Advertisement

مختارات شعراء العرب لابن الشجري



الكتاب: مختارات شعراء العرب لابن الشجري
المؤلف: ضياء الدين أبو السعادات هبة الله بن علي بن حمزة، المعروف بابن الشجري (المتوفى: 542هـ)
ضبطها وشرحها: محمود حسن زناتي
الناشر: مطبعة الاعتماد، مصر
الطبعة: الأولى، 1344 هـ - 1925 م
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] القسم الأول
فيه اثنتا عشرة قصيدة للشعراء: لقيط بن يعمر، وقعنب بن أم صاحب، وأعشى باهلة، وحاتم الطائي، وبشامة بن الغدير، والنمر بن تولب، والشنفري، وكعب بن سعد الغنوي، والمتلمس، وطرفة.
(/)

بسم الله الرحمن الرحيم

قصيدة لقيط بن يعمر
قال لقيط بن يعمر الإيادي ينذر قومه غزو كسرى إياهم، وكان لقيط كاتباً في ديوان كسرى؛ فلما رآه مجمعاً على غزو إياد كتب إليهم بهذا الشعر؛ فوق الكتاب بيد كسرى، فقطع لسان لقيط، وغزا إياداً:
يا دارَ عمرةَ منْ محتلِّهَا الجرعَا ... هاجَتْ لي الهمَّ والأحزانَ والوجعَا
الجرَع، والأجْرَع، والجرعاءُ: الرملة لا تنبت.
تامتْ فؤادي بذاتِ الجزعِ خرْعَبَةٌ ... مرت تريدُ بذاتِ العذبةِ البيعَا
تامتْ تيمتْ؛ أي عبدتْ وذللتْ. ومنه تيم الله، كأنه عبد الله. الجزع: منعطف الوادي. والخرعبة: الشابة الحسنة القوام.
بمقلتي خاذلٍ أدماَء طاعَ لها ... نبتُ الرياضِ تزجى وسطهُ ذرعَا
الذرع: ولد البقرة الوحشية.
وواضح أشنبِ الأنيابِ ذي أشرٍ ... كالأقحوانِ إذا ما نوره لمعا
الشنب: دقة في الأسنان. والأشر: حسن الأسنان وحدة أطرافها.
جرت لما بيننَا حبلَ الشموسِ فلا ... يأساً مبيناً أرى منها ولا طمعَا
الشموس من الدوابّ: الذي لا يكادُ يستقر. شمس يشمس شموسا.
فما أزالُ على شحطٍ يؤرقني ... طيفٌ تعمد رحلي حيثما وضعا
(1/1)

إني بعينيَ إذْ أمتْ حمولهمُ ... بطنَ السلوطحِ لا ينظرنَ منْ تبعَا
طوراً أراهم وطوراً لا أبينهم ... إذا تواضعَ خدرٌ ساعةً لمعَا
بل أيها الراكب المزجي مطيتهُ ... إلى الجزيرة مرتاداً ومنتجعا
الارتياد والنجعة: طلب الكلإ. وانتجعت فلاناً: طلبت خيره
أبلغْ إياداً وخلل في سراتهم ... أنى أرى الرأي إن لم أعصَ قد نصعَا
نصع: وضح.
يا لهفَ نفسي إنْ كانتْ أموركمُ ... شتى وأحكمَ أمرُ الناسِ فاجتمعا
إني أراكم وأرضاً تعجبونَ بها ... مثلَ السفينةِ تغشَى الوعثَ والطبعَا
الوعث: أرض مسترخية رطبة. والطَّبع: الصدأ يكثر على السيف. والطبع: تدنس العرضِ وتلطخه. واستعاره. والطبع: الدنس.
ألا تخافونَ قوماً لا أبا لكمُ ... أمسوْا إليكم كأمثالِ الدبَى سرعَا
أبناءُ قومٍ تآووكُم على حنقٍ ... لا يشعرونَ أضرَّ اللهُ أمْ نفعا
ويروى: تأيوكم.
أحرارُ فارسَ أبناءُ الملوكِ لهم ... من الجموعِ جموعٌ تزدهي القلعا
القلع: السحاب العظيم. ازدهيت فلاناً: تهاونت به.
فهم سراعٌ إليكم، بينَ ملتقطٍ ... شوكاً، وآخر يجني الصابَ والسلعَا
الصاب والسلع: شجرانِ مرانِ. كنَى بذلك عن السلاح.
لو أن جمعهم راموا بهدته ... شمَّ الشماريخِ منْ ثهلانَ لانْصدعَا
الشماريخ والشناخيب: رءوس الجبال.
في كل يومٍ يسنونَ الحرابَ لكمْ ... لا يهجعونَ إذا ما غافلٌ هجعا
(1/2)

خزرٌ عيونهم كأنَّ لحظهمُ ... حريقُ غابٍ ترى منه السنَا قطعَا
السنا: الضوء. تخازر: قبض جفنه ليحددَ النظر.
لا الحرثُ يشغلهم بل لا يرونَ لهمْ ... منْ دون بيضتكم رياً ولا شبعا
البيضة هاهنا كناية عن عقر الدار محلة القوم.
وأنتم تحرثونَ الأرضَ عنْ سفهٍ ... في كل معتملٍ تبغونَ مُزدرعَا
وتلقحون حيالَ الشولِ آوِنةً ... وتنتجونَ بدارِ القلعةِ الربعَا
حالت الناقة تحولُ حيالاً: إذا لم تحمل؛ فهي حائل. والجمع حيال. فأما قولهم: لا أفعل ذلك ما أرزمتْ أمُّ حائل. فإن الناقة إذا ولدت ووقع على الولد اسم التذكير والتأنيث؛ فإن الذكر سقب والأنثى حائل.
هذا منزل قلعةٍ: إذا لم يكن مستوطناً؛ والقوم على قلعةٍ: أي رحلة.
وتلبسون ثيابَ الأمنِ ضاحيةً ... لا تفزعونَ وهذا الليثُ قد جمعا
وقد أظلكمْ منْ شطرِ ثغرِكم ... هولٌ له ظلمٌ تغشاكمُ قطعَا
مالي أراكمْ نياماً في بلهنيةٍ ... وقد ترونَ شهابَ الحربِ قد سطعا
البلهنية: العيش اللين.
فاشفوا غليلي برأيٍ منكمُ حصدٍ ... يصبحْ فؤادي له ريانَ قد نقعا
حصدٍ: محكم؛ من قولهم: درع حصداء: محكمة.
والنقع: ذهاب العطش.
ولا تكونوا كمنْ قد بات مُكتنعاً ... إذا يقالُ له افرجْ غمةً كنعَا
مكتنع مجتمع. اكتنع القوم: اجتمعوا. وكنعت العقابُ جناحها للانقضاض. والكنع: تشنج الأصابع وتقبضها.
يسعى ويحسبُ أنَّ المالَ مخلدهُ ... إذا استفاد طريفاً زادهُ طمعا
فاقنوا جيادَكمُ واحملوا ذِماركمُ ... واستشعروا الصبرَ لا تستشعرُوا الجزعَا
الذمار: ما لزمك حفظه.
(1/3)

ولا يدعْ بعضكم بعضاً لنائبةٍ ... كما تركتم بأعلى بيشةَ النخعَا
صونوا جيادَكمُ واجلوا سيوفكمُ ... وجددوا للقسيِّ النبلَ والشرعَا
الشرع: الأوتار، الواحدة شرعة.
أذكوا العيونَ وراَء السرح واحترسوا ... حتى ترى الخيلُ من تعدائها رجعا
رجعا: ترجع أيديها في السير.
واشروا تلادكمُ في حرز أنفسكم ... وحرزِ أهليكم لا تهلكوا هلعَا
فإنْ غلبتُم على ضنٍّ بدراكمُ ... فقد لقيتم بأمرِ الحازم الفزعَا
لا تلهكُم إبلٌ ليستْ لكمْ إبلٌ ... إنَّ العدوَّ بعظمٍ منكمُ قرعا
لا تثمروا المالَ للأعداءِ إنهمُ ... إنْ يظهروا يحتووكم والتلادَ معا
هيهاتَ لا مالَ من زرع ولا إبلٍ ... يرجى لغابركم إنْ أنفكم جدعا
واللهِ ما انفكتِ الأموالُ مذْ أبدٍ ... لأهلها إنْ أصيبوا مرةً تبعَا
يا قوم، إنَّ لكمْ من إرثِ أولكم ... مجداً قد أشفقتُ أنْ يفنى وينقطعا
ماذا يردُّ عليكم عزّ أولكم ... إنْ ضاعَ آخرهُ أوْ ذلّ واتضعَا
يا قومِ، لا تأمنوا، إنْ كنتمُ غيراً ... على نسائكمُ كسرى وما جمعَا
(1/4)

يا قومِ بيضتكمْ لا تفجعنَّ بها ... إني أخافُ عليها الأزْلمَ الجذعَا
الجذَع من الإبل: الذي أتى له خمس. ومن الشاءِ: ما تممت له سنة. ويقال للمهر في السنة الثانية جذع. ويقال للدهر: الأزلم الجذع؛ لأنه جديدٌ أبداً. وقوله: ألقى على يديه الأزلم الجذع. يقال: أراد الدهرَ، ويقال: أراد الأسد.
هو الجلاءُ الذي يجتثُّ أصلكمُ ... فمنْ رأى مثلَ ذا رأياً ومنْ سمعَا
قوموا قياماً على أمشاطِ أرجلكم ... ثم افزعوا قد ينالُ الأمنَ منْ فزِعا
المشط: سلاميات ظهر القدم؛ وهي عظام الأصابع، واحدتها سلامى.
وقلدوا أمركم، للهِ دركمْ ... رحبَ الذراعِ بأمرِ الحرب مضطلعا
الضلاعة: القوة. وفلان يضطلع بهذا الأمر: أي تقوى ضلاعهُ على حمله.
الدر: اللبن. ولله دره: أي لله عمله. ويقولون في الذم: لا درّ درّه: أي لا كثر خيره.
لا مترفاً إنْ رخاءُ العيشِ ساعدهُ ... ولا إذا عضَّ مكروهٌ به خشعا
الترفه: النعمة.
لا يطعم النومَ إلا ريثَ يبعثه ... هم يكادُ سناهُ يقصمُ الضلعَا
القصم: أن ينصدع الشيءُ من غير أن يبين. وكل منثنٍ مقصوم. والريث: الإبطاءُ. ورجلٌ ريث: بطيء.
مسهدَ النومِ تعنيهِ أموركمُ ... يرومُ منها إلى الأعداءِ مطلعَا
ما انفكَّ يحلبُ هذا الدهرَ أشطرَه ... يكونُ متبعاً طوراً ومتبعا
قولهم: حلب فلانٌ الدهر أشطره: معناه مرت عليه ضروب من خيره وشره. وأصل ذلك من أخلاف الناقة: لها خلفان قادمان، وخلفان آخران؛ فكل خلفين شطر.
حتى استمرتْ على شزرٍ مريرته ... مستحكمَ الرأي لا قحماً ولا ضرعا
القحم: الشيخ الهم. والضرع: الرجل الضعيف. والحبل المشزور: المفتول مما يلي اليسار. وأمرتُ الحبلَ: شددتُ فتله. والمرة: شدة الفتل. والمرير: الحبل الشديد فتلاً.
(1/5)

وليس يشغله مالٌ يثمره ... عنكم ولا ولدٌ يبغي له الرفعا
كما لكِ بن قنانٍ أو كصاحبهِ ... عمرو القنا يومَ لاقَى الحارثينِ معَا
إذْ عابهُ عائبٌ يوماً فقال له: ... دمثْ لجنبكَ قبلَ الليل مضطجعَا
الدمث: اللين. والمكان اللين: دمث. ويكون ذا رمل. والدماثة: سهولة الخلق.
فشاوروه فألفوهُ أخا عللٍ ... في الحربِ لا عاجزاً نكساً ولا ورعَا
ورع: جبان.
لقد بذلتُ لكم نصحي بلا دخلٍ ... فاستيقظوا؛ إن خيرَ العلمِ ما نفعَا
الدخل كالدغَل. والدخَل: العيب في الحسب. وبنو فلان في بني فلان دخل: إذا انتسبوا معهم، وليسوا منهم.
هذا كتابي إليكم والنذيرُ لكمْ ... لمنْ رأى رأيه منكمْ ومن سمعَا

قصيدة قعنب
وقال قعنب ابن أمِّ صاحب:
بانتْ سليمَى فأمستْ دونها عدنُ ... وغلقتْ عندها من قلبكَ الرهنُ
غلق الرهنُ في يد مرتهنه: إذا لم يفتك.
علقتَ سلمَى على عصرِ الشبابِ فقدْ ... أودَى الشبابُ وسلمَى الهمُّ والحزنُ
علقتُْ فلانة: حببتْ إليَّ وهويتها. والعلاقة والعلق: الهواية. يقال نظرة ذي علق.
حلتْ بأبينَ في حيٍّ مجاورةً ... بيني وبينهم الأحقادُ والدمنُ
واحتلَّ أهلكَ من صرفِ النوى بهم ... أرضاً يحاكُ بها الكنانُ والقطنُ
النوى: التحول من دارٍ إلى دار. والنية: الأمر والوجه الذي تنويه. وقيل النية والنية والنوى والنأي كلهن: البعد.
(1/6)

أرضاً بها الطعنُ والطاعونُ ينكؤهمْ ... كما تنحرُ في لباتِها البدن
البدنة: التي تهدى إلى بيت الله جل وعز. وسميت بذلك لسمنها؛ وكانوا يستسمنونها.
لا نومَ إلاَّ على خوفٍ وزلزلة ... فيها ولا مالَ إلاَّ السيفُ والبدنُ
البدن: الدرع.
وكلُّ أسمرَ عراضٍ مهزتُه ... كأنهُ برجَا عاديةِ شطنُ
عراض: مضطرب.
فانظرْ، وأنتَ بصرٌ، هل ترى ظعناً ... تحدى بنجدٍ؛ ومن أنى لك الظعنُ؟
الظعينة: المرأة في الهودج. والظعون: البعير الذي يحملها، وجمعه ظعن. وقيل: الظعن الهوادج كأن فيها نساءٌ أولاً.
وفي الخدورِ، لوَ أنَّ الدارَ جامعةٌ ... حورٌ أوانسُ في أصواتِها غننُ
الغنة: خروج الكلام بالأنف.
هل للعواذلِ من ناهٍ فيزجرها ... إن العواذلَ منها الجور واللسنُ
لسنت الرجل ألسنه لسناً: إذا أخذته بلسانك. واللسن: الفصاحة واللسن: اللغة.
اللائماتُ الفتى في أمرهِ سفهاً ... وهنَّ بعدُ ضعيفاتُ القوى وهنُ
مهلاً أعاذلَ قد جربتِ من خلقي ... أنى أجودُ لأقوامٍ وإنْ ضننوا
إذا غلا المجدُ في مالي كسرتُ لهُ ... والحمدُ لا يشترى إلا له ثمنُ
ما بالُ قومٍ صديقاً ثم ليس لهمْ ... عهدٌ وليس لهم دينٌ إذا ائتمنوا
إنْ يسمعوا ريبةً طاروا لها فرحاً ... مني وما سمعوا من صالحٍ دفنوا
صمٌ إذا سمعوا خيراً ذكرتُ به ... وإن ذكرتُ بسوءٍ عندهم أذنوا
أذن: إذا استمع. ومنه قول الأعشى:
إنَّ همي في سماعِ وأذنْ. وقوله ... في سماعٍ يأذنُ الشيخ له
(1/7)

وقد علمتُ على أنِّي أعايشهم ... لا نبرح الدهر فيما بيننا إحنُ
ولن يراجعَ قلبي ودهم أبداً ... زكنتُ من بغضهم مثل الذي زكنوا
زكنت منك كذا: أي علمته. ولا يقال أزكنتُ. وقد ذكر عن الخليل. وقيل الزكن: الظن.
مثل العصافيرِ أحلاماً ومقدرةً ... لو يوزنونَ بزفِّ الريشِ ما وزنُوا
جهلاً علينا وجبناً عن عدوهم ... لبئستِ الخلتانِ الجهلُ والجبنُ
مالي أسكنُ عن وهب وتشتمني ... ولو شتمتُ بني وهبٍ لقد سكنوا
كغارزٍ رأسه لم يدنهِ أحدٌ ... بين القرينين حتى لزهُ القرنُ
القرينان: بعيران يشدُّ أحدهما إلى الآخر. والحبلُ الذي يشدانِ به قران وقرن.

قصيدة أعشى باهلة
وقال أعشى باهلة، وهو عامرُ بن الحارث، وكنيته أبو قحافة يرثي المنتشر بن وهب الباهلي، ومنتشر من السعاة السباقين في سعيهم؛ قتله بنو نفيل بن عمرو بن كلاب:
إنِّي أتتني لسانٌ لا أسرُّ بها ... من علوُ لا عجبٌ منها ولا سخرُ
فبتُّ مرتفقاً حيرانَ أندبه ... وكنتُ أحذره لو ينفعُ الحذرُ
وجاشت النفسُ لما جاَء جمعهم ... وراكبٌ جاَء منْ تثليثَ معتمرُ
يأبى على الناسِ لا يلوِي على أحدِ ... حتى التقينا وكانت دوننا مضرُ
إنَّ الذي جئتَ من تثليثَ تندبه ... منه السماحُ ومنه النهيُ والغيرُ
(1/8)

نعيتَ من لا تغبُّ الحيَّ جفنتهُ ... إذا الكواكبُ أخطا نوءها المطرُ
وراحت الشولُ مغبراً مناكبها ... شعثاً تغيرَ منها النيُّ والوبرُ
عليه أولُ زادِ القومِ إنْ نزلوا ... ثم المطيُّ إذا ما أرملُوا جزرُ
من ليس في خيره شرٌّ يكدرهُ ... على الصديق ولا في صفوهِ كدرُ
طاوي المصير، على العزاءِ منصلتٌ ... بالقومِ ليلة لا ماءٌ ولا شجرُ
لا تأمنُ البازلُ الكوماءُ ضربتهُ ... بالمشرفيِّ إذا ما اخروطَ السفرُ
اخروَّط واجلوذ: طال.
وتكظمُ الشولُ منه حين تبصرهُ ... حتى تقطع في أعناقها الجررُ
تكفيه حزةُ فلذٍ إنْ ألمَّ بها ... من الشواءِ، ويكفي شربهُ الغمرُ
لا يتأرى لما في القدرِ يرقبُهُ ... ولا يعضُّ على شرسوفهِ الصفرُ
يتأرى: يتحبس. ومنه آرى الدابة: محبسها. والصفرَ فيما تزعم العرب: حية تكون في بطن الإنسان، فإذا جاع عضت على شرسوفه.
لا يغمزُ الساقَ من أينٍ ولا وصبٍ ... ولا يزالُ أمامَ القومِ يقتفرُ
(1/9)

لا يصعبُ الأمرَ إلا ريثَ يركبهُ ... وكل شيءٍ سوى الفحشاءِ يأتمر
لا يصعب الأمر - رواية - لا يصعب الأمر: أي لا يجده صعباً إلا قبل ارتكابه، فإذا ركبه سهل عليه.
مهفهفٌ، أهضمُ الكشحينِ، منخرقٌ ... عنه القميصُ، لسيرِ الليلِ محتقر
تلقاهُ كالكوكبِ الدريِّ منصلتاً ... بالقومِ ليلةَ لا نجمٌ ولا قمرُ
عشنا بذلك دهراً ثم فارقنا ... كذلكَ الرمحُ ذو النصلينِ ينكسرُ
أخو حروبٍ ومكاسبٌ إذا عدموا ... وفي المخافةِ منه الجدُّ والحذرُ
أخو رغائبَ يعطيها ويسألها ... يأبى الظلامةَ منه النوفلُ الزفرُ
لا يأمنُ الناسُ ممساهُ ومصبحهُ ... من كلِّ فجٍّ وإنْ لم يغزُ ينتظرُ
كأنه بعدَ صدقِ القومِ أنفسهم ... باليأسِ تلمعُ من قدامهِ البشرُ
لو لم تخنهُ نفيلٌ، وهي خائنةٌ ... لصبحَ القومَ وردٌ ما له صدرُ
أصبتَ في حرمٍ منا أخا ثقةٍ ... هندُ بن أسماَء لا يهنئ لك الظفرُ
ورادُ حرب شهابٌ يستضاءُ به ... كما أضاَء سوادَ الطخية القمرُ
إمَّا يصبكَ عدوٌّ في مناوَأة ... يوماً فقد كنتَ تستعلي وتنتصرُ
فإنْ جزعنا فقد هدت مصيبتنا ... وإنْ صبرنا فإنَّا معشرٌ صبرُ
إمَّا سلكتَ سبيلاً كنتَ سالكها ... فاذهب فلا يبعدنكَ اللهُ منتشرُ
من ليس فيه إذا قاولتهُ زهقٌ ... وليس فيه إذا ياسرتهُ عسرُ
(1/10)

قصيدة حاتم الطائي
وقال حاتمُ بنُ عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي بن أخزم بن هزومة بن ربيعة بن جرول ابن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيئ:
أتعرفُ أطلالاً ونؤياً مهدمَا ... كخطكَ في رقٍّ كتاباً منمنما
المنمنم: المحسن.
أذاعتْ به الأرواحُ بعدَ أنيسهِ ... شهوراً وأياماً وحولاً مجرما
أذاعتْ به: فرقته. المجرم: التام الذي انقطع. وجرم الحبلَ: قطعه. وقد انجرم الحول. ومنه الجرام: الصرام.
المجرم: التام. والأرواح: جمع ريح، رجعت الياء إلى أصلها لما سكنَ ما قبلها. قال: أطلالاً. ثم قال: أذاعت به. فرجع إلى الطلل.
فأصبحنَ قد غيرنَ ظاهرَ تربه ... وبدلتِ الأنواءُ ما كان معلما
أي ما كان معروفاً. ويروى: وأنكرت الأنواءُ؛ أي عرضته لأن ينكر، كقولك أقتلته: عرضته للقتل. وأبعتُ الشيءَ عرضتهُ للبيع. قال الهمداني:
فرضيتُ آلاَء الكميتِ فمن يبعْ ... فرساً فليس جوادُنا بمباع
وغيرها طول التقادم والبلى ... فما أعرفُ الأطلالَ إلا توهمَا
ديارُ التي قامتْ تريكَ، وقد خلت ... وأقوتْ من الزوارِ، كفا ومعصما
المعصم: موضع السوار.
ونحراً كفا ثورِ اللجينِ يزينه ... توقدُ ياقوتِ وشذراً منظمَا
الفاثور: خوان صغير.
كجمرِ الغضَا هبتْ له بعدَ هجعةٍ ... من الليلِ أرواحُ الصبا فتضرما
قال أبو عبيدة: الصبا عند العرب لإلقاحِ الشجر. والشمال للروح. والجنوب للإمطار. والدبور للبلاءِ؛ وأهونه أن يكون غباراً عاصفاً يقذي العيونَ؛ وهي أقلهنَّ هبوباً.
يضيءُ لها البيتُ الظليلُ خصاصُه ... إذا هي ليلاً حاولتْ أن تبسمَا
يضيءُ لها: أي لأجلها. يعني لا خصاصَ فيه: أي لا فرَج.
إذا انقلبتْ فوقَ الحشيةِ مرةً ... ترنمَ وسواسُ الحليِّ ترنمَا
(1/11)

وعاذلتينِ هبتا بعد هجعةٍ ... تلومانِ متلافاً مفيداً ملوما
تلومانِ لمَّا غورَ النجمُ ضلةً ... فتًى لا يرى الإنفاقَ في الحقِّ مغرما
غور: دنا من المغيبِ. وضلةً: أي ضلالا. ورجلٌ ضلة: لا يهتمُّ بشأنه وماله. والنجمُ في تأويل النجوم، كما تقول: ما رفع عنهم السيف، وعزَّ الدرهم والدينار. والنجم اسم علم للثريا خاصة.
فقلتُ وقد طالَ العتابُ عليهما ... وأوعَدَتانِي أن تبينَا فتصرمَا
ألا لا تلوماني على ما تقدمَا ... كفى بصروفِ الدهرِ للمرءِ محكما
محكماً: أي إحكاماً.
فإنكما لا ما مضَى تدرِكانهِ ... ولستُ على ما فاتني متندمَا
تحلمْ عن الأدنينَ واستبقِ ودهمْ ... ولن تستطيعَ الحلمَ حتى تحلمَا
ونفسكَ أكرمها، فإنكَ إنْ تهنْ ... عليَ فلن تلقى لها الدهرَ مكرما
أهنْ في الذي تهوى التلادَ فإنَّه ... يصيرُ إذا ما مُتَّ نهباً مقسما
ويروى: فإنه إذا متَّ صار المالُ نهباً. . . .
التلاد والتليد: ما كان عندهم قديماً. وأصل التاءِ الواو، كأنه ولد عندهم. والطارف والطريف: ما استحدثوه.
ولا تشقياً فيه فيسعد وارثٌ ... به حينَ تحشَى أغبَر الجوفِ مظلمَا
يقسمه غنماً ويشرِي كرامهُ ... وقد صرتَ في خطٍّ منَ الأرضِ أعظمَا
يشرِي: يبتاعُ. ويشرِي: يبيعُ: ولبئس ما شروا به أنفسهم. ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله؛ أي يبيع نفسه. الخطُّ: الشقُّ.
قليلاً به ما يحمدنكَ وارثٌ ... إذا ساقَ مما كنتَ تجمعُ مغنما
متى ترقِ أضغانَ العشيرةِ بالأنَى ... وكفِّ الأذى يحسمْ لك الداَء محسمَا
الأنى والأناة: الحلم.
إذا شئتَ نازيتَ امرأَ السوءِ ما نَزَا ... إليكَ، ولاطمتَ اللئيمَ الملطَّما
وعوراَء قد أعرضتُ عنها فلم تضرْ ... وذي أودٍ قومتهُ فتقوما
عوراء: كلمة قبيحة. وعورت عليه ما فعل: قبحته. ويقال: ضاره يضيره ضيراً ويضوره. حكى الفراء: لا ينفعني ذلك ولا يضورني. والأود: الاعوجاج.
(1/12)

وأغفرُ عوراَء الكريمِ ادخارهُ ... وأعرضُ عن شتمِ اللئيم تكرما
وأغفر: أستر. يقولون: اصبغْ ثوبك؛ فإنه أغفرُ للوسخِ.
ولا أخذُلُ المولَى وإنْ كانَ خاذلاً ... ولا أشتمُ ابنَ العمِّ إنْ كان مفحمَا
وما ابتعثتني في هوايَ لجاجةٌ ... إذا لم أجدْ فيما أماميَ مقدمَا
وليلٍ بهيم قد تسربلتُ هولهُ ... إذا الليلُ بالنكسِ الجبانِ تجهما
ولن يكسبَ الصعلوكُ حمداً ولا غنًى ... إذا هو لمْ يركبْ من الأمرِ معظما
ولم يشهد الخيلَ المغيرةَ بالضُّحى ... يثرنَ عجاجاً بالسنابكِ أقتما
عليهنَّ فتيانٌ كجنةِ عبقرٍ ... يهزونَ بالأيدي وشيجاً مقوما
لحى اللهُ صعلُوكاً مناهُ وهمه ... من العيشِ أن يلقَى لبوساً ومطعما
ينامُ الضحى حتى إذا يومهُ استوى ... تنبهَ مثلوجَ الفؤادِ مورمَا
مقيماً معَ المثرينَ ليس ببارِح ... إذا نالَ جدوَى من طعامٍ ومجثما
وللهِ صعلوكٌ يساورُ همهُ ... ويمضي على الأحداث والدهرِ مقدمَا
فتى طلباتٍ لا يرى الخمصَ ترحةً ... ولا شبعةً إنْ نالَها عدَّ مغنمَا
إذا ما رأى يوماً مكارمَ أعرضتْ ... تيممَ كبراهنَّ ثمتْ صممَا
يرى رمحهُ ونبلهُ ومجنهُ ... وذا شطبٍ عضْبَ الضريبةِ مخذَما
الشطبُ: الطرائق في السيف. والضريبة: ما ضرب، فأراد به قاطعٌ للضريبة. والمخذم: الذي ينتسف القطعة وخذم الثوب: شققه.
(1/13)

وأحناَء سرج قاترٍ ولجامهُ ... عتادَ فتَى هيجَا وطرفاً مسومَا
سرج قاتر: إذا كان جيدَ الأخذِ من ظهرِ الفرس، لا صغيراً ولا كبيراً.
ويغشى إذا ما كانَ يومُ كريهة ... صدورَ العوالي فهوَ مختضبٌ دمَا
إذا الحربُ أبدتْ ناجذيها وشمرت ... وولَّى هدانُ القومِ أقدمَ معلمَا
فذلك إنْ يهلكْ فحسنٌ ثناؤُه ... وإنْ عاشَ لم يقعدْ ضعيفاً مذممَا

قصيدة بشامة بن عمرو
وقال بشامة بن عمرو بن هلال:
هجرتَ أمامةَ هجراً طويلاً ... وحملكَ النأيُ عبئاً ثقيلا
في أخرى:
نأتكَ أمامةُ نأياً طويلا ... وحملكَ الحبُّ وقراً. . .
وبدلتَ منها على نأيها ... خيالاً يوافِي ونيلاً قليلا
ونظرةَ ذي علقٍ وامقٍ ... إذا ما الركائبُ جاوزنَ ميلاَ
العلق والعلاقة: الحب. ويروى: ذي شجنٍ.
وقامتْ تسائلُ عن شأنِنا ... فقلنَا لها قد عزمنَا الرحيلاَ
أي على الرحيل، فحذف ولا تعزموا عقدة النكاح.
فبادَرَها ثمَّ مستعجلٌ ... من الدمعْ ينضحُ خداً أسيلاَ
وما كانَ أكثرَ ما نولَتْ ... من الودِّ إلا صفاحاً وقيلا
فقربْتُ للرحْلِ عيرانةً ... موثقةً عنتريساً ذمولا
في أخرى: فلما يئست كسوتُ القتودَ ناجيةً. . . .
العنتريس: الكثيرة اللحمِ الشديدة.
(1/14)

لها قردٌ تامكٌ نيهُ ... تزلُّ الوليةُ عنهُ زليلاً
تطرفُ أطرافَ عامٍ خصيب ... ولم يشلِ عبدٌ إليها فصيلاَ
فمرتْ على كشبٍ غدوةً ... وجازتْ بجنبِ أريك أصيلاَ
توطأُ أغلظَ حزانهِ ... كوطءِ القويِّ العزيز الذليلاَ
الحزيز: الغليظُ من الأرض. وجمعه حزان.
إذا أقبلتْ قلتَ مذعورةٌ ... من الربدِ تتبعُ هيقاً ذمولاَ
وإنْ أدبرتْ قلتَ مشحونة ... أطاعتْ لها الريحُ قلعاً جفولاَ
تعزُّ المَطيُّ جماعَ الطريقِ ... إذا أدلجَ الركبُ ليلاً طويلاَ
كأنَّ يديهَا إذا أرقلتْ ... وقد جرنَ ثمَّ اهتدينَ السبيلاَ
يدا عائمٍ خرَّ في غمرةٍ ... فأدركهُ الموتُ إلا قليلاَ
وخبرتُ قومِي ولم ألقهمْ ... أجدوا على ذي شويسٍ حلولاَ
أي جددوا نزولاً بهذا المكان.
فإمَّا هلكتُ ولمْ آتهمْ ... فبلغْ أماثلَ سهمٍ رسولاَ
أي رسالة. قال كثير:
لقد كذبَ الواشونَ ما بحتُ عندهم ... بسرٍّ ولا أرسلتهم برسولِ
إنا رسولُ رب العالمين: أي ذوو رسالته.
(1/15)

بأنَّ التي سامكُمْ قومكمْ ... هم جعلوها عليكم دليلاَ
لا تهلكوا وبكمْ منةٌ ... كفى بالحوادثِ للمرءِ غولاَ
هوانُ الحياةِ وخزيُ المما ... تِ كلٌّ أراهُ طعاماً وبيلاَ
فإنْ لم يكنْ غيرُ إحدهُما ... فسيروا إلى الموتِ سيراً جميلاَ
وحشوا الحروبَ إذا أوقدتْ ... رماحاً طوالاً وخيلاً فحولاَ
ومن نسجِ داودَ ماذيةٌ ... ترى للقواضبِ فيها صليلاَ

قصيدة النمر بن تولب
وقال النمر بن تولب العكلي:
صحا القلبُ عن ذكرهِ تكتمَا ... وكان رهيناً بها مغرمَا
في أخرى: سلا عنْ تذكرهِ تكتما.
السلوُّ: ترككَ الشيءَ؛ وربما قالوا في ترك التناسي: سلا يسلو.
وأقصرَ عنها وآياتها ... يذكرنهُ داءهُ الأقدما
أي حبه القديم. أقصر: كف وأمسك. وآياتها: معالمها.
فأوصى الفتى بابتناءِ العلاءِ ... وألا يخونَ ولا يأثمَا
ويلبَسُ للدهرِ أجلالهُ ... فلنْ يبنيَ الناسُ ما هدَّمَا
ويلبس للدهر أجلاله: أي ويتهيأُ لكل حالةٍ على حسب ما يرى مما ينبغي مثل قول العرب:
البسْ لكلِّ حالةٍ لبوسها ... نعيمها يوماً ويوماً بوسها
وقوله: فلن يبني الناسُ ما هدما: أي ما هدم من مجده. وتهديمه إياه: تضييعه.
وإن أنتَ لاقيتَ في نجدةٍ ... فلا تتهيبكَ أن تقدما
النجدة: الشدة والأمر الشاق؛ أراد فلا تتهيبها فقلب. ويقولون: تهيبني السفر؛ أي هبته. ومنه قول ابن مقبل:
ولا تهيبني الموماةُ أركبها ... إذا تجاوبتِ الأصداءُ بالسحرِ
أي لا أتهيبُ الموماةَ. والأصداءُ: جمعُ صدًى، وهو ذكرُ البوم.
فإنَّ المنيةَ منْ يخشها ... فسوفَ تصادفهُ أينما
يريد: أينما ذهبَ. فاقتصر على معرفةِ ذلك، وتركَ اللفظَ به.
(1/16)

وإنْ تتخاطاكَ أسبابها ... فإنَّ قصاراكَ أن تهرما
قصاراكَ: غايتك.
وأحبب حبيبكَ حباً رويداً ... لئلاَّ يعولكَ أن تصرما
في أخرى: فقد لا يعولُك؛ أي لا يشقُّ عليك. والعول: المصدر.
والمعنى: لا يعظم عليك الصرمُ إذا أردته أو أرادهُ حبيبك.
وأبغض بغيضك بغضاً رويداً ... إذا أنت حاولتَ أن تحكمَا
أن تحكمَا: أي تكون حكيماً. . ويروى: أن تحكِمَا؛ أي تُحكِم أمرك. ويقال: أحكمتهُ: أي
منعته ورددته عما يريد. قال جرير:
أبني حنيفةَ أحكموا سفهاَءكم ... إني أخافُ عليكمُ أن أغضبَا
أي امنعوهم وكفوهم.
فلوْ أنَّ من حتفهِ ناجياً ... لألفيته الصدعَ الأعصمَا
الصدع: الوعل بين الجسيم والضئيل. والأعصم: الذي في يده بياض. وقيل: الذي اعتصم بقلةِ الجبل.
بإسبيلَ ألقتْ بهِ أمهُ ... على رأسِ ذي حبكٍ أيهما
إسبيل: بلدٌ. وقيل: جبلٌ. وأنشد الأصمعي شاهداً على أنه بلد:
لا أرضَ بعدَ الأكمِ إلا إسبيلُ ... فكل أرض بعدَ تيكَ تضليلُ
والحبكُ: الطرائق. الواحدُ حباك. والأيهم: الذي لا يعرف به طريق. ومفازةٌ يهماء: لا يهتدى بها. ويقال للسيلِ الأيهم؛ لأنه لا يبالي ما ركب، ولا أين أخذ، كالأعمى يركب رأسه.
إذا شاَء طالعَ مسجورةً ... ترى حولها النبعَ والساسما
المجوة: المملوءة. والنبع: أكرم العيدانِ، ومنه تتخذ القسي. والساسم: الشيز. وقيل الآبنوس.
تكونُ لأعدائهِ مجهلاً ... مضلاً وكانتْ له معلما
المجهل: الذي لا يعرف. والمضل: الذي يضل فيه. ويروى: مضلاً. وكانت له معلما: أي هو عالمٌ بها.
سقته الرواعدُ من صيفٍ ... وإنْ منْ خريفٍ فلن يعدما
في أخرى: سقتها رواعدُ من صيف. الصيفُ: مطر الصيفِ. والخريف: المطرُ قبل دخولِ الشتاء.
فساقَ له الدهرُ ذا وفضةٍ ... يقلبُ في كفهِ أسهمَا
الوفضةُ: الكنانة؛ وهي التي يجعل فيها النبلُ، وهي بمنزلةِ الجعبةِ للنشاب. والجمع وفاض.
فراقبهُ وهو في قترةٍ ... وما كانَ يرهبُ أن يكلما
القترة: بيت الصائد.
فأرسل سهماً لهُ أهزعاً ... فشكَّ نواهقهُ والفما
الأصمعي: الأهزعُ: الطويل. ويروى: مرهفاً. والنواهقُ من الوعل: ما حول أنفه. وهي من الفرس العظمان اللذان يبدوان في موضع مسيل الدموع.
فظل يشب كأنَّ الولو ... عَ كان بصحتهِ مغرما
يشب: يرفع يديه. شب الفرس: إذا رفع يديه عند التمعك. والولوع: القدر. والولوع: الدهر.
(1/17)

وأدركهُ ما أتى تبعاً ... وأبرهةَ الملكَ الأعظمَا
تبع: من ملوك اليمن من ملوك حمير. وأبرهة من ملوك الحبشة، كان النجاشيُّ وجهه إلى اليمن.
لقيم بن لقمان من أخته ... فكانَ ابنَ أختِ لهُ وابنَما
لقيم بن لقمان: رجلٌ من الأمم السابقة، يقال: إنَّ أختَ لقمان كانت عند رجل يجيء ولده ضعافاً فاحتالت لأخيها بالسكر حتى قع بها فولدت لقيماً.
ليالي حمقَ فاستحصنتْ ... إليه فغرَّ بها مظلمَا
حمقَ: أي أسكرَ حتى ذهب عقله. وقوله: فاستحضت إليه أي أتته كأنها حصانٌ. والحصان والحاصنُ: العفيفة. وغر: من الغرور. ومظلماً: أي والليل قد أظلم عليه.
فأحبلها رجلٌ نابهٌ ... فجاءتْ به رجلاً محكمَا
نابهٌ: مذكورٌ مشهور الذكر.

قصيدة الشنفرى
وقال الشنفرى الأزدي:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى أهلٍ سواكمْ لأميلُ
أقيموا: سددوا.
فقد حمتِ الحاجاتُ والليلُ مقمرٌ ... وشدتْ لطياتٍ مطايا وأرحلُ
حمت: حضرت. والطية: السفر.
وفي الأرضِ منأًى للكريم عن الأذى ... وفيها لمنْ خافَ القِلَى متحولُ
ويروى: متعزل. منأى: مبعد.
لعمرك ما بالأرض ضيقٌ على امرئ ... سرى راغباً وراهباً وهو يعقلُ
ولي دونكمْ أهلونَ سيدٌ عملسٌ ... وأرقطُ زهلولٌ وعرفاءُ جيألُ
أرقط زهلول: أي حية أرقط. والزهلول: الأملس. والعرفاءُ: العظيمة العرف.
هم الرهطُ لا مستودعُ السر شائعٌ ... لديهمْ ولا الجاني بما جرَّ يخذلُ
أي ما جنى.
(1/18)

وكلُّ أبيٌّ باسلٌ غيرَ أنني ... إذا عرضتْ إحدى لطرائدِ أبسلُ
أبيٌّ: ممتنع. والباسل: الشجاع، والباسل: الغضبان. ويروى: إذا عرضتْ أولى الطرائد
وإنْ مدتْ الأيديِ إلى الزادِ لم أكنْ ... بأعجلهم إذْ أشجع القومِ أعجلُ
الجشع: أسوأ الحرص.
وما ذاكَ إلا بسطةٌ عن تفضلٍ ... عليهم، وكان الأفضلَ المتفضلُ
وإني كفاني فقدَ مَنْ ليس جازياً ... بحسنَى ولا في قربهِ متعللُ
ثلاثةُ أصحابٍ: فؤادٌ مشيعٌ ... وأبيضُ إصليتٌ، وصفراءُ عيطلُ
عيطل: قوسٌ طويلة.
هتوف من المُلْسِ المتانِ يزينها ... رصائعُ قد نيطتْ إليها ومحملُ
يروى: من الملسِ المتون. والرصائعُ: عقد السيرِ.
إذا زالَّ عنها السهمُ حنتْ كأنها ... مرزأةٌ ثكلى ترنُّ وتعولُ
ولستُ بمهيافٍ يعشى سوامهُ ... مجدعةً سقبانها وهي بهلُ
مهيافٌ: سريع العطش. والمجدعة: السيئة الغذاء. والباهلُ: التي لا صرارَ على ضرعها. وهي مع ذلك حافلٌ.
ولا جُبأٍ أكهى مربٍّ بعرسهِ ... يطالعها في شأنه كيف يفعلُ
جبأَ: جبان. وأكهى: أفعل من الكهاةِ؛ وفي الناقة العظيمة. ويقال: المسنة. والمربُّ: الملازم.
(1/19)

ولا خالف داريةٍ متغزلٍ ... يروحُ ويغدو داهناً يتكحلُ
حالف: من الحلف. ويروى: خالف. يخلفُ الحي. ودارية: يدري شعره. ويروى: ذي إربةٍ، من قول الله عز وجل: غير أولي الإربة. ومتغزل من الغزل. ويروى: متعزل.
ولستُ بعلٍّ شرهُ دونَ خيره ... ألفَّ إذا ما رعتهُ اهتاجَ أعزلُ
العلُّ: الكبير:. والأعزلُ: الذي لا سلاحَ معه.
ولستُ بمحيارِ الظلام إذا نحت ... هدى الهوجلِ العسيف يهماءُ هوجلُ
محيار: متحر. والهوجل الأول: البطيء الذي لا خير فيه. والهوجل الثاني: المفازة البعيدة. والعسيف: الساري على غير قصد. واليهماءُ: التي لا يهتدى فيها السفر.
إذا الأمعزُ الصوانُ لاقى مناسمي ... تطايرَ منهُ قادحٌ ومفللُ
الأمعز: مكانٌ ذو حجارة صلبة. والقادحُ: ما يقدح النار. والمفلل: المكسر.
أديمُ مطالَ الجوعِ حتى أميتهُ ... وأصرفُ عنه الذكْرَ صفحاً فأذهلُ
في أخرى: وأضربُ عنه. وهو أجود.
وأستفُّ تربَ الأرضِ كي لا يرى له ... على من الطولِ امرؤٌ متطولُ
ولولا اجتنابُ الذامِ لم يبقَ مشربٌ ... يعاشُ به إلا لدي ومأكلُ
ولكنَّ نفساً حرةً لا تقيم بي ... على الضيمِ إلا ريثَ ما أتحولُ
ويروى: نفساً مرةً.
وأطوي على الخمص الحوايا كما انطوتْ ... خيوطةُ ماريٍ تغارُ وتفتلُ
خيوطة مارِيٍّ: خيوطٌ من وبر الإبل.
وأغدو على القوتِ الزهيدِ كما غدا ... أزلُّ تهاداهُ التنائفُ أطحلُ
التنائف: الفلوات.
(1/20)

غدا طاوياً يعتنُّ للريحِ هافياً ... يخوتُ بأذنابِ الشعاب ويعسلُ
هافٍ: خفيف. ويروى: يعارض الريحَ.
فلما لواهُ القوتُ من حيثُ أمهُ ... دعا فأجابتهُ نظائرُ نحلُ
مهللةٌ شيبُ الوجوهِ كأنها ... قداحٌ بكفي ياسرٍ تتقلقلُ
أو الخشرمُ المبعوثُ حثحثَ دبرهُ ... محابيضُ أرساهنَّ سامٍ معسلُ
المعسل: الشائر، وهو المشتار.
مهرتةٌ فوهٌ كأنَّ شدوقها ... شقوقُ العصِي كالحاتٌ وبسلُ
فوه: جمع أفوه، وهو الواسعُ الفم. والباسل: العابس. وكالحات: باديات الأنياب.
فضجَّ وضجتْ بالبراحِ كأنها ... وإياهُ نوحٌ فوقَ علياَء ثكلُ
فأغضى وأغضتْ وائتسى وائتستْ به ... مراميلُ عزاهَا وعزتهُ مرملُ
شكا وشكتْ ثم ارعوَى بعدُ وارعوتْ ... وللصبرُ إنْ لم ينفعِ الشكو أجملُ
وفاَء وفاَءتْ بادئاتٍ وكلها ... على نكظٍ مما يكاتمُ مجملُ
في أخرى: وفاءَ وفاءَتْ عن قريب.
النكظ: الشدة.
وتشرب أسارِي القطا الكدرُ بعدما ... سرتْ قرباً أحناؤُها تتصلصلُ
تصوت مناقيرها من العطش.
(1/21)

هممت وهمت وابتدرنا فأسأدت ... وشمر مني فارطٌ متمهلُ
الفارط: السابق.
فوليتُ عنها وهي تكبُو بعقرهِ ... تباشرهُ منها دفوفٌ وحوصلُ
ويروى: ذقون وحوصل
كانَّ وغاها حجرتيهِ وحولهُ ... أضاميمُ ممن سفرِ القبائلِ نزلُ
أضاميم: جماعات. ويروى: جنبتيهِ وحوله.
توافينَ من شتى إليه فضمها ... كما ضمَّ أذوادَ الأصاريمِ منهلُ
فعبتْ غشاشاً ثم مرتْ كأنها ... مع الفجرِ ركبٌ من أحاظةَ مجفلُ
غشاشاً: أي قليلاً على عجلة. وأحاظة: موضع، أوحى.
وآلفُ وجهَ الأرضِ عند افتراشِها ... بأهدأ تنبيهِ سناسنُ قحلُ
في أخرى: تثنيه. والسناسنُ: رءوس الأضلاع.
وأعدلُ منحوضاً كأن فصوصهُ ... كعابٌ دحاها لاعبٌ فهي مثلُ
أعدل: أقيم. والمنحوض: العاري، من النحضِ.
فإِنْ تبتئِسْ بالشَّنفريَ أمُّ قسطلٍ ... فما اغتبطتْ بالشنفري قبلُ أطولُ
أم قسطل: الداهية.
طريدُ جناياتٍ تياسرنَ لحمهُ ... عقيرتهُ لأيها حمَّ أولُ
تياسرن من الميسر.
تبيتُ إذا ما نام يقظى عيونها ... جثاثاً إلى مكروهها تتغلغل
(1/22)

وإلفُ هموم ما تزالُ تعودهُ ... عياداً كحمى الربعِ أو هي أثقلُ
إذا وردتْ أصدرتُها ثمَّ إنها ... تثوبُ وتأتي من تحيتُ ومن علُ
فإما تريني كابنةِ الرملِ ضاحياً ... على رقبةِ أحفَى ولا أتنعلُ
يروى: ولا أتسربلُ.
فإنِّي لمولَى الصبرِ أجتابُ بزهُ ... على ملِ قلبِ السمعِ والحزمَ أفعلُ
وأعدمُ أحياناً وأغنى وإنما ... ينالُ الغنى ذو البغية المتبذلُ
ولا جزعٌ من خلةٍ متكشفٌ ... ولا مرحٌ غبَّ الغنى أتخيلُ
نسخة: تحت الغنى.
ولا تزدهي الأجهالُ حلمِي ولا أرى ... سؤولاً بأعقابِ الأقاويلِ أنملُ
أنمل: أنمُّ. والأجهال: جمع جاهل، كصاحب وأصحاب. ويروى: الأطماع.
وليلةِ صِرٍّ يصطلي القوسَ ربُّها ... وأقطعه اللاتي بها يتنبل
دعستُ على غطشٍ وبغشٍ وصحبتي ... سعارٌ وإرزيزٌ ووجرٌ وأفكلُ
سعار: عطش. وإرزيزٌ: جوع. ووجر: خوف.
(1/23)

فأيمتُ نسواناً وأيتمتُ ولدةً ... وعدتُ كما أبدأتُ والليلُ أليلُ
وأصبح عني بالغميضاءِ جالساً ... فريقانِ مسئولٌ وآخرُ يسألُ
الغميضاءُ: موضع. قال أبو رياش: الغميضاءُ بالضاد المعجمة.
فقالوا: لقد هرتْ بليلٍ كلابنَا ... فقلنا أذئبٌ عسَّ أم عسَّ فرعلُ
عس: تردد وطلب. والفرعل: الثعلب. وقيل: ولد الضبع.
فلم يكُ إلا نبأةٌ ثم هومتْ ... فقلنا قطاً قد ريعَ أم رِيعَ أجدلُ
فإنْ يكُ من جنٍّ لأبرحَ طارقاً ... وإنْ يكُ إنساً ما كها الإنسُ تفعلُ
لأبرح: أي لقد أبرح. أراد ما كهذا، فحذف ذا. ويروى: ما كذا. وهو أجودُ.
ويومٍ من الشعرى يذوبُ لعابه ... أفاعيه في رمضائه تتململُ
أي من أيام الشعري. ولعابه: شدة حره. وفي أخرى: لوابه. والمعنى واحد.
نصبتُ له وجهي ولا كنَّ دونه ... ولا سترَ إلا الأتحميُّ المرعبلُ
الأتحميُّ: ضربٌ من البرودِ.
وضافٍ إذا هبتْ له الريحُ طيرتْ ... لبائدَ من أعطافهِ ما ترجلُ
ضاف: شعر طويل. واللبائد: ما تلبد. والترجيل: غسل الشعر ودهنه.
بعيدٌ بمسِّ الدهنِ والفلي عهدهُ ... بهِ عبسٌ عاف من الغسل محولُ
العبس: الوسخ. والغسل: الخطمي.
وخرقٍ كظهرِ التُّرسِ قفرٍ قطعته ... بعاملتينِ ظهرهُ ليس يعمل
(1/24)

فألحقتُ أخراهُ بأولاهُ موفياً ... على قنَّة أعيا مراراً وأمثلُ
يروى: أخفى مراراً. والقنة: الجبل.
ترودُ الأراوِي الصحمُ حولي كأنها ... عذارى عليهنَّ الملاءُ المذيلُ
ترود: تطوف. وأراد بالملاءِ: بياض أكرعها.
ويركدن بالآصال حولي كأنني ... من العصمِ أدفى ينتحي الكيحَ أعقل

قصيدة كعب بن سعد الغنوي
وقال كعب بن سعد الغنوي، يرثي أخاه:
تقولُ سليمَى ما لجسمكَ شاحبا ... كأنكَ يحميكَ الطعامَ طبيبُ
فقلتُ ولم أعْيَ الجوابَ ولم ألحْ ... وللدهرِ في صمِّ السلامِ نصيبُ
يقال: ألاحَ من الشيء: إذا أشفق منه. قال عبد الله ابن عتبة بن مسعود:
لعمرِي لئن شطتْ بعثمةَ دارها ... لقد كنتُ من وشكِ الفراقِ أليحُ
أروحُ بهم ثم أغدو بمثلهِ ... ويحسبُ أني في الثياب صحيحُ
والسلامُ: الحجارة، واحدها سلمة.
تتابعُ أحداثٌ تخر منَ إخوتي ... وشيبنَ رأسي والخطوبُ تشيبُ
يقال: تخر منه المنون: إذا ذهبتْ به.
لعمري لئن كانتْ أصابتْ منيةٌ ... أخِي، والمنايا للرجالِ شعوبُ
شعوب: اسم من أسماءِ المنية. يقال شعبتهم شعوب: فرقتهم. وشعوب في الأصل: نعتٌ، ثم سمي به. وهو في البيت نكرة.
لقد عجمت مني المنيةُ ماجداً ... عروفاً لريبِ الدهرِ حينَ يريبُ
عجمتْ: عضتْ. عجمتُ العودَ أعجمه. ويقال: رابني يريبني ريباً، وهو الأكثر. وبعضهم يقول: أرابني إرابةً، وينشد قول الهذلي:
كأنما أربتهُ بريبِ
فتى الحربِ إنْ حاربتَ كانَ سمامَها ... وفي السلمِ مفضالُ اليدينِ وهوبُ
السمام: جمع سم، وإن كان قولهم سموم أكثر على ألسنة الناس. وهذا مما اتفق فيه فعول وفعال.
جموعٌ خلالَ الخيرِ من كلِّ جانب ... إذا جاَء جياءٌ بهنَّ ذهوبُ
فعول وفعال يأتيان للمبالغة، كقولك: ضروبٌ وضراب. وحدث محمد بن زيد عن أبي محلم قال: أنشدتُ يونس أبياتاً من رجزٍ فكتبهنَّ على ذراعه ثم قال لي: إنك لجياءٌ بالخير.
فتًى لا يبالي أن يكونَ بجسمهِ ... إذا نال خلاتِ الكرامِ شحوبُ
(1/25)

فلو كان ميتٌ يفتدى لفديته ... بما لم تكنْ عنه النفوسُ تطيبُ
فإنْ تكنِ الأيامُ أحسنَّ مرةً ... إليَّ فقد عادتْ لهنَّ ذنوبُ
أخٌ كان يكفيني وكان يعينني ... على نائباتِ الدهرِ حين تنوبُ
عظيمُ رمادِ القدرِ رحبٌ فناؤهُ ... إلى سندٍ لم تحتجبهُ غيوبُ
سند الجبل: ما ارتفع عن الوادي وسفل عن الجبل.
والمعنى أنه يكون حيث يراه الناس إذا طلبَ لم تحتجبه غيوبٌ. والغيب: البطن المنخفض من الأرض.
وروى الأخفش: تحتجنه بالنون: أي تغيبه. والأول من الحجاب.
إذا ما ترا آهُ الرجالُ تحفظوا ... فلن تنطق العوراءُ وهو قريب
أخي ما أخي! لا فاحشٌ عند بيتهِ ... ولا ورعٌ عند اللقاءِ هيوبُ
حليفُ الندى يدعو الندى فيجيبهُ ... سريعاً ويدعوهُ الندى فيجيبُ
هو العسلُ الماذيُّ ليناً وشيمةً ... وليثٌ إذا يلْقَى العدوَّ غضوبُ
الماذي: أجودُ العسلِ وأصفاهُ.
هوتْ أمُّه ما يبعُ الصبحُ غادياً ... وماذا يردُّ الليلُ حين يئوبُ
كعاليةِ الرمحِ الردينِي لم يكنْ ... إذا ابتدرَ الخيرَ الرجالُ يخيبُ
كعالية الرمح: يريدُ كالرمحِ طولاً، كما قال: الواطئين على صدور نعالهم.
أخُو شتواتِ يعلمُ الحيُّ انه ... سيكثرُ ما في قدرهِ ويطيبُ
ليبككَ عانٍ لم يجدْ من يعينه ... وطاوِي الحشا نائي المزارِ غريبُ
كأنَّ أبا المغوارِ لم يوفِ مرقباً ... إذا ربأَ القومَ الكرامَ رقيبُ
المرقب: المكان العالي. الربيئة: الطليعة، وهو الديدبان والرقيب.
(1/26)

ولم يدعُ فتياناً كراماً لميسرٍ ... إذا اشتدَّ من ريحِ الشتاءِ هبوبُ
يبيتُ الندَى يا أمَّ عمرٍو ضجيعه ... إذا لم يكنْ في المنقياتِ حلوبُ
إذا شهدَ الأيسارُ أو غاب بعضهم ... كفى ذاكَ وضاحُ الجبينِ أريبُ
وداعٍ دعا يا منْ يجيبُ إلى الندى ... فلم يستجبهُ عندَ ذاكَ مجيبُ
فقلتُ ادعُ أخرى وارفعِ الصوتَ دعوةً ... لعلَّ أبا المغوارِ منكَ قريبُ
يجبكَ كما قدْ كان يفعلُ إنهُ ... نجيبٌ، لأبوابِ العلاءِ طلوبُ
وإني لباكيهِ وإني لصادِقٌ ... عليه، وبعضُ القائلينَ كذوبُ
فتى أريحيٌّ كانَ يهتزُّ للندى ... كما اهتزَّ ماضي الشفرتينِ قضيبُ

قصيدة للمتلمس
وقال الملتمس، واسمه جرير بن عبد العزى، ويقال ابن عبد المسيح بن عبد الله بن دوفن بن حرب بن وهب بن جلي ابن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.
قال ابن السكيت وابن الأعرابي: كان المتلمس مكث في أخواله بني يشكر حتى كادوا يغلبون على نسبه، فسأل الملك - عمرو بن هند، وهو مضرط الحجارة، وهو المحرق - الحارث بن التوأم اليشكري عن المتلمس وعن نسبه فأراد الحارث أن يدعيه. قال أبو عبيدة: كان
(1/27)

جواب الحارثة عنه أنه أواناً يزعم أنه من بني ضبيعة وأواناً يزعم أنه من بني يشكر. فقال عمرو إلا كالساقط بين الفراشين. فبلغ ذلك المتلمس؛ فقال يذكر نسبه ويثبته:
يعيرني أمي رجالٌ ولا أرى ... أخا كرمٍ إلا بأن يتكرما
ومنْ كان ذا عرضٍ كريمٍ فلم يصنْ ... لهُ حسباً كانَ اللئيمَ المذمما
ويروى: الملوما. ويروى: ومن كان ذا مالٍ كثير. والعرض: موضع المدح والذم من الرجل. يقال: إنه كريم العرض، ولئيم العرض. والعرض: الجسد. يقال: إنه لطيب العرض وخبيث العرض. والحسب: كرم الفعل من الإنسان وإن لم يكن له أبٌ في الشرف والمجد. ويقال: افعل ذلك على حسب ما ترى؛ أي على قدره مفتوح.
أحارثُ إنَّا لو تساطُ دماؤنا ... تزايلنَ حتى لا يمسَّ دمٌ دمَا
أمنتفيَا منْ نصرِ بهثةَ خلتني ... ألا إنني منهم وإنْ كنتُ ينما
ويروى: أمنتفلاً. يقال: انتفلَ من ذلك الأمر وانتفى منه. ويقال للرجل يرمي بشيءٍ: انفلْ ذاك عن نفسك. بهثة: ابن الحارث بن وهب بن جلي بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعة بن نزار.
يريد أنا منهم وإن كنتُ أينما كنت. فاقتصر، كما قال النمر:
فإنَّ المنيةَ منْ يخشها ... فسوف تصادفه أينما
أراد أينما حل وصار.
ألا إنني منهم وعرضيَ عرضهمْ ... كذي الأنفِ يحمي أنفهُ أن يصلمَا
يقال: جدع أنفه إذا قطع طرفه وكشمه، وأوعبه، واستوعبه، وصلمه: إذا استأصلهُ. ويقال: اصطلم أنفه، واجتثه، واقتلعه، واقتبهُ، واجتلمه؛ هذه الأربعةُ الألفاظِ للأنفِ دونَ الأذنِ.
وعرضي عرضهم:
يقول: من سبهم فأنا أحمي حماهم كما يحمي ذو الأنف أنفه أن يقطع.
وإن نصابي إنْ سألتَ وأسرتي ... منَ الناسِ حيٌّ يقتنونَ المزنمَا
النصاب: الأصل. والأسرة: العشيرة الذين أسربهم؛ أي قوى. والتزنيم: أن تشقَّ أذنُ البعير من أعلاها شقين أو ثلاثة، ثم تترك تنوس معلقةً فذلك التزنيم؛ والترعيل مثله، يقال: زنمها ورعلها.
وكنا إذا الجبارُ صعرَ خدهُ ... أقمنا لهُ من خدهِ فتقومَا
الصعر الميل. والعرب تقول: والله لأقيمن صعره وصيده وقذله وصغاه وأدده، ويقال: أود العود، وأدِدَ وعوج وعَصِل: إذا اعوجَّ.
لذى الحلمِ قبلَ اليومِ ما تقرعُ العصَا ... وما علمَ الإنسانُ إلا ليعلمَا
قيل: إنما عرض بالحارث بن التوأم في هذا؛ أي قد قرعتك بهذا الكلام كما كان يصنع بعامر بن الظرب العدواني. وكان من حكماءِ العرب وأربى على مائتي عام؛ أي زاد عليها، فكان ربما هفا في محاورته فتقرع له العصا بجفنة فيرتدع ويعلم أنه قد جار عن الطريق فصار مثلاً.
وقيل: إن الذي قرعتْ له العصا عالم من علماء اليمن يقول اليمانون: هو عمرو بن حممة الدوسيّ من رهط بي هريرة.
وربيعة تقول: الذي قرعت له العصا قيس بن خالد بن عبد الله بن ذي الجدين.
وقيس تقول: هو عامرُ بن الظرب. وهذا أصح الأقوال وأكثر على أفواه العلماء.
(1/28)

ولو غيرُ أخوالي أرادوا نقيصتي ... جعلتُ لهم فوقَ العرانينِ ميسما
نقيصتي: تنقصي؛ أي أسمهم على العرانين، يعني أهجوهم هجاءً يبقى أثره في وجوههم. وإذا كان في الوجوه لم يغط، وإذا كان في غير الوجه غطى. والعرنين: أعلى قصبة الأنف. والخيشوم: اسم يجمع الأنف وهو المعطس وهو النخرة. ويقال لثقبه السم، وكذلك ثقب كل شيء إذا ضاق فهو سم. ويقال للحاجز في الوسط الوترة. ويقال لطرفه: الروثة والعرتمة والحثرمة، وهي الأرنبة.
وهل لي أمٌّ غيرها إنْ تركتها ... أبى اللهُ إلاَّ أنْ أكونَ لها ابنمَا
أراد ابناً فزاد الميم، كما قيل: ستهم، وزرقم، وفسحم للكبير الاستِ والزرق والمنفسح؛ وهو مما يتبع فيه حرف الإعراب ما قبله، قال العجاج:
ولم يلحك حزنٌ على ابنمٍ ... ولا أبٍ ولا أخٍ فتسهمي
وقال الهذلي:
تعاورتما ثوبَ العقوقِ كلاكُما ... أبٌ غيربرٍّ وابنمٌ غيرُ واصلِ
ولا يثني ولا يجمع إلا أن الكميت ثناه؛ فقال:
ومنا ضرارٌ وابنماهُ وحاجبٌ ... مؤرثُ نيرانِ العداوةِ لا المخبي
المخبي: المطفئ.
وما كنتُ إلا مثلَ قاطعِ كفهِ ... بكفٍّ له أخرى فأصبح أجذما
الأقطع والأجذم: واحد. جذمتُ الحبل: قطعته. ورجل مجذامة ومجذام: أي مقطاع للأمر.
فلما استقاد الكف بالكفِّ لم يجدْ ... لهُ دركاً في أن تبينا فأحجمَا
تبينا: تفارقا. والمحجم: الممسك عن الشيء الهائب له. يقال أحجم عن الشيء وأجحم: إذا لم يقدم عليه.
يداهُ أصابتْ هذه حتفَ هذه ... فلم تجد الأخرى عليها مقدما
فأطرق إطراق الشجاعِ ولو يرى ... مساغاً لنابيهِ الشجاعُ لصمما
الإطراق: أصله السكون. والشجاع: حية لطيف أقرع الرأس. مساغاً: أي مضياً، معناه مساغاً في نكزه. صمم: مضى على أمره وجد فيه.
وقد كنتَ ترجو أن أكون لعقبكمْ ... زنيماً فما أجررتُ أن أتكلما
الزنيم: المنوط اللاصق بالقومِ ليس منهم. وأصله من الزنمة التي تكون في حلق العناق، وهذا كما قال حسان:
زنيم تداعاه الرجالُ دعاوةً ... كما زيدَ في عرضِ الأديم الأكارعُ
والعقب: الولد الذين يأتون من بعد. وعقب كل شيء آخره. وقوله: فما أجررت: أصل الإجرار أن يشق ظهر لسان الفصيل والجدي حتى لا يرضع، وأنشد:
كما خلَّ ظهرَ اللسانِ المجرَ
والتفليك: أن يثقب لسانه ويجعل فيه خيط من شعر ويعقد طرفه كالفلكتين فيمنعه أيضاً من الرضاع. فالمعنى لم يربط لساني عن الكلام، فضرب الإجرار مثلاً للسكوت.
لأورثَ بعدي سنةً يهتدى بها ... وأجلو عن ذي شبهةٍ إن توهما
أرى عصماً في نصرِ بهثةَ دائياً ... ويدفعني عن آلِ زيدِ فبئس ما
عصم: رجل من بني ضبيعة: قال للمتلمس: أنت من بني يشكر ولست منا.
المعنى: ينتسب عصم إليهم وينفيني عنهم. وقوله: فبئسما أي بئسما يفعل.
إذا لم يزل حبل القرينين يلتوي ... فلا بد يوماً من قوى أن تجلما
القرينانِ: بعيران يقرنان في حبل. ضرب ذلك مثلاً له ولعصم. يقول: إذا كان الرجلان كل واحدٍ منهما ينادي صاحبه فلا بد لأحدهما أن يغلب الآخر.
إذا ما أديم القوم أنهجه البلى ... تفرى، وإن كتبته، وتخرما
أديم كل شيء: جلده. وأنهجهُ: أخلقه. يقال: نهج الثوب وأنهجَ، ومحَّ وأمحَّ: أي خلق. وتفرى: تمزق. وكتبته: خرزته. والكتب: الخرز، يقال: اكتبها: أي اخرزها. وتخرم؛ تفتق.
(1/29)

وللمتلمس
قال ابن الأعرابي: أخبرني أبو جعفر محمد بن حبيب عن أبي المنذر هشام بن محمد الكلبي النسابة أن المتلمس إنما سمي بهذا اللقب لقوه:
وذاك أوان العرض حيَّ ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس
قال أبو محمد القتبي: كان المتلمس ينادم عمرو ابن هند ملك الحيرة هو وطرفة بن العبد، فهجواه فكتب لهما إلى عامله بالبحرين كتابين أوهمهما أنه أمر لهما فيها بجوائز، وكتب إليه يأمره بقتلهما، فخرجا حتى إذا كانا بالنجف إذا هما بشيخ على الطريق في يده خبزٌ يأكل منه وهو يحدث ويتناول القمل من ثيابه فيقتله. فقال المتلمس: ما رأيتُ كاليوم قط شيخاً أحمق.
فقال الشيخ: وما رأيت من حمقي! أخرج خبيثاً، وأدخل طيباً، وأقتل عدواً. أحمق والله مني من يحمل حتفه بيده.
فاستراب المتلمس بقوله؛ وطلع عليهما غلام من أهل الحيرة، فقال المتلمس: أتقرأ يا غلام؟ قال: نعم. ففك صحيفته ودفعها إليه؛ فإذا فيها: أما بعد فإذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حياً.
فقال لطرفة: ادفع إليه صحيفتك يقرؤها، ففيها والله ما في صحيفتي.
قال طرفة: كلا، لم يكن ليجترئ عليَّ. فقذف المتلمس صحيفته في نهر الحيرة وقال
قذفت بها بالثني من جنب كافرٍ ... كذلك أقنو كل قط مضلل
رضيتُ لها بالماءِ لما رأيتها ... يجولُ بها التيارُ في كل جدولِ
كافر نهر كان بالحيرة. وأقنو: أقتني. والقط: الكتاب.
وأخذ نحو الشام، وأخذ طرفة نحو البحرين، فقتله عاملها، فضرب المثل بصحيفة المتلمس، وحرم عمرو بن هند حب العراق على المتلمس، وقال حين هرب إلى الشام:
(1/30)

يا آل بكرٍ ألا للهِ أمكم ... طال الثواءُ وثوبُ العجزِ ملبوسُ
أغنيتُ شأني فأغنوا اليومَ شأنكمُ ... واستحمقوا في ذكاءِ الحرب أو كيسوا
إن العلافَ ومنْ باللوذِ من حضن ... لما رأوا أنه دينٌ خلابيس
قيل علاف هو ربان بن جرم بن حلوان. خلابيس اختلاط وغدر وفساد ليس بتام. وبرق خلابيس: لا مطر معه. وخلق خلابيس: إذا كان على غير استقامة، على المكر والخديعة.
ردوا عليهم جمال الحي فاحتملوا ... والضيم ينكره القوم المكاييس
يروى: شدوا الرحال على بزلٍ مخيسة.
ويروى:
شدوا الجمالَ بأكوارٍ على عجلٍ ... والظلمُ ينكرهُ القومُ الأكاييسُ
الأكوار والكيران: الرحال، واحدها كور. أبو عبيدة: هو الرحل بأداته. وواحد المكاييس مكياس؛ وهو الذي لا يزال يجيء بالكيس. والبزل: جمع بازل؛ وهو الذي أتى عليه تسع سنين. يقال: جملٌ بازلٌ وناقة بازل؛ سمي بازلاً لأن نابه بزل اللحم فخرج. مخيسة: مذللة. ولا يقال للصغير مخيسٌ، وإنما يقال ذلك للمسن.
كونوا كسامة إذ شعفٌ منازله ... ثم استمرتْ به البزلُ القناعيسُ
سامة بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. قال الأصمعي: لما غاضب سامةُ بن لؤي قومه رحل إلى عمان، وكان أبي الضيم ونزل بكبكب، وهو الجبل الآخر وراء عرفة، فمضى كراهية الظلم. وشعفة الجبل: أعلاه.
قال ابن الكلبي: كان سبب خروج سامة إلى عمان أنه فقأ عين ابن عامر بن لؤي؛ وذلك أنه ظلم جاراً له فغضب عامر وكان شرساً، فخاف سامة أن يقع شرٌ فرحل عنهما، وأتى عمان فتزوج ناجية بنت جرم بن ربان. وربان علاف بن حلوان، فنهشته حية فمات.
وذلك أن ناقته تناولت رمثةً، فعلقت بمشفرها أفعى فاحتكتْ بالغرز، فنهشت ساق سامة؛ فسقطا ميتين؛ فقال شاعرهم:
عينُ بكي لسامةَ بنِ لؤي ... علقتْ ما بسامة العلاقهْ
لا أرى مثل سامةَ بنْ لؤي ... حملتْ حتفه إليه الناقهْ
والقناعيس: الشداد. الواحد قنعاس.
حنتْ قلوصي بها والليل مطرقٌ ... بعد الهدوء وشاقتها النواقيس.
بها: أي بالعراق إلى الشام؛ لأن بها غسان، وهم نصارى. والحنين: أن يمد البعير صوته طرباً إلى إلف أو وطن. مطرق: بعضه على بعض طرائق، يعني شدة سواده بعد الهدوء: يعني بعد ما هدأ الناس. يقال: أتيته بعد هدءٍ من الليل وهدأةٍ من الليل.
معقولة ينظر الإشراق راكبها ... كأنها من هوًى للرمل مسلوس
العقل: فوق الركبة؛ فإن عقل الركبتين جميعا قيل عقلها بثنايين. يقول: كأنها ذاهبة العقل من هواها للرمل.
ويروى: كأنها طربٌ للرملِ. ويروى: ينظر التشريق؛ أي أيام التشريق؛ أي يرمي الجمار، ثم يأتي الشام. والأول أصح.
(1/31)

وقد ألاح سهيلٌ بعد ما هجعوا ... كأنه ضرمٌ بالكفِّ مقبوسُ
ألاح: لمع. وإذا ظهر الشيء وبدا قيل لاح يلوح. وقد ألاح من ذلك: أي أشفق منه. ويقال ألاح بثوبه وبسيفه: إذا لمع به. هجعوا: ناموا. والهجوع بالليل والنهار. والهجود بالليل خاصة. الضرم والضرام: ما دق من الحطب وما اشتعلت النار فيه سريعاً. وفي الحديث: كأن رأسه ولحيته ضرام عرفجة. ويروى: وقد أضاء سهيل؛ يقال ضاء وأضاء.
أنى طربتِ ولم تلحيْ على طربٍ ... ودونَ إلفكِ أمراتٌ أماليسُ
المرت: التي لا تنبت شيئاً. والأماليس: الخالية من كل شيء. الطرب: خفة تأخذُ الإنسان من حزن أو فرح. قال الراعي:
فلم تملك من الطرب العيونا
ولم تلحي: أي لم تلامى. يقال: لحيت الرجل ألحاه لحياً؛ ولحوتُ العود ألحوه لحواً. ويقال إلفٌ وألاف، وأليف وألفاء. وألفته وآلفته.
حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها ... بسلٌ عليكِ ألا تلكَ الدهاريسُ
يقال قصوى وقصيا. وبسلٌ: حرام. قال الأعشى:
فجارتكم بسلٌ علينا محرمٌ ... وجارتنا حلٌ لكم وحليلها
والدهاريس: الأمور المنكرات، لا واحد لها. قال الأصعي: الواحد دهرس. قال عيسى بن عمر: الدهاريس والدراهيس جميعاً.
أبو عمرو: حنت إلى نخلة القصوى، بغير ألف ولام؛ وقال: هو وادٍ، وهو مما يلي نجداً.
أمِّي شآميةً إذا لا عراق لنا ... قوماً نودهم إذ قومنا شوسُ
أمِّي: اقصدي. شوس: جمع الأشوس الذي ينظر إليك نظراَ شزراً لبغضه لك.
لن تسلكي سبل البوباةِ منجدةً ... ما عاشَ عمروٌ وما عمرتَ قابوسُ
روى ابن السكيت: ما عشتَ عمرو. البوباة: ثنية في طريق نجد ينحدر صاحبها منها إلى العراق، يريد عمرو بن هند، وقابوس بن هند؛ وأمهما هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر بن معاوية؛ وأم النعمان سلمى بنت الضائع. وعمرو وقابوس ابنا المنذر بن ماء
السماء.
آليتَ حبَّ العراقِ الدهرَ أطعمهُ ... والحبُّ يأكله في القريةِ السوس
الألية: اليمين. والجمع ألايا. ويروى: آليتُ بالضم. ويروى: يأكله بالنقرة؛ وهي بلدٌ.
قال الأصمعي: كان عمرو بن هند حلف ألا يأكل المتلمس من طعام العراق، وليطردنه إلى الشام، فقال: إن منعني من العراق فإن الحب يأكله بالشام السوس.
لم تدرِ بصرى بما آليتَ من قسمٍ ... ولا دمشقُ إذا ديسَ الفراديسُ
بصرى: من أرض الشام. والفراديس: قريةٌ بالشامِ أيضاً. ويروى: الكداديس؛ جمع كدس.
يقول: لم يدرِ هؤلاء بما حلفت ولم تشعر به من هوانك، يهزأ به.
فإن تبدلتُ من قومي عديكمُ ... إني إذاً لضعيفُ الرأي مألوس
عديّ بن ثعلبة بن غنم بن حبيب بن كعب بن يشكر. والمألوس والمسلوس: الذي لا عقل له.
كم دونَ مية منْ داويةٍ قذفٍ ... ومن فلاةٍ بها تستودعُ العيسُ
ويروى: كم دون أسماء من مستعملٍ قذفٍ مستعمل: طريق موطوء مدوس.
(1/32)

ومن ذرى علمٍ ناءٍ مسافته ... كأنه في حبابِ الماءِ مغموسُ
جاوزته بأمونٍ ذاتِ معجمة ... تهوي بكلكلها والرأسُ معكوسُ

قصيدة لطرفة بن العبد
وقال طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك ابن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي ابن بكر بن وائل:
أصحوتَ اليومَ أم شاقتكَ هر ... ومن الحبِّ جنونٌ مستعرْ
شاقتك: أخذك لها شوق. ومستعر: ملتهب.
أرقَ العينَ خيالٌ لم يقر ... طافَ والركبُ بصحراءِ يسرْ
يروى: بصحراءِ أسر، عن أبي عبيدة. لم يقر: لم يتدع ويستقر.
لا يكنْ حبكِ داءً داخلاً ... ليس هذا منكِ ماويَّ بحرْ
بِحُرّ: بحسنٍ جميل. شبهه بالحر في عتقه وحسنه. يقول: هذا منك أمر هجين.
كيفَ أرجو حبها من بعدِ ما ... علقَ القلبُ بنصب مستسر
نصب: عناء مستسرّ: مكتتم داخل القلب.
تقطعُ القومَ إلى أرحلنا ... آخرَ الليلِ بيعفورٍ خدرْ
خدر: فاتر العظام والبدن؛ أي تقطع إلينا بمثل ظبي في ملاحته وحسنه. وإنما عناها نفسها. واليعفور من الظباء: الذي في عنقه قصر. وصيره في آخر الليلِ؛ لأن التعريس يكون آخر الليل.
قال الأصمعي: قيل لرجل أسرع في سيره: كيف كان سيرك؟ قال: كنت آكل الوجبة، وأنجو الوقعة، وأعرس إذا نجرت، وارتحل إذا أسفرت، وأسير الوضع، وأجتنب الملع، فجئتكم لمسي سبع.
الوجبة: أكلة في اليوم. والوقعة: قضاء الحاجة. مرة في اليوم والليلة: ضرب من السير دون الجهد. والملع: السير الشديد.
ثم زارتني وصحبي هجعٌ ... في خليطينِ لبردٍ ونمرْ
في خليطين: في قومين مختلطين. الأصمعي: برد: قبيلة من إياد. والنمر بن قاسط. أبو عبيدة: في خليط بين برد ونمر، أي هي في ثوبين.
(1/33)

أينما قاظوا بحجرٍ وشتوا ... حول ذاتِ الشاءِ من ثنىْ وقرْ
ذات الشاءِ: موضع. وقر: موضع. وثنياه: ناحيتاه.
ظلَّ في عسكرة من حبها ... ونأى شحط مزار المدكر
عسكرة: دوار. يقال عساكر الموتِ تغشاه: إذا دير به.
بادنٌ تجلو إذا ما ابتسمتْ ... عن شتيتٍ كأقاحي الرملِ غرّ
بدلته الشمسُ في منبتهِ ... برداً أبيض مصقولَ الأشرْ
ويروى: رفافَ الأشر. عن أبي عبيدة: العرب تزعم أن الغلام إذا سقطت له سن وأخذها بسبابته وإبهامه، ثم استقبل بها الشمس عند طلوعها فزجها في عين الشمس وقال: أبدليني منها أحسن منها ولتحر إياتك فيها، أمنَ على أسنانه أن تعود عوجاً أو ثعلاً أو قابلةً للفلج. وهذا من خرافاتهم.
إنْ تنو لهُ فقد تمنعهُ ... وتريه النجم يجري بالظهرْ
أي يظلم عليه النهار لم تفعل به حتى يرى الكواكب ظهراً. وهذا مثل للشيء إذا اشتد على
الرجل.
وإذا تضحكُ تبدي حبباً ... كرضابِ المسكِ بالماءِ الخصر
كرضاب المسك: كقطع المسك.
صادفته حرجفٌ في تلعةٍ ... فسجا وسطَ بلاط مسبطر
حرجف: ريح شديدة. ويروى: في صخرة.
تلعة: مكان مشرف له مسيل. وسجا: سكن. وبلاط: أرض مستوية في صفاة.
تحسبُ الطرف عليها نجدةً ... يا لقومي للشباب المسبكر
المسبكر: الممتد. يقول: تحسب رفع طرفها للنظر نجدةً؛ أي شدة عليها لنعمتها ورقتها. أنشد الأصمعي للهذلي:
لو أن عندي من قريمٍ رجلاً ... لمنعوني نجدةً أو رسلا
أي لمنعوني بأمر شديد أو بأمر هين.
تطرد القر بحر ساخنٍ ... وعكيكَ القيظِ، إنْ جاَء بقر
هذا مثل قوله:
سخنة في الشتاءِ باردة الصي ... فِ سراجٌ في الليلة الظلماءِ
(1/34)

تسرقُ الطرفَ بعيني جؤذر ... وبخديْ رشأ أبيض غر
تسرق الطرف: تخالسه. غر: فيه غفلة الحداثة.
وعلى المتنين منها واردٌ ... حسن النبتِ أثيثٌ مسبطر
لا تلمني إنها من نسوةٍ ... رقدِ الصيفِ مقاليتَ نزر
الواحدة نزور. نزر: قليلات الأولاد.
كبنات المخرِ يمأدنَ إذا ... أنبتَ الصيفُ عساليجَ الخصِر
بنات المخر: سحائب بيض يجئن في الصيف. ويمأدن: يتحركن. والعسلوج: شيء أبيض الأصل يخرج في الصيف ثم ينقاد كما ينقاد الخيزران. والخضر: نبت أخضر.
فجعوني يومَ زموا عيرهمْ ... برخيمِ الصوتِ ملثوم عطرْ
رخيم الصوت: لين الصوت، رخم رخامة. عطر: مطلي بالعطر.
جأبةِ المدرَى ضئيلٍ صوتها ... تنفض المردَ وأفنانَ السمرْ
جأبة: يهمز ولا يهمز، يصف الظبية. ومدراها: قرنها. والجأب: الغليظ. يقول: نبات قرنا غليظ لم يدق بعد؛ يريد حداثته. وضئيل صوتها: تبغم بغاماً رخيماً ذا حسن.
وإذا تلسنني ألسنها ... إنني لستُ بموهون غمرْ
لا كبيرٌ دالفٌ من هرم ... أرهبُ الليلَ، ولا كلُّ الظفرْ
يقول: من ظفرت فيه لم يفلتْ مني. وهذا مثل. قال أبو عبيدة: الظفر هاهنا السلاح.
ولي الأصلُ الذي في مثلهِ ... يصلحُ الآبرُ زرعَ المؤتبرْ
طيبُ الباءةِ سهلٌ ولهمْ ... سبلٌ إنْ شئتَ في وحشٍ وعرْ
(1/35)

وهم ما همْ إذا ما لبسوا ... نسجَ داودَ لباسَ المحتضرْ
وتساقى القومُ سماً ناقعاً ... وعلاَ الخيلَ دماءٌ كالشقرْ
لا تعزُّ الخمرُ إنْ طافوا بها ... بسباءِ الشولِ والكومِ البكرْ
أسدُ غيلٍ فإذا ما شربوا ... وهبوا كلَّ أمون وطمرْ
ثم راحوا عبقُ المسكِ بهمْ ... يلحفون الأرضَ هدابَ الأزرْ
وندامَى حسنٌ أوجههم ... غيرُ أنكاسٍ ولا هوج هذرْ
ثم زادوا أنهم في قومهم ... غفرٌ ذنبهمُ غيرُ فخر
يروى: في حيهم يغفرون الظلمَ ليسوا بفخر
غشمٌ كالأسدِ في غاباتها ... ولدى البأس حماةٌ ما تفرْ
فاضلٌ أحلامهمْ في قومهم ... رحبُ الأذرعِ بالخيرِ أمرْ
وتشكى النفسُ ما صابَ بها ... فاصبري إنكِ من قومٍ صبرْ
إنْ ننلْ منفساً لا تلقنا ... نزقَ الخيرِ، ولا نكبو لضُر
(1/36)

نحنُ في المشتاةِ ندعو الجفلى ... لا ترى الآدبَ فينا ينتقرْ
بجفانٍ تعتري مجلسنا ... وسديفٍ حين هاجَ الصنبرْ
كالجوابي ماتني مترعةً ... لقرى الأضيافِ يوماً تحتضرْ
ثم لا يخزنُ فينا لحمها ... إنما يخزنُ لحم المدخرْ
نمسكُ الخيلَ على مكروهها ... حينَ لا يمسكها إلا الصبرْ
فترى الخيلَ إذا ما فزعوا ... ودعا الداعي وقد لجَّ الذعرْ
أيهَ الفتيانُ في مجلسنا ... بجيادٍ منْ ورادِ وشقرْ
أيه به: إذا دعاه.
أعوجيات تراها تنتحي ... مسلحباتٍ إذا جد الحضر
من عناجيج ذكورٍ وقحٍ ... وهضباتٍ طوالاتِ العذر
يروى: وقح. ووجد بخط أبي سعيد: وقح: جمع وقاح. ووقح قياس واحدها واقح. ولا يستعمل واقح.
جافلات فوقَ عوجٍ عجلٍ ... ركبتْ فيها ملاطيسُ سمرْ
وأنافتْ بهوادٍ تلعٍ ... كجذوع شذبتْ عنها القشرْ
(1/37)

علتِ الأيديَ أجوازٌ لها ... رحبُ الأجوافِ ما إنْ تنبهر
فهيَ تردِي فإذا ما ألهبتْ ... طارَ منْ إحمائِها شدُّ الأزرْ
دلقٌ في غارةٍ مسفوحةٍ ... كرعال الطيرِ أسراباً تمر
تذرُ الأبطالَ صرعى بينها ... ما يني منهمْ كميٌّ منعفرْ
فلقدْ تعلمُ بكرٌ أننا ... واضحو الأوجهِ في المحفل غرّ
ولقد تعلمُ بكرٌ أننا ... صادقو البأس لدى الروعِ وقرُّ
ومكان زعلٍ ظلمانُه ... كالمخاضِ الجربِ في اليوم الخضرْ
قد تبطنتُ وتحتي سرحٌ ... تتقي الأرضَ بملثومٍ معرْ
فترى المروَ، إذا ما هجرتْ ... عنْ يديها كالفراشِ المشفتر
ذاك عصرٌ، وعداني أنني ... نابني العامَ خطوبٌ غيرُ سرْ
ففداءٌ لبني قيسٍ على ... ما أصابَ الناسَ من سرٍّ وضرْ
(1/38)

ما أقلتْ قدمِي إنهمُ ... نعمَ الساعونَ في القومِ الشطرْ
ويروى: في الأمر المبرُّ.
وهمُ أيسارُ لقمانَ إذا ... أغلتِ الشتوةُ أبداَء الجزرْ
وتنادى القومُ في ناديهمُ ... أدخانٌ ذاكَ أم ريحٌ قطرْ
لا يلحونَ على غارمهمْ ... وعلى الأيسارِ تيسيرُ العسرْ
يكشفونَ الضرَّ عن ذِي ضرهم ... ويكرونَ على الآبي المبر
كنتُ فيهم كالمغطِّي رأسه ... فانجلى اليومَ قناعي وخمرْ
سادراً أحسبُ غيِّي رشداً ... فتناهيتُ وقد صابتْ بقرْ

ولطرفة أيضاً
وقال طرفة، أثبتها المفضل وأبو عبيدة، ولم يعرفها الأصمعي
سائلوا عنا الذي يعرفنا ... بقوانا يومَ تحلاقِ اللممْ
(1/39)

يوم تبدِي البيضُ عنْ أسوقِها ... وتلفُّ الخيلُ أعراجَ النعمْ
أجدرُ الناسِ برأسٍ صلْدم ... حازمِ الأمرِ ضروبٍ للبهم
كاملٍ يجمع آلاَء الفتى ... نبهِ سيدِ ساداتِ خضمْ
خيرِ حيٍّ منْ معدٍّ علموا ... لكفيٍّ ولجارٍ وابنِ عمْ
نجبر المحروبَ فينا مالهُ ... بقبابٍ وجفان وخدمْ
نقلٌ للحمْ في مشتاتنا ... عقرٌ للنيبِ طرادو القرمْ
نزعُ الجاهلَ في مجلسنا ... فترى المجلس فينا كالحرمْ
وتفرعنا من ابنيْ وائلٍ ... هامةَ العزِّ وخرطومَ الكرمْ
حينَ يحمَى البأسُ يحمي سربنَا ... واضحوُ الأوجهِ معروفو العلمْ
بحساماتٍ تراها رسباً ... في الضريباتِ متراتِ العصمْ
(1/40)

وفحول هيكلاتٍ وقح ... أعوجياتٍ على الشأوِ أزُمْ
بزنا للحربِ إما كشفتْ ... مقرباتُ الخيلِ يعلكنَ اللجمْ
تتقِي الأرضَ بِرُحٍّ وقح ... ورقٍ يقعرنَ أنباكَ الأكم
خلجُ الشدِّ ملحاتٌ إذا ... شالت الأيدي عليها بالجذمْ
قدماً تنضو إلى الداعي إذا ... خللَ الداعي بدعوى ثم عم
بشباب وكهولٍ نهدٍ ... كليوثٍ بينَ عريسِ الأجم
ونكرُّ الخيلَ في مكروهِها ... حينَ لا يعطفُ إلا ذو كرمْ
نذرُ الأبطالَ صرعَى بينها ... تعكفُ العقبانُ فيها والرخمْ
(1/41)

القسم الثاني
وفيه خمس وعشرون قصيدة لثلاثة من فحول الجاهلية: زهير، وبشر بن أبي خازم، وعبيد بن الأبرص.
بسم الله الرحمن الرحيم

قصيدة لزهير
قال زهير بن أبي سلمى المزني يمدح هرم بن سنان المري:
إن الخليطَ أجدَّ البينَ فانفرقا ... وعلقَ القلبُ من أسماَء ما علقا
وأخلفتكَ ابنةُ البكريّ ما وعدتْ ... فأصبح الحبلُ منها واهناً خلقا
الحبل: العهد. والواهن: الضعيف.
وفارقتكَ برهنٍ لا فكاكَ لهُ ... يومَ الوداعِ فأمسَى رهنُها غلقا
عني بالرهن: قلبه. ويروى: فأمسى الرهنُ قد غلقا.
قامت تبدي بذاتِ ضالٍ لتحزنني ... ولا محالةَ أنْ يشتَاقَ من عشِقَا
يروى: قامتْ تراءَى
بجيد مغزلة أدماَء خاذلة ... من الظباءِ تراعي شادناً خرقا
المغزلة، والمغزل: التي معها غزال. والخاذلة: التي خذلت الظباء وأقامت على ولدها. والخرق: اللاصق بالأرض من الفزع والدهش.
مازلتُ أرمقهم حتى إذا هبطت ... أيدي الركابِ بهم من راكس فلقا
الفلق: المطمئنُّ من الأرض.
دانيةً من شروري أوقفا أدم ... تسعى الحداةُ على آثاهِم حزقا
شرورى: جبل معروف. والحزق: جماعات في تفرق.
كأنَّ ريقتها بعدَ الكرى اغتبقتْ ... من طيبِ الراح لما يعدُ أن عتقا
أي لما يجزْ أن صار عتيقاً.
شج السقاةُ على ناجودِها شبماً ... من ماءِ لينةَ لا طرقاً ولا رنقا
الناجود: الإناءُ يصب فيه الخمر، وهو الباطية. ولينة: موضع. والطرق: الماء الذي قد طرقته الإبل وبالت فيه وبعرت. والرنق: الكدر من غير أبوالٍ ولا أبعار.
(2/3)

كأنَّ عينيَّ في غربيْ مقتلةٍ ... من النواضحِ تسقي جنةً سحقا
الغرب: الدلو الضخم. والمقتلة: المذللة. والنواضح: الإبل التي يستقى عليها الماء، واحدا ناضح. والجنة: البستان. والسحقُ: النخل الطوال، الواحدة سحوق.
وخلفها سائق يحدو إذا خشيت ... منه العذاب تمد الصلب والعنقا
وقابلٌ يتغنى كلما قدرتْ ... على العراقي يداهُ قائماً دفقا
القابل: الذي يقبل الدلو ليفرغه. والعراقي: الخشبتان اللتان هما كالصليب على الدلو.
يحيلُ في جدولٍ تحبو ضفادعه ... حبو الجوارِي ترى في مائه نطقا
الأصمعي: النطق: جمع نطاق، وهي نفاخات ودارات على الماء. وقال أبو عمرو: هو أن يجتمع الغثاء على الماء فيصير كأنه نطاق.
يخرجنَ من شرباتِ ماؤها طحلٌ ... على الجذوعِ يخفنَ الغمَّ والغرقا
بل أذكرَنْ خيرَ قيسٍ كلها حسباً ... وخيرها نائلاً وخيرها خلقا
ومن يفوقهمُ رأياً إذا فرقوا ... من الحوادث أمراً ناب أو طرقا
طرق: أتى ليلاً.
القائد الخيلِ منكوباً دوابرها ... قد أحكمتْ حكماتِ القدِّ والأبقا
الدوابر: مآخر الحوافر. والأبق: القنب.
غزتْ سماناً فآبتْ ضمراً خدجاً ... من بعدِ ما جنبوها بدناً عققا
الخدج: التي ألقتْ أولادها لغيرِ تمامٍ، الواحدة خدوج. والبدن: العظام الأبدان. والعقق: الحوامل، واحدتها عقوق.
حتى يثوب بها وجيا معطلةً ... تشكو الدوابر والأنساء َ والصفقا
يروى: يؤوب بها شعثاً. والمعطلةُ: التي لا أرسان عليها. والأنساءُ: عروقٌ في الفخذين. والصفق: واحدها صفاق، وهو الجلد الذي دون الجلدِ الأعلى مما يلي البطن.
(2/4)

يطلبُ شأو امرَأينِ قدمَا حسناً ... نالا الملوكَ وبذا هذه السوقا
يروى: قدما حسباً. ومعنى بذا: فاقا وغلبا.
هو الجوادُ فإنْ يلحقْ بشأوهما ... على تكاليفهِ فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهلٍ ... فمثلُ ما قدما من صالح سبقا
على ما كان من مهلٍ: أي من تقدم أي قد أخذا مهلة من قبله.
أشمُّ أبيض فياضٌ يفككُ عن ... أيدي العناةِ وعن أعناقها الربقا
الربقُ: الحبال.
قد جعل المبتغون الخيرَ في هرمٍ ... والسائلون إلى أبوابهِ طرقاً
الأصمعي: في هرم: أي عند هرم. وقال: هذا بيت القصيدة.
من يلقَ يوماً على علاتهِ هرما ... يلقَ السماحةَ منه والندَى خلقَا
وليس مانعَ ذِي قربَى وذي نسبٍ ... يوماً ولا معدماً من خابطِ ورقا
ليثٌ بعثرَ يصطادُ الرجالَ إذا ... ما الليثُ كذبَ عن أقرانهِ صدقا
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... ضاربَ حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
فضل الجوادِ على الخيلِ البطاءِ فلا ... يعطي بذلك ممنوناً ولا نزقا
النزق: السريع أول ما يجري ثم ينقطع مثل البرذون.
لو نال حيٌّ من الدنيا بمكرمةٍ ... أفقَ السماءِ لنالتْ كفهُ الأفقا
(2/5)

هذا، وليس كمنْ يعيا بخطبته ... يوماً ولا عائباً إنْ ناطقٌ نطقا
هذا البيت والذي قبله في رواية ابن حبيب.

لزهير أيضاً
وقال يمدح هرماً:
كم للمنازلِ من عامٍ ومن زمنِ ... لآلِ أسماَء بالقفينِ فالركنِ
لآلِ أسماَء إذْ هامَ الفؤادُ بها ... حيناً وإذْ هي لم تظعنْ ولم تبنِ
وإذ كلانا إذا كانت مفارقةٌ ... من الديارِ طوى كشحاً على حزنِ
أي ضم كشحا
فقلت للدار أحياناً يشطُّ بها ... صرفُ الأميرِ على منْ كان ذا شجنِ
يشط بها: يبعد بها. والأمير: السيد الذي لا يقطعُ أمرٌ دونه. والشجن: الحاجة، والجمع أشجان وشجون. قال: والنفس شتى شجونها
لصاحبي وقد زال النهارُ بنا ... هل تؤنسان ببطنِ الجوِّ من ظعنِ
قد نكبتْ ماَء شرج عن شمائلها ... وجوُّ سلمَى على أركانها اليمنِ
يقطعنَ أميالَ أجوازِ الفلاةِ كما ... تغشى النواتي غمارَ اللجِّ بالسفنِ
يخفضها الآلُ طوراً ثم يرفعها ... كالدومِ يعمدنَ للأشرافِ أو قطن
الدوم: شجر المقل. والأشراف: أرض. وقطن: جبل.
ألمْ ترَ ابنَ سنانٍ كيفَ فضلَهُ ... ما يشتري فيه حمدَ الناسِ بالثمن
وحبسهُ نفسهُ في كلِّ منزلةٍ ... يكرهها الجبناءُ الضاقةُ العطن
(2/6)

حيثُ ترى الخيلَ بالأبطالِ جائلةً ... ينهضنَ بالهندُوانياتِ والجننِ
حتى إذا ما الْتقى الجمعانِ واختلفوا ... ضرباً كنحتِ جذوعِ النخلِ بالسنن
السنن: الفئوس. الواحدة سنة. واختلفوا ضرباً: أي اختلفت الأيدي بالضرب، فمنهم من يرفع يده ومنهم من يخفض يده.
يغادرُ القرنَ مصفراً أناملهُ ... يميلُ في الرمح ميلَ المائحِ الأسنِ
المائح الذي يغرف بيده الماءَ من البئر. والأسن: الذي يأسن من ريح الحمأة يكاد يغشى عليه.
تالله قد علمتْ قيسٌ إذا قذفتْ ... ريحُ الشتاءِ بيوتَ الحيِّ بالعنن
العنن: واحدها عنة، وهي الحظيرة من الشجر.
أنْ نعمَ معتركُ الحيِّ الجياعِ إذا ... خبَّ السفيرُ ومأوَى البائِس البَطِن
معترك الحي: مزدحمهم. والسفير: ماتحات من ورقِ الشجر فخبت به الريح؛ وهذا يكون في الشتاء. ومن السفير قولهم: أسفر مقدم رأسه: إذا ذهب الشعر عنه. والبطن: النهم.
من لا يذابُ له شحمُ النصيبِ إذا ... زار الشتاءُ وعزتْ أثمنُ البدنِ
لا يذاب له الشحم: أي لا يدخر له، بل يعطيه الناس طرياً
يطلب بالوتر أقواماً فيدركهم ... حيناً ولا يدركُ الأعداءُ بالدمن
الدمنة: الحقد.
ومن يحاربْ يجدهُ غيرَ مضطهدٍ ... يربِي على بغضةِ الأعداءِ بالطبنِ
الطبن: الفطنة. غير مضطهدٍ: أي غير مقهور.
يربى: يزيد. والطبن: الفطنة، يقال: طبن له وتبنَ له: إذا فطن له. قال الأصمعي: التبانة: الفطانة في الشر. ويقال: رجل ندس وندس؛ يفطن. ورجل لحنٌ؛ أي فطن، وهو ألحنُ منه:
أي أفطن منه.
إنْ تؤتهِ النصحَ يوجدْ لا يضيعهُ ... وبالأمانة لم يغدرْ ولم يخنِ
ويروى: إنْ تؤتهِ النصحَ لا ينفكُّ حافظهُ.
هناكَ ربكَ ما أعطاكَ من حسنٍ ... وحيثما يكُ أمرٌ صالحٌ فكنِ

ولزهير أيضاً
وقال يمدحه:
لمنْ طللٌ برامةَ لا يريمُ ... عفا وخلا له حقبٌ قديمُ
عفا: درس. وعفا: كثر. وهو من الأضداد. وخلا: أي مضى. والحقب: واحد الأحقاب. حقب: دهر طويل.
(2/7)

تحمل أهلهُ عنه فبانوا ... وفي عرصاته منهمْ رسومُ
العرصة: وسط الدار، وهي الساحة والباحة والنالة.
يلوحُ كأنه كفا فتاةٍ ... ترجعُ في معاصمها الوشومُ
يروى: يلحن كأنهن يدا فتاة.
والمعاصم: مواضع الأسورة. وترجع: تردد مرة بعد مرة.
عفا من آلِ ليلى بطنُ ساقٍ ... فأكثبة العجالزِ فالقصيم
القصيم: منابت الغضا في الرملِ.
تطالعنا خيالاتٌ لسلمى ... كما يتطلعُ الدينَ الغريم
خيالٌ وخيالات مثل حمام وحمامات. وقد جاء في الشعر خيالة؛ قال:
ولستُ بنازِل إلا ألمتْ ... برحلي أو خيالتها الكذوب
وقوله يتطلع الدين الغريم كما تقول: يتطلع فلانٌ ضيعته ويتعهدها.
لعمرُ أبيكَ ما هرمُ بنُ سلمى ... بملحيٍّ إذا اللؤماءُ ليموا
بملحىٍّ: بملوم. وأصله من القشرِ؛ يقال: لحاه؛ أي قشره.
ولا ساهي الفؤاد ولا عيي ال ... لسانِ إذا تشاجرت الخصوم
تشاجرت: اختلفت.
ولنْ عصمةٌ في كلِّ أمر ... يطيفُ به المخول والعديمُ
المخول: الغني. والمخول: الذي له خول؛ أي الغنى والفقير لا يستغنيان أن يسألاه.
متى تسدد بهِ لهواتُ ثغرٍ ... يشارُ إليه جانبهُ سقيمُ
جانبه سقيم: يخشى القومُ أن يؤتوا منه.
مخوفٌ بأسه يكلاكَ منه ... قويٌ لا ألفُّ ولا سؤوم
الألفُّ: الثقيل. والسؤوم: الملول. ومن الألف قولهم: امرأةٌ لفاءُ الفخذينِ؛ أي عظيمتهما. ومنه اللفف في اللسان.
له في الذاهبين أروم صدقٍ ... وكانَ لكلِّ ذي حسبٍ أرومُ
الأروم، والجنث، والضئضئ، والبؤبؤ: كل ذلك الأصل. أي له في سلفه أصل صدقٍ.
ووعودَ قومه هرمٌ عليه ... ومنْ عاداتهِ الخلقُ الكريمُ
كما قدْ كان عودَهُم أبوهُ ... إذا أزمتْ بهم سنةٌ أزومُ
يروى: إذا أزمتهم. ويروى: إذا أزمتْ مطوحةٌ: أي سنةٌ تشتدُ عليهم فتطوحهم في البلاد.
(2/8)

عظيمةُ مغرم أن يحملوها ... تهم الناس أو أمرٌ عظيمُ
لينجوا من ملاومها وكانوا ... إذا شهدوا العظائم لم يليموا
كذلك خيمهم ولكلِّ قومٍ ... إذا مستهم الضراءُ خيمُ

ولزهير أيضاً
وقال يمدحه:
لمنِ الديارُ بقنةِ الحجرِ ... أقوينَ من حجج ومنْ شهرِ
القنة: الجبل؛ أي من أجل الحججَ والشهور التي مرت بها.
لعبَ الرياحُ بها وغيرها ... بعدي سوافي المورِ والقطرِ
قفراً بمندفعِ النحائتِ منْ ... ضفويْ أولاتِ الضالِ والسدْرِ
النحائت: آبار معروفة. من ضفوى أي جانبي. والواحد ضفاً.
دع ذا وعدِّ القولَ في هرمٍ ... خيرِ الكهولِ وسيِّد والحضرِ
عد القول: اصرفهُ.
تاللهِ ذا قسماً لقد علمتْ ... ذبيانُ عامَ الحبْسِ والأصرِ
ذا: مما يوصل به اليمينُ، كما قالوا: ايمُ الله ذا، ولا ها الله ذا. عام الحبس: أي يحبسون
أموالهم من الخوف.
والأصر: الضيق؛ يقال أصرهُ يأصره: إذا حبسه وضيق عليه.
أنْ نعمَ معتركُ الجياعِ إذا ... حبَّ القتارُ، وسابئُ الخمرِ
الاعتراك: الازدحام. والقتارُ: ريح الشواءِ. يقال: سبأتُ الخمر: اشتريتها.
ولنعمَ مأوَى القومِ قد علموا ... إنْ عضهم جلٌّ من الأمرِ
(2/9)

ولنعمَ حشوُ الدرعِ أنتَ إذا ... دعيتْ نزالِ ولجَّ في الذعرِ
حامِي الذمارِ على محافظة الْ ... جلى أمينُ مغيبِ الصدرِ
الذمار: ما يجبُ عليك حفظه. والجلَّى: العظيم من الأمر. أمينُ مغيب الصدر: أي سره مثل علانيته.
حدبٌ على المولَى الضريكِ إذا ... ما نابَ بعضُ نوائب الدهْر
المولى هنا: ابن العم. والضريك: الفقير.
ومرهقُ النيران يطعمُ في ال ... أواءِ غيرُ مُلعَّنِ القدرِ
مرهق النيران: أي مغشي النيران. واللأواء: الشدة.
الستر دونَ الفاحشاتِ وما ... يلقاكَ دونَ الخير من سترِ
الستر: يريد العفاف؛ أي ليس ثمَّ فاحشة.
عظمتْ دسيعته وفضلهُ ... جزُّ النواصي من بني بدرِ
الدسيعة: الجفنة. والدسيعة من الفرس: أصل العنق.
أيامَ ذبيانٌ مراغمةٌ ... في حربها ودماؤها تجرِي
مراغمةٌ: معاداة.
هذا البيت والذي قبله رواهما الأخفش.
وروى الأصمعي بعد ذلك وبعد هذا البيت:
ولأنتَ تفري ما خلقتَ وبع ... ضُ القومِ يخلقُ ثم لا يفري
ولأنتَ أشجعُ حين تتجهُ ال ... أبطالُ من ليثِ أبي أجرِ
وردِ عراضِ الساعدينِ حدي ... دِ النابِ بينَ ضراغمٍ غثرِ
ورد: تعلوه حمرة. والغثر: الغبر.
أثنى عليكَ بما علمتُ وما ... خلفتَ في النجداتِ والذكر
النجدة: الشدة، والنجدة: الشجاعة. رجل نجدْ، ونَجُد، ونَجِد، ونجيد: شجاع. وقد نجُدَ يَنْجُد. والذكر هنا: العلاءُ والشرف. وإنه لذكرٌ لك ولقومك.
لو كنتَ منْ شيءٍ سوى بشرٍ ... كنتَ المنور ليلةَ البدر
(2/10)

وقال يذكر النعمان بن المنذر حين طلبه كسرى ليقتله ففر فأتى طيئاً، وكانت بنتُ أوس بن حارثة بن لأمٍ عند النعمان، فسألهم أن يدخلوه جبلهم ويؤووه، فأبوا ذلك خوفاً من كسرى. وكانت له في بني عبس يدٌ، لأن مروان بن زنباع كان أسرَ فأحسن إليه النعمان، وكلم فيه عمرو بن هند عمه، فأطلقه؛ وكساه النعمان وحمله؛ فكان بنو عبس يشكرون ذلك له. فلما هرب من كسرى ولم تدخله طيئ جبلها لقيه بنو رواحة بن ربيعة العبسيون، وقالوا: أقم فينا فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا، فقال: لا طاقة لكم بكسرى، فساروا معه، فأثنى عليهم خيراً؛ ففي ذلك يقول زهير:
ألا ليتَ شعري هل يرى الناسُ ما أرى ... من الأمرِ أو يبدو لهم ما بدا ليا
بدا ليَ أنَّ الناسَ تفنَى نفوسهم ... وأموالهم، ولا أرى الدهرَ فانيا
وأني متى أهبط من الأرض تلعةً ... أجد أثراً قبلي جديداً وعافيا
التلعة: مسيل من مكانٍ مشرف إلى الوادي.
أراني إذا ما بتُ بتُ على هوى ... فثمَّ إذا أصبحت أصبحتُ غاديا
أي بت على أمرٍ أهواهُ وحاجةٍ أريدها.
إلى حفرةٍ أهوى إليها مقيمةٍ ... يحثُّ إليها سائقٌ من ورائيا
أراد بالسائق الأجل.
بدا لي أني عشتُ تسعين حجةً ... تباعاً وعشراً عشتها وثمانيا
بدا لي أن الله حقٌ فزادني ... إلى الحق تقوى اللهِ ما قد بدا ليا
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابقاً شياً إذا كان جائيا
وما إنْ أرى نفسي تقيها كريمتي ... وما أن ْتقي نفسي كريمةَ ماليا
ألا لا أرى على الحوادثِ باقياً ... ولا خالداً إلا الجبالَ الرواسيا
(2/11)

وإلاَّ السماَء والبلادَ وربنا ... وأيامنا معدودةً واللياليا
ألم ترى أن الله أهلك تبعاً ... وأهلكَ لقمانَ بن عادٍ وعاديا
هو عادياءٌ - ممدود: اسم رجل من عاد، ولكنه قصره ضرورة.
وأهلكَ ذا القرنينِ من قبلِ ما ترى ... وفرعونَ أردى جنده والنجاشيا
ألا لا أرى ذا إمةٍ أصبحتْ به ... فنتركهُ الأيامُ وهيَ كما هيا
ألم تر للنعمان كان بنجوةٍ ... من الشرِّ لو أن امرأً كان نجيا
النجوة: المرتفع من الأرض.
فغير عنه رشد عشرين حجةً ... من الدهرِ يومٌ واحدٌ كان غاويا
فلم أرَ مسلوباً له مثلُ قرضِه ... أقلَّ صديقا معطياً أو مؤاسيا
فأينَ الذينَ كان يعطي جياده ... بأرسانهنَّ والحسانَ الحواليا
وأين الذين كان يعطيهم القرى ... بغلاتهن والمئينَ الغواليا
وأينَ الذين يحضرونَ جفانهُ ... إذا قدمتْ ألقوا عليها المراسيا
رأيتهم لم يشركوا بنفوسهم ... منيتهُ لما رأوا أنها هيا
سوى أنّ حياً من رواحةَ أقبلوا ... وكانوا قديماً يتقون المخازيا
(2/12)

يسيرون حتى حبسوا عند بابه ... ثقالَ الروايا والهجانَ المتاليا
فقال لهم خيراً وأثنى عليهم ... وودعهم وداعَ أن لا تلاقيا
وأجمع أمراً كان ما بعدهُ له ... وكان إذا ما اخلولج الأمر ماضيا
اخلولج الأمر: شك فيه.
وقال لسنان بن أبي حارثة وللحارث بن عوف المريينِ:
صحا القلبُ عن سلمى وقد كادَ لا يسلو ... وأقفر من سلمى التعانيق فالثقلُ
وقد كنت من سلمى سنينَ ثمانياً ... على صيرِ أمرٍ ما يمرُّ وما يحلو
على صيرِ أمرٍ: على إشرافِ أمرٍ.
وكنتُ إذا ما جئتُ يوماً لحاجةٍ ... مضتْ وأجمتْ حاجةُ الغدِ ما تخلو
يقول: حوائجنا ما تنقضي. ويروى: حمت بالحاء. ما تخلو: أي ما تمضي.
وكل محبّ أعقبَ النأيُ قلبهُ ... سلوَّ فؤادِ غيرَ لبك ما يسلو
يروى: أعقب النأيُ لبه. قال في أول بيت: صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو؛ أي قد
سلا. وقال في هذا البيت: غير لبك ما يسلو. وهذا تناقض في الظاهر. والمعنى: لم يسلُ في السنين الثماني المواضي.
تأوبني ذكرُ الأحبة بعدما ... هجعتُ ودوني قلةُ الحزنِ فالرملُ
فأقسمتُ جهداً بالمنازلِ من منًى ... وما سحفتْ فيه المقاديمُ والقملُ
سحفت: حلقت.
لأرتحلنْ بالفجرِ ثمَّ لأدْأبنْ ... إلى الليلِ إلاَّ أن يعرجني طفل
أي إلا أن نضع ناقتي، أو ترمي ما في بطنها؛ فذلك الذي يحبسني.
إلى معشرٍ لم يورث اللؤم جدهم ... أصاغرهم وكل فحل له نجلُ
(2/13)

تربص فإنْ تقوِ المروراةُ منهمُ ... وداراتها لا تقوِ منهمْ إذاً نخلُ
الدارات: جمع دارة. يقال: دار، ودارة؛ ومنزل، ومنزلة؛ ومكان، ومكانة.
فإنْ يقويا منهمْ فإنَّ محجراً ... وجزعَ الحسا منهم إذاً قلما يخلو
محجرٌ: جبل. والجزع: منعطفُ الوادي. وهو الضوجُ والثنى.
بلادٌ بها نادَ متهمْ وألفتهمْ ... فإنْ أوحشتْ منهم فإنهم بسلُ
بسل: حرام. أي لا يطمع فيهم، يعني أنهم أشداءٌ.
إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم ... طوالَ الرماحِ لا قصارٌ ولا عزلُ
العزل: الذين لا سلاح معهم.
بخيلٍ عليها جنةٌ عبقريةٌ ... جديرون يوماً أن ينالوا فيستعلوا
عبقر: أرض معروفةٌ بالجنِّ، أي خليقون أن ينالوا عدوهم ويعلوا عليه.
عليها أسودٌ ضارياتٌ لبوسهمْ ... سوابغُ بيضٌ ما تخرقها النبلُ
وإنْ يقتلوا فيشتفي بدمائهم ... وكانوا قديماً من مناياهم القتلُ
فيشتفي بدمائهم: أي هم أشرافٌ إذا قُتِلوا رأى قاتلوهم أنهم أدركوا بثأرهم.
وإنْ لقحتْ حربٌ عوانٌ مضرةٌ ... ضروسٌ تُهِرِّ الناسَ أنيابها عصلُ
لقحتْ: أي هاجت. والحرب العوان: التي كانت قبلها حربٌ. والضروس. العضوض. وأنيابها عصل، ضربه مثلاً. والبعير إذا أسن اعوج نابه.
يقول: هذه حربٌ قديمة قد أسنتْ.
قضاعيةٌ أو أختها مضريةٌ ... يحرقُ في حافاتها الحطبُ الجزلُ
يعني أن حرب قضاعة ومضر منكرة.
يكونوا على ما كان منهم إزاءها ... وإنْ أهلكَ المالَ الجماعاتُ والأزلُ
روى الأصمعي: تجدهم على ما خيلت هم إزاءها.
والأزل: الضيق. يقال أزلوا مالهمْ. إذا حبسوه. يحبسون مالهم من خوفِ العدو فلا يسرحونه.
(2/14)

يحشونها بالمشرفية والقنا ... وفتيان صدقٍ لا ضعافٌ ولا نكلُ
يحشونها: يوقدونها. والنكل: الجبناءُ.
تهامون نجديونَ كيداً ونجعةً ... لكلِّ أناسٍ منْ وقائعهم سجلُ
الكيدُ: المكر. والنجعة: إتيان الكلإِ. السجل: النصيب. ونجد: أسفل مكة مما يلي العراق.
هم ضربوا عن فرجها بكتيبةٍ ... كبيضاءِ حرسٍ في طوائفها الرجلُ
حرس: جبل. وبيضاؤه: شمراخ منه.
متى يشتجرْ قومٌ يقلْ سرواتهمْ ... همُ بيننا فهمُ رضاً وهم عدلُ
هم جددوا أحكامَ كلِّ مضلةٍ ... من العقمِ لا يلفَى لأمثالها فصلُ
ولستُ بلاقٍ بالحجازِ مجاوراً ... وذا سفرٍ إلا له منهمُ حبلُ
بلادٌ بها عزلى معداً وغيرها ... مشارِبها عذبٌ وأعلامها ثملُ
أعلامها: جبالها. ثمل: يقام عليها.
هم خيرُ حيٍّ في معدٍّ عملتهم ... لهم نائلٌ في قومهم ولهم فضلُ
فرحتُ بما أخبرتُ عن سيديكمُ ... وكانا امرأينِ كلُّ شأنهما يعلو
جزى اللهُ بالإحسانِ ما فعلاَ بكمْ ... فأبلاهمَا خيرَ البلاءِ الذي يبلُو
أبليت فلاناً خيراً أبليه إبلاءً: إذا صنعتَ إليه صنيعاً جميلاً. وبلوته إذا جربته واختبرته، فلذلك قال زهير يبلو، ولم يقل يبلى. أراد فصنع الله إليهما خير الصنيع الذي يختبر به عباده.
تداركتما الأحلاف قد ثل عرشها ... وذبيان إذ زلت بأقدامِها النعلُ
الأحلاف: أسد وغطفان. قد ثل عرشها: قد هدم عزها.
(2/15)

فأصبحتما منها على خيرِ موطنٍ ... سبيلكما فيها إذا أحزنوا سهلُ
إذا السنةُ الحمراءُ بالناسِ أجحفتْ ... ونالَ كرامَ المالِ في الجحرةِ الأكلُ
أجحفت بهم السنة: إذا أذهبت خيرَ أموالهم وأفرطت عليهم. والجحرة: السنة الشديدة.
رأيتَ ذوي الحاجاتِ حولَ بيوتهم ... قطيناً لهم حتى إذا نبتَ البقلُ
قطيناً: أي جيراناً قطنوا لديهم، نزلوا عندهم. نبتَ البقلُ؛ أي أخصبوا.
هنالكَ إن يستخبلوا المالَ يخبلوا ... وإن يسألوا يعطوا وإنْ ييسروا يغلوا
قال الأصمعي: كان الرجل إذا افتقر أتى بني عمه فأعطاه كل واحدٍ منهم شيئاً من الإبل حتى إذا أولدها ومكثت عنده سنين ردها، فذلك الإخبال.
وقال غيره: الاستخبال: أن يستعير الرجل من الرجل إبلاً فيشرب ألبانها وينتفع بأوبارها، وهذا يقارب الأول.
وقال أبو عمرو: الرواية: إنْ يستخولوا المال يخولوا. والإخولل: المنحة. ولم أسمع الاستخبال، وأراه يستخولوا. ييسروا: من الميسرِ.
وفيهم مقاماتٌ حسانٌ وجوهها ... وأنديةٌ ينتابها القولُ والفعلُ
مقامات: جماعاتُ رجالٍ. ينتابها: أي يكثر فيها القول والفعل؛ أي إذا قالوا وفوا.
وإن جئتهم ألفيت حول بيوتهم ... مجالس قد يشفي بأحلامها الجهل
وإن قام فيهم قائمٌ قال قاعدٌ ... رشدت فلا غرمٌ عليكَ ولا خذلُ
قال الأصمعي: يريدُ أنه إذا قام قائم منهم في الحمالة دعا له القاعد بالرشد ولم يرد عليه.
على مكثريهم حقُّ من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل
إذا جاءه لطلب ما عنده ولم يسأله فقد اعتراه.
سعى بعدهم قومٌ لكي يدرِكوهم ... فلم يفعلوا ولم يلاموا ولم يألوا
فما كان من خيرٍ أتوهُ فإنما ... توارثهُ آباءُ آبائِهِمْ قبلُ
وهلْ ينبتُ الخطيَّ إلا وشيجهُ ... وتغرسُ إلا في منابتها النخلُ
(2/16)

وقال يمدح هرماً:
لسلمى بشرقيِّ القنان منازلُ ... ورسمٌ بصحراءِ اللبيينِ حائلُ
حائل: أتى عليه حول. القنان: جبل لبني أسد.
تحمل عنها أهلها وخلت لها ... سنون فمنها مستبينٌ وماثلُ
الماثل: اللاطئ بالأرض. والماثل: المنتصب
كأنَّ عليها نقبةً حميريةً ... يقطعها بين الجفونِ الصياقلُ
النقبة: ثوبٌ تلبسه المرأةُ لا كمين له. وهو هاهنا بردٌ نسبه إلى حمير. شبه أثر الدار بالبرد.
تبصر خليلي هلْ ترى من ظعائنٍ ... كما زالَ في الصبحِ الأشاءُ الحواملُ
نشزنَ من الدهناءِ يقطعنَ وسطها ... شقائقَ رملٍ بينهنَّ خمائلُ
الخميلة: الرملة اللينة. نشزن: ارتفعنَ. ومنه نشزت المرأة على زوجها. والشقيقة: رملة مستطيلة.
فلما بدت ساق الجواءِ وصارة ... وفرشٌ وحماواتهنَّ القوابلُ
يقول: ظهرت هذه الأرضون. حماواتهنَّ: جبالٌ سودٌ، واحدتها حماءُ. والقوابل: التي يقابل بعضها بعضاً.
طربتُ وقال القلبُ هو دونَ أهلها ... لمنْ جاورتْ إلا ليالٍ قلائلُ
تهونُ بعدَ الأرضِ عني فريدةٌ ... كنازُ البضيعِ سهوةُ المشي بازلُ
البازلُ من البعران: الذي فطرنا به؛ أي انشقَّ، وذلك للسنة التاسعة. سهوة: سهلة. فريدة: لا مثل لها. ناقة كناز اللحمِ: مجتمعتنه. البضيع: اللحم. والبضعة: القطعة منه.
كأنَّ بضاحي جلدها ومقذها ... نضيحَ كحيلٍ أعقدتهُ المراجلُ
المقذ: ما بين الأذنين من خلف. والكحيل: الخضخاض الذي تهنأ به الإبل. وهو مبني على التصغير.
وإني لمهدٍ من ثناءٍ ومدحةٍ ... إلى ماجدٍ تبغي لديه الفواضلُ
(2/17)

من الأكرمينَ منصباً وضريبةً ... إذا ما ماشتا تأوي إليها الأراملُ
الضريبة: الخلق. المنصب: الأصل.
فما مخدرٌ وردٌ عليه مهابةٌ ... يصيدُ الرجالَ كلَّ يومٍ ينازلُ
أخدرَ فهو مخدرٌ. وخدرَ فهو خادرٌ: إذا استتر في خيسه.
بأوشكَ منه أني يساورَ قرنهُ ... إذا شالَ عن خفضِ العوالي السوافلُ
فيبدؤهُ بضربةٍ أو يشكهُ ... بنافذةِ تصفرُّ منها الأناملُ
أبتْ لابنِ سلمى خلتان اصطفاهما ... قتالٌ إذا يلقَى العدوَّ ونائلُ
وغزوٌ فما ينفك في الأرضِ طاوياً ... تقلقلُ أفراسٌ بهِ ورواحلُ
إذا أنفدوا زاداً يكونُ عطاءه ... صفايا العشارِ والمخاضُ المطافلُ
المخاض: التي عظمتْ بطونها ودنت ولادتها. ويقال: ناقة صفي، والجمع صفايا؛ أي غزيرة. والعشار: التي أتى عليها عشرةُ أشهر. والمطافل: التي معها أولادها.
تراهُ إذا ما جئته متهللاً ... كأنكَ تعطيهِ الذي أنت سائلُ
أحابي به ميتاً بنخلٍ وأبتغي ... إخاءك بالقيلِ الذي أنا قائلُ
أحابي به: أي بهذا الشعر. أحابي به: أخص به. ونخل: أرض قبره بها.
أحابي به من لو سئلت مكانهُ ... يميني ولوْ لامَتْ عليه العواذلُ
لعِشْنَا ذَوَي أيدٍ ثلاثٍ وإنما ال ... حياةُ قليلٌ والصفاءُ التباذلُ
يقول: لأعطيتُ يميني فبقيتْ لي يدٌ. والصفاءُ الخالصُ من الإخاءِ. والصفا - من الحجارة - مقصور.
وليس لمنْ لم يركبِ الهولَ بغيةٌ ... وليس لرحلٍ حلهُ الله حاملُ
حله: أنزله، ولم يشدده. يقول: من لم يركب الهول في مودةِ أخيه فليس بباغٍ إخاءه.
(2/18)

إذا أنتَ لم تقصر عن الجهل والخنا ... أصبتَ حليماً أو أصابكَ جاهلُ
تمت

بشر بن أبي خازم
وقال بشر بن أبي خازم؛ واسمُ أبي خازم عمرو بن عوف ابن حميري بن ناشرة بن أسامة بن والبة بن الحارث ابن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركةً وهو عمرو بن إلياس بن مضر يهجو أوس بن حارثة بن لأم الطائي.
قال عبد الله بن صالح العجلي: حمل بشرٌ على هجاءِ أوسٍ، وجعلت له في ذلك جعالة، فقال:
تعنى القلبَ من سلمى عناءُ ... فما للقلب إذ بانت شفاءُ
تعنى القلب: لزمه. والعناء: المشقة.
وآذن آلُ سلمى بارتحالٍ ... فما للقلبِ إذ ظعنوا عزاءُ
هدوءاً ثم لأياً ما استقلوا ... لوجهتهمْ وقد تلعَ الضحاءُ
هدوءاً: حين هدأت العيون: أي نامت. والضحاءُ: الضحا. وتلع: ارتفع.
فلما آذنوا ذرفتْ دموعِي ... وجهلٌ من ذوي الشيبِ البكاءُ
كأنّ حمولهمْ لما استقلوا ... نخيلُ محلمٍ فيها انحناءُ
الحمول: الإبل التي عليها النساءُ. محلم: نهر بالبحرين. فيها انحناء: أي مائلة الأعذاق.
وفي الأظعان أبكارٌ وعونٌ ... كعين الرملِ أوجهها وضاءُ
عفا منهنَّ جزعُ عريتناتٍ ... فصارةُ فالفوارعُ فالحساءُ
فيا عجبا عجبتُ لآلِ لأمٍ ... فليس لهمْ إذا عقدوا وفاءُ
وأنكاسٌ إذا استعرتْ ضروسٌ ... تخلَّى من مخافتها النساءُ
الأنكاس: الذين لا خير فيهم الجبناء البخلاء. وأصله من السهم إذا قلبَ نصله مكان فوقه. واستعرت: توقدت. والضروس: الحرب. ويقال للناقة السيئة الخلق ضروس، تعض من دنا إلى ولدها. تخلى من مخافتها: أي تظهر من الفزع.
(2/19)

حلفتُ لتأتينهمُ قوافٍ ... لها منْ بعدِ هلكهم بقاءُ
ويروى: سأقذفُ نحوهم بمشنعات. هي القوافي التي يشنع عليهم فيها.
فإنكم ومدحكم بجيراً ... أبا لجإٍ كما مدحَ الألاءُ
الألاء: شجر الدفلى؛ وله رواءٌ ومنظرٌ حسنٌ. وأبو لجإ بجير بن أوس بن حارثة.
يراه الناسُ أخضرَ من بعيد ... ويمنعه المرارةُ والإباءُ
مصدر أبيته إباءٌ. الإباءُ يخشى على ما يأكله من الدواب أن يوبأ.
وحولي من بني أسدٍ حلولٌ ... كمثلِ الليلِ، ضاقَ بها الفضاءُ
كمثل الليلِ في كثرتهم وسوداهم، وبريق أسلحتهم كبريق الكواكب. ويروى: عرضتها اللقاءُ؛ أي هي قويةٌ عليه. ويقال: له جاريةٌ عرضةٌ للزواج: أي بلغت أن تزوج. وناقة عرضةٌ للسفر: أي قوية على السفر.
هم وردوا المياه على تميم ... كوردِ قطاً نأتْ عنه الحساءُ
الحسيُ: المكان إذا نحي عنه الرمل أمهى.
فظلَّ لهم بنا يومٌ طويلٌ ... لنا في عرضِ حوزتهم نداءُ
حوزتهم: ناحيتهم. وعرضها: جانبها؛ يقال: أعطاه من عرض المال: أي جانبه.
وجمعٍ لا يرام إذا تهافى ... ولا يخفي رقيبهم الضراءُ
تهافى: خفَّ وأسرع. والرقيب: الطليعة. والضراءُ: ما واراكَ من شجر. ومثله الخمر.
له سلفٌ تندُّ الوحشُ عنهُ ... عريضُ الجانبين له زهاءُ
صبحناهُ لنلبسهُ بزحفٍ ... شديدِ الركنِ ليس له كفاءُ
لنلبسه: لنخلطه. والزحفُ: الجيش. والركنُ: الجانب. والكفاءُ: المثلُ.
بشيبٍ لا تخيمُ عن المنادِي ... ومردِ لا يروعها اللقاءُ
لا تجبنُ عن المنادي للبراز.
على شعثِ تخبُّ على وجاها ... كما خبتْ مجوعةٌ ضراءُ
الوجا: أن يجد الفرسُ في حافره وجعاً يظلعُ منه.
(2/20)

وقال يهجوه:
تغيرتِ المنازلُ بالكثيبِ ... وغير آيَها نسجُ الجنوبِ
وقفتُ بها أسائلها ودمعي ... على الخدينِ في مثلِ الغروبِ
الغروب: الدليُّ.
يقول: كأن دمعي من جريه في غربينِ.
نأتْ سلمَى فغيرها التنائي ... وقد يسلو المحبُّ عنِ الحبيبِ
فإنْ تكُ قد نأتنِي اليومَ سلمى ... وصدتْ بعدَ إلفٍ، عن مشيبي
فقد ألهو إذا ما شئتُ يوماً ... إلى بيضاَء آنسةٍ لعوبِ
ألا أبلغْ بني لأمٍ رسولاً ... فبئسَ محلُّ راحلةِ الغريب
إذا عقدوا لجارٍ أخفروه ... كما غرَّ الرشاءُ من الذنوبِ
أخفرتُ الرجلَ: نقضتُ عهده. وأخفرته: جعلتُ معه خفيرا. وخفرته: أجرته. وهي الخفارة.
غرَّ: قطع. والذنوب: الدلو.
وما أوسٌ ولو سودتموهُ ... بمخشيِّ العرامِ ولا أريبِ
العرام: الشرُّ. والأريب: العاقل.
أتوعدني بقومكَ يا بنَ سعدَى ... وذلكَ من ملماتِ الخطوبِ
وحولي منْ بني أسدٍ عديدٌ ... مبنٌّ بينَ شبانٍ وشيب
مبنٌّ: مقيم.
هم ضربوا قوانسَ خيلِ حجرٍ ... بجنبِ الردهِ في يومٍ عصيبِ
حجر بن الحارث أبو امرئ القيس.
(2/21)

وهم تركوا عتيبةَ في مكرٍّ ... بطعنةِ لا ألفَّ ولا هيوبِ
عتيبة بن الحارث بن شهاب، طعنه ذؤابٌ الأسدي. والألف: الثقيل. في لسانه لفف؛ أي ثقل.
وهم تركوا غداةَ بني نميرٍ ... شريحاً بين ضبعان وذيبِ
وهم وردوا الجفارَ على تميمٍ ... بكل سميدع بطلٍ نجيبِ
وأفلتَ حاجبٌ تحت العوالي ... على مثلِ المولعةِ الطلوبِ
المولعة: العقاب فيها سوادٌ وبياض. والطلوب: التي تطلب الصيد.
وحيَّ بني كلابٍ قد شجرنا ... بأرماحٍ كأشطانِ القليبِ
القليب: البئر؛ لأنه فقلب ترابها.
إذا ما شمرتْ حربٌ سمونا ... سموَّ البزلِ في العطنِ الرحيبِ
وقال يفتخر:
غشيتَ لليلى بشرقٍ مقاما ... فهاجَ لك الرسمُ فيها سقاما
المقام: الموضع الذي كانت تقيم فيه. المقام أيضاً: الإقامة. والمقام: منزلها الذي أقامت به.
والمقام: مقامكَ الذي تقوم فيه، كما قال:
وقمت مقاماً لم تقمهُ العواوِرُ
بسقطِ الكثيبِ إلى عسعسٍ ... تخالُ منازلَ سلمى وشامَا
سقط الكثيبِ: طرفه حيث سقط في الجدد. والوشام: جمع وشم. والوشم: النقش.
تجرم من بعدِ عهدي بها ... سنونَ تعفيهِ عاماً فعامَا
تجرم: تقضي وكمل، يقال: جرم الأربعين إذا استوفاها. وتعفيه: تمحوه يعني المقام، والرسم.
(2/22)

ذكرتُ بها الحيَّ إذ همْ بها ... فأسبلتِ العينُ مني سجاما
سجمت العينُ سجوما وسجاماً: إذا سالت.
أبكِّي بكاَء أراكية ... على فرعِ ساقٍ تنادِي حماما
أراكية: حمامة على شجرِ الأراك. والفرع: أعلاها.
والساق: عودها.
سراة الضحى ثم هيجتها ... مروح الضحى تستخفُّ الزماما
سراة النهار: ارتفاعه. هيجتها وهي تمرح في ذلك الوقت.
كأنَّ قتودي على أحقب ... يريدُ نحوصاً تدق السلاما
الأحقبُ: حمار الوحش الأبيض الحقوين، وقيل الدقيق الحقوين، والأنثى حقباءُ. النحوص: الأتان ليس في بطنها ولد.
شتيم، تربعَ في عانةِ ... حيالٍ، يكادم عنها كداما
فسائلْ بقومِي غداةَ الوغَى ... إذا ما العذارَى جلونَ الخدامَا
بنَا كيفَ نقتصُّ آثارهم ... كما تستخفُّ الجنوبُ الجهاما
تستخفه: تسوقه وتطرده.
وكعباً فسائلهُم والربابَ ... وسائلْ هوازنَ عنا إذا مَا
كعب: من بني عامر بن صعصعة. والرباب: قبائل منهم تيم وعكل وضبة.
لقيناهمْ كيف نعليهمُ ... بواترَ يفرينَ بيضاً وهاما
الإفراء: القطع والشق في إفساد. والفرى في إصلاح.
على كل ذي ميعةِ سابقٍ ... يقطعُ ذو أبهريهِ الحزاما
الأبهر: عرق مستبطن الصلب متصلٌ بالقلب. والبهر: النفس.
(2/23)

وجرداَء شقاَء خيفانةٍ ... كظلِّ العقابِ تلوكُ اللجامَا
شقاءُ: طويلة. الخيفانة: الجرادةُ إذا صار فيها خطوط مختلفة.
ويومُ النسارِ ويومُ الجفا ... ر كانا عذاباً وكانَا غراما
الغرام: اللازم.
فأمَّا تميمٌ، تميمُ بنُ مرٍّ، ... فألفاهمُ القومُ روبى نياما
قوم روبى: خثراءُ الأنفس. وقد رابت نفسُه تروبُ.
وأما بنو عامرٍ بالنسارِ ... غداةَ لقوا القوم كانوا نعاما
قال أبو محمد الأخفش: غزار بشر بن أبي خازم طيئاً، فأغار على بني نبهان، فجرح فأثخن، وهو يومئذ يحمي أصحابه. وإنما كان في بني والبة، فأسره بنو نبهان فخبؤوه كراهة أن يبلغَ خبره أوس بن حارثة، فسمع أوسٌ أنه عندهم فكتموه؛ فآلى أن يدفعوه إليه، وكانوا يخافون أن يقتله.
فلما أبوا عليه أعطاهم مائتي بعير وأخذه وأوقد له ناراً ليحرقه.
قال: وحدثني بعض بني أسد قال: لم تكن نارٌ، ولكنه أدخله في جلدِ بعير حين سلخهُ. وقيل في جلد كبش، ثم تركه حتى جف عليه، فصار فيه كأنه عصفورٌ. فبلغ ذلك أمه سعدى بنت حصن، وهي من طيء من سادتهم، فخرجت إليه، فقالت: ما تريدُ أن تصنع؟ فقال: أحرقُ هذا الذي شتمنا. فقالت: قبح الله قوماً يسودونكَ أو يقتبسونَ من رأيك! واللهِ لكأنما أخذت به رهدناً، والرهدن: طائر أصغر من العصفور؛ أما تعلم ما منزلته في قومه؟ أو ما تعلم أنه هجاك في بني بدر!
خل سبيله وأكرمه؛ فإنه لا يغسل عنك ما صنع غيره وأيم اللهِ لو فعلت
(2/24)

ما استقلتها أنت ولا قومك أبداً.
فاحتبسه عنده، وداوى جراحه، وكتمه ما يريد أن يصنع به، وقال: ابعث إلى قومك ليفدوك؛ فإني قد اشتريتك بمائتي بعير.
فأرسل بشرٌ فهيئوا له الفداء، وبادرهم أوس فأحسن إليه وكساه اليمنة وغيرها.
وحمله على نجيبه الذي كان يركب، وسار معه حتى بلغ أداني غطفان.
وقال عبد الله بن صالح العجلي: حمل بشر بن أب خازم على هجاء أوس ففعل، ثم أسر بشر فوجه أوس فاشتراه فدفعَ إلى رسله فقالوا له: غننا، فكأن قد تغنى الناس بما يصنع بك أوس، يهددونه بذلك، فزجر الطير فرأى ما يحب فقال:
أما ترى الطيرَ إلى جنبِ النعمْ ... والعيرَ والعانةَ في وادِي سلمْ
سلامةٌ ونعمةٌ من النعمْ
فقال بعض الرسل:
إنكَ يا بشرُ لذو همٍّ وهمْ ... في زجركَ الطيرَ على إثرِ الندم
أبشر بوقع مثلِ شؤبوبِ الرهمْ ... وقطع كفيك ويثنى بالقدمْ
وباللسانِ بعدها وبالأشمْ ... إنَّ ابنَ سعدَى ذو عقابٍ ونقمْ
فلما أتى به قال له: هجوتني ظالماً؛ فاختر بين قطع لسانك وحبسك في سرب حتى تموت؛ وبين قطع يديك ورجليك وتخليةِ سبيلك.
ثم دخل على أمه سعدى وقد سمعت كلامه؛ فقالت له: يا بني؛ لقد مات أبوك فرجوتك لقومك عامةً، فأصبحتُ والله
(2/25)

لا أرجوك لنفسك خاصةً. أزعمتَ أنكَ قاطعٌ رجلاً هجاكَ، من يمحو إذاً ما قال فيك؟ قال: فما أصنعُ به؟ قالتْ: تكسوه حلتكَ وتحمله على راحلتك، وتأمر له بمائة ناقة حتى يغسل مديحه هجاءه.
ففعل فامتدحه فأكثر.
قال أبو محمد الأخفش: مدح بشرٌ أوساً وأهل بيته مكانَ كل قصيدة هجاهم بها قصيدة، وكان هجاهم بخمس فمدحهم بخمس؛ فمن ذلك قوله:
كفى بالنأي منْ أسماَء كاف ... وليس لحبها إذ طالَ شافِ
بلى إن العزاَء لهُ دواءٌ ... وطولُ الشوقِ ينسيكَ القوافي
فيالكِ حاجةً ومطالَ شوقٍ ... وقطعَ قرينة بعدَ ائتلافِ
كأنَّ الأتحميةَ قام فيها ... لحسنِ دلالها رشأ موافِ
الأتحمية: ثيابٌ من ثياب اليمن. الموافي: المشرف ينظر. يقال: أوفى يوفي إيفاء، ووافى يوافي موافاة.
من البيض الخدودِ بذي سديرٍ ... ينشن الغضَّ من ضالٍ قضاف
ينشنَ: يتناولنَ من شجرِ دقيقِ العيدان صغير.
أو الأدمِ الموشحةِ العواطِي ... بأيديهنَّ من سلمِ النعافِ
العواطي: التي تتناولُ بأيديها. عطتْ تعطو، وذلك أن ترفع يدها فتضعهما على الغصن.
وإنكِ لو رأيتِ غداةَ بنتمْ ... خشوعِي للتفرقِ واعترافي
الاعتراف: الصبر.
إذاً لرثيتِ لي وعلمتِ أني ... بودي غيرُ مطرفِ التصافي
المطرف: المستحدث، أخذ من الطريف والطارف.
فسل طلابها وتعز عنها ... بناجية تخيلُ بالرداف
سل طلابها: أي اتركه وانسهُ. تخيلُ: تبختر في مشيتها وتشولُ بذنبها. والرداف: الرديف.
يقول: إذا حملتْ رديفاً رأيتَ لها نشاطاً.
(2/26)

على أني على هجران ليلى ... أمنيها المودةَ في القوافي
أمنيها: أقرئها في قوافي شعري أني أودها. قال الله تعالى: إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته؛ أي في قراءته.
وخلةِ آلفِ بدلتُ هجراً ... إذا همَّ القرينةُ بانصرافِ
بدلت هجراً: هجرته حين أراد قطيعتي.
بحرجوج يئط النسع فيها ... أطيطَ السمهرية في الثقاف
الحرجوج: الناقة الشديدة الخفيفة، أخذت من الريح الحرجوج؛ وهي الشديدة البرد. وقيل الحرجوج من الإبل: الضامرة. والسمهرية: منسوبة إلى قرية بالبحرين يقال لها سمهر. والأطيط: الصوت.
كأن مواضعَ الثفناتِ منها ... إذا بركتْ وهنَّ على تجافِ
الثفنات: ما لزم الأرض منها حين تبرك. والتجافي: الارتفاع عن الأرض.
معرس أربعٍ متقابلات ... يبادرن القطا سمل النطافِ
شبه آثار ثفناتها بمواقع أربعٍ من القطا. والأسمال: بقايا الماء. والنطاف: المياه؛ الواحدة نطافة.
فأبقى الأينُ والتهجيرُ منها ... شجوباً مثل أعمدةِ الخلافِ
الأين: الإعياءُ. والتهجير: السير نصف النهار. والشجوب: القوائم. الواحد شجبٌ.
تخرُّ نعالها ولها نفيٌّ ... من المَعْزاءِ مثل حصى الخذافِ
تخر نعالها: تسقط من أيديها وأرجلها. والنفي: ما تنفيه بأيديها وأرجلها من الحصى.
شبهه بحصى الخذاف الذي يخذف به. والمَعْزاءُ: الحجارة البيض تكون في الأرضِ الخشنة.
كأنَّ السوطَ يقبضُ جنبَ طاوٍ ... بأجمادِ اللبينِ من جفافِ
طاوٍ: أي ثور ضامر. ويقال للذي يخرج من أرضٍ إلى أرضٍ طاوِ. والأجماد: ما صلبَ من الأرضِ. واللبين: موضع.
شججتُ بها إذا الآرامُ قالت ... رءوس اللامعاتِ من الفيافي
اللامعات: التي تلمع بآلال. والأرآم: الظباء البيض. والفيافي: الصحارى، واحدها فيفاء.
(2/27)

فليتي قد رأيتُ العيس ترمي ... بأيديها المفاوز عن شراف
عوامدَ للملاَ وجنوبِ سلمى ... على أعجازها دُكُنُ العطافِ
سلمى: أحد جبلى طيئ. وأراد بالعطاف: مطارف الخز. والعطاف أيضاً: السيوف. والعطاف: القسي، الواحدة عطيفة. والملا: الصحراءُ.
إلى أوس بنِ حارثةَ بن لأمٍ ... لربكِ فاعملي إنْ لم تخافي
أراد إلى ربك. اعمل: أي سيري إن لم يلزمك الخوف.
فما صدعٌ بخبةَ أو بشرج ... على زلقٍ زوالقَ ذي كهافِ
الزلق: جمع زلوق. يريد بها الجبال الملس. مكان زلوق ومزلق. والكهاف: الغيران في الجبال. والصدع: الوعل الخفيف الجسم. خبة: أرض. والخبة: الطريق في الرمل.
تزلُّ الِّلقوَةُ الشغواءُ عنها ... مخالبها كأطرافِ الأشافي
الشغواء: التي ركب منقارها الأعلى الأسفل. يقال: قد شغتْ سن الغلام: إذا ركبت العليا السفلى. ويروى: الغشواء، وهي التي غشيت ببياض رأسها.
ويقال: لَقْوَة ولِقْوَة.
بأحرز موئلاً من جابرِ أوسٍ ... إذا ما ضيمَ جيرانُ الضعافِ
وما ليثٌ بعثرَ في غريفٍ ... تغنيهِ البعوضُ على النطافِ
عثر: موضع. والغريف: الشجر الملتف.
مغبٌّ، ما يزالُ على أكيلٍ ... يناغي الشمس ليس بذي عطافِ
يروى: مكبٌّ ما يزال يريد الأسد. ومغب: يصيب يوماً ويوماً لا يصيب، ما يزال هذه حاله. يناغي: يرقب وينظر. وقيل يناغي الشمس من صفة الأكيل؛ لأنه ألقاه على قفاه، فكأنه ينظر إلى الشمس. والأكيل: ما يأكله السبع. ليس بذي عطاف: أي ليس عليه لباس. والعطاف: الملحفة. ورجل معتطف: ملتحف. يناغي الشمس، لأن الأسد عينه إلى الشمس يرقب سقوطها فخرج عند الليل.
بأبأس سورةً للقرنِ منهُ ... إذا دعيتْ نزالِ لدى النقافِ
بأبأس سورةً: بأشد وثبةً. وساوره: واثبه. والنقاف: الضرب بالسوطِ والطعن.
وما أوس بن حارثة بن لأمٍ ... بغمرٍ في الأمورِ ولا مضافِ
الغمرُ: الذي لم يجرب الأمور. والمضاف: الذي قد أضيف إلى قومٍ ليس منهم.
تمت
(2/28)

وقال بشر:
تغيرت المنازلُ من سليمى ... برامةَ فالكثيبِ إلى بطاحِ
فأوديةِ اللوى فبراقِ خبتٍ ... عفتها العاصفاتُ من الرياح
واحد البراق برقة. والبرقة والأبرق والبرقاء: أرض سهلة، أو رمل مختلط به الحصى.
ديارٌ قد تحلُّ بها سليمى ... هضيم الكشح جائلة الوشاحِ
هضيم الكشح: دقيقة الخصر. وكل ضامر مهضوم وهضيم. جائلة الوشاح: أي يجولُ وشاحها: يذهب ويجيء. وذلك من دقة خصرها.
ليالي تستبيك بذي غروبٍ ... يشبه ظلمه خضل الأقاحي
تستبيك: تذهب بعقلك. يقال لحدِ كلِّ شيء غرب. وقيل غروبه صفاؤه وماؤه. والظلمُ أن يكونَ الثغرُ صافياً. والخضل: الندى. والأقاحي: جمع أقحوانة.
كأن نطافةً شيبتْ يمزن ... هدوءاً في ثناياها براحِ
يروى: من ماءِ مزنٍ. النطافة: الماءُ. وشيبتْ خلطت. وقوله: بمزن أراد من مزن. هدوءاً:
بعد نوم الناس. قيل لها راح لأنها تريح صاحبها من الهموم.
سلي إنْ كنتِ جاهلةً بقومي ... إذا ما الخيلُ فئنَ من الجراحِ
فئنَ: أي رجعنَ من الحرب.
نحلُّ بجوِّ كلِّ حميً وثغرٍ ... وما بلدٌ نليهِ بمستباح
الحمى: كل موضع يحمي.
بكلِّ طمرةِ وأقبَّ نهدٍ ... شديدِ الأسرِ طرف ذي مراح
الطمرة فيها وجهان: بعضهم يقول: هي المشرفة. وبعضهم يقول: هي الوثوب. طمر: إذا وثب. والأقب: الضامر. والطرف: الجواد. والنهدُ: العظيم الحسن. والأسر: الخلق. والمراح: النشاط.
وماحيٌّ نحلُّ بعقوتيهم ... من الحربِ العوانِ بمستراحِ
عقوتاهم: جانباهم. والعوان: الشديدة التي كان قبلها حرب. بمستراح: أي مراح.
(2/29)

إذا ما شمرتْ حربٌ سمونا ... سمو البزلِ في العطِ الفياحِ
شمرت: شمر ألها فيها، أي خفوا وأسرعوا. سمونا: ارتفعنا ومشينا إليها كما تفعل البزل إذا مشت إلى البزل فتطاولت في مشيها ورفعت أعناقها. والعطن: مبرك الإبل. والفياح: الواسع.
على لحقٍ أياطلهنَّ قب ... يثرنَ النقعَ بالشعثِ الصباح
الأياطل: الخواصر. الواحد أيطل. ومن قال آطال جعل واحده إطلاً. والنقع: الغبار.
ومقفرةِ يحارُ الطرفُ فيها ... على سننٍ بمندفع الصداح
المقفرة: التي أقفرت من الأنيس. وعلى سننٍ: على طريق. ويقال: خلِّ عن سننِ الفرس: أي عن طريقه ووجهه والصداح: وادِ. ومندفعه: حيث يندفع ماؤه.
تجاوبُ هامُهَا في غورتيها ... إذا الحرباءُ أوفى بالبراح
الهامة: ذكر البوم وغورتاها: جانباها. والبراح: الأرض المستوية.
وخرقٍ قد قطعتنُ بذات لوثٍ ... أمونِ ما تشكَّى من جراح
الخرق: البعيد من الأرض. واللوث: القوة. والأمون: التي يؤمنُ عثارها.
مضبرةِ كأنَّ الرحلَ منها ... وأجلادِي على لهقٍ لياح
المضبرة: الموثقة الخلق. وأجلاده: شخصه. يقال: ما أشبه أجلاده بأجلادِ أبيه، أي شخصه. واللهق: الأبيض، وكذلك اللياح. واللياح: الذكر أيضاً.
ومعركِ كأنَّ الخيلَ فيه ... قطا شركٍ تشبُّ من النواحي
المعترك: موضع القتال. شبه الخيل وهي تختلف فيه وتضرب بأيديها بقطاً قد وقع في شرك فهو ينزو من نواحيه. يقال شب الفرس شباباً وشبيبا. وشب الغلام شباباً، وشببتُ الحربَ أشبها شباً وشبوبا.
شهدتُ ومحجر نفستُ عنه ... رعاع الخيلِ تنحطُ في الصباحِ
ويروى: في الرماح. المحجر: المنهزم. ورعاع الخيل: جماعتها. ورعاع الناس: سفلتهم. تنحط: يسمع لها شبه الزفير من أجوافها.
وخيلٍ قد لبستُ بجمعِ خيلٍ ... فوارسها بعجلزةٍ وقاحِ
العجلزة: الشديدة. والوقاح: الصلبة الحافر.
ويروى:
بجمع خيلٍ ... على شقاَء عجلزةٍ وقاحِ
يشبه شخصها، والخيل تهفو ... هفواً، ظلَّ فتخاءِ الجناح
تهفو: تعدو. ويقال للطائر إذا طار قد هفا. فتخاء الجناح: لينة الجناح تقلبه كيف شاءت. وقيل الفتخ: العرض في الظهر والجناح والكف.
(2/30)

إذا خرجت يداها من قبيلٍ ... أيممها قبيلاً ذا سلاح
يقول: إذا رجعت عن قوم أقصد بها قوماً آخرين.
أجالد صفهم ولقد أراني ... على زوراء تسجد للرياح
أي على فرس كأنها زوراء، يريد بالزوراء سفينة. ثم أخذ في وصف السفينة لما ذكرها. وتسجد للرياح: تتبعها.
معبدةِ المداخلِ حين تسمو ... مضبرة جوانبها، رداح
معبدة: موطأة. والرداح: الواسعة. ويقال للمرأة العظيمة العجيزة: رداح. وقد قيل معبدة: مقيرة كالبعير المعبد المهنوء.
إذا قطعت براكبها خليجاً ... تذكر ما لديه من جناح
أي رجع إلى نفسه وذكر ذنوبه مما هو فيه.
يمر الموجُ تحت مسخراتٍ ... يلينَ الماَء بالخشبِ الصحاحِ
المسخرات: السفن شبه خيلهم بها.
ونحن على جوانبها قعودٌ ... تغضُّ الطرفَ كالإبلِ القماحِ
أي نكف أبصارنا فرقاً، ويكون ذلك أن الرجل إذا حمله فرسه فلم يقدر على رده، وكان سيئ الركوب، امتلأت عينه. وقوله: على جوانبها: أراد الخيل. والمعنى لها، واللفظ للسفن لما كان في نعتها. والقماح: العطاش الرافعة رءوسها.
وقد أوقرن من قسطٍ ورندٍ ... ومن مسكِ أحمَّ ومن سلاح
أو قرن: يعني الخيل. واللفظ للسفن.
يقول: نحن على خيلنا، ويوجد منا رائحة المسك، والرند، والقسط؛ ونحن محتقبو السلاح. والرند: ضربٌ من الريحان.
فطابتْ ريحهنَّ وهنَّ جونٌ ... جآجئهنَّ في لجج ملاحِ
جآجئهنَّ: صدورهن. واللجة: الماء الذي لا يرى له طرف. ولجة البحر: معظمه. وماء ملح، ومياه ملاح.
تمت.
كان غلام من الأبناء رمى بشر بن أبي خازم بسهم فأثخنه، والأبناء: وائلة، ومرة، ومازن، وغاضرة، وسلول بنو صعصعة؛ فكل ولد صعصعة غير عامر يسمون الأبناء.
وأما سلول فهي ابنة شيبان بن ذهل بن ثعلبة، تزوجها مرة بن صعصعة،
(2/31)

فولدت له عمراً، فغلب عليهم سلول. والغلام من بني وائلة بن صعصعة.
وإن بشراً أسر الوائلي، ثم أيقن بشرٌ أنه ميت، فأطلق الغلام في بعض الطريق، وقالوا: انطلق فأخبر أهلك أنك قتلت بشر بن أبي خازم.
ثم اجتمع إليه أصحابه فقالوا له: أوصِ؛ فقال هذه القصيدة، وهو يجود بنفسه:
أسائلةٌ عميرةُ عن أبيها ... خلال الجيش تعترف الركابا
اعترف الرجلُ القوم: سألهم عن خبر ليعرفه.
ترجى أن أؤوب لها بنهبٍ ... ولم تعلم بأنَّ السهمَ صابا
وإن أباكِ قد لاقاهُ قرنٌ ... من الأبناءِ يلتهبُ التهابا
وإن الوائلي أصاب قلبي ... بسهمٍ لم يكنْ يكسى لغابا
أبو عبيدة: اللغاب: الفاسد الذي لا يحسن عمله. فعلى قوله ينشد: نكساً لغابا. واللغاب: أن يلي بطونَ الريش ظهروها. واللوأم: اتفاق القذذ، وهو أجود ما يكون.
فرجى الخير وانتظري إيابي ... إذا ما القارظُ العنزيُّ آبا
القارظ العنزي: رجل من عنزة خرج يطلب القرظ فلم يرجع إلى أهله، فضربته العرب مثلاً لكل شيء يفوت فلا يرجع.
فمن يك سائلاً عن بيتِ بشرٍ ... فإنَّ له بجنبِ الردهِ باباً
الرده: الماء يكون في أصل الجبل، الواحدة ردهة. وبشر دفن في هذا المكان.
هوى في ملحد لا بدَّ منهُ ... كفى بالموتِ نأياً واغترابا
رهين بلًى، وكلُّ فتى سيبلَى ... فأذرِي الدمعَ وانتحبي انتحابا
مضى قصد السبيلِ، وكل حيٍّ ... إذا يدعَى لميتتهِ أجابا
فإنْ أهلكْ عميرَ فربَّ زحفٍ ... يشبهُ نقعه رهواً ضبابا
الرهو: الساكن. وقيل المتتابع.
(2/32)

سموتُ لألبسهُ بزحفٍ ... كما لفتْ شآميةٌ سحابا
على ربذٍ قوائمه إذا ما ... شأتهُ الخيلُ ينسربُ انسرابا
ربذ: خفيف القوائم. انسرب الوحشيُّ: دخل في سربه.
شديد الأسرِ يحملُ أريحياً ... أخا ثقةِ إذا الحدثانُ نابا
أريحي: يراح إلى المعروف: يرتاح إليه.
صبوراً عند مختلفِ العوالي ... إذا ما الحرب أبرزتِ الكعابَا
وطال تشاجر الأبطالِ فيها ... وأبدتْ ناجذاً منها ونابا
الناجذ: السن بين النابِ والضرس. وقيل الأضراسُ كلها نواجذ.
يعز علي أن ألقَى المنايا ... ولما ألقَ كعباً أو كلابا
كعب وكلاب: ابنا عمر، وهم قتلوا بشراً.
ولما ألقَ خيلاً من نمير ... تضب لثاتها تبغي النهابا
تضب لثاتها مثلٌ؛ يقال لكل من اشتد حرصه: دمى فوه، وإن لثته لتضبُّ. وصف الخيل بشدة شهوتها للقاءِ. والمعنى لأصحابها.
ولما يختلط قومٌ بقومٍ ... فيطعنوا ويضطربوا اضطرابا
فيا للناس إنَّ قناة قومي ... أبت بثقافها إلا انقلابا
الثقاف: الذي تسوى به القناة.
يقول: نحن إذا غمزنا انقلبنا كما تنقلب القناة إذا صلبت. ويقال للرجل لا ينكسر من أمر يصيبه ولا يضعف فيه: إنه لصلبُ القناة، وإنه لصلبُ العود؛ أي صلب البدن، شديد القلب.
هم جدعوا الأنوفَ فأوعبوها ... وهم تركوا بني سعد يبابا
أوعبوها: استأصلوها. جدعه الله جدعاً وعيباً، أي مستأصلاً. واليباب: الخراب.

مختار شعر عبيد بن الأبرص الأسدي
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كان من حديث عبيد بن الأبرص أنه كان رجلاً
(2/33)

محتاجاً، فأقبل ذات يوم، ومعه غنيمةٌ له، وأختٌ له تدعى ماوية ليورد غنمه، فمنعه رجل من بين مالك بن ثعلبة، وجبههُ؛ فانطلق حزيناً مهموماً للذي صنع به المالكي، حتى أتى شجرات فاستظل تحتهنَّ، فقالَ هو وأخته، فزعموا أن المالكي نظر إليه وإلى جنبه أخته، فقال:
ذاك عبيدٌ قد أتى ماويا ... يا ليته ألقحها صبيا
فحملت فوضعت ضاويا
فسمعه عبيد، فرفع يده، قال: اللهم إن كان ظلمني فلان ورماني بالبهتان فأدلني منه، وانصرني عليه. ثم وضع يده تحت رأسه فنام، ولم يكن قبل ذلك يقول الشعر.
فزعموا أنه أتاه آت في المنام بكبةٍ من شعر فألقاها في فيه ثم قال له: قم، فقام وهو يرتجز ببني مالك، وكان يقال لهم بنو الزنية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتوه: من أنتم؟ قالوا: نحن بنو الزنية؟ فقال: بل أنتم بنو رشدة.
قال: وكان من حديث عبيد وقتله: أن المنذر بن ماء السماء بني الغريينِ، فقيل له: ما تريد إليهما، وكان بناهما على قبري رجلين من بني أسدٍ كانا نديميهِ؛ أحدهما خالد بن نضلة الفقعسي، والآخر عمرو بن مسعود، فقال: ما أنا بملكٍ إن خالف الناس أمري؛ لا يمر أحد من وفود العرب إلا بينهما. وكان له يومٌ في السنة يذبح فيه أول من يلقاه.
فبينا هو يسير إذ أشرف له عبيد، فقال لرجل ممن كان معه: من
(2/34)

هذا الشقي؟ فقال: هذا عبيد بن الأبرص. فأتى به. فقال له الرجل: أبيتَ اللعنَ! اتركه، فإني أظن عنده من حسن القريض أفضل مما تدرك في قتله، فاستمع منه، فإن سمعت حسناً استزدته، وإن لم يعجبك فما أقدركَ على قتله؛ فإذا نزلتَ فادعُ به.
قال: فنزل المنذر فطعم وشرب، وبينه وبين الناس حجاب وسترٌ يراهم منه ولا يرونه.
فدعا بعيد من وراء الستر، فقال له رديفه: ما ترى با أخا بنى أسد؟ قال: أرى الحوايا عليها المنايا. قال: أفقلتَ شيئاً؟ قال: حال الجريض دون القريض.
فأبى أن ينشدهم شيئاً فأمر به فقتل.
تحاولُ رسماً من سليمى دكادكا ... خلاءً تعفيه الرياحُ سواهكا
الساهكة: التي تسهك التراب: أي تسحقه. تقول العرب: رسمٌ دكادك، وثوب شراذم، وثوب
أخلاق، وأهباب، وهبب: أي متقطع. وأنشد:
جاء الشتاء وقميصي أخلاقْ ... شراذمٌ يضحكُ منه التواقْ
التواق: اسم ابنه. والدكداك: المستوى من الأرض.
تبدل بعدي من سليمى وأهلها ... نعاماً ترعاهُ وأدماً ترائكا
الترائك: بيضُ النعام، الواحدة تركية؛ يئس منها الظليم فتركها، وأنشد للأعشى:
وتلقى بها بيضَ النعامِ ترائكا
وسماها أدماً لبياضها.
أبو عمرو: وترعاه: ترعى فيه مرةً بعد مرةٍ. والأدم: الظباءُ البيض.
وقفتُ بها أبكي بكاء حمامةٍ ... أراكيةٍ تدعو الحمام الأواركا
أراكية: تكون في شجرِ الأراك. الأوارِك: واحدتها أركة؛ وهي التي قد لزمت موضعها. ويقال: هي المقيمة في الأراك.
(2/35)

إذا ذكرتْ يوماً من الدهرِ شجوها ... على فرعِ ساقٍ أذرتِ الدمع سافكا
شجوها: حزنها. على فرع ساقٍ: على أعلى ساقِ شجرة.
سراة الضحى حتى إذا ما عمايتي ... تجلتْ كسوتُ الرحلَ وجناَء تامكا
سراة الضحا: أول الضحا. وتامك: عظيمة السنام. وسنام تامك: ضخم. والعماية: الجهل.
كأنَّ قتودي فوق جأب مطردٍ ... رأى عانةً تهوي فولى مواشكا
القتود: عيدان الرحل. والقتود: أداة السانية. والجأب: الحمار الغليظ الشديد. قال أبو عمرو: المطرد، والمشرد: واحد. وتهوي: تسرع. والمواشك: السريع.
ونحن قتلنا الأجدلينِ ومالكا ... أعزهم فقداً عليك وهالكاً
الأجدلان: رجلانِ من كندة، وقيل من غسان.
ونحن جعلنا الرمح قرناً لنحرهِ ... فقطرهُ كأنما كان واركا
قطره: صرعه. والوارك: المتكئ على وركه.
ونحن الألى إن تستطعك رماحنا ... تقدك إلى نارٍ لعمرُ إلهكا
ويوم الرباب قد قتلنا همامها ... وحجراً وعمراً قد قتلنها كذلكا
قال أبو عمرو: الرباب: خمسة أحياء: تيم، وعدي، وثور، وعكل، وضبة. إنما سموا بهذا
الاسم لأنهم غمسوا أيديهم في الرب وتحالفوا.
وركضكَ لولاهُ لقيتَ الذي لقوا ... فذاك الذي نجاكَ مما هنالكا
أي ركضك للفرار نجاك.
ظللتَ تغني أن أخذتَ وليدةً ... كأنَّ معداً أصبحتْ في حبالكا
يقول: من إعجابك بوليدةٍ أخذتها ظننت أنك ملكت معداً كلها.
وأنت امرؤٌ ألهاك زقٌّ وقينةٌ ... فتصبحُ مخموراً وتمسي متاركَا
يقول: إنما همتكَ الشربُ والسماع، فأنت متاركٌ لمنْ عاداك لا تدفع ضيماً.
على الوترِ حتى أحرز الوترَ أهلهُ ... فأنتَ تبكي إثرهُ متهالكا
الوتر والذحل والتبل والترة: واحد.
يقول: لما وترتَ صرتَ تبكي وتقتل نفسك، ليس عندك غير ذلك.
(2/36)

فلا أنت بالأوتارِ أدركتَ أهلها ... ولم تكُ إذْ لم تنتصر متماسكا
أي لم تكن متماسكاً عن محاربتنا ومالا تقدر عليه.
ونحن قتلنا جندلاً في جموعه ... ونحن قتلنا شيخه قبل ذلكا
ونحن صبحنا عامراً يومَ أقبلوا ... سيوفاً عليهنَّ النجارُ بواتكا
النجار: العتق والكرم. وبواتك: قواطع.
عطفنا لهم عطفَ الضروسِ فأدبروا ... سراعاً وقد بلَّ النجيعُ السنابكا
يروى: فأدبروا شلالا؛ أي هراباً. والنجيع: الدم الطريُّ. والسنبك: مقدم الحافر. والضروس: الناقة التي تعض من دنا منها ليحتلبها.
وقال:
يا خليلي أربعا واستخبر الم ... نزلَ الدارس عن أهل الحلال
الحلال: اسم امرأة. والحلال: بلد. واربْعَا: أقيما.
مثلَ سحقِ البردِ عفَّى بعدكَ ال ... قطرُ مغناهُ وتأويبُ الشمال
التأويب: سير النهار. والتأويب: الرجوع مع الليل؛ وأنشد للأخطل:
البائتين قريباً من ديارهم ... ولو يشاءونَ آبوا الحىَّ أو طرقوا
ولقد يغني به جيرانك ال ... ممسكو منك بأسباب الوصال
غنينا بمكان كذا: كنا به زماناً.
ثم أكدى ودهمْ إذْ أزمعوا ال ... بينَ والأيامُ حالٌ بعد حالِ
أكدى: أي انقطع. ويقال: أعطى فأكدى: إذا لم يبقَ عنده شيء. وسألته فأكدى: إذا لم يعطِ شيئاً. وحفر فأكدى: إذا انتهى إلى جبل لا يعمل فيه الحديد.
ويروى: أجمعوا البين.
فانصرفْ عنهم بعنسٍ كالْوأى ال ... جأبِ ذي العانةِ أو شاةِ الرمال
الوأى: الحمار الشديد. يريد من حمر الوحش. والجأب الغليظ منها الموثق الخلق. والعانة: القطعة من الحمير. والشاة: الثور الوحشي، ويقال: البقرة.
نحن قدنَا منْ أهاضيبِ الملاَ ال ... خيلَ في الأرسان أمثالَ السعالي
الملا: الصحراء. وقيل: هو موضع معروف. والسعالي الغيلان. شبه الخيل بهن من النشاط والمرح.
(2/37)

شزباً يغشينَ من مجهولةِ ال ... أرضِ وعثاً من سهولِ أو رمال
الشزب: اليابسة الضامرة. ويروى: قطباً، وهي العوابس. والمجهولة من الأرض: التي لا يهتدى فيها. والوعث: الذي تغيب فيه قوائم الإبل.
فانتجعنَ الحارثَ الأعرجَ في ... جحفلٍ الليلِ خطارِ العوالي
انتجعنَ: طلبنَ - يريد الحارث بن أبي شمر الغساني؛ كان ملكَ غسان يومئذ. والجحفل: الجيش العظيم.
ثم غادرنا عديا، بالقنا ال ... ذبلِ السمرِ، صريعاً في المجالِ
عدى بن مالك ابن أخت الحارث بن أبي شمر؛ قتل يومئذ.
ثم عجناهنَّ خوصاً كالقطا ال ... قاربِ الماَء على أينِ الكلالِ
عجناهنَّ: صرفناهنَّ. كالقطا القارب: في سرعته.
نحو قرص يومَ جالت حولهُ ال ... خيلُ قباً عن يمينٍ وشمالِ
قرص بن مالك من غسان. ويقال هو رجل من بني كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. ويقال هو من كندة. والقب: الضامرة البطون، واحدها أقبُّ، والأنثى قباءُ.
كمْ رئيس يقدمُ الألف على ال ... أجردِ السابح ذي العقبِ الطوال
العقب: العدو الثاني. قال أبو عمرو: العقب: الجري بعد الجري. قال: البداهة: أول جري الفرس. والعلالة والعقب آخره.
قدْ أباحت جمعهُ أسيافنا ال ... بيضُ في الروع ومنْ حيٍّ حلالِ
حيٌّ حلال: مجتمعون.
ولنا دارٌ ورثنا عزها ال ... أقدمَ القدموس من عمٍّ وخالِ
القدموس: القديم. والقدموس: العظيم. يقال: رأس قدموس.
منزلٌ دمنهُ آباؤنَا ال ... مورثونَا المجدَ في أولى الليالي
دمنه آباؤنا: أثروا فيه وسودوه بنزولهم إياه. والدمنة: موضع السرجين والبقر.
ما لنا فيه حصونٌ غيرُ ما ال ... مقرباتِ الجردِ تردِي بالرجالِ
المقربات: التي يقربونها من بيوتهم ويكرمونها. والأجرد: القصير الشعر. وتردِي: تعدو.
في روابي عدْ مليٍّ شامخ ال ... أنفِ فيه إرثُ عزٍّ وجمالِ
الروابي: ما ارتفع من الأرض. والعدْمليُّ: القديم. والشامخ: المرتفع، وأنفه: طرفه. والإرث: البقية. والإرث: الميراث. والإرث: الأصل.
(2/38)

وقال لامرئ القيس بن حجر الكندي يذكر قتل أبيه حجر:
يا ذا المخوفنا بقت ... لِ أبيهِ إدلالاً وحينا
الحينُ: التعرض للهلاك.
أزعمت أنك قد قتلْ ... تَ سراتنا كذباً ومينا
المين: أكثر من الكذب. يقال: كذب ومان، وكاذب مائن.
لوماً على حجرِ ابنِ أم ... مِ قطام تبكي لا علينا
يقول: هلا بكيت على حجر.
إنا إذا عضَّ الثقا ... فُ برأسِ صعدتِنا لوينا
الصعدة: القناة لم تثقف. والثقاف: الذي تقوم به القناة، القناة كناية عن عزهم ومنعتهم، جعلها مثلاً له. ومثله: شق عصا المسلمين: أي فرقَ أمرهم وجماعتهم. وقوله: لوينا: أي أبينا، أي أبينا إعطاءَ ما نطالبُ به، من قولك: لواه حقهُ يلويه لياً ولياناً.
نحمي حقيقتنا وبع ... ضُ القومِ يسقط بينَ بينا
يقول: يسقط وسطاً لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. لا يحمي حقيقته وإن حماها عجز عن الحماية.
هلا سألت جموع كن ... دة إذ تولوا أين أينا
أي أين ينهزمون.
أيامَ نضربُ هامهمْ ... ببواترٍ حتى انحنينا
سيف باتر: قاطع.
وجموع غسانَ الملو ... كِ أتينهمْ وقد انطوينا
يعني الخيل، انطوينَ من الضمر.
لحقاً أيَا طلهنَّ قدْ ... عالجنَ أسفاراً وأينَا
لحق: ضوامر. والأيطل: الخاصرة.
ولقد صلقنَ هوازناً ... بنواهل حتى ارتوينا
الصلق: الضرب على الرأس. والنواهل: العطاش.
نعليهم تحت الضبا ... بِ المشرفيَّ إذا اعتزينا
الاعتزاء: الانتساب.
نحنُ الألى فاجمع جمو ... عك ثم وجههم إلينا
أي نحن من قد عرفت في قديم الدهر.
واعلمْ بأنَّ جيادنا ... ألينَ لا يقضينَ دينَا
قال: لا يبقين موتوراً بوتره.
(2/39)

ولقدْ أبحنَا ما حميْ ... تَ ولا مبيحَ لما حمينَا
هذا ولو قدرتْ علي ... كَ رماحُ قومي ما انتهينا
حتى تنوشكَ نوشةً ... عاداتهنَّ إذا انتوينا
تنوشك: تتناولك، يريد كعاداتهن. وهو في موضع نصب. انتوين من النية. قال انتوين: انتأين للغارة.
نغلِي السباَء بكلّ عا ... تقةٍ شمولٍ ما صحونا
السباءُ: شراء الخمر. يقال: سبأت الخمر. والعاتقة المعتقة. والشمول: التي تشمل العقل.
ونهينُ في لذاتها ... عظمَ التلادِ إذا انتشينا
التلاد: المال الموروث. وانتشينا: سكرنا.
لا يبلغُ الباني ولوْ ... رفعَ الدعائمَ ما بنينا
يريد باني الكرم؛ أي لا يبلغُ كريمٌ كرمنا. والدعائم: الأركان.
كمْ منْ رئيسٍ قد قتلْ ... ناهُ وضيْم قد أبينَا
ولربَّ سيدِ معشرٍ ... ضخمِ الدسيعةِ قد رمينا
الدسيعة: الدفعة من المال التي تدسع بها، أي تخرجها منْ مالك، كما يدسع الجمل بجرتهِ؛ أي يخرجها من كرشهِ إلى أنيابه.
عقبانه بظلال عق ... بانٍ تيمم من نوينا
العقبان: الرايات، واحدها عقاب. تيممُ من نوينا: تقصد من نوينا قصده.
حتى تركنا شلوه ... جزر السباع وقد مضينا
شلوه: بقية جسده. والشلو من كل شيء: بقيته.
إنا لعمركَ ما يضا ... مُ حليفنا أبداً لدينا
وأوانسٍ مثلِ الدمى ... حورِ العيونِ قد استبينا
الأوانس: اللواتي يؤنسُ بحديثهنَ.
وقال:
تغيرتِ الديارُ بذي الدفين ... فأوديةِ اللوى فرِمَالِ لينِ
اللوى من الرملِ: حيث يلتوي وينقطع.
(2/40)

تبينْ صاحبي أترى حمولاً ... يشبهُ سيرها عومَ السفينِ
الحمول: الإبلُ التي عليها الهوادج. سفينة وسفينٌ وسفائن وسفن. والعوم: السباحة.
جعلنَ الفجَّ من رككٍ شمالا ... ونكبنَ الطوىَّ عن اليمينِ
ركك: موضع. والفجُّ: ما اتسع من الأرض. وقال أبو عمرو: الفجُّ: الطريق، والجمع فجاج. والطويّ: البئر المطوية بالحجارة.
ألا عتبتْ عليَّ اليومَ عرسِي ... وقد هبتْ بليلٍ تشتكيني
عرسه: امرأته. الرجل عرس والمرأة عرس. قال العجاج يمدح أبو رجل:
منْ خيرِ عرسٍ جمعَا وعرس
وهبتْ: أي هبتْ من نومها تهب هباً وهبوباً.
فقالتْ لي كبرتَ فقلتُ حقاً ... لقد أخلفتُ حيناً بعد حينِ
قوله: أخلفتُ كما يقال للبعير إذا بزل ثم مر عليه حولٌ: مخلف عامٍ. وقال الأثرم: لقد أخلفت: أي استبدلتُ. يقول: قلت لها صدقتِ، لقد أفنيتُ دهراً حتى كبرت.
تريني آيةَ الإعراضِ منها ... وقطتْ في المقالةِ بعدَ لين
قطتْ: غلظت في الكلام بعد ما كانت تلاينني. وآية: علامة. قال أبو عمرو: الإعراض: الصدود والإمكان. وأنشد للأخطل:
أفاطمَ أعرضِي قبل المنايا ... كفى بالموتِ صداً واجتنابا
ومطتْ حاجبيها أن رأتني ... كبرتُ وأنْ قدِ ابيضتْ قروني
مطتْ: مدت حاجبيها متعجبةً من كبره. هذا قول أبي عبيدة؛ وقال أبو عمرو: مطت: قبضة وعبست حين رأته قد كبر وابيض شعره، وتغيرت عما عهدها عليه من المودة.
فقلتُ لها رويدكِ، بعضَ عتبي ... فإني لا أرى أن تزد هيني
عتبي: عتابي. وتزدهيني: تستخفني؛ أي ارفقي في عتبي.
وعيشي بالذي يغنيك حتى ... إذا ما شئتِ أن تنأيْ فبيني
فإنْ يكُ فاتني أسفاً شبابي ... وأضحى الرأسُ منِّي كاللجِين
أي فاتني وأنا آسفٌ عليه. واللجين: الخبط؛ وهو ورق الطلح يدق ويرشُّ بالماءِ ويطعم الإبل. وقال أبو الوليد: اللجينُ: ورق يخلطُ إما بدقيق، وإما بنوًى. وقال الأصمعي: اللجين: الزبد على الشيء إذا جفَّ. ويقال هو لغام الإبل. شبه بياض شعره به. واللجين: ورق الشجر يخبطُ؛ فهو لونان: رطب، ويابس، فشبه الشيب باليابس، والسواد بالرطب.
ومن روى: كاللجين - يريد الفضة - فذلك عيبٌ من عيوب القافية يسمى السناد.
وكانَ اللهوُ حالفني زماناً ... فأضحى اليومَ منقطعَ القرينِ
القرين: الصاحب. وحالفني: صاحبني؛ أي قد انقطعتُ عن اللهو.
فقد ألجُ الخباَء على عذاري ... كأنَّ عيونهنَّ عيونُ عينِ
ألج: أدخل. والعين: بقر الوحش، الواحدة عيناءُ.
يملنَ عليَّ بالأقرابِ طوراً ... وبالأجيادِ كالريطِ المصونِ
الأقراب: الخواصر، واحدها قرب. شبه الأقرابَ في بياضها بالريط. والأجياد: الأعناق.
(2/41)

وأسمرَ قد نصبتُ لذِي سناءٍ ... يرى مني مخالطةَ اليقين
لذي سناءٍ: لذي شرف ورفعة. والأسمر: يريد به الرمح. وقوله: يرى مني مخالطةَ اليقين: أي يرى مني الجد في القتال.
يحاول أني قوم وقد مضته ... مغابنةٌ بذي خرص قتينِ
أي طعنة مُغابنةٌ تغبنُ من لحمهِ؛ أي تثنيه. ويروى: معاينةً، أي وهو يرى ذلك ويعاينه. ويروى: معاندةً. ومضته: نفذته. والخرص: السنان. وقتين: محدد الرأس. والقتين أيضاً: القليل الطعم.
وذكروا أن رجلاً قال: يا رسول الله؛ تزوجتُ فلانة. فقال: بخْ! تزوجتها بكراً قتيناً، يعني قليلة الطعم. وقيل للسان قتين؛ لأنه يابس لا ينشفُ الدم.
ويروى: فتين، وهي الذي أدخل النار فأحمي ثم ضرب. يقال: فتن يفتنُ فتناً وفتوناً.
إذا ما عاده منها نساءٌ ... سفحنَ الدمعَ منْ بعدِ الرنينِ
سفحنَ: صببنَ. والرنين: رفع الصوت.
وخرقٍ قد ذعرتُ الجونَ فيه ... على أدماَء كالعيرِ الشنونِ
الخزق: البعيد الواسع من الأرض. والجون: الظلمان وتكون البقر أيضاً والباءُ لبياضهنَّ. والشنون: بين السمين والمهزول.
وقال:
أمنْ رسومٍ نؤيها ناحل ... ومن ديارٍ دمعكَ الهاملُ
أجالتِ الريحُ بها ذيلها ... عاماً وجونٌ مسبلٌ هاطلُ
أجالت: جرت. والجون: يعني السحاب. والمسبل: الداني من الأرض، يقال أسبل الخرب للصقر: إذا لزم الأرض.
ظلتُ بها كأنني شاربٌ ... صهباَء مما عتقتْ بابلُ
ظلتُ: مكثتُ نهاري.
بل ما بكاءُ الشيخِ في دمنةٍ ... وقد علاه الوضحُ الشاملُ
الوضح: الشيبُ. وكل أبيض وضح.
أقوتْ من اللالي همُ أهلها ... فما بها إذْ ظعنوا آهلُ
أقوت: خلت.
وربما حلتْ سليمى بها ... كأنها عطبولةٌ خاذلُ
العطبولة: الظبية الطويلة العنق الحسنتها. والخاذل: التي تخذل الظباء لا ترعى معها وتقيم على ولدها.
لولا تسليك جماليةٌ ... أدماءُ دامٍ خفها بازلُ
الجمالية: تشبهُ الجمل في عظمِ خلقها. وتسليك: تنسيك هذا اللهو.
(2/42)

حرفٌ كأنَّ الرحلَ منها على ... ذي عانةِ مرتعهُ عاقلُ
الحرفُ: الضامرة من الإبلِ، على ذي عانةِ: على حمار معه قطعةٌ من الأتنِ. وعاقل: أرض.
يأيها السائل عن مجدنا ... إنك عنْ مسعاتنا جاهلُ
أراد بمسعاتنا، فأدخل عن مكان الباءِ. ومسعاتهم: فعلهم وفضلهم.
إنْ كنتَ لم تأتكَ أيامنَا ... فاسألْ تنبأ أيها السائلُ
سائل بنا حجراً وأجناده ... يوم تولَّى جمعه الجافلُ
الجافلُ: الهارب المذعور. سائل بنا: أي عنا. يقال: عزيت فلاناً عن ابنهِ وبابنهِ.
يوم أتى سعداً على مأقطٍ ... وجاولتْ من خلفه كاهلُ
المأقط والمأزق: مضيق الحرب. سعد: ابن ثعلبة بن كاهل بن أسد بن خزيمة رهط الكميت.
فأوردوا سرباً له ذبلاً ... كأنهنَّ اللهبُ الشاعل
الذبل: القنا اليابس.
وعامراً أنْ كيف يعلوهم ... إذا التقينا المرهف الناهل
المرهف: السيف المحدد. والناهل: العطشان.
وجمع غسان لقيناهم ... بجحفلٍ قسطله ذائلُ
القسطل: الغبار. والذائل: الطويل الذيلِ، لا ينقطع.
قومي بنو دودانَ أهلُ النهَى ... يوماً إذا ألقحتِ الحائلُ
الحائل: التي أتى عليها حولٌ ولم تحملْ، وجمعها حول.
وألقحت من لقاح الناقة أنْ تحمل.
كم فيهمُ من سيدِ أيدِ ... ذي نفحاتٍ قائلٌ فاعلُ
من قوله قولٌ ومن فعله ... فعلٌ ومنْ نائله نائلُ
القائل القول الذي مثله ... ينبتُ منهُ البلدُ الماحلُ
لا يحرمُ السائلَ إنْ جاءهُ ... ولا يعقي سيبهُ العاذلُ
لا يعقي سيبه: لا يحبسه. يقال: عقاه واعتقاه: حبسه. ويروى: يعفِّي: يمحو.
(2/43)

والطاعنُ الطعنة يوم الوغى ... يذهلُ منها البطلُ الباسلُ
وقال:
لمنْ جمالٌ قبيلَ الصبحِ مزمومه ... ميمماتٌ بلاداً غيرَ معلومه
عالينَ رقماً وأنماطا مظاهرةً ... وكللاً بعتيقِ العقلِ مقرومهْ
مقورمة: مستورة. والقرام: الستر.
ما لعبقريِّ عليها إذ غدوا صبحٌ ... كأنها من نجيع الجوفِ مدمومه
صبح: بياض في حمرة. وكلُّ شيء كرم فهو عبقري. وأراد رقماً عبقرياً. ورجل عبقري؛ أي كريم. مدمومة: من الدمام؛ وهو شيء أحمر يسيل من الشجر مثل الصمغ تأخذه نساءُ الأعراب فيجعلنه دماماً، وهو الطراز. وكل شيء سويته فهو مدموم. والديمومة منه. ويروى: للعبقري.
كأنَّ ظعنهم نخلٌ موسقةٌ ... سودٌ ذوائبُها بالحملِ مكمومهْ
يقال: وسقت: أي حملت، فهي موسقة. ووسقت فهي واسقة وواسق. وسد ذوائبها من الري. ومكمومة: مغطاة؛ مخافةَ الجرادِ والطير.
فيهنَّ هندٌ وقد هامَ الفؤادُ بها ... بيضاءُ آنسةٌ بالحسن موسومه
أي عليها سمةُ الحسن.
ممكورةٌ كمهاةِ الجوِّ ناعمةٌ ... تدني النصيفَ بكفٍّ غيرِ موشومه
تدني النصيفَ فتستر جمالها للعفةِ، وقوله: بكفّ غير موشومة: إنما يشم الأكف البغايا.
كأنَّ ريقتها بعدَ الكرى اغتبقتْ ... صهباَء صافيةً بالمسكِ مختومهْ
مما يُغالِي بها البياعُ عتقها ... ذو شاربٍ أصهبٌ يغلي بها السيمة
السيمة: الاسم من سامَ يسومُ سوماً وسيمةً. والبياع: الذين يشترون والذين يبيعون أيضاً.
يا منْ لبرقٍ أبيتُ الليلَ أرقبهُ ... في مكفهرٍّ وفي سوداَء مركومهْ
مكفهر: سحاب مجتمع. يريد في ليلة سوداءَ. ومركومة: قد ركمَ بعضها على بعض.
يريد: يا من يعين على النظرِ إلى هذا البرق.
(2/44)

فبرقُها حرقٌ، وماؤها دفقٌ ... وتحتها ريقٌ، وفوقها ديمهْ
كأنَّ برقها النيران تحرق. والريق: أول الماءِ. والديمة قطر دائم في سكون.
ويروى: وتحتها رنقٌ، أي كدرٌ.
فذلك الماءُ لو أني شربت به ... إذا شفى كبداً هيماَء مكلومهْ
ويروى: شكاءَ، ويه التي شكت، أي طعنت فانتظمها الطعن.
هذا ودوية تعيا الهداةُ بها ... ناءٍ مسافتها كالبردِ ديمومهْ
ديمومة: اشتقت من دممت الشيءَ فهو مدموم، أي سويته، وإنما جعلها كالبرد لآثار الرياح.
جاوزتُ مهمهَ يهماها بعيهمة ... عيرانةِ كعلاةِ القينِ معقومهْ
العيهمة: الضخمة. ويقال تمهمه: إذا تلبث، وإنما اشتقاق المهمه من ألاَّ يتمهمه فيه الركبُ: أي لا يتلبثون منْ خوفه. واليهماءُ: العمياء التي لا أعلام بها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذُ من الأيهمينِ، وهما السيلُ والجمل الهائج، وهما الأعميان، وذلك أنه لا يريد وجوههما شيء.
أرمى بها عرض الدويّ ضامرةً ... في ساعة تبعث الحرباَء مسمومه
الدوية: الخالية يدوي فيها السمع. ومسمومة من السموم.
وقال:
يا دارَ هندِ عفاها كلُّ هطالِ ... بالجوِّ مثلَ سحيقِ اليمنةِ البالي
هطال: صباب. والجو: موضع. ويروى: بالخبتِ؛ وهو ما اطمأن من الأرض، وجمعه خبوت. وسحيق: ثوب خلق. واليمنة: البرد اليماني.
جرتْ عليها رياحُ الصيفِ فاطردتْ ... والريحُ مما تعفيها بأذيال
اطردتْ: جاءتْ وذهبتْ. ويروى: فاطرقتْ؛ أي تلبدت الدار. يقال: أتانا فلان مطارقاً بين ثوبين. ومنه النعل المطرقة. وقيل: اطرقت: صارت هذه الرياح بعضها على بعض كما يتطارق الريش: يتراكب.
حبستُ فيها صحابي كي أسائلها ... والدمعُ قد بلَّ مني جيبَ سربالي
شوقاً إلى الحيِّ أيام الجميعُ بها ... وكيف يطربُ أو يشتاقُ أمثالي
كيف يشتاقُ أو يطرب مثلي في كبر سني.
وقد علا لمتي شيبٌ فودعني ... منه الغواني وداعَ الصارمِ القالي
اللمة: الجمة. والغواني من النساء: المستغنيات بجمالهن وحسنهنّ عن الزينة متزوجات وغير متزوجات. والصارم: القاطع. والقالي: المبغض.
(2/45)

وقد أسلِّي همومي حينَ تحضرني ... بجسرةٍ كعلاةِ القينِ شملال
الجسرة: الناقة القوية التي تجسر على كل شيء. وقيل الطويلة. وقيل الضخمة. والشملال: الخفيفة السريعة. والعلاة: السندان. والقين: الحداد.
زيافةِ بقتودِ الرحلِ ناجية ... تفرِي الهجيرَ بتبغيلِ وإرقالِ
تفري: تقطعُ. وقيل تفعلُ الفريَّ من السير؛ أي العجب. وزيافة: مختالة تزيف في سيرها. والناجية: التي ينجو منْ ركبها. والتبغيل: ضربٌ من السير، وهو سيرُ البغال. وقيل: العنق. والقتود: خشب الرحلِ.
مقذوفة بلكيكِ اللحمِ عن عرضٍ ... كمفردٍ وحدٍ بالجوذيالِ
مقذوفة: مرمية. واللكيكُ: قطع اللحم، الواحدة لكيكة. وعن عرض: أي من أي عرض استعرضتها رأيتها لحيمةً. والجوُّ: ما اتسع من الأرض. والوحدِ: الذي يرعى وحده.
هذا وحربٍ عوان قد سموتُ لها ... حتى شببتُ لها ناراً بإشعالِ
سموتُ لها: ارتفعتُ إليها. والحرب العوان: التي قوتل فيها مرةً بعد مرة. وشببتُ: أوقدتُ.
تحتي مسومةٌ جرداءُ عجلزةٌ ... كالسهم أرسلهُ من كفه الغالي
مسومة: قد سومتْ: علمت بعلامةِ الحرب. أبو عبيدة: مسومة: مخلاةٌ في سومها. والسوم: الذهابُ في المرعى.
ويروى: تحتي مضبرة؛ أي مدمجة الخلقِ. والعجلزة: الصلبة اللحم. والغالي: الذي يغلو
بسهمهِ؛ أي يباعد به في الرمي. والغلوة: قدر رميةٍ بسهم.
وكبشِ ملومة بادٍ نواجذُها ... شهباَء ذاتِ سرابيلٍ وأبطالِ
الكبش: رئيس القوم. والملومة: الكتيبة المجتمعة. وشهباءُ: بيضاءُ من لون الحديد. والسرابيل: الدروع.
أوجرتُ جفرته خرصاً فمالَ بهِ ... كما انثنى مخضدٌ من ناعمِ الضالِ
جفرته: جوفه. ويقال للفرس: إنه لعظيم الجفرةِ؛ أي عظيم البطن. وقيل الجفرة الصدر. والمخضد: الناعمُ الذي إذا خضته انخضد؛ أي إذا جذبته انجذب.
قال أبو عمرو: ولا يكون مخضد إلا فتح الضاد. والضال: السدر البريّ. والعبري يكون في الحضر. والخرص: السنان. وأوجرتُ من الوجور كما يوجر الصبيُّ في فمه.
وقهوةٍ كرفاتِ المسكِ طالَ بها ... في دنِّها كرُّ حولٍ بعد أحوالِ
القهوة: التي تقهي صاحبها عن الطعام. يقال: أقهى عن الطعام وأقهم عنه، إذا رجعتْ نفسه منه. وقوله: كرفاتِ المسك: كفتات المسك في طيبِ ريحها.
ويروى: ولهوةٍ. واللهوةُ: الخمر؛ لأنها تلهي شاربها.
باكرتها قبلَ أن يبدو الصباحُ لنا ... في بيتِ منهمر الكفينِ مفضال
منهمر الكفينِ: سخي سائل الكفين بالعطاءِ. شبه جوده بمنهمر المطر.
وغيلةٍ كمهاةِ الجوِّ ناعمةٍ ... كأنَّ ريقتها شيبت بسلسالِ
الغيلة: الجسيمة التي تغتالُ الثياب. ومنه قالوا: معصم غيلٌ إذا اغتال السوار: ملاه. وقيل: الغيلاءُ الضخمةُ البيضاءُ. والسلسال: خمر يتسلسلُ في الحلقْ. وشيبت: خلطت. والجو: ما اتسع من الأرض.
(2/46)

قدبتُّ ألعبها وهناً وتلعبني ... ثم انصرفتُ وهي مني على بال
ألعبها: أحدثها بالشيء الذي تتعجبُ منه. وقيل: ألعبها: ألاعبها من المزاح؛ أي آتيها بالأمرِ الذي يلهيها وتأتيني بمثل ذلك. ووهناً: بعد نومة. وهي مني على بال: أي لا أنساها، هي أكثر حديث نفسي.
بان الشبابُ فآلى لا يلمُّ بنا ... واحتلَّ بي من مشيب أيُّ محلالِ
آلى: حلف. واحتل بي: نزل بي. محلال: نزال.
والشيبُ شينٌ لمنْ أرسى بساحتهِ ... لله درُّ سواد اللمةِ الخالي
أرسى: ثبت وأقام. وأرست السفينة إذا جنحت وقامت فلم تبرح. وساحته: جانبه وحضرته. والخالي الماضي.
وقال:
طافَ الخيالُ علينا ليلةَ الوادي ... لآلِ أسماَء لم يلممْ لميعادِ
أي التقينا على غير ميعادِ.
أنى اهتديتَ لركبٍ طالَ سيرهمُ ... في سبسبٍ بينَ دكداكِ وأعقادِ
يروى: طال ليلهم. والسبسبُ: ما استوى من الأرض. والدكداك: السهولة. والأعقاد: رمال متراكمة، واحدها عقد.
يكلفون سراها كل يعملة ... مثل المهاةِ إذا ما احتثها الحادِي
اليعملة: القوية على العمل في سيرها. والمهاة البقرة. ويروى:
يكلفون فلاها كل ناجية ... مثل الفنيق. . . .
أبلغْ أبا كربٍ عني وأسرته ... قولاً سيذهبُ غوراً بعدَ إنجادِ
أبو كرب: عمرو بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار. والغور: ما تطامنَ من الأرض. والنجد: ما ارتفع منها. أراد غور تهامة ونجدها. وأنجد الرجل: أخذ إلى نجد.
يا عمرُو ما راحَ من قومٍ ولا ابتكروا ... إلا وللموتِ في آثارِهم حادِي
فإنْ رأيتَ بوادٍ حيةً ذكراً ... فامضِ ودعنِي أمارسْ حيةَ الوادي
لا أعرفنكَ بعدَ الموتِ تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي
إن أمامك يوماً أنتَ مدركهُ ... لا حاضرٌ مفلتٌ منهُ ولا باد
فانظر إلى فيءِ ملكٍ أنت تاركهُ ... هل ترسينَّ أواخيهِ بأوتاد
فيء ملك: ظل ملك. وترسينَّ: تثبتن.
(2/47)

اذهبْ، إليكَ، فإني من بني أسدٍ ... أهلِ القبابِ وأهلِ الجردِ والنادِي
اذهبْ إليك: زجر. إنما ذكر النادِي لأن لهم سادات يجتمعون فيه، ولا يكون للقوم ناد إلاَّ ولهم سيد. والجمع أندية.
قد أتركُ القرنَ مصفراً أناملهُ ... كأنَّ أثوابه مجتْ بفرصادِ
أراد: كأنما مجَّ عليها فرصادٌ؛ لأنها مخضبةٌ بالدماءِ. ومصفراً أنامله: يقول: طعنته فنزف حتى اصفر. والفرصاد: التوت؛ وهو أفصح من التوث.
وأجرته ونواصي الخيلِ شاحبة ... سمراَء عاملها من خلفه بادِ
العامل: أسفلُ الرمح من السنان بذراع أو شبر حيث اللواءُ.
وقال:
هبت تلومُ وليستْ ساعةَ اللاحي ... هلا انتظرت بهذا اللومِ إصباحي
قاتلها الله تلحاني وقد علمت ... أن لنفسي إفسادي وإصلاحي
كانَ الشبابُ يلهينا ويعجبنَا ... فما وهبنا ولا بعنا بأرباحِ
نْ أشربِ الخمرَ أو أرزأ لها ثمناً ... فلا محالةَ يوماً أنني صاح
ولا محالةَ منْ قبرٍ بمحنيةٍ ... وكفنٍ كسراةِ الثورِ وضاحِ
محنية: ما انعطفَ من الوادِي. كسراةِ الثور في بياضه. ووضاح: أبيض. يتوضح: يلمعُ.
يا مَنْ لبرقٍ أبيتُ الليلَ أرقبهُ ... في عارضٍ كبياضٍ الصبح لماح
دانِ مسفٍّ فويقَ الأرضِ هيدبهُ ... يكادُ يدفعهُ من قامَ بالراحِ
مسفّ: شديد الدنو من الأرض. وهيدبه: ما تدلى منه.
فمن بنجوته كمن بمحفله ... والمستنُّ كمنْ يمشي بقرواح
النجوة: ما ارتفع من الأرض. والمحفل: مستقر الماء. والقرواح: أرض مستوية ظاهرة. والمستكنُّ: الذي في بيته.
كأنَّ ريقه لما علا شطباً ... أقرابُ أبلقَ ينفي الخيلَ رماح
ينفي الخيلَ: يطردها. شبه تكشفَ بياضِ البرقِ بتكشفِ الأبلقِ عن أرفاغه.
(2/48)

فالتجَّ أعلاهُ ثم ارتجَّ أسفله ... وضاقَ ذرعاً بحملِ الماءِ منصاح
التجَّ: صوت، وهو من اللجة. ويروى: فثجَّ أعلاه. ومنصاح: منشق بالماء. ويقال انصاح البرقُ: إذا انصدع، وكذلك الثوب.
كأنما بينَ أعلاهُ وأسفله ... ريطٌ منشرةٌ أو ضوءُ مصباح
كأنَّ فيه عشاراً جلةً شرفاً ... شعثاً لهاميم قد همتْ بإرشاح
العشار: التي أتى عليها عشرة أشهر من حملها. والجلة: المسان من الإبل. والشرف: الكبار
منها. واللهاميم: الغزار. ويقال: أرشحت الناقة إذا اشتدَّ فصيلها وقوي، وهو فصيلٌ راشح؛ وإنما ذكرها بذلك لأنها تحن.
بحاً حناجرها هدلاً مشافرها ... تسيمُ أولادها في قرقرٍ ضاحِ
يروى: تزجي مطافلها في صحصح. وتسيم: ترعى. وضاح: بارز.
هبتْ جنوبٌ بأولاهُ، ومال به ... أعجازُ مزنٍ يسحُّ الماَء دلاح
فأصبحَ الروضُ والقيعانُ ممرعةً ... من بينِ مرتفقٍ فيه ومنطاحِ
المرتفقِ: ماءٌ راكدٌ قد حبسه شيء يرتفقُ به. والمنطاح: سائلٌ لم يكن له ما يحبسه فسال. ومكان مرتفق ومنطاح فيه.
وقال:
ليسَ رسمٌ على الدفينِ ببالِ ... فلوَى ذروةٍ فجنبي ذيالِ
أي لو بلي لاسترحنا. واللوى: منقطع الرمل.
فالمرورات كالصحيفة قفرٌ ... كلُّ وادٍ وروضةٍ محلالِ
المرورات: الصحارى، واحدها مروراة ومروري بالهاءِ وغير الهاءِ. كالصحيفة: في بياضها واستوائها. وقفر: ليس فيها أحدٌ من الناس. والمحلال: التي يحلُّ بها. وقال: محلال: أي كان بها أهل.
(2/49)

مقفراتٌ إلا رماداً غبياً ... وبقايا من دمنةِ الأطلالِ
الغبي: الخفي. وما أغبيتهُ فقد أخفيته. والدمنة: الموضع الذي تبيتُ فيه الإبل والغنم.
وأواريَّ قد عفونَ ونؤياً ... ورسوماً عرين عن أحوالِ
عن أحوال: بعد أحوال مضتْ. قال أبو عمرو: الأواري يخفف ويثقل، كالأواقي والأثافي؛ يقال: أواقٍ وأواقي. وأثافٍ وأثافي؛ والواحدة أثفية وأثفية.
بُدلتْ منهم الديارُ نعاماً ... خاضباتٍ يزجينَ خيطَ الرئالِ
خاضبات: مخضرة الأسوق من أكل البقل في الربيع. خاضبات: مخضرة الأسوق منْ أكل البقلِ في الربيع. ويزجين: يسقن. والخيط: جماعة النعام. والرئال: فراخ النعام، الواحد رأل.
وظباءً كأنهنَّ أباري ... قُ لجينٍ، تحنو على الأطفالِ
تحنو: تعطف. واللجين: الفضة.
تلك عرسي أمستْ تميز حلالي ... ألبينٍ تريدُ أم لدلالِ
الحلال: الفراش، اعتزلته في المضجع. وقيل الحلال هنا: المتاع. يقول: ميزت متاعي من متاعها. والحلال: مركبٌ من مراكب النساء. وقيل الحلال: متاع الرحل خاصة، وأنشدوا للأعشى:
فكأنها لم تلق ستةَ أشهر ... ضراً إذا وضعت إليك حلالها
ويروى: جلالها.
إنْ يكنْ طبكِ الدلال فلو في ... سالف الدهر والليالي الخوالي
طبكِ: إرادتك. وقيل شأنك. والخوالي: المواضي. يقول: لو فعلت هذا في شبابي، وشبابك.
ذاكِ إذ أنتِ كالمهاةِ وإذ آ ... تيكِ نشوانَ مرخياً أذيالي
المهاة: البقرة الوحشية. والمهاة: البلورة. شبهها بالمهاة لبياضها.
أو يكنْ طبك الزيالُ فإنَّ ال ... بينَ أن تعطفي صدور الجمال
يروى: أن ترفعي. ويروى: فلا أحفل أن تعطفي؛ أي لا أبالي.
زعمتْ أنني كربتُ وأني ... قل مالي وضنَّ عني الموالي
بخلوا عليَّ بالمؤاساة.
وصحا باطلي وأصبحت كهلاً ... لا يواتي أمثالها أمثالي
أن رأتني تغير اللون مني ... وعلا الشيبُ مفرقي وقذالي
القذال: العظم المشرف على القفا.
فارفضي العاذلينَ واقنيْ حياءً ... لا يكونوا عليك خط مثالِ
لا تأخذي بمثالهم الذي يمثلون لك من القطيعة، ولا تقبلي أقاويلهم.
(2/50)

ودعي مطَّ حاجبيك وعيشي ... معنا بالرجاءِ والتأمال
تمط حاجبيها: إذا كانت زاريةً على الشيء متعجبة منه. وإنما مطتْ حاجبيها لكبره وقلة خيره.
وبخطٍّ مما نعيشُ ولا تذْ ... هبْ بكِ الترهاتُ في الأهوال
الترهات: الأباطيل، لا واحد لها. وقال أبو نصر: الترهات: الكلام الذي ليس بشيء.
منهم ممسكٌ، ومنهم عديمٌ ... وبخيلٌ عليكِ في بخالِ
درَّ درُّ الشبابِ ولاالشعرِ الأس ... ودِ والراتكاتِ تحت الرحالِ
تلهف على ما فاتَ من شبابه. قال أبو نصر: لله دره: لله خيره وكسبه. قال: والدرُّ: اللبن. والراتكاتُ: الإبلُ النجائب التي ترتك في سيرها.
والعناجيجِ كالقداحِ من الشو ... حطِ يحملنَ شكةَ الأبطالِ
العناجيج من الخيل: الطوال الأعناق. الواحد عنجوج. ويقال: هي جياد الخيل. وإنما جعلها كالقداح في ضمرِها. والشوحط: شجر تعمل منه القسي. والشكة: السلاح كله.
ويروى: تردِي بشكةِ الأبطال. والرديان: ضربٌ من العدو.
ولقد أذعرُ السراب بطرفِ ... مثلِ شاةِ الإرانِ غيرِ مذالِ
الطرفُ: الفرسُ الكريم الطرفين. والإران: النشاط والبطر. وقد أرن المهر يأرن أرناً فهو أرن. والإران: خشبٌ يضمُّ بعضه إلى بعض يحملُ عليه الموتى. والمذالُ: المهان.
غيرِ أقنى ولا أصكَّ ولكنْ ... مرجمٌ ذو كريهةٍ ونقالِ
المرجمُ: الشديدُ العدو. وذو كريهة: ذو صبر على طول الجري. ورجلٌ ذو كريهة: إذا كان صبوراً على الشدائد. والأقنى: الأحدب الأنف. وهو مما تعاب به الخيل. قال أبو عبيدة: ذو كريهة: ذو شدة نفس. والنقال: من المناقلة في السير؛ وهو العنق. والأصك: الذي في رجله صكك تصطك عر قوباه.
يسبق الألف بالمدجج ذي القو ... نس حتى يؤوبَ كالثمثالِ
كالتمثال من حسنه. لم يغيره طول الجري. والمدجج: الشاك في السلاح. والقونس: أعلى البيضة، وهو الناتئ في وسطها.
فهوَ كالمنزع المريش من الشو ... حط مالتْ به شمالُ المغالي
المغالي: المرامي الذي يغاليك؛ يراميك، ينظر أسهمه أبعد ذهاباً أم سهمك. قال أبو نصر: المغالي: المرامي إلى غير هدف. والمنزع: السهم الخفيف. والمريش: الذي جعل عليه ريش.
يغفر الظبيَ والظيمَ ويلوِي ... بلبونِ المعزابةِ المعزالِ
يلوي: يذهب بها. والمعزال: واحد؛ وهو الذي قد عزب بإبله خوفَ الغارة. وقيل المعزال:
الذي لا يحمل السلاح. وقيل: الذي لا يحسن ركوب الخيل.
(2/51)

ولقد أدخل الخباء على مه ... ضومةِ الكشح طفلة كالغزال
مهضومة: ضامرة. والكشح: الخاصرة.
فتعاطيت جيدها ثم مالت ... ميلان الكثيب بين الرمالِ
تعاطيت: تناولت.
ثم قلت: فدى لنفسك نفسي ... وفداءٌ لمالِ أهلكَ مالي
ولقد أقدمُ الخميسَ على الجرْ ... داءِ ذاتِ الجراءِ والتنقالِ
يروي: والإيغال. والجراء: كثرة الجري. والتنقال: تفعال من المناقلة في السير.
فتقيني بنحرها وأقيها ... بقضيبٍ من القنا غيرِ بالي
غير بال: أي هو صلب.
ولقد أقطعُ السباسب بالرك ... بِ على الصيعريةِ الشملالِ
الصيعرية: سمةٌ للإناث دونَ الذكارة. والصيعرية: ضربٌ من النجائب منسوبة إلى بني صيعر. وقيل: الصيعرية من النوق: التي فيها عزة نفس. وقال أبو نصر: الصيعرية: الرافعة رأسها. والشملال: الخفيفة السريعة.
عنتريسٍ كأنها ذو وشومٍ ... أحرجتهُ بالجوِّ إحدى الليالي
العنتريس: الصلبة. ذو وشوم: ثورٌ فيه توليع سواد وبياض. وأجرحته: ألجأته إلى شجرة. والجو: ما اتسع من الأرض. أراد إحدى الليالي الموصوفات بالبرد. وإنما يقال: إحدى الليالي لليلةِ التي ينعم فيها أو الشديدة.
ثم أبرى نحاضها فتراها ... ضامراً بعدَ بدنها كالهلال
نحاضها: لحمها. شبهها في ضمرها وانحنائها بالهلال.
ذاك عيشٌ رضيتهُ وتولى ... كل عيشٍ مصيرهُ لهبالِ
وقال:
لمنِ الدارُ أقفرت بالجنابِ ... غيرَ نؤيٍ ودمنةٍ كالكتاب
غيرتها الصبا ونفحُ جنوبٍ ... وشمالٍ تذرو دقاقَ التراب
(2/52)

فتراوحنها وكلُّ ملثٍّ ... دائمِ الرعدِ مرجحنِّ السحابِ
مرجحن: ثقيل. ويقال: ارجحنَّ: إذا اهتز. وارجحن السراب: ارتفع.
أوحشتْ بعدَ ضمرٍ كالسعالي ... منْ بناتِ الوجيهِ أو حلابِ
ومراحٍ ومسرحِ وحلولٍ ... ورعابيبَ كالدمى وقبابِ
الرعبوبة من النساء: الشطبة. والرعبوبة: القطعة من السنام.
وكهولٍ ذوي ندى وحلومٍ ... وشبابِ أنجادٍِ غلبِ الرقاب
هيج الشوقَ لِي معارفُ منها ... حين حلَّ المشيبُ دار الشباب
أوطنتها عفرُ الظباءِ وكانتْ ... قبلُ أوطانَ بدنِ أتراب
خرد بينهنَّ خودٌ سبتني ... بدلالٍ وهيجتْ أطرابي
جارية خرود: خفرة، وجمعها خرد. والخريدة: اللؤلؤة لم تثقب. ويقال لكل عذراء خريدة. والخود: المرأة الناعمة.
صعدةٌ ما علا الحقيبة منها ... وكثيبٌ ما كان تحتَ الحقابِ
يقول: طويلة كالرمح. والكثيب: الرمل المجتمع. شبه عجزها به.
إننا إنما خلقنا رءوساً ... من يسوي الرءوس بالأذناب
لا نقي بالأحسابِ مالاً ولكنْ ... نجعلُ المالَ جنةَ الأحسابِ
ونصدُّ الأعداَء عنا بضر ... بٍ ذي خذامٍ وطعننا بالحراب
الخذم والخذام القطع. وسيف مخذم: قاطع.
وإذا الخيلُ شمرتْ في سنا الحر ... بِ وصار الغبارُ فوقَ الذؤابِ
(2/53)

واستجارتْ بنا الخيولُ عجالاً ... مثقلات المتونِ والأصلابِ
مصغياتِ الخدودِ شعثَ النواصي ... في شماطيطِ غارةٍ أسرابِ
الشماطيط: الفرق. جاءت الخيلُ شماطيطَ. والسرب والسربة: الجماعة من القطا، والظباء، والشاءِ، والنساء. ويقال: سربةٌ من الخيل.
مسرعات كأنهنَّ ضراءٌ ... سمعتْ صوتَ هاتفِ كلاب
لاحقاتِ البطونِ يصلهنَ فخراً ... قد حوينَ النهابَ بعد النهابِ
وقال من قصيدة:
بل لا محالةَ من لقاءِ فوارسٍ ... منا متى يدعوا لروعٍ يركبوا
شمٍّ كأنَّ سنا القوانسِ منهم ... نارٌ على أعلى اليفاعِ تلهبُ
شم: طوال الأنوف. والسنا: الضوء، مقصور. والسناءُ الشرف والمجد، ممدود. والقوانس: أعلى البيض. وقيل القوانس: البيض؛ فإذا كانت البيضة في وسطها حيدة طويلة فهي قونس، وإذا كانت مدورة الرأس فهي ترك.
تمشي بهم أدمٌ تئطُّ نسوعها ... خوصٌ كما تمشي الهجانُ الربربُ
أدم: إبل بيض. وتئط، من الأطيط: تصوت.
قال: إذا كانت الأنساع جدداً أطت. وخوصٌ: غائرة العيون: الذكر أخوص، والأنثى خوصاء. والربرب: الجماعة من البقر. والهجان: البيض.
قال: شبهها بالبقر لبياضها.
ابن الأعرابي: الأدمُ: البيض من الإبل، والسمر من الرجال، والحمر من الظباء.
وهم قد اتخذوا الحديدَ حقائباً ... وخلالهمْ نهدُ المراكلِ تجنبُ
روى أبو عمرو: وخلافهم يريد خلفهم. ونهد المراكل: ضخام الأوساط. والمركل حيث يركل الفارس بعقبه من الفرس إذا كان عليه.
من كل ممسود السراةِ مقلصٍ ... قد شفه طولَ القيادِ وألغبوا
ممسود السراة: مفتول الصلب، شديد المتن. وشفه: هزله. والمقلص: المشمر. وألغبوا: أعيوه.
وطمرة كالسيد يسمو فوقها ... ضرغامةٌ ضخم المناكبِ أغلب
طمرة: فرس أنثى كريمة سريعة. وقيل: الطمرة: الوثابة. والأغلب: الغليظ الرقبة. ويسمو: يرتفع.
(2/54)

ولقد مضى منا هناك لعامرٍ ... يومٌ عليهم بالنسارِ عصبصب
عصبصب: طويل من شدته. وسير عصبصب: طويل.
بمعضلٍ لجبٍ كأنَّ عقابهُ ... في رأسِ خرصٍ طائرٌ يتقلبُ
بمعضل: بجيش إذا نزل المكان ضاق به لكثرته.
ويقال: عضلتِ المرأة؛ إذا نشب ولدها فخرج بعض وبقي بعض؛ فلم يدخل ولم يخرج. وطرقت: إذا خرج أوله. والعقاب: الراية. والخرص: السنان.
ولقد شببنا للربابِ ودارمٍ ... ناراً بها الطيرُ الأشائمُ تنعبُ
شببنا: أوقدنا. والأشائم من الشؤمِ يريد الغربان. وتنعب: تصيح.
حتى جبهناهم بكأسٍ مرةٍ ... فيها المثملُ ناقعاً فليشربوا
المثمل: السم المصفى.
ولقد أتاني عن تميمٍ أنهم ... ذئروا لقتلي عامرٍ وتغضبوا
ذئروا: فزعوا. وقيل: غضبوا. وقيل: نفروا.
رغمٌ لعمرُ أبيكَ عندي هينٌ ... إني يهونُ عليَّ ألا يعتبوا
أي لا يرجعُ لهم إلى العتبى.
وغداةَ صبحنَ الجفارَ عوابساً ... تهدي أوائلهنَّ شعتٌ شزبُ
الشازب والشاسبُ: الضامر. والجفار: ماء لبني تميم تدعيه بنو ضبة.
لما رأونا والمعابل وسطهم ... والخيلُ تبدو تارةً وتغيبُ
تبدو: أي تظهر إذا خرجت من الغبار. وتغيب: إذا دخلت فيه. والمعابل: السهام، واحدها معبلة.
ولوا وهنَّ يجلنَ في آثارهم ... شللاً وبالطناهم فتكبكبوا
شللاً: طرداً. والمبالطة: الجلاد بالسيوف. وتكبكبوا: اجتمعوا فصاروا كبكبةً واحدة.
سائلْ بنا حجر ابن أمِّ قطامِ إذْ ... ظلتْ به السمرُ النواهلُ تلعبُ
يعني حجرا أبا امرئ القيس. والنواهل: التي قد رويتْ من الدم. والنهل: الشرب الأول.
فليبكهمْ من لا يزالُ نساؤهم ... يومَ الحفاظِ يقلنَ أينَ المهربُ
الحفاظ: الصبر والمحافظة.
صبراً على ما كانَ من حلفائنا ... مسكٌ وغسلٌ في الرءوسِ يشيب
حلفاؤهم: يعني فزارة، وأنهم قتلوا وكان هذا حنوطهم. والغسل: الخطميِّ، وورق السدر. ويسيب: يخلط.
هذا آخر ما اخترته من شعر عبيد، والحمد لله وصلى الله على رسوله محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
(2/55)

القسم الثالث
مختار شعر الحطيئة وأخباره
بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين
قال أبو حاتم سهل محمد السجستاني: أخبرنا الأصمعي، قال: كان من حديث الحطيئة والزبرقان بن بدر البهدلي أن الزبرقانَ خرج يريد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سنة مجدبة ليؤدي إليه صدقات قومه، فلقي الحطيئة بقرقرى، ومعه امرأتان أو امرأةٌ وابنان يقال لأحدهما سوادة وللآخر إياس، وبنات له.
فقال له الزبرقان: أين تريد؟ فقال: العراق، حطمتني السنة. فقال له: هل لك في جوارٍ كريم ولبنٍ كثير وتمر؟ قال: ما أرجو هذا كله.
قال له الزبرقان: فإن لك هذا. فسر إلى أم شذرة امرأتي، وهي بنت صعصعة، وهي عمة الفرزدق.
فكتب إليها أن أحسني إليه، وأكثري له من التمر واللبن.
فقدم عليها، وكان دميماً سيئ الحال، لا تأخذه العين، ومعه عيال كثير. فلما رأته هان عليها، وقصرت به. فرأى ذلك بنو أنف الناقة، وهم بيت سعد، فأرسلوا إليه أن ائتنا، فنحن خير لك، وكتموا المرأة اسمه، فلم تعرفه.
وكانوا إذا دعوه إلى أنفسهم يأبى ويقول: إن من رأى النساء التقصير والغفلة؛ ولست أحمل على صاحبي ذنبها.
وألح عليه شماس بن لأي، وبغيض، والمخبل - وكان المخبل سليط اللسان، وهو ابن عمهم - وعلقمة بن هوذة؛ وكان علقمة أشد القوم إلحاحاً عليه، لشعرٍ قاله الزبرقان فيه؛ وهو قوله:
(3/3)

لي ابنُ عمٍّ لا يزا ... لُ يعيبني ويعنيُ عائب
وأعينهُ في النائبا ... تِ ولا يعين على النوائب
تسري عقاربه إل ... يَّ ولا تنبهه عقاربْ
لاهِ ابنُ عمكَ ما تخا ... فُ الجازياتِ من العواقب
وكان علقمة ممتلئاً غيظاً عليه لهذا الشعر. وكان الآخرون ممتلئين حسداً وبغياً. فأما حماد
الراوية فزعم أن الملح عليه بغيض.
فمكث الحطيئة بتلك الحال أشهراً، والزبرقان بالمدينة.
ثم إن امرأة الزبر قان استأنفت العشب فتحملتْ؛ وقالت للحطيئة: أرد عليك الإبل، فتركته يومين وليلتين. فاغتنم ذلك بنو شماس - وهم بنو أنفِ الناقة - فأتوه، فقالوا له: احتمل أيها الرجل. فقال: أما الآن فنعم.
فأتاه بغيض بن عامر بن شماس - وكان شريفاً - فاحتمله حتى أتى به أهله، فأكثروا له من التمر واللبن، وأعطوه لقاحاً وكسوة - قال: اللقاح، واللقحُ واحدتها لقحةٌ ولقحةٌ ولقوح - وهي الحلوب - وأبطأ عليهم أن يهجو الزبرقان.
والزبرقان من بني بهدلة، وكان في بني بهدلة قلةٌ، ولم يكونوا إلى هؤلاء ولا قريباً، غير أن الزبرقان قد كان بنفسه شريفاً منيعاً، عضب اللسان، فحضضوا الحطيئة عليه. فقال: لست بهاجيه ولا ذنبَ له فيما صنع امرأته، ولكني ممتدحكم، وذاكر ما أنتم له أهل.
وأما حماد الراوية فقال: قالوا له أبطأت أن تسمع شباننا بعض ما يتغنون به من شتم هذا الكلب. فقال: قد أبيتُ عليكم أهون من شتمه، ولا ذنبَ له فيما أتتْ به امرأته؛ ولكن إن شئتم مدحتكم؛ فأنتم أهل ذاك.
فقالوا:
(3/4)

ما مدحنا من لم يشتم الزبرقان؛ ولم يقصروا في كرمته.
فلما أكثروا عليه قال يمدحهم، ويعرض بهجو الزبرقان وقومه؛ والقصيدة:
ألا أبلغ بني كعبٍ رسولاً ... فهل قومٌ على خلقٍ سواءُ
وأما أولها عندي فعلى غير هذا.
قال أصحابنا: فلما قدم الزبرقان على أهله سأل عن الحطيئة، فقالوا: تحول إلى بغيض، فأتاهم، فقال: ضيفي، وأنا أرسلته إلى امرأتي، ولكن كان منها الجهل. فقالوا: ما هو لك بضيف، وقد أهنته وطردته، فتلاحوا حتى كان بينهم تناصٍ وشجاج - تناصٍ: أخذٌ بالنواصي - فاستعدى عليهم الزبرقان عمر بن الخطاب رحمة الله عليه. فقال: ليذهب إلى أي الحيينِ أحب؛ فإنه مالكٌ لنفسه.
فلما رأى الزبرقان أنه اختار عليه أرسل إلى رجلٍ من النمر بن قاسط، يقال له دثار بن سنان؛ فهجا بغيضاً وبني قريع؛ فقال:
أرى إبلي بجوف الماءِ حنتْ ... وأعوزها به الماءُ الرواءُ
الماء الرواءُ: الكثير: قال الراجز:
يا إبلي ما ذامُه فتأبيه ... ماءٌ رواءٌ ونصيٌّ حوليهْ
وقد وردتْ مياه بني قريعٍ ... فما وصلوا القرابة مذْ أساءوا
تحلأُ يومَ وردِ الناسِ إبْلِي ... وتصدرُ وهي محنقةٌ ظماءُ
ألمْ أكُ جاهَ شماسِ بن لأيٍ ... فأسلمَ حين أنْ نزلَ البلاءُ
فقلتُ تحولي يا أمَّ بكر ... إلى حيثُ المكارمُ والعلاءُ
وجدنا بيتَ بهدلة بنِ عوفٍ ... تعالى سمكهُ ودَجَا الفناءُ
دَجَا: من قولهم: عيش داج إذا كان خافضاً ساكناً. والفناء: ما امتد مع الدار من جوانبها.
وما أضحى لشماسِ بنِ لأي ... قديم في الفعال ولا رباءُ
(3/5)

سوى أن الحطيئةَ قال قولاً ... فهذا منْ مقالكم جزاءُ
وقال دثار بن سنان أيضاً:
دعاني الأثبجانِ ابنا بغيضٍ ... وأهلِي بالفلاةِ فمنياني
الثبجة: الحدبة في الصدر.
وقالا سرْ بأهلكَ فأتينَّا ... إلى حب وأنعامٍ سمان
فسرتُ إليهمُ عشرينَ شهراً ... وأربعةً فذلكَ حجتان
فلمَّا أنْ أتيتُ بني بغيضٍ ... وأسلمني لدائي الداعيان
يبيت الذئب والعثواءُ ضيفاً ... لنا بالليل بئسَ الضائفان
أمارسُ منهما ليلاً طويلاً ... أهجهجُ عن بنيَّ ويعروانِ
يروى: ويغشيان.
تقولُ حليلتي لما اشتكينا ... سيدركنا بنو القرمِ الهجان
سيدركنا بنو القمر ابن بدرٍ ... سراجُ الليلِ للشمس الحصان
فقلتُ ادعي وأدعُ فإنَّ أندَى ... لصوتِ أن ينادِيَ داعيان
ويروى: فقلت ادعي وأدعو إن أندى. ومعنى الأول: فقلت: ادعي ولأدعُ؛ فلذلك جزمه. ويقال: فلان أندى صوتاً من فلان؛ أي أبعد مذهباً
فمنْ يكُ سائلاً عني فإني ... أنا النمريُّ جارُ الزبرقانِ
طريدُ عشيرةٍ وطريدُ سربٍ ... بما اجترمتْ يدي وجنى لساني
كأني إذ حللتُ به طريداً ... حللتُ على الممنعِ من أبانِ
أبان: جبل. والمنع: العالي الذي يمتنع من أن يبلغه أحد.
أتيتُ الزبرقان فلم يضعني ... وضيعني بتريمَ من دعاني
فلما بلغ ذلك الحطيئة هجا الزبرقان، فقال:
واسم الحطيئة جرول بن أوس
(3/6)

بن جؤية بن مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس، وكنيته أبو مليكة.
والله ما معشرٌ لاموا امرأً جنباً ... في آلِ لأي بن شماسِ بأكياسِ
الجنب، والجانب، والأجنب، والأجنبي: الغريب. قال القطامي في الجانب:
فسلمتُ والتسليمُ ليس يسرها ... ولكنه حقُّ على كلِّ جانب
لقد مريتكم لو أن درتكم ... يوماً يجئ مسحي وإبساسي
المري: أن تمسح ضرع الناقة بيدك لتدر؛ فضربه مثلاً؛ أي قد رفقتُ بكم فلم يجيء رفقي بخير. والإبساس: دعاء الناقة، وهو أن يقول: بس بس.
وقد مدحتكم عمداً لأرشدكم ... كيما يكون لكم متحي وإمراسي
المتح: استقاء الماء ببكرة. والإمراس: أن يزول الحبل عن مجراه من البكرة فيرد إليه. يقال: أمرسته إذا رددته إلى مجراه. وأمرسته: صرفته عن مجراه. وهو من الأضداد. ومرس الحبل: زال عن مجراه. قال الكميت:
ستأتيكم بمترعةِ ذعافاً ... حبالكم التي لا تمرسونا
وقد نظرتكمُ إيناَء صادرةٍ ... للخمسِ طالَ بها حوذي وتنساسي
الخمس: سير أربعة أيام، ووردُ اليوم الخامس، عن أبي الهيثم خالد بن كلثوم؛ أي انتظرتكم كما تستأني الإبلُ الصادرة التي ترد الخمس. والحوذ: السوق قليلاً قليلاً. ويروى: حوزي. والنس: السوق. والتنساس كقولك الترداد والتكرار.
لما بدا لي منكمْ غيبُ أنفسكم ... ولم يكنْ لجراحي منكم آسي
يقال للطيب آسيٍ. والأسوُ: الإصلاح.
أجمعتُ يأساً مبيناً من نوالكمُ ... ولا ترى طارداً للحرِّ كالياسِ
يروى: يأساً مريحا.
ما كان ذنبُ بغيضٍ أن رأى رجلاً ... ذا فاقة حلَّ في مستوعرٍ شاسِ
هذه رواية حماد الراوية. وروى الأصمعي:
ما كان ذنبُ بغيضٍ لا أبالكمُ ... في بائسٍ جاء يحدو آخر الناس
ورواية حماد أجود، لئلا يتكرر: الناس في القافية؛ فيكون إيطاءً قبيحاً.
يقال: مكان شأس، وشأزٌ: وعر، أي لم يكن له ذنب حين دعاني فأحسن إلي؛ لأنه رآني ضائعاً.
جاراً لقومٍ أطالوا هونَ منزله ... وغادروهُ مقيماً بين أرماسِ
الأرماس: القبور. يقول: كنتُ كأني ميتٌ بين الأموات. ضربه مثلاً.
ملوا قراه وهرتهُ كلابهمُ ... وجرَّحوهُ بأنيابٍ وأضراسِ
هرته كلابهم: ضربه مثلاً. وجرحوه بأنيابٍ وأضراس: أساءوا له القول.
لا ذنبَ لي اليومَ إنْ كانتْ نفوسكمُ ... كفاركٍ كرهتْ ثوبي وإلباسي
أي إن كانت نفوسكم لي كنفسِ الفارك - وهي المبغضة لزوجها - ضربه مثلاً.
(3/7)

من يفعل الخيرَ لا يعدمْ جوازيهُ ... لا يذهبُ العرفُ بينَ اللهِ والناسِ
قال أبو حاتم سهل بن محمد: سمعت الأصمعي يتعجبُ من جودةِ هذا البيت، وقال: جاء بمثلين في بيت واحد. وقال: مثلُ هذا في الجودة بيت النابغة:
جيشٌ يظلُّ به الفضاءُ معضلاً ... يذرُ الإكامَ كأنهنَّ صحارى
الفضاء من الأرض: البارزة التي ليس فيها جبل.
دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتها ... واقعدْ فإنكَ أنتَ الطاعمُ الكاسي
وابعثْ يساراً إلى وفرٍ مذممة ... واحدجْ إليها بذي عركينِ قنعاسِ
أي إلى إبلٍ موفورة. مذممة: لا يعطى منها أحد شيئاً، ولا يمنحُ ولا يقرى منها ضيفٌ. والذمُّ في المعنى يقع على صاحب هذه الإبل الوافر. واحدج إليها بعيراً ذا عركين، والعركان مثل الضاغطين. وقنعاس: شديد. والحداجة: مركب.
قد ناضلوكَ فأبدوا من كنائنهم ... مجداً تليداً ونبلاً غيرَ أنكاسِ
أي لما رميتَ ورموا فلجوا عليك، وجاءوا بما لم تجئ به، كأنهم فاخروه فرجحوا عليه بآبائهم وأجدادهم. وضرب النبل والكنانة مثلاً.
وقال أبو الهيثم خالد بن كلثوم: النكس من السهام: المنكوس الذي جعل أعلاه أسفله؛ فهو ضعيف أبداً، فأراد أن ما افتخروا به ورموك به من فخرهم كان قوياً كنبلٍ ليست بأنكاسٍ.
ما كان ذنبيَ أن فلتْ معاولكمْ ... من آل لأيٍ صفاةٌ أصلها راسي
الراسي: الثابت. أي ما كان ذنبي أن أردتموهم فلم تعمل محافركم فيهم.
فاستعدى عليه الزبرقان عمر بن الخطاب، فرفعه عمر إليه واستنشده، فأنشده، فقال عمر لحسان بن ثابت: أتراه هجاه؟ فقال: نعم، وسلح عليه. فحسبه عمر.
فقال وهو في الحبس:
ماذا تقولُ لأفراخٍ بذي مرخِ ... زغبِ الحواصلِ لا ماءٌ ولا شجرُ
ألقيتَ كاسبهمْ في قعرِ مظلمةِ ... فاغفر عليكَ سلامُ اللهِ يا عمرُ
أنتَ الإمامُ الذي منْ بعدِ صاحبهِ ... ألقى إليه مقاليدَ النهى البشر
ما آثروكَ بها إذ قدموكَ لها ... لكنْ لأنفسهم كانتْ بك الإثرُ
الإثرة: الخاصة. آثره إيثاراً: خصهُ دون غيره. واستأثر بكذا: اختص به نفسه. ويقال: من يملك يستأثر.
(3/8)

وقال الحطيئة:
ألا قالت أمامةُ هلْ تعزى ... فقلتُ أمامَ قد غلبَ العزاءُ
إذا ما العينُ فاض الدمعُ منها ... أقولُ بها قذى وهو البكاءُ
أقول بها قذًى فأعتلُّ بذاك. يقول: بكيتُ - وقبيح بالشيخ أن يبكي - اعتللت على من يحضرني.
لعمرك ما رأيتُ المرَء تبقي ... طريقته وإن طالَ البقاءُ
على ريبِ المنونِ تداولتهُ ... فأفنتهُ وليس له فناءُ
ريب المنون: ما يريبك من أحداثها. والمنون: الموت. قال أبو الهيثم: المنون يذكر ويؤنث. قال: وجعل الفعل للمنون دونَ الريب الذي أضافهُ إليها.
إذا ذهبَ الشبابُ فبانَ منهُ ... فليسَ لما مضي منه لقاءُ
يصبُّ إلى الحياةِ ويشتهيها ... وفي طولِ الحياةِ له عناءُ
يصبُّ: يأخذه لها صبابة؛ أي رقة. والعناءُ: المشقة.
فمنها أنْ يقادَ بهِ بعيرٌ ... ذلولٌ حين تهترشُ الضراءُ
أي فمنم المشقة؛ ذهب إلى المشقة دون العناء. أي قاد به بعيرٌ ذلول لا يفزع إذا اهترشت الكلابُ؛ أي يختارُ له بعير هذه صفته لئلا يحركه لكبره.
ومنها أن ينوء على يديه ... لينهض في تراقيه انحناء
أي يعتمد على يديه ليقوم وقد تحنت تراقيه لكبره. قال: والشيخ إذا أسن التقت ترقوتاه، يعني أنه تقرب إحداهما من الأخرى.
ويأخذه الهداجُ إذا هداهُ ... وليدُ الحيِّ في يده الرداءُ
هداه وليد الحي: قاده وأمسك بردائه من الكبر. والهداج والهدجان والهدجة والهدج: مقاربة الخطو ومداركته. قال هميان: جاءوا شماطيط وجئت هدجاً.
وينظرُ حوله فيرى بنيهِ ... حواءً حالَ دونهمُ حواءُ
الحواء: عشرة أبيات إلى الثلاثين. يقول: يكثرون حوله، لأنه قد أسنَّ.
ويحلفُ حلفةً لبني أبيه ... لأنتم معطشونَ وهمْ رواءُ
يروى: لبني بنيه. يقول: يختلط ويخرف فيخلطُ في كلامه. والمعطش: الذي دوابه عطاش. وكذلك المهزل: الذي دوابه مهازيل. والمغد: الذي بدوابه الغدة. وكذلك المصبح، والممرض.
قال: يقول لهم إبلكم وشاؤكم عطاش، وهي رواءٌ.
(3/9)

ويأمر بالركابِ فلا تعشى ... إذا أمسى وإن قربَ العشاءُ
يقول: احبسوها عن العشاءِ؛ وهذا من اختلاطه.
تقولُ له الظعينةُ أغنِ عنِّي ... بعيركَ حينَ ليس بهِ غناءُ
لا غناءَ عنده لضعفه فلا يقوَى على حبس البعير.
ألاَ أبلغْ بني عوفِ بن كعبٍ ... فهل حيٌّ على خلق سواءُ
يقول: أرى أخلاقكم مختلفة؛ فقد فضلكم هؤلاء.
عطاردها وبهدلةَ بن عوف ... فهل يشفي صدوركمُ الشفاءُ
يقول: هل يشفي صدوركم أن أبين لكم القصة؛ أي أبين لكم ما فعل بي.
ألمْ أكُ نائياً فدعوتموني ... فجاء بي المواعدُ والدعاءُ
ألمْ أكُ جاركم فتركتموني ... لكلبي في دياركمُ عواءُ
وآنيتُ العشاَء إلى سهيل ... أو الشعرى فطال بي الأناء
آنيت إيناءً: انتظرت وتمكثت. والأناءُ: الاسم؛ أي طال تمكثي وانتظاري لخيركم.
ألمْ أكُ جاركم ويكونَ بيني ... وبينكمُ المودةُ والإخاءُ
ولما أنْ أتيتكمُ أبيتمْ ... وشرُّ مواطنِ الحسبِ الإباءُ
ولمَّا أَنْ أتيتُهمُ حبوني ... وفيكمُ كان لو شئتمْ حباءُ
ولمَّا أنْ مدحتُ القومَ قلتُم ... هجوت، وهل يحلُّ لي الهجاءُ
فلم أشئتمْ لكمْ حسباً ولكنْ ... حدوت بحيث يستمعُ الحداءُ
حدوت: رفعت صوتي بمدحهم.
فلا وأبيكَ ما ظلمتْ قريعٌ ... بأن يبنوا المكارمَ حيث شاءوا
يقال للرجل: ما ظلم أن أشبهَ أباه، وليس منْ تظالم الناس؛ إنما هو مثل ظلم السقاء، ومظلوم التراب.
ولا وأبيكَ ما ظلمتْ قريعٌ ... ولا عنفوا بذاك ولا أساءوا
ما عنفوا بذاك: أي بالأمر الذي كسبوا به المحامد.
بعثرةِ جارهمْ أن ينعشوها ... فيغبر بعدها نعمٌ وشاءُ
يقول: يعطونه عطيةً ينجبر بها وتذهب مصيبته، فيبقى له مالٌ بعدُ من إبلٍ وشاءٍ.
(3/10)

فيبني مجدها ويقيمُ فيها ... ويمشي إنْ أريدَ به المشاءُ
يمشي: تكثر ماشيته. يقال: مشيت إبل بني فلان تمشى مشاءً: نمت وكثر نسلها. ويبني مجدها: يعني مجد النعم عن أبي الهيثم.
وإن الجارَ مثلُ الضيفِ يغدو ... لوجهتهِ وإنْ طالَ الثواءُ
يقول: الجارُ، وإنْ طال مقامه، كالضيف يغدو لوجهتهِ التي كان فيها، ويبقى عيبه وحديثه.
وإني قد علقتُ بحبلِ قومِ ... أعانهم على الحسبِ الثراءُ
الثراءُ: كثرةُ المال؛ أي أعانهم على معالي الأمورِ المالُ.
إذا نزلَ الشتاءُ بدار قومٍ ... تجنب جارَ بيتهم الشتاءُ
يقول: لا يصيب الشتاءُ جارهم ببرده وجوعه لإحسانهم إليه.
هم المتخفرونَ على المنايا ... بمالِ الجارِ ذلكمَ الوفاءُ
أي يقولون للجار: نحن ضامنون لك مالك إن طرد وهلك غرمناه لك.
يقولون: نحن نخفرك إن كثر مالك عندنا فهو لك، وإن قل وذهب به غرمناه.
هم الآسونَ أمَّ الرأس لمَّا ... تواكلها الأطبةُ والإساءُ
أمّ الرأس: الجلدة التي يكون فيها الدماغ. وتواكلها الأطبةُ: اتكل بعضهم على بعض. ويقال: نعم الإساء هذا؛ أي نعم الدواء والشفاءُ. يقول: هم المصلحون الفتق الذي أعيا المصلحين.
هم القومُ الذين إذا ألمتْ ... من الأيام مظلمةٌ أضاءوا
أي إذا ألمَّ أمر مظلم على الناس كشفوه. . قال خالد ابن كلتوم: الأيام هنا القحط والجدب. يقال: أضاءَ الشيءُ نفسه وأضاءَ غيره.
همُ القومُ الذين علمتموهم ... لدى الداعي إذا رفعَ اللواءُ
أي هم أول من يغيث الداعي إذا استصرخوا.
فأبقوا، لا أبالكمُ، عليهمْ ... فإنَّ ملامَةَ المولى شقاءُ
المولى هنا: ابن العم. يقول: إذا لمتَ مولاك فهو من الشقاءِ، وليس من السعادة أن تشتم مولاك ويشتمك.
وإنَّ أباهمُ الأَدْنَى أبوكمْ ... وإنَّ صدورهمْ لكمُ براءُ
وإنَّ بلاءهم ما قد علمتم ... على الأيام إنْ نفع البلاءُ
يقول: إن بلاءهم ما جربتموه قديماً وخبرتمونه إن نفعهم ذلك عندكم. قال أبو الهيثم: الأيام هنا الوقائع.
وإنَّ عديدهم يربى عليكمْ ... وإنَّ نماءهم لكم نماءُ
العديد: العدد. قال الشماخ:
على أمِّ بيضاَء السلامُ مضاعفاً ... عديدَ حصًى ما بين حمص وشيزرا
(3/11)

وثغرٍ لا يقامُ به كفوكمْ ... وكم يكُ دونهمْ منكمْ كفاءُ
الثغر: موضع المخافة، وهو الفرج. ويقال: ولي فلان الفرجين: سجستان وخراسان.
ترقى في أعنتها قريعٌ ... فسعدٌ كلها لهمُ الفداءُ
ترقى في أعنتها: أي تزداد خيراً كلما جوريت.
فإنكمُ وفقدكمُ قريعاً ... لكالماشي وليس له حذاءُ
ومعضلة تضيقُ بها ذراعي ... ويعوزها التحفزُ والبلاءُ
فلما أنْ دعوت لها بغيضاً ... أتاني حينَ أسمعهُ النداءُ
قال أبو حاتم: هذا آخرها.
وفي كتاب حماد الراوية زيادةٌ في هذا الموضع بيتان؛ قال أبو حاتم: مصنوعان مردودان:
بزاخرِ نائلٍ سبط ومجدٍ ... مخالطةُ العفافةُ والحياءُ
وأمضَى منْ سنانِ أزأنيٍّ ... طعنت به إذا كرهَ المضاءُ
وقال الحطيئة:
ألا طرقتنا بعدما هجعوا هندُ ... وقد سرنَ خمساً واتلأبَّ بنا نجدَ
الاتلئبابُ: الانطلاق والتتابع والسرعة. والمتلئب: المنبسط.
ويروى: واستبان لنا نجدُ.
ألا حبذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ ... وهندٌ أتى من دونها النأيُ والبعدُ
وهندٌ أتى منْ دونها ذو غواربٍ ... يقمصُ بالبوصيِّ معرورفٌ وردَ
ذو غوارب: له أسنمةٌ من الموج. ومعروف: له عرف. وورد: كدرٌ أحمر. والبوصيُّ: السفينة. ويقمص بها: يضطرب.
وإن التي نكبتها عن معاشرٍ ... غضابٍ على أن صددتُ كما صدُّوا
يعني القصيدة التي مدحَ بها بني قريع. نكبتها عن معاشر: يريد الزبرقان، وبني بهدلة.
(3/12)

أتت آلَ شماسِ بنْ لأي وإنما ... أتاهم بها الأحلامُ والحسبُ العدُّ
يقول: أتاهم بها أحلامهم وحسبهم. والعد: مأخوذ من الماءِ العد، وهو الذي لا يكادُ ينقطع.
فإنَّ الشقيَّ منْ تعادِي صدروهم ... وذو الجدِّ منْ لانوا إليه ومن ودوا
يسوسون أحلاماً بعيداً أناتها ... وإنْ غضبوا جاَء الحفيظةُ والحدُّ
الأناةُ: الانتظار. ويقال: ما أبعدَ حلمه! أي لا يعجلُ والحفيظة: ما أحفظك. والحد: حد البأس.
أقلوا عليهم، لا أبا لأبيكمُ ... من اللومِ أو سدُّوا المكانَ الذي سدوا
أولئكَ قومٌ إن بنوا أحسنوا البنى ... وإن عاهدوا أوفوا وإنْ عقدوا شدوا
البني: جمع بنية. ويروى: البني. يقال: ما أحسن بنية بيتك؛ أيْ هيئته التي بني عليها، كقولك: ما أحسن ضجعته وركبته!
وإنْ كانت النعمى عليهم جزوا بها ... وإنْ أنعموا لا كدروها ولا كدُّوا
ويروى: وإن كانت النعماءُ فيهم؛ أي إن كانت لقومٍ عليهم يدٌ ومنةٌ كافئوا بها؛ وإن كانت لهم على قومٍ يدٌ لم تستثيبوها.
وإن قال مولاهم، على جلِّ حادثٍ ... من الدهرِ، ردوا بعضَ أحلامكم ردوا
يقول: إن قال ابنُ عمهم على عظيم من الحدثان: ردوا بعض أحلامكم فعلوا. وهذا من فضل حلمهم.
وإن غاب عن لأيٍ بغيضٌ كفتهم ... نواشئُ لم تطرْ شواربهم مردُ
وكيفَ ولمْ أعلمهمُ خذلوكمُ ... على مفظعٍ ولا أديمكمُ قدوا
مطاعينُ في الهيجا مكاشيفُ للدجىَ ... بنَى لهمُ آباؤهمْ وبنى الجد
فمنْ مبلغٌ لأياً بأنْ قد سعى لكمْ ... إلى السورةِ العليا أخٌ لكم جلدُ
أي إلى الشرف الأعلى. والسورة: المجد. والسورة: ما يسور في الرأس من غضبٍ أو سكرٍ.
جرى حين جارى لا يساوى عنانه ... عنانٌ ولا يثني أجاريهُ الجهدُ
أي لمَّا سابق سبق. وهذا مثلٌ ضربهُ. ويعني بأجاريه ضروباً من جريه.
يقول: إذا جهد لم يذهب ذلك من جريه ولم يثنه.
رأى مجدَ أقوامٍ أضيعَ فحثهمْ ... على مجدهم لما رأى أنه الجد
(3/13)

وقد لامني أفناءُ سعد عليهمُ ... وما قلتُ إلا بالتي علمتْ سعد
يروى: وتعذلني أفناءُ سعد.
وقال يمدح بغيضاً:
آثرتُ إدلاجي على ليلِ حرةٍ ... هضيمِ الحشا حسانةِ المتجرد
إذا النومُ ألهاها عن الزادِ خلتها ... بعيدَ الكرى باتتْ على طيّ مجسد
أي هي ميسان: مفعال من الوسنِ، فيلهيها النوم عن العشاءِ. والمجسد: المصبوغ بالجساد: الزعفران.
إذا ارتفقتْ فوقَ الفراشِ تخالها ... تخافُ انبتَاتَ الخصرِ ما لم تشدد
ارتفقت: وضعت مرفقها تحت رأسها. وارتفقت: اتكأت على مرفقها ومنه قيل للوسادة: مرفقة.
يقول: تخاف أن ينقطع خصرها لدقته ولينه.
عميمةُ ما تحتَ النطاقِ وفوقهُ ... عسيبٌ نما في ناضرٍ لم يخضدِ
العميم: التام؛ يعني عجيزتها. وما فوق ذلك كأنه عسيب في لينه.
-
تراها تغضُّ الطرفَ دوني كأنما ... تضمنُ عيناها قذًى غيرَ مفسد
أي تكسرُ طرفها دوني. غير مفسد: أي لم يبلغ أن يفسد عينيها.
وتفرقُ بالمدرَى أثيثاً نباتهُ ... على واضحِ الذفرَى أسيلِ المقلدِ
الأثيثُ: الكثير من الشعر والنبات. والأسيل: الطويل. والمقلد: العنق.
تضوعُ رياها إذا جئتُ طارقاً ... كريح الخزامى في نباتِ الخلي الندي
تضوع وضاع يضوع: فاح.
وإن شئتُ بعدَ النوم ألقيتُ ساعدي ... على كفلٍ ريانَ لم يتخدد
لم يتخدد: لم يهزل وينقص.
لها طيبُ ريَّا إنْ نأتني، وإنْ دنتْ ... دنتْ وعثةٌ فوقَ الفراشِ الممهد
الوعثة: اللينة السهلة المسِّ.
(3/14)

وفي كلِّ ممسَ ليلةٍ ومعرسٍ ... خيالٌ يوافي الركبَ من أمِّ معبَد
فحياكِ ودٌّ من هداكِ لفتيةٍ ... وصهبٍ بأعلى ذي طوالةَ هجد
الأصمعي: فحياكِ ربي؛ لأن وداً اسم صنم.
تسديتنا منْ بعدِ ما نام ظالعُ ال ... كلابِ وأخبى نارهُ كلُّ موقدِ
تسديتنا: ركبتنا يعني خيالها. والظالع من الكلاب: الذي ينتظر الكلبة حتى تسفد ويسفد هو آخر الكلاب لأنه أضعفها. ومنه يقال: ارقَ على ظلعك؛ أي اصعد الجبل وأنتَ تعلمُ أنكَ
ظالع، فلا تجهد نفسك.
لما رأتْ من في الرحالِ تعرضتْ ... حياءً وصدتْ تتقي القومَ باليد
تعرضت: ولتنا عرضها. والعرضُ: الجانب. وصدت تأخرت.
وأنى اهتدتْ والدوُّ بيني وبينها ... وما خلتُ ساري الليلِ بالدوِّ يهتدي
بأرضٍ ترى فرخَ الحبارَى كأنهُ ... بها راكبٌ موفِ على ظهرِ قردد
الموفى: المشرف. يريد أن الدو مستوٍ، فإذا رأيت حجراً قد نصب فيه رأيته كأنه قصرٌ من شدة استواءِ الأرض.
وأد ماَء حرجوج تعاللتُ موهناً ... بسوطيَ فارمدتْ نجاَء الخفيددِ
الأدماء: البيضاءُ هنا. والحرجوج: الطويلة على وجه الأرض. وتعاللتُ: طلبتُ علالتها. والعلالة: الشيء بعد الشيء، مثل المشي بعد المشي، والعدوِ بعد العدو. وموهناً: بعد سعاة من الليل مضت. وقوله: نجاءَ الخفيدد: أي عدو الظليم.
وإن خاف جوراً من طريقٍ رمى بها ... سوى القصد حتى تستقيم ضحى الغد
يقول: إن خاف أن تجور به عن الطريق اعتسف بها غير الطريق حتى تلقى ضحوة الغد لما فيها من العلالةِ والبقية.
وكادت على الأطواءِ أطواءِ ضارجٍ ... تساقطني والرحلَ من صوت هدهد
يروى: تكسرني والرحل.
ترى بين لحييها إذا ما تبغمتْ ... لغاماً كبيتِ العنكبوتِ الممدد
اللغام: زبد الإبل.
ويروى: تزغمت. والتزغم: صوتٌ ضعيف. يقول: لا ترغو من الضجر.
(3/15)

كأنَّ هويَّ الريح بين فروجها ... تجاوبُ أظارٍ على ربعٍ ردي
أي هي مشرفةٌ، فإذا هبت الريح بين فروجها سمعت لها دوياً كأنه صوت أظارٍ عطفن على حوارٍ أصابه ردًى. ويقال: رديَ على فعل بمعنى انكسر. ويقال: ظئر وأظآر وظؤار وظؤرة. وهي المعطوفة.
وترمي يداها بالحصى خلفَ رجلها ... وترمي به الرجلانِ دابرةَ اليد
قال السجستاني: وفي كتاب حماد الراوية زيادةٌ بعد هذا البيت أربعة أبيات كتبتا ليعرف
المصنوع؛ وهي:
وتشربُ بالقعبِ الصغير وإن تقدْ ... بمشفرها يوماً إلى الحوضِ تنقد
وإن حطَّ عنها الرحلُ قاربَ خطوها ... أمينُ القوى كالدملجِ المتعضدِ
تراقبُ عيناها إذا تلعَ الضحا ... ذباباً كصوتِ الشاربِ المتغردِ
وتضحي الجبالُ الغبرُ خلفي كأنها ... من الآلِ حفتْ بالملاءِ المعضدِ
هذا آخر الزيادة.
يظلُّ الغرابُ الأعورُ العينِ واقعاً ... مع الذئبِ يعتسانِ نارِي ومفأدي
المفأد: الموضعُ الذي تحشُّ في النار.
قال: والمفأد بكسر الميم: عصية يقلبُ بها الملة والشواء. وقال غيره: المفأد: السفود.
وإن نظرت يوماً بمؤخرِ عينها ... إلى علمٍ بالغورِ قالت له: ابعد
أي لا يشتد عليها بعده لنشاطها وقوتها على السير. والعلم: الجبل. والغور: غور تهامة.
فما زالت العوجاء تجري ضفورها ... إليكَ ابنَ شماسٍ تروحُ وتغتدي
العوجاءُ: المهزولة. والضفور: الأنساع. يقول: رحلتها وهي سمينةٌ فهزلت فاضطربت ضفورها. والواحد ضفر؛ قال الشاعر:
وقد تدانى حقبٌ وضفر
(3/16)

إلى ماجدِ يعطي على الحمدِ ماله ... ومن يعط أثمانَ المحامدِ يحمد
وأنت امرؤٌ من تعطهِ اليومَ نائلا ... بكفيك لا يمنعكَ من نائل الغدِ
أراد قول النابغة:
ولا يحولُ عطاءُ اليوم دونَ غد
دون عطاء غد.
مفيدٌ ومتلافٌ إذا ما سألته ... تهللَ واهتزَّ اهتزازَ المهند
متى تأتهِ تعشو إلى ضوءِ نارهِ ... تجدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ موقد
عشا يعشو: إذا استدلَ على النارِ ببصرٍ ضعيف. وقال ابن دريد: عشوتُ إلى ضوئك إذا قصدته بليل. وقال غيره: العاشي: الذي يسيرُ في ظلمة الليل على ضوءٍ قليل.
هو الواهبُ الكومَ الصفايا لجاره ... يروحها العبدانُ في العازبِ الندي
يروى: العبدان. جمل أكوم، وناقة كوماء؛ وهي العظيمة السنام.
وقال:
طاقتْ أمامةُ بالركبانِ آونةً ... يا حسنهُ من قوام ما ومنتقبا
آونةً: جمع أوان. والمنتقب: موضع النقاب.
إذ تستبيكَ بمصقولٍ عوارضه ... وكذبتْ حبَّ ملهوفِ وما كذبا
بثغرٍ مصقولِ العوارض، صقلتها بالسواك.
بحيثُ ينسَى زمام العنسِ راكبها ... ويصبحُ المرءُ فيها ناعساً نصبا
روى أبو حاتم: وصبا. النصب: التكسير والفترة في العظام. والوصب: التعب. وَصِبَ يوصبُ؛ وصَباً؛ أي لما يصيبه من السهر ينسى زمام ناقته إذا نزل.
والذئبُ يطرقنا في كل منزلةٍ ... عدوَ القرينينِ في آثارِنا خببا
قالتْ أمامةُ لا تجزع، فقلتُ لها ... إنَّ العزاَء وإنَّ الصبرَ قدْ غلبا
أي لا تجزعْ من عض الزمان.
(3/17)

هلا التمستِ لنا إن كنتِ صادقةٍ ... مالاً نعيشُ به في الناسِ أو نشبا
حتى نجازِيَ أقواماً بسعيهم ... من آلِ لأيٍ وكانوا معشراً نجبا
إنَّ امرأً رهطُه بالشامِ منزلهُ ... برملِ يبرينَ جاراً شدَّ ما اغتربا
لا بدَّ في الجدِّ أنْ تلقى حفيظتهم ... يومَ اللقاءِ وعيصاً دونهم أشبا
في الجِد: إذا جدوا في الحروب. وحفيظتهم: أنفتهم وغضبهم. والعيص: الشجر المتداني. والأشب: الملتف.
ردوا على جارِ مولاههمْ بمهلكةِ ... لولا الإلهُ ولولا دفعهمْ ذهبا
لن يتركوا جارهم في قعرِ مظلمةِ ... غبراَء ثمت يطووا دونه السبا
أي في بئر مظلمة. وضربه مثلاً؛ أي في أمرٍ شديد ملتبس. والسبب: الحبل.
سيرى أمامَ فإنَّ الأكثرين حصًى ... والأكرمين إذا ما ينسبون أبا
قومٌ هم الأنفُ والأذنابُ غيرهمُ ... ومن يسوي بأنفِ الناقةِ الذنبا
قومٌ إذا عقدوا عقداً لجارهمُ ... شدوا العناجَ وشدوا فوقه الكربا
العناج: أن تثقل الدلو فيعقد تحتها حبلٌ ثم يشد إلى الرسنِ وإلى العراقي، وهي الخشبات
الأربع. والكرب: الحبل الذي يشد فوق العراقي، وهذا مثل ضربه. وإنما يريد: إذا عقدوا عقداً لجارهم أحكموه.
قومٌ يبيتُ قريرَ العين جارهمُ ... إذا لوى بقوَى أطنابهمْ طنبا
قال أبو الهيثم خالد بن كلثوم: يقال: فلان جاري مطانبي، وجارِي مكاسري، وجاري مؤاصري. وجاري مصاقبي. فالمطانب: الذي اتصلت أطنابُ بيته بأطنابِ بيتك. والمكاسر: الذي كسر بيته إلى كسر بيتك. وكسر البيت من بيوت الأعراب: ناحيتاه من عن يمين وشمال. ومؤخره: كفاؤه، ومقدمه: رواقه، كالدهليز أمام الدار. والصقْب: العمود الذي يمسك البيت. فأما الصقَب - المفتوح القاف - فالقريب. والأصر: الحبال القصار، واحدها إصار. والأطناب: الطوال. ومن هذا قيل للرجل إذا بالغ في وصف الشيء: قد أطنب فيه.
أبلغْ سراةَ بنيِ كعبٍ مغلغلةً ... جهدَ الرسالةِ لا ألتاً ولا كذبا
الألتُ: النقصان. قال الله جل وعز: لا يألتكم من أعمالكم شيئاً. والجهد: المشقة والمبالغة. جهدت نفسي. وقد قالوا: أجهدتُ. والجُهد بالضم: الطاقة. والذين لا يجدونَ إلا جهدهم.
ما كان ذنبُ بغيضٍ لا أبالكمُ ... في بائسٍ جاَء يحدو أينقاً شزبا
(3/18)

حطتْ به مِنْ بلادِ الطودِ تحدرهْ ... حصاءُ لم تتركْ دونَ العصا شذبا
جاءت به من بلاد الجبال سنةٌ حصاء؛ أي ليس بها نبات. وقوله: لم تتركْ دون العصا شذبا: أي قد أكلت الشجر إلا عصيه. .
ويروي: من بلاد الطور عارية شهباء. ومن بلاد الطور: يعني من الشام.
ما كان ذنبك في جارٍ جعلت له ... عيشاً وقد كان ذاق الموتَ أو كربا
جارٍ أنفت لعوفٍ أن تسبَّ بهِ ... ألقاهُ قومٌ دناةٌ ضيعوا الحسبا
يروى جفاه.
أخرجت جارهم من قعرِ مظلمةِ ... لوْ لمْ تغثهُ ثوى في قعرها حِقَبَا
ويروى حُقُبا
وقال يمدح آل لأي أيضاً:
ألا هبت أمامةُ بعدَ هدءٍ ... تعاتبني وما قضت كراهَا
أي لامتني في جوف الليل وهي لم تشبع من النوم.
فقلت لها أمامَ ذري عتابي ... فإن النفس مبديةٌ نثاها
نثاها: خبرها الذي تكتمه.
وليس لها من الحدثانِ بدٌّ ... إذا ما الدهرُ من كثب رماها
الكثب: القرب. يقال: أكثبك الصيدُ فارمهِ؛ أي قرب منك وأمكنك. وقد أفقرك الصيدُ مثله. وفلان يرمي من كثب ومن فقرةٍ؛ أي من استمكان. هذا عن أبي الهيثم.
فهل أبصرتِ أو خبرتِ نفساً ... أتاها في تلمسِها مناها
يقول: هل خبرتِ أن نفساً أتتها منيتها في كل ما تحب؛ فأقصرى عن عتابي.
كأني ساورتني ذات سمٍّ ... نقيع لا تلائمها رقاها
أي كأني بت لسيعاً لا تنجع في الرقا. نقيع: ناقعٌ في أنيابها.
لعمرُ الراقصاتِ بكلِّ فجٍّ ... من الركبان موعدها مناها
الراقصات: اللواتي يهتززن في المشي. مناها: يريد منيَ مكة.
لقد شدت حبائلُ آل لأيٍ ... حبالي بعدما ضعفتْ قوها
يريد عقودهم: عهودهم التي عهدوها. وهذا مثل.
(3/19)

فما تتامُ جارةُ آلِ لأيٍ ... ولكنْ يضمنونَ لها قراها
تتام: تفتعل من التيمة. والإتيام: أن يشتهي القومُ اللحم فيذبحوا شاةً بينهم. والاسم التيمة، فجارتهم لا تتام، ولكن اللحمم يكثر عندها؛ فهم يكفونها إياه.
لعمرك ما يضيع آل لأيٍ ... وثيقات الأمورِ إلى عراها
وثيقات الأمور: ما اشتد منها. وعراها: ما تشد به. . يقول: هم يحكمون هذا كله.
وما تركت حفائظها لأمرٍ ... ألمَّ بها وما صغرت لهاها
ومن يطلب مساعي آل لأيٍ ... تصعدهُ الأمورُ إلى علاها
يقول: من يطلبْ مساعيهم تحمله الأمورُ على مشقة.
كرامٌ يفضلونَ قرومَ سعدٍ ... أولي أحسابها وأولي نهاها
وهم فرعُ الذرا من آلِ سعدِ ... إذا ما عدَّ من سعد ذراها
الذروة: السنام. وفرعه: أعلاه.
وخطةِ ماجدٍ في آلِ لأيٍ ... إذا ما قام قائلها قضاها
إذا اعوجتْ قناةُ الأمرِ يوماً ... أقاموها لتبلغَ منتهاها
لتبلغَ قدرها الذي كانت عليه ضربه مثلاً.
ويبني المجدَ راحلُ آلِ لأيٍ ... على العوجاءِ مضطمراً حشاها
أي يطولُ سفره إلى الملوك وغيبته عن أهله حتى يرجع وناقته عوجاء: مهزولة.
وتسعى للسياسة آلُ لأيٍ ... فتدركها وما اتصلت لحاها
السياسة: إصلاحُ الأمور وتقويمها. ويروى: وما وصلت.
لعمرك إنَّ جارةَ آلِ لأيٍ ... لعفٌّ جيبها حسنٌ نثاها
نثاها: ذكرها.
وقال يمدح علقمة بن علاثة بن الأحوص بن جعفر بن كلاب:
ألا لُليلى أزمعوا بقفولِ ... ولم يؤذنوا ذا حاجةِ برحيلِ
تنادوا فحثُّوا للتفرقِ عيرهُمْ ... فبانوا بجماءِ العظامِ قتولِ
جماءِ العظام: ليس لعظامها حجم، من قولهم: كبش أجم، وشاة جماُ: إذا لم يكن لها قرن.
(3/20)

مبتلةٌ يشفِي السقيمَ كلامها ... لها جيدُ أدماءِ العشيِّ خذولِ
المبتلة: السبطة الخلقِ لا يركبُ خلقها بعضه على بعض. والخذول: التي تخذل القطيع وتقيم على ولدها، أو على مرعًى. وأدماءُ العشيِّ: أي لونها حسنٌ بالعشي.
وتبسمُ عن عذبِ المجاج كأنهُ ... نطافةُ مزنِ صفقتْ بشمولِ
فعدِّ طلاب الحيِّ عنك بجسرةٍ ... تخيلُ في ثنِي الزمامِ ذمولِ
عده: اصرفه، وتعدَّ عنه: انصرفْ عنه. والجسرة: السبطة على الأرض في غير ارتفاع.
عذافرةِ حرفٍ كأنَّ قتودها ... على خاضبٍ بالأوعسينِ جفولِ
العذافرة: الشديدة. والحرف: الضامرة. والخاضب: الظليم الذي قد أكل الخضرة. ويقال: قد خضبت الأرضُ إذا اخضرت.
لعمري لقد جاريتمُ آل مالكٍ ... إلى ماجدٍ ذي جمةِ وحفيلِ
الجمة: ما اجتمع من الماءِ والحفيل: فعيل، من احتفل إذا اجتمع. ومنه المحفل. قال: يريد به البئر أو الضرع.
إذا قايسوه المجدَ أربى عليهمُ ... بمستفرغٍ ماء الذنابِ سجيلِ
سجيل: كبير. يقال: سجل سجيل، وفحل فحِيل.
بمستفرغ: أي بغربٍ، يستفرغُ ماءَ الذناب: جمع ذنوب.
وإنْ يرتقوا في خطةٍ يرقَ فوقها ... بثبتِ على ضاحي المزلّ رجيلِ
فصدوا صدودَ الوانِ أبقى لعرضكم ... بني مالكٍ إذْ سدَّ كلُّ سبيلِ
كان في الأصل: صدودَ الوانِي أبقَى؛ أي اعدلوا كما يعدلُ الواني. والواني: المعي الفاتر.
وهل تعدلُ الظربى اللئامُ جدودها ... بآدم قلْبٍ من بناتِ جديلِ
يروى: القصار أنوفها. والقلب: الخالص. وجديل: اسم فحلٍ كريم. والظربان: دابةُ مثل السنور منتنة الريح. والجمع الظربى، والظرابي، والظرابين.
فتىً لا يضامُ الدهرَ ما عاشَ جارهُ ... وليس لإدمانِ القرَى بملولِ
يضام: يقهر ويستذلُّ.
هو الواهبُ الكومَ الصفايا لجارهِ ... وكلَّ رقيقِ الحرتينِ أسيلِ
الكوم: الإبل العظام الأسنمة. يريد كلَّ فرس رقيق الأذنين. وأراد بالرقة العتق. وأسيل: يعني أسيل الخدين.
(3/21)

وأشجعُ يومَ الروعِ من ليثِ غابةٍ ... إذا مستباةٌ لم تثقْ بحليلِ
الغابة: الأجمة. والمستباة: المرأة المسبية.
وخيلٍ تعادى بالكماةِ كأنها ... وعولُ كهافٍ أعرضتْ لوعولٍ
الكهاف: مساكنُ الوعولِ في الجبالِ. وهي الغيران: جمع غار. وأعرضت: اعترضت.
مبادرةٍ نهباً وزعت رعيلها ... بأبيضَ ماضِي الشفرتين صقيلِ
وزعت: رددت وكففت.
أخو ثقةٍ ضخمُ الدسيعة ماجدٌ ... كريمُ النثا مولاهُ غيرُ ذليل
ضخم الدسيعة: ضخم الخلق. والنثا: الذكر.
إذا الناسُ مدوا للفعالِ أكفهم ... بذختَ بعادِيِّ السراةِ طويلِ
أي بمجد عاديّ: أي قديم. وسراة كل شيء: أعلاه.
وجرثومة لا يقربُ السيلُ أصلها ... فقد سالَ عنها الماءُ كلَّ مسيلِ
الجرثومة: هضبة. وهذا مثلٌ ضربه - يريد بالجرثومة المجد.
بنى الأحوصانِ مجدها ثم أسهلتْ ... إلى خيرِ مردٍ سادةٍ وكهولِ
يقول: بناها الأحوصان ثم انحدرت إلى خير مرد وكهول.
فإنْ عدَّ مجدٌ حادثٌ عدَّ مثله ... وإن أثلوا أدركتهم بأثيلِ
حفظتَ تراثَ الأحوصينِ فلم تضعْ ... إلى ابني طفيل مالكٍ وعقيل
أي قمتَ بالأمر ولم تكله إلى ابني طفيل.
فما ينظرُ الحكامُ بالفصلِ بعدما ... بدا واضحٌ ذو غرةٍ وحجولِ
وقال يرثي علقمة بن علاثة:
نظرتُ على فوتٍ ضحياً وعبرتي ... لها منْ وكيفِ الرأسِ شنٌّ وواشلُ
أي نظرتُ بعد ما فاتتني الحمول. شنَّ الماءَ يشنه: صبه. والواشلُ: الذي يسيلُ بعضه ويقطرُ بعضه.
(3/22)

إلى العيرِ تحدَى بين قوٍّ وضارجٍ ... كما زال في الصبحِ الأشاءُ الحواملُ
زال: تحولَ. والأشاءُ: النخيل الأفتاءُ، الواحدة أشاءة. والأشاءة أيضاً: الجماعة من النخل.
روى ابن الأعرابي: كما زال في الآلِ النخيلُ الحواملُ.
فأتبعتهمْ عينيَّ حتى تفرقتْ ... مع الليلِ عن ساقِ الفريدِ الجمائل
الفريد: جبل. والجمائل: جمع جمالة.
فلأياً قصرتُ الطرفَ عنهم بجسرةِ ... ذمولٍ إذا واكلتها لا تواكل
فلأيا: بعد بطءٍ.
صموتِ السرَى عيرانةٍ ذاتِ منسمٍ ... نكيبِ الصوَى ترفضُّ عنه الجنادلُ
عيرانة: تشبهُ العير من حمير الوحشِ. ونكيب: أي قد نكبته الصوى.
عذافرةٍ خرساَء فيها تلفتٌ ... إذا ما اعتراهَا ليلها المتطاول
كأني كسوتُ الرحلَ جوناً رباعياً ... شنوناً ترباهُ الرسيسُ فعاقلُ
الجون: الأبيض هنا. الشنون: بينَ السمين والمهزول.
والرسيس وعاقل: موضعان.
رباعٌ أبوهُ أخدرِيٌّ وأمهُ ... من الحقبِ فحاشٌ على العرسِ باسلُ
فحاش: أي فاحشُ الفعل. أخدري: حمار منسوب، وكان يقال للحمر بنات الأخدر. والأخدر: حمارٌ فارهٌ كان من حمير أهلِ العراق؛ فقيل لحمرِ الوحش الأخدرية. قال: والأعراب يقولون: الأخدري: فرسٌ من خيل تبع ملكٍ من ملوكِ اليمن؛ وإنه شردَ فدخل البرَّ وضرب في حمر الوحش. والواحد من الحقب أحقب وحقباء؛ وهي المبيضة الحقي.
إذا ما أرادتْ صاحباً لا يريده ... فمنْ كلِّ ضاحي جلدِها هو آكلُ
ترى رأسه مستحملاً فوق ردفها ... كما حملَ العبَء الثقيلَ المعادل
وإن جاهدتهُ جاهدتْ ذا كريهةٍ ... وإنْ تعدُ عدواً يعدُ عادِ مناقلُ
المجاهدة: أن يبلغا جهدهما. والكريهة: مبلغ الشر. وسيف ذو كريهة؛ أي يمضي على ضريبته. والمناقلة: عدوٌ في حجارةٍ يتقي منها.
يثيرانِ جوناً ذا ظلالٍ كأنهُ ... جديدُ النقاعِ استكرهتهُ المعاولُ
النقاع: جمع نقعٍ: الغبار.
(3/23)

إلى القائلِ الفعالِ علقمةِ الندَى ... رحلتُ قلوصي تجتويها المناهِلُ
الاجتواء: قلة الملاءمة. تقول: اجتويتُ هذه الأرض، أي لم توافقني، واجتويت الطعام: إذا لم يوافقك.
إلى ماجد الآباءِ فرعٍ سيمدعٍ ... لهُ عطنٌ يومَ التفاضلِ آهل
قال المنتجع: السميدع: الموطأ الأكناف. وقوله: له عطن: هذا مثل. يقول: له فناءٌ فيه اتساع. والعطن: أصله مبركُ الإبل.
فما كان بيني لو لقيتك سالماً ... وبين الغني إلا ليال قلائلُ
لعمرِي لنعمَ المرءُ من آلِ جعفرٍ ... بحورانَ أمسَى أعلقتهُ الحبائل
لقد غادرتْ حزماً وجوداً ونائلاً ... ولباً أصيلاً خالفتهُ المجاهل
وقدراً إذا ما أمحلَ الناسُ أوفضتْ ... إلى نارها سعياً إليها الأرامل
أوفضت إيفاضاً: أسرعت.
لعمري لنعمَ المرءُ لا واهنُ القوى ... ولا هو للمولَى على الدهرِ خاذل
لا واهنُ القوى: لا ضعيف العقدِ.
لعَمْرِي لَنِعمَ المرءُ إنْ عَيَّ قائلٌ ... عن القيلِ أو دنَّى عن الفعلِ فاعلُ
يداكَ خليجُ البحرِ إحداهما دماً ... تفيضُ وفي الأخرى عطاءٌ ونائلُ
يروى: دمٌ يفيض.
فإنْ تحيَ لا أمللْ حياتي وإن تمتْ ... فما في حياةِ بعدَ موتك طائل
قال أبو حاتم: هذا آخرها.
وفي كتاب حمادٍ الراوية بيتٌ زائد، وهو:
لعمري لنعمَ المرءُ لا متقاصرٌ ... عن السورةِ العليا ولا متضائلُ
قال أبو حاتم: ليس هذا البيت بشيءٍ.
وقال الحطيئة يمدح الوليدَ بن عقبة بن أبي معيط:
عفا توأمٌ منْ أهله فجلاجلهْ ... وردت على الحيِّ الجميع جمائلهُ
ردت الإبلُ عليهم للرحيل.
(3/24)

وعالينَ عقلاً فوق رقمٍ كأنهُ ... دمُ الجوفِ يجرِي في المذارِع واشلهْ
العقل: كل خيط يعقلُ بخيطٍ آخر يدخل من تحته ثم يرفع على خيطٍ آخر. والرقم: النقش. والواشل: السائل. والمذارع: القوائم.
كأنَّ النعاجَ الغرَّ وسطَ بيوتهم ... إذا اجتمعتْ وسطَ البيوتِ مطافِله
النعاج: بقر الوحش. والغر: البيض.
أبى لابنِ أروى خلتانِ اصطفاهما ... قتالٌ إذا يلقى العدوَّ، ونائلهْ
أروى: بنت أمِّ حكيم بنت عبد المطلب، كانت تحت عفان بن أبي العاص فولدتْ له عثمان، ومات عنها عفان، فخلف عليها عقبة بن أبي معيط. فولدت له الوليد؛ فالوليد أخو عثمان من أمه.
فتى يملأُ الشيزى ويروى بكفهِ ... سنانُ الردينيِّ الأصمِّ وعامله
قال: يظنونَ أن الجفنة من شيزٍ لسوادها من الدسم، وأنشد للجعدي:
لطمنَ بترسٍ شديد الصفا ... قِ من خشبِ الجوزِ لم يثقبِ
قال: والترس لا يكونُ من خشب الجوز. قال: وجفانهم جوز.
يؤمُّ العدوَّ حيثُ كان بجحفلٍ ... يصمُّ العدوَّ جرسه وصواهلهْ
ترى عافياتِ الطيرِ قد وثقتْ لها ... بشبعٍ من السخلِ العتاقِ منازلهْ
العافيات: التي تدنو من الإنسِ وتطلبُ. وكل شيءٍ ألمَّ بك يريدُ معروفكَ فهو عافٍ، ومعتفٍ. والسخلُ: ما تقذفُ الخيلُ به من أولادها. والعتاق: الكرام.
إذا حانَ منه منزلُ الليلِ أوقدتْ ... لأخراه في العالي اليفاع أوائلهْ
يظلُّ الرداءُ العصبُ فوقَ جبينهِ ... يقي حاجبيه ما تثيرُ قنابلهْ
نفيتَ الجيادَ الغرَّ عن عقرِ دارهمِ ... فلم يبقَ إلا حيةٌ أنتَ قاتلهْ
وكمْ منْ حصانِ ذاتِ بعل تركتها ... إذا الليلُ أدجى لم تجدْ منْ تباعلُهْ
وإني لأرجوه وإنْ كان نائياً ... رجاَء الربيعِ أنبتَ البقلَ وابلُهْ
أي أرجوه رجاءَ الربيع ذي الوابل والخصب.
لزغبٍ كأولاد القطا راثَ خلفها ... على عاجزاتِ النهضِ حمرٍ حواصلهْ
راث: أبطأ. والخلفُ: المستقي. وعنى بالمستقي الأمهات، لأنهن يجئنهنَّ بالماءِ، وعنى بعاجزات النهضِ: الفراخ؛ أي لم تقوَ أن تنهض. وقال حواصله فذكَّر؛ لأنه ردَّ الضمير إلى دردق، أي إنما ذكر لأنه ردَّ المضمر إلى الأولاد على المعنى؛ لأن أولاد القطا قطاً، والقطا يغلبُ عليه التذكير.
(3/25)

وقال يهجو بني بجاد، وهم من بني عبس:
أفيما مضى من سالفِ الدهرِ تدكرْ ... أحاديثَ لا ينسيكها الشيبُ والعمرْ
طربتَ إلى منْ لا تواتيكَ دارهُ ... ومن هوَ ناءٍ عن طلابكمُ عسرْ
إلا طفلةِ الأطرافِ زين جيدها ... مع الحليِ والطيبِ المجاسدُ والخمرْ
الطفلة: اللينة الناعمة. والمجسد: ما صبغَ بالزعفران أو العصفر حتى ييبس من كثرة صبغه.
من البيض كالغزلان والحورِ كالدمى ... حسانٌ عليهنَّ المعاطفُ والأزرْ
ترى الزعفرانَ الوردَ فيهنَّ شاملاً ... ومسكاً ذاكياً خالصاً ريحهُ ذفرْ
عليلاً على لباتِ بيضٍ كأنها ... نعاجُ الملا فيها المقاليتُ والنزُرْ
المقاليت: واحدتهنَّ مقلات، وهي التي لا يعيش لها ولد. والنزر: القليلات الأولاد، الواحدة نزور؛ من قولهم: عطاءٌ نزرٌ. والعليل: الذي يعلُّ به مرةً بعد مرة.
بني عمنا إنَّ الركابَ بأهلها ... إذا ساَءا المولَى تروحُ وتبتكرْ
يقول: إذا ركبها ابنُ العمّ بمكروهٍ رحلتْ عنه.
بني عمنا ما أسرعَ اللومَ منكمُ ... إلينا ولا نجني عليكم ولا نجر
ونشربُ رنقَ الماءِ من دونِ سخطكمْ ... وما يستوي الصافي من الماءِ والكدرْ
غضبتم علينا أن قتلنا بخالدٍ ... بني مالكٍ ها إنَّ ذا غضبٌ مُطِرّ
مُطِرّ: مُدِلّ. يقال: أتانا مطراً؛ أي مدلاً، إذا تجاوز القدر. وقال غير الأصمعي: مطرٌ: عامّ.
وكنا إذا دارت عليكم عظيمةٌ ... نهضنا فلم ينهضْ ضعاف ولا ضجرْ
ونحنُ إذا ما الخيلُ جاءتْ كأنها ... جرادٌ زفتْ أعجازه الريحُ منتشرْ
(3/26)

نحامي وراَء السبي منكم كما حمتْ ... ليوثٌ ضوارٍ غيلَ أشبالها هصرْ
يروى: حولَ أشبالها عقرُ.
على كلِّ محبوِ المرَاكلِ سابحٍ ... إذا أشرعتْ للموتِ خطيةٌ سمُرْ
المحبوك: الشديد الجدل. والمراكل: مواضع أعقابِ الفرسان، الواحد مركل.
مطاعينُ في الهيجا مكاشيفُ للدجى ... إذا ضجَّ أهلُ الروعِ ساروا وهم وقرْ
وأما بجادٌ رهطُ جحشٍ فإنهمْ ... على النائباتِ لا كرامٌ ولا صبُرْ
إذا نهضتْ يوماً بجادٌ إلى العلا ... أبَى الأشمطُ الموهونُ والناشئ الغمرْ
الغمر: الذي لم يجرب الأمور.
تدرونَ إن شدَّ العصابُ عليكمُ ... ونأبَى إذا شدَّ العصابُ فلا ندرُّ
ضرب هذا مثلاً.
يقو إذا حمى عليكم بأسُ قومٍ واشتدّ عليكم أمرهم أعطيتموهم ما طلبوا منكم، ونحن لا نفعلُ؛ لا نعطي أموالنا على القسر.
نعامٌ إذا ما صيحَ في حجراتكم ... وأنتمْ إذا لم تسمعوا صارخاً دثرْ
يريد أنتم أشردُ من النعام إذا فزعتم، وأنتم ما لم تفزعوا نيام لا تنتبهون لخير.
ترى اللؤمَ منهمْ في رقابٍ كأنها ... رقابُ ضباعٍ فوقَ آذانِها الغفرْ
الغفر: الشعر، مثل غفر القطيفة.
إذا طلعَتْ أولَى المغيرةِ قوموا ... كما قومتْ نيبٌ مخزمةٌ زجر
الزجور التي لا تدرُّ إلا بضربٍ أو زجر. والمخزمة: التي تلقي ولدها لغير تمام، ثم تعطف
على غيره أو على ولدها وقد حشِي جلده بالثمام، ويشد أنفها.
بغمامة لئلا تجدَ ريحه إذا عطفتْ على غيره، وتجعل لها درجة. والدرجة: خرقٌ تلف وتحشى بفراء وتجعل في حيائها ويخل حياؤها واستها فتمخض بذلك يوماً وليلةً ثم ينزع الخلال والغمامة فتقع الدرجة فترأم ما عطفت عليه.
وقال أبو عمرو: المخزمة: التي في آنافها الخزائم، وواحدُ الخزائم خزامة؛ وهي حلقة من شعر، فإذا كانت من صفر أو فضة فهي برة.
وقوله: كما قومت؛ أي كما قامت الناقة إذا حلبت.
أرى قومنا لا يغفرونَ ذنوبنا ... ونحنُ إذا ما أذنبوا لهم غفرْ
ونحن إذا جببتم عن نسائكم ... كما جببتْ من خلفِ أولادها الحمر
جببتم: أي عدوتم كما تعدو الحمر إلى أولادها.
عطفنا الجيادَ الجرد خلفَ نسائكم ... هي الخيلُ مسقاها زبالةُ أو يسرْ
أي هي خيلنا التي تعرفون، تشربُ بزبالةَ أو يسر.
(3/27)

يجلنَ بفتيانِ الوَغَى بأكفهمْ ... ردينيةٌ سمرٌ أسنتها حمرْ
إذا أجحفتْ بالناسِ شهباءُ صعبةٌ ... لها حرْجفٌ مما يقلُّ بها القترْ
سنةٌ شهباءُ: إذا لم تنبت شيئاً، بمعنى أن الشجر يشهابُّ فيها. والحرجف. الشمال الشديدة. والقتر: جمع القتار: دخان الشحم.
أراد أن هذا يقلُّ في مثل هذه السنة؛ أي قلُّ طبخُ اللحم وشيه.
نصبنا وكان المجدُ منا سجيةً ... قدروا وقد تشقى بأسيافنا الجزر
ومنا المحامي من وراءِ ذماركم ... ونمنعُ أخراكمْ إذا ضيعَ الدبر
تمت
وقال يصف إبله:
إذا نام طلحٌ أشعثُ الرأسِ دونها ... هداهُ لها أنفسها وزفيرها
الطلح: المعيي.
يقول: إذا نام معيٍ خلفها ثم طلبها استدلَّ عليها بأنفاسها وزفيرها. قال: يعني بالطلح القراد.
الزفير: ترديد النفس حتى تنتفخ الضلوع. الزفير من الصدر والشهيق من الحلق. أول نهيق
الحمار وما أشبه النهيق هو الزفير وآخره الشهيق.
عوازبُ لم تسمعْ نبوح مقامةٍ ... ولم تحتلبْ إلا نهاراً ضجورها
النبوح: ضجة الناس وجلبتهم. والمقامة: مجتمع الناس حيث يقيمون.
الضجور: التي تضج إذا احتلبتْ.
قال الأصمعي: قوله: إلا نهاراً؛ أي تطلع عليها الشمسُ فتسخنُ ظهورها وتطيبُ أنفسها؛
وجعلها هكذا لأنها لا تراح على أهلها.
إذا بركتْ لم يؤذها صوتُ سامرٍ ... ولم تقصَ عن أدنى المخاضِ قذورها
يقول: لا تبيت قريباً من الناس؛ إنما تبيت عازبةً في القفرِ. والقذور: التي لا تبيتُ مع الإبل.
ولم يرعها راعٍ ربيب ولم تزل ... هي العروةُ الوثقى لمنْ يستجيرها
يقول: لم يرعها راعِ ربيبٌ في البيت؛ إنما يرعاها من يعزب معها، ومن نزل فيها كان لها جاراً.
ومعناه: من استجار بها منعناه.
طباهنَّ حتى أطفلَ الليلُ دونها ... نفاطيرُ وسميٍّ رواءٍ جذورها
نفاطير وسميِّ: أي نبتٌ من نبتِ الوسميِّ يقع في مواضعَ من الأرض مختلفة. والجذور: الأصول.
قال أبو عمرو: النفاطير، والتفاطير: نبت متفرق.
يطفن بجون جافرٍ يتقينهُ ... بروعاتِ أذنابٍ قليلٍ عسورها
الجون هنا: الأسود، وهو الفحل. وقوله: قليلٍ عسورها؛ لأنه استبان حملها وسكنتْ. والعاسر: الشائلة؛ وإنما تسكنُ إذا حملَتْ.
(3/28)

فظلت أوابيها عواكفَ حوله ... عكوفَ العذارى ابتزَّ عنها خدورها
الأوابي: التي تأبى الفحلَ لا تريده. وعواكف حوله: لا تبرحه حباً له.
دعاهنَّ فاستسمعنَ من أين زرهُ ... برقشاَء من دونِ اللهاةِ هديرها
يعني الشقشقة، ولونها أرقش. والرزُّ: الصوت.
كميتٌ كركنِ البابِ قد شقَّ نابه ... وأحنتْ له مقلاتُها ونزورها
كميت: أي أحمر. وقوله: كركنِ الباب: أي كسارية الباب. وشقّ نابه: فطر. والمقلات: التي لا يكاد يعيش لها ولد. والنزور: القيلة الولد.
إذا ما تلاقتْ عنْ عراكٍ تدافعتْ ... على الحوضِ أشباهٌ قليلٌ ذكورها
العراك: الزحام.
وألقَتْ سباطاً راشفاتٍ كأنها ... من السبتِ أهدامٌ دقاقٌ خصورها
السباط: يعني المشافر. وراشفات: أي ترشفُ الماء. والسِّبْتُ: جلود البقر المدبوغة بالقرظ التي تتخذ منها النعال. والأهدام: الخلقان.
فلم تروَ حتى قطعتْ من حبالها ... قوى محصداتٍ شدَّ شزراً مغيرها
المحصد: الشديد الفتلِ. والمغير: الذي يفتلُ الحبالَ. والشزر: الفتل على اليسار.
وحتى تشكَّى الساقيانِ وهدمتْ ... من الحوضِ أركاناً سريعاً جبورها
تهدمها فتبنى في ساعةٍ لئلا يذهبَ الماءُ.
رعتْ منبتَ السوبانِ ستين ليلةً ... حراماً بها حتى أحلتْ شهورها
يقول: رعتهُ في الأشهر الحرم.
وقال أيضاً:
أشاقتكَ ليلى في اللمامِ وما جزتْ ... بما أزهقتْ يوم التقينا وضرتِ
كطعمِ شمولٍ طعمُ فيها وفأرةٌ ... من المسكِ منها في المفارقِ ذرتِ
وأغيدَ لا نكسٍ ولا واهنِ القوى ... سقيتُ إذا أولى العصافيرِ صرتِ
(3/29)

رددتُ عليهِ الكأسَ وهيَ لذيذةٌ ... إلى الليلِ حتى ملَّها وأمرَّت
وأشعثَ يهوى النومَ قلتُ له ارتحلْ ... إذا ما الثريا في السماءِ اسبطرتِ
اسبطرت: امتدت.
فقام يجرُّ البردَ لوْ أنَّ نفسه ... يقالُ له خذها بكفيكَ خرت
يقول: به من النعاسِ ما لو كانت نفسه في يده لرمى بها.
ألا هلْ لسهمٍ في الحياةِ فإنني ... أرى الحربَ عن ورقٍ كوالح فرَّتِ
أي هل لهم في السلمِ؛ والكالح: الذي قد خرجت أسنانه لشدة الحرب. ويقال للرجل الطويل الثنايا: أروق. ضربه مثلاً.
ولن يفعلوا حتى تئولَ عليهم ... بأيديهمُ شولَ المخاضِ اقمطرتِ
يقال للناقة إذا لقحتْ وتنفشت: قد اقمطرت.
عوابسَ بالشعثِ الكماةِ إذا ابتغوا ... علالتها بالمحصداتِ أصرت
قال: الخيلُ لا ترى أبداً في الحرب إلاَّ كالحةً عابسة. والعلالة: جري بعد جري. والمحصدات: السياط.
تنازع أبكارَ النساءِ ثيابها ... إذا خرجتْ من حلقةِ البابِ كرتِ
يقول: إذا خرجتْ من موضع ضيق ردت إلى أضيقَ منه.
بكل قناةٍ صدقةٍ زاعبيةٍ ... إذا أكرهتْ لم تنأطرْ واتمأرتِ
صدقة: صلبة. ولم تنأطرْ: لم تعوجَّ. واتمأرت: اشتدت.
وإنَّ الحداد الزرقَ من أسلاتنا ... إذا واجهتهنَّ النحورُ اقشعرتِ
قناة الرمح: أسلته، والجمع أسلات. وأسل.
وجرثومةٍ لا يقربُ السيلُ أصلها ... رسا وسطَ عبسٍ عزها واستقرت
ولكنَّ سهماً أفسدتْ دارَ غالبٍ ... كما أعدتِ الجربُ الصحاحَ فعرتِ
ولو وجدتْ سهمٌ على الغيِّ ناصراً ... لقد حلبتْ منها نساءٌ وصرتِ
(3/30)

وإنَّ المخاضَ الأدمَ قد حال دونها ... حدادٌ من الخرصانِ لانتْ وترتِ
ترت: غلظتْ.
فلنْ تعلفُونا الضيمَ ما دام جذمُنا ... ولمّا تروا شمس النهار استسرَّتِ
تعلفونا الضيمَ: تطعمونا. وهذا مثلٌ. وأنشدَ:
إذا كنتَ في قومٍ عداً لستَ منهم ... فكل ما علفتَ من خبيثٍ وطيبِ
وقوله: ولما تروا شمسَ النهارِ استسرت؛ أي ولما تكسفِ الشمس ويكن اليوم مظلماً.
وقال لبني عامر بن صعصعة:
أتعرفُ منزلاً من آلِ هندٍ ... عفا بعد المؤبلِ والشوِيِّ
المؤبلة: الإبل. والشوِي: الشاءُ.
تقادم عهدهُ وجرى عليه ... سفيٌّ للرياحِ على سفيِّ
السفيُّ، والسافي: التراب تسفيه الريحُ وتطيره.
تراها بعد دعسِ الحيِّ فيها ... كحاشيةِ الرداءِ الأتحمي
الدعس: الوطءُ. والأتحميّ: ضربٌ من برود كانت تعملُ في أول الدهر.
أكلَّ الناسِ تكتمُ حبَّ هندٍ ... وما تخفِي بذلكَ من خفيِّ
سقيةُ بينَ أنهارٍ وزرعٍ ... سقاها بردُ رائحةِ العشيِّ
يقول: إنها في خصب. ورائحة العشيّ: السحابة التي تروح فتمطر.
منعمةٌ تصونُ إليكَ منها ... كصونكَ من رداءٍ شرعبيّ
يظلُّ ضجيعها أرجاً عليهِ ... مفارقُها من المسكِ الذكيِّ
جمع المفرق بما حوله. وإنما هو مفرقٌ واحد. والأرج: توهج الطيب. وكلُّ ما توهجَ فقد تأرج. والذكي: الحاد الريح. ومنه ذكاء القلب.
يعاشرها السعيد، ولا تراها ... يعاشرُ مثلها جدُّ الشقيِّ
فما لكَ غيرُ تنظارٍ إليها ... كما نظر الفقيرُ إلى الغنيِّ
فأبلغْ عامراً عني رسولاً ... رسالةَ ناصحٍ بهم حفيِّ
عامر بن صعصعة. والحفي: اللطيف.
فإياكمْ وحيةَ بطنِ وادِ ... هموزَ الناب ليس لكمْ بسيِّ
ليس لكم بسيّ: أي بندّ؛ وهو الكفءُ والمثل. يقال: هما سيان في هذا الأمر، وهم أسواءٌ فيه.
(3/31)

وخلوا بطنَ عقمةَ واتقونا ... إلى نجرانَ في بلدٍ رخيِّ
الرخيّ: المتباعد. يقال: قد تراخى ما بين الرجلين: إذا تباعد.
فكم من دارٍ قومٍ قد أباحتْ ... لقومهمُ رماحُ بني عديِّ
فما إنْ كان عنْ ودٍّ ولكنْ ... أباحوها بصمِّ السمهريِّ
أي لم تكن الإباحةُ عن ود كان من هؤلاء، ولكن أباحوها بالرماح. والسمهري: الشديد. ويقال: اسمهر عليه الأمر: أي اشتد.
وكلِّ مفاضةٍ جدلاَء زغفٍ ... مضاعفةٍ وأبيضَ مشرفيِّ
مفاضة: يعني درعاً واسعة. والجدلاءُ: المجدولة الدقيقة الحلق. والزغف: اللينة اللمس. والمضاعفة: التي نسجت حلقتين حلقتين. والمشرفي: السيف، نسب إلى المشارف؛ وهي
قرًى تدنو من الريف.
ومطردِ الكعوبِ كأنَّ فيهِ ... قدامى ذي مناكبَ مضرحِي
يقول: كأنَّ سنانه قادمة نسرٍ من حدته. والمضرحي: العتيق الكريم من النسور. وقيل المضرحي: الأحمر.
إذا خرجتْ أوائلهنَّ يوماً ... مجلحةً كجنةِ عبقريِّ
قال جعفر بن مهلهل: قال ابنُ الكلبي: الذي يقال لهم جنة عبقر: بنو عبقر بن خويلة بن جشم ابن عمرو بن عبد شمس، وكانوا أشدَّ العرب بأساً؛ فصاروا مثلاً. وعبقر: موضع.
وقال الأصمعي: سألنا أبا عمرو عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لم أر عبقريا يفري فريه. فقال: يقال هذا عبقري قوم، كما يقال: هذا سيد قوم، وكريم قوم.
وقال الأصمعي: إنه نسب إلى قوم بعبقر؛ وهي أرض تسكنها الجن؛ فصار لكل منسوب إلى شيء. قال زهير:
بخيلٍ عليها جنةٌ عبقريةٌ ... جديرون يوماً أن ينالوا فيستعلوا
منعنَ منابتَ القلامِ حتى ... علا القُلامُ أفواهَ الركيِّ
الركيِّ: جمع ركية، خرج مخرج شعير وشعيرة. والقُلام: نبتٌ يكون قريباً من الماء؛ أي منعن ذلك الماء، وأحمينَ مراعيه حتى عفا قلامه فغطى أواه الركايا.
أتغضبُ أن يساقَ القهدُ منكمْ ... فمنْ يبكي لأهلِ الساجسيِّ
يروى: أتبكي أن تساقَ. ويروى: لفقدِ الساجسيّ. والقهد: غنم صغار حمر، سك الآذان، كلف الوجوه. والساجسيُّ: غنم أهل الجزيرة، وغنم تغلب والنمر بن قاسط ومن والاهم.
كان سعيد بن العاص على المدينة، فبينا هو يعشى الناس، وقد خفوا إلا حداثه وأصحاب سمره إذا أعرابي قبيح الوجه، كبير السن، سيئ الهيئة على البساط، فانتهى إليه الشرط فذهبوا ليقيموه، فأبى أن يقوم؛ فنظر إليه سعيدٌ وقد حانت منه
(3/32)

التفافة؛ فقال: دعوا الرجل؛ وخاضوا في حديث العرب وأشعارها؛ فقال ولا يعرفونه: ما أصبتم جيدَ العشر ولا شاعر العرب.
فقال له سعيد: فهل عندكَ من ذلك علم؟ قال: نعم. قال: فمن أشعر الناس؟ قال: الذي يقول:
لا أعدُّ الإقتارَ عدماً ولكنْ ... فقدُ منْ قدْ رزئته الإعدام
فأنشدها حتى أتى عليها. قال: فمن يقولها: قال: أبو دواد الإيادي. قال: ثم من؟ قال الذي يقول:
أفلحْ بما شئتَ فقدْ يدركُ بالض ... عفِ وقد يخدَّعُ الأريب
وأنشدها حتى أتى عليها. قال: فمن قالها؟ قال: عبيد ابن الأبرص أحد بني سعد.
قال: ثم من؟ قال: والله لحسبك بي عند رهبة أو رغبة إذا رفعت إحدى رجلي على الأخرى ثم عويت في أثر القوافي كما يعوي الفصيل وراء الإبل الصادرة.
قال: ومنْ أنت؟ قال: أنا الحطيئة.
فرحب به سعيد، وقال: قد أسأتَ بكتمانك نفسك منا الليلة، وقد علمتَ شوقنا إليك، وإلى حديث العرب.
وقال يمدحه:
لعمري لقد أمسى على الأمرِ سائسٌ ... بصيرٌ بما ضرَّ العدوَّ أريب
جريءٌ على ما يكرهُ المرءُ صدرهُ ... وللفاحشاتِ المندياتِ هيوبُ
سعيدٌ وما يفعلْ سعيدٌ فإنه ... نجيب فلاهُ في الرباطِ نجيب
سعيدٌ فلا تغرركَ خفةُ لحمهِ ... تخددَ عنه اللحمُ وهو صليب
إذا خاف إصعاباً من المر صدره ... علاهُ فباتَ الأمرُ وهو ركوبُ
(3/33)

إذا غاب عنا غاب عنَّا ربيعنا ... ونسقى الغمامَ الغرَّ حين يؤوبُ
فنعمَ الفتى تعشو إلى ضوءِ ناره ... إذا الريح هبتْ والمكان جديب
دخل الحطيئة على عتيبة بن النهاس العجلي، وكان من وجوه بكر بن وائل، وكان يبخل، وعلى الحطيئة عباءة، ولم يكن عتيبة يعرفه، فقال له: أعطني. قال: ما أنا على عملٍ فأعطيك وما في مالي فضلٌ عن قومي.
قال: فلا عليك! ثم انصرف. فقال لعتيبة رجلٌ كان عنده من قومه: لقد عرضتنا لشر. قال: ومن هذا؟ قال: الحطيئة؟ قال: ردوه. فردوه. فقال له عتيبة: بئس ما صنعت، ما استأنست استئناسَ الجارِ، ولا سلمت تسليم أهل الإسلام. ولقد كتمتنا نفسك حتى كأنك كنت معتلاً علينا. اجلس؛ فإنَّ لك عندنا ما يسرك؛ فقد عرفنا السبب الذي تمت به، وأنت جار، وأشعر
العرب.
قال: ما أنا بأشعر العرب. قال: فمن أشعر العرب؟ قال: الذي يقول:
ومن يجعلِ المعروفَ من دونِ عرضهِ ... يفرهُ ومنْ لا يتق الشتمَ يشتمِ
فقال له عتيبة: أما إنَّ هذه الكلمة من مقدمات أفاعيك.
ثم قال لغلامه: اذهب معه، فلا يشيرنَّ إلى شيء إلا اشتريته له. فانطلق معه الغلام، فعرض عليه الخزَّ واليمنة، فلم يقبل ذلك، وأشار إلى الأكسية والكرابيس الغلاظ حتى أوقر ما أحبَّ ولم يبلغ ذلك مائتي درهم.
فرجع إلى قومه؛ فلما رأوا ما جاءَ به، وأخبرهم ما صنع به لاموه، وقالوا: بعث معك غلامه، وهو أكثر العرب مالاً، فأخذت القليلَ الخسيسَ، وتركتَ
(3/34)

الجزيلَ النفيس؛ فقال:
سئلتَ فلم تبخلْ ولم تعطِ طائلاً ... فسيان لاذمٌّ عليك ولا حمدُ
وأنتَ امرؤٌ لا الجودُ منك سجيةٌ ... فتعطي وقد يعدِي على النائلِ الوجدُ
يعدِي: يعين.
يقول: قد يعين على الإعطاءِ اليسارُ إن كان الرجل بخيلاً.
لقي الحطيئة طريف بن دفاع الحنفي، فقال له طريف: أين تريد يا أبا مليكة؟ قال: أريد اللبن والتمر. قال: فاصحبني فلك ذلك عندي.
فسار به إلى اليمامة، فأقام عنده حيناً، فأعطاه وأكرمه؛ فقال:
سرينا فلما أنْ أتينا بلادهُ ... أقمنا وأرتعنا بخيرِ مريع
رأى المجدَ والدفاعُ يبنيهِ فابتنى ... إلى كلِّ بنيانِ أشمَّ رفيع
تفرستُ فيه الخيرَ لما رأيته ... لما ورثَ الدفاعُ غير مضيع
فتًى غيرُ مفراح إذا الخيرُ مسهُ ... ومن نائباتِ الدهرِ غيرُ جزوع
عدو بناتِ الفحلِ كم من نجيبةٍ ... وكوماَء قد ضرجتها بنجيع
وذاك فتًى إن تأتهِ في صنيعة ... إلى مالهِ لا تأتهِ بشفيع
وقال يمدح بني رياح بن ربيعة بن مازن بن الحارث بان قطيعة بن عبس، ويهجو بني زهير بن جذيمة:
لنعمَ الحيُّ حيُّ بني رياحِ ... إذا ما أوقدوا فوقَ اليفاعِ
(3/35)

ونعمَ الحيُّ حيُّ بني رياحِ ... إذا اختلط الدواعي بالدواعِي
ألم ترَ أن جارَ بني زهيرٍ ... ضعيفُ الركنِ ليس بذي امتناعِ
وليس الجارُ جارُ بنِي رياحِ ... بمقصىً في المحلِّ ولا مضاع
هم صنعوا لجارهمُ وليست ... يدُ الخرقاءِ مثلَ يدِ الصناع
ويحرمُ سر جارتهم عليهم ... ويأكلُ جارهم أنفَ القصاعِ
أنف: أول.
وجارهم إذا ما حلَّ فيهمْ ... على أكناف رابيةِ يفاع
لعمركَ ما قرادُ بني رياحِ ... إذا نزعَ القراد بمستطاعِ
قال: ربما قرد الذئبُ البعيرَ، أي نزع قرادهُ فيستلذّ البعيرُ ذلك، فيصيب غرتهُ فيملحُ عينه، ضربه مثلاً.
وقال يمدح بشر بن ربيعة بن قرط بن عبيد بن أبي بكر بن كلاب:
أبوك ربيعةُ الخيرِ بن قرط ... وأنتَ المرءُ يفعلُ ما تقول
أغرُّ كأنما حدبتْ عليهِ ... بنو الأملاكِ تكنفها القيولُ
تصدُّ مناكب الأعداءِ عنه ... كراكرُ من أبي بكرٍ حلولُ
كراكرُ لا يبيدُ العزُّ منها ... ولكنّ العزيزَ بها ذليلُ
كراكر: جماعات.
(3/36)

خرج زيد الخيل يتطرف، فلقي الحطيئة وكعب بن زهير بن أبي سلمى، ورجلاً من بني بدر، وهم يتصيدون، فأخذهم.
فأما الحطيئة فقال: والله ما عندي من مالٍ فأعطيكَ، وما هو إلا لساني؛ فأطلقه فمدحه.
وأما كعب فأعطاه فرساً. وأما البدري فأعطاه مائة ناقة، فقال الحطيئة:
إلا يكنْ مالٌ يثابُ فإنه ... سيأتي ثنائي زيداً بنَ مهلهلِ
فما نلتنا غدراً ولكنْ صبحتنا ... غداةَ التقينا في المضيقِ بأخيلِ
بأخيل: جمع خيل.
تفادى كماةُ الخيلِ من وقعِ رمحه ... تفادي خشاشِ الطيرِ من وقعِ أجدلِ
تفادى: يستتر بعضها ببعض من الخوف. والخشاش: الذي يأكل اللحم ولا يصيدُ. والأجدل:
الصقر.
فأعطتكَ منا الودَّ يومَ لقينا ... ومن آلِ بدرٍ وقعةٌ لم تهللِ
لم تهلل: لم تجبن.
ذكروا أنه قيل للحطيئة حين حضرته الوفاة: أوص. فقال: أبلغوا أهلَ الشماخ أنه أشعر العرب.
فقيل له: اتقِ الله؛ فإن هذا لا يرد عليك، فأوصِ. قال: المالُ للذكور من أولادي دون الإناث.
قيل: اتق الله وأوصِ؛ فقال:
قد كنتُ أحياناً شديدَ المعتمدْ ... قد كنتُ أحياناً على الخصمِ الألدّ
قد رددتُ نفسي وما كادتْ تردّ
قالوا: اتقِ الله وأوصِ. فقال: أوصيكم بالشعر؛ ثم قال:
الشعرُ صعبٌ وطويلٌ سلمهْ ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمهْ
(3/37)

زلتْ به إلى الحضيضِ قدمهْ ... والشعرُ لا يسطيعه منْ يظلمهْ
يريد أن يعربه فيعجمه ... منْ يسمِ الأعداَء يبقَ ميسمهْ
فقيل له: أوصِ للمساكين. فقال: أوصيهم بالمسألة. قالوا: فعبدك يسار أعتقه. قال: هو عبدٌ ما بقيَ على الأرض عبسيٌّ.
وقال في منافرةِ عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة حين تنافرا إلى هرم بن قطبة وكان الحطيئة يفضل علقمة على عامر ويمدحه، وكان الأعشى يمدح عامراً ويهجو علقمة، فقال الحطيئة:
يا عامِ قد كنتَ ذا باعٍ ومكرمةٍ ... لو أنَّ مسعاةَ منْ جاريتهُ أمَم
أمَم: قصد؛ أي ليس بقصدٍ، ولكنه فوقَ القصد.
جاريتَ قرماً أجادَ الأحوصان به ... طلقَ اليدينِ وفي عرنينه شمم
لا يصعبُ الأمرُ إلا ريثَ يرْكبه ... ولا يببيتُ على مالِ له قسَم
ومثلهُ من كلابٍ في أرومتها ... يعطي المقاليدَ أو يرمَى له السلمُ
هابتْ بنو مالكٍ مجداً ومكرمةً ... وغايةً كان فيها الموتُ لو قدموا
وما أساءُوا فراراً عن مجلية ... لا كاهنٌ يمترِي فيها ولا حكمُ
وقال في الوليد بن عقبة بن أبي معطي حين شهد عليه أهل الكوفة - وهو عاملها - أنه شرب الخمر وصلى بهم الغداة أربعاً وهو سكران، وقال وهو في الصلاة: أأزيدكم؟ فاستعدوا عليه عثمان فعزله، وكان أخاه لأمه؛ أمهما أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب ابن عبد شمس؛ وأمها أم حكيم بنت عبد المطلب عمة النبي عليه السلام.
(3/38)

شهد الحطيئةُ حين يلقَى ربهُ ... أن الوليدَ أحقُّ بالعذرِ
خلعوا عنانكَ إذ جريتَ ولوْ ... تركوا عنانكَ لم تزلْ تجري
ورأوا شمائلَ ماجدِ متبرعٍ ... يعطِي على الميسورِ والعسرِ
فنزعتَ مكذوباً عليكَ ولمْ ... ترددْ إلى عوزٍ ولا فقرٍ
قال المفضل: ومن الرواة من يزعم أنه إنما قال:
شهد الحطيئةُ حين يلقَى ربهُ ... أنَّ الوليدَ أحقُّ بالعذْرِ
نادَى وقد كملتْ صلاتهمُ ... أأزيدُ كمْ ثملاً وما يدرِي
ليزيدهمْ خيراً ولو قبلوا ... لقرنتَ بين الشفعِ والوترِ
فأبوا أبَا وهبْ ولو فعلوا ... زادتْ صلاتهمُ على العشرِ
كفوا عنانكَ إذ جريتَ ولو ... خلوْا عِنانكَ لم تزلْ تجرِي
وقال في ذلك بعض شعراءِ الكوفة:
تكلمَ في الصلاةِ وزادَ فيها ... مجاهرةً وعالنَ بالنفاقِ
ومجَّ الخمرَ في سننِ المصلَّى ... ونادى والجميعُ إلى افتراقِ
أزيدُكمُ على أن تحمدوني ... فما لكمُ ولا لِيَ من خلاقِ
تم الاختيار من شعر الحطيئة

والحمد لله وصلواته على سيدنا محمد النبي والطاهرين من آله.
(3/39)