدأ والخبر، اللذين هما أبو أمه أبوه بحي، وهو أجنبي منهما، وفصل بين الصفة والموصوف اللذين هما حي يقاربه، بقوله: أبوه، وهو أجنبي منهما، ومثل ذلك من الفصل بالأجنبي قول الفرزدق:
لبسنَ الفرندَ الخسروانيَّ فوقه ... مشاعرَ من خزِّ العراقِ المفوَّفُ
(1/267)

التقدير: لبسن الفرند الخسرواني، مشاعر فوقه من خز العراق المفوف.
يجوز في قياس العربية أن يقال: فوقها وفوقه، فإن قال: فوقها؟، جعل الضمير للمشاعر. المعنى: لبسن الفرند الخسرواني، مشاعر فوقها، أي فوق المشاعر، فإذا أنشد كذلك، فأريد: فوقها المفوف من خز العراق، كان المفوف رفعاً بالظرف، كالأبيات التي تقدم ذكرها.
وإن أنشد فوقه أي فوق الفرند المفوف، كان ارتفاع المفوف، على الخلاف، وفي كلا الوجهين قد فصل بالأجنبي، ألا ترى أن المشاعر أجنبي من فوقه، ومما بعده.
فأما قوله: من خز العراق، فيجوز في قياس قول أبي الحسن أن يكون موضع الجار والمجرور رفعاً بأنه فاعل، ويكون المفوف وصفاً محمولاً على الموضع، ألا ترى أن موضع الجار والمجرور، رفع بأنه فاعل، ومثل ذلك قول لبيد:
طلب المعقب حقه المظلوم
(1/268)

ويجوز أن يكون قوله: من خز العراق، وصفاً لموصوف محذوف، كأنه ثياب من خز العراق، فإذا كان كذلك أمكن أن يكون المفوف بدلاً من شيئين، أحدهما الضمير الذي في الظرف، الذي هو من خز العراق، والأخر أن يكون بدلاً من المحذوف من اللفظ، على حد قوله تعالى: (إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللهِ).
ويجوز أن يكون: من خز العراق تبيناً، كقوله: (وَأَنَاْ عَلَىَ ذَلِكُمْ مّنَ الشّاهِدِينَ) و (إِنّي لَكُمَا لَمِنَ النّاصِحِينَ).
ويجوز أن تقول: فوقه المفوف من خز العراق، فتجعل من خز العراق متعلقاً بمحذوف، يصير في موضع الحال، فتقدمه على ذلك، والعامل في الحال فوقه، ولا يكون العامل فيها ما في الصلة؛ لأنه حينئذ لا يجوز فيه التقديم.
وأما قول الآخر لجرير:
غضبتَ علينا أن علاكَ ابنُ غالبٍ ... فهلاَّ على جدَّيكَ إذْ ذاك تغضبُ
هما حين يسعى المرءُ مسعاةَ أهلهِ ... أناخا فشدَّاكَ، العقالُ المؤرَّبُ
فقوله: حين يسعى المرء مسعاه أهله يجوز في وجه أن يكون فصلاً بين المبتدأ وخبره بالأجنبي، وذلك إذا جعلت العقال المؤرب خبر المبتدأ، كأنه قال: هما العقال
(1/269)

المؤرب، فعلى هذا قد فصل بينهما بالأجنبي منهما، وذلك أن قولنا أناخا فشداك اعتراض، وحين يسعى المرء متعلق به، فقد فصل بينهما بما هو أجنبي من المبتدأ والخبر.
فإن قلت: إن الفصل بالظرف لا ينزل منزلة كانت زيداً الحمى تأخذ؛ لأن الظرف قد استجيز فيه من الاتساع [في الفصل] ما لم يستجز في غيره، ألا ترى أنه قد جاء:
فلا تلحني فيها فإنَّ بحبِّها ... أخاكَ مصابُ القلبِ جمٌّ بلابلهْ
ففصل بقوله: بحبها بين إن واسمها، ولو كان مكان الظرف غيره لم يجز ذلك، ولم يحمل النحويين الظرف في ذلك على: كانت زيداً الحمى تأخذ.
فالقول أن قوله: حين يسعى المرء مسعاه أهله ليس كقوله: بحبها، في قوله: فإن بحبها، ألا ترى بحبها متعلق بمصاب، كأنه قال: فإن أخاك مصابُ القلب بحبها، فالظرف متعلق بالخبر، كما أن زيداً متعلق بالخبر، الذي هو تأخذ.
وقوله: حين يسعى المرء مسعاة أهله ليس بمتعلق بالخبر، الذي هو العقال المؤرب، إنما يتعلق بالاعتراض الموقع بين المبتدأ وخبره، فهو إذاً أجنبي منهما.
ويجوز أن تجعل قوله: أنا فشداك خبر المبتدأ، الذي هو قوله: هما، فإذا جعلته كذلك، لم يكن فصلاً بالأجنبي، ولكنه مثل: زيد في الدار قام، وزيد عمراً ضرب.
فإن قلت: فكيف يكون قوله: العقال المؤرب على هذا؟
فالجواب: انه يكون بدلاً من ضمير التثنية في أناخا، ولا يمتنع وإن كان
(1/270)

مفرداً، أن
يبدل من المثنى، كما لم يمتنع، وإن كان مفرداً، أن يكون خبراً لقوله: هما المثنى، والمعنى انهما منعاه من أن ينال المكارم والمساعي؛ لضعتهما وقصر باعهما عنها، كما يمنع العقال المؤرب، من النفاذ والتصرف، فعلى هذا جاز أن يكون خبراً عن المثنى، وغن كان مفرداً.
وأنشد أبو زيد:
فخيرٌ نحن عندَ الناسِ منكمْ ... إذا الدَّاعي المثوِّبُ قال يالا
قال أبو عمر: كان أبو الحسن يزعم أن ذلك لا يجوز في الكلام، لن منكم من صلة خير، والقول في ذلك أنك إذا قدرت نحن ابتداء، وخير خبره، لم يجز في الكلام، ذلك لأنك تفصل بين الصلة والموصول، بالأجنبي منهما، وإن قدرت ارتفاع خير بالابتداء، وجعلت نحن مرتفعاً به، وإن لم يعتمد على شيء، فإنه لايقبح الفصل، ولم يكن الفاعل في هذا كالابتداء، لن الفاعل بمنزلة جزء من الفعل، ألا ترى أن سيبويه أجاز: ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد.
(1/271)

إذا رفع الكحل بأحسن، ولو رفع فقال: ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، فرفع الكحل بالابتداء، لم يجز الفصل بينهما [بالابتداء]، كما أجاز الفصل بينهما بالفاعل.
وقد يمكن أن يكون نحن التي بعد خير تأكيداً للضمير، الذي في خير، وأن يكون خير خبراً لمبتدأ محذوف، وهو نحن، فلا يكون حينئذ أيضاً فصلاً بأجنبي، ومن ذلك قول الهذلي:
وكأنَّ سفُّودين لمَّا يقترا ... عجلاَ له بشواءِ شربٍ ينزعُ
قد فصل بين الفعل ومفعوله، بخبر السفودين، الذي هو عجلا له، ألا ترى أن المعنى: وكأن سفودين لما يقترا بشواء شرب ينزع، عجلاً له، ففصل بين الفعل،
وما يتعلق به، من الجار، بالخبر الذي هو عجلاً له.
وإن قلت: إن قوله: بشواء شرب متعلق بمحذوف، دل لما يقترا عليه، ولا يكون متعلقاً بهذا الظاهر، كما أن دارها، في قوله:
لسنا كمنْ حلت إياد دارها
(1/272)

متعلق بمحذوف، دل عليه الفعل المتقدم، فهو وجه. وإن لم تقدر ذلك كان وجهاً؛ لأنه قد جاء من ذلك في الشعر ما لايتجه إلا على الفصل، نحو ما تقدم ذكره.
فأما ما رواه السكرى، عن أبي عثمان، من قول أبي الأسود:
فقام إليها بها ذابحٌ ... ومن تدعُ يوماً شعوبُ يجيها
فظلَّتْ بأعضائها قدرها ... تحشُّ الوليدةَ أو تشتويها
(1/273)

فليس من هذا الباب؛ لأن أبا عثمان حمله على: كانت زيداً الحمى تأخذ، إلا أنه لما جعل الضمير للقصة أنث، وفي التنزيل: (فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الّذِينَ كَفَرُواْ).
(1/274)

باب
من حذف خبر المبتدأ
قال الفرزدق:
وإنّيَ من قومٍ بهمْ يتَّقى العدى ... ورأبُ الثّأي والجانبُ المتخوَّفُ
قوله: رأب الثأي لا يستقيم أن يحمل على يتقي، فإذا لم يستقم ذلك أضمرت له خبراً، وجعلته مبتدأ.
ولا يستقيم أن تضمر بهم لتقدم ذكر بهم، ولكن تضمر لهم، فيكون: رأب الثأي لهم، ودل على ذلك قوله: بهم يتقي العدي؛ لأن هذا الكلام يدل على: لهم البأس والنجدة، فأضمرت لهم بذلك.
فأما قوله: والجانب المتخوف فيستقيم أن تحمله على يتقي، فيكون: بهم يتقي العدى والجانب المتخوف.
ويستقيم - وهو الأشبه - أن تحذف المضاف، فيكون التقدير: لهم رأب الثاي، ورأب الجانب المتخوف.

[هذا أيضاً باب من حذف خبر المبتدأ]
قال الفرزدق:
(1/275)

وبيتان بيتُ اللهِ نحن ولاته ... وبيتٌ بأعلى إيلياَء مشرَّفُ
خبر المبتدأ الذي هو بيتان محذوف، تقديره: لنا بيتان، أو في الوجود بيتان، وبيت الله: مبتدأ، وخبره الجملة التي هي نحن ولاته.
وقوله:
وبيت بأعلى إيلياء مشرف
مبتدأ، وما بعده صفته، والخبر محذوف؛ لدلالة ما تقدم عليه، كقولك: زيد منطلق وعمرو، فالجملة في هذا كالمفرد، في أن المعنى: وبيت صفته كذا ونحن ولاته
أيضاً، كما تقول: زيد ضربت أباه وعمرو، تريد: وعمرو ضربت أباه، وفي التنزيل: (وَاللاّتِي لَمْ يَحِضْنَ).
فذها البيت في حذف خبر المبتدأ، الذي هو جملة خبر؛ لدلالة الجملة المتقدمة عليها، كدلالة المفرد.
فإن قلت: فلم لا تجعل بيت الله خبر مبتدأ محذوف، كأنه: أحدهما بيت الله.
فإن المعنى على ما ذكرنا، ألا ترى أنه يفخر بولايتهم البيت الأول، والبيت الثاني، فإن لم تجعل نحن ولاته خبراً لقوله: بيت الله لم يستقم أن تضمره فتجعله خبراً للمبتدأ الآخر، الذي هو: وبيت بأعلى إيلياء، ألا ترى أنك إنما تضمر الخبر، ولا تضمر غيره.
وقال ذو الرمة:
كلٌّ من المنظرِ الأعلى له شبةٌ ... هذا وهذانِ قدُّ الجسمِ والنُّقبُ
(1/276)

المعنى: كل من البعد شبه لهذا الظليم، فأفرد الشبه، ولم يقل: أشباه؛ لأن كل مفرد، فأخبر عنه بالإفراد، كما قال: (إِن كُلّ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلاّ آتِي الرّحْمَنِ عَبْداً)، فالشبه على هذا يريد به واحداً، ويجوز أن يريد به جمعاً، كما قال: (وَكُلّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ)، إلا أن شبهاً لما كان مصدراً، وقع على الجمعي، وهو على لفظ الواحد، كما أن قولك: مثل الذي بمعناه، يقع تارة على لفظ الإفراد، يراد به الجميع، في نحو: (إِنّكُمْ إِذاً مّثْلُهُمْ)، وتارة يجمع في نحو: (ثُمّ لاَ يَكُونُوَاْ أَمْثَالَكُم).
والذي أريد به كل السندي والحبشي، والبكر، فقوله: له شبه جملة في موضع خبر المبتدأ.
فأما قوله: هذا وهذان، فيحتمل غير وجه؛ منها أن يكون هذا مبتدأ، وهذان معطوف عليه، والخبر ما تقدم من الجملة، التي هي: له شبه، فحذفت لتقدم الذكر،
كما حذفت الجملة التي هي خبر، في قوله تعالى: (وَاللاّتِي لَمْ يَحِضْنَ).
ويجوز أن يكون هذا وهذان عطفاً على كل عطف بيان، ويجوز أن يكون بدلاً، ولا يجوز أن يكون صفة.
فإذا حملته على أحد هذين الوجهين، فلا بد من إضمار مبتدأ، يكون قوله: قد الجسم خبره، ويكون ذلك المبتدأ هم؛ لأن في الثلاثة من يعقل، فكأنك قلت: هم قد الجسم، ومعنى ذلك - فيما حكى عن الزيادي - أن جسمه مثل جسمه.
(1/277)

الحسن: والمراد بالجسم الأجسام، أي هم سواء الأجسام منها، فحذفت ما يرجع إلى المبتدأ، أو سواء أجسامها.
والقد: مصدر، كأنه يراد به المفعول، أي مقدود الأجسام، قداً واحداً، فدل ذلك على التسوية التي فسرها الزيادي، ويدل على ما فسر من ذلك أنهم [قد] يقولون: هذان قدا من أديم واحد، يريدون أنهما متشبهان، وقال:
فتىً قدَّقدَّ السَّيف لا متآزفٌ ... ولا رهلٌ لبَّاتهُ وبآدلهْ
يريد أنه قد سوى، فهو في مضائه واستوائه كما قال الآخر:
بمنصلتٍ مثل الحسام
(1/278)

والنقب: معطوف على قوله: قد الجسم.
ويدلك على أن الجسم جمعه النقب، والنقب: جمع نقبة، وهو اللون.
ولا بد من أن تضمر شيئاً، يكون النقب خبراً له، وهو: سواءٌ، لما كان قد الجسم سواء الأجسام، دل ذلك على سواء فأضمرته، كأنك قلت: وسواء النقب منهم، وإنما أضمرت سواء ولم تضمر القد، لأن القد لا يجوز على الألوان، كما جاز على الأعيان، فأضمرت ما يجوز فيها دون ما لا يجوز، فكأنك قلت: سواء النقب منها، أو نقبتها، فيكون النقب ابتداء، وسواء الخبر، وعل قول أبي الحسن، أيهما شئت جعلته الابتداء.
قال الكميت، يذكر ذئباً:
فقلنا له هاذاك فاستغنِ بالقرى ... وفي ذي الأداوي عندنا لكَ مشربُ
هاذاك: ابتداء، والخبر مضمر، كأنه قال: هاذاك الزاد، والمعنى: دونكه، وتناوله، كما أن قولهم: هذا الهلال، معناه انظر إليه، وإن كان الكلام ابتداءً وخبراً، فهذا مثل قوله: وقائلةٍ خولانُ فانكح فتاتهمُ
(1/279)

ويجوز في قياس من جعل الفاء زيادةً، في موضع هاذاك، ضربان: أحدهما أن يكون رفعاً، مثل: زيد اضربه، والآخر: أن يكون نصباً، مثل: زيداً اضربه.
ويجوز أن يكون هاذاك في موضع نصب، والعامل فيه الفعل الذي دلت الحال عليه، من إخراجهم الزاد، وتعريضهم إياه لتناوله له، ألا ترى أن قبل هذا البيت:
فنشنا له من ذي المزاود حصّةً ... وللزادِ أسارٌ تلقّى وتوهبُ
وذو الأداوي: الماء.
ومشربٌ: ارتفاعه على الخلاف، ويكون من أو في من قوله: ومن ذي الأداوي أو في ذي الأداوي الخبر.
ولا يكون من متعلقاً بالمشرب هذا، لأنه مصدر إنما يتعلق بالمحذوف. وقال أسامة بن حارث الهذلي:
(1/280)

أجارتنا هل ليلُ ذي البثِّ راقدُ ... أم النومُ إلا تاركاً ما أراودُ
قالوا: إن المعنى: أم النوم لا يجيئني إلا تاركاً لما أطلب.
معنى هل ليل ذي البث راقدٌ: هل أرقد في ليلي، أم لا أرقد؟ فالنوم محذوف الخبر، ودل عليه هل أرقد، لأن المراد: هل أرقد أم لا؟ ومعنى هذا، ومعنى هل أرقد أم النوم لا يجيئني واحد، وأم لا تكون إلا المنقطعة، لأنها بعد هل، وقد عادل بالابتداء، والخبر الجملة التي من الفعل والفاعل، ومثله: (أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ) والمعنى: أم صمتم، كما أن معنى أم النوم لا يجيئني: لا أرقد، ومثله
في الحذف، للجملة التي هي خبر ابتداء، ما تقدم من الآية والأبيات، ومثل ذلك قول الفرزدق:
يا ليت شعري على قيل الوشاةِ لنا ... أصرمتْ حبلها أم غير مصرومِ
أنشد أحمد بن يحيى:
يا لهفَ ما أمّي عليك إذا علا ... عليّ ذوو الأضعان بالنظرِ الشزرِ
(1/281)

تقدير ما أمي ما لهف أمي، فحذف المضاف، لأنهم يقولون: ويل أمه، وكذلك لهف أمه، ويا لهفي، ويا لهف نفسي، قال جرير:
يا لهف نفسيَ إذ يغرّك حبلهمْ ... هلاّ اتخذتَ على القيونِ كفيلا
وأنشد أبو الحسن:
فلستُ بمدركٍ ما فاتَ منّي ... بلهف ولا بليتَ ولا لو أنّي
فكأنه قال: يا لهفي، ما لهف أمي، أي اللهف لي، لا لأمي، على تحقيق أن اللهف له.
وعليك: من صفة اللهف، وجاز الفصل بالجملة، التي هي ما أمي، بينهما، لأنه مما يسدده، ومثل ذلك قول الآخر:
ومقطرةٍ بالجسرِ قد بتُّ ضاجعاً ... لي الويلُ ما أمّي وأمُّ المقاطرِ
تقديره: لي الويلُ، ما ويلُ أمي، أي الويل لي، لا لأمي، ولا لأم المقاطر، على تحقيق أن ذلك له دون غيرهز
الفرزدق:
وأنت امرؤ لا نائلُ اليومِ مانعٌ ... من المالِ شيئاً في غدٍ أنت واهبه
تقديره فيمن رفع النائل: وأنت امرؤ لا نائل اليوم شيئاً من المال يمنعه في غد، فالهاء في مانعه مرادة، كما تراد فيمن رفع، في قوله:
(1/282)

وما كل من وافى منى أنا عارفُ
وفصل بقوله: مانع بين نائل ومعموله الذي هو شيئاً من المال وهو أجنبي منه، وفصل أيضاً بين مانع وبين قوله: في غدٍ، بما هو أجنبي منهما، والمعنى: أنت امرؤ لا تنال شيئاً من المال وتمنعه غداً، أي لا تدخر ولا تحزن، ولكن تجود به وتهبه.
وقوله: أنت واهبه ابتداء وخبر، وإن شئت جعلت أنت تأكيداً لما في مانع، لأنه هو هو، كما أبدلت قوله سبحانه: (عَلاّمُ الْغُيُوبِ) فيمن رفع، من الذكر المرفوع في: (يَقْذِفُ).
وإن شئت جعلت (النائل) اسم العطاء، كما قال:
له صدقات ما تغب ونائل
فتنصب النائل بمانع، كأنه: لا مانع نائل اليوم من المال شيئاً، فيكون انتصاب شيء على أحد أمرين: إما أن يكون وضعه موضع المصدر، أو قدر فيه الباء، وحذفها.
و (في غد) متعلق بمانع، كأنه: لا تمنع اليوم ما تناله في غد، أي تجود بما تنال اليوم في غد.
و (أنت واهبه) ابتداء وخبر، وإن جعلت أنت تأكيداً لما في (مانع) على المعنى،
(1/283)

أضمرت مبتدأ، وإن شئت أبدلت اسم الفاعل من الذكر، كما تقدم.
وقال الأخطل:
كانت منازل ألافٍ عهدتهمُ ... إذ نحن إذ ذاك دونَ الناس إخوانا
لا يجوز أن يكون (إذ ذاك) خبر (نحن)، كما لا يجوز: زيد أمس، ولكن إذا الأولى ظرف (عهدتهم)، كأنه: عهدتهم إخوانا دون الناس، ويكون (دون) ظرفاً من المكان، متعلقاً بعهدتهم أيضاً، وخبر (نحن) محذوف، تقديره: عهدتهم إخوانا إذ نحن متآخون، أو متآلفون إذ ذاك، أي إذ ذاك كائن.
ويحتمل أن يكون (دون الناس) متعلقاً بالخبر المضمر، ويحتمل أن يكون: إخواناً دون الناس، فإذا قدم الصفة صارت نصباً على الحال.
وقال ذو الرمة:
بلادٌ يبيتُ البومُ يدعو بناتهُ ... بها ومن الأصداء والجنِّ سامرُ
التقدير: وفيها من الأصداء والجن سامر، لأن قوله: (يبيت البوم يدعو بناته) يدل على أن فيها البوم، فكأنه قال: فيها البوم، وفيها من الأصداء والجن سامر.
ومن الأصداء يتعلق بهذا الظرف المضمر، ولا يجوز أن تجعل المضمر
(1/284)

(بها) فتقدره: بها من الأصداء والجن سامر، لأن (بها) هذه ليست بمستقر، فهو مثل (تباً له) و (ويلاً) ألا ترى أنه لم يجز في (تباً له) و (ويلاً) أن ترفع (ويلاً) وتضمر له، لما لم يكن مستقراً.
ويجوز أن تحمل (سامرٌ) على (يبيت)، فتشرك (سامر) مع (البوم)، التقدير: ويبيت سامر من الأصداء، فيكون (ومن الأصداء) حالاً، مثل:
لميةَ موحشاً طللُ
والوجه الأول أوجه، لأنك لا تفصل فيه بين حرف العطف والمعطوف.
(1/285)

باب يجمع ضروباً من هذه الأبواب
قال ذو الرمة:
شختُ الجزارةَ مثلُ البيت سائرهُ ... من المسوحِ خدبٌّ شوقبٌ خشبُ
القول في ارتفاع (سائره): أنه يكون على ضربين، أحدهما: أن يكون يرتفع بمثل، لأنه يجوز أن يعمل عمل الفعل، كما تقول: قائم الزيدان، فترفعهما بقائم، وإن لم تعتمد به على شيء، وهذا في مثل هذا البيت أحسن، لأنه قد جرى على موصوف، فإذا كان كذلك رفعته به، ويكون (من المسوح) متعلقاً بما في (مثل) من معنى الفعل، ولم تفصل بأجنبي، ألا ترى أن الفاعل لا يكون أجنبياً مما يرتفع
به.
والوجه الآخر: أن يرتفع (سائره) بالابتداء، كأنه: شخت الجزارة سائره مثل البيت من المسوح، فقدم خبر المبتدأ، فإذا حمله على ذلك احتمل قوله: (من المسوح) أمرين، أحدهما: أن يكون صفة لمثل، لأنه نكرة، وإن أضفته إلى المعرفة.
والآخر: أن يكون حالاً من المضاف إليه، الذي هو (البيت) وفي كلا الوجهين يقع الفصل بالمبتدأ الذي لا يلابس الحال، ولا الوصف، وأما قوله:
فخيرٌ نحن عند الناسِ منكمْ ... إذا الداعي المثوبُ قال يالا
(1/286)

فيحتمل تأويلين غير ما عليه الظاهر، الذي ذهب إليه أبو الحسن، وهو أن يكون (نحن) يرتفع بخير، كما جاز أن يرتفع (سائره) بمثل في بيت ذي الرمة، على قول من قال: قائم أخواك، وأبو الحسن قد أجاز ذلك.
ويجتمل وجهاً آخر، وهو أن تضمر المبتدأ، ويكون المبتدأ (نحن)، و (خير) خبر المبتدأ، و (نحن) الظاهر تأكيداً للضمير الذي في (خير)، على المعنى، وكان ينبغي أن يكون على اللفظ الغيبة، فلم يأت به على لفظ الغيبة ولكن جاء به على الأصل، وعلى ما يجيء في نحو: نحن فعلنا.
ويدلك على أنه ينبغي أن يجيء على لفظ الغيبة، أن أبا عثمان قال في الأخبار عن الضمير الذي في منطلق، من قوله: أنت منطلق: إن أخبرت عن الضمير الذي في منطلق، من قوله: أنت منطلق، لم يجز لأنك تجعل مكانه ضميراً يرجع إلى الذي، ولا يرجع إلى المخاطب، فيصير المخاطب مبتدأ، ليس في خبره ما يرجع إليه، فهذا من قوله يدل على أن الضمير، وإن كان للمخاطب، في أنت منطلقٌ، فهو على لفظ الغيبة، ولولا ذلك لم يصلح أن يرجع إلى الذي، على أن هذا في كلامهم مثل: أنتم تذهبون، واسم الفاعل أشبه بالمضارع منه بالماضي، فلذلك جعله مثله، ولم يجعل مثل الماضي في: أنتم فعلتم.
(1/287)

فإذا جاز ذلك فيما ذكرناه، لم يكن فيما حمل أبو الحسن عليه البيت، من الظاهر، دلالة على إجازة نحو: الخليفة أحب إليه يحيى من جعفر حتى تقول: الخليفة، يحيى أحب إليه من جعفر، أو: أحب إليه من جعفر يحيى، على ما أجازه سيبويه في: ما رأيت رجلاً أحسن في عينيه الكحل منه في عين زيد، ونحو ذلك، فلا تفصل، بينهما بما هو أجنبي منهما.
وقال لبيد:
بسرتُ نداهُ لم تسربْ وحوشه ... بغربٍ كجذع الهاجريّ المشذّبِ
قوله: (كجذع الهاجري) خبر مبتدأ محذوف، تقدير بغرب عنقه كجذع الهاجري، يدلك على ذلك أنهم يشبهون العنق بالجذع، لا الفرس نفسه، ألا ترى قول لبيد:
ومقطّعٍ حلق الرحالةِ سابحٍ ... بادٍ نواجذه على الأظرابِ
الأظراب: جمع ظرب، وهو الجبل الصغير.
(1/288)

وقول أبي داؤد:
وهادٍ تقدم لا عيب في ... هـ كالجذع شذب عنه الكرب
وقول امرئ القيس:
ومستفلك الذفرى كأن عنانه ... ومثناته في رأس جذرع مشذب
وقول الفرذدق:
بجذوع خيبر أو جذوع أوال
فإن قلت: فلم لا تقدر حذف المضاف، كأنه أراد: بعنق غربٍ [أو هادي غربٍ]؟
(1/289)

فإن الذي ذكرنا أشبه، ألا ترى أنه لم يتبسر بالعنق دون الجملة، ونحو هذا أيضاً لا يضيق ألا ترى أنه قد جاء:
قطعتهما بيدى عوهجٍ
وهو لم يقطعها بيديها دون سائرها.
قال أبو العباس الأحول، فيما حكاه عنه محمد بن السرى: نده: أي ندى الغيث.
والبسر: إعجالك الشيء قبل إناه.
والغرب: الفرس الحديد الذكي.
قال: والهاجري، رجلٌ نسبه إلى هجر.
وقال طفيل:
كأن عراقيب لطا أطرٌ لها ... حديث، واحيها بوقع وصلب
قوله: (لها) وصف للنكرة، التي هي الأطر، أي لهذه السهام، مثل قوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ).
وحديثٌ: وصف الأطر، ووصفها بأنها حديث، لأنه أراد أنها لم تقدم فتتغير.
ونواحيها: رفع بالابتداء.
وقوله: (بوقع) متعلق بالمحذوف.
(1/290)

قالوا: شبه الأطر بعراقيب القطا.
والأطرة: العقبة التي تشد على مجمع الفوقين لئلا ينفتق.
والوقع: من قولك: قع سهمك، أي اضربه بالميقعة، وهي المطرقة، والتقدير: بوقع مسن وصلب، فحذف.
قال بعض هذيل:
فرموا بنقعٍ يستقلُّ عصائباً ... في الجوِّ منه ساطعٌ ومكتب
قوله (في الجو) يجوز أن يتعلق بيستقل، على ضربين أحدهما: أنة يكون ظرفاً له، والآخر: أن يكون حالاً من الضمير الذي في (يستقل) ويتعلق بمحذوف.
ويجوز أن يون صفة للعصائب، وذلك عندي أوجه.
وقوله: (ساطعٌ) في (منه ساطع) يرتفع بالظرق، ودون الابتداء، لأنه صفة لنقعٍ المنكور.
ويجوز أن يكون (في الجو) متعلقاً بمنه، الذي هو رافهٌ لقوله: (ساطعٌ) لأن الظرف يعمل فيه المعنى، وإن تقدم علسيه، ولا تحتاج إلى إضمار (منه)، لأنهما صفتان سجتمعان ولا يتنافيان، وكما لم تحتاج إلى ذلك قوله:
لنا راعياً سوء مضيعان منهما ... أبو جعدة العادي وعرفاء جيألُ
(1/291)

لأن المراد بهما الظلم والشره فقد يصح اجتماعهما، فإن أراد أن الوصفين، لموصوفين لا لواحد، احتاج إلى الضمير.
ومثل ذلك في ارتفاع الاسم فيه بالظرف، دون الابتداء ما أنشده أحمد بن يحيى، للمرار بن سعيد:
إا كل عنها الليل باتت كأنها ... من الكدر عجلى بالفلاة ربيبها
الربيب: يرتفع بالظرف، لأنه قد جرى على النكرة.
فأما قوله: (من الكدر) فإنه حال، إما من (كأن) وإما العموم أن يكون أراد أن يجعله وصفاً للنكرة فلما تقدم نصب على الحال، وفي كلتا الحالتين، العامل فيهما (كأن) لأن معنى الفعل لا يعمل فيما تقدم عليه من الحال.
قال أحمد بن يحيى: شبه سرعة بسرعة طيران القطاة، ومثل ذلك قول ساعدة، وذكر رجلاً مزج عسلاً بماء:
فأزال خالصها بأبيضَ مفرطٍ ... من ماء ألهابٍ بهنّ التأالبُ
والتألب: ومرتفع بالظرف، لأنه صفة للنكرة، ومثل ذلك في ارتفاعه بالظرف قول الآخر.
إذا هي خرّت خرَّ من عن شمالها ... شعيبٌ به إجمامها ولغوبها
(1/292)

[شعيب: رحلٌ]
عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني أنشده أحمد بن يحيى:
يا ليت ذا خبرٍ يخبرنا ... بل ليت شعري ماذا بعدنا فعلوا
كانوا وكنا فما نذرى على وهمٍ ... أنحن فيما لبثنا أم هم عجلوا
لابد من إضمار خبرٍ لنحن، إذا رفعته بالابتداء، وذلك أن قوله: (فيما لبثنا) إنما هو: (في لبثنا) ومعنى (في لبثنا) في زمان لبثنا، مثل مقدم الحاج، ولا يكون اسم الزمان خبراً عن العين، فتضمر له خبراً خلاف خبر المبتدأ الثاني، كأنه: أنحن فيما لبثنا أبطأنا أم هم عجلوا؟
وأنشد أحمد بن يحيى:
ولقد أناخ ببيت عروة ربه ... فبذم عروة من مناخ ركابِ
ينبغي أن يكون المبتدأ محذوفاً، كأنه، بذم عروة إثارتي، لأن الإثارة خلاف الإناخة، وقد ذكر ما يدل على الإناخة، وهذا شبيه بقوله عز وجل: (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرّ). ولم يقل: البرد، لأن الحر قد دل عليه.
(1/293)

أنشد أحمد بن يحيى:
يا رب موسى أظلمى وأظلمه ... فاصبب عليه ملكاً لا يرحمه
معناه: أظلمنا، كقولهم: (أخزى الله الكاذب مني ومنه) أي منا، وقوله:
فأيي ما وأيك كان شراً ... فقيد إلى المقامة لا يراها
أي أينا، فالمعنى: أظلمنا فاصبب عليه، وهذا يدل على جواز ارتفاع زيد بالابتداء، في نحو: (زيداً اضربه) إن جعلت الفا زائدة، على ما يراه أبو الحسن.
فإن قلت: أضمر المبتدأ، كما أضمرت في قولك:
خولان فانكح فتاتهمْ
(1/294)

فإن ذلك لا يسهل، لأنه المتكلم فكما لا يتجه (هذا أنا) على [إرادة] إشارة المتكلم إلى نفسه، من غير أن تنزله، منزلة الغائب، كذلك لا يحسن إضمار (هذا) هنا.
فإن قلت: إن (أظلمنا) على لفظ الغيبة، فليس مثل (هذا أنا) فإنه، وإن كان كذلك، فالمراد به بعض المتكلمين، ولا يمنع ذلك، ألا ترى أنهم قالوا: يا تميم كلهم،
فحملوه على الغيبة، لما كان اللفظ له، وإن كان المراد به المخاطب، وإن جعلت المضمر (في عملك) كأنك قلت: أظلمنا في علمك، كان مستقيماً.
قال الكميت:
إنِّي بعيد محقدي من مودَّتي ... وبعدُ المدى لمحفظاتِ غضوبُ
أي بعيد محقدي من مودتي، أي إذا وددت لم أحقد، ولكني أغضى للمودة عمَّا يوجب الحقد، فيكون الكلام على ظاهره.
ويجوز أن يكون المعنى: إني بعيد محقدي من أهل مودتي.
وقوله:
وبعد المدى للمحفظات غضوب.
تقديره: ذو بعد المدى للمحفظات، أي من بعد مداه عما يحفظ، فلم يغضبه كل شيء، فهو غضوب، لأنه لا يغض إلا لأمر شديد، يوجب الغضب.
(1/295)

فغضوبٌ خبر المبتدأ الذي هو (بعد المدى) والمعنى: لذي بعد المدى.
فأما اللام في قوله: (لمحفظت) فمتعلق بالمصدر، الذي هو البعد، أي من بعد ن المحفظات، فلم يغضب في كل حال، غضوبٌ، أي شديد الغضب.
وليس بالسهل أن تعلق (للمحفظات) بغضوب، كأنه: وبعد المدى غضوب للمحفظات، لأنه لا يعلم ذو بعد المدى مما ذا، إلا أن تقول: يريد بعد المدى لما يوجب الغضب، فلم يذكر ذلك، لأن ما بعد يدل عليه.
وقال جرير:
كأن سليطاً في جواشنها الحصى ... إذا حلَّ بين الأملحين وقيرها
إذا قيل ركبٌ فقبَّحت ... ركاباً وركباناً لئيماً بشيرها
المبتدأ محذوفٌ، كأنه: إذا قيل هؤلاء ركبٌ.
وقال: (قبحت) فأنث، وفي الفعل ضمير الركب، والركب جماعة، وركاباً
وركباناً: هم الركب في المعنى، ألا ترى أن الركب يشتمل على الركبان والرواحل.
(1/296)

ولئيماً بشيرها: جارٍ على ما قبله، صفةً، أو حالاً من الضمير، لن الذكر قد عاد مما ارتفع به إليهم، وإن شئت جعلت (لئيماً) حالاً من قوله: (ركباناً) ويكون الذكر في (بشيرها) عائداً إلى الركبان فقط، لا إلى الراكب، الذي هو جماعة في المعنى، ولا إلى الركاب، والركبان المشتملين على الركب، ألا ترى أنك إذا أعدت الذكر على الركبان، فقد أعدته، على الركب، وأن الركبان الركب في المعنى.
وقال زهيرٌ:
جونية كحصاة الرَّمل مرتعها ... بالسِّىِّ ما تنبت القفعاءُ والحسكُ
ليس يخلو (المرتع) من أن يكون مصدراً، أو موضعاً، فإن كل مصجراً تعلق الجار به، وصار (ما تنبت القفعاء) في موضع رع، بأنه خبر المبتدأ، وتجعل (المرتع) على لاتساع وله: (ما تنبت) وإن كان (المرتع) حدثاً، وإن شئت أضمرت مضافاً، يكون تقديره: [مأكول] ومرتعه ما تنبت القفعاء.
وإن جعلت المرتع مكاناً لم يتعلق قوله (بالسِّىِّ) به، كما لا يتعلق بسائر أسماء الأماكن، ولكن يكون تبيناً، لما في الصلة، نحو: (وَأَنَاْ عَلَىَ ذَلِكُمْ مّنَ الشّاهِدِينَ).
(1/297)

وإن جعلت المرتع الذي هو المصدر على الاتساع (ما تنبت) جاز أن يكون (بالسِّىِّ) خبره، ويكون (ما تنبت) بدلاً منه، ومثل ذلك في أنه صار الظرف خبراً عن المرتع، قوله:
فمرتعه يرتفع بالظرف، لجريه على النكرة.
والمرتع: يجوز أن يكون الموضع، وأن يكون المصدر، فإن جعلته المصدر كان بمنزلة المراد والمجال، وأنت تريد بهما الحدث، كأنه قال: بالسِّىِّ تردده، وإن جعلته الموضع، فكأنه قال: بالسى مكانه، وإن جعله المكان، أضمرت المضاف،
فيكون: مأكول مكانه بالسى.
وقال هذليٌّ:
حتى رأيتهم كأنَّ سحابةً ... صابتْ عليهم ودقها ولم يشملِ
قوه: ودقها يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون بدلاً من ضمير
(1/298)

(سحابة) الذي في (صابت) كأنه: صابت السحابة ودقها، فيكون من بدجل الاشتمال، لأتن السحابة مشتملة على الودق.
والآخر: أن يكون مبتدأ، وخبره (لم يشمل) فإذا جملته على ذلك، كان التقدير: سحابة ودقها لم يشمل، فحذفت المضاف، ألا ترى أنهم إنما يصفون السحاب بأنه لم يشمل دون المطر، يدل على ذلك قول أبي خراش:
فسائل سبرة الشجعى عنَّا ... غداة تخالنا نجواً جنيباً
والنجو: السحاب والجنيب، والمجنوب وكذلك قول الآخر:
كأن القوم إذا دارت رحاهم ... هدوءاً تحت أقمر ذي جنوبِ
أي تحت سحاب أقمر، أصابته الجنوب.
وروى أبو موسى (سبرة النخعى).
وقال المرار:
إذا هي خرَّت خرَّ من عن شمالها ... شعيبٌ به إجمامها ولغوبها
(1/299)

لا يستقيم الكلام حتى تضمر (وبه لغوبها) لأنهما صفتان لا يجتمعان، وكذلك ما أشبه ذلك من الصفات التي لا تجتمع، كقولك: درهماك منهما جيد ورديء، وغلاماك منهما كيس وأحمق، وكذلك (فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيدٌ) لا يكون إلا على غشمار الخبر، وإن أظهرت الخبر كان مستقيماً، كما قال:
لا شيء في ريدها إلا نعامتها ... منها هزيمٌ ومنها قائم باقِ
وعلى هذا القياس ما أشبه هذا.
والصفة في هذا كالخبر، ألا ترى أن الصفة ينبغي أن تكون وفق الموصوف، كما أن الخبر وفق المخبر عنه.
وقوله:
بمنحنيةٍ قد آزر الضَّال نبتها ... مضم جيوشٍ غانمين وخيَّب
ينبغي أن يكون الموصوف محذوفاً من الصفة الثانية، ألا ترى أن الخيب لا يجوز أن يكونوا الغانمين، فإذا كان كذلك كان التقدير: مضم جيوش غانمين، وجيوش خيب.
ولو رفع هذا على التبعيض، وتقديره: بعضهم غانمون، وبعضهم خيب، كان حسناً.
(1/300)

قال محمد بن السري: روى لنا السكرى، عن جماعة من العلماء:
ومرقبةً لا يرفع الصوت عندها ... مضم جيُوش غانمين وخيبِ
فالتقدير في بيت المرار: به إجمامها، وبه لغوبها، لا يستقيم إلا على إضمار ظرفٍ آخر، ويكون خبر الاسم الثاني، والمضاف في كل واحد من الظرفين محذوف، المعنى: شعيبٌ به إجمامها، وبوضعه لغوبها، ألا ترى أن التعب ولراحة وإنما يكون بما يتصل بهما، لا بنفس الرحل.
وقال ذو الرمة:
إلى ابن موسى بلالٍ طوتْ بنا ... قلاصٌ ابوهنَّ الجديلُ وداعرُ
إن لم يكن أحد هذين الاسمين، اللذين هما الجديل وداعرٌ أباً للآخر، احتمل أمرين، أحدهما: أن يكون وضع الواحد في موضع الجميع، كقوله:
وأمّا جلدها فصليبُ
والآخر: أن يكون حذف المبتدأ، ويكون التقدير: أبوهنّ الجديلُ، وأبوهنّ داعرٌ.
(1/301)

أنشد يعقوب، فيما أظن:
فويلٍ بها لمن تكون ضجيعه ... إذا االثريا ذبذبت كلّ كوكبِ
أنشد: (ويل) بالكسر، والبناء فيه مثل البناء في فداء لك، من حيث كان المراد بكل واحدٍ منهما الدعاء.
فأما قوله: (بها) فيكون تبييناً، و (لمن) الخبر، ويكون خبراً على وجه التعجب، ويكون (لمن) استئنافاً، وأما قول أوس:
ويلٍ بهمْ معشراً جمّاً بيوتُهُم ... من الرِّماحِ وفي المعروف تنكيرُ
فيجوز أن يكون (بهم) أيضاً فيه تبيين، والخبر مضمر يدل تعلى ذلك ظهوره في هذا البيت، ويجوز أن يكون (بهم) خبراً، وقد أنسدنا عن أحمد بن يحيى:
ويلٍ أمّ قومٍ طعنتُهْم في جنازتهم ... بني فعيٍ غداةَ الروعِ والرٌّهبِ
فأما الهمزة في (أم) فمما قد لزمها الحذف في هذا الموضع، على غير قياس، ومثل ذلك قوله:
يابا المغيرة والدنيا مفجًَّعةُ
(1/302)

وقول أبو الأسود:
يابا المغيرةِ ربَّ أمرٍ معضلٍ ... فرجته بالنُّكر منى والدَّها
ومثل ذلك ما أنشده أحمد بن يحيى:
إن لم ااتل فالبسوني برقعا ... وفتخاتٍ في اليدين أربعا
فإن قلت: فلم لا يكون (وى) في هذا الموضع للتعجب، [وتكون اللام الجارة؟ فالذي يدل على أنه (ويلٌ) والهمخزة محذوفة] من (أمٍّ) قول الشاعر:
لأمٍّ الأرض ويلٌ ما أجنت ... بحيثُ أضرَّ بالحسنِ السبيل
وكذلك قوله:
ويلِ أمها روحةً والريحُ معصفةٌ ... والغيثُ مرتجزٌ والليلُ مقتربُ
(1/303)

وقولُ الآخر:
ويل أمِّها في هواء الجوِّ طالبةً ... ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب
كل هذا، والهمزة فيه محذوفة.
وقال ذو الرمة:
أفي كل يوم من غبِّر الهوى ... إلى علمٍ من دار ميَّة ناظرُ
بعينيك ن طول البكاءِ كأنَّما ... بها خزرٌ أو طرفها متخازرُ
لا يكون قوله: (بعينيك) متعلقاً بالنظر، وإن كنت تقول: نظرت بعيني، على وجه التوكيد، وعلى أن قولك: (نظرت بعيني) قد يفيد، لا ينصرف إلى التأكيد
(1/304)

المحض، نحو قولهم: شمس النعار ولحيي رأسه، ألا ترى أن النظر قد يكون التفكير، فإذا قال: (بعيني) خلصه من القسم الآخر.
ولا يستقيم مع ذلك أن تجعل الجار متعلقاً بناظر، ولكن يكون خبر مبتدأ [محذوف] كأنه قال: بعينيك من طول البكاء فساد، أو تغير عن حال الصحة.
ولو علقت الجار بالنظر، لم يتعلق قولك (من طول البكاء) بشيء، فإذا كان كذلك أضمرت الاسم، فرفعته بالابتداء، أو بالظرف.
ولا يجوز أن يتعلق (من طول البكاء) بما بعد (كأن) فيكون التقدير: كأنما بها خرزٌ من طول البكاء، لأن ما بعد (كأن) لا يتعلق بشيء، قبله، كما أن (أنّ) كذلك.
وإن جعلت قوله: (كأنما بها خزرٌ) دالاً على شيء يتعلق به قوله: (من طول البكاء) كما جاء (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىَ) فانتصب بما دل عليه: (لاَ بُشْرَىَ) أمكن ذلك.
وما ذكرناه من إضمار المبتدأ أولى: ومثل ذلك، في أنه مضمر بعد اسم محدثٍ عنه، قول الشاعر:
لنا مرفدٌ سبعون ألف مدججٍ ... فهل في معدٍّ فوق ذلك مرفدا
إنما هو: فهل في ومعدٍّ كثرة فوق ذلك، أو عدة، أو مرفد؟ ونحو هذا، مما إن
(1/305)

لم تضمره لم يستقم الكلام، لبقائه بلا محدث عنه، ويكون (فوق ذلك) وصفاً لذلك المحذوف.
ويحتمل هذا البيت شيئاً آخر، على قول أبي الحسن، وهو أن يكون قوله: (فوق ذلك) في موضع رفع، ألا ترى أنه حمل قوله تعالى: (وَأَنّا مِنّا الصّالِحُونَ وَمِنّا دُونَ ذَلِكَ) على أن (دُونَ) في موضع رفع، فكذلك يكون (فوق) وليس ذلك على حذف الموصوف وكذلك حمل قوله تعالى: (لَقَد تّقَطّعَ بَيْنَكُمْ) على هذا المذهب، وكذلك قوله تعالى: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ).
(1/306)

وقال ذو الرمة:
وفي الشمائل من جلاَّنَ مفتنصٌ ... رذلُ الثيابِ خفيُّ الشَّخص منزربُ
يجوز في قوله: (من جلاّن) أن يكون حالاً مقدمة، كأنه أراد: وفي الشمائل مقتنصٌ من جلان، فكان موضع (من جلان) على هذا رفعاً، فلما قدمه صار حالاً، والعامل فيها يجوز أن يكون أحد شيئين: أحدهما أن يكون الظرف، والآخر: أن يكون اسم الفاعل.
فأما الذكر في الحال فيجوز أن يكون، ذكراً من اسم الفاعل، الذي هو مقتنصٌ ويجوز أن يكون الذكر الذي فيها يعود إلى الذكر، الذي في اسم الفاعل.
ويجوز في قوله: (من جلاّن) وجه آخر، وهو أن تجعله صفة لمحذوف: وفي الشمائل رجلٌ من جلاّن، فيكون في الظرف، واسم الفاعل، وذكر هذا الموصوف المحذوف، ويكون ارتفاع المضمر، على الخلاف، في هذا الباب، ومقل هذا قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ)، ونحو ذلك.
(1/307)

وقال بشر بن أبي خازم:
له كفان كفٌّ ضرٍّ ... وكفُّ فواضلٍ خضل نداها
يجوز أن يكون وضع المفرد بوضع التثنية، كقوله:
وعينٌ لها حدرة بدرةٌ
يريد العينين، يدل على ذلك قوله:
شقَّت مآقيها من أُخرْ
فكأنه كرر ويجوز أن يكون وضع (كف) موضع إحداهما، فحمل الكلام على المعنى، ألا ترى قوله (كف) هي إحدى الكفين في المعنى، فحمل على ذلك، فكأنه قال: له كفان، ([إحداهما كفُّ ضرٍّ وعلى الوجه الآخر يصير كأنه قال: له كفان]، كفان، وإحداهما مضمرةٌ مرادةٌ، كأنه قال: إحداهما كفٌّ ضرٍّ، والأخرى كف فواضلٍ، فحذف المبتدأءين، ومثل (ذلك) الوجه ألأول قول الفرذدق:
يداكَ يدٌ إحداهما النَّيل كلَّهُ ... وراحتكَ الأخرى طعانٌ تغامره
وقال ذو الرمة:
فيا ظبية الوعساء بين جلاجلٍ ... وبين النقا آأنت أم أمُّ سالمِ
حذف خبر المبتدأ، التقدير أأنت هي؟ أي أأنت الظبية أم أمَّ سالم؟ فخبر المبتدأ محذوف.
(1/308)

فإن قلت: ما وجه هذه المعادلة؟ وهل يجوز أن يشكل هذا عليه، حتى يستفهم عنه؟ وهو بندائه لها قد أنها ظبية الوعساء، ألا ترى أه لو نادى رجلاً يما يوجب القذف، لكان في ندائه له بذلك كالمخبر عنه به، فكذلك إذ قال: فيا ظبية الوعساء، قد أثبتها ظبية للوعساء، فإذا كان كذلك، فلا وجه لمعادلته إياها بأم سالم، حتى يصير كأنه [قد] قال: أيكما أم سالم؟
فالقول في ذلك: أالمعنى على شدة المشابهة من هذه الظبية لأم سالم، فكأنه أراد التبستما علىَّ، واشتبهتما، حتى لا أفصل بينكما، فالمعنى تعلى هذا الذي ذكرنا [من] تثبيته شدة المشابهة [من هذه الظبية لأم سالم] لا أنه، ليس يفصل ظبية
الوعساء من أم سالم، كما أه إذا قال: أزيدٌ هذا أم عمرو؟ قد لا يفصل بينهما حتى يعرف، فيقال له: زيدٌ أو عمروٌ، فإن قيل له: ليس واحداً منهما، أي من زيدٌ وعمرو، فقد كذب، لأنه في قوله: أزيدٌ هذا أم عمرو؟ مثبتٌ أنه أحد هذين، ومدع ذلك، فإذا قيل له: ليس واحداً منهما، كان في ذلك تكذيبٌ له، فيما كان أثبته من قوله: أزيدٌ هذا أم عمرو؟ أنه واحد منهما.
وقال أوس بن حجر:
كبنيانةِ القَرِّىِّ موضعُ رحلها ... وأثارُ نسعيها من الدفِّ أبلقُ
آثار: جمع أثرٍ، وهو ابتداء، وخبره (أبلق) وأنت لا تقول: ثيابٌ أبيضُ،
(1/309)

إنما تقول: بيض فهذا لأنه حمل الخبر على المضاف المح1وف، التقدير: وموضع آثار نسعيها، فحمل الخبر على هذا المفرد المحذوف.
قال:
ألقِ الصَّحيفةَ لا ابالك إنَّه ... يخشى عليك من الحباءِ النِّقرسُ
حبوت: فعلٌ ستعدى إلى مفعولين قال:
حبوتُ بها غسَّان غذ كنت لاحقاً ... بقومي وإذ أعيت على مذاهبي
فيجوز أن تحذف الجارّ، فيصل الفعل إلى المفعول، والمصر في ذلك مثل الفعل، والحباء مصدرٌ مقدرٌ تقدير المفعول به، في قوله:
يخشى عليك من الحباءِ النقرسُ
(1/310)

فالمعنى: من أن يحبى النقرس الحامل للكتاب، أو الموصل، فحذف المفعول الثاني، والمصادر، يحذف معها المفعول كثيراً، وكذلك الفاعل، فالفاعل كقوله تعالى: (مِن دُعَآءِ الْخَيْرِ) وإذا جاز مها حذف الفاعل، فحذف المفعول أسوغ.
وقال أبو خراش الهذلي، يذكر صقراً:
يقربه النَّهضُ النجيح لما يرى ... فمنه بدوٌّ مرةً ومثولُ
قوله: (لما يرى) من صلة المصدر، ألا ترى أن المعنى: النهض لما يرى، وليس المعنى على تعلقه بالنجيح، فهذا في المصدر شبيه بما جاء لفي اسم الفاعل، من الفصل بينه وبين ما يعمل فيه بالصفة، كقوله:
إذا فاقدٌ فرخين رجَّعت ... ذكرتُ سليمى في الخليط المباين
(1/311)

وهو في المصدر أبعد، للفصل بين الصلة والموصول، فينبغي أن تضمر ما يتعلق به اللام.
وأما مثول فخبره مضمر، لا يكون إلاّ عل ذلك.
وقال عمرو بن معدى كربٍ:
وسوقُ كتبةٍ لأخرى ... كأنّ زهاءها رأسٌ صليعُ
دنتْ واستأخرَ الأوغالُ عنها ... وخلَّى بينهم إلاّ الوديعُ
يجوز أن يكون (الوزيع) مبتدأ محذوف الخبر، كأنه: استأخر الأوغال، لكن الوزيع ثبتوا، أو لكن الوزيع لم يستأخروا كقوله، إلا حل ذاك أفعله، وقال بعض النحويين في قوله تعالى: (وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ. إِلاّ مَن رّحِمَ اللهُ) قال: تقديره: إلا من رحم الله ينصر، أي لكن من رحم الله ينصر.
(1/312)

ويجوز أن تحمله على المعنى، كأنه لما قال: استأخر الأوعال عنها، دل على: ما بقي إلا الوزيع، فحمله على ذلك، كما أنه قال:
وعذُّ زمانٍ يا بن مروان لم يدع ... من المالٍِ إلاّ مسحتاً أو مجلَّف
[فيمن رواه] كذلك، كان معناه، بقي مسحت، فحمل: (أو مجلفٍ) على ذلك.
فأما الوزيع: فيكون (على) أنه أراد جمع وازعٍ، فجاء به مثل غزيٍ، قال:
آب الغزيُّ ولم يؤب عمرو
(1/313)

أو يكون بني الكلمة، على فعيل فجعله مثل صديق، (والرفيق وونحو ذلك مما جاء على فعيل) يراد به الكثرة، كفعول نحو عدو.
وأنشد بعض البغداديين:
بثوبٍ ودينارٍ وكبشٍ ونعجةٍ ... فهل من مرفوعٌ لما ها هنا رأس
التقدير عندنا فهل هو مرفوع ها هنا رأس منه، فيرتفع (رأس) بمرفوع، ويعود الذكر من المحذوف إلى المبتدأ، مثل (السَّمن منوانِ بدرهم).
وأنشدوا:
ليت شعري إذا القيامةُ قامتْ ... ودَعا بالحسابِ أين المصِيرا
المصيرُ: مغعمول المصدر، كأنه: ليت شعري المصيرا، وأين هو؟ ولا يصح هذا الكلام إلا بإضمار، (هو) لأن الاستفهام لا يستغنى بما قبله، ألا ترى أنك لو قلت: أفضلُ ممن أنت؟ لم يجز حتى تقول: ممن أنت أفضل؟ حتى يحصل في حيز الاستفهام
(1/314)

جملة، فكذلك ينبغي أن تقدر، اين هو؟ وفيه قبح من وجه آخر، وهو فصله بين الصلة والموصول بأين وهو أجنبي منهما.
قال:
الموت عندي والفرا ... قُ كلاهما ما لا يطاق
يرتفع (كلاهما) بالابتداء، و (ما لايطاق) في موضع الخبر، والجملة موضع خبر الابتداء الأول، و (عندي) على هذا يتعلق بالمصدر، ويجوز أن يرتفع (كلاهما) على الاتباع والتأكيد للموت والفراق، ويكون (ملا يطاق) في موضع خبر المبتدأين اللذين هما: الموت والفراق.
و (ما) بمنزلة الذي، وهي لعمومها يجوز أن تقع على الاثنين، كما تقع على الجميع، ويجوز على قياس قول من قال:
(1/315)

نكن مثل ما يا ذئب يصطحبان
ومن يكنْ شريكيه
أن يفرد هنا، لأن الاثنين بمعنى واحد، كما جاء:
ما لم يعاص كان جنونا
بعد قوله:
إنّ شرخ الشباب والشعر الأسود
وكما جاء: (أَحَقّ أَن يُرْضُوهُ) حيث كانا جمعياً راجعين إلى معنى واحد.
ويجوز أن تجعل (كلاهما) مرتفعاً، التأكيد، ولا تجعل: (ما لا يطاق) خبراً له، ولكن خبر مبتدأ محذوف كأنه: هما ما لا يطاق.
(1/316)

فإن قلت: فهل يجوز أن تكون (كلاهما) تأكيداً، (ما لا يطاق) في موضع رفع بالابتداء، كأنه: الموت كلاهما ما لا يطاق عندي، كما تقول: زيدٌ عندي وعمرو أخوهما، فتفصل بين المبتدأ الأول والمعطوف عليه بخبر المبتدأ، الذي في موضع خبر المبتدأين الأولين، وهو أجنبي منهما؟
قيل: إن الشعر قد جاء فيه ضروب من الفصل، لا يستسهل نحوه في الكلام، وقد مضى صدرٌ من ذلك في هذا الكتاب.
فإن قلت: أجعل (عندي) تبييناً لما في الصلة، من قوله: (ما لا يطاق) فإن أبا الحسن قد قال إن لك جاء فيما معه حرف جر، نحو: (إِنّي لَكُمَا لَمِنَ النّاصِحِينَ) وقياس الظروف قياس ما جاء معه حرف الجر.
قال ذو الرمة:
ورملٍ عزيفُ الجنّ في عقداته ... هزيزٌ كتضراب المغّنِّين بالطَّبْلِ
يجوز في قوله:؛ (عزيف الجن) أن يكون مبتدأ، و (هزيزٌ) خبره، ويكون قوله: (في عقداته) على هذا ظرفاً للعزيف، ومتعلقاً به، ولا يكون متعلقاً بهزيز، لتقدمه عليه.
(1/317)

ويجوز أن تجعل (عزيف الجن) خبر لمبتدأ محذوف، تقديره، ورملاٍ هو عزيف الجن، فإما أن تجعله، [هو] العزيف، لكثرته فيه، وإما أن تقول: هو ذو عزيف،
فتحذف المضاف.
ومثل ذلك في حذف المبتدأ، من الجملة التي هي صفة معمول (ربَّ) قوله:
إن يقتلوكَ فإن قتلكَ لم يكن ... عاراً عليك وربَّ قتلٍ عارُ
أي هو عارٌ.
ولا يجوز أن تجر (عزيف الجن) على أن تريد: رملٍ ذي عزيف الجن، لأنك لا تصف النكرة بالمعرفة، ولا يجوز جره على أن تجعله بدلاً، لأنك تحمله على (ربّ) المضمرة، ألا ترى أ، البدل، وإن كان في التقدير محمولاً على عامل آخر، فعزيف الجن محمول على (ربّ) الجارة للرمل، فإذا جعلت (عزيف الجن) خبر مبتدأ محذوف، والجملة صفة المنكور، أمكن في قوله: (في عقداته) أمران، أحدهما، أن تعلقه بالعزيف، فيكون التقدير: ربَّ، رمل هو ذو عزيف الجن في عقداته، أي تعزف الجن في عقداته، فإذا وجهته على هذا جعلت (هزيزاً) خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو هزيز، أي هو ذو هزيز، ككذا وكذا.
(1/318)

والأمر الآخر: أن تعلق الآخر: أن تعلق قوله (في عقداته) بالعزيف، فإذا لم تعلقه به جعلته صفةً للرمل، كما كانت الجملة ألأولى صفة له، فإذا جعلته صفة له، ارتفع قولك: (هزيز) بالظرف الذي هو: (في عقداته) لأن قوله: (ورملٍ) نكرة، وليس في قوله: (في عقداته) على هذه التقديرات شيء، فالكاف وصفٌ للنكرة الجارية هي عليه.
وقال ذو الرمة:
فلا الخرقَ منه يرهبون ولا الخنا ... عليهم ولكنْ هيبةٌ هي ما هيا
يجوز في قوله: (هيبةٌ) أن يكون خبر ابتداء قدم، كأنه: ولكن قصته هيبةٌ، فتكون (هي) كنايةً عن القصة، وجاز إضمارها، لأن ما تقدم من الكلام فيه دلالة عليها، فكأن ذكرها قد جرى، وتكون (ما) على هذا استفهاماً، و (هي) الثانية خبرها،
والمعنى: الرفع من الهيبة، والتعظيم لها، كقولهم: ما أنت من رجل، و:
يا جارتا ما أنت جارهْ
ويجوز أن يكون (هيبة) خبر مبتدأ محذوف، كأنه: ولكن أمر هـ هيبةٌ، وتكون (ما) زائدة، فيكون التقدير: أمره هيبة هي هي، على الرفع من شأن الهيبة، كما تول: أنت أنت، وكقوله:
وشعرِي وشعرِي
(1/319)

ويجوز أن تجعل (ما) في هذا الوجه استفهاماً، على وجه الرفع منها أيضاً، كقوله سبحانه (الْقَارِعَة) (مَا الْقَارِعَةُ) و (الْحَاقّةُ مَا الْحَآقّةُ) فالمضمر في البيت بمنزلة المظهر في الآية.
وقال الكميت يصف حماراً:
تذكَّر من أنى ومن أين شربهُ ... يؤامر نفسيه كذى الهجمة الأبلْ
ينبغي أن يكون المضمر، لافي قول من رفع: في الدار زيدٌ، وأين زيدٌ، بالابتداء، أن سيكون المبتدأ محذوفاً، وشربه دل عليه، لا يكون إلا كذلك، لأن الاستفهام منقطعٌ مما قبله، ومن رفع هذا النحو بالظرف، فينبغي أن يكون قد أضمر في قوله (من أنى) المبتدأ قبل الذكر، لدلالة (شربه) عليه، وتفسيره له، كما أنه إذ قال: قاما وقعد، أخواك، كان كذلك، واستقلال الكلام بهذا الضمير، الذي في الظرف، كاستقلاله بالضمير الذي يتضمنه في الصلة.
(1/320)

قوله: (يؤامر نفسيه) نفس تقول: ائت موضع كذا، وأخرى تنهاه خوف الصائد، وشبهه بالراعي الحاذق بالرَّعى.
قال رؤبة أو العجاج:
كنا بها إذ لحياة حيُّ
حيُ: خبر المبتدأ، الذي هو الحياة، والحياة، والحيُّ، والحيوان: مصادر، فالحياة
كالحدمة والحيوان كاللهبان، والغليان والحي كالعِّى، والذكر، كأنه قال: إذ الحياة حياةٌ، أي الحياة غير متكدرة، ولا منغصة، كأنه لم يعتد ما خالف ذلك، مما شابه تنغيصٌ وتكدير، حياةً.
وقوله تعالى (وَإِنّ الدّارَ الاَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ) [كأنه] على حذف المضاف، كأنه (لما) لم يتبعه الموت، ولم يبطله، كما يبطله في الدار الدنيا، جعلها هي دار الحيوان، دون هذه.
وزعم بعض البغداديين أن (حي) جمع حياة، كقولهم: بدنةٌ وبدن، وليس هذا
(1/321)

القول بالمتجه، من طريق اللفظ ألا ترى أنه لو كان كما قال، الجاز في فائه الضم، كما جاز الضم في قولهم: قرن ألوى وقرون لي، وكذلك الواحد، نحو: ريا.
وريا وفي أن لم نعلم أحداً ضم ذلك، ولم يحكه (هو أيضاً) دلالة على أن الأمر ليس كما ذهب إليه.
وهو في المعنى أيضاً ليس بذاك، ألا ترى أن الحياة حياةٌ واحدة، وليست بمضروب، إلا أن تجعل ما اختلف منها ضروباً، فتجمعه على ذلك، وهذا لا يليق بالمعنى، لأن الحياة أبداً، كذلك، فالمعنى على أ، الحياة كانت من ضرب واحد، وهو الطيب واللين.
أنشد الكسائي للبيدٍ:
لسَّيان حربٌ أو تبوءوا بخزيةٍ ... وقد يقبل الضَّيم الذليل المسيَّرُ
(1/322)

سيّان: يرتفع بأنه خبر الابتداء، وحرب مرفوع بالابتداء.
وقوله: (أو تبوءوا) في موضع رفع، لأنه معطوف على (حرب) المرتفع بالابتداء، فأضمرت (أن) لعطفك الفعل على الاسم، كما أضمرته في قوله:
ولولا رجالٌ من رزامٍ أعزَّةٌ ... وآلِ سبيعٍ أو أسوءك علقما
لما عطف (اسوء) على (آل سبيع) أضمر (أن) ليعطف اسماً على اسم، إذ لا
يستقيم أن تعطف فعلاً على اسم، وكذلك أضمر (أن) في (أو تبوءوا) لعطفه إياه على الاسم، ليكون مثله، (سيان) الخبر.
وكذلك كان ينبغي أن يكون الخبر، في قوله:
وكان سيَّان أن لا يسرحوا نعماً ... أو يسرحوه بها واغبرتِ السُّوح
فإما أن يكون أضمر في (كان) الحديث، أو الأمر، فيكون (سيان) خبر الاسمين اللذين هما: (ألا يسرحوا نعماً، أو يسرحوه) أو يكون جعل (سيان) المبتدأ، وإن كان نكرة، وأدخل (كان) على قوله: (سيان) والوجه الأول أشبه.
(1/323)

وكان القياس أن يكون العطف في التبيين بالواو، دون أو، لأن العطف بأو في هذا الموضع [في المعنى] سيان أحدهما، وسيان إحداهما كلام مستحيل، كما أن (سواء زيدٌ وعمروٌ) كذلك، لأن (سواءً) و (سيءٌّ) واحدٌ في المعنى، وإنما سيءٌ من سواء، كقيءٌ من قواء، فكما لا يستقيم، سواء زيداً أو عمروٌ، لأن المعنى: سواءٌ أحدهما، والتسوية إنما تكون بين شيئين فصاعداً، كذلك ينبغي أن لا يستقيم، والذي حسن ذلك للشاعر أنه يرى، (جالس الحسنَ أو ابن سيرين) فيستقيم له أن يجالسهما جمعياً، (وكل الخبزَ أو التَّمر) يجوز له أن يجمعهما في الأكل، فلما صارت تجري مجرى الواو، في هذا الموضع، استجاز أن يستعملها بعد (سي) ولم نعلم ذلك جاء في (سواء) وقياسه قياس (سيان) وق قال بعض المحدثين:
سيَّان كسرُ رغيفه ... أو كسرُ عظمٍ من عظامه
فهذا في القياس، كما جاء في الشعر القديم، وزعم أبو عمر أن الأصمعي أنشدهم البيت الذي هو:
وكان سيَّان أن لا يسرحوا نعماً
(1/324)

لرجلٍ من هذيل.
فأما قوله:
ألا فالبثا شهرين أو نصف ثالثٍ ... إلى ذاك ما قد غيبتي غيابيا
فهو من باب (جالس الحسن أو ابن سيرين) ألا ترى أنه إن لبث شهرين فقط أو شهرين وبعض ثالث فقد ائمر وليس الموضع مقتضياً لوقوع الواو، كما تقتضي الواو بعد (سيٍّ) و (سواءٍ).
ومثل (سواء) في اقتضاء الواو، دون قولك: المال بين زيد وعمرو، ولو قال ذلك بأو، لم يستقم، كما لا يستقيم لمال بين أحدهما، وكذلك: اختصم زيدٌ وعمروٌ.
واشترك بشرٌ وبكر ٌ، وكذلك اصطرع، ونحو ذلك من الأفعال التي تقتضي فاعلين فصاعداً، ولم نعلم شيئاً من ذلك جاء العطف فيه بأو، كمال جاء ما تقدم ذكره، من بيتي لبيدٍ والهذلى.
وقال عدي بن زيد:
أرواحٌ مودعٌ أم بكورُ ... أنت فانظر لأيّ حالٍ تصيرُ
قوله (أنت) يجوز أن يكون ابتداءً، ويجوز أن يكون مرتفعاً بمضمر، يفسره الظاهر، فإذا ارتفع بالابتداء، جاز أن يكون خبره مضمراً، وذلك المضمر مما يليق أن يسند إلي تن فارق خليطه، نحو المحزون، والمهموم، كأنه: أنت المهموم، وهذا الوجه قد قاله سيبويه.
(1/325)

ويجوز أن يكون خبره قوله: (أرواحٌ) والمعنى: أذو رواحٍ أم بكور أنت؟ والفاء في هذه الوجوه عاطفة جملة على جملة، وكذلك إن جعلت قوله: (أرواح) ابتداءً، وأضمرت له الخبر، كأنك قلت: أرواحٌ مودع لك أم بكور؟.
والأحسن إذا أضمرت هذا الخبر، أن تضمره بين ما بعد همزة الاستفهام و (أم)، لأنك لا تسأل عن قولك (لك) إنما تسأل عن أحد الاسمين، فإنما تجعل ما تسأل عنه يلي حرف الاستفهام، وما لا تسأل عنه بينهما، فيكون التقدير: أرواحٌ مودعٌ لك أم بكورٌ؟.
وإن شئت أضمرت ظرفاً من المكان، وإن شئت من الزمان، لأن المبتدأ حدثٌ.
ويجوز أن تجعل قوله: أرواحُ مودعٌ خبر ابتداء محذوف، وتضمره حيث أضمرت (لك)، أو (ثم) أو (اليوم) وتجعل (أنت) المذكورة في اللفظ، ابتداءً آخر، إن شئت، وإن شئت كان مرتفعاً بالفعل كما تقدم.
ويجوز إذا جعلت (أت) المظهرة مبتدأ، أن تجعل خبره (نظر) فتكون الفاء زائدة، كما حكاه أبو الحسن من قوله: (أخوك فوجد).
وقال النمر:
لا تجزعي إن منفساً أهلكتهُ ... وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
ويجوز ارتفاعه بالابتداء، وإن كان في موضع الخبر نهيٌ، كما جاز أن يرتفع بالابتداء، إذا كأن في موضع الخبر أمر، وذلك قول الجميح:
ولو أرادتْ لقالتْ وهي صادقةٌ ... إنَّ الرياضة لا تنضبك للشَّيبِ
(1/326)

وكذلك قول الآخر (أنشده أبو زيد):
وكوني بالمكارم ذكرِّيني ... ودلي دلَّ ماجدةٍ صناع
ألا ترى أن المعنى: كوني مذكرة بالمكارم، وليس يريد: كوزني بالمكارم، ويقوى ذلك قوله قبل هذا البيت:
ألا يا أمَّ فارع لا تلومي ... على شيءٍ رفعت به سماعي
فالمعنى: لا تلوميني على ما يرتفع به صيتي (وذكرى) وذكريني به.
فكذلك يكون (أنت) مرتفعاً بالابتداء، وخبره قوله: (فانظر) ويجوز أن يرتفع (أنت) بفعل مضمر، تفسيره: (انظرْ) وهذا الوجه قد أجازه سيبويه، ولو أظهرت ذلك
(1/327)

الضمير، كما تظهر في قولك، أزيداً ضربته؟ فتقول: أضربت زيداً ضربته؟ للزم تقول: انظر فانظر، لأنك إذا أظهرت المضمر اتصل الضمير المنفصل به، ولم ينفصل كما كان ينفصل إذا كان الفعل مضمراً، وومثل ذلك في لارتفاع الاسم
بمضمر، ولو أظهرته، على التمثيل لاتصل به الضمير، قوله:
فمن نحن نؤمنه يبتْ وهو آمنٌ ... ومن لا نجره يمسِ منَّا مفرعا
فنحن: مرتفعٌ بمضمرٍ يفسره (نؤمن) فلو أظهرت ذلك الفعل المضمر، في التمثيل، لكان: فمن نؤنمن نؤمن، وقال أبو ذؤيب:
أمنك البرق أرقبه فهاجا ... فبتُّ إخاله دهماً خلاجا
لا يستقيم أن تنصب (البرق) على قولك: أزيداً ضربته؟ لأن الاستفهام ليس عن الرقبة، إنما هو عن موضع لبرق، فإذا كان كذلك كان (منك) الخبر،
(1/328)

ويكون (أرقبه) في موضع الحال، يدلك على ذلك قول الآخر:
أفَعنكِ لا برقٌ كأنَّ وميضهُ ... غابٌ تسنَّمه ضرامٌ مثقبُ
فكما أن قوله: (كأن وميضه) صفة للمنكور، كذلك يكون (أرقبه) في موضع الحال من المعرفة، لأن ما كان صفة لنكرة يكون حالاً للمعرفة، وكذلك قوله:
أمنكِ برقٌ أبيتُ الليلَ أرقبه ... كأنّه في عراض الشَّامِ مصباحُ
الاستفهام فيه عن مكان البرق، وليس عن البيتوتة.
وقوله: (أبيت الليل أرقبه) صفة للمنكور، كما كان (كأن) وصفاً له، في قوله:
أفعنك لا برقٌ كأنَّ وميضه
ولا يجوز أن تنصبه أيضاً، على قولك: زيداً ضربته، كما انتصب قوله:
فلو أنّها إياك عضتك مثلها ... جررت على ما شئت نحراً وكلكلاً
ألا ترى أ، المخاطب المعضوض في المعنى، فجاز تسليط العض عليه، وليس البرق بمرقوب، إنما هو محدث عنه، كما تقول: أفي الدار قيامك؟.
(1/329)

ومما جاء على قولك: زيداً ضربته، ما أنشده أبو عبيدة:
أنعمانُ لم تشبهْ أباك محمَّداً ... لعمري ولم يشبهْ نعيمٌ له أبا
ولو كان غيَّاه اجتديته لم يخبْ ... رجائي ولم ترجع ركابي خيبَّاً
فضمير الغائب منصوب بمضمر، يفسره (اجتديته) وهو مجتديً في المعنى، مفعول، (ألا ترى) أنك لو حذفت الضمير لتسلط الفعل عليه.
أنشد محمد بن يزيد:
حيّاكم الله فإنِّي منقلبْ ... وإنَّما الشعرُ مجنونٌ كلبْ
أكثر مات يأتي بما فيه الكذبْ
يجوز أن تكون الباء زائدة، ويكون (ما) في موضع رفع، بأنه خبر المبتدأ، كما كانت في موضع رفع، في قول الآخر، على أنه خبر المبتدأ، وذلك قوله:
أكثر ما نعملهُ من كافرهِ ... أن كلها يكعسهُ بغبرهِ
ولا يبالي وطأها في قبره
فكما أن (أن) المخففة من الثقيلة في موضع رفع، بأنه خبر المبتدأ، الذي هو
(1/330)

(أكثر ما نعمله) كذلك (ما) من قوله:
أكثر ما يأتي بما فيه الكذبْ
وعلى هذا تأول أبو الحسن، قوله تعالى (جَزَآءُ سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا) أن المعنى: مثلها.
ومثل دخول الباء على خبر المبتدأ، ودخولها على المبتدأ، فيما أنشده أبو زيد:
بحسبك في القومِ أن يعملوا ... بأنك فيهم غنىً مضرّ
ويجوز أن تجعل الباء من صلة (يأتي) وتضمر خبر المبتدأ، كأنه: أكثر هذا كائن، أو ثابت، ونحو ذلك، فيكون موضع الباء، وما انجر بها، نصباً، فعلى هذا القياس يجوز أن تنصب قول المحدث:
أكثر ما أسمع منها في السحر ... تذكيرها الأنثى وتأنيث الذكر
وتضمر الخبر، ويجوز أن ترفع (تذكيرها) فتجعله خبر المبتدأ، كما كان (أن) في قوله:
أن كلها يكسعه بغبرهِ
كذلك وكذلك قول الآخر:
أولُ ما أقولُ أنِّي أحمدُ
(1/331)

إذا فتحت (أنّى) كان في موضع رفع، بأنه خبر المبتدأ، وإن كسرت، (إن) كانت الجملة في موضع نصب بأقول، والخبر مضمر، وقال أحد أهل النظر: إنه إذا كسر (إنَّ) في قوله:
أولُ ما أقولُ إنّي أحمدُ
كان التقدير عنده: أول ما أقول إني أحمد، فيكون (إني أحمدُ) متعلقاً بقوله: (قولى) المضمر، الذي هو خبر المبتدأ، وإبقاء الصلة.
فإن قلت: فقد قدر حذف الموصول، وإبقاء بعض الصلة.
فإن ذلك في قول البغداديين جائزٌ، وينبغي أن لا ميتنع على قول غيرهم، لأن هذا الحرف قد كصثر إضماره في كلامهم، وفي التنزيل، حتى صار يجري مضمراً، مجراه مظهراً.
(1/332)

باب من
حذف المضاف
كقولهم: الليلةُ الهلالُ، يريد: الليلة ليلةُ الهلال، وقوله عز وجل: (وأزواجهُ أمهاتهم)، وقول الشاعر:
فهن إضاءٌ صافيات الغلائلِ
من ذلك قول العجاج:
حتى إذا ما ليله تكشّفا ... من الصباح عن بريم أخصفا
تقديره: حتى إذا إظلامُ ليله تكشف عن بريم أخصف من ضياء الصباح، فمن الصباح: في موضع نصب، لأنه صفة للأخصَف، قد تقدَّمته، ألا ترى أن
(1/333)

البياض
الذي في الأخصف إنما هو من الصبُّح، فالأخصف قد جمع اللّونين المفترقين، اللذين هما السّواد والبياضُ.
والبريم - زعموا - كلُّ خيط يُفتل، لحقوا المرأة، أو لقلادة، وقد اتُّسع فيه حتى جُعل الحِزام، وغيره، فالحزام نحو قولِ ابن مقبل:
يجولُ بريمُها
يصفها بالضُّمور.
وإنما أخذ ذلك العجَّاج من قوله عزّ وجل: (حتى يتبيَّن لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجرِ)، وقد تناول ذلك العجَّاج في موضع آخر، فقال:
وقد رأى بالأُفُقِ اشقِرارا ... وفي جناحَي لَيْلِه اصفرارا
وصلَك بالسلسلةِ العِذارا
فاشقرارُ الأفق هو مقاربَتُه للبياض، وأما الاصفرارُ: فإنه يريدُ به الاسودادَ، وقيل للاسوداد الاصفرارُ، كما قيل للأسودِ: أصفر، يدلُّ على ذلك قول حُمَيد الأرقَط:
قد كاد يبدو وبدَت تباشِرُه ... وسَدَفُ الخيط البهيمِ ساترُه
وما أنشده يعقوب بن السِّكِّيت:
كأنَّه بالصَّحصحانِ الأنجَلِ ... قُطْنٌ سُخامٌ بأيادي غُزَّل
(1/334)

فمن حيث وُصِف بأنه بهيم وسُخام، يجوز أن يكون الاصفرار الاسوداد، فالبيتان الرائيان قد دلاّ على ما دل عليه الأخصفُ، في الفائي. فأمّا انتصاب قوله: وَصْلَك بالسلسلة فمن باب صنع الله، وذلك أن في قوله: وصلك بالسلسلة على ذلك، وأراد أن اتصال الاسوداد بالاشقرار، كاتصال السلسلة بالعِذار. وقولُه:
وصلك بالسلسلة العِذارا
قريبُ في المعنى من قوله: عن بريم أخصفا، ومثل ذلك في المعنى قول ذي الرُّمّة:
فأدلى غُلامِي دَلوه يبتغي بها ... شِفاء الصَّدى والليل أدهم أبلقُ
أي أعلى الأفق أسودُ، والأسفلُ أبيضُ، للصُّبح، وقد انتظم ذلك قول العجَّاج: أخصف.
وقال أبو دُؤاد:
فلما أضاءتْ لنا ظُلمةٌ ... ولاحَ من الصُّبحِ خيطٌ أنارا
(1/335)

قال بعض البصرييّن: يقولون: تبيَّن خيطُ الصُّبح: إذا تبين الصبح، قال بعض البصرييّن: يقولون: تبيَّن خيطُ الصُّبح: إذا تبين الصبح، ومن ذلك قولُ ابي ذؤيب:
أمنكِ البرقُ أرقبه فهاجا ... فبتُّ إخاله دهماً خلاجا
المضافُ محذوفٌ، والمرادُ: إخالُ الرَّعدَ حنينَ دهمٍ، مختلجةٍ عنها أولادها، فهي تخانُّ.
والضَّمير في إخاله للرعد، وإضماره في هذا الموضع جيدٌ، لأن ذكر البرق الذي جرى يدلُّ عليه، وإذا أضمر الاسم حيث لم يدلّ على إضماره ما دلَّ في هذا الموضع، فإضماره هنا أولى، فمن ذلك قوله، وهو الأسود بن يعفر:
فلن تعدَمي منّا السَّراة ذَوِي النُّهى ... إذا قحطت والمُسمِحِينَ المَساحِقا
وقال ذو الرُّمَّة:
نَجاةٌ تُقاسِي ليلها من غُروبها ... إلى حيث لا يسمو له المُتقاصِرُ
(1/336)

ومن حَذفِ المضاف في هذا الشعر، قوله: أمِنكِ البرقُ والمعنى: أمن ناحيتكِ؟ أمن دِياركِ؟ وكذلك قول الآخر:
لِشمَّاَء بعد شتات النَّوى ... وقد بِتُّ أخليتُ بَرقاً وليفا
أي أخليتُ لِسُقْعِها أو دارها، وكذلك:
أفعنكِ لا برقٌ كأنّ وميضهُ ... غابُ تسنَّمه ضِراب مثْقَبُ
وقوله:
أمِنكِ برق أبيت الليل أرقُبُهُ ... كأنّه في عِراضِ الشامِ مِصباحُ
فقوله: وقد بتُّ في موضعِ حال، وهو متعلِّقٌ بأخيَلْتُ، كأنه قال: أخْيْلتُ البرقَ بائتاً، فقدَّم، وهذا مما يدلُّ على جواز تقديم الحال، مفردةً كانت، أو جملةً.
ولِيفاً: مُتتابعاً.
ومثل قوله:
فبتُّ إخالُه دُهماً خِلاجا
قول حسَّان، يذكُر سَحاباً:
طَوى أبرَقَ العَزَّافِ يَرعُدُ مَتْنُهُ ... حنين المتالِى خلفَ ظهرِ المُشايعِ
(1/337)

أي طوى هذا الغيم هذا المكان، يرعُدُ متنُه: أي يرعد هو، كما أن قوله: (يعسِلُ متنه) يعسِل هو أو مُعظمُه.
وانتصب حنين المتالي، لأن يرعد يدل على يحِنُّ، فكأنه قال: يحن حنين المتالي، وكذلك قول أوس:
كأن فيه عشاراً جِلَّةً شُرُفاً ... هُدلاً لهامِيمَ قد همَّت بإرشاح
المعنى: كأن في هذا السحاب صوت عِشارٍ، أو أصواتَ عِشارٍٍ، شُبِّه الرعدُ بأصواتِها، كما شُبِه بها في البيتين الأوَّلين، ومن ذلك قول أبي ذُؤيب:
كأن مصاعيب زُبَّ الرُّؤ ... سِ في دار صِرمٍ تلاقى مُريحا
تَغَذَّمْنَ في جانبيه الخبي ... رَ لمَّا وهى خرجُه واستُبيحا
(1/338)

التقدير: كأن هدير مصاعيب زُبّ الرؤس، في دار صرم، تلاقى الصِّرمُ مريحا، أي إيل مريحٍ، فالتقت المصاعيب وإبل المُريح، فتهادرت، ليكون ذلك أكثر للهدير، وأبلغ في زيادة الصوت وارتفاعه.
وتغذّمن: صفة للمصاعيب، كما كان قولُه: في دار صرم صفة له.
وخبر كأنَّ قوله في جانبيه، التقدير: كأن هدير مصاعيب في دارِ صرمٍ، تغذَّمن،
في جانبي هذا السحاب، وفصل بخبر كأنَّ بين المفعول وفِعلِه، وهو أجنبيٌّ منهما، واستغنى عن جواب لما بما في قوله: في جانبيه التقدير: كأن هديرَ مصاعيبَ في جانبيْ هذا السحاب، لما وهي خرجُه هدرتْ في جانبيْه، وهذا يدل على أنّ السحابَ يرعدُ بعدَ ما مطرَ.
وقيل: معنى وهَي خرجُه أي كأنَّه انخرَق، فخرج منه الماءُ.
والخرجُ: ما خرجَ منْه، من الماء.
واستبيحا: استباحتْه الأرضُ.
ومن هذا الباب قول الشاعر:
وكلُّ سماكيٍّ كأنَّ ربابهُ ... متالِي مهيبٍ من بنِي السيِّدِ أوردَا
(1/339)

تقديره: كأنَّ رعدَ ربابِه حنينُ متالي مهيبٍ، نعمُ بني السيِّد - زعموا سودٌ يريد أنَّ الغيمَ أسودُ.
والمهيبُ: الراعِي.
والمتالِي: التي نتجَ بعضها وبقيَ بعضٌ. ومن ذلك قولُه:
وصرَّحَ الموتُ عن غلبٍ كأنَّهمُ ... جربٌ يدفِّعها السَّاقي منازيحُ
التقدير: صرَّح أسباب الموت، أي القتالُ، عن رجالٍ غلبٍ، صفتُهم كيتَ وكيتَ.
وصرَّحَ: كشفَ. ومثلُ ذلك قوله عزَّ وجلَّ: (ولقدْ كنتمْ تمنونَ الموتَ منْ قبلِ أنْ تلقوهُ) أي تمنون أسباب الموت، أي لقاءَها، من قبل أن تلقَوها، وهو القتالُ ومكائدُه (فقدْ رأيتموهُ) أي شاهدتم ما كنتم تمنَّونَه، وحضرتُموه، فقاتلوا الآنَ.
فكذلك صرّح أسبابُ الموتِ، ومعاناةُ القتالِ، عن غلبٍ يحرصون على القتال حرصَ هذه الجربِ البعيدةِ المكانِ من الماء، على الماء. ومن ذلك قول أبي زبيدٍ:
خارجٍ ناجذاهُ قد بردَ المو ... تُ على مصطلاهُ أيَّ برودِ
(1/340)

أي ثبت علاماتُ الموت، وما يحدثُه الموتُ على مصطلاهُ، من قوله: بردَ لي عليه
ألفٌ: أي ثبت عليه، ولزمَه.
وقال ساعدةُ:
وحوافِرٌ تقعُ البراحَ كأنَّما ... ألفَ الزِّماعَ بها سِلامٌ صلَّبُ
تقعُ البراحَ: من قولك: وقعتُ الحديدةَ: إذا طرَّقتها بالميقعةِ، وهي المطرقةُ، يقول: هي تقعُ البراحَ، وهي المستوِي من الأرض، بمثلِ المِيقعَة، والتقدير: كأنَّما ألفَ مواضعَ الزِّماعِ، يألفها، أي يألفُ الحوافرَ سلامٌ، ومثلُ ذلك قولُه:
وصوَّحَ البقلَ نأَّجُ تجيُ به ... هيفٌ يمانيةٌ في مرِّها نكبُ
أي تجيء بمجيئته هيفٌ، فحذف المصدرَ، لدلالة الفعلِ عليه، وأقام المضافَ إليه مقامَه، وكذلك التقديرُ، في قولِه: ألفَ الزِّماعَ أي مواضعَ الزِّماع.
والزِّماعُ: هناتٌ كالزَّيتون، تكونُ خلفَ الأظلافِ، وليس للفرسِ زماعٌ.
وأنشد أبو زيدٍ، في وصفِ ثور:
مردَّفاتٌٍ على آثارها زمعٌ ... كأنَّها بالعجاياتِ الثآليلُ
(1/341)

فالمعنى: الموضعُ الذي لو كانت زماعٌ كانت فيه، كما أنَّ قولَ أبي النَّجم، في وصفِ الظَّليم:
يزعزعُ الجؤجؤَ من أنقائهِ
معناه: من موضِع أنقائِه، أي من حيثُ لو كان نقيٌ لكان هناك، وليس للنَّعام مخٌّ، قال:
عيى حتِّ البرايةِ زمخريِّ السَّ ... واعدِ ظلَّ في شريٍ طوالِ
زمخريٌّ: أجوفُ، وقال:
من الظِّلمانِ جؤجؤهُ هواءُ
ومثلُ تشبيهِ ساعدةِ الحوافرَ بالحجارةِ، قولُ هذليٍّ آخرَ:
كأنَّهما إذا علوَا وجيناً ... ومقطعَ حرَّةٍ بعثا رجاما
(1/342)

وقال رؤبةُ:
يرمِي الجلاميدَ بجلمودٍ مدقْ
وأنشد يعقوبُ:
كذاتِ أحزانٍ أراحتْ فقدَا ... يهيِّجُ الليلُ عليها وجدَا
التقدير: أراحت حزنَ فقدٍ، فيجوز أن يكون الفقدُ فقدَ حميمٍ بالموت، أو بالفراق، ويجوز أن يكون مالٍ، فيريحُ الليلُ عليها حزنَ الفقدِ. والإراحةُ في النَّعمِ، من قوله تعالى: (حين تريحونَ وحين تسرحونَ)، وهي خلافُ السَّرح. أي يريحُ عليه اللَّيلُ مكان المالٍ الحُزنَ، وهذا مثلُ قولِه:
وصدرٍ أراحَ الَّيلُ عازبَ همِّهِ ... تضاعفَ فيه الحزنُ من كلِّ جانبِ
أي ردَّ عليه الليلُ من الهمِّ ما عزب عنه بالنهار، بتشاغلِه بمحادثةِ الناس ومخالطتهِ لهم.
ويجوز أن يكون الفقد مصدراً في موضع الحال، فيمن قاس ذلك، والمفعولُ محذوف، كأنه: يريح الحزنُ فاقدةً.
وقال الفرزدقُ:
لعلَّك في حدراَء لمتَ على الذي ... تخيَّرتِ المعزَى على كلِّ حالبِ
عطيَّةَ أوذِي شملتينِ كأنَّهُ ... عطيَّةُ زوجٌ للأتانِ وراكبِ
(1/343)

من حيث كان تنبيهاً للطُّهاة، فإذا كان كذلك، علمتَ أنه مثلُ: (واسألِ القريةَ)، وعلمتَ أيضاً أنَّه لاحجَّةَ فيه لمن أجاز: هذا ضاربٌ زيداً وعمروٍ، إذِ القديرُ ليس بمعطوفٍ على الصَّفيف، إنّما هو معطوف على الاسم المشارك في بين وإنما حذفَ اسم الفاعلِ، وأقامَ المضافَ إليه مقامَه، لأنَّ بينَ تقتضيه، وفي الكلام دلالةٌ على حذفه، من حيث ذكرنا، ومن ذلك ما أنشد سيبويه:
يا صاحِ يا ذا الضَّامرُ العنسِ
يرفع الضامر على تقدير الوصفِ للاسمِ المبهم، وأنشد غيره بعد هذا البيت:
والرَّحلِ والأقتابِ والحِلسِ
(1/346)

والقولُ في جرِّ الرَّحلِ أنه على ما دلَّ عليه ما تقدم، لأن قوله: يا ذا الضّامرُ يدلُّ على أنه صاحبُ ضامرٍ، فحمل الرَّحلَ على ما دلَّ عليه هذا الكلامُ من الصَّاحب.
وحكيَ عن بعض النَّحويِّين، أنّه لمَّا قال: يا صاحِ أضمر الصاحبَ، فكأنه قال: يا صاحبَ الرَّحلِ.
والقولُ الأوَّلُ أبينُ، ألا ترى أنَّ كونه صاحباً للمنادى، لا يدلُّ على أنه صاحبُ رحلٍ، كما يدلُّ قولُه: يا ذا الضَّامرُ العنسِ على أنَّ له عنساً.
فإن قلتَ: فإنَّ صاحباً لمَّا جرى ذكره، فقد استويا فيما ذكرتَ، من جريِ الذِّكرِ، واختصَّ يا ذا الضَّامرُ العنسِ بما ذكرنا من الدليل.
فأمَّا من جعلَ ذا في معنى الصاحب، دونَ الاسم المبهم، فإن العنسَ على قوله، عطفٌ على الضامر، كقوله: في قرقرٍ قاعِ، ونحو ذلك ومن ذلك ما أنشده سيبويه:
سرى بعدما غارَ الثُّريَّا وبعدما ... كأنَّ الثُّريَّا حلَّةَ الغورِ منخلُ
(1/347)

تقديره عندي: كأنّ الثُّريَّا حلَّةَ الغور فوقَ منخلٍ، فحذفَ المضافَ، والخبرُ منخلٌ، أي دونها منخلٌ.
فأمَّا حلَّة الغورِ على إنشاد سيبويه، فهو ظرفٌ عمل فيه ما في كأنَّ من معنى الفعل، والخبرُ منخلٌ، كما أنَّ حلَّت الغورَ في إنشاد من أنشدَ ذلك من البغداديِّين، في موضع نصبٍ على الحالِ، أو صفةِ منصوبٍ ينتصب على الحالِ، في قول أبي الحسن.
فأمّا تقديرُ حذف المضافِ منه، فلأنَّه وصفها بأنَّها خفيَّةٌ، وخفاؤها لأحدِ شيئين، إمّا لظلمةٍ أو معنىً عارضٍ في الوقت، أو لجدبٍ تغيَّر له الأفقُ، فلا تتبيَّنُ له
النُّجومُ، كقوله:
كعينِ الكلبِ في هبًّى قباعِ
(1/348)

ومثلُ ذلك:
وليلٍ فيه تحسبُ كلَّ نجمٍ ... بدا لك من خصاصةِ طيلسانِ
يعني من فرجةٍ، فلا يتبيَّنُ تبيُّنه ولا ساترَ بينهما، ومثل ذلك في المعنى ما أنشده أحمد بن يحيى:
كأنَّ الثُّريَّا منخلٌ فوقَ ظلَّةٍ ... تراقبها عيني ولستُ بنائمِ
يريدُ: لا يرى منها إلاّ كما يرى ما بعد المنخلِ من ثقبه، فكأنّ بينه وبين السماءِ ستراً، ومثل ذلك في المعنى قولُ الشَّمَّاخ، إلاّ أنه في صفة الفجر، وابتداءِ ظهورِ ضياء الشَّمس:
إلى أن يشقَّ الصُّبح فيه كأنّه ... قميصٌ بدا من خلِّ ساجٍ مفرَّجِ
وقال ابن مقبل:
أجبتُ بني عيلانَ والخوضُ دونهمْ ... بأضبطَ جهمِ الوجهِ مختلفِ الشَّجرِ
التقدير: أجبتهم بجوابِ أضبطَ، ألا ترى أنّ الأضبطَ لا يكون جواباً، وإنما يكون الجوابُ كلاماً، أو ما قام مقامه.
وقوله: مختلفِ الشَّجرِ التقدير: مختلفِ أنيابِ الشَّجرِ، فأضافَ الأنيابَ إلى
(1/349)

الشَّجر، لمنبتها عليه، فأمّا الشَّجرُ فلا يختلفُ، وإنّما يريدُ الالتواءَ والعصلَ الذي في أنيابِ السَّبُع.
وقال الأسود بن يعفر:
أرضٌ تخيَّرها لطيبِ مقيلها ... كعبُ بن مامةَ وابنُ أمِّ دؤادِ
كعبُ بن مامةَ: الجوادُ، وابنُ أمِّ دؤادٍ: هو أبو دؤادٍ، الشاعرُ، وهما جميعاً من إيادٍ. واسم أبي دؤادٍ جاريةُ، فالتقدير: ابن أمِّ دؤاد، فحذف الأبَ، ونظيرُ هذا، في حذفِ
المضاف قول الآخر:
عشيَّة فرَّ الحارثيُّون بعدما ... قضى نحبه في ملتقى القومِ هوبرُ
وقد جاء في الشِّعر أبيات مثل ذلك، في حذف المضاف، مع أنه يؤدِّي حذفه إلى الإلباس، فابن أمِّ دؤادٍ هو أبو دؤادٍ، ومثله في حذف المضاف أيضاً قولُ الأسود:
والبيضُ يرمينَ القلوبَ كأنَّها ... أدحيُّ بين صريمةٍ وجمادِ
(1/350)

أي كأنَّها بيضُ أدحيِّ نعامٍ، ألا ترى أنهنَّ يشبَّهن بالبيض، لا بالأداحيِّ، كما قال الرَّاعي:
كأنّ بيض نعامٍ في ملاحفها ... إذا اجتلاهنَّ قيظٌ حرُّه ومدُ
والمعنى في تشبيههنَّ بالبيض، أنّهنَّ مصوناتٌ لا يبتذلنَ ولا يمتهنَّ.
وقال الأسود:
بمقلِّصٍ عتدٍ جهيرٍ شدُّهُ ... قيدِ الأوابدِ والرِّهانِ جوادِ
قيد الأوابدِ: يحبسها، والتقدير: قيد الأوابد وأفراسِ الرِّهان، ومعنى قيدِ الرِّهانِ: أنَّه في استيلائه عليهنّ، بسبقه إياهنّ، بمنزلةِ القيدِ لهنَّ، ومثل ذلك في المعنى قولُ الهذلي، في الحمار وآتنه:
كأنّ الطِّمرَّةَ ذاتَ الطِّما ... حِ منها لضبرته بالعقالِ
(1/351)

وأنشد أبو زيد:
شبَّهتُ قلَّتهم في الآل إذ عسفوا ... حزمَ الشُّريف تبارى فوقه زمرا
عومَ الصَّراريِّ في غبراَء مظلمةٍ ... تعلوه طوراً ويعلو فوقها تيرا
قلَّتهم: معناه القلَّةُ التي هم عليها.
والضَّمير في تبارى للإبل.
والمعنى: شبَّهتُ عوم قلَّتهم عومَ سفن الصَّراريِّ، في لجّةٍ غبارء مظلمةٍ من الموج، ألا ترى أنَّ القلَّةَ لا تشبَّه بالعومِ، وإنّما يشبَّهُ عومُ شيءٍ بعوم شيءٍ آخرَ،
وقال:
لمن الظَّعائنُ سيرهنَّ تدافعٌ ... عومَ السَّفينِ تفيضُ منها الأنفسُ
فهذا المعنى في الشِّعرِ كثيرٌ، وبها يشبَّهُ في الآل، لأنَّها في مرآة العين كذاك، قال:
ترى قورها يغرقنَ في الآلِ مرَّةً ... وآونةً يخرجنَ من غامرٍ ضحلِ
وقوله: تبارى فوقه زمرا أي تتبارى الإبلُ فوقها، فأضمر الإبلَ، لدلالةِ الحالِ
(1/352)

عليها، كما قال:
إذا ما المطايا بالنَّجاءِ تبارتِ
وهذا ما حكاه من قولِهم: إذا كان غداً فائتني.
وقوله: تعلوه طوراً أي تعلو الغبراءُ المظلمةُ، والمعنى: ماءُ اللُّجَّةِ الغبراء، وقال: تعلوه، لأنه جعل المضمرَ سفيناً، كتمرةٍ وتمرٍ.
ويعلو فوقها تيرا: أي يعلو السَّفينُ فوقَ اللُّجَّة تيراً.
وقال أبو وجزةَ:
كأنَّ زجلةَ صوبٍ صابَ من بردٍ ... شنَّتشآبيبه من رائحٍ لجبِ
نواضحٌ بين حمَّاوينِ أحصنتا ... ممنَّعاً كهمامِ الثَّلجِ بالضَّربِ
(1/353)

يعقوبُ يقال: زجلةٌ من ماءٍ أو بردٍ، كأنَّه يرادُ به القليلُ، فإذا كان كذلك فالمضاف محذوفٌ، تقديره: كأنّ زجلةَ صوبٍ زجلةُ نواضحَ، والنَّواضحُ: الثنايا البيضُ، كأنّها تنضِحُ بالظَّلمِ.
وقوله: بين حمَّاوينِ أحصنتا يمكن أن يعني بهما الشَّفتين، لأنَّهما توصفانِ بالَّلمى، ويجوز أن يعني بهما اللَّثتين، لأنهما أيضاً توصفان بالسَّوادِ، قال:
ومسحتِ باللثتين عصفَ الإثمدِ
وهما أيضاً جميعاً قد أحصنتا ممنَّعاً، والممنَّعُ: الرِّيقُ، أي لا تبذله.
(1/354)

وهمام الثَّلجِ: ما ينهمُّ منه، أي يسيلُ.
وقال ذو الرُّمَّة:
به عرصاتُ الحيِّ قوَّين حولهُ
المعنى: قوَّبَ ساكنوها بالاحتطاب منها، أو الحفرِ فيها، أو نحو ذلك، ألا ترى أنَّ العرصاتِ لا تقوِّبُ، فلمَّا حذف المضافَ أسند الفعلَ إلى المضافِ إليه، وقال:
بلالُ ابن خيرِ الناسِ إلاّ نبوَّةً ... إذا نشرتْ بين الجميعِ المآثرُ
المعنى: إلاّ أهلَ نبوَّةٍ، فحذف المضافَ. وأنشد يعقوبُ:
لعلَّك يوماً إن أثرتَ خليَّةً ... بجذماَء فيها ضربةُ السَّيف تغضبُ
هذا رجلٌ قطعت يده، فأخذ ديتها، والتقدير: بجذماءَ فيها أثر ضربةِ السَّيف، ألا ترى أنّ الضَّربةَ الآن ليست فيها، قال: ويروى:
(1/355)

بجذمورِ ما أبقى لك السَّيفُ تغضبُ
وأنشد:
فلم أرَ يوماً كان أكثرَ باكياً ... وشمساً أبتْ أطنابها أن تقضَّبا
حكى محمد بن السَّريِّ، عن الأصمعيّ: أنَّ المعنى أنّ اليومَ طالَ على أعدائهم، فإذا كان كذلك فالمضافُ محذوفٌ، كأنه: أكثر دوامَ شمسٍ، وهذا كما يوصفُ اليومُ الشَّديدُ بالطُّولِ، وخلافُه بالقصَر، ومثله في المعنى قولُ ذي الرُّمة:
وراكدِ الشَّمسِ أجَّاجٍ نصبتُ له ... حواجبَ القومِ بالمهريَّةِ العوجِ
وقال ساعدةُ:
فأزال خالصها بأبيضَ مفرطٍ ... من ماءِ ألهابٍ بهنَّ التَّألبُ
أي بماءِ غديرٍ أبيضَ.
وقال الأعشى:
ولكنَّ ربِّي كفى غريتي ... بحمدِ المليكِ فقد بلَّغنْ
(1/356)

المعنى: كفى شدَّةَ غربتي، أو صعوبتَها، ألا ترى أنه عند الملكِ الممدوح، غريبٌ
عن أرضه وعشيرته، أو يكون أراد أنَّه ببلوغهِ إليه، وكونه في ذراه، كأنَّه قد زالَ غربته بذلك، فصار كمن هو في أهله وعشيرته، كما قال:
كأنني بين أبي وأمِّي
وقال أبو ذؤيب، يذكر خمرا:
فما برحتْ في الناسِ حتى تبيَّنتْ ... ثقيفاً بزيزاءِ الأشاءِ قِبابها
أتوها بريحٍ حاولته فأصبحتْ ... تكفَّتُ قد حلَّتْ وساغَ شرابها
ما برحتْ: أي ما برح أهلها، حتى تبيَّنوا ثقيفاً، فالمضافُ في الموضعين محذوفٌ، وكذلك أتوها: أتوا أهلها. فأصبحت تكفَّتُ: أي يكفَّتُ ثمنها، أي يجمعُ ويقبض، من قوله تعالى: (ألم نجعل الأرض كفاتاً).
وحكى محمد بن السّريّ، عن بعض العلماء أنَّ لغة هذيلٍ: الزَّيزاء، بنصب الزاي.
وقيل في قوله:
ويعطيها الأمانَ ربابها
(1/357)

ربابٌ: عهدٌ، وجمعه: أربَّةٌ، وإذا كان الأربَّةُ جمع ربابٍ، فقول أبي ذؤيبٍ:
كانت أربَّيتهم بهزٌ وغرَّهمُ ... عقدُ الجوارِ وكانوامعشراً غدرا
على حذف المضاف، كأنَّه: كان بهزٌ ذوي أربَّتهم.
وقال الفرزدق في الحجَّاج:
سرى بالمهاري من فلسطينَ بعدما ... دنا اللَّيلُ من شمسِ النَّهارِ فولَّتِ
فما مرَّ ذاك اليومُ حتى أناخها ... بميسانَ قد حلَّتْ عراها وكلَّتِ
يقول: خرج يومَ الجمعةِ من الشَّام، فلم تعدْ جمعةٌ أخرى حتى صارَ بواسطٍ، فالمعنى: ما مرَّ مثلُ ذلك اليوم، فحذف المضافَ.
وقال الشَّنفري:
فدقَّتْ وجلَّتْ واسبكرَّت وأكملتْ ... فلو جنَّ إنسانٌ من الحسنِ جنَّتِ
(1/358)

المعنى: دقَّ خصرها، وجلَّتْ عجيزتها، فحذف المضافَ، وقال آخر:
يجوبُ بنا الفلاةَ إلى سعيدٍ ... إذا ما الشَّاةُ في الأرطاةِ قالا
أرادَ: في ظلِّ الأرطاةِ، وقال: قالا، وقد تقدَّم ذكرُ الشاةِ، لأنه ذهب إلى الثَّور.
وأنشد أبو زيدٍ:
كأنَّ محالةً ثقبتْ حديثاً ... لنابيهِ علىَّ من الصَّريفِ
المعنى: كأنَّ صوتَ محالةٍ، ولنابيه الخبرُ، أي كأنَّ لنابيه صوتَ محالةٍ، شبَّه صريفه بصوتِ البكرة.
فأمَّا حديثاً فيجوز أن يكون ظرفاً، ويجوز أن يكونَ وصفاً للمحالة، ولم تدخله الهاءُ، كما لم تدخلْ في جديدٍ من قولهم: ملحفةٌ جديدٌ، وريحٌ خريقٌ.
(1/359)

وعليَّ تبيينٌ، كقوله:
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
ونحوِ ذلك، ممَّا معناه التَّعلُّقُ بالمصدر، ولفظُه على غير ذلك.
وقال الفرزدقُ:
فبتُّ بديري أريحاَء بليلةٍ ... خداريَّةٍ يزدادُ طولاً تمامها
أكابدُ فيها نفسَ أقربِ من مشى ... أبوه لنفسي ماتَ عنِّي نيامها
التقدير: أكابدُ فيها همَّ نفس أقربِ من مشى، ألا ترى أنَّه يكابدُ همَّ النَّفس، لا ذات النَّفس ويدلُّك على أنّ المعنى على هذا، ما تقدَّم في البيت الأوَّل، وما في الثاني من قولِه: مات عنِّي نيامها والنِّيامُ: مصدرٌ، كالقيام، والغِيار.
ومعنى: ماتَ عنّي نيامها: أنّه سهر فيها، فجعل سهره موتاً للنَّوم.
فأمَّا معنى أقربِ من مشى أبوه لنفسي: فلا يخلو من أن يريدَ نفسه بذلك، أو قريباً له، هو غيرُه، فلا يجوز القسم الثاني، لأنه هو لا يكابدُ همَّ نفسِ غيره، فثبت أنه يعني بذلك نفسه.
ومعنى لنفسي: أي أقربُ من مشى أبوه إلى نفسي، كما قال: (أوحى لها)، وفي أخرى: (وأوحى ربُّك إلى النَّحل)، فكذلك قوله: لنفسي تقديره: إلى نفسي: وقال ابن مقبل:
في ليلةٍ من ليالي الدهرِ صالحةٍ ... لو كان بعدُ انصرافُ الدَّهرِ مأمونا
(1/360)

المعنى: انصرافُ حوادثِ الدَّهرِ، فحذفَ المضافَ، كما قال:
تنبو الحوادثُ عنه وهو ملمومُ
وكذلك قوله:
وليلةٍ مثلِ لونِ الفيلِ غيَّرها ... طسمُ الكواكبِ والبيدُ الدَّياميمُ
والمعنى: وظلمُ البيدِ، كما أنَّ انصراف الدَّهرِ انصرافُ حوادثهِ، لأنَّ البيدَ لا تغيِّرُ اللَّيلةَ.
قال النَّمرُ:
فلئن عقدتَ عليَّ ألفَ تميمةٍ ... ونذرتَ نذراً دائماً ودوارا
تقديره: ونذرتَ نسكَ دوارٍ، أو عبادةَ دوارٍ، لأنَّ دواراً أظنُّه صنماً كان يتقرَّبون بعبادته، أو عيداً.
(1/361)

وقال الأسودُ بن يعفر:
صدَّتْ وقالتْ أرى شيباً تفرَّعهُ ... إنَّ الشَّباب الذي يعلو الجراثيما
المعنى إنَّ ذا الشَّبابِ الذي يعلو، والشَّبابُ مصدرٌ، فيجوز أن يرادَ به الواحدُ، والجميعُ، قال:
جاريةٌ شبَّت شباباً عجبا ... تشربُ محضاً وتعشَّى رطبا
وقد أريدَ به الجميعُ، في نحو قولهِ:
وشبابٍ حسنٍ أوجههمْ ... من إيادِ بن نزارِ بن معدْ
وقيل في يعلو الجراثيمَ: إنَّه الذي يرتقي إلى معالي الأمور.
وقال ذو الرُّمَّة:
فانصاعتِ الحقبُ لم تقصعْ صرائرَها ... وقد نشحنَ فلا ريٌّ ولا هيمُ
(1/362)

التقدير: فلا ذاتُ ريٍّ، ألا ترى أنه عطفَ عليه بقوله: ولا هيمُ، وهو جمعُ أفعلَ، فينبغي أن يكون المعطوفُ عليه مثله.
فإن قلتَ: إنَّ باب ريَّان في المعنى، كباب أفعلَ فلم لا يكون توهَّم أفعلَ فجمعه على فُعْلٍ، مثل أبيضَ وبيضٍ؟ فلا يكون ريّ مصدراً.
فإنّ ذلك لا يستقيم، ألا ترى أنه لو كان كذلك، لجاز فيه: فِعلٌ، وفُعلٌ، مثلُ لِيٍّ ولُيٍّ.
أنشد أبو زيد:
فأقسمتُ لا أحلُّ إلاّ بصهوةٍ ... حرامٌ عليَّ رملهُ وشقائقهْ
المعنى: حرامٌ عليَّ حلولُ رملِه.
وقال أوس:
فلم يكبئنُّوا مذ أتيتُ وأشرقتْ ... إليَّ وجوهٌ كالشُّنوفِ تهلَّلُ
(1/363)

التقدير: كدرِّ الشُّنوفِ، وكذلك قوله:
ولستُ بخابئٍ لغدٍ طعاماً ... حذارَ غدٍ لكلّ غدٍ طعامُ
التقدير: حذارِ حاجة ِ غدٍ، أو جوعِ غدٍ، فحذف، وجعل غداً اسماً، بدلالةِ الإضافة إليه، وكذلك قوله:
وشبِّهَ الهيدبُ العبامُ من الأقوامِ سقباً مجلَّلاً فرعا
أي مجلَّلاً جلدَ فرعٍ.
وقال أنيفُ بن جبلةَ:
أمَّا إذا استقبلته فكأنَّه ... في العينِ جذعٌ من أوالَ مشذَّبُ
أي كأنّه في مرآة العين، فحذفَ المضافَ، والذي يتعلَّقُ به الظَّرفُ ما في كأّنه من
معنى الفعل، وتعلُّقُ الظَّرفِ به كانتصاب الحالِ عنه، في البيت الذي يليه، وهو:
وإذا اعترضتَ به استوتْ أقطارُهُ ... وكأنَّه مستدبِراً متصوِّبُ
ومثل البيت الأول، في حذف المضافِ، قوله:
(1/364)

وبعينيكَ أوقدتْ هندٌ النارَ أخيراً تلوى بها العلياءُ
أي بمرآهما العلياءُ، وقوله: (فأتوا على أعين النَّاس)، أي على مرآةِ أعينهم.
وقال النابغةُ:
تطير فضاضاً بينها كلَّ قونسٍ ... وتتبعهُ منها فراشَ الحواجبِ
أي تطيرُ هذه السِّيوفُ بينها، كلَّ قونسٍ، من شدَّةِ نفاذها ومضائها، فيما يضربُ بها، وتتبعُ كلَّ قونسٍ منها، أي من إطارتها، أو تطييرها، فراشَ الحواجبِ، فحذفَ المضافَ، الذي هو التَّطييرُ، كأنَّها إذا أطارت كلَّ قونسٍ، بلغتْ إلى فراسِ الحواجبِ، فتتبعها في الإطارة، فالضميرُ في منها يجعلها للسُّيوف، ويكون تقديرُ إضافةِ المصدرِ إلى الفاعلِ، لا إلى المفعولِ، لأنَّ المفعولَ مذكَّرٌ، وهو قوله: كلَّ قونسٍ.
وقال:
قالتْ أراكَ أخا رحلٍ وراحلةٍ ... تغشى متالفَ لا ينظرنكَ الهرما
التقدير: لا ينظرنك إلى وقت الهرمِ، فحذف الوقت مثل: مقدمِ الحاجِّ،
(1/365)

ويقال: أنظرتُ زيداً إلى وقتِ كذا، وفي التنزيل: (أنظرني إلى يومِ يبعثونَ)، فلمَّا حذف الحرفَ أوصلَ الفعلَ إلى المفعولِ الثاني.
وقال كثيِّر:
إذا ما أرادت خلَّةٌ كي تزيلها ... أبينا وقلنا الحاجبيَّةُ أوَّلُ
تقديره: إذا ما أرادت ذاتُ خلَّةٍ، كي تزيلَ خلَّتها، أي مودّتها، ألا ترى أنّها هي لا تزالُ.
وقوله: الحاجبيةُ أوَّلُ أي ودُّ الحاجبيَّةِ الأوَّلُ، أي هي أولى بأن تودَّ، لسبقِ مودَّتها، فحمل الكلامَ على المضافِ المحذوف، فلذلك قال: أوَّلُ، وإن شئتَ قلتَ: أرادَ ودَّ الحاجبيَّةِ أوَّل من ودِّ غيرها، فحذفَ، كما حذفَ في قوله: (فإنَّه يعلم السِّرَّ وأخفى) أي أخفى من السِّرِّ، وكذلك قولهم: عامٌ أوَّلُ.
قال أوس:
على ضالةٍ فرعٍ كأنّ نذيرها ... إذا لم تخفِّضه عن الوحشِ عازفُ
(1/366)

أي على قوسِ ضالةٍ، وإذا لم تخفَّض عن استماع الوحش.
وقال:
وصفراَء من نبعٍ كأنَّ نذيرها ... إذا لم تخفضْه عن الوحشِ أفكلُ
تقول: خفضتُ الصَّوتَ، كما تقول: رفعتُ الصَّوتَ.
ومن حذفِ المضافِ قوله:
والمالُ يزري بأقوامٍ ذوي حسبٍ ... وقد يسوِّدُ غيرَ السَّيِّد المالُ
أي فقدُ المالِ، وقال:
وإنّي لأستحيي وفي الحقِّ مستحىً ... إذا جاء باغي العرفِ أن أتعذَّرا
أي في ترك الحقِّ، وقال:
وأهلكَ مهرَ أبيكَ الدَّوا ... ءُ ليس له في طعامٍ نصيبْ
(1/367)

أي فقدُ الدَّواء. وأمّا قوله:
وا للحاضرِ البادي إبابتهُ ... وقوَّضتْ نيَّةٌ أطنابَ تخييمِ
فالتقدير: وأبَّ لمحضرِ الحاضرِ، أو مستقرِّ الحاضرِ، أو يكون وضع اسم الفاعل موضع المصدر، كقوله:
ولا خارجاً من فيَّ زورُ كلامِ
(1/368)

أو جعلَ الحاضرَ مصدراً، كالفالج، والباطل.
ومثلُ قوله: والمالُ يزري بأقوامٍ أي فقده، في المعنى:
ربَّ حلمٍ أضاعهُ عدمُ الما ... لٍ وجهلٍ غطَّى عليه النَّعيمُ
وحكى أحمد بن يحيى: وجدانُ الرِّقين يغطِّي أفنَ الأفين.
وقال العجَّاج يذكر جملا:
كأنَّما يجلبُ أن يورَّعا
تقديره: كأنما يجلبُ التَّوريع، فجعله مثلَ مقدم الحاجِّ، وذلك أنه رأى المصدرَ، نحو خفوقَ النَّجمِ، وخلافةَ فلان ونحوه، يجعلنَ ظروفاً، وأنْ مع الصِّلةِ بمنزلتها، فجعلها مثلَها، والمعنى: كأنَّما يجلبُ إذا ورِّع، أي كأنّه إذا منع من الجري يحملُ عليه، وذلك من القوَّةِ على السَّير، ويقال: جلب على الفرس: إذا صاح به من خلفه، ومن ذلك قول الراجز:
جرجر في حنجرةٍ كالحبِّ ... وهامةٍ كالمرجلِ المنكبِّ
(1/369)

تقديره: كأسفلِ المرجلِ المنكبِّ، ألا ترى أنَّ الهامةَ ليست كالمرجلِ، وإنَّما تشبَّه الهامةُ لكبرها، بأسفلِ المرجل، الذي هو أعرضُ من أعلاه، فإنَّما جملةُ الرأسِ كجملة المرجل، في بسطِ الأسفل، وقبضِ الأعلى وتضامِّه، فأمَّا نفسُ الهامة فبمنزلةِ أسفل المرجل، ومثل هذا قول الآخرِ:
ورأسٍ كقبرِ المرءِ من آلِ تبَّعٍ ... غلاظٍ أعاليهِ دقاقٍ أسافله
وقال لبيدٌ:
حتى إذا سلختْ جمادى ستَّةً ... جزءاً فطالَ صيامهُ وصيامها
انتصب ستَّةً على الحال، والتقدير: جمادى تتمَّةَ ستَّةِ أشهرٍ، أو تكملةَ ستَّةِ أشهرٍ، وهذا في الجزء بالرُّطبِ عن الماء، قالوا: والجزءُ لا يكون إلاّ في شهرين، كقول أبي ذؤيب:
به أبلتْ شهري ربيعٍ كليهما ... فقد مارَ فيها نسؤها واقترارها
(1/370)

قال بعض شيوخنا: ومن ذهب إلى أنّ الجزءَ يكون ستَّةَ أشهر، فقد أخطأ، وأنشد غيره لحميدٍ:
رعينَ المرارَ الجونَ من كلِّ باطنٍ ... دميثٍ جمادى كلُّها والمحرَّما
فهذان شهران، كما قال أبو ذؤيب.
وقال الحارثُ بن حلِّزةَ:
زعموا أنَّ كلَّ من ضرب العي ... رَ موالٍ لنا أنَّا الولاءُ
أي أهل الولاءِ، فحذف المضافَ.
قال أحد شيوخنا: كلُّ ناتئٍ فهو عيرٌ، حتى قيل للوتد: عيرٌ، قال: وعليه فسِّر هذا البيت، أي من ضرب وتدِ الخباء، فهو موالٍ لنا. وقيل: من ضرب العيرَ: أي من ضرب يديه، إحداهما على الأخرى، أي كلُّ النَّاس. وقيل: من ضرب العيرَ: عيرَ القدم، أي كلُّ من مشى. وقيل: من ضرب العيرَ: أي من قتل كليباً، وسمَّى عيراً، لأنه كان رئيساً، فشبَّهه بعيرِ العانةِ، لأنه رئيسها، ويتصرَّفُ بأمرها، كما قال:
(1/371)

وهنَّ وقوفٌ ينتظرنَ قضاءهُ ... بضاحي عذاةٍ أمرهُ وهو ضامزُ
وأنشد أبو عبيدة:
يكادُ دفَّاه ومنكباهما ... يموِّتُ الخِربانَ من وحاهما
وهذا على حذف المضاف، تقديره: يكادُ ذو دفَّيه، وذو دفَّيه هو، فكأنه قال: يكاد هو يفعلُ كذا.
وأنشد أبو عبيدة أيضاً:
ديارُ سليمى عافياتٌ رسومها ... بلينَ بلىً لم تبلهنَّ رسومُ
قال: وجهُ الكلامِ: بلينَ بلىً لم يبلهُ رسومٌ، ولكنه احتاج.
وأنشد غيره:
وخيماتكِ اللّتي ببطنِ محسِّرٍ ... بلينّ بلنً لم تبلهنَّ ربوعُ
(1/372)

والقول في ذلك: أنه على حذف المضاف، كأنه: بلينَ بلىً، لم يبلِ بلاهنَّ، أي لم يبلَ بلىً مثلَ بلاهنَّ، فحذف المضافَ، ويكون قوله: وخيماتكِ على: ومواضع خيماتك.
وأنشد عن الأصمعيِّ
أولى فأولى يا امرَء القيسِ بعدما ... خصفنَ بآثارِ المطيِّ الحوافرَا
تقديره على ترك الاتِّساع: بآثارِ أخفافِ المطيِّ آثارَ الحوافِر، والباءُ على هذا زائدةٌ فحذف الباءَ، ووصل الفعلُ، يدلُّك على ذلك قولُ الآخر:
لا يخصفون لهم نعلا
وأنشد أبو عبيدة:
مرَّت بنا في نِسوةٍ خولةٌ ... والمسكُ من أردانها فائحةْ
التقدير: ورائحةُ المسكِ، فحذف المضافَ، وحمل الكلامَ عليه، كما حمل أوسٌ
(1/373)

عليه، في قوله:
وآثارُ نسعيها من الدَّفِّ أبلقُ
حمل أبلق على موضعِ المحذوف.
وأنشد أبو زيد:
أقسمتُ أشكيكِ من أينٍ ومن نصبِ ... حتى ترى معشراً بالعمِّ أزوالا
أي حتى ترى معشراً برؤية العمِّ، كقوله:
تجيء به هيفٌ يمانيةٌ
أي تجيء بمجيئه هيفٌ، وكذلك قوله بعدُ:
فلا محالةَ أن تلقى بهم
أي تلقى بلقائهم رجلاً من شأنِه.
(1/374)

وقد يجوز في قوله: حتى ترى معشراً بالعمِّ، أي حتى ترى العمَّ، كقوله:
جازتِ القومَ إلى أرحلنا ... آخر اللَّيلِ بيعفورٍ خدرْ
وكقوله:
بنزوةِ لصٍّ بعدما مرَّ مصعبٌ ... بأشعث لا يفلى ولا هو يقملُ
(1/375)

وقولِه:
إذا ورِّعتْ أن تركبَ الحوضَ كسَّرتْ ... بأركانِ هضبٍ كلَّ رطبٍ وذابلِ
فأركانُ هضبٍ هيَ هيَ، وهذا النَّحوُ كثيرٌ.
ولا يجوز في قوله:
فلا محالةَ أن تلقى بهم رجلاً
إلاّ على ما ذكرناه، من أنّك تلقى بلقائهم رجلاً، لأنّ المجرورَ بالباء جميعٌ، ورجلٌ مفرد، والمعشر والعمُّ، كلُّ واحدٍ منهما جماعةٌ.
وأنشد محمد بن السَّريّ:
ومهمهٍ طامسِ الأعلامِ في صخبِ الأصداءِ مختلطٍ بالتُّربِ ديجوجِ
الأصمعيُّ: في ليلٍ صخبِ الأصداء: أي كثيرِ صوتِ الصَّدى.
(1/376)

قال أبو عليّ: تقديره: طمستْ أعلامه في صخب الأصداء، والمعنى: في ظلمةِ صخبِ الأصداء، أي في ظلمةِ ليلٍ صخبِ الأصداء، فأقام المضافَ إليه مقامَ المضاف، والصَّفةَ مقام الموصوف، ومثل ذلك في المعنى قولُ الآخر:
ألا طرقتْ ليلى بنيَّنَ بعدما ... طلى اللَّيلُ بيداً فاستوتْ وإكاما
أي غشيته الظُّلمةُ، فصارَ البيدُ والإكامُ سواءً، في مرآة العين، فكذلك طمستْ أعلامُ هذا المهمه، للظُّلمة.
وقوله: مختلطٍ بالتُّرب تقديره: مختلطةٌ ظلمتهُ بالتُّرب، فحذف المضافَ، الذي هو الظُّلمة، واقام المضافَ إليه مقامَ المضاف، فصار في اسم الفاعلِ ضميرُ صخب الأصداء الذي هو صفةُ ليلٍ المحذوف، ومثل ذلك في المعنى قوله:
ودوِّيَّةٍ مثلِ السّماءِ اعتسفتُها ... وقد صبغَ الليلُ الحصى بسوادِ
ألا ترى أنّ صبغه للحصى، إنما هو ما غشيه من ظلمته.
(1/377)

وقال أبو ذؤيبٍ، يشبِّه الظَّبيَ بالودع:
كأنَّ الظِّباَء كشوحُ النِّسا ... ءِ يطفونّ فوقَ ذراه جنوحا
فوق ذراه: أي فوق ذرى هذا السَّيل، وذراه: أعليه، قالوا: والكشوح: أمثالُ الوشحِ تعملُ من ودعٍ، فإذا كان كذلك، فالتقدير: كأنّ الظِّباء ودعُ كشوحِ النِّساء، فحذف المضاف.
أنشدوا:
ويومٍ من الشِّعرى تظلُّ ظباؤهُ ... بسوقِ العضاهِ عوَّذاً ما تبرَّحُ
أي: ويومٍ تظلُّ ظباءه من حرِّ الشِّعرى، أي من حرِّ طلوعه بسوقِ العضاه، أي بظلِّ سوقِ العضاه.
وقال الرَّاعي:
رعينَ قرارَ المزنِ حيثُ تجاوبتْ ... مذاكٍ وأبكارٌ من المزنِ دلَّحُ
التقدير: حيث تجاوبّ رعدُ مذاكٍ وأبكارٍ، والمذاكي: المسانُّ، وهي التي قد مطرتْ مرَّةً بعد مرَّةٍ، والأبكارُ: التي مطرتْ مرَّةً واحدةً.
(1/378)

أنشد يعقوبُ:
ولا يحلُّ إذا ما حلَّ معتنزاً ... يخشى الرَّزيَّةَ بين الماءِ والبادي
إن أراد بالبادي، الفاعل، نحو الذي في قوله عزّ وجلّ: (سواءٌ العاكفُ فيه والبادي)، فالمضافُ من الأول محذوفٌ، تقديره: بين أهلِ الماءِ والبادي، وإن أرادَ بالبادي، الباديةَ، فحذف التاءَ للقافية، كان الكلامُ على ظاهره.
-
(1/379)

باب من
الصِّلات والأسماء الموصولة
قال الشاعر:
وكيف أرهبُ أمراً أو أراعُ به ... وقد زكأتُ إلى بشرِ بن مروانِ
فنعمَ مزكأُ من ضاقتْ مذاهبهُ ... ونعم من هو في سرٍّ وإعلانِ
القولُ في الظَّرف: أنّه متعلِّقٌ بنعم، وذلك أنه لا يخلو من أن يكونَ خبرَ هو في الصِّلةِ، أو يكون متعلّقاً بنعم، فلا يجوز أن يكون متعلِّقاً بمحذوف، على أن يكون في موضعِ خبر هو التي في الصِّلة، لأنَّ التقديرَ قبلَ كونِ الكلامِ صلةً، يكون: هو في سرٍّ وإعلانِ، وهذا لا معنى له، فإذاً المعنى: كرمَ الانسانُ في سرِّه ةعلانيته، أي ليس ما يفعله من الخير لتصنُّعٍ، فيفعل الخير في السرِّ، كما يفعله في العلانية.
وإذا كان كذلك احتاج هو إلى جزءٍ آخرَ، حتى تستقلَّ الصِّلةُ، وذلك الجزءُ
(1/380)

ينبغي أن يكون: الذي هو مثله، ولا يكون: الذي هوَ هوَ، لتكون الصِّلةُ شائعةً، فلا تكون من مخصوصةً، لأنها فاعلُ نعم.
فإنّ قدرتَ: الذي هوَ هوَ، وأنت تريدُ: الذي هو مثله، فتحذفُ المضافَ، فيصير الذي هوَ هوَ، معناه: مثله، جازَ أيضاً.
وقد يجوزُ في القياسِ أن تجعلَ من نكرةً، فإذا جعلتْ نكرةً، احتاجت إلى صفةٍ، فتكون الجملةُ التي قدَّرتها صلةً لها، مقدَّرةً صفةً، ويكون المقصودُ بالمدح مضمراً، لأنَّ ذكره قد جرى، كما جرى ذكرُ أيُّوبَ، قبل قوله: (نعم العبدُ)، فاستغنى بذلك عن ذكرِ ما يخصُّه بالمدحِ وإظهارهِ.
ويجوز في القياس أن تجعلَ من نكرةً، ولا تجعلَ له صفةً، كما فعلَ ذلك بما، في قوله: (فنعمَّا هيَ)، فإذا جعلتها كذلك، كان كأنّه قال: فنعم رجلاً، فيكون موضعُ من نصباً، ويكون هو كنايةً عن المقصودِ بالمدح.
ووجه القياس في الحكم على من أنها نكرةٌ غيرُ موصوفة، أنهم جعلوا ما بمنزلة شيءٍ، وهو أشدُّ إشاعةً وإبهاماً من منْ، فإذا جاز ألاّ توصفَ، مع أنّها أشدُّ إبهاماً من
(1/381)

منْ، كان ألاّ توصفَ منْ أجوزَ، لأنّها أخصُّ منها، فيصير كأنه قال: نعم رجلاً هو، لأنّها تخصُّ الناسَ ومن أشبههم، كما كانت ما تعمُّ الأشياءَ، إلاً أنَّا لم نعلمهم في الاستعمال، تركوا منْ بغير صفة، كما تركوا ما غيرَ موصوفةٍ في الخبر، نحو التّعجُّب، والآية التي تلوناها.
وقال الفرزدق:
أحموا حمىً بطعانٍ ليس يمنعهُ ... إلاَّ رماحهمُ للموتِ من حانا
تقديره: أحموا حمىً ليس يمنعه إلاّ رماحهم بطعانِ من حانَ، ففصل بقوله: ليس يمنعه إلاَّ رماحهم، وهو صفةٌ للحمى، بين المصدرِ ومعموله، وهو أجنبيٌّ منهما.
وطعانٌ: مصدرُ طاعنَ، ومفعوله من حانَ، ويستقيم أن تجعلَ طعان جمعَ طعنٍ، أو طعنة، فتعملّه وإن جمعته، كما تعملُ الجمعَ، في نحو: مررتُ برجلٍ حسانٍ قومُه، ونحو:
مهاوينَ أبدانَ الجزورِ
(1/382)

والأَّولُ أشبهُ.
فأمّا قوله: للموتِ فيجوز حمله على أمرين، أحدهما: أن يكون متعلِّقاً بمحذوف، في موضع حالٍ، لقوله: رماحهُم، كأنّه قال رماحهم لأحداث الموت.
والآخر: أن تجعله تبييناً لمن حانا، كقوله: (إنّي لكما لمن الناصحين)، ونحوه.
(1/383)

أنشد التَّوَّزيُّ، عن أبي زيد:
ماذا يغيرُ ابنتي ربعٍ عويلهما ... لا ترقدان ولا بؤسي لمن رقدا
القول في عويلهما أنه لا يخلو من أن يكون مرتفعاً بيغيرُ، أو يكون بدلاً، فإن ارتفع بأنه فاعلُ يغير، وجب أن ينتصبَ ماذا إذا جعلتَهما اسماً واحداً، بيغير، وقد
انتصبَ به ابنتا ربعٍ، فتكون قد عدَّيتَ يغيرُ إلى مفعولين.
وإن جعلت ذا بمنزلةِ الذي، والفاعل عويلهما، وجب أن يكون في يغيرُ ضميرٌ منصوبٌ، يعود إلى الذي، ويرتفع ما بالابتداء، فيتعدَّى يغيرُ إلى هذا الضَّمير، وإلى الابنتين، لابدَّ من ذلك، لأنه لا يجوز أن يتضمَّن ضميراً مرفوعاً، لارتفاع الظَّاهرِ به، وذلك خطاٌ أيضاً، لأنه لا يتعدَّى إلى مفعولين، فإذا لم يجز ذلك، وجب أن تجعلَ العويل بدلاً، إمَّا من المضمَر في يغيرُ، وإمَّا من ما، أو من ماذا إذا جعلته مع ما اسماً واحداً، فلا يجوز أن يكون بدلاً من واحدٍ منهما، لأنه لو كان كذلك، لوجب أن يُذكرَ حرفُ الاستفهام، كما تقول: كم مالكَ؟ أعشرون أم ثلاثون؟ ولو لم تذكر الحرفَ، لم يجزْ.
(1/384)

فإن قلت: يكون مثلَ قوله:
أتونِي فقالوا من ربيعةَ أو مضرْ
فالقول: أنه لا يكون مثله، لأنَّ ما بقيَ من حرف الاستفهام قد يدلُّ على المحذوف، وليس في البيت كذلك.
فإذا لم يجز البدلُ من هذين، وجب أن يكون َ من الضَّمير.
فإن جعلتَ ما وذا اسماً واحداً، صار موضعهما رفعاً بالابتداء، والضَّمير الذي في يغيرُ عائدٌ إليهما، كما يعود إلى خمسة عشرَ، ونحوه.
وإن جعلتَ ما استفهاماً، وذا بمنزلة الذي، فالضَّميرُ الذي في يغيرُ عائدٌ إلى ذا الذي بمنزلة الذي، والابنتان مفعولتا هذا الضَّمير، والعويلُ بدلٌ منه، في الوجهين جميعاً، لأنَّ ذا يقع على جميع ما يشارُ إليه، فيستقيم أن يكون العويلُ بدلاً منه، كما يبدلُ الشيءُ من الشيءُ، إذا كان إيَّاه، وكذلك إذا جعل ما وذا اسماً واحداً، جاز البدلُ، لأنَّ ما في جواز وقوعها على الأجناسِ المختلفة، مثلُ ذا.
قال التَّوَّزيُّ، أحسبهُ عن أبي زيد: يقال: غارَ بني فلانٍ، لينصرهم وينصروه.
قال لبيدٌ:
وهمُ العشيرةُ أن يبطِّىَء حاسدٌ ... أو أن يلومَ مع العدى لوَّامها
(1/385)

موضع أن نصبٌ، والمعنى: كراهةَ أن يبطِّىءَ حاسدٌ، وعلى قول البغدادييِّن: لأنْ لا يبطِّىء حاسدٌ، والعاملُ فيها ما في العشيرةِ من معنى الفعل، كأنّه: وهمُ النُّصَّارُ كراهةَ، لأنّ العشيرةَ تنصرُ وتعينُ، فتكون يداً واحدةً على من ناوأهم.
ومعنى أن يبطِّىءَ حاسدٌ: أي يبطئهم حاسدٌ، يريد أنهم ينصرون ويعينون، فلا يخذلون، كراهةَ أن ينسبهم حاسدٌ إلى البطء والتَّثاقلِ عن النُّصرةِ، فيكونوا في ذلك كمن ذمَّ بقوله:
بطئٍ عن الداعي سريعٍ إلى الخنا
وبقولِ الآخر:
يداكَ عن المولى ونصركَ عاتمُ
فحذف المفعولَ، كما يحذفُ في غير هذا، ولحذفِ المفعولِ هنا مزيَّةٌ في الحسنِ،
(1/386)

لأنَّها في صلة أن، فيشبه حذفَ المفعول، في نحو: (أهذا الذي بعث اللهُ رسولا)، ومثلُ هذا قولهم: أذكرٌ أن تلدَ ناقتكَ أحبُّ إليكَ أم أنثى؟ وفي التنزيل: (وإنَّ منكمْ لمن لبيطِّئنَّ) أي يتثاقل عنكم، ويتقاعدُ ويحملُ غيره على مثل ذلك، فلا ينفرُ معكم ويثبِّطُ غيره، ألا ترى قوله: (فإن أصابتكم مصيبةٌ قال قد أنعمَ الله عليَّ إذ لم أكنْ معهمْ شهيداً).
وقوله:
أو أن يلومَ مع العدى لوَّامها
الضميرُ في اللُّوَّام يرجع إلى العشيرة، وهذا عكسُ قوله تعالى: (الَّذي خلق. خلقَ الانسانَ)، لأن قوله: (خلقَ الانسانَ) خصوصٌ بعدَ عموم، وقوله: أو أن يلومَ عمومٌ بعد خصوص، ألا ترى أن التَّبطِّئ ضربٌ ممَّا يستحقُّ به اللَّومُ، واللَّومْ
يشمله وغيره.
وقد رأيتُ بعضَ من يتعاطى البلاغةَ يعيبُ هذا النَّحوَ، وإذا جاء في مثلِ هذا الشِّعر، هذا الذي أنكره، وفي التَّنزيل، ثبت أنه ليس بموضع عيبٍ.
(1/387)

البغداديُّون ينشدون:
عدسْ ما لعبَّادٍ عليكِ إمارةٌ ... نجوتِ وهذا تحملينَ طليقُ
ويستدلُّون به على أنَّ ذا بمنزلة الذي، وأنه يوصلُ، كما يوصلُ الذي، فيجعلون تحملين صلةً لذا، كما يجعلونه صلةً للذي.
ويحتملُ قوله: تحملين أمرين، لا يكون في واحدٍ منهما صلةً، أحدهما: أن يكون تحملين صفةً لموصوفٍ محذوف، تقديره: وهذا رجلٌ تحملين، فتحذفُ الهاءَ من الصِّفة، كما حذفت من قولك: الناس رجلان: رجلٌ أكرمتُ، ورجلٌ أهنتُ، وكقوله:
وما شيءٌ حميتَ بمستباحِ
(1/388)

أي حميته.
والآخر: أن يكون صفةً لطليق، فقدِّمتْ فصارت في موضعِ نصبٍ على الحال.
فإذا احتمل غيرَ ما تأوَّلوهمن الصِّلة، لم يكن على الحكمِ بأنَّ ذا والأسماءَ المبهمةَ توصلُ كما يوصلُ الذي، دليلٌ، وكذلك ما استشهدوا به، من قوله عزّ وجلَّ: وما تلك بيمينكَ يا موسى)، وتأوَّلوه على أنّ المعنى: وما التي بيمينك، في الموضعين جميعاً، ما في الاسم المبهم من معنى الفعل.
ولا يجيز سيبويه أن يكون ذا بمنزلة الذي إلاّ إذا كانت مع ما في نحو: ماذا قلت؟ فيقول: خيرٌ، كأنه قال: ما الذي قلتَ؟ فقال: خيرٌ، أي الذي قلتُه خيرٌ، وعلى هذا قولُ لبيدٍ:
ألا تسألانِ المرَء ماذا يحاولُ ... أنحبٌ فيقضى أم ضلالٌ وباطلُ
(1/389)

كأنه قال: ما الذي يحاوله؟ الَّذي يحاوله نحبٌ أم ضلالٌ؟ ولو كان (ذا مع ما في البيت اسماً واحداً، كما كان كذلك في قوله: (ماذا أنزل ربُّكم قالوا خيراً) لكان النَّحبُ نصباً.
قال:
ولقد رأبتُ ثأي العشيرةِ كلِّها ... وكفيتُ جانيها اللَّتيَّا والَّتي
اللَّتيَّا والَّتي، على تأنيثِ الدَّاهية، وصغِّر كما صغِّر في قوله:
(1/390)

دويهيةٌ تصفرُّ منها الأناملُ
فاصفرارُ الأناملِ يكون من أكبر الدَّواهي، لأنه يحدث عندَ الموت، وهذا يدلُّ على أنَّ التَّحقيرَ قد يعنى به تعظيمُ الأمرِ.
فإن قلتَ: ما تنكرُ أن يعنى: كفيتُ الخلَّةَ الهيِّنة، فكيفَ بما فوقها؟
فإنّض ذلك يبعد، لأنه قد قال: جانيها، والأمرُ الهيِّنُ لا يكاد يسمَّى فاعله جانياً، ومع ذلك فإنه قد حذفت الصِّلةُ، وهذا الحذفُ إنما يكون لتفخيمِ الأمر، وأنَّ عظمه معروفٌ، ومثلُ ذلك حذفُ الأجوبة، في نحو: (ولو ترى إذِ الظَّالمون في غمراتِ الموتِ).
ويقرب من هذا التحقير والتقليل، أنه يرادُ به الكثرةُ، قوله:
قد أتركُ القرنَ مصفرَّاً أناملهُ ... كأنَّ أثوابه مجَّتْ بفرصادِ
(1/391)

وقوله:
وإنَّا لممَّا نضربُ الكبشَ ضربةً ... على رأسهِ تلقِي اللِّسانَ من الفمِ
هذا موضعٌ، التكثيرُ فيه أليقُ، وبه أولى. فكأنَّ اللَّفظَ على التقليل، والمرادُ التكثير، وكذلك قولُ الآخر:
ربَّما أوفيتُ في علمٍ ... ترفعنْ ثوبي شمالاتُ
(1/392)

هذا موضعُ تكثيرٍ، ألا ترى الآخرَ يقولُ:
ربَّاءُ شمَّاَء لا يأوي لقلَّتها ... إلاَّ السَّحابُ وإلاَّ الأوبُ والسَّبلُ
وفعَّالٌ للكثرة.
وممَّا يجوز أن يكون على حذف الصِّلة، قول الأسودِ بن يعفر:
ليسوا بأنذالٍ ولا بأشابةٍ ... فيما ينوبُ القومَ لا باللاّتِ
قيل: اللاّت: الصَّنمُ، كأنّه حلف به.
ويمكن أن يكون المعنى في قوله: لا باللاَّتِ: لا بالفرقة اللاّاتي يبتغى بهم بدلٌ،
(1/393)

فحذفَ الصِّلةَ، للدَّلالةِ عليها، لأنَّ قبلَ هذا البيت:
لا أبتغي عنهم ولا أشريهمُ ... حتَّى يلاقيني حمامُ مماتي
وقال الأسودُ:
شطَّتْ نوى تنهاةَ من أن توافقا ... فبانت فشاقَ البينُ من كان شائقا
فاعلُ كان البينُ، تقديره: من كان البينُ شائقه، والذِّكرُ المقدَّرُ في اسم الفاعل، المحذوفُ، عائدٌ إلى الموصول، وحذفه من اسم الفاعل، كما يحذف من الفعل، في نحو: أهذا الذي بعث الله رسولا، وليس ذلك بالكثير، ومثله ما أنشدَ ثعلبٌ:
ألمْ يأتكَ الرُّكبانُ قبلي بمجدهمْ ... فلم أقضِ إلاَّ بالذي أنت عالمُ
يريد: عالمه، أو: عالمٌ به.
أنشد أبو زيد:
فقلتُ له لا والّذي حجَّ حاتمٌ ... أخونكَ عهداً إنَّني غيرُ خوَّانِ
قوله: لا والَّذي حجَّ حاتمٌ يحتمل الذي ضربين: إن عنى بالذي: الكعبةَ،
(1/394)

فذَّكر، على إرادةِ البيتِ، كما يقولون: والكعبةِ، والبيتِ، والمسجدِ الحرام، فالضميرُ في حجَّ محذوفٌ، لأنَّ هذا الفعلَ متعدٍّ، يدلُّك على ذلك قوله عزَّ وجلَّ: (فمن حجَّ البيتَ أو اعتمرَ)، فالمعنى: الذي حجَّه حاتمٌ.
وإن عنى بالذي، الله سبحانه، فالتقدير: لا والذي حجَّ له حاتمٌ، فحذف له من
الصِّلة، وهذا النحوُ من الحذفِ من الصِّلات، قد جاء في الشعر، من ذلك قوله:
ناديتُ باسمِ ربيعةَ بنِ مكدَّمٍ ... إنَّ المنوَّه باسمه الموثوقُ
فقال: الموثوقُ، وحذف به.
وقال النابغةُ:
والمؤمنِ العائذاتِ الطَّيرَ يمسحها ... ركبانُ مكَّةَ بينَ الغيلِ والسَّندِ
(1/395)

من كانت الكسرةُ عنده جرَّةً، على: هذا الحسنُ الوجهِ، جرَّ الطَّير، لأنَّ العائذاتِ مجرورةٌ، ومن كانت الكسرة عنده في موضع نصبٍ، على قولك: الضاربُ الرجلَ، نصب الطَّيرَ.
والطَّيرُ في هذا الموضع، بدلٌ، أو عطفٌ، وإنما كان حدَّه: والمؤمنِ الطَّيرَ العائذاتِ، أو الطَّيرِ العائذاتِ، فقدَّم العائذات، وأخَّر الطَّيرَ، كقول عمرانَ:
إن أنت لم تبقِ لي لحماً ولا لبناً ... ألفيتني أعظماً في قرقرٍ قاعِ
وكقول الآخر:
مثلُ الغمرِ القعبِ
وقولِ الآخر:
وبالقصير العمرِ عمراً حيدرا
يريد: في قاعٍ قرقرٍ، وبالعمرِ القصير.
والمؤمنُ: هو الله عزَّ وجلَّ، وهو اسمُ الفاعل من آمن، كما قال تعالى: (الَّذي أطعمهمْ من جوعٍ وآمنهمْ من خوفٍ أي آمنهم من الخوفِ، لكونهم في الحرم، وحلولهم فيه.
(1/396)

قال ذو الرُّمَّة:
وأنت الذي اخترتُ المذاهبَ كلَّها ... بوهبينَ إذ ردَّتْ عليَّ الأباعرُ
العائدُ من الصِّلةِ إلى الذي محذوفٌ، وهو المفعولُ الأوَّلُ لاخترتُ، والمفعول الثاني
المذاهبَ، فحذفِ حرفُ الجرّ، فوصلِ الفعلُ، ومثله قولُ العجَّاج:
تحت التي اختار لهُ اللهُ الشَّجرْ
المعنى: التي اختارها لهُ من الشَّجر، فلمَّا حذفَ الجارَّ، وصل الفعلُ إلى الشَّجر وإلى المذاهب في بيت ذي الرُّمَّة.
أنشد أحمد بن يحيى:
مقاديمكمْ فينا وفينا دماؤنا ... فأدُّوا الذي استودعتُ والعِرضُ أوفرُ
تقديره: الذي استودعته إيَّاكم، فحذف المفعولَ من الصِّلة، فاتَّصل المفعولُ الثاني بالفعل الذي في الصِّلة، فحذفه، وإن لم يكن راجعاً إلى الموصول، وحقُّ المحذوف من الصِّلة أن يكون الموصولَ في المعنى، وإنما استجزتَ حذفَ المفعولِ من الصِّلة، وإن لم يكن راجعاً إلى الموصول، لأنه موضعٌ قد حذف منه المفعولُ كثيراً، يدلُّ على جواز هذا الوجهِ
(1/397)

قولُ كثيِّرٍ:
وإنَّ ابنَ ليلى فاهَ لي بمقالةٍ ... ولو سرتُ فيها كنت ممَّن ينيلها
ومثله من الحذف: (من يصرفْ عنهُ يومئذٍ).
وإن شئتَ قلت في البيت: إنه حذف المفعولين جميعاً، كما حذفا في قوله: (أين شركائيَ الذين كنتمْ تزعمونَ).
وأنشد بعضُ البغداديِّين لحميد بن ثور:
أأنتَ الهِلاليُّ الذي كنتَ مرَّةً ... سمعنا به والأرحبيُّ المعلَّفُ
قال: أراد: وهذا الأرحبيُّ المعلَّفُ، فأضمرَ، وقد يجوز أن يكون المعنى: أأنت الهلاليُّ، وصاحبُ الأرحبيِّ، فحذف المضافَ.
(1/398)

وفي هذا البيت أنه قال: الذي كنتَ مرَّةً سمعنا به، فحمل بعضَ الصِّلة على الخطاب، وبعضه على الغيبة.
ويدلُّ على أنَّ الأصلَ عندهم، في أنا الذي فعلتُ: أنا الذي فعل، أنَّ قولهم: أنا
الذي فعلتُ، محمولٌ على المعنى، والمرادُ في الأصل: فعلَ، إلاَّ أنه لمَّا كان الضميرُ الذي في فعلتُ، محمولٌ على المعنى، والمرادُ في الأصل: فعل، إلاّ أنه لمّا كان الضميرُ الذي في فعلتُ، هو الذي في المعنى، كما أنَّ ضميرَ الغيبة هو هو في المعنى، وكلاهما المخاطبُ، اتَّسعَ، فوضعَ لفظَ المتكلِّم موضع لفظِ الغيبة.
وأنشد أبو عبيدة، البيتَ على غير إنشاد البغداديين، فأنشد:
أأنت الذي قال الذي قيل والذي ... بعيرك هذا الأرحبيُّ المعلَّفُ
فعلى هذا الإنشاد أيضاً، بعضُ الصِّلة على اللَّفظ، وبعضه على المعنى، ومثل ذلك في كونها على الوجهين، ما أنشده أبو زيدٍ وأبو عبيدة:
نحن الذين صبَّحوا صباحا ... فلم ندعْ لسارحٍ مراحا
فأمَّا قولُ الآخر، أنشده أبو عبيدة:
أنا الذي انتشلتها انتشالا ... ثمّ دعوتُ فتيةً أزوالا
(1/399)

فالصِّلةُ فيه محمولةٌ على المعنى، ولا حملَ فيه على اللَّفظ، وكذلك قولُ الآخر:
وأنا الذي قتَّلتُ بكراً بالقنا ... وتركتُ تغلبَ غيرَ ذاتِ سنامِ
وكذلك قول جريرٍ:
نحن الذين هزمنا جيشَ ذي نجبٍ ... والمنذرين اقتسرنا يومَ قابوسٍ
وكذلك قولُ الآخر:
أنا الذي فررتُ يومَ الحرَّةْ
فهذا كلُّه محمولٌ على المعنى فقط.
وقال الفرزدق:
وإنّي لرامٍ نظرةً قبلَ الَّتي ... لعلي وإن شطَّت نواها أزورها
(1/400)

جاء الصِّلةُ غيرَ الخبر، والصِّلةُ لا تكونُ إلاَّ خبراً، كما أنَّ الصِّفة كذلك.
فإن قلت: فقد جاء من الموصولةِ ما وصلَ بغير الخبر، نحو ما قالوه، من قولهم:
كتبتُ إليه أنْ قمْ، وبأنْ قمْ.
فإنَّ ذلك، وإن جاء في أنْ لا يستقيم في الذي، ونحوه من الأسماء، لأنَّ الذّي يقتضي الإيضاح بصلته، وليست أن كذلك، ألا ترى أنها حرفٌ، وأنَّه لا يرجعُ إليها ذكرٌ من الصِّلة. وهذا وإن جاء في هذا البيت، فإنَّ النحويِّين يجعلون لعلَّ كليتَ، في أنَّ الفاءَ لا تدخلُ على خبرها، فلا يجيزون: لعلَّ الذي في الدارِ فمنطلقٌ، كما لا يجيزون ذلك في ليت.
فإن قلت: أحملُ لعلَّ على المعنى، لأنه طمعٌ، فكأنه قال: أطمعُ في زيارتها.
قيل لك: فصلهُ أيضاً بليت، وقل: المعنى: الذي أتمنَّى، وصله بالاستفهام، والنِّداء، وجميعِ ما لم يكن خبراً، وقل: المعنى: الذي أنادي، والذي أستفهم. فهذا لا يستقيم.
فإن قلت: أراد بأزورها التقديمَ، فكأنه قال: التي أزورها.
(1/401)

فإنَّ ذلك لا يستقيمُ أيضاً، لأنه واقعٌ موقع الخبر، وتقديم الخبر على لعلَّ لا يستقيم.
والوجهُ فيه: أنَّه لمَّا جرى أزورها خبراً للعلَّ، سدَّ أزورها مسدَّ الصِّلةِ، التي يجب أن تكون خبراً، فكأنه أراد: التي أزورها، فأغنى ذكرُ أزورها خبراً للعلَّ، عن ذكرهِ لها قبل لعلَّ، والمعنى على التقديم، وأشبه هذا قولهم: لو أنَّ زيداً جاءني، في أنَّ الفعلَ الجاريَ في الصِّلة، سدَّ مسدَّ الفعلِ الذي يقعُ قبل أنَّ بعد لو، ولولا هذا الفعلُ لم يجز، ألا ترى أنَّه لا يجوزُ: لو مجيئكَ، فكذلك سدَّ ذكرهُ بعد لعلِّي مسدَّ ذكره قبل لعلِّي، فهذا وجهه، ولا ينبغي أن يقاس على هذا، ولا يؤخذَ به، وكأنَّ الذي حسَّنَ هذا طولُ الكلام، وذكرُ الجزاءِ في الصِّلة، وقد رأيتَ طولَ الصِّلةِ يجوزُ فيه ما لا يجوزُ إذا لم تطلْ.
ويجوز فيه شيءٌ آخر: وهو أن تقدِّر قبلَ لعلِّي فعلاً، وتحذفه لطولِ الكلام، فتكون الصِّلةُ الفعلَ الذي هو: أقول فيها، وهو خبرٌ، لا إشكالَ فيه، وحسنَ الحذفُ لطلِ الكلامِ.
وقال الفرزدق:
فحقُّ امرئٍ بين الوليدِ قناتهُ ... وكندةَ فوقَ المرتقى يتصعَّدُ
تقديره: أن يتصعَّدَ، فحذف أنْ، كما قال جريرٌ:
نفاك الأغرُّ ابن عبدِ العزيزِ ... وحقُّكَ تنفى من المسجدِ
(1/402)

أي حقُّكَ أن تنفى.
والمعنى: يتصعَّدُ فوق المرتقى، فتقدُّمُ فوق كتقدُّمِ الجارِّ، في نحو قوله:
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
أو بمنزلةِ قوله تعالى: (يومَ يرونَ الملائكةَ لا بشرى يومئذٍ للمجرمينَ)، والظَّرفُ بمنزلةِ الجارِّ والمجرور، لأنَّ الجارَّ مرادٌ معه، يدلُّك على ذلك ردُّهم له في الكناية.
والدَّليلُ على أنّ أنْ في هذا النَّحو، بمنزلةِ المثبت في اللَّفظ، ما جاء من قولهم: لأنْ تسمعَ بالمعيديّ خيرٌ من أنْ تراه، وحذفوا أنْ) من هذا الكلام، فقالوا: تسمعَ بالمعيديّ خيرٌ من أنْ تراه فلولا أنَّ أنْ في حكم المثبت، لم يجز هذا الكلامُ، ألا ترى أنّك لا تخبر عن الجمل، ويدلُّك على ذلك أيضاً قولهم: تسمعُ بالمعيديِّ لا أن تراه، فلولا أنَّ أنْ محذوفةً، مثلها مثبتةً، ما جاز أن تعطفَ على تسمعُ الذي هو فعلٌ، بالاسم.
ويدلُّ على أنها محذوفةً في هذا النحو، بمنزلتها مثبةً، أن أبا عثمان قد حكى عن ابن قطربٍ، عن أبيه، أنه سمع من العرب من يقول:
(1/403)

ألا أيُّهذا الزَّاجري أحضرَ الوغى
بالنَّصب، فلولا أنّها في حكم الإثبات، لم تنصب الفعل، وقد حكى أحمدُ بن يحيى، ثعلبٌ، نحو ذلك، فقال: خذ اللصَّ قبلَ يأخذك وحكى أبو الحسن نحو ذلك.
وقد جاء حذفُ أنْ من الكلام، وما بعده مسندٌ إلى الفعل، أنشد أحمد بن يحيى، عن
ابنِ الأعرابيّ:
وما راعنا إلاَّ يسيرُ بشرطةٍ ... وعهدي به فينا يفشُّ بكيرِ
(1/404)

وقال الفرزدق:
فإنَّ ارتداد الهمِّ عجزٌ على الفتى ... عليه كما ردَّ البعيرُ المقيَّدُ
تقديره: فإنَّ ارتداد الهمِّ على الفتى، عجزٌ عليه، وعجزٌ خبر الارتداد، وقد فصل به بين المصدرِ وصلتهِ، وليس هذا في الحسنِ، كما في التنزيل: (لمقتُ اللهِ أكبرُ من مقتكمْ أنفسكمْ إذ تدعونَ إلى الإيمانِ)، لأنَّ الظَّرفَ في هذه المواضعِ أسهلُ من غيره، فكأنَّه شبَّه هذا بالظَّرفِ، من حيث كان معه الجارُّ، ألا ترى أنَّك تقول: سيرَ بزيدٍ سيرٌ شديدٌ، فتقيم أيُّهما شئتَ مقامَ الفاعل، فلولا أنَّ الجارَّ والمجرور ينزَّلُ منزلة الظَّرف، دون المفعول، لم يجز أن يسندَ الفعلُ إلى المصدر، مع المفعول به.
وعليه وصفٌ للعجزِ، فهو متعلِّقٌ بمحذوف، وفيه ذكرٌ يعودُ عليه، ومثلُ هذا في المعنى ما أنشده أحمدُ بن يحيى:
إذا الهمُّ أمسى وهوَ داءٌ فأمضهِ ... ولستَ بممضيهِ وأنت تعادلهْ
(1/405)

أنشدنا محمدُ بن السَّريّ:
من النَّفرِ اللاَّئي الذين إذا همُ ... يهابُ اللِّئامُ حلقةَ الباب قعقوا
اعلم أنه لا يجوز أن يكون الذين صلة اللائي، كقولك: الذي في داره زيدٌ عمروٌ، لأنه ليس في ظاهرِ صلةِ الذين ما يرجع إلى اللائي، وقد جاء في التنزيل وصلُ الموصولِ بالموصول، على ما يحمل النحويُّون عليه مسائلَ هذا الباب، زعموا أن بعض القرَّاء قرأ (فاستغاثهُ الَّذي من شيعتهُ).
فأمَّا همْ في البيت، فإنه يرتفع بمضمرٍ، يفسِّره قعقعوا، والشَّرطُ قعقعوا المتأخِّرُ، والتَّقدير، إذا أظهرتَ المضمرَ الذي ارتفع عليه الضمير: إذا قعقعوا قعقعوا، لأنَّ
الضميرَ يتَّصل بالفعلِ المضمر إذا أظهرته.
ولا يجوز أن يكون الشَّرطُ يهابُ، لأنه لا يجوزُ أن يفسِّرَ ما ارتفع عليه هم، وإنما يفسِّره قوله قعقعوا، والتقدير: إذا قعقعوا حلقةَ الباب، هابَ اللِّئامُ دقَّها، لأنهم ليسوا على ثقةٍ من الإذن لهم، كما يثق هؤلاء النَّفرُ الرؤساءُ، بأنهم يؤذنُ لهم.
(1/406)

فقعقعوا وإن كان مؤخَّراً في اللفظ، مقدَّمٌ في التَّقدير، بدلالةِ أنه لا يخلو من أن تجعلَ الشرطَ إذا يهابُ أو إذا قعقعوا، فلا يجوز أن تجعل الشَّرطَ يهابُ، لأنه لا يفسِّرُ ما ارتفع عليه هم كما يفسِّره قعقعوا، ألا ترى أنه مشتغلٌ بظاهرٍ، فإذا كان كذلك، لم يجز من جهةِ اللَّفظ، وإن لم يمتنع من جهة المعنى أن تقول: إذا هابَ اللِّئامُ دقَّ الحلقةِ، دقَّها الكرامُ.
فأمَّا وصله الموصولَ بإذا، مع أنَّ الذين يعنى بهم أعيانٌ، ولا يجوز: الذي يومَ الجمعة زيدٌ، كما يجوز: الذي يوم الجمعةِ القتالُ، فإنَّ الكلامَ محمولٌ على المعنى، كأنه قال: الذين إن قعقعوا هابَ اللِّئام، فلذلك جاز.
وهذا يدلُّ على جوازِ ما أجازه سيبويه، من قوله: زيدٌ إذا أتاني أضربُ، وأنه لا يكون بمنزلةِ: زيدٌ يومَ الجمعة، ولا زيدٌ غداً، وعلى هذا قولُ أوسٍ:
فقومي وأعدائي يظنُّونَ أنني ... إذا أحدثوا أمثالهاأتكلَّمِ
مع أنه لا يجوز: علمتُ أن زيداً يومَ الجمعة.
فأمَّا قوله: إذا يهابُ، فجاء بالمضارع بعد إذا، وأكثرُ ما يجيءُ بعده في الاستعمال، الماضي، فإنَّ الأصلَ المضارعُ، ألا ترى أنه يرادُ به الآتي، فإذا جاء به على
(1/407)

الأصل، كان حسناً، كقوله:
إذا يراحُ اقشعرَّ الكشحُ والعضدُ
أنشدنا بعضُ الرُّواة:
فلا أسألُ اليومَ عن ظاعنٍ ... ولا ما يقولُ غرابُ النَّوى
القولُ في ما أنه يحتملُ ضربين، أحدهما: أن يكون خبراً، والآخر: أن يكون استفهاماً.
فإذا حملته على الخبر، كان موضعه جرَّاً بالعطفِ على ظاعنٍ.
وجازَ في ما أن تكون موصولةً، وأن تكون موصوفةً، فإذا جعلتها موصولةً احتمل ضربين، أحدهما: أن تكون حرفاً كأنْ، لا يعودُ إليها من صلتها ذكرٌ، كما لا يعودُ إلى أنْ، والتقدير: لا أسألُ عن ظاعنٍ، ولا قولِ غرابِ النَّوى.
وإذا جعلتها بمنزلة الذي عادّ إليها الهاءُ المحذوفةُ من يقولُ.
وإن جعلتها موصوفةً، قدَّرتها منكورةً، وجعلتَ الجملةَ صفةً لها، وفيها ذكرٌ يعودُ إليها، على حدِّ ما عادَ من الصِّلة، في تقديرها معرفةً.
(1/408)

ومثلُ منْ في التنكير والتعريف ما، فممَّا جاء فيه ما نكرةً، قول الشاعر:
ربَّما تكرهُ النُّفوسُ من الأم ... رِ له فرجةٌ كحلِّ العقالِ
فما: اسمٌ منكورٌ، يدلُّك على ذلك دخولُ ربَّ عليه، ولا يجوز أن تكونَ كافَّةً، كالتي في قوله تعالى: (ربَّما يودُّ الذين كفروا)، لأنَّ الذكرَ قد عاد إليها من قوله: له فرجةٌ، فلا يجوز مع رجوعِ الذّكرِ أن تكون حرفاً، فالهاءُ في قوله: تكره مرادةٌ، التقدير: تكرهها النُّفوس.
وفرجةٌ مرتفعةٌ بالظَّرف، وموضعُ الجملةِ جرٌّ.
فأمَّا موضعُ الكافِ، من قوله: كحلِّ العقال، فيجوز فيه ضربان، أحدهما: أن يكون نصباً، والآخرُ: أن يكون جرَّاً، كقولك: مررتُ برجلٍ معه صقرٌ صائدٍ به.
وأمَّا كون ما استفهاماً، في قوله:
ولا ما يقولُ غرابُ النَّوى
(1/409)

فعلى أن تعطفه على أسألُ، فيكون: لا أسألُ عن ظاعنٍ، ولا أسألُ ما يقولُ غرابُ النَّوى، كأنّه قال: لا أسألُ أيَّ شيءٍ يقولُ غرابُ النَّوى، فما في موضعِ نصبٍ
بيقول، ولا يكون منتصباً بالسُّؤال.
أنشد أحمدُ بن يحيى، للقنانيّ:
ولو أن عرض البحر بيني وبينها ... لحدَّثتُ نفسي ما إليكِ مخاضُ
المعنى: لحدَّثتُ نفسي بما إليكِ، فحذفَ الحرفَ، ووصلَ الفعلُ، وما موصولةٌ، أي لحدَّثتُ نفسي بالذي هو إليك خوضٌ، أي تأتَّيتُ لذلك، وإليكِ
(1/410)

للتَّبيين، ولا يكون المخاضُ مكاناً، لأنه إذا كان مكاناً، لم يتعلَّقْ به شيءٌ، من حيثُ لم يناسبِ الفعلَ، فلم يفسِّرْ ما يتعلَّقُ التَّبيينُ به.
وقد يجوز أن يكونَ المعنى: لو أنَّ عرضَ البحرِ بيني وبينها، لحدَّثت نفسي، فقلتُ: ليس إليكِ مخاضٌ، فأمَّا إذا كان شيءٌ دون عرضِ البحرِ، فإني أحدِّثُ نفسي بذلك، فتكون ما على هذا نفياً، ويكون إليكِ متعلِّقاً بمحذوف، كقولك: ليس بك مرورٌ، ومن رأى أن يرفعَ بالظَّرف، كان الاسمُ مرتفعاً به، ولا شيءَ فيه. وقال كثيِّرٌ، أو غيره:
ألا حيِّيا ليلى أجدَّ رحيلي ... وآذنَ أصحابي غداً بقفولِص
غداً لا يكون إلاَّ على مضمر، لامتناعِ حمله على المصدر، لتقدُّمهِ عليه، ولاستحالةِ حملهِ على الفعل.
فإن قلتَ: فلم لا تقدِّر الماضيَ تقديرَ الآتي، كما أنَّ قوله:
يا حكمُ الوارثُ عن عبدِ الملكْ ... أوديتُ إن لم تحبُ حبوَ المعتنكْ
(1/411)

الماضي فيه بمنزلة الآتي، بدلالة وقوعِ الشَّرطِ بعده، وأن المرادَ لو كان الماضي لم يصحّ، من حيث لم يجزْ: قمتُ إن قمتَ، وإنما تقول: أقومُ إن قمتَ، لأنَّ المجازاةَ إنما تكون بما لم يقعْ.
فإنَّ البيتَ إن حمل على هذا لم يكن بالسَّهلِ، لأنَّ هذا إنَّما يكون فيما قربَ قرباً شديداً، ولم يكن فيه مهلةٌ ولا تراخٍ، كنحو قولهم: قد قامت الصلاةُ، فإنَّما يحسن
ذلك فيما كان على هذا النَّحو من القرب، فإذا دخله التَّراخي لم يحسن، وكذلك قولُ رؤبةَ:
أوديتُ إن لم تحبُ حبوَ المعتنكْ
كأنَّه من مقاربته الهلاكَ، في حالِ من قد غشيه ذلك، فلذلك حسن أن يسدَّ مسدَّ الجزاء.
أنشد أبو عبيدة:
فلا تحسبُ الأعداءُ إن متُّ أنَّني ... وخلَّفتُ بشراً أنَّ حدِّيَ كلَّتِ
لا يستقيم أن تقدِّرَ العطفَ في قوله: وخلَّفتُ على هذا الشَّرط المظهرِ في الكلام، لأنك إن قدَّرته هذا التقديرَ قدَّمتَ الصِّلةَ على الموصول، ولكن تضمرُ بعد أنَّ شرطاً، يكون هذا المتقدِّم دالاًّ عليه، كما أضمرتَ بعد الاستفهام فعلاً، دلَّ عليه ما تقدَّمه في قوله: (وأنا منَ المسلمينَ. آلآنَ وقد عصيتَ قبلُ) ألا ترى أنّ الاستفهام مثلُ الموصولِ، في أنَّ ما تقدَّمه منقطعٌ منه، وغيرُ داخلٍ في حيِّزه، كما أنَّ الموصولَ كذلك.
(1/412)

وأمَّا أنَّ الثانيةَ، فإنَّما كرِّرتْ لتراخي الأولى ولا يكون على البدل، لأنَّ الأوَّلَ لم يتمّ، والبدلُ لا يكون حتى يتمَّ المبدلُ منه.
شاعر:
وقالوا لها لا تنكحيه فإنَّه ... لأوَّلِسيفٍ أن يلاقى مصرعا
يجوز أن ينتصب مصرعا على الحال، مما في اللام، ويكون أن يلاقى بدلاً من السَّيف، كأنَّه: لأوّلِ سيفٍ أن يلاقيه، فحذفَ الضميرَ، كما حذفَ من قولك: أذكرٌ أن تلد ناقتك أم أنثى، كأنه: هو لأوّلِ لقاءِ سيفٍ مصرعا، أي ذا مصرعٍ، أي: أوَّلُ ما يلقى يصرعُ.
ويجوز أن تجعلَ مصرعاً مفعولَ يلاقي، فيكون التقدير: لأوَّلِ لقاءِ سيفٍ، أي
يأتي عليه، كما جاء في الحديث: هو لأخيك أو للذِّئب أي يفرسه الذِّئبُ، أو يأخذُ هـ غيرك. الوجهان ممكنان.
(1/413)

والمصرعُ: يجوز أن يكون مصدراً، ويجوز أن يكون اسمَ الموضِع، الذي يصرعُ فيه.
وقال بشرُ بن أبي خازم:
ونحنُ ألي ضربنا رأسَ حجرٍ ... بأسيافٍ مهنَّدةٍ رقاقِ
وأنشد بعضُ البغداديِّين:
فإنَّ الألاءِ يعلمونكَ منهمُ ... كعلمي مظَّنُّوكَ ما دمتَ أشعرا
وأنشد أيضاً:
ألا أيُّها القومُ الأُلى ينبحونني ... كما نبح اللَّيثَ الكلابُ الضَّوارعُ
وأنشدوا:
ألم ترني بعدَ الذين تتابعوا ... وكانوا الأُلى أعطي بهم وأمانعُ
ألى: اسم موصولٌ، بمنزلة اللاَّئي، والألفُ واللامُ في هذه الأسماء الموصولةِ، زائدةٌ، يدلُّك على ذلك، أنَّها لا تخلو من أن تكون
زائدةً، أو غير زائدة، فإن جعلتها غير زائدة، لم يستقم، لأنه يلزمُ من ذلك أن يجتمعَ في الاسم تعريفان، أحدهما
(1/414)

من جهةِ الألفِ
واللام، والآخرُ: من جهة اتصال الصِّلة بها، ألا ترى أن اتِّصالَ الصِّلة بها يوجب فيها التعريف، يدلُّك على ذلك تعرُّفُ
ما ومن بها، فكما تعرَّفَ من وما بالصِّلة، كذلك يجب أن يتعرَّفَ الذي بالصِّلة، وإذا تعرَّف بها،
ثبت زيادةُ الألفِ واللام، ويدلُّ على زيادتهما سقوطهما فيما سقط من قوله:
ونحن ألى ضربنا رأسَ حجرٍ
ويدلُّ على ذلك أيضاً قولهم: أنا ذو قال، ومررتُ بالرجل ذو قال، ونحو ما أنشده أبو زيد:
فإن لم أصدِّق بعض ما قد صنعتمُ ... لأنتحينْ للعظمِ ذو أنا عارقهْ
فكما جرى صفةً على المعرفة، بغير ألفٍ ولام، كذلك يكونان في الذي
(1/415)

وما أشبهه من الأسماء الموصولة، للجمعِ كان، أو للواحدِ، فأمّا ما أنشده بعضُ البغداديِّين، من قوله:
فإن الألاءِ يعلمونكَ منهمُ
فالألاء: لغةٌ في ألى الموصولةِ، ولا يجوز أن يكونَ ألاءِ المبهمةَ، كإنَّ في الموصولة لغتين، كما كان في المبهمة لغتان، نحو:
هؤلا ثمَّ هؤلا كلاًّ آعطيتَ نعالاً محذوَّةً بمثالِ
ونحو: (أهؤلاءِ منَّ اللهُ عليهمْ من بيننا).
ولا تكون المبهمةَ، لأنَّ المبهمةَ لم تدخلْ عليها الألفُ واللامُ، في موضعٍ، زائداً، ولا غيرَ زائدٍ، ألا ترى أنَّ دخولها غيرَ زائدةٍ، على المبهمةِ لا يجوز، لأنَّ المبهمةَ أنفسها معارفُ، بما فيها من معنى الإشارة، ويدلُّك على ذلك بناؤها، وانتصابُ الأحوالِ عنها، فإذا كانت معارفَ لم يدخلا عليها، ولمَ تدخلْ عليها زائدةً، لأنَّها إنَّما تدخلُ زائدةً في الموضع الذي يجوز أن تكونَ فيه غيرَ زائدة.
فالأُلاءِ في البيت: اسمٌ موصولٌ، ولا يجوز أن تكون اسماً مبهماً، لما ذكرنا. فإن قلت: إذا كان أيٌّ مضافةً، معرفةً بالإضافة، والصِّلةُ أيضاً تعرَّفُ الموصولَ، ولا يجوز أن يجتمعَ في الاسم تعريفان، فكيف جازَ أن يوصلَ أيٌّ في حالِ إضافتها إلى المعرفة، وهلاَّ لم تضفْ موصولةً، لئلاّ يجتمعَ فيها تعريفُ الإضافةِ، وتعريفُ الصِّلة؟
(1/416)

فالقول في ذلك: أنّ أيّاً إذا أضيفَ إلى المعرفة، فقلتَ: أيُّهم عندك، وأيُّ القومِ
عندك؟ فهي في هذه الإضافة غير مختصَّةٍ، اختصاص َ غلامِك، وغلامهم، وغلامِ الرجلِ، ألا ترى أنها في حالِ الإضافة شائعةٌ، وليس يرادُ بها واحدٌ بعينه، من حيثُ جازَ أن يغنى به كلُّ واحدٍ من أجزاء المبعَّضِ المضافِ إليه، فلمَّا كان كذلك، كان بمنزلة مثلِك ونحوه، مما لا يختصُّ في الإضافة إلى المعارف، لقيامِ الإبهام والشِّياع فيه، وإذا كان كذلك، لم يمنتع أن يوصلَ بالصلةِ، ليختصَّ، ألا ترى أنَّ الصِّلةَ تخصِّصُ الموصولَ، كما تخصِّصُ الصِّفةُ الموصوفَ، فلمَّا كان كذلك، لم يمتنع أن توصلَ، مع كونها مضافةً، لتخصيص الصِّلةِ لها، وقصرِها على ما كانت تقعُ عليه قبلَ ذلك.
وممَّا يدلُّكَ على أنَّ الصِّلةَ توضِّح الموصولَ، كما تخصِّص الصفةُ الموصوفَ، أنه يرجِعُ منها ذكرٌ إلى الموصول، كما يرجع من الصِّفة إلى الموصوف، في أكثر الأمر.
وإنما قال النحويُّون: إن الصِّلةَ كبعضِ الاسم، ولم يقولوا ذلك في الصِّفة، لأنّ الموصولَ لا يخلو من الصِّلة المذكورة أو في حكم المذكورة وليس الموصوفُ مع الصِّفة كذلك، ولو كانت الصِّلةُ من الموصول في الحقيقة، بمنزلةِ أجزاء الاسمِ من الاسم، لم يجزْ أن يعودَ منها ذكرٌ إليه، حتى ينقضيَ الموصولُ بجميعِ أجزاء الصِّلة، وفي أنّ الأمرَ بخلافِ ذلك، ما يدلُّ على أنَّ الصِّلةَ توضيحٌ للموصول، كما أن الصِّفةَ مع الموصوفِ كذلك، ألا ترى أنّك تقول: الذي هو منطلِقٌ زيدٌ، فتكنى عن الذي، وجميع الموصولات،
(1/417)

والصِّلةُ لم تتمَّ بعدُ، وتثنِّيه وتجمعُه، في قولك: اللذان، والذين، أو الَّذون، والاسمُ لا يثنَّى ولا يجمع قبل تمامه، كما لا يكنى عنه إلاّ بعدَ تمامِه.
فإن قلت: فهلاَّ لم تصرِف أيٌّ إذا ألحقتها تاء التأنيث، ووصلتها لتعرِّفها بالصِّلةِ، كتعرُّفِها بالتّسمية، لو سمَّيتَ شيئاً: أيَّةَ.
فالقول في ذلك: أنَّ أهلَ النَّظرِ في العربيَّة قد اختلفوا فيه، فذهب أبو عمرَ، إلى أنَّ ذلك لا يصرفُ، فيما حكى محمد بن يزيد، عن أبي عثمان، عنه، وحكى أبو عثمان، عن أبي الحسن: أنه كان يصرفُ، وكان أبو عمر يقول: رأيتُ أيَّةَ في الدار ولا يصرف، وكان أبو الحسن ينوِّنُ ويقول: التَّنوينُ بعض الاسم، لأنه وقع في وسطِه، كقولي في امرأةٍ تسمَّى خيراً منك، ألا ترى أنِّي أقولُ فيها: رأيتُ خيراً منك، قال أبو عثمان: وهو قولي.
قال أبو عليّ: وجهُ قولِ أبي عمر إن أيّاً معرفةٌ، وفيه علامةُ التأنيث، وليست الصِّلةُ، وإن كان الاسمُ محتاجاً إليها، مثلَ ما يطولُ به الاسمُ، من نحو: خيرٍ منك، وضاربٍ زيداً، ولا آمراً بالمعروف لك، إنِّما توضِّحُ الموصولَ، فهي مضارعةٌ الصِّفةَ في ذلك، ألا ترى أنَّها لا تخلو من عائدٍ منها إلى الموصول، كما أنّ الصِّفةَ قد تكون كذلك، وليست اللَّواحقُ التي تلحقُ خيراً وآمراً كذلك، وإن كانت تخصُّ
(1/418)

الاسم بعضَ التَّخصيص. فلمَّا كان كذلك لم تصرفه، كما لم تصرفِ الموصوفَ، إذا كان ثانياً من جهتين.
ويدلُّك على ما ذكرنا، من مشابهةِ الصِّلةِ للصِّفة، التَّثنيةُ والجمعُ اللاَّحقان الذي قبلَ الصِّلة، والاسمُ لا يثنَّى ولا يجمعُ قبل تمامهِ بأجزائه. فكما أنَّ التثنيةَ والجمعَ إنَّما يلحقانِ آخره، كذلك التَّنوينُ يلحقُ آخره، وكان يحذفُ من آخرِ ما لا ينصرف، حذفتَ من آخرِ أيَّة، كما حذفتَ من آخرِ الموصوف، إذا حصلَ فيه ما يمنع الصرفَ.
فإن قال قائلٌ، ممَّنْ يذهب قول أبي عمر: إنّ الذي شبَّه به أبو الحسن أيّةً إذا وصلت من قولهم: خيراً منك، ونحوه، لا يشبِه الصِّلة، لأنّ هذه اللَّواحقَ التي تلحق خيراً، وضارباً، وعشرين درهماً، يعملُ فيها ما قبلها، والصِّلةُ لا يعملُ فيها الموصولُ، فهذه اللَّواحقُ، لتشبُّثها بما قبلها، واقتضائِه لها، لا يتمُّ إلاّ بها، فإذا
لم يتمَّ إلاّ بها، وقع التنوينُ وسطاً، فلم يلزم حذفُه، والصلةُ ليست كذلك مع الموصول.
قيل إنّ الموصولَ يقتضي الصِّلةَ أشدَّ من اقتضاء العاملِ المعمولَ فيه، ألا ترى أنَّ الموصولَ لابدَّ له من صلةٍ، ومن ذكرٍ يعود منها إلى الموصول، إذا كان اسماً، والعاملُ من نحو: ضاربٍ، وخيرٍ، وعشرين، قد لا يعملُ في شيءٍ، فيكون كلاماً، فإذا نوِّنَ الاسمُ مع ما اتِّصالُه به، واقتضاؤُه له دونَ اقتضاءِ الصِّلة للموصول، فأن ينوَّن مع الصِّلةِ
(1/419)

أجدرُ، من حيثُ تعلُّقها به أشدُّ، ومن ثمَّ خفِّفت أنَّ المفتوحة، على شريطة الإضمارِ فيها، ولم تكن المكسورةُ كذلك، لأنَّ المفتوحة موصولةٌ، والمكسورةَ عاملةٌ غيرُ موصولة، فمن حيث كان اقتضاءُ الموصولِ للصِّلة أشدَّ من اقتضاء العامل، الذي ليس بصلةٍ، خفِّفت على شريطة الإضمارِ فيها.
فالتَّنوين في أيَّةٍ على ما ذهب إليه أبو الحسن، أبينُ، إذا رددتها إلى هذا الاعتبار، من قولِ أبي عمرَ.
وأمَّا قولُ الأسودِ بن يعفر:
هما خيَّباني كلَّ يومٍ غنيمةٍ ... وأهلكتهمْ لو أنَّ ذلك نافعُ
وأتبعتُ أخراهمْ طريقَ ألاهمُ ... كما قيل نجمٌ قد خوى متتابعُ
فقيل فيه: إنه يريد: هجوتُ آخرهم، كما هجوتُ أوَّلهم، أي ألحقتُ آخرهم بأوَّلهم، في الهجاء لهم، فأراد بقوله: ألاهمْ أولاهمْ، فحذفَ الواو التي هي عينٌ، لأنَّ هذه الحروفَ، وإن كانت من أنفسِ الكلمِ، فهي تشبهِ الزيادةَ، لما يلحقها من الانقلاب والحذف، وقد جعلوه بمنزلةِ الزِّيادة، في منزلي ويبتلي وشأنهما
(1/420)

يعلو، ويعرِّجني طفلو، وقد جعلوها من مرامىً بمنزلة التي في حبارى، وجعلوها في تحيَّةٍ في النسب، بمنزلة التي في عليَّة الزائدة، ومن ثمَّ جعله الخليلُ، في قولهم: أوومَ بمنزلة الواو، في سويرَ، وقوولَ، فلم يدغم، كما لم يدغما فيهما.
وقال أبو عثمان: الهمزةُ بعدها في قياسِ قوله، ينبغي أن تكون بينَ بينَ.
وممَّا يدلُّ على أنَّ المحذوفَ عينُ الفعل من ألاهمْ أنَّها معادلةٌ لأخراهمْ،
(1/421)

وفي التنزيل: (وقالت أخراهم لأولاهمْ)، وقال أميّةُ:
وقد علمنا لو أنَّ العلمَ ينفعنا ... أن سوف تلحقُ أخرانا بأولانا
ويدلُّك على ذلك أيضاً، أنَّها لا تخلو من أن تكونَ على ما ذكرنا، أو تكونَ ألى التي هي الاسمُ المبهم، الذي يمدُّ، أو ألى الموصولة، في نحو:
ونحن ألى ضربنا رأسَ حجرٍ
و:
نحن الألى فاجمعْ جموعكَ
أو ألى الذي هو جمعُ ذو من غير لفظه، نحو قولِه: (نحن أولو قوةٍ). فلا يجوز أن تكون المبهمةَ، لأنَّ تلك لا تضافُ، كما لا تدخلها الألفُ واللامُ، وكذلك سائرُ المبهمات، لا يجوز أن يضافَ شيءٌ منه، أو تدخله الألفُ واللامُ. ولا يجوز أن تكونَ الموصولةَ، لأنَّ الموصولةَ لا تضافُ، كما لا يضافُ الذي، وما، ومن.
(1/422)

ولا يجوز أن يكون الذي هو جمع ذي على غير لفظه، لأنَّ ذاك لم تعلمه أضيفَ إلى المضمر.
فإن قلتَ: تضيفه كما أضيفَ ذو في قول كعبٍ:
أو ذووها
فالقولُ: أنَّ ذلك لا يستقيم، لأنها لم تجئْ مضافةً في موضعٍ علمناه، وكان القياسُ في ذو ألاَّ يضافَ، ولكنّه شبِّه بصاحبٍ، فأضيفَ، كما أضيف صاحبٌ، ولم يكن القياسَ.
ومن الأسماءِ الموصولة: اللاَّئي، واللاّتي، وهما يقعان على المؤنَّث، قال تعالى: (واللاَّئي يئسنَ منَ المحيضِ)، وقال: (واللاّتي تخافون نشوزهنَّ)، وقال: (واللاّتي
يأتين الفاحشةَ منْ نسائكمْ)، ولم نعلم اللاتي استعملتْ في المذكَّر،
(1/423)

فأمَّا اللاَّئي فقد استعمل في المذكَّر أيضاً، يدلُّ على ذلك قولُ الشاعر:
ألمَّا تعجبي وترى بطيطاً ... من اللاّئينَ في الحقبِ الخوالي
فجمع بالواو والنون، ولو كان يختصُّ المؤنَّثَ لم يجمع بالواو والنُّون.
فإن قلتَ: فكيف جمع بالواو والنُّون، والياء والنُّون،، وهو جمعٌ؟
فإنَّ ذلك ليس بأبعدَ من جمع هم الاسمَ المجموعَ بالواوِ والنون، والألف والتاء، فقد جاء في الحديث: صواحباتُ يوسف، وأنشدوا للفرزدق:
وإذا الرِّجالُ رأوا يزيدَ رأيتهمْ ... خضعَ الرِّقابِ نواكسي الأبصارِ
ويدلُّ على تذكير اللاَّئي أيضاً قوله:
من النَّفرِ اللاَّئي الذين إذا همُ
(1/424)

ألا ترى أنه جعله وصفاً للنَّفر، والنَّفرُ مذكَّر.
فأمَّا قوله: من النَّفر اللاَّئي الذين فإن اللاّئي وإن لم يعدْ عليه ذكرٌ من اللَّفظِ وظاهره، كما تقدَّم ذكره، فإنه يجوز أن يكونَ حذفَ الراجعَ من الصِّلة، كأنه قال: اللاّئي هم الذين، ويجوز أن يكونَ حذفَ الصِّلةَ، لأنَّ صلةَ الموصولِ التي بعده تدلُّ عليه، كقولِ الآخر:
من اللَّواتي والَّتي واللاّتي زعمنَ أنّي كبرتُ لداتي
فلم يأتِ للموصولين الأوَّلين بصلةٍ.
ويجوز فيه وجهٌ آخرُ: وهو أنّ البغداديِّين قد أجازوا في هذه الموصولة، من نحو الذي أن توصفَ، ولا توصلَ، كإجازة الجميع ذلك، في منْ وما، وقد أنشد أبو عثمان، عن الأصمعيّ:
حتى إذا كانا هما اللّذينِ ... مثلَ الجديلينِ المحملجينِ
وقد قالوا: هنَّ اللاَّ فعلنَ ذاك، قال:
فدومي على العهدِ الذي كان بيننا ... أم آنتِ من اللاَّ ما لهنَّ عهودُ
(1/425)

وقال الكميت بن معروف:
وكانت من اللاَّ لا يعيَّرها ابنها ... إذا ما الغلامُ الأحمقُ الأمِّ عيِّرا
وقال امرؤ القيس:
كبكرِ المقاناةِ البياضُ بصفرةً ... غذاها نميرُ الماءِ غيرَ محلَّلِ
البياض: ينشدُ بالرفع والنَّصب والجرّ.
فالنَّصبُ على: الذي قونيتِ البياضَ، مثل: أعطيَ الدِّرهمَ، والجرُّ على: المعطى الدِّرهمِ مثل: الحسنِ الوجهِ والرَّفعُ على: التي قونيَ البياضُ منها.
وقيل فيه: إنه بيضُ النَّعامِ، وقيل: الدُّرُّ.
والضَّميرُ في غذاها يعود إلى المرأةِ.
أنشد سيبويه:
وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ... ويغضبُ منه صاحبي بقؤولِ
(1/426)

في قوله: يغضبُ ضربان: إن جعلتها داخلةً في الصِّلة، كانت مرفوعةً، لأنه لا شيءَ يحملُ عليه فينصبَ، فإذا عطفَ لم يخرجها من الصَّلة، وحمل الكلامَ على المعنى، كأنه قال: وما أنا للَّذي لا ينفعني ويغضبُ منه صاحبي بقؤولِ.
فإذا دخلَ يغضبُ في الصِّلة، عطف المضارعُ على اسم الفاعل، وكلُّ واحدٍ من المضارعِ واسم الفاعل، يعطفُ على الآخر، لتشابههما، قال:
بات يعشِّيها بعضبٍ باترِ ... يقصدُ في أسوقها وجائرِ
وموضع المضارعالذي هو يغضبُ في البيت، نصبٌ للعطف على خبر ليس، والضميرُ الذي هو منه يعودُ على اسم ليس، والمقولُ حينئذٍ هو الشيءُ، والقولُ يقع عليه، لعمومهِ، واحتمالهِ أن يكون القولَ وغيره، وليس كالغضب.
فإذا أخرج يغضبُ من الصِّلة، أضمرَ أنْ لعطفه إيَّاها على الشيء، كأنه قال: وما
أنا للشيء الذي ليس نافعي، ولغضبِ صاحبي بقؤولِ، فالغضبُ لا يقال، ولكن التقدير: ولقول غضبِ صاحبي، فتضيفُ القولَ الحادثَ عنه الغضبُ، إلى الغضب، كما تقول: ضربُ التَّلفِ، فتضيفُ الضَّربَ إلى ما يحدثُ عنه.
(1/427)

أنشد سيبويه:
وكلُّ أخٍ مفارقهُ أخوهُ ... لعمرُ أبيكَ إلاَّ الفرقدانِ
قال: لا يجوز أن يكون قوله: إلاَّ الفرقدان على: إلاَّ أن يكون الفرقدان، وإنما لم يجز هذا، لأنَّك لا تحذفُ الموصولَ وتدعّ الصِّلةَ، لأنَّ الصِّلةَ تذكر للتَّخصيص والإيضاحِ للموصول، فإذا حذفتَ الموصولَ، لم يجزْ حذفه وذكرك ما يكونُ إيضاحاً له، ونظير ذلك أجمعون في التأكيد، لا يجوز أن تذكره، وتحذف المؤكَّدَ.
فإن قلت: فلم لا يكون كالصِّفة والموصوف، في جوازِ حذفِ الموصوفِ وذكرِ الصِّفة، فكذلك تحذفُ الموصولَ وتذكرُ الصِّلةَ؟
قيل: لم تكن الصِّلةُ في هذا كالوصف، إذا كان مفرداً، ألا ترى أنَّ الوصفَ إذا كان مفرداً كان كالموصوفِ، في الإفراد، وإذا كان مثل، جاز وقوعه مواقع الموصوفِ، من حيث كان مفرداً مثلّه، مع استقباحٍ لذلك، فأمَّا الصِّلةُ فلا تقعُ مواقع المفرد، من حيث كانت جملاً، كما لم يجزْ أن تبدلَ الجملُ من المفردة، من حيث كان البدلُ في تقدير تكرير العامل، والعاملُ في المفرد لا يعملُ في لفظِ الجمل، فكذلك لا يجوز أن تحذفَ الموصولَ، وتقيمَ الصِّلةَ مقامه.
(1/428)

فإن قلت: فهلاَّ جاز حذفها، كما جاز حذفُ الصِّلات، وإبقاءُ الموصولة، كقوله:
بعدَ اللَّتيَّا واللَّتيَّا والَّتي
فإنَّ إبقاءَ الموصولِ، وحذفَ الصِّلةِ أشبه من عكس ذلك، لأنَّ الموصولَ مفردٌ، وليس كالصِّلة التي هي جملةٌ، فلذلك جاء في الشِّعر، ولم يمتنع، كما لم يمتنعْ أن يذكرَ المؤكَّدُ، ولا يذكرَ التأكيد، ولو ذكرت أجمعون ونحوه، ولم تذكر المؤكَّدَ، لم
يجزْ، فأمَّا قولُ من تأوَّلَ قولَه:
لعمري لأنت البيتُ أكرمُ أهلهُ ... وأقعدُ في أفيائه بالأصائلِ
على أنَّ التقدير: لأنت البيتُ الذي أكرمُ أهله، وحذف الموصولَ، فليس في البيت دلالةٌ على هذا الذي تأوَّله، وذلك أنه يجوزُ أن يكون أكرمُ أهله جملةً مستأنفةً معطوفةً على الأولى، ولم تحتج إلى حرفِ العطف، لما في الثانية من ذكر ما في الأولى، كقوله:
(1/429)

(أولئك أصحابُ النَّارِ همْ فيها خالدونَ)، ويجوز أيضاً أن يكون قوله: لأنت البيتُ على جهة التعظيم، وأجرى عليه اسم الجنس، لهذا، كما تقول: أنت الرجلُ، تريدُ به الكمالَ والجلدَ، فكذلك يكون المرادُ بالبيت، ألا ترى أنَّهم قد يقولون: له بيتٌ وشرفٌ.
فإذا كان كذلك، جازَ أن يكون أكرمُ أهله في موضع حالٍ، ممَّا في البيت من معنى الفعل، كما أنَّ علماً من قولك: أنت الرجلُ علماً وفهماً، ينتصبُ عمَّا في الرجلِ من معنى الكمال، وكما أنَّ جارةً في قوله:
يا جارةً ما أنتِ جارهْ
ينتصبُ عمَّا في ما أنتِ من معنى التَّعظيم، كأنه قال: كملتَ في حالِ علمكَ وبذِّكَ غيركَ.
فإن قلت: فهل يجوز أن يكون البيتُ بدلاً من أنتَ، ويكون أكرمُ في موضعِ خبر المبتدأ، كأنه قال، إذا أبدلَ البيتَ من أنتَ: أنت أكرمُ أهلَه، أو البيتُ أكرمُ أهله.
فإنَّ قياسَ قول سيبويه عندي، ألاَّ يجوز هذا، ألا ترى أنه لم يجزْ في قولهم: بيَ المسكينِ كان الأمرُ بدلَ المسكينِ من الياء، وإنَّما لم يجز ذلك، لأنَّ البدلَ إنما يذكرُ لضربٍ من التبيين، فإذا لم يفدْ ذلك لم يستجزْ، والمتكلِّمُ في غاية التَّخصيص والتَّبيين، فلم يحتج لذلك فيه إلى بدلٍ، وإذا كان كذلك فالمخاطبُ في هذا كالمتكلِّم.
(1/430)

وقال امرؤ القيس:
فأدبرنَ كالجزعِ المفصَّلِ بينه ... بجيدِ معمٍّ نتعلبافكاح
قوله: بجيدِ يصلحُ أن يتعلَّقَ بشيئين: يكون متعلِّقاً بقوله: فأدبرنَ، كأنه: كالجزع ثابتاً بجيد معمٍّ، ويكون متعلِّقاً بالفعلِ الذي في الصِّلة، كأنه: الذي فصِّل ثابتاً بجيدِ معمٍّ.
فإن قلت: فهل يجوزُ أن يكونَ ظرفاً لما في الصِّلة؟
فإنَّ ذلك لا تحملُه عليه، ألا ترى أن قوله: بينه ظرفٌ منه، فلا يكون منه ظرفان، ولكن يستقيم أن تجعله ظرفاً من العامل الأوَّل، الذي هو: كالجزع بذلك المكان، وأنت تجعله ظرفاً متعلِّقاً بالأول، لا حالاً متعلِّقاً بمحذوف.
فأمَّا اللامُ في المفصَّل فالعائدُ إليه الذِّكرُ الذي في بينه أي كالجزع الذي فصِّلَ بينه، وينبغي أن يكون المسندُ إليه فصِّلَ، الفصلَ.
فإن قلت: إنَّ في المفصَّل ذكراً مرفوعاً، يعودُ إلى اللاَّم، والهاءُ أيضاً تعود إليه، كأنه قال: كالجزع الذي فصِّل بين بعضه وبعضٍ، كما تقول: كالجزع الذي فصِّل يوم الجمعة، أو في الدار.
فذلك أيضاً مستقيمٌ.
فإن قلت: إنه في قولِ أبي الحسن، يجوز أن يكون بينه في موضع رفع، كما قال
(1/431)

في قوله عزَّ وجلَّ: (يومَ القيامةِ يفصلُ بينكمْ: إن (بينكم) قام مقامَ المسندِ إليه الفعلُ.
فهو أيضاً مستقيمٌ على ذلك، والمعنى أنَّ هذه البقرَ أدبرنَ، وفيها سوادٌ وبياضٌ، فأشبهت، للسَّوادِ الذي فيها والبياضِ، الجزعَ الذ فصِّلَ بينه في النُّظم في قلادة، على جيد صبيٍ معمٍّ مخول، فذلك يكونُ أحسنَ لهذا الجزع، لأنَّ الصبيَّ إذا كان كذلك، تنوَّقوا فيما يطوِّقونه، من هذه الإنظامة.
أنشد أحمد بن يحيى:
فإن أدعِ اللّواتي من أناسٍ ... أضاعوهنَّ لا أدعِ الَّذينا
قال: يقول: فإن أدعِ النِّساء اللَّواتي أولادهنَّ من رجالٍ قد أضاعوا هؤلاء النِّساء، أي لا أهجو النِّساء، ولكن أهجو الرجالَ الذين لم يمنعوهنّ، فعلى تفسيره، ينبغي أن يكون المبتدأ مضمراً في الصِّلة، كأنه قال: فإن أدعِ اللَّواتي أولادهنَّ من أناسٍ أضاعوهنَّ، فلم يحموهنَّ، كما تحمي البعولةُ أزواجها، فلا أدعِ الذين، والتقدير: إن أدعْ هجوَ هؤلاء النِّساءِ المضيِّعات، لا أدعْ هجوَ الرجالِ المضيِّعين، وذمَّهم على فعلهم، فالمضاف محذوفٌ في الموضعين.
(1/432)

وتقديرُ حذف المبتدأ غيرُ ممتنعٍ هنا، وقد حذف المبتدأُ في الصِّلة، في نحو قولِ عديٍ:
لم أرَ مثلَ الفتيانِ في غبنِ الأيَّام ينسونَ ما عواقبها
أي: ما هوعواقبها، فحذفَ، وكذلك يمكنُ أن يكون قولُه:
ألا ليتَ ما هذا الحمامُ لنا
وقد يستقيم أن تكونَ الًِّلةُ من أناسٍ فتكون مستقلَّةً.
وإن لم تقدِّرْ حذفَ المبتدأ، فيكون التقديرُ على أحدِ أمرين: إمَّا أن يكونَ: اللَّواتي من نساءِ أناسٍ، فحذفَ المضافَ، أو يكون: اللَّواتي من أناسٍ، على ظاهرهِ، لا تقدِّرُ فيه حذفاً، فيكون معنى قوله في النِّساء: هنَّ من أناسٍ، على معنى أنهم يقومون بهنّ، وبالإنفاق عليهنّ.
(1/433)

فأمَّا صلةُ الذين فمحذوفٌ من اللفظ، للدَّلالة عليها، فيما جرى من ذكرها، تقديره: الذين أضاعوهنَّ.
وقال بعضُ الهذليِّين:
السَّالكُ الثُّغرةَ اليقظانَ كالئها ... مشى الهلوكِ عليها الخيعلُ الفضلُ
إن نصبتَ كالئها لم يجزْ أن تجعله حالاً من السَّالك وأنت قد وصفته باليقظان،
لأنّك حينئذٍ تفصلُ بين الصِّلةِ والموصول، ولكن يجوز أن تنصبه حالاً عمَّا في يقظان، كأنه يتيقَّظُ في حالِ حفظهِ إيَّاها.
ويجوز إذا نصبتَ كالئها أيضاً أن تجعله بدلاً من اليقظان.
فإن قلت: أفيجوزُ إذا نصبتُ كالئها أن أجعلَ الكالئَ حالاً من الموصول، الذي هو السَّالكُ، على ألاَّ أجعلَ اليقظانَ صفةً للألفِ واللاّم، ولكن أجعله صفةً للثُّغرة، فلا يلزمُ حينئذٍ إذا جعلته حالاً، أن أكون قد فصلتُ بينَ الصِّلة والموصول.
(1/434)

فإنَّ وصفَ الثُّغرةِ باليقظان ليس بالسَّهلِ، لأنَّ اليقظانَ من صفة الرجل، دونَ الثُّغرة، وهو مع ذلك مذكَّرٌ، والثُّغرةُ مؤنَّث.
فإن قلتَ: فهل يجوز أن أحمله على الاتِّساع، فأقول: ثغرةٌ يقظانُ، وأنا أريد: يتيقَّظُ فيها، لشدَّةِ خوفِ السَّالكِ لها، كما أقولُ: ليلٌ نائمٌ، أريدُ أنَّه ينامُ فيه، وأحملُ التذكيرَ على المعنى، لأنَّ الثُّغرةَ، والثَّغرَ، والموضعَ واحدٌ في المعنى.
فأقول: إنَّك إن حملته على هذا، لم يمتنع أن يكونَ كالئها حالاً من اللاَّم التي في السَّالك المنتصبِ، وإن جعلتَ اليقظانَ على هذا الذي ذكرته من الاتِّساع، جاز أيضاً في الكالئ أن تجعله حالاً ممَّا في السَّالك ممَّا يعودُ إلى اللاَّم، ألا ترى أنَّك إذا جعلتَ اليقظانَ وصفاً للثُّغرة، ولم تجعله صفةً للاّمِ، لم تتمَّ الصِّلةُ، وإذا لم تتمَّ الصِّلةُ لم يكن في الكلام شيءٌ يؤذنُ بتمامها، من صفةٍ لها، أو عطفٍ عليها، أو تأكيدٍ يتبعها، لم يمتنعْ أن تجعلَ كالئها حالاً من الضَّمير، كما وصفنا.
فإن رفعتَ كالئها، ورفعت السَّالكَ جاز أن يكون السَّالكُ ابتداءً، مثل: الضَّاربُ هنداً حافظها.
فإن نصبتَ السَّالكَ، ورفعتَ كالئها، كان ارتفاعُ كالئها باليقظان، كأنه: السَّالكُ الثُّغرةَ المتيقِّظَ كالئها، كأنه ثغرٌ مخوفٌ يحتاج حافظه أن يكون متيقِّظاً حذراً، لا يغفلُ، ولا يدعُ التَّحرُّزَ، من شدَّة الخوفِ فيها.
(1/435)

ويجوز أن ترفع اليقظانَ، وتنصبَ السَّالكَ وكالئها، فيكون اليقظانُ بدلاً من الذِّكر العائدِ إلى الألفِ واللام، في السالك، فيكون كالئها حالاً من السُّلوك.
-
(1/436)

بابٌ من
الفاعل
الاسمُ الذي يكونُ فاعلاً، بالوصفِ الذي ذكر في كتاب الإيضاح على ضربين: مظهر، ومضمر.
فالمظهر المسند إليه الفعلُ على ضربين، أحدهما: أن يسندَ الفعلُ إليه بغير حرفِ جرٍّ، يدخل عليه، والآخرُ: أن يسندَ الفاعل، وفيه حرفُ جرٍّ.
فما أسند إليه الفعلُ من الفاعلين، وقد جرَّ بحرفٍ، فهو في موضعين، أحدهما: أن يكون إيجاباً، وهو قليلٌ، والآخرُ: أن يكون غير إيجاب، فالإيجابُ كقولك: كفى بالله، وفي التنزيل: (قلْ كفى باللهِ شهيداً بيني وبينكمْ)، وتقول: كفى الله، فلا تلحقُ الحرفَ، قال:
عميرةَ ودِّعْ إن تجهَّزتَ غاديا ... كفى الشَّيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهيا
وقالوا: أحسنْ بزيدٍ، وأكرمْ بعمروٍ، وفي التنزيل: (أسمعْ بهمْ وأبصرْ)،
(1/437)

فحذفَ الباءَ، كما حذفتْ من: كفى باللهِ، لمَّا قيل: كفى اللهُ، فاستتر الضَّميرُ في الفعل، وعلى هذا قولُ أوسٍ:
تردَّدَ فيها ضوءها وشعاعها ... فاحصنْ وأزينْ لامرئٍ إنْ تسربلاَ
ولا يجوزُ حذفُ الجارِّ والمجرور، من حيث لم يجز حذفُ الفاعل.
فإن قلتَ: فكيف القولُ في قوله: (أسمعْ بهمْ وأبصرْ) ولم يذكرِ الجارَّ والمجرور بعد (أبصرْ)، كما ذكرا بعد (أسمع بهمْ)؟
فالقولُ في ذلك: أنَّ حذفَ الفاعلِ قد جازَ في قولِ ناسٍ من أهلِ النَّظر في العربيّة، وقد ذهب أبو الحسن، في بعض الأشياء، إلى ذلك، ومن لم يجزْ حذف الفاعل - وهو قول سيبويه - جعل في قوله: (أبصرْ) ضميراً، كما كان في قولِ أوسٍ.
فإن قلت: فهلاَّ جمع الضَّميرَ لمَّا حذفَ الجارَّ، فاتَّصلَ الفاعلُ بالفعلِ، كما تقولُ: القومُ كفوا، إذا لم تلحقِ الجارَّ، فتقول: القومُ كفى بهمْ.
فالقولُ في ذلك: أنه يجوزُ أن يكونَ أضمرَ على لفظِ المفرد، دونَ الجميع، لأنَّ هذا الفعلَ بمنزلةِ نعمَ وبئس، فكما لم يلحقوا علامةَ الجميع، هذين الفعلين،
(1/438)

كذلك لم يلحقْ هذا، وجعل الفاعلَ على لفظ المفرد، وإن كان في المعنى جميعاً، وأيضاً فإنه يجوز أن يكون أجري مجرى أفعلَ، الذي في قولهم: ما أحسنَ زيداً، فكما لم يجمع الضَّميرُ في أحسنَ، كذلك لم يجمع في: أسمعْ، وأحسنْ، من حيثُ اتَّفقا في المعنى، وأيضاً فإنَّ هذا الفعلَ قد جرى مجرى الاسم، في تصحيحهم له، ألا تراهم قالوا: أقول به، وأطيبْ براحِ الشامِ صرفا.
فكما لم تظهرْ علامة الضَّمير، في اسم الفاعل، كذلك لم تظهر في هذا الفعل.
وإن شئت قلت: إنَّ هذا الحذفَ اللاحق في اللفظ، حكمه حكمُ الإثبات، لأنَّ ما تقدَّم قد دلَّ عليه، كما كان كلٌ في قوله:
أكلَّ امرئٍ تحسبينَ امرءاً ... ونارٍ توقَّدُ باللَّيلِ نارا
في حكم الملفوظِ به، لتقدُّمِ ذكرِ كلٍّ قبله، وإغنائه عنه، وكذلك يكون هذا الفعلُ الثاني الذي هو (أبصرْ) بمنزلةِ الملفوظِ به، وفي حكمه، فلا يمتنعُ ذلك عنده، كما لم يمتنع أن يقول:
ونارٍ توقَّدُ بالليل
(1/439)

فلم يكن ذلك عنده عطفاً على عاملين، لكون كلِّ في حكمِ الملفوظِ به.
ومثل (أسمعْ بهمْ) في أنّ اللفظَ لفظُ الأمرِ، والمعنى على الخبر، قوله تعالى: (قلْ منْ كانَ في الضَّلالةِ فليمددْ له الرَّحمنُ مدَّا) ألا ترى أنَّ تأويلَ الأمرِ هنا لا يتوجَّه.
وممَّا اتَّصل به الجارُّ من الفاعلِ المظهرِ، قوله:
ألم يأتيكَ والأنباءُ تنمي ... بما لاقت لبونُ بني زيادِ
فالابتداءُ الذي بعدَ الفعل وخبره، اعتراضٌ، كما كان اعتراضاً في قولِ الآخرِ:
وقد أدركتني والحوادثُ جمَّةٌ أسنَّةُ قومٍ لا ضعافٍ ولا عزلِ
ومن ذلك قولُ النَّمر بن تولبٍ:
حتَّى إذا قسمَ النَّصيبُ وأصفقتْ ... يده بجلدةِ ضرعها وحوارها
ظهرتْ ندامتهُ وهانَ بسخطهِ ... شيئاً على مربوعها وعذارها
(1/440)

المعنى: هانَ سخطُه، فالجارُّ والمجرورُ في موضعِ رفع، كما كانا في (كفى باللهِ) كذلك، فأمَّا قولُ جريرٍ:
فأولعْ بالعفاسِ بني نميرٍ ... كما أولعتَ بالدَّبرِ الغرابا
فالجارُّ والمجرور في موضع نصب، ويدلُّك على ذلك أمران: أحدهما تعدَّى الفعل إلى مفعولين، ألا ترى أنَّ أولعْ تعدَّى إلى بني نميرٍ، وتعدَّى إلى العفاس بالباء، والآخرُ: تعدِّيه إلى المصدر، ألا ترى أنَّ المعنى: أولعهم بها إيلاعاً، كإيلاعك الغرابَ بالدَّبر، ومن ذلك ما أنشده أبو زيد:
مهما ليَ اللَّيلةَ مهما ليهْ ... أودى بنعليَّ وسرباليهْ
يجوز أن تكون الباءُ زيادةً، كأنه: أودى نعلايَ، فلحقت الباءُ، كما لحقتْ في (كفى باللهِ)، ويدلُّك على زيادة الباء ما أنشده أبو زيد:
أودى بنيَّ فما برحلي منهمُ ... إلاَّ غلاماً بيئةٍ ضنيانِ
(1/441)

فإن قلت: فلمَ لا تجعلُ الباءَ زيادةً في المفعولِ به، كقوله:
هنَّ الحرائرُ لا ربَّاتُ أحمرةٍ ... سودُ المحاجرِ لا يقرأنَ بالسُّورِ
ويكون الفاعلُ مضمراً، كأنه: أودى مودٍ بنعليَّ، فتضمرهُ للدَّلالةِ عليه، كما أضمر في قوله: (ثمَّ بدا لهمْ)، ونحو ذلك.
فالقولُ أنَّ هذا أضعفُ، لأنه ليس في مودٍ الذي تضمره زيادةٌ على ما استفدته في قوله: أودَى، وليس قوله سبحانه: (ثمَّ بدا لهمْ) كذلك، لأنَّ البداءَ والبدوَ قد صارا بمنزلة المذهبِ، في قولك: ذهبَ به مذهبٌ، وسلكَ به مسلكٌ.
فإن قلت: فلمَ لا تجعلُ فاعلَ أودى ذكراً يعودُ إلى ما في قوله: مهما لي الليلة؟
فإن ذلك أيضاً ليس بالقويِّ، لأنَّ المعنى يصيرُ كأنه: أودى شيءٌ بنعليَّ، فإذا جعلتَ الباءَ لاحقةً للفاعل، كان أشبه.
(1/442)

فأمَّ ما أنشده بعض البغداديِّين:
أما واللهِ عالمِ كلِّ غيبٍ ... وربِّ الحجرِ والبيتِ العتيقِ
لو أنَّكَ يا حسينُ خلقتَ حرَّاً ... وما بالحرِّ أنت ولا الخليقِ
فإنه يكون شاهداً على ما حكاه أبو عمرَ، من نصب خبر ما مقدَّما، ومن دفع ذلك أمكن أن يقول: إنَّ الباءَ دخلت على المبتدأ، وحمل ما على أنَّها التَّيميّة، كما دخلتْ على قولِ الأسود:
بشؤعها يسرٌ وغازٍ
ويقوِّي أنّ ما حجازيَّة أنَّ أنت أخصُّ من الحرِّ، فهو أولى بأن يكون
(1/443)

الاسمَ، ويكونَ الحرّ الخبر، فقدمت، ودخلت عليه الباءُ.
وأمَّا لحاقُ الجارِّ الفاعلَ، في غير الإيجاب، فكثيرٌ، نحو: ما جاءك من رجلٍ، وهل جاءك من أحدٍ؟ ولا تزيدُ مع الفاعل، من الحروف الجارَّة، غير الباء، في قول سيبويه، في الإيجاب، كما لم تزدْ فيه غير الباء، في المبتدأ، وذلك قولُه:
بحسبكَ في القومِ أن يعلموا ... بأنَّك فيهم غنيٌّ مضرّْ
وأجاز أبو الحسن زيادةَ من في الإيجاب، وممَّا يدلُّ على صحّةِ قوله، قولُ الأسودِ بن يعفر، يذكرُ عاداً:
هوى بهمْ من حينهمْ وسفاههمْ ... من الرِّيحِ لا تمرى سحاباً ولا قطرَا
المعنى: هوى بهم الرِّيحُ
وقال أحمدُ بن يحيى: روي قوله:
(1/444)

وكأنَّما ينأى بجانبِ دفِّها الوحشيِّ من هزجِ العشيِّ مؤوَّمِ.
هرِّ، وهرٌ. . .
فمن روى هرٍّ أبدله من هزج العشيِّ وكان موضعُ هزج رفعاً بأنه فاعلٌ.
ومن قال: هرٌّ فرفع، أمكن فيه أمران: أحدهما، أن تحمله على موضعِ الجارِّ والمجرور، والآخرُ: أن ترفعه بينأى.
وقال أحمدُ: المؤوَّمُ: المشوَّهُ الخلقِ، والهزجُ: الكثيرُ العواءِ باللَّيل.
وقال الأسودُ بن يعفر، فيما دخله الباءُ في الإيجاب، من المبتدأ:
فقلتُ بشرعها يسرٌ وغازٍ ... ومرتحلٌ إذا ارتحلَ الوفودُ
فدخولُ الباء على شرعك كدخولها على حسبك.
وممَّا دخله باءُ الجرِّ من المبتدأ قولُ راجزٍ، زعموا أنه جاهليٌّ:
نحن أرحنا الناس من عذابهِ ... ضربتُ بالسَّيفِ على نطابهِ
أتى به الدَّهرُ بما أتى بهِ
وأمَّا الفاعلُ المضمر، المسندُ إليه فعلُه، فعلى ثلاثةِ أضربْ:
أحدها: أن يكونّ ذكره وكنى عنه، والآخرُ: ألاَّ يكونَ ذكره جرى، ولكن دلَّ عليه مشاهدةُ حالٍ، فكان ذلك كجري الذِّكر. والثالث: أن يكون مضمراً، لا يستعملُ إظهاره.
(1/445)

فمثالُ ما ذكر فعاد الضميرُ إليه قولُ الشاعر:
مثلُ القنا سحجَ الثِّقافُ كعوبهُ ... فاهتزَّ، فيه لدونةٌ وذبولُ
ففي قوله: اهتزَّ ضميرُ القنا، وذكِّر كما ذُكِّرَ في قوله عزَّ وجلَّ: (الذي جعلَ لكمْ منَ الشَّجرِ الأخضرِ ناراً).
وقوله: فيه لدونةٌ وذبولُ في موضعِ نصبٍ بالحال، كأنَّه قال: اهتزَّ ليِّناً ذابلاً، ومثلُ هذا، في وصفِ الرُّمحِ باللِّين، قولُ الآخر:
لدنٌ بهزِّ الكفِّ يعسلُ متنهُ ... فيه كما عسلَ الطّريقَ الثَّعلبُ
أي يعسلُ في هزِّه، فأضمر الهزَّ، لتقدُّمِ ذكرهِ، والتقديرُ في قوله: يعسلُ متنه: يعسلُ هو، يريدُ أنه لا كزازةَ فيه إذا هززته، ولا جسوَّ، ومثلُ ذلك قولُ الآخر:
أو كاهتزازِ ردينيٍّ تعاورهُ ... أيدي التِّجارِ فزادوا متنه لينا
ومثلُ ذكر المتنِ في هذه المواضعِ، والمرادُ الجمهورُ قولُ الآخر:
يغشى قرى عاريةٍ أقراؤه
(1/446)

ألا ترى أنَّ المعنى: يغشى هذه الفلاةَ، ولا يريدُ تخصيصَ مكانٍ منها دونَ مكانٍ.
وممَّا أضمرَ لتقدُّمِ ذكره، قولُ النَّمر بن تولبٍ:
وكأنَّها دقرى تخيَّلُ، نبتها ... أنفٌ يغمُّ الضَّالَ نبتُ بحارها
ففي تخيُّلُ ذكرٌ يعودُ إلى دقرى، وهو اسم روضةٍ بعينها، ثمَّ صارت اسماً لكلِّ روضةٍ، فعلى هذا جمعه أبو داودٍ، فقال:
تخالُ مكاكيَّهُ بالضُّحى ... خلالَ الدَّقاريِّ شرباً ثمالا
فالدَّقاريُّ: الرِّياضُ، جمعه على حدِّقولك: نفى الدَّراهيمِ، أو شبَّهه بصحاريَّ، من حيث كان آخرُ كلِّ واحدةٍ من الكلمتين للتأنيث، كما قالوا: دنياويٌّ، فشبَّهوه بصحراويٍّ.
(1/447)

وقولُه: نبتُها أنفٌ ابتداءٌ وخبرٌ، وتكون الجملةُ في موضعِ الحالِ من الفاعل، فتقديره: مؤتنفُ النَّباتِ، فإن شئت كان العاملُ فيها: تخيَّلُ، وإن شئتَ ما في كأنَّ
من معنى الفعل.
ومعنى تخيَّلُ: تلوَّنُ.
وممَّا أضمر لتقدُّمِ ذكره، قول الشاعر:
أو تزجروا مكفهرَّاً لا كفاَء له ... كاللَّيلِ، يخلطُ أصراماً بأصرامِ
ففاعل يخلطُ الكفهرُّ، لا اللَّيلُ، لأنَّ الكفهرَّ يريد به الجيشَ الكثيرَ، الذي كأنَّ بعضه على بعضٍ، من كثرته، ومن هنا قيل: جيشٌ مجرٌ.
ومعنى خلطه صرماً بصرمٍ: هو جمعُ هذا الجيش بين من انفردَ عن أهله وبينَ أهله، خوفاً من القتل والقهر، ومثلُ هذا قولُ أبي ذؤيبٍ:
وزافتْ كموجِ البحرِ يسمو أمامها ... وقامتْ على ساقٍ وآنَ التَّلاحقُ
أي تلاحقُ كلِّ منفردٍ عن أهله، في محلِّه بأهله، ومثله قولُ رؤبةَ:
وأجمعتْ بالشَّرِّ أن تلفَّعا ... حربٌ تضمُّ الخاذلين الشُّسَّعا
(1/448)

أي تجمع بين من شسع عن أهله.
وأمَّا قولُ الأسودِ بن يعفرَ:
شطَّت نوى تنهاةَ من أن توافقا ... فبانتْ فشاقَ البينُ من كان شائقا
ففاعلُ توافقا يمكن أن يكونَ النَّوى، ويمكن أن يكون المرأةَ، فإن جعلتَ الفاعل اسمَ المرأة، كان المعنى: شطَّتْ من أن توافقنا في محضرٍ أو مبدىً، وإن جعلتَ الفاعلَ النَّوى، كان المعنى: شطَّتْ من أن توافقنا نواها، والموافقةُ في ذلك: أن يجتمعا حيث انتوتْ، والدليلُ على جواز إسنادِ الموافقةِ إليها، ما أنشده أبو زيد:
فإنْ لا توافقنا أميمةُ في النَّوى ... نزرها بفتلاءِ الذِّراعين عنسلِ
ويجوز أن يكون فاعلَ في معنى افتعل، كما كان افتعل بمنزلةِ فاعلَ في ازدوجوا، ونحو ذلك، فيكون المعنى: شطَّتْ من أن تتَّفق في إقامةٍ في موضعٍ.
فأمَّا قوله: من كان شائقاً ففاعلُ كان البينُ، كأنّه: من كان البينُ شائقه، فحذف
الذِّكرَ العائدَ من اسمِ الفاعلِ إلى الموصول، كما يحذفه من الفعل، ومن ذلك قولُ ذي الرُّمَّة:
فتنظرَ إنْ مالتْ بصبري صبابتي ... إلى جزعي أم كيفَ إن كان، أصبرُ
(1/449)

ففاعلُ كان جزعي، التقديرُ: أم كيف أصبرُ إن كان جزعي، أي إنْ وقع، ففي كان ضميرُ الجزع، الذي تقدَّم ذكره، ومن ذلك قولُ الآخر:
أهويتُ سيفي وما أدري أذالبدٍ ... يغشى المهجهجَ، عضَّ السَّيفُ أم رجلا
فقوله: يغشى صفةُ ذالبدٍ، وفاعلُ يغشى ذو اللَّبدِ، الذي تقدَّم ذكره، والتقديرُ: وما أدري أعضَّ السَّيفُ ذالبدٍ، يغشى المهجهجَ، أم رجلاً؟ والمعنى: أنه لم يفصل بينَ الرجلِ المهوى السَّيفُ نحوه، وبين الأسدِ، ومن ذلك قول الحارثِ بن زهير، في قتله حذيفةَ بن بدر:
تركتُ على الهباءةِ غيرَ فخرٍ ... حذيفةَ حولهُ قصدُ العوالي
ولولا ظلمهُ حنشَ بنَ عمروٍ ... إذاً لاقاهمُ وابنا بلالِ
ويخبرهمْ مكانَ النُّونِ منِّي ... وما أعطيتهُ عرقَ الخلالِ
(1/450)

فاعلُ يخبرهم المقتولُ، المقدَّمُ ذكره، وهو حذيفةُ، هكذا سمعته بالنَّصب.
ويجوز أن تجعلَ مكانَ فاعلَ يخبر.
والعرقُ: المكافأةُ، والمودَّةُ.
والخلالُ: الخلَّةُ. يقول: لم يعطوني السَّيفَ، الذي هو ذو النُّون، عن مودَّةٍ، ولكنْ قتلتُ، وأخذتُ.
وحنشُ بن عمروٍ نداءٌ.
ومن ذلك قوله:
ومجوَّفاتٍ قد علا ألوانها ... أسآرُ جردٍ مترصاتٍ كالنَّوى
(1/451)

ففاعلُ علا التَّجويفُ، وأضمر، لأنَّ المجوَّفاتِ قد دلَّ عليه، فصارَ تقدُّمُ ذكرِ
المجوَّفات، كتقدُّم ذكرِ التَّجويف. فأما قوله:
فلم يبقَ منها سوى هامدٍ ... وسفعِ الخدودِ وغيرُ النُّؤى
(1/452)

فيجوز أن يكونَ في لم يبقَ ذكرٌ ممَّ قد جرى ذكره.
وسوى في موضعِ نصبٍ بأنّه ظرفٌ، ويجوز أن يكون جعله فاعلاً للضَّرورة، كما جعله الآخرُ، الممدودَ، اسماً لذلك في قوله:
تجانفُ عن جلِّ اليمامةِ ناقتي ... وما قصدتْ من أهلها لسوائكا
ومن ذلك قولُ أوسِ بن حجر:
كأنَّ جديدَ الأرضِ يبليكَ عنهمُ ... تقيَّ اليمينِ بعد عهدكَ حالفُ
موضع يبليك نصبٌ على الحال، كأنَّ جديدَ الأرضِ مبلياً.
وفاعلُ يبليك جديدُ الأرضِ، وتقيَّ اليمين منتصبٌ بيبليك، وهو المفعول الثاني.
أخبرنا محمد بن السَّريّ، قال: يقال: أبلني يميناً، أي احلف لي.
وأمَّا قوله: بعدَ عهدك فمتعلِّقٌ بأحدِ شيئين: يجوز أن يكون معمولَ جديد، أي كأنَّ ما جدَّ بعد عهدك، ومعنى جدَّ بعدَ عهدك: أي درستِ الآثارُ، والعلاماتُ التي كانت عليها وبها، فصارتْ أرضاً جديداً، كأنَّها لم تحلَّ، ولم ترعَ، فيكونَ فيها أثرُ تخييمٍ وتطنيبٍ، ومختبزٍ ومشتوىً، ونحوِ ذلك من الآثار، التي تدلُّ على قربِ عهد الحالِّ بها.
(1/453)

ويجوز أن يكون متعلِّقاً بحالفٍ، تقديره: كأنَّ جديدَ الأرضِ حالفٌ بعد عهدك، أنَّهم لم يسكنوه، لتقدُّمِ عهدهم، وامِّحاءِ آثارهم. وحالفٌ خبرُ كأنَّ.
فأمَّا ما أضمرَ ممَّا لم يجرِ له ذكرٌ، ولكن ذلّتْ عليه حالٌ مشاهدةٌ، فنحو ما قال سيبويه، من قولهم: إذا كان غداً فأتنا، والمعنى: إذا كان ما نحنُ عليه، من الرَّخاء، أو البلاء، في غدٍ، فأضمر الفاعلَ، لدلالة الحالِ عليه، ومثل ذلك من الشِّعر، قولُ الأسودِ بن يعفر:
فلن تعدمي منَّا السَّراةَ أولِي النُّهى ... إذا قحطتْ والمسمحينَ المساحقا
ومن ذاك ما رويَ لنا، أنَّ يعقوبَ أنشده لحميد بن ثورٍ، وزعم أنه أوَّلُ قصيدةٍ:
وصهباَء منها كالسفينةِ نضَّجتْ ... به الحملَ حتى زادَ شهراً عديدها
يجوز في العديد أن يكونَ في معنى المعدود، وأن يكون فاعلاً.
قال: صهباء: ناقةٌ.
ومنها يعني من الإبل، أضمرها ولم يجرِ لها ذكرٌ. وهذا وإن لم يكن فاعلاً، فالفاعلُ في حكمه.
والحمل منصوبٌ، ولم يجر في البيت ذكرُ أمِّها، فقد أضمرها، ولم يجرِ لها ذكرٌ.
(1/454)

والحملُ مصدرٌ، جعلَ ظرفاً، مثل مقدمِ الحاجِّ.
وتقدير نضَّجتْ به الحملَ: أي في الحملِ، والباءُ زائدةٌ، أي نضَّجته.
وقوله: حتى زاد شهراً عديدها أي حتى زاد شهراً شهورُ عددها. ومعنى شهورها شهورُ حملها، فحذف المضافَ في الموضعين، ومن ذلك قولُ أبي دؤاد الإياديّ:
ألا من رأى لي رأيَ برق شريقِ ... أسالَ البحارَ فانتحى للعقيقِ
إذا ما أقولُ أوسعَ الأرضَ كلَّها ... تلألأَ في مخيلةٍ وخفوقِ
قوله: أسالَ البحارَ تقديره: أسالَ سحابهُ البحارَ، أي سقيا سحابه، أو مطرُ سحابه، أي سحابُ البرق، فحذف، وصارَ في أسالَ ضميرُ البرق، ويدلُّك على أن المعنى على حذف المضاف، أنَّ البرقَ لا يسيل البحارَ.
ومثل ذلك في حذف الاسمين في الإضافة قوله:
فأدرك إبقاَء العرادةِ ظلعها ... وقد جعلتني من حزيمةَ إصبعا
(1/455)

أي جعلتني من حزيمةَ ذا إصبعٍ، أي ذا مسافةِ إصبعٍ، ومثل ذلك قولهم: أنت منِّي فرسخانِ، ومن ذلك قولُ الأسود بن يعفر:
اللِّحاءُ: من الملاحاة، أي لا يعتري أصحابَ خمرنا، أي أصحابَ شربها.
ويوهبُ فيها: أي في شربها، أي في وقتِ شربها، فقد حذف في كلِّ واحدٍ من الموضعين في البيت، اسمين، كما رأيتَ، وكذلك قولُ مزرِّدٍ:
فدتكَ عرابَ اليومَ أمِّي وخالتي ... وناقتيَ النَّاجي إليك بريدها
أي ذو بريدها، أي سيرِ بريدها، ألا ترى أن النَّاجيَ الرجلُ السَّائرُ البريدَ على
(1/456)

النَّاقةِ، وليس النَّاجي بالبريد، وأضاف البريدَ إلى النَّاقة، لمَّا كان بسيرها، كما أضافَ الإناءَ إلى الشَّارب منه، في قوله:
ذا إنائكَ أجمعا
فأمَّا البحارُ فجمع بحرٍ، وليس الذي هو خلافُ البرِّ، ولكن الأريافُ، من ذلك قوله عزَّ وجلَّ: (ظهرَ الفسادُ في البرِّ والبحرِ) فسِّرَ أنه الجدبُ في البرِّ والرِّيفِ، الذي هو خلافُ البرِّ، وأنشد الأصمعيُّ، فيما روى عنه أبو نصر:
حسبتَ فيها تاجراً بصريَّا ... نشَّر من ملائه البحريّا
قال: أرادَ بالبحريّ الرِّيفيَّ، وقيل في قولِ النَّمرِ بن تولبٍ:
وكأنَّها دقرى تخيَّلُ، نبتها ... أنفٌ يغمُّ الضَّالَ نبتُ بحارها
إنَّ البحارَ جمعُ بحرةٍ، وهي الرِّياضُ، وهذا قريبٌ من الأوَّل.
وقوله:
إذا ما أقولُ أوسعَ الأرضَ كلَّها
(1/457)

تقديره: إذا أقولُ: أوسعَ السَّحابُ الأرضَ كلَّها، غيثاً، تلألأ في مخيلةٍ، ففاعلُ أوسعَ السَّحابُ أيضاً، ولم يجرِ له ذكرٌ، وحذف المفعولَ الثَّاني، الذي ثبت في قوله:
أوسعتهمْ سبَّاً وأودوا بالإبل
وأضمرَ السَّحابَ، وإن لم يذكرْ، لدلالةِ البرقِ عليه، كما دلَّ عليه في البيت الأوَّل، وكما دلَّ على الرَّعد، في قوله:
أمنكِ البرقُ أرقبهُ فهاجا ... فبتُّ إخالهُ دهماً خلاجا
أي إخالُ الرَّعدَ، فأضمره، وإن لم يجرِ له ذكرٌ.
والمعنى وصفُ السَّحابِ بغزرِ المطر، أي إذا قلتُ: أوسعَ الأرضَ سقياً فالآنَ تصحو، تلألأَ في مخيلةٍ، أي تلألأَ البرقُ في مخيلةٍ، فدلَّ ذلك على استئنافِ مطرٍ، وإثجامِ غيمٍ.
والمخيلةُ: الخلاقةُ للمطر، والتَّهيُّؤُ له، يقال: أخيلتِ السَّماءُ، وخيَّلتْ، وسحابٌ ذو مخيلةٍ، وما في الحديث، من قوله: كان إذا رأى مخيلةً تقديره إقامةُ الصِّفةِ مقامَ الموصوفِ، وحذفُ المضافِ، كأنه: إذا رأى سحاباً ذا مخيلةٍ، والمخيلةُ: مصدرٌ على مَفْعَلَةٍ، كالمسيرِ، والمبيتِ، (ويسألونكَ عنِ المحيضِ)، ومن الصَّحيح: (إليَّ مرجعكمْ).
(1/458)

ويجوز أن يكون أقولُ بمعنى أظنُّ، وهو أشبهُ، كأنّه: إذا ما أظنُّ السَّحابَ أوسعَ الأرضَ كلَّها سقيا، فحذف المفعولَ الأولَ، والمعنى: إذا ظننتُ أنَّ الغيثَ أوسعَ الأرضَ جميعاً سقيا، فقد أنى أن يجثمَ لم يكن كذلك، ورأيتُ سحاباً ذا مخيلةٍ.
وقد يستعملُ أقولُ بمعنى أقدِّرُ، كأنّه: إذا قدَّرتُ، والمعنيان متقاربان، وقيل في قولِ الحطيئة:
إذا قلتُ آيبٌ أهلَ بلدةٍ ... رفعتُ بها عنها الوليَّةَ بالهجرِ
ويجوز أن يكون: إذا أظنُّ أنْ أوسعَ، فحذفَ أنْ مع الماضي، كما يحذفُ مع المضارع، في نحو: (تظنُّ أنْ يفعلَ بها فاقرةٌ) فإذا قدَّرته كذلك، كان الفعلُ في موضعِ اسمٍ، كما كان نحو قوله:
وحقُّك تنفى من المسجدِ
تقديره: وحقُّك النَّفيُ، وإن شئتَ كان الموضعُ للفعل، من غير أن تقدِّرَ فيه معنى
(1/459)

الاسم، يدلُّك على ذلك ما أنشده أبو زيد:
ولا يلبثُ الحرُّ الكريمُ إذا ارتمتْ ... به الجمزى قد شدَّ حيزومَها الضَّفرُ
سيكسبُ مالاً أو يفيءُ له الغنى ... إذا لم تعجِّلهُ المنيَّةُ والقدرُ
فقوله: سيكسبُ مالاً يدلُّ على وقوعِ الفعلِ موقعَ الاسم، في نحو ما أنشده أبو زيد، من قوله:
فقالوا ما تشاءُ فقلتُ ألهو ... إلى الإصباحِ آثرَ ذي أثيرِ
وفي نحو: تسمعُ بالمعيديّ، ونحو ذلك، لا على تقدير حذفِ أنْ،
(1/460)

ألا ترى أنَّ تقدير دخولِ أنْ مع السِّين، ولا يستقيم تقدير الحالِ أيضاً، لمكان السِّين، والمعنى: لا يلبثُ عن أن يكسبَ مالاً، فدلَّ سيكسبُ على ذلك.
ومثلُ هذين البيتين، في أنَّ الفاعلَ أضمرَ فيهما، ولم يجرِ له ذكرٌ، قول أبي دوادٍ أيضاً:
تهبَّطنَ من دونِ السَّماءِ تهبُّطاً ... كأنَّ بثنييه عفاَء نعامِ
فهذا في المعنى كقوله:
فويقَ الأرضِ هيدبه
وتهبَّطنَ: يكون الضَّميرُ الذي فيه للسَّحاب، وجمع، كما قال تعالى: (السَّحابَ الثِّقالَ)، ودلَّ عليه البرقُ في قوله قبلُ:
(1/461)

أعنِّي على برقٍ أراهُ تهامِ
وما ذكرناه أبينُ من أن تجعلَ الضَّميرَ للخيل المذكورة قبلَ البيتِ في قوله:
تكشُّفَ عوذِ الخيلِ تحمي فلاءها ... إلى جنبِ أخرى بالقنيِّ قيامِ
ألا ترى أنَّ السَّحابَ يشبَّهُ بالإبلِ، وفي أكثرِ الأمرِ، دونَ الخيلِ.
وقال: كأنَّ بثنييه فذكَّر، كما قال تعالى: (يزجي سحاباً ثمَّ يؤلِّفُ بينهُ، ولو قال: بثنييها، كما قال: (أعجازُ نخلٍ خاويةٍ) لاستقام، ومثلُ قوله: (السَّحابَ الثِّقالَ)، ما أنشده يعقوبُ:
يكفيكَ تشبيطَ القتادِ الملحِ ... داجنةٌ تدأبُ حتَّى الصُّبحِ
تعلو الحزابيَّ بقطرٍ فطحِ
(1/462)

فالملحُ: جمعُ أملحَ، والفطحُ: فسَّره يعقوبُ بالعراض، وقد جمع النابغةُ بين القولين، في قوله:
إلى حمامٍ سراعٍ واردِ الثَّمدِ
وممَّا أضمر، ولم يجرِ له ذكرٌ من الفاعل، قولُ الهذليِّ:
أفعنكِ لا برقٌ كأنَّ وميضه ... غابٌ تسنَّمهُ ضرامٌ مثقبُ
سادٍ تجرَّمَ في البضيعِ ثمانياً ... تعلو بعيقاتِ البحارِ وتجنبُ
سادٍ: فيه قولان، فيما رواه لنا محمد بن السَّريّ، أحدهما: من الإسآدِ، وهو سيرُ اللَّيل، أراد: سائدٌ، فقلب.
قال: والقولُ الآخر: سادٍ: مهملٌ.
قال أبو عليٍّ: فالقولُ الأوَّلُ يكون على أنه حذف الهمزةَ، كما حذفت في ليلٍ غاضٍ، وقوله:
(1/463)

ومختبطٌ ممَّا تطيحُ الطَّوائحُ
ونحو ذلك، ويكون مع قلبه الكلمةَ، أبدلَ الهمزةَ إبدالاً، ولم يخفِّفها تخفيفاً قياسيَّاً. والقولُ الآخرُ: من قوله سبحانه: (أيحسبُ الإنسانُ أن يتركَ سدىً).
(1/464)

ويجوز أن يكون من السَّدى، الذي هو النَّدى.
فأمَّا فاعل تجرَّمَ فالقولُ فيه أنَّك إن جعلتَ قوله: سادٍ من أسأدتُ، فإنَّه على هذا من صفةِ البرق. قا أبو زيد: عملَ البرقُ يعملُ عملاً: إذا دأبَ ليلته، لا يفترُ، وعلى هذا قوله:
باتتْ طراباً وباتَ اللَّيلَ لم ينمِ
فإذا كان هذا صفةً للبرق، ففاعلُ تجرَّمَ يكون على ضربين، أحدهما: أن يكون أضمرَ السَّحابَ، وإن لم يجر له ذكرٌ، لدلالةِ ذكرِ البرقِ عليه، كما أضمرَ الرَّعدَ،
(1/465)

لدلالةِ البرقِ عليه، في قوله:
أمنكِ البرقُ أرقبه فهاجا ... فبتُّ إخاله دهماً خلاجا
أي إخالُ الرَّعدَ دهماً، أي صوتَ دهمٍ، إلاَّ أنه أضمره لجريِ ذكرِ البرقِ، الدَّالِّ على الرَّعد.
والآخرُ: أن يكون أراد: تجرَّمَ سحابه، أي سحابُ هذا البرقِ، فحذف المضافَ الذي هو سحاب، المضافُ إلى ضميرِ البرق، وأضمر البرقَ، فكأنه: تجرَّمَ البرقُ، والمرادُ سحابُ البرقِ، أي تقطَّع السَّحابُ، وتفرَّق في هذا الموضع، ليأخذ منه الماءَ، كما قال:
شربنَ بماء البحرِ ثم ترفَّعتْ ... متى لججٍ خضرٍ لهنَّ نئيجُ
ويدلُّك على إرادته السَّحابَ، قوله:
تعلو بعيقاتِ البحورِ وتجنبُ
أي تصيبها الرِّيحُ الجنوبُ، ليكونَ ذلك أغزر لمائه، وأدرَّ له.
فأمَّا قوله: بعيقاتِ البحورِ، فيحتمل أمرين، أحدهما: أن يعلو بماءِ عيقات البحور، فحذف المضافَ، ويكون قوله: يعلو بعيقاتِ البحورِ كقوله: ثم ترفَّعتْ.
والآخرُ: أن يكون المعنى: فيعلو السَّحابُ في هذا الموضع.
(1/466)

فالباءُ على الوجه الأوَّل داخلةٌ على المفعول به، وعلى هذا القول الثاني ظرفٌ، كقولك: فلانٌ بمكة.
ومن قدَّر سادٍ فاعلاً من السَّدى، الذي هو النَّدى، فإنَّ سادٍ ينبغي أن يكون خبرَ ابتداءٍ محذوف، تقديره: سحابه سادٍ، أي ندٍ، فيكون سادٍ من صفة السَّحاب، ولا يكون من صفة البرق، على هذا التأويل، ألا ترى أنَّ البرقَ لا يوصفُ بالنُّدوَّةِ، فإذا كان كذا، كان فاعلُ تجَّرمَ ضميرَ السَّحاب، الذي لو كان هذا المبتدأُ مظهراً، عاد الذِّكرُ إليه.
ومن جعل: سادٍ من السُّدى، الذي هو الإهمالُ، وخلافُ ضبط الشَّيءِ وحصره، كان سادٍ في موضع رفعٍ، على أنه صفةُ البرق، ولا يمتنعُ البرق أن يوصف بذلك، كأنه لكثرته، ودؤوبه في ليلته، خرج عن الحصرِ والضَّبط، فلا يمتنعُ وصفُ البرقِ بسادٍ، إذا كان من هذا الوجه، كما امتنع من الوجه الآخر، ومن ذلك قوله:
فتوضحَ فالمقراةِ لم يعفُ رسمها ... لما نسجتها من جنوبٍ وشمألِ
يجوز أن يكون فاعلُ نسجتْ الرِّيح، وأضمرها لدلالة الكلامِ عليها، فيكون كهذه الأبيات التي ذكرناها.
ويدلُّك على جواز إسنادِ نسجتْ إلى الرِّيح المضمرةِ، قولُ جريرٍ:
نسجً الجنوبُ مع الشَّمالِ رسومها ... وصباً مزمزمةُ الحنينِ عجولُ
(1/467)

وقال:
ومغيرةٍ نسجَ الجنوبِ شهدتها ... خلقتْ معاقهما على مطوائها
ويجوز أن تكون: من زائدةً في الإيجاب، على قولِ أبي الحسن، فيكون الجارُّ والمجرورُ في موضع رفعٍ، بأنه فاعلٌ، كأنه: لما نسجتها جنوبٌ وشمألٌ.
ويجوز أن يكون فاعلُ نسجتْ ضميرَ ما، وأنَّث على المعنى، كما قالوا: ما جاءتْ حاجتك، فأنَّث ضميرَ ما حيث كانت الحاجةَ في المعنى، ويكون الجارُّ على هذا القول تبييناً.
ويجوز إذا جعلتَ من زائدةً، في قولِ أبي الحسن، أن تجعلَ ما مصدراً، فلا يقتضي أن يعودَ عليه ذكرٌ، فتكون الهاءُ في نسجتها للمقراةِ، ويجوز أن تكون الهاءُ للمواضع المذكورةِ كلها.
(1/468)

وقال: لم يعفُ رسمها، ولم يقل: رسومها، كما قال:
وأمَّا جلدها فصليبُ
وقد يجوز في الرَّسم، أن يكون واحداً، يرادُ به الجميعُ، إذا أعدتَ الهاءَ إلى المقراةِ، لأنَّ الموضعَ الواحدَ قد تكون له عدَّةُ رسومٍ، ومن ذلكقولُ الرَّاعي:
فباتَ يريه عرسه وبناتهِ ... وبتُّ أراعي النَّجمَ أين مخافقهْ
فاعلُ يريه النَّومُ، وإنَّما يصفُ بذلك جلده وتيقُّظه، وأنه خلافُ هذا النَّؤوم، المؤثرِ للدَّعةِ، ومن ذلك قولُ ذي الرُّمَّة:
ما زال مذ وجفتْ في كلِّ هاجرةٍ ... بالأشعثِ الوردِ إلاَّ وهوَ مهمومُ
ففاعلُ وجفتْ الأرضُ، وقد أضمرها.
فأمَّا الفاعلُ المضمر في الفعل، الذي لا يجوزُ إظهاره، فنحو: نعم رجلاً، وبئسَ غلاماً، وكان زيدٌ منطلقٌ، وقد ذكرتُ الدَّلالةَ على ذلك في المسائل الحلبيَّة، وسنذكرُ شيئاً منه عندَ ذكرِ العواملِ الداخلةِ على الابتداء والخبر، من هذا الكتاب.
-
(1/469)

باب
يجمع ضروباً من هذا الباب
قال الشاعر:
ما يضرُّ البحرَ أمسى زاخراً ... أنْ رمى فيه غلامٌ بحجرْ
القولُ في فاعل يضرُّ أنه يحتملُ أن يكون أحد شيئين، أحدهما: أن تجعلَ ما استفهاماً، فيصيرُ في يضرُّ ضميرها، ويكون أن رمى في موضع نصبٍ، على هذا، فيكون التقدير: بأنْ رمى فيه، كأنّه: أيُّ شيءٍ يضرُّ يرمي غلامٌ فيه بالحجر؟
ويجوز أن تجعلَ ما نفياً، فيصيرُ موضعُ أنْ رمى رفعاً، بأنه فاعلٌ، تقديره: ما يضرُّ البحرَ رميُ غلامٍ فيه بحجرٍ، ومن ذلك قوله:
ما ضرَّ تغلبَ وائلٍ أهجوتها ... أم بلتَ حيثُ تناطحَ البحرانِ
إن جعلتَ ما استفهاماً، صارَ في ضرَّ ذكرٌ، يكون فاعلَ قولك: ضرَّ،
(1/470)

وعائداً إلى المبتدأ، كقولها:
ما كان ضرَّك لو مننتَ ورُّبما ... منَّ الفتى وهو المغيظُ المحنقُ
فكما أنّ فاعلَ ضرّك في هذا البيت، في المعنى ما يعودُ إلى ما كذلك يكون قوله: ما ضرَّ تغلبَ وائلٍ: أيُّ شيءٍ ضرَّها. وهذا هو الوجهُ.
فإن قلت: فهل يجوزُ أن أجعلَ ما نفياً، في قوله: ما ضرَّ تغلبَ وائلٍ؟ فإنَّك إن جعلتها كذلك لم يكن للفعلِ فاعلٌ.
فإن قلت: أجعلُ الفاعلَ فيه أحد شيئين، أحدهما: أنَّي إذا قلتُ: ما ضرَّ، دلَّ الفعلُ على المصدر، فأجعلُ الفاعلَ ضميرَ المصدر، فيكون التقديرُ: ما ضرَّها ضرٌّ، أو ضيرٌ، لأنه بمعنى الضُّرِّ، وقد قال: (لا ضيرَ)، فأجعله بمنزلةِ: قيلَ فيه قولٌ، وذهبَ به مذهبٌ، ويكون قوله:
أهجوتها أم بلتَ حيث تناطحَ البحرانِ
اتِّصاله بالكلام على المعنى، كأنه يريد: هجوكَ لها وبولك في هذا المكان سواءٌ، في أنَّهما لا يضرُّانها، ويقوِّي ذلك أنه ليس باستفهام، ألا ترى أنه ليس يستفهمه عن ذلك، ومثل هذا في تأويل سيبويه، قولُ الشاعر:
فقلتُ تحمَّلْ فوق طوقك إنَّها ... مطبَّعةٌ من يأتها لا يضيرها
(1/471)

ألا ترى أنّ الفاعلَ لا يكونُ إلاَّ ما دلَّ عليه يضيرها، لأنه ليس في الكلام ما يجوز أن يكون فاعلاً غيرَ ذلك.
والآخر: أن يكون الكلامُ محمولاً على المعنى، فيكون الفاعلُ ما دلَّ عليه أهجوتها أم بلتَ، كأنه قال: ما ضرَّ تغلبَ وائلٍ هجاؤك وبولك بهذا المكان، وحسَّن تجويزَ ذلك، أنَّ ما ذكرنا من هذين الاسمين قد تعاقبا لفظَ الاستفهام، فجاءَ: (سواءٌ عليهمْ أستغفرتَ لهمْ أمْ لمْ تستغفرْ لهمْ)، وقال:
سواءٌ عليك اليومَ أنصاعتِ النَّوى ... بخرقاَء أم أنحى لكَ السَّيفَ ذابحُ
وقال:
ولا أنا ممَّن يزجرُ الطَّيرَ همُّهُ ... أصاحَ غرابٌ أم تعرَّضَ ثعلبُ
فما دخلتْ عليه الهمزةُ وأم في موضع خبر المبتدأ، وقال النَّمر بن تولب:
سواءٌ عليها الشَّيخُ لم يدرِ ما الصِّبا ... إذا ما رأتهُ والألوفُ المقتَّلُ
(1/472)

فكما كان هذان الاسمان في موضعِ خبر المبتدأ، كذلك يجوز أن يكونا فاعلين في هذه المواضع، ويحملُ الكلامُ على المعنى.
وإن شئتَ جوَّزتَ في قولها:
ما كان ضرَّك لو مننتَ
أن تكون ما نافيةً، فأضمرتَ في الفعل الضُّرَّ، أو الضَّيرَ.
ولا يستقيمُ أن تجعلَ المنَّ الذي دلَّ عليه قولها: لو مننتَ الفاعلَ، كما استقام ذلك في همزة الاستفهام، وأمْ، ألا ترى أنه ليس في لوْ ما في الهمزة وأم من معاقبة الاسمين بعدَ لوْ كما تعاقبا بعدَ سواءٍ في قولِ النَّمر، ونحوه.
ومن ذلك قولُ الأسودِ بن يعفر:
تحاماكَ الحتوفُ وأفلتوني ... أخو الملهوفِ والبطلِ المحامي
الواو في أفلتوني ضميرٌ لما يتقدَّم ذكره، وليس على أكلوني البراغيثُ،
(1/473)

فهو في المعنى كقول الآخر:
يموتُ الصَّالحون وأنت حيٌّ ... تخطَّاك المنايا لا تموتُ
ونحوهُ في المعنى قولُ الشَّمَّاخ:
ولكنِّي إلى تركاتِ قومي ... بقيتُ وغادروني كالخليعِ
ومثلُ قولِ الأسودِ: وأفلتوني، وهو يريدُ الموت، قولُ النَّمر بن تولبٍ:
شهدتُ وفاتوني وكنتُ حسبتني ... فقيراً إلى أن يشهدوا وتغيبي
وقال: تحاماكَ الحتوفُ، فجاء به على الخطاب، كما قال الأعشى:
شتَّانَ ما يومي على كورها ... ويومُ حيَّانَ أخي جابرِ
(1/474)

أرمي بها البيدَ إذا هجَّرتْ ... وأنتَ بينَ القروِ والعاصرِ
يريد: وأنا كذلك، ألا ترى أنَّ قبله:
أرمي بها البيدَ إذا هجَّرتْ
وقوله: أخو الملهوف بدلٌ من الضَّمير الذي في أفلتوني، وهو اسمٌ مضافٌ مفردٌ، يرادُ به الكثرةُ، وفي التنزيل: (وإن تعدُّوا نعمةَ اللهِ لا تحصوها)، ولا ينبغي أن يكونَ على: ضربَ زيدٌ رأسه، لأنه لا يريدُ أنَّ بعضَ من فاته أخو الملهوف، ولكنْ جميعهم، وعكسُ هذا في البدل، ما أنشده أبو عبيدة:
وأدخلُ الجوفَ أجوافَ البيوتِ على ... مثلِ النِّساءِ رجالٍ ما لهمْ غيرُ
فالجوفُ واحدٌ، يرادُ به الكثرةُ، ألا ترى أنه لا يخلو من أن يرادَ به الإفرادُ أو الكثرةُ، فلو أريدُ به المفردُ، لم يجزْ، لأنَّ البدلَ إنما يكون وفقَ المبدلِ منه، أو بعضه، ولا يكونُ أن يزيدَ عليه.
فإذا كان كذلك علمتَ أن الجوفَ يرادُ به الكثرةُ، فلذلك استقام أن تبدلَ
(1/475)

الأجوافُ منه، فصار بمنزلةِ: ضربتُ زيداً رأسه، ومثل ذلك في أنه أريدَ بالمفردِ فيه الكثرةُ، قولُ النَّمر:
حتى إذا قسمَ النَّصيبُ وأصفقتْ ... يده بجلدةِ ضرعها وحوارها
أراد بالنَّصيب الأنصباءَ، ألا ترى أنَّ الميسرَ إنَّما تكون فيه أنصباءُ عدَّةٌ، ليس نصيباً واحداً.
وقال ذو الرُّمَّة:
إذا تنازعَ جالاَ مجهلٍ قذفٍ ... أطرافَ مطَّردٍ بالحرِّ منسوجِ
تلوى الثَّنايا بأحقيها حواشيهُ ليَّ الملاءِ بأبوابِ التَّفاريجِ
كأنَّه والرَّهاءُ المرتُ يركضهُ ... أغراسُ أزهرَ تحتَ اللَّيلِ منتوجِ
فاعلُ يركضُ لا يخلو من أن يكون الآل، أو الرَّهاءَ المرت، فالدَّليلُ على
(1/476)

أنه الآلُ، دونَ الرَّهاء، أنهم يصفون الآل برفعِ الموضعِ الذي يكونُ فيه، فمن ذلك قوله:
ورفَّع الآلُ رأسَ الكلبِ فارتفعا
المعنى: رفع الآلُ هذه الهضبةَ، التي هي رأسُ الكلب، وكان القياسُ: رفَّعها فترفَّعتْ، إلاّ أنَّ ارتفع جاء كقوله:
وقد تطوَّيتُ انطواءَ الحِضبِ
لأنَّ ارتفع مطاوعٌ، كما أنَّ ترفَّع كذلك، ومن ذلك قوله:
وساحرةِ السَّرابِ من الموامي ... ترقَّصُ في عساقلها الأرومُ
(1/477)

فالتَّرقُّصُ ارتفاعٌ من المترقِّص، وكذلك قولُ الآخر:
وهمَّ رعنُ الآلِ أن يكونا ... بحراً يكبُّ الحوتَ والسَّفينا
تخالُ فيه القنَّةَ القنونا ... إذا بدتْ نوبيَّةً زفونا
كان التقدير: تخالُ فيه القنَّةَ ذات القنون، أي التي تكون معها، نوبيَّةً زفوناً، فالمفعولُ الثاني نوبيَّة، لأنَّ القنَّةَ السَّوداء، لاهتزازها في منظرة العين شبَّهها بنوبيَّةٍ تزفنُ، فكما وصفَ بالتَّرقُّصِ، وصفَ بالزَّفن، ولا يكون القنونا المفعول الثانيَ، لأنه لا يخالُ في الآلِ، الشيءُ الواحدُ، اشياءَ، ولكن يخالُ أنها تهتزُّ وترتفعُ، ومن ثمَّ قالوا: زهاهمُ الآلُ، ومن ذلك قوله:
إذا الشَّخصُ فيها هزَّهُ الآلُ أغمضتْ ... عليه كإغماض المقضِّي هجولها
هجولها: فاعلُ أغمضتْ، والهجلُ: بطنٌ من الأرضِ، والمعنى: أنه جعل انتفاءَ استبانةِ الشَّخص فيه، بمنزلةِ إغماضةِ العين على الشيء، والتقدير: أغمضتْ مثل إغماضِ الميِّتِ، لأنَّ المقضِّيَ الميِّتُ.
والهزُّ: تحريكٌ كالرَّقص، ويدلُّ على أنّ الهزَّ في ارتفاعٍ قوله:
ورفَّع الآلُ رأسَ الكلبِ فارتفعا
(1/478)

فإذا كان الآلُ هو المحرِّكَ، والرافعَ لهذه المواضع التي تكون فيه، فكذلك فاعلُ يركضُ هو السَّرابُ. والضَّميرُ الذي في قوله: كأنَّه هو للآلِ، أي: والرَّهاءُ المرتُ يركضُ الآلَ، وركضهُ إيَّاه هو كهزِّه له، ويكون ذلك في ارتفاعٍ، بدلالة ما أنشدناه.
وإذا كان كذلك علمتَ أن قوله:
كأنَّنا رعنُ قفٍّ يرفعُ الآلا
على القلب، والمعنى: يرفعه الآلُ، فقلب، كقوله:
مثلُ القنافذِ هدَّاجونَ قد بلغتْ ... نجرانَ أو بلغتْ سوآتهمْ هجرُ
فعلى قياسِ القلب، يجوز أن يكون فاعلُ يركضُ الرَّهاءَ، الذي هو اسمُ الموضع، كما كان فاعلُ يرفعُ، في قوله: يرفع الآلا القفَّ، وكذلك ممّا إذا لم يحوجْ إليه تصحيحُ وزنٍ، أو إقامةُ قافيةٍ، فلا ينبغي أن يحملَ عليه.
ومن قال: زيداً ضربته، قال: كأنه والرّهاءَ المرتَ يركضهُ، لأنّ الرّهاءَ مركوضٌ، وفاعله السَّرابُ، كما أن زيداً مضروبٌ.
ومن قدَّر القلبَ، لم يجزْ نصبَ الرّهاءِ، لأنه فاعلٌ، على قوله، وليس بمفعولٍ في اللَّفظ.
وفاعلُ أغمضتْ الهجولُ، التقديرُ: أغمضتْ عليه هجولها، فلم يرَ الشَّخصُ،
(1/479)

كإغماضِّ المقضِّي - وهو الميِّتُ - عينه، فحذف المفعولَ به، وهذا في المعنى كقوله:
ترى قورها يغرقنَ في الآلِ مرَّةً ... وآونةً يخرجنَ من غامرٍ ضحلِ
فأغمضتْ، كقوله: يغرقنَ، ويدلُّك على أنَّ قوله: يغرقنَ يريدُ به أنه لا يظهرُ للعين، قوله:
وآونةً يخرجنَ من غامرٍ ضحلِ
وقال ابنُ الرِّقاع:
وإذا بدا علمٌ لهنَّ كأنَّه ... في الآلِ حينَ بدا ذؤابةُ عائمِ
أي قد غطَّى الآلُ الجبلَ، فإنّما يظهرُ رأسه، كما يبدو رأسُ السَّابح. وقال أيضاً:
إذا علوا ظهرَ حزباءٍ تحاملهمْ ... آلُ الضُّحى وإذا ما أسهلوا غرقوا
تحاملهمْ: تحمَّلهم. وروى محمدُ بن السَّريِّ، أنَّ الآل بالضُّحى: الذي يرفعُ الشُّخوصَ، والسَّرابُ: نصفُ النَّهار، ويدلُّ على ذلك قوله:
ورفَّع الآلُ رأسَ الكلبِ فارتفعا
وقوله:
إذا تنازعَ جالاَ مجهلٍ قذفٍ
فإنَّ منازعةَ جاليِ المجهلِ وجانبيه لأطرافِ المطَّردِ، إنَّما هو حدوثه فيه،
(1/480)

وانتساجه به، فجعله منازعةً له، كما أنَّ العجَّاجَ في قوله:
من رصفٍ نازعَ سيلاً رصفا
جعل جرى الماءِ من السَّيل إلى الرَّصفِ، منازعةً من الرَّصفِ للسَّيل.
وجوابُ إذا قوله: تلوى الثَّنايا، والمعنى: تلوى ثنايا هذين الجالينِ، أي الثَّنايا التي تتَّصل بأحقيها، أي بأوساطها، حواشيَ هذا الآلِ.
وليُّها له: هو ألاَّ يطَّردَ فيه اطِّراده في المستوى. أي يلوي عن الثَّنايا، ولا يطَّردُ فيها، كما يلوَى السِّترُ عن هذه الأبواب، فلا يسبلُ على جميعه.
والجملةُ التي هي قوله: والرَّهاءُ المرتُ يركضه في موضعِ نصبٍ على الحالِ، والعاملُ فيها معنى الفعل، والمعنى: كأنَّ السَّرابَ، أو الآلَ راكضاً الرَّهاءَ، مطرٌ، لأنَّ ذلك يشبَّهُ بالماءِ، ويظنُّ إيَّاه.
والأغراسُ: حميعُ غرسٍ، وهو الماءُ الذي يخرج مع الولد، فاستعارَه للمطر، أي
كأنَّه مطرُ سحابٍ أزهر، خرج ماؤه ليلاً.
(1/481)

ومثل قوله:
كأنّه والرّهاءُ المرتُ يركضه
في أنَّ الفاعلَ يكونُ مرَّةً الأرضَ، ومرَّةً ما يجري عليها، قوله:
فظلَّ السَّفا من كلِّ قنعٍ جرى به ... يخزِّمُ أوتارَ القيونِ نواصلهْ
ففاعلُ جرى، من قوله: من كلِّ قنعٍ جرى به القنعُ، على قياسِ ما جاءَ من قوله:
ما زالَ مذْ وجفتْ في كلِّ هاجرةٍ ... بالأشعثِ الوردِ إلاَّ وهو مهمومُ
ألا ترى أنَّ فاعلَ وجفتْ الأرضُ، وجعلها هي الواجفةَ بالأشعث، وإنّما الأشعثُ هو الواجفُ في الأرض، وهذا كما قالوا: سالتْ بهم الفجاجُ، والمعنى أنهم هم سالوا، وجروا في الفجاج.
ويجوز على تركِ الاتِّساعِ والقلبِ، أن يكونَ فاعلُ جرى السَّفا، دونَ القنعِ، كما أنَّ فاعلَ يركضه المطَّردُ، دونَ الرّهاءِ، ويبيِّنُ ذلك قوله:
وحتَّى رأينَ القنعَ من فاقِئ السَّفا ... قد انتسجتْ قريانهُ ومذانبهْ
المعنى: قد انتسجتْ قريانهُ بالسَّفا، فانتساجهُ به جريهُ فيه. وإن شئتَ قدَّرتَ حذفَ المضاف: انتسجتْ سفا قريانه.
(1/482)

ومثلُ قولِ ذي الرُّمَّة:
ما زال مذْ وجفتْ في كلِّ هاجرةٍ
قولُ الشَّمّاخ:
طوى ظمئها في بيضةِ القيظِ بعدما ... جرت في عنانِ الشِّعرَيينِ الأماعزُ
أي بعدَ ما جرت الأماعزُ بالسَّراب، على ظاهرِ اللَّفظ، وإن شئتَ قدَّرتَ حذفَ المضاف، فكان التقديرُ: بعدَ ما جرى سرابُ الأماعزِ، أو آلها، بها، إلاّ أنَّك حملتَ اللّفظَ على الأماعزِ، فأنَّثتَ على ذلك.
أنشدَ محمدُ بن السَّريِّ، لنصيبٍ:
وقالوا عهدناهُ وفي كلِّ ليلةٍ ... يحلُّ به من طالبِ العرفِ راكبُ
يحتمل قوله: من طالبِ العرف أمرين، أحدهما: أن يكونَ أراد الجمعَ، فحذف الياءَ، لالتقاء السَّاكنين، مثل: (محلِّي الصَّيدِ)، ويكون الرَّاكبُ بعضَ الجملةِ، كما تقولُ: يحلُّ به من المعتفين ناسٌ، والمعنى: فريقٌ راكبٌ، أو قبيلٌ راكبٌ.
(1/483)

والآخرُ: أن يكون الراكبُ هو الطالبَ، كما تقول: تلقى من زيدٍ الأسدَ، وتلقى بعمروٍ شجاعاً وعالماً.
و:
يأبى الظُّلامةَ منه النَّوفلُ الزُّفرُ
ويكون طالبُ العرفِ اسمَ الجنس، فلا يكون واحداً، ولكنْ كما أنشده أبو زيدٍ، من قولِ الراجز:
إنْ تبخلي يا جملُ أو تعتلِّى ... أو تصبحي في الظاعن المولِّي
وكما تقول: نعمَ الرجلُ، ونعم غلامُ الرجل، وفي التنزيل: (وإنْ تعدُّوا نعمةَ اللهِ لا تحصوها)، ويكون أفردَ راكباً لمَّا كان الأوَّلَ في المعنى، وإن كان المرادُ به
(1/484)

الكثرةَ، لأنَّ الأوَّلَ أيضاً على لفظ الواحدِ، وقد جاء المفردُ في الإيجاب، يرادُ به الكثرةُ قال:
فقتلاً بتقتيلٍ وضرباً بضربكمْ ... جزاَء العطاسِ لا ينامُ من اتَّأَرْ
وقد قالوا: الجاملُ، والباقرُ، وقال عزَّ وجلَّ: (فكنتمْ على أعقابكمْ تنكصونَ. مستكبرينَ به سامراً تهجرونَ)، فجاء (سامراً) يرادُ به الكثرةُ، وقال تعالى: فقطعَ دابرُ القومِ الَّذين ظلموا)، فهم فاعلٌ يرادُ به الكثرةُ.
ومثلُ كونِ الراكبِ، الطالبَ في المعنى، قولُ أبي ذؤيب، يصفُ سيلاً:
فمرَّ بالطَّيرِ منه فاعمٌ كدرٌ ... فيه الظِّباء وفيه العصمُ أجناحُ
(1/485)

مرَّ منه يريدُ: من السَّيل، والمعنى: مرَّ هو، كقوله:
بنزوةِ لصٍّ بعدَ ما مرَّ مصعبٌ ... بأشعثَ لا يفلى ولا هو يقملُ
وهو الأشعثُ.
وأجناحٌ: جمعُ جانحٍ، مثلُ صاحبٍ وأصحابٍ، وقيل: الجانحُ: المكبُّ على وجهه، وأمَّا قولُ أبي وجزةَ:
وأرى كريمكَ لا كريمةَ دونهُ ... وأرى بلادكَ منفقعَ الأجوادِ
فيقال: جيدَ الرجلُ، فهو مجودٌ: إذا عطشَ، فمنقعُ الأجواد: أي مروى العطاش، ليس أنَّ الأجوادَ جمعُ مجودٍ، ولكنْ كأنَّه جعل الواحدَ جائداً، فاعلاً، على معنى النَّسب، كلابنٍ وتامرٍ، أي ذو عطشٍ، ثم جمعه على أفعالٍ، كأصحابٍ.
وقال أبو حيَّةَ النُّميريّ، يصفُ حماراً:
إذا ريدةٌ من حيث ما نفحتْ لهُ ... أتاهُ بريَّاها خليلٌ يواصلهْ
(1/486)

يقال: ريحٌ رادةٌ، وريدةٌ، وريدانةٌ، للّين. وريّاها: ريحها، وخليلٌ: يعني أنفه. يقول: تأتيه الرِّيحُ، لتنسُّمهِ إيَّاها بأنفه.
فإذا هذه: التي هي ظرفٌ من الزَّمان، لأنّ المعنى: إذا نفحتْ ريحٌ تنسَّمها، وإذا كان كذلك، كانت ريدةٌ مرتفعةً بفعلٍ مضمرٍ، تفسيره نفحتْ، مثل: (إذا السَّماءُ انشقَّتْ) ونحو ذلك، ومن متعلّقةٌ بالمحذوف الذي فسَّره نفحتْ، وما أضيف إليه حيثُ ما حكاه أحمدُ بن يحيى: من حيثُ وليس.
ومثلُ حذفِ الفعل، الذي تقتضيه إذا هنا، ما جاء من حذف الفعلِ، الذي تقتضيه لو في قول الشاعر. . .
وإن شئتَ قلت: إنَّ حيثُ مضافةٌ إلى نفحتْ، وريدةٌ مرتفعةٌ بفعلٍ
(1/487)

مضمرٍ، دلَّ عليه نفحتْ، وإن كان قد أضيف إليه حيث، كما دلَّ الفعلُ الذي في صلةِ أنَّ في قولك: لو أنَّك جئتني لأكرمتك، وأغنى عنه، فكذلك هذا الفعلُ، المضافُ إليه
حيث، أغنى عن ذلك الفعلِ، لمَّا دلَّ عليه، كما قلنا في لوْ ألا ترى أنَّ المضافَ إليه، مثلُ ما بعدَ الاسمِ الموصولِ، في أنَّ كلَّ واحدٍ منهما لا يعملُ فيما قبله، ومع ذلك فقد أغنى الفعلُ الذي في صلةِ أنَّ عن الفعل الذي تقتضيه لوْ، وإن كان قبلَ الصِّلة، فكذلك الفعلُ المضافُ إليه حيث أغنى عن ذلك الفعل.
وقال ابنُ كراعٍ:
وإذا الرِّكابُ تكلَّفتْها عطَّفتْ ... ثمرَ السِّياطِ قطوفها ووساعها
الرِّكابُ: واحدها راحلةٌ، كما أنَّ النِّساءَ واحدها امرأةٌ، والتقدير: إذا تكلَّفَ أصحابُ الرِّكابِ هذه الناقةَ، أي سيرها، وتكلُّفهم لسيرها إنما هو أن يريدوا منهنَّ أن يسرنَ كسيرها.
وإن شئتَ لم تقدِّرْ حذفَ المضاف، وتركتَ الكلامَ على ظاهره.
وقوله: عطَّفتْ أي عطَّفتْ هذه الناقةُ، ففاعلُ عطَّفتْ ضميرها، أي عطَّفتْ هذه الناقةُ ثمرَ السِّياط، القطوفَ والوساعَ، لأنهنَّ يقصِّرن عن سيرهنَّ، فيضربن حتى يلحقنَ بها، فلمَّا ضربنَ من أجلها، جعل ضربهم إيَّاهنَّ ضرباً منها لهنَّ،
(1/488)

كما يقولُ القائلُ، إذا ضربَ من أجلِ زيدٍ: ضربني زيدٌ، فالناقةُ ضميرها فاعلُ عطَّفتْ، وتعدَّى عطَّفتْ إلى مفعولين، كما يتعدَّى: ردَّيتُ زيداً ثوباً، إلى مفعولين، لأنَّ العطافَ الرِّداءُ، فيما فسِّر.
ومثلُ ذلك، في أنَّه لمَّا ضربها بالسُّوطِ، جعله رداءً لها، لوقوعِ الضَّربِ موقعَ الرِّداء، وإن لم يكن رداءً في الحقيقة، قولُ الزَّاجر:
يمطو ملاطاهُ بحمراَء فرِى ... وإن تأبَّاها تردَّى الأصبحي
ومثله قولُ الآخر:
إيَّاكِ أن توشَّحي بالأصبحي
ومثله في أحدِ التفسيرين قوله:
وداهيةٍ جرَّها جارمٌ ... جعلتَ رداءكَ فيها خمارا
(1/489)

أي جعلتَ رداءكَ فيها سيفاً، ضربتهم به، أي جعلته موضع الخمار، كما جعلتَ السَّوطَ موضعَ الرِّداء، وقد يكون على هذا، قوله عزَّ وجلَّ: (فبشِّرهمْ بعذابٍ أليمٍ) أي اجعلِ الإنذارَ بالعذابِ مكانَ البشارة.
والتفسيرُ الآخرُ في البيت: أن تعمَّم بالرِّداءِ، للتشمُّرِ، والجدِّ في أمره، كقول النابغة:
يحثُّ الحداةَ عاصباً بردائهِ ... يقي حاجبيهِ ما تثيرُ القنابلُ
ومثلُ قولِ ابنِ كراعٍ، قولُ رؤبةَ، إلاَّ أنه يعني فرساً:
ناجٍ يعنِّيهنَّ بالإبعاطِ ... إذا استدى نوَّهنَ بالسِّياطِ
(1/490)

أي إذا اشتدَّ جريهُ فعرقَ، نوَّهَ أصحابُ غيرها بالسِّياطِ، ليلحقنه، فحذفَ المضافَ.
وقال القطاميُّ:
إذا التَّيَّازُ ذو العضلاتِ قلنا ... إليكَ إليكَ ضاقَ بها ذراعا
فاعل ضاقَ التَّيَّازُ المتقدّم ذكره، وضاقَ جواب إذا، والتَّيَّازُ يرتفع بفعلٍ مضمر، يفسِّره قلنا، التقدير: إذا خوطبَ التَّيَّازُ، وقلنا معناه: قلنا له، وهو مفسِّرٌ لخوطبَ أو كلِّم، ونحو ذلك، ممَّا يفسِّره قلنا له.
ورفعُ التَّيَّازِ كإنشادِ من أنشدَ:
إذا ابنُ أبي موسى بلالٌ بلغتهِ
(1/491)

والمعنى: ضاقَ ذرعُ التَّيّازِ بأخذِ هذه الناقةِ، لأنه لا يضبطها، من شدَّتها ونشاطها، فكيف من هو دونه؟
ومن أنشد:
إذا ابنُ أبي موسى بلالٌ
بالرفع، قولُ لبيد:
فإن أنت لم ينفعكَ علمكَ فانتسبْ ... لعلَّك تهديكَ القرونُ الأوائلُ
ألا ترى أنَّ أنت يرتفعُ بفعلٍ في معنى هذا الظَّاهر، كأنه لو أظهرته: فإن لم تنتفعْ. ولو حمل أنت على هذا الفعل الظاهر، الذي هو ينفعك، لوجب أن يكونَ موضعَ أنت إيّاكَ، لأنّ الكافَ الذي هو سببهُ هي مفعولةٌ منصوبة.
(1/492)

فهذا البيتُ يقوِّي إنشادَ من أنشد:
إذا ابنُ أبي موسى
بالرفع، على إضمار فعلٍ، في معنى المضمرِ، غير الظاهرِ نفسِه.
وقال الفرزدق:
إذا هو أعطى اليومَ زادَ عطاءه ... على ما مضى منه إذا أصبحَ الغدُ
تقديره: زادَ الغدُ عطاءه، على ما مضى منه. وتقدير: زاد عطاءه الغدُ، على وجهين، أحدهما: زاد صاحبُ الغدِ، أو: زادَ الغدُ، والمعنى: في الغدِ، فاتَّسع، وجعل الظَّرفَ مفعولاً به، فجعله فاعلاً، على ذلك، وعلى أحدِ الوجهين: نهارك صائمٌ.
وجوابُ إذا الأولى، قد سدَّ مسدَّ جوابِ إذا الثانيةِ، ومثلُ ذلك في الجوابِ قوله:
إذا سعدُ بنُ زيدِ مناةَ سالتْ ... بأكثرَ في العديدِ من التُّرابِ
رأيتَ الأرضَ مغضيةً لسعدٍ ... إذا فرَّ الذَّليلُ إلى الشِّعابِ
فجوابُ إذا الأولى، سدَّ مسدَّ جوابِ إذا الثانية، ومثل ذلك قوله:
إذا عدَّ قومٌ مجدهمْ وبيوتهمْ ... فضلتمْ إذا ما أكرمُ الناسِ عدِّدوا
وقال:
جرى ابنُ أبي العاصي فأحرزَ غايةً ... إذا أحرزتْ من نالها فهو أمجدُ
(1/493)

الفاءُ من جواب إذا محذوفةٌ، التقدير: إذا أحرزتْ فمن نالها.
والفاءُ في قوله: فهوَ أمجدُ على حدّ التي في قوله تعالى: (الَّذين ينفقونَ أموالهمْ
باللَّيلِ والنَّهارِ سرَّاً وعلانيةً فلهمْ أجرهمْ عندَ ربِّهمْ).
وأمجدُ يجوز أن يكون بمعنى ماجدٍ، ويجوز أن يكون المعنى: فهو أمجدُ ممَّن لم ينلها.
وأنشد سيبويه، لعمرانَ بنِ حطَّانَ:
ولي نفسٌ أقولُ لها إذا ما ... تنازعني لعلِّي أو عساني
وأنشدَ لرؤبةَ:
يا أبتا علَّكَ أو عساكا
قال: الكافُ منصوبةٌ. قال: ولو كانت الكافُ مجرورةً، لقال: عسايَ، ووجهُ ذلك: أنَّ عسى لمَّا كانت في المعنى بمنزلةِ لعلَّ، وقال: لعلَّ وعسى طمعٌ وإشفاقٌ، فتقاربا، أجرى عسى مجرى لعلَّ، إذ كانت غيرَ متصرِّفةٍ، كما أنَّ لعلَّ كذلك، فوافقتْها في العمل، حيث أشبهتها في المعنى، والامتناعِ من التصرُّف.
(1/494)

فإن قلت: إذا صارتْ بمنزلتها لهذا الشَّبه، فما المرفوعُ بها، وهي إذا صارت بمنزلةِ لعلَّ اقتضى مرفوعاً، لا محالةَ، لا محالةَ، لأنّه لا يكون المنصوبُ في هذا النَّحو بلا رافع؟
قيل: إنَّ ذلك المرفوعَ الذي تقتضيه محذوفٌ، ولم يمتنعْ أن تحذفه، وإن كان الفاعلُ لا يحذف، لأنَّها إذا أشبهتْ لعلَّ جازَ أن يحذفَ، كما جازَ حذفُ خبرِ هذه الحروف، من حيث كان الكلامُ في الأصل، الابتداءَ والخبر، فحذفتَ، كما تحذفُ أخبارَ المبتدأ، وكذلك المرفوعُ الذي تقتضيه عسى حذف على هذا الحدِّ، كما حذف الخبرُ من لعلَّ، في قوله: علَّك أو عساكا، وقوله: لعلِّي أو عساني، وكما حذف في:
إنَّ محلاًّ وإنَّ مرتحلاً
وكما حذف الخبرُ، في قوله تعالى: (إنَّ الَّذينَ كفروا ويصدُّونَ عنْ سبيلِ اللهِ)، لا
كما يحذفُ الفاعل.
(1/495)

ويقوِّي ذلك أنَّهم قد قالوا: عسى الغويرُ أبؤسا، فجعلوها بمنزلةِ ما يدخل على الابتداء والخبر.
وممَّا يقوِّي حذفَ ذلك، لهذه المشابهة، وأنَّ حذفه لا يمتنعُ، من حيث امتنع حذفُ الفاعلِ: أنَّ ليس لمَّا كانت غيرَ متصرِّفة، صارت عينها بمنزلةِ ليت في السُّكون، ولم يكن في يائها الكسرُ والسُّكونُ، كما كان في صيدَ.
ويكون ذلك المحذوفُ غائباً، كأنَّه: عساكَ الهالكُ، أو عساكَ هو.
فإن قلت: فإن جاء شيءٌ بعدَ شيءٍ، من هذه الأبيات التي تشبه ما ذكر من:
عساك تفعلُ، ولعلِّي، أو عساني أخرجُ، فما يكون الفاعلُ على قوله؟
قيل: أمَّا على ما ذهب إليه، من أنه بمنزلةِ لعلَّ، فلا نظرَ فيه، ويكون بمنزلة: لعلَّك تخرجُ، والقولُ فيه كالقولِ فيه.
وأمَّا على القولِ الآخر، الذي رأيناه غيرَ ممتنع، فهو أشكلُ، لأنَّ الفاعلَ لا يكون جملةً، فإن شئتَ قلتَ: إنّ الفعلَ في موضع رفعٍ، بأنَّه فاعلٌ، وكأنَّه أراد: عساني أن أخرجَ، فحذفَ أنْ وصار أنِ المحذوفةُ في موضعِ رفع،
(1/496)

بأنه فاعلٌ، كما كان في موضعِ رفعٍ بالابتداء، في قولهم: تسمعُ بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه، وكقولِ أبي دؤادٍ:
لولا تجاذبهُ قد هربْ
وقد جاء ذلك في الفاعل نفسه، أنشد أحمد بن يحيى:
وما راعنا إلا يسيرُ بشرطةٍ ... وعهدي به فينا يفشُّ بكيرِ
فكما أنَّ هذا على حذف أنْ، وتقديره: ما راعنا إلاَّ سيره بشرطة، كذلك يكونُ فاعلُ عسى، في نحو: عسى يفعلُ، إنما هو على: عسى أن يفعلَ، كقوله تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئاً)، فتحذفُ أنْ، وهي في حكم الثَّبات.
ولو قال قائلٌ: إن عسى في عساني وعساكَ، قد تضمَّن ضميراً مرفوعاً، وذلك الضمير هو الفاعل، والكافُ والياءُ في موضع نصب، على حدِّ النصب، في قوله: عسى الغويرُ أبؤسا، لا على حدِّ تشبيهه بلعلَّ، ولكنْ على أصل هذا الباب، كأنه عدَّاه إلى المظهر، الذي هو أبؤس: كان وجهاً.
(1/497)

فأمَّا فاعلها فإنه لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون قد جرى له ذكرٌ، أو لم يجرِ له ذكر، فإن كان ذكره قد جرى فلا إشكالَ في إضماره، وإن لم يجر له ذكرٌ، فإنما تضمره لدلالةِ الحالِ عليه، كما ذكره من قولهم: إذا كان غداً فأتنا، فكذلك يكون إضمارُ الفاعل في عسى، وتكون على بابها، ولا تكون مشبَّهةً بلعلَّ.
والأوَّلُ الذي ذهب إليه، كأنَّه إلى النَّفس أسبقُ.
وممَّا يرتفع بالفعل، ما ذكره من أنَّ بعضهم أنشدَ لأوسِ بن حجرٍ:
تواهقُ رجلاها يداها ورأسه ... لها قتبٌ خلفَ الحقيبةِ رادفُ
ووجهه: أنّ المعنى: تواهقُ رجلاها يديها، فحذفَ المفعولَ، لأنَّ المفعولَ قد حذفَ كثيراً في كلامهم، وصار له هنا من الحسنِ مزيَّةٌ، لدلالةِ الفاعلِ على المفعول، في باب فاعلَ، وأضمر فعلاً ارتفع به يداها، كما تضمر الأفعالُ الأخرُ، في هذا الباب،
(1/498)

فكأنه قال: تواهقُ رجلاها يديها تواهقُ يداها، ومثل ذلك، في الفعل المبنيِّ للمفعول، قولُ الشاعر:
ليبكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ ... ومختبطٌ ممَّا تطيحُ الطَّوائحُ
لمَّا قال: ليبكَ يزيدُ فدلَّ ليبكَ على الفعل المبنيِّ للفاعل، حملَ ضارعٌ على ذلك، كأنه قال: ليبكهِ ضارعٌ، ومثله قراءةُ من قرأ: يسبِّحُ لهُ فيها بالغدوِّ والآصالِ. رجالٌ)، لمَّا ذكر (يسبَّح له فيها بالغدوِّ)، فدلَّ على فاعل (يسبَّح) حمل قوله عزّ وجلّ: (رجالٌ) عليه، وكذلك قراءة من قرأ: (وكذلك زيِّنَ لكثيرٍ من المشركينَ قتلُ أولادهمْ شركاؤهمْ).
(1/499)

وعكسُ بيتِ أوسٍ، إنشادُ من أنشد:
قد سالمَ الحيَّاتُ منه القدما ... الأفعوانَ والشُّجاعَ الشَّجعما
أضمر الفعلَ والفاعلَ، فرفع الحيّات بسالمتْ، كأنه قال: سالمتِ الأفعوانَ.
ومن ذلك ما أنشده، من قولِ الشاعر:
فكرَّتْ تبتغيه فوافقتهُ ... على دمه ومصرعه السِّباعا
فقوله: السِّباع محمولٌ على فعلٍ آخرَ، كما كان الأفعوان محمولاً على فعلٍ آخرَ، غيرِ سالمَ الظاهر، وكما كان يداها في بيت أوسٍ، محمولاً على فعلٍ آخرَ،
(1/500)

فكذلك السِّباع، وكأنَّ المعنى: فصادفت البقرةُ على دمِ ولدها أثرَ السِّباع، لا السِّباعَ أنفسها، كما تقول: هذا ضربُ زيدٍ، لما مضى من ضربه. تريد: هذا أثره، فعلى هذا قوله في ذلك.
ويجوز بعدُ: أن يكونَ الضميرُ المنصوبُ، في وافقته لأحدِ ثلاثة أشياء، لا يكونُ في واحدٍ منها ضميرُ الولد:
أحدها: أن يكون كنايةً عن المصدر، كأنه: وافقَ الوفاق، فأضمر المصدرَ، لدلالة الفعلِ عليه، وعلى هذا عندنا قراءةُ من قرأ: (فبهداهمُ اقتدهِى قلْ لا أسألكمْ).
ويجوز أن تكون الهاءُ للمكان، اتَّسع، فحذف الجارَّ، كأنَّ الأصل: كان وافقَ الولدَ في مكرِّه، أي في مكان كروهِ، أو زمانه.
فإذا أمكن في الضَّمير، من وافقته هذا، جاز أن يكونَ السِّباعُ مفعولاً لهذا الفعلِ الظاهرِ، دونَ فعلٍ أخرَ مضمرٍ، كما لو ذكرتَ المصدرَ، أو اسمَ الزَّمان، واسمَ المكان، فعدَّيته إلى أحدِ ذلك، أو إلى جميعه، كان السِّباعُ مفعولَ الظاهر.
(1/501)

وقال لبيدٌ:
أحكمَ الجنثيُّ من عوراتها ... كلَّ حرباءٍ إذا أكرهَ صلّْ
قد فسِّرَ الجنثيُّ تفسيرين، وينشدُ: الجنثيُّ، فمن أنشده بالرفع، جعله الحدَّادَ،
والحرباء: المسمارُ الذي يجمع رأسَ حلقِ الدِّرع، أي أتى به محكماً، فهو يملأ الموضعَ الذي يجعلُ فيه، ولا يكونُ فيه نقصٌ عنه.
ومن نصب الجنثيَّ جعله السَّيفَ، ومعنى أحكمَ: منع، كأنه: منع السَّيفَ منها كلُّ حرباءَ، ومن ذلك حكمةُ الدّابَّةِ، لردِّها من غربها، ومنعها إيّاه.
ومثل ذلك، في أن الفاعلَ يكون مرَّةً فاعلاً، ومرَّةً مفعولاً، قولُ ذي الرُّمَّةِ:
ربلاً وأرطى نفتْ عنه ذوائبهُ ... كواكبَ القيظِ حتى ماتت الشُّهبُ
يروى: نفتْ عنه ذوائبه كواكبَ، وذوائبه كواكبُ. فمن رفع الذوائبَ، جعل أغصانَ الشَّجر هي النَّافيةَ للحرِّ عن الثَّور.
ومن نصبها جعلَ كواكبَ الحرِّ هي التي نفتِ الأغصانَ، كأنه ألقتْ ورقها، فصارتْ لا تكنُّ.
والهاءُ في عنه للثَّور.
(1/502)

قال محمدُ بن السَّريّ: ونصب ربلاً، وأرطى، أراد: يقيِّظُ ربلاً وأرطى، وكذلك قوله:
وأن لا ينالَ الرَّكبُ تهويمَ وقعةٍ ... من الَّليل إلاّ اعتادني منكِ زائرُ
تنصبُ أيُّهما شئتَ، وترفعُ أيَّهما شئتَ، وقد قرئ: (لا ينالُ عهديَ الظَّالمونَ).
ومن ذلك قولُ أبي ذؤيبٍ:
ذكر الورودَ بها وأجمعَ أمرهُ ... شؤماً وأقبلَ حينه يتتبَّعُ
يجوز في حينه الرفعُ، والنَّصبُ، على أنه مفعولٌ به، كأنه: اقبلَ الحمارُ يتتبَّعُ حينه.
والرَّفعُ على وجهين، أحدهما: أن يكون مرتفعاً بأقبلَ، فيكون التقديرُ: أقبلَ حينُ الحمار يتتبَّعه، أي يتتبَّعُ الحمارَ، فحذف الذِّكرَ العائدَ إليه.
(1/503)

ويكون حينه مرتفعاً بالابتداء على أن يكونَ في أقبلَ ذكرٌ من الحمار، أي أقبل
الحمارُ، حينه يتتبَّعُ، يتتبَّعه خبر الابتداء، ويحذفُ الذِّكرُ منه، كما حذفَ من قوله:
كلُّه لم أصنعِ
كأنه: أقبل الحمارُ وحينه يتتبَّعه، كما تقول: أقبل زيدٌ ويده على رأسه.
الأعشى:
ربَّ خرقٍ من دونها يخرسُ السَّفرُ وميلٍ يفضي إلى أميالِ
من أنشده: يخرسُ السَّفرَ ففاعله ضميرُ الخرق، ومن أنشد: يخرسُ السَّفرُ، أراد يخرسُ فيه السَّفرُ، والراجعُ إلى الموصوفِ الهاءُ المحذوفةُ.
فأمَّا قوله: من دونها ففي موضعِ جرٍّ بكونه وصفاً للنكرة، وفيه ضميرُ الموصوف، على قياسِ قولِ سيبويه عندي، ومتعلِّقٌ بمحذوف، ولا يجوز أن يتعلَّقَ بيخرس، فتنوي به التأخيرَ، ألا ترى أنه قد جرى على النكرة، فهو بمنزلة معه من قولك: مررتُ برجلٍ معه صقرٌ صائدٍ به، يتعلَّق بمحذوف، ولا يتعلَّق بالفعل الظاهر، لأنك إن علَّقته بالظاهر، لزمك أن تقدِّرَ فيه التأخيرَ.
(1/504)

فأمَّا قوله: يخرسُ السَّفرَ، فموضعه يحتمل ضربين، أحدهما: أن يكونَ جرَّاً، لكونه صفةً للمجرور، كما أنَّ قوله: من دونها كذلك، فهو صفةٌ بعدَ صفةٍ، فكما أنَّ قوله: مباركٌ في قوله: وهذا كتابٌ أنزلناهُ مباركٌ) صفةٌ بعدَ صفة، كذلك يكون ما في البيت.
والآخرُ: أن تجعله في موضع نصبٍ، حالاً من الذِّكر الذي فيه.
وفي قولك: يخرسُ السَّفرَ في كلِّ واحدٍ من الإنشادين، ذكرٌ يعودُ إلى ذي الحال، الذي هو الذّكرُ، الكائنُ في الظَّرف.
وأنشد أحمد بن يحيى، لجرير:
شفَّتْ فؤادكَ إن لم يأتِ خازنها ... راحٌ ببردِ قراحِ الماء مقطوبُ
قال: الهاءُ للرَّاح، المعنى: شفَّت فؤادك عدمُ راحٍ، أو خزنُ راحٍ، والتقدير: إن لم
يأتِ خازنُ الراحِ بها، فحذف بها، وألحق علامةَ التأنيثِ الفعلَ، على لفظِ الراح، وإن كان المعنى لغيرها.
أنشد أبو زيد:
فلو كان لا يرضيكَ حتَّى تردَّني ... إلى قطريٍّ ما إخالكَ راضيا
(1/505)

فاعلُ يرضيك ما تدلُّ الحالُ عليه، كأنه قال: فإن كان لا يرضيك شأني، أو أمري، حتى تردَّني، فأضمر، كما أضمر، فيما حكاه من قولهم: إذا كان غداً فائتني، ولا يكون أن تضمرَ المصدرَ، كما أضمر في قوله سبحانه: (ثمَّ بدا لهمْ من بعدِ ما رأوا)، لأنَّ البداءَ الذي هو المصدر، قد صار بمنزلة العلم والرأي، ألا ترى أن الشاعر قد أظهره في قوله:
لعلَّكَ والموعودُ حقٌّ لقاؤهُ ... بدا لكَ في تلك القلوصِ بداءُ
فهو مثلُ: قد قيلَ فيه قولٌ، ونحو ذلك.
فأمَّا قوله:
فقلتُ تحمَّلْ فوقَ طوقك إنَّها ... مطبَّعةٌ من يأتها لا يضيرها
فمن قدَّر فيه التقديمَ، كان فاعلُ لا يضيرها: ضيرٌ، فأضمر الضَّيرَ، لدلالة يضيرُ عليه، والضَّيرُ قد استعمل استعمالَ الأسماء، في نحو: لا ضيرَ، كأنه قد صار اسماً لما يكره ولا يرادُ.
ومن قدَّر الهاء محذوفةً، أمكن أن يكون الفاعلُ عنده أحدَ شيئين، أحدهما: الضَّيرُ، كقول من قدَّر التقديم، ويجوز أن يكون فاعلُ يضيرُ ضميراً من الذي تقدَّم ذكره.
(1/506)

وقال بعضُ البغداديِّين، في قوله:
فإن كنتَ لا يرضيك
حمله على المعنى، كأنه قال: لا يرضيك إلاَّ أن تردَّني إلى قطريّ، وحتَّى دلَّ عليه. فهذا غيرُ بعيدٍ.
ولا يجوز أن تكونَ حتَّى وما بعدها، الفاعلةَ، كما لا يجوز أن تكونَ كي مع صلتها، فاعلةً.
أنشد سيبويه:
تساورُ سوارَّاً إلى المجدِ والعلا ... وفي ذمَّتي لئن فعلتَ ليفعلا
قوله: وفي ذمَّتي قسمٌ، وجوابه: ليفعلا.
فإن قلت: إن قوله: وفي ذمَّتي ليس بكلامٍ مستقلٍّ، والقسمُ إنما هو جملةٌ.
فالقولُ: أنه أضمرَ في الظَّرف، اليمينَ أو القسم، لدلالة الحالِ عليه، كما اضمر في قوله سبحانه: (ثمَّ بدا لهمْ) الفاعلَ، وصار (ليسجننَّهُ) كالجواب، لأنَّ (بدا) بمنزلة: علمَ اللهُ، وذاك أنه علمٌ.
ومن لم يرفعْ بالظَّرف، فينبغي أن يكون المبتدأ عنده محذوفاً، ويبيّن ذلك قولهم:
عليَّ عهدُ اللهِ لأفعلنَّ.
(1/507)

وقال الأعشى:
ما بكاءُ الكبير بالأطلالِ ... وسؤالي وما يردُّ سؤالي
دمنةٌ قفرةٌ تعاورها الصَّيفُ بريحينِ من صباً وشمالِ
اعلم أنَّ قوله: سؤالي بعد قوله: بكاء الكبير حملٌ للكلام على المعنى، وذاك أنَّ الكبير لمَّا كان المتكلِّمَ في المعنى، حمل سؤالي عليه، ألا ترى أنَّ: ما بكاءُ الكبيرِ إنَّما هو: ما بكائي وأنا كبيرٌ! وبكاءُ الكبير بالأطلال، ممَّا لا يليقُ به، لأنه اهتياجٌ لصباً أو تصابٍ، وذلك ممّا لا يليقُ بالكبير، ومن ثمَّ قال الآخرُ:
أتجزعُ أنْ دارٌ تحمَّل أهلها ... وأنت امرؤٌ قد حلَّمتكَ العشائرُ
فحمل سؤالي على المعنى.
فأمَّا قوله: وما يردُّ سؤالي دمنةٌ قفرةٌ فإنّ ما تحتملُ ضربين، أحدهما: أن تكونَ استفهاماً في موضع نصب، كأنه قال: أيُّ شيءٍ يرجع عليك سؤالك من النَّفع؟ وقد
تقول: عاد عليَّ نفعٌ من كذا، وردَّ عليَّ كذا نفعاً، ورجع عليَّ منه نفعٌ، ويكون دمنةٌ منتصباً بالمصد، الذي هو سؤالي، فالبيتُ على هذا مضمَّنٌ.
(1/508)

والآخرُ: أن تكونَ نفياً، كأنه قال: ما يردُّ سؤالي، أي جوابَ سؤالي، دمنةٌ، فالدِّمنةُ فاعلُ قوله: تردُّ، ومثل هذا قوله:
وقفنا فسَّمنا فردَّتْ تحيَّةً
إنما هو: جوابَ تحيّةٍ، وكذلك قوله تعالى: (فحيُّوا بأحسنَ منها أوْ ردُّوها) أي ردُّوا جوابها.
وقد قيل في قوله: فردَّت تحيَّةً قولان، أحدهما: ردَّت التحيّة، أي لم تقبلها، والآخر: ردّتْ تحيّةً، أي ردَّت جوابها، كما تقدَّم، وذلك لما رأينا في وجهها، من البشاشة، وإن لم تكلَّمْ.
فالتقدير: وما يردُّ جوابَ سؤالي دمنةٌ، فالبيتُ على هذا مضمَّنٌ أيضاً، لأنَّ الفاعلَ الذي هو دمنةٌ فعله في البيت الذي هو قبلَ البيت الثاني، فيجوز أن تقول: وما تردُّ، فتؤنِّث، على لفظ الدِّمنة، وتذكِّر، على المعنى.
وقال ابنُ حلِّزة:
وبعينيكَ أوقدتْ هندٌ النارَ أخيراً تلوي بها العلياءُ
قيل في العلياء قولان، أحدهما: أنه أراد بالعلياء، العالية، وهي الحجازُ، وما يليه من بلادِ قيسٍ وغيره.
(1/509)

وقيل: العلياءُ: ما أشرفَ من الأرض.
فأمّا القولُ الأولُ، فعلى أنه حرَّف الاسمَ، للحاجة إلى إقامةِ القافية، وهذا في الشِّعر قد جاء في غير شيءٍ، فمن ذلك ما أنشدناه عليُّ بن سليمان:
بني ربِّ الجوادِ فلا تفيلوا ... فما أنتمْ فنعذركمْ لفيلِ
قال: أراد: ربيعةَ الفرسِ، فوضعَ موضعَ الفرس، الجوادَ، ومن ذلك قولُ الآخر:
أنشدناه محمدُ بن السَّريّ:
وقاَء عليه اللَّيثُ أفلاذَ كبدهِ ... وكهَّلهُ قلدٌ من البطنِ مردمُ
وإنَّما الاسمُ: الأسدُ، ومن ذلك قوله:
ربَّ مسقيٍّ بغيليْ أسدٍ ... قد تقدَّمت بفرَّاطِ السِّبا
والاسمُ: ذراعا الأسد. وقال:
أبوكَ عطاءٌ ألأمُ الناسِ كلِّهمْ ... فقبِّحتَ من نسلٍ وقبِّحَ من كهلِ
والاسم: عطيَّةُ.
فكلُّ هذا قد حرِّفَ فيه الاسمُ.
(1/510)

ويجوزُ في تلوى بها العلياءُ وجهان آخران، أحدهما: أن يكون أراد: ساكنَ العلياء، فحذف المضافَ، والآخر: أنه نسب الفعلَ إلى العلياء، لأنه فيها.
وتلوي بها: أي ترفعها، وتصوِّبها، كما يلوي الرجلُ بثوبه، إذا كان يلوِّح به للقوم.
ومثلُ قوله: بعينيكَ أوقدتْ قولُ أبي وجزةَ:
وهنَّ بالعينِ من ذي صارخٍ لجبٍ ... هولٍ ولوَّاحةٍ بالموتِ مرجاجِ
أي هذه الحميرُ بمرأىً من الصائد. وقال: من ذي صارخٍ وهو يريدُ قوساً، لأنه حمله على العودِ، أو الفلق، ثم قال:
شاكتْ رغامى قذوفِ العين
ففي قوله: شاكتْ ضميرٌ من قوله: من ذي صارخٍ، إلاَّ أنّه أنَّث،
(1/511)

لحمله على القوس. وقال ابنُ أحمر:
منى لكَ أن تلقى ابنَ هندٍ منيَّةٌ ... وفارسَ ميَّاسٍ إذا ما تلبَّبا
فاعلُ منى لك قوله: منيَّةٌ، وحسن ذلك، لأنَّ المنيَّةَ قد صارتْ بمنزلة القدر والمقدارِ، فصار بمنزلة قولك: قد قيل فيه قولٌ وذهب به مذهبٌ.
وروى أبو موسى: أن تلقى ابن هندٍ منيتهُ، فالفاعلُ على هذا ما دلَّ عليه الفعلُ،
كما حذف من قوله عزَّ وجلَّ: (ثمَّ بدا لهمْ منْ بعدِ ما رأوا).
والمنى، والمنيَّةُ، قد صار بمنزلة القدرِ والتقدير، كما صارَ البداءُ بمنزلة الرأي.
وأنشد محمد بن السَّريّ، لذي الرُّمَّة:
خدبٍّ حنا من صلبه بعدَ سلوةٍ ... على قصبِ منضمٍّ الثَّميلةِ شازبِ
مراسُ الأوابي عن نفوسٍ عزيزةٍ ... وإلفُ المتالي في قلوبِ السَّلائبِ
وللشَّولِ أتباعٌ مقاحيمُ برَّحتْ ... به وامتحانُ المبرقاتِ الكواذبِ
وأن لم يزلْ يستسمعُ العامَ حولهُ ... ندى صوتِ مقروعٍ عن العذفِ عاذبِ
(1/512)

الموصوف محذوفٌ، تقديره: على قصبِ بعيرٍ، منضمِّ الثَّميلة، وهذا البعيرُ هو الخدبُّ، في المعنى، والتقدير: خدبٌّ حنا صلبه على قصبِ منضمٍّ، فعلى متعلِّقٌ بحنا، والتقدير: خدبٌّ حنا صلبه على قصبِ منضمٍّ، فعلى متعلِّقٌ بحنا، وتعلُّقه به على أنه حالٌ، ولا يكون مفعولاً به، لأنَّ الفعل قد استوفى مفعوله، وهو قوله: من صلبه على القولين جميعاً.
وفاعلُ حنا قوله: مراسُ الأوابي والبيت مضمَّنٌ.
فأمَّا عن في قوله: عن نفوسٍ عزيزةٍ، فتتعلَّق بالأوابي، كأنَّ التقدير: أبينَ عن نفوسٍ عزيزةٍ.
والمراسُ: مصدرٌ مضافٌ إلى المفعول، وفاعله الفحلُ، في المعنى، كأنه: مراسُ هذا الفحلِ الأوابي.
(1/513)

ولا تكون عن متعلِّقةً بالمراس، لأنه يصير التقديرُ: يمارسُ عن نفوسٍ، وإنّما يمارس عن نفسٍ واحدةٍ، لا عن نفوسٍ، فهو يتعلَّق بالأوابي، دونَ المراس، أي يأبينَ عن نفوس.
وقوله:
وإلفُ المتالي في قلوبِ السَّلائبِ
كأنه وضع الإلف موضع الحبِّ، لأنَّ الإلفَ مصدرُ ألفتُ المكانَ، وألفتُ زيداً، وقالوا: آلفته.
وقوله: وللشَّولِ أتباعٌ، فإن الظَّرفَ في موضعِ نصبٍ، على حدِّ:
لعزَّةَ موحشاً طللُ
فتقديره: وحنا من صلب هذا الفحلِ أتباعٌ للشَّولِ، مقاحيمُ، فالأتباعُ يرتفعُ بالعطفِ على الفاعل، الذي هو مراسُ الأوابي.
وبرَّجتْ به في موضعِ رفع، لكونه صفةً للنكرة، التي هي أتباعٌ مقاحيمُ، أي حنا من صلبه مخافةُ أتباعٍ مقاحيمَ، أي مخافته إيَّاها، على طروقته، أن يضربَ فيها، فيطردها عن الطَّروقة، ويخرجها منها، ومثله في المعنى قولُ أبي النجم:
شذَّبَ عنها الجذعَ من عاليها ... والجهلَ والشَّادنَ من سخالها
وقوله: وأن لم يزلْ في موضع رفعٍ أيضاً، بالعطف على حنا.
(1/514)

ويستسمعُ معناه: يسمعُ، كقوله تعالى: (وإذا رأوا آيةً يستسخرونَ) أي يسخرون.
وقوله: الجذع. . .
أنشد أبو سعيدٍ المكفوفُ:
إذا ما القينةُ اللَّعساءُ قامتْ ... تقرِّفُ عن أناملها الخضابا
جلتْ عن عنقرٍ بدماثِ وادٍ ... تضمَّنَ سيل أبطحهِ السَّحابا
قال محمدُ بن السَّريّ، عن أبي سعيدٍ: شبَّه موضعَ البياض، من الذي قرِّفَ من الخضاب، بالعنقر، قال: والعنقر: أصلُ البرديّ الأبيضِ.
فأمّا فاعلُ تضمَّنَ فالوادي، وسيل أبطحه مفعوله، وانتصابُ السحاب بالمصدر، الذي هو سيل، والمصدرُ مضافٌ إلى الفاعل، وهو الأبطح، والتقدير: سالَ أبطحه من ماءِ السَّحاب، فلمَّا حذفَ الحرفَ، وصل الفعلُ إلى السَّحاب، المقامِ مقامَ المضاف.
أنشد يعقوبُ:
كما نوَّرَ المصباحَ للعجمِ أمرهمْ ... بعيدَ رقادِ النائمين عريجُ
عريجٌ: رجلٌ معرِّجٌ على مصباحه، بأن زاد في دهنه، كأنه قال: نوَّر بالمصباحِ عريجٌ للعجم أمرهمْ، فحذف الجارَّ، ووصلَ الفعلُ إلى المفعول، فصار متعديَّاً إلى
(1/515)

مفعولين، مثل: (أستغفرُ اللهَ ذنباً، ونحوه.
والكاف، في كما تتعلَّق بمكتشِّف، لأنه تنويرٌ، فكأنه قال: راتقٌ منوَّرٌ تنويراً، كتنويرِ عريجٍ للعجم بالمصباح، أمرهم، أي: كما نوَّر في موضعٍ مظلمٍ، لا يبصرون فيه، فجاء بالمصباح، فتكشَّف لهم أمرهم.
والتكشُّفُ الذي يتعلَّقُ الكافُ به، في البيت الذي قبلَ هذا البيت، وهو:
يضيءُ سناهُ راتقٌ متكشِّفٌ ... أغرُّ كمصباح اليهودِ دلوجُ
قيل: مصباحُ اليهودِ في كنائسهم أدومُ.
وراتقٌ: رتقَ السَّماءَ كلَّها، ومرَّ يدلحُ بحمله، ويدلج.
وأنشد يعقوبُ، لأبي النَّجم:
للشِّقِّ تهوى جوفها مفتوحا ... تحكي الفصيلَ الهادلَ المقروحا
قال: تهوِى هذه الأتانُ، أي جوفها خالٍ منفتجحٌ، فيريدُ: تهوِي منفتحاً جوفها، جوفها: بدلٌ من الضَّمير، الفاعلِ الذي في الفعل، مثل: ضربتُ زيداً رأسه.
(1/516)

وأرادَ يعقوبُ فيما أرى - بما قال، المعنى، دونَ ما عليه اللفظُ، وجعل الراجزُ، الحالَ عن البدل، الذ هو الجوف، والحملُ على البدل أحسنُ، وقد جاء الحملُ على المبدلِ منه، قال:
وكأنَّه لهقُ السَّراةِ كأنَّه ... ما حاجبيه معيَّنٌ بسوادِ
وقال آخر:
إنَّ السُّيوفَ غدوَّها ورواحها ... تركتْ هوازنَ مثلَ قرنِ الأعضبِ
فجعل الخبر فيه عن المبدلِ، دونَ البدلِ.
وتحكي الفصيلَ، تقديره: تحكي فمَ الفصيل، الهادلَ المقروحَ، ألا ترى أنَّه إنَّما يشبِّه انفتاحَ الجوفِ، أو الضَّربةِ، بانفتاحِ فمِ هذا الفصيلِ.
وقال النابغة:
خلَّتْ سبيلَ أتيٍّ كان يحبسهُ ... ورَّفعتهُ إلى السِّجفينِ فالنَّضدِ
(1/517)

المعنى: خلَّت الوليدةُ سبيلَ أتيٍّ، كان يحبسُ ماءه، فحذف المضافَ، ففاعل يحبسُ ضميرٌ، يعودُ إلى الضَّمير، الذي في كان، وذلك الضَّميرُ يعودُ إلى سبيل الأتيّ، ويدلُّك على حذف المضاف، أن السَّبيلَ يحبسُ ماءَ الأتيِّ، لا الأتيَّ، والأتيُّ: جدولُ الماءِ. قال الأصمعيُّ: أتِّ لمائك، أي اجعلْ له أتيَّاً.
وفاعلُ يحبسُ السَّبيلُ، كأنَّ السَّبيلَ يحبس الماءَ، لانطمامه.
وقالوا في قوله: ورفَّعته: هو من قولهم: ارتفع إليَّ، أي تقدَّمْ، ورفعته إلى الوالي، وليس يريدُ الارتفاعَ، الذي هو علوٌّ.
وقال أبو ذؤيبٍ:
إذا نهضتْ فيه تصعَّدَ نفرها ... كقترِ الغلاء مستدرّاً صيابها
فاعلُ تصعَّد ما تضمرُ ممَّا دلَّ عليه قوله: نهضتْ، أي إذا نهضتْ فيه تصعَّد نهوضها، على نفرها، من قولك: تصعَّدني الأمرُ، أي شقَّ عليَّ، وشبَّهها في ذهابها وسرعتها، بالقترِ، وهي القطبةُ التي يرمى بها الهدف، والواحدةُ: قترةٌ.
ومستدرّاً: منقلباً، ليس بمستريح.
صيابها: قصدها.
(1/518)

والغلاءُ: جمعُ غلوةٍ، وقد يكون الغلاءُ مصدرَ غاليتُ، ويكون الصِّيابُ جمعَ صايبٍ، كصاحبٍ وصحاب.
أنشد أحمد بن يحيى:
فلا تسليني واسألي عن خليقتي ... إذا ردَّ عافى القدرِ من يستعيرها
القولُ فيه: أنه مثلُ: ضربَ زيداً غلامه، و (لا ينفعُ نفساً إيمانها) لمَّا تقدَّم ذكرُ القدر، أضمرها في الصّلة.
وعافى في موضعِ نصب، بأنه مفعولٌ به، ولكنّه أسكنَ للضَّرورة.
ومعنى ردَّه لم يعطهِ إذا سأل، من قوله: عفاه يعفوه، واعتفاه: إذا جاءه يطلبُ خيره.
ومنْ في موضع رفعٍ، بأنه فاعلُ ردَّ.
(1/519)

وقيل في قوله:
وقفنا فسلَّمنا فردَّت تحيَّةً
قولان، أحدهما: لم تقبلها، كأنَّ ذاك لخوفِ رقبةٍ، أو لغير ذلك، فهذا كالردِّ، فيما أنشده أحمد بن يحيى، وكقوله:
وليس للمحلفِ مثلُ الرَّدِّ
والقولُ الآخرُ، في ردَّت: أنها قبلت التَّحيةّةَ، فأجابت عنه، لما رئي من البشاشةِ في وجهها، وإن كان قال في آخر البيت:
ولم ترجعْ جوابَ المخاطبِ
فيكون على هذا التأويل، كقوله: (فحيُّوا بأحسن منها أو ْ ردُّوها) أي لا تمتنعوا من أن تجيبوا بأحسن منها، أو بمثلها.
وتسكينُ الياء في موضع النَّصب، كثيرٌ، وقد جاء بعض ذلك في الكلام.
أنشد أحمد بن يحيى، لأسماء بن خارجة:
أوَ ليس من عجبٍ أسائلكمْ ... ما خطبُ عاذلتي وما خطبي
(1/520)

القولُ في فاعل ليس أنه يحتملُ أمرين، أحدهما: أن تضمرَ الحديثَ، والآخر: أن تريد أن وتحذفها، كأنه: أوَ ليس من عجبٍ أن أسائلكم، فتحذف أنْ. قال أحمد بن
يحيى: يعجبني تقومُ، كان هشامٌ يقوله. والفراءُ قال: محالٌ، لأنه لا صاحبَ للإعجاب. والقولُ في ذلك قولُ هشام، لأنَّ أنْ قد جاءت محذوفةً في نفس الفاعل، في البيت الذي أنشدناه، وجاء في الابتداء في قولهم: تسمع بالمعيديّ خيرٌ من أن تراه فقوله: خيرٌ خبر المبتدأ، وتسمع في موضع رفعٍ بالابتداء، كما أنَّ قوله: يسيرُ بشرطةٍ في البيت، في موضع رفعٍ بأنه فاعل. ويدلُّك على ذلك عطفهم عليه الاسمَ، كما كان يعطف عليه إذا ظهرتْ، وذلك قولهم: تسمعُ بالمعيديّ لا أن تراه، فكما استوى الابتداءُ والفاعلُ، في دخولِ الجارِّ عليهما، في (كفى باللهِ)، وبحسبكَ، كذلك استويا في حذف أن معهما.
ويدلُّ على جواز حذفه من الفاعل، حذفهم له من خبر المبتدأ، في نحو قوله:
وحقُّك تنفى من المسجدِ
ألا ترى أن خبر المبتدأ بمنزلة الفاعل، في افتقاره إلى المبتدأ الذي تقدَّمه، كافتقار الفاعل إلى فعله.
ويدلُّك على أنَّ هذا الحذفَ في أنْ بمنزلة الإثبات: أنّ من العرب - فيما زعموا -
(1/521)

من يحذف أنْ وينصبُ الفعلَ. حكى أبو عثمان، عن قطرب، أنه سمع من يقول:
ألا أيُّهذا الزاجري أحضرَ الوغى
بالنصب، وحكى أحمدُ بن يحيى: خذِ اللصَّ قبل يأخذك. وحكى أبو الحسن نحو ذلك، فهذا يدلُّك على أن الحذفَ عندهم بمنزلة الإثبات، في هذا الموضع، فكذلك يكون إذا حذف قبلَ الفعل الذي يكون معه فاعلاً. وحذفُ أنْ وإرادتها قد كثر، وما كثرَ كثرته لم ينبغ إحالته، وقال الفرزدق:
فحقُّ امرئٍ بين الوليد قناتهُ ... وكندةُ فوق المرتقى يتصعَّدُ
تقديره: أن يتصعَّد، فحذف أن، والمعنى: يتصعد فوق المرتقى، فتقدُّمُ فوقَ كتقدُّمِ بالعصا في قوله:
كان جزائي بالعصا أن أجلدا
أو بمنزلة قوله تعالى: (يومَ يرونَ الملائكةَ لا بشرى يومئذٍ للمجرمينَ). قال أبو الحسن: إنما يكون هذا في المجرور، والظرف بمنزلة المجرور، لأنّ الجارَّ مرادٌ معه.
(1/522)

وقال أبو دواد:
أنارُ أبينا غيرَ أنّ ضيافه ... قليلٌ وقد يؤوى إليها فيكثرُ
جمع ضيفاً على ضياف، لأنه على وزن كعبٍ وكعاب، وكلبٍ وكلاب.
فأما قوله: يكثر ففاعله الضيفُ، كأنه أضمر ما يدلُّ عليه الضِّياف، لا الجمعُ الذي هو الضِّياف. وقد يكون ضيفٌ للكثير. وفي التنزيل: (هؤلاءِ ضيفي). فيجوز أن يكون ردَّه إلى الواحد، الذي هو الأصلُ، لأنّ الأصلَ مفردٌ، أو يكون جعله كالحجال المسجَّفِ، والسِّمام المذعَّفِ، وكقوله:
مثل الفراخِ نتِّفتْ حواصلهُ
(1/523)

أو يكون جعل فاعله الأوىَّ، لأنّ قوله: يؤوي قد دلَّ عليه.
وقوله: قليلٌ مفردٌ، يرادُ به الكثرةُ، ألا ترى أنه خبرُ جمعٍ، ومثل ذلك قولُ الآخر:
وما ضرَّنا أنا قليلٌ وجارنا ... عزيزٌ وجار الأكثرينَ ذليلُ
وقال أبو دواد:
ضروحُ الحماتينِ سامي الذِّراعِ ... وثوبٌ إذا ما انتحاهُ الخبارا
يكون فاعلُ انتحاه مضمراً، المعنى: انتحاه الراكبُ إلى الخبار، أو للخبار، ونحاه، وانتحاه، مثلُ نهبه، وانتهبه.
(1/524)

قال:
وهبَّتْ شمالاً آخرَ اللَّيلِ قرَّةً ... ولا ثوبَ إلاّ درعها وردائيا
يكون فاعلُ هبَّتْ مضمراً، أي هبَّت الرِّيحُ شمالاً قرَّةً، ويجوز: وهبَّتْ شمالٌ قرَّةً،
على الحالِ من النكرة، و: شمالٌ قرَّةٌ، على وصف النكرة بمثلها.
فأما قوله: آخرَ الليل فيجوز فيه ثلاثةُ أضربٍ، أحدها: أن ينتصبَ بهبَّتْ أي هبَّتْ في هذا الوقت.
والآخرُ: أن ينتصبَ بمحذوفٍ، على أن يكون وصفاً لشمالٍ، النكرةِ، كما تقول: حضرتُ قتالاً آخرَ الليل، فتصفُ الحدثَ بأسماءِ الزَّمان، كما تخبر بها عنه.
والثالث: أن يتعلق بمضمر، يدلُّ عليه قرَّةٌ، ويدلُّ على جواز ذلك قوله:
ألا حيِّيا ليلى أجدَّ رحيلي ... وآذن أصحابي غداً بقفولِ
فكما أنَّ غداً لا يكونُ إلاَّ متعلِّقاً بمحذوف، كذلك يجوز أن يكون آخرَ الليل كذلك، ودلَّ عليه قرَّةٌ كما دلَّ على المضمر القفولُ، في البيت الآخر.
وقال جريرٌ، فيما أظنُّ:
وما يستوي عقرُ الكزومِ بصوأرٍ ... وذي التَّاجِ تحت الرَّايةِ المتسيِّفُ
(1/525)

المعنى: لا يستوي عقر الكرومِ، وعقرُ ذي التاجِ، ولا يكون على هذا الظاهرِ، ألا ترى أنه ينفي المساواةَ عن العقرين، إلاّ أنه لمّا كان ذكر العقر، قد جرى، كان في حذفه إيّاه بمنزلة ذكره له، وهذا كما قال في قوله:
أكلُّ امرئٍ تحسبين امرءاً ... ونارٍ توقَّدُ بالَّليل نارا
لمَّا كان ذكر كلِّ قد تقدَّم، استغنى بذلك عن تكريره، وعلى ذلك تأوَّلَ أبو الحسن، قراءة من قرأ: (كذلكَ يطبعُ اللهُ على كلِّ قلبِ متكبِّرٍ جبَّارٍ).
وعقرُ ذي التاج: المصدرُ فيه مضافٌ إلى الفاعل.
والمتسيِّفُ: صفةٌ على الموضع، لأنَّ المتسيِّف هو ذو التاج، في المعنى، وإن شئت جعلت المتسيِّفَ فاعلاً، وجعلت المصدرَ مضافاً إلى المفعول بع، نحو: أعجبني ضربُ زيدٍ عمروٌ.
(1/526)

وقد يجوز أن ينشد: عقرُ الكزومِ بصوأرٍ، وذو التاج، فتحذفَ المضافَ، وتقيم
المضافَ إليه مقامه، والمذهبُ الأول أحسن، لأنك في هذا تعمله وهو محذوفٌ، وقد قام الثاني مقامه، وإذا قام الثاني مقامه، صار الحكم له، يدلُّك على ذلك قوله سبحانه: (واسألِ القريةَ التي كنَّا فيها)، فجعل الصِّفة على القرية، وليس كذلك الوجهُ الأولُ، لأنَّ المصدرَ فيه بمنزلةِ الملفوظِ به.
وقال:
منتْ لكَ أن تلاقيني المنايا ... أحادَ أحادَ في شهرٍ حلالِ
(1/527)

المنايا: المقادير، وهي رفعٌ بأنها فاعلة، وأن تلاقيني: في موضع نصبٍ، بأنه مفعولٌ به، كأنه: قدَّرتْ لك المقاديرُ لقائي فردين، في شهرٍ حلالٍ، يحلُّ فيه القتال.
وجاز إسنادُ المنايا إلى منتْ، لأنها جمعٌ، وليس في منتْ دلالةٌ على جمع، فهو بمنزلة قوله تعالى: (فإذا نفخَ في الصُّورِ نفخةٌ واحداةٌ).
فأمّا قوله:
منتْ لك أن تلقى ابنَ هندٍ منيَّةٌ ... وفارسَ ميَّاسٍ إذا ما تلبَّبا
فإن قلت: كيف جاز هذا، والتقديرُ: قدِّرَ لك قدرٌ؟
فإنّ التأنيث فيه، قد جعله بمنزلةِ: نفخَ نفخةٌ، وأيضاً: فإنَّ هذا النَّحوَ، ممَّا يسندُ إليه الفعلُ، يصيرُ إقامته مقامَ العينِ مجوَّزاً فيه، ما لم يكن يجوَّزُ قبل ذلك، لما دخل فيه، من المعنى الزائد على ما يدلُّ عليه المصدرُ.
ابنُ سلاّم، عمَّن أخبره، قال: نظر الفرزدقُ إلى عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيدٍ يطوف بالبيت يتبختر، فقال:
تمشي تبخترُ حول البيتِ منتخياً ... لو كنتَ عمرو بن عبد اللهِ لم تَزدِ
(1/528)

فاعل يزيد الانتخاءُ، أي: لم يزدِ نخاؤك، لو كنتخ، على ما أنت عليه، منه الآن، فحذف ذلك، لتقدُّمِ قوله: منتخياً، ودلالته عليه.
ومن أنشد: لم تزدِ، كان المعنى كذلك أيضاً، إلاّ أنك حذفتَ المضافَ، لدلالةِ ما تقدَّم عليه، وأقمتَ المخاطبَ مقامه، فاللفظ على: لم تزدْ أنت أيُّها المخاطب، والمعنى على: لم يزد انتخاؤك، وقد يجوز: لم تزدْ نخوتك، لأنَّ النَّخوةَ، والانتخاء يتقاربان.
وقد يجوز أن يكون: لم تزد، التاء للخطاب، على غير حذف المضاف، ولكن: لم تزد أنت في النَّخوة، على ما أنت عليه. كلُّ ذلك متَّجهٌ.
وقال عديُّ بن زيدٍ:
من رأيتَ المنونَ عرَّينَ أمْ منْ ... ذا عليه من أن يضامَ خفيرُ
فاعلُ عرَّين المنونُ، وجعله جمعاً في هذا الموضع، ويمكن أن يكون جعله للجنس، كقوله تعالى: (إنَّ الانسانَ لفي خسرٍ) ثمَّ استثنى منه الجميعَ، وكقول النَّمر:
حتَّى إذا قسم النَّصيبُ وأصفقتْ ... يده بجلدةِ ضرعها وحوارها
ويجوز أن يكون جعله جمعاً، وإن كان على لفظِ الواحد، كقوله عزَّ وجلَّ: (إنَّ الكافرينَ كانوا لكمْ عدوَّاً مبيناً)، وقوله تعالى: (فإنْ كانَ من قومٍ عدوٍّ لكمْ)،
(1/529)

وقد وضعوا الواحدَ في موضعِ الجمع، في مواضعَ كقول جرير:
الواردون وتيمٌ في ذرى سبأٍ ... قد عضَّ أعناقهمْ جلدُ الجواميسِ
وقال:
بني نميرٍ ماذهِ الخنافقُ ... المالُ هديٌ والنِّساء طالقُ
وجبلٌ يأوي إليه السَّارقُ
ومثلُ ذلك، في وضعِ الواحدِ موضعَ الجميع، قول الآخر:
ألا هلك الشِّهابُ المستنيرُ ... ومدرهنا الهمام إذا نغيرُ
وحمَّالُ المئينَ إذا ألمَّتْ ... بنا الحدثانُ والأنفُ النَّصورُ
فمن الناس من يذهب إلى أنه ذهب بالحدثان، إلى الحوادث، فأنَّث على ذلك، وكأنّه
جعله اسماً للجنس، وحمل الكلام على المعنى، لأنه جمعٌ، فأنَّث على ذلك.
أنشد أبو عبد الله اليزيديُّ، عن الأحول:
(1/530)

ومستنبحٍ بعدَ الهدوءِ دعوته ... وقد حانَ من ساري الشتاءِ طروقُ
يكابدُ عرنيناً من الليل بارداً ... تلفُّ رياحٌ ثوبه وبورقُ
قال أبو عبيدة، فيما روى أبو عبد الله: الشَّمالُ تلفُّ ثوبه، والبروق لا تفعلُ ذلك. قال: وليس هذا بغلطٍ، إذا كان الشيءُ من سبب الأول، وصفوه، وأضافوه إليه، في التشبيه، قال: وقال الأصمعيُّ: هذا كقول الرَّاعي:
فلمَّا دعتْ شيباً بجنبي عنيزةٍ ... مشافرها في ماءِ مزنٍ وباقلِ
قال: وإنما يكون لمشافرها في الماءِ صوتٌ، ولا يكونُ في النَّبت.
قال: وهذا في العطف جائزٌ.
ومثل ذلك، ما أنشده أبو عبيدة، من غير رواية أبي عبد الله:
فعلا فروعَ الأيهقانِ وأطفلتْ ... بالجهلتين ظباؤها ونعامها
ولا يكون: أطفلت النَّعامةُ، وجاز ذلك في العطف، كأشياءَ تجوزُ في العطف،
(1/531)

ولا تجوز في غيره، نحو: ربَّ رجلٍ وأخيه، وكلُّ شاةٍ وسخلتها، ونحو:
متقلِّداً سيفاً ورمحا
وأنشد أبو عبيدة:
ونابغةُ الجعديِّ بالرَّملِ بيته ... عليه صفيحٌ من ترابٍ وجندلِ
(1/532)

فهذا مثلُ الأبيات الأول، لأنه لا يكون صفيحٌ من تراب، كما يكون من الجندل، إلاّ أنَّ ذلك غيرُ معطوفٍ، والأشياءُ المتَّسعُ فيها، في الأبياتِ الأخر، معطوفةٌ على غيرها، كقوله:
مشافرها في ماءِ مزنٍ وباقلِ
وإنما تدعو مشافرها الشَّيبَ، إذا كانت في الماء، ولا تدعو الشِّيبَ إذا كانت في
البقل، ومثل ذلك قولُ الآخر:
تداعينَ باسمِ الشِّيبِ في متثلِّمٍ ... جوانبه من بصرةٍ وسلامِ
والشِّيبُ: ما تسمعُ من صوت المشافر، عند رشيفها الماء.
ومثل قوله: صفيحٌ من ترابٍ وجندلِ قول الآخر:
علفتها تبناً وماءً بارداً ... حتَّى شتتْ همَّالةً عيناها
(1/533)

وقال عديُّ بن الرِّقاع، يذكر حماراً:
فأوردها لمَّا انجلى الليلُ أودنا ... فضاً كنَّ للجونِ الحوائمِ مشربا
قوله: أودنا فاعله لا يخلو من أحد شيئين: إمَّا أن يكون: دنا الانجلاءُ، فأضمر الانجلاءَ، لتقدُّمِ دلالةِ الفعلِ عليه، مثل قوله عزَّ وجلَّ: (فلمَّا جاءهمْ نذيرٌ ما زادهمْ إلاَّ نفوراً)، أي ما زادهم مجيئه، أو يكون أضمر النَّهارَ، لدلالة الليل عليه، كما أضمر الآخرُ الرَّعدَ، لدلالة البرقِ عليه، في قوله:
فبتُّ إخاله دهماً خلاجا
والقولُ الأولُ الوجه، أي: لمَّا انجلى الليلُ، أودنا الانجلاءُ، أي لمَّا أسفر، أو دنا الإسفارُ.
ولو حملته على الوجهِ الثاني، لكان المعنى: فلما دنا النَّهارُ، أو دنا النهارُ، فخيَّرتَ بين شيئين، أحدهما هو الآخر، فليس ذلك بمتَّجه.
ولو جعلتَ أو كالتي في قول الشاعر:
وكان سيَّانِ أن لا يسرحوا نعماً ... أو يسرحوه بها واغبرَّت السُّوحُ
وجعلت فاعلَ دنا النَّهارَ، كان أمثلَ شيئاً، لأنك قد تقول: قعدتُ أو جلستُ أنتظره، ولو قلت: قعدتُ أو قعدتُ، لم يجز ذلك.
(1/534)

وقوله: فضاً، روى محمدُ بن السَّريّ: أنه جمعُ فضيةٍ، وهو الماءُ المستنقعُ وأصلها: فضاءٌ، مثلُ قصعةٍ وقصاعٍ، فقصرَ.
قال: وروى الأصمعيُّ أيضاً: أضاً.
قال: والجونُ: الحمر الضاربةُ ألوانها إلى السَّواد.
وقد أنشد أبو عبيدة:
ألا سبيلَ إلى خمرٍ فأشربها ... أولا سبيلَ إلى نصرِ بن حجَّاجِ
قال: تمنَّتها جميعاً، وأنشد:
بكرتْ بالَّلوم تلحانا ... في بعيرٍ ضلَّ أوحانا
وقال النابغة:
تجذُّ السَّلوقيَّ المضاعفَ نسجهُ ... وتوقدُ بالصُّفَّاحِ نارَ الحباحبِ
اختلف في فاعل تجذُّ وتوقدُ، فذهب أبو عبيدة إلى أنَّ فاعلَ توقد،
(1/535)

وتجذُّ الخيلُ، لا السُّيوفُ، ومثلُ تأويل أبي عبيدةَ هذا، قولهُ عزَّ وجلَّ: (فالمورياتِ قدحاً)، في صفة خيل.
قال: والصُّفَّاح، والصُّلاّعُ: الصَّفا الذي لا ينبت، وقال: ليس المذكورُ في البيت بالصَّخر، ولكنْ صفَّاحُ البيضِ، والسَّاعدُ من الحديد، ففاعلُ توقدُ، أو يوقدنَ الخيلُ، والخيلُ: اسم الرجال على الأفراس، والتقدير: وتوقد الخيلُ بضرب الصُّفّاح، نار الحباحب، فحذف المصدرَ، واقام المضاف إليه مقامه، وتأويلُ المصدر، الإضافةُ إلى المفعول به، كقوله سبحانه وبحمده: (منْ دعاءِ الخيرِ)، والمعنى: من دعاء الإنسانِ الخيرَ، فكذلك: وتوقدُ الخيلُ بضرب السُّيوفِ، الصُّفّاحَ نار الحباحبِ.
وفي قول الأصمعيّ، فاعلُ توقد السُّيوفُ، لا الخيل، كأنَّ السُّيوفَ تقطعُ الدُّروعَ، وكلَّ شيءٍ، حتى تصلَ إلى الحجارة، فتقدحَ، وتورى. قال: والصُّفَّاحُ: حجارةٌ عراضٌ.
فالباء في قوله: ويوقدنَ بالصُّفّاح على قول الأصمعيّ، يحتمل ضربين، أحدهما: أن يكون مثل: توقد في البيت النارَ، لأنَّ الصُّفّاح مكانٌ كالبيت.
(1/536)

والآخر: أن يكون مثل: كتبتُ بالقلم، لأنه، وإن كان مكاناً، فهو آلةٌ، ألا ترى أنَّ القدحَ قد يكون به، فيكون آلةً له، كما يكونُ القلمُ آلةً للكتابة. ويقوِّي قولَ الأصمعيّ قولُ النَّمر بن تولبٍ:
تظلُّ تحفرُ عنه
وقال الأعشى:
فإنِّي وجدِّك لو لمْ تجيءْ ... لقد قلق الخرتُ إلاّ انتظارا
قال محمد بن السَّريّ، عن أبي عبيدة: ضربه مثلاً. والخرتُ: ثقبُ الفأسِ.
وقال ابن الأعرابيّ: يقول: لو لمْ أتكَ فسدّ عليَّ أمري، وصعبَ، كما يقلقُ خرتُ الفأس، إذا اتَّسع ثقبها عن عودها، فيسقط العزدُ. يقالُ: قلقَ خزته: إذا فسد عليه أمره. وقريبٌ من هذا ما أنشده ابن الأعرابيّ:
أرطُّوا فقد أقلقتمُ حلقاتكمْ ... عسى أن تفوزوا أن تكونوا رطائطا
(1/537)

والمعنى: لقد قلق عود الخرت، ألا ترى أنَّ الخرتَ على حالٍ واحدة، وإنما يقلق العودُ المدخلُ الخرتَ.
وقوله: أقلقتم حلقاتكم عندي، مثل قوله: لقد قلق الخرتُ، كأنه يقولُ: أفسدتم أمركم، بتغافلكم.
فأمَّا قوله: أن تكونوا فيجوز أن يكون نصباً، وأن يكون رفعاً.
فالنَّصبُ: أن يريدَ: أن تفوزوا بأنْ، فيحذفَ الحرفَ، فيصلَ الفعل، ويجوز أن يكون جرَّاً، على قولِ الخليل.
والرفعُ: أن تجعله بدلاً من أن تفوزوا، لأنَّ كونهم رطائط، فوزٌ.
أنشد أبو عبيدة، للفرزدق:
وعضَّ زمانٍ يا بن مروانَ لم يدعْ ... من المالِ إلاّ مسحتاً أو مجلَّفُ
قد أنشد: إلاّ مسحتاً، وإلاّ مسحتٌ، نصباً ورفعاً، فمن نصبه كان يدعْ من التَّرك،
ومسحت مفعول الترك، وحمل مجلَّفٌ بعده على المعنى، لأنَّ معنى لم يدع من المال إلاّ مسحتاً تقديره: لم يبقَ من المالِ إلاّ مسحتٌ، فحمل مجلَّفٌ على ذلك، ومثل ذلك في الحمل على المعنى، من أبيات الكتاب، قوله:
(1/538)

بادت وغيَّر آيهنَّ مع البلى ... إلاّ رواكدَ جمرهنَّ هباءُ
ومشجّجٌ أمَّا سواءُ قذاله ... فبدا وغيَّر ساره المعزاءُ
لأنَّ معنى بادتْ إلاَّ رواكدَ معناه: بها رواكدُ، فحمل مشجَّجاً على ذلك. ومثل ذلك قول الآخر:
فلم يجدا إلاَّ مناخَ مطيَّةٍ ... تجافى بها زورٌ نبيلٌ وكلكلُ
ومفحصها عنها الحصى بجرانها ... ومثنى نواجٍ لم يخنهنَّ مفصلُ
وسمرٌ ظماءٌ واترتهنّ بعدما ... مضت هجعةٌ من آخرِ الَّليلِ ذبَّلُ
لأنّ معنى: فلم يجدا إلاّ مناخَ مطيَّةٍ: بها مناخُ مطيَّةٍ، فكذلك قوله: لم يدعْ من المال إلاّ مسحتاً معناه: بقي مسحتٌ.
(1/539)

قال أبو عمر: وهذا قولُ اخليل، وليس البيتُ في الكتاب، فلا أدري أسمعه عنه، أم قاسه على هذه الأبيات؟
قال أبو عبيدة: المجلَّف: المجرَّف الذي بقيتْ منه بقيَّةٌ.
وأنشد لسويد بن أبي كاهلٍ:
أرَّقَ الركَ خيالٌ لم يدعْ ... من سليمى ففؤادي منتزعْ
قال لم يدع: لم يستقرّْ، فكأنّ يدعْ يفعلُ من الدّعةِ، التي هي الاستقرارُ، وخلافُ النَّصب.
وأنشد يعقوبُ، لخفاف بن ندبة، يذكر فرساً:
إذا ما استحمَّتْ أرضه من سمائهِ ... جرى وهو مودوعٌ وواعدُ مصدقِ
(1/540)

قال: يعدُ صدقاً في القتال.
فإن قلت: مودوعٌ، ممَّ هو؟
فالقولُ فيه: أنه مفعولٌ من الدَّعة، كأنه يريدُ: أن هذا الفرسَ لسبقه وعتقه، لا كلفةَ عليه في الجري، فهو فيه بمنزلة المتَّدعِ.
فإن قلت: إنَّك لا تقول: ودعته، وقوله:
أرَّق الرّكبَ خيالٌ لم يدعْ
يدع فيه: فعلٌ غيرُ متعدٍّ.
فإنه يجوز أن يكون كما حكاه أبو زيدٍ، من قولهم: رجلٌ مفؤودٌ، للجبان، ورجلٌ مدرهمٌ، قال: ولم يستعمل لهما فعلٌ، ويجوز أن يكون مثل: دلوِ الدالْ،
(1/541)

ومن أجوازِ ليلٍ غاضِ، ونحو ذلك.
أنشد عن الأصمعيّ:
إذا ما المعسياتُ كذبن أبدى ... جريُّ المحصناتِ إلى النَّزيلِ
فاعلُ أبدى مضمرٌ، وهو هذا الذي يقري الضِّيفانَ، لأنَّ النَّزيلَ الضَّيفُ. والمحصن: المدَّخر من الطَّعام. والجريُّ: الرَّسول، وجعله رسول المحصنات، وهو المدَّخر من الطعام، لأنه يحملها، ويتولَّى إطعامها، ومثله:
إذا المعسياتُ كذبن الصَّبو ... حَ خبَّ جريُّكَ بالمحصنِ
وقال ابن مقبل:
يظلُّ الحصانُ الوردُ فيها مجلَّلاً ... لدى السِّترِ يغشاه المصكُّ الصَّمحمحُ
قال بعضهم: المصكُّ الصَّمحمحُ: من صفة الحصان. وروى محمد بن السَّريّ، عن ابن الأعرابيّ: المصكُّ الصَّمحمحُ، يعني به البعيرَ الكبيرَ، العظيمَ. يقول:
فمن شدَّة البرد يغشى هذا الجملُ الحصانَ، ليصير معه في السِّترْ.
(1/542)

فعلى القول الأول يرتفع المصكُّ بأنه صفةٌ للحصان، وفاعلُ يغشى ضميرُ الحصان، أي يغشى الحصانُ السِّترَ، من شدَّةِ البرد.
وموضع يغشى نصبٌ على الحال من الحصان، والعامل فيه يظلُّ، تقديره: يظلُّ الحصانُ مجلَّلاً غاشياً، فيكون فاعلُ يغشاه ضمير الحصان.
ويجوز أن يكون حالاً من الضَّمير الذي في مجلَّل، والعاملُ فيها المجلَّل، فإذا كان كذلك، عاد الضميرُ الذي في يغشى إلى الضَّمير.
ويجوز أن يكون فاعلُ يغشى ضميراً عائداً إلى السِّتر، أي يغشى السِّترُ الحصانَ، ويكون حالاً من السِّتر، الذي هو مضافٌ إليه.
وعلى القول الثاني - وهو قول ابن الأعرابيّ - يكون فاعلُ يغشى المصكُّ.
قال:
لو بغير الماءِ حلقي شرقٌ ... كنت كالغصَّانِ بالماءِ اعتصاري
موضع حلقي رفعٌ، بأنه فاعل، والرافعُ له فعلٌ مضمرٌ، يفسِّره شرقٌ، كأنّه: لو شرق حلقي بغير الماء. ولا يكون شرقٌ خبر حلقي هذا الظاهر، لأنَّ ما بعد لولا يكون مبتدأ، كما أنَّ ما بعد إنْ، وما بعد إذا لا يكون كذلك.
(1/543)

فإذا لم يجزْ أن تجعله خبرَ حلقي الواقعِ بعد لو، لأنه يرتفع بفعلٍ مضمر، وما ارتفع بفعلٍ مضمر، لا يجوز أن يكون له خبرٌ، على حدّ الخبر، في: زيدٌ منطلقٌ، كما أنَّ ما ارتفع بفعلٍ مضمر، لا يكون له على هذا الحدِّ: وجب أن تضمر لقوله: شرقٌ مبتدأ، يكون شرقٌ خبره، ويكون المبتدأ المضمر، الذي قولك: شرقٌ خبره، جملةً من مبتدأ وخبرٍ، وقعتْ موقعَ التي من الفعل والفاعلِ، كما أنَّ قوله: (أمْ أنتمْ صامتونَ) بمنزلة: أم صمتُّمْ فيكون هو شرقٌ بمنزلة: شرقَ، تفسيراً للفعل المضمر بعد لوْ، ويكون ذلك بمنزلةِ ما يحملُ على المعنى، ألا ترى أنَّ هو شرقٌ بمنزلة شرقَ، في المعنى.
وقوله: بغير الماء يتعلَّق الجارُّ فيه بالفعل، الرافعِ لحلقي، كأنه: لو شرقَ بغير الماء حلقي شرقَ، لأنّ هو شرقٌ قد وقع موقع شرقَ، وهو أسهلُ من أن تعلِّقه
بشرقٍ، هذا الظاهر. وهذا يدلُّ أنَّ هذه الأشياءَ، على فعلٍ مضمر، يفسِّره الظهر، ألا ترى أنَّك إن تقدِّر هذا المضمر، لزم أن يكون لو قد ابتدئ بعدها الاسمُ. فإذن ثبت في هذا الموضع، إضمارُ الفعل، فحكمُ سائر ما أشبهه مثله.
ومثل تفسير شرقٍ الذي هو اسمُ الفعل، الذي ارتفع به قوله: حلقي دلالةُ
(1/544)

أفعل، في قوله عز وجل: (هو أعلم من يضل عن سبيله)، على الفعل، الذي صار في قوله: (من يضل عن سبيله) في موضع نصب، ألا ترى أن (من) في موضع استفهام، والاستفهام إنما تعلق عنه الأفعال، ونحو أفعلُ لا يعلق قبله، كما لا يلغى، فهذا مثل شرق في البيت، لاجتماعهما جميعاً، على الدلالة على فعلٍ مضمر.
فأمَّا قوله: بالماء اعتصارى فموضعه نصبٌ، بأنه خبر كنت، والعائد إلى الاسم، الياء في اعتصارى.
وكالغصَّان في موضع حالٍ، والعاملُ فيه كنت، ولا يكون الخبر، لأنَّ الحال إذا تقدمت لم يعمل فيها معنى الفعل، كما يعمل في الظرف، إذا تقدمه.
ولا تكون الباء في قوله: بالماء كالجار في قوله تعالى: (إني لكما لمن النّاصحين)، ولكنه يتعلق بمحذوف في موضع خبر المبتدأ، ألا ترى أنك لو قلت: إني من الناصحين لكما، لتعلقت اللام بالنُّصح، ولو قلت: كنت مروري بزيد، لن تتعلق الباء بالمرور، إنما تتعلق بمحذوف.
وقال الأعشى:
هذا النهار بدا لها من همها ... ما بالها بالليل زال زوالها
(1/545)

قال محمد بن السري: رواها أبو عمرو الشيباني: هذا النَّهار، بالنَّصب وبالنصب أيضاً رواها أبو الحسن. وقال الأصمعي: لا أدري ما هذا!
وقال أبو عبيدة: قال أبو عمرو بن العلاء: زال زوالها بالرفع، قال: صادف مثلاً، وهي كلمةٌ يدعى بها، فتركها على حالها، ولم ينظر إلى القافية.
وقال غيره: زال زوالها، وهي لغةٌ. قال: يقولون: زلت الشيء من مكانه، فأراد: زال الله زوالها.
وقال أبو عمرو الشيباني: زال الهمُّ زوالها، دعا عليها أن يزول الهمُّ معها حيث زالت. انتهت الحكاية عن أبي بكر.
وحكى أيضاً عن محمد بن يزيد، في موضعٍ آخر: يقال: زلت الشيء، وأزلته. قال: فهذا، على هذا القول، دعا عليها، كأنه قال: زال زوالها، كما تقول: أزال الله زوالها.
قال: هذا قول البصريين والكوفيين. قال: وقال أبو عثمان: ارتحلت بالنهار، وأتاه طيفها بالليل، فقال: ما بالها بالليل زال خيالها زوالها، كما تقول: أنت شرب الإبل، والمعنى: تشرب شرباً مثل شرب الإبل، فحذفت لعلم السامع.
وحكى غير محمد بت السَّريّ، عن أحمد بن يحيى، عن أبي عمرو بن العلاء: زوالها بالرفع، قال: صادف مثلاً فأعمله، وهي كلمةٌ يدعى بها، فتركها، ولم ينظر إلى القافية، ما هي.
وعن أبي عبيدة: زال زوالها، يريد: أزال زوالها، فألقى الألف، وإلقاؤها لغةٌ. قال: وقال الأصمعيُّ: لا أدري ما هذا!
(1/546)

قال أحمدُ: وقال غيره: زال ذلك الهمُّ زوالها، دعا عليها أن يزول الهمُّ معها حيث زالت. انتهت الحكاية عن احمد بن يحيى.
القول في ذلك: أنَّ هذا في قول من نصب النهارَ يجوز أن يكون إشارةً إلى أحد أربعة أشياء:
أحدها: أن يكون إشارةً إلى الارتحال، كأنه لما قال: رحلت غدوةً، قال: هذا الارتحال بدا لها النهار.
ويجوز أن يكون إشارةً إلى ما، أو إلى ضميره الذي في بدا من قوله:
فما تقول بدا لها.
ويجوز أن يكون إشارةً إلى البداء الذي دلَّ عليه بدا.
ويجوز أن يكون إشارةً إلى الهمِّ، كأنه: هذا الهمُّ بدا لها من همِّها. أي من همومها، فيكون (من همِّها في موضع نصبٍ على الحال.
والهمُّ لا يخلو من أحد أمرين: إمّا أن يكون الهمُّ، الذي هو العزمُ على الشيء، كقوله:
هممتُ ولم أفعلْ وكدتُ وليتني
أو الهمُّ الذي بمعنى الغمِّ، كقوله:
وهمٍّ لنا منها كهمِّ المخاطرِ
(1/547)

فإن جعلته العزمَ، وهو الأشبه، كان المعنى: هذا الهمُّ بدا لها، وهذا العزمُ، فأمضته، واستمرَّت عليه، فما بالها، أي فما بالُ خيالها طارقاً بالَّليل! وكلُّ واحدٍ من ذلك، يجوز أن يكونَ فاعلَ بدا، من قوله: هذا النهارَ بدا لها.
ومن رفع النهار، فقال: هذا النهار، جعله صفةً لهذا، وهو رفعٌ بالابتداء، والذِّكرُ العائدُ إليه من الخبر محذوفٌ، تقديره: بدا لها فيه، فحذفَ، كما حذف من قولهم: السَّمنُ منوانِ بدرهمٍ، ونحوه. وفاعلُ بدا فيمن رفع النهار ما كان يكون فيمن نصبه، إلا أنه يجوز في قياسِ قول أبي الحسن، ان يكونَ من همِّها أيضاً في موضع رفعٍ، وتقديره: هذا النَّهارُ بدا لها فيه همُّها، فما بالُ خيالها!
ومن نصب النهارَ في قوله: هذا النهارَ احتمل أمرين، أحدهما: أن يكون ظرفاً لبدا، تقديره: بدا لها في هذا النهار.
والآخر: أن يكون على: زيداً مررتُ به، لأنَّ فيه المقدَّرة في قوله: هذا النّهار بدا لها فيه في موضعِ نصبٍ، كما أنَّ به في قولك: زيدٌ مررتُ به، كذلك.
فأمَّا فاعلُ زال في قولِ من رفع، فقال: زوالها فهو الزَّوالُ المرفوعُ، المضافُ
إلى ضمير المؤنَّث، ويدلُّ على جواز ذلك، وأنه مثلٌ، كما حكاه أحمدُ بن يحيى، ومحمدُ بن السَّريّ، عن أبي عمرو بن العلاء، قولُ أبي دوادٍ الإياديّ:
سألتْ معدٌّ هذه بجديةٍ ... من جارُ يقدمَ عامَ زوالها؟
(1/548)

فأمَّا زالَ، على هذه الرواية، فتكون التي عينها واوٌ، من زوال يزول، فيصير بمنزلة قولهم: خرجتْ خوارجه، وما أشبه ذلك، ممَّا يفيد فيه الفاعل، الذي من لفظِ الفعل، زيادةً على إفادةِ الفعل.
ويجوز أن يكون من زال، التي عينها ياءٌ، وهو فعلٌ متعدٍّ إلى مفعولٍ. قال يعقوبُ: زلته فلم ينزلْ، كما تقول: مزتهُ فلم ينمزْ، فيكون المعنى: امازَ حركتها عنها، وفارقتها، وهو دعاءٌ بالهلاك، لأنَّ خركة الحيِّ إنما تبطلُ في أكثر الأمرِ، لموتٍ أو بليَّةٍ.
فأمَّا من قال: زالَ زوالها فنصب، فإنَّ فاعل زال المنتصب بعدها، زوالها لا يخلو من أحدِ ثلاثة أشياءَ: إمَّا ان يكون اسمَ الله عزّ وجلّ، او الهمَّ الذي في البيت، وهو قوله: من همِّها، أو الخيالَ المرادَ بقوله: ما بالها بالَّليل.
وموضع بالَّليل نصبٌ على الحال، والمعنى: ما بالها بالَّليل على خلاف رحلتها بالنَّهار، ومفارقتها لنا!
فالقولُ: أن فاعلَ زالَ الخيالُ، قول أبي عثمان، وهو قوله، فيما ذكرنها قبلُ: زال خيالها زوالها، كما تقول: إنما أنت شرب الإبلِ. يريدُ أنَّ المعنى: زال خيالها زوالاً مثل زوالها، كما أنَّ قولك: إنما أنت شربَ الإبل، تقديره: أنت تشربُ شرباً مثلَ شربِ الإبل.
وزال على هذا القولِ، التي عينها واوٌ.
وأمَّا كون فاعل زال الهمَّ، فهو قول أبي عمروٍ الشيبانيّ، وذلك أنه قال،
(1/549)

فيما حكي عنه: زال الهمُّ زوالها، وقال: دعا عليها، أن يزول الهمُّ معها، حيث زالتْ،
وينبغي أن يكون جعل الهمَّ، الذي هو الغمُّ، وليس بالعزم، لأنه إن جعله العزمَ، لم يكن دعاءً عليها، بل هو إلى الدُّعاءِ لها أقربُ، وقدَّر في الكلام معها ليصحَّ الدعاءُ عليها، ويختصُّ الهمُّ بزواله معها.
وانتصابُ الزوال، على أنه مصدرٌ، تقديره: زال الهمُّ معها زوالاً مثل زوالها. وزال هي التي عينها واوٌ، في هذا القول.
فأمَّا كون فاعلِ زال اسم الله عزَّ وجلَّ، فقد قاله أبو عبيدة، فيما حكاه أحمدُ بن يحيى، وحكاه محمدُ بن السَّريّ غير منسوبٍ إلى أبي عبيدة، فقال: وقال غيره - يعني غير أبي عمرو بن العلاء - أراد: أزال اللهُ زوالها. فزوالها، على هذا القول، ينتصبُ انتصابَ المفعول به، ولا ينتصبُ انتصابَ المصدر.
وزال يجوز أن تكون التي عينها ياءٌ، ويجوز أن تكونَ التي عينها واوٌ. فإن جعلتها التي عينها ياءٌ، وهي التي حكاها سيبويه، فقال: زايلتُ: بارحتُ، فعملتَ بقوله: زايلتُ، أنَّ العينَ منها ياءٌ.
ومعنى زال زوالها: سلبها اللهُ حركتها، وعرَّاها منها، وهذا دعاءٌ بالهلاك، لأنَّ خلوَّ الحيوان من حركته، في أكثر الأمرِ، إنَّما هو للموت، أو لبليَّةٍ تحلُّ به، وعلى هذا قالوا: أسكت الله نأمته، والنأمةُ والنئيمُ: ضربٌ من الحركة.
ومما يدلُّك على تعدِّي زال هذه، قولُ ذي الرُّمَّة:
وبيضاَء لا تنحاشُ منَّا وأمُّها ... إذا ما رأتنا زيلَ منَّا زويلها
(1/550)

فبناؤه للمفعول يدلُّك على أنه متعدٍّ.
فأمَّا الزَّويلُ، فيجوز أن يكون لغةً في الزوال، كما قالوا: صحاحٌ وصحيحٌ، ويجوز أن يكونَ بناه للقافية، على فعيل، كما قال الهذليُّ: خريجُ.
ويجوز أن يكون زال في هذا القول، الذي هو خلافُ ثبت، وعينه واوٌ، وذلك لا يخلو من أحد أمرين: إمَّا أن يكون أرادَ: ازالَ، فحذف الهمزةَ، كما جاء دلوُ الدالْ،
ومن أجوازِ ليلٍ غاضِ، ونحو ذلك، فالفعلُ في حذف الهمزة منه، كاسمِ الفاعل.
وإمّا أن يكون لغةً في زالَ، فتقول: زالَ، وزلته، كما تقول: غاضَ الماءُ، وغضته، وسارتِ الناقةُ، وسرتها.
وقال الأعشى:
كناطحٍ صخرةً يوماً ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعلُ
فاعل يضرها يجوز أن يكون أحد ثلاثة أشياء: الناطحُ، الذي تقدّم ذكره، والنَّطح، الذي دلَّ عليه الناطح، والضَّيرُ، الذي دلَّ عليه لم يضرها.
(1/551)

فإن جعلت فاعلها الناطحَ، في قولك: فلم يضرها، إن جعلت الفاءَ زائدةً: أمران، أحدهما: أن يكون صفةً لناطحٍ، النكرة، والآخرُ: أن يكون صفةً للصَّخرة، لأنَّ لكلِّ واحدٍ منهما ذكراً في الجملة.
وإن جعلت فاعلَ يضرها النَّطحَ، أو الضَّير، كان صفةً للصخرة، ولم يجزْ أن يكون وصفاً للنَّاطح، لأنه لا ذكر له على هذا، في الجملة التي هي يضرها.
وإن لم تجعل الفاء زائدةً، ولكن جعلتها على معنى الجزاء، لأنّ المعنى: كمن نطح صخرةً يوماً، لم يكن صفةً لواحدٍ منهما.
وفي ناطحٍ ذكرٌ للموصوفِ المحذوف، التقديرُ: كوعلٍ ناطحٍ صخرةً، يدلُّك على ذلك قوله:
وأوهى قرنه الوعلُ
فأمَّا يوماً فلا يخلو من أحدِ ثلاثة أشياءَ، إمَّ أن يكونَ متعلّقاً بمحذوفٍ، على أن يكون صفةً للصَّخرة المذكورة، أو بالفلقِ أو بالنَّطح.
فلا يجوز أن يكون وصفاً للصَّخرة، لأنها اسمُ عين، واليومُ من أسماء الزَّمان، ولا يكون متعلِّقاً بالفلقِ، لتقدُّمه على الصِّلة، فإذا لم يجز هذانِ، علمتَ أنه متعلِّقٌ بالنَّطحِ.
هذا آخر ما عمله أبو عليٍّ الحسن بن أحمد بن عبدِ الغفار الفارسيُّ. رحمه اللهُ.
نسخته من نسخةٍ مقابلةٍ على أصل المصنَّف، ووافق الفراغُ من نقله يوم الخميس،
(1/552)

لليلتين بقيتا من صفر، سنة ثمانٍ وعشرين وخمس مائةٍ. وكتب أحمدُ بن منيرٍ بن أحمد بن مفلحٍ الطرابلسيّ، حامداً لله تعالى، ومصلياً على سيد الأولين والآخرين محمد نبيّه. صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه، وسلِّم تسليما.
(1/553)