Advertisement

نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن


الكتاب: نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن
المؤلف: أحمد بن محمد بن علي بن إبراهيم الأنصاري الشرواني (المتوفى: 1253هـ)
الناشر: مطبعة التقدم العلمية، مصر
الطبعة: الأولى، 1324 هـ
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] الباب الأول في
الحكايات
حكاية: قيل إن عبد الملك بن مروان خطب يوماً بالكوفة فقام إليه رجل من آل سمعان فقال مهلاً يا أمير المؤمنين اقض لصاحبي هذا بحقه ثم اخطب فقال وما ذاك فقال إن الناس قالوا له ما يخلص ظلامتك من عبد الملك إلا فلان فجئت به إليك لأنظر عدلك الذي كنت تعدنا به قبل أن تتولى هذه المظالم فطال بينه وبينه الكلام فقال له الرجل يا أمير المؤمنين إنكم تأمرون ولا تأتمرون وتنهون ولا
(1/3)

تنتهون وتعظون ولا تتعظون أفنقتدي بسيرتكم في أنفسكم أم نطيع أمركم بألسنتكم فإن قلتم أطيعوا أمرنا واقبلوا نصحنا فكيف ينصح غيره من غش نفسه، وإن قلتم خذوا الحكمة حيث وجدتموها واقبلوا العظة ممن سمعتموها فعلى ما قلدناكم أزمة أمورنا وحكّمناكم في دمائنا وأموالنا أو ما تعلمون أن منا من هو أعرف منكم بصنوف اللغات أوبلغ في العظات فإن كانت الإمامة قد عجزتم عن إقامة العدل فيها فخلوا سبيلها وأطلقوا عقالها يبتدرها أهلها الذين قاتلتموهم في البلاد وشتتّم شملهم بكل واد أما والله لئن بقيت في أيديكم إلى بلوغ الغاية واستيفاء المدة لتضمحل حقوق الله وحقوق العباد فقال له كيف ذلك فقال لأن من كلمكم في حقه زجر ومن سكت عن حقه قهر فلا قوله مسموع ولا ظلمه مرفوع ولا من جار عليه مردوع وبينك وبين رعيتك مقام تذوب فيه الجبال حيث ملكك هناك خامل وعزل زائل وناصرك خاذل والحاكم عليك عادل فأكب عبد الملك على وجهه يبكي ثم قال له فما حاجتك فقال عاملك بالسماوة ظلمني وليله لهو ونهاره لغو ونظره زهو فكتب إليه بإعطائه ظلامته ثم عزله.
حكاية: عن بعض الأدباء قال حضر رسول ملك الروم عند المتوكل فاجتمعت به فقال لما أحضر الشراب ما لكم معاشر المسلمين قد حرم عليكم في كتابكم الخمر ولحم الخنزير فعملتم بأحدهما دون الآخر فقلت له أما أنا فلا أشرب الخمر فسل من يشربها فقال إن شئت أخبرتك قلت له قل فقال لما حرم عليكم لحم الخنزير وجدتم بدله ما هو خير منه لحوم الطيور أما الخمر فلم تجدوا ما يقاربه فلم تنتهوا عنه قال فخجلت منه ولم أدر ما أقول.
حكاية: عن محمد بن ابراهيم الموصلي قال أجزنا في بعض أسفارنا لحى من العرب فإذا رجل منهم قبيح الوجه في الغابة أحول ذو لحية طويلة بيضاء يضرب زوجة له وهي
جارية حسناء كاعب كأنها البدر فقمنا إليه نمنعه عن ضربها فقالت دعوه إنه أسدى إلى الله حسنة أذنبت أنا ذنباً فجعلني الله ثوابه وجعله عقابي.
حكاية: قيل إن كريم الملك كان من أهل الظرف والأدب فعبر يوماً تحت جوسق بستان فرأى جارية ذات وجه زاهر وكمال باهر لا يستطيع احد وصفها فلما نظر إليها ذهل عقله وطار لبه فعالد إلى منزله أورسل إليها هدية نفيسة مع عجوز كانت تخدمه وكانت الجارية قارئة فكتب إليها رقعة يعرض عليها الزيارة في جوسقها فلما رات الرقعة قبلت
(1/4)

الهدية ثم أرسلت إليه مع العجوز عنبراً على زر ذهب وربطت ذلك في المنديل وقالت هذا جواب رقعته فلما رأى كريم الملك ذلك لم يفهم معناه وتحير في أمره وكانت له ابنة صغيرة السن فراته متحيراً في ذلك فقالت يا أبت أنا فهمت معناه قال وما هو لله درك فأنشدت تقول:
أهدت لك العنبر في جوفه ... زرّ من التبر خفيّ اللحام
فالزر والعنبر معناهما ... زر هكذا مختفياً في الظلام
قال الراوي فعجب من فصاحتها وفطانتها.
حكاية: قيل إن الرشيد حصل له في بعض الليالي قلق فوقع في نفسه أن يفتح حجر الجواري ويتنزه فيهن ففتح مقصورة فوقع نظره على جارية ووجدها نائمة مغطاة بشعرها فأيقظها فلما علمت به فتحت عينها فرأت الخليفة فقالت يا أمين الله ما هذا الخبر فأجابها.
هو ضيف طارق في أرضكم ... هل تضيفوه إلى وقت السحر
فأجابت
بسرور سيدي أخدمه ... إن رضي بي وبسمعي والبصر
فأجابت
فلما أصبح قال من بالباب من الشعراء قيل أبو نواس فقال علي به فدخل فقال أجز: يا أمين الله ما هذا الخبر، فأطرق ساعة ورفع رأسه وأنشد يقول
طال ليلي حين وافا لي السهر ... فتفكرت فأحسنت الفكر
قمت أمشي في مجالي ساعة ... ثم أخرى في مقاصير الحجر
وإذا وجه جميل حسن ... زانه الرحمن من بين البشر
فلمست الرجل منها موقظاً ... فرنت نحوي ومدت للبصر
وأشارت وهي قائلة ... يا أمين الله ما هذا الخبر
قلت ضيف طارق في أرضكم ... هل تضيفوه إلى وقت السحر
فأجابت بسرور سيدي ... أخدم الضيف بسمعي والبصر
قال فنظر إليه الخليفة وقال والله كنت معنا قال لا وحياتك يا أمير المؤمنين وإنما الشعر الذي ألجأني إلى ذلك فتعجب منه وأحسن صلته.
حكاية: عن بعض الأدباء أنه قال كان خالد الكاتب مغرماً بالملاح وكان قد توسوس في آخر عمره فرأيته يخاطب غلاماً مليحاً ويقول له وهو راكب على قصبة ما آن أن يرحمني قلبك فقال له الغلام لا فقال خالد حتى متى يلعب بي حبك فقال الغلام أبداً فقال خالد وكم أقاسي فيك جهد
(1/5)

البلاء فقال الغلام حتى الموت فقال خالد لا أعدم الله فؤادي الهوى فقال الغلام آمين فقال خالد ولا أبلى به قلبك فقال الغلام فعل الله ذلك فقال خالد إن كان ربي قد قضى بالهوى فقال الغلام ما عليّ إباء فقال خالد وشدة الحب فما ذنبك فقال الغلام سل نفسك قال فقلت للغلام أما تستحي من هذا الرجل مع جلالة قدره فقال الغلام كل من يلقاه مثلي يقول له هكذا.
حكاية: قيل إن بعض البخلاء استأذن عليه ضيف وبين يديه خبز وقدح فيه عسل فرفع الخبز وأراد أن يرفع العسل وظن البخيل أن ضيفه لا يأكل العسل بلا خبز فقال ترى أن تأكل عسلاً بلا خبز قال نعم وجعل يلعق لعقة بعد لعقة فقال له البخيل والله يا أخي إنه يحرق القلب فقال صدقت ولكن قلبك.
حكاية: أخبر أبو بكر ابن الخاضبة أنه كان ليلة من الليالي قاعداً ينسخ شيئاً من الحديث بعد أن مضى وهن من الليل قال وكنت ضيق اليد فخرجت فارة كبيرة وجعلت تعدو في البيت وإذا بعد ساعة خرجت أخرى وجعلا يلعبان بين يدي ويتقافزان إلى أن دنتا من ضوء السراج وتقدمت إحديهما وكانت بين يدي طاسة فأكببتها عليها فجاءت صاحبتها فشمت الطاسة وجعلت تدور حوالي الطاسة وتضرب بنفسها عليها وأنا ساكت أنظر مشتغل النسخ فدخلت سربها وإذا بعد ساعة خرجت وفي فيها دينار صحيح وتركته بين يدي فنظرت إليها وسكت واشتغلت بالنسخ وقعدت ساعة بين يدي تنظر إلي فرجعت وجاءت بدينار آخر وقعدت ساعة أخرى وأنا ساكت أنظر وأنسخ وكانت تمضي وتجيء إلى أن
جاءت بأربعة دنانير أو خمسة الشك مني وقعدت زماناً طويلاً أطول من كل نوبة ورجعت ودخلت سربها وخرجت وإذا في فيها جليدة كانت فيها الدنانير وتركتها فوق الدنانير فعرفت أنه ما بقي معها شيء فرفعت الطاسة فقفزتا ودخلتا البيت وأخذت الدنانير وأنفقتها في مهم وكان لي في كل دينار دينار وربع.
حكاية: عن أبي الحسن البغدادي الأديب أنه قال كان المتنبي جالساً بواسط وعنده ولده المحسد قائماً وجماعة يقرؤن فورد إليه بعض أناس فقال أريد أن تجيز لنا هذا البيت:
زارنا في الظلام يطلب ستراً ... فافتضحنا بنوره في الظلام
فرفع رأسه وقال يا محسد قد جاءك بالشمال فأته باليمين فقال:
فالتجأنا إلى حنادس شعر ... سترتنا عن أعين اللوام
(1/6)

قال الرئيس أبو الجوائز معنى قوله لولده جاءك بالشمال فأته باليمين أن اليسرى لا يتم بها عمل وباليمنى تتم الأعمال فأراد أن المعنى يحتمل زيادة فأوردها وقد أجاد المتنبي في الإشارة وأحسن ولده في الأخذ.
حكاية: أخبر السقطي قال دخلت المقابر فرأيت بهلول المجنون قد أدلى رجليه في قبر محفور وهو يلعب بالتراب فقلت ما تصنع ههنا قال أنا عند قوم لا يؤذون جيرانهم وإن غبت عنهم لا يغتابوني قلت أجائع أنت قال لا والله قلت له إن الخبز قد غلا فقال لا أبالي علينا أن نعبده كما أمرنا وعليه أن يرزقنا كما وعدنا.
حكاية: قيل إن أنوشروان وضع الموائد للناس في يوم نيروز وجلس ودخل وجوه مملكته الإيوان فلما فرغوا من الطعام جاؤا بالشراب وأحضرت الفواكه والمشموم في أوان من الذهب والفضة فلما رفعت آلة المجلس أخذ بعض من حضر جام ذهب وزنه ألف مثقال فخباه تحت ثيابه وأنوشيروان يراه فلما فقده الساقي قال بصوت عال لا يخرجن أحد حتى يفتش فقال كسرى ولم فأخبره بالقصة فقال فقد أخذه من لا يرده ورآه من لا ينم عليه فلا يفتش أحد فأخذه الرجل ومضى فكسره وصاغ منه منطقة وحلية لسيفه وجدد له كسوة فاخرة فلما كان في مثل جلوس الملك دخل ذلك الرجل بتلك الحلية فدعاه كسرى وقال له هذا من ذاك فقبل الأرض وقال نعم أصلحك الله تعالى.

حكاية: قيل لما هرب موسى بن عمران عليه السلام من فرعون وبلغ أرض مدين أخذته
الحمى وقد أصابه الجوع بعد ذلك فشكى إلى ربه جل شأنه فقال يا رب أنا الغريب وأنا المريض وأنا الفقير فأوحى الله تعالى إليه أما تعرف من الغريب ومن المريض ومن الفقير قال لا قال الغريب الذي ليس له مثلي حبيب والمريض الذي ليس له مثلي طبيب والفقير من ليس له مثلي وكيل.
حكاية: أخبر ابن داب عن رياح بن حبيب العامري أنه سأله عن ليلى والمجنون فقال كانت ليلى من بني الجريش وهي بنت مهدي بن سعد بن مهدي بن ربيعة بين الجريش وكانت من أجمل النساء وأحسنهن جسماً وعقلاً وأفضلهن أدباً وأملحهن شكلاً وكان المجنون كلفاً بمحادثة النساء صباً بهن فبلغه خبر ليلى ونعتت له فصبا إليها وعزم على زيارتها فتأهب لذلك فارتحل إليها وأتاها وسلم عليها فردت عليه السلام وتخفت في المسئلة وجلس إليها فحادثته وحادثها وكل واحد منهما مقبل على صاحبه معجب به فلم يزالا كذلك حتى أمسيا فانصرف إلى أهله فبات بأطول ليلة
(1/7)

شوقاً إليها حتى إذا أصبح عاد إليها فلم يزل عندها حتى أمسى ثم انصرف إلى أهله فبات بأطول من الليلة الأولى واجتهد أن يهجع فلم يقدر على ذلك فأنشأ يقول شعر:
نهاري نهار الناس حتى إذا بدا ... لي الليل هزتني إليك المضاجع
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني والهم بالليل جامع
لقد نبتت في القلب منك مودة ... كما نبتت في الراحتين الأصابع
حكاية: نقل أن الرشيد كانت عنده جارية يحبها محبة شديدة وكانت سوداء واسمها خالصة جالسة عنده وعليها من الجواهر والدرر ما شاء الله تعالى وكان لا يفارقها ليلاً ونهاراً فدخل عليه أبو نواس ومدحه بأبيات بليغة فلم يلتفت إليه وبقي مشغولاً بالجارية فحصل لأبي نواس غبن في نفسه فخرج وكتب على باب الرشيد:
لقد ضاع شعري على بابكم ... كما ضاع عقد على خالصة
فقرأه بعض حاشية الملك ثم دخل وأخبره بذلك فقال علي بأبي نواس فلما دخل عليه من الباب محا تجويف العين من الموضعين من لفظ ضاع وأبقى أولهما على صورة الهمزة ثم أقبل على الملك فقال له ما كتبت على الباب قال كتبت:
لقد ضاء شعري على بابكم ... كما ضاء عقد على خالصة
فأعجب الرشيد ذلك وأجازه بألف درهم وقال بعض من حضر هذا شعر قلعت عيناه فأبصر.
حكاية: قيل إن الرشيد حلف أن يدخل على جارية له أياماً وكان يحبها فمضت الأيام ولم تسترضه فقال شعر:
صد عني أذراني مفتتن ... وأطال الصبر لما أن عطن
كان مملوكي فأضحى مالكي ... إن هذا من أعاجيب الزمن
ثم أحضر أبا العتاهية وقال له أجزها فقال:
عزة الحب أرته ذلتي ... في هواه وله وجه حسن
فلهذا صرت مملوكاً له ... ولهذا شاع ما بي وعلن
حكاية: قيل إن امرؤ القيس أودع السموأل بن عاديا قبل موته دروعاً وسلاجاً فأرسل ملك كندة يطلب الدروع والسلاح المودعة عنده فقال السموأل لا أدفعه إلا لمستحقه وأبى أن يدفع إليه شيئاً منها فعاوده فأبى وقال لا أعذر بذمتي ولا أخون أمانتي ولا أترك الوفاء الواجب علي فقصده ذلك الملك بعسكره فدخل السموأل في
(1/8)

حصنه وامتنع به فحاصره ذلك الملك وكان ولد السموأل خارج الحصن فظفر به ذلك الملك فأخذه أسيراً ثم طاف به حول الحصن وصاح بالسموأل فلما أشرف عليه من أعلا الحصن قال له إن ولدك قد أسرته وهاهو معي فإن سلمت إلي الدروع والسلاح التي لامرأ القيس عندك رحلت عنك وسلمت إليك ولدك وإن امتنعت من ذلك ذبحت ولدك وأنت تنظر فاختر أيهما شئت فقال له السموأل ما كنت لأخفر ذمامي وأبطل وفائي فاصنع ماشئت فذبح ولده وهو ينظر ثم لما أن عجز عن الحصن رحل خائباً واحتسب السموأل ذبح ولده وصبر محافظة على وفائه فلما جاء الموسم وحضرت ورثة امرؤ القيس سلم إليهم الدروع والسلاح ورأى حفظ ذمامه ورعاية وفائه أحب إليه من حياة ولده وبقائه فصارت الأمثال بالوفاء تضرب بالسموأل وإذا مدحوا أهل الوفاء في الأنام ذكروا السموأل في الأول.
حكاية: عن الأصمعي قال دخلت البادية وإذا أنا بعجوز بين يديها شاة مقتولة وإلى جانبها جرو ذئب فقالت أتدري ما هذا فقلت لا قالت هذا جرو ذئب أخذناه صغيراً وأدخلناه بيتنا وربيناه فلما كبر فعل بشاتي ما ترى وأنشدت تقول شعر:
قتلت شويهتي وفجعت قومي ... وأنت لشاتنا ابن ربيب
غذيت بدرها وغدرت فيها ... فمن أنباك أن أباك ذيب
إذا كان الطباع طباع سوء ... فلا أدب يفيد ولا أديب
وقريب من هذا قول القائل:
من يصنع المعروف في غير أهله يلاقي كما لاقى مجير أم عامر وعنه أيضاً قال كنت عند الرشيد إذ دخل علينا رجل ومعه جارية للبيع فتأملها الرشيد ثم قال خذ بيد جاريتك فلولا كلف في وجهها لاشتريناها منك فلما بلغ الستر قالت يا أمير المؤمنين ذرني أنشدك بيتين قد حضراني فردها فأنشأت تقول شعر:
ما سلم الظبي على حسنه ... كلا ولا البدر الذي يوصف
فالظبي فيه خنس بيّن ... والبدر فيه كلف يعرف
فأعجبته بلاغتها فاشتراها وقرب منزلتها وكانت أعز وصائفة عنده.
حكاية: قيل إن الهيثم بن الربيع كان فصيحاً جباناً كذاباً وكان له سيف يسمى لعاب المنية ليس بينه وبين الخشب فرق قال ظهر لي ظبي فرميته فراغ عن سهمي فعارضه السهم
(1/9)

فعارضه السهم فما زال والله يروغ ويعارضه حتى صرعه وحدث جار له قال دخل إلى بيته كلب في بعض الليالي فظنه لصاً فانتضى سيفه ووقف في وسط الدار وقال أيها المغتر بنا والمجترئ علينا بئس والله ما اخترت لنفسك خير قليل وسيف صقيل أخرج بالعفو عنك قبل أن أدخل بالعقوبة عليك أن ادع الله لك قيساً لا تقم لها وقيس تملأ والله لك الفضا خيلا ورجالاً فخرج الكلب فقال الحمد لله الذي مسخك كلباً وكفانا حرباً.
حكاية: عن مخارق المغنى قال تطفلت تطفيلة قامت على أمير المؤمنين المعتصم بمائة ألف درهم فقيل له كيف ذاك قال شربت مع المعتصم ليلة إلى الصبح فلما أصبحنا قلت له يا سيدي إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي فأخرج فانتسم في الرصافة إلى وقت انتباه أمير المؤمنين قال نعم فأمر البوابين فتركوني قال فجعلت أمشي في الرصافة فبينما أنا أمشي إذ نظرت إلي جارية كأن الشمس تطلع من وجهها فتبعتها ومعها زنبيل فوقفت على صاحب فاكهة فاشترت منه سفرجلة بدرهم ورمانة بدرهم وكمثراة بدرهم فتبعتها فالتفتت فرأتني خلفها أتبعها فقالت لي ارجع يا ابن الفاعلة لا يراك أحد فتقتل قال ثم التفتت
فنظرت إلي وشتمتني ضعف ما شتمتني في المرة الأولى ثم جاءت إلى باب كبير فدخلت فيه وجلست بجنب الباب وذهب عقلي ونزلت الشمس وكان يوماً حاراً فلم ألبث أن جاء فتيان على حمارين فأذن لهما صاحب المنزل فدخلا ودخلت معهما فظن رب المنزل أني جئت مع صديقيه وظن الرجلان أن صاحب المنزل قد دعاني وجيء بالطعام فأكلوا وغسلوا أيديهم ثم قال لهم رب المنزل هل لكم في فلانة قالوا إن تفضلت فخرجت تلك الجارية بعينها وقدامها وصيفة تحمل عوداً لها فوضعته في حجرها فغنت فطربوا وشربوا وهي تلاحظني وتشك فيّ فقالوا لمن هذا يا ستنا فقالت لسيدي مخارق قال فلم أصبر (فقلت) لها يا جارية هات العود فناولتنيه فغنيت الصوت الذي غنته أولاً فقاموا وقبلوا رأسي قال بعض الأدباء وكان أحسن الناس صوتاً ثم غنيت الثاني والثالث فكادت عقولهم تذهب فقالوا من أنت يا سيدنا قلت أنا مخارق قالوا فما سبب مجيئك فقلت طفيلي أصلحكم الله تعالى وأخبرتهم خبري فقال صاحب البيت لصديقيه قد
(1/10)

تعلمان أني أُعطيت بها ثلاثين ألف درهم فأبيت أن أبيعها وأردت الزيادة وقد نقصت من ثمنها عشرة آلاف درهم فقال الرجلان علينا عشرون ألفاً وملّكوني الجارية وقعد المعتصم فطلبني في الرصافة فلم أصب وتغيظ عليّ وقعدت عندهم إلى العصر وخرجت بها فكلما مررت بموضع شتمتني فيه قلت لها يا مولاتي أعيدي شتمك عليّ فتأبى وأخذت بيدها حتى جئت إلى باب أمير المؤمنين ويدي في يديها فلما رآني المعتصم سبني فقلت يا أمير المؤمنين لا تعجل علي فحدثته فضحك وقال لي أفأكافهم عنك يا مخارق قلت نعم فأمر لكل رجل منهم بثلاثين ألف درهم وأمر لي بعشرة آلاف درهم.
حكاية: كان بعض العباد مقيماً في بعض الجبال وكان يأتيه رزقه كل يوم من حيث لا يحتسب رغيف يسد به جوعه ويشد به صلبه فلم يأته في يوم من الأيام ذلك الرغيف فطوى ليلته ذلك فلما أصبح زاد جوعه وكان في أسفل الجبل قرية سكانها نصارى فنزل العابد من الجبل يلتمس قوتاً من القرية فوقف على باب وطلب طعاماً من أهله يسد به جوعه فدفع إليه رب المنزل ثلاثة أرغفة فأخذها وتوجه قاصد الجبل وكان لصاحب البيت كلب فاتبع العابد وجعل ينبح عليه فألقى إليه رغيفاً فأكل الكلب ذلك الرغيف ثم أتبع العابد وأخذ في النباح حتى كاد أن يعقره فألقى إليه رغيفاً آخر فتشاغل به وذهب العابد إلى أن
توسط الجبل فأكل الكلب الرغيف الآخر واقتفى أثر العابد فألقى إليه الرغيف الثالث فأكله ثم أتبع العابد وأخذ في النباح فالتفت العابد إليه وقال يا عديم الحياء أخذت من بيت صاحبك ثلاثة أرغفة وقد أطعمتك إياها فما تريد مني فأنطق الله الكلب فقال ما عديم الحياء إلا أنت اعلم أنني مقيم بباب هذا النصراني منذ سنين وربما أطوي اليومين والثلاثة بلا شيء ولم تحدثني نفسي بالذهاب عن بابه إلى باب غيره وأنت قد انقطع قوتك يوماً واحداً فلم تصبر وتوجهت من بابه إلى باب نصراني تطلب منه قوتاً فقل لي أينا أقل حياء فخجل العابد وندم على فعله ولم يعد إلى ذلك.
حكاية: أخبرني بعض المحبين أن رجلاً سنياً أرسل إلى رجلٍ شيعي شيئاً من الحنطة وكانت عتيقة فردها عليه ثم أرسل إليه عوضها جديدة ولكن فيها تراب فكتب إليه قبولها هذا.
بعثت لنا بدال البربرا ... رجاءً للجزيل من الثواب
(1/11)

رفضناه عتيقاً وارتضينا ... به إذ جاء وهو أبو تراب
حكاية: قال الأصمعي حججت مرة فبينا أنا أسير في جماعة من العرب إذ سمعت من هودج قريب مني قائلة تقول شعر:
وحياة حاجته إليّ وفقره ... فلابد لن نعيمه بعذابه
ولأمنعنّ جفونه طيب الكرى ... ولأمزجنّ دموعه بشرابه
قال فدنوت من الهودج وقت بم استحق هذا العقاب فبرز إليّ وجه كأنه القمر وقالت شعر:
كم باح باسمي بعد ما كتم الهوى ... زمناً وكان صيانتي أولى به
وحياته لو أنه كتم الهوى ... بلغ المنى ويداه تحت ثيابه
حكاية: عن ابن مريم قال كنت حاجاً في بعض السنين فأتيت مسجد رسول الله صلى عليه وسلم فإذا أنا بأعرابي يركض على بعيره حتى أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعقل بعيره ثم دخل يؤم القبر فلما نظر إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بأبي أنت وأمي لقد بعثك الله بشيراً ونذيراً وأنزل عليك كتاباً مستقيماً علمك فيه علم الأولين والآخرين فقال ولو أنَّهم إذْ ظلموا أنفسهمْ جاؤك فاستغفروا اللهَ واستغفرَ لهمُ الرسول لوجدوا اللهَ توّاباً رحيماً وإني لأعلم أن ربك منجز لك ما وعدك وها أنا قد أتيتك مقراً بالذنوب
مستشفعاً بك عند ربك عزّ وجلّ ثم أمضى وأنشأ يقول شعراً:
يا خير من دُفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والإكمُ
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرمُ
حكاية: عن الأصمعي قال بينما أنا أتطوف حول الكعبة إذذا برجل على قفاه كارة وهو يطوف فقلت له أتطوف وعليك كارة فقال هذه والدتي التي حملتني في بطنها تسعة أشهر أريد أن أؤدي حقها فقلت له ألا أدلك على ما تؤدي به حقها قال لي وما هو قلت تزوجها فقال يا عدو الله تستقبلني في أمي بمثل هذا قال فرفعت يدها فصفعت قفا ابنها وقالت لم إذا قيل لك الحق تغضب.
حكاية: عن القاضي يحيى بن أكثم قال بت ليلة عند المأمون فعطشت في جوف الليل فقمت لأشرب ماء فرآني المأمون فقال مالك يا يحيى قلت يا أمير المؤمنين أنا والله عطشان قال ارجع إلى موضعك فقام والله إلى محل الماء فجاءني بكوز ماء وقام على رأسي فقال اشرب يا يحيى
(1/12)

فقلت يا أمير المؤمنين هلا وصيف أو وصيفة قال إنهم نيام قلت كنت أقوم لشربي فقال لي لذم بالرجل الذي يستخدم ضيفه ثم قال يا يحيىفقلت لبيك يا أمير المؤمنين قال ألا أحدثك قلت بلى يا أمير المؤمنين قال حدثني الرشيد قال حدثني المهدي قال حدثني المنصور عن أبيه عكرمة ابن عباس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد القوم خادمهم.
حكاية: قيل إن الرشيد هجر جارية له ثم لقيها في بعض الليالي في القصر سكرى وعليها رداء خزوهي تسحب أذيالها من التيه فراودها فقالت يا أمير المؤمنين هجرتني في هذه المدة وليس لي علم بموافاتك فانظرني حتى أتهيأ للقائك وآتيك بالغداة فلما أصبح قال للحاجب لا تدع أحداً يدخل عليّ وانتظرها فلم تجيء فقام ودخل عليها وسألها إنجاز الوعد فقالت يا أمير المؤمنين كلام الليل يمحوه النهار فخرج واستدعى من الباب من الشعراء فدخل عليه الرقاشي ومصعب وأبو نواس فقال أجيزوا كلام الليل يمحوه النهار.
فقال الرقاشي
أتسئلوها وقلبك مستطار ... وقد منع القرار فلا قرار
وقد تركت صبّاً مستهاما ... فتاة لا تزور ولا تزار
إذا ما زرتها وعدت وقالت ... كلام الليل يمحوه النهار
وقال مصعب شعرا:
أما والله لو تجدين وجدي
لما وسعتك في بغداد دار
أما يكفيك أن العين عبرى
وفي الأحشاء من ذكرك نار
وأين الوعد سيدتي
فقالت كلام الليل يمحوه النهار
فقال أبو نواس وأجاد:
وخود أقبلت في القصر سكرى ... ولكن زين السكر الوقار
وقد سقط الرداء عن منكبها ... من التجميش وانحل الإزار
وهز الريح اردا فاثقاً لا ... وغصناً فيه رمان صغار
فقلت لها عديني منك وعداً ... فقالت في غد منك المزار
ولما جئت مقتضياً أجابت ... كلام الليل يمحوه النهار
فقال الرشيد قاتلك الله تعالى يا أبا نواس كأنك ثالثنا وأمر لكل واحد بخمسة آلاف درهم ولأبي نواس بعشرة آلاف درهم وخلعة سنية.
(1/13)

حكاية: عن أبي الحسن بن أدين البصير النحوي رحمه الله تعالى قال حضرت مع والدي مجلس كافور الإخشيدي وهو غاص بالناس فدخل إليه رجل وقال في دعائه أدام الله أيام سيدنا فكسر الميم من الأيام وفطن بذلك جماعة من الحاضرين أحدهم صاحب المجلس حتى شاع ذلك فقام من أوساط الناس رجل فأنشأ يقول شعرا:
لا غرو أن لحن الداعي لسيدنا ... أو غصّ من دهش بالريق أو بهر
فمثل هيبته حالت جلالتها ... بين الأديب وبين القول بالحصر
إن يكن حفظ الأيام عن غلط ... في موضع النصب لا عن قلة البصر
قد تفاءلت من هذا لسيدنا ... لفأل ماثورة عن سيد البشر
أن أيامه خفض بلا نصبٍ ... إن أوقاته صفو بلا كدر
حكاية: عن عبد السلام بن الحسين البصري رحمه الله تعالى قال قصد الحسن بن سهل يوما قتنافس الناس إليه في الهدايا وكان رجلاً من أهل الأدب من الكتاب قعد به الزمان فقال لأهله قد تنافس الناس إلى هذا الرجل في الهدايا ولو جمعت جميع ما تحوي عليه يدي ما بلغ ألف دينار ولكن سأتلطف له في الهدية فعمد إلى أشنان وملح مطيب فجعلهما في جوفة وختمها وكتب إليه والله يا سيدي لو كانت الجدة على قدر الهمة لكنت أحد المتنافسين في برك المسارعين إلى ودك لكن الجدة قعدت بالهمة فقصرت عن مساواة أهل النعمة وخشيت أن تطوى صحيفة البر وليس لي فيها ذكر فوجهت إليك أعزك الله تعالى شيئاً حقيراً وصبرت على ألم العجز والتقصير وكان المعبر عني قول الله عز وجل: (ليسَ على الضعفاءِ ولا على المرضى ولا على الذينَ لا يجدونَ ما ينفقونَ حرجٌ إذا نصحُوا للهِ ورسولِه ما على المحسنينَ من سبيلٍ واللهُ غفورٌ رحيمٌ) وكتب في أسفلها شعر:
نافس في الهدية كل قوم ... إليك غداة فصد الباسليق
لم أر كالدعاء أعم نفعاً ... بلغ في مكافأة الصديق
وجهت الدعاء وقلت ربي ... قيك شرور آفات العروق
فكتب إليه الحسن بن سهل والله يا سيدي ما وردت إلي هدية أحسن من هديتك ولا تحفة أجمل من تحفتك وقد بعثت إليك بألف دينار لتصرفها في مهماتك وأخذ الرقعة ودخل بها على المتوكل فلما قرأها عليه قال له لا أم لك كم حملت إلى هذا الرجل
(1/14)

قال ألف دينار قال فاحمل إليه من خزانتي مائة ألف درهم.
حكاية: عن الأصمعي رحمه الله تعالى قال خرجت هارباً من البصرة من وال بها فصرت إلى البادية فأقمت بها ما شاء الله ثم قدم أعرابي من البصرة فسألته عن أخبارها فقال مات واليها فقلت بشرك الله بخير فإني كنت هارباً منه فقال لي كفيت الهم ثم أنشد شعراً:
صبّر النفس عند كل مهم ... إن في الصبر حيلة المحتال
لا تضيقن في الأمور فقد تف ... رج غماؤها بغير احتيال
بما تجزع النفوس من الأمر ... هـ فرجة كحل العقال
حكاية: عن الجاحظ قال مر أبو علقمة ببعض طرق البصرة وهاجت به مرة فسقط فظن من رآه أن مجنون فأقبل رجل يعصر أصل أذنه ويؤذن فيها فأفاق فنظر إلى الجماعة حوله
فقال ما لكم تكأكأتم عليّ كتكأكئكم على ذي جنة افرنقعوا عني قال فقال بعضهم لبعض دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهندية.
حكاية: قيل إن رجلاً ساقه الله تعالى إلى جزيرة النساء فأردن قتله فرحمته امرأة منهن وحملته على خشبة وسيبته في البحر فلعبت به الأمواج فرمته في بعض بلاد الصين فأخبر ملك تلك البلاد بما رأى من النساء وكثرة الذهب فوجه الملك مركباً ورجلاً معه فأقاموا زماناً طويلاً في البحر يطوفون على تلك الجزيرة فلم فلم يقفوا بها على أثر والله أعلم.
حكاية: عن ابن الخريف قال حدثني والدي قال أعطيت أحمد بن السب الدلال ثوباً وقلت بعه لي وبين هذا العيب الذي فيه لمن يشتريه وأريته خرقاً في الثوب فمضى وجاء في آخر النهار فدفع إليّ ثمنه وقال بعته على رجل أعجمي غريب بهذه الدنانير فقلت له وأريته العيب واعلمته به فقال لا والله نسيت ذلك فقلت لا جزاك الله خيراً امض معي إليه وذهبت معه وقصدنا مكانه فلم نجده فسألنا عنه فقيل إنه رحل إلى مكة مع قافلة الحاج فأخذت صفة الرجل من الدلال واكتريت دابة ولحقت بالقافلة وسألت عن الرجل فدللت عليه فقلت له الثوب الفلاني الذي اشتريته بالأمس من فلان بكذا وكذا فيه عيب فهاته فخذ ذهبك فقام وأخرج الثوب وأطاف على العيب حتى وجده فلما رآه قال يا شيخ أخرج ذهبي حتى أراه وكنت عند ما قبضته لم أميزه ولم أنتقده فلما رآه قال هذا ذهبي انتقده يا شيخ قال فنظرت فإذا هو مغشوش لا يساوي شيئاً فأخذه ورمى به وقال لي
(1/15)

قد اشتريت منك هذا الثوب على عيبه بهذا الذهب ودفع إلي بمقدار ذلك الذهب المغشوش ذهباً جيداً وعدت به.
حكاية: عن منصور كاتب الرشيد قال حججت مع يحيى بن خالد البرمكي وانا بالمدينة إذ رفع إلينا رجلاً يسمى معبداً نخاساً عنده قيان فقلت ليحيى هل لك أن تمضي إليه قال أفعل فسرنا غليه فعرض إلينا نيفاً وستين جارية ليس فيهن واحدة تصلح فمر في آخرهن غلام لم أظن أن مثله في الأرض حسناً وجمالاً فقلت هذا للبيع فقال نعم هو كاتب حسن مغن مطرب فقلت اعرضه فنظرت إلى خلق سوي ووجه نقي وقد شهى فقلت وما ثمنه قال ثلاثمائة دينار عليّ وهو يساوي ألفاً فأمرت الغلام فغنى:
ظفرتم بكتمان اللسان فمن لكم ... بكتمان عين دمعها الدهر يذرف
حملت جبال الحب فوقي وإنني ... لأعجز عن حمل القميص وأضعف
فقلت لغلامي ادفع إليه أربعمائة دينار وكسوة بمائة دينار وطيباً وادفع إلى الغلام هبة يصلح بها شأنه واجعل مركبه قريباً من مركبي بحيث أسمع صوته وأرى شخصه ففعل فلما كان يوم رحيلنا لم أسمع منه كلمة حتى أشرفنا على المنزل الذي ننزل فيه فتنفس نفساً كاد ينزع به كبده ثم ترنم شعراً:
وما كنت أخشى معبداً أن يبيعني ... بمال ولو أضحت أنامله صفرا
أخوهم ومولاهم وصاحب سرهم ... ومن قد نشا فيهم وعاشرهم دهرا
حنين ولم يمض لي غير ساعة ... فكيف إذا سار المطي بنا شهرا
قال فلم أملك نفسي أن دعوته فقلت أتحب أن أردك إلى مولاك فقال إنك لفاعل قلت نعم قال أي والله يا مولاي قلت اذهب فأنت حر يا غلام رده وأعطه مائة دينار ووكل به من يوصله فقال لي يحيى أمثل هذا يعتق فقلت ويحك أو مثل هذا يملك فقال يحيى شعراً:
لا يوجد الجود إلا في معادنه ... والبخل حيث أردت الدهر موجود
حكاية: عن علي بن الموفق قال سمعت حاتماً وهو الأصم يقول لقينا الترك وكان بيننا جولة فرماني تركي فقلبني عن فرسي ونزل عن دابته فقعد على صدري وأخذ بلحيتي هذه الوافرة وأخرج من خفه سكيناً ليذبحني فوحق سيدي ما كان قلبي عنده ولا عند سكينه إنما كان قلبي عند سيدي أنظر ماذا ينزل بي القضاء منه فقلت
(1/16)

سيدي إن قضيت عليّ أن يذبحني هذا فعلى الرأس والعين إنما أنا لك وملكك فبينا أنا أخاطب سيدي وهو قاعد على صدري أخذ بلحيتي ليذبحني إذ رماه بعض المسلمين بسهم فما أخطأ حلقه فسقط عني فقمت أنا إليه فأخذت السكين من يده فذبحته فانظروا إلى من كان قلبه عند سيده كيف ينجو من المهالك بلطفه وكرمه.
حكاية: عن بعض الأدباء قال رأيت رجلاً من بني عقيل في ظهره شرط كشرط الحجام فسألته عن سبب ذلك فقال إني كنت هويت ابنة عم لي وخطبتها فقالوا لا نزوجك إلا أن تجعل الصداق الشبكة وهي فرس سابقة لبعض بني بكر بن كلاب فتزوجتها على ذلك وخرجت أحتال في أن أسل الفرس من صاحبها لأتمكن من الدخول بابنة عمي فأتيت الحي الذي فيه الفرس بصورة جزار وما زلت أداخلهم إلى أن عرفت مبيت الفرس من الخباء الذي فيه الرجل ورأيت لها مهرة فاحتلت حتى دخلت البيت واختفيت تحت عهن كانوا قد
نفشوه ليغزل فلما جاء الليل وأتى صاحب المنزل وقد أصلحت له المرأة عشاء فجاء فجعلا يأكلان وقد استحكمت الظلمة ولا مصباح لهم وكنت ساغباً فأخرجت يدي وأهويت إلى القصعة فأكلت معهم فأحس الرجل بيدي فأنكرها وقبض عليها فقبضت على يد المرأة بيدي الأخرى فقالت له المرأة مالك ويدي فظن أنه قابض على يد امرأته فخلى يدي فخليت يد المرأة فأكلنا ثم أنكرت المرأة يدي فقبضت عليها فقبضت على يد الرجل فقال لها مالك فخلت يدي فخليت يده وانقضى الطعام واستلقى الرجل ونام فلما استلقى وأنا مراصدهم والفرس مقيدة في جانب البيت وابنتها في البيت غير مقيدة ومفتاح قيد الفرس تحت رأس المرأة فوافى عبد له أسود فنبذ حصاة فانتبهت المرأة وقامت إليه وتركت المفتاح في مكانها وخرجت من الخباء إلى ظهره ورميتها بعيني فإذا هو قد علاها فلما حصلا في شأنهما دببت فأخذت المفتاح وفتحت القفل وكان معي لجام شعر فأوجرته الفرس وركبتها وخرجت عليها من الخباء فقامت المرأة من تحت الأسود ودخلت الخباء ثم صاحت وذعرت الحي وأحسوا بي فركبوا في طلبي وأنا أكد الفرس وخلفي خلق منهم فأصبحت ولست أرى إلا فارساً واحداً برمح فلحقني وقد طلعت الشمس فأخذ يطعني فلا يصل إلى أكثر مما تراه في ظهري ولا فرسه تلحق بي فيتمكن مني ولا فرسي تبعدني حتى لا يمسني الرمح إلى أن
(1/17)

وافينا إلى نهر فصحت بالفرس فوثبتها وصاح الفارس بفرسه فلم تثب فلما رأيت عجزها عن العبور نزلت عن فرسي أستريح وأريحها فصاح بي الرجل فقلت مالك فقال يا هذا أنا صاحب الفرس التي تحتك وهذه بنتها فإذا قد أخذتها فاحفظها فإني والله ما طلبت عليها شيئاً قد إلا أدركته وكانت كالشبكة في التعلق بها فقلت له أما إذا نصحتني فوالله لأنصحنّك ولست بكذاب إنه كان من أمري البارحة كيت وكيت حتى قصصت عليه قصة المرأة والعبد وحيلتي في الفرس فأطرق ساعة ثم رفع رأسه إلي فقال لا جزاك الله من طارق خيراً فأخذت فرسي وقتلت عبدي وطلقت زوجتي.
حكاية: قيل إن قيصر ملك الشام والروم أرسل رسولاً إلى ملك فارس كسرى أنوشروان صاحب الإيوان فلما وصل ورأى عظمة الإيوان وعظمة مجلس كسرى على كرسيه والمولك في خدمته ميز الإيوان فرأى في بعض جوانبه اعوجاجاً فسأل الترجمان عن ذلك فقيل له ذلك بيت لعجوز كرهت بيعه عند عمارة الإيوان فلم ير الملك اكراهها على البيع
فأبقى بيتها في جانب الإيوان فذلك ما رأيت وسألت قال الرومي وحق دينه إن هذا الاعوجاج أحسن من الاستقامة وحق دينه إن هذا الذي فعله ملك الزمان لم يؤرخ فيما مضى لملك فأعجب كسرى كلامه فأنعم عليه ورده مسروراً محبوراً.
حكاية: عن يعقوب بن اسحق السراج قال قال لي رجل من أهل رومية ركبت بحر الزنج فألقتني الريح في جزيرة العور فوصلت إلى مدينة أهلها قامتهم كلها ذراع وأكثرهم عور فاجتمع علي منهم جمع وساقوني إلى ملكهم فأمر بحبسي في قفص فكسرته فأمنوني وتركوا الاحتجار علي فلما كان في بعض الأيام رأيتهم قد استعدوا للقتال فسألتهم عن ذلك فقالوا لنا عدوّ يأتينا في كل سنة ويحاربنا وهذا أوانه فلم ألبث إلا قليلاً حتى طلع علينا عصابة من الطيور الغرانيق وكان ما بهم من العور من نقر الغرانيق فحملت الطيور عليهم وصاحت بهم فلما رأيت ذلك شددت وسطي وأخذت عصا وشددت بها عليها وحملت فيها وصحت صيحة منكرة ورميت منهم جماعة فصاحوا وطاروا هاربين مني فلما رأى أهل الجزيرة ذلك أكرموني وأعظموني وأفادوني مالاً وسألوني الإقامة عندهم فلم أفعل فحملوني في مركب وجهزوني وذكر رسطاطاليس أن الغرانيق ينتقل من بلاد خراسان إلى بلاد مصر حيث مسيل النيل فتقاتل أولئك العور في طريقهم
(1/18)

وهم قوم في طول ذراع والله أعلم.
حكاية: عن بعض أدباء الشام قال لقيت رجلاً في وجهه خموش كثيرة فسألته عنها فقال كنت في بحر الزنج مع جماعة فألقتنا الريح إلى جزيرة سكسار فلم نستطع أن نخرج منها لشدة الريح فأتانا قوم وجوههم وجوه الكلاب وأبدانهم أبدان الناس فسبق إلينا واحد منهم بعصا كانت معه ووقف جماعة من ورائنا فساقونا إلى منزلهم فرأينا فيها جماجم وقحوفاً وسوقاً وأذرعاً وأضلاعاً كثيرة فأدخلونا بيتاً فيه انسان ضعيف وجعلوا يأتون بأكل كثير وطعام غزير وفواكه طيبة فقال لنا ذلك الرجل إنما يطعمونكم لتسمنوا وكل من سمن أكلوه قال فجعلت أقلل أكلي دون أصحابي وصاروا كلما سمن واحد ذهبوا به واكلوه حتى بقيت وحدي وذلك الرجل الضعيف فقال لي الرجل يوماً إن هؤلاء قد حضرهم عيد يخرجون إليه ويغيبون فيه ثلاثة أيام فإن استطت أن تنجو بنفسك فانج وأما أنا فكما تراني لا أستطيع الحركة ولا أقدر على الهرب فانظر لنفسك فقلت جزاك الله الجنة وخرجت فجعلت أسير ليلاً وأختفي نهاراً فلما رجعوا من عيدهم فقدوني فتبعوني حتى يئسوا فرجعوا فلما يئست
منهم سرت في تلك الجزيرة ليلاً ونهاراً فانتهيت إلى الأشجار بها ثمر وفواكه وتحتها رجال حسان الصور إلا أن سيقانهم ليس لها عظام فقعدت لا أفهم كلامهم ولا يفقهون كلامي فلم أشعر إلا وواحد منهم قد ركب على رقبتي وطوق رجليه علي وأنهضني فنهضت به وجعلت أعالجه لأتخلص منه وأطرحه عني فلم أقدر وجعل يخمش وجهي بأظفاره المحددة فجعلت أدور به على الأشجار وهو يأكل من فواكهها وثمارها ويطعم أصحابه وهم يضحكون عليّ فبينما أنا أطوف به بين الأشجار إذ دخلت في عينه شوكة من شجرة فانحلت رجلاه عني فرميته عن رقبتي وسرت فنجاني الله بكرمه وهذه الخموش منه فلا رحم الله عظامه.
حكاية: قيل إن شاباً من عباد بني اسرائيل كان يتعبد في صومعته وكان من أجمل الناس وجهاً وكان يعمل القفاف ويبيعها في سوق بيت المقدس وكان اسمه يوحنا وكان لباسه المسوح وكان لونه كلون الياقوت في الصفاء من كثرة العبادة ويسطع من بين عينيه النور فمر ذات يوم بباب امرأة من المخدرات فنظرت إليه جارية من جواريها فقالت يا سيدتي قد مر ببابنا شاب من أجمل الناس وجهاً كأنه جوهر منظوم فقالت لها ويحك
(1/19)

أدخليه الدار حتى ننظر إليه ونشتري منه فجعل كلما دخل باباً أغلقوا الباب من ورائه حتى بلغ المجلس فإذا فيه شابة من أجمل الخلق جالسة على سرير مرصع بالجوهر وعليها قميص كأنه ماء مسكوب فبقيت شاخصة تنظر إليه لا تقدر على منع نفسها من رؤيته فقال لها يا أمة الله إما أن تشتري وإما أن أذهب فصارت تباسطه وهو يقول لها إما أن تشتري وإما أن أذهب فقالت له إنما أدخلتك بيتي لأحكمك في نفسي قال ويحك إني قرأت كتاب الله الإنجيل ولا ينبغي لمن قرأ كتاب الله الإنجيل أن يعصيه قالت له امش معي إلى داخل هذه الخزانة فإذا هي مملوءة ذهباً وجواهر فقالت هذا كله لك إن وافقتني على ما أريد فقال ائتني بماءٍ حتى أغتسل فلما اغتسل قدمت له منديلاً مضمخاً بالطيب والمسك والعنبر رجاء أن يتنشف فيه فلما رأى منها الجد قال لها إما أن تأذني لي بالذهاب وإما أن القي بنفسي من فوق هذا السطح وكان علوه ثمانين ذراعاً في الهواء فقالت لابد وإلا ألق نفسك فألقى نفسه فأمر الله تعالى الهواء أن يحبسه فأمسكه الهواء وبقي قائماً بقدرة الله تعالى ثم قال الله جل شأنه يا جبريل أدرك عبدي يوحنا يهلك نفسه خوفاً مني فأدركه جبريل ووضعه على الأرض سليماً
فانظر يا أخي إلى شدة مراقبة هذا الفتى لربه عز وجل ولولا فضل الله عليه لوقع في الفواضح والذلل.
حكاية: أخبر القزويني أن رجلاً من أصفهان ركبته ديون كثيرة ففارق اصفهان وركب بحر عجمان مع تجار فتلاطمت بهم الأمواج حتى وصلوا إلى الدر دور المعروف ببحر فارس فقال التجار للرئيس هل تعرف لنا سبيلاً إلى الخلاص نسعى فيه فقال إن سمح أحدكم بنفسه تخلصنا فقال الرجل الأصفهاني المديون في نفسه كلنا في موقف الهلاك وأنا قد كرهت الحياة وكان في السفينة جمع من أهل موطنه فقال لهم هل تحلفون بوفاء ديوني وخلاص ذمتي وأنا أفديكم بنفسي وتحسنون إلى عيالي ما استطعتم فحلفوا له على ذلك وفوق ما شرط فقال الأصفهاني للرئيس ما تأمرني أن أفعل قد أسلمت نفسي لله طلباً لخلاصكم إن شاء الله تعالى فقال له الرئيس آمرك أن تقف ثلاثة أيام على ساحل هذا البحر وتضرب على هذا الطبل ليلاً ونهاراً لا تفتر عن الضرب قلت أفعل إن شاء الله تعالى فأعطوني من الماء والزاد ما أمكن قال الأصفهاني فأخذت الطبل والماء والزاد وتوجهوا بي نحو الجزيرة وأنزلوني بساحلها وشرعت في ضرب
(1/20)

الطبل فتحركت المياه وجرى المركب وأنا أنظر إليهم حتى غاب المركب عن بصري فجعلت أطوف تلك الجزيرة وإذ أنا بشجرة عظيمة وعليها شبه سطح فلما كان الليل وإذا بهدة عظيمة فنظرت فإذا طائر ضخم في الخلقة قد سقط على ذلك السطح الذي في الشجرة فاختفيت خوفاً منه فلما كان الفجر انتفض الطائر بجناحيه وطار فلما كان الليل جاء أيضاً وحط على مكانه البارحة فدنوت منه فلم يتعرض لي بسوء ولا التفت إلي أصلاً وطار عند الصباح فلما كان ثالث ليلة وجاء الطائر على عادته وقعد مكانه فجئت حتى قعدت عنده من غير خوف ولا دهشة إلى أن نفض جناحيه فتعلقت بإحدى رجليه بكلتا يدي فطار بي إلى أن ارتفع النهار فنظرت إلى تحت فلم أر إلا لجة ماء البحر فكدت أن أترك رجله وأرمي بنفسي من شدة ما لقيت من التعب فصبرت زماناً ثم نظرت وإذا بالقرى والعمائر تحتي ففرحت وذهب ما كان بي من الشدة فلما دنا الطائر من الأرض رميت بنفسي على صبرة تبن في بيدر وطار الطائر فاجتمع الناس حولي وتعجبوا مني وحملوني إلى رئيسهم وحضر إلي من يفهم كلامي فأخبرتهم بقصتي فتبركوا بي وأكرموني وأمر لي بمال وأقمت عندهم أياماً فخرجت يوماً لأتفرج وإذا
أنا بالمركب الذي كنت فيه قد أرسى فلما رأوني أسرعوا إلي وسألوني عن أمري فأخبرتهم فحملوني إلى أهلي ونلت منهم فوق الشرط فعدت بخير وغنى وسلامة.
حكاية: قيل إن ملك الصين بلغه عن نقاش ماهر في النقش والتصوير في بلاد الروم فأرسل إليه وأشخصه وأمره بعمل شيء مما يقدر عليه من النقش والتصوير ليعلقه بباب القصر على العادة فنقش له في رقعة صورة سنبلة حنطة خضراء قائمة وعليها عصفور وأتقن نقشه وهيئته حتى إذا نظره أحد لا يشك في أنه عصفور على سنبلة خضراء ولا ينكر شيئاً من ذلك غير النطق والحركة، فأعجب الملك ذلك وأمره بتعليقه وبادر بإدرار الرزق عليه إلى انقضاء مدة التعليق فمضت سنة إلا بعض أيام ولم يقدر أحد على إظهار عيب أو خلل فيه، فحضر شيخ مسنّ ونظر إلى التمثال وقال هذا فيه عيب فأحضر إلى الملك وأحضر النقاش والتمثال، وقال ما الذي فيه من العيب؟ فأخرج عما وقعت فيه بوجه ظاهر ودليل وإلاّ حل بك الندم والتنكيل، فقال الشيخ أسعد الله الملك وألهمه السداد مثال أيّ شيء هذا الموضوع؟ فقال الملك مثال سنبلة من حنطة قائمة على ساقها وفوقها عصفور، فقال الشيخ
(1/21)

أصلح الله الملك أما العصفور فليس به خلل وإنما الخلل في وضع السنبلة. قال الملك: وما الخلل؟ وقد امتزج غضباً على الشيخ، فقال الخلل في استقامة السنبلة لأن في العرف أن العصفور إذا حط على سنبلة أمالها لثقل العصفور وضعف ساق السنبلة ولو كانت السنبلة معوجا مائلة لكان ذلك نهاية في الوضع والحكمة فوافق الملك على ذلك وسلم.
حكى: عن الشريف المرتضى رضي الله عنه: أنه كان جالساً في علية له تشرف على الطريق فمرّ به ابن المطرز الشاعر يجرّ نعلاً له بالية وهي تثير الغبار فأمر بإحضاره، وقال له أنشد أبياتك التي تقول فيها:
إذا لم تبلغني إليكم ركائبي ... فلا وردت ماء ولا رعت العشبا
فأنشده إياها فلما انتهى إلى هذا البيت أشار الشريف إلى نعله البالية وقال:
أهذه كانت من ركائبك؟ فأطرق ابن المطرز ساعة، ثم قالك لما عادت هبات سيدنا الشريف إلى مثل قوله:
وخذ النوم من جفوني ... قد خلعت الكرى على العشاق
عادت ركائبي إلى مثل ما ترى لأنك خلعت ما لا تملكه على من لا يقبل فخجل الشريف
منه وأمر له بجائزة فأعطوه.
حكاية: قيل إن الحجاج خرج يوماً متنزهاً، فلما فرغ من نزهته صرف عنه أصحابه وانفرد بنفسه فإذا هو بشيخ من عجل، فقال له من أين أيها الشيخ؟ قال من هذه القرية، قال كيف ترون عمالكم؟ قال شرّ عمال يظلمون الناس ويستحلون أموالهم. قال فكيف قولك في الحجاج؟ قال ذلك ما ولي العراق أشر من قبحه الله تعالى وقبح من استعمله. قال أتعرف من أنا؟ قال لا، قال أنا الحجاج فقال أتعرف من أنا؟ قال: لا. قال أنا مجنون بني عجل أصرع كل يوم مرتين. قال فضحك الحجاج وأمر له بصلة جليلة.
حكاية: قال بعض الأدباء كنت بمجلس لبعض أمراء بغداد وبين يديه طبق لوزينج إذ دخل عليه مجنون كان حلو الكلام فقال: أيها الأمير ما هذا؟ فرمى إليه بواحدة، فقال ثاني اثنين إذ هما في الغار فرمى إليه بأخرى، فقال فعززناهما بثالث فأعطاه ثالثة، فقال فخذ أربعة من الطير فألقى إليه رابعة، فقال خمسة سادسهم كلبهم فدفع إليه خامسة، فقال في ستة أيام فجعلها ستة، فقال سبع سماوات طباقا فصيرها سبعة، فقال ثمانية أزواج فرمى إليه بالثامنة، فقال وكان في المدينة تسعة رهط فرمى بها إليه، فقال إنّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر
(1/22)

شهراً فأكمل له اثني عشر، فقال إن يكن منكم عشرون فدفع إليه عشرين، فقال يغلبوا مائتين فأمر برفع الطبق إليه وقال كل يا ابن الفاعلة لا أشبع الله بطنك، فقال والله لو لم تفعل ذلك لقرأت لك وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون.
حكاية: قيل إن الهادي العباسي كان مغرماً بجارية تسمى غادر وكانت من أحسن الناس وجهاً وأكثرهن أدباً وألطفهن طبعاً وأطيبهن غناء، فبينما هي تنادمه ذات ليلة وتغنيه إذ تغير لونه وظهر أثر الحزن عليه، فقالت ما بال أمير المؤمنين لا أراه الله ما يكره؟ فقال وقع في فكري الساعة أني أموت وإن أخي هارون يلي الخلافة بعدي وإنك تكونين معه كما أنت معي الآن، فقالت لا أبقاني الله بعدك أبداً وأخذت تلاطفه وتزيل هذا الخيال من خاطره، فقال لابد أن تحلفي لي أيماناً مغلظة أن لا تقربي إليه بعدي فحلفت على ذلك وأخذ عليها العهود والمواثيق الغليظة، ثم خرج وأرسل إلى أخيه هارون وحلفه أن لا يخلو بغادر بعده وأخذ عليه من المواثيق والعهود ما أخذ عليها، فلم يمض إلا شهر حتى مات الهادي وانتقلت الخلافة إلى هارون فطلب الجارية فحضرت فأمرها بالأخذ في المنادمة، فقالت
وكيف يصنع أمير المؤمنين بتلك الأيمان والعهود، فقال قد كفرت عنك وعن نفسي، ثم خلا بها ووقعت من قلبه موقعاً عظيماً بحيث لم يكن يصبر ساعة عنها. فبينما هي ذات ليلة نائمة في حجره إذ استيقظت مذعورة، فقال ما بالك فدتك نفسي؟ قالت رأيت أخاك ينشد هذه الأبيات:
أخلفت عهدي بعدما ... جاورت سكان المقابر
ونسيتني وحنثت في ... أيمانك الزور الفواجر
ونحكت غادرة أخي ... صدق الذي سماك غادر
لا يهنك الألف الحد ... يد ولا تدر عنك الدوائر
ولحقتني قبل الصبا ... ح وصرت حيث غدوت صائر
وأظن أني لاحقة به في هذه الليلة فقال فدتك نفسي إنما هذه أضغاث أحلام فقالت كلا، ثم ارتعدت واضطربت بين يديه حتى ماتت، أقول لقد صدق القائل كل له من اسمه نصيب، وأما نقض العهود وعدم المروءة والوفاء فمن شأن أكثر النساء ولله در القائل:
إن النساء شياطين خلقن لنا ... نعوذ بالله من شرّ الشيطان
(1/23)

وقد أخطأ من قال:
إن النساء رياحين خلقن لكم ... وكلكم يشتهي شم الرياحين
حكاية: قيل لما استوزر المنصور الربيع بن يونس وكان ذا عقل وأدب جعل الربيع لا يسأله حاجة أبداً، فاستظرف المنصور ذلك فأحضره يوماً وقال يا ربيع تنقبض عن مثلي بحوائجك، فقال يا أمير المؤمنين ما تركت ذلك أني وجدت لها موضعاً غيرك ولكنني ملت إلى التخفيف فقال له اعرض عليّ ما تحب، فقال له يا أمير المؤمنين حاجتي أن تحب ابني الفضل، فقال له ويحك إن المحبة لا تقع ابتداء ولكن تقع بأسباب، فقال أوجدك الله السبيل إليها. قال وما ذاك؟ قال تنعم عليه فإذا أنعمت عليه أحبك فإذا أحبك أحببته. قال فتبسم المنصور وقال له ويحك لقد حببته إليه قبل أن يقع من هذا شيء بل أخبرني كيف اخترت المحبة دون غيرها؟ فقال يا أمير المؤمنين لأنك إذا أحببته كبر عندك صغير إحسانه وصغر عندك كبير إساءته وكانت حاجته لديك مقضية وذنوبه لديك مغفورة.
حكاية: رأيت في بعض التواريخ أن بعض الأعراب في البادية أصابته حمى في أيام القيظ
فأتى الأبطح وقت الظهيرة فتعرى في شديد الحرّ وطلى بدنه بزيت وجعل يتقلب في الشمس على الحصى، وقال سوف تعلمين يا حمى ما نزل بك وبمن ابتليت عدلت عن الأمراء وأهل الثراء ونزلت بي وما زال يتمرغ حتى عرق وذهبت حماه وقام وسمع في اليوم الثاني قائلاً قد حمّ الأمير بالمس، فقال الأعرابي أنا والله بعثتها إليه، ثم ولى هارباً.
حكاية: قيل إن بعض العلماء تخاصم مع زوجته فعوم على طلاقها، فقالت له اذكر طول الصحبة، فقال والله مالك عندي ذنب سوى ذلك.
حكاية: قيل إن امرأة كانت في المدينة شديدة الإصابة بالعين لا تنظر إلى شيء إلا دمرته فدخلت على أشعب تعوده وهو محتضر يكلم ابنته بصوت ضعيف ويقول يا ابنتي إذا مت فلا تنوحي عليّ وتندبيني والناس يسمعونك تقولين واأبتاه أندبك للصلاة والصيام والفقه والقرآن فيكذبونك ويلعنوني والتفت أشعب فرأى المرأة فغطى وجهه بكمه، فقال لها يا فلانة سألتك بالله إن كنت قد استحسنت شيئاً مما أنا فيه فصلي على النبي وآله، فقالت سخنت عينك وفي أيّ شيء أنت حتى أستحسنه إنما أنت في آخر رمق، فقال أشعب قد علمت ذلك ولكن قلت لئلا تكوني قد استحسنت خفة الموت عليّ وسهولة النزع فيشتد ما أنا فيه
(1/24)

فخرجت من عنده وهي تشتمه فضحك من كان حوله حتى أولاده ونساؤه، ثم مات رحمه الله تعالى.
حكاية: قيل إن ضبة بن أدّ كان له ابنان سعد وسعيد فخرجا إلى سفر فهلك سعد ورجع سعيد، ثم خرج والدهما ضبة بعد ذلك في الأشهر الحرم يسير ويتفحص عن ابنه وكان معه الحرث بن كعب، فبينما هما ذات يوم يتحدثان سائرين إذ مرابمكان، فقال الحرث لقيت بهذا المكان شاباً صفته كذا وكذا فقتلته وهذا سيفه، فقال له ضبة أرني السيف فأعطاه إياه وإذا هو سيف ابنه سعد، فقال له ضبة (الحديث ذو شجون) ثم إن ضبة قتل الحرث فلامه الناس على استحلال الشهر الحرام، فقال (سبق السيف العذل) فصار مثلاً.
حكاية: أتى مكفوف نخاساً، فقال له اطلب لي حماراً ليس بالصغير المحتثر ولا بالكبير المشتهر، إن خلا الطريق تدفق وإن كثر الزحام ترفق لا يصادم في السواري ولا يدخلني تحت البواري، إن أقللت علفه صبر وإن كثرته شكر وإن ركبته هام وإن تركته نام، فقال له اصبر إن مسخ الله القاضي حماراً قضيت حاجيتك.
حكاية: أخبر الكلبي عن رجل من بني أمية قال حضرت معاوية وقد أذن للناس إذناً عاماً فدخلت امرأة فرفعت لثامها عن وجه كالقمر ومعها جاريتان لها فخطبت للقوم خطبة بهت لها كل من كان هناك، ثم قالت وكان من قدر الله تعالى أنك قربت زياداً واتخذته أخاً وجعلت له في آل أبي سفيان نسباً، ثم وليته على رقاب العباد يسفك الدماء بغير حلها ولا حقها وينتهك المحارم بغير مراقبة فيها ويرتكب من المعاصي أعظمها لا يرجو لله وقاراً ولا يظن أنه له معادا وغداً يعرض عمله في صحيفتك وتقف على ما اجترأ به بين يدي ربك، فماذا تقول لربك يا ابن أبي سفيان غداً وقد مضى من عمرك أكثره وأسرّه وبقي لك شره، فقال لها من أنت فقالت امرأة من بني ذكوان وثب زياد المدعي أنه من بني أبي سفيان على وراثتي من أبي وأمي فقبضها ظلماً واستولى على ضيعتي وممسكة رمقي، فإن أنصفت وعدلت فهو المراد وإلا وكلتك وزياداً إلى الله تعالى وإن أبقيت ظلامتي عنده وعندك فالمنصف لي منكما الحكم العدل فبهت معاوية منها وصار يتعجب من فصاحتها، ثم قال ما لزياد لعنه الله تعالى مع من ينشر مساوينا، ثم قال لكاتبه اكتب إلى زياد أن يرد لها ضيعتها ويؤدي لها حقها.
حكاية: قيل إن جارية مليحة الوجه حسنة الأدب كانت لفتى من قريش وكان يحبها حباً شديداً فأصابته ضيقة وفاقة
(1/25)

فاحتاج إلى ثمنها فحملها إلى العراق وكان ذلك في زمن الحجاج فابتاعها منه فوقعت عنده بمنزلة فقدم عليه فتى من أقاربه فأنزله قريباً منه وأحسن إليه فدخل على الحجاج يوماً والجارية تكبسه وكان للفتى جمال فجعلت الجارية تسارقه النظر ففطن الحجاج بها فوهبها له فدعا له وانصرف بها فباتت معه ليلتها وهربت بغلس فأصبح لا يدري أين هي وبلغ الحجاج ذلك فأمر منادياً ينادي برئت ذمة من رأى وصيفة صفتها كذا وكذا فلم يلبث أن أُتي له بها، فقال لها الحجاج يا عدوة الله كنت عندي من أحب الناس إليّ فاخترت لك ابن عمي وهو شاب حسن الوجه ورأيتك تسارقيه النظر فعلمت أنك شغفت به وبحبه فوهبتك له فهربت في ليلتك، فقالت يا سيدي اسمع قصتي ثم اصنع ما أحببت، قال هات، قالت كنت للفتى القرشي فاحتاج إلى ثمني فحملني إلى الكوفة، فلما دنونا منها دنا مني فوقع عليّ فسمع زئير الأسد فوثب وسلّ سيفه وحمل عليه وضربه فقتله وأتى برأسه، ثم أقبل عليّ وما برد ما عنده ثم قضى حاجته وإن ابن عملك هذا الذي
اخترته لي لما أظلم الليل قام إليّ وإنه لعلى بطني إذ وقعت فأرة من السقف فضرط ثم غشي عليه فمكث زماناً طويلاً وأنا أرش عليه الماء وهو لا يفيق فخفت أن يموت فتتهمني فيه فهربت فزعاً منك فما ملك الحجاج نفسه من شدة الضحك وقال: ويحك لا تعلمي بهذا أحداً، قالت شرط أن لا تردني إليه، قال لك ذلك.
حكاية: قيل إن بعض الحكماء لزم باب كسرى في حاجة دهراً فلم يلتفت إليه فكتب أربعة أسطر في رقعة ودفعها للحاجب فكان السطر الأول الضرورة والأمل أقدماني عليك، والسطر الثاني العديم لا يكون معه صبر عن المطالبة، والسطر الثالث الانصراف من غير فائدة شماتة الأعداء، والسطر الرابع إما نعم مثمرة وإما لا مريحة فلما قرأها كسرى دفع له بكل سطر ألف دينار.
حكاية: قيل إن رجلاً من العرب دخل على المعتصم فقربه وأدناه وجعله نديمه وصار يدخل على حريمه من غير استئذان، وكان له وزير كثير الحسد فغار من البدوي وحسده، وقال في نفسه لابد من مكيدة على هذا البدوي فإنه قد أخذ بقلب أمير المؤمنين وأبعدني منه فصار يتلطف بالبدوي حتى أتى به إلى منزله وصنع له طعاماً وأكثر فيه من الثوم، فلما أكل البدوي قال له احذر أن تقرب من الأمير فيشم منك رائحة الثوم فيتأذى لذلك فإنه يكره رائحته، ثم ذهب الوزير إلى أمير المؤمنين فخلا به، وقال إن البدوي
(1/26)

يقول عنك للناس إن أمير المؤمنين أبخر، فلما أتى البدوي طلبه المعتصم، فلما قرب منه جعل كمه على فمه مخافة أن يشم الأمير منه رائحة الثوم فلما رآه أمير المؤمنين وهو يستر فمه بكمه قال إن الذي قاله الوزير عن البدوي صحيح فكتب المعتصم كتاباً إلى بعض عماله يقول إذا وصل إليك كتابي هذا فاضرب رقبة حامله، ثم دعا البدوي ودفع إليه الكتاب وقال له امض به إلى فلان وجيء سريعاً بالجواب فامتثل البدوي ما رسم به المعتصم وأخذ الكتاب وخرج به من عنده بينما هو بالباب إذ لقيه الوزير، فقال له أين تريد؟ قال أتوجه بكتاب أمير المؤمنين إلى عامله فلان، فقال الوزير في نفسه إن هذا البدوي ينال من التقليد مالاً جزيلاً، فقال له ما تقول فيمن يريحك من هذا التعب الذي يلحقك في سفرك ويعطيك ألفي دينار؟ فقال له أنت الكبير وأنت الحاكم ومهما رأيته من الرأي افعل، فقال هات الكتاب فدفعه إليه وأعطاه الوزير ألفي دينار فركب الوزير وصار بالكتاب إلى المكان الذي هو قاصده، فلما قرأ
العامل الكتاب أمر بضرب عنقه وبعد أيام تذكر الخليفة في أمر البدوي وسأل عن الوزير فأخبر بأن له أياماً ما ظهر وأن البدوي بالمدينة مقيم، فتعجب المعتصم من ذلك وأمر بإحضار البدوي وسأله عن حاله فأخبره بالقصة التي اتفقت له مع الوزير من أولها إلى آخرها، فقال أنت قلت عني أني أبخر؟ فقال معاذ الله يا أمير المؤمنين كيف أتحدث بما ليسلي به علم؟ وإنما كان ذلك مكراً منه وخديعة وأعلمه كيف دخل به إلى بيته وأطعمه الثوم وما جرى له معه، فقال المعتصم قاتل الله الحسد بدأ بصاحبه فقتله، ثم خلع على البدوي واتخذه مكانه وزيراً وراح الوزير بحسده.
حكاية: قيل كان بالمدينة قينة من أحسن الناس وجهاً وأكملهم عقلاً وأكثرهم أدباً قد قرأت القرآن وروت الأشعار وتعلمت العربية فوقعت عند يزيد بن عبد الملك بمنزلة فأخذت بمجامع قلبه، فقال لها ذات يوم أمالك قرابة أو أحد تحبين أن أضيفه أو أسدي إليه معروفاً؟ فقالت يا أمير المؤمنين أما قرابة فلا ولكن بالمدينة ثلاثة نفر كانوا أصدقاء لمولاي وأحب أن ينالهم من خير ما صرت إليه فكتب إلى عامله بالمدينة في إحضارهم إليه، وأن يدفع إلى كل واحد منهم عشرة آلاف درهم. فلما وصولا إلى باب يزيد بن عبد الملك استؤذن لهم فدخلوا عليه فأكرمهم غاية الإكرام وسألهم عن حوائجهم، فأما اثنان فذكرا حوائجهم فقضاها
(1/27)

وأما الثالث فسأله عن حاجته؟ فقال يا أمير المؤمنين مالي حاجة فقال ويحك ولم؟ ألست أقدر على ما تطلب؟ قال بلى يا أمير المؤمنين ولكن حاجتي ما أظنك تقضيها فقال ويحك سلني فإنك لا تطلب حاجة إلا قضيتها. قال ولي الأمان يا أمير المؤمنين قال نعم ولك الأمان فقال إن رأيت يا أمير المؤمنين أن تامر جاريتك فلانة التي أكرمتنا من اجلها أن تغني لي ثلاث مرات أشرب عليها ثلاثة أرطال فافعل قال فتغير وجه يزيد وقام من مجلسه ودخل على الجارية وأعلمها فقالت وما عليك يا أمير المؤمنين فأمر بإحضار الفتى على كرسي ثالث ثم دعا بصنوف الرياحين والطيب فوضعت ثم أمر بثلاثة أرطال فملئت ثم قال للفتى سل حاجتك فقال تامرها يا أمير المؤمنين أن تغني فغنت:
لا أستطيع سلوّاً عن مودتها ... ولو يصنع الحب بي فوق الذي صنعا
أدعو إلى هجرها قلبي فيسعدني ... حتى إذا قلت هذا صادق فزعا
ثم شرب يزيد وشرب الفتى وشربت الجارية وقال للفتى سل حاجتك فقال يا أمير المؤمنين
تأمرها أن تغني فغنت:
مني الوصال ومنكم الهجر ... حتى يفرق بيننا الدهر
والله لا أسلوكم أبداً ... ما لاح بدر أو أضا فجر
ثم شرب يزيد وشرب الفتى وشربت الجارية وقال للفتى سل حاجتك فقال يا أمير المؤمنين تأمرها أن تغني فغنت:
أشارت بطرف العين خيفة أهلها ... إشارة محزون ولم تتكلم
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا ... وأهلاً وسهلاً بالحبيب المتمم
قال فلم تتم الجارية الأبيات حتى خرّ الفتى مغشياً عليه، فقال يزيد للجارية قومي انظري إليه فقامت وحركته فإذا هو ميت، فقال لها يزيد ابكيه. فقالت يا أمير المؤمنين لا أبكيه وأنت حي، فقال ابكيه فوالله لو عاش لما انصرف إلا بك فبكت الجارية وبكى أمير المؤمنين بكاء شديداً، ثم أمر بالفتى فجهز ودفن وأما الجارية فلم تمكث بعده إلا أياماً قلائل وماتت.
حكاية: قيل دخل حسن بن الفضل على بعض الخلفاء وعنده كثير من أهل العلم فأحب الحسن أن يتكلم فزجره الخليف،
(1/28)

وقال أصبي يتكلم في هذا المقام؟ فقال يا أمير المؤمنين إن كنت صبياً فلست بأصغر من هدهد سليمان ولا أنت أكبر من سليمان عليه السلام إذ قال أحطت بما لم تحط به، ثم قال ألا ترى أن الله تعالى فهم الحكم لسليمان ولو كان الأمر بالأكبر لكان داود أولى.
حكاية: قيل إن الهدهد قال لسليمان عليه السلام إني أريد أن تكون في ضيافتي، فقال له سليمان أنا وحدي؟ فقال لا بل أنت والعسكر في جزيرة كذا يوم كذا، فمضى سليمان وجنوده إلى هناك وصعد الهدهد إلى الجو وصاد جرادة وكسرها ورمى بها في البحر، وقال يا نبي الله كلوا فمن فاته اللحم لم تفته المرقة فضحك سليمان وجنوده وأخذ بعض الشعراء فقال:
وكن قنوعاً فقد جرى مثل ... إن فاتك اللحم فاشرب المرقة
حكاية: عن الجاحظ قال دخلت المدينة يوماً فوجدت فيها معلماً في هيئة حسنة فسلّمت عليه فرد عليّ السلام أحسن رد ورحب بي فجلست عنده وباحثته في القرآن والقراءة فإذا هو
في ذلك ماهر، ثم باحثته في الفقه والنحو والصرف وعلم المعقول وأشعار العرب فإذا هو فيها كامل محقق، فقلت هذا والله مما يقوّي عزمي، قال فكنت أختلف إليه وأزوره فجئت يوماً لزيارته وإذ بالكتاب مغلق ولم أجده فسألت عنه فقالوا مات له ميت فحزن عليه فجئت إلى بيته فطرقت الباب فخرجت إليّ جارية وقالت لي ما تريد، فقلت أريد فلاناً فدخلت وخرجيت، فقالت ادخل بسم الله ودخلت إليه فإذا به جالس وحده فقلت عظم الله أجرك لقد كان لكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة كل نفس ذائقة الموت فعليك بالصبر، ثم قلت هذا الذي توفي ولدك، قال لا قلت فأخوك، قال لا قلت فما هو منك قال حبيبتي قلت في نفسي هذه أول القبائح فقلت يا سبحان الله النساء كثيرة وتجد غيرها، فقال أتظن أني رأيتها فقلت هذه شنيعة ثانية قلت له كيف عشقت من لم تره، فقال اعلم أني كنت جالس في هذا المكان وأنا أنظر إلى الطاق إذ رأيت رجلاً عليه برد وهو يقول:
يا أم عمرو جزاك الله مكرمة ... ردي عليّ فؤادي أينما كانا
فقلت في نفسي لولا أن أم عمرو هذه بديعة الجمال فائقة على أمثالها ما قيل فيها الشعر فعشقتها فلما كان بعد يومين مر ذلك الرجل بعينه وهو يقول:
(1/29)

لقد ذهب الحمار بأم عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار
فقلت أنها ماتت فحزنت عليها وجلست في العزاء، قال الجاحظ فتعجبت عجباً شديداً وعلمت أنه مغفل فودعته وسرت.
حكاية: قال الجاحظ ما أخجلني أحد قط إلا امرأة عارضتني في الطريق وقالت لي فيك حاجة فسرت في أثرها وذهبت بي إلى صائغ وقالت مثل هذا ومضت فبقيت مبهوتاً وسألت الصائغ. فقال هذه امرأة أرادت أني أعمل لها صورة شيطان فقلت ما أدري كيف صورته فجاءت بك وفي الجاحظ يقول الشاعر:
لو يمسخ الخنزير مسخاً ثانياً ... ما كان إلا دون قبح الجاحظ
حكاية: قيل نزل رجل من الأكالين بصومعة راهب، فقدم له أربعة أرغفة وذهب ليحضر له عدساً فحمله وجاء به فوجده أكل الخبز، فذهب وأتى إليه بالخبز وحده فوجده أكل العدس ففعل ذلك معه عشر مرات فسأله الراهب أين مقصدك؟ فقال إلى الري، فقال له لماذا قصدت؟ قال بلغني أن بها طبيباً حاذقاً أسأله عما يصلح معدتي فإني قليل الاشتهاء للطعام،
فقال له الراهب إن لي إليك حاجة. قال وما هي؟ قال إذا ذهبت وصلحت معدتك فلا تجعل رجوعك إليّ ثانياً.
حكاية: قيل اجتمع أبو نواس ودعبل وأبو العتاهية في مجلس من مجالس الشراب فأقاموا فيه ثلاث أيام، فلما كان اليوم الرابع انصرفوا يريدون منازلهم، فقال أبو العتاهية عند من نحن اليوم بعد خروجنا من هذا المجلس؟ فقال أبو نواس في كل منكم فضيلة تعالوا نمتحن قرائحنا في شيء من الشعر فمن كان أشعر كنا عنده فبينما هم يتحدثون إذ أقبلت فتاة كأنها الدرة اليتيمة والجوهرة الثمينة مكللة بالزبرجد موشحة بالعسجد محلاة بالحلي والحلل مبرأة من النقائص والعلل وعليها ثلاثة أثواب من الحرير الأعلى أبيض والأوسط أسود والأسفل أحمر، فقال ابو نواس الحمد لله الذي فتح لنا بهذا فليقل كل منا في ثوب، فقال أبو العتاهية في الثوب الأبيض:
تبدى في ديبقي بياض ... بأجفان وألحاظ مراض
فقلت له عبرت ولم تسلم ... وإني منك بالتسليم راضي
تبارك من كسا خديك ورداً ... وقدك مثل أغصان الرياض
فقال نعم كساني الله حسناً ... ويخلق ما يشاء بلا اعتراض
(1/30)

فثوبي مثل ثغري مثل نحري ... بياض في بياض في بياض
فقال دعبل في الثوب الأسود:
تبدى في السواد فقلت بدراً ... تجلى في الظلام على العباد
فقلت له عبرت ولم تسلم ... وأشمّت الحسود مع الأعادي
تبارك من كسا خديك ورداً ... مدى اليام دام بلا نفاد
فقال نعم كساني الله حسناً ... ويخلق ما يشاء بلا عناد
فثوبي مثل شعري مثل بختي ... سواد في سوادٍ في سوادِ
فقال أبو نواس في الثوب الأحمر:
تبدى في قميص اللاذ يسعى ... عذولي يلقب بالحبيب
فقلت من التعجب كيف هذا ... لقد أقبلت في زيّ عجيب
أحمرة وجنتيك كستك هذا ... أم أنت صبغته بدم القلوب
فقال الشمس أهدت لي قميصاً ... قريبُ اللونِ من شفقِ الغروب
فثوبي والمدام ولون خدي ... قريبٌ من قريبٍ من قريبِ
فما فرغوا من الأبيات إلا والجارية عندهم، فقالت السلام عليكم، فقالوا وعليك السلام. قالت لا بد من إطلاعي عليكم وعلى ما أنتم عليه وكيف انتهى بكم الحال فأخبروها بالقصة، فقالت والله لقد أجاد أبو نواس، ثم فارقتهم ومضت لشأنها.
حكاية: قال الشعبي وجهني عبد الملك إلى ملك الروم، فلما قدمت إليه ورأى مني جواباً مفحماً. قال لي من أهل بيت الخلافة أنت؟ قلت لا ولكني رجل من العرب فكتب إلى عبد الملك رقعة ودفعها إليّ، فلما قرأها عبد الملك قال أتدري ما فيها قلت لا، قال: فيها العجب لقوم فيهم مثل هذا كيف جعلوا أمورهم إلى عيره ثم قال أتدري ما أراد بهذا؟ قلت لا قال حسدني عليك فأراد أن أقتلك، فقلت إنما كبرت عنده يا أمير المؤمنين لأنه لم يرك فبلغ بعد ذلك ملك الروم ما قاله عبد الملك للشعبي، فقال لله دره ما عدا ما في نفسي.
حكاية: قيل دخلت بثينة على عبد الملك بن مروان، فقال يا بثينة ما أرى فيك شيئاً مما كان يقوله فيك جميل؟ قالت يا أمير المؤمنين إنه كان يرنو لي بعينين ليستا في رأسك. قال فكيف كان في عشقه؟ قالت كان كما قال:
لا والذي تسجد الجباه له ... مالي بما تحت ذيلها خبر
(1/31)

ولا هممت ولا غمزت لها ... ما كان إلا الحديث والنظر
حكاية: قال الأصمعي بينما أنا أسير في البادية إذ مررت بحجر كتوبة عليه هذا البيت:
أيا معشر العشاق بالله خبروا ... إذا حل عشق بالفتى كيف يصنع
فكتبت تحته:
يداري هواه ثم يكتم سره ... ويخشع في كل الأمور ويخضع
ثم عدت في اليوم الثاني فوجدت مكتوباً تحته هذا البيت:
وكيف يداري والهوى قاتل الفتى ... وفي كل يوم قلبه يتقطع
فكتبت تحته:
إذا لم يجد صبراً لكتمان سره ... فليس له شيءٌ سوى الموت ينفعُ
فعدت في اليوم الثالث، فوجدت شاباً ملقى تحت ذلك الحجر ميتاً وكتوب تحت هذه الأبيات:
سمعنا أطعنا ثم متنا فبلغوا ... سلامي إلى من كان للوصل يمنع
هنيئاً لأرباب النعيم نعيمهم ... وللعاشق المسكين ما يتجرع
حكاية: قيل اجتمعت بنو هاشم يوماً عند معاوية فأقبل عليهم وقال يا بني هاشم إن خيري لكم ممنوع وإن بابي لكم مفتوح فلا يقطع خيري عنكم ولا يرد بابي دونكم ولما نظرت في أمري وأمركم رأيت أمراً مختلفاً ترون أنكم أحق بما في يدي مني وإن أعطيتكم عطية فيها قضاء حقوقكم قلتم أعطانا دون حقوقنا وقصر بنا عن قدرنا فصرت كالمسلوب والمسلوب لا حمد له هذا مع إنصاف قائلكم وإسعاف سائلكم، قال فأقبل عليه ابن عباس رضي الله عنه وقال والله ما منحتنا حتى سألناك ولا فتحت لنا بابك حتى قرعناه ولئن قطعت عنا خيرك فخير الله أوسع من خيرك ولئن أغلقت دوننا بابك لنكفنّ عنك نفوسنا، وأما هذا المال فليس لك منه إلا ما لرجل من المسلمين ولولا حق لنا في هذا المال لم يأتك منا زائر أكفاك أم أزيدك؟ قال كفاني يا ابن عباس.
حكاية: قيل دخل عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه على معاوية بعدما كف بصره فأجلسه معاوية على سريره، ثم قال له: أنتم يا معاشر بني هاشم تصابون في أبصاركم، فقال له وأنتم يا بني أمية تصابون في بصائركم، فخجل معاوية ولم يردّ جواباً.
حكاية: أخبر الحسن بن سهل قال كنت يوماً عند يحيى بن خالد البرمكي، وقد خلا في مجلسه لإحكام أمر من أمور الرشيد، فبينما نحن جلوس إذ دخل علينا جماعة من أصحاب الحوائج، فقضاها لهم ثم توجهوا لشأنهم فكان آخرهم قياماً أحمد بن أبي خالد الأحول فنظر يحيى إليه والتفت إلى الفضل ابنه، فقال يا بني إن لأبيك مع أب هذا
(1/32)

الفتى حديث فإذا فرغت من شغلي هذا فذكرني أحدثك به، فلما فرغ من شغله قال له ابنه الفضل أعزك الله يا أبت أمرتني أن أذكرك حديث أبي خالد الأحول، فقال نعم يا بني لما قدم أبوك إلى العراق أيام المهدي كان فقيراً لا يملك شيئاً فاشتد بي الأمر إلى أن قال لي من في منزلي إنا قد كتمنا حالنا وزاد ضرنا، ولنا اليوم ثلاثة أيام ما عندنا شيء نقتات به قال فبكيت لذلك يا بني بكاء شديداً وبقيت حيران مطرقاً مفكراً، ثم تذكرت منديلاً كان عندي فقلت لهم ما حال المنديل قالوا موجود، فقلت افعوه إليّ فأخذته ودفعته إلى بعض أصحابي وقلت له بعه بما تيسر فباعه بسبعة عشر درهماً فدفعتها إلى أهلي وقلت لهم أنفقوها إلى أن يرزق الله
غيرها، ثم بكرت من غد إلى باب أبي خالد وزير المهدي، فإذا الناس وقوف على دوابهم ينتظرون خروجه، فخرج عليهم راكباً، فلما نظر إلي سلم عليّ وقال كيف حالك؟ فقلت يا أبا خالد ما حال رجل بيع بالأمس من منزله منديل بسبعة عشر درهماً، فنظر إليّ نظراً شديداً وما أجابني جواباً، فرجعت إلى أهلي كسير القلب وأخبرتهم بما اتفق لي مع أبي خالد، فقالوا بئس والله ما فعلت، مررت برجل كان يرتضيك لأمر جليل كشفت له سرك وأطلعته على مكنون أمرك، فأزريت عنده بنفسك وصغرت عنده منزلتك بعد أن كنت عنده جليلاً فما يراك بعد اليوم إلا بهذه العين، فقلت قد مضى الأمر الآن بما لا يمكن استدراكه، فلما كان من الغد بكرت إلى باب الخليفة فلما بلغت باب الخليفة استقبلني رجل فقال لي وقد ذكرت الساعة بمجلس أمير المؤمنين فلم ألتفت إلى قوله فاستقبلني آخر وقال لي كما قال الأول ثم استقبلني حاجب أبي خالد، فقال لي أين كنت قد أمرني أبو خالد أن أجلسك عندي إلى أن يخرج من عند أمير المؤمنين فجلست حتى خرج فلما رآني دعاني وأمر لي بمركوب فسرت إلى منزله، فلما نزل قال عليّ بفلان وفلان فأحضرا فقال ألم تشتريا مني غلات السواد بثمانية عشر ألف درهم؟ قالا نعم قال ألم أشترط عليكما شركة رجل معكما؟ قالا بلى قال هذا الرجل الذي اشترط شركته لكما، ثم قال لي قم معهما، فلما خرجنا من عنده قالا لي ادخل معنا بعض المساجد حتى نكلمك في أمر يكون لك فيه الربح الهنئ، وقالا إنك تحتاج في هذا الأمر إلى وكلاء وأمناء وكيالين وأعوان فهل لك أن تبيعنا شركتك بمال نجعله لك فتنتفع به ويسقط عنك التعب والنصب، فقلت لهما كم تبذلان لي، فقالا مائة ألف درهم
(1/33)

فقلت لا أفعل، فما زالا يزيداني وأنا لا أرضى إلى أن قالا ثلاثمائة ألف درهم ولا زيادة عندنا على هذا فقلت حتى أشاور أبا خالد قالا ذلك لك فرجعت إليه وأخبرته فدعا بهما، وقال هل وافقتماه على ما ذكر؟ قالا نعم، قال اذهبا فسلما إليه المال الساعة ثم قال لي أصلح أمرك وتهيأ فقد قلدتك العمل فأصلحت شأني وقلدني ما وعدني فما زلت في زيادة حتى صار من أمري ما صار، ثم قال لولده الفضل يا بنيّ فما تقولوا في ابن من فعل مع أبيك هذا الفعل فما جزاؤه؟ قال لعمري ما أجد له جزاء غير أن أعزل نفسي وأوليه ففعل ذلك.
حكاية: قيل خرج هارون الرشيد متنكراً إلى بعض الفرج فوجد صبياناً يلعبون وفيهم غلام
دميم ضعيف البدن قاعد يحفظ ثيابهم، وهو يقلب ثوباً ثوباً وينشد شعراً ويقول:
قولي لطيفك ينثني ... عن مقلتي عند الهجوع
كيما أنام فتنطفي ... نار توقد في ضلوعي
أما أنا فكما عهدت ... فهل لوصلك من رجوع
دنف تقبله الأكف ... على فراش من دموع
قال فتعجب الرشيد من قوله مع صغر سنه وشرع يؤانسه ويحادثه ويقول لمن هذا الشعر والغلام يصد عنه ثم اعترف أنه شعره فعظم ذلك عند الرشيد فقال له إن كان شعرك حقاً كما زعمت فابق المعنى وغير القافية فأنشد في الحال وقال:
قولي لطيفك ينثني ... عن مقلتي عند المنام
كيما أنام فتنطفي ... نار توقد في عظامي
أما أنا فكما عهدت ... فهل لوصلك من دوام
دنف تقبله الأكف ... على فراش من سقام
فتعجب الرشيد وقال له أحسنت إلا أن هذا محفوظ معك قال فامتحن قال فغير القافية واترك المعنى فأنشد في الحال وقال:
قولي لطيفك ينثني ... عن مقلتي عند الرقاد
كيما أنام فتنطفي ... نار توقد في فؤادي
أما أنا فكما عهدت ... فهل لوصلك من نفاد
دنف تقبله الأكف ... على فراش من قتاد
فقال الرشيد: أخبرني من أنت؟ فأخذ ثياب الصبيان على رأسه وصاح قاق قاق فعلم الرشيد أنه ديك الجن.
حكاية: قيل إن بهرام الملك خرج يوماً للصيد فانفرد ورأى صيداً فتبعه طامعاً في لحاقه حتى بعد عن أصحابه فنظر إلى راع تحت شجرة فنزل عن
(1/34)

فرسه ليبول، وقال للراعي احفظ عني فرسي حتى أبول فعمد الراعي إلى العنان وكان ملبساً ذهباً كثيراً فاستغفل بهرام وأخذ سكيناً وقطع طرف اللجام فرفع بهرام طرفه إليه فاستحى وأطرق ببصره إلى الأرض وأطال الجلوس حتى أخذ الرجل حاجته فقام بهرام وجعل يده على عينيه، وقال للراعي:
قدم إليّ فرسي فإنه دخل في عيني تراب من سافي الريح فما أقدر على فتحها فقدمه إليه فركب وسار إلى أن وصل إلى عسكره فقال لصاحب مركبه طرف اللجام وهبته فلا تتهم به أحداً.
حكاية: قيل إن كسرى أنوشروان كان أشد الناس تطلعاً إلى خفايا الأمور وأعظم خلق الله في زمانه بحثاً على الأسرار، وكان يبعث الجواسيس على الرعايا في البلاد ليقف على حقائق الأحوال ويطلع على غوامض القضايا فيعلم المفسد فيقابله بالتأديب ويجازي المصلح بالإحسان ويقول متى غفل الملك عن تعرّف ذلك فليس له من الملك إلا اسمه وسقطت من القلوب هيبته. وكان ممن تيقظ لأمر الرعية في سياسة الحكم وأمور البلاد الملك عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وكان معاوية بن أبي سفيان قد سلك طريق في ذلك.
حكاية: عن بعض مشايخ أهل المدينة قال كانت عند عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه جارية مغنية يقال لها عمارة، فلما وفد عبد الله على معاوية خرج بها معه فزاره يزيد ذات يوم وأقام عنده فأخرجها إليه، فلما نظر إليها وسمع غناءها وقعت في نفسه فأخذه عليها ما لم يملك نفسه معه ولم يزل يكتم أمره إلى أن مات معاوية وأفضى إليه الأمر وتقلد الخلافة يزيد فاستشار بعض من يثق به في أمرها فقال له أن أمر عبد الله لا يرام ولا يبيعها بشيء أبداً وليس يغني في هذا الأمر إلا الحيلة، قال فاطلب لي رجلاً من أهل العراق عاقلاً ظريفاً أديباً له معرفة ودراية فطلبوه فجاؤوا به، فلما دخل عليه استنطقه فرأى بياناً وحلاوة في كلامه فقال له إني دعوتك لأمر إن ظفرت به فلك عندي الجائزة العظمى ثم أخبره بأمره فقال يا أمير المؤمنين إن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه أمره لا يرام إلا بالخديعة ولن يقدر على ما سألت إلا رجل فأرجو أن أكون هو بحول الله وقوته فأعني بالمال يا أمير المؤمنين قال خذ ما أحببت فأخذ واشترى من طرف الشام ومتاعها للتجارة ومن كل شيء حسن حاجته وشخص إلى المدينة فأناخ بعرصة عبد الله بن جعفر رضي الله عنه وأكثر تنزلاً إلى جانبه، ثم توسل إليه
(1/35)

وقال أنا رجل من أهل العراق قدمت بتجارة وأحببت أن أكون بجوارك وكنفك إلى أن أبيع ما جئت به، فبعث عبد الله إلى قهارمته، وقال أكرموا جارنا وأوسعوا له في المنزل، فلما اطمأن العراقي وعرفه نفسه هيأ له بغلة فارهة وثياباً من ثياب العراق وبعث بها إليه وكتب رقعة يقول فيها يا سيدي إني رجل
تاجر ذو نعمة من الله سابغة وقد بعثت إليك بشيء من اللطائف وهو كذا ومن الثياب والعطر وهو كذا وبعثت إليك ببغلة فارهة وطيئة الظهر، وأنا أسألك بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقبل هديتي ولا توحشني بردها فإني محب لك ولأهل بيتك وإن أفضل ما في سفري هذا أن أستفيد الأنس بك وأتشرف بمواصلتك، فأمر عبد الله بقبض هديته وخرج إلى الصلاة، فلما رجع مر بالعراقي في منزله فقام إليه وقبل يديه وسلم عليه فلما نظر إلى فصاحته وبلاغته أحبه وسر بنزوله عليه، فجعل العراقي يبعث كل يوم بلطائف وطرف إلى عبد الله، فقال عبد الله: جزى الله ضيفنا هذا خيراً فقد ملأنا شكراً وأعيانا عن مجازاته، وإنهما لكذلك إذ دعاه عبد الله ودعا بعمارة، فلما تعشيا وطاب لهما المقام وسمع العراقي غناء عمارة تعجب وجعل يزيد في إعجابه إذ رأى ذلك يسر عبد الله إلى أن قال له أرأيت مثل عمارة؟ قال لا والله يا سيدي ما رأيت مثلها ولا تصلح إلا لك وما ظننت أنه يكون في الدنيا مثل هذه في حسنها ولطافتها. قال كم تساوي عندك؟ قال ما لها ثمن إلا الخلافة قال تقول هذا لما ترى من رائى فيها ولتجلب سروري قال والله يا سيدي إني لأحب سرورك وما قلت لك إلا الجد. وبعد فإني رجل تاجر أجمع الدرهم إلى الدرهم طلباً للربح ولو أعطيتها لي بعشرة آلاف دينار لأخذتها، قال عبد الله بعشرة آلاف دينار؟ قال نعم ولم تكن في ذلك الزمان جارية بعشرة آلاف دينار فقال عبد الله كالمازح إني أبيعكها بعشرة آلاف دينار؟ قال قد أخذتها، قال هي لك، قال قد وجب البيع وانصرف العراقي، فلما أصبح عبد الله لم يشعر إلا والمال قد وافاه، فقال عبد الله بعث العراقي بالمال؟ قالوا نعم بعشرة آلاف دينار. قال هذا ثمن عمارة فردها إليه، وقال إنما كنت مازحاً وأعلمك أن مثلي لا يبيع مثلها، قال جعلت فداك إن الجد والهزل في البيع سواء. قال له عبد الله ويحك لا أعلم موضع جارية تساوي ما بذلت ولو كنت بائعها من أحد لآثرتك عليه ولكني كنت أمازحك وما أبيعها بملك الدنيا لحرمتها وموقعها مني، فقال
(1/36)

العراقي أن كنت مازحاً فإني مجد وما أطلعت على ما في نفسك وقد ملكت الجارية وبعثت إليك بالثمن وليست تحل لك وما من أخذها بد، فلما رأى عبد الله الجد منه قال بئس الضيف هذا - إنا لله وإنا إليه راجعون - ثم أمر قهرمانه بقبض المال وتجهيز الجارية بمالها من الثياب والطيب فجهزت بنحو من ثلاثة آلاف دينار، ثم سلمها إلى قهرمانه وقال أوصل الجارية
مع ما معها وقل له هذا لك ولك عندنا عوض ما أكرمتنا به فقبض العراقي الجارية وخرج بها، فلما برز من المدينة قال لها يا عمارة إني والله ما ملكتك قط ولا أنت لي ولا مثلي يشتري جارية بعشرة آلاف دينار وما كنت لأقدم على عبد الله بن جعفر فأسلبه أحب الناس إليه لنفسي ولكني دسيس من قبل أمير المؤمنين وأنت له وبعثني في طلبك فاستتري مني فإن تاقت نفسي إليك فامتنعي، ثم مضى بها حتى ورد دمشق فتلقاه الناس يحملون جنازة يزيد وقد استخلف بعده ابنه معاوية فأقام الرجل أياماً ثم تلطف بالدخول عليه فشرح له القصة فقال له هي لك، فارتحل العراقي وقال للجارية إني قلت لك ما قلت حين أخرجتك من المدينة لأني لم أملكك وقد صرت الآن لي وأنا أشهد الله أني قد وهبتك لعبد الله بن جعفر، فخرج بها حتى قدم المدينة ونزل قريباً من عبد الله بن جعفر فدخل عليه بعض خدمه، وقال هذا العراقي ضيفك الصانع بنا ما صنع لا حياه الله قد نزل. قال مه أنزلوا الرجل وأكرموا مثواه فأرسل إلى عبد الله أن أذنت لي جُعلت فداك في الدخول عليك دخلت دخلة خفيفة أشافهك فيها بحاجتي وأخرج، فأذن له فلما دخل عليه أخبره بالقصة وحلف بالله العظين أنه ما راى لها وجهاً إلا عنده وها هي حاضرة، فأدخلها الدار فلما رآها أهل الدار تصايحوا ونادوا عمارة عمارة، فلما رأت عبد الله خرّت مغشية عليها وجعل عبد الله يمسح وجهها بكمه ويقول يا حبيبتي أحلم هذا؟ فقال له العراقي بل ردها الله إليك بوفائك وكرمك، فقال عبد الله قد علم الله كيف كان الأمر والحمد لله على كل حال ثم أنعم على العراقي وأعطاه عشرين ألف دينار فأخذها العراقي وانصرف وهو شاكر له.
حكاية: قال الأصمعي دخلت ذات يوم على الرشيد فقال لي اكتب يا أصمعي ولو على تكتك أو طرف ثوبك هذا البيت:
عش موسراً إن شئت أو معسراً ... لابد في الدنيا من الهمِّ
قال فكتبت البيت. وعنه أيضاً قال: بينا أنا ذات يوم قد خرجت في الهاجرة والجو
(1/37)

يتلهب ويتوقد حرّاً إذ أبصرت جارية سوداء قد خرجت من دار المأمون ومعها جرة فضة مملوءة ماء وهي تردد هذا البيت بحلاوة لفظ وذرابة لسان وتقول:
حر وجد وحر هجر وحر ... أي عيش يكون ذا أمر
قال فقلت يا جارية ما شأنك؟ فقالت إني جارية لأمير المؤمنين المأمون وأنا أحب عبداً له
أسود وقد هجرني ولا أقدر أن أظهر حبي لأحد. قال فمضيت واستأذنت على المأمون وإذا هو نائم فأذن لي وقد كان أمر أن لا أحجب عنه على أي حال كان فدخلت عليه وهو في مرقده، فقال ما جاء بك يا أصمعي في هذا الوقت؟ قلت يا أمير المؤمنين أتهب لي جاريتك فلانة السوداء وعبدك الأسود فلاناً، فقال قد فعلت ذلك وهما لك افعل بهما ما شئت فخرجت من عنده وأحضرتهما وجمعت بينهما بعد أن جمعت من أهل الدار من حضر وأعتقتهما وزوجت الجارية من العبد، ثم عدت إلى المأمون وقلت له يا أمير المؤمنين إني فعلت كيت وكيت وإني اريد الآن ما أجهزهما به فأمر لكل واحد منهما بعشرة آلاف درهم وأمر لي بمثل ذلك وخرجت من عنده وعاد هو إلى نومه.
حكاية: أخبر عمر بن الحبيب القاضي أن رجلاً كان بالبصرة وكانت له امرأة وله منها ابنان فمات وترك لهم شاة، فرأت المرأة في النوم كأن أحد ابنيها يقول يا أماه أما ترين هذا الجدي قد أفنى علينا لبن هذه الشاة وليس بد من أن أقوم أذبحه فقالت لا تفعل يا بني قال لابد من أن أذبحه فقام وذبحه وسمطه وشواه وأخرجه من التنور وقعد هو وأخوه يأكلان فكلمه أخوه بشيء فأخذ السكين وشق بطنه فانتبهت فزعة وإذا بانها يقول يا أماه أما ترين هذا الجدي قد أفنى علينا لبن هذه الشاة فأريد أقوم فأذبحه، فقالت لا تفعل يا بنيّ وجعلت تتعجب من تصديق الرؤيا فأخذت بيد أخيه فأدخلته بيتاً وأغلقت عليه الباب من داخل، فبينما هي مفكرة ومغتمة إذ غفت فرأت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال لها ما شأنك؟ فخبرته الخبر فنادى يا رؤيا فإذا الحائط قد انشق وخرجت منه امرأة جميلة بديعة الجمال، فقال لها ما أردت بهذه المسكينة، فقالت لا والذي بعثك بالحق نبياً ما أتيتها في منامها فنادى يا أضغاث أحلام فخرجت امرأة دونها، فقال لها ما أردت بهذه المسكينة، قالت رأيتهم بخير فحسدتهم وأردت أن أغمهم، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس عليك بأس
(1/38)

فانتبهت وأكلت مع ابنيها ولم يزالوا بخير.
حكاية: أخبر بعض الأدباء قال حدثنا رجل من جيراننا أن الفضل مرّ في يوم صائف منصرفاً من المدينة يريد منزله فقلت له والله ما في منزلي قليل ولا كثير فعطس الفضل فقلت يرحمك الله وقد كان سمع يميني فأمر بعض غلمانه أن يحملني معه على دابته، فلما صار بي إلى قصره أخرج إليّ خمسة آلاف درهم وعشرة أثواب فانصرفت بها على
منزلي فقالت لي امرأتي والله لقد خرجت من عندنا وما تملك قليلاً ولا كثيراً فمن أين صرفت هذا؟ قال فأعلمتها الخبر فلم تصدق قولي واستراب الجيران في حالي وتناهى الخبر إلى السلطان فطمع فيّ وحبسني فقلت له إنه كان من أمري كيت وكيت فرفع خبري إلى الفضل فأمر بإحضاري، فلما أحضرت ورآني عرفني وأمر بإطلاقي وأعطاني خمسة آلاف درهم وعشرة أثواب وقال تعهدنا ننفعك فلم يزل ينفعني حتى حدث من أمرهم ما حدث.
حكاية: أخبر بعض الفضلاء أن رجلاً كان ينزل بنهر المهدي وكانت عليه نعمة فزالت ولم يقدر على شيء فمطر الناس ثلاثة أيام متتابعة فبقي في منزله لا يقدر على الخروج فأضرّ به ذلك وأبلغ إليه الجوع وإلى عياله، فلما كان في آخر الليل جاء إلى بقال بقصعة ليرهنها عنده في خبز، فانتهره البقال وقال ما اصنع بها وأبى أن يعطيه عليها شيئاً. قال فعاد إلى منزله مغموماً لا حيلة له فرفع يده إلى السماء وقال: اللهم سق إليّ في هذه الليلة عبداً من عبادك تحبه يفرج عني ما أنا فيه فما شعر إلا والباب يدق فخرج فإذا رجل على حمار قد حفّ به خدم، فقال له كم عيالك؟ قال كذا وكذا فأعطاه كيساً فيه نحو خمسة آلاف درهم، فقال الحمد لله الذي استجاب دعائي وفرج عني كربي، فقال له وما كان دعاؤك فأخبره الخبر بفعل البقال وما دعا الله عزّ وجلّ به فاستحلفه أنه دعا بهذا الدعاء فحلف به فأمر له بمائة ألف درهم، قال فسألت بعض أولئك الخدم عنه لأعلم هل يقدر الرجل على ما أمر لي به أم لا، فقال هو الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي فسكتّ لذلك وانصرفت إلى منزلي، فلما أصبحت مضيت إلى قهرمانه فقبضت منه المال قلت إن الفضل حرّي بقول أبي تمام رحمه الله تعالى:
هو البحر من أيّ النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله
جواد إذا ما جئت للجود طالباً ... حباك بما تحوي عليه أنامله
ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله
(1/39)

حكاية: قيل إن رجلاً من أهل الشام عزم على لقاء المأمون فاستشار بعض أصحابه على أيّ وجه أصلح أن ألقى أمير المؤمنين قال على الفصاحة قال ليس عندي منها شيء وغني لألحن في كلامي كثيراً. قال فعليك بالرفع فإنه أكثر ما يستعمل فدخل على المأمون وقال
السلام علك ورحمة الله وبركاته، فقال يا غلام اصفعه فصفعه، فقال بسم الله، فقال ويلك من دلك على الرفع؟ قال وكيف يا أمير المؤمنين لا أرفع من رفعه الله؟ فضحك وقضى حاجته.
حكاية: قيل اختصم رجلان إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وجعلا يلحنان، فقال الحاجب قوما فقد آذيتما أمير المؤمنين، فقال عمر أنت والله أشد أذىً لي منهما.
حكاية: قيل لما تشاغل عبد الملك بن مروان بقتال مصعب بن الزبير اجتمع وجوه الروم إلى ملكهم وقالوا قد أمكنتك الفرصة من العرب فقد تشاغل بعضهم ببعض ووقع بأسهم بينهم والرأي أن تغزوهم في بلادهم فإنك تذلهم وتنال حاجتك منهم فنهاهم عن ذلك فأبوا عليه إلا أن يفعل، فلما رأى ذلك دعل بكلبين فأحرش بينهما فاقتتلا قتالاً شديداً شديداً، ثم دعا بذئب فخلاه بينهما، فلما رأى الكلبان الذئب تركا ما كان بينهما وأقبلا على الذئب حتى قتلاه، فقال ملك الروم هكذا العرب يقتتلون بينهم، فإذا رأونا وهم مجتمعون تركوا ذلك وأقبلوا علينا فعرفوا صدق قوله ورجعوا عما كانوا عليه.
حكاية: قيل دخل قوم على المنصور من حاشيته وخدمه فرأى منهم رجلاً عليه سواد خلق، فقال له يا فلان ما لي أرى سوادك متقطعاً أما تقبض رزقك؟ قال بلى يا أمير المؤمنين ولكن أبي توفي وترك عليه ديناً كثيراً فبعت تركته في قضاء دينه فصرفت أكثر رزقي إلى حرمته وولده من بعده، فقال أعد عليّ ما قلت فأعاده فقال ما أحسن ما فعلت اغد عليّ في غد فغدا عليه فوجد الربيع جالساً على الكرسي، فقال قد سأل عنك أمير المؤمنين فادخل فدخل فوجده يصلي فقضى حاجته من الصلاة، وقال ألم آمرك أن تغدو، فقال يا أمير المؤمنين ما قصرت في الغدوّ عند نفسي. قال خذ ما تحت تلك المضربة وإذا السراج يزهر وسرير صغير في ناحية المجلس ينام عليه فرفعت المضربة فإذا دنانير تحتها فجعلت أحثوها في كمي، ثم دعوت له وخرجت ووزنت الدنانير فإذا هي ألف دينار وتسعة وتسعون ديناراً.
حكاية: قيل إن شمر بن أفر يقيس بن أبرهة خرج في خمسمائة ألف مقاتل إلى أرض الصين، فلما
(1/40)

قارب بلادهم بلغ ذلك ملك الصين فجمع وزراءه واستشارهم، فقال رئيسهم أثر فيّ أثراً وخلني فأمر به فجدع أنفه فقام هارباً مستقبلاً لشمر فوافاه على أربعة منازل
بعد خروجه من مغاور الصين فدخل عليه، وقال إني أتيتك مستجيراً. قال شمر ممن؟ قال من ملك الصين لأني كنت رجلاً من خاصة وزرائه وإنه جمعنا لما بلغه مسيرك إليه واستشارنا فأشار القوم جميعاً عليه بمحاربتك وخالفتهم في رأيهم وأشرت عليه أن يعطيك الطاعة ويحمل إليك الخراج، فاتهمني وقال قد ملت إلى ملك العرب وكان منه لي ما ترى ولم آمنه مع ذلك أن يقتلني فخرجت هارباً إليك ففرح به شمر وأنزله معه في مكانه ووعده من نفسه خيراً، فلما أصبح وأراد أن يرحل قال لذلك الرجل كيف علمك بالطريق قال أنا من أعلم الناس به قال فكم بيننا وبين الماء قال مسيرة ثلاثة أيام وأنا موردك اليوم الرابع على الماء فأمر جنوده بالرحيل ونادى فيهم أن لا يحملوا من الماء إلا لثلاثة أيام، ثم سار في جنوده والرجل بين يديه، فلما كان اليوم الرابع انقطع بهم الماء واشتد الحر، فقال لا ماء إنما كان ذلك مكراً مني لأدفعك بنفسي عن ملكي فأمر به فضرب عنقه وعطش القوم، وقد كان المنجمون قالوا لشمر عند مولده إنه يموت بين جبلي حديد فوضع درعه تحت قدمه من شدة الرمضاء ووضع ترساً من حر الرمضاء فذكر ما كان قيل له في ولادته وقال للقوم تفرقوا حيث أحببتم فقد أوردتكم إلى هذه المهالك فهلك جميع من معه.
حكاية: قيل إن شبيب بن يزيد الخارجي مر بغلام مستنقع في ماء الفرات، فقال له يا غلام اخرج إليّ أسألك فعرفه الغلام، فقال إني خائف أفآمن إن خرجت حتى ألبس ثيابي، قال: نعم، فخرج وقال والله لا ألبسها اليوم، فضحك شبيب وقال خدعني ورب الكعبة، ووكل به رجلاً من أصحابه يحفظه أن لا يصيبه أحد من أصحابه بمكروه.
حكاية: ذكر البيهقي في المحاسن والمساوي أن رجلاً من أهل الشام سأل ابن عباس رضي الله عنهما من الناكثون؟ قال الذين بايعوا علياً بالمدينة، ثم نكثوا فقاتلهم بالبصرة أصحاب الجمل، والقاسطون معاوية، وأصحابه والمارقون أهل النهروان ومن معهم فقال الشامي يا ابن عباس ملأت صدري نوراً وحكمة وفرجت عني فرج الله عنك أشهد أن علياً مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
حكاية: حدث ابن المكي عن أبيه، قال قال لي محمد الأمين في آخر أيامه يا مكي إني والله أحبّ أن أقعد
(1/41)

يوماً قبل أن يحال بيني وبين ملكي فقلت يا أمير المؤمنين افعل ذلك فقال اغد عليّ في غد، قال فانصرف وغدا عليّ رسوله في السحر فجئت إليه وهو في صحن داره
وعليه جبة وأشياء مذهبة تتألق وعمامة مثلها ما رأيت لأحد قط مثل ذلك وتحته كرسي من ذهب مرصع بالجواهر فدعا لي بكرسي فجلست عليه عن يساره، ثم قال لخادم على رأسه ادع لي فلانة وفلانة حتى عد أربعة جوار ما منهن جارية إلا وأنا أعرف حذقها وجودة غنائها فخرجن وجلسن عن يمينه، ثم قال يا غلام عليّ برطل فأتى برطل وجام بلور مكلل بالجواهر فالتفت إلى التي عن تليه، وقال لها غني فضربت ضرباً حسناً وغنت بشعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط:
هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما قتلت كسرى بليل مراز به
بني هاشم ردوا سلاح أخيكم ... ولا تنهبوه لا تحل مناهبه
قال فرمى بالجام في وسط الدار، ثم قال لعنك الله ما هذا؟ قالت والله يا سيدي ما جاء على لساني غير هذا، ثم التفت إلى الغلام وقال له اسقني فأتاه بجام مثل الأول فقال للثانية غني فغنت ما قيل في كليب بن وائل:
كليب لعمري كان أكثرا ناصراً ... وأيسر ذنباً منك ضرج بالدم
فرمى بالجام من يده في صحن الدار فكسره، ثما قال يا غلام عليّ برطل، وقال للثالثة غني فغنت:
أتقتل عمراً لا أبا لك شاردا ... وتزعم بعد القتل أنك هارب
فلو كنت بالأقطار ما فتّ ضربتي ... وكيف تفوت الحين والدم طالب
قال فرمى بالجام وقال يا غلام عليّ برطل، وقال للرابعة غني فغنت:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والخطوب الزواجر
قال فالتفت إليّ وقال قد سمعت، هذا أمر يريده الله عز وجل قال فما مضت أيام حتى رأيت رأسه معلقاً على القصر.
حكاية: عن الأوزاعي، قال بعث إليّ المنصور وقال لم أبطأت عنا قلت وما تريد من قال لأستفيد منكم فقلت له مهلاً فإن عروة بن رويم أخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من جاءته موعظة من ربه فقبلها شكر الله له ذلك ومن جاءته ولم يقبلها كانت عليه حجة يوم القيامة) مهلاً فإن
(1/42)

مثلك لا ينبغي له أن ينام إنما جعلت الأنبياء رعاة لعلمهم
بالرعية يجبرون الكسير ويسمنون الهزيل ويردون الضالة فكيف بمن يسفك دماء المسلمين ويأخذ أموالهم أعيذك بالله أن تقول إن قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم تدعوك إلى الجنة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في يده جريدة يستاك بها فضرب بها قرن أعرابي فنزل جبريل عليه السلام، وقال يا محمد إن الله تبارك وتعالى لم يبعثك جباراً مؤيساً مقنطاً تكسر قرون أمتك ألق الجريدة من يدك فدعا الأعرابي إلى القصاص من نفسه فكيف بمن يسفك دماء المسلمين إن الله عز وجل أوحى إلى من هو خير منك داود عليه السلام - يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق - واعلم أن ثوباً من ثياب أهل النار لو علق بين السماء والأرض لمات أهل الأرض من نتن ريحه فكيف بمن يتقمصه ولو أن أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبال الدنيا لذابت كما يذوب الرصاص حتى تنتهي إلى الأرض السابعة بمن تقلدها.
حكاية: قال بعض الأدباء دخلت على أبي العشائر يوماً أعدوه من على فقلت ما يجد الأمير فأشار إلى غلام قائم بين يديه كأنه رضوان غفل عنه فأبق من الجنة ثم أنشد:
أسقم هذا الغلام جسمي ... بما بعينيه من سقام
فتور عينيه من دلال ... أهدى فتوراً إلى عظامي
وامتزجت روحه بروحي ... تمازج الماء بالمدام
حكاية: قال بعض الأدباء دعا يحيى بن خالد البرمكي ابنه ابراهيم يوماً، وكان يسمى دينار بني برمك لجماله وحسنه ودعا بمؤدبه وبمن كان ضم إليه من كتابه وأصحابه فقال ما حال ابني هذا فقالوا قد بلغ من الأدب كذا وكذا، قال ليس عن هذا سألت وإنما سألت عن بعد همته قالوا اتخذنا له من الضياع كذا وكذا قال ليس عن هذا سألت وإنما سألت عن بعد همته هل اتخذتم له في أعناق الرجال مننا أو حببتموه إلى الناس قالوا لا قال فبئس الأصحاب أنتم هو والله إلى هذا أحوج منه إلى ما قلتم، ثم أمر بحمل خمسمائة ألف درهم إليه فتفرقت على قوم لا يدري من هم ولله در من قال:
أبت المكارم أن تفارق أهلها ... وأبى الكريم بأن يكون بخيلا
حكاية: قيل إن المأمون تكلم يوماً فأحسن، فقال يحيى بن أكثم يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك إن خضنا في الطب فأنت جالينوس في معرفته أو في النجوم فأنت
(1/43)

هرمس في حسابه
أو في الفقه فأنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه في علمه وإن ذكر السخاء كنت حاتماً في جوده أو الصدق فأنت أبو ذر في صدق لهجته أو الكرم فأنت كعب في إيثاره على نفسه أو الوفاء فأنت السموأل بن عادياء في وفائه فاستحسن قوله وتهلل وجهه، وكان المأمون ماهراً في جميع الفنون كاشفاً عن كل سر مكنون.
حكاية: قال أبو عبد الله أحمد بن أبي داود كان المأمون يبطل الرؤيا ويقول ليست بشيء ولو كانت على الحقيقة كنا نراها ولا يسقط منها شيء فلما رأينا أن ما يصح منها الحرف أو الحرفان من الكثير علمنا أنها باطلة وإن أكثرها لا يصح، وكان بعث العباس ابنه إلى بلاد الروم وأبطأ عليه خبره فصلى ذات يوم الصبح ونام قليلاً وانتبه ودعا بدابته وركب، وقال أحدذكم بأعجوبة رأيت الساعة كأن شيخاً أبيض الرأس واللحية عليه فروة وكساء في عنقه ومعه عصا وفي يده كتاب فدنا مني وقد ركبت فقلت من أنت قال رسول العاباس بالسلامة ناولني كتابه قال المعتصم أرجو الله أن يحقق رؤيا أمير المؤمنين ويبشره بالسلامة ثم نهض فوالله ما هو إلا أن خرج فسار قليلاً وإذا بشيخ قد أقبل نحوه في تلك الحال فقال المأمون هذا والله الذي رأيته في منامي وهذه صفته قال فدنا منه الرجل فنحاه خدمه وصاحوا به فقال دعوه فجاء الشيخ فقال من أنت؟ قال رسول العباس وهذا كتابه قال فبهتنا وطال منا تعجبنا فقلت يا أمير المؤمنين أتبطل الرؤيا بعد هذا قال لا.
حكاية: قال يوسف بن سلام الزعفراني حدثني أبي قال: قال خالد بن برمك يوماً وهو بالري وأراد الخروج إلى مجلس له وأخرج دوابه إلى الحضرة ونحن قيام بين يديه فقال من يخرج مع هذه الدواب. قال أبي أنا وليس أحد يجترئ أن يتكلم فقال اخرج معها فخرجت معها وكنت أحسن إليها، فلما رددتها حمد أثرى فيها فقلت أيها الأمير لي حاجة، قال وما حاجتك؟ قلت أمي مملكوة لقوم بالبصرة وحاجتي أن يشتريها الأمير، وقال وكم ثمنها؟ قلت ثمنها ثلاثة آلاف درهم، قال أعطوه ثلاثة آلاف درهم وقال لي اشتر أمك وأعتقها، ثم قال ما تريد؟ قلت الحج وتحج أمي معي، قال أعطوه ثلاثة آلاف درهم، قلت نحتاج إلى خادم يخدمنا، قال أعطوه ثلاثة آلاف لثمن الكسوة قال فلم أزل أقول وأعد شيئاً شيئاً حتى قلت وأحتاج إلى منزل وأحتاج إلى فرس وهو يقول أعطوه ثلاثة آلاف درهم حتى
(1/44)

اخذت ثلاثين ألف درهم، قال البيهقي رحمه الله تعالى، وكان للبرامكة في الكرم ما لم
يكن لأحد من الناس، وكانوا يخرجون بالليل سراً ومعهم الموال فيتصدقون بها وربما دقوا على الناس أبوابهم فيدفعون إليهم الصرة فيها ما بين الثلاثة الآلاف إلى الخمسة الآلاف.
حكاية: قال خالد بن صفوان دخلت يوماً على السفاح وهو خالي المجلس، فقلت يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تأمر بحفظ الستر لألقي إليك شيئاً أنصحك به فأمر بذاك فقلت يا أمير المؤمنين فكرت في هذا الأمر الذي ساقه الله إليك ومن به عليك فرأيتك أبعد الناس من لذاته وأتعب الخلق فيه، قال وكيف ذلك يا خالد قلت باقتصارك من الدنيا على امرأة واحدة وتركك البيض الخرائد الحسان، فقال يا خالد إن هذا أمر ما مر في سمعي فاستأذنه في الانصراف فأذن له وخرجت إليه أم سلمة وهو ينكت بالقلم على دواة بين يديه، فقالت يا أمير المؤمنين أراك مفكراً فما الحال أسمغت خبراً يحزنك؟ قال كلا ولكن كلام ألقاه إليّ خالد بن صفوان فيه نصيحتي وشرح لها ذلك. قالت فما قلت لابن الزانية؟ قال ينصحني وتشمتينه، فقامت عنه وبعثت إلى مائة من مواليها فقالت لهذا اليوم اتخذتكم وأعددتكم امضوا فإذا وجدتم خالد بن صفوان فاهووا إلى أعضائه عضواً عضواً فرضوها فطلبت ومررت بقوم أحدثهم إذ أقبل القوم فدخلت في جملتهم ولجأت إلى دار ووقعت البغلة فرضوها بالأعمدة وبقيت لا تظلني سماء ولا تقلني أرض وإني لجالس ذات يوم إذ هجم عليّ قوم، فقالوا أجب أمير المؤمنين فقمت ولا أملك من نفسي شيئاً حتى دخلت عليه وهو جالس وأنا أسمع حركة من وراء الستر فقلت أم سلمة والله؟ فقال يا خالد من أين ترى قلت كنت في علة لي، ثم قال الكلام الذي كنت ألقيته لي في بعض الأيام أعده عليّ قلت نعم يا أمير المؤمنين إن العرب اشتقت اسم الضرر من الضرتين فإن الضرائر أشد الذخائر والإماء آفة المنازل ولم يجمع رجل بين امرأتين إلا كان بين جمرتين تحرقه واحدة بنارها وتلحقه الأخرى بشرارها قال ليس هو هذا قلت بلى قال ففكر قلت نعم يا أمير المؤمنين وأخبرتك أن الثلاث يتغايرن فلا يصبرن، قال لا والله ما هذا قلت يا أمير المؤمنين وأخبرتك أن الأربع همّ ونصب وضجر وصخب إنما صاحبهن بين حاجة تطلب وبلية تترقب إن خلا بواحدة منهن خاف شر الباقيات وكنا له أعدى من الحيات، قال لا والله ما هو هذا قلت بلى وأخبرتك أن بني مخزوم ريحانة العرب
(1/45)

وعندك ريحانة الرياحين وسيدة نساء العالمين، وحدثتني أنك تهم بالتزويج فقلت لك هيهات تضرب في حديد بارد ليس ذلك
بكائن آخر الزمان المعاين، قال ويلك أتستعمل الكذب؟ فقلت ضرب السيوف لعب، قال فاذهب فإنك أكذب العرب قلت فأيما أصلح أأكذب أم تقتلني أم سلمة، فاستلقى ضاحكاً وقال اخرج قبحك الله تعالى وارتفع الضحك من وراء الستر وانصرفت إلى منزلي فإذا خادم لأم سلمة ومعه خمس بدر وخمس تخوت وقال هذا لك من سيدتي فخذه.
حكاية: قيل إن رجلاً بالعراق أصلح مجلساً للشرب ودعا إليه إخوانه، فلما فرغوا من الأكل وقعدوا للشرب وارتفعت أصوات العيدان والمزامير ودار الشرب فيهم وطرب القوم تأمل رجل منهم عند ذلك ما هم فيه من اللذة والفرح فرأى داراً حسنة وستوراً وفرشاً وأواني ورياحين وفواكه وشموعاً تزهر وقد امتلأ داخل الأبواب من الضياء والروائح والنغم ورأى فتياناً عليهم زي الجمال ومحاسن الكمال فبقي متحيراً متفكراً متعجباً فيما يرى ويسمع ويشم من محاسن المحسوسات وما تلتذ منه الحواس وتفرح به الأرواح وتسر به النفوس حتى نعس وغاص في نومه حتى لم يكن يحس شيئاً مما كان في المجلس من تلك المحسوسات، ثم رأى فيما يرىة النائم كأنه في بلاد الروم في كنيسة من كنائس النصارى، وهي مشعلة بالقناديل منقوشة بالتصاوير مملوءة من الصلبان، وإذا هو بين القسيسين عليهم ثياب المسوح وبأيديهم مجامر يبخرون فيها القسط والكندر وهم يقرؤون كلمات لها شبه بالتسبيح يكررونها حتى حفظها الرجل من تكرارهم إياها ومعناها بالعربية أن الأخيار الذين يسبحون الله تعالى بالليل والنهار فهم أحياء عنده وإن كانوا قد ماتوا، وإن الأشرار والظلمة فهم موتى عند الله وإن كانوا في الدنيا أحياء، ورأى قوماً من الأساقفة بأيديهم أقداح مملوءة خمراً، وفي مناديل لهم أقراص خبز يفرقونها على الناس ويحسونهم بعد ذلك خمراً فتناول ذلك الرجل من تلك الأقراص، وأخذ بحرص ورغبة وتحسى من ذلك الشراب من شدة الجوع والعطش، ثم إنه بعد ساعة لفكّر في حاله كيف حصل في تلك الكنيسة وكيف الرجوع إلى العراق مع طول المسافة ثم تذكر إخوانه ومجلسهم وما تركهم فيه من اللذة والسرور واشتد شوقه إليهم وضجره بمكانه، وما رأى من الأشياء المخالفة لسنة شريعته المغايرة لطبيعته وعادته فضاق صدره واضطرب في منامه من ضجره
(1/46)

فانتبه فإذا هو بالعراق في مجلسه ومكانه بين إخوانه، وتلك الأصوات والروائح التي تأملها قبل نعاسه على ما كانت عليه لم تتغير شيئاً.
حكاية: قيل إن نبياً من أنبياء الله قال في مناجاته مع ربه يا رب لم خلقت الخلق بعد أن لم تكن خلقتهم؟ قال له ربه على سبيل الرمز كنت كنزاً مخفياً من الخيرات والفضائل ولم أكن أعرف فأردت أن أعرف. قال العلامة ابن الجلدي صاحب إخوان الصفا معناه أن لو لم اخلق لحقيق بهذه الفضائل والخيرات التي أفضتها وأظهرتها من عجائب حلقي ومصنوعاتي المحكمات التي كلت الألسن عن البلوغ إلى كنه صفاتها وحارت عقولهم عن كنه معرفتها بحقائقها.
حكاية: قيل إنه كان بين يحيى بن خالد البرمكي، وبين عبد الله بن مالك الخزاعي عداوة وتحاسد، وكان كل واحد منهما ينتظر لصاحبه الدوائر، فلما ولي عبد الله بن مالك أذربيجان وأرمينية ضاق برجل من الدهاقين بالعراق الأمر وتعذرت عليه المطالب فحمل نفسه على أن افتعل كتاباً على لسان يحيى بن خالد البرمكي إلى عبد الله بن مالك بالوصاية به وأكد بمعاونته كل التأكيد ولم يعلم ما بينهما من التباعد فشخص من مدينة السلام إلى أذربيجان وصار إلى باب عبد الله بن مالك بالكتاب فأوصله الحاجب فقال له عبد الله أدخل صاحب هذا الكتاب فأدخله فقال له عبد الله إن كتابك هذا مفتعل ولكنك قد طويت هذه الشقة البعيدة ولسنا نخيبك، فقال الرجل أما كتابي فليس بمفتعل وإن كنت تريد بهذه التهمة أن تردني خائباً فالله عزّ وجلّ حسبي وعليه أتوكل فقال عبد الله أفترى أن تحبس في دار وتزاح علتك وأن أكتب وأستطلع الرأي وأعرف نبأ هذا الكتاب فإن كان مزوراً عاقبتك وإن كان صحيحاً أنعمت عليك قال نعم، فأمر عبد الله بحبسه وإزاحة علته وكتب إلى وكيله بالعراق أن رجلاً يسمى فلان بن فلان أورد إليّ كتاباً من يحيى بن خالد فابحث عن أمر هذا الكتاب واكتب إليّ بالحال فيه فصار الوكيل بكتاب عبد الله إلى يحيى وقرأ عليه فدعا بالدواة والقلم وكتب إليه بخطه فلان من أخص الناس إليّ وأوجبهم حقاً عليّ وقد أخبرني صاحبك بشكك في أمره فأزل الشك جعلت فداك وليكن صرفه إليّ معجلاً بما يليق بك، فلما خرج الوكيل قال يحيى لأصحابه ما تقولون في رجل افتعل عليّ كتاباً إلى عبد الله بن مالك ووصل به من مدينة السلام إلى أذربيجان؟ فقالوا جميعاً نرى أن تفضحه وتهتك ستره وتعلن أمره
(1/47)

ليرتدع به غيره ويصير نكالاً وأحدوثة في العالمين، قال لا والله وهذا رأيكم قالوا نعم، قال قبح الله هذا من رأي فما أقله وأقبحه ويحكم هذا رجل ضاق به الرزق فأمّل فيّ خيراً ووثق
بي وشخص إلى أذربيجان مع بعد مشقتها وصعوبة طريقها أتشيرون عليّ أن أحرمه ما أمله فيّ حتى يسيء ظنه بي، فما انا والله ممن يقبل منكم ذلك، ثم أخبرهم بما كتب به إلى عبد الله فتعجبوا من كرمه واحتماله الكذب وورد الكتاب بخطه إلى عبد الله فدعا بالرجل وقد سقط من عينه الاعتراض وسوء الظن بقلبه، فلما دخل عليه قال هذا كتاب أخي قد ورد إليّ بصحة أمرك وسألني تعجيل صرفك إليه فدعا له بمائتي ألف درهم وما يتبعها من الدواب والبغال والجواري والغلمان ثم أصدره، فلما ورد باب يحيى بن خالد أدخل ذلك أجمع إليه وعرضه عليه فأمر له يحيى بمثل ذلك وأثبته في خاصته:
خرجت من شيءٍ إلى غيره ... حب الذي يقضي به الحال
لا تنكروا حالي فإني امرؤ ... دارت به في السير أحوال
حكاية: حدث محمد بن اسحق عن أبيه، قال دخلت على الرشيد وبين يديه طبق فيه ورد فقال قل في هذا شيئاً فقلت:
كأنه خد محبوب يقبله ... فم الحب وقد أضحى به خجلا
فقالت له جارية كانت على رأسه أخطأت هلا قلت كما أقول:
كأنه لون خدي حين تدفعني ... يد الرشيد لأمر يوجب الغسلا
قال فضحك الرشيد، وقال الخرج يا اسحق فقد حركتني هذه الماجنة، ثم قام وأخذ بيدها وخلا بها.
حكاية: قيل انقطع عبد الملك بن مروان عن أصحابه فانتهى إلى أعرابي، فقال أتعرف عبد الملك بن مروان؟ قال نعم جائر فاجر قال ويحك أنا عبد الملك بن مروان قال لا حياك الله ولا قربك أكلت مال الله وضيعت حرمته قال ويحك أنا أضر وأنفع قال لا رزقني الله نفعك ولا دفع عني ضررك، فلما وصلت خيله إليه قال يا أمير المؤمنين اكتم ما كان بيني وبينك فالمجالس بالأمانة فضحك عبد الملك وأنعم عليه.
حكاية: قيل إن أعرابياً ولي البحرين فجمع اليهود، وقال ما صنعتم بعيسى بن مريم عليه السلام قالوا قتلنا. قال والله لا تخرجوا من السجن حتى تؤدوا ديته، فما خرجوا حتى أخذ منهم الدية كاملة.
حكاية: قيل أهدى أبو جعفر محمد بن علي البحتري
(1/48)

الشاعر المعروف نبيذاً مع غلام حسن
الوجه بديع الوصف فلما رآه البحتري ضمه إليه وقبله وكتب معه هذه البيات:
أبا جعفر كان تقبيلنا ... غلامك إحدى الهبات الهنيه
بعثت غلينا بشمس المدام ... تشرق في كف شمس البريه
فليت الهدية كان الرسول ... وليت رسولك كان الهديه
فلما قرأ الأبيات أرسل إليه الغلام.
حكاية: قال بعض الأدباء وصف للمأمون جارية شاعرة فائقة في الجمال والكمال يقال لها فضل، فبعث في شرائها وأتى بها وقت خروجه إلى الروم، فلما همّ ليلبس درعه خطرت بباله فدعا بها فخرجت إليه؟ فلما نظر إليها أعجب بها فقالت ما هذا؟ قال أريد الخروج إلى بلاد الروم فقالت قتلتني والله يا سيدي ثم ذرفت دموعها على خدها، فقال المأمون:
دمعة كاللؤلؤ الرطب ... على الخد الأسيل
هطلت في ساعة البين ... من الطرف الكحيل
ثم قال لها أجيزي، فقالت:
حين هم القمر الطالع عنا بالأفول ... إنما تفتضح العينان في وقت الرحيل
فضمها المأمون إلى صدره، ثم قال لخادمه مسرور أكرمها وأكرم ملحها وأصلح لها كلما تحتاج إليه من المقاصير والخدم والجواري إلى وقت رجوعي.
حكاية: قيل إن رجلاً كانت عنده ابنة جميلة تزوجها رجل من أهل النعم وأحبته، فلم تلبث معه إلا قليلاً حتى مات فحزنت عليه حزناً شديداً وكانت تدخل بستاناً لأبيها تخلو فيه وتبكي وتنشد هذه الأبيات:
إنما ابكي لإلف ... خانه الدهر فمات
قلت للدهر بشجو ... أيها الدهر أسات
لم تركت الم والأب ... وبالإلف بدات
إنه أحسن خلق ... كان لي في الخلوات
ففطن لها أبوها وسمعها تردد البيات فقال لها ما كنت تقولين يا بنية؟ فقالت يا أبتي وجدت الماء قد قلّ ولحق النخل العطش، فلما رأيت ذلك أحزنني فأنشدت:
إنما ابكي لنخل ... خانه الماء فمات
قلت للماء بشجو ... أيها الماء أسات
لم تركت الزرع والكرم ... وبالنخل بدات
إنه أحسن شيء ... كان لي في الثمرات
(1/49)

فقال لها يا بنية هل لك أن أزوجك، قالت لا والله يا أبتي مالي رغبة في زوج، فلم تلبث إلا قليلاً حتى ماتت رحمها الله تعالى.
حكاية: قيل عن أحمد بن اسرائيل كتب إلى الواثق بالله وقد عزله عن الخراج وديوان الخراج وأمر بتقييده لتصحيح حساباته يا أمير المؤمنين بم يستحق الاذلال من أنت بعد الله ورسوله مئل عزه، ولم تزل نفسه راجية لابتداء إحسانك إليه وتتابع نعمك عليه وعينه طامحة إلى تطولك والزيادة في الصنيعة لديه فهب له يا أمير المؤمنين ما يزينك واعف عنه ما يشينك فما له عنك معدل ولا على غيرك معول، فأمر بإطلاق سراحه وأحسن إليه وصار في منزلة رفيعة لديه.
حكاية: قيل إن رجلاً من آل ملهب اشترى غلاماً أسود، فربّاه وتبنّاه، فلما اشتد ساعده وترعرع هوى سيدته فراودها عن نفسها فأجابته إلى ذلك، فدخل مولاه يوماً على غفلة، فإذا هو على صدر سيدته، فعمد إليه وجب ذكره وتركه يتشحط في دمه ثم إنه أدركته عليه رقة وتخوف من فعله، فعالجه حتى أقيل من علته وخرج من مرضه فأقام بعد هذا مدة يدبر على مولاه أمراً يكون فيه شفاء قلبه، وكان لمولاه ابنان أحدهما طفل والآخر بالغ فغاب الرجل عن منزله لبعض أموره فأخذ العبد الصبيين وصعد بهما إلى ذروة سطح عال وجعل يعللهما بالطعام مرة وباللعب مرة أخرى إلى أن دخل مولاه فرفع رأسه، فإذا هو بابنيه في شاهق؟ فقال ويلك الله الله في تربيتي لك قال دع عنك هذا والله ما هي إلا نفس لأرمين بها قال ويلك ما تريد قال جب نفسك كما جببتني أو لأرمين بهما وإني لأسمح بعدهما بنفسي مثل شربة ماء قال فجعل يكرر عليه وهو يأبى وذهب ليروم الصعود إليهم فأهوى بهما ليرميهما من ذروة ذلك الشاهق، فقال أبوهما ويلك فاصبر حتى أخرج المدية وأفعل ما أردت فأخذ المدية ليريه ما يصنع بنفسه فرمى بذكره وهو يراه، فلما علم أنه قد فعل رمى بالصبيين، وقال ذلك بذاك، وهذه زيادة فتقطع الصبيان وأخذ ذلك الأسود وكتب بخبره إلى المعتصم بالله فأمر بقتله وأن يخرج من مملكته كل عبد أسود.
حكاية: قيل كان رجل له غلام فباعه، وقال للمشتري إني أبرأ إليك من كل عيب به إلا عيب وحاداً قال وما هو قال النميمة قال أنت بريء منه فإني لا أقبل قوله فما لبث إلا قليلاً حتى أتى السيد، وقال إن امرأتك تريد أن تقتلك وتتزوج غيرك قال وما يدريك؟ قال قد عرفت ذلك فتناوم
(1/50)

عليها فإنه سيظهر لك ما أقول ثم أتى إلى المرأة وقال إن زوجك يريد أن يخلعك ويتزوج غيرك، فهل لك أن أرقيك فيرجع إليك حبه؟ قالت نعم ولك كذا وكذا قال ائتني بثلاث شعرات من تحت حنكه، فلما دنت منه لتناول الشعر قام إليها بالسيف ولم يشك فيما قاله الغلام فقتلها وجاء إخوة المرأة فقتلوا الزوج، فذهب كلاهما بسوء صنيع عبدهما وقبولهما نميمته فنعوذ بالله من النميمة ونسأله الحماية منها ومن ذويها.
حكاية: قيل إن أبا نواس أتى إلى بلاد الرشيد يوماً، فلما علم به طلب بيضاً وقال للجماعة الذين عنده هذا أبو نواس على الباب، فكل واحد منكم يأخذ بيضة ويجعلها تحته وإذا دخل أظهرت الغضب على الجميع وقلت لكم بيضوا الآن بيضة بيضة وإلا أمرت بضرب رؤوسكم حتى نرى ما يقول ثم طلبه فدخل فبعد ساعة جال بهم الحديث إلى شيء أغضب الخليفة فأظهر لهم الغضب الشديد وقال لهم الواحد مثل الدجاجة ويدخل ويدخل فيما لا يعنيه بيضوا الآن بيضة بيضة لأنها صفتكم وإلا أمرت بضرب رؤوسكم والتفت إلى من على يمينه، وقال أنت الأوّل بض الآن بيضة فعصر نفسه وتنحنح وتغير وجهه ثم أخرج بيضة فدار على الكل مثل هذا حتى وصلت النوبة إلى أبي نواس فضرب بعضديه على جنبيه ثم صرخ، وقال في صراخه قوققوقو قال يا مولانا لا يصلح الدجاج بغير ديك؟ فهؤلاء دجاج وأنا ديكهم، فضحك الخليفة حتى استلقى على قفاه واستحسن ذلك منه.
وحكى أنه غضب عليه يوماً فأمر جماعة أن يخرؤا على فراشه الذي يرقد عليه فأتوه وهو ببيته، فقالوا له أمرنا الخليفة بأن نخرأ على فراشك، فقال أمر الخليفة مطاع فهل أمركم بشيء غير الخراء قالوا لا فأخذ خشبة بيديه. وقال لهم اخرؤا ولكن إن بال أحدكم منكم ضربت رأسه بهذه الخشبة فما أمكنهم ذلك بغير أن يبولوا فرجعوا إلى الخليفة وأعلموه بذلك فضحك وأمر له بصلة.
حكاية: دخل لص دار مالك بن دينار في الليل فطاف بها، فلم يجد فيها شيئاً فلما همّ بالخروج رفع مالك رأسه وقال يا هذا طلبت الدنيا فما وجدتها عندنا فهل لك أن تقبل على
الآخرة، فقال اللص نعم ثم تقدم إلى مالك فتاب على يديه، فلما طلع الفجر أخذه مالك ومضى به إلى المسجد، فلما رآه التلامذة قالوا للشيخ ما هذا الرجل، فقال هذا لص جاء ليصيدنا فصدناه، فصار ذلك اللص ببركة مالك من كبار الأولياء.
حكاية: قال بعض حكماء
(1/51)

الفرس أخذت من كل شيء أحسن ما فيه فقيل له فما أخذت من الكلب؟ قال حيه لأهله وذبه عن صاحبه قيل فما أخذت من الغراب قال شدة حذره قيل فما أخذت من الخنزير قال بكوره في حوائجه قيل فما أخذت من الهرة قال تملقها عند المسئلة.
حكاية: قيل إن رجل أتى سليمان عليه السلام، فقال له يا نبي الله علمني منطق الطير، فقال أعلمك بشرط أن لا تخبر به أحداً وإن أخبرت به أحداً مت، فقبل ذلك فعلمه فرجع الرجل إلى داره وأمسى وكان له حمار وثور وديك، فكان الحمار يسأل الثور كيف كنت اليوم؟ قال في عناء وشدة قال أتريد أن لا يحمل عليك غداً فتستريح؟ قال نعم قال لا تأكل العلف الليلة، ففعل وكان الرجل يسمع كلامهما، فلما أصبح أمر أن يحمل على الحمار بدل الثور، فلما كان الليل انصرف الحمار إلى معلفه، فسأله الثور كيف كنت اليوم كأنك لم تعمل قال بلى قد عملت وأصابتني الشدة كما أصابتك إلا أني سمعت أنهم يستعدون لذبحك وقالوا هو عليل لا يصلح إلا للذبح قبل أن يموت فإن أردت السلامة، فكل العلف فضحك الرجل لما فهم من كلامهما، فقالت له امرأته مم تضحك قال لا شيء فألحت عليه، فلم يخبرها مخافة ان يمون؟ فقالت إن لم تخبرني قلت إنك مجنون أو أن لك امرأة غيري قال إن أخبرتك مت، فلم تطاوعه ولم يكن له بدّ منها، فقال أمهليني حتى أوصي، ففعلت فلما أصبح كان يوصي وأمسك الحمار والثور عن الأكل والشرب ولم يمسك الديك عن الصراخ والنشاط، فقال له أصحابه صاحبنا يموت فما هذا النشاط قال الموت لهذا خير من الحياة قالوا ولم ذلك؟ قال إن تحت يدي عشرين وأنا أعولهن وهو لا يقدر أن يعول امرأة واحدة ولا يقدر أن يدفعها عن نفسه قالوا فما يعمل معها قال يأخذ السوط ويضربها إلى أن تموت أو تتوب، فقال الرجل صدق الديك وقام وأخذ السوط وضربها حتى سكتت ورجعت عن ذلك.
حكاية: قيل إن الرشيد خرج يوماً إلى الصيد فانفرد عن عسكره والفضل بن الربيع خلفه فإذا هو بشيخ على حمار، فنظر إليه الرشيد فإذا هو رطب العينين، فغمز الفضل عليه؟ فقال له الفضل أين تريد يا شيخ قال حائطاً لي قال هل لك أن أدلك على شيء تداوي به
عينيك فتذهب هذه الرطوبة، فقال ما أحوجني إلى ذلك؟ فقال خذ عيدان الهوى وغبار الماء وورق الكمأة وصيره في قشرة جوزة واكتحل به فإنه يذهب رطوبة عينيك فانكأ الشيخ على قربوس فرسه وضرط ضرطة طويلة
(1/52)

وقال خذ هذه أجرتك لوصفك وإن نفعنا الكحل زدناك يا ابن الفاعلة، فضحك الرشيد حتى كاد أن يسقط عن ظهر دابته.
حكاية: قيل إن بعض الملوك كان مغرماً بحب النساء وكان وزيره ينهاه عن ذلك فرأته بعض قيانه متغير الحال عليهن، فقالت له يا مولاي ما هذا، فقال لها إن وزيري فلاناً قد نهاني عن محبتكن، فقالت الجارية هبني له أيها الملك وسترى ما أصنع به، فوهبها له فلما خلا بها تمنعت منه حتى تمكن حبها من قلبه، فقالت لا تقربني حتى أركبك وتمشي به خطوات، فأجابها إلى ذلك فوضعت عليه سرجاً وجعلت في رأسه لجاماً وركبته، وكانت قد أرسلت إلى الملك بهذا الخبر فهجم عليه الملك وهو على تلك الحالة، فقال ما هذا أيها الوزير كنت تنهاني عن محبتهن وهذه حالتك معهن، فقال أيها الملك من هذا كنت أخاف عليك فاستحسن منه هذا الجواب.
حكاية: قال هشام الكلبي: إن ناساً من بني حنيفة خرجوا يتنزهون إلى جبل لهم فرأى فتى منهم في طريقه جارية فرمقها وقال لأصحابه لا أنصرف والله حتى أرسل إليها وأخبرها بحبي لها فمنعوه فأبى ان يكف وأقبل يراسل الجارية وتمكن من قلبه حبها فانصرف أصحابه وأقام الفتى في ذلك الجبل فمضى إليها متقلداً سيفاً وهي بين أخوين لها نائمة فأيقظها فقالت انصرف لئلا ينتبه أخواي فيقتلانك، فقال الموت والله أهون مما أنا فيه ولكن إن أعطيتني يدك حتى أضعها على قلبي انصرفت فأعطته يدها فوضعها على قلبه وصدره وانصرف، فلما كانت الليلة الثانية أتاها وهي على تلك الحال فأيقظها، فقالت من ذا وأنشدت تقول:
متى تزر قوم من تهوى زيارتها ... لا يتحفوك بغير البيض والأسل
تريد بذلك تخويفه. قال الذي يقول:
والهجر أقتل مما أراقبه ... أنا الغريق فما خوفي من البلل
ثم قال إن مكنتني من شفتيك أرشفهما انصرفت فأمكنته فرشفهما ساعة ثم انصرف فوقع في قلبها من حبه مثل الذي وقع بقلبه منها وفشى خبرهما في الحي فقال أهل الجارية ما
مقام هذا الفاسق في هذا الجبل اخرجوا بنا إليه حتى نخرجه هذه الليلة فبعثت إليه الجارية آخر النهار أن القوم يأتونك الليلة فاحذر، فلما أمسى قعد على مرقب ومعه قوسه وسهمه ووقع في الحيّ أول الليل
(1/53)

مطر فاشتغلوا عنه، فلما كان آخر الليل انقشع السحاب وطلع القمر اشتاقت الجارية فخرجت تريده ومعها صاحبة لها من الحي كانت تثق بها فنظر الفتى إليهما فظن أنهما ممن يطلبه فرمى فلم يخط قلب الجارية فوقعت ميتة فصاحت الأخرى وانحدر الفتى من الجابل فإذا الجارية ميتة والأخرى على رأسها فبكى بكاء الثكلى وقال:
اختلست ريحانتي من يدي ... يا عين أجرى الدمع لا تجمد
كانت هي الأنس إذا ... استوحشت نفسي من الأقرب والأبعد
وروضة كانت بها مرتعي ... ومنهلاً كان به موردي
كانت يدي كانت بها قوتي ... فاختلس الدهر يدي من يدي
وقالت صاحبتها الواقفة على رأسها:
نعب الغراب بما كرهت ولا إزالة للقدر
تبكي وأنت قتلتها فاصبر وإلا فانتحر
ثم ضرب الفتى نفسه بسكين كان معه فمات فجاءت أهل الحي وهما ميتان فدفنوهما في قبر واحد.
حكاية: قيل اصطحب أسد وثعلب وذئب فخرجوا يصيدون فصادوا حماراً وظبياً وأرنباً، فقال الأسد للذئب اقسم بيننا صيدنا فقال الحمار لك والأرنب للثعلب والظبي لي فخلبه الأسد فأخرج عينه، فقال الثعلب قاتله الله ما أجهله بالقسمة، فقال الأسد هات أنت يا أبا معاوية فاقسم، فقال يا أبا الحارث الأمر أوضح من ذلك، الحمار لغدائك، والظبي لعشائك، وتخلل بالأرنب فيما بين ذلك، فقال الأسد قاتلك الله ما أقضاك من أين تعلمت هذا قال من عين الذئب.
حكاية: قيل اجتمع السراج الوراق مع أبي الحسن الجزار وابن الفقيسي فمرت بهم جارية بديعة الجمال فقال السراج:
شمائلها تدل على اللطافة ... وريقتها أرقّ من السلافة
وقال أبو الحسين الجزار:
وفي وجناتها ورد ولكن ... عقارب صدغها منعت خطافه
قال ابن الفقيسي:
فلو أعطوا الخلافة ذو جمال ... لحق لها بأن تعطى الخلافة
(1/54)

حكاية: قيل إن الوزير نظام الملك أبا الحسن علياً خرج يوماً إلى الصلاة فجلس قليلاً ثم التفت إلى الحاضرين وقال لهم هذا بيت شعر أريد له أوّلاً وهو هذا:
فكأنني وكأنه وكأنهم ... أمل ونيل حال دونهما القضا
وكان في الجماعة أبو القاسم مسعود الخجندي الشافعي، فقال مرتجلاً:
ببابي حبيب زارني متنكراً ... فبدا الوشاة له فولى معرضا
حكاية: قيل إن المهدي دخل يوماً وقت الظهر إلى مقصورة جاريته الخيزران على حين غفلة فوجدها تغتسل، فلما رأته تجللت بشعرها حتى لم يبن من جسدها شيء فأعجبه ذلك واستحسنه ثم عاد إلى مجلسه، وقال من بالباب من الشعراء؟ فقيل له أبو نواس وبشار بن برد قال فليحضرا جميعاً فأحضرا وجلسا قال فليقل كل منكما شعراً يوافق ما في نفسي، فأنشأ بشار بن برد يقول:
تتجنبتكم والقلب صاب إليكم ... بنفسي ذاك المنزل المتجنب
إذا ذكروا أعرضت لا عن ملالة ... وذكراكم شيء إلي محبب
وقالوا تجنبنا ولا تقربننا ... فكيف وأنتم حاجتي أتجنب
على أنهم أحلى من المنّ عندنا ... وأطيب من ماء الحياة وأعذب
فقال أحسنت ولكن والله ما أصبت، فقال أبو نواس:
نضت عنها القميص لصب ماء ... فورّد خدها فرط الحياء
وقابلت الهواء وقد تعرت ... بمعتدل أرق من الهواء
ومدت راحة كالماء منها ... إلى ماء معدّ في الإناء
فلما أن قضت وطراً وهمت ... على عجل لتأخذ بالرداء
وقامت تشرئب على حذار ... كشبه الظبي أفرد من ظباء
رأت شخص الرقيب على التداني ... فأسبلت الظلام على الضياء
فغاب الصبح منها تحت ليل ... وظل الماء يجري فوق ماء
فسبحان الإله وقد براها ... كأحسن ما تكون من النساء
قال المهدي: سيفاً ونطعاً. قال ولم يا أمير المؤمنين؟ قال كنت معنا. قال لا والله يا أمير المؤمنين قد قلت شيئاً خطر ببالي فأمر له بأربعة آلاف درهم وصرفه.
حكاية: حدث الربيع قال ما رأيت قط أثبت قلباً ولا أحضر حجة من رجل من أهل
(1/55)

الكوفة أشخصه المنصور لسعاية سعى بها رجل عليه، وقيل له إن عنده أموالاً لبني أمية وودائع، فلما حضر قال له المنصور أخرج ودائع بني أمية وأموالهم التي عندك. قال الرجل يا أمير المؤمنين أوارث أنت لبني أمية؟ قال: لا. قال أفوصيّ لهم؟ قال لا. قال فبأي شيء أدفع إليك ما في يدي من أموالهم وودائعهم؟ قال فأطرق المنصور رأسه مفكراً في الحجة، ثم رفع رأسه وقال إن بني أمية خانوا المسلمين في أموالهم وأنا وكيل المسلمين في حقوقهم يجب عليّ أن أطالب فيما أخذوه منهم على سبيل الخيانة وأردها إلى بيت مال المسلمين. قال الرجل يا أمير المؤمنين بقيت عليك البينة العادلة أن هذا المال الذي قبلي من تلك الخيانات دون غيرها لقد كان للقوم أموال من وجوه شتى. قال فأطرق المنصور ملياً يطلب الحجة عليه فلم يجدها فالتفت إليّ، وقال يا ربيع أطلق الرجل فوالله ما خاطبت رجلاً مثله قط، ثم قال له سل حاجتك إن كان لك حاجة، قال الرجل والله مالي حاجة إلا إرسال كتاب في البريد إلى أهلي بسلامتي فإن قلوبهم متعلقة بي وبخبري فأمر المنصور بذلك، فقال الرجل يا أمير المؤمنين ما قبلي لني أمية مال قط ولا وديعة وإني أحب أن يأمر أمير المؤمنين بالجمع بيني وبين من سعى بي إليه، فقال له المنصور لم لم تنكر؟ قال فإني لما وقفت هذا الموقف رأيت الاحتجاج أقرب إليّ من الجحود فأمر المنصور بإحضار الساعي فأحضر فإذا هو غلام الرجل قد هرب منه. قال يا أمير المؤمنين هذا والله عبدي قد أبق مني وسرق مني ثلاثة آلاف دينار وأتلفها فشدد المنصور على الغلام، فقال صدق والله يا أمير المؤمنين وإنما كذبت عليه لأشغله عن طلبي، فقال المنصور هب جرمه إليّ وإساءته، فقال أشهدك يا أمير المؤمنين أنه حرّ لوجه الله وإن له من مالي ثلاثة آلاف دينار أخرى، فقال المنصور ما أراد هذا كله منك، قال هذا قليل لمن تكلم أمير المؤمنين فيه، فأعجب المنصور كلامه وأمر له بخلعة حسنة وكان يتعجب أبداً من ثبوته على حجته واجتماع عقله وكرم فعله.
حكاية: قيل إن ملكاً من ملوك الفرس كان سميناً مثقلاً حتى أنه لا ينتفع بنفسه فجمع الأطباء على أن يعالجوه من ذلك فصار كلما عالجوه لا يزداد إلا شحماً فجيء إليه ببعض الحذاق من الأطباء، فقال له أنا أعالجك أيها الملك ولكن أمهلني ثلاثة أيام حتى أتأمل وأنظر إلى طالعك وما يوافقك من الأدوية، فلما مضت له ثلاثة
(1/56)

أيام. قال أيها الملك إني نظرت في طالعك فظهر لي أنه ما بقي من عمرك إلا أربعون يوماً فإن لم تصدقني فاحبسني عندك لتقتصّ مني فأمر الملك بحبسه وأخذ الملك في التأهب للموت ورفع جميع الملاهي وركبه الهمّ والغمّ واحتجب من الناس وصار كلما مضى يوم يزداد هماً ويتناقص حاله، فلما مضت الأيام المذكورة طلب الحكيم وكلمه في ذلك، فقال له أيها الملك إنما فعلت ذلك حيلة على ذهاب شحمك وما رأيت لك دواء يفيدك إلا هذا الدواء فخلع عليه الملك خلعة سنية وأمر له بمال جزيل.
حكاية: سأل بعض الملوك وزيره هل الأدب يغلب الطبع أم الطبع يغلب الأدب؟ فقال الطبع يغلب الأدب لأنه أصل والأدب فرع وكل فرع يرجع إلى أصله، ثم إن الملك استدعى الشراب وأحضر سنانير بأيديهم الشماع فوقفت حوله، فقال للوزير انظر خطأك في قولك الطبلع يغلب؟ فقال الوزير أمهلني الليلة. قال قد أمهلتك، فلما كان الليلة الثانية أخذ الوزير في كمه فأرة وربط في رجلها خيط ومضى إلى الملك، فلما أقبلت السنانير بأيديها الشماع أخرج الفأرة من كمه، فلما رأتها السنانير رمت بالشماع وتبعت الفأرة فكاد البيت أن يحترق، فقال الوزير انظر أيها الملك كيف غلب الطبع الأدب ورجع الفرع إلى أصله؟ قال صدقت لله درك.
حكاية: قيل إن ابراهيم بن المهدي اختفى مرة عن المأمون عند عجوز فقالت له سأحتال لك في شيء من الدراهم، فقال لا بأس فأتت المأمون وقالت له إن دللتك على ابراهيم بن المهدي ماذا تجعل لي؟ قال مائة ألف درهم، فقالت وجه معي رسولاً ومره أن يطيعني في جميع ما آمره به وأعطه ألف دينار وأمره بما قالت فجاءت به إلى مسجد فيه صندوق كبير وقالت له ادخل في هذا الصندوق فامتنع، فقالت له ألم يأمرك أمير المؤمنين بطاعتي فكيف تمتنع وإن لم تفعل انصرفت فدخل حسين في الصندوق وأتت بحمال فحمله فجعلت تطوف به في الأسواق والشطوط فمرّة يسمع صوت الحدادين ومرة يسمع صوت الملاحين، فلما
أظلم الليل أدخلته داراً وفتحت عنه فإذا هو بمجلس عظيم وفي صدره ابراهيم بن المهدي يشرب وبين يديه قيان يغنين فأكب على رجلي ابراهيم يقبلهما وتناولت العجوز منه الدنانير فسأله ابراهيم عن المأمون وناوله القدح فشرب ثم قدم له
(1/57)

طعاماً فأكل ثم سقاه شراباً فيه بنج، فلما سكر أدخل في الصندوق وقفل عليه وحمل إلى باب العامة فألقي هناك، فلما اصبح الناس رأوا الصندوق وليس معه أحد فأنهوا خبره إلى المأمون فأحضر وفتح فإذا حسين الخادم ملوث فعولج حتى أفاق، فقال له المأمون رأيت ابراهيم؟ قال أي والله يا أمير المؤمنين. قال أين هو؟ قال لا أدري وحدثه بالقصة، فقال المأمون خدعتنا والله العجوز وذهب المال.
حكاية: قيل إن الحجاج أمر بضرب عنق شخص، فقال لحاجبه أريد أن أكلم الأمير قبل أن يقتلني، فقال له الحجاج قل، فقال أيها الأمير لا أحب أن أكلمك إلا وأنا أمشي معك مكتوفاً بحالي في إيوانك من أوله إلى آخره وما على الأمير في ذلك من بأس ولا يحول بينه وبين ما يريد مني شيء فأخذ يتمشى معه في الإيوان فلما بلغ إلى آخره. قال أيها الأمير إن الكريم يراعي صحبة ساعة وقد صحبت الأمير في هذه المشية وهو أولى من رعى حق الصحبة، فقال الحجاج خلوا سبيله، فقال والله لقد صدق، ثم أمر له بعطية ومشى الرجل لشأنه.
حكاية: قيل إن رجلاً جلس يوماً يأكل هو وزوجته وبين يديهما دجاجة مشوية وإذا بسائل عند الباب فخرج إليه فانتهره فاتفق بعد ذلك أن الرجل افتقر وزالت نعمته وطلق زوجته وتزوجت برجل آخر فجلس في بعض الأيام يأكل معها وبين يديهما دجاجة وإذا بسائل يقرع الباب، فقال لزوجته ادفعي إليه هذه الدجاجة فخرجت إليه فإذا هو زوجها الول فدفعت إليه الدجاجة ثم رجعت وهي باكية فسألها عن بكائها فأخبرته أن السائل كان زوجها وأخبرته بقصة ذلك السائل الذي انتهره زوجها الأول، فقال لها والله أنا ذلك السائل.
حكاية: قيل إن معاوية لما ولى زياد بن سمية العراق، وهم يقطعون السبيل ويفسدون فيها ويسرقون فأول ما قدم عليهم قصد الجامع فرقى المنبر وخطب، ثم قال والله لئن خرج أحد بعد العشاء لآخذن رأسه فليعلم الحاضر الغائب، ثم أمر منادياً نادى في البلاد ثلاثة أيام، فلما كانت الليلة الرابعة خرج زياد، وقد مضى من الليل ثلثه وجعل يطوف بخلال البلاد
فرأى رجلاً راعياً ومعه غنم، فقال له زياد ما تصنع ههنا قال أتيت البلاد ولم أجد موضعاً أستقر فيه فنزلت مكاني إلى الصبح لأبيع غنمي غداً إن شاء الله تعالى، فقال له زياد والله إني أعلم أنك صادق، ولكنني إن تركتك خفت أن يشيع الخبر عني، فيقال إن زياداً
(1/58)

يقول ولا يفعل فتفسد سياستي وتنكسر هيبتي والجنة خير لك وضرب عنقه حتى أتى في الليلة على خمسة آلاف وخمسمائة نفس وجعل رؤوسهم على باب داره فهابه الناس وفزعوا لما رأوا من أفعاله، فلما كان في الليلة التي بعدها خرج أيضاً فلقي ثلثمائة رجل فأخذ رؤوسهم فلم يقدر أحد بعد ذلك أن بخرج من بيته بعد العشاء، فلما كان يوم الجمعة رقى المنبر، وقال لا يغلق أحد باب دكانه ليلاً ومهما سرق شيء فهو عليّ فلم يقدر أحد منهم أن يغلق دكانه فجاءه رجل صيرفي بعد أيام يسيرة، وقال إنه سرق من دكاني البارحة أربعمائة دينار، فقال له زياد هل تقدر أن تحلف على ما تدعيه، قال نعم فاستحلفه ووزن له عوض ذهبه، ثم استكتمه فلما كان يوم الجمعة خطب الناس وقال إن فلاناً الصيرفي قد سرق له من دكانه أربعمائة دينار والآن كلكم حاضرون فإن أرجعتم ذلك فقد عاد إلى الرجل ماله، وإن لم ترجعوا فقد آليت على نفسي لا يمكن أحدكم أن يخرج من الجامع، وأمرت بقتل الجميع في هذه الساعة ففي الحال ألزموا من من كان يتهم بسرقة وقدموه بين يديه فرد حينئذ السارق ما أخذ وأمر بصلبه فصلب في الحال ثم قال أي محلة في البصرة لم يكن فيها أمن ولا هيبة، فقيل له محلة بني الأزد فأمر بثوب من ديباج له ثمن عظيم أن يلقى على قارعة الطريق بتلك المحلة فبقي الثوب على ذلك أياماً لم يقدر أحد أن يرفعه من مكانه.
حكاية: ذكر صاحب حياة الحيوان أن الأسد لما مرض عادته السباع إلا الثعلب فنمّ عليه الذئب فقال له إذا حضر فأعلمني فأخبر بذلك الثعلب، فلما حضر أعلمه فقال له الأسد أين كنت إلى الآن، قال في طلب الدواء لك، قال فأي شيء أصبت قال خرزة في ساق الذئب ينبغي أن تخرج، فضرب الأسد بمخالبه في ساق الذئب وانسل الثعلب منهم فمرّ به الذئب بعد ذلك ودمه يسيل، فقال له الثعلب: يا صاحب الخف الأحمر إذا قعدت عند الملوك فانظر إلى ما يخرج من رأسك.
حكاية: قيل لما وفد قيس بن عاصم على رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله بعض
الأنصار عما يتحدث به المؤودات فأخبره أنه ما ولدت له بنت إلا وأدها قال كنت أخاف العار وما رحمت منهن إلا بنية كانت ولدتها أمها وأنا في سفر فدفعتها إلى إخوانها وقدمت أنا من سفري فسألتها عن الحمل، فأخبرت أنها ولدت ولداً ميتاً وكتمت حالها حتى مضت على ذلك سنون وكبرت الصبية وينعت فزارت أمها
(1/59)

ذات يوم فدخلت فرأيتها. وقد ظفرت شعرها وجعلت في قرونها جداداً ونظمت عليه ودعاً وألبستها قلادة من جزع فقلت لها من هذه الصبية وقد أعجبني جمالها فبكت أمها، وقالت هذه ابنتك فأمسكت عنها حتى غفلت أمها، ثم أخرجتها يوماً فحفرت حفرة وجعلتها فيها، وهي تقول يا أبت ما تصنع أخبرني بحقك وجعلت أقلب عليها التراب وهي تقول يا أبت أنت مغط عليّ بهذا التراب أنت تاركي وحدي ومنصرف عني وجعلت أقرف عليها حتى وارتها وانقطع صوتها فتلك حسرتها في قلبي فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال إن هذه لقسوة ومن لا يَرحم لا يُرحم.
حكاية: قيل إن علياً رضي الله عنه خطب ذات يوم، فقال في خطبته عباد الله الموت الموت وليس منه فوت إن أقمتم أخذكم وإن فررتم عنه أدرككم الموت معقود بنواصيكم فالنجاة النجاة والوحا الوحا، ألا إن وراءكم طالباً حثيثاً، وهو القبر ألا وإن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار إلا أنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول أنا بيت الظلمة أنا بيت الوحشة أنا بيت الدود إلا أن وراء ذلك اليوم يوم يشيب فيه الصغير ويسكر فيه الكبير - وتذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد - ألا وإن وراء ذلك اليوم نار حرها شديد وقعرها بعيد وجبلها حديد وماؤها صديد ليس لله فيه رحمة. قال فبكى المسلمون بكاء شديداً، فقال ألا وإن وراء ذلك اليوم - جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين - أجارنا الله وإياكم من العذاب الأليم.
حكاية: قيل قصد بعض الدباء باب معن بن زائدة فوعده وماطله فنفدت نفقته وضاق لذلك صدره وعزم على الانصراف عن بابه فكتب إليه أبياتاً يقول فيها:
(1/60)

بأي الحالتين عليك أثني ... فإني عند منصرفي لمسئول
أبا لحسني وليس لها دليل ... عليّ فمن يصدق ما اقول
أم الأخرى ولست لها حليفاً ... وأنت لكل مكرمة فعول
قال فلما قرأ ذلك معن دعا به فاعتذر إليه وأمر له بعشرة آلاف درهم.
حكاية: قيل إن الحجاج خطب يوماً وأطال فقام رجل من القوم، وقال الصلاة يا حجاج فإن الوقت لا ينتظرك والرب لا يعذرك فأمر بحبسه فأتاه قومه وزعموا أنه مجنون وسألوه أن يخلي سبيله، فقال إن أقرّ بالجنون خليته فقيل له، فقال معاذ الله لا أقول إن الله ابتلاني وقد عافاني فبلغ ذلك الحجاج فعفا عنه لصدقه ولله در من قال:
عليك بالصدق ولو أنه ... أحرقك الصدق بنار الوعيد
وأبغ رضا الله فأغبى الورى ... من أسخط المولى وأرضى العبيد
ويقال الصدق عمود الدين وركن الأدب وأصل المودة ولا تتم هذه الثلاثة إلا به وقال النبي صلى الله عليه وسلم إيّاكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار وعليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة، وقال بعض الحكماء من قلّ صدقه قل صديقه، وقال بعضهم لو صوّر الصدق لكان أسداً ولو صوّر الكذب لكان ثعلباً.
حكاية: قال الأصمعي رأيت سعدون المجنون جالساً عند رأس شيخ سكران يذب عنه الذباب، فقلت له ما لي أراك جالساً عند رأس هذا الشيخ؟ قال إنه مجنون فقلت له أنت المجنون أم هو؟ قال بل هو. قلت من أين؟ قال لأني صليت الظهر والعصر في جماعة وهو لم يصلّ جماعة ولا فرادى، فلت وهل في ذلك قلت شيئاً؟ قال نعم:
تركت النبيذ لأهل النبيذ ... وأصبحت أشرب ماء قراحا
رأيت النبيذ يذل العزيز ... ويذرى الوجوه الملاح الصباحا
فإن كان ذا جائز للشباب ... فما العذر فيه إذا الشيب لاحا
فقلت له صدقت وانصرفت.
حكاية: قيل عن زبيدة لامت الرشيد على حبه للمأمون دون ولدها الأمين، فقال لها الآن أريك عذري فدعا ولدها محمد الأمين، وكانت عنده مساويك، فقال له يا محمد ما هذه؟ فقال له مساويك ودعا المأمون وقال له ما هذه يا عبد الله؟ فقال ضدّ محاسنك يا أمير المؤمنين، فقالت زبيدة الآن بان لي
(1/61)

عذرك.
حكاية: يروى أنه كان لبعض الملوك شاهين، وكان مولعاً به فطار يوماً ووقع على منزل عجوز فلزمته، فلما رأت منقاره معوجاً، قالت هذا لا يقدر أن يلقط الحب فقصته بالمقص، ثم نظرت إلى مخالبه وطولها، فقالت وأظنه ى يستطيع المشي فقصتها. تحكمت فيه شفقة عليه بزعمها، وأهلكته من حيث أرادت نفعه، ثم إن الملك بذل الجعائل لمن يأتيه بخبره فوجدوه عند العجوز فجاؤوا به إلى الملك، فلما رأى حاله قال أخرجوه، ونادوا عليه هذا جزاء من أوقع نفسه عند من لا يعرف قدره.
حكاية: قيل لما ولي المأمون الخلافة عرضت عليه سيرة أبي بكر رضي الله عنه، وفي آخرها، وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها، فقال أمير المؤمنين لا نطيق ذلك، ثم عرضت عليه سيرة عمر رضي الله عنه وفي آخرها وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها، فقال أمير المؤمنين لا نطيق ذلك، ثم عرضت عليه سيرة عليّ كرم الله وجهه وفي آخرها وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها، فقال أمير المؤمنين لا نطيق ذلك، ثم عرضت عليه سيرة معاوية بن أبي سفيان وفي آخرها، وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها كيف شاء قال إن كان فهذا.
حكاية: قيل إن الرشيد جمع أربعة من الأطباء عراقياً ورومانياً وهندياً وسوادياً فقال ليصف كل منكم الدواء الذي لا داء فيه فقال الرومي له الدواء الذي لا داء فيه حب الرشاد الأبيض، وقال الهندي الماء الحار، وقال العراقي الاهليلج الأسود، وكان السوادي أبصرهم برقة المعدة، فقال له ما تقول؟ قال الدواء الذي لا داء فيه أن تقعد على الطعام وأنت تشتهيه وتقوم عنه وأنت تشتهيه. وقال بعض الفضلاء سألت طبيباً فارسياً، فقلت إنا قوم نتغرب فتتغير علينا المياه فصف لنا ما تعالج به، فقال دعوا كل الأدوية وعليكم بالأغذية وما يخرج من الضرع والنحل وعليكم بأكل اللحم وشرب ماء الكرم ودخول الحمام ولبس الكتان.
حكاية: دخل أبو دلامة الشاعر على المهدي يوماً فسلم عليه ثم قعد وأرخى عيونه بالبكاء، فقال له مالك قال ماتت أم دلامة، فقال إنا لله وإنا إليه راجعون ودخلت له رقة، لما رأى من جزعه، فقال له عظم الله أجرك يا أبا دلامة وأمر
(1/62)

له بألف درهم، وقال له استعن بها في مصيبتك فأخذها ودعا له وانصرف، فلما دخل إلى منزله قال لأم دلامة اذهبي فاستأذني
على الخيزران جارية المهدي فإذا دخلت عليها فتباكي وقولي مات أبو دلامة فمضت واستأذنت على الخيزران فأذنت لها، فلما اطمأنت أرسلت عينها بالبكاء، فقالت لها مالك قالت مات أبو دلامة، فقالت إنا لله وإنا إليه راجعون عظّم الله أجرك وتوجعت لها، ثم أمرت لها بألفي درهم فدعت لها وانصرفت فلم يلبث المهدي أن دخل على الخيزران، فقالت يا سيدي أما علمت أن أبا دلامة مات، قال لا يا حبيبتي إنما هي امرأته أم دلامة، قالت لا والله إلا أبو دلامة فقال سبحان الله خرج من عندي الساعة، فقالت وخرجت من عندي الساعة، وأخبرته بخبرها وبكائها فضحك وتعجب من حيلتهما.
حكاية: أخبر احمد بن بكر الباهلي. قال حدثني حاجب المهدي قال قال لي المهدي يوماً نصف النهار اخرج وانظر من الباب فخرجت فإذا شيخ واقف، فقلت ألك حاجة قال ما يمكن أن أخبر بها أحداً غير أمير المؤمنين فتركته ودخلت، وقلت شيخ قد سألته ألك حاجة قال ما يخبر إلا أمير المؤمنين، فقلت أيدخل؟ قال نعم ومره بالتخفيف فخرجت، وقلت له ادخل وحفف فدخل وسلم بالخلافة، ثم قال يا أمير المؤمنين إنا قد أمرنا بالتخفيف، وأنشأ يقول:
فإن شئت خففنا فكنا كريشة ... متى تلقها الأنفاس في الجو تذهب
وإن شئت ثقلنا فكنا كصخرة ... متى تلقها في حومة البحر ترسب
وإن شئت سلمنا فكنا كراكب ... متى يقض حقاً من سلامك يعزب
قال فضحك المهدي وقال بل تكرم وتقضي حاجتك فقضى حاجته وأمر له بعشرة آلاف درهم.
حكاية: قال الأديب أبو يعقوب كنت جالساً عند معن بن زائدة وإذا عليه إزار يساوي أربعة دراهم، فقال يا أبا يعقوب هذا إزاري وقد قسمت العام في قومك خاصة أربعين ألف دينار، قال فبينما نحن نتحدث إذ أبصر أعرابياً يخبّ في مشيته من خوخة له مشرفة على الصحراء، فقال لحاجبه إن كان هذا يريدنا فأدخله فدخل الأعرابي وسلم وأنشأ يقول:
أصلحك الله قلّ ما بيدي ... فلا أطيق العيال إذ كثروا
ألح دهري ورمى بكلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا
قال فاضطرب وقال أرسلوك وانتظروا، يا غلام ما فعلت بغلتنا الفلانية، قال حاضضرة،
(1/63)

قال كم عليها قال ألف دينار قال اطرحها له، ثم قال له اذهب إليهم بما معك، ثم إذا احتجت فارجع إلينا.
حكاية: حدث العتابي، قال دخلت على عبد الله بن طاهر وهو يريد مصر فقلت السلام عليك أيها المير، فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم قال وما الخبر؟ فقلت بيتان من الشعر أعملت البارحة فكري فيهما فقال هاتهما فقلت عند ذلك:
حسن ظني وحسن ما عود الله ... يقينا بك الغداة أتى بي
أي شيء يكون أحسن من حسن ... يقين أعدي إليك ركابي
فقال أحسنت والله يا غلام احمل إليه ثلاثين ألف درهم قال والله لقد سبقني بها الغلام إلى منزلي فلما كان من الغد دخلت عليه فقلت السلام عليك أيها الأمير فقال وعليك السلام ما الخبر فقلت بيتان من الشعر أعملت البارحة فكري فيهما فقال هاتهما فقلت:
وجهي قد يكفيك في حاجتي ... ورؤيتي تكفيك عن السؤال
وكيف أخشى الفقر ... ما عشت لي وإنما كفك لي بيت مال
قال أحسنت والله يا غلام احمل إليه ثلاثين ألف درهم فسبقني بها الغلام أيضاً إلى منزلي، فلما كان اليوم الثالث دخلت عليه ورجله في الركاب، فقلت السلام عليك أيها الأمير، فقال وعليك السلام ما الخبر فقلت بيتان من الشعر أعملت البارحة فكري فيهما، فقلت هاتهما فقلت:
إن خير الثياب يخلقه الدهر ... وثوب الثنا ثوب جديد
أكسني ما يبيد أصلحك الله ... فإني أكسوك ما لا يبيد
فقال أحسنت والله يا غلام احمل إليه أربعين ألف درهم.
حكاية: قيل لما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فخطب ونال من علي كرم الله وجهه فقام الحسن رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه، وقال إن الله عز وجل لم يبعث نبياً إلا جعل له عدوا من المجرمين فأنا ابن علي وأنت ابن صخر وأمك هند وأمي فاطمة وجدك حرب وجدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعن الله ألأمنا حسباً وأخملنا ذكراً وأعظمنا كفراً وأشدنا نفاقاً فصاح أهل المسجد آمين آمين فقطع معاوية خطبته ودخل منزله.
حكاية: قيل إن أبا دلامة الشاعر كان واقفاً بين يدي السفاح في بعض
(1/64)

الأيام فقال له سلني
حاجتك، فقال له أبو دلامة أريد كلب صيد، فقال أعطوه إياه فقال وأريد دابة أتصيد عليها قال أعطوه إياها قال وغلاماً يقود الكلب ويصيد به. قال وأعطوه غلاماً قال وجارية تصلح الصيد وتطعمنا منه قال أعطوه جارية. قال هؤلاء يا أمير المؤمنين لابد لهم من دار يسكنونها، فقال أعطوه داراً تجمعهم قال وإن لم تكن لهم ضيعة فمن أين يعيشون قال قد أقطعتك عشر ضياع عامرة وعشر غامرة، قال وما الغامرة يا أمير المؤمنين؟ قال ما لا نبات فيها قال أقطعتك يا أمير المؤمنين مائة ضيعة غامرة من فيا في بني أسد، فضحك منه، وقال اجعلوها كلها عامرة.
حكاية: قيل اجتاز بعض المغفلين بمنارة وكانوا ثلاثة نفر، فقال أحدهم ما كان أطول البنائين في الزمن الأول حتى وصولا إلى رأس هذه المنارة فقال الثاني يا أبله كل أحد يبنيها ولكن يعلمونها على وجه الأرض ويقيمونها فقال الثالث يا جهال كانت هذه بئراً فانقلبت منارة.
حكاية: قال بعض الفضلاء كنت في ضيق من العيش وشدة من الإفلاس فشكوت حالي إلى حبيب لي كان كثير الصلاح، فقال لي اقرأ هذه الأبيات وكررها فإن الله يفرج عنك الهموم ويحسن حالك قال فكررتها أياماً فحسنت أحوالي ورزقني الله تعالى من حيث لا أحتسب، وهي هذه:
يا من تحل بذكره ... عقد النوائب والشدائد
يا من إليه المشتكى ... وإليه أمر الخلق عائد
يا حي يا قيوم يا ... من قد تنزه عن مضادد
أنت الرقيب على العبا ... د وأنت في الملكوت واحد
أنت المعز لمن أطا ... عك والمذل لكل جاحد
إن الهموم جيوشها ... ذا القلب مني قد تطارد
فافرج بحولك كربتي ... يا من له حسن العوائد
فخفّي لطفك يستعا ... ن به على الزمن المعاند
أنت المسير والمسب ... ب والمسهل والمساعد
سبب لنا فرجاً قريباً ... يا إلهي لا تباعد
كن راحمي فلقد أيس ... ت من الأقارب والأباعد
ثم الصلاة على النبي ... وآله الغرر الأماجد
تم الباب الأول من كتاب مفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن بعون الله المؤمن المهيمن فالحمد له ما دامت االأزمن والصلاة والسلام على رسوله وأصحابه ما دام تجري في البحور السفن
(1/65)

الباب الثاني
نذكر فيه مناظرة النرجس والورد المسماة بالجوهر الفرد للشيخ الأديب أبي الحسن علي بن محمد المارديني رحمه الله خدم بها قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن كشك ومناظرة المنجم والطبيب المسماة بمنية اللبيب للشيخ الأديب العلامة.
محمد مؤمن بن الحاج محمد قاسم الجزائري رحمه الله تعالى

الجوهر الفرد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنبت في رياض الخدود وردة الخجل وزين أغصان القدود بنرجس حين المقل وأوضح لذوي الدب سبيل البلاغة فاتضح واستجلوا من وجوه المعني عيون الملح، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الفارق بين الشك واليقين بقول غير ملتبس وعلى الآل والأصحاب ما خجلت خدود الورد من تغازل عيون النرجس وبعد: فلما كان الورد والنرجس من أحسن الأزهار وصفاً وألطفها شكلاً وأطيبها عرفاً، وقد اختلف بينهما في التفضيل وأيهما إذا حضر كان لبيت البسط تكميل مثلّتهما كالخصمين في المناظرة واستنطقت لسان حالهما على سبيل المحاظرة فقال الورد: الحمد لله الذي أنزل في محكم القرآن - فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان - والصلاة والسلام على نبيه محمد المبعوث إلى الأسود والأحمر الذي نسخ بشريعته البيضاء ملة بني الأصفر، وبعد فإن الله تعالى فضلني على سائر الزهور بأرفع المراتب، فوجب عليّ شكر نعمته وشكر المنعم واجب، فيّ تتجمّل المجالس والمحافل:
وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل
كفاني الله عن حسودي، فالروض ملكي والزهر جنودي وما فيهم من خرج عن أعلامي السلطانية، وكيف لا يطيعوني وشوكتي فيهم قوية فازورّت أحداق النرجس، وقام على ساقه في المجلس، وقال أقسم بمن أنزل في كتابه المبين - صفراء فاقع لونها تسر الناظرين - وحق محمد المحمود الذي أوحي إليه - قتل أصحاب الأخدود - لقد مدحت نفسك بالكمال مع نقصك وما جررت النار إلا إلى قرصك أتعيرني بالاصفرار وهو لون التبر إذا أنسبك وتفتخر عليّ بالاحمرار فما أحمرك فتأدب في
(1/66)

مقالك واذكر سرعة زوالك واحفظ حرمتك
وإلا كسرت شوكتك، فقال الورد ويلك ما اقوى عينك وأكثر مينك أتجعل مقامك مقامي، وأنت من بعض خدامي ولو لم تكن قليل الحرمة ما كنت جالساً وأنت واقف في الخدمة ألك مثلي حسن منظر ومخبر، أما سمعت أن الحسن أحمر وإن عيرتني بقصر مدتي، فقد استنبت عني بخليفتي ولم يزل جمال المقامات ومن خلف مثله ما مات أتحسب أن محاسني مثل محاسنك متناهية، وكيف ينقطع عملي ولي صدقة جارية فشتان بيني وبينك، وإن لم تنته عن جدالي قلعت بشوكتي عينك، وأنشد لسان حاله:
لجمال وجهي تشخص الأبصار ... ولعز مجدي تخضع الزهار
لي بهجة وردية في وجنتي ... ولها من ورق الجديد عذار
وملابسي من سندس فتق الشذا ... أكمامها فانفضت الزرار
فكأنني هذا الحبيب إذا بدا ... نشوان قد دارت عليه عقار
لا غرو إن صرف المحب على حيا ... ة فكم في وجنتي دينار
حرمي غدا لذوي الخلاعة آمنا ... من حوله تتخطف البصار
ولي المهابة والبهاء وأنت من ... حسد وغيظ قد علاك صفار
ما شانني قصر الزمان ولا يرى ... لك في لياليك الطوال فخار
لكنّ أيامي سرور كلها ... وكذاك أيام السرور قصار
فقال النرجس يا قليل المودّة، ويا قصير المدّة أين العيون من الخدود، وأين الجافي من الودود، أنا أوفى بميثاقي ومن يزرني أجلسه على أحداقي، فيقول لي من أفضت عليه السرور فيضاً، لقد أكرمت ضيفك، فعليك الراية البيضا، وأنت طالما جنى شوكك على جناك فذقت عذاب النار، ذلك بما كسبت يداك، سرقت لون الحبيب وتسترت بالورق فقطعوك والقطع حد من سرق واستقطروا دمعك وأذاقوك الحرق وقيل لتركبنّ طبقاً عن طبق، وأي فخر في احمرارك الشريق، وكم بين التبر والعقيق فلا تبهرج زيفك على خالص اللجين، وارجع عن المناظرة فما جئتك إلا بعين، هذا ولي في السبق قصبات، وكم جلوت صداع القلب بطيب النفحات، وإذا وفد جيش الزهر فلي في طلائعه عيون - والسابقون السابقون أولئك المقربون - وأنشد:
(1/67)

فقت الزهور جميعها بتقدمي ... فأنا المقيم على الوفا يا متهمي
أدعو الندامى بالمسرة والهنا ... وكما علمت شمائلي وتكرمي
وآتي الجليس بناظري وأروقه ... حسناً وساقي في يديه ومعصمي
وأغض طرفي إن خلا بحبيبه ... وأصون سر العاشق المتكنم
وإذا غفا المحبوب كنت لحفظه ... خوفاً عليه من الدبيب المجرم
وأغازل الأجفان وهي نواعس ... وإليّ تشبيه اللواحظ ينتمي
وترى حجيج اللهو حولي طائفاً ... وجميع أيامي كيوم الموسم
أين العيون من الخدود نفاسة ... لولا فساد قياس من لم يعلم
فافهم وكن عن رتبتي متاخراً ... واعلم بأن الفضل للمتقدم
فاحمر خد الورد والتهب وظهرت في وجهه صورة الغضب، وقال يا قويّ العين ويا لون اللجين، خلّ عنك الحماقة، ولا تدخل في باب مالك به طاقة فلقد استحقيت المقت، ولا أبالي بك ولو برقت كيف تفاخر بصفارك حمرة الخدود ومن أين لبياض أجفانك المغازلة للعيون السود، أتناظر بعماشك عيون الملاح؟ ما أنت يا عيون النرجس إلا وقاح أتعيرني بحسن الابتلاء وهو الفضل، وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل) طالما ابتليت فصبرت وما شكوت حالي بل شكرت أبيت بزفرة لا تخمد وأدمعي تتحدر وانفاسي تتصعد أحبس بلا ذنب وأعصر فتجري دموعي وما هي إلا مهجة تذوب فتقطر وما ضر ابراهيم إلقاؤه في نار النمروذ ولا شان يوسف سجنه مع فضله المشهود مع أني طالما لثمت الثغور والعناق وفزت بالشم والضم والعناق زكا مني الأصل والفرع ولا انزل بواد غير ذي زرع وأقسم ببديع حسني وتسبيح أوراقي وسموّي عن مراعاة النظير بتوجيه طباقي ما أنت مجانسي في المقابلة ولا موازني في المشاكلة ولا لاحقي في الطي والنشر وأنا سيد زهر الربيع ولا فخر فلا تطل الشقاق والنفاق لا بدّ لك من الوقوف في خدمتي ولو قامت الحرب على ساق أي فضل لك في التقديم وكم بين الحبيب والكليم وإن أردت كشف التلبيس فتفكر في فضل آدم على ابليس، وكم بين الشمس والنجوم - وما منا إلا له مقام معلوم - وهل أنت إلا من بعض جنودي والمبشرين بوردي وأنا منك بالفضل أولى -
(1/68)

وللآخرة خير لك من الوى - وأنشد:
لم يزدك التقديم في الفضل شيئاً ... وأنا ما نقصت بالتأخير
بيننا في القياس فرق لطيف ... مثل ما بين يوسف والبشير
فحدق النرجس وحولق، ورفع رأسه بعد أن أطرق، وقال إن افتخرت بآثارك فليست العين كالأثر، وإن كنت مباشر الثغور، فأنا إلى حسن النظر مع أنهم أرخصوا بك في التعسير، وما عصروك عن ذنب كبير، ولو لم تكن من المتمردين والنجاس، ما حبسوك في قماقم النحاس. أنت في افتخارك كما قالت الحكماء أنف في الماء واست في السماء، تتطفل على الموائد، ولا تصبر على طعام واحد، وأقسم بقدي الرشيق ولوني الشريق وبياض صحائفي واخضرار سوالفي لئن لم تصن بهجتك المسبوكة وتستر فضائحك المهتوكة لأقطعن طرقك المسلوكة وأجعلن حرفتك متروكة ولا اترك لك في عصبة الزهار شوكة وأذيقك عذاب الهون، أتعيبني وكلك عيوب وكلي عيون أنا طبعي الوفاء، وأنت طبعك الغدر، وأنا أوّل من تنشق عنه الأرض من الزهر ولا فخر، ولولا خشية التطويل عددت معايبك على التفصيل، ولكن شيمتي غض الطرف في المجلس، وما أحسن الغض من النرجس، وإن تشبهت بالشمي أنا بكسوفك شامت، وإن كنت من السيارة فأنا من النجوم الثوابت، وشتان بين طالع وىفل، وكم بين مقيم وراحل، وإن لم ترجع إلى السكينة والوقار، لأريك النجوم بالنهار، أين قضبان الزمرد دمن شوك القتاد، وكم بين مريد ومراد، وأقسم بمن زين السماء بزينة الكواكب، إن لم ترجع لأرمينك بشهاب ثاقب، وأسلط عليك رجوم نجومي، وأقول مضمناً قول ابن الرومي:
عجبت للورد إذا وفى بناظره ... وزاد في تقوّله عجباً وفي شططه
يبدو وطياته من حول حمرته ... كصرم بغل وباقي الروث في وسطه
فخجل خد الورد حتى كلله من الطل العرق، وكاد خوف الفضيحة يتستر بالورق، ثم إنه استشاط كمن أطلق من عقال، وسطا على النرجس بشوكه وقال، يا نفاضة المحافل ولفاظة المزابل، كم بين مهتوك ومصون، ومتروك ومخزون، فجلّ القضية أنك راجل وأنا فارس، وتقوم في الخدمة وأنا جالس، ولولا فجورك وقوّة الحدقة ما جئت تزاحمني في الطبقة وأنشد:
(1/69)

أما وفتور أجفاني النواعس ... وتنزيهي المحاضر والمجالس
وإشراقي لعشاقي وما قد ... كساني الله من أسنى الملابس
وما قد حزت من نشر شذاه ... يفوح بطيّ أنفاسي النفائس
لقد عديت طورك في مقامي ... وهل أحد بمثلك لي يقايس
أنا في البسط فاتح كل باب ... وخاتم كل زهر في المجالس
وإن زفت كؤوس الراح أجلي ... على صحبي كما تجلى العرائس
وإن نحن اجتمعنا في مقام ... تقم في خدمتي وأظل جالس
وإن تك حارساً ما ذاك فخر ... فكم ما بين سلطان وحارس
دع التعريض أو صحف فإني ... أراك إن التقى الجمعان ناعس
وهل للحب من حسن إذا ما ... يكون الورد في خديه غارس
فقال النرجس أنا عيون المجالس وشكوع المجالس وأنيس النديم، وقد خلقني الله في أحسن تقويم من أين لك لطفي ودلالي، وقد فاتك ليني واعتدالي وبي تشبه عين الحبيب فاعلم ولأجل عين ألف عين تكرم، وكثيراً ما بينك وبيني وإن عدت إلى مثلها سقطت من عيني وأنشد:
وأما فتور أجفاني النوائس ... ولحظ دونه لحظ الكوانس
وأحداق تصيد الأسد صيداً ... وألباب الرجال لها فرائس
وعينيّ الوقاح ولين عطفي التر ... شيق إذا بدا في الروض مائس
لئن لم تنته يا ورد عني ... وتترك ما لديك من الوساوس
رشقتك صائباً بسهام عيني ... وأجعل ربعك المهدوم دارس
أنا أبهى وألطف منك معنى ... وأزهى في المجالس للمجالس
وكم منعته نظراً وشماً ... ولنت له ولا أوذي الملامس
وعن أهل الغرام أغض طرفي ... وإن نام الحبيب فنعم حارس
أقوم بخدمة الندمان جهدي ... وتقعد عن مقامي في المجالس
لفخرك لم أجد وجهاً لأني ... أنا رأسي الزهور فلا تراوس
فقال الورد والذي خلق الانسان من علق وألبس الخد حلة الشفق ودرج الوجنات بحجرة الخجل ودبج بالتوريد مواقع القبل لقد جزت في القول حداً
(1/70)

ولقد جئت شيئاً إدّا تريد أن تميز نفسك بتقويمها وإنما الأعمال بخواتيمها أنا خد الحبيب نصيبي والروح يلتبس ويتمسك
بذيل طيبي أتشك في أن أحسن صفات المدام الورديه لقد تفتت قلبي من عينك القوية أتروم تعطي فضلي بغضاً منك وسخطاً، أما سمعت في الأمثال أن الشمس ما تتغطى، وأنشد:
أنا والراح للأرواح راحه ... وكم في قبض ساقي بسط وراحه
أتعمى عن عيوبك إذ تراني ... بعين النقص ماذا إلا وقاحه
فقال النرجس والذي زين العيون بالدعج وأرسلها في فترة الأجفان إلى المهج وفضل الإنسان بالعين والعين بالانسان وكحل بفنون السحر فتور الأجفان إن لم ترجع عني لأجردن سيفي من جفني وأطيح رأسك عن قدمك وأخضبك بدمك ومن أنت في البين وقد أصبح فضلي عليك أتحاربني وجيادي السوابق وتناظرني ونواظري بأحداق الحدائق وفي فتور أجفاني من السحر فنون أتشك في أن الملاحة في العيون، وأنشد:
أنا ما بين أصحابي بعين ... وفضلي راجح والورد دوني
وفيّ من الملاحة كل فن ... بديع والملاحة في العيون
فقال الورد أين السهل من الممتنع، وكم بين المفترق والمجتمع أنت تبذل نفسك فتهان وأنا أعز بصيوني عن ملامسة الندمان وأنت رقيب على العشاق في المجالس الطيبة، وإذا رميتهم بعينك يقولون ماذا إلا مصيبة، أنا ذو الوجه القمر والخد الأزهر، وإذا تأملت عيونك إذا هي بالساهرة كيف تناظرني ولي - وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة - وأنت قد ضربت عليك الذلة وما اصفرارك إلا لعلة، فقال النرجس يا قليل الوفا ويا كثير الجفا ألم تعلم أن التخليق بالصفرة من أمارات النصرة، وقال جماعة الحكماء: عن من أنجس الأشكال الحمرة، فقال الورد هذا لوني مذ كنت في أحشاء الأكمام مضغة - صلغة الله ومن أحسن من الله صبغة -، فقال النرجس وهذا فضلي من الشواهد، فقال الورد ما يصفرّ منّا إلا الحاسد، فقال النرجس لم تزل عين كل شيء أحسنه، فقال الورد - لا تستوي السيئة ولا الحسنة فقال النرجس ذهبت منك الحجة واتضحت لي المحجة فأنا على المقدور ولي الفضل أحمد بحضوري في مقام المقرّ الشهابي أحمد وأنا المؤيد بفضل
(1/71)

ظاهر لا يختفي بحضوري في حضرة مولانا قاضي القضاة الحنفي، فقال الورد وهذا مما يؤيد كلامي ويرفع في الفخر مقامي، فكم بلغت بحضرة المخدوم مقصودي ولم يزل إلى المنهل العذب ورودي، قال الراوي: فلما رأيت كلاً منهما قد جاء في حجته بالبرهان والدليل ولم يتضح
لي أيهما أحرى بالتفضيل وضاقت عليّ في الفرق بينهما المسالك ورأيت مالكي بالمدينة فلم يجز لي أفتي وفي المدينة مالك لأنه فريد عصره في علمه وآدابه وهو الذي يفصل بينهما بفصل خطابه كيف لا وهو شهاب له في فلك المعالي أرفع المراتب - ومن يسترق السمع يتبعه شهاب ثاقب:
شهاب رقى بالسعد في فلك العلى ... وعاد بفضل منه والعود أحمد
فمن شافعي والوجد في قلب ثابت ... سوى مالكي كنز الفضائل أحمد
وما أنا في إهداء هذه النبذة إليه وعرض بضاعتي المزجاة عليه إلا كمن أهدى إلى البحرة قطرة أو أتحف الروض بزهرة وهو ذو الصفات التي فاقت على الراح والحبيب رقة ونظماً وناظرت فعل المدام فكانت أفعالها أسمى، قلت لله درّه من مسجع ما افصح لسانه وأبلغ بيانه فلقد أحرز قصبات السبق في ميدان الكلام وأتى بما يعجز عنه الفاضل والنظام.

منية اللبيب
قال الشيخ العلامة محمد مؤمن رضي الله عنه: ساقني طول السياسة في طلب العلم إلى ساحة الكمال، ودلني هادي الشوق لتحصيل المعارف إلى مدارس الخيال، فرأيت بين النوم واليقظة كأني حللت في قرار مكين ودخلت روضة كأنها جنة الخلد التي اعدت للمتقين فوجدت محفلاً منيعاً مشحوناً بالخواص والعوام ومجلساً وسيعاً محفوفاً بأصناف طوائف الأنام وبينهم شيخان يتناظران وبعلمهما يتفاخران، أحدهما منجم فارسي ماهر عنده تقويم واصطرلاب، والآخر طبيب يوناني حاذق بين يديه أدوية وكتاب كل منهما يفضل نفسه على صاحبه ويطعن فيه بذكر نقائصه ومثالبه والناس حولهما مجتمعون وإلى أقوالهما مستمعون فاقتحمت بين ذلك الجمع وجلست قريباً لاستراق السمع فسمعت هذا يصف النجوم والسماء وذاك يذكر الداء والدواء هذا يبين القطب والآفاق وذاك يحقق السم والترياق هذا يوضح كرات الفلك والسماك إلى السمك والثريا
(1/72)

إلى الثرى والسهيل إلى السها، وذاك يشرح سوء المزاج ودستور العلاج وتشريح الأبدان وأنواع النجران هذا يبحث عن الاثار العلوية والحوادث السفلية والآفات السماوية والأحكام النجومية والتأثيرات الفلكية وأحوال الأمصار ونزول الأمطار وذاك يتكلم في الحميات والمسهلات والأسباب والعلامات والمفردات والمركبات والأطلية والضمادات والمعاجين والمفرحات وأنواع
الأدوية والأشربة والأغذية فتناظرا وتشاجرا من كل باب حتى أغلظ المنجم في الخطاب، وقال ايها الطبيب الجاهل والمكثار من غير طائل ما أقل درايتك وأجلّ غوايتك وأخس صناعتك وأخسر بضاعتك ألم تعلم أنك من دواعي القوت وخليفة ملك الموت ورسول قابض الأرواح ومفرق النفوس عن الشباح وإنك منذر إلى الممات وذئب في جلد الشاة وظالم في زيّ مسكين وذابح بغير سكين وعدوّ في صورة صديق وحشيش يتشبث به الغريق قد ضاع عمرك في ملاحظة الفضلات والقاذورات وطال فكرك في المدارات والمسهلات هل أنت بمعرفة القارورة تتبختر أم بقتل نفس بغير حق تتكبر، جهلك مركب وحقك مجرب تحسب كلام ابن سينا في القانون كالوحي المنزل، وتزعم قول ابن زكريا بمنزلة خبر النبي المرسل، وتعد جالينوس في كل ما أخبر به صادقاً وكفى بك ذماً، حديث الطبيب ضامن ولو كان حاذقاً فتعساً لجالينوس وسقراطك وتباً لاسفلينوسك وبقراطك وأفاً لتشخيصك وتدبيرك وتباً لتجويزك وتقريرك. فلما سمع الطبيب هذا السباب التهب غضباً وقال في الجواب إخسأ أيها المنجم الجاهل ولتبك على عقلك الثواكل ألم تدر أنك أكذب الناس والخناس الذي يوسوس في صدور الناس وإنك أبين كذباً من الفجر الأوّل وأغلط حساً من عين الأحول، وأخلف في الوعد من عرقوب وأشهر بالكذب من أولاد يعقوب، وأخص طبعاً من ضبع وضبه، وأنقص قدراً من قيراط وحبه، وكفى بك ذماًخبر كذب المنجمون ورب الكعبة، وما أشبهك بمسيلمة الكذاب وما أكثر غلطك في الحساب خطؤك أكثر من صوابك، وإثمك أجل من ثوابك، تتقرب بأكاذيب الأحكام النجومية رجماً بالغيب إلى الأمراء والسلاطين، وقد فسر الشياطين بالمنجمين بالرواية المعتبرة عن بعض الفضلاء الأساطين في قوله
(1/73)

تعالى - ولقدْ زيّنا السّماء الدُّنيا بمصابيحَ وجعلناه رجومُاً للشياطين - وهب أن علم التنجيم معجزة باهرة لنبي كريم إلا أنه لا يحصل كثيره ولا ينفع يسيره، فالموجود منه غير نافع والنافع منه غير موجود بلا مدافع وصاحبه لا ينفك عن إفلاس وإدبار لما يلزمه من تعمد الكذب في الأخبار، فتعساً لريحك ورصدك وبعداً لعددك وعدّك، وأفاً لحسبانك وتباً لتقويمك واصطرلابك. فقال المنجم ويحك ما هذا التفضيح والإنكار للحق الصريح لقد فرطت في الإزراء والإيذاء حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء ذكرت القبائح القليلة ونسيت المدائح الجليلة:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا
فوحق من خلق الشمس والقمر آيتين للسنة والشهر، وجعل النجم علامة يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، إن علم النجوم بين العلوم، كالبدر اللامع بين النجوم، إذ به يعلم عدد السنين والحساب، ويستدل به على وجود رب الأرباب، كيف لا وبالتفكير العميق في حقائق الأسرار ودقائق الآثار المستفادة من رياض الرياضي والتدبير البليغ في بدائع الحكمة وصنائع الفطرة التي في خلق السماوات والأراضي والفكر الدقيق في هيئة الأفلاك وصور البروج ومواقع النجوم في الغروب والطلوع والنظر الصحيح في منظورات الكواكب واختلاف حركاتها في السرعة والبطء والاستقامة والرجوع والتأمل الصادق في كيفية حركات الآباء العلوية فوق الأمهات السفلية، والرأي الصائب في استخراج أنواع تأثيرات الأجرام الأثيرية في الأرضية يعرف أن لهذه الكرات الدائرة والأفلاك السائرة، والأنجم الزاهرة والآيات الباهرة والدراري المنثورة والبروج المشهورة والقبة الخضراء والبقعة الغبراء والسقف المرفوع والمهاد الموضوع والبحر المحيط والبر البسيط والجبال الشامخة والأوتاد الراسخة صانعاً حكيماً قديماً مدبراً كاملاً محركاً عادلاً - ربّنا ما خلقتَ هذا باطلاً - وإن جميع ذلك مستند إلى ربّ الأرض والسماء عزيز قدير يتصرف فيهما كيف يشاء حيثما تقتضيه حكمته والأرض جميعاً قبضته.
فليس بتدبير الكواكب ما ترى ... ولكنه تدبير رب الكواكب
(1/74)

فتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً وأبدع الكائنات بأحسن نظام ودبرها على وفق مشيئته وقدرها بحكمته تقديراً سبحان من جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وبسط على بساط البسيط ظلاً وحرورا ورفع خضراء ذات بروج وسراج وخفض غبراء ذات مروج وفجاج ومدّ بحراً مسجورا خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن في ستة أيام ودبر الأمر يتنزل بينهنّبترتيب ونظام كما كان في الكتاب مسطورا والصلاة والسلام على من دنا فتدلى إلى ربه الأعلى فكان قاب قوسين أو أدنى محمد الذي أصبح مؤيداً بالرعب وبالصبا منصورا وعلى آله الأتقياء وعترته نجوم الاهتداء ما دام السماك رامحا والسعد ذابحا والنسر طائرا والشامية غموصا واليمانية عبورا. فلما فرغ المنجم من المقال اعترض عليه الطبيب وقال كتمت الحق بما أديت وموهت القول فيما
ادعيت أخطأت في ترجيح علم النجوم وتفضيله على سائر العلوم فإن شرف كلّ علم بشرف موضوعه، وما يتعلق به من أصوله وفروعه، فكلما كان الموضوع أشرف وأعلى كان العلم الباحث عنه أرفع وأسنى، ومعلوم أن موضوع علم الطب هو البدن الانساني المتعلق به الروح الحيواني المرتبطة به النفس الانسانية التي هي أشرف من النجوم والسماوات بل جميع المخلوقات والمكونات وقد خلق في الانسان وهو العامل الأصغر نظائر جميع ما في العالم الكبر فكل انسان عالم برأسه، ولذلك سمى بالعالم بانفراده وكما يستدل بدقائق ما في الأكبر على وجود الصانع الحكيم القدير كذلك يحتج ببدائع ما في الأصغر عليه حذو النظير بالنظير، وفي قوله عزّ وجلّ - وفي الأرض آياتٌ للموقنينَ وفي أنفسكمْ أفلا تبصرون - دلالة على هذا المدعى، وفي قوله سبحانه - سنريهم آياتنا في الآفاقِ وفي أنفسهم، بينة على هذه الدعوى، وقال امير المؤمنين وإمام المتقين أسد الله الغالب عليّ كرم الله وجهه:
دواؤك فيك وما تشعر ... وداؤك منك وما تصبر
وتزعم أنك جرم صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر
وأنت الكتاب المبين الذي ... بأحرفه يظهر المضمر
وتوضيح هذا المقال وتفصيل هذا الاجمال يطلب من طيف الخيال لمؤلف هذه الأقوال وبالجملة الانسان خليفة الحمن والنفس كالسلطان والأعضاء
(1/75)

كالبلدان والحواس كالأعوان والقوى والأذهان كالعمّال والخزان والجوارح والأركان كالخدام والغلمان وبقاء سلطنة هذا الملك بصلاح رعيته واستقرار ملكه بانتظام أمور مملكته وبالصحة ينتظم عالم الأجسام وبالمرض يختل هذا النسق والنظام والعلم المتكفل بحصول هذا الغرض علم الطب الباحث عن أحوال بدن الانسان من حيث الصحة والمرض لحفظه الصحة الحاصلة واسترداد الزائلة وكفى له شرفاً حديث (العلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان) وقدم الأوّل لتوقف الثاني عليه ونظام العالم الأصغر منسوب إليه فهو على صحة الأبدان ومادة حياة الانسان ومناط سلامة الأجساد ومدار أمر المعاش والمعاد، فعلم الطب على رغمك أرجح وانفع من علمك، فقال المنجم للطبيب هذا قول منك عجيب أما تعلم أيها الحكيم أن الطب لا يستقيم إلا بالتنجيم وبه فتح أبواب التعلم والتعليم، وفوق كل ذي علم عليم، فلابدّ للطبيب من
معرفة ما يتعلق بالنجوم والتقويم والسعود والنحوس والنظرات والبروج والدرجات والساعات قرب ساعة ينفع فيها الفصد والحجامة وشرب الدواء ولا يفيد في غير تلك الساعة إلا اشتداد العلة والداء فها أنا أتلو عليك وأذكر لديك أنموذجاً من الأحكام النجومية والمسائل الهيولية لتعرف فضل العلوم الرياضية ولا أبالي بالتطويل فإن هذا الخطب جليل والبسط في المطلب المرغوب مقبول ويا لها قصة في شرحها طول، فاعلم أن لكل عضو من الأجساد اللحمانية والأبدان الانسانية نسبة إلى برج من البروج الاثني عشر بتقدير خالق القوى والقدر فالرأس منسوب إلى الحمل والرقبة إلى الثور زالكتف إلى الجوزاء والصدر إلى السرطان والسرة إلى الأسد والقلب إلى السنبلة والظهر والبطن إلى الميزان والعورة إلى العقرب والفخذ إلى القوس والركبة إلى الجدي والساق إلى الدلو والقدم إلى الحوت ويعالج كل عضو في وقت يكون للبرج الذي ينسب إليه سعادة وقوّة واستيلاء وقدرة ويسمى الحمل والأسد والقوس بالمثلثة النارية وينسب إليه الحرارة واليبوسة والثور والسنبلة والجدي بالمثلثة الأرضية وينسب إليه البرودة واليبوسة، والسرطان والعقرب والحوت بالمثلثة المائية وينسب إليه البرودة والرطوبة والحمل
(1/76)

والسرطان والميزان والجدي منقلبات، والثور والأسد والعقرب والدلو ثابتات والجوزاء والسنبلة والقوس والحوت ذوات جسدين والشمس في اللغة مؤنث وفي التنجيم مذكر والقمر بالعكس وكل من الحمل والعقرب بيت للمريخ والثور والميزان للزهرة والجوزاء والسنبلة لعطارد والسرطان للقمر والأسد للشمس والقوس والحوت للمشتري والجدي والدلو لزحل والشمس حارة يابسة والقمر بارد رطب وزحل بارد يابس وهي طبيعة الموت والمشتري حار رطب وهو مزاج الحياة والمريخ في غاية الحرارة والزهرة في نهاية الرطوبة وعطارد مزاجه مزاج ما يجاوره ويقاربه وما سوى النيرين من السلعة السيارة يسمى بالخمسة المتحيرة والشمس والقمر والمشتري والزهرة والرأس مسعودات والزحل والمريخ والذنب منحوسات وعطارد مع السعد مسعود ومع النحس منحوس والشمس بيضاء والقمر كدر الأجزاء وزحل رصاصي والمشتري أبيض يميل إلى الصفرة وعطارد يضرب إلى الزرقة والمريخ ناري اللون والزهرة دري اللون والإلاك الكلية تسعة، ومع الأفلاك الجزئية أربعة وعشرون الفلك الأطلس غير مكوكب والثابت في فلك البروج والسيارات في سبعة أفلاك
كل في فلك يسبحون، وقال عزّ من قائل - ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيّناها للنّاظرين - والشمسُ والقمرُ والنّجومُ مسخّراتٍ بأمرهِ - ألا لهُ الخلقُ والأمرُ تباركَ اللهُ ربُّ العالمينَ - ذلك محدث موجده قديم ومصنوع صانعه حكيم - والشمسُ تجري لمستقرٍ لها ذلكَ تقديرُ العزيز العليمْ والقمرَ قدّرناه منازل حتى عادَ كالعرجونِ القديم لا الشمسُ ينبغي لها أن تدركَ القمرَ ولا الليلُ سابقُ النهارِ وإنَّ في ذلك لعبرةً لأولي الأبصار - فيا أيها الطبيب مالك من هذا العلم نصيب، تفتخر بتركيب أدوية مسحوقة وتتباهى بتعجين حشائش مدقوقة سكنت عمراً في دار لم تعرف كيفية سقفها المكوكب المزين ونزلت دهراً في بيت لم تعلم حقيقة سطحه المنقش الملون:
وكيف ينال العلم من هو أبله ... وكيف يرى الآفاق من هو أكمه
ثم أنشد المنجم هذه الأشعار وخاطب السامعين والنظار:
يا معشر المسلمين قوموا ... لا تعذلوني ولا تلوموا
عندي من السابحات علم ... سبحت فيه بكل العلوم
الفلك المستدير سقف ... وهو بأرجائه يحوم
(1/77)

يدركه ناظر بصير ... وخاطر عاطر سليم
أما ترى الاختلاف فيه ... والدور في الحد مستقيم
فقال الطبيب أيها المهذار إلى متى هذا الإكثار اترك الكلام المهمل المرسل ودع الهذيان والمزخرف المسلسل هب أنك تعرف دقائق السماوات وتستخرج أحكام النجوم من الزيجات، وتعلم رسوم الأرصاد ورقوم التقاويم، وتضبط حوادث الأيام ودقائق الأقاليم، فهل استفدت من هذه الحقائق والأسرار شيئاً سوى المحوسة والافلاس والإدبار:
يا من يروم من النام معيشة ... لم لا تروم من النجوم النيرة
شهدت عليك إذاً بأنك كاذب ... أحوالك المختلة المتغيرة
أنكرت يا أعمى البصيرة قدرة ... هي للنجوم السائرات مسيرة
يا عارف الأفلاك هل لك حاصل ... من شمسها أو خمسها المتحيرة
ضيعت عمرك فيما لا ينفعك مثقال حبة ونسيت حديث من عرف نفسه فقد عرف ربه، بدنك بيتك سكنت فيه عمراً لم تعرف سقفه وجدرانه وجسدك دارك أقمت فيه دهراً لم تعلم
أركانه وحيطانه فهلا عرفت آفاق الأنفس ومطالع الإدراك أضممت تشريح الأبدان إلى تشريح الأفلاك وهلا فكرت في نفسك وآلاتها ونظرت إلى عينك وطبقاتها وإلى سمعك وصفاته وإلى لسانك ولغاته تدرك بوهم وتبصر بشحم وتسمع بعظم وتنطق بلحم، فإن كانت لك فكرة، ففي كل عضو منك عبرة أما تتفكر في أفراد الانسان أنهم أشباه وأمثال كيف اتحدوا في النوع واختلفوا في الصور والأشكال وكيف تغايروا بالحياة والألوان والأصوات وتباينوا في الأخلاق والآراء والصفات:
ومن صنف الانسان أني وجدتهم ... وإن كان صنفاً بالسواء صنوفا
فرب ألوف لا تماثل واحدا ... وربّ فريد قد يكون ألوفا
وكم من كثير لا يسدون ثلمة ... وكم واحد فيهم يعدّ صفوفا
ألا إن الانسان صفوة الموجودات وخلاصة المكونات وعلة خلق الأرض والسماوات وسبب تكوين البسائط والمركبات نتيجة إيجاد الأفلاك المستديرة وواسطة إبداع النجوم المستنيرة وواقف أسرار اللاهوت وعالم سرائر الملكوت
(1/78)

وخليفة رب العالمين وظلّ الله في الأرضين ومسجود جميع الملاك ومقصود ما في الآفاق والأفلاك والطب علم بأحوال بدن الإنسان، والغرض منه حفظ هذا التركيب والبنيان، فهو أشرف العلوم بعد علم الديان، فلما انتهى الكلام إلى هذا المقام اتفق الأنام من الخواص والعوام على ترجيح علم الطب على علم النجوم وتفضيل الطبيب المعهود على المنجم المغلوم، وعرفت في اثناء ذلك القيل والقال أن الطبيب هو مؤلف طيف الخيال، ثم قام القوم للافتراق وتفرقوا وآخر الصحبة الفراق، والله نعم المولى ونعم النصير، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير.
وليكن هذا آخر الكلام، والحمد لله على نعمة الاتمام والصلاة والسلام على محمد خير الأنام، وعلى آله وأصحابه الكرام. قلت لله دره من متكلم لم يسمح الزمان بمثله، فلقد أتى بما لم تسمح القرائح ببعضه فضلاً عن كله، كيف لا وعنادل أسجاعه ساجعة في حدائق لطائفه وأزهار المعانيقد تضوع نشرها في رياض ألفاظه الأنيقة وظرائفه:
كم بذ منطقه بلاغة شاعر ... ومحت فصاحة كاتب سجعاته
زان القريض بفكرة نظمت له ... عقد النجوم فزهرها فقراته
تم الكتاب الثاني من كتاب نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن، بعون الله المالك ذي المنن،
والحمد لله على ذلك إلى بقاء الزمن

الباب الثالث
مقاطيع جيدة وقصائد رائقة
يشتمل على مقاطيع جيدة وقصائد رائقة انتخبتها من الدواوين التي عثرت عليها وملت لمحاسن أبياتها الآخذة بمجامع القلوب إليها وذكرت نبذة من كلامي المنظوم في آخر هذا البيت وأبياتاً دارت بكؤوس رحيقة المودة بيني وبين بعض الأحباب.
السيد محمد بن عبد الله بن الإمام شرف الدين الصنعاني رحمه الله تعالى.
داء الصبابة ماله من راقي ... والموت دون لواعج الأشواق
وأشد ما يلقى المحب من الهوى ... قرب الحبيب ولا يكون تلاقي
وألذ حالات الغرام لمغرم ... شكوى الهوى بالمدمع المهراق
وبمهجتي والروح أفدى شادنا ... لم ترق مذ فارقته آماقي
(1/79)

ناديته لما بدا وجماله ... يثني إليه أعنة الحداق
يا أيها القمر الذي قمر النهى ... لما تجلى من سماء الطاق
رفقاً فقلبي بين أسرى طر ... فك الفتاك أضحى في أشد وثاق
فخذ الفدا مني جعلت لك الفدا ... أولاً فمنّ عليّ بالإعتاق
وإذا بخلت بذا وذاك ولم يكن ... لك مأرب أفديك في استرقاقي
فاقتل وحاذر أن تكون منيّتي ... يا منيتي القصوى بسيف فراق
وما أحسن قوله منها:
يا صاحبيّ هديتما إن كنتما ... ممن يروم على الغرام وفاقي
فتجسسا بربوع مكة لي عن ال ... قلب العميد الهائم المشتاق
قلب تقيّد بالغرام فما له ... أبداً على الإطلاق من إطلاق
عاهدته أن لا يجيب إلى الهوى ... داعي الجمال فمال عن ميثاقي
وسباه في درب السيوقة شادن ... يسطو بمقلته على العشاق
كالبدر في الديجور رنح قدّه ... كقضيب بان عاطل الأوراق
أقديه من قمر بدا لي كاملاً ... حسناً فكان من الكمال محاقي
سكران من خمر الشبيبة والصبا ... صعب اللقا متلون الأخلاق
شقيق خد لم أزل في حبه ... حيران بين الأمن والإشفاق
السيد الجليل جمال الاسلام بن المتوكل الصنعاني رحمه الله تعالى مضمناً بيتي لؤلؤ الذهب:
صب يكاد يذوب من حر الجوى ... لولا انهمال جفونه بالأدمع
وإذا تنفست الصبا ذكر الصبا ... وليالياً مرت بوادي الأجرع
آه على ذاك الزمان وطيبه ... حيث الغضا وطني ومن أهوى معي
ما زال ومض البرق يذكي لوعتي ... ويهيج تذكاري لذاك المربع
وإذا تغنت في الغصون حمامة ... هاجت بلابل قلب صب موجع
سجعت على غصن ولم تدر الهوى ... مثلي ولم تدر الغرام ولم تع
أحمامة الوادي بشرقيّ الغضا ... إن كنت مسعدة الكئيب فرجعي
إنا تقاسمنا الغضا فغضونه ... في راحتيك وجمره في اضلعي
(1/80)

الشيخ المصقع البليغ محمد بن حسين الموهبي الصنعاني:
خلّ حديث الحب يا مستربح ... وارقد فجفن الصب هام قريح
وطار حيني يا حمام اللوى ... شجوك إني لمعنى طريح
وأنت يا ريح تلاعي الحمى ... رفقاً بقلبي فهو مضني جريح
وأنت يا ناصح إياك أن ... تنصح فالموت كلام النصيح
إياك أن تعذلني في هوى ... مليحة أعشقها أو مليح
يا قاتل الله الهوى إنه ... حسّن للعشاق فعل القبيح
كم ليلة بت أطيل السرى ... في مهمه الحزان نضوا طليح
تبكيني الورقاء في عودها ... فاعجب لها عجماء تبكي فصيح
إذا سرى البرق ربحت الأسى ... فمتجري من كل شجو ربيح
لا أخذ الله حبيبي وإن ... حلل من قتلي حراماً صريح
فجفنه ناسب جفني فذا ... يبوح بالحب وهذا يبيح
أجود بالنفس له في الجوى ... وعجباً وهو بوصلي شحيح
القاضي علي بن محمد العنسي الصنعاني رحمه الله تعالى:
يا قلب إن لم تذب وجداً إذا ذكرت ... أيامنا وليالي عيشنا الأنق
فاذهب وخل ضلوعي وامض حيث تشا ... والله لا قلت واقلبي وواحرقي
وللفقيه الديب مهدي بن محمد الصنعاني في غلام حداد وأجاد:
عذولي في هوى الحداد ظلما ... رويدك إن عذلك لا يفيد
تريد قساوة مني عليه ... وقد أضحى يلين له الحديد
ونظم هذين البيتين في العدين في غلام يدعى بالطل:
يقولون كم هذا البعاد وذا النوى ... وتركك للأوطان والمال والأهل
فقلت دعوني في العدين فإنني ... قنعت بما يغني عن الوابل بالطلّ
السيد الجليل اسماعيل بن ابراهيم حجاف الصنعاني رحمه الله تعالى:
يا غائبين وفي قلبي محلهم ... وعاتبين لبعد العهد والكتب
وصفي لشوقي محال أن اسطره ... والشوق نار وأقلامي من القصب
(1/81)

الفقيه الأديب محمد بن محسن القرشي الصنعاني كاتب بندر المخار رحمه الله تعالى:
كنت في خلوة السلو فقالت ... لي عيناه كن معنى فكنت
ولو استطعت حال ارسال طرفي ... قبل توجيه أمرها لفررت
غير أني ثملت من خمرة ال ... تفتير فاستشعرت بأني شربت
لا وساق من الدلال أدار ال ... خمر صرفاً في غفلة فدهشت
ما شربت المدام يوماً ولكن ... كنت لما دنا بفيه هممت
للعلامة عبد الرحمن بن محمد الحليمي رحمه الله تعالى
صرفت عن الورى همي وفكري ... وصنت العرض عن نظم القصيد
ولو صادفت عندهم احتفالاً ... لكنت اليوم أشعر من لبيد
وله مضمنا لصدر البيت الأول:
فعمرك إن لي نفساً تسامى ... إلى ما شئت من نظم ونثر
ولكنني أصون العرض عنه ... لأن الشعر بالعلماء يزري
لوضاح اليمن رحمه الله تعالى:
قالت ألا لا تلجن دارنا ... إن أبانا رجل غادر
قلت فإني طالب غرة ... منه وسيفي صارم باتر
قالت فإن البحر من بيننا ... قلت فإني سابح ماهر
قالت فحولي إخوة سبعة ... قلت فإني بهم خابر
قالت أليس الله من فوقنا ... قلت بلى وهو لنا غافر
قالت فقد أعييتنا حيلة ... فأت إذا ما هجع السامر
واسقط علينا كسقوط الندى ... ليلة لا ناه ولا آمر
السيد الأديب عباس بن علي المكي اليمني رحمه الله تعالى
جرحت قلبي بلحظ منك فتاك ... فمن بذا يا حياة الروح أفتاك
ما كان ظني كذا يا منتهى أملي ... أن تشمتي بي أعدائي وأعداك
وتحرميني لذيذ الوصل منك فعن ... هذا الجفا والنوى ما كان أغناك
فهل تداوين قلبي باللقا كرماً ... فما لقلبي دواء غير لقياك
لم تهجرين محباً لم يكن أبداً ... يهوى سواك ومن بالهجر أغراك
إلى متى تسمعي عذل العذول وكم ... تصغي إلى قول نمام وأفاك
وتقطعيني بلا ذنب ولا سبب ... منبعد ما كنت موصولاً بحسناك
(1/82)

ما كنت أحسب يا بدر البدور بأن ... تنسي عهود محبّ ليس ينساك
وتتركيني حزيناً هائماً قلقاً ... أشكو الفراق بقلب مدنف شاكي
إن كان للناس عيد يفرحون به ... يا نور عيني فعيدي يوم ألقاك
لو كان للناس سكر يسكرون به ... ويطربون فسكري من ثناياك
بالله جودي وعودي بالوصال ولا ... تشفي حسودي الذي قد كان أغواك
يا من غدت بالعيون النجل قاتلتي ... كفى القتال وفكي قيد أسراك
وأرشفيني زلالاً من لماك ولا ... تفتي بظلمي فإني من رعاياك
ولا تكوني بقتل الصب راضية ... حاشاك أن تقتلي مضناك حاشاك
إن كنت أذنبت يا بدر الدجى ... فأنا أستغفر الله من بالحسن أنشاك
وإن يكن ذا الجفا عمداً بلا خطأ ... مني فيا حبذا إن كان أرضاك
والله والله أيماناً مغلظة ... ما زال قلبي طول الدهر يهواك
وله رحمه الله تعالى وهذا النوع في العجم يسمى التلميع:
لي شادن أضنى الحشا ... بالسحر من جشمانه
أصمى الفؤاد وصادني ... بالتبر من شركانه
بي شك أني ذائب ... منحسن من اهوى الحمى
مذ صرت صباً هائماً ... من سر وقدّ روانه
شوخ يذيب حشاشة ... ألدها برقة ناره
تاكي أقاسي هجره ... فرياد من هجرانه
ديوانه كشتم عندما ... شاهدت ماء جماله
أرخى سلاسل زلفه ... المشكى على أعكانه
في الروز والليل البهيم ... إذا ذكرت صدوده
حرى عليه الإشك حتى ... أن أذوب لشانه
أشتاق تلك الغمزها ... إذا بدت من جشمه
يرمي الفؤاد بأسهم ... من ابر وإن كمانه
مردم زتيغ لحاظه ... لما به نحوي رنا
كالبدر يسبى للعقول ... بقده وميانه
أضحيت قرباناً له ... لما بدا في حله
كالأرغوان يفوح ... منها المسك من دامانه
ترك إذا ناديته ... أين عاشقم سن رحم كن
خنديد منى معجباً ... وأجابني بزبانه
سن صبردن كنني أولر ... يوراه مشكل كتمه سن
بوعشق در منحت أولر ... ما أنت من مردانه
حاز الجمال ويغرق العشاق ... في دريا الهوى
(1/83)

ولدار من بغى شده ... بيداد من طغيانه
قسماً نجوبي خويه ... ولحسن روشن رويه
وبحمرة البهاء إذ ... تغر عن دندانه
وبما أقاسي من حريق ال ... عشق مع فرط الجوى
ويخوش وصال نلته ... آن روز من احسانه
إني مقيم لم أحل ... عن راء حب جماله
تاروز محشر دائماً ... قسم به وبجانه
إن لم يزل ذا الدرد عن ... قلب المتيم في الهوى
ويواصل الصب الذي ... درأ سره ورهانه
فلا كرين عليه تا ... معلوم هركس ميشود
وأقول هذا جان من ... قد زاد في هجرانه
الشيخ العارف عبد الرحيم البرعي اليمني رحمه الله تعالى:
رفاقي الظاعنين متى الورود ... وذياك العذيب وذا زرود
فعوجوا بي على آثار ليلى ... فما يدري الغريب متى يعود
وزوروا شعبها فعلى فؤادي ... وقلبي في هوى ليلى عميد
أعيدوا لي الحديث بذكر ليلى ... أعيدوا لي فديتكم أعيدوا
رعى الله الزمان ومان ليلى ... ولا روعي التفرق والصدود
فما أحلى هواها في فؤادي ... وإن بخلت عليّ بما أريد
جرى قلم السعادة باسم ليلى ... وطاب بذكره العيش الرغيد
فكيف يلومني في حب ليلى ... خليّ القلب أدمعه جمود
وإن فتى رمته عيون ليلى ... ومات على الفراش فهو الشهيد
الشيخ الفاضل عبد الهادي السودي اليمني رحمه الله تعالى:
أهلاً وسهلاً بكم يا جيرة الحلل ... ومرحباً بحداة العيس والكلل
كنا نؤمل أن نحظى بقربكم ... فالآن والله هذا منتهى الأمل
لو أن روحي في كفي وجدت بها ... على البشير بكم يامرهم العلل
ما إن وفيت ببعض من حقوقكم ... وكنت من عدم الإنصاف في خجل
وما أحسن قوله منها:
هيهات أين فراغي من محبتهم ... لا عشت إن حدثتني نفسي بالميل
(1/84)

هم حملوني غراماً كاد أيسره ... يفني حياتي فقد بتّ الهوى حيلي
قلبي كليم بموسى البين واتلفي ... إن كان جرح فراقي غير مندمل
لقد لقيت الذي لم يلقه أحد ... قبلي سوى أهل صفين والجمل
ومنها:
هم أهل بدر فلا يخشون من حرج ... دمي مباح لهم في السهل والجبل
وللخل الوفي الأديب اللودغي عبد الكريم بن الحسين العتمي الزبيدي رعاه الله تعالى، وقد أملى عليه بعض الأدباء من أهل العصر البيت الأول من هذه الأبيات وأرسل بها إلى السيد العلامة صفي الاسلام أحمد بن محسن المكين الزبيدي رفع الله شأنه
أقبلت في الملابس الذهبية ... وعلى خذها العقود السنية
بنت عشر كأنها قمر الت ... م وفي لحظها سهام المنية
لست أنسى وقد أتت تتهادى ... بين زنجية إلى حبشية
فاحتفظ ما أقول واعلم بأني ... لم أطل في المقام شرح القضية
واسأل الماجد الصفيّ نظاماً ... فلديه مباحث أدبيه
وعلى باب فضله ازدحم النا ... س صباحا وبكرة وعشيه
فاهد عني إلى علاه سلاما ... مزرياً بالنوافج العنبرية
واذكرن عنده أقل المماليك ... وسله له الدعاء بنيه
قال المؤلف لهذا الكتاب أحمد بن محمد الشهير بالشرواني عفا الله عنه دخلت زبيد عام أربع وعشرين بعد المائتين والألف من الهجرة النبوية فحللت بدار الصاحب الأريب عبد الكريم بن الحسين العتمي وأقمت عنده يوماً في منزله ثم خرجت بعد صلاة المغرب متوجهاً إلى الحديدة فورد إليّ كتاب بعد وصولي إليها بيومين من السيد العلامة أحمد بن محسن المكين الزبيدي يتضمن عتاباً لعدولي عن الحلول بمنزله إلى منزل الشيخ عبد الكريم العتمي فمن جملة ما ذكر في كتابه هذه الأبيات وهي مرقومة في ديوانه:
كيف لم ترضني لودك أهلا ... ولغيري رضيت أهلا ونزلا
أجرى من أسير ودك ذنب ... موجب للعدول عني مهلا
أم توخيت أن غيري أولى ... لقديم الوداد حاشا وكلا
كنت أرضى بأن تشرف قدري ... بغبور بقدر أهلا وسهلا
(1/85)

فقليل منكم كثير ولكن ... فات ما فات وانقضى وتولى
فمن الفضل أن تعود وأن ... تجبر ما كان يا أعز أخلا
الشيخ العلامة محمد أمين اللزلي المدني رعاه الله تعالى
هلا رحمت الصب واستبقيته ... يا من ثوى قلبي فأخرب بيته
بالله أنقذ مغرماً جنبته ... خلد الوصال وفي لظى ألقيته
أدنيته من كل ما لا يشتهي ... وعن الذي يهواه قد أقصيته
ورميته من بعد ما أفنيته ... وشويته وسليته وقليته
يا ليت قلبي لم يذق طعم الهوى ... يا ليته يا ليته يا ليته
فارفق وعامل بالجميل متيما ... مضنى حزيناً أنت قد أضنيته
ودع العذول فطالما أغضبته ... إذ لام فيك وأنت قد أرضيته
فالعين فاضت عينها وتدفقت ... لكنها لم تطف ما أصليته
والصبر مرّ وما حلا لي مورد ... لما هدمت من التواصل بيته
ها حالتي وصبابتي وكآبتي ... تنبي فما قاسيت لا قاسيته
وله لا فض فوه:
لا تكن منكراً تحرق قلبي ... بلظى الشوق والعذاب الأليم
فجنان النعيم لو أدركتها ... لفحة منه أصبحت كالجحيم
وله دام مجده:
يا أيها الخل الذي ينجلي ... غماً به كل غماء وغم
إن صروف الدهر قد أصدأت ... مرآة قلبي فاجلها بالنغم
القاضي الأديب سالم بن محمد الدرمكي العماني رحمه الله تعالى:
وقائلة إن سارت العيس ليلة ... بنا كيف تمسي أنت قلت أذوب
فقالت وإن جدّت بنا السير في الفلا ... فماذا الذي يعروك قلت كروب
فقالت عن الأبصار إن غيبت بنا ... فصبرك عنا أين قلت يغيب
فقالت وإن شطت بنا غربة النوى ... ففي أيّ حال أنت قلت أشيب
فقالت وإن بشرت منا بأوبة ... فكيف يكون الحال قلت يطيب
فقلت وإن شمت المطايا مناخة ... بنا كيف ذاك اليوم قلت عجيب
الشيخ العارف بالله عبد الله الشبراوي المصري رحمه الله تعالى:
إن وجدي كل يوم في ازدياد ... والهوى يأتي على غير مراد
(1/86)

يا خليلي لا تلمني في الهوى ... ليس لي مما قضاه الله راد
أنا إن لم أهو غزلان النقا ... أيّ فرق بين قلبي والجماد
منتهى الآمال عندي أهيف ... وجفون زانها ذاك السواد
وخدود تتلظى حمرة ... ودلال قد نفى عني الرقاد
إن ذنبي عند من يعذلني ... أن قلبي في الهوى لو رد عاد
يا أهيل العشق هل من منجد ... هل سلا الأحباب ذو وجد وساد
ما احتيالي في الهوى ما عملي ... ليس لي إلا على الله اعتماد
بين جفني والكرى معترك ... واختلاف وشقاق وعناد
فتنتي ظبي ظريف أهيف ... كلما قلت جفاه زال زاد
إن يكن عشقي له أفسدني ... فاعلموا أني راض بالفساد
ورشادي إن يكن في سلوتي ... فدعونيلست أرضى بالرشاد
أنا أهواه ولا أذكره ... إن كشف السر في الحب ارتداد
ومتى رام لساني لهجة ... باسمه قلت سليمة وسعاد
هو قصدي لست أسلوه وإن ... صرت فيه مثلة بين العباد
وكذا وجدي به وجدي به ... مستمر ما لوجدي من نفاد
كم صرفت القلب عن عشقته ... وتجلدت ولكن ما أفاد
يا حبيبي ته دلالاً واحتكم ... أنا من تعرفه في كل ناد
لست أصغي لعذول في الهوى ... لا ولا أنسى سويعات الوداد
لا أرى في الحب عاراً أبداً ... يفعل الحب بقلبي ما أراد
الشيخ الأديب بهاء الدين زهير المصري رحمه الله تعالى:
رسول الرضا أهلاً وسهلاً ومرحبا ... حديثك ما أحلاه عندي وأطيبا
فيا مهديا ممن أحب سلامه ... عليك سلام الله ما هبت الصبا
ويا محسنا قد جاء من عند محسن ... ويا طيبا أهدى من القول طيبا
لقد سرني ما قد سمعت من الرضا ... وقد هزني ذاك الحديث وأطربا
وبشرت باليوم الذي فيه نتلقى ... ألا إنه يوم يكون له نب
فعرض إذا حدثت بالبان والحما ... وإياك أن تنسى فتذكر زينبا
(1/87)

ستكفيك من ذاك المسمى إشارة ... ودعه مصوناً بالجلال محجبا
أشر لي بوصف واحد من صفاته ... تكن مثل من سمى وكنى ولقبا
وزدني من ذاك الحديث لعلني ... أصدّق أمرا كنت فيه مكذبا
سأكتب مما قد جرى في عتابنا ... كتاباً بدمعي للمحبين مذهبا
عجبت لطيف زار بالليل مضجعي ... وعاد ولم يشف الفؤاد المعذبا
فأوهمني أمراً وقلت لعله ... رأى خالة لم يرضها فتجنبا
وما صدّ عن أمر يريب وإنما ... رآني قتيلاً في الدجى فتهيبا
وله رحمه الله تعالى:
كلفت بشمس لا ترى الشمس وجهها ... أراقب فيها ألف عين وحاجب
ممنعة بالقوم والخيل والقنا ... وتضعف كتبي عن زحام الكتائب
ولو حملت عني الرياح تحية ... لما نفذت بين القنا والقواضب
فمالي منها نائل غير أنني ... أعلل نفسي بالأماني الكواذب
أغار على حرف يكون من اسمها ... إذا ما رأته العين في خط كاتب
وله رحمه الله تعالى:
أنا في الحب صاحب المعجزات ... جئت للعاشقين بالآيات
كان أهل الغرام قبلي أميّ ... ين حتى تلقّنوا كلماتي
فأنا اليوم صاحب الوقت حقا ... والمحبون شيعتي ورعاتي
ضربت فيهم طبولي وسارت ... خافقات عليهم راياتي
خلب السامعين سحر كلامي ... وسرت في عقولهم نفثاتي
أين أهل القلوب أتلو عليهم ... باقيات من الهوى صالحات
ختم الحب من حديثي بمسك ... ربّ خير يجيء في الخاتمات
فعلى العاشقين مني سلام ... جاء مثل السلام في الصلوات
مذهبي في الغرام مذهب حق ... ولقد قمت فيه بالبينات
فكم فيه من مكارم أخلاق ... وكم فيه من حميد صفات
لست أرضى سوى الوفا لذي الود ... ولو كان في وفائي وفاتي
وألوف فلو فارق يؤسا ... لتوالت لفقده حسراتي
(1/88)

ظاهر اللفظ والشمائل والأخ ... لاق عفّ الضمير واللحظات
ومع الصمت والوقار فإني ... طيب الخلق طيب الخلوات
يعشق الغصن ذا الرشاقة قلبي ... ويحب الغزال ذا اللفتات
وحبيبي الذي لا أسمي ... هـ على ما استقرّ من عاداتي
ويقولون عاشق وهو وصف ... من صفاتي المقومات لذاتي
إلى نية وقد علم الل ... هـ بها وهو عالم النيات
يا حبيبي وأنت أيّ حبيب ... لا قضى الله بيننا بشتات
إن يوماً تراك عيني فيه ... ذاك يوم مضاعف البركات
أنت روحي وقد تملكت روحي ... وحياتي وقد سلبت حياتي
متّ شوقاً فأحيني بوصال ... أخبر الناس كيف طعم الممات
وكما قد علمت كل سرور ... ليس يبقى فوات قبل الفواتي
فرعى الله عهد مصر وحيا ... ما مضى لي بمصر من أوقات
حبذا النيل والمراكب فيه ... مصعدات بنا ومنحدرات
هات زدني من الحديث عن الني ... ل ودعني من دجلة والفرات
هو روض حكى ظهور الطواويس ... وجو حكى ظهور البزات
حيث يجري الخليج كالحية الر ... قطاء بين الرياض والجنات
ونديم كما أحب ظريف ... وعلى كل ما أحب مواتي
كل شيء أردته فهو فيه ... حسن الذات كامل الأدوات
يا زماني الذي مضى يا زماني ... لك مني تواتر الزفرات
وله لا فضّ فوه:
يغيب إذا غبت عني السرور ... فلا غاب أنسك عن مجلسي
فكم نزهة فيك للناظر ... ين وكم راحة فيك للأنفس
فيا غائباً لو وجدنا ... إليك سبيلاً سعينا على الأرؤس
على ذلك الوجه مني السلام ... ولا أوحش الله من مؤنسي
وله عفا الله عنه:
مولاي كن لي وحدي ... فإنني لك وحدك
وكن بقلبك عندي ...
(1/89)

فإن كلي عندك
لي فيك قصد جميل ... لا خيب الله قصدك
حاشاك تؤثر بعدي ... ولست أوثر بعدك
إن تنس عهدي فإني ... والله لم أنس عهدك
أضعت ودّ محب ... ما زال يحفظ ودّك
ما لي عليك اعتراض ... عذب ما شئت عبدك
مولاي إن غبت عني ... واسوء حالي بعدك
وله رحمه الله تعالى:
يا من لعبت به شمول ... ما ألطف هذه الشمائل
نشوان يهزه دلال ... كالغصن مع النسيم مائل
لا يمكنه الكلام لكن ... قد حمل طرفه رسائل
ما أطيب وقتنا وأهنا ... والعاذل غائب وغافل
عشق ومسرة وسكر ... والعقل بدون ذاك زائل
والبدر يلوح في فناء ... والغصن يميس في غلائل
والورد على الخدود غض ... والنرجس في العيون ذابل
والوقت كما أحب صاف ... والأنس بمن أحب كامل
مولاي يحق لي بأني ... عن مثلك في الهوى أقاتل
لي عندك حاجة فقل لي ... هل أنت إذا سألت باذل
في حبك قد بذلت روحي ... إن كنت لما بذلت قابل
في وجهك للرضا دليل ... ما تكذب هذه المخائل
لا أطلب في الهوى شفيعاً ... لي فيك غنى عن الوسائل
العام مضى وليت شعري ... هل يحصل لي رضاك قابل
ها عبدك واقفاً ذليلا ... بالباب يمد كف سائل
من وصلك بالقليل يرضى ... الطل من الحبيب وابل
وله رحمه الله تعالى:
صدق الواشون فيما زعموا ... أنا مغرى في هواها مغرم
فليقل ما شاء عني عاذلي ... أنا أهواها ولا أحتشم
غلب الوجد فلا أكتمه ... إنما أكتم ما ينكتم
تعب العاذل لي في حبها ... قضى الأمر وجف القلم
أين من يرحمني أشكو له ... إنما الشكوى إلى من يرحم
أنا من قلبي منها آمن ... لم يكن من مقلتيها يسلم
أيها السائل عن وجدي بها ... إنه أعظم مما تزعم
ظن خيراً بيننا أو غيره ... فحبيبي فيه تحلو التهم
ولقد حدثت عن سر الهوى ... أنت يا رب بحالي أعلم
سطرت قلبي أحاديث الهوى ... وبمسك من حديثي تختم
(1/90)

وله رحمه الله تعالى:
أنا أدري بأنني ... قلّ قسمي لديكم
فإلي كم تطلعي ... والتفاتي إليكم
من رآني يرق لي ... ضائعاً في يديكم
كان ما كان بيننا ... وسلام عليكم
وله عفا الله عنه:
ملكتموني رخيصاً ... فانحط قدري لديكم
فأغلق الله باباً ... دخلت منه إليكم
وحقكم ما عرفتم ... قدر الذي في يديكم
وله رحمه الله تعالى:
من اليوم تعاملنا ... ونطوي ما جرى منا
فلا كان ولا صار ... ولا قلتم ولا قلنا
وإن كان ولابد ... من العتب فبالحسنى
فقد قيل لنا عنكم ... كما قيل لكم عنا
كفى ما كان من هجر ... وقد ذقتم وقد ذقنا
وما أحسن أن نرجع ... للوصل كما كنا
الشيخ العارف عمر بن الفارض رحمه الله تعالى:
مالي سوى روحي وباذل نفسه ... في حب من يهواه ليس بمسرف
فلئن رضيت بها لقد أسعفتني ... يا خيبة المسعى إذا لم تسعف
يا أهل ودي أنتم أملي ومن ... ناداكم يا أهل ودي قد كفى
عودوا لما كنتم عليه من الوفا ... كرما فإني ذلك الخل الوفي
وحياتكم وحياتكم قسماً وفي ... عمري بغير حياتكم لم أحلف
لو أن روحي في يدي ووهبتها ... لمبشري بوصالكم لم أنصف
لا تحسبوني في الهوى متصنعاً كلفي بكم خلق بغير تكلف
أخفيت حبكم فأخفاني أسى ... حتى لعمري كدت عني أختفي
وكتمته عني فلو أبديته ... لوجدته أخفى من اللطف الخفي
وله رحمه الله تعالى:
أحبة قلبي والمحبة شافعي ... إليكم إذا شئتم بها اتصل الحبل
عسى عطفة منكم عليّ بنظرة ... فقد تعبت بيني وبينكم الرسل
أحباي أنتم أحسن الدهر أم أسا ... فكونوا كما شئتم أنا ذلك الخل
إذا كان حظي الهجر منكم ولم يكن ... بعاد فذاك الهجر عندي هو الوصل
(1/91)

أخذتم فؤادي وهو بعضي فما الذي ... يضركم لو كان عندكم الكل
جمال الدين بن نباتة المصري رحمه الله تعالى:
يا غصنا في الرياض مالا ... حملتني في هواك مالا
يا رائحاً بعدما سباني ... حسبك رب السما تعالى
ظبي من الترك سلّ سيفاً ... عليّ من جفنه وصالا
من قبل ذكر الوصال ماذا ... يفعل لوسمته الوصالا
قد غيرته الوشاة حالا ... على بعد الرضا وآلى
وظن أني هويت لما ... أبعدني سالفاً وخالا
إن قلت كم ذاتاه عجبا ... قال له الحسن ته دلالا
كأن أرادفه كثيبا ... والوجه كالنور قد تلالا
قالوا هلالا فقلت كلا ... قامته تحكي الهلالا
أستغفر الله فاق بدري ... غزالة الأفق والغزالا
كمال الدين بن النبيه المصري رحمه الله تعالى:
من ناظر مترقبا لك أن يرى ... فلقد كفى من دمعه ما قد جرى
يا من حكى ف يالحسن صورة يوسف ... آه لو أنك مثل يوسف تشتري
تعشو العيون لخده فيردها ... ويقول ليست هذه نار القرى
يا قاتل الله الجمال فإنه ... ما زال يصحب باخلا متجبرا
يا غصن بان في نقا رمل لقد ... أبدعت إذ أثمرت بدراً نيرا
ما ضر طيفك لو أكون مكانه ... فقد اشتبهنا في السقام فما يرى
أترى الأيان بوصلك عودة ... ولو أنها في بعض أحلام الكرى
زمنا شربت زلال وصلك صافيا ... وجنيت روض رضاك أخضر مثمرا
ملكتك فيه يدي فحين فتحتها ... لم ألق إلا حسرة وتفكرا
لي مقلة مذ غاب عنها بدرها ... ترعى منازلها عساها أن ترى
لولا انسكاب دموعها ودمائها ... ما كنت بين العاشقين مشهرا
فكأنما هي كف موسى كلما ... نثر اللجين أو النضار الأحمرا
الفاضل البكري رحمه الله تعالى:
بالهوى قلبي تعلق ... وجفا جفني المنام
والحشامني تمزق ... ودموعي في انسجام
جمع شملي قد تفرق ... يا ترى حبي أراه
(1/92)

آه لولا الشوق أجرى ... عبرتي ما قلت آه
ذبت من جور الليالي ... وكوى قلبي الفراق
صار جسمي في انتحال ... وفؤادي في احتراق
من يكن حاله كحالي ... قل أن يلقى دواه
آه لولا الشوق أجرى ... عبرتي ما قلت آه
أيها القمري قل لي ... ما سبب هذا النياح
هل كواك الشوق مثلي ... صرت مقصوص الجناح
قال شملك مثل شملي ... وبكانا من نواه
آه لولا الشوق أجرى ... عبرتي ما قلت آه
يا قديماً قد تفرد ... بالبقاهب لي رضاك
عبدك البكري أحمد ... ماله مولى سواك
بالنبي طه محمد ... منك لا تقطع رجاه
آه لولا الشوق أجرى ... عبرتي ما قلت آه
لا يخفى على كل ذي رأي نقاد وذهن وقاد أن هذه الأبيات الآتي ذكرها هي أيضاً للفاضل البكري عفا الله عنه لكنها على طريقة الشعر الحميني، والشعر الحميني لا يكون إلا ملحوناً كما هو ظاهر بهذه الأبيات التي كادت أن تسيل رقة، وذلك مما استحسنه المولدون من أدباء العرب سيما شعراء اليمن فإنهم فرسان هذا الميدان وحاملوا لواء هذا الشان:
قال رحمه الله تعالى:
في هوى بدري وزيني ... زاد وجدي والجنون
والدما من سحب عيني ... سيلها يجري عيون
قلت عيني أنت زيني ... والحشا يشعل ضرام
آه من صدّك وبعدك ... زاد وجدي والغرام
أنت شمسي أنت بدري ... أنت إنسان العيون
أنت تعلم أنت تدري ... مثل حسنك لا يكون
جل قدري صح عذري ... من يحبك لا يلام
آه يا عمري وروحي ... ذا الجفا كله حرام
آه ما أعدل قوامك ... ألا جورك لا يطاق
بالذي أعلا مقامك ... لا ترعني بالفراق
وابتسامك في سلامك ... قد حلا للمستهام
آه يا بدري وعمري ... قد كسا جسمي السقام
لك مراشف سكريه ... رشفها يشفي العليل
واللواحظ بابليه ... كم لها مثلي قتيل
والمنية والبليه ... لما ترمي بالسهام
(1/93)

آه يا عيني وروحي ... صار دمعي في انسجام
يا عذولي لا تلمني ... في شقيق النيرين
من بحسنه قد ملكني ... عبده في الحالتين
ايش يفيدك عذلك وقلبي ... قد تملكه الغرام
آه يا روحي وعمري ... قد كسا جسمي السقام
إن قلبي يا حبيبي ... بالنوى أضحى حزين
جد لصبك يا حبيبي ... لأجلّ رب العالمين
كم كذا تقطع نصيبي ... ما تخاف مولى الأنام
آه يا سيدي وعمري ... زاد حبك والغرام
ما الهوى إلا نحول ... واصفرار الوجنتين
وغراماً وهياماً ... وانكباب العبرتين
أنا من قبل انفطامك ... كنت في عشقك إمام
آه من هجرك وبعدك ... ليش ما تبعث سلام
فرثى لي بعد صدّه ... وسمح بالقبلتين
ولصق خدّي بخدّه ... وقطفت الوردتين
وسقاني من رضا به ... سلسبيلا كالمدام
آه يا عيني وروحي ... جزت ما تقرى السلام
ولما ذكرت هذه الأبيات وددت أن أذكر الحميني المنسوب إلى الفاضل الأديب محمد ابن الحسين الكوكباني اليمني لعذوبة ألفاظه ومعانيه:
قال رحمه الله تعالى:
ما لقلبي لم يزل عشقه فنون ... في هوى حال التثني والمجون
مزري الغصون ... قد فنى صبري وقل الاحتيال
قد قسم قلبي بأسياف الجفون ... وقسم فيمن هوى تلك العيون
ريب المنون ... ما حياتي بعد ذا إلا محال
ما احتيالي إن بدا السر المصون ... وأذاب القلب شجوي والشجون
ماذا يكون ... هل لشكوى البين في اللقيا محال
يا حبيب القلب ما هذا يهون ... إن دمع العين في خديّ هتون
مثل الغبون ... وأنت لا تسمح لصبك بالوصال
من سعى بيني وبينك بالبعاد ... لأجزي بالخير من ربّ العباد
يوم المعاد ... لأبرح يوم القيامة في هوان
(1/94)

ليس طول الصدّ من طبع الجياد ... ما جزا من قد بذل روحه وزاد
إلا الوداد ... يا بديع الحسن يا مولى الحسان
وإن يكن مني جرى غير المراد ... فالذي قد مر منا لا يعاد=خل العناد=تحسب أن الودّ من
هذا الزمان
هل ترى في وصل من يهواك دون ... أو علينا وقت لقيانا عيون=هذي ظنون=كلها يا خل
من طبع الخيال
ليت محبوبي درى كيف الهوى ... ليته مثلي شرب كأس الهوى=نصبح سوى=شا يكون ذا
من عجيب الاتفاق
آه كم أشكو تباريح الجوى في هوى ما قد حوى ... ريم اللوى=ربّ يسر ما تعسر في التلاق
رب إن البعد قد هدّ القوى ... ما أظن هائم كمثلي قد هوى=مالي سوى في صباباتي وطول
الاشتياق
صح أن الخل للعاشق يخون ... ولميثاق المودة لا يصون=فالعشق هون=والذي يعشق سلك
طرق الضلال
رب صل ما همي الغيث الهتون ... على الذي أنزل عليه طه ونون=والمؤمنون=النبي
الهاشم بدر الكمال
الشب الظريف رحمه الله تعالى:
كتم الحب زماناً ثم باحا ... وغدا في طاعة الشوق وراحا
عاشق إن ضحك الواشي بكى ... وإذا ما غنت الورقاء ناحا
في سبيل الله منه كبد ... أثخنتها العين النجل جراحا
وبكته عائدوه رحمة ... خشية الموت ولو مات استراحا
يا جفوني بالبكا كوني كراما ... أنا لا أصحب أجفاناً شحاحا
لو تكلفت سلوّا لم أطق ... أو يخفى قط سكران تصاحى
ابن منير الطرابلسي رحمه الله تعالى
يا غريب الحسن ما أغناك ... عن ظلم الغريب
أترى الإفراط في حبك ...
(1/95)

أضحى من ذنوبي
حل بي من حبك الخطب ... الذي لا كالخطوب
وعجيب أن ترى فعلك ... بي غير عجيب
لا تغالطني فما تخفى ... أمارات المريب
أين ذاك البشر يا مولاي ... من هذا القطوب
يا هلالا ألبس الشمس ... نقاباً من شحوب
ما بدا إلا ونادى ... وجهه يا شمس غيبي
أيها الظبي الذي مرتعه ... روض القلوب
والذي قادني الحب ... له قود الجنيب
سقمي من سقم جفنيك ... وفي فيك طبيبي
وسنا وجهك مصباحي ... وانفاسك طيبي
عشقوا قبلي ولكن ... ما أحبوا كحبيبي
وما ألطف قول عفيف الدين التمساني رحمه الله تعالى:
في القلب لما استوطن المنزلا ... جعلت من دمعي له منهلا
وكنت أستحلي ضنى خصره ... وقد كساني اليوم تلك الحلى
ألهب خداه زفيري وفي ... أجفانه النرجس قد أذبلا
إن قتلتني سود أجفانه ... فعادة الذبل أن تقتلا
روحي له قد كنت أسخو بها ... لكنه في اخذها استعجلا
وله لا فض فوه:
قم يا نديمي فالحميا نذار ... أما ترى الليل بها قد أنار
كأس لها الحكم فمن أجل ذا ... تعزل ليلاً وتولي نهار
بها اهتدى الساري إلى حانها ... ومن سناها كوكب الصبح حار
فانهض إلى العيش بها وليكن ... في السمع وقرعن حديث الوقار
ولا تكن ما عشت مستكثراً ... بذاك في الكأس العقار العقار
يديرها في السر ساق له ... شمائل تساب عقلي جهار
قد حركت بالسكر أعطافه ... وأسكنت في الجفن منه انكسار
محمرة الوجنة لكن إذا ... قابلها الماء علاها اصفرار
يسكن من يشرب كاساتها ... في جنة الفوز بها وهي نار
(1/96)

الشيخ ابراهيم الكرمي الشامي الملقب باهي رحمه الله تعالى
مهلاً لقد أسرعت في مقتلي ... إن كان ولابدّ فلا تعجل
أنجزت اتلافي بلا علة ... الله في حِل دمي المثقل
لم تبق لي فيك سوى مهجة ... بالله في استدراكها أجمل
إن كنت لابد جوى قاتلي ... فاستخر الله ولا تفعل
رفقاً بما أبقيت من مدنف ... ليس له دونك من معقل
يكاد من رقته جسمه ... يسيل من مدمعه المسبل
مالك في اتلافه طائل ... فارع له العهد ولا تهمل
كم من قتيل في سبيل الهوى ... مثلي بلا ذنب جنى فاقتل
أول مقتول جوى لم أكن ... قاتله جار ولم يعذل
يا مانع الصبر وطيب الكرى ... عن حالتي بعدك لا تسأل
قد صرت من عشقك حيران لا ... أعلم ماذا بي ولم أجهل
لهفي على أيامنا بالنقا ... كانت ألذ العمر الأفضل
وله منها:
يا صنماً عبد ألبابنا ... ورأى عقل فيه لم يذهل
حملتني فيك الذي لم يقم ... ببعضه رضوى ولم يحمل
أفديك بالنفس وما دونها ... ما قيمة الأرواح أن تقبل
وله رحمه الله تعالى:
البس حريراً وكن حمارا ... فإنما يكرم اللباس
وانظر فكم بيننا ... تغدو لأبوابهم أناس
وهم حمير بغير شك ... وربما أخطأ القياس
صلاح الدين الصفدي رحمه الله تعالى:
إنّ عيني مذ غاب شخصك عنها ... يأمر السهد في كراها وينهى
بدموع كأنهن الغوادي ... لا تسل ما جرى عن الخد منها
وله رضي الله تعالى عنه:
وفقيه قلت صلني ... فالبكا قرح عيني
قال لا تفخر بشيء ... هو دون القلتين
القاضي السعيد بن سناء الملك رحمه الله تعالى:
أتى إليّ وأهوى خده لفمي ... فقمت أقطف منه وردة الخجل
(1/97)

والجوّ قد مر ستراً من سحائبه ... لما توهم أن الشهب كالمقل
قمنا ولا خطرة إلا إلى خطر ... دان ولا خطوة إلا إلى أجل
والعين تسحب ذيلاً من مدامعها ... والقلب يسحب أذيالاً من الوجل
أكلف النفس مع علمي بعزتها ... وطأ على البيض أو حملاً على الأسل
حتى وصلنا إلى ميقات مأمنه ... يا صاحبيّ فلو أبصرتما عملي
أواصل اللثم من فرع إلى قدم ... وأوصل الضم من صدر إلى كفل
وبات يسمعني من لفظ منطقه ... أرق من كلمي فيه ومن غزلي
ونلت ما نلت مما لا أهمّ به ... ولا ترقت إليه همة الأمل
لم أصحب الذيل كي أمحو مواطئه ... لكنني قمت أمحو الخطو بالقبل
يا ليلة قد تولت وهي قائلة ... لا ننظمني مع أيامك الأول
وله رحمه الله تعالى:
يا ساقي الراح بل يا ساقي الفرح ... ويا نديمي بل يا كل مقترح
لا تخش في ليل الهوى من تقاصره ... أما تراني شربت الصبح في القدح
وله رحمه الله تعالى:
ولما مررت بدار الحبيب ... وقد خاب في ساكنيها ظنوني
حططت هموم جفوني بها ... لأن الدموع هموم الجفون
ابن مطورح رحمه الله تعالى:
تعشقت ظبياً وجهه مشرق كذا ... إذا ماس خلت الغصن من قده كذا
له مقلة كحلاء نجلاء إن رنت ... رمت أسهماً في قلب عاشقه كذا
تبدى فقال الناس لا بدر غيره ... وخرّت له كل الورى سجداً كذا
أقول وقد عاينته ويمينه ... على خده إذ ظل مفتكراً كذا
فدتك حياتي يا منى النفس هل ترى ... أراك ضجيعاً ليلة آمناً كذا
فقال وقد أبدى التبسم ضاحكاً ... أتيتك فاحضني فقلت له كذا
وبت على طيب العناق مقبلاً ... لفيه إلى أن قال من سكره كذا
وقال أما تخشى الوشاة وتتقي ... عيون الأعادي وهي من حولنا كذا
(1/98)

فقلت يا غاية القصد إنني ... كشفت قناعي فيك بين الورى كذا
وبحت بسري واطرحت عواذلي ... فأطرق وأومى بإصبعيه كذا
وقال أما أنذرتك الآن أنني ... أحب اكتتام الأمر قلت له كذا
وله رحمه الله تعالى
سألت من أمر ضنى ... في قبلة تشفي الألم
فقال لا لا أبداً ... قلت نعم قال نعم
فقال غصباً قلت لا ... إلا سماحاً وكرم
قال فسّرا قلت لا ... إلا على رأس العلم
فقال خذها بالرضا ... مني حلال وابتسم
فلا تسل عما جرى ... أستغفر الله وتم
وظن ما شئت بنا ... فالحب يحلو بالتهم
ولا أبالي بعد ذا ... باح حسود أو كتم
أبو الفرج الببغا رحمه الله تعالى
يا مسقمي بحفون سقمها سبب ... إلى مواصلة الأسقام في جسدي
وحق عينيك لا استعفيت من كمد ... دهري ولو متّ من همّ ومن كمد
عذرت من ظل جفنيك يحسدني ... لأنه فيك معذور على حسدي
وله رحمه الله
حصلت من الهوى بك في محل ... يساوي بين قربك والفراق
فلو وصلت ما نقص اشتياقي ... كما لو بنت ما زاد اشتياقي
ابن مليك رحمه الله تعالى
طرار ذاك العذار من رقمه ... ودرّ دمعي بفيه من نظمه
وخاله فوق كنز مبسمه ... بالمسك قفلا عليه من ختمه
من لي به ظالم الجفون سطا ... ظلماً على حبه وما رحمه
نشوان عطف يميل من صلف ... بالغصن من قاسه فقد ظلمه
ساقٍ بفيه المدام طاب وقد ... حلا ارتشافا فما ألذّ فمه
أعارني خصره السقام كما ... أعار جسمي جفونه سقمه
للواء واء الدمشقي رحمه الله تعالى
بالله ربكما عوجا على سكني ... وعاتباه لعل العتب يعطفه
وحدثاه وقولا في حديثكما ... ما بال عبدك بالهجران تتلفه
(1/99)

فإن تبسم قولا في ملاطفة ... ما ضرّ لو بوصال منك تسعفه
وإن بدا لكما في وجهه غضب ... فغالطاه وقولا ليس نعرفه
وله رحمه الله تعالى
شوقي إليك مجاوز وصفي ... وظهور وجدي فوق ما أخفي
يا ليت جسمي كله حدق ... حتى أراك وليته يكفي
الشيخ عمر الهرندي رحمه الله تعالى
لا أحب المدام إلا العتيقا ... ويكون المزاج من فيك ريقا
إن بين الضلوع مني نارا ... تتلظى فكيف لي أن أطيقا
بحياتي عليك يا من سقاني ... أرحيقاً سقيتني أم حريقا
وله رحمه الله تعالى
وقالوا أيّ شيء منه أحلى ... فقلت المقلتان المقلتان
نعم والطرتان هما اللتان ... على عمر الهرندي فتنتان
أبو الفتح كشاجم رحمه الله تعالى
لا وعين تدير باللحظ خمرا ... بين أهل الهوى فتقتل سكرا
لا أطعت السلوّ عنها ولا العا ... ذل فيها ولا تعاطيت صبرا
صاح ما حيلتي حسبت طريق ال ... حب سهلاً فكان لا كان وعرا
لا تلم في البكاء فالدمع لو لم ... يجر في الخد كان في القلب جمرا
وله رحمه الله تعالى
فديت زائرة في العيد واصلة ... والهجر في غفلة عن ذلك الخبر
فلم يزل خدها ركناً أطوف به ... والخال في صحنه يعني عن الحجر
وله رحمه الله تعالى
يا نديمي أطلق الفجر ... فما للكاس حبس
قهوة يعطيكها قب ... ل طلوع الشمس شمس
هي كالمريخ لكن ... هي سعد وهو نحس
وله عفا الله عنه
يقولون تب والكأس في كف أغيد ... وصوت المثاني والمثالث عالي
(1/100)

فقلت لهم لو كنت أضمرت توبة ... وأبصرت هذا كله لبدالي
الشيخ حسن البوريني رحمه الله تعالى:
أحوّل وجهي حين يقبل عامداً ... مخافة واش بيننا ورقيب
وفي باطني والله يعلم أعين ... تلاحظه من أضلع وقلوب
وله رضي الله عنه:
سألت الدهر يوماً عن سؤال ... وقد حانت مفارقة الرفاق
بحقك ما أمرّ من المنايا ... فقال مسارعاً طعم الفراق
وله رحمه الله تعالى:
قسماً بحسنك يا معذب مهجتي ... لأخالفن على هواك العذلا
ولأصبرنّ على صدودك مظهراً ... للحاسدين تجلدا وتجملا
ولأحفظن عهود ودّك دائماً ... فلعل قلبك أن يرقّ تفضلا
ويطربني قوله رحمه الله تعالى:
لا رعى الله لفظة قد تقضت ... في كلام لغير ذكرك يروى
ثم لا سلم الإله زماناً ... يا خليلي بغير أنسك يطوى
وبلى الله بالتقطع قلباً ... يا أنيسي لغير ذاتك مثوى
الشيخ محمد بن عبد الملك المعروف بابن الزيات
سماعاً يا عباد الله مني ... وكفوا عن ملاحظة الملاح
فإن الحب آخره المنايا ... وأوله شبيه بالمزاح
وقالوا دع مراقبة الثريا ... ونم بالليل مسودّ الجناح
فقلت وهل افاق القلب حتى ... أفرق بين ليلي والصباح
الشيخ الأديب بدر الدين بن لؤلؤ الذهبي رحمه الله تعالى
وتنبهت ذات الجناح بسحرة ... بالواديين فنبهت أشواقي
ورقاء قد أخذت فنون الحزن عن ... يعقوب وألحان عن اسحاق
قامت تطارحني الغرام جهالة ... من دون صحبي بالحمى ورفاقي
أنى تباريني جوى وصبابة ... وكآبة وأسى وفيض أماقي
(1/101)

وأنا الذي أملى الهوى من خاطري ... وهي التي تملي من الوراق
ابن سنان الخفاجي رحمه الله تعالى:
أعددتكم لدفاع كل ملمة ... عوناً فكنتم عون كل ملمة
واتخذتكم لي جنة فكأنما ... نظر العدو مقاتلي من جنتي
فلأنفضنّ يدي يأسا منكم ... نفض النامل من تراب الميت
للحيص بيص عفا الله عنه:
تقرطق أو تمنطق أو نقبا ... فلن تزداد عندي قط حبا
تملك بعض حبك كل قلبي ... فإن ترد الزيادة هات قلبا
ابن النقيب رحمه الله تعالى:
لو لحن الموسر في مجلس ... لقيل فيه إنه يعرب
ولو فسا يوماً لقالوا له ... من أين هذا النفس الطيب
الشيخ عمر بن الوردي رحمه الله تعالى:
قد قلت لما مر بي ... مقرطق يحكي القمر
هذا أبو لؤلوة ... منه خذوا ثار عمر
أبو علي الشهير بتميم
ورد الخدود أرق من ... ورد الرياض وأنعم
هذا تنشقه الأنوف ... وذاك يلثمه الفم
فإذا عدلت فأفضل ال ... وردين ورد يُلثم
هذا يشم ولا يضم ... وذا يضم ولا يشم
وللأمير منجك في رثاء محبوبة له
يا جنة تركت قلوب ذوي الهوى ... أسفاً تقلب بعدها في نار
ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرى ... أن اللحود منازل الأقمار
لهفي لنور قد جنته يد الردى ... من وجنتيك وطرفك السحار
ولماء حسن غيض قبراً بعد ما ... قد كان منك بكل عضو جاري
ليت افتدتك عيوننا وقلوبنا ... وغدت مكان الترب والأحجار
وله رحمه الله تعالى
اشغل فؤادك بالتقى ... واحذر بأنك تلتهي
(1/102)

واعمل لوجه واحد ... يكفيك كل الأوجه
السراج الوراق رحمه الله تعالى
بنيّ اقتدى بالكتاب العزيز ... فزدت سروراً وزاد ابتهاجا
فما قال لي أف في عمره ... لكوني أباً ولكوني سراجا
وله لا فضّ فوه وقد اجتمع بشمس الدين بن مليك وبدر الدين بن سنقر
لما رأيت البدر والشمس معاً ... قد انجلت دونهما الدياجي
حقرت نفسي ومضيت هارباً ... وقلت ماذا موضع السراج
الشيخ الأديب أبو بكر بن حجة الحموي رحمه الله تعالى
يا ساكني مغنى حماة وحقكم ... من بعدكم ما ذقت عيشاً طيبا
ومهالك الحرمان تمنع عبدكم ... من أن ينال من التلاقي مطلبا
ولذا اشتهيت السير نحو دياركم ... قرأ النوى لي في الأواخر من صبا
وقد التفت إليك يا دهري بطو ... لتعتبي ويحق لي أن أعتبا
قررت لي طول الشتات وظيفة ... وجعلت دمعي في الخدود مرتبا
وأسرتني لكن بحق محمد ... يا دهر كن في مخلصي متسببا
أبو الحسن الجزار رحمه الله تعالى
لا تلمني مولاي في سوء حالي ... عند ما قد رأيتني قصابا
كيف لا أرتضي الجزارة ما ... عشت حفاظاً وأترك الآدابا
وبها صارت الكلاب ترجيني ... وبالشعر كنت أرجو الكلابا
ومن لطائف مجونه في التوارية
تزوج الشيخ أبي شيخة ... ليس لها عقل ولا ذهن
لو برزت صورتها في الدجى ... ما جسرت تبصرها الجن
كأنها في فرشها رمة ... وشعرها من حولها قطن
وقائل قد قال سنها ... فقلت ما في فمها سن
محمد بن غالب رحمه الله تعالى
لولا شماتة أعداء ذوي حسد ... أو اغتمام صديق كان يرجوني
لما خطبت إلى الدنيا مطالبها ... ولا بذلت لها مالي ولا ديني
(1/103)

هارون بن المعتصم العباسي رحمه الله تعالى
ما كنت أعرف ما في البين من حرق ... حتى تنادوا لأن قد جئى بالسفن
قامت تودعني والدمع يغلبها ... فهمهمت بعض ما قالت ولم تبن
مالت عليّ تفديني وترشفني ... كما يميل نسيم الريح بالغصن
وأعرضت ثم قالت وهي باكية ... يا ليت معرفتي إياك لم تكن
أبو المعتز العباسي رحمه الله تعالى
إذا اقتبسالهلال النور منه ... زوى عنه الجبين وقال من هو
أيطمع أن يكون غلام وجهي ... وليس لكاذب الأطماع وجه
فأما إذ ألح عليّ حتى ... يكون شراك نعلي فليكنه
أبو تمام عفا الله عنه
الهوى ظالم وأنت ظلوم ... كيف يقوى عليكما المظلوم
للهوى جرأة ومنك صدود ... ليس لي منكما البلاء العظيم
إنما يعرف السهاد وطول ... الليل من كان حبله مصروم
وله رحمه الله تعالى
مات ذاك الجوى ومات الحريق ... ورثى لي ظبي عليّ شفيق
وجرى النوم من جفوني مجرى الد ... مع واستأنس الفؤاد المشوق
رفق الدهر لي بمولاي والدهر ... إذ شاء بالقلوب رفيق
البحتري رحمه الله تعالى
عيرتني بالشيب من بدأته ... في عذارى بالهجر والاجتناب
لا تريه عاراً فما هو بالشي ... ب ولكنه جلاء الشباب
وبياض البازي أحدق حسناً ... إن تأملت من سواد الغراب
أبو الطيب المتنبي عفا الله عنه
كم قتيل كما قتلت شهيد ... ببياض الطلى وورد الخدود
وعيون المها ولا كعيون ... فتكت بالمتيم المعمود
درّ در الصباء أيام تجرير ... ذيولي بدار أثلة عودي
(1/104)

عمرك الله هل رأيت بدوراً ... طلعت في براقع وعقود
راميات بأسهم ريشها الهد ... ب تشق القلوب قبل الجلود
يترشفن من فمي رشفات ... هنّ فيه أحلى من التوحيد
كل خصمانة أرق من الخمر ... بقلب أقسى من الجلمود
ذات فرع كأنما ضرب العنبر ... فيه بماء ورد وعود
حالك كالغداف جثل دجوجي ... أثيت جعد بلا تجعيد
تحمل المسك عن غدائرها الريح ... وتفتر عن شتيت برود
جمعت بين جسم أحمد والسقم ... وبين الجفون والتسهيد
هذه مهجتي لديك لحيني ... فانقضى من عذابها أو فزيدي
أهل ما بي من الضنى بطل صيد ... بتصفيف طرة وبجيد
كل شيءٍ من الدماء حرام ... شربه ما خلا دم العنقود
فاسقنيها فدى لعينيك نفسي ... من غزال وطارفي وتليدي
شيب رأسي وذلتي ونحولي ... ودموعي على هواك شهودي
أيّ يوم سررتني بوصال ... لم ترعني ثلاثة بصدود
ما مقامي بأرض نخلة إلا ... كقام المسيح بين اليهود
مفرشي صهوة الحصان ولكن ... قميصي مسرودة من حديد
لامة فاضة أضاة دلاص ... أحكمت نسجها يد داود
أين فضلي إذا قنعت من الدهر ... بعيش معجل التنكيد
ضاق صدري وطال في طلب الرز ... ق قيامي وقل عنه قعودي
أبداً أقطع البلاد ونجمي ... في نحوس وهمتي في سعود
فلعلي مؤمل بعض ما أب ... لغ باللطف من عزيز حميد
لسرى لباسة خشن القط ... ن ومريو مرو لبس القرود
عش عزيزاً أو مت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود
فرؤوس الرماح أذهب للغي ... ظ وأشفى لغلّ صدر الحقود
لا كما قد حييت غير حميد ... وإذ مت متّ غير فقيد
فاطلب العز في لظى ودع الذ ... ل ولو كان في جنان الخلود
(1/105)

يقتل العاجز الجبان وقد يع ... جز عن قطع بخنق لمولود
ويوقى الفتى المخش وقد خو ... ض في ماء لبة الصنديد
لا بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبجدي علوت لا بجدودي
وبهم فخر كل من نطق الضاد ... دوعوذ الجاني وغوث الطريد
إن أكن معجباً فعجب عجيب ... لم يجد فوق نفسه من مزيد
أنا ترب الندى ورب القوافي ... وسمام العدا وغيظ الحسود
أنا في أمة تداركها الله ... غريب كصالح في ثمود
وله رحمه الله تعالى
كفرندي فرند سيفي الجزار ... نزهة العين عدة للبزار
تحسب الماء خط في لهب النا ... ر أدق الخطوط في الاحراز
كلما رمت لونه منع النا ... ظر موج كأنه منك هازي
ودقيق قديّ الهباء أنيق ... متوال في مستو هزهاز
ورد الماء فالجوانب قدرا ... شربت والتي تليها جوازي
حملته حمائل الدهر حتى ... هي محتاجة إلى خزار
فهو لا تلحق الدماء غراريه ... ولا عرض منتضيه المخازي
يا مزيل الظلام عني وروضي ... يوم شربي ومعقلي في البراز
واليماني الذي لو استطعت كانت ... مقلتي غنده من الاعزاز
إن برقي إذا برقت فعالي ... وصليلي إذا صللت ارتجازي
ولم أحملك معلماً هكذا إلا ... لضرب الرقاب والاجواز
ولقطعي بك الحديد عليها ... فكلانا لجنسه اليوم غازي
سله الركض بعد وهن بنجد ... فتصدى للغيث أهل الحجاز
وتمنيت مثله فكأني ... طالب لابن صالح من يوازي
ليس كل السراة بالزور باري ... لا ولا كل ما يطير بباز
فارسي له من المجد تاج ... كان من جوهر على ابرواز
نفسه فوق كل أصل شريف ... ولو أني له إلى الشمس عازي
شغلت قلبه حسان المعالي ... عن حسان الصدور والأعجاز
(1/106)

وكان الفريد والدر واليا ... قوت من لفظه وسام الركاز
تقضم الجمر والحديد الأعادي ... دونه قضم سكر الأهواز
بلغته البلاغة الجهد بالعفو ... ونال الاسهاب بالايجاز
حامل الحرب والديات عن القو ... م وثقل الديون والأعواز
كيف لا يشتكي وكيف تشكو ... وبه لا بمن شكاها المرازي
أيها الواسع الغناء وما فيه ... ميت لمالك المجتاز
بك أضحى شبا الأسنة عندي ... كشبا أسوق الجراد النوازي
وانثنى عني الرديني حتى ... دار دور الحوف في هواز
وبآبائك الكرام التأسي ... والتسلي عمن مضى والتعازي
تركوا الأرض بعد ما ذللوها ... ومشت تحتهم بلا مهماز
وأطاعتهم الجيوش وهيبوا ... فكلام الورى لهم كالنحاز
وهجان على هجان تؤاتيك ... عديد الحبوب في الأقواز
صفها السير في العراء فكانت ... فوق مثل الملاء مثل الطراز
وحكى في اللحوم فعلك من الوفر ... فأودى بالعنتريس الكناز
كلما جادت الظنون بوعد ... عنك جادت يداك بالإنجاز
لك منشد القريض لديه ... واضع الثوب في يدي بزاز
ولنا القول وهو أدرى بفحوا ... هـ وأهدى فيه إلى الإعجاز
ومن الناس من تجوز عليه ... شعراً كأنها الخاز باز
ويرى أنه البصير بهذا ... وهو في العمى ضائع العكاز
كل شعر نظير قائله في ... ك وعقل المجيز عقل المجاز
وله رحمه الله تعالى
هذي برزت لنا فهجت رسيسا ... ثم انثنيت وما شفيت نسيسا
وجعلت حظي منك حظي في الكرى ... وتركتني للفرقدين جليسا
قطعت دياك الخمار بسكرة ... وأدرت من خمر الفارق كؤوسا
إن كنت ظاعنة فإن مدامعي ... تكفي مزادكم وتروي العيسا
حاشا لمثلك أن تكون بخيلة ... ولمثل وجهك أن يكون عبوسا
(1/107)

ولمثل وصلك أن يكون ممنعاً ... ولمثل نيلك أن يكون خسيسا
خود جنت بيني وبين عواذلي ... حرباً وغادرت الفؤاد وطيسا
بيضاء يمنعها تكلم دلها ... تيهاً ويمنعها الحياء تميسا
لما وجدت دواء دائي عندها ... هانت عليّ صفات جالينوسا
أبقى زريق للثغور محمداً ... أبقى نفيس للنفيس نفيسا
إن حل فارقت الخزائن ماله ... أو سار فارقت الجسوم الرؤسا
ملك إذا عاديت نفسك عاده ... ورضيت أوحش ما كرهت أنيسا
الخائض الغمرات غير مدافع ... والشمرى المطعن الدعيسا
كشفت جمهرة العباد فلم أجد ... إلا مسوداً جنبه مرؤسا
بشر تصور غاية في آية ... ينفي الظنون ويفسد التقبيسا
وبه يضن على البرية لا بها ... وعليه منها لا عليها يوسى
لو كان ذو القرنين أعمل رأيه ... لما أتى الظلمات صرن شموسا
أو كان صارف رأس عاز سيفه ... في يوم معركة لأعيا عيسى
أو كان لج البحر مثل يمينه ... ما انشق حتى جاز فيه موسى
أو كان للنيران ضوء جبينه ... عبدت فصار العالمون مجوسا
لما سمعت به سمعت بواحد ... ورأيته فرأيت منه خميسا
ولحظت أنمله فلن مواهبا ... ولمست منصله فسال نفوسا
يا من نلوذ من الزمان بظله ... أبداً ونطرد باسمه إبليسا
صدق المخبر عنك دونك وصفه ... من بالعراق يراك في طرسوسا
بلد أقمت به وذكرك سائر ... يشنا المقيل ويكره التعريسا
فإذا طلبت فريسة فارقته ... وإذا خدرت تخذته عريسا
إني نثرت عليك درّاً فانتقد ... كثر المدلس فاحذر التدليسا
حجبته عن أهل أنطاكية ... وجلوتها لك فاجتليت عروسا
خير الطيور على القصور وشرها ... يأوي الخراب ويسكن الناؤسا
لو جادت الدنيا فدتك بأهلها ... أو جاهدت كتبت عليك حبيسا
(1/108)

وله رحمه الله تعالى
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توهم
وعادى محبيه بقول عداته ... فأصبح في ليل من الشك مظلم
وما كل هاو للجميل بفاعل ... ولا كل فعال له بمتمم
وأحسن وجه في الورى وجه محسن ... وأيمن كف فيهم كف منعم
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو إساءة مجرم
ابن الرومي
ليس عند البشر للقا ... طب من فرط اختياله
بل ألاقيه عبوساً ... باسراً في مثل حاله
أنا كالمرآة ألقى ... كل وجه بمثاله
الشريف الرضي رضي الله عنه
اشتر العز بما يبيع ... فما العز بغالي
بالعصر الصفر إن شئت ... أو السمر الطوال
ليس بالمغبون عقلاً ... من شرى عزاً بمال
إنما يدخر المال ... لحاجات الرجال
والفتى من جعل الأموال ... أثمان المعالي
وله رحمه الله تعالى
عجباً للزمان في حالتيه ... وبلاء وقت منه إليه
أي خير أرجو من الدهر في الد ... هر وما زال قائلاً لبنيه
من يعمر يفجع لفقد الأحبا ... ء ومن مات فالمصيبة فيه
ربّ يوم بكيت منه فلما ... صرت في غيره بكيت عليه
وله رضي الله عنه
بين الأظاعن حاجة خلفتها ... أودعتها يوم الفارق مودعي
وأظنها لا بل يقيني إنها ... قلبي لأني لم أجد قلبي معي
المهيار الديلمي رحمه الله تعالى
اذكرونا مثل ذكرانا لكم ... رب ذكرى قربت من نزحا
وارحموا صبا إذا غنى بكم ... شرب الدمع وعافا القدحا
(1/109)

وله رحمه الله تعالى
أودع فؤادي حرقاً أودع ... نفسك تؤذي أنت في أضلعي
أمسك سهام اللحظ أو فارمها ... أنت بما ترمي مصاب معي
موقعها القلب وأنت الذي ... مسكنه في ذلك الموضع
أبو اسحق الصابي رحمه الله تعالى
طيب عيشي في عناقك ... ووفاتي في فراقك
أنت لي بدر فلا عش ... ت إلى يوم محاقك
فاسقني الصهباء صرفاً ... أو بمزج من رياقك
لا أريد الماء إلا ... عند غسلي من عناقك
وله رحمه الله تعالى
جرت الجفون دماً وكأسي في يدي ... شوقاً إلى من لج في هجراني
فتخالف الفعلان شارب قهوة ... يبكي دماً وتشاكل اللونان
فكأنما في الجفن من كاسي جرى ... وكأنما في الكأس من أجفاني
صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى
خذ فرصة اللذات قبل فواتها ... وإذا دعتك إلى المدام فواتها
وإذا ذكرت التائبين عن الطلا ... لا تنس حسرتهم على أوقاتها
يرنون بالألحاظ شزراً كلما ... صبغت أشعتها اكف سقاتها
كأس كساها النور لما أن بدا ... مصباح جرم الراح في مشكاتها
صفها إذا جليت بأحسن وصفها ... كي تشرك الأسماع في لذاتها
لولا التذاذ السامعين بذكرها ... لغنيت عن أسمائها وصفاتها
وما أحلى قوله منها
وراح حكت ثغر الحبيب وخده ... بحبابها وصفائها وصفاتها
فكأنما في الكأس قابل صفوها ... ثغر الحبيب فلاح في مرآتها
فلئن نهى عنها المشيب فطالما ... نشأت لي الأفراح من نشواتها
وتبرجت لي في الزجاجة بكرها ... بين الرياض فكنت بعض زناتها
والقضب دانية على ظلالها ... والزهر تيجان على هاماتها
والماء يخفى في التدفق صوته ... والورق تسجع باختلاف لغاتها
(1/110)

ولقد تركت وصالها عن قدرة ... وزجرت داعي النفس عن شبهاتها
لم أشك جور الحادثات وإن أقل ... حالت بي الأيام عن حالاتها
مالي أعدّ لها مساوي جمة ... والصالح السلطان من حسناتها
رب العفاف المحض والنفس التي ... غلبت مرؤتها على شهواتها
ملكية فلكية يسمو بها ... كرم ترسخ كنهه من ذاتها
تحتال في العذر الجميل لوفدها ... كرماً ولكن بعد بذل هباتها
سبقت مواهبه السؤال فما له ... عدة مؤجلة إلى ميقاتها
ملك تقر له الملوك بأنه ... انسان أعينها وعين حياتها
لو لم ينط بالبشر هيبة وجهه ... ذهلت بنو الآمال عن حاجاتها
يعطي الألوف لو أفديه براحة ... تفنى يد الأحداث من سطواتها
فكأنما قتل الحوادث بالندى ... وغداً يؤدي للعفاة ديانها
وله رحمه الله تعالى
ليت شعري بما تشاغلت عنا ... يا خليا أشقى القلوب وعنا
وبماذا اغتنيت عن وصل خلّ ... عنك يثنى ولم يكن عنك يثنى
فاتق الله في عذاب محب ... كلما جن ليله فيك جنا
ثم عد للوصال من غير مطل ... مثل ما كنت يا حبيب وكنا
سيدي قد علمت فيك اعتقادي ... فلما قد أسأت بالبعد ظنا
أنت مليتنا ولم نجن ذنبا ... لو علمنا ذنباً إليك لتبنا
بالرضا كان منك صدك والبعد ... وكان الفراق بالرغم منا
يا معير الغزال جيداً وطرفا ... ومغير القضيب لما تثنى
قد وجدنا الجمال فيك ولكن ... فيك حسن ولم يكن فيك حسني
وله رحمه الله تعالى
قالت لقد أشمتّ بي حسّدي ... إذ بحت بالسر لهم معلنا
أهكذا تفعل في حقنا ... وتظهر الأعداء على سرنا
قلت أنا قالت وإلا فمن ... قلت أنا قالت وإلا أنا
(1/111)

قلت نعم أنت التي صيرت ... أجفانها الجسم حليف الضنى
قالت فلم طرفك فهو الذي ... جنى على جسمك ما قد جنا
قلت فقد كان الذي كان من ... طرفي فكوني أنت من أحسنا
قالت فما الاحسان قلت اللقا ... قالت لقانا عز أن يمكنا
قلت فمنيتي بتقبيلة ... قالت أمنيتك بطول العنا
قلت فإني ميت تألف ... قالت فمت ذاك لقلبي المنى
من يعشق العينين مكحولة ... بالغنج لا يأمن أن يقتنا
وقال رحمه الله تعالى في شاب جميل نام في مجلس فسقطت شمعة فاحترقت شفته.
وذي هيف زارني ليلة ... فأمسى به الهم في معزل
فمالت لتقبيله شمعة ... ولم تخش من ذلك المحفل
فقلت لصحبي وقد حكمت ... صوارم لحظيه في مقلتي
أتدرون شمعتنا لم هوت ... لتقبيل ذاك الرشا الأكحل
درت أن ريقته شهدة فحنت ... إلى إلفها الأول
وله رحمه الله تعالى
ومذ كنت ما أهديت للخل خاتما ... ومسكاً وكافوراً ولا بست عينه
ولا القلم المبري أخشى عداوة ... تكون مدى الأيام بيني وبينه
وله رحمه الله تعالى
نُقيط من مُسيك في وُريد ... خويلك أم وُشيم في خُديد
وذياك اللوُيمع في الضُحيا ... وجيهك أم قمبر في سُعيد
ظبيبي بل صُبيبي في قُبى ... مُريهيب السطيوة كالأسيد
مُعيشيق الحُريكة والمُحيا ... مميشيق السُويلف والقُديد
مُعيسيل اللُمى له ثغير ... رُويقته خُيير أُفيلاذ الكُبيدي
رويدك بالنبي فلي قُليب ... مُسيليب المُهيجة والجُليد
جفيني من هُجيرك في سُهير ... أُطيول من مُطيلك بالوعيد
(1/112)

وله عفا الله عنه في المجون
وليلة طال سهادي بها ... فزارني ابليس عند الرقاد
فقال لي هل لك في قحبة ... هندية من أهل أكبر آباد
قلت نعم قال وفي قهوة ... عتقها العاصر من عهد عاد
قلت نعم قال وفي مطرب ... إذا شدا يرقص منه الجماد
قلت نعم قال وفي طفلة ... في وجنتيها للحيا اتقاد
قلت نعم قال وفي شادن ... قد كحلت أجفانه بالسواد
قلت نعم قال فنم آمناً ... يا كعبة الفسق وركن الفساد
وكتب عفا الله عنه إلى بعض الفضلاء وقد بلغه أنه اطلع على ديوانه وقال لا عيب فيه سوى أنه خال من الألفاظ الغريبة
إنما القنذ قيد والدردبيس ... والطخا والنقاخ والعلطبيس
والغطاريس والشقحطت والصقت ... والحربصيص والعطروس
والجراجيح والعنفسق والعفلق ... والطرفسان والعسطوس
لغة ينفر السامع منها ... حين تتلى وتشنئز النفوس
وقبيح أن يسلك النافر منها ... اختياراً ويترك المأنوس
إن خير الألفاظ ما طرب السا ... مع منه وطاب فيه الجليس
أين قولي هذا كثيب قديم ... ومقالي عقنقل قدموس
لم نجد شادناً يغني ... قفا نبك على العود إذا تدار الكؤوس
أتراني إن قلت للمحب ... يا علق ادري أنه العزيز النفيس
أو تراه يدري إذا قلت خب العير ... أني أقول سار العيس
رست هذه اللغات وأضحى ... مذهب الناس ما يقول الرئيس
إنما هذه القلوب حديد ... ولذيذ الألفاظ مغناطيس
وما أحسن قول الحاجري رحمه الله
أيا باخلاً أبداً عليّ بنظرة ... يفديك من بحياته لك يسمح
جرحت لحاظك لب قلبي فاغتدى ... دمه من الجفن المسهد ينضح
(1/113)

لام العواذل في هواك وقصدهم ... نصحي بذاك فأفسدوا ما اصلحوا
ما تنقضي بخفاك مني ليلة ... إلا وقد آيست أن لا أصبح
وله رحمه الله تعالى
سلوا ظبية الوادي التي فقدت خشفا ... ألا هل لها وجد من الشوق لا يطفى
وقولوا لورقاء الأراك أعندها ... من الشوق ما عندي إذا ذكرت إلفا
وهيهات مثلي في الغرام متيم ... يرى كل يوم في صبابته الحتفا
خليليّ عوجا نسأل الريح حاجة ... بنجد فإني قد عرفت بها عرفا
ولا تعذلاني إن لثمت أراكة ... تميل فمن سلمى تعلمت العطفا
وله رحمه الله
أنت الحياة وأنت السمع والبصر ... كيف احتيالي ومالي عنك مصطبر
فارقتني فنهاري كله حرق ... وغبت عني فليلي كله سهر
لو فارق الحجر القاسي أحبته ... لذاب من حر نار الفرقة الحجر
ابعث خيالك في جنح الظلام ترى ... ما بي من الوجد والبلوى فتعتبر
إذا تذكرت أياماً بقربكم ... ولت تطاير من أنفاسي الشرر
جهد المتيم أشواق فيظهرها ... دمع على صفحات الخد ينحدر
لا كان في الدهر يوم لا أراك به ... ولا بدت فيه شمس ولا قمر
وله لا فضّ فوه رحمه الله تعالى
الله يعلم ما أبقى سوى رمق ... مني فراقك يا من قربه الأمل
فابعث كتابك واستودعه تعزية ... فربما مت شوقاً قبل ما يصل
وله رحمه الله تعالى
ولما ابتلى بالحب رق لشقوتي ... وما كان لولا الحب ممن يرق لي
أحب الذي هام الحبيب بحبه ... ألا فاعجبوا من ذا الغرام المسلسل
ويطربني قوله
بت ناعم البال بقلب خلي ... الهم والأحزان والوجد لي
حساد لذاتك تبلي ... بما بت من الشوق به مبتلى
قد برح الهجر فكم ذا الجفا ... يا غاية الآمال لا تفعل
(1/114)

اذكر عهوداً كنت عاهدتني ... إذ نحن بالشرقي من أربل
والكاس صرف ونسيم الصبا ... يخجل نشر المسك والمندل
وكلما ناولني قبلة ... أشرق وجه الزمن المقبل
وأنت بالقرب إلى جانبي ... أحسن من حسناء تحت الحلي
يا راقد الطرف هناك الكرى ... إني عن الرقدة في معزل
كم قلت خوفاً من دواعي الهوى ... إياك والهجر فلم تقبل
وله رحمه الله تعالى
من يكن يكره الفراق فإني ... أشتهيه لموضع التسليم
إن فيه اعتناقة لوداع ... وانتظار اعتناقه لقدوم
القاضي الأرجاني رحمه الله تعالى
نفسي فداؤك أيهذا الصاحب ... يامن هواه عليّ فرض واجب
لم طال تقصيري وما عاتبتني ... فأنا الغداة مقصر ومعاتب
ومن الدليل على ملالك أنني ... قد غبت أياماً ومالي طالب
وإذا رأيت العبد يهرب ثم لم يطلب فمولى العبد منه هارب
أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني رحمه الله تعالى
من أين للعارض الساري تلهبه ... وكيف طبق وجه الأرض صيبه
هل استعار جفوني فهي تنجده ... أم استعار فؤادي فهو يلهبه
بجانب الكرخ من بغداد لي سكن ... لولا التجمل لم أنفك أندبه
وصاحب ما صحبت اللهو مذ بعدت ... دياره وأراني لست أصحبه
في كل يوم لعيني ما يؤرقها ... منذكره ولقلبي ما يعذبه
ما زال يبعدني عنه وأتبعه ... ويستمر على ظلمي وأعتبه
حتى رثى لي النوى من طول جفوته ... وسهلت لي طريقاً كنت أرهبه
وما البعاد دهاني بل خلائقه ... ولا الفراق شجاني بل تجنبه
وله رحمه الله تعالى
وغنج عينيك وما أودعت ... أجفانها قلب سح وامق
ما خلق الرحمن تفاحتي ... خدك إلا لفم العاشق
(1/115)

وله رحمه الله تعالى
أفدى الذي قال وفي كفه ... مثل الذي اشرب من فيه
الورد قد أينع في وجنتي ... قلت فمي باللثم يجنيه
محمد بن عبد العزيز النيسابوري رحمه الله
إذا رأيت الوداع فاصبر ... ولا يهمنك البعاد
وانتظر العود عن قريب ... فإن قلب الوداع عاد
أبو فراس الهمداني
هبه أساء كما ذكرت فهب له ... وارحم تضرعه وذل مقامهد
بالله ربك فتكت بصبره ... ونصرت بالهجران جيش سقامه
فرقت بين جفونه ومنامه ... وجمعت بين نحوله وعظامه
الشيخ أبو المواهب رحمه الله تعالى
دو جمال همت في عشقته ... فتن العشاق عرباً وعجم
لاح بدر التمّ من طلعته ... وبدا البرق إذا الثغر ابتسم
بات يجلو الراح في راحته ... ويدير الكاس في جنح الظلم
غلب النوم على مقلته ... قلت والوجد بقلبي قدحكم
أيها الراقد في لذته ... نم هنيئاً إن عيني لم تنم
يا هلالاً قد سبى شمس الضحى ... كل ما فيك وعينيك حسن
صل محباً ما له من مسعف ... قد جفاه من تجافيك الوسن
يا مريض الجفن يا من لحظه ... سلّ سيفاً للمحبين وسن
جفنك النعاس من كسرته ... كم شجاع منه ولى وانهزم
أيها الراقد في لذته ... نم هنيئاً إن عيني لم تنم
الشيخ العارف بهاء الدين العاملي رحمه الله تعالى
يا نديمي بمهجتي أفديك ... قم واملا الكؤوس من هاتيك
قهوة إن ظللت ساحتها ... فسنا نور كاسها يهديك
هاتها هاتها مشعشعة ... أفسدت نسك ذي التقى النسيك
يا كليم الفؤاد داوي بها ... قلبك المبتلى لكي تشفيك
(1/116)

هي نار الكليم فاجتلها ... واخلع النعل واترك التشكيك
صاح ناهيك بالمدام فدم ... في احتساها مخالفاً ناهيك
عمرك الله قل لنا كرمً ... يا حمام الأراك ما يبكيك
ترى غاب عنك أهل منى ... بعد ما قد توطنوا واديك
إن لي بين ربعهم رشأ ... طرفه إن تمت أسى يحييك
ذو قوام كأنه ألف ... مال لما بدا به التحريك
لست أنساه إذا أتى سحراً ... وحده وحده بغير شريك
طرق الباب خائفاً وجلا ... قلت من قال كل ما يرضيك
قلت صرح فقال تجهل من ... سيف ألحاظه تحكم فيك
قمت من فرحتي فتحت له ... واعتنقنا فقال لي يهنيك
بات يسقي وبتّ أشربها ... قهوة تترك المقلّ مليك
ثم جاذبته الرداء وقد ... خامر الخمر طرفه الفتيك
قال لي ما تريد قلت له ... يا منى القلب قبلة في فيك
قال خذها فمذ ظفرت بها ... قلت زدني فقال لا وأبيك
ثم وسدته اليمين إلى ... أن دنا الصبح قال لي يكفيك
قلت مهلاً فقال قم فلقد ... فاح نشر الصبا وصاح الديك
الشيخ الأديب نفطويه رحمه الله
كم قد خلوت بمن أهوى فيمنعني ... منه الحياء وخوف الله والحذر
وكم ظفرت بمن أهوى فيقنعني ... منه الفكاهة والتجميش والنظر
أهوى الملاح وأهوى أن أخالطهم ... وليس لي في حرام منهم وطر
كذلك الحب لا اتيان معصية ... لا خير في لذة من بعدها سقر
السيد الألمعي شهاب الدين ابن معتوق الموسوي رحمه الله
سفرت فبرقعها حجاب جمال ... وصحت فرنحها سلاف دلال
وجلت بظلمة فرعها شمس الضحى ... فمحا نهار الشيب ليل قذالي
وتبسمت خلف اللثام فحلتها ... غيما تخلله وميض لآلي
ورنت فشد على القلوب بأسرها ... أسد المنية من جفون غزال
(1/117)

ما كنت أدري قبل سود جفونها ... أن الجفون مكامن الآجال
بكر تقوّم تحت حمر ثيابها ... عرض الجمال الجوهر السيال
ريانة وهب الشباب أديمها ... لطف النسيم ورقة الجريال
عذبت مراشفها فأصبح ثغرها ... كالأقحوان على غدير زلال
وسرى بوجنتيها الحياء فأشبهت ... ورداً تفتح في نسيم شمال
وسخا الشقيق لها بحية قلبه ... فاستعملتها في مكان الخال
حتام يطمع في نمير وصالها ... قلبي فتورده سراب مطال
علت بخمر رضابها فمزاجها ... لم يصح يوماً من خمار ملال
هي منيتي وبها وحصول منيتي ... وضياء عيني وهي عين ضلالي
أدنو إليها والمنية دونها ... فأرى مماتي والحياة حيالي
تخفى فيخفيني النحول وتنجلي ... فيقوم في البدر التمام ظلالي
علقت بها روحي فجردها الضنى ... من جسمها وتعلقت بشمالي
فلو أنني في غير يوم زرتها ... لتوهمني زرنها بخيالي
لم يبق مني حبها شيئاً سوى ... شوق ينازعني وجذبة حال
من لم يصل في الحب مرتبة الفنا ... فوجوده عدم وفرض محال
فكري يصورها ولم تر غيرها ... عيني ورسم جمالها بخيالي
بانت فما سجعت بلابل بانة ... إلا أبانت بعدها بلبالي
ومحال البلا مثلي معاهدها ومن ... عجب يجددها الغرام ببالي
أنا في غدير الكرختين ومهجتي ... معها بنجد من ظلال الضال
حيا الحيا حياً بأكناف الحمى ... تحميه بيض ظبا وسمر عوالي
حيا حوى الأضداد فيه فنقعه ... ليل يقابله نهار نصال
تلفى بكلّ من خدور سراته ... شمس قد اعتنقت ببدر كمال
جمع الضراغم والمها فحيامه ... كنس الغزال وغابة الرئبال
وسقى زماناً مر في ظهر النقا ... ولياليا سلفت بعين أثال
ليلات لذات كأن ظلامها ... خال على وجه الزمان الخالي
نظمت على نسق العقود فأشبهت ... بيض اللآلي وهو بيض ليالي
(1/118)

خير الليالي ما تقدم في من جرح بجارحة وسهم وبال
لله كم لك يا زماني في من ... جرح بجارحة وسهم وبال
صبرتني هدفا فلو يسقى الحيا ... جدثي لأنبت تربتي بنبال
ألفت خطوبك مهجتي فتوطنت ... نفسي على الأقدام في الأهوال
وترفعت بي بهمتي عن مدحة ... لسوى جناب أبي الحسين العالي
وله رضي الله عنه
ضحكت فأبدت عن عقود جماني ... فجلت لنا فلق الصباح الثاني
وتزحزحت ظلم البراقع عن سنا ... وجناتها فتثلث القمران
وتحدثت فسمعت نطقا لفظه ... سخر ومعناه سلافة حاني
ورنت فخرقت القلوب بمقلة ... طرف السنان وطرفها سيان
وترنمت فشدت حمائم حليها ... وكذاك دأب حمائم الأغصان
لم تلق غصنا قبلها من فضة ... يهتز في ورق من العقيان
عربية سعد العشيرة أصلها ... والفرع منها من بني السودان
خود تصوب رؤية خدها ... أراء من عكفوا على النيران
يبدو محياها فلولا نطقها ... لحسبتها وثنا من الأوثان
لم تصلب القرط البري لغاية ... إلا لتنصر دولة الصلبان
وكذاك لم تضعف جفون عيونها ... إلا لتقوى فتنة الشيطان
خلخالها يخقى الأنين وقرطها ... قلق كقلب الصب في الخفقان
تهوى الهلة إن تصاغ أساورا لتحل منها في محل الحان
بخمارها غسق وتحت لثامها ... شفق وفي أكمامها فجران
سبحان من بالخد صوّر خالها ... فأزان عين الشمس بالإنسان
أمر الهوى قلبي يهيم بحبها ... فأطاعه فنهيته فعصاني
هي في غدير الشهد تخزن لؤلؤاً ... وأجاج دمعي مخرج المرجان
يا قلب دع قول الوشاة فإنهم ... لو أنصفوك لكنت أعذر جاني
أصحاب موسى بعده في عجلهم ... فتنوا وانت بأملخ الغزلان
عذب العذاب بها لدّي فصحتي ... سقمي وعزي في الهوى بهوان
(1/119)

لله نعمان الأراك فطالما ... نعمت بها روحي على نعمان
وسقى الحيا منا كرام عشيرة ... كفلوا صيانتها بكل يماني
أهل الحمية لا تزال بدورهم ... تحمى الشموس بأنجم خرساني
أسد تخوض السابغات رماحهم ... خوض الأفاعي راكد الغدران
تردى بهم ربد كأن سهامها ... وهبت لهن قوادم العقبان
كم من مطوقة بهم تشدو على ... رطب الغصون ويابس العيدان
لانت معاطفهم وطاب أريجهم ... فكأنهم قطب من الريحان
من كل واضحة كأن جبينها ... قبس تقنع في خمار دخان
ويلاه كم أشقى بهم وإلى متى ... فيهم يخلد بالجحيم جناني
ولقد تصفحت الزمان وأهله ... ونقدت أهل الحسن والإحسان
فقصرت تشبيبي على ظبياتهم ... وحصرت مدحي في عليّ الشان
فهم دعوني للنسيب فصغته ... وأبو الحسين إلى المديح دعاني
وله رحمه الله تعالى
قسماً بسلع وهي حلفة وامق ... أقصاه صرف البين عن جيرانه
ما اشتاق سمعي ذكر منزلة طيبة ... إلا وهمت بساكني وديانه
بلد إذا شاهدته أيقنت أن ... الله ثمن فيه سبع جنانه
ثغر حمته صفاح أجفان المها ... وتكنفتهرماح أسد طعانه
تمسي فراش قلوب أرباب الهوى ... تلقى بأنفسها على نيرانه
لولا روايات الصبا من أهله ... لم يرو طرفي الدمع عن إنسانه
لا تنكروا بحديثهم ثملى إذا قصّ المحدث عن سلافة حانه
هم أقرطوا سمعي الجمان وطالبوا ... فيه مسيل الدمع من مرجانه
فعلام يفجعني الزمان بفقدهم ... ولقد رأى جلدي على حدثانه
عتبي على هذا الزمان مطول ... يفضي إلى الاطناب شرّ بيانه
هيهات أن ألقاه وهو مسالمي ... إن الأديب الحرّ حرب زمانه
تهوى وتطمع أن تفرّ من الهوى ... كيف الفرار وأنت رهن ضمانه
يا للرفاق فمن لمهجة مدنف ... نيرانها نزعت شوى سلوانه
(1/120)

لم ألق قبل العشق ناراً أحرقت ... بشراً وحب المصطفى بجنانه
خير النبيين الذي نطقت به ... التوراة والإنجيل قبل اوانه
كهف الورى غيث الصريخ معاذه ... وكفيل نجدته وخط أمانه
المنطق الصخر الأصم بكفه ... والمخرس البلغاء في تبيانه
لطف الإله وسرّ محكه الذي ... قد ضاق صدر الغيب عن كتمانه
قرن به التوحيد أصبح ضاحكاً ... والشرك منتحباً على أوثانه
نسخت شريعة دينه الصحف الأولى ... في محكم الآيات من فرقانه
تمسي الصوارم في النجيع إذا سطا ... وخدودها مخضوبة بدهانه
لم يفت يرقب خصمه الآفاق في ... طرف تحامى النوم عن أجفانه
وجلا يظن اليوم لمع سيوفه ... ويرى نجوم الليل من خرسانه
قلب الكمى إذا رآه وقد نضى ... سيفاً كقرط الخود في خفقانه
ولربّ معترك زها روض الظبا ... فيه وسمر اللدن من قضبانه
خضب النجيع قتير سرد حديده ... فشقيقه يزهو على غدرانه
تبكي الجراح النجل فيه والردى ... متبسم والبيض من أسنانه
فتكت عوامله وهنّ مغالة ... بجوارح الآساد من فرسانه
جبريل من إخوانه ميكال من ... أخدانه عزريل من أعوانه
نور بدا فأبان عن فلك الهدى ... وجلا الضلالة في سنا برهانه
شهدت حواميم الكتاب بفضله ... وكفى به فخراً على أقرانه
سل عنه يسينا وطه والضحى ... إن كنت لم تعلم حقيقة شانه
وسل المشاعر والحطيم وزمزما ... عن فخر هاشمه وعن عمرانه
يسمو الذراع بأخمصيه ويهبط الأ ... كليل يستجدي على تيجانه
لو تستجير الشمس فيه من الدجى ... لغدا الدجى والفجر من أكفانه
أو شاء منع البدر في افلاكه ... عن سيره لم يسر في حسبانه
أورام من فوق المجرة مسلكا ... لجرت بحلبتها خيول رهانه
لا تنفذ الأقدار في الأقطار في ... شيء بغير الإذن من سلطانه
الله سخرها له فجموحها ... سلس القياد إليه طوع عنانه
(1/121)

فهو الذي لولاه نوح مانجا ... في فلكه المشحون من طوفانه
كلا ولا موسى الكليم سقى الردا ... فرعونه وسما على هامانه
إن قيل عرش فهو حامل ساقه ... أو قيل لوح قيل من عنوانه
روض النعيم ودوح طوباه الذي ... تجني ثمار الجود من افنانه
يا سيد الكونين بل يا أرجح الثقلين ... عند الله في أوزانه
والمخجل القمر المنير بتمه ... في حسنه والغيث في إحسانه
والفارس الشهم الذي هبواته ... من نده والسمر من ريحانه
عذراً فهذا المدح عنك مقصر ... والعبد معترف بعجز لسانه
ما قدره ما شعره بمديح من ... يثني عليه الله في قرآنه
لولاك ما قطعت بي العيس الفلا ... وطويت فدفده إلى طغيانه
أملت فيك وزرت قبرك مادحا ... لأفوز عند الله في رضوانه
عبد أتاك يقوده حسن الرجا ... حاشا نداك يعود في حرمانه
فاقبل إنابته إليك فإنه ... بك يستيل الله من عصيانه
فاشفع له ولأهله يوم الجزا ... ولوالديه وصالحي إخوانه
صلى عليك الله يا مولى الورى ... ما حنّ مغترب إلى أوطانه
وله رحمه الله تعالى
ألا يا أهل مكة إن قلبي ... بكم علقته أشراك العيون
جميعي صفقة مني اشتريتم ... فديتكم فلم أبغضتموني
فقد تم نحو مكتكم فؤادي ... وبين الكرختين تركتومني
لقد أغرقتم بالدمع جسمي ... وأشعلتم لفرقتكم قروني
غرامي في هواكم عامري ... فهل ليلى كما علمت جنوني
أمنتكم على قلبي فخنتم ... وأنتم سادة البدر الأمين
لئن أستكم الأيام عهدي ... فذكركم نجيبي كل حين
وقال رحمه الله تعالى في صباه يصف الأفق حين غروب الشمس وطلوع النجوم
كأنما الأفق لما شمسه غربت ... والليل يشمل در الشهب مسدفه
صبّ تردى بأثواب الأسى فبكى ... بدمع يعقوب لما غاب يوسفه
(1/122)

الأمير علي بن المقرب العيوني رحمه الله تعالى
خلياني من وطاء ووساد ... لا أرى النوم على شوك القتاد
وارحلا من قبل أن لا ترحلا ... فالبلايا كل يوم في ازدياد
واتركاني من أباطيل المنى ... فهو بحر ليس يروى منه صادي
وابذلا في العز مجهوديكما ... لا يلام المرء بعد الاجتهاد
إنما تدرك غايات المنى ... بمسير وطعان وجلاد
من نصيري من زمان فاسد ... جعل الأمر إلى أهل الفساد
كلما قلت له ذا سرف ... في التعدي قال هذا اقتصادي
وما أحسن قوله منها:
أه واشقوة أرباب العلى ... هلك المجد إلى يوم التناد
يا بغاث الطير طيري وانظري ... هرب البازي من كلب الجراد
وارتعي يا بقر الحرث فقد ... لعب الضيون بالأسد الوراد
ولذا نودي لإخوانكم ... بعلو الأمر في كل البلاد
طبت يا موت فإن شئت فزر ... ليس عيش الدهر يوماً من مرادي
قبح الله حياة قرنت ... بشقي الضيم وإشمات الأعادي
غير مخط لو تمنيت الردى ... دولة الأوباش من سقم الفؤاد
وله رحمه الله تعالى:
ماذا بنا في طلاب العز ننتظر ... بأي عذر إلى العلياء نعتذر
لا الزند كاب ولا الآباء مقرفة ... ولا بباعك عن باع العلى قصر
لا عز قومك كم هذا الخمول وكم ... ترعى المنى حيث لا ماء ولا شجر
فاطلب لنفسك عن دار القلا بدلا ... إن جنة الخلد فانت لم تفت سقر
أما علمت بأن العجز مجلبة ... للذلّ والقلّ ما لم يغلب القدر
وليس تدفع عن حي منيته ... إذا أتت عوذ الرقى ولا النشر
ولا يجلي الهموم الطارقات سوى ... نصّ النجائب والروحات والبكر
والذكر ييحيه إما وابل غدق ... من النوال وإما صارم ذكر
(1/123)

واحسرتي لتقضى العمر في نفر ... هم شياطين لولا النطق والصور
السيد العارف عبد الله بن علوي الحداد رضي الله تعالى عنه
سلام سلام كمسك الختام ... عليكم أحبابنا يا كرام
ومن ذكرهم أنسنا في الظلام ... ونور لنا بين هذا الأنام
سكنتم فؤادي ورب العباد ... وأنتم منائي وأقصى المراد
فهل تسعدوني بصفو الوداد ... وهل تمنحوني شريف المقام
أنا عبدكم يا أهيل الوفا ... وفي قربكم مرهمي والشفا
فلا تسقموني بطول الجفا ... ومنوا بوصل ولو في المنام
أموت وأحيا على حبكم ... وذلي لديكم وعزي بكم
وراحات روحي رجا قربكم ... وعزمي وقصدي إليكم دوام
فلا عشت إن كان قلبي سكن ... إلى البعد عن أهله والوطن
ومن حبهم في الحشا قد قطن ... وخامر مني جميع العظام
إذا مرّ بالقلب ذكر الحبيب ... ووادي العقيق وذاك الكثيب
يميل كميل القضيب الرطيب ... ويهتز من شوقه والغرام
أموت وما زرت ذاك القنا ... وتلك الخيام وفيها المنى
ولم أدن يوماً كمن قد دنا ... للثم المحيا وشرب المدام
لئن كان هذا فيا غربتي ... ويا طول حزني ويا كربتي
ولي حسن ظن به قربتي ... بربي وحسبي به يا غلام
عسى الله يشفي عليل الصدود ... بوصل الحبائب وفك القيود
فربي رحيم كريم ودود ... يجود على من يشا بالمرام
ولبعضهم في الورد إذا استقطر ماؤه
لم أنس قول الورد حين جنيته ... والنار في أحشائه تستعر
ناشدتكم فما هذي دموعي التي ترى ... ولكنها روحي تذوب فتقطر
ولبعضهم فيه
ولم قول الورد والنار قد سطت ... عليه فأمسى دمعه يتحدّر
ترفق فما هذي دموعي التي ترى ... ولكنها روحي تذوب فتقطر
(1/124)

ولبعضهم في الورد والزئبق
قد نشر زئبق أعلامه ... وقال كل الزهر في خدمتي
فأقبل الورد به هاربا ... وقال ما تحذر من سطوتي
وقال للأزهار ماذا الذي ... يقوله الأشيب في حضرتي
فامتعظ الزئبق من قوله ... وقال للأزهار يا عصبتي
يكون هذا الجيش بي محدقاً ... ويضحك الورد على شبيتي
ولبعضهم
إن تلقك الغربة في معشر ... قد أجمعوا على بغضهم
فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم
ولله در من قال
تطلبت من يوفي العهود فلم أجد ... وما أحد غيري لذلك واجد
فكم مضمر بغضا يريك محبة ... وفي الزند نار وهو في اللمس بارد
وما أحسن قول القائل
قاسيت في هذه الدنيا شدائدها ... ما مرّ مثل الهوى على راسي
عذاب هاروت في الدنيا وصاحبه ... ألذ من حبّ بعض الناس للناس
الحب كأس من الروعات مترعة ... وكل من كان ذا طرف به حاسي
ولله در القائل
دع السحر من تيم الحب قلبه ... فما السحر إلا في نقوش الدراهم
إذا ما دعوت الطير لباك مسرعاً ... بدرهمك المنقوش لا بالعزائم
ولآخر
فصاحة حسان وخط ابن مقلة ... وحكمة لقمان وزهد ابن أدهم
إذا اجتمعت في المرء والمرء مفلس ... ونودي عليه لا يباع بدرهم
وما أحسن قول القائل
لا تعجبنك أثواب على رجل ... دع عنك ملبسه وانظر إلى الأدب
فالعود لو لم تفح منه روائحه ... لم يحصل الفرق بين العود والحطب
ولله در من قال
(1/125)

خذ من الناس ما تيسر ... ودع من الناس ما تعسر
فإنما الناس من زجاج ... إن لم ترفق به تكسر
وما أحسن قول القائل
خرجت من شيء إلى غيره ... كذلك الفاضل إذ ينسخ
يكتب هذا ثم هذا وذا ... لعله في قلبه يرسخ
ولله در من قال
وإذا رأيت صعوبة في حاجة ... فاحمل صعوبته على الدينار
وابعثه فيما تشتهيه فإنه ... حجر يلين سائر الأحجار
ولله در القائل
وأضر ما لقيت من ألم الهوى ... قرب الحبيب وما إليه وصول
كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول
وما أحسن قول القائل
تالله لست لعهدكم بمضيع ... كلا ولا لجميلكم بالجاحد
لكنني جريتكم فوجدتكم ... لا تصبرون على طعام واحد
ولله در القائل
إلهي لا تعذبني فإني ... مقر بالذي قد كان مني
فما لي حيلة إلا رجائي ... لعفوك إن عفوت وحسن ظني
يظن الناس بي خيراً وإني ... لشر الناس إن لم تعف عني
وكم من ذلة لي في الخطايا ... وأنت عليّ ذو فضل ومنّ
إذا فكرت في ندمي عليها ... عضضت أناملي وقرعت سني
لبعض الشيعة
نحن أناس قد غدا طبعنا ... حب علي بن أبي طالب
يلومنا الجاهل في حبه ... فلعنة الله على الكاذب
الجواب لبعض أهل السنة والجماعة
ما عيبكم هذا ولكنه ... بغض الذي لقب بالصاحب
وطعنكم فيه وفي بنته ... فلعنة الله على الكاذب
ولله در القائل
أقول لجارتي والدمع جاري ... ولي عزم الرحيل من الديار
(1/126)

ذريني أن أسير ولا تنوحي ... فإن الشهب أشرفها السواري
ولله در القائل
أيا دهر ويحك ماذا الغلط ... وضيع علا وشريف هبط
حمار يرتع في روضة ... وطرف بلا علف يرتبط
ولبعضهم
وإخوان اتخذتهم دروعاً ... فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهاماً صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادي
من القوافي التي لم يحظ بوصلها الخليل ولا حام حول حماها الأخفش قول القائل
ظفرت بمعشوق له في الحسن حلة ... فقبلته جهدي وقلت له
فقال أنهواني فقلت له نعم ... فقال ومن غيري فقلت له
وقال آخر
مررت بعطار يدق قرنفلا ... ومسكا وكافورا فقلت
وما ألطف قول القائل
قال لي من أحب وهو ضجيعي ... ودموعي تنهل مثل اللآلي
هبك تبكي من القطيعة والهجر ... فماذا يبكيك عند الوصال
قلت أبكي في الهجر شوقاً إلى الوصل ... وفي الوصل خيفة من زوال
فرثى لي وظل يمسح دمعي ... رحمة لي وحاله مثل حالي
ولله در من قال
سمعنا بالصديق ولا نراه ... على التحقيق يوجد في الأنام
وأحسبه محالاً نمقوه ... على وجه المجاز من الكلام
ولآخر
صاد الصديق وكاف الكيمياء معاً ... لا يوجدان فدع عن نفسك الطمعا
فقد تكلم قوم في وجودهما ... ولا أظنهما كانا ولا اجتمعا
وما أحسن قول القائل
قل لمن ملّ هوانا ... وتولى وجفانا
ولمن أعرض عنا ... بعد ما كنا وكانا
من تبدلت علينا ... ومن اخترت سوانا
نحن ندري أنك اختر ... ت فلانا وفلانا
نحن لا نعجل بالأخ
(1/127)

ذ على عبد عصانا
قل لنا أي قبيح ... قد جرى منا وبانا
كم تتبعنا مراضيك ... ولم تتبع رضانا
كم دعوناك إلينا ... وعلينا تتوانى
كم توقعناك للصلح ... وطولت الزمانا
كم رأيناك على ذنب ... وما كنت ترانا
كم أمرناك وخالفت ... هوانا في هوانا
هكذا الحر الموافي ... هكذا كان جزانا
ويطربني قول القائل لله دره:
زارني ممرضي فلم يرمني ... فوق فرض السقام شيئاً يراه
قال لي أين أنت قلت التمسني ... فبكى حين لم تجدني يداه
وما ألطف قول بعضهم:
وعدت أن تزور ليلاً فألوت ... وأتت في النهار تسحب ذيلا
قلت هلا صدقت في الوعد قالت ... كيف صدقت أن ترى الشمس ليلا
ولله در القائل
سألته التقبيل في خده ... عشرا وما زاد يكون احتساب
ثم تلاقينا وقبلته ... غلطت في العد وضاع الحساب
وما أحسن قول بعضهم
ولما برزنا للرحيل وقربت ... كرام المطايا والركاب تسير
وضعت على صدري يدّي مبادرا ... فقالوا محب للعناق يشير
فقلت ومن لي بالعناق وغنما ... تداركت قلبي حين كاد يطير
ويعجبني قول القائل
سادتي رقوا فقلبي موجع ... موجع قلبي فرقوا سادتي
دمعتي تجري عليكم دائماً ... دائماً تجري عليكم دمعتي
مهجتي ذابت غراماً فيكم ... فيكم ذابت غراماً مهجتي
سكرتي من خمر وجدي بكم ... بكم من خمر وجدي سكرتي
راحتي فقد اصطباري عنكم ... عنكم فقد اصطباري راحتي
قصتي في شرح حال كتبت ... كتبت في شرح حالي قصتي
(1/128)

عبرتي قد أغرقتني بالبكا ... بالبكا قد أغرقتني عبرتي
ولآخر
مكارم الأخلاق في ... ثلاثة منحصرة
لين الكلام والسخا ... والعفو عند المقدرة
ولله در من قال
نقل ركابك في الفلا ... ودع الغواني في القصور
لولا التنقل ما ارتفعت ... در البحور على النحور
والقاطنون بأرضهم ... عندي كسكان القبور
ولله در من قال
عرض المشيب بعارضيه فأعرضوا ... وتقوضت خيم الشباب فقوضوا
ولقد سمعت وما سمعت بمثلها ... بين غراب البنين فيه أبيض
وما أحسن قول القائل
سألتها قبلة يوماً وقد نظرت ... شيبي وقد كنت ذا مال وذا نعم
تململت ثم قالت وهي معرضة ... لا والذي خلق الإنسان من عدم
ما كان لي في بياض الشيب من أرب ... أفي حياتي يكون القطن حشو فمي
ولبعضهم
ما في زمانك من ترجو مودته ... ولا صديق إذا خان الزمان وفي
فعش وحيداً ولا تركن إلى أحد ... فقد نصحتك فيما قلته وكفى
ولله در من قال
روّح النفس بالسلو عليها ... لا تكن جالب الهموم إليها
وإذا مسها الزمان بضر ... لا تكن أنت والزمان عليها
ولبعضهم
سلم الأمر إلى رب البشر ... واترك الهمّ ودع عنك الفكر
لا تقل فيما جرى كيف جرى ... كل شيء بقضاءٍ وقدر
ولآخر
سلامي عليكم والديار بعيدة ... وإني عن المسعى إليكم لعاجز
وهذا كتابي نائب عن زيارتي ... وفي عدم الماء التيمم جائز
ولبعضهم
إن الغنى إذا تكلم بالخطا ... قالوا صدقت ولا تقول محالا
وإذا الفقير أصاب قالوا كلهم ... أخطأت يا هذا وقلت ضلالا
(1/129)

ن الدراهم في المواطن كلها ... تكسو الرجال فصاحة ومقالا
وهي اللسان إذا أردت فصاحة ... وهي السلاح إذا أردت قتالا
وما ألطف قول القائل
وشادن قلت له ... دعني أقبل شفتك
فقال لي كم مرة ... قبلتها ما شفتك
ولبعضهم:
إذا لم تكن حافظاً واعياً ... فجمعك للكتب لا ينفع
أتنطق بالجهل في مجلس ... وعلمك في البيت مستودع
ولله در القائل:
كتبت وفي فؤادي نار شوق ... لها لهب وفي جفني سحاب
ولولا النار بلّ الدمع خطي ... ولولا الدمع لاحترق الكتاب
ولبعضهم
إذا تذكرت أياماً لنا سلفت ... أقول بالله يا أيامنا عودي
أنني يوم يأتيني كتابكم ... ملكت ملك سليمان بن داود
ولآخر
يقبل الأرض عبد ليس يشغله ... عن حبكم أحد من سائر الناس
لو كان يمكنني سعى لخدمتكم ... لكنت أسعى على العينين والرأس
ولبعضهم
سلام عليكم هل على العهد أنتم ... أم الدهر أنساكم عهودي فخنتم
سقى الله أياماً مضت في وصالكم ... وكنا على عهد الوصال وكنتم
وما ألطف قول القائل
يا كتابي إذا وصلت إليه ... فبحق الإله قبل يديه
صف له ما ترى من الوجد عندي ... وبكائي وطول شوقي إليه
ولبعضهم
فلو كانت الأقدار طوع إرادتي ... وكان زماني مسعدي ومعيني
لكنت على قرب الديار وبعدها ... مكان الذي قد سطرته يميني
وما أحسن قول من قال
أتاني كتاب من كريم كأنه ... قلائد درّ من نحور الكواعب
(1/130)

فقلت له أهلاً وسهلا ومرحبا ... بخير كتاب جاء من خير كاتب
ولبعضهم
مني السلام على من لست أنساه ... ولا يمل لساني قط من ذكراه
إن غاب عني فإن القلب مسكنه ... ومن يكون بقلبي كيف أنساه
ولبعضهم
يا خالق الخلق يا رب العباد ومن ... قد قال في محكم التنزيل أدعوني
إني دعوتك مضطراً فخذ بيدي ... يا جامع الأمر بين الكاف والنون
نجيت أيوب من بلواه حين دعا ... بصبر أيوب يا ذا اللطف نجيني
واطلق سراحي وامنن بالخلاص كما ... نجيت من ظلمات البحر ذا النون
وما أحسن قول بعضهم
خير إخوانك المشارك في المرّ ... وأين الشريك في المرّ أينا
الذي إن حضرت زانك في القو ... م وإن غبت كان أذنا وعينا
ولله در القائل
ألا يا مستعير الكتب أقصر ... فإن إعارتي الكتب عار
فمحبوبي من الدنيا كتابي ... وهل أبصرت محبوبا يعار
ولآخر
وإذا صاحبت صاحب ماجدا ... ذا عفاف وحياء وكرم
قائلاً للشيء لا إن قلت لا ... وإذا قلت نعم قال نعم
ولبعضهم
من قال لا في حاجة ... مطلوبة فما ظلم
وإنكا الظالم من ... يقول لا بعد نعم
وما أحسن قول القائل
إذا تخلفت عن صديق ... ولم يعاتبك في التخلف
فلا تعد مرة إليه ... فإنما وده تكلف
ولله در من قال
لا تمزحن وإن مزحت فلا يكن ... مزحاً يضاف به إلى سوء الأدب
واحذر ممازحة تعود عداوة ... عن المزاح على مقدمة الغضب
ولآخر ولله دره
(1/131)

أشارت بلحظ العين خيفة أهلها ... إشارة مذعور ولم تتكلم
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا ... وأهلاً وسهلا بالحبيب المتيم
وما ألطف قول بعضهم
وما صدّ عني أنه لي مبغض ... ولا كان قتلي في الهوى من مراده
ولكن رأى أن الدنوّ يزيدني ... غراماً فأحيا مهجتي ببعاده
وما أحسن هذه الأبيات والظاهر أنها للباخرزي الأديب الشاعر رحمه الله تعالى
كم مؤمن قرصته أظفار الشتا ... فغدا لسكان الجحيم حسودا
وترى طيور الليل في وكناتها ... تختار حر النار والسفودا
وإذا رميت بفضل كأسك في الهوى ... عادت عليك من العقيق عقودا
يا صاحب العودين لا تهملهما ... حرك لنا عودا وأحرق عودا
قال عفا الله عنه
قل للذي نقض الذمام وخانني ... حاشا لعهد أن يكون ذميما
ما بال عيش مثل وجهكواضح ... غادرته كذؤابتيك بهيما
لا تنس أيام الحمى سقى الحمى ... مطر يعيد الروض حسن السيما
قد صح عندي أن ودك لم يكن ... إلا كنرجسك الكحيل سقيما
ووجدت عندك ما كرهت وكلما ... حاسبت فعلي لم تجد عندي ما
ومن الهوى نتج الهوان وهكذا ... كانت يد المحب كما سمعت قديما
وله رحمه الله تعالى
يا جاهلاً عاب شعري ... فكدّ قلبي وآلم
عليّ نحت القوافي ... وما علىّ إذا لم
وله لا فضّ فوه
تباً لدهر حصلت فيه ... قد ساد ما بينه الأراذل
ما كنت من قبل أن دهاني ... أعلم أني من الأفاضل
(1/132)

أعجوبة
أحمد الله الواحد الذي لا إله غيره بلا مين، وأصلي وأسلم على من أنقذ الأمة من الضلال وجلا بأنواره عن القلوب القابلة للمعارف كل رين، وعلى آله وأصحابه المقتدين بأفعاله العاملين بآدابه، وبعد فإني تقابلت برجل من العرب في بلدة كلكتة عام اثنين وعشرين بعد المائتين والألف من الهجرة النبوية اسمه جواد ساباط اللطفي بن إبراهيم ساباط الساباطي ثم اشتهر بعد ارتداده عن الملة المحمدية وعدوله عنها إلى الملة المسيحية بناء نائيل ساباط فوجدته ظريفاً يتحدث بالنوادر والغرائب وواحد فيما يرويه من المضحكات والعجائب ولله در من روى عنه الحارث في المقامات ومن خلف مثله ما اضمحل ذكره ولا مات وله مصنفات في فنون شتى وقد أخبرني بأسماء كتب منها، وهي: القواعد الفركزية في الصرف والنحو بالفارسية وضروريات الصرف وربط الحمار في رد الاستعذار في إثبات
اجتهاد معاوية رداً على المولي باقر المدراسي ومقدمة العلوم في المنطق ةالموجز النافع في العروض ومختصر في القوافي والأنموذج الساباطي فيهما والتحفة الباقشيرية في الصنائع والبدائع وشراب الصوفية في أصولهم والسهام الساباطية في مجرباته والظائف الساباطية فيما أنشأه من الأدعية لنفسه وموجز الرمل وضرغاطة الرمل والدهماكة الساباطية في الصرف والنحو بالهندي، وله رسائل كثيرة تشتمل على ما هو بصدده مما يطول شرحه وبيانه وكتاب أنشأه بالعربية والفارسية يعجز عن حل، مشلاتهما أقرانه وشعر يخجل نظم أبي الهميسع المنسوب إليه لفظة حجلنجع وها أنا ذاكر في هذا الكتاب المشتمل على العجب العجاب من نظمه الذي هو أدق من السحر وأصلب من الصخر ما يلتذ به كل سامع وتشنف به المسامع، قال أصلح الله حاله:
إليك فعيشي في وصالك أبذخ ... وعين الحميا في الكؤوس تطخطخ
هجرت ولما تعلمي أيّ مهجة ... سلمت فإن الرأي عنك مشندخ
سلوت فتى لم يصحب المطل قوله ... كشخصي وشتان النهى والتمشيخ
ملكت زمام المجد طفلاً ويافعاً ... ونلت ذرى العليا وقد تمحزخ
وقمت لتقريع الرقيب وشرّقوا ... وصمت لتوبيخ العذول وصرخوا
(1/133)

وصاليت نيران الفراق وغبروا ... ودرهمت في حوز المعالي ونوخوا
فدونك يا وطفا خليلاً مناصحا ... إذا أكهلوا شبان معن وشيخوا
وله:
أيا من أصابت كل قلب سهامه ... وصادت عقول العاقلين فخاخه
وأزعج أرباب الوداد وحيله ... وضاق بأفكار القلوب مناخه
وأنكر رأي العاذلين سبيله ... وملّ سؤال العاشقين صماخه
عليك ابن ساباط الكريم فقد علا ... على هامة السبع الشداد صراخه
وله:
دلس الديجور والاقرار طرش ... ولنار الهجر في الأحشاء برش
بهشوا فخرباش عنه برخشوا ... طسعوا عن دار مياحين تشوا
زلجوا في الود لما زمجوا ... ولشخص الكظم في العشاق نبش
دعبلوا الأحشاء لما عقلوا ... وبدا للقلب بالتوطيش وطش
شحطوا في الصد حتى سخطوا ... وفاءوا عمن أغاظوا فابرشخوا
يا لييلات بوقش سلفت ... لم يكن للواش فيها قط وقش
ابيضت فيها العذارى سكرا ... ولغصن البان والسجساج هش
مسكرات سجلات القفا ... لن يناش القنس منها قط وخش
وغزال صادني لما سطا ... ولنبل الوجد في الأحشاء طش
يستبي من آل ساباط النهى ... ولساباط النهى عرش وعبش
حبرش الطبع حبرقش له ... جلجان الفيلسوفين حكش
صلخدي صرخدي صرد ... مد مذى الوطش تشاش مبش
وفلاة بلقع قد عجتها ... لابها خشف ولا وز وبش
وحملتني الغيد فيها طمة ... تاش فيها الرأي وانجاش البرنش
السيد الجليل المولوي ذو المقام السامي غلامي علي آزاد البلجرامي رحمه الله تعالى
أدرك عليلاً لقاء منك يكفيه ... وطرفك الناعس الممراض يشفيه
كتمت دائي عن العذال مجتهداً ... ما كنت أدري نحول الجسم يشفيه
فداوني من سقام أنت منشؤه ... ونجني من ضرام أنت موريه
لقد ثنى عطفه عن مغرم دنف ... مهفهف ثقل الأرادف يثنيه
رعى الإله سقامي لو يعالج من ... أحببته بدواء الخمر من فيه
(1/134)

وحبذا العيش أو يمشي على مقلي ... عصن رطيب من العينين أسقيه
شأن المحب عجيب في صبابته ... الهجر يقتله والوصل يحييه
لولاه ما شاقه عرف الصبا سحراً ... ولم يكن بارق الظلماء يشجيه
يا جارة هيجت بالنصح لوعته ... بحق مقلته العبراء خليه
إليك يا رشأ الوعساء معذرة ... أأنت عن رشأ البطحا تسليه
لو أنمى قطعت أكبادهن متى ... رأينه في كمال الحسن والتيه
فيا صواحب أكباد مقطعة ... فذا لكن الذي لمتنني فيه
إذا رنا فمهاة البيد تشبهه ... أو ماس فألبانة الخضراء تحكيه
غزالة تصرع الآساد قاطبة ... إلا الذي سيد السادات يحميه
كهف الأنام إمام الكون أكرمه ... عون الذي حادث الأيام يرميه
السيد المقتدي عبد الجليل له ... مجد أثيل من الآباء يحويه
جدي ملاذي وأستاذي ومستندي ... رب الورى بصنوف الخير يجزيه
علامة ناقد المعقول متقنه ... فهامة جامع المنقول محصيه
شمس تفيض علينا نورها أبداً ... حاشا إذا جنت الظلماء تطويه
بدر سناه أصيل غير منتقص ... وكل ليل كما في الآن تلفيه
بحر غني عن الأصداف جوهره ... ونفس همته العلياء تربيه
لقد تجلى بتقوى الله خالصة ... والله عن سائر الأكوان يغنيه
إن رجل في حضرة السلطان منصبه ... فليس هذا عن الرحمن يلهيه
رب السموات والأرضين يوم غد ... من المواهب أعلاهن يوليه
يا أيها البحر شنفت المسامع من ... درّ إلى ساحل القرطاس تلقيه
إن ظل سحبان بطن الثرى رمما ... فأنت من هذه الأنفاس محييه
وأنت في شعراء الفرس أبلغهم ... يا طيب ما بلسان الهند تمليه
مولاي أوتيت علماً زانه عمل ... وعنصراً جوهر الحسن يحليه
لم يرتكب ناظر الغزلان نشوته ... إلى سبيل التقى لو كان يهديه
أيا يا ابن أحمد فرع الماجدين إلى محمد نور الدنيا تجليه
(1/135)

خلقت من نسب عال وفي حسب ... مسلسل ليست الأقلام تحصيه
لئن كسبت المعالي من أولي شرف ... إرثاً فكم من فخار أنت مبديه
إن الورى لعلوّ الجاه يرفعهم ... أنت الذي بسمو النفس تعليه
ما شاد مثلك بنيان العلى أحد ... نعم على شرف الأفلاك تبنيه
سقى الإله محلاً أنت ساكنه ... ما اورق الغصن والوسمى يرويه
بجاه خير الورى يا رب أهد له ... منا صلاة مدى الأيام ترضيه
وله في المجون عفا الله عنه:
مررت على طفل بديع جماله ... يطالع صرفاً والكراريس في اليد
فقلت له لا زال علمك زائداً ... ابن لي باباً للثلاثي المجرد
الإمام العلامة شمس العلوم قاضي القضاة نجم الدين الساكن في بلدة كلكته دام مجده:
صاد بالخال خلتي خلدي ... كدني كيدها فيا كمدي
أحرقتني بنار وجنتها ... كلمتني بهدبها الأود
جاوز الصبر غاية يا ليت ... جورها ينتهي إلى أمد
نقضت عهد يوم إذا وضعت ... كفها بالخضاب فوق يدي
واعدتني زوارتي زوراً ... ليلة ما رقدت في الرصد
فإذا أخلفته ثم شكوت ... أنشدت في الجواب بالغرد
قول سلمى أو من يضاهيها ... في المواعيد غير معتمد
قال مؤلف هذا الكتاب أحمد بن محمد الأنصاري الشهير بالشرواني عفا الله عنه:
أخا اللوم لا يقضي بلومك لي أمر ... فدع لائمي ما عنه في مسمعي وقر
ودعني وما ألقى من الحب فالهوى ... أرى عسرا يرتجى بعده اليسر
وإني وإن شحت سعاد بوصلها ... صبور ولي فيما أكابده أجر
فما الصب إلا من يعاني شدائد المحبة ... لا من قال أسقمني الهجر
وما الحرّ إلا من يرى الكرب راحة ... إذا ما رمى بالذلّ أو خانه الدهر
تغربت عن قوم إذا ما ذكرتهم ... أسلت دموعاً لا يماثلها القطر
ولكنني أخفي الصبابة والأسى ... وأبدي ابتساماً حيث يجري لهم ذكر
وهم سادتي لا فرق الله جمعهم ... ومن نحوهم تعزى المكارم والفخر
(1/136)

متى تنطفي نار بقلبي من الجوى ... وترجع أيام بها يُشرح الصدر
ألا لا أرى في البعد للعيش لذة ... وكيف يلذ العيش من شفه الفكر
رضيتم بهجري وارتماضي بحبكم ... وسركم ما منه مسنى الضر
سلام عليكم ما رضيتم به هو المرام ... ومثلي لا يخون به الصبر
وإني لصبار على كل شدة ... رضاكم بها والصبر يتبعه النصر
وعهدكم عندي مصون وشيمتي الوفاء ... وحبي لا يخالطه العذر
على كال أنتم القصد والمنى ... وأنتم ملاذ العبد والغوث والذخر
وله عفا الله عنه
أراك صددت عن الصب ظلماً ... أيا عادل القدّ رفقاً ورحما
تركت فؤادي يذوب اشتياقاً ... وصيرتني أسهر الليل هما
أما منك لي رحمة والتفات ... فقد عيل صبري لما بي ألما
ولولاك ما سلسل الشوق دمعي ... ولا قلت في الحب نثراً ونظما
أيا عاذلي أقصر اللوم إني ... أراك ارتكبت بذا اللوم جرما
فما نال من لام في الحب مضنى ... كمثلي من رحمة الله قسما
وماذا دليلك في اللوم قل لي ... فإن الهوى مذهب لن يذما
أراك تبالغ في لوم صب ... أحاط بفن الهوى المحض علما
عدمتك إني راض بما قد أتى فدعني إما وإما
خليلي مالي وللدهر أضحى ... يروم امحفاضاً لقدري وهضما
ألم يدر أني شهاب المعالي ... لعمري منكر ذا القول أعمى
خليلي هل يسعد الدهر يوماً ... على ما به يهلك الضد غما
وإني لذاك الهزبر الجسور الهموم ... الذي قد سما الشمس عظما
فما للأعادي يرومون ذل العزيز ... المبجل جاهاً وإسما
أغرهم مني الحلم تباً ... لآرائهم لم يكن ذاك حلما
ولكنه يا خليلي منى ... دهاء به رمت كشف المعمى
أنا ابن الكمال ورب الفخا ... ر فلا غرو إن فقت عرباً وعجما
مقامي جليل ومجدي اثيل ... وفرعي إلى محتد الجود ينمى
(1/137)

وله عفا الله عنه
أيحسن منك هجر الصب ظلما ... واعراض يزيد القلب سقما
وفيك نثرت من دمعي جماناً ... بقرطاس الخدود فصار نظما
أمحبوبي دع الهجران إني ... أكابد فيه آلاماً وهما
وجد بالوصل بعد الفصل يا من ... سلوت بحبه دعدا وسلمى
بطلعتك المضيئة خلّ هجري ... جعلت فداك موج الشوق طما
وفي قلبي من الأشواق نار ... فكيف خمود نار الشوق مهما
أعيذك بالمهيمن من عذابي ... ومن مقت بها قد صرت وهما
ترفق بي مليك الحسن وانظر ... بعين اللطف نحو العبد رحما
فقد زاد الغرام براني ... وقلّ الصبر مما بي ألما
أراك وأنت ذو خلق كريم ... جفوت فتى الأنصار يمنى
أنا ابن محمد من فاق فخراً ... على الأقران بل عرباً وعجما
وها أنا ذا كسبت الفخر منه ... وفقت نظائري رأياً وفهما
وإني اليوم أشعر من زهير ... وفي الآداب أكثر منه علما
فدع ما قل في اليمنيّ جهلا ... أينظر لمعة المصباح أعمى
وفي كلكتة جهلوا مقامي ... مجاهيل فهل حقرت اسما
أضاعوني ولكن لا أبالي ... بذي جهل ولا قد خفت مما
تنح عن العذول ضياء عيني ... فقربك منه يوجب فيك ذما
وعجل بالوصال فإن وجدي ... تضاعف والجوى يزداد حدما
معاني ما تضمنه بياني ... لها شرح بديع فاحتفظ ما
ودم في نعمة ونعيم عيش ... ومنزلة تضاهي الشمس عظما
وله غفر الله ذنوبه
جفا من لست أذكره براني ... وهيج لي غراماً في جناني
وحال عن الوداد ولم أحل عن ... مودته وظلما قد جفاني
أيحسن منك يا مولاي هجري ... بلا ذنب وتعلم ما أعاني
دع الإعراض وارحم حال صب ... لبانته الزيارة والتداني
(1/138)

ورشف رضاب ثغرك واعتناق ... أنال به المسرة والأماني
وحسبك ما بليت به فإني ... وعزك ذي المحاسن في هواني
أراك نسيتني وسلوت ودي ... وأوجبت التجافي عن مكاني
فأين العهد والود المصفى ... وذاك الوصل في ذاك الزمان
أعد نظراً إليّ فإن قلبي ... لعمرك إن أطلت الهجر فاني
سألتك بالهوى العذري أن لا ... تضنّ بما يسرّ به جناني
فها وجدي تضاعف منه كربي ... وصيرني حديثاً في المغني
جعلت فداك فاسمح بالتلاقي ... ولا تجعل جوابي لن تراني
وعش في نعمة وعلوّ جاه ... بطه الطهر والسبع المثاني
وله لطف الله به
النفس كادت أن تذوب من الجوى ... فإلى متى هذا التفرق والنوى
يا متلفي بالبعد عنه وقاتلي ... بالصدّ رفقاً بي فقد آن الثوى
عجل بوصل موصل لي صحة ... أشفى بها سقم الفؤاد من الهوى
وارحم فما للصب صبر ممرضي ... من بعد هذا اليوم يا نعم الدوا
وله عفا الله عنه
قلم الولاء جرى بنور سوادي ... لذوي الفخار السادة الأمجاد
فبدت به كلمات مقول شاعر ... يسمو بها شعراء كل بلاد
أهل الكسا منوا عليّ بنظرة ... لأنال منها ما يسرّ فؤادي
أهل الكسا ما رمت غير جنابكم ... وودادكم فارعوا عظيم ودادي
أهل الكسا إني أسير هواكم ... وبه وجاهكم حصول مرادي
أهل الكسا أنا لا أميل وحقكم ... عنكم بلوم ذوي قلىً وفساد
أهل الكسا من لامني في حبكم ... يصلى غداً ناراً مع ابن زياد
هو ذاك من آذى النبي بسوء ما ... أبداه بغضاً في أبى السجاد
ومع الذين لهم فضائح جمة ... وقلوبهم ملئت من الأحقاد
أهل الكسا إني ابتليت بعصبة ... كرهت سماع حديثكم في نادي
(1/139)

وإذا ذكرت مناقباً ظهرت لكم ... في محفل أغرى إلى الإلحاد
أهل الكسا طوبى لمن والاكم ... يا سادتي تعساً لكل معادي
أهل الكسا زعم الروافض أنني ... منهم وأني تابع الأوغاد
كذبوا فما أنا سالك بطريقهم ... ومحبة الأصحاب عين رشادي
ومحبة الأصحاب لا تنفي الولا ... لكم ورافضها حليف عنادي
أهل الكسا جحد النواصب فضلكم ... والفضل كالشمس المنيرة بادي
ومرامهم أني أوافقهم على ... لُمَزٍ لهم جلت عن التعداد
أني أحول عن الصلاح وأبتغي ... طرق الفساد ومسلك الأضداد
والله لست براغب عما به ... يرضى الإله وسيد الأمجاد
وله لطف الله به
إن أردت الفوز بالأمل ... لذ بطه سيد الرسل
وبقوم صاح ودهم ... جاء فيه النص وهو جلي
أهل فضل خاب منكرهم ... دع ولاة الجهل والخطل
والتزم بالصحب من نصروا ... دين أصفى الأصفيا فسل
هم نجوم للهدى ولهم ... خير مدح في الكتاب تلي
أفضل الأصحاب أولهم ... خدنه في الغار خير ولي
بعده الفاروق صاحبه ... من سما بالعلم والعمل
ثم ذو النورين ثالثهم ... جامع القرآن ثم علي
فارس الهيجا أبو حسن ... نجل عم المصطفى البطل
حبهم فرض وبغضهم ... موجب الإيقاع في الزلل
ضلّ من بالرفض ملتزما ... داحضاً للحق بالجدل
كيف من ذم الصحاب يرى ... أنه في أقوم السبل
ذر حبيبي عصبة رفضت ... سنة المختار لا تمل
هم طغاة لا خلاق لهم ... قبحوا من سائر الملل
رب فارحم من نجا وحمى ... من شرور الغي والخبل
بالبشير الطهر سيدنا ... خير هاد خاتم الرسل
وله رحمه الله تعالى
أثار هواك ناراً في فؤادي ... وحرك لي غراماً غير بادي
فها أنا يا صبح الوجه مضنى ... وجفني قد جفا طيب الرقاد
وبي ما لا أطيق له اصطبارا ... من الشوق العظيم ومن ودادي
فجد بالله للصب المعنى ... بوصل منك فضلاً يا مرادي
(1/140)

وعجل بالجواب لمستهام ... ودم في لطف رزاق العباد
وقلت مادحاً للشيخ العلامة اللوذعي الفهامة المولوي إله داد الساكن في بلدة كلكتة رعاه رب العباد
ذكر الحمى ومرابع الأخدان ... أجرى دموع مكابد الأحزان
وغدا به قلقا شحيط الدار لا ... ينفك من شوق إلى الأوطان
طوراً يئن وتارة يبكي على ... زمن الصبا الماضي على نعمان
يهتز من طرب إذا ما غردت ... قمرية سحراً على الأغصان
وينوح شوقاً للذين فراقهم ... جلب الهموم لقلبه الولهان
ما واصلت في البعد عيناه الكرى ... إلا السهاد وأدمع الأشجان
روحي فداكم فاسمحوا يا ساداتي ... بوصالكم للهائم الحيران
حتام هذا الهجر منكم والجفا ... وإلى متى أبكي بدمع قان
وحياتكم لولاكم ما شفني ... وجد ولا حل الهوى بجناني
بلغ نسيم الصبح إن جئت الحمى ... عني سلاماً عصبة الإيمان
واشرح لهم حال الكئيب وقل لهم ... منوا عليه بنظرة وتداني
أين المسيح لكي يعالج قلبه ... ذاك الكليم بصارم الهجران
ووصالكم هو في الحقيقة مرهم ... لفؤاده ومسة للعاني
فعسى تلين قلوبهم لمتيم ... صرفته قسوتها عن الخلان
ويفوز بعد البعد من ألطافهم ... بدنوّهم في أجمل الأحيان
مالي سواكم يا كرام وأنتم ... من كل خوف معقل وأماني
أولاكم الرحمن عزاً مثلما ... أولى العلى للعالم الرباني
اللوذعي أله داد المقتدى ... نجل الكرام ونخبة الأعيان
لقمان هذا الدهر أفلاطونه ... في كل علم فائق الأقران
بحر الفضائل والندى من فخره ... ضاهى السها قدراً عظيم الشان
ريحانة الآداب هذا طيبه ... يغنيك عن روح وعن ريحان
قد جزت يا كنز العلوم جواهر ... المعقول والمنقول والقرآن
طوبى لشخص يقتني منك النهى ... فليفخرنّ على ذوي العرفان
(1/141)

لولاك ما عرف البديع ولا بدت ... شمس المعاني في سماء بيان
جلّ الذي أولاك فضلاً شائعاً ... في هذه الأصقاع والبلدان
فاسلم وعش ما هز مضنى هائما ... ذكر الحمى ومرابع الأخدان
وكتب إليّ الشيخ الفقيه العالم الفاضل اللوذعي عبد الله بن عثمان بن جامع الحنبلي ببلدة كلكتة أبياتاً وهي هذه:
أإنسان الوجود بلا نزاع ... ويا بحر العلوم بلا دفاع
وكهف الملتجين إذا أضيموا ... وغيثاً للعفاة بلا انقطاع
شكوت إليك ما ألقى وإني ... أرى الهم المبرح ذا اتساع
جوى يزداد في قلبي وينمو ... نموّ النار بالجزل اليراع
أبعدا واغترابا واشتياقاً ... وفقدان الأنيس بذي البقاع
فلا وأبيك ما هذا بعيش ... لنفس حرة ذات امتناع
عسى المولى المهيمن ذو العطايا ... يلمّ الشعث أنا كالفقاع
ويجمعنا بمن نهوى قريباً ... فإن القلب آذن بانصداع
بجاه المصطفى طه وآل ... وصحب قد قفوهم باتباع
فقلت مجيباً عليه أحسن الله إليه
أيامن قد حوى كرم الطباع ... ومن هو للطائف خير واعي
وكنز جواهر الآداب حقاً ... وجامعها المفيد بلا نزاع
أتاني منك مرقوم عزيز ... بديع النظم يقصر عنه باعي
تذكرني به ما منه أضحى ... فؤادي في اشتغال والتياع
أتحسب يا ابن ذي النورين أني ... هممت بفرقة بعد اجتماع
فلا وعظيم جاهك لم يكن لي ... مرام في نوى أو في انقطاع
ولكني ابتليت بمعضلات ... غدا في حلها يجري يراعي
ومنها كنت مضطرباً لأني ... رأيت بها الفؤاد على ارتياع
فذلل لي المهيمن كل صعب ... بها والله راحم كل داعي
ولولاها أجلّ بني المعالي ... وأحمدهم لما كان اندفاعي
ومثلك لا يمل وأنت مغنى اللبيب ... ومؤنسي في ذي البقاع
(1/142)

فظن بذي الوداد المحض خيراً ... ودم واسلم بعز وارتفاع
وقلت مكاتباً الشيخ الأديب العلامة المذكور عبد الله بن عثمان بن جامع الحنبلي رعاه الملك الولي
أعندك ما عندي من الشوق والوجد ... وهل انت باق في المحبة والعهد
أكابد أشجاناً توقد نارها ... بقلبي المعنى من بعادك والصد
وصدك عن مضناك داء دواؤه ... تدانيك من بعد القطيعة والبعد
فحنام تجفو من إليك اشتياقه ... تضاعف يا نجم المحاسن والسعد
وحقك لولا أن ماؤاك في الحشا ... لأحرقه الشوق المبرح بالوقد
وإني وإن أخفيت ما بي من الأسى ... عن الناس لا يخفاك يا منتهى قصدي
أيخفى غرامي وارتماضي بذا الهوى ... عليك وأشعاري تبين ما عندي
فعطفاً لمن لا يستلذ بعيشه ... لعبدك وارحم من تضعضع للود
وها أنا ذاك اللوذعي ومن له ... مكارم أخلاق تفوق عن الحد
وعمدة أرباب البلاغة والحجى ... وواحد هذا العصر أكرم بذا الفرد
وقدوة أعيان الحديدة من زها ... به اليمن الميمون فخر بني المجد
فإني هجرت اللذ عرفت مكانه الرفيع ... وعنه ملت يا عاذل العد
دع الصد واسلك في المودة والوفا ... سلوك ابن ذي النورين ذي الفضل والرشد
هو الشهم عبد الله نخبة قادة ... بهم عرف المعروف حجتنا المهدي
خلاصة أهل الجود لله دره ... فمن مثله في العلم والحلم والرفد
كريم إذا استمطرت يوماً أكفه ... همت باللهى من دون برق ولا رعد
عليه رضا الرحمن ما قال شيق ... أعندك ما عندي من الشوق والوجد
فأجاب لا فضّ فوه
نعم إن نيران الصبابة والوجد ... لها في الحشا وقد يزيد مع الصد
ألا قاتل الله الهوى ما أمرّه ... وأسرعه في هتك كل فتى جلد
إذا رام ستراً لذى في فؤاده ... عصته أنقيه فسالت على الخد
خليلي مالي والهوى يستفزني ... وما أنا بالخالي وما أنا بالوغد
ولي همة تسمو كل غاية ... من المجد لا بالخال والأسود الجعد
(1/143)

ولا بغزال ناعس الطرف أكحل ... له وجنة حسناء تهزأ بالورد
ولا بقوام يشبه الغصن ناعم ... إذا ما انثنى يثني إليه أخا الزهد
ولا برحيق من لمى الثغر بارد ... إذا امتصه ذو لوعة راح بالرشد
ولكن نفسي قد تضاعف شوقها ... إلى صاحب صاف سجاياه كالشهد
حليف تقيّ لا ينقض الدهر عزمه ... أخو ثقة ما زاغ يوماً عن القصد
كريم حليم عالم متورع ... عفيف صبور كامل الوصف ذوود
أعاطيه من كأس المحبة شربة ... يزيد ظماها كلما زيد في الورد
له خلق ذاك أمد بنظرة ... من الملك الديان سامي السما الفرد
كأخلاق ذاكي الأصل والفرع أحمد ... له محتد يسمو إلى قمة المجد
هو العالم النحرير والعلم الذي ... به يهتدي من جاء للعلم يستهدي
هو البحر إلا أنه غير جاذر ... هو البدر إلا أنه كامل النقد
تراه إذا أمّ العفاة فناءه ... يحكمهم فيما لديه من القد
ومن طارف ثم التلاد جميعه ... فيوسعهم سيباً وحسبك من رفد
فلا زال طول الدهر يسمو ويرتقي ... إلى رتبة من دونها أنجم السعد
وختم كلامي بالصلاة على الذي ... هو السبب الداعي إلى مهيع الرشد
وقلت مكاتباً السيد الفاضل العالم الرباني يوسف بن ابراهيم الأمير الكوكباني بندر جدة المحمية
تذكرت من حالت عن الودّ والعهد ... ففاضت دموع العين شوقاً على خدي
خليليّ مرّاً بالتي من بعادها ... أقضى الليالي بالتفكر والسهد
وقولاً لها طال اجتنابك عن فتى ... غدا بك صبا لا يعيد ولا يبدي
فجودي بما يشفيه من ألم الهوى ... وينجو به من فادح الشوق والوجد
عسى ترحم الصب المعنى بزورة ... يفوز بها بعد القطيعة والبعد
رعى الله أياماً تقضت بقربها ... وليلات أفراح مضت في ربا نجد
بها كنت في روض الرفاهة مارحا ... فولت وىلت لا تعود إلى عهدي
نعم هكذا الأيام تمضي وعودها ... محال فمالي لا أميل إلى الزهد
وحسبك يا قلبي حبيب موافق ... أمين وفيّ لا يخونك في الود
(1/144)

كمثل أخي المجد المؤثل يوسف ... أمين المعالي كوكب الفضل والرشد
شريف عفيف أريحيّ مهذب ... مناقبه جلت عن الحصر
به أشرقت شمس المعارف والهدى ... على فلك العلياء مذ كان في المهد
جدير بأن يسمو على كل فاضل ... حريّ بذا المدح المنظم كالعقد
فلا زلت بالعلم المكرم هادياً ... لأهل التقى والفضل يا خير من يهدي
بحرمة خير الخلق طه وآله ... واصحابه أهل المكارم والمجد
فأجاب لا فضّ فوه
تهادت إلى سوحي وزارت بلا وعد ... ومنت لتطفى من فؤادي لظى الوجد
وجادت على رغم الرقيب بوصلها ... تداوي عليل الشوق من ألم الصد
رشيقة قدّتخجل الغصن والقنا ... فواخجلة الغصان من مائس القد
منعمة من لحظها السحر والظبا ... فما سحرها روت وما الصارم الهندي
حمت روض خديها صوارم لحظها ... فما حامت الامال حول حمى الخد
يقولون إن الخمر بين شفاهها ... وأين وذافي الذوق أحلى من الشهد
وقد حال دون الرشف عقرب صدغها ... وقام بلال الخال يحمي جنى الورد
كما زعموا أن الثنايا لآلئ ... وشتان ما بين المباسم والعقد
وكم مغرم من شدة الوجد والهوى ... تشاوره الأحزان في القرب والبعد
يعانق قامات الغصون تسليا ... ويستحسن الرمان شوقاً إلى النهد
ولكنني في شرعة الحب واحد ... سأبعث في أهل الهوى أمة وحدي
تحير فكري بين صبح جبينها ... وإشراق شمس الفرق في فاحم الجعد
ومهما دجا ليل الذؤيب ولاح من ... سنا ثغرها برق إلى حسنها يهدي
فلم أرض تشبيه الحبيب بغيره ... ولا نظم خدن الفضل بالجوهر الفرد
بليغ أتاني منه معجز أحمد ... ومن يبتدي بالفض مستوجب الحمد
خدين المعالي واحد العصر من له ... محامد أدناها يجلّ عن العدّ
لك الله قد حيرتني في مهامه البلاغة ... فاعذرني إذا حرت عن قصدي
فإني مذ أصبحت في دار غربة ... وفارقت أوطاني وأهلي وذا عهدي
وألهى عن الشعر الشعير فلم أكن ... لأحسن ما يحلو من النظم في النقد
(1/145)

فلفقت لا أني أجاريك ناظماً ... كلامي على أن اتكالي على الود
فعذراً وستراً للقصور ودمت في ... نعيم بلا حصر ونعمى بلا حد
قد تم الباب الثالث من كتاب نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن بعون الله تعالى وقوّته العيّ، ويتلوه الباب الرابع إن شاء الله تعالى، والحمد لله على ذلك حمداً كثيراً جزيلاً

الباب الرابع
لامية
يذكر فيه لامية الشيخ العلامة اسماعيل بن أبي بكر المقري الزبيدي، ولامية الفاضل الأديب صلاح الدين الصفدي ولامية الشيخ البارع أبي اسماعيل الحسين بن علي المعروف بالطغرائي المشهورة بلامية العجم مع ما أوضحته من معاني أبيات منها لاحتياجه إلى البيان المعرب عن المقصود للأذهان ولامية الشيخ الكامل الأديب عمر بن الوردي رحمهم الله تعالى بمنه وكرمه
لامية المقري رحمه الله تعالى
ريادة القول تحكي النقص في العمل ... ومنطق المرء قد يهديه للزلل
إن اللسان صغير جرمه وله ... جرم كبير كما قد قيل في المثل
فكم ندمت على ما كنت قلت به ... وما ندمت على ما لم تكن تقل
وأضيق الأمر أمر لم تجد معه ... فتى يعينك أو يهديك للسبل
عقل الفتى ليس يغني عن مشاورة ... كعفة الخود لا تغني عن الرجل
إن المشاور إنا صائب غرضاً ... أو مخطئ ليس منسوباً إلى الخطل
لا تحقر القول يأتيك الحقير به ... فالنحل وهو ذباب طائر العسل
ولا يغرنك ودّ من أخى أمل ... حتى تجربه في غيبة الأمل
إذا العدوّ ساقته الاخا علل ... عادت عداوته عند انقضا العلل
لا تجزعنّ على ما نلت حيث مضى ... ولا على فوت أمر حيث لم تنل
فليس تغني الفتى في الأمر عدته ... إذا تقضت عليه عدّة الأجل
(1/146)

وقدر شكر الفتى لله نعمته ... كقدر صبر الفتى للحادث الجلل
وإن أخوف نهج ما خشيت به ... ذهاب حرية أو مرتضى عمل
لا تفرحنّ بسقطات الرجال ولا ... تهزأ بغيرك واحذر صولة الدول
إن تأمن الدهر أن يعلى العدوّ فلا ... تستأمن الدهر أن يلقيك في السفل
أحق شيء بردّ ما تخالفه ... شهادة الدهر فاحكم صنعة الجدل
وقيمة المرء ما قد كان يحسنه ... فاطلب لنفسك ما تعلو به وصل
اطلب تنل لذة الإدراك ملتمساً ... أو راحة اليأس لا تركن إلى الوكل
وكل داء دواه ممكن أبداً ... إلا إذا امتزج الاقتار بالكسل
والمال صنه وورثه العدو ولا ... تحتاج حياً إلى الإخوان في الأكل
وخير مال الفتى مال يصون به ... عرضاً وينفقه في صالح العمل
وأفضل البر ما لا منّ يتبعه ... ولا تقدمه شيء من المطل
وإنما الجود بذل لم تكاف به ... صنعاً ولم تنتظر فيه جزا رجل
إن الصنائع أطواق إذا شكرت ... وإن كفرت فأغلال لمنتحل
ذو اللوم يحصر مهما جئت تسأله ... شيئاً ويحصر نطق المء أن يسل
وإنّ فوت الذي تهوى لأهون من ... إدراكه بلئيم غير محتفل
إن عندي الخطا في الجود أحسن من ... إصابة حصلت في المنع والبخل
خير من الخير مسديه إليك ... كما شر من الشر أهل الشر والدخل
ظواهر العتب للإخوان أحسن من ... بواطن الحقد في التسديد للخلل
دار الجهول وسامحه تكده ولا ... تركب سوى السمع واحذر سقطة العجل
لا تشربنّ نقيع السم متكلاً ... على عقاقير قد جرّبن بالعمل
والق الأحبة والإخوان إن قطعوا ... حبل الوداد بحبل منك متصل
فأعجز الناس من قد ضاع من يده ... صديق ودّ فلم يردده بالحيل
استصف خلك واستبدله أحسن من ... تبديل خل وكيف الأمن بالبدل
واحمل ثلاث خال من مظالمه ... تحفظه فيها ودع ما شئته وقل
ظلم الدلال وظلم الغيظ فاعفهما ... وظلم جفوته فاقسط ولا تمل
وكن مع الخلق ما كانوا لخالقهم ... واحذر معاشرة الأوغاد والسفل
(1/147)

واخش الأذى عند إكرام اللئيم كما ... تخشى الأذى إن أهنت الحر في حفل
والعذر في الناس طبع لا تثق بهم ... وإن أبيت فخذ في الأمن والوجل
من يقظة بالفتى إظهار غفلته ... مع التحرز من غدر ومن حيل
سل التجارب وانظر في مراءتها ... فللعواقب فيها أشرف المثل
وخير ما جربته النفس ما اتعظت ... عن الوقوع به في العجز والوكل
فاصبر لواحدة تأمن توابعها ... فربما كانت الصغرى من الأول
فلا يغرنك مرقى في سهولته ... فربما ضقت ذرعاً منه في النزل
وللأمور وللأعمال عاقبة ... فاخش الجزا بغتة واحذره عن مهل
ذو العقل يترك ما يهوى لخشيته ... من العلاج بمكروه من الخلل
من المروءة ترك المرء شهوته ... فانظر لأيهما آثرت واحتفل
استحي من ذم من أن يدنو توسعه ... مدحاً ومن مدح من إن غاب ترتذل
شر الورى بمساوي الناس مشتغل ... مثل الذباب يراعي موضع العلل
لو كنت كالقدح في التقويم معتدلاً ... لقالت الناس هذا غير معتدل
لا يظلم الحر إلا من يطاوله ... ويظلم النذل أدنى منه في النذل
يا ظالماً جار فيمن لا نصير له ... إلا المهيمن لا تغترّ بالمهل
غداً تموت ويقضي الله بينكما ... بحكمه الحق لا زيغ ولا ميل
وإن أولى الورى بالعفو أقدرهم ... على العقوبة إن يظفر بذي زلل
حلم الفتى عن سفيه القوم يكثر من ... أنصاره ويوقيه من العيل
والحلم طبع فما كسب يجود به ... لقوله خلق الانسان من عجل
لامية الصفدي رحمه الله تعالى
الجد في الجد والحرمان في الكسل ... فانصب تصب عن قريب غاية الأمل
وشم بروق المعالي في مخائلها ... بناظر القلب تكفي مؤنة العمل
واصبر على كل ما يأنى الزمان به ... صبر الحسام بكف الدارع البطل
لا تمسين على ما فات ذا حزن ... ولا تطل بما أوتيت في جذل
فالدهر أقصر من هذا وذا أمد ... وربما حل بعض الأمر في الوجل
وجانب الحرص والاطماع تحظ بما ... ترجو من العز والتأييد في عجل
(1/148)

وصاحب الحزم والعزم اللذين هما ... في الحل والحل ضد الغي والخطل
والبس لكل زمان ما يلايمه ... في العسر واليسر من حل ومرتحل
واصمت ففي الصمت أسرار تضمنها ... ما نالها قط إلا سيد الرسل
واستشعر الحلم في كل الأمور ولا ... تبادر ببادرة إلا إلى رجل
وإن بليت بشخص لا خلاق له ... فكن كأنك لم تسمع ولم يقل
ولا تمار سفيهاً في محاورة ... ولا حليماً لكي تنجو من الزلل
ثم المزاح فدعه ما استطعت ولا ... تكن عبوساً ودار الناس عن كمل
ولا يغرك من تبدو بشاشته ... منه غليك فإن السم في العسل
وإن أردت نجاحاً أو بلوغ منى ... فاكتم أمورك عن حاف ومنتعل
وأبكر بكور غراب في شذا نمر ... في بأس ليث كميّ في دها ثعل
بجود حاتم في إقدام عنترة ... في حلم أحنف في علم الإمام علي
وهن وعزّ وباعد واقترب وأثل ... وابخل وجد وانتقم واصفح وصل وصل
بلا غلو ولا جهل ولا سرف ... ولا توان ولا سخط ولا مذل
وكن أشد من الصخر الأصم لدى البأسا ... وأسير في الآفاق من مثل
حلو المذاقة مرّاً لينا شرسا ... صعباً ذلولاً عظيم المكر والحيل
مهذباً لوذعيا طيباً فكهاً ... عشمشماً غير هياب ولا وكل
صافي الوداد لمن أصفى مودته ... حقاً وأحقد للأعداء من جمل
لا يطمئنّ إلى ما فيه منقصة ... عليه إلا لأمر ما على دخل
ولا يقيم بأرض طاب مسكنها ... حتى يقدّ أديم السهل والجبل
ولا يصيخ إلى داع إلى طمع ... ولا ينيخ بقاع نازح العلل
ولا يضيع ساعات الدهور فلن ... يعود ما فات من أيامها الأول
ولا يراقب إلا من يراقبه ... ولا يصاحب إلا كل ذي نبل
ولا يعدّ عيوب الناس محتقراً ... لهم ويجهل ما فيه من الخلل
ولا يظن بهم سوءاً ولا حسناً ... يصاب من أصوب الأمرين بالغيل
ولا يؤمل آمالاً بصبح غد ... إلا على وجل من وثبة الأجل
ولا ينام وعين الدهر ساهرة ... في شأنه وهو ساه غير محتفل
(1/149)

ولا يصدّ عن التقوى بصيرته ... لأنها للمعالي أوضح السبل
من لم تكن حلل التقوى ملابسه ... عاراً وإن كان مغموراً من الحلل
من لم تفده صروف الدهر تجربة ... فيما يحاول فليرعى مع الهمل
من سالمته الليالي فليثق عجلاً ... منها بحرب عدوّ غير ذي مهل
من كان همته والشمس في قرن ... كانت منيته في دارة الحمل
من ضيع الحزم لم يظفر بحاجته ... ومن رمى بسهام العجب لم ينل
من جالس الغاية النوكى جنى ندماً ... لنفسه ورمى بالحادث الجلل
من جاد ساد وأمسى العالمون له ... وفا وحالة أهل الكف لم تحل
من لم يصن عزه ساءت خليقته ... بكل طبع لئيم غير منتقل
من رام نيل العلى بالمال يجمعه ... من غير حل بلى من جهله وبلي
من هاش عاش وخير العيش أشرفه ... وشره عيش أهل الجبن والبخل
عاجمت أيام دهر شدة ورخا ... وبوأت فيها بأثقال عليّ ولي
وخضت في كل واد من مسالكها ... بلا فتور ولا عجز ولا فشل
طوراً مقيماً مقام الصيد في صدف ... وتارة في ظهور الأينق الذلل
بالشرق يوماً ويوماً في مغاربه ... والغور يوماً ويوماً في ذوي القلل
وتارة عند أملاك غطارفة ... وتارة أنا والغوغاء في زحل
هذا ولم أرتض حالاً ظفرت به ... إلا وثقت بحبل منه منفصل
ولا أيمم بحراً جاش غاربه ... إلا وجدت سراباً أو صرى وشلي
حتى إذا لم أدع لي في الثرى وطناً ... أقصرت من غير لا وهن ولا ملل
فاليوم لا أحد لي عنده أرب ... ولا فتى أبداً ذو حاجة قبلي
وفي الفؤاد أمور لا أبوح بها ... ما قرب النائي أيدي الخيل والإبل
وإن أمت فلقد أعذرت في طلب ... وإن عمرت فلن أصغي إلى عذل
تمت برسم أخ مازال يسألني ... إنشاءها أبداً في الصبح والطفل
فقلتها لأرى مفروض طاعته ... والقلب شغل ناهيك من شغل
ولا أبالغ في توقيف أكثرها ... ولا ذكرت بها شيئاً من الغزل
لكنها حكم مملوءة همماً ... تغني اللبيب عن التفصيل بالجمل
(1/150)

ثم الصلاة على أزكى الورى حسباً ... محمد وأمير المؤمنين علي
ما أومض البرق في الديجور مبتسماً ... وما سفحن دموع العارض الهطل
لامية الطغرائي رحمه الله تعالى
أصالة الرأي صانتني عن الخطل ... وحلية الفضل زانتني لدى العطل
أصالة الرأي جودته، والخطل المنطق الفاسد، والعطل التعري عن الملابس الظاهرة
مجدي أخيراً ومجدي أولاً شرع ... والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل
قوله شرع أي سواء ورأد الضحى وقت ارتفاع الشمس والطفل آخر النهار
فيم الإقامة بالزوراء لا سكني ... بها ولا ناقتي فيها ولا جملي
ناء عن الأهل صفر الكف منفرد ... كالسيف عرى متناه عن الخلل
فلا صديق إليه مشتكى حزني ... ولا أنيس إليه منتهى جذلي
طال اغترابي حتى حنّ راحلتي ... ورحلها وقرى العسالة الذبل
وضج من لغب نضوى وعج لما ... ألقى ركابي ولج الركب في عذلي
الضجيج الصياح، واللغب بالغين المعجمة التعب والإعياء والنضو البعير المهزول والعج رفع الصوت، ولج الركب زاد في اللوم
أريد بسطة كف أستعين بها ... على قضاء حقوق للعلى قبلي
والدهر يعكس آمالي ويقنعني ... من الغنيمة بعد الكد بالقفل
وذي شطاط كصدر الرمح معتقل ... بمثله غير هياب ولا وكل
الواو واو رب والشطاط اعتدال القامة وقوله غير هياب أي غير جبان ولا وكل بكسر الكاف: أي غير عاجز
حلو الفكاهة مرّ الجدّ قد مزجت ... بشدة البأس منه رقة الغزل
طردت سرح الكرى عن ورد مقلته ... والليل أغرى سوام النوم بالمقل
يقول إني منعته النوم بالمحادثة ونحن في ليل قد أقبل بالنوم على العيون
والركب ميل على الأكوار من طرب ... صاح وآخر من خمر الكرى ثمل
فقلت أدعوك للجلي لتنصرني ... وأنت تخدلني في الحادث الجلل
الجلي بالضم الأمر العظيم وجمعها جلل ككبر
تنام عيني وعين النجم ساهرة ... وتستحيل وصبغ الليل لم يحل
(1/151)

فهل تعين على غيّ هممت به ... والغيّ يزجر أحياناً من الفشل
الغيّ الضلال، والزجر المنع، والفشل الجبن
إني أريد طروق الحي من إضم ... وقد حمته رماة الحي من ثعل
الطروق هو المجيء في الليل واضم كعنب الوادي الذي فيه مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وثعل كصرد ابن عمرو بنو ثعل مشهورون باتقان رمي السهام
يحمون بالبيض والسمر اللذان به ... سود الغدائر حمر الحلي والحلل
فسر بنا في دمام الليل معتسفاً ... فنفحة الطيب تهدينا إلى الحلل
الذمام الحرمة والاعتساف من العسف وهو الأخذ في السير بغير دليل
فالحب حيث العدى والأسد رابضة ... حول الكنائس لها غاب من الأسل
تؤم ناشئة بالجزع قد سقيت ... نصالها بمياه الغنج والكحل
تؤم تقصد، وناشئة أي مخلوقة، والجزع بالكسر منعطف الوادي
قد زاد طيب أحاديث الكرام بها ... ما بالكرائم من جبن ومن بخل
تبيت نار الهوى منهنّ في كبد ... حري ونار القرى منهم على القلل
يقتلن أنضاء حب لا حراك بها ... وينحرون كرام الخيل والإبل
الأنضاء جمع نضو وأراد به جماعة العشاق الذين أمرضهم الهوى وأنحلهم
يشفي لديغ العوالي في بيوتهم ... بنهلة من غدير الخمر والعسل
العوالي الرماح، والنهلة الشربة الواحدة
لعل إلمامة بالجزع ثانية ... يدب منها نسيم البرء في علل
الإلمام النزول وقد ألمّ به أي نزول وقوله يدبّ أي يمشي من دبّ على الأرض يدبّ دبيباً إذا مشى والبرء الشفاء
لا أكره الطعنة النجلاء قد شفعت ... برشقة من نبال الأعين النجل
يقول لا أكره الطعنة الواسعة التي تصيبني وقد ثنيت برشقة من سهام العيون المتسعة برؤية هذه الفتيات لأن ذلك رخيص إذا تهيأ إلى المرام
ولا أهاب الصفاح البيض تسعدني ... باللمح من خلل الأستار والكلل
يقول لا اهاب الصوارم التي هي العيون ووقعها فيّ إذا كانت تسعدني على جراحي باللمح من خلل الأستار
(1/152)

ولا أخل بغزلان أغازلها ... ولو دهتني أسود الغيل بالغيل
قوله ولا اخل أي ولا أترك، والمغازلة المحادثة مع النساء، والغيل بفتح الغين المعجمة موضع الأسد والغيل بالتحريك الشرّ
حب السلامة يثني همّ صاحبه ... عن المال ويغري المرء بالكسل
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقاً ... في الأرض أو سلماًَ في الجوّ فاعتزل
الجنوح الميل والنفق بالتحريك سرب في الأرض، والسلم معروف
ودع غمار العلى للمقدمين على ... ركوبها واقتنع منهنّ بالبلل
يقول اترك لجج المعالي لذوي الأقدام على ركوبها والمكابدين لشدائدها واقتنع من اللجج بالبلل وكنى بالبلل عن الشيء اليسير من العيش وقوله هذا مقابل بالقبول عند ذوي العقول:
رضى الذليل بخفض العيش مسكنة ... والعز عند رسيم الأينق الذلل
الخفض الدعة، والرسيم ضرب من سير الإبل
فادرأ بها في نحور البيد جافلة ... معارضات مثاني اللجم بالجدل
يقول فادفع بالأينق الذلل في نحور المفاوز مسرعة معارضات لجم الخيل بأزمتها
إن العلى حدثتني وهي صادقة ... فيما تحدّث أن العز في النقل
لو أن في شرف المأوى بلوغ منى ... لم تبرح الشمس يوماً دارة الحمل
أهبت بالحظ لو ناديت مستمعاً ... والحظ عني بالجهال في شغل
قوله أهبت أي صحت وهو ماخوذ من قولهم أهاب الراعي بغنمه إذا صاح بها لتقف عن السير
لعلي إن بدا فضلي ونقصهم ... لعينه نام عنهم أو تنبه لي
أعلل النفس بالآمال أرقبها ... ما أضيق الدهر لولا فسحة الأمل
لم أرتض العيش والأيام مقبلة ... فكيف أرضى وقد ولت على عجل
غالي بنفسي عرفاني بقيمتها ... فصنتها عن رخيص القدر مبتذل
يقول: إن عرفاني بنفسي يغالي الناس بقيمتها وما يجد لها كفؤا في القمة منهم فلهذا أحفظها ولا أبذلها لرخيص القدر مبتذل أي ممتهن
وعادة النصل أن يزهى بجوهره ... وليس يعمل إلا في يدي بطل
(1/153)

ما كنت أوثر أن يمتدّ بي زمني ... حتى أرى دولة الوغاد والسفل
تقدمتني أناس كان شوطهم ... وراء خطوي ولو أمشي على مهل
يقول تقدمني قوم كان جريهم وراء خطوي ولو أمشي متمهلاً
هذا جزاء امرئ أقرانه درجوا ... من قبله فتمنى فسحة الأجل
وإن علاني من دوني فلا عجب ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
فاصبر لها غير محتال ولا ضجر ... في حادث الدهر ما يغني عن الحيل
اللام في لها للتعدية والضمير راجع إلى معهود في الذهن لم يذكر وهي المقادير والأيام
أعدى عدوك ادنى من وثقت به ... فحاذر الناس واصحبهم على دخل
فإنما رجل الدنيا وواحدها ... من لا يعوّل في الدنيا على رجل
وحسن ظنك بالأيام معجزة ... فظن شرّا وكن منها على وجل
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت ... مسافة الخلف بين القول والعمل
وشاب صدقك عند الناس كذبهم ... وهل يطابق معوج بمعتدل
يقول هل المعوج وهو الكذب يطابق المعتدل وهو الصدق
إن كان ينجع شيء في ثباتهم ... على العهود فسبق السيف للعذل
قوله فسبق السيف للعذل: أي فات الأمر فلم يفد العذل شيئاً كما أن السيف يسبق من يعذل
يا وارداً سؤر عيش كله كدر ... أنفقت صفوك في أيامك الأول
فيم اقتحامك لج البحر تركبه ... وأنت يكفيك منه مصة الوشل
ملك القناعة لا يخشى عليه ولا ... يحتاج فيه إلى الأنصار والخول
ترجو البقاء بدار لا ثبات لها ... فهل سمعت بظل غير منتقل
ويا خبيراً على الأسرار مطلعاً ... اصمت ففي الصمت منجاة من الزلل
قد رشحوك لأمر إن فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
يقول: قد أهلوك لأمر إن فطنت له فاهرب منهم ولا تطاوعهم على ما يرومونه منك إن أردت أن لا ترعى مع الهمل. والهمل بالتحريك الابل التي لا راعي لها.
لامية ابن الوردي رحمه الله
اعتزل ذكر الغواني والغزل ... وقل الفصل وجانب من هزل
(1/154)

ودع الذكرى لأيام الصبا ... فالأيام الصبا نجم أفل
إن أحلى عيشة قضيتها ... ذهبت لذاتها والاثم حل
واترك العادة لا تحفل بها ... تمس في عز وترفع وتجل
وإله عن آلة لهو أطربت ... وعن الأمرد مرتج الكفل
إن تبدى تنكسف شمس الضحى ... وإذا ما ماس يزرى بالأسل
فاق إذ قسناه بالبدر سنا ... وعدلناه برمح فاعتدل
وافتكر في منتهى حسن الذي ... أنت تهواه تجد أمراً جلل
واهجر الخمرة إن كنت فتى ... كيف يسعى في جنون من عقل
واتق الله فتقوى الله ما ... جاورت قلب امرئ إلا وصل
ليس من يقطع طرفاً بطلاً ... إنما من يتق الله البطل
صدّق الشرع ولا تركن إلى ... رجل يرصد في الليل زحل
حارت الأفكار في قدرة من ... قد هدانا سبلنا عز وجل
كتب الموت على الخلق فكم ... فلّ من جيش وأفنى من دول
أين نمرود وكنعان ومن ... ملك الأرض وولى وعزل
أين من سادوا وشادوا وبنوا ... هلك الكل فلم تغن القلل
أين عاد أين فرعون ومن ... رفع الأهرام من يسمع يخل
أين أرباب الحجى أهل التقى ... أين أهل العلم والقوم الول
سيعيد الله كلاً منهم ... وسيجزي فاعلاً ما قد فعل
يا بني اسمع وصايا جمعت ... حكماً خصت بها خير الملل
اطلب العلم ولا تكسل فما ... أبعد الخير على أهل الكسل
واحتفل للفقه في الدين ولا ... تشتغل عنه بمال وخول
واهجر النوم وحصلّه فمن ... يعرف المطلوب يحقر ما بذل
لا تقل قد ذهبت أربابه ... كل من سار على الدرب وصل
في ازدياد العلم ارغام العدا ... وجمال العلم اصلاح العمل
جمّل النطق بالنحو فمن ... يحرم الإعراب في النطق اختبل
انظم الشعر ولازم مذهبي ... فاطرح الرفد في الدنيا أقل
(1/155)

فهو عنوان على الفضل وما ... أحسن الشعر إذا لم يبتذل
مات أهل الجود لم يبق سوى ... مقرف أو من على الأصل اتكل
أنا لا أختار تقبيل يد ... قطعها أجمل من تلك القبل
إن جزتني عن مديحي صرت في ... رقها أولاً فيكفيني الخجل
أعذب الألفاظ قولي لك خذ ... وأمرّ اللفظ نطقي بلعل
ملك كسرى عنه تغني كسرة ... وعن البحر اكتفاء بالوشل
اعتبر نحن قسمنا بينهم ... تلقه حقاً وبالحق نزل
ليس ما يحوي الفتى من عزمه ... لا ولا ما فات يوماً بالكسل
قاطع الدنيا فمن عاداتها ... تخفض العالي وتعلي من سفل
عيشة الراغب في تحصيلها ... عيشة الجاهل بل هذا أذل
كم جهول وهو مثر مكثر ... وعليم مات منها بعلل
كم شجاع لم ينل منها المنى ... وجبان نال غايات الأمل
فاترك الحيلة فيها واتئد ... إنما الحيلة في ترك الحيل
أي كف لم تفد مما تفد ... فرماها الله منه بالشلل
لا تقل أصلي وفصلي أبداً ... إنما أصل الفتى ما قد حصل
قد يسود المرء من غير أب ... وبحسن السبك قد ينفي الدغل
وكذا الورد من الشوك فما ... يطلع النرجس إلا من بصل
غير أني أحمد الله على ... نسبي إذ بأبي بكر اتصل
قيمة الانسان ما يحسنه ... اكثر الانسان منه أو أقل
اكتم الأمرين فقر أو غنى ... واكسب الفلس وحاسب من بطل
وادّرع جداً وكداً واجتنب ... صحبة الحمقى وأرباب الدول
بين تبذير وبخل رتبة ... وكلا هذين إن زاد قتل
لا تخض في حق سادات مضوا ... إنهم ليسوا بأهل للزلل
وتغافل عن أمور إنه ... لم يفز بالحمد إلا من غفل
ليس يخلو المرء من ضد وغن ... حاول العزلة في رأس جبل
غب عن المنام واهجره فما ... بلغ المكروه إلا من نقل
(1/156)

دار جار الدار إن جار وإن ... لم تجد صبراً فما أحلى النقل
جانب السلطان واحذر بطشه ... لا تخاصم من إذا قال فعل
لا تل الحكم وإن هم سألوا ... رغبة فيك وخالف من عذل
إن نصف الناس أعداء لمن ... ولي الأحكام هذا إن عدل
فهو كالمحبوس عن لذاته ... وكلا كفيه في الحشر تغل
إن للنقص والاستثقال في ... لفظة القاضي لو عظا ومثل
لا توازي لذة الحكم بما ... ذاقه الشخص إذا الشخص انعزل
فالولايات وإن طابت لمن ... ذاقها فالسمّ في ذاك العسل
نصب المنصب أو هي جلدي ... وعنائي من مداراة السفل
قصر الآمال في الدنيا تفز ... فدليل العقل تقصير الأمل
إن من يطلبه الموت على ... غرة منه جدير بالوجل
غب وزر غباً تجد حباً فمن ... أكثر الترداد أصماه الملل
خذ بنصل السيف واترك غمده ... واعتبر فضل الفتى دون الخلل
لا يضر الفضل إقلال كما ... لا يضر الشمس إطباق الطفل
حبك الأوطان عجز ظاهر ... فاغترب تلق عن الأهل بدل
فبمكث الماء يبقى آسناً ... وسرى البدر به البدر اكتمل
أيها الغائب قولي عبثاً ... إن طيب الورد مؤذ بالعجل
عد عن أسهم الولى واستتر ... لا يصيبنك سهم من ثعل
لا يغرنك لين من فتى ... إن للحيات ليناً يعتزل
أنا مثل الماء سهل سائغ ... ومتى سخن آذى وقتل
أنا كالخيروز صعب كسره ... وهو لدن كيفما إن شئت انفتل
غير أني في زمان من يكن ... فيه ذو مال هو المولى الأجل
واجب عند الورى إكرامه ... وقليل المال فيهم يستقل
كل أهل العصر غمر وأنا ... منهم فاترك تفاصيل الجمل
وصلاة الله ربي كلما ... طلع الشمس نهاراً أو أفل
للذي حاز العلا من هاشم ... أحمد المختار من ساد الأول
(1/157)

وعلى آل وصحب وسادة ... ليس فيهم عاجز إلا بطل
قد ختم الباب الرابع من كتاب نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن، بعون الملك الأعلى وقوته العلى، ويتلوه الباب الخامس إن شاء الله تعالى، والحمد لله على ذلك حمداً كثيراً جزيلاً
-

الباب الخامس
يذكر فيه تغريد الصادح للشيخ العلامة ابن حجة الحموي وضروب من الحكم والأمثال نظماً ونثراً.

تغريد الصادح
الحمد لله الذي هذبنا ... واختارنا للعلم إذ أدبنا
كان للآداب فضلاً يذكر ... فلا تخاطب كل من لا يشعر
يا مدعي الحكمة في كلامه ... ومن يروم السحر في نظامه
خذ حكماً جميعها أمثال ... ليس لها في عصرنا مثال
ألفها ابن حجة للنجبا ... لأن فيها رأس مال الأدبا
واختارها من مفردات الصادح ... وكان ذا من أكبر المصالح
من كل بيت إن تمثلت به ... سكنت من سامعه في قلبه
وقد تهجمت على الشريف ... لكنني خاطبت بالمعروف
وجئت من كلامه بنبذة ... تجلب للسامع كل لذة
وترفع الأديب إن تمثلا ... بها إذا خاطب أرباب العلى
من حكم تتبعها وصايا ... مقبولة من احسن السجايا
من أول وأوسط وآخر ... جمعتها جمع أديب شاعر
حتى دنا البعيد للقريب ... وانتظم البديع بالغريب
وانسجمت في كمعها أرجوزه ... بديعة غريبة وجيزة
وكل من أنكر ما أحكمت في ... ترتيبها يكون غير منصف
فلينظر الأصل ليعرف السبب ... ويعترف إن كان من أهل الأدب
أول ما برعت في استهلاله ... من نظمه المحكم في مقاله
(1/158)

هذا أول الصادح والباغم
العيش بالرزق وبالتقدير ... وليس بالرأي ولا التدبير
في الناس من تسعده الأقدار ... وفعله جميعه إدبار
ومن هنا تأليف الشيخ ابن حجة رحمه الله تعالى
من عرف الله أزال التهمة ... وقال كل فعله للحكمة
من أنكر القضاء فهو مشرك ... عن القضاء بالعباد أملك
ونحن لا نشرك بالله ولا ... نقنط من رحمته إذ نبتلى
عار علينا وقبيح ذكر ... أن نجعل الكفر مكان الشكر
وليس في العالم ظلم جاري ... إذ كان ما يجري بأمر الباري
وأسعد العالم عند الله ... من ساعد الناس بفضل الجاه
ومن أغاث البائس الملهوفا ... أغاثه الله إذا أخيفا
إن العظيم يدفع العظيما ... كما الجسيم يحمل الجسيما
وإن من خلائق الكرام ... رحمة ذي البلاء والأسقام
وإن من شرائط العلو ... العطف في البؤس على العدوّ
قد قضت العقول أن الشفقة ... على الصديق والعدوّ صدقة
وقد علمت واللبيب يعلم ... بالطبع لا يرحم من لا يرحم
والمرء لا يدري متى يمتحن ... فإنه في دهره مرتهن
وإن نجا اليوم فما ينجو غداً ... لا يأمن الآفات إلا بالردى
لا تغترر بالخفض والسلامة ... فإنما الحياة كالمدامة
والعمر مثل الكاس والدهر القذر ... والصفو لابد له من الكدر
قال الشيخ ابن حجة رحمه الله تعالى انظر أيها المتأمل كيف اتبعت قوله فإنما الحياة المدامة بقوله والعمر مثل الكاس وإذا نظرت إلى آخر البيت الثاني رأيت الاتفاق العجيب:
وكل انسان فلا بد له ... من صاحب يحمل ما اثقله
جهد البلاء صحبة الأضداد ... فإنها كيّ على الفؤاد
أعظم ما يلقى الفتى من جهد ... أن يبتلى في جنسه بالضد
(1/159)

صحبة يوم نسب قريب ... وذمة يحفظها اللبيب
لا يحقر الصحبة إلا جاهل ... أو مائق عن الرشاد غافل
فإنما الرجال بالإخوان ... واليد بالساعد كالبنيان
فالمرء يحيى أبداً أخاه ... وهو إذا ما عد من أعداه
وموجب الصداقة المساعده ... ومقتضى المودة المعاضده
لا سيما ف النوب الشدائد ... والمحن العظيمة الأوابد
وإن من عاشر قوماً يوماً ... ينصرهم=ولا يخاف لوما
وإن من حارب من لا يقوى ... بحربه جر إليه البلوى
فحارب الأكفاء والأقرانا ... فالمرء لا يحارب السلطانا
واقنع إذا حاربت بالسلامة ... واحذر فعالاً توجب الندامة
فالتاجر الكيس في التجارة ... من خاف في متجره الخسارة
يجهد في تحصيل رأس ماله ... ثم يروم الربح باحتياله
وإن رأيت النصر قد لاح لكا ... فلا تقصر واحترز أن تهلكا
واسبق إلى الأجود سبق الناقد ... فسبقك الخصم من المكائد
وانتهز الفرصة إن الفرصة ... تصير إن لم تنتهزها غصه
ومن أضاع جنده في السلم ... لم يحفظوه في لقاء الخصم
وإن من لا يحفظ القلوبا ... يخذل حين يشهد الحروبا
والجند لا يرعون من أضاعهم ... كلا ولا يحمون من أجاعهم
وأضعف الملوك طرا عقدا ... من غره السلم فأقصى الجندا
والحزم والتدبير روح العزم ... لا خير في عزم بغير حزم
والحزم كل الحزم في المطاولة ... والصبر لا في سرعة المزاوله
وفي الخطوب تظهر الجواهر ... ما غلب الأيام إلا الصابر
لا تيأسن من فرج ولطف ... وقوة تظهر بعد ضعف
فربما جاءك بعد اليأس ... روح بلا كد ولا التماس
في لمحة الطرف بكاء وضحك ... وناجذ باد ودمع منسفك
تنال بالرفق وبالتأني ... ما لم تنل بالحرص والتعني
(1/160)

ما أحسن الثبات والتجلدا ... وأقبح الحيرة والتلبدا
ليس الفتى إلا الذي إن طرقه ... خطب تلقاه بصبر وثقة
إذا الرزايا أقبلت ولم تقف ... فثمّ أحوال الرجال تختلف
فكم لقيت لذة في زمن ... فاصبر الآن لهدى المحن
فالموت لا يكون إلا مره ... والموت أحلى من حياة مره
أنى من الموت على يقين ... فأجهد الآن لما يقيني
صبرا على أهوالها ولا ضجر ... وربما فاز الفتى إذا صبر
لا يجزع الحر من المصائب ... كلا ولا يخضع للنوائب
فالحر للصعب الثقيل يحمل ... والصبر عند النائبات أجمل
لكل شيء مدة وتنقضي ... وما غلب الأيام إلا من رضي
قد صدق القائل في الكلام ... ليس النهى بعظم العظام
لا خير في جسامة الجسام ... بل هي في العقول والأفهام
فالخيل للحرب وللجمال ... والإبل للحمل وللرحال
لا تحتقر قط صغيراً محتقر ... فربما أسألت النفس الإبر
لا تحرج الخصم ففي إحراجه ... جميع ما تكره من لجاجه
لا تطلب الغاية باللجاج ... وكن إذا كويت ذا انضاج
فعاجز من ترك الموجودا ... طماعة وطلب المفقودا
وفتش الأمور عن أسرارها ... كم نكبة جاءتك من اظهارها
لرمت للجهل قبيح الظاهر ... وما نظرت حسن السرائر
ليس يضير البدر في ثناه ... أن الضرير قط لا يراه
كم حكمة ضجت المحافل ... مليحة وأنت عنها غافل
ويغفلون عن خفى الحكمة ... ولو رأوها لأزالوا التهمة
كم حسن ظاهره قبيح ... وسمج عنوانه مليح
والحق قد نعلمه ثقيل ... يأباه إلا نفر قليل
والعاقل الكافي من الرجال ... لا ينثني بزخرف المقال
إن العدوّ قوله مردود ... وقلّ ما يصدقك الحسود
(1/161)

لا تقبل الدعوى بغير شاهد ... لا سيما ما كان من معاند
أيؤخذ البريء بالسقيم ... والرجل المحسن باللئيم
كذاك من يستنصح الأعادي ... يردونه بالغش والفساد
إن أقلّ من ترى أذهاناً ... من حسب الاساءة إحسانا
فادفع اساآت العدى بالحسنى ... ولا تخل يسراك مثل اليمنى
وللرجال فاعلمن مكائد ... وخدع منكرة شدائد
والندب لا يخضع للشدائد ... قط ولا يغتاظ بالمكائد
فرّ في الخرق بلطف واجتهد ... وامكر إذا لم ينفع الصدق وكد
فهكذا الحازم إذ يكيد ... يبلغ في الأعداء ما يريد
وهو بريء منهم في الظاهر ... وغيره مختضب الأظافر
والشهم من يصلح أمر نفسه ... ولو بقتل ولده وعرسه
فإن من يقصد قلع ضرسه ... لم يعتمد إلا صلاح نفسه
وإن من خص اللئيم بالندى ... وجدته كمن يربي أسدا
وليس في الطبع اللئيم شكر ... وليس في الأصل الدنيّ نصر
وإن من ألزمه وكلفه ... ضد الذي في طبعه ما أنصفه
كذاك من يصطنع الجهالا ... ويؤثر الأرذال والأنذالا
لو أنكم أفاضل احرار ... ما ظهرت بينكم الأشرار
إن الأصول تجذب الفروعا ... والعرق دساس إذا أطيعا
ما طاب فرع أصله خبيث ... ولا ذكا من مجده حديث
قد يبلغون رتباً في الدنيا ... ويدركون وطراً من عليا
لكنهم لا يبلغون في الكرم ... مبلغ من كان له فيها قدم
وكل من تماثلت أطرافه ... في طيبها وكرمت أسلافه
كان خليقاً بالعلاء والكرم ... وبرعت في أصله حسن الشيم
لولا بنو آدم بين العالم ... ما بان للعقول فضل العالم
فواحد يعطيك جوداً وكرم ... فذاك من يكفره فقد ظلم
وواحد يعطيك للمصانعة ... أو حاجة له إليك واقعه
(1/162)

لا تشرهنّ إلى حطام عاجل ... كم أكلة أودت بنفس الآكل
ويئست العادة فاحذر الشره ... وقس بما رأيته ما لم تره
فالبغي داء ماله دواء ... ليس لملك معه بقاء
والبغي فاحذره وخيم المرتع ... والعجب فاتركه شديد المصرع
والغدر بالعهد قبيح جداً ... شر الورى من ليس يرعى عهدا
عند تمام المرء يبدو نقصه ... ورما ضر الحريص حرصه
وربما ضرك بعض مالكا ... وساءك المحسن من رجالكا
فالمرء يفدي نفسه بوفره ... عساه أن ينجو بها من أسره
لا تطين شيئاً بغير فائدة ... فإنها من السجايا الفاسدة
ختمها المؤلف الشيخ ابن حجة رحمه الله تعالى بقوله:
هذا الذي ألفته واخترته ... من رجز الشريف وانتخبته
وحرمة الآداب يا أهل الأدب ... أن الشريف قد أتانا بالعجب
قلنا جميعاً إذ سمعنا رجزه ... كم قد أتى محمد بمعجزه
من كل بيت شطره قصيد ... فكلنا لبيته عبيد
ورحمة الله له في الآخرة ... خاتمة مع الهبات الوافرة
ثم الصلاة والسلام دائماً ... على الذي للرسل جاء خاتما
الحكمة من النثر والأمثال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكمة تزيد الشريف شرفاً وقال عليه السلام نعم الهدية الكلمة من كلام بالحكمة، وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من عرف بالحكمة لاحظته العيون بالوقار، وقال بعض الحكماء تحتاج القلوب إلى أقواتها من الحكمة كما تحتاج الأجسام إلى أقواتها من الطعام، وقال صلى الله عليه وسلم لو أنّ الرجل كالقدح المقوم لقال الناس فيه لو ولولا وقال عليه الصلاة والسلام أقيموا ذوى المروآت فما يعثر منهم عاثر إلا ويده بيد الله تعالى وقيل لعلى رضي الله عنه ما الكرم فقال الاحتيال للمعروف وترك التقصي على الملهوف وقال عليه السالم انتهزوا الفرص فإنها تمرمر السحاب ولا تطلبوا أثرا بعد عين، وقال الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك وقال إذا
(1/163)

أقبلت الدنيا على رجل أعارته محاسن غيره وإذا
أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه، وقال جعفر الصادق رضي الله عنه من لم يستحيي من العيب ويرعو عند الشيب ويخش الله بظهر الغيب فلا خير فيه وقال أفلاطون الحكيم لا تطلب سرعة العمل واطلب تجويده فإن الناس لا يسألون في كم فرغ وإنما ينظرون إلى إتقانه وجودة صنعته وقال حبك للشيء ستر بينك وبين مساويه وبغضك له ستر بينك وبين محاسنه وقال إذا أنجزت ما وعدت فقد أحرزت فضيلتي الجود والصدق وقال من مدحك بما ليس فيك من الجميل وهو راض عنك ذمك بما ليس فيك من القبيح وهو ساخط عليك وقال السعيد من الملوك من تمت به رياسة آبائه والشقي منهم من انقطعت عنده وقال لا بقيت ليوم أذم فيه ما مدحت أو أمدح فيه ما زممته ذلك يوم ظفر الهوى فيه بالرأي والجهل بالعقل وقال لا تدفعنا عملا عن وقته فإن للوقت الذي تدفعه إليه عملاً آخر ولست تطيق ازدحام الأعمال لأنها إذا ازدحمت دخلها الخلل وقال لا تأسفن على شيء اغتصبته في هذا العالم فلو كان لك بالحقيقة لما وصل إلى غيرك وقال أضعف الناس من ضعف عن كتمان سره وأقواهم من قوى على غضبه وأصبرهم من ستر فاقته وأغناهم من قنع عما تيسر له وقال أصعب الأحوال حال عجزت فيها عن تنقل إلى ما ترجو فيه راحة وأضيق المذاهب طريق لم تجد فيه معيناً لك ولا مشيراً عليك وقال ليس ينبغي للمرء أن يعمل الفكرة فيما ذهب ولكن ليعملها في حفظ ما يبقى له، وقال الرغبة إلى الكريم تخلطك به وتقر بك منه وترفع سجوف الحشمة بينك وبينه والرغبة اللئيم تباعدك منه وتصغرك في عينه وقال لا تبكتنّ أحداً في الظاهر بما تأتيه في الباطن واستحيي من نفسك فإنها تلحظ منك ما غاب عن غيرك وقيل لبقراط إن الكلام الذي قلته لأهل مدينة كذا لم يقبلوه فقال لا يلزمني أن يقبل وإنما يلزمني أن يكون صواباً وقال بعض ملوك الهند: المسيء لا يظن بالناس الأسوء لأنه يراهم بعين طبعه وقال بعض الحماء مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كمثل أعمى بيده سراج يستضيء به غيره وهو لا يراه وقيل لبعض الحكماء ما الصديق فقال هو اسم على غير معنى وحيوان غير موجود وقال آخر أطول الناس سفراً من كان في طلب صديق يرضاه وقال آخر: مغضب القادر عليه كمجرب السم في نفسه إن هلك فقتيل حق وإن نجا فطليق حمق وكان الحسن البصري يقول
(1/164)

اللهم إن أنزلت بلاء فأنزل صبراً ووهبت عافية فهب شكراً وقيل لبعضهم لم لا
يجتمع الكمال والمال قال لعزة الكمال وقال آخر إذا نزل بك المهم فانظر فإن كان فيه حيلة فلا تعجز وإن لم تكن فيه حيلة فلا تجزع وقال آخر تقدم بالحيلة قبل نزول الأمر فإنه إذا نزل ضاقت الحيل وطاشت العقول وقال خالد بن صفوان لا تغترر بمن يميل غليك حتى تعرف علة ميله فإن كان لشيء من صفاتك الذاتية فارج ثباته وإن كان لشيء من أحوالك العارضة فلا تحفل به فإنه يقيم معك بما قام ذلك الشيء وينصرف عنك بانصرافه وفي كتاب كليلة ودمنة إذا أحدث لك العدو صداقة لعلة ألجأته إليك فمع ذهاب العلة رجوع العداوة كالماء تسخنه فإذا أمسكت عنه عاد إلى أصله بارداً والشجرة المرة لو طليتها بالعسل لم تثمر إلا مرّا وقيل لبقراط ما أهم الأشياء نفعاً قال فقد الأشرار وقيل لبعضهم ما بال السريع الغضب سريع الرجعة والبطيء الغضب بطيء الرجعة فقال مثلهما كمثل النار في الحطب اسرعها وقوداً أسرعها خموداً وقال آخر لتكن سيرتك وأنت خلو في منزلك سيرة من هو جماعة من الناس يستحيي منهم وقال آخر غاية المروءة أن يستحيي الإنسان من نفسه وقال آخر مثل الأغنياء البخلاء كمثل البغال والحمير تحمل الذهب والفضة وتعتلف بالتبن والشعير وقال حسان بن تبع الحميري لا تثقنّ بالملك فإنه ملول ولا بالمرأة فإنها خئون ولا بالدابة فإنها شرود وقال ينبغي للعاقل أن يكسب ببعض ماله المحمدة ويصون ببعضه وجهه عن المسئلة وقيل للأحنف بن قيس ما أحلمك! قال لست بحليم ولكني أتحالم والله إني لأسمع الكلمة فأحلم لها ثلاثاً ما يمنعني من الجواب عنها إلا خوف من أن أسمع شراً منها وقيل لامرئ القيس ما السرور فقال بيضاء رعبوبة بالطيب مشوبة بالشحم مكروبة، وقيل للأعشى ما السرور فقال صهباء صافية تمزجها غانية من صوب غادية وقيل لطرفة ما السرور فقال مطعم شهي ومشرب ذوي وملبس دفي ومركب وطي وقيل لأعرابي ما السرور فقال الكفاية في الأوطان والجلوس مع الإخوان وقال الحجاج للأديب الناعم ما السرور فقال الأمن فإني رأيت الخائف لا عيش له قال زدني، قال الغنى فإني رأيت الفقير لا عيش له قال زدني قال الصحة فإني رأيت المريض لا عيش له قال زدني قال لا أجد مزيداً قلت عندي المزيد وهو الكرم فإني رأيت البخيل لا عيش له وقيل لفاضل ما السرور
(1/165)

فقال إقامة الحجة وإيضاح الشبهة وقال أعرابي لآخر اصحب من يتناسى معروفه عندك ويذكر حقوقك عليه.
وقال المنتصر بالله والله ما ذل ذو حق ولو اتفق العالم عليه ولا عز ذو باطل ولو طلع القمر في جبينه وقال آخر حركة الإقبال بطيئة وحركة الإدبار سريعة لأن المقبل كالصاعد مرقاة والمدبر كالمقذوف به من موضع عال وقيل لبعضهم ما الذي يجمع القلوب على المودة قال كفّ بذول وبشر جميل وقيل لآخر متى يحمد الكذب قال إذا جمع بين متقاطعين قيل فمتى يذم الصدق قال إذا كانت غيبة قيل فمتى يكون الصمت خيراً من النطق قال عند المرأة وفي كتاب للفرس إذا أردت أن تسأل فأسأل من كان في غنى ثم افتقر فإن عز الغني يبقى في قلبه أربعين سنة ولا تسأل من كان في فقر ثم استغنى فإن ذل الفقر يبقى في قلبه أربعين سنة وقال عامر بن عبد القيس إذا خرجت الكلمة من القلب دخلت في القلب وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان، وقال حكيم لآخر يا أخي كيف قال أصبحت قال أصبحت وبنا من نعم الله ما لانحصيه مع كثرة ما نعصيه فما ندري أيهما نشكر جميل ما ينشر أو قبيح ما يستر وقيل لشريك بن عبد اله أن معاوية كان حليماً فقال كلا لو كان حليماً ما سفه الحق ولا قاتل علياً كرم الله وجهه وقال بعض الحكماء لا ينبغي للفاضل أن يخاطب ذوي النقص كما لا ينبغي للصاحي أن يكلم الساهي، وقال ابن المعتز أهل الدنيا كركاب سفينة يسار بهم وهم نيام وقال المسيح بن مريم عليه السلام عالجت الأكمه والأبرص فأبرأتهما واعياني علاج الأحمق وقال ابن المقفع إذا حاججت فلا تغضب فإن الغضب يقطع عنك الحجة ويظهر عليك الخصم ووجد على صنم مكتوب حرام على النفس الخبيثة أن تخرج من هذه الدنيا حتى تسيء إلى من أحسن إليها قال بعض الحكماء إذا رغبت الملوك عن العدل رغبت الرعية عن الطاعة وقال النبي صلى الله عليه وسلم عدل ساعة في الحكومة خير من عبادة ستين سنة وقال عمرو بن العاص لا سلطان إلا برجال ولا رجال إلا بمال ولا مال إلا بعمارة ولا عمارة إلا بعدل.
وقال أبو مسلم الخراساني خاطر بنفسه من ركب البحر وأشد منه مخاطئة الملوك وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليك الشكر وإذا كان جائراً فعليه الوزر وعليك الصبر قال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه لا راحة لحسود ولا إخاء لملول ولا محب لسيء الخلق
(1/166)

ووجد في كتاب لجعفر بن يحيى أربعة أسطر مكتوبة بالذهب الرزق مقسوم الحريص محروم البخيل مذموم الحسود مغموم قال عمر بن الخطاب رضي
الله عنه إياكم وذكر الناس فإنه داء وعليكم بذكر الله فإنه شفاء وقال ابن عباس رضي الله عنه اذكر اخاك بما تحب أن يذكرك به ودع منه ما تحب أن يدعك منه. قال النبي صلى الله عليه وسلم المرء كثير بأخيه وقال بعض الحكماء أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم مثل الخليل الصالح كمثل النخلة إن قعدت في ظلها أظلتك وإن احتطبت من حطبها نفعك وإن أكلت من ثمرها وجدته طيباً وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصاحب رقعة في قميصك فانظر بمن ترقعه وقيل لبعض الأمراء كم لك صديق قال لا أدري ما دامت الدنيا مقبلة عليّ فالناس كلهم أصدقاء لي وإنما أعرفهم إذا أدبرت عني قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل حظيرة الفردوس متكبر وقال حكيم كيف يتكبر من خلق من التراب وجرى في مجرى البول وغذي بدم الحيض وطوى على القذر ويقال التكبر على المتكبر تواضع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تواضع لله رفعه الله قال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه الأدب حلى في الغنى كنز عند الحاجة عون على المروءة صاحب في المجلس مؤنس في الوحدة تعمر به القلوب الواهية وتحيا به الألباب الميتة وتنفذ به الأبصار الكليلة ويدرك به الطالبون ما حاولوا ويقال من كثر أدبه شرف وإن كان وضيعاً وساد وإن كان غريباً وارتفع صيته وإن كان خاملاً وكثرت الحوائج إليه وإن كان فقيراً وقال عبد الله بن المعتز الأدب يبلغ بصاحبه الشرف وإن كان دنيّاً والعز وإن كان ذليلاً والقرب وإن كان قصياً والمهابة وإن كان زريا والغنى وإن كان فقيراً والسؤدد وإن كان حقيراً والكرامة وإن كان سفيهاً والمحبة وإن كان كريهاً وقال بعض الملوك لوزيره ما خير ما يرزقه العبد قال عقل يعيش به قال فإن عدمه قال فأدب يتحلى به قال فإن عدمه قال فمال يستره قال فإن عدمه قال فصاعقة تحرقه وتريح البلاد والعباد منه قال رضي الله عنه لن تعدم من الأحمق خلتين كثرة الالتفات وسرعة الجواب بغير عرفان وقال لقمان لابنه يا بني شيآن إذا حفظتهما لا تبالي ما ضيعت بعدهما دينك لمعادك ودرهمك لمعاشك، وقال آخر شيآن
(1/167)

يجب على العاقل أن يتحفظ منهما حسد أصدقائه ومكر أعدائه وقال بعض الأدباء شيآن لا يجتمعان الشعر الجيد واللسان البليغ وقال آخر اثنان معذبان غني حصلت له الدنيا فهو بها مهموم مشغول وفقير زُويت عنه فنفسه تتقطع عليها حسرات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مهلكات وثلاث
منجيات فأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه، وأما المنجيات فخشية الله في السرّ والعلانية والقصد في الغنى والفقر والعدل في الرضا والغضب، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ثلاث يثبتن لك الودّ في صدر أخيك أن تبدأه بالسلام وتوسع له في المجلس وتدعوه بأحب الأسماء إليه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاًَ ولا صلاة ولا يرفع لهم حسنة: العبد الآبق حتى يرجع إلى مولاه والمرأة الساخط عليها بعلها حتى يرضى عنها والسكران حتى يصحو) وقال المأمون: ثلاثة لا ينبغي للعاقل أن يقدم عليها شرب السم للتجربة وإفشاء السرّ إلى ذي القرابة الحاسد وركوب البحر وإن ظن فيه الغنى، وقال الحسن بن سهل: ثلاثة تذهب ضياعاً دين بلا عقل وقدرة بلا فعل ومال بلا بذل، وقال لقمان: ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن، الشجاع عند الحرب والحليم عند الغضب وأخوك عند حاجتك إليه، وقال آخر: ثلاثة من أعزهم عادت عزته ذلاً السلطان والولد والغريم، وقال جعفر الصادق رضي الله عنه: من طلب ثلاثاً بغير حق حرم ثلاثاً بحق، من طلب الدنيا بعير حق حرم الآخرة بحق، ومن طلب الرياسة بغير حق حرم الطاعة بحق، ومن طلب المال بغير حق حرم بقاءه بحق، وقال آخر: الأنس في ثلاثة، الصديق المصافي والولد البارّ والزوجة الصالحة، وقال آخر: ثلاثة ينبغي أن يُكرموا ذو الشيبة لشيبته وذو العلم لعلمه وذو السلطان لسلطانه، وقال آخر: في المال ثلاثة عيوب يكسب بالحظ ويحفظ باللؤم ويتلف بالجود، وقال آخر: ليس في ثلاثة حيلة فقر يخالطه كسل، وعداوة يداخلها حسد، ومرض يمازجه هرم، وقال آخر: ثلاثة أشياء قليلها كثير المرض والنار والعداوة، وكان يقال من ألهم ثلاثاً لم يحرم ثلاثاً، من ألهم الدعاء لم يحرم الإجابة، ومن ألهم الاستغفار لم يحرم المغفرة، ومن ألهم الشكر لم يحرم المزيد، وقيل لأعرابي ما نقمتم من أميركم فقال ثلاث خصال: يقضي بالعشوة ويطيل النشوة ويأخذ الرشوة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أربعة لا تكون
(1/168)

إلا بأربعة لا حسب إلا بتواضع، ولا كرم إلا بتقوى، ولا عمل إلا بنية، ولا عبادة إلا بيقين) وقال محمد بن الربيع لحاتم الأصم علام بنيت أمرك قال على أربع خصال: علمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأنت بذلك نفسي، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري فأنا به مشغول، وعلمت أن أجلي لابد أن يأتي فأنا ابادره، وعلمت أني لا أغيب عن
عين الله فأنا منه مستحي واجتمع حكماء العرب والعجم على أربع كلمات: وهي لا تحمل نفسك ما لا تطيق ولا تعمل عملاً لا ينفعك، ولا تغترّ بامرأة وإن عفت، ولا تثق بمال وإن كثر، وقال بعض الحكماء: من استطاع أن يمنع نفسه من أربع كان خليقاً أن لا ينزل به المكروه العجلة واللجاج والتواني والعجب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (خمس من كنّ فيه كن عليه قيل وما هنّ يا رسول الله قال: النكث والمكر والبغي والخداع والظلم، فأما النكث فقال الله تعالى - فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، وأما المكر فقال الله تعالى - ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، وأما البغي فقال الله تعالى - يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم - وأما الخداع فقال الله تعالى - يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم، وأما الظلم فقال الله تعالى - وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، (وقال عليه الصلاة والسلام خمسة من خمسة محال: الحرمة من الفاسق محال والكبر من الفقير محال والنصيحة من العدوّ محال والمحبة من الحسود محال والوفاء من النساء محال) وقال عليه الصلاة والسلام (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وعناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك)، وقال بعض الحكماء: لا ينبغي للعاقل أن يسكن بلداً ليس فيه خمسة أشياء: سلطان حازم وقاض عادل وطبيب عالم ونهر جار وسوق قائم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدّثتم وأوفوا إذا وعدتم وأدّوا إذا ائتمنتم واحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم وكفوا أذاكم) وقال عليه الصلاة والسلام (ستى لا تفارقهم الكآبة الحقود والحسود وفقير قريب العهد بالغنى وغنيّ يخشى الفقر وطالب رتبة يقصر عنها قدره وجليس أهل الأدب وليس منهم) وقال علي رضي الله عنه: لا خير في صحبة من اجتمع فيه ست خصال إن حدثك كذب وإن حدثته كذبك وإن ائتمنته خانك وإن أئتمنك اتهمك وإن أنعمت عليه كفرك وإن أنعم عليك منّ بنعمته، وفي
(1/169)

كتاب كليلة ودمنة ستة لا ثبات لها: ظل الغمام وخلة الأشرار والمال الحرام وعشق النساء والسلطان الجائر والثناء الكاذب، وقال بعض الحكماء: لا خير في ستة إلا مع ستة لا خير في القول إلا مع الفعل ولا في المنظر إلا مع المخبر ولا في المال إلا مع الإنفاق ولا في الصدقة إلا مع النية ولا في الصحبة إلا مع الإنصاف ولا في الحياة إلا مع الصحة، وقال آخر ينبغي للملك أن يكون له ستة أشياء:
وزير يثق به ويفضي إليه سره وحصن يلجأ إليه إذا فزع وسيف إذا نازل الأقران لم لم يخف نبوته وذخيرة خفيفة المحمل إذا نابته نائبة حملها معه وامرأة حسناء إذا دخل إليها أذهبت همه وطباخ حاذق إذا لم يشته الطعام صنع له ما يشتهيه، وقال آخر أصعب ما على الإنسان ستة أشياء أن يعرف نفسه ويعلم عيبه ويكتم سرّه ويهجر هواه ويخالف شهوته ويمسك عن القول فيما لا يعنيه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (سبعة أشياء يكتب للعبد ثوابها بعد وفاته رجل غرس نخلاً أو حفر بئراً أو أجرى نهراً أو بنى مسجداً أو كتب مصحفاً أو ورّث علماً أو خلف ولداً صالحاً يستغفر له) وقال بعض الحكماء: اجتنب سبع خصال يسترح جسمك وقلبك ويسلم عرضك ودينك لا تحزن على ما فاتك ولا تحمل على قلبك همّ ما لم ينزل بك ولا تلم الناس على ما فيك مثله ولا تطلب الجزاء على ما لم تعمل ولا تنظر بالشهوة إلى ما لا تملك ولا تغضب على ما لا يضرّه غضبك ولا تمدح من يعلم من نفسه خلاف ذلك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه (ألا أخبركم بأشبهكم بي قالوا بلى يا رسول الله قال أشبهكم بي من اجتمعت فيه ثمان خلال من كان أحسنكم خلقاً وأعظمكم حلماً وأبرّكم بقرابته وأشدكم حباً لإخوانه في دينه وأصبركم على الحق وأكظمكم للغيظ وأكرمكم عفواً وأكثركم من نفسه إنصافاً)، وقال بعض الحكماء: ثمانية إذا أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم الآتي مائدة لم يدع إليها والمتأمر على صاحب البيت في بيته والداخل بين اثنين في حديث لم يدخلاه فيه والمستخف بالسلطان والجالس في مجلس ليس له بأهل والمقبل بحديثه على من لا يسمعه وطالب الخير من أعدائه وراجي الفضل من عند اللئام، وقال بعض الأدباء: ثمانية لا تمل خبز الرّ ولحم الضأن والماء البارد والثوب اللين والفراش الوطيء والرائحة الطيبة والنظر إلى كل حسن ومحادثة الإخوان، ارتجل عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه تسع كلمات ثلاث في
(1/170)

المناجاة وثلاث في العلم وثلاث في الأدب، فأما التي في المناجة فقوله: كفاني فخراً أن أكون لك عبداً أنت لي كما أحب فوفقني لما تحب، وأما التي في العلم فقوله: المرء مخبوء تحت لسانه تكلموا تعرفوا ما ضاع امرؤ عرف قدره، وأما التي في الأدب فقوله أنعم على من شئت تكن أميره واستغن عمن شئت تكن نظيره واحتج إلى من شئت تكن أسيره. قال بعض الحكماء: في السفر عشر خصال مذمومة، مفارقة الإنسان من يألفه ومصاحبة من لا يشاكله والمخاطرة بما يملكه ومخالفة
العادة في أكله ونومه ومباشرة البرد والحرّ بجسمه ومجاهدة البول في إمساكه ومقاساة سوء عشرة المكارين وملاقاة الهوان من العشارين والدهشة التي تناله عند دخول البلد والذل الذي يلحقه في ارتياد المنزل.
[ومن أمثال الفضلاء] التوبة تهدم الحوبة، التحدث بالنعم شكر، الدال على الخير كفاعله، السعيد من وعظ بغيره، آفة العلم النسيان، الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، الحلم سجية فاضلة، الانصاف راحة، العجلة زلل، التواني إضاعة، الفكرة مرآة صافية، الناس أعداء ما جهلوا، الجود بذل الموجود، المرض حبس البدن والهم حبس الروح، إعلان الشماتة كيد العدوّ العاجز، العشق داء لا يعرض إلا للقلوب الفارغة، الناس على دين الملك، الأناة محمودة إلا عند إمكان الفرصة، السلاح ثم الكفاح، الفرار في وقته ظفر، المذاكرة صيقل العقل، أقصر لما أبصر، الدهر أفصح المؤدبين، أجلست عبدي فاتكأ، النساء يغلبن الكرام ويغلبهنّ اللئام، اصطلح الخصمان وأبى القاضي، العاقل يترك ما يجب خوفاً من العلاج بما يكره، الشرّ يأتي من لا يأتيه، الجهل موت الأحياء، الأحمق في شبابه خرف، أشد الجهاد مجاهدة الغيظ، الحذق لا يزيد في الرزق، الأماني تعمي عيون البصائر، العفو عن المقرّ لا عن المصرّ، المنية تضحك من الأمنية، السلم سلم السلامة، البشر عنوان الكرم، أصح الثناء ما اعترف به الأعداء، الزمان ذو ألوان، الإنسان بالإخوان، والسلطان بالأعوان، البخل بالعلم على غير أهله، العلماء غرباء لكثرة الجهال، القلم شجرة ثمرة المعاني، الصمت منام والكلام يقظة، العجب آفة اللب، الجاهل عدو لنفسه، فكيف يكون صديقاً لغيره، الفهم شعاع العقل، أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، أحق ما صبر عليه ما لابد منه، الدنيا والآخرة ضرّتان إن أرضيت إحداهما
(1/171)

أسخطت الأخرى، الناس في الدنيا بالأحوال وفي الآخرة بالأعمال، النفس مائلة إلى شكلها والطير واقعة على مثلها، النحو في الكلام كالملح في الطعام، اللحن في المنطق كالجدري في الوجه، الأنام فرائس الأيام، القلم أحد اللسانين، السامع للغيبة أحد المغتابين، كل الصيد في جوف الفرا، جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها، من حسن إسلام المرء تركه ما لايعنيه، سيد القوم خادمهم، شرّ العمى عمى القلب، خير الأمور أوساطها، رسولك ترجمان عقلك، من سعادة جدك وقوفك عند حدك، لسان الجاهل مالك له ولسان العاقل مملوك معه، خير العطايا ما وافق الحاجة،
خير المعروف ما لم يتقدمه مطل ولم يتبعه منّ، خير الكلام ما أسفر عن الحاجة، صبرك على الاكتساب خير من حاجتك إلى الأصحاب، صام حولاً وشرب بولاً، ثوب الرجل لسان نعمة الله عليه، مجالسة الثقيل حمى الروح، قصص الأولين مواعظ الآخرين، جزاء من يكذب الآن أن يصدق يوم العجز غداً، بعد الكدر صفو وبعد المطر صحو، شرط المعاشرة ترك المعاسرة، بالأقلام تساس الأقاليم، صدور الأحرار قبور الأسرار، ظن العاقل خير من يقين الجاهل، نجا المخفون، كلب جوال خير من أسد رابض، عليّ أن أقول وما عليّ القبول، للعادة على كل شيء سلطان، نعم الرفيق التوفيق، كم بين الدر والحصا والسيف والعصا، قد رخص ما غلا وسفل ما علا، كلام فائق في خط رائق، قد تكسد اليواقيت في بعض المواقيت، عادات السادات سادات العادات، صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار، اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله، وانصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، وجهوا آمالكم إلى من تحبه قلوبكم، ارع حق من عظمك لغير حاجة إليك، استغن عن الناس يحتاجوا إليك، خفف طعامك تأمن أسقامك، كن ذنباً في الخير ولا تكن رأساً في الشرّ، اغد عالماً أو متعلماً ولا تكن الثالث فتهلك، خذه بالموت حتى يرضى بالحمى، لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك، لا تكن ممن يلعن ابليس في العلانية ويواليه في السر، إذا فاتك الأدب فالزم الصمت، إذا تم العقل نقص الكلام، إذا طالت اللحيبة تكوسج العقل، إذا تكرر الكلام على السمع نفر القلب، إذا جحد الإنسان وجب الامتنان، إذا وجدت حاجتك في السوق فلا
(1/172)

تطلبها من أخيك، من حمل ما لا يطيق عجز، من فكرّ في العواقب لم يتشجع، من أطاع غضبه أضاع أدبه، من قلّ صدقه قلّ صديقه، من لم يصبر على كلمة سمع كلمات، من ودّك لأمر أبغضك عند انقضائه، من عرف نفسه لم يضرّه ما قال الناس فيه، من كثرت نعمة الله عليه كثرت حوائج الناس إليه، من ضاق خلقه مله أهله، من لانت كلمته وجبت محبته، من طمع في الجل فاته الكل، من زرع الإحن حصد المحن، من كثر هرجه وجب هجره، ربما كان الدواء داء، ربّ كلمة سلبت نعمة، لولا السيف كثر الحيف، ليس الخبر كالمعانية، ليس جزاء من سرك أن تسوءه. قال العلامة شمس الدين بن حبيب رحمه الله تعالى العلم نعم السمير والعقل بشير بالخير يشير، اجتهد في طلب العلوم تنفرد بما يرفعك إلى النجوم، المجد ببذل اللهى والفضل بالأدب والنهى، من صادق العلماء زها
بدره، ومن رافق السفهاء وهى قدره، العلم ثمرته الإنصاف والزهد نتيجته العفاف، التقوى أفضل حلة، والمروءة أجل خلة، الحق سيف قاطع والصدق درع مانع، العقل أحسن المواهب، والجهل أقبح المصائب، من رضي بالقدر وقي شر الحذر، اليأس يعز الأصاغر والطمع يذل الأكابر، حاسب نفسك تسلم ولا تقتحم الأخطار تندم، من سره الفساد في الأرض ساءه التعب يوم العرض، لا تقل إلا بما يطيب عنك نشره ولا تفعل إلا ما يسطر لك أجره، السعيد من اتعظ بماضي أمسه والشقي من ضن بخيره على نفسه، لا تغرك صحة بدنك اليسيرة فمدة العمر وإن طالت قصيرة، من لم يعتبر بالمساء والصباح لم يرتدع بقول اللوّام النصّاح، ومن قنع برزقه استغنى ومن صبر نال ما تمنى:
إذا الرزق عنك نأى فاصطبر ... ومنه اقتنع بالذي قد حصل
ولا تتعب النفس في وصله ... فإن كان ثم نصيب وصل
من آمن بالآخرة فاز بالملابس الفاخرة، ومن رفع حاجته إلى الله نجحت، ومن تمسك بغيره خسرت تجارته وما ربحت، من لم تفسد شهوته دينه وصل إلى الأماكن الكمينة، أبصر الناس من نظر إلى عيوبه ولجأ إلى ربه في التجاوز عن ذنوبه، أرفع الأعمال ما اوجب شكراً وأنفع الأموال ما أعقب أجراً، الدنيا ظل زائل والشبيبة ضيف راحل، عد عن طاعة هواك واحذر من مخالفة مولاك، من لزم شأنه دامت سلامته ومن حفظ لسانه قلت ندامته، الصمت يرفع لك المنار ويخلع
(1/173)

عليك ثوب الوقار، الزمان لا يبقى على حال والدنيا طبعها الغدر والملال تفتن بزهرتها الداوية وتخدع بزينتها المتلاشية، لا تفن عمرك في المعاصي وخذ حذرك من مالك النواصي، إياك وكثرة الكلام فإنه ينفر عنك الكرام، لا تودع سرك غير صدرك ولا تتكلم بما يحوجك إلى إقامة عذرك، من بسط يده بالجود خرج من العدم إلى الوجود، لا تعج عن سبيل الصواب ولذ بجناب ربّ الأرباب واسع إلى باب من بيده الملك وهو على كل شيء قدير، واخش من يعلم السر واخفى - إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير -.
ومن أمثال العرب:
إياك أعني فاسمعي يا جارة ... إن البلاء موكل بالمنطق
إن الجواد قد يكبو والزناد قد يخبو، عن لم يكن وفاق ففراق، إياك أن يضرب لسانك عنقك،
أجع كلبك ينفعك، ربّ أخ لك لم تلده أمك، رب طمع أدى إلى عطب، ربما كان السكوت جواباً، طاعة النساء ندامة، عند الصباح يحمد القوم السرى، الحر تكفيه الإشارة، عند الرهان تعرف السوابق، عند النازلة تعرف أخاك، كاد العتاب يوجب البغضاء، الكلام أنثى والجواب ذكر، كل إناء ينضح بما فيه، لكل صارم نبوة ولكل فارس كبوة، لكل قادم دهشة، لكل ساقطة لاقطة، لكل مقام مقال، لكل دهر رجال، لا يلدغ المرء من جحر مرتين، ما حكّ جسمك مثل ظفرك، النفس مولعة بحب العاجل، هذه بتلك والبادي أظلم، يا حبذا الإمارة ولو على الحجارة، لا عطر بعد عروس.
ومن الأمثال السائرة من كلام العامة
العادة طبع خامس، الغائب حجته معه، الحر حر وإن مسه الضر، والعبد عبد وإن مشى على الدر، تعاشروا كالإخوان وتعاملوا كالأجانب، ثمرة العجلة الندامة، جواهر الأخلاق تفضحها المعاشرة، سلطان غشوم خير من قتنة تدوم، غش القلوب يظهر فلتات الألسن، غنى المرء في الغربة وطن، فرَّ من الموت وفي الموت وقع، فم يسبح وقلب يذبح، لو كان في البوم خير ما فات الصياد، لكل جديد لذة، إذا كان صاحبك عسل لا تلحسه كله، إذا غاب عنك اصله كانت دلائله فعله، إذا وصلنا وسلم الله نبع بما قسم الله، إذا وقعت يا فصيح لا تصيح، تراب العمل ولا زعفران البطالة، جور الترك ولا عدل العرب، جور القط ولا عدل الفار، حط فليساتك في كمك واشتر أباك وأمك، عند الخبز آكل مائة وعند الشغل ما لي نية، دار الظالم خراب ولو
(1/174)

بعد حين، ذا الخبز ما هو من ذاك العجين، سل المجرب ولا تسأل الحكيم، شرب السموم القاتلة ولا الحاجة إلى السفل، طار طيرك وأخذه غيرك، طوّل الغيبة وجاءنا بالخيبة، عنقود معلق في الهواء من لا يصل إليه يقول حامض، فقير ونقير وكلامه كثير، كأنه عصفور يأتيك بلاش ويأوي في العشاش، من عاشر غير جنسه دق الهم صدره، أهدوا هدية وعينهم فيها وهم يقولون الله يردّها، لا تعايرني ولا اعايرك الدهر حيرني وحيرك، لا أصل شريف ولا وجه ظريف، قال بعضا الحكماء من حزم الإنسان أن لا يخادع أحداً ومن كمال عقله أن لا يخدعه أحد، لا تنال القليل مما تحب إلا بالصبر على الكثير مما قد تكره، من أيقن بالمجازاة لم يعمل سوءاً، أنقص الناس عقلاً من عامل من هو دونه، لا شيء أسرع لإزالة النعمة من الظلم، ولله در القائل:
كم نعمة زالت بأدنى زلة ... ولكل شيء في تقلبه سبب
وقال آخر العقل وزير ناصح والمال ضيف راحل، الحسد كصداء الحديد لا يزال به حتى يأكله، من صحب الزمان رأى منه العجب، من طال عمره فقد أحبته، من اعتزل عن الناس سلم منهم، للدهر طعمان حلو ومر، أكمل الناس من ملك الرجال بجميل الخصال وأجهلهم من طلب ما لا ينال، اقتناء المناقب باحتمال المتاعب، من ظن أن الأيام تسالمه فهو مجنون، ومن اهتم بجمع المال فهو محزون، من أحب نكد الأعداء فليزدد شرفاً ومجدا، من تمسك بالدين علا قدره، ومن قصد الحق كمل فخره، وقال بعض الفضلاء: الحرص مفتاح الذل واتباع الشهوة مفتاح الندامة والقناعة مفتاح الراحة والتجربة مرآة العواقب وكثرة الخلوة بالنساء فساد للطباع والعقول، وقال بعض الحكماء الاغضاء عن الهفوات من أخلاق السادات، الأخلاء نفس واحدة في أجساد متباعدة، شر الناس من لا يرجى خيره ولا يؤمن ضيره، وقيل لبعض الأدباء أيّ الناس أطول ندامة؟ قال أما في الدنيا فصانع المعروف إلى من لا يشكره، وأما في الآخرة فعالم مفرط، وقال بعضهم جمال الإنسان كمال اللسان، من الضلال طلب المحال، بالحلم تسود يسود الإنسان وبالإيجاز يكمل اللسان، شكر الله سبحانه بالتعظيم وشكر الملوك بالدعاء لهم، وشكر الأصحاب بحسن الجزاء، أشر الأشرار من لا يقبل الاعتذار، من ساء خلقه ضاق رزقه، إذا كثرت الآراء خفى الصواب، ولله در من قال:
(1/175)

على المرء أن يسعى على الخير جهده ... وليس عليه أن تتم المطال
قال بعض الفضلاء لا تكثر مخالطة الناس فإن فعلت فأغمض عن القذى واحتمل ما ينالك من الأذى، ولله در من قال:
مضى الخير طرا ليس منصف ... وكل وداد فهو منهم تكلف
وكل إذا عاهدته فهو ناقض ... لعهدك أو واعدته فهومخلف
وأبناء هذا الدهر كالدهر لم يثق ... به وبهم إلا جهول ومسرف
قال بعض الأدباء خير الكلام ما قلّ ودل ولم يطل فيمل، نعم الناصر الجواب الحاضر، العقل بغير أدب شين، والأدب بغير عقل حين، حلّى الرجال الأدب وحلى النساء الذهب، وقال بعض الحكماء: عقل بلا أدب كشجاع بلا سلاح، الأدب وسيلة إلى فضيلة، النعمة
وسيمة فاجعل الشكر لها تميمة، لا زوال للنعمة مع الشكر ولا بقاء لها مع النكر، الزهد في الدنيا الراحة الكبرى، والرغبة فيها البلية العظمى، صمت كافي خير من كلام غير شافي، إنما الحليم من يغفر الذنب العظيم، وما أحسن قول القائل:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الناس إحسانا
وإن أساء مسيء فليكن لك في ... إعراض زلته صفح وغفران
وكن على الدهر معوانا لذي أمل ... يرجوك فيه فإن الحر معوان
شر الناس من لا يقبل الاعتذارات، ولا يستر الزلات ولا يقيل العثرات، من كثرت أياديه قلت أعاديه، من طلب الممالك صبر على هجوم المهالك، من جاد ساد وجل، ومن بخل رذل وذل، من تواضع وقر ومن تعاظم حُقر درك الأموال في ركوب الأهوال، من لم ينلك خيره في حياته لم تبك عيناك على مماته، من لم يستفد بالعلم مالا استفاد به جمالا، من صبر على مأموله أدركه، ومن تهور في نيله أهلكه، ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع، جالس أهل العقل والأدب والتجربة والحسب، قيل إن رجلا تكلم بين يدي الخليفة المأمون فأحسن فقال له المأمون ابن من أنت فقال ابن الأدب يا أمير المؤمنين، فقال نعم النسب أقول رعى الله القاضي العلامة إمام أهل الأدب وأفضل منجد للمكارم وطلب عبد الرحمن بن أحمد البهكلي دخلت عليه يوماً في منزله ببيت الفقيه وهو يكرر هذين البيتين فحفظتهما ولله در قائلهما:
كن ابن شئت واكتسب أدبا ... يغنيك محموده عن النسب
(1/176)

عن الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي
قال بعض الحكماء أطع أخاك وإن عصاك وصله وإن جفاك، إياكم ومشاورة النساء، أنصف من نفسك قبل أن ينتصف منك، إنما يحيا الذكر بالأفعال الجميلة والسير الحميدة، خير الأدب ما حصل لك ثمره ظهر عليك أثره الجهل مطية من ركبها ذل ومن صحبها ضل، من الجهل صحبة الجهال، خير المواهب العقل، وشر المصائب الجهل، من لم يتعلم في صغره لم يتقدم في كبره، من تفرد بالعلم لم توحشه خلوة، الجاهل يطلب المال والعاقل يطلب الكمال، لم يدرك العلم من لا يطيل درسه ولا يكد نفسه، الأدب مال واستعماله كمال ويعجبني قول القائل:
لا تيأسن إذا ما كنت ذا أدب ... على خمولك أن ترقى إلى الفلك
فبينما الذهب إلا بريز مختلط ... بالترب إذ صار إكليلا على الملك
وقال حكيم ينبغي للمرء أن لا يفرح بمرتبة ترقاها بغير عقل، ولا بمنزلة رفيعة حلها بغير فضل، فلا بدّ أن يزيله الجهل عنها، ويسله منها، فينحط إلى رتبته، ويرجع إلى قيمته بعد أن تظهر عيوبه وتكثر ذنوبه ويصير مادحه هاجياً وصديقه معادياً، وقال آخر علم لا يصلحك ضلال ومال لا ينفعك وبال، أبصر الناس من أحاط بذنوبه ووقف على عيوبه، أفضل الناس من كان بعيبه بصيراً وعن عيب غيره ضريرا، إياك وما يسخط سلطانك ويوحش إخوانك فمن أسخط سلطانه تعرض للمنية ومن أوحش إخوانه تبرأ من الحرية، رأس الفضائل اصطناع المعروف فاستره وإذا اصطنع معك فانشره، من بخل على نفسه بخيره لم يجد به على غيره، خير العمل ما آثر مجداً وخير الطلب ما حصل حمدا، وقال بعض الأدباء ليس من عادة الكرام سرعة الانتقام، ارحم من دونك يرحمك من فوقك، أحسم إلى من تملكه يحسن إليك من يملكك، وقال حكيم كما أنه لا خير في آنية لا تمسك ما فيها كذلك لا خير في صدر لا يكتم سره، من كثر اعتباره قل عثاره، زوال الدول اصطناع السفل، من طالت غفلته زالت دولته، القليل مع التدبير خير من الكثير مع التبذير، إذا استشرت الجاهل اختار لك الباطل، لا يخلو المرء من ودود يمدح وحسود يقدح، من لم يجد لم يسد من ساءت أخلاقه طاب فراقه، لا تصحب من ينسى معاليك ويذكر مساويك، لا تقطع صديقاً
(1/177)

وإن كفر ولا تركن إلى عدوّ وإن شكر، الميل إلى الغضب من أخلاق الصبيان، والجزع على ما ذهب من أخلاق النسوان، القلب العليل يميل إلى الأباطيل، ترك الأنام يعلي المقام، الصبر حيلة من لا حيلة له، خير الأخوان من لم يتلون وإن تلون الزمان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ (أنت سالم ما سكت وإذا تكلمت فلك أو عليك)، وقال لقمان لابنه يا بني إن القلوب مزارع فازرع فيها طيب الكلام فإن لم ينبت كله نبت بعضه، وقال بعض الحكماء الكذب داء والصدق دواء، الكذب ذل والصدق عز، الكذاب لا يعاشر والنمام لا يشاور والعاشق لا يُعاير والفاسق لا يسامر والخير لا ينكر والباغي لا ينصر، عبد الشهوة أذل من عبد الرق، الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له، وقال بعض الأدباء إذا اضطررت إلى كذاب فلا تصدقه ولا تعلمه أنك تكذبه فينتقل عن وده ولا
ينتقل عن طبعه، من كثر لغطه كثر غلطه من قال ما لا ينبغي سمع ما لا يشتهي، من كثر مزاحه زالت هيبته، عي تسلم به خير نطق تندم عليه، قال بعض الأدباء الخط للفقير مال وللغني جمال، اقتصر من الكلام على ما يقيم حجتك ويبلغ حاجتك، وإياك والفضول فإنه يزل القدم ويورث الندم، لسانك إن عقلته حرسك وإن أطلقته افترسك، اخزن لسانك كما تخزن مالك واعرفه كما تعرف ولدك وزنه كما تزن نفقتك وانطق به على قدر وكن منه على حذر فإن إنفاق ألف درهم في غير وجهها لأيسر من إطلاق كلمة في غير حقها، رب كلمة أوجبت مقدورا وأخربت دورا، وعمرت قبورا، الاستماع أسلم من القول، من قل أدبه كثر تعبه، قال حكيم أبلغ الكلام ما قلت فضوله وتمت فصوله، أبلغ الكلام ما صحت مبانيه ووضحت معانيه، أبلغ الكلام ما أعرب عن الضمير وأغنى عن التفسير، أبلغ الكلام ما يدل أولاه على آخره ويستغنى بباطنه عن ظاهره، سوء المقالة يزري الحالة، تحصن بالجهل إذا نفع كما تتحصن بالعلم إذا رفع، من قال بلا احترام أجيب بلا احتشام، قصر كلامك تسلم وأطل احتشامك تكرم، اعقل لسانك إلا عن حق توضحه أو خلل تصلحه أو كلمة تفسرها أو مكرمة تنشرها. قال بعض الأدباء يستدل على عقل الرجل بقوله وعلى أصله بفعله، من قوم لسانه زان عقله ومن سدد كلامه أبان فضله من منّ بمعروفه سقط شكره ومن أعجب بعمله حبط أجره، من صدق في مقاله زاد في جماله، الزم الصمت تعد نفسك فاضلاً وفي
(1/178)

جهلك عاقلاً وفي أمرك حكيماً وفي عجزك حلمياً، الزم الصمت تكسب صفو المودة وتأمن سوء المغبة وتلبس ثوب الوقار وتكفى مؤنة الاعتذار، الصمت أية الفضل وثمرة العقل وزين العلم وعين الحلم، فالزمه تلزمك السلامة واصحبه تصحبك الكرامة، وقال بعض الفضلاء اعقل لسانك إلا عن عظة شافية يكتب لك أجرها أو حكمة بالغة يحمد عنك نشرها الحذر خير من الهذر لأن الحذر يقي المهجة والهذر يضعف الحجة، من أفرط في المقال زل، ومن استخف بالرجال ذلّ، جرح الكلام أشدّ من جرح السهام، ضرب اللسان أشدّ من طعن السنان، ولله در من قال:
جراحات السنان لها التئام ... ولا يلتام ما جرح اللسان
لا تنصح من لا يثق بك ولا تشر على من لا يبقل منك، إذا سكتَّ عن الجاهل فقد أوسعته جواباً وأوجعته عقاباً، منقبة المرء تحت لسانه، نصرة الوجه في الصدق، هات ما عندك
تعرف به، لا كرامة للكاذب، إذا لم تخش فصل وإذا لم تستح فقل، وما أحسن قول القائل:
إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستح فافعل ما تشاء
فلا والله ما في ذين خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
قال بعض الحكماء:
من نقل إليك فقد نقل عنك، ومن شهد لك فقد شهد عليك ومن تجرأ لك فقد تجرأ عليك، لا تقبل الخير من كذاب وإن أتى بحديث عجاب، تلعموا العلم للأديان والنحو للسان والطب للأبدان، ومن وعظك فقد أيقظك ومن بصرك فقد نصرك، قيل أوصى علي رضي الله عنه ابنه أبا محمد الحسن رضي الله عنه فكان من وصيته له يا بني أوصيك بتقوى الله عز وجل في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى، والعدل على الصديق والعدو، والعمل في النشاط والكسل، والرضا عن الله عز وجل في الشدة والرخاء، واعلم يا بني أن من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره، ومن رضي بقسم الله لم يحزن على ما فاته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر لأخيه بئراً وقع فيها، ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره، ومن سلك مسالك السوء اتُهم، ومن خالط الأنذال حُقّر، ومن جالس العلماء وُقّر، ومن مزح استُخف به، ومن أكثر من شيء عُرف به، ومن كثر كلامه كثر خطؤه، ومن كثر خطؤه قلّ حياؤه، ومن قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومن قلّ ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار، يا بني من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير،
(1/179)

يا بني العافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلا بذكر الله وواحدة في ترك مجالسة السفهاء، ومن تزين بمعاصي الله في المجالس أورثه الله ذلا، يا بني من كنز الإيمان الصبر على المصائب، وإياك ومصادقة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصادقة الكذاب فإنه يقرب البعيد ويبعد عنك القريب، يا بني كم نظرة جلبت حسرة وكم كلمة سلبت نعمة، لا شرف أعلى من الإسلام ولا لباس أجمل من العافية، يا بني التدبير قبل العمل يؤمنك الندم، ولا تؤيسنّ مذنباً على ذنبه فكم عاكف على ذنب خُتم له بالخير، وكم مقبل على عمله أفسده في آخر عمره فصار إلى النار، وقال عليه السلام (ما أقرب الراحة من النصب والبؤس من النعيم والموت من الحياة)، قال بعض الأدباء اختارت الحكماء أربع كلمات من أربعة كتب، من التوراة من قنع شبع، ومن الزبور من سكت سلم،
ومن الإنجيل من اعتزل نجا، ومن القرآن العظيم ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم، وقال حكيم حسن الخلق يوجب المودة وسوء الخلق يوجب المباعدة، والانبساط يوجب المؤانسة، والانقباض يوجب الوحشة، والكبر يوجب المقت، والجود يوجب الحمد، والبخل يوجب المذمة، وقال بعض الفضلاء إذا جهلت فاسأل وإذا زللت فارجع، وإذا أسأت فاندم، وإذا غضبت فاحلم، وقال حكيم: الدنيا عسل مشوب بسمّ وفرح موصول بغمّ فلا تغرنّك زهرتها ولا تفتننك زينتها فإنها سلابة للنعم أكالة للأمم، وقال آخر إذا طلبت العز فاطلبه بالطاعة وإذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، نور المؤمن في قيام الليل، وضع الإحسان في غير موضعه ظلم، وحدة المرء خير من جليس السوء، لا غنى لمن لا فضل له، من بسط يده بالإنعام صان نعمته عن الملام، يسود المرء بالإحسان إلى قومه، من وجه رغبته إليك أوجب مؤنته عليك، وقال حكيم القلب أسرع تقلباً من الطرف، لا صلاح لرعية فسد واليها، الوفاء يثبت الإخاء، لا تدخلنّ في أمر لا تكون فيه ماهراً، استصغر ما فعلت من المعروف ولو كان كبيرا، واستعظم ما أتاك منه ولو كان صغيراً، أظهر لعدوك الصداقة إذا رجوت نفعه، الضعيف المحترس من عدوّه أقرب إلى السلامة من القوي المغتر، فخرك بفضلك خير منه بأصلك، الفرع يدل على الأصل، قال جالينوس الحكمة في الهند، والكبر في الفرس، وقرى الأضياف في العرب، والصدق في الحبشة، وقساوة القلب في الترك، والشجاعة في الأكراد، والخيانة في الأرمن،
(1/180)

والجهل في الشام، والعلم في العراق، والحساب في قبط مصر، والحمق في الطويل والكذب في القصير، والظلم والزنا في ذي الشامات، والحفظ في العميان، وسوء الخلق في العرجان، والعجلة في الصبيان، والمراء في العلماء، والحرص في المشايخ، والذل في الأيتام، والفصاحة في اليمن والحجاز، والسلامة في العزلة والصحة في الحمية، وقال حكيم إذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه، لا فرح إلا بالحسنات ولا حزن إلا على السيئات، لا تتعبنّ جسدك إلا في كدّ على عيال أو عبادة لذي الجلال، قيل لبعض العرب ما المروءة؟ قال سمو الهمة وصيانة النفس عن المذمة، قيل فما الحلم؟ قال كظم الغيظ وضبط النفس عند الغضب وبذل العفو عند القدرة، قيل فمن أظلم الناس لنفسه قال من تواضع لمن يكرهه ومدح من لا يعرفه، قيل فمن أعظم الناس حلماً؟ قال من قمع غضبه بالصبر وجاهد هواه بالعزم، وقيل لبعض الملوك ما بلغ بك هذه
المنزلة، فقال بعفوي عند قدرتي وليني عند شدتي وبذل الإنصاف ولو من نفسي وإبقائي في الحب والبغض محلا لموضع الاستبدال، وقال بعض الأدباء ليس لسلطان العلم زوال بخلاف سلطان المال، الإحسان يقطع اللسان، الشرف بالعقل والأدب لا بالمال والنسب، أحسن الأدب حسن الخلق، أفقر الفقر الحمق، إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه، ولله در القائل:
بنيّ استقم فالعود تنمو عروقه ... قويما ويغشاه إذا ما التوى التوا
وعاص الهوى المردى فكم من محلق ... إلى الجوّ لما أن أطاع الهوى هوى
وقال بعض الفضلاء من لم تؤدبه الكرامة قوّمته الإهانة، وما أحسن قول القائل:
متى تضع الكرامة في لئيم ... فإنك قد أسأت إلى الكرامة
وقد ذهب الصنيع به ضياعاً ... وكان جزاؤها طول الندامة
من استعد الغنى ليوم الفقر فقد استعد لنائلة الدهر، من لم يقنع لم يشبع، من لم يقنع بتجاربه أوقعه الدهر في نوائبه، من قال لا أدري وهو يتعلم أفضل ممن يدري وهو يتعظم، من لم يستفرغ في العلم المجهود لم يبلغ منه المقصود، من جهل النعم عرف النقم، من أدمن قرع الباب ولج، من أخذ في أموره بالاحتياط سلم من الاختلاط، من أكرم حراً تعبده ومن منّ بمعروفه أفسده، من تشجع وجهه جبن قلبه، من قلّ حياؤه كثر ذنبه، من أكثر الرقاد حرم المراد، من لم يحتمل بشاعة الدواء دام ألمه، من لم
(1/181)

يصلحه الخير أصلحه الشر، من كفّ عنك شره فقد بذل لك خيره، من احمر لونه من النصيحة اسود وجهه من الفضيحة، من نام عن عدوّه نبهته المكائد، من تطأطأ لقط رتبا ومن تغالى لقط عطبا، وقال حكيم من ضيع أمره فقد ضيع كل أمر ومن جهل قدره جهل كل قدر، وقال آخر ما زانك ما أضاع زمانك ولا شانك ما أصلح شانك، وكن صبوراً في الشدة شكوراً في النعمة لا تبطرك السراء ولا تدهشك الضراء، ذكر نفسك بما فيها فأنت أعلم بمحاسنها ومساويها، وذكر في الكتب السالفة عجبت لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح، وعجبت لمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف يغضب، وقال حكيم فوض مدحك إلى أفعالك فإنها تمدحك بصدق إن أحسنت وتذمك بحق إن أسأت، من طلب شيئاً وجده وإن لم يجده يوشك أن يقع قريباً منه، وقال آخر عدوّك ضدك وحكم الضدين التباعد، لا تطأ أرضاً وطئها عدوّك إلا على حذر ولا
يغرنك خروجه منها وبعده عنها فرّبما رتب لك فيها شباكاً ونصب لك فيها أشراكاً، عدو عاقل خير من صديق جاهل، كمون العداوة في الفؤاد ككمون الجمرة تحت الرماد، كتمان السر يورث السلامة وإفشاؤه يورث الندامة، ما كل فرصة تنال ولا كل عثرة تقال، ما خاب من استخار ولا ندم من استشار، من صافى عدوّك فقد عاداك ومن عادى عدوك فقد والاك، وقال بعض الحكماء القريب من قربته المحبة وإن بعد نسبه، والبعيد من أبعدته البغضاء وإن قرب نسبه، لا تحاجج من يذهلك خوفه ويتلفك سيفه، لا تثق بالدولة فإنها ظل زائل ولا تعتمد على النعمة فإنها ضيف راحل، قليل يغني خير من كثير يطغى، من سالم الناس سلم، من قدم الخير غنم، من قعد عن حيلته أضعفته الشدائد، الغرة ثمرة الجهل والتجربة مرآة العقل، من دام كسله خاب أمله، المتئد مصيب وإن هلك والعجول مخطئ وإن ملك، فضيلة السلطان عمارة البلدان، من كابد الأهوال هلك، من اقتحم اللجة أتلف المهجة، من قصر عن السياسة صغر عن الرياسة، من استعان بذوي الألباب سلك سبيل الصواب، لا تثق بالصديق قبل الخبرة ولا توقع بالعدوّ قبل تمام القدرة، ولا تفسد أمراً يعييك إصلاحه ولا تغلق باباً يعجزك افتتاحه، ولله در القائل:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع
حكاية: قيل إن رجلاً أتى إلى بعض الحكماء فشكا إليه صديقه وعزم على قطعه
(1/182)

والانتقام منه، فقال له الحكيم أتفهم ما أقول لك فأكلمك أم يكفيك ما عندك من فورة الغضب التي تشغلك عني؟ فقال إني لما تقول لواع، فقال أسرورك بمودته كان أطول أم غمك بذنبه؟ قال بل سروري، قال أفحسناته عندك أكثر أم سيئاته؟ قال بل حسناته قال فاصفح بصالح أيامك معه عن ذنبه وهب لسرورك به جرمه واطرح مؤونة الغضب والانتقام للود الذي بينكما في سالف الأيام ولعلك لا تنال ما أملت فتطول مصاحبة الغضب ويؤول أمرك إلى ما تكره.؟ وقال حكيم من نصحك أحسن إليك ومن وعظك أشفق عليك عدّ أضعف أعدائك قوياً وأجبن أوزارك جريا. الناس رجلان عاقل لا يحتاج للتأديب وجاهل يحتاج للتأديب قال الشاعر:
البعض يضرب بالعصى ... والبعض تكفيه الإشارة
قال بعض الأدباء إياك والنظرة فإنها تنتج الحسرة طوبى لمن كان بصره في قلبه والويل
لمن كان قلبه في بصره وأفضل القول كلمة حق عند من تخافه، أحمق الناس من باع دينه بدنيا غيره، ضعف البصر لا يضر مع نور البصيرة، كثرة النوم تجلب الدمار وتسلب الأعمار، للعاقل فضيلتان عقل يستفيد ونطق يفيد، من حسن خلقه كثرت أخوانه، من اودع الوفاء صدره أمن الناس غدره، أجهل الناس من يمنع البر ويطلب الشكر ويفعل الشر ويتوقع الخير، ربما أخطأ البصير قصده وأصاب الأعمى رشده.
ضرب مثل:
حكي أند ديكاً وصقرا اصطحبا مدة ففي بعض الأيام قال الصقر للديك إني ما رأيت اقل وفاء ولا أضيع لحقوق الصحبة منكم معاشر الديكة فقال الديك ما الذي أنكرته منا؟ قال لأني أرى الناس يكرمونكم ويحسنون إليكم في المطعم والمشرب وأنتم تفرون منهم وتنفرون من قربهم ونحن يأخذون الواحد منا فيعذبونه ويخيطون عينيه ويمنعونه الطعام والشراب ثم يرسلونه فيذهب إلى حيث لا يبقى لهم إليه وصول ولا عليه لهم قدرة ثم يدعونه إليهم فيأتي مسرعاً ويقتنص الصيد والطير لهم، فلما سمع الديك كلام الصقر ضحك ضحكاً عالياً فقال الصقر ما يضحكك أيها الديك؟ فقال عجبت من شدة جهلك وغرورك أما أنك أيها الصقر لو عاينت من جنسك جماعة في كل يوم تُسلخ جلودهم وتقطع أعناقهم ويقلون على النار ويطبخون في القدور لفررت منهم أشد الفرار
(1/183)

ولم يستقر لك بصحبتهم قرار ولو قدرت لطرت إلى جو السماء وعلمت انه لا فائدة في القرب منهم وان السلامة في البعد عنهم فعرف الصقر صدق كلامه وأقلع عن ملامه.
قال أبو مسلم الخراساني المنع الجميل خير من الوعد الطويل، الكلام المرغوب مصائد القلوب، ثلاثة القليل منهم كثير العداوة والنار والمرض، قال حكيم القاضي لا يعاند والسلطان لا يُوادد والوالي لا يخاصم والأب لا يُحاكم وصاحب الحق لا يُشاتم والعجمي إليه لا يركن والخان لا يسكن والحان لا يدخل والمجالس لا تنقل والشرير لا يكلم والغائب لا يشتم والشاعر لا يعادى والبخيل لا يهادى والحبيب لا يجازى بالبعاد وما مضى من الزمان لا يعاد والملك لا يوادد فإن وده لا يدوم والبليد لا يشتغل بالعلوم والعبد لا يمازح والجار لا يقابح والمتكبر لا يدارى والحقود لا يصافى والمرأة لا يحسن بها الظن وكل فن لا يؤخذ إلا من أهل ذلك الفن والقبيح لا يذكر والجميل لا ينكر والرسول لا يقتل والهدية
من كل أحد لا تقبل وصاحب الإحسان لا يعامل إلا بالإحسان كما يدين الفتى يدان.
وقال آخر:
يعيش البخيل في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء إذا حضرت مجلس ملك فضم شفتيك وعض عينيك وإذا حدثك فاصغ إليه وأقبل بوجهك عليه. قيل لملك بعد ذهاب ملكه ما الذي أذهب ملك قال ثقتي بدولتي وإعجابي بشدتي وإضاعتي الحيلة وقت حاجتي والتأني عند احتياجي إلى عجلتين قال بعض الفضلاء: البخل والجهل مع التواضع خير من العلم والسخاء مع الكبر من قبر السفل وأدناهم وباعد ذوي الفضل وأقصاهم استحق الخذلان واستوجب الهوان، من لم يعرف ظهر الأيام لم يحترز من سطواتها، ولم يتحفظ من آفاتها، قال حكيم إذا رأيت من جليسك أمراً تكرهه أو صدرت منه كلمة عوراء فلا تقطع حبله ولا تصرم وده ولكن داو كلمته واستر عورته وأبقه وتبرأ من عمله. وقال حكيم خير الملوك من كفى وكف وعفا وعف للرعية المنام وعلى الملك القيام، وقال آخر نصحني النصحاء ووعظني الوعاظ فلم يعظني مثل شيبتي، ولم ينصحني مثل فكرتي وأكلت الطيب وشربت الشراب وعانقت الحسان فلم أر ألذ من العافية، وأكلت الصبر وشربت المر فلم أر أمر من الفقر وعالجت الحديد ونقلت الصخور فلم أر حملاً أثقل من الدين، وطلبت الغنى من وجوهه فلم أر أغنى من القنوع،
(1/184)

وطلبت أحسن الأشياء عند الناس فلم أر حديثاً أحسن من حسن الخلق، قيل لحكيم هل تعرف نعمة لا يحسد عليها وبلية لا يرحم صاحبها قال نعم التواضع والكبر، قيل لبعضهم لم لا تتزوج؟ فقال لو قدرت أن أطلق نفسي لطلقتها، قيل لبعض العباد ما أصبرك على الوحدة؟ فقال أنا جليس الرب إن شئت أن يناجيني قرأت كتابه وإن شئت أن اناجيه صليت له، قال ذو النون المصري رحمه الله الأنس بالله نور ساطع والأنس بالخلق غم واقع، قال العتابي: الدنيا نوم والآخرة يقظة والواسطة بينهما الموت ونحن في أضغاث أحلام، رب حرب ثار من لفظة ورب حب غرس من لحظة، إدمان الناظر يكشف الخبر، إن حفظت عينيك حفظت كل الجوارح، وإن أطلقتهما أوقعاك في الفضائح، علامة القطيعة من الصديق أن يؤخر الجواب ولا يبتدئ بكتاب، وقال حكيم من أكثر النوم لم يجد في عمره بركة ومن أكثر الأكل لم يجد لذة العبادة، إذا كانت الغاية الزوال فما الجزع من تصرف الأحوال، الفقر هو الموت الأحمر
والجوران دام دمر والأعمى ميت وإن لم يقبر، أفضل من السؤال ركوب الأهوال، من تزين بغير ما هو فيه فضح الامتحان ما يدعيه، من عاتب على كل ذنب أخاه صد عنه وقلاه، ليس مع الخلاف ائتلاف استصلاح العدو بحسن المقال أحسن من استصلاحه بحسن الفعال، من طلب ما لا يكون طال تعبه ومن فعل ما لا يحسن كان فيه عطبه، كل امرئ يميل إلى شكله، ليس العجب من جاهل يصحب جاهلاً إنما العجب من عاقل جفا عاقلاً، كل شيء يميل إلى ندّه وينفر عن ضده، قال الشاعر:
ولا يألف الإنسان إلا نظيره ... وكل امرئ يصبو إلى ما يشاكله
لا يغرنك كبر الجسم ممن صغر في العلم ولا طول القامة ممن قصر في الاستقامة فإن الدرة على صغرها خير من الصخرة على كبرها، ليس لضجور رياسة ولا لبخيل صديق، لا تعمل عملاً لا ينفعك، إياك والأخلاق الدنية فإنها تضع الشرف وتهدم المجد، ترك الذنب خير من الاستغفار.

ضرب مثل
حكي أن فرساً كان لرجل من الشجعان وكان يكرمه ويحسن القيام بخدمته ولا يصبر عنه ساعة ويعده لمهماته وكان يخرج به في كل غداة إلى مرج واسع فينزل عنه سرجه ولجامه ويطيل رسنه فيتمرغ ويرعى حتى ترتفع الشمس فيرده إلى منزله وأنه خرج يوماً على عادته إلى المرج فلما نزل عنه واستقرت قدماه على الأرض نفر عنه
(1/185)

الفرس وجمح ومر يعدو بسرجه ولجامه فطلبه الفارس يومه كله فأعجزه وغاب عن عينيه عند غروب الشمس فرجع الفارس إلى أهله وقد يئس من الفرس ولما انقطع الطلب عن الفرس وأظلم عليه الليل جاع فرام أن يرعى فمنعه اللجام ورام أن يتمرغ فمنعه السرج ورام أن يستقر على أحد جنبيه فمنعه الركاب فبات بأشر ليلة ولما أصبح ذهب يبتغي فرجاً مما هو فيه فاعترضه نهر فدخله ليقطعه إلى الجانب الآخر فإذا هو بعيد القعر فسبح فيه إلى الجانب الآخر وكان حزامه من جلد لم يبالغ في دبغه فلما خرج من النهر أصابت الشمس الحزام فيبس واشتد عليه فورم عنقه ووسطه واشتد الضرر عليه مع ما به من الجوع فلبث بذلك أياماً إلى أن ضعف عن المشي فقعد فمر به خنزير وهم بقتله ثم عطف عليه لما رأى ما به من الضعف فسأله عن حاله فأخبره بما هو فيه من أضرار اللجام والسرج والحزام وسأله
أن يصطنع عنده معروفاً ويخلصه مما ابتلي به فسأله الخنزير عن الذنب الذي استحق به تلك العقوبة فزعم الفرس أنه لا ذنب له، فقال له الخنزير كلا بل أنت كاذب في زعمك أو جاهل بجرمك فإن كنت يا فرس كاذباً فما ينبغي لي أن أنفس عنك خناقاً ولا أصطنع عندك معروفاً ولا أتخذك ولياً ولا ألتمس عندك شكرا ولا أطلب فيك اجراً فإنه كان يقال احذر مقاربة ذوي الطباع المرذولة لئلا يسرق طبعك من طباعهم وأنت لا تشعر وكان يقال لا تطمع في استصلاح الرذل فإنه لن يترك طباعه من أجلك ثم قال له الخنزير وإن كنت أيها الفرس جاهلاً بجرمك الذي استوجبت به هذه العقوبة فجهلك بذنبك أعظم منه فإن من جهل ذنوبه أصر عليها فلم يرج فلاحة فقال الفرس للخنزير ينبغي لك أن تزهد في اصطناع المعروف فإن الدهر ذو صروف فقال الخنزير إني لست بزاهد في ذلك ولكنه كان يقال العاقل يتخير لمعروفه كما يتخير الباذر لبذره ما زكا من الأرض فحدثني يا فرس عن ابتداء أمرك فيما نزل بك وعن حالك قبل ذلك لأعلم من أين دهيت فحدثه الفرس عن جميع أمره وكيف كان عند فارسه وكيف فارقه وما لقي في طريقه إلى حين اجتماعه بالخنزير فقال له الخنزير قد ظهر لي الآن أنك جاهل بجرمك وأن لك ذنوباً ستة احدها خذلانك فارسك الذي أحسن إليك وأعدك للمهمات والثاني كفرك لإحسانه والثالث إضرارك به في طلبك والرابع تعديك على ما ليس لك من العدّة وهي السرج واللجام
(1/186)

والخامس إساءتك على نفسك بتعاطيك التوحش الذي لست له أهلاً ولا لك عليه مقدرة والسادس إصرارك على ذنبك وتماديك في غوايتك فقد كنت متمكنا من العود إلى صاحبك والاستقالة من فرط جهلك قبل أن يوهنك اللجام بالجوع والحزام بالضبط فقال الفرس للخنزير أما إذا عرفتني ذنوبي وأيقظتني لما كنت جاهلاً عنه محجوباً بحجاب الجهل فانطلق الآن ودعني فإني مستحق لأضعاف ما أنا فيه فقال له الخنزير أما إذا اعترفت وفطنت لهذا ولمت نفسك ووبختها واخترت لنفسك العقوبة على جهلها فإنك حقيق بأن يفرج عنك ثم إن الخنزير قطع عنه اللجام والحزام فسقط السرج وفرج عنه وتركه وانطلق.
قال حكيم إذا كانت مغالبة القدر مستحيلة فماذا تنفع الحيلة. قال الشاعر:
وقد ترجو فيعسر ما ترجى ... عليك وينجح الأمر العسير
وما تدري أفي المر المرجى ... أم الذي يخشى السرور
لو أن الأمر مقبله جلى ... كمدبره لما على البصير
قال حكيم: العلم خليل المؤمن والحلم وزيره والعقل دليله الظفر يعشق الصبر كما يعشق الحديد المغناطيس، أقل فوائد الصبر على البلية أن تنغص به لذة عدوك الشامت بك، ارجع عن تدبيرك لنفسك فقد أراحك منه غيرك وقس يومك على أمسك فعلى حذوه مصيرك، إذا لم يمش الزمان معك على ما تريد فامش معه على ما يريد ولله در القائل:
إذا ما تحيرت في حالة ... ولم تدر فيها الخطا والصواب
فخالف هواك فإن الهوى ... يقود النفوس إلى ما يعاب
وقال آخر: من غرس الصبر اجتنى الظفر ومن غرس العلم اجتنى النباهة ومن غرس الوقار اجتنى الهيبة ومن غرس المداراة اجتنى السلامة ومن غرس الكبر اجتنى المقت ومن غرس الإحسان اجتنى المحبة ومن غرس الفكرة اجتنى الحكمة ومن غرس الحرص اجتنى الذلّ ومن غرس الحسد اجتنى الكمد، وقال حكيم ما مضت ساعة من دهرك إلا ببضعة من عمرك، الدنيا إن أقبلت فهي فتنة وغن أدبرت فهي محنة فأعرض عنها قبل أن تعرض عنك.

ضرب مثل
حكي: أن ثعلباً كان يسمى ظالماً وكان له جحر يأوي إليه وكان مسروراً به لا يبتغي عنه بدلا فخرج منه يوماً يبتغي ما يأكل ثم رجع فوجد فيه حية فانتظر خروجها
(1/187)

فلم تخرج وعلم انها قد توطنت فيه وأنه لا سبيل إلى السكون معها فذهب يبتغي لنفسه جحراً غيره فانتهى به النظر إلى جحر حسن الظاهر حصين الموضع في مكان خصيب ذي أشجار ملتفة وماء معين فأعجبه وسأل عنه فأخبر أنه لثعلب يسمى مفوضاً وأنه ورثه من أبيه فناداه ظالم فخرج إليه ورحب به وأدخله الجحر وسأله عما قصد له فقص عليه خبره وشكا إليه ما ناله فرق له مفوض ثم قال له إن من الهمة ان تقصر عن مطالبة عدوك وأن تستفرغ جهدك في ابتغاء دفعه فرب حيلة انفع من قبيلة والرأي عندي أن تنطلق معي إلى مأواك الذي انتزع منك غصباً حتى أطلع عليه فلعلي أهتدي إلى وجه الحيلة فيرجع إليك مسكنك فإن أصوب الرأي ما أُسس على الروّية، فانطلقا معا إلى ذلك الجحر فتأمله مفوض وأدرك غرضه منه، ثم أقبل على ظالم فقال له قد شاهدت من مسكنك ما فتح لي باب الحيلة في خلاصه فقال له
ظالم أطلعني على ما ظهر لك، فقال مفوض إن أضعف الرأي ما رسخ في البديهة ولكن انطلق معي لتبيت عندي ليلتي هذه لأنظر رأيي فيما ظهر لي ففعلا وبات مفوض مفكراً في ذلك وجعل ظالم يتألم مسكن مفوض فرأى من سعته وطيب تربته وحصانته وكثرة مرافقه ما اشتد إعجابه به وحرصه عليه وشرع بتدبير الحيلة في غصبه وطرد مفوض منه، فلما أصبحا قال مفوض لظالم إني رأيت ذلك الجحر بموضع بعيد من الشجر والماء فاصرف نفسك عنه وهلم أعنك على حفر مسكن قريب من جحري هذا فإن هذه الأرض خصبة متيسرة المرافق فقال له ظالم إن ذلك لا يمكنني لأن نفسي تهلك لبعد الوطن حنيناً ولا تملك لفقد المسكن سكوناً. فلما سمع مفوض مقالة ظالم وما تظاهر به من الرغبة في وطنه قال له إني أرى أن نذهب يومنا هذا فنحتطب حطباً ونربط منه حزمتين فإذا أقبل الليل انطلقت أنا إلى بعض هذه الخيام فأتيت بقبس نار واحتملنا الحطب والقبس وقصدنا مسكنك فجعلنا الحزمتين على بابه وأضرمناهما ناراً فإن خرجت الحية احترقت وإن لزمت الجحر أهلكها الدخان فقال ظالم نعم الرأي هذا فانطلقا فاحتطبا وربطا من الحطب حزمتين بقدر ما يطيقان حمله ولما جاء الليل وأقبل أوقد أهل الخيام النار انطلق مفوض ليأخذ قبساً فعمد ظالم إلى إحدى الحزمتين فأزالها إلى موضع غيبها فيه، ثم جر الحزمة الأخرى إلى باب مسكن مفوض ودخله وجذبها إليه فأدخلها في الباب
(1/188)

فسده بها وقدر في نفسه أن مفوضاً إذا أتى الجحر لم يمكنه الدخول إليه لحصانته ولأن بابه مسدود بالحطب سداً محكماً وأكثر ما يقدر عليه أن يحاصره فإذا يئس منه ذهب فنظر لنفسه مأوى آخر وقد كان ظالم رأى منزل مفوض أطعمة كثيرة ادخرها مفوض لنفسه فعول ظالم على الاقتيات منها في مدة الحصار وأذهله الشره والحرص على البغي عن فساد هذا الرأي وأنه متعرض لمثل ما عزم عليه أن يفعلاه بالحية، ثم إن مفوضاً جاء بالقبس فلم يجد ظالماً ولا وجد الحطب فظن أن ظالماً قد احتمل الحزمتين معاً تخفيفاً منه وأنه ذهب بهما إلى الجحر الذي فيه الحية فظهر له من الرأي أن يترك النار ويسرع في المشي ليدركه ويساعده في حمل الحطب فألقى النار من يده ثم خشي أن يطفئها الريح فيحتاج إلى نار أخرى فأدخلها في باب الجحر ليسترها من الريح فأصابت الحطب فأضرمته ناراً واحترق ظالم في الجحر وحاق به مكره، فلما اطلع مفوض على أمر ظالم قال ما رأيت كالبغي سلاحاً أكثر عمله في محتمله، ثم صبر حتى
طفئت النار ودخل في جحره واستخرج جيفة ظالم فألقاها واستقرّ في مأواه وفوض أمره إلى مولاه.
أوصى علي كرم الله وجهه ابنه محمد فكان من وصيته له يا ني بئس الزاد للمعاد ظلم العباد، ولله در القائل:
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا ... فالظلم آخره يأتيك بالندم
نامت عيونك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم
وقال حكيم إذا كانت الإساءة طبعاً لم يملك لها إنسان دفعاً، يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم، من كثر تعديه كثرت أعاديه، الظلم سالب للنعم والبغي جالب للنقم، شر الناس من ينصر الظالم ويخذل المظلوم، من طلب راحة نفسه اجتنب الآثام ومن طلب راحة بنيه رحم الأيتام، من سالم الناس ربح السلامة ومن تعدى عليهم اكتسب الندامة، قال بعض الفضلاء أربعة ترفع عنهم الرحمة إذا نزل بهم الكروه من كذب طبيبه فيما يصف له من دائه، ومن تعاطى ما لا يستقل بأعبائه، ومن أضاع ماله في لذاته، ومن قدم على ما حذر من آفاته، وقال آخر العالم يعرف الجاهل لأنه كان قبل علمه جاهلاً والجاهل لا يعرف العالم إذ لم يكن قبل جهله عالماً، وقال حكيم رم ما شئت بالإنصاف وأنا زعيم لك بالظفر به، وقال الأحنف بن قيس السؤدد ترك الظلم والهبة قبل السؤال، وقال آخر اتخذ الناس أباً وأخاً
(1/189)

وابناً، ثم برّ اباك وصل اخاك وارحم ابنك، وسئل ذو القرنين أي شيء من مملكتك أنت فيه أكثر سروراً فقال شيئان أحدهما العدل والثاني أن أكافئ من أحسن إليّ بأكثر من إحسانه. قال حكيم أحمق الناس من أنكر من غيره ما هو مقيم عليه، قال سليمان بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كيف ترى ما نحن فيه فقال عمر: سرور لولا أنه غرور وملك لولا أنه هلك ونعيم لولا انه عديم ومحمود لولا أنه مفقود، قال حكيم: الوضيع إذا ارتفع تكبر وإذا حكم تجبر، ليس العاقل من تخلص من مكروه وقع فيه بل العاقل من لا يوقع نفسه في أمر يحتاج إلى الخلاص منه، من قابل السيئة من عدوه بالحسنة فقد انتقم منه، قال أنوشروان ما استنجحت الأمور بمثل الصبر ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر، العدل يوجب اجتماع القلوب والجور يوجب الفرقة وحسن الخلق يوجب المؤدّة وسوء الخلق يوجب المباعدة، على الرعية الانقياد وعلى الأئكة
الاجتها، قال حكيم من حكماء الهند العدل في الرعية خير من كثرة الجنود، تاج الملك عفافه وحصنه إنصافه، وقال حكيم لا يطمع سيء الأدب في الشرف ولا الملك الجائر في بقاء الملك، العدل في الأقوال أن لا تخاطب الفاضل بخطاب المفضول ولا العالم بخطاب المجهول وأن تجعل لسانك في ميزان فتحفظه من رجحان ونقصان، وسئل حكيم عن المسيء فقال هو من لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً وقال آخر الدهر حسود لا يأتي على شيء إلا غيره، من علامة الدولة قلة الغفلة، اصنع الخير عند إمكانه يبقى لك حمده بعد زوال زمانه، ولله درّ من قال:
أرى طالب الدنيا وإن طال عمره ... ونال من الدنيا سروراً وأنعما
كبان بنى بنيانه وأتمه ... فلما استوى ما قد بناه تهدما
المرء ابن يومه فليتنبه من نومه. قال حكيم: مخالطة الأشرار من أعظم الأخطار من لم يلزم نفسه حقك لا تلزم نفسك حقه بعيد ممن أسقط حق نفسه أن يقوم بحق غيره. كن بالزمان خبيرا تسلم من عثرته إذا كانت الأشياء غير دائمة ففيم السرور بها من أشرف الأخلاق صيانة النفس عن النفاق باللطف تقتنص الأسود ويحصل كل مقصود، قال النبي صلى الله عليه وسلم (خصلتان لا يجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق)، وقال أيضاً (شيئان لا يجتمعان في بيت الغنى والزنا).
قال العباس بن محمد للرشيد يا أمير المؤمنين إنما هو درهمك وسيفك فازرع بذلك من شكرك واحصد بهذا من
(1/190)

كفرك، فقال الرشيد لم أجد للملك غير هذين، وأنشد يقول:
لم أر شيئاً صادقا نفعه ... للمرء كالدرهم والسيف
يقضى له الدرهم حاجاته ... والسيف يحميه من الحيف
قال المنصور لبعض أولاده خذ عني اثنين لا تقل بغير فكر ولا تعمل بغير تدبير.
قال صلى الله عليه وسلم (ارحموا ثلاثة، عزيز قوم ذل وغني قوم افتقر وعالما بين جهال)، قال المأمون الإخوان ثلاث طبقات، طبقة كالغذاء لا يستغنى عنه وطبقة كالدواء يحتاج إليه أحياناً وطبقة كالداء لا يحتاج إليه أبداً، ومرض علي بن عبيدة فعاده الجاحظ فقال له ما تشتهي يا أبا الحسن؟ فقال ثلاثة أشياء عيون الرقباء وألسن الوشاة وأكباد الحساد، قال حكيم ثلاثة تسر العين المرأة الموافقة والولد الأديب والأخ الودود، وثلاثة تكدر
العيش جار السوء والولد العاق والمرأة الخائنة، وثلاثة تمنع المرء عن طلب المعالي قصر الهمة وقلة الحيلة وضعف الرأي، وثلاثة تحصن الملك الرأفة والعدل والجود، وقال حكيم أربعة أشياء من أعظم البلاء كثرة العيال مع قلة المال، والجار السيئ الجوار، والمرأة التي ليس لها وقار، وصحبة الفجار، وقال أنوشروان أربعة أيام لأربعة أعمال يوم الغيم للصيد ويوم الريح للنوم ويوم المطر للمنادمة ويوم الصحو للكسب، وقال عبد الملك بن مروان أربع إذا ظفرت بها لا يضرك ما فاتك بعدها: حسن خلق وصدق حديث وعفاف نفس وحفظ أمانة، وقال آخر أربعة لا تشبع من أربع عين من نظر وأذن من خبر وأنثى من ذكر وأرض من مطر، وأربعة لا يثبت معها ملك غش الوزير وسوء التدبير وخبث النية وظلم الرعية، وأربعة لا تقدم عليها حتى تسأل الخبير بها، السوق لا تقدم عليه حتى تعلم النافق والكاسد والمرأة لا تخطبها حتى تسأل عن منصبها وخلقها والطريق لا تسلكها حتى تسأل عن أمنها وخوفها والبلدة لا تستوطنها حتى تسأل عن سيرة سلطانها وأخلاق أهلها وتجنب أربعة لتخلص من أربعة تجنب الحسد لتخلص من الحزن ولا تجالس خسيساً لتسلم من الملامة ولا ترتكب المعاصي لتسلم من النار ولا تهتم بجمع المال لتسلم من معاداة الناس.

ضرب مثل
حكي أن لبوة كانت ساكنة بغابة وبجوارها غزالة وقرد قد ألفت جوارهما واستحسنت عشرتهما، وكان لتلك اللبوة شبل صغير قد شغفت به حباً وقرت به عيناً وطابت به قلباً، وكان
(1/191)

لجارتها الغزالة أولاد صغار وكانت اللبوة تذهب كل يوم تبتغي قوتاً لشبلها من النبات وصغار الحيوان وكانت تمر في طريقها على أولاد الغزالة وهم يلعبون بباب مسكنهم فحدثت نفسها يوماً باقتناص واحد لتجعله قوت ذلك اليوم وتستريح فيه من الذهاب ثم أقلعت عن هذا العزم لحرمة الجوار ثم عادها الشره ثانياً مع ما تجد من القوة والعظم وأكد ذلك ضعف الغزالة واستسلامها لأمر اللبوة فأخذت طبياً منهم ومضت، فلما علمت الغزالة داخلها الحزن والقلق ولم تقدر على إظهار ذلك وشكت لجارها القرد فقال لها القرد اصبري فلعلها تقلع عن هذا ونحن لا نستطيع مكافأتها ولعلي أن أذكرها عاقبة العدوان وحرمة الجيران، فلما كان الغد أخذت طبياً ثانياً فليقها القرد في طريقها فسلم عليها وحيّاها، وقال لها لا آمن
عليك عاقبة العدوان والبغي وإساءة الجوار فقالت له ما اقتناصي لأولاد الغزال إلا كاقتناصي من أطراف الجبال وما أنا تاركة قوتي وقد ساقه القدر إلى باب بيتي، فقال لها القرد هكذا اغتر الفيل بعظم جثته ووفور قوته فبحث عن حتفه بظلفه وأوقعه البغي رغم أنفه، فقالت اللبوة كيف كان ذلك. قال القرد ذكروا أن قنبرة كان لها عش فباضت وفرخت فيه وكان في نواحي تلك الأرض فيل وكان له مشرب يتردد إليه وكان يمر في بعض الأيام على عش القنبرة فمر ذات يوم يريد مشربه فعمد إلى ذلك العش ووطئه وهشم ركنه وأتلف بيضها وأهلك فراخها، فلما نظرت القنبرة إلى ما حل بعشها ساءها ذلك وعلمت أنه من الفيل فطارت حتى وقعت على رأسه باكية وقالت أيها الملك ما الذي حملك على أن وطئت عشي وهشمت بيضي وقتلت أفراخي وأنا في جوارك أفعلت ذلك استضعافاً بحالي وقلة مبالاة بأمري؟ قال الفيل هو ذلك فانصرفت القنبرة إلى جماعة من الطيور فشكت إليهم ما نالها من الفيل فقالت لها الطيور وما عسانا أن نبلغ من الفيل ونحن طيور فقالت للعقاعق والغربان إني أريد منكم أن تسيروا معي إليه فتفقئوا عينيه وأنا بعد ذلك أحتال عليه بحيلة أخرى فأجابوها إلى ذلك ومضوا إلى الفيل فحملوا عليه حملة واحدة ونقروا عينيه إلى أن فقئوهما وبقي لا يهتدي إلى طريق مطعمه ولا مشربه فلما علمت ذلك جاءت إلى نهر فيه ضفادع فشكت إليهن ما نالها من الفيل فقالت الضفادع ما حيلتنا مع الفيل ولسنا كفؤه وأين نبلغ منه؟ قالت القنبرة أحب
(1/192)

منكن أن تذهبوا معي إلى وهدة بالقرب منه فتقفوا وتصيحوا بها فإذا سمع أصواتكن لم يشك أن بها ماء فيكب نفسه فيها فأجابتها الضفادع إلى ذلك فلما سمع الفيل أصواتهن في قعر الحفرة توهم أن بها ماء وكان على جهد من العطش فجاء مكبا على طلب الماء فسقط في الوهدة ولم يجد ما يخرجه منها فجاءت القنبرة ترفرف على رأسه وقالت أيها المغرور بقوته الصائل على ضعفي كيف رأيت عظيم حيلتي مع صغر جثتي وبلادة فهمك مع كبر جسمك وكيف رأيت عاقبة البغي والعدوان ومسالمة الزمان؟ فلم يجد الفيل مسلكاً لجوابها ولا طريقاً لخطابها، فلما أنهى القرد غاية ما ضربه للبوة من المثل أوسعته انتهاراً وأعرضت عنه استكباراً، ثم إن الغزالة انتقلت بما بقي من أولادها تبتغي لها مسكناً آخر وإن اللبوة خرجت ذات يوم تطلب صيداً وتركت شبلها فمر به فارس فلما رآه حمل عليه فقتله وسلخ جلده وأخذه وترك لحمه وذهب، فلما رجعت اللبوة ورأته مقتولاً
مسلوخاً رأت أمراً فظيعاً فامتلأت غيظاً وناحت نواحاً عالياً وداخلها هم شديد، فلما سمع القرد صوتها أقبل عليها مسرعاً فقال لها ما دهاك؟ فقالت اللبوة مر صياد بشبلي ففعل به ما ترى فقال لها لا تجزعي ولا تحزني وأنصفي من نفسك واصبري من غيرك كما صبر غيرك منك فكما يدين الفتى يدان وجزاء الدهر بميزان ومن بذر حباً في أرض فبقدر بذره يكون الثمر والجاهل لا يبصر من أين تأتيه سهام القدر فلا تجزعي من هذا الأمر وتذرعي له بالرضا والصبر، فقالت اللبوة كيف لا أجزع وهوقرة العين وواحد القلب وأي حياة تطيب لي بعده؟ فقال لها القرد أيتها اللبوة ما الذي كان يغديك ويعشيك قالت لحوم الوحوش؟ قال القرد فما لنا لا نسمع لتلك الآباء والأمهات صياحاً وصراخاً كما سمع منك ولقد أنزل بك هذا الأمر جهلك بالعواقب وعدم تفكرك فيها وقد نصحتك حين حقرت حق الجوار وألحقت بنفسك العار وجاوزت بقوتك حد الإنصاف وسطوت على الظبا الضعاف فكيف وجدت طعم مخالفة الصديق الناصح قالت اللبوة وجدته مرّ المذاق، ولما علمت اللبوة أن ذلك بما كسبت يدها من ظلم الوحوش رجعت عن صيدها وزمت نفسها وصارت تقنع بأكل النبات وحشيش الفلوات.
قال بعض الحكماء أمور الدنيا تجري على خمسة عشر وجهاً فخمسة منها بالعادة وهو الأكل
(1/193)

والشرب والمشي والنكاح والصلاة، وخمسة منها بالتعليم الأدب والكتابة والرمي والسباحة والصناعة، وخمسة منها بالتقدير وهي الحسن والقبح والغنى والفقر والعمر، وقال حكيم في الأطفال خمس خصال لو كانت في الرجال بلغوا درجة الكمال لا يهتمون بالرزق ولا يشكون من المرض ولا يحقدون عند الخصام ويخافون إذا خوفوا بأدنى تخويف وتدمع أعينهم من ذكر الأهوال

ضرب مثل
حكي: أن عصفوراً مرّ بفخ فقال العصفور ما لي أراك متباعداً عن الطريق فقال الفخ أردت العزلة عن الناس لآمن منهم ويأمنوا مني، فقال العصفور فما لي أراك ناحل الجسم؟ فقال أنهكتني العبادة، فقال العصفور فما هذا الحبل الذي على عاتقك؟ قال هو ملبس النساك، فقال العصفور فما هذه العصا؟ قال أتوكأ عليها، فقال العصفور فما هذا القمح الذي هو عندك؟ قال هو فضل قوتي أعددته لفقير جائع أو ابن سبيل منقطع، فقال العصفور إني
ابن سبيل وجائع فهل لك أن تطعمني؟ قال نعم دونك، فلما ألقى منقاره أمسك الفخ بعنقه، فقال العصفور بئس ما اخترت لنفسك من الغدر والخديعة والأخلاق الشنيعة ولم يشعر العصفور إلا وصاحب الفخ قد قبض عليه، فقال العصفور في نفسه بحق قالت الحكماء من تهور ندم ومن حذر سلم كيف لي بالخلاص ولات حين مناص ثم حدثته نفسه بالاحتيال فربما نفع في مضيق الأحوال فالتفت إلى الصياد وقال له أيها الرجل اسمع مني كلمات أرجو أن ينفعك الله بها ثم افعل بي ما تشاء فعجب الصياد من كلام العصفور، وقال له قل، فقال له العصفور لا يشك عاقل إني لا أسمن ولا أغني من جوع فإن كنت ترغب في الحكمة فاسمع مني ثلاث كلمات من الحكم أنفع لك مني وأطلقني واحدة وأنا في يدك، والثانية وأنا على أصل هذه الشجرة، والثالثة إذا صرت في أعلاها، فرغب الصياد في إطلاقه، وقال له قل الأولى فقال له ما حييت فلا تندم على فائت فأعجبه مقاله وأطلقه، فلما صار في أسفل الشجرة قال والثانية ما عشت فلا تصدق بشيء لا يكون أنه يكون، ثم طار إلى أعلى الشجرة فقال له الصياد هات الثالثة، فقال العصفور أيها الرجل لم أر أشقى منك ظفرت بغناك وغنى أهلك وولدك وذهب من يدك في أيسر وقت، فقال له الصياد وما ذاك؟ فقال العصفور لو أنك ذبحتني لوجدت في حوصلتي جوهرتين من الياقوت زنة كل واحدة منهما خمسون مثقالاً، فلما سمع الصياد مقالة العصفور اعتراه الأسف وعض على أصبعه وقال خدعتني أيها العصفور لكن هات الثالثة فقال العصفور كيف أقول الثالثة وأنت قد نسيت الاثنين قبلها في لحظة ألم أقل لك لا تندم على ما فات ولا تصدق بما يكون وكيف صدقت أن في حوصلتي جوهرتين زنة كل واحدة
(1/194)

منهما خمسون مثقالاً وأنت لو وزنتني بريش ولحمي وعظمي وجميع ما في جوفي ما وفى ذلك بعشرة مثاقيل وقد ندمت على إطلاق الفائت وتأسفت عليه، ثم طار وتركه وفارق بحيلته شركه.

مثل آخر
حكي: أن قطاة تنازعت مع غراب في حفرة يجتمع فيها الماء وادعى كل واحد منهما أنها ملكه فتحاكما إلى قاضي الطير فطلب بينة فلم يكن لأحدهما بينة يقيمها فحكم القاضي للقطاة بالحفرة، فلما رأته قضى لها بها من غير بينة والحال أن الحفرة كانت للغراب قالت أيها القاضي ما الذي دعاك لأن حكمت لي وليس لي بينة وما الذي آثرت به دعوتي على دعوة
الغراب؟ فقال لها قد اشتهر عنك الصدق بين الناس حتى ضربوا بصدقك المثل فقالوا أصدق من قطاة، فقالت له إذا كان الأمر على ما ذكرت فوالله إن الحفرة للغراب وما أنا ممن يشتهر عنه خلة جميلة ويفعل خلافها فقال لها وما حملك على هذه الدعوى الباطلة؟ فقالت ثورة الغضب لكونه منعني من ورودها، ولكن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل ولأن تبقى لي هذه الشهرة خير لي من ألف حفرة.
سئل إسحاق الموصلي عن عدد الندماء فقال: واحد غمّ واثنان همّ وثلاثة نظام وأربعة تمام وخمسة زحام وستة حمام وسبعة موكب وثماني سوق وتسعة جيش وعشرة نعوذ بالله منهم.

الحكمة من الشعر والأمثال
قال أبو الفتح البستني رضي الله عنه في ذم الزمان الخوان:
ومعنى الزمان على الحقيقة كاسمه ... فعلام ترجو أنه لا يزمن
ليس الأمان من الزمان بممكن ... ومن المحال وجود ما لا يمكن
وله رحمه الله تعالى
إذا أحسست من طبعي فتورا ... ولفظي والبراعة والبيان
فلا ترتب بفهمي إن رقصي ... على مقدار إيقاع الزمان
(1/195)

الصفي الحلي رحمه الله تعالى
لا غرو أن يصلى فؤادي بعدكم ... ناراً تؤججها يد التذكار
قلبي إن غبتم يصوّر شخصكم ... فيه وكل مصور في النار
ولبعضهم
أخاك أخاك من أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح
وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح
ولآخر
تحمل أخاك على ما به ... فما في استقامته مطمع
وأنى له خلق واحد ... وفيه طبائعه الأربع
الإمام الشافعي رضي الله عنه
لوأن بالحيل الغني لوجدتني ... بنجوم أفلاك السماء تعلقي
لكن من رزق الحجى حرم الغنى ... ضدان مفترقان أي تفرق
وإذا سمعت بأن محروماً أتى ... ماء ليشربه فغاص فصدق
أو أن محظوظاً غدا في كفه ... عود فأورق في يديه فحقق
وله رحمه الله تعالى
عليّ ثياب لو يقاس جميعها ... بفلس لكان الفلس منهنّ أكثرا
وفيهن نفس لو يقاس ببعضها ... نفوس الورى كانت أجلّ وأكبرا
وما ضر نصل السيف إخلاق جفنه ... إذا كان عضباً حيث وجهته برى
دعبل بن علي الخزاعي رحمه الله تعالى
ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم ... الله يعلم أني لم أقل فندا
إني لأفتح عيني حين أفتحها ... على كثير ولكن لا أرى أحدا
أبو الأسود الدؤلي يخاطب زوجته
خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في ثورتي حين أغضب
فإني رأيت الحب في الصدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب
محمد بن عبد الجبار رحمه الله تعالى
إذا رمت من سيد حاجة ... فراع لديه الرضا والغضب
فإن التهجم ليل المنى ... وإن الطلاقة صبح الأرب
(1/196)

ابن نباتة رحمه الله تعالى
ما بال طعم العيش عند معاشر ... حلو وعند معاشر كالعلقم
من لي بعيش الأغبياء فإنه ... لا عيش إلا عيش من لم يعلم
ولبعضهم:
إذا رأيت أخا في حال عسرته ... مواصلاً لك ما في ودّه دخل
فلا تمنّ له أن يستفيد غنى ... فإنه بانتقال الحال ينتقل
ولآخر:
ألم تعلمي أن الغنى يجعل الفتى ... سنيا وأن الفقر بالمرء قد يزري
فما رفع النفس الوضيعة كالغنى ... ولا وضع النفس الرفيعة كالفقر
ابن الرومي رحمه الله تعالى:
إذا أعسرت بعد اليسر يوماً ... فلا تجزع وكن عبدا شكورا
فإن المرء كالأشجار طبعا ... فطورا تكتسي ورقا وطورا
له رحمه الله تعالى:
إذا زاد فقر المرء قلّ محبه ... وعاداه من أضحى له في الملاء أهلا
وإن زاد معه المال مال لحبه ... جميع أعاديه وقالوا له أهلا
له رحمه الله تعالى:
قالوا ترى الفقر نقصا قلت واعجبي ... الفقر فخري مقال المصطفى فيه
إن يعتر النقص أرباب الكمال فلا ... كان الكمال ولا كانت أهاليه
أبو الطيب المتنبي رحمه الله تعالى:
وما ليل بأطول من نهار ... يظل بلحظ حسادي مشوبا
ولا موت بأبغض من حياة ... أرى لهم معي فيها نصيبا
وما أحسن ما قال منها:
عرفت نوائب الحدثان حتى ... لو انتسبت لكنت لها نسيبا
له رحمه الله تعالى:
أبدو فيسجد من بالسوء يذكرني ... ولا أعاتبه صفحا وأهوانا
وهكذا كنت في أهلي وفي وطني ... إن النفيس عزيز حيثما كانا
له رحمه الله تعالى:
وأنا الذي اجتلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل
(1/197)

أنعم ولذ فللأمور أواخر ... أبدا إذا كانت لهن أوائل
للهو آونة تمر كأنها ... قُبَل يزوّدها حبيب راحل
جمح الزمان فما لذيذ خالص ... مما يشوب ولا سرور كامل
وقال منها:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل
له رحمه الله تعالى:
إذا غامرت في شرم مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم
ومنها:
وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم
ولكن تأخذ الأذهان منه ... على قدر القرائح والعلوم
وله من قصيدة غراء:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم
قلت: لما أن ذكرت هذه الأبيات وددت أنأذكر القصيدة كلها لما اشتملت عليه من المعاني السنية وهي من غرر قصائده التي مدح بها سيف الدولة، قال رحمه الله تعالى:
واحرّ قلباه ممن قلبه شبم ... ومن بجسمي وحالي عنده سقم
أنى أكتم حبا قد برى جسدي ... وتدعى حب سيف الدولة الأمم
إن كان يجمعنا حب لغرته ... فليت أنا بقدر الحب نقتسم
قد زرته وسيوف الهند مغمدة ... وقد نظرت إليه والسيوف دم
فكان أحسن خلق الله كلهم ... وكان أحسن ما في الأحسن الشيم
فوت العدوّ الذي يممته ظفر ... في طيه أسف في طيه نعم
قد ذاب عنك شديد الخوف واصطنعت ... لك المهابة ما لا تصنع البهم
ألزمت نفسك شيئاً ليس يلزمها ... أن لا تواريهم أرض ولا علم
أكلما رمت جيشاً فانثنى جريا ... تصرفت بك في آثاره الهمم
عليك هزمهم في كل معترك ... وما عليك بهم عار إذا انهزموا
(1/198)

أما ترى ظفرا خلوا سوى ظفر ... تصافحت فيه بيض الهند واللمم
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
أنام ملئ جفوني عن شواردها ... ويسهر الخلق جراها ويختصم
وجاهل مده في جهله ضحكي ... حتى أتته يد فراسة وفم
وإذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظننّ أن الليث يبتسم
ومهجة مهجتي من همّ صاحبها ... أدركتها بجواد ظهره حرم
رجلاه في الركض رجل واليدان يد ... وفعله ما تريد الكف والقدم
ومرجف صرت بين الجحفلين به ... حتى ضربت وموج الموت ملتطم
فالخيل والليل والبيداء تعرفني ... والضرب والطعن والقرطاس والقلم
صحبت في الفلوات الوحش منفردا ... حتى تعجب منى القور والأكم
يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم
ما كان أخلقنا منكم بتكرمة ... لو أن أمركم من أمرنا أمم
إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم
وبيننا لو علمتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم
كم تطلبون لنا عيباً فيعجزكم ... ويكره الله ما تأتون والكرم
ما أبعد العيب والنقصان من شيمي ... أنى الثريا وذات الصيب والهرم
ليت الغمام الذي عندي صواعقه ... يزيلهن إلى من عنده الديم
أرى النوى تقتضيني كل مرحلة ... لا تستقل بها الوحادة الرسم
لئنم تركن ضميرا عن ميامننا ... ليحدثن لمن ودعته ندم
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ... أن لا تفارقهم فالراحلون هم
شر البلاد مكان لا صديق به ... وشر ما يكسب الإنسان ما يصم
وشر ما قنصته راحى قنص ... شهب البزاة سواء فيه والرخم
بأيّ لفظ تقول الشعر زعنفة ... تجوز عندك لا عرب ولا عجم
(1/199)

هذا عتابك إلا أنه مقة ... قد ضمن الدرّ إلا أنه كلم
وقال يرثي جدته لأمه، وهذه القصيدة قد اشتملت على بدائع الأمثال:
ألا لا أرى الأحداث حمدا ولا ذما ... فما بطشها جهلاً ولا كفها حلما
إلى مثل ما كان الفتى مرجع الفتى ... يعود كما أبدى ويكرى كما أرمى
لك الله من مفجوعة بحبيبها ... قتيلة شوق غير ملحقها وصما
أحنّ إلى الكأس الذي شربت به ... وأهوى لمثواها التراب وما ضما
بكيت عليها خيفة في حياتها ... وذاق كلانا ثكل صاحبه قدما
ولو قتل الهجر المحبين كلهم ... مضى بلد باق أجدت له صرما
منافعها ما ضر في نفع غيرها ... تغذى وتروى ان تجوع وان تظما
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا ... فلما دهتني لم تزدني بها علما
أتاها كتابي بعد يأس وترحة ... فماتت سروراً بي فمت بها غما
حرام على قلبي السرور فإنني ... أعد الذي ماتت به بعدها سما
تعجب من خطى ولفظي كأنما ... ترى بحروف السطر أغربة عصما
وتلثمه حتى صار مداده ... محاجر عينيها وأنيابها سحما
رقى دمعها الجاري وجفت جفونها ... وفارق حبي قلبها بعد ما أدمى
ولم يسلها إلا المنايا وغنما ... أشد من السقم الذي أذهب السقما
طلبت لها حظاً ففاتت وفاتني ... وقد رضيت بي لو رضيت لها قسما
وأصبحت أستسقي الغمام لقبرها ... وقد كنت أستسقي الوغى والقنا الصما
وكنت قبيل الموت أستعظم النوى ... فقد صارت الصغرى التي كانت العمى
هبيني أخذت الثأر فيك من العدى ... فكيف بأخذ الثأر فيك من الحمى
وما انسدت الدنيا عليّ لضيقها ... ولكن طرفا لا أراك به أعمى
فوا أسفي أن لا أكب مقبلاً ... لرأسك والصدر الذي مليا حزما
وأن لا ألاقي روحك الطيب الذي ... كأنّ ذكى المسك كان له جسما
ولو لم تكوني بنت أكرم والد ... لكان أباك الضخم كونك لي أما
لئن لذ يوم الشامتين بيومها ... لقد ولدت مني لآنافهم رغما
تغرب لا مستعظما غير نفسه ... ولا قابلاً إلا لخالقه حكما
(1/200)

يقولون لي ما أنت في كل بلدة ... وما تبتغي ما أبتغي جلّ أن يسمى
كأن بنيهم عالمون بأنني ... جلوب إليهم من معادنه اليتما
وما الجمع بين الماء والنار في يدي ... بأصعب من أجمع الجدّ والفهما
ولكنني مستنصر بذبابه ... ومرتكب في كل حال به الغشما
وجاعله يوم اللقاء تحيتي ... وإلا فلست السيد البطل القرما
إذا قلّ عزمي عن مدى خوف بعده ... بأبعد شيء ممكن لم يجد عزما
وإني لمن قوم كأن نفوسنا ... بها أنف أن تسكن اللحم والعظما
كذا إذا نادينا إذ شئت فاذهب ... ويا نفس زيدي في كرائهها عزما
فلا عبرت بي ساعة لا تعزني ... ولا صحبتني مهجة تقبل الظلما
أبو إسحق إبراهيم العزي رحمه الله تعالى:
قالوا تركت الشعر قلت ضرورة ... باب السماحة والملاحة مغلق
خلت الديار فلا كريم يرتجى ... منه النوال ولا مليح يعشق
ومن العجائب انه لايشترى ... ويخان فيه مع الكساد ويُسرق
أحمد الأرجائي رحمه الله تعالى:
تقصد أهل الفضل دون الورى ... مصائب الدنيا وآفاتها
كالطير لا يحبس من بينها ... إلا التي تطرب أصواتها
الشيخ محمد المنوفي رحمه الله تعالى:
عتبت على دهري بأفعاله التي ... أضاق بها صدري وأفنى بها جسمي
فقال ألم تعلم بأن حوادثي ... إذا أشكلت رُدّت لمن كان ذا علم
الصفي الحلي رحمه الله تعالى:
لما رأيت بني الزمان وما بهم ... خلّ وفيّ للشدائد أصطفي
أيقنت أن المستحيل ثلاثة ... الغول والعنقاء والخلّ والوفي
سيدي السيد الجليل الفاضل العلامة الحلاحل بن زين العابدين جمل الليل المدني رعاه الملك الغني:
عناء هذا الدهر ما أكثره ... وهمه الوابل ما أغزره
(1/201)

إن سرّ يوماً ساء عشراوان ... أبدي ابتساما قط ما كرره
شيمته الغدر وأبناؤه ... أغدر منه ويح ما أغدره
فلا ترم خلا وفياً فتحصي ... ل الذي تهواه ما أعسره
رب صديق خلته صادقا ... يبدي لك الخلة والكركره
إن رمت منه ممسكا موثقا ... وجدته في شكله كالكره
الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله تعالى:
شربنا دخان التتن لا عن مودّة ... لها بل هو الممقوت عند اولى الحجى
ولكن عفريت الهموم بصدرنا ... عصانا فدخنا عليه ليخرجا
ولبعضهم في المعنى:
لقد عنفوني في الدخان وشربه ... فقلت دعوا التعنيف فالأمر أحوجا
ألا إن عفريت الهموم بصدرنا ... مقيم فدخّنّا عليه ليخرجا
ومما نحن فيه قول الصاحب الأديب الفاضل الأريب محمد المدني الزللي المدني لا زال في عيش هني:
يميل فؤادي للدخان وشربه ... وأصبو إليه صبوة الواله الصب
لأخفى دخاناً قد أبانته زفرة ... تلهب من نيران وجد شوق قلبي
وله دام مجده:
(1/202)

فلو أنا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حي
ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعد ذا عن كل شي
أبو عبد الله الحميدي:
لقاء الناس ليس يفيد شيئاً ... سوى الهذيان من قيل وقال
فأقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ العلم أو إصلاح حال
العباس بن الأحنف:
تحمل عظيم الذنب ممن تحبه ... وإن كنت مظلوماً فقل أنا ظالم
فإنك إن لم تغفر الذنب في الهوى ... تفارق من تهوى وانفك راغم
علي بن حزم الظاهري:
لئن أصبحت مرتحلا بجسمي ... فقلبي عندكم أبداً مقيم
ولكن للعيان لطيف معنى ... لذا طلب المعاينة الكليم
أبو منصور الديلمي الأعور:
صدودك عني ولا ذنب لي ... يدل على نية فاسدة
فقد وحياتك مما بكيت ... خشيت على عيني الواحدة
ولولا مخافة أن لا أراك ... لما كان في تركها فائدة
وما أحسن قول القائل:
لست أدري ماذا أقول ولكن ... أشتهي من عريض جاهك نفعا
والفتى إن أراد نفع أخيه ... فهو يدري في نفعه كيف يسعى
وصدق القائل وأجاد:
إن كنت منبسطاً سميت مسخرة ... أو كنت منقبظاً قالوا به ثقل
وإن تواصلهم قالوا به طمع ... وإن تفارقهم قالوا به ملل
ابن طباطبا رحمه الله تعالى:
لله أيام اللقاء كأنما ... كانت لسرعة سيرها أحلاما
(1/210)

لو دام عيش مسرة لأخي الهوى ... لأقام لي ذاك السرور وداما
يا عيشنا المفقود خذ من عيشنا ... عاما ورد من الصبا أياما
وأجاد القائل:
إذا ما روى الإنسان أخبار من مضى ... فتحسبه قد عاش من أول الدهر
وتحسبه قد عاش آخر دهره ... إلى الحشر إن أبقى جميلاً من الذكر
فقد عاش كل الدهر من عاش عالما ... كربما حليماً فاغتنم أطول العمر
الشيخ حسن البوريني رحمه الله تعالى:
الناس نحو معادهم ومعاشهم ... يسعون في الإصباح والإمساء
وأنا الذي أسعى للذة نظرة ... من وجهك المذري ببدر سماء
والناس يخشون الصدود وإنما ... أخشى سلمت شماتة الأعداء
علي الباخرزي:
قالت وقد فتشت عنها كل من ... لاقيته من حاضر أو بادي
أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه ... ترنى فقلت لها وأين فؤادي
وله أيضاً:
فلا تحسبوا إبليس علمني الخنى ... فانى منه بالفضائح أبصر
وكيف يرى إبليس معشار ما أرى ... وقد فتحت عينان لي وهو أعور
الشيخ أحمد الخفاجي رحمه الله تعالى:
يا رب قد جرعتني كأس النوى ... وشغلت قلبي بالغزال النافر
وحجبته عن ناظري فامنن به ... يا ذا العلى أو فامحه من خاطري
أولا فخذ روحي إليك تريحني ... الموت أهون من حبيب هاجر
السيد عبد الرحيم العباسي رحمه الله تعالى:
لست عن ود صديقي سائلاً ... غير قلبي فهو يدري وده
فكما أعلم ما عندي له ... فكذا أعلم مالي عنده
الشيخ إسماعيل المقري الزبيدي:
ما قضاه الإله لا بد منه ... فعلام هذا العريض الطويل
إن لله في الأنام مرادا ... وسوى ما أراده مستحيل
رب أمر يضيق ذرعك منه ... لك فيه إلى النجاة سبيل
(1/211)

وله أيضاً:
ونحن أناس نحفظ الوعد للوفا ... وينسى الفتى منا الجزيل إذا أعطى
وطالبنا عنا بعيد وإن دنا ... ومطلوبنا منا قريب وإن شطا
ولله رد القائل:
إنما العيش خمسة فاغتنمها ... واسمعنها نصيحة من صديق
من سلاف وعسجد وشباب ... وزمان الربيع والمعشوق
السيد العلامة هاشم بن يحيى الشامي اليمني:
ما قلت إلا الحق يا معنفي ... صدقت إن الحب لا يليق بي
فهل ترى عندك لي من حيلة ... لآخذ قلبي من يدي معذبي
صلاح الدين الصفدي رحمه الله تعالى:
ما ابصرت عيناي أحسن منظر ... فيما ترى من سائر الأشياء
كالشامة الخضراء فوق الوجنة ال ... حمراء تحت المقلة السوداء
الإمام الشبلي رحمه الله تعالى:
عودوني الوصال والوصل عذب ... ورموني بالصدّ والصد صعب
زعموا حين أعتبوا الجرم ... فرطحبي لهم وما ذاك ذنب
لا وحسن الخضوع عند التلاقي ... ما جزا من يحب إلا يحب
لبعض الفضلاء:
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولا يلين إذا قومته الخشب
قد ينفع الأدب الأحداث في مهل ... وليس ينفع في ذي شيبة أدب
ولبعضهم في المحلاف الكذوب:
مواعيدك لي برق ... ومن ذا يلحظ البرقا
فهبني صرت كمونا ... بلا ماء فكم أبقى
ولله در القائل:
أربعة مذهبة ... لكل هم وحزن
الماء والقهوة وال ... خضرة والوجه الحسن
وما أحسن قول ابن القواس رحمه الله تعالى
رام الحسود فراقنا ... وسعى ينمّ بشينه
بالله عنى قل له ... هذا الجنون بعينه
ويعجبني قول بعضهم:
وإني وإن أخرت عنكم زيارتي ... لعذر فإني في المحبة أول
(1/212)

فما الود تكرار الزيارة دائماً ... ولكن على ما في القلوب المعوّل
وما ألطف قول الصنوبري:
بالذي ألهم تعذيبي ... ثناياك العذابا
والذي ألبس خديك ... من الورد نقابا
والذي صير حظي ... منك هجرا واجتنابا
ما الذي قالته عينا ... ك لقلبي فأجابا
ابن تميم الشاعر رحمه الله تعالى:
لك الخير كم صاحبت في الناس صاحبا ... فما نالني منهم سوى الهم والعنا
وجربت أبناء الزمان فلم أجد ... فتى منهم عند المضيق ولا أنا
وله أيضاً:
من كان يرغب في حياة فؤاده ... وصفائه فيلينأ عن هذا الورى
فالماء يصفو إن نأى فإذا دنا ... منهم تغير لونه وتكدرا
ولله در القائل:
كنا إذا جئنا لمن قبلكم ... أنصف الترحيب بعد القيام
والآن صرنا حين نأتيكم ... نقنع منكم بلطيف الكلام
لا غير الله بكم خشية ... من أن يجيء من لا يرد السلام
وأجاد القاضي الأرجاني بقوله:
زماننا هذا خرا ... وأهله كما ترى
ومشيهم جميعهم ... إلى ورا إلى ورا
أبو العلاء المعري رحمه الله تعالى:
ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا ... تجاهلت حتى قيل إني جاهل
فواعجبا كم يبدي الفضل ناقص ... ووا أسفي كم يظهر النقص فاضل
إذا وصف الطائي بالبخل ما در ... وعيّر قسا بالفهامة باقل
وقال السها للشمس أنت خفية ... وقال الدجى يا صبح لونك حائل
وطاولت الأرض السماء سفاهة ... وفاخرت الشهب الحصا والجنادل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ... ويا نفس جدى إن دهرك هازل
ابن العفيف التلمساني رحمه الله تعالى:
أعلل بالمنى قلبي لعلي ... أفرج بالأماني الهم عني
وأعلم أن وصلك لا يرجى ... ولكن لا أقلّ من التمني
لبعضهم:
ألا يا نفس أن ترضي بقوت ... فأنت عزيزة أبدا غنيه
(1/213)

دعي عنك المطامع والأماني ... فكم أمنية جلت منيه
ابن صرد:
سافر تنل رتب المفاخر والعلى ... كالدر سار فصار في التيجان
وكذا هلال الأفق لو ترك السرى ... ما فارقته معرة النقصان
ابن التعاويذي رحمه الله تعالى:
وقد مدحتكم على جهل بكم ... وظننت فيكم للصنيعة موضعا
ورجعت بعد الاختبار أذمكم ... فأضعت في الحالين عمري أجمعا
ابراهيم الحصري رحمه الله تعالى:
أرى أولاد آدم أبطرتهم ... حظوظهم من الدنيا الدنيه
فلم بطروا وأولهم منى ... إذا افتخروا وآخرهم منيه
لبعضهم وأجاد:
لا تثق من آدمي ... في وداد بصفاء
كيف ترجو منه صفوا ... وهو من طين وماء
ابن الساعاتي الأديب:
لا يغرنك التودد من قوم ... فإن الوداد منهم نفاق
والقلوب الغلاظ لا ينزع الأحقاد منها إلا السيوف الرقاق
شهاب الدين محمد الشاعر:
أحبانا هل لي إليكم وقد نأت ... بي الدار من بعد البعاد رجوع
وهل شمس هذا الأنس بعد فراقنا ... يكون لها بعد الغروب طلوع
صلاح الدين الصفدي:
ولما تراءينا الهلال بدا لنا ... محيا حبيب لم يغب قط عن فكري
فقلت عجيب أن يرى البدر هكذا ... تماماً ونحن الآن في أول الشهر
وما أحسن قول بعضهم:
قالت لترب وهي معها منكره ... لوقفتي هذا الذي نراه من
قالت فتى يشكو الهوى متيما ... قالت بمن قالت بمن قالت بمن
وأجاد القائل:
عرضت على الخباز نحو المبرد ... وكتبا حسانا للخليل بن أحمد
(1/214)

ورؤيا ابن سيرين وخط ابن مقلة ... وتوحيد جهمان وفقه محمد
وناشدته شعر الكميت وجرول ... بغنة لحن للقريض بن معبد
فلم يغن عني كل ما قد ذكرته ... سوى درهم ناولته كان في يدي
وما أعظم قول القائل:
ومالي حاجة التجريب إني ... عرفت الناس معرفة صحيحة
رأيت ودادهم كذبا وزورا ... ودينهم مداهنة صريحة
الخليل بن أحمد النحوي رحمه الله تعالى:
بلغا عني المنجم أني ... كافر بالذي قضته الكواكب
عالم أن ما يكون وما كا ... ن قضاء من المهيمن واجب
الشيخ عبد الله بن رشيد الدين السعيدي:
نسب الناس للحمامة حزنا ... وأذاها في الشجو ليست هنالك
خضبت كفها وطوقت الجيد ... وغنت وما الحزين كذلك
وله عفا الله عنه:
لقد قال لي إذ رحت من خمر رقه ... أحث كؤوسا من ألذ مقبل
بلثم شفاها أو برشف رضابها ... تنقل فلذات الهوى في التنقل
ويطربني قول ولادة بنت المستكفي الأموي عفا الله عنها:
ترقب إذا جن الظلام زيارتي ... فإني رأيت الليل أكتم للسر
وبي منك ما لو كان بالبدر لم ينر ... وبالليل لم يظلم وبالنجم لم يسر
عفيف الدين التلمساني:
لا تلم صبوتي فمن حب يصبو ... إنما يرحم المحب المحب
كيف لا يوقد النسيم غرامي ... وله في خيام ليلى مهب
الشيخ علاء الدين رحمه الله تعالى:
خرجنا للتنزه ذات يوم ... وسرنا بالمراكب فوق ماء
فنحن وفلكنا والماء نحكي ... نجوماً في بروج في سماء
الأمير علي بن المقرب العيوني:
أقول وقد فكرت في أمر خلتي ... وأمري وحال الأرذلين وحالي
(1/215)

ألا ليتني قد كنت خدنا مخادنا ... لخيط نعام بالفلا ورئال
ولم أك عافرت اللئام ولم أنط ... حبال خسيس منهم بحبالي
فلم أر منهم غير خب يمدّ لي ... لسان محب من طوية قالي
إذا جئت فداني وأبدى بشاشة ... ولاحظني منه بعين جلالي
وإن غبت أدنى ساعة من لحاظه ... تمحل في غيبتي بمحال
السيد الأديب محسن بن الحسن بن القاسم بن أمير المؤمنين الصنعاني رضي الله تعالى عنه:
من لي ومن لك في خل أخي ثقة ... يزداد قربا إذا زدناه تبعيدا
إذا اشتدت له دار الجفاء بنا ... دار الوفاء وأشاد الودّ تشييدا
وله رضوان الله عليه:
يا مالك الملك جد بعفو ... يمحو جميع الذنوب محوا
ولا تكلني إلى فعالي ... فلست للنار رب أقوى
وارحمني الله حين لالي ... منك تعاليت رب مأوى
وقل فلان أتى بذنب ... أثقل من يذبل ورضوى
لكن أتى راجياً رضائي ... فقد تجاوزت عنه عفوا
فالعفو والجود من صفاتي ... فأعطوه ما يرتجي ويهوى
ويطربني قول السيد البليغ محسن بن المتوكل على الله الصنعاني رضي الله عنه:
خليلي ما لليل يبعث أشجاني ... خليلي ضاق الليل بالدنف العاني
خليلي لا والله ما أنا صادق ... إذا لم أمت وجدا على الرشأ الغاني
خليلي ما للبرق من أيمن الحمى ... يذكرني عهدي القديم وأوطاني
خليلي قد مل السمير توجعي ... فهل نحو هاتيك الديار تدلاني
خليلي لي فيها فؤاد فقدته ... غداة سرى عني الحبيب وخلاني
وله سلام الله عليه:
إن كنت تسأل عن حالي وعن شاني ... فكل حين أروى الأرض من شانى
وطائر البان لا يغررك سجعته ... ما طائر البان يحوي مثل أشجاني
(1/216)

لو كان مثل ما وشى الجناح ولا ... أضحى ولوعا بتغريد وألحان
ولا حلى الجيد بالطوق العجيب ... حكت أنامله أغصان مرجان
ولله در القائل:
ولا تسأل الدهر إنصافاً فتظلمه ... ولا تلمه فلم يخلق لإنصاف
خذ ما تشا وخلّ الهم ناحية ... لا بد من كدر فيه ومن صافى
وما أعظم قول القائل:
إن الصفا في شرب كل مودة ... لم يخل من كدر لمن هو وارد
فإذا صفا لك من زمانك واحد ... فهو المراد وأين ذاك الواحد
ولله در من قال:
رأيت الناس قد مالوا ... إلى من عند فضه
ومن لا عنده فضه ... فعنه الناس منفضه
ولآخر مثله:
رأيت الناس قد ذهبوا ... إلى من عنده ذهب
ومن لا عنده ذهب ... فعنه الناس قد ذهبوا
الإمام الشافعي رضي الله عنه:
قالوا سكت قد خوصمت قلت لهم ... عن الجاوب لباب الشر مفتاح
والصمت عن جاهل أو أحمق شرف ... وفيه أيضاً لصون العرض إصلاح
أما ترى الأسد تُخشى وهي صامتة ... والكلب يَخشى لعمري وهو نباح
ولله در من قال:
وقيل محب المرد يدعى بلائط ... ويدعى بزان من يحب الغوانيا
فأحببت أهل الذقن مني تعففا ... فلا أنا لوطي وأنا زانيا
وأجاد القائل:
بالله قل لي يا فتى انني ... أسأل منك الآن رد الجواب
لو لم أشق هذا وهذا وذا ... بأي شيء كنت أملا الكتاب
ولبعضهم وأجاد:
أكرم طبيبك إن أردت دواءه ... وكذا المعلم إن أردت تعلما
إن المعلم والطبيب كلاهما ... لا ينصحان إذا هما لم يكرما
(1/217)

وقال آخر ولله دره:
ليس في الكتب والدفاتر علم ... إنما العلم في صدور الرجال
من يطلب العلوم فريدا ... دون شيخ فإنه في ضلال
نشوان بن سعيد رحمه الله تعالى:
قال الطبيب لقومي حين جس يدي ... هذا فتاكم ورب البيت مسحور
فقلت قد قاربت في صفتي ... عين الصواب فهلا قلت مهجور
وما أحسن قول القائل:
إذا هممت بكتمان الهوى نطقت ... مدامعي بالذي أخفى من
فإن أبح أفتضح من غير منفعة ... وغن كتمت فدمعي غير منكتم
ولكن إلى الله أشكو ما اكابده ... من طول وجد ودمع غير منصرم
ولبعضهم:
النار آخر دينار نطقت به ... والهم آخر هذا الدرهم الجاري
والمرء ما دام مشغوفاً بحبهما ... معذب القلب بين الهم والنار
الشيخ نجيب الدين العاملي رحمه الله تعالى:
مالي على هجرك من طاقة ... ولا إلى وصلك لي مقدرة
لكنني ما بين هذا وذا ... فرطت في دنياي والآخرة
وما ألطف قول بهاء الدين زهير رحمه الله تعالى:
أما تقرر أنا ... فلم تأخرت عنا
وما الذي كان حتى ... حللت ما قد عقدنا
ولم يكن لك عذر ... ولو يكون علمنا
ولا تلمنا فإنا ... قلنا وقلنا وقلنا
وقد أتيناك زحفا ... فأين تهرب منا
فانظر لنفسك فيما ... قد كان منك ودعنا
وقال أيضاً:
لا تلمني أو فلمني ... فيك ظلم وتجني
لا تسابقني بعتب ... ما بذا تخلص مني
لا تغالطني وحق ... الله لا يكذب ظني
لا تقل إني وإني ... ليس هذا القول يغني
أيها العاتب ظلما ... يا حبيبي لك أعني
أنا لا أسأل عمن ... هو لا يسأل عني
إن تردني فبهذا الشر ... ط أولا لا تردني
واسترح بالله من هـ ... ذا التجني وأرحني
(1/218)

لا يخفاك أيها المتأمل في كتابي هذا أن أكثر أدباء هذا العصر استحسنوه وأجروه مجرى الأمثال في أقوالهم ومالت إليه أرباب الغرام حتى استشهد بما جاء فيه قوله عفا الله عنه:
عمر الله خليلا ... جاءنا عليه السلام
وسقى عهد حبيب ... لا أسميه الغمام
إن أنا مت لفرط ال ... حب فيه لا ألام
ما يقول الناس عني ... أنا صب مستهام
عاذلي إن حبيبي ... حسن فيه الغرام
سمه لمتني فيه ... يطيب فيه الملام
لا تسل في الحب غيري ... أنا في الحب إمام
لي فيه مذهب ... يتبعني فيه الأنام
أيها العاذل إن العش ... ق من بعدي حرام
أغرام ما بقلبي ... أم حريق أم ضرام
كل نار غير نار الش ... وق برد وسلام
ويعجبني قوله:
أن أمري لعجيب ... ما ترى أعجب منه
كل أرض لي فيها ... غائب أسأل عنه
أين من يشكو من البي ... ن كما أشكو منه
ولله در القائل:
ثلاث من الدنيا إذا ما تحصلت ... لشخص فلا يخشى من الضر والضير
غنى عن بنيها والسلامة منهم ... وصحة جسم ثم خاتمة الخير
(1/219)

تم الكتاب بعون الملك الوهاب.
(1/220)