Advertisement

من غاب عنه المطرب


الكتاب: من غاب عنه المطرب
المؤلف: عبد الملك بن محمد بن إسماعيل أبو منصور الثعالبي (المتوفى: 429 هـ)
الناشر: المطبعة الأدبية، بيروت
عام النشر: 1309
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] الباب الأول
وصف

الخط والبلاغة

وما يجري مجراهما

فصل
الخط
ومن أحسن ما سمعت في ذلك نثراً قول أبي القاسم الصاحب: " خط أحسن من عطفة الأصداغ، وبلاغة كآمل آذن بالبلاغ " وقوله: " خط كالمقل المراض، والإقبال بعد الإعراض ".
وقد أحسن ابن المعتز وأطرب، حيث قال يصف خط أبي بن عبد الله:
(1/7)

إذا أخذَ القرطاسَ خلتَ يمينه ... تُفَتِّقُ نَوْراً أو تنظِّمُ جوهراً
ولا مزيد على حسن قول أبي إسحاق الصابي في بعض الوزراء:
وكم من يد بيضاءَ حازت جمالَها ... يدٌ لكَ لا تَسْوَدُّ إلا من النِّقسِ
إذا رقشت بيضَ الصحائِف خلتَها ... تطرِّزُ بالظلماءِ أرديةَ الشمسِ
ووصف يوسف بن أحمد جارية كاتبة فقال: كأن خطها أشكال صورتها، وكأن مدادها سواد شعرها، وكأن قلمها بعض أناملها، وكأن بيانها سحر مقلها، وكأن سكينها سيف لحظها، وكأن مقطها قلب عاشقها.
ومن أحسن ما قيل في حسن الخط والوجه: ما أنشد فيه أبو محمد الكاتب البروجرذي للصاحب أبي القاسم بن عباد:
وخطٍّ كأنَ اللهَ قالَ لحسنِه ... تشَّبهْ بمن قد خطّك اليومَ فأتمرْ
وهيهات أينَ الخطُّ من حسنِ وجههِ ... وأين ظلامُ الليلِ من صفحة القمرْ
وأحسن من ذلك قوله:
كلا الخطينِ من سكني مليحُ ... وقلبي منهما دنِفٌ جريحُ
(1/8)

فخطُّ عذارِه مسكٌ يفوحُ ... وخَطُّ يمينهِ دُرٌّ يلوحُ
وقول أبي القاسم: " مولاي مليح الحظِّ والخطِّ، فذاك النمل في العاج وذاك الدر في السمط ".
ومما يستطرب للصنوبري، ويقع في هذا الفصل قوله في غلام كاتب جميل، وقد أجاد فيه:
أُنظرْ إلى أثرِ المدادِ بخدّه ... كبنفسَجِ الروض المشوب بوردِهِ
ما أخطأتْ نوناتُه من صدغِه ... شيئاً ولا ألفاتُه من قَدِّهِ
وأليق منه بهذا الفصل في هذا المعنى وأبدع وأدخل في باب الإِطراب، قول كشاجم في غلام يكتب ويمحو ما يغلط فيه بلسانه:
ورأيتُه في الطرسِ يكتبُ مرةً ... غلطاً يواصلُ محوهُ برضا بِهِ
فوددتُ أَنّي في يديه صحيفةٌ ... ووددتُه لا يَهتدي لصوابهِ
والنظم والنثر في هذا الباب مما يعجب ولا يطرب. والشرط
(1/9)

ما يطربُ. وعليه بناء جمع الكتاب.
فصل

البلاغة ووصف الكلام الحسن
ليس لواحد من الوصف المطرب للكلام المعجب ما للصاحب أبي القاسم بن عباد وقد كتبت المختار. فمن مختار ذلك: " ألفاظ كغمزات الألحاظ، ومعان كأنها قلب عان. استعارت حلاوة العتاب بين الأحباب، واسترقت تشاكي العشاق يوم الفراق. وألفاظ لها من الهواء رقته، ومن الماء سلاسته، ومن سحر نفثتُهُ. ومن الشهد حلاوته. كلام كبُرد الشباب، وبَرد الشراب. كلام يهدي إلى القلوب روح الوصال، ويهب على النفوس هبوب الشَّمال. ألفاظ حسبتها لرقتها منسوخة من صحيفة الصبا، وظننتها لسلاستها مكتوبة من إملاء الهوى. كلام كما هب نسيم السحر، على صفحات الزهر، ولذ طعم الكرى بعد برح السهر. كلام يقطر صرفاً، ويمزج الراح لطفاً، كلام
(1/10)

كنسيم وعهد الصِّبا. كلام هو سَمَر بلا سهر، وصفو بلا كدر.
فصل

في مثل ذلك نظماً
قد أحسن وأطرب إبراهيم بن سياه الأصفهاني في قوله لأبي مسلم محمد بن بحر:
إذا ارتجلَ الخطابَ بدا خليجٌ ... بفيه يمدُّه بحرُ الكلامِ
كلامٌ بل مدامٌ بل نظامٌ ... من الياقوتِ بل حببُ الغمامِ
وأبو إسحاق الصابي في قوله للوزير المهلبي:
قل للوزيرِ مُحَمَّدٍ يا ذا الذي ... قد أعجزتْ كلَّ الورى أوصافُهُ
لك في المجالسِ منطقٌ يَشفي الجوى ... ويسوغُ في أُذُنِ الأديب سلافُهُ
فكأن لفظك لؤلؤ متنخَّل ... وكأنما آذاننا أصدافه
والصاحب في قوله ل " القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز ":
بالله قلْ لي أقرطاسٌ تخطُّ به ... في حلةٍ هو أم ألبستَه الحللا؟
(1/11)

بالله لفظُك هذا سالَ من عسلٍ ... أم قد صببتَ على أفواهِنا العسلا؟
وأطرب " أبو روح ظفر بن عبد الله القاضي " حيث قال في " أبي الفتح البستي ":
يا منْ تذكِّرُني شمائلُه ... ريحَ الشمالِ تنفستْ سَحَرا
وإذا امتطى قلمٌ أناملَه ... سحرَ العقولَ به وما سَحَرا
وقلت للأمير أبي الفضل عبيد الله بن محمد الميكالي:
سبحانَ ربي تبارك اللهُ ما ... أشبهَ بعضَ الكلام بالعسلِ
والمسكِ والسحرِ والرقى وابنةِ ... الكرم وحلي الحسانِ والحللِ
مثلُ كلامِ الأميرِ سيدِّنا ... نظماً ونثراً يسيرُ كالمثلِ
وقلت لأبي عبيد الله محمد بن حامد الحامدي:
إني أرى ألفاظَكَ الغُرّا ... عطَّلتِ الكافورَ والدُّرّا
لك الكلامُ الحُرُّ يا منْ غدا ... أفعالهُ تستعبدُ الحُرّا

فصل
وصف الكتب البليغة
وحسن موقعها نثراً
الصاحب: " كتاب أوجب من الاعتداد، وأوفر من الأعداد، وأودع بياض الوداد سواد الفؤاد.
(1/12)

كتاب أنساني سماع الأغاني من مطربات الغواني. كتاب رأيت فيه ساعة الأوبة على المسافر، وبرد الليل على المسامر، كتاب شممته شم الولد، وألصقتُه بالقلب والكبد، كتاب مطلعه مطلع أهلَّة الأعياد، وموقعه نيل المراد ".
أبو العباس أحمد بن إبراهيم الضبي: " كتاب هو في الحسن رَوضة حَزَن بل جنة عدن، وفيه شرح النفس، وبسط الأنس، برد الأَكباد والقلوب، وقميص يوسف على أجفان يعقوب ".
الخوارزمي: " كتاب هو المسك زكياً، والزهر جنياً، والماء مرئياً، والعيش هنياً، والسحر بابلياً ".
فصل

مثل ذلك نظماً
أحسن ما سمعت في ذلك قول المريمي:
يُطْوى وليس بمطويٌّ محاسنُه ... فالحسنُ ينشُره والكفّ تطويهِ
(1/13)

وأحسن منه قول ابن مندويه الأصفهاني:
يُكَرّر طوراً من قراهُ فصولَهُ ... فإن نحنُ أتممْنا قراءَتَه عُدْنا
إذا ما نشرناهُ فكالمسكِ نشرُه ... ونطويه لا طيَّ السآمةِ بلْ ضَنّا
وأنشدني أبو الفتح البستي لنفسه:
بنفسيَ من أهدى إلي كتابَه ... فأهدى لي الدنيا مع الدين في دُرْج
كتابٌ معانيه خلالَ سطوره ... لآلىءٌ في دَرجِ كواكبُ في بُرْجِ
فصل

وصف الشعر نثراً
أبو إسحاق الصابي في شعر أبي عثمان الخالدي: " يختلط بأجزاء النفس لنفاسته، ويكاد يفتن كاتبه لسلاسته " غيره: " نظم كنظم الجمان، في روض الجنان، وأمن الفؤاد، وطيب الرقاد ".
الصاحب، في شعر عضد الدولة: " قرأت الأبيات، أسفر عنها طبع المجد، وألقاه بحر العلم على لسان الفضل، فعلمت كيف يتكسر الزهر على الحدائق، وكيف يغرس الدر في أرض المهارق.
(1/14)

فصل

في مثل ذلك نظماً
أحسن ما قيل فيه قول ابن نباتة "
خُذها إذا أنشدتْ في القوم من طربٍ ... صدورُها عُلِمَتْ فيها قوافيها
ينسى لها الراكبُ العجلانُ حاجتَه ... ويصبحُ الحاسدُ الغضبانُ يطريها
وأنشد أبو سعد الرستمي وبالغ في الإِطراب:
قوافٍ إذا ما رواها المشو ... قُ هَزّتْ له الغانياتُ القدودا
كسونَ عبيداً لباسَ العبيدِ ... وأضحى لبيدُ لديها بَليدا
وقول عبد الصمد بن بابك:
أَزَرتُكَ يا بنَ عبادٍ ثناءً ... كأنَّ نسيمَهُ شرقٌ براحِ
ومدحاً ناهبَ الحليَ الغَواني ... وأهدى السحرَ للحدِق الملاحِ

الباب الثاني
الربيع وآثاره وسائر فصول السنة
فصل

مدح الربيع ووصف طيبه وحسنه نثراً
قال أبقراط: " من لم يبتهج بالربيع، ولم يتمتع بنسيمه، فهو
(1/15)

فاسد المزاج يحتاج إلى العلاج ".
وكان المأمون يقول: " أغلظ الناس طبعاً، من لم يكن ذا صبوة ".
وقال علي بن عبيدة: " الربيع جميل الوجه، ضاحك السن، رشيق القد، حلو الشمائل، عطر الرائحة، كريم الأخلاق ".
وقال آخر: الربيع شباب الزمان، ونسيمه غذاء النفوس، ومنظره جلاء العيون.
وقال آخر: قد زارنا حبيب، من القلوب قريب وكله حسن وطيب.
وقال آخر: تبلج عن وجه بهج، وخلق غنج، وروض أرج، وطير مزدوج.
وقال آخر: مرحباً بزائر وجهه وسيم، وفضله جسيم، وريحه نسيم.
وقال آخر: تنفس الربيع عن أنفاس الأحباب، وأعار الأرض أثواب الشباب، أذال الربيع أثواب الحرير، وعبرت أنفاسه عن العبير، سحاب الربيع ماطر، وترابه عاطر.

فصل
في ذلك نظماً
(1/16)

أحسن ما قيل في وصف الربيع وأكثره إطراباً قول سعيد بن حميد:
طلعتْ أوائيلُ الربيع فبشرَتْ ... نَوْرَ الرياضِ بجدةٍ وشبابِ
وغدا السحابُ لذاك يسحَبُ في الثرى ... أذيالَ أسحمَ حالكِ الجلبابِ
يبكي فيضحكُ نَوْرُهُنَّ فيا له ... ضحكاً تَوَلَّدَ عن بكاءِ سحابِ
فترى السماءَ إذا أَسَفَّ ربابُها ... فكأنها كسيتْ جناحَ غرابِ
وترى الغصونَ إذا الرياحُ تناوحت ... ملتفةً كتعانقِ الأحبابِ
وأحسن منه قول البحتري:
أتاك الربيعُ الطلقُ يختالُ ضاحكاً ... من الحسنِ حتى كادَ أن يتكلما
وقد نبه النيروزُ في غسِق الدجى ... أوائلَ ورد كنَّ بالأمس نُوِّما
يفتقُها بردُ الندى فكأَنَّه ... يبثُّ حديثاً كانَ قبلُ مكتَّما
فمن شجرٍ رَدَّ الربيعُ لباسَه ... عليه كما نَشَّرْتَ وَشْياً مُنمنما
أحلَّ فأبدى للعيونِ بشاشةً ... وكان قذىً للعين إذا كانَ محرما
(1/17)

ورقَّ نسيمُ الريح حتى حسبتَه ... يجيءُ بأنفاسِ الأحبَّةِ نعما
وأحسن منه قول ابن المعتز:
اسقني الراحَ في شبابِ النهار ... وأنِف هَمي بالخندريس العُقارِ
ما ترى نعمةَ السماءِ على الأرضِ ... وشكرَ الرياضِ للأمطارِ
قد تولتْ زُهرُ النجومِ وقد ... بشَّرَ بالصبحِ طائرُ الأسحارِ
وغناءَ الطيورِ كلَّ صباح ... وانفتاقَ الأشجارِ بالأنوارِ
وكأن الربيعَ يجلو عروساً ... وكأنَّا من قَطْرِه في نثارِ
وقد أحسن وأطرب ابن المعتز:
أما ترى الأرضَ قد أعطتْك زهرتَّها ... مخضرةً واكتسى بالنَّوْرِ عاريها
فللسماءِ بكاءٌ في حدائِقها ... وللرياض ابتسامٌ في نواحيها
وأطرب وأملح محمد بن سليمان المخزومي حيث قال:
نيسانُ وقتُ مسرةِ الإِنسانِ ... وأوانُ طيبِ الراحِ والرَّيْحانِ
شهرٌ له بنسيمهِ ونعيمِه ... صفةٌ تحاكي جنةَ الرضوانِ
وقال الصنوبري في تفضيل الربيع على سائر الفصول:
(1/18)

إن كان في الصيف أثمارٌ وفاكهة ... فالأرضُ مستوقدٌ والحَرُّ تنورُ
وإن يكنْ في الخريفِ النخلُ مخترفاً ... فالأرض عُريانةٌ والأفقُ مَقْرورُ
ما الدهرُ إلا الربيعُ المستنيرُ إذا ... جاءَ الربيع أتاكَ النَّوْرُ والنُّورُ
فالأرضُ ياقوتةٌ والجوُّ لؤلؤةٌ ... والنبتُ فيروزجٌ والماءُ بلورُ
تبارك اللهُ ما أحلى الربيعَ فلا ... تُغْرَرْ فَقائِسُه بالصيفِ مغرورُ
من شمَّ ريحَ تحياتِ الربيعِ يقلْ ... لا المسكُ مسكٌ ولا الكافورُ كافورُ
وقد ملح المُعَوّجُ الرَّقي حيث قال من أبيات:
طابَ هذا الهواءُ وازدادَ حتى ... ليس يزدادُ طيبُ هذا الهواءِ
ذهبٌ حيثما ذهْبنا ودُرُّ ... حيث دُرنا وفضة في الفضاءِ
وقلت في الصبا:
أظُنُّ ربيعَ العامِ قد جاءَ تاجراً ... ففي الشمسِ بزّازاً وفي الريح عطّارا
وما العيشُ إلا أن تواجهَ وجهَه ... وتقضي بين الوشِي والمسكِ أوطارا
وقال مؤلف الكتاب في شتقان أجل منتزهات نيسابور
(1/19)

غفر الله له:
ولما نزلْنا بشتقان التي غدت ... وراحتْ بجناتِ الربيعِ تُشَبَّهُ
وقد برزتْ شجْراتها في ملابسٍ ... ربيعيّةٍ تحوي مدى الأنسِ كُلَّهُ
وعارضَنا ماءٌ يروقُ مصندَلٌ ... ووجهنا وردٌ يشوقُ موجَّهُ
وقهقهَ رعدٌ في السماءِ مجلجلٌ ... وفي الأرضِ إبريقُ المدامِ يُقهقِهُ
وغنى مغني العندليبِ كأنما ... يجاوبُه في حلفِه مزهرٌ له
تنزهَ سمعي ما أرادَ وناظري ... وقلبي مع الإِخوان لا يتنزَّهُ

فصل
تشبيه محاسن الربيع وما يليق به
ومحاسن الإِخوان والسادة نثراً
غيث الربيع متشبه بكفك، واعتداله مضاه لخلقك، وزهره مواز لبشرك، ونسيمه منتسب إلى نشرك. كأنما استعار حلله من شيمك، وأمطاره من جودك وكرمك. قدم الربيع منتسباً إلى خلقك، مكتسياً محاسنه من طبعك، متوسماً أنوار فضلك، متوضحاً بآثار لسانك ويدك. أنا في بستان كأنه من خلقك خلق، ومن
(1/20)

شمائلك سرق، وقد قابلتني أشجار تميل بذكر ريح الأحباب إذا تداولتهم أيدي الشراب. وأنهار كأنها من يدك تسيل، ومن راحتك تفيض. أنا على حافة حوض ذي ماءٍ قد رق، كصفاء مودتي لك، ورقة قولي في عتبك، وقد قابلتني شقائق كالزنوج، وتقاتلت فسالت دِماها وبقيت دُماها. قد سفر الربيع عن خلقك الكريم، وأفاض ماء النعيم، ونطق بلسان النسيم: جر النسيم على الأرض أزره، وحل عن جيب الطيب أُزُرَه، قد ركضت خيول النسيم في ميادين الرياض، وقد حلت يد المطر أزرار الأنوار، وأذاع لسان النسيم أسرار الأزهار، الأرض زمردة، والأشجار وشي، والنسيم عطر، والسماء شنوف، والطير قيان.
فصل

ذكر النسيم نظماً
كان أبو بكر الخوارزمي يقول: عجبت ممن لا يرقص
(1/21)

إذا سمع بيتي أبي عبادة البحتري وهما:
تذكرنيكَ والذكرى عناءٌ ... مشابهُ فيك واضحةُ الشكولِ
نسيمُ الروض في ريح شمالٍ ... وصوبُ المزن في راحٍ شَمولِ
فهما يطربان غاية الإِطراب، ويذكران غور الشباب، وغرر الأحباب.
ومن أحسن محاسن ابن المعتز، وآخذها بمجامع القلوب وأكثرها إطراباً قوله:
يا ربَّ ليلٍ سحرٌ كُلُّهُ ... مفتضحُ البدرِ عليلُ النسيمْ
تلتقطُ الأنفاسُ بردَ الندى ... فيه فتُهديه لحَرِّ الهمومْ
لم أعرِفِ الإِصباحَ منْ ضوئه ... بالبدرِ إلا بانحطاطِ النجومْ
ومن أحسن ملح السري وطرفه المعجبة المطربة قوله:
وحدائقٍ يسبيكَ وشُي برودِها ... حتى تشبَّههَا سبائكَ عبقرِ
يجري النسيمُ خلالَها وكأنما ... غُمِسَتْ فضولُ ردائِه في عنبرِ
وأحسن منه في بساط من الريحان:
(1/22)

وبساطِ ريحانٍ كماءِ زبرجدٍ ... عبثتْ بصفحته الجنوبُ فأُرْعِدا
يشتاقُه الشرَّبُ الكرامُ فكلما ... مرضَ النسيم سَعَوْا إليه عُوَّدا
وللإِمام ابن الرومي في وصف النسيم حيث يقول:
ونسيمٍ كأن مسراهُ في الأروا ... حِ مسرى الأرواحِ في الأجسادِ
وما أملح قول أبي الفرج الوأواء الدمشقي وأظرفه حيث قال:
سقى اللهُ ليلاً طابَ إذا زارَ طيفُه ... فأفنيتُه حتى الصباحِ عناقا
بطيبِ نسيمٍ منه يستجلبُ الكرى ... فلو رَقَدَ المخمورُ فيه أفاقا
وقول ابن بابك:
سحرُ العذارِ وثغرهُ النعماني ... حَبَسا على خلعِ العذارِ عِناني
يا حبذا وصفُ النسيمِ إذا وَنى ... وتحرشُ الريحانِ بالريحانِ
فصل

من مطربات ألفاظ البلغاء
في أوصاف البساتين
روضة رقت حواشيها، وتأنق، قد نشرت
(1/23)

طرائف مطارفها ولطائف زخارفها فطوي لها الديباج الخسرواني ودفن معها الوشي الاسكندراني.
الصابي: قد تضوعت بالأرج الطيب أرجاؤها وتضرعت بظلل الغمام صحراؤها وتفاوضت بغرائب المنطق أطيارها. بستان كأنه أنموذج الجنة. ولا يحل للأريب أن يحل به لأنه نعمة. به أشجار كأن الحور أعارتها ثيابها وقدودها وكستها برودتها وحلتها عقودها.
فصل

مطربات أوصاف الشعراء
منها قول ابن طباطبا عفا الله عنه حيث قال:
أنظرْ إلى زهرِ الرياضِ كأنّها ... وشيٌ تُنَقِّشُه الأكفُ مُنَمنمُ
والنَّوْرُ يهوي كالعقود تبدّدَتْ ... والوردُ يخجلُ والأقاحي تبسمُ
ويكادُ يذري الدمعَ نرجسُها إذا ... أضحى ويقطرُ من شقائِقها الدَّمُ
وقول الصنوبري رحمه الله تعالى:
(1/24)

يا ريمُ قُومي الآنَ ويحَكِ فانظري ... ما للربى قد أظهرتْ إعجابَها
كانت محاسنُ وجهها محجوبةً ... فالآن قد كشفَ الربيعُ حجابَها
ورد بدا مثلَ الخدودِ ونرجسٌ ... مثلُ العيون إذا رأتْ أحبابَها
وشقائقٌ مثلُ المطارفِ قد بدت ... حُمراً وقد جُعِلَ السوادُ كِتابَها
وكأن خُرَّمها البديعَ إذا بدا ... عرفُ الطواوسِ قد مددنَ نقابَها
وثيابُ باقلاءَ يشبهُ نَوْرُه ... بلقَ الحَمامِ مقيمةً أذنابَها
لو كنت أملكُ للرياضِ صيانةً ... يوماً لما وطِىءَ اللئيمُ ترابَها
وقول السروي عفا الله عنه:
مررْنا على الروضِ الذي قد تبسمتْ ... ذُراه وأرواحُ الأباريقِ تُسْفكُ
فلم نَر شيئاً كانَ أحسنَ منظراً ... من الروضِ يجري دمعُه وهْو يَضحكُ
وقول الكاتب البكتمري وقد ملح فيه:
وروضةٍ راضيةٍ عن الديمْ ... وطئتها بناظري دونَ القَدَمُ
وصنتها صونيَ بالشكر النعم
وقول ابن سكرة:
(1/25)

أما ترى الروضةَ قد نَوَّرَتْ ... وظاهرَ الروضةِ قدْ أعشبا
كأنما الروضُ سماءٌ لنا ... نقطفُ منها كوكباً كوكبا
ومما يقع في كل اختيار قول سليمان بن وهب في مثل هذا:
حُفَّتْ بسروٍ كالقيانِ تلبَّسَتْ ... خضرَ الحريرِ على قوامٍ معتدِلْ
فكأنها والريحُ تخطِرُ بينها ... تنوي التعانقَ ثم يمنعُها الخَجَلْ
وبلغني أن الصاحب كان يعجب بقول ابن طباطبا ويعجبه إذا دخل بستان داره:
يا حسنَ بستانِ داري ... والوردُ يقطرُ طَلَّهْ
والسروُ قد مَدَّ فيه ... على الرياحينِ ظِلَّهْ

فصل
غناء الأطيار على الأشجار
لبعض المتأخرين:
أرى شجراً للطيرِ فيه تشاجِرُ ... كأن صنوفَ النَّوْرِ فيها جواهرُ
كأن القماري والبلابلَ وسطها ... قيانٌ وأوراقُ الغصونِ ستائرُ
شربنا على ذاكَ الترنُّمِ قهوةً ... كأنَّ على حافاتها الدرَّ دائرُ
وأحسن منه قول أبي العلاء السروي:
(1/26)

أما ترى قضبَ الريحانِ لابسةً ... حُسناً يبيحُ دمَ العنقودِ للحاسي
وغردتْ خطباءُ الطيرِ ساجعةً ... على منابرَ من وردٍ ومن آسِ
وأحسنُ منه قول بعض العصريين:
وفصلٍ فيه للأرضِ اختيالٌ ... لأنَّ جميعَ ما لبستْ حَريرُ
وللأغصانِ من طربٍ تثنِ ... إذا جَعَلتْ تُغنيها الطيورُ
وما أحسن قول البحتري وأدعاه إلى الطرب:
وورقٍ تداعى للبكاءِ بعثنَ لي ... كثيرَ أسىً بين الحشا والحيازمِ
وصلتُ بدمعي نوحَهُنَّ وإنما ... بكيتُ لشجوي لا لشجوِ الحمائمِ
ولا مزيد على ظرف ابن المعتز في قوله:
وصوتِ حمامةٍ سجعت بليلٍ ... وقد حنَّتْ إلى إلفٍ بعيدِ
فما زلنا نقولُ لها أعيدي ... وللساقي أَلا هَلْ من مزيدِ
فصل

مقدمات المطر والسحاب والرعد والبرق
من مطربات ابن المعتز قوله:
أيا ساقيَ القومِ لا تنسَنا ... ويا ربةَ العودِ غَنِّي لنا
(1/27)

فقد لبسَ الجوُ بين السما ... ءِ والأرضِ مطرفَهُ الأدكنا
وقوله:
خليليّ اتركا قولَ النصوحِ ... وقوما فامزجا روحاً بروحٍ
فقد نشرَ الصباحُ رداءَ نورٍ ... وهبَّت بالندى أنفاسُ روحِ
وحان ركوع إبريقٍ لكأسِ ... ونادى الديكُ حَيَّ على الصبوحِ
وقوله:
ونسيمٍ يبشر الأرضَ بالقطرِ كذيلِ الغلالةِ المبلولِ
ووجوهُ البلاد تنتظرُ الغيث انتظارَ المحبِّ عَوْدَ الرسولِ
ومن محاسن أبي عثمان الخالدي قوله:
مسرةٌ كيلُها بلا خَسَرِ ... ولذةٌ صفوُها بلا كَدَرِ
قد ضُرِبَتْ خيمةُ النسيم لَنا ... فَرُشَّ جيشُ النسيمِ بالمطرِ
ومن بدائع مطربات الخالدي قوله:
وسحابٍ يجر في الأرضِ ذيليْ ... مطرَفٍ زَرَّهُ على الأرض زَرّا
(1/28)

برقُه لحظةٌ ولكنْ له رعدُ ... بطيءٌ يكسو المسامعَ وَقرا
كخليٍّ موافقٍ للذي يهوى ... فيبكي جَهْراً ويضحكُ سِرا
وأحسن منه قوله:
أما ترى الغيمَ يا من قلبُه قاسي ... كأنهُ أنا مقياساً بمقياسِ
قَطْرٌ كدمعي وبرقٌ مثلُ نارِ هوى ... في القلبِ تُذكى وريحٌ مثلُ أنفاسي
ومما أخذ قول القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز بمجامع القلوب حيث قال:
من أينَ للعارضِ الساري تَلهُّبُهُ ... أم كيف طَبَّقَ وجهَ الأرضِ صَيِّبُهُ
هل استعارَ دموعي فهيْ تنجدُه ... أم استعارَ فؤادي فهْوَ يُلهبُهُ

فصل
السحاب والمطر نظماً ونثراً
إذا لبست الجو جلبابها، فلتلبس الأحباب أحبابها. إذا انحل عقد السماءِ، فلينتظم عقد الندماء. إذا انقطع ساريات الغمام، فليتصل أحوال المدام. قد استعار السحاب، أكف الجواد، وجفون العشاق. سحاب يحكي المحب انسكاب دموعه، والتهاب النار بين
(1/29)

ضلوعه.
ومن أحسن ملح عبيد الله بن عبد الله بن طاهر إلى أخيه يستدعيه:
أما ترى اليومَ قد رقتْ حواشيهِ ... وقد دعاك إلى اللذاتِ داعيهِ
وجاد بالقطرِ حتى خلتَ أن له ... إلفاً نآهُ فما ينفكُّ يبكيهِ
فاركبْ إلينا ولا تبطىءْ فتقلقَنا ... حتى توفيَ ما كنا نُوَفِّيه
ومن مطربات الكلام قول كشاجم:
غيمٌ أتانا مؤذنٌ بخفضِ
كالجيشِ يتلو بعضَه ببعض
يضحكُ من برقٍ خفيِّ النبضِ
كالكفِّ في انبساطِها والقبضِ
دنَا فخلناهُ دوينَ الأرضِ
إلفاً إلى إلفٍ بِسِرٍّ يُفضي
ثم مضى كاللؤلؤ المرفَضِّ
وقول السّرّي:
ساريةٌ في غَسَقِ الظلامِ
دانيةٌ من قللِ الآكامِ
جاءت مجيءَ الجحفلِ اللهامِ
واقتربتْ كالإِبلِ السوامِ
كأنها والبرقُ في ابتسامِ
ثم بكتْ بكاءَ مستهامِ
(1/30)

فبشرتْ بسابغِ الإنعامِ
وثروةٍ تحكم في الأعدامِ
كتيبةً مُذْهبةُ الأعلامِ
دنتْ من الأرضِ بلا احتشامِ
ولله در ابن المعتز في قوله:
ومزنةٍ جادَ من أجفانِها المطرُ ... فالروضُ منتظمٌ والوردُ منتثرُ
ترى مواقعَه في الأرض لائحةً ... مثلَ الدراهمِ تبدو ثم تَسْتَتِرُ
ما زال يلطمُ خدَّ الأرض وابلُها ... حتى وقتْ خَدَّها الغدرانُ والخُضَرُ
فصل

الشرب على الدجن
من أحسن ما قيل فيه قول منصور بن كيغلغ:
خنتُ الذي أهوى من الناسِ ... ونمتُ عن جودي وعن باسي
يوماً أرى الدجنَ فلا أرتوي ... من ريِّقِ الفيِّ ومن كاسي
وقول ابن المعتز:
ما العذرُ في حبسِ كاسٍ ... المسكُ منها يفوحُ
والغيمُ رطبٌ ينادي ... يا غافلينَ الصبوحُ
وقول ابن مقلة الوزير:
(1/31)

لا يكنْ للكاسِ يومَ الغيمِ في كفّكَ لبْثُ
أو ما تعلمُ أن الغيثَ ساقٍ مستحِثُّ؟
ومن أحسن ملح السرى المطربة:
قُمْ وانتصفْ من صروفِ الدهرِ والنُّوَبِ ... واجمعْ بكاسكَ شملَ اللهوِ والطربِ
أما ترى الغيثَ قد قامتْ عساكره ... في الشرقِ تنشرُ أعلاماً من الذهبِ
والجَوُّ يختالُ في حُجْبٍ مُمَسَّكةٍ ... كأنما القلبُ فيها قلبُ ذي رُعُبِ
جريتُ في حلبةِ الأهواءِ مجتهداً ... وكيفَ أُقْصِرُ والأيامُ في طلبي
تَوِّجْ بكأسكَ قبلَ الحادثاتِ يدي ... فالكاسُ تاجُ يدِ المثري من الذهبِ
وقد أحسن أبو العشائر الحمداني:
الخمرُ شمسٌ في غلالةِ لاذِ ... تجري ومطلعُها من الخرداذي
والنَّوْرُ كالإبريزِ بين عقائقٍ ... ولآلىءٍ وزُمُرُّدٍ وبِجاذِ
فاشربْ على روضِ الغمامِ فيومُنا ... في مجلسِ البستان يومُ رذاذِ
وانظرْ إلى لَمْعِ البروقِ كأنها ... يومَ الضرابِ صحائفُ الفولاذِ
فصل

آثار الربيع وأزهاره
من أحسن ما أحفظ في عامة الرياحين قول ابن
(1/32)

المعتز في مزدوجة ولا مزيد على حسنه:
أما ترى البستانَ كيف نَوَّرا
ونشرَ المنثورُ بُرْداً أصفرا
وضحكَ الوردُ إلى الشقائقِ
واعتنقَ القطرَ اعتناقَ الوامق
في روضةٍ كحلَّةِ العروسِ
وخُرَّمٍ كهامةِ الطاووس
وياسمينِ في ذرى الأغصانِ
منتظمٍ كقطعِ المرجانِ
والسروُ مثلُ قضبِ الزبرجدِ
قد استَمدَّ الماءَ من تربٍ ندي
والسَّوسنُ الآزرُ منشورُ الحللْ
كَقُطَنٍ قد مَسَّه بعضُ البللْ
وحَلَق البهارُ فوقَ الآسِ
جمجمةً كهامةِ الشماسِ
وجلنارٌ مثلُ جمر الخَدِّ
أو مثلُ أعرافِ ديوكِ الهندِ
والأقحوانُ كالثنايا الغُرِّ
قد صُقِلَتْ أَنوارُه بالقطرِ
ومن الشعر المطرب في النرجس قول ابن طباطبا:
يا من يحاصرُ وجدَه في نفسِه ... ويحاذر الرقباءَ أن يتنفسا
زفراتُ همك قد أصابتْ فرصةً ... فخرجن لما أنْ شممنا النرجسا
(1/33)

وقول أبي العلاء السروي:
حَيِّ الربيعَ فقد حيا بباكورِ ... من نرجسٍ ببهاءِ الحسنِ مذكورِ
كأنما جفنُه بالغنجِ مفتتحاً ... كأسٌ من التِّبرِ في منديل كافورِ
وقول جحظة البرمكي في الورد:
ألا فاسقنيها قهوةً بابليةً ... تحاكي شعاعَ الشمسِ بل هِيَ أفضلُ
فقد نطقَ الدراجُ بعد سكوتِه ... ووافى كتابُ الورد أني مقبلُ
وقول أبي سعيد الأصفهاني:
الوردُ في حللٍ وحَلي لم يَرُحْ ... في مثلِها إلا الكَعابُ الرودُ
والوردُ فيه كأنما أوراقهُ ... نُزِعَتْ ورُدّ مكانَهن خدودُ
وقول السري:
لو رحَّبتْ كأسٌ بذي زورةٍ ... لرحَّبتْ بالوردِ إذْ زارها
جاءَ فخلناهُ بدوراً بدتْ ... مُضرِمةً من خجلٍ نارَها
(1/34)

وعَطَّرَ الدنيا وطابتْ به ... لا عدمتْ دنياهُ عطَّارهَا
وقول ابن حجاج ولا غاية لإِطرابه:
جنى من البستانِ لي وردةً ... أحسنَ من إنجازهِ وعدي
فقال والخمرة في كأسها ... بكفه أذكى من النِد
اشربْ هنيئاً لك يا عاشقي ... ريقيَ مِنْ كَفّي على خَدِّي
ومن أحسن ما قاله ابن المعتز:
سقياً لأرضٍ إذا ما نمتُ نبهني ... بعد الهدوِّ بها صوتُ النواقيسِ
كأن سوسَنها في كل شارقةٍ ... على الميادين أذنابُ الطواويسِ
وقول أبي الفرج الببغاء:
زمنُ الوردِ أشرفُ الأزمانِ ... وأوانُ الربيعِ خيرُ أوانِ
أظرفُ الزهرِ جاء في أظرفِ الدهرِ ... فَصِلْ فيه أظرفَ الإِخوان
واندبِ الوردَ وابكه بدموعٍ ... من دموعِ الأقداحِ لا الأجفانِ
وقول ابن سكرة:
للورد عندي مَحَلُّ ... لأنه لا يُمَلُّ
كُلُّ الرياحينِ جندٌ ... وهْوَ الأميرُ الأجَلُّ
(1/35)

إن زارَ عَزّوا وتاهوا ... حَتّى إذا غابَ ذَلُّوا
ومن أشبه ما قيل في تشبيه الورد قول الخالدي:
يا شبيهَ البدرِ حسناً ... وضياءً ومِثالاً
وشبيهَ الغصن ليناً وقواماً واعتدالاً
أنتَ مثلُ الورد لوناً ... ونسيماً ودَلالا
زارنا حتّى إذا ما ... سَرَّنا بالقربِ زالا
ومن أحسن ما قيل في الشقائق قول بعض بني حمدان:
شقيقةٌ شَقَّتْ على وردها ... ما التبستْ من بهجةِ الصبغِ
كأنها وحسنَها جبهةٌ ... يلوحُ فيها طرفُ الصدغِ
ومن أحسن ما قيل في الشراب قول ابن لنكك:
قد شربنا على شقائقِ روضٍ ... شربتْ عبرةَ السحابِ السكوبِ
صُبِغَتْ من دمِ القلوبِ فما ... تُبْصَرُ إلا تعلقتْ بالقلوبِ
وقول عبد الله بن أحمد النحوي البلدي:
هاتِ المدامة يا شقيقي ... نشربْ على روضِ الشقيقِ
كأسَ العقيقِ نديرُها ... ما بين كاساتِ العقيقِ
(1/36)

ومن أحسن ما قيل في الآذريون قول ابن المعتز:
سقياً لأيامٍ لنا ... وللعصورِ الخاليَهْ
ما بين روضاتٍ لنا ... من كلِّ حُسنٍ حاليَهْ
كأنما أزهارُها ... من ماءِ وردٍ جاريَهْ
كأن آذريونَها ... تحتَ السماءِ الصافيَهْ
مداهنٌ منْ عسجدٍ ... فيها بقايا غاليَهْ
وقال في النرجس:
ظللنا بملهى خيرِ يومٍ وليلةٍ ... تدورُ علينا الكأسُ مَعْ فتيةٍ زُهْرِ
لدى نرجسٍ غَضٍّ وسروٍ كأنه ... قدودُ جوارٍ رحنَ في أُزُرٍ خُضْرِ
وما أحسن قول الصنوبري في النيلوفر:
حبذا يومُ أحمدِ ... بين روح ومنجدِ
وخليجٍ مزردِ ... وحمامٍ مغرِّدِ
كُلَّنا باسطُ اليد ... نحو نيلوفرٍ ندي
(1/37)

كدنانيرِ عسجدِ ... نِصفُها منْ زبرجدِ
وأظرف منه ما وجدته بخط الأمير أبي الفضل عبد الله بن أحمد الميكالي في كتاب يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر ملحقاً بشعر الخباز البلدي. وأنشدني أبو المحاسن الرئيس ابن أبي سعيد الحوالي له في النيلوفر:
تحبُّ الشمس لا تبغي سواها ... وتلحظُها بمقلةِ مستهامِ
إذا غربتْ تكنَّفها اشتياقٌ ... فنامتْ كي تراها في المنامِ
ومن أحسن ما سمعته في باقة ريحان قول بعض الكتاب:
وباقةِ ريحانٍ كعقد زبرجدٍ ... حوتْ منظراً للناظرينَ أنيقا
إذا شمها المعشوقُ خلتَ اخضرارَها ... ووجنَته فيروزجاً وعقيقا

فصل
الصيف ووصف البلغاء الحر
حر يشبه قلب الصب، ويذيب دماغ الضب.
هاجرة كأنها من قلوب العشاق، إذا اشتعلت فيها نار الفراق.
هاجرة تحكي الهجر، وتذيب قلب الصخر.
أيام كأيام
(1/38)

الفرقة امتداداً، وحر كحر الوجد اشتداداً.
هاجرة كقلب المهجور، والتنور المسجور.
ومن أحسن الأشعار الحجازية قول عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي:
ويومٍ كتنورِ الطواهي سَجَرْنَه ... وألقين فيه الجزلَ حتّى تضرما
قذفتُ بنفسي في أجيجِ سُمومِها ... وبالعيسِ حتى ابتلَّ مشفرُهُ دَما
أُؤَمِّلُ أن ألقى من الناسِ عالماً ... بأخبارِكم أو أن أزورَ مُسَلِّما
وقال مؤلف الكتاب رحمه الله تعالى:
ربّ يومٍ هواؤُه يتلظَّى ... فيحاكي فؤادَ صِبٍّ متيمْ
قلتُ إذ صاب حَرُّه حَرَّ وجهي ... ربنا اصرفْ عنا عذابَ جهنمْ
وقال أيضاً:
قد أقبلَ الصيف يحكي حَرّ أنفاسي ... وفي فؤاديَ حَرٌّ ماله آسي
فإن سمعتَ ببردِ الوصلِ فيك فقد ... سللتَ نضوَ رجائي من يديْ باسي
(1/39)

وأنشدني أبو بكر الخوارزمي لابن بسام:
حرارةُ قلبي والتهابُ هوائيا ... وحرٌّ له بين الضلوعِ ضرامُ
لعمركَ قد أصبحتُ رهناً بحالةٍ ... جهنمُ بردٌ عندها وسلامُ
فصل

أيام الخريف
أحسن ما قيل فيه قول البادي الأصفهاني:
ولا زلتَ في عيشةٍ كالخريفِ ... فإن الخريفَ جميعاً سَحَرْ
صفا الماءُ فيه وطابَ الهوى ... يحيلهما نسيمُ ريحٍ عَطِرْ
ترى الزعفرانَ بأعطافِه ... يفوحُ الترابُ له المستعِرْ
واترجَّهُ عاشقٌ مدنَفٌ ... إذا ما رجا طيبَ وصلٍ هُجرْ
وتفاحُهُ فوق أغصانِه ... خدودٌ خجلنَ لوحي النظرْ
وما كنتُ أحسبُ أن الخدو ... دَ تكون ثماراً لتلكَ الشجرْ
وأحسن منه قوله ابن المعتز:
اشرب على طيبِ الزمانِ فقد حدا ... بالصيفِ من إيلولَ أكرمُ حادي
وأشَمَّنا بالليلِ بردَ نَسيمه ... فأراحتِ الأرواحَ في الأجسادِ
(1/40)

وافاك بالإِنذارِ قُدَّامَ الحيا ... فالأرضُ للأمطار في استعدادِ
وقال أيضاً:
هات كأسَ الصبوحِ في إيلولِ ... بردَ الطَلُّ في الضحى والأصيلِ
وخبتْ جمرةُ الهواجرِ عَنَّا ... واسترحْنا من النهارِ الطويلِ
وخرجْنا من السمومِ إلى رَوْحِ شمالٍ وطيبِ ظلٍّ ظليلِ
ونسيم يبشر الأرضَ بالقطرِ كذيلٍ الغلالةِ المبلولِ
وكأنا نزدادُ قرباً من الجَنّةِ في كلِّ شارقٍ وأصيلِ
ووجوهُ البلادِ تنتظرُ الغيثَ ... انتظارَ المحبِّ رَجْعَ الرسولِ
وقال جحظة البرمكي:
لا تصغِ للّومِ إن اللومَ تضليلُ ... واشربْ ففي الشربِ للأحزان تحليل
فقد مضى القيظُ واحتثت رواحلُه ... وطابتِ الراحُ لما آل إيلولُ
فليسَ في الأرض نبتٌ يشتكي مَرَهاً ... إلا وناظرُه بالطَّلِّ مبلولُ

فصل
الأترنج والنارنج
اللذين هما أجَلُّ
(1/41)

ثمار الخريف المشمومةِ. وقد أحسن وأطرب كشاجم بقوله:
يا حبذا يَومُنا ونحنُ على ... رؤوسنا نعقدُ الأكاليلا
في جنّةٍ ذُلّلَتْ لقاطِفها ... قطوفُها الدانياتُ تذليلا
كأنَ أترنجَها تميلُ بها ... أغصانُها حاملاً ومحمولا
سلاسلٌ من زبرجدٍ حَمَلَتْ ... من ذهبٍ أحمرٍ قناديلا
وللإمام في وصف الأترج:
جسمُ لجينٍ قميصُه ذهبُ ... مُرَكَّبٌ في بديعِ تركيبِ
فيه لمن شَمَّه وأبصرَه ... لونُ محبٍّ وريحُ محبوبِ
وأطرب ابن العميد وندماؤه إذ شاركوه في نظم هذه الأبيات:
وأترجةٍ فيها طبائعُ أربعُ ... وللشرب فيها الحسنُ والطيبُ أجمعُ
فما اصفرَّ منها اللونُ للعشقِ والهوى ... ولكنْ أراها للمحبينَ تجزعُ
ولم أسمع في أترجة مقفعة أحسنَ من قول أبي طالب الرقي وأبدع فيه:
(1/42)

مصفرةُ الظاهرِ بيضاءُ الحشا ... أبدعَ في صنعتها ربُّ السما
كأنها لونُ محبٍّ دنفٍ ... مُبَعَّدٍ يحسبُ أيامَ الجفا
ومن أحسن ما قيل في النارنج قول عمر بن علي المطوعي:
أحسِنْ بنارنج أتانا غدوةً ... في منظرٍ مستحسنِ مرموقِ
أصبحتُ أعشَقُهُ ويحكي عاشقاً ... أحسِنْ به من عاشقٍ معشوقِ
وقال مؤلف الكتاب رحمه الله:
كأنما النارنجُ للرباتِ ... ثُدِيُّ أبكارٍ مخدراتِ
مزعفراتٍ ومعصفراتِ ... أو أُكرِ الكيمختِ مذهباتِ
قد ضُمِّخَتْ بالعنبرِ الفُتّاتِ ... نسيمُها يزيدُ في الحياةِ
فصل

التفاح
قال المأمون: اجتمع في التفاح الصفرة والدرية، والبياض الفضي، والحمرة الذهبية، يلذُّ به من الحواس ثلاث: تلذُّه العين لحسنه، والأنف لعرفه، والفم لطعمه.
وقال سهل بن هارون: قد جمع التفاح من الألوان العلوية
(1/43)

لون قوس قزح ولو استدار قوس قزح لكان التفاح. كذلك الخمر هي تفاح ذائب، والتفاح خمر جامدة. وقد نظم هذا المعنى الأخير من قال:
الخمرَ تفاحٌ جرى ذائباً ... كذلكَ التفاحُ خمرٌ جَمَدْ
فاشربْ على جامِده ذوبَه ... ولا تدعْ لذةَ يومٍ لِغَدْ
وقال من حكى مقالة جالينوس في التفاح:
قال جالينوسُ في حكمتِه ... لك في التفاحِ فكرٌ وعَجَبْ
هو روحُ الروحِ في جوهرِها ... ولها شوقٌ إليهِ وطَرَبْ
ودواءُ القلبِ ينفي ضعفه ... ويُجلي الحزنَ عنه والكَرَبْ
وأهدى أحمد ين يوسف المأموني إلى بعض الظرفاء تفاحة، وكتب إليه معها: قد بعثت بتفاحة تحكي بحمرتها وجنتك، وبرائحتها رائحتك، وبعذوبتها عذوبتك، وبملاحتها غرتك.
ولمؤلف الكتاب رحمه الله تعالى في رسالة تفاح: تفاح يجمع وصف العاشق الوجل
(1/44)

والمعشوق الخجل، له نسيم العنبر، وطعم السكر، رسول المحب، وشبيه الحبيب.
وأحسن ما قيل فيه نظماً وهو متنازع فيه لحسنه وإطرابه:
وتفاحةٍ من سوسنٍ صيغَ نصفُها ... ومن جلنارٍ نصفُها وشقائقِ
كأنّ الهوى قد ضَمَّ من بعد فرقةٍ ... بها خدَّ معشوقٍ إلى خَدِّ عاشقِ
وقال مؤلف الكتاب رحمه الله:
يا حبذا حسنُها ومرآها ... وحبذا في الثمارِ مجناها
تفاحةٌ في الكرى توافِقني ... وفي انتباهي فصرتُ أهواها
لأنها في المنام همةُ مَن ... يأملُ مالاً ويبتغي جاها
وهي بهذي الأوصافِ ممتعةٌ ... تريحُ روحي بطيبِ ريّاها
وتركت إيراد الأوصاف في سائر الثمار لأنها ليست من شرط الكتاب.

فصل
الشتاء وآثاره
والاستظهار على البرد والثلج بالشرب
من أحسن ما قيل فيه قول ابن المعتز:
(1/45)

جادَ الزمانُ بشمألٍ وصَبا ... يلقاهما المقرورُ بالضِدِّ
فازمْ قرارَك لا تكن شرِهاً ... تشقى بطولِ السعي والكدِّ
إن الكبيرَ تقله سَحَراً ... ترياقُ لسعِ عقاربِ البَرْدِ
وكتب الصاحب إلى بعض ندمائه في يوم ثلج: كتبت والدنيا كقطعة كافور والدر ينثر، والكؤوس تدور. والراح ياقوت أحمر ونحن بين أطباق البرد فيما نستغيث منه إلى حر الراح وسورة الأقداح. وهي خير من كل شعر ووبر.
ومن أحسن ما قيل في الشرب على الثلج قول الصنوبري:
ذَهِّبْ كؤوسَك يا غلامُ ... فإنهُ يومٌ مفضَّضْ
والجوُّ يجلى في الريا ... ض وفي حليّ الدُّرِ يُعْرَضْ
وردُ الربيعِ مُلَوَّنٌ ... والوردُ في كانونَ أبيضْ
(1/46)

ومثله في الحسن قول الصاحب:
هاتِ المدامةَ يا غلامُ معجلاً ... فالنفسُ في أيدي الهوى مأسورَهْ
أو ما ترى كانونَ ينثر وردَه ... فكأنما الدنيا به كافورَهْ
وأحسن منه قوله وإن لم يكن فيه ذكر الشراب:
أقبلَ الجوُّ في غلائلِ نور ... وتهادى بلؤلؤ منثورِ
فكأن السماءَ صاهرتِ الأرضَ فصارَ النثارُ من كافورِ
وأجاد في وصف الثلج كشاجم حيث قال:
الثلجُ يسقط أم لجينٌ يُسْبَكُ ... أم ذا حصى الكافورِ ظَلَّ يُفَرَّكُ
ضحكتْ به الأرضُ الفضاءُ كأنما ... في كُلِّ ناحيةٍ بثغركَ تضحكُ
وتزيِّن الأشجارُ منه ملاءةً ... عما قليل بالرياحِ تُهَتَّكُ
شابتْ مفارقُها فَبَيَّنَ شيبها ... طرباً وعهداً بالمشيب يُنَسِّكُ
فاليومُ يومُ نزاهةٍ ولذاذةٍ ... سَيُطَلُّ فيه دمُ الدنانِ ويُسْفَكُ
والغيمُ من أرجِ الهواءِ كأنه ... ثوبٌ يعصفرُ مرةً ويُمَسَّكُ
وقال أبو بكر الروز باري أنشدني أبو منصور المهلبي:
ما لابن هَمٍّ سوى شربِ ابنةِ العنبِ ... فهاتِها قهوةً فراجةَ الكُرَبِ
أدهقْ كؤوسَك منها واَسقني طرباً ... على الغيومِ فقد جاءتْكَ بالطربِ
(1/47)

أما ترى الأرضَ قد شابتْ مفارقُها ... مما نثرنَ عليها وهْيَ لم تشبِ
راحتْ مفضضةَ الحافاتِ قد لَبستْ ... بيضاً من الحللِ الديباجةِ القُشُبِ
جادَ الزمانُ بدمعٍ كاللجينِ جرى ... فجدْ لنا بالتي في اللونِ كالذهبِ
وأنشدني أبو الفتح البستي لنفسه:
كم نظمنا عقودَ أنسٍ وقصفٍ ... وجعلْنا الزمانَ للهو سِلْكا
وفتقنا الدنانَ في يومِ ثلجٍ ... عزلَ الكأسُ فيه رشداً ونسكاً
فكأنّ الزمانَ ينخل كافو ... راً علينا ونحنُ نعبقُ مِسكا
وما أنسى قول المهلبي في ثلج ربيع وهو في نهاية الإعجاب والإطراب ومن أليق الأشعار في هذا المكان:
الوردُ بين مضمخٍ ومضرّجِ ... والزهرُ بين مكلَّلٍ ومُتَوَّجِ
والثلجُ يسقطُ كالنثارِ فقمْ بنا ... نلتذُّ بابنةِ كرمةٍ لم تُمْزَجِ
طلع النهارُ ولاحَ نورُ شقائقٍ ... وبدتْ سطورُ الورد بين بنفسجِ
فكأن يومَك في غلالةِ فضةٍ ... والنوْرُ من ذهبٍ على فيروزجِ

الباب الثالث
أوصاف الليالي والأيام وأوقاتهما والآثار العلوية
(1/48)

فصل

فيما يطرب من ذكر الليالي الطيبة
القصيرة المحمودة والمشكورة
سئل الحسن بن وهب عن ليلة فقال: كانت والله ليلة رقد الدهر عنها، وطلعت سعودها، وغاب عذالها.
وقال أيضاً: شربت البارحة على عقد الثريا، ونطاق الجوزاء، فلما انتبه الصبح، نمت فلم أستيقظ إلا بعد أن لبست قميص الشمس.
ووصف غيره ليلة فقال: كانت والله فضية الأديم، مسكية النسيم، معطرة بأنفاس الحبيب، مهنأة بغيبة الرقيب.
وقال أبو الحسن بن طباطبا:
يا رُبَّ ليلٍ خلوتُ فيه بمنْ ... يقصرُ عن وصفِ كنهِ وجديَ بِهْ
ليلٌ كبُرْدِ الشبابِ حالكهُ ... نعمتُ في ظِلِّه وفي طِيبِهْ
وقال أيضاً وأبدع وأطرف:
وليلةٍ قد غيبتْ نحسَها ... ووفرتْ حظّيَ مِنْ سَعدِها
كأنها طرَّةُ فتانةٍ ... دعجاؤها سوداءُ من جعدها
(1/49)

قصيرةٌ قَصَّرَها طيبُها ... كأنها عمريَ مِنْ بعدِها
وله أيضاً في معنى مقتبس من القرآن العظيم وأجاد جداً:
وليلةٍ مثلِ أمرِ الساعة اشتبهتْ ... حتى تقضَّتْ ولمْ تشعرْ بها قِصَرا
ما يستطيعُ بليغٌ وصفَ سرعتِها ... فاتتْ ولم تعتلقْ وهماً ولا خَطَرا
يريد قول الله تعالى: " وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ".
وللإمام إبراهيم بن العباس الصولي في وصف الليالي قصراً:
وليلةٍ من حسناتِ الدهرِ ... قابلتُ فيها بدرهَا ببدري
لم تكُ غيرَ شفقٍ وفجْرِ ... حتّى تولتْ وهي بكرُ العُمْرِ
وقد حذا حذوه ابن المعتز فقال:
وليلةٍ من الليالي الزهرِ ... سريتُ فيها بخيولٍ شُقْرِ
سياطُها ماءُ السحابِ الغرِّ ... وشادنٌ ضعيفُ عقدِ الخَصرِ
يمضي بموجٍ ويجي ببدرِ ... في صدغِه عقاربٌ لا تسري
من سبَج قد قيدَتْ بالعطرِ ... يا ليلةً سرقتُها منْ عُمْري
(1/50)

ومن مطربات لياليه قوله:
كم ليلةٍ شغلَ الرقادُ عذولَها ... عن راقدَيْنِ تواعدا للقاءِ
ما راعنا تحتَ الدجى ليلاً سِوى ... شبهِ النجومِ بأعينِ الرقباءِ
وقوله:
يا ليلةً ما كان أطيبَها ... سوى قصرِ البقاءْ
أحييتُها فأمتُّها ... وطويتُها طيَّ الرداءْ
حتَى رأيتُ الشمَ تتلو ... البدرَ في أفق السماءْ
وكأنها وكأنه ... قَدَحانِ من خمر وماءْ
وقوله:
لا تَلْقَ إلا بليلٍ من تواصُله ... فالشمسُ تمَّامةُ والبدرُ قَوَّادُ
كم عاشقٍ وظلامُ الليل يسترُه ... لاقى أحبتَه والناسُ رُقَّادُ
وزعم ابن جني أن المتنبي أخذ مصراع البيت الأول في قوله الذي هو من وسائط قلائده وهو:
أزورُهمُ وسوادُ الليل يشفعُ لي ... وأنثني وبياضُ الصبحِ يُغْري بي
(1/51)

ومن مطربات أبي فراس الحمداني:
يا ليلةً لستُ أنسى طيبَها أبداً ... كأن كُلَّ سرورٍ حاضرٌ فيها
وقوله:
يا ليلُ ما أغفلُ عما بي ... حبائبي فيك وأحبابي
يا ليلُ نام الناسُ عن موجعٍ ... ناءٍ على مضجعِه نابي
هبتْ لنا ريحٌ شآمِيَةٌ ... مَدَّتْ إلى القلب بأسبابِ
أدتْ رسالاتِ حبيب بها ... فهمتُها مِنْ بينِ أصحابي
وكان الصاحب يستحسنها ويكثر الإعجاب بها. ومن مطربات السري قوله:
كستكَ الشبيبةُ ريْعانَها ... وأهدتْ لك الراحُ رَيْحانها
فدمْ للنديمِ على عهدِه ... وغادِ المدامَ وندمائها
سكرتُ بقطربُّلٍ ليلةً ... لهوتُ فغازلتُ غزلانها
وأيُّ ليالي الهوى أحسنتْ ... إليَّ فأنكرتُ إحسانها؟
ومن مطربات الخالدي قوله:
(1/52)

رُبَّ ليلٍ فضحتُه بضياءِ ... الراحِ حتى تركتُه كالنهارِ
بتُّ أجلو فيه شموسَ وجوهٍ ... حملتْ في الدُّجى وجوهَ عقارِ
ومن مطربات ابن المعتصم الأنطاكي قوله:
وليلٍ كأنَّ نجومَ السماء ... به مُقَلٌ رَنَّقَتْ للهجوعْ
ترى الغيمَ من دونِها حاجباً ... كما احتجبتْ مقلةٌ بالدموعْ
ومن مطربات الصنوبري قوله:
يا ليلةً طلعتْ بأحسنِ طالعِ ... تاهت على ضوءِ النهارِ الطالعِ
بمحاسن مقرونةٍ بمحاسنٍ ... وبدائعٍ مقرونةٍ ببدائعِ
ضوءُ الشُموس وضوءُ وجهِك مازجاً ... ضوءَ العقارِ وضوءَ برقٍ لامعِ
فكأنما ألقى الدجى جلبَابَه ... وأراك جلبابَ النهارِ الساطعِ
وقال مؤلف الكتاب رحمه الله تعالى:
يا ليلةً كالمسكِ مخبرُها ... كذاك في التشبيهِ منظرُها
أحييتُها والبدرُ يخدمني ... والشمسُ أنهاها وآمُرُها
وقال:
(1/53)

هذه ليلة لها بهجةُ الطاووسِ حسناً واللونُ لونُ الغدافِ
رقدَ الدهرُ فانتبهنا وسارقناهُ حظاً من السرور الصافي
بمدامِ صافٍ وخِلٍّ مصافِ ... وحبيبٍ وافٍ وسعدٍ موافِ

فصل
طول الليل
من أحسن ما قيل فيه قول عتاب بن ورقاء الشيباني:
إن اللياليَ للأنام مناهلٌ ... تُطوى وتُنْشَرُ بينَها الأعمارُ
فقصارُهُنَّ مع الهموم طويلةٌ ... وطوالُهُنَّ مع السرورِ قصارُ
وقول خالد الكاتب:
رقدتَ فلم ترثِ للساهرِ ... وليلُ المُحب بلا آخرِ
ولم تدرِ بعد ذهاب الرقادِ ... ما فعلَ الدمعَ بالناظرِ
ومن أظرف ما قيل فيه قول ابن طباطبا:
أترى النجمَ حار في الليل أم ... أسبلَ ليلي على نهاري ذَيْلا
أم كما عادَ وصلُه ليَ هجراً ... عاد أيضاً فيه نهاريَ ليلا
وغرة هذا الفصل قول سيدوك الواسطي:
(1/54)

عهدي بنا ورداءُ الوصلِ يجمعُنا ... والليلُ أطولُه كاللمحِ بالبصرِ
فالآن ليليَ مُذْ غابوا فديتُهم ... ليلُ الضريرِ فصبحي غيرُ منتظرِ
وقال غيره:
وليلةٍ كاللجةِ الزاخِرَةْ ... طالتْ على ذي المقلةِ الساهرَهْ
أقول إذا آيستُ من صُبحِها ... آخرُ هذي الليلةِ الآخرَهْ
وقال مؤلف الكتاب رحمه الله:
يا ليلةً هي طولاً ... كمثلِ شوقي ووجدي
مَدَّتْ سرادقَ شجوٍ ... على الورى أيَّ مَدِّ
نجومُها الزهرُ تحكي ... حسناً لآلىءَ عِقدِ
والأنجُم الزهر فيها ... كالوردِ في اللازوردي
فصل

وصف الليل والنجوم
من غرر ابن طباطبا قوله:
ربَّ ليلٍ صحبتُه كاسفَ البا ... لِ كئيباً حليفَ هَمٍّ شتيتِ
مؤنساً ربعَه بطولِ أنيني ... وهْوَ لي موحِشٌ بطولِ السكوتِ
(1/55)

تحت سقفٍ من الزبرجدِ قد ... رُصِّعَ حسناً بالدُرِّ والياقوتِ
ومن ملح القاضي التنوخي قوله:
وليلةِ مشتاقٍ كأن نجومَها ... قد اغتصبتْ عيني الكرى فهْيَ نُوَّمُ
كأن عيونَ الساهرينَ لطولِها ... إذا طلعتْ للأنجم الزهرِ أنجمُ
كأن ظلامَ الليلِ والفجرُ ضاحكٌ ... يلوحُ ويبدو أسودٌ يتبسمُ
ومن بدائع الوأواء الدمشقي قوله:
ولقد ذكرتُكِ والنجومُ كأنَّها ... درُّ على أرضٍ من الفيروزجِ
يلمعنَ من خللِ السحاب كأنها ... شررٌ تطايرَ من دخانِ العَرْفَجِ
ومن مطربات الحجاج قوله:
يا صاحبيَّ تيقظا منْ رقدة ... تُزري على عقل اللبيبِ الأكيسِ
هذي المجرة والنجومُ كأنها ... نهرٌ تدفّقَ في حديقةِ نرجسِ
وأرى الصَّبا قد غلَّستْ بنسيمها ... فعلامَ شربُ الراحِ غيرَ مُغَلَّسِ
ومن أحسن ما قيل في الثريا قول أبي عثمان الخالدي، وقيل هو لابن أخيه وينسب للمهلبي:
(1/56)

خليلَيَّ إني للثريا لحاسدُ ... وإني على ريبِ الزمان لواجدُ
أيجمعُ منها شملُها وهي سبعةٌ ... وأفقدُ من أحببتُه وهْوَ واحدُ؟
فصل

الهلال والبدر والقمر
من مطربات ابن المعتز قوله:
أهلاً بفطرٍ قد أنارَ هلالُه ... فالآنَ فاغدُ إلى الشرابِ وبَكِّرِ
وانظر إليه كزورقٍ من فضةٍ ... قد أثقلتهُ حمولةٌ منْ عنبرِ
وأحسن كشاجم في قوله:
أهلاً وسهلاً بالهلا ... لِ بدا لعينِ المبصرِ
أو ما تراه يلوح في ... جَوِّ السماءِ الأخضرِ
كشعيرةٍ من فضةٍ ... قد رُكِّبَتْ في خِنْجَرِ
وقد أبدع السّري وأطرب حيث قال:
قد جاءَ شهر السرورِ شوالُ ... وغالَ شهرَ الصوم مغتالُ
أما رأيتَ الهلال يرمقُه ... قومٌ لهم إن رأوهُ إهلالُ
كأنه قَيْدُ فضةٍ هزجٌ ... فُضَّ على الصائمينَ فاختالوا
(1/57)

ومن مطربات ابن طباطبا قوله:
تأملْ نحولي والهلالَ إذا بدا ... لليلتهِ في أفقِه أيُّنا أضنى
على أنه يزدادُ في كلِّ ليلةٍ ... نُمُواً وأني بالضَّنى دائماً أفنى
ومن مطربات عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
يا أيها القمرُ المنيرُ الزاهِرُ ... الأملحُ العالي الرفيعُ الباهرُ
بلغْ شبيهتَكَ السلامَ وهنِّها ... بالنومِ واشهدْ لي بأنيَ ساهرُ
ومن أحسن ما أنشد فيه الشيخ أبو منصور المرزباني لنفسه:
كمْ ليلةٍ أحييتُها ومنادمي ... طَرْفُ الحبيب وطيبُ حَسُوِ الأكؤسِ
شبهتُ بدرَ سمائِها لما دنتْ ... مني الثُرَيّا في قميصٍ سندسي
مَلِكاً مَهيباً قاعداً في روضةٍ ... حياه بعضُ الزائرينَ بنرجسِ
ومن أحسن ما قيل في البدر المحتجب بالغيم قول من قال:
شبيهكَ بدرٌ في السماء مَحَلُّه ... فأنتَ إذا ما غِبْتَ آنسُ بالبدرِ
فغطت على بدرِ السماءِ غمامةٌ ... وصار عليَّ الغيمُ أيضاً مَع الدهرِ
ومن مطربات أبي الفرج الوأواء فيه طالعاً من خلال
(1/58)

السحاب قوله:
لا تنكري ما بي فليسَ بمنكرٍ ... عند التفرق دهشةُ المُتَحَيِّرِ
ها هذه روحي إليك هديةٌ ... فتجمَّلي في أخذِها ثم اعذري
ولربّ ليلٍ ضلَّ فيه صباحُه ... وكأنهُ بكَ خطرةُ المتذكرِ
والبدرُ أول ما بدا متلثماً ... يبدي الضياءَ لنا بخدٍّ مُسْفِرِ
فكأنما هو خوذةٌ من فضةٍ ... قد رُكِّبَتْ في هامةٍ مِنْ عنبرِ
وأبدع الخالدي في قوله من قصيدة:
البدر منتقِب بخدٍّ أبيضٍ ... هو فيه بين تَخَفُّرٍ وتَبَرُّجِ
كتنفس الحسناءِ في مرآتِها ... كملَتْ محاسنُها ولم تَتَزوجِ
ومدح بعض البغاء القمر وأحسن إذ قال: هو نور الله تعالى، وأحد النيرين. هو الذي يجعل الليل نهاراً، ويشبه به كل وجه حسن، ويتمثل به في كل خبر، وفيما يقال من حكاياتهم: أن أعرابياً نام عن جمله، ثم انتبه ففقده، فلما طلع البدر وجده. فرفع يديه فقال: أشهد أنك أعليته،
(1/59)

وجعلت السماء بيته. ثم نظر إلى القمر فقال: الله تعالى صورَّرك ونوَّرك، وعلى البروج دوَّرك، إذا شاء نوَّرك، وإذا شاء كوَّرك، ولا أعلم مزيداً أسأله لك، ولئن أهديت إلي سروراً، فلقد أهدى الله إليك نوراً.

فصل
الصبح
من مطربات ابن المعتز:
يا خليليَّ اسقياني ... قهوةً ذاتَ حُميَّا
إن تكنْ رشداً فرشداً ... أو تكنْ غَيّاً فَغَيّا
قد تولى الليلُ عَنّا ... وطواهُ الصبحُ طَيّا
وكأن الصبح لما ... لاحَ من تحتِ الثريّا
ملكٌ أقبلَ في التاج يُفدّى ويُحَيّا
ومن مطربات السري الرفا الموصلي:
انظرْ إلى الليلِ كيف تصدعُه ... رايةُ صبح مبْيَضَّةُ العَذَبِ
كراهبٍ حَنَّ للهوى طَرَباً ... فشقَّ جلبابَه منَ الطربِ
(1/60)

ومن مطربات أبي بكر الخالدي قوله:
هو الصبحُ قابلَنا بابتسامِ ... ليصرفَ عنا عبوسَ الظلامِ
ولاحَ فحلّلَ كأسَ الشمو ... ل صِرفاً وحَرَّمَ كأسَ الملامِ
فظلْنا على شَمّ وردِ الخدودِ ... ومسكِ النحورِ ونقلِ اللثامِ
نعينُ الصباحَ على كشفِِه ... قناعَ الظلامِ بضَوْءِ المُدامِ
وقوله:
ما عذرُنا في حبسِنا الأكوابا ... سقطَ الندى وصفا الهواءُ وطابا
فكأنما الصبحُ المنيرُ وقدْ بدا ... بازٌ أطارَ من الظلامِ غرابا
فأدمْ لذاذة عيشنا بمدامة ... زادتْ على هَرمِ الزمانِ شَبابا
فصل

الشمس
قال بعض الظرفاء: لما ارتفع السحاب عن حاجبها، ولمعت في أجنحة الطير، وذهبت إلى أطراف الجدران، وطنب شعاعها في الآفاق، وافتضضنا عذرة الصباح، بمباكرة الأقداح من الراح، فما ترجلت الشمس إلا وقد ركبنا
(1/61)

أفراس الأفراح.
وأنشد أبو بكر الخوارزمي:
أما ترى الشمس بدت ... كأنها ترسُ ذَهَبْ
كأنها قد ركِّبتْ ... للناظرينَ مِنْ لَهَبْ
النُّورُ باد عندنا ... كما الظلامُ منتهَبْ
أشكر عنها مَلِكاً ... أَحْسنَ فيما قدْ وَهَبْ
وقال مؤلف الكتاب في احتجاب الشمس بالغيم:
أما ترى اليومَ مسكيَّ الهواء وقد ... مدت يدُ الشمسِ في حافاتها كللا
كأنما شمسُه قد أبصرتْ قمري ... يُربي عليها فغطَّتْ وجهَها خَجَلا

فصل
أيام الدجن والمطر
من مطربات ابن المعتز قوله:
يومٌ كأن سماءَه ... حجَبت بأجنحة الفَواخِتْ
وكأن وردَ قطارِه ... وردٌ على الأغصانِ نابتْ
يومٌ يطيبُ به الصبو ... حُ وقد نأتْ عنه الشوامِتْ
(1/62)

فارتعْ به وبمثلِه ... لا تأسفنَّ لفوتِ فائتْ
وقوله:
يومٌ بدا في غاية الحسنِ ... تبكي سحائبُه بلا جفنِ
فالروضُ يضحكُ من بكا المزنِ والشمس تحت سرادِق الدجْنِ
وكأن دجلةَ في تموجِها ... تختالُ بين مطارفٍ دُكْنِ
ومما يستحسن لشرفه بالانتماء إلى قائله، لا لكثرة طائله قول عبد الله بن طاهر:
يومُنا يومُ رذاذِ ... وسرورٍ والتذاذِ
فاسقني واسقِ سليمانَ بنَ يحيى بنِ معاذِ
من شرابٍ كسرويٍّ ... لونهُ لونُ البجاذِ
ومن مطربات ابن الرومي:
يومُها للنديمِ يومُ سرورٍ ... والتذاذٍ وحبرةٍ وابتهاجِ
(1/63)

في سماءٍ كأدكنِ الخزّ قد غِيمتْ وأرضٍ كمُذْهَبِ الديباج
ومما يستحسن لأحمد بن يوسف ما كتبه إلى صديق له يستدعيه:
إن كنت تنشط للصبوحِ فيومُنا ... يومٌ أغرّ محجلُ الأطرافِ
وترى السحابةَ في السماءِ تعلقَتْ ... وكأنما كُسِيَتْ جناحَ غدافِ
طوراً تُبَلّلُ بالرذاذِ وتارة ... تهمي عليك بدَلوِها الغرّافِ
فانعم صباحاً واتِنا متفضلاً ... ودعَ الخلافَ فليس يومَ خلافِ
وللإمام علي بن الجهم في وصف اليوم المتلون:
أما ترى الليلَ ما أحلى شمائله ... صحوٌ وغيمٌ وإبراقٌ وإرعادُ
كأنه أنتَ يا من ليسَ أذكرُه ... وصلٌ وهجرٌ وتقريبٌ وإبعادُ
وأحسن وأبلغ منه قول ابن طباطبا:
ويومِ دجنٍ ذي ضمير متهمْ
مثل سرورٍ شانه عارضُ هَمْ
أو كسقيمِ الرأي يقفوه الندمْ
يبرزُه في زي ذي حَمْدٍ وذَمْ
عبوسُ ذي اللؤمِ وبَشرُ ذي الكَرَمْ
كقُبح لا خالطهُ حسنُ نَعَمْ
(1/64)

صحوٌ وغيمٌ وضياءٌ وظُلَمْ
كأنه مستعبرٌ قد ابتسمْ
ما زلتُ فيه عاكفاً على صنمْ
مهفهفِ الكشحِ لذيذ الملتزمْ
ريحانه وقفٌ على لَثْمِ وشَمْ
وخَصرهُ وقفٌ على قبض وضمْ
يا طيبَه يومٌ تولّى وانصرمْ
وجودُه من قِصَر مثلُ العَدمْ
وما أحسن قول السري وأطربه في ذكر يوم متلون:
يومٌ خلعتُ به عذاري ... وعريتُ من حللِ الوقارِ
وضحكتُ فيه إلى الصِّبا ... والشيبُ يضحكُ في عذاري
متلِّونٌ يبدي لنا ... ظَرْفاً بأطرافِ النهارِ
فهواؤهُ سحب الرداءِ ... وغيمُه جافي الإِزارِ
يبكي فيجمد دمعُه ... والبرقُ يكحلُه بنارِ
ومن مطربات المهلبي:
يومٌ كأن سماءَه ... مثلُ الحصانِ الأبرشِ
وكأن زهرةَ أرضِه ... فرشتْ بأحسنِ مفرشِ
(1/65)

والشمسُ تظهرُ مرةً ... وتغيبُ كالمستوحشِ
شبهت حمرة وجهها ... بخمارِ عينِ المنتشي
ومن مطربات السري قوله:
اليوم يعذبُ وردٌ فيه تكديرُ ... ويستفيقُ من الهجران مهجورُ
حثوا الكؤوسَ فذا يومٌ به قِصَرٌ ... وما به عن تمامِ الحسنِ تقصيرُ
صحوٌ وغيمٌ يروق العينَ حسنُهما ... فالصحوُ فيروزجٌ والغيم شَمُّورُ
وأنشدني أبو الفتح البستي لنفسه:
يومٌ له فضلٌ على الأيامِ ... مزجَ السحابُ ضياءَه بظلامِ
فالبرقُ يخفقُ مثلَ قلبِ هائمٍ ... والغيثُ يَهمي مثلَ طَرفٍ هامي
وكأن وجهَ الأرضِ خدَّ متيمٍ ... وُصِلتْ سحابُ دموعِه بسجامِ
فاطلبْ ليومك أربعاً هُنَّ المُنى ... وبهن تصفُو لذةُ الأيامِ
وجهَ الحبيبِ ومنظراً مستنزهاً ... ومغنياً غَرِداً وكأسَ مُدامِ
وما أملح قول الخالدي في يوم ذي غيم وبرق:
(1/66)

هو يومٌ كما ترا ... هُ مليح الشمائلِ
هاجَ نوحُ الحمام فيهِ غناءَ البلابلِ
ولركبِ السماء في الجو حقٌ كباطلِ
مثلَ ما فَاه في المهندِ بعضُ الصياقلِ
ومن المطربات ما أنشد فيه منصور بن منصور الهروي:
يومُ دجنٍ هواؤُهُ ... فاختيٌّ رداؤُهُ
مطَرَتْنا مسرةٌ ... حين صابتْ سماؤُهُ
أشبهَ الماءَ راحُهُ ... وعلا الراحَ ماؤُهُ
داوِ بالقهوةِ الخما ... رَ ففيها دواؤُهُ
لا تعاتبْ زمانَنا ... إن عَرانا جفاؤُهُ
شدةُ الدهر تنقضي ... ثمّ يأتي رَخاؤُهُ
كَدَرُ العيش للفتى ... يقتفيه صفاؤُهُ
وكذا الماءُ يسبق ... الضوءَ منه خفاؤُهُ
(1/67)

وقال مؤلف الكتاب:
الأرض طاووسِيّةٌ ... والجوُّ جؤجؤُ فاختِ
متبسمٌ عن نشرِ حبٍ ... عند صَبٍّ ثابتِ
والوردُ دُرٌّ نابتٌ ... أحسنُ بدرٍ نابتِ
لكنَّ في عيني قذىً ... من نورِ شيبٍ سابتِ
لما بكيتُ دمَ الفؤادِ على الحبيب الفائتِ
ضحكَ المشيبَ بعارضي ... ضحكَ العدوِّ الشامتِ

فصل
أيام الدجن والمطر واستزارة الإِخوان
كتب بعض الظرفاء إلى صديق له يستدعيه إلى زيارته: يومنا حسن الشمائل، ممتنع الشمائل، ذو سماء هطلت، وجادت بوبلها وأسبلت فاجمع شملنا بقربك، وأرحنا من تأخرك.
وكتب آخر: يومنا يوم غمام ومدام،
(1/68)

وندام، وأنت قطب السرور، ونظام الأمور، فتفضل وتطول، ولا تتمهل.
وكتب آخر نظماً:
قدورٌ تفورُ وكأسٌ تدورُ ... ويومُ مطيرٌ وعيشٌ نضيرْ
وعندي وعندَك ما قد علمتَ ... علومٌ تمور وشِعرٌ كثيرْ
فقمْ واصطبحْ قبل فوتِ الزمانِ ... فإن زمانَ التلاهي قصيرْ
وكتب السري الرفاء إلى صديق له:
ألست ترى ركبَ الغمام يساقُ ... وأدمَعه بين الرياضِ تراقُ
وقد رقَّ جلبابُ النسيمِ على الثرى ... ولكنْ جلابيبُ الغمامِ صِفاقُ
وعندي من الريحان نوعٌ تُحِبُّهُ ... وكأسٌ كرقراقِ الخلوقِ دهاقُ
وذو أدب جلَّتْ صنائع كفّهِ ... ولكنْ معاني الشِعرِ منه دقاقُ
فزرْ فتية بردُ الشباب لديهم ... حميمٌ إذا فارقتهم وغساقُ
فصل

سائر الاستزارات
(1/69)

وهو دخيل في هذا الباب لأنه يقطع من الإِخوانيات، ولكن آثرت أن يجتمع مما يطرب من الاستزارات ولا يفترق، وحين اتفق إيراد فصل أتبعته بما ينخرط في سلكه فمن أحسن ما أحفظ قول ابن طباطبا:
يا حسنَ هذا السطحِ من متنَزَّهٍ ... للعينِ ما تلتذُ فيهِ وتشتهي
من خضرةٍ نضرتْ وماءٍ سايحٍ ... ومدامةٍ حضرتْ وبهجةِ أوجُهِ
وعصابةٍ أدباءَ كلٌ شاعرٌ ... والظرفُ في الدنيا إليهم ينتهي
تهمي عقودُ الشعرِ بين عقولهم ... كتناثرِ المرجانِ من عقدٍ بَهي
يا فرحةً لو كنتَ بين القومِ يا ... مَنْ لا يطيبُ لنا المقامُ سوى بهِ
فهلمّ يُجْمَعْ شملُنا ونظامُنا ... يا زيننا وإمامَ كلِّ مفوِّهِ
ومتى تُجِبْ فكأننا في روضةٍ ... ومتى تغبْ فكأننا في مهمهِ
وكتب السري إلى صديق له:
نفسي فداؤُكَ كيفَ تصبرُ ساعةً ... عن فتيةٍ مثل البدورِ صِباحِ
حَنَّتْ نفوسُهُمُ إليكَ فأعلنوا ... نفساً يعد مسالك الأرواحِ
(1/70)

وغدوا لراحهم وذكرُك بينهم ... أذكى وأطيبُ من نسيمِ الراحِ
فإذا جرتْ حيناً على أقداحِهم ... جعلوكَ ريحاناً على الأقداحِ
وكتب أبو الفتح البستي إلى بعض إخوانه:
عندي فديتكَ سادَةٌ أحرارُ ... وقلوبهُم شوقاً إليك حِرارُ
وشرابُنا شربُ العلومِ وبيننا ... نزهُ الحديثِ ونقلُنا الأشعارُ
فانعم علينا بالبدارِ فإنّما ... ساعاتُ أيامِ السرورِ قصارُ
وكتب الصاحب إلى بعض ندمائه: نحن في مجلس أنس، قد فتحت فيه عيون النرجس، وفاحت مجامر الأترج، وفتقت فارات النارنج، ونطقت ألسنة العيدان، وقامت خطباء الأوتار، وهبت رياح الأقداح، وطلعت كواكب الندمان، وامتدت سماء الند، فبحياتي عليك إلا عجلت لتتصل الواسطة بالعقد، ونحصل من قربك في جنة الخلد.
وكتب أيضاً: نحن
(1/71)

في مجلس أبت راحه أن تصفو إلا أن تتناوله يمينك، وأقسم غناؤه لا طاب حتى تعيه أذناك. وعندنا خدود نارنجية قد احمرت خجلاً لإبطائك وعيون نرجسية قد حدقت تأملاً للقائك، وأحب أن تطير إلينا طيران السهم، أو تطلع علينا طلوع النجم.
وكتب مؤلف الكتاب إلى صديقين له:
عندي إنسان ولكنه ... أكبرُ لي من ألفِ إنسانِ
لقاؤه أشهى من البارد العذب إلى عطشانَ ظمآنِ
فاقتربا عندي أفديكما ... فأنتما راحي ورَيْحاني

فصل
غرر البلغاء
من أهل العصر في التأسف على الأيام السالفة
يا أسفاً على غفلات العيش، ولحظات الأنس، إذ ظهائرنا أشجار، وليالينا نهار، وسنوننا أيام، وأوقاتنا قصار، سقى الله أياماً كانت من غرر العمر ودرر الدهر، كيف أنسى تلك اللمعة من عمري، والصفوة من
(1/72)

شربي، وهما غرة في مدلهم، وشهاب في ليل مظلم.
وللصاحب تذكرت أياماً فتذكرت سحراً وسيماً، وعيشاً جسيماً، وراحاً وريحاناً ونعيماً، وخيراً عميماً، وابتهاجاً مقيماً، وأياماً حسنت فكأنها أعراس، وقصرت فكأنها أنفاس.
ولابن العميد: أيامنا اللاتي حازت أيام الشباب حسناً ورقة، وفاقت أعلام المطارف ليناً ودقة، وليالينا التي تخجل خدود الرياض، وتفضح حواشي الحلل، وساعاتنا التي هي ألطف من مسارقة النظر، ومخالسة القبل، ونعسة الرقيب، وغيبة الحافظ، وإسعاف الحبيب، وزيارة الموموق، وحفظ العهد وإنجاز الوعد.
فصل

فيما يناسبه نظماً
من مطربات ذلك قول بعض الحجازيين:
سقى الله أياماً لنا لَسْنَ رُجَّعاً ... وسقياً لعصرِ العامرية من عصرِ
(1/73)

لياليَ أعطيتُ البطالةَ مِقودي ... تمرُّ الليالي والشهورُ ولا أدري
وقول ابن طباطبا:
بانوا وأبقَوْا في حشاي لبينهم ... وَجْداً إذا ظعنَ الخليطُ أقاما
لله أيامُ اللقاءِ كأنها ... كانتْ لسرعةِ مَرِّها أحلاما
لو دامَ عيشٌ قبلَها لأخي الهوى ... لأقامَ لي ذاك السرورُ وداما
يا عيشَنا المفودَ خذْ من عمرِنا ... عاماً ورُدّ مِنَ الصِّبا أياما
وللإمام أبي تمام في ذلك حيث يقول:
أأيامَنا ما كنتِ إلا مواهباً ... وكنتِ بإسعافِ الحبيبِ حبائبا
سنغربُ تجديداً لعهدكِ في البُكا ... فما كنتِ في الأيامِ إلا غَرائبا
وقد أطرب المتنبي بقوله:
سقا اللهُ أيامَ الصِّبا ما يسرها ... ويفعلُ فعلَ البابلي المعتَّقِ
إذا ما لبستُ الدهرَ مستمتعاً به ... تخرقتُ والملبوسُ لم يَتَخَرَّقِ
وقال مؤلف الكتاب:
(1/74)

سقياً لدهرِ سروري ... والعيشِ بين السراري
إذْ طير سعدي جواري ... معَ امتلاكِ الجواري
أيام عيشي فعودي ... وقد ملكتُ اختياري
وغيمُ لهوي مطيرٌ ... وزَندُ أنسيَ واري
أجري بغيرِ عذارٍ ... أجني بغيرِ اعتذارِ
وقال أيضاً:
سقياً لأيام الصِّبا إذ أنا ... في طلبِ اللذات عفريتُ
أصيدُ كالبازي ولكنني ... أحكي العصافيرَ إذا شيتُ

الباب الرابع

الغزل وما يجانسه

فصل
الغزل
يقال: أغزل بيت للعرب قول جرير:
إن

العيون التي في طرفها حَوَرٌ ... قتلْننا ثم لم يحيينَ قتلانا
يصرعْنَ ذا اللبّ حتى لا حراكَ به ... وهنَّ أضعفُ خلقِ اللهِ أركانا
(1/75)

وقال هارون بن علي بن يحيى المنجم: أغزل بيت قول الشاعر:
أنا والله أشتهي سحرَ عينيكِ ... وأخشى مصارعَ العشاقِ
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: أغزل بيت قول الموصلي:
إذا مرضْنا أتيناكمْ نعودُكُمُ ... وتذنبونَ فنأتيكمْ فنعتذرُ
وقال أبو هفان: قول أبي الشيص أغزلها:
وقفَ الهوى بي حيثُ أنتِ فليس لي ... متأخَّرٌ عنهُ ولا مُتَقَدَّمُ
أجد الملامةَ في هواك لذيذةً ... حباً لذكركِ فليلمْني اللُوَّمُ
أشبهتِ أعدائي فصرتُ أَحبهم ... إذا كانَ حظي منكِ حظي منهُمُ
وأهنِتني فأهنتُ نفسيَ صاغراً ... ما مَنْ يهونُ عليكِ ممنْ يُكْرَمُ
وكان البحتري يقول: أغزل الناس العباس بن الأحنف وأغزل شعره قوله:
أحرمُ منكمْ بما أقولُ وقد ... نال به العاشقونَ منْ عَشقوا
صرتُ كأني ذبالةٌ نُصِبَتْ ... تضيءُ للناسِ وهْيَ تحترقُ
(1/76)

وحكى أبو القاسم الآمدي قال: سمعت بعض الشيوخ النقدة للشعر تقول: غزل بيت قول العباس بن الأحنف:
وصالكُمُ هجر وحُبُّكُمُ قِلىً ... وعطفكمُ صَدٌّ وسِلمكُمُ حربُ
فقال: هذا والله أحسن من تقسيمات إقليدس.
وبلغني أن الصاحب كان يستحسن جداً قول المتنبي:
وما شَرَقي بالماءِ إلا تذكراً ... لماءٍ به أهلُ الحبيب نزولُ
وكان أبو بكر الخوارزمي يقول: أغزل البصريين السري الرفاء في قوله:
قسمت قلبيَ بين الهَمّ والكمدِ ... ومقلتي بين فيضِ الدمع والسهدِ
ورحت في الحبّ أشكالاً مقسمةً ... بين الهلالِ وبين الغصن والعقدِ
أرينني مَطَراً ينهلُّ ساكبُه ... بين الجفونِ وبرقاً لاحَ مِنَ بَرَدِ
ووجنةً لا يروِّي ماؤُها ظمأي ... بخلاً وقد لذعتْ نيرانُها كَبِدي
وكيف أبقي على ماءِ الشؤون وما ... أبقى الغرامُ على صَبري ولا جَلَدي
وقال مؤلف الكتاب في صباه:
(1/77)

قلبي وجداً مشتغلْ ... على الهمومِ مشتعلْ
وقد كساني في الهوى ... ملابسَ الصَّبِّ الغَزِلْ
إذا زنتْ عيني به ... فبالدموع تغتسلْ
فصل
الشّعْر
من أحسن ما قيل في

الشعر قول بكر بن النطاح:
بيضاء تسحبُ من قيامٍ فرعَها ... وتضلُّ فيه وهو جثلٌ أسْحَمُ
وكأنها فيه نهارٌ ساطعٌ ... وكأنه ليلٌ عليها مظلِمُ
وأحسن ما سمعت في شعورهن، مع وصف عيونهن، وحسن مشيهن قول المطراني الشاشي، وهو ما استحسنه الصاحب من شعره لما حمل ديوانه إلى حضرته:
ظباءَ أعارتها المها حسنَ مشيها ... كما قدْ أعارتها العيونَ الجآذرُ
فمن حسن حال المشي جاءتْ فقَبلتْ ... مواطىء من أقدامِهَنَّ الضفائرُ
(1/78)

ومن وسائط المتنبي قوله:
نشرتْ ثلاثَ ذوائبٍ من شعرها ... في ليلةٍ فأرتْ لياليَ أربعا
فصل
العيون
قال عدي بن الرقاع عفا الله عنه:
وكأنّها بين النساءِ أعارَها ... عينيه أحورُ من جآذرِ جاسمِ
وسنانُ أقصدَه النعاسُ فرنَّقَتْ ... في عينهِ سِنةٌ وليسَ بنائمِ
وأحسن ذو الرمة حيث قال:
لها بَشرٌ مثلُ الحرير ومنطقٌ ... رخيمُ الحواشي لا هراءٌ ولا نزرُ
توهمتُها ألوى بأجفانِها الكرى ... كرى النومِ أو مالتْ بأعطافِها الخمرُ
وقد ملح كشاجم في قوله:
يا منْ لأجفان قريحَهْ ... سهرتْ لأجفانٍ مليحَهْ
لم تتركِ المقلُ المريضةُ فيَّ جارحةً صحيحَهْ
(1/79)

ومن مطربات السري قوله:
بنفسي من أجودُ له بنفسي ... ويبخلُ بالتحيةِ والسلامِ
وحتفي كامنٌ في مقلتيه ... كمونَ الموتِ في حَدِّ الحسامِ
ولا مزيد على قول الوزير المهلبي:
ربّ يومٍ قطعتُ فيه خُماري ... بغزالٍ كأنني مخمورُ

فصل
الثغر
من مطربات هذا الفصل قول المخزومي:
وقبَّلتُ أفواهاً عِذاباً كأنها ... ينابيعُ خمرٍ حُصّنَتْ لؤلؤَ البحرِ
وقول العلوي الحماني:
ذاتُ خدين ناعمين ضنينين بما فيهما منَ التفاحِ
وثنايا وريقةٍ من مدامٍ ... كعبيرٍ وروضةٍ منْ أقاحي
وأحسن كشاجم حيث قال:
واحَرَبا من أوجهٍ ملاحِ ... ومن ثغورٍ تشبهُ الأقاحي
مملوءةٍ من بَرَدٍ وراحِ ... وحدقٍ مريضةٍ صحاحِ
(1/80)

هنَّ اللواتي أيأستْ صلاحي ... وتركتْ ليلي بلا صَباحِ
وله أيضاً:
في فمها مسكٌ ومشمولةٌ ... صِرفٌ ومنظومٌ من الدُّرِّ
فالمسكُ للنكهةِ والخمرُ للريقةِ واللؤلؤُ للثَّغْرِ
ومن مطربات الصابي قوله:
قبَّلتُ منه فماً مجاجتُه ... تجمعُ بين المدامِ والشَّهدِ
كأن مجرى سِواكه بَرَدٌ ... وريقُهُ ذوبُ ذلك البَرَدِ
وأحسن من ذلك كله وأدعى للطرب قول أبي العشائر:
للعبد مسألةٌ لديكَ جوابُها ... إن كنتَ تذكرُه فهذا وقتُهُ
ما بال ريقِك ليسَ ملحاً طعمُه ... ويزيدني عَطشاً إذا ما ذقتُهُ
وقال مؤلف الكتاب:
ثغرٌ كلمح البرقِ حسنُ بريقه ... يشفي غليلَ المستهامِ بريقِهِ
قد بتُّ ألثمُهُ وارتشفُ المنى ... من دُرِّهِ وعَقيقِه ورَحيقِهِ
فصل

جميع الأوصاف وسائر التشبيهات
في
(1/81)

البيتين والبيت
قال ابن المعتز وأبدع:
ليلٌ وبدرٌ وغصنٌ ... شعرٌ ووجهٌ وَقَدُّ
خمرٌ ودرٌّ ووَرْدٌ ... ريقٌ وثغرٌ وخَدُّ
وقال ابن سكرة:
في وجه إنسانة كلفْتُ بها ... أربعةٌ ما اجتمعنَ في أحدِ
الخدُّ وردٌ والصُّدْغُ غاليةٌ ... والريقُ خمرٌ والثغرُ من بَرَدِ
في كل جزء من حسنها بِدَعٌ ... تُودِعُ قلبي ودائعَ الكمدِ
ولأبي نواس أربع تشبيهات:
يا قمراً أبصرتُ في مأتمٍ ... يندبُ شجواً بين أترابِ
يبكي فيذري الدُرَّ من نرجسٍ ... ويلطمُ الوردَ بعنَّابِ
وأحسن الوأواء الدمشقي حيث قال:
وأمطرَتْ لؤلؤاً من نرجسٍ وسقتْ ... ورداً وعضَّتْ على العنَّابِ بالبَرَدِ
فصل

وصف الثدي
(1/82)

قد أحسن فيه ابن أبي السمط حيث قال:
كأن الثَّدِيَّ إذا ما بَدَتْ ... وزانَ العقودُ بهنَّ النحورا
حِقاقٌ من العاجِ مكنونةٌ ... يسعنَ من الدُّرِّ شيئاً كثيرا
وقول ابن الرومي نهاية في الحسن والظرف:
صدورٌ فوقهنَّ حقاقُ عاجِ ... ودْرٌّ زانه حسنُ اتساقِ
يقولُ القائلونَ إذا رأوْها ... أهذا الحلْيُ من هذي الحقاقِ
ومن مطربات هذا الباب قول ابن المهدي:
خلتها في المعصفرات القواني ... وردة في شقائق النعمان
أنتِ تفاحتي وفيكِ مع التفاحِ رمانتانِ في غصنِ بانِ
وإذا كنتِ لي وفيكِ الذي أهوى فما حاجتي إلى البستانِ؟
ولم أسمع في لطافة الكشح أحسن من قول ابن الرومي:
شهدت لنا كبدٌ ترقُّ كما ... شهدتْ بذاك لطافةُ الكشْحِ
ولا في حسن الحديث كقوله:
(1/83)

وحديثها السحرُ الحلال لو أنّه ... لم يجنِ قتلَ العاشِق المتحرزِ
إن طالَ لم يُملَلْ وإن هي أوجزتْ ... وَدَّ المحدَّثُ أنها لم توجزِ
شَرَكُ العقولِ ونزهةٌ ما مثلها ... للمطمئنِّ وعقلةُ المستوفزِ

فصل
غرر من ألفاظ البلغاء

في أوصاف النساء نثراً
هي روضة الحسن، ونضرة الشمس، وبدر الأرض كأنها فلقة قمر على قضيب فضة. بدر التم يفتر تحت نقابها، وغصن يهتز تحت ثيابها. قد أثمر صدرها ثمر الشباب، وأثمر خدها التفاح وصدرها الرمان. مطلع الشمس من وجهها، ومنبت الدر من فيها، وملقط الورد من خدها، ومنبع السحر من طرفها، ومد الليل من شعرها، ومغرس الغصن في قدها، ومهيل الرمل في ردفها.

فصل

غرر من ألفاظهم في أوصاف المرد
قد زاد جماله وأقمر هلاله، وقد استوفى وصف الغصن، وترقرق في وجهه ماء الحسن. غلام تأخذه
(1/84)

العين، ويقبل عليه القلب، وترتاح له الروح، وتكاد العيون تأكله، والقلب يشربه. صورته تجلو الأبصار وتخجل الأقمار، غزلات طرفه تحت ظرفه، ومنطقه ينطق بوصفه. كأن قده سكران من خمر طرفه، والأزهار مسروقة من حسنه وظرفه. قد ملك أزمة القلوب، وأظهر حجة الذنوب. السحر من ألحاظه، والشهد من ألفاظه. كأنما خادم الولدان في الجنان هرب من رضوان. ما هو إلا خال في خد الظرف، وطراز على علم الحسن، ووردة في غصن الدهر، وخاتم في خنصر الملك، وشمس في فلك اللطف.
فصل

التغزل بغلمان مختلفي الأحوال
والأفعال والأوصاف
من أحسن ما سمعت في غلام صغير قول ابن لنكك:
(1/85)

قالوا عشقتَ صغيراً قلت أرتعُ في ... روضِ المحاسنِ حتى يُدرَكَ الثمرُ
ربيع حسنٍ دعاني لافتتاحِ هوىً ... لما تفتح فيها النَّوْرُ والزَهَرُ
وأبدع منه قول عثمان الخالدي:
صغيرٌ صرفتُ إليه الهوى ... وهل خاتمٌ في سوى خنصرِ
فإن شئت فاعذر ولا تلحني ... وإن شئت فآلحُ ولا تعذرِ
وأحسن الصنوبري في غلام يصلي:
جاء يسعى إلى الصلاةِ بوجهٍ ... يخجِلُ البدرَ في بروجِ السعودِ
فتمنيت أن وجهيَ أرضٌ ... حين أومى بوجهه للسجودِ
وفي غلام إمام قول أبي نواس:
ولم أنس ما أبصرتُه في جماله ... وقد زرت في بعض الليالي مصلاهُ
ويقرأُ في المحرابِ والناسُ خلفه ... " ولا تقتلوا النفسَ التي حَرَّمِ اللهُ "
فقلتُ: تأملْ ما تقول فإنها ... فعالكَ يا من تقتلُ الناسَ عيناه
وفي غلام حاج قول أبي محمد بن عبد الباقي:
أيا زائرَ البيتِ العتيق وتاركي ... قتيلَ الورى لو زرتَني كان أجدرا
(1/86)

تحجُّ احتساباً ثم تقتلُ مسلماً ... فليتكَ لم تحججْ ولا تقتل الورى
وفي غلام يدور في الماء ورد قول ابن المعتز:
يا هلالاً يدورُ في فلكِ الما ... وَرْدِ رفقاً بأعين نظارَهْ
قفْ لنا في الطريقِ إن لم تزرنا ... وقفةٌ في الطريق نصفُ الزيارَهْ
وفي غلام يحمل مطرداً قول أبي البغل:
قد أقبلَ البدر في قراطِقه ... يقتلُ بالدَّلِّ قلبَ عاشقِه
يسطو علينا بسيفِ مقلته ... لا بالذي شُدَّ في مناطِقه
ولابن المعتز في غلام لابس أزرق:
وبنفسجيِّ الثوبِ قلبُ محبِّه من رائِه
الآن صرتَ البدرَ حين لبستَ ثوبَ سمائِه
وقول الصاحب في غلام لابس أحمر:
قد قلت لما مرَّ يخطرُ ماشياً ... والناسُ بين معوِّذٍ أو وامقِ
لم يكف ما صنعتْ شقائقُ خده ... حتى تلبسَ حلةً بشقائقِ
(1/87)

وفي غلام عاشق قوله:
بدا لنا والشمسُ في شروقِه ... يشكو غلاماً لجَّ في عقوقِه
واعجباً والدهرُ في طروقه ... من عاشق أحسن من معشوقِه
وفي غلام دخل الحمام قول الحسين الضحاك:
جردهُ الحمامُ كالفضَّهْ ... أبانَ منه عُكَناً بضَّهْ
كأنما الرشحُ بأطرافه ... قطرٌ على سوسَنةٍ غضَّهْ
فليتَ لي من فمه قبلةً ... وليتَ لي من خدّه عَضَّهْ
وفي غلام يبيع الفراني:
قلت للقلبِ ما دهاك أجبني ... قال لي بائعُ الفراني فراني
ناظراهُ فيما جنى ناظِراه ... أوْ دعاني أمتْ بما أوْدعاني
وفي غلام بيده غصن عليه نَوْر قول ابن سكرة:
(1/88)

غصن بانٍ أتى وفي اليد منه ... غُصُنٌ فيه لؤلؤٌ منظومُ
فتحيرتُ بين غصنين في ذا ... قمرٌ طالعٌ وفي ذا نجومُ
وفي غلام ينفخ في مجمرة قول الصنوبري:
يا نافخَ الجمرةِ مستعجلاً ... ليزكيَ الجَمرَ فأزكاهُ
مهيئاً فاه لها مثلما ... هَيَّأ إذ قبلني فاهُ
لست أريدُ الطيبَ رياك قد ... أغنتْ عن الطيبِ ورياهُ
وفي غلام يشتكي ضرسه قول أبي سعيد بن خلف الهمداني:
عجباً لضرسِك كيف تشكو علةً ... وبجنبها من ريقِك الترياقُ
هلاَّ وقاكَ سقامُ ناظركَ الذي ... عافاكَ وابتليَتْ به العشاقُ
أو عقربا صدغيكَ إذ لذَعا الورى ... وحماكَ من حماتِها الخلاّقُ
وفي غلام مريض قول الوأواء الدمشقي:
ابيضَّ واصفر لاعتلالٍ ... فصارَ كالنرجسِ المُضَعَّفْ
كأنَّ نسرينَ وجنتيهِ ... بشعرِ أصداغهِ مغلَّفْ
يرشحُ منه الجبينُ ماءً ... كأنه لؤلؤٌ منَصَّفْ
(1/89)

وفي غلام مسافر قول مؤلف الكتاب:
فديتُ مسافراً ركبَ الفيافي ... وأثَّرَ في محاسنِه السفارُ
فَمَسَّك وردَ خديه السوافي ... وعنبرَ مسكَ صدغيه الغبارُ

فصل
الصدغ والشارب والعذار واللحظ
من أحسن ما سمعت في الصدغ قول ابن المعتز:
ظبيٌ يتيه بحسن صورتِه ... عبثَ الدلالُ بلحظ مقلتهِ
وكأن عقربَ صدغِه احترقتْ ... لما بدتْ من نارِ وجنتِهِ
ومن مطربات ابن المعتز قوله:
قد صادَ قلبي قمرُ ... يسحرُ منه النظرُ
بوجنة يكاد أنْ ... يقدحَ منها الشررُ
وشاربٍ قد عَمّ إذ ... نمَّ عليه الشَّعَرُ
وقول السري:
وريمٍ إذا رمتُ حثَّ الكؤو ... سِ قَطَّبَ للتيهِ واستكبرا
(1/90)

ترى وردَ وجنتهِ أحمراً ... وريحانَ شاربِه أخضرا
ومن الغرر المطربة قول أبي الفتح كشاجم وقد أملح فيه:
مَنْ عذيري من عِذاريْ قمر ... عَرَّضَ القلبَ لأسباب التلفْ
علِمَ الشعرُ الذي عارضَه ... أنه جارَ عليه فوقفْ
وقال الصاحب:
إن كنتَ تنكرُه فالشمسُ تعرفه ... أو كنتَ تظلمه فالحسن يُنصفُهُ
ما جاءه الشعرُ كي يمحو محاسنَه ... وإنما جاءَه غِمداً يغلّفُهُ
وقد أطرب ابن هندو حيث قال:
عابوه لما التحى فقلنا ... عبتمْ وغبتم عن الجمالِ
هذا غزالٌ ولا عجيبٌ ... تَوَلُّدُ المسْكِ من غزالِ

الباب الخامس
الخمريات وما يتصل بها
فصل

مدح النبيذ
قال كسرى: النبيذ صابون الهم.
وقال جالينوس: الراح صديق الروح.
وقال أرسطاطاليس: الراح كيميا الفرح.
وقال
(1/91)

عبد الملك بن صالح الهاشمي: ما جمشت الدنيا بأظرف من النبيذ، وكان ابن الرومي يقول: قد أفلح شارب النبيذ لأنه يقيه الشح، وقال الله تعالى: " ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ".
وقد نظم بعضهم هذا المعنى فقال:
أعاذل إنَّ شربَ الراحِ رشدٌ ... لأن الراحَ يأمرُ بالسماحِ
يقينا شحَّ أنفسِنا وذاكم ... إذا ذُكِرَ الفلاحُ من الفلاحِ
فصل

وصف الخمر من كلام البلغاء
مدامة تورد ريح الورد، وتحكي نار إبراهيم في اللين والبرد. راحاً كالنور والنار. راحاً أحسن من الدنيا المقبلة. وهي من نعم الله المكملة. راحاً أرق من الصبا وعهد الصبى. وألذ من الشماتة بالأعدا. ساقٍ كأن الراح من خده معصورة، وملاحة الصورة عليه مقصورة.
فصل

مدح السماع
(1/92)

قال بعض الفلاسفة: أمهات لذَّاتِ الدنيا أربع. لذة الطعام، ولذة الشراب، ولذة النكاح، ولذة السماع فاللذات الثلاث الأول لا يوصل إلى واحدة منها إلا بحركة وتعب ومشقة، ولها مضار إذا استكثر منها. ولذة السماع صافية من التعب خالصة من الضرر.
وكان بعض المتكلمين يقول: قد اختلف الناس في السماع فأباحه قوم، وحظره آخرون. وأنا أخالف الفريقين. فأقول بوجوبه لكثرة منافعه ومرافقه، وحاجة النفوس إليه، وحسن أثر استمتاعه به.
وقال بعض الخلفاء: إني لأجد للسماع أريحية، لو سئلت عندها الخلافة لأعطيتها، وسمع معاوية عند عبد الله بن جعفر الغناء، فحرك رأسه ورجليه، وصفق بيديه ثم ثاب إليه رأيه فقال كالمعتذر من فعله: إن الكريم طروب ولا خير فيمن لا يطرب.
وقال يحيى بن خالد: خير الغناء ما أشجاك وأبكاك وأطربك وألهاك.
ومن المطربات
(1/93)

قول أبي محمد الحمامي:
قمْ فاسقني بين خفقِ الناي والعودِ ... ولا تبعْ طيبَ موجودٍ بمفقودِ
نحن الشهودُ وخفقُ العود خاطبُنا ... نزوِّجُ ابنَ سحابٍ بنتَ عنقودِ
ومن أحسن ما قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
إن آن عيدٌ فهذا يومُ تعييدِ ... فاشربْ على الأخوينِ الناي والعودِ
كأساً تَسوغُ فتجري من لطافتها ... في باطن الجسم جريَ الماءِ في العودِ
ولأبي عثمان الناجم:
شدْوُ ألذُّ من ابتدا ... ءِ العين في إغفائِها
أشهى وأحلى من منى ... نفسي ونيل رجائها

فصل
أوصاف الندماء
وصف المأمون ثمامة بن أشرس فقال: كان والله أعلى الناس في الجد وأحلاهم في الهزل. وكان يتصرف مع القلوب تصرف السحاب مع الجنوب.
وذكر المهلبي الوزير أبا القاسم التنوخي فقال: هو ريحاننا في القدح،
(1/94)

وذريعتنا إلى الفرح. ووصف الصاحب بعض بني المنجم فقال: عشرته ألطف من نسيم الشمال على أديم الماء الزلال. ومن أحسن ما جاء في وصف الظرف واللباقة قول أبي خلاد المصري في مولى لأبي أحمد بن طولون، يسمى ريحاناً فقال:
ريحان ريحانتي إذا مُلِىءَ الكأسُ ومنه يُؤَدَّبُ الأدبُ
تشربهُ الكأسُ ليس يشربُها ... يطربُ من حسنِ وجهه الطَرَبُ
فصل

الاستظهار بالراح
على الزمان ودفع الأحزان
كان المأمون وهو ملك ملوك الزمان يستعين بها على الزمان. قال أبو نواس:
أما ترى الأرضَ ما تفنى عجائبُها ... والدهرُ يخلطُ ميسوراً بمعسورِ
وليس للهمّ إلا كُلُّ صافيةٍ ... كأنها دمعةٌ في عينِ مهجورِ
وقال أيضاً رحمه الله:
(1/95)

إذا ما أتتْ دون اللهاةِ من الفتى ... دعا هَمُّه من صدرِه برحيلِ
ومن ملحِ أحاسن ابن المعتز قوله:
سَلِّطْ على الأحزان بنت الدنانْ ... وارحل إلى السكر برطل وثانْ
نعمَ قِرى السمعِ على شربها ... صوتُ المزامير وعَزْفُ القيانْ
ومن مطربات الصاحب قوله:
رَقّ الزجاجُ وراقتِ الخمرُ ... فتشابها فتشاكلَ الأمرُ
فكأنما خمرٌ ولا قدحٌ ... وكأنما قدحٌ ولا خمرُ
ومن مطربات ابن المعتز قوله:
وندمانٍ سقتني الراحَ صرفاً ... وأفقُ الليل منسدلُ السجوفِ
صفتْ وصفتْ زجاجتُها عليها ... كمعنى دَقَّ في معنىً لطيفِ
وقول مؤلف الكتاب:
يا واصفَ الكأسِ بتشبيهها ... دونَكَ وصفاً عاليَ القَدْرِ
(1/96)

كأنَّ عينَ الشمسِ قد أُفْرِغَتْ ... في قالبٍ صيغَ من الدُّرِ
ومن مطربات السري قوله:
وبكر شربناها على الروضِ بكرةً ... فكانت لنا وِرداً إلى ضحوةِ الغدِ
إذا قام مبيضُ اللباسِ يُديرُها ... توهمته يسعى بكمٍّ مورَّدِ
وأحسن من هذا كله قول أبي الحسن الجوهري الجرجاني:
جنحَ الظلامُ فبادري بمدامةٍ ... بسطتْ إليَّ من العقيقِ جناحا
صهباءُ لو مرّت بها قمريةٌ ... أذكى عليك بريقُها مصباحا
رعتِ الزمانَ ربيعَه وخريفَهُ ... فأتتْكَ تهدي الوردَ والتفاحا
فصل

سائر الأجناس من مطربات أوصافها
قول أبي نواس:
اسقِنا إن يومَنا يومُ رامِ ... ولرامس فضلٌ على الأيامِ
من شرابٍ ألذَّ من نظرِ المعشوقِ ... في وجهِ عاشقٍ بابتسامِ
لا غليظٍ تنبو الطبيعةُ عنه ... نبوةَ السمعِ عن شنيعِ الكلامِ
وقول السري:
(1/97)

اشربْ فقد شرَّدَ ضوءُ الصبح عنا الظُلَما
وصَوَّبَ الإِبريقُ في الكأس مُداماً عَنْدَما
كأنه إذ مَجَّهُ ... مقهقهٌ يبكي الدما
وقول الخالدي:
قامَ مثلَ الغُصُنِ الميادِ من لينِ الشبابِ
يمزجُ الخمرَ لنا بالصفوِ من ماءِ السحابِ
فكأنّ الراحَ لما ... ضحكتْ تحتَ الحبابِ
وجنةٌ حمراءُ لاحت ... لكَ من تحتِ النقابِ
وقول ابن المعتز:
وأمطرَ الكأسُ ماءً من أبارقِه ... فأنبت الدُرَّ في أرضٍ من الذهبِ
وسَبَّحَ القومُ لما أن رأواْ عجباً ... نوراً من الماءِ في نارٍ من العِنَبِ
وقال أبو الفتح البستي:
إذا خمدتْ أنوار نفسك فاعتمد ... لإِشعالِها خمساً غَدَتْ خير أعوانِ
ولا تعتمد إلا بهنَّ فإنها ... لمن يعتريه الهَمُّ أوثقُ أركانِ
(1/98)

براحٍ وريحانٍ وساقٍ مهفهفٍ ... ونغمةِ ألحانٍ ولطعةِ إخوانِ

فصل
الساقي
من أحسن ما قيل في وصفه قول البحتري يصف الشراب وهو في غاية الإطراب:
سقاني كأسَه شَزْراً ... وولّى وهْوَ غضبانُ
وفي القهوةِ أشكالٌ ... من الساقي وألوانُ
حبابٌ مثل ما يضحكُ عنه وهو جذلانُ
وسكرٌ مثل ما أسكر طرفٌ منهُ وسنانُ
وطعمُ الريقِ إذ جادَ به والصبُّ هيمانُ
لنا من كفه راحٌ ... ومن ريّاه رَيْحانُ
وأحسن منه قول ابن المعتز:
قد حثَّني بالكأس أوَّلَ فجرهِ ... ساقٍ علامةُ دِينهِ في خَصْرِهِ
فكأنَّ حمرةَ لونها في خدِّه ... وكأن طيبَ نسيمها من نشرِهِ
(1/99)

حتى إذا صُبَّ المزاجُ تبسمتْ ... عن ثغرِها فحسبتهُ منْ ثغرِهِ
وأحسن منه قوله أيضاً:
تدورُ علينا الكأسُ من كفِّ شادنٍ ... له لحظُ عينٍ يشتكي السقمَ مدنَفُ
كأن سلافَ الراحِ من كأسِ خدِّهِ ... وعنقودَها من شعرِه الجعدِ يُقْطَفُ
ومن مطربات الخالدي قوله:
أهلاً بشمسِ مدامٍ من يدي قمرٍ ... تكاملَ الحسنُ فيه فهْوَ تيّاهُ
كأن خمرتَه إذ قامَ يمزجُها ... من خدّه عُصرَتْ أو مِنْ ثناياهُ
إذا سقتكَ من الممزوجِ راحتُه ... كأساً سقتك كؤوسَ الصرفِ عيناهُ
في وجههِ كلُّ ريحانٍ تراحُ به ... منا قلوبٌ وأبصارٌ وتهواهُ
النرجسُ الغضُّ عيناه وطُرَّتُه ... بنفسجٌ وذكيُّ الوردِ رَيّاهُ
فصل

الشراب المطبوخ
(1/100)

بلغني أنه لما حمل ديوان شعر أبي مطران الشاشي إلى الصاحب استحسن منه أبياتاً دون العشرة، وعلم عليها ليأمر بنقلها إلى سفينة كانت تجمع له ما تلذ به الأعين وتشتهيه الأنفس. فمنها قوله في الشراب المطبوخ:
وراحٍ عذبَتْها النارُ حتّى ... وقَتْ شُرَّابَها نارَ العذابِ
يذيب الهمَّ قبلَ الشرب لونٌ ... لها في مثلِ ياقوتٍ مذابِ
فكتب أنه سابق إلى معنى البيت الأول، حتى مر عليَّ البيت الثالث لابن المعتز من هذه الأبيات:
خليليَّ قد طابَ الشرابُ المَورَّدُ ... وقد عدتُ بعد النسكِ والعودُ أحمدُ
فهاتا عقاراً في قميصِ زجاجةٍ ... كياقوتةٍ في درةٍ تتوقَّدُ
وقتني من نارِ الجحيمِ بنفسها ... وذلك من إحسانها ليسَ يجْحَدُ
فعلمت أنه أخذ المعنى اللطيف منه، ولا أدري هل فطن الصاحب للسرقة أو لا.

الباب السادس
الإخوانيات والمدح
وما يضاف إليها
فصل

فيما يطرب من فضل الإِخوان
والأصدقاء
(1/101)

وحسن موافقتهم
قال العتبي: لقاء الإِخوان نزهة القلوب.
وقال ابن عائشة: لقاء الخليل شفاء الغليل.
وعن سليمان بن وهب: غزل المحبة أرق من غزل الصبابة، والنفس بالصديق آنس منها بالعشيق.
قال ابن المعتز: إذا قدمت المودة تشبهت بالقرابة.
وعن عمر بن مسعدة: العبودية عبودية الإِخاء لا عبودية الرق.
وقال يونس النحوي: إن في لقاء الإِخوان لغنماً وإن قل. وقال: يستحسن الصبر في كل شيء إلا عن الصديق الصدوق.
فصل

فيما يناسبه نظماً
من أحسن ما قيل فيه قول أبي تمام:
ذو الودِّ مني وذو القربى بمنزلةٍ ... وإخوتي أسوةٌ عندي وإخواني
عصابة جاورت آدابُهم أذني ... فهم وإن فُرِّقوا في الأرضِ جيراني
أرواحنا في مكانٍ واحدٍ وغدتْ ... أبداننا بشآمٍ أو خراسانِ
وأحسن منه وأكرم قول عبد الله بن طاهر:
(1/102)

أميلُ مَعَ الزمانِ على ابن عَمِّي ... وأقضي للصديقِ على الشقيقِ
وأغضي للصديقِ على المساوي ... مخافةَ أن أصيرَ بلا صديقِ
ولله در ابن المعتز في قوله:
لله إخوانٌ فقدتُهم ... لا يملكونَ لساعةٍ قلبا
لو تستطيعُ نفوسُهُمْ فقدتْ ... أجسامَهم وتعانقت حبا
لي قلب قريح حشوه ود صحيح، وكبد دامية تحتها مودة نامية. ومحبة لا تتميز معها الأرواح إذا ميزت الأشباح. ونحن كالنفس الواحدة لا انقسام ولا تمييز ولا انفصام. مسكنك الشغاف وحبة القلب، وخلب الكبد وسواد العين. أنت العين الباصرة وإليك ناظرة. فرحتي بك فرحة الأديب بالأديب، وفرحة المحب بالحبيب، وفرحة العليل بالطبيب. ولئن تفارقت الأشباح، فقد تعانقت الأرواح. ورب غائب بشخصه حاضر بخلوص نفسه. لقد لبثت بعدك بقلب يود لو كان عيناً ليراك، وعين تود
(1/103)

لو أنها قلب فلا يخلو من ذكراك.

فصل
الشوق
الشوق إليك سمير ذِكري ونديم فكري. شوق استخف نفسي واستفزها، وحرك جوانحي وهزها، فما الأعرابية حنت إلى نجد وأنَّتْ من وجد بأشد مني كلفاً وأتم شغفاً. ولئن ودعتني إذ أودعتني شوقاً يجوز حكمه وتوقاً ينفذ سهمه، فقد ودعتني بوداعك الدعة، والروح والسعة.
وما سمعت في تصافي الصديقين وحسن تشاركهما أحسن من قوله:
أعجَبْ لخِلينِ لو في النارِ عُذّبَ ذا ... وذاك في جنةِ الفردوسِ قد نعما
لكانَ ينعمُ هذا في تنعمِه ... وكانَ يألمُ هذا ذلكَ الألما
فصل

غيبة الصديق
(1/104)

من مطربات ابن طباطبا قوله:
نفسي الفداءُ لغائبٍ عن ناظري ... ومحلُّه في القلبِ دونَ حجابهِ
لولا تمتعُ مقلتي بجمالهِ ... لوهبتُها لمبشري بإيابهِ
ومن مطربات أهل الشام قول القاضي أبي الفرج سلامة بن بحر:
من سرَّهُ العيدُ فما سرني ... بل زادَ في همي وأحزاني
لأنه ذكَّرني ما مضى ... من عهدِ أحبابي وخلاني
وقوله:
من سرَّهُ العيد الجديد فقد عدمتُ به السرورا
كان السرور يطيب لي ... لو كانَ إخواني حضورا
وقول منصور الفقيه:
أخٌ لي عنده أدبُ ... مودَّةُ مثلِه نسبُ
رعى لي فوقَ ما يرعى ... وأوجبَ فوق ما يجبُ
فلو سبكت خلائقه ... لبهرجَ عنده الذهبُ
(1/105)

وقول أبي فراس الحمداني:
حللتَ من المجدِ أعلى مكانِ ... وبلغكَ اللهُ أقصى الأماني
فإنك لا عدمِتْكَ العلا ... أخٌ لا كإخوةِ هذا الزمانِ
كسوتَ أخُوَّتنا بالصفاء ... كما كُسِيَتْ بالكلامِ المعاني
فصل

العتاب والاستزادة
قد أحسن في ذلك ابن المعتز بقوله:
نعاتبكمْ يا أم عمروٍ لودِّكم ... ألا إنما المَقْليُّ من لا يُعاتَبُ
وأحسن ما سمعت في وجوب العتاب عند وقته وسوء أثر تركه عن ابن الرومي حيث قال:
أنتَ عيني وليسَ من حقِّ عيني ... غضُّ أجفانِها عن الأقذاءِ
وأحسن ما سمعت في عتاب الملول قول أبي الحسن الشاشي:
إذا أنا عاتبتُ الملولَ كأنني ... أخطُّ بأقلامي على الماء أحرفا
وهَبْهُ ارعوى بعدَ الملامِ ألم يكنْ ... تَودُّدُهُ طبعاً فصارَ تكلفا؟
(1/106)

وما أحسن قول أبي الفتح كشاجم:
إلى اللهِ أشكو أخاً جافياً ... يُضيعُ وأحفظ فيه الصنيعَهْ
إذا ما الوشاة سعوا بي إليه ... أصاخَ إليهم بأذنٍ سميعَهْ
كثرتُ عليه فأمْللتُهُ ... وكلُّ كثيرٍ عدوُ الطبيعَهْ
وقال مؤلف الكتاب:
إن غِبتُ عنك شكوتَني ... وإذا وصلتُ هجرتَني
وتظل لي مستبطئاً ... فإذا حضرتُ حجبتني

الباب السابع
فنون مختلفة الترتيب
فصل

الشيب والشباب
قال الجاحظ في قول أبي العتاهية:
إن الشبابَ حجةُ التصابي ... روائحُ الجنةِ في الشبابِ
في الشباب معنى كمعنى الطرب لا يحيط به القلب وتعجز عنه الألسن.
ومن أحسن ما قيل في الاغتنام لأيامه قول ابن الرومي:
(1/107)

جاءك الشيبُ فاقضِ ما أنت قاضِ ... عاجلاً من هوى العيون المراض
إن شرخ الشبابِ فرضُ الليالي ... فنصرفْ بها قبيلَ التقاضيي
وقوله:
إن المفند ينهاني ويأمرُني ... بقوله استحي إن الشيبَ قد حانا
والآن حينَ أجَدَّ الشيبُ في طلبي ... أبادرُ اللَّهوَ باللذاتِ عجلانا
وفي استطابة اللهو والطرب مع الشيب قول ابن طباطبا:
أقولُ وقد أُوقِظْتُ من سِنةِ الهوى ... بهجرٍ يحاكي لوعةَ الصَدِّ والهجرِ
دعوني وحكمَ اللهو في نيليَ. المنى ... ولا توقظوني بالملامةِ والهُجرِ
فقالوا ليَ استيقظْ فشيبكَ لائحٌ ... فقلتُ لهم طيبُ الكرى ساعةُ الفجرِ
وقد أملح العطوي بقوله:
جَدِّدا مجلساً لعهدِ الشباب ... ولذكر الآدابِ والإطرابِ
(1/108)

واسقياني إذا تجاوبتِ الأطيارُ رطلينِ بادِّكارِ الشبابِ ومن أحسن ما قيل في حلول الشيب قبل أوانه قول أبي نواس غفر الله له:
وإذا ما عددتُ سِنِّيَ كمْ هِي ... لم أجدْ للمشيبِ عذراً برأسي
وقول أبي الحسن الجرجاني:
وإذا ما عددتُ أيامَ عمري ... قلت للشيبِ مرحباً بالظَّلومِ
وقول أبي بكر الخالدي:
فديتكَ ما شبتُ من كبرةٍ ... فهذي سِنيَّ وهذا الحسابُ
ولكن هجرتَ فحلَّ المشيبُ ... ولو قدْ وصلتَ لعاد الشبابُ
ومن ملح الصاحب قوله:
تقول يوماً حبذا ما بالُها ... قد عرضتْني عند شيبيَ للأذى
تقول سحقاً بعد أن كانتْ وكنْت كحلَ عينيها فصرتُ كالقذى
ومن غرر ابن الرومي قوله:
ألا إنما الدنيا الشبابُ وإنما ... سرورُ الفتى هاتيكمُ السكراتُ
(1/109)

ولا خير في الدنيا إذا ما رعيتُها ... وقد يبستْ أغصانُها الخضراتُ

فصل
أقوال الملوك والسادة الكرام نثراً
صدرت عن أخلاق عظيمة وطباع شريفة، فهي تهز السامع، وتطرب المسامع.
وقال معاوية: إني لآنف أن يكون في الأرض جهل لا يسعه حلمي، وذنب لا يسعه عفوي، وحاجة لا يسعها جودي.
وقال المهلب بن أبي صفرة: عجبت لمن يشتري العبيد بماله كيف لا يشتري الأحرار بفعاله؟ وقال أبو العباس السفاح: ما أقبح بنا أن تكون الدنيا كلها لنا، وأولياؤنا خالون من حسن آثارنا.
وقال المأمون: إنما تطلب الدنيا لتملك، فإذا ملكت فلتوهب.
وكان الحسن بن سهل يقول: الشرف في السرف فإذا قيل: لا خير في السرف قال: ولا سرف في الخير، فيردد اللفظ ويستوفي المعنى.
وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما رأيت أحداً في داري أو على بابي إلا استحييت منه.
فصل

المدائح المطربة
(1/110)

منها قول الخزاعي عفا الله عنه:
يلامُ أبو الفضلِ في جودِه ... وهل يملكُ البحرُ أن لا يفيضا
وقول أبي تمام:
فلو صورتَ نفسَك لم تزدْها ... على ما فيكَ من كرمِ الطباعِ
ونغمةُ معتفٍ تأتيه أحلى ... على أذنيهِ من نغمِ السماعِ
وما أحسن قول ابن الرومي:
يهتزُّ للجودِ عند المدحِ يسمعُه ... من هزَّةِ المجدِ لا من هزَّةِ الطربِ
كأنه وهو مسئول وممتدَحٌ ... غنَّاه إسحاقُ والأوتارُ في صخَبِ
لولا بدائعُ صنعِ الله ما ثبتتْ ... تلك الفضَائلُ في لحمٍ ولا عصبِ
وقول أبي الفرج الوأواء الدمشقي:
من قاسَ جدواكَ بالغمامِ فما ... أنصفَ في الحكمِ بين شيئينِ
أنت إذا جدتَ ضاحكٌ أبداً ... وهْوَ إذا جادَ دامعُ العينِ
وقول أبي بكر الخالدي في الوزير المهلبي من قصيدة:
ما صَحَّ علمُ الكيمياءِ لغيركم ... ممن رأينا منْ جميعِ الناسِ
(1/111)

تعطيهم الأموالَ في بِدَرٍ إذا ... حملوا إليك الشِّعرَ في قرطاسِ
وقول أبي الطيب:
عجباً له حفظَ العنانَ بأنملٍ ... ما حِفْظُها الأشياءَ من عاداتِها
ليسَ التعجبُ من مواهبِ مالِه ... بل من سلامتِها إلى عاداتِها
ذُكِرَ الأنامُ لنا فكان قصيدةً ... كنت البديعَ الفردَ من أبياتِها
وقول البديع الهمذاني:
وكادَ يحكيكَ صوبُ السُّحْبِ منسكباً ... لو كان طلقَ المحيا يمطرُ الذهبا
والليثُ لو لم يُصَدْ والشمسُ لو نطقتْ ... والبدرُ لو لم يِغِبْ والبحرُ لو عَذُبا

فصل
مدح نفر من أهل الصناعات
قد أحسن كشاجم في مدح فصَّاد حيث قال:
كأنه من نصيحةٍ وتقى ... لنفسه دون غيرهِ فاصدْ
لو جمد الطبع حلَّ منه ولو ... ذابَ انحلالاً أعاده جامدْ
والسري في مدح طبيب حيث يقول:
(1/112)

برَّز إبراهيمُ في طبه ... فراحَ يُدعى وارثَ العلمِ
كأنه من حسنِ أفكارِه ... يجولُ بين الدَّمِ واللحمِ
لو غضبتْ روح على جسمها ... أصلحَ بين الروحِ والجسمِ
وقال في وصف مزين وأبدع:
هل الحذقُ إلا لعبدِ الكريم ... حوى فضلَه حادثاً عن قديمْ
إذا لمع البرقُ في كفّه ... أفاضَ على الرأسِ ماءَ النعيمْ
حمولُ الحسامِ ولكنه ... يروحُ ويغدو بكفيْ حَليمْ
له راحةٌ سيرها راحةٌ ... تمرّ على الرأس مثلَ النسيمْ
وقال مؤلف الكتاب في منجم:
صديقٌ لنا عالم بالنجومِ ... يحدثُنا عن لسانِ المَلَكْ
ويحفظُ أسرارَ إخوانِه ... ولكن ينمُّ بسرِّ الفَلَكْ
فصل

الخاتمة
يختم به الكتاب من غرر الشوارد وأبيات القصائد
فمنها قول الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد في الشمع:
ورائقِ القد مستحبِ ... يجمع أوصافَ كلِّ صبِّ
(1/113)

صفرةُ لونٍ وسكبُ دمع ... وذوبُ جسمٍ وحرقُ قلبِ
وقوله في عقارب الصدغ:
لئن هو لم يكفف عقاربَ صدغِه ... فقولوا له يسمحْ بترياقِ ريقِه
وقوله في الاستشفاء من المرض بالحبيب دون الطبيب:
لقد قلتُ لما أتوا بالطبيبِ ... وصادفني في أَحَرِّ اللهيبِ
وداوى فلم أنتفعْ بالدواء ... دعوني فإنَّ طبيبي حبيبي
ولستُ أريدُ طبيبَ الجسومِ ... ولكن أريدُ طبيبَ القلوبِ
وقول أبي إسحاق الصابي:
تشابهَ دمعي إذ جرى ومُدامتي ... فمن مثلِ ما في الكأس عينيَ تَسْكُبُ
فوالله ما أدري أبالخمرِ أسبلَتْ ... جفونيَ أمْ من دمعتي كنتُ أشربُ
وقول المتنبي:
قد كنت أشفقُ من دمعي على بصري ... فاليوم كُلُّ عزيزٍ بعدكم هانا
وقوله:
ومر بي النسيمُ إليك حتّى ... كأنّي قد شكوت إليه ما بي
وقول جحظة:
(1/114)

ورقَّ الجَوُّ حتى قيلَ هذا ... عتابٌ بين جحظةَ والزمانِ
وقول أبي الحسن الجوهري:
يا ليلةً أغمضَتْ عيني كواكبُها ... ترفقي بجفونٍ غمضُها رمَدُ
تذوبُ نارُ فؤادي في الهوى بَرَداً ... فهل سمعتَ بنارٍ ذوبُها بَرَدُ
وقوله أيضاً:
يا سقيطَ الندى على الأقحوانِ ... شأنَك الآن في الصبوحِ وشاني
أنتَ ذكرتني دموعي وقد صو ... بنَ بين العتابِ والهجرانِ
شجنٌ مدنفٌ وجوٌّ عَليلٌ ... وصباحٌ يميلُ كالنشوانِ
رقَّ عني ملابسُ الغيمِ فانهضْ ... برقيق من صوبِ تلك الدنانِ
وقول السري:
حيا بك اللهُ عاشقيكَ فقد ... أصبحتَ ريحانةً لمن عشقا
وقول السلامي الشاعر وكان الصاحب يستحسنه جداً ويطرب له غاية الطرب:
(1/115)

ونحنُ ألاكَ نُطْلَبُ من بعيد ... لعزتِنا ونُذْركُ عن قريب
تَبَسَّطْنا على الآثامِ لمّا ... رأينا العفوَ من ثمرِ الذنوبِ
وقول أبي المطاع ذي القرنينَ ناصر الدولة محمد:
لما التقينا معاً والليلُ يسترنا ... من جنحهِ ظُلَمٌ في طَيّها نِعَمُ
بتنا أعزَّ مبيتِ باته بشرٌ ... ولا مراقبَ إلا الظرفُ والكرمُ
فلا مشى من وشى عنك العدو بنا ... ولا سعتْ بالذي يسعى بنا قدمُ
وقول أبي الفرج الوأواء الدمشقي:
متى أرعى رياضَ الحسنِ فيهِ ... وعيني قد تضمنَها غديرُ
وقول الرضي:
كيف لا تبلى غلائلُهُ ... وهُوَ بدرٌ وهْيَ كتانُ
وقول القاضي الجرجاني:
أفدي الذي قالَ وفي كفِّه ... مثلُ الذي أشربُ منْ فيهِ
الورد قد أينعَ في وجنتي ... قلتُ: فمي باللثمِ يَجنيهِ
وقوله:
(1/116)

قد بَرَّحَ الحبَّ بمشتاقِكا ... فأوْلِهِ أحسنَ أخلاقِكا
لا تجفُهْ وارعَ له حقَّهُ ... فإنهُ آخرُ عشاقِكا
وقول أبي الفتح العميد ذي الكفايتين:
دعوت العلا ودعوتُ المنى ... فلما أجابا دعوتُ القَدَحْ
إذا المرءُ أدرك آمالَه ... فليسَ له بعدَها مُقْتَرَحْ
وقول بعضهم:
أحبُّ من حُبِّكم من كان يشبُهكُمْ
أمرُّ بالحجرِ القاسي فألثمُه ... لان قلبك قاس يشبه الحجرا
(1/117)