Advertisement

ملحمة حر


الكتاب: ملحمة حر «ديوان»
المؤلف: عبد الحميد محمد محمد حسين ضحا
الناشر: مكتبة الآداب، القاهرة
الطبعة: الأولى، 1433 هـ - 2011 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] ديوان
"ملحمة حر"
عبد الحميد ضحا
(/)

إهداء
إلى كل أحرار العالم وشهداء الحرية
الأقمار التي تضيء للبشرية الظلام
والشموس التي ستلتهم الظلام
(1/3)

المقدمة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
في خضمِّ الصراع المستعر بين الفكر الإسلامي والأفكار التغريبية، ونحن إذ نخوض هذا الصراع في أهم روافد الفكر؛ الأدب - أقدِّم ديواني "ملحمة حر"، ممثلاً للشعر الإسلامي، كما أراه وأنظِّر له، وللأدب الإسلامي عمومًا.

والأدب الإسلامي كما أراه: هو الأدب - بشتى فروعه من شعر ورواية وقصة قصيرة ... إلخ - الذي يراعي آداب الإسلام وأحكامه، ويُعْنى بإشاعة الفضيلة ومحاربة الرذيلة في المجتمع.
قال الشاعر:
وَمَا مِنْ كَاتِبٍ إِلاَّ سَيَفْنَى ... وَيَبْقَى الدَّهْرَ مَا كَتَبَتْ يَدَاهُ
فَلا تَكْتُبْ بِكَفِّكَ غَيْرَ شَيْءٍ ... يَسُرُّكَ فِي الْقِيَامَةِ أَنْ تَرَاهُ
(1/5)

ومعلوم أن للأدب دورًا عظيمًا في تاريخ البشرية عامة، وفي تاريخ المسلمين خاصة، وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إن من البيان لسحرًا، وإن من الشعر لحكمة))، ولما كان يوم الأحزاب، وردَّهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرًا، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من يحمي أعراض المؤمنين؟)) قال كعب: أنا يا رسول الله، فقال: ((إنك تحسن الشعر؟)) فقال حسان بن ثابت: أنا يا رسول الله، قال: ((نعم، اهجهم أنت، فسيعينك روح القدس)).
فالأدب الإسلامي هو لسان المجاهد والداعية، والمدافع عن الإسلام وعقيدته وشريعته، فهو حاضر منذُ انبلج فجرُ الإسلام، وقد استمرَّ عبرَ القرون وخلالَ العصور حتى يومِنا هذا.
أما مصطلح "الأدب الإسلامي"، فهو حديث، وأظنه أخذ موضعه بسبب الصحوة الإسلامية، وأيضًا بسبب تصدِّيه للهجمة العلمانية الشرسة على كل ما هو إسلامي، ومحاولة حصر الأدب والحداثة في الخلاعة والمجون والشذوذ، والثورةِ على قواعد
(1/6)

الإسلام؛ بدعوى الخروج على التابوهات!!
وها أنذا أحاول من خلال أشعاري ورواياتي وقصصي ومقالاتي وبرامجي التلفزيونية أن أنشر هذه المدرسة، ساعيًا إلى دعوة الأدباء الإسلاميين إلى التجديد في الأدب، والاهتمام بنشر اللغة الفصحى وتحبيبها للناس، مع استخدام واستحداث الصور والأساليب الجمالية التي تأخذ بلبِّ المتلقي؛ تطبيقًا لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن من البيان لسحرًا)).
نريد إبداعَ أدبٍ إسلامي، ملتزمٍ بقضايا الأمة، يراعي أصول الإسلام، نريده رفيع المستوى، عالي الجودة، ذا لغة جزلة وفصيحة، وصور تعبيرية راقية، يخوض في الأغراض الأدبية المختلفة.
نريد إبداع الأدب الإسلامي الرائع البيان والصور، الذي يلامس الروح، ويخاطب العقل، ويثير الأحاسيس والعواطف الوجدانية والإنسانية، ويسمو بها.
(1/7)

نريده مصوِّرًا واقع الأمة تصويرًا حيًّا، من غير بهرجة، ولا زخرفة، ولا رمزية غامضة، مدافعًا عن عقيدتها، ناصرًا قضاياها، ناشرًا للفضيلة، محاربًا للرذيلة.
نريد أديبًا متأثرًا بلغة القرآن الكريم، وبيانه، ومعانيه، وأساليبه، وصوره، وكيف يصور واقع الإنسان، وهمومه، وأحواله، ونفسيته، وما يعانيه من المآسي والويلات، وما في نفسه من الخير والشر، ويقدم له العلاج الناجع، والبلسم الشافي، وما يحقق له السعادة في الدنيا والآخرة.
ولكن للأسف الأمر شديد وصعب؛ فالصراع الدائر في المجال الأدبي صراع شرس، فكل مفاتيح الأدب الرسمي في أيدي العلمانيين والشيوعيين، وهم يُشْهرون أي فتى أو فتاة حتى لو كان ضعيفًا في الإملاء والكتابة، ما دام يثور على محارم الله وشريعته، بدعوى "الخروج على التابوهات"، فيظهرونه في الإعلام، ويحصل على الجوائز، أما المواهب الإسلامية، فيحاربونها، لدرجة أنه لم
(1/8)

يحصل أديب إسلامي في مصر خلال ربع القرن الماضي على جائزة، مهما وصل في الموهبة والإتقان.
لذلك؛ يحتاج الأدب الإسلامي إلى أدباء من نوعية خاصة، يملكون الموهبة والدراسة؛ حتى يُفْحِموا الأدعياء بموهبتهم وإتقانهم.
ومن ثم؛ نحتاج إلى أديب ذي ملكة فنية أرقى من تلك التي يحتاجها أديب غير ملتزم؛ حتى يحوِّل المألوف في عرف الأدب مما يخالف العقيدة إلى غير مألوف، والخير إلى شيء باهر جذَّاب، نريده ساحر البيان، وحكيم الزمان.
أما بالنسبة لهذا الديوان "ملحمة حر"، فيبدو من خلال قصائده المدى الذي وصل له تجبر الطغاة مع أصحاب الفكر الإسلامي، من اضطهاد وتعذيب واعتقال، لدرجة أني مكثت ما يربو على أحد عشر عامًا في المعتقلات دون تهمة واحدة أو رؤية النيابة أو القضاء، وحين تم اعتقالي وأنا طالب بالفرقة الثانية
(1/9)

بكلية الهندسة، وجدوا قصيدة أتحدث فيها عن الشهادة، فأخذها الجيش الذي أتى لاعتقالي كلٌّ منهم يقرؤها ويعطيها لزميله، وكأنهم أمسكوا بقنبلة!!
وتفجرت في السجن أجمل أشعاري، التي ضاع كثير منها بسبب منع الأقلام والأوراق سنوات طويلة، ولم يبق منها إلا ما حفظتْه ذاكرتي لسنوات طويلة، أترنَّم بكلماتها كل مدة؛ حتى لا تهوي في بئر النسيان وتلحق بأخواتها.
ومن العجائب أني لم أدرس العروض على يد أحد، وأذكر هنا مقولة أحد الشعراء الفرنسيين: "الألم يفجر الشعر ويفجر العبقرية".

وَزْنُ شِعْرِي نغَُْم السِّيَاطِ حَزِينًا ... تلُهُِْب الظهَّْرَ مِنْ أبَِيٍّ مُهَانِ
وَزْنُ شِعْرِي سُكُونُ لَيْلٍ رَهِيبٍ ... فِي سُجُونٍ تنَُوءُ بِالحْيَوَانِ
وَزْنُ شِعْرِي آهَاتُ حُرٍّ صَرِيعٍ ... وَصُرَاخُ الجِْرَاحِ وَالسََّّجانِ
وَزْنُ شِعْرِي صَوْتُ الإِبَاءِ يُناَدِي ... لا أُبَالِي باِلْقَتْلِ أَوْ بِالهْوَانِ
(1/10)

وأيضًا يتعرض هذا الديوان لفترات مختلفة في حياتي، وقد كتبت في مختلف الأغراض الشعرية، وحاولت أن أبتكر قصائد وتعابير وصورًا أحسب أني لم أُسبَق إليها؛ مثل قصائد «لو تصعدين إلى القمر»، و «عندما بكى وبكيته الكتاب»، و « .. عيون»، وغيرها، ومن المعلوم أن من يقفون ضد الأدب الإسلامي يصفون الأدباء الإسلاميين بالوعّاظ، وأنهم يخاطبون العاطفة الدينية لدى المتلقين، وأظن أن في ديواني هذا ردا مفحمًا.

أما بالنسبة للعروض، ففي هذا الديوان زحافان استعملتهما مستحسنًا لهما، مخالفًا جل شعراء العصر الحديث، وهما:
1) قبض مفاعيلن في حشو الطويل:
- فقد اعتبره د. إبراهيم أنيس "صورة نادرة لا تستريح إليها الآذان، وقد رويت في بعض أبيات الشعر القديم، ولكنا لا نكاد نراها في شعر حديث، فقد رويت في معلقة امرئ القيس عشر مرات، وجاءت هذه الصورة في معلقة زهير أربع مرات، وفي
(1/11)

معلقة طرفة ثمان مرات، ومع هذا فنحن نشعر بثقل هذه الصورة في حشو البيت، ولعل انحرافًا في رواية المعلقات هو الذي جاءنا بتلك الحالات التي رويت في شعر الجاهليين".
- هذا الزحاف الذي استثقله الدكتور إبراهيم أنيس، وحاول أن يغير من رواية الأبيات التي جاء فيها هذا الزحاف؛ بدعوى أنها روايات محرَّفة - قد استحسنه الخليل وسائر العروضيين - ما عدا المعري - وورد في عيون الشعر الجاهلي والمعلقات، ومن الباحثين من أعد جدولاً إحصائيًّا، وجد فيه أن امرأ القيس استعمله 84 مرة، والنابغة 22 مرة، وزهيرًا 40 مرة، والأعشى 32 مرة، ولسنا بصدد ذكر الأبحاث والمراجع، ولكني أدلِّل على صحة أذن الخليل، وأذني.
- على كراهة المعري للقبض في حشو الطويل، اعتبر أنه "قلَّ ما تسلم قصيدة جاهلية بنيت على الطويل من أن يستعمل فيها قبض السباعي، أما امرؤ القيس فكثير الاستعمال له، وأما النابغة وزهير وأعشى قيس، فيستعملون ذلك دون الملك الضليل"، بل
(1/12)

إن المعري خاطب امرأ القيس في رسالة الغفران بقوله: "وبعض المعلمين ينشد قولك:
من السيل والغُثاء فلكةُ مغزلِ
فيشدِّد الثاء، فيقول (أي: امرؤ القيس): "إن هذا لجهول، وهذا البائس أراد أن يصحِّح الزنة فأفسد اللفظ"، فهو هنا ينكر على المعلمين والرواة تشديد ثاء (الغُثاء)؛ هروبًا من قبض مفاعيلن وتصحيحًا للزنة، ويعتبر عملهم إفسادًا للغة".
- وأتى أبو تمام بهذا الزحاف في العصر العباسي، ولم يشعر بحرج، ولا اضطراب موسيقي فى قوله:
ألنَّا الأكفَّ بالعطاء فجاوزت ... مدى اللين إلا أن أعراضنا الصخر
ويقول أبو تمام فى قصيدة أخرى:
نُجُومٌ طَوَالِعُ جِبَالٌ فَوَارِعُ ... غُيُوثٌ هَوَامِعُ سُيُولٌ دَوَافِعُ
فاستخدم "مفاعلن" فى حشو البيت مرتين فى بيت واحد،
(1/13)

وجاءت العروض على الوزن نفسه "مفاعلن"، والضرب جاء على الوزن نفسه "مفاعلن"، ومع ذلك لم نشعر باضطراب موسيقي؛ بل حسن التقسيم عند أبى تمام، أو لجوءه إلى فن صيغ البيت بصيغة موسيقية زاهية متموجة.

وهذه الدلائل تجعلنا نقبل " مفاعلن " فى حشو البيت ولا نرفضها، ولا نتهم أشعار الأقدمين بضعف الرواية وفسادها؛ ولا نقبل بأذن الخليل بن أحمد بديلا.

2) خبن مستفعلن في حشو البسيط:
- اشتهر الآن بين الشعراء أن خبن (مستفعلن) في البسيط يجوز في أول تفاعيل الصدر والعجز، ويقبح في غير ذلك، ومنهم من يقبِّح خبن مستفعلن الأخيرة التي في العجز فقط.
وأقول: خبن مستفعلن في البسيط استحسنه الخليل وسائر العروضيين، وحتى لا أطيل أذكر أمثلة وردت فيها مستفعلن مخبونة، منها قول النابغة الذبياني:
(1/14)

سَراتُهُ ما خَلا لَبانَهُ لَهِقٌ ... وَفي القَوائِمِ مِثْلُ الوَشْمِ بِالْقارِ
وقال أيضًا:
قَالَتْ أَلا لَيْتَمَا هَذا الحَمامُ لَنا ... إِلى حَمامَتِنا وَنِصفُهُ فَقَدِ
وقال أيضًا:
وَقُلْتُ يا قَومُ إِنَّ اللَيْثَ مُنقَبِضٌ ... عَلى بَراثِنِهِ لِوَثْبَةِ الضَّاري
وقال الأعشى:
عُلَّقْتُها عَرَضًا وَعُلَّقَتْ رَجُلاً ... غَيْرِي وَعُلَّقَ أُخْرَى غَيْرَها الرَجُلُ
وكما ذكرت أن الخليل وتبعه سائر العروضيين استحسنوا هذا الزحاف، فلا داعي للتشدد في تقبيحه.

وأخيرًا: أرجو بل أتمنى أن يكون هذا الديوان إضافة - لا تكرارًا - للشعر وأغراضه المختلفة، وأن يكون نموذجًا مبتكرًا وقمينًا بلقب "الشعر الإسلامي".
عبد الحميد ضحا
(1/15)

فَلْسَفَتِي فِي الْحَيَاة
أَرَى الدُّنْيَا بُكَاءً حِينَ عُرْسِ ... وَمَهْمَا غَيَّرَتْ يَوْمِي كَأَمْسِي
تَبَسَّمُ بَعْضَ حِينٍ ثُمَّ تَاتِي ... جِنَايَتُهَا لِتُوهِنَ عِزَّ نَفْسِي
فَذِي لَذَّاتُهَا تَلِدُ الْبَلايَا ... وَذَاكَ السَّعْدُ عَاقِبَةٌ لِبُؤْسِ
رُوَيْدَكِ لا أَبَا لَكِ فَاعْرِفِينِي ... فَإِنَّ السَّعْدَ عِنْدِي مِثْلُ نَحْسِي
أَرَى الْحُزْنَ الَّذِي يُدْمِي فُؤَادِي ... عَدُوًّا لَمْ يَرُمْنِ لِغَيْرِ فَرْسِي
فَلا أُعْطِيهِ مِنْ نَفْسِي نَقِيرًا ... وَلا يَلْقَى بِقَلْبِي غَيْرَ حَسِّ
(1/17)

وَإِنِّي إِنْ كُلِمْتُ مِنَ الْعَوَادِي ... يَطِيبُ الْكَلْمُ ثُمَّ يَزِيدُ بَاسِي
وَمَا هَذَا لِبَاسِي بَلْ لأَنِّي ... رَضِيتُ قَضَا الرَّحِيمِ فَزَالَ يَاسِي
فَيَا دُنْيَا سَأَحْيَا فِيكِ حُرًّا ... أَبِيَّ النَّفْسِ شَانِئَ كُلِّ جِبْسِ
أُوَاجِهُ مَوْجَكِ الْعَاتِي وَإِنِّي ... لَمُنْتَصِرٌ وَإِنْ فَارَقْتُ رَاسِي
أَغُوصُ بِيَمِّكِ اللُّجِيِّ كَيْمَا ... أَحُوزَ الدُّرَّ أَصْنَعَ مِنْهُ كَاسِي
أُحَلِّقُ فِي سَمَائِكِ ثُمَّ أَغْزُو ... جِنَانَكِ وَاضِعًا فِي الأَرْضِ غَرْسِي
* * *
(1/18)

مَلْحَمَةُ حُرٍّ
فِي الدُّجَى هَلْ رَأَيْتَ فِكْرَ طَرِيدِ ... لا يُبَالِي طُغَاةَ حُكْمِ الْحَدِيدِ؟
هَلْ تُرَاهُ يَنَامُ لَيْلاً طَوِيلاً ... فِي انْتِظَارِ الْكِلابِ تَعْوِي بِبِيدِ
أَوْ تُرَاهُ يُقَطِّعُ اللَّيْلَ فِكْرًا ... فِي خَلاصٍ لأُمَّةٍ فِي الْقُيُودِ؟
يَا لَهُ مِنْ دُجًى يَسُودُ وَيَطْغَى ... مَنْ لِفَجْرٍ يَاتِي بِمَجْدٍ تَلِيدِ؟!
أَتُرَاهُ يَصِيرُ نَجْمًا مُضِيئًا ... هَادِيًا لِلأُبَاةِ رَمْزَ الصُّمُودِ
أَمْ تُرَاهُ كَشَمْعَةٍ فِي ظَلامٍ ... هَاجَ رِيحٌ عَلَى ضِيَاهَا الْبَؤُودِ؟
(1/19)

هَجَمُوا كَالْكِلابِ كَي يَاسِرُوهُ ... أَسَرُوهُ كَأَسْرِ لَيْثٍ عَنِيدِ
أَوْثَقُوهُ وَعَصَّبُوا عَيْنَيْهِ ... عَذَّبُوهُ وَلَيْتَهُمْ كَالْيَهُودِ
سَأَلُونِي تَكُونُ مَنْ؟ قلت: حرٌّ ... إِنَّنِي حُرٌّ فِي دِيَارِ الْعَبِيدِ
أَطْرَقُوا دَهْشَةً وَبَهْتًا وَقَالُوا ... كَيْفَ شَبَّ الأَبِيُّ بَيْنَ السُّجُودِ؟!
هَلْ مَكَثْتَ الْحَيَاةَ فِي أَرْضِنَا أَوْ ... قَدْ أَتَيْتَ افْتِتَانَهُمْ مِنْ بَعِيدِ؟
أَرَضَعْتَ الْخُنُوعَ - لَسْتُ أُرَاكَهْ ... أَمْ سَقَاكَ الإِبَاءَ بَعْضُ الْوُغُودِ؟
كَيْفَ رُمْتَ التَّحَدِّيَ انْطِقْ أَجِيبَنْ ... سَفَهًا مِنْكَ أَمْ لِجَهْلِ الْوَعِيدِ؟
(1/20)

فَتَبَسَّمْتُ ثُمَّ قُلْتُ: رُوَيْدًا ... لِمَ صِرْتُمْ كَذِي مُصَابٍ شَدِيدِ؟!
أَوَخِلْتُمْ حُرًّا أَبِيًّا يَهَابَنْ ... أَيَّ بَاسٍ وَلَوْ بِقَطْعِ الْوَرِيدِ؟!
كُنْتُ عَبْدَ الدُّنْيَا وَحُرِّرْتُ لَمَّا ... بِعْتُ نَفْسِي وَرُمْتُ دَارَ الْخُلُودِ
فَأَنَا الْحُرُّ صِرْتُ حُرًّا بِدِينِي ... وَعَدُوًّا لِكُلِّ طَاغٍ مَرِيدِ
وَأَنَا الْحُرُّ وَالْمُحَرِّرُ قَوْمِي ... وَأَنَا مَنْ يُعِزُّ دِينَ الْمَجِيدِ
كَمْ يَغِيظُ الثَّبَاتُ قَوْمًا مُنَاهُمْ ... أَنَّ حُرًّا يُثْنَى بِبَاسٍ مَزِيدِ
عَذَّبُونِي بِقَسْوَةٍ ثُمَّ قَالُوا ... أَيُّ حُرٍّ جَزَاؤُهُ كَالْحَصِيدِ
(1/21)

أَتَرُومُونَ بَعْثَ شَعْبٍ خَنُوعٍ؟! ... ذَاكَ شَعْبُ الرُّقَادِ مُنْذُ الْعُهُودِ
هَلْ حَسِبْتُمْ عُيُونَنَا قَدْ تُغَافِي؟! ... هَلْ دَرَيْتُمْ مَا عِنْدَنَا مِنْ جُنُودِ؟!
مَنْ يَذُقْ بَعْضَ نَارِنَا - قَدْ رَأَيْتَهْ ... يَتَبَرَّا مِنْ كُلِّ وَغْدٍ عَنِيدِ
فَتَحَامَلْتُ ثُمَّ قُلْتُ: زَعَمْتُمْ ... ذِي دَعَاوَى سَتَنْتَهِي لِلْخُمُودِ
غَرَّكُمْ قِلَّةُ الأُبَاةِ وَخِلْتُمْ ... أَنَّ فِي نَارِكُمْ هَلاكَ الأُسُودِ
رُبَّ حُرٍّ يُحَرِّرُ النَّاسَ قَتْلُهْ ... فَوْقَ مَا يَجْنِي فِي مِئَاتِ الْعُقُودِ
ذَهَبٌ هُمْ تَزِيدُهُمْ نَارُكُمْ هَا ... ذِي نَقَاءً وَكُلَّ وَصْفٍ حَمِيدِ
(1/22)

إِنْ تَكُنْ نَارُكُمْ هَلاكًا فَإِنَّا ... فِي ثَبَاتٍ وَفِي نَمَاءٍ مَدِيدِ
أَطْرَقُوا فِي يَاسٍ وَحُزْنٍ وَقَالُوا ... أَوَيَحْيَا الرُّقُودُ بَعْدَ الرُّقُودِ؟!
إِنْ يَكُنْ أَحْرَارُ الْبِلادِ قَلِيلاً ... فَسَيُحْيُونَ شَعْبَهُمْ مِنْ جَدِيدِ
اسْجِنُوهُ وَكُلَّ حُرٍّ عَنِيدٍ ... لا لِحُرٍّ يَعِيشُ بَيْنَ الْعَبِيدِ
* * *
(1/23)

قَيْدِي يُحَدِّثُنِي
دَعَانِي الْقَيْدُ يَا حُرُّ ... أَلا يَثْنِيكَ ذَا الْقَهْرُ؟!
أَلَمْ تُوهِنْكَ ذِي الأَهْوَا ... لُ لَمْ يُوهِنْكَ ذَا الأَسْرُ؟!
فَكَمْ سَوْطٍ عَلَى الظَّهْرِ الْـ ... ـجَرِيحِ كَأَنَّهُ الْجَمْرُ!
وَكَمْ ضَيَّعْتَ فِي الأَسْرِ السْـ ... ـسِنِينَ وَهَا هِيَ الْعُمْرُ!
وَكَمْ يَوْمٍ يَمُرُّ وَقَدْ ... هَوَى مِنْ هُونِكَ الْقَطْرُ!
وَلَوْ كُنْتَ الدَّمِيعَ لَقَدْ ... جَرَى مِنْ دَمْعِكَ الْبَحْرُ!
وَكَمْ ظَمَأٍ وَجُوعٍ لَوْ ... لِجُمْلٍ مَا لَهَا صَبْرُ!
* * *
أَيَا قَيْدِي أَنَا الْحُرُّ ... فَإِنْ أَكُ ذَا فَمَا السِّرُّ؟
إِذَا لَمْ أَلْقَ أَهْوَالاً ... فَمَا عَبْدٌ وَمَا حُرُّ
فَيَلْقَى الْحُرُّ مَا يُرْدِي ... كَأَنْ مَا ضَرَّهُ ضُرُّ
وَعِنْدَ نَجَاتِهِ يَزْهُو ... كَمَلْكٍ نَالَهُ النَّصْرُ
(1/24)

وَإِنْ يَهْلِكْ فَلِلأَحْرَا ... رِ رَمْزٌ فِي الدُّجَى بَدْرُ
يَمُوتُ النَّاسُ كُلُّهُمُ ... وَلا يُمْحَى لَهُ ذِكْرُ
وَفِي الْفِرْدَوْسِ مَثْوَاهُ ... نَعِيمٌ مَا لَهُ دَهْرُ
وَذَا دَابِي مَعَ الأَهْوَا ... لِ صَبْرٌ بَلْ رِضًا نَذْرُ
وَذَاكَ الْعَبْدُ لا يَهْوَى الْـ ... ـمَعَالِيَ إِذْ بِهَا الْعُسْرُ
فَمَا مِنْ مَبْدَأٍ إِلاَّ ... حَيَاةٌ عَيْشُهَا يُسْرُ
* * *
فَقَالَ الْقَيْدُ يَا حُرُّ ... صَدَقْتَ وَإِنَّكَ الْبَرُّ
لَقَدْ صَاحَبْتُ أَقْوَامًا ... مِنَ الأَحْرَارِ هُمْ كُثْرُ
فُكُنْتُ الْمُبْكِيَ الْبَاكِي ... وَكَانَ لَهُمْ مَعِي أَمْرُ
* * *
أَلا يَا أَيُّهَا الْقَيْدُ ... كَفَى ذَمًّا لَكَ الْقَهْرُ
فَإِنَّكَ لِلطُّغَاةِ يَدٌ ... عَلَى أَحْرَارِنَا شَرُّ
لَقَدْ آلَمْتَ أَقْوَامًا ... لأَهْلِ الأَرْضِ هُمْ ذُخْرُ
* * *
(1/25)

فَنَادَى الْقَيْدُ يَا حُرُّ ... أَنَا كَدَوَائِكُمْ مُرُّ
كَفَى فَخْرًا بِأَنِّي بِي ... يَبِينُ الْغِرُّ وَالْغُرُّ
فَمَنْ يَثْبُتْ فَذَا عِنْدِي ... رَبِيبٌ لِي بِهِ فَخْرُ
وَمَنْ يَهْوِي فَذَا حِمْلٌ ... هَوَى فَأَرَاحَ مَنْ بَرُّوا
إِذَا قَهْرًا أَكُونُ فَهَا ... أَنَا بِثَبَاتِكُمْ صِفْرُ
* * *
أَيَا قَيْدِي لِمَ الأَحْرَا ... رُ دَوْمًا فِي الْوَرَى نَزْرُ
* * *
أَجَابَ الْقَيْدُ يَا حُرُّ ... أَلا يَكْفِيكُمُ الدُّرُّ
جِبَالَ مَعَادِنٍ تَابَى ... وَتَهْوَى الدُّرَّ لا إِمْرُ
وَهَاكَ نَصِيحَتِي فَاثْبُتْ ... وَلا تَرْكَنْ لَكَ النَّصْرُ
وَكُنْ دَوْمًا مَعَ الأَحْرَا ... رِ ذَاكَ الْعِزُّ وَالْبِرُّ
عَسَى يَوْمًا بِأَيْدِيكُمْ ... يَزُولُ الظُّلْمُ وَالْكُفْرُ
وَيَاتِي أُمَّةَ الإِسْلا ... مِ مِنْ أَيْدِيكُمُ الْفَجْرُ
* * *
(1/26)

شِعْرِي
وَدَّ شِعْرِي لَوْ صَارَ سَيْفًا يُحَامِي ... عَنْ حِمَى قَوْمِي عَنْ حِمَى الإِيمَانِ
وَدَّ شِعْرِي لَوْ صَارَ مِنْهُ بُحُورٌ ... حِمَمًا أَوْ لَظًى عَلَى الطُّغْيَانِ
وَدَّ شِعْرِي لَوْ صَارَ شَاطِئَ بَحْرٍ ... لِسَفِينِ الْمُفَكِّرِ الْحَيْرَانِ
وَدَّ شِعْرِي لَوْ صَارَ بَيْتُهُ مَاوًى ... لأَبِيٍّ مِنْ ذِلَّةِ الْحِرْمَانِ
ذَاكَ شِعْرِي وَنَبْعُهُ مِنْ جَنَانِي ... ذَاكَ شِعْرِي يَفُوحُ مِنْهُ بَيَانِي
شِعْرُ حُرٍّ أَبَى الْخُنُوعَ وَيَرْجُو ... أَنْ يَرَى رَبَّهُ بِأَعْلَى الْجِنَانِ
* * *
(1/27)

وَزْنُ شِعْرِي نَغْمُ السِّيَاطِ حَزِينًا ... تُلْهِبُ الظَّهْرَ مِنْ أَبِيٍّ مُهَانِ
وَزْنُ شِعْرِي سُكُونُ لَيْلٍ رَهِيبٍ ... فِي سُجُونٍ تَنُوءُ بِالْحَيَوَانِ
وَزْنُ شِعْرِي آهَاتُ حُرٍّ صَرِيعٍ ... وَصُرَاخُ الْجِرَاحِ وَالسَّجَّانِ
وَزْنُ شِعْرِي صَوْتُ الإِبَاءِ يُنَادِي ... لا أُبَالِي بِالْقَتْلِ أَوْ بِالْهَوَانِ
* * *
صَارَ شِعْرِي رُوحًا تُقَارِنُ رُوحِي ... صَارَ نَفْسِي وَفِكْرَتِي وَكِيَانِي
قَدْ جَعَلْتُ الْقَرِيضَ بَدْرَ اللَّيَالِي ... نُورُهُ يَاتِي مِنْ صَدَى وِجْدَانِي
وَجَعَلْتُ الْبُحُورَ مَسْبَحَ فِكْرِي ... فَأَغُوصُ انْتِقَاءَ خَيْرِ الْجُمَانِ
(1/28)

إِنَّ فَخْرِي أَنْ صَارَ شِعْرِيَ سِحْرًا ... يَبْعَثُ الشَّعْبَ مِنْ رَدَى الطُّغْيَانِ
وَالأُبَاةُ الأَحْرَارُ قَدْ أَشْهَرُوهُ ... فِي وُجُوهِ الطُّغَاةِ مِثْلَ السِّنَانِ
وَعُتَاةُ الطُّغَاةِ قَدْ عَلِمُوهُ ... كَوَقُودِ الأَحْرَارِ بَلْ نِيرَانِ
(1/29)

عُمْرِي لَحْظَةٌ
سَنَتِي كَيَوْمٍ بَلْ لَعَشْرِي سَاعَةٌ ... مَرَّ الزَّمَانُ عَلَيَّ كَالأَحْلامِ
حُزْنٌ وَآلامٌ وَفَرْحٌ هَزَّنِي ... ذِكْرَى مَعِي وَكَأَنَّهَا أَوْهَامِي
قَدْ عِشْتُ أَحْزَانِي تَمُرُّ كَلِيلَةً ... وَالْفَرْحُ مَرَّ بِسُرْعَةِ الأَجْرَامِ
فَإِذَا انْقَضَى الأَحْزَانُ زَالَ زَمَانُهَا ... لا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْحِ وَالآلامِ
أَيْقَنْتُ حِينِي أَنَّ عُمْرِي لَحْظَةٌ ... لا فَرْقَ بَيْنَ الْيَوْمِ وَالأَعْوَامِ
مَضَتِ السِّنُونَ وَكُلُّهَا مِنْ لَحْظَتِي ... وَأَعِيشُ مُنْتَظِرًا عِنَاقَ حِمَامِي
(1/30)

كَمْ مِنْ فَتًى عَاشَ الْحَيَاةَ كَأَنَّهُ ... لَمْ يَاتِ لِلدُّنْيَا كَمَا الأَنْعَامِ
وَفَتًى مُنَى الدُّنْيَا تَطُولُ حَيَاتُهُ ... كَالشَّمْسِ كَالأَنْهَارِ كَالأَعْلامِ
فَسَمَاؤُهَا تَبْكِيهِ حِينَ وَفَاتِهِ ... وَالأَرْضُ حَتَّى الأُسْدُ فِي الآجَامِ
يَحْيَا بِذِكْرٍ يَبْعَثُ الأَحْرَارَ قَدْ ... صَارَتْ كَبَدْرٍ رُوحُهُ بِظَلامِ
وَلَقَدْ رَأَيْتُهُمَا فَأَضْنَانِي الْمُنَى ... لَكِنَّ دَرْبَ الْحُرِّ دَرْبُ جِسَامِ
وَلَقَدْ هَوَيْتُ الْعَيْشَ رَاسًا لِلإِبَا ... فَهَدَمْتُ جُبْنِي وَابْتَنَيْتُ رِجَامِي
فَالْعُمْرُ فِي ضَيْمٍ كَعُمْرٍ فِي الإِبَا ... وَالْمَوْتُ حُرًّا ذَاكَ كُلُّ مَرَامِي
* * *
(1/31)

هَلْ يَنْتَهِي لَيْلِي؟
لَيْلِي طَوِيلٌ وَهَلْ تُرَاهُ يُشْقِينِي ... وَاللَّيْلُ يُشْقِي وَمَا حُرٌّ بِمَغْبُونِ
إِذَا ظَنَنْتُ سَوَادَ اللَّيْلِ مُحْتَضَرًا ... إِذَا بِهِ فِي الصِّبَا يُدْمِي وَيُضْنِينِي
أَيْقَنْتُ أَنَّ لِلَيْلِي آخِرًا وَدَنَى ... وَهَلْ تُرَى أَنْتَهِي أَوْ يَنْتَهِي دُونِي؟
أُسَامُ مُنْذُ سِنِينَ الْقَهْرَ لَمْ أَهُنِ ... وَبِئْسَ قَهْرًا لِحُرٍّ عَيْشُ مَسْجُونِ
كَأَنَّنِي سَابِحٌ فِي الْبَحْرِ مُجْتَهِدًا ... وَمَا لَهُ شَاطِئٌ هَلْ ذَاكَ يَثْنِينِي
إِنْ يَظْهَرِ الشَّاطِئُ الْمَامُولُ أَسْتَرِحِ ... وَإِنْ حُرِمْتُ سَأَمْضِي، الْعَزْمُ يُغْنِينِي
(1/32)

نَفْسِي تُحَدِّثُنِي: أَسْوِا بِأَنْ يَقَعَ الْـ ... ـأَحْرَارُ فِي قَبْضَةِ الطُّغْيَانِ وَالْهُونِ
الأُسْدُ فِي الأَسْرِ وَالْكِلابُ عَاتِيَةٌ ... وَاللَّيْلُ يَغْشَى وَذِي الأَهْوَالُ تُدْمِينِي
يَا نَفْسُ لاتَحْزَنِي لَوْ عِشْتُ مُعْتَصِمًا ... بِالْحَقِّ هَلْ بَعْدَ ذَا الآلامُ تَعْنِينِي؟!
فِي الأَسْرِ أَحْيَا أُزَلْزِلُ الطُّغَاةَ وَهَلْ ... يَسُوءُنِي الأَسْرُ؟ إِنَّ الأَسْرَ لِلدِّينِ
مَا دَامَ قَلْبِي طَلِيقًا مَا بِهِ حَزَنٌ ... وَالْجِسْمُ إِنْ يَاسِرُوهُ الْقَلْبُ يَحْمِينِي
إِنْ مَزَّقُوا جَسَدِي فَالْقَلْبُ لَمْ يَهُنِ ... لَهُ رَجَاءٌ بِأَجْرٍ غَيْرِ مَمْنُونِ
أَمَا تَرَيْنَ الطُّغَاةَ مَا لَهُمْ حِيَلٌ ... وَذَا الثَّبَاتُ كَنَهْرٍ دَامَ يَرْوِينِي
(1/33)

فَهُمْ يَرَاعٌ تَهِبُّ الرِّيحُ تَكْسِرُهُ ... وَإِنَّنِي جَبَلٌ مَا الرِّيحُ تُؤْذِينِي
فَلا يَغُرَّنَّكِ اللَّيْلُ الْبَهِيمُ فَلَنْ ... أَرْضَى بِنَفْسٍ إِذَا الآلامُ تُرْدِينِي
وَأَنْتَ يَا لَيْلُ مَا زِلْنَا نَسِيرُ مَعًا ... آلَيْتُ أَنِّي سأَبْقَى غَيْرَ مَحْزُونِ
حُرًّا سَأَبْقَى أُعِزُّ دَعْوَتِي وَإِذَا ... مَا مِتُّ حُرًّا فَذَاكَ الْمَوْتُ يُحْيِينِي
* * *
(1/34)

عِنْدَمَا بَكَى وَبَكَيْتُهُ الْكِتَابُ (1)
بَكَيْتُ وَهَلْ عَادَ يُجْدِي الْبُكَاءْ ... نَسُونِي وَمَا نِلْتُ حَتَّى الْعَزَاءْ
فَكُنْتُ كَبَدْرٍ يُنِيرُ الدُّجَى ... وَقَدْ نُسِيَ الْيَوْمَ بِالْكَهْرَبَاءْ
أَنَا جَنَّةٌ فِي الْوُجُودِ لِكَيْ ... يَجُولَ الْوَرَى سَاعَةً فِي صَفَاءْ
وَقَدْ رَسَمُونِي عَلَى لَوْحَةٍ ... فَزِدْتُ جَمَالاً وَزِدْتُ الْبَهَاءْ
هَلِ الرَّسْمُ يُغْنِي عَنِ الأَصْلِ أَوْ ... لِرَسْمٍ مَعَ الأَصْلِ أَيُّ اسْتِوَاءْ؟
_________
(1) هذه القصيدة كتبتها وكنت أشتاق لرؤية ورقة - ورقة واحدة فقط - مكتوبة.
(1/35)

أَنَا الأَصْلُ أَرْضِيَ بِي جَنَّةٌ ... وَغَيْرِي الْفُرُوعُ لَهَا بِي النَّمَاءْ
فَإِنْ مِتُّ مَاتَ الْفُرُوعُ وَإِنْ ... مَرِضْتُ فَهَلْ لِلْفُرُوعِ الشِّفَاءْ
وَهَلْ عَاشَ فَرْعٌ بِدُونِي وَمَا ... أُلاقِي مِنَ الْقَوْمِ إِلاَّ الْجَفَاءْ
أَنَا الْبَحْرُ مَائِيَ مَاءُ الذَّهَبْ ... وَقَاعِي بِهِ الدُّرُّ لَيْسَ فَنَاءْ
فَمَنْ يَمْدُدِ الْيَدَ نَالَ الذَّهَبْ ... وَمَنْ غَاصَ فَالدُّرُّ نِعْمَ الْجَزَاءْ
أَنَا النَّهْرُ إِذْمَا رَآنِي الصَّدَى ... سَيَنْهَلُ مِنِّيَ مَاءً رَوَاءْ
وَلَوْلا الشَّهَامَةُ مَا جُدْتُ بَلْ ... تَمَنَّعْتُ إِلاَّ مِنَ الأَوْفِيَاءْ
(1/36)

وَلَيْسَ الْكَرِيمُ يُجَازِي بِمَا ... يُلاقِي مِنَ الْحُمْقِ وَالْجُهَلاءْ
وَضَمَّدَ جُرْحِي رِجَالٌ لَهُمْ ... حَنِينٌ وَشَوْقٌ لِيَوْمِ اللِّقَاءْ
فَهُمْ فَقَدُونِي سِنَينَ وَمَا ... كَفَقْدِي لَدِيهِمُ أَيُّ عَنَاءْ
إِذَا مَا رَأَى وَاحِدٌ وَرْقَةً ... كَأَنَّ الْمَرِيضَ يَنَالُ الشِّفَاءْ
كَأَنَّ الْفَتَى جُوعُهُ كَالرَّدَى ... رَأَى الضَّانَ يُشْوَى لَدَى الصَّحَرَاءْ
إِذَا خَيَّرُوهُمْ بِمَالِ الْوَرَى ... نَصِيبًا مَعِي كُنْتُهُ لا مِرَاءْ
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لأُنَالَ ثَمَنْ ... سِوَى بَعْضِ عُمْرٍ رَضُوا بِالْوَفَاءْ
(1/37)

أَنَا مِثْلُهُمْ غُرْبَةً فِي الْوَرَى ... وَيَوْمًا يَكُونُ لِقَا الْغُرَبَاءْ
فَنَنْسَى الْجِرَاحَ وَهَذَا الأَسَى ... وَنَحْيَا مَعًا دَائِمًا قُرَنَاءْ
وَلِلنُّورِ نَنْشُرُ نَمْحُو الدُّجَى ... وَأَبْقَى وَيَبْقَى لِيَ الْفُضَلاءْ
* * *
(1/38)

عِيدُ أُمَّةٍ هَانَتْ
الْعِيدُ يَبْكِي وَالسُّرُورُ حَزِينُ ... وَالْفَرْحُ يَدْمَى وَالْحَيَاةُ تَهُونُ
وَالْكُفْرُ يَصْرُخُ فِي الْبَرِيَّةِ كُلِّهَا ... سَأُبِيدُ أُمَّةَ أَحْمَدٍ وَأُهِينُ
وَالْهُونُ نَاءَ بِحِمْلِ قَوْمٍ قَدْ رَضُوا ... بِالضَّيْمِ عِزُّهُمُ مَتَى سَيَحِينُ
قَدْ صَاحَ فِي قَوْمِي كَفَى رُحْمَاكُمُ ... هَلاَّ سَئِمْتُمْ ذُلَّكُمْ فَأَبِينُ
هَلْ أَنْتُمُ سَمَكٌ بِبَحْرٍ مَا حَيَا ... فِي الذُّلِّ دَوْمًا عَيْشُهُ مَامُونُ؟!
لَمَّا احْتَسَيْتُمْ كَاسَهُ فِي نَشْوَةٍ ... أَدْمَنْتُمُوهُ فَفِي الْقُلُوبِ مَكِينُ
(1/39)

عَقَرَتْ قُلُوبَكُمُ وَأَفْنَتْ عِزَّكُمْ ... مَاتَتْ مُرُوءَتُكُمْ فَبِئْسَ الْهُونُ
لَوْ هَبَّ حُرٌّ بَيْنَكُمْ صَارَ الْقَتِيـ ... ـلَ أَوِ الشَّرِيدَ وَبِئْسَمَا الْمَسْجُونُ
ذَاكُمْ جَزَاءُ الْبَدْرِ فِي لَيْلِ الدُّجَى؟! ... أَبْئِسْ بِقَوْمٍ لَيْثُهُمْ مَغْبُونُ!
وَالْعِيدُ يَاتِي كُلَّ عَامٍ بِالأَسَى ... حَتَّى تَمَنَّى لَوْ أَتَاهُ مَنُونُ
قَدْ كُنْتُ أَكْسُو ذِي الْحَيَاةَ بِفَرْحَةٍ ... وَسَعَادَةٍ وَجْهَ الْحَيَاةِ أَزِينُ
فِي عِزَّةٍ أَلْقَى الأَضَاحِيَ مِنْ طَوَا ... غِيتِ الْوَرَى هُمْ وَالشِّيَاهُ قَرِينُ
فِي ذَا الزَّمَانِ الْهُونُ صَارَ إِهَابَكُمْ ... شَابَ الدِّمَاءَ عَلَى الْقُلُوبِ يَرِينُ
(1/40)

فَكَسَوْتُمُونِي هُونَكُمْ وَشَقَاءَكُمْ ... وَكَأَنَّنِي زَمَنَ الْهَوَانِ شُجُونُ
هَلْ يَفْرَحَنْ قَوْمٌ طَغَى حُكَّامُهُمْ ... وَالْكُلُّ يَسْجُدُ وَالأَبِيُّ سَجِينُ؟!
هَلْ يَفْرَحَنْ قَوْمٌ طَغَى أَعْدَاؤُهُمْ ... أَرْبَابُهُمْ هُمْ سَاجِدٌ وَخَؤُونُ؟!
هَلْ يَفْرَحَنْ قَوْمٌ دِمَاهُمْ أَبْحُرٌ ... رُخْصَ التُّرَابِ وَقَطْرُ غَيْرُ ثَمِينُ (1)؟!
لَكِنْ إِذَا انْتَفَضَ الأُبَاةُ لِتَعْلَمُوا ... أَنِّي أَعُودُ مُبَشِّرًا فَأُعِينُ
وَإِذَا قَتَلْتُمْ هُونَكُمْ تَجِدُونَنِي ... مَعَكُمْ بِرُوحِي مَا الْفِرَاقُ يَكُونُ
فَإِذَا أَتَيْتُ كَسَوْتُمُونِي عِزَّةً ... وَكَسَوْتُكُمْ فَرَحًا وَنِعْمَ الْحِينُ
_________
(1) أي: وقطرُ غيرهم ثمين.
(1/41)

وَإِذَا طَوَاغِيتُ الْوَرَى أُضْحِيَّةً ... سَيَعُودُ عُمْرِي لِلصِّبَا وَالدِّينُ
هَلْ يَرْجِعَنْ ذَاكَ الزَّمَانُ؟! لَرُبَّمَا ... الْحُلْمُ يَصْدُقُ وَالْهَوَانُ يَبِينُ
* * *
(1/42)

مُسْلِمَةٌ تَتَحَدَّثُ عَنْ نَفْسِهَا
أَنَا رُوحُ أُمَّتِي وَدِرْعُ الْكُمَاةِ ... أَنَا امْرَأَةٌ لَكِنِّ رُعْبُ عُدَاتِي
أَنَا أُمَّةٌ لا الأُمُّ تُنْجِبُ وُلْدَهَا ... وَلا شَهْوَةٌ تَبْدُو لَدَى النَّظَرَاتِ
أَنَا الطُّهْرُ فِي هَذِي الْحَيَاةِ وَعِفَّتِي ... تَفُوحُ إِذَا مَا سِرْتُ فِي الطُّرُقَاتِ
وَهَذَا حِجَابِي الْحِفْظُ مِنْ سَهْمِ غَادِرٍ ... كَأَثْمَنِ دُرٍّ صِينَ فِي الصَّدَفَاتِ
أَنَا مَثَلِي الْخَنْسَاءُ نَنْصُرُ دِينَنَا ... وَأُمْنِيَّةُ الأَعْدَاءِ أَخْسَرُ ذَاتِي
أَسِيرُ عَلَى دَرْبِ الْهَوَى أَمْقُتُ التُّقَى ... حَيَاةَ الْهَوَى وَالْفِسْقِ وَالْعَاهِرَاتِ
(1/43)

أَرَادُوا حَيَاتِي وَالْكُؤُوسَ لِيُغْرِقُوا ... شَبَابَ الْهُدَى فِي الْفِسْقِ وَالْغَانِيَاتِ
أَرَادُوا مَصِيرِي بِئْسَ ذُلاًّ لأُمَّتِي ... وَبِئْسَ هَلاكُ الأُسْدِ فِي الشَّهَوَاتِ
يَزِينُونَ لِي دَرْبَ الْغَوَايَةِ وَالرَّدَى ... يَقُولُونَ: إِنِّي نِصْفُ مُجْتَمَعَاتِي
أَلَمْ يُدْرِكُوا أَنِّي أَنَا الْقَوْمُ كُلُّهُمْ ... أَنَا رَحْمَةٌ تُهْدَى وَهَبْتُ حَيَاتِي
أَنَا الرُّوحُ بَعْثِي لِلْحَيَاةِ لأُمَّتِي ... وَقَدْ ظَنَّهَا الأَعْدَاءُ دُونَ الرُّفَاتِ
سَأُنْجِبُ أَبْطَالاً يُعِيدُونَ مَجْدَنَا ... جُيُوشًا مِنَ الْقَعْقَاعِ عِزَّ الْكُمَاةِ
سَأُرْضِعُهُمْ حُبَّ الشَّهَادَةِ وَالتُّقَى ... وَنُصْرَةَ إِسْلامِي وَبَاسَ الأُبَاةِ
(1/44)

أَنَا النُّورُ بِي تَفْنَى دَيَاجِيرُ لَيْلِنَا ... سَآتِي بِأَقْمَارٍ تُضِي الظُّلُمَاتِ
وَيَوْمًا سَآتِي بِالشُّمُوسِ لِتُنْهِيَ الْـ ... ـلَيَالِي الأَسَى وَالذُّلَّ وَالنِّقَمَاتِ
* * *
(1/45)

رِثَاءُ الشَّيْخِ أَحْمَدَ يَاسِين
بَكَتِ الْعُيُونُ وَلاتَ حِينَ بُكَاءِ ... الْحِينُ حِينُ مَدَافِعٍ وَدِمَاءِ
شَيْخًا قَعِيدًا يَقْذِفُونَ لِيَسْعَدُوا ... عَجِبَ الْوَرَى مِنْ خِسَّةٍ وَغَبَاءِ
وَمَتَى الصَّوَارِيخُ الْبَئِيسَةُ زَلْزَلَتْ ... جَبَلاً؟! فَيَا لَتَعَاسَةِ الْجُبَنَاءِ!
قَتَلُوكَ يَا رَمْزَ الصُّمُودِ فَقَدْ رَأَوْا ... جَبَلاً سَمَا مِنْ عِزَّةٍ وَإِبَاءِ
وَرَأَوْكَ نَهْرًا يَرْتَوِي مِنْهُ الْهُدَى ... أَبْطَالُ أُمَّتِنَا وَكُلُّ فِدَائِي
وَرَأَوْكَ نَجْمًا ثَائِرًا تَهْدِي إِلَى ... دَرْبِ الْجِهَادِ وَرِفْعَةٍ وَوَفَاءِ
(1/46)

وَرَأَوْكَ بَدْرًا فِي ظَلامٍ دَامِسٍ ... لِتَظَلَّ أُمَّتُنَا بِغَيْرِ ضِيَاءِ
وَرَأَوْكَ لَيْثًا إِنْ زَأَرْتَ تَزَلْزَلُوا ... وَلَئِنْ رَنَوْتَ فَرُعْبُهُمْ كَظِبَاءِ
وَرَأَوْكَ رُوحًا تَبْعَثُ الأَمْوَاتَ مِنْ ... قَبْرِ الْهَوَانِ وَذِلَّةِ الْعُمَلاءِ
كَانَتْ خِيَانَتُهُمْ كَعَاهِرَةٍ تُجَا ... هِرُ بِالعَفَافِ بِطُهْرِهَا بِحَيَاءِ
كَانَ الخِيَانَةُ كَالنُّجُومِ دَفَنْتَهَا ... فِي الأَرْضِ حِينَ أَتَيْتَ بِالشُّرَفَاءِ
كَانَ الغِنَاءُ عَلَى الجِرَاحِ وَهَا هُمُ ... يَتَرَاقَصُونَ عَلَى أَسَى الأَشْلاءِ
هَذِي حَيَاتُكَ ثُمَّ مَوْتُكَ كَشَّفَا ... عَوْرَاتِهِمْ وَفُجُورَهُمْ بِجَلاءِ
أَوَلَمْ يَرَوْا تِلْكَ الدِّمَا كَمْ أَنْبَتَتْ ... فِي أَرْضِنَا مِنْ زُمْرَةِ الشُّهَدَاءِ
(1/47)

كَيْفَ الْكَلامُ يَصِيرُ حَيًّا بَيْنَمَا ... لا فَرْقَ بَيْنَ الْحُمْقِ وَالْبُلَغَاءِ
كَيْفَ الْقَعِيدُ يَصِيرُ لَيْثًا فِي الْوَغَى ... وَجُيُوشُنَا كَالشَّاةِ فِي خُيَلاءِ
كَيْفَ الأَبِيُّ يَصِيرُ أَشْلاءً فَنَتْ ... فَتَصِيرَ مِيتَتُهُ مُنَى الْكُرَمَاءِ
يَا فَخْرَ أُمَّتِنَا وَرُعْبَ عُدَاتِنَا ... يَا مَنْ رَمَيْتَ ظَلامَنَا بِضِيَاءِ
يَا أَيُّهَا اللَّيْثُ المُوَدِّعُ بُؤْسَنَا ... يَا مَنْ بَكَتْكَ قُلُوبُنَا بِدِمَاءِ
يَا مَنْ بَكَتْكَ الأرْضُ كَالثَّكْلَى وَذِي ... أُسْدُ الشَّرَى تَبْكِيكَ فِي الأَنْحَاءِ
يَبْكِيكَ أَحْرَارُ الْوَرَى وَأُبَاتُهُمْ ... يُؤْسِي الجِرَاحَ رَجَاءُ يَوْمِ لِقَاءِ

* * *
(1/48)

حوار بين ليفني ومبارك بشأن غزة (1)
هَلاَّ مُبَارَكُ زِدْتَنَا ... مِنْ فَضْلِ خَيْرِكُمُ الدَّفِينْ
فَلْتُعْطِنَا مِنْ لَحْمِ غَزْ ... ـزَةَ مِنْ دِمَاءِ المُسْلِمِينْ
* * *
أَظَنَنْتِ - لِفْنِي - أَنَّنِي ... عَنْ نَصْرِكُمْ أَبَدًا أَلِينْ
أَنَا حَرْبَةٌ فِي سَاعِدَيْـ ... ـكِ مَتَى رَمَيْتِ سَتُنْصَرِينْ
أَنَا كَالحِذَاءِ بِرِجْلِكُمْ ... لَكِنَّنِي لا لا أَبِينْ
أَوَمَا رَأَيْتُمْ فَجْرَتِي؟! ... صَارُوا جَمِيعًا جَائِعِينْ
وَحَرَمْتُهُمْ حَتَّى الدَّوَا ... ءَ جَعَلْتُهُمْ فِي الأَسْفَلِينْ
وَوَدِتُّ لَوْ مُنِعَ الهَوَا ... ءُ فَأَسْتَرِيحَ وَأَسْتَكِينْ
* * *
_________
(1) كتبتها أثناء الحملة الصهيونية على غزة، وقد أعلنتها ليفني من مصر، ويا لها من مأساة!
(1/49)

شُكْرًا مُبَارَكُ لا نُوَفْـ ... ـفِي كَلْبُنَا أَنْتَ الأَمِينْ
لَولاكَ مَا حُرِمُوا الطَّعَا ... مَ وَلا الدَّوَاءَ وَلا المُعِينْ
سَنُرِيكَ مَا يَرْوِي غَلِيـ ... ـلَكَ مِنْ دِمَاءِ المُؤْمِنِينْ
سَتَرَى الثَّكَالَى وَالطُّفُو ... لَةَ فِي الْقُبُورِ مُمَزَّقِينْ
سَنُرِيكَ أَحْلامَ الطُّفُو ... لَةِ فِي الْعَوِيلِ وَفِي الأَنِينْ
سَنُرِيكَ أَشْلاءَ الأُسُو ... دِ نُرِيكَ أَحْشَاءَ الجَنِينْ
فَاهْنَا وَلا تَحْزَنْ سَتَرْ ... وَى مِنْ دِمَاءِ المُسْلِمِينْ
* * *
(1/50)

غزة .. لا تخرُّ مع الساجدين
أَنَا غَزَّةٌ أَيُّهَا الخَائِنُونْ ... عَبِيدَ الْيَهُودِ حُمَاةَ المُجُونْ
أَنَا غُرَّةٌ فِي جَبِينِ الإِبَاءِ ... أَنَا قِصَّةٌ كُلُّ حَرْفٍ مُبِينْ
فَشِيدُوا جِدَارًا مِنَ العَارِ صُبُّوا ... بِفُولاذِكُمْ وَاخْلِطُوا بِالمَنُونْ
وَزِيدُوا رَضِيعِي وَطِفْلِيَ جُوعًا ... وَسُمُّوا جِرَاحِي وَجُبُّوا الوَتِينْ
أَعِدُّوا طِلاَءً مِنَ الغِلِّ يَجْرِي ... بِأَعْمَاقِكُمْ فِي القُلُوبِ مَكِينْ
وَصُبُّوا رَصَاصًا عَلَى كُلِّ شِبْرٍ ... بِأَرْضِي لِقَتْلِ الثَّرَى وَالجَنِينْ
(1/51)

وَهَاتُوا جُيُوشَ الوَرَى مَانِعِينَ ... نَسِيمَ الهَوَاءِ وَدَمْعَ المُعِينْ
فَهَلاَّ عَلِمْتُمْ - وَبِئْسَ الجَهُولُ ... بِأَنِّي لِنَهْرِ الإِبَاءِ مَعِينْ
وَأَنِّيَ شَمْسٌ لِبَدْرِ الصُّمُودِ ... وَأَنِّي بِبَحْرِ الهَوَانِ سَفِينْ
وَأَنِّي سَجَدْتُ لِرَبٍّ رَحِيمٍ ... فَكَيْفَ أَخِرُّ مَعَ السَّاجِدِينْ؟!
وَكَيْفَ أُبَالِي وَنَزْفِي إِبَاءٌ ... وَنَزْفُ الوَرَى ذِلَّةٌ لا تَبِينْ (1)؟!
وَكَيْفَ أُبَالِي وَرَبِّي نَصِيرِي؟! ... فَصُفُّوا جُيُوشًا مِنَ العَالَمِينْ
سَأُرْضِعُ طِفْلِي إِبَاءً وَتَقْوَى ... وَعِشْقَ الشَّهَادَةِ لَسْتُ أَلِينْ
_________
(1) لا تنقطع.
(1/52)

أُدَاوِي مَرِيضِي دَوَاءَ الأُسُودِ ... فَإِمَّا جَسُورًا وَإِمَّا المَنُونْ
وَأَمَّا أُسُودِي فَإِيمَانُهُمْ ... يُزَلْزِلُ أَسْوَارَكُمْ وَالحُصُونْ
وَيَصْهَرُ فُولاذَكُمْ سَتَرَوْنَ ... بِأَنْقَاضِ جُدْرَانِكُمْ يَاكُلُونْ
فَجِدُّوا أَرُونِيَ طُغْيَانَكُمْ ... وَإِنِّي أُرِيكُمْ مَعَانِي اليَقِينْ
وَعَهْدَ الخِيَانَةِ وَالغَدْرِ أَدُّوا ... عَلَى خِزْيِكُمْ قَدْ حَلَفْتُ اليَمِينْ
فَنَارُ الجِهَادِ وَقَدْ أُوقِدَتْ ... سَتُحْرِقُ كُلَّ ذَلِيلٍ خَؤُونْ
* * *
(1/53)

يا قُدْسُ صبرًا
طُفْ خَاطِرِي عَانِقِ الأَقْصَى وَلا تَهِمِ ... وَابْكِ الْبُحُورَ دَمًا وَاذْرِفْ عَلَى الْحُرُمِ
بَلِّغْ سَلامِي وَشَوْقِي وَاعْتَذِرْ لِفَتًى ... يَحْيَا أَسِيرًا فَلَمْ يَمْلِكْ سِوَى الْكَلِمِ
حَتَّى قَرِيضِي أَسِيرٌ مِثْلُ شَاعِرِهِ ... لَكِنَّ يَوْمًا سَيُضْحِي فِيهِ كَالْحِمَمِ
ثَارَ الْحَنِينُ إِلَى الأَقْصَى إِلَى قُدُسِي ... شَوْقِي وَوَجْدِيَ نِيرَانٌ مِنَ الأَلَمِ
قَدِ اسْتَحَالَ اللِّقَا وَالشَّوْقُ يَدْفَعُنِي ... وَذِي الْحُدُودُ سُجُونٌ فَارْوَ بِالْحُلُمِ
فَقَطْرُ مَاءِ الْفَتَى فِي الْبِيدِ يُنْقِذُهُ ... وَالْحُلْمُ يُسْلِيهِ فِي أَسْرٍ وَفِي الْغَمَمِ
(1/54)

فَاحْمِلْ ثَرَاهَا وَقَبِّلْ أَرْضَهَا وَقِفَا ... بِالصَّخْرَةِ اذْكُرْ زَمَانَ الْعِزِّ وَالْكَرَمِ
اذْكُرْ زَمَانَ صَلاحٍ وَابْكِ مِنْ زَمَنٍ ... عَلا الطُّغَاةُ وَأَهْلُ البَغْيِ فِي الأُمَمِ
قَدْ وَحَّدُوا صَفَّهُمْ؛ هَلْ كَانَ بَيْنَهُمُ ... إِلاَّ الْقَضَاءَ عَلَى الإِسْلامِ مِنْ ذِمَمِ؟!
وَالْعُرْبُ حُكَّامُهُمْ أُسْدٌ إِذَا وَقَفُوا ... ضِدَّ الشُّعُوبِ الَّتِي أَضْحَتْ كَمَا الرِّمَمِ
قَتْلٌ وَتَعْذِيبُ أَحْرَارٍ وَبَاسُهُمُ ... مَا لانَ يَوْمًا فَلا نِدٌّ لِذِي الْهِمَمِ
فَلَوْ أَتَاهُمْ صَلاحُ الدِّينِ لانْتَفَضُوا ... فَصَارَ فِي الأَسْرِ أَوْ رَدُّوهُ لِلرَّجَمِ
وَصَارَ عِنْدَهُمُ رَاسَ التَّطَرُّفِ وَالْـ ... ـإِرْهَابِ صَارَ عَمِيلاً بَاغِيَ الْحُكُمِ
(1/55)

أَمَّا إِذَا وُقِفُوا ضِدَّ الْيَهُودِ فَلَنْ ... تَرَاهُمُ غَيْرَ قُطْعَانٍ مِنَ الْغَنَمِ!
فَالْحَرْبُ (فَرٌّ وَفَرٌّ) عِنْدَهُمْ أَبَدًا ... جُيُوشُهُمْ دِرْعُهُمْ مِنْ ثَوْرَةِ الْعَمَمِ
هُمُ الطُّغَاةُ رُؤُوسُ الذُّلِّ كَيْدُهُمُ ... كَيْدُ الشَّيَاطِينِ أَجْسَادٌ مِنَ الظُّلُمِ
قَدْ حَارَبُوا رَايَةَ الإِسْلامِ وَاخْتَرَعُوا ... لِلْعُرْبِ رَايَاتِ طُغْيَانٍ وَذُلِّهِمِ
وَكُلَّمَا مَرَّتِ الأَيَّامُ مَا حَكَمُوا ... نَهْوِي بِأَعْمَاقِ بَحْرِ الْهُونِ وَالنِّقَمِ
طُفْ خَاطِرِي عَانِقِ الآهَاتِ مِنْ دَمِهَا ... آلامُهَا تَسْفِكُ الآهَاتِ مِنْ أَلَمِي
وَاجْعَلْهُمَا لَعْنَةً تُرْدِي الطُّغَاةَ وَمَنْ ... خَانَ الْعُهُودَ وَمَنْ يَحْيَا كَمَا النَّعَمِ
(1/56)

تُسَطِّرُ اليَوْمَ فِي التَّارِيخِ مَلْحَمَةً ... رَغْمَ الخِيَانَةِ وَالإِجْرَامِ وَالغَمَمِ
نِسَاؤُهَا قَدْ نَسَجْنَ العِزَّ أَرْدِيَةً ... ثَكْلَى وَأَرْمَلَةٌ حَمَّالَةُ اليُتُمِ
غَرْقَى بِبَحْرِ الأَسَى وَلا صَرِيخَ يُرَى ... صِرْنَ الْجِبَالَ مِنَ السُّلْوانِ وَالهِمَمِ
أَحْيَيْنَ عَهْدًا فَصِرْنَا اليَوْمَ نُبْصِرُهُ ... وَقَبْرُهُ كَانَ بَيْنَ الْقَصِّ وَالحُلُمِ
أَضْحَيْنَ خَنْسَاءَ فِي بَذْلٍ وَتَضْحِيَةٍ ... أَضْحَيْنَ هُنَّ لَنَا كَالنُّورِ فِي الغَسَمِ
أَهْدَيْنَ جِيلاً مِنَ الأَبْطَالِ أُمَّتَنَا ... أَرْضَعْنَهُ عِزَّةَ الأَحْرَارِ وَالصِّمَمِ
كَمْ يَحْرِقُونَ مِنَ الأَطْفَالِ فَرْحَتَهُمْ ... يُتْمٌ وَتشْرِيدٌ اوْ يَحْيَوْنَ فِي الرَّجَمِ
(1/57)

لَكِنْ أُولاءِ بَنُو الخَنْسَاءِ وَا عَجَبَا ... بُكَا الرَّضِيعِ زَئِيرٌ رَاعِبُ العُجُمِ
صِبْيَانُهَا كَأَسُودٍ لا تَهَابُ رَدًى ... يَا لَلْحِجَارَةِ مِنْ بَاسٍ وَمِنْ غُنُمِ!
يَا لَلأَيَادِي الَّتِي تُلْقِي بِهَا سَلِمَتْ! ... كَأَنَّهَا بِالضِّيَا تُلْقِي عَلَى الدُّهُمِ
يَا لَلنُّفُوسِ الَّتِي تُشْرَى مُضَحِّيَةً! ... يَا لَلصُّدُورِ الَّتِي تَعْرَى مِنَ الوَهَمِ!
يَا لَلْبَرَاءَةِ إِذْ ثَارَتْ مُفَزِّعَةً ... يَا لَلْقُلُوبِ الَّتِي تَصْفُو مِنَ الهَزَمِ!
شَبَابُهَا غُرَّةٌ فِي وَجْهِ أُمَّتِنَا ... كَالنَّجْمِ فِي البِيدِ أَوْ كَالْبَدْرِ فِي الْعَتَمِ
صَوْتُ القَنَابِلِ قَدْ أَضْحَى لَهُمْ طَرَبًا ... يَا أُمَّةً غَرِقَتْ فِي الرَّقْصِ وَالنَّغَمِ
(1/58)

عِشْقَ الشَّهَادَةِ قَدْ فَاحَتْ قُلُوبُهُمُ ... يَا أُمَّةً غَرِقَتْ فِي العِشْقِ وَالوَصَمِ
هُمْ كَالصُّقُورِ فَلَمْ تُخْطِئْ فَرَائِسَهَا ... هُمْ كَالأُسُودِ فَلَمْ تَرْهَبْ مِنَ الأُمَمِ
رُهْبَانُ لَيْلٍ لِتَعْجَبْ مِنْ مَدَامِعِهِمْ ... أَهُمْ حَمَائِمُ أَمْ أُسْدٌ لَدَى الأَجَمِ؟!
أَمْ هُمْ طَلائِعُ بِشْرٍ نَصْرُ أُمَّتِنَا ... يَمْحُونَ عَهْدًا مِنَ الأَحْزَانِ وَالنِّقَمِ
بُشْرَى النَّبِيِّ هُمُ تَحْيَا القُلُوبُ بِهِمْ ... لا يَعْبَؤُونَ بِخَوَّانٍ وَمُنْهَزِمِ
يَا قُدْسُ صَبْرًا فَذِي آهَاتُكِ اسْتَعَرَتْ ... فِي نَفْسِ كُلِّ أَبِيٍّ نَاءَ بِالضَّيَمِ
دِمَاكِ أَغْلَى عَلَى الأَحْرَارِ مِنْ دَمِهِمْ ... غَدًا تَثُورُ عَلَى الطُّغْيَانِ كَالْحِمَمِ
(1/59)

يَا رَبِّ مِنْ شُعَرَائِهَا عُدِدْتُ فَجُدْ ... وَاجْعَلْنِ مِنْ أُسْدِهَا فِي حَرْبِهَا الحَدَمِ
يَا رَبِّ وَارْوِ ثَرَاهَا مِنْ دِمَاءِ فَتًى ... يَرْجُو لِقَاها نَصِيرًا مُوفِيَ الذِّمَمِ

* * *
(1/60)

أَنَا شَاهِدٌ بَيْنَ الْوَرَى: النِّفْطُ أَغْلَى مِنْ دَمِكْ
معارضة لقصيدة الشاعر فاروق جويدة: "بغداد لا تتألمي؛ من قال إن النفط أغلى من دمي"
أَنَا شَاهِدٌ بَيْنَ الْوَرَى
النِّفْطُ أَغْلَى مِنْ دَمِكْ
بَلْ مَاءُ بِئْرٍ آسنٌ
حَتَّى الثَّرَى
الْكُلُّ أَغْلَى مِنْ دَمِكْ
بَلْ دَمْعَةٌ فِي عَيْنِ كَلْبٍ شَارِدٍ
أَوْ هِرَّةٍ
وَالشَّاةُ تُذْبَحُ كَمْ بَكَاهَا مِنْ فِئَامِ النَّاسْ
(1/61)

فَتَظَاهَرُوا وَتَجَمَّعُوا تَحْتَ الْجَلِيدْ
هَتَفُوا لَهَا ... حَنُّوا لَهَا
وَكَأَنَّهَا طِفْلٌ وَلِيدْ
هَلْ يَسْمَعَنْ أَحَدٌ بِأَنَّ الْيَوْمَ يُبْكَى مِنْ دَمِكْ
كَمْ مِنْ نِسَائِكَ ذَبَّحُوا
أَوْ هُتِّكَتْ أَعْرَاضُهُنَّ
كَذَا الرِّجَالْ
كَمْ مِنْ رَضِيعٍ يُذْبَحُ
أَوَمَا رَأَيْتَ بِشَاشَةِ التِّلْفَازِ
كَيْفَ يَسِيلُ بَحْرٌ مِنْ دَمِكْ
وَنَهَارُ يَوْمِكَ مُظْلِمٌ
مِمَّا غَشَاهُ مِنْ هَوَانِكَ
كُلَّ يَوْمْ
(1/62)

الْبُوسْنَةُ الشِّيشَانُ بَلْ
فِي كُلِّ شِبْرٍ مِنْ دِيَارِ الْمُسْلِمِينْ
يَوْمٌ كَفَانَا فِي فِلَسْطِينْ
* * *
أَنَا شَاهِدٌ بَيْنَ الْوَرَى
النِّفْطُ أَغْلَى مِنْ دَمِكْ
مُذْ يَوْمِ أَنْ أُلْقِيتَ فِي بَحْرِ الْهَوَانِ
غَرِقْتَ فِيهِ
فَهَلْ عَلِمْتَ بِأَنَّ حَقَّكَ فِي الْحَيَاةِ قَدِ انْتَهَى
فَالْيَوْمَ تُذْبَحُ فِي أَمَانٍ فِي هَوَانْ
وَالْيَوْمَ عِرْضُكَ يُسْتَهَانْ
وَبُحُورُ هَذِي الأَرْضِ وَالأَنْهَارُ
تَجْرِي مِنْ دُمُوعِكَ مِنْ دِمَاكْ
(1/63)

وَتَظَلُّ دَوْمًا هَكَذَا
مَا لَمْ تُرِدْ
بَلْ تَسْعَ يَوْمًا لِلنَّجَاهْ
مِنْ بَحْرِكَ الْمَلْعُونِ
مِنْ بَحْرِ الْهَوَانْ
وَتَظَلُّ تُبْكَى دَمْعَةُ الْحَيَوَانْ
وَيَظَلُّ كُلُّ مُنَاكَ أَنْ
يَوْمًا تَصِيرُ دِمَاؤُكُمْ
كَدُمُوعِهِ
يَحْمِيهَا أَنْصَارُ الْحُقُوقِ مِنَ الطَّغَامْ
وَيَظَلُّ كُلُّ مُنَاكَ أَنْ
يَوْمًا تَصِيرُ كَمِثْلِ خِنْزِيرِ الْيَهُودِ
حِمَايَةً فِي مَجْلِسِ الظُّلاَّمْ
(1/64)

فِي مَجْلِسِ الأَمْنِ الظَّلُومْ
* * *
أَنَا مَا رَأَيْتُ الْيَوْمَ أَرْخَصَ مِنْ دِمَائِكْ
دُنْيَاكَ تَشْهَدُ أَرْضُهَا
وَالنَّجْمُ يَشْهَدُ فِي سَمَائِكْ
وَالْكَوْنُ يَبْكِي حِينَ يَذْكُرُ مِنْ إِبَائِكْ
مُنْذُ الْقُرُونِ الْغَابِرَةْ
أَنَسِيتَ يَوْمًا قَدْ أَتَى الإِسْلامُ فِيهْ
لِيُعِزَّ قَوْمًا أَنْتُمُ لَهُمُ الشَّبِيهْ
كَانُوا شَرَاذِمَ مِثْلَكُمْ
وَهَوَانُهُمْ بَيْنَ الأُمَمْ
كَهَوَانِكُمْ
فَأَتَاهُمُ الإِسْلامُ عِزًّا فِي الْحَيَاةِ
(1/65)

عَلَوْا بِهِ
صَارُوا بِهِ أَسْيَادَ هَاتِيكَ الأُمَمْ
فَبَصَرْخَةٍ مِنْ بَاكِيَةْ
الأَرْضُ يَكْسُوهَا اللَّهِيبْ
وَسُيُوفُهُمْ دَوَّى الصَّلِيلُ كَأَنَّهُ الرَّعْدُ الرَّهِيبْ
وَالأَرْضُ تَرْوِيهَا الدِّمَاءُ الْغَادِرَةْ
وَالْحَقُّ يَعْلُو دَائِمًا
لا يَظْلِمُ
لا يُظْلَمُ
وَالْكُفْرُ يَسْقُطُ تَحْتَ أَقْدَامِ الأُبَاةْ
لا يَصْمُدُ
هَلْ يَصْمُدَنْ فِي وَجْهِ قَوْمٍ مَوْتُهُمْ نِعْمَ الْحَيَاةْ
فِي جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ
(1/66)

ذَاكَ نَعِيمُهُمْ
بَعْدَ الْحَيَاةِ أَعِزَّةً
وَالْيَوْمَ فِي هَذَا الزَّمَانِ الْمُظْلِمِ
رَغِبَتْ جُمُوعُ الْعُرْبِ عَنْ إِسْلامِهِمْ
تَرَكُوا هُوِيَّةَ عِزِّهِمْ
إِسْلامَهُمْ
عَادُوا لِعَهْدِهُمُ الذَّلِيلِ
بِفَرْحَةٍ وَعَزِيمَةٍ
حَارَتْ لِرُؤْيَتِهَا الْعُقُولْ
فَتَشَرْذَمُوا بَيْنَ الأُمَمْ
صَارُوا كَقُطْعَانِ الْغَنَمْ
بَيْنَ الذِّئَابِ الْغَادِرَةْ
وَسْطَ الأُسُودِ الثَّائِرَةْ
(1/67)

أَسَمِعْتَ فِي التَّارِيخِ عَنْ قَوْمٍ
سَعَوْا لِلذُّلِّ أَلْقَوْا عِزَّهُمْ
أَرَأَيْتَ كَيْفَ الآنَ صَارَ النِّفْطُ أَغْلَى مِنْ دَمِكْ
* * *
أَنَا شَاهِدٌ بَيْنَ الْوَرَى
النِّفْطُ أَغْلَى مِنْ دَمِكْ
مُذْ يَوْمِ صَارَ الْحَاكِمُ الطَّاغُوتُ عِنْدَكُمُ الإِلَهْ
هَلْ يُسْأَلَنْ عَنْ فِعْلِهِ
أَوْ فَعْلَةٍ مِنْ أَهْلِهِ
ذَاكَ الْجُنُونْ
وَالْكُلُّ يُسْأَلُ عَنْ خَوَاطِرِ نَفْسِهِ
عَنْ حُلْمِهِ فِي نَوْمِهِ
وَالْكُلُّ يَنْعَمُ فِي هِبَاتِ يَدَيْهِ
(1/68)

وَالْكُلُّ يَسْجُدُ رَاجِيًا بَعْضَ النِّعَمْ
يَكْفِيهِ بَعْدَ سُجُودِهِ طُولَ الْحَيَاةِ
نَجَاتُهُ مَعَ أَهْلِهِ مِنْ كُلِّ وَاشٍ وَالنِّقَمْ
وَالْحُرُّ
مَعْنَى الْحُرِّ عِنْدَكُمُ انْتِحَارْ
وَلأَهْلِهِ سِجْنٌ وَذُلٌّ وَانْكِسَارْ
عَارٌ غَشَاهُمُ أَيُّ عَارْ
تَعْذِيبُهُ مَا كَانَ يَوْمًا فِي زَمَانْ
الْجَلْدُ وَالتَّعْلِيقُ مِنْهُ هُوَ الْحَنَانْ
وَالْكَهْرَبَاءُ هِيَ اخْتِرَاعُ الْعَصْرِ
شُحْنَاتٌ تُزَلْزِلُ كُلَّ ذَرَّاتِ الْجَسَدْ
وَيَذُوبُ فِي الأَحْمَاضِ أَهْوَنُ مِنْ سِبَاعٍ تَنْهَشُ اللَّحْمَ الْعَلِيلَ
وَرُبَّمَا نَهْشَ الْكَبِدْ
(1/69)

وَلَرُبَّمَا نَالَ الأَبِيُّ الْحُرُّ مِنْ طَاغُوتِهِ لَقَبَ السَّجِينْ
فَالْمَنُّ كُلُّ الْمَنِّ مِنْ ذَاكَ الْكَرِيمْ
أَنْعِمْ بِهَذَا الْحِلْمِ مِنْ ذَاكَ الْحَلِيمْ
يَرْضَى بِحُرٍّ فِي الْحَيَاةْ
أَعَلِمْتَ كَيْفَ الآنَ صَارَ النِّفْطُ أَغْلَى مِنْ دَمِكْ
فِي أَرْضِ قَوْمِكَ
بَيْنَ أَهْلِكَ
هَلْ تَرَى
لا شَيءَ أَرْخَصُ مِنْ دَمِكْ
وَتُرِيدُ مِنْ أَعْدَاءِ دِينِكَ
أَنْ يَحِنُّوا أَوْ تَرِقَّ قُلُوبُهُمْ لِدِمَائِكْ
هَذَا جُنُونْ
طَاغُوتُكُمْ فِي بَاسِهِ مَعَهُمْ يَهُونُ
(1/70)

وَيَسْجُدُ الْعُمْرَ الطَّوِيلَ
حَيَاتَهُ فِي حُكْمِكُمْ
فَسُجُودُهُ كَسُجُودِكُمْ
وَهَوَانُهُ كَهَوَانِكُمْ
أَيَكُونُ شَيْءٌ بَعْدَ هَذَا الضَّيْمِ أَرْخَصَ مِنْ دَمِكْ
كُلُّ الْوَرَى شَهِدُوا بِأَنَّ النِّفْطَ أَغْلَى مِنْ دَمِكْ
* * *
(1/71)

طَرِيقُ الْعِلْمِ
حَيَاةُ الْفَتَى مَا حَيَا ظُلُمُاتْ ... إِذَا لَمْ يُنِرْهَا بِنُورِ الْحَيَاتْ
بِعِلْمٍ يَصِيرُ بِهِ أُمَّةً ... بِهِ يَهْتَدِي ثُمَّ يُحْيِي الرُّفَاتْ
فَعِلْمُ الْفَتَى بَعْدَ جَهْلٍ حَيَاة ... وَمَا أَرْوَعَ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَمَاتْ
لَقَدْ عِشْتُ دَهْرًا أَرُومُ الْحَيَاة ... فَكَمْ لَذَّةٍ نِلْتُ وَالنَّفَحَاتْ
وَكَمْ لَيْلَةٍ فِي الْعَنَاءِ الشَّدِيد ... وَيَوْمٍ عَسِيرٍ مَضَى دُونَ آتْ
إِذَا مَا تَعَلَّمْتُ شَيْئًا كَأَنِّي ... بِصَحْرَاءَ حَالِكَةِ الظُّلُمَاتْ
(1/72)

وَنَجْمٌ بَدَا فَأَضَاءَ الطَّرِيقْ ... وَكَمْ يُفْرِحُ الْمَرْءَ ذِي اللَّحَظَاتْ
وَلَكِنَّهَا فَرْحَةٌ كَالسَّرَاب ... فَيَبْدُو الطَّرِيقُ طَوِيلاً وَعَاتْ
وَمِنْ خَلْفِهِ تَكْثُرُ الطُّرُقَات ... فَإِمَّا أُلُوفٌ وَإِمَّا مِئَاتْ
فَيَا لَيْتَ شِعْرِي أَعِلْمِي يَزِيدُ ... أَمِ الْجَهْلُ يَبْدُو فَقَطْ فِي ثَبَاتْ
وَلَكِنْ عَجِبْتُ لِهَذَا الطَّرِيق ... لأَشْوَاكِهِ لَذَّةُ الشَّهَوَاتْ
وَإِنِّي عَشِقْتُ وَعِشْقِي يَزِيد ... طَرِيقًا بِهِ الْحُورُ وَالدَّرَجَاتْ
فَقُمْ غُصْ أَخِي فِي بِحَارِ الْعُلُوم ... وَحُزْ دُرَرًا وَانْسَ نَوْمَ السُّبَاتْ
(1/73)

تَزَيَّنْ بِدُرِّكَ إِنْ حُزْتَهُ ... وَكُنْ مَالِكَ الْمَاءِ فِي الْفَلَوَاتْ
فَهَذَا الطَّرِيقُ طَرِيقُ الْحَيَاة ... أَخِي إِنْ حَيِيتَ وَإِلاَّ الْمَمَاتْ
* * *
(1/74)

رِسَالَةٌ إِلَى أَسِيرٍ
يَا أَخِي الْمَاسُورَ فِي سِجْنِ الْحِمَامِ ... هَلْ يَكُونُ الْيَوْمَ مِثْلَ الصَّبْرِ حَامِ؟
إِنْ تُعِزَّ الدِّينَ ذَا الْيَوْمَ تَكُنْ ... قَدْ صَدَقْتَ اللهَ فِي مَاضِي الْكَلامِ
قَدْ أَرَدْتَ الْخُلْدَ بِالدُّنْيَا فَيَا ... عِشْ حَيَاةَ الْعِزِّ فِي دُنْيَا الْكِرَامِ
دَعْكَ مِمَّنْ بَاعَ دِينًا وَإِبَا ... كَيْ يَهِيمَ الْعُمْرَ فِي دُنْيَا اللِّئَامِ
يَا أَخِي النَّصْرُ تَرَاءَى - هَلْ تَرَى ... وَقُلُوبُ الصِّدْقِ مِنْ خَلْفِ الْغَمَامِ
قَامَ لِلدِّينِ رِجَالٌ قَدَّمُوا ... حَظَّ دُنْيَاهُمْ وَعَيْشًا فِي جَمَامِ
(1/75)

كَيْ يَسُودَ الدِّينُ وَالنُّورُ الدُّجَى ... وَيُفَكَّ الأَسْرُ عَنْ عَانٍ مُضَامِ
يَا أَخِي انْصُرْ صَامِدًا إِسْلامَنَا ... لا تُبَالِي السَّوْطَ أَوْ لُقْيَا الْحِمَامِ
هَلْ أَضَاعَ الْحُرُّ عُمْرًا بِالإِبَا ... هَلْ يَزِيدُ الْعُمْرُ مِنْ خَفْرِ الذِّمَامِ؟!
فَلْتَكُنْ لَيْثًا إِذَا كَانَ الْوَغَى ... وَلْتَكُنْ طَوْدًا عَظِيمًا فِي الْجِسَامِ
يَا أَخِي لا تَرْهَبَنْ طُغْيَانَهُمْ ... أَفَلِلإِيمَانِ خَوْفٌ مِنْ طَغَامِ؟
وَلَئِنْ عِشْنَا زَمَانًا فِي الدُّجَى ... كُنْ كَنُورِ الْبَدْرِ يَزْهُو فِي الظَّلامِ
وَلَئِنْ آلَمَنَا جُرْحٌ طَغَى ... لَجِرَاحُ الْكُفْرِ تُرْوَى مِنْ آلامِي
(1/76)

وَجِرَاحُ السِّلْمِ تَدْمَى لِلشِّفَا ... وَجِرَاحُ الْكُفْرِ تَدْمَى لِلْحِمَامِ
فَلْتَكُنْ نُورًا إِذَا كَانَ الدُّجَى ... فَلْتُعِزَّ الدِّينَ أَنْتَ الْيَوْمَ حَامِ
* * *
(1/77)

رثاء وأمل في اللقاء
يَا إِخْوَتِي الشُّهَدَاءَ ذَاكَ سَلامُ ... إِنَّ الْحَيَاةَ بِفَقْدِكُمْ آلامُ
أَنْتُمْ نَصَرْتُمْ دِينَ رَبِّي فِي الْوَرَى ... حِينَ التَّذَلُّلُ وَالْخُنُوعُ يُرَامُ
أَنْتُمْ أَبَيْتُمْ أَنْ تَعِيشُوا فِي الرَّدَى ... وَلَغَيْرُكُمْ عَشِقَ الْحَيَاةَ يُضَامُ
حَشَفٌ يَضَنُّ بِهِ الْعِبَادُ وَأَنْتُمُ ... مُزْنٌ وَهَلْ أَعْطَى الدِّمَاءَ غَمَامُ
دَمُكُمْ لأَحْرَارِ الْحَيَاةِ مَفَاخِرٌ ... وَمِنَ الْقُعُودِ الْوَاهِنِينَ يُلامُ
صِرْتُمْ مَلاحِمَ أُمَّةٍ تَبْكِي الدِّمَا ... وَدُمُوعُهَا كَنَصِيرِهَا أَحْلامُ
(1/78)

صِرْتُمْ أَثَالَ الدِّينِ يَفْخَرُ بَعْدَمَا ... ظَلَّ الْقُرُونَ عَلَى الثُّغُورِ طَغَامُ
مَنْ يَصْدُقِ الرَّحْمَنَ يَصْدُقْهُ وَذَا ... خَبَرُ الدِّمَاءِ وَلِلدِّمَاءِ كَلامُ
هَذِي قُبُورٌ لا النُّجُومُ مُشِعَّةٌ ... أَيُضِيءُ لَيْلَ الْيَائِسِينَ رِجَامُ
اللَّيْلُ يَشْكُو بَاكِيًا أَيْنَ الأُلَى ... مَلأُونِ نُورًا سُجَّدًا وَقِيَامُ
نُورًا وَدِفْئًا مِنْ دُمُوعٍ يَا لَهَا ... أَنُسُورُ بَاسٍ أَمْ أُلاكَ حَمَامُ
وَالشَّمْسُ تَحْتَرِقُ الأَسَى كَالأُمِّ قَدْ ... ذَبَحَ الرَّضِيعَ بِحِجْرِهَا الظُّلاَّمُ
أَيْنَ الَّذِينَ لِقَاؤُهُمْ وَوَدَاعُهُمْ ... بِالذِّكْرِ كَمْ زِيدَ الْوُجُودَ ظَلامُ
(1/79)

أَنَا مِثْلُهُمْ نُورُ الْحَيَاةِ وَلَيْتَنِي ... مَعَهُمْ فَيَبْقَى لِلْوَرَى الإِعْتَامُ
لَوْلا بَقِيَّةُ مُؤْمِنِينَ أُحِبُّهُمْ ... لَوَدِدْتُ أَنَّ أَشِعَّتِي أَضْرَامُ
وَالأَرْضُ تَحْزَنُ لا تَقَرُّ كَأَنَّهَا ... عَذْرَا أَضَاعَتْ حُسْنَهَا الأَسْقَامُ
مَاذَا دَهَانِي هَلْ هُمُومِي أُثْقِلَتْ ... أَوْ زَالَ عَنِّي - وَيْلَتِي - الأَعْلامُ
أَيْنَ الَّذِينَ رُكُوعُهُمْ وَسُجُودُهُمْ ... يُعْطِينِ رَوْحًا لِي بِهِ اسْتِرْحَامُ
أَيْنَ الأُلَى يَمْشُونَ هَوْنًا مَا جَرَى ... يَا لَيْتَنِي لِعَدُوِّهِمْ أَلْغَامُ
الْكَوْنُ وَدَّعَكُمْ حَزِينًا دَامِعًا ... فِي مَشْهَدٍ يَا لَيْتَنِي رَسَّامُ
(1/80)

قَلْبِي يَفِيضُ تَشَوُّقًا وَيَرَاعَتِي ... كَتَبَتْ قَرِيضًا فَاضَ مِنْهُ وِئَامُ
لَوْلا الشَّهَادَةُ قَدْ رَثَيْتُكُمُ رِثَا ... صَخْرٍ، وَمَنْ صَخْرٌ؟! إِذَنْ سَأُلامُ
هَلْ نَفْسِ أَبْكِي أَوْ أُسَرُّ لِفَوْزِكُمْ ... بِشَهَادَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ إِنْعَامُ
هَلاَّ أَعِيشُ بِخَاطِرِي مَعَكُمْ فَلا ... تُدْمِي الْجِرَاحُ الْقَلْبَ ذَاكَ مَرَامُ
أَمْ أَنَّنِي مَحْرُومُ طَيْفٍ بِالدُّجَى ... يُؤْسِي جِرَاحِي هَلْ لِيَ الأَحْلامُ
طَيْفٌ وَأَحْلامٌ غِنًى لِعَزِيمَتِي ... فَلَعَلَّ لِي مَعَكُمْ يَكُونُ مُقَامُ
* * *
(1/81)

فلتفخري مصرُ
سَمِعْتُ نَحِيبًا فِي دِمَائِي لَهُ كِبْرُ ... فَنَادَيْتُ: مَا هَذَا؟! أَجَابَتْ: أَنَا مِصْرُ
فَقُلْتُ: لِمَ النَّحِيبُ يَا غُرَّةَ الدُّنَى؟ ... وَهَا أَنَذَا فَخَبِّرِينِيَ مَا الأَمْرُ؟
فَقَالَتْ: قُيُودِي آلَمَتْنِي وَقَدْ سَئِمْـ ... ـتُ ذُلاًّ وَحُكْمًا طَاغِيًا شَرْعُهُ الْقَهْرُ
فَقُلْتُ: وَكَيْفَ الذُّلُّ؟ إِنَّكِ حُرَّةٌ ... وَهَا هُمْ بَنُوكِ الْحَاكِمُونَ فَمَا الضُّرُّ؟
فَقَالَتْ: خِدَاعٌ مَا بَنِيَّ هُمُ وَهَلْ ... مِنِ ابْنٍ يَبِيعُ الأُمَّ مِنْهُ لَهَا الْغَدْرُ؟!
فَإِنَّهُمُ أَيْدِي عَدُوِّي وَكَيْدُهُ ... فَزَانُوا قُيُودِي بِالطِّلا لَوْنُهُ التِّبْرُ
(1/82)

فَمَنْ قَاطِعُ الأَيْدِي الْخَبِيثَةِ مُنْقِذِي؟! ... وَمَنْ يَحْطِمُ الأَغْلالَ - وُلْدِي - فَلا أَسْرُ؟!
فَقُلْتُ: رُوَيْدًا إِنَّ دَمْعَكِ ثَائِرٌ ... وَإِنَّ بَنِيكِ الأُسْدَ حَتْمًا لَهُمْ جَمْرُ
فَقَالَتْ: بَنِيَّ الأُسْدُ أَسْرَى وَكَيْفَ بِي ... أَضَنُّ بِدَمْعِي وَالدُّمُوعُ بِهِمْ نَهْرُ؟!
وَقُرَّةُ عَيْنِي يُقْتَلُونَ وَكَيْفَ بِي ... أَضِنُّ بِدَمْعِي هَا دِمَائِيَ ذِي بَحْرُ؟!
فَقُلْتُ: هَنِيئًا مِصْرُ هَذَا خَلاصُنَا ... وَهَذِي دِمَاءٌ مِنْ بَنِيكِ هِيَ الْبِشْرُ
دُمُوعٌ دِمَاءٌ نِيلُ عِزِّكِ وَالْعُلا ... وَبَعْثٌ لِشَعْبٍ فِي الْخُنُوعِ لَهُ دَهْرُ
فَخَارِ وَكَفْكِفِي الدُّمُوعَ فَإِنَّهُ ... أَبَى الضَّيْمَ أَبْنَاءٌ أُسُودُ الشَّرَى غُرُّ
(1/83)

أَلا تَفْرَحِينَ أَنْ تَسِيلَ دِمَاؤُهُمْ ... وَتُضْحِينَ حُرَّةً وَيَمْحُو الدُّجَى الْفَجْرُ
فَجَادَتْ بِبَسْمَةٍ وَقَطْرَةُ دَمْعَةٍ ... تَسَاقَطُ ثُمَّ قَالَتِ: الْيَوْمَ لِي فَخْرُ
* * *
(1/84)

كاميليا والخائنون (1)
أَلا أَيُّهَا اللَّيْثُ الهَصُورُ تَعَلَّمِ ... وَأَقْعِ جُلُوسًا أَلْقِ سَمْعَكَ وَاغْنَمِ
لِتَغْنَمْ دُرُوسًا فِي الصُّمُودِ كَأَنَّهَا ... بِلَيْلِ الدُّجَى بَدْرٌ يُنِيرُ لِمُسْلِمِ
ثَبَاتٌ يُزَلْزِلُ الطُّغَاةَ يُذِلُّهُمْ ... يَرُومُونَ تَحْرِيكَ الرَّوَاسِي بِمِعْصَمِ
فَهَذِي كَامِلْيَا قَدْ أَتَتْ بَعْدَ إِخْوَةٍ ... لِتَقْذِفَ نُورًا يَرْعَبُ الْبَاطِلَ الْعَمِي
تُوَاجِهُ - لا تَلْوِي - قُوَى الشَّرِّ فِي الْوَرَى ... كَأُسْدِ الشَّرَى فِي الْبَاسِ لَمْ تَتَحَلَّمِ
_________
(1) كاميليا شحاتة التي أسلمت، وسلّمها الأزهر لأمن الدولة، والذي سلمها للكنيسة لتفتنها عن دينها، وحتى الآن لا يعلم أحد مصيرها.
(1/85)

فَأَجْلَتْ نِفَاقَ الْقَوْمِ عَرَّتْ خِيَانَةً ... فَبَانَ عَدُوُّ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْكَمِي
فَكَانَ شَرِيفًا قِيلَ دَوْمًا لأَزْهَرٍ ... فَصَارَ كَرَاسٍ لِلدِّيَاثَةِ وَالْفَمِ
يُحَارِبُ فِي الإِصْبَاحِ كُلَّ عَفِيفَةٍ ... وَيُحْيِي اللَّيَالِي شَاهِدَ الْعَهْرِ يَعْتَمِي
تَرَاهُ كَلَيْثٍ عِنْدَ ذِكْرِ نِقَابِهَا ... وَعِنْدَ الْخَنَا وَالْفِسْقِ أَكْبَرَ مُنْعِمِ
وَإِنْ يُرِدِ الْكُفَّارُ حَرْبَ حِجَابِهَا ... يَصِرْ لَهُمُ سَيْفًا مُقَطِّعَ أَعْظُمِ
وَذَاكَ الْوَزِيرُ الْغِرُّ حَارَبَ جَهْرَةً ... مَظَاهِرَ دِينِ اللهِ فِي الظُّلْمِ يَرْتَمِي
أَتَتْبَعْنَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ؟! ... أَلا تِلْكَ زَوْجِي فَاتَّبِعْنَ وَأَنْعِمِ
(1/86)

وَمُفْتِيهِمُ حِبُّ الْرُّتَارِي نَصِيرُهُمْ ... وَهَلْ يَحْتَفِي الظُّلاَّمُ إِلاَّ بِمُظْلِمِ
أَلا يَا كَامِلْيَا كَمْ تَسُوئِينَ أُمَّةً ... طَغَى الظُّلْمُ حَتَّى ضَيَّعُوا كُلَّ مُكْرَمِ
فَصَارَتْ لِصِهْيَوْنٍ يَدًا بَلْ مَدَافِعًا ... وَكُلُّ مُجَاهِدٍ عَدُوٌّ كَمُجْرِمِ
وَصَارَ بِهَا عَبْدُ الصَّلِيبِ مُكَرَّمًا ... وَمَنْ يَرْضَ دِينَ اللهِ يُخْزَ وَيُحْرَمِ
وَلَكِنْ لِيَعْلَمْ كُلُّ طَاغٍ وَمُجْرِمٍ ... بِأَنَّ لِدِينِ اللهِ حُرَّ الضَّيَاغِمِ
وَأَنَّ سُيُوفَ اللهِ سُلَّتْ وَأُشْهِرَتْ ... وَأَنَّ بِحَارًا سَوْفَ تَجْرِي مِنَ الدَّمِ
وَهَذَا نَذِيرٌ لا خَيَالٌ لِشَاعِرٍ ... وَهَذَا هُوَ التَّارِيخُ فَاقْرَا وَأَحْكِمِ
* * *
(1/87)

اخسأ ولا تطغى أيا سلمي (1)
اخْسَا ولا تطغى أيَا سِلَمِي ... أَتَرُومُ ذُلَّ الدِّينِ وَالْقِيَمِ؟!
أَتُحَارِبُ الإِسْلامَ شِرْعَتَهُ ... بِكَتِيبَةِ الْعَلْمَانِ وَالْوَصَمِ؟!
أَتَرُومُ طَمْسَ هُوِيَّةٍ ظَهَرَتْ ... كَالْبَدْرِ وَسْطَ اللَّيْلِ وَالظُّلَمِ؟!
أَتَرُومُ مَنْعَ الْقَطْرِ تُمْطِرُهُ ... سُحُبٌ مِنَ الرَّحَمَاتِ وَالنِّعَمِ؟!
أَتَرُومُ حَجْبَ الشَّمْسِ مَشْرِقِهَا؟! ... سَتَبُوءُ بالْخُسْرَانِ وَالنِّقَمِ
_________
(1) صاحب وثيقة السلمي الشهيرة.
(1/88)

أَتَرُومُ مَنْعَ الأَرْضِ نَبْتَتَهَا؟! ... بَرَكَاتُهَا تَهْوِي إِلَى الْعَدَمِ!
أَتَرُومُ مَنْعَ النَّاسِ مِنْ أَمَلٍ ... يَعْلُو كَلامُ اللهِ فِي الأُمَمِ؟!
أَتَرُومُ نَطْحَ الصَّخْرِ مُوهِنَهُ؟! ... سَيَذِلُّ قَرْنُكَ حَاصِدَ النَّدَمِ
أَتَرُومُ فِتْنَةَ أُمَّةٍ رَضِيَتْ ... بِاللهِ رَبًّا بَارِئَ النَّسَمِ؟!
أَتَبُثُّ فِتْنَةَ عَابِثٍ نَزِقٍ ... تَمْحُو شَرِيعَةَ رَبِّنَا الْحَكَمِ؟!
أَتَرُومُ نُورَ اللهِ تُطْفِئُهُ؟! ... اخْسَا نَصِيرَ الشَّرِّ لا تَشَمِ
سَيَتِمُّ نُورُ اللهِ فَانْتَظِرَنْ ... غَضَبًا يَثُورُ يُبِيدُ كَالْحِمَمِ
* * *
(1/89)

دُرَّتِي
خُضْتُ الْبِحَارَ وَغُصْتُ فِي أَعْمَاقِهَا
فَلَعَلَّ فِي الأَعْمَاقِ أَلْقَى دُرَّتِي
فَأَغُوصُ مِنْ عُمْقٍ لأَعْمَقَ عَلَّنِي
أَجِدُ اللآلِئَ كَي أَفُوزَ بِبُغْيَتِي
هِيَ دُرَّةٌ أَوْصَافُهَا فَوْقَ الدُّرَرْ
يَهْفُو إِلَيْهَا الأَتْقِيَاءُ مِنَ الْبَشَرْ
وَمُنَى الأَعَادِي أَنْ تَغُورَ فَلا تُرَى تَحْتَ النَّظَرْ
وَإِذَا بَدَتْ يَاسَى الأَعَادِي أَنْ بَدَا فِي أُمَّتِي
وَسْطَ الظَّلامِ الدَّامِسِ
هَذَا الْقَمَرْ
* * *
(1/90)

هِيَ دُرَّتِي
عَلِمَ الْوَرَى أَنَّ الْوُصُولَ إِلَى النُّجُومِ سَيَسْهُلُ
أَمَّا الْوُصُولُ لِنَظْرَةٍ مِنْ دُرَّتِي لا يُعْقَلُ
ذَا مُسْتَحِيلْ
مَلأَتْ عُيُونِي صِرْتُ أَعْمَى عَنْ سِوَاهَا
أَنَا إِنْ نَظَرْتُ لِغَيْرِهَا سَيَلُومُنِي قَلْبِي
وَتَعْصِي نَظْرَتِي
فِي الْقَلْبِ تَسْكُنُ فِي الْحَنَايَا
سَتَقَرُّ فِي أَعْمَاقِ رُوحِي بَيْنَ نَفْسِ وَمُهْجَتِي
* * *
قَالُوا تَمَهَّلْ
إِنْ تَجِدْهَا كَيْفَ تَاتِي بِالثَّمَنْ؟
لَكِنَّنِي لَنْ أَنْتَظِرْ
(1/91)

هِيَ لا يُسَاوِيهَا ثَمَنْ
فَكُنُوزُ هَذِي الأَرْضِ لَمْ تَعْدِلْ قَلِيلاً مِنْ حَيَاهَا
وَتُرَابُ هَذِي الأَرْضِ يَثْمُنُ حِينَ تَلْمِسُهُ يَدَاهَا
وَكُنُوزُ هَذِي الأَرْضِ هَانَتْ إِنْ تُثَمَّنْ فِي سَمَاهَا
وَكُنُوزُ هَذِي الأَرْضِ تَزْهُو حِينَ تُمْنَحُ مِنْ ضِيَاهَا
لَنْ أَصْطَبِرْ
سَأَظَلُّ أَبْحَثُ فِي الشَّوَاطِئِ وَالْبِحَارِ
وَفِي الْجِبَالِ وَفِي الْبَوَادِي وَالْحَضَرْ
سَأَغُوصُ فِي الأَعْمَاقِ أَوْ سَأَطِيرُ فِي هَذَا الْفَضَاءِ الشَّاسِعِ
لا فَرْقَ عِنْدِي
مَا عَلِمْتُ بِأَنَّ يَوْمًا قَدْ دَنَا
سَأَنَالُ فِيهِ بُغْيَتِي
فِيهِ أُلاقِي دُرَّتِي
* * *
(1/92)

لا مثَل
أَأَجْمَلَ مَنْ رَأَتْ عَيْنِي ... وَمَا لَكِ فِي الْوَرَى مَثَلُ
فَلَوْ يَوْمًا تَبَاعَدْنَا ... فِرَاقُكِ كَيْفَ أَحْتَمِلُ
أَيَحْيَا الْقَلْبُ بَعْدَكُمُ ... يَعِيشُ وَمَا لَهُ أَمَلُ
وَهَلْ لِلْعَيْنِ مِنْ نَظَرٍ ... وَدُونَكِ مَا تَرَى طَلَلُ
وَهَلْ لِحَيَاتِ مِنْ مَعْنًى ... بِدُونِكِ إِنَّهَا الْمَلَلُ
سَكَنْتِ الْقَلْبَ مَالِكَةً ... فُؤَادًا حُبُّهُ جَلَلُ
وَأَنْتِ الرُّوحُ فِي جَسَدِي ... بِبُعْدِكِ يَنْتَهِي الأَجَلُ
فَيَا عُمْرِي وَيَا أَمَلِي ... مَتَى نَفْسِي سَتَكْتَمِلُ
* * *
(1/93)

سلام
أَمِيرَةَ قَلْبِي وَرُوحِي سَلامْ ... رَقِيقٌ يَفُوحُ شَذًا لا يُرَامْ
فَلِلْوَرْدِ عِطْرٌ وَحَتْمًا يَزُول ... وَلِلشَّوْقِ عِطْرٌ مِنَ الْقَلْبِ دَامْ
وَحِينَ أَرَاكِ كَأَنِّي رُوِيت ... وَمَا أَجْمَلَ الرِّيَّ بَعْدَ الأُوَامْ
وَمَا أَبْأَسَ اللَّيْلَ حِينَ يَطُول ... وَلَيْلِي فِرَاقُكِ لَيْسَ الظَّلامْ
وَمَا أَرْوَعَ الْفَجْرَ بَعْدَ الدُّجَى ... وَفَجْرِي لِقَاؤُكِ حُلْمِي الدَّوَامْ
أَمِثْلِي يَرَى مِنْكِ هَذَا الْجَفَاء ... أَهُونُ عَلَيْكِ لأَدْنَى كَلامْ
(1/94)

لَقَدْ صِرْتُ عِنْدَكِ دُونَ الصِّحَاب ... وَقَدْ صِرْتِ عِنْدِيَ أَغْلَى الأَنَامْ
فَيَوْمٌ تَغِيبِينَ عَنِّي سِنُون ... وَأَنْتِ لَدَيْكِ كَلَيْلٍ يُنَامْ
فَهَلْ رَحْمَةً لِلْفُؤَادِ الْجَرِيح ... وَلَوْ نَظْرَةً لَيْسَ فِيهَا مَلامْ
* * *
(1/95)

هَدِيَّتِي
إِلَيْكِ هَدِيَّتِي وَقَلْبِي مُتَيَّمُ ... مُنَاهُ يَكُونُهَا وَمَا زَالَ يَحْلُمُ
وَرُوحِي تَمَنَّى لَوْ تَصِيرُ هَدِيَّتِي ... فَنَحْيَا بِرُوحَيْنَا مَعًا نَتَنَعَّمُ
وَلَوْ أَنَّ مِلْكِي ذِي الْبِحَارُ بِدُرِّهَا ... بَعَثْتُ إِلَيْكِ الدُّرَّ وَهْيَ تَبَسَّمُ
وَلَوْ كُنْتُ أُهْدِيكِ الْبَسِيطَةَ جَنَّةً ... وَفَاحَتْ بِمَا فِي الْقَلْبِ كَادَتْ تَكَلَّمُ
وَلَوْ كُنْتُ أُعْطِيكِ النُّجُومَ هَدِيَّةً ... وَصَارَتْ تُبَاهِي، مِنْ ضِيَائِكِ تَنْهَمُ
وَلَوْ كُنْتُ أُهْدِيكِ الْقَرِيضَ مُمَدِّحًا ... وَصَارَ قَرِيضِي من سِمَاتِكِ يَنْغَمُ
فَنَالَ الرِّضَا مَا قَدْ بَذَلْتُ لَسَرَّنِي ... وَصِرْتُ عَلَى التَّقْصِيرِ ذَا أَتَأَلَّمُ
* * *
(1/96)

شَذَا قَلْبِي وَكَلِمَاتِي
لَوْ لَمْ يَكُنْ إِلاَّ الْكَلامَ مُعَبِّرٌ ... لَجَرَتْ بُحُورُ الْحُبِّ مِنْ كَلِمَاتِي
هَذَا شَذَاهُ يَفُوحُ مِنْ قَلْبِي وَمَا ... أَشْذَاهُ حِينَ يَفُوحُ مِنْ نَظَرَاتِي
لَكِنْ شَذَاهُ يَدُومُ مِنْ قَلْبِي وَهَلْ ... لِشَذَا الْقُلُوبِ نِهَايَةٌ، أَحَيَاتِي
فَالْعَيْنُ تَرْنُو عَلَّ تَرْوَى مِنْ صَدًى ... بَعْدَ الْفِرَاقِ يَطُولُ لَوْ لَحَظَاتِ
وَالْقَلْبُ مَا عَرَفَ الْفِرَاقَ لأَنَّهُ ... تَحْيَيْنَ فِيهِ فَصَارَ كَالْجَنَّاتِ
قَدْ كَانَ يَحْيَا قَاحِلاً فَأَتَيْتِهِ ... مِثْلَ الرَّبِيعِ فَأَزْهَرَ الْعَطِرَاتِ
(1/97)

فَأَسَرَّ لِي عَهْدًا سَيَحْيَا حَامِيًا ... تَحْيَيْنَ فِيهِ الدُّرَّ فِي الصَّدَفَاتِ
هَذَا الشَّذَا لِحَدِيثِهِ تَهْفُو الْقُلُو ... بُ لِصِدْقِهِ يَعْرُو الأَسَى الْكَلِمَاتِ
* * *
(1/98)

عُيُون .........
أَتِلْكَ عُيُونٌ أَمْ نُجُومٌ مِنَ السَّمَا ... إِذَا نَظَرَتْ فَالْخَطْبُ أَنْ تَتَكَلَّمَا
فَيَرْجُفُ قَلْبِي مِنْ سَمَاعِ حَنِينِهَا ... وَرَجْعُ الصَّدَى هَالَ الْحَنَايَا مَعَ الدِّمَا
فَنَظْرَتَهَا الأُولَى فُؤَادِيَ مَا دَرَى ... أَضَاءَ ظَلامِي أَمْ نَهَارِيَ أَظْلَمَا؟!
كَأَنِّي بِبَحْرٍ لا سَوَاحِلَ قَدْ تُرَى ... أُسَافِرُ فِيهِ كَيْفَ أَرْسُو فَأَسْلَمَا
بِأَعْمَاقِهَا الأَسْرَارُ كَالدُّرِّ يَخْتَفِي ... وَأَمْوَاجُهُ تَدْعُو لِتُقْدِمْ فَتَغْنَمَا
وَلَوْ غُصْتُ فِي الأَعْمَاقِ وَالْقَلْبُ وَاجِفٌ ... أَأَغْنَمُ دُرًّا أَمْ هَلاكِيَ أُحْكِمَا؟
(1/99)

إِذَا أُغْمِضَتْ كَالشَّمْسِ حِينَ غُرُوبِهَا ... تُوَدِّعُهَا الدُّنْيَا مَعَ الشَّوْقِ قَدْ نَمَا
وَلَكِنَّ جَفْنَيْهَا كَمِثْلِ سَحَابَةٍ ... فَتَنْهَلُ مِنْ دِفْءٍ وَنُورٌ تَبَسَّمَا
وَحِينَ تَعُودُ الْكَوْنَ تَمْلأُ بَهْجَةً ... وَيَزْهُو ضِيَاهَا مِنْ فُؤَادِي إِلَى السَّمَا
فَيَا وَيْلَتَى صِرْتُ الأَسِيرَ لِنَظْرَةٍ ... وَهَلْ قَطْرَةٌ تَرْوِي الْفُؤَادَ مِنَ الظَّمَا
وَلَكِنْ سَأَرْضَى بِالْبِلالِ فَدُونَهُ ... هَلاكٌ وَصَبْرًا فَالْمُنَى أَنْ تَكَرَّمَا
وَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ إِذَا ازْدَدْتُ مَا أَرَى؟ ... أَرِيًّا أَمِ الصَّدَى يَهُولُ فَأَنْدَمَا
وَأَعْلَمُ أَنِّي كُلَّمَا ازْدَدْتُ نَظْرَةً ... يَزِيدُ الصَّدَى وَالْقَلْبُ لَنْ يَتَعَلَّمَا
* * *
(1/100)

حلم العاشقين
هَلْ أَنْتِ حُلْمٌ مِنْ ذُرَا أَحْلامِي ... هَلْ أَنْتِ طَيْفٌ مِنْ هَوَى أَوْهَامِي
هَلْ أَنْتِ حَقًّا فِي الْحَيَاةِ حَبِيبَتِي ... أَوْ أَنْتِ حُلْمٌ أَرْوَعُ الأَحْلامِ
هَلْ صِرْتُ حَقًّا فِي الصَّبَابَةِ شَاعِرًا ... مُتَقَلِّبًا فِي رَوْضَةٍ وَضِرَامِ
هَلْ صَارَ بُعْدُكِ فَوْقَ قَدْرِ عَزِيمَتِي ... وَأَنَا الْجَسُورُ الْقَاهِرُ الآلامِ
أَأَنَا الْغَرِيقُ الْيَوْمَ فِي بَحْرِ الْهَوَى ... بَعْدَ السِّبَاحَةِ فِي بُحُورِ جِسَامِ
أَأَنَا الأَسِيرُ الْيَوْمَ لا فُكَّتْ يَدِي ... وَالأَسْرُ ذُلٌّ قَدْ هَوَاهُ هُيَامِي
(1/101)

يَا لَيْتَ عَيْشَ الْعَاشِقِينَ كَحُلْمِهِمْ ... يَتَقَلَّبُونَ بِلَذَّةٍ وَغَرَامِ
لَكِنَّهَا الأَحْلامُ أَحْلامُ الْهَوَى ... فَمَآلُهُمْ لِلُبُؤْسِ وَالأَسْقَامِ
* * *
(1/102)

لَوْ تَصْعَدِينَ إِلَى الْقَمَرْ
لَوْ تَصْعَدِينَ إِلَى الْقَمَرْ
فَرِحَ الْقَمَرْ
لَكِنَّ شَمْسَ الْكَوْنِ تَحْزَنُ
إِذْ ضِيَاؤُكِ سَوْفَ يُغْنِي الَبَدْرَ
عَنْ ضَوْءِ الشُّمُوسِ
يَظَلُّ يَنْهَلُ مِنْ ضِيَائِكِ
ثُمَّ يَبْعَثُهُ يُنِيرُ الْكَوْنَ يَلْتَهِمُ الدُّجَى
وَيَحَارُ شِعْرِي مَا يَقُولْ
أَيَقُولُ: أَنْتِ الْبَدْرُ فِي أَيَّامِ بِيضٍ رَائِعَهْ
أَيَقُولُ: أَنْتِ الشَّمْسُ قَدْ ظَهَرَتْ بِلَيْلٍ دُونَ حَرِّ شُعَاعِهَا
(1/103)

أَيَقُولُ: هَذَا النُّورُ يَاتِي مِنْ ضِيَاءِ أَمِيرَتِي
أَيَقُولُ: هَذَا الْبَدْرُ يَسْعَدُ
إِذْ يَرَى فِي كُلِّ حِينٍ نُورَ رُوحِي وَزَوْجَتِي
لَكِنْ تُرَانِي مَا سَأَفْعَلُ حِينَهَا
فِي الأَرْضِ جِسْمِي دُونَ رُوحِي
فِي الأَرْضِ أَشْقَى نَاظِرًا سَعْدَ الْقَمَرْ
فِي الأَرْضِ أَقْرِضُ سَامِعًا طَرَبَ الْقَمَرْ
أَيَجِيءُ يَوْمٌ قَدْ أَغَارُ مِنَ الْقَمَرْ؟!
* * *
(1/104)

السيرة الذاتية
- شاعر وروائي وقاص وكاتب إسلامي.
- عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
- عضو تجمع شعراء بلا حدود.
- مهندس اتصالات وإلكترونيات، عضو نقابة المهندسين المصرية.
- المؤلفات: رواية "عندما يطغى النساء" - كتاب "العروض مع شرح دوائر الخليل بن أحمد الفراهيدي" (تحت الطبع) - كتاب «علاقة المعنى بالإعراب» (تحت الطبع) - ضبط وتحقيق منظومة (عقود الجمان) في البلاغة للسيوطي (تحت الطبع) - دراسات نحوية وأدبية ونقدية، بالإضافة لمقالات
(1/105)

وأشعار منشورة على الشبكة العنكبوتية، على مواقع (الألوكة - مجلة الزيتونة - دنيا الرأي - مؤسسة فلسطين الثقافية - المختار الإسلامي ....... إلخ).
- العديد من البرامج الأدبية والحوارات على الفضائيات.
- الايميل: a.daha@hotmail.com
adaha@alukah.net
(1/106)