Advertisement

نشوة السكران من صهباء تذكار الغزلان


الكتاب: نشوة السكران من صهباء تذكار الغزلان
المؤلف: أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي (المتوفى: 1307هـ)
عُني بنشره: محمد عطيه الكتبي
الناشر: المطبعة الرحمانية بمصر
الطبعة: الأولى، 1338 هـ - 1920 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] نشوة السكران
بسم الله الرحمن الرحيم نحمد من زين رياض الوجوه بنرجس اللحاظ وورد الخدود، وأثمر أغصان القدود برمان النهود، حمد من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، وسيب بذكر محبوبه إن كان تهاميا في حجاز أو شاميا في نوى، ونصلي ونسلم على من حث على تهذيب النفس الأبية، عن الرذائل الدنية، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الذين يحبهم ويحبونه، ويقفون عند ما أمرهم ولا يتعدونه، ما ذر شارق، وهام عاشق.
وبعد؛ فهذا بيان العشق والعشاق والمعشوقات من النسوان، وما يتصل بذلك من تطورات الصبوة والهيمان، الذي أفصح به أصحاب "ديوان الصبابة"، "وتزيين الأسواق" "وسبحة المرجان"، لخصته منها حلية للآذان، وأتيت فيه بأشياء مما يزري بأريج الريحان، وسميته: "نشوة السكران، من صهباء تذكار الغزلان"، ورتبته على مقدمة، وفصول، وخاتمة.
(1/2)

مقدمة في ذكر العشق واسمه وما جاء في حده ورسمه
اعلم أن العشق طمع يتولد في القلب، ويتحرك وينمو، ثم يتربى، وتجتمع إليه مواد من الحرص، وكلما قوي زاد صاحبه في الاهتياج واللجاج، والتمادي في الطمع والفكر والأماني، والحرص على الطلب، حتى يؤديه ذلك إلى الغم المقلق، ويكون احتراق الدم عند ذلك باستحالة السواد، أو التهاب الصفراء وانقلابها إليها، ومن طبع السواد إفساد الفكر، ومع فساد الفكر يكون زوال العقل ورجاء ما لا يكون وتمني ما لا يتم، حتى يكون ذلك إلى الجنون، فحينئذ ربما قتل العاشق نفسه، وربما مات غماً، وربما نظر إلى معشوقه فمات فرحا، وربما شهق شهقة فتختنق روحه، فيبقى أربعا وعشرين ساعة، فيظنون أنه مات، فيدفنونه وهو حي، وربما تنفس الصعداء فتختنق نفسه في تامور قلبه، وينضم عليها القلب ولا ينفرج حتى يموت، وتراه إذا ذكر من يهواه هرب دمعه واستحال لونه. ذكره فيثاغورث الحكيم الذي أخذ عن أصحاب سليمان بن داود عليهما السلام، على ما ذكره صاعد في كتاب "الطبقات". وقال تلميذه أفلاطون: هو قوة غريزية متولدة من وسواس الطمع
(1/3)

وأشباح التخيل، نام بنصال الهيكل الطبيعي، محدث للشجاع جبنا وللجبان شجاعة، يكسو كل إنسان عكس طباعه حتى يبلغ به المرض النفساني والجنون الشوقي فيؤديانه إلى الداء العضال الذي لا دواء له. وقال تلميذه أرسطاطاليس: العشق عمى العاشق عن عيوب المعشوق. وهذا كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "حبك الشيء يعمي ويصم".والذي مشى عليه أبو علي ابن سينا وغيره من الأطباء، أنه مرض وسواسي شبيه بالماليخوليا، يجلبه المرء إلى نفسه بتسلط فكرته على استحسان بعض الصور والشمائل، وقد تكون معه شهوة جماع وقد لا تكون. وقال سيد الطائفة الجنيد رحمه الله: العشق إلفة رحمانية وإلهام شوقي أوجبهما كرم الإله على كل ذي روح لتحصل به اللذة العظمى التي لا يقدر على مثلها إلا بتلك الإلفة وهي موجودة في الأنفس بقدر مراتبها عند أربابها، فما أحد إلا عاشق لأمر يستدل به على قدر طبقته من الخلق، ولأجل ذلك كان أشرف المراتب في الدنيا مراتب الذين زهدوا فيها مع كونها معاينة، ومالوا إلى الأخرى مع كونه مخبرا لهم عنها بصورة اللفظ. وقال الأصمعي: سألت أعرابية عن العشق فقالت: جل والله عن أن يرى، وخفي عن أبصار الورى، فهو في الصدور كامن ككمون النار في الحجر، إن قدحته أورى، وإن تركته توارى. وقال أبو وائل الأوضاحي: إن لم يكن طرفا من الجنون فهو عصارة من السحر. وقالت أعرابية: هو تحريك الساكن، وتسكين المتحرك.
(1/4)

وقال ثمامة: العشق جليس ممتع، وأليف مؤنس، وصاحب مالك، وملك قاهر، ملك مسالكه لطيفة، ومذاهبه غامضة، وأحكامه جائرة، ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والعقول وآرائها، قد أعطي عنان طاعتها، وقوة تصرفها، وقياد ملكها، وتوارى عن الأبصار مدخله، وعمي عن القلوب مسلكه. وقال بعضهم: مجهول لا يعرف، ومعروف لا يجهل، هزله جد، وجده هزل. وما أحسن قول الشاعر:
يقول أناس لو نعت لنا الهوى ... ووالله ما أدري لهم كيف أنعت
فليس لشيء منه حد أحده ... وليس لشيء منه وقت موقت
قال في "تزيين الأسواق": العشق يختلف باختلاف المزاج على أنحاء أربعة: سريع التعلق والزوال كما في الصفراويين، وعكسه كما في السوداويين، وسريع التعلق بطيء الزوال كما في الدمويين، وعكسه كما في البلغميين. عن ابن عباس، رفعه، قال: "من عشق فعف فمات دخل الجنة". زاد الخطيب عنه: "فظفر" ثم أبدل قوله: "دخل الجنة" بقوله "مات شهيدا" وفي أخرى: "وكتم"، والحديث بسائر ما ذكر صححه مغلطاي وأعله البيهقي والجرجاني والحاكم في "التاريخ" بضعف سويد وتفرده به، ورواه ابن الجوزي مرفوعاً، وأبو محمد بن الحسين موقوفا، وأخرجه الخطيب عن عائشة مرفوعا أيضا، وضعفه
(1/5)

الحافظ بن القيم في "الهدي" بجميع طرقه، وأظن أنه الصواب، وإن تضمنه الأكابر في أشعارهم. وفي أثر ابن عباس أيضا: "الهوى إله معبود". وعن الغزي، قال: رأيت عاشقين اجتمعا، فتحدثا من أول الليل إلى الغداة، ثم قاما إلى الصلاة. ووردت أحاديث كثيرة في العشق مع العفة. قيل لعذري: أتعدون موتكم في الحب مزية، وهو من ضعف البنية، ووهن العقل، وضيق الرئة؟ فقال: أما والله لو رأيتم المحاجر البلج، ترشق بالعيون الدعج، من تحت الحواجب الزج، والشفاه السمر، تبسم عن الثنايا الغر، كأنها شذر الدر، لجعلتموها اللات والعزى وتركتم الإسلام وراء ظهوركم. وبنو عذرة مختصون بمزية الحب وإيثار العشق، ولا تضرب الأمثال إلا بهم. وقال بعض حكماء الهند: ما علق العشق بأحد عندنا إلا وعزينا أهله فيه. وحكى الحافظ مغلطاي: إن العشق يختلف باختلاف أصحابه، فإن الغرام أشد ما يكون مع الفراغ وتكرار التردد إلى المعشوق والعجز عن الوصول إليه، فعلى هذا يكون أخف الناس عشقا الملوك، ثم من دونهم، لاشتغالهم بتدبير الملك وقدرتهم على مرادهم، ولكن قد يتذللون للمحبوب بما في ذلك من مزيد اللذة، ودونهم أفرغ لقلة الاشتغال، حتى يكون المفترغ له بالذات أهل البادية لعدم اشتغالهم بعوائق، ومن ثم هم أكثر الناس موتا به. ونقل ابن خلكان في ترجمة العلاف: إن العشق جرعة من حياض
(1/6)

الموت، وبقعة من رياض الثكل، لكنه لا يكون إلا عن أريحية في الطبع ولطافة في الشمائل، وجود لا يتفق معه منع، وميل لا ينفع فيه عذل. ووجد على صخرة: العشق ملك غشوم، ومسلط مظلوم، دانت له القلوب، وانقادت له الألباب، وخضعت له النفوس، فالعقل أسيره، والنظر رسوله، واللحظ عامله، والتفكير جاسوسه، والشغف حاجبه، والهيمان نائبه، بحر مستقر غامض، ويم تياره طافح فائض، وهو دقيق المسلك، عسير المخرج.
(1/7)

مبحث في أسباب العشق وعلاماته
قال بعض الأطباء: سببه النفساني الاستحسان والفكر، وسببه البدني ارتفاع بخار رديء إلى الدماغ عن مني محتقن، ولذلك أكثر ما يعتري العزاب، وكثرة الجماع تزيله بسرعة، وعلامته: نحافة البدن، وخلاء الجفن للسهر، وكثرة صعود الأبخرة، وغؤور العين وجفافها إلا عند البكاء، وحركة الجفن ضاحكة كأنه ينظر إلى شيء لذيذ، ونفس كثير الانقطاع والاسترداد والصعداء، ونبض غير منتظم، ولاسيما عند ذكر أسماء وصفات مختلفة، وتغير اللون وتنفس الصعداء. قال ارسطاطاليس: للعشق من النجوم زحل وعطارد والزهرة جميعا. فزحل يهيئ الفكرة والتمني والطمع والهم والهيجان والأحزان والوساوس والجنون، وعطارد يهيئ قول الشعر ونظم الرسائل والملق والخلاعة، وتنميق الكلام، وتليين المرام، والتذلل والتلطف، والزهرة تهيئ للعشق والوله والهيمان، والرقة والتلذذ بالنظر، والمؤانسة بالحديث، والمغازلة الباحثة على الشبق والغلمة، والميل إلى الطرب وسماع الأغاني وما شابهه. ومن علاماته: إغضاء المحب عند نظر محبوبه إليه، ورميه بطرفه نحو الأرض من مهابته له، وحياؤه منه، وعظمته في صدره، واضطراب يبدو للمحب عند رؤية من يشبه محبوبه، أو عند سماع اسمه، وحب أهله وقرابته وغلمانه وجيرانه وساكني بلده، وكثرة غيرته
(1/8)

عليه، ومحبة القتل والموت ليبلغ رضاه، والإنصات لحديثه إذا حدث، واستغراب كل ما يأتي به ولو أنه عين المحال، وتصديقه وإن كذب، وموافقته وإن ظلم، والشهادة له وإن جار، وإتباعه كيف يسلك، والإسراع بالسير نحو المكان الذي يكون فيه، والتعمد للقعود بقربه، والدنو منه، وإطراح الأشغال الشاغلة عنه، والزهد فيها، والرغبة عنها، والاستهانة بكل خطب جليل داع إلى فراقه، والتباطؤ في المشي عند القيام عند وجوده بكل ما يقدر عليه مما كان يتمتع به قبل ذلك حتى كأنه هو الموهوب له، وهذا كله قبل استعار نار الحب، فإذا تمكن أعرض عن ذلك كله وبدله عن ذلك كله وبدله سؤالا وتضرعا كأنه يأخذه من المحبوب، حتى أنه يبذل نفسه دون محبوبه، كما كانت الصحابة رضي الله تعالى عنهم يفدون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحرب بنفوسهم حتى يصرعوا حوله. ومنها: الانبساط الكثير الزائد، والتضايق في المكان الواسع، والمحاربة على الشيء يأخذه أحدهما، وكثرة الغمز الخفي، وكثرة التمطي والتكسل إذا نظر إلى محبوبه، إلى غير ذلك مما لا يحصى. فهو ألطف موجود نشأ في الوجود، وأعز مقصد لذي الهجود. وقال المعلم: العشق نصف الأمراض، وشطر الأعراض، وقسيم الأقسام، وجل الآلام. وله مراتب سبعة تدريجية ذكرها داود الأنطاكي، ولو منح الله شخصا مددا يستغرق المدد، وحياة تستفرغ الأبد، وفراغا يذر الشواغل سدى، ونفحات قدسية تصقل مرآة عقله لقبوله الفيض أبدا، وأفرغ ذلك
(1/9)

كله في تحرير ما أودعه عمر بن الفارض من مراتب العشق وأدواره، وتنقلاته وأطواره، لفني الزمان ولم يدرك معشاره، وبادت الأكوان ولم يعرف قراره، ولولا ضيق عطن هذا المختصر، لأوضحت لك من بعض تدقيقاته في أقل كلماته ما يدعك في حيرة الفكر، وببحار العجب غارقا، ويسكتك وإن كنت مصعقاً ناطقاً.

مبحث في مراتب العشق وأسمائه وصفاته
فأول مراتبه: الهوى: وهو: ميل النفس، وقد يراد به نفس المحبوب.
ثم العلاقة: وهي: الحب اللازم للقلب.
ثم الكلف: وهو: شدة الحب، وأصله من الكلفة، وهي: المشقة. وقيل: هو مأخوذ من الأثر، وهو شيء يعلو الوجه كالسمسم. والكلف أيضا: لون بين السواد والحمرة، وهي حمرة كدرة.
ثم العشق: وهو: اسم لما فضل عن المقدار الذي اسمه الحب، قال في "الصحاح": هو فرط الحب. وهو أمر هذه الأسماء، وقلما نطقت به العرب، وكأنهم ستروا اسمه وكنوا عنه بهذه الأسماء، ولا تكاد تجده في شعرهم القديم وإنما ولع به المتأخرون. ولم يقع هذا اللفظ في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، إلا في حديث سويد بن سعيد.
ثم الشغف: قال العزيزي في "غريب القرآن": (شغفها حبا) [يوسف:30] أصاب حبه شغاف قلبها، وهو الغلاف، أو حبة القلب، وهي علقة سوداء في صميمه، و (شغفها حباً) ارتفع
(1/10)

حبه إلى أعلى موضع في قلبها، مشتق من شغاف الجبال، أي: رؤوسها، وقولهم: فلان مشغوف بفلانة، أي ذهب به الحب أقصى المذاهب.
والشغف: بالمهملة: إحراق الحب للقلب، وقد قرئ بهما جميعاً.
ومثله في الإحراق اللوعة واللاعج، فهذا هو الهوى المحرق.
ثم الجوى: وهو: الهوى الباطن، قال الجوهري: الجوى: الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حزن.
ثم التتيم: وهو: أن يستبعده الحب، منه سمي تيم الله، أي: عبد الله.
ثم التبل: وهو: أن يسقمه الهوى، وفي "الصحاح": تبلهم الدهر وأتبلهم: إذا أفناهم.
ثم التدله: وهو: ذهاب العقل من الهوى، ويقال: دلهه الحب، أي حيره.
ثم الهيام: وهو: أن يذهب على وجهه لغلبة الهوى عليه.
ثم الصبابة: وهي: رقة الشوق وحرارته.
والمقة: المحبة.
والوامق: المحب.
والوجد: الحب الذي يتبعه الحزن.
والدنف: لا تكاد تستعمله العرب في الحب، وإنما ولع به المتأخرون، وإنما استعملته العرب في المرض.
والشجو: حب يتبعه هم وحزن.
والشوق: سفر القلب إلى المحبوب. قال الجوهري: الشوق والاشتياق نزاع النفس إلى الشيء. وقد جاء في السنة: "وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقاءك". واختلف فيه: هل يزول بالوصال أو يزيد؟.
والبلبال: الهم ووسواس الصدور، والبلابل جمع بلبلة، يقال بلابل الشوق، وهي وساوسه.
والتباريح: الشدائد والدواهي، يقال برح به الحب والشوق، إذا أصابه منه البرح، وهو: الشدة.
والغمرة: ما يغمر القلب من حب أن سكر أو
(1/11)

غفلة.
والشجن: الحاجة حيث كانت، وحاجة المحب أشد إلى محبوبه.
والوصب: ألم الحب ومرضه، فإن أصل الوصب المرض.
والكمد: الحزن المكتوم وتغير اللون.
والأرق: السهر، وهو من لوازم المحبة.
والحنين: الشوق الممزوج برقة وتذكر يهيج الباعثة.
والجنون: أصل مادته: الستر، والحب المفرط يستر العقل، فلا يفعل المحب ما ينفعه ولا ما يضره، فهو شعبة من الجنون، ومن الحب ما يكون من جنونا.
والود: خالص الحب وألطفه وأرقه، وهو من الحب بمنزلة الرأفة من الرحمة.
والخلة: توحيد المحبة، فالخليل هو الذي يوحد حبه لمحبوبه، وهي مرتبة لا تقبل المشاركة، ولهذا اختص بها من العالم الخليلان إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم، كما قال تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلا) [النساء: 125] . وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا". وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا". وقيل: إنما سميت خلة لتخلل المحبة جميع أجزاء الروح. وزعم من لا علم عنده أن الحبيب أفضل من الخليل، وهذا الزعم باطل، لأن الخلة خاصة والمحبة عامة، قال تعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) [البقرة:222] .
والغرام: الحب اللازم، يقال: رجل مغرم بالحب، وقد لزمه الحب. وفي "الصحاح": الغرام: الولوع.
والوله: ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد، وما أحسن قول السيد يوسف بن إبراهيم الأمين:
(1/12)

عشق المحبوب ظبيا مثله ... فاعتراه لهواه وله
كان معشوقا فأضحى عاشقا ... فقضى الحب عليه وله
والرسيس: من الرس، وهو: الثبات ورسوخ صورة المحبوب في النفس، وزعموا أنه أول المراتب، ويليه الحب، والحب أخص من العشق لأنه عن أول نظرة، وأقصاه امتزاج الأرواح.
والرأفة: أشد الحب، لأنها مبالغة في الرحمة.
والصبوة: لا تطلق حقيقة إلا على الميل والافتتان في زمن الصبا، لكن تطلق تجاوزا على مطلق الميل للمشابهة والنزوع.
والكآبة: شدة الحزن، كالتفجع، أو هو توجع وبكاء على الفقد والبرح.
والغل: شدة العشق.
والسهد: شدة السهر وتواتر أحوال المحبوب على القلب. وفي معناه: التحرق واللذع والولع.
والنصب: لوعة من مرض وغم.
والخبل: الجنون المتولد من شدة الحب، وهذا في الأصح آخر المراتب.
والجزع: عدم الصبر على الفرقة.
والهلع: الشدة.
والخلابة: سلب العقل.
والبله: حمق أو غفلة، فيكون هنا استغراقاً في الحب.
وفي ترتيب هذه الأسماء خلاف يرد على من التزم ترتيبها. ونحن قد أوضحنا نفس المعاني، ومنها يسهل الترتيب والتنزيل على المراتب، فتأمل. وله أسماء غير هذه أضربت عنها خوف الإطالة.
والمحبة أم باب هذه الأسماء كلها. وقيل: الشوق جنس، والمحبة نوع منه، والحب حرف ينتظم الثلاثة: العشق، والوجد، والهوى، وللناس في حد المحبة كلام كثير، فقيل: هي الميل الدائم بالقلب الهائم. وقيل: ذكر المحبوب على
(1/13)

عدد الأنفاس، وقيل: مصاحبته على الإدمان. وقيل: القيام له بكل ما يحبه منك. ثم القلب إذا امتلأ من الحب فلا اتساع فيه لغير المحبوب (والذين أمنوا أشد حبا لله) [البقرة: 165] .

مبحث في العشق وذمه وترياقه وسمه
فكم مدحه عاقل، وذمه متعاقل، هيهات! فات من ذمه المطلوب، ومن أين للوجه المليح ذنوب. قال قدامة: العشق فضيلة تنتج الحيلة الجميلة، عزيز يذل له عز الملوك، وتضرع له صولة البطل، وأول باب تفتق به الأذهان، وتستخرج به دقائق الافتتان، إليه تستريح الهمم، وتسكن نوافر الشيم، له سرور يجول في الجنان، وفرح يسكن في قلب الإنسان. قيل لبعض العلماء: إن ابنك عشق! فقال: الحمد لله! الآن رقت حواشيه، ولطفت معانيه، وملحت إشارته، وظرفت حركاته، وحسنت عباراته، وجادت رسائله، وجلت شمائله، فواظب على المليح، واجتنب القبيح. وقيل لآخر كذلك، فقال: لا بأس بذلك، إذا عشق لطف وظرف ودق ورق. قال قائل:
ولا خير في الدنيا بغير صبابة ... ولا في نعيم ليس فيه حبيب
(1/14)

وقال آخر:
إذا لم تذق في هذه الدار صبوة ... فموتك فيها والحياة سواء
وقال آخر:
ولا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر ... حبيباً ولا وافى إليك حبيب
وقال آخر:
ما ذاق بؤس معيشة ونعيمها ... فيما مضى أحد إذا لم يعشق
وفي حكمة كسرى: إن الملك لا يكمل إلا بعد عشقه، وكذلك العالم. قالوا: والعشق مما يؤجر عليه صاحبه. قال شريك: أشدهم حبا أعظمهم أجرا. وأرواح العشاق عطرة لطيفة، وأبدانهم ضعيفة، وكلامهم يرطب الأرواح، ويجلب الأفراح، والعاشق المسكين تدور أخباره، وتروى أشعاره، ويبقى له العشق لم يذكر له اسم، ولا جرى له رسم، ولا رفع له رأس، ولا ذكر مع الناس. وسئل أبو نوفل: هل سلم أحد من العشق؟ فقال: نعم! الجلف الجافي الذي ليس له فضل ولا عنده فهم، فأما من في طبعه أدنى ظرف، أو معه دماثة أهل الحجاز وظرف أهل العراق، فلا يسلم منه. وقيل: لا يخلو أحد من صبوة إلا منقوص البنية أو جافي الخلقة على خلاف تركيب الاعتدال.
(1/15)

قالت امرأة:
رأيت الهوى حلو إذا اجتمع الشمل ... ومرا على الهجران لا بل هو القتل
فمن لم يذق للهجر طعما فإنه ... إذا ذاق طعم الحب لم يدر ما الوصل
وقد ذقت طعميه على القرب والنوى ... فأبعده قتل وأقربه خبل
وفي هذا المعنى قول آزاد:
شأن المحب عجيب في صبابته ... الهجر يقتله والوصل يحييه
وأما ما جاء في ذمه، وسريان سمه، فأكثر من أن يحصى، فكم ترك الغني صعلوكا، والمالك مملوكا، وكم من عاشق أتلف في معشوقه ما له وعرضه ونفسه وضيع أهله ومصالح دنياه ودينه.
قال الوأواء الدمشقي:
سبيل الهوى وعر ... وحلو الهوى مر
وبرد الهوى حر ... ويوم الهوى دهر
وقال غيره:
العشق مشغلة عن كل صالحة ... وسكرة العشق تنفي سكرة الوسن
والهوى أكثر ما يستعمل في الحب المذموم، وقد يستعمل في الممدوح استعمالاً مفيداً، قال تعالى: (أفرءيت من اتخذ إلهه هواه) [الجاثية:23] . وفي الحديث: "حتى يكون هواه تبعا لما جئت به". والأول ذم، والثاني مدح، فتلخص من الآية والسنة، أن المحمود هو في الخير والصلاح،
(1/16)

والمذموم هو في الشر والفساد. قيل إنما سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار. قلت: لو قال: إلى الهاوية، لكان أنسب. وقيل: الهوى الهوان، زيدت فيه النون، كما قيل:
فسألتها بإشارة عن حالها ... وعلى فيها للوشاة عيون
فتنفست صعدا وقالت ما الهوى ... إلا الهوان أزيل عنه النون
قال سهل: قسم الله للأعضاء من الهوى لكل عضو حظا، فإذا مال عضو منها إلى الهوى رجع ضرره إلى القلب. وحاصل القضية أن العشق والهوى أصل كل بلية، وفيه ذل كل نفس أبية.
قال ابن الفارض:
هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل ... فما اختاره مضنى به وله عقل
وعش خاليا فالحب راحته عنا ... وأوله سقم وآخره قتل

مبحث في أن العشق اضطراري أو اختياري
قال أحمد بن أبي حجلة المغربي: للناس فيه كلام من الطرفين، وتبختر بين الصفين، فقائل بأنه اضطراري، وقائل بأنه اختياري، ولكل من القولين وجه مليح، وقد رجيح، ونحن نذكر ما يعم
(1/17)

به الانتفاع، ونتكلم في طوله وعرضه بالباع والذراع. فمن ذلك ما قاله القاضي محمد بن أحمد النوقاتي في كتابه "منحة الظراف": العشاق معذورون على كل حال، مغفور لهم جميع الأقوال والأفعال، إذ العشق إنما دهاهم على غير اختيار، بل اعتراهم على جبر واضطرار، والمرء إنما يلام على ما يستطيع من الأمور، لا في المقضى عليه والمقدور، هذا مما لا يشك فيه ذو لب، ولا يختلج خلافه في قلب. وجاء في تفسير قوله تعالى: (فلما رأينه وأكبرنه وقطعن أيديهن) [يوسف: 31] . وهذا اضطرار واضح. قال وهب: كن أربعين امرأة، فمات منهن تسع وجدا بيوسف وكمدا عليه. وقال الفضيل بن عياض: لو رزقني الله دعوة مجابة لدعوت الله تعالى بها أن يغفر للعشاق، لأن حركاتهم اضطرارية لا اختيارية. وفي كتاب "امتزاج الأرواح" للتميمي: قال بعض الأطباء: وقوع العشق بأهله ليس باختيارهم، ولا بحرصهم عليه، ولا لذة لأكثرهم فيه، ولكن وقوعه بهم كوقوع العلل المدنفة والأمراض المتلفة، لا فرق بينه وبين ذلك. وقال المدائني: لام رجل رجلا من أهل الهوى، فقال: لو كان لذي هوى اختيار لاختار أن يهوى، ولكن لا اختيار له. وقال الحافظ ابن القيم رحمه الله: فسر كثير من السلف قوله تعالى: (ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به) [البقرة: 286] بالعشق، وهذا لم يريدوا به التخصيص، وإنما أرادوا به التمثيل، وإن العشق من تحميل ما لا يطاق، أي: التحمل القدري لا الشرعي الأمري. انتهى. وحكى ابن حزم أن رجلا قال لعمر
(1/18)

بن الخطاب رضي الله عنه: رأيت امرأة فعشقتها، فقال عمر: ذلك مما لا يملك. وقال ابن طاووس في قوله تعالى: (وخلق الإنسان ضعيفا) [النساء: 28] أي: إذا نظر إلى السماء لم يصبر. ومن هذا ظهر أن عذلهم في هذه الحال بمنزلة عذل المريض في مرضه. وذهب جماعة من الأطباء وغيرهم إلى أنه اختياري، والإنسان هو المختار فيه بتسليط فكرته في بحار سكرا ته، والمحبة إرادة قوية، والعبد يحمد ويذم على إرادته، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا، وقد ذم الله تعالى الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وأخبر أن عذابهم أليم، ولو كانت المحبة لا تملك لم يتوعدوهم بالعذاب على ما لا يدخل تحت قدرتهم، ومنه قوله تعالى: (ونهى النفس عن الهوى) [النازعات: 40] ومحال أن ينهي الإنسان نفسه عما يدخل تحت قدرته. والقول الصحيح الذي ليس فيه رد، ولا عن محبوبه صد، التفصيل في ذلك، وهو أن العشق يختلف باختلاف ما جبل الإنسان عليه من اللطافة ورقة الحاشية، وغلظ الكبد، وقساوة القلب، ونفور الطباع وغير ذلك، فمنهم من إذا رأى الصورة الحسنة مات من شدة ما يرد على قلبه من الدهش، كما تقدم في حق النسوة اللاتي متن لما رأين يوسف عليه السلام. وقد كان مصعب بن الزبير إذا رأته المرأة حاضت لحسنه، ومنهم من إذا رأى المليح سقط من قامته، ولم يعرف نعله من عمامته، فهذا وأمثاله عشقه اضطراري، والمخالفة فيه مكابرة في المحسوس. ومنهم من يكون أول عشقه الاستحسان للشخص، ثم تحدث له إرادة القرب
(1/19)

منه، ثم المودة، وهو أن يود، أو ملكه، ثم يقوى الود فيصير محبة، ثم يصير خلة، ثم يصير هوى، ثم يصير عشقا، ثم يصير تتيما، ثم يصير ولها، فهذا وأمثاله مبدأ عشقه اختياري، لأنه كان يمكنه دفع ذلك وحسم مادته، على أن هذا النوع أيضا إذا انتهى بصاحبه إلى ما ذكرنا صار اضطراريا، كما قال الشاعر:
العشق أول ما يكون مجانة ... فإذا تمكن صار شغلا شاغلا
وقال بعض الفلاسفة: لم أر حقا أشبه بباطل ولا باطلا أشبه بحق من العشق، هزله جد، وجده هزل، أوله لعب، وآخره عطب. قال صاحب "روضة المحبين": وهذا كان بمنزلة السكر مع شرب الخمر، فإن تناول المسكر اختياري، وما يتولد منه من السكر اضطراري. فحينئذ يكون ادعاء من قال: إنه اضطراري مطلقا أو اختياري مطلقا غير مقبول عند ذوي العقول.

مبحث في ذكر الحسن والجمال
وهما قسمان: الظاهر والباطن، والطاعن والقاطن. فالباطن المحمود لذاته، كالعلم والبراعة، والجود والشجاعة، والتقوى والشهامة، والظاهر ما ظهر من غصن قوامه الرطيب، ووجهه الفائق على البدر بلا معيب. قيل: الحسن الصريح، ما استنطق الأفواه بالتسبيح. والصحيح أنه لا يدري كنهه، ولا يعرف شبهه، حتى كأنه نكرة لا تتعرف، ومجهول
(1/20)

لا يعرف. قال بعضهم: للحسن معنى لا تناله العبارة، ولا يحيط به الوصف. وقيل: أمر مركب من أشياء وضاءة وصباحة وحسن تشكيل وتخطيط ودموية في البشر. وقيل: تناسب الخلقة واعتدالها واستواؤها، ورب صورة مبيضة ليست في الحسن بذاك. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بياض المرأة في حسن شعرها تمام الحسن. وعن عائشة: البياض شطر الحسن. وقالوا في الجارية: جميلة من بعيد، مليحة من قريب. وقيل: الظرف في القد، والبراعة في الجيد، والرقة في الأطراف، والدقة في الخصر، والشأن كله في الكلام. وأحسن الحسن ما لم يجلب بتزيين، كما قيل: إن المليحة من تزين حليها، لا من غدت بحليها تتزين. والعرب تقول: الحلاوة في العينين، والملاحة في الفم، والجمال في الأنف، والظرف في اللسان، والرشاقة في القد، والنعومة في الخد، والبراقة في الأسنان. وقال بعضهم: البدن فيه الوجه والأطراف، وفي الوجه المحاسن وإليها الاستشراف، وفي المحاسن النكت التي هي الغاية في الاستحسان والاستظراف، كالملاحة في العين، ونكتة الملاحة الدعج، وكالحسن في الفم، ونكتة الحسن الفلج، وكالطلاوة في الجبين، ونكتة الطلاوة البلج، وكالرونق في الخد، ونكتة الخد الضرج، ومما
(1/21)

يستحسن في المرأة طول أربعة، هي: أطرافها، وقامتها، وشعرها، وعنقها. وقصر أربعة، هي: يديها، ورجليها، ولسانها، وعينيها، والمراد بهذا القصر المعنوي، فلا تبذر ما في بيت زوجها، ولا تخرج من بيتها، ولا تستطيل بلسانها، ولا تطمع بعينيها، وبياض أربعة: لونها، وفرقها، وثغرها، وبياض عينيها. وسواد أربعة: أهدابها، وحاجبها، وعينيها، وشعرها، وحمرة أربعة: لسانها، وخدها، وشفتيها مع لعس، وإشراب بياضها بحمرة. وغلظ أربعة: ساقها، ومعصمها، وعجيزتها، وما هنالك. وسعة أربعة: جبهتها، وجبينها، وعينها، وصدرها. وضيق أربعة: فمها، ومنخرها، ومنفذ أذنيها، وما هنالك، وهو المقصود الأعظم من المرأة. قيل: وجدت جارية في زمن بني ساسان بهذه الصفات المذكورة جميعها. وحكي أن يعصور أحد ملوك الصين أهدى إلى كسرى أنو شر وان ملك فارس هدية، من جملتها جارية طولها سبعة أذرع تضرب أهداب عينيها خديها، كأن بين أجفانها لمعان البرق، مقرونة الحاجبين، لها ضفائر تجرهن إذا مشت. وهذه أوصاف بها جماع الحسن، وإنما العبارات الكثيرة تفنن في الأوصاف، وأهل الفراسة تجعل الجمال الظاهر دليلا على اعتدال المزاج. وقال بعض الحكماء: من نعم الله على العبد تحسين خلقه وخلقه واسمه، قيل: وصوته. وقال سقراط: إذا حسن الله وجهك فلا تضف إليه قبيح المعاصي، أو قبحه فلا تجمع بين قبيحين. ولما كان الجمال من حيث هو محبوبا للنفوس،
(1/22)

معظما في القلوب، لم يبعث الله نبيا إلا جميل الوجه، كريم الحسب، شريف النسب، حسن الصوت، وأوتي يوسف عليه السلام شطر الحسن، وفي صفته صلى الله عليه وسلم: كأن الشمس تجري في وجهه، وبالجملة فقد كان صلى الله عليه وسلم من الحسن في الذروة العليا، ومن الجمال في المرتبة القصوى، كما يفصح عنه كتاب "الشمائل" للترمذي وغيره، وكان يدعو الناس إلى جمال الباطن والظاهر، ويقول: "إن الله جميل يحب الجمال". فكل جمال بالنسبة إلى بحره بلالة، وإلى نوره ذبالة، وهذا هو المطلب الذي تكل عنه البصائر، ويقصر عنه كل ذي حد جائر. وقال تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) [التين: 4] أي تعديل لقامته وصورته كله. وجاء في تفسير قوله تعالى: (يزيد في الخلق ما يشاء) [فاطر:1] إنه الوجه الحسن، والصوت الحسن. قال بعض الحكماء: قلما توجد صورة حسنة تدبرها نفس ردية، والحسن أول سعادة الإنسان، وقلما تجد الخلق إلا تبعا للخلقة، تناسبا مطردا، وأصلا لا ينعكس، وإجماعا لا ينفرد، لكنه إن كان أمرا مرغوبا فيه، فأن حسن السيرة أفضل منه، وتدل عليه وجوه ذكرها الرازي في "أسرار التنزيل". ثم الشعراء أكثروا في تشبيه الأعضاء بالحروف، فشبهوا الحاجب بالنون، والعين بالعين، والصدغ بالواو، والفم بالميم،
والطرف بالصاد، والثنايا بالسين، والطرة المضفورة بالشين، والقامة بالألف. وأورد في "ديوان الصبابة" لذلك أمثلة كثيرة من الأشعار، وشبهوا بالفواكه أيضا، كالخدود بالتفاح، والشفة
(1/23)

بالعناب، والثدي والرمان، والمشمومات، كالوجنة بالورد، والعين بالنرجس، والعذار بالآس، وبالمعادن، كالشفة بالعقيق، والأسنان باللؤلؤ، وقد وقع تشبيه الشفة بالمرجان أيضا، وأشياء مختلفة، كالوجه بالبدر، والفرق بالصبح، والشعر بالليل، ومرسله بالحية، والصدغ بالعقرب، والوجنة بالماء والنار، والريق بالخمر، والثدي والسرة بحق العاج، إلى غير ذلك. وللشعراء في ذلك على اختلاف مراداتهم وتخيلهم المقدمات الشعرية كلام كثير. واعلم أن الأساليب في هذا الباب دائرة بين التشبيه المجرد وبين جعل الحروف ونحوها من المشبه به في العادة مشبها، ومقابله في المحبوب مشبها به، وفي كل ذلك إما أن تبقى الأداة أو تحذف، وفي كل إما أ، يرشح المعنى بأوصاف تزيده حسنا أو لا، وأرفع الكل جعل الممدوح مشبها به محذوف الأداة مرشحا بلطائف الأوصاف، وقل سالكه، وعكسه معلوم. ومما يلتحق بالحسن والجمال تلون البدن، ومداره إما على صفاء الخلط أو شدة الحرارة أو ما تركب منهما، والأول يلزم حالة واحدة، إما البياض في البلغم أو الحمرة في الدم، أو الصفرة في الصفراء، أو السواد في السوداء، وما تركب بحسبه مع مراعاة الطوارئ، كقرب شمس أو جبل أو سد جهة، وهذا المبحث هو المعروف عند الأطباء بالألوان، وعند العامة بالسحنة، موضع تحقيقه الطب. والثاني يلزم السمرة وإن غلب البلغم. وأما الثالث: فهو الذي تناط به أمثال هذه الأحكام، وحاصل القول فيه: إن الجلد شفاف يحكي
(1/24)

ما تحته، وأن الباعث إليه الأخلاط، هو الحرارة، فهي كالنار إذا اشتدت صعدت ما لاقته، وموضعها القلب، ومحركاتها مختلفة ما بين غضب وحياء وقهر وغيرها، إما إلى داخل دفعة أو تدريجيا، أو إلى خارج كذلك، أو إليهما، وموضع بسطه الحكمة، والذي يخصنا من ذلك هنا أن نقول: إن استيلاء سلطان المحبة والعشق من المعشوق على العاشق أعظم استيلاء من سلطان القهر والعظمة والناموس السلطاني، حتى قال بعض الحكماء: لكل مرتبة من مراتب المحبة حد إلا محبة العشق فلا حد لها. وقال بعضهم: إن تعلق روح العاشق ببدنه كتعلق النار بالشمعة، إلا أنه لا يطفئها كل هواء. إذا تقرر هذا، وجمع إلى ما قررناه من مراتب تحريك الحرارة، ظهر علة اصفرار لون العاشق، وارتعاد مفاصله، وخفقان قلبه، لأن الاستبشار بالاجتماع الموجب للفرح، المنتج لحركة الحرارة إلى خارج لتؤثر الحمرة وصفاء اللون، يعارضه لشدة الشفقة والخوف من نحو واش وسرعة تفريق، وإلباس الموجب لإطفاء الحرارة أو جذبها إلى داخل المنتج لصفرة اللون أو الموت فجأة، ومن ثم إذا أمن من ذلك لم يقع تغير، وأما حمرة المعشوق، فهي إما حياء أو خجل، وكل منهما باعث للحرارة إلى خارج، ونتيجة احمرار الألوان وصفاؤها. فأفضل الألوان الأحمر الصافي المشرق مطلقا، حتى في الثياب، كالحلل، والمشروب والمشموم، كالورد والشقيق، والحيوان، كالخيل،
(1/25)

والمعادن، كالذهب والياقوت، إلى غير ذلك، ومنه: "أهلك الرجال الأحمران" يعني: الخمر والنساء، والأحامر: الذهب، والزعفران، واللحم. وأحب ما يكون إليهم منه ما كان في الوجنات والشفاه. وأما وصفهم الموت بالأحمر، والدمع الناشئ عن شدة الحرقة بالحمرة، فليس طعنا فيهما، بل مدح، لأنهم أرادوا أنهما من المطالب التي لا تنال إلا بالمشاق والصعوبة. وقد توسع الناس في هذا المبحث فخرجوا منه إلى التفضيل بين السمر والبيض، وخاضوا بسبب ذلك في كلام عريض، فمن قائل بتفضيل السمر مطلقا، وقوم البيض، وآخرون فصلوا، فقالوا: إن كلا يميل إلى عكس لونه، وهذا تحكم وحكم على الطبائع
والأمزجة بلا دليل، والصحيح أن الميل إما بداعية الشهوة، أو النفع، ولا ضبط للأول لاختلافه باختلاف الأشخاص. وأما الثاني، فالقول فيه إما بحسب معتدل المزاج، فالروميات حينئذ في نحو الحجاز أنفع، كما أن الحبشيات في نحو الروم أجود، لأن حرارة الأبدان تختبئ في الأغوار زمن البرد، وبالعكس، وإما بحسب المرضى، فالسود للمبرودين أجود، والبيض للمحرومين كذلك. قال الأنطاكي: وعندي أن عكس هذا أجود لما سمعت من التعليل، والصحيح أن الحبشة ألطف مما عداهم مزاجاً، وأرق بشرة، وأعدل حرارة، فلذلك هن أوفق مطلقاً، ولكنهن في معرض التغيير، وموضع تحقيق ذلك في الطبيعيات. وأما الحكم على المصريين، فإنهم إلى السمر أميل، فمن قبيل التحكم. وإذا أحكمت
(1/26)

ما قررناه من علة اصفرار الألوان، علمت أن خفقان القلب عند الاجتماع أو الرؤية من لازم ذلك الشأن، وقد لهج الشعراء بالاعتذار عن ذلك، وأكثروا فيه من التشعب والمسالك. ومن المحبين الملوك، وهم أحسن الناس طباعاً، وأطولهم باعاً وأطيبهم عيشاً، وأكثرهم طيشاً، وأرقهم شعراً، وأدقهم فكراً، وأقربهم موجوعا وأكثرهم بالحبيب ولوعاً، إذ هم في الحقيقة أولى بذلك، وأحقهم بالنوم على تلك الأرائك. فمنهم من قنع من محبوبه بالنظر حتى مات كمداً ولحق بالشهداء، ومنهم من أصبح دونه في العفاف، وأقام سالف محبوبه مقام السلاف. ومنهم من خلع العذار، فجمع مابين ذات العقود، وابنة العنقود، ولكن مع صيانة، ورجوع إلى ديانة، فهو وإن طال به المجلس اختصر، وإن جنى فيه على محبوبه اعتذر. ومنهم من نال بالراح اللذة المحظورة، وأخرج بها وجنة الحبيب من صورة إلى صورة، فجارى النديم في الجريال، وسما إلى الحبيب سمو حباب الماء حالاً على حال، فأفضى به ذلك إلى هلكه، وفساد ملكه. ومن المحبين من عشق على السماع، ووقع من النزوع إلى الحبيب في النزاع. ومنهم من يحب بمجرد الوصف دون المعاينة، ولهذا نهى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أن تنعت المرأة لغير زوجها حتى كأنه ينظر إليها، والحديث في الصحيح. ومنهم من يعشق أثراً رآه. ومنهم من يحب في النوم شكلاً لا يعرفه، فيهيم به. ومنهم من يعشق باللمس، قيل: وهو رأس الشهوة. ومنه من يعشق بالشم. ومنم
(1/27)

من نظر أول نظرة، فاحترق من خد الحبيب بجمرة، والنظر داعية الأرق وزناد الحرق، كم دعا إلى الجماع المحرم بالإجماع، فهو سهم مسموم، وفعل مذموم. ومن أطوار العشق: سحر الجفون، ونبل العيون، وتغير الألوان عند العيان، من صفرة وجل، وحمرة خجل، وما في معنى ذلك من عقد اللسان، وسحر البيان. وهنا تفضيل بين البيض والسود، والسمر ذوات النهود، وهذا مما يميل إليه المصريون في الغالب. ومن أطواره: الغيرة، وما فيها من الحيرة، وإفشاء السر والكتمان، عند عدم الإمكان، ومغالطة الحبيب واستعطافه، وتلافي غيظه وانحرافه، والرسل والرسائل، والتلطف في الوسائل، والاحتيال على طيف الخيال، وغير ذلك ممل قيل فيه، على اختلاف معانيه، وقصر الليل وطوله، وخضاب شفقه ونصوله، وقلة عقل العذول، وما عنده من كثرة الفضول، وحسن الإشارة، إلى الوصل والزيارة، وذم الرقيب والنمام والواشي كثير الكلام، والعتاب عند اجتماع الأحباب، وما في ذلك من الرضى، والعفو عما مضى، وإغاثة العاشق المسكين، إذا وصلت العظم السكين، ودواء علة الجوى، وما يقاسيه أهل الهوى، وتعنت المعشوق على الصب المشوق، وغير ذلك من أقسام الهجر، وصبر القابض فيه على الجمر، والدعاء على المحبوب، وما فيه من الفقه المقلوب، وبدو الخضوع، وانسكاب الدموع، والوعد والأماني، وما فيهما من راحة العاني، والرضى من المحبوب، بأيسر مطلوب، واختلاط الأرواح، كاختلاط الماء بالراح،
(1/28)

وعود المحب كالخلال، وطيف الخيال، وما في معناه في رقة خصر الحبيب، وتشبيه الردف بالكثيب، وما يكابده في طلب الأحباب، من الأمور الصعاب، وطيب ذكرى حبيب وما عولج به العشق من الدواء، وقصد به السلو عن الهوى، وخفقان القلب والتلوين، عند اجتماع المحبين، وأسرار المحبة، وما فيها من اختلاف آراء الأحبة. ومن أطواره أيضا: هجر الدلال، وهجر الملال، وهجر الجزاء والمعاقبة، والهجر الخلقي. ومن العشاق من مات من حبه، وقدم على ربه من غني وفقير، وكبير وصغير، على اختلاف ضروبهم، وتباين مطلوبهم. ومنهم من خالسته عيون الإماء، فأسلمته للفناء. ومنهم من حظي
بالتلاقي، بعد تجرع كأس الفراق. ومنهم من سمي بالفساق. ومنهم من حمله هواه، على أذية من يهواه. ومنهم من عانده الزمن في مطلوبه، حتى شورك في محبوبه. ومنهم من عوقب بالفسق، ولم يشتهر بالعشق. ومنهم من حل عقد المحبة، وخالف سنن الأحبة. ومنهم من تمادى على نقض العهد، ومات على إخلاف الوعد. ومنهم من أشبه العشاق في محبته، وشاكلهم في مودته. ومنهم من أناح به فقتله، حتى أذهب عقله. ومنهم من جرع كأس الضنى، وصبر على مكابدة العناء. وبالجملة، فالعشق أطوار كثيرة، وللعشاق أحوال غزيرة، لا تنالها العبارة، ولا تحيط بها الإشارة، وقد عقد الفاضل الأديب الشيخ شهاب الدين أحمد بن أبي حجلة المغربي في "ديوان الصبابة"، والشيخ داود الأنطاكي المعروف بالأكمه في "تزيين
(1/29)

الأسواق بتفصيل أشواق العشاق" أبواباً لكل جملة من هذه الجمل المذكورة، وأتيا بعبائر أنيقة، وأشعار لطيفة، وحكايات رشيقة، هي من عيون الأغيار مستورة، أضربت عنها مخافة الإطالة، وذكرت من أطرافها ما تتم به فائدة هذه الرسالة، يؤخذ منها التراب لطلب الدواء، والتماس الشفاء، ومن رام التفصيل، فعليه بمطالعتها المصححة لداء أهل الأهواء. وأفضل المحبين من استشهد في سبيل الله، وبذل روحه رجاء لقاء الله، ونصوص الكتاب والسنة طافحة بفضائل الشهداء، معروفة عند العلماء بالله تعالى. وأما عشاق الجواري والكواعب، وما لهم من العجائب، فهم جمع جم لا يحصى كثرة، ولا يستصقى وفرة. وممن اشتهرت سيرته، وظهرت في الحب سريرته، واحتفل بذكرهم الشعراء في الأشعار، وروي لهم في الكتب صحاح الأخبار وحسان الآثار، فهم: عروة بن قيس، وجميل وصاحبته بثينة، وكثير وصاحبته عزة، وقيس وصاحبته لبنى، والمجنون وصاحبته ليلى، وعروة بن جزام وصاحبته عفراء، وعبد الله بن عجلان وصاحبته هند، وذو الرمة وصاحبته مي، ومالك وصاحبته جنوب، وعبد الله بن علقمة وصاحبته حبيش، ونصيب وصاحبته زينب، والمرقش وصاحبته أسماء، وعتبة بن الحباب وصاحبته ريا، والصمة وصاحبته ريا، وكعب وصاحبته ميلاء، وكم من عاشق جهل اسمه أو اسم محبوبه أو شيء من سيرته أو مآل حقيقته. ومنهم من منعه الزهد والعبادة، من أن
(1/30)

يقضي من محبوبه مراده. ومنهم من ساعده الزمان في المراد، حتى بلغه ما أراد. وذكر الأنطاكي ما سوى البشر، وما لقوا من العبر، وهو نوعان: أحدهما: الجنة، وما لقوا من المحنة، والثاني: من كلف وهو غير مكلف. وهذا الأخير خمسة أصناف: الثاني: الحيوان، وما وقع له من أمور العشق في اختلاف الأزمان، الثالث: ما جرى من القوة العاشقية والمعشوقية، بين الأنفس النباتية. الرابع: ما بث من الأسرار الملكية، بين الأجسام والأجرام الفلكية. ولكل واحد من تلك الأنواع تفصيل ذكره في "تزيين الأسواق" لا أطول بذكرها بطون الأوراق. وستأتي الإشارة إلى عشق ما سوى الإنسان في آخر هذا الكتاب. وحاصل القضية، وجود العشق والمحبة في كل جزء من أجزاء الكائنات، بتقدير العزيز العليم على قدر اللياقة، وزهاء الطاقة، والحسن منهما ما حسنه الشرع، والقبيح منهما ما قبحه الشرع، وبالله التوفيق.

مبحث في ذكر الغزلان
قال تعالى: (إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكاراً عربا أتراباً لأصحاب اليمين) [الواقعة: 35-38] . العرب: جمع عروب، وهي: المتحببة إلى زوجها، الحسنة
(1/31)

التبعل. قال المبرد: هي العاشقة لزوجها. وقال ابن عباس: عواشق لأزواجهن، وأزواجهن لهن عاشقون. أترابا: في سن واحد. وعنه: العروب: الملقة لزوجها. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "وحبب إلي من الدنيا الطيب والنساء". والحديث حجة على أنهما من أجل الآلاء، وألذ النعماء، حيث أحبهما أشرف النسم، وسيد العرب والعجم صلى الله عليه وآله وسلم. ولهما جلوة خاصة بالهند. أما الطيب، فقد أنزله الله مع آدم من الجنة بالهند. قال ابن عباس: قال علي كرم الله وجهه: أطيب ريح أرض الهند، هبط بها آدم فعلق شجرها من ريح الجنة. وعن عطاء: هبط آدم بأرض الهند ومعه أربعة أعواد من الجنة، وهي هذه التي يتطيب بها الناس. ولفظ السدي: نزل آدم بالهند، ونزل معه الحجر الأسود، وقبضة من ورق الجنة، فبثه في الهند، فنبت شجر الطيب. وفي الباب آثار جمة تفيد أن بالهند الروائح الطيبة. وأما النساء، فقد وضع لهن الأهاند فناً رائقاً، وبياناً فائقاً، وذلك أنهم استخرجوا للمعشوقات أقساماً باعتبار الجهات المتنوعة، والحيثيات المتلونة ونظموا لكل قسم أشعارا عجيبة، وأبدعوا في مضامين غريبة، فأوجدوها نزهة للأبصار، واخترعوها مسارح للأنظار، إن رآها الخلي تذوب طبيعته الجامدة، أو العاذل تشعل ناره الخامدة وقد يوجد شيء من أقسام النسوان من مستخرجات العرب، لكنهم ما بلغوه مبلغ الأهاند، ذكره
(1/32)

السيوطي في كتاب "الوشاح في فوائد النكاح". وقال: قال أبو الفرج الشلحي في كتاب "النساء الشواعر".
من النساء الكاعب، وهي الحديثة السن التي كعب ثديها، أي: ظهر، ومن طباعها الصدق في كل ما تسأل عنه، وقلة الكتمان لما علمته، وقلة التستر والحياء، وعدم المخافة من الرجال. ومنهن: الناهد، وتسمى المفلكة أيضا، وهي التي نهد ثديها وفلك، أي: استدار ولم يتكامل بعد شبابها فتستتر بعض الإستتار، وتظهر بعض محاسنها، وتحب أن يتأمل ذلك منها. ومنهن: المعصر، وهي: الممتلئة شبابا التي قد استكمل خلقها وعظم ثديها، فيحدث عنها دلال وأدب، وتحلو ألفاظها، ويعذب كلامها، متشتد غلمتها، ويقال فيها أيضاً: معصرة، قال الشاعر: معصرة أو قد دنا إعصارها=ينحل من غلمتها إزارها ومنهن: العانس، وهي: المتوسطة الشباب التي قد تهيأ ثدياها للانكسار، وتحسن مشيتها ومنطقها، وتبدي محاسنها بغنج ودلال، وأحب الأشياء إليها مفاكهة الرجال وملاعبتهم، وهي في هذه الحال قوية الشهوة ومستحكمتها.
ومنهن: المتناهية الشباب، ولاشيء أشهى منها للمباضعة، ويعجبها الطاولة في الإنزال. انتهى. والأهاند يذكرون العشق في تغزلا تهم من جانب المرأة بالنسبة
(1/33)

إلى الرجل خلاف العرب، وسببه في أن المرأة في دينهم لا تنكح إلا زوجا واحدا، فحظ عيشتها منوط بحياة الزوج، فإذا مات فالأولى في دينهم أن تحرق نفسها معه، فإنهم يحرقون موتاهم، والمرأة التي تعرض نفسها مع زوجها على النار يسمونها ستي، نسبة إلى ست (بفتح السين المهملة وتشديد الفوقانية) وهو العفاف، وياء النسبة عندهم ساكنة كأهل فارس، ولا استبعاد في إظهار العشق من جانب المرأة، أما ترى في القرآن العظيم غرام امرأة العزيز بيوسف عليه السلام؟. والعشق بين المرء والمرأة وضع إلهي، فتارة يكون من الطرفين، وتارة يكون من أحدهما وإذا لوحظ الوضع الإلهي فالمرأة معشوقة عاشقة، والرجل عاشق معشوق، وأهل الهند وافقوا العرب في التغزل بالنساء بخلاف الفرس والترك، فإن تغزلهم بالأمارد فقط، ولا ذكر من المرأة في أغزالهم، ولعمر المحبة إنهم لظالمون، حيث يضعون الشيء في غير موضعه، كما قال سبحانه وتعالى في قوم لوط: (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد) [هود:82، 38] . وقد عقد الأنطاكي في "تزيين الأسواق" الباب الثالث في ذكر العشاق الغلمان وأحوال من عدل إلى الذكور عن النسوان، وقال: إن أصل هذا نشأ في قوم لوط، زينه لهم الشيطان، فأخرجهم به إلى العدوان. وحكى بعضهم أن أصل ذلك من يأجوج ومأجوج، ونقله بعض المفسرين في قوله عز وجل: (إن يأجوج ومأجوج مفسدون في
(1/34)

الأرض) [الكهف:94] . فيجب على كل ذي نفس شريفة وهمة منيفة الزجر والردع عن هذه الفعلة الخبيثة التي ضجت الملائكة إلى الله تعالى منها، وحسم المادة الموصلة إلى ذلك كالنظر، فلذلك حرمه النووي مطلقا. وأخذ الخطيب عن أنس رضي الله عنه: لا تجالسوا أولاد الملوك، فإن الأنفس تشتاق إليهم ما لا تشتاق إلى الجواري العواتق. وحرض النخعي والثوري على عدم مجالستهم، والآثار في هذا المعنى كثيرة. ولله در من قال في المتصفين بهذا الشأن من هذا الزمن:
فإن لم تكونوا قوم لوط حقيقة ... فما قوم لوط منكم ببعيد
وإنهم في الخسف ينتظرونكم ... علة مورد من مهلكم وصديد
يقولون لا أهلا ولا مرحبا بكم ... ألم يتقدم ربكم بوعيد
فقالوا: بلى! لكنكم قد سننتم ... صراطا لنا في الفسق غير حميد
أتينا به الذكران من عشقنا بهم ... فأوردنا ذا العشق شر ورود
فأنتم بتضعيف العذاب أحق من ... متابعكم في ذاك غير رشيد
فقالوا: وأنتم رسلكم أنذرتكم ... بما قد لقيناه بصدق وعيد
فما لكم فضل علينا فكلنا ... نذوق عذاب الهون غير مزيد
كما كلنا قد ذاق لذة وصلهم ... ومجمعنا في النار غير بعيد
ثم نظم الأنطاكي شمل هذا الباب بما يتبعه من الأحكام منقسما في ثلاثة أقسام:
الأول: في من استلب الهوى والعشق نفسه، حتى أسلمه رمسه، وهو نوعان: الأول: فيمن عرف اسمه واشتهر في العشاق رسمه، كمحمد بن داود الفقيه الأصفهاني
(1/35)

وصاحبه محمد الصيدلاني، والقاضي شمس الدين محمد بن خلكان وصاحبه المظفري بن ملك حماة، وله معه حكاية غريبة، وأحمد بن كليب وصاحبه أسلم، ومدرك بن علي الشيباني وصاحبه عمرو بن يوحنا النصراني. والثاني: من جهل حاله، وكان إلى الموت في الحب مآله، وفيهم عشاق النصارى، منهم: سعيد الوراق وصاحبه عيسى النصراني، وابن الدوري، وكان مؤدبا بحمص عشق غلاما وكلف به. والقسم الثاني: من اشتهر في العشق حاله، لم يدر مآله، منهم كان تاجر يهوى غلاما، ومنهم شيخ كان ببغداد يهوى غلاما، ومنهم رجل بإفريقيا كان يهوى غلاما، وازدادت محبته له حتى استغرقه الحال. القسم الثالث: من ساعده الزمان في المراد حتى بلغه ما أراد، منهم رجل صوفي هوى غلاما جنديا ببغداد، ومنهم البحتري المشهور، وكان يهوى غلاما اسمه نسيم، ومنهم مؤدب هوى أخا جميلا لبدر الدين وزير اليمن ومنهم الشيخ مهذب الدين ابن منير الطرابلسي وكان شيعيا، هوى عبدا له كان جميلا. انتهى. والعرب في التغزل في الأمارد مقلدون للفرس والترك، والأصل فيهم التغزل في النساء، نعم! معنى التغزل التحدث بالنساء. وأما الأهاند، فلا يعرفون التغزل بالأمارد قطعا. ويقولون في لسانهم للزوج: النائك، وللزوجة: النائكة. ومن الاتفاقات العجيبة، معناهما صحيح بالعربية أيضا، فإن النيك بالعربية الجماع، ولكن خص المتأخرون منهم هذه
(1/36)

اللفظة بالفواحش في عرف هذا الزمان. فإن الجاحظ ذكر بعض حكماء الهند أنهم كانوا إذا ظهر فيهم العشق في رجل أو امرأة غدو على أهله بالتعزية.

مبحث في قسمة العشق مخاطباته
اعلم أنهم قسموا العشق على أربعة أوجه: بالسمع، وبالرؤيا، وبرؤية التصوير، وبرؤية الأصل. وعقد ابن أبي حجلة في "بستان السلطان" بابا في ذكر من عشق على السماع، وقال: إن العشق بالسمع لمشاكلة بينه وبين المحبوب، وتعارف سابق في عالم الذر، ويؤيده قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف". وعلى المشاكلة لا تجد اثنين يتحابان إلا وبينهما اتفاق في بعض الصفات، ولهذا اغتم بقراط حين وصف رجل من أهل البغض، إنه يحبك، فقال: ما أحبني إلا وقد وافقته في بعض أخلاقه. وما أحسن قول ديك الجن أو عبد المحسن بن محمد الصوري:
بأبي فم شهد الضمير له ... قبل المذاق بأنه عذب
كشهادتي لله خالصة ... قبل العيان بأنه رب
ومنه قول بشار:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
(1/37)

والعشق بالرؤية، مثل ما حكي عن زليخا، أنها رأت في المنام يوسف عليه السلام فهامت به. وفيه قال آزاد:
رأيته أولا في النوم جنح دجى ... فبات قلبي على العلات قد حفظه
لما وجدت عظيم الفوز في سنة ... علمت أن الكرى خيرا من اليقظة
والعشق بالتصوير كما قال فيه آزاد:
رأيته بذات الأثل تصوير فاتن ... وأرجو من الله المهيمن وصله
لقد ذاب قلبي المستهام بثقله ... فكيف يكون الحال إن أر أصله
والعشق برؤية الأصل لا يحتاج إلى التبيين والتمثيل. وأما المقولات في مخاطبات العشق فسبعة: مقولة المحب للمحبوبة، وبالعكس، ومقولة المحب للصاحبة وبالعكس، ومقولة الصاحبة للصاحبة، والتزموا فيها أن تكون إحداهما امرأة أو كلتاهما، والمناسب بهذا المقام أن أعرض أمثلتها على السماع الماثل، وأتصدق بجواهر ثمينة على المداد السائل، فمن مقولة المحب للمحبوبة قول الشريف الرضي:
يا ظبية البان ترعى في خمائله ... ليهنك اليوم إن القلب مرعاك
الماء عندك مبذول لشاربه ... وليس يرويك إلا مدمع الباكي
حكى لحاظك ما في الرئم من ملح ... يوم اللقاء وكان الفضل للحاكي
أنت السلو للقلب والغرام له ... فما أمرك في قلبي وأحلاك
سهم أصاب وراميه بذي سلم ... من بالعراق لقد أبعدت مرماك
(1/38)

وقول آزاد، وهو قصيدة وغالبها الأمثلة المطلوبة:
لقد طال أشجاني بطول مطالك ... فعطفا على المملوك يا ابنة مالك
أرى البدر في أوج الدلال لعله ... إلى الآن ما لاقى بديع جمالك
وكنت هلالا ثم أبدرت فانهضي ... لتكميل نقصاني بحق كمالك
وقول هذا العبد وهو قصيدة أيضا:
يا غادة فتنتني أين مغناك ... وحيث ما أنت عين الله ترعاك
أضنيتني ففؤادي بات محتضرا ... فهل تداوين مضني من محياك
إن الجمال ليوري في القلوب لظى ... أجلى الدلائل للعشاق مرآك
عساي إن مت من أيديك مت على ... شهادة وفؤادي بعد يهواك
أبعدت منك محبا ما جنى أبدا ... أدنيت من حرم الغاوين مثواك
إني عشقت وما عشقي بمبتدع ... الإنس والجن والأملاك تهواك
جودي بحقي من عينيك لي نظرا ... ألست صبا قديما من نداماك
وعاضديني بتقبيل اللمى كرما ... فما ألذك تقبيلا وأهناك
القصيدة بتمامها. ومن مقولة المحبوبة للمحب، قول الأرجاني:
لما طرقت الحي قالت دونهم ... لا أنت إن علم الغيور ولا أنا
وقول أزاد:
قالت أتفضحني بحبك فانتبه ... أخشى أبي وأخي وكل النادي
فسترت ناظرتي بجفن مانع ... وعجزت عن تدبير منع فؤادي
(1/39)

ومن مقولة المحب للصاحبة، قول ابن الفارض:
يا أخت سعد من حبيبي جئتني ... برسالة أديتها بتلطفي
فسمعت ما لم تسمعي ونظرت ما ... لم تنظري وعرفت ما لم تعرفي
وقول أزاد:
أجارة نوحة الورقاء تشجيني ... هل تقدرين على شيء يسليني
ومن مقولة الصاحبة للمحب، قول محمد بن عمران الكاتب المرزباني الخراساني:
تقول نساء الحي تطمع أن ترى ... محاسن ليلى مت بداء المطامع
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها ... سواها وما طهرتها بالمدامع
ومن مقولة الصاحبة للمحبوبة، قول علي بن محمد التهامي:
قد بحت وجدا فلامتني فقلن لها ... لا تعذليه فلم يلم ولم يلم
لما صفا قلبه شفت سرائره ... والشيء في كل صاف غير منكتم
ومن مقولة المحبوبة للصاحبة، قول السيد طفيل محمد البلكرامي:
بمهجتي غادة قالت لجارتها ... شخص أراه خليعا فارغ البال
يحوم كل أوان حول مشربتي ... إني لأقتله في أسرع الحال
(1/40)

ومن مقولة الصاحبة للصاحبة قول أزاد:
قالت فتاة يا نساء دويرنا ... جليت سليمى نخبة الخفرات
فأتين تمشي إلى محل جلوسها ... اليوم يوم الحظ للنظرات

مبحث في أقسام النسوان وجلوة عدة من سرب الغزلان
وقد سمى آزاد كل قسم رائع، وعرفه بتعريف جامع مانع، وأثبت أمثلة تقر بها عيون الأدباء وأقوالا تهتز بها قرائح الظرفاء، والأمثلة التي نسبها إلى نفسه أكثر معانيها من مخترعاته، وقليل منها من أشعار الأهاند، ومن قدرة الله تعالى سبحانه أن الحلاوة التي للأذواق من الأشعار المشتملة على أقسام النسوان في لسان الهند لا تحصل في لسان العرب، وما منشأه إلا خصوصية اللسان، وظاهر أن نقل الخصوصية عن لسان إلى خارج عن الطاقة البشرية، إنما الطاقة بيان القواعد العلمية. فمن تقاسيمهم، تقسيم باعتبار الصلاح والطلاح، فالمرأة على قسمين: صالحة وطالحة. أما الصالحة، فهي التي لا تلتفت إلا إلى زوجها، ومن لوازمها، الحياء، واسترضاء الزوج. وروي عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، إن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسه وماله". وفي الباب أخبار وآثار أخر كثيرة، يعرفها
(1/41)

من يعرف فن الحديث. وكانت الرباب بنت امرئ القيس تحت الحسين سبط النبي (صلى الله عليه وسلمفلما استشهد خطبها الأشراف من قريش، فأبت، وقالت: والله لا يكونن لي حمو آخر بعد رسول الله صلى عليه وآله وسلم. وعاشت بعد الحسين رضي الله تعالى عنه سنة لم يظلها سقف شغلي أن ماتت حزنا وكمدا رحمها الله تعالى.
ومن أمثلتها في الشعر قول الأعشى:
لم تمش ميلا ولم تركب على جمل ... ولم تر الشمس إلا دونها الكلل
وقول آزاد:
بي ظبية دهشت من ظلها أبدا ... كأنها اجتمعت بالليث في الأجم
وأما الطالحة، فهي التي تكون عارية عن حلية الصلاح، وهي على قسمين: بيتية وسوقية. فالبيتية: هي التي تكون مشغولة بغير زوجها، ولم يكن الفسق لها حرفة. والسوقية: هي التي يكون الفسق لها حرفة، ويكون مدار معاشرتها على كسب المال، كالرقاصات والبساطات. ثم البيتية على ثلاثة أقسام: إحداهن: المختفية، هي التي لا يعلم فسقها أحد، كقول آزاد:
سحقا لفاجرة تلوح عفيفة ... وهي التي تضحي وقود جهنم
فسق خفي في عفاف ظاهر ... يحكي نحاسا كامنا في الدرهم
وثانيتهن: المتسترة، وهي التي تخفي فسقها، لكنه ظهر قليلا
(1/42)

بالأمارات، وهي الوسطى بين المختفية والمعلنة، كقول ولادة:
ترقب إذا جن الظلام زيارتي ... فإني رأيت الليل أكتم للسر
وبي منك ما لو كان بالبدر لم ينر ... وبالليل لم يظلم وبالنجم لم يسر
وقول زين الدين بن عبيد الله:
يا عاذلا قد لجاني في محبتها ... إليك عني فإني لست أتركها
وليس يعجبني إلا تعففها ... مع الورى ومعي وحدي تهتكها
تسترها ظاهر، وظهور فسقها قليل، يفهم من عذل العاذل. وقول آزاد:
تخفي تعلقها بمن ولهت به ... وفؤادها عند المحب حبيس
وتدور مقلتها فتثبت نحوه ... وإلى الجندي يقيم مغناطيس
ومن بدائع قدرته تعالى أن المغناطيس يجذب المغناطيس إن كانت القطعتان منه متساويتين، تجذب كل واحدة منهما الأخرى، وإن كانت متخالفتين تجذب الكبيرة الصغيرة، وأبدع من هذا يجذب الحديد، وأبدع من الأمرين أن طبيعته مائلة إلى الجدي، وهو كوكب قريب من القطب، فانظر إلى من جلت قدرته كيف صنع المعاملة بينهما، فإن الجدي علوي والمغناطيس سفلي، ذلك جرم
(1/43)

نوراني وهذا جسم ظلماني، وبينهما فاصلة من الغبراء إلى السماء، فلا ندري أي نسبة خلقها الله تعالى بينهما منشأ للسيلان ومصدرا للهيمان، مع وجود عدم المناسبة بينهما في الظاهر، ومن ههنا يظهر أن واحدا منا إن عشق ذا شكل قبيح، فهو معذور، ينبغي ألا يلومه لائم لأن الله تعالى خلق بينهما نسبة خفية هي علة للمحبة، والعقل قاصر عن إدراكها، ومن ثم قال بعض الحكماء: الحسن مغناطيس روحاني لا يعلل جذبه للعقول بعلة سوى الخاصة. وما أحسن ما قال الزاهي البغدادي:
وكم أبصرت من حسن ولكن ... عليك لشقوتي وقع اختياري
ذكره أزاد: ثالثتهن: المعلنة، هي التي تعلن فسقها، كقول بعضهم:
وددتك لما كان ودك خالصا ... وأعرضت لما صرت نهبا مقسما
ولن يلبث الحوض العتيق بناؤه ... إذا كثر الوراد أن يتهدما
وقول الصاحب عطا ملك في امرأة اسمها شجر موريا:
يا حبذا شجر وطيب نسيمها ... لو أنها تسقى بماء واحد
وقول ابن الخازن في مليح:
تسل يا قلب عن سمح بمهجته ... مبذل كل من يلقاه يعرفه
كالماء أي صد وافاه ينهله ... والغصن أي نسيم هب يعطفه
وقول العباس بن الأحنف:
كتبت تلوم وتستريث زيارتي ... وتقول لست لعهدنا بالعاهد
(1/44)

فأجبتها ومدامعي منهلة ... تجري على الخدين غير جوامد
يا قوم لم أهجركم لملالة ... حدثت ولا لمقال واش حاسد
لكنني جربتكم فوجدتكم ... لا تصبرون على طعام واحد
والسوقية: لها قسم واحد، وقد سبق أن مدارها على كسب المال بالفستق، فلا بد أن يكون في وصفها إشارة إلى كسب المال. ومن أمثلتها ما حكي أن بعض البخلاء كتب إلى امرأة حسناء: ابعثي إلي خيالك في المنام، فكتبت إليه: ابعث إلي دينارا آتك بنفسي في اليقظة. وقول من قال:
وخود دعتني إلى وصلها ... وعصر الشبيبة مني ذهب
فقلت مشيبي لا ينطلي ... فقالت بلى ينطلي بالذهب
وقول أزاد، وهو من شعر هندي:
أصرت على الأمر الشنيع خليعة ... وما هي عن نهج الشناعة تنثني
تدور لكسب المال بين أولي الخنا ... لقد أصبحت مرآة كف المزين

مبحث في التقسيم باعتبار السن
والتي لم يظهر فيها أثر الشباب أصلا، والشائبة الآيسة، خارجتان عن المبحث، لأنهما ليستا قابلتين للمعاشرة. قالوا: المرأة على ثلاثة أقسام: الأولى: الصغيرة: هي التي يظهر فيها أثر الشباب. والكاعب: التي نقلها السيوطي عن أبي الفرج هذه، وهي على قسمين: إحداهما:
(1/45)

الغافلة: هي التي يظهر فيها أثر الشباب، لكن لا تعرفه ولا تدري ما العشق، كقول أبي نواس:
وفتانة تزهو بعين مريضة ... فتقتل من ترنو إليه لا تدري
وقول المتنبي
إن التي سفكت دمي بجفونها ... لم يدر أن دمي الذي تتقلد
وقول أزاد
سلمت مكوى الفؤاد لكفها ... حسبته نور شقائق النعمان
وللغافلة أقسام، منهم: المترقية: في الحسن. كقول بعضهم:
قل للعذول أطلت اللوم في قمر ... يزيد في كل آن حسنه نورا
وقول أزاد:
بي غادة أنحلتني في مودتها ... وحسن طلعتها يزداد متصلا
سعى المصور في تصوير حليتها ... فما انقضت ساعة إلا وقد خجلا
ومنهن الغير المتزينة، كقول أزاد:
أتت أميمة بالحناء جارتها ... فأصبحت من هجوم الغيظ في الضرم
قالت: أرى ورق الحناء فيه دم ... فما ألوث كفا طاهرا بدم
وقوله:
تنفر عن تزيينها غادة النقا ... وتزعم أن الحلى ما فيه طائل
(1/46)

تخيلت الحناء لما أتوا به ... دويهية تصفر منها الأنامل
ومنهن: النافرة عن الجماع، كقول المتنبي:
بيضاء تطمع في ما تحت حلتها ... وعز ذلك مطلوبا إذا طلبا
كأنها الشمس يعي كف قابضه ... شعاعها ويراه الطرف مقتربا
وقوله:
لجينة أو غادة رفع السجف ... لوحشية لا ما لوحشية شنف
نفور عرتها نفرة فتجاذبت ... سوالفها والحلي والخصر والردف
قال الو احدي في شرح البيت الأول: أراد ألجينة فحذف همزة الاستفهام، والعرب إذا بالغت في مدح شيء جعلته من الجن، والغادة مثل الغيداء، والسجف: جانب الستر إذا كان بنصفين، وقوله: لوحشية، يجوز أن يكون استفهاما كالأول، ويجوز أن يكون جوابا لنفسه، كأنه قال: ليس لجنية أو غادة بل هو لوحشية، أي لظبية وحشية، ثم رجع منكرا على نفسه فقال: لا، ما لوحشية شنف، يعني: إن السجف الذي رفع إنما رفع لإنسية، لأن عليها شنوفا، والوحشية لا شنف عليها. ومعنى البيت الثاني: هي نفور، أي: نافرة طبعاً، وعرتها، أي: أصابتها نفرة حادثة من رؤية الرجال إياها فاجتمعت نفرتان، فتنفرت غاية التنفر، ولوت عنقها، وطوت خصرها، فعاق الحلي لثقله العنق، فمنعه عن الالتواء، وعاق الردف لعظمه الخصر، ومنعه عن الانطواء، فحصل التجاذب بينهما، والسوالف جمع سالفة، وهي: صفحة العنق. وقول قائل:
(1/47)

صدور فوقهن حقاق عاج ... ودر زانه حسن اتساق
يقول الناظرون إذا رأوه ... أهذا الحلي من هذي الحقاق
نواهد لا يعد لهن عيب ... سوى منع الحبيب من العناق
وثانيتهما: الخبيرة، هي: التي يظهر فيها أثر الشباب، وتعرفه، وسماه أبو الفرج محمد بن محمد الشلحي: الناهد والمفكلة، كقول آزاد:
نهدت فينظر في الثدي لحظها ... هذا مريض في السفرجل راغب
وقوله:
نظرت إلى الثديين ناهدة الحمى ... وعدت بحسنهما قرير العين
قالت: إلهي! أنت زدت محاسني ... وهديتني كرماً إلى النجدين
والثانية المتوسطة: وهي: التي تبلغ الشباب ويظهر فيها العشق، لكنها تكتمه حياء، ويكون العشق والحياء فيها متساويين، وهي المعصرة التي نقلها السيوطي، لاجتماع الدلال والأدب فيها، وهذه المرتبة تحدث في وسط العشرة الثانية من العمر، كقول ليلى العامرية في قيسها:
لم يكن المجنون في حالة ... إلا وقد كنت كما كان
لكنه باح بسر الهوى ... وإنني قد ذبت كتمانا
وقول آزاد في شعرهن:
يدعو سعاد إلى الوصال غرامها ... وحياؤها المناع نحو البين
هي ألقيت بين التحفز والهوى ... رفقاً بموثقة بسلسلتين
الثالثة: الكبيرة، وهي: الشابة التي تتجاوز عن حد المتوسطة،
(1/48)

ويغلب عشقها الحياء، وهي العانس التي تقدمت عن السيوطي، كقوله تعالى: (ووردته التي هو في بيتها عن نفسه، وغلقت الأبواب وقالت هيت لك) [يوسف: 23] . وقول القيرواني:
كم ليلة بت من كأسي وريقتها ... نشوان أمزج سلسالاً بسلسال
تبيت لا تحتمي عني مراشفها ... كأنما ثغرها ثغر بلا والي
وقول آخر:
وسألتها بإشارة عن حالها ... وعلى فيها للوشاة عيون
فتنفست كمدا وقالت ما الهوى ... إلا لهوان وزال عنه النون
وقال آزاد:
باتت سعاد مع المحب ولم يكن ... لهما سوى شمع المبيت شريك
حتى إذا سمعت صياح الديك قا ... لت: ما غراب البين إلا الديك
وقوله أيضاً:
لقد لقيت مهاة الجزع ليلاً ... متيمها وباتت في ارتياح
ولما لاح ضوء المصباح حالت ... طبيعتها كمصباح الصباح
ولهم تقسيم مقسمة: الشاكية، هي التي يبيت محبها مع امرأة أخرى فتتفرس بالعلامات وتشكو إليه، وهي على قسمين: إحداهما الرامزة، هي التي تظهر الشاكية برمز، وهي على نوعين أولاهما:
(1/49)

الرامزة قولاً، كقول آزاد من شهر هندي على لسانها:
أتيتني في لباس فاخر سحراً ... والحمد لله جاءتني بك المقة
ما كنت أعلم إلا الطرف مكتحلاً ... واليوم أعلمتني أن تكحل الشفة
تقول له إشارة: إنك بت مع امرأة أخرى وقبلت عينيها، وأثر كحلها لائح على شفتيك، ولما كانت مثل هذه الإيماآت شائع مستعملة في أدباء الهند، يفهمونها بمجرد الوصول إلى المسامع، وإن كان الإيماء فكرا مبتكرا. وقوله أيضاً على لسانها:
أتيت مباحاً في نشاط طبيعة ... وملت إلى إيفاء عهد مؤسس
لبست وشاحاً أين يوجد مثله ... فصيرته جزءاً لجسم مقدس
تخاطبه إشارة: إنك ضممت امرأة وانتقش صدرك بقلائدك. ومبني على هذا قوله على لسانها:
وجدتك سيدي بين البرايا ... إماماً بارعاً ورعاً نبيها
أتيت بخارق عجب صباحاً ... لبست قلادة لا خيط فيها
وأخراهما: الرامزة فعلاً، كقول آزاد، وهو من شعر هندي:
لقد سقته فتاة خمر ريقتها ... كلاهما في رغيد العيش قد باتا
وجاء صبحاً إلى مثوى حليلته ... فسلمت ليد المخمور مرآتا
وثانيتهما: المصرحة، وهي: التي تظهر الشكاية صراحة، كقول آزاد على لسانها:
أتيت إذا لاح الصباح مبيتنا ... وصاحبت طول الليل بعض الخرائد
(1/50)

بنا أنت قد زادتك في الصدر زينة ... قلائد لاحت من نقوش القلائد
وقوله على لسانها أيضاً من شعر هندي:
ما لاح في شفتيك كحل رائق ... إني أبينه بحسن بيان
ختمت على شفتيك ذات تدلل ... كيلا تكلمني على الأحيان
واعلم أنك إذا ضربت قسمي الشاكية في أقسام التقسيمين السابقين يحصل منه أقسام أخر، وكذلك الأقسام الآتية يتفرغ بضربها أقسام كثيرة، ولا يساعدني الدماغ حتى أفصل كلها وأذكر أمثلتها، ومن الأقسام المشكلة بينهن: الغافلة الرامزة، لأنها عديمة الشعور، فكيف تصدر منا الشكاية بالرمز؟ والتوجيه: إن قوله صالح لأن يكون شكاية لو صدر من العاقلة، كقول آزاد وهو من شعر هندي:
رأت المهاة العامرية صدره ... بالظفر مكلوماً فقالت مرحبا
هذا هلال تبتغيه طبيعتي ... روحي فداؤك أعطنيه لاعبا
تعني: إن الزوج بات مع امرأة أخرى، وهذه جرحت صدره بالظفر في حالة التدلل والامتناع، فلما جاء إلى الغافلة، وهي لم تدر أن في الصدر جرح الظفر، بل حسبته هلالاً لصغر سنها، طلبته من الزوج لأجل اللعب. ولهم تقسيم مقسمة: المضطربة، هي التي تجيء إلى المحب في كمال الشوق، كقول بعضهم:
(1/51)

بلا موعد زارت وقالت سحرتني ... فوسوس حليي والكرى قد جفا جفني
وقبل حجلي أخمصي واستمالني ... وشاحي وبات القرط يدوي على أذني
وقول جرير:
طرقتك صائدة الفؤاد وليس ذا ... وقت الزيارة فارجعي بسلام
وقال أزاد معتذرا عن جرير:
يأتي على من هام وقت لا يكو ... ن له إلى الحسناء فيه ركون
طرقته صائدة الفؤاد فردها ... لا تعذلوه وللجنون فنون
ثم المضطربة على قسمين: الأولى: المنهرة: وهي التي تجيء في النهار إلى المحب، من أنهر، إذا دخل في النهار، كقول بعضهم:
وعدت أن تزور ليلا فألوت ... وأتت في النهار تسحب ذيلا
قلت هلا صدقت في الوعد قالت ... كيف صدقي وهل ترى الشمس ليلا
وقول بعضهم:
وفتاة قد أقبلت تتهادى ... بين حور كواعب كالشموس
قلت للهندسي لما تبدت ... مثل هذي يكون شكل لعروس
تشبيه الكواعب بالشموس قرينة على أن الفتاة الزائرة منهرة.
وقول أزاد:
(1/52)

قدمت مهاة في الصباح عناية ... والصب من خمر الكرى سكران
لما رأتني نائما قالت ألا ... طلعت ذكاء فهب يانومان
والثانية: الطارقة، وهي التي تجيء في الليل إلى المحب، من الطروق، وهو الإتيان في الليل، ولها قسمان: الأولى: الطارقة في الليل المظلم، كقول محمد بن عبد الله النميري في زينب أخت الحجاج بن يوسف الثقفي:
تضوع مسكا بطن نعمان إذ مشت ... به زينب في نسوة خفرات
له أرج من مجمر الهند ساطع ... تطلع رياه من الكفرات
وقول أبو البدر الطيب الغزي العامري:
ألا طرقتنا قبل منبلج الفجر ... معطرة الأردان طيبة النشر
وجاءت كما شاء المنى في مطارف ... من الحسن أدناها أدق من السحر
فعاطيتها صفراء بكرا كأنها ... إذا جليت في كأسها الشمس في البدر
(1/53)

ومازجتها ضماً فرحنا كأننا ... خليطان من ماء الغمامة والخمر
إلى أن نضى كف الصباح حسامه ... وأسفر داجي الأفق عن فلق الفجر
فيا ليلة ما كان أزهر حسنها ... لقد أذكرتني موهنا ليلق القدر
وقد تقرر أن الليل مظلم ما لم يشتمل القول على ما يشعر به بكونه مقمراً، والأهاند اصطلحوا بينهم على أن موسم السحاب عدو للمرأة النائية عن محبها، كلما يمطرُ يمطر عليها ناراً ويحرقها ليلاً ونهاراً، وأسس الأهاند على هذا الاصطلاح معاني نادرة ومضامين باهرة.
وقول أزاد:
ولقد أتتني ليلة فحسبتها ... ماء الحياة يسيل في الظلماء
قالت تبسم إذ أردت تعانقا ... أنت اللهيب فتنطفي بالماء
والثانية: الطارقة في الليل المقمر، وفي حديث ابن ماجه، عن ابن عباس، أن رجلا ظاهر من امرأته، فغشيها قبل أن تكفر، فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فذكر له، فقال: "ما حملك على ذلك؟ " قال: يا رسول الله! رأيت بياض حجليها في القمر، فلم أملك نفسي أن وقعت عليها. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن لا يقربه حتى يكفر. وليس في الحديث ذكر الطروق،
(1/54)

لكن إنما ذكر ههنا لمناسبة ما. ومن أمثلة الباب قول الشيخ بدر الدين الدماميني:
في ليلة البدر أتت ... ليلى فقرت مقلتي
قالت ألا يا بدر نم ... فقلت هذي ليلتي
ولهم تقسيم مقسمه: الفاطنة: هي التي تعمل نوعا من الفطانة في معاملاتها بالنسبة إلى محبها، وهي على نوعين: الفاطنة قولا: كما في حديث عائشة رضي الله عنها، قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى" فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال:"إذا كنت عني راضية، فإنك تقولين: لا ورب محمد صلى الله عليه وسلموا إذا كنت علي غضبى قلت: لا ورب إبراهيم". قالت: قلت: أجل، والله يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك. وفي الحديث فطانة الطرفين. وقال رجل لامرأة: أنت بستان الدنيا، فقالت: وأنت النهر الذي يشرب منه ذلك البستان. وقول بعضهم في المحبوب:
بليت به فقيها ذا دلال ... يناظر بالجدال وبالدلال
طلبت وصاله والوصل حلو ... فقال نهى النبي عن الوصال
(1/55)

وقول محمد مؤمن الشيزاري مضمنا:
رأيت غانية كالشمس كاسفها ... عبد علا فلك التدوير من كفل
فلمتها فأجابتني بلا مهل ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
وللأهاند نوع من كلام على لسان الفاطنة القولية، يسمونه: مكري، وهو أن تأتي الفاطنة في كلامها بأوصاف تكون مشتركة بين محبها وبين شيء آخر، وهو ضرب من التأويل القولي الذي مر في كتابي: "غصن البان المورق بمحسنات البيان". وفيه قول أزاد:
وقالت غادة الجرعاء يوما ... متى أحظى بمعشوق الفؤاد
يحركه الهوى آنا فآنا ... ومسكنه المعين في البوادي
فقالت جارة تبغين صبا ... حزينا بات في أقصى البلاد
أجابت: إن بعض الظن إثم ... ألا رطب لآكله مرادي
والفاطنة فعلا: كقوله تعالى:) فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا وأتت كل واحدة منهن سكينا وقالت
(1/56)

اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم) [يوسف:31] .
وقول المتنبي:
حاولن تفديتي وخفن مراقبا ... فوضعن أيديهن فوق ترائبا
وقول ابن الدمينة:
تمارضت كي أشجى وما بك علة ... تريدين قتلي قد ظفرت بذلك
وقول الشيخ برهان الدين بن عبد الله القيراطي:
كم سلام بالطرف منها علينا ... كصلاة العليل بالإيماء
وقول أزاد:
أتت ووشاة الحي يمشون حولها ... فأومت علينا بالعيون ومرت
ولهم تقسيم مقسمة: المستكبرة. وهي على قسمين: الأولى: المستكبرة بحسنها، كقول بعضهم:
وأهيف ظل بالمرآة مغرى ... بواظب رؤية الوجه المليح
وقال طلبت معشوقا مليحا ... فلما لم أجده عشقت روحي
(1/57)

والثانية: المستكبرة بمودة المحب، كقول امرئ القيس في معلقته:
أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل
وقول أبي القاسم أحمد بن طباطبا:
قالت لطيف خيال زارني ومضى ... بالله صفه ولا تنقص ولا تزد
فقال أبصرته لو مات من ظمإ ... وقلت قف لا ترد للماء لم يرد
قالت صدقت وفاء الحب عادته=يا برد ذاك الذي قالت على كبدي وذكروا أقساما متفرقة للمرأة، منهن: الحاصرة: هي التي تمنع محبها عن السفر، مشتق من الحصر، وهو الحبس عن السفر، كقول أبي النواس، وهو مخلص قصيدة في الخصيب صاحب الخراج بمصر:
تقول التي من بيتها خف محملي ... عزيز عليك أن نراك تسير
أما دون مصر للغنى متطلب ... بلى، إن أيباب الغنى لكثير
فقلت لها واستعجلتها بوادر ... جرت، فجرى من جريهن عبير
ذريني أكثر حاسديك برحلة ... إلى بلد فيه الخصيب أمير
وقول أزاد: لقد أتيت سليمي كي أودعها=فأخرجت عن فؤاد خافق نفسا
(1/58)

وعانقتني وقالت لا تسر كرما=سمعت خلف جداري عاطسا عطسا والأهاند يتطيرون بالعطاس في جميع الأمور إذا عطس العاطس مرة، ويتفاءلون به إذا عطس مرتين، والفرس يتفاءلون بالغراب كالأهاند في تبشيره بوصال الأحباء، وفيه بيت لنظيري النيسابوري، وهو من فحول شعراء الفرس، وديوان شعره مشهور، واتفق العرب والفرس والأهاند على التفاؤل باختلاجة العين في الوصال. ومنهن: المترجية، هي التي ترجى قدوم المحب الغائب، وتشتغل بالتهيأ، كتزيين نفسها وتزيين البيت. كقول أزاد ممن شعر هندي:
لقد نحلت في يوم راح حبيبها ... إلى أن هوى من ساعديها نضارها
ولما أتاها مخبرا عن قدومه ... على الساعد الملآن ضاق سوارها
(1/59)

ومنهن: المهجورة، كقول أزاد على لسانها:
سحقا لغادية بالغيث تحرقني ... من أين ماء قراح حصل الحرقا
فعل السحائب إرسال الحيا كرما ... فما لهذي الغوادي تمطر البرقا
قد سبق أن موسم السحاب عدو للمرأة النائية عن محبها. وقوله:
تركت فتية رامتين حليها ... وتفيض دمعا قانيا هطالا
قالت متى راح الحبيب أرى الحلي ... دهما على الأغصان أو أغلالا
ومنهن: النادمة، هي التي تصد عن الحبيب، ثم ترجع عن الصدود، كقول الصفي الحلي:
أصفتك من بعد الصدود مودة ... وكذا الدواء يكون بعد الداء
أبكي وأشكو ما لقيت فتلتهي ... عن در ألفاظي بدر بكائي
وقول أزاد:
أسعاد زرت العاشقين تفضلا ... كيف أطلعت على جوى الغرباء
وجبر نقصان الصدود بنظرة ... ما أحسن الحسنى من الحسناء
ومنهن: المغترة، هي التي ترسل السفيرة إلى المحب فيجامعها، ثم ترجع، فتعرف المرسلة ما جرى بينهما بالعلامات، كتمزق القميص، وانفصام القلادة، وانتشار النشور، وغيرها، وتعاتبها. ووجه التسمية ظاهرة، وهو انخداعها بالسفيرة، كقول أزاد على لسانها تخاطب سفيرتها:
(1/60)

يا جارة ذهبت مني إلى رجل ... أخذت حظك من عند الذي ظلما
فصمت حبل التقى والأمر متضح ... أرى على صدرك التقصار منفصما
وقوله:
سفيرة سلمى بالحبيب تمنعت ... أليس على هذا براهين قاطعه
فمن عرق مبلولة الجيب هذه ... ومن تعب أنفاسها متتابعة

فصل في أقسام الغزلان التي هي من مستخرجات أزاد رحمه الله تعالى
الزائرة في الرؤيا: وهذا القسم كثير الوقوع في كلام العرب، مبارك الورد في رياض الأدب والشعراء أبدعوا فيه معاني تطرب الأرواح، وترقص الأشباح، كقول المعري:
سألت كم بين العقيق إلى الحمى ... فعجبت من بعد المدى المتطاول
وعذرت طيفك في المزار لأنه ... يسري فيمسي دوننا بمراحل
(1/61)

وقول علي بن الحسن الباخرزي، وفيه من المحسنات المعارضة:
عاتبت طيف الذي أهوى وقالت له ... كيف اهتديت وجنح الليل مسدول
فقال: آنست نارا من جوانحكم ... يضيء منها لدى السارين قنديل
فقلت: نار الجوى معنى وليس لها ... نور يضيء فماذا القول مقبول
فقال: نسبتنا في الأمر واحدة ... أنا الخيال ونار الشوق تخييل
النافرة عن الشيب: نفرة المعشوقة عن شيب العاشق موجودة في أشعار الأهاند، لكنهم ما جعلوا هذه النافرة قسما على حدة فأفرزها أزاد، وهي في كلام العرب كثيرة الوقوع، كقول بعضهم:
والشيب أعظم جرما عند غانية ... من ابن ملجم عند الفاطميينا
وقول الغزي:
لا تطمعن بوصل خود أبصرت ... سيف المشيب على الشباب مجردا
عذر الكواعب أنهن كواكب ... لا يجتمعن مع الصباح إذا بدا
العائدة: هي التي تعود محبها المريض مرحمة، كقول أزاد:
عادت فتاة النقا إياي مرحمة ... وكنت من كثرة الأمراض في ضيق
(1/62)

فذقت ماء عقيق كان ينفعني ... من كل داء عضال بي على الريق
وقول الآخر:
تجمعن من شتى ثلاثا وأربعا ... وواحدة حتى كملن ثمانية
يعدن مريضا هن هيجن داءه=ألا إنما بعض العوائد دائيا الغيري: هي التي تغار على المحب لاتخاذه الضرة، وما أظرف ما حكي أن بعض العرفاء سمع امرأة تقول لزوجها: إن ضربتني أو تركتني جائعة أو عطشة أو عارية كلها أقبل، ولا أقبل الضرة. فعرضت للعارف حالة، وتلا قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء: 48 و 116] . وقول أزاد:
لما رأت ظبية الوعساء ضرتها ... غدت تنازعها غيظا وتوجعها
قالت لها: لقمة هيأتها لفمي ... أيقبل الطبع أن الغير يبلعها
الخائفة من الوشاة: كقول أبي مسعود المظفر بن إبراهيم الجرجاني:
دنوت إليها مستجيزا لعطفها ... وما خلت أني شائم برق خلب
فلم يبدو غير إيماء أصبع ... وإيماء لحظ خيفة المترقب
فآيسني من وصلها رجع طرفها ... وأطمعني لي البنان المخضب
وقول أزاد:
هي ودعتني والعواذل حولها ... ببنانها المخضوب لا بلسانها
فوجدت أي والله رقية نافث ... وبيان قس في رؤوس بنانها
(1/63)

المصغية للوشاة: كقول بعضهم:
لقد نبت القضيب على كثيب ... فأينع بالمساء وبالصباح
ومالت للوشاة ولا عجيب ... لغصن أن يميل مع الرياح
وقول آزاد:
لله فاتنة شغلت بحبها ... سلكت طريقة ظالم متعسف
كذب الوشاة علي واتفقوا على ... إغضابها فتشنفت بالزخرف
المخلفة للوعد: وتدخل فيها الناقضة للعهد، لأنها مخلفة للوعد، كقول أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه:
(1/64)

دع ذكرهن فما لهن وفاء ... ريح الصبا وعهودهن سواء
يكسرن قلبك ثم لا يجبرنه ... وقلوبهن من الوفاء خلاء
وقول كثير عزة: قضى كل ذي دين فوفى غريمه=وعزة ممطول معنى غريمها قيل: قالت أم البنين أخت عمر بن عبد العزيز لعزة: ما ذاك الدين؟ قالت: وعدته قبلة فأخلفت، قالت أم البنين: أنجزيها وعلي إثمها!. وقوله:
وكنا عقدنا عقدة الوصل بيننا ... فلما تواثقنا شددت وحلت
وكنا سلكنا في صعود من الهوى ... فلما توافينا ثنت وزلت
وكانت بقطع الحبل بيني وبينها ... كناذرة نذرا فأوفت وبرت
وقول الشيخ يحيى الخباز الحموي في الاعتذار عن مخلفة الوعد مورياً ومضمناً مصراع المعري:
(1/65)

لأن وعدت بالوصل سلمى وأخلفت ... فسلها عسى العذر المبين يقوم
ولا تبدها باللوم قبل سؤاله ... لعل لها عذراً وأنت تلوم
المودعة: كقول الراضي بالله محمد بن جعفر:
قالوا الرحيل فأنشبت أظفارها ... في خدها وقد اعتلقن خضابا
فكأنها بأنامل من فضة ... غرست بأرض بنفسج عنابا
وقول ابن الوردي:
ودعتني يوم الفراق وقالت ... وهي تبكي من لوعة الافتراق
ما الذي أنت صانع بعد بعدي ... قلت قولي هذا لمن هو باق
وقول شاعر:
قامت تودعني والدمع يغلبها ... فجمجمت بعض ما قالت ولم تبن
مالت إلي وضمتني لترشفني ... كما يميل نسيم الريح بالغصن
وأعرضت ثم قالت وهي باكية ... يا ليت معرفتي إياك لم تكن
وقول شاعر:
ألمت فحيت ثم قامت فودعت ... فلما تولت كادت النفس تزهق
وكان أستاذي الشيخ صدر الدين الدهلوي يتمثل بهذا البيت كثيراً، وأول ما قرع سمعي هذا البيت من لسانه، ثم وجدته في ديوان الحماسة.
الأعرابية: هي التي تنشأ وتتربى في البدو، كقول المتنبي:
(1/66)

هام الفؤاد بأعرابية سكنت ... بيتاً من القلب لم تمدد له طنبا
مظلومة القد في تشبيهه غصناً ... مظلومة الريق في تشبيهه ضربا
وقول عمر بن محمد السراج الوراق مورياً:
وبي من البدو كحلاء العيون غدت ... في قومها كمهاة بين آساد
فلو بدت لحسان الحضر قمن لها ... على الرؤوس وقلن الفضل للبادي
المرسلة: بكسر السين المهملة، هي التي ترسل الكتاب أو الرسالة إلى المحب، كقول بعضهم:
ولقد كتبت إليك لما جد بي ... وجدي عليك وزادت الأشواق
وشكوت ما ألقاه من ألم النوى ... فبكى اليراع ورقت الأوراق
وبعد ما شرح آزاد نبذة من أقسام الغزلان، وغرس عدة من نوادر الأغصان، نظم قصيدة غزلانية، وأتحف إلى الناظرين اليواقب الرمانية، أتى فيها بجميع تلك الأقسام واحداً بعد واحد، لا نذكرها في هذا الموضع تحاشياً عن الإعادة، ونظراً إلى قلة الإفادة.
(1/67)

مبحث في أقسام العشاق غفر الله لنا ولهم اعلم أن أدباء الهند قالوا في مصنفاتهم: إنا استخرجنا أقسام النساء، ويقاس عليها أقسام الرجال، وما بينوا أقسامهم إلا أربعة، سأذكر منها قسمين: المستفرد والمستكثر، ولا أذكر القسمين الآخرين لعدم الحسن في ذكرهما بالعربية. واستخرج آزاد للعشاق أقساماً على أسلوب العرب، بعضها مقابل لأقسام النساء، كأرق وفاطن وغيور وعائد، وأكثرها لا مقابلة فيها، وهذه الأقسام المستخرجة فذلكة، فمن شاء فليزد عليها، لأن الميدان وسيع، والبستان مريع، وكفاك في تنوع الأزواج حديث أم زرع، قال آزاد رحمه الله تعالى:
مراتب العشق والعشاق وافرة ... وواقف دونها حصر المقادير
وبعد ما استخرج نبذة من الأقسام عن أشعار العرب، ظفر "بستان السلطان" لابن أبي حجلة، وهو كتاب يشتمل على أخبار العشاق، فرأى فيه أنه توارد عليه في بعض الأقسام، وتفرد عنه بعض آخر، لكن طريق بيانه من طريق الشيخ المذكور على مسافة بعيدة، ولعله رحمه الله لن يفز يوماً من الدهر" بديوان الصبابة" للشيخ شهاب الدين أحمد ابن أبي حجلة المغربي المذكور، وكذلك "بتزيين الأسواق بتفصيل أشواق العشاق" للشيخ داود الانطاكي،
(1/68)

فهما كتابان نفيسان في أحوال العشق والعشاق والمعاشيق وأقسامها وأنواعها، بحيث لا قسم ولا نوع من ذلك إلا وقد أتيا به فيهما، فكأنهما فتاوى هذا الفن، وقد من الله علي بهما، ووقفت عليهما، واستفدت منهما في هذه المقالة ما رأيته أحرى بالأخذ على سبيل الاختصار، فإن الطبع اللطيف يمل من الإكثار. والآن أبين ما ذكره آزاد من أقسام العشاق، وأهدي لذة جديدة إلى الأذواق: المستفرد: هو الذي لا ينكح إلا زوجة واحدة، ولا يلتفت إليها، وهذا الوصف محمود عن الأهاند للاكتفاء على أيسر شيء من الحظ النفساني، أما صاحب الشبق، فهو بالخيار، يتزوج النساء إلى حد يشاء. قال تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت إيمانكم ذلك أدنى ألا تعدلوا) وقال آزاد:
ما ود إلا مهاة من بني قثم ... فما رأى غيرها في حالة الحلم
وقوله:
لله ذو وله أحب خريدة ... في حبها خال عن التقصير
قد ود واحدة ولم ير غيرها ... هو مشبه بسجنجل التصوير
(1/69)

وقال:
ما إن عشقت وراء بيضاء النقا ... عيشي بها في كل فصل أخضر
نيطت بواحدة علاقة خاطري ... ولقد تسلم شيمتي النيلوفر
المستكثر: هو الذي ينكح أزواجاً متعددة، ويسقم أن يسوي السلوك بينهن، وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقسم بين نسائه، ويقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني في ما تملك ولا أملك) . رواه الترمذي. وما أحسن قول راشد النجدي، وقد كتب به إلى من بلده:
فلا تغترر مني بظاهر رونق ... وفي القلب ملهى بالرباب وزينا
ثم القسم تارة قولاً، كقول آزاد رحمه الله:
رامت أميمة مني بالحمى رطبا ... والعالجية تبراً كان مختزنا
وغادة من جواري المنحنى عسلاً ... فقلت خذن وقاكن الإله جنى
وتارة يكون فعلاً، كقول آزاد من شعر هندي:
رحم الإله متيماً متبصراً ... لهج العدالة بينهن تخيرا
حاولن منه الورد في روض الحمى ... فأمال جانبهن غصناً مزهراً
(1/70)

العفيف: هو الذي يعشق ولا يفتح على نفسه باب الفسق إن ظفر، ومن أعظم شواهده يوسف عليه السلام، وربما يبالغ رجل في العفة فيكتم العشق حتى يموت، كقول بعضهم:
نعم قد سمعنا أن من كتم الهوى ... وعف إلى أن مات فهو شهيد
وقال شاعر:
وأكرم أخلاق يدل بها الفتى ... عفاف مشوق حين يخلو بشائق
وحكي أن أعرابياً خلا بامرأة، فلما قعد منها مقعد الرجل من المرأة، قام عناه مسرعاً، فقالت: ولم؟ فقال: من باع جنة عرضها السموات والأرض بمقدار أصبع من بين فخذيك فهو قليل العلم بالمساحة. ومن أمثلته قول بشار:
لأخرجن من الدنيا وحبكم ... بين الجوانح لم يعلم به أحد
وقول ابن هرمة:
ولرب لذة ليلة قد نلتها ... وحرامها بحلالها مدفوع
وقول التهامي:
وهجرت رشف رضابهن لأنه ... خمر ولست بذائق لمدام
وقول الصفي الحلي:
ولما أن خلا المغني وبتنا ... عراة بالعفاف مؤزرين
قضينا الحج ضما واستلاما ... ولم نشعر بما في المشعرين
(1/71)

وقول نفطويه:
كم قد ظفرت بمن أهوى فيمنعني ... عنه الحياء وخوف الله والحذر
كذلك الحب لا إتيان معصية ... لا خير في لذة من بعدها سقر
الطارق إليها في الليل المظلم: كقول المتنبي:
وقد طرقت فتاة الحي مرتدياً ... بصاحب غير عزهاةٍ ولا غزل
فبات بين تراقينا ندفعه ... وليس يعلم بالشكوى ولا القبل
(1/72)

ثم اغتدى وبه من ردعها أثر ... على ذوائبه والجفن والخلل
وفي ذلك قول للأرجاني ابن خفاجة الأندلسي وغيرهما: الطارق إليها في الليل والمقمر: كقول آزاد
ولقد سريت إلى الأبيطح ليلة ... فلقيت ثم خريدة معناقا
والبدر قال وقلبه متكدر ... فلما رأى في الواصلين عناقا
هذا قريب عينه بجمالها ... وأرى إذا اقترنت ذكاء محاقا
الفاطن: هو الذي يعمل نوعاً من الفطانة في معاملاته بالنسبة إلى محبوبته، وهو على نوعين: الفاطن قولاً، كقول لبن نباتة المصري:
وملولة في الحب لما أن رأت ... أثر السقام بعظمى المنهاض
قالت تغيرنا فقلت لها نعم ... أنا بالسقام وأنت بالإعراض
وقول القاضي منصور الهروي:
ومنتقب بالورد قبلت خده ... وما لفؤادي من هواه خلاص
فأعرض عني مغضباً قلت لا تجر ... وقبل فمي إن الجروح قصاص
والفاطن فعلاً: ومن شواهده قصة ذات النحيين، وهي امرأة من تيم الله بن ثعلبة، كانت تبيع السمن في الجاهلية، فأتاها خوات بن جبير الأنصاري، فساومها، فحلت نحياً مملوءاً، فقال لها: امسكيه
(1/73)

حتى أنظر إلى غيره، ثم فك النحي الآخر، وقال: امسكيه حتى أذوقه، فلما شغل يديها ساورها حتى قضى ما أراد وهرب، ثم أسلم وشهد بدراً، فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "يا خوات! كيف كان شراؤك؟ " وتبسم صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! قد رزق الله الخير، وأعوذ بالله من الحور بعد الكور. ومنه المثل: أشغل من ذات النحيين. وقول بعضهم:
يجري النسيم على غلالة خده ... وأرق منه يمر عليه
ناولته المرآة ينظر وجهه ... فعكست فتنة ناظريه إليه
وقول آزاد:
مررت على سلمى فأخفيت خاتمي ... وكدت رقيبا خوفتني صوارمه
وقفت أراعي حيلة للقائها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه
الواصل: كقول أبي الفرج محمد بن محمد الشلحي:
وكم ليلة زارت وقد لان أهلها ... وسامح واشيها وغاب حسودها
فحلت بتضييق العناق عقودها ... وحلى من در المدامع جيدها
وقول التهامي:
ألبستني سربال ضم ما له ... إلا رؤوس نهودها إزار
(1/74)

أجني الثمار من الغصون فحبذا ... تلك الغصون وحبذ الأثمار
المهجور: كقوله تعالى: (وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم) [يوسف: 84] .وقوله تعالى على لسان يعقوب: (إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله) [يوسف:86] . وقول قائل:
لئن نحن التقينا قبل موت ... شفينا النفس من ألم العتاب
وإن ظفرت بنا أيدي المنايا ... فكم من حسرة تحت التراب
وقول ابن قرناص الحموي:
إن الذين ترحلوا ... نزلوا بعين ناظرة
أنزلتهم في مقلتي ... فإذا هم بالساهرة
المودع: كقول التهامي:
باكرتنا بفراقهن فجأة ... قبل العطاس وناعب الغربان
وسفحن للبين المدامع فالتقى ... دران در مدامع وجمان
وقول آزاد:
ودعته وفؤادي أمس فاغتربا ... وبعد مالي علم أينما ذهبا
وقوله:
أي القيا مات أشكو يوم فرقتهم ... صوت الحدى وحنين الطائر الغرد
أو نغمة صدرت عن حلي مائسةٍ ... أو قول قائلة فاصبر إلى أمد
(1/75)

وقوله، وهو معنى بديع:
سالت مدامعنا في يوم رحلتهم ... وكاد قالبنا يخلو عن النفس
لما حدى السائق القاسي ركائبهم ... أننت من خفقان القلب كالجرس
الساهر بالليل: كقول امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما إلا صباح منك بأمثل
وقول علي بن محمد التهامي:
خليلي هل من رقدة استعيرها ... أملي بأحلام الكرى أستزيدها
المبتلي بالعذول: كقوله تعالى: (وقال نسوة في المدينة امرأت العزيز تراود فتنها عن نفسه، قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين) [يوسف:30] . وقوله الأرجواني:
(1/76)

حبي بلومك يا عذول يزيد ... فاستبق سهمك فالرمي بعيد
وقول آزاد:
يقول لي العذول دع التصابي ... إلى إبليس تلميذ العذول
ضلال العاشقين هدى عظيم ... فلا يعبأ بقولي أبي الفضول
المتأذي بالرقباء: كقول القاسم بن الحسين الخوارزمي:
بدت ورقيب خلفها من نسائها ... فما أحسن الأولى وما أقبح الأخرى
وقول الصاحب إسماعيل بن عباد:
قال لي إن رقيبي ... سيء الخلق فدراه
قلت دعني وجهك ... الجنة خفت بالمكاره
وقول آزاد:
تركية سفكت دمي وهي التي ... أسلافها أخنوا على المستعصم
حمراء صينت بالأسنة والظبا ... حتم أذى الأشواك دون الحوجم
كيف العلاج ولا أنال لقائها ... بالصلح أو بالحرب أو بالدرهم
المتأذي بالوشاة: وفي الحديث: "شرار عباد الله المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة". ومن أمثلته قول بعضهم:
بأبي حبيب زارني متنكرا ... فبدا الوشاة له فولى معرضا
(1/77)

فكأنني وكأنه وكأنهم ... أمل ونيل حال بينهما القضا
الشاكي من عينه: شكاية العاشق من عينه في الهندية أيضا كثيرة، لكن ما جعلوا هذا الشاكي نوعا مستقلا من أقسام العشاق، واستخرجه آزاد، وأدخله في أقسامهم، وهو نوع أحلى موقعا، كقول الأرجاني:
تمتعا يا مقلتي بنظرة ... وأوردتما أشر الموارد
أعيني كفا عن فؤادي فإنه ... من البغي سعي اثنين في قتل واحد
وقول آزاد:
ولولا العيون المغويات لمهجتي ... لما عرفت نار الغرام فرقت
بكين مدى الأيام أيضا صبابة ... ومن آذت الجار السليم تأذت
الشاكي من عينه: شكاية العاشق من عينه في الهندية أيضا كثيرة، لكن ما جعلوا هذا الشاكي نوعا مستقلا من أقسام العشاق، واستخرجه آزاد، وأدخله في أقسامهم، وهو نوع أحلى موقعا، كقول الأرجاني:
تمتعتما يامقلتي بنظرة ... وأوردتما قلبي أشر الموارد
أعينيا كفا عن فؤادي فإنه ... من البغي سعي إثنين في قتل واحد
وقول آزاد:
ولولا العيون المغويات لمهجتي ... لما عرفت نار الغرام فرقت
بكين مدى الأيام أيضا صبابة ... ومن آذت الجار السليم تأذت
الشاكي من جور الحبيب: كقول بديع الهمذاني:
هلم إلى نحيف الجسم مني ... لتنظر كيف آثار النحاف
ولي جسد كواحدة المثاني ... له كبد كثالثة الأثافي
وقول ابن العفيف:
يا ساكنا قلبي المعنى ... وليس فيه سواك ثاني
لأي شيء كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان
وفيه خليل أبداه الصفدي، وهو أن القلب ظرف لاجتماع الساكنين، كما هو القانون، إنما كسر ما اجتمع فيه.
(1/78)

وقول ابن أبي حجلة موريا:
يا سائلاً عن حالتي ما حال من ... أمسى بعيد الدار فاقد إلفه
بي صيرفي لا يرق لحالتي ... قد مت من جور الزمان وصرفه
الراضي عن جور الحبيب: كقول قائل:
تمنت سليمى أن نموت صبابة ... وأهون شيء عندنا ما تمنت
وقول بعضهم:
إن كان يحلو لديك قتلي ... فزد من الهجر في عذابي
عسى يطيل الوقوف بيني ... وبينك الله في الحساب
وقول آزاد:
سقى الله طيرا قيدت في المصائد ... وما نسيت عهد الحمى في الشدائد
وإن شئن يحرقن الحبائل بالجوى ... ولكن رضا الصياد أعلى المقاصد
وقوله:
لا اشتكي والله من جفواتها ... أنا طالب لذات لا لصفاتها
يا للعناية إن أتت بإساءة ... يا للكرامة إن أرت حسناتها
يا صاح إن تذهب فأنت مخير ... أنا قد نذرت المكث في عتباته
إن مت في سبل الغرام فهين ... أبغي من المنان طول حياتها
(1/79)

الغيور: وفي الحديث ما روي عن المغيرة، قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله وآله وسلم، فقال: "أتعجبون من غيرة سعد! والله لأنا أغير منه، والله أغير مني". وخلاف هذا ما حكى الشيخ أثير الدين أبو حيان الغرناطي في تفسيره عند قوله تعالى: (يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك أنك كنت من الخاطئين) [يوسف:29] : "نقل عن العزيز صاحب مصر أنه كان قليل الغيرة". وقول الطائي:
أغار على القميص إذا علاه ... مخافة أن يلامسه القميص
وقول المتنبي:
أغار من الزجاجة وهي تجري ... على شفة الأمير أبي الحسين
قالوا: إن هذه الغيرة إنما تكون بين المحب والمحبوب، كما قال كشاجم:
أغار إذا دنت من فيه كأس ... على در يقبله زجاج
فأما الأمراء والملوك فلا معنى للغيرة على شفاههم. وقول الأرجاني:
إذا هب النسيم بطيب نشر ... طربت وقلت أهلا يا سول
سوى أني أغار لأن فيه ... شذاك وأنه مثلي عليل
وقول الصفي الحلي:
يغار عليك قلبي من عياني ... وأخفي ما أكابد من هواكا
(1/80)

مخافة أ، أشاور فيك قلبي ... فيعلم أن طرفي قد رآكا
المغتبط: من الغبطة، ومضت أمثلتها في "غصن البان"، فيلتفت إلى ثم، وأذكر مثالا واحدا ههنا كيلا يكون المقام خاليا عن المثال مطلقا، وهو قول ابن عبد الظاهر علي بن محمد في معشوقه نسيم:
إن كانت العشاق من أشواقهم ... جعلوا النسيم إلى الحبيب رسولا
فأنا الذي أتلوهم يا ليتني ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا
العائد: هو الذي يعود حبيبته المريضة، روي أن كثيرا عاد عزة من مصر وهي مريضة بالعراق، فأنشأ يقول:
وعزة قالوا بالعراق مريضة ... فأقبلت من مصر عليها أعودها
فوالله ما أدري إذا أنا زرتها ... أأبرئها من دائها أم أزيدها
المترجي: هو الذي يترجى قدوم الحبيب الغائب، كقوله تعالى: (فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا) [يوسف:96] . وقول آزاد:
قد جاء من سبإ بشير الهدهد ... وأفادني نبأ الغزال الأغيد
وقوله:
جعلت يد الهجران سود وجهه ... أسحارنا في صبغة الآصال
(1/81)

قالوا سترجع ممن تحب مجيئها ... نفسي الفداء لهذه الأقوال
المسؤول عن حاله: كقول محمد بن سليمان الشاب الظريف:
لا تخف ما فعلت بك الأشواق ... واشرح هواك فكلنا عشاق
واصبر على هجر الحبيب فربما ... عاد الوصال وللهوى أخلاق
وقول آزاد من قصيدة:
يا صاح أي سقام بات يضنيكا ... وأي شيء وقاك الله يشفيك
يا حسرة الوقت ما لي بالرقى خبر ... لو كنت أعلم هذا الفن أرقيكا
صواحب الحسن بالجرعاء وافرة ... من التي بسهام العين ترميكا
تلقيك مائسة الأغصان في قلق ... ورؤية الوردة الحمراء تشجيكا
المائل إلى أشباه الحبيب: حكي عن كثير عزة، قال: بينا أنا أسير في بعض الفلوات، إذا أنا برجل قد نصب حبالته، فقلت: ما حبسك ههنا؟ قال: أهلكني وأهلي الجوع، فنصبت حبالتي هذه لأصيب لهم شيئا ولنفسي ما يكفينا يومنا هذا. قلت: أرأيت إن
(1/82)

أقمت معك فأصبت صيدا، أتجعل لي منه جزاء؟ قال: نعم. فبينا نحن كذلك إذ وقعت ظبية في الحبالة، فخرجنا نبتدر، فسبقني إليها، فحلها وأطلقها، فقلت له: ما حملك على هذا؟ قال: دخلتني عليها رأفة لشبهها بليلى، وأنشأ يقول:
أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني ... لك اليوم من وحشية لصديق
أقول وقد أطلقتها من وثاقها ... فأنت لليلى ما حييت طليق
وقول بعضهم:
ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسم
وقول قائل:
ذكرت سليمى وحر الوغى ... بقلبي كساعة فارقتها
وأبصرت بين القنا قدها ... وقد ملن نحوي فعانقتها
المعظم لآثار الحبيب: كقول المتنبي:
فديناك من ربع وإن زدتنا كربا ... فإنك كنت الشرق للشمس والغربا
وكيف عرفنا رسم من لم تدع لنا ... فؤاد لعرفان الرسوم ولا لبا
(1/83)

نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلم به ركبا
قال ابن بسام في "الذخيرة" أول من بكى الربيع واستبكى ووقف الملك الضليل امرؤ القيس حيث يقول:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
ثم جاء أبو الطيب المتنبي فنزل وترجل ومشى في آثار الديار، حيث يقول:
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة
ثم جاء أبو العلاء المعري، فلم يقنع بهده الكرامة خشع وسجد، حيث يقول:
تحية كسرى في السناء وتبع ... لربعك لا أرضى تحية أربع
وقول القطامي:
إنا محبوك فاسلم أيها الطلل ... وإن بليت وإن طالت بك الطيل
وقول بعضهم:
تحية صوب المزن يقرأها الرعد ... على منزل كانت تحل به هند
نأت فأعرناها القلوب صبابة ... وعارية العشاق ليس لها رد
الباكي على الأطلال والآثار: اعلم أن شعراء العرب أكثروا من أغزالهم ذكر الأطلال والأماكن والبكاء عليها بعدما خلت عن الأحبة، وذكر الأشجار الصحرائية، كالأثل والضال والأراك والبان وغيرها، وذكر الجمل والحادي والسرى، وهذا الطريق مختص بهم ما هو في الفرس ولا في الأهاند، وكذا أكثروا ذكر الحمائم والنسائم والغمائم، وشعراء الفرس شاركوهم في الأولى والثانية،
(1/84)

وشعراء الهند في الثالثة، ولهؤلاء مكان الحمامة الكوكلاء. وقال طرفة وهو مطلع معلقته:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد ... تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وقول بشار:
أبى طلل بالجزع أن يتكلما ... وماذا عليه لو أجاب متيما
وقول المتنبي:
أثاف بها ما في الفؤاد من الصلى ... ورسم كجسمي ناحل متهدم
وقول الأرجواني:
سلا رسوما أقامت بعدما ساروا ... أعندها من أهيل الحي أخبار
وقول الشيخ عبد الرحيم البرعي:
بالأبلق الفرد أطلال قديمات ... لآل هند عفتهن الغمامات
وملعب لعبت هوج الرياح به ... كأنهم فيه ما ظلوا ولا باتوا
(1/85)

وقول الشيخ بهاء الدين العاملي:
قف بالطول وسلها أين سلماها ... ورو من أدمع الأجفان جرعاها
صاحب حديث الورقاء والطرفاء وأمثالهما: كقول مهيار:
حمام اللوى رفقاً به فهو لبه ... جوادا رهان نوحكن ونحبه
وقول ابن بابك: حمامة جرعا دومة الجندل اسجعي=فأنت بمرأى من سعاد ومسمع وفيه تتابع الإضافات، وقصر جرعاء تأنيث الأجرع للضرورة، كذا في (مطول التفتازاني) ، ويمكن إصلاحه بوضع لفظة مرعى مكان جرعا، ودومة الجندل بضم الدال المهملة اسم موضع، والاسم المركب في حكم لفظ واحد، فارتفع تتابع الإضافات، والقصر في عدم الفرق في اللفظ بين المصراعين إلا بالميم والدال. وقول مجير الدين ابن تميم مورياً:
لم أنس قول الورق وهي حبيبة ... والعيش منها قد أقام منغضا
قد كنت ألبس من غصوني أخضراً ... فلبست منها بعد ذاك مقفصا
وقول بعضهم:
أحمامة فوق الأراكة خبري ... بحياة من أبكاك ما أبكاك
(1/86)

أما أنا فبكيت من ألم الجوى ... وفراق من أهوى أأنت كذاك
وقول آزاد:
عطفاً على أطيار ذي الحصحاص ... جاء الربيع وهن في الأقفاص
من ذا الذي يسعى لوجه الله في ... تخليصها عن محبس القناص
وقوله:
خف الله يا صياد الأجارع ... أتقتلها وقت الثمار الأيانع
عليك بتعمير الأبارق رأفة ... أتجعلها قفراً بقتل السواجع
وقوله:
رأيت الأمس في قفص سجوعاً ... يحن إلى الجداول والطلال
يقول: من الذي آنا يسيرا ... يعلقني بطرفاء العوالي
وقوله:
رحم الإله حمامة يمنية ... سجعت بموعظة على الأغصان
قالت لقد أبصرت مكتوبا على ... باب الحديقة من أنوشروان
عهد الربيع الغض برق ذاهب ... فاغنم نصيبك من غصون البان
(1/87)

أبصرت في الأقفاص طير المنحنى ... صبرت على جور الزمان الجاني
نسيت على غصن الأراكة عشها ... أنى رجاء الفوز بالأفنان
وقوله:
ورد الربيع على الحمام جديدا ... قلبي يحدث أن يصير شهيدا
هزت أثيلات الغوير أسنة ... يقتلن آه مطوقا غر يدا
وقوله:
لقد برع الأقران في الهند ساجع ... وجدد فن العشق يا للمغرد
فلا عجب أن صاده متقنص ... ألم تر في الأسلاف قيد المجدد
تلميح إلى ما وقع للشيخ أحمد السهر ندي مجلد الألف الثاني، حبسه سلطان جهانكير في قلعة كواليار. وقوله:
شاهدت ساجعة على يد صائد ... نقلت إلى قفص من الأفنان
قالت تفجر دمعها متسلسلا ... هذا جزاء العيش في البستان
وقوله في المستزاد:
يا ساجعة على أثيل الجبل أعلاك الله ... أرويت غصونه بماء المقل رواك الله
(1/88)

تزورين حديث جيرتي من إضم ما أحسنه ... أحييت بذكرهم أسير الأجل حياك الله
صاحب حديث النسيم: كقول علاء الدين الجو يني:
مذ صار مبيتنا بضوء القمر ... والحب نديمنا وصوت الوتر
نادى بفراقنا نسيم سحرا ... ما أبرد ما جاء نسيم السحر
وقول الحاجري:
لا غرو أن لعبت بي الأشواق ... هي رامة ونسيمها الخفاق
وقول القاضي مجير الدين موريا:
شكر لنسمة أرضكم ... كم بلغت عني تحية
لا غرو أن حفظت أحا ... ديث الهوى في الذكية
وقول شهاب الدين الحاجبي موريا:
لا تبعثوا غير الصبا بتحية ... ما طاب في سمعي حديث سواها
حفظت أحاديث الهوى وتضوعت ... نشرا فيا لله ما أذكاها
وقول آزاد:
من أي ناحية مجيئك يا صبا ... إن كان من أرض الحبيب فمرحبا
طي الطريق على العليل مشقة ... فخجلت حيث أتيت نحوي متعبا
ما كنت تعرفني وزرت بداية ... لم لا وسواك الإله مهذبا
أحييتني كرما بنفحة وردة ... بسمت فأخجلت الوميض الأشنبا
(1/89)

صاحب حديث القلب: وإنما ذكره لكونه مشتملا على رقة تذيب القلوب الجامدة، وتوقظ العيون الراقدة، وهو العاشق الذي يحدث عن قلبه، كقول بعضهم:
أليس وعدتني يا قلب أني ... إذا ما تبت عن ليلى تتوب
فها أنا تائب عن حب ليلى ... فما لك كلما ذكرت تذوب
وقول الفقيه عمارة اليمني:
قلبي كفاه من الصبا أنه ... لبى دعاء الظاعنين وما دعي
ومن الظنون الفاسدات توهمي ... بعد الفراق بقاءه في الأضلع
وقول آزاد:
يا سائلا عن فؤادي كيف حالته ... اسمع لقد جذب المحبوب فانجذبا
رأيته يوم سار القوم من إضم ... يرزح في عقب المعشوق مضطربا
وقوله:
جمر ذكي في ضلوع المغرم ... تالله خير من فؤاد مؤلم
وقوله:
سلمت قلبي لسلمى وهي تطعمه ... ولست أدري أترعى أو تضيعه
صاحب حديث الطيف: قد مضى ذكره في الزائرة في
(1/90)

الرؤيا، وكان بعض المعاني المتعلقة بالطيف مناسبا بحال العشاق، فعقد بابا له في أقسامهم، كقول من قال:
زها عني وأعرض واستطال ... وآلى لا يكلمني دلالا
وكان يزورني منه خيال ... فلما أن جفا منع الخيالا
وقول أبي تمام:
ظبي تقنصته لما نصبت له ... في آخر الليل أشراكا من الحلم
وقول القسطلي:
إن كان واديك ممنوعا فموعدنا ... وادي الكرى فلعلي فيه ألقاكا
وقال آزاد في النبي صلى الله عليه وسلم:
فداء محمد قلبي وروحي ... على العلات يسعدني برفده
أتاني زائرا في النوم ليلا ... فسبحان الذي أسرى بعبده
الشائم: كقول آزاد:
أصارم أم وميض لاح من أحد ... لقد قتلت به قتلا بلا وقود
وقوله:
أترى بروق جوانب الأنجاد ... لما بسمن وردت بهن زنادي
وجناته تجلو البصائر في الدجى ... رحضاؤها تشفي أوام الصادي
الذاكر لأيام الحمى: كقول المعري:
ويا وطني إن فاتني بك سابق ... من الدهر فلينعم لساكنك البال
(1/91)

فإن استطع في الحشر آتك زائرا ... وهيهات لي يوم القيامة أشغال
وقول ابن طبا طبا:
لله أيام السرور كأنما ... كانت لسرعة مرها أحلام
يا عيشنا المفقود خذ من عمرنا ... عاما وزد من الصبا أياما
وقول آزاد:
مضى زمان لقينا فيه جيرتنا ... عفى المهيمن عن أيامنا الأول
نعد شوقا وإخلاصا مناقبهم ... بسبحة من لآلي أبحر المقل
الشائب المتأسف على الشباب: كقول بشار:
لا يرحل الشيب عن دار يحل بها ... حتى يرحل عنها صاحب الدار
وقول أبي تمام غالب الملقب بالحجام:
ليالي كان العيش غصنا يظلني ... نضيرا وماء الوعد غير مشوب
وعيني قد نامت بليل شبيبي ... فلم تنتبه إلا لصبح مشيب
وقول العلوي الحماني:
عريت عن الشباب وكنت غضا ... كما يعري عن الورق القضيب
ونحت على الشباب بدمع عيني ... فما نفع البكاء ولا النحيب
(1/92)

ألا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما فعل المشيب
النادر: هو الذي يوجب على نفسه عملا تكون فيه حسبة على مذهب العشق، بشرط أن يحصل له ما يتمناه. كقول آزاد:
مررت على ترب الفراش عشية ... وألفيته صبا شهيدا منورا
نويت هنا أم ألق شمع النقا أضيء ... على تربه الميمون شمعا معنبرا
وقوله:
لقد بعدت عني منازل جيرتي ... فلا تتراءى ذرة من غبارها
نذرت إذا أحظى برؤية دراهم ... أكحل أجفاني بظل جدارها
الموصي: هو الذي يأمر شخصا أن يفعل ما يتمناه على مذهب العشق بعد موته، كقول طرفة:
فإن مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي علي الجيب يا ابنة معبد
وقول آزاد:
يا صاحبي أنت لا تأسف على فقد ... صار الهوى من أوان المهد دستوري
(1/93)

ألا سأبذل روحي في هوى قمر ... فأكتب على لوح قبري سورة النور
المتكلم بعد الموت: قد مضت أمثلة هذا النوع في كلام الروح من كتاب "غصن البان" وأورد هنا أيضا شيئا من كلام قتلى الغرام غفر الله لهم، كقول آزاد رحمه الله:
رآني حمام في المحبة فانيا ... وزار ترابي بالأبيطح باكيا
تلا آية الترجيع طورا وقال لي ... فنيت وأيم الله قد صرت ناحيا
طويت بلاد الشرق والغرب كلها ... فلم أر في العشاق مثلك صبايا
بعثت على دين المحبة والهوى ... وعشت إلى نهج الصبابة هاديا
لقد كنت في حزوى بقدري عارفا ... إلى الله أشكو في فراقك ما بيا
وأرجو من الله المهيمن أنني ... سأبصر تربي في جوارك ثاويا
فلما أتم النائح القول قلت: يا ... معالج أدوائي ترفقت وافيا
(1/94)

جزيت جزاء المحسنين رققت لي ... وأجريت دمعا من مآقيك قانيا
أصابتك مني غاية الحزن فاستمع ... بشيء عجيب من حقيقة حاليا
فنيت ولكني هويت حبيبة ... عنايتها تحيي عظاما بواليا
ألا كلما تبدو وتبسم رأفة ... أذوق حياة ث أعشق ثانيا
فلا تحسبني فائتا عنك وانتظر ... ستبصرني حيا بسلمى فيا ليا
وللسيد آزاد رحمه الله قصيدة هيما نية، أتى فيها بجميع أقسام العشاق المذكورة هنا، لا نذكرها فرارا عن التكرار، وهذا آخر ما رام آزاد رحمه الله إيراده في "سبحة المرجان".

مبحث في ذكر من كلف وهو غير مكلف
اعلم أنا حيث أنهينا الكلام في هذا المقام إلى ما يتعلق بالإنسان، عن لنا أن نبين كيفية دخول العشق في باقي أنواع الأعيان، والعشق سر يودعه الله في الأرواح عند صفائها وسهولة انقيادها، ثم يختلف
(1/95)

باختلاف البواعث والدواعي وميل النفوس بحسب مرادها، فعلى هذا لا يخص نوعا دون نوع من أحد الأجناس، كما ترشد إليه أدلة التجربة والقياس، غير أنه مختلف الرتب، كما لا يخفى على ذوي الأدب، وقد صح أن الإنسان أفضل الموجدات، لعلمه بأحكام الأحوال المختلفات، فلذلك كان واسطة نظام هذا الشأن، ثم يليه الأقرب فالأقرب من أنواع الحيوان، حتى ينتهي القول إلى الأجرام العنصرية، وما بينها وبين الطبقات السماوية، وهذا النوع ينتظم في خمسة أقسام: الأول: في الطيور، وهي ألطف الحيوان مزاجا، لانحلال كثيفها بخرق الهواء، وذهاب فضلاتها في نحو الريش، فلذلك داخله التألم بالنوى، قالوا: إن أوفى الطيور في المحبة القمري والشفني، أعني: الفاخت، وإنه إذا مات أحد الزوجين تعذب الآخر، فلم يأنس حتى الموت، وكثيرا ما سمعنا عن نحو البلبل والشحرور الحنين إلى الغناء والملاهي والأصوات الحسنة، وإن بعض الطيور نزل على يد بعض الوعاظ حتى مات. وحكي عن سفيان، أن بلبلا كان لوالده، وأنه أقام يرعى ويأتي البيت، حتى قيل: إنه مضى مع الناس يوم موته إلى القبر، ورجع، فاضطرب حتى مات. وأما قصة الزاغ فمشهورة جدا.
(1/96)

وحكى الشيخ أن أعظم الحيوان إدراكا من ذوات الأربع الخيل، وأنها أقرب من غيرها إلى مزاج الإنسان، حتى أنها لا تنزو على محرم أبدا. وفي "تزيين الأسواق" حكايات عن حمامة، وغراب، وبط، وخطاف، وزاغ، وحصان، وفيل، وكلب، وحمار، وعشقهن. وأما
(1/97)

العشق في الأنفس النباتية، فقد جزمت الحكماء أن أصح النبات وأعدله وأكمله خلقا جمع أمور تسعة: الورق، والعود، والتمر، والنوى، والصمغ، والدهن، والليف، والقشر، والأصول، قد كمل في النخل ذلك، فهذا أعدل النبات. وفي الأخبار أنه من طينة آدم. وفي الصحيحين: "تعرفون شجرة هي كالرجل المسلم". وفي "الفلاحة النبطية" أن النخلة تخاف وتفرح وتعشق نخلة أخرى، فقد صح أن النخلة إذا لم تحمل ضرب في أصلها بفأس، ويقول شخص أخر: لأي شيء هذا؟ فيقول الضارب: دعني أقطعها، فإنها لم تحمل! فيقول: دعها في ضماني العام، فإن لم تحمل فاقطعها، فإنها تحمل، وقد جرب ذلك. وأما ما بين الفلفل والكافور والنفط والتين والزنجبيل والأزدارخت، فأشهر من أن يحكى، وغاية الأمر أن يدعى فيه الخواص، فيقال: إن شدة الائتلاف بين العاشق والمعشوق من قبيل الخواص. وأما الأحجار، فاعتلا ق المغناطيس والحديد مما لم يشك في وجوده، وهذا لكثرة وجود المغناطيس، وإلا فلسائر المتطرفات أحجار من الجمادات تجذبها لمشاكلة بينهما في الزيبقية والكبريتية، وهذا ظاهر التعليل. وأغرب منه ما حكي في "اختصار الكائنات" للمعلم، أ، في البحر دابة كالأرنب، يتولد رأسها في حجر، إذا أخذ وأشير به إلى اللحم أو الحيوان انجذب حتى يلصق بالحجر. وفي أيضا أن شخصا نزل بأرض اللؤلؤ مما يلي جزيرة رامهرم، فوجد الشمس إذا أشرقت على أرضها ترتفع منها أشعة، ثم تتراقص أحجارها
(1/98)

وتضطرب حتى تجتمع، فإذا غربت الشمس افترقت الأحجار. وأما الأحجار. وأما الأيام والأجرام والبروج والكواكب والأجسام والدوائر فمتطابقة التأليف، متوافقة التكييف، قد تربعت جهة وريحا وأقطابا وطبعا، وتشعبت قوى وجوانب ونقصا وزيادة إلى غير ذلك، فمثالها في الإنسان اثني عشر مخرجا، عينان وأذنان، وفم ومنخران، وسرة وثديان وسبيلان، قد قيست بالبرج، ونفس بالشمس، إذ لا تزيد ولا تنقص، وعقل بالقمر في قبول الحالتين، والخمس الحواس بالخمس البواقي، وهكذا إلى درج في العروق ومفاصل بالجو زهرات، والكل خدمة بلسان الشرع ملائكة، ولسان الحكمة نفوس وعقول مجردة، وفرع أهل الرياضة والروحانيات والأرصاد على ذلك الاستخدام واستنزال الكواكب وتكليمها والطيران إليها وتحريك الجمادات، إلى غير ذلك مما يليق بهذا المحل، وهل ذلك إلا قوة عاشقية؟ فليعتبر أولو الأبصار، وليتذكر أولو الألباب، فسبحان من أوجد ذلك واستغنى عنه، وأثر فيه ومنه، ولا تفنيه الأوقات، ولا يعجزه اختلاف الأكوان. والأصل في المحاسن، والمطلوب عند العقلاء في كل مواطن، إنما هو إصلاح السرائر، وتهذيب البواطن لا الظواهر، وإنما ضم إصلاح
الظاهر إلى ما ذكر طلبا لتحصيل الكمال، ودلالة في الأغلب على الاعتدال، ويتم الأول بتحسين المقاصد، وإصلاح العقائد، وقصر القلب على عتبات الحق الثابت من الكتاب والسنة في تلك المواقف، مستمدا بالمراصد، مستعدا للأوامر الإلهية، وتلقى ما في تلك الصحائف،
(1/99)

وذلك كما قال محقق المقول، ومهذب الفروع والأصول، جامع المراتب الظاهرة والباطنة، وقطب دائرة الكائنات في الدنيا والآخرة، والبدر التام في سماع الجلالة، والجزء الأخير من العلة التامة للرسالة، صلى الله عليه وآله وسلم: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". وصلاحه استعداده لقبول ما يجب فعله وترك ما يجب تركه، وذلك متعذر إلا بعد الأخذ الأوفر من أمهات الأخلاق، وهي: الحكمة والشجاعة والمروءة والعدالة، فإنها لهذه الموارد كالأخلاط للمزاج إفراطا واعتدالا، وخير الأمور سلوك الاعتدال للسلامة، من الإفراط والتفريط اللاحقين لكل هذه، كالتهور والجبن، ولازم مما ذكرنا التخلق بالعفاف والزهد، والصدق، والورع، والتسليم والرضا بالقدر والقضاء، وهذه الخصال هي الداعية إلى حفظ ما به النظام من النفس والعقل والعرض والمال والدين، فإن المتخلق بها محال أن يقع منه قتل، أو أخذ ما يزيل عقله أو زنا أو تناول غير ما هو له، فهذه أصول السياسة ونظام المدينة، وموضع بسطها الحكمة، بل ملازمة الشريعة الحقة المطهرة، فقد أغنت عنها، فهذه الأخلاق التي لا أجدر من وصف المتخلق بالحسن والجمال. وأما المحاسن الظاهرة اللائق ذكرها بهذا المحل، وقد سبق مبحث فيه، فالعبارات عنها كثيرة، والألفاظ فيها غزيرة، والصحيح أنه معنى لا يدرك، ويختلف باختلاف
(1/100)

الأشخاص، ودقة الأنظار، وصحة التأدي إلى الأفكار، فلو لم يكن الحسن في نفس الأمر كذلك ما اختلف فيه العبارات، ولا كثرت فيه الاستعارات، ولا بالغ كل في تحصيله بجده، واعتقد التقصير عن حده، والخلاف إنما هو بالألفاظ، والمعنى المطلوب واحد، كما هو رأي أهل التحقيق من سائر الموارد، ومن ثم قال بعضهم:
عباراتنا شتى وحسنك واحد ... وكل إلى ذاك الجمال يشير
ولله در أستاذ عطر الوجود، فيض وجوده، واستمدت الكائنات من بحر فضله وجوده، حيث حقق هذا المعنى، وسبكه في أحسن مبنى، بقوله:
فكم بين حذاق الجدال تنازع ... وما بين عشاق الجمال تنازع
هذا هو الحسن العام، وقد اختلفت آراء الحذاق، وتشعبت مرادات العشاق، فمن ذاهب إلى الأفضل خزن الأسرار، وأن ذلك من فعل الأحرار. ومن قائل: إن إفشاءها يسر القلب، ويسري الكرب. ومن قائل بالتفصيل، وأن الإذاعة إلى المحبوب مطلوبة إذ هو الطبيب، وكتم العلة عنه تعذيب، وأما الإباحة لغيره فغير جائزة في مذهب المحبين، وفاعلها ممقوت ومن أكبر المذنبين، وهذا الطريق قد ادعى في "ديوان الصبابة" أنه الكاشف عن وجهه نقابه! ولا والله ما له فيه ذرة، ولم يكن ارتضع من هذا اللقح درة، بل أول من استنتج هذه الآراء المحررة، ودون هذه المذاهب المحبرة عمر بن الفارض رحمه الله، ثم لهج الناس بهذه الطرق.
(1/101)

والاحتيال على طيف الخيال أمر مهم عند أهل الغرام، يتوصل إليه بالمنام، وإنما تدعو الحاجة إليه عند طول الهجر وشدة الضجر، ومقاساة نار الملل والسهر، ومنهم من ذم النوم في قالب الاعتذار عن طيف الخيال، كأنه يقول: إن المنغصات في الدنيا لا تنفك عن الإنسان حتى في النوم، ألا ترى أن من يحلم بمحبوبه، أو شيء من مطلوبه، ينتبه فلا يرى إلا الأسف والقلق، وزيادة الحرق، وإن حلم أنه أحدث أو ضرب رأى ذلك في الصباح! ولما كان خيال المحبوب من التلذذات، لم يأت النوم به جريا على عوائد الزمان في الإتيان بغير الملائم للإنسان.

فصل في أحوال العشاق
وقد مضت أمثلتها في فصل أقسام العشاق، فهذا الفصل كالذيل له يفيد بعض فوائد جديدة، منها أحكام الليل والنهار، وذم قصرهما عند الوصل، وطولهما عند الهجر والنفار، وتمني طول زمن الوصل والرضا، وقصر الهجر وقطعه أسرع من القضا، وما تشعب في ذلك بين العشاق، وذهبوا كل مذهب على اختلاف الأذواق، وإنما أكثروا من ذكر الليل دون غيره لأنه محل سكون الحواس، وهدوء الأنفاس، وخلو النفس بعد انطباق مسالك التشعبات عنها،
(1/102)

فتستجلب الأفكار الخفيات، فيما مضى وما هو آت، وقلة الاعتلاق، ومحل التسلية عن الأشواق، اللهم إلا شخصا قد ملك الحب قياده، فلا يلهيه شيء ولا ينسيه مراده. ثم اشتهر على ألسنتهم من لوم العذول، وسوء عقله الذي أوقعه في الفضول، وكيف أدخل نفسه بين الأحباب، حتى انتقم منه أهل الآداب، فوجهوا إليه سنان اللسان والأقلام، فامتحن طعنا بكل نثر ونظام، فقد قيل: ليس من العدل، كثرة العذل، ومن تكلم بما لا يعنيه، سمع ما لا يرضيه. ومن لم يمسك عما استغنى عنه ن الكلام، فهو أحق بالملام. ثم أحكام الزيارة، وما جاء في فضلها من اليراعة والعبارة، وتفنن العشاق في فضل زيارة الحبيب، وإيثار النفس على نفائس الطيب. قيل: كان الشافعي رحمه الله يكثر من زيارة أحمد، وكان أحمد يقل من زيارته هيبة له. فقيل للشافعي: إنك لتزوره أكثر وهو المحتاج إليك! فأنشد:
قالوا يزورك أحمد وتزوره ... قلت الفضائل لا تفارق منزله
إن زارني فبفضله أو زرته ... فلفضله فالفضل في الحالتين له
وجعل عمر بن الفارض الزيارة تفضلا من المحبوب، ومنة منه على المحب، فسبحان واهب الفضل لمن أحسن في خدمته، وقام بحقوق محبته، وطيب الحبيب، غاية لا يدركها اللبيب، وذلك قوله:
ولو عبقت في الشرق أنفاس طيبها ... وفي الغرب مزكوم لعاد له الشم
(1/103)

ومما يتخرج على الزيارة تخريج الفروع على الأصول، ويهتدي إلى إلحاقه بها أهل العقول، وما جرى على ألسنة الأحباب، ن أحوال العتاب، وانقسام الناس فيه إلى مادح له لتأكيده المحبة، وذام له بين الأحبة، والصحيح إنما كذب الناقل، وميز الحق من الباطل، وأكد الصحبة بعد النفور، وبين للحبيب الزور، فهو أحق بأن ينصر، ومنه يستكثر. قال في "إحياء علو الدين" ما معناه: إن العتاب شأ، أولي الألباب، وقاطع لقطيعة الأخلاء والأصحاب، وكان الرجل إذا وقع في نفسه من أخيه شيئا لم يهجره حتى يوضح له ذلك، فإن انتهى وإلا هجره، وإما عتاب يفضي إلى المقاطعة، ويحدث الهجر والممانعة، فتقريع يجب اجتنابه عقلا ونقلا، وتركه فصلا وأصلا، وقد قيل: من سوء الآداب، كثرة العتاب. ومن أمثالهم: العتاب مفتاح الوصال، قاطع للهجر والملال. وإن أفضل العتاب ما غرس العفو وأثمر المحبة، وعتب يوجب العفو والصفاء، أفضل من ترك يعقب الجفا. وقال علي كرم الله وجهه في تفسير قوله تعالى: (فاصفح فالصفح الجميل) [الحجر:85] اعف واصفح من دون عتاب. وقال بعضهم: عتاب المحبين الذلة في الأعتاب وخدمة الأبواب. ومما يلحق بالعتاب ويصلح أن يكون معه في باب الصبر على تعنت المعشوق، وتجنيه على الصب المشوق، والصفح عن التجني حين يذوق جناه، ونسخ سخطه بظلمه ورضاه، وهو أصل عند العشاق يبني عليه، ويرجع في قواعد مذهب المحبين إليه، لا يصدهم عنه صد، ولا
(1/104)

تقفون من سيوف اللحظ عند حد، ولا تأخذهم فيه لومة لائم، ولا يعدون جور ما يرد من الظلم من المظالم. والهجر: عند أهل المحبة بعد الاستقصاء إلى أربعة أقسام: هجر الدلال: وهو الممدوح الصفات، المقصود بالذات، وسببه علم المحبوب بمكانته عند المحب، وأنه يتلذذ بالحسنة، ولا تغيره الحوادث على اختلاف الأزمنة، ولهذا إذا صفت مرآة أهل المحبة، اتحدوا في كل رتبة، فيقع لأحدهم بعد المبالغة في هذا الصفاء أن يعتقد ارتفاع الخلاف، واتصاف كل أحد بما عنده من الأوصاف. وهجر الملال: هو هجر منشأه الملازمة مع اختلاف الخصال، وتكون المحبة فيه غير عريقة، بل منشأها علة على الحقيقة، وسبه ما ذكر من الاختلاف، وتحري النفس طلب الاعتساف، وعلامته تأثير مباعدة المكان، وطول الأزمان، وعلاجه التحبب والتخلق بخلق المراد، وسلوك كل ما أراد، وربما محته الهدية، والملاطفة بالأخلاق المرضية والصفح مع حسن الصبر، والمجاوزة عن الزلة وإن عظم الأمر. وهجر الجزاء والمعاقبة: هو هجر سببه وقوع في ذنب ولو خطأ، وعلامته قبول الأوبة، عند صدق التوبة، وعلاجه تصديق الحبيب في دعواه، والنزول على حكمه والرضا بما يهواه، والاعتراف بالذنب وأن لم يكن صدر، وطلب لعفو ممن عليه قدر. والهجر الخلقي: وفيه حديث: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف". وهذا القسم والذي قبله
(1/105)

لا تعلق للعشاق بهما على ما اخترناه، وبعضهم يرى أن الثلاثة الأول من متعلقات العشق، ويجمع بين الكلامين بتفاوت المراتب. وهذا القسم لا علاج له أصلاً إلا بالإرادة الإلهية. ثم هجر المحب الصادق، قد يؤول الأمر فيه بالعاشق إلى أن يخرج كلامه مخرج الدعاء عليه، ويكون في الحقيقة ثناء لديه، وقد يستخير عند تمادي الجر وحكم الغرام حلول رمسه، فيجعل ذلك الدعاء على نفسه، ثم يتمادى الهجر ولا يسمع الدعاء، ويعز الوصل ويصعب الرضاء، فيأخذ العاشق في سح الدموع، والانحطاط من أوج الارتفاع إلى حضيض الخضوع، وأما نفي كدر الهم والصدود، باستجلاب الأماني والوعود، والتعلل بالأماني، والطمع في التهاني، فهو أصل انقسمت فيه العشاق إلى قسمين: قسم وفى له محبوبه، وحصل له بعد الوعد مطلوبه، وهو العزيز النادر، وغير الوافي الوافر، وقسم مات بغصته، وحالت المنية بينه وبين أمنيته، وانتهاز فرصته، وأعجب ما فيه أن الراضين به مع العلم بزوره أكثر العشاق، وأغلب من نودي عليه في هذه الأسواق، والمترسمة أكثروا في هذا الباب الأقوال، واختلفوا باختلاف الأحوال. ومن كلام أفلاطون: الأماني حلم المستيقظ، وسلوة المحروم. وقال غيره: التمني مؤنس، إن لم ينفعك فقد أنهاك. قيل لأعرابي: ما أمتع لذات الدنيا؟ قال: ممازحة الحبيب، ومحادثة الصديق، وأماني تقطع بها أيامك. وأما الرضا بالدون من المحبوب، والقناعة باليسر من المطلوب، وإن طال الوعد،
(1/106)

وكثر الخضوع، وامتد البعد،
وانسكبت الدموع، فصفة العاشق القانع، الملي على نفسه المطامع، المنزه محبوبه عن التكليف، المشفق عليه من نحو التعنيف، وقد اتصف به جم غزير، عدوا فيه أقل القليل أكثر الكثير، وعكس هؤلاء من مد إلى المحبوب باعه، وأوسع آماله وأطماعه، فلم يرض إلا بامتزاج الأشباح، فضلاً عن الأرواح، والتأليف الذي لا يمكن تمييزه كالماء والراح، حتى يراهما واحداً في العين، الأحوال الذي يرى الشيء اثنين، وحاصل القضية انه يمكن الجمع بين أهل القناعة باليسير من المحبوب، ومن لم يقف على غاية في المطلوب، باختلاف الأمكنة وصفاء الأيام، والخلو ن نحو واش ونمام، ومجالس الورد النمام، فإن من الحزم انتهاز الفرص، ومن الحمق الوقوع في ضيق القفص، ومن صفا له الزمان فجبن عن مطلوبه، فهو زاهد في محبوبه، ومن رأى العوائق دون مرامه، فالحزم تقييد غرامه، ومن حالات العشاق مكابدة الأمور الصعاب، عند طلب رضا الأحباب، وخوض الأهوال، واستهلال قضاء الآجال، فضلاً عن بذل الأموال، ليحصل من حبوبه على مطلوبه، ويرضى باليسير كما سلف، ولو كان ذلك يقضي إلى التلف. وأعظم من ذلك الملازمة على ذكر المحبوب عند نزول البلاء. وتلف النفس وشدة الابتلاء.
(1/107)

خاتمة
للشعراء مقاطيع فائقة، وأبيات رائقة، يشير مجموعها إلى جميع الأصول السابقة، وتترجم عنده بالغزل والنسيب، لإعراب مضمونها عن نحو محاسن الحبيب، وتهييجها الأشواق المستقرة، حيث يذكر الشعر والطرة، وتفصيلها لتلك الجملة، من حيث وصف الحجاب والمقلة، إثارة ما قر من البلبال، عند ذكر الوجنة والخال، واستمالتها نفوس الأحباب، عند ذكر الثغر والرضاب، وإتيانها بأعذب الموارد بعدما حال الصدر، إذا ذكر النهد والصدر، ونشر مطاوي الأشواق، إذا سمح مدح الخلخال والساق، إلى غير ذلك مما اقترحته أفكارهم الدقيقة اللطيفة، وتخيرته في هذا الباب أذهانهم الشريفة، وبها نختم هذا المورد اللطيف، وما يتعلق بالعشق من هذا التأليف. قال ابن نباتة المصري:
أيها العاذل الغبي تأمل ... من غدا في صفاته القلب ذائب
وتعجب لطرة وجبين ... إن في الليل والنهار عجائب
ولابن المطران:
ظباء أعارتها المها حسن مشيها ... كما قد أعارتها العيون الجآذر
فمن حسن ذاك المشي جاءت وقبلت ... مواطئ من أقدامهن الغدائر
ولحسام الدين الحاجري:
ومهفهف من شعره وجبينه ... تغدو الورى في ظلمة وضياء
(1/108)

لا تنكروا الخال الذي في خده ... كل الشقيق بنقطة سوداء
ولشمس الدين ابن العفيف:
بدا وجهه من فوق أسمر قده ... وقد لاح من سود الذوائب في جنح
فقلت: عجيباً! كيف لم يظهر الدجى ... وقد طلعت شمس النهار على رمح
ولابن المعتز:
سقتني في ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خديها بغير رقيب
فأمسيت في ليلين للشعر والدجى ... وشمسين من خمر وخد حبيب
ولابن نباتة:
وأغيد جارت في القلوب لحاظه ... وأسهرت الأجفان أجفانه الوسنى
أجلى نظرا في حاجبيه وطرفه ... ترى السحر منه قاب قوسين أو أدنى
ولعلاء الدين الوداعي:
رمتني سود عينيه ... فأصمتني ولم تبطي
وما في ذاك من بدع ... سهام الليل لا تخطي
وللصلاح الصفدي:
بسهم أجفانه رماني ... فذبت من هجره وبينه
إن مت ما لي سواه خصم ... لأنه قاتلي بعينه
(1/109)

ولبدر الدين بن حبيب:
عيناه قد شهدت بأنه مخطئ ... وأتت بخط عذاره تذكارا
يا حاكم الحب اتئد في قتلي ... فالخط زور والشهود سكارى
ولابن قلاقس:
فوق خديك دليل ... أن نهديك ثمار
ما اختفى الرمان إلا ... وتبدى الجلنار
ولمظفر الأعمى:
قبلته فتلظى جمر وجنته ... وفاح من عارضيه العنبر العبق
وحال بينهما ماء ومن عجب ... لا ينطفي ذا ولا ذا منه يحترق
ولبعضهم:
فتنت بتركي حماني عناقه ... عقارب صدغيه على خده صرعى
ألم تر أني كلما رمت لثمه ... تخيل لي من سحرها أنها تسعى
ولابن الوردي:
قال من أهواه: صف صدغي بما ... فيه توجيه وحببه إلي
قلت: إن الصدغ لام قد كوى ... نصبها قلبي فهذا لام كي
(1/110)

ولابن نباتة المصري:
لله خال على خد الحبيب له ... بالعاشقين كما شاء الهوى عبث
أورثته حبه للقلب القتيل به ... وكان عهدي بأن الخال لا يرث
ولبعضهم:
غدا خاله رب الجمال لأنه ... على عرش كرسي الخدود قد استوى
وأرسل في الأصداغ رسلا أعزة ... على فترة تدعو القلوب إلى الهوى
وقال آخر:
أبو طالب في كفه وبخده ... أبو لهب والقلب منه أبو جهل
وبنتا شعيب مقلتاه وخاله ... إلى الصدغ موسى قد تولى إلى الظل
وللدماميني:
تحدث ليل عارضه بأني ... سأسلوه وينصرم المزار
فقال جبينه لما تبدى ... كلام الليل يمحوه النهار
(1/111)

ولغيره:
سألته في ثغره قبلة ... فقال: ثغري لم يجز لثمه
فهاكها في الخد واقنع بها ... ما قارب الشيء له حكمه
وقال آخر:
ذكرت ريق حبيبي ... بشرب راح معطر
وليس ذا بعجيب ... فالشيء بالشيء يذكر
وللصلاح الصفدي:
رشفت ريقك حلوا ... فلم يكن لي صبر
وسوف أحظى بوصل ... وأول الغيث قطر
وقد أكثروا من هذا النمط، أعني التشبيب بالوجه ولأعضائه البسيطة والمركبة، لكونه أشرف وأبهج وأعلى وألطف، وأما ما عداه فنادر، إن تيسر لشاعر بيت أو بيتان أو أكثر في عضو بعينه، أما في ضمن غيره فكثير، وأما مطلق القامة بما فيها فأكثر من أن يحصى ما فيه، وما قيل من أول من وصف الثدي عمرو بن كلثوم:
وثدي مثل حق العاج رخص ... مصون عن اللامسينا
فأمر يحتاج إلى مزيد استقصاء وإحاطة، لأن العرب تغزلت كثيرا، غاية الأمر أن المتأخرين ألطف. وأورد الأنطاكي أشعارا كثيرة لشعراء كثيرين في وصف أعضاء المعشوقة متفرقة، وللسيد غلام علي آزاد البلكرامي رحمه الله قصيدة سماها "مرآة الجمال" آتى فيها بوصف كل عضو من أعضاء الحسناء، وصنع مرآة ينطبع فيها
(1/112)

بدن العذراء من الرأس إلى القدم، وأبدع في تشبيهاتها واستعاراتها بما لم يسبق إليه أحد من الأمم، وهي خمسة ومئة بيت. ولقد أنشأ الفصحاء المتقدمون والبلغاء المتأخرون في الباب أشعارا أكثر من أن تعد، وأزيد من أن تحد، وذكر الأنطاكي منها جملة كافية، ونبذة وافية، لكني ما وقفت على أحد منهم شبب بمثل هذا التشبيب، ووصف الأعضاء في كلمة واحدة لا على الترتيب، إلى أن وقعت القرعة على علم آزاد، وجاءت هذه التحفة في سهم قلم هذا الجواد، ومثل هذه القصيدة الحسنية مثل القصائد البديعيات، حيث شرع فيها الشيخ صفي الدين الحلي، ثم جاء جمع من الفرسان، وأطلقوا أعنة الأقلام في الميدان، وقد قال آزاد رحمه الله: لقد شرعت في البنيان، وأسست قواعد العمران، فمن يجيء بعدي يزيد على هذا البناء، ويرفعه على سابعة السماء إن شاء الله تعالى. انتهى. وهذا أمر مرجو، لكن لم أقف إلى الآن على من زاد عليه بعده، وقد رأيت أن أختم هذه الخاتمة بذكر تلك القصيدة الحسنى، ليكون مسك ختام الكلام، في هذا الاحتفال في هذا المرام، وأجعلها بدلا عن أشعار كثيرة من الأدباء المتفرقين من بحور وقواف مختلفة في الانسجام، وهي هذه:

مطلق الحسن

بي ظبية من أبرق الحنان ... من مثلها في عالم الإمكان
(1/113)

شمس تباهي بالسنا أمة لها ... وكواكب أخرى من الغلمان

الضفيرة

أضفيرتان على بياض خدودها ... أو في كتاب الحسن سلسلتان
أو ليلتا العيدين أقبلتا معا ... أو من قصائدهم معلقتان

الجبهة

لله جبهته المضيئة في الدجى ... وهب الإله له علو مكان
هي نصف بدر كامل لكنها ... تربي على القمرين في اللمعان

الحاجب

أبصر حواجبها وأدرك كنهها ... غصنان منحيان وسط البان
أو كافران يشاوران ليوقعا ... آمالنا في موقع الحرمان

العين

طرفا الحبيبة ماكران تمارضا ... وتغافلا عن رؤية الجيران
أو نرجسان على غصين واحد ... وهما بماء مسكر نضران

الهدب

أهداب حسناء الأبيرق مروح ... متحرك لتروح الكسلان
أو خذو إنسان العيون ستارة ... جعلت معلقة من الأجفان

اللحظ

لحظ المهاة فتورها مستحسن ... يحكي أريج النرجس الريان
ترنو ونحن نخاف فتنة طرفها ... وقع المهند في يد السكران

الكحل

انظر إلى كحل على أهدابها ... هو جوهر لمهند ويمان
(1/114)

أو أبدع النقاش خطا حالكا ... ليزيد رونق دورة الفنجان

الأنف

الأنف سد بين طرفيها نعم ... هذا سيافان مختصمان
محراب حاجبه بناء رائق ... وهو العماد لذلك البنيان

الفم

وفم الحبيبة حقة محمرة ... فيها الآلئ الماء والتبيان
ياقوتة مثقوبة لكنها ... بالثقب خالية عن النقصان

الشفة

شفة الفتاة عقيقة يمنية ... تشفي مويهتها صدى الظمآن
رطبان كل منهما ذي حمرة ... متفاخر باللون والحلوان

المسي

شفة المهاة عقيقة مسيها ... يحكي سواد شقائق النعمان
أو هذه ياقوتة كحلية ... فيها جلاء بصارة الإنسان

الثغر

ما ثغرها إلا الطباشير الذي ... يطفي لواعج غلة اللهثان
أو هذه ياقوتة كحلية ... فيها جلاء بصارة الإنسان

التبسم

بسمت شفاه حبيبتي أو لاح في ... شفق وميض رائق البرقان
أو سلت الحسناء سيفا لامعا ... لتريق باسمة دم الولهان

اللسان

حسناء مقولها طلسم يحتوي ... دررا تدحرجها إلى الآذان
(1/115)

عين الحياة فم التي أحببتها ... ولسانها هو احمر الحيتان

الحديث

حلو ومر قول فاتنة النقا ... متلبس بتخالف العنوان
فالحلو منه لمن تناول السكر ... والمر منه مدامة النشوان

الرضاب

ماء الحياة رضاب غانية اللوى ... أين السبيل إليه العطشان
أو خمرة ماء الآلئ ماؤها ... لا شربة من حبة الرمان

الخد

خد التي برعت طلاوة وجهها ... ورد طري من رياض جنان
الورد في بستان غانية الحمى ... والنرجس الريان يجتمعان

العرق

عرق الوجيهة قطرة لكنها ... في عرفنا تربي على الطوفان
أو لؤلؤ متدحرج ينحو إلى ... جهة يشاء على بساط قان

الخال

الخال في خد الحسينة برة ... كيف استقر الكفر في الإيمان
أو طاح في الوقد الذكي فراشة ... أو عرج الزنجي في الميسان

الذقن

ذقن الجميلة سافل في وجهها ... عال سناه على سنا النيران
خجل التفافيح القواني عنده ... ومآلها خر على الأذقان
(1/116)

القرط

قرطا الجمان من الغدائر أومضا ... أو ضاء في الديجور مصباحان
قصرت عن شرح الحقيقة بل هما ... سعدان حول البدر يلتمعان

الجيد

قد أطرق الغزلان قاطبة متى ... شاهدن جيد سعاد في الليان
أمل الدمى أن تستفيد تلفتا ... من جيد غادة برقة الروحان

الطوق

الطوق زينة جيدها لكنه ... طوق على عنق المحب الجاني
دارت على الفئة الذين تمسكوا ... بالعشق دائرة من الأزمان

الثدي

ثديا المليحة صاحبان تشاكلا ... وهما على العلات يصطحبان
جلسا على صدر الكمال تكبرا ... وعلى رؤوسهما قلنسوتان

الوشاح

زار الكواكب صدر الحسناء النقا ... ويخالها الراؤون سلك جمان
أو تلك أفئدة ثوت في فالق ... وتبرأت من ألفة الأوطان

القلب

حجر أصم فؤادها وزجاجة ... قلب الذي هو في المحبة فان
(1/117)

ففؤادها في الانشراح لأنه ... ضرر على أوان يلتقيان

الساعد

خرج اللجين عن المعادن لا كما ... خرجت سواعدها عن الأردان
صبحان منفلقان عن كميهما ... وكلاهما في الضوء مستويان

السوار

أهوى أساورها وليس ببدعة ... أن الخليل إلى الدوائر ران
حق المغرد أيكون مطوق ... عجب الزمان تطوق القضبان

اليد

حمراء خلت ذراعها مرجانة ... وحسبتها ساق مع الأفنان
جعلت قلوب الناس ملك يمينها ... وأرت يدا بيضاء في الإحسان

الظفر

قد حصل الأظفار هذا الطيب من ... أظفار غانية من الصمان
جمع الأهلة والبدور بنانها ... هذا لعمري خارق الدوران

الحناء
أخذت أناملها الخضيبة مهجتي ... هي بين نيران بغير دخان
يخشى خضاب بنانها أسد الشرى ... يحكي دماء أسنة الخرصان

الخصر

خصر الرشيقة لا يفارق جدبه ... رفقا بصبر وشاحها الغرثان
بين الوجودين اللذين تراهما ... عدم فيا لغرابة الجسمان
(1/118)

السرة

إن فاح سرتها فلا تتعجبوا ... مأوى الأريجة سرة الغزلان
بقيت علامة أصبع أذ حاولت ... تخمير طينتها يد الرحمن

ما تحت السرة

بر من الفردوس لحسناء أو ... موزان مختصران ملتصقان
قوسان سهم واحد يكفيهما ... يرجوهما سهمي من الطغيان

الردف

هام الفؤاد بغادة طائية ... أجأ وسلمى عندها الردفان
ليست روادفها علي ثقيلة ... مع أنهن ثقيلة الميزان

الساق

ساقا الخريدة أسطوانة حسنها ... حسبت عمود الصبح في الأقران
تربان قد غلب الغرور عليهما ... فهما أوان الميس يستبقان

الرجل

رجل العشيقة كيف تقصد دارنا ... عدم التخطي أرجل الأغصان
غمزت زجاجات القلوب فكسرت ... وتشبثت بصيانة المنان

الخلخال

ساق التي قالت تذيب قلوبنا ... خلخالها من خالص العقيان
أو قبلت شمس الصبحية رجلها ... مفقودة الأحشاء بالذوبان
القامة
يا طيب غصن الصندل الرطب الذي ... داوى متيمه من الخفقان
(1/119)

رفع الأسنة كلها سبابة ... شهدت لوحدة ذلك المران
الميس
صان الإله رشيقة مياسة ... أربت على الغزلان في الجولان
نكس الغصون رؤوسها لما رأت ... مختالة الوعساء في الميسان
الدلال
غنج الحسان الفاتنات قيامة ... يلقي سلاة الناس في الهيمان
غنجت فخلناها وميضاً ماطراً ... يبكي ويبسم فلتة في آن
اللباس الأبيض
لبست جويرية الأبارق حلة ... بيضاء ناصعة من الكتان
فكأنها في حلة مبيضة ... شمس أضاءت في الصباح الثاني
اللباس الأحمر
خرجت صباح العيد غانية الحمى ... في حلة حمراء بين غوان
طلت دماء العاشقين ولم تلح ... في ذيلها لتوحد الألوان
اللباس الأصفر
لبست حميراء الغوير مزعفراً ... يل ربنا صنها عن العيان
قد حل لون الحسن في لون الهوى ... العذري بالطريان والسريان
اللباس الأسود
لبست فتاة الأبرقين ممسكاً ... فبدا ضياء في بهيم زمان
ظهرت سليمى في لباس حالك ... أو حفت النعماء بالكفران
(1/120)

اللباس الأخضر
لبست بثينة حلة مخضرة ... فرأيت أي الروح والريحان
وقع الحمائم في تصور بانة ... خضراء إذ ذهبت إلى البستان
اللباس الأزرق
طلعت سعاد صبحية في حلة ... زرقاء يقدمها علو الشان
أو تلك شمس ضمها نيلوفر ... سقياً له من طالب اللقيان
اللباس المصندل
جاءت حسيناء الأبيطح في لب ... س صندلي نحو هذا العاني
لبست بتوفيق الإله مصندلاً ... لتعالج المصدوع بالفيحان

الخاتمة

أمليت في وصف المهاة قصيدة ... حسنية تحوي أدق معان
في سبعة فوق الثمانين التي ... مئة وألف بعدها حسباني
سميت "مرآة الجمال" قصيدتي ... طابت برؤيتها قلوب حسان
ما إن سمعنا مثلا عن شاعر ... آزاد للطرز المنشط بان
صلى الله على النبي وآله ... ما غنت الأطيار بالألحان
ولصاحب القصيدة شرح موجز عليها، أثبت تحت كل عضو أشعاراً رائقة للشعراء، وأبياتاً فائقة للفصحاء، من تعريفات الحبائب، وتوصيفات الكواعب، وجملة أشعار في الدواوين العربية آلاف، وكانت ولادته في الخامس والعشرين من صفر يوم الأحد سنة ست عشرة ومئة ألف بمحروسة بلكرام، وهي متصلة بقنوج من
(1/121)

بلاد الهند المذكورة في "القاموس" وقنوج موطن هذا العبد المؤلف، وكان رحمه الله تعالى فاضلاً فقيهاً محدثاُ أديباً، بارعاً في العلوم العقلية والنقلية، جامعاً للفضائل والكمالات الصورية والمعنوية، وجملة أشعاره في "السبعة السيارة" وغيرها أحد عشر ألفاً، وما سمع قط من أهل الهند من يكون له ديوان عربي ومن يكون له شعر عربي على هذه الحالة، وهو حسان الهند، مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدواوين، وأوجد في مدحه معاني كثيرة نادرة لم يتيسر مثلها لأحد من الشعراء المفلقين، وأبدع في قصائده المدحية مخالص لم يبلغ مداها فرد من الفصحاء المتشدقين، وله في التغزل طور خاص قلما يوجد في كلام غيره، يعرفه أصحاب الفن، وله تصانيف نفيسة حسنة جداً، وغالبها حاضر عندي، وكان يرجع نسبه إلى علي العراقي بن حسين بن محمد بن عيسى موتم الأشبال بن زيد الشهيد ابن الإمام علي زين العابدين رضي الله عنهم. توفي رحمه الله في سنة مئتين وألف هجرية، ودفن بالروضة من أرض الدكن. وأما أنا، فيرجع نسبي إلى علي بن الحسين السبط أيضاً، لكن بواسطة أئمة الهدى من أهل البيت، وعشيرتي معروفة بسادة بخارى، ولي أيضاً يد صالحة وجارحة عاملة في اللسان العربي والفارسي والهندي، وتصانيف كثيرة فيها، لكن غالبها في علم التفسير والحديث وفقه السنة وعلم العقائد وعلم التاريخ وعلم الأدب واللغة والبديع وغير ذلك، وولدت ببلدة بريلي موطن جدي القريب من جهة الأم،
(1/122)

ونشأت في حجر الوالدة الكريمة بقنوج، على زنة سنور، واكتسبت العلوم المتداولة، وتأدبت على عصابة العلوم الفاضلة، وسافرت إلى الحرمين المكرمين، وعدت إلى بلدة بهو بال المحمية عن الرين والشين، ومن الله علي بالمال والحلال، والأولاد الصالحة، والقضاء النافذ، والحكم الماضي على الرئاسة العلية المذكورة، وخوطبت من جهة مليكة البرطانية بخطاب فائق ولقب رائق، لفظه بالفارسية: نواب عليجاه الملك سيد محمد صديق حسن خان بهادر، والآن أنا نزيلها، وزوج الرئيسة ودخيلها، جعل الله خاتمتي بالخير، وصانني عن شرور الأعادي وكل ضير. هذا وقد أورد الأنطاكي في "تزيين الأسواق" مقاطيع وأغزالاً وأبياتاً وأشعاراً كثيرة، ختم بها كتابه المذكور، وما ذكرت منها ههنا إلا اليسير المسطور، لأن الغزال المطلقة التنصيص، العامة من غير تخصيص، كثيرة لا تحصى، وغزيرة لا تستقصى. أورد منها في "تزيين الأسواق" ما حسن وقعه في الأسماع، وجلب القلوب السليمة الأذواق عند السماع، وذكر شيئا من لطائف الغزل الخاصة والعامة، في الذاتيات والأعراض اللازمة، وقد تغزل العشاق في الأعراض المفارقة، نحو الزينة والوضائف، ببديع النكت واللطائف، ومما يلحق بذلك التلميح، وهو نوع لطيف جليل المقدار في البديع، عظيم الفائدة في الإيصال إلى المطلوب، من نحو نكاية الخصم، وبلوغ الأرب من ذوي الفهم، ولم تدر الأغبياء وجل
(1/123)

علماء المعاني على أن التلميع يراد فه، والصحيح أنه أخص، ومما ينسج في هذا النمط ما سمته العرب باللاحن، قال ابن دريد: إنه مشتق من اللحن، يعني: الفطنة، وإن فائدتها التخلص من أنشوطة التعسف مع الأمن من المؤاخذة عند الإلجاء. وأمثلة التلميح والملاحن مذكورة في كتاب الأنطاكي. ومنها المجون، وما نقش على الخواتم والتكك، وغيرهما من نحو إكليل وعود وميل وكأس وأترجة، ومما ينخرط في هذا المسلك ما يكتب على الكتب، ونظائر ذلك كثيرة لا مطمع في استقصائها، ولا قدرة على إحصائها، وبعضها مذكور في "تزيين الأسواق" فإن شئت الإطلاع عليه فراجعه. ولنختم الكلام الذي اقتطفناه من هذه الأزهار وارتضيناه، ومن هذه الأصمار جنيناه، بغزل منا في بعض أيام الشباب نظمناه:
لله غانية في مهجتي نزلت ... مالت إلى الوصل شوقا ثم ما وصلت
طحت بقلبي وضامتني بلا سبب ... يا أيها القوم قولوا كيف ما فعلت
أتحف جوهر قلبي نحو حضرتها ... ألقت إلي فما شامت وما قبلت
قد أمنتني وألقتني إلى أسف ... بالله يا صاح ما هذا وما فعلت
قامت تودعني والحزن يرهقها ... وقمت عانقتها والعين انهملت
جاءت وولت فلا شكوى من دعد ... هي الحبيبة إن عادت وإن عدلت
حور الجنان تحاكي حسن عزتنا ... في فكرهن ولو أبصرتها خجلت
تلوح في عارضيها صفرة عجب ... لعلها من جفاء الصب انفعلت
(1/124)

كانت تؤمل قتلي دائما أبدا ... لله نفس مشوق بالمنى قتلت
لم أرتكب في هوى أسماء معصية ... بأي ذنب رعاها الله قد قتلت
إعراض قلبي عنها أي معصية ... لا أرتضيه وإن جارت وإن عدلت
ضاءت ذوائبها من نور وجنتها ... لله بارقة في ظلمة حصلت
أتلك طرتها طالت إلى قدم ... أم آية هذه في شأنها نزلت
أهذه يدها البيضاء زاهية ... من نور طلعتها شمس الضحى خجلت
أم غرة في جبين الدهر فائقة ... أم درة من نحور الحور انتقلت
هي التي ترتضي مني وتمقتني ... باليت يوم من التلوين انفعلت
حب المليحة يوم الدين مكرمة ... هناك منه موازين الهوى ثقلت
سفاكة قطعت رأسي بلا قود ... تجاوز الله عنها أي ما فعلت
(1/125)

فتانة أجرت الأنهار من دمنا ... لا يفعل الظالم المغرور ما فعلت
هوى العذول رجوعي عن صبابتها ... ولست أرجع إن حييت وإن قتلت
ألصب يشكر منه موعدا حسنا ... وإن أخلت بإيفائها وإن ختلت
ما إن بخلت بروحي مذ شغفت بها ... فكيف عزتنا بالوصل لي بخلت
ليست لها غاية في قتل عاشقها ... إلا الثواب جزاها الله ما عملت
نصح العواذل لا يأتي بفائدة ... تلك المواعظ منهم هفوة بطلت
شهادة الصب منها أي مرحمة ... أمنية كان لي من مدة حصلت
وأين تحصل للعشاق خلوتها ... ترى المحبين صرعى حين احتفلت
لن تنظرن إلى صب بعين رضا ... فيا لمنتظر من نظرة فضلت
هيج الغرام وموت الهجر مخمصة ... ما ضر عزة لو عن صبها سألت
(1/126)

موت المحب على دين الهوى حسن ... أفتى به زمرة آثارهم نقلت
سقم الفتى في الهوى العذري عافية ... وأي عافية ما مثلها حصلت
حكت سعاد لنا من حسنها عجبا ... فلو رأتها ظباء المنحنى ضألت
فاضت دموعي على جيراننا بدم ... هذي منازل سلمى قد خوت وخلت
كانت معمرة مأهولة أبدا ... صارت بلا قع مذ أسماؤنا رحلت
لله درك يا صديق من كلم ... نظمتها وهي في أوصافها كملت
صلى الإله على المختار من مضر ... ما دام سنته للمؤمنين حلت
وقد رأينا أن نجعل هذا المقطع من الغزل كالاستغفار بعد الذنوب، والكفارة لمن عزم أن يتوب، لاشتماله على ذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، التي يكشف بها كل غم، وينجلي كل هم، وهذا أقصى ما أردنا تحريره، وأنهى نهاية ما ارتضينا تسطيره، مستغفرين الله مما جنيناه، إذ هو أكرم كريم، يقبل توبة
(1/127)

التائب، ولطيف يؤوب إليه الآيب، قائلا ما قال الأنطاكي، في لوعة الشاكي ودمعة الباكي:
كتبت وقد أيقنت أن جوارحي ... ستبلى ويبقى كل ما أنا عامله
فإن كان خيرا سوف أحمد غبه ... وإن كان شرا أوبقتني غوائله
فاستغفر الله العظيم من الذي ... كتبت ومما قلت أو أنا قائله
فيا رب بالهادي النبي محمد ... نبي على كل الورى فاض نائله
وبالآل والأصحاب ترحم عاجزا ... كليلا من الذنب الذي هو حامله
أتى تائبا من غفلة اللهو قائلا ... صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله
ولم لا وجل العمر قد فات وانقضى ... وعري أفراس الصبا ورواحله
تفضل عليه وارحم الآن ذله ... وتختم بخير كل ما هو فاعله
فالحمد لله على إتمامه، والشكر له على جزيل إنعامه، وعلى خاصته من خلقه محمد أفضل صلاته وسلامه وعلى آله الغالبين بإتمامك الحجج على الأعادي، وأصحابه المتمين لأنوار الهدى في الدآدي، ما عد التسابيح للرحمن، بسبحة الياقوت والمرجان.
(1/128)