Advertisement

مرزبان نامه


الكتاب: مرزبان نامه
المؤلف: اسبهبد مرزبان بن شروين بن رستم بن شهريار (المتوفى: ق 4 هـ)
ترجمه للعربية: شهاب الدين أحمد بن محمد بن عرب شاه (المتوفى: 854 هـ)
الطبعة: الأولى، 1997 م
الناشر: مؤسسة الانتشار العربي، بيروت - لبنان، عن طبعة حجرية في مطبعة أحمد أفندي الازمرلي في القاهرة 1287 هـ، 1858 م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] ـ[مرزبان نامه]ـ
المؤلف: اسبهبد مرزبان بن شروين بن رستم بن شهريار (المتوفى: ق 4 هـ)
ترجمه للعربية: شهاب الدين أحمد بن محمد بن عرب شاه (المتوفى: 854 هـ)
الطبعة: الأولى، 1997 م
الناشر: مؤسسة الانتشار العربي، بيروت - لبنان، عن طبعة حجرية في مطبعة أحمد أفندي الازمرلي في القاهرة 1287 هـ، 1858 م
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(/)

مقدمة الناشر
تمهيد
مرزبان نامة، يعني بالعربية كتاب مرزبان وهو حسب سياق الكتاب واحد من أربعة أنجال لأحد ملوك طبرستان من سلالة آل باوند وكان يدعى اسبهبد مرزبان بن رستم بن شهريار قرر أخوته الثلاثة العصيان والتمرد على والدهم فأثر هو أن يبتعد عن المجتمع وينصرف إلى التأليف بناء لطلب المقربين إليه.
وجاء في مرجع فرهنك فارسي: معين جزء 6 ص 1951 عن هذا الكتاب ما يلي:
مرزبان نامة هو كتاب يشتمل على حكايات وتمثيليات خرافية ذات غاية تعليمية كتب على نمط كتاب كليلة ودمنة وبأسلوبه على ألسنة الحيوانات والطيور والجان!
كتبه مؤلفه في أواخر القرن الرابع الهجري باللغة "الطبرية" وفي أواخر القرن السابع الهجري ترجمه سعد الدين وراويني أحد فضلاء العراق من رجال الخواجة أبي القاسم رجيب الدين هارون بن علي بن ظفر دندان وزير الأتابك الاوزبكي، وهو أحد أتابكة أذربيجان، من اللغة "الطبرية" إلى اللغة الفارسية المتداولة في عصره وأضاف إليه أشعاراً وأمثالاً فارسية وعربية!
وكانت قد صدرت ترجمة أخرى لهذا الكتاب قام بها محمد بن غازي ملطيوي (نسبة إلى ملطية) بطلب من أحد سلاجقة الروم وأضاف إليها كثيراً من الأشعار والشواهد العربية وسمي الكتاب "روضة العقول" وكان ذلك حوالي سنة 598 هجرية في عصر سلطنة أبي الفتح ركن الدين سليمان شاه بن قلج أرسلان السلجوقي.
أما هذا الكتاب فهو نسخة طبق الأصل عن طبعة حجرية في مطبعة أحمد أفندي الازمرلي في القاهرة سنة 1287 هجرية الموافق 1858 ميلادية كان قد نقلها المترجم شهاب الدين أحمد بن محمد بن عرب شاه عن النسخة التركية المترجمة بدورها عن الأصل الفارسي، ويبدو أن المترجم العربي لهذه النسخة قد تصرف بالنص على طريقة الذين سبقوه فأضاف إليه أشعاراً عربية واستند فيه إلى مبادئ وأحاديث إسلامية.
(/)

مقدمة المترجم
المقدمة
الحمد لله الذي شهدت الكائنات بوجوده، وشمل جميع الموجودات بعميم كرمه وجوده، ونطقت الجمادات بقدرته، وأعربت العجم بحكمته، وتخاطبت الحيوانات بلطائف صنعته، وتناغت الأطيار بتوحيده، وتلاغت وحوش القفار بتغريده، كل باذل جهده، وأن من شيء إلا يسبح بحمده، دل العالم ظاهره وخافيه والمكان ومن فيه، والزمان وما يحويه من شاكر وحامد، ومشهود وشاهد، على أنه إله واحد، منزه عن الشريك والمضاد مقدس عن الزوج والولد والوالد، مبرأ عن المضاد والمعاند، منزه عن الزوجة والولد، هو الله أحد، أحمده حمداً تنطق به الشعور والجوارح، وأشكره شكراً تضاويه نعمه صيد الظبي النفور بالجوارح، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله أودع أسرار ربوبيته في بريته، وأظهر أنوار صمديته في حيوان بحره وبريته، فبعض معرب بلسان قاله، وبعض معرب ببيان حاله تسبحه السموات برطيطها وتقدمه الأرض بعطيطها، وتوحده الأسد بهريرها، والبحار بخريرها، والخيل بصهيلها، والكلاب بنبيحها، والطير بتغريدها، والجبال بهديدها، والأقلام بصريرها، والنيران بحسيسها، كل قد علم صلاته وتسبيحه، ولازم الإله غبوقه وصبوحه، وعمروا بذلك أجسادهم وأرواحهم، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله أفضل من بعث بالرسالة، وسلمت عليه الغزالة،
(/)

وكلمة الحجر، وآمن به المدر، وانشق له القمر، ولبت دعوته الشجر، واستجار به الجمل، وشكى له شدة العمل، وسبح في كفه الحصا، ونبع من بين أصابعه زلال الماء وصدقه ضب البرية، وخاطبته الشاة المصلية، صلى الله عليه وسلم صلاة تنطق بالإخلاص، يوم يخلص الشاة القرنا القصاص، وعلى آله وأصحابه أسود المعارك، وشموس المسالك، أصحاب الأنفاس الطاهرة والمفاخر الباطنة والظاهرة، وسلم تسليماً كثيراً آمنين.
أما بعد فإن الله تعالى أودع في كل ذرة من مخلوقاته من الحكم والعبر ما لا يدركه عقول البلغا ولا يحيط به فهم الأذكيا لكن بعض الحكم والعبر ظاهرة يدركها كل أحد قال تعالى: (وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون) وقال تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم) . وقال تعالى: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التيتجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) وفي ذلك قيل:
فيا عجباً يعصي الإله أم كيف يجحده الجاحد ... وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
ولكن لما كثرت الآيات والحكم وترادفت هذه العجائب والعبر اعتادت النفوس بها وألفتها فلم تتدبر في حكمها ومعانيها ولا فيما دلت عليه من عجائب ما فيها ولم تنظر إلى حسن مواقعها وعظم منافعها. وكثر في التنبيه على ذلك أقوال الحكما وتكررت مقالات العلما فلم تصغ الأسماع إليها فقصدت طائفة من الأذكيا وجماعة من العقلا أبرار شيء من ذلك على ألسنة الوحوش والبهايم وسائر الطيور والسباع لتميل النفوس إليها لأن البهائم والوحوش غير معتادة بشيء من الحكم بل ولا النطق والقول فإذا أسند إليها شيء من ذلك مالت إليه النفس لغرابته ورغبت في سماعه وتلقته بالإصغاء والقبول فربما تنبهت لذلك لإصلاح أمور معاشها ومعادها
(/)

وتفكرت في أحوال دينها ودنياها لا سيما الملوك والأمرا وأرباب الدول والرفاهية والتنعم فإنهم إذا سمعوا قول القائل سكر الدب وصدق الأسد وأنشد الذئب ورقصت الغزالة وطرب القنفذ وتصادق القط والفأر وحن الذئب على الخروف وعانق الأسد الجمل وحمل الباز على رقبته الحمامة ارتاحت أنفاسهم وانشرحت صدورهم، وزادت لذة عيشهم. ولكن أهل السعادة منهم والمنتبهون ومن هو مقصود لفصل الخصومات، وخلاص المظلومين من الظالمين إذا كانوا في الحكم والعبر ولطائف الغزل والسير الحسنة المسندة إلى ما لا يعقل وهم ممن يعقل يزدادون بذلك بصيرة فتتوفر مسراتهم وتتضاعف لذاتهم، فربما تفكروا في أنفسهم أن مثل هذه الحيوانات مع أنها غير مكلفة إذا فعلت هذه الأمور الغريبة والقضايا الحسنة العجيبة فنحن أولى بذلك. وقد ورد في الكتاب العزيز مما فيه الاعتبار لأصحاب العقول على ألسنة غير العاقل آيات كثيرة كقوله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها) . وقوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض أيتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين) . وقوله تعالى: (ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس القمر) الآية، وقوله تعالى: (قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم) وقد وضع في ذلك كتاب يسمى بمرزبان نامة مترجم باللسان التركي عن الفارسي فأشار إلى المخدوم الذي لا يمكنني مخالفته أن أترجمه باللسان العربي فامتثلت أمره وترجمته وقد جعله واضعه ثمانية أبواب: الباب الأول في تسميته وسبب وضعه، الباب الثاني في ذكر العالم والعفريت، الباب الثالث في ذكر أحوال الثعلبين، الباب الرابع في ذكر الكلب المسمى بالذكي والعتر الباب الخامس في ذكر السبع وسلطان الأفيال، الباب السادس في ذكر وقائع الجمل والأسد، الباب السابع في ذكر العقاب والحجلتين، الباب الثامن في معاملة الأحباب.
(/)

الباب الأول
في سبب
تسمية الكتاب
روي أن واضع هذا الكتاب ملك من ملوك الفرس اسمه مرزبان بن شروين، وهو في أولاد كيكاوس وهو أخو أنوشروان الملك العادل وكان متولياً طبرستان ولما توفي انتقل الملك إلى أولاده إلى أن استقر فيه شروين فلما توفي خلف من الذكور خمسة أنفار كل منهم صالح للسلطنة فاستولى على الملك بعده أكبر أولاده.
(1/13)

وكان مرزبان واضع هذا الكتاب هو أصغرهم فاستمر الأخوة الأربعة في خدمة أخيهم الأكبر مدة، ثم إنه حصل في خواطر الأخوة مما يخاطر ببال الناس من المخالفة فخاف مرزبان من ذلك على نفسه وأنه لا يستطيع أن يكون في جهة أحد منهم إذ كل منهم أخوه. وكان في الفضل والتدبير وحسن السياسة والتأمل في العواقب متميزاً على قرانه وإخوانه ففكر في عواقب ما عزم عليه أخوته من العصيان فأراه اجتهاده إلى أن يتوجه إلى جهة من جهات المملكة وينحاز عن دائرة ما يقع بين أخوته من المخالفة والمناكدة بينهم وبين أخيهم الملك حتى لا ينسب إليه شيء من ذلك ويسلم من تلك الكدورات، فتشاور فيما عزم عليه مع طائفة من الأذكيا وجماعة من الفصحا فاستصوبوا رأيه إلا أنهم التمسوا منه أن يضع لهم كتاباً يشتمل على أنواع الحكمة واللطائف التي تتهذب بها النفس وتتوفر بها مكارم الأخلاق ويكون عوناً على اكتساب مصالح المعاش والمعاد ويدل على فضائله وغزارة حكمته وعلمه
(1/14)

فاستصوب ما أشاروا به عليه ثم رأى عرض ما وقع من هذه الأمور على أخيه الأكبر فوقف في مقام الخدمة وذكر له ذلك بعبارة لائقة وانتظر ما يرسم به ليمتثله فتوقف في جوابه وتأمل في خطابه وصرفه.
ثم إن الملك استشار في ذلك أحد وزرائه وكان بينه وبين مرزبان بعض شرور وعداوة فاغتنم الفرصة وقال: أما ما طلبه مرزبان من العزلة فإنه رأى فاسد وقد قيل في المثل: الأعدا كلما قلوا ذلوا وقد قيل:
وليس كثير اللف خل وصاحب ... وأن عدواً واحداً لكثير
فكيف لو كانت الأعدا كثيرة وإذا نقص أعداء الملك واحداً فنعمة طائلة ويتوصل منهم إلى تشتيت أمرهم ومخالفة أقوالهم ورأيهم وقد قيل في ذلك.
وتشتت الأعداء في آرائهم ... سبب لجمع خواطر الأحباب
وأما ما قصده من وضع كتاب يشتمل على فوائد وحكم فمكر وخديعة فإنه إنما يريد به إظهار فضله على مولانا الملك ويستميل بذلك الرعية ويصرف وجوههم إليه، ولكن مولانا الملك لا يمنعه من ذلك ويرسم لي أن أكون حاضراً وناظراً لما بيديه من المسائل والنصايح لينظر الملك كيف أظهر دسائسه وأبين طرائق مكره وخداعه لينظر الملك كيف أظهر دسائسه وأبين طرائق مكره وخداعه وأكشف زيفه في نقده ويطلع الملك على ما تصل خديعته وما تنتهي إليه درايته. ثم إن الملك جمع أركان دولته والفضلا والعلما من أطراف مملكته وجلس في محل عظيم وجمع كثير ودعا أخاه مرزبان وبالغ في إكرامه وقال: يا أخي كان تقدم منك طلب الإذن في تأليف شيء ينتفع به العام والخاص من الحكم والأمثال والنصيحة ويتخلد به الذكر ويبقى مستمراً على ممر الدهور وذلك لوفور فضلك ورجاحة عقلك ومزيد شفقتك على الرعية
(1/15)

فأحببت أن يكون ذلك بحضرة العلما ومجمع من الأكابر والفضلا وأرباب الدولة والمناصب ليأخذ كل واحد منهم نصيبه وتتوفر العائدة وتعم الفائدة، وقد أذنا لك في الكلام فقل ما بدا لك. والسلام.
فقال مرزبان: يا مولانا الملك حيث أنعمت في الكلام فأتمم ذلك بحسن الإصغا فإن حسن الإصغا هو الدرجة الثانية وذلك أن حسن الأداء هو المرتبة الأولى وحسن الإصغا هو الدرجة الثانية والاستفادة هي الغاية القصوى والدرجة الثالثة، ثم أعلم أيها الملك أن النصيحة خير والنفس مائلة إلى الشر فبينهما تنافر من أصل الخلقة فالسعيد من تفكر في معاني الحكم وتأمل في عواقب الأمور وتلقى الأشياء من طرق الاعتبار وقد قيل:
إذا لم يعن قول النصيح قبول ... فإن معاريض الكلام فضول
ثم أعلم يا ملك الزمان أن أفضل شيء تركب في وجو الإنسان وحسن جوهر وزان عقد تركيبه العقل وأشرف خصلة تتوج بها العقل الخلق الحسن ولأجل هذا قال الله تعالى: لأشرف مخلوقاته صلى الله عليه وسلم: وإنك لعلى خلق عظيم وبالخلق الحسن ينال الذكر الجميل في الدنيا والآخرة. وأشرف الموجودات من الخلائق الإنسان وأفضل جنس الإنسان بعد الأنبياء عليهم السلام الملوك، وإذا كان الملك حسن الخلق كان في الدرجة العليا من الكمال، ومن جملة حسن الخلق العدل والشفقة على الرعية وإذا صلح السلطان وحسن خلقه صلحت الرعية طوعاً أو كرهاً لأن الناس على دين ملوكهم. ثم أعلم أن أقبح عادة للملك الخفة والطيش وعدم الثبات لأن الرجل الخفيف لا يقدر على تدبير الأمور الجليلة ولا الدخول في القضايا الشاقة ولا يستطيع أن يصل إلى
(1/16)

الرياسة ولا يمكنه أن يتحمل فصل الخصومات، فإن هذه الأشياء تحتاج إلى رجل يكون كالجبل في السكون والوقار أو كالبحر الهائج في الحركات، ثم أعلم أيها الملك أن مما ينبغي أن يتجنبه الملك الإسراف والتبذير فإن الملك حافظ لدماء المسلمين وأموالهم والمال الذي في يده هو لهم وإنما هو مرصد تحت يده كما لا ينبغي أن يتصرف بالتبذير في مال نفسه كذلك يجب عليه أن يذب به عنهم وأن لا يسرف في أموالهم ومصداق ذلك قوله تعالى: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) . وينبغي بل يجب على الملك أن لا يأمر بشيء إلا بعد التأمل والتروي لأن أمر السلطان بمنزلة القضاء النازل من السماء لا يرد وإن أمر الملك من غير تأمل وتدبير يشبه السهم الخارج من كبد القوس بل يشبه سهام القضاء والقدر لا يمنع منه ترس حذر ولا يمنعه جعفة حيلة، كذلك سهم الموت لا يرده شيء ولكن ربما أدى في أواخره إذا لم يتدبر في أوائله إلى الندامة، وأعلم أيضاً أيها الملك أن يجب على الملك يصغي إلى نصيحة
(1/17)

الذي قد جرب منه الصدق والمودة وعلم منه محض النصيحة ولا ينفر من خشونة النصيحة ومرارتها فإن الناصح المشفق مثل الحكيم الحاذق إذا اشتكى إليه المريض مرارة فمه فإنه يصف له دواءً مراً فإنه ما وصف له الدواء المر إلا ليعيد بشربه حلاوة فمه ولا يستحقر النصيحة ولا الناصح، فإن سليمان عليه السلام من أجل سادة الأنبياء المرسلين عليهم السلام وهو أحد من ملك الدنيا وحكم على الجن والإنس والطير والوحش والريح، استشار نملة حقيرة فنجح في أمره ولما خالف وزيره آصف بن برخيا في قضيته ابتلاه الله تعالى بعد وسلب ملكه حتى صار أجير السماك على ما قيل ثم قال: يا مولانا الملك وأنا لما رأيت أمور الملك قد وقع فيها اختلال بواسطة إهمال المباشرين لمصالح الرعية واستطالتهم على الفقير ومد أيديهم إلى أموال الناس بالباطل وخروجهم عن دائرة العدل وعدم الالتفات إلى المستحقين وتولت المناصب غير أهلها بحيث وقع الاختلال في أمور المملكة وتطاول الغير إلى إلقاء والفساد ورأيت هذا لا يليق
(1/18)

بشرف مولانا السلطان ولا بأصله الزكي ومقامه الرفيع ولا بهمته العلية فإنه لا يميل إلا إلى التخلق بما كان عليه السلف الصالح والملوك الكرام كما قيل:
وإن الظلم أقبح كل قبح ... وأقبح ما يكون من البنية
وقد قيل أيضاً:
ولم أر في عيوب الناس عيباً ... كنقص القادرين على التمام
فما وسعني إلا الانحياز إلى العزلة والتعلق بذيل الانفراد والوحدة وما أمكن أن أفعل شيئاً برأيي ولا أعترض على آراء مولانا السلطان ولا أفاتحه في شيء من ذلك فإنه قد قيل في بعض النصايح لا تخاطب الملوك فيما لا يسألونك ولا تقدم على ما لا يأمورنك، إذا تركوك، فلما أذن لي في الكلام علت قطرة من بحر وقمت ببعض ما يجب على سائر الناصحين من طريق واحد ووجب علي من طرق متعددة أقواها حق الأخوة التي هي أقوى الوسائل وأعظم الصلات فإنه قد قيل السبب الذي لا يقطعه سيف حبل القرابة والبنيان الذي لا يهدمه ممر الزمان أساس الأخوة قال الله تعالى سنشد عضدك بأخيك وقال القائل:
أخاك أخاك إن من لا أخاً له ... كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح
وناهيك بحكاية الوها الضحاك فقال له السلطان: كيف تلك الحكاية أخبرنا بها فقال مرزبان: ذكر المؤرخون أن الضحاك كان من أحسن الناس سيرة وعدلاً فتزيا له إبليس في زي طباخ وصار كل يوم يهيئ له من لذيذ الأطعمة ما يعجز عنه ولا يأخذ على ذلك أجرة، واستمر على ذلك مدة إلى أن قال له الضحاك في بعض الأيام أيها الطباخ إن لك علي حقوقاً أريد أن أكافئك ببعض فتمنن علي قال: تمنيت عليك أن تكشف لي عن ظهرك فأقبل لوح
(1/19)

كتفك فأجابه إلى ذلك وكشف عن ظهره فقبله وغاب عن عينيه فأخذته حكة ولدغ ثم خرج من موضع تقبيله حبتان فطلب الأطباء لذلك فعجزوا عن علاجه ثم لم يروا لسكون لدغته إلا دماغ الإنسان فأكر بإلقاء القرعة كل يوم بين الناس وصار كل من وقعت عليه القرعة قبضوا عليه وقتلوه وأخذوا دماغه وعالجوا به الألم فيسكن، ففي بعض الأيام وقعت القرعة على ثلاثة أنفار فوضعهم بالسجن ليجري عليه ما جرى على أمثالهم، فجاءت الضحاك امرأة هي زوجة أحدهم وأم الآخر وأخت الثالث وتظلمت فخيرها بين أحد الثلاثة فتقدمت إلى الحبس فرأت زوجها فذكرت ما جرى بينهما من لذيذ العيش وطيب الأوقات وتحريك الشهوة النفسانية فهمت بطلبه فوقع نظرها على ابنها فرأت صباحة وجهه وتذكرت تربيتها إياه وحمله في بطنها وإرضاعها له فتعطفت عليه فقصدت أخذه فوقع بصرها على أخيها فرأته ودموعه تتساقط لأنه يعلم أنها لا تعدل عن زوجها فتفكرت طويلاً ثم قالت: أختار أخي فبلغ الضحاك ذلك فدعاها وسألها عن سبب ترجيح اختيارها أخاها
(1/20)

دون غيره فقالت: تذكرت زوجي وطيب عشرته فهممت باختياره ثم رأيت ابني فحنت عليه جوارحي وتذكرت ما مضى من الحمل والولادة والتربية فهممت باختياره، ثم رأيت أخي فأخذتني الفكرة وقلت أنا شابة أتزوج غير زوجي ويولد لي غير ولدي ففيهما بدل وعوض وأما الأخ فليس عنه بدل ولا عوض وذلك أن أبوينا ماتا ولا يمكن تعويضه فاخترته فاستحسن الضحاك منها ذلك ووهبها الثلاثة.
ثم قال مرزبان: وما أوردت هذه الحكاية إلا ليعلم مولانا الملك أن لي عن كل شيء بدلاً وعوضاً ولكن ما لي عن مولانا الملك من بدل ولا عوض إلا بقاء ذاته التعيسة ودوام حياته العزيزة وأخاف والعياذ بالله تعالى من الفتن التي أقبلت أن تستأصل أسلافنا الكرام وتقرض عقب أجدادنا والسلام، فاخترت العزلة لذلك وآثرت الوحدة هنالك فقال الملك: قلت الصواب ونصحت فأبلغت في الخطاب وأنا أتحقق حسن نيتك وخلوص طويتك وصدق وفائك وحسن التجائك، ولكن أريد أن يقع بيني وبين هذا الوزير المشفق محاورة، ويقع فيما أنت بصدده بحث ومشاورة فإن كلاً منكما ناصح مشفق وحكيم مدقق وعالم محقق وفاضل مونق وفي مثل هذه الأشياء كلها طال التفتيش ودق البحث وظهر الحق واتضح الصدق لا سيما إذا كان الكلام بين عالمين والسؤال والجواب من فاضلين كاملين.
فقال مرزبان: يا مولانا الملك إذا قام الإنسان في صدر المعارضة وترقى في البحث إلى المعاكسة والمناقضة لا سيما إن كان من أهل الفصاحة واللسان ومساعدة الإدراك الحسن لا يعجز عن أن يقابل الإيجاب بالسلب والاستقامة بالقلب والعكس الطرد والقبول بالرد، ويكفي في جواب المتكلم إذا أورد مسألة لا نسلم ولكن قد
(1/21)

قيل في الأمثال لا تشفع الشفاعة باللجاج ولا النصيحة بالالتجاج، وأما أنا فقد بذلت جهدي في أداء النصيحة وكشفت عن أركان التحقيق حجب الأستار فإن وقع نصحي في محل القبول فقد تبين الرشد من الغي وإن رددت كلامي وأعرضت عن العمل به فلا إكراه في الدين.
فتصدى الوزير للكلام وكشف عن ثغر بيانه اللثام وبرز في ميدان الملاينة والمخادعة وسلك طريق الملاطفة في المصانعة وقال الحمد لله الذي من على مولانا الملك بهذا الأخ الحكيم الفاضل العليم الناظر في العواقب صاحب الرأي المصيب والفكر الثاقب لقد بالغ في النصيحة بعباراته المليحة وإشاراته الصحيحة، الدالة منه على سلامة القريحة فكل شيء نهاه هو الذي يقتضيه الفعل القويم والمنهج المستقيم ويترتب عليه الذكر الجميل وآثار الثواب الجليل، ولكن الذي نعرفه نحن في حفظ الرياسة وإقامة قانون السياسة هو الذي عليه الناس في هذا اليوم وجرت عليه عوائد الأكابر والأصاغر فإن الزمان قد فسد والخير والفضل فيه قد كسد، وهذا مقتضى الحال بين أبناء الزمان والناس تدور مع زمانهم بقدر إمكانهم وقد قيل: الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم وبعض السياسات تقتضي العقوبة بالتغريم وأخذ المال ولو عفا الإنسان عن مجرم طمع المجرمون فيه وكان كمن عاقب من لا ذنب له فإن وضع الأشياء في محلها هو أحد قوانين الشرع والسياسة وقد قيل:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
لا يسلم الشرف من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم
وقد قيل رب إراقة دم تمنع من إراقة دم وقد قيل:
لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجساد بالعلل
(1/22)

ومصداق هذا الكلام قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) . وقال قابوس بن وشكير لما قبض أركان دولته عليه وأرسلوا إليه وهو في السجن من يقتله فقال: ما سبب قيام أهل مملكتي علي مع إحساني إليهم وتربيتي إياهم قالوا: كثرة إراقتك الدماء هو الذي أوجب تغيير خواطرهم عليك، فقال: لا والله وإنما سبب ذلك قلة إراقتي الدماء يعني لو أراق دماء القائمين عليه لما قبض عليه ولكن لما أهملهم قبضوا عليه وجرى لهم ما جرى، ثم أعلم أيها الحكيم الفاضل أن مزاج الزمان قد فسد وقد أعرضوا عن طاعة السلطان إلى مخادعة الشيطان وكل منهم قد باض الفساد في دماغه وفرخ وتصور بخيالاته الفاسدة ومجالاته الكاسدة أنه بصير إلى ما يطلب ويبلغ ما يريد وهيهات كما قيل:
لقد هزلت حتى بدا من هزالها ... كلاها وسامها كل مفلس
وهذا لأنهم كما قال الله تعالى: (في حقهم يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) ولم يشعروا أن السلاطين هم ممن اختارهم الله سبحانه وتعالى للقيام بأمور عباده فهم في الحقيقة ملحوظون بعنايته وكما أن الرسل عليهم الصلاة والسلام هم صفوة الله تعالى من خلقه من غير كد منهم ولا سعي في تحصيل الرسالة صدر عنهم وإنما محض منحة من الله تعالى كذلك الملوك والسلاطين هم صفوة الله تعالى من خلقه اختارهم لأن يكونوا خلفاء في أرضه وقد غفل أهل هذا الإقليم والممالك عن إدراك هذه الحقائق وعدوا المكر والخداع من جملة العقل والكياسة والتحيل على أقوال الناس ومظالم الناس من الفطنة والذكاء وتملقهم للسلاطين. فمن أسباب الوصول إلى الأغراض من تحسين الظاهر وتزيين ما يراه الناس وقلوبهم كقلوب الذئاب فلأجل هذا سلطنا الله عليهم نعامله بما تقتضيه السياسة السلطانية.
(1/23)

فقال مرزبان: أعلم أيها الوزير الناصح والشفوق الصالح أن الملك بمنزلة الشمس المشرقة والرعية بمنزلة السراج وإذا تلألأت أشعة الشمس المشرقة على صفحات الأكوان فأي نور يبقى للسراج وأن قلوب الرعايا من فيضات أشعة قلوب الملوك فإذا صفت مرآة قلب الملك أشرقت قلوب الرعية بل والزمان والمكان كما قيل إذا تغير السلطان تغير الزمان وقد ذكر المؤرخون في قضايا لملك بهرام جور أنه في بعض الأوقات عزم على الصيد وخرج في عسكره فبينما هم في البرية وكل من الجند وجه إلى صيده إذ غيمت الدنيا وانطبقت الآفاق بالغيوم واستترت الشمس في النقاب وأرسلت عيون السحاب ومعها المدرار وجنات تجري من تحتها الأنهار وأقبلت السيول تجري في مضمارها كالخيول. فشتتت الخيول والعساكر عن بهرام فقصد قرية من القرى ونزل طالباً القرى منفرداً من عسكره مخفياً سر خبره فاتفق نزوله في بيت رئيس القرية ولم يشعر به الرئيس فلم يقم بواجبه فتنكد لذلك خاطره وتغيرت نيته ولكن لم يظهر أثر ذلك فلما أمسوا أقبل الراعي بالمواشي وذكر للرئيس أن حليب المواشي نقص عن عادته مع أن رعيها كان أحسن من كل يوم فتعجب من ذلك وكان للرئيس بنت تسجد الأقمار لخدودها وتنقصف الأغصان إذا ماست في الرياض عند ورودها، فلما سمعت كلام الراعي قالت: والله ما يكون سبب ذلك إلا خاطر سلطاننا تغير علينا فظهر لذلك النقص في حلب مواشينا وقد قيل إذا هم الحاكم بالجور على الرعايا أدخل الله تعالى النقص في أموالهم حتى الزرع فقال الرئيس إذا كان كذلك فلا مقام لنا في هذه القرية والأولى أن نرتحل منها إلى نستريح في ظل حاكمه فقالت البنت: إن كان ولابد من الارتحال فالأولى أن نتكلف لهذا الضيف بما عندنا فإنا لا نقدر على نقل جميع ما
(1/24)

عندنا فيحصل فيه فائدتان القيام بحق الضيف ويطيب خاطره والثانية يخف الحمل فقال الرئيس: نعم الكلام وأظهر البشاشة وصنع الأطعمة المفتخرة وقدمها للضيف فأكل ثم شرع في تجهيز الشراب والنشاط وأخذ في أسباب المعاطاة والمنادمة فلما أخذ الشراب ما أخذ من بهرام ارتفعت أسباب الحشمة وتاقت نفسه إلى ما كانت معتادة من مغازلة الغزلان وسماع القينات، فقال للرئيس: هل عندك من يطربنا بصوته أو يعجبنا بصورته من وصيفة أو صورة لطيفة ولا نطلب زيادة على النظر وحسن المنادمة إلى السحر لتزول عنا وحشة الاغتراب ودهشة الاضطراب وقد قيل الشرب بغير نغم غم وبدون طرب هم، ثم نهض الرئيس إلى حريمه وقال لابنته ما جرى بينه وبين ضيفه وقال: يا بنيه أظن ضيفنا من الأكابر والأعيان وقد التمس منا شيئاً يلهيه بمنادمته وليس عندنا من يليق لذلك سواك وأنا أعرف عفتك ونزاهتك وحسن محاضرتك ومحاورتك فإن رأيت أن تمتعيه بالنظر إلى حسن صورتك وجمالك ثم تعودي إلى مكانك مفتخرة بين أهلك وناسك فلا عار عليك والأمر مفوض إليك، فأجابت أباها وأقبلت إلى الضيف وهي من قدها
(1/25)

ولحظها تلعب معه كالرمح السيف إلى أن صادته بلحظها المكسور وأمسى قلبه وهو في يدها مأسور فأنشأ يقول:
أرى ماءً وبي عطش شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورود
فأضمر بهرام في نفسه أنه إذا رجع إلى محل ولايته يطلب هذا الرئيس ويصاهره على هذه الكريمة ويعطيه هذه القرية مع أمثالها فما استتم الخاطر حتى جاء الراعي وقال للرئيس: إن الغنم قد فاضت ضروعها حتى صارت تشخب على الأرض وقد ملأنا اللبن جميع ما كان عندنا من الأوعية ولم نجد لذلك موضعاً فقالت البنت لا شك أن نية الملك انصلحت في حقنا حتى أعاد الله تعالى الخير علينا فتعجب بهرام من ذلك إذ بلغه فلما أصبح توجه إلى محل ولايته وأرسل إلى ذلك الرئيس وأمضى ما كان نواه وعقد على بنته وأقطعه النواحي والقرى وأعطاه ما تمنى ثم قال مرزبان: إنما أوردت هذه الحكاية لتعلموا أن الزمان تابع لنية الملك وقد قيل عدل السلطان خير من خصب الزمان وإذا لم يكن الملك على الرعية باراً ولا عليهم شفوقاً ولا متجاوزاً عن مسيئهم ومقبلاً على محسنهم فالأولى لهم أن يهاجروا من بلادهم ويخرجوا من مملكته قال الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك وينبغي أن لا يؤاخذ أحد بجريمة أحد قال الله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ولو طولب بذلك أحد لفسدت المملكة واضطربت الرعية واختل نظام الملك ولو فعل ذلك من تقدم من الملوك لما بقي للمتأخرين شيء وخربت الدنيا من أول الأمر وينبغي لمن باشر أمر الرعية أن يكون شديد الفكر والرأي صدوق القول متفكراً في العواقب عادلاً بين الخاص والعام شفوقاً على اليتيم ثابتاً في النوازل مشغولاً بتهذيب نفسه واضعاً الأشياء في محلها مقيماً كل أحد في محله ومنصبه ومقامه لا يتعداه حتى
(1/26)

تستقيم بذلك الأمور والمملكة وقضايا السلطنة ويطمئن بذلك خاطر الملك الذي هو في خدمته ويتمشى أمره عنده، وينبغي للملك أن يكون كريم الأعراق لطيف الأخلاق في جميع أحواله وينبغي أن يراعي أساس ما بناه آباؤه وأجداده إن كانوا ملوكاً فإن كل من لا يراعي عادات أسلافه وأخلاق أجداده وصنائع آبائه يصيبه ما أصاب الذئب الذي أحب أن يتعشى على غناء الجدي المغني، فقال الملك: كيف كانت تلك الواقعة؟ بينها لنا.
فقال الحكيم مرزبان: بلغني من رواة الأخبار أن ذئباً كان له إقامة في بعض الغياض خرج يوماً في طلب صيد يسد به رمقه فقصد المواضع التي كان يتوقع فيها الصيد فلم يتفق له شيء فرجع وقد أثر فيه الجوع والتعب فوجد بعض الرعيان يسوف غنماً حوالي فتعلقت أطماعه بها فأراد الهجوم عليها لكن رأى الراعي مستيقظاً فجعل يراقب الفرصة ويحوم من بعيد إلى أن أمسى وساق الراعي الماشية إلى مرابضها ما عدا جدياً تخلف منها فأدركه الذئب واستبشر بالفتح والظفر فلما عاين الجدي الذئب علم أنه لاشك واقع في مخالب الهلاك، ففكر في مجاة نفسه وقال: لا ينجيني من هذه البلية إلا حسن الحيلة فتقدم بجأش قوي وقلب ثابت وقبل الأرض بين يدي الذئب وقال له إن الراعي أرسلني إليك وهو يسلم عليك ويقول لك إن غنمه قد حصل لها الشبع والري ببركة جوارك وتركك عادة آبائك وأجدادك في التعرض له ولغنمه فأراد مكافئتك فأرسلني إليك وأوصاني أن أغني لك قبل أن تأكلني فإني
(1/27)

حسن الصوت والغناء وصوتي يشتهى فإن اقتضى رأيك غنيت لك غناء يطربك وأسمعتك شيئاً لم تسمعه آباؤك وأسلافك ويزيد في لذة أكلك، فقال الذئب لا بأس أن تغني لي حتى أسمع صوتك فأغتنم الجدي الفرصة ورفع صوته حتى ملأ الوادي عياطاً فطرب الذئب وقال: هات صوتاً آخر حجازاً فصرخ الجدي صرخة أسمع بها الحجاز والعراق فسمعه الراعي فأسرع نحوه بالمطرق فلم يشعر الذئب إلا والراعي قد لحقه فرأى الأولى رواحة بالسلامة ونجاة نفسه وترك الجدي وانقلب وصعد على رأس تل وجعل يلوم نفسه ويقول: يا قليل العقل متى كانت آباؤك وأجدادك يأكلون وعلى سماطهم المغني ولولا أنك عدلت عن طريق آبائك وأسلافك ما فاتك صيدك ولا جلست جائعاً كما قيل:
وعاجز الرأي مضياع لفرصته ... حتى إذا فات أمر عاتب القدرا
وإنما أوردت هذا المثل والحكاية ليعلم أن العدول عن طريق الآباء ليس بمحمود وقد قيل من يشبه أباه فما ظلم خصوصاً الملوك
(1/28)

والسلاطين لئلا يدخل الخلل في قواعد المملكة والسلطنة فكل هذا من عدم التدبير في العواقب وكل من لم يتدبر في عواقب أمره يصيبه ما أصاب ابن آوى مع الحمار فقال الملك: صفه لنا فقال: إنه كان في جوار بعض البساتين لابن آوى وكر فكان يدخل كل يوم من مجرى الماء ويعبث في البساتين كيف ما اختار ويأكل من الأعشاب وطيب الفواكه ما أراد إلى أن عجز عنه البستاني فكان يرقب منه الفرصة. ففي بعض الأيام أحس به البستاني وهو في البستان يأكل الفواكه فبادر إلى مجرى الماء فسده عليه قم أقبل عليه بعصا وأثخنه ضرباً إلى أن كاد يهلك فطرح نفسه فحسبه قد مات فشحطه بذنبه ورماه خارج الحائط وفيه أدنى رمق فاستمر ملقى حتى تراجعت إليه نفسه فلما أفاق فكر في نفسه وكره المقام في ذلك الموضع وقال: إذا كان هذا الجار القديم لم يرع حق الجوار فلا فائدة لي بعد اليوم في جواره والرأي أن أرتحل ما دام لي القدرة على الرحيل فإنه لو عرف أن فيّ حياة ما أمهلني. ثم فكر إلى أين يرتحل وكان في بعض الغياض ذئب هو لأبيه صاحب قديم فقصده فلما رآه سلم عليه وتعرف بصحبة أبيه إليه فتلقاه بالترحيب وسأله عن أحواله فبكى بالأشواق وتذكر أنكاد الزمان وذكر له أحواله من أولها إلى آخرها فسكن الذئب ما به وأنشد:
أحيا بكم الإله وأحياكم ... ولا عدا الوابل مغناكم
فما رأينا بعدكم منظراً ... مستحسناً إلا ذكرناكم
ثم إن الذئب أراد أن يضيفه شيئاً وليس عنده ما يقدمه إليه فاستعد للصيد وعزم على التوجه وقال يتبع الفتى لؤم إذا أجاع ضيفه فسأله ابن آوى عن سبب حركته فأخبره بذلك فقال ابن آوى إن لي قريباً في هذا المكان حماراً بيني وبينه صداقة ولو تحيلت عليه
(1/29)

وجئت به لكان لنا ذخيرة عدة أيام فإذا اقتضى رأيك ذهبت إليه فقال الذئب نعم هذا عين المصلحة فأفعل ما بدا لك وتوجه ابن آوى إلى بعض الجهات فوصل إلى طاحون وإذا بحمار أوسقوه حملاً قد قصم ظهره فطرحوا الحمل عنه وأرسلوه يرعى فتقدم إليه ابن آوى وسلم عليه معرفة وأظهر له التودد وسأله عن خاله وتوجع له مما يقاسيه ويعانيه من جفاء بني آدم والأحمال الثقيلة وأخذ يلومه على الصبر على ذلك وقال إلى متى تبقى على هذا الذل وتقاسي الجوع والعطش وتذوب تحت الحمل الثقيل كما قيل شعر:
ولا يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثى له أحد
فقال: يا أخي لو لقيت لي ملجأ أو مهرباً أو مكاناً اختفي فيه كنت أويت إليه وتخلصت من هذا العناء العظيم والشقاء الجسيم فقال له ابن آوى: أنا عرف في هذا القرب أجمة تفرح رياضها وتزهر غياضها وأنا ساكن فيها وهي آمنة من الوحوش والسباع حصينة من الأذى والشور فإذا اقتضى رأيك ذهبت بك إليها فإن أعجبتك سكنتك فيها وكفيت منى من أحسن الجوار ما تحمد عاقبته وتعيش باقي العمر في عيش وحياة هنيئة ويستأنس كل منا بالآخر ومن أين نجد رفيقاً مثلك وصاحباً هنيئاً نظيرك؟ فلما سمع الحمار هذا اللام أثر فيه ورغب في الخلاص من الشقاء الذي قد آلمه فسلم زمامه إلى ابن آوى وعجلا في المسير لئلا يشعر بهما أحد فصار الحمار يعدو وابن آوى يلاحقه فتعب ابن آوى فعكس المسألة وقال للحمار اصبر يا أخي حتى أحملك وأسير بك لئلا يلحقنا أحد فقال الحمار: أنت ما يمكنك أن تحملني ولكن أنا
(1/30)

أحملك وأسرع بك فأجاب إلى ذلك فرجع الحمار إلى ابن آوى فنط ابن آوى عليه فركبه وجعل الحمار يعدو به بنشاط وابن آوى يدله على الطريق فلما قربا من الأجمة رفع الحمار بصره فرأى الذئب قاعداً على مكان ينتظره فعرف الحمار أن ذلك مكيدة وحيلة فقال: تأتي الخطوب وأنت عنها غافل فاستحضر عقله وعرف أنه غفل عن نفسه فكأنه كان الساعي للهلاك بنفسه والباحث عن حتفه بظلفه وإن أهمل أمره فقد سبق للجناية على تلف روحه وهلاك نفسه. ثم وقف يريد أن يتفكر فقال له ابن آوى: ما لك وقفت؟ أسرع لئلا يدركنا أحد فقال الحمار: يا أخي قطعت علائقي وجئت وما ورائي تبعة ولا علقت وقد عزمت على الرجوع والأخذ في قطع علائقي وحمل ما لي من الأثاث فإني إذا رأيت هذه الروضة وسكنتها لا أقدر على مفارقتها أبداً فتضيع إذ ذاك مصلحتي فقال له ابن آوى: يا أخي لا توخر أو أوقات السرور إلى غد لأن للتأخير آفات، فقال الحمار: لابد من ذلك ولكن أعظم الدواعي للرجوع وصية كان أوصاني بها أبي وكنت لا أفارقها أبداً وإذا جاء الليل وضعتها تحت رأسي وإن لم تكن تحت رأسي لا يحينني نوم ولا يقر لي قرار إن نمت بغيرها وأرى منامات مهولة وتغلب على دماغي السودا وتلك الوصية هي حل القصد فإذا أنا قد حصلتها وجئت بها فما علي من غيرها فإني لا أجد مثل تلك الروضة ولا أحسن من ترهتها ولا ثمارها ولا ريحها ولا رفيقاً مثلك صالحاً. ثم أخذ في الرجوع فقال ابن آوى: في نفسه إن تركت هذا الحمار يرجع وحده لا يعود لنا ويفوت المقصود وأداه فكره إلى الرجوع معه ولا يفارقه فربما تتم الحيلة معه ثم قال للحمار شوقتني يا أخي إلى رؤيا هذه الوصية ولا بد لي من الوقوف عليها
(1/31)

وقد عزمت على الرجوع معك لأراها وأقف عليها ولكن هل تحفظ شيئاً منها فقال الحمار: لا أحفظ شيئاً منها إلا نصيحة واحدة وهي أن أبي قال لي: إياك أن تفارق هذه الوصية والباقي ليس في خاطري وربما أتذكره فإن وقفت عليه أخبرتك بالباقي ثم مشى قليلاً، فقال: تذكرت نصيحة أخرى، فقال ابن آوى له: أخبرني بها فقال: قال أبي إذا وقعت في شدة فتصور أشد منها تهن عليك وتجدها نعمة بالنسبة إلى غيرها فتشتغل بشكرها، ثم سار قليلاً وقال: قد حضرتني الثالثة، فقال ابن آوى: أذكرها لي فقال قال لي أبي: لا تحسب أن الصديق الجاهل خير من العدو العاقل وأعلم أن العدو العاقل خير من الصديق الجاهل، فقال ابن آوى: والله إن هذه النصائح لملاح ثم سار الحمار مسرعاً إلى أن وصل إلى محله ورجع ابن آوى إلى محله وهو متعجب من حيلة الحمار عليه وغلبته إياه والعجائب كثيرة فلا تزال النفس تجتهد في أن تؤتي مرادها وتبلغ شهوتها وتنال محبوبها وأن مرادها غاية لا تدرك، وقال صلى الله
(1/32)

عليه وسلم: لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب وناهيك بقصة اللصوص الثلاثة، فقال الملك: كيف كانت قصتهم؟ أخبرنا بها.
فقال له مرزبان: إن لصوصاً ثلاثة اشتركوا في السرقة وأخذ أموال الناس واستمروا على ذلك مدة من الزمان فلما دنا وقت هلاكهم اتفق أنهم سرقوا صندوقاً من الذهب فقبل أن يسموه كانوا جياعاً، فقال أحدهم للآخرين لابد من الغدا فأرسلوا واحداً منهم إلى المدينة ليأتيهم بطعام فذهب وافتكر في نفسه كيف يختص بهذا المال، فسولت له نفسه قتل صاحبيه وانفراده بذلك وهما بنفسهما ما همت به نفسه فسولت لهما أنفسهما قتله واقتسامهما المال. أما هو فوضع لهما سماً في الطعام وجاءهما به فعند حضوره بهذا الطعام بادراه بالقتل وكانا في استعداد له على ذلك فقتلاه ثم جلسا يأكلان الطعام فلما أكلاه ماتا ولحقاه وبقي المال وحده، وإنما أوردت هذه الحكاية ليعلم كولانا الملك أن الميل إلى هوى النفس لا يفيد إلا الحسرة والندامة والحرمان وإن عاجلاً وأعلم أن النفس لا تقنع بالقليل ولا ترضى إلا بالكثير ولا يظن أحد أنه إذا أعطى النفس هواها أنها تشكر له على ذلك وأنها كلما أعطيت شيئاً من مطلع بها طلبت أعلى منه كما قال الشاعر:
والنفس راغبة إذ رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع
وقال الآخر:
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فإن حملت طاقت وإلا تسلت
وقال الحكماء: الأمل شبكة الشيطان فاجتهد أن تخلص نفسك من حبائل هذه الشبكة وأعلم أيها الملك أن الدنيا غدارة قليلة الوفاء
(1/33)

مهما فرت منك أتعبتك في طلبها وكلما ركنت إليها تخلت عنك وأعلم أيها الملك أن الله تبارك وتعالى جعلك بمنزلة الراعي وجعل الخلائق رعيتك ولابد أن يسأل الراعي عن رعيته، وإذا كان كذلك فيجب على الراعي أن يختار لرعيته أسنى المراعي وأهناها وإن هذه النقود من الذهب والفضة إذا لم تنفق في وجهها وفي مصارفها المحمودة فإنها قطع من جمر نار جهنم كمال قال رب العزة: (إن الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما أكثرتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكثرون) .
ثم قال: أيها الملك العظيم اسمع هذه النصيحة وأعمل بها فإنها
(1/34)

من ناصح مشفق ولا تغتر بالدنيا وزهرتها فإنك متى ملت إليها أسرتك ولا تخدع بمكرها فإنك متى ركنت إليها كسرتك فلما وعى الملك هذه النصيحة تلقاها بالقبول وقال: هذه هي البغية والمأمول، ثم ركب جواده الميمون وأدرك بنته في قصرها المبقون وأخبرها بما أخبره به أخوه الحكيم من النصح السليم، فقالت له هكذا يكون طالب السعادة الأبدية والكرامات السرمدية إذا ملكه الله تعالى زمام الرعية وساد في الدنيا تيقظ لتحصيل السعادة الكبرى واشتغل بما يرضى عنه المولى وحسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير لا إله غيره ولا خير إلا خيره.
(1/35)

فراغ
(1/36)

الباب الثاني
في ذكر العالم الرابد
والعفريت المشقق الحوافر
(1/37)

فراغ
(1/38)

قال الحكيم مرزبان: بلغني أن في الزمان المتقدم كانت الجن ظاهرة تتراءى للأنس تظهر لهم الخيالات العجيبة والصور المهولة الغريبة وتضلعهم ضلالاً مبيناً ولا تحتجب من أحد وتخاطب بني آدم مشافهة. وكان في مملكة بابل شيخ من الزهاد قد اشتهر بين العباد وفاق أهل زمانه بالزهد والصلاح وجعل يدعو الخلق إلى الله تعالى وإلى طاعته ويرغبهم فيما لديه ويزهدهم في الدنيا وكان نفسه المبارك في السلوك مؤثراً، ففي مدة يسيرة تبعه خلق كثير واجتمع عليه طوائف عديدة وانتشر صيته في الآفاق وصارت الناس تأتي إليه من أطراف البلاد والأقاليم. فاضطرب أمر المردة من الشياطين وأهانهم الناس وبطلت زخارفهم وتمويهاتها وضل في الإضلال سعيهم
(1/39)

وتفرقت كلمتهم فاجتمعوا إلى رئيسهم وكان من المردة الكبار والعفاريت الطغاة يقال له العفريت المشقق الحوافر حوافره مثل حوافر البقر وصورته من أقبح الصور.
وشكوا إليه حالهم وأنهم لم يبق لهم على بني آدم سلطنة بواسطة شيخ ناسك فلا وسوستهم تعلق في أفكارهم ولا حيلتهم تنفذ في أسرارهم ولا قوتهم تنفذ في أبدانهم وإن استمر الحال على هذا المنوال لا يبقى لهم في الدنيا مقام ولا بين الناس كلام. فلما وعى العفريت هذه الدعوى وتأمل ما فيها من فحوى اشتعلت شرارة غضبه وتأججت أشواظ لهبه وقال لشياطينه: أمهلوني حتى أفكر في هذه القضية وأكشفها لكم عن شمس جلية فإن الأمور لا تنجح ما لم يتأمل في عواقبها ويشم نتائجها من فوائحها وتحقيق المسائل إنما يؤخذ من عالمها. وكان ذلك العفريت تحت أمره من الشياطين المردة والعفاريت العندة طوائف شتى وعالم لا يحصيهم إلا الذي فطرهم، وكان له من خواصهم ثلاثة وزراء كل منهم من المكر فطرهم، وكان له من خواصهم ثلاثة وزراء كل منهم من المكر والبلية آية وفي الشيطنة والوسوسة غاية فاجتمع بوزرائة وأكابر
(1/40)

جنده وأمرائه وأعوانه وكبرائه وشجعانه وأخصائه ثم قال لأكبرهم الذي علمهم السحر وهو المشار إليه في الدعاء والمكر: رأيتك للحكم في هذه القضية والواقعة الرزية فقال: يا مولانا الأمير وصاحب المكر والتدبير أن العقلاء وذوي التجاريب قالوا شيئان لا تقاويهما: السعد في الطالع والروح في الجسد الطائع ولكل أجل كتاب وما دام الأجل باقياً لا ينفع الجهد مع قوة السعد ولا تخرج الروح بالجروح فإذا تم الأجل انتكس السعد وانقلب وفارقت الروح الجسد بلا سبب وإذا كان الأمر كذلك فهذا الرجل الزاهد سعده عمال وطالعه في غاية الإقبال وكل منهم قد فوقناه إلى بحر هلاكه يعود علينا وكل رمح مكر صوبنا سنان عامله إلى شاكلة طعنة يرجع إلينا فالرأي عندي أن تتربص له الدوائر ولأنهم له احتيال محتال ولا مكر ماكر إلى أن تنقضي مدته وتسقط من طالع سعده قوته فعند ذلك يعود سعدنا ولا يضيع كدنا، فقال العفريت للوزير الثاني: أنت ما تقول وكيف ما ترى في الأمر الذي نحن فيه نجول؟ فقال رأي مولانا الوزير سديد وكل ما أشار به في هذا الأمر حميد ولكن كيف نهمل أمر هذا العدو ونركن مع وجوده إلى قرار وهدوء فإنه وإن كان طالعه في قوة فإنها له زيادة في قوته والتهاون في أمره مساعدة في معاونته وهذه علامة العجز والانكسار ومن أقوى أدلة الانحطاط والصغار، فعندي أن نبذل الجهد في حسم مادتهم وتعاطي كسر شوكتهم وهدم ما يبغون ورفض مما يعنون والأخذ في تمزيق جلدتهم وتفريق شأنهم وكلمتهم وقد قيل:
وتشتت الأعداء في آرائهم ... سبب لجمع خواطر الأحباب
وأيضاً:
واللص ليس له دليل سائر ... نحو الذي يبغي كنوم الحارس
(1/41)

والأصل في هذا كله حسم مادتهم بإهلاك شيخهم ما قدرنا على إهلاكه بتشتيت شملهم وتبديد جلهم وقلهم فقال العفريت للوزير الثالث: قل أيها المارد ما لك من التدبير في هذا الأمر الخطير وما تقول فيه وتشير؟ فقال: لاشك أن الطباع مائة إلى كل ما تسمعه وما يلقى إلى النفس لابد من أن يؤثر موقعه وما أشار به الوزيران نعم المشيران لا يخلو من فوائد ولا يعدو من عوائد فإني أعلم أنه أثر في الخواطر كما يؤثر في الرياض السحب المواطر وبالجملة فللكلام تأثير في النفس يظهر أثره في الحس ولهذا ترى رقيق الشعر وجليل العبارة يشجع الجبان وينخي اللئيم وينشط الكسلان، وهذه قضية تحتاج إلى روية وتدبر وإمعان خصوصاً بالنظر والتعمق في الفكر. والذي يظهر عندي وأقوله إن التعرض لهذا الرجل الدين الداعي إلى طريق الحق ليس بمحمود فإنه على الحق ومن أراد أن يبطل الحق فإن ضرره عليه يعود، ولقد بلغني أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح تعرض له جماعة من فساقهم فقتلوه بغرض، فقتل بسببه سبعمائة لف وكل من كان لله فإن الله
(1/42)

معه ومن تصدى لمن كان الله معه عاقبته وخيمة وجنابته على نفسه ذميمة وأيضاً إذا قتل هذا الرجل فلا شك أن تلامذته ومريديه يقيمون من يخلفه وإذا علموا أن ذلك منا تأكدت عداوتنا في قلوبهم فيأخذون حذرهم منا أولاً ثم يتحالفون على عداوتنا ومقاتلتنا واستئصالنا لأننا أهلكنا معتقدهم فلا يمكن تدارك هذه الفتنة إلى يوم القيامة. وإذا كان الأمر كذلك فالرأي الصواب في أمر هذا الرجل وجماعته أنه حيث لا يتيسر لنا إضلالهم بالظواهر نأتيهم بالوساوس الشيطانية فنضلهم بها فنزني لهم حب الدنيا ونحسن في قلوبهم الميل إلى شهواتهم والركون إليها ونجلو على بواطنهم عرائس الحرص والطمع وطول الأمل في الدنيا فنطمس أبصار أفكارهم وبصائر حالاتهم، فإذا ذاقت ألسنة عقولهم حلاوة الدنيا وتمكنت في أدمغة سوائدهم الرغبة والميل إليها سلبوا حلاوة الطاعة وزاغوا عن طريق الحق فنتوصل بذلك منهم إلى مقاصدنا حتى يهلكوا أنفسهم بأيديهم ونسلط بعضهم على بعض فيتشاجروا ويتدابروا ويضلوا كما قال الله تعالى: (زين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون) فإذا رهم الناس على هذه الحالة رجعوا عنهم وقبضوا أيديهم عن مناصرتهم بل عادوهم وتعاطوا أمر قتالهم وكان بأسهم بينهم كما قال اله تعالى: (ويذهب غيظ قلوبهم فإذا ظهرت قسوتهم كسدت بضاعتهم وفسد سوقهم وأمكننا سوقهم) فاستصوب العفريت هذا الرأي ثم قال الرأي عندي أن اجتمع بهذا الرجل في المحافل العامة الجامعة للناس وألقي عليه السؤالات عن حقائق الأشياء وأسرار العلوم الغوامض فإذا عجز سعوا في هلاكه فيكفونا شره وأمره وهذا قبل الوسوسة وإلقاء الشيطنة واليلبسة. ثم إن العفريت قال لوزير رابع:
(1/43)

ما ترى أنت في هذا الأمر؟ فقال: حيث تردد أمركم بين آراء مختلفة فأستوثق بأحدها دون الآخر ليس من قضايا العقل فإنه يصير ترجيحها بلا مرجح ووجه المرجح محجوب قال تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) وكم قضية يتصورها الفكر صواباً وهي خطأ وبالعكس، وهذا له دليل من المحسوس وهو قضية الرجل المضيق وولده الأحول فقال العفريت: أخبرني بهذه القضية كيف كانت؟ فقال الوزير: كان في بعض الأحيان رجل في مكان كريم الشمائل محبوب الخصائل سخي النفس يحب قرى الضيفان ويتصدى لإكرام الصادر والوارد من البلدان فنزل به في بعض الأيام رجل عزيز من أصحابه فبالغ في إكرامه وأحضر إليه ما أحضر من طيب طعامه فلما رفع السماط ووضع للبسط البساط قال المضيف لضيفه: إن عندي قارورة واحدة من الشراب المعتق كنت ادخرتها لمثلك ولم يكن عندي غيرها فإن أردت إحضارها أحضرناها وتعاطينا الراح لطلب الانشراح كما قيل:
(1/44)

وما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام
فأجاب الضيف إلى ذلك فقال المضيف لولده: وكان أحول يا بني ادخل المكان الفلاني فإن فيه قارورة فجيء بها فدخل الولد فتراءى في عينيه قارورتان فأيتهما أجيء بها فخجل أبوه لذلك لئلا يتصور ضيفه أنه أخفى الأخرى منه وينسبه إلى الخسة واللؤم فقال: يا ولدي اكسر الواحدة وجيء بالأخرى فأخذ عصا ودخل فضرب إحدى ما كان تراءى في عينيه من القارورتين فلم يجد غيرها فخرج إلى أبيه وقال: يا أبت امتثلت أمرك وكسرت إحدى القارورتين ولا أدري الأخرى أين ذهبت، فقال: يا بني إن الخلل كان من عينيك. وإنما أوردت هذه الحكاية لتعلم أن العين هي أقوى طرق العلم في الإدراك للمحسوس وإذا أخطأت في بعض ما تراه فكيف يكون حال عين المفكر المحجوب بأنواع الحجب وتصرفها إنما هو في المعاني المعقولة دون المحسوسة. فعلى هذا ينبغي أن تتأملوا في هذه الحوادث وتنظروا في عقبى هذه الأمور ثم تشرعوا في تعاطيها والشروع فيها بعد إمعان النظر وإجادة الفكر. وأعلم أيها الرئيس النفيس أن الله تعالى لم يخلق في جميع مخلوقاته أعز جوهراً من بني آدم وأن الله عز وجل اختصهم بسرعة الإدراك وحدة النظر ورباهم مثل ما تربى الدابة الطفل وهو أشفق بهم وأرحم من الوالدة بولدها، وقد وكل بحفظهم ملائكة حفظة واختصهم بأنواع العلم والأفكار الدقيقة وغامض الأسرار وأن علمنا بالنسبة إلى علمهم كعلم تعبير الفلاح الجاهل بالنسبة إلى علم المعبر، فقال العفريت: وما هو ذلك الفلاح وكيف كانت واقعته؟
فقال الوزير: ذكروا أن فلاحاً رأى في منامه بأنه خرج من ذكره مفتاح فأصبح فجاء إلى المعبر فقال: أعطني ديناراً لأعبر لك هذا المنام فإنه منام جيد فأعطاه ديناراً فقال له: يولد لك ولد ذكر جميل
(1/45)

ويحصل لك على وجهه فتوح، وكان كذلك فإن زوجته كانت حاملاً ثم من بعد مدة حصل للفلاح وجع في رجله فجاء إلى المعبر وكان يدعي علم الطب فعرض ذلك عليه فقال: أعطني ديناراً أعالجك فأعطاه ديناراً، فقال له ضع عليه ضماداً من عجة بيض مخلوط بعسل ويكون ذلك حاراً ففعل فسكنت رجله فافتكر الفلاح يوماً في ذلك وقال لقد علمت علم التعبير وعلم الطب فباع أسباب الفلاحة وآلاتها واشترى له كتابين وبعض أوراق ولف على رأسه عمامة كبيرة وبسط له بساطاً في بعض الأسواق وجمع له بعض العقاقير وأشار إلى أنه معبر وطبيب، فاتفق أن بعض الطواشية رأى مناماً فقصد الفلاح على أن يعبره له فلما قصة عليه قال: أعطني ديناراً حتى أعبره فأعطاه، فقال: أبشر فإنه يولد لك ولد ذكر فضحك الطواشي وقال لا تسخر بي عبر لي هذا المنام كما ينبغي فقال: لا أقول إلا حقاً فإنه بعد ثلاثة أيام يولد لك ولد ذكر فقال: أنا طواشي وهذا مني محال وأنا رجل بي ألم ووجع في رأسي فقال: إن كان بك ألم فأعطني ديناراً آخر حتى أعالجك
(1/46)

فأعطاه ديناراً آخر، فقال: ضمد رجليك بعجة بيض مخلوطة بعسل فإن ألمك يزول فازداد الطواشي غضباً وعلم أن ذلك الرجل جاهل فأدبه كما ينبغي وطرده بعد أشحاره فرجع إلى ما كان عليه من فلاحة.
وإنما أوردت هذه الحكاية لأنبه على أننا إن اشتغلنا بمباحث الآدميين في العلوم ومناظرتهم في دقائق الأسرار ربما افتضحنا معهم وسمحت المسألة وعادت على واضعها بالنقص. قال العفريت: نعم ما قلت أيها الوزير وإن الله خلقنا من النار والنار طبعها الإحراق والتعدي والظلم والإهلاك والجهل والأخذ من المستحق من غير نظر إلى استحقاقه وخلقهم من التراب وطبعه التدبير والسكون والحلم والعدل والحكم وهم مع هذه الأوصاف لو خرجوا عن دائرة العدل ولو قدماً واحداً لتحكمنا فيهم كيف ما نختار ولعبنا بهم كما يلعب بالكرة الصغار، فنحن إذا خرجنا عن دائرة حدنا وتعدينا في ظلمنا وجورنا لم نأمن من غائلة سوء فعلنا، ونحن إن عجزنا عن مقاومتهم في الظاهر فلا ترتفع أيدينا عن أنواع الكيد في الباطن وقالت الحكماء وهل التجربة: إذا عجز الشخص عن غريمه وضعف عن مقاومة خصمه فلا يستعين في ذلك إلا بمقاومته الحيل وأنواع الفكر المصيب ويستعين في ذلك بأهل النجدة والقوة ما استطاع ولو كانوا من أعدائه فإذا سلط بعض الأعداء على بعض ربما استراح ونال مقصوده وهذا يحتاج إلى فكر دقيق وعقل جليل وثيق كما فعلت الفأرة من الحيل حين عجزت عن مقاومة الثعبان، فقال الوزير: ينعم مولانا بكيفية الواقعة فقال العفريت: سمعت أن بعض الأغنيا وأرباب الثروة من الدنيا كان له حاصل يجمع فيه المغلات وكان في ذلك الحاصل فأرة وقد اتخذت لها وطناً نزهاً ومكاناً متسعاً له منفذ إلى بستان كأنه قطعة من جنة آدم فكانت
(1/47)

تأخذ ما يقوم بكفايتها من مغل ذلك الحاصل وتدخره صيفاً وشتاءً وإذا أرادت التنزه خرجت من منفذها إلى البستان فتبخترت فيه وعادت إلى وكرها فكان عيشها هنياً وأمرها رضياً ومضى على ذلك برهة من الزمان فاتفق أن في بعض الأيام خرجت للتنزه فمر بمسكنها ثعبان عظيم فنظر مكان نزهاً ومسكناً حصناً معموراً بأنواع الأطعمة محفوفاً بالحفظ من جميع الجوانب فدخل إليه واستوطنه فلما رجعت الفأرة إلى مكانها رأت الثعبان فيه فأسرعت إلى أمها وشكت إليها حالها، فقالت لها أمها: لقد ظلمك ظلماً يفوق الحدود، وتعدى عليك فيما أنت فيه وأخرجك من وطنك بغير حق ولا تتوهمي أنك تقاومين الثعبان أبداً فاطلبي لك مسكناً غيره فالأرض واسعة فلما آيست الفأرة من ذلك شرعت في أعمال الحيلة في إخراجه فراقبت الفرصة إلى أن خرج الثعبان في قائلة الحر ونام تحت وردة في ظل ظليل فتوجهت الفأرة يميناً وشمالاً فوجدت البستاني قد سقى البستان ونام في ظل شجرة وهو تعبان فوثبت
(1/48)

عليه وعلى وجهه فوثب قائماً فاختفى في مكان فلم ير أحداً فنام فأمهلته حتى غرق في نومه ودخلت تحت قميصه وجعلت تعبث فنهض قائماً وانتفض فسقطت وهربت فرجع ونام فأمهلته ثم صعدت على وجهه وأدخلت ذنبها في أنفه فوثب مستشيطاً فرآها وهربت منه بعيداً فأخذ يمر ويتبعها فهربت مطمعة للفلاح فيها فتبعها وهي أمامه حتى أتت إلى الثعبان فحين رأى الثعبان نسي الفأرة وقتل الثعبان فرجعت الفأرة إلى حجرها آمنة مطمئنة وإنما أوردت هذه الحكاية ليعلم أن من له عدو قوي لا يقدر على مقاومته ينبغي أن يستعمل في رفع أذاه عنه العقل الراجح والفكر المصيب الناجح فإذا ساعده في ذلك قضاء وقدر فلا شك أن أموره تنجح. وأفكاره تنتج وتصلح وهذا إذا كان الضعيف مظلوماً والظالم قوياً كالفأرة مع الثعبان أما إذا كان الضعيف ظالماً والمظلوم قوياً كحاكم مع الزاهد البابلي فإنه مظلوم معكم، فإنه على الحق سالك مسلك الصدق وأنتم له ظالمون وعن الحق خارجون فهذا مشكل فأنى يرجى لكم النصر عليه وكيف ترون الوصول في تنفيذ الغرض لديه لا سيما إذا كان الله سبحانه وتعالى معه وأنا أخاف أن هذه القضية لا يحصل منها بعد العناء والتعب غير الفضيحة والخيبة ويصير أمرنا كأمر امرأة الضيف الذي أراد ستر عورة امرأته فوقع منها ما هو أشنع منه، فقال العفريت: وكيف كانت تلك الحكاية؟ فقال العفريت: ذكروا أن بعض الناس كان له صاحب محترم، فنزل به في بعض الأيام ضيف وكان المضيف فقير جداً فما وسعه إلا أن يتلقى صاحبه بالبشاشة والإكرام وكان ذلك في فصل الشتاء والبرد فسجروا التنور يتدفون وجلست معهم زوجة المضيف وذلك بعد أن هيئوا ما أمكن إحضاره فلما فرغوا من الطعام اجتمعوا على رأس التنور وهيئوا ما أمكن وجلسوا يتدفون وجلست زوجة
(1/49)

المضيف بينهم وجلس كل منهم على جانب من جوانب التنور وكان في سراويل زوجة المضيف قطع ملاقي فرجها فجعل الضيف يتأمل ما رآه ويسارق بالنظر فلمح ذلك صاحب البيت فأراد أن ينبه زوجته بأدنى إشارة فأخذ عوداً وجعل يلعب به إلى أن وصل طرفه تحت شق السروايل فأحرقها فانزعجت لذلك فأرادت أن تستر نفسها فضرطت فزادت فضيحة العين فضيحة الأذن ولم يحصل من هذا الأمر إلا الخجالة، وإنما أوردت هذه الحكاية لتتيقظوا في عواقب أموركم، فإن أردتم مجادلة هذا الرجل الصالح الزاهد والبحث في العلم فأعلموا أنه رجل كامل في العلم وما بلغ هذه المرتبة وفاق أقرانه وأهل زمانه إلا ببراعته في كل الفنون ووقوفه على كليات القضايا ودقائق الأسرار. وأما أنتم فما لكم دأب إلا المكر والحيلة ولا يؤخذ عنكم إلا الخداع والحيل والمكر وهو على طريق الحق والحق واحد وأنتم في الطرق متخالفون قال الله تعالى: (وإن
(1/50)

هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله وهو قد أحكم ما هو عليه وأنتم عن طريقه غافلون وعن علومه ذاهلون) وقال بعض أهل الفضل: ما ناظرت ذا فنون إلا وغلبته وما ناظرني ذو فن إلا وغلبني وأنا أخشى إن ناظرت هذا الرجل أن تفتضح معه ولا تحصل معه على طائل ويظهر فضله وقصورك. فقال الوزير: نعم ما قال مولانا الرئيس وأنا أيضاً أخشى من ذلك وتصير هذه الواقعة كواقعة بزرجمهر الحكيم وزير خسرو مع مخدوم كسرى فقال العفريت: أخبرني بتلك الحادثة.
فقال الوزير بلغني أن بزرجمهر الحكيم كان فريد وقته في الطب والحكمة وكان مقرباً عند مخدومه كسرى وكان كل يوم يجيء إلى الخدمة قبل أن يطلع الفجر فيجد مخدومه نائماً فيفزعه من نومه ويقول له ما معناه تيقظ لتظفر بمطلوبك فإن التبكير أنجح وكان كسرى يجد لهذا الإزعاج ألماً لما كان يطيل السهر في اللهو ولا ينام إلا وقد مضى من الليل جانب عظيم ومقدار جسيم فلا شك أنه يتأخر في النوم إلى الصباح، فلما طال ذلك من الوزير أرصد له جماعة من الخدم في طريقه ليأخذوا قماشه وهو مبكر في وقت الغلسة إلى القيام بخدمة مخدومه فرجع إلى بيته ولبس ثياباً غيرها فتأخر عن ميعاده إلى وقت الضحوة ورجع فوجد مخدومه منتصباً في ديوان الحكم فقال له: ما بال الوزير جاء اليوم متأخراً على خلاف عادته، فقال إن اللصوص قد قبضوا علي ونزعوا ثيابي فلزم من ذلك أن رجعت ولبست ثياباً غيرها فوقع التأخير مني بسبب ذلك، فقال له كسرى: الآن ظهر عكس ما كنت تقوله من أن التبكير سبب للنجاح وحصول المقصود وما أراد في تبكيرك إلا حصل لك النقص والخسران، فقال له إن اللص بكر إلى مقصوده قبلي فحصل له الظفر بمقصود فظهرت نتيجة كلامي ولم أبكر
(1/51)

بالنسبة إليه فحصل لي ما حصل، فاستحسن كسرى جوابه وعجب من سرعة بديهته.
وهذه حكاية أوردتها ليعلم أن كسرى وإن كان فاضلاً وبارعاً في العلوم لكن الوزير بزرجمهر كان أحسن محاضرة وأسرع منه جواباً وأحكم بديهة ومع هذا كله فإنه غلبه في المناظرة وسلم إليه كسرى ذلك وإن كان هو السلطان والحاكم، وهذا الرجل أعني الشيخ البابلي كذلك فكيف يقدر الشخص على مجادلته ومباحثته. فعند ذلك استشاط العفريت غضباً وقال: لقد عظمتم من شأن هذا الآدمي ووضعتم من شأننا وأنا ما قلت لكم ما تقدم من القول إلا لأخبر ما عندكم واستبدي رأيكم ونحن أعظم حيلة وأسرع مكراً وأقدم وجوداً وأغزر علماً وأكثر عدداً وأوفر عدة وما أرى لكم همة صادقة ولا انبعاثاً تاماً ثم أقبل على الوزير الأول وقال له: أجل قداح فكرك وحقق ما تفعله فإن رأيك أمتن ورأيك
(1/52)

أرضى فقال الوزير: يا مولانا نحن إلى الآن ما بارزنا طائفة الأنس بالعداوة وإنما كنا نخادعهم ونظهر لهم الباطل بصورة الحق وهذا الرجل قد ظهر فيهم وعلا شأنه ونحن الآن مسالموه وهم تارة يوافقوننا وتارة يخالفوننا فأنا أخشى إن تصدين لمبارزة هذا الرجل الصالح وتعرضنا لمنع هذا الدين المسلك تتحقق العداوة بيننا وبينه ثم لا يظفر بالمقصود ولا يفيدنا ذلك إلا الندامة وبعد أن ينتصر علينا ونغلب معه يستمر علينا هذا العار إلى يوم القيامة وقد قيل:
لا تسع في الأمر حتى تستعد له ... سعي بلا عدة قوس بلا وتر
فقال العفريت: أنا إلى الآن لم أبارزه ولم أناظره ولقد قذف في قلوبكم رعبه وجبنتم عن مناظرته وتخلفتم عن مقاومته وما وقفتم على مقدار علمه ولا على عدد جنوده، وأما أنا فلا بد لي من مناظرته ومجادلته وأعلموا أن الوادي الذي ماؤه يجري إلى جهة لو أبقي على حاله مائة سنة لا ينقلب إلى الجهة الأخرى اللهم إلا أن يصرف من رأس الوادي إلى جهة أخرى ولا يحكم الشخص على شيء حتى يراه ويختبره، ونحن أن تصدينا لدفع هذا الأمر ومبارزة هذا الرجل ربما نظفر به وننال مقصودنا منه ونصل إلى غرض ما وهذا شيء قد وقر في خاطري ولابد لي منه. فلما رأى الوزير أن العفريت قد رسخ في نفسه الخبيثة هذا الخيال الفاسد وتقرر في خاطره أمسك عنه لئلا ينسب إلى خيانة فيصيب منه نكاية وحسن له هذا الرأي واستقر الأمر على مراسلة الزاهد بما يقتضيه رأيه وكان في شياطينه المردة عفريت من الجن قد أضل عقائد كثير من الناس واشتهر بين أبناء جنسه بشدة عداوة بني آدم وإفساد أمورهم وإلقاء كثير منهم بشؤم وسوسته وحيل شيطنته وبلبسته في قفار المعاصي وبحار الزلل وغمسهم بعد ذلك في نار السعير والعذاب الأليم
(1/53)

فتوجه هذا العفريت إلى سفح الجبل الذي فيه ذلك الزاهد وأرسله إليه يقول له إن من قديم الزمان وبعيد الحدثان كنت أضللت كثيراً من الناس وكانوا قد صاروا تبعي ومريدي وأنت فتنت العالم وصيرتهم أعدائي من بني آدم وأنا مقتدى الشياطين ورأس العفاريت المتمردين ورجوم النجوم إنما أعدت من أجلي وقوله تعالى فاتبعه شهاب ثاقب نزلت في شأني وأن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم طراز خلعتي ثم إنك قد جئت في هذا الزمان وظهرت في هذا المكان تريد تهدم ما بنيته وتعود بصلاحك ما بفسادي سوية وأنا كنت في قديم الزمان ناديت بني آدم جميعاً وسيرتهم لي سميعاً ومطيعاً بشعر خذه وأشهره بين ذويه لتعيه:
كلوا واشربوا وازنوا ولوطوا وقامروا ... ألا واسرقوا سراً وخوضوا الدما جهراً
ولا تتركوا شيئاً من الفسق مهملا ... مصيركم عندي إلى الجنة الحمرا
وأنت جئت بزخرفتك ووسوستك وخرافاتك وناموسك الباطل تريد أن تبدد عني عساكري وتفرق جموعي بمخالفة أموري وأوامري، وهاأنا قد جئت إليك ونزلت كالقضاء المبرم عليك اريد أن أناظرك في أنواع العلوم وأسألك عن حقائق المنطوق والمفهوم بمحضر من الجن والأنس وسائر ما في الوجود من أنواع الحيوان والجنس فيظهر إذ ذاك جهلك فيتبدد قومك وأهلك ويتركك مقتدوك وينفك عن حضرتك مريدوك وافسد بين العالم صيتك وأتلفه فاجعل بيننا وبينك موعداً لا تخلفه. فلما وصل رسول العفريت إلى الشيخ العابد والناسك الصالح الزاهد فبمجرد ما نظر إليه ووقع نظر الزاهد عليه كاد أن يذوب كالأملاح ونفذ في فؤاده
(1/54)

من الشيخ سهام الطاعة والصلاح فبهت الذي كفر وغلبت عليه الدهشة والصغر وخاف فما أبدى ولا أعاد ولا قام لإصلاح ذلك الفساد، فقال الشيخ: ويلك ما لك وما حلك واحتيالك؟ وما سبب دخولك عليّ وأنت غير منسوب إليّ، فقال له الرسول: أنا رسول محبك العفريت المشقوق الحوافر الواسع المناخر قد أقبل إليك في جمع كبير وعدد من الجن غزير ومعه روس العفاريت والغثاة المصاليت وقد حملني إليك رسالة تتضمن الشجاعة والبسالة إن شئت أديها وأن أبيت رددتها، فقال: قل ما تريد وابلغ ما معك عن ذلك البعيد فابلغ الرسالة وأداها وأسال في أوديتها مؤداها، فقال الزاهد: والله ما شبهته في هذا الكيد إلا بالحمار في الوحل والحمام في شبكة الحمام والوجل، قل لمرسلك أرى قدمك أراق دمك كان الله أراد دماركم وأن يمحو من أرضه آثاركم ويخرب دياركم ويريح البلاد من فسادكم والعباد من عنادكم، أما أنا فأفقر الخلق وأحقر الداعين إلى الحق ولكن بعون الله وقدرته والهام الحق والصدق لقوته لي من العلم والفضل وما من الفيوضات الإلهية أجنيه ما يقتله في جوفه وجنيه فمتى أراد يحضر ليبارز خصمه ويخبر ويحضر معه من يريد من كل جني عنيد وشيطان مريد وعفريت هديد، فليحضر فإن الحق يحق ويبطل الباطل ويتميز الحال الطيب من الحال البطال العاطل وأنا لفي عدة عديدة ومدة مديدة ألا ترى هذه منجنيقات التوحيد منصوبة ورعادات الأذكار ممدودة، وصواعق التسبيح معدودة وسلاسل الفيوضات الإلهية متواردة ممدودة وأنا لفي عدة لأمثاله وأي عدة وفي حصون منيعة لأمثاله مردة وحولنا الأبطال تحرسنا من القتال فأخبره لينشط لهلاكه وإتلافه في إحراكه وليروا جنوداً لا قبل لهم بها ولنخرجنهم أذلة منها. فرد الجواب الرسول وكشف له عن حقيقة القول ثم إن
(1/55)

العفريت سأل الرسول عن أوضاع الشيخ الزاهد وأحواله التي رآه عليها في المساجد والمشاهد وما عاينه من أموره وحركاته في سيره ومروره، فقال: رأيت إنساناً مباركاً زاهداً صائماً للفضول تاركاً كلامه صادع وأمره ناجع ما حاد عن مشروعه في أمر ذهابه ورجوعه كثير الذكر والفكر مسائل العبرة في الذكر يقوم الليل إلا قليلاً ويرتل القرآن تيرتيلا يعرف الحق فيأتيه ويحث على فعله أتباعه ومريديه كأنه نبي أو رسول أو طود راسخ عن الحق لا يحول.
فلما سمع العفريت ذلك ندم على مناوشته ولكن قال الشروع ملزم والبداءة توجب التكلم ثم إنهم حضروا وأحضروا معهم الجان والعفاريت وأحضروا الأكابر من الآدميين والعلما واشترطوا على الزاهد أنه إن غلبه العفريت في سؤاله وعجز الزاهد عن جوابه يهلك العفريت جماعته وإن أجاب الشيخ سؤال العفريت لا يظهر بعد ذلك اليوم لبني آدم بل يسكنون الخرب من البلاد والجزائر وتحت الأرض ويتشتتون في نواحي الدنيا. ثم شرع العفريت في السؤال، فقال السؤال الأول: العالم كم قسماً وخالق العالم من هو وهل هو متعدد أو واحد فقال الزاهد: العالم ثلاثة أقسام: الأول، مفردات العناصر كالتراب والماء والهواء والنار والثاني، الأجرام العلوية كالسموات السبع وما فيها من النجوم والكواكب وهذه الأجرام بعضها متحرك من وجه ساكن من وجه، الثالث العقول والنفوس الملكية ومقامها في أعلى عليين وحصول هذه شيء لا يوصف بالحركة والسكون ولا بالبساطة والتركيب، وأما موجد العالم وخالقه فهو واحد لا يثني أحد لا يتجزأ قديم قادر سميع بصير مريد متكلم حي عالم أزلي لا بداية له ابدي لا نهاية له إلى آخر أوصاف الربوبية وما يتعلق بها من الصفات اللائقة بها
(1/56)

الكمالية السؤال الثاني، الإنسان مخلوق مماذا؟ وعلى من يطلق لفظ الإنسانية والآدمية وأنفس الآدمي كم هي ومآل النفس إلى أين؟ فقال الزاهد: الإنسان مخلوق من العناصر الأربعة المشار إليها وهي التراب والماء والهواء والنار ومن الأمزجة الثمانية مفردة ومركبة على سبيل الاعتدال، والإنسانية عبارة عن القوة المميزة بين الصحيح والفاسد والرائج والكاسد والحق والباطل والحسن والقبيح العاطل والخير والشر والنفع والضر، والمميز لهذه الأشياء، يقال له النفس الناطقة والأنفس ثلاثة ويعبر عنها تارة بالروح وتارة بالقلب وكل نوع من هذه الأنفس قائم بعضو من الأعضاء مستمد من شيء من الأشياء، الأول الروح الطبيعية قائمة بالكبد واستمدادها من الأغذية، الثاني الروح الحيوانية وقيامها بالقلب وفيه حركة البدن واستمدادها من حركة الأفلاك، الثالث الروح النفسانية وفعالها من الدماغ ومنها الحركات الذهنية كالأفكار وما يتولد منها وذاك يترقى بالأرواح إلى عالم الغيب لأجل الثواب والعقاب، السؤال الثالث، قال العفريت: أخبرني عن كيفية وضع العناصر الأربعة فقال الزاهد: بحسب الخفة والثقل واللطافة والكثافة، فالتراب أثقلها فهو أسفل الكل وفوقه الماء لأنه أخف منه وفوق الماء الهواء لأنه أخف منهما وفوق الهواء النار لأنه أخف منهما جميعاً فعنصر الماء محيط بالتراب وعنصر الهواء محيط بالماء والتراب محيط بالماء والنار محيطة بالكل. السؤال الرابع، قال العفريت: أخبرني عن أقرب الأشياء وعن أبعد الأشياء وما الشيء الذي يمكن عوده وما الشيء المستحيل وما الشيء الذي لا يمكن تحصيله بالاكتساب وما الشيء الذي لا يمكن ضبطه وما الشيء الذي لا يمكن الإحاطة به؟ فقال الزاهد: أقرب الأشياء الأجل وأبعد الأشياء ما لم يقم والشيء الذي يمكن عوده النعمة والشيء الذي لا يمكن عوده ويستحيل
(1/57)

الشباب والشيء الذي لا يمكن تحصيله الاكتساب بالعقل والشيء الذي لا يمكن ضبطه الدنيا إذا أدبرت، والشيء الذي لا يمكن الإحاطة به عظمة صانع الكائنات تعالى وتقدس.
ثم أقبل المساء فتفرقوا فلما أصبح الصباح اجتمعوا للسؤال الخامس، فقال العفريت: ما فائدة العقل؟ فقال الزاهد: الإرشاد إلى سبيل الحق والخلاص من ورطة المهالك والإغناء عن حلول الفقر. السؤال السادس، قال العفريت: فمن العاقل وعلى من يطلق من جنس آدم هذا الاسم؟ فقال الزاهد: العاقل من يتحمل إذا أضيم ويعفو إذا قدر ويحلم إذا غضب ويتهون أمور الدنيا ولا يغفل عن الأخرى. السؤال السابع، قال العفريت: ما الفائدة في حب الدنيا والرغبة فيها ولأي معنى غلب الحرص على بنيها؟ فقال الزاهد: لأجل انتظام هذا العالم ومداومته إلى الأجل الذي أجله وقدره في الأزل خالقه وإلا لاختل نظامه وبطلت أمور المعاش، وببطلان أمور المعاش تبطل أمور المعاد، فقال العفريت: أخبرني عن جوهرية الملك والجن والأنس، فقال الزاهد: جوهر الملك من العقل المحض وجوهر الجان من الحرص والغضب والشهوة والصفات الذميمة، وجوهر الإنسان مركب من جوهري الملك والجان ولهذا من غلب عقله شهوته كان أفضل من الملك ومن غلبت شهوته عقله كان أخس من الكلاب ويقول يوم القيامة يا ليتني كنت تراباً. قال الراوي: فلما انتهى إلى هذا المقام أمسك العفريت عن الكلام وظهر فضل الزاهد ثم من ذلك الوقت تفرقت الشياطين واختفت عن أعين الناس ولم يظهروا إلى يومنا هذا والله أعلم.
(1/58)

الباب الثالث
في ذكر الثعلبين المدعو
أحدهما بالرئيس
والآخر بالعادل
(1/59)

فراغ
(1/60)

قال الحكيم بلغني: أنه كان في بعض الغياض أسد عظيم في خدمته ثعلبان يدعى أحدهما بالرئيس والآخر بالعادل ملازمان منادمته، وله دب وزير بينه وبين الثعلبين عداوة وكان هو أقربهما من حضرة الملك.
(1/61)

فحاقهما المكر السيئ فكان يتوقع لهما عثرة يتوصل بها إلى إفساد صورتهما. ففي بعض الأيام كان الثعلبان ينادمان الملك فغلب عليه النعاس فخرج منه ريح سمعاها واستيقظ هو لها فتناوم ليعرف ما يصدر منهما فلم يتمالك الرئيس أن ضحك فقال له العادل: مم تضحك أما علمت أن الضحك بلا سبب من قلة الأدب وأن الملوك تحترم مجالسهم غابوا أو حضروا، ناموا أو استيقظوا، وقد قيل: رفع قلم العتاب عن النايم والسكران والمجنون والصبي وعذر النائم أوضح من عذر الباقين فإن النوم أخو الموت، ولقد قال صاحب الأخلاق: لا يعيب الشخص على أحد عيباً هو فيه، وإذا صدر من الملوك منقصة فلا تغد منقبة، ويجب على جلساء الملوك أن لا ينظروا من الملوك إلا المحاسن، وقد قيل في المثل من جالس الملوك بغير أدب فقد خاطر بنفسه وأوجب لها التعب. فقال الرئيس: اللسان إذا ظهر من الكذب، والعرض إذا نقي من العيب والنفس إذا زكيت عن الجهل يصلح لها أن تضحك على كل أحد، وأنا إذا اتصفت بهذه
(1/62)

الأوصاف فلا علي إذا ضحكت على غيري. قال العادل: يعرف الجاهل بثلاث علامات أولها، أن يرى نفسه عارياً عن العيوب ثانيها، أن يرى نفسه أنه أعلم من غيره ثالثها، أن يغتر بعلمه ويتصور أنه انتهى في ذلك إلى أعلى المراتب، وقالت الحكماء: إذا رأيت نفسك طاهراً من دنس العيوب وطالباً عيوب غيرك فأعلم أنك غارق في العيوب ومتدنس بأوساخ المساوئ وأعلم أنك لا تشم رائحة الفضل الموجب للتقدم ما دمت ترى لنفسك مقداراً، ولكن كن في تفقد عيوبك حريصاً لتفقد عدوك. قال الرئيس: لقد صدقت ونصحت فجزاك الله عني خيراً وقد وقع الخطأ على سبيل الغفلة وقد خرج هذا الأمر مني على سبيل السهو وهو كالسهم إذا له رد وكيف يدر الحالب اللبن، ولكن الذنب غير المستمد المار لا يستحق صاحبه العقوبة ولا الدمار وإنما أنا أحمد الله من أجل أنك رفيقي وصاحبي ونصيحتي وأرجو منك أن لا تفض ختام هذه الهفوة عني، فقد قالت الحكماء: السر لا يستقر إلا في صدر محب وأنت محب وشفوق. فقال العادل: من علامات الجهل شيئان أحدهما أن أحدهما أن تقرض مالك ثم تتقاضاه بالعنف، والثاني أن تودع سرك لمن يحتاج أن تتضرع إليه وتحلفه أن يكتمه ولا يبديه وقد قيل:
وإذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق
وقالت الحكماء لا تستودع أحداً سرك فإن كتمان السر ثقيل يتولد منه هم وعيا وإفشاؤه هلاك وبلا وقد قيل:
كل سر جاوز الاثنين شاع ... وكل علم ليس في القرطاس ضاع
والمراد بالاثنين الشفتين وناهيك بقصة الحرامي مع البرغوث
(1/63)

فقال الرئيس: أخبرني بتلك الحكاية قال العادل: زعموا أن لصاً كان ماهراً في صنعة السرقة وكان كثيراً ما يقع في خاطره أنه ينقب خزانة الملك ويأخذ منها الذخائر ويطلب لذلك ممن يفشي إليه سره ذلك وهو يخاف من إفشائه، إلى أن زاد عليه الخاطر ولم يتمالك كتمانه وعجز عنه فوجد في ثيابه برغوثاً فقال في نفسه: هذا البرغوث قد أكل من حمي وشرب من دمي وهو حيوان ضعيف ولا لسان له يفشي السر به، ثم أدنى رأسه إلى البرغوث وهو في يده وقال: أعلم أيها البرغوث أني أريد أن أدخل دار الملك وآخذ مما تصل إليه يدي من الذخائر والدراهم والدنانير وأنا الآن مودعك هذا السر فلا تفشه عني. ثم أطلق البرغوث في ثيابه وقصد إلى دار الملك فلما دخلها اختبأ تحت الملك حتى يجد فرصة فيأخذ ما يريد فخرج البرغوث من ثيابه وقصد الملك فقرصه فأقلقه، فطلب النور ونظر في ثيابه فوجد البرغوث فأراد القبض عليه ففر ونزل تحت السرير ففتشوا عليه فوجدوا الحرامي فقبضوا عليه وفعلوا معه ما يجب فعله كما قيل:
مشى برجليه عمداً نحو مصرعه ... ليقضي الله أمراً كان مفعولا
وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن السر لا يؤمن عليه الحيوان بل ولا الجماد فضلاً عمن يكون فيه أدنى ناطقيه أو يسمى باسم إنسان. فلما انقضت هذه المحاورة وكان الأسد قد استوفاها من
(1/64)

أولها إلى آخرها وقد امتلأ غضباً فوثب مغضباً وأمر بالقبض على الرئيس وإيداعه في السجن، ففعلوا به ما أمر به الملك من القبض عليه وإيداعه في السجن، فتنكد عيش رفيقه العادل وتوجه إليه وأغلظ له القول ولكن كان الأمر قد خرج من يده فقال الرئيس: كل هذه الأمور بقضاء الله تعالى وقدره وفي الجملة إذا كان السعد مقبلاً فكل حركة له تصدر عن الشخص فإنها سعيدة وإذا أدبر فلا يكاد يصيب العاقل واللبيب فضلاً عن غيره وهذه عادة الزمان مع أبنائه وقد قيل شعر:
ومن ذا الذي ما غره صرف دهره ... فأضحكه يوماً ولم يبكه سنه
وأنا كنت غافلاً عن هذه النكت ماشياً على ما كنت أعهده من نفسي وعودني به الزمان فصادفني مثل حكاية الهدهد والرجل الصالح.
قال العادل: كيف كانت تلك الحكاية؟ قال الرئيس: ذكروا أن رجلاً من الصلحاء كان قد علمه الله تعالى لسان الطير وكان له هدهد يدعي صحبته فرآه في بعض الأيام جالساً على رأس حائط فقال له: يا صاحبي هذا المكان كثير العاهات فانتقل إلى مكان
(1/65)

آخر، قال الهدهد: قد علمت ذلك ولكن سبب جلوسي هنا أني رأيت صبياً قد نصب لي فخاً يريد أن يوقعني فيه فأنا أتفرج عليه وأسخر من كونه يسعى في أمر باطل ويضيع وقته في ما لا يتحصل منه على طائل، فمضى الصالح في حاجته ورجع فرأى الهدهد ي يد الصبي فقال له: كأنك وقعت له في الفخ طوعاً أردت أن تنظر هل له من الاقتدار عليك نوعاً فإنك كنت حريصاً على أن لا تقع في مكايد هذا الصبي ورأيت أنه لا يحصل له إلا التعب والعي ولو لم يكن ذلك فأنت ترى الماء تحت الأرض أفلا تنظر حبل الفخ؟ فقال له الهدهد: ذلك لا يمنع من إنفاذ القضاء والقدر إذا جاء القضا عمي البصر. فاشترى ذلك الرجل الصالح الهدهد من الصبي وأطلقه وحرره وأعتقه.
وإنما أوردت هذا المثل ليقل عني توبيخك وتقريعك وتتعاطى أسباب خلاصي من هذه القضية ولو بان يكون مسكني بعدها في البرية وذلك بحسن تدبيرك على ما تقتضيه سابق الصحبة وقديم المودة وما أعهده عنك من طيب الأعراق ومكارم الأخلاق وسابق الصحبة وقديم المودة والمحبة وما أعهده عنك من وفور الشفقة وحسن الوفاء والقيام بحق الإخاء وقد قيل:
دعوى الأخاء على الرخاء كثيرة ... بل في الشدائد تعرف الأخوان
وأنا أسألك بالله وسالف حقوق المودة والصداقة أن تكف عني توبيخك فقد آلمني أكثر مما أنا فيه، فرق له العادل وقال: حباً وكرامة ولو لم تقل لي ذلك لما كان يسعني التخلص عن خلاصك وإنما قلت لك ما قلت من شدة ما نابني من الحرق والأرق وقد قبل أربعة أشياء فرض في شريعة المودة وطريق الأخوة الأول المشاركة في هموم الأخوان ونوازلهم، الثاني إذا أخطأ أحدهم يردونه إلى
(1/66)

طريق الصواب بألطف وجد وأسن إشارة ولا يتركونه على الخطأ، الثالث إذا صدر من أحدهم جفا يتداركونه بالوفا ولا يتركون الوفاء القديم الجفاء الحادث، الرابع عدم المؤاخذة وأنا إن لم أبذل مجهودي في إنقاذك بكل ما تصل إليه يدي وإلا فلا فائدة في صحبتي، فإني والله لأبذلن المجهود في ذلك وهاأنا متوجه إلى الملك فانظر ما يصدر منه ثم أتم الأمور على ما يقتضيه ذلك.
ثم توجه العادل إلى الملك فوجد الدب عنده وهو يريد أن يكلمه في أمر الرئيس فإنه قد وجد للظفر فرصة يريد أن ينتهزها فإنه عدو قديم فأراد أن يتكلم ثم أفتكر أنه ربما يعاكسه الدب فتنخرم أموره فأمسك عن الكلام ثم بدا له أنه ربما يفتح الدب الكلام بطبيعة العداوة فيرسخ في قلب الملك فلأتمكن إزالته ويعسر رده ويتعذر إزالته من خاطر الملك كما قيل شعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فتمكنا
فبادر العادل بالكلام وافتتحه بالدعاء على العادة في استعطاف الملوك الكرام ثم قال: إن من عادات الملوك العظام العفو عن الجرائم لا سيما إذا كان وقوعها على سبيل السهو والخطأ وصدرت من المعروف صدقهم وإخلاصهم.
ومن ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط
وكان مملوك مولانا الملك الرئيس معترفاً بتقصيره متوقعاً من مولانا الملك عفوه ومراحمه وإسبال ذيل الشفقة والحنو عليه ووجبت الشفاعة فيه على الملوك السابقة والأخوة وقديم الصداقة. فلما سمع الأسد ذلك علم أن قصد العادل جميل وهو يريد سوق الأجر وإثبات الحسنات في صحائفه وانتشار صفاته بالجود والعفو
(1/67)

بين الأقران فما رد عليه جواباً وأطرق، فلما رأى الدب إطراقه وسكوته قال إن الملوك سكوتها رضاها وحيث سكت أتت الفرصة فانتدب للجواب واستعد للخطاب فقال: أعلم يا عادل أن من أخفى خيانة الخائن واستخف بزلة الجاني واعتذر منه فهو شريكه في الذنب خصوصاً إذا كان صادراً في حق ملك من الملوك ويقدر المجني عليه على الجاني. قال العادل: يا مولانا الوزير كلنا محل الخطأ والتقصير.
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرد نبلاً أن تعد معايبه
وإن لم يشفع الشخص في الجاني فالمحسن لا يحتاج إلى شفاعة ومن لم يأخذ بيد العاثر لم يجد ليده آخذاً إذا عثر وأحسن ما يكون العفو من القادر على المؤاخذة وهم الملوك وأحسن ما تتصف به الملوك من الصفات الجميلة والخطأ الذي يصدر من الشخص أربعة أقسام: زلة وتقصير وخيانة ومكروه، فجزاء الزلة العقاب وجزاء التقصير الملامة والتوبيخ وجزاء الخيانة العقوبة، وإيصال المكروه جزاؤه إيصال مكروه مثله، والذنب الصادر من الرئيس إنما هو زلة وقد استوفى جزاءه وزيادة والملك أدام الله تعزيزه له أن يعاقب على الذنب اليسير ويعفو عن الذنب الكبير ولا يؤخر عنده العفو والخير والفضل ومكارم الشيم أولى من أن يؤثر عنه القصاص والعقوبة فإن ذلك أليق بحشمة الملك. فلما سمع الدب منه هذا الكلام قال: من شرط ناموس السياسة إقامة حرمة الملك وأن لا يسامح طوائف بل يستوفي الملك القصاص منهم ولا يأمن إليهم، فإنه لا يصدر منهم خير منهم من عزل عن منصبه بغير سبب ومنهم من يصادف أعداء الملك ومنهم من يرى له مسرة في مضرة الملك ولا يبالي بذلك ومنهم من يطلب على خدمته مكافأة، فإن لم يحصل مطلوبه تغير خاطره ومنهم من يتعرض لسخط الملك ومنهم من يهتك حرمته
(1/68)

ومنهم من يفشي سره ومنهم من يخون في الحريم، ولا شك أن الرئيس قد ارتكب بعض هذه الخصال وهو متصف بباقيها وهذا يدل على دناءة أصله ولؤم طبعه. قال العادل: لا تقل هذا يا مولانا الوزير فإن الرئيس خادم قديم وعبد مخلص ونديم ظريف لم نعلم عليه ما يسوءه من صدق ولايته ولا أطلع أحد منهم على سهوه والخطأ شيء من تفوه نادرة في حق الملك فحلم مولانا الملك لا يقتضي طرح هذه الأوصاف كلها لأجل هذه النادرة المنفردة وقد حصل له من الكسر ما لا يجبره إلا عفو الملك ومراحمه وإلا فلا جابر لكسره أبداً، وأنا ما قمت في مقام الشفاعة إلا لقوله تعالى: (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة لكن له كفل منها) ، وأنا أسأل صدقات الوزير أن يكون شريكاً لي في الأجر والثواب وأن لا تقع منه مخالفة في ذلك فإن كريم الطبع لا يصدر منه إلا الكرائم التي تليق بطبعه واللئيم إذا أراد أن يتعاطى شيئاً من مكارم الأخلاق المحمودة لا تساعده طباعه كما قيل:
كلما رام التخلق جاذبته ... فعاله إلى الطبع القديم
وقال آخر:
الناس على دين ملوكهم ... وتأبى الطباع على الناقل
وحيث كان مولانا الملك مجبولاً على الشفعة الكاملة والمراحم الشاملة فكلنا يجب علينا أن نتشبث بتلك الخصال فإن العبد من طيبة مولاه وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، فالتجم الدب بهذه المغالطة ولم يرد جواباً فقال الأسد: حتى انظر في الأمر فتفرقوا من المجلس فتوجه العادل إلى الرئيس وهو في الحبس وأخبره
(1/69)

بصورة ما وقع وقال له: أبشر فإني رأيت لخلاصك أثراً قوياً في بشرة الملك فشكر الرئيس للعادل جميل مساعدته وقال الرئيس للعادل: كنت أود أن تؤخر الكلام في أمري فإن الطالع قد أدبر والسعد في هبوط وطالع الخصم في قوة أما سمعت قصة الحكيم بزرجمهر في مخدومه كسرى، قال العادل أخبرني بها.
قال الرئيس: ذكروا أن كسرى انوشروان أراد النزهة يوماً فدعا وزيره الحكيم بزرجمهر وجلس معه على جانب حوض يتنادمان وكان في الحوض طائفة من البط وكان كسرى يلعب بخاتمه وفيه فص ثمين فسقط من يده فابتلعته بطة وهو غافل عن ذلك، كل ذلك وبزرجمهر لم يشاهد هذه الأمور فلما دخل كسرى إلى الحريم افتقد خاتمه فلم يجده فدعا الحكيم بزرجمهر ليسأله عن ذلك وعرف بزرجمهر ما قد دعاه إليه فنظر في الطالع فرآه غير مستقيم فخاف أنه إن تكلم في هذا الأمر بما رآه عاكسه الطالع فربما يذبح ذلك الطير كله وربما لم يجد الخاتم وأن عين طائراً بعينه
(1/70)

فربما يكون الخاتم في غيره فينسب إلى الجهل فلم يزد عن السكوت لما سأله عن ذلك.
واستمر كسرى على الطلب والاهتمام بشأن الخاتم فلما استقام الطالع وزال عنه الوبال توجه بزرجمهر إلى خدمة مخدومه وأخبره بما كان من وبال الطالع فأحضروا الطير كله وقبضوا على واحدة وذبحوها فوجدوا الخاتم في جوفها ولم يحتاجوا إلى ذبح غيرها وذلك لقوة الطالع وإقبال السعد. وإنما أوردت هذا المثل لمراقبة الطالع ولم أورده اعتراضاً على ما فعلت، فإني أعرف أن مقاصدك جميلة فقال العادل: الأمر كما قلت وإنما بادرت بذلك خوفاً من حاسد يسيق بكلام يستقر في خاطر الملك فتعسر إزالته ولئلا أنسب إلى تقصير وتوان ومع هذا إن الله هو المدبر ومقاليد الأمور بيده ولم يخطر ببالي أن أقواني في هذه القضية لحظة واحدة وأني مباكره فناظر ما يصدره منه. ثم إن العادل باكر إلى خدمة الأسد فوجد الدب قد سبقه وهو يريد أن يفتح الكلام فبادر العادل وقاطع عليه ودعا للملك ثم قال: يا ملك إن المواعيد الوفية والأخلاق المرضية تقدمت في حق عبده القديم الرئيس بالنظر في أمره ولم يبق إلا المراحم وإجراء عبيده القدما على ما كانوا عليه من سالف حالتهم المرضية خصوصاً المخلصين من خاص الندما كما دعوتهم المكارم البهية والصدقات السنية.
ولازال يتكلم بمثل هذا الكلام حتى لان قلب الأسد وظهر للدب ذلك فاشتعل غيظاً وخرج عن دائرة الاعتدال وقال: كل من ستر على أعداء الملك فهو شريكهم في الخيانة ومن يشفع في الجاني فهو الجاني وما أظنك أيها النديم والخادم القديم إلا منقصاً لهيبة الملك وانتهاك حرمته، فعند ذلك هم الأسد على الدب وقال: لم تزل إلا ظالماً من قديم الزمان إلى هذا الأوان وأنت ترقب مراحم
(1/71)

الأكابر لتنسلط على أحبائهم بظلمك وتوقعهم في الأثام وإن السلاطين لم تزل تغضب وترضى وتسبل ذيل إحسانهم على هفوات أصحابهم وأصدقائهم ويطلبون أجر مخدومهم وثبوت الأجر والثواب في صحائفهم، وكلامك أيها الوزير يلوح على صفحات وجهك منه خيالات الغش ومنازلة الفتن وإن كان العادل هذا مساعداً في أمر الرئيس فذلك هو الذي يجب عليه لأنه صاحبه القديم ولو تخلى عنه من قبل هذه الورطة نسب إلى عدم المروءة وقلة الدين وقد راعى ما يجب عيه من وجوه عديدة: أولاً قام يجب عليه لأخيه وصاحبه من شروط الأخوة، ثانياً قصد إثبات الحسنات في صحائفي، ثالثاً تحرى ما يوجب رضائي وانشراح صدري ويزيل غيظي، رابعاً باعدني عن الوقوع في الإثم فربما تعديب الحد في عقابه، خامساً طلب اشتهار اسمي بالفضل دون العدل، سادساً اشهر نفسه بحسن الوفاء وحفظ العهد، سابعاً غرس في قلوب الأماثل محبته، وأما أنا فقد تحققت أن الرئيس قد ندم على ما وقع منه ورجع واعترف بذنبه ويكفيه خجلته عقوبة ولا يليق بحشمي إلا العفو ومكارم الشيم وهذا الذي ورثته من
(1/72)

أكابر أسلافي. فندم الوزير على ما وقع منه وعلم أنه فرط ووقع مع صاحبه في ورطة فلا حاجة قضى ولا صديقاً أبقى. فلما علم أن الأسد عفا تفكر في تدارك ما وقع منه وما هفا فلم ير أوفق من السعي بينه وبين الرئيس، وكان للدب صاحب أرنب يدعى مبارك الميلاد فعرض عليه القضية فلامه على ما كان منه وقال: يا أخي أما علمت أن الملوك يمال على هواهم ويطلب رضاهم وهل تحققت أن الملك طرح جانب الرئيس قطعاً حتى أنه لا يقبل عليه أصلاً هيهات إذا لم يعرف الكبير مقدار خدمة عبده ووفائه وحسن عهده، فما فائدة خدمته خصوصاً هذا الملك الجليل الذي نحن في خدمته هذه فنكون في عقب هذا الأمر مثل التاجر البلخي في أمر زوجته.
قال الدب أخبرني كيف كانت الحكاية؟ قال مبارك الميلاد ذكروا أنه كان في بلخ تاجر كثير المال عريض التجارة فاتفق أنه تراجعت عنه الدنيا وصار كلما قصد شيئاً خسر فيه إلى أن نفد ما عنده فلم ير لنفسه إلا التغرب والبعد عن وطنه إلى أن يقضي الله ما يختار، فقصد بلاد المغرب وأقام بها مدة ففتح الله تعالى عليه
(1/73)

بمال جزيل ثم اشتاق إلى وطنه فجاء إلى بلخ فلما وصل إلى البلد تخفى ودخل البلد لينظر ما حدث في غيبته فجاء إلى داره وصعد إلى السطح من طريق كان يعرفها فنظر من الكوة فرأى زوجته قد عانقت شاباً جميلاً وهما نائمان على السرير فأخذته الحمية وقصد قتلهما ثم تفكر في نفسه وقال: إن مدة غيبتي طويلة وقد تكون المرأة فسخت عقد نكاحي وتزوجت بهذا الرجل حلالاً فالتأمل في هذا الأمر والفحص عنه أولى، ثم نزل وأتى إلى جارة له في صبيحة تلك الليلة فطرق عليها الباب فخرجت له فقال لها إني رجل تاجر كنت أتردد على صاحب هذه الدار مدة بعيدة فأخبريني ما حاله، فقال إنه سافر من مدة مديدة ولم نعرف له خبراً وإن زوجته لما طالت الغيبة عليها توجهت إلى القاضي وشكت إليه طول غيبة زوجها وأنها لا تعرف أهو حي أم ميت ولم يأتها جواب منه ولا خبر عنه فطلقها عنه وأمرها بتزوج غيره، فظهر للتاجر البلخي أن الأمر على ما ظنه وأنه لو قتلهما لكان ذنبهما بعنقه فحمد الله تعالى وأثنى عليه بمحامده إذ ألهمه التثبت ف الأمر، وإنما أوردت لك هذا المثل لتعرف فائدة التأمل في العواقب فقال الدب: دعنا يا أخي يا مبارك من هذا الكلام وخذ بنا في تدارك هذه القضية قبل أن يخرج تداركها من أيدينا فنندم حيث لا ينفع الندم. لأنهم قالوا إذا لم تتدارك زلة القدم ندمت حيث لا ينفعك الندم، فقال مبارك: عندي من يتدارك أسباب الصلح والسعي ويفعل لك ما فيه الرشد وينفي عنك ما يوقع في الغي وخلص لك الرئيس ويأخذ لك في المصافاة باطناً وظاهراً بحيث ترتفع الكدورات من الاثنين أصلاً فإن شاطرتني على هذه الشروط كما ذكرت فأنا أتعاطى أسباب التدارك في هذه القضية وإن أبقيت في نفسك شيئاً من نقص فلا يفيدنا ذلك شيئاً بل ربما وقعنا في بلية ولا تنتج أمورنا ولا تنجح
(1/74)

آراؤنا، فوافقه الدب على ذلك وعاهده وصفا باطنه وصدق في مودته وألقى زمام تدبير الأمور إليه وعول في هذه المهمة عليه وذلك بعد الإيمان الأكيدة والعهود الوثيقة الشديدة أنه أزال ما في باطنه من الكدورات أصلاً ولم يبق لها في قلبه مكاناً ولا محلاً.
فتوجه مبارك الميلاد إلى منزل العادل وذكر له ما جرى بينه وبين الدب وأخبره أن المكارم لا تكون إلا من الكرام وأن انتهاز الفرصة في وقت الذلة سيما اللئام وأن السعي لإزالة الحقد محموده والمشي في طلب صفاء ذات البين موارده عند الكرام موروده. وأنت أيها العادل من أهل الصلاح وسيمتك الخير والنجاح وأعلم أن لو كانت هذه الزلة في شيمتك صدرت منه لسعيت له لأجل التجاوز عنه وإن كان الرئيس متصفاً بصفتك إلا أنه بوجودك معنا لا يخرج عن مشيمتك. فلما سمع منه العادل هذا الكلام اعتدل واستقام ووثب معه وقام وتوجها إلى الرئيس واعتذر له من جهة الوزير وقال له: إن كنت ممن يحب المشاغبة والمتاركة والجزاء على أمثال هذه المشاركة فهذا غير الجبلة والفطرة لأن الوزير ما قام بما قال إلا موافقة مراد مولانا خوف أن يستغشه في الصحة وبعد التبين يتكلم بالمحبة على أن الوزير صرح بأن هذا ما صدر منه إلا في معرض السهو والخطأ وما عني الأذى والإختطا.
(1/75)

أقر بالذنب ثم اطلب تجاوزه ... فإن جحود الذنب ذنبان
ومع هذا فهو واقف موقف الندم يرجو عفو مولانا فيما زلت منه فيه القدم وما زال يتعاطى أسباب الموجبة للصفاء والمودة وتأكيد المحبة والصحبة حتى انعقدت بينهما كما ينبغي وتأكدت كما يجب.
ثم توجه العادل ومبارك الميلاد وصحبته الوزير إلى حضرة املك ووقفوا في مقام الخدمة والشفاعة في الرئيس إلى أن عطفت عليه جوانحه ووقع كلامهم منه في محل القبول فأمر بإحضاره فحضر مكبلاً في حديده مغبراً في صعيده ووقفوا به في مقام الخدمة والخجل والإفتقار فقال الملك: أما سمعت يا رئيس قول القائل إياك وما يعتذر منه وقالت الحكما: إذا كان أحد في خدمة الملك فينبغي أن لا يفوه بكلمة حتى يشيرها أولاً بميشار الفكر ويقيسها بمقياس العقل ويزنها بميزان الحكمة ويعايرها بمعيار التدبير ثم يعبر عنها بأرشق عبارة وألطف خطاب ولا يتكلم بكلمة تورثه الندامة وتعقبه الملامة كما جرى لرأي ملك الهند مع محذومه فقال الحاضرون: أخبرنا يا ملك الزمان عن كيفية هذه الحكاية.
(1/76)

قال الملك: بلغني أن ملك الهند كان في خدمته نديم فاضل ثقيل الرأس خفيف الروح فكان في بعض الليالي في خدمة مخدومه فطلب منه أن يحدثه بأحاديث مختلفة ثم جرى على لسانه أن قال: رأيت في عراق العرب حيواناً في شكل الطير والجمل يأكل الحصا فتذيبه معدته ويبتلع الحديد المحمي قلا يضره فأنكر الحاضرون ذلك وقالوا حيوان من لحم ودم يأكل النار لا يتصور ووافق الملك على ذلك فخجل النديم وتندم على حكاية ذلك وودان لو كان لم يذكر هذا الحديث، ولزم من هذا أنه يتوجه إلى عراق العرب فوصل إلى بغداد وحصل من النعام عدة وتكلف في حملها وإيصالها إلى بلاد الهند وأنفق عليها أموالاً عديدة وتحمل ما ادعاه حتى وصل إلى الهند وأخبر الملك بذلك فأحضر ما وصل من النعام بين يديه وطرح الحديد المحمي والحصا أمامها فما تتمالك أن أكلت منه فتعجب الحاضرون من ذلك وصدقوا فقال
(1/77)

النديم: يا مولانا الملك أنفقت أموالاً كثيرة وقاسيت مشقة عظيمة حتى ظهر صدقي فقال الملك: نعم ما فعلت ولكن كلام يحتاج قائله إلى إنفاق أموال جسيمة وتحمل مشقة عظيمة وتعب البدن والروح وصرف مدة من العمر لا يتفوه العاقل به.
وإنما أوردت هذه الحكاية ليتأدب جلساء الملوك وندماؤهم لئلا يفعلوا شيئاً يحتاجون معه إلى غيرهم أو إلى مكث في الحبس واستعمال جماعة من الأصحاب في السعي إلى تدارك ما يترتب عليه من الخزي والنكال وتحمل منتهم وجميلهم، فقام مبارك الميلاد وقبل الأرض وقال: يا مولانا الملك كل هذا سعادتك وبركة ملاحظتك، وكان سعد الرئيس قد أدبر فانعكس عليه أمره فلما أقبل سعده استقام أمره ونظير هذه الحكاية حكاية الملك كسرى مع غريمه اسد: وكيف كانت تلك الحكاية؟
قال مبارك الميلاد: خرج على كسرى بعض الملوك وجاهره بالعصيان وابتدر لمحاربته فاستعد كسرى وتوجه لقتاله وتواقعا الحرب فيما بينهما فانكسر ذلك الملك الخارج عليه ونصر كسرى عليه فقبض عليه وتفرقت عساكره كلها وحمل إلى كسرى مغلولاً مذلولاً فعاتبه ثم من عليه وأعتقه، فلما تفرقت عساكره التمس من كسرى أن يقيم عنده تحت كنفه أياماً إلى أن
(1/78)

يختار التوجه بنفسه فأنعم له بذلك وأنزله في حديقة يانعة مشتملة على نخيل وأشجار وأزهار وأنوار فالتمس من صدقات كسرى من بين تلك النخيل نخلة يابسة فاستخف كسرى عقله وقال أنا وهبتك هذا البستان برمته قال: لا أريد إلا نخلة يابسة فأنعم له بذلك أيضاً وكان كل يوم يجلس تحتها. ومر على هذا مدة إلى أن جاء الأوان فاستأذن كسرى في التوجه إلى مملكته فسأله كسرى عن ذلك فقال: يا مولانا إن طالعي كان قد انعكس وسعدي أدبر وكل حركاتي كانت غير سديدة ولو كنت توجهت قبل ذلك ما انتظم لي أمر ولا صلح لي حال ولا استقام لي رأي فجربت أمري بجلوسي تحت تلك النخلة اليابسة فإني كنت لفقت من أقوال الحكما أن السعد إذا أقبل يصير اليابس أخضر فكنت أجرب ذلك إلى أن رأيت هذه النخلة اليابسة قد اخضرت فعلمت أن السعادة قد أقبلت والنحوس أدبرت والأمور استقامت فعلمت استقامة أمري ونفوذ قهري فرجعت لذلك وطلبت دستوراً إلى من هنالك.
(1/79)

وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن استقامة أمورنا إنما هي من سعادة مولانا الملك وقوة سعده ولمن طلعته وطالعه وكما أن الرعية لا يستقيم لها حال إلا بالملك كما قيل شعر:
إذا غدا ملك باللهو مشتغلاً ... فاحكم على ملكه بالويل والحزن
كذلك الملك لا يكون ملكاً إلا بالرعية والله تعالى قد أحوج الصغير للكبير ليسوس أمره وأحوج الكبير للصغير ليخدمه. ونظير هذه الحكاية حكاية الشبيطر مع العصفور في زمن سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم فقال الأسد: أخبرنا كيف كانت تلك القضية؟
فقال مبارك الميلاد: قيل إن سليمان عليه السلام كان يوماً في سيرانه فمر على شجرة دلب عليها وكر شبيطر وقد عشش في وكره عصفور وهما يتخاصمان في شأن ذلك فقال الشبيطر للعصفور: اشكر لي ولجواري إذ لولاي ما أبقتك الحية ولا شيئاً من فراخك وأنا أحميك شرها وأمنعك ضرها، فقال له العصفور أنت أيضاً أشكر لي صنعي إذ لولا أحاطني بك لما أبقى النمل من فراخك شيئاً فكل منهما يمن على الآخر بجواره. ثم قال ا؛ دهما للآخر نحن كلنا ندعو لنبي الله سليمان عليه أفضل الصلاة والسلام إذ هو ملك العصر ونحن في أمان به ونحن كذلك نحمد الله تعالى ونشكره ونكثر الدعاء لمولانا الملك بدوام أيامه حيث ملكه الله علينا إذ هو ملك الوحوش الأكابر والأكاسر الضواري للكواسر وشامل بفضله المساكين والأصاغر وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
(1/80)

الباب الرابع
في ذكر العنز المحتال
والكلب الزكي
(1/81)

فراغ
(1/82)

قال الحكيم مرزبان: بلغني أنه كان في ماشية راعي وعنز فحل يستطيل على الماشية ضرباً ونطحاً وزاد ضرره إلى أن عجز عنه الراعي فأتى به إلى السوق ليبيعه فرآه القصاب فبادر إليه ليشتريه فنظر المحتال فرأى شخصاً منكر الصورة بثياب رثة وعمامة دنسة وعلى حزامه سكاكين معلقة قد مد إليه يداً ملطخة بالدما فارتاع منه وارتعش وأدرك منه بالفراسة أن سيهلكه فتحزر منه فاشتراه القصاب وجذبه إلى المذبح، فلما أدخله فيه رأى شقات اللحم معلقة ورؤوس الغنم مطروحة وجلودها ملأ المكان والدماء سائلة فتحقق ما ظنه، فما توقف القصاب حتى ألقاه إلى الأرض وربط رجليه وأخرج السكين ليذبحه فوجدها كليلة فتوجه لأخذ المسن فلما وجد المحتال الفرصة تمطى في الحبل المربوط به وقطعه وانتصب قائماً وخرج من المسلخ هارباً لما رأى من فجعة الموت وطلب مكاناً خالياً فأدى به الطريق إلى البستان بجوار بيت القصاب فوجد باب البستان مفتوحاً فدخله والقصاب خلفه وبيده السكين مسلولة، وكان بين امرأة القصاب والبستاني عشق وشغف
(1/83)

ومخايلات وكانا كلما وجدا فرصة للوصال انتهزاها، فاتفق أن زوجة القصاب كانت قد أتت إلى عشيقها واجتمعت عليه وقد كانت خواطرهم مطمئنة لعلمهم باشتغال القصاب في مصالحه وصناعته ولم يكن له عادة بالدخول إلى بيته في ذلك الوقت قصدا البستان فكانا أمنين على أنفسهما، فأخذ المحتال على مكانهما يجري وكانا إذ ذاك متعانقين والقصاب وراءه فلم يشعر كل منهما إلا وقد رآهما القصاب وبيده السكين مسلولة فلم تشك زوجته وصاحبها في أنه قاصدهما للقتل فنهضا قائمين يدفعان عن أنفسهما واشتغل كل منهما بصاحبه يتقابضان ووقع الصياح واجتمع عليهم الناس واشتغل القصاب بذلك وذهل عن المحتال واستمر يجري هارباً فوجد ثقباً في حائط البستان فخرج منها وقصد الصحرا والتجأ إلى مغارة في جبل هناك كان الراعي يأوي إليه فدخل إليه وأقام إلى الليل منتظراً ما يحدث من الزمان إلى أن
(1/84)

أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح فخرج خائفاً يترقب ويطلب له أنيساً يأوي إليه فجعل يرعى وهو خائف إذ سمع نباح كلب فقصده فلما رآه وسلم عليه سلام مشتاق ثم قال له: أيها الرفيق الصالح أعلم أن المقادير قد جمعتنا على غير ميعاد وكل غريب للغريب يألف وأنت متفضل على كثير ممن لبس الثياب وركب الفرس وقام وحرس وأنت صالح للصداقة والأخوة والوفاقة وإن كانت الجنسية مختلفة لكن القلوب بحمد الله مؤتلفة وبيننا منك مواثيق ولك علينا منن لحفظك لنا ولراعينا والوثوب على من يقصدنا بسوء وحراستنا في الليالي إلى الصباح فأخبرني ما اسمك وما شأنك ومن أين مجيئك؟
فقال الكلب: أما اسمي فزكي وأما شأني فإني كنت أعرى ماشية فأضللناها وأنا أطلبها ومجيئي من بيت صاحبي لأجلها. قال المحتال أنا من حيث رأيت طلعتك رغبت فيك ورأيت أنوار الذكاء تلوح عليك وتفيض حتى نزلت على الأرض وطلبك لصاحبك يدل حسن وفائك وحفظ عهود صاحبك وكمال مروتك وأرجو من الله تعالى أن يعطفك علي لترغب في صحبتي وصداقتي فإني شممت فيك الخير وسررت بملاقاتك وسترى من صحبتي ومودتي وخدمتي ما يسرك ويشبعك ويؤيد رغبتك في موافقتي وتمحو محبة الآدميين من لوح ضميرك، فإنك أذهبت عمرك في خدمتهم والقيام بحقوقهم وحفظ مواثيقهم وأموالهم
(1/85)

ودورهم وجيرانهم مع قناعتك منهم بما فضل عنهم من كسرة خبز شعير وعظمة يابسة، وقد أضاعوا حقوقك ونفوا خدمتك وأقاموا حدودك حتى لو مددت فمك إلى زادهم شجوا رأسك بالحجارة والعصا ولو ولغت في أنائهم ما قنعوا في طهارته بغسله مرة أو مرتين بل غسلوه سبع مرات وكمنوه بالتراب، وأنا أرجو أن تكون سلطان وحوش هذه الأماكن والقفار بحيث يكونون كلهم تحت حكمك وترتفع من الحضيض إلى الأوج ومن هوان العبودية إلى عز الحاكمية وأنا أساعدك على ذلك فإن لك علي فضلاً وعلى أمثالي بل وعلى أعظم منهم وهذا لا ينكره أحد ونحن معك على مدى الزمان كما قيل:
بقاؤك فينا نعمة الله عندنا ... فنحن بأوفى شكره نستديمها
قال الزكي: إن جميع ما قلته صادر عن محل الصدق وخلوص الطوية ونحن بيننا مودة من قديم الزمان تكاد تصل إلى حد القرابة ولم تزل المحبة بين آبائنا وآبائكم وأجدادنا وأجدادكم وقد قيل الحب يتوارث والبغض يتوارث. أما هذا الأمر الذي خطر ببالك
(1/86)

والقصد الذي فكرته أمر عظيم يقصر عنه أكبر منا عمراً وأكثر منا فضلاً ومن أين لنا ذلك وكلانا مفلس؟
قال المحتال: أما سمعت قول القائل: المرء يطير بهمته كالطير يطير بجناحيه: وأنا بعناية الله اجتهد إلى أن تصل إلى هذا القصد كما تحب ونحب ولي عليك شرط وهو أنك تترك أخلاقك المنفرة للوحوش عنك والحرص وتعف عن أكل لحوم الحيوانات إلى أن تتمكن وتتعاطى أسباب الزهد والصلاح والعفة بحيث تطمئن خواطرهم إليك ويأمنون على أنفسهم وأولادهم وقد بلغت مقصودك ثم بعد ذلك تتعاطاهم بالرفق واللين وحسن السياسة وقد ملكت قلب الصغير والكبير. قال الزكي: يا أخي هذا أمر محال ولا تعلق آمالي بشيءٍ لا ينال وكل من علق آماله بشيءٍ بعيد المنال وطمع في غير مطمع النوال أصابه ما أصاب مالك الحزين. قال المحتال وكيف كان ذلك الأمر؟
قال الزكي: ذكروا أنه كان في بعض الغياض جانب نهر يأوي إليه مالك الحزين وكان يتقوت من حشائش ذلك المكان فاتفق أنه أقام مدة أيام فلم يتحصل له شيءٍ يتقوت به فتطلب في نواحي الماء فوقع على سمكة صغيرة فلقفها وأراد ابتلاعها فقالت له: يا أخي أعلم أني بنت ملك هذا النهر وليس لأبي غيري وقد قيل في المثل مثل البرغوث ودمه والعصفور ودسمه لا يغني شيئاً وأنا لا أقع منك موقعاً ولا أسد لك جوعة فإن عاهدتني أحلف لك بالإيمان المغلظة أنك إن أطلقتني يحمل لك أبي الجميل ويلتزم لك كل يوم بعشر سمكات تأتيك هنية من غير تعب ولا مشقة، فلما سمع الطائر ذلك داخله الطمع وغلب عليه السرور إلى أن قال: كيف؟ قلت: فبمجرد ما فتح الطائر فمه بالكاف سقطت السمكة من فيه وذهبت، فلم يحصل له شيء غير الحرمان.
(1/87)

وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن الطمع لا يوجد منه سوى وجع الخاطر وتفريق الفكر والحرمان فافتكر يا أخي في عقبي هذا الأمر قبل الشروع فيه، قال المحتال: نعم ولكن إذا ساعدني تقدير الله تعالى فكل شيء شرع الإنسان فيه نتج وتهيأت له أسباب حصوله من غير منة ولا قوة فلا تهتم أنت بهذا الأمر فإني رأيت فيك مخايل ذلك، فقال الزكي: يا أخي كف عن هذا الأمر قبل الشروع فيه فإن كل من طلب زيادة من الكفاف وقع في التعب وصار مثله مثل الذي يأكل ولا يشبع وأعلم أن لكل جمع تفريقاً ولكل صعود هبوطاً ولكل زيادة نقصاناً وأنا ما رأيت أحسن من القناعة وناهيك مثل صاحب الغنم، قال المحتال: من هو وما قصته؟
قال الزكي: إن صاحب الغنم التي كنت أحرسها كان له من الغنم ألف رأس فقط وكان عنده من المال ما يقدر بع على ألوف عديدة من الغنم وكل وقت تزداد مواشيه، غير أن صاحبي كان من عادته إذا زادت مواشيه، على ألف تصدق بالزائد ووهبه للفقراء وأخرجه عن ملكه بنوع من أنواع التصرفات الخيرية ولا يزيد على عدد الألف أبداً. فاتفق أن راعيها سأله عن سبب ذلك فقال له أعلم أن أعلى مراتب الأعداد الألف فإذا جاوز الإنسان الأعلى هبط إلى الأدنى وما دام الإنسان قانعاً فهو مستريح.
(1/88)

وكم رأيت أصحاب الألوف عدموها ولم يبق معهم منها واحد وأنا غنمي هي هي لا تزيد ولا تنقص. وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن القناعة راحة البدن وتخفيف في الحساب وتقليل في الهموم ومع ذلك فجميع أصحابي وأقراني يحسدونني ويبغضونني ويتعاطون أسباب هلاكي والأولى والأليق أنني لا أفعل شيئاً يؤدي إلى ذلك قال المحتال ما أحسن ما نظرت وأيمن ما أشرت ولكن كن كما قيل:
إذا هم الفتى بين عينيه عزمه ... ويكسب من ذكر العواقب جانبا
ثم إذا كان قصدك في الأمور جميلاً فلا تخش من حاسد ولا تتوقع الأذى من عدو فضلاً عن صديق، وإذا كان الله معك فلا تبال بأحد ولا زالت الناس تطلب الترفع على الأقران والمنازل العلية على غيرهم وإذا كانت مقاصد الإنسان سيئة كانت عواقبه وخيمة وحالاته ذميمة ولو نال قصده. وأنا لولا شاهدت فيك الخير وإشاراته ما أشرت عليك ورأي أن تشرع في هذا الأمر متوكلاً على الله تعالى، قال الزكي: إذا كان الأمر كذلك فإني فوضت إليك مقاليد هذا الأمر فافعل فيه ما تختار وقدم الاستخارة ولا تتوان وكن ثابت القدم ولا تقصر في السعي ما وصلت القدرة إليه فلعل الله تعالى يساعد على ذلك، قال المحتال: فإياك أن تتردد في أمر من الأمور أو يخطر ببالك خوف من شيء بل دم على حالة واحدة حتى تتم لك هذه الأمور ولي عليك شروط أقدمها بين يدي الشروع في المقصود فإن اليوم كلامي معك متيسر فإذا عليت مرتبتك وصرت سلطاناً فلا يليق التكلم معك إلا على قاعدة الملوك وإذا لم استوف كلامي معك في وقت الحاجة اختل النظام.
قال الزكي: نعم وليت، ولكن أنت مرتبتك عندي علية
(1/89)

ومكانتك عندي متميزة سمية وإذا لم يراع الشخص رفيقه في الشدة فلا خير فيه في الرخاء، وإذا كان كذلك فأنا أطلق لك الإذن في الكلام فيما اخترت وكيف ما شئت. قال المحتال: أول شروطي عليك أن لا تقرب المؤذي ولا قول العواني ولا تقربهما إليك ولا تلتفت إلى كلامهما، الثاني لا تعجل في فصل الخصومة حتى يتبين لك حقيقتها ومحقها ومبطلها وكل قضية تكون في عقباها ندامة لا تعلمها بالعجلة، الثالث لا تعود لسانك فحش الكلام وسب الناس فإن ذلك ينفرهم قيل: إن عيسى عليه السلام مر بجيفة وكان مع حواريه فذكر كل منهم قباحتها ونتنها فقال عيسى عليه السلام: ما أشد بياض أسنانها فقيل له في ذلك فقال: لا أعود لساني الفحش، الرابع لا تصغي إلى سماع فاحش الكلام كما لا تعود لسانك قوله ولا تعود سمعك الإصغاء إليه، الخامس التحبب إلى الرعية بكل ما تصل إليه قدرتك، فإن السلطان إنما هو سلطان بالخدمة وكل ملك أحبته رعيته دام سلطانه وأعلم أن العدو القديم لا يأتي منه صديق وبأدنى شيء تفسد صداقته كما أنه بأبعد شيء حصلت مودته لا سيما إذا كان في الوسط حسود أو نمام وناهيك قصة الفأرة مع القط.
قال الزكي كيف كانت تلك القضية؟ قال المحتال ذكروا أن
(1/90)

رجلاً فقيراً كان في بيته قط قد رباه مثل الولد فكان القط لا يفارق بيت صاحبه ولأجل فقره كان بيته خالياً عما يتقوت به القط فحصل له بسبب ذلك ضعف البدن بحيث سقطت قواه وعجز عن الصيد وكان في بيته وكر فأرة ولها منفذ إلى بيت جاره وهو رجل سمان وعنده أنواع المأكولات فكانت الفارة تنقل من السمن ومن طيب المأكولات وبواسطة ضعف القط كانت تقوى على الدخول والخروج إلى البيت، فتفكرت الفارة يوماً من الأيام في أن القط وإن كان عاجزاً عن معاناة الصيد الآن ربما حصلت له قوة في المستقبل لأن الدنيا لا تدوم بحالة واحدة كما قيل:
هي الدنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار من بطشي وفتكي
فلا يغرركم مني ابتسام ... فقولي مضحك والفعل مبكي
فإذا حصل له في نفسه قوة يمنعها من الدخول والخروج ويكون في نفسه حقد لها لما كان يراه من سالف حاله وحالها فأداها فكرها إلى مصادقته في حال ضعفه وتهدي إليه ما يتقوت به فربما يرجع عن غيظه ويفيدها ذلك في المستقبل فحملت من أنواع المأكولات ما قدرت على حمله وجاءت إلى القط وسلمت عليه سلام مشتاق وسألته عن خاطره وقالت: يعز علي أن أرى أبا عروان في هذه الحالة وهنا شيء بالمزيد وقد عزمت على مصادقتك فإن سمح خاطرك الكريم بالرغبة في مصادقتي ورفع العداوة القديمة وتأكيد ذلك بالإيمان التي يطمئن بها الخاطر فأنا أحمل كل يوم إلى حضرتك غداءٍ أو عشاءٍ يكفيك مؤونة التكسب وترجع نفسك إليك، فرغب القط في ذلك وحلف لها وتأكدت بينهما الصداقة وصارت الفأرة كل يوم تنقل إليه ما يكفيه إلى أن نصل من ضعفه وقوى وسمن وانعقدت بينهما الصحبة وتأكدت وانقطع القط إلى
(1/91)

محبة الفارة وكان للقط من الأصحاب القدماء ديك فلما رأى الديك انقطاع القط إلى الفأرة داخله الحسد فسعى في فساد ما بين القط والفأرة إلى أن غلبت العداوة القديمة وتحركت دواعي البغض والشيمة فعدى القط على الفارة. وهي آمنة وقتلها وأكلها.
وإنما أوردت هذا المثل لتعلم مواقع الصداقة والعداوة فتضع كلاً منهما في محله. قال الزكي: جزاك الله خيراً فلقد بالغت في النصيحة وأبلغت في العبارة. قال المحتال: ولي عليك شرط آخر قال: قل ما شئت! قال: أريد أن تكون مكانتي عندك علية وحرمتي موفورة وفية بحيث تكون لي كلمة نافذة وهيبة ساطعة وسطوة جامعة وحرمة يانعة من ابتداء اليافعة وأكون مميزاً على من دوني من خدمك، فإن حرمة الخادم من حرمة مخدومه وإذا ابتذل المخدوم خادمه وتركه وراء ظهره لا يلتفت إليه أحد ممن هو دونه، والملك إذا ألقى حرمة وزيره احتقرته الرعية وكان مثله مثل بنت الزاغة. قال الزكي: كيف كانت تلك الحكاية؟
قال المحتال: ذكروا أن زاغة كان لها بنت قد نشأت في غاية الحسن والجمال وكانت أولاد الطير يخطبونها من أمها وكانت أمها تخفيها وتخاف عليها من زوج يتعبها ولا يهنيها فتأبى عليها ولا تزوجها لأجل ذلك، إلى أن خطبها فرخ بومة كان بين أمه وبين الزاغة صداقة قديمة فرغبت فيه لأجل ذلك ثم قالت لبنتها: يا ابنتي
(1/92)

إن أولاد ملوك الطير خطبوك وأنا أخشى أن أزوجك لمن لا يعرف مقدارك فلا تستريحي معه وقد خطبك ابن صاحبتي القديمة فلانة البومة وهي تحت أمرك وطوع يدك ومعك كما تحبين، مع أنه ليس في الطير من ينصره علينا ولا يقوم معه إذا أراد أن يظلمنا فإن الطيور جميعها تكرهه فما ترين؟ قالت يا أماه إن الله تعالى يقول: الرجال قوامون على النساء وقال وللرجال عليهن درجة ولقد حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء ماذا صنعك بزوج ليس له همة ذليل بين الأصحاب هذا يخطفه وهذا ينتفه وهذا ينقره وإذا لم يكن للزوج حرمة عند زوجته وفي بيته وبين أقرانه فأي حرمة تكون لزوجته عنده فضلاً عن جيرانها وأصحابها، ومقدار المرأة إنما يعرف من مقدار زوجها وكيف يكون حالي إذا تزوجت بزوج مقل ذليل ورجل مفلس حقير بين أخوتي وصويحباتي وأمثالي سيما وأنا من أبرعهم في الجمال ومن أحسنهم في القد والاعتدال وإذا كان الأمر هكذا فأنا لا أرغب في هذا الأمر.
وإنما أوردت لك هذا المثل لتعلم أنه لو لم يحصل لي إدراك حرمة بارتفاع منزلتي على أقراني واعتبار شأني من بين إخواني فلا الصديق يرجوني ولا العدو يخافني ويتعدى الوهن مني إلى وهن مخدومي. فقال له الزكي: أبشر بالرتبة العلية والدرجة السنية والكلمة المسموعة والأمر المطاع ولكن أعطيك جميع ما اشترطت علي وأوصيتني به وإلا أكن كما قال الله تعالى: (لم تقولون ما لا تفعلون) وإياك
(1/93)

أن تدلني على مظلمة أو توقعني فيما نهيتني عنه أو تقبل الرشا على الحكم لتظلم الرعية وتميل إلى الأغراض الدنيوية ولا تبني أمورك إلا على التقوى فإنها لك قوى، وأعلم أن الأمور إذا أريد بها وجه الله تعالى فإنها تفلح وإذا دخلها هوى النفس والغرض الفاسد فإنها لا تتم أبداً ويصير مثلها كمثل الرجل مع الشجرة، قال المحتال: وكيف كانت تلك القضية؟
قال الزكي: ذكروا أنه كان في أقصى بلاد الصين شجرة تعبد من دون الله تعالى وقد ضل بها كثير من الناس وكان قد دخلها شيطان يخاطبه الناس من وسطها وكانت في غاية الخضرة والنضارة، فقدم تلك البلاد رجل صالح مسلم فلما رأى الناس وما هم فيه من عبادة الشجرة أخذته غيرة الإسلام فحمل فاساً وتوجه لقلعها فلما وصل إليها وأراد أن يضرب ساقها ناداه الشيطان من وسطها وقال له: يا أيها الرجل الصالح ماذا تريد؟ قال: أريد أن أقطعك وأريح الناس منك ومن ضلالك فإنك لا تضرين ولا تنفعين وقد أضللت كثيراً من الناس فقالت: لا تفعل فإنك رجل فقير وما عليك مني فارجع وأنا أتكفل لك كل يوم بخمسة دنانير تحت فراشك إذا قمت من نومك فخذها وأنفقها وتقوى بها على طاعة فراشك إذا قمت من نومك فخذها وأنفقها وتقوى بها على طاعة الله معبودك، فلما سمع الصالح هذا القول داخله الطمع وانكسرت مروءته ورجع فنام فلما أصبح رأى تحت وسادته خمسة دنانير
(1/94)

واستمر على ذلك عدة أيام ثم إنه فقد ذلك ولم يجد شيئاً فأخذ الفأس وتوجه إلى الشجرة فلما دنا منها ناداه الشيطان وقال: لم جئت؟ قال: لأقطعك لأنك تعبدين من دون الله قال: ارجع فوالله إن دنوت مني لأقطعن عنقك بفأسك التي معك، أنت تظن أني لا أضر ولا أنفع فقد رأيت مني المنفعة حيث وجدت الذهب تحت الفرش ورأيت مني المضرة حين منعتك إياه وحرمتك منه وأذهبت حب الله معبودك من قلبك بحب الدنيا الفانية وأتلفتك بضياع سرك فإنك لما جئتني أول مرة كنت خالصاً لوجه الله فخشيتك وخفتك وهبتك ولو دمت على حالك الأول ما استطاع أحد ردك، وأما الآن فقد داخلك الهوى وشهوة النفس والأعراض الفاسدة فلا تقدر على نفوذ ما عزمت عليه أصلاً.
وإنما أوردت هذا المثل لتعلم فائدة من أراد وجه الله تعالى وكل عمل دليله الغرض الفاسد فلا يقدر أحد على إمضائه ويعقبه الندامة وكل من شرع فيما لا يعنيه أدى به ذلك إلى ما لا يرضيه، كما جرى لزوجة الحريري مع الإسكافي عشيقها. قال المحتال: كيف كانت تلك الحكاية؟
قال الزكي: ذكروا أنه كان حريري له زوجة تخجل الأقمار في كمالها والشمس قبل زوالها وكان يحبها محبة عظيمة واتفق أنه كان بجواره شاب إسكافي يخجل الغصن بقامته والمسك بشامته وبينه وبين زوجة الحريري ما يكون بين العشاق والخلان، فكان الحريري قد شم روائح ذلك ولغلبة حب المرأة كان يتغافل عن ذلك فرأى يوماً مع الصياد طيراً في شكل حسن، فسأله عن أمره فقال: هذا الطائر مع حسن شكله يخبر صاحب البيت عن أفعال زوجته فاشتراه وأتى به إلى منزله فسألته زوجته عن حال الطير فقال لها:
(1/95)

احتفظي به وأكرميه فإن من خاصيته أنه مهما رأى في بيت صاحبه أخبره به ثم خرج إلى دكانه بالسوق فدخل الإسكافي فرأى عند عشيقته هذا الطائر الغريب الشكل فقالت له: ذكر زوجي أن له من الخواص كذا فقهقه الإسكافي وقال: صدق من قال إن النساء ناقصات عقل وروادها عن نفسها فقالت: إن الطائر يفتن علينا فاقسم أنه لا يجامعها إلا بحضرته وإذا فرغ يمسح ذكره في رقبته ففعل وكان الطائر جائعاً وهو من الجوارح، فلما رأى ذكره تصور أنه قطعة يلحم فنط وأخذه بمنقاره ومخلابه وقبض عليه قبضة عنيفة وثيقة فاستغاث بالمرأة أن تخلصه فلم تقدر فأشار عليها أن تكشف فرجعها وتدنو من الطائر لربما أنه يطمع فيه فيترك ذكره ليقبض عليه فتخلص بذلك ففعلت فلما رآه الطائر قبض على فرجها أيضاً بمخلاب يده الأخرى طمعاً في أنه إذا أكل ما في فمه أكل الآخر وشد عليهما شداً وثيقاً، فبينما هما كذلك إذ حضر الزوج ودخل عليهما فرآهما على تلك الحالة العجيبة فقبض عليهما وفعل معهما ما يجب فعله عليه من السب والضرب والتشبع.
وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن الإنسان لا ينبغي له أن يسعى
(1/96)

في شيء لا حاجة له به ولا يصغي لمن يتكلم في شيء من ذلك، قال المحتال: قد طالت المحاورة ولم يبق إلا الشروع في المقصود وتقديم الاستخارة وتعاطي أسباب ذلك. وكانت هذه المحاورات تحت شجرة فيها وكر حمامة وقد سمعت جميع ما جرى بين الزكي والمحتال من المحاورات والمناظرات فافتكرت في نفسها وعلمت أنه سيصير له شأن عظيم فأداها افتكارها أنها تسارع إلى التقرب منهما فربما تنال مقصودها بسببهما إذا ارتفع شأنهما، فإن محاورتهما صادرة عن معرفة ورأي وتدبير فسارعت إليهما ونزلت كما قيل شعر:
هبطت إليك من المقام الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع
ونزلت وابتدأت وقبلت الأرض بين يدي الزكي ووقفت في مقام الخدمة وابتدأت بالتهنئة والسرور والبشارة والحبور وقالت: قد سمعت مناجاة مولانا الملك وحضرة الوزير وكل ما قالاه صادر عن مشكاة السعادة وموافق مراتب السيادة وقد أحببت أن أكون مساعده فإني خل وافي وخادم كافي وصديق مصافي، فاستبشرا بورودها واقتضى رأيهم إرسالها لدعوة الطيور وامتثالهم بذلك وتطيب خواطرهم وتسكين قلوبهم وتنادي أن الزكي قد صار ملك الوحوش والطيور فليدخلوا تحت طاعته ولهم الأمن والرعاية والأمان والحماية وتصحب منهم جماعة كثيرة لنأخذ لهم العهد والميثاق، فأسرعت الحمامة إلى ذلك ورأت من الطيور والوحوش جماعة كثيرة فسلمت عليهم سلام مشتاق فتلقوها بالترحاب
(1/97)

والإكرام ثم سألوها عن موجب قدومها فقالت: الاشتياق وما حدث في عالم الكون وأخبرتهم بمحاسن الزكي والمحتال وما هما عليه من الفقه والدين وما قد عزما عليه وأن الزكي قد صار ملكهم وحامياً لحوزتهم ونادت فيهم بذلك فأجابوا كلهم بالسمع والطاعة واتباع السنة والجماعة وأخذوا في التوجه إلى خدمة املك وأحضروا الهدايا وتوجهوا مع بعضهم إلى الزكي إلى أن دخلوا عليه وأكرمهم وأجلهم وأعطى كلاً منهم منزلته وبالغ في إكرامهم وأعطاهم العهد والميثاق أن لا يظلم أحداً منهم ولا يؤذيهم بغير حق وقرر كلاً منهم في وظيفته.
ثم أخذ في استدعاء سائر الوحوش وأرسل الحمامة إليهم فقابلتهم وبغت الرسالة بأوفق عبارة وأرشق إشارة وتشاوروا فيما بينهم وذكروا فضائل الكلاب وخصائصهم وما فيها من صفات فضلت بها على غيرهم من الوحوش واتفقوا أن يسعوا له ويسمعوا كلامه ويطيعوه فقام، من بينهم أرنب مشهور بالذكاء والتمييز فابتدر من بين جماعة الوحوش وقال: أيها الأغمار الخارجون من الديار والعمران كيف يصلح الكلب للرياسة مع ما فيه من الخساسة؟ ولعن الله زماناً صار في الكلب سلطاناً، وذكر مساوئ الكلب وخساسته وأوصافه الدنيئة ونجاسته وأوصافه الخسيسة، فتصدت الحمامة للجواب وقالت بأفصح خطاب: إن الأصل والنسب لا يضران بالشخص إذا كان ذا حسب بأن تكون خصائله حميدة وحركاته مفيدة قال الله تعالى: (فإذا نفخ في الصور فلا
(1/98)

أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون) والأصل في استحقاق الملك الهمة العلية والأخلاق الكريمة ومكارم الشيم، وأما الجنسية فغير معتبرة في بيان الهمم العلية، فكلب أصحاب الكهف بحسن الصحبة صار منهم وأضيف إليهم بالذكر معهم قال تعالى: (وثامنهم كلبهم) وناهيك بتفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب وفاؤه بحق صاحبه وحفظه على صديقه ومصاحبه وسهره الليالي وعفافه بالنهار ودوام خضوعه وإدمان خشوعه وأمانته وصيانته، والعاقل من تصفح أحواله وصفاته فإن رأى عيباً أزاله وأقلع عنه وإن رأى خيراً حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وناهيك بقصة اللص مع المرأة قال الأرنب: أخبرني بذلك؟ قالت الحمامة: ذكروا أنه كان لص مشهور بالسرقة بارع فيها بحيث أن الناس قد عجزوا عنه وأعياهم أمره، ففي بعض الأيام كان مختفياً يترقب الفرصة ليسرق من بعض الأماكن وإذا بالوالي مار ومعه امرأة خاطئة مسلسلة وهي تنادي وتستغيث وتقول يا أمة محمد أغيثوني أدركوني لا ذنب لي وأي شيء هو فوالله ما سرقت ولا نقبت ولا أخذت مالاً من أحد ولا قطعت الطريق ولا أنا لصة، فلما سمع الحرامي هذه المقالة من المرأة نبه وقال أف على صنعة تستنكف من فعلها الزواني وتتبرأ من النسبة إليها القحاب ثم إنه عاهد الله تعالى وتاب لوقته وحسنت توبته.
وإنما أوردت هذا المثل ليعلم أن المقصود ممن حوى مكارم الأخلاق وتخلى عن كثافة الطباع اتباع هذا الملك وليعلم أنه لولا يستحق الرفعة بتخليه عن الرذائل وتحليه بأنواع الفضائل ما رفعه الله تعالى عليكم، وقد اشتهر ذلك عنه
(1/99)

وإطاعة سائر الوحوش والطيور فلا يرد الأخير أو أنا، أشر عليكم برأي لكم فيه إصلاح وسداد وهو أن ترسلوا معي قاصداً تختارونه فينظر مصداق ما قررته لكم ثم يأخذ لكم منه عهداً بما يقع عليه الاتفاق، فأعجبهم هذا الرأي وأرسلوا معه ظبياً عاقلاً لبيباً وتوجه مع الحمامة فلما قربا من المعسكر سبقت الحمامة وأخبرت بما وقع فتقدم المقدم وقبل الأرض وقال: أسأل صدقات الملك إذا وقع من القاصد سؤال أن أتصدى لجوابه بإجازتكم، فإن الصواب أن يكون في خدمة الملك من يرد الجواب عنه فربما حصل خطأ في الجواب فينسب إليه ذلك الخطأ فإن نسبة الخطأ إلى الخادم أهون من نسبته إلى المخدوم. فاستحسن الملك ذلك وأجاب إليه ثم إنهم تلقوا الظبي بالترحاب فلما وصل إلى حضرة الملك قبل الأرض بين يديه وأدى الرسالة بعد أن قرب من الحضرة وأذن له في جلوسه وخاطبه بما أزال دهشته وأبعد وحشته وأجاب سؤاله وأعطاه عهداً وميثاقاً بكل ما سأله لجماعة من الوحوش والغزلان وأن لا يريق لهم دماً ولا يهتك لهم حرماً وأنهم يرعون حيث شاءوا ويسرحون أينما أرادوا آمنين مطمئنين ثم قال الطير: يا مولانا الملك نحن قوم ضعاف مختلفو الأماكن متباينو الأجناس لم تزل العداوة بيننا قائمة ونار الفتنة مشتعلة فينا غير نائمة يمزق القوي منا الضعيف ويأكل القادر لحم العاجز بعضنا في الجبال وبعضنا في الغياض وبعضنا تحت الأرض والأوكار كقطيع الغنم مجتمعين واجتماعنا يعسر علينا وحفظنا يشق على الملك ولابد من ترتيب قاعدة وتأسيس أمر يكون فيه اجتماعنا هيناً وحفظنا جميعاً متيسراً.
(1/100)

فتلفت الزكي إلى المحتال وقال: أجب أيها الوزير فقال المحتال: هذا من قصور النظر وعدم التأمل وإلا فالسلطان كالشمس إذا استوت في قبة الفلك عم شعاعها البر والبحر ووصل نورها من المشرق إلى المغرب واستوى فيه الجبال والتلال والوعر والحضيض واملك إذا اشتهر صيت عدله في الأقاليم وسكنت هيبته في القلوب وشمل عدله القاصي والداني وعم فضله الرفيع والوضيع فإنه كالغمام الماطر إذا أرسل ما فيه بلغ نواله العامر والغامر والسهل والوعر، ومتى علمت الرعايا أنكم مشمولون بالمراحم السلطانية وداخلون تحت الطاعة الشريفة والعواطف الملوكية لا يتجرأ أحد على التعرض إليكم، وإذا كانت نية الملك الخير والعدل أبلغ الله تعالى بركة ذلك جميع الآفاق وناهيك بقصة كسرة أنوشروان مع حمار الطحان. قال الطير: كيف كانت تلك القضية؟
قال المحتال: ذكر المؤرخون أن كسرى اجتهد في إجراء العدل
(1/101)

فأداه اجتهاده أن يحصل شيئاً يظهر له به أحوال المظلومين من غير توقف على حجاب أو بواب أو أذن أو استئذان لما رأى عدم وصولهم إليه بسبب الحجاب فأداه اجتهاده أن يربط في شرافة قصره حبلاً مبروماً من الحرير الأبيض إلى أن يصل إلى حلقة الباب البراني الذي يمر به عامة الناس وعلق فيه من الجلاجل والأجراس فإذا حرك الحبل صوتت وأذن بالندا بأن كل من له ظلامة ولا يقدر على الدخول على الملك يحرك ذلك الحبل واشتهر هذا العدل. ففي بعض الأيام كان كسرى راقداً في بيته وإذا بالجلاجل والأجراس تصوت فاستيقظ كسرى وطلب المحرك لها فلم يجدوا إلا حماراً كبيراً مهزولاً قد حصل له حكة وهو يحك ذلك الحبل وليس عنده أحد فأحضره وطلب صاحبه فوجده طحاناً فسأله عنه وعن أسباب هزاله حتى تبين له أنه يكلفه من الحمل فوق طاقته ويستعمله في غير مقدرته ويقصر في حقه في العليق فأمر أن تزال ظلومته وأن ينادي أن كل من عنده دابة يفتقدها ولا يقصر في حقها.
وإنما أوردت هذا المثل ليعلم مولانا الملك أن تكون هذه الأمور دائمة غير منقطعة لتعتادها الأخلاق العلية والشمائل السنية والمراحم الملوكية والشيم المرضية فإنها إذا اعتادت بها انتقلت عن درجة التكليف وصارت سجية بكل معنى ظريف كما قال المغني لما دعي إلى عرس جاره قال المحتال: كيف كانت تلك الحكاية؟
قال الزكي: ذكروا أن شاباً قصد التزويج ودعا أصحابه وكان له جار مغني من أحسن الناس غناءً فتوجه قاصداً لطلبه حتى يشغل الوقت فلما جاءه القاصد قال: قل لي من أرسلك صاحب العرس أم غيره؟ قال: غيره فامتنع من إتيان الدعوة فقيل له في ذلك فقال إذا كان بأمر صاحب العرس ورغبته كان غنائي مطرباً وكلامي
(1/102)

مفيداً وسماعي محركاً وإن كان ذلك بغير رغبته ورضاه وأمره فلا غنائي يكون مطرباً ولا قولي يكون معرباً، لأن كل شيء لا يجيء على القلب عنايته صعب والقصد من هذا الكلام أن لا يتولى أمرنا إلا من له عناية وشفقة على كبيرنا وصغيرنا، قال الوزير: نعم ما قلت ولقد نصحت من وراءك فاحتفظ بما رأيت وسمعت وتوجه إلى أصحابك فإنك قمت بواجب حقهم فإنهم منتظروك. ثم أضافوا إليه الحمامة وردوه إلى جماعته مكرماً فوصل إليهم مطمئن الخاطر منشرح الصدر وابلغهم الرسالة وطابت قلوبهم وانشرحت خواطرهم فهيئوا التقادم والخدم وأخذوا في أسباب التوجه إلى حضرة الملك بذلك فدعا الوزير وقال له: إن هؤلاء الجماعة قد توجهوا إلينا وفيهم من لا يعرف حقائق الأمور ولا اطلع على قضية الصلح فبمجرد ما يقع نظره علينا ويرى هيبة الملوك يرجف فؤاده ويستطير قلبه ويداخله الفشل فربما فر واتبعه غيره لا سيما إذا كان ممن سبقت له منافي ميادين الصيد سابقه فيهدم جميع ما بنينا ويفسد غالب ما قصدنا واللبيب من تفكر في عواقب الأمور قبل وقوعها وغالب هذه الحيوانات لا تقدر على مشاهدتها وناهيك بقضية الديك والثعلب. قال المحتال: وكيف كانت تلك الحكاية يا مولانا السلطان؟
قال الزكي: كان في بعض القرى ديك قد جرب أمور الدنيا كلها وذاق حلو الدهر ومره وعرف مداخله ومخارجه ففي بعض الأيام داخله الطمع فبعد
(1/103)

عن القرية التي هو بها وقت الظهر فصعد على شجرة عالية وأذن عليها فأعجبه صوته فسمعه ثعلب كان في ذلك المكان له وكر فسرت نفسه بذلك وخرج مسرعاً إليه فلما رآه الديك نط إلى أعلى الشجرة فقرب الثعلب إلى الشجرة بحيث يراه فلما رآه سلم عليه سلام مشتاق محب وقال له: شكر الله سعيك لقد أحييت قلوبنا بطيب آذانك وقد جئت لأتبرك بك وأبشرك ببشارة لم يقع مثلها منذ قامت الدنيا، وهي أن الملك نادى أن جميع الوحوش تتعاشر وتتصاحب وتتزاور بحيث لا يبغي بعضها على بعض ويتصاحب الذئب مع النعجة والثور واللبوة والقط مع الفار والديك والثعلب فالحمد لله الذي قد حصلت المصافاة وذهب الأحقاد والمنافاة، كل ذلك والديك فتحرز منه ولا يلتفت إليه ولا إلى خزعبلاته وتحيلاته بل نظر إليه نظر متملق وقال يا أخي يا ثعلب وأنا أبشرك ببشارة ثم سكت والتفت يميناً وشمالاً وأماماً وخلفاً فقال الثعلب للديك: يا أخي أنا أبشرك ببشارة وأنت لا تلتفت إليّ ولا تنظر لي بل تتشاوف من بعيد فأخبرني ما شأنك وما أمرك؟ فإن أمرك أعياني وشأنك كشأن من لا نظرني ولا رآني. قال لديك: أجل أيها المحب ما يشغلني عنك جد ولا أب وإنما أنا رآني غيرة قائمة من بعيد أريد أن تحققها فإني لم أقع على ما هي!؟ فقال الثعلب: بالله حقق النظر وأخبرني، فنظر طويلاً وقال: أرى حيواناً رقيق الخلقة طويل الأذنين يجري كالريح وليس له غبار يدرك إلا قليل فقال الديك: اصبر حتى تنظر ما هو؟ فقال: والله ما بقي لي صبر وقد رفرف فؤادي، فقال له الديك: أما قلت إن السلطان قد رسم بالصلح بين الحيوانات فأي شيء بقي للكلب عندنا وإذا جاء إلينا يكون صاحبنا وعشيرنا؟ فقال الثعلب: لعل هذا الكلب لم يكن سمع الندا والإجهاز ولا طاقة لي به ثم فر هارباً.
(1/104)

وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن يكون في هذه الوحوش من لم يكن له إطلاع على صلحنا وتوافقنا فبمجرد ما ينظرنا يتخلف أو يهرب فيحصل لغيره بسببه قتل ويقع خلل فيما أمرنا به، فالمصلحة تقتضي أن تذهب الحمامة إليهم وتشهر الندا والأمان والاطمئنان حتى يطلع على هذا الأمر كل واحد منهم ثم تتوجه أنت ورؤوس الحاضرين وتجتمع بطوائفهم وتقرر معهم الأمور بحيث تطيب خواطرهم ولا يقع منهم شيء تختل به القاعدة، فتوجه الوزير ورؤساء الجند للملاقاة وقد سبقت الحمامة وأشهرت المناداة حسبما ذكر ثم وصل الوزير مع رؤساء الجند ولاقى الحيوانات والوحوش وتسامع بذلك سكان الصحارى والقفار والجبال وسكان الفلاة والغابات والأحجار، ثم أقبلوا يسعون جميعاً إلى خدمة الزكي فأنزل كلاً منهم في محله وأقام كلاً منهم في وظيفته ليعمل فيها بالإخلاص والنصح واستقام له الأمر بواسطة عدله فيهم وإصابة رأي وزيره.
وفائدة هذا المثل أنه ينبغي لأشرف المخلوقات وهم جنس بني آدم أن ينتبهوا لمثل هذه الأمور وما احتوت عليه من رموز الإشارات ويسلكوا إذا سادوا ورأسوا ويتأملوا أن مثل هذه الأشياء إذا كانت صادرة عن الكلاب التي هي من أحسن المخلوقات فبالطريق الأولى أن يتلبس بها أشرف المخلوقات الذي رفع الله مقداره بقوله تعالى: ولقد كرمنا بني آدم وأي إكرام أحسن من العقل وأفضل من عدل الملوك الذين ملكهم الله تعالى رقاب المخلوقات وحكمهم في أموالهم ولابد يسألهم عنهم لأن كل راع مسؤول عن رعيته وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا المعللون.
(1/105)

فراغ
(1/106)

الباب الخامس
في أمثال الفيل والأسد
ومحاربتهما
(1/107)

فراغ
(1/108)

قال الحكيم مرزبان: بلغني أنه كان في بعض جزائر الهند جزيرة تشتمل على طائفة من الأفيال ولهم ملك عظيم فبلغه أن في بعض الغياض والأجم مكاناً في غاية النزاهة ذا أرض خضرة ومروج نضرة وروائح عطرة وأزهار نورة ومياه جارية وفواكه كثيرة ونعم غزيرة وبها أسد عظيم هو ملكها وتحت يده كواسر الوحوش، وهو سلطان تلك الغياض والوحوش فارتاحت نفسه إليها وأراد استخلاصها من يد أصحابها وكان له أخوان ووزيران أحدهما واسطة خير يسمى مقبلاً والآخر واسطة شر يدعى مدبراً فاختلى بهما واستشارهما فيما عزم عليه فقال المقبل: يا مولانا الملك لا تفعل فإن بها صاحباً هو ملكها وهو جار الملك وله حق الجوار ولم يبدلنا منه ضرر ما والملك أيضاً لم يعهد منه غدر ولا طمع ولا حدث منه شر خصوصاً في حق جيرانه وما قضى عمره وأيامه إلا في فعل الخيرات ودفع المنكرات وهذا الذي اشتهر عنه. ولقد سمعت من نصائح الحكماء ثلاث نصائح: الأولى أحذر أن تقع في دم بغير حق والثانية إياك وأموال الناس بغير طريق استحقاق،
(1/109)

الثالثة إياك وهدم البيوت القديمة، ولاشك أن الأسد من أهل البيوت الملك وهو عريق في مملكته، وأعلم أيها الملك أن الله تعالى قد أفاض على كل واحد من المخلوقات يستحقه من نعمة وصداقة، وأقام الأسد في ذلك الأماكن، ولولا أنه مستحق لذلك ما أقامه فيها فلا ينبغي أن ينازع فيما أنعم الله تعالى عليه به خصوصاً لك لئلا تدخل في حيز قول الله تعالى (أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله) ، وكما قيل شعر:
يا أحمد اقنع بالذي أوتيته ... إن كنت لا ترضى لنفسك ذلها
وأعلم بأن الله جل جلاله ... لم يخلق الدنيا لأجلك كلها
فالتفت الملك إلى وزيره مدبر وقال له: ما ترى أنت؟ قال يا
(1/110)

ملك الذي قاله مولانا الوزير هو عين النصيحة ولكن لم تزل الملوك تطلب الترفع على أقرانها وفتح البلاد لتكثير خراجها وأخذ الولايات والاستيلاء على الأقاليم، مع أن الأسد حيوان ظلوم كاسر ومشؤوم جاسر فخلاص الرعية من شره واجب على كل أحد ومولانا الوزير كأنه لم يقف على ظلم الأسد للرعية واعتدائه عليها بحيث أنها طالبة لمن ينقذها من شر الأسد ومتطلعة لمن يتصدى لطلب السلطنة وإقامة ناموس الملك ينبغي أن يكون له كل يوم فتح جديد وازدياد ما له من العساكر والجنود والأنسب إلى قصور الهمة وعدم كشف الغمة. نعم وإن كان هذا يستدعي إلى صرف أموال وجمع قروم من الرجال لكنه يكون سبباً في تعمير خزائن الملك وتكثير عساكر الجند فإن مولانا الملك يحتاج إلى ملء خزانته لأن كل وارد عليه طامع في إنعامه وصدقاته فإذا لم تنل ما تؤمله نقصت رغبتها ونفرت خواطرها والذي يقتضيه جفاء الحاكم عدم ذلك كله وحيث كان الأمر كذلك فالمرأى عندي إنقاذ ما عزم عليه الملك وإبراز ذلك من قوة الفكر إلى قوة الفعل.
فلما سمع الملك ذلك ثنى وجهه إلى مقبل وقال: لا تبق في هذا الرأي مجهوداً وابذل ما يسمح لك فقال المقبل: أفعل يا مولانا الملك شرط أن تقبل ما أقول وأعلم أيها الملك أن الحكماء قالت إن كل من طلب نفع نفسه بمضرة غيره فإنه لا يمتع بتلك المنفعة ولقد صدقوا هذا على تقدير حصولها والظفر بها وإن لم تحصل هلا يزداد إلا توزيع الخواطر وتفريق البال والندم والخسران واكتساب السيرة السيئة وكل من أراد الظفر بمظلوم واقتصر على تمشية هوى نفسه وأنه أحق بذلك من غيره فإنه لا يسلم أبداً من الأفكار والهموم ولا يكاد يصفو له الزمان، وأما كون الخرج أكثر من الدخل فقد قيل شعر:
(1/111)

قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
والأصل في هذا كله التدبير وحسن التصرف وشيء يحتاج في تحصيله إلى بذل أرواح وأموال وأجساد وتعب قلوب وبعد حصوله يتكلف إلى احتمال الهموم والغموم، وآخر الأمر يخرج من اليد ولا يبقى إلا حسابه وتبعاته فجدير بأن لا يلتفت إليه ولا يهتم بشأنه ويستغنى عنه بغدر الطاقة والأمر كان وإلا فمثل الساعي في بقائه والقاصد إلى دوامه وعدم بلائه كمثل كسرى لما مات ولده وحصل له الوجد عليه والاضطراب ونبهه على خطيئته البهلول لما دخل عليه. قال الملك: كيف كانت تلك الحكاية أخبرنا بها.
قال المقبل: ذكروا أن كسرى أنوشروان كان له ولد يخجل الغصن حال قيامه والبدر ليلة تمامه والغزال بلفتاته والمسك بشاماته وكان به معجباً وتصور لفرط شغفه به وحبه له أنه لا يموت فاتفق أنه أدركه الأجل المحتوم ووافاه في اليوم المعلوم فاضطرب كسرى لموته وكاد أن يضطرم ناراً لفوته وما قر له قرار ولا طاوعه ثبات ولا اصطبار فوعظه العلماء فما أفاق وثبته الحكماء بضرب الأمثال
(1/112)

فأعياهم المراد، وكان في بلده بهلول يتردد إليه ويدخل في أكثر أوقاته عليه فدخل عليه ذات يوم من الأيام وهو في حالة لا تسر صديقاً ولا ترضي جاهلاً ولا رفيقاً فسأله البهلول عن حاله وما أوجب توزع باله وتفسير أقواله وأفعاله وخطاباته وأحواله، فقال: يا بهلول عدمت ولدي قرة عيني وراحة روحي وجسدي ولا صبر لي على فراقه ولا لقلبي معين على لهب احتراقه فقال له البهلول: يا أخي إن عيسى عليه السلام شكى إليه بعض أصحابه ما تشكوه أنت، فقال له عيسى عليه السلام: كن لربك كالحمام الألف يذبحون فراخه ولا يطير عنهم، ثم قال البهلول لكسرى: وأنا أسألك سؤالاً فأجبني عنه بجواب شافي إن كنت ترجو أن ذكرك لا يموت، قال كسرى: ولكن أردته يعيش ليمتع بحياته ويتلذذ بطيب المآكل والمشرب ونعيم الدنيا برهة ثم يقضي نحبه، قال بهلول: هب أنه عاش الأجل الذي كنت تريد أن يعيشه أفكان يذهب معه من طيب عيشه شيء أو يغني عنه شيئاً حين فراقه قال: لا قال: فلا فرق الآن بين طويل عمره وقصيره وكثير تمتعه ويسيره كما قيل:
وإذا كان منتهى الأعمار موتاً ... فسواء طويله والقصير
أو كما قيل:
فعش ما شئت في الدنيا وأدرك ... بها ما شئت من صيت وفوت
فحبل العيش موصول بقطع ... وخيط العمر معقود بموت
فهب أنه عاش ما أردته يعيش ويأكل ما أردته يأكل ويتنعم ما أردته يتنعم ما آخر ذلك؟ قال: الموت والفوت قال: فهو الآن كغد قال كسرى: نعم الناصح أنت وسكن بعض ما يجده فقال المدبر: ثلاثة أشياء ينبغي أن يتفكر الإنسان في عواقبها، الأول: سفر البحر
(1/113)

فإن طالب الجواهر النفيسة والأموال الكثيرة يركب البحر ولا يتفكر في الغرق، الثاني: المقدم على الحرب ومقارعة الأبطال لا يتفكر في الكسرة والجراح والموت، الثالث طالب الرياسة والملك لا يتفكر في اقتحام الأخطار والمشاق كما قيل:
بقدر الكد تكتسب المعالي ... ومن طلب العلا سهر الليالي
تروم العز ثم تنام ليلاً ... بغوص البحر من طلب اللآلي
وقال غيره:
إذا المرء ألقى بين عينه عزمه ... تنكب عن ذكر العواقب جانبا
قال المقبل قال الله تعالى: (وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم أولو الألباب) المميزون بين الخطأ والصواب الناظرون في أوائل الأمور عواقبها آمنون من النوازل في تجشها حتى قالوا إن الثعلب المتأني في بيته المتحصن داخل جداره له قوة الأسد الآتي من خارج ولا شك أن انزعاج العساكر المتوجهة إلى قتال من هو ساكن في بيته متحصن في قلعته غير محتاج إلى إخراج أموال وإزعاج رجال وتحمل أخطار وتحتم أسفار ليس من رأي الصواب لأنه موجب لأخذ صغار تحت الأقدام وهدم دور وقطع أرحام وبذل أموال وفقد جملة من الرجال، ومع هذا فحصول المقصود أمر متوهم فإن حصل فقد مر لأنه لا ثبات فيه ولا تمتع وإن لم يحصل فكم من دماء تراق وكانت مصونة وأموال تهلك وكانت مضمونة وأعراض تهتك وقد كانت مختومة وأنفس تذل وكانت عزيز مكرومة، بل ربما اتفق أن من نجا برأسه ربح وإنما قررت هذا التقرير لأن العاقل كما يحسب حساب الربح يحسب حساب الخسارة وكما يتصور الجيد يتصور الردي وهذا كله من العاجلة فضلاً عن المحذورات الآجلة ومن غضب الله وعقابه وتوبيخه وأليم عذابه والعياذ بالله
(1/114)

تعالى إذا أخرج الأمر من اليد وذهب المال والرجال فأي حرمة تبقى له من الهيبة بين الرجال وكيف يستقر ملكه أو يدور عليه سعد فلكه فلا تخافه الرعية ولا يرجونه ولا يسمعون كلامه ولا يطيعونه ويصير كالسحاب الخلب لا يوثق منه بوعد ولا يحصل منه مطلب لفرد أو وفد، إن تكلم أبوا كلامه وإن حكم تقضوا أحكامه وإن حلم عنهم قالوا عاجز وإن تقدم في الحرب قالوا معتوه مبارز وأما الغني فهو على غير هذه الأحوال لأنه إن زاول أدنى فعل رفعت إليه بسببه العيون وكان من بينهم هو الأجل العظيم فإن أعطى قليلاً استصغروا حاتماً عنده وأطنبوا بلسان شافي في شكرهم رفده وإن بخل عليهم قالوا مدير غير مضيع ماله وإن كذب صدقوا مقاله واستصوبوا حركاته وترشفوا كلماته وقد قيل شعر:
إن ضرط الموسر في مجلس ... قيل له يرحمك الله
وإن عطس المعسر في مجمع ... ساءوا وقالوا فيه ما أشناه
فضرطة الموسر عرسه ... وعطسة المعسر مفساه
ولقد نقلت من أقوال الحكماء ونصائح العلماء أن الفقر يشيب الفتيان ومسقم الأصحاب ومبعد الأقارب وقاطع للرحم ومبغض للأحباب، وفي الجملة فالذي يجب على الملك أن يتفكر في مبادئ هذا الأمر ويتأمل في عواقب هذه الحركة ولا يقدم على هذا الأمر ولا يتحرك لهذا الوارد إلا بذهن صافي ورأي كافي ولا يعتمد على الحول والقوة قوة الشوكة وكثرة العدد وإمداد العدد مع عدم الاكتراث بالأخصام وقلة المبالاة بكل أسد ضرغام فإن الأسد سلطان السباع وهو ملك مطاع كثير الجند والاتباع شجاعته مشهورة وبسالته مأسورة به يضرب المثل ويشبه به كل بطل، ونحن إن كانت عساكرنا كالجبال تهدم الحصون وتهلك التلال لكن ما
(1/115)

جربنا مصارعة الأسود ولا مارسنا مقارعة النمور والفهود ولا نعرف طريقة بلادهم ولا طريق جلادهم وإن لهم في الحروب أساليب وفي افتراس الفرائس أنياب ومخاليب، فأخشى أن لا تتم هذه الأمور وتقصر حيالنا عن مصادفة ما لهم من قصور ويرجع وبال هذا الأمر علينا إذ ابتداؤه منسوب لنا وإلينا ولا يحل بنا إلا الندامة والتقريع والتوبيخ والملامة ويخاطبنا القائل بما قيل:
بيني بأنقاض دور الناس مجتهداً ... داراً فتنقض يوماً بعد أيام
قال المدبر: لاشك أن هذا الكلام صادر عن فكر بعيد ورأي سديد وتأمل في العواقب مفيد أصله الحكمة وفرعه الشفقة وثمرته المعرفة والفطنة، ولكن من حين قامت الدنيا لم تزل الملوك تطلب الولايات الواسعة وتقصد الأقاليم الشاسعة وتروم الرفعة على الأقران وعلو المكان بقدر الإمكان وكيف يتصور أن الملك تكون همته أدنى من همة تاجر يطلب الربح لأن التاجر إذا تفكر في لذة الربح ورغب في زيادة المال يضع جميع ماله من مال في سفينة لا عقل لها ويركب هو أيضاً فيها ولا يبالي بالغرق ولا يذكر خوف اتلف ويسلك قياده إلى مصرف الهواء ونفسه وماله إلى حاكم المال ويعمل بموجب ما قيل:
وإنا أناس لا توسط بيننا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر
وأما قولكم إن العساكر تملك البلاد ولا معرفة لهم بمصادمة الأسود ومقاومة تلك الجنود، فأعلم أيها الوزير أن الأسد ملك كاسر وعلى سفك الدماء جاسر لأن في رعيته من أذاه وابكاه في ذروته وأنكاه واسترعاه قسراً واستولى عليه جبراً وقهراً منتظر لبقاء عين الزمان متوقع انقلاب الحدثان مترقب معنى ما قيل إذا لم يكن للمرء في دولة امرءٍ نصيب ولا حظ تمنى زوالها.
(1/116)

وعكس هذا ما قيل:
إذا كان للإنسان في دولة امرءٍ ... نصيب وإحسان تمنى دوامها
فما سمع بأحد خرج على الأسد ولو كان أقل العمال فضلاً عن ملك الأفيال بل فيل الأفيال العادل في رعيته البار بأهل ولايته ومملكته المشفق الحكيم الرؤوف الرحيم فبالضرورة يبادر إلى الملاقاه ويغتنم عودته للملك وبعدها غاية مرتجاه فيدل على عورات العدو ويصف عثراته ويرشد إلى طريق نكاياته ونكباته وأيضا في ذلك الإقليم من هو منتشب بأمر جسيم من مال وأولاد وعقار وبلاد وسوائم ومواش وأثقال وحواش ولا يمكنه التحول عن طريقنا ولا التحول لوعودنا فيدع بالطاعة ويتشبث بذيل سنتنا مع الجماعة فنستمد بآرائه ونستفيد فيما نحن بصدده بدوائه. فقال الملك المقبل ما الجواب عن هذا الخطاب؟ قال المقبل: نعم هذا المقال وإن كان لا يخلو عن الاحتمال وإن وقوعه غير محال لكن الأقرب إلى الذهن أن هذا لا يقع فإنه أمر مبتدع فإن طبائعنا مباينة لطباعهم وأوضاعنا غير أوضاعهم وناهيك بقوم نارية طباعهم الحرارة فيما بينهم يمزق بعضهم بعضاً ويتحاورون فيما بينهم عداوة وبغضاً حتى إذا دخل بينهم ذئب أو حيوان غريب عنهم توجهوا كلهم إليه واتفقوا بأجمعهم عليه فمزقوه أديمه وهتكوا حريمه وجعلوا الحمد لجماعتهم وليمه وعند الأسد من الوحوش أنواع جسيمة ما بين أفهاد وضباع ونمور وسباع وثعالب وأرانب وذئاب وذوات مخالب وكل من هؤلاء له على خصمه درية في مشاورته ووثبة في مصادمته وأنواع في الكر والفر وزوغان في الخير والشر وليس في عساكرنا سوى الصدمات والحطم بقوة النهضات والعزيمات وإن أقرب شيء إلى الرأي عدم الإفادة والراحة أولى من الإبادة وأن لا يفيد شيء من هذا الاضطرام سوى التولي والانهزام.
(1/117)

فلما بلغ الكلام والنصح من مقبل إلى هذا المقام وكان رأي المدبر رسخ في خاطر الملك لأن النفوس بطبعها مائلة إلى الفساد والتولي عن النصيحة والعناد لم يعد كلام المقبل شيئاً فأخذ في أسباب التوجه إلى محاربة الأسد وأمر بفتح الخزائن وتجهيز الجنود وسار إلى جزيرة الأسد فعندما حل بساحتها أطلع الأسد على هذه الأحوال وسمع هذه الحركات والأقوال وعاين الفيل مكابدة الأسود ومكايدة النمور والفهود ورأى من مقارعتهم مصادمة الجبال وعدم معرفة الموت والوبال زاغ كأنه وطف أو ولد قهر ولايات الأسد فأخبر أنه قدم جزيرة الأسد، للتنزه وتغيير الهواء والكد فأنكر الأسد في نفسه هذه القضية وعلم أن هذا الكلام خداع ودهيه وإن هذه القضايا لابد فيها من إراقة دماءٍ وخراب أماكن وهلاك رعايا سواء تمت للأفيال هذه الأمور أو لم تتم ما عزمت عليه من الشرور، فأخذ يضرب أخماساً إلى أسداس وخاف على سكنه وخراب وطنه واستئصال أولاده وذهاب طريفه ومتلده وكل هذا والأسد منتظر الوقوف على حقيقة ذلك الأمر. فبينما هو كذلك إذا قبل عليه مقبل وأخبره الخبر ليكون له حظوة عنده يتداركه بها لحسن آرائه ويصير ممنوناً بحسن تدبيره وإمضائه ويصير له عند الأسد بذلك وجه ويد ورجع مسرعاً إلى ملكه بعد أن أطلع الأسد على حقيقة الأحوال وما عزم عليه ملك الأفيال فنادى الأسد في جيشه بالحرب والغزو فتشوشت الخواطر وانصدعت الأصاغر والأكابر ورسم باجتماع رؤوس مملكته وأعيان خاصته ورعيته وأعرض عليهم ما بلغه من القول من هذا الأمر المهول وإذن لكل أحد في ذلك بأن فاتفقوا على أن يجمعوا من كل جنس من الحيوانات واحداً يتفقون على خصاصته وكفايته وعظته ودرايته ويعقدون معهم مجلس مشاورة، فمهما وقع عليه الاتفاق من
(1/118)

المجمع وارتضاه عملوا بمقتضاه فاتفق جنس الأسود على حضور واحد منهم هو رئيسهم وكبيرهم ونفيسهم قد مارس الأمور وهو بالجلالة مشهور وبالفراسة والافتراس مذكور فقدموه عليهم لرجاحة رأيه.
واختارت طايفة النمور نمراً سريع الوبة قوي الضربة لطيف الحركات خفيف النهضات فقدموه عليهم واختارت جماعة الثعالب من بينها ثعلباً مليح الزوغات صحيح الاحتيال طالباً صرف الكلاب السلوقيات بحيلته التي اتخذها له سلاحاً ونفذ من غالب الأسود والنمور بالمكر والحيلة ونال نجاحاً قرم من القروم مكار معلوم واعتمد الذئاب على ذئب عجيب الحيل والختر شديد المكر والكسر طالما أفسد برأيه صنوفاً وخاض بمكره صفوفاً ما أفسد مفسد علمه ولا دخل داخل قطع فضله فرضوا به جميعاً وقدموه عليهم، فاختلى بهم الأسد وشاورهم في دفع هذا الشر والنكد فقال الأسد: لا نطلب النصر في هذا الأمر إلا بالاتكال على رب الجلال ونحن ما ابتدينا ولا ظلمنا ولا اعتدينا وهم بدونا بالعدوان فيرجعون بالخذلان ويرد الله كيدهم في نحرهم ويرجع عليهم وبال أمرهم، فنحن أمرنا دائر بين إحدى خصلتين إما الثبات وإما الفرار، فأما الفرار فلا سبيل إليه لأن ذلك شيء لم تعرفه الأسود وكونها لا تهاب اقتحام الأهوال أمر معهود وبنا يضرب المثل في الشجاعة والبسالة والفطانة والإقدام والنبالة وبنا تشبه الأبطال في الإقدام
(1/119)

والنوال ولنا في محاربتهم إحدى الحسنين إما الظفر بهم وهو المقصود وإن كانت والعياذ بالله تعالى الأخرى فرتبة الشهادة ومن قتل دون ماله فهو شهيد ولا يمكننا أن نترك أوطاننا ونسلم بلادنا التي فيها أولادنا وبها نشأنا من أول وهلة من غير مصادمة ولا مواقعة ولا مقاومة ولو فعلنا ذلك عاد علينا وباله وصرنا في العار والنكال بحيث لا يمحى عنا هذا الاسم ولا ولا يرسم لنا من بين الحيوانات برسم وكل امرئ ساع إلى تحصيل العناء ومواقع حسن الثناء والموت في مقام العزة خير من الحياة في الذل وناهيك بقضية الملك مع النجم، قال المحتال: ما هذه القضية وما سببها؟
قال: زعموا أن أهل بابل كانوا لا يولون عليهم ملكاً إلا من يختارونه فإذا أرادوا عزله عزلوه فاتفق أنهم ولوا عليهم واحداً فمكث في الملك سبعين يوماً ثم بدا لهم أن يعزلوه فعزلوه واتفقوا على عزله فاهتم لذلك ثم تفكر وقال لو نظرت في الطالع من أول أمري حتى اخترت لساعة جلوسي على التخت وقتاً فيه طالع نجمي يكون ثابتاً ربما كان لملكي بثبات ودوام، ولكن حيث فاتني ذلك أولاً فسأفعله آخراً فلعله يفيدني ثم دعا منجماً حاذقاً وقال له: انظر في طالع نجمي واختر لي ساعة انزل فيها عن الملك سريعة العود إليه والرجوع فيه فقال المنجم: أحسن ما يكون ذلك إذا كان على طالع الولادة لأنها هي أول دليل على الوجود، فقال له: ولدت يوم كذا من شهر كذا في ساعة كذا سنة كذا فنظر في الطالع بعد حسابه
(1/120)

وتحير في أداء جوابه، فقال له الملك: ما ظهر لك أيها الحسوب أطالب أم مطلوب، فقال: يا أيها الملك طالع الوجود معدود له سبعون يوماً في كبد السعود فتعجب الملك من هذا الكلام، فقال له المنجم: أما أنا فلا أعد من العمر أياماً غيرها وإن كان من غير العمر فملك طويل ورزق فيه جليل فسلم لله وقال العبد: أسير لمولاه.
وإنما أوردت هذا المثل ليعلم الملك أن أيام الموت على طالع العز المعبر عنه بالاسم الحسن خير من الحياة على ذل. ثم نظر الأسد إلى النمر فقال له ما تقول أنت في هذه البهم والأمر الذي دهم فقال النمر: لا شك أن الأفيال أكبر منا جسوماً وأقوى في الحرب والضرب وقد استعدوا وأقبلوا وأخاف أن يكون لا طاقة لنا بهم ولا مقاومة ولا قدرة على المصادمة، فإن فينا الضعيف والعاجز وصغير الجثة فيطؤنا تحت أقدامهم وتنكسر حرمتنا وشوكتنا من بينهم ولا يقر لنا بعد ذلك قرار معهم وتتأسس العداوة بيننا وبينهم بأجمعهم وقد قيل:
هل للحرائر من صوت إذا وصلت ... أيدي الرعايا إلى الخلجان والخدم
فعندي الرأي المصيب والفكر الثاقب النجيب أن ينتخب الملك للرسالة رجلاً كاملاً خلياً عن الجهالة يؤلف بين الماء والنار والقط والفار يصلح لمخاطبة الملوك سهل العريكة حسن السلوك يسكن من فورهم ويهون من غضبهم يعدهم ويمنيهم ويبشرهم ويهنيهم ويريهم بأسامع الإهانة في قالب مدح وليانة فإن أمكن رجوعهم وإلا طاولناهم على ألسنة رماحهم ثم أخذنا في الأهبة لهم كما
(1/121)

ينبغي ونأتيهم ليلاً كما نشتهي فربما وصلنا إلى القصد منهم أو إلى بعض منه. فقال الأسد للذئب ما تقول أنت وما رأيك؟ فقال الذئب: الذي سمعته من وصايا الحكماء وتلقيته من أفواه أولى التجارب والعقلاء أن الإنسان إذا ابتلى بخصم لا يطيق مقاومته يدافعه بالهدايا ويستدعيه بشيء من التحف فإنه قد قيل خير المال ما وفيت به النفس فالتفت الأسد إلى الثعلب وقال هات يا أبا الحصين رأيك في هذه الواقعة وإني أراه يقرب للصواب، فقال الثعلب: أمرنا لا يخلو من إحدى قضايا ثلاث: المقاتلة أو المصالحة أو تعاطي أسباب الحيلة أما المقابلة والمقاتلة فلا أراها لأنا عاجزون عن مصادمة الأفيال محتاجون إلى الطعام والشراب وهم يقنعون بالعشب والكلاء ونحن لا طاقة لنا بذلك، وأيضاً نحن لا نعرف أحوال عسكرنا ولا اعتماد لنا عليهم لأن عساكرنا أجناس مختلفة وطوائف مجتمعة وبينهم عداوة جيلية قديمة وبعضهم عدو لبعض لو ظفر به كسره وأكله فربما اشتد الشر منهم وصار بأسهم بينهم، وأما هم فلهم اعتماد على أنفسهم ومن معهم إذ هم جنس واحد لا يتخلف بعضهم عن بعض وكل من اعتمد على هؤلاء المساكين
(1/122)

وأمثالهم يصيبه ما أصاب الصياد مع القط، قال الأسد: أخبرني كيف كانت تلك الحكاية؟
قال الثعلب: ذكروا أنه كان رجل صياده وكان يحب الصيد ويولع به فرأى في بيته ذات يوم عصفوراً داخلاً من الكوة فوثب عليه القط فاصطاده وأكله فأعجب الصياد فعل القط وعزم على أن يأخذه معه ليصطاد به، فلما أصبح أسرج جواده وقصد الصيد وأخذ القط معه وركب والقط تحت إبطه وقصد البرية فوصل إلى حوش فخرج من وراء صخرة حجلة فرمى عليها القط فطارت الحجلة وخافت من القط وأرادت أن ترجع إلى تحت إبطه فظفرت وعلقت مخاليبها في وجه الفرس فجفلت الفرس وضربت الأرض بفارسها فكان آخر العهد به.
وإنما أوردت هذا المثل ليعلم الملك أنه لا ينبغي أن يعتمد الشخص إلا على عسكره وجماعته فيقصد بهم مثل عسكر الأفيال ومصادمتهم، وأما ما ذكره مولانا السلطان في كسبهم بالليل فليس برأي أيضاً لأن ذلك إنما يكون إذا كان العدو غافلاً وعن نكبات الدهر مطمئناً وعلم ذلك بشرط أن يعلم أن عدوه لا تقوم له قائمة بعد ذلك ولا يشفق أحد عليه بعد ذلك مما له قدرة على مقاومة الكاسر، وأما إذا كان العدو مستيقظاً مستعداً فلا يصح ذلك ولا شك أن الأفيال استعدوا وأخذوا حذرهم وترقبوا خوف حصول شيء لهم من هذه المكايد وربما يكونوا عملوا حيلة نحن
(1/123)

عنها غافلون ولم يصل فهمنا إليها كما فعل صاحب الجمل مع الجمل، فقالوا: هات يا أخا الزمان أخبرنا بتلك الحكاية كيف كانت؟
قال: ذكروا أن جمالاً كان له جمل يتعيش عليه ويكتسب لعياله بسببه فكان ينقل عليه ملحاً ويبيعه وكان يحمله فوق طاقته ولا يرثى له فهزل الجمل حتى كادت تسقط قواه وكان له أرنب صديق في بعض الأماكن فأرسله صاحبه يوماً يرعى فقصد وكر الأرنب وسلم عليه فلما رأته سألته عن حاله وسبب ضعفه فاخبرها بما يفعل معه صاحبه من تحميله الحمل الثقيل من الملح وقلة تعاهده بالعلف وأنه عجز عن تدبير أمره وسدت عليه طرق الحيل فتفكرت الأرنب طويلاً ثم قالت: رأيت لك وجهاً للخلاص وهو أنك إذا خضت بما حملك ماءً فابرك به فيه وامكث مقدار ساعة ولو ضربوك فإن الملح يذوب ويخف حملك وافعل هذا مراراً فإنك تخلص من حمل الملح وتستريح، قال: ففعل ذلك مراراً عديدة حسبما أشارت به عليه صديقته الأرنب فصار صاحبه المسكين يتضرر ولا يفيده ذلك شيئاً فعلم الجمال أن ذلك الفعل مكر وخديعة وحيلة تعلمها الجمل فقال: والله لأمكرن به مكراً يترك مكره بسببه ويرجع لعادته الأولى فعمد الجمال إلى أشياء أخرى وصار يحمله منها ويمشي به في طرق خالية من المياه حتى حمله في بعض الأيام صوفاً ومر به على طرق الماء فانتهز الجمل الفرصة ولم يعلم ما دبره صاحبه من المكر والخديعة فبرك في الماء فتشرب الصوف منه فصار أثقل مما كان بأضعاف مضاعفة فما أفاده ذلك الفكر الوبيل إلا زيادة التعب والنصب.
وإنما أوردت هذا المثال ليعلم الملك والحاضرون أن العدو يصنع
(1/124)

من المكايد والحيل ما تصل إليه يده فتارة يدرك أمله بذلك وتارة يغفل عنه فيقع فيه فلا ينبغي أن يفعل عن مثل ذلك بل يحرص الشخص من فكره في ذلك بقدر الطاقة. وأما طلب الصلح وإرسال الهدايا والأموال فذلك أيضاً يدلهم على خورنا وعجزنا ويجرئهم علينا، ولكن الرأي عندي أن يرسل إليهم رسولاً لبيباً عاقلاً فصيحاً بصيراً بالعواقب في الأمور برسالة تتضمن السؤال عن موجب التوجه إلينا وقصد بلادنا وما سبب هذا الاعتداء ولم يصدر منا غير الخير لهم ولغيرهم ويذكر لهم طرقاً من شجاعتنا وبسالتنا وما عندنا من اسود الحرب ونمور الطعن والضرب وأجناس السباع الكواسر والوحوش الجواسر وأصناف القبائل من العشائر ويتكلم بما يراه ويقتضيه المقام مما يناسب الحال بالانسجام ويميز عساكرهم وأوضاعهم وأحوالهم ويرد الجواب فيعمل على مقتضى ما يرد به علينا من ذلك ويبني عليه ما يقع عليه الاتفاق. فاستصوبوا هذا الرأي.
وكان عند الأسد ذئب هو له من خواص حضرته وندماء
(1/125)

مجلسه وأهل محبته وله عليه الاعتماد الكلي وهو ممن يصلح للسفارة بين الملوك والدخول في معضلات الأمور والسلوك فوقع اختيارهم عليه فحمله الأسد هذه الرسالة ومن مضمونها بعد إبلاغ ملك الأفيال الرسالة والتحية ليعلم ملك الأفيال أن قوتنا من قديم الزمان ظاهرة وهيبتنا تذل لها الوحوش الكاسرة وصولتنا قاهرة باهرة تفترس الفرائس ونجندل الفوراس ويضرب بنا في الشجاعة المثل المثوال وتفر من بين أيدينا الأبطال، وقد بلغنا أن ملك الأفيال متوجه إلينا بجنوده وهيأ في ذلك أجناس عساكره وجنوده ولا علمنا لذلك موجباً ما ولا تقدمنا إليه بعداوة توجب حزناً وحرماً بل ولا تعرضنا لأحد في مملكته وملكه ولا قهر أحد منا بالتعدي على اتباعه أحداً في ملكه وفلكه والرعايا بحمد الله تعالى منا شاكرة ونشر جميل الذكر عنا في حقوقكم أموره ظاهرة فانعموا برد الجواب وميزوا الخطأ من الصواب وأكدر من اللعاب قبل تفاقم الأمور وتعاظم الشرور والتهاب شواظ الغيظ من الأسود والنمور، مع أن اعتمادنا على الله تعالى العلي العظيم وتوكلنا على الله العزيز الرحيم، فلما أبلغ الذئب الرسالة وأجرى ما فيها من شجاعة وبسالة وتبين لملك الأفيال ما تضمنت من رفعة وجلالة استشاط ملك الأفيال وتغيرت لاضطرابه الأحوال وكاد أن يقلقل الجبال من شدة ما تغيرت منه الأحوال ونظر من بين تلك الأفيال والفيول إلى فيل ظلوم وجهول وقال له: من غير فكر ولا تأمل في الكلام ولا تفكر اذهب إلى هذا المغر بكلامه المغر ومزهو أنه السكران بمدامه الراقد في غفلة منامه وقل له متى ما رست معركة الشجعان أو صارعت أبطال الميدان ومن أين لك طاقة لمصادمة الجبال وأنى تعرف مقاومة الأفيال فاستيقظ لنفسك فعن قليل تحل برمسك واستعد لجنود لا قبل لك بها تشاهد منها ما لم تسمعه من حربها وضربها فلقد
(1/126)

جاءك عسكر القضاء وبنوده وليحطمنكم سليمان الأفيال وجنوده فليرقن منكم الدما وليستأسرن منكم الحرائر كالإما وليدوسن الأطفال وليرينكم الأنكاد والأنكال وليشعلن بنار الدمار والبوار مالك من مساكن وديار وأنت بين أمرين خيرين فتخير تكون من أي الفريقين إما أن تطيع لأمرنا وتنقاد وتسلم إلينا ما بيدك من بلاد وإما أن تنحاز في طرائق الفراق وتنجو منا منجاء الذئاب وتتنحى عن طريقنا بما معك من كلاب وذئاب وقد بالغنا في النصيحة بعباراتنا الفصيحة وأقوالنا البليغة الصحيحة وكلماتنا الموزونة الرجيحة فوصل ذلك الفيل الرسول وأدى إلى الأسد هذا المقول فتشوش خاطر الأسد وداخله الهم والغيظ والكمد والنكد، فأراد إيقاع الهلاك بالرسول الظلوم الجهول إلا أنه لنفسه تمالك وعن ذلك الغيظ قد تماسك أن لا يقدحوا زند الغضب على الرسل ولا يضيقوا عليهم الطريق والسب، ثم قال له والله لولا أنت رسول من عند الظلوم الجهول والرسول لا يقاتل ولا يهان ولا يضرب ولا يعاقب بتوبيخ ولا حرمان لقتلتك على هذا الكلام القبيح بما يجب لك من الجزاء الرجيح ثم نظر إلى الثعلب متلفتاً إليه لأنه في مهماته عوال عليه وقال يا أبا الحصين ما تقول في هذين النحسين قال الثعلب: الأغلب ذو الرأي المصيب الأصيب لا يغرنك هذا الثقيل فإنه على عقل الفيل أقوى دليل وإن فكره وبيل وقلبه عليل وبصيرته قد عميت وطرق هدايته قد خفيت وأنه قد غوى وأضل قومه وما هدى وكل من اعتمد على قواه وحوله واستجلى غرور عقله وقوله فقد ضل وذل وفي عقد البلاء حل، وهذا الجاهل السخيف الكثيف الثقيل الجثة الحصيف قد استحقرنا في عينه فسيرى منا بحول الله وقوته حلول حينه وكل من استخف بعدوه فسيعدم
(1/127)

حداوة حدوه. وقد قالت الحكماء أربعة لا يستحقرها أهل الاعتبار ولا يستخف بها أولو الأبصار السقم والدين والعدو والنار فالملك أعز الله أنصاره وأكثر جنده ونصاره وأعلى قدره وسلط على أعدائه قهره لا يلتفت إلى هذا الكلام ولا يتزعزع لعواصف هذه الأوهام ولا يخف من جهامة الأفيال فكل ما هم فيه باطل ومحال، بل يعتمد على الله العزيز الجبار ويصلح نيته مع الكبار والصغار ويقوي جنانه على الملاقاة وقد قابله النصر ولاقاه ووقاه فإن هؤلاء اعتدوا بغير حق على بلادنا وأتوها بدون استئذاننا فسينصرك الله عليهم بجنود لم تروها فكم من مستضعف حقير نصر على مستعظم أمير وصدر منه بالحيلة وحسن التدبير أمر خطير وبحسن الدبير تساعد المقادير والصبر العزيز يتم كل أمر كبير وناهيك بقصة الفأرة مع رئيس الحارة وما فعلته من المكايد معه إلى أن قتلته بها.
قال الأسد: كيف كانت تلك الحكاية؟ قال الثعلب بلغني أنه
(1/128)

كان في مكان رئيس ضيق الغطن خسيس وكانت له زوجة ذات أمانة وتعفف وصيانة وتقوى وديانة ولهم دجاجة تبيض كل يوم بيضة وفي البيت فأرة تراقب الدجاجة كل يوم فكلما باضت بيضة لقطتها وسارعت إليها وسرقتها فيطالب الرجل زوجته بالبيضة فتحلف له أنها ما رها ولا تعرف كيف ذهبت فينكر عليها ويؤلمها تارة بالكلام والسب وتارة بالملام والضرب. ففي بعض الأيام رأت المرأة الفأرة وهي تجر البيضة إلى وكرها فدعت الرجل وأرته ذلك، فلما تيقن الرجل براءة المرأة اعتذر إليها وتعطف بخاطرها وأحسن إليها وعمل مكيدة ونصب مصيدة للفأرة فنظرت الفأرة إلى المصيدة فعلمت أنها شرك ومكيدة فتحرزت منها ولم تتقدم عليها فاتفق أن ضيفاً من معارف الفأرة قدم عليها فأرادت أن تضيفه بشيءٍ ولم يكن عندها سوى هذه البيضة التي دونها ريب المنون فاعتذرت إلى الضيف بما وقع وأرته المصيدة فقال أنا أقدر أن أتخطاها وأجيء بالبيضة فحذرته ومنعته عن مجيئها فأبى إلا المجيء بها فخلت بينه وبينها فتقدم فوقع في المصيدة فهلك فتنكدت الفأرة لموت ضيفها وعلمت أن ذلك عيبه عليها وعاره مستحق لها بين أقاربها وجيرانها وقالت: لا رأس لي ترفع إليهم ولا عين تنظر وجوههم حتى أخذ بالثأر من رب تلك الدار. وكان لها صاحبة قديمة وهي عقرب خبيثة لئيمة قد أودت السموم في ذباب أبرها وسقت سم المنايا إبرة شوكتها فقصدتها وترامت عليها ونزلت بساحتها وجلست لديها وقالت: إنما تدخر الأصحاب لأيام الشدائد ولدفع الضرر والمكائد وحلول البلاء وأخذ الثأر والانتقام من المعتدين اللئام وقصت القضية عليها وأنهت أمرها إليها وطلبت منها إذ لاحت هذه القصة أن تدرك بضرباتها القصاص ويحصل لها من بين أقرانها الخلاص، فأجابتها إلى ما سألت وأقبلت إلى وكر
(1/129)

الفأرة بما أقبلت وأخذا في أعمال الحيلة إلى أن أدتهم أفكارهم الوبيلة أن يخدعوا صاحب الدار بالذهب ويلقوه بسبب ذلك في أشد اللهب ثم تمهلوا إليها إن دخل الليل وشرعوا في أعمال الحيلة والويل فأخرجت الفأرة ديناراً وألقته في صحن الدار ووضعت ديناراً آخر عند حجر الفار وأظهرت نصف دينار من الذهب من حجرها وجعلت النصف الآخر عند العقرب واستترت العقرب إذ كانت تحتاج السكون واختفيت تحت أذيال الكمون وقد عبت في شوكتها ريب المنون وزبانها السم الكمون، فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح وأغنى الليل عن ضوء المصباح وقام من نومه ذلك العديم للفلاح وجد هذا الدينار في صحن الدار فنهض إليه واسعد نهاره بصباح ديناره ولم يعلم أنه سبب لدماره ففتح عينيه وحلق حواليه فوجد عند حجر الفأرة ثاني دينار ففرح وطار ونشط واستطار وزاد في الطلب عن بقية الذهب فرأى نصف دينار داخل حجر الفار فمد يده إليه وأعمى القضاء عينيه عما قدر عليه فضربته العقرب ضربة فقضى منها نحبه فبرد مكانه ولاقى هوانه وأخذت الفأرة ثأرها وقضت من عدوها أوطارها.
وإنما أوردت هذا المثل ليعلم الملك أن حيلة الأفكار تفعل ما لا يفعله الصارم البتار وبقليل الحيلة تدرك الأمور الجليلة فلا يهتم الملك بحديث الأفيال ويأخذ فيما هو بصدده بدقيق الاحتيال، وأنا أرجو من كرم الله تعالى أن ننتصر على عدونا ونظفر منه بما مولنا ومرجونا فأول ما نعاملهم بالوهم وإظهار الصولة والتخويف وقوة شوكة الدولة فإن الوهم قتال والعاقل يحتال وطائفة الفيول عديمة العقول وبالوهم يبلغ الشخص مراده كما بلغ الحمار من الأسد ما أراده، قال الأسد: أخبرني بتلك الحكاية.
(1/130)

قال الثعلب: ذكروا أنه كان في بعض المعاصر حمار يستعملونه الليل والنهار إلى أن ضعف وعجز عن العمل وانعقر فتركوه ولأجل الثواب اعتقوه وفي المراعي أطلقوه فتدرج في المرعى إلى أن خرج إلى الصحرا واستطرد بمرور الأيام إلى أن دخل في بعض الحدائق وصار يرعى إلى أن صحى وسمن واستقوى منه البدن وطال وطال دبره وزال عنه ضرره وصار يغدو وينهق على عادة الحمير إلى أن ملأ تلك الأماكن من النهيق والزفير. وكان في بعض الأكام أسد ضرغام عارف بالأمور لم ير طول عمره الحمير فلما سمع صوت الحمار مار واستولى عليه الفزع ولم يخرج من شدة ما داخله من الجزع واستمر عدة أيام لا يخرج من جحره حتى أهلكه الجوع والعطش وكان بالقرب منه عين ماءٍ يشرب منها إذا عطش فصار الحمار يتردد إليها ويشرب منها ولا يجتري الأسد على الدنو منها إلى كاد يموت من العطش فأخرجته الضرورة وهو عطشان متخوف وقصد العين ليشرب منها فرأى الحمار واقفاً عندها فداخله الرعب منه ثم قال وهو يرجف: من أنت فعرف الحمار أنه خائف منه فقال: له بقلب حاضر وجنان ثابت مصادر: أنا مفرق أرزاق الوحوش ومقسم أقواتهم عليهم فقال له الأسد: إني جائع وعطشان أريد أن تعطيني قسمي من ذلك الأكل والشرب فقال له: أدن واشرب ولا تسرف فدنا وشرب وهو خائف ثم قال له أنا جائع فقال له الحمار: تعال معي حتى أطعمك فمشى إلى أن وصلا إلى نهر ماء عميق فأراد العبور فقال الأسد للحمار: هذا الماء عميق احملني في الذهاب وأحملك في الإياب قال: افعل فوثب الأسد على الحمار فركب وقطع به النهر وفي أثناء ذلك أنشب مخالبه في ظهر الحمار وثقل عليه فلم يتأثر الحمار لذلك وثبت فقال الأسد في نفسه هذا حيوان وعر ثابت لا طاقة لي به، فقطعا الطريق فوصلا
(1/131)

إلى نهر آخر فقال الحمار: النوبة لي فقال له الأسد اركب فركب الحمار واسترخى فثقل على الأسد ثم وضع حوافره فيه فتأثر الأسد لذلك وماج تحته فقال له أثبت مالك قال: يا أخي ما هذا الذي وضعته في ظهري قال: معي أربعون مسماراً هذا واحد منها ولابد من غرزها كلها في ظهرك وإلا فحصول الرزق ليس بهني ولا سهل فقال له الأسد: يا أخي سألتك بالله انزل عني واتركني في حالي لا أريد منك رزقاً ولا قوتاً فدعني أتقوت من حشاش الأرض ولا رايتك ولا رأيتني فنزل عنه الحمار وتركه الأسد فهرب وجعل يتلفت يميناً وشمالاً لئلا يدركه الحمار.
وإنما أوردت هذا المثل ليعلم بذلك حقيقة ما قررته إذ بالحيلة والوهم يبلغ المقصود ونرجو من كرم الله تعالى أن نبلغ مقصودنا من الأفيال وهذا مثل العاجز مع القوة ونحن بحمد الله أقوياء فينا قوة لمصادمتهم وقدرة على مقاومتهم فلا نكن في جزع من أمرهم ثم اقتضى الرأي إعادة الذئب إلى الفيال برسالة مضمونها يا أخي بصرك الله بعيوب نفسك ونصرك على جنوده أعلم أن واضع الشطرنج من أحكم حكماء الهند وكان أعقل الحكماء والبراهمة وقد وضع لكل من الحيوانات مكاناً وبيتاً وقرر له نوعاً من السير لا يتعداه ووضع للفيل مكاناً لا يتخطاه فأنا أخاف أن تتعدى من مكان هو مقامك وتقصد بيت الشاه فيفوتك أمرك ومرادك ويقول لك إقليدس: العقل يا رجل ما هذا بيت الفرس ولا بيت من يلعب بالرخ مع النفس هذا بيت الأسد والشاه هذا بيت مالك أن تتخطاه فتخرج من رقعة الوجود إلى رقعة العدم والخمود فلا تعتمد عظم جسدك وكف عن حقدك وحسدك ولا تقصد حرم كعبة غيرك فيصيبك ما أصاب الفيل حيث أرسل الله عليه طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول
(1/132)

فلما قرأ الفيل هاج وماج وضاع منه اللب والابتهاج وعميت منه الباصرة وصمت منه السامعة الموسرة وأراد يطأ الرسول تحت أقدام الفيول لكن راجع عقله ورد الذئب بجواب مجيب غير مصيب وقال: استعدوا للقتال ومصادمة الأفيال ومقاومة الأبطال ثم أمر بالعساكر فتجهزت وبأمور الحرب فتحربت فسار مالئاً بجنوده الغضا يوقدون جمر نار الفضاء فبلغ الملك المظفر أبا الحارث الغضنفر ما قصده الكلب الأكلب فاستشار في ذلك الثعلب لما له من الحيلة والمكر إلا عليه فقال: أعلم أيها املك أن عساكر الأفيال لا يعرفون سوى المصادمة والاندفاع مرة واحدة والمخاصمة لكن بعض العساكر يكون فيهم المواجهة والمشاقة والمناهشة والمعانقة والمهاوشة والممارسة والمكافحة والمناطحة والمطارحة والمرابحة والوثوب والمشاورة والزوغات والروغات والمصادرة والكيد والاغتيال للصيد والربوض في الكمين والنهوض من ذات الشمال وذات اليمين. وكل أرباب هذه الملاعب وأصحاب هذه الحرف والمذاهب من عسكرنا مجدون موجودون معدون معدودون فلابد من ترتيب كل واحد في مكانه وإبقائه بين اقرانه وأحزابه ببغيتهم ومحبتهم، وكان من قرب موضع حسن التضاف ترد المرابض والتعاف ذات مياه جارية وعليها جسور وقناطر عالية فاتضى رأي الأسد أن يطلقوا تلك المياه على البرية لتكون الطرق مخيفة، ثم إنهم قطعوا تلك المياه وصفوا عساكرهم في طرق الفلاه وقدموا أمامهم الثعالب والكلاب وكل سريع المجيء خفيف الذهاب وجعلوا وراءهم الذئاب والنمور والقرود والأسود ووقف الأسد في حاشيته وأهل دولته ومملكته ثم إن الثعالب وما معها دخلت بين الأفيال وصارت تنط عليها وتروع من بينها وتلعب
(1/133)

أمامها وتستخف بها أمام عينها وتتعلق بأذنابها وتتشبث بعرقيبها وكعابها فازداد حمقهم وثار قلقهم وحطموا وصدموا وتقدموا واضطلموا فناوشتها الكواسر وهاوشتها الأبطال وهارشتها الجوتسر ثم ولوا أمامهم مدبرين ومن الطرق المخيفة هاربين فتصور الأفيال أن جيش الأسد فر وجنوده انحطم وانكسر وإن عسكرهم غلب وانتصر فحطم الأسد ومن معه عسكر الأفيال يداً واحدة بهمة متعاضدة وصدمة متناكدة وقوة متساعدة وفي الوقت والحال ارتدوا في عسر الأوحال وهلكوا عن آخرهم وارتطموا وقطع دابر القوم الذين ظلموا ثم رجع عليهم الأسد بما معه من نمور وفهود وسائر السباع والذئاب والضباع والأسود فوقعوا في تلك الفوارس وقوع الجياع على الهرايس وعانقوهم معانقة الأحباب للعرائس وأكلوا وادخروا وحمدوا الله وشكروا ورأوا سر قوله صلى الله عليه وسلم: من أذى جاره ورثه الله داره والله لا يهدي القوم الظالمين والحمد لله رب العالمين.
(1/134)

الباب السادس
في أمثال الجمل الصادق
والأسد الزاهد
(1/135)

فراغ
(1/136)

قال الحكيم مرزبان: بلغني أنه كان فيما مضى أسد عظيم الخلقة جسيم الشقة كثير المكارم سليل الأكارم قد بلغ في الزهد الغاية وفي الورع والعفة النهاية حسن الأوصاف والشمائل كريم الأعطاف والخصائل جمع بين الهيبة والشفقة والصدق والصدقة وسياسة الملك بالفضل وكياسة العدل بالعقل هيبته ممزوجة بالدولة وعاطفته مدموجة في الصولة وقد عاهد الرحمن بالكف عن أذى الجيران وأن لا يريق دماً ولا يتعاطى محرماً ولا يأكل دسماً ولا يتعدى عهده بأمر ما يتقوت بنبات القفار ويقوم الليل ويصوم النهار يرعى فيدولته الغنم والذئب وينام في ظل أمانه الثعلب والأرنب يعد الحرب في الأشهر الحرم لكل متعد مجرم ينطبق عليه قول الشاعر:
ولي البرية عد لنا فتمازجت ... أضدادها من شدة الإيناس
يحنو على ابن الماء أم الصقر بل ... يحمي أخو العصباء أخت كناس
وكان في جوازه دوحة كثيرة الثمار نضيرة الأزهار غزيرة الأنهار رائعة الماء والكلأ فائقة النمو والتمار رياحينها طرية ومروجها
(1/137)

شهية وغياضها بهية، وكان الأسد وما معه إذا أرادوا أن يريحوا أنفسهم من الاجتهاد الحاصل في العبادة المجاوز للعادة توجهوا إلى ذلك الروض الأريض والدوح العريض فيتبختر فيه ويسبح خالقه ومنشيه. فبينما هو يتبختر في بعض الأوقات ويتشمى في تلك الخضراوات صادفه دب عظيم الجسم مليح الرسم فقبل الأرض بين يديه وذكر له أنه أقبل لينتمي إليه فإنه قد سمع بأوصاف عدله ومكارم شيمه وفضله فقصده ليتشبث بأذياله وينتظم في سعد خيله ورجاله ويقضي في خدمته ما بقي من عمره متمسكا ببارز مرسومه ونافذ أمره، فتلقاه بالقبول والإقبال وشمله بالفضل والأفضال وقال طب نفسا وقر عينا لقيت زينا ووقيت شينا فانتظم في سلك خدمه وانغمر في بحر كرمه واشترط عليه أن يحتمي من لحوم الحيوان ولا يتعرض لطير ولا إنسان فامتثل ذلك بالسمع والطاعة وصار على سنن سنته مع الجماعة.
ثم بعد مدة يسيرة قصد الأسد سيره فخرج يسير على باكر وحوله طائفة من الجند والعسكر فلقوا جملا ضل في الطريق
(1/138)

وضاع عن الصاحب والرفيق فسار إليه جماعة الأسد وقصدوا تضييعه بالغاب والسر فإنهم كانوا لشدة القدم الهبوا بالضرم فناداهم الأسد ويلكم كفوا وعن هذا الغريب عفوا لئلا يصيبكم ما أصاب كسرى من الكيد لما ركب وخرج صباحا يريد الصيد، فقبل الجماعة الأرض ووقعوا في مقام العرض وقالوا ينعم مولانا بتقرير الحكاية وقاه الله تعالى من الأسواء والنكاية.
قال الأسد: ذكروا أن كسرى الملك خرج يوما في جماعته وأهل طاعته فصادفه رجل قبيح المنظر والصورة مشوه الخلقة أعور العين المنيرة فتشاءم من طلعته وتعوذ في رؤيته وأمر بضربه فضرب ولولا تداركته شفاعة من أهل الخير لصلب ثم تركه وسار نحو الصيد بالقفار فحاش الصيد واقتنصه من عسكره عمر وزيد ورجع مسرورا فرحا محبورا وقد أدركه المسا فلاقاه ذلك الرجل وهو ملتف بكسا وكان ذا لب صحيح وعقل رجيح وفهم مليح ولسان فصيح فأبدأ كسرى بالسلام وأوقف كسرى للكلام وقال
(1/139)

له: أيها الملك العادل والسلطان الفاضل أسألك بالله الذي ملكك رقاب الأمم وحكمك في طوائف العرب والعجم أنعم علي برد الجواب حتى يتميز الخطأ من الصواب فإنك ملك عادل حكيم فاضل حليم فوقف بعسكره وأنصت لخبره وقال: هات مقالك وقل ما بدا لك واذكر سؤالك، فقال يا مالكا زاد الأيد كيف حالك اليوم في الصيد؟ قال: على أتم ما تريد لقد ناله السادات والعبيد قال: فهل حصل في أمور السلطنة خلل أو في الخزائن المعمورة نقص أو ملل قال: لا بل أحوال السلطنة مستقيمة وديم الخزائن مقيمة مستديمة قال: فهل ورد اليوم خبر يؤذن بتشويش أو خلاف أو تغير أو تغلب أو اعتساف؟ قال لا بل الجوانب آمنة مطمئنة والثغور من الأعداء والمخالفين مستكنة قال: أصاب أحد من الخول أو الخدم مصب قال: لا بل كلهم آمنون من الضرر والضير، قال: فلم ضربتني وأهنتني وعلى ما أسرتني وطردتني؟ قال لأن الصباح بوجهك مشؤوم وهذا أمر معلوم قال: سألتك بالله الذي تتقلب في مواهبه إن كان الشام فعلى صاحبه أنا تصبحت بك وأنت تصبحت بي فأنت أصبت الذي ذكرت وقد علمت ما هو بي ومع جزائي إنما عبت الصائغ وغفلت عن ما أودعته قدرته من أسرار بدائع صنعته فإني لا اختيار لي فيما فطرني عليه ولا مدافع ولا حيلة فيما قدره ولا مانع، وكما يقول الشاع:
(1/140)

لقد كان قصدي أن أسود على الورى ... بقد وظرف كامل الخلق بارع
ووجه يفوق الشمس والبدر بهجة ... فعاكسني تقدير ربي وصانعي
فتنبه كسرى لكلامه وأمر بإعزازه وإكرامه وتدارك ما فرط منه بإحسانه وجوده وامتنان.
وإنما أوردت هذا المثل لئلا يكون هذا الجمل مثل ذلك الرجل لأنه قد تصبح بي ولا يرى أبداً مكروهاً بسببي بل يرد الخير ويكفي الضرر والضير وكذا كل من هو عندي ومنسوب إليّ من خولي وجندي. ثم دعا ذلك البعير وسأله عن جليل أمره والحقير فأخبره بأنه تاه عن أصحابه وأنه ممن يتعلق بأذياله وينزل بأعتابه فأكرم مثواه وأحسن مأواه وما زال مقبلاً عليه ومحسناً إليه إلى أن صار من أكبر الخد وذا خول وحشم ورأس الندماء ورئيس الجلساء فأمن النكد والبؤس وسمن حتى صار كالعروس فحسده الدب لعدم اللب وعزم بمكره على إلقائه في الجب وإسقائه السم والبلاء الأصعب واشتد به الأمر في ذلك اليوم وعزم على أن يأكل لحم الجمل مع القوم وأخذ يضرب بذلك أخماس في الأسداس واستحوثه بسوطوتيه القلق والوسواس فلم ير أوفق من إفساد صورته وإظهار سوء سريرته فيهلكه ويبيده ويصل منه إلى كل ما يريده ويثمر مكره الحسد فأداه فكره إلى أن يغري به الأسد فاحتال بالجمل وابتدا في شر العمل وقال له: لي معك كلام على كتمه منك أريد أن لا ألام ولكنك لست موضعاً للسر لأنك سارح لم تعرف هذا وقد قيل الحماقة في الطويل ولولا وفور شفقتي وحنوي عليك ومودتي ما فهت لك بكلمة وأتركك مثل التيه في الظلمة، وقد قالت الحكماء
(1/141)

لا تفش سرك إلى خمس طوائف أولها سليم الفطرة وثانيها مدمن الخمرة وثالثها كثير الكلام ورابعها الغلام وخامسها المرأة وهي أشدهم هتكاً للسترة فهؤلاء الخمس ليسوا محل الأسرار ويفشونها من غير اختيار وقد قيل كم إنسان أهلكه اللسان وكم من حرف أدى إلى حتف. فقال الجمل: يا أخي أنا تحققت شفقتك وتيقنت مودتك ونصيحتك وأنت لا تحتاج في تجربتي إلى دليل لأن لي في صحبتك الزمان الطويل وأنا أؤكد لك قولي بالإيمان وأعقد على تلقيه الجنان ولا أتفوه به لحمار ولا حيوان ولا لأنس ولا جان والشخص إذا لم يعرف ما يراد منه فلا فرق بينه وبين الحمار، ثم أنشأ إيماناً غلاظاً أنه يبالغ فيما يسمعه من الدب احتفاظاً ولا يبدي منه لاماً ولا فاءً ولا ظاءً فلما وقف الدب على جوابه وربطه بزمام يمينه اختل به تعرف أنه ملك في غاية العفة والدين وعلى درجة العباد والزاهدين قد فطم نفسه عن الطعوم خصوصاً عن الدماء واللحوم ولكنه في ذلك غير معصوم فإنه قد تزلى بلحم الحيوان وتغذى بافتراس الأقران ورضع الدماء وانقطعت سرته على هذا الغذاء، وتزهده إنما هو تكلف ومصابرة ومكايدة وتعسف ولأن النفس تعمل خاصيتها وتجذب الشهوات إلى ناصيتها وتجمع إلى مركزها وتطمح إلى مبرزها قال الله تعالى: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) وإذا كان كذلك فاحتفظ لنفسك واحفظ نصيحتي وأمسك فإنك في صحبة الأسد على خطر عظيم وأمر جسيم ولا تغفل عن ما قلت لك ولا تظن أنه لا يقتلك. فتداخل الجمل من هذا الكلام الخور ولم يبق له طاقة ولا مصطبر ثم تثبت في أمره وأجال قداح فكره وقال للدب: يا أخي فأي ضرورة دعت الأسد الغشوم حتى تعفف عن أكل اللحوم؟ قال الدب: أنا لا أشك في دينه ولا أرتاب ف حسن يقينه ولكن
(1/142)

ربما تعود المياه إلى مجاريها ويعطي القوس باريها وتتحرك النفس الأبية والشهوة التي طالما ألقت بصاحبها في بلية وأن الإنسان دائر مع اختلاف أخلاق الزمان فإن الزمان كالوعاء والإنسان فيه كالماء وإنه يعطيه من أخلاقه ما يقتضيه ويرتضيه من كدرته وصفائه، ولهذا قيل لون الماء لون إنائه وقد قيل الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم وناهيك يا ذا الكرامات بما قاله صاحب المقامات شعراً:
ولما تعامى وهو أبو الورى ... عن الرشد في أنحائه ومقاصده
تعاميت حتى قيل أني أخو العمى ... ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده
والأسد في هذا الأوان ماش على ما يقتضيه الزمان وأن الزمان يتحول فيرجع إلى خلقه الأول، أما بلغك يا ذا العظمة قضية الحائك والحية قال الجمل لا والله أخبرنا كيف كانت تلك القضية، قال الدب: ذكروا أن حائكاً من الحياك له زوجة تخجل شمس الأفلاك، صورتها مليحة وسيرتها قبيحة فشم زوجها روائح مما هي عليه من القبائح فطلب تحقيق ذلك ليبلغها المهالك فقال لها إني مسافر إلى ضيعة لأجل فائدة في بيعة وغائب أياماً يسيره لفائدة كثيرة فاقصري ما بك واحفظي من السوء جنابك فقالت: أنا بنت
(1/143)

رئيسه ومثلي عروسه أنى يحول حولي الفساد فأدرك سوقك قبل الكساد وجهزته أسرع وأحسن جهاز أتم من تجهيز الحاج إلى الحجاز فسافر من غير مريه ثم رجع إلى البيت في خفيه فاختبى تحت السرير لينظر ما تجري به أمور المقادير فبادرت الزوجة إلى النار ونفخت وأسرعت إلى الطعام فطبخت وخرجت من المخبأ وأتى على الطعام المهيأ ورجع إلى مكانه فنام بعد أكلة ذلك الطعام فجاءت المرأة بحريقها وقصدت الطعام لضيفها فصادفت يدها والحصير فعلمت أن البلاء تحت السرير فأخذت تطلب المخلص من ذلك المقنص فاتفق أن الملك رأى منا ما هاله ولكن نسي هيئته وحاله فنادى بطلب مخبر ولمنامه معبر فسارعت المرأة في باب الأمير ودخلت عليه وقالت: سقطت على الخبير إن لي زوجاً حكيماً بتعبير المنام عليماً لكنه يتعزز وعن تعبير المنام يتحرز حكيماً بتعبير ولا يسمح فيه بالتفسير إلا بعد ضرب كثير وأنه ليس له في ذلك نظير فبعث وراه فحضر وأكرم لقاه وقال: رأيت مناماً راعني وفي الفلا ضاعني فدع عنك الاحتشام وأخبرني عن ذلك المنام ثم عبره لي فقد أخبرت بأنك حبيب لله وولي فقال: يا مولانا الملك أنا في الجهل مرتبك حائك فقير ما عندي من العلم نقير ولقد كذب علي من نسب هذا العلم إليّ والعين تعرف العين وأنا من أين وتعبير الرؤيا من أين فما صدقه ولا استوثقه بل
(1/144)

صدق قول المرأة فيه وحققه وتيقن قول المرأة فيه وأمر بإيصاله بما ينكيه ثم طلب المقارع وشد منه المكارع وضربوه ضرباً أعسفه إلى أن يتلفه فنادى الأمان الأمان أمهلني ثلاثة أيام من الزمان فتركوه وأمهلوه وقيدوه وأطلقوه فصار يدور في الخرائب ويتضرع تضرع الطيد النائب، ففي ثالث الأيام دخل إلى مكان خراب وأخذ في البكاء والانتحاب فنادته حية من بعض الشقوق ما بالك يا ذا العقوق فأخبرها بحاله وما جرى عليه من نكاله فقالت له: ماذا تجعل علي إذا أنا أخبرتك بالمناك وفضضت عن مسك تعبيره الختام؟ قال: أكون لك وصيفاً وأعطيك مما أ"طاه نصيفاً قالت له إن الملك رأى في منامه أن الجو يمطر من سمائه أسوداً ونموراً وفهوداً وبيور وأن المساء بذلك تمور والأرض بهم تخور، وتعبير هذا المنام أنه يظهر للملك في هذا العام أعداء جواسر وحساد كواسر يقصدون هلكه ويرمون ملكه ولكن سيطفئ نارهم بمياه سيوفه ويسقيهم بجنوده كاسات حتوفه فلما كشفت الحية غمته قام فأصلح لباسه وعمته وقصد باب الملك ونادى غير مرتبك وذكر المنام وعبره ووعد السلطان بالنصر وبشره فتذكر المنام وحققه واعتمد عليه وصدقه وأمر له بألف دينار وصار له بذلك اعتبار فأخذ ذلك الذهب ومسروراً به إلى أهله انقلب. ثم افتكر ما اشترط مع الحية فأبت عن الوفاء نفسه الأبية فخاف أن تطالبه بحصتها وأن تفضحه بقصتها فلم ير أوفق من قتلها وسد ذريعة سلبها فأخذ بيده عصار
(1/145)

ورام بذلك مخلصاً وقصد مأواها ووقف فناداها فخرجت مسرعة إليه وأقبلت بالوداد عليه فرأت العصا بيمينه فعلمت أنه خائن في عهده ناكث في يمينه فولت هاربة فضربها ضربة خائبة لكن جرحها وعمد إلى نفسه ففضحها وتركها وذهب فائزاً بما معه من الذهب.
ففي العام الذي بعده أذن الله وحده أن السلطان رأى مناماً أقلقه ومن نومه أرقه ومن شدة أهواله محاه الوهم من لوح خياله فدعاه هذا المعبر المعهود إليه وقص حاله عليه وطلب منه صورة المنام وما يترتب عليه من الكلام فاستمهله له الأيام المعدودات وقصد رئيسة الحيات وناداها عجلاً ووقف في مقام الاعتذار خجلاً ثم قالت له: أي غدر حلالك ما مضى من عمرك وحلالك وبأي وجه تقابلني وتخاطب وقد خلصتك من المعاطب ثم قابلت بسوء صنيعك إحساني وأذيتني بين أهلي وجيراني ولكن غدرك بك حف فقال: عفى الله عما سلف والصداقة بيننا من اليوم تستأنف ويكون الود ألطف والقلب أرأف ثم أنشأ إيماناً أنه يبدل الإساءة إحساناً وأنه لا يخون ولا يمين فيما يقع عليه العهد واليمين فقالت: أريد جميع الجائزة وأكون بها فائزة فأجاب إلى ما سألت وعاهدها على ذلك فقبلت ثم قالت: رأى الملك السماء تمطر قروداً ونيراناً وثعالب وجرذاناً، وتعبير المنام والله الخبير لعلام أن في هذا العام تكثر اللصوص والخوارج والمعتدون من كل خارج ويظهر في العساكر كل ماكر وشيطان ذاعر ولكن صولة الملك تمحقهم وبوارق سيوفه تصعقهم فأسرع إلى السلطان وأخبره بما رآه في منامه وعبره، فقال له الملك: بالحق أتيت وهذا الذي كنت رأيت ثم أمر له بجائزة سنية وخلعة بهية فصار في عيشة رضية وحالة مرضية ثم سلك طريقته الدنية فلم يلتفت إلى عهوده القوية ونبذ عهد الحية
(1/146)

الحيية وقال يكفيها مني كفي عنها البلية فلا أطلب إيذاها ولا تطلب مني رضاها.
ثم إن السلطان رأى في ثالث الأعوام على عادته منام فأرسل إليه فغشيه من الغم ما غشي فرعون وجنوده من أليم عندما سأله غماً رآه وعن تعبير رؤياه فطلب المهلة كما كان وأحاط به موج الغم من كل مكان ولم يريد من معاودة الحية فأتاها وقد كواه الحيا أشأم كية وناداها بصوت خاشع ووقف في مقام الذليل الخاضع فخرجت إليه ورأته في حيرته فوبخته وزجرته وقالت له: يا خئن يا كذاب يا ناقض العهد يا مرتاب يا قليل الحيا يا كثير البذا ترى بأي لسان تخاطبني وبأي وجه تقابلني وقد ختلت وخنت وقتلت وفعلت فعلتك التي فعلت فقال: لم يبق للاعتذار مجال ولا للاستقالة مقال وما تم لي طريق معاملتك بالإفضال إن تفضلت بالإحسان وإن رددت فقدرك واضح البيان وهذه المرة الثالثة ليست يمينها حانثة ولا أحل مما بيننا عقوداً وأحلف وكفى بالله شهيداً أني بعد اليوم لا أنكث عهداً ولا آتي شيئاً أداً فقالت له: لا أخبرك بشيء حتى تعهد إليّ بأن تعطيني جميع ما تعطى وتكف عن الإتيان بمثل ما جئت به الخطأ لأكشف لك الغطاء الذي لا يكشفه لك أحد قط، فسمع مقالها وأجاب سؤالها فقالت: رأى الملك في المنام ولذيد الأحلام كان الجو ممطراً من غمامه ماءً ملأ الفضا وظرافاً وأغنام وتعبير هذا المنام يكون في هذا العام من الخيرات والإنعام ما يشمل الخاص والعام فتطيب الأردا وتتصالح الأعدا وتطيع العصاة وتثيب البغاة ويوافق المخالف ويكثر المحب والموالف فاحفظ ما قلت لك فقد حللت مشكلتك فتوجه بصدر فرح وخاطر منشرح وقص المنام وعبر ما فيه من الأحلام. فطار بالملك الفرح وتم سروره وانشرح وأمر بالجوائز فصبت عليه
(1/147)

وبالأموال فانهالت لديه فلم تلك العطية والخلع السنية وقصد باب الحية ليفي بعهده لها وإيمانه القوية ثم وقف وناداها وقدم إليها ذلك كله وأعطاها وشكر لها إحسانها وتحمل جميلها وامتنانها فقالت: أعلم يا لئيم أنه لا ذنب عليك ولا ملام فيما جنيته أو لا من الآثام ولا ما ارتكبته من العداوة والخيانة في العامين الأولين ولا فضل لك في هذه السنة فيما فعلته من الحسنة فإن ذينك العامين كانا مشتملين علي وإن النحسيين فكان مقتضى ما لهما فساد الزمان والوقوع بين الأصدقاء والأخوان فجريت على مقتضاهما حسب مرتضاهما، وفي هذا الأوان قد انصلح الزمان واستقام الطالع وزال الحسد والتقاطع واستقام الطالع بالموافقة والفلاح واقتضى الفلك الصلاح والإصلاح فمشيت على موجبه وتشبثت بذيل مذهبه فخذ هذا المال وتصرف فيه بارك الله فيه فلا حاجة لي إليه ولا معول لي عليه.
وإنما أوردت هذا المثل أيها الجمل لتعلم أن الزمان لتقلبه في الدوران يوقع بين الأصحاب والأخوان ويباين بين الأصدقاء والخلان، والأسد وإن كان زهد وترك من أخلاقه ما كان عهد فيمكن عوده إلى حالته الأولى والاحتراز منه في كل حال أحق وأولى. وهاأنا قد أخبرتك وعلى ما وصل جهدي إليه أطلعتك وفرط محبتي وشفقتي عليك اقتضى إفشاء هذا السر إليك ومن أنذر فقد أعذر ومن تصبر فما قصر، قال الجمل: يا أخي نترك هذا المقام وللبال نريح ونخدم في خدمته ونستريح. قال الدب: إن كان هذا الغادر الزاهد التقي النقي الراكع الساجد الذي تعفف عن أكل اللحوم والدما وقنع بأكل الحشيش وشرب الماء لا تؤمن غائلته ولا تعتمد حائلته فإلى أين نتحول وعلى من يكون المعول وأنى نذهب
(1/148)

وفيمن نرغب؟ قال الجمل: فكيف يكون العمل ولقد ضاقت بي السبل وتقطعت بي الحيل لا طريق للمفر ولا قرار للمستقر. ففكر الدب طويلاً ثم رأى رأياً وبيلا وقال الرأي السديد والفكر المفيد أن تبادر الأسد قبل وقوع النكد وتقصده بما يقصده ولا توصله إلى ما يعتمده ويعول عليه ويجده فالعاقل يتفكر في عواقب الأمور ويفتش بفكر السرور والشرور ويستعمل الحزم وإذا قصد أمراً يصمم بالعزم وناهيك بقصة الثعبان مع الإنسان قال الجمل: أخبرني بتلك القصة والقضية وما ذاك الإنسان وما تلك الحية؟
قال الدب: ذكروا أن شخصاً كان ماهراً في صيد الأفاعي شديد الحرص في تلك المساعي يتشبث بصيدها ولا يبالي من كيدها فبينما هو في بعض الفلوات يسعى إذ صادف أفعى كما قيل:
(1/149)

أرقش ظمآن متى عض لفظ ... أمر من صبر ومر وخظظ
قد أثر في الحر الحرق ... واشتط في مكان وهو نائم طبق
فاستبشر الصياد لرؤيته ومديده لقبضه في عقصته فلم يفق الثعبان من رقدته إلا وهو في قبضته فما وسعه إلا أنه تماوت وامتد وتراعى حتى لم يتبق منه عرق مشتد فظن الصياد أنه مات وأن مراده منه قد فات فتحرق لذلك وتألم وحرق عليه الألم ورماه من يده فما استقر بالأرض حتى دار في كبده أن في بطنه خرزة ثمينة مشرقة بهية فاخرة مضيئة فأخرج الشفرة وقصده ومد لتقنيصه يده فلما تحقق الثعبان ما قصده ذلك الإنسان خدعه وختله ثم ضربه فقتله.
وإنما أوردت لك هذا المثل لتحقق أيها الجمل أن المبادرة إلى هلاك العدو أقر للعين وأحلب للهدو وبدون مين ومن فات الفرصة وقع في عصية، وهذا الأسد أن غفلنا عنه أكلنا وأبادنا قصد دمارنا وفسادنا ولا يفيدنا إذ ذاك الندم أنى وقد زلت القدم وتحكم في وجودنا من مخاليب العدم. قال الجمل: أعلم أيها الرفيق الشفيق والصديق الحقيق أن هذا الملك آوانا وأكرم مثوانا ولم نشاهد منه سوءاً ولا من ظلمة باطنة علينا ضوءاً ولو قصد أذانا ما وجدنا دافعاً ولا مانعاً ولا مدافعاً وقد علمنا أنه ترك الأذى تعففاً لا تخوفاً وتكرماً ولا تكلفاً واختياراً إلا اضطراراً وجبراً لكسرنا إلا إجباراً وأما أنا علي الخصوصية فلم أر منه إلا الجميل والفضل الجزيل والإحسان الطويل العريض والإمتنان الهني العويض ولأي شيء أسرع في نفسي وأنيه على ما يكدرها في حدسي ولم يظهر لي من ذلك إمارة لا بدلالة ولا بإشارة فضلاً من سباق أو سياق أو كلام يدل على الفراق والشقاق وأني لو مت كمداً قصدته بأذى أبداً والصيومي ابن الوقت لا يتقيد بنكد ولا مقت فإن قصدني بعد
(1/150)

ذلك بشر أو تعرض لي بغدر أو أذية أو إهلاك أو رزية أو فكاك لا يسعني فيه إلا التسليم للقضاء والانقياد لأمر ربي العزيز العليم والرضا على أني غير قادر على مقاومته ولا قوة لي على دفع مخاليبه ومصادمته. وأنا وإن كنت منسوباً إلى التغفل فلا أدع من يدي ذيل التوكل فبالتقويض والتوكل يحصل النجاح والفوز والفلاح والظفر والصلاح، كما جرى لذلك الفلاح مع الذئب والشجاع حال التوكل والانقطاع، قال الدب: كيف كانت تلك القضية أخبرني عنها بعبارة جلية؟
قال الجمل: ذكروا أن رجلاً فلاحاً مضى في صبوته سياحاً من غير سلاح ولا رفيق فبينما هو في بيداء الطريق مار وسائر إذ صادفه ذئب ذاعر كاسر فقصده الذئب ليكسره ففر وصعد إلى الشجرة فراصد الذئب نزوله وانتظره ليغوله فحبسه وأسره وعن ضروراته
(1/151)

حصره. وبينما هو في تلك البلية وقعت عينه على حيه ذات قرون صاعدة وهي على تلك الفروع راقدة فازداد همه وأحاط به وهمه وغمه فبقى بين بليتين وانحصر في داهيتين فلم يجد أوفق من التوكل على الله والإعراض عما سواه فاعتمد متوكلاً عليه وفوض الأمر إليه. وبينما هو في تلك الشدة وقد بلغ به ضره حده وإذا برجل أقبل من الفلا وعلى عاتقه عصا مقبل بها على الذئب مهرولاً فلما رآه الذئب على تلك الحالة من قريب وأيقن بهلاكه بما معه من السلاح فر هارباً بالكلاحة فنزل الفلاح من فوق الشجرة وأزال الله تعالى همه وضرره.
وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن الله نعم الوكيل ومن عليه يتوكل فأخرج هذا الوسواس من القلب والرأس ولا تخلع الحذاء قبل الوصول للماء ولا تهتم لأمر ما سيما إذا لم يكن وقع فإن ذلك من أشر البدع فإن قصدنا بسوءٍ فالله بكافيه وسيكفينا فيه. قال الدب هذا رأي القاصر في البعر العاجز في الفكر وأما ذو الفكر الثاقب فلا يغفل عن العواقب وكل من قصر عن العواقب نظره ولم يسد في الأمور فكره فهو كمن تعلقت النار بأهدابه وتشبث لإحراق ثيابه وهو مشغول عن إطفائها متساهل في كشف أضرارها فلم يفق إلا وبه قد نشبت وأعضاؤه بالنار التهبت فماذا تفيده الإقامة وقد صار حراقه؟ قال الجمل: يا أخي
(1/152)

أفق من محالك وعالج فساد تصورك وخيالك وانظر قوة جلادك وكيفية حالك ألم تعلم بأن لحمي قد نبت من صدقات الأسد وحبه ثبت في دمي وعظمي وكيف لنعمه أجحد وكيف أريق دمه وأنا غرس صدقاته وبنيان نصفاته ورفيق حضرته وعتيق منته، مع أني لو نبذت عهده وقطعت ما قعطت وعزمت على مناوشته ما استطعت.
أما سمعت قول الشاعر:
هي العنقاء تكبر أن تصادا ... فعائد من قدرت له عنادا
أتريد صيد العقاب بفرخ أم اقتناص الذئاب بجرو الكلاب أم صيد الفهود تبغيه بالقرود أم بالسنانير صيد الأسود الهواصير؟ والله بالأذى لا أقصد الأسد ولا يطاوعني على ذلك قلبي أبداً ولو فعلت ذلك لسعيت في دماري وخراب دياري وجدعت انفي بكفي وبحثت على حتفي بظلفي وجززت بيدي رأسي وقطعت ثديي بفأسي وقلعت بإصبعي مقلتي وسلمت للموت مهجتي وكنت من أكبر المعتدين وأفسدت ديني ودنياي، والله لا يصلح عمل المفسدين فاطو عني عنان هذا الكلام وارتجع عن ذكره بسلام. وكان بالقرب منهما وكر فارة وقد سمعت ملا جرى بينهما من تلك العبارة فوعت كلامهما وما قاله كل منهما فلما رأى الدب المريد أن كلامه مع الجمل لا يفيد أمسك واحتشم وأخذه على ذلك الندم، واستمر الجمل ف التفكر في معنى هذا الكلام والمقال حتى أداه إلى الهزال وصيره في الانتحال حتى صار كالخلال وذهب منه ما كان عليه من النشاط وداخله الفكر والاحتياط وصار كل يوم في انحطاط وتوهم واختباط. ولم يزل بين هم وغم ورجاء وخوف أعم ففطن له الأسد وتعجب من حاله
(1/153)

ولم يعرف ما سبب انهزاله وكان عنده غراب مقدم على جميع الأصحاب هو وزيره ومعتمده وصاحب أخباره وعضده فسأله عن حال الجمل وما شاهده عليه في شدة الخوف والوجل وقال له: أنا عففت عن لحوم الحيوانات وأكلها ورضيت في العيش بأدنى مطعوم من النباتات التي أجدها وهذا قد عرف واستقر مني عليه العمل وصار في بال كلكم حتى الجمل فما لي أراه ليس له مستقر ولا هدوء فكر فأريد أن تعرف لي حاله وتخبرني عن صدقه ومحاله. فتوجه الغراب إلى منزل الجمل وسأله عن هزاله وسبب سقمه وانتحاله فما أجاب جواباً ولا حكي صواباً فطار الغراب يرتقبه وحيث ما توجه يعتقبه ففي بعض الأيام كان الغراب على بعض الأكام فرأى الجمل مقبلاً إلى الماء ليطفي بشربه ثورة الظمأ فتخفى الغراب واقتفى أثره وقاربه واختفى وخلف صخرة فقال بعدما شرب وقد رأى سميكات الماء في اللعب: لك الحمد يا رب ما أرحمك وطوبى لك تبارك أسمك لا وزر يوشى تخفن ولا حشم يقوى ترجفن ولا ملك يهولكن ولا سلطان يعولكن ولكن البكاء على المسكين الجمل الذي به ضاقت الحيل وقد وقع في دور البلا المرتجى فصار لا يهتدي إلى طريق النجا بل ولا يدري عاقبة أمره المهول إلى ماذا يؤول إلى الغرق والندامة أم إلى بر السلامة. ثم أخذ في الانتحاب إلى أن أبكى الغراب وشاب من هذا الأمر
(1/154)

العجاب. ثم توجه إلى أسد الشرى وعرض عليه ما جرى فتشوش لذلك فكره وسره وضاق بالهم صدره فقال: أنا عففت عن الشر والأذى وفطمت نفسي عن طيبات الغذا ليأتيني صحابي ويستأنس بي أحبابي فإذا لم يستقر خاطرهم ولم تطمئن على محبتي سرائرهم فأي فائدة لي في الحياة وكيف أخلص في كعبة المودة من كدر العيش إلى صفاة فكل ملك لا تصفو له رعيته ولا ترسخ في قلوب جنده محبته كيف يثبت سلطانه ويساعده عند مهول الشدة أعوانه، أنا بذلت جهدي وطاقتي وتشبثت بأذيال العدل على قدر استطاعتي ليطمئن خاطر الرعية فلم أر لذلك تأثيراً ولا أمنية فلم يبق لي إلا التضرع إلى مثبت القلوب وعلام الغيوب ليكشف لي عن هذه الغمة ويصلح لي هذه الأمة.
ثم تضرع إلى عالم الأسرار أن يطلعه على حقيقة هذه الأخبار وأمر بالاجتماع لطائفة من رؤوس جماعته المقيمين على محبته وطاعته وعرض عليهم هذه الأحوال وطلب منهم اكتشاف ما فيها من الأهوال وقال: أعلموا أني أمنتكم من مخافتي وبذلت لكم بذل عفتي وطاقتي وقد حققتم مرامي وتحققتموه وصدقتم أخلاقي ومطلوبي عرفتموه وعلمتم أخلاقي ومبدأ أعلامي وكل هذا لتطبيب خواطركم وتصفية سرائركم ولم أفعل ذلك عجزاً ولا خوراً ولا تهاوناً ولا سخراً وأنا الآن آمركم بواحدة هي أجل فائدة هي أن لا تكتموا عني شيئاً تكرهونه مني بل أوقعوني عليه وأرشدوني إليه ثم اجهدوا أني أمنعه عني فإني فيكم أجل محبوبي من أهدى إلى عيوبي، وقد قال سيد الأنام عليه أفضل الصلاة وأتم السلام اللهم بلغه التحية عنا من غشنا فليس منا.
وإنما أوردت هذا الكلام في هذا المقام بخصوص الخاص والعام
(1/155)

على سبيل التخيير والإعلام والتنذير وأقسم بالله العلي الكبير اللطيف الخبير الذي منه المبدأ وإليه المصير لم يكن في خاطري يمنى من أحد ولا هجس ببالي أذى ولا نكد وهاأنا قد أخبرتكم وبإطلاعي أمرتكم فلم يبق لي ذنب منه يستغفر ولا لكم في الإخفاء ما عنه يعتذر، وأن الله لا يعذب بضلال الأسافل بل يهب الأعالي للأراذل فإذا فسد الرأس تغير الناس فيحل البأس ويهيج الوسواس فقد قال مجري بحر البرية وباريها: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، فنهض الحاضرون في مقام العبودية والولا وبسطوا ألسنتهم بأنواع الشكر والثناء والدعا ونادوا بكلمة واحدة متفقة متصاعدة حاشا لله ما علمنا عليه من سوء بل لم يزل يطيب على تقصيرنا وجراح خطايانا وأنت الأب الشفوق الذي لا نستطيع لك الوفاء بحقوق. وكان هذا الكلام للأكابر والبادي والحاضر والدب حاضر بينهم فأدرك أن هذا شيء حدث فيما بينهم وحدث نفسه بأن هذا العمل شيء شعر به الأسد من الجمل فأراد المبادرة ليدرك فرطه فسلك في ذلك سبيل المغالطة ثم اختلى بالأسد ولم يكن ثم معهما أحد وقال: كان مولانا الملك أدام الله
(1/156)

أيامه ورفع في ميادين العدل أعلامه بأحسن بشيء أوجب تقرير كلامه لطائفة جنده وخدامه وأنا عندي كلام لم يطلع عليه أحد من الأنام، فلذلك لم ابده بحضرة أحد من الجماعة فربما لم يقصد الملك في ذلك الإذاعة ولا يمكنني إخفاؤه وقد آن إبداؤه وأعلم أيها الملك وقاك الله شر كل مهلك أنه كما أن العالم يستخف الجاهل كذلك الجاهل يزدري العالم العاقل وذلك لقصور فهمه وعدم علمه ووكلما أحاط الخادم بمرتبة مخدومه وزاد على قدره في معلومه ازداد في قلبه وروحه وصارت كؤوس خشيته منادمته له في غبوقه وصبوحه، وقد قال رب الأرض والسماء إنما يخشى الله من عباده العلما وقول النبي صلى الله عليه وسلم أنا أعلمكم بالله وأخشاكم لله إشارة إلى هذا المقام، وقال الشاعر:
على قدر علم المرء يعظم خوفه ... فلا عالم إلا من الله خائف
فآمن مكر الله بالله جاهل ... وخائف مكر الله بالله عارف
وكلما ضعفت مرتبة الخادم بالمخدوم قلت قيمته عنده وهذا أمر معلوم، ثم أعلم أن الجمل لطول الأمل قد اغتر بالملك إذ في ذرى أمره سلك وأحسن إليه غاية الإحسان وصار في عدم الوفاء كالإنسان وحصل له من صورة غضبه الأمان فجهل قدره وعدى طورهن وفي ذلك قال الشاعر:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أكرمت اللئيم تمردا
فوضع الندا في موضع السيف بالعدا ... مضر كوضع السيف في موضع الندا
وقد قال الله تعالى: إن الإنسان ليطغى أن رآه استغني وكل نفس لا تحتمل صنع الجميل وحوصلة العصفور لا تسع اللقمة التي يبتلعها الفيل. وناهيك بما قد قيل في بعض الأقاويل عن حماقة كل
(1/157)

طويل فلا جرم في فساد دماغه حين حصل على فراغه وتطاولت نفسه في سراها إلى أشياء لا يمكن إفشاها لأن ذكرها قبيح والكناية أبلغ من التصريح. فلما سمع الأسد هذا المقال والبيان علم ببديهة العقل أنه زور ومحال وبهتان ثم أرسل إلى الغراب ليميز الخطأ من الصواب ويبين القشر من اللباب والماء من الحباب فاستدعاه إلى حضرته وجلا صورة هذا القول على مراتب فكرته فقال الغراب: ضميرك المبارك في حل هذا المشكل لا يشارك فإنه حلال المشكلات موضح المعضلات، وأما أنا فلا أقبل هذا الكلام ولا يقبل في الجمل عندي ما فإني أعرف تواضعه وسكنته وصبره واحتماله وطاعته وإخلاصه وقناعته وأنه صادق في محبته مخلص في هبوديته فاعرف أن خوفه من الملك غالب على رجائه وأنه مقيم على سنن عهوده ووفائه ولو أراد الذهاب لذهب بسلام فلا في وطيفته قيد ولا في وتيرته حزام، ثم قال الغراب والغالب على ظن ذوي الألباب أن الدب قصد بإلقاء الفتنة إلقاء الجمل في الجب فالملك لا يبادر في هذه القضية حتى يتبصر الأمر على حقيقة جلية وحاشاه أن يفرط في عبيده المخلصين من غير أن يتدبر أمرهم بيقين، فالملك يختلي بعبده أبي أيوب ويستكشف منه أستار العيوب بعد استجلاب خاطره وتطييب ضمائره وسرائره فاستصوب. الأسد هذا الفضل واستخلى بالجمل ليقف منه على الأصل ويسكن جأشه وأزال بلطف الكلام الجأشه وشكر في خدمته مساعيه وطلب بملاطفته مراضيه ثم طلب من الجمل تفصيل ما بلغه من جهل وأكد قوله بالإيمان أنه لو صدر منه تقصير ونقصان فإنه قد عفا عن هفواته ولا يطالبه أبداً بذلاته فيطلقه على كيفية الحال ويذكر ما دفع منه من فعل وقال، فافتكر الجمل في معاهدته مع الدب وأنه لا يفشي سره لأحد وشهد بذلك الرب وقال: إن
(1/158)

تكلمت أضعت صاحبي وإن سكت قصرت في جانبي ثم اختار كتم الأسرار وسلوك طريق الأحرار على حد قول الشاعر:
وإن أودعوا سراً رأيت صدورهم ... كنوزاً لأسرار تنزه عن نقل
وحفظ العهود ووفى بالعقود وقال أسعد الله مولانا الذي بجهوده ووجوده أحياناً وبخير أنه ربانا أني أتفكر في عواقب الأمور وتقلبات الدهور وأخشى سطوات السلطان وأخاف من حوادث الزمان فلا أزال في هذا الخيال في انتحال وهزال إلى أن صرت في هذا الحال، فإن كان هذا ذنباً يوجب العقوبة فإن في إزالته من خاطري صعوبة فإن هذه أوهام لا أملك منعهما ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. قال الأسد له: هل أطلعت على ما يوجب ذلك أو يدل على الإلقاء في المهالك وتضييق المسالك من حركات أفعالي أو فلتات أقوالي أو تقلبات أحوالي أو نقل إليك ناقل من عاقل أو جاهل؟ فأفحم الجمل عن الجواب وأطرق فلم ينطق بخطأ ولا صواب فقال الغراب: يا جمل لا ينجيك إلا الصدق وكشف ابتعاد الدب عن وجه الحق، وكان حاضر هذه النجوى بقر وحشي أعمى وهم عنه غافلون وعن استماعه ذاهلون ففي الحال توجه إلى الدب وحكى صورة ما جرى كتخبير البائع لمن اشترى:
(1/159)

فعلم الدب أنه افتضح وسره اتضح فنهض وما قعد ودخل على الأسد فرأى الجمل مطرقاً فأبقوه منطقاً فمد صولجان اللسان وخلف كثرة البيان وسابق بالكلام خوفاً من الكلام وقال بلسان طلق كلاماً غير قلق أعلم يا لئيم أنك لو سكت عن كلامك القبيح في وقتك الفسيح لكن أصوب وأحسن وأعجب، ألم تعلم أنك لما فهت بما فهت وقلت ما قلت قصدت به هلاك الملك وهذا من قبح شيمك وقد أزال الله سترك وأبدى أمرك لا جرم جرمك حسبك يكفيك أمسك أخرصك ربك العظيم بإثمك، فأبهت الأسد من هذا الكلام وتحير الغراب من هذا الأمر العجاب ووقعوا في الارتياب واشتبه الباطل بالصواب فقال الجمل للدب: يا فقير اللب يا قليل الصفة وعديم المعرفة وأنحس أفاك وأنجس تباك أتظن أني عاجزاً عن كلامك وخطابك م قاصر عن تجيهك وملامك أما تعي أني قصدت ستر عورتك وأطفأ نارك وهلكتك وتفكري في تلافي قضيتك وإخماد شر مصيبتك وإهماد ضرام فتنتك وعلى تقدير
(1/160)

التسليم وإني قلت هذا القول العظيم أكنت معك منفرداً أم رأيت بينناً أحداً؟ فإن كان بيننا أحد فاحضره إلى حضرة الملك فإني أرضى به أن يبين ولا دافع لي فيما أقول وأمعن ولا مطعن وإن كنت أنت وحدك فما منعك عن نصح الملك وسدك فأنت إذاً خائن أو بائن وهذا أمر ظاهر باين والله مالك مثل مع المسكين الجمل إلا امرأة النجار لما دخلت الدار قال الأسد الهصور: اخبرنا يا أبا أيوب كيف كان هذا الحديث؟ لنقف به على سر هذا الدب الخبيث.
قال الجمل: بلغني من رواة الأخبار أنه كان رجل نجار له زوجة تخجل الأقهمار كأنها الدنيا بحسن صورتها وتقبح بخبث سيرتها فكانت كلما رقد زوجها وهو تعبان انسابت إلى الرفاق والإخوان انسياب الثعبان فتقضي الليل بالانشارح وتغيب إلى وقت الصباح ثم تنشيى عائدة فلا يستيقظ الزوج إلا وهي عنده، راقدة ففطن النجار لفعلها وراقب ليلة ختلها فتراقد في الفراش وخرجت هي لطلب الهراش فنهض ورآها النجار وأرصد باب الدار واستمرت هي وصاحبها وزوجها يراقبها فلما عادت راجعة وجدت الدار مانعة فطرقت الباب من غير اكتراث وارتياب فناداها يا خائنة اذهبي حيث كنت كائنة فقالت استر لي هذه الذنوب فإني بعد اليوم أتوب فقال: لا والله الرحمن حتى تفتضحي بين هؤلاء الجيران فقالت الموت أهون لي من الفضيحة فاستر لي هذه القبيحة ولحت عليه وتضرعت لديه فلم يفتح لها باباً ولم يرد عليها جواباً فقالت والله اللطيف الخبير لئن لم تفتح لي لألقين نفسي في هذا البير ولأرمينك في فتيل بين الجليل ووالحقير ثم عمدت إلى حجر كبير وطرحته ف البير ثم التصقت بالباب لتنظر ما يبرزه القضاء من الحجاب، فلما سمع زوجها حسن إلقاء الحجر فتح الباب وإلى البئر
(1/161)

ابتدر وتصور أن تلك الباغية ألقت نفسها في الهاوية فما توقفت أن دخلت الدار وأغلقت الباب دون زوجها النجار وأحكمت الابتهاج وأوقدت السراج وملأت الدنيا بالعياط وأخذت في الهباط والمياط، فاجتمع الجيران ونظروا ما هذا الإنسان فقالت هذا الرجل الظالم لم يتركني كل ليلة حتى أنام ثم يتوجه إلى الزواني ويتركني حتى أقاسي القلق والوحدة والهيام فأخذ الزوج يحلف بالله ذي الجلال ويذكر للجماعة حقيقة هذا الحال فمنهم من يصدق ومنهم من يكذب وهو ما بين مصدق ومكذب فلم يزالا على عويل وصياح إلى الفجر والصباح فحضرا إلى القاضي واختصمها وشهدوا بصلاح الرجل والصلحا والعلما واحتمعت الألسن الصادقة وأجمعت بمقالاتها ناطقة أن المرأة زانية فاسقة ولولا ذلك لذهب البري غلطاً وانقلب صواب المحق الصادق خطأً والرجل إذا غلب عن فعل الشجعان يستعمل أفعال حبائل الشيطان ويتشبث بمكر النسوان العظيم الخسران وإنما أوردت هذا المثل لتعلم خيانة الدب وبراءة الجمل فعلم الأسد باطن القضية بالقوة الذهنية وكان اسجان ماهر ثعلب وصفه كاسمه ساحر أمره بتسلمهما وأوصاه أن يحتفظ بهما لما استقرا في قبضة الحبس واستمر أمرهما تحت آثار اللبس توجهت الفأرة التي كانت سمعت مناجاتهما واطلعت من أول الأمر على حكاياتهما إلى الساحر السجان وسأله عما آل إليه أمرهما من الشأن فأخبرهما بحالهما وعن عاقبة أمرهما وأنه ليس
(1/162)

بعالم أيهما المظلوم وأيهما الظالم فقال الفأرة أسألك يا ذا الشطارة والذكاء والمهارة أن ترجح لأحدهما الجانب وتبين الصادق من الكاذب وتبين المرضى عنه والمغضوب عليه تطلعني على ذلك لأنظر إليه فقال الساحر للفأرة: لقد فهمت عنك الإشارة أن لك إطلاعاً على هذا الأمر وفرقاً جلياً بين التمر والجمر فإن كنت شممت من ذلك روائح فبادري بأداء تلك النصائح فإن قولك مقبول ولك الفضل على الفضول ولا تقصدي بهذا الإرشاد إلا مصلحة العباد وكشف الغمة وبراءة الذمة وردع الظالم وخلاص ذمة الحاكم قالت الفأرة لا أقصد الإصلاح ذات البين وشمولها بطاعة الملك حتى يصيرا متحابين ويرتفع النكد ويحصل رضاء الأسد ويزول الضرر والضمير ويختم عاقبتهما بالخير قالت لقد سمعت من العلما ونصائح الحكما ومقالات ذوي الآراء قالوا لا يتكلم في أمور الملك بيضاء ولا سوداء وابن الجرزان من الأسد والقطران من الشهد قال الساحر: لا تقولي ذلك ولا تستحقري بحالح ودونك القول الصادر الذي قاله الشاعر:
لا تحقرن الرأي وهو موافق ... حكيك الصواب إذا أتى من ناقص
فالدر وهو أجل شيء يقتنى ... ما حط قيمته هوان الغائص
وقال الآخر:
لا تحقر الرأي يأتيك الحقير به ... فالنحل وهو ذباب طائر العسل
(1/163)

والنصيحة كالعسل والحق يصدع كالأسل فالعسل يعطي الحلاوة في ذوقه سواء كان في صحيفة الذهب أو في زقه وقاصد الصلاح والنصيحة ومن أعراضه لدفع الفساد صحيحه مخاطر بنفسه وماله ويراقب حسن حاله وأفضل المعروف إغاثة الملهوف وقد سمعت في المثل السائر أفضل الجهاد كلمة حق عند أمير جائر وهذا الطول عند ضمر الحول وكيف وملكنا أعدل الحكام وناصر دين الإسلام منصفه بمكارم الأخلاق والشيم يعامل الكبير والصغير بالمراحم والكرم فإن كنت تدري بهجة الانتفاع أو لك على قضايا الدب والجمل اطلاع فقولي وانصحي واظهري الحق تنجي وتفلحي كما فعل الوزير المنتخب مع كسرى لما استولى عليه الغضب قالت الفأرة أخبرني أيها الأمين بذلك الفعل الكمين قال الساحر: ذكر المؤرخون وسطر المسطرون أنه كان فيما تقدم من الزمان لكسرى أنوشروان زوجة يخجل الأغصان قدها ويفضح الأقمار خدمها وهي من بنات الملوك قتل أباها وأخاها زوجها الفتوك وكان مشغوفاً بحبها ومتخوفاً من تشويش فكره لئلا تتذكر قتيلها وتتحيل في أخذ ثأرها وهو لم يزل متحرزاً من أفعالها مراقباً من أحوالها وفلتات لسانها في أقوالهان فاتفق أنه كان جالساً معها على السرير وحولها من الجواري الحسان كل بدر منير فاشتاقت نفسه إليها فوضع يده عليها فنظرت إلى الجواري فرأت أعينهن إليها ناظرة فصارت بين طرفي الانقياد والامتناع حائرة، وكانت قد سمعت من أبيها ما روته عن أقاربها وذويها وهو أني لأستحي أن أباضع في بيت فيه نرجس لأنه يشبه العيون الناظرة فخطر ببالها أنه إذا استحى من عيون النرجس وهي جامدة فكيف لا أستحي أنا من النساء في المراقبة وهي غير راقدة، فغلب عليها وأراد قضاء وطره منها فانكمشت وزادها الحيا من كسرى انقباضاً فجذبها إليه
(1/164)

فانفلتت منه وعليه استعصت فوقع عن سريره العالي وعلا خلقه الغالي وتذكر ما هي عليه من أخذ الثأر وأسود قلبه لما غار وأضرمت في أحشائه النار فدعا وزيره الكبير ودفع إليه ربة السرير وأمره بإزهاق نفسها وإسكانها في رمسها من غير مراجعة ولا شفاعة ولا مدافعة، فحملها إلى منزله ووقع في صعب الأمر ومشكله ولم يفعل شيئاً من إمضاء مرسومه وامتثال أوامر مخدومه ثم تدبر في المآل ونادته ربة الخلخال وقالت: أيها الوزير الناصح المشير صاحب الرأي والتدبير هبني أنا خاطيه ولا يرضى الملك بتائبة فما ذنب الذي في بطني المودع من الملك الذي لم يجني فلا بأس من أن تعاوده وبالإشارة تراوده وإن كان ولابد من قتلي فاستمهله إلى أن أضع ثم تهلك الأم ويبقى التبع، فإنه كان يعطى النذور والمال ويطلب الولد في ظلمات الليالي ويدعو بذلك ربه ذا الجلال، وإن أبى إلا القتل فعلى الله المتكل فعرض الوزير ذلك على آرائه بالصريح لا الإشارة واستعمل فيه أحسن عبارة فأبى فعرف أخلاقه ثائرة وأنه لابد من أن تنطفي تلك الثائرة فإذا برد قلبه وزال كربه فيطالبه بالفرع إن لم يطلب الأصل وبعد القطع لا يمكن الوصل. فرأى الوزير المصلحة في التأخير فأودعها عند الحريم
(1/165)

للتخليد وسلك في الحزم الرأي السديد وجعل نفسه لها وقاية إلى أن أخذت مدتها النهاية فوضعت ولداً ذكراً كأنه غصن بان مثمراً قمراً فقام الوزير بتربيته وإصلاح إرضاعه وأغذيته إلى أن بلغ سبع سنين وهو كالبدر المنير والدر الثمين مربى بالدلال معبا بالكمال كأنه هو المقصود في قول الشاعر:
في تلمهد ينطق عن سعادة جده ... أثر الحنا به ساطع البرهان
فاتفق أن كسرى ركب للصيد في عسكر ونرايد فتفرق العساكر عدا وبقي كسرى فصادف غزالين يسوقان لهما ولداً خشفاً بلا مين كما قيل شعر:
بروحي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها
فهجم عليهما فتخليا عن ولدهما ففوق السهم الخفيف نحو الحشف الضعيف فلما رأت أمه السهم داخلها الوهم فتصدرت للسهم دون ولدها واستقبلت نصله بكبدها فأراد إطلاق السهم من الكبد ليصيب به الولد فاعترضه الوالد بصدره وتلقاه دونها بنحره وجعل نفسه وقاية لأم ولده وفداها بروحه وجسده فتذكر كسرى أم ولده وندم على ما قدمه وتضاعف حزنه عليها وهمه وغمه وتذكر ما سلف منه في حق زوجته وما عاملها وولدها فاشتعلت النار في مهجته وقال: إذا كان هذا الحيوان الخلي من العقل حمى بروحه ولده وزوجته وجعل نفسه من الأذى لهما وقاية حيث ألفته
(1/166)

ومع ذلك فهو حيوان أبكم صامت لا يتكلم، فإذا كانت هذه حالته فلم لم يفعل ذلك الحيوان. الناطق ثم فاضت دموع عينيه ورمى القوس من يديه ورجع مفكراً وعلى ما فرط منه متحسراً ودعى ذلك الوزير وقال: الصبر نعم النصير وكان قد سبق من المملوك الإشارة ولكن المفرط أولى بالخسارة، فالصديق الصادق والشفيق الموافق يقول ما أنصع نصحت فلم يسمع والمحب الممارق والحسود المنافق يقول أردت أقول ولكن تركت الفضول ولا حيلة للملك والوزير فيما جرى به التقدير، ثم دعى للملك وانصرف وعبأ حملاً من الهدايا والتحف وألبس ابن الملك أفخر ملبوس وجهز أمه كما تجهز العروس وأضاف إلى ذلك من المراكب الملوكية والخدامات السلطانية وأقبل بها عليه وأعرض ذلك إليه وقال: يا ملك الزمان أنا كنت راقبت هذا اليوم في ذلك الزمان وعلمت أن الندم سيعم من الرأس إلى القدم وها قد قدمت للملك من التحف الدر مع الصدف والثمر مع الشجر والشمس مع القمر متعك الله بهما ومتعهما بك وحرس من الأسواء عزيز جنابك، فلما رأى كسرى ذلك سر قلبه وانشرح صدره وأغمي عليه من شدة الفرح كما قال الشاعر:
طفح السرور علي حتى أنه ... من عظم ما قد سرني أبكاني
يا عين قد صار البكا لك عادة ... تبكين من فرح ومن أحزاني
ثم أمر ببساط السرور وجلس في النشاط والحبور وقال أيضاً شعراً:
أهلاً وسهلاً بالتي ... جادت علي بليلتي
أهلاً بها وبوصلها ... من بعد طول الهجرة
أدر المدام وغن لي ... أهلاً وسهلاً بالتي
(1/167)

ثم أفاض خلع الأنعام والكرم والاحترام على الوزير وشكر له حسن التدبير وارتفعت عنده منزلته وتضاعفت في الارتقاء مرتبته.
وإنما أوردت هذه الأمثال لتجري على هذا المنوال فإن كان عندك ما ينفي الشك والأغاليط ويحقق الحق ويميز الأخاليط فإن في إبدائه منة عظيمة ونعمة على الملك جسيمة ستبلغين بها إلى العيش الهني والمقام العلي السني. وإن أنت أخرت النصيحة فقد شاركت الخائن في أفعاله القبيحة. قالت الفأرة: ما أدق ما نظرت وأحق ما إليه أشرت لا تردد للعقل في هذا النقل ولكن من أنا في الرقعة وما الفأرة حتى تطلب الرفعة وأنا لست في العير ولا في النفير وإني من أول عمري ومبدأ أمري في زوايا الخمول أتحرز من فضلات الفضول لا لصحة في ولا لي صورة جميلة ولا لي في طريق السلوك سيرة نبيلة لا أمينة ولا ثقة وخير أسمائي الفاسقة فأنى أصير مصدقة أو أمينة موثقة وقد أباح سيد العرب والعجم معدن الفضل والكرم المبعوث لتتميم مكارم الشيم صلى الله عليه وسلم قتلي في الحرم والحل فلو طلبت محلة من فوقي لخرجت عن طائرة طوقي وصيرت نفسي ضحكة للناظرين ومرآة للساخرين خصوصاً ملك الأسود وسلطان النمور والفهود ورحم الله امرءاً عرف قدره ولم يتعد طوره، ومن أعجب العجب أن نخشى من شوك العنب ومن أحسن الأمثال ما يقال إن السلطان للأنام بمنزلة الحمام، البعيد عنه يطلب قربه والداخل فيه يشكو كربه فاللائق بحالي أن لا أشغل بالي الخالي بما لا يليق بي وبأمثالي حيث أشرت إلى بادي النصيحة في بيان الحال الفاسدة من الحالة الصحيحة طلباً لمرضات الملك وصوناً لخاطره عن الأمر المشتبك المرتبك، فأنا أمتثل مرسومك وأودع ذلك معلومك بشرط أن لا تذكرني بصفة ولا
(1/168)

تشير بنكرة ولا معرفة لا لصوني ورفعة قدري بل لتنزيه الأفواه عن ذكرى مقاصدها على ما اشترطت، فمدت القول وبسطت ثم ذكرت ما جرى وما كانت وقعت عليه من ذلك الخبر من كلام الدب في الجمل وما صدر بينهما من قول وعمل وفصلت تلك الفصول وقررت براءة الجمل بطريق المعقول والمنقول.
فلما اتضح للثعلب براءة ساحة عرض الجمل وأن الدب هو الذي أغراه على قصد الأسد وحمل وتحقق ذلك بالبرهان الساطع والدليل القاطع توجه إلى حضرة الأسد وأخبره بما صلح من الأمر وما فسد وإنما تأخر عن خدمة مخدومه ليصل ما في جيب الغيب من مكتومه، فلما اتضح لليث ما في هذا الأمر من صلاح وغش وتبين أن الصالح الجمل والطالح الدب أرسل إلى الغارب وأعرض عليه هذا الأمر العجاب وطلب منه الإرشاد إلى هدم ما بناه الدب من الإيقاع وشاد، قال الرأي عندي أن تجتمع العساكر وتجهز الندا بالاجتماع للبادي والحاضر وتحضر الدب والجمل وتعرض على الجميع هذا العمل فإذا ظهر الحق وانكشف الباطل عن وجه الصدوق وتبين الظالم من المظلوم وتعيين الصحيح من المثلوم ترآى برأيك السعيد ما يقتضيه وتسلك ما ترتضيه بحيث لا ينتظر في ذلك عنزان ولا يختلف عليك اثنان.
فلما كان ثاني يوم من أمر الأسد اجتمع القوم الكبير والصغير والمأمور والأمير ثم اعتلى الأسد أعلى السرير وأثنى على الله اللطيف الخبير ثم ذكر ما أهمه من هذه القضية المهمة وذكر فضل هذه الأمة وما لها من رفعة وجلالة وأنها لا تجتمع على ضلالة ثم قال ما تقولون في رفيقين شقيقين صديقين لم تكن بينهما مكالحة ولا منازعة ولا محايمة سوى المحبة والممالحة والمودة الصالحة يبيتان
(1/169)

في فراش ويستعينان على حسن المعاش أحدهما خان رفيقه من غير سبب وسعى في إراقة دمه وإذلال قدره وعدم وجوده بوجود عدمه فماذا يجب على هذا الحاسد المنافق الفاسد في ترويج باطله الكاسد وقصده ذلك البري الصالح السري الفاهم والسعي به إلى الحاكم وإلقائهم بسببه الآثام وارتكاب الجرائم وحمل هذه العظائم؟ فأجاب الجمهور أن من أكبر الكبائر قول الزور وأن مرتكبه الأثيم استوجب العذاب الأليم ومن هو هذا الجريء الكذاب الذي يرتكب مثل هذه العظائم الهائلة في مثل هذه الدولة العظيمة العادلة ولأي شيء يؤخر جزاه ولا يحسم دواه ولا يضرب ولا يشهر ولا يؤمر بالمعروف في مثل هذا المنكر. قال الأسد فاكتبوا ما قلتم محاضر وليعلم الغائب الحاضر حتى إذا وقع الاتفاق وارتفع هذا الخلاف والشقاق وأجمع على ذلك العقل والجمع، فقالوا فيه ما يقتضيه الشرع فاتبعوا شرورهم وكتبوا بذلك خطوطهم فعند ذلك طلب الأسد الفأرة واستنطقها بما تعلم واستشهدها على الدب بما تكلم فشهدت بما به سمعت في وجهه ورقمت بذلك خطها ووضعته في مبيضته وزكاها الحاضرون وشهد بزهدها وصلاحها السامعون والناظرون واتفقوا على حقيقة صدقها وتحقق منطوقها فتهلل وجه الجمل بهذا القول والعمل، وظهرت على صفحات الدب العديم اللب علامة الفضيحة والانكسار والخسران والدمار والبوار فلم يسعه أنه أذعن حيث لم يكن له في ذلك رافع ولا مطعن، فأمر الأسد بالدب أن يلقى من العلا في جب وأن السباع تحتوشه والضباع تفترسه، ففي الحال نهشته الذئاب وفرسته الكلاب وخطفته النمور وقطعته الببور والتهمه السباع والتقمه الضباع فبعضوعه وقطعوه ووزعوه وحرقوه ومزقوه ولم يكتفوا بعظمه وأهابه حتى لحسوا دمه من يابس ترابه وكانوا قد امتد بهم الغم
(1/170)

فأطفئوا بدمه ولحمه بعض الضرم وزال عن أبي أيوب الضرر وضاعف الله تعالى عبر براءة ساحته أصناف الحمد والشكر وارتفعت منزلة ذلك الحر وزادت حرمته وعلت مروءته ومرتبته.
وفايدة هذا المثل الجاري بين الدب والجمل معرفة فائدة الأمانة ووخامة المكر والخيانة وأن الله تعالى غير مضيع أهله وأن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله وهذا آخر باب الأسد الصالح والجمل الأمين الناصح والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين والله الموفق والمعين والحمد لله رب العالمين.
(1/171)

فراغ
(1/172)

الباب السابع
في ذكر العقاب والحجلتين
(1/173)

فراغ
(1/174)

قال الحكيم مرزبان: بلغني أنه كان في بعض ولايات أذربيجان جبل يسمى السماك في العلو يباهي به الأفلاك في السمو المياه والأشجار كثير النبات والثمار في قلبه شجرة عالية قطوفها دانية، وفي ظل الشجرة مأوى لحجلتين ذكر وأنثى وصل إليهما ذلك المكان إرثا هو وطنهما ومستقرهما المألوف وبالقرب من ذلك الجبل جبل مقارن يسمى القارن لو قصد البد سوره أو رفع رأسه ينظر دوره أو يلقي فيه شعاعه ونوره لرمى عن رأسه طرطوره سمير عقاب عالي الجناب هو ملك تلك الطيور وبيده أزمة الأمور وجوارح ذلك الصائح تحت طاعته منتظمون في خدمته. وكانت الحجلتان كلما فرخت أو قاربت أفراخها الطيران عزم العقاب بالاجناد على التنزه والاصطياد فيصل بجماعته والأعوان إلى الجبل الذي فيه الحجلتان فتدب الأفراخ تحت أقدامها العساكر وتصير طعمة لعساكر ذلك الطائر فتقع الحجلتان في الفكر والأحزان، فلم يزالا في نكد على فقد الولد فافتكرتا في بعض الأيام فيما هما عليه من الآلام وترادف الأنكاد على ممر الأعوام فقال الذكر للأنثى: قد
(1/175)

قاربت الشمس عمرنا الأفول وقدم بقائنا بزل ويزول وليس لنا من يذكر الله بعدنا ولا يحيي آثارنا عند فقدنا وقد قضينا العمر في الأنكاد في الخوف وفراق الأولاد وبعد وفاتنا يمحي اسمنا ويندرس رسمنا فلا حياة هنية ولا أخرى رضية، وإني على فراق قرة العين محزون فإنا لله وإنا لله راجعون وهذا أمر صرنا به مخصوصين على وجه المذلة والشين، ومثلنا كمن جمع المال من حله ومن غير حله وتركه بعد الكد والحرص إلى غير أهله كما قيل:
تؤديه مذموما إلى غير أهله ... فيأكله عفوا وأنت دفين
ولا طاقة لنا في دفع جيش العقاب ولا حيلة إلى باب الخلاص من هذا العقاب ومضى العمر في هذا الويل وقد أشبهنا النائم على طرق السبل، فإن ذبينا عن أنفسنا ربما أغفلونا وطرحونا أو ازهونا في مهلكة تدير علينا من العنا طاحونا، فالرأي عندي أن نترك هذا الوطن ونرحل إلى مقام لا نرى فيه تلك المحن فقد فرغ الصبر على فراق الولد ولم يبق قلب يحتمل هذا الألم والنكد كما قيل:
(1/176)

وذاك لأن المرء يحيى بلا يد ... ورجل ولا تلقاه يحيى بلا كبد
قالت الأنثى: لقد أعربت عما في فكري وشرحت ما كان يجول أبدا في صدري وهذا البلاء نحن فيه سواء ومحنة قد أعياني في برئها الدواء ومصيبة هدت مني الحيل والقوى كما قيل:
بي مثل ما بك يا حمامة فاندبي ... لم يدر مر الصبر إلا من أكل
وأنا لم أخل قط في وقت من هاذ الفكر الذي أوجبه الهم والمقت والذكر واعلم أن سهام العقلا وتوجهات أفكار ذوي النظر من الحكما والنبلا إنما تصدر عن قوس واحدة وتتوجه إلى غرض فرد طرقه غير متعددة. وقالت الحكما وأولوا التجارب والعقلا: بل أطلق أرباب العقول وأئمة الدين وأصحاب الأصول أن قضايا العقل كلها صادقة وألسنتها فيما تحكمه بالصدق ناطقة، غير أن كثيرا ما تتعقبه القضايا العقلية بالقضايا الوهمية فيقع الخطأ في القضايا الوهمية فيتصور أنها قضايا عقلية وإلا فالقضايا العقلية لا يقع فيها الخطأ البتة وقذفت رشيد العقل بحبل بال كثير المنافع غزير المقال فإن كل من قصد الصعود إليه أو توجه إلى الارتقاء عليه لا يتيسر له ذلك لا من طريق واحدة منها يصل إلى الفائدة وعلى
(1/177)

هذا فطريق المعاشرة وسبيل المباشرة مع العقلاء وذوي الآراء الزكية في العداوة والبغضا والصداقة والكدورة والرياقه واللطافة والكثافة والخوف والرجا والانتهاء والابتداء إنما هو من باب واحد لا من طرق متعددة. ولأجل هذا ملوك هذا الطريق الأمر معهم متيسر لا متعذر ولا متعسر وإن خيط هذه السموط بالاستقامة مضبوط وبالصلاح مربوط بخلاف الجهال والخلعا والحمقى والسفها فإن أمورهم متفرطة وأفكارهم وآراؤهم غير منضبطة فتكد خواطر العقلاء في تعليمهم وتعيى طبيب الفكر في معالجة أخفهم وإصلاح سعيهم كما قيل:
إني لآمن من عدو عاقل ... وأخاف خل يعتريه جنون
والعقل زين للفتى وطريقه ... نجح وخير والجنون فنون
ولهذا قيل: معادات العاقل خير من مصادقة الجاهل، ثم قالت الأنثى: أما سمعت حديث أشرف الإنسان سيد ولد عدنان الذي خلقت من أجل الأكوان "حب الوطن من الإيمان" وقد ألفنا وطننا وحبه وقطع أصول محبتنا صعبة خصوصا وهو في معزل عن طرق الجوارح ومكن عن طوارق السوانح والبوارح، وإنما تعرض لأولادنا تلك الآفات والعاضة من تراكم العساكر وما يحصل من إقدامها من الكثافة وأخاف إن انتقلنا من هذا الوطن يخرج من أيدينا هذا السكن ولا نحصل على مأوى يليق ولا توافقنا الغربة أو يمنع مانع في الطريق فنقصد الريح فيذهب راس المال فنخسر ما في أيدينا في الحال ولا يحصل المأوى في الاستقبال كيف وهو مسقط رأسنا ومحل أنسنا وإيناسنا؟ فالأولى لنا الرضى والانقياد لأوامر القضا وملازمة الوطن القديم والسكون تحت تقدير العزيز العليم، وقد قيل إنما يشفى العليل إذا ترك مشتهيات نفسه وقيد متمنياته في حبسه
(1/178)

ولا بد للمرء في بلوغ المنى من ترك المراد والقانع من قطع النظر عن الازدياد وقد قيل الحزم رفض الشهوات وكل ما هو آت آت. وإنما وقائع الأنكاد من جهة الأولاد وما يقع منها من كل عام فتجيبها إحدى ما يقع من نوايب الأيام ونحن بل كل المخلوقات عرضة للنوايت والآفات وطعمة للمقدور وحوادث الدهور ولو انتقلنا من الوطن وتحولنا عن هذا السكن وبعدنا عن الأقارب وجاورنا الأعداء والأجانب ونزعنا عن الحبايب ومعارفنا من الأجانب لا يطيب لنا مقام وتتكدر أوقاتنا على ممر الأيام ولا نزال بين تذكر الوطن المألوف والتحنن إلى رؤية الصاحب الألوف، فتسهيل هذه الأنكاد مفارقة الأولاد. واعلم أنه لو تيسر لما مع الانتقال انتظام الأمور واستقامة الأحوال وحصلت الأولاد وزالت الأنكاد وصفا الوقت بزوال المقت فإن الخاطر يشتغل من حين وجدان الولد ويتعلق بمصالحه القلب والجسد وتصرف الهمة إلى القيام بمصالح إلى حين ترعرعه وارتياشه ويتعلق القلب بمحبته والإلتفات إلى عمل مصلحته ويزداد ذلك يوما فيوما وشهرا وشهرا وعاما فعاما فإن أدركه والعياذ بالله من ذلك ألم أو أصابه ضرر أو سقم التهبت عليه الجوارح واستولت به الهموم على القلب والجوارح، فإن آل إلى الموت واستحال إلى الفوت فهو المصيبة العظمى والطامة الكبرى وإن سلم من هذه العاهات وبلغ سالما من هذه المخالفات فتزداد كلفته وتتضاعف مؤنته ويركب والده في ذلك كل صعب وذلول ويذهبان في مذهب في كل عرض وطول ويكتسبان من الحلال والحرام ويتحملان المشاق والآثام، هذا إذا كان مطيعا ولأبويه منقادا سميعا وأما إذا ركب جموح العقوق ونسي ما لهما عليه من الحقوق فهي مصيبة أخرى وداهية كبرى ويصير كما قيل:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد
(1/179)

وعلى كل قدير وأنت بهذا خبير وبدقائقه عليم أن الأولاد بين الأبوين وبين الآخرة سد عظيم لا تخلص من الالتفات إليهم لله طاعة وأغلى الانقطاع منهم إلى طريق الآخرة استطاعه، وناهيك بأهل الذكاء والفطنة قول من أنقذك من هذه المحنة إنما أموالكم وأولادكم فتنة فاسمع هذا الكلام بأذن التحقيق واسلك في سير معانيه أوفى طريق وحقق يا ذا الإرشاد أن وجود الأولاد عند ذوي البصيرة النقاد مزيف ومتاع مزخرف وسم تحت حلوى وسرور فوق بلوى وعارية مردوده بعد وفاة محدوده بل أكرة من خشب مموهة بالذهب وطلاية من نضار على جرة من فخار، وقد نبه على هذا رب العباد الصادق في الوعد والميعاد على لسان أشرف العباد بقوله تعالى: (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد) وكما أن الأطفال الصغار الغافلين عن بديع الحكم ودقائق الأسرار إذا نظروا إلى اللعبة الموقة الملونة والخشبات المصبغة المستحسنة التهوا بها عن اكتساب الآداب وملازمة العلماء والكتاب فيلعبون وهم جاهلون وعن طريق اكتساب الكمال ذاهلون. فكذلك كل من التفت إلى غير الله خاطره واشتغلت بأمور الدنيا من المال والولد سرائره وضمائرة حرم من الاطلاع على دقائق الملوك وفاته لذات الوقوف على حقائق السلوك فهو عن الله تعالى محجوب وفي عساكر الأموات وإن كان حيا محسوب كما قيل:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... فأجسادهم دون القبور قبور
وإن امرءا لم يحيى بالعلم صدره ... فليس له حين النشور نشور
قال الله تعالى وكلمته العليا (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) وهذا صريح بالشهادة على ما نقلته وقد جليت صداء قلبك
(1/180)

وصقلته فلا تكونن كالآلا ولا تعلق قلبك بغير الله قولا واعتقادا وعملا فالباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا واجتهد في إصلاح قلبك المكابر واصغ إلى ما قاله الحكيم الحليم متحررا من العذاب الأليم عاملا بما يرضي السميع العليم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بلقب سليم. وإذا علمت هذا وتحققته وقررته وحررته وصدقته فاعلم أن الأولى بحالنا والأحسن للنظر في مآلنا أن نعد ما نحن فيه من جملة النعم وأن هذا قسم لنا من القسم في القدم فلا تنتقل عن دائرة الرضا والتسليم قدما عن قدم وننتظر ما يتولد عن حدثان الزمان ولا نرخي في ميدان الطمع العنان ونعرض عن طامح الخاطر كمال قال الشاعر:
كم نار عارية شبت لغير قرى ... على بقاع وكم نور بلا ثمر
هون عليك أمورا أنت تنكرها ... فالدهر يأتي بألوان من العبر
قال الذكر: جميع هذا القول صادر من موارد المعقول موافق لما ورد به المنقول، لقد غصت في بحر الفطنة على جواهر الحكمة ولم تتركي في ميدان المسائل مقالا لقائل ولا مجالا لجائل، ولكن لا ينبغي للعاقل أن يغفل عن حوادث الدهر ولا يعطي ظهره لكواسر العصر فإن طوارق الآفات وخوارق العادات ومحن الزمان وغصص الحدثان محتجبة تحت الأستار ومنظورة في أنواع الأطوار والفلك الدوار له في علم الأدوار مغيبات أبكار يبرزها للناظر فتلعب بالأفكار وتذهب في سناء برق مخارقها بصائر الأبصار ويحتار في حركاتها الرأي المصيب ويدهش في دجى حدسها الفطن الاريب وقد حار الفكر وعجزتن القوى والقدر وحارت عقول البشر دون إدراك ما يبرزه كل وقت من الصور من وراء ستر الغيب سعيد القضاء والقدر ولم يعهد من الدهر الخؤون والزمان المجنون إذا
(1/181)

استقام أو نزل أو جل أو هزل أو ولى وعزل أو أمر وامتاز وفضل أو أقبل واعتزل أو أراد نقض إبرام من غزل أن يرسل قبل ذلك مبشرا أو مبصرا أو محذرا يستيقظ النائم أو ينهض الحائم أو يتحرك القائم وإنما يحطم بغينه ويهجم في سكته فيأخذ على بهشه فلا يفلت منه نكتة ولا يهمل إلى لحظة ولا فليته وقد قيل شعر:
يا راقد الليل مسرورا بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
وعلى هذا فلو وقع منا غفلة أو ذهول عند قدوم هذا الجيش المهول فاخترم والعياذ بالله واحدا منا ونحن على أحسن ما يكون سكونا وأمنا فكيف ترين يبقى حال الآخر وهل يصير إلا كما قال الشاعر؟
ما حال من كان له واحد يؤخذ منه ذلك الواحد، وإذا بقي أحدنا منفردا وعن صاحبه منعزلا متوحدا فماذا يفيده الجيران والسكون والوطن والأمنة وهل يبقى له لذة وصال ألف سنة بأليم الفراق في تلك الساعة الخشنة كما قيل:
إن كان فراقنا على التحقيق ... هذا كبدي أحق بالتمزيق
لو دام الوصال لنا ألف سنة ... ما كان يفي بساعة التفريق
لا كان في الدهر يوم لا أراك به ... يا صاحبي ومؤنسي ورفيق
ولا فيه شمس بل ولا قمر ... ولا دونت ولا ساق لخمر عتيق
وكل من لم يتفكر في الحوادث قبل حلولها ويتأمل في تداركها قبل نزولها ويطمئن إلى سكونها مع الزمان ويتكئ بظهره على وسادة الحدثان ويحيل في الكوائن على القضاء والقدر ويدفع يد التدبير عن تعاطي أسباب الحذر، كان كمن ترك إحدى جنبتي خرجه فارغة وحشى الأخرى من الحجارة الثقيلة الدافعة فأنى يستقيم محله أو يبلغ على الطريق المستقيم منزله فلا يزال حمله
(1/182)

مائلا وخطبه هائلا فالعاقل يسعى فيما يظنه ولا يغفل عن السبب وبما وجب يعمل كما قيل:
على المرء أن يسعى ويبذل جهده ... وليس عليه أن يساعده الدهر
فإن نال بالسعي الذي تم أمره ... وإن غلب المقدور كان له عذر
وعلى كل حال تعاطي الأسباب لا يقدح في الأفعال والتوكل وناهيك بملحة العمل حكاية الحمار مع الجمل قالت الأنثى: كيف كانت تلك الحكاية وقال الله شر النكاية؟
قال: بلغني أنه ترافق في المسير عير مع بعير فكان الحمار كثير العثار مع أن عينيه كانتا تراقبان يديه ورجليه وكان الجمل على عظم جهامته وعلو قامته وبعد عينيه عن مواقع يديه ورجليه لا يزل له قدم ولا يضل له أجم، فقال الحمار للبعير: أيها الرفيق الكبير ما بالي في المسير كثير الوقوع والزلل دائم العثار والخطل لا أخلو من حجر يدميني الحافر أو عثرة ترميني في حفرة حافر مع أن عيني تراقب يدي ولا تنظر سواهما إلى شيء وأنت لا تنظر إلى مواطئ إخفافك، ولا تعرف ماذا تقع فيها ولا تحتل عن طريق تمشي فيها ولا أدري هذا مما ذا قال البعير: أنت في المسير قاصر النظر أعمى
(1/183)

القلب والفكر لا تراقب إلى ما بين يديك ولا تنظر ماذا أمامك إليك أم عليك؟ فإذا أدهمك ما أدهاك عجز عنه نهاك فلا تشعر إلا وقد وقعت وفي حفر المهالك قد نزلت وانخرق ما رقعت فلا يمكنك التلاف إلا وأنت رهين الإتلاف، وأما أنا فمراقب دائما ما يصير من العواقب وأميز أمامي الطريق أسهل أم حد فأميز السلوك من قبل ومن بعد فلا أصل إلى صعب إلا وقد أذللته ولا وعر إلا وقد سهلته ولا وهدة إلا وقد عرفت طريقها ولا إلى عقبة إلا وكشفت ضيقها فأستعد للأمر قبل نزوله وأحتال لدفعه قبل أوان حلوله، وهذه قاعدة الفقهاء وأصل كبير عند العلماء لأنهم قالوا الدفع أهون من الرفع.
وإنما أوردت هذا المثل عن الحمار والجمل لتعلمي أن لا بد لنا قبل حلول النكبة من أخذ الأهبة فما كل مرة تسلم الجرة ولا كل وقعة سلامتها ميسرة وقد قرب وضع البيض وبعده قد همت العساكر بالفيض فلا بد من إعمال الفكر المصيب في وجه الخلاص من هذا الأمر الصعيب، كما قيل مهد لنفسك قبل الموت مضجعا. قالت الأنثى: جميع مل قررته لا يخلو عن دقيق النظر وتحقيق صائب الفكر وغامض معاني الأسرار وتبيين مواقع الأخبار وكل ذي عقل يقبل ويعول عليه وكل فكر مصيب يحثو الاقتباس في الحكمة بين يديه، ولكن طلاب الأغراض الدنيوية والراغبون في نيل المرادات والأمنية على فرق شتى في بلوغ المراد والآمال فمنهم من يبلغ بقوة الجنود وبذل الأموال ومنهم من يساعده الدهر ويعاونه معاون العصر وينهض به سعد التقدير ويقوم معه كل صغير وكبير وعظيم وحقير وعدو نصير كما قيل:
وإذا أراد الله نصرة عبده ... كانت له أعداؤه أنصارا
(1/184)

فيقيض له المساعدة والمعاضد فلا يحتاج إلى سعي ولا في استماع النصيحة إلى وعي بل يصل إلى قصده بدون كده وبغير جهده وعده وعدده، ومنهم من يحتاج إلى سعي بليغ وجهد طويل سبيغ ومساعدة ناصح ومعاون صالح وقرع أبواب وتعاطي أسباب وسعد رقيق وفكر دقيق حتى يبلغ مراده ويدرك ما أراده، ومنهم من تغلب عليه العجلة والطمع والشره والحرص والهلع فيسارع إلى نيل ما يرومه فيلقيه في عائق الحرمان حرصه وشؤمه فيقع من التعب في هويته ويحرم لكونه اعتمد على حوله وقولته فيصير كما قيل:
بالحرص فوتني دهري فوائده ... فكل من زاد حرصا زيد تفريطا
ومنهم من يتمنى ثم يتكاسل ويتوقع ثم يتساهل فيحرم من مقصده ويرده عجزه عن مراده ويده فانظر يا ذا السكون والوقار والركون نحن من أي الأقسام نكون وأنت تعلم أنا لا نقدر على مقاومة العقاب ولا على أن ندفع عن أنفسنا ما ينزل بنا من عقاب فإنه إذا طار العقاب يبلغ الثريا والسحاب ونحن إذا تحركنا في الثرى لا نقدر أن نرتفع عن الثرى قيد لوا، وقد قيل في المثل أين الثرى من الثريا وأين العادل ممن اشتد بغيا بغياً وقد قيل كل من تعلق بخصم هو أقوى منه فقد سعى في هلاك نفسه بيده كما قيل:
ومن يشبشم بالعداوة كفه ... بأكبر منه فهو لا شك هالك
وكان مثله كمثل النملة الضعيفة التي ينبت لها أجنحة خفيفة فتحركها دواعي الطيران فتصور في نفسها أنها صارت من النسور والعقبان فبمجرد ما ترتفع عن الثرى إلى الهواء التقفها عصفور واختطفها أصغر الطيور ولهذا قيل:
إذا ما أراد الله إهلاك نملة ... أطار جناحيها فتسقط في المعطب
(1/185)

ونحن ليس لنا اطلاع على مكامن الغيب فتره نفسك عن حوادث هواجس الريب وليس لنا مساعد من الأقارب والأباعد ولا لنا خيل ولا مال ولا عدة ولا رجال ونحن أقل من أن يساعفنا زمان أو يعيننا على العقاب أعوان فلم يبق لنا إلا الركون تحت حركات السكون وانتظار ما سيكون، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، واعلم أن حركاتنا مع العقاب والجامع لنا معه من الأسباب متحدة في الحقيقة وطريقتنا معه من جنس ذي طريقه وهي الطيرية وكلنا فيها سوية وهم منها كإعجاز القرآن من الفصاحة في الطرف الأعلى ونحن منها كأصوات الحيوانات في أدنى الأدنى من العلا فالأولى بحالنا الاصطبار من غير ريب إلى أن يصل لكسرنا الجبر من عالم الغيب كما قيل:
مهلا أبا الصقر كم من طائر ... يحوم يلقى بعد تحليق
زوجت نعمى لم تكن كفؤها ... إذنها الله بالتطليق
وقيل في هذا المعنى أيضاً:
الأمر يحدث بعده أمر ... والعسر مقترن به اليسرد
وحلاوة الصبيان من عسل ... وحلاوة الشجعان من صبر
والصبر يأتي بعده نعم ... تأتيك مقرونة الشكر
وقال الآخر من هذا المعنى:
اصبر على ما جرى من اسبق قدما ... فمركب الصبر بالآمال ملتحقه
خوفا من أن تقع مع من هو أشد منا ونعانيه ونأمل التخلص من ييديه حمقا وجهلا لا تفضلا وفضلا كما وقع الثعلب الجائع المجهود مع الجمل الموجود قال: كيف كانت تلك الحكاية؟ أخبريني بها لعل أن تزول عنا بسببها النكاية.
قالت: حكي أن ثعلبا اتخذ له وكرا في روض بهي ذا منظر
(1/186)

شهي يأوي إليه صباحا ومساء ويعكف به صيفا وشتاء ويدخر فيه قوة شتوته في وجه صيفته واستمر على ذلك مدة من الزمان والأعوام والدهور والآوان. ففي بعض السنين احتال على قوته النمل فسرقه وقطعه ومزقه وكان ذلك عند اشتداد البرد فأصابه لذلك الهم والغم والكمد، ففي بعض أوقات نهاره خرج من جحره متطلبا لصيد قفاره إذ رأى جملا على باب جحره باركا ملقيا عنانه وللهمومتاركا ففرح بذلك وقال: لك الحمد يا رب يا مالك أنت اللطيف وراحم الضعيف وقال في نفسه: لقد صادفت ما يكفيك ويفوتك أنت وبنيك فاهنأ بما أعطيت واشكر الله ربك وموليك، ثم أخذ في إعمال حيلته يدخل بها إلى الجمل جحره ويقتنصه بها جهره فأداه جهله وحمقه إلى ما يحصل به هلاكه ومحقه وأخذ حبلا وثيقا من الكتان وليته كان من صوف أو صوفان وربطه في ذيل الجمل من
(1/187)

طرف وأوثق بالطرف الآخر نفسه من خلف، كل هذا والجمل لم يشعر ولم يبصر ولم ينظر ونزل الثعلب جحره وأجهد في جر الجمل إليه أمره فاستشعر الجمل بالحراك والتفت يمينا وشمالا فلم يرد الثعلب الأفاك قايما لينظر ما أهمه من هذا الأمر الذي دهمه فما استتم قايما إلا والثعلب متعلق بذيله هائما فارتبك عند ذلك الثعلب وعلم أنه انغلب ولا مخلص له من ذلك إلا الرب المالك واشتدت عليه طرق الحيل في أمره مع الجمل هذا والجمل يضرب به على فخذيه ويبول ويبعر عليه والثعلب يستغيث فلا يغاث ويتمنى أن لو قنع بالبعر والارواث ولا يقع في هذه البلية التي أذاقته الهم والرزية. فبينما هو على هذا الحال المهول إذ مر به نمس يسمى سؤول فقال: ما هذا يا أبا الحصين؟ فأخبره بالقضية بيقين، فقال له: هذا جزاء من على أكبر من يتعدى ومن هو مجانب طريق الهدى ولم يتأمل العواقب بالفكر المصيب الثاقب فقال: بالله دبر لي في الخلاص فقد كفاني حالي عن القصاص وتصير لك المنة علي والمعروف لدي فتقدم النمس إلى الجمل وقال: حلي على صالح العمل هذا رجل غريب تعلق بأذيالك فأنعم عليه بحسن أحوالك كأنه لا يقدر على أن يعانيك أو يعاديك كما يشهد بذلك جسمه وحواشيك فإن لم تكرمه أطلق وثاقه واحلل خناقه وإن أنت
(1/188)

أكرمته بمروءتك فقد وقع على الخبير وصرت له نعم الأهل ونعم النصير، فالتفت الجمل إليه واعتقه وأحسن إليه ولولا حيلة النمس لحل بالرمس. فلما سمع الذكر ذلك وعلم ما هنالك قال: إن هذا الفكر من الصواب قريب وعند أولي البصائر والتجارب مصيب ولكن من يتكفل بوفاء العمر الغدار ومن يصل إلى القصد بالأمان من الليل والنهار وقد قيل:
لئن بادرت عن تسليم روحي ... هواك فعاذلي عن ذا يعوف
وإن أسرعت نحو الوصل عدوا ... فعمري من ورا ظهري يعوق
ثم قال الذكر للأنثى: والرأي السديد عندي والذي أراة وأبدي أن نتوجه إلى حضرة العقاب ونكشف عن وجه مرادنا إليه النقاب ونطلب منه الأمان من نكبات الزمان ونستظل بجناح عاطفته وننتظم في سلك جماعته وخدمته فربما يشملنا بملاطفته فإنه ملك الطيور وبيده أزمة أمور الجمهور وهو وإن كان ملك الجوارح والكواسر وشيمته سفك الدماء والتمزيق بمخالبه النواثر لكنه ملك عالي الهمة ظاهر الشفقة والرحمة لا تقتضي همته العالية إلا الشفقة الشافية والموافاة الوافية خصوصا على من ينشد عليه وينتمي إليه فلا تدعه شميته الأبية وهمته العلية الحمية ومروءته لا تقتضي التعرض لنا بضرر أو يطير لنا منه بشرر. فقالت الأنثى: العجب كل العجب من رأيك المنتخب أنك تخلط منه الغث بالسمين وتسوق إليه الهجان مع الهجين فتارة تصيب حديقة الغرض وتارة يخطئ السهم الغرض فصرت كما قيل:
تلونت حتى لست تدري من العمى ... أريح جنوب هب أم ريح شمال
هذه المصايب التي نشكوها والبلايا التي نقرأ سورها ونتلوها هي بعض ما قاسيناه من أليم العذاب لحظة من مقاسة عسكر
(1/189)

العقاب، ثم إنك أنت تحركت وسكنت وشرقت على ما في رأيك وغربت وتباعدت وتقربت وارتفعت وحططت وامتنعت وسقطت وجلت ورحت وقعدت وقمت أجئت بالرأي السديد والفكر السعيد حتى عزمت أن تجرنا بسلاسل الحديد إلى العذاب الشديد وتخلدنا فيه الدهر المزيد لا والله بل تريد أن نمشي بأرجلنا إلى الشبكة وأن نلقي بأنفسنا إلى الهلكة كما قيل:
فلا تشك إلى خلق فتشمته ... شكوى الجريح إلى العقبان والرخم
أشبهت في هذه الحركة مالك الحزين والسمكة قال الذكر: أزيحي عني الغصة ببيان هذه القصة قالت الأنثى: كان في بعض المروج نهر كثير الحيتان شديد الجريان وقد اعتاده طير الفلا الذي إذا رأى الخير تدلى وإن رأى الشر علا أو راح مجملا يتصرف في تلك السمك وتصرف المالك فيما ملك قضى في ذلك عمره ووجى أوقاته طيب العيش ومره حتى إذا أدركه
(1/190)

المشيب، وولى العمر النضير الشيب وكساه أصناف العبر حتى ضعف عن الاصطياد وجرى عليه الدهر بالرسم المعتاد من الآلام والأنكاد فصار لا يمر عليه برهة من الأوقات إلا وهو عاجز عن تحصيل الضروري من الأقوات فتوجه في بعض الأحيان وهو يرفل في ثياب الأحزان ووقف على النهر متفكرا في تصرفات الدهر فمرت به سمكة لطيفة الحركة فرأته في ذل وانكسار سابحا في بحار الأفكار لا قدرة له ولا حركة على التقاط السمكة فلم يلتفت إليها ولم يعول عليها وقد أوطاته الحوادث أقدام الأحزان الكوارث وبدلت ربيع شبابه بخريف الهرم وحرارة جسمه ببرودة الديم فوقفت لديه وسلمت عليه وسألته عن موجب تفكره وسبب حيرته وتحيره، فقال: تفكرت فيما مضى من الشباب الفاخر وما تقضى فيه من طيب العيش وانشراح الخاطر وقد تبدل وجوده بالعدم ولم نحصل فيه إلا على الذنوب والندم وقد رقت العظام واستوى على الجسد السقام وتزلزلت الأعضاء وتراكمت فتوارت الرضى واشتعل المشيب بزيادة الآلام واتقدت نيرانه وجرت إلى السقام وقد قيل:
عزمت على إجلاء جسمي بروحه ... من خرق مشيب كل عنه المراقع
فقلت اسكنيه يا عمارة عمره ... فقالت وكيف ربت جسمك المواقع
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما ترقع
فلم أفق من هذه السكرةى ولا وقعت بي الفكرة إلا وسفينة العمر
(1/191)

بالساحل قد أرست وشمس الحياة على قلة الضنا أمست فما أمكنني إلا التلاقي بالعقوبة والندم قبل حلول النوايب وزلة القدم والتطهر من جناية الظلم بمياه الاستغفار والتخلي عن القبائح والتحلي بعقد در الاستعبار وغسل سواد الأجرام والأوزار بدموع الإنابة والاعتذار:
وما أقبح التفريط في زمن الصبا ... فكيف به والشيب في الرأس نازل
واعلم أن جامح هواي قد قلع ضرس الأماني والطمع وجارح متمناي نزع طيلسان الشره والخلع، وقد قدمت إلى هذا المكان لأتحلل من الأسماك والحيتان فطالما أغرت على عشائرهم وأولادهم وخضت في دماء قلوبهم وأكبادهم وشتت شملهم وخوفت قلبهم وجلهم وأرعبتهم وأرهبتهم وحايلتهم وأسرتهم فرأيت أن براءة الذمة في الأولى قبل الأخرى أولى وأحق وأحرى فلعل أحمال الذنوب تخف وسحائب الغفران تذرف فلما سمعت السمكة الخديعة وشاهدت هذه الحركة البديعة نشرتها أضلاعها ودعاها خداعها أن قالت ما تريد أيها الصالح أن أفعل معك من المصالح قال: أريد أن تبلغي هذا الكلام بعد إيصال التحية والسلام وأن يكون القوم بعد اليوم آمنين من سطواتي سالمين من حملاتي ساكنين إلى حركاتي بعيث يرتفع الظلم والعدوان وينام السمك في الماء وأمان الرحمن، فقال لها: لا بد من تأكيد العهود وأقلها المصافحة على المصالحة ثم تأكيد الإيمان بمن خلق الإنس والجان فقالت: كيف أصافحك وأنا طعمتك وأنى تخلص من فيك لقمتك؟ قال لها: ارمي هذا العلف واربطي حنكي لتأمني من التلف فأخذت قبضة من الحشيش وفتلت وإلى ربط فكه قصدت وأقبلت فمد منقاره إلى الماء وقربت السمكة العمياء فما كذب أن اقتلعها وابتلعها وكان هذا آخر العهد بها.
(1/192)

وإنما أوردت هذه اللطيفة يا ذا الحركات الظريفة لتعلم أن قريبا من العقاب إلقاؤنا أنفسنا بايدينا إلى العذاب وأين غرب عنك نهاك حتى تلقينا في عين الهلاك ونحن قوت العقاب وتأمن منه ضرب الرقاب وقد قيل عهوده كاذبة وحشو ضميره غل وقربه سقام معجل. قال الذكر اسلمي يا قريبة الخير واعلمي أن الريح وقت أن تكسو الأزهار وتهب على الأشجار تأتي في الصحاري والقفار من أنواع الأنوار بما يدهش البصائر والأبصار من زكي الروايح والثمار بما يدهش البصائر ويروق الأبصار وينعش أجسام الصغار والكبار ويشفي الأسقام ويبرد الغليل ويبري العليل لا سيما وقت السحر نسيم الصبا في صفو القمر يريي القلب والروح ويحيي الصب المجروح ودونك قول الحق في كلمته ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته، ووقت الخريف ليس كأيام المصيف ومنها النشر واللوافح والمعطرات بطيب الروايح ويعري الأشجار ويثير الغبار، وربما كان إعصار فيه نار يسقم الصحيح ويطير المشئوم من
(1/193)

الريح، ومنها الإعجاز الرجسات والأيام النحسات والقواصف والعواصف والخواصب والصرصر والنكبا والزعزع والرخا وقد قال فيهم العزيز العليم: (فأرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم) . ثم اعلمي يا ربة الحجال وفتنة الرجال أن النار تحرق من يقربها وتذهب من يصحبها وتنشف الطراوة وتذهب نشوة الطلاوة وتلتقم ما نجده وتبلعه وتزدرده وتسود الوجوه بدخانها وتزلم الوجود بقربانها وتمحو الآثار وتهدم الديار مع أنها تنضج الأطعمة وتطبخ الأغذية وتهدي النور وتدفي المقرور وترشد الضال في القفار وهي على رؤوس الجبال، قال رب العالمين ومكون الكون: (أفرايتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين) وكذلك الماء يا ذات الثغر الالمي يذهب الظمأ ويظهر النما ويبرد الصدور ويطفي الحرور وينبت الزروع ويدر الفروع ويحمل الراكب، وما فيها من مركوب وراكب وإذا أطلقت المياه والعياذ بالله تعالى غرقت السفن وابتلعت المراكب وخطفت الراجل والمراكب ونعوذ بالله من هجوم السيل خصوصا في ظلام الليل وكذلك التراب يا زين الأحباب غيبت الحصرم والعنب والثمر والحطب والشوك والرطب ونشرع سنان الشوك المحدد وغصون السهم المسدد ويريى الورد والأزهار والرياحين والنوار والرياض النضرة والغياض الخضرة ثم يعمي النواظر ويفترش تحت الحوافر ويعطي الحلو والمر والزعفران والبر والناعم والخشن والقبيح والحسن. وهذه المضرة والمنفعة مركبة من العناصر الأربعة التي هي أصل الكائنات وسبح المخلوقات وإذا كان ذلك وقاك الله شر المهالك وأرشد إلى أوضح المسالك فاعلمي بالتحقيق يا ذات الثغر العقيق أن هذا الملك الأعظم بل وكل أولاد آدم مركبون من
(1/194)

الرضا والغضب والحلم والسخط والرفع والحط والقبض والبسط والقهر واللطف والفظاظة والعنف والخشونة واللين والتحريك والتسكين والبخل والسخا والشدة والرخا والوفاء والجفا والكدورة والصفا واعلمي يا نعم العون وقرينة الخير والصون أن هذا الكون سروره في شروره مندرج ووروده في ذهابه مندمج وصفاؤه بكدوراته ممتزج، فيمكن أن العقاب لكونه الملك الرقاب مع وجود هيبته القاهرة وسطوته الباهرة وخلقه الشرس الصعب والنكس إذا رأى ضعفنا وذلنا وانكسارنا وقلنا وترامينا لديه وتعويلنا عليه يضمنا إلى جناح عاطفته ويسبل علينا ذيل إحسانه وملاطفته ويعاملنا بالمراحم والألطاف ويسمح لنا بالإسعاف دون الاعتساف كما قيل:
لكل كريم عادة يستديمها ... وعادات الكرام كرائم
والقادر على الكسر والجبر لا يعامل ذوي الكسر بالكسر لأنا في مقام الأبناء وهو في مقام الأبوة والتقوي على الضعيف ضعف في القوة. قالت الأنثى هذا وإن كان شيئا داخلا في خير الإمكان لكن أخاف يا ذا الألطاف أنا بمجرد الوقوف بين يديه في أواسط الصفوف لا نمهل لأداء الكلام ولا نتشبث في المقام بل نعامل
(1/195)

بالتحريق والتفريق ويهوي بنا الريح في مكان سحيق فيفوتنا هذا الطلب إذا قيل إن الطبع غلب، وهذا إذا وصلنا إليه وتمثلنا بين يديه وأما إذا اعترضنا دونه كالعارض وجرحنا من جوارح الطير فلا حول يحمينا ولا قوة تنجينا فيبغينا كل باغ ويتجاذب لحمنا كل طاغ فيصير مثلنا مثل النمس والزاغ. قال الذكر: كيف ذلك المثل؟ أخبرني يا ست الحجل.
قالت: ذكر أهل الأخبار ورواة الأسمار أنه كان في بعض الرياض الزاهرة والغياض الفاخرة والبساتين العاطرة مأوى لزاغ ظريف حسن الشكل لطيف عشه في راس شجرة عطرة الطيب زاهرة ومثمرة فاقت على الأشجار بطيب النوار وحسن الثمار ورهاوة الخضرة وحسن النضرة كأنها بين الأشجار عروس أو زهر في وسط الكؤوس، فاتفق أن نمسا من النموس حل به في وكره البؤس فانزع عن وطنه واضطر عن مفارقة سكنه فقاده الزمان إلى هذا البستان فراقه منظره وشاقه نيره وأزاهره وأعجبه ظله وشجره وأطربه خريره ونهره فعزم على السكن فيه ووطن نفسه على الوطن في نواحيه إذ وجد أحسن منزل وإذا أعشبت فانزل ثم وقع اختيار ذلك الطاغ على وكر في أصل شجرة الزاغ فسوى له وكرا وحفره واستقر ساكنا في أصل الشجرة وألقى عصا السيار واستقرب هناك الدار، فلما رأى الزاغ هذا الحال داخله الخوف والأدجال وخشي أن يندرج من أدناها إلى أن يرتقي أعلاها فيعرف النمس سكنه القديم ويذيقه فيه العذاب الأليم فلم يجد له حيلة في الخلاص من هذا الاقتناص إلا مفارقته الوطن والانزعاج عن الألف والسكن وكيف يفارق ذلك النعيم ويسمح بالبعد عن الوطن القديم كما قيل:
بلاد بها نيطت علي تمايمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها
(1/196)

فغلبت محبة وطنه على قلبه فلم يطاوعه على فراقه لشدة حبه ثم اعتراه في ذلك الوسواس فأخذ يضرب الأخماس في الأسداس في وجه خلاصه من هذا البأس فرأى المدافعة والممانعة بخاطره عن جواره أولى وأتم وأحق وأعلى، ثم افتكر في كيفية المدافعة وسلوك طريق الممانعة فلم ير أوفق من المصانعة وتعاطي أسباب المخادعة ليقف أولا بذلك على أمره ويعرف مقدار خيره وشره وبصل إلى مقدار قوته وضعفه ورصافة فهمه وعقله ورضاه وسخطه وسره في حالة غضب واكتفاه ويدرك غور أحواله ومنتهاه ثم يبني على ذلك أساس رفعه وهدم ما يبنيه من قلعته لقلعه، فهبط إلى النمس من الهوى وحفظ شيئا وسلم عليه سلام المحب من الحبيب وجلس منه بمكان قريب وخاطبه خطاب ناصح لمريب استبهج بجواره واستأنس بقرب داره وذكر له أنه كان وحيدا وعن الأنيس والجليس الموافق فريدا وقد حصل له الأنس بموافقة النمس ولقد أحسن من قال:
انفراد المرء خير له ... من جليس السوء عنده
وجليس الخير خير ... من قعود المرء وحده
فاستمع النمس كلام الزاغ وما طغى بصبر بصيرته عن مكابرته وما زاغ ثم افتكر في نفسه ونظر في مرآة حدسه فقال إن هذا الطير خبيث السيرة مشهور وبسوء السريرة مذكور لا أصل له زكي ولا فرع له على ولا غائلته مضمونة ولا صحبته مأمونة لا خير عنده ولا مير بل يخشى منه الضرر والضير وهو كما قيل:
وهو غراب البين في شؤمه ... لكن إذا جئنا إلى الحق زاغ
ولم يكن قط بيني وبينه علاقة ولا واسطة محبة ولا صداقة، وأما العداوة فإنها بيننا متأكدة مستحكمة وكل منا للآخر مأكله
(1/197)

ومطعمه ولا شك أنه إنما قصد سوء ومكيدة نكد فإن اضعت الفرصة فيه وقعت في الندم الأمد ووقعت من الندامة في قصة وحصة ولا يفيد إذ ذاك الندم إلا الغصة. أنى وقد فات المطلوب وزلت القدم وقد قيل واحزم الحزم سوء الظن بالناس فالذي يقتضيه الحزم المشيد والرأي السديد والعزم المفيد والفهم المديد القبض عليه إلى أن يظهر ما لديه ثم نهض من مربضه وأنشب في الزاغ مخالب مقبضه وقبضه قبضة أعمى كقبض أرض الرمل الناشفة على الماء فلما رأى الزاغ هلاك النكد وأنه صار كالفريسة في مخالب الأسد قال: يا كريم الخيم ويا أيها الخل الكريم أنا رغبت في مصادقتك وجئتك راغبا في موافقتك وأردت إزالة وحشتك ومؤانستك بأبعاد وحاشاك أن تخيب ظني فيك أو تعامل بالجفاء موافيك كما قيل:
وحاشاك أن تمسي بوجهك معرضا ... وما يحسن الإعراض من وجهك الحسن
والكرام لا يعاملون الجلساء إلا بالمؤانسة وحسن الشيم والوفاء والإبقاء على خير وإبعاد الملامة والضرر والضير وإنما قد نظرت أنيسك وجارك وجليسك كما قيل في الشعر الكميل:
وكن جليس قعقاع ابن شور ... وما يشقى لقعقاع جليس
مع أنه لم يسبق مني سبب عداوة ولا وما يوجب هذه الفظاظة والغلاظة والفجاجة وهذه أول مرة فما وجب هذه النفرة؟ قال النمس: أيها الزاغ الكثير الرواغ الأنحس باغ الأبخس طاغ اسمك ناطق بأنك منافق وهو خير صادق إذ هو للخارج مطابق ورؤيتك شاهدة أنك تنقض المعاهدة وعين منظرك دلت على مخبرك وصدق من قال:
(1/198)

والعين تعلم من عيني محدثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها
من أين بيننا صداقة ومتى كان للنموس مع الزاغات علاقة وكيف تنعقد بيننا صحابة وأين يتصل بيننا مودة وقرابة؟ بين لي كيفية هذا السبب ومن أين بيننا هذا الإخاء والنسب أنت لي طعمة وجسمي لسداء لحمك لحمة يسوءني ما يسرك وينفعني ما يضرك وقلت في هذا المعنى:
الله يعلم أنا لا نحبكم ... ولا نكرمكم إذ لا تحبونا
أنا واقف على ضميرك وعالم بسوء مكرك وتدبيرك وقد اطلعت منك على هذه الهواجس كما اطلع ذلك الماشي على ما في خاطر الفارس، قال الزاغ: بين لي بلا جدال كيف كانت هذه الأمثال؟
قال النمس: ذكرت رواة الأخبار ونقلة السمار أنه ترافق راجل وراكب في بعض السباسب وكان مع الراجل من البضائع رزمة قد أوثقها أوثق حزمة وقد أعياه حملها حتى أعجزه ثقلها عن نقلها فقال لذلك الراكب أيها الرفيق الصاحب لو ساعدتني بحمل هذه البضاعة أرحتني ونفست عني وسرحتني كما قيل:
كذا المجد يحمل أثقاله ... قوى المجد حمول التلف
فقال الفارس: لا آكل فرسي ولا أتعب فرسي ونفسي فإن مركبي لم يقطع البارحة عليقة وأنا أخاف أن لا يقطع طريقه وإذا خفت التخلف عن سيري فكيف أتكلف حمل ثقل غيري. فبينما هم في هذا الكلام لاحت أرنب في بعض الآكام فأطلق الفارس وراء الأرنب وذهب وراء الرزمة كل مذهب فرأى فرسه قوية للنهضة سر معه النكصة والركضة فرأى أنه ضاع حزمه في عدم أخذ الرزمة وما ضره لو أخذها وساق إلى بعض الآفاق فقام بها أوده وانتفع بها وولده وترك الماشي بلا شيء، ثم رجع بهذه النية
(1/199)

الضارة ليحمل عن الماشي مضاره فقال له أعطني هذا الحمل المتعب لأريحك في حمله في هذا المذهب وابلع ريقك واقطع طريقك فقال: قد فهمت تلك النية وما أضمرت من يليه فاتركني وحالي فلي حاجة بمالي.
وإنما أوردت هذا المثل لتعلم يا فحل الرجال أن العقاب لا يؤمن ولا يقطع فيه بالظن الحسن بل يتدبر في خطفه بوارقه ومخالب صواعقه ورجفات غوائله وبوائقه هذا إن سلمت شقه حياتنا من تشقيق حواشيه وتخلصت برد بقائنا من تمزيق غواشيه وأن بينك وبين هذا المراد أصعب من خرط القتاد والموانع التي هي دون سعاد فما الوصول إلى ملك الطير قريب السير ولا سهل المأخذ ولا سريع المنفذ وأين الحجل من العقاب؟ ذاك نائم النعيم وهذا في عقاب العقاب فتدبر عاقبة هذا الأمر وتأمل في الفراق بين التمر والجمر. والظاهر عندي وما أدى إليه فكري وجهدي أن قصارى هذه الأمور ليس لها إلا التطوع والقصور دون الوصول إلى ملك القصور. قال الذكر: لقد كررت عليك امرارا وأسندت إلى
(1/200)

مسامعك إنشاء وأخبارا وسأزيدك مقالا حتما لا ريب فيه بل قائما قيما وذلك أن علو همة الملك وفضله العالي وهامي بحاره تقتضي سلامة تجاره وأمن خادمه وجاره وزيادة كرمه وبسط كرامته وامتنانه وانتشار حرمته واشتهار رأفته ورحمته وإثبات حشمته لا يقتضي حرمان من قصده وأم جنابه واعتمده ولجأ إلى جانب عاطفته واستجار بديل ملاطفته وحاشاه أن يسم مصون همته بغير ابتذال أو يشوه جمال وفائه لمن أمن من كل قبيل وأمه سيما إذا رأى من مراسيم العبودية خضوع الخدم الأدنية والمقام في مراكز مرضاه والوقوف عند كل ما يعجبه ويرضاه فإني بحمد الله أعرف مداخل الأمور ومخارجها وعندي امتداد كامل لصعود الأمور وممارجها واعلم طرق المجاز وحقائقها وسلوك دويها وطوافيها وشمالها وجنوبها وشرقها وغربيها، فالرأي أن نقتصر على المحاورة ونكتفي عهده المشؤوم في المشاورة ونتوكل على مقلب القلوب ومحبب كل محبوب ونتوجه بعزم شديد ورأي سديد نحو هذا المراد فإن فيه الخير والسداد فأنا لم يبق لي إلا ملاقاة حضرته والوقوف في مراكز خدمته وحصلت لي مشاهدته واتفقت لي معاهدته فأنشأت خطبة تدفع الخطوب وتجمع القلوب وتؤلف بين المحب والمحبوب وأرجو أن تكون نافعة ولمصالح الدين والدنيا جامعة فإن كلامي وفى مقامي. قالت: قل فأؤجر لكن لا تخل وأطنب لكن لا تمل وأسمعنيها لأنظر فيها فقال: الحيط له آذان وربما سبقنا بأدائها الشيطان فجوهر القول في حق حتى يظهر بحقه فقالت: الرأي ما رأيت ورب البيت.
ثم لما علمت الأنثى منه التعويل على الذهاب من دون مين وارتياب سلمت ذمام انقيادها إليه وعولت في عمل المصالح عليه ثم قالت عش واسلم وتيقن واعلم أنك إن أردت صحبة الملوك
(1/201)

وأردت في طريق مصاحبتهم السلوك فإنك تحتاج في ذلك المنهاج إلى صفات جميلة وخصائل نبيلة فتتحلى بجمالها وتتعلى بكمالها وتتجلى في شمائل جمالها الأولى أن تقدم في مصادرك ومواردك مراد الملك على جميع مقاصدك وأن تتلقى أموره بالتعظيم وتقيم أوامره بالاحترام والتفخيم، الثانية تحسن أقواله وتصوب أفعاله وتزين أحواله وتتعامى أوحاله وترده بوجه لا يجلى إلى تشويشه ولا يحتاج فيه إلى تهويشه، الثالثة تجتهد في صيانة عرضك عن وصمة الخنا وإياك أن تقول أنا فإن ذلك يوقع في العنا الرابعة أن يعد الدوام ومرور الأيام خدماتك الوافرة عن حقوق نعمة قاصرة، الخامسة إذا وقعت منك زلة فلا تعد لها جموع القله بل اطلب لتلك الهفوة في الحال محوه واقصد مراحمه وعفوه، فإن الذنوب إذا تراكمت وتجمعت وتراحمت أشبهت المزبلة ففاحت روايحها المنتنة، والشخص غير معصوم والآدمي بالخطأ موسوم السادسة احفظ وجهك في حضرته عن التقطيب وكلامك عن أن يفوح منه غير الطيب، السابعة إياك ومصادقة أعدائه ومصادمة أوليائه الثامنة كلما زادك رفعة وتقريبا مل إلى التواضع تصويبا، التاسعة إذا استعملك في أمر ولو المشي على الجمر فلا تطلب منه أجر ولا تبدي لذلك ذكر فإن الطمع يورث العقوق ويسود وجه الحقوق العاشرة ولا تدخر عنه نصيحة ولو تكون في الخلوة لئلا تؤدي إلى الفضيحة وإياك أن تتعدى القواعد الكسروية وقوانين الملوك الفرسية إن أعظمها أن يعرف كل إنسان تقصير نفسه في خدمة مخدومه وقدر نعمة سيده وهمة ملكه ومقام مرسومه.
قال الذكر: أخبريني يا فخر القواعد بشيء من تلك القواعد قالت الأنثى: من القواعد الكسروية الدائرة بين البرية ما وضعها بعض الملوك وحمل فيها على السلوك وكان ملكا مشهورا
(1/202)

بالعدل والإحسان مذكور بإقامة البرهان متصفا بالصفات الحميدة مكتفيا بالشمائل السعيدة من الدين والعفة والعقول الراجحة المكفه والعلم الوافد والعطاء العاطر، واعلم أن بعض الملوك السالكين في رعيتهم أحسن سلوك أمر في بعض الأيام أن تجتمع الخواص والعوام ما بين وزير وأمير وصغير وكبير وغني وفقير وجليل وحقير وعالم وجاهل ومفضول وفاضل وحاكم وقاض وساخط وراض وجندي وتبع وقريب وبعيد وشقي وسعيد وقاص ودان وعاص ومذكور وخامل وناصر وعامل وصالح وطالح وضاحك وباك ومصيب وخاطئ ومسرع ومتباطي وصياد وملاح وشياح ومناح وبلدي وفلاح ومسلك وسالك ومملوك ومالك، بحيث أن لا يتخلف عن الحضور أحد ولا يجري في التقاعد ولد عن ولد ومهد لهم في روض أريض ومرج عريض تتدفق مياه أنهاره وتتباهى بالتسبيح فصحاء أطياره وتلتذ بفواكه جنانه ثماره كما قيل:
يلتذ جاني بأنعم مقطف ... وساكنه يحظى بأنعم معطف
والورق بين محلق في جوه ... طيرا ومنحط عليه برفرف
وأمر أن يفرش ذلك المكان بالفرش الحسان من الديباج والحرير وأطلق مجامر الند والعبير وبين من المقامات في هذه الأوقات الطيبات مقاما معلوما وقسم له مجلسا مقسوما وأحله محله وبسط عليه ظله ثم أمر بأنوع الأطعمة المفتخرة وأصناف الألوان الطيبة العطرة فأحضر في أواني الفضة والنضار ووضع بين يدي أولئك الحضار بحيث غمرت الجميع ووسعت الشريف والوضيع وجلس الملك في مسند السلطنة واكتنفه الميسرة والميمنة وأخذ كل منهم مكانه ورتب أصحابه وأعوانه ثم أقام عليهم أرباب الديون وأدخل جميعهم في دفاتر الحسان والإيوان وافر مناديا فشدا وأشهر الندا
(1/203)

وأعلن في ذلك الجميع بحيث تلقاه الجميع بالبصر والسمع، فقال يا أهل المكان برز مرسوم السلطان أن كل من كان في مرتبة مرضاة أو متعبة لا يلاحظ من هو فوقه ولو أنه أمير أو سوقه بل يراقب من هو دونه فائزة كانت منزلته أو معونه فإن ذلك أجمع للقلوب وأدعى للشكر المطلوب واجلب للرضا بحوادث القضا فإن من رأى نفسه في مقام ورأى غيره في أدنى من ذلك المقام استقام واستعظم منزلته عليه وعد أن لنفسه على غيره مزية لديه فتوطنت نفسه على الرضا واشتغلت بالشكر لوارد القضا مثل الراقي إلى منزلة الصدر إذا رأى من هو دونه في القدر لم يشك في أن محله محل البدر والباقي حواليه كالنجوم فلا يأخذه لنفسه وجوم، كذلك الغائب بالنسبة إلى الحاجب والدوا يدار بالنسبة إلى البزدار والخازندار بالنسبة إلى جابي الدينار والمهتار بالنسبة إلى السايس وللسايس والمارقدار وكذا السايس بالنسبة إلى الحارس وكاتب السر المرتفع بالنسبة إلى كاتب الدعاوى الموقع وكاتب الزمام بالنسبة إلى الخدام وكذا القاضي مع الفقيه والفقيه مع التاجر النبيه والتاجر مع العامي السفيه والغني والأمير بالنسبة إلى حال المآمير والفقير مع المأمور والناصر مع المنصور. وعلى هذا القياس أرباب الصنائع وجلاب البضائع وأهل المدن والقرى والبيع والشرا والألازر ذوي الوضاعة والشرف من أنواع المكتبات والحرف إلى أن ينزلوا في المراتب ويتدرجوا من البقاع إلى الحضيض في المناصب ويتفاوتوا في المعاتب والمناقب فيصل نظرهم في ذلك إلى كل ذي فعل سيء وحالك كأرباب العظائم وأصحاب الذنوب والجرائم فينظر المعتوب حاله بالنسبة إلى المضروب والصحيح بالنسبة إلى المكلوم والمشرم بالنسبة إلى المسموم والصحيح بالنسبة إلى جريح ويلاحظ مضروب العصا حال مسلوخ المقارع والمسلوخ حال مقطوع
(1/204)

الأكارع وكذا المقطوع بالنسبة إلى المصلوب على الجذوع. ولتكن هذه القواعد مستمرة العوائد ليعلم أن مصائب قوم عند قوم فوائد وليعلموا أن الملك الجليل على الرعية من أشرف خليل فإن الله يوكله وعن ما يحكمه بسهله فهو كما قيل:
قسمت يداه عفوه وعقابه ... قسمين ذاوبلا وذاك وبيلا
ثم إن هذه القواعد المتضمنة للفوائد استمرت مستعملة غير ملقاة ولا مهملة من زمان ذلك السلطان وإلى هذا الأوان. وإنما أوردت هذه المثلة وأطلت النفس في شأن هذه الأحوال لتأخذ منها حظك وتكرره وتعيه وتودعه حفظك وتجري بها ليلا ونهارا لفظك حتى تصلح لمنادمة الملك ولا يعلق بذيل مكانتك من هو من حساد مرتبتك وترضى بأي مقام أقامك فيه وتعلم أنه أعلى مقام يرتضيه.
قال الذكر: لقد أوضحت إذ نصحت وزينت بما بينت فجزاك الله خيرا وكفاك ضيرا فحقيق علي أن أقتدي بآثارك وأهتدي بأنوارك فما أرجح ميزانه برهانه وأعز حسنه وإحسانه لقد جمعت من فصاحة النقل ورجاحة العقل ومزجت روح اللطافة ببذل الطرافة وجلوت صورة النصيحة في خلوة اللطافة ثم إنهما تهيئا للذهاب وتوكلا على العزيز الوهاب وتوجها قاصدين حضرة العقاب فأوصلا السير بالسرى واستبدلا النوم
(1/205)

بالسهر المستمر لوم يزالا في سير مكد وسهر مجد ما بين مازح وماجن إلى أن وصلا إلى جبل قارن فوصلا وكان عند العقاب أحد المقربين من الحجاب يسمى يؤيؤ وهو أحسن منظرا من اللؤلؤ صورته مسعودة وسيرته محمودة وبين الطير مشكور الأحوال مشهور الخير والدلال وفيه من المعرفة والدين والعقل الرزين والرأي المتين ما يصلح أن يكون به مقتدى السلاطين وعنده من الوقوف على دقائق الأمور ما فاق به الجمهور وسار به على جميع الطيور وكان صيته قد اشتهر حتى مل البدو والحضر فنزل الذكر في مكان ليعرض عليه ما عن له من شأن فوصل إلى جنابه وأتى بيت مقصده من بابه فحين دخل عليه قبل الأرض بين يديه وتمثل لديه فاقبل اليؤيؤ عليه وأشار بتقريبه إليه وأزال الدهشة والوحشة عن حضرته وأقبل عليه بكليته وزاد في إكرامه وتحيته وسلامه وسأله عن محتده وجرثومه وما سبب سفره وقدومه ومن أين شد ركابه وما قصده وطلابه فأجابه:
لقد قص ريشي الدهر عن كل مطلب ... وألهمني بأنك راشي
ففي سمري مد كهجرك مفرط ... وفي قصتي طول كصدرك فاشي
ثم إعلم أيها الرئيس المحتشم النفيس أن مولدي في مكان من جبال الإيمان يضاهي الحنان ومن كثرة الروح والريحان يباهي روضة رضوان أنزه من عصر الشباب وافكه من معاقدة الأتراب ومنادمة الأحباب على رفيق الشراب، نشأت فيه مع قرينة جميلة صبية أمينة فقضيت فيه عمري ورجوت فيه بقية دهري قانعا بما تيسر من الرزق فارغا عن الاشتغال بما في أيدي الخلق متمسكا بذيل العزلة أعد الانفراد نعمة ذاكرا قول من بالتدريس اشتغل ومن بحار العلوم أغترف وتكمل ثلاثة تحسم: العقل والنفس الزوجة
(1/206)

الجميلة والأخ المؤانس والاكتفاء من الرزق فكنت قصرت على هذه الثلاثة دهري وقضيت بها غالب عمري ولكن كان مأوانا وصيفنا وشتانا على الحوادث وممرا لكل عابث ومعبرا لمصايد الصيد وموردا لمواطئ عمرو وزيد وكنا كلما ولدنا مولود وتجدد لنا بالبهجة عهود وحصل للعين قرة وللقلب مسرة فنقول هذا يبقى ذكرنا بعدنا ويحيي آثارنا عند حلولنا لحدنا. فلم يكن أسرع من هجوم خاطفة أو هبوب ريح عاصفة فيخطفه من بيننا ويجذبه قسراً من قلبنا وعيننا فإن سلم من تلك المصايد وتخلص من سهم المكايد حطمت عساكر الملك كل سنة فلا يخلو منها موطئ قدم من تلك الأمكنة فتذهب منا قرة العين وتتهشم غلظاً تحت الرجلين وهذا البلاء التام والكرب العام ولابد منه في كل عام فكان أيها المخدوم في شأننا موجب الهموم وأنشد:
يا ابن آدم لا يغررك عافية ... عليك شاملة فالعمر معدود
وما أنت إلا كزرع عند حضرته ... بكل شيء من الآفات مقصود
فإن سلمت من الآفات أجمعها ... فأنت عند كمال الأمر محصود
فضاق مني لهذا العطن فلم أر أوفق من فراق الوطن فعرضت على الزوجة هذا الحال وأشرت عليها بالارتحال فأبت لا من حيث يولد ونفرت وعصت فقلت لها: المرء من حيث يوجد لا من حيث يولد فما زلنا نتحاور ونتراءى ونتشاور ويرمي كل منا سهم آرائه عن قوس فكره ومرائه حتى لانت أخلاقها الصعبة بعد أن سلم ما في الحسبة ثم أعطت القوس باريها وأدركت من مقاصدي معانيها وسمحت غصباً بالانتقال من تلك البلاد وسلمت إلى يد تدبيري زمام الانقياد فرحلنا من شقة بعيدة وقاسينا مشقة شديدة وقصدنا هذا الحرم إذ رأيناه مسملاً على اللطف والكرم وقطعنا شباك مصايد وخلصنا من إشراك كل صايد وفطمنا أنفسنا عن شباك
(1/207)

الطمع وتجرعنا من كاسات المخاوف جرعاً بعد جرع فوصلنا بحمد الله تعالى إلى جنابك الأمين وبشرنا مبشر الإقبال أنك لنا بكل خير ضمين فحمدنا السرى وأنشدنا الشعرا مبشراً ونعم البشارة والتصريح والإشارة وأنشد:
وجدنا من الدنيا كريماً نؤمه ... لدفع ملم أو لنيل جزيل
وإن لم تكن بيننا سوابق خدمة لكن تعارف أرواحنا له قدمه من أن ذاتك الجميلة وما جبلت عليه من صفات نبيلة تغني قاصد صدقاتك عن واسطة جميلة وأني لواثق بإسدائك المعاريف الجليلة وأن ظني بوفاء مكارمك يا خير من له في ملك صادق فاسأل إحسانك يا ذا الخير إيصالي إلى خير من ملك ملك الطير وإن كانت رفعته مكانه في العيوق ودون الوصول إليه بيض النوق لكن بواسطة الوسيلة يحصل الشرف والفضيلة ولا زالت الأكابر تأخذ بيد الغرباء الأصاغر ولربك العلو والشرف والسمو والعطف والحنو. فاهتز اليؤيؤ بهذا الكلام وارتاح وظهر في وجهه تأثير المسرة والارتياح وأنشد يقول بلسان ذلول:
قدمت بأنواع المسرة والهنا ... على خير منزول وأيمن طائر
فأهلاً وسهلاً ثم أهلاً ومرحباً ... وبشراً ويسراً بالعلا والبصائر
أعلم أن قدومك قدوم صدق ومرافقتك سبب للرفق ورؤيتك فتح باب الفتوح ونظرتك غذاء للقلب والروح أبشرا بكما تؤمل وتختار ذهب العثار وجاء الأمن واليسار والبشر والاستبشار وأصبت مرامك وأرحت مقامك وآنست منزلك ونلت مأملك فطيب خاطرك وبشر أهلك وعشائرك وأخبر غائبك وحاضرك، لقد قادك الرأي السديد والأمر الرشيد والفأل السعيد إلى أن لوبت إلى ركن شديد ملك عظيم خلقه كريم وفضله جسيم وجوده عظيم
(1/208)

ونظيره عديم وبرعيته رؤوف رحيم لا يخيب قاصده ولا يرد سائله ولا يقطع واصله ولا يمنع حاصله لقد أنبتت مساعيك أزهار الأمن والأمان وتفتحت لورودك في رياض السعادة عيون النرجس وشقائق النعمان. أعلم أن هذا الملك ذو جناب عالٍ عزيز المثال جامع لصفتي الجمال والجلال وإن كان مأواه في رؤوس الجبال وطبعه لا يخلو من جسارة وقلبه لا يخلو من قساوة وغذاؤه من اللحوم والحيوانات مشربه والمطعوم، لكن إذا التجأ إليه فقير أو آوى إليه ضعيف أو كسير أو قصده مضطر أو محتاج أو سلك إلى باب مرضاته منهاج فلا يكون ألطف منه ولا أشفق ولا أقرب من عطفه على مؤمله ولا أرفق كما قيل:
بيض القطا بحضينه هو أجدر ... مخاليبه كالأسد إذ كن مسنه
منقاره ينسل سل السيو ... ف على كل من خادعته
يسل ممطرها على أعدائه وعلى الآذنين حلو كالعسل وسبب ذلك أن ضميره المنير خالٍ عن المكر والتزوير لا يعرف حيلاً ولا خديعة ولا خيانة ولا وضيعة ولا كذباً ولا قطيعة ولا في خاطره فساد ولا في ضميره سوء اعتقاده ولا يعرف غير الحق ولا يقول غير الصدق، وذلك لبعده عن مخالطة الناس وعزلته عن كل ذي وسواس خناس. فقد اتفق العالم على أن صحبة بني آدم سم قاتل وهم هائل فإن دأبهم المكر والتلبيس والخداع والتلبيس وحسبك قول شاعرهم في شرح ضمائرهم وبيان أحوال سرهم وسرائرهم:
بنو آدم إن رمت من خيرهم طناً ... فأحلى الذي تجنيه عن وصلهم صبر
مكارمهم مكر ورؤيتهم ريا ... وودهم مود وجبرهم كسر
وقال غيره:
خذ عن الناس جانباً ... كي يظنوك راهبا
(1/209)

قلب الناس كيف شئت ... تجدهم عقاربا
وإن كان فيهم صالح أفسدوه وإلى سبيل الضلال أرشدوه والكلام في هذا المقام الزال يكاد أن يبلغ حد الضلال فيكتفي بالقليل عن الجليل وشمس النهار لا تحتاج إلى دليل فانهض الآن فقد آن التوجه إلى السلطان فما كان زمان يحصل فيه هذا الإمكان فإن الاجتماع به في كل وقت مشكل فتتوكل على الله بأحسن متوكل فإذا دخلت عليه وتمثلت بين يديه فاعرف كيف تقف وانظر يا ذا الكمال ماذا يناسب الحال ويقتضيه المقام من فعل وكمال وكلام فاسلك طريقته وراعي مزاجه وحقيقته وادخل معه من ذلك الباب ومثلك لا يدل على صواب فما أسرع لطف الملوك من العنف وأقرب مباعدهم إذا استعطفوا من العطف وأصحبهم باللطف والأمانة وحدة الفهم والفطانة ويكفيك يا ذا العقل المتين ما قيل في شأن الملوك والسلاطين من شعر:
إن الملوك بلاء أينما حلوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل
ماذا تؤمل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملوا
وإن مدحتهم ظنوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكل
فاستغن بالله عن أبوابهم كرما ... إن الوقوف على أبوابهم ذل
وقال سيد الأنام طراً جاوره ملكاً أو بحراً فإن رضوا رفعوا فوق الأفلاك وإن غضبوا والعياذ بالله تعالى فهو الهلاك، وأعلم أن هذا الملك له شمائل وصفات وخصائل يستدل بظاهرها على باطنها ويستدل بظهورها على حركات كامنها فإياك أن تغفل عن مراقبها وتهمل مآل عواقبها بل اجعل شواهدها نصب عينيك وتقرب من جنبك بجناحيك فإذا رأيته قد رجع من الاصطياد وقد ظفر منه بالمراد وقد اقتنصه وحصله وملأ منه الحوصلة وسكنت منه بواعث الشره التي هي في صفحات نيران البطش مؤثره حتى نراه جلس
(1/210)

في مجالس السرور السارة وبسط جبهته للكرام جناح الحبور والبشارة وضم عن مطامح الحرص القوادم والخوافي وطلب من رؤوس المملكة الأنيس الصافي والجليس الوافي ودعا من الأطياب البلبل والهزار وكل من رقص بدفوف الأزهار وصفق من ذوي عود وطار فاستمع لهذا وباسط ذاك وطفق جلساؤه ما بين صميت وحاكٍ فتلك أوقات النشاط وساعات الفرح والانبساط فاعمل فيها ما بدا لك واطنب مقالك وكرر جوابك وسؤالك واهدر في بغبغتك وسجع في نعنعتك والعب بإبطيك وصفق بجناحيك، فإن السعد ناظر إليك والوقت لك لا عليك. وإذا رأيته جالساً صامتاً وإلى الأرض باهتاً أو محمرة عيونه أو مضطرباً سكونه أو أفعاله على غير استوا أو أقواله دائرة مع الهوا فإياك والدخول عليه والوقوف بين يديه فإنه إذ ذاك يجعل ريان جسمك من روحك بلاقع ولو أنك النسر الطائر أو الواقع فتصير في مخالب البلا واقع من عير شك ولا دافع، وعلى كل حال فليكن عندك لكل مقام من هذه المقامات أبواب الكلام واقفله ولا تفتح فكثيراً ما يخلص الساكت من الورطات وأفلح كما قيل:
فإن لم تصب في القول فاسكت فإنما ... سكوتك عن هذا الصواب صواب
قال الفصيح وقد أمن شر القبيح جزى الله مولانا عن صدقاته أوفر صلاته وأوصل عليه فوائد الإحسان في عشيته وغلاته فما أشمل إحساناته وأسعد حركاته وسكناته وأوفى شفقته على قاصدي عتباته وهل هذا يطلب دليله كيف لا يوصل إلى الخير سبيله ويرجع حصول المرام مبيته ومقيله؟ ثم إن اليؤيؤ قطع ذلك
(1/211)

العتاب وتوجه إلى حضرة العقاب ثم رجع على الفور ووجهه يلمع بالنور ودعا اليعثوب وتوجه وهو محسوب وشرعا في السير إلى خدمة ملك الطير فصعدا في جبل يساوي في المثل قبة الفلك أو مركز الحمل يستمد السحاب من ماء واديه وتسبح سبحات المياه من وفي بحر ناديه يغرق جبين الوهن في صعود عقباته ويقصر سلم الهوى عن الوصول إلى أدنى درجاته، فلم يزالا يسيران وفي الجو يطيران حتى بلغا مقام الإمام الحجل واليؤيؤ واقف مواقف الخجل ينشد هذا الكلام ويتغنى بحسنه في مدح الهمام:
لكل أعلى إمام أسرة تقتدى به ... وأنت لأهل المكرمات إمام
فوصلا من تلك المدارج إلى أعلى المراقي والمعارج وترقيا في تلك المسالك عن دركات المهالك حتى انتهيا إلى أوج ربا الشمس في حضيضه وتركا دور الدراري في قعر مغيضه فدخلا رياضاً تلونت ومروجاً بأزهارها تحسنت وأرضاً قال لها صانع القدرة تكوني كأخلاق الكرام العطرة، فطينتها من المسك والزعفران تكونت وأخذت الأرض زخرفها وأزينت وابتهج رضوانها برضوان خازن الجنان ثم إلى جدار سلطنة العقاب بعد مقاسات عقاب العقاب فوجد السلطان الطير جالساً على السرير وقد اكتنفه من الطير كل كبير وصغير وأنواع الجوارح في الحلقات والطير في الجو صافات كل يفدي الملك ويقدم جسده وروحه ويسبح من أعطاه الملك وكل قد علم صلاته وتسبيحه جل جلاله وتعالى سبحانه، فتقدم اليؤيؤ إلى الحضرة والملك في أبهى نضرة فقبل الأرض بين يدي السلطان ووقف في مكانه وقال شخص يليق في خدمة الملوك عارف بطرائق السلوك واقف بالباب يروم تقبيل الأعتاب طالب الدستور والإنعام بالحضور ليشمله النظر الشريف ويغنم بحظ
(1/212)

وريف هل يرجع كالمصروف عن خدمته أو يدخل كالدولة والإقبال لنعمته فعطف بالقبول وأذن له بالقول وسمح له بالمسؤول وبلوغ المأمول فتوجه اليؤيؤ على عجل إلى دعوة الحجل فدخل وهو من الحياء متأثر وفي ذيل الدهشة متعثر وعليه الحلة الكافورية تحت الخلعة السابورية كأنه شيخ الصوفية أو طائفة السادة الشاذلية ثم قبل الأرض ووقف وأنشد بها وما وقف:
ولو أن يعفور أو كسرى وتبعاً ... رأوك لخروا بين أيديك سجدا
وما إن وفوا حقاً لديك وإنما ... على قدر ما في الوسع مد الفتى يدا
فابتدر اليؤيؤ بلفظ يخجل اللؤلؤ ونادى الحجل يريد إزالة الدهشة عنه والخجل وطلب المقام ببسط الكلام أيها الغريب الأريب والأديب الخطيب دع وهتمك وأزل وحشتك وأفصح بكلامك عن بيان مقامك فعبارتك عقيلة العقل وواسطة عقود النقل، فإن كان عندك نصيحة تصلح للملوك أو وصية ترشد أرباب السلوك يبين العدل من نورها طرائفه ويزين الفعل في مجاريها حقائقه وتستقيم به الأمور ويستفيد منها الجمهور، فقد أوفت تشنيف المسامع بجواهره ونثر درها على بادي الحاضرين وحاضره فإن المجال قابل وعنق الإصغاء إلى الاستماع لنصايحك مائل ومجال الحكم لذلك واسع ومحل الكريم الشريف معط بلا مانع أوان كنت وقفت على مظلمة أو تريد كشف مأثمه أو رفع بلوى أو بث شكوى أو حاجة في نفسك أو شيئاً قاسيته في يومك وأمسك فقل ولا تقف وأقبل ولا تخف فالقلوب عاطفة عليك والعيون ناظرة إليك.
فقال الحجل: الحمد لله الذي أبرأ جراحنا وأحيى بعد التلف أرواحنا قد كنا في بيداء الحيرة والهلاك وظلماء الخوف والضرر في
(1/213)

إنهماك ومرت علينا سنون ونحن في بحار الخسارة والغبون وطالما كادت نيران الاشتياق تضطرم وبواعث تقبيل الأعتاب الشريفة الفواد تزدحم إلى أن انتشر في كل مكان أخبار عدلها وقد ظهر على كل لسان تكرار فضلها واشتهر لكل حيوان آثار مكارمها ونيلها فصارت أماناً لكل مخوف وملجأ لكل ملهوف، لكن كانت عوادي الدهر تقرع تلك الدواعي وحوادث الزمان تعترض من دونها تلك المساعي تارة باكتناف المخاوف وطوراً باختطاف الخواطف وحيناً بضعف المباني وأواناً ببعد المعاون المعاني. وأما الآن فقد زالت المهالك والمهاوي واسترحنا في ظل جناح هذا الملك العظيم من ضرر المسالك والمساوئ واضمحل الخلل والعلل إذ قد حللنا بعفوه شريعة وسدة منيعة وأمناً شر المكايد وتركنا المصايد وتوسدنا فراش الدعاء على أسرتها المرتفعة واستظللنا جناح الأمن والسعة فقد قيل عدل السلطان خير من الجود والامتنان والسلطان الفاضل كالأب الشفيق والولد الرفيق والأخ الصديق والزاهد الصديق يحفظ الرعية من برد الماء وحر النار كما يحرس الوالد ولده من هبوب الهوا وشم الغبار، أنشد يقول:
نزلنا في ذر ملك كريم ... يرانا مثل أولاد الكرام
أضل نوائب الأيام عنه ... فلم ترنا ولا وقت المنام
ولا مطر السماء يصيب منا ... كأن مقامنا فوق الغمام
فقال الملك: أهلاً بك وسهلاً وناقة ورحلاً لقد حللت بساحة الاستراحة ومتاخمة للأمن هي مباحة ووجهه لبس بها الصائد وشاحه ولا لحي صحيحاً فضلاً عن مصاب الجراحة وتخلصت من حواسر الكواسر ومخاليب النواسك والنوائر وتزلت بوادي الخبر ونادي ملك الطير فأكرمت نزلك فاذهب بسلام وآت بثقلك وتخير مكاناً تختار وجاراً أحسن الجوار. فقال أيها الملك السعيد: أنا
(1/214)

شخص غريب فريد محتاج فقير لا إبريق ولا حصير أنشد يقول:
من رآني فقد رأى عش بيتي ... أنا ذلك البيت أتيت كما أنا
وقال أيضاً:
أنا لولا الحياء وخوف العار ... لم أكن في النوم إلا عاري
من رآني فقد رآني وبيتي ... ودثاري ومركبي وشعاري
غير أن لي قرينة حقيرة وهي مثلي فقيرة مسكينة صابرة على السراء والضراء قضينا مقاماً مضرة من صباح ومساءً لم يترك لنا عقار الحوادث داراً ولا يد العوايق عقالاص ولا عقاراً ولا مخلب العوابث ولداً ولا قراراً ولا ناب الكوارث جاراً ولا جواراً، والويل كل الويل لمن كان مستقره من طوارق الدهر على طريق النيل ولما طال الكلام في ريت وريت وقضايا كيت وكيت ولم يبق في البيت سوى البيت وبلغ سيل العمر الربا وحزام الهم الصبا وما حال من رأى أولاده كبدة تتقطع وتعضعض ويشاهد كل وقت قرة عينه بمخالب الجوارح تتبعض ولا يد للرافعة تمتد ولا نهضة للمانعة تشتد سوى ما ينشد الحال ولسان المقال وقد قال:
#كفى حزناً أني أرى من أحبه=رهين الردى يرنو إليّ بطرفه
أود بمالي لو يفدى ومهجتي=ولكن يد التقدير غلت لحتفه
فتركنا تلك الديار للأضرار وعلى ساحتك الشريفة وقع الاختيار فنظرنا إلى التحويل بين الساعات واخترنا للرحيل أحسن الأوقات ثم لما ضمتنا المها والقفار وأسرى بنا الليل والنهار فكم زغنا عن أبي الحصين ولاقينا من الكرب والبلا ما لاقى بكربلا الحسين وكم نجانا من بني زهار إلى كهف واجم وغار واحترزنا من قنافذ وحيات ذوات سم نافذ ونفرنا من أفاعي إشراك وحدنا عن أوهان شباك واخترنا الجوع وعدم الهجوع على الحب المبذور لاصطياد الطيور
(1/215)

كل ذلك والسعد قائدنا والفلاح رائدنا واليمن دليلنا وفي ظلال عدلك مبيتنا ومقيلنا حتى حللنا بدار الآمال ونزلنا بحرم مولانا السلطان فنادانا فضل خالق الورى لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى الغيا عصي التيار فقد أمنتما الدمار والبوار إذ نزلتما بجوار خير جار فتركت القريبة الغريبة في ذروة حصينة مهيبة وأقمت بجنانك الشريفة ومقامك المنيف مقراً عظيماً وجناباً كريماً ومجلساً عالياً وباباً سامياً فنوديت ونوجيت، وأنشد يقول:
هذا هو الملك الذي من يأته ... يعطي المخوف أمانة لزمانه
رب الورى إحسانه فكأنما ... أرزاقه كتبت على إحسانه
ثم إنه نهض من مكانه وقتل الأرض بين يدي سلطانه وتوجه فائزاً بأمنية حتى وصل إلى خليلته فأخبرها بما جرى بتخبير المشترى وكيف تلقى مقدمه اليؤيؤ والملك وكيف به إلى الملك سلك وكيف كان خطابه وعلى صورة حسنة جوابه فسر صدرها وانشرح وطارت بهذه البشارة من الفرح ثم توجها إلى حضرة السلطان وحصل لهما من الأنعام والانتساب والإحسان ما نسيا به الأوطان وسلكا في خدمة الملك مع جماعة السنة وخوطب الحجل اليعقوب أسكن أنت وزوجك الجنة. فلما استقر بهما الدار وتبدل الانكسار بالانجبار وأضيف عليهما من الصدقات والإدرارات والنفقات ما لم يخطر ببالهما ولا مر على خيالهما وحصل لهما الأمن والأمان والسلامة والإطمئنان فاستقرت خواطرهما وسرت سرائرهما، لازم الحجل الخدمة على الوجه الأحسن قائماً بمواجب العبودية مهما أمكن متميزاً على سائر الخدم والتابعين عند الملك في الخدمة والحزم ناشراً ألوية النصيحة ناثراً للجواهر بالأثنية الفصيحة والعبارات المليحة والإشارات الصبيحة على ممر الأيام وسائر الشهور
(1/216)

والأعوام ثم ختم الكلام في هذا المقام بأعظم ختام ولله الملك العلام الحمد على التمام والشكر على الأنعام وعلى رسوله أفضل الصلاة والسلام وآله السادة الكرام وأصحابه السادة الأعلام ما فاح مسك الختام بهذا المقام.
(1/217)

فراغ
(1/218)

الباب الثامن
في معاملة المخاديم
والأصحاب
(1/219)

فراغ
(1/220)

قال الحكيم مرزبان: ثم إن السلطان طلب اليعقوب واستدعاه وإلى الخلوة دعاه وقال له: أعلم يا جليس الخير ويا أنيس الطير ورئيس الدير أني تحملت من اليؤيؤ المنة الكثيرة والجميلة القريرة وحيث أرشدك إلى بابي ونظمك في سلك أصحابي ولا جرم أنه قام بما يجب عليه وعرف مقدار إحساني إليه وأنه أوثق أعواني وأصدق خلاني وصاحب قديم وخديم عديم النظر نديم وصديق كافي وخل مصافي وأنا أتيمن بطلعته وأتبارك بمشاهدته وأستنجح بآرائه واستضئ في المهمات المظلمة بأضوائه ولقد حصل مثلك على ظهره وساعد وذخر مساعد فإياك أن تترك ذيل مودته أو ترغب عن صحبته ومحبته ومودته، ولا تقتصر يا ذا الوقوف في المحبة والوفا بل اجتهد في ذلك يوماً بعد يوم ولا تأخذ عنه مصرفاً وكررا ورادا الولاء والثناء دائماً شهراً وعاماً ويقظة ونوماً فأفضل المحبة ما تزايدت على ممر الدهور وتضاعفت وتأكدت على كر العصور وثبت أصلها وغرزت فروعها وفاض من سويد القلب على مجالي الجوارح ينبوعها بحيث يقع الاتفاق ويمتزج الوداد والوفاق.
(1/221)

وقد قيل لا تصح المحبة بين اثنين حتى يصيرا كالعينين حيثما نظرت إحداهما إلى سرور مالت إلى جهتها الأخرى تابعة لها بل يصير كالنفس الواحدة تكفيهما أكلة مفردة ويكون كل منهما مع الآخر على حدة سرورهما واحد وهمهما متحد التواجد قد ملأت المحبة قلبهما فلم تجد الزيادة بداً معهما كما قال شاعر الملاحدة:
ملأت حشاشتس وداً وحباً ... فإن ترم الزيادة هات قلبا
والفتاح عنده الفتوح وباب الزيادة مفتوح وانظر ما قيل يا ذا العلم العريض الطويل:
أيها السائل عن قصتنا ... أنا من أهوى ومن أهوى أنا
نحن روحان حللنا بدناً ... من رآنا لم يفرق بيننا
نحن مذ كنا على عهد الهوى ... تضرب الأمثال للناس بنا
وألطف من هذا وأحسن ... ما قاله القائل وأحسن
أنا والمحبوب كنا في الأزل ... نقطة واحدة من غير مين
فبرأنا الله قد أوجدنا ... مهجة واحدةً في بدنين
فإذا ما الجسم أمسى فانيا ... تلقنا واحداً من غير مين
ولقد ذكرت اليؤيؤ عندي بأنواع الفضل وبوفور الحكمة وأنواع التجارب والعقل وهذا يدل على نصحه ووفور دينه وصدقه في المحبة وقوة يقينه ولم يذكر غير واقع ولا جازف فيما أنهاه على السامع، بل قال قليلاً من كثير وقطرة من غدير ولا أخبر بذلك غير خبير بعواقب الأمور يصير فإني عرفتك كما عرفتك كما عرفت ووقفت على فضائل شمائلك كما وقفت وكل ذلك فوق ما وصف فأريد منك فوائد تكون فرائد لنحور أرباب ذوي العقول قلائد ولضبط أساس الملك والدين أحكم قواعد وعقائد فتلقى مرسومة بالامتثال، وقبل الأرض وقام في مقام العبودية والإجلال وقبل بعد أداء العبودية وظائف السنة وأدى ما عليه بكامل الأوصاف المستحسنة بقوله
(1/222)

أعلم يا ملك الزمان أن الملك العادل أنوشروان كان بنى أساس مملكته على العدل وعامل رعيته بالإحسان والفضل ويكفيه من الفضائل والشمائل قول سيد الأواخر والأوائل: ولدت في زمن الملك العادل وأنعم بها من مقالة أكرم قائل وقال الرحمن في محكم القرآن أن الله يأمر بالعدل والإحسان وقد قيل في الأقوال لا ملك إلا بالرجال ولا رجال إلا بالمال ولا مال إلا بالعدل ولا ملك إلا بالفضل، ومن أقوى الصفات العدلية عمارة بلاد المرعية وبذل الجهد في العمارة ليكثر الربح وتقل الخسارة فإذا غمرت البلاد وترممت الطرق والتلاد وكثرت الرجال حصلت الأموال.
ولقد بلغني أيضاً يا ملك الزمان أن الملك أنوشروان كان ماراً في سيرانه بين جنده وأعوانه إذ رأى شيخاً كأن قامته قوس من خيزران وقد نثر الزمان على رأسه ووجهه أبيض القطان وهو في بعض البساتين يغرس قضيب تين العناء هارب من انحناء قامته وبياض هامته على شدة حرصه وتصبه في نصبه وغرسه، فقال له يا ذا التجارب ومن هو من شرك العنا فهارب إلى متى ترتع في ميادين الأمل وقد تطوفت بشائبة الأجل وأركان جسدك واهية وتغرس وإعجاز نخل بدنك خاوية نسيم طرواتك تبدل بعواصف الذبول وقوى عبالتك ذرها عواصف النحول! أما آن أن تغرس للآخرة وقد كنت عظاماً نخره فقال له الشيخ: أيها الملك العادل والسلطان الفاضل الكامل قد تسلمناها عامرة فلا نسلمها إلا عامرة وقد غرسوا وأكلنا ونغرس ويأكلون وفي الحقيقة كلنا زارعون وغارسون:
لقد غرسوا حتى أكلنا وإننا ... لنغرس حتى يأكل الناس بعدنا
وأبعد فلاح عن الرشد والفلاح من يستلك الدثور ويتركه وهوبور، فأعجب الملك من وفور عقل الفاني وحسن خطابه
(1/223)

وسرعته في مفحم جوابه فقال لست بمجهلك حتى تأتيني بباكورة هذا البستان وإلا قطعتك في ميادين الخزي والخذلان فطال به العمر وأدرك ما نصبه ولم يخيب الله تعبه فحمل إلى الملك الباكورة ووقاه الله سيئاته وغدورته.
إنما أوردت هذا المثل لتعلم أيها الملك أن الأجل والدنيا وإن كانت ظلاً وائلاً وحائطاً مائلاً فهي مزرعة الآخرة وأن الآخرة هي الدار الفاخرة ثم إن الله تعالى ولاك هذه المزرعة وعلق أوامرك العلية بما لها من مضرة ومنفعة وحكمك في البلاد وملكك رقاب العباد فإياك أن تبورها عن الزراعة وتسلك زمام تدبيرها إلى يد الإضاعة، فإن عساكرها بها منوطة وأحوال مملكتك بالعساكر مربوطة فكلما تعمرت الضياع والقرى ترفهت أحوال الأجناد والأمراء واستراحت الرعية واستمرت مناظم الملك مرعية وتوفرت الخزائن واطمأن الظاعن والساكن وقلت المظالم وكف كف الظالم وملاك كل هذا العدل والاستوا ومجانبة الأغراض الفاسدة والهوى وهذا الذي هو يقتضيه مقامك ويتم به مرامك، فإن الملك إنما هو ملك الرعية والأجناد ولابد لإقامة الأجناد من عمارة البلاد والنظر في مصالح العباد لينتظم بنظره مصالح العالمين ويستقين به أمر المسلمين إلى الحين الذي قدره رب العالمين، فإن سنة الله تعالى جرت على هذا السنن وما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن ولهذا قال سيد سكان الخيف المنزه عن الحيف: أنا نبي السيف والجهاد فرض عين على الملوك لا على الفقير والصعلوك فهم من نوع من العبادة يقتضي من المال زيادة ليقيموا من الدين عماده ويقفوا من الشرع مراده ويعتصموا من الكفر عناده ويبيدوا أهله وأولاده وينهبوا طارفه وتلاده ويوطنوا الإسلام وبلاده وعلى كل ملك فرض أن يبذل في ذلك اجتهاده ويجعل إلى الآخرة زاده وعتاده ويحفظ من الكفر
(1/224)

بلاد الإسلام وعباده إلى يوم يلقى معاده ويجازيه بالحسنى وزيادة. وهذه أيها الملك طريقة الملوك ومن إنسهم بسهم في هذا السلوك وإياك أيها الملك العظيم وصاحب الملك الجسيم الأخذ للمال من غير حله ووضعفه في غير محله ولو كان موضع الخير أو قصد به نفع الصغير فإنه لا ينبغي خيره ولا يفي بشره بل ولا يقوم نفعه بضره وذلك كلوازم الفارس وبنيان المدارس وتعيين المساجد وتعمير المعابد وسد الثغور وعمارة القناطر والجسور والقبور وعمل مصالح الجمهور على أحسن وجوه المعمور وإطعام الطعام وكفالة الأيتام والحج إلى بيت الله الحرام وزيارة النبي عليه السلام لا كمن مثله الوبيل وعمله الذي فيه قيل:
بنى مسجداً لله من غير حله ... وكان بحمد الله فيه غير موفق
كمطعمة الأيتام من كد فرجها ... لها الويل لا تزنى ولا تتصدقي
وقال من لا تخفى عليه الخافية: لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ثم خبر عن ما يناله مما تعلمونه، فقال ولكن يناله التقوى منكم فإن توقع من هذا أجر فهو خسران وكفران ذلك استهزاء واستخفاف وهل يطلب لقبيح الحرام حسن الجزا بل الواجب رد المظالم وخلاص ذمة الظالم ورد الحقوق إلى أهلها وإيصالها إلى محالها وما يرضي ظالم غوى يحل الحرام محل الهوى أن يخرج من الدنيا سواء بسوا وإن كان والعياذ بالله صرف ذلك على الفسق والملاه ونيل الأغراض الفاسدة وقامة الحاجة فهو في أشد النكال وأعظم الهوان والخسران والوبال. وهذا مقام يطول فيه الكلام وأقل ما في الباب أن الجلال حساب والحرام عقاب وعذاب وقد سمعت يا جليل القدر ما نطق به ذلك الصدر الذي أخجل نور جبينه البدر سيد الأنام ومصباح الظلام وحبيب الملك العلام محمد المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام يوماً لأصحابه الغر الكرام رضى الله
(1/225)

عنهم وأرضاهم وجمعنا في مستقر رحمته وإياهم: أتدرون من المفلس قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال إن المفلس متن أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي أخذ من خطاياهم فطرحت عليه وقال أيضاً أفاض عليه سحائب فضله فيضا إنكم لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقتص للشاة الجمامن الشاة القرنا هذا إذا كانت هذه الخيرات المأتي بها من هذه الطاعات قد حصلت من المكاسب الطيبات والمرابح المستحسنات فهي على هذا الحصر من غير ريب ولا غدر، وأما إذا كانت من الحرام فقد حرفها الكلام ولأجل هذا الخطب الجسيم والخطر العظيم تورع من الحلال الزاهدون وشمر ذيل الرغبة عن التلوث بالدنيا العابدون. قال سيد البشر الشفيع في المحشر: لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء. وقال عليه الصلاة والسلام على ممر الليالي والأيام: اللهم اجعل رزق آل محمد في الدنيا قوتا ولا بد للملوك من خمس خصال: الأولى اجتناب التبذير، الثانية مراعاة النفس والتأمل في حالة الرضى والغضب، الثالثة تقديم مصالح رعيته على مصالح نفسه، الرابعة لا يمكن القوي من الضعيف، الخامسة لا يقدم أحدا على العلم والعلماء وليتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب. قال عليه الصلاة والسلام من قتل عصفورا عبثا جاء العصفور يوم القيامة وله صراخ عند العرش يقول يا رب سل هذا فيما قتلني من غير منفعة. فلما انتهى الحجل في الكلام إلى هذا المقام قبله العقاب بين عينيه وزاد في تقريبه إليه ومكانته لديه وإنعامه عليه.
(1/226)

الباب التاسع
اكتساب الأمور
من التجارب
(1/227)

فراغ
(1/228)

ليعلم الناظر في هذا الكتاب بأن فيه من الحكم ولطائف الكلم ما يصلح أن يكون للملوك معتمدا وللأكابر والأفاضل مرشدا وللأدباء جليسا وللغرباء أنيسا ولقد فاق سلوان المطاع وكليلة ودمنة:
على أنني راض بأن أحمل الهوى ... واخلص منه لا علي ولا ليسا
وأن المطالعة فيه والاقتباس من فرائد معانيه تزيد العقل عن التجارب بل تفيد زيادة المتقارب لأن العمر يصرف إلى اكتساب الأمور من التجارب واستفادة الفوائد والحكم من هذا أمرها راقب وأحب ما يتمنى الإنسان طول العمر وقد قيل:
وأحسن ما كان الفتى من زمانه ... مع السعد والجاه العريض معمرا
وأحب ما أسمع للحاكم قول الناظم:
فلا زلت بين الورى حاكما ... بجاه عريض وعمر طويل
فمن أراد أن يطول عمره فليعم الناس خير وبره. وقد قيل خمسة أشياء تزيد في العمل: الأولى البر قال عليه الصلاة والسلام: لا يرد القضاء إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر، الثانية إسباغ
(1/229)

الوضوء قال عليه الصلاة والسلام: إسباغ الوضوء زيادة في العمر، الثالثة التحية الحسنة. كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يدخل الأسواق يسلم على أهلها ببشاشة فقيل له في ذلك فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: السلام ببشاشة وطلاقة الوجه يزيدان في العمر، الرابعة الصدقة قال عليه الصلاة والسلام: داووا مرضاكم بالصدقة. وجاء في التفسير أن عيسى عليه السلام كان جالسا فمر قصار ومعه كارة للقصارة فقال عيسى لأصحابه: هذا الرجل يموت اليوم من عقرب تلدغه فمر القصار عشية سالما فقيل لعيسى عليه السلام في ذلك فقال: فطلب القصار وسأله عما عمله في ذلك اليوم، قيل كان معي رغيفان لما جلست لأتغدى جاءني سائل فأعطيته أحد الرغيفين فسد به جوعته وقال: أكثر الله خيرك وزاد مالك وطول عمرك ففتش عيسى عليه السلام لرزمته فوجد العقرب ملجما بلجام القدرة وقال: إنما كف عنك هذا البلاء ببركة الصدقة، الخامسة العدل في الرعية فإنه ورد في تفسير الثعالبي قال في قوله تعالى: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا) .
كان قال في بني إسرائيل ملك يدعي صديقا عالما عارفا عادلا في حكومته محسنا في رعيتها وكان في زمن نبي من أنبيائهم فكان يمتثل ما يأمره به نبي زمانه ويقوم به وينظر في فصل القضايا بنفسه فخرجت له في رجله قرحة أشغلته بنفسه حتى صار لا يعرف صباحه من أمسه فوقع في بلاده بلاء ووباء فمات من أهل مملكته طوائف عديدة وجملة من الخلائق مديدة، فقصد مملكة رجل من بابل اسمه سنحارب النازل وهو رجل كافر ظالم غائل معه من العساكر ستمائة ألف مقاتل يعجز عن مقاومته ويعي عن
(1/230)

مخادعته، فجاء نبي ذلك الزمان يعوده وينظر ما يريده فاستشاره الملك في أمره وما هو راء من غدره فنزل عليه الوحي قبل أن يرد له جواب بل عقب سماع هذا الخطاب أن قل لصديق يوصى بالملك إلى من يرى أنه من أهل الملك فإنه لم يبق له من العمر إلا ليلة واحدة فأخبره ذلك النبي بذلك فسلم له ورضي وتوجه إلى الله تعالى وصلى وسجد وقال في سجوده: اللهم رب الأرباب وإله الخلق قدوس تقدست يا رحمن يا رحيم يا رؤوف أنت الذي لا تأخذه سنة ولا نوم فأوحى الله تعالى إلى هذا النبي أن بشر صديقا باستجابة دعائه وإني أمهلته مدة خمس عشرة سنة ببركة عدله وطاعته وانقياده لأمري، فلما بشره سر بذلك وسجد سجدة ثانية وقال في سجوده: إله آبائي لك سجدت وسبحت وكرمت وعظمت أنت الذي تعطي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب والشهادة أنت الأول والآخر والظاهر والباطن وأنت ترجم وتستجيب دعوة المضطرين أنت الذي أجبت دعوتي ورحمت تضرعي، فاستجلاب الله دعوته قبل أن يفارق سجدته وأوحى الله إلى نبيه أن قل في أمر عدوه فقال الله تعالى: أنا أكفيك أمره فلما وصل العسكر واحتاطوا بالبلد أرسل الله عليهم صيحة أخذتهم عن آخرهم وأهلكتهم وهرب سنحارب فاختفى في جبل فأدركه الطلب هناك وأحضروه لدى صديق فسجد صديق شكرا لله تعالى ودعا سنحارب إلى التوحيد فقال له سنحارب: كنت سمعت عناية ربك بك والآن فقد رأيت وحققت ولكن لا أفارق ديني فأمر به للاعتقال فأوحى الله تعالى إلى النبي أن قل له يطلقه ويرسله إلى بلاده فأطلقه وأرسله إلى بلاده ومات على دينه. ثم جلس مكانه بخت نصر ووقع من وفاته الظلم والجور
(1/231)

بعد صديق فسلك الله عليهم من أهلكهم فانظر إلى ذلك العدل وبركته وظلمه الظلم وقباحته: وذكر في التفسير المذكور في تفسير قوله تعالى: (وأن اليأس لمن المرسلين) قال: كان ملك اسمه أجب وكان عادلا وله زوجة ظالمة كافرة النفس وكان يحبها وكان في جوار بيته جنينة لرجل صالح فطلبتها زوجة الملك من الرجل الصالح فلم يسمح بذلك لها فأمهلته حتى غاب الملك وأقامت بينة كاذبة شهدت على الرجل الصالح أنه سب الملك، وكانت العادة أن كل من سب الملك يهدر ماله ودمه فقتلته واستولت على جنينته فلما رجع الملك من السفر استغاثت زوجته فلم يتعرض إليها بأكثر من ذلك فأوحى الله تعالى إلى الياس عليه السلام أن يخبر الملك بما فعلته زوجته ويأمره بالقصاص ورد الجنينة إلى ورثة صاحبها، فلما بلغ الرسالة غضب الملك، وغلبت عليه محبة الزوجة وأراد قتل الياس فهرب منه واختفى في مغارة فأرسل وراءه أربعين فارسا تطلبه فأرسل الله عليهم صاعقة أهلكتهم عن آخرهم ثم جاء الياس إلى بلدة إنطاكية فنزل في بيت المرأة وكان لها يتيم وهو يونس عليه السلام وعمره إذ ذلك سبع سنين فأمنت بالياس ثم ذهب الياس من عندها ومات في غيبته ولدها اليتيم ثم إن الياس عاد إليها وسألها عن حالها فأخبرته بموت ولدها فسأل الله أن يحييه فأحياه ولما بلغ أكرمه الله بالرسالة وأهلك الله اجب وامرأته وقومه بشؤم ظلمهم وهكذا عاقبة الظالمين والطاغين والباغين.
وينبغي أن لا يتمنى لقاء العدو ويكتفي بمشاهدة الأصحاب كما قيل في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا. وقيل للأرنب أيما أحب إليك رؤيتك للكلب أو رؤية الكلب
(1/232)

إياك فقال الأحب أن لا أراه ولا يراني لأني إن رأيته خفته وخشيت أن يراني ويطلبني وإن رآني طلبني وربما لم يمكنني منه الفرار فأقع في الهلاك والبوار وأحسن ما تلبس به الحاكم والرؤسا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون فاسقاً محروماً وإذا نزل العذاب فإنه يشمله. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما قيل له أنهلك وفينا الصالحون قال: نعم إذا كثر الخبث وقال تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئس بما كانوا يفسقون) فأدخل الذين لم ينهوا مع الذين ظلموا وقال: الساكت في الحق شيطان أخرس. وقيل خسف الله بني وقومه في بني إسرائيل فناجى بني من أنبيائهم ربه تعالى في أمرهم وأمر نبيهم فأوحى الله إليه أنه كان يصلي والصبيان أمامه ينتفون دجاجة حية فلم يخلصها من أيديهم وإذا كان فعل هذا في طير قبله وذبحه مباح فما ظنك بمن يؤذي مؤمناً الذي هو بنيان الله تعالى وقد حرم الله تعالى عرضه وماله ودمه، ولتعلم أن يد الله فوق أيدي المؤمنين ورحمته عامة جميع الصالحين ونقمته نازلة على الطاغين والباغين ولا عدوان إلا على الظالمين:
وما يد إلا يد الله فوقها ... وما من ظالم إلا سيبلى بظالم
وقال الآخر وأجاد وما حاد عن المراد:
تنام وما المظلوم عنك بنائم ... ودعوته لا تنثني بحجاب
وينبغي أن يكون العمل خالصاً لوجه الله تعالى، فإن العمل الخالص هو رأس المال لجميع المخلوقات سواء كانوا أنبياء أو أولياء ولا يثمر في الدنيا سواه وناهيك وبحديث أصحاب الغار حيث أخلصوا في عملهم وأنجاهم الله ببركة إخلاصهم. وذلك أن ثلاثة
(1/233)

آووا إلى غار خوف الابتلال بالمطر فنزل من الحبل صخرة سدت فمه فقالوا لا ينجيكم إلا أن تدعوا الله بصالح عملكم، فقال واحد منهم: اللهم كان لي أبوان كبيران أؤثرهما على أهلي فتأخرت ليلة حتى ناما فلم أوقظهما وانتظرت يقظتهما وقدح اللبن في يدي إلى الفجر والصبية تصيح عند قدمي حتى شربا، اللهم إن كان ذلك ابتغاء لرضاك ففرج عنا فانفرجت شيئاً لا يمكن الخروج منه فقال الثاني: اللهم كانت لي ابنة عم أحبها فراودتها فأبت فحصل جدب فجاءتني فأعطيتها مائة وعشرين ديناراً على تمكيني منها فلما أردتها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فتركتها والمال اللهم إن كان ذلك ابتغاء لرضاك ففرج عنا فحصل ما لا يسع الخروج، فقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء وأخذوا أجورهم إلا واحداً فنميت أجرته فجاءني يطلبها فقلت كل ما ترى من إبل وغنم وبقر ورقيق من أجرتك فقال أتهزأ بي. قلت: لا فأخذ ذلك كله اللهم إن كان ذلك ابتغاءً لرضاك ففرج عنا فانزاحت الصخرة وخرجوا يمشون، رواه الشيخان وغيرهما. وأعلم أن رئيس كل طائفة بمنزلة والدهم فإن السلطان والد الرعية أولاده، والأمير كذلك وكذا القاضي وكل والٍ حتى رؤساء القرى كل رئيس مهم بمنزلة الوالد والفلاحون أولاده والمقطعون والأجناد بمنزلة آباء الفلاحين يربونهم كالأولاد ويشفقون عليهم شفقة الآباء، كما يحكى عن بهرام جورانه وقع في بعض السنين قلة وقحط في بعض البلاد حتى قلت الأقوات فرسم بفتح مخازنه وحواصله وبذلها في رعاياه وحشمه وأمر بدوابه فتوجهت إلى أطراف البلاد تجلب الميرة فصار يفرق ذلك على الرعية من غير عوض فسد بذلك خلة الناس واستمر ذلك نحوا من أربع سنين، ثم بلغه أن شخصا من مملكته مات من الجوع ولم يكن له بذلك شعور فوجم لذلك وأخذه القلق
(1/234)

والأرق واستغفر وصام وتصدق وبلغ ذلك منه مبلغا فصار يناجي بذلك ربه ويقول: يا رب اغفر لي هذه الغفلة وتجاوز لي عن هذه السهوة فلو كان لي شعور بذلك لبذلت الذي تصل إليه القدرة فهتف به هاتف حيث احتفلت لنفس واحدة من عبادي هذا الاحتفال وأسفت هذا الأسف فإني أرفع الموت عنكم مدة أربع سنين وعمر بهرام في أرغد عيش وأطيب عمر مع الصفاء والهناء، كل ذلك ببركة الشفقة والرحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحما فنسأل الله تعالى أكرم الأكرمين إياه نعبد وإياه نستعين أن يعاملنا بما يليق برحمته ويسبل علينا ذيل إحسانه ونعمته آمين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وحسبنا الله ونعم الوكيل. إلى هنا الختام بحمد ذي الجلال والإكرام.
انتهى كتاب مرزبان نامة ترجمة الشيخ الإمام العلامة أقضى القضاة شهاب الدين أحمد بن محمد بن عرب شاه الحنفي الدمشقي والرضوان عليه سحائب الرحمة وديمة المغفرة والإحسان ما تعاقب الملوان وتوالت الأزمان وما قرا قارئ في كتابه وعمل بما فيه مما ينجي يوم حسابه وتدبر معانيه وفهم عوالته وخوافيه وصلى الله على النبي محمد وآله وصحبه وبنيه وأزواجه
وتابعيه آمين.
(1/235)