Advertisement

نشأة النثر الحديث وتطوره


الكتاب: نشأة النثر الحديث وتطوره
المؤلف: عمر الدسوقي
الناشر: دار الفكر العربي
الطبعة: 1428هـ - 2007مـ
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] المقدمات
مقدمة
...
بسم الله الرحمن الرحيم.
مقدمة:
عندما دعاني معهد الدراسات العربية لإلقاء هذه المحاضرات على "نشأة النثر الحديث وتطوره"، سرتني هذه الدعوة بقدر ما أهمتني، سرتني؛ لأن النثر الحديث لم يلق من جمهور الباحثين، والنقاد من العناية مثل تلك العناية البالغة التي لقيها الشعر، ورأيت في هذه الدعوة الكريمة فرصة لأضع لبنة متواضعة في هذه الدراسة ... وأهمتني؛ لأن نثرنا الحديث قد تطور في مدى قرن ونصف تطورًا عظيمًا، وتعددت أغراضه وألوانه، واتسعت آفاقه وقوالبه، وتطورت معه اللغة العربية، وخرجت من جمودها السابق إلى مسايرة الحضارة الحديثة، والثقافات الوافدة، ولا سيما في العلوم الإنسانية، وظهر في ميادين النثر المختلفة، من مقالة وأقصوصة ورسائل، ومسرحيات وكتب عدد كبير من الأعلام الذين أثروا الأدب العربي بنتاجهم، وكانوا زينة عصرهم، ولكل طريقة في التفكير والتعبير، ومنابع الثقافة.
ولم يكن من اليسير أن تتناول هذه المحاضرت كل ألوان النثر من مقالة، ورسالة وكتاب وقصة ومسرحية، ولذلك آثرت أن أترك الحديث عن القصة والمسرحية في هذه المحاضرات، إذ قد ظهرت فيهما بعض الدراسات من الممكن أن تكون أساسًا لدراسات أوسع، ووجهت همي إلى دراسة فنون النثر الأخرى، ولا سيما المقالة والرسالة والكتاب.
وكان تتبع نشأة النثر الحديث، وكيف تخلص من أوضار الماضي، ونهضته من وهدة الركاكة، والغثاثة إلى أن اتضحت سماته، وأخذ يشق طريقه إلى القوة
(1/3)

والصحة والجمال الفني، كان تتبع هذه النشأة والتطور في مراحلهما الأولى أمرًا غير هين، ولكن من حسن حظى أن قد تتبعت هذه النشأة من قبل في كتابي "الأدب الحديث"، وحاولت في هذه المحاضرت أن أزيد الدراسة السابقة وضوحًا بإيراد النماذج ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، وإن كان المقام حال بيني وبين التوسع في هذه النماذج، ودراستها بالقدر الذي كنت أرجو.
ووجدت بين يدي فيضا من الآثار النثرية الجديرة بالدرس، وعددًا كبيرًا من كبار الكتاب في الألوان التي آثرتها بالدراسة، ولا سيما وقد حاولت أن أتتبع هذه النشأة بمصر والعراق، والشام حتى أعطي صورة واضحة قدر المستطاع، ومدى ما أسهمت به البلاد العربية في هذه النهضة، وعلى الرغم من الإيجاز الشديد الذي أعتذر عنه، والذي اقتضته طبيعة هذه المحاضرات فقد وجدتني، وقد انتهت المحاضرات المخصصة لي في منتصف الطريق، ولا زال أمامي عدد من أعلام البيان العربي لهم منزلتهم الكبيرة في دنيا الأدب، ولن تكمل الدراسة، وتتم إلا بتتبع آثارهم والتعرف على اتجاهاتهم، وأساليبهم من أمثال: الرافعي والزيات والبشري، وهيكل والمارني وكرد علي والألوسي وغيرهم، وبخاصة والقرن العشرون قد شهد نهضة فارعة في النثر في شتى ميادينه، والبلاد العربية قد سارت شوطًا بعيدًا في طريق نضجها العقلي والأدبي، ولذلك أقدم هذه المحاضرات المركزة تمهيدًا لدراسة أخرى أرجو أن تتاح لي - بإذن الله تعالى- أقدم فيها أعلام البيان العربي في القرن العشرين، والله ولي التوفيق.
عمر الدسوقي.
(1/4)

المحتويات:
الصفحة الموضوع
3 المقدمة
5 المحتويات
7 تمهيد
26 البعث
29 رفاعة الطهطاوي
45 في العراق والشام
45 -السيد محمود الألوسي أبو الثناء
47 -ناصف اليازجي
50 - البستاني
51 أثر الصحافة في تطور الأسلوب
51 - الوقائع المصرية
52 - الجوائب
57 مدرسة جمال الدين الأفغاني، وأدب المقالة
61 الشيخ محمد عبده
70 أديب إسحاق
82 إبراهيم اللقاني
84 عبد الله نديم
91 أدباء الشام
91 - إبراهيم اليازجي
92 - نجيب حداد
95 تنوع المقالة
(1/5)

الصفحة الموضوع
99 أدب الرسائل
99 - عبد الله فكري
104 - محمد عبده
106 - حمزة فتح الله
107 - عبد الكريم سلمان
107 - أحمد مفتاح
110 - عبد العزيز جاويش
113 - حفني ناصف
118 - إبراهيم اليازجي
121 الكتب الأدبية
123 أسواق الذهب لأمير الشعراء أحمد شوقي
131 حديث عيسى بن هشام للمويلجي
142 ليالي سطيح لشاعر النيل حافظ إبراهيم
154 صهاريج اللولؤ للبكري
168 تطور المقال الأدبي
170 المنفلوطي
180 - الاشتراكية عند المنفلوطي
192 - اللغة عن المنفلوطي
198 المراثي عند المنفلوطي
202 - مقالاته الأدبية
213 - رسائله
221 البيان في رأي المنفلوطي
227 أسلوب المنفلوطي
241 منزلة المنفلوطي في موكب الأدب العربي
247 أثر الثقافة الأجنبية في تطور المقال الأدبي
(1/6)

تمهيد:
كان لحملة نابليون على مصر -على الرغم من غرضها الاستعماري- أثر عميق في نهضتنا الحديثة، إذ هزت المصريين هزًا عميقًا، وأيقظتهم من سباتهم الطويل، وأطلعوا إبان مقام الفرنسيين بمصر على ألوان من الحياة وضروب من المخترعات، وأدوات حضارية، ونظم ثقافية لا عهد لهم بها، وأدركوا أن ثمة أمما أخرى تعيش وراء البحر قد حاولت جهدها تسخير قوى الطبيعة للإنسان، وانتهجت في الحياة نهجًا جديدًا يدعمه العلم والصناعة.
وقد وصف "عبد الرحمن الجبرتي" في تاريخه مبلغ الدهشة التي أبداها مثقفو المصريين من هذه المظاهر حين أتيح لهم الاطلاع عليها، كانت حملة نابليون مزودة بكل وسائل التفح والاستعمار، فصحبتها نخبة من العلماء في شتى فروع
المعرفة، وأسسوا المجمع العلمي، ومنهم من كشف أسرار اللغة الهيروغليفية عقب عثوره على حجر رشيد، وكان لديهم مطبعة عربية صغيرة.
كانت هذه الحملة أول اتصال وثيق بين مصر، وأوربا منذ عهد الحروب الصليبية، ومنذ ذلك الوقت بدأ هذا الاتصال يزداد على مر الأيام، إذ أتيح لمصر عقب خروج الجيوش الفرنسية منها أن تأخذ بأسباب النهضة عندما اختار المصريون محمد علي واليًا عليهم، وقد كان محمد علي طموحًا يعمل لنفسه قبل أن يعمل لمصر، وقد سخر كل شيء فيها لتحقيق آماله، وتشييد دولة قوية يحميها جيش منظم يسير على أحدث النظم الغربية، واتجه محمد علي نحو الغرب، وبخاصة فرنسا يستقدم الخبراء والعلماء، وأخذ يرسل البعثات
تباعًا إلى فرنسا ثم إلى الدول الغربية الأخرى، وينشئ المدارس الفنية لخدمة
الجيش، فأنشأ مدرسة الطب والهندسة والصيدلة وغيرها، كما أنشأ مطبعة بولاق التي عرفت فيما بعد باسم المطبعة
(1/7)

الأميرية، والتي كان لها أثر كبير في إحياء تراثنا القديم، وفي تزويد النهضة بالكتب الجديدة.
اعتمد محمد على في النهوض بالمدارس التي فتحها، وبخاصة العالية منها على أساتذة غربيين، ولم يكن الطريق ممهدًا أممامهم، إذا عهد إليهم بالتدريس لطلاب لا يعرفون لغتهم، واقتضى الأمر إقامة عدد من المسترجمين بين الطلبة وأساتذتهم كان معظمهم من المغاربة، والسوريين والأرمن من أمثال الأب "رفائيل راخور" و"يوسف فرعون" و"محمد عمر التونسي"، الذي وضع معجخمًا طبيًا بالفرنسية والعربية، ولقد كان عملهم هذا أول خطوة في تجديد شباب اللغة، وتزويدها بالمصطلحات الفنية، واضطروا إلى مراجعة معجمات اللغة، والكتب القديمة الفنية، كمفردات ابن البيطار وقانون ابن سينا في الطب، وإذا كانت قد غلبتهم الألفاط الأجنبية في كثير من الأحيان، فقد كان لهم الفضل في عقد أول صلة علمية بين الشرق والغرب.
ثم أخذ محمد علي يجني أول ثمار أتعابه، فعاد أعضاء البعثات تباعًا واعتمد عليهم في كثير من شئون النهضة، وقد بلغ من حرصه على معرفة ما أفادوه من بعثاتهم أن كان يحبسهم في القلعة عقب عودتهم، ولا يسمح لهم بتركها إلا إذا ألقوا أو ترجموا كتابًا في المادة التي تخصصوا فيها، ثم يدفع الكتاب إلى المطبعة.
ولما عاد رفاعة الطهطاوي بعد أن قضى خمس سنوات في فرنسا أشار على محمد علي بإنشاء مدرسة الألسن لتعليم اللغات المختلفة، وعهد إليه بإدارتها، وقد نشأ فيها جيل من المصريين زود اللغة العربية بكثير من ثمار الثقافة الغربية، حتى بلغ ما ترجمه رفاعة الطهطاوي، وتلاميذه أكثر من ألف كتاب.
كانت النهضة في عصر محمد علي علمية خالصة، إذ كان يرى أن حاجته إلى العلم أشد من حاجته إلى الأدب، ولذلك كان يوجهها الوجهة التي يريدها، كما أنه كان يؤثر التركية على العربية أول الأمر، ويؤثر الأتراك والألبان ومن على شاكلتهم لشغل منصاب الدولة، ولا سيما في الجيش، حتى الوقائع المصرية وهي
(1/8)

أول جريدة ظهرت بمصر كانت تصدر أول الأمر باللغة التركية، ولكن محمد علي لم يجد بدا من الاستعانة بالمصريين في الجيش، واختيارهم أعضاء في البعثات، وصدرت الوقائع في أخريات حياته بالتركية، والعربية معًا، وإن ظل الضغط على المصريين شديدًا في عهده وعهد عباس الأول، بل لقد بلغ من اضطهاد اللغة العربية في عهد عباس الأول أن من كان يتكلم بهما من طلبة المدارس الحربية توضع في فمه العقلة، التي توضع في فم الحمار حينما يقص، ويبقى كذلك نهارًا كاملًا عقوبة له على تحريك لسانه باللغة العربية في غير أوقات الدرس، ولم يشعر المصريون في عهد محمد علي بالحرية التي كانوا يتطلعون إليها، وتصبو لها نفوسهم، ولا شك أن اللغة ويتبعها الأدب لا يمكن أن تنهض في مثل هذا الجو، وفي ظل هذا الحاكم.
بيد أن هذا الضغط في كل شئون الحياة لم يمنع المصريين من الأخذ بأسباب النهضة والإفادة منها، فهؤلاء الطليعة الذين سافروا إلى بلاد الغرب، وعرفوا من نظم الحياة والحكم، واغترفوا من ينابيع الثقافة الغربية ما لم يتح لهم أن يروه في بلادهم، قد عادوا وهم يحملون في جوانحهم آمالًا كبيرة لمستقبل بلادهم من أمثال رفاعة الطهطاوي، وعلي مبارك، ومحمد علي البقلي وإسماعيل الفلكي، وعشرات سواهم.
كانت هذه الطليعة تتولى قيادة الحركة الفكرية في عهد إسماعيل الذي جاء عقب النكسة التي أصيبت بها النهضة إبان حكم عباس وسعيد، إذ كان عباس من المعوقين فعلًا للتقدم، فسرح الجيش وأغلق المدارس التي فتحها محمد علي، ولم يستثن إلا مدرسة الصيدلة، ونفى رفاعة الطهطاوي إلى السودان بحجة فتح مدرسة ابتدائية في الخرطوم، ولم يكن الحال في عهد سعيد أحسن منه في عهد عباس، اللهم إلا أنه كان عطوفًا على المصريين، ورأى أنهم مغبونون في بلادهم، ولكنه لم يقم بعمل إيجابي لرفع الضرر عنهم.
ولما جاء إسماعيل، وكان شديد الطموح -وهو ممن تعلموا في فرنسا- رأى الأخذ بكل وسائل النهضة الحديثة إلى حد الطفرة، وتولى شئون التعليم في عهده
(1/9)

على مبارك مستعينًا بأمثال رفاعة الطهطاوي، وكانت سياسة إسماعيل ترمي إلى التحرر من سيطرة الخليفة التركي بالآستانة، فطفق يعمل على توهين الصلات بينه وبين تركيا، وكلف عبد الله فكري تعريب دواوين الحكومية ونقل كل اللوائح التركية إلى العربية، فنهض بهذه المهمة على أكمل وجه.
أعيدت في عهد إسماعيل المدارس التي أغلقت في عهد عباس، وتوسع علي مبارك في فتح المدارس الثانوية، والعالية، والابتدائية، وفي عهده أنشئت دار العلوم لتكون حلقة وسطى بين التعليم الأزهري الذي أبى أن يساير النهضة، وبين المدارس المدنية الجديدة، ولتنهض باللغة العربية، كما أنشئت دار الكتب لتيسر سبل الإطلاع للراغبين في العلم والتأليف، وزاد الاهتمام بالترجمة، وانشترت الصحافة في عهد إسماعيل، وقد شجع كثيرًا من المسيحيين السوريين، واللبنانيين على الإقامة بمصر حينما لجأوا إليها هربًا بحريتهم، وعقيدتهم من جو التعصب الذميم الذي كان يختم على بلاد الشام، وأدى إلى مذابح سنة 1860، وقد أسهم هؤلاء في نهضة الصحافة، وأطلق إسماعيل لهم الحرية؛ ليتهجموا على تركيا ما شاء لهم التهجم لما عانوه على يد ولاتها من اضطهاد في ديارهم، وكان ذلك مما يروق لإسماعيل؛ لأنه كان يعمل على الانفصال عن تركيا، وقامت الصحافة بمهمة جليلة في نهضة اللغة والأدب، وطوعت العربية للفكر الحديث، والأغراض الجديدة كما سنرى فيما بعد إن شاء الله.
ووجد في عهد إسماعيل كذلك ميل شديد إلى إحياء تراثنا القديم، وتيسير الاطلاع عليه، فألفت لذلك الجمعيات المختلفة منها: جمعية المعارف التي انضم إليها نحو ستين وستمائة شخص من ذوي النفوذ، والثقافة بمصر، ومن الكتب القديمة التي نشرتها: أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير في خمسة مجلدات، وتاج العروس، وتاريخ ابن الوردي، وشرح التنوير على سقط الزند، وديوان ابن خفاجة الأندلسي، وديوان ابن المعتز، والبيان والتبيين للجاحظ، ورسائل بديع الزمان الهمذاني، وغيرها من الكتب القيمة، وأنشأ رفاعة الطهطاوي
(1/10)

كذلك جمعية لنشر المخطوطات العربية القديمة منها تفسير الفخر الرازي، ومعاهد التنصيص، وخزانة الأدب، ومقامات الحريري وسواها.
وإذا كان الطابع العام للنهضة في عهد محمد علي علميًا، فقد سار إسماعيل على نهجه أول الأمر، بيد أن أن التحكم في الميول والمواهب، وتوجيهها قسرا إلى ما تصدف عنه ولا ترغب فيه أمر عسير، ولذلك ما لبثت هذه المواهب الأدبية التي نهلت من الثقافة الغربية أن حاولت الإفصاح عن نفسها، وعن ميولها، فابتدأت الترجمة عن الأدب الغربي إلى الأدب العربي تزداد وتتنوع، بل إن بعض بذور الأدب الحديث بدأت تنمو في هذه العهد، حين أخذ المصريون يشعرون بأنفسهم، ورسالتهم في نهضة بلادهم بعيدًا عن سيطرة الدولة.
ومن أوائل الذين عنوا بنقل بعض الآثار الأدبية إلى اللغة العربية رفاعة الطهطاوي من ذلك: كتاب الأب "فينلون" عن مغامرات "تليماك"، وقد ترجمه
رفاعة أيام أن كان منفيًا في السودان، ونشره عقب عودته إلى مصر باسم "مواقع الأفلاك في وقائع تليماك"، ويعد هذا الكتاب أول محاولة لنقل القصة
الغربية إلى العربية، بل نقل الأدب الأسطوري الخرافي اليوناني إلى الفكر العربي، وترجم كذلك رثاء "فولتير" للويس الرابع عشر، كما ألف أو ترجم كتاب "تعريب الأمثال في تأديب الأطفال"، وترجم نشيد المارسيليز، "ووضع عدة أناشيد شعرية تفيض حماسة ووطنية ينشدها الجنود، وكان هذا لونًا لا عهد للشعر العربي به من قبل.
وعني إسماعيل بالمسرح، فأنشأ "ألأوبرا"، واستقدم لها الفرق الأجنبية، وشجع المسرح العربي الذي أنشاه يعقوب بن صنوع الذي عرف فيما بعد باسم "أبي نضارة"، وأخذ هذا يترجم لمسرحه كثيرًا من الروايات الأجنبية، وكان إسماعيل يشهد مسرحه، ويغدق عليه الأموال ويسميه "موليير مصر" كما شجع المسرح الذي أنشأه سليم نقاش، وأديب إسحاق بالإسكندرية أولًا ثم بالقاهرة، وقد مثلت عليه كذلك مسرحيات غربية عديدة نقلت إلى العربية، فكان لهذا
أثره في الاتصال بالفكر الغربي، وألوان أدبه.
(1/11)

ومن الذين نشطوا في عالم الترجمة، وزودوا اللغة العربية ببعض الآثار الغربية محمد عثمان جلال، فنقل إلى العربية أمثال "لافوتين"، وسماها "العيون اليواقظ" كما ترجم بعض روايات "موليير" الهزلية: "الأربع روايات من نخب التياترات، ومنها رواية "ترتوف"، وسماها "الشيخ متلوف" ومنها "النساء العالمات"، وترجم كذلك بعض روايات "راسين"، وسماها "الروايات المفيدة في علم التراجيدة"، وترجم بجانب هذه المسرحيات قصة "بول وفرجيني" للكتاب الفرنسي "برناردين دي سان بيير" وسماها "الأماني والمنة في حديث قبول وورد جنة".
وأسهم كثير من السوريين الذين هاجروا إلى مصر في الترجمة، وكان من أشهرهم نجيب الحداد، وبشارة شديد وطانيوس عبده، وبهذا أخذ تيار الثقافة الغربية يشتد ويقوى، ويؤثر في الفكر العربي الحديث على مر الأيام.
وفي عهد إسماعيل كذلك وفد إلى مصر السيد جمال الدين الأفغاني، والتف حوله نخبة ممتازة من المفكرين المصريين، وكان جمال الدين الأفغاني قد طوف في البلاد الإسلامية عله يجد قطرًا يصلح أن يكون نواة يلتف حولها العالم الإسلامي، ويعيد للإسلام قوته ومجده، وقد رأى في مصر التربة الصالحة، وأخذ في أول أمره يدعو إلى الإصلاح الديني، ثم ما لبث أن رأى الأحوال السياسية في مصر تتجه اتجاهًا سيئًا نتيجة إسراف إسماعيل، واستدانته وتراكم الديون على مصر مما يسر للإنجليز والفرنسيين التدخل في شئونها، ولا سيما بعد أن باع أسهم مصر في قناة السويس لإنجلترا، وأنشئ صندوق الدين، ووضعت رقابة ثنائية أجنبية على الوزارة المصرية، وأخذ إسماعيل يرهق الفلاحين بالضرائب العديدة التي بلغت تسعة أنواع، مما جعل الفلاح يفر من أرضه هربًا من الضرائب، ومن السياط التي كان يتلقاها حين يعجز عن أداء ما عليه، وأخذ التجار كذلك يحتفظون بأموالهم دون أن يستغلوها خوفًا من الحكومة، وقد وصف البارودي تلك الحالة السيئية بقوله:
وأهمل الأرض جرا الظلم حارثها ... وأمسك المال خوف العدم تاجره
(1/12)

كل هذه الأحوال دعت جمال الدين الأفغاني أن يشتغل بالسياسة، ويحاول أن يحد مخن ذلك الحكم المطلق الذي كان يمارسه إسماعيل، ويرهق به البلاد إرهاقًا شديدًا، ويدفعها إلى أحضان الاستعمار والنفوذ الأجنبي، ووجه مريديه وتلاميذه إلى المطالبة بالنظام الشوري في الحكم، وإلى الإصلاحات الاجتماعية الكثيرة، وإلى محاربة النفوذ الأجنبي، وكانت الصحافة ألسنة، ومنابر تجأر بآرائهم، فظهرت أقلام قوية فتية في تلك الحقبة في يد محمد عبده، وإبراهيم المويلحي وعبد الله نديم وأديب إسحاق، ويعقوب بن صنوع وغيرهم، واتجه النثر الحديث بذلك وجهات جديدة في الموضوع والصيانة، كما سنرى فيما بعد إن شاء الله.
انتهت أزمة إسماعيل والحملات الشيدية التي وجهت إليه، وشعور المصريين بحقهم في المشاركة في الحكم بتنازله عن العرش لابنه توفيق، وكان الشعب يؤمل فيه خيرًا؛ لأنه كان يحضر مجالس جمال الدين ويعده بالإصلاح إذا ولى العرش، ولكنه سرعان ما تنكر لوعوده، وأخرج جمال الدين من مصر، ووقع توفيق تحت تأثير الأجانب.
ثم حدثت الثورة العرابية، وقد ابتدأت بتذمر الضباط المصريين من سوء المعاملة التي يلاقونها في الجيش على يد الجراكسة، والأتراك الذين يستأثرون بالمناصب العليا، ويعاملونهم معاملة غير كريمة، ولكنها ما لبثت أن تطورت إلى مطالبة بالإصلاح الاجتماعي والسياسي، فنادوا بحق المصريين في الدستور والمجالس الشورية، والعيش الحر الكريم، عرف المصريون عن طريق اتصالهم بالحضارة الغربية منذ عصر محمد علي بعض هذه النظم الدستورية، ورأينا رفاعة الطهطاوي في كتابه "تخليص الإبريز" يعد موازنات بين الحكم المطلق الذي يراه في مصر، ويعانيه المصريون من كبت وحرمان، وبين ما يتمتع به الفرنسيون من مجالس نيابية تحاسب الوزراء على اعمالهم وتشرع، وتشرف على الجهاز الحكومي كله، وما يراه الشعب الفرنسي من حرية في القول والعمل، ونراه في أخريات حياته يحدثنا عن الوطن والوطنية، والمواطن الصالح والحرية، وغير ذلك من الكلمات الجديدة على مسامع المصريين بعد تلك القرون الطويلة من الحكم التركي، وعسف محمد علي،
(1/13)

كتب هذه الأبحاث في "المرشد الأمين"، ولما جاء جمال الدين أخذ يلح على هذه الكلمات، وصارت تدوي في آذان المصريين، فلا نعجب إذا حين نرى الحركة العرابية تنقلب إلى ثورة شعبية ترمي إلى الإصلاح الشامل، والتمرد على الظلم والطغيان، وهنا يجد لون جديد من النثر طال احتجابه منذ قرون عديدة، ألا وهو الخطابة التي تضاءل أمرها منذ العصر العباسي، وانحصرت في خطب الجمعة، وصارت تقليدا لخطب ابن نباتة الذي كان معاصرًا لسيف الدولة، ثم صارت ألفاظًا محفوظة لا روح فيها ولا حياة، فلما قامت الثورة العرابية اعتمدت في بث مبادئها، والدفاع عن قضيتها على الخطابة، وكان عرابي نفسه خطيبًا مفوها ذا تاثير قوي على الشعب حين يتكلم، كما كان عبد الله نديم خطيب الثورة المفوه الذي كان ينتقل من مكان إلى آخر مع زعماء الثورة، ويخطب بتدفق وغزارة، وحماسة أينما حلوا، يروج لهم ويشرح للشعب قضيته العادلة، وبذلك فتح الطريق أمام عهد خطابي زاهر بلغ أشده على يد مصطفى كامل في أخريات القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، وشاركه في هذه النهضة كثير من رجال الحزب الوطني، وحزب الأمة وحزب الإصلاح الذي أسسه الشيخ علي يوسف، وشاهدت الجمعية العمومية خطباء مصاقع من أمثال سعد زغلول، وإسماعيل أباظة وعلي يوسف ومن على شاكلتهم.
انتهت الثورة العرابية بالاحتلال البريطاني، وكان كارثة عوقت ركب النهضة في شتى مناحي الحياة، وفرض الإنجليز في سنة 1889 لغتهم على المدارس المصرية تلقى بها كل الدروس ما عدا اللغة العربية، وقابل المصريون الاحتلال بوجوم شديد، ولكنهم ما لبثوا حتى أفاقوا من هول الصدمة، وعاد بعض المنفيين من زعماء الأمة، فيرجع محمد عبده وعبد الله نديم الذي يستأنف جهاده بإصدار صحيفة "الأستاذ" يندد فيها بالاحتلال البريطاني، ويستثير حمية المصريين للتخلص من وطأة الأجنبي، ويمهد الطريق لمصطفى كامل الذي يصدر صحيفة "اللواء"، ويوقدها نارًا مشهوبة الضرام في الداخل، والخارج على هذا الاحتلال البغيض، ومن قبله يصدر الشيخ علي يوسف "المؤيد" وتساندها الأقلام القوية، وينتشر
(1/14)

صيتها حتى يعم توزيعها في معظم البلاد الإسلامية، ويصدر حزب الأمة "الجريدة"، ويحررها لطفي السيد ويجند لها الأقلام المستنيرة.
وكان حزب الأمة متأثرًا بطريقة الشيخ محمد عبده في الإصلاح، حيث كان يبغي تهيئة الأمة عقليًا، ونفسيًا، واجتماعيًا للاستقلال، حتى إذا نالته استطاعت المحافظة عليه، ولم يكن تأثرا ثورة مصطفى كامل في مناوأته للإنجليز.
وكان من مساوئ الاحتلال إلغاء البعثات إلى الخارج، وسيطرة المستشار الإسكتلندي القسيس المتعصب "دانلوب" على شئون التعليم في مصر حقبة من الزمن، حاول فيها أن يقصر مهمته على تخريج موظفين محدودي الثقافة للعمل في الحكومة، تنقصهم سعة الأفق، وحرية التصرف، والقدرة على الابتكارن كما أنهم اهتموا بالتعليم الأولي دون التعليم العالي، وحاربوا اللغة العربية حربًا لا هوادة فيها، ودعوا مع لفيف من الأقلام المأجورة للغة العامية، وفطن المصريون إلى كل هذا، فأسس الحزب الوطني مدارس الشعب لتناهض مدارس الحكومة التي تسيطر عليها اللغة الإنجليزية، ودعا في سنة 1905 إلى تأسيس جامعة مصرية، ووجدت دعوته صدى في النفوس، وتم إنشاء الجامعة في سنة 1908، فكانت فتحًا جديدًا في عالم الثقافة والفكر واللغة، واستقدم لها عدد كبير من مشهوري المستشرقين من أمثال نالينو وجويدي الكبير وجويدي الصغير وغيرهم.
وكان من الطبيعي في عصر الاحتلال أن ينشأ جيل من المصريين يحذق الإنجليزية ويتأثر بالأدب الإنجليزي، وقد عرفنا أن اللغة الإنجليزية قد فرضت على مدارسنا، ودامت سيطرتها عشرين سنة حتى قررت الجمعية العمومية في سنة 1907 عودة اللغة العربية إلى المدارس، فتم ذلك على يد سعد زغلول سنة 1908، أخذ هذا الجيل الذي حذق الإنجليزية، ويقرأ فيها المذاهب الأدبية الأوروبية، وروافع الآداب العالمية يثور على أدبنا التقليدي، وينادي بنظريات جديدة في الأدب شعره ونثره، ولم تكن الثقافة الفرنسية على الرغم من قوة الاحتلال قد قل شأنها بمصر، بل كانت لها قوتها ممثلة في مدارسها وبعثاتها التبشيرية، ومحبي الثقافة الفرنسية
(1/15)

من المصريين الذين تعلموا في فرنسا، واشتدت تبعًا لكل هذا حركة النقل والترجمة من الآداب الغربية، كما اشتدت الثورة على الأدب التقليدي.
ثم جاءت الحماية وما صحبها من الأحكام العرفية بعد إعلان الحرب العالمية الأولى، فكممت الأفواه، وعطلت الأقلام، وتضاءلت الصحافة، وخفتت الأصوات، وتحمل المصريون كل ذلك بصبر بالغ، ما أرهقتهم به السلطة البريطانية إبان الحرب العالمية الأولى من مصادرة الأموال والماشية، والرجال لخدمة الحرب، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها ظن المصريون أن الوطأة ستخفف، والحماية ستزول، ولكن مماطلة الإنجليز ونقضهم لعهودهم عرفتهم أن ذلك لن يتم إلا بثورة عاتية، فقامت ثورة 1919، وضحى المصريون فيها بالدم الغالي يبلل ثرى الوطن، وعرف زعماؤهم النفي والتشريد، وغصت السجون بالشباب الحر، وكانت هذه الثورة انفجارًا عنيفًا للكبت الشديد الذي عاناه المصريون، وبخاصة مدة الحرب، وانتهت هذه الثورة بتصريح 28 فبراير 1922، وبه نالت مصر بعض حريتها واستقلالها.
واعتمدت الثورة في انتشارها والدفاع عن مبادئها، وفضح أعمال المستعمر الغاصب، وقوته وطغيانه على الخطابة؛ لأنها توجه مباشرة إلى جماهير الشعب، كان الزعماء يخطبون وفي مقدمتهم سعد زغلول، وكان الشباب يخطبون في المدارس والأندية والمساجد، والكنائس، وكانت هذه الخطب مفعمة بالشعور الوطني الصادق، ترتفع أحيانًا إلى مستوى عال في عبارتها ومعانيها، وتهبط أحيانًا إلى مستوى الجماهير في لغتها، ولكنها على كل حال تقدمت بفن الخطابة تقدمًا عظيمًا ربما لم يشهد مثله الأدب العربي الحديث.
واعتمدت الثورة كذلك على المنشورات السياسية الحماية التي تكشف عن فظاعة الاستعمار، وعلى البيانات الرائعة التي كان يصدرها زعماء الأمة، تنشر أحيانًا في الصحف، فإذا صودرت الصحف، أو منعت من نشرها وزعت سرا.
ولما قبلت مصر تصريح 28 فبراير سنة 1922، وجاءت الحياة النيابية، وانقسمت الدولة أحزابًا، كل حزب له أنصاره وصحفه، ونوابه، ساعدت الحياة
(1/16)

النيابية على رواج الخطابة السياسية والاجتماعية، كما أن الصحافة الحزبية قد عملت على حشد الأقلام القوية لمناصرتها، وخلط الأدباء بين العمل السياسي والعمل الأدبي، وأنشئت المجلات الأدبية بجانب الصحف السياسية تعرض تراثنا القديم عرضًا جديدًا، وتزود الفكر العربي بكثير من ثمار الثقافة الغربية شعرًا أو نثرًا في صورة مقالات، أو أقاصيص أو سير وتراجم، أو أبحاث أدبية أو نظريات نقدية، على اختلاف الموضوعات التي تعالجها من اجتماعية وأدبية وفنية، واشتهرت السياسة الأسبوعية، والبلاغ الأسبوغي والجديد للمرصفي، ثم الرسالة والثقافة، ولم تعد مجلة الهلال التي صدرت قبل الحرب العالمية الأولى وحدها في الميدان.
وكان لهذه الصحافة الأدبية القوية أثرها المشكور في الترويج للأدب، والكشف عن كثير من المواهب الأدبية فيما بين الحربين العالميتين.
كما قويت حركة الترجمة من الآداب الغربية، واهتمت الصحافة اليومية بنشر الأقاصيص مسلسلة، أو غير مسلسلة، ولم تخل مجلة من قطع مترجمة، وعمد كبار الأدباء إلى ترجمة روائع الأدب الغربي مثل: باقة من حديقة أبيقور، والزئبقة الحمراء، وتاييس لأناقول فرانس، وهدية العشاق لطاغور وزاديج لفولتير، وفاوست وآلام فرتر لجيته، وروفائل للأمرتين، واشتهرت ترجمات المنفلوطي لبول وفرجيني "باسم الفضيلة"، وماجدولين والشاعر، ويترجم السباعي لتشارلز دكنز عشرات الأقصوصات عن الأدب الفرنسي والروسي والإنجليزي، وعمرت الترجمات المكتبة العربية من كل لون وكل موضوع، وبشتى الأساليب، فمنها السامية التي تتحرى الدقة ونصاعة الأسلوب، ومنها المسفة موضوعًا وعبارة، ومنها ما بين بين.
وفي أوائل عهد الاستقلال والتحرر من سيطرة المستشار الإنجليزي أنشئت الجامعة المصرية الحديثة في سنة 1926، وضمت إليها كثير من المعاهد العليا، واهتمت كلية الآداب بدراسة اللغات الحية والقديمة، وباللغة العربية واستقدمت المستشرقين في شتى فروع اللغة والأدب، فأفدنا منهم طرق البحث والمناهج
(1/17)

الصحيحة، وكان النتاج العلمي لهيئة التدريس في الجامعة شرطًا للترقية، فنهض البحث والتأليف على الطرق العلمية الصحيحة.
واشتد الإقبال على التعليم الجامعي على مدى الأيام، ولم تعد جامعة القاهرة وحدها كافية، فأنشئت جامعة الإسكندرية ثم جامعة عين شمس وأخيرًا جامعة أسيوط، ثم الجامعات الإقليمية.
وفي عهد الاستقلال كذلك زاد عدد البعثات كل عام في شتى الفنون والمعارف إلى مختلفة بلاد الغرب، ورجع هؤلاء إلى مصر مزودين بثمرات الثقافة الغربية، وساعدوا على نشرها في مؤلفاتهم، ومقالاتهم، ومحاضراتهم.
ومن كل ما تقدم نرى أن التيار الفكري الغربي أخذ ينمو، ويشتد منذ الاحتلال البريطاني، ولقد كان لهذا التيار ولا ريب أثره القوي في اللغة والأدب كما سنرى فيما بعد إن شاء الله.
ولكن بجانب هذا التيار الغربي كان التيار العربي القديم يقوى كذلك ويشتد، وكانت ترفده ينابيع كثيرة منها إحياء الكتب القيدمة وتحقيقها ونشرها، وقد عرفنا ما قامت به في عهد إسماعيل جمعية المعارف وجمعية رفاعة الطهطاوي، وفي سنة 1898 ألفت جمعية جديدة لنشر الكتب كان من أعضائها حسن عاصم، وأحمد تيمور وعلي بهجت، فنشرت كتاب الموجز في فقه الإمام الشافعي، وفتوح البلدان للبلاذري، والإحاطة في أخبار غرناطة، وغيرها.
وفي سنة 1900 تكونت هيئة أخرى برئاسة الشيخ محمد عبده لإحياء الكتب القديمة النافعة، وكان مما نشرته كتابا عبد القاهر الجرجاني: أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز، ونشرت كتاب المخصص لابن سيده في سبعة عشر مجلدًا، وابتدأت في طبع كتاب المدونة في فقه الإمام مالك.
ومن ذلك الوقت دأبت دور النشر المختلفة على إحياء الكتب القديمة، واهتمت بها دار الكتب أيما اهتمام، ومن الكتب التي طبعت في خلال الحرب
(1/18)

العالمية الأولى: صبح الأعشى، والخصائص لابن جني، وديوان ابن الدمينة، والمكافأة لابن البداية، والاعتصام للشاطبي، ومن دور النشر التي كان لها أثر واضح في حركة الإحياء: لجنة التأليف والترجمة والنشر التي أسست سنة 1914، ولا تزال تؤدي رسالتها حتى اليوم، وقد أخرجت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ما يربو على ثلاثمائة كتاب بين منشور ومؤلف ومترجم.
ومن الكتب التي أخرجتها دار الكتب: نهاية الأرب للنويري، ومالك الأبصار لابن فضل الله العمري، والأغاني للأصفهاني، والنجوم الزاهرة لابن تغر بردي ويدوان مهيار، وغير ذلك من نوادر المخطوطات النفيسة، وقد بلغ عدد الهيئات التي تعني بنشر الكتب في سنة 1948 أربعًا وعشرين هيئة، ودار نشر.
وانتشرت كذلك المطابع في شتى أنحاء القطر تيسر السبيل للمؤلفين والقراء، وقد بلغ عددها في أعقاب الحرب العالمية الثانية ألف مطبعة، ومما ساعد على قوة التيار العربي الجمعيات الأدبية والدينية، وقد ابتدأت الحركة الدينية في الظهور منذ عهد جمال الدين الأفغاني، وسار على نهجه محمد عبده، وتتلمذ عليه نخبة من رجال الإصلاح، كان من أكثرهم حماسة الشيخ رشيد الذي أنشأ مجلة "المنار" يعالج فيها المشكلات الدينية، ويعرض قضايا الدين عرضًا جديدًا خاليًا من شوائب الخرافات والخزعبلات، ويرجع به إلى بساطته الأولى، وقد اهتم رجال الأحزاب في مستهل القرن العشرين بالدين، وتثبيته في النفوس، وكانوا في أشد الحاجة إليه لمقاومة المستعمر، وغزواته الفكرية التي يريد أن يخدر بها الأمة حتى تولع بثقافته، ومن ثم تستنيم لحيله الاستعمارية، ولكنهم اختلفوا في المنهج والطريقة فبينما نرى لطفي السيد، ورجال حزب الأمة يحاولون التوفيق بين الحضارة الغربية والدين الإسلامي، نرى الحزب الوطني يدعو إلى التمسك بأصول الدين وأخلاقه نقيا قويًا، ورأى مصطفى كامل أن الدين أكبر حصن للوطنية، يعصم النفوس من الزلل والخيانة، وفي هذا يقول: "قد يظن بعض الناس أن الدين ينافي الوطنية، أو أن الدعوة إلى الدين ليست من الوطنية في شيء، ولكني أرى أن الدين والوطنية
(1/19)

توأمان وأن الرجل الذي يتمكن الدين من فؤاده يحب وطنه حبا صادقًا، ويفديه بروحه وما تملك يداه".
ودعا الرجال الحزب الوطني للاحتفال بالعيد الهجري لأول مرة، وأقيم الاحتفال في غرة المحرم سنة 1328-يناير 1910، وكانت صحيفة المؤيد تعد صحيفة العالم الإسلامي، تسعى جاهدة في الدفاع عن قضاياه، وتغذية الشعور الديني، وتنميته في نفوس الشباب.
وكان لثورة 1919 أثر في الالتفات إلى الدين، ويقظة المصريين إلى الدعوة الدينية بين الشباب الذين حاول المستعمرون جذبهم إلى مفاتن الحضارة الأوربية والثقافة الغربية، والبعد عن تعاليم الإسلام، فتألفت عدة جمعيات دينية غايتها رعاية الشباب، والحفاظ على عقيدته، وخلفه مثل الشبان المسلمين، والهداية الإسيلامية التي أسسها الشيخ محمد الخضر حسين، والتعارف الإسلامي، والإخوان المسلمين، كما أسهمت الصحافة الإسلامية في هذه المعركة، تعقد الصلات بين المسلمين، وتدحض مفتريات المتجنين على الدين من المستشرقين وأذنابهم، وتقوى العاطفة الدينية في نفوس الناشئين، وكان محب الدين الخطيب هو الموحي بهذه الجمعيات الدينية، وهو حامل لواء الصحافة الدينية، فأنشأ "الزهراء" ثم "الفتح".
كانت هذه الجمعيات، وهذه الصحافة الدينية رد فعل لموجة من الإلحاد سادت بعض المفكرين نتيجة انخداعهم بأعداء الدين من الغربيين، وقد قوى الشعور الديني على مر الأيام حتى اضطر هؤلاء إلى الرجوع إلى الدين إما مداراة أو إيمانًا، وأخذت المؤلفات الدينية على الطرق العلمية الحديثة تظهر تباعًا مثل: على هامش السيرة لطه حسين، والعبقريات للعقاد ومحمد والصديق وعمر لهيكل، وكثرت كذلك الكتب التي تحاول تبسيط أمور الإسلام، واهتمت الجهات الرسمية بالدين، فأصدر الأزهر مجلته ومجلة "لواء الإسلام"، التي يصدرها قسم الوعظ والإرشاد، كما اهتمت المجلات الأدبية الخالصة بقضايا الدين، وصارت
(1/20)

تصدر في رأس كل عام هجري عددًا ممتازًا يدور كله حول الدين الإسلامي، ونرى هذا واضحًا في الرسالة والثقافة، وصار عندنا بكل هذا أدب ديني سنتعرف على حقيقته فيما بعد إن شاء الله.
ولقد فطن كثير من المفكرين منذ عهد جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده إلى المشكلات الاجتماعية العديدة التي تخلفت في مصر منذ قرون طويلة، وكان من أهمها مشكلة الفقر والغنى، حيث يرون فريقًا من المصريين يحظى بثروة عريضة، وغنى فاحش ينفقون بإسراف وسعة، بينما سواد الأمة في فقر مدقع، فكثر الأطفال المشردون، والميل إلى الجريمة، والتسول على اختلاف فنونه، وقد خاض في هذه المشكلة عشرات الكتاب في الصحف والمجلات والكتب، كما قرنوا بين الفقر، والجهل الذي كان متفشيًا في غالبية الشعب، والذي أوقع الفلاحين فريسة للمرابين الأجانب نتيجة جهلهم بالحساب، حتى انتزعوا أملاكهم، وأذلوهم كما وقعوا فريسة للمخدرات والسموم والأمراض، ولم يكن الأدباء يملكون إبان العهد السائد إلا الصرخات المدوية في آذان من بيدهم المال، ومن بيدهم السلطان علهم يفيقون من غشيتهم فيولوا جمهرة الشعب البئيسة بعضًا من عنايتهم بأنفسهم، وقد كانت الاستجابة بطيئة، وفيها كثير من المباهاة، وظل الأمر كذلك لا يجد علاجا حاسمًا، ودواء ناجعًا حتى أتت ثورة يوليو 1952 فقصمت ظهر الإقطاع، وحاولت تضميد الجراح الدامية التي طال عليها الأمد.
وكان لمشكلة المرأة ونهضتها، وشعورها وتعليمها، وشغلها الوظائف، وخروجها إلى ميدان العمل نصيب غير منقوص من البحث والجدل، فمن مناصر لها كقاسم أمين صاحب الدعوة إلى السفور، ومن منكر عليها سفورها، ومن معتدل يحاول أن يحصنها أولا بالعلم والتهذيب، ويسلح الشباب بالخلق الكريم قبل أن تسفر المرأة وتزاول العمل.
وما لبثت المرأة بعد مدة حتى أخذت مكانتها في المجتمع، وفتحت لها أبواب الجامعة، وغشيت كل الكليات على مر الأيام، وأسهمت في النهضة الأدبية والفكرية.
(1/21)

هذه لمحة خاطفة عن العوامل التي أثرت في نثرنا الحديث، لم أشأ أن أبسطها بسطا، فقد فعلت ذلك في كتاب الأدب الحديث، وإنما أردت أن أمهد للكلام عن نشأة النثر وتطوره، وستأتي إشارات عند معالجة هذا الموضوع لا تفهم إلا إذا كانت قد مهد لها.
وقيل أن أدع هذا التمهيد أذكر كلمة موجزة عن النهضة في بلاد الشام، إذ كان لأدبائها نصيب غير مجحود في تطوير هذا النثر، وبخاصة الذين هاجروا إلى مصر، واشتغلوا بالصحافة أو بالأدب.
ونقصد ببلاد الشام ما كانت عليه قبل أن يمزقها الاستعمال الغربي عقب الحرب العالمية الأولى إلى تلك الأقسام: سورية، ولبنان، وفلسطين والأردن كانت تلك البلاد تحكم حكمًا مباشرًا من قبل الأتراك يرسلون إليها الولاة يتولون إدارة شئونها، وطلت كذلك إلى أن هزمت تركيا في الحرب العالمية الأولى، وكان حكم الأتراك من أسوأ أنواع الحكم، عرفوا كيف يغزون الشعوب بسيوفهم وجيوشهم، ولكنهم أخفقوا في سياستها وحكمها، ولم يعنوا أية عناية بإصلاح شئونها وتثقيفها، بل إن المدارس التي كانت قبل الاحتلال التركي بدمشق أغلقت بعد دخولهم.
وفي بلاد الشام نصارى كثيرون متعددو الوظائف، كما أن فيها نحلا كثيرة إسلامية وغير إسلامية، وقد أدى سوء الحكم التركي إلى التعصب الديني، ومناهضة هذه الطوائف بعضها لبعض، وكثيرا ما قامت المذابح الدامية بينهم، وكان أفظعها مذابح سنة 1860، وقد أدت هذه المذابح إلى تدخل الدول الغربية المسيحية لحماية الطوائف المنتسبة إليها دينيًا، واضطرت تركيا أن تخضع لهذا التدخل، وسلمت الأوقاف الدينية المسيحية لأهلها ينفقون من ربعها على نهضتهم، فأنشأوا المدارس العديدة والكليات، في حين بقي المسلمون متخلفين يعانون من ظلم الأتراك، وإهمالهم لشئونهم ما لا يتصوره العقل، يقسرون على تعلم اللغة التركية في المدارس الحكومية التي لم تتعد المرحلة الابتدائية، فإذا أبوا ذلك دخلوا إحدى المدارس العربية الخاصة على قلتها.
(1/22)

وفي سنة 1866 أنشئت ببيروت الكلية الأمريكية، ثم أخذت تتسع على مر الأيام حتى صارت جامعة بها فروع للطب والتجارة والآثار والآداب، ولها قسم إعدادي، وبها مرصد فلكي، وصارت قبلة كثير من طلاب العرب، وبخاصة بعد أن ازداد نفوذ الإنجليز في الشرق العربي بعد الحرب العالمية الأولى، وفي سنة 1874 نقلت الكلية اليسوعية إلى بيروت واهتمت بتعليم اللغات والآداب، وبها ثلاث شعب رئيسية: الحقوق والهندسة والطب، والتعليم فيها باللغة الفرنسية، وبها مكتبة من أنفس المكتبات العربية، وعنى اليسوعيون بنشر المخطوطات العربية القديمة، وبوضع المعاجم اللغوية.
وانتشرت المدارس الطائفية بلبنان كان أقدمها مدرسة "عينطورا" سنة 1834، ولا تزال مفتوحة حتى اليوم، وقد تعلم فيها كثير من زعماء النهضة اللبنانية، وأنشأ المعلم بطرس البستاني المدرسة الوطنية في سنة 1863، وتتابعت المدارس لكل طائفة مدرستها ونظمها، واهتم المسيحيون بتعليم البنت لما تؤديه الأم المثقفة لبنيها، وللوطن من أياد جليلة.
وإذا كان التعليم قد ارتقى بلبنان، والنهضة أخذت تزدهر فيه منذ الربع الثاني من القرن التاسع عشر، فإن دمشق وحلب ظلتا متخلفتين، ولم تنشأ بهما إلا المدارس التي أسسها بعض الغرباء.
كان طابع النهضة في بلاد الشام من أول الأمر أدبيًا بعكس ما رأيناه بمصر، وذلك لوجود الطوائف الدينية، والإرساليات التبشيرية ممازج بهم في لجج الجدل الديني، ودعا هذا إلى الاهتمام باللغة والأدب، وكان لاتصالهم بالثقافات الأجنبية في قوت مبكر أثره في حذق كثير منهم للغات الأجنبية، والإقبال على القراءة.
وسبق السوريون في بلادهم بإصدار الصحف السياسية، فصدرت مرآة الأحوال بحلب سنة 1855، وإن لم تعمر أكثر من عام واحد، ثم صدرت حديقة الأخبار ببيروت سنة 1858، وظلت تصدر حتى سنة 1909، ومن الصحفيين
(1/23)

الذين كان لهم شأن في نهضة النثر أحمد فارس الشدياق الذي أسس الجوائب بالآستانة سنة 1860، وقد طلعت على الناس بأسلوب جديد في الكتابة العربية كما سنرى فيما بعد، ومنهم أديب إسحاق الذي نشأ في دمشق، ثم تحول إلى بيروت وحرر جريدة التقدم، ثم هاجر إلى مصر في عهد إسماعيل، وسنخصه بالذكر فيما بعد إن شاء الله.
كان حكم الأتراك في بلاد الشام جائرًا في عمومه، وقد بلغ هذا الظلم غايته في عهد السلطان عبد الحميد الذي حكم من 1876-1909، جاء عبد الحميد عقب خلع مراد الذي مات منتحرًا بعد خلعه ببضعة أيام، فتجسمت المخاوف في نفس عبد الحميد، وانتصبت أمام ناظريه عملاقًا بشعًا مشرع البرائن يهدد حياته وسلطانه، وكان من الأسباب التي طوحت بمراد وعرشه معارضته في إنقاذ الدستور، أو القانون الأساسي كما كانوا يسمونه حينذاك، واشترطوا على خلفه عبد الحميد أن يخرج الدستور إلى نور الحياة، فجرت الانتخابات حتى في الولايات العربية التي كانت تحكم حكمًا مباشرًا، وأرسل كل منها مبعوثًا إلى مجلس المبعوثين، أو كما كان يسميه الأتراك "المبعوثان"، ولكنه اجتمع دوره واحدة، وعطل عبد الحميد الدستور ثلاثين عامًا، لم يفكر خلالها في إعادة الحياة إليه، بل حكم البلاد حكمًا مطلقًا رهيبًا، وعد كل من يطالب بالدستور، أو يشير إليه ولو تلميحًا خارجًا على القانون خائنًا للدولة متآمرًا على السلطان خليفة المسلمين، وأمير المؤمنين وظل الله في أرضه، وكان جزاؤه الاعتقال والتعذيب، والنفي والتشريد، ومصادرة أمواله، وتشتيت أسرته وإهدار حقوقه.
ومن الوسائل التي اتخذها حفاظًا على حياته -كما يزعم- فرضه رقابة صارمة على الصحافة والطباعة، حتى الإعلانات كانت تراقب، ولا بد لنشرها من موافقة الرقيب، أما الكتاب الذي سيطبع فكان يسير في إجراءات معقدة، ويتعرض للفحص عنه عدة مرات، ومرات تستغرق شهورًا وسنوات، والفاحسون يخافون الزلل ومختلف التأويلات، ويعيد الاحتمالات خوفًا على حياتهم من حاكم لا
(1/24)

يرحم، فلا عجب إذا رفضوا كل كتاب قيم يعالج موضوعًا هامًا يهدف إلى الإصلاح ورقي الأمة، فأغلقت نوافذ النور والمعرفة، وكمت الأفواه، وتحطمت الأقلام، وتعطلت العقول.
وأرسل عبد الحميد على الأقاليم العربية ولاة جبابرة من قواده العسكريين، فكانوا نماذج شيطانية في الاستبداد، والقهر يعاملون الناس كقطعان من السائمة في غلظة وجسارة، وكان إعدام الأشخاص من غير محاكمة، ولا سؤال من مألوف الأمور، ولم يكن يتم بناء على أمر الوالي، ويعقب الإعدام مصادرة الأموال، وكثيرًا ما كانت تلفق التهم التي تسبب الإعداد بغية مصادرة الأموال.
في مثل هذا الجو الخانق الذي يسوده الخوف، والكبت والتعصب الديني والمؤمرات كان يعيش أهل الشام، وكان النصارى منهم على الرغم من حماية الدول الغربية لهم يشعرون شعورًا حادًا بهذا الجو الموبوء، فلا بدع إذا آثروا الهجرة بحريتهم، ودينهم، وأرواحهم.
وكانت مصر من قديم موئل الأحرار، منذ غارات المغول على الشرق العربي، وقد فسحت لهؤلاء العرب المهاجرين بحريتهم من صدرها، فنزح منهم عدد كبير كان منهم لحسن الحظ عدد من المثقفين الذين أسهموا في نهضتها، وقد عرفنا أن إسماعيل كان يشجعهم على النيل من تركيا رغبة الانفصال عنها، فوجدوا في مصر حرية ورحابة صدر، واشتغل عدد منهم بالصحافة يومية وأسبوعية ونهضوا بها، وكان لهم في النثر أثر غير منكور، وسنتعرض لبعضهم عند حديثنا عن تطور النثر إن شاء الله.
(1/25)

البعث
مدخل
...
البعث:
بلغ النثر في أخريات العصر العثماني الغاية في الركة والضعف، فعباراته سقيمة تتهالك عيا وسخفًا، مقيدة بقيود ثقيلة من الحلى، والزخارف المصطنعة المتكلفة، لتخفي ما وراءها من معنى غث مرذول، وفكرة تافهة ضحلة، أخذها الكاتب -عادة- ممن سبقه، بيد أنه ساقها لعجزه عن الأداء الصحيح في ذلك الثوب المهلهل الرث، وكثيرًا ما تعوزه الكلمة الفصيحة، وتغلبه العامية، والكلمات التركية، والدخيلة، فيأتي كلامه أشبه بالرموز والأحاجي.
ومن تذوق طعم الآداب، وكان على حظ يسير من اللغة نسج على أسلوب المقامة في أخريات عصر المماليك، والتزم السجع في كل ما يصطنع من كتابه، بل منهم من كان يتلاعب بالألفاظ، ويأتي بالمقامات المحرقة والمصحفة مما لا يمت للأدب من قريب أو بعيد، وقد أورد "الجبرتي" أمثلة عديدة في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، ومن ذلك المقامة التصحيفية للشيخ عبد الله الإدكاوي، وقد أهدى منها نسخة للشيخ عبد الله التلباني، فرد عليه بما نصه: "عبد الله عند الله وجيه، وحبه محتم مخيم بقلوبنا تعلو بنا سماته، سما به عمله عم له التواب الثواب، ولا حرمنا ولاء حرمنا الأبهج الأنهج ... إلخ"، هذا العبث الذي لا طائل وراءه، والذي يدل على مبلغ ما وصلت إليه اللغة من الانحطاط.
وممن أثنى عليهم الجبرتي ثناء مستطابا، وعدهم من عمد الأدب في عصره مصطفى أسعد الدمياطي، وفيه يقول: "ما أفضل النبلاء وأنبل الفضلاء، بلبل دوحة الفصاحة وغريدها، من انحازت له بدائعها طريفها وتليدها"، وذكر نص مقامته التي أنشأها في مدح رضوان كتخذا عزبان، وحرى بنا أن نسوق بعض عباراتها في هذا المقام حتى ندرك إلى أي حد وصلت العبارة الأدبية قبيل النهضة، وكيف كان التخلص من هذا الركام الغريب، والقيود المرهقة شاقًا وعسيرًا.
(1/26)

قال مصطفى الدمياطي بعد أن بسمل، وحمدل، وحوقل: "حكى البديع بشير بن سعيد قال: حدثني الربيع بن رشيد قال: هاجت لي دواعي الأشواق العذرية، وعاجت بي لواعج الأتواق الفكرية، إلى ورود حمى مصر المعزية البديعة، ذات المشاهدات الحسنة والمعاهد الرفيعة، لأشرح بمتن حديثها الحسن صدري، أروح بحواشي نيلها الجاري روحي وسري، وأقتبس نور مصباح الطرف من ظرفائها، وأقتطف نور أرواح الظروف من لطفائها، وأستجلي عرائس بدائع معاني العلوم، على منصات الفكر محلاة بالمنثور والمنظوم، وأستمد من حماتها السادة أسرار العناية، وأسترشد بسراتها القادة أنوار الهداية ... إلخ".
فأنت ترى في لجملة الأولى والثانية: الجناس غير التام بين هاجت وعاجت، وبي ولى، والأشواق والأنواق، ولماء جاء بكلمة أشرح ذكرته الحواشي، وهكذا نجد كلامًا متكلفًا مصنوعًا، لا يفضي إلى غاية ولا ينبئ عن فكرة سليمة، وإنما هو لإظهار البراعة في اقتناص السجعات، وإيراد المحسنات.
وقد غلب هذا النوع من الكلام على ألسنة مدعي الأدب في مصر والشام والعراق، وهي البلاد التي بقي فيها ذماء يسير من العلم، وذبالة ضئيلة من املعرفة والأدب، وإن كادت "العربية" فيها تلفظ أنفاسها لغلبة التركية عليها، ولتفشي الجهل، واستعجام الحكام، وتراكمت ظلمات الاستعمار فوق هذه البلاد جميعًا، ومن الذين اشتهروا بالأدب في دمشق قبل النهضة محمد خليل الدمشقي، وهناك نبذة من رسالة كتبها إلى صديق له بمصر: "أهدي السلام العاطر الذي هو كنفح الروض باكره السحاب الماطر، والتحايا المتأرجة النفحات الساطعة اللمحات، الشامخة الشميم، الناشئة من خالص صميم، وأبدي الشوق الكامن وأبثه، وأسوق ركب الغرام وأحثه، إلى الحضرة التي هي مهب نسائم العرفان والتحقيق، ومصب مزن الإتقان والتدقيق، ومطلع شمس الإفادة والتحرير، ومنبع مياه البلاغة والتقرير ... إلخ".
وهي عبارات غنية عن التعليق، وإذا كان بها رائحة من قوة فهي تقليد واغتصاب لكلام من سبقه من الكتاب، ولكنك ترى فيها مع هذا الافعتال التكلف واضحًا، والمعنى ضحلًا سخيفًا.
(1/27)

وقد نرى بعض الكتاب يجاهدون مجاهدة مريرة في التخلص من السجع، وقيود البديع مثل عبد الرحمن الجبرتي، ولكنه لا يستطيع سواء في نثره المسجوع أو المرسل أن يرتفع بعبارته، وربما كانت عبارته المسجوعة أسلم وأقوم من عبارته المرسلة؛ لأنه يعتمد فيها محفوظه من المقامات وسواها، أما عبارته المرسلة فهي مزيج من العربية، والتركية والعامية في الغالب الأعم، وإن سلمت له بعض عبارات، ولكن سرعان ما يتعثر ويكبو.
من ذلك على سبيل المثال ذكره ما قام به علي بك الكبير من منشآت في هذه الديار حيث يقول: "ومن إنشائه أيضًا العمارة العظيمة التي أنشأها بشاطئ النيل ببولاق حيث دكك الحطب تحت ربع الخرنوب، وهي عبارة عن قيسارية عظيمة ببابين يسلك منها ما يجري إلى قبلي وبالعكس، وخانا عظيمًا يعلوه مساكن من الجهتين، وبخارجه حوانيت وشونة غلال حيث مجرى النيل، ومسجد متوسط، فحفروا أساس جميع هذه العمارة حتى بلغوا الماء، ثم بنوا لها خنازير مثل المنارات من الأحجار، والدبش، والمؤن، وغاصوا بها في ذلك الخندق حتى استقر على الأرض الصحيحة".
وأنت ترى كثرة الكلمات العامية والدخيلة في هذه العبارة على وجارتها، وتراه أحيانًا يجاهد في الإتيان بجمل سليمة التراكيب، فيخونه بيانه كقوله مبينًا نشأة مدرسة الهندسة في عهد محمد علي:
"لما رغب الباشا في إنشاء محل لمعرفة علم الحساب، والهندسة، والمساحة تعين المترجم رئيسًا ومعلمًا لمن يكون متعلمًا بذلك المكتب، وذلك أنه تداخل بتحيلاته لتعليم مماليك الباشا الكتابة، والحساب ونحو ذلك، ورتب له خروجًا وشهريًا، ونجب تحت يده المماليك في معرفة الحسابيات ونحوها، وأعجب الباشا ذلك، فذاكره وحسن له بأن يفرد مكانًا للتعليم، ويضم إلى مماليكه من يريد التعليم من أولاد الناس، فأمر بإنشاء ذلك المكتب، وأحضر له أشياء من آلات الهندسية والمساحة، والهيئة الفلكية من بلاد الإنجليز وغيرهم".
(1/28)

هذا مبلغ ما وصلت إليه اللغة، والكتابة في أخريات العصر العثماني، وأوائل العصر الحديث ... تهافت في العبارة وركاكة في الأسلوب، واستعجام في الألفاظ، وعامية فاشية، وضحالة في المعاني، وقيود ثقيلة من السجع والمحسنات البديعية، وإذا وازنا بين حال الكتابة في تلك الآونة، وحالها اليوم بعد مضي ما يقرب من قرن ونصف، ورأينا عندنا نصرًا فنيًا تزدهي به العربية، ويباهي برونقه، وسعته، وعمق معانيه وغزارتها، وطلاوة عبارته ونقاوتها ما كان عليه النثر في عصر العربية الذهبي في القرن الثالث، والرابع من الهجرة، وجدنا أن الشوط الذي قطعته الكتابة منذ أوائل القرن التاسع عشر حتى اليوم لم يكن سهلًا هينًا، والتخلص من العقبات، والأوضار والأدواء لم يكن ميسرًا دائمًا، دع عنك ما أخذت به من أسباب الصحة والقوة والنمو، وهذا ما سنتتبعه في هذه الصفحات.
وجد بعض الأدباء في عصر محمد علي ممن نسجوا على منوال أسلافهم مثل الشيخ العطار، وحسن قويدر، والخشاب، والدرويش ومن على شاكلتهم وهؤلاء -وإن اختلفوا في مواهبهم الأدبية قوة وضعفًا- إلا أنهم ينتمون إلى عصر ما قبل النهضة، ولا تتميز كتاباتهم بكثير من الخصائص عما كان شائعًا في أخريات عصر العثمانيين، ولعل الشيخ حسن العطار من أحسنهم أسلوبًا، وأرقهم ذوقًا وأكثرهم سعة أفق وتجربة.
(1/29)

وقد أفاد من مقامه بباريس فائدة أجدت على الأمة العربية جمعاء، إذ عمل جاهدًا على نقل الثقافة الغربية إلى اللغة العربية منذ بدأ يجيد الفرنسية، وهو بعد طالب بباريس، ويبذل الجهود المضنية لتذليل اللغة العربية لمصطلحات العلم الحديث بعد أن أسن ماؤها قرونًا طويلة منذ عصر العباسيين، وينظر إلى ما حوله في المجتمع الفرنسي نظرة المصلح الناقد الذي لا تخلبه الحياة الغربية بخيرها وشرها، ولكن نظر من يريد نفع وطنه، واقتباس المقيد له والمتلائم مع عاداته ودينه وتقاليده، ومن يريد التعرف على أدواء وطنه، والطريق السوي لعلاجها حتى يمضي قدمًا في درج الحضارة والرقي.
ونراه وهو بباريس يعكف على كتابه مذكراته عن رحلته تلك التي سماها "تخليص الإبريز في تلخيص باريز".
وكان أستاذه العطار قد أشار عليه بتدوين هذه الرحلة، وتسجيل انطباعاته وآرائه في أثناء مقامه ثمة، ويشير رفاعة في مقدمة هذا الكتاب إلى رغبة أستاذه هذه فيقول: "إنه مولع بسماع عجائب الأخبار، والإطلاع على عجائب الآثار، وأن ينبه على ما يقع فيه هذه السفرة، وعلى ما يراه، وما يصادفه من الأمور الغريبة والأشياء العجيبة، وأن يقيده ليكون نافعًا في كشف القناع عن محيا هذه البقاع، التي يقال فيها: إنها عرائس الأقطار، وليبقى دليلًا يهتدى به إلى السفر إليها طلاب الأسفار، وخصوصًا وأنه من أول الزمن إلى الآن لم يظهر باللغة العربية على حسب ظني شيء في تاريخ مدينة باريس، كرسي مملكة الفرنسيس، ولا في تعريف أحوالها ولا أحوال أهلها"، والذي يهمنا نحن في هذا الكتاب عدة أمور: أولها موضوعه؛ لأنه جديد في اللغة العربية حيث تعرض لوصف السفر والبحر، والمواني المختلفة التي مر بها، ونظم الحياة في تلك الديار من مأكل وملبس ونوم ونزهة ودرس، ووصف المجتمع الفرنسي وعاداته الحسن منها والرديء، ووصف الحياة السياسية، وما يتمتع به أهل فرنسا من حرية في القول، والكتابة سواء في مجالسهم الخاصة أو في دار النيابة، وعلاقة الحاكم بالمحكومين، ووصف
(1/30)

مظاهر الحضارة من حفلات ودور تمثيل، ووسائل ركوب -إلى غير ذلك مما يعد وصفه جديدًا بحق، ولم يكن رفاعة مجرد وصاف، ولكنه لشدة حرصه على منفعة بني وطنه تراه يعلق تعليقات تدل على حصافة، وإيمان عميق بمبادئ، ومثل عليا لا يحيد عنها، وينقد ما يراه من تخلف في وطنه بصراحة بغية التنبيه والإفادة.
وثاني هذه الأمور التي تهمنا في هذا الكتاب الذي يعد باكورة في النثر الحديث، العقبات التي قابلها رفاعة في تذليل اللغة العربية لوصف الحضارة الحديثة الغربية، إذ وجد نفسه أمام فيض من الكلمات الأعجمية التي لا يجد ما يقابلها في العربية، فجهد في الوصول إلى كلمات عربية تؤدي معناها، فإن أعجزه ذلك عمد إلى التعريب، ونقل الكلمة الفرنسية إلى العربية بعد تطويعها وصقلها لتلائم اللسان العربي، وكان في ذلك يتأسى بمترجمي القرنين الثالث والرابع للهجرة عند نقلهم علوم اليونان والفرس، وهو لا يتحرج أحيانًا من استعمال الكلمة الدارجة، والكلمة التركية إذا رأى الحاجة ماسة إليها، وقد أسلف لنا
عذره في لمقدمة حيث "أراد سهلًا لا توعر فيه، يسلك طريق الإيجاز،
وارتكاب السهولة في التعبير حتى يمكن لكل الناس الورود على حياضه".
وقد ظلت هذه المشكلة قائمة ردحًا من الزمن، واصطدم بها عدد كبير من رواد الترجمة في خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ولم يكن ثمة اتفاق على ترجمة الكلمة الواحدة، وإنما يترجمها كل شخص حسب مجهوده وثقافته، إلى أن جاء مجمع اللغة العربية، وحاول أن يوحد هذه المصطلحات ولا سيما في العلوم، وإن كانت الآداب بخاصة والعلوم الإنسانية بعامة قد خطت في ذلك السبيل -قبل المجمع- خطوات واسعة، وصارت اللغة العربية قادرة
على التعبير عن أدق خلجات النفس الإنسانية منذ أوائل القرن العشرين كما سنرى فيما بعد.
ولكن رفاعة كان رائدًا من رواد هذه الطريق، ويعمل وحده في الميدان عملًا شاقًا، ولا ريب أن اللغة قد أفادت من مجهوده فائدة كبيرة، وبحسبنا أنه من أوائل الذين أوصلوها بالتيارالثقافي الغربي، وقبل أن نسوق الأمثلة التي تظهرنا على
(1/31)

الجهد، نذكر أن ثالث الأمور التي تعنينا في هذا الكتاب الأسلوب الذي كتبه به، وكيف حاول رفاعة في كثير من الأحيان أن يحطم قيود الماضي حتى ينهض بأداء المعاني الجديدة، ولا يقف الأسلوب عائقًا في سبيل تلك المعاني، وسنرى أن عبارته تعلو أحيانًا، وتسف أحيانًا تبعًا للموضوع الذي يتناوله، وأنه كان كمن يتحسس طريقه الشائك في ظلمة قائمة، ولقد آثر رفاعة في هذا الكتاب العناية بالمعنى على الاهتمام باللفظ، وتزويق العبارة، وكانت المعاني جديدة زودت اللغة العربية بأفكار لا عهد لها بها، وصارت اليوم من تراثنا.
ولنستمع إلى رفاعة كيف وصف المائدة الفرنسية حين نزل مرسيليا، ورأى أشياء ونظمًا لا عهد له بها، ووصف المائدة اليوم ليس مما يستعصى علينا، ولكن كل شيء كان أمام رفاعة جديدًا، وإذا رأينا في وصفه ما يثير الضحك، فلنرجع القهقري إلى تلك الحقبة لنعرف مدى ما وصلت إليه العربية من القدرة على التعبير، يقول رفاعة:
"ولم نشعر في أول يوم إلا وقد حضر لنا أمور غريبة في غالبها، وذلك أنهم أحضروا لنا عدة خدم فرنساوية، لا نعرف لغاتهم، ونحو مائة كرسي للجلوس عليها؛ لأن أهل هذه البلاد يستغربون جلوس الإنسان على نحو سجادة مفروشة على الأرض، فضلًا عن الجلوس بالأرض، ثم مدوا السفرة للفطور، ثم جاءوا بطبليات عالية، ثم رصوها من الصحون البيضاء الشبيهة بالعجمية، وجعلوا قدام كل صحن قدحًا من القزاز، وسكينًا وشوكة وملعقة، وفي كل طبلية نحو قزازتين من الماء وإناء فيه ملح، وآخر فيه فلفل، ثم رصوا حوالي الطبلية كراسي، لكل واحد كرسي، ثم جاءوا بالطبيح فوضعوا في كل طبلية صحنًا كبيرًا، أو صحنين ليغرف أحد أهل الطبلية ويقيم على الجميع، فيعطي لكل إنسان في صحنه شيئًا يقطعه بالسكين التي قدامه، ثم يوصله إلى فمه بالشوكة لا بيده، فلا يأكل إنسان بيده أصلًا، ولا بشوكة غيره أو سكينه أو يشرب من قدحه أبدًا".
ويمضي رفاعة في وصفه هذا، رأيت بعض الكلمات العامية، وتهافت الأسلوب، ومحاولته الشاقة في التعبير عن أشياء جديدة عليه كل الجدة.
(1/32)

وهو عند وصفه لملاهي باريس يقف حائرًا، حين يرى نفسه أمام أمور لا يعرفها، فمصر والشرق العربي كله لم يكن يعرف حتى تلك الآونة المسرح وردهات الرقص، والأوبرا وما شاكلها مما يغشاه الناس اليوم في أمسياتهم والتي صارت مألوفة لديهم، فيقول رفاعة: "اعلم أن هؤلاء الخلق حيث إنهم بعد أشغالهم المعتاذة المعاشية لا شغل لهم بأمور الطاعات، فإنهم يقضون حياتهم في الأمور الدنيوية واللهو واللعب، ويتفننون في ذلك تفننا، فمن مجالس الملاهي عندهم محال تسمى التياتر بكسر التاء المشددة، وسكون التاء الثانية، والسبكتاكل، وهي يلعب فيها تقليد سائر ما يقع، وفي الحقيقة أن هذه الألعاب هي جد في صورة هزل، فإن الإنسان يأخذ منها عبرًا عجيبة، وذلك؛ لأنه يرى فيها سائر الأعمال الصالحة والسيئة، ومدح الأولى وذم الثانية حتى إن الفرنساوية يقولون: إنها تؤدب أخلاق الإنسان وتهذبها، فهي وإن كانت مشتملة على المضحكات فكم فيها من المبكيات، ومن المكتوب على الستارة التي ترخي بعد فراغ اللعب باللغة اللاتينية وما معناه باللغة العربية، "وقد تصح العوائد باللعب" -ويستمر رفاعة في وصفه، ويشبه الممثلات بالعوالم في مصر ثم يقول: واللاعبون واللاعبات بمدينة باريس أرباب فضل عظيم وفصاحة، وربما كان لهؤلاء الناس كثير من التآليف الأدبية والأشعار، ولو سمعت ما يحفظ اللاعب من الأشعار، وما يبديه من التوريات في اللعب، وما يجاوب من التنكيت والتبكيت لتعجبت غاية العجب، ثم يعرج على وصف الملابس التي يقوم بها الممثلون طبقًا لأدوارهم، والشخصيات التي يمثلونها تاريخية، أو واقعية ووصف المناظر التي تناسب المسرحية، وينتهي من كل هذا إلى تلخيص مهمة المسرح عندهم فيقول: "وبالجملة فالتياتر عندهم كالمدرسة العامة يتعلم فيها العالم والجاهل"، ثم يتناول بعد ذلك وصف دار الأوبرا وما يقوم بها من تمثيل، وموسيقى وغير ذلك من دور اللهو العديدة التي شده لها وأثارت عجبه.
ولم يكن وصف أدوات الحضارة وحده هو الجديد الذي قدمه رفاعة للغة العربية، ولكن ما تعرف له من وصف الحياة السياسية، والقوانين السائدة والدستور
(1/33)

والحياة النيابية جعلته يقف أمام مصطلحات إدراية، وسياسية جديدة لم تعرفها العربية، وعلى معان جديدة طال عهد العرب بها حتى نسيت، فيترجم رفاعة القانون الفرنسي الأساسي، وينقل المادة الأولى منه على هذه الصورة: "كل واحد منهم مستأهل لأخذ أي منصب كان وأي رتبة كانت"، ويعلق عليها بقوله: "قوله في المادة الأولى سائر الفرنسيس مستوون قدام الشريعة معناه: سائر من يوجد في بلاد فرنسا من رفيع ووضيع لا يختلفون في إجراء الأحكام المذكورة في القانون، حتى إن الدعوة الشرعية تقام على الملك، وينفذ عليه الحكم كغيره، فانظر على هذه المادة الأولى، فإنها لها تسلط عظيم على إقامة العدل وإسعاف المظلوم، وإرضاء خاطر الفقير بأنه العظيم نظرًا لإجراء الأحكام، ولقد كادت هذه القضية أن تكون من جوامع الكلم عند الفرنساوية، وهي من الأدلة الواضحية على وصول العدل عندهم إلى درجة عالية، وتقدمهم في الآداب الحاضرة، وما يسمونه الحرية ويرغبون فيه هو عين ما يطلق عليه عندنا العدل والإنصاف، وذلك؛ لأن معنى الحرية هو إقامة التساوي في الأحكام، والقوانين بحيث لا يجوز الحاكم على إنسان، بل القوانين هي المحكمة، والمعتبرة".
إن رفاعة الطهطاوي يقدم لمواطنيه بمثل هذه التعليقات على القانون الفرنسي معاني جديدة للحياة الحرة، وكيف تكون العدالة، والمساواة، والحرية، وهي معان نسيها الناس طويلًا في عهود الظلمات، والعسف التركي والمملوكي، لقد كانت موجودة ولا شك في أوائل عهد الدولة الإسلامية وعصرها الذهبي، ولكنها طمرت وتناساها الناس من كثرة ما لاقوا من عنت، وإرهاق على يد المستعمرين، وكأني برفاعة وهو يسطر مثل هذه التعليقات ينظر إلى وطنه بعين الأسى حيث كان يلاقي الجور، والإجحاف على يد حكامه الجدد من أسرة محمد علي، وهذه الآراء الجريئة التي أيداها رفاعة الطهطاوي تدل على نزعته الفطرية إلى الحرية، وعلى حبه المكين لوطنه، ورؤيته ناعمًا متمتعًا بالعدالة، ولم يكن يتورع عن نقد الملك في شيء قام به، وفي هذا غمز لحاكم مصر المستبد، وتبيان للطريق السوي الذي يجب أن
(1/34)

يسلكه الحاكم مع رعاياه إن آثر السلامة، والإنصاف كقوله معلقًا على موقف الملك شارل العاشر لما قامت الثورة في باريس: "فلما اشتد الأمر وعلم الملك بذلك وهو خارج، أمر يجعل المدينة محاصرة حكمًا، وجعل قائد العسكر
أميرا من أعداء الفرنساوية، مشهورًا عندهم بالخيانة لمذهب الحرية، مع أن هذا خلاف الكياسة، والسياسة والرياسة، فقد دلهم هذا على أن الملك ليس جليل الرأي، فإنه لو كان كذلك لأظهر أمارات العفو والسماح، فإن عفو الملك أبقى لملك، ولما ولى على عساكره إلا جماعة أحبابًا له وللرعية، غير مبغوضين ولا أعداء، مع أن استصلاح العدو أحزم من استهلاكه، ويحسن قول بعضهم.
عليك بالحلم وبالحياء ... والرفق بالمذنب والإغضاء
إن لم تقل عثرة من يقال ... يوشك أن يصيبك الجهال
وبمثل هذه الروح الشفافة الخيرة، والعقلية المتفتحة الناضجة راح رفاعة يصف مظاهر الحضارة، والثقاقة في فرنسا ويحلل ويوازن ويعلل، فيتكلم عن أسباب تقدم فرنسا وتخلف مصر، وعن العلوم والفنون والفرق بينهما، وعن العلوم التي يحذقها الغرب ولا نظير لها عندنا، ويتكلم عن اللغة الفرنسية والفرق بينها، وبين العربية من سهولة الأولى وصعوبة الثانية كما كانت تدرس في عهده، بل
نراه ينتقد في صرامة تدريس العلوم بمصر على عهده فيقول عن سهولة اللغة
الفرنسية، وتيسيرها الإفادة من العلوم: "فإذا شرع الإنسان في مطالعة كتاب في
أي علم كان تفرغ لفهم مسائل هذا العلم، وقواعده من غير محاكة الألفاظ، فيصرف سائر همته في البحث عن موضوع العلم وعن مجرد المنطوق والمفهوم،
وعن سائر ما يمكن إنتاجه منها، وأما غير ذلك فهو ضياع، مثلا إذا أراد
الإنسان أن يطالع علم الحساب، فإنه يفهم منه ما يخص الأعداد من غير أن
ينظر إلى إعراب العبارات، وإجراء ما اشتملت عليه من الاستعارات، والاعتراض
بأن العبارة كانت قابلة التجنيس وقد خلت عنه، وأن المصنف قدم كذا ولو أخره كان أولى وأنه عبر بالفاء
(1/35)

في محل الواو والعكس أحسن ونحو ذلك ... "، وهذا في الحق كان طريقه عجيبة في تعليم الحساب لا تمت إليه بصلة، بل تعوق المتعلم وتصرف جهده إلى التمحك في العبارات وعلك الألفاظ، وضياع الجهد والوقت، وتفوت عليه فرصة تعلم الحساب، والعربية بريئة من كل هذا، ولكنها الطريقة العقيمة في التعليم التي سادت في عهود التخلف والظلمات".
وإذا نظرنا إلى هذه الباكورة في النثر الحديث وجدنا رفاعة فيما عدا المقدمة قد ترسل فيها، ولم يتقيد بالمنهج الكتابي الذي كان سائدًا في عصره، ولعل طبيعة الموضوع هي التي فرضت عليه هذا النهج، وسنرى أن الاهتمام بالمعاني ومعالجة الموضوعات الحديثة فيما بعد قد اضطر كثيرًا من الكتاب إلى البعد عن السجع والمحسنات، أما المقدمة فقد احتفى بها الكاتب وسجع فيها، وقد ظلت المقدمات والتقريظات، والرسائل الخاصة ردحًا طويلًا من الزمن حتى بعد عهد رفاعة تصطنع الأسلوب المسجوع، وسنعود إلى ذلك فيما بعد إن شاء الله.
والذي يعنينا هنا أن الكتابة النثرية كان لها منذ ذلك الوقت أسلوبان: أسلوب الترسل، وأسلوب السجع وظل الكتاب يراوحون بينهما أمدا غير يسير، حتى أخريات القرن التاسع عشر حين تغلب الترسل على السجع.
مضى عصر محمد علي، ولم يظهر من رجال هذه الطليعة التي تثقفت ثقافة غربية من نبغ في الكتابة إلا رفاعة الطهطاوي، ولكنه طول عصر محمد علي -بعد عودته إلى مصر- شغل بالترجمة، وبإدارة كثير من المدارس والمؤسسات، ولم يعن بالتأليف إلا في عصر إسماعيل.
أجل! لقد وضع رفاعة بترجماته بعض البذور الطيبة في الأرض الطيبة لتنتج النثر الحديث، وأثرى اللغة العربية بالموضوعات الجديدة والقوالب الحديثة، من ذلك ترجمته لقصة "تليماك" للأب فنلون الفرنسي، وهي أول قصة فيما نعلم ترجمت إلى العربية في العصر الحديث، وفضلًا عن ذلك فهو يمثل أول محاولة لنقل الأدب الأسطوري اليوناني إلى الفكر العربي، وقد وصف رفاعة هذه الترجمة
(1/36)

أو هذا التعريب كما سماها بأنه أداها بأسهل تقريب وأجزل تعبير، متحاشيًا ما يورث المعنى أدنى تغيير، أو يؤثر في فهم المقصود أقل تأثير، مع محافظة على الأصل، والحرص على سلامة العربية، وقواعدها وأصولها ووصف الكتاب المترجم نفسه بأنه "مشتمل على الحكايات النفائس، وفي ممالك أوروبا وغيرها عليه مدار التعليم في المدارس، ومؤلفه "فنلون" ملك أداب، وذو ملكة سيالة تفيض بالعجيب، والإعجاب".
كانت هذه القصة من الكتب التي ترجمها رفاعة وهو في السودان، وعلى الرغم من إدراكه ما في هذه المحاولة من صعوبة إلا أنه كان واثقًا من اقتدار العربية، ووفائها بأمثال هذه التراجم وذلك كما يقول: إنه معلوم عند أهل الصناعة أن يجر اللغة العربية يقطع على محيط بحار اللغات الأخرى التيار، وأنه لدررها ولآليها غواص، ولسماء غيثها مدرار، ولآدابها ومعارفها ميزان ومعيار، وكل شيء عنده بمقدار، فلا غرو إذا فتح اللسان العربي بمقاليده عن مفردات الألسن، ومجتمعها ومستقرها، ومستودعها"، وهذه نظرية جديرة بالاعتبار، فاللغة العربية قد وسعت ثقافة اليونان والفرس، وغيرهم في القديم، وإذا كان العرب قد أغفلوها لما كانوا فيه من هوان، وإذا كانت اللغة ذاتها قد عميت عليهم لما كانوا فيها من جهل وفقر عقلي، وإذا كان ركام القرون قد طمر كثيرًا من مفرداتها، فإن هذه المحاولة وأمثالها تكشف عن ذخائرها، وتبرهن على قدراتها ووفائها بالتعبير عن هذه المعاني، إذا كان المترجم متمكنا في اللغتين، قديرًا على الكشف عن أسرارها.
ولا نريد أن نترك هذه القصة المترجمة دون أن نقف قليلًا لدى الأسلوب الذي ترجمت به ذلك الأسلوب الذي نعته رفاعة بأنه أجزل تعبير، فقد التزم رفاعة في هذه الترجمة العبارة المسجوعة، وقوة الأداء، واختيار الألفاظ قدر طاقته وجهده، وقد ذكر رفاعة أنه عربه وهو "مبلبل الخاطر، وسحائب الهموم على مواطر، بالبعد عن الأهل والدار، والتعرض لحوادب الدهر والأخطار، ثم طرحته في زوايا الإهمال، ولم يسنح لي إشهاره ببال "كان قد ترجمه ما بين 1850
(1/37)

و1853 ولم ينشر إلا سنة 1867"، حتى علم به بعض الطلاب، من الأحباب ذوي الألباب، ودعا بدعاء مجاب، فاقتصرت على أن أرسلت إليه بنسخة مقابلة على أصلها إذا كانت أحق بها، وقد كان خطر لي أن أفرغه في قالب يوافق مزاج العربية، وأصوغه صياغة أخرى أدبية، وأضم إليها المناسبات الشعرية، وأضمنه الأمثال والحكم النثرية والنظمية، يعني أنسجه على منوال جديد، وأسلوب به ينقص عن أصله ويزيد، حتى لا يكون إلا مجرد أنموذج لأصله الأصيل، يقبل عليه من الأهالي كل قبيل، إلا أني رأيت أن الأوفق الآن بالنسبة للوقت، والزمان حفظ الأصل وطرح الشك، وإبقاء ما كان على ما كان، وإنما لم أجد بدا من مسايرة اللغة العربية وقواعدها، وعقائدها المرعية، مع المحافظة على الأصل المترجم منه حسب الإمكان".
لقد كان رفاعة يريد أن يتصرف في الترجمة، ويصوغه صياغة جديدة غير متقيدة بالعبارة الفرنسية، بل قد يزيد عنها أو ينقص لتأتي عبارته في أسلوب أدبي جميل، وإن دل هذا على شيء فهو يدل على أن رفاعة أحس بأن أسلوبه يتطور، وأنه كان عند طبعه أقدر منه على الصياغة الأدبية عند ترجمته، وفي الحق إن أسلوب رفاعة قد تطور مع الأيام، وكما أوغلنا في القرن التاسع عشر نجده يزداد نصاعة، وقوة وتخلصًا من أوضار الماضي وقيوده.
ولم تكن المقدمة وحدها مسجوعة، ولكن الكتاب كله أتى مسجوعًا، وإليكم مثلًا من هذا الكتاب حتى يعيننا في التعرف على تطور الأسلوب الأدبي لدى رفاعة وغيره، يقول تليماك حين نزل مصر: "ثم وصلنا إلى جزيرة المنار القريبة من مدينة "بو" "اسم الإسكندرية" فنزلنا النيل، وسرنا حتى وصلنا إلى مدينة منف، نعم، إن أسرنا أوجب عندنا الغم والحزن، وأبعد عنا السرور والفرح بأي شيء قبيح أو حسن، لكن قد تفرجنا وسرحنا الأبصار، بمشاهدة أرض الخصبة الشبيهة بجنة تجري من تحتها الأنهار، فمن الشطين في أي جانب كان، مدن عظيمة غنية شديدة العمران، وقصور الخلا جيدة الموقع، ومزارع مذهبة الحصيد كل
(1/38)

سنة تزرع، ومراع مملوءة من الماشية، وأهل الفلاحة عندهم المحصول بكثرة، وثروتهم ذات صيت وشهرة، والرعاة يغنون على صوت المزامير، والصدى حولهم مجيبهم مكررا بالتعابير، فقال منظور "مربى تليماك ورفيقه في رحلته" حين رأى ذلك:
- ما أسعد الأمة التي يحكمها ملك عاقل، وسلطان عادل، تعيش في الرخاء، والكرم والسخاء، وتكون سعيدة مرتاحة، تحب دوام ملكه إذ هو السبب في الراحة ... إلخ.
ومن أوائل الكتب التي ترجمها كتاب "قلائد المفاخر في غريب، وعائد الأوائل والأواخر"، ترجمة وهو بباريس وطبع لأول مرة سنة 1833، وقد سلك فيه رفاعة غالبًا مسلك الترسل، وكانت الألفاظ الصحيحة لا تسعفه أحيانًا كقوله: "ولا يوجد أحد ذو ذوق سليم وطبع مستقيم إلا ويطرب بسماع الآلات حتى الخلق الهمل المتوحشون، فإن لهم آلات خاصة ذات دوي ملخبط وغوغة عظيمة بحيث يضر آذان السامع فهي كالدربكة مثلًا".
ولكنه اشتمل على كثير من المباحث القيمة كالشعر والموسيقى، والغناء لدى الأمم المختلفة في الشرق والغرب، ومختلف العادات كالزواج والحفلات وإكرام الضيف والملبس والسكنى والمئونة وغير ذلك، وبهذا كان صلة بين العربية وبين العالم الخارجي.
ومن المترجمات ذات الأثر في النثر الحديث كتاب سماه رفاعة "بداية القدماء وهداية الحكماء"، وهو من الكتب التي أخرجها بعد عودته من باريس تعرض فيه لتاريخ اليونان، والميثولوجيا والآداب اليونانية، وتضمن كذلك أخبار الأنبياء وتاريخ قدماء المصريين والسوريين، والسريانيين والبابليين والعجم والهنود، وأفاض في تاريخ اليونان وخرافاتها، وحروبها وفتوحها وآدابها وعلومها وفلسفتها، وقد استعان في تأليف هذا الكتاب بكتب التاريخ الفرنسية المعتمدة، وقد ختمه رفاعة بنبذة عن الميثولوجيا لدى المصريين القدماء، ونجح رفاعة فيما أخفق فيه مترجمو العصر
(1/39)

العباسي حيث لم يفهموا كتابي الشعر والخطابة لأرسطو، ولم يستطيعوا نقل ما كتبه من المأساة بأسلوب عربي مفهوم، ولم يحاولوا أن يشرحوا الميثولوجيا اليونانية، "أي عقائدهم التي بنيت عليها آدابهم"، فجاءت تلك الترجمات غامضة، وكان لذلك أثره في الفلسفة الإسلامية من جهة، وفي إعراض العرب والمسلمين عن الأدب اليوناني من جهة أخرى، وقد أتم رفاعة هذه الأبحاث القيمة بترجمته لقصة "تليماك"، فكان بذلك أول من شق طريق التيار الأدبي العربي الذي أخذ من ذلك الحين يتدفق على العربية، ويزاحم التيار العربي الأصيل.
ومن أواخر الكتب التي ألفها رفاعة كتابان سنقف عندهما هنيهة لنعرف كيف تطور أسلوبه، أما أولهما فكتابه "مناهج الآداب المصرية في مباهج الآداب العصرية"، وقد قدم له بمقدمة بين فيها الغرض من تأليفه، وهو نفع قومه على قدر جهده، وإرشادهم لما فيه خيرهم، أن "يعين الجمعية بقدر الاستطاعة، ويبذل ما عنده من رأس مال البضاعة، لمنفعة وطنه العمومية، وذلك بتصنيف نخبة جليلة، وترصيف تحف جميلة في المنافع العمومية التي هي للوطن توسيع دائرة التمدنية، اقتطفتها من ثمار الكتب العربية اليانعة، واجتنيتها من مؤلفات الفرنساوية النافعة، مع ما سنح بالبال وأقبل على الخاطر أحسن إقبال، وعزرتها بالآيات البينات، والأحاديث الصحيحة، والدلائل البينات، وضمنتها الجم الغفير من أمثال الحكماء، وآداب البلغاء، وكلام الشعراء، وكل ما ترتاح إليه الأفهام، وتنزاح به عن الذهن الأوهام".
وإذا تجاوزنا عن هذه المقدمة ذات السجع المتكلف، وعرضنا لمباحث الكتاب وجدناها جديدة مفيدة خرجت بالنثر عن ذلك التقليد الموروث الذي قصره الأدباء على الرسائل الإخوانية، من تهنئة وتغزية ورجاء واستعطاف واعتذار، كما كان شأنه قبل هذه النهضة، بينما نراه هنا يعالج موضوعات حية مثل منابع الثورة وتحسين حال المجتمع، فتكلم عن الزراعة، والصناعة، والتجارة والآداب وتهذيب الأخلاق، والفضائل والدين، كلام رجل مثقف غزير الإطلاع، وقد تخلص في هذا
(1/40)

الكتاب من السجع والجري وراء المحسنات، وكان اهتمامه بتوضيح المعاني أعظم من عنايته بتنسيق العبارة، ونرى هذا الكتاب سلاسة، وطواعية، وتدفقًا مما يدل على تطور أسلوبه المرسل خذ مثلًا قوله:
"وقد ذكر الحكماء أن لكل خلق طرفين: أحدهما الإفراط، وثانيهما التفريط، وهما مذمومان، فالبخل إفراط وهو مذموم، والتبذير تفريط في الإنفاق وهو مذموم أيضًا، والوسط ممدوح وهو العدل في الإنفاق، وهكذا كل فضيلة لها طرفان ووسط، والوسط عبارة عن الإنصاف في الفضيلة، وهو الممدوح منها، ولكن ربما يقع في الوهم فضيلة أحد الطرفين لعدم الوقوف على الحقيقة بترك معاشرة أرباب الفضائل، فلهذا ينبغي تعيين محل تعلم فيه الفضائل حتى لا تشتبه بأضدادها، وبيان ذلك أن الإنسان من جميع الحيوان لا يكتفي بنفسه في تكميل ذاته، ولا بد له من معاونة قوم كثيري العدد حتى تتم حياته طيبة، ويجري أمره على السداد، ولهذا قال الحكماء: إن الإنسان مدني بالطبع ... إلخ".
مثل هذه المباحث وهذا الأسلوب قد تميز فيما بعد، وصار القالب الذي تصب فيه الموضوعات الاجتماعية والسياسية، وإن ظل الأسلوب الأدبي له خصائصه من الاهتمام البعارة وحسن الصياغة، وانتقاء اللفظ، وتدفق العاطفة، وبعض ألوان الخيال، وضع رفاعة مثل هذه المقالات أساس النثر الاجتماعي والنثر السياسي، وسنتكلم عنهما فيما بعد إن شاء الله.
أما كتابه الثاني فقد ألفه في أخريات أيامه حين عزم أولو الأمر على فتح المجال أمام الفتاة للتعليم، فطلب من رفاعة أن يؤلف كتابا "في الآداب، والتربية لتعليم البنين، والبنات على السويَّة"، فألف كتابه "المرشد الأمين للبنات والبنين"، وفي هذا الكتاب مباحث ذات فائدة جليلة في التربية، والسلوك الإنساني، وعلاقة الرجل بالمرأة أختا وزوجًا وأما وحبيبة، وكان رفاعة في هذا الكتاب صريحًا صراحة لا نستطيع أن نجاريه فيها اليوم إذا عهد إلينا بتأليف كتاب مثل هذا للبنات، ولكنه كان متأثرًا ولا شك بثقافته الغربية، وبحرصه أن يعرف الفتيات الحق من شيخ
(1/41)

كبير ووالد غيور بدلًا من تلمسه في كتب لا رقيب عليها تثير الغرائز الدنيا، وتدفع إلى الفساد.
ومن مباحثه القيمة حديثه عن الوطن والمواطن الصالح، والأسرة وبنيانها وصلاحها، ونرى رفاعة يزاوج بين الترسل والسجع، فحين تأخذه العاطفة يرتفع أسلوبه ويختار كلماته، ويأتي بالعبارات مسجوعة، وإن زال عنها التكلف غالبًا من مثل قوله يعرف الوطن: "الوطن هو عش الإنسان الذي فيه درج، ومنه خرج، ومجمع أسرته، ومقطع سرته، وهو البلد الذي نشأته تربته وغذاه هواؤه، ورباه نسيمه وحلت عنه التمائم فيه، قال أبو عمرو بن العلاء: مما يدل على حرية الرجل، وكرم غريزته حنينه إلى أوطانه، وتشوقه إلى متقدم إخوانه، وبكاؤه على ما مضى من زمانه، والكريم يحين إلى أحبابه كما يحن الأسد إلى غابة، ويشتاق اللبيب إلى وطنه كما يشتاق النجيب إلى عطنه، فلا يؤثر الحر على بلده بلدًا، ولا يصبر عنه أبدًا: قال الشاعر:
بلاد بها نيطت علي تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها
وقال آخر:
بلد صحبت بها المشيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أثواب الشباب تميد
ونراه يتكلم عن مصر كلام المحب الوامق، الذي شغفه الوطن حبًا، فكل ما فيها جميل، دليل الوطنية الصادقة، التي بدأت تبزع أنوارها في القلوب، بعد أن كانت الوطنية كلمة لا مدلول عليها عند المصريين قبل ذياك التاريخ، إذ كانوا يشعرون بالتبعية لخليفة آل عثمان، ولم يفكروا في بلادهم كوطن مستقل له كيانه ومقوماته.
وقد اشتدت هذه النزعة في هذه الحقبة لا عند رفاعة فقط، بل عند كثيرين سواها كما سنرى بعد قليل.
(1/42)

يقول رفاعة: "ولا شك أن مصر وطن شريف إن لم نقل: إنها أشرف الأمكنة، فهي أرض المجد والشرف في القديم والحديث، وكم ورد في فضلها من آيات بينات وآثار وحديث، فما كأنها إلا صورة جنة الخلد، منقوشة في عرض الأرض بيد الحكمة الإلهية التي جمعت محاسن الدنيا فيها، حتى تكاد أن تكون حصرتها في أرجائها ونواحيها، بلدة معشوقة السكنى، رحبة المثوى، حصباؤها جوهر، وترابها مسك أذفر، يومها غداة، وليلها سحر، وطعامها هنئ، وثراها مريء، واسعة الرقعة، طيبة البقعة، كأن محاسن الدنيا عليها مفروشة، وصورة الجنة فيها منقوشة، واسطة البلاد ودرتها، ووجهها وغرتها، بلد خرج منه كبار ملوك، وسلاطين وحكماء وأساطين، وكم نبعث منه عيون علوم، وانجلى
به من البلاء سحائب غيوم، فمن ذا يضاهي مصر في كمال الافتخار، أو يباريها في الجمال والاعتبار إنها أول أمة في المجد، وعلو الهمة ... " إلخ.
ففي هذه الفقرة وسواها مما يحمل عاطفة حادة نرى رفاعة يلجأ إلى الأسلوب المسجوع، والتأنق في عبارته، وكأنه يربأ يمثل تلك العواطف إلا أن تلبس ثوبًا خاصًا يعتقد جماله حتى تظهر في أبهى حلة، وأجمل زينة حسب ظنه.
أما إذا كان الموضوع لا يحتال لمثل هذه العاطفة، وإنما يلزمه الشرح والبسط والتعمق في الفكرة، فإن رفاعة يطلق نفسه على سجيتها، ويلجأ إلى الأسلوب المرسل كما جاء مثلا عند كلامه عن المواطن الصالح ما له وما عليه، وهو موضوع جديد لعله نظر فيه إلى المجتمع الغربي كما شهده بباريس، وقد كان رفاعة يتكلم عنه لأول مرة في عصرنا"، وعلى الرغم من مضي تلك السنوات العديدة، فإن كثيرًا من المواطنين لا يعرفون حتى الوطن عليهم، ولا حقوقهم في هذا الوطن.
يقول رفاعة بعد أن تكلم عن المواطن الصالح من هو: فصفة الوطنية لا تستدعي فقط أن يطلب الإنسان حقوقه الواجبة له على الوطن، بل يجب عليه أيضًا أن يؤدي الحقوق التي للوطن عليه، فإذا لم يوف أحد من أبناء الوطن بحقوق وطنه ضاعت حقوقه المدنية التي يستحقها على وطنه.
(1/43)

وقد كان الرومانيون في قديم الزمان يجبرون الوطني الذي بلغ من العمر عشرين سنة، أن يحلف يمينا أنه يحامي عن وطنه وحكومته، فيأخذون عليه عهدًا بذلك، وصيغة اليمين: "أشهد الله على أني أحمل سلاح الشرف، لأمانع به عن وطني وأهله، كلما لاحت فرصة أتمكن فيها من مساعدته، وأشهد الله على أني لحماية الوطن، والدين أحارب منفردًا أو مع الجيش، وأشهد الله على أني أحافظ على امتثال القوانين، والعوائد المقبولة في بلادي الموجودة في الحال، وما يتجدد منها، وأشهد الله ألا أتحمل أحدًا يجسر أن يخل بها، وينقض نظامها".
وينطلق رفاعة بمثل هذا الأسلوب السهل المعتمد على الأدلة، والشواهد يشرح حقوق الوطن على المواطن، وحق المواطن على وطنه، دون أن يلجأ إلى تكلف في اقتناص سجعة، أو الجري وراء محسن لفظي أو معنوي.
ولعلنا رأينا من هذه النماذج العديدة كيف تطور أسلوب رفاعة الطهطاوي، فقد كان يلجأ إلى الأسلوب المرسل في النثر الاجتماعي والسياسي، وكان هذا الأسلوب أول الأمر يغص بالكلمات العامية، والدخيلة، والمعربة، وكان يلجأ إليه كذلك عند الترجمة غالبًا.
أما في مقدمات كتبه جميعًا، وفي الموضوعات المشحونة بالعاطفة، وفي الموضوعات الأدبية الخالصة كالوصف والرسائل وغيرها، فإنه يؤثر عادة الأسلوب المسجوع، ويتأنق في عبارته، ويحليها ببعض ألوان البديع، وكان هذا الأسلوب المسجوع أول الأمر يبدو عليه التكلف وأثر الصنعة، ثم خفت حدة هذا التكلف على مر الأيام بازدياد ثقافته، وكثرة مرانه على الكتابة، ونمو ثروته اللغوية.
وليس من همي في هذا الكتاب أن أتتبع رفاعة في كل ما كتب من كتب ومقالات، وإنما أردت أن أتعرف على ظواهر تطور النثر ممثلة فيه؛ لأنه كان رائدًا من رواده، ولم يكن تطور أسلوبه إلا نتيجة لتطور عام شهدنا معالمه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبخاصة في مصر.
(1/44)

رفاعة الطهطاوي
...
No pages
(1/)

في العراق والشام
السيد محمود الألوس أبو الثناء
...
في العراق والشام:
وقبل أن نمضي قدمًا في الكلام على تطور النثر ولا سيما في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وما دخل على أساليبه من تغيير، وعلى موضوعاته من ثراء، ذلك الثراء الذي تمثل في الموضوعات الجديدة التي طرقها فاتسع مداه ورحبت آفاقه، يجدر بنا أن نلقي نظرة عابرة على النثر في بلاد الشام والعراق في هذه الفترة التي نتحدث عنها، وسنجد أن الكتاب في أول الأمر كانوا يقلدون الحريري في مقاماته، ويجرون على أسلوبه المسجوع في كل ما يتناولون من أمور، مع التواء في العبارة وتكلف في السجع، وحشد زاخر من المحسنات، نراهم يخاطبوننا من وراء جدر سميكة، وحجب صفيقة لا نستبين منها نفسياتهم، ولا نتعرف على أحاسيسهم؛ لأن القوالب محفوظة والجمل مرصوصة، وإذا حاول أحد أن يتجنب السجع، ويترسل تهبط عبارته وتسف، وسنتخير في هذا المقام بعض الأعلام ممن يعدون نحومًا متألقة في ديارهم حينذاك، وهم ولا ريب من المتأدبين الذين أفادوا من دراستهم للأدب القديم، وحاولوا تقليد أساليبه الكتابية ولا سيما الحريري، والقاضي الفاضل وكتاب عصر المماليك.
السيد محمود الألوس أبو الثناء:
ومن هؤلاء في العراق السيد محمود الألوسي أبو الثناء "1802-1854":صاحب التفسير المشهور بروح المعاني، وقد ألف في اللغة والمنطق، والتفسير ولكن الذي يعنينا أدبه، ومن آثاره في هذا الأدب مقاماته التي طبعت في كربلاء، وبعض قطع وصفية سجل فيها ما رآه من مناظر في بعض رحلاته، ولنستمع إليه يصف نثره كما قدره: "وكأني بك تجده -إن شاء الله تعالى- كتابًا تشد إليه الرواحل، وتطوى لنيل المنى من فصوله وأبوابه المنازل، حيث تضمن مباحث لطيفة، ومطالب شريفة، ورسائل تقطر ظرفًا، ومسائل ترشح لطفًا، بنثر قرب حتى أطمع، وبعد على المتناول حتى امتنع كأنه من شرخ الشباب مسروق، ومن لذة وصال الأحباب مخلوق، بل لعمري لو أن كلامًا أذيب به صخر، أو أطفئ
(1/45)

بما يرشح من إهابه جمر، أو عولج بمعانيه مريض، أو جبر بمبانيه مهيض لكان هو ذلك الكلام الذي يقود سامعيه من بني الآداب إلى السجود، ويجري في قلب داعيه من ذوي الألباب جرى الماء في العود".
لقد وضع نفسه في منزلة عالية، ولعله كان أحسن أهل جيله في العراق، وما علينا إلا أن نضرب مثلًا من هذا النثر لنتعرف على ما في ثنائه من حقيقة أو مبالغة، يقول في وصف القسطنطينية واصفًا ثغرها: "وأما الثغر، وما أدراك ما الثغر، فذاك الذي تنشق من حلاوة لمن محاسن ثناياه مرارة الخمر، وقد دلع لسانه بالافتخار، فجرى مطلق عنان الفخر في كل مضمار، وتلاسن البحران بلا مرا، فألقم البحر الأسود حجرًا بحر مرمرًا"، ولا أريد أن أمضي في بقية الوصف، فقد أسف فيه إسفافًا، وأتى بألفاظ بذيئة نابية لا تصدر عن أديب، وبحسبنا في هذه الجمل القصيرة ففيها من التكلف والركاكة، وضحولة المعنى ما يغني عن الوقوف لديها طويلًا، فهو حين ذكر الثغر تذكر ثغر الحبيب، وجعل للثغر الملح لمن وثنايا، ولها حلاوة، وللخمر مرارة تنشق حسدا، فأي تعسف وأي ذوق، ثم تمادى في الترشيح فجعل له لسانًا اندلع بالافتخار، وما أبشع هذا الاندلاع، ثم جعل هذا اللسان جوادًا مطلق العنان، الجواد يحتاج إلى مضمار، ثم انظر الجملة التالية وما فيها من ضرورات، وتقديم وتأخير حتى يأتي بسجعة سخيفة تنتهي ببحر مرمرا.
ولم يتغير هذا الأسلوب لدى ابنه السيد عبد الله الألوسي المتوفى سنة 1874، فها هو ذا يصف ليلة مطيرة، ويستخدم ذلك السجع الثقيل والاستعارات المفتعلة، وألوان البديع الصارخة: "وحاك الدوى بمكوك الريح من سدى البخار ولحمته شققا سودًا، وصبغها الليل فكانت ظلمات بعضها فوق بعض، وطنبها خيمة خيمة على أكتاف العراق في الطول والعرض، واشتد الريح والظلام، وشرح جنى الليل يخوف صبى النهار كلما أحس منه بقيام ... " إلخ.
وعلى الرغم من أن الزمن قد أوغل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبدت بوادر النهضة في كل من مصر والشام تؤتي ثمارها، ويتطور الفكر والخيال، ويتطور تبعًا لهما الأسلوب سواء كان تقليدًا مسجوعًا أو مرسلًا، فإن
(1/46)

العراق لم يتأثر بعوامل هذه النهضة، وظل القوم عاكفين على الأدب القديم، وعلى النماذج الرديئة منه بصفة خاصة، ولم يكن لهم اتصال بالعالم الخراجي إلا عن طريق اللغة التركية أو زيارة عاصمة الخلافة، وهم معذورون ولا شك، فإذا حصلوا شيئًا من العربية وعلومها فبمجهودهم الخاص، دون عون الحكومة، بل إن الحكومة قد فرضت في مدارسها اللغة التركية تدرس بها كل العلوم، وصارت تزاحم العربية مزاحمة شديدة.
فإذا ذهبنا إلى بلاد الشام وجدنا منذ مستهل القرن التاسع عشر اهتمامًا قويًا باللغة وآدابها، ورأينا النهضة تتجه وجهة أدبية منذ ظهورها، بفضل الإرساليات التبشيرية، وما أثارته من جدل ديني وترجمات للكتب المقدسية على أن التخلص من الأسلوب الموروث في النثر لم يكن هينًا، ورأينا مباهاة الأدباء تظهر في محاكاتهم لأسلوب المقامات.
(1/47)

نصايف اليازجي
...
ناصيف اليازجي:
خذ مثلًا ناصيف اليازجي "1800-1871"، وكان معاصرًا لرفاعة الطهطاوي نجده يحرص على كتابة المقامات، حتى بلغت ستين مقامة جمعها في كتاب سماه "مجمع البحرين" طبع لأول مرة ببيروت سنة 1856، وبينما كان النثر يتطور في مصر، ويسير بخطى واسعة نحو التحرير والانطلاق، كان لا يزال أسلوب المقامة سائدًا في بلاد الشام، وكان القوم يعدونه مجتلى فخارهم بمعرفة ذخائر اللغة وغريبها، وقدرتهم الفائقة على محاكاة الحريري، والقاضي الفاضل والسيوطي في أسجاعهم، يقول الشيخ ناصيف في مستقل مقامته الخزرجية: "قال سهيل بن عباد، دخلت بلاد العرب، في التماس بعض الأرب، فقصدت نادى الأوس والخزرج، لأتفرج وأتخرج، وآخذ من ألسنتهم بعض المنهج، فلما صرت في بهرة النادي، أخذ بمجامع فؤادي، فجلت بين القوم ساعة، وأنا أحدق إلى الجماعة، وإذا شيخنا ميمون بن خزام، قد تصدر في ذلك المقام، وهو يقول: من أراد أن يعرف جهينة أو شاعر مزينة، فليحضر ليسمع ويرى، فإن كل الصيد في جوف الفرا، فعمد إليه رجل وقال، أطرق كرى، إن النعامة في القرى، فقال الشيح: كل فتاة بأبيها معجبة، فكن سائلًا أو مسئولًا لنرى ما في القداح من الأنصبة ... إلخ".؟
(1/47)

وكان له بجانب ذلك الأسلوب مرسل خال من السجع، ولكنه لم يرتفع فيه إلى درجة الأسلوب الأدبي، وكان يلجأ إليه حين يشرح قضية، أو يخوض في مسألة اجتماعية أو تاريخية، ولعله اصطنع هذا الأسلوب حين رأى رواجه لدى كتاب مصر في أخريات حياته، ولقد تأثر لبنان بخاصة، وبلاد الشام بعامة بتلك النهضية التي تفتحت أزهارها بمصر، ولا أدل على ذلك من قول المعلم بطرس البستاني الذي كان معاصرًا لرفاعة الطهطاوي 1819-1883 عند كلامه على حال اللغة في عهده، وكيف تدهورت، ودخلها كثير من الكلمات الأعجمية، بل إن هؤلاء الأعاجم قد حاولوا جاهدين إفساد لغتنا: "ومع أننا نرى العجم والتتر، والإفرنج من الجهة الواحدة آخذين في توسيع دائرة لغاتهم، وإدخالها بين العرب، والمتفرنجين من الجهة الواحدة آخذين في إفساد، وإماتة لغة أمتهم بواسطة إبدالهم كلماتها المأنوسة بكلمات أجنبية نافرة لا تليق باللغة العربية، كما أن ملبوس أهلها لا يليق بالعرب، مع أنه كما أن الناس تحتاج إلى الناس، كذلك اللغات تحتاج إلى غيرها، ولكن يجب الاقتصار على ما لا وجود له في أصل تلك اللغة مما يزيدها قوة وحسنًا
لا تنافرًا وثقلًا.
هذا ولا ينبغي أن نغفل عن تلك الكلمات النافرة الميتة الموجودة في قواميس اللغة العربية مما لا فائدة منه للعرب إلا التثقيل على الذهن العربي، والقلم الشرقي".
وبعد أن يتكلم على اللغات الدارجة التي نشأت في كل قطر عربي، وزاحمت اللغة الفصحى، وما في ذلك من مضرة باللغة وخسارة فادحة، تلفت حوله فوجد حقول الآداب العربية يبابا، وأخذ يتحسر على ما منوا به من فقد علمائهم، وكتابهم، وأطبائهم وشعرائهم وخطبائهم، ومدارسهم وفلاسفتهم، ثم نوه بما قام به رجال الإرساليات التبشيرية في ربوع الشام من بعث تلك النهضة على يد مدارسهم ومطابعهم، ثم يقول: "وقد فعل محمد علي في هذا الجيل بكتب الإفرنج ما فعله كرولس الكبير بكتب العرب، فأمر بترجمة أطايبها إلى اللغة
(1/48)

العربية، وسلمها مع كثير من الكتب العربية القديمة للمطبعة المعتبرة الموجودة في بولاق من الإقليم المصري، فخرج منها كتب شتى في اللغة والطب والطبعات، والتاريخ وهلم جرا، فزين لغته العربية بكامل الفنون والصنائع من العربية والإفرنجية، وعسى أن يحذو أنجاله، وحفدته حذوه في هذا الأمر".
ونرى من هذا النص أن البستاني كان واقفًا على مدى ما تحتاجه اللغة العربية من إصلاح، وما أصابها من ضعف، وما قام به محمد علي، ورجاله في سبيل تنميتها، وبث روح الحياة في أوصالها بنقل علوم الغرب إليها.
ونرى كذلك أن البستاني في هذه المقالة قد اصطنع الأسلوب المرسل غير المسجوع، وآثر السهولة في التعبير، وكان من دعاة هذا الأسلوب، ونعى على هؤلاء المتحذلقين الذين يتمسكون بأسلوب الحريري المسجوع، أو الذين ينقبون في المعاجم جريا وراء كلمة غريبة: "ولكن إذا وجد قوم من أصحاب الغنى، والخطر يلذ لهم الفحص عن الأمور القديمة، والتفتيش عن المواد السالفة، ويقصدون ذلك بالذات، فلنترك لهم الحرية التامة في هذا الأمر، وتكلفهم المحافظة على اللغة القديمة، ولندع تكأكؤ الأعرابي وأساجيع الحريري، وفيروز باديات الفيروزبادي موضوعات لتأملاتهم الدائمة، ودرسهم الأبدي"، ولعله كان يائسًا من أهل جيله؛ لأنه ذكر بعد هذا قوله: "والظاهر أن هذا لإصلاح محفوظ للأجيال المستقبلة".
ومع سلامة عبارته في مجملها إلا أنها لم تخل من الأخطاء اللغوية، والنحوية فاستخدم واسطة وصحتها وساطة، وأدخل باء الإبدال على المأخوذ لا على المتروك كما هي القاعدة في قوله: "وإماتة لغة أمهم بواسطة إبدالهم كلماتها المأنوسة بكلمات أجبية نافرة"، ولم يخل أسلوبه كذلك من الركاكة كقوله: "وعلى أنه كما أن الناس تحتاج إلى الناس كذلك اللغات ... " إلخ.
ومع وجود المترسلين أمثال البستاني في لبنان، فإن الموضوعات التي طرقوها لم تكن جديدة، ولم تعمل على إثراء اللغة، والأفكار، والصور ولم يزودوها بشيء
(1/49)

من ينابيع الثقافة الغربية، لقد حاول البستاني تنبيه قومه إلى ما هم فيه من جمود فكري، وأدبي لعلهم يستيقظون من سباتهم بقوله:
"إن العرب في أيامنا هذه قنوعون جدا في أمر الأدب، فإنهم يكتفون بأقله، ويحسبون أنفسهم أنهم قد وصلوا إلى أعلى طبقات العلم، مع أنهم لم يقرعوا بابه، فمن تعلم منهم كتاب الزبور أو القرآن يقال أنه ختم عليه، وإذا تعلم شيئًا من النحو والصرف يقال عنه إنه علامة زمانه، وإذا نطق بشعر فلا يبقى عندهم لقب يصفونه به، وما ذاك إلا؛ لأن ظهور نور قليل في العاقل كاف، لأن يغشى على عيني الجاهل".
ونخلص من هذا العرض الموجز لحال الأدب، واللغة في العراق والشام، ومصر إلى أن النهضة في مصر سبقت سواها من أقطار العروبة، وشبت وقويت. وأخذت اللغة تنمو وتزدهر، يرفدها تياران قويان أحدهما عربي قديم نشأ من إحياء التراث العربي ونشر ذخائره، والعكوف على دراسته والإفادة منه، فنضح على ألسنتهم وأقلامهم بيانا قويًا، ولغة سليمة، وثانيهما تيار الثقافة الغربية
يجلب معه موضوعات جيدة، وأفكارًا حديثة وكلمات تحيا أو تعرب، فتقوى اللغة، وتشتد وتحاول أن تجاري حضارتنا وتنهض بثقافتنا.
(1/50)

بطرس البستاني:
ويقول بطرس البستاني "الصغير" صاحب كتاب أدباء العرب الذي ظهر أول أجزائه سنة 1931، وظهر الجزء الثالث منه ذلك يتناول الأدب الحديث سنة 1937: "نشأت النهضة في مصر قبل غيرها من الأقطار العربية، واتسعت دائرتها في زمن قصير"، ثم يذكر عوامل هذه النهضة من بعثات، ومدارس وترجمة، وينوه بقوة الحركة في زمن إسماعيل ثم يقول: "ولبثت مصر منفردة في الاستقلال بالعلوم حتى نهض رجال البعثات الأمريكية في لبنان، وأنشأوا مدارسهم، وجعلوا العربية لغة العلوم، فنقلوا إليها كتبا كثيرة في الطب والطبيعيات والرياضيات، إلا أنهم عدلوا عنها بعد حين إلى الإنجليزية، فسكنت تلك الحركة المباركة".
وفي الحق إن النهضة بلبنان لم تقو إلا بعد سنة 1860، وأفاد اللبنانيون من تعلم اللغات الأجنبية، ومن المدارس الطائفية الخاصة التي أمدتهم باللغة العربية، بيد أن النزاع الطائفي من جهة، والاضطهاد التركي، وما صاحبه من كبت وحرمان من جهة أخرى جعل هذه البراعم الأدبية الغضة التي ابتدأت تظهر ثمة تذوى، وتذبل إلا من آثر منهم الهجرة إلى مصر، وهنا تألقوا وأفادوا واستفادوا، وكانوا عاملًا من عوامل نمو النثر، والأدب في الأرض الكنانة.
(1/50)

أثر الصحافة في تطور الأسلوب:
الوقائع المصرية:
ظلت "الوقائع المصرية" الصحيفة الوحيدة في الميدان ردحًا من الزمن، وقد كانت تحرر بالتركية أولًا، ثم بالعربية والتركية، ثم غلبت عليها العربية، وكانت على الرغم من صبغتها الرسمية تأتي ببعض طرائف الأدب، وأقاصيص من ألف ليلة وليلة، ولكنها في أخريات عهد محمد علي ظهرت بالتركية والعربية معًا، ثم احتجت في عهد عباس، وسعيد إلى أن كانت سنة 1875 حيث نهضت من كبوتها، وأخذت تعمل على ترويج الثقافة بشتى أنواعها في عهدها الجديد، والذي يعنينا من "الوقائع" أولى الصحف العربية هو الأسلوب الذي كانت تحرر به المقالات، وتصاغ فيه الأخبار سواء كانت داخلية أو خارجية، سياسية أو اجتماعية.
لقد ظل الأسلوب المسجوع مسيطرًا على أقلام الكتاب أمدًا غير يسير، فمنذ ظهور العدد الأول منها أخذ الأدباء يحيونها بمقامات، أو مقالات مسجوعة، وهاكم مثلًا عبد الله فكري -وكان له دور في نهضة النثر سنأتي عليه بعد قليل- يرسل تحية أدبية، فينشئ من أجل ذلك مقامه يقول فيها: "ولا مرية في أن صحف الأخبار، هي الحافلة بهذه المزايا الطائلة، باستخراج فوائد الفرائد من خبايا الزوائد، فهي جهينة الأخبار، وخزينة ذخائر الأفكار، وصيقل الأذهان، ومرآة حوادث الزمان، وهي الجليس الذي تعجب نوادره، والأنيس الذي يطرب
(1/51)

حديثه من يسامره ... إلخ، ويحييها كذلك صالح مجدي تلميذ رفاعة بقوله: "من المعلوم أن راحة الأرواح تتنسم بها الأرواح، وتترنم بها في المساء والصباح، وتضيء كأنها مشكاة في مصباح1، وهي مطالعة الأخبار الدالة على الآثار المصرية، وعن أحوال التمدن المنشور العلم بلسان بفضل ألف قلم ... إلخ".
أما الخبر الذي يصف حادثًا داخليًا، فقد كان مسجوعًا غالبًا لأمد طويل، مثال ذلك ما جاء في العدد الرابع سنة 1865: "إن أناسًا من اللئام، سفلة الأنام، ارتضوا بالخزي وارتكاب الآثام، فاستبدلوا الاشتغال بأنواع الكسب الحلال بالاشتغال بالحرام والعار، والدوران في القرى والأمصار، وكلما صادفوا أناسًا على فطرتهم وحسن نياتهم، تحيلوا على اصطيادهم بتحيلاتهم، وعملوا طرق الخديعة، والختل في سلب أموالهم بعد سلب عقولهم، بإحدى المغيبات المشهورة بين الناس بالتاتورة، فيضعونها في شيء من المأكولات، ويطعمونها أصحاب العقول الناقصة بدون شعور، وبعد الحصول على ما معهم يفرون".
وعلى هذا المنوال كان يصاغ الخبر الخارجي المترجم سواء كان سياسيًا، أو غير سياسي، ولم يكن يخلو من الكلمات الأعجمية الكثيرة، ولكنه أخذ يتخلص من السجع تدريجيًا حتى توارى بعد عام تقريبًا، وإن ظلت الكلمات الدخيلة تأتي على أقلام الكتاب إلى أن تولى تحريرها الشيخ محمد عبده سنة 1880، فخلصها من هذه الآفة، وجعل السيادة للفصحى، فساعد بذلك على تثبيت الكلمات المترجمة في الأذهان، وإشاعتها بين المثقفين.
وكانت الوقائع تتحرك أول الأمر من نشر القصص والحكايات، وتعيبها بأنها "خرافيات قصص لا تفصح إلا عن عي بأقل وعي ناقل، مما يمجه السمع، ويأباه الطبع، من أساليب ملفقة، وأكاذيب منمقة".
__________
1 يضطرهم السجع إلى ترديد عبارات محفوظة خالية من الفكرة، والعاطفة.
(1/52)

الجوائب:
ولكنها رأت "الجوائب" تعني بهذا النوع فقلدتها، وأخذت تنشر أقصوصات رمزية، أو ذات مغزى جاء معظمها مسجوعًا مترجمًا.
ومن الألوان الأدبية التي زوجتها الوقائع، واحتفت بها تلك المقالات والخطب التي كانت تلقى في الحفلات المدرسية والحفلات العامة، ويدبجها من عرفوا بالأدب في ذياك الوقت، وقد كانت كلها على أسلوب المقامة وطريقها.
أما المقالات العلمية الخالصة، فقد اهتمت بها اهتمامًا زائدًا من مثل "حجر الفتيلة" لرفاعه، "والهيضة" للطبيب محمد الشافعي، وله مقال آخر عن "التبغ ومضاره"، وكانت هذه المقالات تختلف في أسلوبها قوة، وضعفًا تبعًا لتمكن الكاتب من اللغة، ولكن الظاهرة الغالبة عليها هي محاولتها التخلص من السجع والزخرف لغلبة الحقائق العلمية، واهتمام الكاتب بإيراد المعنى كاملًا.
ومما كان له أثر في ترويج الثقافة، وتوسيع الأفكار وإثرائها مما نضج على الأقلام والألسنة فيما بعد، وأمدها بكثير من المعلومات القيمة، نشر الكتب المفيدة مسلسلة سواء كانت أدبية أو علمية، ولا يخفى ما كان لهذا العمل من خدمة للغة، ونشرت الوقائع كذلك أخبار الرحلات والكشوف، والسياحات فوصلت المثقفين بالعالم الخارجي، وأثرت معلوماتهم، وأطلعتهم على ألوان من الحياة لا عهد لهم بها.
ولقد كان لكل هذا أثره المباشر، أو غير المباشر في تغير نظرة الأدباء إلى الحياة، فتغير أسلوب تفكيرهم، وتغيرت تبعًا لذلك طريقة كتابتهم، فتحررت الصحافة اليومية من ذلك الأسلوب المكبل بتلك القيود الثقيلة التي كانت ترزح تحتها الكتابة سواء كانت صحفية، أو غير صحفية.
ولقد كان لصدور "الجوائب" لأحمد فارس الشدياق في سنة 1861 أثر في هذا الانطلاق والتحرر؛ لأن الجوائب اصطنعت الأسلوب المرسل في الأخبار الصحفية، والمقالات، واتسعت آفاق النثر إتساعًا كبيرًا نظرًا لثقافة الشدياق
(1/53)

العميقة التي أفادها من قراءاته الكثيرة بلغات مختلفة، ولتمكنه من اللغة العربية وحذفه لأصولها، ونظرًا لكثرة تجاربه ولكثرة أسفاره، واختلاطه بمجتمعات متباينة من شرقية وغربية، وكان يغشى هذه المجتمعات، ويدرسها دراسة واعية، ناقدًا مساوئها مشيدًا بمحاسنها، وقد كتب كذلك عن هذه الأسفار عدة كتب منها: "الساق على الساق فيما هو الفارياق"، الذي قص فيه تاريخ حياته من مشاهداته، وكانت تحلو له الموازنة بين خصائص الشعوب، ومنها "كشف المخبا عن أحوال أوروبا"، "والواسطة في أخبار مالطة"، وكان الشدياق شغوفًا بتدوين هذه المشاهدات، وقد أورثته ثقافته وتجاربه تحررًا في الفكر، وسعة في الأفق، فدرجت "الجوائب" على كتابة الأخبار بالأسلوب الخالي من السجع، مع عناية باللغة، واجتهاد في وضع الكلمات العربية المقابلة للكلمات الأجنبية، ومن تلك الكلمات التي وضعتها الجوائب، ولا زلنا نستخدمها حتى اليوم المؤتمر والبريد، والباخرة، والحافلة، والأزمة المالية، والمنطاد، والسلك البرقي "تلجراف"، وعشرات غيرها.
ولنضرب مثلًا على ذلك الأسلوب الصحفي الذي سارت عليه الصحافة منذ ذلك الحين وصار لها قدرة: "إن رفض الباب العالى لإرادة أوروبا قد جعل المسألة الشرقية في صورة جديدة، وإن الديوان الإمبراطوري قد اتخذ من هذه المسألة من أول الأمر مسألة أوربية لا يمكن حلها إلا باتفاق عام مع الدول الكبار، فكل اعتبار شخصي أو منفرد وقع لدى الدول موقع الإنكار، فآلت الصعوبة إلى الدولة التركية بأن تحكم على رعية السلطان بالعدل، والإنسانية كيلًا تعرض أوروبا لمشاكل دائمة ... إلخ".
وقد اهتم الشدياق بالمقال الذي كان يكتبه في صدر الجوائب منذ السنة التاسعة من حياتها، وكان هذا المقال كذلك متحررا من السجع، والزخارف والخيالات إذا تعرض لأمور سياسية أو اجتماعية، أما إذا تعرض لأمور أدبية أو عاطفية، فإن الشدياق كان ينهج نهجًا آخر، فيحتفى بأسلوبه احتفاء بالغًا، ويأتي أحيانًا مسجوعًا، مثال ذلك قوله من مقال بعنوان الوطني المزيف: "من الناس من يبالغ في مدح وطنه، ويحن إليه حنينه، فيصف مروجه ورياضه، ومروجه
(1/54)

وحياضه ووهاده وجباله، وتلاعه وتلاله، وربوعه ودياره، ونباته وأشجاره، ويقوله وثماره، ودوحه وأطياره، وطيب هوائه ولذة، ويزعم أنه فصوله كالربيع حسنًا، وأن جميع أفكاره تتدفق بركة ويمنًا، وأن شهرًا فيه خيرًا من ألف عام في غيره.
هي البلاد التي تغزلت بها الشعراء فقال فيها فلان أبياتًا، وقال فيها فلان قصيدة غرام، وأسمع ما قيل في جداولها ونواعيرها، ويلابلها وعصافيرها، وخمائلها وأزاهيرها، وصروحها وقصورها، ومصانعها ودورها وظبائها ومراتعها.
فإن قلت: كيف جارك الأدنى؟ لعله كان عونًا وخدنا؟ قال: ويلي! إنه شر جار، وهو على البلاد عار وشنار، فكيف جاره الذي يليه؟ عسى أنه ممن تواليه وتصافه؟، وقال: ويلي إنه شر من أخيه، فكيف أهل الحارة طرًا؟ قال: ويلي إنهم كانوا كلهم علي شرًا، ولم أجد منهم إلا ضرًا فكيف أهل البلد أجمعين؟ قال: ويلي، ما منهم أمين معين، فما كأنهم خلقوا من ماء وطين، فإن قلت له: ولكن كيف اشتملت بلادكم على تلك المحاسن، وأهلها على هذه المساوئ الشوائن؟ قال: إن أهلها الأولين كانوا من الخيرين فحرثوها، وزرعوها وعمروها وأمرعوها، ثم فسد الزمان فجاءت خلفاؤهم فاسدة، لكن بقيت هذه المحاسن فيها فائدة.
ولكن ما معنى فسد الزمان، وهو لم يكن صالحًا قط منذ خلق الإنسان؟
ولو كنت من الصالحين لما رأيت في غيرك خلقًا يشين، فإنما ينظر في عيوب الناس من كان أسوأ منهم حالًا.
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا
كذلك قال الشاعر الحكيم، فما أنت في طعنك على بني جنسك إلا مليم، وإن امرءًا يحسب جميع أهل بلاده دونه لجدير بأن يشيعوا مفتونه، ويذيعوا جنونه، ويجتنبوا محضره، ويتنكبوا منظره فيا للعجب ممن يمدح وطنه ليرجع المدح إلى نفسه مع ذم قومه، وجنسه".
(1/55)

ومع اصطناع الشدياق السجع في مثل هذه المقالة الأدبية، إلا أنه أكسبها قوة وتشويقًا بحسن عرضه، وطريف سخريته، ومتانة حجته، وهكذا نجد الكتاب منذ عهد رفاعة والشدياق قد أخذوا يفرقون بين الأسلوب الصحفي الذي يكتب للعامة ولجمهور القراء، وبين الأسلوب الأدبي الذي يكتب للخاصة، وقد وفينا الشدياق حقه من البحث في "الأدب الحديث"، وكانت الجوائب مسرحًا لحملات صحفية جادة على التمسك بالأسلوب المسجوع في الصحافة خبرها، ومقالتها من ذلك ما نشره سليم نوفل في عدد 23 من أغسطس سنة 1871 منتصرًا لأسلوب الشدياق المرسل، وناعيًا على هؤلاء الذين لا يزالون يتمسكون بأهداب القديم، ويتمسحون بأعتاب المقامات: "قد تقرر عند بعض الفصحاء من نصارى الشام، أن القافية هي ركن الفصاحة، ومحورها وغايتها حتى ذهب أحدهم إلى أن الكلام إذا كان من الفراغ، والسفسطة بحيث يستقبح النطق به لغير طفل لم يغره أكثر من أن تعلق على أطرافه، ولو تلصيقًا بالغراء أذناب متماثلة حتى ينقلب في الحال إلى ضرب من المعجزة، مثال ذلك أن يتفلسف طفل، أو مريض بالحمى فيقول في وصف كلام من تلفيقه له وزن وقافية: "وقد بزغت شمس وجه كلامي على ميزان ثرياه بين عذارى بنات الأفكار، وطلعت بدور جواهر أبياته المرصعة بمذهب غريب بناتها ... "، وما شابه ذلك من الكلام المعطل، فإذا أراد أن يطبخه فصيحًا لم يزد على أن ينفض عليه ذرة من بديع السجع، فينقلب للحال من جوامع الكلم بإذن القافية وقوتها".
وإذا كان الشدياق ومن تابعه قد حاولوا تخليص المقال الصحفي من السجع والتكلف، والجري وراء القافية والزخارف، وحرروا الكتابة الصحفية من هذه القيود، فليس معنى هذا أن هذا الأسلوب قد اختفى، بل إننا نرى الشدياق نفسه في غير المقالات الأدبية التي كان يعتني بأسلوبها، ويرتفع قلمه فيها قد كتب بعض المقامات، ونشرها في الجوائب.
ولكن مما لا ريب فيه أن أسلوبه الصحفي كان قدوة، وهو الأسلوب الذي سارت عليه الصحافة اليومية عشرات السنين إلى أن اختفت المقالة الصحفية، وحل محلها الخبر في السنوات الأخيرة.
(1/56)

لقد كانت الجوائب منتشرة في العالم العربي الإسلامي، ولذلك كان تأثيرها قويًا، بيد أننا نرى نوعًا من الصحافة سمي بالصحافة الأدبية، ولا شأن له بالسياسة، وكان من أول هذه الصحف الأدبية ظهورًا "روضة المدارس" التي ظهرت بمصر سنة 1870 بوحي من على مبارك، وبإشراف رفاعة الطهطاوي، وقد أثرت في مقالاتها، ومقاماتها -وكثيرًا ما تخلط بينهما- ذلك الأسلوب المسجوع الموشي بالمحسنات وألوان الخيال، وروجت الشعر والقصص الموضوعة والمترجمة، وكان يحرر بها عدد من نابهي الكتاب في ذلك الحين، وتوزع على طلبة المدارس بالمجان، وقد نشرت بها كتب كثيرة مترجمة في سلاسل متتابعة، بعضها في العلوم وقليل منها في الآداب، والذي يعنينا أن الأسلوب المسجوع، وجد فيها موئلًا وملاذًا.
(1/57)

مدرسة جمال الدين الأفغاني، وأدب المقالة:
كانت الصحافة حتى مجيء جمال الدين الأفغاني إلى مصر في مارس 1871 لا تجرؤ عن الخوض في المشكلات السياسية إلا بقدر ولا تمشي إلا بحذر، متجنبة ما يغضب الأمير أو يثير الوزير، قانعة بالأخبار التي تنشرها الصحف الأجنبية، وتنقلها عنها بعد أن تمر على رقيب صارم لا يرحم، فرضه إسماعيل سوطًا لاذع الضربات على الصحافة في عهده، وكانت تكتفي بنشر المعلومات عن دول الغرب، ومجتمعاتها دون أن تتعرض لمساوئ المجتمع العربي بمصر، وغيرها وما فيه من أوضار، وفروق شاسعة في مستوى الحياة بين سكانها، وكيف كان الفقر والجهل، والمرض تفتك كلها بجمهرة أبنائها، وكيف كان المال يتفدق غزيرًا على موائد السفه بين أنامل القلة الضئيلة من قطانها، وكيف كان الأجانب يستمتعون بخيراتنا، ولا يتركون لنا سوى الفتات، ويستأثرون بثرواتنا، ونحن عندهم عبيد غير مأجورين، وخدام غير مشكورين نحس بالغربة في وطننا، ولا نجد ملجأ نلوذ به من الظلم الفادح، والضرائب المرهقة التي جعلت الفلاح يترك أرضه هربًا من فداحتها، وعجزه عن أدائها.
(1/57)

أغمضت الصحافة المصرية، وغير المصرية عيونها عن كل هذه الآفات، والمفارقات خوفًا من بطش الحكام، ويصور لنا الشيخ محمد عبده ماذا عساه يلقاه هؤلاء الذين يتجرأون على مناقشة الحكام، أو مخالفة آرائهم بقوله: "ولو حدث إنسانًا فكره السليم بأن هناك وجهة خير غير التي يوجهها إليه الحاكم لما أمكنه ذلك، فإن بجانب كل لفظ نفيًا عن الوطن، أو إزهاقًا للروح، أو تجريدًا من المال".
وكان الأدب صدى لهذه الحياة البئيسة التي تقبر فيها الحريات، وتغل العقول يتغنى بما قام به هذا الحاكم الظالم من أفعال وضيعة، يصور سيئاته حسنات. وسخافاته آيات، وحماقاته معجزات، ومن يريد من الأدباء أن يربأ بقلبه عن هذه الوضاعة لجأ إلى مقامه متخيلة، أو رسالة إخوانية من تهنئة وتغزية، ورجاء ورثاء يظهر فيها مقدرته الفنية، ويشبع غريزته الأدبية.
جاء جمال الدين إلى مصر بعد أن طوف في عديد من الممالك الإسلامية عله يجد بلدا يصلح أن يكون نواة يلتف حولها المسلمون، ليستعيدوا سالف قوتهم، وغابر مجدهم، ووجد في مصر تلك التربة الممرعة الخصيبة، فألقى بها عصا تسياره، ولم يكن قد اشتهر بآرائه السياسية، وإنما عرف عنه أنه عالم ديني ومصلح اجتماعي، فلما وجد الأمور بمصر تزداد كل يوم سوءا من سفه إسماعيل وطيشه، وبعثرته المال ذات اليمين، وذات الشمال على ملذاته وشهواته، ومصر تئن تحت الديون الباهظة، والأجانب ولا سيما إنجلترا وفرسنا يتلمظون عليها، اضطر للاشتغال بالسياسة، وانغمس فيها حتى قمة رأسه.
ولا أريد في هذا المقام أن أترجم له، وأتتبع مراحل حياته، فقد وفيته حقه في "الأدب الحديث" إنما الذي يعنينا هنا ذلك التطور الكبير الذي نماه في نفوس طائفة من الشباب الذي إلتف حوله، وتشبع بتعاليمه ووجد فيهم الروح المتوثبة والهمة الناهضة، نلمس هذا التطور في أمرين:
أولهما: الموضوعات التي طرقها الكتاب، واتخذوا من الصحافة منبرًا يذيع آراءهم، وأفكارهم على الرغم من صرامة الرقيب وشدة وطأته، تمثلت هذه
(1/58)

الموضوعات في الدفاع عن الشعوب المظلومة التي آدها حكامها عسفًا، وإرهاقًا ولم تكن تجرؤ على مراجعتهم في أمر أبرموه، ولو كان ظلما، ولا كيف تثور وتشكو وتئن وتتوجع، فناقشت هؤلاء الحكام في مدى سلطتهم، وحق الشعب في الحياة، وأن الحاكم يخطئ ويصيب، وأن مقدرات الأمة رهن يديه، فإن كان عادلًا عالمًا مصلحًا خيرًا سار بها في طريق الرشاد، وإلا ساقها إلى الهاوية، ونسمع من جمال الدين قوله يحرض الفلاح على الثورة ضد من يمتصون دمه، ويستغلون مجهوده: "أنت أيها الفلاح المسكين تشق قلب الأرض لتستنبت منها ما تسد به الرمق، وتقوم بأود العيال، فلماذا لا تشق قلب ظالمك، لماذا لا تشق قلب الذين يأكلون ثمرة أتعابك"، ويصرخ في المصريين جميعًا بقوله: "انظروا أهرام مصر، وهياكل ممفيس وآثار طيبة، ومشاهد سيوة، وحصون دمياط، فهي شاهدة بمنعة آبائكم وعزة أجدادكم هبوا من غفلتكم اصحوا من سكرتكم، وعيشوا كباقي الأمم أحرارًا سعداء".
ويدعو جمال الدين إلى الأخذ بنظام الشورى، حتى لا يستبد الحكام بالأمر دون شعوبهم، وحتى لا يتخذ الأجانب سفه هؤلاء الحكام ذريعة يتدخلون بها في شئون مصر، وقد رأينا آنفًا تلك الإشارات التي ساقها رفاعة في كتبه عن الحكم الشوري في فرنسا، ولكن النفوس لم تكن قد تهيأت بعد لتنقض غبار القرون الطويلة التي رزوحت تحتها، وهي تئن من الظلم، وتستنيم إلى الاستبداد.
وأخذ هذا النثر الحديث يحارب الاستعمار في شتى صوره، ولا سيما بعد أن أخفقت الثورة العرابية، ومنيت مصر بالاحتلال البريطاني، وتونس بالاحتلال الفرنسي، ثم الحث على إصلاح المفاسد الاجتماعية المتفشية في هذه الشعوب المغلوبة على أمرها، والتي تعاني منها الجمهرة الغالبة حتى تمت فيها صفات رديئة على مر السنين كالنفاق، والرشوة والكذب، والخداع والتراخي في العمل إلى آخر هذا الثبت الشنيع من نقائص الأمم التي منيت بالاستعمار قرونًا طويلة، فماتت فيها روح الكرامة والعزة، لذلك عمد الكتاب في هذه الحقبة إلى التشنيع على هذه الرذائل، وتبشيعها لدى أفراد الشعب كي يقلعوا عنها.
(1/59)

وجد جمال الدين بمصر طائفة من المستنيرين قل أن وجدت حينذاك في أمة عربية إسلامية، ووجد الثقافة فيها خطت خطوات واسعة، واتصلت اتصالًا قويًا بالتيار الغربي، فتشجع هؤلاء الشبباب الذين أعجبوا به وبآرائه -لأنها وجدت صدى قويًا في نفوسهم- على إنشاء الصحف وعلى الكتابة، والتعبير عن آرائهم لتكوين رأي عام حتى يمكن الإصلاح، وكان -على الرغم من أنه لم يكن عربي القلم واللسان بالنشأة- يكتب في هذه الصحف بإمضاء مستعار هو "مظهر بن وضاح"، وكان من أثر دعوته هذه أن أنشأ أديب إسحق جريدتيه مصر والتجارة، وأنشأ يعقوب بن صنوع جريدته "أبا نضارة"، وتدخل في تحرير الوقائع حين ولى أمرها الشيخ محمد عبده، فطلب إلى الكتاب أن يخوضوا في موضوعات معينة تمس الحياة الأمة في صميمها.
وثاني مظاهر هذا التطور تكوين جيل من الكتاب، متمكن من اللغة قدير على الإسهاب، وشرح المعضلات السياسية والاجتماعية، عن دراية ومعرفة وعاطفة جياشة، من غير لجوء إلى المحسنات والزخارف، خبير بتفتيق المعاني وتوليد الأفكار، ولنستمع إلى الشيخ محمد عبده يشيد بأستاذه جمال الدين، وكيف كان أثره في تطور الأسلوب النثري أداء ومعنى:
"كان أرباب العلم في الديار المصرية القادرون على الإجادة في المواضيع المختلفة، منحصرين في غدد قليل، وما كنا نعرف منهم إلا عبد الله "باشا" فكري وخيري "باشا"، ومحمد "باشا" سيد أحمد على ضعف فيه، ومصطفى "باشا"، وهي على تخصص فيه، ومن عدا هؤلاء فإما ساجعون في المراسلات الخاصة، وإما مصنفون في بعض الفنون العربية أو الفقهية وما شاكلها.
ومنذ عشر سنوات نرى كتبة في القطر المصري لا يشق غبارهم، ولا يوطأ مضمارهم، وأغلبهم أحداث في السن، شيوخ في الصنعة وما منهم إلا أخذ عنه، أو عن أحد تلاميذه أو قلد المتصلين به".
ويقول عن اقتداره على تفتيق المعاني، وخوضه في كل مشك لة تطرح أمامه خوض الخبير العالم: "كانت له سلطة على دقائق المعاني وتحديدها، وإبرازها في
(1/60)

الصورة اللائقة بها، كأن كل معنى قد خلق له، وله قوة في حل ما يعضل منها كأنه سلطان شديد البطش، فنظرة منه تفكك عقدها، وكل موضوع يلقى إليه يدخل للبحث فيه كأنه صنع يديه، فيأتي على أطرافه، ويحيط بجميع أكنافه، ويكشف ستر الغموض عنه، فيظهر المستور منه، وإذا تكلم في الفنون حكم فيها حكم الواضعين لها، ثم له في باب الشعريات قدرة على الاختراع، كأن ذهنه عالم الصنع والإبداع".
أفاد جمال الدين النثر فائدة جليلة بإرشاد تلاميذه إلى التحرر من القيود الثقيلة التي كانت ترسف فيها الكتابة الإنشائية، مما أفسد المعنى، وستر الأفكار عن الموضوع والجلاء، كما أرشدهم إلى تجنب المقدمات الطويلة التي ترهق الكاتب، والقارئ بدون طائل، وطبعي أن يصرفهم إلى الاهتمام بالمعاني؛ لأن النثر المقيد لا يتسع لهذه المعاني الجديدة العميقة، ولا يستطيع الإفصاح عنها بوضوح.
(1/61)

محمد عبده:
وإذا نظرنا إلى تلاميذ جمال الدين، وجدناهم فعلًا قد تأثروا بطريقته بعد أن كانوا من الساجعين، فهذا الشيخ محمد عبده أخذ يشق طريقه إلى الكتابة الصحيفة، وهو بعد طالب في الأزهر، فنشرت له أول مقالة بالأهرام في2 من سبتمبر سنة 1876، وقد أرسلها تحية للجريدة، وجاء فيها: "إنه لما نظر لدى كل قاص ودان، واشتهر بين بني نوع الإنسان أن مملكة مصر كانت في سالف الزمان، مملكة من أشهر الممالك وكعبة يؤمها كل سالك وناسك، وإذا كانت قد اختصت بتربية العلوم، وبث المعارف المتعلقة بالخصوص والعموم، وانفردت بالبراعة في الصنائع، والابتكار في أنواع البدائع، فكان أبناء العالم إذ ذاك ينتدون نداها، ويستجدون جداها، يستمطرون من الغيث قطرًا، ويستمدون من المحيط نهرًا ... إلخ".
هذه المقدمة الطويلة المسجوعة المملة، والتي تتوارد فيها الجمل الكثيرة علة المعاني القليلة حرصًا على السجع، والمحسنات اللفظية والمعنوية مع تكلف ظاهر، وأخيرًا وصل إلى الغاية من مقاله، وهي الإشادة بهذه الصحيفة حيث يقول:
(1/61)

"فيا لها من جريدة أسست قواعدها في القلوب، وامتدت مبانيها لكشف الغيوب، تنادي بمقالها وحالها: حي على الفلاح، وهلموا إلى موارد النجاح، لا تقفوا عند صورة المبنى، ولكن تجاوزوا إلى المعنى، تلك أوهام أشباح، وهذه غذاء أرواح، تلك ظواهر صور، وهذه دقائق عبر، تلك مساكن أموات، وهذه لسان سر السماوات.
ونجد كذلك مقالاته تتوالى في الأهرام على هذا النمط من الكتابة كمقالة: "فن القلم والكتابة" و"المدبر الإنساني والمدبر العقلي الروحاني"، وقد نشرت الأخيرة في30 من ديسمبر سنة 1876، ثم "العلوم الكلامية، والدعوة إلى العلوم العصرية" وغيرها، كان الشيخ في هذه الآونة طالبًا لم يتخرج في الأزهر بعد، ولكن على الرغم من هذا السجع المتكلف، فإن هذه المباحث دلت على نفس طموح محبة للإصلاح فيها جرأة ومضاء، إذ كان مما يزري بطالب العلم بالأزهر حينئذاك أن يصطنع الكتابة في الصحف السيارة، ولكن محمد عبده وجد الصحافة منبرًا عاليًا يذيع منه آراءه الإصلاحية، فلم يثنه شيء عن اتخاذه أداة لبث أفكاره، ونشر دعوته.
وكان السجع حتى هذه الآونة له منزلة في القلوب تدل على مقدرة الكاتب وبراعته، ولا ريب أن الشيخ كان يمكن لنفسه في عالم الكتابة، ولذلك آثر هذا اللون حتى لا يتهم بالعي أو التقصير، ولكنه عدل عن هذه الطريقة في الوقائع المصرية، وبتأثير من أستاذه جمال الدين الذي وجهه إلى الاهتمام بالمعاني، وبمعالجة الموضوعات الحية التي تمس الحاجة إليها، وهو وإن عدل عن السجع إلا أنه آثر الازدواج، فأنت جملة متسقة متناسبة في الطول من غير قافية، وفيها ترادف صوتي، كما نراه عمد إلى البساطة في التعبير حتى يفهمه أكبر عدد من القراء، فترك استعمال الكلمات الغريبة، وتكلف الخيال والاستعارات والتشبيهات، كما نرى في هذه المقالات كثيرًا من الكلمات العامية، كما في مقاله "حب الفقر وسفه الفلاح" المنشور في 25 من نوفمبر سنة 1880، إذا ورد فيه مثلًا "وإرادته الغير مرتبة"، وأل لا تدخل على غير لاستغراقها في الإبهام، واستعماله "البنوك" بمعنى المصارف و"القرباج" بمعنى السوط، وقد كتب تحت هذا العنوان "مرة ثانية في
(1/62)

الوقائع بتاريخ 18 من ديسمبر يقول في مستهلها "الاقتصاد هو فضيلة من فضائل الإنسان الجليلة، بل هو من أهمها، مدحته جميع الشرائع وبينت فوائده، وهو كغيره من الفضائل مركب من أمرين بذل وإمساك، أعني أن الاتقصاد هو التوسط في الإنفاق، بحيث لا يبسط صاحب المال يده كل البسط حتى لا يبقى فيها شيئًا، ولا يقبضها كل القبض حتى لا يخرج منها شيئًا، بل ينفق من ماله على حسب حاله، يقدم الأهم فالمهم فيدفع الضرورة، ويقيم البينة على قدر ما يناسب درجة غناه، وفقره ... إلخ".
ونراه في هذه المرحلة يعالج بعض العيوب الاجتماعية مثل المقال السابق الذي يبين فيه جهل الفلاح، واضطراره إلى الدين بالربا الفاحش، ثم مقال آخر بعنوان "المعارف"، يبين فيه فائدة العلم والقراءة، ومقال ثالث بعنوان "الرشوة"، وفيه يقول: "قد تقرر في عقول جهله العوام أن الرشوة هي السبب الوحيد للخلاص من أية جريمة يرتكبونها، فيقدم منهم على ما يخالف الأصول المتبعة، أو يخل بالأمن والسكينة، أو يهتك حرمات الحقوق، اتكالًا على ما يضمره في نفسه، من أن الرشوة كافية للنجاة من العقاب، أو الحصول على غرضه بأي وجه كان، وقد غلب على عقول العامة أن كل صاحب وظيفة ميرية، وغير ميرية لا يصح أن يقضي أمرًا في مصلحة لأحد إلا بالرشوة، ولذلك يرون أنه من الوجوب على من التمس إنجاز أي عمل يتعلق بمصلحته، أن يقدم إلى صاحب الوظيفة رشوة تبعثه على مباشرة ذلك العمل، غير ملتفت لما تطالبه به واجبات المصلحة التي انطبقت بذمته على أجر يتقاضاه في رأس كل شهر، ولذلك صار أمر الرشوة بينهم من قبل العوائد التي لا تشمئز منها طباعهم، ولا يستنكرها أحد منهم، بل كادت أن تكون من الوسائل المحمودة لنجاح المقاصد ودفع الفوائد.
إلخ"، وقد سلك فيها مسلكًا نفسيًا، وأخلاقيًا ودل على حصافة رأي وغزارة علم.
ونرى أنه قد انطلق على سجيته لا يجري وراء سجعه، ولا يتكلف البحث عن كلمة، وإنما يمعن في إيضاح فكرته ببساطة ويسر، وقد ظل يعالج مثل هذه
(1/63)

الموضوعات الأخلاقية، والعيوب الاجتماعية المتخلفة من زمن الظلم، والاستعباد حتى صارت هذه الرذائل عادات متمكنة في نفوس العامة والخاصة.
فلما شبت الثورة العرابية كان محمد عبده من المناوئين لها أول الأمر؛ لأنه كان من دعاة الإصلاح البطيء؟، وتهيئة الأمة عقليًا ونفسيًا لتتحمل تبعات الحكم، كما أنه كان سيئ الظن بأحمد عرابي، ولقد صرح بآرائه هذه في جرأة، فمن دعوته إلى الإصلاح البطيء قوله: "وإنما الحكمة أن تحفظ لها "أي الأمة" عوائدها الكلية المقررة في عقول أفرادها، ثم يطلب بعض التحسينات فيها لا تبعد منها بالمرة، فإذا اعتادوها طلب منهم ما هو أرقى بالتدريج، حتى لا يمضي زمن طويل إلا وقد انخلعوا عن عاداتهم، وأفكارهم المنحطة إلى ما هو
أرقى وأعلى من حيث لا يشعرون"، ويقول في مقال آخر منددا بالمطالبة بالدستور على يد العسكريين:
"ليس من الحكمة أن تعطي الرعية ما لم تستعد له، فذلك بمثابة تمكين القاصر في التصرف بماله قبل بلوغه سن الرشد، وكمال التربية المؤهلة والمعدة للتصرف المفيد"، ويقول مرة أخرى، وكأنه كان يتكلم بلسان القدر:
"إن الأمة لو كانت مستعدة لمشاركة الحكومة في إدارتها شئونها لما كان لطلب ذلك بالقوة العسكرية معنى، فما يطلب به رؤساء العسكرية الآن غير مشروع؛ لأنه ليس تصويرًا لاستعداد الأمة ومطلبها، ويخشى أن يجر هذا الشعب على البلاد احتلالًا أجنبيًا يسجل على مسببه اللعنة إلى يوم القيامة".
وكان يرى أن الشرق إنما ينهض على يد مستبد عادل يحكمه خمس عشرة سنة يصنع فيها ما يصنعه العقل وحده في خمسة عشر قرنًا، مستبد "يكره المتناكرين على التعارف، ويلجئ الأهل إلى التراحم، ويقهر الجيران على التناصف، يحمل الناس على رأيه في منافعهم بالرهبة، إن لم يحملوا أنفسهم على ما فيه سعادتهم بالرغبة، عادل لا يخطو خطوة إلا ونظرته الأولى إلى شعبه الذي يحكمه"، ومن سوء الحظ أن هذا كان رأيه في رياض باشا، وقد كرر رأيه هذا في عدم استعداد الأمة للدستور أكثر من مرة وبأساليب متباينة، وألح عليه إلحاحًا شديدًا متناسيًا ما قام به الحكام المستبدون في مصر من جرائم، وكان
(1/64)

آخرهم إسماعيل الذي أرهق الناس بالضرائب، إشباعًا لنزواته، وسد طلباته، حتى هجروا أرضهم هربًا من السياط والحبس ومصادرة الملك، استمعوا إليه بقول وقد ناقش عرابي في هذه القضية: "كنت معروفًا بمناوأة الفتنة، واستهجان ذلك الشعب العسكري، وتسوية رأي الطالبين لتشكيل مجلس النواب على ذلك الوجه، وبتلك الوسائل الحمقى ... مررت ببيت "طلبه" ثالث يوم عيد الفطر فسمعت جلبة، ورأيت بعضًا من صغار الضباط يجولون من جانب إلى آخر من البيت، فدخلت للزيارة، فوجدت عرابي، وجمعًا غفيرًا من الضباط، ووجدت معهم أحد أساتذة المدرسة الحربية، فجلست واستمر الحديث في وجهته، وكان موضوعه الاستبداد والحرية، وتقييد الحكومة بمجلس النواب، وأن لا سبيل للأمن على الأرواح والأموال إلا بتحويل الحكومة إلى مقيدة دستورية، فأخذت طرفًا من البحث، فأقمنا على الجدل ثلاث ساعات، وكان عرابي والأستاذ في طرف والكاتب في طرف، وهما يقولان: إن الوقت قد حان للتخلص من الاستبداد، وتقرير حكومة ثورية، والكاتب يقول: علينا أن نهتم الآن بالتربية والتعليم بضع سنين، وليس من اللائق أن نفاجئ البلاد بأمر قبل أن نستعد له، فيكون من قبيل تسليم المال للناشئ قبل بلوغ سن الرشد يفسد المال، ويفضي إلى التهلكة".
أما رأيه في عرابي فقد عبر عنه بقوله: إنه شهم في الكلام ضعيف في الحرب، أليق به أن يكون واعظًا للعوام من أن يكون زعيم أمة".
اضطر محمد عبده تحت تأثير الحوادث أن يشتغل بالسياسة على طريقته، وأن يكتب المقالات السياسية في الوقائع، ولما اشتدت الثورة، وانضمت إليها الأمة جمعاء، وجد محمد عبده نفسه مضطرًا؛ لأن يسير مع الجماعة، وبخاصة حين وجد الأمر يتعلق بكرامة الأمة بعد أن تدخل الأجانب، واستعان بهم توفيق، وصار محمد عبده قوة روحية للثورة، يأخذ المواثيق ويحرر بيانات الثورة للشعب وللدول، ويحض قومه على التجنيد، ويحمسهم للقتال ولا يدخر في سبيل ذلك وسعًا، وكان يستعين بالوقائع -وهي الجريدة الرسيمة- على نشر أفكار الثورة، وصار يرى: "إن مصر أصبحت صالحة لحكم نفسها بنفسها، وأن الثورة قد علمت الناس الاتجاه نحو المنافع العامة، فلم يعودوا في حاجة إلى تربية وتعليم".
(1/65)

ولما أخفقت الثورة سجن محمد عبده مائة يوم، ثم حكم عليه بالنفي فاتخذ بيروت ملجأ، والذي يهمنا في هذه المرحلة أمران: أولهما أن أسلوب محمد عبده قد لان وسهل، ولا سيما أسلوبه الصحفي؛ لأن الحوادث جرت بسرعة، وكان مضطرًا إلى ملاحقتها، ولم يكن لديه الوقت للتأنق، واصطناع الازدواج بله السجع؛ ولأنه كان يخاطب الجماهير، ويشرح قضايا هامة تحتاج إلى توضيح معانيه، ونراه قد استخدم الأقيسة المنطقية والبراهين، وعنى بترتيب الفكرة، وتقليبها على شتى وجوهها، وكان في كلامه حرارة الإيمان وقوة اليقين بما يكتب، وبذلك ثبتت على يديه معالم النثر الاجتماعي، والسياسي تلك التي ابتدأها رفاعة الطهطاوي، ثم أحمد فارس الشدياق.
وثانيهما أن هذا لم يكن كل ما عمله محمد عبده من أجل تطوير النثر، ولكننا نراه وقد تولى تحرير الوقائع يشرف على الكتابة الديوانية في كل مصالح الدولة، وعلى الجرائد والمجلات، وقد عنى بتصحيح الكتابة وتقويمها، ومعاقبة المقصرين في هذا الشأن سواء من كتبه الدواوين أو محرريى الصحف، وفي هذا يقول: "أول ما بدأت الجريدة بانتقاده طريقة التحرير التي كانت متبعة في النظارات والإدارات، فأخذت تبين وجه الخليل بها وإضرارها بفهم المعاني المطلوبة، ثم ترسم الطريقة المثلى التي يجب السير عليها، فلم تمض أشهر قليلة حتى ظهر فضل ذوي الإلمام باللغة العربية من موظفي الحكومة، وحضهم رؤساؤهم على مكاتبة الجريدة الرسمية، سترا لعيوب الإدارات، واضطر الجاهلون باللغة والتحرير إلى استدعاء المعلمين، أو المبادرة إلى المدارس الليلية ليتعلموا كيفية التحرير".
وقد أنذر الشيخ مرة مدير جريدة مشهور بتعطيل جريدته إذا لم يختر لها محررًا صحيح العبارة في مدة معينة، فأسرع مدير الجريدة إلى تنفيذ ما أراده الشيخ، وبهذا صار محمد عبده مشرفًا على الأداة الحكومية جميعًا، وعلى الصحافة وتحريرها.
(1/66)

وجمع محمد عبده حوله نخبة من الشباب المستنير الذين تتلمذوا عليه، وعلى أستاذه جمال الدين، وكانت قلوبهم تفيض حمية وغيره على بلادهم، وإصلاحها في شتى الوجوه منهم عبد الكريم سلمان، وسعد زغلول، وإبراهيم المويلحي، واللقاني، وأحمد عبد الغفار، وحسن الشمسي، ومحمد عبد القادر المازني، وسليم رحمي، وخليل إبراهيم وغيرهم، وقد شعر هؤلاء جميعًا وعلى رأسهم أستاذهم محمد عبده أن اللغة القومية مصدر عزة الوطن، ومجلى فخاره، وأن اللغة العربية تزخر بالكنوز التي خلفها السلف، وفي هذه الكنوز ما ينير العقول، ويبعث الهمم قوية ناهضة، ويحيى العزائم الميتة، وأنه لا بد لكي تنهض الأمة نهضة عظيمة من العناية باللغة، وتخليصها من كل شائبة، وهذا هو عبد الكريم سلمان يهيب بأبناء أمته أن يعملوا على تقوية هذه اللغة الكريمة بقوله: "قد سنحت لكم في هذه الأيام فرصة العمل، وناداكم الوطن بلسانه العربي الفصيح: بعزتي عليكم، وحقوقي لديكم، إلا ما نهضتم لتأييد لغتكم، وإعلاء شأنها، وارتفاع منارها، ليعود ذلك إليكم بالمنافع العامة، وإلى بلادكم بالتقدم والعمران".
ويحرر الشيخ محمد عبده مقالًا في الوقائع تحت عنوان "مشكلات الكتابة"، ويرى أن لغة الكتابة الديوانية صارت رموزًا، وأحاجي "مغلقة الألفاظ، غامضة
المعاني، مختلفة التراكيب، لا يقتدر المطالع على حل رموزها، ولا يتمكن من فك طلسماتها إلا بعد أن يجهد نفسه، ويمعن الفكرة، ويدقق النظر، ومع ذلك فلا يخلو الحال من الخطأ في فهم المقصود مما نواه الكاتب منهم".
أخذ هؤلاء الكتاب الذين التفوا حول محمد عبده يعالجون بحماسة كل مشكلات الوطن الاجتماعية، فلم يدعوا آفة من الآفات إلا تعرضوا لها بالنقد والعلاج، وبهذا خطت المقالة الاجتماعية على أيديهم خطوات فسيحة نحو الكمال، إذ تميزوا بالعاطفة الدافقة، والصراحة في التشخيص، والقوة في الأداء، والإخلاص في العلاج، مع غزارة الفكرة ووضوحها.
(1/67)

وإذا كان محمد عبده قد آثر في بادئ أمره أن يسير في الإصلاح على هينة، وأنه اضطر لمجاراة الأحداث فاشتغل بالسياسة حتى نفي عن وطنه، فإنه في جريدة "العروة الوثقى" التي صدرت بباريس، وكان للسيد جمال الدين فيها الفكرة ولمحمد عبده الأسلوب، قد تغيرت نغمته، وصار ذلك الوطني والسياسي المتحمس، الذي يصب شواظ غضبه على توفيق وعلى المحتل الغاصب، وعلى الخونة الذين يؤازرونه، فكانت العروة الوثقى شعلة ملتهبة متوهجة من الحماسة والآراء الحرة الجريئة، وكان طبيعيًا أن يحاربها الاستعمار خشية أن تفسد عليه تفرده بالغنيمة، وقتله الشعوب التي وقعت في قبضته، فمنعها من دخول الهند ومصر، ثم تعطلت بعد أن صدر منها ثمانية عشر عددًا.
هذا وقد كان للشيخ محمد عبده في رسائله الإخوانية، وتفريظاته أسلوب آخر غير ذلك الأسلوب الصحفي المتحرر، أسلوب يحتفى فيه بعبارته، وتصوير مشاعره تصويرًا فنيًا يدل على ذوق أدبي، وتمكن من اللغة، وعلى أنه ذو موهبة شعرية، تمده بالخيالات الطريفة والصور البيانية الجميلة، ونلمس هذا الأسلوب كذلك في وصف رحلاته العديدة، وبخاصة حين يصف منظرا من المناظر، لا حين يتكلم عن العادات والتقاليد ويوازن بينها، وبين عادات بلاده مستهجنا أو مادحًا، خذ مثلًا قوله يصف مقبرة مسينا: "ماذا أقول في وصف هذه المقبرة؟!! مدينة جميلة المناظر، بديعة المداخل، بعيدة المخارج، الداخل فيها أكثر من الخارج، قد اختير لها شجر الصنوبر زينة من بين الأشجار؛ لأنه في خضرة دائمة، وحياة مستمرة، كأن أرواح من يموت تنتقل إليه بعد مفارقة الأجساد، فهو لا يزال دائم الحياة في الصيف، وفي الشتاء والخريف والربيع، مدينة زينها الأحياء في حياتهم ليعدوها لإقامتهم -فيما يزعمون- بعد مماتهم، وهكذا من كان على يقين من الرحيل إلى دار هيأ تلك الدار للسكنى، وأعد لنفسه فيها أنواع النعيم ليطيب له المقام، ولا يقلق به المكان، لكن هل يكفي أن تزين لنفسك مقرا لجثتك، وأنت لا تدري هل تشعر هناك بما زينت، أو تؤخذ عنه إذا مت؟ فهل زينت دارًا لروحك بالطيبات، كما زينت دارًا لجثتك بالزهر والنبات؟ ".
(1/68)

وعلى الرغم من جودة هذا الأسلوب وانتقاء ألفاظه، وما فيه من خيال، فإن الشيخ قد آثر البعد عن السجع إلا ما جاء عفو الخاطر، وآثر الجمل القصيرة المزدوجة.
وربما علا في بعض رسائله حتى صارت كتابته شعرًا منثورًا، ومن ذلك رسالته التي كتبها إلى بعض إخوانه، وهو في سجن القاهرة بعد أن اتهم بالاشتراك في حوادث الثورة العرابية، وذلك في 6 من المحرم سنة 1320 الموافق 20 من هنوفمبر سنة 1881م.
"عزيزي:
تقلدتني الليالي وهي مدبرة ... كأنني صارم في كف منهزم
هذه حالتي، اشتد ظلام الفتن حتى تجسم بل تحجر، فأخذت صخوره من مركز الأرض إلى المحيط الأعلى، واعترضت ما بين المشرق والمغرب، وامتدت إلى القطبين، فاستحجرت في طباع الناس! إذا تغلبت طبيعتها على المواد الحيوانية والإنسانية، فأصبحت قلوب الثقلين كالحجارة أو أشد قسوة، فتبارك الله أقدر الخالقين.
.......................................
رأيت نفسي اليوم في مهمة لا يأتي البصر على أطرافه، في ليلة داجية غطى فيها وجه السماء بغمام سوء، فتكاثف ركامًا، لا أرى إنسانًا، ولا أسمع ناطقًا، ولا أتوهم مجيبًا، أسمع ذئابًا، وسباعًا تزأر، وكلابًا تنبح، كلها يطلب فريسة واحدة، وهي ذات الكاتب، والتف على رجلي تنينان عظيمان، وقد خويت بطون الكل، وتحكم فيها سلطان الجوع، ومن كانت هذه حاله فهو لا ريب من الهالكين.
تقطع حبل الأمل، وانفصمت عروة الرجاء، وانحلت الثقة بالأولياء، وضل الاعتقاد بالأصفياء، وبطل القول بإجابة الدعاء، وانفطر من صدمة الباطل كبد
(1/69)

السماء، وحقت على أهل الأرض لعنة الله والملائكة، والأنبياء والناس أجمعين. سقطت الهمم، وخربت الذمم، وغاض ماء الوفاء، وطمست معالم الحق، ومزقت الشرائع، وبدلت القوانين، ولم يبق إلا هوى يتحكم، وشهوات تقضى وغيظ يحتدم، وخشونة تنفذ، تلك سنة الغدر، والله لا يهدي كيد الخائنين.
ذهب ذوو السلطة في بحور الحوادث الماضية يغوصون لطلب أصداف من الشبه، ومقذوفات من التهم، وسواقط من اللمم، ليموهوها بمياه السفسطة ويغشوها بأغشية من معادن القوة ليبرزوها في معرض السطوة، ويغشوا بها أعين الناظرين، لا يطلبون ذلك لغامض يبينونه، أو لمستور يكشفونه، أو لحق خفي فيظهرونه، أو خرق بدا فيرقعونه، أو نظام فسد فيصلحونه، كلا بل ليثبتوا أنهم في حبس من حبسوه غير مخطئين".
هذا هو الأسلوب الأدبي الذي صار طابع الرسائل الأدبية، والموضوعات الوصفية ردحًا غير قليل من الزمن امتد حتى نهاية القرن التاسع عشر، ونحن نراه موشى بالخيال، أنيق العبارة، رصينا، يأتي فيه السجع أحيانًا، ولكن بدون تكلف، وتأتي فيه ألوان البديع من غير إكراه، أو تعسف ونلمس فيه حرارة العاطفة المنبعثة هنا من ألم لما لاقاه من خيانة وعدم تقدير، ومن تحكم الأهواء.
(1/70)

أديب إسحق
...
أديب إسحاق:
ومن تلاميذ جمال الدين الذين وثبوا بالنثر وثبات عالية، وكان له فيه أثر واضح بأسلوبه الأنيق، وحماسته العارمة، وأفكاره الجريئة، ومحبته للحرية والعدل، أديب إسحاق، ظهرت براعم أدبه ببيروت حين أخذ يحرر جريدة التقدم بيد أنها لم تزدهر، ويفوح شذاها العطر إلا بعد أن نقلت إلى مصر، فتنفست هواءها، وسقيت ماءها.
كان أديب إسحاق أول أمره يسجع شأ، أدباء الشام جميعًا، ولكن سجعه كان ذا لون خاص، إذ كان يحاول أن يحاكي أدباء العباسيين، وبخاصة مدرسة
(1/70)

ابن العميد، ويعمد إلى الخيال المجنح، ويكسب كلامه قوة ما فيه من عاطفة جياشة، تفيض من قلب مليء بالإخلاص والمحبة لوطنه الكبير، وكان كذلك كثير الاقتباس من آي الذكر الحكيم، فأسبغ على كلامه طلاوة جعلت سجعه مقبولًا.
كان أديب إسحاق يحيل كل موضوع يتناوله قلمه إلى قطعة أديبه، فيها كل مقومات الأسلوب الأدبي، حتى المقالة السياسية، داخلية كانت أم خارجية دع جانبًا كلماته عن كل ما يعلى شأن الوطن قوميًا أو اجتماعيًا، وإذا كانت جريدتاه مصر، والتجارة تعدان من الصحابة اليومية السياسية، فإن روحه الأدبية وأسلوبه الجميل جعلهما مصدرًا من مصادر الأدب في تلك الحقبة.
أصدر أديب هاتين الصحيفتين بإيعاز من أستاذه جمال الدين، وما لبثنا أن تبوأنا مكانة ممتازة في عالم الصحافة الحرة الجريئة التي تسعى لخير مصر بخاصة والأمة العربية بعامة، وتقض مضاجع حاكم السوء الذي كان يتبوأ عرش مصر حينئذاك، يظاهره وزراء باعوا ضمائرهم للشيطان، ولذلك تعرضتا لسخطه ومقته، واضطر أديب بعد أن أغلقتا إلى الهجرة إلى باريس، ولكن لم تثنه الغربة ولوعة النفي عن متابعة الجهاد، فأصدر في جريدة القاهرة، وظل يصدرها على الرغم مما يلاقي من صعوبات حتى اشتدت عليه علة الصدر فغادرها إلى لبنان.
ولنستمع إليه يحدثنا عن بعض المشكلات السياسية والخارجية، من ذلك حديثه عن مؤتمر برلين سنة 1878، وفيه يقول: "وهذه الدولة العثمانية قد أكرهت على ما تكره، وتضامنت لحكم الزمان، فتقلص ظل مجدها، وأقل نجم سعدها وأصبحت بين الروسية، وإنجلترا كالسفينة بين عاصفتين، فلجأت إلى الثانية رجاء أن تشد أزرها، وتؤيد أمرها، فكانت كالمستجير بالنار من الرمضاء، إذا استولت إنجلترا على أحسن جزائرها، وقبضت على زمام الإدارة في بلادهم الآسيوية، وألقت الوحشة بينها وبين دولة إسلامية مهمة، وجعلتها بين داخلية ممزقة بالفتن، وخارجية مشوهة بالعداوة والإحن".
(1/71)

ولنستمع إليه مرة ثانية يحدثنا عن بعض الشئون الداخلية عقب سقوط وزارة رياض، وتولية شريف، وكان رياض من ألد أعداء الصحافة الحرة والأقلام الجريئة، وقد سقطت وزارته حين أمر بفض مجلس النواب، فلما جاء شريف ألغى هذا الأمر فحياه أديب بمقال استهله بقوله:
ولي وطن آليت ألا أبيعه ... وألا أرى غيري له الدهر مالكا
ثم يقول فيه للمصريين: "لقد نهضتم من ورطة الذل بما تم لكم من إقامة الحكومة الوطنية، وتأييد الهيئة الثورية، فصار الأمر منكم وإليكم، وتبعته لكم وعليكم، لتنظروا إلى مستقبلكم نظر الآمن، وتستعملوا ما حصل لكم من الحقوق، وما رد إليكم من الحرية فيما يجلب لكم الخير، ويدفع عنكم الضير، ولا تكونوا كمن وجد كنزًا فأدهشه المال، فلم يودعه مكانًا أمينًا، فأتاه السارق على غرة، فأفاق يطلب الكنز فرأى الأرض قفرًا والمزار بعيدًا".
وقال أديب يوم افتتاح مجلس النواب سنة 1881، معبرًا عن فرحته منددًا بمحرر جريدة البرهان الشيخ حمزة فتح الله حين دعا إلى حكم الفرد:
صفحا لهذا الدهر عن هفواته ... إن كان هذا اليوم حسناته
وكيف لا؟ وهو حاجة النفس، وأمنية القلب، منذ توجه الخاطر إلى السياسة الوطنية، وانصرف العزم إلى إحياء الهمم، وانعقدت النية على حفظ الحقوق، واتحدت الوجهة في القيام بالواجبات، وهو النشأة التي كست الوطن رداء الفتوة قشيبا، وهو البغية التي غرست للأخمة غصن الأمل رطيبًا، وهو ما رجوناه زمانه، ودافعنا الزمن فيه، وتمنيناه أعوامًا، وغالبنا الحدثان عليه، فيا حسنه من يوم رد فائت البهاء، وأحيا ميت الرجاء وأعاد شباب الأمة، وسدل ستور النعمة، وأظهر مقاصد الأمير، وأيد مساعي الوزير، وقضى لبانات النبهاء، وحقق أماني النزهاء".
ولنستمع إليه كذلك يقول عن الحزب الوطني الذي أنشئ في أوائل عهد توفيق وما يتعلق به من أماني، موضحًا سياسته، وأنه "يريد أن يكون المصري في
(1/72)

مقام الإنسان، مستقلًا بوجوده، متمتعًا باستقلاله، فائزًا بحقوقه ناهضًا بواجباته، وتريدونه بمنزلة الحيوان، يساق للموت، فإن عجز فللسلخ، ويطلب أن يكون الوطني آمنًا في داره، مساويًا لجاره، يستغل زرعه، ويستدر ضرعه، وتلتمسون أن يكون غريبًا في آله، مصادرًا بماله، يطعم من يحرمه، ويؤمن من يروعه، ويحفظ من يضيعه":
فِإذا عطلت جريدة النهار لحملاتها القاسية على رياض ساق إلينا أديب هذا الخبر في أسلوب عال، مفصحًا عن شعوره إزاء هذا التعطيل، منوها بما أوتي من عزم وجلد، وثبات للشدائد، وفي ذلك يقول: "ولئن ساءنا أن جاءنا ذلك الإخطار بلوم، وعقاب أليم، لقد سرنا أن تكون الجرائد موضعًا للنظر، ومجالًا للنقد، ولم نر في القصاص شيئًا يستعين به اللائم، أو مصابًا يعتضد به الشامت، فإن التجارة تحسب حب الوطن دينا، والمدافعة عنه جهادًا، فإن عاشت فهي سعيدة، وإن ماتت فهي شهيدة، ولقد أتاها الله النعمتين، وأتاح لها الحسنيين، فعاشت به، وماتت عليه، وستبعث بعد أسبوعين، رافلة في ثوب الشهادة، مزينة بحلى السعادة، على الرغم من أنوف حاسديها، الذين أولوا كلامنا إلى ما لا نقصد، وسعوا فيها بما لم يخطر على قلوبنا، وحاولوا إطفاء نور الحق، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المبطلون".
وقد لا يروق هذا الأسلوب كتاب الصحافة اليوم، ولكن "أديب" كما ذكرنا كان يسلك دائمًا المسلك الخطابي الحماسي في كل ما يتناوله من موضوعات، ويضفي عليه من طلاوة أسلوبه، ما يحيله إلى قطعة أدبية يسجع، ويزاوج، وينتقي الكلمات ذات الجرس الموسيقي المناسب للموضوع، ولجارتها من الكلمات، مع عاطفة حارة دائمًا تسبغ على الكلام قوة وحيوية مع بعض ألوان من الخيال والأمثال.
وتراه وهو في باريس لا تنسيه الغربة مصر، بل يكتب في "القاهرة" معبرًا عن حبه لمصر، وعن ذكرياته بها، ولا بدع ففيها ر فع ذكره، وشهر أمره، وقدر
(1/73)

أدبه، وعلا قدره، وتفتحت مواهبه، ولذلك يقول عنها وهو في غربته: "مصر، ولا حياء في الحب، بلد تركت فيه زهرة أيام الشباب، وخلفت غرس الآداب، وهززت غصن الأماني رطيبًا، وليست ثوب الآمال قشيبًا، فما عدلت بي عن حبها النكبة، ولا أنستني عهدها الغربة، ولست أول محب زاده الحب وجدا، ولم ينكث على العهد عهدًا، فحذار أهل مصر فإن العدو لكم بالمرصاد، وإنكم لمحفوفون بالعيون والأرصاد".
ومع أن هذا الكلام مسجوع، فإن غير مصطنع أو متكلف، وإن وردت فيه عبارات محفوظة كثيرًا ما نراه يرددها مثل "غصن الأماني الرطيب، وثوب الآمال القشيب".
وتراه أحيانًا وهو في غربته، يذوب أسى وكمدا حينما يوازن بين ما يراه من نعمة سابغة يتقلب فيها الفلاح الفرنسي، وما يلاقيه فلاح مصري في سبيل ما يقيم الأود، ويسد المسغبة من ذل وإرهاق، وكيف يعيش عيشة الحرمان قريبًا من عيشة الحيوان، مثل قوله تحت عنوان "نفثة مصدور":
"وأنا تحت سماء الإنصاف على أرض الراحة بين أهل الحرية أسمع ألحانًا في مجلس العدل، فأذكر قومي في مجالس الظلمة، وتحت سياط الجلادين، فأنوح نوح الثاكلات، وأرى علائم النعمة في معاهد المساواة، فأذكر شقاء سربي في ربوع الظلمة، فأذرف الدمع ممتزجًا بسواد القلب فأكت إليهم: يا قوم! ظلمتم غير معذورين وصبرتم غير مأجورين، وسعيتم غير مشكورين، فهلكتم غير مأسوف عليكم، تصبرون على الظلم حتى يحسبه الناظر عدلًا، وتبتسمون للقيد حتى يظنه الناقد حليًا، وتخفضون للظالمين جناح الذل، حتى يقول من يراكم ما هؤلاء بشرًا إن هؤلاء إلا آلة سخرت للناس يفلحون بها الأرض ويزرعون، يقلب الجائرون عليكم أنواع المكايد وأصناف الحيل، وألوان الخداهع فيما يختلسون، كما تقلب المشعوذة لدى الأطفال أوجه الودعات في استخراج ما يضمرون.
رأيت فلاحهم في حقله الصغير يتناول الطعام أكلًا مريئًا، وينام القيلولة نومًا هنيئًا، ويأوي إلى البيت فيأكل بين عائلته، ويتلو عليهم صحيفة النهار، ثم
(1/74)

ينام ملء غينيه، لا يحلم بسوط المأمور، ولا يتصور عصا الشيخ، ولا يتذكر حبس المدير، فتخيلتكم بين السواقي، والأنهار تشتغلون سحابه اليوم لتجتمعوا على القصعة السوداء، فتلتهموا فئات الشعير، وتنكبوا على الترع فتشربوا الماء الكدر، تعودون إلى الأرض المريعة تزرعونها، والغلة الوفيرة تحصدونها، لتنصرفوا إلى أكواخ بالية تشبه قبورًا توالت عليها السنون، فيجتمع من حولكم صغار لا تعرف أبدانهم الوفاء، ونساء تعوضن الأقذار عن الكساء، ثم يأتيكم المأمور سالبًا، والشيخ غاضبًا، والمدير ناهيًا، فأنتم في بلاء مستقر، وعناء مستمر، تحصدون البر ولا تأكلون، وتملكون الأرض ولا تسكنون".
فهذا تصوير أدبي رافع لحال الفلاح المصري الزرية، وكيف كان يستغله السادة، وكيف استنام للذل، ورضى بالعيش الدون مع لمحة خاطفة عن حال الفلاح الفرنسي، وما يتمتع به من ألوان الهناءة، وفي ذلك تحريض ولا شك لفلاحي مصر كي يخلعوا نير العبودية، وينشدوا حياة أقوم وأحسن.
ونلحظ في هذا النص أنه أكثر من استخدام الطباق، وأنه كان يعتمد الإتيان به، وأن بعض استعاراته ليست مطبوعة، وإنما عليها مسحة من التكلف مثل قوله: "فأذكر شقاء سربي في ربوع الظلمة، فأذرف الدمع ممزوجًا بسواد القلب"، ومع هذا فالنص في جملته قوى ولا سيما تلك العبارات التي اتكأ فيها على الجمل القرآنية.
ولكن أديب حاول التخلص من السجع، وبخاصة في نثره الصحفي، وإن ظلت عبارته مرتفعة، بل نراه أحيانًا ينعى على السجع وتكلفه، ويدعو إلى النثر المرسل، ولعل هذا كان بتأثير من أستاذه جمال الدين، أو؛ لأنه رأى أن السجع يفوت عليه المعنى المراد، ويدعوه إلى التكلف وترديد عبارات محفوظة، وفي هذا يقول من مقال بعنوان، "صناعة الكتابة".
والنثر هو الكلام المطلق المرسل عفو القريحة بلا كلفة، ولا صنعة إلا ما يكون من وضع الكلام في مواضعه، وإيثار ما يألفه السمع والطبع منه فهو من هذه الوجهة مقدم على سائر أنواع الكلام، بل هو الأصل في الإنشاء، وما سواه فرع
(1/75)

منه، فإنه طبيعي أصيل، وما دونه صناعي حادث، والأصل في الطبيعة لا محالة، يدل على أن هذا الكلام المقفي الذي يسمونه سجعًا لا يكاد يوجد في غير اللسان العربي، فلو كان طبيعيًا لوجب أن يكون في جميع اللغات، أو في المعدودة منها أصولًا على الأقل.
ويبين لنا المواطن التي يحسن فيها السجع كما يرى فيقول: وهو وإن حسن في بعض الأماكن كصدور الخطب، ومقاطع الكلام بما فيه من تناسب الألفاظ وتناسب الفواصل التي يحسن وقعها في الأسماع، إلا أنه في الجملة دون المرسل البليغ بهجة وصفاء، وموافقة لمقتضى الحال، لقيد الكاتب فيه بلفظ لا بد منه أو
من أخيه، فلا ينبغي استعماله في بيان الحقائق العلمية، ولا في إيضاح الأصول الأدبية، ولا في غير ذلك من مواضع النقد والسرد إلا إذا جاء عفوًا غير مقصود بالذات".
وأورد أديب ما ذكره ابن خلدون عن السجع وكيف نشأ، وكيف صار صنعة وتكلفًا، وأبدى إعجابه برأي ابن خلدون وذكر نموذجًا من كتابته المرسلة تأييدًا لهذا الرأي الجديد، ثم يقول: "وجل كلام ابن خلدون ولا سيما في مقدمة تاريخه على هذا النحو من السلامة، ومناعة التكلف".
وذكر بعد هذا رأي علي بن الرماني في وصف البلاغة، وأنها: "ما حط التكلف عنه وبنى على التبيين، وكانت الفائدة أغلب عليه من القافية، وجمع سهولة
المخرج من قرب المتناول، وعذوبة اللفظ مع رشاقة المعنى".
ثم ذكر بعض ما استحسنه من الكلام المسجوع كمقامات الحريري، ورسائل بديع الزمان الهمذاني، وقطع كثيرة للقاضي الفاضل، وجملة غير يسيرة لكتاب مصر من بعدهم إلى انقراض الدولة الفاطمية.
ثم اشتد في حملته على الموروث من هذا السجع حتى عصره فقال: "ولم يدخل هذا السجع كلام القدماء في الجاهلية، وصدر الإسلام إلا ما كان منه عفو القريحة، فواصل غير مقفاة، أو يعزى إلى الكهان، والمشعوذين مما يراد به الإيهام والإبهام، فلما استولت العجمة على الألسن، وضعفت قوة الاختراع في الأذهان
(1/76)

سرى داؤه في المكاتبة إلى هذا العهد، فعدل الكتاب عن الكلام الفحل واللفظ الساذج، والأسلوب الطبيعي إلى هذه الأسجاع الملفقة البالية، يتناقلونها خلفًا عن سلف، ويطيلون بها الكلام بلا طائل سترًا لقصورهم في ابتداه المعاني، وإيضاح وقائع الحال من طريقة البلاغة والإيجاز، حتى صارت من العادات، وحصلت بين الملكات، فدخلت في المراسلات الإخوانية، والمكاتبات من الملوك والأمراء في عظائم الأمور، وسقط من ورائها الكلام المرسل إلى غاية السفالة والركاكة، فصار ما يكتب منه رطانة يفهمها بعض الجهلاء، وتعمى على الراسخين في العلم".
ثم بين لنا بعد هذه الطريقة التي يرتضيها متخذًا من نصيحة ابن أبي الإصبع نهجًا يسلكه، قال ابن أبي الإصبع: "لا تجعل كلامك كله مبنيًا على السجع، فتظهر عليه الكلفة، ويتبين فهي أثر المشقة، وتتكلف لأجل السجع ارتكاب المعنى الساقط واللفظ النازل، وربما استدعيت كلمة للقطع رغبة في السجع، فجاءت نافرة من أخواتها قلقة في مكانها، بل اصرف كل النظر إلى تجويد الألفاظ وصحة المعاني، واجهد في تقويم المباني، فإن جاء الكلام مسجوعًا عفوًا من غير قصد، وتشابهت مقاطعه من غير كسب كان، وإن عز ذلك فاتركه، وإن اختلفت أسجاعه وتباينت مقاطعه، فقد كان المتقدمون لا يحتفلون بسجع جملة، ولا يتقصدونه إلا ما أتت به الفصاحة في أثناء الكلام، واتفق من غير قصد ولا اكتساب، وإنما كانت كلماتهم متوازنة، وألفاظهم متساوية، ومعانيهم لاصقة، وعبارتهم رائقة، وفصولهم متقابلة وجعل كلامهم متماثلة".
وقد رأينا من النماذج التي أوردناها لأديب أنه كان يوافق أحيانًا في سلوك هذا النهج، فيأتي كلامه في القطعة الواحدة مسجوعًا وغير مسجوع، ولكنه يختار كلماته بدقة، متناسبة في جرسها، وتأتي جملة قصيرة الفواصل إن لم تكن مسجوعة، ففيها ازدواج وهوة الترادف الصوتي شأن الأسلوب الخطابي الممتاز لا يوفق أحيانًا، فتأتي سجعاته متكلفة وإن كان ذلك نادرًا، وإن كفلت؟؟؟ وبديع خياله لكلامه في عمومه شيئًا من الطلاوة والجمال.
(1/77)

ولم يكتف أديب في مقاله هذا عن صناعة الكتابة بالوقوف عند حد الأسلوب، ولكنه تكلم عن الكاتب وصفاته، وبين أن ما ذكره الأقدمون من شروط يجب أن تتوفر في الكاتب صالحة لزمانهم، وأما ما يشترطه هو في الكاتب "فهو من جهة الأدب: الاجتهاد والثبات، والاستقامة، ورعاية الحقوق، وحفظ الواجبات، ومؤدى قول الحكيم الفرنسي الموجه إلى كل الناس:
ذاتك احفظ وتفقه واعتدل ... واحي للناس ليحي للناس لك
فهو هنا يخرج بالكتابة الفنية إلى معنى جديد، ويبعدها عن الذاتية، ويريد من الكاتب أن يشغل نفسه بقضايا قومه وما يهمهم في حياتهم، مع الاعتدال، والتمكن من أصول الصنعة، واحترام النفس ومراعاتها وحفظها.
ولا بد للكاتب أن يعلم أصول اللغة ليعصم لسانه عن الخطأ ما أمكنت العصمة لإنسان، ويكون على حظ من العلم والأدب.
ولأديب إسحق بجانب ميادينه القومية، والسياسية قطع نثرية وصفية تتناول أحيانًا أمورًا معنوية وأحيانًا أمورًا مادية، فيقول مثلًا عن الحرب:
"عرف الإنسان مضار الحرب ولم يتجنبها، فهل تلك طبيعة وجدت في كيانه الحيواني أم عادة تمكنت فيه بالاستمرار، فصارت ملكه يتعذر التخلص منها، وهي مسألة تؤدي إلى النظر في: هل طبع على الخير أو الشر، أو كان من عجائبه أن اجتمع فيه النقيضان، يجني على نفسه الحرب وهي بلية، حتى إذا بلغت منه مبلغها بادر إلى تخفيف مضارها، فمنه الداء والدواء، والسم والدرياق، وهو بالجملة أو العجب، أما تراه قد فتح في القرن التاسع عشر سوق حرب، راجت فيها النفوس، ولم يكن السياق أو البسوس، وإنما هي ثمرة الهوى ونتيجة للغرور، فلما أنشبت فيها أظفارها وأضرمت في حماه نارها، طلب الماء لإطفاء اللهيب فهو الهادم والباني، والزارع، والجاني".
ويقول عن جرحى الحرب وما يعانون في أسلوب تتراكم فيه الاستعارات والتشابيه، فناء بها ونبا عن الذوق السليم: "في معترك أو مضت فيه بروق
(1/78)

المرهفات، ولعلعت رعود المدافع، فتلتها غيوث الكرات، وسكرت السيوف بخمر من الدم فعربدت في الرءوس، وعقد العثير لملك الموت سرادق مطنبة بالقنا، والخيل ساغبة تقبل ثقالًا وتعود خفافًا، وكأنها وقد أعياها الفارس حربًا قد غضبت على الإنسان فداست هامه انتقامًا، وقد استحيت الشمس من خشونة الإنسان، فاحتجبت بحجاب الضباب، وتململت الأرض من أعماله فزلزلت زلزالها، وكادت تخرج أثقالها، فارتعد الرعديد وثبت الصنديد، ونادى منادي الحرب: من فر من الموت في الموت وقع، ومن كان ينوي أهله فلا رجع ... إلخ".
فتلك الاستعارات والتشابيه المتلاحقة كالحلى المكدسة من غير ذوق، أو نظام على صدر فتاة تغض من جمالها وتزري بشأنها بدلًا من أن يزيد من مفاتنها وتبرز من محاسنها، أو كالألوان المتراكمة الصارخة على صفحة الصورة لا توضح سماتها، وتجلي معالمها وإنما تزيدها غموضًا.
لقد كان أديب يلجأ إلى هذا الأسلوب الغاص بالأخيلة حين يشتد انفعاله، وحين يدبج قطعة أدبية كتلك التي كتبها يطري عيشة الخلاء وفيها يقول: "لقد سكن الهواء، وفتر الماء، ووقعت سهام الشمس على الرأس، وثقلت وطأة الليل على النفس، فما لطلاب الهناء سوى الخلاء، وما لإخوان الصفا غير القضاء، فاهجر هواجر الحواضر، وذر مفاسد المحاشد، وسر بي بسرب الآداب، وصحبة أولي الألباب، نلتمس في الجبال نسيمًا بليلًا، وفي الأودية ظلًا ظليلًا".
فالسجع والاستعارات، وتعمد المحسنات ولا سيما الجناس غير التام ظاهرة واضحة في مثل هذه القطع الأدبية، وكثيرًا ما كان يطرزها بأبيات من الشعر.
ومثل ذلك ما كتبه في مجاعة حلت عام 1880 حيث يقول: "هو الظلم حتى تمطر السماء بلاء، فتنبت الأرض عناء، فلا تجد على سطحها إلا جسومًا ضاوية في ديار خاوية، وقلوبًا تحترق في بلاد تحت رق، وهو الجهل حتى تضيع الأخطار، وتفنى الأقدار، وتبطل الهمم، وتزول القيم، ويعفو العلم. ويدرس الفهم، ويستعلي الخامل، ويستولي الجاهل، وتنخفض الرءوس وتنقبض الأنفس وحتى نرى:
(1/79)

بكل أرض في شرقنا أمم ... ترعى بعبد كأنها غنم
يستخشن الخز حين يلمسه ... وكان يبرى بظفره القلم
لقد مثل أديب مرحلة هامة من مراحل تطور النثر الحديث، في أسلوبه القوى وكلامه الطلي، وخروجه بالأدب عن الذاتية إلى الموضوعية، وجعله كل شئون الحياة مجالًا لقلمه، واهتمامه بالفكرة بجانب العبارة، وبمحاولته في المقال الصحفي الابتعاد عن السجع إلا ما جاء عفو الخاطر، والارتفاع به إلى المستوى الأدبي الرفيع، ووضعه أصولًا وقواعد للمقالة الأدبية بعد أن كان الكتاب لا يفرقون بين المقالة والمقامة، وحتى بعد أن عرفوا المقالة الحديثة، كانوا يستهلونها بمقدمات تستهلك جزءًا من طاقة الكاتب والقارئ، ويطيلها بعضهم حتى تبلغ العشرين صفحة، ويتناول أحدهم قلمه ويتكره على سجيته مقتفيًا أثر انفعاله، فيسيح بنا سياحة وجدانية، ويستطرد إلى شتى الميادين، وقد يلذ لنا ما يكتب ولكن لا نكاد ننتهي من القراءة حتى لا نجد وحدة تجمع شتات الموضوع، وإنما هي خطرات واستطرادات، وأفكار مبعثرة هنا وهناك كما كان حال النديم في مقالاته، وأحيانًا نرى الفكرة المنطقية، والاتجاه العقلي، والميل إلى الحيدة في الأحكام وفي سرد الحقائق كما نرى في مقالات محمد عبده واللقاني.
أما أديب فكان يدين بالنظام والترتيب، فالمقالة وإن كانت ذاتية تعبر عن رأي الكاتب في موضوع من الموضوعات، إلا أنها في أشد الحاجة إلى التنسيق "فإنه لا يكفي أن يكون هناك خاطر، بل لا بد من ملاحظة النظام في كيفية إيضاحه، فإنه لا جلاء بدون تنسيق، وعوضًا عن الإفادة والإعجاب، والتأثير والإقناع يتعب القارئ عبثًا، وقبل الكتابة لا بد من وضع رسم، ولو رءوس أقلام، فإذا إذا لم يوضع الرسم يرتبك الذكي، ولا يعرف كيف يبتدئ، وكذلك يدخل في تفاصيل مملة، ويضيع المسألة المهمة ويصبر مظلمًا كلما اجتهد في الإيضاح، ومن أين له أن قارئيه يصبرون إلى أن يعود ليهتدي سبيله، وفي الكتابة القصيرة لا يستغني ألبتة عن هذا الاسم، ولكن العادة تجعله مصورًا في الذهن.
(1/80)

على الفور، بحيث إن الكاتب يسلك سبيله المعلوم بلا دليل، وكيف كان، ففي التنسيق ثلاثة أمور ضرورية: وحدة الموضوع، وتلاحم الأجزاء، واستقلالها التدريجي".
وبمثل هذا المنهج وضع أديب أصول المقالة الحديثة، ولدق كان يبالغ أحيانًا فيقسم المقالة إلى فقرات، ويضع لكل فقرة رقمًا، وربما أراد بهذا هداية كتاب المقالة في بادئ الأمر، حتى يلتزموا الطريق السوي في الكتابة، وعلى الرغم من أن أديب نادي بالأسلوب المرسل، والتخلص من السجع إلا ما جاء عفو الفريحة، فإن للعادة تأثيرًا كبيرًا، وظل السجع غالبًا على مقالاته وقطعه الأدبية حتى أخريات حياته.
لقد كان تلاميذ جمال الدين ثلاثة أنماط: منهم من يعذب الفكرة على العاطفة في كتابته كالشيخ محمد عبده، واللقاني وسعد زغلول، ومنهم من ينهج المنهج الخطابي الخالص، فيترك لعاطفته العنان تروج به هنا، وهناك في أسلوب يعلو تارة حتى يصير وقفًا على الخاصة، ويسف أحيانًا ليكون مفهومًا من العماية كعبد الله نديم، ومنهم من يقف بين بين، يشتعل حماسة ويتأجج عاطفة، ويأتي بالمعنى الغزير والفكرة المستقيمة، ومع هذا يمسك عنان عاطفته حتى لا تجمح به، ويقود يراعه بصرامة، وحزم في طريق مرسوم، ومهيع معلوم، مثل أديب إسحاق.
وقبل أن أنهي الكلام عند أذكر له خاصتين تميز بهما عن سواه: إحداهما أنه كان يجيد الفرنسية، ويكثر في كتابته من الاستشهاد بكلام أعلامها أمثال فولتير ورسوا وهوجو وأضرابهم، وكان يتكئ في معانيه على أفكارهم وبخاصة في حديثه عن الحرية والمساواة، وحقوق الشعب وسلطة الحاكم، كما كان يترجم القصص والمسرحيات للمسرح الذي شارك فيه سليم نقاش، ولا شك أنه بترجماته، واقتباسه من معاني الأدب الغربي قد أثرى الأدب العربي، ومزج بحذق ودراية بين ثقافته العرخبية المتينة، وثقافته الغربية الواسعة، فكان بذلك نموذجًا للكتاب الذين نهلوا من الثقافتين.
(1/81)

والخاصية الثانية أنه كان واسع الأفق في نظرته إلى قضايا الأمة العربية، فعلى الرغم من مقامه بمصر وحبه لها ودفاعه عنها، واهتمامه بكل شأن من شئونها، إذ كان يراها قلب الأمة العربية القوي، إلا أنه كان من أول الدعاة إلى الوحخدة العربية التي تضم الشمل وتوحد الجهود، وتنسق القوى، وترهب الأعداء، وتسر الأصدقاء، في وقت كان أقصى ما يصبو إليه أحرار المفكرين أن تستقل الشعوب العربية استقلالًا ذاتيًا ضمن وحدة عثمانية، أما أديب فكان لسلامة فطرته، ويعد نظرته وعمق وطنيته يرى رأيًا آخر هو ما عبر عنه بقوله: "ما ضر زعماء هذه الأمة لو سارت بينهم الرسائل بتعيين الوسائل، ثم حشدوا إلى ما كان يتذاكرون فيه ويتحاورون، ثم ينادون بأصوات متفقة المقاصد كأنها من فم واحد: قد جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، وهبت الحاصبة تليها العاصفة، فذرت حقوقنا فصارت هباء منثورًا، ولمت بنا القارعة ووقعت الواقعة، فصرنا كأن لم تغن بالأمس، ولم تكن شيئًا مذكورًا، فلم تنشد الضالة وتطلب المنهوب لا تقوم بأمر ذلك فئة بدون فئة، ولا نتعصب لمذهب دون مذهب، فنحن في الوطن إخوان، تجمعنا جامعة اللسان، وكلنا وإن تعدد الأفراد إنسان.
أيحسبون أن ذلك الصوت لا يكون له صدى، أم يخافون أن يذهب ذلك الاجتهاد سدى، أم يعلمون أن مثل هذا الاجتماع، منزها عن المقاصد الدينية منحصرًا في العصبية الجنسية والوطنية، مؤلفًا من أكثر النحل العربية، يزلزل الدنيا اضطرابًا ويستميل الدول جذبًا وإرهابًا، فتعود للعرب الضالة التي ينشدون، والحقوق التي يطلبون، ولا خوف على زعمائهم ولا هم يحزنون".
فهذا ولا ريب تفكير مشرق سبق به أديب الزمن بنحو قرن، ونادى نداء لو استجاب له العرب منذ تلك الآونة ما أصابهم ما ابتلوا به من المحن، والأرزاء على يد المستعمرين وأذنابهم.
(1/82)

إبراهيم اللقاني:
ومن الكتاب الذين لمعوا في تلك الآونة -أخريات عهد إسماعيل، وأوائل عهد توفيق- وكان ثمرة لتوجيهات جمال الدين: إبراهيم اللقاني، وقد أتيحت له الفرصة ليكتب في الوقائع حين كان يحررها محمد عبده، وأن يرأس تحرير "مرآة الشرق" التي أنشأها سليم عنحورى، وصدر العدد الأول منها 24 من فبراير سنة 1879، ثم ما لبث أن أعياه المرض عن مواصلة تحريرها، فذهب إلى دمشق، وتخلى عنها للقاني فكانت هذه الصحيفة كتيبة في صفوف المعارضة التي قوضت عرش إسماعيل، وعجلت برحيله عن مصر، وكان في محررها جرأة استمدها، من روح جمال الدين، ومن شدة الحرص على مصلحة الوطن، ومن الاضطراب الذي طغى على الحياة في أخريات عهد إسماعيل، وكان اللقاني يعزو الفساد الذي منيت به مصر إلى "أخلاق الأمراء"، وولاة الأمور وجهلهم بواجباتهم، وسوء تدبيرهم واختلال إرادتهم، وقال عنهم إنهم: "لا يعرفون شرعًا، ولا يرضون قانونًا، ولا يسمعون رأيًا، ولا يقبلون نصحًا، بل تعدوا الحدود، وانتهكوا المحارم، وثلموا الأعراض، وحاربوا العدل، وقاوموا الإنصاف، فطغوا وبغوا، ونهبوا وسلبوا، وفتكوا وهتكوا، حبا في أغراضهم، وكرامة لشهواتهم".
كان اللقاني يحرر المقال الرئيسي في "مرآة الشرق" بأسلوب يختلف في طبيعته عن كثير من الأساليب الصحفية المعاصرة، ظهر أسلوب قوي لا يستمد قوته من فخامة الألفاظ ورنينها، ولا من الحلى اللفظية والزخارف والتشابيه، وإنما من عمق الفهم، والقدرة على التحليل، وربط الأسباب بالمسببات، والتمكن من جمع الحقائق القريبة والبعيدة، وعرضها بأسلوب واضح مقنع، فبينه وبين الشيخ محمد عبده كثير من وجوه الشبه في هذه الناحية.
ومن أمثلة كتابته المقال الذي كتبه تحت عنوان "البخت والاتفاق"، وفيه يقول: "إن البخت والاتفاق محالان، فكل ما يحدث في العالم لا بد له من علة متأصلة حقيقة، وإن مبدع الكون قد جعل في الطبائع والنفوس قوى راسخة ثابتة تتحرك نحو الفعل ليترتب عليها الأثر الذي وضعت لأجله، فتقاوم كل ما يعارضها في سيرها، وتدفع ما يمنعها عن نيله، سواء كان طبيعيًا أو إراديًا.
والقواسر التي يظهر أنها تعارض تلك القوى الراسخة المقدسة، وتمنعها من الوصول إلى الغاية التي لا تقيدها، ولا تزيدها إلا قوة وتأييدًا، إن هي إلا كقواسر
(1/83)

الشتاء تأتي على النبت والأشجار، فتنزع ورقها وتذهب بنضارتها وهي في الواقع تزيدها قوة، وتبعث فيها دوافع النمو، حتى إذا جاء الربيع أبرزت ما أعدته فيها تلك القواسر من قوى النمو، وانجلت بالحلل الخضر مكللة بتيجان الزهور، مرصعة بجواهر الثمار، فلا يصح بعد هذا أن تستفزك حوادث الأيام اضطرابًا أو استغرابًا، أو أن تحسبها من قبيل البخت أو الاتفاق".
وبعد أن تحدث عن الصدام بين القوانين: الطبيعية المتأصلة، والمعارضة القاصرة قال عن أثر هذا الصدام: "وهذا سر ما نراه في هذه الأيام من الفتنة، والحوادث العظيمة الناشئة عن حركة الخواطر في البلاد الواقعة تحت رق الاستعباد، فلا يحسب الناظر إليها المتهيب منها، إنها ناتجة من فساد الأخلاق ورداءة الطباع، وسفالة النفوس، مستدلًا على ذلك بما يرتكبه أهلها من المنكرات كالقتل والاغتيال والأسر بالاحتيال، كلا، وإنما هي نتيجة استبداد الأمراء، وعسف الرؤساء وظلم الزعماء، فإن هذه القواسر تنصب على قوة الحرية
الكامنة في صدور الأفراد فيحصل لها الضغط، فتندفع من بعده، فتخرج بشدة اندفاعها عن مركزها الطبيعي، وتقضي بصاحبها إلى الإفراط، وبناء عليه فما
القتل وما الأسر وما الفتنة، وما الثورات إلا نتائج الاستبداد المترتبة عليه لزومًا
ووجوبًا".
بمثل هذا المنطق الهادئ، والتحليل العميق ظهر اللقاني في جل ما تناوله من موضوعات، وهو أسلوب واضح مقنع قوي، ولكن تنقصه مقومات الأسلوب الأدبي، وتكاد تختفي فيه العاطفة في حين تتألق الفكرة، وبمثل هذا الأسلوب اتضحت سمات المقالة الصحفية أو الاجتماعية، وتميزتا عن المقالة الأدبية، وسنعرف فيما بعد خصائص كل منها.
(1/84)

عبد الله نديم:
وهو ممن اتصل بجمال الدين، ولكنه قبل أن يربط سببه بأسبابه كان يتحرق شوقًا لخدمة وطنه، ولكنه كان يخشى بأس الأمراء، وغضب الوزراء، وحين رأى جمال الدين يشجع الشباب على بيان مثالب الحكومة، وسفه إسماعيل مال إليه، ونهج منهج تلاميذه في الصيال والجيال، والنضال مع ما أوتيه من لسان ذرب، وبديهة مواتية، وذكاء لماح، وتمكن من زمام اللغة، ويقول في مذكراته واصفًا حاله قبل الثورة العرابية: "هذا وقد كنت قبل ظهور هذه الحركة إلى الوجود، وترقى الحزب العسكري إلى مراقي السعود، أصرف نفيس الوقت مفكرًا فيما يجلبه الحكام من المقت، وأكتب الكثير من الوقائع، وأقيد اللطائف والفظائع، وأنكر على أهل البلاد وقوفهم تحت ردم الاستبداد، وكلما نبهت عاقلًا أكستني فإن ألححت عليه بكتني، فلم أجد طريقًا لتنبيه الوجهاء والأمراء إلا بعصبية أكونها من الفقراء، فأخذت في تأسيس الجمعية الإسلامية، بوطني العزيز الإسكندرية، فاجتمع إلي أحد عشر رجلًا، وأخذت في إذاعتها عجلًا، وبعد جهد وعناء طويل، تم افتتاحها في عهد الخديوي إسماعيل".
ثم يقول: "وكان سبقني إلى تشجيع الخائفين الشيخ محمد جمال الدين، فإنه ألف حزبًا من الشبان، وجمع إليه بعضًا من الأعيان، وبث فيهم روح الغيرة الوطنية، وملأ آذانهم بالمفاخر الشرقية، فتبع بحثه أذكياء ونبلاء وانتفع بعلومه أساتذة فضلاء.... ولما آل الأمر إلىا لخديوي توفيق، وترأس رياض باشا كان أول ما بدأ به من العمل مصادرة هذا الرجل، ورماه بفساد الدين، وجعله من كبار الملحدين، وأرسل إليه من تبعه واقتفاء، ثم قبض عليه ونفاه، ومع ما اعترى جمال الدين من النحوس، فإنه أثر في كثير من النفوس وكان ممن انضم إليه وأكثر من الجامعة عليه صحيح المباني، والمعاني إبراهيم أفندي علي اللقاني، فاتخذ معه بلا فرق، وفتح جريدة مرآة الشرق، فكانت أول جريدة مصرية، بعد الجريدة الرسمية لم يسبقه إلى هذا العميل الجميل إلا محمد أبو السعود بجريدة وادي النيل، ولكن هيهات بين الحرية والرق، والباطل والحق، ولما أجفلت الخديوي إسماعيل بما فيها من التهويل، فصبر وأغفلها ثم انزعج وأقفلها".
ويمضي عبد الله نديم في مذكراته يسوق الحديث عن تلاميذ جمال الدين وكيف كان يتفق معهم في المشرب، ويشترك في تحرير صحيفتهم من غير توقيع، خوفًا من بطش رياض.
(1/85)

وبدأ لعبد الله نديم أن يحترف الصحافة، ويكون له ميدانه الخاص، يقول فيه ما يشاء، فأنشأ "التنكيت والتبكيت"، وقبل أن نستعرض أسلوبه بها نذكر أن عبد
الله نديم كان مولعًا منذ نشأته بالأدب شعره، ونثره ولكنه كان مقلدًا في كليهما، ونرى نثره قبل "التنكيت والتبكيت" يجري على نهج المقامة في احتفائه بالسجع والمحسنات، بل يربو عليها أحيانًا، إذا كان يفتن في السجع افتتانًا عجيبًا، وكذلك في إيراد ألوان من المحسنات، وضروب من المهارات اللغوية،
كأن يورد في نهاية كل سجعة آية قرآنية تنسجم مع السجعة في موسيقاها، وتلتئم معها في جرسها كقوله من رسالة لصديقه عبد العزيز حافظ، وقد شاهده يختلط ببعض المغاربة، ويشتغل بضروب من الخرافات لا تليق بمكانته: "لا حول ولا قوة إلا بالله، اشتبه المراقب باللاه، واستبدل الحلو بالمر، وقدم الرقيق على الحر، وبيع الدر الخزف، والخز بالخشف، وأظهر كل لئيم كبره، إن في ذلك لعبرة سمعًا سمعًا، فالوشاة إن سمعوا لا يعقلوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فكيف تشترون منهم القار في صفة العنبر، وقد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، وكيف تسمع الأحباب لمن نهى منهم وزجر، وقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر ... إلخ".
وهي رسالة طويلة تدل على تمكن من القرآن الكريم، ومهارة في الصنعة البديعة، وتكلف ملحوظ، وطول الرسالة يدل على كلف بهذا اللون من الكلام الذي يختفي فيه المعنى المراد وراء هذا السحب من المحسنات والعبارات المزوقة التي يوردها لمجرد إظهار القدرة اللغوية.
وكل رسائله في مطلع حياته قبل أن يتمرس قلمه بالصحافة، ويخوض في موضوعات تمس حياة المجتمع، كانت تحكي ألوانًا مختلفة من المهارات، والقدرة على السجع، فتارة يأتي بمجموعة من السجعات كل اثنتين منها متشابهتان في القافية، وفي ختامها سجعة من قافية مختلفة، ثم يكرر هذه القوافي بالترتيب الذي ساقها بها أولًا كقوله: "لعبث به الأشواق في مصارع العشاق، لعب الراح بالأرواح، في مجلس الأنس، وجرت به الأنواق في ميادين الأرزاق جرى السحاب والأرواح في حومة الشمس".
(1/86)

وأحيانًا يفرد هذه السجعات، ثم يعيدها بعد خمس أو ست على الترتيب الأول كقوله: "منحتنا اللهم سلامة الروح، فلله الحمد على هذه المنحة حمدًا بلا عد، ووهبتنا صحة لب البيان، فلله الشكر على هذه الصحة شكرًا بلا حد يلوح بدره ويفوح عطره، روح هي عين الحياة، ومدد العقل، ولب، هو منطق الشفاه، وسند النقل، طال عمره وجال أمره ... إلخ".
ولا شك أن هذا اللون من الأدب، أدب صنعة لا أدب طبع، الغاية منه -كما كانت الغاية من المقامات في العصور المتأخرة- إظهار المقدرة اللغوية والأدبية، دون أن يكون وراءه عاطفة تدفعه إليه، أو مصلحة عامة تحث عليه، ولا أدل على هذا من أنه كتب رسالة، زعم أن أحد أصدقائه طلب إليه فيها أن تكون مشتملة على أفانين خاصة من البديع وغيره، وفيها يشترط الصديق أن تكون أسطرها عشرين فما فوق، وأن يكون بعضها في غزل وعشق، وبعضها نكتا أدبية، وبعضها فوائد عربية، هذه محاورة والأخرى مسايرة، تارة طرائف خمرية، ومرة لطائف عمرية، وهكذا ترشف من كل دن، وتسطع في كل فن، على أن تكون بحكايات ما طرأت على الأفكار، ولا خرجت من الأوكار، وتلتزم الجناس في الفقر، وألا تأخذ من شعر غيرك إلا بيتا أو بيتين".
وقد استجاب النديم لهذا الرجاء، وكتب الرسالة كما طلبها منه، وترى له أحيانًا -نتيجة هذا التكلف، وأثرًا لهذه الصنعة- عبارات غريبة شاذة في استعارتها كقوله: "وطلاوة مر مر البدر معجون بليلة القدر"، وإن سلمت له بعض التعبيرات الجميلة كقوله: "واختلسنا النوم من جفون الزهر"، وقوله: "وأرق من خفر في بكر".
كان هذا هو حال النديم قبل أن يشتغل بالصحافة، فلما أنشأ "التنكيت والتبكيت" اضطر إلى العدول عنه، وكأني به في هذه المرحلة الأولى كان يعد نفسه بما يختزن في ذاكرته، وبما يدرب عليه قلمه للسيطرة على أزمة البيان واللغة، جاءت التنكيت والتبكيت بمقالات للخاصة، وأخرى للعامة، يكتب الأولى بأسلوب مرسل فيه قوة وجزالة، ويعالج موضوعات حيوية، وقد اهتم كل
(1/87)

الاهتمام بأدواء المجتمع، وشخص هذه الأدواء، ووصف الدواء الناجع ويكتب الثانية بأسلوب عامي يحشوه بكثير من الكلمنات الدارجة حتى يسهل فهمه، ويعم الانتفاع به، كان الطابع العام للمجلة هو الطابع الاجتماعي، ويصدرها بقوله مخاطبًا كل ناطق بالضاد: "أتقدم بين يديك بخدمة وطنية دعاني إليها حبي فيك، وخوفي عليك وما هي بالعظيمة، فتشكر ولا بالبليغة فتمدح هي صحيفة أدبية تهذيبية تتلو عليك حكمًا وآدابًا، ومواعظ، وفوائد ومضحكات، بعبارة سهلة، لا يحتقرها العالم ولا يحتاج منها الجاهل إلى تفسير، تصور لك الوقائع والحوادث في صور ترتاح إليها النفس وتميل، ويخبرك ظاهرها المستهجن بأن باطنها له معاني مألوفة، وينبهك نقابها الخلق بأن تحته جمالًا يعشق، وحسنا تذهب الأرواح في طلبه، هجوها تنكيت ومدحها تبكيت، ليست منمقة بمجاز واستعارات، ولا مزخرفة بتورية واستخدام، ولا مفتخرة برقة قلم محررها، وفخامة لفظه وبلاغة عبارته، ولا معربة عن غزارة علمه وتوقد ذكائه، ولكنها أحاديث تعودنا عليها ولغة ألفنا المسامرة بها"، ويختم النديم هذه المقدمة البليغة بقوله: "وسأتحفك بغرائب قومك، ومناقب أصلك، أقدمها إليها شذورًا مردفة بما نحن فيه من التنكيت، لتعذر المتهمين، وترحم المسكين، وتكون من الذين أعادوا مجدهم، وأحبوا أوطانهم ببقاء ذكرهم في الوجود من الخالدين.
وفي الحق إن النديم في هذه المجلة قد اصطنع أسلوبًا جديدًا دل على مرونة قلمه، ودقة فهمه، فلكل مقام، ولما كانت المجلة تعني بأدواء المجتمع وأوصابه، وذاك يتطلب توضيح المعنى وإيراد الحجة، وضرب المثل كان لزامًا عليه أن يتحلل نوعًا من الاحتفاء بالمحسنات، والزخارف في مقالاته التي كتبها للخاصة كهذا المقال الذي عنون له "بمجلس طبي لمصاب بالإفرنجي"، وهو قصة رمزية لفتى يحبه أهله كل الحب، ولكن تسلل إليه محتال خدعهم وخدعه، وما زال به حتى أصيب بالداء الإفرنجي، فنحل جسمه وذوى شبابه، وأخذوا يلتمسون له العلاج حتى يتم له الشفاء"، ويعني ما أصيبت به مصر على يد إسماعيل وإسرافه، وتدخل الأجانب في شتى شئونها، والمراقبة الثنائية، وصندوق الدين،
(1/88)

والامتيازات الأجنبية وطأتها، وتصور ألم مصر من هذا المرض الإفرنجي، وأملها في النجاة بسعي العقلاء وتفكير المستنيرين، وتوريته بالإفرنجي عن هذه المصائب التي حلت بالبلاد تورية بارعة، "وقد استهلها بقوله: "كان هذا المصاب صحيح البنية، قوي الأعصاب، جميل الصورة، لطيف الشكل، ما رآه فارغ إلا صبا، ولا سمع بذكره بعيد إلا طار إليه شوقًا، وقد مات في حبه جملة من العشاق، الذين خاطروا في وصله بالأرواح والأموال، وكلما وصل إليه واحد سحره برقة ألفاظه، وعزة لا يشاركه فيها مشارك، وهو غزال في الخفة وغصن في اللين، وبدر في البهجة، وجنة في المنظر، تمر عليه الدهور فتزيده حسنًا وتتوالى عليه العشاق فتزداد هيامًا، وأهله فرحون بهذا الفريد، والطالع السعيد يعشقون الموت في حياته، وقد اتفقوا على توحيد كلمتهم في حفظه ... إلخ".
وهنا نرى اسلوبًا لا التواء فيه ولا تعقيد، وإن كان يعتمد على ترادف الجمل على المعنى الواحد، وجاءت قوته من حسن اختياره للألفاظ، وقصر الجمل، والازدواج، والسجع المطبوع.
بينما نراه في أسلوبه العامي خبيرًا في إيراد الكلمات الدارجة المحلية، كما نرى في مقاله "عربي تفرنج"، إذ يحكي قصة فتى من أبناء الفلاحين أتيح له أن يتعلم في أوروبا، وعاد ممسوخ اللسان، والشخصية متنكرًا لكل تقاليد قومه، وهي بدعة ظلت مصر تعاني منها أمدا غير يسير حتى كانت شخصيتنا مهزوزة، ونظرتنا للأجانب نظرة المغلوب للغالب، وقوميتنا لم تتحدد بعد معالمها، وقد استهله النديم بقوله: "كان أحد الفلاحين اسمه معيط، وولد له ولد فسماه زعيط، وتركه يلعب في التراب، وينام في الوحل، حتى صار يقدم على تسريح الجاموس، فسرحه مع البهائم إلى الغيط، يسوق الساقية، ويحول الماء، وكان يعطيه كل يوم أربع حندويلات، وأربعة أمخاخ بصل، وفي العيد يقدم له اليخنى ليمتعه بأكل اللحم والبصل".
وهكذا سار النديم في صحيفته يخاطب كل قوم باللسان الذي يفهمونه، ثم شبت الثورة العرابية، وجذبه الثوار إليهم طائعًا أو مختارًا، وكان خطيبهم الذي
(1/89)

لا يباري., واقترح عليه عرابي أن يسمي جريدته بالطائف تيمنًا بطائف الحجاز، ولتطوف البلاد كما جابتها جوائب الشدياق، فلم يسعه إلا تلبية الرغبة، وصارت "الطائف" لسان حال الثورة.
ولكن النديم في الطائف كان يهرج كثيرًا، ويموه الحقائق على الناس، ويحيل الهزائم انتصارًا، ظنًا منه بأنه يقوي العزائم ويبعث الأمل في النفوس، وهو في الطائف يسلك الأسلوب الخطابي في مقدمات مقالاته، ويتكئ كثيرًا على القرآن الكريم، لعلمه بقوة تأثيره في نفوس العامة، بل كان يتخذ أحيانًا الآية القرآنية عنوانًا للمقال كذلك الذي عنونه، "وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها"، وفيها يقول: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِين} ، ذلكم هم العادون المفترون، بغاث الإنجليز، الذين استنسروا في الوجود بأوهام وخيالات، واستضعفونا فجاءوها بالخيل والرجل، وقد زلزلت أرضهم، فأخرجت أثقالها، وثبتت بأقدامنا أرضنا فكنا أوتادها، فتخيلوا أنهم يسيرونها في البر، وما دروا أن الأسمال يقتلها التراب، وتنتنها الشمس، وهم هي، إذ لا تقترب الشاطئ خوفًا من الصياد، وبين أسود تتبع فريستها، يعلم ذلك من شاهد واقعة يوم الأحد 5 شوال سنة 99 ... إلخ".
ويمضي في وصف الموقعة، ولا يتحرج عن استعمال كثير من المصطلحات الحربية الدخيلة من تركية وأجنبية، في أسلوب يقرب من العامية، وإن كانت خطبه التي قالها إبان الثورة تدل على موهبة فذة، وقدرة نادرة، وعلى أن النديم وحيد عصره في هذا الميدان، كان يخطب في اليوم عشرات المرات لا يكرر نفسه، ولا يمل منه سامعوه في أسلوب ساحر وبيان رفيع، وكانت خطبه كلها غير معدة من قبل، وإنما كان الكلام يتفجر منه كأنما يصدر عن ينبوع بئر، ومعين لا يغيض.
بينما نراه في "الأستاذ"، وهي الصحيفة التي أصدرها بعد عودته من المنفي يشغل بالسياسة وبالقضايا العامة، وبالمشكلات الاجتماعية، وقد تجنب فيها السجع إلا نادرًا عن غير قصد، أو تكلف، وآثر الأسلوب المرسل السهل، حتى الازدواج والترادف الصوتي لم يعد لهما ذلك الاحتفاء الذي لاحظناه في بعض
(1/90)

مقالات التنكيت، ولا شك أن هذا التطور في أسلوبه كحان نتيجة لتطور الأسلوب الصحفي بعامة في أخريات هذا القرن، ولنضرب مثلا على ذلك من مقال بعنوان "حرب الأقلام بجيوش الأوهام": وفيه يقول: "فلو ترك الشرقيون والأوروبيون لتمتع الفريقان بثمرة المخالطة، وتمكنت منهما دواعي المحبة، وتأكدت روابط الألفة بالاشتراك في المعاملة والمساكنة، وما أوغر الصدور وأفسد النيات إلا هؤلاء الكتاب الذين قبحوا الشرقي للغربي، وافتروا عليه الأكاذيب، وملئون بها جرائدهم وكتبهم، ونشروها بين العالمين الشرقي والغربي، فظن الغربي أن الشرقي بهيم لا يصلح للملك، ولا يليق إلا للاستعباد والقهر، وظن الشرقي أن الغربي عدوه الألد الساعي في سلب سلطته، ونهب ثروته وإعدام دينه، واستعباد إخوانه، فوقعت النفرة بهذه المفتريات".
فهذا الأسلوب هو الذي صارت إليه الكتابة الصحفية منذ ذلك الحين، يوم أن كان يتولى تحريرها ذوو الأقلام القوية، فيه سهولة، ولكنه رصين متين، وهو غير الأسلوب الأدبي، وسنعرف خصائص كل من الأسلوبين بعد قليل إن شاء الله، وهكذا رأينا عبد الله نديم ابتدأ تلميذًا مخلصًا لمدرسة الصنعة والبديع، وظل على ذلك ردحًا طويلًا من الزمن، ثم تحول إلى النثر المرسل، والأسلوب الصحفي، ولم يكن يلجأ إلى السجع والبديع إلا في رسائله، وقد كتب به مذكراته كما رأينا في مستهل الكلام عنه، إن كتابة النديم الصحفية في الأستاذ صارت مثلًا يحتذى من حملة الأقلام، ومحرري الجرائد والمجلات في عصره، وبعد عصره سواء في موضوعاتها السياسية والاجتماعية، أم في أسلوبها السهل القوي.
(1/91)

أدباء الشام:
إبراهيم اليازجي:
وقبل أن نفرغ من أدب المقالة علينا أن نلقي نظرة سريعة على بعض أدباء الشام في تلك الحقبة، وإن كان معظم النابهين من كتاب الشام قد اتخذ مصر مقامًا، وفيها ازدهر أدبهم، واتسعت شهرتهم، ومن هؤلاء إبراهيم اليازجي، وقد اشتهر بأبحاثه اللغوية، ولكنه كان يحترف الصحافة فأنشأ مجلة البيان، وكان يؤثر الأسلوب المسجوع شأن كل أدباء الشام في تلك الحقبة، ومن مقالاته الأدبية قوله عن الحرب: "الحرب مناجزة المتخاصمين، بالسلاح طمعًا في جر مغنم، أو دفعًا لمغرم، فهي هجوم ودفاع، وسطوة وامتناع، فطر عليها الإنسان، لما في طبعه من الأثرة، والعدوان، ونزعت إليها القبائل، والممالك في كل زمان ومكان على ما يصحبها من نهب الأعمار وهدر الدماء، واستباحة الذمار وجوائح البلاء، وما تجد وراءها من البوار والدمار، والجوع والوباء ... إلخ".
ونرى له قطعًا وصفية في الزهرة والقمر وغيرهما، وهي تسير على هذا النمط، ويكثر فيها من ضروب الخيال التفسيري من تشبيه واستعارة، وترى الافتعال والتكلف واضحين في مثل هذه كقوله يصف الزهرة: "وإذا رأيتها بارزة في طليعة الكواكب، وقد تجلت في فلكها حين لا يبدو طالع، ولا غارب، فاستلت من الهلال سيفًا استقبلت نحر الظلماء، ثم نادت في جيشها، فإذا به قد طبق نواحي السماء، فبرز الرامي فأوتر قوسه، وانتصب للنضال، ووضع الجبار يده على سيفه ونادى: يا للنزال! وأشرك السماك رمحه فخفق له فؤاد العذراء، وأطلق المريخ سهمه، فإذا هو مضرج بالدماء، وتتابع سائر الجيش بسلاحه، فلا ترى إلا وميضًا وبريقًا وأسنة قد غاصت في كبد الدجنة فمزقتها تمزيقًا، فما أقبل جيش الصباح إلا والأفق مخضوب بدم الدجى، وقد بلغ سيله الزبى بل جاوز الربى".
وهكذا نراه قد أقام نجوم السماء في حرب ضروس بعضها مع بعض، وتخيل هذا الخيال الغريب، ولم نفد نحن من هذا الوصف شيئًا، ولم تزدنا تشبيهاته ومجازاته علمًا بالمشبه أو الموصوف، وهذا شأن أدب الصنعة الذي لم تبعثه عاطفة أو غرض سام، وكأني بهؤلاء الناس لم يدركوا وظيفة الأدب، ولا مهمة أركان البلاغة.
(1/92)

نجيب حداد:
وربما كان أحسن منه قليلًا الشيخ نجيب حداد، فإنه عني كثيرًا بمعالجة مشكلات المجتمع، يسجع غالبًا ويترسل قليلًا، ولكنه في كلتا الحالتين يؤثر الأسلوب الرصين المحلى بخيال شاعر لا خيال لغوي، وتشعر أنه يفيدك حقًا بخياله هذا متعة فنية، ومعنى رائعًا: من ذلك قوله عن الفقير والغني: طقل للغني المترف السارح في مراتع نعمائه، الساحب ذيل الاعتبار على بني الإنسان نظرائه، المتقلب في أعطاف النعمة والهناء، لا يحس بما في الدهر من شقاء، الراكب الخيل الجياد تجري به عنقًا، السابح في بحار الغنى والترف يكاد يشكو فيها غرقًا، النائم على حشايا من الحرير والدمقس الناعم، المتنعم بما لديه من ملذات الحياة بين المشارب والمطاعم: قف هذا النظر الذاهب في السماء قليلًا، ومل بتلك النعمة التي تجر من فضول أثوابها ذيولًا على فقير يسأل منك رحمة، ويسترحم عنك سولًا: {وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} .
وبجانب هذا الأسلوب الذي على الرغم بما فيه من سجع، فإننا نجده مقبولًا، فله قوة في الأداء وبراعة الوصف، واستيعاب وتحليل، بجانب هذا نجد له أسلوبًا أدبيًا لا يعتمد فيه على السجع، ولكن يعتمد على انتقاء الكلمة، ودقة أدائها، وحسن جرسها وتلاؤمها مع غيرها في الجملة، مثال ذلك قوله من مقال بعنوان "الخادم والمخدوم" يقول فيه:
"متى ترى الرجل مطرقًا مهمومًا يفكر في مستقبل أيامه، وحزينًا كثيبًا يحسب لغده قبل عامه، ويحرص على صحته كما يحرص على رأسماله، إذ لا مال له سواها، وهو مع ذلك ينفقها عرقًا يسيل من ثنايا الجبين العابس، ونورًا ينبعث من حدقة تلك العين الكليلة، وفكرًا تقسم بين عمله المندوب إليه بدافع المعيشة والاحتجاج، وبين عيلته المدفوع إليها بدافع الحنو والتسخير، فقل هذا هو الخادم رب البيت، والأولاد يعمل لطعام اليوم من شغل اليوم، ويسأل السلامة للغد ليعمل في الغد، ولا أمل له من هذه الحياة الدنيا سوى مخدوم يأوي إليه، وعافية يستعين بها عليه، وصية صغار يرجو أن يقوى على قوتهم وسد حاجاتهم، قبل أن يرجو لهم بلوغ الشباب، ويؤهل منهم النفع والإسعاف.
ومتى رأيت الرجل يمشي في الأرض مرحًا، ويختال في مشيته فرحًا، ويرفع أبصاره إلى العلا كبرا، قبل أن يرفعها لله شكرًا، ويدخل إلى حانوته آمرًا ناهيًا، يسخط على خادم لا يرضيه، أو يتظاهر بالغضب عليه لكي لا يطمع فيه،
(1/93)

أو يدعي القلة أو الخسران، لكيلا يزيد في رابته ما يكفيه، فقيل: هذا هو المخدوم ... إلخ":
ونرى أنه في الفقرة الأولى أجاد في وصف حالة الخادم، وكان كلامه منبعثًا عن عاطفة الرحمة، والشفقة، والرثاء، وقد ثبت فيه هذه العاطفة شيئًا من الحياة، ومع هذا نراه لا يستطيع ترك السجع جملة، فإذا هو في الفقرة الثانية يعود إليه، ولكنه سجع مستساغ، إذ تؤدي الجمل معناها، وتصور حال المخدوم أحسن تصوير، وتذكرنا هذه الموضوعات الكثيرة التي دبجها يراع نجيب الحداد في الظواهر الاجتماعية الفاسدة، والعمل على إصلاح الخلل الاجتماعي في نواحيه، بما كلف به المنفلوطي فيما بعد، مع تشابه في العاطفة؛ لأن كلا منهما أظهر حدبًا بالغًا وأسى واصبًا على الفقراء والمنكوبين.
أما في العراق فالحق يقال، لقد ظلت الكتابة الفنية متعثرة تسير فيما درج عليه الكتاب من قبل، على طريقة المقامات في عصورها المتأخرة، ولم يتطور في أسلوبه أو موضوعاته، إذ لم يكن يعدو في خلال القرن التاسع عشر مقدمات الكتب، وبعض دواوين الشعر، والتقاريظ والرسائل، والرحلات والمقامات، والشكاوي التي كانت ترفع إلى السلطان، والولاة والحكام.
أما النثر الصحفي، فلم تكن في العراق صحافة كصحافة مصر، أو لبنان في القرن التاسع عشر، وربما كان تأخر الطباعة، وبدائيتها من العوامل التي علقت الصحافة العراقية عن التطور فضلًا عن أن العراق كان يحكم من قبل الأتراك حكمًا مباشرًا، وأولى صحفه، وهي "الزوراء" التي صدرت في سنة 1869 أصدرها الوالي التركي مدحت باشا، وراعى فيها لغة الدولة والموظفين، ولغة الذين يقرأون من أبناء العراق، وعددهم كان قليلًا، ولذلك صدرت باللغتين التركية والعربية.
وظهر إلى جانبها صحيفتان حكوميتان هما "الموصل" في 1885، و "البصرة" في 1895، ولم يصدر في العراق طوال القرن التاسع عشر غير هذه الصحف الثلاث تسيطر عليها الحكومة التركية، فلم يتسع فيها المجال لترعرع الأقلام الحرة الناشئة.
ولذا نستطيع أن نقول في شيء من الطمأنينة: إن الأسلوب الأدبي في العراق ظل يوسف في أغلال الماضي يعاني من الركة والضحالة، وقيود البديع، ولا يعني أي عناية بالحياة من حوله إلا فيما ندر، أما النثر الصحفي فقد كان معدومًا للأسباب التي أوردناها آنفًا.
(1/94)

تنوع المقالة:
ونستطيع الآن بعد أن تتبعنا النثر منذ أوائل القرن التاسع عشر حتى نهايته أن نلخص هذا التطور في كلمات قليلة، وهو أن النثر بدأ يتطور في مصر بحكم حركة البعث، والإحياء للتراث العربي القديم، ولظهور التيار الغربي الحديث الذي ابتدأ على يد رجال البعثات، وأولهم رفاعة الطهطاوي.
وأن النثر منذ نشأته حاول أن يرود آفاقًا جديدة، وينقل من الأدب الغربي الشيء الكثير، ويصف ألوانًا من الحياة لا عهد للعرب بها، وأن السوريين أسهموا في نهضته بقدر غير منكور، ثم نراه يتطور في المقال، ويتميز المقال عن المقامة، وينقسم إلى ثلاثة ألوان لكل خصائصه: فالمقال الأدبي والمقال الاجتماعي، والمقال السياسي، وقد كان للصحافة، وللحوادث الكبيرة العميقة الأثر في مصر كالثورة العراقية، ومجيء جمال الدين، وظهور مدرسته أثر واضح في تنويع المقال، والاهتمام بما يشغل الأمة، ويعمل على إنهاضها.
وقد كان للصحافة الأدبية بصفة خاصة فضل لا ينكر في هذا التطور؛ لأنها عملت على إحياء التراث العربي القديم بما نقلت منه أو درست وحققت، وخدمت الأدب الحديث بما ترجمت من ثقافة غربية في الآداب، والعلوم والفنون، ومن ثم ازدادت الخصوبة العقلية، والوجدانية في الأدب العربي الحديث، واتسعت أبعاده الثقافية، واختفى من أسلوب الأدب في محيط المجلات نغمة الخطابة، وتوقد الحسن اللذان شاعًا في جيل الثورة العرابية، ووضح فيه عنصر الثقافة
(1/95)

والأفكار الجديدة، وصار أطوع للتعبير عن مختلف الخلجات النفسية، وأخذ يتخلص تدريجًا من المحسنات، والزخارف اللفظية، وإن كان السجع بصفة خاصة، وما يلازمه من محسنات ظل يتلكأ حتى نهاية العشر الأوائل من القرن العشرين، وكان هناك صراع مرير بين المعجبين به، والقالين له سنذكره بعد قليل.
ويلاحظ على وجه العموم أن طريقة الكتابة سواء كانت صحفية، أو أدبية أو اجتماعية قد تغيرت تبعًا لتغير طريقة التفكير، نتيجة ازدياد الثقافة والاهتمام بالقضايا العامة، والعمل الجاد لإنهاض الأمة في شتى مجالات الحياة، فصارت عبارات الكتاب تميل إلى القصر، وتحبس كل جملة منها على معنى واحد. واعتماد لون طريف في ترتيب الكلام، وتبويبه وسوق المقال في الغالب لأداء فكرة واحدة، واستحداث صيغ جديدة لأداء معان جديدة، والتخلص من الكلمات الدخيلة والأساليب القديمة الرثة، أو الأساليب التي لا تتفق مع قواعد العربية، والتجوز بكثير من المفردات لإصابة ما لا تطوله بأصل الوضع اللغوي.
لقد اتسعت آفاق الكتابة، وتميزت منها ثلاثة ألوان: اجتماع، وسياسة، وأدب.
فالنثر الاجتماعي كان نتيجة نمو الوجدان الاجتماعي نموًا محسوسًا، والتخلص من الروح البطيئة الهامدة، ولذلك نراه يتطلب صحة العبارة، والتخلص عن الزخرف والزينة، ويتوخى وضوح الجمل، وترك المبالغة والتهويل، ويعمد إلى سلامة الحجج، وإيرادها على حكم المنطق الصحيح، وربط الأسباب بمسبباتها، والدقة في التفصيل؛ لأن الغرض منه معالجة الأمر الواقع، فلا ينبغي فيه استعمال الأقيسة الشعرية، ولا الخيال المجنح، اللهم إلا في الأحوال التي تقتضي استفزاز الجماهير وإثارة عواطفهم، وتحمسهم للإقلاع عن خلة فاسدة، أو للتظاهر على الاضطلاع ينفع عام على أن يكون ذلك بقدر، فإن الأغراض الاجتماعية إنما تجري في حدود الحقائق على كل حال، وقد بعد هذا النثر الاجتماعي عن السجع والتكلف؛ لأن الجري وراء السجع قد يفوت على الكاتب الغرض الذي يرمي إليه، وقد يذهب المعنى المراد في سبيل سجعة متكلفة، ولا
(1/96)

عجب في البعد عن السجع، إذ الذهن منصرف إلى تفتيق المعاني، وسوق الحجيج، وضرب الأمثلة لا إلى الجري وراء كلمة أو سجعة.
أما النثر السياسي فيمتاز بالسهولة، والوضوح بحيث يكون معناه في ظاهر لفظه؛ لأن الصحف تخاطب الجماهير ويقرؤها الخاصة والعامة، هذا إلى أن قراءها إنما يبغونها للساعة، فلا محل للارتفاع بعبارتها، والتعمق في معانيها بما يقتضي من القارئ كد الذهن، وإرهاق الأعصاب.
ولا يلتزم في النثر السياسي الاعتماد على المنطق، بل إنه يؤثر عادة الأدلة الخطابية؛ لأنها أنفذ في إقناع الجماهير من سواها، إذ تقوم النزعات السياسية في الغالب على الفروض، والاعتبارات والميول الوجدانية أكثر مما تقوم على الحقائق العالمية.
وليس في هذا اللون من النثر احتفاء بالأسلوب، أو تحيز للألفاظ أو جنوح إلى الخيال إلا عند عدد قليل من الأدباء، مثل أديب إسحاق الذي كان يحيل كل شيء يتناوله قلمه إلى قطعة أدبية، ولكن الغالب أن النثر السياسي يعمد إلى التصوير السريع، وليس فهي تحقيق علمي منظم مبني على الاستقراء، أو ذكر المقدمات الوافية، ويكثر فيه عادة التكرار.
النوع الثالث من ألوان النثر التي ظهرت في هذه الحقبة هو النثر الأدبي، وقد تناول في القرن التاسع عشر موضوعات جديدة كانت من قبل وقفًا على الشعر، فتتناول بقلم الأديب وصف البؤس، والفقر والحرب والحدائق، وشتى ألوان العواطف، كما ظل سائدًا في الرسائل الإخوانية من تهنئة، وتعزية ورجاء وشفاعة ودعوة واعتذار، وغير ذلك، وظهر في وصف بعض الرحلات والأماكن المشهورة، وهذا النثر يحتاج فيه الكاتب إلى التأنق في عبارته، وتحيز ألفاظه، والاهتمام في الآذان؛ لأن الغاية التي يتوخاها الأديب هي نقل الأثر الذي يحس به في نفسه إلى سواه، وهذه من العوامل التي تساعد على الوصول إلى هذه الغاية.
وهذا النثر أدنى الأنواع إلى الشعر، ولهذا لا ينكر منه البديع، على ألا يكون من الكثرة بحيث يستهلك ذهن القارئ، وبحيث لا يأتي متكلفًا، ولا تساق الجملة لمجرد اصطياده، بل إن خيره ما جاء عفوًا.
(1/97)

ويقتضي التأنق في اللفظ، وجودة السبك، وتفتيق المعاني، معرفة بأسرار اللغة، ووفرة محصول من المفردات، وخبرة بالكلام الجيد أو استظهار كثير من المنثور والمنظور، هذا إلى طبيعة مواتية، وحس مرهف، وذوق رقيق، وفطنة إلى مواطن الجمال.
وقد رأيت تلك المحاولات التي بذلت من جانب الأدباء للتخلص من السجع حتى في هذا الضرب من النثر، كما رأينا لدى نجيب الحداد، وسنذكر بعد قليل شيئًا عن هذا الصراع، وكيف تغلب الترسل على السجع، وتاب عنه حتى أولئك الذين اشتهروا به.
(1/98)

أدب الرسائل:
عبد الله فكري:
تعد الرسائل أقدم فنون الأدب في النثر العربي، منذ استحال إلى صناعة فنية على يد عبد الحميد الكاتب، وكان للرسائل شأن عظيم في أخريات العصر العباسي، ونبغ فيها جمهرة من أكابر الأدباء، استطاعوا بأقلامهم أن يصلوا إلى مرتبة الوزارة، ثم صار ديوان الإنشاء في الدول العربية المتعاقبة لا يتولاه إلا أديب زمانه، الذي يفتن في كتابه الرسائل، ولقد ورثنا في العصر الحديث ... بعد عصر الإحياء -عددًا ضخمًا من هذه الرسائل التي دبجتها أقلام الأدباء على مر العصور، ووجدنا أن بعض هذه الرسائل تطول حتى تبلغ حد المقال، كرسالة الشطرنج لعبد الحميد، ودفاع عن البخل لسهل بن هارون، ومن أشهر المدارس التي عنيت بالرسائل مدرسة ابن العميد، وهي مدرسة النثر الشعري، وكان لهذه أثرها البين في أدبنا الحديث.
وإذا كان كتاب المقالة قد خلطوا في بادئ الأمر بينها، وبين المقالة كما رأينا في بعض أعداد روضة المدارس، وكما رأينا حتى لدى الشدياق، إلى أن تميزت كلتاهما عن الأخرى، فإن الرسالة لم تكن موضوعًا لهذا الخلط، فهي إما إخوانية، أو ديوانية تصدر بلسان السلطان، وكلاهما وجدت لها النماذج الواضحة في الأدب القديم.
ولعل شيخ الكتاب في هذا الباب، وصاحب الأثر المشهور فيه هو عبد الله فكري، إذ كان ديوانيًا بالنشأة والمربى، وعلى يديه نقل الديوان في مصر من التركية إلى العربية، وقد سن للكتاب طريقة الكتابة التي تصدر عن مختلف فروع الديوان، ومن حسن الحظ أنه كان أديًبا بالطبع وله ذوق شاعر، ولذا قاد مدرسة ابن العميد، ولم يلجأ إلى تقليد العصور المتأخرة، فأتت رسائله قصيرة الفواصل، عليها طلاوة شعرية، وفيها سجع مقبول، محلاة ببعض الخيال والبديع.
(1/99)

ومن النماذج التي وضعها لكتاب الديوان قوله في رسالة، وجهها إليهم حتى في السودان: "صدر هذا الفرمان المطاع الواجب له القبول والاتباع، خطابا إلى الحاكم والعلماء والقضاة والأعيان، والوجوه والعمد ومشايخ البلدان، وعموم الأهالي المتوطنين في محافظة كذا بجهات السودان: ليكن معلومًا لديكم بوصول هذا المنشور إليكم، أنه قد اقتضت إرادتنا تنصيب فلان محافظًا عليكم، لما توسمنا فيه من الدراية والاستعداد، والسلوك في طريق الرشاد، وبذل الهمة في أمور المصلحة، ومزيد الاجتهاد".
وقد أفاد هذا الأسلوب كتاب الديوان من بعده، وصار لهم قدوة، ولكنه آخر تخلص النثر من طريقة هذه المدرسة الديوانية حتى أوائل عصرنا الحاضر؛ لأن أرباب هذا الأسلوب شغلوا المناصب الرفيعة، فظن الشادون في الأدب أنهم لو قادوهم لوصلوا إلى ما وصلوا إليه، فتمسكوا بأسلوبهم هذا أمد غير يسير، لقد استطاع عبد الله فكري أن يسترد بأسلوبه الديواني هذا للغة العربية مكانتها في المراسلات الديوانية، تلك المكانة التي فقدتها عدة قرون, وأن يزيح التركية من طريقها.
أما رسائله الإخوانية فقد بلغت حدًا كبيرًا من الجودة، وتذكرنا فعلًا بأسلوب مدرسة ابن العميد، والصاحب بن عباد والخوارزمي والصولي، من ذلك قوله معزيًا:
"يعز على أن أكاتب سيدي معزيًا، أو آلم به في ملمة مسليًا، ولكنه أمر الله الذي لا يقابل بغير التسليم، وقضاؤه الذي ليس له عدة سوى الصبر الكريم، وقد علم مولاي "أجمل الله صبره، ولا أراه من بعده إلا ما سره، وشرح صدره"، أن الله -جل ثناؤه وتباركت آلاؤه- إذا امتحن عبده فصبر آجره وعوضه بكرمه، كما أنه إذا أنعم عليه فشكره زاده وضاعف له نعمه، وقد عرف من حال سيدي في الشكر على السراء، ما يستوجب المزيد منها، والظن بحزمه وعلمه أن يكون حاله في الصبر على الضراء ما سيتجلب الأجر والتعويض عنها!!.
(1/100)

ونلاحظ ما تخلل هذه الرسائل من الجمل الاعتراضية، والدعائية كما كان يفعل أرباب الرسائل في مدرسة ابن العميد، وإن كان أحيانًا يقلد بعض كتاب الدولة الأيوبية كالقاضي الفاضل، فتطول جمله قليلًا، ولكن الأعم الأغلب في رسائله طريقة ابن العميد، وقد يضمن الرسالة بعض الوصف الفني كقوله يصف حديقة: "ثم خرجت إلى حجرات خالية، أعدت فيها فرش عالية، وأدوات غالية، وسطعت بها روائح الطيب، والغالية، وقد أكملت وجود تحسينها، وأتمت أسباب تزيينها، وهي على حديقة ذات أفنان، وأنواع من الزهور وألوان، وثمرات حسانن وقد فاح الطيب من محاجر أزهارها، وصالح الخطيب العندليب على منابر أشجارها.
رياض كديباج الخدود نواضر ... وماء كسلسال الرضاب برود
فجعلت أجيل فيها النظر، وأتأمل محاسن الروض غب المطر، وأطالع ما رقمه الطل في صحائف الغدران، وأرى خواتم الزهر حين تسقط من أنامل الأغصان.
من قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغواني من ثغور الأقاح
ويذكرنا هذا الوصف ببعض كتابات ابن زيدون، ولسان الدين بن الخطيب، ومن رسائله الوصفية قوله وهو بالآستانة يصف يومًا اشتد برده وغزر مطره، وكثف ضبابه، واسود إهابه فقال:
"كتبت إليك والأمطار ساجمة بطلبها ووبلها، وعساكر البرد والبرد هاجمة بخيلها ورجلها، والسماء متلفعة بأذيال السحاب، وكأن الشمس خافت من الطل فتوارت بالحجاب، والجو مسكي الرداء، عنبري الأرجاء، وكأنه وعليه ثوب الغيم مزرور، وقد وجل من صولة البرد فلبس فروة السمور، وأناخ الغمام على الأفق بكلاكله، وهز من البقر بيض مناصله، ونشر في الجو طرائق مطارفه، وجاد على الأرض بتليده وطارفه، وثقل على كاهل الهواء كالطير بل جناحه بالماء، وقرب حتى كاد يمسك باليدين ويعتصر بالراحتين، أو كأنه مرآة مذهبة تبدو
(1/101)

وتخفى، أو جذوة ملتهبة توقد وتطفى، والرعد يهدر بزواجر زماجره السحائب فيبكيها، والطير يتلو سطور الندى في طروس الثرى فيمليها ... ".
ونلحظ على هذه القطعة أنه يتعمد ألوانًا خاصة من البديع كالطباق في ظلها وويلها، وخيلها ورجلها، وتليده وطارفه، والجناس غير التام في عساكر البرد والبرد هاجمة، إلخ، ويكثر من الاستعارات تأتي قوية أحيانًا، ومتكلفة أحيانًا، وتطور السجعات آونة حتى تأتي الكلمة المكملة المسجعة كقوله: "كأنه وعليه ثوب الغيم مزرور، وقد وجل من صولة البرد، فلبس فروة السمور"، ويعمد إلى الصورة القديمة الموروثة فالغمام ينيخ بكلاكله، والبرق يهز بيض مناصله، أما قربه حتى كاد يمسك باليدين فقديمًا قال عبيد بن الأبرص في وصف الغمام:
دان مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يمسكه من قام بالراح
وأما أن البرق قد نشر طرائق طرائفه في الجو، فهو مأخوذ كذلك من قول عبيد في نفس القصيدة:
كأن ما بين أعلاه وأسفله ... ربط منشرة أو ضوء مصباح
وإن دل هذا النثر على شيء، فهو يدل على أنه قد حل محل الشعر في الوصف، وكثرة الأخيلة وضروب المجازات، وأن صاحبه واسع الإطلاع على الأدب القديم، قدير على إيراد السجعات، ومختلف ألوان البديع والاستعارات، وذلك لا ريب مقبول في النثر الأدبي كهذه الرسالة ما لم يأت متكلفًا، على ان عبد الله فكري يكون في أحسن حالاته حين يتوخى الفقرات القصيرة الفواصل، فنشعر أن سجعه طبيعي وأن له رنة مستساغة في الآذان كقوله من رسالة يرد بها على صديق: "سيدي سلمك الله وحياك، وأسعدني برؤية محياك، وزاد عزك وعلياك، وحرص دينك ودنياك، وجمعني على بساط المسرة وإياك، ولا حرمني دوام لقياك، ولا برح الدهر مبتسم الثغر بمحاسن معاليك، ومباهيا اعصار الأوائل بأيامك ولياليك، محليًا أجياد المفاخر بزواهر لآليك - ورد على كتابك الكريم، مورد الإعزاز والتكريم ... إلخ".
(1/102)

وما من أديب أو مستأذب في هذه الفترة حتى أخريات القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين إلا واهتم بكتابة الرسائل، يظهر فيه أدبه ويشهر براعته، وإذا كانت المقالة قد اتخذت طابعًا آخر، وجنحت إلى الأسلوب المرسل غالبًا، فقد ظلت الرسائل موضع احتفاء الكتاب، وتأنقهم وكان شيخهم في ذلك جميعًا عبد الله فكري، وقد وضع النموذج لهم بمحاكاته لكتاب القرنين الثالث، والرابع فنسجوا على منواله في مختلف رسائلهم، وها هو ذا الشيخ محمد عبده يسجل له الشيخ رشيد رضا أكثر من أربعين رسالة، ولنكتف منها بقوله من رسالة للشيخ إبراهيم اليازجي.
"وصل كتابك يحمل من العذر مقبوله، ويرتاد من الرضا مبذوله، ولقد كنت تعلم أني ما أردتك إلا لنفسك، فالحمد لله إذ أرجعك إليها، وله الشكر على ما عطفك عليها، وما أنا بالمقصر بك عما سألت، ولا الذاهب بك إلى خلاف ما طلبت، وغاية قولي لا تثريب عليك اليوم يغفر الله لك، وهو أرحم الراحمين، حياتنا شح روحها المحبة، والمحبة شبح الإخلاص، فما أسعد وقتًا ترى فيه حياتك منتعشة بروحها زاهرة بسر الإخلاص فيها، وليس بذاهب عنك أنك كما تكون يكون الناس لك، وأسأل الله أن ينفي عنك خواطر السوء، ويزيح عن روحك الطيبة وساوس الغرور، ويمن علي برؤيتك عند الغاية التي أحب لك، وسلامي عليك وحدك من بين أهلك، ولتكن مواصلتك دائمة السلام".
ونلاحظ على هذا الكتاب أنه بقلم رجل الدين المتأدب، فيه شيء من غلبة الفكرة على العاطفة، وفيه استشهاد بالقرآن، والحكمة، وفيه طبع رجل الدين الذي يؤثر الموعظة والهداية، وهذه ظاهرة نلمسها في معظم رسائله، وقد مرت بنا إحداهما من قبل حين كان سجينًا في أعقاب الثورة العرابية.
ومن رسائله التي يجدر أن ننوه بها لاتصالها بما نحن فيه تلك الرسالة، التي أرسلها إلى الشاعر حافظ إبراهيم حين أهداه ترجمته للجزء الأول من كتاب "البؤساء"، وقد كتب إليه حافظ يقول:
"إنك موئل البائس، ومرجع البائس، وهذا الكتاب - أيدك الله- قد ألم بعيش البائسين، وحياة البائسين وضعه صاحبه تذكرة لولاة الأمور، وسماه كتاب البؤساء، وجعله بيتًا لهذه الكلمة الجامعة، وتلك الحكمة البالغة "الرحمة فوق العدل".
وقد عنيت بتعريبه لما بين عيشي، وعيش أولئك البؤساء من صلة النسب، وتصرفت فيه بعض التصرف، واختصرت بعض الاختصار، ورأيت أن أرفعه إلى مقامك الأسنى، ورأيك الأعلى، لأجمع في ذلك بين خلال ثلاث: أولها التيمن باسمك، والتشرف بالانتماء إليك، وثانيها ارتياح النفس وسرور اليراع برفع ذلك الكتاب إلى الرجل الذي يعرف مهر الكلام، ومقدار كد الأفهام، وثالثها امتداد الصلة بين الحكمة الغربية، والحكمة الشرقية بإهداء ما وضعه حكيم المغرب إلى حكيم المشرق، فليتقدم سيدي إلى فتاة بقبوله، والله المسئول أن يحفظه للدنيا والدين، وأن يساعدني على إتمام تعريبه للقارئين.
(1/103)

محمد عبده:
فأجابه الشيخ محمد عبده بهذه الرسالة التي تعد تقريظًا له:
"لو كان بي أن أشكرك لظن بالغت في تحسينه، أو أحمدك لرأي لك فينا أبدعت في تزيينه، لكان لقلمي مطمع أن يدنو من الوفاء بما يوجبه حقك، ويجري في الشكر إلى الغاية مما يطلبه فضلك، لكنك لم تقف بعرفك عندنا، بل عممت به من حولنا، وبسطته على القريب، والبعيد من أبناء لغتنا.
رفقت إلى أبناء اللغة العربية عذراء من بنات الحكمة الغربية سحرت قومها، وملكت فيهم يومها، ولا تزال تنبه منهم خامدًا وتهز فيهم جامدًا، بل لا تنفك تحيى من قلوبهم ما أماتته العشرة، وتقوم من نفوسهم ما أعوزت فيه الأسوة، حكمة أفاضها الله على رجل منهم، فجردها من ثوبها الغريب وكساها حلة من نسج الأديب، وجلاها للناظر، وحلاها للطالب، شيقة إلى مؤانسة البصائر: تهش للفهم، وتبش للطف الذوق، وتسابق الفكر إلى مواطن العلم، فلا يكاد يلحظها الوهم إلا، وهي من النفس في مكان الإلهام.
حاول قوم من قبلك أن يبلغوا من ترجمة الأعجمي مبلغك، فوقف العجز بأغلبهم عند مبتدأ الطريق، ووصل منهم فريق إلى ما يحب من مقصده، ولكنه لم يعن بأن يعيد إلى اللغة العربية ما فقدت من أساليبها، ويرد إليه ما سلبه
(1/104)

المعتدون علهيا من متانة التأليف، وحسن الصياغة وارتفاع البيان فيها إلى أعلى مراتبه، أما أنت فقد وفيت من ذلك لا غاية لمزيد بعده، ولا مطمع لطالب أن يبلغ حده، ولو كنت ممن يقول بالتناسخ لذهبت إلى أن روح ابن المقفع كانت من طيبات الأرواح، فظهرت لك اليوم في صورة أبدع، ومعنى أنفع، ولعلك قد سننت بطريقتك في التعريب سنة يعمل عليها من يحاوله بعد ظهور
كتابك، ويحملها الزمان إلى أبناء ما يستقبل منه، فتكون قد أحسنت إلى الأبناء، كما أجملت في الصنع مع الآباء، وحكمت للغة العربية ألا يدخلها بعد من معجمة سوى ما هو في الأسماء -أسماء الأماكن والأشخاص، لا أسماء المعاني والأجناس، ومثلي يعرف قدر الإحسان إذا عم، ويعلي مكان المعروف إذا شمل، ويتمثل في رأيه يقول الحكيم العربي:
ولو أني حبيت الخلد فردًا ... لما أحببت بالخلد انفرادا
فلا هطلت علي ولا بأرضي ... سحائب ليس تنتظم البلادا
فما أعجز قلمي عن الشكر لك، وما أحقك بأن ترضى من الوفاء باللقاء ... إلخ".
وفي هذه الرسائلة يشير الأستاذ الإمام إلى ما كانت تعانيه اللغة على ألسنة الذين يتصدون للترجمة، حيث تلتوي العبارات بين أيديهم، وتغلبهم الأساليب الأعجمية على أمرهم، ويعجزون عن أداء كثير من المعاني لفقرهم في اللغة، ويضطرون إلى حشد كثير من الكلمات الأجنبية لجهلهم بنظائرها في العربية، وإذا أتيح لأحدهم أن يتخلص من كل ذلك، فقل أن يكون يراعه من القوة بحيث يضفي على أسلوبه ثوب الأديب، وتأتي جمله حسنة السبك، قوية الأداء، عليها من الجمال طلاوة كما فعل حافظ، ولقد صارت ترجمته هذه نموذجًا لبعض الأدباء من بعده من أمثال محمد السباعي، وأحمد حسن الزيات، ومحمد عوض، وطه حسين، كما تنبأ الشيخ الإمام.
وللشيخ محمد عبده مواقف رائعة في نهضة اللغة، والأساليب الصحيحة وبيناها في كتابنا "الأدب الحديث"!، والذي يعنينا هنا أنه حاول في أخريات حياته أن يتخلص من السجع، وأن يتوب عنه كما يذكر في رسالة كتبها إلى حفني ناصف:
تسجع لي في كتابتك، وتطمع أن أسجع لك في جوابك، كأنك لم تسمع أني تبت عن السجع، حتى ول ساق إليه الطبع، فماذا أصنع بك، وقد نقضت توبتي بأدبك؟ ".
وسنرى بعد قليل كيف اشتدت الحملة ضد السجع في أوائل القرن العشرين حتى من هؤلاء الذين برعوا فيه، وكيف أن السجع وجد من يدافع عنه ويحميه، ومن الأدباء الذين اشتهروا برسائلهم الأدبية في تلك الحقبة: حمزة فتح الله، وعبد الكريم سلمان، وأديب إسحاق، والشيخ أحمد مفتاح، ومحمد دياب، وحسن توفيق العدل، ومحمود أبو النصر، وحفني ناصف، وإبراهيم اليازجي، وفتحي زغلول، ولكل منهم شخصيته وتفكيره، وهم يختلفون كذلك في ثقافاتهم فمنهم اللغوى، ومنهم القانوني ومنهم الأديب، ومنهم العالم، وإن حاول كل منهم أن يصطنع الأسلوب الأدبي في رسائله.
(1/105)

حمزة فتح الله:
فالشيخ حمزة فتح الله مثلًا اشتهر بلغوياته، ومن أقل رسائله احتفاء بالغريب قوله: مولاي، أما الشوق إلى رؤيتك فشديد، وسل فؤادك عن صديق حميم، وود صميم وخلة لا يزيدها تعاقب الملوين، وتألق النيرين إلا وثوقًا في العرى، وإحكامًا في البناء، وإنماء في الغراس، وتشييدًا في الدعائم، ولا يظن سيدي أن عدم ازدياري ساحته الشريفة، واجتلائي طلعته المنيفة، لتقاعس أو تقصير، فإن لي في ذلك معذرة اقتضت التأخير، والسيد "أطال الله بقاءه"، أجدر من قبل معذرة صديقه، وأغضى عن ريث استدعته الضرورة".
وفي هذه الرسالة -كما نرى- بعض الكلمات التي آثراها الشيخ بالاستعمال مع أن سواها كان أولى كالملوين وازدياري وريث، ولكنها في جملتها محكمة النسج، شديدة الأسر.
(1/106)

عبد الكريم سلمان:
والشيخ عبد الكريم سلمان كان من علماء الأزهر، وتلاميذ جمال الدين وقد عرف بأدبه، وإن كان له تفكير عالم ورجل دين، مع حرية في الفكر، وانطلاق في التعبير، وقد جاء من رسالة كتبها إلى شخص يخطب وده، ويرجو لقاءه ويتعرف عليه: "أما بعد، فهذه أول رسالة أكتبها إلى من لم تكن لي به جامعة جسمية، ولم تضمني وإياه حفلة تعارف شخصية، وهي وإن كانت في عرف غيري تعد هجومًا أو تحس فضولًا"، إلا أني أعتقد أنها أوفدت على كريم يكرم وفادتها، ويجتلى من خلالها إرادة ود، ورجاء ولاء، وبغية فضل ورغبة في إخاء، فيحلها منه محل القبول ويدرأ عنها وصمة الفضول، إن لسيدي آثارًا شهدناها فاستفدناها، ومآثر سمعناها فرويناها أو تناقلناها، ولا مرية في أن ما غاب عنا منها، أكثر مما سمعنا، ونحن "والله يعلم" طلاب كمال ومنتجو إفضال ورواد ما خصب من فيحاء العلوم، وقد توسمنا في السيد "أطال الله بقاءه" طلبتنا، ووجدنا لديه ضالتنا، فحثتنا إلى رحابه مطية المكاتبة ... إلخ".
ونراه يستعمل "أما بعد" على طريقة القدماء في رسائلهم، ويعبر عن اللقاء الشخصي بالجامعة الجسمية على طريقة الفقهاء، ويذكر الرواية، والنقل من أهل الحديث، ويأتي بقوله: "والله يعلم" جملة معترضة كما يفعل الشراح على الكتب القديمة، مع تعسف أحيانًا في التشبيه كقوله: "فحثتنا إلى رحابه مطية المكاتبة"، وهكذا نرى رسالته تنم عن مهنته مع سمة أدبية عامة، وعبارات قوية في جملتها.
(1/107)

أحمد مفتاح:
ومن ذوي الشهرة في كتابه الرسائل في هذه الحقبة الشيخ أحمد مفتاح، وقد تخرج في دار العلوم سنة 1885، واشتغل بالصحافة والكتابة فيها زمنا، ثم اتصلت أسبابه بالسيد توفيق البكري، فصار معلمًا له، ثم صار مدرسًا للإنشاء بدار العلوم، وأقام بها سنتين وقد ترك عدة مؤلفات كلها تدل على تمكنه في اللغة، وعنايته بالكتابة وله وسائل عدة في مختلف الأغراض تنم كلها عن ذوق أدبي طيب، وعن قوة في الأداء، واهتمام بالصياغة والموسيقى: وكثيرًا ما تتضمن جملًا متتابعة خالية من السجع، كما كان يكثر من الإشارات التاريخية على طريقة ابن زيدون.
وهاكم رسالة في التعارف قبل اللقاء، وقد أوردتها لنتبين الفرق بينها، وبين رسالة الشيخ عبد الكريم سلمان في الغرض نفسه، يقول الشيخ مفتاح:
"لم أكن فيما أكتبه إليك إلا ساريًا في ليل التعارف على ضياء خلالك، والتي أملاها على لسان المدح، الذي شرق وغرب وطبق الأرض صبيته، وإني وإن لم
أكن أسعدت من قبل باجتلاء طلعتك الزاهرة، واجتناء مفاكهتك الغضة، فقد دلني على الليث زئيره، وعلى البحر خريره، وعلى العقل أثره، ولئن لم تجمعنا
لحمة النسب، فقد جمتنا حرفة الأدب، أو لم يضمنا قبل مصيف ومرتبع، فالطيور على أشكالها تقع، وشبه الشيء منجذب إليه، وأخو الفضائل هو المعول عليه.
وهذه الرقعة، إذا وصفت لك بعض ما أنا مطوي عليه من التهافت على رؤتيك، والميل إلى صداقتك، فقلما تنوب عن المشافهة، أو تقضي حاجات في النفس طالما تردد صداها، وفي ظني أن -سيدي- يود ما أوده وعما قليل يسفر الصبح عن اللقاء، ونتجاذب أهداب المعرفة، وأرى من سيدي فوق ما توسمنه، ويرى مني ما يرضيه والسلام".
وهنا كما ترى فرق في التعبير، ففي حين نرى الشيخ عبد الكريم يعبر عن عدم اللقاء الشخصي حتى آونة الكتابة بقوله: "وهذه أول رسالة أكتبها إلى من تكن لي به جامعة جسمية، ولم تضمني وإياه حفلة تعارف شخصية"، يقول الشيخ مفتاح: "وإني وإن لم أكن أسعدت من قبل باجتلاء طلعتك الزاهرة، واجتناء مفاكهتك الغضة"، وبينما يفصل الأول في مزايا من يكتب إليه بأنه له "أثارًا شهدناها، فاستفدناها، ومآثر سمعناها فرويناها، أو تناقلناها" يعمد الثاني إلى التعميم عن طريق الخيال والمجاز فيقول: "قد دلني على الليث زئيره وعلى البحر خريره، وعلى العقل أثره ... إلخ" ولا شك أن الثاني أقوى، وهكذا لو رحت توازن بين القطعتين لوجدت أن الشيخ مفتاح كان يكتب بقلم أديب متمكن في صنعته، وذواقة مرهف الحس لموضع الكلام، وأما الشيخ سلمان فتلمح في رسالته سمة العلماء على الرغم من قوة أدائه، وحسن تأدبه.
(1/108)

ومن رسائل الشيخ مفتاح في غرض آخر قوله، وقد أهدى أحد كتبه إلى بعض الأدباء: "الهداية "غمرك الله بالمعروف" تبسط يد المودة، وتدربها أخلاف القرب، وتغرس بين المتحابين من الائتلاف بقدر ما تقطع بينهما من شجر الخلاف، وما أنا فيما أهديه إليك إلا: كمستبضع تمرًا إلى أرض خيبر، أو كالواهب الماء للبحر، والضوء للبدر، والملك لسليمان، والمال لقارون، والحلم لأحنف، والذكاء لإياس، والتفسير لابن عباس، وما ذاك إلا كتاب كما تراه ضرب في الإحكام بسهم، ووعي من الأحكام ما خلت منه مفعمات الأسفار، وموجزات الرسائل، فهو كما قيل: "كل الصيد في جوف الفرا".
تزين معانيه ألفاظه ... وألفاظه زائنات المعاني
على أني وإن تطفلت عليك، وسقت لك هذا الكتاب مزدلفًا إلى جنابك الرحب، ومقامك الأسنى -فقد أصبت كبد الصواب، ووضعته حيث يعرفه أهله، ويتقبله من باذله عالموه، علمًا بأن عماد العلوم وأساس الفضائل، لا تغادر شاردة إلا وعيتها، ولا نادرة إلا رويتها، وإلا.
لو كان يهدي على قدري وقدركم ... لكنت أهدي لك الدنيا وما فيها
ولعلك لاحظت ما تضمنه من الإشارات التاريخية، وحسن التأني في عرض الهدية، وقلة ما ورد فيه من الفقر المسجوعة، وأنه كان يعتمد على الازدواج، والترادف الصوتي أكثر مما يعتمد على السجع.
ولا يسعنا أن نسترسل في إيارد الرسائل لمن اشتهروا بها في هذه الحقبة، فعددهم كثير، وكل له طابعه وأسلوبه، وطريقته في التأنق والصياغة وسأكتفي بذكر اثنين منهم أولهما زعيم من زعماء الوطنية، ومن ذوي الأقلام القوية، واشتغل بالسياسة والصحافة، ولكن كانت تغلب عليه ثقافته اللغوية، والأدبية ويسعفه محفوظه من جيد الكلام نثره وشعره، وبخاصة حين يدبج رسالة إلى صديق يضاهيه في أدبه وفضله، أو إلى حبيب يعتب عليه جفاءه، ويستجدي رضاءه.
(1/109)

عبد العزيز جاويش:
وذلكم هو الشيخ عبد العزيز جاويش، وقد تخرج في دار العلوم سنة 1897، وأتم تعليمه في إنجلترا، وعين أستاذًا في جامعة أكسفورد مدة سنتين، وانضم إلى الحزب الوطني بعد عودته سنة 1906، وحرر في اللواء والعلم، وكان قلمه فيهما يتلظى وحمية، وغيرة على كل مقومات شعبنا العربي بمصر، وله تاريخ حافل في الجهاد وتغرب عن وطنه مدة، وتوفي في يناير 1929.
وهاكم رسالة إلى حبيب، وقد وجه إليه الخطاب بصيغة المذكر تقية ومداراة، وكان الشيج جاويش يحرص على بعث بعض الكلمات التي أماتها الإهمال، أو النسيان فيكل مقال يكتبه، فلا يدع إذا غصت رسائله بالغريب، والرسائل موضع الاحتفاء، ومجال المباهاة بالأدب، يقول:
"سيدي -مالي أراك كمن نسي الخليط، وتجرد في الصحبة عن المحيط والمخيط، فإذا ما صادفتك صدفت، أو أنصفتك ما أنصفت، أتظن أني قعيدة بيتك، أو رهين كيتك وذيتك؟، فوحقلك إذا آنست من يدي مللا، أو من قدمي كللا لنحزئها البنات، ووكلت ينقصها الذات، ولو أني آنست من الزاد فترة، أو من الشراب عسرة لطعمت الطوى، واستقيت الجوى، فكيف أداعب وتصاعب، وأحالف وتخالف، وأواصل وتفاصل؟ وأجاب وتجانب؟، لبئست مطيتك التي اقتعدت، وشرعتك التي شرعت، فوالله لولا أن الحب حادث لا يتقى بالتروس، ومعنى لا يدرب إلا في النفوس، وسهام لا ترمى إلا من قسي الحواجب، ونحو أوله المعية وآخره الجوازم، لما افترست بالظباء الأسود الصيد، ولا ملكت الأحرار العبيد، ولولا أني كرعت من صابه، والتحفت ببردة أوصابه لتعوذت منك بسورة الفلق، ونبذتك نبذ الرداء الخلق، ولهان على أن أدعك أو أسمعك:
تمرون الديار ولم تعوجوا ... كلامكم علي إذا حرام
غير أن لي نفسًا شبت على الحب فلم أفطمها، وتقادعت على ناره فلم أعصمها، حتى بلغ السيل الزبى، وتبددت النفس أيدي سبا، إلا حشاشة غفل عنها الوجد، وبقية رمق ألفيتها من بعد، وكلما رأيت منك الشطط والاعتساف، عمدت إلى أن أثنى من رسنها، وأذودها عن عطنها، وشخصت إلى المكافحة، والمكافأة، وألا أكيلك إلا مثلًا، ولا أسفيك إلا وشلا ولا أزيدك إلا فشلا.
(1/110)

ولست أجزيك الجزاء الذي ... على وفاء الصنع لا بخسه
وليس يبكي صاحبًا من إذا ... أهين لا يبكي على نفسه
على أني بالرغم أصبح في نهار أحلك من ليل، وأمسى في ليل أشق على النفس من ويل.
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي
فإن تخلصت من لقائك فإلى الشقاء، وإذا لجأت من عسفك فإلى العناء، وإذا استجرت بفراقك فإلى الرمضاء، وكأنك لم تدر أن دولة الحسن سريعة التفويض، وأنه لا بد من هبوط العمر إلى الحضيض، ولسوف تبلى بعارض، بيد أنه غير ممطر، وبساعة مقبلك فيها مدبر، وستصبح عما قريب قد عفت رسومك، ولم تجد في الصحبة من يسومك، والعاقل من لا يخال بنفسه، ولا يبني على غير أسه، فإنك ما نضدت لؤلؤة مبسمك، ولا نضرت صورة معصمك، ولا شئت فخلقت كما تشاء، ولا اتخذت عند الله عهدا، وهذا الوفاء، ولكن مثلك من أفرغه الله في القالب الذي اختار، وجعله مرتبع النفوس ومسرح الأبصار، وإني أيها العزيز قد تقدمت إليك.
ولي أمل قطعت به الليالي ... أراني قد فنيت بها وداما
فلا تحرمني من سائغ الود وسابغه، ولا تجعلني كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وما هو ببالغه.
فأشد ما لقيت من ألم الجوى ... قرب الحبيب وما إليه وصول
كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول
فأعمل في يومك لغدك، واستجز غيرك ببسط يدك، ولا تأخذني بجرما الجاني المتلبس، بيد أني أناشدك الذي يلي العاشق بالمعشوق، وكلفه في الحب بيض الأنوق، وسهدت طرفه بنواعس العيون، وخول للحسن إذا أراد شيئًا أن
(1/111)

يقول له: كن فيكون، كما قرن الهوى بالنوى، والقلب بالجوى، وقضى على المحب، ونشر العشق فلم يحتجب، ما الذي أغرى بك إلى الاعتساف، وعدم الإنصاف؟
ألين الأعطاف أم فتور الأجفان، أم تكسر الكلام، أم هيف القوام؟ لقد شددت أزرك -والله- بضعاف، واستمنت تلك العجاف، وهل وهل حدا إلى قطيعتي بك إني خشن الملمس، رث الملبس، ولم أمنح كما منحت نضرة، ولم ألبس برقع البياض والحمرة، فأعلم أنك إن نظرتني بعين الرضا، ورحمت فؤادا يتقلب منك على جمر الغضا، فستجدني صديقك الذي لا يبطره الوفاء، ولا يثنيه الجفاء، أملك لك من لسان، وأطوع لأمرك من بنان.
أكتب، فأين لعبد الحميد الكاتب قلمي؟ وأشعر، فأين الشعراء إلا تحت علمي، وأبذل، فأين حاتم من كرمي؟ وأحلم فأين أحنف من حلمي؟
وحسبك فخرا أن يجود بنفسه ... على رغب من ليس يأمل في الشكر
ومن يحتمل في الحب ما فوق كاهلي ... فحسبك حلمًا أن يقيم على الهجر
فإن أصخت إلى الداعية، ووعيت كلمات لا تسمع فيها لاغية، فإليك الجزاء وعلي الوفاء، وإلا فالفرار إلى الموت أمر يسير، والقبر للعشاق قليل من كثير".
ولعلكم لحظتم شدته في عتبه، وقسوته على حبه في مستهل رسالته، وأنه أنذره القطيعة، وأنه إذا وجد من يده ملالًا قطعها ومن رجله كلالًا جذها، ولم يقل كما قال قيس بن الملوح.
فيا حبها زدني جوى كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
ثم نراه قاسيًا في إنذارها بأفول نجمعها وتقوض حسنها، وبعد ذلك يلين ويتشفع، ويصف ما يعانيه، ويصور ما يلاقيه، وأنه يتقلب على جمر الغضا، وألا سبيل إلى السلو، فإن بعد عنها فإلى الشقاء، وإن استجار بالبعد فإلى الرمضاء، وفي الحق إنه عبر عن عاطفته أتم التعبير، عاطفة المحب المدله، الذي كان يظن لنفسه مكانة في قلب الحبيب فقسوته دليل حبه، وصرامته علامة وجده، ثم عبر عن شدة تعلقه بها، وأن لا سبيل إلى هجرانها، وحاول بعد ذلك استرضاءها، والعفو عن زلته والتجاوز عن هفوته.
أما أسلوبه فأسلوب الأديب الذي يختفي بأسلوبه، وقد جاء معظمها مسجوعًا، كما أكثر من ألوان البديع وتعمده، وبخاصة الجناس والطباق، وإن كان لقوة أسره، ومتانة سبكه لا يظهر عليه التكلف والتعمد، كما ضمنه بعض الإشارات التاريخية، واستشهاده بالشعر كثير، وجاء الشعر في موضوعه تمامًا لا نبو فيه، ولا قلق، وقد آثرت أن أورد الرسالة كاملة لطرافة موضوعها، ولمكانة صاحبها؛ ولأنه لم يشتهر بهذا اللون من الكتابة، وقد كان حقًا في غاية اللباقة حين أطرى حسنها، ودلها، وساقه مساقًا لا يبعث فيه الزهو والكبرياء.
(1/112)

حفني ناصف:
أما ثانيهما فهو حفني ناصف وقد تخرج في دار العلوم سنة 1882 بعد أن قضى بها ثلاث سنوات، وتلك السنة التي شبت فيها الثورة العرابية، ودخل الإنجليز مصر، وكان حفني أديًبا، وعالمًا لغويًا، وأهم ظاهرة في أدبه شعره ونثره تلك الروح المصرية السمحة التي تتميز بالدعابة والفكاهة، ويقول عنه تلميذه طه حسين: إنه "كان ذكي القلب، خصب الذهن، نافذ البصيرة حاضر البديهة، سريع الخاطر، ذرب اللسان، وكان أسمع الناس طبعًا، وأرجحهم حلمًا، وأعذبهم روحًا، وأرقهم شمائل".
وقد شغل حفني مناصب عدة، فاشتغل بالتدريس والقضاء، وسافر إلى أوروبا وكتب في الصحف، وكان لكل ذلك تأثير في عقله، ومن ثم على قلمه، ولعله أشهر كتاب الرسائل وأقواهم بعد عبد الله فكري، وهو ممن يؤثرون السجع ويدافعون عنه، وسنرى بعد قليل حجته في ذلك، وقد تدعوه روح الفكاهة والظرف إلى استخدام بعض الألفاظ العامية أو المتداولة كثيرًا، إذ يراها تضفي على كتابته الروح التي يريدها، ومن ذلك مثلًا قوله من رسالة يشكر فيها من أهدى له عنبًا: "وصل يا مولاي إلى هذا الطرف ما خصصت به العبد من الطرف "قفص" من عنب كاللؤلؤ في الصدف، تتألق عناقيده كأنها من صناعة "النجف"،
(1/113)

ولعمر الحق إنها تحفة من أحلى التحف، لا يعثر على مثلها إلا بطريق "الصدف"، فقابلناه لثما بالأفواه، ورشفا بالشفاه، واحتفينا بقدومه كل الاحتفاء، ولم نفرط في حبه عند اللقاء، بل حللنا به الحبى، وقلنا له: أهلا وسهلا ومرحبًا، وأوسعناه عضا ولثما، وتناولناه تجمنيشًا وضما ... إلخ".
ولعل من أشهر رسائله، وأدلها على أسلوبه وخصائصه، وكيف كان يضمنها الأمثال والأشعار، ويحل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، بطريقة تدل على مقدرة وتمكن في الكتابة، وعلى أن حفني قد يجد -وكثيرًا ما يجد- في كتابته فيغضب لكرامته، ويكون قاسيًا في معاتبته، مع أدب جم، وذوق رفيع في اختيار الكلمات، وعرض الفكرة -لعل من أشهر رسائله في هذا الباب رسالته إلى السيد توفيق البكري، وقد زاره في بيته فوجد زوارا كثيرين، فانتظر حتى قدم صاحب الدار، ولكنه لم يعره التفاتا، فكتبت إليه يعتب عليه:
"كتابي إلى السيد السند، ولا أجشمه الجواب عنه، فذلك ما لا أنتظره منه، وإنما أسأله أن ينشط لقراءته، وتنزل إلى مطالعته، وله الرأي بعد ذلك أن يحاسب نفسه، أو يزكيها ويحكم لها أو عليها.
فقد تنفع الذكرى إذا كان هجرهم ... دلالًا فأما إن ملالًا فلا نفعًا
"زرت "السيد"، ويعلم الله أن شوقي إلى لقائه، كحرص على بقائه، وكلفي بشهوده، كشغفي بوجوده، فقد بعد والله عهد هذا التلاق، وطال أمد الفراق وتصرم الزمان، وأنا من رؤيته في حرمان، فسألت عنه فقيل لي: أنه خرج لتشييع زائر، وهو عما قليل حاضر، فانتظرت رجوعه، وترقبت طلوعه، ولم أزال أعد اللحظات، وأستطيل الأوقات، حتى بزغت الأنوار، وارتج صحن الدار، وظهر الاستبشار على وجوه الزوار، وجاء السيد في موكبه وجلاله محتده ومنصبه، فقمنا باستقباله، وهيمنا بكماله فمر يتعرف وجوه القوم، حتى حازاني، وكبر على عينه أن تراني، فغادرني ومن على يساري، وأخذ في السلام على جاري، وجر السلام الكلام، وتكرر القعود والقيام، وأنا في هذه الحال أوهم جاري أني في داري، وأظهر للناس أن شدة الألفة تسقط الكلفة، مر السيد بعد ذلك من أمامي ثلاث مرات، ومن الغريب أنه لم يستدرك ما فات.
(1/114)

تمرون الديار ولم تعوجوا ... كلامكم علي إذا حرام
وكنت أظن أن مكانتي عند السيد لا تنكر، وأن عهدي لديه لا يخفر، فإذا أنا لست في العير ولا في النفير، وغيري عند السيد كثير، وذهاب صاحب أو أكثر عليه يسير.
ومن مدت العليا إليه يمينها ... فأكبر إنسان لديه صغير
ولا أدعي أني أوازي السيد "صانه الله" في علو حسبه، أو أدانيه في علمه وأدبه وأقاربه في منصابه ورتبه، أو أكاثره في فضته وذهبه، وإنما أقول: ينبغي للسيد أن يميز بين من يزوره لسماع الأغاني والأذكار، وشهود الأواني على مائدة الإفطار، وبين من يزوره للسلام، وتأييد جامعة الإسلام، وأن يفرق بين من يتردد عليه استخلاصًا للخلاص، ومن يتردد إجابة لدعوى الإخلاص، وألا يشتبه عليه طلاب الفوائد بطلاب العوائد، وقناص الشوارد، بنقباء الموالد، ورواد الطرف بأرباب الحرف.
فما كل من لاقيت صاحب حاجة ... ولا كل من قابلت سائلك العرفا
فإن حسن عند السيد أن يغضي عن بعض الأجناس، فلا يحسن أن يغضي عن جميع الناس، وإلا فلماذا يطوف على الضيوف، ويحييهم بصنوف من المعروف، يتخطى الرقاب "لصروف"، ويخترق لأجله الصفوف؟، فإن زعم السيد أنع أعلم بتصريف الأقلام، فليس بأقدم هجرة في الإسلام، وإن رأى أنه أقدر مني على إطرائه، فليس بممكن أن يتخذه من أوليائه.
ولا أروم بحمد الله منزلة ... غيري أحق بها مني إذا راما
وإنما أصون نفسي عن المهانة والضعة، ولا أعرضها للضيق وفي الدنيا سعة.
وأكرم نفسي، إنني إن أهنتها ... وحقك لم تكرم على أحد بعدي
فلا يصعر السيد من خده، فقد رضيت بما ألزمني من بعده، ولا يغض من عينه، فهذا فراق بيني وبينه، وليتخذني صاحبًا من بعيد، ولا يكلمني إلى يوم الوعيد.
(1/115)

كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا
ومني على السيد السلام، على الدوام، ومبارك إذا لبس جديدًا، وكل عام وهو بخير إذا استقبل عيدًا، ومرحى إذا أصاب، وشيعته السلامة إذا غاب، وقدومًا مباركًا إذا آب، وبالرفاء والبنين إذا أغرس، وبالطالع المسعود إذا أنجب، ورحمة الله إذا عطس، ونوم العافية إذا نعس، وصح نومه إذا استيقظ، وهنيئًا إذا شرب، وما شاء الله إذا ركب، ونعم صباحه إذا انفجر الفجر، وسعد مساؤه إذا أذن العصر، وبخ بخ إذا نثر، ولا فض فوه إذا شعر، وأجاد وأفاد إذا خطب، وأطرب وأغرب إذا كتب، وإذا حج البيت فحجا مبرورًا، وإذا شيع جنازتي فسعيا مشكورًا، والسلام".
ونرى حفني قد سار في هذه الرسالة سيرا طبيعيًا، ومهد لعتبه تمهيدًا لبقا، فبين كم كان مشوقًا إلى لقائه، والحوافز التي دعته إلى زيارته، ثم أجاد في وصف موكب السيد، ووصف حاله هو حين تخطاه ولم يعره التفاتا، وكيف حز ذلك في نفسه، وبين أنه على الرغم من التفاوت بينهما في المنصب، والجاه والحسب والمال، فإنه لم يزره طالبًا رفده أو منظرًا فضله، ويجب عليه أن يفرق بين أنواع الزوار، وضرب مثلًا بحفاوة السيد يعقوب صروف، وبين أنه لا يقل عنه منزلة، فليس ممن سبقوا إلى الإسلام، ثم اشتد في عتبه وثأر لنفسه في أدب، وبين أنه كريم يحافظ على مكانته، وأنه سيفارقه إلى الأبد ضنا بنفسه عن المهانة، وقطع عليه خط الرجعة، فقدم لك كل ما يمكن أن يقال في المناسبات، حتى تشييع جنازته، فهي رسالة أديب حر كريم، ونموذج صادق في ميدان الأدب والكرامة.
ولقد كان حفني بارعًا في تصوير المواقف، والحالات النفسية والمناظر، وكان أسلوبه فيها شفافًا عن نفسه، لم يحل سجعه دون ظهور صدقه، ولم تحل سماحته وسجاحته دون شدته وقوة عارضته، وقد أفاء على سجعه طلاوة قصر فقراته، ومجيئه متمكنًا في مواضعه حتى لا نحس بأدنى تكلف، وقد ضمنها كثيرًا من الأشعار جاءت في مكانها مناسبة للمقام تمام المناسبة.
(1/116)

ولا شك أنه ذوق حفني، وكثرة محصوله من الأدب نثره وشعره، وما كان فيه من حالة نفسية عاطفية قد أضفى على القطعة كلها جو من القوة، وجماله الرونق.
وكان حفني مولعًا بالسجع، متمكنًا فيه كل التمكن، ولذلك لم يعدل عنه رسائله، بل كان يحرر به المقالات، وينشئ المقامات، وفي أخريات تلك الحقبة اشتدت الحملة على السجع ممن أرادوا تحرير النثر من قيوده، وكان ذلك طبيعيًا لتطور العقول، وتحررها من مخلفات الماضي، وازدياد صلتها بالثقافات الأجنبية، ولطور المقالة الصحفية بمختلف أنواعها، فلم لا تسلك ألوان النثر الأخرى مسلكها، ولقد كان حفني يمثل الفريق المحافظ في هذا الصراع بين الثقافتين، ولذلك سجل رأيه في السجع واضحًا فقال:
"أخذوا في ذم السجع والمقفى، وأطلقوا القول في تهجينه، وضللوا المتقدمين من المنشئين، وأئمة الأدب وفرسان البراعة، ولا أقول: إن ذلك ناشئ عن عجزهم وقلة بضاعتهم في ذلك الشأن، فأخذوا يحسنون به القبيح ويقبحون الحسن، سفسطة على العالم، ومغالطة اللناس ومن جهل شيئًا عاداه، بل أقول: إن هذا إطلاق في مقام التقييد، وإرسال للعنان في موضع الإمساك، وإجمال في ساحة التفصيل، والحق أن لكل مقام مقالًا، وأن السجع والتقفية، قد يلبسان القول حسنًا، ويكسبانه رونقًا لا ينهض به تفلسفهم المسجوع، وسفسطتهم الباردة.
نعم إن بعض القاصرين من النشئين قد يضطره الازدواج، وتحكم عليه القافية، فيأتي بألفاظ عن الغرض، أو يعقد الكلام فلا يفي بالمرام، فكانوا -لو أنصفوا- يجعلون هذا محط تهجينهم، ومرمى قذفهم، فإن الحشو مذهب لانتظام القول، مضيع لزينته.
فالغاية أنه يلزم المنشئ أن يكون كلامه وافيًا بالغرض، مؤديًا للمطلوب في سياق مناسب لاختلاف المقامات وتباين الدواعي، فإن سهل عليه ذلك مع مراعاة السجع، والقافية كان أدخل في تمكين المعاني في الأذهان، وأنشط للأسماع.
(1/117)

وأدعى للإقبال، وأخف على الأرواح، فتركه إنما هو رخصة لا عزيمة، فعليك أن تستعمل فكرك في استخلاص الحق، وتبصر وتشيم كل برق فما كل داعي بأهل، لأن يصاخ له، ولا ترم بنفسك في إسار التقليد، ولا تكن في الأمور إمعة، كلما سار إنسان سرت معه".
ومع هذا الدافع عن السجع، وبيان مواطنه المناسبة، فإن التيار كان قويًا، وقد كان حفني ناصف نفسه من العاملين على إشاعة الترسل في الكتابة كما يقول صاحبًا الوسيط، وإن ظل الأسلوب الأدبي متميزًا بطابع خاص، وقد مرت بنا بعض رسائل قل فيها السجع، ومع ذلك حفظت رونقها وطلاوتها كتلك التي كان يكتبها الشيخ مفتاح.
إن دافع حنفي ناصف وثيقة قيمة تكشف عن الصراع في سبيل الوصول إلى الأسلوب المناسب مع تيارات العصر، وكانت آخر سهم وجهته الفرقة المحافظة قبل أن تستسلم.
أما أدباء الشام -سواء منهم من آثر الإقامة بمصر، ومن ظل بدياره فقد كانت السمة الغالبة على نثرهم هي السجع، وحشد المحسنات، وبخاصة في الرسائل، ولقد ذكرت أني سأختار كاتبين من بين كتابهم كان لهما عناية بفن الرسائل، وصلات متينة مع كثير من الأدباء استدعت مكاتبتهم والرد عليهم، وهمها إبراهيم اليازجي، وأديب إسحاق.
(1/118)

إبراهيم اليازجي:
وللشيخ إبراهيم اليازجي يعتذر لصديق، "بم يعتذر إليك من لا يرى لنفسه عذرًا، وكيف يستتر من عتبك من لا يستطيع لذنبه سترًا، بل كفاني من التعب تعنيف نفسي على ما ألقيت عليها من تبعه تقصيري، وما حلت به من التفريط بينها وبين معاذيري، والله يعلم ما كان تقصيري شيئًا أردته، ولا كان تفريطي أمرًا قصدته، ولكنها الأيام إن صاحبتها لم تصحب، وإن عاتبتها لم تعتب، فلقد عبرت بي هذه البرهة كلها، وأنا بين شواغل لا يشغلها عني شاغل، وبلابل قد اختلط حابلها بالنابل، فنازعتها هذه النهزة اليسيرة أجد فيها صلة التذكرة، إلى أن يمن الله بصلة الحبل، واجتماع الشمل، وأستنزل أحرفا من خطك يكتحل بها الناظر ويأنس إليها الخاطر متوقعًا بعد ذلك أن أبقى بين يدي مودتك مذكورًا، وألا يكون عجزي لديك شيئًا منظورًا، وأن تجري بي على عادة حلمك، إلى أن يجمع الله الشتيتين، ويغني العين عن الأثر بالعين إن شاء لله تعالى".
ونلحظ -على الرغم مما عرف عن الشيخ إبراهيم من عنايته برسائله، وأنه كان من المهتمين بالأدب، كثير الكتابة في الصحف، بل كانت له صحيفة يحررها -أنه في رسائله بعامة، وما هذه الرسالة إلا نموذج له، يتكلف بعض العبارات، ويطيل الجملة حتى بالسجعة، ويأتي بجمل غامضة كقوله في آخر رسالته، ويغني العين عن الأثر بالعين جريًا وراء الجناس التام.
أما أديب فكان كعادته مشبوب العاطفة في كل ما يكتب متمكنًا من اللغة، يحسن تصريف الكلام، وعلى الرغم من تكلفه السجع في رسائله، فإن خياله وعاطفته يخففان من وقعه، فيأتي غير ثقيل أو مسترذل كقوله من رسالة كتبها إلى الأمير عبد القادر الجزائري:
"كتابنا أيد الله الأمير الأعز، ونحن عصبة تذكر: ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويأمر بالمعروف، وينه عن المنكر.
رأينا ما ألم بهذه الأقطار من الأضرار، ناشئة عن تحالف القلوب، وتنافر الأفكار حتى صار الود مداجاة والحب عدوانًا، فقلنا يا قوم: لا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا، ورأينا بوادر البلاء وطلائع الشقاء، فخفنا المصاب الأعظم ينقلب به الخير إلى الضير، والمغنم إلى المغرم، ويزول بهاء الأمة، ثم تغضب الأرض التي سقاها السلف الكرام بالدم فنهضنا نروم حفظ الباقيات الصالحات بوسائل السلم، والسلم أسلم، وذكرنا خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم.
ورأينا فقيرنا يتعثر بأذيال ناقته، وعظيمنا لا يأمن على راحته، أو على ما في راحته، ومثل ذلك سائر إخوان الوطن الذي ولدنا فيه، أو نزلنا بساحته، فنزعت أنفسنا إلى إعانتهم، ومن كان في حاجة إلى أخيه كان الله في حاجته.
(1/119)

ورأينا فضل الأمير على طور تحلي الحكمة، وتوقظ الراقد، وتنبه الغافل من هاته الأمة، فتكشف عنها كل ملمة، فعلمنا أن لا بد من مساعدته في هذه المهمة، فرفعنا إليه الصحيفة التي هي لسان حالنا لتنوب لديه عن لسان مقالنا، أمل الحصول على القبول شأن الأمير في معاملة من أمة، ورجاء، ورود الجواب بما يراه في أمر هذه الخدمة، في تشريفنا بذلك رأيه العالي مسددًا، وأمره الكريم مؤيدًا إن شاء الله".
وهذه الرسالة تكاد تكون في غرض عام، لا رسالة إخوانية؛ لأنه يرفع الصحيفة إليه، ذاكرًا الحوافز التي دعته إلى إصدار الصحيفة، وهي وجود الخلافات بين أفراد الأمة، ووجود الفوارق بين الطبقات، وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -إلى غير ذلك من الأمور التي جاءت في رسالته، ونرى أنه يكثر من حل الآيات القرآنية على طريقة ضياء الدين بن الأثير، فتزيد من رونق كلامه، ورأيناه يسجع أحيانًا ويزاوج أحيانًا، مع ظهور عاطفته قوية؛ لأنه يتحدث في موضوع وطني، وكان أديب كما عرفنا يشتعل حماسة في كل ما يمس الوطن، أو يتصل بشئونه.
ومن رسائله الإخوانية ما كتبه لعبد السلام المويلحي حين انقطعت عنه رسائله:
"لولا دلالة القلب على صفاء الوفاء، وهداية النفس إلى بقاء الإخاء لغالبت الشوق في استطلاع أخبارك منك، ووقفت عن شكوى هجرك إليك مخافة إملالك بما أنت غني عنه، وكراهة إعناتك بما أنت زاهد فيه، ولكني عهدت بين جنبيك قلبًا لا يحوله تغير الأحوال ولا يبدله كرور الأيام والأحوال، فأنا مخاطبه بما يمليه الشوق على رضيت أم غضبت، وسكت أم أجبت.
أي قلب من نحب ونكرم، ونجل ونعظم، لقد اتصلنا منك بأسباب المودة، واعتقلنا منك بأهداب الصداقة، فهل أنت ذاكر معاهدنا بذات الوفاء ليالي هجرنا الرقاد إليك، وقصرنا الوداد إليك، أو رضيناك من الدنيا نصيبًا، واخترناك من العالمين حبيبًا، وكيف لا؟ وقد لازمك الصفاء وصافاك الوفاء، فصفوت على
(1/120)

كدورة الأيام، ووفيت على خيانة الأنام، فإن عدلت وما عدلت فعلى الدنيا السلام".
وفي هذه الرسالة متانة وعلى الرغم من أنها مسجوعة، وفيها جناس متعمد في بعض فقرها، إلا أنها تذكرنا برسائل الكتاب في القرنين الثالث والرابع.
هذا ولو رحنا نتبع كتاب الرسائل في مصر والشام في أخريات القرن التاسع عشر، وجدنا أكثريتهم تصطنع في الرسائل ذلك الأسلوب المحتفى به، الذي تختار كلماته بدقة، ويتضمن ألوانًا من الخيال التفسيري، وبعض البديع وبخاصة الجناس، وكثير منهم كان يؤثر السجع، فإن لم يتيسر فالمزاوجة.
ولا شك أن ذلك الأسلوب زاد اللغة قوة، ودفعها إلى الأمام، فلم تنتكس وتعود إلى عصور الضعف، وهو مقبول في النثر الأدبي، وما من أديب في تلك الفترة إلا كان له جولات في ميدان المراسلة، بيد أن أسلوب الرسائل أخذ يخف منه السجع تدريجيًا منذ أوائل القرن العشرين، وإن حافظ على قوة ديباجته، وحسن صياغته.
هذا وقد ظهرت عدة كتب في تلك الفترة آثر أصحابها أن يكتبوها بالأسلوب المسجوع، المحلى بأنواع الزخارف والبديع على اختلاف بينهم في مقدارها، وتعد من الكتب الأدبية الجديرة بالدراسة؛ لأنها تمثل طورًا من أطوار النثر الأدبي، ومن ذلك حديث عيسى بن هشام للمويلحي الذي ساقه على طريقة المقامة، وأسواق الذهب لشوقي أمير الشعراء، وليالي سطيح لحافظ إبراهيم، وصهاريج اللؤلؤ للبكري.
(1/121)

الكتب الأدبية:
بعض هذه الكتب وضع في أغراض شتى جمع بينها كتاب مثل أسواق الذهب لشوقي، وصهاريج اللؤلؤ للبكري، وبعضها شبه قصة تعالج مشكلات اجتماعية، وتتعرض للوصف على أسلوب المقامة كحديث عيسى بن هشام وليالي سطيح.
ومن الظاهر التي شاعت في أخريات هذا العصر استخدام النثر في موضوعات الشعر، كما رأينا عند فكري في وصف حديقة، أو وصف يوم مطير بالآستانة، وكما رأينا عند حفني ناصف من وصف هدية العنب، أو وصف العصا، وممن اشتهر بهذا اللون كذلك مصطفى نجيب وله براعة في وصف المخترعات الحديثة، ومظاهر المدينة بقلم أديب، وخيال شاعر كوصفه للحاكي ووصفه للنظارة التي يقول عنها: "فلو كانت في يد ذلك الظمآن -استغفر الله- لما كان يحسب أن الشراب ما استغربتها العقول، حتى صار لكل إنسان فيها نظر، واطلعت على تفاوت الناس، فجاءت لكل بصر بقدر، ونال بها كل قصده ومرامه، واستوى عندها، أعمى وأعشى ثم ذو بصر وزرقاء اليمامة، فلو كانت عينا لكشفت حقائق الضمائر، ونظر بها تقلب القلوب، وحقيقة البصائر، شهد لها الجمع بالفضل لما ظهر لكل إنسان لديها حالة ضعفه، وعظم مقدارها كل فرد ورفعها -رغبة أو رغمًا- على أنفه".
وقد كان مصطفى نجيب يحسن ابتكار المعاني، وتوليدها وصوغها في ذلك الأسلوب الرشيق، كما اشتهر بالملح، والدعابة شأن كثير من أدباء مصر، وقد أوردنا وصفه للحاكي كاملًا في الأدب الحديث، وهو ممن يؤثر الأسلوب المسجوع دائمًا، ولكنه في يده لا يشعرك بتكلف، أو تعسف مع تضمين كثير من الآيات القرآنية، والآيات الشعرية.
(1/122)

أسواق الذهب لأحمد شوقي:
وممن أسهم في هذا الباب أمير الشعراء شوقي في كتابه أسواق الذهب، وقد كتبه على سنوات كما يبدو في موضوعاته ومناسباتها، فموضوع قناة السويس كتبه وهو يعبرها في طريقه إلى منفاه، والجندي المجهول كتبه بعد الاحتفال بالجندي المجهول بباريس، ويقول لنا شوقي في مقدمة هذا الكتاب:
"وبعد، فهذه فصول من النثر، ما زعمت أنها غرر زياد أو فقر الفصيح من إياد، ولا توهمت حين أنشأتها أني صنعت "أطواق الذهب" للزمخشري، أو طبعت "أطباق الذهب" للأصفهاني، وإن سميت هذا الكتاب بما يشبه اسميهما، ووسمته بما يقرب في الحسن من رسميهما، وإنما هي كلمات اشتملت على معان شتى الصور، وأغراض مختلفة الخبر جليلة النظر، منها ما طال عليه القدم، وشاب على تناوله القلم، وألم به الغفل من الكتاب والعلم، ومنها ما كثر على الألسنة في هذه الأيام، وأصبح يعرض في طرق الأقلام، وتجري به الألفاظ في أعنة الكلام من مثل: الحرية، والوطن، والأمة والدستور، والإنسانية، وكثر غير ذلك من شئون المجتمع وأحواله، وصفات الإنسان وأفعاله، أو ماله علاقة بأشياء الزمن ورجاله، يكتنف ذلك، أو يمتزج به حكم عن الأيام تلقيتها، ومن التجارب استمليتها، وفي قوالب العربية وعيتها، وعلى أساليبها خبرتها ووشيتها، بعض هذه الخواطر قد نبع من القلب، وهو عند استجمام عفوه، وطلع في الذهن وهو عند تمام صحوه وصفوه، وغيره، -ولعله الأكثر- قد قبل والأكدار سارية، والأقدار بالمكاره جارية والدار نائية، وحكومة السيف عابشة عاتية، فأنا أستقبل القارئ فيه السقطات، وأستوهبه التجاور عن الفرطات، اللهم غير وجهك ما ابتغيت وسوى النفع لخلقك ما نويت، وعليك رجائي ألقيت، وإليك بذلي، وضعفي انتهيت".
(1/123)

ومن يستعرض موضوعات الكتاب يجدها أنواعًا، فمنها التاريخي أو الذي يستطرد فيه لشوقي إلى التاريخ، وهنا تتجلى براعته، وقدرته على بعث الماضي حيا نضرا كموضوع قناة السويس، والأهرام، والمسجد الحرام، والبحر الأبيض المتوسط، وبعضها آراء خاصة في موضوعات اجتماعية مع تصوير دقيق موجز للآفات منها كالظلم، وشاهد الزور "والطلاق"، والكاتب العمومي، وبعضها تأملات تكاد تشبه الفلسفة كالحياة، والموت والمال، والأمس، واليوم والغد، والجمال، والصبر، والعلم، والذكرى، واللسان، والبيان، وبعضها وصفي خالص كالشمس والظبي، والأسد، والأسد في حديقة الحيوان، والشباب والزهر، والقلب، وبعضها ديني كالشهادة والصلاة والزكاة والحج والطلاق، وخطيب المسجد.
وقد آثر شوقي في كثير من الموضوعات السجع مع قصر الجمل، والإشارات التاريخية، وهو أشبه بالشعر المنثور، ففيه خيال شوقي، ورائع تصويره، وعاطفته، وجمال موسيقاه، وإن كان أحيانًا يولع بالغريب، ويتكلف في إيراد الألفاظ، ونرى شوقي في أخريات الكتاب قد عدل عن السجع إلى الازدواج، ولكن بعد ما بين رأيه في السجع ودافع عنه كما سيجيء.
ونرى شوقي في أوج أسلوبه حين يعرض للتاريخ، وحين يكون أسوان جياش العاطفة، خذ مثلًا موضوع قناة السويس، وتكاد تذكرنا في ملامحها العامة، وما ورد فيها من صور، وأفكار بقصيدته "كبريات الحوادث في وادي النيل"، لولا أنه قالها، وهو في طريقه إلى المنفى، فأضفى عليها حزنه لفرقة وطنه، وشعوره الحاد بالظلم عاطفة قوية زادتها روعة، وجمالًا.
يقول شوقي مخاطبًا ولديه حين عبرا معه القناة:
"تلكما يا ابني القناة لقومكما فيها حياة، ذكرى إسماعيل ورياه، وعليا مفاخر دنياه، دولة الشرق المرجاة، وسلطانه الواسع الجاه، طريق التجارة، والوسيلة والمنارة، ومشرع الحضارة، تعبرانها اليوم على مزجاة كأنها فلك النجاة، خرجت بنا بين طوفان الحوادث، وطغيان الكوارث، تفارق برًا مغتصبه مضرى
(1/124)

الغضبة، قد أخذ الأهبة، واستجمع كالأسد للوثبة، وتلاقى بحرًا جنت جواريه، ونزت بالبشر نوازيه، وتمثلت بكل سبيل عواديه، مملوءًا ببغتات الماء، مترعًا بفجاءات السماء، ومن نون ينسف الدوارع، أو طير يقذف البيض مصارع.
فقلت: سيرى عوذتك بوديعة التابوت، وبصاحب الحوت، وبالحي الذي لا يموت وأسري يا ابنة اليم زمامك الروح، وربانك نوح، فكم عليك من منكوب ومجروح.
إن للنفي لروعة، وإن للنأي للوعة، وقد جرت أحكام القضاء بأن نعبر هذا الماء حين الشر مضطرم، واليأس محتدم والعدو منتقم، والخصم محتكم وحين الشامت جذلان مبتسم، يهزأ بالدمع وإن لم ينسجم.
ثم يقول: ماذا تهمسان؟ كأني بكما تقولان: أي شيء بدا له، على هذه الضاحية! وماذا شجا خياله، من هذه الناحية، وأي حس أو طيب لملح يتصبب في كثيب؟ ماء عكر في رمل كدر، قناة حمئة كأنها قناة صدئة، بل كأنها وعبريها رمال، بعضها متماسك، وبعضها منهال، وكأن راكب البحر مصحر، وكأن صاحب البر مبحر.
رويدكما! ليس الكتاب بزينة جلده، وليس السيف بحلية غمده تلك التنائف، من تاريخكم صحائف، وهذه القفار كتب منه وأسفار، وهذا المجاز هو حقيقة السيادة، ووثيقة الشقاء أو السعادة، خيط الرقبة من اغتصبه اختص بالغلبة، ووقف الأعقاب عقبة، ولو سكت لنطقت العبر، وابن العيان وأين الخبر؟
انظرا لتريا على العبرين عبرة الأيام، حصون وخيام، وجنود قعود وقيام، جيش غيرنا فرسانه وقواده، ونحن بعرانه وعلينا أزواده، ديك على غير جداره خلا له الجو فصاح، وكلب في غير داره، انفرد وراء الدار بالنياح.
القناة! وما أدراكما ما القناة، حظ البلاد الأغبر من التقاء الأبيض والأحمر، بيد أنها أحلام الأول، وأماني الممالك والدول، الفراعنة حاولوها، والبطالسة زاولوها، والقياصرة تناولوها، والعرب لأمر ما تجاهلوها ... إلخ".
(1/125)

ويمضي شوقي في الوصف ويتكلم على من عبر القناة من الأنبياء كإبراهيم وموسى وعيسى، وعمرو بن العاص والإسكندر، وصلاح الدين ونابليون، وإبراهيم "باشا" في عرض شائق، وغوص إلى أعماق التاريخ، واستحضار لمشاهده حتى كأنك حاضره، وكأنك تسمع قصيدة عصماء من قصائد شوقي التاريخية بكل ما فيها من روعة، وحلاوة.
وفي الموضوعات الاجتماعية، والآفات الإنسانية لا يطيل التحليل، ولا يتعمق في التعليل، وإنما يورد رأيه، ويصور الآفة تصويرًا يبشعها وينفر منها، داعما آراءه بالحكمة يسوقها محكمة رصينة، خذ مثلًا قوله عن الظلم:
"قليل المدة" كليل العدة، وإن تظاهر بالشدة وتناهى في الجدة، عقرب بشولتها مختالة، لا تعدم نعلًا قتالة، ريح هوجاء لا تلبث أن تتمزق في البيد، أو تتحطم على أطراف الجلاميد، فتبيد، جامع راكب رأسه، مخايل ببأسه، غايته صخرة يوافيها، أو حفرة يتردى فيها، سيل طاغ لا يعدم هضابًا، تقف في طريقه، أو هادًا تجتمع على تفريقه، جدار متداع، أكثر ما يتهدد، حين يهم أن يتهدد هو غدا خراب، وكومة من تراب، نار مقطعة المدد، وإن سدت الجدد، وملأت البلد، يأكل بعضها كنار الحسد".
فيصف الظلم بأنه عقرب ستداس بالنعال، وريح ستتمزق في البيد أو تتحطم على الصخور، والظالم يركب رأسه لا يستمع لنصح، وغايته أن تتحطم رأسه على صخرة عناده، أو يتردى في حفرة خيلائه ... إلخ.
وفي هذا تنفير من الظلم، وتقديم الموعظة للظالم وتهديده، وتعزية للمظلومين فالظلم جدار متداع أكثر ما يتهدد حين يهم أن يتهدد، هو غدا خراب وكومة من تراب، وكأني به يدعوهم للصبر، ويقول لهم: إن يوم الظالم قريب.
ويرى شوقي من بين الآفات الاجتماعية المتفشية بين شبابنا اعتقادهم أن الشهادة هي جواز المرور إلى الحياة، فإن حصلوا عليها انصرفوا عن القراءة ومزقوا الكتب، ولم يفيدوا شيئًا من تجارب الحياة، ويصيبهم الغرور لنيلهم الشهادة
(1/126)

الدراسية، فيعتقدون أن لديهم علم الأوائل والأواخر، فيقول شوقي مسديًا إليهم نصيحة الحكيم الذي عرك الحياة وعركته:
"وما بال الناشئ وصل اجتهاده، حتى حصل على الشهادة، فلما كحل بأحرفها عينيه، وظفر بزخرفها، هجر العلم وربوعه، وبعث إلى معاهده بأقطوعة، طوى الدفاتر، وترك المحابر، وذهب بخايل ويفاخر، ويدعي علم الأوائل والأواخر؟
فمن ينبيه، بارك الله فيه، لأبيه، وجزى سعى معلمه ومربيه: أن الشهادة طرف السبب، وفاتحة الطلب، والجواز إلى أقطار العلم والأدب، وأن العلم لا يملك بالصكوك والرقاع، وأن المعرفة عند الثقات غير وثائق الإقطاع، ومن يقول له أرشده الله: إن شهادة المدرسة غير شهادة الحياة؟ فيا ناشئ القوم، بلغت الشباب، ودفعت على الحياة الباب، فهل تأهبت للمعمعة، وجهزت النفس للموقعة، ووطنتها على الضيق بعد السعة، وعلى شظف العيش بعد الدعة؟ دعت الحياة نزال فهلم اقتحم المجال، وتزود للقتال، أعانك الله على الحياة، إنها حرب فجاءت، وغدر وبيات وخداع من الناس والحادثات، فطوبى لمن شهدها كامل الأدوات، موفور المعدات، سلاحه صلاحه، وترسه دربته، ويلبه أدبه وصمصامته استقامته، وكنانته أمانتاه، وحربته وداعته".
وإذا كان المضمون كما رأيت يزخر بالحكمة البالغة، والنصيحة الصريحة، فإن الأداء على الرغم مما به من سجع، وجناس كان أقرب إلى الشعر منه إلى النثر، له رنين محبب في الأذن، ودل على ذوق شوقي، وحسن تأتيه في إيراد الكلمات واختيارها، يزين كل ذلك خيال شاعر، وعاطفة الشفقة، والمنفعة العامة للوطن.
أما تأملاته في بعض المعنويات، والقضايا الكلية، فمنها ما ردده القدماء، ومنها ما خاض فيه غير متأثر برأي سواه، فكلامه عن الحياة يشبه ما أثر عن الإمام علي في نصيحته لضرار الصدائي من "أنها حلوة مرة، عواقبها نغص، ومشاربها غصص، وأنها أفعى خداعة ولذة لذاعة".
(1/127)

وقد تكلم عنها شوقي ثلاث مرات، كل مرة في موضوع مستقل، جرى في المرة الأولى في وصف مظاهرها، وأبدى سخطه عليها، وفي المرة الثانية حاول أن يستشف سرها، ويدرك كنهها فيقول: "أحق أنها هي الدم حتى يجمد، وأنها الحرارة حتى تبرد، وأنها هي الحركة حتى يقطعها السكون، وأنها هي الجاران حتى تفرق بينهما المنون؟؟
الحق أن افتئات الفلسفة، على ضنائن الله سفه، وأن علم الحياة عند الذي يهبها ويستردها، والذي يقصرها ويمدها، والذي يخلعها ويستجدها، والذي كل حي سواه يموت، وكل شيء ما خلاه يفوت".
وهذه هي عقيدة المسلم الصادق، وقديمًا تساءل المسلون عن كنه الروح، فقال لهم الله في كتابه: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} ، ونرى شوقي يحاول أن يفيد من المتنبي حين قال: إنها الجاران حتى تفرق بينهما المنون، متأثرًا بقول المتنبي: "ومفترق جاران دارهما العمر".
ومعظم موضوعات تأملاته مما حار الناس فيها قديمًا وحديثًا، وكأني بنفسه الطلعة تريد أن تهتك عنها الحجاب، وتطلع على أسرارها، ثم تعجز ولا تملك إلا أن تبدي خواطرها إزاء ما أعياها إدراك كنهه، فاليوم والأمس، والغد، ومنها تتكون الحياة، موضوع شائق للبحث الفلسفي، وقد تناوله شوقي بمزيج من الشعر والفلسفة، في عبارة مركزة موجزة، فيقول عن أمس: "أمس ما أمس؟ خطوة إلى الرمس!، خرزة هوت عن السلك أغلى من خرزات الملك، صحيفة طويت والصحف قلائل من كتاب العمل الزائل، ثلمة في الجدار، وهت لها الدار وأنت غير دار، جزء من عمرك حضرت وفاته، وقبرت بيديك رفاته لم ترق عليه عبرة، ولم تشيعه بالتفاتة.
وهو القاعدة التي يبنى عليها العمر، والحب الذي بنيت عليه الشجر، ويخرج منه الثمر، وهو الخير والأثر، والكبت والسير، والأسى والعبر، وهو أبو يومك، والولد سر أبيه، وجد غدك فاجعله النبيل في الجدود النبيه".
(1/128)

فالموضوع كما ترون يشتمل على فكرتين تناول كل فكرة، وعرضها في شتى الصور، فأمس يوم اقتطع من العمر، وهو أساس الغد، وكان لخيال شوقي الشاعر أثر في إيراد هذه الصور المتعددة للمعنى الواحد، وكلها صور رائعة الخيال، تزيد المعنى وضوحًا، والنفس أسى على أمس الدابر.
ولا يسعني هنا -والمقام ضيق- أن أتناول كل ما تعرض له شوقي في كتابه هذا، والذي يعنينا هو أنه تناول موضوعات تشغل الفكر الإنساني المثقف، واستخدم النثر في مقام الشعر، وكلف بالسجع أول الأمر ثم نراه يكاد يعدل عنه آخريات الكتاب، وإن لم تضعف ديباجته، أو يكبو خياله من ذلك قوله عن الجمال:
"جمعت الطبيعة عبقريتها فكانت الجمال، وكان أحسنه وأشرفه ما حل في الهيكل الآدمي، وجاور العقل الشريف، والنفس اللطيفة، والحياة الشاعرة. فالجمال البشري سيد الجمال كله، لا المثال البارع استطاع أن يخلعه على الدمى الحسان، ولا للنيرات الزهر في ليالي الصحراء ماله من لمحة وبهاء، ولا لبديع الزهر وغريبه في شباب الربيع ماله من بشاشة وطيب، وليس الجمال بلمحة العيون، ولا ببريق الثغور، ولا هيف القدود، ولا أسأله الخدود، ولا لؤلؤ الثنايا وراء عقيق الشفاه، ولكن شعاع علوي يبسطه الجميل البديع على بعض الهياكل البشرية يكسوها روعة، ويجعلها سحرًا، وفتنة للناس".
هل تشعر أنك فقدت شيئًا في أسلوب شوقي؟ هل لا يزال لأسلوبه رونقه وبهاؤه وطلاوته؟، أترى هذه القطعة أشد أسرًا، وأقوى جاذبية وجمالًا من نثره المسجوع؟
لعل شوقي لم يتعود الكتابة بالنثر المرسل، ومع كثرة تمرسه بالنثر المقفي، ولعله شعر بأنه ليس في أحسن حالاته، فحاول التجربة مرة ثانية وثالثة في الأمومة، والكاتب العمومي، والحياة وهم ولعب، وأخيرًا أخذ يذرف دمعة على السجع، ويدافع عنه حين افتقده في كتابته ولم يحسن الازدواج إلا قليلًا، ففقد ولا شك شيئًا من موسيقى نثره، فقال:
(1/129)

"السجع شعر العربية الثاني، وقواف مرنة ريضة، خصت بها الفصحى، يستريح إليها الشاعر المطبوع، ويرسل فيها الكاتب المتفنن خياله، ويسلو بها أحيانًا عما فاته من القدرة على صياغة الشعر، وكل موضع للشعر الرصين محل السجع، وكل قرار لموسيقاه قرار كذلك للسجع، فإنما يوضع السجع النابغ فيما يصلح مواضع الشعر الرصين، من حكمة تخترع أو مثل يضرب، أو وصف يساق وربما وشيت به الطوال من رسائل الأدب الخالص، ورصعت به القصار من فقر البيان المحض، وقد ظلم العربية رجال قبحوا السجع، وعدوه عيبًا فيها، وخلطوا الجميل المتفرد بالقبيح المرذول منه، يوضع عنوانًا لكتاب، أو دلالة على باب، أو حثوا في رسائل السياسة، أو ثرثرة في المقالات العلمية، فيا نشء العربية إن لغتكم لسرية، مثرية، ولن يضيرها عائب ينكر حلاوة الفواصل في الكتاب الكريم، ولا سجع الحمام فيا لحديث الشريف، ولا كل مأثور خالد من كلام السلف الصالح".
وشوقي هنا يبين عدة أمور: فهو شاعر، ولذلك يسهل عليه السجع كما تسهل القافية في الشعر، ويقرر أن هذا اللون من النثر يحل محل الشعر في موضوعه، وفي موسيقاه فيستخدم في الحكمة والمثل، والوصف والرسائل الأدبية الطويلة والقصيرة، وإذا كان تكلفه بين الناس، واستخدموه في المقالة السياسية والعلمية والاجتماعية، فإنهم لم يفرقوا بين النثر الأدبي وسواه، ويضرب شوقي مثلًا بحلاوة فواصل القرآن الكريم، والحديث الشريف برهانًا على أن السجع قد يكون مصدر جمال ولا شك، إذا تناولته يد صناع، وقلم بارع.
كتب شوقي عدة موضوعات بالنثر في أخريات كتابه، وإن كان يحن بين الفينة والفينة إلى السجع، على أن ما يعنينا هو اتساع أفق النثر وعمق فكرته، وتناوله موضوعات حية، نتيجة الثقافة القوية في العربية وفي الأدب الغربي معًا، ويهمنا كذلك أن الهوة في هذه الفترة أخذت تتسع بين الأسلوب الصحفي والأسلوب الأدبي، وبدأ كل منهما يتميز عن صاحبه.
وإذا كنا لم نوف هذا الكتاب حقه من الدرس والتحليل، فإن المقام يعجلنا عن ذلك، ولعل هذه الدراسة الواسعة تلح على من يدرس شوقي دراسة كاملة وافية، وبحسبنا هذا الإجمال، وتلك الأمثلة، أداء للغرض الذي ترمى إليه.
(1/130)

حديث عيسى بن هشام للمويلحي:
ولننتقل إلى كتاب آخر لعلم من أعلام البيان في تلك الحقبة التي انتهت بنهاية القرن التاسع عشر، وبضع سنوات من القرن العشرين، قبل أن ينطلق النثر الأدبي من عقاله، ويحلق في آفاق واسعة، غير رازح تحت أي قيد من القيود، إلا ما اقتضاه الفن والتجويد.
ذلك الكاتب هو محمد المويلحي، وكتابه هو حديث عيسى بن هشام، وقد أتيح للكاتب من عوامل الوراثة والثقافة، والتجربة ما جعل الأدب يترقب منه عملًا مجيدًا حقًا، فأبوه إبراهيم المويلحي من تلاميذ جمال الدين، وصاحب جريدة "مصباح الشرق" التي كانت حدثًا أدبيًا عظيمًا إبان ظهورها سواء بموضوعاتها الشائفة، أو بأسلوبها الأدبي المتين، وهي تمثل ما وصلت إليه الصحافة الأدبية في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر من علو وسمو، وقدرة على النقد والتوجيه من غير تعرض لشخص الأديب وحرمانه، وإنما تتناول أدبًا تناولًا موضوعيًا بشيء كثير من الجرأة والحرية والبصيرة، ولإبراهيم المويلحي الكبير أثر غير منكور في تطور المقالة الصحفية والأدبية.
وإذا كان ابنه محمد لم يتح له من التعليم الرسمي غير ما تلقاه في المدرسة الابتدائية، فإن والده جلب له من الأساتذة في العربية، واللغات -شأن أبناء العلية في تلك الآونة- ما حبب إليه المعرفة، فصار يلتهم كل ما يقع تحت ناطريه من الكتب، وما كان أكثرها في بيت والده، ثم سافر مع والده إلى تركيا، ومكث بضع سنين أجاد فيها التركية، وقرأ ما ضمته بعض مكتباتها الشهيرة من كنور الثقافة العربية، وسافر معه إلى إيطاليا حين اختبر كاتم سر الخديوي إسماعيل بعد نفيه، وتعلم ثمة اللغة الإيطالية، مع إجادته للفرنسية، وإلمامه بالإنجليزية واللاتينية.
وإذا كان محمد المويلحي ممن يجمعون بين الثقافة العربية العميقة، والثقافة الغربية الحديثة، فلا يدع إذا جاء أدبه ممثلًا لامتزاج الثقافتين، وقد تجلى ذلك في حديث عيسى بن هشام الذي بدأ يكتبه منجمًا في جريدة "مصباح الشرق" منذ
(1/131)

17 من نوفمبر سنة 1898، والكتاب يجمع بين سمات الأدب العربي القديم، والأدب الغربي، فهو يجري على أسلوب المقامة في كثير من فقراته، في أسلوب قصصي، ويعالج موضوعات اجتماعية.
ليس حديث عيسى بن هشام قصة، إذ ليس فيه عقدة، وإنما هو لوحات مختلفة تبين بعض الفساد الذي دب إلى المجتمع، وبعض ما حدث من تغيير بمصر في مدى خمسين سنة منذ وفاة "الباشا" حتى بعثه، في نظمها القضائية، وحياتها الاجتماعية والسياسية، ولا يتقيد فيه محمد المويلحي بأسلوب المقامة من السجع القصير الفقرات، وإيراد مختلف المحسنات والتندر بالغريب كما كان يفعل الحريري، وإنما نراه يلجأ إلى هذا الأسلوب حين يتحدث هو متقمصًا شخصية عيسى بن هشام، وحين يصف منظرًا من المناظر، أما حين يسرد الحوادث، فيلجأ إلى الأسلوب المرسل، ويكاد يقرب من حديث الصحافة حيث لا تعمل ولا تكلف، بل يستخدم أحيانًا بعض الكلمات الدخيلة، وإن كان ذلك للضرورة أو للتندر.
قررته وزارة التربية والتعليم على طلبة المدارس عام 1927، وجاء بتقريرها عنه ما نصه: "وحديث عيسى بن هشام إذا دخل في المطالعة لطلبة المدارس الثانونية أفادهم أجل الفائدة من ناحية ما يأخذهم به من بلاغة الكلام، وسلامة القول، والصيغة الطريفة التي تناولت كثيرًا من الأسباب الدائرة بين الناس، وهو ما يعوز جميع الكتب التي وضعت في عصور متقدمة، إلى ما يفسح في ملكاتهم، ويطبعهم على دقة الملاحظة وقوة التعبير، وتدبير ألوان الاحتجاج لطرفي الموضوع الواحد".
لقد تبينت فيه الوزارة أنه بخلاف الكتب القديمة يعالج الحياة المعاصرة، وما طرأ عليها من تغيير في فترة من الزمن، وينتقد أوجه الفساد ويشير إلى النقص، ويتهكم بانحراف في الطبع والسلوك، ولقد دل على ما يتمتع به المويلحي من قوة ملاحظة، وشدة تغلغل في صميم الحياة، وبخاصة حياة الدواوين التي ترتبط ارتباطًا قويًا بمصالح الجماهير.
يتخيل المويلحي، "وهو نفسه عيسى بن هشام" أنه كان في المقابر ذات ليلة بغية العظة، والاعتبار فسمع قبرًا ينشق ويخرج منه رجل، فارتعد خوفًا، وهم بالهرب، ولكن الرجل المدرج في الأكفان يناديه، وينبئه بشخصيته وأنه فلان باشا
(1/132)

من قواد العسكرية أيام محمد علي وإبراهيم، وأنه يسكن في البيت الفلاني وعليه أن يذهب لإحضار ثيابه، في حوار طريف جذاب، ثم يورد ما أصاب هذا الباشا الذي ظهر في غير زمنه من كوارث ومحن وتجارب، ودهشة وعجب من كل ما لاقاه في مصر، ولنستمع إليه لنرى كيف ابتدأ الكتاب، قبل أن نورد موضوعاته، ونلم بملاحظاته وتهكماته، قال:
"حدثنا عيسى بن هشام -قال: رأيت في المنام كأني في صحراء الإمام أمشي بين القبور والرجام، في ليلة زهراء قمرية يستر بياضها نجوم الخضراء، فيكاد في سنا نوره ينظم الدر ثاقبه، ويرقب الذر راقبه، وكنت أحدث نفسي بين تلك القبور، وفوق هاتيك الصخور بغرور الإنسان وكبره، وشموخه بمجده وفخره، وإغراقه في دعواه وإسرافه في هواه، واستعظامه لنفسه، ونسيانه لرمسه، فقد شمخ المغرور بأنفه، حتى رام أن يثقب به الفلك استكبارًا لما جمع، واستعلاء بما ملك، فأرغمه الموت، فسد بذلك الأنف شقا في لحده بعد أن وارى تحت صفائحه صحائف غعزه ومجده.
وما زلت أسير وأتفكر، وأجول، وأتدبر حتى تذكرت في خطاي فوق رمال الصحراء، قول الشاعر الحكيم أبي العلاء:
خفف الوطأ ما أظن أديم ال ... أرض إلا من هذه الأجساد
وقبيح بنا وإن قدم ال ... عهد هوان الآباء والأجداد
سر إن اسطعت في الهواء رويدًا ... اختيالًا على رفات العباد
فقرعت سن الندم، وخففت وطأ القدم، وإن في دهماء أولئك الأموات، وغمار تلك الرمم والرفات، لمباسم طالما حول العاشق قبلته لقبلتها، وباع عذوبة الكوثر بعذوبتها، قد امتزجت بغبار الغبراء، واختلطت ثناياها بالحصى والحصباء، وتذكرت أن تلك الخدود".
ويمضي المويلحي فيعدد محاسن النساء الجسمية، وكيف كانت، وكيف صارت بعد الموت، فيذكر العيون والشعر والنهود والشفاه وغيرها، إلى أن يقول:
"وبينما أن في هذه المواعظ والعبر، وتلك الخواطر والفكر، أتأمل في عجائب الحدثان، وأعجب من تقلب الأزمان مستغرقًا من بدائع المقدور مستهديًا
(1/133)

للبحث في أسرر البعث والنشور، إذ برجة عنيفة من خلفي كادت تقضي بحتفي، فالتفت التفاتة الخائف المذعور، فرأيت قبرًا قد انشق من تلك القبور، وقد خرج منه رجل طويل القامة، عظيم الهامة، عليه بهاء المهابة والجلالة، ورداء الشرف والنبالة، فصعقت من هول الوهل "الفزع" صعقة موسى يوم دك الجبل، ولما أفقت من غشيتي، وانتبهت من دهشتي أخذت أسرع في مشيتي، فسمعته يناديني، وأبصرته يدانيني، فوقفت امتثالًا لأمره، واتقاء لشره، ثم دار الحديث بيننا وجرى على نحو ما تسمع وترى بالتركية تارة والعربية أخرى.
الدفين: ما اسمك أيها الرجل، وما عملك، وما الذي جاء بك؟
فقلت لنفسي: حقًا إن الرجل لقريب العهد بسؤال الملكين، فهو يسأل على أسلوبهما، فاللهم أنقذني من الضيق، وأوسع لي في الطريق لأخلص من مناقشة الحسابه، وأكتفي شر العذاب، ثم التفت إليه وأجبته.
عيسى بن هيشام: اسمي عيسى بن هشام، وعملي صناعة الأقلام، وجئت هنا لأعتبر بزيارة المقابر، فهي عندي أوعظ من خطب المنابر.
الدفين -وأين دواتك يا معلم عيسى ودفترك.
عيسى بن هشام: أنا لست من كتاب الحساب والديوان، ولكني من كتاب الإنشاء والبيان.
الدفين: لا بأس بك، فاذهب أيها الكاتب المنشئ، فاطلب لي ثيابي وليأتوني بفرسي "دحمان".
عيسى بن هشام: وأين يا سيدي بيتكم فإني لا أعرفه؟
الدفين مشمئزًا: قل لي بالله من أي الأقطار أنت؟ فإنه يظهر لي أنك لست من أهل مصر، إذ ليس في القطر كله من أحد يجهل بيت أحمد باشا المنيكلي ناظر الجهادية المصرية.
عيسى بن هشام: أعلم أيها الباشا أنني رجل من صميم أهل مصر، ولم أجهل بيتك، إلا؛ لأن البيوت في مصر أصبحت لا تعرف بأسماء أصحابها بل بأسماء شوارعها وأزقتها، وأرقامها، فإذا تفضلت وأوضحت لي شارع بيتكم، وزقاقه
ورقمه انطلقت إليه وأتيتك بما تطلبه.
(1/134)

الباشا "مغضبًا": ما أراك أيها الكاتب إلا أن بعقلك دخلًا فمتى كان للبيوت أرقام تعرف بها وهل هي "إفادات أحكام"، أو"عساكر نظام"؟ والأولى أن تناولني رداءك أستتر به، وتصاحبني حتى أصل إلى بيتي".
فعلى عيسى بن هشام هذا وسارا معًا، ثم تذكر الباشا أنه لا بد لدخول القاهرة من معرفة كلمة سر الليل، وبين له عيسى بن هشام أنه لا داعي إلى هذا فقد وضح النهار، ولكن الباشا لم يصل إلى بيته أبدًا، فقد اعترضته من الأحداث ما جعلته يقضي ليله في مركز الشرطة، إذ كان يلوح بيده فظن مكاري أنه يدعوه، وراءهما طويلًا ثم طالبهما بالأجرة، وتعجب الباشا من قحته ومن صبر عيسى بن هشام معه فيقول:
- إني لأعجب من صبرك على هذا الفلاح السفيه، الذي استرسل معنا في سفاهته، ووقاحته فهلم فاضربه بالنيابة عني حتى تريحه من عيشه وتريحنا منه.
عيسى بن هشام: كيف يكون ذلك، وأين القانون، وأين الحكام؟
ولكن الباشا لا يفهم إلا شيئًا واحدًا، وهو أنه تركي ومن رجال الحكم، وأن الفلاح لا يصلح إلا بالضرب أو القتل، فإذا هم عيسى بن هشام أن يمنح الرجل بعض المال حتى يسكته، وينصرف قال له الباشا:
"لا تعط هذا الكلب النابح درهمًا واحدًا، وقد أمرتك أن تضربه، فإن لم تفعل، فأنا أتنزل إلى ضربه وتأديبه، والفلاح لا يصلح جلده إلا بجلده.
وفعلًا أخذ الباشا يضرب المكاري، وهو يستغيث بالشرطي وينادي "يا بوليس، يا بوليس"، وبعد أن فرغ من ضربه أخذ يستفسر عن البوليس هذا، وهل هو ولي جديد من أولياء الله الصالحين يستغيث به هذا المسكين.
فقال له عيسى بن هشام: نعم إن هذا "البوليس" هو ولي الأمر احتلت فيه القوة الحاكمة.
الباشا: لست أفقه هذا المعنى، فأوضح لي حقيقة البوليس، فأخبره عيسى أنه "القواس" الذي يعرفه، فسأل الباشا عنه حتى يناديه ليحضر، ويعاقب هذا الذي تطاول على المقام الرفيع، فيشير إليه عيسى بأنه هذا الرجل المشغول ببائع لفاكهة
(1/135)

والذي بيمينه عود قصب، وبشماله منديل مملوء بالخضر، مما أخذه من الباعة اغتصابًا، وجاء الشرطي وأبى إلا أن يأخذ الباشا إلى "القسم" ويجره إليه جرًا.
ودخل الباشا في تحقيقات لا تنتهي، وهنا يتعرض المويلحي لوصف رجال الإدارة والنيابة والمحامين والقضاة، وينتقد هذا النظام نقدًا مرًا ويسلق بقلمه الحاد هؤلاء الشبان الذين يلون أمور الناس، وهم على حظ كبير من التطري والتخنث والاهتمام بشئون لهوهم ومرحهم، والاستهتار بكل القيم الجميلة وبمصحلة الجمهور، ويبين تفشي الرشوة، وفساد الأخلاق وتحللها.
حبس الباشا دون أن يجد من يسمع شكاته، وزور عليه الاتهام بأنه ضرب أحد رجال الشرطة بجسمه؛ لأن الرجل كان قد أعياه التعب فوقع على أحد الجنود، وهو يمسح أرض القسم، فاتهمه هذا بأنه ضربه وهو يؤدي وظيفته الرسمية، وشهد الشهود فكان ضرب المكاري وضرب الجندي مما زج به في سجن الشرطة.
فإذا أحيل الباشا إلى النيابة، واضطر إلى أن يذهب إلى قلم "السوابق وتحقيق الشخصية"، يصف المويلحي ما يتعرض له الإنسان في هذه المصلحة من المهانة والامتهان، فإذا انتهى الباشا من هذه المحنة سأل صاحبه: أين نحن الآن، ومن هذا الغلام، وما هذا الزحام؟، فيجيبه بأنهم أمام النيابة، وهذا عضو النيابة، وهؤلاء أرباب الدعاوى، فيسأله من النيابة؟ فيفسرها له: بأن النيابة في هذا النظام الجديد هي سلطة قضائية مكلفة بإقامة الدعاوى الجنائية على المجرمين بالنيابة عن الهيئة الاجتماعية، فيسأل عن الهيئة الاجتماعية، ويعرف أنها مجموعة الأمة، وهناك يقول:
الباشا: ومن هذا الأمير العظيم الذي اتفقت الأمة عليه لينوب عنها.
عيسى بن هشام: ليس هذا الذي تراه بأمير ولا بعظيم من عظماء الأمة، وإنما هو أحد أبناء الفلاحين أرسله أبواه إلى المدارس فنال الشهادة، فاستحق النيابة فتولى في الأمة ولاية الدماء والأعراض والأموال.
(1/136)

الباشا: نعمت المنزلة عند الله الشهادة، وللشهيد في الجنة أعلى الدرجات، ولكن كيف نتصور عقولكم -وأظنكم فقدتموها- أن تجتمع الشهادة في سبيل الله والحياة فيا لدنيا لأحد الناس؟ والذي يفوق ذلك عجبًا، ويزيد العقل خيالًا أن يحكم الناس فلاح وينوب عن الأمة حراث.
فبين له عيسى بن هشام أن الشهادة ليست بشهادة الجهاد، بل هي ورقة يأخذها التلميذ في نهاية دروسه، ليثبت بها أنه تلقى العلوم وترع فيها، وقيمتها لمن يريد الحصول عليها ألف وخمسمائة فرنك في بعض الأحيان -وهذه غمزة اجتماعية تبين ما كان يحدث من شراء الشهادات.
ويدخل اثنان على النائب وهما من لداته يصفهما عيسى بن هشام وصفًا ساخرًا، فيقول: "وبينا نحن في هذا الحديث إذا بشابين رشيقين قد أقبلا يخطران في مشيتهما، والطيب ينتشر في الجو من أردانهما، وهما يصعران خديهما كبرًا
واختيالًا، ولا يلتفتان من حولهما تيهًا وإعجابًا، أحدهما يشق الهواء بعصاه،
والثاني تلعب بالنظارة يداه: فشخصت إليهما الأنظار، وتحولت الأبصار، والحاجب أمامهما يدفع الناس من طريقهما، حتى وصلا إلى باب النائب، فقام لهما عن مجلسه وأمر بأرباب القضايا أن ينصرفوا من حضرته، واشتغل الحاجب بسحبهم وجرهم وطردهم ونهرهم، واشتغل النائب بطي المحاضر، ورفع المحابر حتى خلا لصاحبيه من كل شغل وعمل.
ثم تبين أن الحديث الذي من أجله صرف المتقاضين وأهانهم، وانصرف عن واجبه بسببه حديثتافه يدور حول السهرات، ولعب القمار وصحبة النساء والسؤال عن فلان وفلان ماذا عملًا وماذا جرى لهما؟، فإذا سأل أحدهم أتعرفون لم انتحر فلان؟ كل بيدي رأيه في الأمر، وأخيرًا تبين أنه انتحر تقليدًا لأبيناء العلية من شبان باريس.
وهكذا يمضي المويلحي يغوص إلى أعماق المجتمع، يلحظ وينتقد ويلذع بكلماته هؤلاء الذين لا يراعون حقوق الوطن والمواطنين، وينحرفون عن جادة
الصواب، ويصور الشواذ من الناس تصويرًا بارعًا، ويقف أمام الأشياء العظيمة فيجيد نعتها، كل هذا مع روح مصرية خالصة في وطنيتها وصدقها ومرحها ودعابتها.
(1/137)

يتكلم مثلًا عن المحاماة في مصر، وكيف أنها صناعة شريفة يمارسها كثير من فضلاء القوم، ولكن قد دخل في الصناعة جماعة اتخذوا الخداع والاحتيال بضاعة للكسب، وهؤلاء بعينهم هم الذين عناهم علاء الدين الكندي بقوله:
ما وكلاء الحكم إن خاصموا ... إلا شياطين أولو باس
قوم غدا شرهم فاضلا ... عنهم فباعوه على الناس
وكان ذلك بسبب سمسار المحامي الذي أراد أن يستغل الباشا أسوأ استغلال لولا يقظة عيسى بن هشام.
ويصف ساحة المحكمة وقت التقاضي فيقول: ولما حل يوم الجلسة رافقت الباشا إلى المحكمة، فوجدنا في ساحتها أقوامًا ذوي وجوه مكفهرة، وألوان مصفرة، وأنفاس مقطوعة، وأكف مرفوعة، وشاهدنا باطلًا يذكر، وحقًا ينكر، وشاكيًا يتوعد وجانبًا يتودد، وشاهدًا يتردد، وجنديًا يتهدد، وحاجبًا يستبد، ومحاميًا يستعد، وأما تنوح وطفلًا يصيح، وفتاة تتلهف وشيخنا يتأفف، وسمعنا ألفاظًا متناقضة وأقوالًا متعارضة، ورأينا المحامين عن الخصمين يشحذ كل منهما لسانه ويقدح جنائه، استعدادًا للنزال في ميادين المقال، وتأهبا للدافع في مواقف النزاع ... إلخ".
ثم يصف القضاء وتعدده فمحاكم شرعية، وأهلية، ومختلطة، ومجالس تأديبية وإدارية وعسكرية ومحاكم مخصوصة، فقال الباشا، ما هذا الخلط وما هذا الخبط؟ سبحان الله هل أصبح المصريون فرقًا وأحزابًا، وقبائل وأفخاذًا وأجناسًا مختلفة وفائت غير مؤتلفة وطوائف متبددة، حتى جعلوا لكل واحدة محاكم على حدة، ما عهدناهم كذلك في الأعصر الأول مع دولات الدول، وهل انطمست تلك الشريعة الغراء، واندرست بيوت الحكم والقضاء؟ اللهم لا كفران، ولعن الله الشيطان.
ويصف القاضي وضيق صدره وتبرمه من سماع المرافعة، أو الشرح لا لكثرة القضايا التي أمامه فحسب ولكن؛ لأنه مدعو إلى وليمة بعض رفاقه عند الظهر تمامًا، ونتيجة عدم استماعه حكم على الباشا بالسجن سنة ونصف؛ لأنه ضرب المكاري.
(1/138)

ويتهكم برجال الأزهر لبعدهم عن الكتابة في الصحف، فيقول: علماؤنا ومشايخنا- يغفر الله لهم هم أبعد الناس عن اختيار هذه الطريق، وممارسة هذه الصناعة، وهم يرون الاشتغال بها بدعة من البدع، ويعتبرونه فضولًا تنهى عنه الشريعة، وتداخلًا فيما لا يعني، فلا يأبهون بها، وربما اختلفوا في كراهة الإطلاع عليها أو إباحته، وقد مارس هذه الصناعة قوم آخرون غيرهم فيهم الفاضل وغير الفاضل، واتخذها بعضهم حرفة للتعيش بها، والتكفف على أية حال كانت، فلا تجد بينهم وبين أهل الحرف وباعة الأسواق فرقا في الغش والخداع والكذب، والنفاق والمكر والاحتيال للاستلاب والاغتيال.
عمروا موضع التصنع فيهم ... ومكان الإخلاص منهم خراب
أما وطنيته فتتجلى في مواطن كثيرة، في حرصه البالغ على أن يؤدي كل إنسان عمله على الوجه الأكمل، في كراهيته للاستعمار وأذنابه، في حملته الشديدة على استغلال الأجانب لخيرات البلاد إلى غير ذلك من الموضوعات الوطنية الصادقة، خذ مثلًا قوله في الموازنة بين المصري والأجنبي في محاورة بين الباشا والمحامي:
المحامي: أيها الأمير لا تغبط المصري على نعمته، وتعال فابك من نقمته، فليس له في هذه الجنة من دار، يقر له فيها قرار، وكل ما تراه من هذا الجانب فهو ملك الأجانب.
الباشا: لله أبوك، كيف يختص الأجنبي دون الوطني بهذه الجنان الناضرة، ويستأثر دونه بهذه المساكن الفاخرة؟، ولعلك تلغز في قولك وتحاجي، وتعمي في تعبيرك وتداجي.
المحامي: لا تعمية ولا تحجية، بل هكذا قدر المصري لنفسه، وتبدل سعده بنحسه، واقتنع من دهره بالدون والطفيف، ورضى بالقسم الخسيس الضعيف، فبات محرومًا تحت ظل إهماله وخموله، وغدا بائسًا في نسيانه وذهوله، ومال زال الأجنبي يسعى يكد ويعمل ويجد، وينال ثم يطمع، ويسلب ثم يجمع، والمصري يبذر بجانبه ويسرف، ويبدد ويتلف، ويتحسر ثم يلهو، ويعجز
(1/139)

ثم يزهو، ويفتقر ثم يفتخر، فتساوى السيد والمسود، وتشابه الحاسد والمحسود، وتعادل الرفيع والمنيع، والوضيع، واشتركنا كلنا على السواء في منازل الشدة والبلاء، وأصبح نصيب القوي المكين مثل نصيب الضعيف المستكين، وكذلك تكون عاقبة من يلقي للأجنبي بيديه، ومن أعان ظالمًا سلط عليه.
ومن يجعل الضرغام بازا لصيده ... تصيده الضرغام فيما تصيدا
لم يدع المويلحي شيئًا فيمصر إلا عرج عليه ووصفه مادحًا أو قادحًا.. أبناء الكبراء، وكبراء العصر الماضي، والمحامي الشرعي وفساده وكان رأيه في هذه الطائفة أيامهس في غاية السوء، وزارة الأوقاف وما فهيا من مآس ومفاجع، المحكمة الشرعية والطب والأطباء والإسكندرية، والأمراض المتفشية والفرق بين العامة والخاصة في طرق العلاج والقدرة عليه، ويقوم بعزلة أدبية أو سياحة فكرية مع الباشا، فيطلعك على جواهر محفوظه، وطرف نوادره، وزهد الناس بمصر في القراءة، ويظهر أنها ظاهرة قديمة منذ عصر المويلحي وربما لأبعد من هذا، ولا يفوته أن يتكلم عن الأزهر ويروي مناقشات العلماء وجدلهم في مشكلات لفظية والمحرم والحلال والبدعة، والضلال مما يرونه من مظاهر الحياة المعاصرة لهم، ويتهكم بهم تارة ويرثي لهم تارة أخرى، وينعي عليهم عيهم وبكاءة ألسنتهم، ويتناول الأعيان والتجارة ويصف أنماطهم وأحوالهم، ثم الموظفين، وأنواعهم، وعيونهم، وفسادهم.
ويتكلم عن أبناء الأسر الحاكمة، وبطالتهم وفراغهم العقلي والنفسي، واستغلال الأجانب والمرابين لهم أشد استغلال وأسوأه، ويتكلم عن مشاهد العرس فيمصر وما دخل فيها من البدع وتقليد الفرنجة، ويتكلم عن العمد والقرى، وعن العمدة في القاهرة وفي المطعم وفي المرقص وفي الرهن ولدى الأهرام وفي الملاهي، والمدينة الغربية ومساوئها.
لقد أعطى المويلحي صورة متكاملة للمجتمع في عصره، ومع روح نقدية بناءة، في أسلوب أدبي طريف يلجأ إلى السجع في الوصف الخالص وإلى الأسلوب المرسل في الحوادث والحوار، وهو كما ذكرنا مزيج للثقافتين العربية
(1/140)

والغربية فهو شبه قصة إذ ينقصها العقدة وترابط الأحداث، وإن كان شخص الباشا، وعيسى بن هشام يظهران في كل فصل من فصول الكتاب.
والكتاب كذلك بأسلوب يدل على فترة الانتقال التي كان يمر بها النثر في أخريات القرن التاسع عشر، فيجمع بني الترسل والسجع، لم يخلص لأحدهما: وإن كان السجع فيه مقبولًا ولا يلجأ إليه إلا في المواطن الأدبية التي تحتاج إلى خيال وبراعة.
(1/141)

ليالى سطيح لحافظ إبراهيم:
وإذا أردنا أن نقف على الدوافع التي حدث بحافظ إبراهيم إلى كتابة ليالي سطيح، علينا أن نلقي نظرة خاطفة على حياة حافظ في الحقبة التي سبقت تأليف الكتاب: تخرج حافظ في المدرسة الحربية، وكان قد دخلها بالشهادة الابتدائية، ويعد تخرجه عين في الجيش، وسافر إلى السودان.
وكان حافظ منذ حداثته مشغوفًا بالشعر يتخير جيده ويحفظ منه الكثير، وقد آنس في نفسه القدرة على نظمه، ولم يكن أبدًا ميالًا إلى الحرب، ولعله دخل الحربية تأسيا بمثله الأعلى في الشعر محمود سامي البارودي، ولكن شتان بين طبيعتين، طبيعة الفارس الذي تجري في عروقه دماء أجداده المماليك، وطبيعة حافظ الوداعة المسالمة.
ولم يشترك حافظ إبان مقامه بالسودان في معركة، أو يحمل سيفًا، وإنما رضي أن يجلس خلف مكتب في إدارة التعيينات، يلبس البزة العسكرية وعقله يهيم في أودية الشعر، وكان قد اشتهر بين إخوانه بقول الشعر وجودة الإلقاء.
ونصاعة الخطاب فاختاروه مدافعًا عنهم في القضايا التي كانوا يتهمون فيها، وقد دافع في عشرين قضية ريحها كلها وبرأ أصحابها إلا واحدة، اعترف فيها المتهم بالقتل، ولم يملك حافظ وسيلة لتبرئته، وهو مصر على اعترافه.
وقد رأى في السودان بشاعة الاستعمار الإنجليزي، وذاته المصريين، والدسائس التي تحاك حولهم، فضاقت نفسه وبرم بهذا الجو الخانق، وهو الذي فطر على الحرية، وأخذ يجأر بالشكوى لأستاذه الإمام محمد عبده عله يتشفع له فيعود إلى مصر، تلك التي أخذ يحن إليها حنينًا شديدًا سجله في أكثر من قصيدة، ومن ذلك قوله يرثي لنفسه التي زج بها في الجندية ألوان الشقاء، وجنى عليها.
(1/142)

رميت بها على هذا التباب ... وما أوردتها غير السراب
وما حملتها إلا شقاء ... تقاضيني به يوم الحساب
خجنيت عليك يا نفسي وقبلي ... عليك جنى أبي فدعي عتابي
فلولا أنهم وأدوا بياني ... بلغت بك المنى وشفيت ما بي
سعيت وكم سعى قبلي أديب ... فآب بخيبة بعد اغتراب
وكان حافظ كلما طال مقامه بالجيش المصري في السودان ازداد سخطًا وكراهية للإنجليز، وقد أحسوا منه هذه الكراهية، ودس له صنائعهم لديهم. فوجدت وشايتهم آذانًا صاغية، حتى إذا كانت ثورة الجيش في السودان التي تلت حرب "الترنسفال" سنة 1901، أتهم حافظ مع جماعة من الضباط بالتآمر، وأرسلوا إلى قلعة الجبل ليحاكموا فيها، وكاد يحكم عليهم بالإعدام لولا شفاعة الخديوي لهم، فاكتفى بإحالتهم إلى المعاش وأرسلوا إلى مصر.
وعاد حافظ إلى مصر، ولكنه عود غير حميد، وغير ما كان يرجوه ويصبو إليه، عاد مطرودًا من الجيش، صقر الكف من الوظيفة، ورأى الدنيا موصدة أبوابها في وجهه، فلا يدع إذ سمعناه ينفث تلك الزفرة الحارة من أعماق قلبه ألمًا وحزنًا:
سعيت إلى أن كدت أنتعل الدما ... وعدت وما أعقبت إلا التندما
لحا الله عهد القاسطين الذي به ... تهدم من بنياتنا ما تهدما
إذا شئت أن تلقي السعادة بينهم ... فلا تك مصريًا ولا تك مسلمًا
سلام على الدنيا سلام مودع ... رأى في ظلام القبر أنسًا ومغنمًا
وهذا لعمري حديث من بلغ اليأس منه مبلغًا، ومن رأى الدنيا أضيق من سم الخياط، حتى آثر عليها القبر بوحشته وظلمته، بلوجد فيه أنسًا ومغنمًا.
بيد أنه وجد فرجة من الأمل في الأستاذ محمد عبده الذي أضفي عليه من بره، وقدمه لكبار القوم، وشجعه على قول الشعر حتى لقد راودته نفسه أن يكون
(1/143)

من المقربين لدى الخديوي، بيد أنه وجد الأبواب دونه موصدة، والتزاحم على بابه يعوقه عن الوصول إلى حماه، وفي تلك الحقبة أخذ يترجم "البؤساء"، ويهديها إلى أستاذه ونصيره، فيكتب لها مقدمة كلها إطراء وثناء، وقد أشرنا إليها آنفًا، ولكن الأستاذ الإمام تختطفه المنية في سنة 1905، فيفجع فيه حافظ فجيعة اعتصرت فؤاده، وأحالت الدنيا أمام عينيه ظلاما دامسًا، ولم يجد من القوم من يشد عزمه، ويأخذ بيده، فيعتكف في بيته، ويتناول قلمه يبثه شجونه، ويسح على شباته ماء أحزانه، فكانت "ليالي سطيح" التي أخرجها بعد وفاة الإمام بعام أي في سنة 1906.
نحا حافظ في هذا الكتاب نحو "حديث عيسى بن هشام" للمويلحي، وقد تأثر به دون شك في روحه النقادة، وفي نظراته للمفاسد الاجتماعية، بل نقل عن قطعة طويلة هي وصف المويلحي لقصر إسماعيل، كما نقل عن الشيخ على يوسف مقالا بأكمله كان قد نشره في المؤيد تحت عنوان "السياسة الضعيفة العنيفة" تناول فيها مأساة "دنشواي"، وسياسة الإنجليز بمصر.
وقد اختار حافظ إبراهيم "سطيح" بن ربيعة كاهن بني ذؤيب في الجاهلية ليكون الحكيم الذي ينطق بالقول الفصل في المشكلات التي يعرضها حافظ، ومن معه عليه، ولم يصرح حافظ باسمه، وإنما كنى عنه بقول "حدث أحد أبناء النيل".
"ضاقت عن النفس مساحتها لهم نزل بي، وأمر بلغ مني فخرجت أروح عنها، وأهون عليها، فما زلت أسير والنيل، حتى سال ذهب الأصيل، فإذا أنا من الأهرام أدنى ظلام، وقد فتر مني العزم، وسئمت الحركة، فجلست أنفس عني كرب المسير، واضطجعت وما تنبعث فيجارحة من التعب، وكنت في نفسي في وحدة الضيغم ومن همومي في جيش عرمرم، وجعلت أفكر في الدهر وأبنائه، فجرى على لساني هذا البيت:
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذا عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير
(1/144)

وهكذا أخذ حافظ يناجي نفسه، ويحاول أن يخفف ما بها، ولكن ما لبث أن شم ريحًا كريهة "انقبض لها صدر الجو وتعبس بها وجه النهر، فلما أفاق من غشيته نظر فإذا أصل البلاء جيفة فوق وجه الماء، فغاظه ما رأى وهاجه ما شم وقال يخاطب النيل.
"ويحك إلى متى يسع حلمك جهل هذه الأمة المكسال، وإلى كم تحسن إليها وتسيء إليك، علمت أن سيكون منك الوفاء فلم تحرص على ودك، واتكلت على حلمك، وبالغت بعد ذلك في عقوقك، ولقد كانت ترتجو في سالف الدهر خيرك، وتتقي شرك، فتحتفل في مهاداتك، وتتحامى طريق معاداتك، ثم أمعنت في العقوق فصيرتك مقبرة للجيف لتصبح بذلك مجرى للبلاء، ومستودعًا للوباء".
واستمر حافظ على هذه النغمة يعنف الأمة لجحودها وكفرانها، ويستطرد لذكر حاله، أو يشير إلى مآله فيقول: "ينبغ فيها النابغة، فينبعث أشقاها للطعن عليه فلا يزال يكيد له حتى يبلغ منه، ويكتب فيها الكاتب فينبري به سفيهها فلا يفتأ ينبح عليه حتى ينشب فيه نابه ويفسد عليه كتابه، ويشعر فيها الشاعر فيحمل عليه جاهل، فلا ينفك عنه حتى يغلبه على أمره، ويقهره على شعره.
يا رب أخرجني إلى دار الرضا ... عجلًا فهذا عالم منحوس
ظلوا كدائرة تحول بعضها ... عن بعضها فجميعها معكوس
هكذا ابتدأ حافظ كتابه هذا ليالي سطيح، حتى إذا سكت عن هذه المناجاة، وعزم على التحول من هذا المكان إلى سواه، وقع في سمعه صوت إنسان يسبح الرحمن، فاقترب منه عله يجد أحد العباد يستدعيه دعوة يمحو بها الله سوء ما هو فيه، فلما داناه إذا هو يقول: "أديب بائس، وشاعر بائسن دهمته الكوارث، ودهته الحوادث، فلم يجد له عزمًا، ولم تصب منه حزمًا، خرج يروح عن نفسه ويخفف من نكسته، فكشف له مكاني، وقد آن أواني. أي فلان! لقد أخرجت للناس كتابًا ففتحوا عليك من الحروب أبوابًا، وخلا غابك من الأسد، فتذاءب
(1/145)

عليك أهل الحسد، أي فلان إذا ألقى عصاه ذلك المسافر، وغادر بحر العلم أرض الجزائر، فقد بطل السحر والساحر، فانكفئ إلى كسر دارك، وبالغ في كتم أسرارك، وأقبل غدًا مع الليل، وترقب طلوع سهيل، ومتى سمعت من قبلنا التسبيح، فقل لصاحبك الذي يليك: هلم بنا إلى سطيح".
ثم انقطع صوته فلبثت في مكاني حتى استوحشت لوحدتي وانفرادي في جوف ذلك الليل فرجعت أدراجي، وكنت لقيته في ذهول من عقلي، ودهشة من أمري، ولما ثاب إلى السكون جعلت أتأمل في عباراته، وأتروى في مغزى سجعاته، وقلت في نفسي: لقد كنت أعلم أن سطيحًا قد قضى نحبه ولقى ربه، فهل صدق القائلون بالرجعة أم جعل الله لكل زمن سطيحًا! على أني في غد سألقاه، وأطلب إليه أن أراه، وأسأله عن أشياء كتمتها في صدري، وكادت تدخل معي قبري.
ثم يروي حافظ كيف وصل إلى داره قبيل الفجر، وأنه كان يستأنس في وحدته بلزومات أبيا لعلاء المعري الذي يمثل في نفسه مكانة لا تدانيها مكانة، وأخذ بعد ذلك يقص علينا لياليه مع سطيح على شاطئ النيل، وكيف كان يجد في كل ليلة قبل ظهور سطيح إنسانًا تجالسًا يتجاوب معه الحديث إلى أن يحين موعد ظهور سطيح، فيخبره خبره، ويذهبان معًا إليه، وهو في أثناء قصته هذه يبدي ملحوظات انتقاديه سريعة على بعض العادات القبيحة في المجتمع المصري دون تعمق في معرفة الأسباب، أو تشخيص الداء بحيث يسهل وصف الدواء.
فهو مثلًا ينعي على بعض المصريين ما يقومون به في عيد شم النسيم، وكان الذي يجلس بجواره في الليلة الثانية "قاسم أمين"، وإن لم يصرح باسمه، فاستهجن هذا الاختلاط المبتذل، وقال يحدث نفسه وحافظ يسمعه: ألا يأتي أولئك الموكلون بالرد على أهل الصواب، فينظروا ما صنع أهل النعيم في شم النسيم، ويروا كيف ابتذلت فيه الخدور، ونفقت سوف الفحش والفجور، فلقد فعلوا تحت الحجاب ما ينكس له الأدب رأسه، ودعوناهم إلى غير ذلك فأبوا علينا الطلب وأنكروا الدعوة، وقالوا: إن تربية النساء ما لا تحمد معه المغبة ... إلخ".
(1/146)

وفي تلك الليلة قال سطيح لصاحب حافظ هذا: "صاحب مذهب جديد ورأي سديد، دعا القوم إلى رفع الحجاب وطالبهم بالبحث في الأسباب، فألقوا معه نقاب الحياء، وتنقبوا من دونه بالبذاء، أي فلان إذا مضت على كتابك خمسون حجة، وظهر لذي عينين إدلاؤك بالحجة، تكفل مستقبل الزمان بإقامة الدليل والبرهان، فلعل الذي سخر لجماعة الرقيق والخصيان من أنقذهم من يد الذل والهوان يسخر لتلك السجين الشرقية، والأسيرة المصرية، من يصدع قيد أسرها، ويعمل على إصلاح أمرها".
وقد استعرض حافظ في كتابه هذا كثيرًا من المشكلات السياسية والاجتماعية في عصره، ولكنه كان يمر عليها مرورًا سريعًا دون أن يقف ليشفي الغلة ويكشف عن العلة، تعرض لمشكلة السوريين في مصر، تلك التي كانت موضعًا للجدل الصحافي حقبة من الزمن، وترى حافظًا لا يغمطهم حقهم بل يعترف بفضلهم في نشر العربية وفي خدمة الصحافة، ويعترف كذلك بما قدمته مصر لهم من فرص عزت عليهم في ديارهم، وقد أجرى على لسان سطيح حين سأله جليس حافظ السوري عما يأخذه علي بني وطنه، فقال: "إنني لا أكذب الله، لقد أكثر من التداخل في شئونهم، فعز ذلك عليهم من أقرب الناس إليهم، نزلتهم بلادهم فنزلتم رحبًا، وتفيأتم ظلالهم فأصبتم خطبأ، ثم فتحتم أبواب الصحافة فقالوا: أهلا، وحللتم معهم في دور التجارة فقالوا: مهلًا، لو أنكم وقفتم عند هذا الحد لرأيتم منهم ودا صحيحًا وإخلاصًا صريحًا، ولكنكم تخطيتم ذلك إلى المناصب فسددتم طريق الناشئين، وضيقتم نطاق الاستخدام على الطالبين، وأنتم تعلمون أن المصري يعبد خدمة الحكومة فهو يصرف إليها همه، ويقف عليها علمه، فهي إن فاتته فاته الأمل وفتر نشاطه عن السعي والعمل، حببت إليكم الحركة، وحبب إليهم السكون، وجبلتم على الجد، وجبلوا على المجون، فاصرفوا أنفسكم عن مزاحمتهم في أعز الأشياء عليهم حتى تخلق الحاجة في نفوسهم شعورًا جديدًا، فيحس ناشئهم أنه إنما يتعلم لنفسه، ولأمته لا لخدمة حكومته".
(1/147)

وينظر حافظ نظرة سريعة إلى تقاعس المصريين عن بناء جامعة لهم، وعدتهم عشرة ملايين، يكتفون بإرسال أبنائهم إلى جامعة بيروت الأمريكية فيقول على لسان سطيح: "أليس من العار أن تكونوا أكثر مالًا وأعز نفرًا، ولا تجدوا في مصر لتعليم أولادكم مستقرًّا، وليست بيروت بأخصب من عروس النيل أرضًا، ولا بأوسع من ملك مصر طولًا وعرضًا".
ثم يتكلم عن الامتيازات الأجنبية في سرعة شديدة، وكأنه خشي أن يخوض فيها فتعد عليه كلماته وتحصى إشاراته، ويعلل لبقائها بأن الإنجليز لو أرادوا لأزالوها، ولكنهم يريدون أن يسأم المصريون حياة الذلة في ظلها فيركنون إلى رجال الاحتلال يطلبون منهم الحماية، ويصف سياسة الإنجليز بأنها كالكهرباء تدرك العين فعلها، ولا يدرك العقل كنهها، وهم إذا دخلوا قرية جعلوا أعزة اهلها أذلة، وكان لهم في اجتذاب ثروتها كياسة الأسفنج في اجتذاب الماء مع ذلك الرفق والسهولة، ثم ينتقل إلى بعض أدواء المجتمع، فيصف "مشيخة السجادة الصوفية والوصاية على اليتيم والزار" في كلمات خاطفة كأنه يحصيها إحصاء دون ترتيب، فيقول على لسان عابر طريق يقول لزميل له وهو ينصت إليهما: "لقد أفاض الفلاسفة في تعريف السعادة، وتفننوا في تصوير
اللذة، ولكني لم أجد فيهم من نفذ فهمه إلى حقيقة ذلك التعريف جهلوا أن السعادة كل السعادة في مشيخة السجادة، وأن أسعد الناس حالًا وأرخاهم بالًا جالس فوقها، يجري رزقه من تحتها، فهي الجنة التي تجري من تحتها أنهار النذور، والكنز الذي لا تفنى ذخائره أمد الدهور".
وأسعد من هذا الحي ميت يسخر له الله من بيني على قبره قبة عالية، ثم يدعو الناس إلى التبرك بتلك العظام البالية، فتجيء سعادته في مماته على قدر شقائه في حياته، وتطير بذكر كراماته الأنباء، وتحمده على تلك النعمة الأحياء، وفي ذلك يقول قائلهم:
أحياؤنا لا يرزقون بدرهم ... وبألف ألف ترزق الأموات
من لي بحظ النائمين بحفرة ... قامت على أحجارها الصلوات
(1/148)

ويقول الثاني: إن كل السعادة في الوصاية على اليتيم وفي النظارة على وقف حبس على العظم الرميم، يأكل الأول ما شاء ولا محاسبة، ويلتهم الثاني ما أراد ولا مراقبة، ثم يسأل صاحبه: أتعرف السعيدة من الناس كما عرفت السعيد من الرجال: قال السعيدة من النساء من سهلت لها الأقدار، فأصبحت تدعى شيخة الزار فهي تملأ يديها ذهبًا، وبيتها نشبًا ... إلخ.
ويتهكم بعد ذلك بالصحافة والصحفيين، وينعي على الشرق تقليده للغربي، ويتكلم عن الحرية وكيف أساء الناس فهمها حتى زعموا أن تعريفها الشافي: "هو أن يعمل المرء ما شاء أن يعمل، ويرى من رأي ما شاء أن يرى، وأن سبيله في ذلك أن يستطرد به جواد الإرادة المطلقة في ميدان الشهوات لا يبالي داس به آداب ذلك المجتمع الإنساني، أم تخطئ أعناق الفضائل".
ويستطرد حافظ إلى النقد الأدبي في عهده، وقد قابل شاعرًا من الشعراء "وقد عنى نفسه"، فأسمعه شعره فقال له: "أسمعتني الليلة كلامًا لو نحله ابن أوس ما شك سامعه في أنه من مختاراته، فما لك تكتم الناس مثل هذا الشعر السري، ولو أنك أذعته لفضضت به من كثير من أولئك الذين باتت تطن الصحف بذكرهم، قال: ليس من أمري المديح، ولا سبيل إلى إذاعته في تلك الصحف إذا أنا لم أسلك به تلك الطريق، قلت: فإن أعياك الأمر فمالك لا تجمعه في ديوان، ثم تخرج للناس كما يفعل الشعراء ممن هم دونك في منازل الأدب ومراتب القريض. قال: يكون ذلك حقيقيًا بي لو أن من يقرأ الأثر في مصر يقرأه لذاته لا لذات صاحبه، ونحن بحمد الله في بلد لا تنفق فيه سلعة الأديب ما لم يكن صاحبها حظيظًا عند تلك الصحف، حتى إذا ظهر أثره في الناس قامت تقرظه بصنوف المديح والإطراء، وتنزل نفسها في الدعوة إلى كتابة منزلة أولئك المبشرين في الدعوة إلى دينهم، ويسوقه الحديث إلى محاباة الصحف لشوقي، وهو لا يرى في شعره شيئًا يستحق المحاباة اللهم إلا ما يتباصر به علينا من تلك المعاني الغريبة التي ما سكنت في مغنى عربي إلا ذهبت بروائه".
(1/149)

وبعد جدل مع صاحبه الذي يدافع عن شوقي بحرارة، وينصفه من حافظ يحتكمان إلى سطيح، فيحكم أن كلا منهما جانب الصواب، فالإغراق في القدح كالإغراق في المدح لا يعطي الرأي الصائب، ثم يقول: "إنه أرقكم طبعًا وأجملكم صنعًا"، وينتهي بقوله: "ولو أنه منح من رقة المباني ما منع من رقة المعاني، فسلم أسلوبه من ذلك التعقيد الذي أخلق ديباجته لكان شاعركم غير مدافع وواحدكم غير منازع"، وقد كان هذا طبعًا قل أن ينفي شوقي إلى الأندلس، ويعكف على قراءة الشعر العربي الجزل ويعود من منفاه، وقد استوى بين يديه ميزان الشعر لفظه ومعناه، ولكن حافظًا ظل يجادل في منزلة شوقي، ويستدل على سرقاته للمعاني، ولعل هذه هي المرة الوحيدة التي جأر فيها بالتهجم على شوقي، ولعله كان يطمع لمثل منزلته لدى القصر، وهو في أشد الحاجة إلى ما يمسك أوده، فوجد شوقي ثمة يسد عليه الأبواب، وقد صارحه سطيح بأنه إنما يحسده على مكانته، ولكنه يتعقب سيئاته دون ذكر شيء من حسناته.
ويتعرض حافظ لعديد من الموضوعات لا نستطيع أن نقف عندها جميعًا وبحسبنا أن نذكرها، فيتكلم على الأفغاني، ومحمد عبده، والعامية والفصحى، والشهرة والحسد، ووصف كتشنر، والخلق المصري، ويطيل في الكلام عن تجربته المرة في السودان، وعن المدرسة الحربية في عهد الإنجليز، ويصف ما عليه المصريون من الذلة، وهم في الجيش فيقول: "ينظر المصري إلى الإنجليزي وهو كأنه ينظر إليه بالنظارة المعظمة فيكبره رهبة وإجلالًا، ويتضعضع لرؤيته، وينظر إليه الإنجليزي بتلك النظارة وقد عكسها، فيصغره استخفافًا بشأنه، ويطيل عتاب الخالق الذي فطره على شكله وصورته، ومنحه نعمة التنفس في جو يتنفس الإنجليزي فيه، ويصف حال كبار ضباط الجيش المصري كبار الرتب، والأجسام لا كبار النفوس والأحلام، ويوسعهم ذمًا وتبكيتًا، ويقول له صاحبه: أراك موتورًا فلا يدع إذا بالغت في النعي على القوم فيما يذهبون إليه من ضروب سياستهم".
وقد نقل ما قاله على يوسف في المؤيد عن كرومر وحادثة دنشواي، ووصيف كرومر بأنه كالملك المطلق الإرادة، قضى كل هذا الزمن طيب الخاطر
(1/150)

هادئ البال قرير العين بهذا السلطان القوي الذي يدير دولاب الحكومة المصرية، وقد لقي من الأمة مهادًا طريًّا، ومن أمير البلاد مسالمة مرضية، ومن الوزراء استسلامًا ليست العبودية أوفى منها في العبد لسيده".
وكان هذا الكلام طبعًا بعد أن طوحت حادثة دنشواي بكرومر، وأخرجته من مصر.
وقد رأى حافظ في ذلك المقال ما يشفي غلته من الإنجليز فنقله كاملًا، ولكنه رأى المقال لا يتعرض لدانلوب فأوسعه ذما، ونقد سياسته الخبيثة في التعليم، ذلك الرجل الذي "أبلى البلاء الحسن في قتل النفوس واستحياء الجسوم"، ونراه يقسو قسوة كبيرة فيحكمه على المصريين، فيقول على لسان أحدهم: "لقد نزلت هذه الأمة منزلة من الخمول هبطت بها إلى مصاف العجماوات حتى خشيت أن يخطئها البعث يوم البعث".
ويختم حافظ الكتاب بحديثه عن بؤسه وشقائه، ويصف نفسه وصفًا مؤثرًا فيقول: "وما كدنا نأتي على هذا الحديث حتى رأينا فتى يتوكأ على عصا، وهو لا يكاد يحمل بعضه بعضَا من قرط الهزال، وما تنطق به معارف وجهه من سوء الحال يرد عن نفسه حملات الألم، وصدمات السأم بأناشيد أودعها من الأنين ما يعلم به الصخور كيف تلين، فاستوقف هيكله أبصارنا واسترعى صوته أسماعنا، فإذا به يغني هذه الأبيات:
لقد كان هذا الظلم فوضى فهذبت ... حواشيه حتى بات ظلمًا منظمًا
تمن علينا اليوم أن أخصب الثرى ... وأن أصبح المصري حرا منعمًا
أعد عهد إسماعيل جلدًا وسخرة ... فإني رأيت المن أنكى وآلاما
عملتم على عز الجماد وذلنا ... فأغليتم طينًا وأرخصتم دما
(1/151)

فإذا سألوه عن حاله ذكر أنه من تلاميذ الأستاذ الإمام، وراح حافظ يثني على أستاذه ما وسعه الثناء، وأن الخير كل الخير في تلك المدرسة العظيمة مدرسة الأستاذ الإمام، فإذا كان من خير يرجي لهذا البلد، فعلى أيديهم يكون.
ولقد رأينا من هذا العرض أن حافظًا اصطنع هذا القالب القريب من القصة، ولا نستطيع أن نقول إنه قصة وإنما هو من المقامة أدنى، إذ تنقصه عناصر القصة وحبكتها وعرضها وشخصياتها، ليدلي إلينا بآرائه في المجتمع الذي يعيش فيه، ولقد كان يردد كثيرًا من الآراء التي شاعت في عصره، وجهر بها قادة الإصلاح الاجتماعي منذ عهد جمال الدين الأفغاني ومدرسته، ولكن حافظًا كما رأينا وقف علينا ولم يطل الوقوف، ولقد كان صريحًا في مجاهرته بنقائص الإنجليز وسوء استعمارهم، وعظم بطشهم وغطرستهم، ولا بدع فهو يحمل في ذاكرته كثيرًا من تجاربه المرة معهم في السودان، ولكنه لم يجرؤ على الجهر بهذه الآراء إلا بعد أن اشتدت به المحنة، وخرج كرومر الداهية من مصر، وثارت مصر كلها وراء مصطفى كامل تندد به وبسياسته واستبداده.
ونلحظ على أسلوب هذا الكتاب أنه يراوح بين السجع والترسل، السجع في الغالب يأتي على لسان سطيح، وعلى لسان حافظ قليلًا، يكثر في الكتاب من الاستشهاد بشعره وشعر سواه، ونراه يحاول التجديد في التشبيه كقوله يصف الإنجليز: "وأما خلتهم فبيناهم ضعاف يغضون للخطب إذا هم أشداء ركابون للهول، فهم أشبه شيء بالخمر ضعيفة في الكأس شديدة في الرأس، ولهم نظر يشف له كل شيء كأنما قد جمعت لأشعة راتنجن من أشعته، وإرادة سخر لها البخار في البحار كما سخر الريح لسليمان، وكان لهم في اجتذاب ثروتها كياسة الإسفنج في اجتذاب الماء مع ذلك الرفق والسهولة".
ويأتي ببعض الجناس كقوله: "ترفل في الحرائر من هبات الحرائر"، وقوله: "لأنبذن تلك الحرفة التي اضطرتني إلى التحام الأعراض والميل مع الأغراض". وقوله: "ردني بارك الله فيك، وأسمعني تأويل ذلك من فيك"، وقوله: "هنا
(1/152)

كانت تصدح القيان على المزاهر والأعواد، فتجاوبها الورق على الأفنان والأعواد"، وإن كانت الجملة الأخيرة اقتباسًا من كلام المويلحي في وصف قصر إسماعيل.
وهناك ألوان أخرى من البديع تأتي على قلة كالتورية والمقابلة، ويكثر من الاقتباس من القرآن، ويتكئ في بعض معانيه على آياته الكريمة.
وتجري على لسانه أحيانًا بعض عبارات من الكلام الدراج، وإن كان نادرًا كقوله: "يسكنون في فرد إقليم"، وهو مأخوذ من اللهجة السورية، ويأتي ببعض الكلمات المعجمية كقوله: "نهاز أذنبه الكلام"، وقوله: "ويأتي حامل الضب" أي الحقد.
ونراه يتكلف أحيانًا تكلفًا ظاهرًا في عبارته التي تدور حول معنى تافه كقوله على دولة الشعر والأدب: "ولو لم يتداركها الأفغاني لقضت نحبها ولقيت ربها، قبل أن يمتعها بكم ويمتعكم بها، أدركها الأفغاني ولم يبق فيها إلا الذماء فنفخ فيها نفخة حركت من نفسها، وشدت من عزمها، أدركها وهي شمطاء قد نهض منها بياض المثيب في سواد الشباب، فشاب قرناها قبل أن تشيب ناصية القرن الخامس، فسودت يده البيضاء ما بيضت من شعرها سود الليالي".
والذي نلحظه على الأسلوب جملة أنه لا يستخدم فيه من ألوان الخيال سوى الخيال التفسيري من مجازات وتشبيهات واستعارات، وأنه لا يسمو به سمو الأداء الأدبي، ولعل طبيعة الموضوع، والنقد الاجتماعي حالًا بينه وبين ذلك، إذ كان الكتاب في جملته نظرات اجتماعية وسياسية مركزة جدًا، وللأسلوب الاجتماعي خصائصه التي ذكرناها آنفًا، وإن رفت عليه مسحة الأدب في هذا الكتاب.
(1/153)

صهاريج اللؤلؤ للبكري:
وتوفيق البكري من هؤلاء الذين واتتهم الفرصة ليجددوا في الكتابة، ولكن حالت بينهم وبين التجديد عوائق، فالبكري كان نقيب الأشراف، ورئيس المشيخة البكرية، ومشيخة المشايخ الصوفية، وقد تلقى التعليم المدني وعرف اللغات الأجنبية، ثم شاء له طموحه وما كان يعد نفسه له أن يدرس علوم الأزهر، وينال إجازته، وقد حرص على التزود من ذخائر الأدب العربي وحفظ الكثير منها، إذ كان محبًا للأدب ولو عابه، ويقول عن نفسه: "أما العلم فقد اختصصت منه بعلم الأدب، والاختصاص سر النجاح؛ لأن العلم يعطيك من نفسه بقدر ما تعطيه من نفسك".
وإذا درسنا مؤلفات البكري وقفنا على نوع الدراسة التي كونت عقله، وأثرت في أسلوبه، فمن هذه المؤلفات: "أراجيز العرب" جمع فيه مختارات من هذه الأراجيز وشرحها شرحًا وافيًا، ومن المعروف أن أصحاب الأراجيز كالعجاج وابنه رؤبة، ومن على شاكلتهما كان لهم ولع بالغريب حتى صارت
منبعًا لعلماء اللغة، ومرجعًا للأدباء والشعراء.
ومن مؤلفاته كذلك "فحول البلاغة"، وهو مختارات من شعر العصر العباسي الأول، شرحها وعلق عليها فلا عجب إذا رأينا البكري -وكان على حظ كبير من الذكاء- يجنح إلى القديم، وكأنه كان يطمح أن يكون في كتابته كابن العميد أو الصاحب بن عباد، أو أبي بكر الصولي، ومن على شاكلتهم من كبار كتاب العصر العباسي.
ولقد حشد البكري كل طاقته الفنية في كتابه صهاريج اللؤلؤ، ولكنه كان فيه شديد التزمت، والتمسك بتقاليد العرب، قد جاء هذا من جهتين: من جهة حسبه ودينه، وكان يعتز بهما كل الاعتزاز على حد قوله:
وإني من البيت الذي تعلمينه ... أقام عمود الدين لما تأوَّدا
وأول هذا الأمر نحن أساته ... وآخره حتى يكون كما بدا
(1/154)

وقد أهله هذا الحسب ليتولى هذه المناصب الدينية الكبيرة، فكان من المتوقع أن يكف من غرب بيانه، فلا يدعه يجري على سجيته، وإنما يراعى طبيعة منصبه وحسبه ودينه، والجهة الثانية كثرة محفوظة من التراث العربي القديم، ومع أن البكري كانت له طبيعة الفنان، وكان على حظ من الثقافة الحديثة، وشاهد أوروبا مرارًا، ووقف على حضارتها كما ينبئنا كتابه هذا الذي ندرسه، إلا أننا نحس بأنه كأن في صراع عنيف بين حاسته الفنانة، وبين حنينه إلى القديم.
وصهاريج اللؤلؤ هو ذلك الكتاب الذي أودعه السيد توفيق البكري ما قاله من شعر ونثر أدبي، وتكلف فيه تكلفًا شديدًا، وحرص على أن يباهي فيه بمحفوظه من التراث العربي القديم، ولا سيما الأمثال، والحكم والإشارات التاريخية، والحكايات والنوادر وأن يباهي فيه بإطلاعه الغزير على غريب اللغة على نمط ما كان يفعل كتاب المقامات، ولكن الفارق بينه وبينهم أن البكري كان يحاول في اختيار موضوعاته أن يمثل عصره وآراءه وحضارته، وأنه لم يكن يحكي قصة تنقصها الحبكة الفنية، وإنما كان يكتب مقالة مسجوعة في موضوع أقرب إلى الشعر منه إلى النثر، وأنه كان يوفق في بعض أجزائه حتى ليحلق من سموات الخيال البديع، ويقدم باقة من الشعر المنثور.
وكان من الممكن ألا يجني الأدب القديم على البكري، لو أنه تخفف من تزمته، وأفاد مما قرأ ووعي من غير أن يفقد شخصيته، ومن غير أن يتكلف التوعر والفخامة، واقتناص الأمثال الشاردة والألفاظ الغريبة، حتى يكاد يستغلق على القارئ، ولقد عني بشرح الكتاب، وجاء الشرح أكبر من الأصل حجمًا، ولا تكاد كلمة منه تمر بدون شرح أو تعليق؛ لأنها في الواقع محتاجة إلى الشرح والتعليق، وقبل أن أمضي في ذكر موضوعات الكتاب، ودراسة نثره أسوق هنا مثلًا واحدًا ظاهرًا يدلنا على أنه يسوق الأمثال بعضها وراء بعض لا؛ لأنها ضرورية لتوضيح المعنى، ولكن ليظهر بها وفرة محمولة، وغزارة مادته، كما كان يفعل بعض أصحاب المقامات، استمع إليه يتكلم عن مولود فيقول:
(1/155)

"وكأني به وقد شدا يلعب بالكرة، كما يلعب الصبي بالكرة"، وإذا هو "أجود من حاتم"، و"أبأى من حنيف الحناتم"، و"أحزم من سنان"، و"أعدل من الميزان"، و"أحمى من مجير الظعن"، و"أعقل من ابن تقن"، و"أحيا من كعاب" و"أحلم من فرخ عقاب"، و"أجمل من ذي العمامة"، و"آثر من كعب بن مامة"، و"أجسر من قاتل عقبة"، و"أحكم من هرم بن قطبة"، و"أبطش من دوسر"، و"أجرأ من قسور".
فهل ثمة إنسان، اجتمعت له كل هذه المزايا، وبلغ الدرجة العليا في هذه الصفات جميعها، اللهم لا، وبخاصة غذا كان هذا الموصوف مولودًا لم يعرف من الدنيا شيئًا، وإنما ساق البكري كل هذه الأمثال وحشدها حشدًا تباهيًا وتعالمًا، أو للإفادة على طريقة أصحاب المقامات.
ومن الغريب أنك إذا وازنت بين نثر البكري وشعره، وجدته لا يعمد في شعره إلى الغريب إلا في النادر على حين يغص نثره بهذا الغريب، ولعه وجد أن الشعر لا يحتمل مثل هذه الألفاظ الوعرة المطمورة في ثنايا المعاجم، وأنه مقيد بالوزن والقافية، أما النثر فأمامه متسع لأن يغير ويبدل ويضع الكلمة التي يريدها، وقد يعينه هذا الغريب على طريقته التي آثرها في الكتابة، وهي طريقة السجع.
وعلى الرغم من أن البكري كانت لديه الموهبة الشعرية كما تدلنا القصائد القليلة التي تضمنها الكتاب، إلا أنه آثر النثر على الشعر، وكأنه كان يخشى أن ينسب إلى الشعراء، وفكان يقول بقدر، وإذا قال أوجز، وكأنه كان يخاف أن يغض الشعر من شأنه، وهو من هو في محتده ومنصبه وحسبه ونسبه، وليست الكتابة في رأيه كذلك، وبخاصة تلك التي تصاغ في قالب الرسائل بين الأكفاء، وليسمن المفروض أن يطلع عليها القراء إلا إذا وقفوا عليها صدفة، أو كما يقول الأستاذ العقاد: "أطلعهم عليها أديب من محترفي الصناعة يتولى هو تقديمها، وشرحها كما جرى في كتاب صهاريج اللؤلؤ".
(1/156)

وفي الحق أن في نثر البكري شعرًا لا ينقصه إلا الوزن، فكثير من الموضوعات التي طرقها لا تصلح إلا للشعر، وقد استطاع على الرغم من هذا التكلف والتزمت وإيثاره الغريب، وحشده للأمثال والحكم والإشارات التاريخية والعبارة المسجوعة أن يقبس من سموات الخيال الشعري قبسات مشعة، وأن يمثل عصره في فكرته لا في عبارته، وفي خياله لا في صياغته.
وإذا استعرضنا موضوعات الكتاب وجدنا أول موضوع هو وصف رحله إلى القسطنطينية عاصمة الخلافة، وفيها وصف للسفينة والبحر والليل والقطار والبسفور، ونساء الأتراك، ومتنزهات المدينة ومساجدها، وهي كلها من الموضوعات التي يصح أن يخوض فيها شاعر مرهف الحس ذو خيال، ولم يتعرض البكري لوصفها إلا؛ لأنه يملك هذه الحاسة الفنية، ويملك الخيال الذي يصور به مشاعره، ولكنه كما قلنا كان يؤثر النثر على الشعر حتى لا يغض من منزلته.
ولنستمع إليه في رحلته هذه يصف السفينة، والبحر:
"فجرى بنا الفلك في خضم عجاج، ملتطم الأمواج، أخضر الجلد، كأنه إفرند، بحر عباب، لا يقطعه الخليل بأوتاد وأسباب، تصطخب فيه النينان، وتضطرب الدعاميص والحيتان، وأخذت السفينة تشق اليم، شق الجلم، في ربح رخاء أو زعزع ونكباء، فهي تارة في طريق معبد وميث مطرد، وطورًا فوق حزن وقردد وصرح ممرد، فبينما هي تناب كالحباب، إذا هي تلحق بالرباب، وتحلق كالعقاب، فتحسبها تارة تحت القتام جيلًا تقشع عنه الغمام، وتخالها مرة عائمًا على شفا، قد غاب، إلا هامة أو كتفًا، والبحر آونة كالزجاج الندى، أو السيف الصدى يلوح كالصفيحة المدحوة، أو المرآة المجلوة، وحينما يضرب زخارة، ويموج مواره فكأنما سيرت الجبال وكأنما ترى قبابًا فوق أفيال، وكان قبورًا في اليم تحفر، وألوية عليه تنشر، وكأن العد بمخض عن زبد، وكان الدوي من جرجرة الآذى زئير الأسد وهزيم الرعد.
يكب الخلية ذات القلا
... ع وقد كاد جؤجؤها ينحطم
(1/157)

فإذا كان الأصيل، وسرى النسيم العليل، رأيت البحر كأنه مبرد، أو درع مسرد، أو أنه ماوية، تنظر السماء فيها وجهها بكرة وعشية، وكأنما كسر فيه الحلى، أو مزج بالرحيق القطر بلى، وكأنما هو قلائد العقيان، أو زجاجة المصور يؤلف عليها الأصباغ والألوان ... إلخ".
وتلحظ على هذه الفقرة المنتزعة من موضوعه الطويل في وصف رحلته إلى القسطنطينية أنه يكثر فيها من استخدام الكلمات غير المألوفة كالنيان جمع نون وهو الحوت، والدعاميص، والجلم وهو المقص، والقردد وهي الأرض الصلبة، ونلحظ ثانية ولعه بالتشابيه الكثيرة تتعاور على مشبه واحد، ونراه يوفق أحيانًا في هذه التشابيه، وأحيانًا يخونه بيانه، ومع هذا فنلمح بوضوح مزاج الشاعر وخياله، وإن كان كل خياله من الضرب التفسيري الذي يعتمد على التشبيه والاستعارة، وإذا نظرنا إلى مهمة التشبيه في الأدب وجدناه لا يقصد لذاته كما يوجد في كثير من كلام البكري، وإنما يوجد لنقل مشاعر الكاتب، وعاطفته إلى القارئ أو يوضح له حالة أو يبين حقيقة، فالتشبيه لا بد أن يكون مقرونًا بعاطفة، وإلا كان كالألوان التي توضع على لوحة الرسام من غير حساب، فتعمل على تشويهها بدلًا من تحسينها.
ونلاحظ كذلك أن البكري لا يكتب لعامة الناس، ولا للطبقة الوسطى من المثقفين، وإنما يكتب لخاصة الخاصة، ولا يشفع له قوله في مقدمة الكتاب: "وأنا أعلم أن من الأدباء اليوم من ينفر من الغريب، ولا ينفر من الدخيل، لاستيلاء العجمة على هذا الجيل، فلم يثنني ذلك عن أن أودع كلام الأعراب بهذا الكتاب".
ولنستمع إليه يصف الليل وهو على ظهر السفينة، وماذا عسى أن يرى الناظر بالليل، والبحر أمامه ساكن أسود، وستر الليل يحجب عنه الدنيا والسفينة ماضية في طريقها لا تخشى ضيرًا، ولا تلوي على شيء، ولا نسمع إلا جرجرتها وهدير الأمواج من حولها كأنها تتألم من وقع خطاها، ولكن البكري كان شاعرًا، والشاعر يرى ما لا يراه فيقول:
(1/158)

"وحتى إذا أخضل الليل، وأرخى الذيل، بدا الهلال كأنه خنجر من ضياء يشق الظلماء، أو قلادة، أو سوار غادة، أو سنان لواه الضراب، أو الليل فيل وهو ناب، أو عرجون قديم أو نون من خط ابن العديم، أو برثن ضيعم، أو مخلب قشعم، أو ما خرج من أنبوب في روض، أو ثمد في أسفل حوض، أو وشي مرقوم، أو دملج من فضة مفصوم، أو قلامة ظفر، أو صنار في شبك في بحر.
أيا ضوء الهلال لطفت جدًا ... كأنك في فم الدنيا ابتسام
يحبب لي سناك العشق حتى ... يصاحبني وأصحبه الغرام
ثم إذا غاب الهلال، وتوارى في الحجال، ألفيت الكون من السواد في لبوس حديد أو لباس حداد، وكأن الماء سماء، وكأن السماء ماء، وكأن النجوم در يموج في بحر، أو ثقوب في قبة الديجور يلوح منها النور أو سكاك دلاص، أو فلق رصاص، أو عيون جراد، أو جمر من رماد، أو الماء صفائح فضة بيضاء سمرت بمسامير صغار من نضار، فلا تفتأ السفينة تكابد الويل من البحر والليل، حتى يلوح من الأفق الضياء".
وهنا نحن نرى أنه شبه الهلال بكل ما يخطر على البال، وما لا يخطر على البال من التشابيه، وأنه تكلف في ذلك تكلف شديدًا ومع كثرة هذه التشابيه، فهو لم يتعد شكل الهلال، ولا نحس بعاطفة ولا روح في تشابيهه، ولم ينظر إلى الهلال، وهو يطل على الدنيا الغافية من عليائه ويطلع على ما فيها من متناقضات، أي أنه لم يندمج في الطبيعة، ويشخصها ويغوص إلى الأعماق ويستكنه سرها، وإنما وقف عند حد الشكل فلم نفد من تشبيه على تعدده جديدًا، وكذلك الأمر في وصف النجوم الحالية الساطعة في دجنة الليل، ربما كان في هذه التشابيه طرافة، ولكنها بعيدة كل البعد عن وظيفة التشبيه كما يجب أن يكون.
(1/159)

ولندع وصف هذه الرحلة التي أخذت من الكتاب ما يقرب من خمسين صفحة مع شرحها، ولتنتقل إلى موضوع آخر من موضوعاته النثرية، وهو موضوع "العزلة" جاء في رسالة كتبها إلى صديق، وفي هذا الموضوع تتجلى نزعات إنسانية صادقة لدى البكري، ولفتات اشتراكية حادة لم تكن تنتظر من مثله، ولا من جيله وعصره.
يقول البكري:
"كتاب إلى السيد أيده الله، وكلأه ورعاه، وأن حل بقري السواد وريف البلاد، بعيد عن المدينة وما فيها من الشينة والزينة، في عزلة عن الناس بين سقبى وغراس، سليم الجسم من السقم والنفس من الألم، وأحميه من الأنام كالحمية من الطعام شفاء من كل داء، وخليق بمن ارتطم في المزدحم، أن يصاب ببعض الأوصاب".
وبعد أن وصف الريف المصري وصفًا جميلًا حقًا دل على دقة ملاحظة، ومحبة لما فيه من طبيعة وحيوان، وإن كان كعادته يكثر من التشابيه التي لا تزيدنا علمًا بالمشبه -يصف لنا كيف يقضي وقته في القراءة، ومن هذه النبذة نعرف مزاجه الفكري، ومن أين استمد ثروته الأدبية حيث يقول:
"وصحبي في هذه العزلة نفر من صياب الأقوام، ولباب الأنام، فمنهم أبو تمام، والحارث بن همام، وعروة بن الورد، وطرفة بن العبد، وكثيرًا ما ينشدنا أحمد بن سليمان باقعة معرة النعمان:
ذريني وكتبي والرياض ووحدتي ... أظل كوحشي بإحدى الأمالس
يسوف أزهار الربيع تعلة ... ويأمن في البيداء شر المجالس
وإن شئنا حدثنا ثعلب عن قطرب ... أو ارتجل ابن المعتز وارتجز ... وإن شئنا حدثنا أفلاطون ونادمنا ابن زيدون, وعالجنا بقراط، ووعظنا سقراط".
فهو كما نرى مغرم بأصحاب البديع أمثال أبي تمام وابن المعتز، مغرم بالصعاليك أمثال عروة بن الورد، وقد أصدر عنهم كتابًا، مغرم بالغريب يرويه ثعلب عن قطرب.
(1/160)

ويصف البكري الحالة الاجتماعية لعهده وصفًا دقيقًا، فيبدأ بالحاكم: "أما الحاكم فأكثر ما لقيت امرؤ إن أونس تكبر وإن أوحش تكدر، وإن قصد تخلف، وإن ترك تكلف، إمع لا يضر ولا ينفع، فيه جوفاء تردد ما يلقي عليها من النغم إن لا فلا أو نعم فنعم، ألقاب وأكاليل كل شخص في مرسح التمثيل، فإن طرحت الألقاب ونزعت هانيك الثياب، ألفيت تحتها العجب العجاب.
أبا الأسماء والألقاب فيكم ... ينال المجد والشرف اليفاع
لا عدةو ولا عدد وملك أقامه الله بلا رجال، كما رفع السماء بغير عمد.
ويقضي الأمر حين تغيب تيم
... ولا يستأذنون وهم شهود
إلى تيه وخيلاء وعنجهية وكبرياء، كأنه جاء برأس خاقان أو أدال دولة بني مروان ... إلخ".
وهذا إلى حد كبير وصف صادق للرؤساء والوزراء والحكام في عهد توفيق البكري؛ لأن الإنجليز كانوا هم الحكام الحقيقيين والمصريون دمي تحرك من وراء ستار، ولقد أدى إخفاق الثورة العرابية إلى فقدان المصريين الثقة بأنفسهم، وخضع كبراؤهم لأوامر المحتل الغاصب الذي نازع أمير البلاد سلطانه في شخص ممثله اللورد كرومر، كان هؤلاء يظهرون لمواطنيهم الصلف والكبرياء، تعويضًا عن الذلة والضراعة التي يظهرونها أمام المحتلين وعمديهم، حتى أتى مصطفى كامل وزأر زأرته وصال صولته، وبرهن على أن هذا المحتل أدنى من أن يهابه الوطني الحر الجريء.
ويقول البكري عن أبناء الطبقة الثرية بمصر والمتنفذين فيها لعهده: وأما أبناء السامة، فإن أحدهم غادة ينقصها الحجاب ينظر في مرآة ولا ينظر في كتاب، إنما هو لباس على غير ناس، كما تضع الباعة مبهرج الثياب على الأخشاب.
(1/161)

رماد تخلف عن نار وحوض شرب أوله ولم يبق منه غير أكدار، آباء وأحساب، وحال كشجر الشلجم أحسهن ما فيه ما كان تحت التراب، ترى الفتيان كالنحل وما يدرج ما الدخل ... إلى رطانة بالعجمة بين الإعراب "أبرد من استعمال النحو في الحساب، ولو كان ذا حيلة لتحول"، "وهل عند رسم دارس من معول".
وقح تواصوا بترك البر بينهم ... تقول: ذا شرهم بل ذاك بل هذا
ميسر يلعب، ومال يسلب، وخدن يخدع، وكلب يتبع، وعطر ينفخ وفرس يضبح.
أبا جعفر ليس فضل الفتى ... إذا راح في فضل إعجابه
ولا في فراهة برذونه ... ولا في نظافة أثوابه
أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل: إن المال وسيلة لا غاية، فإن أصبت منه الكفاية، فقد بلغت النهاية.
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته ... وما فاته وفضول العيش إشغال
ليس لك من عيشك إلا ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت، ولو أفرغ ذنوب في كوب لما أخذ إلا ملأه، ولا وسع إلا كفأه.
عجبت للمالك القنطار من ذهب ... يبغي الزيادة والقيراط كافيه
وكثرة المال ساقت للغنى أشرًا ... كالذيل يعثر عند المشي ضافيه
ولقد كان هذا بحق حال أبناء العلية، كما يسمون أنفسهم هؤلاء الذين ورثوا المال عن آبائهم، ولم يعرفوا في جمعه عناء ولا رهقًا، ولم يأبهوا للمجد يشيدونه أو للفخر يحرزونه، وإنما كانوا متعطلين بالوراثة، لا هم لهم إلا التطري والزينة وعقولهم هواء، وأفئدتهم خاوية إلا من الشر، وكانوا ضعاف القومية يتبرأون من لغتهم الأصلية، ويرطنون رطانة أعجمية كأنهم غير مصريين، ولكنهم والحق يقال كانوا عاجزين عن الإفصاح وعن العمل، ولم يكن في مقدورهم أن
(1/162)

يفيدوا من حالهم، يجتمعون للفساد، ويفترقون على ميعاد، لا تعرف أيهم أسوأ نفسًا، وأبلد حسنًا، حياتهم فراؤغ يقتلونها في الميسر، وفي سلب أموال الفلاحين الكادحين، وقد ظلوا كذلك إلى أن قضت الثورة على تعطلهم وأعادتهم إلى حظيرة مكانهم الطبيعي في المجتمع يكدحون مع الكادحين، ويكسبون العيش بعرق الجبين.
ولقد أدرك البكري بحق وظيفة المال وأنه وسيلة لا غاية، فإذا نال المرء منه الكفاية فذلك حسبه، أما هؤلاء الذين يدخل لهم في اليوم الواحد الآلاف، فيزيدهم المال طغيانًا، ويستعبدون بها لشعب، ويسخرونه للسيطرة والفساد.
ولهذا سنت الثورة الضرائب التصاعدية، وحدث من طغيان الدخول، ولست أدري من أين أتى البكري هذه النزعة: أهي نزعته الدينية، وقد فطن إلى تعاليم الدين الصحيحة، فهو يدعو بلسان رجل الدين، أم أفادها من إطلاعه على أحوال بعض الأمم الغربية، وإن لم تكن الاشتراكية على عهده قد خطت تلك الخطوات الواسعة في الحد من تضخم الثروات؟ أم هو الإدراك السليم؟ على أية حال لقد كان البكري ثائرًا على أوضاع مصر الشاذة مع أنه من أبناء الخاصة الذين شبوا في أحضان النعيم، ولكنه كان ذا نظرة ثاقبة وفكر رشيد وقلب رحيم.
ولعل ميول الاشتراكية هذه هي التي نفرت منه عباسًا، فنظرته إلى الحكام وإلى أبناء الخاصة، وآراؤه الاشتراكية مما كرهه لعباس، وهو الذي اشتهر بحبه لجمع المال، وبعدواته للنظم الديمقراطية.
وثمة شيء آخر كان على أشده في تلك الأيام، ذلك التنافس الشديد بين أبناء الذوات من الأتراك وأبناء السادة من المصريين، ولعل البكري أراد أن يغمز الأتراك غمزة قوية ويصورهم هذه الصور الزرية لشدة تعسفهم، ومباهاتهم الجوفاء، بيد أن نزعته الاشتراكية تظهر في عطفه على العامة حين يقول:
"وأما العامة -أيدك الله- فهو عظم على وضم، وصيد في غير حرم، سيد مأمور، والإخشيد في يد كافور، ويتيم غني في يد وصي.
(1/163)

وغيظ على الأيام كالنار في الحشا ... ولكنه غيظ الأسير على القد
وأرى رجالًا لا تحوط رعية ... فعلام تؤخذ جزية ومكوس
ظلموا الرعية واستجازوا كبدها ... وعدوا مصالحها وهم أجراؤها
فبينما ترى قصورًا وثراء، وحبورًا وسراء، وعربات تترى يعدو أمامها السليك والشنفرى، ويقودها داحس والغبراء على بساط الغبراء، وخراج قرية أو قريتين، يذهب في لهو ليلة أو ليلتين، نجد أرملة صناعًا وأيتامًا جياعًا وشيخًا يعمل وهو في أرذل العمر، يقعده العجز والفقر، أو عذراء كادت تدفع عرضها للاحتياج، أو مريضًا عاجزًا عن العلاج، وبينما ترى وذاحًا في جيدها عقد كأنه فرود حضار "الكواكب"، وفي أخمصها نعل من نضار، ترى بائسة في عنقها عقد من دموع، وفي بيتها فقر وجوع، حال تطرف العيون وتثير الشجون".
رحماك! إن عزلة بين كرم وأعناب، ودواة وكتاب، لهي الجماعية والأنس للنفس، وإن اجتماعًا بكبير يبغض ويزار، أو رئيس لا يجد نفسه في الليل ولا تجده في النهار، أو عدو ليس من صداقته بد، أو حقود ذله أظهر منه الود، أو حسود قلق، كالذبابة يضحك ويحترق، أو جاهل متعالم، أو متفصح وهو باقل أو صغير به كبر أو خدين فيه عذر لهو وايم الله الوحشة والوحدة".
ولقد رأينا عاطفة البكري القوية نحو الفقراء، وكيف صور بؤسهم وفاقتهم وظلم الطبقة الحاكمة وذوي الثراء لهم.
لقد كانت هذه آراء متقدمة على زمانه ولا سيما في مصر حيث يسود الإقطاع بظاهر الاستعمار، وإذا كان جمال الدين قد نبه المصريين إلى المطالبة بالشورى، فإنه لم يعن العناية الكافية بالإصلاح الاجتماعي على الرغم من صيحته المدوية للمصريين بأنهم نشأوا في الاستعباد، وربوا في حجر الاستبداد، وعلى الرغم من تحريضه لهم على الثورة إلا أن غايته كانت سياسية.
وإن كان بعض تلاميذه قد تأثر بدعوته إلى الإصلاح الاجتماعي مثل عبد الله نديم، ولكن آراءه لم تبلغ في جرأتها وتقدمها نحو المساواة الحقيقية بين
(1/164)

طبقات الأمة مثل آراء توفيق البكري، وإن لم يكن لها الصدى الذي تستحقه؛ لأن الأسلوب الذي صيغت فيه يعلو على مستوى أبناء الخاصة وجمهور العامة.
ابتدأ البكري حديثه عن العامة بتقريره أنهم أصحاب السلطان الحقيقي، وأنهم أشبه بسيد مأمور والإخشيد في يد كافور، فالإخشيد هو الملك الشرعي، وكافور هو الملك الفعلي، وأنهم أشبه بيتيم غني في يد وصي يستبيح ماله وينهب حقوقه، ويصور الغيظ الذي يضطرم في نفوس العامة، ولكنه أشبه بغيظ الأسير المغلوب على أمره لا يستطيع إلا أن يغتاظ من غير قدرة على تحطيم قيده، ثم يبدى رأيًا جريئًا تنادي به الشعوب الحية اليوم، إذا كان حكام المة لا يولونها عناية، أو رعاية فعلًا يدفع الناس الجزية والضرائب؟ إنه تمرد على الظلم وحث على الإصلاح، ثم يقتبس بيت أبي العلاء الذي يقرر فيه أن الحكام هم أجراء لدى الأمة، ومع ذلك يظلمونها، وهذا أعجب العجب.
ويعقد موازنة بين هذه الفئة القليلة التي تملك كل شيء في مصر، وتبعثر على موائد الفساد ما جمع هؤلاء المساكين في حمارة القيظ وصبارة الشتاء، وبين هؤلاء الذين يبيتون على الطوى، وأبناؤهم يتضاغون من المسغبة والفاقة، ويتضورون من الجوع والعرى ويتلوون من السقام والأوصاب، وله في غير هذا الموضوع بيتان صور فيهما العلاقة بين الحاكم والمحكوم في مصر.
حمق الألى يحكمون الناس يضحكني ... وسوء فعلهم في الناس يبكيني
ما الذئب قد عاث بين الضأن أفتك من ... هذي الولاة بهاتيك المساكين
إنه صور الآفات الاجتماعية التي كانت تفتك بهذه الأمة المسكينة، وهي الفقر والجهل والمرض، وعرض في إيجاز أدبي مشكلة التشرد والبؤس، ووازن بين الطبقة الفقيرة الكادحة في سبيل العيش، والفاجرة التي تتحلى بالدر وتنتعل الذهب.
ولا يسعنا أن ندرس كل نثر البكري وبحسبنا أن نذكر الموضوعات التي طرقها، فهو بجانب وصفه لرحلته، ورسالته التي آثر فيها العزلة نجده قد تكلم
(1/165)

عن نابليون ووقف وقفة شاعر ناثر على قبره، وتكلم عن مواقفه وفتوحاته، وغزواته وانتصاراته، ثم تكلم عنه بعد زوال ملكه واعتقاله في جزيرة سانت هيلانة، وقد وفق في هذه القطعة لولا تزمته.
وله كذلك قطعة في رثاء صديق بيد أننا لا نتعرف على صديقه هذا ونميز سماته ونعرف اسمه وصنعته، وكأني بهذه القطعة تصلح لكل صديق له، وقد بالغ مبالغات في وصفه حتى جعله واحد الدنيا علمًا وعرفانًا، وفضلًا وإحسانًا إلى غير ذلك من الأوصاف التي لا أظن أنها جمعت في شخص حي إلا أن يكون من مخيلة البكري، واستطرد في هذه القطعة إلى وصف الدنيا على طريقة الزهاد والمتصوفة متأثرًا بخطب الإمام على في ذمها والشكوى منها، ولكن وقفته على القبور وهو يودع هذا الصديق إلى جدثه يدل على إحساس شاعر، فقد ضمت بين رجامها ملوكًا كانوا وكانوا، وكم فيها من حسناء بضة كأنها سبيكة فضة "صليجة فضة" أصابها الهزال كما يصيب الهلال، وإذا بها في القبر كأنها مصباح راهب في قبة مظلمة، أو كنز راغب في مهجورة معتمة، وإذا بجسم كان يخشى عليه الهزال أصبح، وهو بال، وخذ كان يصان عن القبلة، تعيث فيه الأرضة والنملة، وتغور كأنها أقاح أو حبب في راح تنثر في البوغاء وتخلط بالحصباء ... إلخ.
ومن طرائفه وصفه لمرقص في أحد قصور فيينا كان قد دعي إليه وسمى المرقص، أو "DANCE" الفنزج، وابتدأ بوصف ليالي الشتاء في فيينا، ثم وصف دور هذا القصر وما فيه من أثاث ورياش وأوان، وتماثيل وتصاوير ووصف المرآة والأنوار والأضواء والخرد الحسان، وما عليهن من الوشي والأكسية والحلي، ووصف الموسيقى والمرقص والسماط، والشراب وقواريره، وكيف انتهى الحفل في طلعة الفجر، ووصف الفقجر وطلوع النهار وصفًا دقيقًا رائعًا، ولولا ما شاب هذه القطعة من تلك الكلمات المعجمية لكانت من أبرع ما قيل في الوصف في نثرنا الحديث، وهي إن دلت على شيء، فإنها تدل على حسن مرهف، وخيال محلق، ومعرفة بأسرار اللغة ودقائقها، مما جعله أحيانًا يأتي بأوصاف قديمة لا تتناسب مع الموصوف خذ مثلًا قوله يصف الحسان، وهن قادمات إلى هذا الحفل الراقص:
"وثم الخرد الحسان كاللؤلؤ والعقيان، من كل عطبول رفلة، أو أسحلانة ربلة، صدور كالإغريض، أو صدور البزاة البيض، وساعد كأنها شماريخ من
(1/166)

ماس، أو مرمر نحته فدياس، وعيون كأن بين أهدابها رام من بني ثعل أو أسد بين طرفاء وأسل، أو أنها نرجس عطشان أو سيوف تقتل وهي في الأجفان. وقد امتزج فيها الفتر بالحور، فهي سكرى ولا مدام، ووسنى ولا منام، وفم كأنه أقحوانة لم تتصوح، ووردة لم تتفتح، يضحك عن جمان، ويتنفس عن ربحان وينطق عن ألحان وخدود كنار أخدود، أو تفاح أو ماء وراح، أو الشفق في الصباح، ورد يفتحه النظر، ويشعشعه الخفر".
ونراه قد وفق في بعض أوصافه وأخفق في بعضها، ولنذكر بعض ما أخفق، فأي فتاة تحب أن يوصف صدرها بأنه كطلع النخل أو صدر الصقر، وبأن عيونها كرام من بني ثعل أو أسد بين طرفاء وأسل، تلك أوصاف قديمة منتزعة من بيئة متبدية صحراوية لا تتناسب مع موصوفه، وقد جرت على شباة قلمه من محفوظه حتى غلبت شاعريته وأزرت بها، بينما نراه يوفق في كثير، والمووضع كله جديد حقا في الأدب العربي.
ومن نثره الذي كان يجب أن يقوله شعرًا، ووصفه لغاية "بولونيا" بجوار باريس، وهو في وصفه يستخدم كذلك الأوصاف القديمة أحيانًا والجديدة أحيانًا، ولكنه في عمومه يغص بخطراته الشعرية، ولو أطلق لنفسه العنان، ولم يتزمت ذلك التزمت ويلتزم ما التزمه من إيثاره الغريب على المألوف لأتى من خير ما كتب في النثر الحديث، فقد ألم فيه بوصف باريس، والغاية وما بها من مياه وأشجار وأزهار، وبصفها حين جن الليل، وحين ألقى عليها القمر رداءه الفضي، ويصفها في إشراق الصباح، ويتكلم عن حديقة الحيوان، وما فيها من أسود وفيلة، وظباء وحمر وحش وحيات ونوق في أرض الفرنجة، وتراه أحيانًا ينفذ بخياله فيخترق الحجب، ويحلق في سموات الشعر، وإذا بأسلوبه يجذبه إلى أدنى فيعوقه عن التحليق.
ذلك هو البكري جنى عليه محفوظة حتى كاد يطمس شخصيته، ويميت شاعريته، كما جنى عليه تزمته واعتزازه بمنصبه وحسبه ونسبه، مع أنه شاعر وناثر، لقد كان طرازًا مستخلفًا من الماضي، وإن عاش في الحاضر وحاول تصويره، فجمع بين القديم والجديد، وإن غلبه القديم على أمره.
(1/167)

تطور المقال الأدبي
مدخل
...
تطور المقال الأدبي:
عرفنا فيما تقدم من هذا الكتاب أن كثيرين ممن كانوا يحاكون أسلوب المقامة في مستهل حياتهم الأدبية والكتابية ويؤثرون السجع، والزخارف البديعية على الترسل قد هجروا السجع، واتجهوا نحو الأسلوب المرسل في أخريات حياتهم، مواكبين بذلك التطور الفكري للأمة من أمثال: أديب إسحاق، ومحمد عبده، وعبد الله نديم، وحفني ناصف.
ولما قوي تيار الثقافة الغربية في فترة الاحتلال، وفرض المحتل لغته في مدارسنا يتلقى بها الطلبة جمع دروسهم ما عدا اللغة العربية، نشأ جيل يجيد الإنجليزية، ويقرأ آثار آدابها وأعلام الفكر فيها، كما أن الثقافة الفرنسية كان لها أنصارها والمعجبون بنتاجها الأدبي، ولم يعد هؤلاء المثقفون بالثقافة الحديثة يرضون ذلك الأسلوب المقيد بالسجع والزخارف، والوقوف عند حد الألفاظ، وإنما أرادوا أن يكون المقال غذاء للفكر والذوق معًا، وأن يخصب ذهن القارئ، ويوسع آفاقه، ويحفزه على التفكير.
وما إن خطا القرن العشرون في سنيه الأولى خطوات، حتى كاد يختفي هذا النثر المسجوع إلا عند فئة قليلة محافظة، وفي تلك الفترة اشتدت الحملة على اللغة العربية الفصحى، ودعا المستعمرون حملة الأقلام للكتابة باللغة العامية، وشايعهم بعض المثقفين ثقافة غربية محاولين تقليد الأمم الغربية التي هجرت اللاتينية إلى لهجاتها المحلية كالفرنسية، والإيطالية، والأسبانية، وبحجة أن اللغة العربية تقف بينهم وبين الانطلاق الفكري، والتعبير الصادق عن مشاعرهم، وقد حاول بعضهم أن يتخذ اللغة العامة أداء للتعبير مثل محمد عثمان جلال حين عرب بعض مسرحيات موليير وراسين، وخرافات لافونتين، ودعا مثل هذه الدعوة بعض الأدباء السوريين المسيحيين، بيد أن هذه الدعوة أخفقت؛ لأن المستعمر احتضنها وروج لها على نحو ما وضحناه في كتابنا "الأدب الحديث"،
(1/168)

ورأى الناس فيها خطرا على شخصيتهم وتراثهم العميق الشامخ، كما رأوها غير بريئة من الهوى؛ لأن المستعمر أراد أن ينسي الناس دينهم ولغة قرآنهم، وتنقطع الصلات بينهم وبين ماضيهم المجيد، فكان العاملان الديني والسياسي سببًا في الإقلاع عن هذه الفكرة المغرضة، وثمة سبب ثالث وهو أن الأدباء أنفسهم رأوا أن الفصحى ملك أيمانهم، وأنهم استطاعوا إلى حد ما أن يعبروا بها عن مقتضيات الحضارة والفكر الغربي وبخاصة في العلوم الإنسانية، وأنها ليست عائقًا عن مجاراة الثقافة الغربية، بل تزداد كل يوم قوة لمرونتها، وكثرة مفرداتها وقدرتها على النمو لما فيها من خصائص لا تنكر تساعدها على الازدهار.
ولما لم يكن في الإمكان الرجوع إلى الأسلوب القديم الموروث عن المقامة، ولا الالتجاء إلى العامية كان لزامًا أن يبحث الأدباء عن أسلوب آخر تظهر فيه شخصية الأديب، ولا يطفي عليه محفوظه القديم وتقليده له، ويرضي في الوقت نفسه الحاسة الفنية والأذواق الأدبية لدى القراء.
ولا يعنينا هنا تتبع الأسلوب الصحفي أو السياسي الذي يكتب على عجل ويقرأ لساعته، ويخاطب الجماهير، وإنما نبحث في الأسلوب الأدبي الذي يتميز بسمات فنية ذكرناها آنفًا في هذا الكتاب، وقد ظهر هذا الأسلوب الجيد بأناقته وطرافته لا على يد هؤلاء الذي تثقفوا ثقافة غربية واسعة، وإنما على يد شيخ أزهري أديب هو مصطفى لطفي المنفلوطي في مقالاته التي ابتدأ يكتبها للمؤيد منذ سنة 1907 تحت عنوان النظرات.
(1/169)

مصطفى لطفي المنفلوطي
مدخل
...
مصطفى لطفي المنفلوطي:
وحري بنا قبل أن نتقدم لدراسة مقالات المنفلوطي أن نلقي نظرة عابرة على نشأته وثقافته حتى نستطيع أن نقوم أدبه، ونعرف منزلته في موكب أدبنا الحديث.
نشأته وثقافته:
ولد المنفلوطي في سنة 1876 بمنفلوط إحدى قرى الصعيد من أسرة مصرية معروفة بالحسب والشرف، وحفظ القرآن في حداثته، ثم جاء إلى القاهرة ليدرس بالأزهر ومكث به عشر سنوات، ولكنه لم يجد فيه غنيته، ولا طلبته، وضاق بعلومه وطريقة التدريس فيه ذرعًا، وكاد يهجره إلى غير رجعة لولا أنوجد به الأستاذ الإمام محمد عبده يفسر القرآن الكريم بأسلوب جديد ينفذ إلى القلوب والبصائر، ويدرس لطلابه كتابي عبد القاهر الجرجاني في البلاغة: "أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز"، فأعجب به ولزم درسه، وانصرف عن دروس الأزهر، وكان لصحبته للإمام محمد عبده أثر عميق في تفكيره، وتحديد أهدافه، حيث حبب إليه دراسة الأدب، وكان يثني عليه ويطري فطنته وذكاءه، ويرجو أن يكون من خير المنتفعين بعلمه الناشرين لمبادئه وتعاليمه.
وأخذ المنفلوطي يتزود من ينابيع الأدب العربي قديمه وحديثه شعرًا ونثرًا، فقرأ لكبار الكتاب في العصر العباسي من أمثال ابن المقفع والجاحط، وبديع الزمان وغيرهم، كما اهتم بكتب النقد القديمة، فنجد له في مختاراته: صناعة الإنشاء لبشر بن المعتمر، والأديب غير الكاتب للمبرد، ودعوى الأدب للآمدي، وفصاحة القرآن للباقلاني، وإعجاز القرآن للقاضي عياض، وتخير من عيون الشعر العباسي أرقه لفظًا، وأشرفه معنى، فنرى له في مختاراته لأبي تمام وبشار وأبي نواس، والمتنبي وابن الرومي وغيرهم، مما يدل على ذوق مرهف، وحس مصقول، وقرأ كذلك في الدين والفقه والتاريخ، والعلوم الحديثة، ولكنه -والحق يقال- لم يكن متخصصًا فيها حاذقًا لها، وإنما كان يلم بها إلمام الأديب الذي يأخذ من كل فن بطرف على حد قول القدماء.
(1/170)

وكان يتتبع في حرص كتابات أستاذه الشيخ محمد عبده، والكتاب المعاصرين له، وبخاصة ذوي الفكر منهم، ويقرأ بنهم الكتب المترجمة، وبخاصة القصص المترجمة على اختلاف أنواعها، وإن أعجبه منها القصص الرومانسية، ويقول العلامة "جب": "ليس كالمنفلوطي من يتخذ مثلًا باهرًا على أثر التيارات الغربية في العالم العربي".
ثم اتصل بسعد زغلول عن طريق الإمام محمد عبده، وعن طريقهما تعرف بالسيد علي يوسف، صاحب المؤيد، وقد كان لهؤلاء الثلاثة: محمد عبده وسعد زغلول وعلي يوسف أثر كبير في شهرة المنفلوطي ودفعه في الطريق الذي اختاره لنفسه، وهو طريق الأدب والإصلاح الاجتماعي.
ولما اشتد الخلف بين الإمام محمد عبده والخديوي عباس على نحو ما فصلنا فيما سبق من كتابنا "في الأدب الحديث" الجزء الأول هجا المنفلوطي عباسًا بقصيدة مطلعها:
قدوم ولكن لا أقول سعيد ... وملك وإن طال المدى سيبيد
رحلت ووجه الناس بالبشر باسم ... وعدت وحزن في القلوب شديد
علام التهاني؟ هل هناك مآثر ... فتحمد أم سعي لديك حميد
تذكرنا رؤياك أيام أنزلت ... علينا خطوب من جدودك سود
فما قام منكم بالعدالة طارق ... ولا سار منكم بالسداد تليد
كأني بقصر الملك أصبح بائدًا ... من الظلم، والظلم المبين يبيد
وقد نثرت في 3 من نوفمبر 1897، وكان هذا اليوم ميعاد عودة عباس من رحلته إلى أوروبا، وحكم على المنفلوطي بالسجن عامًا، وبغرامة قدرها عشرون جنيهًا، وقضى بسجنه ستة أشهر، وبعد وساطة من الإمام محمد عبده لدى الخديوي حين عاد الوفاق بينهما أفرج عنه، ولما خرج مدح الخديوي شاكرًا بعدة قصائد يقول في إحداها:
وعفوت عني عفو مقتدر ... والذنب فوق العفو والغفر
(1/171)

ولما توفي الإمام محمد عبده سنة 1905 ضاقت على المنفلوطي الأرض بما رحبت، واسودت الأيام في وجهه، ورأى القاهرة كئيبة لا تسكن، فآثر أن ينزوي ببلدته منفلوط، ومكث ثمة عامين، وابتداء وهو ببلدته يراسل المؤيد، ويكتب فيه مقالات أسبوعية وكانت أولى مقالاته في أكتوبر 1907.
ولما عاد إلى القاهرة عينه سعد زغلول محررًا عربيًا بديوان المعارف، وكان من المعجبين به المقدرين لمواهبه، ولما نقل سعد وزيرًا للحقانية "العدل" انتقل المنفلوطي معه، ولما اختير سعد وكيلًا للجمعية التشريعية، صحبه محررًا بها، وظل موظفًا بالحكومة حتى سنة 1921حين فصله ثروت على إثر مقالة نشرها يدافع بها عن سعد ويهجو خصومه، ولكنه ما لبث أن دعاه القصر ليشغل وظيفة في أمانة السر بالديوان الملكي، بيد أنه أقيل منها بعد قليل لمناصرته لسعد، وكان سعد في عداء مع القصر.
ولما أسندت إلى سعد رئاسة الوزارة سنة 1924، وافتتح "البرلمان" عين المنفلوطي رئيسًا لكتاب مجلس الشيوخ، بيد أن الأجل لم يمد له في حباله فمات في الثامنة والأربعين من عمره في اليوم الذي اعتدى فيه على سعد "يولو 1924"، فضاع نعيه في زحمة الأحداث.
ينتسب المنفلوطي إلى الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما، وكان أبوه قاضيًا لمنفلوط، وأمة تركية، ولكنها ما لبثت أن طلقت وتزوجت برجل آخر من منفلوط، فكان لذلك -ولا ريب- تأثير كبير على نفس المنفلوطي الشديدة الحساسية.
ويظهر أن النفلوطي عانى بعض شظف العيش أيام أن كان طالبًا بالأزهر، وبعد طلاق أمه، وزواج والده مرة أخرى، بيد أن حالة الفقر هذه قد تبدلت، إذ تزوج بسيدة ثرية، ولما ماتت ورث عنها ستة عشر فدانًا عاش بسببها في رفاهة العيش حتى قال: "قد رزقني الله من المال ما لا أطلب بعده لنفسي مزيدًا"، ولكنه على الرغم مما آل إليه من بسطة في الرزق لم تنسه الأيام سني الخصاصة الأولى فيقول: "ذكرت الجلسة البسيطة التي كنت أجلسها أيام الطلب في غرفتي العادجية الصغيرة بين زملائي الفقراء البسطان فبكيتها، ولم تنسني إياها جلستي اليوم في منزلي الأنيق الجميل بين خير الناس أدبًا وفضلًا ومجدًا"1.
__________
1 نظرات ج 3 ص 208.
(1/172)

وكان المنفلوطي شديد التدين، سليم العقيدة، غير متزمت أو متعصب، لا يبيع دينه بأي ثمن مهما غلا، وكان فيه حيائ يمنعه من الحديث في المجالس حتى ليظن مجالسه أن بلسانه حبسة وعيا، وأنه ليس ذلك الأديب الذي يسيل الكلام المنمق على شباة قلمه عذبًا جميلًا، ولكنه، إذا خلا بأحد خلصائه ممن يأنس لهم، انطلق على سجيته، ورأيت فيه المنفلوطي الكاتب الذي نعرفه، وكان ممن يؤثرون العزلة والبعد عن مزاحمة الناس، وقد آثر السلامة بأن لبس الناس على علاتهم.
هذا وقد كانت الحقبة التي تفتحت فيها مواهب المنفلوطي الأدبية -أي في مستهل القرن العشرين- قد اشتد فيها بطش الإنجليز، وبخاصة بعد الاتفاق الثنائي سنة 1904، وكان المصريون يشعرون شعورًا حادًا بوطأة الاحتلال، ويدركون أنهم من أمة عريقة لها ماضيها وحضارتها ودينها الذي يبعث فيها العزة والكرامة، وتراثها الفكري العظيم، ويحلمون بعودة هذا المجد التليد، فلا بدع إذا راق لهم من الأدب الغربي -ذلك الذي اشتدت به صلتهم على مر الأيام منذ مستهل النهضة- الأدب الروماني الذي يتغنى بأمجاد الأمم ورائع تاريخها، ويعظم القوميات، ويهيم وجدًا بطبيعة الأوطان، والذي كان طابعه العام لدى الفرنسيين بخاصة -بعد انهاير إمبراطورية نابليون، هو الطابع الحزين، إذ وجد شباب فرنسا أنفسهم في فراغ بعد تلك الغزوات الكبيرة والانتصارات المجيدة، وكان في كل بيت مأتم بعد تلك الحروب الطاحنة، والبلاد في ضيق مالي شديد الوطأة بعد أن استنفدت موارد فرنسا في حروب نابليون، فأخذ الأدباء والشعراء يعزفون على قيثارة البؤس أنغامًا حزينة، وإلى أمد غير قليل حتى سميت تلك الأنغام داء العصر.
وقد كان حال المصريين بعد إخفاق الثورة العرابية، ونكبة الاحتلال تشبه حال الفرنسيين بعد أن تقوضت إمبراطورية نابليون، فاعجبهم من الآداب الغربية والأدب الرومانسي في تلك الحقبة، وكان المنفلوطي ممن يعتلج الأسى في صدورهم لرهافة في حسه، وصدق في وطنيته وإخلاص في عزمه على الإصلاح، وهو يرى البؤس والشقاء والفقر والمرضى يحيط به أني ذهب مع شعور بموهبته، ومن هنا انطلق يبكي ويصور آلام نفسه وبؤس قومه.
(1/173)

لم يكن المنفلوطي يعرف من اللغات غير العربية، ولكن ذلك لم يمنعه من قراءة ما ترجم من اللغات الأجنبية إليها، وأعجب بآثار الرومانسيين، وأقبل عليها بشغف ولذة، وقد شاء له طموحه أن يترجم بعض هذه الآثار القصصية، ولكن كيف السبيل إلى هذا وهو لا يجيد أي لغة غربية، ومن ثم دعا من ترجم له ترجمة حرفية بعض هذه القصص من طويلة وقصيرة، ثم صاغها بقلمه صياغة عربية مع كثير من التصرف والحرية في التعبير كما فعل في قصة "برناردين دي سان بيير" "بول وفرجيني" التي سماها الفضيلة، وكانت قد ترجمت من قبل على يد محمد عثمان جلال، وكما فعل بقصة "ألفونس كار" "ماجدولين"، وقصة "أدمون روستان" "الشاعر أوسير أنودي برجراك"، وقصة "فرانسوا كوبيه" "في سبيل التاج"، والأخيرتان تمثيليتان أحالهما المنفلوطي إلى الأسلوب القصصى السردي، وكذلك فعل ببعض القصص القصيرة التي نشرها في كتابه العبرات.
وليس من همي في هذا البحث أن أدرس قصص المنفلوطي المؤلف والمترجم، فذلك يأتي في دراسة تطور القصة المصرية، وإنما الذي يعنيني هنا هو المقال الأدبي لدى المنفلوطي، وقد رأينا آنفًا ينابيع الثقافة التي اغترف منها وأثرت في أدبه: الثقافة العربية القديمة، وآراء المصلحين الاجتماعيين في عصره، وبخاصة آراء أستاذه الإمام محمد عبده، والكتب والقصص المترجمة، ومن هنا نجد أن المنفلوطي لم يكن عميق الثقافة، واسع آماد الفكر وإنما كان قوي العاطفة، مرهف الحس والذوق، يضفي على كل ما يتناوله يراعه رونقًا وجمالًا من بارع أسلوبه وفيض عاطفته، فيحس القارئ إسحاسًا قويًا بانفعالات نفسه، والتذاذًا بحلو صياغته وجمال عرضه.
وقد استطاع المنفلوطي أن يبتدع طريقة جديدة في الكتابة الأدبية، طريقة تخالف تلك التي اشتهرت في القرن التاسع عشر لدى الكتاب الأدباء، إذ كانوا يحفلون بالسجع والزخارف البديعية، ويتكلفون ذلك تكلفًا، ويغلبهم على أساليبهم محفوظهم من الأدب القديم، فيرددون تشابيهه ومجازاته وكتاباته، وإن كانت لا تناسب الموضوع والبيئة والعصر.
(1/174)

وهي طريقة تخالف كذلك النثر الصحفي الذي يكتب لساعته، ويخوض فيغمار المعارك السياسية، فلا يتأنى صاحبه في انتقاء الألفاظ وتجويد الجمل وصقل الأسلوب، ومع أن المنفلوطي قد درس الأدب القديم، وتخير أطايبه لغذاء نفسه وعقله، إلا أنه استطاع أن يفلت من ربقته إلى حد كبير فكيف تأتى له هذا؟
دعنا نستمع إليه وهو يحدثنا كيف تهيأت له هذه السبيل: "كنت أقرأ من منثور القول ومنظومه ما شاء الله أن أقرأ، ثم لا ألبث أن أنساه، فلا يبقى منه في ذاكرتي إلا جمال آثاره، وروعة حسنه، ورنة الطرب به، وما أذكر أني نظرت في شيء من ذلك لأحشو به حافظتي، أو أستعين به على تهذيب بياني أو تقيوم لساني، أو تكثير مادة علمي باللغة والأدب، بل كل ما كان من أمري أنني كنت امرءًا أحب الجمال، وأفتن به كلما رأيته: في صورة الإنسان، أو مطلع البدر، أو مغرب الشمس، أو هجعة الليل، أو يقظة الفجر، أو قمم الجبال، أو سفوح التلال، أو شواطئ الأنهار، أو أمواج البحار، أو نغمة الغناء أو رنة الحداء، أو مجتمع الأطيار أو منتثر الأزهار أو رقة الحس، أو عذوبة النفس أو بيت الشعر، أو قطعة النثر، فكنت أمر بروض البيان مرا فإذا لاحت لي زهرة جميلة بين أزهاره، تتألق عن غصن زاهر بين أغصانه، وقفت أمامها وقفة المعجب بها، الحاني عليها، المستهتر بحسن تكوينها، وإشراق منظرها، من حيث لا أريد اقتطافها أو إزعاجها من مكانها، ثم أتركها حيث هي، وقد علقت بنفسي صورتها إلى أخرى غيرها، وهكذا حتى أخرج من ذلك الروض بنفس تطير سرورًا به، وتسيل وجدًا عليه، وما هي إلا أن درت ببعض تلك الرياض بعض دورات، ووقفت ببعض أزهارها بعض وقفات حتى شعرت أني قد بدلت من نفسي نفسًا غيرها، وأن بين جنبي حالًا غريبة لا عهد لي بمثلها من قبل، فأصبحت أرى الأشياء بعين غير التي كنت أراها بها، وأرى فيها من المعاني الغربية المؤثرة ما يملأ العين حسنًا والنفس بهجة".
هام المنفلوطي بالأدب حبًا منذ حداثته، وقد حاربه شيوخه في الأزهر وحاولوا أن يقفوا بينه وبين كتبه الأدبية، فنفر منهم وازداد شغفًا به وعكوفًا عليه، وما إن آنس من نفسه القدرة على الإفصاح عما يجيش في صدره، وما يختمر في فكره حتى أشهر يراعه، ولم يضعه إلا حين وافته منيته.
(1/175)

خصائص أسلوبه:
وحري بنا قبل أن نتكلم عن خصائص أسلوبه أن نتقدم بالحديث عن موضوعات مقالاته كما سجلها كتابه النظرات، معظم هذه الموضوعات اجتماعية ومنها في الدين والرثاء أو الأدب، ولا شك أن النشأة الدينية التي نشئها المنفلوطي في بيت شرف ونسب، ثم دراسته بالأزهر، وصحبته للأستاذ الإمام محمد عبده وتشربه مبادئه، وإعجابه به هي التي وجهته تلك الوجهة وأملت عليه الكتابة في تلك الموضوعات.
وأهم ما يلفت النظر في موضوعاته الاجتماعية شدة سخطه وحتفه على الحضارة الغربية، حضارة المستعمر، إذ كان يرى أنها هي التي جرت الموبقات والمفاسد إلى الأمة، وباعدت بين جمهرة الناس والسلوك الديني الطيب، وأنها خدعة من خدع الاستعمار يفتن بها الشعوب المغلوبة على أمرها، ولا يلبث أن يجذبها لألاؤها فتنحل أخلاقها، وتشيع بينها الفحشاء، والاتجار بالأعراض وانتهاك الحرمات، وشتى ألوان الشرور والآفات الاجتماعية، فقام المنفلوطي يحارب هذه المندينة غير ناظر إلا لمساوئها، بل كان يرى أنه من الخير للشرق أن يتجبنها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا ولو ظل على جهالته، فيقول في ذلك.
"فكان من همي أن أدل على شرور الأشرار الكامنة في نفسوهم، وأن أكشف الستر عن دخائل قلوبهم حتى يتراءوا ويتكاشفوا، فيتواقفوا ويتحاجزوا، فلا يهنأ خادع، ولا يبكي مخدوع على نكبته، ولا يتخذ بعضهم بعضًا حمرًا يركبونها إلى أغراضهم ومطامعهم، وكان منشئي في قوم بداة سذج، لا يبتغون بدينهم دينًا، ولا بوطنهم وطنًا، ثم ترامى بي الأمر بعد ذلك، وتصرفت بي الحياة في شئون جمة، فخضعت لكثير من أحكام الدهر وأقضيته إلا أن أكون ملحدًا في ديني أو زاريا على وطني، فاستطعت وقد غمر الناس ما غمرهم من هذه المدينة الغربية أن أجلس ناحية، وأن أنظر إليها من مرتب عال، وكنت أعلم أن من أعجز العجز أن ينظر الرجل إلى الأمر نظرة حمقاء، فإما أخذه كله أو تركه كله، فرأيت حسناتها وسيئاتها وفضائلها ورذائلها، وعرفت ما يجب أن يأخذ
(1/176)

منها الأخذن وما يترك التارك، فكان من همي أن أحمل الناس من أمرها على ما أحمل عليه نفسي، وأن أنقم من هؤلاء العجزة الضعفاء، وتهالكهم لها واستهتارهم بها، وسقوطهم بين يدي رذائلها ومخازيها وإلحادها، وزندقتها وشحها وقسوتها وشرها وحرصها وتبذلها وتهتكها، حتى أصبح الرجل الذي لا بأس بعلمه وفهمه إذا حزبه الأمر في مناظرة بينه، وبين من يأخذ برذيلة من الرذائل لا يجد بين يديه ما ينضج به عن نفسه إلا أن يعتمد عليها في الاحتجاج على فعل ما فعل أو ترك ما ترك، كأنما هو القانون الإلهي الذي تثوب إليه العقول عند اختلاف الأنظار والأفهام".
ولكن المنفلوطي وإن كان كما قال -قد نظر إلى مساوئها ومحاسنها فلم يذكر شيئًامن تلك المحاسن، بل كان يحرص على الابتعاد عنها ما استطاع المرء إلى ذلك سبيلًا، ويقول في مقال بعنوان "المدنية الغربية":
"إن خطوة واحدها يخطوها المصري إلى الغرب تدني إليه أجله، وتدنيه من مهوى سحيق يعتبر فيه قبرًا لا حياة له من بعده إلى يوم يبعثون، لا يستطيع المصري وهو ذلك الضعيف المستسلم أن يكون من المدينة الغربية إن داناها إلا كالغربال من دقيق الخبز يمسك خشاره ويفلت لبابه، أو الراووق من الخمر يحتفظ بعقاره، ويستهين برحيقه، فخير له أن يتجنبها جهده، وأن يفر منها فرار السليم من الأجرب".
وقد أغرم المنفلوطي بالكتابة في الدعارة، والخيانة الزوجية والانتحار، وسقوط الفتيان والفتيات في مهواة الرذيلة، وانحراف بعض الأزواج عن جادة الدين والفضيلة، وهو يعز ومعظم هذا الفساد إلى تسرب المدينة الغربية إلى بيوتنا وأفكارنا وعاداتنا، وكان يلتقط أحيانًا الموضوعات التي يتناولها بالكتابة مما يتردد في الصحف من حوادث وأخبار، والصحف من همها نشر الخبر المثير، والفضائح الجذابة، وأنباء أبناء العلية، وهم قد ألفوا الخروج على العادات المألوفة، بسبب ما أخذوا من أسباب المدينة الغربية، وما جلبته من أوصاب رزئ بها المجتمع، مع أن التحلل من الأخلاق، واستشراء الفساد يصاحب المدنيات في كل عصر وكل بلد، وليس وقفًا على مدنية الغرب.
(1/177)

وإذا كان له بعض العذر في تحذيره وتهويله حتى لا يجرفنا التيار دفعة واحدة فننهار، ونفقد مقومات شخصيتنا، وننسى في غمرة التقليد كل ما لنا من حسنات، بيد أن نظرته إلى الحياة الاجتماعية في زمنه كانت نظرة متشائمة يائنة، فقد صور المجتمع تصويرًا بشعًا، وبالغ في تجسيم الآفات، ويتخذ من الحوادث الفردية ظاهرة عامة كما نراه في مقالته "الآداب العامة"، وكما في حديثه عن انتحار الطلبة في موسم الامتحانات، فلم يكن داء عضالًا منتشرًا بين جماهير الطلبة، ولا يعدو حادثة أو اثنتين، وبخاصة تلكم الأيام التي عاشها المنفلوطي في أوائل القرن العشرين قبل أن تنعقد الحياة.
ومقاله "أين الفضيلة" يوحي بأن المجتمع فاسد جملة في كل طوائفه:
"فتشت عن الفضيلة في حوانيت التجار، فرأيت التاجر لصًا في أثواب بائع وجدته يبيعني بدينارين ما ثمنه دينار واحد، فتشت عن الفضيلة في مجالس القضاء فرأيت أن أعدل القضاة من يحرص الحرص كله على ألا يهفو في تطبيق القانون الذي بين يديه هفوة يحاسبه عليها من منحه هذا الكرسي الذي يجلس عليه مخافة أن يسلبه إياه، أما إنصاف المظلوم، والضرب على يد الظالم وإراحة الحقوق على أهلها، وإنزال العقوبات منازلها من الذنوب فهي عنده ذيول وأذناب لا يأبه لها.
فتشت عن الفضيلة في تصور الأغنياء فرأيت الغنى إما شحيحًا أو متلافًا. فتشت عنها في مجالس السياسة فرأيت أن المعاهدة والإتفاق، والقاعدة والشرط ألفاظ متردفة معناها الكذب ... فتشت عنها بين رجال الدين فرأيتهم -إلا من رحمة الله- يتجرون بالعقول في أسواق الجهل.
سيقول كثير من الناس: قد غلا الكاتب في حكمه وجاوز الحد في تقديره ... ولكني أقول لهم قبل أن يقولوا كلمتهم: إني لا أنكر وجود الفضيلة، ولكني أجهل مكانها، فقد عقد رياء الناس أمام عيني سحابة سوداء أظلم لها بصري، حتى ما أجد في صفحة السماء نجمًا لامعًا ولا كوكبًا طالعًا ... كل الناس يدعي الفضيلة وينتحلها، وكلهم يلبس لباسها، فمن لي بالوصول إليها في هذا الظلام الحالك والليل الأليل؟ ".
(1/178)

أتراه الحرص على ألا يشاهد أي انحراف مهما صغر شأنه عن جادة الصواب والحق والفضيلة، والدين هو الذي جعله يبالغ ويهول فيما يراه، أو يسمع به في هذه الانحرافات الصغيرة؟ أم أن التهويل غلب عليها فيما يتناوله من آفات المجتمع وسواه شأن ذوي العواطف المرهفة، وأصحاب المواعظ والخطب حين ينساقون مع عواطفهم، وحميا حماستهم ... يشكو له شاب أصابه الصمم الكامل يطلب منه كلمة غراء، وبدلًا من أن يواسيه ويخفف عنه ويلته، إذ به يحيل الدنيا أمام عينيه سوداء قاتمة، وذلك في مقالته "الزهرة الذابلة" حيث يمتلئ صدر الشاب بعد قراءة المقال يأسًا وقنوطًا، فلا يجد أمامه إلا الانتحار، بل إن المنفلوطي يحرضه عليه، ويدفعه إليه، وكان في قدرته أن يحيل يأسه إلى أمل وجزعه إلى صبر، ولنستمع إليه يقول له: "لا أستطيع أن أعزيك عن مصابك يا بني فهو فوق ما يحتمل المحتمل، ويطبق الجلد الصبور، ولو أنني حاولت ذلك منك لكذبتك وغششتك، وأعوذ بالله أن أكون -يا بني- من الكاذبين في تعزيتك أو الغاشين لك فيها، ولو أردت نفسي على ذلك لما استطعت".
ولكننا نراه يقول له: "وكثير عليك يا بني وأنت زهرة يانعة في روض الشباب، وابتسامة لامعة في ثغر الآمال، وفجر مشرق في سماه الحياة أن تصعد على هذه الربوة الزاهرة المخضلة من ربى الحياة، فلا تلبث إلا قليلًا حتى يمر بك فارس الدهر، فيختطفك من مكانك ثم لا يعدو بك قليلًا حتى يلقيك على هذه الصخور الصماء، فوارحمتاه لك يا بني مما بك اليوم، ومما يستقبلك به الدهر غدًا".
فهل قدم المنفلوطي للفتى الذي جاءه مستغيثًا، يتطلب الكلمة الرطبة تنزل بردًا وسلامًا على قلبه الصادي فتخفف لوعته، وتزيل حسرته -الدواء الناجع، والتراياق النافع ... لا أظن.
وكان المنفلوطي في اجتماعياته يفرط في حنوه على المرأة، ويبالغ في ذلك مبالغة عجيبة، وينعي على الرجل قسوته وغلظته، وكان يكره الطلاق ويمقته -وهو على حق- وحتى إذا زلت المرأة، وساءت سيرتها، فإنه يلتمس لها
(1/179)

المعاذير، وينحو باللوم الشديد على الذئب البشري الذي افترسها، إما؛ لأنه أكرمها على ما كانت تتأبى عليه، أو خدها ومناها ثم خاس في عهده، وتركها بعد أن قضى منها لبانته، ولهذا كان المنفلوطي من أنصار الحجاب الصفيق حفاظًا على المرأة، وحماية للفضيلة.
ويقول المنفلوطي في مقدمة النظرات مبينًا بعض الأسباب التي دعته إلى الخوض في هذه الموضوعات: "رأيت الترائي بالرذيلة حتى ادعاها لنفسه، ونحلها إياها من لا يتخلق بها طلبًا لرضا الناس عنه برضاه عنها، ورأيت البراءة من الفضيلة حتى فر بها صاحبها من وجوه الساخرين به، والناقمين عليه فرار العاري بسوأته، والموسوم بخزيته".
وإذا كان المنفلوطي قد خانه التوفيق في معالجة بعض الأدوء الاجتماعية لفرط حماسته، وضحالة دراسته، واصطناعه الأسلوب الخطابي والتهويل والمبالغة، فقد كانت ثمة مقالات بلغ فيها من العظة وقوة التأثير أمدًا بعيدًا، وقد حاول فيها تشخيص بعض آفاتنا الاجتماعية، والحملة عليها من ذلك تزويج الفتيات الصغيرات بمن يكبروهن في السن طمعًا في مال أو جاه من غير اعتبار لفارق السن أو قسوة المعاملة أو عدم التكافؤ، وكإهمال الرجل تربية أولادهم، وتسكعهم على المقاهي وقوارع الطرق، فيفسد البيت وينحرف الأولاد.
(1/180)

الاشتراكية عند المنفلوطي:
على أن أهم موضوع حظى من المنفلوطي بعنايته، وحشد له كل عواطفه وحماسته، وإخلاصه ودينه هو موضوع الفاقة والبؤس والفقر تلك التي كان يتردى فيها سواد الشعب، وقد قرب في معالجته لهذا الداء المستفحل إلى حد الاشتراكية، وإن لم يدركها تمام الإدراك، ولا بد للتمهيد لهذا الموضوع حتى نعرف الأسباب التي دفعت المنفلوطي دفعًا في هذه الطريق.
ابتدأ المنفلوطي يدبج مقالاته في المؤيد منذ أواخر سنة 1907 أي بعد حادثة دنشواي بقليل، تلك الحادثة الفظيعة التي دلت بوحشيتها على مبلغ ما وصل إليه الاستعمار الإنجليزي من سيطرة وجبروت انتهك فيها حرمات الإنسانية علانية.
وقد بلغ رد الفعل في نفوس المصريين ذروته، وانتفضت مصر انتفاضة جريئة بقياة مصطفى كامل، ورجال الحزب الوطني على الاستعمار ورجاله حتى ترضت إنجلترا الشعور العالمي بعامة، والمصري بخاصة بإخراج "كرومر" الداهية من مصر.
كان الاحتلال قد جثم على صدور المصريين رفع قرن تسللت خلاله في أول الأمر مظاهر العزة من النفوس إلى أن ظهر رجال الحزب الوطني، وعلى رأسهم مصطفى كامل في الأفق، وحاولوا أن يعيدوا للمصريين الثقة بأنفسهم، ويحاربوا الاستعمار حربًا قوية ليهزوا مكانته بمصر.
وكان الاستعمار قد اصطنع كثيرًا ممنا باعوا ضمائرهم في سبيل المال والجاه، وتكونت منهم مع الأسرة الحاكمة ورجالها المقربين، وأقربائها طبقة السادة أو الإقطاعيين أصحاب المزارع الواسعة، الذين كانوا يتحكمون في رقاب الملايين من الفلاحين، ويسومونهم الخسف وسوء العذاب، ويمتصون دماءهم, ويستغلون قواهم استغلالًا فاحشًا، ويتركونهم في حالة مزرية من الفقر والجهل والمرض.
لقد كان التفاوت بينا هذه الفئة القليلة الثرية، وبين سواد الشعب في كل مظاهر الحياة، فلا بدع إذا أحسن الأدباء ذوو الضمائر الحية والعاطفة القوية بعظم مأساة هذا الشعب، وحاولوا جهدهم أن يصوروا آلامة المبرحة التي طال عليها الأمد قرونًا طويلة، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
وكان المنفلوطي من أبناء الطبقة المتوسطة لا يعد بأي حال من الأثرياء بل كان أدنى إلى الفقر منه إلى الغنى، عاش في الريف وخالط الناس، وعرف أوصالهم الاجتماعية، وكان جياش العاطفة سريع العبرة، ينفذ إلى سويداء قلبه بكاء المحزونين، ونداء المكروبين، ولنستمع إليه بصور لنا نفسه وما حفزه على الإكثار من وصف مناظر البؤس، والشقاء حتى في مطالعاته بل تجاربه حيث يقول:
(1/181)

"ولا أدري ما الذي كان يعجبني في مطالعاتي من شعر الهموم والأحزان، ومواقف البؤس والشقاء، وقصص المحزونين والمنكوبين خاصة، كأنما كنت أرى الدموع مظهر الرحمة في نفوس الباكين، فلما أحببت الرحمة أحببت الدموع لحبها، أو كأنما كنت أرى أن الحياة موطن البؤس والشقاء، ومستقر الآلام والأحزان، وأن الباكين هم أصدق الناس حديثًا عنها وتصويرًا لها، فلما أحببت الصدق أحببت البكاء لأجله، أو كأنما كنت أرى أن بين حياتي وحياة أولئك البائسين المنكوبين شبهًا قريبًا، وسببًا متصلًا، فأنست بهم، وطربت بنواحهم طرب المحب بنوح الحمائم وبكاء الغمائم، أو كأنما كنت في حاجة إلى بعض قطرات من الدمع أتفرج بها مما أنا فيه، فما بكى الباكون، وبكيت لبكائهم وجدت في مدامعهم شفاء نفس وسكون لوعتي، أو كأنما أرى أن جمال العالم كان في الشعر، وأن الشعر، هو ما تفجر من صدوع الأفئدة الكليمة فجرى من عيون الباكين من مدامعهم، وصعد من صدورهم مع زفراتهم".
وهكذا وجدت حالات البؤس والشقاء، وما كان أكثرهما في مصر حينذاك -تجاوبًا شديدًا في نفس المنفلوطي وصدى إيجابيًا في عاطفته، فإذا أضفنا إلى ذلك شدة إعجابه بالأدب الرومانسي المترجم ذي الطابع الحزين، وذي العاطفة الحادة، تأثره به وترجمته له، لا تعجب إذا كان من أهم سمات أدب املنفلوطي هي تلك المسحة الحزينة، والعاطفة الباكية.
ولم يكن من المنتظر في تلك الحقبة أن تتجه الحكومة -وهي خاضعة لدولة استعمارية رأسمالية- وجهة اشتراكية، أو ديمقراطية صحيحة، وبخاصة وعباس الثاني على عرش مصر، وهو من هو في شراهته وحبه للمال، وإغارته على أموال الأوقاف، والاستكثار من عرض الدنيا على حساب الألوف المؤلفة من أبناء الشعب، لقد كان الأغنياء يزدادون كل يوم غنى، بينما يزداد الفقراء كل يوم فقرًا، ولم يكن يملك أصحاب الأقلام في تلك الآونة إلا أن ينادوا ضمائر الأثرياء، وذوي الجاه علها تستيقظ من سباتها العميق، وتفيق من سكرات الترف والنعمة، فتلتفت إلى المنكوبين والمحرومين والكادحين في الأرض، وتمد الأيدي بالإحسان.
(1/182)

لقد كانت هناك نفوس خيرة ولا شك تجود شيء من المال، أو توقف بعض أرضها على الخيرات، ولكن ذلك لم يكن يبل غلة أو ينقع ظمأ أو يسد رمقًا أويعالج مشكلة مزمنة، بل لقد كان الإحسان فوضى يذهب إلى غير وجهته، ويناله من لا يستحقه، ولنستمع إلى المنفلوطي يصور بيانه العذب هذه الفوضى في زمنه فيقول:
"الإحسان شيء جميل، وأجمل منه أن يحل محله، ويصيب موضعه، الإحسان في مصر كثير، ووصوله إلى مستحقه وصاحب الحاجة إليه قليل فلو أضاف المحسن إلى إحسانه إصابة الموضع فيها لما سمع سامع في ظلمة الليل شكاة، وأنه محزون، ليس الإحسان هو العطاء كما يظن عامة الناس، فالعطاء قد يكون نفاقًا ورياء، وقد يكون أحبولة ينصبها المعطي لاصطياد النفوس، وامتلاك الأعناق، وقد يكون رأس مال يتجر فيه صاحبه ليبذل قليلًا ويريح كثيرًا".
ثم يقول: "مثل الإحسان في مصر كمثل السحاب الذي يقول فيه أبو العلاء.
ولو أن السحاب همى بعقل ... لما أروى مع النخل التقادا
الإحسان في مصر أن يدخل صاحب المال ضريحًا من أضرحة المقبورين فيضع في صندوق النذر قبضة من الذهب أو الفضة، ربما يتناولها من هو أرغد منه عيشًا وأنعم بالًا، أو يهدي ما يسميه نذرًا من نعم وشاء إلى دفين في قبره، قد شله عن أكل اللحم ذلك الدود الذي يأكل لحمه، والسوس الذي ينخر عظمه، وما أهدى شاته وبقرته -لو يعلم- إلا إلى وزارة الأوقاف، وكان خيرًا له أن يهديها إلى جاره الفقير الذي يبيت ليلة طاويًا يتشهى ظلفًا يمسك رمقه أو عرقوبًا يطفي لوعته.
وأعظم ما يتقرب به محسن إلى الله، ويحسب أنه بلغ من البر والمعروف غايتهما أنينفق بضعة آلاف من الدنانير في بناء مسجد للصلاة في بلد مملوء بالمساجد، حافل بالمعابد، وفي البلد كثير من البائسين وذوي الحاجات، ينشدون مواطن الصلات لا أماكن الصلوات".
(1/183)

ثم أخذ المنفلوطي يعدد تلك المواطن الخاطئة التي يضع فيها المحسن إحسانه كإنشاء سبيل يشرب منه المارة، وليس بينهم وبين ماء النهر إلا بضع خطوات أو"يقف الضياغ الواسعة من الأرض لتنفق غلتها على أقوام من ذوي البطالة والجهالة نظير انقطاعهم لتلاوة الأبيات، وترديد الصلوات، وقراءة الأحزاب والأوراد، وهو يحسب أنه أحسن إليهم، ولو عرف موضع الإحسان لأحسن إليهم بقطع ذلك الإحسان عنهم علهم يتعلمون صناعة، أو مهنة يرتزقون منها رزقًا شريفًا".
ويحمل المنفلوطي بكل ما أوتي من قوة على أدعياء التصوف، مشايخ الطرق "ولو أنصفوهم -كما يقول- لسموهم قطاع الطرق، ولا فرق بين الفريقين إلا أن هؤلاء يتسلحون بالبنادق والعصي، وأولئك يتسلحون بالسبح والمساويك، ثم يسقطون على المنازل سقوط الجراد على المزارع، فلا يتركون صادحًا ولا باغمًا ولا خفًا ولا حافرًا، ولا شيئًا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها، وبصلها إلا أتوا عليه".
ونراه ينكر أشد الإنكار إعطاء الدراهم للمتسولين ويقول: "ولم أر مالًا أضيع، ولا عملا أخيب، ولا إحسانًا أسوأ من الإحسان إلى هؤلاء المتسولين"، ويبين خطر تشجيعهم بمنطق حاد وقوة أداء.
وقدم المنفلوطي في آخر مقاله مقترحات لتنظيم الإحسان، وذلك بإنشاء مجتمع يسمى "مجتمع الإحسان" يتألف من سراة الأمة ووجوهها وأصحاب الرأي فيها، وتكون مهمته -كما استخلصها من مقاله- لا تتعدى مهمة "بيت المال" في الدولة الإسلامية، في رعايته للفقراء وذوي الحاجات يجمع كل ما يجود به المحسنون، ويوزع بالعدل على المستحقين، أو كما تفعل "هيئة معونة الشتاء"، وإن تعداها لإنشاء الملاجئ والمستشفيات، وغير ذلك.
وهذه إحدى الصور التي كانت شائعة لدى المسلمين في عصورهم الذهبية، ورحم الله عمر بن عبد العزيز حيث جبيت الزكاة في عهده، وبحثوا عمن يستحقها، فلم يجدوا أحدًا، ولو أن المنفلوطي دعا إلى أن يؤخذ المسلمون بالشدة
(1/184)

ويجبروا على أداء الزكاة -تلك التي حاربهم عليها أبو بكر رضي الله عنه- لاستقامت الأمور بعض الشيء في مصر.
لقد وهت عروة الدين، وطغت الحياة المادية على النفوس -إلا من رحم ربك- وعطلت الزكاة، وبطل حكم الشرع، ولا يفكر الحاكم في إعادته، وقد جهد الاستعمار في توسيع الشقة بين طبقات الشعب ليوجد حالة من التذمر والسخط، حتى يلجأ الناس إليه مستجيرين من ظالمهم، ولم تكن الأفكار الاشتراكية الحديثة قد ظهرت بعد في مصر، ولو عرفها بعض المثقفين لما كان لمعرفتهم قيمة.
ولكن الذي لا ريب فيه أن المنفلوطي كان يشعر شعورًا حادًا بهذا البؤس الاجتماعي، وإن الصورة التي عرضها لفوضى الإحسان في مصر، لتدل على كثير، تدل على أن هذا الشعب فيه خيرون، ولكن فيه كذلك جشعون وجاهلون، وقد سلك الخيرون طرقًا خاطئة لبذل خيرهم، وربما كان ضرر إحسانهم أكثر من نفعه، على أن المسألة ليست مسألة إحسان كما سنوضح فيما بعد حين نفرغ من تلك الصورة التي قدمها المنفلوطي مظهرًا لمظاهر البؤس والفاقة بمصر.
تأثر المنفلوطي في منهجه هذا بآراء من سبقه من الكتاب والمصلحين في هذا الميدان، وبخاصة مدرسة جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وكان من أشد رجالها حماسة في هذا الميدان عبد الله النديم، وأديب إسحاق كل على طريقته في الأداء، وحظه من الثقافة.
كان المنفلوطي ذا نزعة اشتراكية، ولكنه لم يعرف كيف يوضحها كما نفهمها اليوم، أو كما قررها الإسلام كاملة1، ولننظر إلى بعض تلك الصور البيئية التي عرضها المنفلوطي، ففي مقاله "قتلة الجوع" يقول: "قرأت في بعض الصحف منذ أيام أن رجال الشرطة عثروا بجثة امرأة في جبل المقطم قتيلة، أو منتحرة حتى حضر الطبيب ففحص عن أمرها، وقرر أنها ماتت جوعًا.
__________
1 انظر بحثنا عن الاشتراكية والإسلام من مطبوعات جامعة القاهرة -وانظر كذلك: اشتراكية الإسلام للدكتور مصطفى السباعي.
(1/185)

تلك أول مرة سمعت فيها بمثل هذه الميتة الشنعاء بمصر، وهذا أول يوم سجلت فيه يد الدهر في جريدة مصائبنا، ورزايانا هذا الشعار الجديد.
ألم يلتق بها أحد من طريقها فيرى صفرة وجهها، وترقرق مدامعها وذبول جسمها، فيعلم أنها جائعة فيرحمها؟ ألم يكن لها جار يسمع أنينها في جوف الليل، ويرى غدوها ورواحها حائرة ملتاعة في طلب القوت فيكفيها أمره؟ أأقفرت البلاد من الخبز والقوت، فلا يوجد بين أفراد الأمة جميعها من أصحاب قصورها إلى سكان أكواخها رجل واحد يملك رغيفًا واحدًا زائدًا عن حاجته فيتصدق".
ويصف بعد ذلك العلة: تلك أن الأمة التي ألفت ألا تبذل معروفها إلا في مواقف المفاخرة والمكاثرة، والتي لا تفهم من معنى الإحسان إلا أنه الغل الثقيل الذي يوضع في رقاب الفقراء لاستعبادهم واسترقاقهم، لا يمكن أن ينشأ فيهم محسن يحمل بين جنبيه قلبًا رحيمًا.
"لقد كان في استطاعة تلك المرأة المسكينة أن تسرق رغيفًا تتبلغ به، أو درهمًا تبتاع به رغيفًا فلم تفعل، وكان في استطاعتها أن تعرض عرضها في تلك السوق التي يعرض فيها الفتيات الجائعات أعراضهن فلم تفعل؛ لأنها امرأة شريفة تفضل أن تموت بحسرتها، على أن تعيش بعارها، فما أعظم جريمة الأمة التي لا يموت فيها جوعًا غير شرفائها وأعفائها!! ".
وبجانب هذه الصورة للمرأة التي ماتت جوعًا في أرض ينبت ترابها الذهب، ويفيض فيها ماء النيل بالخير العميم، يضع صورة أخرى للوجهاء وذوي الثراء بمصر، وكيف يأكلون حتى يشبعوا، وكيف لا يحسنون -إن أحسنوا- إلا طمعًا في نظرة أمير أو لفتة وزير، أو زورة مدير، ولا سيما إذا كان هذا الثرى جاهلًا لا يمكن أن يكون له مطمح في المجد الصحيح، إذ ليس يصاحب علم فيفاخر به ولا صاحب قلم يخدم به المجتمع الإنساني، ولم يبق أمامه غير هذا المجد الكاذب، وهو مجد القربى من الحكام والعمال، ولا سبيل إلى ذلك ببذل ما يستطيع من الأموال، وهو ببذله هذا المال ينشد الدنيا لا الآخرة، فإذا نفد ماله
(1/186)

أو أصابته كارثة تجهم وجه الدور، وسدت دونه الأبواب، وذهبت وجاهته سدى، ولن يثاب على ما قدم من إحسان؛ لأنه لم يقصد به وجه الله.
ولقد كان المنفلوطي متحمسًا وهو يوازن بين "الكوخ والقصر"، وفي تلك المقالة يقول: "أنا لا أغبط الغنى إلا في موطن واحد من مواطنه إن رأيته يشبع الجائع، ويواسي الفقير، ويعود بالفضل من ماله على اليتيم الذي سلبه الدهر أياه، والأرملة التي فجعها القدر في عائلها، ويمسح بيده دمعة البائس والمحزون، ثم أرثى له بعد ذلك في جميع مواطنه الأخرى.
أرثى له إن رأيته يتربص وقوع الضائقة بالفقير ليدخل عليها مدخل الشيطان من قلب الإنسان، فيمتص الثمالة الباقية له من ماله ليسد في وجهه الأمل" -ثم يروح يعدد مواطن كثيرة لهذا الغني الكنز، الذي استلت من قلبه الرحمة يرثي له فيها.
وفي مقالة "الغني والفقير" يقول: "مررت ليلة أمس برجل بائس فرأيته واضعًا يده على بطنه كأنما يشكو ألمًا فرثيت لحاله، وسألته: ما باله؟ فشكا إلي الجوع، ففثأته عنه ببعض ما قدرت عليه، ثم تركته وذهبت إلى زيارة صديق لي من أرباب الثراء والنعمة، فأدهشني أني رأيته وضاعًا يده على بطنه وأنه يشكو من الألم ما يشكو ذلك البائس الفقير، فسألته عما به؟ فشكا إلى البطنة، فقلت: يا للعجب! لو أعطى ذلك الغني ذلك الفقير ما فضل عن حاجته من الطعام ما شكا واحد منهما سقمًا ولا ألما".
وكأني به كان ينظر إلى الحديث الشريف حيث جاء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا مترفًا متخمًا، قد امتد بطنه أمامه من ترفه وجشعه، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى بطن هذا الرجل، وقال له: "لو كان هذا في غير هذا المكان لكان خيرًا لك".
وكأني به كذلك قد نظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "من كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، ومن كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جانبه وهو يعلم".
(1/187)

ومن يقرأ نظرات المنفلوطي يخيل إليه أنه في هم مقيم يلازمه في غدوه ورواحه، وليله ونهاره من هذه الآفة المستحكمة، آفة البؤس التي يعاني منها سواد الشعب، فتأكل قوته، وتذيب حيويته، وتصم أثرياءه وأرباب الحكم فيه بوصمة العار.
وإذا كان المنفلوطي فيها سلف من حديث عن الفاقة والثراء قد عبر عما في ذات نفسه مباشرة، فإنه في حديث "أبي الشمقمق" يبين وجهة نظر الفقراء فيما يدور حولهم في دنيا أهملهم فيها أثرياؤها وأولو الأمر فيها، إن في هذا الحديث قد تقمص شخصية بائس فقير يفصح عن إحساسه مدى آلامه.
ففي مجلس جمع بعض ذوي المال "ما بين تاجر يعجب بصفقته الرابحة وزارع يفخر بقلة ما أعطي وكثرة ما أخذِ، وآخر يعلل نفسه بكثرة الغلات وارتفاع الأسعار ... "، وكلهم يشيد بهذا العهد الأخير عهد العدل والإنصاف، عهد الحرية والمساواة، عهد الرقي والعمران.
كل هذا وأبو الشمقمق جالس ناحية يجتر طرفه، ويهز رأسه، ويصعد أنفاسه، ويمضغ أضراسه، ويئن من أعماق قلبه أنينا خفيفًا يكاد يسمع فيه السامع فيقول الشاعر:
فيالك بحرًا لم أجد فيه مشربًا ... على أن غيري واجد فيه مسبحًا
فلما انفض المجلس انتحى المنفلوطي بصاحبه أبي الشمقمق ناحية، وجرى بينهما هذا الحديث.
- ألا يعجبك يا أبا الشمقمق حديث النهضة الحديثة التي نهضتها الأمة المصرية في عهدها الأخير، وأنت فرد من أفرادها، وجزء من جسمها، فنهوضها نهوضك، وسقوطها سقوطك- فأنت الأمة والأمة أنت.
- إن كنت تريد أنني فرد متكرر كثير الأشباه والأمثال في العوز والفاقة، وواحد لا سند لي ولا عضد، ودائر في مدارج الطرق، ومعابد السبل، فقد أصبت وأحسنت، وإن كنت تريد مني غير ذلك فأنا لا أفهم إلا كذلك.
(1/188)

- حسبك أن ترى تقدم الأمة المصرية في ثروتها وعمرانها، وبذخها وترفها، وكثرة ناطقها وصامتها فتسعد بسعادتها وتهنأ بهنائها.
- إن لم تبين لي سهمي من هذه السعادة، ونصبي من ذلك الارتقاء، فلا أصدق سعادة، ولا أتصور ارتقاء، وما دمت أرى أن لي هوية مستقلة عن هوية سواي من السعداء، ويدا تقصر عما تتناوله أيديهم، وبطنًا لا يمتلئ بما تمتلئ به بطونهم، وما دمت لا أدري واحدًا بينهم يلبس معي ردائي الممزق، وقميصي الممزق، ويقاسمني همي، ويشاطرني فقري، فهيهات أن أسعد بسعادتهم وأسر بسرورهم، وهيهات أن أفهم معنى قولك: أنت الأمة والمة أنت.
- إن الغيث إذا نزل يسقى الخصيب والجديب، والنجد والوهد، وينتظم من الأرض الميت والحي.
- كل سماء فيها الغيث إلاس ماء مصر فإني أراه:
كبدر أضاء الأرض شرقًا ومغربًا ... وموضع رحل منه أسود مظلم
مالي وللروض الذي لا أستنشق ريحه وريحانه، والقصر الذي لا أدخله مالكًا ولا زائرًا ... ، وبعد فما هو الارتقاء الذي تزعمه، وتزعم أنه يعنيني ويشملني؟ هل ترقت غرائز الإحسان في نفوس المحسنين؟ وهل خفقت قلوب الأغنياء رحمة بالفقراء؟
- نعم: أما ترى الأموال التي يتبرع بها الأغنياء للجمعيات الخيرية، والتي ينفقها المحسنون على بناء المدارس والمكاتب والمستشفيات؟
- إن هذه التي تسميها مكارم، ولا يسميها أصحابها إلا مغارم، ألجأهم إليها التملق للكبراء، وحب التقرب من الرؤساء، والطمع في الزخرف الباطل والجاه الكاذب.
مالي وللمدارس والمستشفيات، وأنا جوعان خبز لا جوعان علم، ولا مرض عندي إلا مرض الفاقة ... إلخ.
(1/189)

وإن دل هذا الحديث على شيء، فإنما يدل على فوضى الإحسان بمصر، وعلى أن المحسنين لا يبذلون المال إلا رياء وكرها، أو تقربًا من ذوي السلطة، وإن مشكلة الفقر حادة وعنيفة تكاد تخرج الفقير عن القيم الحقة، ونجعله غير مكترث بما يدور حوله من نهضة ما دامت هذه النهضة لا تلتفت إليه، ولا تعني به، ولا تحل مشكلته، إنه يبين مدى الألم والحياة السلبية التي يعيشها سواد الأمة وهم الفقراء بدون أن يسهموا في تقدمها؛ لأنهم قوى معطلة، عطلها الجوع والحرمان، ولم يعد يعنيهم من مظاهر الرقي حلوهم شيء.
ولقد تخيل المنفلوطي المدينة السعيدة، ولكنها ليست كمدينة أفلاطون كما رسمها في الجمهورية، ولا الفارابي في المدينة الفاضلة، ولا السير "توماس مور" في الأتيوبيا، بل إن مدينة المنفلوطي مدينة كان يرى أنها لا تتحقق إلا في المريخ، لا يزال أهلها على الفطرة، يعبدون الله بوحي من عقولهم لا عن رسالة بلغت إليهم، وقد التقى بأحد رجالها في منامه، ورأى فيه من السماحة الطبيعية، والخلق الكريم، وقد أنس به، وطلب إليه بعد أن عرف نقاء فطرته وسلامة طويته أن يزيره المدينة، قال: "فرأيت شوارعها فسيحة منتظمة، ومنازلها متفرقة غير متلاصقة، وقد أحاطت بكل منزل منها حديقة زاهرة، ورأيت سكانها مكبين على أعمالهم، مجدين في شئونهم، صغارًا وكبارًا، رجالًا ونساء، ما فيهم فقير يتسول، ولا متبطل يتثائب ويتململ، وأغرب ما استهوى نظري أنني لم أر في تلك المدينة ذلك التفاوت الذي أعرفه في مدائننا بين الناس في منازلهم ومراكبهم ومطاعمهم ومشاربهم، وهيآتهم وأزيائهم، كما جميع سكانها سواسية في حالة المعيشة، ودرجة الثروة، فسألت الشيخ:
- ألا يوجد فيكم غني وفقير، وسيد ومسود؟
- لا يا سيدي. حسب الرجل منا بيت يؤيه، ومزرعة تقيته، ودابة تحمل أثقاله، ثم لا تهان له بعد هذا فيما سوى ذلك، لهذا لا يوجد فينا سيد ومسود؛ لأنه لا يوجد فينا غني وفقير.
(1/190)

- لا بد أن يكون فيكم العاجز عن العمل، والمتعطل الكسلان.
- أما الكسلان فلا وجود له بيننا؛ لأنه يعلم أنه لا نرحمه، ولا نغفر له زلته في احتقار نعمة العقل والقسوة بتعطيله عن العمل، وأما العاجز فنحدب عليه، ونحسن إليه، ولا نرى لأنفسنا في ذلك فضلًا؛ لأننا إنما نمنحه جزءًا من القوة التي منحنا الله إياها لنعبده بها، ولا نرى وجوه العبادة أفضل من مواساة العاجزين ورحمة البائسين".
- أليس لكم حاكم يتولى أمركم.
- لنا حكم لا حاكم، وهو رجل قد وثقنا به وبفهمه واستقامته، فاخترناه لفصل الخصومات إن عرض لنا من ذلك عارض.
- أليس له جند وأعوان يؤيدونه، ويتولون تنفيذ أحكامه.
-نعم! كلنا جنده وكلنا أعوانه على كل من يختلف عليه، أو يتمرد على حكمه، فقد وثقنا به وبعدله، وحسبنا ذلك وكفى.
وقال المنفلوطي في نهاية رؤياه هذه: "تلك هي مدينة السعادة التي يعيش أهلها سعداء، لا يشكون هما؛ لأنهم قانعون، ولا يمسكون في أنفسهم حقدًا؛ لأنهم متساوون، ولا يستشعرون خوفًا؛ لأنهم آمنون".
هل تخيل المنفلوطي هذه المدينة كما وصفها تخيلًا، أو أنه تأثر بما قرأه عن المدن الغربية في نظامها وحسن تنسيقها، وفسيح شوارعها وحدائق منازلها، وعما اتصف به الأوربيون من الجد والانكباب على العمل، وبما قرأه من سيرة سلفنا الصالح، وتعاليم ديننا الحنيف من أن الإنس سواسية كأسنان المشط: سواسية في الحقوق والواجبات، لا سواسية في الثروة فالله سبحانه قد فضل بعض الناس على بعض في الرزق، ولقد اضطر المجتمع الشيوعي الذي نادى بالمساواة المطلقة في أول عهد الشيوعية أن يعدل عن المناداة بهذه المساواة في المأكل والملبس والمسكن والإنفاق؛ لأنها غير طبيعية؛ لأن الناس متفاوتون في مواهبهم وقدراتهم وذكائهم وعملهم، واجتهادهم فميز الأذكياء عن غيرهم.
(1/191)

ولعل المنفلوطي نظر إلى المجتمع الإسلامي في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أو عهد عمر بن عبد العزيز، وقد جبيت الزكاة في إحدى السنوات في عهده، فلم يجد من يستحقها: ومهما يكن من أمر، فلقد أشار إلى التفاوت الطبقي بمصر الذي يميز بعض الناس عن بعض في مأكلهم وملبسهم ومسكنهم، ذلك التفاوت الذي أدى إليه الإقطاع الزراعي المقيت في سالف الأيام حتى قضت عليه ثورة يوليو 1952، والذي جعل من الناس سادة وعبيدًا.
وعلى كل فالمنفلوطي كان قوي العاطفة، شديد الإحساس بآفة الفقر، وسفح قلبه دموعًا حارة على ما يعانيه البائسون ولكنه وقد وصف الداء، حام حول الدواء الناجع الذي يقضي باستئصال الآفة من أعماقها ولم يصل إليه، فالمسألة ليست مسألة إحسان وأريحية وجود يتقدم بها الأغنياء للفقراء، إن شاءوا أعطوا، وإن شاءوا منعوا، ولكنها مسألة حق معلوم للسائل والمحروم، فرضها الله في كتابه، وفرضتها الإنسانية الصحيحة الطاهرة، وحارب أبو بكر من امتنع عن أداء هذا الحق، إنها اشتراكية سمحة كان يحلم بها في منامه، ولم يدر أن الزمن ستدور دورته، وأن الثورة ستأتي فتنصف المظلوم من الظالم وتحاول إذابة الفروق بين الطبقات قدر المستطاع، وتوفر الغذاء للفقراء، وتديل دولة الطغاة، وتحقق قدرًا كبيرًا من المساواة.
(1/192)

اللغة العربية عند المنفلوطي:
ومن الموضوعات التي اهتم بها المنفلوطي في مقالاته الاجتماعية موضوع اللغة العربية، وقد رأى أن الهجمات قد اشتدت عليها من جهات كثيرة، من المستعمر الذي كان يمني نفسه بأن تتحول عنها إلى العامية حتى تنقطع بيننا وبين تراثنا وقرآنا وديننا الأسباب، وننسى حاضرتنا وتاريخنا وأمجادنا، فننصاع لتراهاته وسخافاته، وتقبل على ثقافاته، ومن بعض أذنابه الذين دأبوا على الترويج لما يقول، وقد شرحنا ذلك مدعومًا بالأدلة من أقوالهم في كتابنا الأدب الحديث دافع المنفلوطي عن اللغة العربية، ورد القول على من ادعى قصورها عن مقتضيات الحضارة الحديثة، وبين ان عوامل نموها كثيرة وبخاصة الاشتقاق، ويعجب من أن عرب الجاهلية بلغ بهم الترف اللغوي حدا وضعوا منه خمسمائة اسم للأسد، وأربعمائة للداهية وثلاثمائة للسيف، "ونحن نراها اليوم تضيق عن حاجتنا فلا نعرف لأداة واحدة من آلاف الأدوات التي يصنعها المعمل الواحد اسمًا عربيًا، اللهم إلا القليل التافة من أمثال: المسبر، والمبرد، والمشار، والمسمار".
وهو حينما يقول هذا، لا يعني الإزراء بها، والتحقير لها، وإنما يحاول جاهدًا أن يبعث فيها الحياة حتى تساير نهضتنا، وقد كمنت فيها عوامل نموها ورقيها، فرأى أن الحاجة ماسة إلى العناية الشديدة بأمرها، لا في مفرداتها فحسب، ولكن في أساليبها وتصفيتها من المبتذل الساقط، وقد أجمل رأيه بقوله: "إن كان الجاهليون في حاجة إلى مجتمع لتوحيد اللهجات المتشعبة، فنحن في حاجة إلى مجتمعات كثيرة: مجتمع لجمع المفردات العربية المأثورة وشرح أوجه استعمالها الحقيقية والمجازية في كتاب واحد يقع الاتفاق عليه والإجماع على العمل به، ومجتمع دائم لوضع أسماء للمسميات الحديثة بطريقة التعريب أو النحت أو الاشتقاق، وآخر للإشراف على الأساليب العربية المستعملة وتهذيبها وتصفيتها من المبتدل الساقط، والمستغلق النافر، والوقوف بها عند الحد الملائم للعقول والأذهان، وآخر للمفاضلة بين الكتاب والشعراء والخطباء، ومجازاة المبرز منهم والمقصر إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
قال المنفلوطي هذا قبل أن ينشأ مجمع اللغة العربية، وقبل أن ينشأ المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب وتخصص الجوائز العديدة لتشجيع المبرزين في مختلف الميادين، وإن دل هذا الرأي على شيء فإنه يدل على شدة حرصه على نهضة اللغة ومسايرتها للمدينة الحديثة، وبقاء أسلوبها عربية فصيحًا لا تشويه شوائب العجمة، والرقي بالأدب شعرًا ونثرًا.
وكما كان المنفلوطي شديد الحفاظ على اللغة كان كذلك شديد الحفاظ على الدين الإسلامي في سماحته، وقويم سلوكه، وكريم عاداته، وسامي أخلاقه، وعلى الرابطة التي تربط بين أهله إنه يريده نقيًا من شوائب البدع والآفات التي دست على بساطة عقيدته، ويريده قويًا بأهله الأقوياء.
(1/193)

وقد مرت بنا حملته على هؤلاء الذين يقفون الضباع الواسعة على قوم من ذوي البطالة والجهالة نظير انقطاعهم لتلاوة الآيات وترديد الصلوات، وقراءة الأحزاب والأوراد، ويريد أن ينقطع عنهم هذا الإحسان حتى يتعلموا صنعة أو مهنة يرتزقون منها رزقًا شريفًا.
فبهذا أمر الدين، وحث كل فرد على الإسهام في بناء المجتمع وخيره، وأما هؤلاء المحترفون للدعوات والصلوات، المتعطلون عن العمل النافع فهم ليسوا من الدين في شيء، والإحسان إليهم ضار بهم وضار للمجتمع على السواء.
وكذلك مرت بنا حملته على أدعياء التصوف، ومشايخ الطرق ويقول: "لو أنصفوهم لسموهم قطاع الطرق".
وقد رد على "كرومر" في كتابه مصر الحديثة MODERN EGYPT حين رمى الإسلام بكل نقيصة محتجًا بما صار إليه المسلمون من ضعف وهوان، وما عليه جمهرتهم من فساد وانحلال، وأخذ المنفلوطي في رده يفند مزاعمه، ويوازن بين الإسلام والمسيحية، والمدينة الحاضرة التي لا تمت إلى المسيحية بصلة، بل هي مدينة مادية بحت، تتنكر الأديان والروحانيات، وعزا في حماسة جارفة كل ما أصاب المسلمين من ضعف، وما دخل دينهم من خرافات ويدع إلى "قوم من المسيحيين، أو أشباه المسيحيين لبسوا لباس الإسلام، وتزيوا بزيه، ودخلوا فيه، وتمكنوا من نفوس ملوكه الضعفاء، وأمرائه الجهلاء فأمدوهم بشيء من السطوة والقوة، تمكنوا بها من نشر مذاهبهم السقيمة وعقائدهم الخرافية بين المسلمين ... "كل ما نراه اليوم بين المسلمين من الخلط في عقيدة القضاء والقدر، وعقيدة التوكل، وتشييد الأضرحة، وتجصيص القبور، وتزيينها، والترامي على أعتابها، والاهتمام بصور العبادات وأشكالها دون حكمها وأسرارها، وإسناد النفع والضر إلى رؤساء الدين، وأمثال ذلك أثر من آثار المسيحية الأولى، وليس من الإسلام في شيء".
وهو ينفي عن المسلمين التعصب الديني تلك التهمة التي يسارع إليها المستعمرون كلما وجدوا من المسلمين يقظة فكرية أو نهضة وطنية، ومع ذلك: "فهل التعصب الديني إلا اتحاد المسلمين يدا واحدة على الذود عن أنفسهم والدفاع عن جامعتهم، وإعلاء شأن دينهم حتى يكون الدين كله لله".
(1/194)

والحق أن المنفلوطي كان يمثل المسلم المستنير، والبعيد البعد كله عن التعصب الذميم، وهو حين ينفي تعصب المسلمين ضد من يخالفهم في الدين فإنما يقرر حقيقة، إذ لو كان لدى المسلمين أي تعصب للاشت الأكثرية الأقلية من زمن بعيد، في حين نرى المسلمين والمسيحيين يعيشون في كنف وطن واحد في ظل المودة، والإخاء عملًا بتعاليم الإسلام التي أوصت بأهل الذمة خيرًا.
ولا أدل على عدم تعصب المنفلوطي من ثورته العارمة عندما هاج المسلمون على المسيحيين في وية "أطنة" إحدى ولايات الدولة العثمانية، وقتلوهم ومثلوا بهم عام 1909، ويقول مخاطبًا المسلمين: "لو جاز لكل إنسان أن يقتل كل من يخالفه في رأيه ومذهبه، لأقفرت الأرض من ساكنها، وأصبح ظهر الأرض أعرى من سراة الأديم".
ويقول لهم: "وما جاء الإسلام إلا ليقضي على مثل هذه الهجمية والوحشية التي تزعمون أنها الإسلام، ما جاء الإسلام إلا ليستل من القلوب أضغانها وأحقادها، ثم يملؤها بعد ذلك حكمة ورحمة، فيعيش الناس في سعادة وهناءة".
ويشتد عليهم بقوله: "عذرتكم بعض العذر لو لم تقتلوا الأطفال الذين لا يسألهم الله عن دين ولا مذهب قبل أن يبلغوا سن الحلم، والنساء الضعيفات اللواتي لا يحسن في الحياة أخذا ولا ردًا، والشيوخ الهالكين الزاحفين وحدهم إلى القبور قبل أن تزحفوا إليهم وتتعجلوا قضاء الله فيهم، أما وقد أخذتم البريء بجريرة المذنب، فأنتم مجرمون لا مجاهدون، وسفاكون لا محاربون".
وهو بهذا يصدر عن عقيدة إسلامية صحيحة، وينادي بتطبيق الوصية التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة بألا يقتل المسلمون النساء والأطفال والشيوخ، وبتطبيق الوصية التي أوصى بها أبو بكر رضي الله عنه قواده، بل شملت وصية النبي الزرع والضرع والرحمة بها.
ونراه من ناحية أخرى يتحمس حماسة بالغة، ويأسى أشد الأسى عندما بدأ الطليان يغزون ليبيا، ويحالون النزول بطرابلس الغرب، ونراه يرثي لهؤلاء
(1/195)

المسلمين الضعفاء الذين اقتحمت ديارهم الجيوش الجرارة، ويبث الحمية في نفوس المسالمين حتى يغيشوهم وينجدوهم، وينعي على المستعمرين الطغاة ظلمهم وقهرهم.
كتب المنفلوطي أكثر من مقال في هذا الموضوع، مدفوعًا بعاطفته الإسلامية القوية، وضع فيه ذوب قلبه حمية وغيرة على الدين وأهله ورثاء، ورحمة لهؤلاء الذين يتصدون للاستعمار الغاشم، ويتطلعون إلى إخوانهم في مشارق الأرض ومغاربها، يناشدونهم القوة والنصرة، ويشيد ببطولتهم وحميتهم العربية الإسلامية في الذود عن ديارهم مع قلة عددهم وفقرهم.
ولقد كان لمقالاته في المؤيد أثرها، ونادى المؤيد بإنشاء هيئة الهلال الأحمر مزودة بالأطباء والأدوية، والأغطية والممرضين لإسعاق أهل ليبيا الأبطال، وماكان أحوجهم آنذاك إلى هذه النجدة، فضلًا عن تطوع كثير من أبناء مصر للحرب في صفوف إخوانهم العرب المسلمين.
ومع هذه العاطفة الدينية التي تجلت في كتاب المنفلوطي، ومواقفه الرائعة في الدفاع عن الدين، فإنه لم يكن متزمتًا، أو متنطعًا في دينه، بل كان متأثرًا بأستاذه محمد عبده، يفهم رسالة الدين فهمًا صحيحًا، ولا يحتفل كثيرًا بتلك القشور والمظاهر التي ليست من الدين في شيء، لم يكن ممن يعتقدون في شفاعة الأولياء، ويستنكر زيارة أضرحتهم والتوسل إليهم، اسمعه يقول لصاحبه في مقاله "يوم الحساب"، وكيف رد صاحبه عليه؟ :
- هل تستطيع أن تشفع لي أو تطلب لي شفاعة من ولي من الأولياء، أو نبي من الأنبياء؟
- لا تطلب المحال، ولا تصدق كل ما يقال، فقد كنا مخدوعين في الدار الأولى بتلك الآمال الكاذبة التي كان يبيعها لنا تجار الدين بثمن غال، ولا يتقون الله في غشنا وخداعنا، وما الشفاعة إلا مظهر من مظاهر الإكرام والتبجيل يختص به الله بعض المقربين، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ... إلخ.
(1/196)

ونراه يفضح ما يقوم به بعض المتفقهين في الذين من التحايل على الشرع، والجرأة على مخالفة أسراره وحكمته بالتأويل الكاذب، والفهم الخاطئ، والنوايا السيئة كما عرضه لحال الرجل الذي كان يصرخ يوم الحساب ويقول: "أهلكتني يا أبا حنيفة"، "فذنبه أنه كان يعمد إلى الأحكام الشرعية فنتزع منها حكمًا وأسرارها، ثم يرفعها إلى الله قشورًا جوفا ليخدعه بها، ويغشه فيها كما يفعل مع الأطفال والبله، مستندًا على تقليد أبي حنيفة أو غيره من كبار الأئمة، وأبو حنيفة أرفع قدرًا، وأهدى بصيرة، من أن يتخذ الله هزؤا وسخرية، وأن يكون ممن يهدمون الدين باسم الدين".
ولا ننسى أن المنفلوطي لقي ممن يتظاهرون بالتدين عنتا كثيرًا حينما كانوا يعنفونه، ويلومونه على اشتغاله بالأدب ويعدون ذلك خروجًا عن الجادة، ويعدا عن الدين، ولهذا نراه يدعو الناس ألا ينخدعوا بالمظاهر الكاذبة والمراءاة "وما هذه اللحية والسبحة والهمهمة والدمدمة إلا حبائل كان ينصبها لاصطياد عقول الناس وأموالهم، ولكن الناس لا يعملون".
وعلى الرغم من أنه غير متزمت في دينه إلا أن ثمة أمرين لم يتساهل فيهما قط: أولهما حجاب المرأة، وقد لام قاسم أمين في أكثر من مقالة على دعوته الجريئة، بل عد تلك الدعوة من الآثام التي سيحاسب عليها قاسم أمين يوم القيامة حسابًا عسيرًا، فيذكر في مقاله "يوم الحساب" محاولة بين الشيخ محمد عبده وقاسم أمين، يقول أولهما للثاني:
- ليتك يا قاسم أخذت برأيي، وأحللت نصحي لك محلًا من نفسك، فقد كنت أنهاك أن تفاجئ المرأة المصرية برأيك في الحجاب قبل أن تأخذ له عدته من الأدب والدين، فجنى كتابك عليها ما جناه من هتك حرمتها وفسادها وتبذلها، وإراقة تلك البقية الصالحجة التي كانت في وجهها من ماء الحياء.
وأما ثانيهما فهو الإلحاد في الدين، وفساد العقيدة، وكثر من مقالاته تفصح عن تهجمه الشديد على الإلحاد، وفي تتمة الحوار بين الشيخ محمد عبده وقاسم أمين، يقول ثانيهما للأول:
(1/197)

- أنا أردت أن أنصح المرأة فأفسدتها كما تقول، وأنت أردت أن تحيي الإسلام فقتلته، إنك فاجأت جهلة المسلمين بما لا يفهمون من الآراء الدينية الصحيحة، والمقاصد العالية الشريفة، فأرادوا غير ما أردت، وفهموا غير ما فهمت، فأصبحوا ملحدين بعد أن كانوا مخوفين، وأنت تعلم أن دينا خرافيًا خير من لا دين، أولت لهم بعض آيات الكتاب، فاتخذوا التأويل قاعدة حتى أولوا الملك والشيطان والجنة والنار، وبينت لهم حكم العبادات وأسرارها، وسفهت لهم رأيهم في الأخذ بقشورها دون لبابها، فتركوها جملة واحدة، وقلت لهم: إن الولي إله باطل، والله إله حق، فأنكروا الألوهية حقًّا وباطلًّا".
وهكذا كان موقف المنفلوطي في قضايا عصره الاجتماعية والدينية، متدينا يريد الخير للمجتمع، ويفهم الدين فهمًا صحيحًا، ويحارب الفساد والانحراف والزيغ في العقيدة1، ويندد بآفات المدنية الحديثة، ويدعو إلى عدم التعصب وإلى التسامح والتزام روح الشرع وأسراره وحكمه، متأثرًا بنشأته ووراثته ودراسته، وتلمذته للإمام محمد عبده".
__________
1 انظر "دمعة على الإسلام"، ج2 ص54، وانظر الصندوق "ضريح السيد البدوي" ج2 ص 23 من كتاب النظرات.
(1/198)

المراثي عند المنفلوطي:
لم يكن المنفلوطي من محترفي الرثاء، وإنما كان رجلًا ذا عاطفة جياشة، وشعور صادق، فهو لم يرث إلا صديقًا أو حبيبًا أو عالمًا جليلًا له قدره ومنزلته، أما رثاء الصديق فيتمثل في رثاثه للشيخ علي يوسف صاحب المؤيد، وكان رثاؤه دمعة وفاء لذلك الذي قدر مواهبه، وفسح له في صحيفته، وفتح له باب الشهرة، وتشفع له في محنته لدى الخديوي، ورأى فيه المنفلوطي بعين المحب تلك المزايا والسجايا التي خفيت على كثير من الناس.
وكان في رثائة له من اللوعة وحرقة الحزن، وشدة العاطفة ما جعلت رثاءه ندبًا وبكاء فيقول في رثائة: "هكذا تقوم القيامة، وهكذا ينفخ في الصور، وهكذا تطوى السماء طي السجل للكتاب؟ أفيما بين يوم وليلة يصبح هذا الرجل الذي كان ملء الأفئدة والصدور، وملء الأسماع والأبصار، وملء الأرجاء والأجواء، جثة ضاوية نحيلة مدرجة في كفن، ملحدة في مهوى من باطن الأرض سحيق!!؟
"لقد كان هذا الرجل العزاء الباقي لنا عن كل ذاهب، والنجم المتلألئ الذي كنا نتنوره من حين إلى حين في هذه السماء المظلمة المدلهمة المقفرة من الكواكب والنجوم، والدوحة الخضراء التي كنا نلوذ بظلها من لفحات هذه الحياة وزفراتها، فنحن إن بكيناه فإنما نبكي الأمل الذاهب، والسعادة الراحلة، والحياة الطيبة، ومن هو أولى بالتفجيع والبكاء من سعادتنا وآمالنا؟؟؟!!.
ثم يروح يعدد من مواهب الشيخ علي يوسف، ومواقفه المشرقة، وحصافته السياسية، وكيف كان يعامل أصدقاءه وأعداءه وكيف كان كريمًا سخيًا مع من يعرف ومن لا يعرف ويقول: "وما رأيته في يوم من أيام حياته حاقدًا ولا واجدًا ولا منتقمًا ولا طالبًا بثأر، ولا ذائدًا عن نفسه إلا في الساعة التي يعلم فيها أن قد جد الجد، وأن قد أصبح عرضه وشرفه على خطر"، ويختم رثاءه بعد تلك الجولة في مزايا صديقه حين يبين عظم الفديحة فيه بمثل ما استهل به الرثاء من تلك العاطفة الحزينة الجياشة حيث يقول: "أيها الراحل الكريم: لقد كنت أرجو أن أجد بين جنبي بقية من الصبر أغالب بها هذا الحزن الذي أعالجه فيك حتى يبلى على مدى الأيام، كما يبلى الكفن لولا قدر أبعدني عن موطنك في آخر أيام حياتك، فحرمني جلسة أجلسها بجانب سريرك أسمع فيها آخر كلمة من كلماتك، وأرى آخر نظرة من نظراتك، وحال بيني وبين خطوة أخطوها تحت نعشك أجزيك فيها ببعض ما خطوت لي في حياتك من الخطوات الواسعات، ووقفة أقفها عند قبرك ساعة دفنك أذرف فيها على تربتك أو دمعة يذرفها الباكون عليك، فلئن بكيت موتك يومًا فسأبكي حرماني وداعك أيامًا طوالًا حتى يجمع الله بيني وبينك".
أما رثاؤه لأحبائه فيتمثل من رثائه لابنه "الدين الصغير"، وقد بلغت عاطفته فيه مداها، وكاد يفقد اتزان عقله، ويهتز إيمانه بالله لولا أن ذلك الإيمان قوي مكين سرعان ما عاد به إلى الله، فيستهل رثاءه بقوله:
(1/199)

"الآن نفضت يدي من تراب قبرك يا بني وعدت إلى منزلي كما يعود القائد المنكسر من ساحة الحرب، لا أملك إلا دمعة لا أستطيع إرسالها، وزفرة لا أستطيع تصعيدها.
ذلك؛ لأن الله الذي كتب لي في لوح مقاديره هذا الشقاء في أمرك فرزقني بل قبل أن أسأله إياك، ثم استلبنيك، قبل أن أستعفيه منك، قد أراد أن يتم قضاءه في، وأن يجرعني الكأس حتى ثمالتها، فحرمني حتى دمعة أرسلها أو زفرة أصعدها، حتى لا أجد في هذه ولا تلك ما أتفرج به بما أنا فيه، فله الحمد راضيًا وغاضبًا، وله الثناء منعمًا وسالبًا، وله مني ما يشاء من الرضا بقضائه، والصبر على بلائه".
ويروح المنفلوطي يذرف الدموع سخينة سخية على فقيده، ويتحسر على ما قدمه له من دواء مر لم يجده نفعًا، ولم ينقذه من العذاب والتعذيب، ويتذكر بموته موت ما سبق أن دفنه من أولاد، فيهيج الجرح الجديد الجراح القديمة، وكاد يبلغ من اليأس مداه، وقد عبر عن لوعته وشدة حزنه في عبارات تذوب أسى وشجى.
"ما أسمج وجه الحياة من بعده يا بني، وما أقبح صورة هذه الكائنات في نظري، وما أشد ظلمة البيت الذي أسكنه بعد فراقك إياه، فلقد كنت تطلع في أرجائه شمسًا مشرقة تضيء لي كل شيء فيه، أما اليوم فلا ترى عيني مما حولي أكثر مما ترى عينك الآن في ظلمات قبرك.
دفنتك اليوم يا بني، ودفنت أخاك من قبلك، ودفنت من قبلكما أخويكما، فأنا في كل يوم أستقبل زائرًا جديدًا وأودع ضيفًا راحلًا، فيالله لقلب قد لاقى فوق ما تلاقي القلوب، واحتمل فوق ما يحتمل من فوادح الخطوب.
لقد افتلذ كل منكم يا بني من كبدي فلذة، فأصبحت هذه الكبد الخرقاء مزقًا مبعثرة في زوايا القبور".
ثم يسأل سؤالًا يدل على عظم فجيعته، ونفاد صبره، وشدة لوعته، كاد به يتزعزع إيمانه فيقول: "لماذا ذهبتم يا بني بعد ما جئتم؟ ولماذا جئتم إن كنتم تعلمون أنكم لا تقيمون.
(1/200)

لولا مجيئكم ما أسفت خلو يدي منكم؛ لأنني ما تعودت أن تمتد عيني إلى ما ليس في يدي، ولو أنكم بقيتم بعدم ما جئتم ما تجرعت هذه الكأس المريرة في سبيلكم".
ولكن يلوذ بإيمانه ثانية، ويسألهم أن يتوسلوا إلى الله الذي ينعمون بجواره أن يلهم أباهم الصبر، وأن يأتي به إليهم فهو يتمنى الموت حتى يسعد بلقاء أحبائه في دار النعيم.
وأما رثاؤه للعلماء فيتمثل في رثائه لجورجي زيدان صاحب الهلال، يرثه رثاء العارف بفضله، المقدر لمواهبه وخدماته في سبيل العلم والأدب، رثاء الأديب للعالم الذي أبلى في ميدان الجهاد العلمي خير بلاء.
ورثاؤه لجرجي زيدان ليست فيه تلك العاطفة الحادة التي لاحظناها في رثاء علي يوسف، ولا تلك اللوعة والحرقة التي شاهدناها في رثاء ولده، وإنما تعداد لمناقب الرجل وإشادة بآثاره ومنزلته بين مواطنيه، وعميم فضله على العلم والأدب: "مات جورجي زيدان، فنحن نبكيه جميعًا، أما هو فيبتسم لبكائنا، ويرى في تفجعنا عليه، والتياعنا لفراقه منظرًا من أجمل المناظر وأبهاها؛ لأنه يعلم أن هذه الدموع التي نرسلها وراء نعشه، أو نمطرها فوق ضريحه إنما هي ألسنة ناطقة بحبه وإعظامه، والاعتراف بفضله والثناء على عمله".
كان بطلًا من أبطال الجد والعمل، والهمة والنشاط، يكتب أحسن المجالات، ويؤلف أفضل الكتب، وينشء أجمل الروايات ويناقش ويناضل، ويبحث وينقب ... إلخ.
وراح المنفلوطي في رثائه هذا يرد على هؤلاء الذين ناصبوا جورجي زيدان العداء في حياته، فبعضهم رماه بالتطفل على المباحث الإسلامية، وأنه مسيحي لا يؤتمن على الإسلام، ولا أحسب أن أحدًا منهم كان يعتقد شيئًا مما يقول، ولكنهم كانوا يرون أن الدين سلعة تباع وتشترى، وأن سلعته ملك لهم، ووقف عليهم، ولا يجب أن تعرض في حانوت غير حانوتهم.
ورماه بعضهم بأنه سوري دخيل جاء يتجر بعلمه وأدبه في مصر "ووالله ما أدري كيف تتسع صدورهم للخمار الرومي، واللص الإيطالي، والفاجر الأرمني
(1/201)

أن يفتح كل منهم في كل موطئ قدم من مدنهم وقراهم حانًا يسلب فيه عقولهم، أو مقمرًا يسرق فيه أموالهم، أو مأخورًا يهتم فيه أعراضهم، فلا يطاردونه، ولا يحاربونه، ولا يسمونه دخيلًا ولا واغلا؟ ".
إنها مقالة مستأنية، ساق فيها الحجج الدامغة ليبرهن على علو مكانة جورجي زيدان، وسابغ فضله، وعظم أياديه على العلم والأدب والبحث، على الرغم من حقد الحاقدين، وحسد الحاسدين، وجهل الجاهلين.
ورثى المنفلوطي شبابه حين بلغ الأربعين، وكأنما أحس أنه يخطو إلى الموت سريعًا، وكان يتخوف هذا الموت؛ لأنه قادم على عالم مجهول لا يعلم فيه كيف يكون حظه، وكان شديد العاطفة في ذكرياته لشبابه الذي مضى على الرغم من أنه لم يتمتع فيه "بمتعة من المتع، ولا بلذة من الملاذ، ولا نلت في عهدك مأربًا من مآرب المجد والجاه، ولكني كنت أؤمل وأرجو، وبذلك الأمل كنت أعيش، وتحت ظلال ذلك الرجاء كنت أهنأ وأنعم".
والمنفلوطي على العموم سريع العبرة، شديد الإحساس، قوي العاطفة، وتجذبه المواقف الحزينة إليها جذبًا شديدًا ولنا وإلى هذه الظاهرة عودة عند الحديث عن أسلوبه وخصائصه.
(1/202)

مقالاته الأدبية:
على الرغم من أن كتابة المنفلوطي في الاجتماعيات والدين، والرثاء تتسم بالرشاقة والأناقة، وفيها كثير من قوة العاطفة حتى تكاد أن تلحق بالكتابة الأدبية إلا أن ثمة موضوعات كانت من قبل وقفًا على الشعر؛ لأن فيها مجالًا للخيال والعاطفية قد طرقها المنفلوطي، وارتفع فيه بأسلوبه عما ألقناه منه؛ ولأنها بعيدة عن معالجة شئون المجتمع، بل هي قطع وصفية قالها إشباعًا لحاسته الأدبية، واستجابة لمشاعره المرهفة مثل حديثه عن: الضمير، والجمال، والرحمة، والغد، والشعر.. إلخ، وإن لم يخل حديثه فيها عن موعظة سامعيه وقارئيه أداء لرسالته التي عاهد نفسه عليها.
ففي مقاله "الغد" يدور حول فكرة احتجاب الغد وما فيه من خير وشر عن أنظارنا وعقولنا، لكنه يوردها في صور متعددة: "الغد شبح يتراءى للناظر من مكان بعيد، فربما كان ملكًا رحيمًا، وربما كان شيطانًا رجيمًا، بل ربما كان سحابه سوداء إذا هبت عليها ريح بادرة حللت أجزاءها, وبعثرت ذراتها، فأصبحت كأنما هي عدم من الأعدام التي لم يسبق لها وجود".
"الغد بحر خضم زاخر يعب عبابه وتصطخب أمواجه، فما يدريك إن كان يحمل في جوفه الدر والجوهر، أو الموت الأحمر، الغد صدر مملوء بالأسرار الغزار تحوم حوله البصائر وتتسقطه العقول، وتستدرجه الأنظار، فلا يبوح بسر من أسراره إلا إذا جاءت الصخرة بالماء الزلال".
"كأني بالغد وهو كامن في مكمنه، ورابض في مجشمه، متلفع بفضل إزاره ينظر إلى آمالنا وأمانينا نظرات الهزء والسخرية، ويبتسم ابتسامات الاستخفاف والازدراء، يقول في نفسه: لو علم هذا الجامع أنه يجمع للوارث، وهذا الباني أنه يبني للخراب، وهذا الولد أنه يلد للموت، ما جمع الجامع، ولا بنى الباني، ولا ولد الوالد".
ثم يتكلم عن قدرة الإنسان على تذليل قوى الطبيعة في شتى مجالاتها في السماء والأرض والبحر، والنفس الإنسانية وذخائلها "حتى كاد يسمع حديث النفس، ودبيب المنى، واخترق بذكائه كل حجاب، وفتح كل باب، ولكنه سقط أمام باب الغد عاجزًا مقهورًا لا يجرؤ على فتحه، بل لا يجسر على قرعه؛ لأنه باب الله، والله لا يطلع على غيبه أحدًا".
ولكن لو علم الإنسان علم الغيب، وأطلع على ما يضمره الغد، أتراه يستريح ويسعد؟ يقول المنفلوطي في ختام مقالته: "لا ... لا، صن سرك في صدرك، وأبق لثامك على وجهك، ولا تحدثنا حديثًا واحدًا عن آمالنا وأمانينا، حتى لا تفجعفا في أرواحنا ونفوسنا، فإنما نحن أحياء بالآمال، وإن كانت باطلة، وسعداء بالأماني، وإن كانت كاذبة.
وليست حياة المرء إلا أمانيا ... إذا هي ضاعت فالحياة على الأثر
(1/203)

وليس في هذا المقال فكرة فلسفية عميقة يوحي بها الحديث عن الغد، وإنما هي صور متباينة لمعنى واحد، ومع ذلك تبلغ في طلاوتها وسمو عبارتها ما بلغته عبارة "شوقي" في حديثه عن العد بكتابه "أسواق الذهب"1.
ولعل طبيعة الموضوع وقف دون تحليقه في مجالات الخيال، مع أن ثمة منافذ للخيال في موضوع الغد، وحالت تبعًا لذلك دون سمو عبارته.
ولستمع إليه في موضوع وصفي خالص، وهو "مناجاة القمر" حيث يقول في مستهله:
"أيها الكوكب المطن من علياء سماته، أأنت عروس حسناء تشرف من نافذة قصرها، وهذه النجوم المبعثرة حواليك قلائد من جمان؟ أم ملك عظيم جالس فوق عرشه، وهذه النيرات حور وولدان؟ أم فص من ماس يتلألأ وهذا الأفق المحيط بك خاتم من الأنوار؟ أم مرآة صافية، وهذه الهالة الدائرة بك إطار؟ أم عين ثرة ثجاجة؟ وهذه الأشعة جداول تتدفق؟ أو تنور مسجور، وهذه الكواكب شرر يتألق".
وهو في هذه الاستهلال لمناجاته يعمد إلى العبارة الموشاة بالسجع والألفاظ المنتقاة، وبالخيال التفسيري المعتمد على التشبيه، وإن جاء خيالًا حسيًا وتشابيه من المنظورات.
ونراه بعد ذلك يربط بين نفسه وبين القمر، ويعقد موازنة لحاليهما من حيث الوحدة، والظهور في الظلمة، والأنس بالليل ووحشته ثم يقول: "يراني الرائي فيحسبني سعيدًا؛ لأنه يغتر بابتسامة في ثغري، وطلاقة في وجهي ولو كشفت له عن نفسيي، ورأى ما تنطوي عليه من الهموم والأحزان لبكى لي بكاء الحزين إثر الحزين، ويراك الرائي فيحسبك مغتبطًا مسرورًا؛ لأنه يغتر بجمال وجهك، ولمعان جبينك، وصفاء أديمك، ولو كشف عن عالمك لرآه عالمًا خرابًا وكونًا يبابا"، وفي هذه الموازنة لغة رومانسية جميلة، صيغت في عبارة سامية، زادها السجع غير المتكلف رونقًا.
__________
1 انظر ما تقدم عند الكلام عن شوقي في هذا الكتاب.
(1/204)

ثم ينهى المناجاة بالفكرة المطروقة من قديم في الأدب العربي حيث يجمع القمر بين المحبين، وأن الحبيب الغائب يتطلع إلى القمر كما يتطلع حبيبه، فهو الوصلة بينهما كل منهما يناجيه عساء يجعل النجوى، ويبلغ الشكوى، وهو يرى في صورة القمر ومرآته صورة حبيبه النائي، ليزداد شوقًا إليه ووجدًا عليه.
وفي موضوع "الرحمة"، وهو موضوع يتناسب مع رقة المنفلوطي ودقة حسه، وعميق عاطفته، وحدبه على الضعفاء والمساكين يستهله المنفلوطي بقوله: "سأكون هذه المرة شاعرًا بلا قافية ولا بحر؛ لأني أريد أن أخاطب القلب وجهًا لوجه، ولا سبيل إلى ذلك إلا سبيل الشعر".
وهو هنا لا يعالج موضوع ارحمة معالجة اجتماعية منطقية مدعومة بالأدلة، والأحوادث والكوارث ليرفق بها قلوب الهانئين على الضعفاء والمنكوبين، ولكنه يلجأ إلى الخطابة والموعظة المشحونة بالعاطفة.
"أيها الرجل السعيد: كن رحيمًا، أشعر قلبك الرحمة، ليكن قلبك الرحمة، بعينها".
"ستقول: إني غير سعيد؛ لأن بين جنبي قلبًا يلم به من الهم ما يلم بغيره من القلوب، أجل! فليكن كذلك، ولكن أطعم الجائع، وأكس العاري، وعز المحزون، وفرح كربة المكروب، يكن لك من هذا المجموع البائس خير عزاء يعزيك عن همومك وأحزانك، ولا تعجب أن يأتيك النور من سواد الحلك، فالبدر لا يطلع إلا إذا شق رداء الليل، والفجر لا يدرج إلا من بعد الظلام".
وهو يدعو من رزقوا السعادة، أو الذين يظنون أنفسهم سعداء أن يبكوا لمناظر البؤرس والفاقة: "وليتك تبكي كلما وقع نظرك على محزون أو مفقود، فتبتسم سرورًا ببكائك، واغتباطك بدموعك؛ لأن الدموع التي تنحدر على خديك في مثل هذا الموقف إنما هي سطور من نور، تسجل لك في تلك الصحيفة البيضاء، أنك إنسان".
ويستدل بما تقوم به الطبيعة حيال الإنسان رأفة به ورحمة: "إن السماء تبكي بدموع الغمام، ويخفق قلبها بلمعان البرق، وتصرخ بهدير الرعد، وإن الأرض تئن
(1/205)

بحفيف الريح، وتضج بأمواج البحر، وما بكاء السماء، ولا أنين الأرض إلا رحمة بالإنسان، ونحن أبناء الطبيعة، فلنجارها في بكائها وأنينها".
ويروح المنفلوطي يعدد هؤلاء الذين يجب على الإنسان أن يرحمهم: الأرملة التي مات عنها زوجها، ولم يترك لها غير صبية صغار، ودموغ غزار، والمرأة الساقطة، لا تزين لها خلالها، ولا تشتر منها عرضها علها تعجز أن تجد مساومًا يساومها فيه، فتعود به سالمًا إلى كسر بيتها.
والزوجة، والولد، والجاهل والحيوان، والطير "لا تحبسها في أقفاصها، ودعها تهيم في فضائها حيث تشاء، وتقع حيث يطيب لها التغيير والتنقير".
لقد كان المنفلوطي في مقال "الرحمة" شاعرًا حقًا، بلا وزن ولا قافية، يفيض قلبه بالرحمة والعطف، حتى شمل عطفه ورحمته الحيوان الأعجم، والطير الأخرس العاجز.
ولكن أيهما أبلغ أثرًا في النفس: تلك الطريقة الأدبية المعتمدة على العاطفة، والخطاب المباشر، والموعظة والعبارة الأنيقة، والجمل المتساوية ذات الجرس المتزن التي يقول إنها شعر بلا وزن ولا قافية، وأن الشعر في رأيه أسرع نفاذًا إلى القلب من سواه: "إن البذور تلقي في الأرض فلا تنبت إلا إذا حرث الحارث تربتها، وجعل عاليها سافلها، كذلك القلب لا تبلغ منه العظة إلا إذا داخلته وتخللت أجزاءه، وبلغت سويداءه، ولا محراث للقلب غير الشعر.
أم المعالجة الموضوعية المعتمدة على الأدلة والبراهين، المدعومة بالحوادث المصورة تصويرًا يهيج العاطفة ويستدر الدموع، ويحض على ما فعل الخير:
أعتقد أن الطريقة الثانية تكون أبلغ أثرًا، وأجدى نفعًا، على الرغم من جمال عبارة الأولى وعذوبة ألفاظها، وغزارة عاطفتها.
ومهما يكن من أمر المنفلوطي في مقالة "الرحمة" إنسان ذو قلب رحيم يفكر في غيره قبل أن يفكر في نفسه، ويحاول جهده أن يخفف من لوعة المكروب، وحزن المنكوب، وهو في ذلك متأثر بطبيعته وجبلته وما فطر عليه وبالدين
(1/206)

الإسلامي وتعاليمه السمحة التي تشربت بها روحه، وبنزعته الرومانسية، والإصلاحية.
وفي مقالته "الضمير" لا يبين لنا ما الضمير، وكيف ينشأ، ويتربى حتى يكون ذلك الحارس اليقظ الذي يرد الإنسان عن سبيل الغواية إذا ما هممت نفسه الأمارة بالسوء أن ترتكب إثمًا في حق الله، أو حق المجتمع أو حق سواه من الناس، والذي يحثه على فعل الخير وإنما نراه يتكلم عن "الخلق"، وهو يفرق بين التخلق والخلق ويقول: "أكثر الذين نسميهم فاضلين متخلقين بخلق الفضيلة لا فاضلون؛ لأنهم إنما يلبسون هذا الثوب مصانعة للناس، أو خوفًا منهم، أو طمعًا فيهم، فإن ارتقوا قليلًا عن ذلك لبسوه طمعًا في الجنة التي أعدها الله للمحسنين، أو خوفًا من النار التي أعدها الله للمسيئين.
أما الذي يفعل الحسنة؛ لأنها حسنة أو يتقي السيئة؛ لأنها سيئة فذلك من لا تعرف له وجودًا، أو تعرف له مكانًا.
إنه هنا سيئ الظن بأكثر اللناس فهم ليسوا فضلاء في رأيه، وهذا إسراف في الحكم، وطعن عنيف للمجتمع الذي يعيش فيه، والفكرة التي ساقها بأن بعض الناس فاضل؛ لأنه يرغب في الجنة ويخاف النار، ولا يفعل الحسنة لذاتها، ولا يتجنب السيئة لذاتها، فكرة دخيلة على الفكر الإسلامي يروج لها هؤلاء الذين لا يرون الدين والعقيدة لهما أثر في الأخلاق وتربيتها، وهو من المطاعن التي وجههها بعض أعداء الإسلام للقرأن الكريم والدين الإسلامي، ويقولون: يجب على الإنسان أن يكون خيرًا من نفسه، ومن نبع ضميرهِ، بعيدًا عن الشيء من نفسه، ومن نبع ضميره، وفاتهم أن الضمير هو ما قر في النفس منذ الصغر بالتربية والعرف والعادات، والنموذج الذي يراه المرء ويحتذيه، وقد تكون هذه التربية وتلك العادات والتقاليد منافية للفضيلة المطلقة التي يقرها العقل السليم، فلا يكون ثمة ذلك الضمير الذي ينشده رجال الأخلاق، وفاتهم أن الفضيلة بنت العادة كما يقول أرسطو، وأن جمهرة الناس ليسوا مفكرين وفلاسفة، وأن الغرائز الإنسانية الفطرية تتحكم في تصرفاته مهما قيل عنها، ومن هذه الغرائز الخوف من العقاب، والطمع
(1/207)

في الثواب، وأن الغاية التي يرمى إليها الدين بالترغيب والترهيب هي إيجاد المجتمع الفاضل، وأن السلطان الذي يمثل تلك القوة العليا التي تملك الثواب والعقاب، سلطان عظيم لو تغلغل في النفس وتشربت مبادئه السامية.
ويعالج المنفلوطي بعد ذلك "الخلق" بطريقة شعرية، فيقول: "الخلق هو الدمعة التي تترك فوق عين الرحيم كلما وقع نظره على منظر من مناظر البؤس، أو من مشهد من مشاهد الشقاء، هو القلق الذي يساور قلب الكريم، ويحول بين جفنيه والاغتماض كلما ذكر أنه رد سائلًا محتاجًا، أو أساء إلى ضعيف مسكين.
هو الحمرة التي تلبس وجه الحيي خجلًا من الطارق المنتاب الذي لا يستطيع مد يد المعونة إليه، هو اللجلجة التي تعتري لسان الشريف حينما تحدثه نفسه بأكذوبة، ربما دفعته إليها ضرورة من ضرورات الحياة، هو الشر الذي ينبعث من عيني الغيور حيثما تمتد يد من الأيدي إلى العبث بعرضه أو كرامته.
هو الصرخة التي يصرخها الأبي في وجه من يحاول مساومته على خيانة وطنه أو ممالأة عدوه".
ومن الموضوعات التي كنا نترقب أن يعالجها معالجة أدبية أو اجتماعية "الحرية"، ولكنه سلك فيها مسلكًا عجيبًا، وكأني به يدعو إلى الحرية المطلقة تلك التي لا يقيدها شرع أو عرف أو قانون، بل يرى أن الحيوان قد فهم الحرية أكثر من الإنسان فيقول: من أصعب المسائل التي يحار العقل البشري في حلها، أن يكون الحيوان الأعجم أوسع ميدانًا في الحرية من الحيوان الناطق، فهل كان نطقه شؤمًا علي وعلى سعادته؟ وهل يحمل به أن يتمنى الخرس والبله ليكون سعيدًا بحريته كما كان سعيدًا بها قبل أن يصبح ناطقًا مدركًا.
يحلق الطير في الجو، ويسبح السمك في البحر، ويهيم الوحش في الأودية والجبال، ويعيش الإنسان رهن المحبسين، محبس نفسه، ومحبس حكومته من المهد إلى اللحد.
صنع الإنسان القوي للإنسان الضعيف سلاسل وأغللًا وسماها تارة ناموسًا، وأخرى قانونًا ليظلمه باسم العدل، ويسلب منه جوهر حريته باسم الناموس والنظام.
(1/208)

لو عرف الإنسان قيمة حريته المسلوبة منه، وأدرك حقيقة ما يحيط بجسمه وعقله من القيود لانتحر كما ينتحر البلبل إذا حبسه الصياد في القفص، وكان ذلك خيرًا له من الحياة لا يرى فيها شعاعًا من أشعة الحرية، ولا تخلص إليه نسمة من نسماتها.
لا سبيل إلى السعادة في الحياة إلا إذا عاش الإنسان فيها حرًا مطلقًا، لا يسيطر على جسمه وعقله، ونفسه ووجدانه وفكره مسيطر إلا أدب النفس".
هل حقًا تعد تلك المسألة من أصعب المسائل التي يحار العقل البشري في حلها، أن يكون الحيوان الأعجم أوسع ميدانًا من الحرية من الحيوان الناطق؟
وما وجه الصعوبة في هذا الإدراك، وهي بديهة من البديهات، فالحيوان لا عقل له بقيده، وإنما يسير في حياته بوحي غريزته، لا هم له إلا أن يحافظ على حياته، ولو على حساب غيره من الحيوان، في حين أن الإنسان له عقل يهديه وينير له الطريق، هو اجتماعي بطبعه، لا يعيش في عزلة عن سواء فلا يعيش الناس حياة الحيوان يأكل القوي الضعيف، وإنما تنظم علاقاتهم النواميس الشرعية، والقوانين والعرف، تلك التي لا تعجب المنفلوطي ويريد أن يتحرر منها.
لست أدري من أين أتته هذه الفكرة! أغلب الظن أنها من وحي قراءته الغربية، والدعوة إلى الرجوع إلى الطبيعة والحياة الفطرية.
ولا نريد أن نلم بكل الموضوعات الأدبية التي طرقها المنفلوطي، فحسبنا ما ذكرناه منها، على أنه يكون في أحسن حالاته الأدبية في موضوعين، الموضوع الحزين، والرسائل، وقد مر بنا بعض تلك الموضوعات الحزينة في رثاثه لولده، وفي رثائة للشيخ علي يوسف، حيث بلغت عاطفته مداها، وارتفعت عبارته بما يتناسب مع تلك العاطفة.
وهاك مثالًا آخر على تلك المواطن الحزينة التي يجيدها المنفلوطي عاطفة، ومبني ألا وهو "غرفة الأحزان"، وإن استهل الموضوع بما يتناقض مع ما عرف به من انتقائه لأصدقائه، ومن تمسكه بأهداب الفضيلة حيث يقول: "كان لي صديق أحبه لفضله وأدبه أكثر ما أحبه لصلاحه ودينه، فكان يروقني منظره، ويؤنسني
(1/209)

محضره، ولا أبالي بعد ذلك بشيء من نسكه وعبادته، أو فلسفته واستهتاره؛ لأنني ما فكرت قط أن أتلقى عنه علوم الشريعة، أو دروس الأخلاق".
وهذا تصريح عجيب من المنفلوطي في عدم احتفائه، ومبالاته بما عليه الصديق من خلق ولو كان غير قويم، وأعجب من ذلك التعليل الذي أورده في أنه لم يفكر في أن يتلقى عنه علوم الشريعة أو دروس الأخلاق، ومن قال إن الرجل الفاضل أستاذ في الشريعة أو علم الأخلاق؟! وقد يكون أستاذًَا لهما وليس فاضلًا في خلقه، ولا حافظًا لدينه!!، إنه يعترف بأن صديقه هذا له فلسفته الخاصة في الحياة وأنه مستهتر، فكيف رضي به المنفلوطي الذي طالما وعظ وحث على مكارم الأخلاق صديقًا، بل كيف أحبه؟
على كل ليس هذا هو بيت القصيد في حديثنا عن غرفة الأحزان، ومناظر الشقاء والبؤس، حين يتردى الإنسان في مهواة اليأس أو الفاقة، أو العجز، أو تكربه الأحداث، وتنتابه النوائب، ولا يملك لها دفعًا.
لقد افتقد هذا الصديق الذي أحبه ردحًا طويلًا من الزمن حتى اعتقد أنه لن يجد إليه بعد ذلك سبلًا، ويقول المنفلوطي: "هنالك ذرفت من الوجد دموعًا لا يذرفها إلا من قل نصيبه من الأصدقاء، وأقفر ربعه من الأوفياء، وأصبح غرضًا من أغراض الأيام، لا تخطئه سهامها، ولا تغبه آلامها.
واعتقد أن هذا موقف مفتعل من المنفلوطي، فقد تناهى إليه من جيران صديقه هذا أنه ترك بيته من عهد بعيد، وأنهم لا يعرفون مصيره، وأنه وقف بين اليأس والرخاء برهة من الزمن يغالب أولهما ثانيهما حتى غلبه، فأيقن أنه قد فقد الرجل، "وهناك ذرفت ... إلخ"، والإنسان لا يبكي هكذا لمجرد الاستنتاج دون أن يكون منظر الميت أمامه يهيجه أو على الأقل يتحقق من وفاته، ولا سيما وقد طال الزمن على لقائهما.
ثم عثر على صديقه هذا بعد حين بطريق الصدفة، فيقول في شيء من التهويل والمبالغة: "بينا أنا عائد إلى منزلي في ليلة من ليالي السراء، إذ دفعني الجهل بالطريق في هذا الظلال المدلهم إلى زقاق موحش مهجور يخيل للناظر إليه
(1/210)

في مثل تلك الساعة التي مرت فيها أنه مسكن الجان، أو مأوى الغيلان فشعرت كأني أخوض بحرًا أسود، يزخر بين جبلين شامخين، وكأن أمواجه تقبل وتدبر، وترتفع وتنخفض، فما توسطت لجته حتى سمعت في منزله من تلك المنازل المهجورة أنه تتردد في جوف الليل، إلخ ولا شك أن في هذا الوصف لزقاق في القاهرة مبالغة وتهويل، فأي أمواج رآها في ذلك الزقاق تلك التي تقبل وتدبر، وترتفع وتنخفض؟ وأي لجة توسطها؟، ومهما يكن الظلام شديدًا حالكًا بالقاهرة، فلن يكون بهذه الصفة.
وأخيرًا نصل إلى المقطع الحزين الذي برع في مثله، لقد طرق باب هذا المنزل ففتحت له فتاة لا تتجاوز العاشرة من عمرها: "فتأملتها على ضوء المصباح الضئيل الذي كان في يدها، فإذا هي في ثيابها الممزقة كالبدر وراء الغيوم المتقطعة، وقلت لها: هل عندكم مريض؟ فزفرت زفرة كاد ينقطع لها نياط قلبها وقالت: أدرك أبي أيها الرجل، فهو يعالج سكرات الموت، ثم مشت أمامي، فتبعتها حتى وصلت إلى غرفة ذات باب قصير مسنم، فدخلتها، فخيل إلي أني قد انتقلت من عالم الأحياء إلى عالم الأموات، وأن الغرفة قبر، والمريض ميت، فدنوت منه حتى صرت بجانبه، فإذا قفص من العظم يتردد فيه النفس تردد الهواء في البرج الخشبي، فوضعت يدي على جبينه، ففتح عينيه"، وأطال النظر في وجهي، ثم فتح شفتيه قليلًا قليلًا، وقال بصوت خافت: "الحمد لله فقد وجدت صديقي، فشعرت كأن قلبي يتمشى في صدري جزعًا وهلعًا، وعلمت أنني قد عثرت بضالتي التي كنت أنشدها، وكنت أتمنى ألا أعثر بها وهي في طريق الفناء، وعلى باب القضاء، وألا يجدد لي مرآها حزنًا كان في قلبي كمينًا، وبين أضالعي دفينًا ... إلخ".
ثم قص الرجل قصته، وكيف وصل إلى هذا الحال من الضعف والهزال، فقد خدع فتاة ذات مال وجمال، ومناها بالزواج، ثم خاس في عهده، وتركها وهي حامل، فكتبت إليه بعد عشر سنين، وقد غادرت قصر أبيها بجنينها وأوشكت على الموت تطلب إليه أن يرعى فتاته، فجاءها وهي تلفظ أنفاسها في هذه الحجرة التي يموت فيها الآن، فأقسم ألا يبرحها حتى يقضي نحبه.
(1/211)

وقد أبدع المنفلوطي في وصف المأساة على عادته، واستخدام أروع أساليبه في إظهار الفجيعة مستعينًا بالتشبيه تارة، والسجع القليل أخرى، والألفاظ الموجبة، وتصوير جو البؤس والإملاق، والحزن والكآبة، والمرض والموت، واختار لقصته هذه اسمًا موحيًا بمضمونها وهو "غرفة الأحزان"، وقد تابع حديثه حتى وسد صديقه القبر بذلك الأسلوب الحزين، الذي برع فيه وارتفع به إلى الأسلوب الأدبي بخصائصه الفنية.
ولا نريد أن نتعرض لكل الموضوعات ذات الطابع الحزين، فهي كثيرة في النظرات، وهي سمة خمن سمات أدبة بعامة لرهافة في حسه، وعمق في عاطفته، وميل فطري إلى الحزن والتأثر بالنكبات "قد عاهدت الله قبل اليوم ألا أرى محزونًا حتى أقف أمامه، وقفة المساعد إن استطعت، أو الباكي إن عجزت".
وكان بطبعه عطوفًا على البائسين يرق لحالهم، ويرثي لبلواهم، وقد ذكر لنا أنه كا مغرمًا بالأدب الحزين الباكي: "كأني كنت أرى الدموع مظهر الرحمة في نفوس الباكين، فلما أحببت الرحمة أحببت الدموع لحبها، وقد سبق لنا الاستشهاد بتلك الكلمة، التي بين فيها أنه وجد بينه وبين أولئك البائسين شبهًا قويًا، فكأنما كان يبكي على نفسه، ولما تغير شأنه، وابتسمت له الدنيا، لم ينس ما لاقاه فيها من بؤس، أيام أن طلقت أمه، وتزوجت غير أبيه، وأيام أن كان يعيش في حجرة متواضعة، يعاني شظف العيش، وعنت الذين يحولون بينه وبين كتبه الأدبية، ويذيقونه الاضطهاد والعسف، حتى فر بنفسه منهم، ثم تخطف الموت فلذات أكباده الواحد تلو الآخر فزاده حزنًا على حزن.
وفوق كل ذلك تأثره بقراءته الرومانسية الغربية، والحزن سمة من سمات الرومانسية الفرنسية بخاصه، حتى عرف بداء العصر وقد وضحنا ذلك آنفًا، وقد وافق الأدب الرومانسي طبعه ومزاجه، ولهذا ترجم منه قصصه، وحذا حذوه في قصصه المؤلفة وفي مقالاته القصصية، وهو أدب مشحون بالعاطفة، والمنفلوطي كان سريع العبرة، شديد الحساسية، غزير العاطفة.
فلا نعجب بعد كل هذا إذا رأينا المنفلوطي يجيد في الموضوعات الحزينة، ويكون في أحسن حالاته الأدبية حين يتعرض لها، لولا بعض ما لا بسها من تهويل ومبالغة، ولعل ذلك من أثر اندفاعه في عاطفته إلى مداها، على أن هذا قد يغتفر في المقال الأدبي إذا لم يكن فيه إحالة أو تعسف.
هذا وكان مجتمعه الذي يعيش فيه يعاني أوصايا كثيرة خلقية واجتماعية، ورثها من عهود الاستعمار التركي والإنجليزي، ومن سوء تصرف الأسرة الحاكمة وحاشيتها، وعانى منها سواد الشعب الأمرين، والمنفلوطي كان يمت بأوثق الصلات إلى سواد الشعب هذا ويدرك ما يقاسيه، وما ينتابه من علل، فحاول جهد أن يشخص أدواءه، ويصف له دواءه على طريقته، وكثيرًا ما تلاقي وهو يشخص الداء بتلك الصور والمواقف البائسة الحزينة، فهاجت شجونه، واستدرت دمعه، وكان يحاول أن يبرزها مجسمة، في شيء من المبالغة حتى ينفذ بها إلى القلوب، فتنتفع بدوائه، وتستمع لندائه.
(1/212)

رسائله:
أما الموضوع الثاني الذي بلغ فيه تأنقه غايته، وحشد له كل طاقته الأدبية، وبراعة بيانه فهو الرسائل، وقد ذكرنا فيما سبق من هذا الكتاب تطور الرسائل في الأدب القديم والحديث، وأنها ظلت مجلى البلاغة والبيان عند الأدباء يهتمون بتدبيجها كل الاهتمام، جريا على عادة السلف؛ ولأنها ذات تقاليد موروثة، وبخاصة تلك التي وضعتها مدرسة ابن العميد، وذكرنا أن شيخ كتاب الرسائل في العصر الحديث هو عبد الله فكري، وأنه قد سن لها سننًا معلومة، وأنه ما من كاتب ولا متأدب إلا له في هذا الميدان جولات.
وكان طبيعيًا أن يطرق المنفلوطي باب الرسائل في معاملته مع أصدقائه الأدباء، وأن تكون رسائله الخاصة غير مقالاته العامة التي تعالج داء من الأدواء الاجتماعية، أو تطرق موضوعًا دينيا، أو ترثي عظيمًا، أو تبكي حبيبًا، أو تعبر عن خلجات نفسه حين تهتز لمنظر جميل أو نكبة من النكبات، أو حين يتعرض للكلام عن الرحمة والحرية وما شاكلها.
(1/213)

فالرسائل من خصائصها الموروثة الإيجاز وسمو العبارة، واصطناع المحسنات، وضروب الخيال التفسيري، إنها نوع من الشعر المنثور، وقد تتضمن تحليل أبيات شعرية، أو الاستشهاد بها، وسنرى ذلك واضحًا في رسائل المنفلوطي، مع عذوبة في ألفاظه، وتسلسل في فكرته.
ولم يترك لنا المنفلوطي في نظراته سوى أربع رسائل:
أولاها: رسالة التقاضي، أو الرجاء لقضاء حاجة، والملاحظ من ناحية الشكل أنه لجأ فيها إلى الجمل الدعائية المعترضة على طريقة مدرسة ابن العميد مثل أعزك الله، وأيدك الله.
ثم قصر الجمل، وتساويها في الطول، ولم يلجأ في الرسالة الأولى هذه إلى السجع إلا نادرًا، ولكنه استخدم الازدواج، وهو تشابه الفواصل في الوزن لا في الحروف.
وفيها بعض الاستعارات الموروثة كقوله: تخرس دونها ألسنة الشكر.
والملاحظ كذلك حسن اختيار الألفاظ، والإيجاز في التعبير، والوصول إلى القصد بدن مقدمات.
أما من ناحية معانيها فقد ورد مثلها كثير لدى القدماء، ورسائل التشفع والرجاء مما حفلت به كتب الأدب، فليس في الواقع بهذه الرسالة معنى جديد أو فكرة مبتكرة، وكل ما هنالك أنه لجأ إلى كرمه وفضله، ولم يلجأ إلى الشفعاء والوسطاء من حاشيته وإخوانه.
أما الرسالة الثانية: فيظهر أنها رسالة إلى حبيب، وإن أخفى المنفلوطي ذلك، فلم يصرح أكان الحبيب رجلًا أو امرأة بيد أن سياق الرسالة يدل على أنها حبيبة كما سنرى.
لقد كان مريضًا وطال مرضه، وأشرف على الموت، ثم عافاه الله منه، ولم يعده ذلك الحبيب، واكتفى بالاعتذار كتابة فأرسل إليه المنفلوطي رسالة يقاطعه فيها.
(1/214)

ويستهلها المنفلوطي بأن برئ من مرض حبه، وصحا من رقده كادت تتصل برقدة الموت، فهل كان مرضه بسبب الحب؟ وأنه لم يخدم بالكلام المزوق، ويقبل المعذرة، ولم يجد في رسالة حبيبه هذا ما كان يجده من قبل ذلك النور الذي كان يملأ عينيه، ويشع من سطورها ويملأ قلبه روعة وهيبة.
إنه يحمد الله الذي أداله من رقه، وكشف له من مكنونه ما كشف غشاء الهوى عن بصره، ولا يكون الإنسان رقيقًا إلا لحبيب لا لصديق ويقول المنفلوطي: "فجفت الدموع التي طالما أذلتها بين يديك، وقرت العيون التي كنت أساهر بها الكواكب شوقًا إليك، والمرء لا يذيل الدموع بين يدي الصديق، ولا يساهر النجوم شوقًا إليه، وإنما يكون ذلك من صفات العاشق وحالاته، ويصرح المنفلوطي بأن ما كان بينهما ليس الصداقة فحسب، ولكنه الحب "والحب شجرة يغرسها الأمل".
وقد بلغ غاية الأناقة في عبارته حين قال: "الحب شجرة يغرسها الأمل في القلب، ثم يغذوها بمائة وهوائه، فلا تزال تشتجر أغصانها، وترف ظلالها، وترق أطيارها حتى يعصف بها عاصف من اليأس فتموت".
ويبين أن قلبه قد انصرف عن هذا الحب، وأنه حاول أن يعيده إلى سيرته فأبى، وأنه معذور فيما فعل، فقد أساء إليه غاية الإساءة، وعذبه، وأركبه في سبيل ذلك الحب مركبًا وعرًا، والآن قد فر من سجنه، واستروح نسيم الحرية وهيهات أن يقبل العودة إلى السجن ثانية، وأنه كان الحبيس الذي أطلق سراحه.
وقد استخدام المنفلوطي بعض كلمات غريبة نوعًا ما كالقلب الشموس، والمهر الأرن، وحتى يئون القارظان، وهو يلجأ في هذه الرسالة بمهارة إلى السجع غير المتكلف، وإلى المقابلة بين حال اليأس وحال الأمل، وقد أبدع في إظهار قسوة حبيبه على ذلك القلب.
هذا مع سمو في التعبير، وتحليتها بالطباق والسجع أحيانًا، والاستشهاد بالشعر، وقصر الفقرات، والازدواج والتشبيه، والاستعارة كما في قوله حتى "يعصف بها عاصف من اليأس" "والقلب الشموس"، "وأنهلته من جفائك"، وله تعبيرات موروثة كقوله عن قلبه: ركب رأسه، وأرغمت معطسه، وليس للقلب رأس ولا معطس.
(1/215)

وكقوله: فلا أوبة حتى يئوب القارظان، إشارة إلى المثل "لا آتيك أو يئوب القارظان" وهما ابن عنزة، وعامر بن رهم وكلاهما من عنزة خرجًا في طلب القرظ "وهو ثمر شجر السنط" فلم يعودا، هو مثل غريب نادر الاستعمال في القديم والحديث، بل غير مناسب ألبتة في عصرنا هذا لمخالفته للبيئة التي كان عيش فيها المنفلوطي، ولكنه من محفوظه.
أما الرسالة الثالثة: فهي تهكم برجل بخيل تورط في ورطتين: الأولى قد زاره محتال، وما زال يداهنه ويماحله، ويطرق أبواب ضعفه حتى نال بعض رفده، والثانية: أنه قبل الذهاب إلى وليمة فأكل حتى شبع، ثم استمع للغناء بعد العشاء، والمنفلوطي يعجب لهذا التورط، ويسخر منه ومن بخله.
أما في الأولى فيبين له كيف خدعه ذلك المحتال؟ وكيف انتابته تلك النوبة من الكرم، وكيف سمح لدرهمه أن يخرج، وكيف ألمت به هذه الداهية، وكيف وصل هذا الشيطان إلى قلبه، كي يزيده تحسرًا على ما فرط منه، وندما على تلك النوبة من الأريحية.
"وإن أخوف ما أخاف عليك أن تكون أتيت من باب الخدعة الشيطانية التي يسمونها الرحمة، فإن كانت هي فالخطب عظيم والبلاء جسيم"، وهنا لا ينسى المنفلوطي ما في وطنه من المظاهر العديدة التي تستوجب الرحمة، وأن صاحبه هذا على بخله لا يستطيع أن يجابه كل هذه المظاهر، وإنه إن تورط في طريق الرحمة، فسيصير بعد قليل متسولًا مع المتسولين.
فإنك حيثما ذهبت، وأني حللت، لا تقع عينك إلا على يد شلاء، ورجل بتراء، وعين عمياء وصورة شوهاء، وثوب مخرق، وشلو ممزق، وطريح على التراب سقيم، وجسم أعرى من الأديم فإن لم تفارق الرحمة قلبك، فارق المال جيبك، فطفت مع الطائفين، وتسولت مع المتسولين ثم لا تجد لك راحمًا ولا معينًا".
وكأني به يصور له هواجس نفسه، ويعيره بأن الرحمة قد اجتثت من قلبه، وأنه لا عهد له بها، وأنه يخاف من التورط فيها حتى لا تحيله معدما يتسول، يتكفف الناس، كما كان يوهم نفسه بذلك، ويحتج لبخله.
(1/216)

أما الورطة الثانية، فهي قبوله الذهاب إلى وليمة، وقد بين المنفلوطي، كيف فرح هذا البخيل بهذه الدعوة؛ لأنه حرم على نفسه الطيبات، وكيف تحلب لها فوه، ورقصت أشداقه، وطار إليها، وكيف لنهمه وحرمانه، وقع على "خبزها وشوائها وفاكهتها وحلوائها، مثلج الصدر، ثابت القدم، ساكن القلب، طيب النفس".
ثم بين له خطأه في الذهاب إلى هذه الوليمة من وجهة نظره في البخل "كأنك لا تعلم أنها لذة الساعة، ومرارة العمر، وشبع اليوم وجوع الأبد، وأنك إنما طعمت خما في الحبالة من الحب، تأكله اليوم ليأكلك غدًا، فمن لك بالنجاة من مضيفك إن جاءك يومًا يتقاضاك دينه، وقد حفت به كوكبة من خلانه وصحبه فطار لمرآه لبك، وتمشى له قلبك في صدرك، وخيرك بين لحم شاتك ولحمك، فالفقر إن منحت، والعار إن منعت".
ئم يحثه تهكمًا وسخرية على الانزواء والانطواء كسابق عهده مكتفيًا من طعامه بالخبز والزيت، وحراسة صندوقه، لا يزور ولا يزار، حتى لا يتورط في مثل ما تورط فيه، ويحذره العودة إلى مثلها.
وقد بلغ المنفلوطي في الرسالة غايته في إظهار ضعف صاحبه، وبخله وشدة حرصه وابتعاده، وخلو قلبه من الرحمة، وأرعبه وأفزعه مما عساه يناله لتورطه في الذهاب إلى الوليمة، وزاده حسرة وندمًا للمحتال أن يخدعه في درهمه.
وله فيها تعبيرات طريفة بعضها قديم وبعضها حديث كقوله: "تحلب لها فوك، ورقصت لها أشداقك، وقوله: "وخيرك بين لحم شاتك ولحمك"، وتشبهه بالطائر الذي يلتقط الحب من الأحبولة يأكل اليوم وتأكله غدًا.
وهو يكثر فيها من السجع على غير ما عهدناه في الرسالتين السابقتين، ويستخدم ضروب الخيال التفسيري من تشبيه واستعارة، مع ما اتسمت به بقية رسائله من قصر الجمل وتساويها، واللجوء إلى الازدواج، وحسن اختيار الألفاظ.
(1/217)

والمنفلوطي قد قرأ -ولا شك- كثيرًا عن البخلاء: قرأ ما كتبه الجاحظ وما كتبه سهل بن هارون في رسالته المشهورة التي يدافع بها عن البخل.
وإذا رحنا نوازن بين ما كتب قديمًا، وما كتبه المنفلوطي نجد أنه لم يأت بجديد، وكل ما هنالك أنه عبث بصاحبه وساق آراءه في البخل مساق التهكم والسخرية، والتنذر على ذلك الحريص البخيل.
أما الرسالة الرابعة: فهي رسالة إلى صديق كبير يبين فيها المنفلوطي ما اعتراه من اليأس من هذه الحياة ومن فيها من الناس، وكيف استحالت هذه الحياة جحيمًا، ولهذا آثر العزلة حتى يوافيه أجله.
وتعتمد هذه الرسالة على وصف حالة اليأس التي يعانيها بالموازنة بينها وبين حال الأمل التي كان يطمع فيها، فإذا كان الأمل، جنة تغن أشجارها، وترن أطيارها، وتشتجر أغصانها، وتعتنق غدرانها، فاليأس هاجرة "تتلظى نارها، ويعتلج أوراها وتحول بين العيون واغتماضها، والجنوب ومضاجعها، والقلب يهبط به الخوف، فيتمشى بين الأضالع مشية الطائر الحذر".
أما حاله: "فتضرب كحال هذه الدنيا ما بين: "فرح وهم، وسرور وحزن، وقبض وبسط، ومد وجزر".
وهكذا يمضي يصور حالة القلق التي تعتوره: "اذكر الله ورحمته وإحسانه، ورأفته وحنانه، فيشرق لي من خلال ذاكره وجه الحياة الناضرة، وثغرها البارق وجمالها الساطع، وبشرها الضاحك، ثم اذكر الدهر وصروفه، والعيش وحتوفه، والأيام وما أعدت في طياتها لبنيها من عثرات في الخطوات، ونكبات في الغدوات والروحات، فألمس صدري بيدي لأعلم أين مكان قلبي من أضالعي، ثم أنثني على كبدي من خشية أن تصدعا".
ويلجأ إلى الله، إما أن يستكرم برحمته فينقذه من بلائه ويريحه من عنائه، وإما أن يورده حتفه، ويأخذه إليه، "فيستخلصني من موقف أنا فيه كالمريض المشرف، لا هو حي فيرجى، ولا ميت فيبكى".
(1/218)

ويبالغ ويهول فيما يعانيه صاحب الرجاء الكاذب من أهوال أشد إيلامًا "وأنكى وقعًا من النقص الذي يبتلى به عباده: في الأموال والأنفس والثمرات، وما يصيبهم من صاعقة العذاب، وطاغية الطوفان، والزلزال الأكبر والموت الأحمر.
وقد صار بهذه الحال اليائسة البائسة يحسد الحيوان والوحوش الهائمة؛ لأنها لا تفكر في غدها، ولا يقلقها الطمع في آت من الرزق، قد قنعت من الماء بالكدر، ومن العيش بالجشب "الخشن من الطعام"، فتساوى لديها السعد والنحس والنعيم والشقاء.
ويشبه نفسه برجل زلت رجله فوقع في بئر، وقبل أن يهوي إلى قراره علقت رجله بمرقاة، يحاول أن يصعد إلى أعلى فلا يستطيع، وتمنعه المرقاة من الغرق، فهو لا يزال معلقًا بين اليأس والرجاء، تتنازعه المخاوف، وتفتك به الوساوس.
ثم يقول في نهايتها: "هذه هي حالتي، وذلك همي، وهذا ما وسوس لي أن أعتزل الناس جميعًا، وأفارق عشيرتي وصحبي، ويراعي ومحبرتي، علني أجد في البعد عن مثارات الأماني، ومباعث الآمال راحة اليأس، فاليأس خير داء لأمراض الرجاء"، ثم يختمها بما ارتضاه لنفسه وهو في هذه الحال الكثيبة في عزلته:
"فهأنذا قابع في كسر بيتي، ولا مؤنس لي إلا وحدتي، أتخيل البيت قبرًا والثوب كفنًا، والوحشة وحشة المقبورين في مقابرهم؛ لأعالج نفسي على نسيان الحياة، وأمانيها الباطلة، ومطامعها الكاذبة، حتى يبلغ الكتاب أجله، وهذا آخر عهدي بك وبغيرك والسلام".
ونسأل: هل حقًا يبلغ اليأس بإنسان ما، وبخاصة إذا كان عنده شيء من الإيمان -وقد كان عند المنفلوطي منه الكثير- هذه الدرجة من الاضطراب والقلق، وتخيل الحياة جحيمًا لا يطاق حتى إنه ليتمنى الموت، بل ينتظره في وحشة وكآبة دونهما وحشة القبر وكآبته؟؟
(1/219)

وما هذا الأمر الجلل الذي جعله يفقد الثقة بالناس جميعًا، ويفارق عشيرته وصحبه وبراعه ومحبرته، ويحاول أن يقبر الأماني في نفسه؟ لم نعرف أن المنفلوطي مرت عليه بعد أن أخذ في الكتابة مثل هذا الأمر إلا في حالتين: الأولى عندما سجن؛ لأنه هجا الخديوي عباس، ولكن سرعان ما تشفع له المتشفعون فأفرج عنه، والثانية عندما مات أستاذه محمد عبده، فآثر العزلة في بلدته منفلوط، ولكن ما لبث أن استل يراعه، وأخذ يراسل المؤيد بعد برهة من الزمن.
أتراه افتعل هذه الرسالة افتعالًا ليبين ما قد يفعله اليأس بنفوس البائسين، من فقدان الثقفة بالناس، وعدم انتظار رحمة الله التي وسعت كل شيء!!
والرسالة كما نرى معتمدة كل الاعتماد على المقابلة، وهي ضرب من ضروب البديع، كما أن فيها كثيرًا من السجع، وإن كان خفيف الوقع على السمع، ليس متكلفًا ولا باردا، وبالنظرة إلى الحياة ومن فيها تلك النظرة السوداء الكئيبة التي تحيل حياة صاحبها نارًا تتلظى.
وفيها تضمين واقتباس "على كبدي من خشية أن تصدعا"، "ما أضيق العيش لولا فسخة الأمل"، "نقص في الأموال والأنفس والثمرات، من القرآن الكريم، وفيها براعة في تصوير حال اليائس بأكثر من صورة: صورة الظبي الخائف في أرض "تعزف جناتها وتحوم عقبانها، وتزأر سباعها، وتعوي ذئابها، وتحت سماء تتهاوى نجومها، وتتوالى رجومها، وتتراكم غيومها".
وصورة المتعلق بجوف البئر، وصورة المريض المشرف على الموت لا حي فيرجى، ولا يمت فيبكى، وصور هاجر اليأس التي تتظلى نيرانها ويعتلج أوارها.
والأسلوب قد بلغ درجة عالية في السمو والسلاسة والعذوبة والتدفق، عن طريق تلك الجمل القصيرة المتساوية، وبانتفاء الألفاظ المنسجمة النغم بعضها مع بعض، وعن طريق تلك التشابيه الموحية، والصورة الزاهية.
ورسائله في مجملها تسير على نمط مدرسة ابن العميد، فلم يتطور بها كما تطورت مقالاته.
(1/220)

البيان في رأي المنفلوطي:
قبل أن نصدر حكمنا على أسلوب المنفلوطي ومنزلته في عالم النثر، يجدر بنا أن نبين رأيه الذي ارتضاه لنفسه في كتابته، وحاول أن يحمل الناس عليه في الأسلوب الكتابي، يقول:
"جهل البيان قوم فظنوا أنه الاستكثار من غريب اللغة، ونادر الأساليب، فأغصوا به صدور كتبهم، وحشوها في حلوقها حشوا يقبض أودجها، ويحبس أنفساها، فإذا قدر لك أن تقرأها، وكنت ممن وهبهم الله صدرًا رحبًا، وفؤادًا جلدًا، وجنانا يحتمل ما حمل عليه من آفات الدهر وأرزائه، قرأت متنًا مشوشًا من متون اللغة، أو كتابًا مضطربًا من كتب المترادفات".
وجهله آخرون فظنوا أنه الهذر في القول، والتبسط في الحديث، واقعًا ذلك من حال الكلام ومقتضاه حيث وقع، فلا يزالون يجترون بالكلمة اجترار الناقة بجرتها، ويتمطقون بها تمطق الشفاه بريقتها حتى تسف وتبتذل، وحتى ما تكاد تسيغها الحلوق، ولا تطرف عليها العيون، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا".
فالبيان في رأيه ليس بالتشدق بالكلمات المعجمية، على طريقة كتاب المقامات منذ عهد الحريري حتى مطلع القرن العشرين، وليس كذلك بالتبذل بالكلمات السوقية التي لاكتها الألسنة، والأقلام حتى أسفت كالعملة الحائلة اللون ويقول: "ليس البيان إلا الإبانة عن المعنى القائم في النفس وتصويره في نظر القارئ، أو مسمع السامع صحيحًا لا يتجاوزه، ولا يقصر عنه، فإن علقت به آفة من تينك الآفتين فهو العي والحصر".
والبيان في رأيه كذلك: "هو النظم والنسق والانسجام، والاطراد والرونق، واستقامة الغرض، وتطبيق المفصل، والأخذ بمجامع الألباب، وامتلاك أزمة الأهواء".
ويشترط للكتاب الحق أن يكون صادقًا مع نفسه: "فذلك ما تراه في رسائل النظرات منتثرًا ههنا وههنا، وقد شعر به قلبي، ففاض به قلبي من حيث لا أكذب الناس عن نفسي، ولا أكذب نفسي عنها".
(1/221)

ويقول: "ولا تحيا كتابة كاتب سيعلم الناس من أمره بعد قليل أنه يكذبهم عن نفسه، وعن نفوسهم، وأنه يستبكي ولا يبكي، ويسترحم ولا يرحم".
وهو ممن يؤمنون بأن البيان صفة في الطبع، أي أن الأديب يجب أن يكون مطبوعًا، فتصدر عنه كلماته "عفوًا بلا تكلف ولا تعمل، صدور النور عن الشمس، والصدى عن الصوت، والأزيج عن الزهر، وشعاع لامع يشرق في نفس الأديب إشراق المصباح في زجاجته، وينبوع ثرار، يتفجر في صدره، ثم يفيض على أسلات قلمه".
وليست المسألة عنده مسألة علم بقواعد اللغة، ومعرفة بمتنها، وحفظ لآثارها، بل إن البيان "أمر وراء العلم، واللغة، والمحفوظات والمقروءات والقواعد والحدود، ولو أن امرءًا من كائن لكان أربع الكتاب، وأشعر الشعراء أغزرهم مادة في العلم، أو أعلمهم بقواعد اللغة، أو أجمعهم لمتونها".
وليس معنى ذلك أن يكون المرء جاهلًا باللغة: قواعدها وأصولها ومتنها، "فالعلم والمحفوظات والمقروءات والمادة اللغوية، والقواعد النحوية إنما هي أعوان الكاتب على الكتابة ووسائله إليها، فالجاهل لا يكتب شيئًا؛ لأنه لا يعرف شيئًا، ومن لا يضطلع بأساليب العربية أو مناحيها في منظومها ومنثورها سرت العجمة إلى لسانه، أو غلبته العامية على أمره، ومن قل محفوظه من المادة اللغوية قصرت يده عن تناول ما يرد تناوله من المعاني، ومن جهل قانون اللغة أغمض الأغراض وأبهمها، أو شوه الألفاظ وهجنها.
"ولكنها ليست هي جوهر الفصاحة ولا حقيقة البيان، فأكثر القائمين عليها، لا يكتبون ولا ينظمون، فإن فعلوا كان غاية إحسان المحسن منهم أن يكون كصانع التماثيل الذي يصب في قالبه تمثالًا سويًا، متناسب الأعضاء، مستوي الخلق، إلا أنه لا روح فيه ولا جمال له؛ لأنه ينقصهم بعد ذلك كله أمر هو سر البيان ولبه، وهو: الذوق النفسي، والفطرة السليمة، وأنى لهم ذلك؟ ".
(1/222)

ويقسم المنفلوطي الكتاب ثلاثة أنواع فيقول: "ولقد قرأت ما شئت من منثور العرب ومنظومها في حاضرها وماضيها قراءة المتثبت المستبصر، فرأيت أن الأحاديث ثلاثة: حديث اللسان، وحديث العقل، وحديث القلب.
ويقصد بحديث اللسان ذلك الكلام المنمق المزخرف، أو تلك الكلمات الجامدة الجافة لا يعني منها صاحبها سوى صورتها اللفظية، فإن كان لغويًا تقعر وتشدق، وتكلف وأغرب، حتى يأتيك بشيء خير ما يصنعه به الوصف أنه متن مشوش من متون اللغة لا فصول له ولا أبواب، وإن كان بديعًا جنس ورصع، وقابل ووشع، وزاوج وافتن بالكلمة مهملة كلها أو معجمة كلها، ثم لا يبالي بعد ذلك باستقامة المعنى في ذاته، ولا بمقدار ماله من أثر في نفس السامع"، وهذا النوع في رأيه هو أدنى الأنواع الثلاثة، وهو صنعة لا قيمة لها، وأما النوع الثاني أي حديث العقل، "فهو تلك المعاني التي ينحتها الناحتون من أذهانهم نحتًا ويقتطعونها اقتطاعًا، ويذهبون فيها مذهب المعاياة والتحدي والتعمق والإغراب، ويسمونها تارة تخيلًا، وأخرى غلوا، وأخرى حسن تعليل"، وضرب على ذلك عدة أمثلة تدل على الإحالة والغلو وفساد المعنى، وعلى أنها ليست مما يصدر عن الذوق السليم، والطبع المستقيم، وإنما هو تكلف مرذول ومعنى غريب.
أما النوع الثالث وهو حديث القلب، فهو "ذلك المنثور أو المنظوم الذي تسمعه، فتشعر أن صاحبه قد جلس إلى جانبك ليتحدث إليك كما يتحدث الجليس إلى جليسه، أو ليصور لك ما لا تعرف من مشاهد الكون، أو سرائر القلب، أو ليفضي إليك بغرض من أغراض نفسه، أو ليفض عنك كربة من نفسك، من حيث لا يكون للصناعة اللفظية ولا للفلسفة الذهنية دخل في هذا أو ذاك".
وهذا النوع الأخير هو الذي آثره المنفلوطي، وأطراه وحث عليه.
ويبين لنا أنه كان يقيد نفسه بمقدمة يوردها بين يدي موضوعه، ولا براهين على الصورة المنطقية المعروفة، ولا يلتزم استعمال الكلمات الفنية التزامًا مطردًا.
ولم يكن يكتب حقيقة غير مشوبة بخيال، ولا خيالًا غير مرتكز على حقيقة؛ لأني كنت أعلم أن الحقيقة المجردة عن الخيال لا تأخذ من نفس السامع مأخذًا، ولا تترك في قلبه أثرًا.
(1/223)

وكان كاتبًا ملتزمًا "أكتب للناس لا لأعجبهم، بل لأنفعهم، ولا لأسمع منهم: أنت أحسنت، بل لأجد في نفوسهم أثرًا مما كتبت".
وقد بين أنه لا يكتب للخاصة فلا أفرح برضاهم، ولا أجزع لسخطهم"، وإنما يكتب للعامة ولا سيما الذكي منهم الذي قد وهبه الله الفطرة السليمة وصفاء القلب وسلامة الوجدان، ما يعده لاستماع القول واتباع أحسنه".
ولم يكن المنفلوطي يفرق في الأهمية بين اللفظ والمعنى فهما ممتزجان في رأيه امتزاج الشمس بشعاعها، وليس للفظ كيان مستقل، فجماله من جمال معناه، بل يميل أحيانًا إلى تفصيل المعنى على اللفظ، ويرى أن اللفظ خادم المعنى، وأن المعاني هي جوهر الكلام ولبه، ومزاجه وقوامه "فما شغل الكاتب من همته بغيرها أزرى بها حتى تفلت من يده، فيفلت من يده كل شيء، ولا يضطرب اللفظ إلا؛ لأن معناه مضطرب في نفس صاحبه، ومحال أن يعجز الفاهم عن الأفهام، ولا المتأثر عن التأثير، والتعبير صدى لنفس الأديب، فإذا كانت مظلمة أو قبيحة انعكس ذلك في عمله؛ لأن النص لديه كالمرآة لا تكذب في نقل مرئياتها!
وهذا كلام غريب من أديب كانت شهرته معتمدة على براعة في أسلوبه وانتقاء ألفاظه وجودة صياغتها، ومعانيه ليست عميقة الغور نتيجة لدراسة واعية مستفيضة، وإنما مقالاتها في معظمها سطيحة المعاني، تأتي استجابة لوحي عاطفيته، أو قراءته في الصحف والمجلات.
وما الفرق إذا بين الحديث العادي والمقال الأدبي، أو الاجتماعي الذي يرمي صاحبه به إلى التأثير في النفوس، وليس بصحيح أنه يخاطب العامة بمقالاته، وإلا لاصطنع اللغة العامية التي يفهمونها.
أو ليس مما يؤثر في نفس السامع ذلك الأسلوب الطلي، والصياغة الجيدة، والسلاسة العذبة حتى تهتز نفسه، وتتأثر بما يقرأ أو تسمع، ألم يجعل المفلوطي المقياس الذي يقاس به العمل الأدبي هو مدى تأثيره في قارئه أو سماعه، ويقول: "إذا سمعت بيتًا من الشعر فأطربك أو أحزنك، أو أقنعك أو أرضاك أو هاجك ... فاعلم أنه من بيوت المعاني، وإن مررت من بيت آخر فاستغلق عليك فهمه وثقل
(1/224)

عليك ظله فاعلم أنه لا معنى له، ولا حياة فيه، فإن وجدت صاحبه واقفًا بجانبه يحاول أن يوسوس لك أن وراء هذه الظلمة الحالكة المتكاثفة نورًا متوهجًا يكمن في طياتها، فكذبه، وفر بنفسك وأدبك وذوقك منه فرارًا لا عودة لك من بعده.
وهذا النص يؤكد أن المنفلوطي لم يفهم قضية اللفظ والمعنى على حقيقتها، فلو
كان المهم هو المعنى يؤدي بأي لفظ كان لراقه ذلك البيت المستغلق؛ لأن الاستغلاق جاءه من ناحية اللفظ لا من ناحية المعنى الذي هو نور متوهج يكمن في طيات تلك الظلمة الحالكة.
إنها كما قال توأمان، متناظرات، متساويان في الأهمية، ومع هذا نرى المنفلوطي يناقض نفسه في هذه القضية فيقول: يقول القائلون بمذهب التفريق بين اللفظ والمعنى عن مثل هذه القطعة:
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على حدب المهارى رحالنا ... ولم يعلم الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح
إنها جميلة الأسلوب، ولكنها تافهة المعنى، لا تشتمل على أكثر من الوصف والتصوير، كأنهم لا يعملون أن التصوير نفسه أجمل المعاني وأبدعها، بل هو رأس المعاني وسيدها، والغاية الأخيرة منها".
وفاته أن التصوير ليس هو المعنى، وإنما هو محاولة لتوضيح المعنى، ولا يمنع هنا أن يكون المعنى تافها، وإن صوره صورة جميلة بأسلوب عذب، ومن ثم راقت الأبيات، واستعذبتها الآذان على الرغم من تفاهة معناها.
وما بال المنفلوطي يحاول بنثره هذا أن يحشر نفسه في زمرة الشعراء، ويعد نثره هذا شعرًا بلا وزن ولا قافية، أليس ذلك فرض تقدير منه لأسلوبه وطلاوته وعذوبته، وما فيه من رنات موسيقية.
لقد ابتدأ المنفلوطي حياته الأدبية شاعرًا، ثم انصرف عنه إلى النثر حين وجد المزاحمة القوية من شعراء فحول، فاتخذ الكتابة قالبًا لصب أفكاره، موشاة بالخيال
(1/225)

والعاطفة، وظن أنه بذلك يقول شعرًا: "الكاتب الخيالي شاعر بلا قافية ولا بحر، وما القافية والبحر إلا ألوان وأصباغ، تعرض للكلام فيما يعرض له من شئونه، وأطواره التي لا علاقة بينها وبين جوهره وصبغته".
ثم يقول: "أما الشعر فأمر وراء الأنغام والأوزان، وما النظم بالإضافة إليه إلا كالحلى في جيد الغانية الحسناء، أو الوشي في ثوب الديباج المعلم، فكما أن الغانية لا يحزنها عطل جيدها، والديباج لا يزري به أنه غير معلم، كذلك الشعر لا يذهب بحسنه وروائه أنه غير منظوم ولا موزون.
"ولقد كتب الكاتبون في تعريف الشعر، وأمعنوا إمعانًا بعد به عن مكانه، وضل به عن قصده، وعندي أن أفضل تعريف له أنه تصوير ناطق؛ لأن قاعدة الشعر المطردة هي التأثير، وميزان جودته ما يترك في النفس من أثر، وسر ذلك التأثير أن الشاعر يتمكن ببراعة أسلوبه، وقوله خياله، ودقة مسلكه، وسعة حيلته من رفع ذلك الستار المسبل بيه وبين السامع، فيريه نفسه على حقيقتها حتى يكاد يلمسها ببنائه، فيصبح شريكه في حسه ووجدانه".
وهو يقرر هنا أن التأثير إنما يأتي عن طريق الأسلوب وقوة الخيال، لا عن طريق المعنى وحده الذي يدركه السامع أو القارئ، إذا كان الأمر وقفًا على التأثير وما يتركه في النفس، بدون نظر إلى النغم والموسيقى الشعرية لقلنا إن الخطابة كذلك تؤثر في النفس، والخطيب البارع يستطيع بقوة خياله، ودقة مسلكه، وسعة حيلته أن يرفع ذلك التسار المسبل بينه وبين السامع، ويملك عليه لبه، ويدفعه لعمل ما يريد، والأمثلة على ذلك عديدة في الأدبين العربي والغربي.
وكثير من الكتاب يصلون بكتابتهم إلى هذه الغاية، ومن ثم فلا فرق بين الألوان الأدبية ما دام التأثير هو الغاية، إن الوزن والنغم والموسيقى عناصر هامة في الشعر لدى كل الأمم وفي كل اللغات، وقد تجد في بعض القطع النثرية سمة أو أكثر من سمات الشعر، ويسمى ذلك شعرًا منثورًا، أو نثرًا شعريًا، ولكنه ليس الشعر على أية حال".
إن المنفلوطي في رأيه هذا غلا أكثر من هؤلاء الذين يصطنعون اليوم الشعر الحر، ففيه شيء من النغم والوزن على الأقل ممثلًا في "التفعيلة" لقد أراد المنفلوطي أن يحشر نفسه في زمرة الشعراء بعد أن خرج منهم، ويرضي نفسه أولًا.
(1/226)

ومع ذلك نراه يرجع عن هذه الفكرة حين قرر فيما بعد أن "الشعر نغمة موسيقية قبل كل شيء، ثم يأتي بعد ذلك جمال الوصف وحسن التصوير، وتمثيل الحقيقة، واكتناه أسرار الكون، وتحليل مشاعر النفس وأمثال ذلك من الأغراض والمقاصد، على أن تكون النغمة الموسيقية أساسها والروح السارية فيها، ليتحقق الفرق بين الشعر والفلسفة، فالفلسفة غذاء العقل برزانتها وهدوئها وحججها وبراهينها، والشعر غذاء النفس برناته ونغماته، وأهازيجه ونبراته".
ونفهم من هذا أنه ممن يؤثرون الشكل على المضمون، أو اللفظ على المعنى، وإن حاول من قبل أن يسوي بينهما، بل حاول أن يفضل المعنى على اللفظ، ثم نراه يقول: "إن القطع الأدبية الشعرية أو النثرية التي نصف أسلوبها بالجمال إنما نصف بذلك معانيها وأغراضها، وأن الذين يزعمون من الشعراء، أو الكتاب أن أساليبهم الغامضة الركيكة المضطربة تشمل على معان شريفة عالية كاذبون أو واهمون في زعمهم".
لقد اضطرب المنفلوطي في فكرته عن اللفظ والمعنى كما رأينا، ولم يستطع أن يرى القفضية كما يدافع عنها من يؤثرون المعنى على اللفظ، بل جنح إلى إيثار اللفظ على المعنى من غير أن يدري.
(1/227)

أسلوب المنفلوطي:
يقول المنفلوطي في مقدمة النظرات: "يسألني كثير من الناس كما يسألون غيري من الكتاب: كيف أكتب رسائلي؟ كأنما يريدون أن يعرفوا الطريق التي أسكلها إليها فيسلكوها معي، وخيرًا لهم ألا يفعلوا، فإني لا أحب لهم ولا لأحد من الشادين في الأدب أن يكونوا مقيدين في الكتابة بطريقتي، أو طريقة أحد من الكتاب غيري، وليعلموا -إن كانوا يعتقدون لي شيئًا من الفضل في هذا الأمر- أني ما استطعت أن أكتب لهم تلك الرسائل بهذا الأسلوب الذي يزعمون أنهم يعرفون لي الفضل فيه، إلا؛ لأني استطعت أن أتفلت من قيود التمثل والاحتذاء، وما نفعني من ذلك شيء ما نفعني ضعف ذاكرتي والتواؤها عن أن تمسك إلا قليلًا من المقروءات التي كانت تمر بي".
ويقرر المنفلوطي في هذه الفقرة أنه على الرغم من قراءته الكثيرة، فلم يحاول أن يحاكي كاتبًا بذاته، وأنه استطاع أن يتفلت من قيود التمثل والاحتذاء على حد قوله: "فلقد كنت أقرأ من منثور القول ومنظومه ما شاء الله أن أقرأ، ثم لا ألبث أن أنساه، فلا يبقى منه في ذاكرتي إلا جمال آثاره وروعة حسنه ورنة الطرب به، وما أذكر أني نظرت في شيء من ذلك لأحشو به حافظتي، أو أستعين به على تهذيب بياني".
وكأني به يعيب على هؤلاء الذين يقلدون الأقدمين في أساليبهم، وبخاصة كتاب المقامات والذين أولعوا بالسجع، والحق أن المنفلوطي استطاع أن يسلك طريقًا جديدة في التعبير الأدبي متحاشيًا قدر المستطاع تقليد سواه، وعلى الرغم من ضعف ذاكرته كما يزعم، وأنها لم تحتفظ بكثير من التعبيرات القديمة، وأنه لم يقرأ ليحشو حافظته بهذه التعبيرات حتى يستعين بها على تهذيب بيانه، فسنرى بعد قليل أن مقدارا كبيرًا من هذه المحفوظات قد جرى إلى قلمه من غير إرادة منه.
كان المنفلوطي يميل إلى الترسل، ولكنه ليس كترسل ابن خلدون، بل ذلك الترسل الأدنى الذي لا يعمد فيه إلى السجع إلا نادرًا، وبدون تكلف، ويعمد في معظم الأحيان إلى الازدواج، ومراعاة النغم والانسجام بين فواصل الجمل، وحسن انتقاء الألفاظ، متجنبًا منها الحوشى والغريب قدر المستطاع، وإن استخدم بعضه أحيانًا على سبيل بعث الكلمة وإحيائها.
ولقد عرفنا فيما مضى كيف ظل السجع متلكئًا حتى العقد الأول من القرن العشرين، ولم يكن من اليسير على أي كاتب أن يتخلص منه تخلصًا كاملًا، ولا سيما في الموضوعات الأدبية التي يختص بها، وليس السجع في مثل هذه الموضوعات بمستنكر أو مستكره، والمنفلوطي وإن مال إلى الترسل والازدواج في معظم مقالاته إلا أن ثمة موضوعات كان انفعاله فيها شديدًا، واهتمامه بها عظيمًا، فغلب عليها السجع كموضوع سقوط عبد الحميد سلطان تركيًا ذي الحول والطول والجبروت، والذي كتبه تحت عنوان "دورة الفلك"، ويقول في مستهله مخاطبًا قصر "يلدز" الذي كان مقر خليفة المسلمين بالآستانة:
(1/228)

"أيها القصر:
أين الكوكب الزاهر الذي كان ينتقل في أبراجك؟ أين النسر الطائر الذي كان يحلق في أجوائك؟ أين الملك القادر الذي كان يسطع شمسًا في صباحك وبدرًا في مسائك؟
أين الأعلام والبنود تخفق في شرفاتك؟ والقواد والجنود تخطر في عرصاتك؟ أين الشفاه التي كانت تلثم ترابك، أو الأفواه التي كانت تقبل أعتابك؟ والرءوس التي كانت تطرق لهيبتك؟ والقلوب التي كانت تخفق لروعتك؟
أين الصوت الذي كان يجلجل فيقرع أذن الجوزاء؟، ويهدر فتلتفت عيون السماء؟ أين الفلك الذي كان يدور بالسعد والنحس، والنعيم والبؤس، والرفع والخفض والإبرام والنقض؟
أين كانت أسوارك وأبوابك، وحراسك وحجابك؟، كيف عجزت أن تمتنع على القضاء، وتصدر عن نفسك عادية البلاء:
ولم أر مثل القصر إذ ريع سريه ... وإذا ذعرت أطلاؤه وجآذره
تحمل عنه ساكنوه وهتكت ... على عجل أستاره وستائره"
وقد مرت فقرات عديدة مسجوعة من المقالات الأدبية، والعاطفية وبخاصة الحزينة كرثاثه، ورثاثه للشيخ علي يوسف.
وكان ذلك السجع غير المتكلف يزيد الكلام رونقًا، وقد مر بنا فيما مضى دفاع شوقي عن هذا النوع من السجع الذي يحل محل القافية في الشعر حيث قال: "السجع شعر العربية الثاني، وقواف مرنة ريضة خصت بها الفصحى، يستريح إليها الشاعر المطبوع، ويرسل فيها الكاتب المتفنن خياله، ويسلو بها أحيانًا عما فاته من القدرة على صياغة الشعر، وكل موضوع للشعر الرصين محل للسجع، وكل قرار لموسيقاه قرار كذلك للسجع، فإنما يوضع السجع النابغ فيما يصلح مواضع للشعر الرصين، من حكمة تخترع، أو مثل يضرب، أو وصف يساق، وربما وشيت بها لطول من رسائل الأدب الخالص، ورصعت به القصار من
(1/229)

فقر البيان المحض وقد ظلم العربية رجال قبحوا السجع وعدوه عيبًا فيها، وخلطوا الجمل المنفرد بالقبيح المرذول منه يوضع عنونًا لكتاب، أو دلالة على باب، أو حشوا في رسائل السياسة، أو ثرثرة في المقالات العلمية، فيا نشء العربية إن لغتكم لسرية، مثرية، ولن يضيرها عائب ينكر حلاوة الفواصل في القرآن الكريم، ولا سجع الحمام في الحديث الشريف، ولا كل مأثور خالد من كلام السلف الصالح".
وفي هذا الكلام يقرر شوقي أن هذا اللون من النثر يحل محل الشعر في موضوعه وفي موسيقاه، فيستخدم في الحكمة، والمثل والوصف والرسائل الأدبية الطويلة والقصيرة، وإذا كان قد تكلفه بعض الناس، واستخدموه في المقالة السياسية والعلمية والاجتماعية، فإنهم لم يفرقوا بين النثر الأدبي وسواه، واستشهد على ذلك بحلاوة الفواصل في القرآن الكريم، والحديث الشريف مبرهنًا على أن السجع قد يكون مصدر جمال ولا شك إذا تناولته يد صناع، وقلم بارع.
ونرى المازني يدافع عن المحسنات البديعية، ويعلل لها حيث يقول: "ربما أن العاطفة تحتاج إلى لغة حارة تعبر عنها، فقد استخدمت المحسنات ولكن هذه المحسنات صارت مرذولة بالصنعة والتكلف، أما عند شعراء الطبع فتأتي عفوًا، وتكاد لا تحس، فهي جميلة الوقع، ومعبرة تعبيرًا صادقًا عن العاطفة".
في حين نرى الزيات يدافع عن السجع والازدواج، "وهو اتحاد الفواصل في النغم دون الحروف"، ويفرق بين السجع والازدواج وبقية المحسنات، فالازدواج على إطلاقه والسجع على تقييده، يؤلفان الموسيقية في الأسلوب البليغ منذ كان للعرب ذوق أو للعربية أدب، فليست الحال فيها هي الحال في سائر الأنواع البديعية التي نشأت في الحضارة، وتمت بالترف، وسمجت بالتكلف، فالذين ينكرون على من يحسنون التأليف بين الأصوات، والمزاوجة بين الكلمات، والمجانسة بين الفواصل إنما ينكرون جمال البلاغة، وجميل البلغاء في دهر العربية كله".
وقد وضع عبد القاهر الجرجاني مقياسًا أدبيًا للحالات التي يحسن فيها السجع والتجنيس حيث يقول: "وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيسًا مقبولًا، ولا
(1/230)

سجعًا حسنًا حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساقه نحوه، وحتى تجده لا يبتغي به بدلًا، ولا تجد عنه حولًا".
فالسجع في رأي الجرجاني يأتي حسنًا حين يتطلبه المعنى، ولا شك أن المعاني الشعرية، والمواقف العاطفية تتطلب لغة خاصة، ومن هنا جاء استعمال السجع لينوب عن القافية في الشعر، ونحن بهذا لا ندافع عن سجع المنفلوطي، فالسجع والازدواج بل التعبيرات المجازية على اختلاف أنواعها لا تتجاوز السدس في أدبه، كما أحصاها السيد محمد أبو الأنوار في رسالته عن المنفلوطي، والسمة العامة في أسلوبه هي الترسل الأدبي، ولكن أردنا أن نبين ما للأسلوب الأدبي من سمات يتميز بها عن سواه، وأن السجع المطبوع، والازدواج على إطلاقه مما يزيد الكلام بهاء وطلاوة، ويرتفع بالعبارة، ويجلي عاطفة الكاتب.
وكان المنفلوطي في مقالاته ذا عاطفة جياشة على تفاوت في قوة تلك العاطفة باختلاف الموضوعات.
وكان يلجأ إلى الخيال التفسيري المعتمد على المجازات من تشبيه واستعارة، ولكنه كان يخطئ أحيانًا في فهم وظيفة التشبيه إذ لا يراد لذاته كما يقول عبد الرحمن شكري، "وإنما يراد لشرح عاطفة، أو توضيح حالة، أو بيان حقيقية"، فالتشبيه وسيلة أثر المشبه في نسه أو الإيحاء بهذا الأثر، فإذا لم يقترن بالعاطفة أو لم يكن وسيلة لنقلها، فلا فائدة منه ولا جدوى فيه".
من هذه التشبيهات التي لم تؤد الغاية منها قوله: "وطار طائر الليل من مكمنه، وما نشر الظلام أجنحته السوداء في الأفق حتى وجدتنى أحير من دمعة وجد في مقلة عاشق يدفعها الحب ويضيعها الحياء"، إنه هنا يتكلم عن إنسان يعيش في هذا العالم المليء بالشرور والمتناقضات، وفجأة وجد نفسه في مدينة السعادة فأخذته الحيرة، فهل استطاع هذا التشبيه بالدمعة في مقلة العاشق أن يصور حيرته، ويكشف عن إحساسه، لا أظن، إنه يستخدم تلك الصيغ القديمة والمهارة اللغوية من غير أن يراعى المقام، ومن غير أن يحمل التشبيه عاطفة أو يبين حقيقة.
(1/231)

ومن ذلك تلك الصور العديدة التي خلعها على القمر في موضوعه مناجاة القمر حيث يقول له: أأنت عروس حسناء تشرق من نافذة قصرها، وهذه النجوم المبعثرة حواليك قلائد من جمان؟ أم ملك عظيم جالس فوق عرشه، وهذه النيرات حور وولدان؟ أم فص من ماس يتلألأ وهذا الأفق المحيط بك خاتم من الأنوار؟ أم مرآة صافية وهذه الهالة الدائرة بك إطار؟ أم عين ثرة ثجاجة، وهذه الأشعة جداول تتدافق؟ أم تنور مسجور، وهذه الكواكب شرر يتألق؟
ليس في هذا التشبيه أي صدق في الإحساس، بل فيه تناقض، فبينا هو عين ثرة، والأشعة جداول، إذا هو تنور مسجور والكواكب شرر، والفرق بين التشبيهين شاسع، فالمفروض أن التشبيه يحمل لنا شعور الكاتب وهو يرى القمر، فآونة يرى القمر عروسًا والنجوم حولها قلائد من جمان، وآونة هو ملك عظيم وهذه النيرات حور وولدان، وآونة فص من ماس، فهو تارة أنثى وتارة ذكرًا وأخرى جمادًا، إنه ينظر إلى الشكل الخارجي، ومع ذلك لم يوفق في التشبيه وتبيان الحقيقة، فضلًا من إظهار العاطفة.
ومن هذه المجازات الفاسدة قوله في الشعرة البيضاء: "رأيت الشعرة البيضاء في مفرقي فارتعت لمرآها كأنما خيل إلى أنها سيف جرده القضاء على رأسي، أو علم أبيض يحمله رسول جاء من عالم الغيب ينذرني باقتراب الأجل".
والنذير لا يحمل علمًا أبيض.
وقوله: "وبينا أقلب أوراقي ليلة أمس إذ عثرت بها في سفط صغير، قد اصفر لونه لتقادم العهد عليه، كما يصفر الكفن حول الجثة البالية"، فأي تشبيه؟! وأي علاقة بين الكفن وبين السفط!! وهل رأى الكفن حول الجثة البالية، وأي تفزز يوحيه مثل هذا التعبير!!
وقوله: "وأن الغناء العربي كان قريبًا إلى القلوب، وأنه كان منها بمنزلة الأصابع من الأوتار فإذا لمسها رنت رنين الثكلى والمرزوءة في واحدها، وأن الوجدان العربي وجدان رائق شفاف تأخذ منه مختلف الأنغام فوق ما تأخذ الكهرباء من الأجسام" أي تميته وتصعقه، وليس هذا ما يريده ولا شكن، ولكنه أراد
(1/232)

أن يجدد في التشبيه فوقع في هذا الخطأ الفاحش، وأراد أن يصور طرب العربي للغناء فلم يجد إلا نواح الثكلى والمرزوءة في واحدها.
وأحيانًا يجني عليه محفوظة، ذلك الذي أنكر أنه عنى به أو حاوله في قراءاته المختلفة، والذي قلنا: إنه تسرب إلى تعبيراته من غير إرادة منه فيفسد التشبيه، ويحول بينه وبين أداء وظيفته، وذلك كقوله:
"إن منظر الشاكي ونغمة ثنائه وحمده أوقع من العود في هزجه ورمله، وأعذب من نغمات معبد في الثقيل الأول"، ولا يعرف الهزج والرمل من القواء إلا الأقلون عددًا، وما العلاقة بين نغمة الشاكي، ونغمات معبد في الثقيل الأول، وهو نفسه لا يعرف الثقيل الأول، إنه ترديد لما قاله الأقدمون حين كانوا يعرفون معبدًا، ويقدرون فنه، ويعرفون أنواع غنائه، وقد أخذه من قول البحتري:
هزج الصهيل كأن في نبراته ... نغمات معبد في الثقيل الأول
ومن ذلك المحفوظ قوله: "كنت أحسبه إنسانًا فإذا هو سيد عملس "أي سريع".
وقوله: "لو كشف لك عن نفسه.... لوددت أن لو تيسر لك أن تبتاع أقدام السليك بجيمع ما تملك يدك، ففررت من وجهه فرارًا لا من وجه الأسد" إنه يعيش في العصر الجاهلي أيام كان السليك بن السلكة مشهورًا بالعدو السريع، ويعيش في الصحراء أو الغابات حيث الأسود والحيوان الضاري، إنه مجاز لا يلائم مقتضيات العصر وتصوراته، وقد جاءه من محفوظه القديم.
ومن ذلك قوله: "اللهم إنا نعلم أنا لموت غاية كل حي، وأن مقاديرك التي تجري بها بين عبادك ليست سهامًا طائشة، ولا نياقًا عشواء"، فقد يكون التشبيه بالسهام مقبولًا على الرغم من أننا في عصر لا نستخدم فيه السهام، ولكن ما هذه النوق العشواء في القاهرة وفي هذا القرن؟؟
ومن ذلك قوله: "سلام عليك أيها الشباب، سلام على دوحتك الفينانة الغناء التي كنا نمرح في ظلالها مرح الظباء العفر في رملتها الوعثاء"، وهي صورة
(1/233)

بدوية معرفة في البداوة، وليست مما يراه الناس بمصر، وإنما هي مأخوذة من بطون الكتب لا من وحي الرؤية أو التجربة.
وقوله: "أحق ما تقول، وأنت الرجل السعيد بحظه المغتبط بعيشه: قصر غمدان، وخورنق النعمان وحور وولدان، وظل ظليل ونسيم عليل، وخزائن تموج بالذهب موج التنور باللهب"، فماذا يعرف قراؤه عن قصر غمدان أو الخورنق حتى يقدروا ما عليه صاحبه من النعمة؟ وهو يعيش بالقاهرة وفيها من القصور ما يزري بهذين القصرين عشرات المرات، ولكنه المحفوظ من الأدب القديم.
وكان المنفلوطي كثيرًا ما يستخدم المألوف الشائع من المجازات حتى المتداول على ألسنة العامة، وقد يصوغه صياغة جديدة، ولكنه لا يزال هناك كقوله مثلًا: "فأولى به أن يفر منها فرار السليم من الأجرب"، وقوله: "تهافت الذباب على الشراب"، وقوله: "تصارع الكلاب حول الجيف الملقاة".
وأحيانًا تأتي من محفوظه من الأدب القديم لقوله: "كفراخ القطا" وقوله: "البرد الذي كان يعبث بها عابث النكباء بالعود"، وقوله: "أدار رحى الحرب" إلى غير ذلك من التعبيرات المبثوثة في بطون الكتب القديمة، ومع ذلك فهناك صور جميلة وردت في ثنايا مقالاته، وهي ليست بالقليلة بل إنها تربى على تلك الصور المتداولة، أو التي جانبه فيها التوفيق، أو التي جاءت نتيجة الحفظ، وهي أكثر من أن تعد، ولنضرب على ذلك مثلًا أو مثلين كقوله مخاطبًا الشعرة البيضاء: "ما رأيت بياضًا أشبه بالسواد من بياضك، ولا نورًا أقرب إلى الظلمة من نورك".
وقوله مخاطبًا الشعرة البيضاء كذلك: "إن كان هذا مصيرك "أي الانتشار ونشر البياض في السواد"، فسيكون شأنك شأن ذلك السائح الأبيض الذي ينزل بأمة الزنج مستكشفًا، فيصبح مستعمرًا، ويدخل أرضها سلمًا، ويفارقها حربًا".
وقوله: "فكان يسكن إلى ذلك الوعد سكون الجرح الذرب تحت الماء البارد".
وقوله: "إن للثروة طغيانًا كطغيان الشراب".
(1/234)

وقوله: "كان مصطفى كامل سراجًا كبير الشعلة، وكل سراج تكبر شعلته يفرغ زيته وشيكا، وتحترق ذبالته فينطفئ نوره، كان مصطفى كامل نشيطًا سريع الحركة، فقطع جسر الحياة في لحظة واحدة".
وقوله -محاولًا التجديد في الصورة- عن الشيخ محمد عبده والشيخ علي يوسف: "وكانت منزلتهما من الأحياء منزلة الأم من مصابيح الكهرباء، تشتعل المصابيح بتيارها، وتضيء بأسرارها، فإذا فرغت مادتها وانقضى أجلها عم الظلام واشتد الحلك، والمصابيح كما هي جسم بلا روح، ولفظ بلا معنى".
ومن خصائص أسلوبه التي نلمحها بين آن وآخر إيراد الجمل المترادفة على المعنى الواحد في إسهاب، فيقول مثلًا: "المدى الشاسع"، والشأو البعيد"، ويقول: "والأدب جاثم في مكمنه هامد لميبعث من مرقده"، ويقول: "أين الباقي الذي يزعمون، والخلف الذي يذكرون"، ويقول: "أما الثاني فسر مذاع، وحديث مشاع"، ويقول: "أين البلابل التي كانت تنتقل بين أشجارها فتطرب بالأغاريد، وتستهوى بالأناشيد"، إلى عشرات الأمثلة التي نراها في مقالاته،
ولعل هذه الظاهرة أتت له من قراءته للجاحظ بصفة خاصة.
ونراه أحيانًا كثيرًا يكلف بالمقابلة كقوله: "إن كان يتمنى أن العيون التي رأته بالأمس وهو وضيع تراه اليوم وهو رفيع"، وقوله: "إنها شاركته في شدته فجيب أن تشاركه في رخائه، واحتملته والدهر مدبر عنه فيجب أن يحتملها والدهر مقبل، وأقرضته الصبر على عشرته، فيجب أن يوفيها الصبر على عشرتها".
وكقوله: "لا يجد المرء لذة الطعام إلا إذا ذكر الجوع، ولا لذة الماء إلا إذا ذكر الظمأ، ولا لذة السعادة إلا إذا تمثل أمام عينيه عهد الشقاء، فما أحوجه إذا انتقل من عذاب الفقر إلى نعيم الغنى -إلى أصدقاء عهده الأول، وعشرائه ليجلس ويتحدث عن ماضيه، فيشعر بلذة الانتقال من حال إلى حال".
ونراه أحيانًا يرد الجمل على نفسها كقوله: "وأحسب أنها إذا كانت إذا خلت بنفسها أو خلا لها وجه السماء".
(1/235)

وقوله: "لا تبالي أسقطت على الموت أم سقط الموت عليها".
وقوله: "بين جمال الأنوار، وأنوار الجمال، ويقلب طرفه بين حسن الزهرات، وحسن الفتيات، لا يعلم أتشبه القامات الغصون، أم الغصون القامات".
وقوله: "لم ينفع الرجل دفاعه عن نفسه، ولا دفاع ابنته عنه".
وقوله: "لا تسمع شيئًا مما يقولون، ولا يعنيهم أن يسمعوا شيئًا مما تقول".
وقوله: "وأخدعه عن نفسي، ويخدعني عن نفسه".
وقوله: "لا يلوي على أحد ولا يلوي عليه أحد".
إلى غير ذلك من الأمثلة العديدة التي تلفت النظر في أسلوبه.
هذه بعض خصائص أسلوبه من ناحية الصياغة، وهو أسلوب في الغالب مشحون بالعاطفة، وليس فيه عمق الفكرة، ولا الخيال المجنح، ولا الخيال الابتكاري، وإنما يعمد إلى ألوان المجاز، فيه سجع أحيانًا، ولكنه ليس كسجع القدماء، بل هو سجع رقيق غير متكلف إلا في النادر، وفيه ازدواج مطبوع، وفواصل ترتاح النفس لها لتلاؤمها الموسيقي.
أفاد من دراسة الأدب القديم في تربية ذوقه، ولكنه تجنب المتوعر منه حتى لقد كان يرى أن المتأدب في العصر الحديث لا يحتاج إلى الشعر الجاهلي، ولا شعر الحماسة والحرب ووصف الإبل، فذلك في رأيه آخر ما يحتاج إليه المتأدب في هذا العصر.
وينعي على هؤلاء الذين يتجنبون في مختاراتهم للطلاب أبواب الغزل، ووصف الطبيعة، وعواطف النفس الإنسانية، وتصوير حالاتها ووجداناتها في الخير والشر، والعرف والنكر، كأنما يحسبون أن كل بيت غزل بيت ريبة، وكل وصف خمر حانة شراب، وما سمعنا من قبل، ولا نحسب أن سيسمع السامعون من بعد أن متأدبًا أفسده ديوان غزل، أو أغراه بالشراب وصف خمر".
(1/236)

وإذا كنا قد رأينا في بعض ما كتب مسحة من القديم الذي حاول جهده ألا يطغى على أسلوبه، فقد كان ذلك على سبيل البعث والإحياء، وكم كان عصره في أشد الحاجة إلى مثل هذا البعث والإحياء، للتعابير الأنيقة، ومع أن المنفلوطي استعان بالقديم أحيانًا إلا أنه ألبسه ثوبًا جديدًا قشيبًا، وخلع عليه من روحه وعاطفته وفنه، وشخصيته، فألبسه حياة جديدة، ولقد أخذ عليه بعض النقاد هذا التمسح بالقديم -مع أنه قليل جدًا في كتاباته- وإنما يرد في عبارة هنا، وعبارة هناك ومنهم مارون عبود في كتابه "جدد وقدماء".
وأغلب الظن أن هؤلاء الذين عابوه لاستعانته بالقديم، وتسرب بعض الصيغ القديمة إلى أدبه، من أمثال مارون عبود، وسلامة موسى، لا يرضيهم الأسلوب العربي المتين، ذلك الأسلوب الذي يعتقد مارون عبود، أنه جنى على عقولنا -نحن العرب- أكثر مما فعلته الأحذية الحديدة ببنان الصبية.
هل يريدون قالبًا غير عربي أو لا يتقيد بشروط الصحة اللغوية، ومقاييس الفصاحة؟ هل يريدون أن يؤدي المعنى بأي لفظ تهيأ للكاتب، ولو كان مبتذلًا سخيفًا؟ وأي فرق إذا بين الأدب وسواه؟
ويبالغ مارون عبود حين يقول: "لقد فتشت آثار المنفلوطي كلها فما عثرت بتعبير شخص لهذا النابغة، فهل بين الناطقين بالضاد من يدلني على واحد". وهذا لعمري غاية التجني على المنفلوطي الذي صنع من تلك الألفاظ العربية الموروثة عبارات سهلة عذبة في الأناقة والطرافة، خالية من شوائب العجمة والابتذال والتكلف، غنية بموسيقاها ورخامة جرسها.
لقد فتح المنفلوطي بأسلوبه هذا فتحًا جديدًا في النثر الحديث، حيث لم يلجأ إلى أسلوب المقامات ذي السجع المتكلف المصنوع، ولم يغرق في المحسنات البديعية التي كانت تقصد لذاتها، ويتكلف الكتاب في سبيلها ما يتكلفون، وقد يجنون على المعنى في سبيل اقتناصها، ولم يلجأ غلى ذلك الأسلوب الصحفي الذي يحمل كثيرًا من التعبيرات الأعجمية المترجمة، ولا يتحرى فيه كاتبه صحة اللغة، ولا أناقة العبارة، ولم يكتب باللغة العامية التي دعا إليها كثيرون في عصره من المستعمرين وأذنابهم.
(1/237)

وقد أخذوا عليه إسرافه في العاطفة، وبخاصة الحزينة منها إلى حد التهالك والرخاوة، فيقول المازني في الديوان: "وقد أسلفنا أن وصف أسلوبه بالنعومة أقرب إلى الصواب، ولكنه ليس كل الصواب؛ لأنه متجاوز ذلك ذاهب إلى أدنى منه وليس أدنى منه ذلك إلا الأنوثة، وهي أحط وأضر ما يصيب الأديب، ولكنها مع الأسف تجوز على فريق من الناس يلتذونها ويسيغونها، ويعجبون بها، ويبلغ من استحسانهم إياها أن يشجعوه، ويغروه بالكد في إبراز ما ليس أقتل منه للرجولة".
ثم يقول: "بأن المرء وظيفته أن يغالب قوي الطبيعة؛ لأن الأصل في الحياة الصراع.... إن هذه الحقيقة قد فطن إليها الأقدمون السذج، ولكن المنفلوطي المسكين ليس له من عمل في الدنيا إلا البكاء على الأشقياء، كأنما خلق الرجل أضعف من الدودة الجوالة في جوف الثرى".
ويقول العقاد: "وربما كان أدب المنفلوطي أصدق الأمثلة، وأقربها إلى توضيح الفرق بين ليونة الطبع، وإن شئت فقل دماثته، وبين صدق الإحساس، وسرعة العطف على الآلام والأشجان، فإن كثيرًا من الناس يخيل إليهم أن الطبع الذي يصفونه بالمدماثة والرقة، هو أصدق الطبائع حسًا، وأسرعها إلى العطف على مصائب النفوس، والإصاخة إلى شكاية البائسين والمحزونين، وليس أخطأ من هذا الخطأ في فهم حقيقة العطف الصحيح الذي إنما ينفجر من سعة الإحساس وغزارة العواطف ويقظة القلب، لا من تلك الدماثة التي لا تفتأ باكية شاكية، أو من تلك الرقة التي تشفق أن تذوب من الهباء".
ويرى العقاد كذلك "أن أبطال المنفلوطي الذين بكاهم، ورثي لحالهم بلغواالغاية من البؤس، وهم ذلك النوع الذي يبكي له الرحماء والقساة على السواء، وأن المنفلوطي ما كان يبكي لأقل من هؤلاء، بل يبكي للمصائب الجسيمة التي يبصرها الأعمى والأصم على السواء".
أما وصف أسلوب المنفلوطي بالنعومة والأنوثة فهذا تحامل بين، ومن يقرأ أدب المنفلوطي وعنده شيء من الذوق الأدبي لا يمكن أن يقر للمازني بهذا الحكم الجائر، إن طبيعة الموضوعات التي كان يعالجها كانت توحي له بهذه العاطفة،
(1/238)

وتستثير شجونه؛ لأنه رجل رقيق الحس، مرهف المشاعر، وأعتقد أنه كان صادق العاطفة، يريد الإصلاح ويحاول أن يلين القلوب القاسية على المنكوبين والمحرومين، ومن وقعوا فريسة الانحرافات الاجتماعية والخلقية، يريد أن يؤثر في سامعه وقارئه، ويظهر مبلغ ما وصل إليه نفسه من حزن وكمد على هؤلاء المساكين، عل الناس يستجيبون لتلك العاطفية فيصلحون من شئونهم، ويتداركون أخطاءهم أو يضربون على أيدي العابثين اللاهين.
لقد نصب الرجل نفسه مصلحًا اجتماعيًا وواعظًا، وكان يريد أن يصور في بشاعة بالغة تلك المصائب التي كان يغص بها المجتمع، حتى يحس الناس بها، فليس بصحيح كما يقول العقاد أنه لم يكن يبكي إلا للمصائب الفادحة التي يبصرها الأعمى والأصم على السواء، ولكنه كان يعالج أبلغها أثرًا، وأشدها إيلامًا، وأجرأها على الدين والفضيلة، حتى يلفت أنظار مواطنيه إلى ما يغض به مجتمعهم من آفات وأوصاب، وهم راضون عنها غافلون عن آثارها.
إن الطعن في عاطفة الرجل ليس له ما يسوغه، بديل أن قراءه كانوا معجبين به، وأن كلماته نزلت من قلوبهم المنزلة التي أرادها، وأنه إنما كان ينمي فيهم الشعور النبيل، ويبعدهم عن السلبية المقيتة، ويحملهم على الاستجابة لندائه، وقد اعترف العقاد بشيء من هذا حين قال: "لكننا نقدر المنفلوطي ولا نريد أن نبخسه حقه، وننكر عليه أثره، فلا بد أن نقول: إن النفوس التي يعهدها ويعطف عليها أكثر عددًا، وأحوج إلى هذا التثقيف من النفوس التي لا عهد له بها، ولا صلة عطف بينه وبينها، وإن نظرته إلى الأخلاق والشعور أقمن أن تفيده قراءه، وتحظى لديهم من كل نظرة سواها، ولعلها -لولا ما نأخذه عليه من الليونة والرخاوة في أكثر كتاباته- أصلح زاد لهم من غذاء الفكر والعاطفة، بل كانوا في حاجة إلى منفلوطي يظهر لهم لو لم يظهر هذا المنفلوطي الذي عرفوه وأقبلوا عليه".
لم يكن الرجل سلبيًا في بكائه، ولكنه كان يتهم على كل القوى الفاسدة في عصره، تهجم على الأغنياء والأمراء الذين أرهقوا الشعب وسلبوه حريته وماله، تهجم على بعض رجال الدين الذين نافقوا في دينهم، وجعلوه سلعة يتجرون بها
(1/239)

فيقول على الأولين: "ثم ما زال الناس يعبثون بعنوان الشرف، ويتوسعون في معناه حتى نظموا في سلكه الجبابرة الذين يسمونهم أمراء، والظلمة الذين يسمونهم ملوكًا، والسفاحين الذين يسمونهم قوادًا، واللصوص الذين يسمونهم أغنياء"، أيقال عن مثل هذا الكلام إن فيه رخاوة وتأنثًا، لقد واجه كل تلك القوى الجبارة بنعوت ترزي بها وتحط من شأنها، وتسيء إليها، وتؤلب الناس عليها، وتشككهم في منزلتهم.
وقال عن المنفاقين في الدين: "لولا خداع العناوين ما سميت صالحًا تقيًا كل من حرك سجته، وأطال لحيته، ووسع جبته وكور عمامته، ولقد تعلم أن وراء هذا العنوان كتابًا أسود الصفحات كثير السقطات".
فأي قوة وراء هذه العبارة، وأي نفس تحاول الإصلاح، ولا تبالي بمن تعادي؟!
لقد عللنا آنفًا لتلك الظاهرة في أدب المنفلوطي، ونضيف هنا أنه كان معبرًا عن شعور جمهرة الناس بالحزن والأسى، كان الاحتلال جاثمًا، والحريات مكبوتة، والبلد يستغلها نفر قليل، يمتصون دماء الشعب، ويرهقونه إرهاقًا عنيفًا، والمدنية الغربية تزحف بمفاسدها، فاصطدمت مثاليته الأخلاقية والدينية بوافعه المليء بالمآسي، وكان الناس في حاجة إلى من يعبر عن مشاعرهم هذه، ويصف لهم في مبالغة وعطف ما يعانونه من حرمان وكبت، وما يستشري في مجتمعهم من مفاسد، ولذلك أحبوا منه هذه النغمة وشجعوه عليها، واستكثروا منها.
وذكرنا كذلك تأثيره بالرومانسية الفرنسية التي غلب عليها الحزن حتى سمي بداء العصر، وليس المهم عندنا هو البكاء والاستبكاء، وإنما المهم في رأينا هو العاطفة الصادقة التي كانت تكمن وراءه.
ربما أخطأ المنفلوطي أحيانًا في علاجه لبعض المآسي التي تعرض لها، واكتفى بالبكاء على أبطاله، دون أن يصف لهم طريق العلاج الصحيح، ويحثهم على المقاومة كما فعل في مقالته "الزهرة الذابلة"، ربما كان الرجل لفرط حساسيته ولمثاليته قد فقد الثقة في كثير من الناس، ونظر إلى الدنيا بمنظار أسود، وتخيل أن وراء المظاهر الخادعة نفوسًا تغص بالشر، فكثر تشاؤمه، وزاده ألمًا على ألمه.
(1/240)

والحق أن الرجل لم يكن متعمقًا في الدراسات الاجتماعية، ولم يلجأ إلى المعالجة العلمية، وإنما لجأ إلى ما سماه "حديث القلب" مكمن العاطفة، والغاية عنده هي التأثير في سامعه أو قارئه، وقد وصل في ذلك إلى ما يريد في معظم ما دبج من مقالات، لم يكن يخاطب الخاصة، وإنما كان يخاطب جمهرة المثقفين، ولم يكن يحفل بآراء الخاصة في أدابه حتى لا يشككوه في رأيه، وطريقته، ونفوسهم في الغالب منطوية على أغراض شخصية أقلها حسد المنفلوطي على المنزلة التي احتلها بين جمهرة القراء، أو تشيعه السياسي لحزب معين أو زعيم بذاته، ونحن نعلم أنه كان وفيًا لسعد زغلول، وأن بعض خصوم سعد تهجموا على المنفلوطي لإخلاصه المفرط لذلك الزعيم مثل محمد الههياوي وغيره.
وإن من الخطأ الفاضح أن يحكم على آدب أديب بمقاييس عصر آخر، وكان الواجب على هؤلاء الذين جرحوا أدب المنفلوطي أن يتصوروا عصره وما كانت عليه الكتابة في عهده، من ناحية الأسلوب ومن ناحية المعنى، وكيف كان معاصروه، ومن أمثال محمد المويلحي في "حديث عيسى بن هشام"، وتوفيق البكري في "صهاريج اللؤلؤ"، وحافظ إبراهيم في "ليالي سطيح" لا يزالون يتعلقون بأذيال الماضي، وبالعبارة المتكلفة المسجوعة، وبضروب البديع المختلفة، وإظهار البراعة اللفظية، والغزارة اللغوية، وأن المنفلوطي قد نفض عنه ذلك كله، وهو إن نظر إلى الأدب القديم فإنه قد تخلص من ربقته، وأتى بأسلوب جديد فيه سلاسة وعذوبة، يعبر عن مقتضيات عصره، وعما يختلج في نفسه من مشاعر بصدق وصراحة، مع شيء من المبالغة يقتضيها المقام، وأن ذلك الأسلوب كان فتحًا جديدًا في النثر العربي.
(1/241)

منزلة المنفلوطي في موكب الأدب العربي:
ذكرنا في مستهل هذا البحث عن المقالة الأدبية أن الناس سئموا أسلوب المقامة، إذا لم تنهض بمقتضيات العصر، لما فيها من تكلف ظاهر، وجرى وراء الكلمات بغية إحكام السجعة، ولو كانت كلمات حوشية، أو لا تفي بالغرض المقصود، وكان المعنى خاضعًا لتحكم هذه الأسجاع، وكثيرًا ما يستغلق وراء كثافة الألفاظ وكزازتها.
كما أنهم لم يجدوا في الأسبلوب الصحفي الذي ذاع على أقلام الكتاب ما يشبع الذوق الأدبي، أو يدخل في باب الأدب، لما فيه من ابتذال وعجمة، ومجانبة للفصاحة، وخطأ في متن اللغة وقواعدها، ولخلوه من الأناقة والخيال، وسحر العبارة؛ لأن صاحبه في العادة لا يتأنى في تحريره تأني الأديب، وإنما يسود صفحاته تسويد الصحفي العجل، وهو يعلم أنه سيقرأ لساعته، ثم يطرح جانبًا، وهو في الغالب يعالج موضوعًا من موضوعات الساعة في السياسة أو الاجتماع.
ولم يكن ثمة وسيلة في اصطناع اللغة العامية لغة للكتابة لمنزلة الفصحى من النفوس؛ ولأنها تحمل نفائس التراث الديني والعربي بكل ثقله ومقوماته؛ ولأنها فوق كل هذا لغة القرآن الكريم.
ولما ظهر المنفلوطي على صفحات المؤيد، وجد الناس في أسلوبه ما كانوا يفتقدون في أسلوب المقامة، وأسلوب الصحافة، فأعجبوا به كل الأعجاب، ووجدوا فيه الضالة التي ينشدون، ولنستمع إلى الأستاذ الزيات يصف لنا كيف استقبل المثقفون، ومحبوا الأدب مقالات المنفلوطي أول العهد بها:
"كانت الومضات الروحية الأخيرة للبارودي واليازجي، ومحمد عبده، وقاسم أمين، ومصطفى كامل والشنقيطي قد التمعت التماعة الموت لتنطفئ كلها متعاقبة في العهد الأول من عقود هذا القرن، فهيأت الأنفس والأذواق إلى أدب جديد كنا نفتقده فلا نجده، وكان إخواننا اللبنانيون في مصر وفي أمريكا قد فتحوا نوافذ الأدب العربي على الأدب الغربي فأرونا فنونًا من القول، وضروبًا من الفن لا نعرفها في أدب العرب، ولكنها كانت في الكثير الأغلب سقيمة التراكيب، مشوشة القالب، فأجمناها على نفاستها، كما أجمنا أساليب المقامات من الألفاظ المسرودة، والجمل الجوف، والصناعة السمجة، والمعاني الغثة، حينئذ أشرق أسلوب المنفلوطي على وجه "المؤيد" إشراق البشاشة، وسطع في أندية الأدب سطوع العبير، ورن في أسماع الأدباء رنين النغم، ورأى القراء والأدباء في هذا
(1/242)

الفن الجديد ما لم يروا في فقرات الجاحظ، وسجعات البديع، وما لا يرون في غثاثة الصحافة وركاكة الترجمة، فأقبلوا عليه إقبال الهيم على المورد الوحيد العذب.
وكان هذا النفر من المتأدبين، يترقبون "مؤيد" الخميس ليقرأوا مقال المنفلوطي حماسي وسداس وسباع وطه مرهف أذنيه، وزناتي مسبل عينيه، وفلان مأخوذ بروعة الأسلوب فلا ينبس ولا يطرف، وكلهم يودون لو يعقدون أسبابهم بهذا المنفلوطي الذي اصطفاه الله لرسالة هذا الأدب البكر".
"كان المنفلوطي أدبيًا موهوبًا حظ الطبع في أدبه أكثر من حظ الصنعة؛ لأن الصنعة لا تخلق أدبًا مبتكرًا، ولا أديبًا ممتازًا، ولا طريقة مستقلة، والنثر الفني كان على عهده لونًا حائلًا من أدب القاضي الفاضل، أو أثرًا مائلًا لفن ابن خلدون، يتمثل الأول قويًا في طبقة المويلحي وحفني ناصف، ويظهر الثاني ضعيفًا في طبقة قاسم أمين، ولطفي السيد، ولا يستطيع ناقد أن يقول إن أسلوبه كان مضروبًا على أحد القالبين، إنما كان أسلوب المنفلوطي في عصره كأسلوب ابن خلدون في عصره، بديعًا أنشأه الطبع القوي على غير مثال، والفرق أن بلاغة "النظرات" مرجعها إلى القريحة، وبلاغه "المقدمة" مرجعها إلى العبقرية".
"وسر الذيوع في أدب المنفلوطي ظهوره على فترة من الأدب اللباب، ومفاجأته الناس بهذا القصص الرابع الذي يصف الألم، ويمثل العيوب في أسلوب طلي، وسياق مطرد، ولفظ مختار".
هذا رأي أديب معاصر ممن رأى بشائر أدب المنفلوطي، وكيف استقبله الأدباء، وكيف أعجبوا به وعلل لهذا الإعجاب، والذيوع بأنه كان أدبًا رائدًا، كان الناس يفتقدونه فلا يجدونه حتى ظهر المنفلوطي، فوجدوا فيه ضالتهم، وأقبلوا عليه إقبال الهيم على المورد الوحيد العذب.
وميزة هذه الكلمة التي قالها الزيات أنه يحكم على الرجل بقيمة أدبه في عصره، لا في العصور المتأخرة بعد أن اشتد تيار الثقافة الغربية، وتطلب الذوق غزارة في المعاني، وعمقًا في الفكرة، ولم يعودوا يختلفون كثيرًا بطلاوة الأسلوب، وموسيقية الصياغة.
(1/243)

أما الدكتور طه حسين فقد رأينا كيف وصف الزيات حاله، وهو يستمع لمقالات المنفلوطي خماس وسداس وسباع مرهفًا أذنيه، وقد نشر المنفلوطي في صدر النظرات بعض التقاريظ حينما أعاد طبعها سنة 1913 كلمة تحت عنوان "كلمة الشيخ طه حسين أحد كتاب مصر"، وقد جاء فيها: "وهب السيد المنفلوطي ملكة خارقة تكاد تكون طبعا وسليقة، وإني لأقرأ له القطعة الأدبية، فيخيل إلي من سحرها أن نغمة من قلم "هوجو" تهب علي فلا أكاد أتم قراءتها حتى أهم بإعادتها المرة بعد الأخرى، وأحمد الله على أن وجد في العصر من ينفخ في هذا الهيكل البالي روحًا جديدًا ليحيا حياة رغد وهناء".
ولما نشر المنفلوطي بضع مقالات بعنوان "اللزوميات" كتب طه حسين رأيه فيها قائلًا: "وقد كنا نقرأ النظرات والأسبوعيات، فتبلغ من قلوبنا أضعاف ما تبلغه اللزوميات الآن، ولقد كنت أمقت "المؤيد" كل المقت إلا يوم تنشر فيه نظرة أو أسبوعية".
ولكنه طه حسين عاد فنقض رأيه في المنفلوطي وأدبه، ويحكي الزيات سبب ذلك فيقول: "نشر المنفلوطي مختار ما دبجه من فصوله في المؤيد في كتاب عنونه بالنظرات، وكان قد حكم على الشيخ شاويش في مقاله "طبقات الكتاب" حكمًا شديدًا، ورطه فيه على ما أظن صلته بالمؤيد وبالمغفور له سعد "باشا"، والشيخ شاويش يومئذ محرر اللواء بعد مصطفى كامل، ولطه به اتصال، فحرضه على أن ينقد "النظرات"، فنقدها ذلك النقد الغاضب الصاخب في ثلاثين مقالة ونيفًا".
ويقول في إحدى مقالاته النقدية: "أيها الكاتب المجيد، أسعد الله صباحك، وأحسن مغداك ومراحك، وقوم المزور من شأنك أو المعوج من لسانك، وألهمك الصواب في الإعراب، والإحسان في البيان، فما أعلمك في ذلك إلا دعيًا، بحثت عن معناك فلم أجده إلا رثا، وعن أسلوبك فلم ألفه إلا مبتذلًا، وعن صيتك فلم أجده إلا منحلًا، وعن مقرظيك فإذا هم بين ظالم ومظلوم، ولائم وملوم، فسألت الله أن يثأر منك للعرب، وقد وترتهم في لغتهم، وللأدباء، وقد وترتهم في صناعتهم".
(1/244)

فأين ذلك السحر الذي خيل إليه أنه نغمة من نغمات "هوجو" تهب عليه؟، وأين ذلك الاسمتاع بأسلوبه الذي كان يحمله على إعادة قراءته المرة بعد المرة، أو ليس هو الذي نفخ في هذا الهيكل البالي روحًا جديدة ليحيا حياة رغد وهناء؟ ".
إن في هذه الكلمات التي قدح بها طه حسين في أدب المنفلوطي ما ينبئ عن أنها قيلت للهدام والتجريح، وإن الدافع إليها هو الخصومة الحزينة، والإحن السياسية، وأن صاحبها لم يرد بها وجه الحق؛ لأن فيها خطأ فادحًا فالرجل لم يتر العرب في لغتهم ولا الأدباء في صناعتهم، بل نفخ في العربية روحًا جديدة، ومكن للأدب الرفيع.
وقد عرض المنفلوطي بهذا القدح تلميحًا دون ذكر صاحبه، وقال إنه لناشئ في الأدب يريد أن يعتلي قمة الشهرة، فسلك إليها تلك السبيل حتى يقترن اسمه باسم المنفلوطي، ولم يكن من عادة المنفلوطي أن يحفل بمثل هذا النقد والتجريح ويرد عليى قائليه.
وقد اعتذر طه حسين فيما بعد عن هذا التجريح في أحاديثه الإذاعية، وحاول إنصاف الرجل، ونقض ما قاله تجنيًا عليه، وغضًا من شأنه.
أما العقاد فبعد أن كتب ما كتب في شأن تلك الدماثة والليونة اللتين اتصف بهما أدب المنفلوطي نراه في أخريات حياته، يكتب مقالًا ضافيًا بالمجلة "نوفمبر 1962" عن المنفلوطي، ويعود إلى حديث الأدب الباكي أو الأدب الحزين، وأن الجيل الناشئ قد تأثر بأدب المنفلوطي في تلك الظاهرة الحزينة، وقد وجد ذلك واضحًا في كراسات الإنسان لدى معظم التلاميذ الذين كان يدرس لهم بالمدرسة "الإعدادية"، ثم قال:
"ولكن المنفلوطي في غير هذه الزاوية يعرف بمكانته الأدبية العامة، فلا يعرف هل نظير بين أعلام الأدباء النائرين من مطلع النهضة الكتابية قبل مولده إلى ما بعد وفاته، فليس بين أدبائنا الناثرين من استطاع أن يقرب بين أسلوب الإنشاء وأسلوب الكتابة كما استطاع صاحب النظرات والعبرات، فربما ذهب القصد في الكتابة بجمال الإنشاء الناثرين المجدين، وربما ذهب الأسلوب "الإنشائي" الجميل بالمعنى.
(1/245)

المقصود في كتابة أدباء الفكر والتعبير، ولكن المنفلوطي قبل غيره هو الذي قارب بين الجمال والصحة على نسقه الفصيح، في سهولة لفظ، ووضوح معنى وسلامة نغم، وهو لا يبلغ مبلغ التبرج بالصقل والزينة، ولا يترك التبرج والزينة ترك المتقشف في مسوح النساك، وليس لدروس الإنشاء نموذج أصلح من هذا النموذج من وجهته الفنية، وعن أدبه هذا أقول في بعض فصول "المراجعات":
"إنه أحد الذين أدخلوا المعنى والقصد في الإنشاء العربي، بعد أن ذهب منه كل معنى، وصل به الكاتبون عن كل قصد، وكانت الكتابة قبل جيله قوالب محفوظة تنقل في كل رسالة، وكانت أغراض الكتابة كخطب المنابر تعاد سنة بعد سنة بنصها ولهجة قائلها، وقد اطلعت على مجموعة وافية مما كتب المنفلوطي للفن، وكا كتب بغير كلفة، فكان لكتابته على كلا النمطين المتباعدين طابع الرائد المجاهد في أمثال هذه الرسالة: رسالة التقريب بين حفاوة الإنشاء، ورخصة الخطاب وإطراح الكلفة".
ويختم العقاد كلمته التي أنصف بها المنفلوطي بقوله: "وتعيد إلينا قدرة المنفلوطي على تبسيط الأسلوب الجميل كلمة "أنا تول فرانس" التي يقول فيها: إن البساطة الجميلة هي القدرة على إخفاء الجهد والكلفة، وإن النور الأبيض في النظر، ولكنه أوفر الألوان تركيبًا؛ لأنه "توليفة" من جميع الألوان".
ونلاحظ أن العقاد يفرق بين نوعين من الكتاب: "من أسماهم منشئين، ومن سماهم كتابًا، والمنشئون في رأيه هم الذين يعنون بالعبارة وزخرفتها وصقلها بل وتبرجها دون عناية بالمعنى وغزارته وعمقه وجدته، والكتاب هم الذين يأتون بالجديد من المعاني ويثرون الفكر، ويشبعونه غذاء شهيًا، وقد يقصر بعضهم في الأداء، فيجني ذلك على كتابته.
وقد أعطى المنفلوطي حقه، واعترف له بمكانة الرائد الذي قرب بين أسلوب المنشئ في حلاوته وطلاوته، وأسلوب الكاتب في احتفائه بالمعنى، والغاية من كتابته، وإن عده في آخر المقال أنه أقرب إلى جماعة المنشئين منه إلى جماعة الكتاب، وذلك لقلة بضاعته في المعاني والأفكار.
(1/246)

وكتب عنه الأستاذ "جب" في مجلة معهد اللغات الشرقية بلندن باعتباره طليعة الكتاب المحدثين، وقال عنه بروكلمان إنه أشهر كتاب العربية في عهده، ورثاه المرحوم شوقي فقال في مرثيته:
سر في لواء العبقرية وانتظم ... شتى المواكب فيه والأتباع
واصعد سماء الذكر من أسبابها ... واظهر بفضل كالنهار مذاع
فجع البيان وأهله بمصور ... لبق بوشى الممتعات صناع
تتخيل المنظوم في منثوره ... فتراه تحت روائع الأسجاع
لم يجحد الفصحى ولم يهجم على ... أسلوبها أو يرز بالأوضاع
لكن جرى والعصر في مضمارها ... شوطًا فأحرز غاية الإبداع
حر البيان قديمه وجديده ... كالشمس جدة رفعة وشعاع
ويشير إلى كلفه بتصوير حالات البؤس والشقاء، وولوعه بالبكاء على المحزونين والمكروبين.
من شوه الدنيا إليك فلم تجد ... في الملك غير معذبين جياع؟
أبكل عين فيه أو وجه ترى ... لمحات دمع أو رسوم دماع
يا مصطفى البلغاء أي يراعة ... فقدوا وأي معلم بيراع
كم غارة شنوا عليك دفعتها ... تصل الجهود فكنت خير دفاع
فإذا مضى الجيل المراض صدوره ... وأتى السليم جوانب الأضلاع
فافزع إلى الزمن الحكيم فعنده ... نقد تنزه عن هوى ونزاع
لقد ذاعت شهرة المنفلوطي في حياته وبعد مماته، وأقبل على آثاره الشادون في الأدب يقرأونه بنهم ولذة، ويحاكون نعومة أسلوبه وسحر بيانه، ويحفظون من تعابيره الجميلة ما يضفي رونقًا على أساليبهم.
(1/247)

لقد مكن المنفلوطي للمقالة الأدبية الحديثة بذلك الأسلوب الطلق الجيد، وما من متؤدب إلا مرت عليه مرحلة كان أدب المنفلوطي هو رائده والمنهل الذي يغترف منه، ثم يراه بعد حين تعوزه الفكرة العميقة والدراسة الجيدة للموضوعات التي طرقها، ولقد كان لانتشار الثقافة الغربية، وظهور الترجمات لأهم آثارها ما صرف الناس نوعًا ما عن مقالات المنفلوطي، بيد أن فضله على النثر الحديث، وترقيق أذواق الكتاب، وسن النهج السوي لهم في تناول المقالة أعظم من أن يجحد، وقد بقيت لقصصه مكانتها لدى الناشئة يلتمسون فيها العاطفة القوية، والأسلوب العذب على الرغم مما بها من نقص فني.
(1/248)

أثر الثقافة الأجنبية في تطور المقال الأدبي:
أخذ تيار الثقافة الأجنبية يشتد على مر الأيام، تعني بها المجالات المتخصصة، وتنقل منها على اختلاف لغاتها قطوف من العلم والأدب بفنون المتباينة، وقد كانت المقتطف منذ نشأتها مجالًا لنقل العلوم الغربية الحديثة، وإيجاد المصطلحات التي تسد عوز اللغة إما بالترجمة أو التعريب، وتقريب تلك العلوم في بساطة للقارئ العربي، وفيها قال العقاد: "إن المقتطف كان حاجة ذلك العصر من الإصلاح في الكتابة والثقافة"، أما الكتابة؛ فلأن لغة العلم محدودة واضحة يقينية، لا تصطنع الخيال ولا اللغة الفضفاضة، ولا تلجأ إلى العواطف وإنما همها الحقيقة، وأما الثقافة ففيما كانت تنشره من المباحث العلمية ما يثري عقل القارئ ويطلعه على تقدم العقل الإنساني، ومدى ما وصلت إليه المدنية الحديثة من تذليل قوى الطبيعة وتسخيرها للإنسان، وقد أفاد الكتاب في الغرب من ثقافتهم العلمية في فن القصة وفن المقالة المسرحية.
وواصلت المقتطف سيرتها في تبسيط العلم، وإن كانت قد جنحت بعد مدة للخوص قليلًا في الأدب والاجتماع، ففيها مثلًا تولت ماري زيادة منذ سنة 1933 تقدم في كل عدد دراسة عن شخصية أدبية غربية في باب "شخصية الشهر": أما الهلال فكانت منذ نشأتها أكثر عناية بالأدب، وكان بها باب ثابت اسمه "مجلة المجلات" تعطي فيه خلاصة وافية مما يكتب في المجلات الأجنبية، وتفسح صدورها لكثير من الكتاب المحدثين.
بيد أن أولى المجلات التي كانت بحق معبرًا للثقافة الأدبية الأجنبية، وكانت الميدان الأول الذي اشتهرت فيه الأقلام الجديدة التي تزعمت النهضة الأدبية فيما يعد فهي مجلة "البيان" لعبد الرحمن البرقوقي "ظهر العدد الأول منها في 24 من أغسطس سنة 1911"، كانت البيان أول من فطن إلى الروح الجديدة التي تتطلبها المة العربية في الأدب، الروح التي تجمع بين الثقافتين العربية والغربية، كتب فيها العقاد وشكري والمازني وطه حسين والرافعي وهيكل، وهم بعد في خطواتهم الأولى
(1/249)

نحو الزعامة الأدبية، ويقول البرقوقي في أول سنتها الثانية بعد بين أبواب المجلة، وأهمية النقل والتعريب عن اللغات الأجنبية: "لأننا أمة من الأمم تستمد من التاريخ الإنساني لتعمر مكانها من هذا التاريخ".
ولم تكن البيان سهلة الهضم، وإنما كانت مجلة الخاصة من المثقفين الذين "هم خلاصة الأمة، وإن أكثرهم من ذوي الإحساس الشريف"، وأما العامة فكان يرى صاحب البيان أنهم "همج هامج، وهم نشر لا نظام له".
اهتمت البيان بالتراجم والسير فكنت ترى في العدد الواحد سيرة من الشرق وسيرة من الغرب، ومقالًا من الشرق ومقالًا من الغرب، وترجمت كتبًا كاملة نشرتها تباعًا، مثل: حضارة العرب لجوستاف لوبون، والأبطال لكارليل، والواجب لجول سيمون، وكتاب "التربية الطبيعية، أو إميل القرن الثامن عشر لروسو وقام بترجمته المازني، وترجم العقاد فصلا من كتاب "الحب والزواج"
لدافيد هيوم، كما ترجم الفصل الخامس من كتاب "الأكاذيب المقررة في المدنية الحاضرة" لماكس نوردو تحت عنوان "أكاذيب الزواج"، كما كان من المترجمين بها: عباس حافظ، ومحمد السباعي، وعلي أدهم، وعبد الرحمن صدقي، وترجموا بعض المقالات لمارك توين الأمريكي تصور نماذج من الحياة الأمريكية المليئة بالمضحكات، والمقتطفات من كتاب "حديث المائدة" للكاتب الأمريكي "وندل هولمز".
ونشرت بها مقالات مترجمة لهازلت، وبيكون، وإمرسون، وجونسون، وكانت تنشر بجانب هذا فصولًا عربية مختارة للجاحظ والصابي والهمذاني وابن سينا، ونجد في بعض أعدادها عبد الرحمن شكري يكتب مقالًا بعنوان "الفاكهة في شعر العرب" درس فيه الفكاهة الخيالية واللفظية مفيدًا من قراءته الغزيرة في اللغة الإنجليزية وما ترجم إليها، ونرى الرافعي يتكلم عن "الجنسية العربية في القرآن الكريم"، ورأى أن الإعجاز لا يكون خالدًا وتامًا إلا إذا قامت به معان زمنية تكون من طبيعة الحياة حتى تستمر مع الحياة، وأن أكبر معجزة للقرآن هي ما فيه
(1/250)

من صفة الجنسية العربية التي جعل الأمم أحجارًا في بنائها، والدهر على تقادمه كأنه أحد بناتها".
ونرى طه حسين قبل أن يسافر إلى باريس في طلب العلم يكتب مقالًا بعنوان "النقد" يتحدث فيه عن حقيقته وأثره في الأمم، وشروطه، ومضار الغلو فيه، والمازني يكتب مقالات بعنوان "مقالات في الأدب" ضمنها أبحاثا جادة في كيف يكتب الكاتب، وينظم الشاعر، وما سر الفصاحة، وأساس البلاغة، وما الأسلوب والتخيل معتمدًا في أفكاره على ينابيع الثقافة الغربية، ويكتب العقاد مذكرات "إبليس"، وهي مجموعة من الرسائل الانتقادية الضافية تناولت الأخلاق والاجتماع والأدب بأسلوب خيالي، تصور فيه إبليس يمشي في شوارع القاهرة يكيد للناس على اختلاف أنواعهم ويوقعهم في حبائله".
وهكذا ابتدأت الأقلام الشابة تنمو على صفحات "البيان"، وتشتد، وتحدد اتجاهها الذي صار سمة لكل منها فيما بعد، ومن الطريف أن الخلاف دب بين كتابها في أليق الأساليب الأدبية، فترى هيكل يعيب مجلة "البيان" وكتابها حين يصطنعون فخامة التراكيب، ويعدلون عن مذاهب السهولة إلى جفوة الأعراب وخشونة اهل البادية، ويرد عليه المازني قائلًا: "إن كان ظني صادقًا، وكان قد غاب ذلك عنك، فاعلم، وأنت المجرب العارف، والعوان لا تعلم الخمرة أن ما تدعوننا إليه لا يقدمنا خطوة، وإن كان يؤخرنا عشرًا؛ لأن من الناس العالم والجاهل، والكاتب لا يستطع أن يولج المعنى أفهامهم على السواء مهما تبذل في أساليبه، وتسفل في تراكيبه".
ويناصر لطفي السيد هيكل، وينضم البرقوقي والرافعي للمازني، وقد أجمعوا على أن اللغة يجب ألا تقف جامدة، بل يجب أن تمد بأساليب القوة، وتعريب المصطلحات الحديثة، كما يجب أن تتخفف من فخامتها.
ومن المجلات التي عنيت بالثقافة الأجنبية بعامة والأدبية منها بخاصة "السفور"، وقد ظهر العدد الأول منها في 21 من مايو 1915، وفيها كتب طه حسين، وهيكل، ومصطفى عبد الرزاق، وأحمد ضيف، وأحمد زكي أبو شادي،
(1/251)

وعلي محمود طه، وأحمد حسن الزيات، وأحمد زكي، ومحمد فريد أبو حديد وعشرات غيرهم، وقد عنيت بتقديم أفكار واضحة عن الأدب الأجنبي في لغاته المتباينة، وعن أشهر أعلامه، فنجد مثلًا دراسات "إميل فاجيه" لأحمد ضيف، وشرح طريقة "تين" للكاتب ع. أ. س، و"سانت بيف" لحامد الصعيدي، "ومكسيم جوركي" لمحمد علي ثروت و"جيته" لإبراهيم حقي، و "جورج إليوت" لمحمد علي ثروت، و"أصل الشعر" لحسن محمود.
وتقدم نماذج من الأدب الأجنبي في المقالة والشعر والقصة، ففي المقالة نرى: الشك لفرنسيس باكون، ومن حديث المائدة لهازلت، والشخصية لجون ستيوارت مل وغيرها.
وفي الشغر نماذج متعددة مثل: "البلبل الغرد" لشيلي، و"البيت" لطاغور، و"البحيرة" للآمرتين، و"غضب الله" لهريك، و"المأثور الضاحك" لهنت.
وكانت السفور في عنفوان ازدهارها إبان الحرب العالمية الأولى، وكانت مجالًا فسيحًا لكتاب المقالة الأدبية والأقصوصة والشعر الحديث، والذي يهمنا هنا المقال الأدبي فقد تنوعت أغراضه على صفحات السفور، ولكنها احتجبت بعد أن ظهرت مجلة السياسة الأسبوعية سنة 1926.
وشهدت حقبة ما بين الحربين العالميتين نشاطًا عظيمًا في نشر الثقافة الأجنبية، بعد أن زالت الحماية، وتخلصت مصر من رقابة المستشار الإنجليزي "دانلوب"، الذيكان همه في وزارة المعارف تخريج موظفين لا مثقفين، ومحاولة قتل الطموح في أبناء الشعب، وقد تكلمنا عن مساوئه بإسهاب في كتابنا "في الأدب الحديث الجزء الثاني"، وما إن زالت تلك الغمة، ونعمت مصر بشيء من الحرية في ظل الدستور حتى انطلق الأدب عملاقًا، وشهدت اللغة العربية خصوبة وغزارة في الأدب لم تشهدها في كل تاريخها.
تعددت الأحزاب السياسية، وكان لكل حزب صحافته وكتابه وتصدر الأدباء الذين تمرسوا بالكتابة قبل ذلك ميدان الصحافة، وكان بجانب الصحفية اليومية.
(1/252)

صحيفة أخرى أسبوعية للأدب والعلوم والفنون، واتسمت هذه الفترة بالنزوع إلى الحرية في تطرف أحيانًا، واعتدال أحيانًا أخرى، فسلامة موسى يدعو إلى الحرية المطلقة بدعوى أن النفع من الحرية أكثر من الضرر الذي ينتج منها وينجم عنها "هلال يناير 1928"، وإبراهيم المصري يدعو إلى حرية الفنان بدون قيود قائلًا: "إن الفنان هو المخلوق الوحيد الذي يستطيع أن يكون حرًا، وأن يحقق في شخصه مثل الحرية الأعلى -هو دون سواء من الناس الرجل الذي يمكنه من غير احتفال أو أسف أو حسرة أن يلقي عن كاهله عبء التقاليد ... وهو يعلم أنه إذا خضع لشخصية المصلح فسيطر فيه المفكر على الفنان، أو العقل على الغريزة، فيركم للخيالات الفكرية لا للحقائق النفسية، إن الفنان يهبط إلى قراءة اللذة كي يحس بأقصى الألم، "البلاغ الأسبوعي 4 من فبراير 1927".
ويقول العقاد: "ليس للفنان أن يعتسف، ولا أن يدعو ملكته إلى غير ما ترضاه، وتنساق إليه بمحض الحرية وعفو السليقة، وليس له هو أن يخط للحرية الفنية حدودها، أو يشق لها طريقها؛ لأنها حرية مطلقة لا فرق عندها بين طغيان صاحبها وطغيان عدوها، ولا محاباة عندها في استجابة أمر تراد عليه "الرسالة في من أغسطس 1927".
ومن المجلات التي اتجهت وجهة غربية خالصة، نابذة كل قديمها مهما كان شأنه، غير ناظرة إلى الوراء وسمت نفسها جريدة السلام والبناء، مجلة "الفجر" وكانت من دعاة "المصرية" الإقليمية، وآثرت ألا تترجم عن الفرنسية أو الإنجليزية، بل أخذت تترجم عن الروسية، ومن المجلات التي نزعت تلك النزعة المتطرفة "المجلة الجديدة لسلامة موسى" نوفمبر 1929، اهتمت بالعلوم، وآمنت إيمانًا مطلقًا بالغرب وبكل ما هو غربي، وبالتبعية للحضارة الغربية، وعملت جهدها على الحط من شأن الأدب العربي، متهمة العرب وعقليتهم بالقصور والعقم، ودعت غير وانية إلى القومية الفرعونية، ويقول صاحبها في افتتاحية العدد الأول: "نزعتها بالطبع نزعة محررها الذي عرفه القراء في السنوات الماضية، فنحن نقصد
(1/253)

إلى التجديد في الثقافة، والتقرب من الغرب، والإيمان بحضارة أوروبا، ومنع العوائق التي تعوق انتشارها في بلادنا؛ لأننا نعتقد أن فلاحنا وخير الأمة وتقدمها كل ذلك منوط بالاتجاه نحو أوروبا دون آسيا"، وفي الإشارة إلى آسيات غمزة معروفة، فهي تشير إلى جزيرة العرب مهد الإسلام، ومنبع الحضارة العربية، ومهبط الوحي والقرآن.
وكان من قبل كما ذكرنا في كتابنا "الأدب الحديث" قد دعا إلى إلغاء الإعراب والتصغير، وجموع التكسير "هلال يوليو 1926"، وحمل حملة شعواء على اللغة الفصحى، وناصر اللغة العامية، واصطناع الحروف اللاتينية، وقطع ما بيننا وبين ماضينا من صلات ودفن ذكرياتنا وتراثنا، والخروج على كل تقاليدنا، ويقول: "شرط النهضة أن تكون اجتماعية واقتصادية وأدبية، فلا يجب أن نرمي إلى تغيير نظامنا الحكومي فحسب، بل تغيير نظام العائلة، واعتبارات الطبقات الاجتماعية، وكذلك نظام الإنتاج الاقتصادي، حتى الأسلوب الكتابي يجب تغييره، وسبيل ذلك إجاد نظام لزواج مدني يعاقب فيه من يتزوج بأكثر من امرأة واحدة، ويمنع الطلاق إلا بحكم محكمة، ويجيز زواج الأفراد، ولو اختلفوا دينًا" "هلال نوفمبر 1922".
وحاولت هذه المجلة البرهنة على أن معظم ألفاظ الحضارة في اللغة العربية يرجع إلى أصل لاتيني أو يوناني لتثبت أن العرب كانوا، وما زالوا عالة على العقلية الغربية، وكانت تعتقد أن ثقافتنا القديمة مبنية على الوهم والأدب، وأن الثقافة الحديثة يجب أن تبنى على العلم.
ومن دعاة التطرف وأخذ الثقافة الغربية بدون تحفظ، وتحقير الثقافة العربية والعقلية الآسوية إسماعيل مظهر صاحب مجلة العصور "1927"، وهو يعزو تلك النهضة العلمية والأدبية بمصر لا إلى حملة نابليون، ولا إلى بعثات محمد علي ومدارسه، ولا إلى جمال الدين الأفغاني الذي يزعم أنه كان ذا أثر سلبي صرف، وأنه لا يذكر في التاريخ إلا أنه أداة للرجعية، ولا إلى ثورة عرابي، ولا ثورة
(1/254)

1919، وإنما تلك النهضة ترجع في رأيه أولًا وقبل كل شيء إلى المجالات العلمية والأدبية: "المجلات وحدها هي التي أخذت بيدنا، وأفسحت أمامنا سبيل الخوض في عباب الأسلوب اليقيني الحديث، وهي التي قادت دقة الفكر في مصر، وهو يجتاز الأسلوب الغربي العميق لتكييف النهضة على صورة بددت سحب الحياة القديمة بما فيها من ظلمات الفكر المجرد لتكشف لنا عن شمس الأسلوب اليقيني"، أما كيف وجدت هذه المجلات، ومن الذين حرروها، وكيف تعلموا وأين، وكيف تهيأت له عوامل النهضة، فذلك أمر لم يخطر له على بال "المقتطف فبراير 1926".
ويقول إسماعيل مظهر في مستهل العدد من مجلة العصور مفندًا مزاعم من يقول إن الأدب قد تجدد: "إن هذا التجديد لا يتجاوز الاعتقاد في أن أساليب الكتابة قد تنوعت، وأن العربية قد غزتها أساليب جديدة تختلف اقترابًا وابتعادًا عن انتحاء أساليب القدماء على مقتضى المنازع التي ينزع إليها الكتاب"، وأنكر أن يكون مجرد تجديد العبارات تجديدًا في الأدب، إلا بأن يكون المقصود أن تبدل الظواهر دليل على تغيير العناصر، إنما يصبح التجديد تجديدًا حقيقيًا بأن يخلق نهضة جيدة إذا قام على مدرسة تنبذ مدرسة القدماء: قوة سبك، وحسن أسلوب، ورصانة، من حيث اللغة والإنشاء، وتتخذ الطرق العلمية في البحث الأدبي قاعدة لما تدعي أنه تجديد في الأدب".
وكان بها باب ثابت لتراجم العظماء وهم -طبعًا- أعلام الفكر والأدب بأوروبا دون سواهم من أمثال: لا مارك، وشوبنهور، وكانت، ورينان، وكارل ماركس، وأهم نظرياته الفلسفية والاقتصادية، كما كان بها باب "ثمار الفكر الغربي"، وفيه تلخص بعض المؤلفات الغربية.
ومن المجلات التي استلهمت الثقافة الغربية، واعتمدت عليها في معظم مادتها "الجديد" لمحمد حسن المرصفي "1928"، وفيها كتب طه حسين والعقاد والمازني والزيات وهيكل، ولكنها على الرغم من لونها الغربي لم تتهجم على الأديان، ولم تسفه العقلية العربية.
(1/255)

وكانت هناك مجلات محافظة من أمثال عكاظ "1913-1931"، وكانت غايتها "إحياء اللغة العربية"، وتخليص اللسان مما يرتضخ فيه من المعجمة التي كادت تكتسح لغتنا، والدخيل الذي يهددها بالزوال في كل آن.
كتب فيها المنفلوطي، ومحمد صادق عنبر، والرافعي، وفيها تهجم المازني على حافظ إبراهيم، واتهمه بالسرقات الشعرية.
ومن هذه المجلات المحافظة "الزهراء لمحب الدين الخطيب 1924"، ويقول في العدد الأول منها: "إن الناطقين بالضاد لن تثبت لهم نهضة إلا على دعامتين إحداهما المرونة في اقتباس ما في حضارات الأمم الأجنبية من وسائل القوة، ونظم الإدارة وانصراف الفرد إلى التخصص بعمل يجد لتجويده، والثانية الاحتفاظ بتقاليدنا التاريخية، وأوضاعنا الوطنية، وسجايانا القومية، ولساننا الغني الأصيل.
ومن هذه المجلات المعرفة للإسلامبولي "1931-1934"، وكتب فيها مصفطى عبد الرزاق، ومحمد فريد وجدي، وأحمد شفيق، وحامد عبد القادر، وكانت تعمل على ربط البلاد الشرقية بعضها ببعض، ولكنها لم تغفل الثقافة الغربية، فكان بها باب ثابت عنوانه "في الأدب الغربي".
أما النوع الثالث من المجالات فهو الذي جمع بين الثقافتين، وسار في حركة التجديد باعتدال، وعلى رأس هذا النوع السياسة الأسبوعية "13 مارس 1926"، يحررها هيكل، ويكتب فيها طائفة من المثقفين ثقافة غربية.
عنيت السياسة الأسبوعية بالأدب الغربي: أعلامه، ومذاهبه، وألوانه وفنون ففيها دراسات عن الأدب الروسي، ورجالاته، وفي مقدمتهم ليون تولستوي، وأنطون تشيكوف وتورجنيف وجوركي، ويكتب هيكل عن أناتول فرانس، وأوجست كونت، وشيلي، وجيته، ونرى فيها أبحاثًا عن: إسكندر دوماس، وحياة فولتير، وجان جاك روسو، وأمرسون، وبوب، وهايني، وملتون، وإيبسون، وهازلت، وأوسكار وأيلد وكيبلنج، وتعريف بالأدب الألماني، وبالأدب الهندي، والمذهب الرمزي في الشعر.
(1/256)

كما نقلت عشرات القصص القصيرة والقصائد الغربية إلى الأدب العربي، ومع هذا فكان هيكل على الرغم من نزعته ونزعة صحيفته نحو التجديد يسير باتزان، ويرى أنه: "إذا لم يكن من الممكن مقاومة الحضارة الغربية في غزوها الشرق، فواجب العمل أن يكون هذا الغزو وما يتركه من آثار منبهًا لقوى الحضارة الثابتة الأصول في الشرق كي تنشط من جديد ليستعيد الشرق قوة الحياة، ويجد في المزيد منها، وعندي أن استعارة حضارة بحذافيرها لننقل إلى أمة ذات حضارة تختلف عنها وهم باطل، ذلك أن حضارة أي أمة من الأمم يجب أن تتفق مع طبيعتها ومع تاريخها، ومع قوانين الوراثة فيها.
وظهر البلاغ الأسبوعي "26 من نوفمبر 1926"، وأشرف عليه العقاد، وكان ينافس السياسة الأسبوعية، ويمثل أكثر ما يمثل الثقافة الإنجليزية، والغربية، ويقول عبد القادر حمزة في مستهل السنة الرابعة منه إن البلاغ الأسبوعي: "ظل ينقل إلى مصر خلاصة الحركة العلمية والأدبية والفنية الدائرة في الغرب، ويهدي إلى تراثنا ما تنتجه أقلام الكتاب وعقول المفكرين في أوروبا وأمريكا، فكان بهذا مرآة للمدنية الغربية الحديثة، ولكنه كان وهو يؤدي هذه المهمة يحرص على القومية المصرية أكبر الحرص، ويجمع إلى منتجات الأفكار الغربية، ثمار العقول المصرية أو يسعى لأن يكون صلة بين الماضي والحاضر، وقد تجد في عدد واحد منه وليكن العدد الخامس: صورًا أخلاقية لتوم براي، وأشهر علماء العصر "توماس أديسون"، والضعفاء والأقوياء للسير فرانسيس غالتون، والآراء والمعتقدات لجستاف لوبون في ساعات بين الكتب التي كان يحررها العقاد. إلخ.
ومن المجلات التي ارتفعت بالمقالة الأدبية إلى ذروتها، وكانت ذات أثر بالغ في نهضتنا الأدبية المعاصرة مجلة الرسالة لأحمد حسن الزيات "15 من يناير سنة 1923"، وقد أصدرها بعد تردد طويل، ويقول في مستهل العدد الأول منها معللًا هذا التردد، موضحًا منهجها، محددًا هدفها: "ما سلط علينا هذا التردد إلا نذر تشاع وأمثال تروى، وكلها تصورالصحافة الأدبية في مصر سبيلًا ضلت صواها، وكثرت صرعاها، فلم يوف أحد منها على الغاية، والعلة أن السياسة طغت على
(1/257)

الفن الرفيع، والأزمة مكنت للأدب الرخيص، والأمة من خداع الباطل في لبس من الأمر، لا تميز ما تأخذ مما تدع".
وذكر هدفها بأنها "تقاوم طغيان السياسة بصقل الطبع، وبهرج الأدب بتثقيف الذوق، وحيرة الأمة بتوضيح الطريق"، وأمان وسيلتها ومنهجها، فربط القديم بالحديث، ووصل الشرق بالغرب.
وقد استطاعت الرسالة في مدى سنوات معدودة أن تتبوأ مكانة سامية في العالم العربي كله، وتشرق على صفحاتها أقلام كبار الكتاب في شتى أقطار العروبة، فكانت من أقوى العوامل لهذا الامتزاج الفكري، والذوق الأدبي، وربط المشاعر على أهداف متقاربة، وقد أولت قضايا العروبة والإسلام عناية فائقة، وكانت لها أعداد ممتازة في عيد الهجرة تحتفل بالمقالات الضافية التي تعرض الإسلام عرضًا جديدًا، وتدفع عن حوزته، وترد الضالين عن هداه إلى الصواب.
ولم تغفل الثقافة الغربية، فكثر فيها الشعر المترجم، والقصص المنقول عن أدب الغرب إلى أن صدرت أختها "الرواية" فتفرعت لهذا النوع واستقلت به، كما كان بها باب ثابت للعلوم والفنون.
وسنخص صاحبها بدراسة لأدبه إن شاء الله، حيث كان صاحب مدرسة قلمية، له أتباعه ومقلدوه، وكان أميل إلى المحافظة منه إلى التجديد.
ثم ظهرت "الثقافة" في "3 من يناير 1939"، لأحمد أمين رئيس لجنة التأليف والترجمة والنشر، وقد جاء في كلمته التي افتتح بها العدد الأول تحت عنوان لماذا تصدر المجلة: "في الشرق كنوز لا يفنيها الإنفاق، من أدب أو علم عربي وفارسي وهندي وغيرها جار عليه الزمن فدفن بعضها فهي في حاجة إلى أيدي عاملة، وعقول راجحة، ونفوس قوية تضع الخطط المحكمة للعثور عليها، واستخراجها من مكامنها.
وفي الغرب علم زاخر وأدب وافر حالت بيننا وبينه حوائل، فهو مكتوب بلغة غير لغتنا، ويتأثر ببيئة اجتماعية غير بيئتنا، ويعرض لمشاكل قد تختلف في
(1/258)

ظواهرها عن مظاهرنا، ومع هذا فنحن مرتبطون بهذا العلم الغربي والأدب الغربي، والمدينة طوعًا أو كرهًا تدفعنا في تيارها دفعًا، وتؤثر في حياتنا أثرًا بليغًا، شعرنا أم لم نشعر وشئنا أم لم نشأ".
"أصبح الشرق مرتبطًا بالغرب ارتباطًا وثيقًا في كل مرفق من مرافق الحياة: في الحركات السياسية، في الحركة العلمية والأدبية والفنية، في المادة والعقل، في كل شيء، ومن الخير للشرق أن يقف على هذه الحركات فيتصرف فيها عن خبرة، ويحكم فيها من علم، ويسايرها أو يعارضها عن درس، فذلك أصح لحكمه، وأوفق لغرضه، وأليق بإنسانيته".
"هذه الكنوز الشرقية التي وصفنا، وهذه الثروة الغربية التي ذكرنا، لا يقوم بحقها، بل لا يؤدي عشر معشارها كل المجلات العربية على اختلاف أنواعها ومناهجها وإقليمها، وهي -إلى الآن- لا تزال محتاجة إلى مئات المجلات بجانبها تعالج هذه الثروات من نواحيها المختلفة، وبكفاياتها المتعددة".
وقد قامت المجلة برسالتها، وآزرها أعضاء لجنة التأليف والترجمة والنشر، وكثير من كتاب العرب في مختلف بلادهم، وكانت تعني بالثقافة العربية بجانب عنايتها بالثقافة الغربية، وإن كانت أميل إلى التجديد منها إلى المحافظة.
وفي نوفمبر 1945 صدرت مجلة الكتاب لعادل الغضبان عن "دار المعارف"، وكانت شهرية تصدر في صورة كتاب كما كان شأن المقتطف والهلال، وكانت عربية السمات، مع عناية بالثقافة الغربية.
لقد تحدثنا عن هذه المجلات؛ لأن على صفحاتها تألقت المقالة الأدبية بأنواعها المختلفة، وكتابها المتباينين؛ ولأنها كانت وصلة بين الغرب والشرق، فلا تفتأ توالي الترجمة والنقل من الفكر إلى اللغة العربية، ومن فنون الأدب المختلفة إلى أدبنا ولغتنا.
وقد اشتدت في تلك الحقبة تيارات الترجمة من شتى اللغات؛ لأننا كنا في تعطش فكري وثقافي لورود مناهل الثقافة الغربية لشعورنا بتفوق الغربي المادي،
(1/259)

وسلطان حضارته، وفي ذلك يقول طه حسين: "ليس أمر الترجمة أمر حب أو بغض، وإنما الحاجة الاجتماعية والعقلية هي التي تدعو إلى الترجمة الآن، كما كانت تدعو إليها في العصور القديمة والوسطى، وبمقدار شعور الأمة لهذه الحاجة الاجتماعية يكون حظها من الترجمة عن الأمم الأخرى".
عنيت معظم المجلات بالترجمة عن اللغات الأجنبية، حتى لتعد هذه الفترة عصر الترجمة والتعريب، ولما كان المقال بطبيعته أطول من القصيدة والفكرة والطرفة، كانت الترجمة منه قليلة، ومع ذلك وجدنا في "البيان" بعض مقالات مترجمة لمارك توين الأمريكي وغيره كما أشرنا إلى ذلك آنفًا، ورأينا في البلاغ الأسبوعي: "آلام النوابغ" لإميل فوستر، و"زعيم مصلح" لإيفان ترجنيف، و "خواطر بسكال"، و"مثل: "قطر الورود"، و"دكان المزين"، و"الراهن الخجول"، و"ليلة أرق"، و"أمومة الرجل"، و"العزلة" و"الفلسفة"، و"الشيطان"، و"سحر الشرق"، وقد قام بترجمة معظم هذه الموضوعات عباس حافظ، وكان ذا قلم بليغ مشرق، وديباجة رصينة قوية.
كما نقل عن الكاتب النرويجي "جوناس لاي" مقالته "فلسفة كتكوت" بعد أن عرف بالكتاب تعريفًا موجزًا، ونقل عن الكاتب البولندي غلادستون رايمونت مقالته "الشفق"، وهي وصف بليغ لحياة حصان مسكين، وقد عرف بالكتاب بأنه أبدع من وصف حياة الريف والفلاحين فقد "عاش دهرًا بينهم، وأقام زمنًا فيهم، وهو البولوني الذي نال جائزة نوبل في الأدب سنة 1924 بمناسبة كتابه البديع "الفلاحون".
وكان لمثل هذه المقالات ولا ريب أثرها في توجيه كتاب المقال لدينا إلى الحياة من حولهم بكل ما فيها من نقائض وطرائف، وعمقت نظرهم إلى جوهر الأشياء التي تحيط بهم، ولفتت أنظارهم إلى بهجة الحياة وزنتها، فانطلقوا يصورون حياتهم المعاصرة، فنجد مقالات عن: شيخ طريقة، العمدة، ابن البلد، الوهم، العزلة، الكبريت، الحرية، صندوق الكتاكيت، الوطواط.
وقد ظفرت القصة القصيرة بنصيب كبير من العناية، وخصصت لها كل مجلة أدبية مكانًا معينًا، وكانت بعض المجلات تتحرى الدقة في اختيار القصص
(1/260)

التي تترجم إلى العربية، فتنقل منها السامي الهدف، ولم تكن الترجمة وقفًا على لغة بعينها، ولكن المترجمين نقلوا من شتى اللغات وقد أصدر الزيات الرواية "في أول فبراير 1973" خاصة بالقصة المترجمة والموضوعة، ونشر طه حسين في الهلال مجموعة من القصص المترجمة عن الفرنسية، وقال في التقدمة لها: "إن قصده من ترجمتها إلى البحث العلمي والأدبي أقرب منه إلى التسلية والتلهية، وأنه سيقدم هذه الفصول صورًا موجزة، ولكنها صادقة لبعض الكتاب الفرنسيين وفنونهم في الكتابة، وما ينهجون من طوائف مختلفة في القصص والتحليل ودروس الأخلاق والعادات، وعواطف الناس ومشاعرهم وتصوير ضروب الحياة المختلفة المتباينة -إلى هذه قصدت واتخت القصص الفرنسي وسيلة إلى ما قصدت إليه؛ لأنه أشد فنون الكتابة الفرنسية شيوعًا، وأكثرها انتشارًا، وأصدقها تصويرًا لحياة الفرنسيين".
ومن هذه القصص التي نقلها: "الملوك في المنفى"، و"سافو" لألفونس دوديه، و "الآنسة سوزان" و"السوس الأحمر" لأناتول فرانس.
بيد أن بعض المترجمين لم يتحروا الدقة في اختيار القصص التي يتعرضون لترجمتها، ولم يراعوا طبيعة الجمهور الذي يقرأ لهم، والمرحلة الدقيقة -مرحلة الانتقال التي يجتازها، فجاء كثير من قصصهم داعرًا خليعًا، يصور الحياة الأوروبية في مباذلها وانهيارها، وبخاصة تلك الحياة التي سادت بعد الحرب العالمية الأولى حيث فقدت أوروبا في خلالها كثيرًا من رشدها، وكفرت بكثيبر من القيم والمثل العليا، وأقبلت على ضرورة اللذة والعربدة، وحيث تنكر الناس بعضهم لبعض، وقد أعطتهم الحرب المثل الصاروخ على الوحشية والقطيعة، وانهيار الأخلاق، وكان لذلك تأثير على نفوس القراء ولا سيما الأغراض منهم، ولم تسلم حتى المجلات الراقية نفسها من تسرب بعض هذا اللون من القصص الخليعة إلى صفحاتها.
ومن أهم الموضوعات التي كان لها تأثير في الأدب بعامة وفي أدب المقال بخاصة تلك المقالات التي تعرضت لدراسة الآداب الأجنبية المختلفة والتعرف على مواطن القوة بها، فأخذ الكتاب يتعقبون بالبحث الظواهر والمذاهب الأدبية والنقدية، وأمهات كتب الأدب، ومشاهير أدباء العالم في أوروبا وأمريكا وآسيا.
(1/261)

ابتدأت هذه الدراسة مبكرة في المقتطف والهلال ولكن كان ذلك على قلة، فلما جاءت السياسة الأسبوعية روجت لها واهتمت بها وجذبت الأنظار، والعقول إلى هذه الدراسات جذبًا شديدًا.
ومن ذلك مثلًا نظرية "تين" المشهورة في الأدب وأنه خاضع لتأثير البيئة والجنس والزمن، ومناقشة هذه النظرية في أكثر من مقال، ومن آرائه: أنه لا يصلح للأدب القصصي غير الذات الشاذة.
ومن هذه الدراسات الحديث المستفيض عن الأدب اليوناني القديم وخصائصه وهي البساطة والإيجاز والصدق والجمال، ويقول في ذلك حنا خباز: "كان الإغريق يتدفقون بالعواطف، ولكنهم كانوا يكتبونها، ويحكمون عقولهم، ولم يسع شعراؤهم إلى خلق عالم جديد من مجاهل الخيال، ولم يتكلفوا وصف شعور لا يحسونه، ولم يكن جمال أدبهم ألفاظ أو استعارات، بل جمال بناء فني يجعل الطبيعة تتكلم".
ويكتب هيكل عن أناتول فرانس ومذهبه في الشك والاشتراكية، وعن أوجست كومت ومذهبه الواقعي، وتنشر السياسة الأسبوعية مقالات، عن الأدب الهندي، والأدب الألماني، ونزعة الأدب الإنجليزي في العصر الحاضر، وعن المذهب الرمزي في الشعر، وعن القصص الروسي، وتكتب العصور عن الرومانسية نشأتها وتطورها في ألمانيا ثم في إنجلترا، ثم في فرنسا مع ذكر أعلامها من الشعراء والكتاب الذين حملوا لواءها "العدد نوفمبر 1928"، وتكتب العصور كذلك عن "تين" وطريقته في النقد، وكتابه "الذكاء"، وتفيض في بحث نظريته عن الجنس والبيئة والزمن، وكيف تؤثر في الأدب.
وتكتب المقتطف عن "مسائل الفن والجمال في العصر الحديث"، وإبراز الحقائق التي تسدد خطا الحركة الأدبية، وتحرجها من أزمة التردد بين الغايات والاتجاهات الفنية المتباينة، كأن تقرر أن الغبطة بالجمال لا تضاد عاطفة المنفعة والحاجة والرغبة، كما لا تتعارض مع الحقيقة، وأن القوة والدقة والإبداع والإيقاع
(1/262)

والنظام عناصر لا بد من توافرها في الشعر، وأن الجمال هو مزج القوة بالضعف، وجعلهما شيئًا يعبر جميعه عن الإرادة الأشد والأكثر عذوبة.
ولا يسعنا أن نتتبع كل هذه الدراسات عن الآداب الأجنبية في مختلف المجالات، وإنما الذي يعنينا أن معظم الباحثين كانوا يعقدون موازنات قيمة بين الآداب الغربية والأدب العربي في فنونه المختلفة، ويحاولون التعرف على أوجه القوة والضعف، وقد كان لذلك أثره الواضح في أدبنا كما سنبينه إن شاء الله.
وكان من الطبيعي وقد اشتد تيار الثقافة الغربية كما رأينا، وجدت مقاييس جديدة للأدب أن يحدث خلاف بين المجددين والمحافظين لا حول مفردات اللغة، ولكن حول الأساليب، وصور البيان، فلكل عصر حضارته ومزاج أهله الخاص بهم، ولكل شعب بيئته التي يستمد منها صوره وخيالاته، ولذلك يجب أن تعبر اللغة عن مقتضيات العصر وحضارته ومزاج أهله، فإذا كان العرب في صحرائهم قد قالوا قديمًا: أثلح الله صدره، وسقيا له، وذهبت ريحهم، وأخذ زمام الأمر بيده، وحدا بي إلى كذا فإن هذه التعبيرات إنما كانت من وحي البيئة البدوية، وعلينا أن نمثل بيئتنا في أدبنا ونستوحيها في صورنا وخيالاتنا، واستعاراتنا وكتاباتنا.
وقد أشفق كثير من المحافظين على ثقافتنا العربية من ذلك الغزو الفكري الغربي، فقال محب الدين الخطيب "الفتح في 9 يناير 1930" تحت عنوان الاستعمار الفكري في الشرق: "إن موقفنا الفكري والثقافي دقيق جدًّا، ومن أكبر المصائب على الشرق العربي أن تكون فيه القيادة ضعيفة إلى حد لا يكون لها صوت مسموع في تعيين الطريق التي يجب أن نسير فيها، وألا يكون لها رأي متبع فيما ينبغي أخذه، وما ينبغي مقاطعته من بضائع الفكر الغربي، وألا تكون لها تشكيلات منظمة لوضع الغذاء الفكري بين أيدي الجماهير حتى ينفذوا به عن مد أعينهم إلى ما يأتينا به الغرب من دسم مشوب بالسم".
ولما كانت السيطرة على حرية الناس مستحيلة، فإن من الضروري أن يكون لنا من المثقفين بالمعارف على اختلاف صنوفها رجال أيقاظ، ينصرف كل فريق منهم
(1/263)

إلى مراقبة ضرب من ضروب المعارف في الغرب، وأثر من آثار الفكر في لغاته، فيعرف مرامية، وينقل في الصحف والمجلات ما يجدر نقله إلى لغتنا.
أما أن ننقل الضار والنافع، والغث والسمين، وما لا فائدة منه لنا، وما يوجهنا وجهات خاطئة في تفكيرنا وعقائدها وأخلاقنا، فذلك ما يجب أن نعمل على منعه، محاربته، لقد اشتدت حمى الترجمة فيما بين الحربين العالميتين حتى جنت على الأدب العربي من المسخ والتشويه، وفي ذلك يقول الزيات: إن أدبنا اليوم يجهل اللغة العربية، ويعلم اللغة الأوروبية، ويقرأ الأدب الأجنبي، ويغفل الأدب العربي، صار الأدب المصري الحديث كالمجتمع المصري الحديث يقوم على موت الشخصية، وفناء الذات، ونسيان التاريخ، ونكران الأصل، فهو يستلهم المطابع الأوروبية، ويخضع قريحته للقرائح الأوروبية، ويعقد لسانه بالألسنة الموهوبة فيها، فيحكي ما نقول في لعثمة نكراء من أثر العقدة، وهو لو وضع عن كاهله نير الامتياز، وفهم هذه الكلمات المخربة على المجاز، فأخذ عن طبعه، وترجم عن طبيعته لفجأ الغرب بأدب قدسي الإلهام، سحري الأنغام، شرقي الروح، مصري الطابع، يحل أهله من أدب العالم ما أحل أدب الهند إقبال وطاغور "الرسالة 28 مايو 1934".
وليس معنى ذلك التخلي عن الترجمة، ولكن لا بد من الاختيار المفيد الدقيق لما يترجم، على أن يضطلع بها ذوو الأقلام القوية التي تستطيع أن تثري اللغة والأدب بهذا النقل، وتطعم الأدب بأنواع الفنون الغربية، وتصله بتيار الأفكار الحديثة الجيدة.
ولقد ذكرنا آنفًا ما قاله بعض المتطرفين المتحمسين للآداب الأجنبية، والذين يريدون أن يقطعوا صلتنا بماضينا جملة من أمثال "سلامة موسى، وإسماعيل مظهر، ومحرر الفجر"، لقد كان ثمة إجماع من الفريقين: المحافظين والمجددين على الترجمة، ولكن العابثين أساءوا إلى المثقفين بنقلهم نفايات الثقافة الغربية، وبخاصة القصص الرخيصة التي نشأت فيما بعد الحرب العالمية الأولى، قصص الجنس والشهوة والجريمة، ونقلت هذه القصص بأسلوب ركيك فيه كثير من التبذل
(1/264)

العامي، والساقط الحوشي، فأساء إلى أساليب الشباب حتى كادت تستعجم، وكان من الظلم أن يسمى هذا النوع أدبًا".
ولم يقتصر الصراع بين المحافظين والمجددين على نوع الترجمة وما يجب أن يترجم، ولكن ثمة قضايا كثيرة أثيرت وصارت موضع جدل طويل مثل حرية الفكر، وإلى أي حد يجب أن يكون الكاتب حرًا فيما يتناول من موضوعات، وقد ظهرت في تلك الحقبة عدة أبحاث تتسم بالجرأة مثل "حالة المرأة في التقاليد الإسلامية وتطوراتها" لمنصور فهمي 1931، و"الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، وكتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين.
وأثير موضوع العلم والدين والخلاف بينهما فيقول الدكتور هيكل: "الدين يقرر المثل العليا وقواعد الإيمان التي يجب أن تأخذ الناس بها في حياتهم، والعلم يقرر الواقع في حياة الوجود، ويترسم تطور الحياة في سبيل سيرها نحو ما يظنه الكمال، والكمال الذي يدعو إليه الدين كمال ثابت، أما الكمال الذي يدعو إليه العلم فكمال ظني".
أما الدكتور طه حسين "فرأى أن العلم شيء آخر، ومنفعة العلم والدين أن يتحقق بينهما هذا الانفصال، حتى لا يعدو أحدهما على الآخر، وحتى لا ينشأ من هذا العدوان في الشرق الإسلامي مثل ما نشأ في الغرب المسيحي، وأن الدين حين يثبت وجود الله، ونبوة الأنبياء يثبت أمرين لم يستطع العلم إلى الآن أن يثبتهما، فالعلم لم يصل بعد إلى ثبات وجود الله، ولم يصل بعد إلى إثبات نبوة الأنبياء، وإذا فبين العلم والدين خصومة في هذين الأمرين، ثم إن العلم لا ينفيهما، أو هو لا يعرض لنفيهما أو إثباتهما، وإنما ينصرف انصرافًا تامًا إلى ما يمكن أن يتناوله بالبحث والتخصص.
هذا أمر والأمر الثاني أن الكتب السماوية لم تقف عند إثبات وجود الله ونبوة الأنبياء، وإنما عرضت لمسائل أخرى يعرض لها العلم بحكم وجوده، ولا يستطيع أن ينصرف عنها، وهنا يظهر تناقض صريح بين هذه الكتب السماوية، وما وصل إليه العلم من النظريات والقوانين.
(1/265)

وأمر ثالث وهو أعظم من هذين الأمرين خطرًا، وأبعد منهما في تحقيق الخلاف أثرًا، ذلك أن العلم لم يقف عند هذا اللون من ألوان الخلاف، وإنما طمع في أن يخضع الدين لبحثه ونقده وتحليله، وهو لا يحفل الآن بأن التوراة تناقضه أو لا تناقضه، وإنما يزعم أنه له الحق في أن يضع الدين نفسه موضع البحث والتحليل، إذا فالدين في نظر العلم ظاهرة كغيره من الظواهر الاجتماعية، لم ينزل من السماء، ولا هبط في الوحي، وإنما خرج من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها، إن الدين في ناحية والعلم في ناحية أخرى، وأن ليس إلى التقائهما سبيل، ومن زعم للناس غير هذا فهو إما خادع أو مخدوع، والحق أن المخدوعين كثيرون، وهؤلاء المخدوعون هم الذين يحاولون دائمًا التوفيق بين العلم والدين "السياسة الأسبوعية 17 من يوليو 1928".
ويقول الشيخ مصطفى عبد الرازق: "إن الاتجاه العلمي الأخير هو انتصار للدين، ولسنا من القائلين بأن العلم كان يومًا من الأيام يناهض الدين، هذا من جهة، ومن الناحية الأخرى لم يحض الدين على منابذة العلم، بل على العكس إن الإسلام يدعو إلى حرية البحث وصراحة التفكير والتسامح، العلم اليوم يسلم بوجود ما ليس قائمًا أمام الحس، وذهب عصر البديهيات، وتغير وضع القواعد العلمية، وأصبح عصرنا عصر يقين واعتقاد بالقوة الكافية، وقد أستطيع القول بأن العلم في الأيام المقبلة، سيخطو نحو الدين خطوات جريئة لا يبعد أن تثبت إمكان وقوع المعجزة "الهلال يونيو 1931".
ونستطيع أن نجمل أثر الثقافة بألوانها المختلفة في المقال الأدبي بخاصة في الأمور الآتية:
1- لم يعد المقال الأدبي لدى هؤلاء الكتاب الذين يحترمون أنفسهم، ويحترمون
قراءهم مجرد موضوع إنشائي خلو من الدراسات الواعية، وإنما صار موضوعًا يفيد من العلم في شتى نواحيه، وصار من شروط الأديب الأصيل أن يقف على آداب لغته هو وقوفًا صحيحًا، وأن يحيط بعلوم عصره وفلسفته وآدابه في اللغات المختلفة، إذ لم يعد الأدب وقفًا على الموضوعات الوجدانية أو الوصفية، وإنما شمل كل شيء في الحياة، وكلما كان الكاتب أكثر إحاطة بعلوم عصره، وأغزر ثقافة كان أدنى إلى
(1/266)

بلوغ ما في الحياة والوجود من حق وجميل، وإلى تبليغه للناس في صورة أقرب إلى الكمال ما دام قد أوتي الموهبة التعبيرية، ممن أوتي مثل مواهبه ولم يؤت مثل علمه.
2- تطور المقال الأدبي من ناحية الفكرة وسلامتها وغزارتها ودقتها وترتيبها، وكلما دقت الفكرة دقت العبارة، ورأينا الأفكار والمعاني ترفع العبارة رفعًا إلى الصورة التي قدرها المعنى وتقدرها الفكرة، وإذا تمزقت الفكرة عن طريق التوليد أو التوسع أو التحليل تمزقت العبارة تبعًا لها، وما دام العلم صار من أهم الروافد التي يستقي منها الأديب في معالجة موضوعاته، كان الميل إلى الواقعية واضحًا، وبعد الأدباء تدريجيًا عن الأدب الحالم، والخيال المجنح الذي يطير على أجنحة من التجديد.
أخذ الأدب الجديد يعالج كل مشاكل الحياة والموت والزواج والأسرة ورغائب النفوس، وقضايا المجتمع، وصار يتزود من العلم والتجارب والملاحظة، ولم يعد يكتفي بالفكرة الفجة والعبارة الجوفاء.
ويقول هيكل في كتابه عن ثورة الأدب: "الأدب من الفلسفة ومن العلم كالزهرة الجميلة، وكالثمرة الناضجة، وكالخضرة النضرة من الشجرة الضخمة شجرة الفلسفة، ومن الجذور التي نبتت عليها هذه الشجرة والتي هي بمثابة العلم من الفلسفة، فلكي تكون حديقة الأدب جميلة، ولكي يكشف الأديب للناس عما في الحياة من حق وجميل، وليؤدي الرسالة العظيمة الملقاة على أدباء العصور جميعًا يجب أن يتغذى ما استطاع من ورد "الفلسفة ومن ورد العلم، ولذا كان العرب يقولون: إن الأدب هو الأخذ من كل فن بطرف".
وانتشار الثقافة وعمقها بين الأدباء والكتاب، يحد من الإغراق المحسنات، ويؤدي بطبيعة الحال إلى دقة التعبير، واتزان العاطفة؛ لأن قوام الأدب صدق العاطفة، ووحي القلب، ولكن الأدب ليس محض شعور، وإنما هو عقل كذلك، فالأديب يحس ويفكر، والتوازن بين إحساسه وفكره لا بد منه.
وقد دعا بعضهم إلى القضاء دفعة واحدة على أدب الألفاظ حتى لا تمسخ الحقائق، ولا تقع في التعميم والمبالغة السقيمة التي تصف ضوء الشمعة، وكأنه ضوء الشمس الباهرة.
(1/267)

3- لقد خلت العبارة لدى الكثيرين من الحشو والتكرار، والمعاظلة، وتخلصت من آفة المحسنات المكلفة، وإذا كان أسلوب الجاحظ في إيراد الجمل الكثيرة المترادفة على المعنى الواحد قد أفاد في بدء النهضة، وأغرم به عدد من الأدباء، فإن طبيعة الحياة ومقتضيات العصر ونوع الثقافة لم تعد كلها تستسيغ الإطالة والحشو والاستطراد والترادف والتكرار.
4- خلت المقالة غالبًا من المقدمات التي لا فائدة منها والتي تستهلك جهد الكاتب والقارئ معًا.
5- تنوعت الموضوعات التي تعالجها المقالة الأدبية، ولم يعد الأديب يعيش في برجه العاجي، وإنما صار الأدب للحياة لدى معظم الكتاب، فنرى على صفحات السفور: الأمة والرجاء، روح الاستقلال، حرية الفرد، حقوق الشباب، آمال الناشئين، غلاء المهور، مآثمنا، قتيل الجوع ومظالم الطبقات، وكلها بقلم الدكتور منصور فهمي في مستهل حياته الفكرية والأدبية، ونجد هيكل يكتب عن: حاجتنا إلى التجديد، الروح الرجعية، الشبيبة والمستقبل، الاشتراكية تخطو إلى الأمام، ويكتب عبد الحميد حمدي صاحب السفور عن: قيمة الألقاب، حظنا من الحياة، تعليم البنت الطب، ونرى مقالات متنوعة لمختلف الكتاب مثل: حياتنا الاجتماعية والدين، معلمو الديمقراطية، ضعف الإرادة، مسألة الحجاب، أين السعادة، جنة الحياة، المرأة المصرية، الزواج، فوضى الطلاق، نهضة المرأة المسلمة، رأي في السفور، الأسرة، الحرب والحضارة.
ونرى في السياسة الأسبوعية وهي من المجلات التي حملت راية التجديد مقالات عن: البرقع، العمامة، تقديس الواجب، بدعة الموالد، الفلاح والمرابون، هجرة الريف إلى المدن، الشرق والكرامة، صرخة الجيل الجديد، بيوتنا المصرية خليط من عصور شتى للمازني، في القرية، في مولد الحسين، شيخ طريقة، على المعاش، الجارة اللعينة، العمدة، عاطفة، الأبوة.
وسنفرد دراسة خاصة لهذا النوع من المقالات الأدبية إن شاء الله، والله ولي التوفيق.
تم بحمد الله
(1/268)