Advertisement

الأفضليات



الكتاب: الأفضليات
المؤلف: علي بن منجب بن سليمان، أبو القاسم، تاج الرياسة، ابن الصيرفي (المتوفى: 542هـ)
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] كتاب الأفضليات
رسالة العفو
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشيخ أبو القاسم علي بن منجب بن سليمان الكاتب: هذه الرسائل التي صنفتها منذ الأيام الأفضلية، فأولها رسالة العفو التي ترجمتها استنزال ... مما خدم به المجلس العالي الملكي الأفضلي مملوكه فلان، الحمد لله راحم خلقه وإن عظمت ذنوبهم، وكاشف ضرهم فيما يطرقهم وينوبهم والمتفضل عليهم بنعمة وهم غافلون، والقائل في محكم كتابه: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون) وصلى الله على سيدنا محمد نبيه الذي شرفه بالقرآن الكريم، ووصفه بالخلق العظيم، وفضله على كافة الأنبياء الذين بعثهم وأرسلهم، وأمره في أصحابه بقوله - عز من قائل -: (فاعف عنهم واستغفر لهم) وعلى أخيه وابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي أجاب إلى الإيمان مسارعاً مبادراً، وصفح عن عدوه وكان عليه قادراً، وأعربت شيمه عن الشرف الصريح، ومنعه كرمه أن يجهز على جريح، وعلى آلهما الطاهرين الذين طهر بهم من الأدناس صلاة دائمة الاتصال، مستمرة في الغدو والآصال، وسلم وكرم ومجد وعظم. أجمعت البرية على اختلاف ألسنتها وألوانها، وتغاير عصورها وأزمانها، وتباين عقولها وآرائها، وتفاوت أغراضها وأهوائها أن أفضل ما اكتسبه المرء في وجوده، وأشرف ما منحه من كرم الله تعالى وجوده ما يوفق له من إصلاح أخلاق النفس وتهذيبها، وتبليغها غاية تجود الخواطر فيها وتهذي بها، وإن من أدرك ذلك فقد نال الرتبة العلية، وحاز السعادة الحقيقية؛ لأنه حصل على فضيلة الذات، ووصل بها إلى أعظم اللذات، وهذه قضية لا تنتقض، ومقدمة لا يخالف أحد فيها ولا يعترض. فأما النتيجة عنها فهي فعل الحسن والمثابرة عليه، والتنزه عن القبيح وإن دعت المكافأة إليه وأفضل الحسن ما بقي ذكر المرء بعده، وجعله بالوصف قريباً وإن أطالت الأيام عهده، إذ كان بقاء ذكر الإنسان عمراً يستجده، وكنزاً يذخره لوارثه ويعده. ومن أمثالهم: (البشر أحد الجودين، والذكر أحد الخلودين، والبيان أحد السحرين، والثناء أحمد العمرين) وما أحسن قول أبي الطيب:
كفل الثناء له برد حياته ... لما انطوى فكأنه منشور
وقد سبقه إلى هذا المعنى غيره. قال التيمي:
ردت صنائعه على حياته ... فكأنه في طيه منشور
وقال آخر:
طوته المنايا والثناء كفيله ... برد حياة ليس يخلقها الدهر
وبعد أبي الطيب قال مهيار:
أفنى الثراء على الثناء لعلمه ... أن الفناء مع الثناء خلود
(1/1)

وإذا تؤملت المناقب التي تخلد حسن الذكر، وتمثلت صوراً تستشف في مرآة الفكر؛ وجد أحسنها منظراً، وأشفها جوهراً ما كانت النعمة فيه تتعدى، والآمال تتعرض نحوه وتتصدى، فلذلك عظم رب المنائح والصلات، وفضل المتنفل بالصدقة على المتنفل بالصلاة؛ وذلك (أن) المصلي لا تتجاوزه مثوبة ما صنع، والمتصدق فقد نفع غيره وهو لا محالة قد انتفع. وهذا أمر قائم الدليل، واضح برهان التفضيل. ثم إن هذه النعمة المشتركة بين منعم عليه بها، ومنعم يثاب بسببها، تنقسم في قسمين أيضاً: أحدهما البر المعهود والصدقة المعروفة، والآخر العفو عن الجرائم التي تأبى احتمالها الطباع العزوفة. وتفضيل من يعفو على من يتصدق فرض واجب، وترجيحه عليه أمر متعين وحق لازب؛ لأن المتصدق لا يتجاوز حالاً مختلة يسد خصاصتها وفاقتها، والعافي عن الذنوب فقد يحقن دماء يوجب العدل سفكها وإراقتها. فالأول يولي جميلاً ويحسن صنيعاً، والثاني يحيي نفيساً (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً) فبينهما هذا التفاوت الذي لا يخفى قدره، والتباين الذي لا يستتر على ذي تصور أمره، فقد استقر بهذه السياقة أن العفو أكرم الخصال، وأعلى منازل الكمال، وأحمد الأفعال عاقبة في العاجلة والمآل. ومن لطائف الله تعالى بأهل هذا العصر، ومواهبه التي تتعدى مدى الإحصاء والحصر؛ أن جعل هذه الفضيلة التي قام بها البرهان على أنها الأولى في العدد، وارتفع الخلاف في كونها الأولى بتعظيم كل أحد، أغلب الخلال على خلائق مولانا الملك السيّد الأجل الأفضل أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله ملكه بالتخليد، وشد ببقائه أزر الإيمان والتوحيد، الذي ملأ جماله العيون، وصدق إحسانه الظنون، ووضحت الدلائل على أن مثله لم يكن قط ولن يكون:
هيهات قامت معجزات العلا ... فيه وماتت آية الانفراد
جل عن الناس فما عابه ... شيء سوى تشبيهه بالعباد
ثم إنه بسط الله اقتداره، وأعز أولياءه وأنصاره لم يعرض من الصفح بما ألف، ولم يقنع من العفو بما عرف مما يجود منه على الجاني ببقاء روحه، ويحول به بين المجرم وبين سكنى ضريحه، حتى أبان من التذاذه بالغفران، وإحسانه إلى من قابل نعمته بالكفران ما جعل المذنبين يتقربون إليه بالجرائر، والمسيئين يتوسلون عنده بالكبائر، فحمدوا خطأهم وما عهدنا الخطأ مع غير كرمه يحمد، وجحدوا براءتهم وما عرفنا البراءة لولا فيض فضله تنكر وتجحد، وصارت إساءتهم من مواتهم إليه وشوافعهم، وجنايتهم من حرماتهم لديه وذرائعهم. فما أصدق ما قال أحد شعراء مجلسه العالي شيد الله مبانيه، وبلغ كلاً من مماليكه آماله وأمانيه:
وسعت مراحمك الجناة بأسرهم ... وأقلت كلاً منهم عثراته
وجزيت مرتكب الكبيرة منهم ال ... حسنى فأصبح شاكراً زلاته
وهذا المعنى وإن كان مجيدو الشعراء قد ألموا به، وأبدعوا فيه، وسلكوا منه مذهبا لا يسلكه غيرهم ولا يقتفيه، كقول مهيار - وهو من المستحسن المختار -:
وإذا الإباء المر قال لك: انتقم ... قالت خلائقك الكرام: بل احلم
شرع من العفو انفردت بدينه ... وفضيلة لسواك لم تتقدم
حتى لقد ود البريء بأنه ... أدلى إليك بفضل جاه المجرم
(1/2)

فإنه في أوصاف مولانا - أدام الله ملكه - صدق وحق، وفي مدائح غيره من الملوك زور ومذق، ولسنا نطلق هذا الحكم خالياً من شاهد يصححه، ولا عاطلاً من قياس يبينه ويوضحه. فنقول: إن كل خلة شريفة، وكل فضيلة لملك أو خليقة، مما يتداول بالروايات، ويتناقل بالأخبار والحكايات، مثل ما اشتهر من عدل كسرى أنوشروان، وانتشر من ورع عمر بن عبد العزيز بن مروان، ومثل ما ذكر من حزامة الجعدي، وشكر من سماحة المهدي، ووصف من صبر المعتمد، وعرف من سياسة المعتضد، إلى غير ذلك من الفضائل التي شهدت لهم بحسن الأثر، وتضمنها ما ثبت من أخبارهم في التواريخ والسير، ولم نعلم أحداً اشتهر بالعفو اشتهار المأمون حتى كأن هذه المنقبة عليه موقوفة، وكأن الأمة مدفوعة عنها مصروفة. وأبهر ما حوته من آياته، وأكثر ما تضمنته من معجزاته، عفوه عن إبراهيم بن المهدي عمه، وتكرمه في تجرع غيظه منه وكظمه، وقد شاع ذلك عنه وذاع، وملأ ذكره ووصفه الأسماع، وإنما هو شخص مفرد، ورجل واحد، وصنو لأبيه. وكل عم أب ووالد. وقد كان استشار فيه من ثبت عنده عقله وفهمه، فقال: يا أمير المؤمنين، أكره أن يقال يوماً: أخوه، ويوماً: عمه. وهذا كلام يرفع القلب له حجابه، ويعلم سامعه صحته وصوابه. فلم انتقم منه لظاهر بالقساوة والعقوق، ولو شفى غيظه لجاهر بالإضاعة للحقوق، وأيضاً فإنه وصل إلى بغداد عقيب استخفاء إبراهيم واستتاره، واستقر بها بعد خمول ذكره وخمود ناره، فما ظفر به حتى انكسرت مغائظه، وتناقصت حقوده وحفائظه، وتمكن له من السلطان ما ترفع معه أن يأتي الانتقام، وحصل له من الاقتدار ما رغبه في ثناء إذا تقضت الأيام ثبت وأقام، ومع ذلك فما كان يقين إبراهيم بعفو المأمون حسناً، ولا اعتقاده في صفحة قوياً من قلبه ولا متمكناً، ومن دلائل ذلك أنه كان عند وثوبه اقترض مالاً كثيراً من التجار، وكان فيه لعبد الملك الزيات والد محمد عشرة آلاف دينار، فلما لم يتم أمره لواهم أموالهم، فعمل محمد بن عبد الملك الزيات قصيدة يخاطب بها المأمون، وقال فيها عند ذكر إبراهيم بن المهدي:
ووالله ما من توبة نزعت به ... إليك ولا حب نواه ولا ود
فلا تتركن للناس موضع شبهة ... فإنك مجزي بحسب الذي تسدي
فكم غلط للناس في نصب مثله ... بمن ليس للمنصور بابن ولا المهدي
فكيف بمن قد بايع الناس فالتقت ... ببيعته الركبان غورا إلى نجد
ومن صك تسليم الخلافة سمعه ... ينادى به بين السماطين من بعد
وأي امرئ سمى بها قط نفسه ... ففارقها حتى يغيب في اللحد
فإن قلت قد رام الخلافة غيره ... فلم يؤت فيما كان حاول من جد
فلم أجزه ... إذ خيب الله سعيه

على خطأ قد كان منه ولا عمد
ولم أرض بعد العفو حتى رفدته ... وللعم أولى بالتغمد والرفد
فليس سواء خارجي رمى به ... إليك سفاه الرأي والرأي قد يردي
وآخر في بيت الخلافة تلتقي ... به وبك الآباء في ذروة المجد
وعرضها على إبراهيم، ولم يكن محمد حينئذ من أهل النباهة، ولا من أرباب الوجاهة، فسأله إبراهيم كتمانها، واستحلفه على ذلك، وأدى مال أبيه دون مال جميع التجار. فلو كان واثقاً بعفو المأمون لما التفت إلى هذا الإغراء، ولا عرج على هذا الافتراء، وكيف يثق به وهو لم يخل في أيامه من الترويع، ولا سلم من مخاوف التعنيف والتقريع؟! لا جرم أنه ما أمن حتى قضى المأمون نحبه، ولا اطمأن إلى أن مضى ورضوه ... حتى قال أحدهم في بعض ما خدم به من القصائد:
فإن تعف عنهم فانفهم عن ديارهم ... وإن تنتقم فاضرب مناط القلائد
فخالف - خلد الله ملكه - من أتى بهذا القول مشيراً، وشملهم من العفو بما بدل ناعيهم بشيراً. على أنا ما علمنا ملكاً حرض على محرم فعف، ولا خليفة حمل على مكروه مسيء فتأخر عنه ولا كف. هذا سديف بن ميمون دخل على أبي العباس السفاح وعنده سليمان بن هشام فأنشده:
لا يغرنك ما ترى من أناس ... إن بين الضلوع داء دويا
فضع السيف وارفع السوط حتى ... لا ترى فوقها ظهرها (أمويا)
(1/3)

فقال سليمان قتلتني يا شيخ، قتلك الله، ونهض أبو العباس فوضع المنديل في عنق سليمان، وقتل من ساعته. ودخل شبل بن عبد الله على عبد الله بن علي فأنشده محرضاً على بني أمية وعنده منهم ثمانون رجلاً:
أصبح الملك ثابت الأساس ... بالبهاليل من بني العباس
منها:
لا تقيلن عبد شمسٍ عثارا ... واقطعن كل رقلة وأواسي
ذلها أظهر التودد منها ... وبها منكم كحز المواسي
ولقد غاظني وغاظ سوائي ... قربها من نمارق وكراسي
أنزلوها بحيث أنزلها الل ... هـ بدار الهوان والإتعاس
واذكروا مصرع الحسين وزيد ... وقتيلا بجانب المهراس
والقتيل الذي بحران أمسى ... ثاوياً بين غربة وتناس
نعم شبل الهراش مولاك شبل ... لو نجا من حبائل الإفلاس
فلما سمع؛ تنكر؛ وأمر بهم فقتلوا، وألقى عليهم البسط، وجلس للغداء، وإن أحدهم ليسمع أنينه لم يمت بعد. وقد قيل: إن المخاطب بهذه الأبيات أبو العباس السفاح، ويروى أنه قال لشبل: لولا أنك خلطت كلامك بالمسألة لأغنمتك جميع أموالهم، ولعقدت لك على جميع موالي بني هاشم. وقال العبدي الشاعر: دخلت على عبد الله بن علي السفاح، وعنده من بني أمية اثنان وثمانون رجلاً، والغمر بن يزيد بن عبد الملك جالس معه على مصلاه، فاستنشدني، فأنشدته قصيدتي الرائية:
وقف المتيم في رسوم ديار
وهو مطرق حتى انتهيت إلى قولي:
أما الدعاة إلى الجنان فهاشم ... وبنو أمية من دعاة النار
أأمي مالك من قرار فالحقي ... بالجن صاغرة بأرض وبار
ولئن رحلت لترحلن ذميمة ... وكذا المقام بذلة وصغار
قال: فرفع الغمر رأسه إلي وقال: يا بن الفاعلة، ما دعاك إلى هذا؟ فضرب عبد الله بقلنسوته الأرض، وكانت العلامة بينه وبين أهل خراسان، فوضعوا عليهم العمد حتى ماتوا، وأمر بالغمر فقتل صبراً.
وكان ابن حزم أميراً على المدينة، فتحامل على الأحوص الشاعر تحاملاً شديداً، فشخص إلى الوليد بن عبد الملك، فأنشده قصيدة رائية أيضاً يمتدحه فيها، فلما بلغ منها إلى قوله الذي يشتكي ابن حزم ويظلمه:
لا ترثين لحزمي ظفرت به ... يوماً ولو ألقي الحزمي في النار
الناخسين بمروان بذي خشب ... والداخلين على عثمان في الدار
فقال له الوليد: صدقت، والله غفلنا عن حزم وآل حزم. ثم كتب عهد عثمان بن حيان المري على المدينة، وعزل ابن حزم، وأمر باستصفاء أمواله وأموال آهل، وإسقاط جميعهم من الديوان.
وهذه الحكايات والأخبار فلها أشباه كثيرة وأنظار لو توضع فيها لطال بابها ولم يضمن مع ذلك استغراقها واستيعابها.
وبعد فكل ملك إذا أخذ أهبة مملكته تكبر، وإذا انتصب في مقر عظمته طغى وتجبر، ومولانا - خلد الله ملكه - إذا علا دسته ورقي سريره رأى الناس أفضل الملوك سيرة، وأحسنهم مع الله سريرة، لا يعجل بالعقاب، ولا يؤجل الثواب، ولا يتجاوز في حكمه الصواب، ولا يمنع أحداً يستقي الحجة ويستوفي الخطاب هذا على انبساط قدرته، واعتلاء شأنه وانتشار هيبته، واتساع سلطانه، وإنه إذا استقر في منصبه، وحف الأكابر والعظماء به، وحضر رسل الملوك وسفراؤهم لديه، ووقف الأماثل سماطين بين يديه، وأذن لمن ببابه من أعيان الوفود، وغصت الأماكن الفسيحة بالعساكر والجنود، وتعرض الخدم لامتثال المراسم، واشتكت إليه الأرض من وقع المياسم؛ رأيت شرف الدنيا وعز الأبد، وسلطاناً عظيماً قوي المدد، وملكاً كثيراً لا ينبغي لأحد، ونظرت الأنوار قد سطعت وأشرقت، والأبصار قد خضعت وأطرقت، وشاهدت مقاماً مهيباًن ومنظراً هائلاً، وألفيت كل لسان معقولاً بالمخافة وقد كان جائلاً قائلاً، وتمثلت ضرورة بقول الله تعالى في محكم الكتاب: (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب) فالله تعالى يجعل مملكته مخلدة، وسعوده أبداً مجددة، وقلوب الأداني والأقاصي جنوداً في طاعته مجندة بفضله وقدرته وجوده ومشيئته.
وإذ قد قام الدليل على شرف العفو وفضله، وتعين بالواجب تعظيم من كان من أهله؛ فلا بدّ في هذه الرسالة من ذكر شيء مما جاء فيه، وإيراد طرف في الاستعطاف والاسترحام؛ إذ كانا من أسباب ودواعيه.

فصل مما جاء في العفو
قال الله عز من قائل: (فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين) .
(1/4)

وقال: (وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم وقال: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) وجاء في الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: (إذا كان يوم القيامة ينادي مناد ألا فليقم من كان أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا) وعنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: (لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم) وما أحسن قول بعض الزهاد: إن الله - عز وجل - أمر بالعفو، وهو لا يكون عن البريء، وإنما يكون عن المذنب المسيء. ألم تسمع إلى قول الله تعالى: (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) فو الله ما قال: على إحسانهم، ولا على عدلهم.
الحسن بن هانئ وهو آخر شعر قاله:
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يرجو ويدعو المجرم؟
أدعوك رب كما أمرت تضرعاً ... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم؟
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا ... وعظيم عفوك ثم أني مسلم
حكي عن بعض ملوك العجم أنه أتى بأسير عظيم الجرم، فقال له: لو كان هواي في العفو عنك لخالفته إلى قتلك ولكن لما كان هواي في قتلك خالفته إلى العفو عنك. وعفا عنه. فمن بركة العفو أنه صرف هذا الملك عن موافقة هواه، وعدل به إلى متابعة هداه وتقواه.
ذكر أن أحد خدم الملوك قال له يوماً: إني لأتعمد الخطأ في خدمتك، وليس ذاك جهلاً بشرف طاعتك، (فقال: وما يحملك على ذاك؟ فقال رأيتك شديد السرور) إذا عفوت، فقصدت ما يؤدي إلى مسرتك. ومن ها هنا أخذ ابن القمي قوله:
وعبدك إن يأت الذنوب فإنما ... تعمد أن يهفو لأن تتغمدا
وكان أبو محمد الخازن قد بعد عن الصاحب وفارق خدمته، ثم عاد إليه، فتلقاه بالترحيب، وجعل إقالته العثرة سالمة من اللوم والتثريب، فكتب إلى أبي بكر الخوارزمي كتاباً منه: ولقد كنت أحسب العفو عني حلماً ولا أقدر ما جنيت يعقب حلما، فكأني ما خطوت إلا في التماس قربة، ولا أخطأت إلا لتأثيل إيثار ومحبة.
ولما وصل الفتكين الشرابي غلام معز الدولة أبي الحسين أحمد بن بويه إلى الشام في خلافة العزيز بالله عليه السلام، وسيرت العساكر إليه تقرر الصلح بينه وبني القائد جوهر على أن ينادي بشعار الدولة ثم نقض ذلك، ولم يزل يقرره ثم ينقضه، حتى خرج العزيز بالله عليه السلام إليه، وتولى قتاله بنفسه بعد أن أبى ما أعطاه من الأمان، وبذل له من الإحسان. فلما ظفر به ضرب له فازة، وأمر بأن تحمل إليه أنفس الفرش والألات، ورد إليه كل ما عرفه من المنهوب له، وكان جماعة قد أشاروا بأن يشهر على الفيل، وبأن يجعل في قفص، فأبت خلائقه إلا عفوا، وموارد كرمه إلا صفوا. ويقال إنه أنفق في توبته إلى أن حصل في قبضته ألفي ألف دينار.
وحكى بعض البغداديين قال: كنت ببغداد في سنة ثمان وستين وثلاث مئة حين ورد كتاب أحد التجار بما فعله العزيز بالفتكين، فوقعت ضجة، واجتمع خلق لا تحصى، ورفعوا أصواتهم بالدعاء له، وخرجوا إلى مسجد براثا يدعون، وأظهر الشيعة ما في نفوسهم من الولاء فما أمكن الملك فناخسرو إنكار ذلك لكثرة الناس. قال أبو الفتح بن المقدر المتكلم: استدعى الصاحب أبو القاسم في بعض الأيام شراب السكر، فأحضر قدح منه، فلما أراد أن يشربه قال له أحد خواصه: لا تشربه، فإنه مسموم. وكان الغلام الذي ناوله إياه واقفاً، فقال للرجل المحذر له منه: وما الشاهد على صحة قولك؟ قال: أن تجربه على من أعطاكه، فقال: لا أستحسن ذاك ولا أستحله. قال: فعلى دجاجة. قال: إن التمثيل بالحيوان لا يجوز. ورد القدح، وأمر بأن يقلب ما فيه، وقال للغلام: انصرف عني، ولا تدخل داري. وأمر بإقرار جاريه وجرايته عليه، وقال: لا يدفع اليقين بالشك، ولا تحسن العقوبة بقطع الرزق.
ابن حيوس:
لعمري لقد بذَّ الملوك جميعهم ... بأربعة في غيره لن تألفا
بأمن لم يخشى، وقهر لمن طغى ... وسبق لمن جارى، وعفو لمن هفا
ملي بأن يأتي الجميل خليقة ... إذا ما أتاه المحسنون تكلفا
إبراهيم بن المهدي:
لغفوت عما لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع إليك بشافع
إلا العلو عن العقوبة بعدما ... ظفرت يداك بمستكين خاضع
ورحمت أطفالاً كأفراخ القطا ... وحنين وآلهة كقوس النازع
أبو سعيد الرستمي:
(1/5)

يا بن الذين إذا بنوا شادوا وإن ... أسدوا يدا عادوا، وإن يعدوا يفوا
إن حاربوا لم يحجموا، أو قارنوا ... لم يندموا، أو عاقبوا لم يشتفوا
ومتى استجيروا أسعفوا، ومتى استني ... لوا أسرفوا، ومتى استفيدوا أضعفوا
مهيار:
وكم آبقٍ من رق ملكك غامطٍ ... لنعماك لم ينهض بما قد تحملا
عفوت مراراً عن تمادي ذنوبه ... وأبطرته بالعفو حتى توغلا
فصل في الشفاعة والاستعطاف
لما قتل الحارث بن أبي شمر الغساني المنذر بن ماء السماء - وهو المنذر الأكبر، وماء السماء أمه - أسر جماعة من أصحابه، وكان فيمن أسر شأس بن عبدة في تسعين رجلاً من بني تميم، وبلغ ذلك أخاه علقمة بن عبدة الشاعر فقصد الحارث ممتدحاً بقصيدته المشهورة التي أولها:
طحا بك قلب في الحسان طروف ... بعيد الشباب عصر حان مشيب
فأنشده إياها حتى بلغ إلى قوله:
إلى الحارث الوهاب أعملت ناقتي ... لكلكلها والقصريين وجيب
إليك ... أبيت اللعن
كان وجيفها
لمشتبهات هو لهن مهيب
هداني إليك الفرقدان ولا حب ... له فوق أعلام المتان علوب
فلا تحرمني نائلاً عن جناية ... فإني امرؤ وسط القباب غريب
وفي كل حي قد خبطت بنعمة ... وحق لشأس من نداك ذنوب
فقال الحارث: نعم، وأذنبة، وأطلق له شأسا أخاه وجماعة أسرى بني تميم، ومن سأل فيه من غيرهم.
ومن الشفاعات التي تضاعف الانتفاع بها لتصحيف اتفق فيها، وقلما ينتفع بالتصحيف، ما حكاه أبو عبد الله حمزة بن الحسين الأصبهاني قال: ورد على الفرزدق البصرة مولى له من البادية، فأخبره أنه خلف بسفوان امرأة قد عاذت بقبر أبيه غالب، فرد الفرزدق مولاه من فوره إلى سفوان ...
علي بن الجهم:
لئن جل ذنب ولم أعتمد: ... لأنت أجل وأعلى يدا
أقلني أقالك من لم يزل ... يقيك ويصرف عنك الردى
سعيد بن حميد:
اغتفر زلتي لتحرز فضل ال ... عفو عني ولا يفوتك أجري
لا تكلني إلى التوسل بالعذ ... ر لعلي أن لا أقوم بعذري
كاتب بكر:
ولو أن فرعون لما طغى ... وقال على الله إفكا وزورا
أناب إلى الله مستغفرا ... لما وجد الله إلا غفورا
الشهزروري:
يستوجب العفو الفتى إذا اعترف ... بما جناه وانتهى عما اقترف
بقوله: (قل للذين كفروا ... إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)
مهيار:
أعيذك بالمجد المحسد أن يرى ... جنابك عني ضيقاً وهو واسع
وأعجب ما حدثته حفظك العلا ... وعبدك في أيام ملكك ضائع
أبو إسحق الصابي:
أمولاي مولاك الذي أنت ربه ... إليك على جور النوائب يستعدي
وهذي يدي مدت إليك بقصة ... أعيذك فيها من إباء ومن رد
(1/6)

وللملوك مقرر هذه الرسالة خدمة كان رفعها إلى المجلس العالي المالكي - خلد الله سلطانه وشيد أركانه - وهي: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر) لو كان للمراحم عن الشيم الشريفة الأفضلية معدل، أو للعواطف عنها مرجع أو موئل؛ لما منع ذلك ذوي العقول من قصد الجناب الكريم المالكي الأفضلي وقوفاً بآمالهم في رحيب ساحاته، وتخييماً برجائهم في مصون عرصاته؛ إذ كان كل مملوك فإلى مالكه معاذه ومفزعه، ولسلطان عصره ملاذه وإليه مرجعه، فكيف وأنواع الرأفة إلى مولانا - خلد الله ملكه - منسوبة، وأقسام العواطف من سمائه مستنزلة مطلوبة، والجرائم عنده - وإن عظمت - مسموح بها مرهوبة على أن سطوته بالإجماع مخوفة، وهيبته مرهوبة. لا جرم أن الله تعالى خصه من الرحمة بما هو معدود من صفاته، وأفرده من الخصائص ببدائع الفضل ومعجزاته. والله أحكم بتدبير خلقه، وأعلم حيث يجعل رسالاته. والمملوك يقبل الأرض بالمقام الكريم، وينهي ما هو عليه من ضر قد قصر عنه جلده، وضاق فيه بروحه جسده، وأصار راحمه من كان يحسده، وقد تهكته العطلة والبطالة، أطال الزمان دفاعه عن الحظ ومطاله، وله حرمة من نشأ في ظل دولته القاهرة، وفاضت عليه سحائب مكارمه الغامرة وربي في دواوين مملكته السعيدة، وتميز بالمسير تحت ركابه في الأسفار القريبة والبعيدة، وما نعرف ذنباً أتاه كفر به نعمته وإحسانه، ولا أنه خرج في الإخلاص له والعبودية عما هو عليه الله سبحانه، لكنه يعلم أن أحداً من المماليك لا يكون في أمر يكرهه ويسوؤه إلا لذنب متقدم أحصاه الله ونسوه، فلذلك يعترف بين يدي مولاه ومالكه بمثل ما اعترف به أول مخلوق إلى بارئه وخالقه، فيقول: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) . ومعلوم أن كل كبيرة تغرق في بحار رحمته، وكل عظيمة تضيع في واسع مغفرته، فبموضع الله من قلبه إلا رحم منه ذليلاً ضعيفا بين الميت والحي، وعبدا مملوكا لا يقدر على شيء، ومسكينا يقول في استرحامه ومناجاته مثل ما قاله الأعرابي في استغفاره ومناداته: اللهم اغفر لي؛ فإنك تجد من تحاربه غير، ولا أجد من يغفر لي غيرك. وقد تحرم بصدق الرجاء في نجح طلبه، واستشفع بمن لا يخيب من استشفع به:
شفيعي إليك الله لا شيء غيره ... وليس إلى در الشفيع سبيل
وقد ختم المملوك رسالته بهذه الخدمة تجديداً لشكوى حاله، وطلباً للرحمة الشاملة لأمثاله، فقد والله اشتد ضره وزاد، وبلغ به الدثور أو كاد:
ومن كان في أيام ملكك خاملا ... ففي أي ملك يستريش ويستعلي؟
بقيت بلا بعد يرجى انتظاره ... كما أنت إن عد الملوك بلا قبل
آمين آمين آمين (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) وصلى الله على سيد المرسلين محمد نبيه وعلى آله الطاهرين، وسلم تسليما. الله حسب المملوك ونعم الوكيل.

رسالة رد المظالم
رسالة سماها رد المظالم
الحمد لله العادل في أحكامه، الشامل بإنعامه، الجاعل مملكة أرضه فيمن يستكمله ويرتضيه، والمستخلف في تدبير خلقه من توجبه الحكمة وتقتضيه، والكافل بالخيرة لعباده وإن كان منها ما يباين إرادتهم، والفاعل فيها ما يشاء من تفاوت رتبهم وتباعد درجاتهم، والقائل في كتابه الكريم حجة للمفوضين، ورداً على المعترضين (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون) .
(1/7)

لا إله إلا هو، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه يرجعون. وصلى الله على سيدنا محمد رسوله الذي شرفه واجتباه، وأظهره على من خالف دينه وأباه، وفضله على من سبقه من الأنبياء وتقدمه، ومكنه ممن عصاه وأباح بحد سيفه دمه، وعلى آله الأئمة الطاهرين الذين أوجب لهم على عباده إيثاراً وحباً، وقال -عز من قائل -: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) وسلم عليهم أجمعين سلاما متصل الدوام، باقيا ببقاء الليالي والأيام. قد اتفق أولو الدراية والعقل، وأجمع ذوو الرواية والنقل، على أن أحوال الأزمنة معلومة من سير ملوكها، وأن هذا المعتقد طريقة لا ضلال في سلوكها، وذلك في تفاضل الأيام هو السبب والعلة، والحجة التي قامت على صحتها البراهين والأدلة. وهذا أصل قوي يعبد طريق الإفصاح عما قصدناه، ومعنى جلي يمهد سبيل الإيضاح لما أردناه، فنقول: قد ثبت بالعيان والسماع، وعرف بالوفاق والإجماع شرف هذا الزمن الذي عمت فيه السعة، وعظمت به المنفعة، وأمن فيه ما يخشى ويتوقى، وأخذت مطالب أهليه تسمو وتترقى، ولم يبق إلا من غدت أمانيه متحكمة على زمانه، وآماله متأكدة الثقة بكفالة الحز وضمانه. وهذا بحسن سيرة مولانا الملك السيّد الأجل الأفضل، أمير الجيوش سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، الذي خضعت لدولته جبابرة الملوك، وتنزه اليقين بذلك عن اعتراض الشكوك، وارتفعت صفاته عن استطاعة مخلوق وقدرته، وثبتت معجزاته فقامت بعذر المقصر في تقريظها وحجته، فإذا طالعت الأبصار نور بهائه ارتدت عنه وكلت، وإذا سلكت القلوب نهج علائه حارث فيه وضلت؛ لأن مناقبه أعلى من أن يسمو إليها المدح والصفة، ومفاخره أعظم من أن يحيط بها الإدراك والمعرفة.

هذي مناقب قد أغناه أيسرها ... عن الذي شرعت آباؤه الأول
قد جاوزت مطلع الجوزاء وارتفعت ... بحيث ينحط عنها الحوت والحمل
ومن أوضح براهينه لمن تمسك بالحق وتعلق بأسبابه، وأقوى الدلائل على سر الله الكريم وعنايته تعالى به؛ أن المجتهد في وصفه لا يخشى من يناقضه، ولا يخاف من يعارضه، ولا يتقي من يحمله على المبالغة والغلو، ولا يعلم أحداً ينسبه إلى الظلم والعلو، بل لا يعدم من إذا سمعه استقصر وندى، وإذا استنزر ما أتى به نكص ولم يجد وزراً، هذا إن اعتقد أنه وفى الامتداح حقه، وعفى مذاهب الانتقاد وطرقه، وتيقن تأديته الفريضة مكملة، وقضاءه إياها مرضية متقبلة. فأما إذا سلك المحجة القويمة، وتنكب السبيل المكروهة الذميمة، واستعذب قول الحق فأقر بعجزه، واعتمد على تصريحه دون إشارته ورمزه؛ فقد نافى ذوي التهمة والظن، وأجر ألسنة أولي العيب والطعن. وهذه حالنا فيما نورده من أوصافه، وقضيتنا في شكر الله سبحانه على تمليكه علينا واستخلافه. ونحن الآن نذكر المراد بهذا الجزء الذي جعلنا الخدمة به قربانا، ورجونا بما نحونا فيه سعادة أولانا وأخرانا.

فصل
اعلم أن النظر يقتاد كل عاقل مميز، ويضطر كل منتسب إلى العلم متحيز، إلى الإقرار بأنه أشرف الملوك وأكملهم، وأعمهم بضروب الرحمة وأشملهم. وبرهان ذلك أنه إذا تأمل الموجودات متيقظ، ورتبها في مراتبها ... زمن الأهواء متحفظ، فأشرفها بلا مخالفة في ذلك الحيوان، ثم المخصوص بالنطق منه وهو الإنسان، ثم مدبرو المدن الذين عضدتهم القوى الملكوتية، وفاضت عليهم الأنوار الإلهية، ثم الأقرب منهم فالأقرب، والأمثل فالأمثل، ثم الجامع لذلك وهو مولانا الملك السيّد الأجل الأفضل. وهذا ما لا خفاء به، ولا لبس فيه، ولا ريب يبعده عن محض الحقيقة وينفيه، فهو سيد أهل الأرض مذ فخرت البسيطة بظهوره، وسلطان هذا الخلق مذ استقر في دسته، واستوى على سريره، وظل الله الممدود على كافة المقرين بكلمة التوحيد، وصفوته الثابت علمها من جهة الاستدلال لا من جهة التقليد. فلا سبيل لعاقل أن ينكر ذلك ويجحده، بل الواجب على كل ناطق أن يقول بين يديه وينشده:
من شك أنك مخلوق لتملكه ... كمثل من شك أن الله خلاق
على أن مقامه الشريف يجعل كل بليغ لكنا، ويعيده حصرا، وقد كان فصيحا لسنا:
هو موقف تغضي العيون مهابة ... فيه ويعثر بالكلام المنطق
(1/8)

وقد ازدحمت بفنائه ضروب الأمم، وتواصلت إليه ملوك العرب والعجم، وهاجروا نحو بابه راجين مهطعين، وأموا ظله لاجئين إليه منقطعين ولقد ورد منهم اثنان متباعدا الأفقين، متباينا المنطقين وهما ملكا غانة وفرغانة، فأزال من قلب كل منهما أحقاده على الدهر وأضغانه، فاعتبروا يا أولي الأبصار كيف أحسن حتى إلى الدهر فأصلح القلوب له، وجعل ذلك من شكر الله على ما قمصه إياه وسربله. وهذا إشارة إلى القدرة التي خص بها، والعظمة التي استقر في أشرف منصبها. وإذا تأملنا ما سفر فيه البيان وتبرج، وأسفر به صبح الإبداع وتبلج، وأخرجت منه الضمائر جواهر كانت مستترة، ونظمت به الخواطر عقوداً ما زالت منتثرة؛ وجدنا ضروباً من الأقوال متسعة، وأصنافا من المدح متشعبة متنوعة، تدعو الناظر المحرر، والمتأمل المتصور، والعامل بفريضة العدل تعرضا لجزائه، والمناضل عن الحق رغبة في انتسابه إليه واعتزائه، إلى القول إن كل لسان انطلق في أيامه بخدمة ملوكية فما قصد غير مدحه، وكل بيان انبعث في أوصاف حقيقة فما أراد سوى تفصيل ذلك وشرحه، فلله در أبي نواس إذ يقول:
وإن جرت الألفاظ يوماً بمدحه ... لغيرك إنسانا فأنت (الذي نعني)
وما أحسن قول ابن الرومي:
إن أسرق الشعراء شعرهم ... فجزاء ما سرقوا من المجد
سرقوك مجدك وهو مدخر ... من قبل أن تلقى إلى المهد
وكسوه قوماً لا يليق بهم ... من ماجد وسط ومن وغد
فرددت حقك غير معتذر ... منهم إلى حر ولا عبد
فعمدنا إلى هذا الباب ذاكرين منه أنموذجاً لنظائره، واقتصرنا عليه إذ لا طمع لنا في ذكر سائره، واعتمدنا على ما لم يبتذله الاشتهار، وقصدنا ما لم يكن للألسن به استهتار، واجتهدنا في إيراد ما لم تخلق الأسماع جدته، وخدمنا بما لم تسلب الرواية رواءه وهجته. وقد يأتي في تضاعيفه ما ليس من شرطه حسب ما يوجبه تفرع التصنيف، ويقضي به تشعب التأليف. وسمينا ذلك رد المظالم لأنه حق لمولانا.
وقد حليت على غير أكفائه عروسه، وأديرت على غير شربه كؤوسه، فافتضت أسماعهم أبكاره، وشربت أفهامهم عقاره. وهذا ظلم من ناظمه وقائله، وتعد من سامعه وقابله.
ومن أقسام سيرته الشريفة العدل في إعادة الحقوق إلى أربابها، واستخلاصها من دار ذلها واغترابها. فاستعملنا بعض سيرته في وصفه، ورجونا الله بذلك في دفع المكروه عنا وصرفه، والله يسعدها ويوفقنا وعليه توكلنا ومعتمدنا.
وهذه بداية الكتاب: قال محمد بن عيسى:
ملك الورى والندى والبأس أنصله ... هندية وعطاياه هنيدات
وبدر سبع وسبع تستنير به الس ... بع الأقاليم والسبع السماوات
ومن قصد بهذين البيتين وما يجاريهما صفة مولانا فكأنه لقول الحق إنما تلا قرآناً، وهما على الحقيقة كغيرهما من المدائح الشريفة لأنهما لما كان مآلهما إلى العرض بالمقام الأعظم - ثبت الله سلطانه - وكانا يشتملان على بعض صفاته صارا كلتاهما من خدم شعراء المجلس العالي وعفاته. وهذا حكم باب المآل، ونهاية التصانيف للأقوال. قال الله عز وجل: (إني أراني أعصر خمرا) والخمر لا يعصر، وإنما يعصر العنب، لكنه لما كان المآل إلى الخمر سمي المعصور خمرا.
ومثله قوله تعالى: (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) وإنما التقطوه ليكون لهم سرورا وولدا، لكنه لما كان مآله إلى العداوة جعل علمه للالتقاط.
قال عبد الله بن محمد بن سنان بن سعيد الخفاجي الحلبي:
لا يدعي الفصحاء فيك غريبة ... والبيض تنثر والأسنة تنظم
إن أحسنوا حنك الثناء فإنها ... نطقت بمدحك قبل أن يتكلموا
عجبا لوجهك كيف بارق بشره ... تهمي سحائبه ولا يتغيم
=ومن العجائب أن بيض سيوفه=تبكي دما وكأنها تتبسم فأما الأول فمن مليح التورية وقد أتى بها في قوله:
وصفوا بياض يد الكليم بمعجز ... فيه وكم لك من يد بيضاء
واستطرفوا إحياء عيسى ميتا ... فردا وجودك باعث الفقراء
وقال:
من القوم صال الدهر إلا عليهم ... وصالوا ببيض الهند حتى على الدهر
أشد احتقاراً بالردى من حسامه ... وأدنى إلى سر الأعادي على الذعر
له خلق في المحل غيث وفي الصبا ... نسيم وفي جنح الدجى غرة البدر
وقد استعمل تركيب هذا البيت في موضع آخر فقال:
(1/9)

ما هزه طرب العقار وإنما ... أعطته نشوة كأسها الأخلاق
هي في الهوى وعد الوصال وفي الكرى ... طيف الخيال وفي الوداع عناق
وهو مأخوذ من قول ابن نباتة:
إنها في السحاب وبل وفي الرْ ... رِيح نسيم ونشوة في الشراب
فأما قوله: أشد احتقارا بالردى من حسامه فهذا الصدر يصلح أن يعجز بقول أبي الطيب:
وأقدم بين الجحفلين من النبل
على أن صدر بيت أبي الطيب مناسب للعجز المذكور؛ لأنه قال:
أقل بلاء بالرزايا من القنا
فبصير هذا العجز مع صدرين.
قال محمد بن عباد بن عمرو:
سميدع يهب الآلاف مبتدئا ... ويستقل عطاياه ويعتذر
له يد كل جبار يقبلها ... لولا نداها لقلنا: إنها الحجر
ولو أمكنه أن يقول الحجر الأسود لكشف المراد وبينه، وأظهر المعنى وحسنه. وقد اتفق ذلك لمحمود بن القاضي الموفق أحد مماليك مولانا، و (كاتب) إنشاء دولته في قوله يصف كتابا ورده، ويذكر أن الفاتك والناسك يلقياه بالتبجيل، وقابلاه بالتقبيل كأنما قد حل فيه اللمى، أو ذاب فيه الحجر الأسود. على أن ابن مكنسة ذكر الحجر غير موصوف، فلم يشكل المراد فيه. وسبب ذلك ما قرنه به، وضمه إليه، فقال من قصيدة أولها: لمثل ذا اليوم كان السعد ينتظر منها:
كأنك البيت قد طاف الحجيج به ... وفي ركابيك حل الركن والحجر
فأما قصيدة محمد المقدم ذكره فإن لعبد الله بن سنان قصيدة على وزنها وفي معناها على تقارب العصرين وتباعد المستقرين، منها ما هو من شرط هذا الكتاب. قال منها:
ملك له سيرة في العدل معجزة ... لولا الشريعة قلنا إنها سور
قوم إذا طلب الأعداء عيبهم ... فما يقولون إلا أنهم بشر
تسمو البلاد إذا عدت وقائعهم ... فيها وتبتسم الدنيا إذا ذكروا
إن الخلافة ما زالت منابرها ... إلى سيوفهم في الروع تفتقر
فهم صوارمها والبيض نابية ... وشهبها وظلام الخطب معتكر
قال أحمد بن عبد الله:
ترى الدهر إن يبطش فمنكم يمينه ... وإن تضحك الدنيا فأنتم لها ثغر
عطاء ولا من وحكم ولا هوى ... وحلم ولا عجز وملك ولا كبر
طريقتكم مثلى وهديكم رضى ... ومذهبكم قصد ونائلكم غمر
وهذا ضد قول العباس بن الأحنف:
وصالكم هجر وحبكم قلى ... وقربكم بعد وسلمكم حرب
ومن مليح التقسيم قول ابن حيوس:
لعمري لقد بذ الملوك جميعهم ... بأربعة في غيره لن تألفا
بأمن لمن يخشى وقهر لمن طغى ... وسبق لمن جارى وعفو لمن هفا
وقوله أيضاً:
قصر السابقون دون مداها ... وتملكتها بست خصال
مكرمات مع اعتذار، وعفو ... باقتدار، وعفة في جمال
وقوله أيضاً:
ثمانية لم تفترق مذ جمعتها ... فلا افترقت ما ذب عن ناظر شفر
ومن مليح ما في هذا البيت ما تضمنه من ذكر الجواب قوله:
وبعد بيت رسول الله ما فخرت ... بمثل بيتك لا عجم ولا عرب
إن ناضلوا نضلوا، أو فضلوا ... أو حاربوا حربوا، أو خاطبوا خطبوا
وقد أحسن أحمد المقدم ذكره فيما أتى به من ذلك في الغزل فقال:
يا بائعا حظه مني ولو بذلت ... لي الحياة بحظي منه لم أبع
ته احتمل، واستطل اصبر، وعز أهن ... وول أقبل، وقل أسمع، ومر أطع
وهو كثير.
ولأحمد بن عبد الله أيضاً:
يا خير من ركب الجوا ... د وسار في ظل اللواء
لا زلت للدنيا فأن ... ت دواؤها من كل داء
وورثت أعمار العدا ... وقسمتها في الأولياء
وبقيت مفديا بنا ... إن نحن جزنا في الفدا
ومثل هذا لحسن بن عبد الصمد، وقد كانا في عصرن وإن لم يجتمعا في مصر، فلا أدري هل تسارقا أم توافقا:
لا زلت مخفوض العدا ... ما عشت مرفوع البنا
تفدى بنا إن كان ير ... ضى المجد أن تفدى بنا
ومن أجود ما في هذه القصيدة:
ما أحسن المال إذا ... صاحب ذكرا حسنا
ومنها:
لنا الثناء خالصا ... منه وما يحوي لنا
شاد الذي بنى له ... آباؤه ومكنا
عممت بالإحسان من ... ك مضرا واليمنا
ينقاد صعب اللفظ لي ... سهل القياد مذعنا
كأن في خواطري ... لكل معنى رسنا
(1/10)

ومن هؤلاء الشعراء من يحسن في كثير مما يتصرف فيه، ويتناول المعنى فيجيده ويستوفيه؛ فمن محاسن أحمد هذا ما كتب به مع تفاح أهداه إلى ابن عباد:
يا من تزينت الريا ... سة حين ألبس ثوبها
جاءتك جامدة المدا ... مِ فخذ عليها ذوبها
وهذا من قول الخليع:
الراح تفاح جرى ذائبا ... كذلك التفاح راح جمد
فاشرب على جامده ذوبه ... ولا تدع لذة يوم لغد
وقال السري:
وقد أضاءت نجوم مجلسنا ... حتى اكتسى غرة وأوضاحا
لو جمدت راحنا اغتدت ذهبا ... أو ذاب تفاحنا اغتدى راحا
والأصل في ذلك ما يحكى من قول كسرى: لست أدري: هل التفاح خمر جامد، أم الخمر تفاح ذائب؟.
وقد أكثر الشعراء من وصفها بذوب الجامد، فمنهم من يجعلها ذوب الذهب كقول الصنوبري:
رأيته والكأس في فيه قد ... صوبها كالكوكب الصائب
وجسمها من ذهب جامد ... وروحها من ذهب ذائب
وقول محمد بن عباد:
أبدى لنا من لطيف حكمته ... في جامد الماء ذائب الذهب
ومنهم من جعلها ذوب الورد كقوله:
لاح وفاحت روائح الند ... مختصر الخصر أهيف القد
وكم سقاني والليل معتكر ... في جامد الماء ذائب الورد
وقول الصنوبري:
من ينس لا أنس اتصال زماننا ... ويد السعود على الزمان مساعده
إذ نخبتي راح كورد ذائب ... وتحيتي ورد كراح جامده
وكل هذا تصرف في قول ابن المعتز:
وزنا لها ذهبا جامدا ... فكالت لنا ذهبا سائلا
وعلى ذكر الذهب وذوبه فحدثني إبراهيم بن شغب أنه ليم فيما أنفقه على جارية له، فقال:
ما الذهب الصامت مستكثرا ... إذ هابه في الذهب الناطق
قال أبو بكر محمد بن عمار:
ملوك مناخ العز في عرصاتهم ... ومثوى المعالي بين تلك المعالم
إذا قصر الروع الخطى نهضت بهم ... طوال العوالي في طوال المعاصم
وأيد أبت من أن تؤوب ولم تفز ... بجز النواصي أو بجز الغلاصم
إذا ركبوا فانظروا أول طاعن ... وإن نزلوا فارصده آخر طاعم
وهذه قطعة اتسع فيها، وأحسن التصرف في معانيها، فقال في صفة الفرس:
خذوا بين إن لم تهدروا كل سابح ... لريح الصبا في إثره أنف راغم
من العابسات الدهم إلا التفاتة ... إلى غيره أهدت له ثغر باسم
طوى بي عرض البيد فوق قوائم ... توهمته منهن فوق قوادم
ومن جيد ما فيها:
وليل لنا بالسدتين معاطف ... من النهر ينساب انسياب الأراقم
بحيث اتخذنا الروض جارا تزورنا ... هداياه في أيدي الرياح النواسم
وبتنا ولا واش يحس كأننا ... حللنا مكان السر من صدر كاتم
ولأبي بكر هذا:
ملك إذا ازدحم الملوك بمورد ... ونحاه لا يردون حتى يصدرا
قداح زند المجد لا ينفك من ... نار الوغى إلا إلى نار القرى
أيقنت أني من ذراه بجنة ... لما سقاني من نداه الكوثرا
وقال أيضاً:
جنيت ثمار النصر طيبة الجنى ... ولا شجر غير المثقفة الملد
ببدر ولكن من مطالعه الوغى ... وليث ولكن من براثنه الهندي
ورب ظلام سرت فيه إلى العدا ... ولا نجم إلا ما تطلع من غمد
ومنها في ذكر بلدة افتتحها وأحرقها:
فأرملتها بالسيف ثم أعرتها ... من النار أثواب الحداد على الفقد
فيا حسن ذاك السيف في راحة الهدى ... ويا برد تلك النار في كبد المجد
فقوله أرملتها بالسيف، وألبستها حدادا بالنار، من أحسن تركيب وأبدع تشبيه. ولقد ذكر عبد الله بن محمد مثل ذلك، وهو وأبو بكر متقاربا الزمن، متباينا الوطن؛ فهذا بالعدوة الدنيا وهذا بالعدوة القصوى. فقال وأحسن ما شاء:
غادرتها دمنا على أطلاعها ... يبكى الخليط وتذكر الأشواق
وشرعت دين قراك في عرصاتها ... فالنار تضرم والدماء تراق
وعلى هذا البيت من البهجة، وحسن الديباجة، ما لا أعلم لأحد مثله. ولقد ذكرت بالنار قول الآخر في حريق جامع دمشق:
فأتته النيران طولا وعرضا ... عن يمين من قتره ويسار
ثم مرت على حدائق نخل ... فإذا الجمر موضع الجمار
ومن قول أبي بكر:
(1/11)

كم من شجاع قدته نحو الردى ... بدم من الأوداج كأرسان
روى ليضرب فابتدهت بطعنه ... إن الرماح بداية الفرسان
وقال:
وفيت لربك فيمن غدر ... وأنصفت دينك ممن كفر
ولم تتقدم بجيش الرجا ... ل حتى تقدم جيش الفكر
فعاقر سيفك حتى انحنى ... وعربد رمحك حتى انكسر
وكم نبت في حربهم عن علي ... وناب عن النهروان النهر
وأبو بكر هذا من الأعيان المشهورين، والمجيدين المذكورين، والمحسين في خطاب الملوك، والمطلعين باستعطافهم شمسا آمنة من الدلوك. فمن ذلك ما كتب به إلى أحد السلاطين وهو مزمع على السفر لخوف لحقه منه:
أصدق ظني أم أصيخ إلى صحبي ... وأمضي عزيمي أم أعوج عن الركب
أخافك للحق الذي لك في دمي ... وأرجوك للحب الذي لك في قلبي
وهذا وإن كان مأخوذاً من قول مهيار في القصيدة التي أولها:
سل الركب إن أعطاك حاجتك الركب ... من الكاعب الحسناء تمنعها كعب
أحبك ودا من يخافك طاعة ... وأعجب شيء خيفة معها حب
فإنه ألذ مسموعا، وأحسن مصوغا. وقد أحسن الآخر في قوله:
تمر سفيهات الرياح بأرضه ... فترصن إجلالاً له وتوقر
وتشتاق عينيه الكرى وتخافه=فيأتي إلى الأجفان وهو مغرر ومن مليح الوصف بالخوف:
مخوف والصوارم لم تجرد ... ولا أخلت مرابطها الخيول
ويكسو الصبح من نقع خضابا ... كليل والنصول به نصول
وكتب إليه أبو بكر أيضاً:
إني لممن إن دعاه لنصرة ... يوما بساطا حجة وجلاد
أذكيت دونك للعدى حدق القنا ... وصمت عنك بألسن الأعماد
وهذا من أجزل عبارة، وأجود استعارة. ولله مهيار حيث يقول:
وهل تخفى المقاتل وهي بيض ... على مقل الذوابل وهي زرق
وقد أكثر الناس من الكناية عن السيوف، ومن مليح ما جاء في ذلك قول أبي تمام يصف سحابة:
سيقت ببرق ضرم الزناد ... كأنه ضمائر الأغماد
وهذا مما جعل منه الفرع أصلا؛ لأن المعتاد أن تشبه السيوف بالبروق، فتكون البروق أصلاً لأنها مشبه بها، وتكون السيوف فرعا لأنها مشبهة، فقلب مبالغة. وقال أبو الطيب: وأترك الغيث في غمدي وأنتجع فأما الأعشى النحوي فجعله جدولاً فقال:
ملك إذا ادرع الدلاص حسبته ... لبس الغدير وسل منه جدولا
ومثله قول محمد بن البين:
وجلوا ظلام الليل بالصبح الذي ... قسموه بين جيادهم أوضاحا
وأتوا بغدران المياه جوامدا ... قد فصلوها ملبسا وسلاحا
وقول محمد بن عثمان:
أنى يهاب ضرابهم وطعانهم ... صبا بألحاظ العيون طعين
فكأنما بيض الصفاح جداول ... وكأنما سمر الرماح غصون
وقد سماه قوم سليل الصاعقة، وسماه آخرون طبيب النفاق. وما أحسن قول الكموني:
لما التقى أسد العرين وشادن ... تحت الإزار وصارم بتار
قالت: أرى بيني وبينك ثالثا ... ولقد عهدتك بالدخيل تغار
أأمنت نشر حديثنا؟ فأجبتها ... هذا الذي تطوى به الأسرار
ومن غريب التصرف في وصفه، قول الآخر:
عقرت في سهك التراب خدودهم ... حتى ظننا أنها تتشيع
وتركت في عفر التراب رؤوسهم ... في الأرض تسجد عن سيوف تركع
وقوله أيضاً:
جعلت رؤوس القوم عرس سيوفنا ... تعصفر من أوداجهم وتطيب
إذا وعدتها البيض صادق وعدها ... بعثت لها البيض الرقاق تكذب
ومن قوله:
إذا سلبته عزمة منك غمدة ... كسته نجيعا فهو يكسى ويسلب
وإنما أخذه من قول السري:
يكسوه من دمه ثوبا ويسلبه ... ثيابه فهو كاسيه وسالبه
وأخذه السري من قول البحتري:
سلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرة فكأنهم لم يسلبوا
وقد جعلها ابن حيوس صوالج، فقال:
لك اليوم الذي شابت قرون ... به من بعد أن فنيت قرون
بحيث بنيت مرهفة المواضي ... صوالج والرؤوس لها كرين
وكرين: جمع كرة؛ لأنه يقال في جمعها كرات وكرين، ولهذا أخذ على القائل في وصف النارنج:
كأن السماء همت بالنضار ... فصاغت لنا الأرض منه أكر
وعلى أبي نواس قبله في قوله في أرجوزته:
يحدو بحقب كالأكر
(1/12)

قال ابن جني: قد أخطأ في جمع كرة على أكر، فإن كان أراد جمع أكرة وهي الحفرة، فشبه الأتن في استدارتها بالحفر المدورة؛ فقد أحال المعنى. ومن البديع قول ابن حيوس:
قدت الجحافل لم يقد معشارها ... كسرى الملوك ولا رآها تبع
قوم إذا راموا ممالك غيرهم ... حصدوا ببيض الهند ما لم يزرعوا
وقول ابن المحترق:
صيغ من الماء وصيغت له ... من لهب النيران خدان
وهذا نقل بيت ابن نباتة في وصف سكين:
ما أبصر الراؤون من قبلها ... ماء ونارا جمعا في مكان
على أن المملك قد فعل ما فعله ابن المحترق، فقال في وصف سيف مرصع: سيف تقام الحدود بحده، ويجتمع الماء والنار في غمده، ويتنازع ذوو الوصف في جوهري ترصيعه وفرنده. وقد أخذه حسن بن عبد الصمد، فقال:
فلم أر ماء قبله مترقرقا ... يخالطه ذاك اللظى المتلهب
إلا أن حسنا استعمله في الغزل وهو يصلح صفة للسيف.
ومن الشعر ما يحتمل معنيين، ولم يقصد الشاعر إلا أحدهما، كقول والبة بن الحباب في صفة الورد:
مثل الشموس طلعن في الإصان
ويصلح أن يدخل في باب الغزل.
وقول السري في شبكة صياد:
وهل يفات لحظها أو يسبق ... وكلها نواظر لا تطرق
وهذا يصلح أن يوصف به فهد، وقد نقله ابن السراج إلى وصفه فقال:
تنافس الليل فيه والنهار معا ... فقمصاه بجلباب من المقل
ومن محاسن هذه القصيدة:
يقصر الغيث عن آثار جودكم ... فحمرة البرق في قطريه كالخجل
وقد استعمل غيره هذا المعنى فقال:
يجود بالماء غيث الأفق منقطعا ... وغيث كفك بالأموال متصل
جارى نداك فلم يظفر ببغيته ... فذلك البرق في حافاته خجل
ثم أتى بزيادة على ذلك فقال من أخرى:
منعت مكارمه رويته ... فنداه طول الدهر مرتجل
جارت نداه السحب فارتجعت ... عنه ووابل ودقها وشل
فالرعد في أثنائها ضجر ... والبرق في أرجائها خجل
وقال:
قد قلت إذ قالوا: يداه سحابة ... سحبت ذيول مجلجل هطال
لا تضربوا مثلا له في جوده ... فحقيقة الأمثال للأمثال
وأبلغ من هذا قول الآخر:
ضربوا لك الأمثال في أشعارهم ... لكنني بك أضرب الأمثالا
فأما ما تقدم من وصف السيف بالماء والنار فقد نقل وبولغ فيه.
أنشدني ابن مكنسة قوله في الخمر من أبيات:
أيام عودك مطلول بوابلها ... والدهر في عقله من مسها خبل
تنزو إذا قرعتها كف مازجها ... كأنما نارها بالماء تشتعل
وقوله في وصف كأس:
وخضيبة بالراح يج ... لوها عليك خضيب راح
ما زال يقدح نارها ... في الكأس بالماء القراح
وقوله من أبيات:
كلما سلط المزا ... ج على نارها اشتعل
وهو من قول الآخر:
كم جوى مثله رسم مثل ... ودم قد طل أثناء طلل
وأدرنا لهبا في ذهب ... كلما أخمد بالماء اشتعل
وكأن مأخوذ من قول البحتري:
كل جون إذا التقى البرق فيه ... لمعت للعيون بالماء ناره
وقال محمد بن عيسى يصف أبياتا بعث بها بعض الملوك إليه:
بعثت بها يا واحد الدهر قطعة ... هي الماء إلا أنها تتلهب
فجئت بها في الحسن ورقاء أيكة ... ولكنها في العدم عنقاء مغرب
ومن مليح ما وصف به الشعر قول الآخر:
وقواف ليست تفارق مغنا ... ك على أنها تجوب البلادا
وقبيح أن أدعى الفضل فيها ... بعد أن أنطقت علا الجمادا
وكتب إليه أبو بكر في يوم غيم وقد احتجب:
تجهم وجه الأفق واعتلت النفس ... بأن لم يلح للعين أنت ولا الشمس
فإن كان هذا منكما عن توافق ... وضمكما أنس فيهنيكما العرس
وقال ابن خلصة:
ملك تملك حر الحمد، لا يده ... نالت بظلم ولا مالت إلى بخل
لم تدر قبلك عين أنها بصرت ... بالغيث والليث والرئبال في رجل
يغرهم بك ... والآمال كاذبة

ما جمعوا لك من خيل ومن خول
فأما قوله: لا يده نالت بظلم؛ فقد زاد الآخر فيه زيادة حسنة:
إذا هو ذاد الظلم عنا بعدله ... غدا ماله في كفه متظلما
يرى الذنب أن تسطو يداه بمذنب ... ويعتد جرما أن يعاقب مجرما
وقوله أيضاً:
(1/13)

تظلم ما تحويه فيك فلم يغث ... وقد جعلت في راحتيك المظالم
ومن عجب أن تظلم المال وحده ... ولم يبق في أيامك الغر ظالم
وقوله أيضاً:
يا عادلا في كل ما هو فاعل ... ما بال كفك في اللهى لا تعدل؟
تبقى أحاديث القتيل بسيفه ... فكأنما يحيي به من يقتل
وهذا البيت من قول ابن نباتة:
تبقى بهم أخبار من غلبوا ... فكأنهم أحيوا وقد قتلوا
وقال أبو الطيب:
وأن دما أجريته بك فاخر ... وأن فؤادا رعته لك حامد
وقال مهيار:
ويستطيل القرن لاقى الردى ... بهم وما في الموت من طائل
ويشرف السيف بما شامه ... ويفخر المقتول بالقاتل
ومن باب ظلم المال قول الآخر وذكر الخيل:
ما أوردوها قط إلا أصدرت ... جرحى الصدور سليمة الأكفال
وإذا انجلت عنهم دياجير الوغى ... عدلوا بفتكهم إلى الأموال
ووصفه الخيل من قول الرضي: (فُجعت بمنصلت) يعرف للقنا=أعناقها ويحصن الأكفالا وهو مأخوذ من قول الببغاء:
يلقى الطعان بصدر منه ليس له ... ظهر وهادي جواد ماله كفل
وقال محمد بن عثمان في وصف قصر، وهو بصفات مباني مولانا أليق، وأرجه في أرجائها أعطر وأعبق:
هو جنة الدنيا تبوأ نزلها ... ملك جبلته التقى والدين
راسٍ بحيث النون إلا أنه ... سام فقبته بحيث النون
فكأنما الرحمن عجله له ... ليرى بما قد كان ما سيكون
وكأن بانيه سنمار فما ... يعدوه تحسين ولا تحصين
وجزاؤه فيه خلاف جزائه ... شتان ما الإحياء والتحيين
ومحمد بن عثمان من المكثرين المبدعين، والمتصرفين التوسعين، ومن مليح تشبيهاته:
والسمر من قلب القلوب مواتح ... وكأنها موصولة الأشطان
والنبل في حلق الدلاص كأنها ... وبل الحيا في مائج الغدران
وقوله أيضاً:
وفويق ذاك الماء من شهب القنا ... حبب ومن خضر الصوارم عرمض
أهواهم وإن استمر قلاهم ... ومن العجائب أن يحب المبغض
وقوله في وصف هام المصلين:
وقد تلم بها الغربان واقعة ... كأنها فوق مخلوقاتها لم
وقال:
تكاد تغنى إذا شاهدت معتركا ... عن أن يسل حسام أو يراق دم
وما اجتدى الموت نفساً (من نفوسهم) ... إلا وسيفك كعب الجود أو هرم
وهذا من القول المعجب، والنظم المطرب، والبيت الأول قول مهيار:
ألق السلاح فقد غنيت سعادة ... عن حمله واضرب بجدك واطعن
وإذا أردت بأن تفل كتيبة ... لاقيتها فتسم فيها واكتن
وقال الآخر:
أدل بجمعه فكفاك جد ... يفل سعوده الجيش اللهاما
ضربناه بذكرك وهو لفظ ... فكان القلب واليد والحساما
وقال:
وما خيلاء الخيل فيها سجية ... ولكنها لما امتطيت توائه
فنصرك أيا ما سلكت مساير ... وفتحك أيا ما اتجهت مواجه
وقال في وصف هذه القصيدة:
ففي أنفس الحساد منها هزاهز ... وفي ألسن النقاد منها زهازه
وهذا من العكس الذي يطرب له السامع، وتقل فيه المطالع، ومن بديعه قول ابن جاخ:
وتحت البراقع مقلوبها ... تدب على ورد خد ند
تسالم من وطئت خده ... وتلسع قلب الشجي الأبعد
وللنيلي أحد شعراء اليتيمة:
إذا دهاك الوداع فاصبر ... ولا يروعنك البعاد
وانتظر العود عن قريب ... فإن قلب الوداع عادوا
وقد أخذه ابن أبي وهب فقال:
قالوا تدانيت من وداعهم ... ولم نر الصبر عنك مغلوبا
فقلت للعلم إنني بغد ... أسمع لفظ الوداع مقلوبا
ومن ضروب العكس قول البحتري:
ولم ير يوما قادرا غير صافح ... ولا صافحا عن زلة غير قادر
وقول الآخر - وهو على دولاب -:
عبدك يا عبدون في نعمة ... صافية أذيالها ضافية
نديمتي جارية ساقية ... ونزهتي ساقية جارية
وعلى ذكر الدولاب فلم أسمع فيه أحسن من قول السلامي
وكأنما الدولاب ضل طريقه ... فتراه ليس يزول وهو يطوف
وقال أبو الطيب سالكاً مذهب البحتري:
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
وقال ابن حيوس:
(1/14)

إذا طلب العلياء لم يهنه الكرى ... وإن طلب الأعداء لم ينهه الزجر
ثغور العدا إن رمتموهن كالفلا ... وكل فلاة رمتم منعها ثغر
ومن بديع القلب، ونوعه الغريب الصعب أن يقرأ الكلام من آخره كما يقرأ من أوله، كقوله عز وجل: (كل في فلك) وكقولهم: سر فلا كبا بك الفرس. وقد جاء ذلك منظوما قال:
بلغت بلاغتنا مدى ... دم أنت غالب تغلب
ومثله قول الآخر:
أراهن ناد منه ليس لهو ... وهل ليلهن مدان نهارا
وقول الآخر:
قال بكر للمرادي ... دارم للركب لاق
وذكر أبو محمد القاسم بن علي الحريري البصري من هذا الباب: لم أخامل. كبر رجاء أجر ربك. سكت كل من نم لك تكس.
ومن المنظوم:
أس أرملا إذا عرا ... وارع إذا المرء أسا
أسند أخا نباهة ... ابن إخاء دنسا
اسل جناب غاشم ... مشاغب إن جلسا
وقال محمد يصف سماطا:
سمت السوام به الحمام كأنما ... أخذت بشأن من ذوي الشنآن
وتبعتها ذات الجناح كأنما ... فعلت جناحا قبل في الطيران
حتى غدا حمل السماء ونسرها ... حذرين مما حل بالحملان
نار بأرجاء المدينة سقطها ... مزر ببيت النار في أرجان
فلو المجوس تجوس حول ديارنا ... أمت لديك عبادة النيران
وقال:
فلا دولة إلا إليك نزاعها ... وما زال يطوى عن سواك لها كشح
إذا خيف أن تشتد شوكة مارق ... فلا رأي إلا ما رأى السيف والرمح
وقال حسان بن المصيصي:
ملك يظل ثرانا عنده قبلا ... فذو الغواية منا مثل عابدنا
نسقى ونسجد إجلالا لهيبته ... فنحن نشرب خسرا في مساجدنا
وقال:
مليك إن دعته الحرب يوما ... لما تعنو لهيبته الأسود
قسا قلبا وسن عليه درعا ... فباطنه وظاهره حديد
وقال مسعود بن محسن:
مليك تحلم الآمال فيما ... حواه من الطريف أو التلاد
وتزدحم المطامع في نداه ... لأن عليه أرزاق العباد
وقد أحسن الآخر في قوله:
إن غاض صوب الحيا فاضت أنامله ... جودا وروضت الدنيا مكارمه
يصرف الأمر في الآفاق خاتمه ... ويصبح الدهر طوعا وهو خادمه
وقال مسعود أيضاً:
وإنا إذا الأرواح ذابت مخافة ... متحنا بأشطان الرماح وكاياها
متى ما أردنا أن يذاق حديدنا ... خلقنا بحد المشرفية أفواها
وهذا من باب قول ابن نباتة:
خلقنا بأطراف القنا لظهورهم ... عيوناً لها وقع السيوف حواجب
ومسعود هذا مقل في شعره، محسن مطرب بغزله مفتن فمن ذلك قوله:
غزال يكون الفهد طوع يمينه ... ولم نر ظبيا قط مستخدما فهدا
ومن أعجب الأشياء أن بات آمنا ... من الثأر فينا وهو يقتلنا عمدا
وقوله:
حوراء تقتل من رمته بطرفها ... فكأن سهم لحاظها مسموم
وتصيب أسهمها وليس يرى دم ... فالقتل منها ظاهر مكتوم
وتكاد تسكر بالحديث لأنه ... عصرت بحيث يمر فيه كروم
وقال محمد بن عيسى:
وضحت به العليا فمنهج قصدها ... منه إلى ظهر المجرة مهيع
يندى عليك وأنت منه خائف ... وكذاك لج البحر مغن مفزع
وهذا من قول الآخر: هو البحر فيه الغنى والغرق على أن محمد بن عيسى قد ذكر هذا المعنى في موضع آخر، واحتاط للمدوح، فقال وأحسن:
براحته بحر محيط مسخر ... يفاد الغنى فيه ولا يذعر الركب
والذي دعاه إلى البيت العيني قوله بعده:
فأشد ما تلقاه عند ليانه ... وكذا الأرق من الحسام الأقطع
وقال:
تخللت حتى غابة الأسد الورد ... وأنزلت حتى ساكن الأبلق الفرد
وجردت دون الدين سيفك فانثنى ... من النصر في حلي من الدين في غمد
لقد ضم أمر الملك حتى كأنه ... نطاق بخصر أو سوار على زند
يغيثك في محل يغيثك في ردى ... يروعك في روع، يروقك في برد
جمال وإجمال وسبق وصولة ... كشمس الضحى، كالمزن، كالبرق، كالرعد
ومثل هذا التركيب، وعلى حكمه في الترتيب، قول محمد بن أبي سعيد:
جاور عليا ولا تحفل بحادثة ... إذا ادرعت فلا تسأل عن الأسل
(1/15)

سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ... ملء المسامع والأفواه والمقل
وقال محمد بن عيسى أيضاً:
ملك غدا الرزق مبعوثا ... وظل يجري على أحكامه القدر
يا من قضى الله أن الأرض يملكها ... عجل ففي كل قطر أنت منتظر
وقال:
يهوى قناتك قلب من لم تهوه ... فيكاد فوق سنانها يتقلب
أنت النهار فليس دونك نجعة ... والليل أنت فليس دونك مهرب
وفي هذا بيت النابغة وزيادة لأنه قال:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقد أجاد ابن أبي الفرات في قوله:
كأن فجاج الأرض كفاك إن يسر ... بها مجرم ضمت عليه الأناملا
فأين يفر المرء عنك بجرمه ... إذا كان يطوي في يديك المراحلا؟
وقال:
يجري النهار إلى رضاك وليله ... وكلاهما متعاقب لا يسأم
فكأنما الإصباح تحتك أشقر ... وكأنما الإظلام تحت أدهم
والخيل كانت تستريح من السرى ... لو لم يكن فوق البسيطة مجرم
تهوى قناك الطير فهي وراءها ... تهوي لتبصر حيث تطعن تطعم
بلغت إلى السمع الأصم صفاتهم ... وأبان فيهن اللسان الأعجم
قوله: تهوى قناك الطير هو المعنى الذي سبق الأفوه الأودي إليه، واتبع جماعة من الشعراء تمثيله فيه واحتذوا عليه. ومن المشهور في ذلك ما جاء للنابغة، ومسلم، وأبي نواس، وأبي تمام وغيرهم، ومن مليح ما أعرفه فيه قول مروان بن أبي الجنوب:
لا تشبع الطير إلا في وقائعه ... فأينما سار سارت خلقه زمرا
عوارفا أنه في كل معترك ... لا يغمد السيف حتى يكثر الجزرا
وقول الآخر:
ولست ترى الطير الحوائم وقعا ... من الأرض إلا حيث كان مواقعا
وقول عبيد الله بن قيس:
والطير إن سار سارت خلف موكبه ... عوارفا أنه يسطو فيقريها
وقول ابن نباتة:
إذا حومت فوق الجموع عقابه ... تباشر عقبان بها ونسور
حواجل أو ربد الظهور قشاعم ... قوانصها للدارعين قبور
وقول الآخر:
كأن النسور نافست فيهم الثرى ... فقد حصلت أجسامهم في الحواصل
وقوله:
وتطايرت في الجوار رزق أجادل ... طلبت مطاعمها وزرق نصال
وقول الآخر:
عتادهم خطية قد تكفلت ... برزق نسور حوم وخوامع
وقوله أيضاً:
فإن تك أسرى عفت البيض عنهم ... فمن بعد أن عافت ضباع وأنسر
والبديع كل البديع قول أبي الطيب:
يطمع الطير فيهم طول أكلهم ... حتى تكاد على أحيائهم تقع
وقال:
سألت أخاه البحر عنه فقال لي ... شقيقي إلا أنه الساكن العذب
لنا ديمتا ماء ومال فديمتي ... تماسك أحياناً وديمته سكب
إذا نشأت مالية فله الندى ... وإن نشأت مائية فلي السحب
أقلوا عليه من سماع صفاته ... فإني لأخشى أن يداخله عجب
غفرت ذنوب الدهر لما لقيته ... ودهر به ألقاه ليس له ذنب
وأبلغ من هذا قول مهيار:
وما ذممت زماني في معاتبة ... وحجتي بك إلا وهو يخصمني
وقال محمد بن عبادة، فاستعمل أسلوباً غريبا، وركب تركيبا غريبا عجيبا، لأنه خلط بمديحه غزلا وتشبيها:
نفى الحب عن مقلتي الكرى ... كما قد نفى عن يدي العدم
فقد قرَّ حبك في خاطري ... كما قرَّ في راحتيه الكرم
وفر سلوك عن فكرتي ... كما فر عن عريضه كل ذم
فحبي ومفخره باقيان ... فلا يذهبان بطول القدم
وقد شاب قولي بذكري له ... مديح أجل ملوك الأمم
وقال ابن مطرف:
يرى العواقب في أثناء فكرته ... كأن أفكاره بالغيب كهان
لا طرفة منه إلا تحتها عمل ... كالدهر لا دورة إلا لها شان
وقال عبد الحميد بن عبد الحميد:
أرح متن المهند والجواد ... فقد تعبا بجدك في الجهاد
قضيت بعزمة حق العوالي ... فقض براحة حق الجياد
وقال جعفر بن محمد:
وعصرك مثل زمان الربي ... ع لا تهجر الشمس فيه الحمل
تسامت علاك سمو النجوم ... وسارت أياديك سير المثل
وقال آخر:
لعزك ذلت ملوك البشر ... وعفرت تيجانهم في العفر
وأنت ملوك إذا شاجروا ... أظلتهم من قناهم شجر
(1/16)

بدور تجرد سيف الندى ... وتغمده في رؤوس البدر
وقال مصعب بن محمد:
مليك يجر الجيش جما عديده ... لأرض الأعادي زائر متعبد
يزعزع أقطار البلاد كأنما ... تحم به الأرض الفضاء فترعد
وقال:
إلى ملك لو لم أحل قلائدي ... به لم أكن من جوهر الفضل حاليا
ألا إنني لما عددتك أولا ... ختمت وما استثنيت بعدك ثانيا
وهذا المقدار دال على استنباط أمثاله من هذا الأسلوب، ومسهل استخراج أنظاره من هذا الغرض المطلوب، وهاد إلى ما يجب قصده في المدح واعتماده، وباعث على ما يلزم إضماره في الوصف واعتقاده. وقد أوردنا في هذا الجزء أنموذجاً لما يجاريه من بابه، واقتصرنا عليه لتعذر استقصائه واستيعابه. والله تعالى يديم على الأمة ظل مولانا ودولته، ويثبت سلطانه ومملكته، ويجعل تراب أرضه رثما في الشفاه، وغررا في الجباه، ولا زال عفوه كعبة الخائف الجاني، وجوده غاية تسمو إليها همم الأماني، وأيامه المشرقة الزاهرة موسماً للبشائر والتهاني، ويرحم الله عبداً قال آمينا إن شاء الله عز وجل.
الحمد لله وصلى الله على سيد المرسلين محمد، وعلى آله الطاهرين، وسلم. الله حسب المملوك ونعم الوكيل.

رسالة لمح الملح
رسالة سماها لمح الملح
الحمد لله الذي كتب على نفسه الرحمة لأهل طاعته، وفرض الزلفة لمن أنضى فيها مطايا استطاعته، ووسع طرق الأعمال فيما يجازي عليه بالحسنى، ووفق المخلصين لما ينالون به شرف الحظ الأسنى، وأيدهم بروح منه، فوجب لهم الأجر الكريم، ووعدهم خلود جنات لهم فيها نعيم مقيم، (فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم) . وصلى الله على سيدنا محمد نبيه الذي أيده بعزيز نصره واختصه من الفضل بما يعجز ذوو العقول عن حصره، وأبان باصطفائه إياه عن رفيع منزلته وشريف قدره، وجعله رحيماً بالمؤمنين، رؤوفاً بالمستضعفين، وناهياً عن القنوط للجانين على أنفسهم والمسرفين، فقال تعالى على ما نطق به كتابه الكريم: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم) وعلى أخيه وابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب المشهور بالشرف الخالص، والمحبو بالمآثر والخصائص. والمجموع فيه ما تفرق في غيره من الفضائل الجمة، والمنصوص على علمه بما جاء في الحديث من كونه أقضى هذه الأمة. وعلى آلهما الأئمة الأطهار الذين تجلت بأضوائهم ظلم الشكوك، ووضحت حجتهم بهم حجة كفاتهم من العظماء والملوك، وسلم ومجد، وأجرى على أفضل ما عود. والحمد لله الذي أطلع من ملوك الأرض شموسا لا تتم المصلحة إلا بهم، وحفظ أسلافهم مذ تنقلوا أنوارا في ظهورهم، وأصلابهم، وأرشد بهم من الضلالة، وجعل آيتهم مبصرة، وأوضح المعذرة لمن كانت قوته في صفاتهم مقصرة، وحض على طاعتهم شعوب الأمم وفرقهم، وفضلهم على كافة بريته ولذلك خلقهم، وجعل هذا العصر مخصوصاً بأرفعهم لديه رتبة، وأوجبهم عنده قربة، وأكثرهم عادة في المراحم ودربة، والمجتبى لحياطة الأمة، فكم كشف غمة، وفرج كربة! مولانا الملك السيّد الأجل الأفضل أمير الجيوش سيف الإسلام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته، الذي ظهرت آياته فبهرت، واستفاضت أوصافه واشتهرت، وطمت بحار كرمه الغامر وزخرت، وتاهت به البسيطة وباهت وفخرت، وتشوقت إلى استيلائه على جميع بلاده، وألقت إليه من مهاجرة ملوكها أفلاذ أكباده؛ فازدحموا على بابه ازدحام الحسنات في أفعاله، ونال كل منهم من شرف الحباء ما لم يخطر قط على باله، فعادوا شاكرين لدهرهم، راضين عن زمانهم، وصاروا متفقين في ولائه مع اختلاف ألسنتهم وألوانهم، وما عرف الدهر محمودا إلا في جنابه المريع وظله الوارف، ولا علم اتفاق بنيه إلا في أيامه التي شملت بضروب العوارف فعلت بذلك أطواد الخلافة العلوية وسمت، وانقطعت عنها مواد الطغاة ببركته وانحسمت، وتهللت الملة الحنيفية بيمن كفالته العزيزة وابتسمت، وتشعبت الخواطر في صفات مناقبه وتوزعت وتقسمت. فلله هو من ملك أحيا من الآمال رفاتا رميما، وأبرأ من الأحوال عليلا سقيما:
وبدا الزمان به أغر محجلا ... ولقد عهدناه أغر بهيما
(1/17)

وأتى يحيط بجلاله وصف وقد عم عدله الآفاق، فساوى بين البعيد والقريب، وتأرجت الأرض بالثناء عليه فكاد النسيم يتضرع بالطيب، وحاز العزة الباذخة التي استحقها وراثة وإلهاماً، واستولى على الرتبة الشامخة التي يتعاظمها كل ملك ويتحامى:
فعلت فما يسمو إليها مرتق ... وغلت فلست ترى لها مبتاعا
فمهابته مقابلة العظمة بالخشوع والسجود، ومخافته محرمة على الأجفان لذيذ الهجوع والهجود، وفواضله الوسيعة قد طبقت جميع الأرض من السهول والنجود، وخلائقه الشريفة مزرية بالجوهر الفاخر والروض الممطور المجود، فلا سبيل إلى استيعاب أوصافه الباهرة واستقصائها، كما لا مطمع في عد كواكب السماء وإحصائها. على أن مفاخره أعلى من النجوم محلا، وأكثر منها عددا، ومكارمه أوسع من البحار الزاخرة مدى، وأغزر منها مددا، ولا اختلاف بين ذوي الفهم والتصور، ولا ارتياب عند أولي التأمل والتدبر أن الله تعالى اصطفاه ليملكه الأرض وحده، وأن ذلك مما لا يستطيع أحد إنكاره ولا جحده، لما أوتيه من القوى اللاهوتية، ومنحه من الخصائص الملكوتية. والله - عز وجل - يقضي بدوام سلطانه القاهر وخلوده، ويملأ آفاق الدنيا بجيوشه المنصورة وجنوده، حتى لا تبقى أمة من الأمم إلا وقد ذلت منه لمسترقها ومالكها، لا بقعة من الأرض إلا وقد وسمت بحوافر خيوله وسنابكها؛ ليستهم النعمة به كافة الخلق وجميع البرية، ويعلم الكافة من شريف سيرته ما لا عهد لهم بمثله في الطباع البشرية، وهو بكرمه يرفع هذا الدعاء الذي يصعد إليه ويترقى، ويجعل هذا الابتهال مستقبلا بالإجابة متلقي، ويسهل بذلك نفاذ الأقضية والأقدار، ويعجل المصلحة بتيسيره لأهل هذه الدار. بفضله وطوله وقدرته وحوله.
ولما كانت خدمة مقامه الأكرم من أنواع العبادة وأسباب الطاعة، والتوفر عليها كفريضة الحج الواجبة على ذوي القدرة والاستطاعة؛ تعين على كل مملوك أن يعتمد ذلك على حسب إمكانه، ويحرص على أدائه بقلبه ويده ولسانه، واثقاً أن المواقف الشريفة تقبل جهد المقل في خدمتها، والمقامات الكريمة ترضى قدرة المستطيع وإن قلت في مقابلة عظمتها:
ألم ترنا نهدي إلى الله ماله ... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله
فلذلك خدم المملوك بلمعة من الأدب الذي نفقت في أيام مولانا سوقه، وضحت للمتوسلين به سبيله وطريقه، وجعل خدمته مشتملة على أشياء قد عهد فيما يماثلها أن يمال إليه ويصغى، وألف فيما يجانسها أن يحافظ عليه ولا يلغى، وكان اعتماده على البدائع التي ظهرت في دولته كوامنها، وبرزت في مملكته مخبآتها ودفائنها، فإن أورد قديما فلما هو عليه من بديع المعنى وحسن السبك، وأنه مما لم يبتذله الاشتهار كما ابتذلت الرواية: قفا نبك. أو لأن فيما أورده لمحدث شبها له ومثلا، فقصد بذكره أن ينظم للمحاسن عقدا، ويجمع لها شملا، أو لأن المملوك أو من يماثله من المحدثين أغربوا فيما انتقدوه فيه، وتنبهوا منه على ما لم يسبقوا إليه، ولولا ذلك لما عرض له، ولا ألم به؛ إذ كانت خزائن مولانا قد اشتملت عليه عن معاد ذلك ومنقوله والله عز وجل يوفق المملوك لما يحظيه ويزلفه، ويسعده بارتضاء ما يخدم به ويؤلفه بمنه وكرمه.

من المحاسن العصرية في المملكة المصرية
قد خدم مجلس مولانا الملك بغرائب من المدح كان البيان بها ضنينا، وأنتج الدهر له من بدائع القول ما لم يزل ف حشاه جنينا، مما استقرت الخدم به عند حفظتها، وحصلت مصونة تحت أيدي خزنتها، من منثور يتناقل في الآفاق ويتهادى، ويحدث لسامعه طربا لم يكن لمثله معتادا:
وقواف ليست تفارق معنا ... هـ على أنها تجوب البلادا
ولولا ذلك لقصر المملوك هذا الفصل منها على الجوهر الشفاف، وأورد من الصفات الشريفة ما ينسب المفرق فيه إلى التقصير إذا نسب غيره إلى الإسراف. فهو يذكر غرراً لا يتحيز إلى فن مفرد، ويورد متخيرا يعرب عن حسن المطلب وجودة المقصد، ويفتتح ذلك بأحق الأشياء بالتقديم، وأولاها بالتشريف والتعظيم.
قال محمود بن القاضي الموفق في مولانا الملك ثبت الله دولته:
مليك تذل الحادثات لعزه ... يعيد ويبدي والليالي رواغم
فكم كربة يوم النزال تكشفت ... بحملاته وهي الغواشي الغواشم
تداركنا والمكرمات دواثر ... يصم صداها والمعالي معالم
(1/18)

تشيد بناء الحمد والمجد بيضه ... وهن لأساس الهوادي هوادم
إذا صدرت عن مورد الموت خلتها ... بأغمادها وهي العواري العوارم
رقاق الظبى تجري بأرزاق ذا الورى ... وآجالهم فهي القواسي القواسم
وكان أبو طاهر الأطفيجي العابد اقترح عليه أن يقفه على شيء من منظومه. فعمل هذه القصيدة في مدح مولانا - خلد الله ملكه - وقال فيها مخاطبا للعابد:
صحائف أعداها الشباب بصبغة ... فهل أنت ماح ما تخط المآثم
إذا قائم السيف انثنى في ملمة ... ولم يغن أغنى وحده وهو قائم
ولا يعلم المملوك شابا مدح شيخا متعبدا، وحدثا اجتدى ناسكا متزهدا بأحسن من هذا. وإذا كان الناس قد أجلبوا بقول حبيب:
يمدون من أيدٍ عواص عواصمٍ ... تصول بأسيافٍ قواضٍ قواضب
وهو بيت واحد؛ فما الظن بعدة أبيات سالمة من الضعف، بريئة من التسمج في الوصف؛ ألا إن ذلك بسعادة من خدم بها مقامه الأشرف، وإقبال من اتسعت مناقبه فغدا الخاطر يجري في ذكرها ولا يتوقف. وهذا النوع يسمى: التجنيس المركب. وقوم يسمونه: الناقص؛ لأن الحروف الأصلية في إحدى لفظتي التجنيس تنقص عن الأخرى، وقد أراد قوم جمع أقسامه فلم يحيطوا علما بها، وودوا حصر أنواعه لو أمنوا من تفرعها وتشعبها:
ولكنها صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منها أعقبت بسحائب
لأن أدباء كل وقت يحدثون من ذلك ما يقترحون له ألقابا، وعلماء كل عصر يولدون فيه ما يقصدون به تعاطيا وإغرابا. فمن مستحسن ما أتوا به تجنيس التنوين، كقوله:
أنا الذي لا ذو هوى ... ولا شجى ولا شجن
لاقى الذي لاقيت من ... محبتي فتى فتن
وفي هذا مناسبة لقول الميكالي:
ليت أجفاني به سعدت ... فترى الطرف الذي فترا
وقول الصقلي:
نهاك أهلك عني ... من أجل أهلِكِ أهلِك
وقول مجبر أحد شعراء المجلس العالي المالكي ثبت الله سلطانه:
غاروا فغار لحيني فيهم قمر ... هويته أفلا أبكي وقد أفلا
والمتقدمون يسمون هذا: تجنيس المماثلة، وقوم يعبرون عنه بتجنيس اللفظ والخط، ويجعلون قول أبى نواس في آل الربيع من أحسنه وهو:
عباس عباسٌ إذا حضر الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع
ويروى: إذا احتدم الوغى، أي اشتد حره.
والمملوك يقول: إن الأمدح أن يكون إذا اشتد الوغى بساما لا عباسا، فإن قصد بعباس رجلا مشهورا بالشجاعة فهو وجه جيد، ويكون من باب قول الآخر:
حتى كأنك يا عليُّ علي
ومن الشجعان المشهورين: عباس بن مرداس السلمي، ورآه عمر بن معدي كرب فقال: أهذا عباس بن مرداس؟ لقد كنا نفرق به صبياننا في الجاهلية. اللهم إلا أن يكون أبو نواس أراد ما جاء في الحديث من قوله عليه السلام: (ألقوا الكفار بوجوه مكفهرة) أي غلاظ، فهو وجه، فأما قول الأعشى:
إن تسد الحوص فلم تعدهم ... وعامر ساد بني عامر
فمن علماء الشعر من يجعله مجانسة؛ لأن أحدها رجل والآخر قبيلة، ومنهم من يقول بل معناهما واحد؛ لأنه قال: بني عامر، فأضاف البنين إليه، ولو قال: ساد عامرا، يعني القبيلة؛ لكان تجانسا غير مدفوع. وقد سلم ابن سعيد الحلبي من هذا التأويل في قوله:
آل غني ما لناديكم ... قد فقد الطارق والسامرا
وما لهذا البيت من عامر ... لم يبق بيتا للندى عامرا
ومما ولده المحدثون تجنيس التورية، كقول مهيار:
ومدير سيان عيناه والإب ... ريق فتكا وريقه والرحيق
والإبريق هاهنا السيف، وهو من أسمائه. قال أهل اللغة: إذا كان في السيف بريق فهو إبريق. ووجه التورية أنه لما قال: ومدير، ثم ذكر الإبريق حسن أن يعتقد فيه أنه آلة الخمر، ولما كان المعنى على السيف صار موريا عن غرضه بهذه اللفظة المشتركة. وهذا غرور في التجنيس ومثله قوله أيضاً:
فتى لا يريد المجد إلا لنفسه ... ولا المال إلا قسمة ومنائحا
ينازع أزمات الزمان بأنمل ... جوابر للأحوال تسمى جوارحا
فورّى بجوارح ضد جوابر عن الجوارح التي هي الأعضاء، وقصد ههنا الأيدي.
وقول عبد الله بن سعيد:
إذا سكنتم فقلبي زائد القلق ... وإن رقدتم فطرفي دائم الأرق
سرقت بالنوم وصلا من خيالكم ... فصار نومي مقطوعا على السرق
(1/19)

فورّى بقوله: مقطوعا الذي هو حكم السارق عن انقطاع نومه الذي هو ذهابه وعدمه.
وقول مجبر بن محمد:
فسقى محل الجزع من محل به ... غيث تدور على الربى كاساته
سفح سفحت عليه دمعي في ثرى ... كالمسك ضاع من القناة فتاته
فقد ورّى بضاع من الضياع عن ضاع من التضوع. كما قال ابن حيوس:
بمدح إذا ما ضاع في القوم نشره ... فما الند أهل أن يكون له ند
ومن مليح التورية قول عمر بن أبي ربيعة:
أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان
يعني الثريا بنت علي بن عبد لاه بن الحارث بن أمية الأصغر، وكانت نهاية في الحسن والجمال، وسهيل بن عبد الله بن عوف، وكان غاية في القبح والدمامة فمثلها بسمييهما، وأراد بعدهما وتفاوت محليهما. وكل هذا من أبيات المعاني.

في الإشارة إلى مدائح مولانا وفضائله وما ازدانت به الأرض من قصوره ومنازله
لما كان مولانا الملك - خلد الله ملكه - آية الله التي أبداها لعباده وأظهرها، ورحمته التي بعثها على بلاده ونشرها، ومعجزته الموضحة مستور الحكمة ومكنونها، وسريرته المستودعة من غامض علمه ما جعل كل آية دونها؛ فكأن البسيطة ما سطحت إلا لتجول فيها عساكره، وكأن البرية ما خلقت إلا لتنفذ فيها أوامره؛ وجب أن لا تخلو الدنيا من آثاره التي تمجيدها حتم، وتعظيمها فرض، وأن يدوم على هذه الخليقة بهاء المباهاة بها ما دامت السموات والأرض. وهذه الآثار التي انبعث شعاعها من فلك مملكته، وانبسطت أنوارها في آفاق دولته تنقسم إلى قسمين: أحدهما ما يتميز السمع بشريف ذكره، ويتشنف بنفيس جوهره وثمين دره، وهو الإخبار عن غامر عدله، والإبانة عن شامل فضله، والوصف لمواقفه التي كشفت الأعداء فيها وثباته، الذكر لسيرته التي بهر البشر تماديه عليها وثباته. وجميع هذه المناقب قد ثبت في اللوح المحفوظ، وتداولته الألسن فكله من الملفوظ غير الملفوظ، فما تترقى همة الإخلال إلى دراسته وتلاوته، ولا تتسلط السآمة على عذوبته في الأفواه وحلاوته، فقد أمن راويه من تطرق النسيان عليه والسهو، ونال من فضيلة إيراده ما أقام عذره في الخيلاء والزهو. والقسم الثاني ما وقع على حسنه الإجماع، وتنافست الأبصار فيه والأسماع، واكتست به الدنيا أفخر زينة، واستخف الافتتان ببهجته الألباب الرزينة، من المباني التي غدت على صدر الأرض وشاحاً، وأظهرت في محياها غرراً وأوضاحاً، وألبست جيدها عقداً، ومفرقها تاجاً، واستوقفت الأبصار على بدائعها فلم تستطع عنها معاجا. وهذه موهبة قد جمعت بين فضيلتي ملوك العرب والعجم، واختص مولانا من شرفها بما لم ينله أحد في سالف الأمم، وذلك أن المحافظة على بقاء الذكر أمر قسمه الله بين أنبيائه الذين بعثهم وأرسلهم، وبين ملوك أرضه الذين اصطفاهم تعالى وفضلهم. أما الأنبياء فذكرهم باق ببقاء مللهم، وأما الملوك فبما اقتضته أحوالهم في ممالكهم ودولهم. فملوك العرب يعتمدون على تدوين مآثرهم بالفصاحة والبيان، وملوك العجم يعولون على إتقان العمارة وتشييد البنيان. وكل يعتقد أنه قد احتاط للذكر بما يضمن بقاءه سرمدا، ويجعل تناقله أمرا دائما لا ينتهي إلى مدى. ومولانا - خلد الله ملكه - فقد حاز ما لم يحرزه أحد من النوعين، وجمع منهما ما يبقى على الأبد لذة للسمع وقرة للعين؛ لأنه قد خدم من النظم والنثر بما لم يفز بمثله مخلوق، واستكثر من سمة الأرض بمنازله التي لكل منها من أنواره عيوق. وقد اشتملت بغير شك على المحاسن الملوكية، والصور الأرضية والفلكية، وحوت الغرائب من اجتماع الحيوان المتضاد من غير عدوى، والتسوية بينه في أهب الذهب تبرعا بالعطاء والجدوى، وأنى يكون اعتداء في أعمال مملكته فضلا عن قصوره، أو اجتراء لأحد بحضرته؟ والمهابة تقضي بعجزه عن ذلك وقصوره، وقد وصفها شعراء مجلسه العالي فيما صنعوه، وتنوعوا في ذكر ما خدموا به من ذلك ورفعوه، وعمل منه ما لم يشمله شرف العرض بالمقام العالي، ثبت الله سلطانه. فمما يرويه المملوك من ذلك قول محمود القاضي الموفق، ووصف التاج:
إن البسيطة قد أعدت شبابها ... حتى بدت وكأنها لم تهرم
لما غدت بك معصراً ألبستها ... تاجا ترصعه سعود الأنجم
(1/20)

وتماثلت شرفاته وصحونه ... في الحسن بين مخرم ومرخم
وأول هذه الأبيات:
هذه منازل من هويت فيمم ... وارتع وسح بربعها ديم الدم
عجنا فمن صب بصب دموعه ... ذربٍ ومن متعملٍ متعلم
غراء يجحد لحظها بسقامه ... قتلى فتخبر عن دمي بالعندم
شعل الهوى طرفي وقلبي إذ بدت ... يوم النوى بتأمل وتألم
منها:
من كل طلق الوجه إن شهد الوغى ... لقي العدى بتهجم وتجهم
ولمجبر أحد شعراء مجلس مولانا - خلد الله سلطانه _في وصف فوارة في المباني الشريفة على ما أوجبه تخيله، واقتضاه توهمه وتمثله؛ لأنه أدركها بنظره، ولا أجال فيها حاسة بصره:
وفوارة يستمد السحا ... ب من فضل أخلافها المحتلب
رأت جمرة القيظ محمرة ... لها شرر كرجوم الشهب
فظلت بها الأرض تسقي السما ... ء خوفا على الجو أن يلتهب
وهذا من قول الآخر في وصفها: أمطرت الأرض بها السماء ومن المستحسن في ذلك ما أتى به علي بن الجهم في قوله:
وفوارة ثأرها في السماء ... فليست تقصر عن ثارها
ترد على المزن ما أسبلت ... على الأرض من صوب مدرارها
والذي صنعه الشعراء في هذا الباب هو مستقر في الخزائن المعمورة مغن عن التوسع فيه؛ لاسيما وهذه الخدمة لمحة، والذي أورد فيها على وجه الإشارة.
(1/21)

ومن غير ذلك من الحكايات التي يتناقلها الناس ويتداولونها، ويستكثرون بلاغتها ويستعظمونها على أنها مطلع يقتضي ما يجيء بعده، وابتداء لا عذر للإعجاب أن يكتفي به فيقف عنده ما تضمنه كتاب الوزراء والكتاب لابن عبدوس من أن فتى قدم على عمرو بن مسعدة متوسلا إليه بالبلاغة، وأن عمروا امتحنه فرمى إليه كتاب صاحب البريد في بعض النواحي يخبر أن بقرة ولدت غلاما، وقال له: اكتب في هذا المعنى، فكتب: الحمد لله خالق الأنام في بطون الأنعام. فلما رأى عمرو ذلك جذب ما كتبه من يده، وأحسن إليه، وأعاده إلى بلده. وما علم المملوك أحدا تمم هذه البداية المستحسنة، ولا تعرض لتكميلها في مدة ثلاث مئة سنة، فاستيقظ لاستدراك ما تركه المتقدمون وأغفلوه، وتنبه على استئناف ما أخلوا به وأهملوه، إذ كانت أيام مولانا مكملة كل ناقص من جميع الفنون، ومخصوصة من الفضائل بما يوفي على الأوهام والظنون. وأنشأ في ذلك ما العادة جارية أن يقرأ مثله على الناس وهو: الحمد لله خالق الأنام في بطون الأنعام، ومصورهم بحكمته فيما يشاء من الأرحام، ومخرج الناطق من الصامت مع اختلاف الأشكال، وتباين الأجسام، إبانة عن باهر آيته فيما ابتدع وإظهارا لما استحال في العادات وامتنع؛ ليدل على أن قدرته أبعد غاية مما يتخيله الفكر ويتوهمه، وأن مصنوعاته شواهد وحدانيته لمن يتبين معجزها ويتفهمه. ويحمده أمير المؤمنين على ما اختص به أيامه من بدائع مخلوقاته، ويشكره على غرائب صنعه التي أضحت من دلائل فضله وعلاماته؛ إذ كان - جل وعلا - قد جعل آياته موقوفة على أزمنة أصفيائه، ومعجزاته مقصورة على عصور أنبيائه وأوليائه، على أن لديه من خليله وفتاه، وصفيه الذي أوجه السعد نحوه وأتاه، السيّد الأجل الأفضل أمير الجيوش سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته، الذي اكتسى الدين بنصرته ثوب الشباب والبهجة، واقترنت المبالغة في صفاته بقول الحق وصدق اللهجة؛ ملكا غدا الزمان جذلا بدولته مغتبطا، وسيدا ارتفع أن يأتي بالمكارم إلا مخترعاً لها مستنبطاً، وسلطاناً يفعل الحسنة عذراء، ويتنزه أن يفعلها عوانا، وهماماً يتأنس في العزمات بنفسه، فلا يستنجد أنصارا لها ولا أعوانا. لا جرم أن أمير المؤمنين يرفل من تدبيره في ملابس العز الفاخرة، ويتحقق أن النعمة به في الدنيا برهان ما أعد له في الدار الآخرة، ويرغب إليه في الصلاة على جده محمد سيد ولد آدم، وأشرف من كل من سلف وقته وتقادم، والمبعوث بشيرا ونذيرا إلى كافة البشر، والمخصوص تسبيح الحصى، وحنين الجذع، وانشقاق القمر، صلّى الله عليه وعلى أخيه وابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، مستودع سره، ومنتهى علمه ومقره، ومن قاتل الجن فسقوا بعضبه كأس المنون، وردت له الشمس كما ردت من قبله ليوشع بن نون، وعلى آلهما الهداة الأئمة الذين زالت بإرشادهم كل شبهة وغمة، ونسخت بأنوارهم ظلم الشكوك المدلهمة، وتنقلت فيهم سيادة هذا العالم، وسيادة هذه الأمة، وسلم عليهم أجمعين تسليما، وزادهم تشريفا وتكريما وتعظيما. وإن أمير المؤمنين إذا تأمل ما ينشئه الله تعالى ويبدعه، وتدبر ما يبدئه سبحانه ويخترعه؛ وجد من غرائب الفعل، وغوامض القدرة، وعجائب الصنع، وسرائر الفطرة؛ ما يبعث على الضراعة له والخشوع، ويدعو إلى الاستكانة لعظمته والخضوع، ويقتاد كل ذي لب وتصور، ويضطر كل ذي عقل وتفكر إلى صحة العلم بأنه الله الذي لا إله إلا هو، الواحد لا من حساب عاد والقاهر بلا مدافع لأمره ولا راد، والرازق المنشئ المقدر، والخالق البارئ المصور، مخرج العالم من العدم إلى الوجود، وفاطر النسم على غير المثال المعهود، والدال على حكمته بإتقان ذلك وإحسان تركيبه، ومصرف الأقدار فيما تحدثه قدرته النافذة وتأتي به. وهذا برهان أمير المؤمنين فيما هو لهج به من الذكر والتوحيد، وحجته فيما هو متوفر عليه من مواصلة التحميد والتمجيد، والله عز وجل يضاعف له ثواب المجتهدين، وينيله الزلفة بما يعينه عليه من إعزاز الدين. وإنه عرض بحضرة أمير المؤمنين كتاب متولي البريد، يتضمن أمراً أبان عن العظمة القاهرة، وأعرب عن المعجزة الباهرة، يتضمن أمرا أبان عن العظمة القاهرة، وأعرب عن المعجزة الباهرة وأوضح
(1/22)

المعذرة لمن يعتقده من شرائط الساهرة. وذلك أنه أنهى ن بقرة جرت حالها على غير القياس، فنتجت حيوانا على هيئة الناس، وفي هذا مخالفة المنتوج جنس الناتج، وذلك مما يضلل الفهم ويستوقفه؛ إذ كان مما تنكره العقول ولا تعرفه. وهذا من الإنذارات المنبهة الموقظة، والإبداعات التي تضمنت بالغ الموعظة، وفيها تحذير لمن تمادى على الآثام والمعاصي، وتذكير ليوم يؤخذ المجرمون فيه بالأقدام والنواصي. فتأملوا معشر المسلمين - رحمكم الله - هذه الحادثة وما اشتملت عليه من الوعيد، وتدبروا ما خطب به لسان التخويف فيها مسمعا للقريب والبعيد، (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) وبادروا - وفقكم الله - إلى الدعاء والابتهال، واعملوا بما ندبتم إليه من صالح الأعمال، وأقلعوا عما كنتم تمسون عليه من الخطايا وتصبحون، وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون، وتوسلوا عنده بتعميركم مظان الخير ومواطنه، وانتهوا إلى ما أمركم به في قوله: (وذروا ظاهر الإثم وباطنه) واعتقدوا الإخلاص في جميع ذلك وأضمروه، واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه. فهذا إذا عكفتم عليه، واجتهدتم فيه، واعتمدتم منه ما يذهب عنكم رجز الشيطان وغيه؛ حزتم من الثواب جزيلا جسيما، ونلتم في العاجلة حظا عظيما، وكنتم في الآجلة ممن قال الله فيهم تبيينا لصادق وعده وتفهما: (تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما) وقد دعاكم إيثار أمير المؤمنين إلى ما يحييكم، ونصح الله تبارك وتعالى ولرسوله فيكم، فسارعوا إلى أمره ترشدوا، وتمسكوا بهدايته توفقوا وتسعدوا. فاعلموا هذا، واعملوا به، وانتهوا إليه انتهاء من الطاعة غاية مطلوبة إن شاء الله.
من غريب الاتفاق أن أديبا أنشد المملوك بيتا لعبد الله السمطي وهو:
حار طرف تأملك ... ملك أنت أم ملك؟
فقال المملوك: هذا يليق بصفة مولانا وينبغي أن يكون ثانية:
بل تعاليت رتبة ... فلك الأرض والفلك
وكان أحد شعراء المجلس العالي - ثبت الله أيامه - ابتدأ قصيدة في ذل الوقت لما رفعت العرب رؤوسها، وسفهت نفوسها، وبطرت نعمتها، وأساءت سيرتها، فقال:
ظنوا جهادك في أعدائك الروم ... يلهيك بالشام عن قوص وإخميم
وما دروا أنك الشمس المنيرة في الس ... بع السموات والسبع الأقاليم
فاستعظم المملوك تفاوت الخاطرين في الوصف؛ واتفاقهما في الوقت. وذكر المملوك بالإجازة ما روي من أن بعض الخلفاء سأل يوما عمن ببابه من الشعراء فذكروا له، فأمر بإحضارهم، فلما صاروا بين يديه قال: قد قلت بعض بيت فهل فيكم من يكمله؟ قالوا: وما هو يا أمير المؤمنين؟ فقال: الملك لله وحده فقال أحدهم ارتجالاً: وللخليفة بعده فقال: أحسنت، فهل من زيادة؟ فقال: وللمحب إذا ما=حبيبه بات عنده فأمر له بصلة سنية.
وحكي أن أبا نواس، والعباس بن الأحنف، والحسين بن الضحاك الخليع، ومسلم بن الوليد، ويحيى بن معلى؛ خرجوا في متنزه لهم، وأدركت صلاة المغرب، فقام يحيى يصلي بهم، فنسي (الحمد) وارتج عليه في: (قل هو الله أحد) فقال أحدهم:
أكثر يحيى غلطا ... في: قل هو الله أحد
فقال الآخر:
قام يصلي ساهيا ... حتى إذا أعيا سجد
فقال الآخر:
يزحر في محرابه ... زحير حبلى بولد
فقال الآخر:
كأنما لسانه ... شد بحبل من مسد
فقال بعض المتأخرين ما جرته الحكاية، وأغفله الجماعة:
ونسي (الحمد) فما ... مرت له على خلد
فصل
بعض العصريين:
وقد كان هذا البحر ليس يجوزه ... سوى خائف من ذنبه ومخاطر
فأضحى بمن ينتاب جودك عامرا ... كأن عليه محكمات القناطر
وفيه ملامحة لقول دعبل:
وقال أناس إذ رأوا فضل مدحتي ... لعمران والنائي المكارم يمدح
أتطمع في عمران والبحر دونه؟ ... فقلت: نوال البحر يحسن يسبح
وهما يلتقيان من وجه، ويفترقان من آخر. فوجه التقائهما: أن البحر صراط بين ممدوحيهما، ووجه افتراقهما: أن أحدهما يسعى إلى النوال، والآخر يسعى النوال إليه، إلا أن قوله: محكمات القناطر، مما ملح فيه.

فصل
(1/23)

من المحدثين المجيدين محمد بن شرف، وذكر في بعض تصانيفه أنه كتب يشرح حال حاج أصابه في الطريق حر شديد، فنزل بئرا ليشرب، فسقطت فيها صاعقة، فسلم منها، ثم ركب وسار، فنزل برد أصابت رأسه منه واحدة فقتلته. وكتابه في ذلك مشهور وقد كتب المملوك في هذا المعنى: إن من نوادر العبر، وبوادر الغير؛ ما اتفق لفلان عند توجهه من الطائف، وتركه استصحاب الماء توكلا على اللطائف، فإنه لقي يوما متلهب الأوار، متضرم النار، قد فقد نعيمه، وعدم نسيمه، واستعير من لفح جهنم حره وسمومه، فاستند إلى صبره، وأوى إلى جلده، ظاناً سرعة ذاك على ما وقع في خلده، فلما اشتد القيظ، وخيف على النفوس الفيظ، وتزايد به الأوام، وتشخص له الموت الزؤام؛ جعل يتماسك ويسير، وقد تيقن أن باقي عمره قليل يسير. فبينا هو على تلك الحال، يغور تارة وينجد، وقد أعوزه من يعين وأعجزه من ينجد؛ إذا هو ببئر ساقته إليها مهلة الأجل وهدته، وقادته نحوها فسحة المدة وأدته، فلعدم الرشاء وتعذره، وإعجال الأمر له عن تثبته وتصبره؛ نزلها كارعا في مائها، وناعشا بها نفسا لم يبق غير دمائها. وإنه لكذلك إذ وقعت عليه صاعقة حبيها يصعق، ومسها يهلك ويوبق، فلقيت البئر حدتها دونه، وحالت للمشيئة بين مضرتها وبينه، ثم صعد منها بعد أن نقع غلته، وبلغ أمنيته، فسما بطرفه، واستولى على طرفه، وأعجب بحظه، وتوهم أن القدر لا يغفل عن حفظه، وتحقق أن قصود المنايا له مخطئة، وضروب الرزايا عن الوصول إليه مبطئة، وسار جذلا غير جزع ولا وجل، واثقا بالسلامة وكم من واثق خجل! فما مضت ساعة حتى نشأت غمامة جر اليوم منها ستارته، ونسخ بها ذلك التوهج ومحا آيته، وجعل جامد السماء يذوب، وماء المزن يهطل ويصوب، وأخذت الأقضية تحلل من الديم العقد، وتفوق إلى مقاتل المقتول سهام البرد، فلم يزل يأتيه أرسالاً، ويتناثر عليه يمينا وشمالا، إلى أن أصابت إحداهن منه الهامة، فأذهبت نفسه وعجلت له القيامة. فسبحان من قرب له المسافة بين منهل الاغترار ومصرع الاعتبار، ومن نجاه مما الهلكة بمثله معتادة، وأهلكه بما يحيي به أرضه ويرحم عباده. وهو المسؤول أن يسبغ علينا فضله، ولا يجعلنا بين عباده مثلة، إنه جواد يجيب داعيه، ولا يخيب راجيه.
وابن شرف من أعيان الشعراء، وأماثل البلغاء، وله أبيات يجيد فيا، ويحسن في معانيها. فمن بديع شعره قوله:
خلق كماء المزن طيب مذاقه ... والروضة الغناء طيب نسيم
كالسيف لكن فيه حلم واسع ... عمن جنى، والسيف غير حليم
كالليث إلا أنه متبرقع ... بوسامة، والليث غير وسيم
كالغيث إلا أن وابل جوده ... أبدا، وجود الغيث غير مقيم
كالدهر إلا أنه ذو رحمة، ... والدهر قاسي القلب غير رحيم
وقوله:
جفاني فواصلت الصبابة والأسى ... وبان فلم أعدم سهادا ولا دمعا
أأسر ولا أفدى، وقتل ولا أدى ... وسقم ولا أشفى، وموت ولا أنعى
وقوله:
إن تلقك الغربة في معشر ... تضافروا فيك على بغضهم
فدارهم ما دمت في دارهم ... وأرضهم ما دمت في أرضهم
وقوله في مثله:
يا ثاويا في معشر ... قد اصطلى بنارهم
فما حييت جارهم ... ففي هواهم جارهم
وأرضهم في أرضهم ... ودارهم في دارهم
وقوله في عود قينة:
سقى الله أرضا أنبتت عودك الذي ... زكت منه أغصان وطابت مغارس
تغنى عليها الطير وهي رطيبة ... وغنى عليها الناس والعود يابس
وقوله في مثله:
يا عود من أية الأشجار أنت فلا ... جفا ثراها ولا أغصانها الماء
غنى القيان عليها وهي يابسة ... بعد الحمام زمانا وهي خضراء
وقوله:
خليل النفس لا تخل الزجاجا ... إذا بحر الدجى في الجو ماجا
وجاهر في المدامة من ترائي ... فما فوق البسيطة من يداجى
إذا مريخها اتقد احمرار ... صببنا المشتري فيها مزاجا
والناس مختلفون في المزج. فمنهم من يراه فيأمر به، ومنهم من يكرهه فينهى عنه. وأحسن ما سمعه المملوك في الاعتذار عن المزج قول ابن رشيق:
ما سجها الساقي لسوء خلقها ... كيف ومن تعليمها حسن الخلق
وإنما ظن سناها لهبا ... فشجعها بالماء كيلا تحترق
وهو مما أخذه من قول عبد المحسن:
(1/24)

أتاني بها كالنار من قبل مزجها ... ومن بعده كالشمس عند غروبها
لهيب قلوب الشرب تطفا بشربها ... ويخشى على أيديهم من لهيبها
وفي كل من المقطوعين ما ليس في الآخر، فقول عبد المحسن: إن لهيب النار يطفأ بما يخشى على الأيدي لهيبه معنى لم يستوفه ابن رشيق، وقول ابن رشيق: إنه شجها تحرزا من الاحتراق زيادة على عبد المحسن.
وقد أحسن ابن رشيق أيضاً في وصف المزج بقوله:
تزأر في الكأس وهي مزبدة ... كأن حبس السقاة أغضبها
شجت مرارا كأن شاربها ... لم يستطع قتلها فعذبها
ومن غريب ما في هذه الأبيات:
وقام بالكأس بيننا قمر ... يدير ذات اليمين كوكبها
فقلت: خذها وهاتها عجلا ... فقال: لا تكثر التعتب ها
ويحتاج منشد هذا البيت عند ذكر القافية إلى إشارة المناولة، فبذلك يتم المعنى.
فأما النهي عنه فمن أحسن ما جاء فيه لمتأخر:
قدر المدامة فوق قدر الماء ... فارغب بكأسك عن سوى الأكفاء
ولفرط ما قل الخليط رفعتها ... عما يكون لها من الخلطاء
والمليح كل المليح قول مسلم:
إذا شئتما أن تسقياني مدامة ... فلا تقتلوها كل ميت محرم
خلطنا دما من كرمة بدمائنا ... فأظهر في الألوان منا الدم الدم
ولعمري إن أسرارها في الألوان فاشية، وحمرة الخدود مخبرة واشية.
ولقد أحسن الآخر في قوله:
ومقتول سكر عاش لما دعوته ... فبادر مسرورا يرى غيه رشدا
وقام تثنيه بقايا خماره ... وقد قطفت عيناه من خده وردا
لأنه جمع بين الاستعارة والتشبيه مع حسن اللفظ. وعلى ذكر العين والخد فقد أبدع ابن مكنسة في قوله:
لم أر قبل شعره ووجهه ... ليلا على صبح نهار عسعسا
والسكر في وجنته وطرفه ... يفتح وردا ويغض نرجسا
على أن من تشبيهاته التي ابتكرها قوله من أبيات في الخمر:
ما لاح وجهك يجتلى في مجلس ... إلا وجلى عنه وجها أربدا
بكر إذا افترعت أخذت شعاعها ... بيدي وقلت لأهلها هذا الردى
ومن مليح ما وصف به فعلها قول ابن وكيع:
إذا ملكت رق الحجى ساء ملكها ... له فهو منها مدة الدهر آبق
ويحكى أن رجلا ترك النبيذ، فقيل له: لم تركته وهو رسول السرور؟ فقال: إلا أنه بئس الرسول؛ يبعث إلى القلب، فيمضي إلى الرأس.
وقال آخر:
كأس إذا جليت علينا في الدجى ... ولم تبق منها غير صدغ أسود
وتظنها دارت عليك وإنما ... دارت على نوب الزمان بمرقد
ولابن شرف:
ولقد نعمت بليلة جمد الحيا ... بالأرض فيها والسماء تذوب
والكأس كاسية القميص كأنها ... لونا وقدا معصم مخضوب
مشروبة، للب شاربة، وما ... شيء سواها شارب مشروب
وقد تصرف في معنى قوله: شارب مشروب، ونقله إلى معنى آخر فقال:
وطلبت منه تكرما وظلمته ... فتعجبوا من ظالم متظلم
مثل الصلاة أردتها من حائض ... أو كالزكاة طلبتها من معدم
وهذان في أبيات منها:
لولاك ما لبس الضنى جسدي ولا ... عبس الزمان إلي بعد تبسم
غيري جَنَى وأنا المعاقب فيكم ... فكأنني سبابة المتندم
وقد أخذ معنى هذا البيت أحد شعراء العصر فقال:
فإن كان ذا غيظ فإني بنانه ... يسيل دما من عضة المتتابع
ولابن حيوس في تركيب شارب مشروب، وظالم متظلم:
فلك الفريد وقد وجدت نظامه ... ولي النظام وقد وجدت فريدا
حمد الورى لي ذا الثناء ومذهبي ... فيه فكنت الحامد المحمودا
والاختلاف في الصرف والممزوج كالاختلاف في الصبوح والغبوق، وقد أكثر الناس من الكلام فيهما، والتفضيل بينهما. ومن أحسن ما سمعه المملوك في تفضيل الغبوق على الصبوح قول بعض المتأخرين الذين اشتهروا بالعكوف على لذاتهم، وأطاعوا سلطان أغراضهم وشهواتهم؛ فإنه ذم الصبوح وكان يدمنه، واعتذر عن ذلك بما يستطيعه ويمكنه فقال: لا عذر في الصبوح لغير ملك، أو خليع منهمك؛ فالملك لا يقاس عليه لعظمته، والخليع لا يلتفت إليه لضعته، وإن كنت في هذا من الشعراء أقول ما لا أفعل، لكن فضلت أحسن القولين، ولم أجمع بين الخطأ من وجهين.
(1/25)

وقال آخر ممن جعل النهار لرقدته، والظلام لعودته: لما فني عمر الأمس، وطفئ سراج الشمس؛ لاحت بروق الثغور اللوامع، وجلجلت رعود الأوتار في المسامع، وبعث مخارق وابن جامع، فلم يزل ذلك دأبنا ما أقلع سحابنا، ولا يبس ترابنا، حتى متنا بالهجعة، وكلنا يقول بالرجعة.
وقال آخر: لما ظهرت في الأرض الزهرة، وفي السماء الزهرة، شربنا على الما، والمقبل الألمى، وأجرينا شقر الراح، حتى رأينا أشقر الصباح فكمنا في خمر النوم، عمر اليوم، ثم خلعنا عهدة الرجعة، وأعدناها جذعة.
وقال من يخالف هذا المذهب ممن يمدح الصبوح يعاتب صديقاً أتاه في الغبوق: جعلت أول أمرنا أوان سكرنا، وأدرت خمرنا وقت خمارنا، فاغرم لنا بليلك ما أتلفت من نهارنا.
وقال آخر: نمنا بنية الإصطباح، فهببنا قبل الصباح، والأصوات خشنة، والحركات زمنة، وبدر الإنس هاجع، وكوكب الأنس راجع، ثم نشط الكسلان، وانتبه الوسنان، وبرهن الأعشى وأبو نواس، على مداواة الكاس بالكاس. فكم صرع من قرن، وما طلع للشمس قرن. ومن أعجب ما وقع الاختلاف فيه ما كان الناس مجمعين على مدحه أو ذمه، فيأتي من الفصحاء من يحسن ببلاغته مخالفتهم، ويزين بعبارته مفارقتهم، كالوعد الذي جبلت النفوس على مقته، وطبعت على الاستبطاء الأوان إنجازه ووقته. كما قال الشاعر:
أتى زائرا من غير وعد وقال لي ... أجلك عن تعذيب قلبك بالوعد
فجاء من قال:
أحسنت في تأخيرها منة ... لو لم تؤخر لم تكن كامله
وكيف لا يحسن تأخيرها ... بعد يقيني أنها حاصله
وجنة الفردوس يدعى بها ... آجلة للمرء لا عاجله
في الأبيات التي تقتضي قافية لا يكاد الخاطر يتخطاها فيأتي قائلها بأخرى لا يتعرض لها الفكر ولا يتعداها، من ذلك قول علية بنت المهدي:
ومغترب بالمرج يبكي لشجوه ... وقد بان عنه المسعدون على الحب
إذا ما أتاه الركب من نحو أرضه ... تنسم يستشفي برائحة القرب
قال السابق المعري: فأنزلت (الركب) عن هذه القافية وقد كان لها موضع، ولكن (القرب) أحق به. وقول ابن نباتة:
رمته بها أهل الجبال فما دروا ... أخيل رمتها بالعدا أم سلالم
والمملوك يقول: إن الذي يمر إليه الخاطر تقفية هذا البيت بالقشاعم، فلما ارتفع إلى السلالم زاد المعنى بهجة.

في القوافي التي يتحدى بها؛ فتتعذر على ملتمسيها وطلابها
من ذلك قول ابن نيقيا البغدادي أحد شعراء الوقت:
لله أي مواقف رقت لنا ... فيها الرسائل والقلوب غلاظ
عهدي بظلك والشباب نزيله ... أيام ربعك للحسان عكاظ
فأغرب فيما اهتدى إليه من هذه القافية وجدد بها رسم سوق جاهلية عافية، وأبان بذلك عن فكر دقيق، ومغاص بعيد عميق.
وقول محمد بن عباد:
مولاي أشكو إليك داء ... أصبح قلبي به قريحا
سخطك قد زادني سقاما ... فابعث إلي الرضى مسيحا
فقوله: مسيحا، مما يضل الفكر في طلبه، ويقف الخاطر دون حفظ السياقة به. وكان بعض إخوان المملوك قد سأله كتب رقعة إلى صديق يوم غطاس يستهديه نبيذا، فكتب: جرت العادة في الغطاء بإعمال الكاس والطاس، وهذه الآلة إذا فقدت الراح، بمنزلة أجسام عدمت الأرواح، فداو بإحيائها قلبا لي جريحا، وإذا كانت عازر فكن لها مسيحا.
وقول المطوعي في الميكالي:
وطئت بي الوجناء وجنة مهمه ... متقاذف الأكناف والأرجاء
كيما ألاحظ منه في أفق العلا ... فلكا يدير كواكب العلياء
قرم يداه وقلبه ما منهما ... في النظم والإعطاء طائي
فأسكن حاتما وحبيبا في بيت، واستخرج تورية بذلك صفة الحي من الميت.
وقد أحسن المتنبي غاية الإحسان في قوله:
وتملك أنفس الثقلين طرا ... فكيف تحوز أنفسها كلاب
طلبتهم على الأمواه حتى ... تحوف أن تفتشه السحاب
والمتنبي - وإن كان مشهور الإحسان في النظم - فقد كانت له معان يجيدها في النثر. روي أنه مرض بمصر، وكان بعض أصدقائه يزوره في مرضه، فلما توجهت صحته؛ تأخر عنه، فكتب إليه: واصلتني معتلا، وقطعتني مبتلا، فإن رأيت ألا تنكد الصحة علي، ولا تحبب العلة إلي. فعلت إن شاء الله. وذكر الإقليلي أن المتنبي أنشد سيف الدولة في الميدان قصيدته التي أولها:
لكل امرئ من دهره ما تعودا
(1/26)

فلما عاد سيف الدولة إلى داره استعاده إياها، فأنشدها، وكثر الناس فقال قائل منهم يريد كيد أبي الطيب: لو أنشد قائما لأسمع، فأكثر الناس لا يسمعون، فقال أبو الطيب: أما سمعت أولها: لكل امرئ من دهره ما تعودا وهذا من مستحن الأجوبة ولو أدرك المتنبي عصر مولانا لكانت خدمته واقفا من أبهر آياته، ومثوله بين السماطين قائما من أشرف عاداته؛ إذ كان الملوك وأبناؤهم لا تسمو هممهم إلى غير الوقوف لديه، ولا يتعدى أملهم الخضوع له والانتصاب بين يديه. ولقد سعد بما يرويه مولانا من شعره سعادة لا يجهل أحد فضلها؛ فنال بعد وفاته رتبة لا تدلك الأفكار شأوها، ولا تبلغ الأوهام محلها:
تنبأ عجبا بالقريض ولو درى ... بأنك ترويه إذن لتألها
ومن القوافي التي لا يكاد يهتدي إليها قول ابن المعتز في وصف الطيور الهدى:
لقد عرفن البرج بالآيات ... يلوح للناظر من هيهات
وهيهات غاية البعد. قال الله تعالى: (هيهات هيهات لما توعدون) وقد استعملها بحيث لا تفطن القرائح لها.
وقوله في وصف فرسين يتباريان في الجري:
وكم قد غدوت على سابق ... جواد المحثة وثابها
تباريه جرداء خيفانة ... إذا كان يسبق كدنا بها
فقوله كدنا بها، من أغمض تتميم وأصعبه، وأغرب لفظ فقي هذا البيت به.
وقول محمد بن أحمد الأصبهاني:
والجو مخضر الحواشي أملس ... يبسم فيه في البرق وهو يعبس
وفيه سرج نارها لا تقبس ... بت أراعيها كأني هرمس
فقد دلت هذه القافية على بديع الصنعة، وقضت لهرمس بالمعاد والرجعة.
وعلى ذكر القوافي فروي أن هشاما الأحول قال: كنا عند الأصمعي، فأخذ في شعر عبيد الله بن قيس الرقيات، فجعل ينشد حتى قال:
عاد له من كثيرة الطرب ... فعينه بالدموع تنسجم
وإنما هي تنسكب. وقال يا فتيان أمروها على الميم. قال: فأمرها ونحن معه، يقول ونقول على الميم حتى بلغنا إلى قوله:
ما نقموا من بني أمية إل ... لا أنهم يحلمون إن غضبوا
فأراد قافية على الميم، فلم يقدر عليها.
والمملوك يقول: إن من أعجب الأشياء توقف الأصمعي خاصة في تقفية هذا البيت على الميم مع ما يروى عنه من قوله: إن الحشمة في كلام العرب بمعنى الغضب، وحكايته عنهم أن ذلك لممَّا يحشم بني فلان، أي يغضبهم، فكان يلزمه أن يقول: حشموا. على أن أحسن ما قفي به هذا البيت على الميم ما اقتضاه صدره فيقال:
ما نقموا من بني أمية إل ... لا أنهم يحلمون إن نقموا
ويقال في البيت الثاني:
وأنهم معدن الملوك فما ... تصلح إلا عليهم الأمم
ويجعل الأمم عوضا عن العرب.
وذكر ابن أبي طاهر أنه عرضت على المنصور جارية، وقيل: إنها راوية للشعر، فاستنشدها، فأنشدته شعر ابن قيس الرقيات: عاد له من كثيرة الطرب فلما بلغت إلى قوله:
ما نقموا من بني أمية إلا ...
علمت أنها قد أخطأت، فقالت: أنهم يسفهون إن غضبوا.
ثم قالت:
وأنهم أرذل الملوك فما ... تفسد إلا عليهم العرب
فقال لها: أهكذا رويت هذا الشعر؟ قالت: لا والله يا أمير المؤمنين، ولكني لما ألقي على لساني، وعلمت أني قد وحصلت غيرته إجلالا لك وصدقا في القول، فأعجبه ما رأى من فهمها، وأمر بأن تشترى.

في القوافي المتمكنة التي يصلح أن تتلو هذا الباب
من ذلك قول ابن مطرف:
يرى العواقب في أثناء فكرته ... كأن أكفاره بالغيب كهان
لا طرفة منه إلا تحتها عمل ... كالدهر لا دورة إلا لها شان
والبيت الأول - وهو المراد - من قول ابن حيوس:
وإذا امتطى سيف الخلافة عزمه ... فلدولة يبني وأخرى يهدم
وإذا نظرت إلى عواقب رأيه ... أيقنت أن ظنونه تتنجم
كما أن تركيب قول مهيار، والمراد الثاني:
صحا القلب لكن صبوة وحنين ... وأقصر إلا أن يخف قطين
وقالوا: يكون البين والمرء رابط ... حشاه بفضل الحزم؟ قلت: يكون
من قول عروة بن أذينة:
منعت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها
فدنا وقال: لعلها معذورة ... في بضع رقبتها، فقلت: لعلها
مما يتجاذبه ضدان
قالت ليلى الأخيلية:
ومخرق عنه القميص تخاله ... بين البيوت من الحياء سقيما
(1/27)

وعلماء الشعر يجعلونه من أعلى المدح، ويفسرونه بأنها أرادت أن يجذب ويتعلق به في الحاجات لجوده وسؤدده وكثرة الناس حوله.
والمملوك يقول إنه يحتمل أن يكون هجاء لو بدل على أنه مهتضم قليل العشيرة، فإذا مزقت ثيابه لم يقدر على الانتصار لذله، فيخلد إلى الحشمة والحياء، فيخال سقيما. فهذا من المدح الذي أحاله النقد إلى الذم.
ومثله قول زهير:
على مكثريهم حق من يعتريه ... وعند المقلين السماحة والبذل
وهذا مما اتفق المتقدمون على تفضيله، وأجمعوا على استحسانه وتقديمه، وقد خالفهم أحد المتأخرين، فقال: إنه - وإن قصد مدح سادة من الناس - فقد ذمهم بأنواع الذم. فأول ذلك إخباره أن فيهم مكثرين ومقلين، فلو كان مكثروهم كرماء لبذلوا لمقلهم الأموال حتى يستووا في الحال ويشبهوا الذي قال فيهم حسان:
الملحقين فقيرهم بغنيهم ... والمشفقين على الفقير المرمل
ثم فيه أن المكثرين ضيعوا القريب، ورعوا حق الغريب، وصلة الرحم أولى ما بدئ به. ومنها أن المكثرين ليس يسمحون بأكثر من الاستحقاق في قوله: من يعتريهم، ومن أعطى الحق فإنما أنصف ولم يتفضل بما وراء الإنصاف، والزيادة على الإنصاف أمدح. ثم أخبر أن المقلين - على قصور أيديهم - أكرم طباعا من مكثريهم على قدرتهم في قوله:
وعند المقلين السماحة والبذل
فالبذل مع الإقلال مدح عظيم وإيثار، والسماحة إعطاء غير اللازم، فمدح بشعره هذا من لا يحظى منه بطائل، وذم الذين يرجو منهم جزيل النائل، فأبان عن الغلط في الاختيار فقد أخرجه النقد من المدح إلى الذم.
وهذا لا يجوز التمثل به في أيام مولانا - خلد الله ملكه - لأن مكارمه لم تجعل للفقير على الأنام معاجا، وفواضله لم تغادر في لازمان مقلا ولا محتاجا. وضد ذلك مما أخرجه التأول من الذم إلى المدح قول المتنبي:
أيقنت أن سعيدا طالب بدمي ... لما بصرت به بالرمح معتقلا
وهو مما لم يتعرض لتفسيره ابن جني، وقد جعله قوم من سقطاته؛ لأنه تمنى أن يشفع الممدوح له بقوله قبل هذا البيت:
على الأمير يرى ذلي فيشفع لي ... إلى التي تركتني في الهوى مثلا
وقالوا: والشفاعة سؤال ورغبة، فإن أجيب إلى مساعدة أبي الطيب وإلا رجع إلى القهر. والمملوك يقول: إنه جعل الممدح على غاية الجمال لاسيما إذا اعتقل رمحا؛ إذ من الناس من يتضاعف حسنه في زيٍّ مخصوص، فيقول: إن هذه المعشوقة قد سفكت دمي بامتناعها علي مع غرامي بها، وإنني لما رأيت الممدوح على هذه الهيئة التي زاد بها جماله؛ أيقنت أنها تهواه، ويمتنع عليها لعفافه، فتلقى منه مثل ما لقيت منها، فيكون ذلك كأنه طلب بدمي وأخذ بثأري. ولا خلاف أن الإنسان قد يحسن على هيئة ما. فأما المعجزة التي خص الله بها مولانا فنحن نذكرها شكرا على ما منحنا من حسن نظره وأولانا؛ وذاك أنه في كل الهيئات على القضية التي ترتفع عن قضايا البشر، ويتقيد عندها مطلق اللحظة وحاسة البصر، فإن استوى على دست العظمة، واستقر على سرير المملكة رأيت الشمس والمشتري قد امتزجا واتحدا، وشاهدت ما افرده الله تعالى به مما لم يعطه أحدا، فحظه من الشمس عموم نورها واتساعه، ومن المشتري أفعاله الجميلة وطباعه، ومن مجموعهما معنى أحدثه التركيب، تتفرع شعوبه ولا تنحصر أنواعه، وإن شرع في تدبير عبيده ورعيته، ونظر في أمر سلطانه ومصالح دولته، فقد أوفى على البدر ليلة كماله وتمه، وزرى على عطارد بفضله الباهر وعلمه، وجعل الحق مضمونا في قضائه العادل وحكمه وإن تجلى في آلة الحرب، وظهر للذب، وتفريج الكرب؛ لم ترتب باجتماع الزهرة والمريخ متباريين في خدمته، ولم تشك أنهما متنافسان على ما يحظى بحضرته؛ لأن أحدهما تقرب إليه بحسن صورته وهيئته، والآخر توسل عنده بنفاذه ومضائه وهيبته. وهذه منقبة يشهد بها ما حازه من الآيات وحواه، ومعجزة لم ينلها سلطان غيره ولا خص بها ملك سواه.
مما مدح به مهيار وهو إذا أنشد مفردا احتمل الهجاء:
كأن ما قد حل من ماله ... وطاب، محظور عليه حرام
فإذا أنشد الذي قبله خلص للمدح وهو:
وجاد حتى لم يدع فضلة ... تليه للبحر ولا للغمام
فما قول الآخر:
كأني إذ دعوت بني حنيف ... دعوت بدعوتي لهم الجبالا
(1/28)

فمن قصد المدح أراد سرعة الإجابة كالصدى، ومن قصد الذم نسبهم إلى الثقل مثل الجبال.
ومن النوادر العجيبة ما حكي عن زيد الأعور الخياط من أنه خاط لسلم الخاسر قباء، وقال: قد خطته ل خياطة لا تبالي معها إذا لبسته مقلوبا كان أم مستويا من جودة عمله ودقة دروزه، فقال سلم: وأنا أقول فيك قولا لا تدع أمدح هو أم هجاء؟ وقال:
جاء من زيد قباء ... ليت عينيه سواء
فأحاجي الناس طرا ... أمديح أم هجاء؟
وهذا من قول المتنبي:
فيا بن كروس يا نصف أعمى ... وإن تفخر فيا نصف البصير
كان الشعراء قد نالوا بر الحسن بن سهل في عرس بوران ابنته إلا أبا الينبغي، فقال لأقولن ما لا يعلم أمدح هو أم هجاء؟ وقال:
بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن
يا إمام الهدى ظفر ... ت ولكن ببنت من؟
ومن الشعر الذي يحتمل معنيين ولم يقصد الشاعر إلا أحدهما قول حبيب في وصف عمورية:
بكر فما افترعتهما كف حادثة ... ولا ترقت إليها همة النوب
من عهد إسكندر أو قبل ذلك قد ... شابت نواصي الليالي وهي لم تشب
وهذا مما يصلح أن توصف به الخمر. وأبلغ ما قيل في عتقها:
تحسب من طول الحقب ... مخلوقة قبل العنب
على أن فيه إحالة بذكره المعلول قبل العلة، وقد أصلح المعنى شيئا بقوله: تحسب. وهو من الإفراط في الغلو. وقال السلامي في وصف فرس أدهم:
خاض الدماء وتحلى بالزبد ... كأنه إنسان عين في رمد
والثاني يصلح صفة لخال في خد. وقد أحسن الآخر في قوله:
وكأن خالا في صفيحة خده ... أثر الشرارة في قميص أحمر
وهو من بارع التشبيه. ولأحمد بن الشقاق:
تتنفس الصهباء في لهواته ... كتنفس الريحان في الآصال
وكأنما الخيلان في وجناته ... ساعات هجر في زمان وصال
وقال عبد المحسن في الحمام:
ومنزل أقوام إذا نزلوا به ... تشابه فيه وغده ورئيسه
وهذا مما يصلح أن يوصف به قبر. وتمام الأبيات من مستحسن ما وصف به الحمام، وهو:
يخفف كربي أن تزيد كروبه ... ويؤنس قلبي أن يقل أنيسه
إذا ما أعرت الجو طرفا تكاثرت ... عليك به أقماره وشموسه
ولبعض العصريين فيه:
أهلا بذا الحمام من منزل ... شيد لأبرار وفجار
تدخله ملتمسي لذة ... فندخل الجنة في النار
ومن الشعر الذي يتضمن نوعين من التجنيس قول ابن حيوس:
في ظل أروع إن تسأله منفسة ... يهب وإن باشر الهيجاء لم يهب
ففيه تجنيس اللفظ والخط: بيهب. وتجنيس التورية بها أيضا لأنه مدح بإيجاب وبنفي وأتى بالنفي على صيغة الموجب، وإنما ورّى به عن معنى آخر.

مما جمع المدح بالشيء وضده، وهو من ضروب التوجيه
من ذلك ما قيل في وصف عزة مولانا - خلد الله ملكه - وكرمه، ومدحه بحماية الشيء الذي على يده إراقة دمه، وهو مذهب الشعراء في امتداح ملوك العرب؛ لأنه يصفونهم بدفعهم عن النعم وذبهم، وإباحة حماها للوافدين عليهم والنازلين بهم، على أن عظمته تأبى إلا عقر البدر تنزها عن عقر البدن، كما أنه لا يقنع في القرى بدون إقطاع القرى وتسويغ المدن. والذي قيل:
يمنع السرح من تعدي الأعادي ... بطوال القنا وبتر السيوف
فهي في الخوف أمنها من مغير ... وهي في الأمن حتفها للضيوف
وهذا معنى قول ابن حيوس:
تبيت حداد البيض أوفى حتوفها ... وتضحي حجازاً دونها في المراتع
وقوله:
تتوقع الأذواد منه عاقرا ... ما زال يحمي سرحها ويذود
وقوله:
وتمنع ما تحوي لتعطيه ندى ... وغيرك لا ينفك يعطي ليمنعا
فأراد أنك تمنع إباء وعزة ما تعطيه كرما ومنحة، وغيرك يعيط ذلة ومهنة ليصون ذخيرةً وقنيةً. والأصل في هذا قوله:
لنا إبل غر يضيق بها الفضا ... ويفتر عنها أرضها وسماؤها
فمن دونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن تستذم دماؤها
حمى وقرى فالموت دون مرامها ... وأهون خطب يوم حق فناؤها
وكرر ابن حيوس هذا المعنى، فقال وأحسن:
تضحي سيوفك للبلاد مفاتحا ... فإذا فتحت جعلتها أقفالا
على أنه مأخوذ من نصف بيت لأبي تمام، وهو قوله: أصبحت مفتاح الثغور وقفلها
(1/29)

وهذا عكس ما اتفق لأبي تمام مع الكميت، لأنه أخذ معنى نصف بيت من شعره، فأورده في بيتين. قال أبو تمام:
وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد
والذي للكميت:
ولو لم تغب شمس النهار لملت
وللمعري:
السمهرية ليس يشرف قدرها ... حتى يسافر لدنها عن غابه
والعضب لا يشفي امرأ من ثأره ... إلا بفقد نجاده وقرابه
ولابن حيوس: كالمسك يزداد قدرا حين يغترب فأما قول مهيار:
ما اجتزن بالآذان كن مفاتحا ... وعلى قلوب عداكم أقفالا
فكل من بيتي حبيب وابن حيوس أصنع منه؛ وذلك أنهما جعلا الأقفال للشيء الذي كانت عليه مفاتيح، ومهيار جعل المفاتيح والأقفال لغيرين. ووصف ابن حيوس السيوف بأنها مفاتح البلاد أوقع موصف مهيار الأبيات بأنها مفاتح الآذان. وقد ذكر أبو تمام المفتاح في غير موضع من شعره، فمن ذلك قوله:
للجود باب في الأنام ولم تزل ... مذ كنت مفتاحا لذاك الباب
وقد قال بعض المعترضين عليه: أتى إلى ممدوحه نجعله مفتاحاً، فهلا قال كما قال ابن الرومي:
قبِّل أنامله فلسن أناملاً ... لكنهن مفاتح الأرزاق
فقيل له: لا تعجبن من هذا؛ فقد جعل ربه كذلك بقوله:
والله مفتاح باب المقفل الأشب
وعلى ذكر الأقفال وفتحها فقد أحسن الناشئ في قوله يصف اليويو:
مملك لنفوس الطير ينسفها ... نسفا فيقبض أجساما وأرواحا
كأنما أقفلت بالأهب أنفسها ... فكان بالكف للأقفال فتاحا
وقال ابن حيوس متصرفا في المعنى المقدم ذكره:
وبهم زلزلت بمن قارعوا الأر ... ض وهم أمنها من الزلزال
وكرره فقال:
تتزلزل الدنيا إذا غضبوا فإن ... بلغوا الرضى أمنت من الزلزال
وقال فيما يقارب هذا المعنى:
ثغور العدى إن رمتموهن كالفلا ... وكل فلاة رمتم منعها ثغر
وقال:
أخفت الآمنين سطى فلما ... عفوت غدوت أمن الخائفينا
ولأبي نصر المنازي:
لقد عرض الحمام لنا بسجع ... إذا أصغى له ركب تلاحى
شجى قلب الخلي فقال: غنى ... وبرح بالشجي فقال: ناحا
ومن مليح ما في هذه الأبيات:
ضعيف الصبر فيك وإن تقاوى ... وسكران الفؤاد وإن تصاحى
كذاك بنو الهوى سكرى صحاة ... كأحداق المها مرضى صحاحا
فأما قول ابن الرومي:
عيني لعينك حين تنظر مقتل ... لكن عينك سهم حتف مرسل
ومن العجائب أن شيئا واحدا ... هو منك سهم وهو مني مقتل
فليس من هذا الباب إلا أن فيه نوعا من مجانسته، وضربا من مناسبته، وهو من بديع ما ابتكره، وغريب ما اخترعه.
وكذلك قوله في وصف القوس:
توددت حتى لم أجد متوددا ... وأمللت أقلامي عتابا مرددا
كأني استدني بك ابن حنيةٍ ... إذا النزع أدناه من الصدر أبعدا
وقوله أيضاً فيها:
تشكي المحب وتلقى الدهر شاكية ... كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان
وقد أحسن ابن حيوس في قوله:
أرى كل معوج المودة يصطفى ... لديكم ويلقى حتفه من تقوما
حتى الناس من قبل القسي لتقتنى ... وثقف منآد القنا ليحطما
على أن صدر البيت الثاني مأخوذ من قول كشاجم في وصفها: قد قومت للرمي بالتعويج إلا أنه أحكم الأخذ والتركيب، وتصرف التصرف البديع الغريب، وقد اقتضت الأبيات في القوس ذكر الحكاية العجيبة في إتقان الصناعة في الرماية عنها، وهي أن راميين عرض لهما أسد، فقال أحدهما للآخر: اكفني عينه اليمنى أكفك اليسرى، فرمياه عن يد، فأعمياه وسلما.
ولبعض الأندلسيين:
تقوس بعد طول العمر ظهري ... وداستني الليالي أي دوس
فأمشي والعصا تمشي أمامي ... كأن قوامها وتر لقوسي
وعلى ذكر التشبيه فمن غريبه قول الآخر:
وألزمته ألحاظ طرف يحبه ... فليس بمرتد ولا بمغمض
إلى أن ثنت عيني الشمول كأنني ... ألاحظه سكرا بأجفان مبغض
من المدح الذي قلت أمثاله، وعزت أشباهه، وعدمت له النظائر، وعقمت عنه الخواطر قول حسن بن عبد الصمد:
سبقت مكارمه مواعده فلم ... يوسم بإنجاز ولا بمطال
وقاله:
(1/30)

ضنت أكفهم علا وسخت ... مالا فما كرموا ولا بخلوا
وقول الجرجاني:
ما قال لاقط مذ حلت تمائمه ... بخلا بها فوجدنا الجود في البخل
والتوصل إلى المدح بالبخل من أغرب ما نتجه خاطر.

من الأشعار الدالة على النظر في العلوم الشرعيات
عبد الله بن سعيد:
وأمست صباه تبث الحديث ... وتسند عن بانة الأجرع
وتقسم أني أهواكم ... وليس اليمين على المدعي
وهذا قول أحمد بن سلمة:
لقد جئت بابن أبي تبع ... بأم الأوابد في المجمع
حلفت بأنك من حمير ... وليس اليمين على المدعي
وقال آخر:
يا غريرا غرني ما ... ذا ترجي بصلاتك؟
أرى نسكك هذا ... خجلا من فتكاتك
كيف تجزيك صلاة ... ودمي في وجناتك
وعلى ذكر الدماء في الوجنتين فقد أجاد ابن شرف في قوله:
همت عذاراه بتقبيله ... فجردت عيناه سيفين
وقامت الحرب على ساقها ... بين أميرين قتولين
فهذه الحمرة في خده ... دماء ما بين الفريقين
وقال أيضا:
حجت إلى وجهك أبصارنا ... طائعة يا كعبة الحسن
تلثم خالا منك في وجنة ... كالحجر الأسود في الركن
وهذا من قول كشاجم:
فلم يزل خدها ركنا أطوف به ... والخال في خدها يغني عن الحجر
ولأبي نصر محمد بن الحسن:
ملكت قلبي مسترقا له ... وكان حرا غير مستعبد
سكنت فردا فيه حتى لقد ... خلتك تشكو وحشة المفرد
فلو تنازعنا إلى حاكم ... قضى لك استحقاقه باليد
ولمحمد بن عمار في مغن يكنى أبا الفضل:
غنى أبو الفضل فقلنا له: ... سبحان مخليك من الفضل
غناؤه حد على شربها ... فاشرب فأنت اليوم في حل
الخوارزمي:
مقابل بين أقلام وألوية ... مردد بين إيوان وديوان
يا ترجمان الليالي عن مقادرها ... وحجة الزمن الباقي على الفاني
طلقت بعدك مدح الناس كلهم ... فإن أراجع فإني محصن زان
وللصابي في سابور لما أعيد إلى الوزارة:
قد كنت طلقت الوزارة بعدما ... زلت بها قدم وساء صنيعها
فغدت بغيرك تستحل ضرورة ... كيما يحل إلى ذراك رجوعها
فالآن عادت ثم آلت حلفة ... ألا يبيت سواك وهو ضجيعها
أبيات الأنساب
ابن الرومي:
وكم أب قد علا بابن ذرا شرف ... كما علا برسول الله عدنان
وتخصيصه عدنان دون غره من أجداد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عمل بما جاء في الحديث من قوله عليه السلام: (لا تجاوزوا عدنان كذب النسابون) وقد كان المملوك ضمن معنى بيت ابن الرومي منشورا كتبه أوان تصرفه، وفي حين تريث الزمان عن الإساءة إليه وتوقفه، لمولاتنا السيدة الملكة والدة مولانا الإمام المستعلي بالله صلّى الله عليه لما أضيف إلى ديوانها بعض الإقطاعات الجارية الآن فيه، فقال في تشبيه: إن أولى من ارتفع محله عن متعارف المنح، وجل خطره عن متعالم المدح من ظهرت بأمير المؤمنين آيات شرفه ومجده، وعى ذروة الشرف به كما علاها عدنان بجده. وهذا من باب مدح السلف بالخلف، وضده قول مهيار؛ فإنه مدح الخلف بالسلف، ورجح المعلول على العلة، فقال:

وسيد قومه من سودوه ... بلا عصبية وبلا تحاب
وإن كان الفتى لأبيه فرعا ... فإن الغيث فخر للسحاب
ومثله قوله:
ومن بني عبد الرحيم قمر ... كل لياليه تمام سعد
كانوا الخيار وفرعت زائدا ... والنار تعلو وأبوها الزند
وقد أكثر أبو الطيب من استعمال هذا المعنى. نحو قوله:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
وقوله: فإن في الخمر معنى ليس في العنب وقوله: فإنك ماء الورد إن ذهب الورد وقوله: ولكن معدن الذهب الرغام وقوله:
لو كان سكناي فيك منقصة ... لم يكن الدر ساكن الصدف
فأما الجمع في المدح بين ذكر الآباء والأبناء فمن مليح ما جاء في ذلك قول مهيار:
وفيت لآباء تكلفت عنهم ... مناسك ما سنوا فخارا وسيروا
وجئت بمعنى زائد فكأنهم ...
وما قصروا عن غاية المجد
قصروا
وقوله:
من النفر الذين إذا استغيثوا ... رأيت بهم وساع الأرض ضيقا
(1/31)

ترى الأب بالشهادة في بنيه ... قريبا وهو قد أمسى سحيقا
وقوله:
ولهم سيوف الخلفاء التي ... تعلم الضرب يد الضارب
غادوا نجوما ووفت في ابنهم ... شهادة الطالع للغارب
وقوله:
سارت بهم أيام سؤددهم ... سير الحديث بمعجز الرسل
وأتى الوزير فكان بينة ... شهدت لهم بسلامة النقل
الإخباريات
وهي كثيرة جداً، ومن بديع ما فيها قول جعفر بن إبراهيم:
أبا جعفر مات فيك الجمال ... فأظهر خدك لبس الحداد
وقد كان ينبت زهر الربيع ... فقد صار ينبت شوك القتاد
فهل كنت في الملك من عبد شمس ... فأخنى عليك ظهور السواد؟
ومن مليح ما في هذا المعنى قول الآخر:
عابوه لما التحى فقلنا: ... عبتم وغبتم عن الجمال
هذا غزال وهل عجيب ... تولد المسك في الغزال
النحويات
ابن الحداد من قصيدة أولها:
عج بالحمى حيث الغياض الغين ... فعسى تغن لنا مهاه العين
يقول:
لا تألف الأحكام حيفا عنده ... فكأنها الأفعال والتنوين
ولآخر في رجل تزوج، فظهر أنه عنين:
كم ذكر في الورى وأنثى ... أولى من اثنين باثنتين
أرى الليالي أتت بلحن ... إذ جمعت بين ساكنين
الطبيات
من ذلك قول الزاهي:
رثى طبيبي لسقامي ومن ... أسقمني هجرانه ما رثى
وقال: هذا مرض معضل ... وربما أشفقت أن يلبثا
وهذه الصفراء قتالة ... فليته ذكر ما أنثا
وحدثني من كان معه عند عمله هذه الأبيات وأن السبب فيه إنشاد بعض الحاضرين لابن المغربي:
قال الطبيب وقد تأمل علتي ... هذا الفتى أودت به الصفراء
فعجبت منه إذ أصاب وما درى ... لفظا ومعنى ما أراد خطاء
وهذا من قول الصابي وذكر الطبيب:
فقال: شفاؤه الرمان مما ... تضمنه حشاه من العسير
فقلت لهم: أصاب بغير عمد ... ولكن ذاك رمان الصدور
وقال جعفر بن شرف:
صنم من الكافور بات معانقي ... في حجبتين: تعففٍ وتكرم
فكرت ليلة وصله في صده ... فجرت بقايا أدمعي كالعندم
فطفقت أمسح مقلتي بصدره ... إذ عادة الكافور إمساك الدم
الهندسيات
هشام بن أحمد:
قد بينت فيه الطبيعة أنها ... ببديع أعمال المهندس ماهره
عنيت بمبسمه فخطت فوقه ... بالمسك قوسا من محيط الدائرة
الفلسفيات
مجبر بن محمد يمدح مولانا، خلد الله ملكه:
شعر أرق من النسيم حواشيا ... لم ترو حوشي الكلام رواته
نظمت لشاهنشاه منه قصائد ... قصدت مدائحه بها وصفاته
فأتى بديعا في بديع أطمعت ... ألفاظه وتمنعت طرقاته
كالروح يدرك بالحقيقة فعله ... وتغيب عن أهل البصائر ذاته
وحدثني ابن مكنسة، قال: حضرت جنازة ابن الطائي المقرئ، فرأيت من إعظام الناس له - وهو محمول على نعشه - ما لم يكن له منهم في حياته، فقلت بديها:
أرى ولد الطائي أصبح يومه ... يعظمه الأقوام أكثر من أمس
وقد أكرموه في الممات، تراهم ... يظنون أن الجسم أزكى من النفس؟
علي بن محمد الإيادي:
ليهنك أن الله أعطاك رتبة ... من الفضل ركناها التقى والتواضع
مضمنة حمل المكارم والعلا ... كما ضمنت حمل الحياة الطبائع
وله:
ألقى زماما إليه الدهر واجتمعت ... على فضيلته الشبان والشبب
ملك هو الصورة الأولى التي اصطفيت ... من قبل أن يلحق المبسوط تركيب
من جيد الطريقة التي استعملها المحدثون قول عبد الله بن العابد من قصيدة:
وما خصصت ولكن عم نائله ... فاستعبد الثقلين: الجن والبشرا
عدل تمد رواق الفضل سيرته ... فتشمل المواطنين البدو والحضرا
وتكشف الظلم والإظلام غرته ... فتخجل النيرين: الشمس والقمرا
ويستوي ذكره حسنا ومنظره ... فيشغل الممتعين: السمع والبصرا
سرح مناك إلى ساحات أنعمه ... وضمن الصادقين: الخبر والخبرا
(1/32)

هذه الخدمة مشتملة من الأدب على لمعة، وشاهدة بقوة في البلاغة وصنعة. وقد جعل المملوك ما اعتمده من تقريرها، وقصده من ترتيبها وتحريرها سفيرا بين مقاصده وبين النجح، وسبيلا إلى رغبة الأيام إليه في السلم والصلح؛ إذ كان السعد مضمونا للذين لاذوا برجاء مولانا وتحرموا، والحظ محتوما للذين تبسطوا على تأميله وتحكموا:
كل الورى داع وكل دعائمهم ... أن لا يزيل الله ظلك عنهم
أغنى نوالك بعضهم عن بعضهم ... كيلا يرى في الأرض غيرك منعم
فلذاك ألسنهم لسان واحد ... يثني بما خولت والدنيا فم
لا زالت الأقدار بإرادة المقام الأشرف - خلد الله ملكه - جارية، والأقضية في خدمته متنافسة متبارية، ما اتصلت الأيام والليالي، وتزين الدهر من مناقبه بفاخر اللآلي، إن شاء الله عز وجل.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين محمد خاتم النبيين،، وعلى آله الطاهرين وسلم تسليما. الله حسب المملوك ونعم الوكيل.
وعند عرض هذه الرسالة رضي عنه، وأعاده إلى ديوان الإنشاء.

رسالة منائح القرائح
رسالة سماها منائح القرائح
أولى ما تقرب به إلى الله تعالى الإكثار من تحميده، والإقرار بربوبيته وتوحيده، والصلاة على نبيه محمد الذي عضده بتأييده، وخصه من الشرف بما لا سبيل إلى تحديده، وعلى آله الممنوحين من الفضل ما يعجز الوصف عن تعديده، ثم التوسل إلى ملوك كل وقت بشكر نعمهم ومواصلة خدمهم، ونشر خصائصهم التي امتازوا بها عن العباد، وذكر مناقبهم التي سارت في الأقطار ونقبت في البلاد، والاجتهاد فيما نفقت بشريف مقاماتهم سوقه، والاعتماد على ما ظهر سموقه في البلاغة وبسوقه. ولا خلاف أن سلطان هذا العصر، والمخصوص من الفضائل بما لا يدخل تحت الحصر؛ مولانا الملك السيّد الأجل الأفضل، أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته؛ سيد من ملك الأرض، ولم يكتف بالدنيا دون الآخرة ولم يرض، وخير من زخرت بحار مكارمه الفائضة وطمت ووهت أركان الشرك بعزماته الماضية وتحطمت، وأفضل من دبر البرية من الأكابر العظماء، واستقر الثناء عليه في الأرض لما استقر عليه في السماء، وتمت بيمن نظره محاسن الدنيا وتكاملت، وفخرت أيامه على الأزمنة المتقدمة وتطاولت، لا جرم أن الآفاق قد غدت طامعة باستيلائه عليها راجية وأصبحت ملوكها وافدة إلى بابه العزيز لاجية، فعادت آمالهم متخلصة من يد الإخفاق ناجية، وأضحت أيامهم مشرقة وقد كانت من قبل داجية، وصارت أحوالهم بمكارمه حالية نامية زاجية، فقد زهيت به المملكة وأظهرت بهجتها وجمالها، واختالت في ملابس فخره فسحبت على السحب أذيالها:
ولم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها
فيجب على من صفت فكرته، وصحت فطرته، وأمكنه استنباط معنى غامض، واستدل على المحاسن ببرقها الوامض، وعرف موضع الفضيلة فيما يصنعه من تصنيف، وعلم موقع الوسيلة به إلى كل مقام شريف أن يظهر كامن قوته، ويعمل مطايا رويته فيما يخدم مجلسه العالي به مما يطرب مورده ومسموعه، ويعجب مؤلفه ومجموعه، ويستحسن موضوعه ومصنوعه، ويذكر من ذلك ما يؤدي إليه أقصى حرصه وجهده، ويعتمد منه ما يتعين لكل مولى على مملوكه وعبده، بعد شكر الله الذي لطف بأمة جعله مالكها، وأوضح به إلى الخيرات ممالكها، وأولى منه منة أقر بالعجز عن فرضها من يحاوله، واسبغ نعمة تطامن لها من الشكر متطاوله، وأحيا به ملة نسخت ما تقدمها من الممل، وحسم في اعتقاد عبوديته جميع الموانع والعلل، فالقلوب إلى الاجتهاد في طاعته مسرعة مرجفة، والملوك في الانقياد لعظمته لا متوقفة ولا متخلفة، فأبقى الله على الدهر بهجة سلطانه وملكه، وجعل من كفر نعمته صريع بطشه وفتكه، وحكم مواضيه وعواليه في إراقة دمه وسفكه بفضله وقدرته وعدله ومشيئته.
(1/33)

ولذلك خدم المملوك بهذا الجزء الذي ألفه وجمعه، وأودعه مختار ما سمعه، وأضاف إليه ما استنبطه وابتدعه مما لم يعلم أحدا سبقه إلى ما عمله منه وصنعه، وقصد في هذه الجملة أن يوجز ويختصر، إذ كان الواجب أن يعتمد على اليسير ويقتصر، لأن هيبة المقام الأعظم تمنع ما يستطال وإن كان يستطاب، على أن المثول بين يديه يبيح استيفاء الحجة وإن اتسع الخطاب، والله - عز وجل - يهديه في خدمة مالكه أقوم جدد، ويريه من نعمه السابغة ما لا يحصيه عدد، فله القوة والحول، وبيده القدرة والطول.

في الشكر الذي يصون النعم من الانتقال ويلزم تقديمه أمام كل مقال
إن الله تعالى جعل الشكر فريضة لا رخصة فيها، وطريقة لا يضل مقتفيها، وكان لمن حافظ عليها وحالفها المزيد، ولمن عدل عنها وخالفها التهديد والوعيد. قال الله - عز من قائل -: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) فواجب أن تقابل النعم من الشكر بما يؤنس وحشيها، وتواصل من الحمد بما يعطف أبيها، فإحسان مجاورتها مقرب لقصيها، وإجمال مصاحبتها ملين لعصيها، والتضرع لموليها في حراستها يؤكدها ويجددها، والتوسل إلى مسبغها في إدامتها يقيدها ويخلدها، ولازم لكل ذي عقل أن لا يجهل معرفة قدرها، ولا يشتغل بسكرها عن شكرها، ولقد أحسن أبو إسحاق الصابي في قوله: موقع الشكر من النعمة موقع القرى من الضيف؛ إن وجده لم يرم، وإن فقده لم يقم.
(1/34)

وإذا عددت نعم الله التي أضفاها، ومننه التي أولاها ووالاها، ومواهبه التي منحها كرما وتفضلا، وعوارفه التي جازى المعترف بها رضى وتقبلا، كانت منقسمة إلى العموم والخصوص، ومستوجبة من الشكر ما ثبت في العقول والنصوص، فالنعمة التي تخص ما تعلق بالمرء في ذاته ونفسه، والنعمة التي تعم ما كان شاملا لنوعه، شائعا في جنسه، وهذا لا يكون إلا بالملوك الذين هم أولياء النعم، وزعماء الأمم، وقد أدرهم الله جل وعز على ما يعمون به دواعي الشكر ونصبهم - تبارك وتعالى - للأمر بالعرف والنهي عن النكر، ويتباينون في التعمير والتدمير، فمن عدل منهم وأقسط، وأرضى في ذات الله وأسخط؛ فقد أنال المتفيئ بظله أقصى أربه، ووجب على كل مكلف شكره وشكر النعمة به. ومن أبى الحق وصرفه، ودفع الواجب وصدفه؛ فلا مجال له هاهنا ولا مسرح، ولا سمو لناظهر في هذا الأفق ولا مطمح، والإجماع واقع من الحاضر بالدراية ومن الغائب بصحة الرواية أن سيد ملوك الأرض بلا مدافعة، وأشرف سلاطين العالم بغير ممانعة، وأكمل من كل من تقدم لما علم بالنقل، وأفضل من كل من يأتي بمقتضى القياس والعقل مولانا الملك السيّد الأجل الأفضل أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته، الذي حكم فأنصف وعدل، وسلك جادة الحق فما نكب ولا عدل ووضحت له طرق الشبه فانحرف عنها وجار، وقضى بين البرية فما ظلم ولا جار، وتيقن برق الثواب مومضا فتمثله وشامه، وتحقق التناصف بهيبته فما انتضى سيفه ولا شامه، ولذلك سما بفخره ناظر الدين الحنيف وقره، وانزعج بذكره مضجع أول الكفر فما ثبت ولا قرّ، وغدا كل ملك يكتفي بأيسر رضاه ويقنع، وكل مشمول بأنزر مواهبه لا يطلب ولا يقنع، فإن يسأل عطاء يمنح الرغائب ويهب، وإن يباشر هيجاء لم يرع لما التهب من ضرامها ولم يهب، هذا إلى ما له من المناقب التي آمنت الديار، وأرخصت الأسعار، وحسنت الآثار، وأدرك الإسلام بها الثار، وانحسمت فيها مواد الكفرة والأعداء، وبرئت الأحوال بطبها من المرض والداء وأمنت المطالب معها من الخيبة والإكداء، فلا ثناء ينهض بواجب جزائها، ولا تقريظ يستقل بأول أجزائها. فمن الواضح البين، واللازم المتعين، لنعمتي الخصوص والعموم، وإن كان الشكر عليهما من المفروض المحتوم أن يقع التوفر على حق الموهبة التي عمت وشملت، ويبالغ في ذلك طلبا للجزاء يوم (توفى كل نفس ما عملت) فقد نتجت هذه المقدمة وجوب الإجماع على حمد مالكها وشكره وبعثت على تعمير المحافل بنشر إحسانه وذكره، وقضت بأن يعطر بوصفه نسيم الشمال والقبول، ودعت إلى مواصلة الدعاء له في مظان الإجابة والقبول، وفرضت بذل الاستطاعة في ذلك توخيا للصواب، وجعل اعتقاده أفضل ذخيرة تورث للذراري والأعقاب، فأوزع الله الكافة شكر النعمة على ما أصلح به من دنياهم، وألهمهم القيام بما يلزم قوما أدركوا من السعادة ما لم يبلغه مناهم، ووفقهم لما يجب عليهم من فرض أكرم كفيل منه للشريعة ونصير، وأنهضهم من الاجتهاد لما يقيم عذرهم في العجز والتقصير، وأعان كلا منهم على مواصلته إلى حين المنقلب والمصير، إنه السميع البصير، اللطيف الخبير، وهو - بعزته - على ما يشاء قدير.

من المعاني التي استنبطها المملوك وابتدعها واستخرجها فكره واخترعها
فمن أنشأ فيها شيئا من أدباء الوقت، وشعراء العصر؛ فإنما انتهج قصد المملوك متبعا لدليله، واقتفى أثره محتذيا على تمثيله، وكل من تعرض لذلك - وإن أحسن وأجاد، ورجح وأوفى وزاد - فللملوك مزية البداية، وحرمة الهداية، وماتة الابتكار، وفضيلة يأمن فيها من الدفع والإنكار.
وقد وقع الإجماع على فضل واصل بن عطاء، وكشفه في البلاغة كل حجاب وغطاء، ودل كلامه على القدرة في الفصاحة وبعد الغور واشتهر من أجل لثغته بحذف الراء من لفظه، وهي حرف كثير الدور.
(1/35)

ومن المحكي عنه قوله - وذكر بشاراً وكان يرمى بالزندقة ولهذا قتله المهدي -: أما لهذا الأعمى المكتني بأبي معاذ من يقتله! والله لولا أن الغيلة خلق من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه! فقال: الأعمى، ولم يقل: الضرير، وقال: المكتني بأبي معاذ، ولم يقل: بشاراً ولا ابن برد، وقال: من أخلاق الغالية، ولم يقل: المغيرية ولا المنصورية، وقال: لبعثت إليه، ولم يقل: لأرسلت (إليه) ، وقال: على مضجعه، ولم يقل على فراشه! ومما قيل فيه:
ويجعل البر قمحا في تصرفه ... وخالف الراء حتى احتال للشعر
ولم يطق مطرا والقول يعجله ... فعاد بالغيث إشفاقا من المطر
ومن اللغز الذي تضمن خبيا وسرا، وأحسن قائله إذ عمى فيه وورى، إلا أن إيراده هاهنا يجعل خافيه ظاهرا، ومبرقعه سافرا قول الشاعر:
ولما رأيت الشيب راء بعارضي ... تيقنت أن الوصل لي منك واصل
فخص الراء لحفظه المعنى الذي قصده وإحرازه، وأحسن التوصل بواصل إلى تجنيسه وإلغازه.
وللرستمي في الصاحب:
نعم! تجنب: لا يوم العطاء كما ... تجنب ابن عطاء لثغة الراء
ولما أكثر الناس من تقريظ هذا الفن ووصفه، وادعى قوم أن المتعرض له إنما يخبر عن عجزه وضعفه؛ اعتمد المملوك تأمله وتدبره، واستنجد، فيما يعرب به، رويته وتفكره، فلم ير أن يكون لهذه السبيل مقتفيا، ولم ترض له الخدمة الشريفة أن يلفى في هذا الباب مصليا، فعمل في مولانا شعرا لم تجتنب فيه الراء، وإذا قرأه الألثغ أفاد معنى يزول في استحسانه المراء، وكان في ذلك من الإعجاز أن الصريح والمستعجم، والفصيح والمتلعثم إذا أخذوا ي ذكر أوصاف مولانا لم يشكل اللفظ الذي يوردونه، ولم يستبهم المعنى الذي يؤدونه، ولم يعتذر بأن اللثغة أفسدت المراد ولا حالت دونه، وتساوت في روايتها الآلة الصحيحة والسقيمة، وتماثلت في تلاوتها الألسنة المعوجة والمستقيمة، وأجرى المملوك ذكر هذه الجملة مع محمود ابن القاضي الموفق، إذ كان الإغراب في الصفات الشريفة من مذهبه، والإبداع فيها من بغيته وأربه، فلما رأى هذه الطريقة من أسلوبه وشرطه؛ بالغ في استحسانها وعمل لوقته:
وذات وجهين أتت بدعة ... غايتها في الحسن لا تبلغ
قافية رائية فيك لا ... يعاب في إنشادها الألثغ
وشفعه بأن قال:
يا ملكا فائض إحسانه ... في كل آفاق الدنى سائر
وصفك عندي ذهب خالص ... نظمي له حيث انتهى صائر
والذي عمله المملوك:
من شاء جمع معال قد خصصت بها ... وجاوزت كل حد لم ينل ( ... )
وكيف تستطيع أن تحصي فضائلها ... وزندك الغر مهما تقتدحه (وري)
ثم رأى المملوك أن لا يخلي النثر من هذا النوع الذي تتعب الأفكار في طلبه، وأن يورد فصلا يتوخى فيه ذكر الشيء على ما هو به، فعمل في وصف مالكه ثبت الله قدرته، وأدام سلطانه ودولته: ملك أبان الله إعلاء رايته فازدانت بأوصافها المحافل، وتاه الزمن بمحاسنه فهو عن الإساءة لاه رافل، قد سارت بالألسنة والأفواه مدائحه، وصارت حلى المجامع والأندية منائحه، وأصبح الكافة من ظله في رياض أنيقة، ورامت السماء إحياء للأرض فخدمته بذاك على الحقيقة.
ولما انتهى إلى هذا الحد أمل خاطره عليه من غير روية، ونظم - عفوا - ما يشهد بصحة هذه القضية:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت مفاخره (عن كل إطراء)
تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس من (نظم وإنشاء)
ثم اقتضت فكرته، وأوجبت خدمته أن يجعل هذه القافية على وجوه من الروي، عملا بما رآه منسوبا إلى ابن نباتة والشريف الرضي، لتشترك الحروف في حظ من الشرف واف، وتتبين فضيلة مجيئها متناوبة في قواف. والمنسوب إلى الشريف وابن نباتة:
لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المقسم بين الخيل والإبل
يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشيج من الخطي معتدل
والتعبير الأول:
لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المقسم بين الجرد والكوم
يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشيج من الخطي محطوم
والثاني:
لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا أخو الحرب والجرد السلاهيب
(1/36)

يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشيج من الخطي مخضوب
والثالث:
لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المقسم بين السرج والكور
يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشيج من الخطي مكسور
والرابع:
لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المصيخ وإن لم يدعه الداعي
يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على شويج من الخطي زعزاع
والخامس:
لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المقسم بين الجرد والقود
يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشج من الخطي ( ... )
والسادس:
لا يبلغ الغاية القصوى بهمته ... إلا المقسم بين الجرد والنوى
يطوي حشاه إذا ما الليل عانقه ... على وشيج من الخطي مدقوق
فهذه ستة تغيرات.
والذي صنعه الملوك في البيتين اللذين أوردهما على قافية الهمزة يستوعب الروي فيهما جميع حروف المعجم الثمانية والعشرين، وقوم يجعلونها تسعة وعشرين، فيضيفون إليها الحرف المركب من اللام والألف، ولا يجوز دخول المركب في البسيط، وهي - على مذهب جماعة من المحققين - ثمانية وعشرون حملا على عدة منازل القمر، ولذلك قالوا: إن لام التعريف إنما صارت تدغم في نصف الحروف فتظهر عند نصفها؛ لأن نصف منازل القمر ظاهر أبدا فوق الأرض، ونصفها خاف أبدا عن ظاهر الأرض. وقد بين المملوك ما عمله وهو - قد تقدم ذكر الهمزة -: الباء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... حلت مفاخره في النظم والخطب
تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس من مستغرب الأدب
التاء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... ساس البرية في الماضي وفي الآتي
تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يرفع الناس أعقاب المناجاة
الثاء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... غدا الدعاء له في الأرض مبثوثا
تغايرت أدوات النطق فيك على ال ... ثناء مكتسيا منه وموروثا
الجيم:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت مواهبه عن مطلب الراجي
تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف يريك ظلام الحندس الداجي
الحاء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... سعت عطاياه عما اعتيد من منح
تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس من وصف ومن مدح
الخاء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... تطرزت بمعاليه التواريخ
تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف به كل ما يعدو منسوخ
الدال:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت أياديه عن وصف وتعديد
تغايرت أدوات النطق فيك على ... شكر يضاهي الأيادي غير محدود
الذال:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... أرضى العوامل إمضاء وإنفاذا
تغايرت أدوات النطق في مدح ... عادت بها أكبد الأعداء أفلاذا
الراء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... أفنى أعاديه لا زال منصورا
تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس منظوما ومنثورا
الزاي:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... قامت معاذير من في وصفه عجزا
تغايرت أدوات النطق في مدح ... ما حال من دونها عي ولا حجزا
السين:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... أزال أطماع باغي شأوه الياس
تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف تنوع في إحسانه الناس
الشين:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... ساس الأنام فما حابى ولا حاشا
تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف يواصله الإنسان ما عاشا
الصاد:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... غالي الثناء بما يأتيه مرتخص
تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف له في محل المشتري حصص
الضاد:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... لا يبلغ المدح في استحقاقه غرضا
تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس مندوبا ومفترضا
الطاء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... يبغي بأفعاله تقوى الإله فقط
تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس مما ليس فيه سقط
الظاء:
لما غدوت مليك الأرض أجمعها ... بالحق إذ كان من يعدوك محظوظا
(1/37)

تغايرت أدوات النطق فيك على ... غر المغاني بلفظ ليس ملفوظا
العين:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... غدا الملوك له جندا وأتباعا
تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس إعرابا وإبداعا
الغين:
لما غدوت مليك الأرض أجمعها ... ونلت ما لم ينل ملك ولا بلغا
تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف تنافس في إحكامه البلغا
الفاء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... أعطى، فقال العدا: قد زاد في السرف
تغايرت أدوات النطق فيك على ... صفات ما حزت من فخر ومن شرف
القاف:
لما غدوت مليك الأرض أجمعها ... وحزت ما جزت فيه كل مخلوق
تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف صنيع بديع غير ملحوق
الكاف:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت مفاخره لما غدا ملكا
تغايرت أدوات النطق في مدح ... وفي دعاء ملأن الأرض والفكا
اللام:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت مفاخره في القول والعمل
تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف يقصر عنه منتهى الأمل
الميم:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... غدا به العدل بين الخلق مقسوما
تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس منثورا ومنظوما
النون:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... جلت مفاخره في السر والعلن
تغايرت أدوات النطق فيك على ... وصف بليغ يحلي عاطل الزمن
الهاء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... ركن الأعادي بماضي عزمه واه
تغايرت أدوات النطق واتفقت ... مع التغاير في ذكرى شهنشاه
الواو:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... يزهى به الخلق فيما عاينوا ورووا
تغايرت أدوات النطق فيك على ... ما يصنع الناس فيما أظهروا ونووا
الياء:
لما غدوت مليك الأرض أفضل من ... غدا بمعروفه ميت الرجا حيا
تغايرت أدوات النطق فيك على ... مناقب ليس يخشى نشرها طيا
فقد جمع ذلك غاية ما تبلغه عدة التغيير، وعفو ما يقتضيه هذا المغزى من التبيين والتعبير، وهو، وإن كان بعضه يتميز عن بعض، فإنه عاجل اجتهاد المملوك في أداء اللازم الفرض. على أن هذا الغرض المقصود كثير الشعب، والوصول إليه من العزيز العسير الصعب فإن أتى غير معجب فلوعورة مطلبه، وإن أبى إلا جودة فلسعادة من خدم به.
ومن ضروب التعبير التي دعت الاستحسان فلباها، وفخر بها مبدعها وباهى، ما ينشد مرفوعا ومنصوبا كقوله:
إذا طال النهار علي يوما ... دعوت له فقصره رياد
حديث يعجب الحكماء منه ... ويونق حين يسمعه الفؤاد
فصل في ذكر خيمة الفرج
لما خرجت أوامر مولانا - ثبت الله دولته - بإنشاء خيمة للنظر، وعمل فازة تتكفل بمصالح البدو والحضر؛ امتثلت مراسمه السامية في إنشائها ووقعت المسارعة إلى انتهاج تمثيلاته واحتذائها، فجاءت توفي في الجلالة على إيوان كسرى، وظلت الأبصار في أرجائها الفسيحة خاسئة حسرى، إذ كانت مناسبة لأمثالها من المنازل الشريفة في الاتساع، ومجانسة لأنظارها من المقامات الكريمة في السمو والارتفاع، وتضمنت من صور ناطق الحيوان وصامته ما أحاط بالحسن واستولى على غايته، تخالها حومة وغى لما اجتمع فيها من المقانب والجيوش، أو بيداء لا محيص عنها لأنواع السباع والوحوش، قد حوت آفاقها متضاد الحيوان بلا أذى ولا ضير، فكأنه فيها سليمان وقد حشر له جنوده من الجن والإنس والطير، وفي يوم إظهارها ونصبها، واستقرار جلوسه الأشرف الأسنى بها، وهب الأموال الجمة، وعم بالإحسان الأمة، ونشر الرأفة والرحمة، وسامح بالكبائر والعظائم، وصفح عن الجرائر والجرائم، وأنعم بما لم ينعم به أحد من ملوك الدهر، واستخلص الضمائر بالدعاء له في السر والجهر، فتضوعت بالأرض من الثناء عليه بأعطر أرج، ووقع الاتفاق على تسميتها بخيمة الفرج، ووصفها الشعراء وصفا أجادوه وأحكموه، وأحسنوا فيما صنعوه منه ونظموه.
فمن ذلك قول ابن الحواري:
وبنى للمجد فوق السبعة الأفلاك فازه
لو رأى كسرى سناها ... صاح إعجابا بها: زه
(1/38)

ومن تأمل هذا الشعر البديع، وتدبر هذا التركيب الصنيع، وجد فيه ما لا يأبى استحسانه طبع سامع، وعلم أنه مما لا يظفر به كل طامع.
وقد استحسنوا هذه اللفظة - أعني: زه - في قول الأول - وهو مما يتغنى به:
في مثل هذا يحسن البلوى ... ليس على عاشق ذا عدوى
وكل من أبصره قال لي ... زه يا فتى تحسن أن تهوى
فإذا كانت مع ضعفها في الحشو مستجادة مستحسنة، فما الظن بها وقد أتت قافية قوية متمكنة؟ وعلة فضيلة التقفية أنها أقصى ما يحصره الوزن، وآخر ما يلقاه السمع، وبهذا احتج مفضل المقاطع على المطالع؛ فإذا كانت القافية مدى الشعر، ومنتهى حده، وغاية ما يبلغه مما لا مطلب من بعده؛ فلا غرو أن تكون مدح مولانا إذا تؤملت قوافيها مشتملة على الألفاظ التي لا تحسن في شيء حسنها فيها؛ إذ كان آخر ملوك الدنيا وقتا وزمانا، وإن كان أولهم شرفا ومجدا وسلطانا:
نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى
فذلك
إذ أتى متأخرا
ولهذا فضل البيت الذي يكون المستحسن في آخر أجزائه، على البيت الذي يتضمنه حشوا في تضاعيفه وأنحائه. على أن من الحشو ما لا تخفى بهجته، ولا تجحد فضيلته.
حضر المملوك يوما بين يدي الشيخ الأجل أبي الحسن بن أبي أسامة فجرى ذكر الحشو في الشعر فأنشد لأبي الشيص:
حلي عقال مطيتي ... لا عن قلى

وامضي فإني
يا أميمة
ماض
وقال: قوله: لا عن قلى، فضلة لا يفتقر المعنى إليها فلهذا سميت حشوا، وقد جاءت في الحسن على ما ترى.
ولم يكن المملوك تنبه على ذلك من البيت وإن كان من حفظه فاعتده من فوائد مجلسه، وأضافه إلى ما أخذه عنه من نظائره، وأنشده المملوك قول ابن حيوس:
وجاد بنفس لا يجود بمثلها ... مع العلم بالعقبى نبي مقرب
إذ كان قوله: مع العلم بالعقبى، من أحسن ما جاء في هذا الباب.
ولم يذكر ما جاء من الحشو: بحاشا، وما تصرف منها نحو قول المتنبي:
ويحتقر الدنيا احتقار مجرب ... يرى كل ما فيها
وحاشاك
فانيا
وقول الآخر:
مواهب شتى لو عدتني ... وحوشيت

كفاني ما أحرزته متسلقا
وقوله:
ولو أن ياجوج استعانوك مرشدا ... وحوشيت من إرشادهم خرقوا ( ... )
لأن ذلك مما أكثر الناس فيه، فلا لذة في المحاضرة به.
ومن مليح الحشو قول نصيب:
فكدت ... ولم أخلق من الطير
أنني
أعار جناحي طائر فأطير
فقوله: ولم أخلق من الطير، من مستحسن ما أتى من هذا النوع.
وقول عوف بن محلم لعبد الله بن طاهر:
إن الثمانين ... وبلغتها

قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
على أن قوله: وبلغتها، معدود في الالتفات عند قوم، وفي التتميم عند آخرين.
وقول ابن المعتز يصف خيلا:
صببنا عليها ... ظالمين
سياطنا
فطارت بها أيد سراع وأرجل
فقوله: ظالمين، من بديع الحشو.
وقول مهيار:
وكم ... ثم
من مسترزق حلفت له
لهاك
وبرت
أنه لا يخيب
فقوله: وبرت، لفظة يتم المعنى دونها إلا أنه تبرع بها، فتضاعف المدح بسببها.
وقوله:
لو أن الورى أهلي لكنت وأنت لي ... أقوم بهم مستظهرا وأمو (ن)
فإحسانه بقوله: مستظهرا، مما لا يستطيع أحد جحده، ولا يسد غيره مسده.
وقوله:
عزي بنفسي ولكن زادني شرفا ... أني إليكم إذا باهلت أنتسب
فأبدع بقوله: إذا باهلت، لأنها أفضل ما ورد مع النسب.
وقول ابن أبي الشخباء:
يصرف الأمر في الآفاق خاتمه ... ويصبح الدهر طوعا وهو خادمه
فقوله طوعا، مما تطوع به فأغرب، وأتى منه بما أعجب به وأطرب. ونظائره كثيرة.
ومن مليح ما قيل في الخيمة المنصورة قول ابن زيد الأنصاري:
أخيمة ما نصبت اليوم أم فلك ... ويقظة ما نراه منك أو حلم
ما كان يخطر في الأفكار قبلك أن ... تسمو علوا على أفق السها الخيم
حتى أتيت بها شماء شاهقة ... في مارن الدهر من تيه بها شمم
إن الدليل على تكوينها فلكا ... أن احتوتك وأنت الناس كلهم
والطير قد لزمت فيها مواضعها ... لما تحققن منها أنها حرم
(1/39)

تغدو القماري والبازي يحفظها ... كأنما بينهم في جوها رخم
كأنها جنة فالقاطنون بها ... لا يستطيل على أعمارهم هرم
إن أنبتت أرضها زهرا فلا عجب ... وقد همت فوقها من كفك الديم
وقول الآخر:
عزت على الشعراء مدحة خيمة ... فوق النجوم أساسها أشطان
لما مثلت بها ظننت بأنها ... دار الخلود أباحها رضوان
مما عارض المملوك فيه من سبقه، وبعثه على إيراده رضى من استجاده واستوقفه.
قد بالغ الناس في استحسان قول ابن سورين فيما كتب به عن الإمام الحاكم بأمر الله عليه السلام إلى عامل القدس في إخراب قمامة وهو: صر إلى قمامة؛ فاجعل طولها عرضا، وسماءها أرضا. واتفق للملوك لما سمع هذا الفصل أن استحسنه، واستجاده على حسب ما أمكنه، فلم يقنع مورده بما وصفه به وقرظه، فاعتمد في تكثير المدح ما أثقل السمع وبهظه، فقال المملوك: لو قال صر إلى قمامة فأزل باطلها، واجعل عاليها سافلها.
أو قال: فعفها بالمحو والطمس واجعلها حصيدا لم تغن بالأمس، لكان أشرف لترصيعه اللفظ بالقرآن، وترتيبه المعنى في أعلى طبقات البيان.
فقال راوي فصل ابن سورين: فضيلة هذا الفصل قلة حروفه، وفرط إيجازه، وإن من تحدي به على حقيقة تعذره وإعجازه.
فقال المملوك: أنا أذكر هذا المعنى بلفظ أصنع وأقصر، ومعنى أجمع وأحصر، فطولب أن يوفي الضمان، وقيل له: من نقض مان، فقال ما لا موضع فيه لحذف ولا سبيل إلى تحقيقه بحركة ولا حرف، مع استيفاء المعنى، وأن أحداً لا يجد فيه طعنا. وهو: صر إلى قمامة، فعجل لها القيامة.
ففضل هذا الفصل على الأول أضعافا، وبولغ في وصفه إلى أن تفادى المملوك وتعافى؛ وعلة ذلك أن هذه الأيام الشريفة التي فخرت بمالكها على غيرها من العصور، وخرجت فضائلها عن المحدود والمحصور، قد فاضت أنوارها على كل عالم ومتعلم، وسرى شعاع سعدها إلى كل ناطق ومتكلم، ولما اتفق كون هذا الفصل في التعفية على متعبد أهل الشرك، وتدمير ما يصنعونه فيه من الضلال والإفك؛ اختصره مملوك مولانا كما اختصرت مشرفيه أعمارهم وآجالهم، وضيق فيه على مقتفيه كما ضيقت هيبته منفسحهم ومجالهم، عملا بالهذيبات المالكة (على ما اقتضته الشيمة الفاضلة) ، وتأدبا بالتثقيفات الأفضلية بحسب ما وصلت إليه آلته القابلة، والله يمد ظلها فهو أفضل موجبات هذه الدنيا وأسباب وجودها، وموزع الكافة شكر النعمة فيما غمرهم من كرمها الفائض وجودها، بفضله وقدرته وطوله ومشيئته.

فصل من نادر ما جاء في بابه وأقوى دليل على إبداع قائله وإغرابه
قال أبو عبد الله التميمي اللغوي المعروف بالقزاز لبعض تلاميذه:
أحاجيك عياد كزينب في الورى ... ولم تؤت إلا من صديق وصاحب
فأجابه:
سأكتم حتى ما تحس مدامعي ... بما انهل منها من دموعي السواكب
فكان تصحيف: عياد كزينب، بعد عكسه: سرك ذائع، وقال الآخر: سأكتم، فأجاب على الظاهر إجابة حسنة، وتصحيف: سأكتم، بعد عكسه: منك أتيت، وفيه مقابلة لقوله: ولم تؤت إلا من صديق وصاحب والمملوك يقول: معجز هذه الحكاية أن المجيب ذكر كلمة كل من مستقيمها وتصحيف معكوسها جواب لما حوجي به.
وتسمية هذا النوع المحاجاة لدلالة الحجى عليه.
وعلى ذكر التصحيف فمن بديعه: نصحت فضيعت، وهو تصحيف صعب. وقولهم فيما يصحف بعد عكسه: أذناه جرح يسيل.
وهذا: ليس يحرجه أبدا.

فصول تشتمل على ضروب أبدع البلغاء فيها وأحسنوا، وتنوعوا في أصنافها وتفننوا في خدع البيان وتمويه الفصاحة
حكى حسن بن محمد البسامي قال: رأيت علي بن با منصور الديلمي، وكان من مفاخر الديار، وله شعر يدل على غزارة أدبه، وحسن طريقته في النظم ومذهبه كقوله:
ترى في ابيضاض الكأس حمرة خده ... فتحسبها ملأى ولا شيء في الكأس
قال البسامي: وكانت رؤيتي إياه بحمص جالسا على بعض الدكاكين، وكان أعور، فاستثقلت شخصه، وقيل لي: إنه شاعر فأردت العبث به فقلت: أيها الشاعر، عملت في عورك هذا شيئا؟، وانتظرت أن ينقطع ويخجل، فقال: نعم، وأنشدني:
لست آسى لفقد إنسان عيني ... وجميع الجمال في معتاضه
وحبيبي من مقلتي أخذ الخا ... ل وأعطى سوادها من بياضه
فاقشعر بدني منه، وعلمت أنه من الصيد الذي لا يحل أكله!
(1/40)

وحكي عنه أنه تعشق صبيا أعور فقال فيه:
له عين أصابت كل عين ... وعين قد أصابتها العيون
قال بعض الفضلاء: أظنه قال هذا الشعر لما اعتن معناه في نفسه، ثم طلب أعور يعشقه ليجعله معرضا لقوله، فقد هون بفصاحته المستكره، وحسن ببلاغته المستقبح.
ومن أحسن ما جاء في ذلك ما ذكره التميمي في سيرة الحجاج من أن عبد الملك بن مروان أمر بعمل باب في بيت المقدس يكتب عليه اسمه، فسأله، الحجاج أن يأذن له في عمل باب أيضا، فأذن له، واتفق أن وقعت صاعقة احترق فيها باب عبد الملك، وسلم باب الحجاج، فعظم ذلك على عبد الملك فكتب الحجاج إليه: بلغني أن نارا نزلت من السماء فأحرقت باب أمير المؤمنين، ولم تحرق باب الحجاج، وما مثلنا في ذلك إلا كمثل ابني آدم إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر! فسري عنه لما وقف على الكتاب.
وكان طاهر بن الحسين وهو في قتال المخلوع قد جعل دراهم للصدقة في كمه، ونسيها، فأسبله، فتبددت الدراهم - وهو لا يعلم - فلما ذكرها تطير من ذلك، فأنشده أحد الشعراء:
هذا تبدد جمعهم لا غيره ... وذهابها عنكم ذهاب الغم
شيء يكون الهم نصف حروفه ... لا خير في إماكه في الكم!
وذكر المملوك بالبيت الثاني قول محمد بن أبي سعيد؛ أحد المحدثين:
ألا رب شيء فيه من أحرف اسمه ... نواه لنا عنه وزجز وإنذار
فتنا بدينار وهمنا بدرهم ... وآخر ذا هم، وآخر ذا نار
وكان خالد بن يزيد بن مزيد تقلد الموصل في أيام المأمون، فلما دخلها مر بأول درب منها اندق اللواء، فاغتم لذلك، وعظم عليه، فقال مروان بن محمد المعروف بأبي الشمقمق بديها:
ما كان مندق اللواء لريبة ... تخشى، ولا صرف يكون معجلا
لكن هذا الرمح ضعف متنه ... صغر الولاية فاستقل الموصلا!
فكتب صاحب البريد يخبره إلى المأمون، فزاده المأمون ديار ربيعة، وكتب إليه: هذا لتضعيف الموصل متن لوائك، فأعطى خالد أبا الشمقمق عشرة آلاف منهم وشخص إلى ديار ربيعة.
فقوة البراعة حكمت بالاقتدار على مدح ما عادته أن يذم، وجودة العبارة ختمت باستحسان ذم ما عادته أن يمدح، كما قال عبد الله بن التوأم يذم النخلة التي طاب جناها، وزاد نفعها وتناهى: إنها صعبة المرتقى، مهولة المجتنى، بعيدة المهوى، حسنة المس، قليلة الظل.
وكما حكي عن سهل بن هرون من أنه عمل كتابا يمدح فيه البخل، ويذم الجود، ليري بلاغته، وطول لسانه، وأهداه إلى الحسن بن سهل. إلا أن الحسن وقع عليه: لقد مدحت ما ذمه الله، وحسنت ما قبحه الله، وما يقوم صلاح لفظك بفساد معناك، وقد جعلنا ثوابك عليه قبول قوله فيه. ولم يعطه شيئا.
وقد اعتمد جماعة من البلغاء مدح الشيء وذمه إظهارا لاقتدارهم، وإبانة عن محلهم ومقدارهم، وعملا بقول القائل: ما من شيء إلا وله وجهان؛ فالمادح يذكر أحسنهما، والذام يذكر أقبحهما.
وقد روي عن عيسى - عليه السلام - أنه مر هو وأصحابه على كلب ميت فقال بعضهم: ما أنتن ريحه، فقال عيسى - عليه السلام -: ما أشد بياض أسنانه. فسلم لعائبه ما ادعاه من مساوئه، وذكر من محاسنه ما لم ينازعه فيه.
والمملوك يقول: إن من أبدع الكلام قول الحكيم: لا عشت ليوم أمدح فيه ما ذممته، ولا أذم فيه ما مدحته؛ ذلك يوم ظفر الهوى بالرأي.

ومما يلحق بهذا الباب
أن يأتي ذم لا تكون المبالغة فيه إلا باللفظ الذي يكون مدحا لغيره، كقوله:
شاهين موسى وإن أرضتك عفته ... أبر منه وأتقى باز عمران
وباز مالان لا تنجو طريدته ... ولو أتت بأمان من سليمان
فالعفة والتقى مبالغة في ذم الجوارح، وهما من أفضل ما يمدح به غيرها.

في تناوب الأعضاء
وهو مما يدل على تجويد الشاعر وقوة تصرفه، ومضاء خاطره وقلة توقفه، ومن أحسن ما جاء في ذلك قول أبي الطيب:
وجحفل ستر العيون غباره ... فكأنما يبصرن بالآذان
وقوله:
كأن الهمام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد
وحكى ابن رشيق قال: جلست يوما إلى ابن حديدة الشاعر وأنا سكران، فسألني عن حال المكان الذي خرجت منه، فوصفته، وأفضى بي الحديث إلى ذكر غلام كان ساقيا، فقلت في درج الكلام:
فشربتها من راحتي ... هـ كأنها من جنتيه
وقلت: أجز، فقال:
(1/41)

وشممت وردة خده ... نظرا ونرجس مقلتيه
فقلت: أحسنت، وجودت شمك بالنظر، كسماع أبي الطيب بالبصر حيث يقول:
خلفت صفاتك في العيون كلامه ... كالخط يملأ مسمعي من أبصرا
وهذا - وإن لم يكن من هذا الباب من كل جهة - فهو من أولى ما أورد معه.
وكذلك قول مهيار:
خان بكاء العين أجفانه ... فناح، والنوح بكاء الفم
لأن النوح والبكاء ليسا عضوين.
ولابن رشيق في جواب كتاب:
أسمعت عيني ما اشتهت ... بلسان هاتيك اليراعة
وقول الشريف الرضي:
عزني أن أرى الديار بعيني ... فلعلي أرى الديار بسمعي
وكان المملوك يوما مع صديق له وهما سائران في الطريق، فلقيهما ضرير، فلما سمع وقع حوافر الدواب؛ جعل يتوقف ويتحسس، وأخذ يتنصت ويتجسس، فقال المملوك لرفيقه: تأمل هذا الضرير كيف يتبصر بسمعه ولم يكن شيء من هذا الباب حينئذ على ذكره، فاستجاد العبارة، واستحسن الاستعارة.
ولأبي الطيب:
خير أعضائنا الرؤوس ولكن ... فضلتها لقصدك الأقدام
ولحسن بن عبد الصمد:
تعطي وسمعك بالملام مشنف ... فكأن راحتك الكريمة تسمع
ولابن حيوس:
قواف هي الخمر الحلال وكأسها ... لساني ولكن بالمسامع تشرب
وقد أجاد ابن القمي وزاد بقوله:
ولي سنة لم أدر ما سنة الكرى ... كأن جفوني مسمعي والكرى العذل
ونظائره كثيرة.
قد قدم المملوك في صدر هذا الجزء اعتذاره في ذكر القليل وإيراده، واحتجاجه على توخي اليسير واعتماده، لما خص به المقام الأعظم - ثبت الله سلطانه - من المهابة التي تحجز عن الإطالة، وتمنع من دواعي السآمة والملالة، ولولا ذلك لتوسع فيما يجمعه، واستكثر مما يصنعه، تقربا إلى مالكه باجتهاده، وحرصا على تطلب الحظ وارتياده، والله تعالى يقضي له بارتضاء خدمه وإن كانت مختصرة لطيفة، ويجعل السعود - أبدا - محدقة بمجلس مالكه مطيفة، ويوزعه شكر النعمة فيما ناله من إحسانه وشمله، ويبلغه في الخدمة الشريفة بغيته ورجاءه وأمله، بمنه وطوله وقدرته وحوله إن شاء الله عز وجل.

رسالة مناجاة شهر رمضان
مناجاة شهر رمضان
أيام المواسم مكرمة مفضلة، وأوقاتها مرفوعة أعمالها متقبلة، بدليل فضل شهر رمضان عند من علمه وعرفه، وحصول الإجماع على ما شرف الله تعالى به يوم عرفة، فالصائم إذا نادى لباه الله - سبحانه - وأجابه، والمؤمن إذا ناجى حرم الله رده ومنع حجابه، لأنه كتب على نفسه قبول ما كان له - جل وعلا - فيه رضى، وجعل فاعل ذلك لا يخاف مخالفا فيه ولا معترضا.
(1/42)

ولما أهل شهر رمضان على المقام العالي المالكي السيدي الأجلي الأفضلي الجيوشي، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، عضد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام الله قدرته، وأعلى كلمته، مؤذنا باتساع قدرة تخدمها الأفلاك، ومبشرا بانفساح مدة تخضع لها الأملاك، وكانت الحضرة العالية المالكة - ثبت الله دولتها، ونصر ألويتها - مخصوصة بالتوفر على الخير والبر، حريصة على الطاعات في الجهر والسر، متحققة أنها الأفعال التي يتقرب بها إلى الله تعالى ويتوصل، والذرائع التي يتحرم بها عنده ويتوسل، والدواعي إلى الثواب الجزيل في العاجلة والعقبى، والمساعي التي من لزمها كان الله حزبا وللشيطان حربا، وقد علمت - خلد الله ملكها، وأدام في أعداء الدين فتكها - أن المجتهدين في الأدعية اثنان: إما سالك في ابتهاله مسلك الطالب الراغب، أو معدد في مناجاته ما لله عنده من المنائح والمواهب، ولا خلاف أن من عدد الإنعام أفضل ممن طلبه، ومن اعترف بالإحسان أشرف ممن رامه وخطبه، وأنه لا حجة لها على الله - عز وجل - لأنه استخلفها على البسيطة لما كانت أفضل الخلق، وارتضاها لتدبير الخليقة لما هي عليه من العمل بالعدل، والحكم بالحق، وانتضاها محامية عن دينه الحنيف وتوحيده، وشرف اعترافها عن عدول الجاحد ومحيده، فأولى ما ناجته به وصف نعمه التي لا تحصى بعدد، وشرح منحه التي يلزمها ذكرها دون كل أحد، لأنها محظورة على كافة أهل الأرض؛ والناطقين فيها، ومحرمة أن يتفوه بها بشر إلا أن يكون إيرادها من شريف فيها. فلذلك خدم المملوك بهذه المناجاة التي عظم بها القدر عند الله تعالى والجاه، وجعلها مشتملة على تعديد النعمة، واستمطار الكرم والرحمة، والله تعالى يمد عليه ظل مالكه، وينهضه بخدمته، ويديم على الدنيا والدين عز سلطانه، وبهجة دولته، بفضله، وطوله، وحوله، وقدرته.

وهذا ابتداء المناجاة
رب! قد آتيتني من الملك.
اللهم إنك قد فضلتني على بريتك، ونصبتني لتدبير خليقتك، وارتضيتني محاميا عن كلمة توحيدك، وعرضتني بذلك لمضاعفتك النعمة عندي ومزيدك، وخصصتني بما لم ينله ملك في قديم الإسلام ولا حديثه، وجعلتني ممن يتفق كل ناطق في وصفه - جل قوله - وحديثه، وعصمتني أن أجحد نعمك وأكفرها، وألهمتني أن أهب الجرائم وأغفرها، ما لم يكن ذلك حائلا عن إقامة الحدود، أو حاجزا عن الانتقام من أهل الشقاق والمردود.
اللهم إنك قد حفظت بي من الدين القيم ما أضاعه ملوك الوقت، وجعلت ذلك قاضيا لي بالمحبة وحاكما عليهم بالمقت، وحبوتني من الكافة بصفاء الضمائر وخلوصها، وساويت بين سرائرهم في عموم مشايعتي وخصوصها.
اللهم إنه قد أشرف هذا الشهر الشريف الذي فضلته على جميع الشهور، وميزته في متقادم الأزمنة والدهور، وعظمته بما أنزلته في ذكره ووصفه؛ فقلت في كتابك الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) .
وجعلت فيه ليلة القدر التي لم تزل أعمال من أحياها إليك صاعدة، والمخصوصة بنزول القرآن إلى سماء الدنيا فيها جملة واحدة.
اللهم فأعين على صيامه وقنوته، وأنهضني بما يجب له في أحيان ذلك ومواقيته، ووفقني لما يرضيك من عمل نهاره وليله، وأذهب عني رجز الشيطان الذي يجلب على المؤمن برجله وخيله، واجعل نصيبي من ثوابه كمنزلتي من اصطفائك، وحظي من أجره أجزل حظ مننت به على عبيدك وأوليائك.
اللهم إنك أعلم بمصالحي مني، وإن أيسر جزء من إحسانك يتجاوز غاية التمني، فبحرمة ما تعلمه من باطني وسريرتي، وما تطلع عليه من صحة عقيدتي وطهارة نيتي، وما ألهمتني إياه من بث العدل في الرعية، والعمل بمرضاتك في هذه البرية؛ إلا مددت في عمري وأصحبتني التأييد في جميع أمري، وجمعت لي الحُسنيين في القول والعمل، وبلغتني في طاعتك غاية المطلوب والأمل.
اللهم واقض لي أن يكون هذا الشرع الشريف محروس النظام بي، واجعل حمايته في عقبي كما كانت من قبل من أبي.
اللهم وامددني من الحظوظ الملكوتية والسعود اللاهوتية بما أمددت به أنبياءك الذين حكمت بعزتهم، وحتمت بقوتهم، وقضيت بانتشار دعوتهم، وتأذنت بظهورهم وإعلاء كلمتهم.
(1/43)

اللهم وألن في طاعتي القلوب القاسية، ومكن قواعد مملكتي لتكون راسخة راسية، واجعل الألسنة بصالح الأدعية لي لا غافلة ولا ناسية.
اللهم وأعني على ما استرعيتني ووفقني فيما استصلحتني له وارتضيتني، وأيدني بروح منك لتصلح شؤوني، ويصح تدبيري، وأرشدني إلى ما يحظى لديك عند مآلي إليك ومصيري، يا من لا يرد من أخلص في دعائه، ولا يحرم من وثق بعطائه، ولا يخيب من استمسك بالعروة الوثقى من تأميله ورجائه. إنك اللطيف الخبير، وأنت على كل شيء قدير.
(وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) وصلى الله على سيد المرسلين، محمد خاتم النبيين وعلى آله الطاهرين وسلم تسليما، (وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل) .

رسالة سماها عقائل الفضائل
أفضل الكلام أصدقه وأنفعه، وأشرف البيان أسبقه إلى الفهم وأسرعه، ولقد حكي عن المأمون أنه قال: أريت في المنام رجلا على الهيئة التي يوصف الحكماء بها، خيل إلي أنه أرسطاليس، فتقدمت إليه، وسلمت عليه، وقلت له: أيها الحكيم، ما خير الكلام؟ فقال: ما يستقيم في الرأي، قلت: ثم ماذا؟ فقال: ما يدل قليله على كثيره، قلت: ثم ماذا؟ فقال: ما لا تخشى عاقبته، قلت: ثم ماذا؟ فقال: لا ثم! فإذا كان غاية الوصف الذي ختم به مقاله أن يكون المتكلم كفافا لا عليه ولا له؛ فالكلام الذي يوجب أجراً أوفى رتبة وأعلى، والمقال الذي يذهب وزرا أسنى قيمة وأغلى، وذلك لا يجود إلا في تعظيم الله وحمده، ومواصلة شكره الذي به استنجاز وعده. والصلاة على سيد المرسلين محمد نبيه وعبده، وعلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أول من آمن به وتمسك بعهده، وعلى الأئمة من ذريته، العامل كل منهم في سياسة الأمة بغاية جهده، ثم الثناء على كل ملك وقع الاتفاق على فضله، وتساوت رعاياه في إنصافه وعدله، وحاز الشكر بلسان الإجماع، وألقت شيمه التنافس بين الأبصار والأسماع.
ولما كان مولانا الملك أفضل ملوك هذه الدار، وأعدل من أعين بمساعدة الأقدار، وأشرف من خدمه التوفيق في الإيراد والإصدار، ومن أبى في أحكام الأمة سوى مساواتها، وملك القلوب فكان أحق بها من سويداواتها، وأولى من النعم ما أوفى على السؤال والأرب، وبنى للعجم من الشرف مثل ما بناه رسول الله للعرب، ولم يرض عند الله تعالى بدون المنزلة العظمى والدرجة العليا، فاشترى الدار الآخرة بحسن سيرته وأفعاله في هذه الدار الدنيا.
كان أوفى ما استعمله الناطق، وأولى ما استكثر من الإخبار به الصادق؛ أن يورد من خصائصه وصفاته، ويذكر من أفعاله وحسناته ما يتوخى فيه قول الحق والصواب، وينال به عند الله جزيل الأجر والثواب. وحين عزم المملوك على ذلك رأى أن الكلام يشرف بمن ينسب إليه ويعزى، وجلالة الموصوف تكسب الواصف افتخارا وعزا، وقد قيل: إن القول يعظمه قائله، ولو قلت عقائله، فكيف إذا جمع المعنيين، ولم يكتف بإحدى الحُسنيين؟! وقد وصف مولانا الملك من الأئمة الخلفاء - صلوات الله عليهم - بما لا يحصيه عدد، ونال من ذلك ما لم ينله قبله أحد. والمملوك يقتصر من هذا الباب على فصول من جملة ما أنشأه عن الحضرة الطاهرة الآمرية - صلى الله عليها - مما ثبت في السجلات، وصدر إلى الأعمال والجهات، فتوج فروق المنابر، وبين عن الشرف الذي ورثه مولانا الملك كابرا عن كابر، واستوطأ مهادا من قبل كل سامع، وتضوع أرج ذكره في المحافل والمجامع، فهو - ثبت الله سلطانه - مستقر في دار مملكته السعيدة، وأحاديث فضله تجول في البلاد القصية والأماكن البعيدة.

فصل اتفق في أسجاعه اللفظ والخط دون المعنى
(1/44)

ولقد انتضى الله عز وجل لإعزاز الدين، وارتضى لتدبير الدنيا من يضاعف جزاءه يوم الدين؛ الملك السيّد الأجل الأفضل، أمير الجيوش، سيف الإسلام، ناصر الإمام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، الذي استظهرت المملكة بعزماته على كل مخالف ومعاد، وأبت مفاخره كل مكرر من الصفات ومعاد، وحفظ معاقد الملة من أن تختل أو تحل، وصان محظورات الشريعة من أن تباح أو تحل، وساس أمور الكافة ببأسه الشديد ورأيه الصليب، وصرف عالي همته إلى إعزاز التوحيد وإذلال الصليب، وأمضى في حياطة الإيمان مرهفا ماضي الغرار، وأسهر جفنه في مصالح الأمة فما يطعم من الكرى غير الغرار، فالإجماع واقع على أنه أشرف من رفع للمجد علما وراية، والاتفاق حاصل في كونه أفضل من وقف على الخيرات نظره ورأيه، ولهذا نجح قصد راجيه وسائله، وأصبح لديه تأميل مؤمله من أعظم وسائله، فلا زال باب اعتزامه في فل الخطوب غير مرتج، وزند عطائه غير كاب بعنان ولا مرتج.

فصل
فتدبيره أبرز الدولة الفاطمية في أجمل المعارض، وجعل آيات مجدها متلوة بلسان المخالف والمعارض، لأنه شيد مبانيها باصطفاء الأنجاد، وحمى الدين وقد قعد الملوك عن النصرة له والإنجاد، وانتصب لصالح الأمة يستمد أسبابها ويجتلبها، واجتهد في منافع الكافة يستدر أخلافها ويحتلبها، فالأفهام متواطئة على أن هدايته أرشدت الألباب الحائرة، والأحوال ناطقة بأن معدلته أذهبت الأحكام الجائرة، فالله يخلد نظره ما تتابع ليلة ويوم، ويشيد مجده ما تعاقب على الأجفان يقظة ونوم.

فصل
إن الله عضد الخلافة منه بكفيل تكفلت بحياطة الملة صرائمه، وخليل تجردت لإيالة الإسلام صوارمه، وحفيظ وضحت مفاخره وضوح ضياء الشمس، وحسيب اجتمع له فضيلتا كرم الأصل وشرف النفس، ومليك أوجبت خلاله تشوف الغد، وقضت بتلهف الأمس، ولذاك آتاه الله من الخصائص التي فاضل بها عظماء الأرض طرا، وحباه بالمآثر التي طال بها ملوك العصر شما كريمة وأفعالا غرا.

فصل
وكيف يبلغ الحمد مدى هممه، أو يؤدي القول فحوى شيمه، وقد بدد جموع الضلال ذباب قواضبه القاضية، وسرد أسود الأقيال تغالب أسنته الضارية، وأورد دماء الأعداء حوائم سهامه الظامية، واستنطق عصره مفتخرا على الأيام الخالية، بأيامه الحالية، فبكفالته اغتباط الدولة وابتهاجها، وإلى مكارمه معرج الآمال ومعاجها، وبتدبيراته الميمونة ظهر برهان الدولة الآمرية وثبت احتجاجها، ولا خلاف أن أعطاف مجده لائقة بها ملابس التعظيم، وأن ملوك الأرض قد أقرت له بفضيلة التقديم، وأنه قد حاز تالد الفخر وطارفه، فلم يحتج قديمه إلى حديث، ولم يفتقر حديثه إلى قديم.

فصل مما كتب به عند مقامه بالفرما لتقرير أمر الجهاد وتدبيره، والعمل بما يؤدي إلى هلاك العدو وتدميره
وأمير المؤمنين يقول مخبرا، ويورد مقتصدا مقتصرا. إن المنة به أكبر من أن يوفى حقها باعتداد، وأعظم من أن يؤدى فرضها بمبالغة في الشكر واجتهاد، وأسنى من أن يحيط بها وصف أو شرح، وأعلى من أن يناهضها تقريظ أو مدح، إلا أن البلغة من أوصاف مفاخره واللمعة من فضائله الباهرة ومآثره؛ أنه ملك يؤمن الخائف، ويقهر الحائف، ويبالغ في شكر العطاء والجود، ولا يتعدى الحد في إقامة الحدود، فحلال الدماء مطلول بشفار مشرفيته، وحرامها مصون بدينه الخالص وتقيته، يعمل بما يقضي بجذل الإسلام وابتهاجه، ويضمن الطمأنينة والسكون في حركته وانزعاجه، وينهض لنصرة الدين وقد صاحبته الميامن والسعود، ويفارق وطأته فراق السيف غمده يجلي ظلم الحوادث ويعود، ولذاك أعمل ركابه لتجهيز العساكر المؤيدة، والأساطيل المظفرة، واستسهل البعد عن مقر أمير المؤمنين في جنب ما يرجوه من إبادة أعدائه الكفرة، لأن عملهم ينهوضه جيش ينفذ من الرعب، ولأن بعده الآن مؤذن - بمشيئة الله - بدوام الدنو والقرب، فكم استخرجت عزمته الدعة من النصب، وكم استنتجت همته الراحة من التعب، فلا زالت أقطار المملكة محصنة بقواضي قواضبه، والخطوب مخاطبة عن حوزتها بألسنة كتائبه.
فإذا كان هذا جزءا من ثناء أمير المؤمنين، ويسيرا مما تداوله الخلفاء على متقادم السنين؛ فأين يقع منه اجتهاد مماليكه في إحسان ذكره؟ وكيف يطمع أحد منهم بواجب حمد الله على تمليكه عليهم وشكره؟
(1/45)

عذرا إليه فإننا من عجزنا ... وقصورنا عن مدحه نستغفر
وهذه الفصول أنموذج في وصف مناقبه كاف، وسبيل إلى نشر فضائله غير عاف ولا خاف، والمملوك يقف عند هذا الحد، ويقنع بما أورده مما قد أمن فيه من الرد، ويشفع ذلك من الملح بما يسنح، ويتبعه بما يميل القلب إلى مثله ويجنح، وهو وإن أورد منه ما نزر وقل، فقد نبه به على نظائره ودل، والله يعينه من الخدمة الشريفة على ما تضمره نفسه وتنويه، ويقضي له من الحظ بما يكسبه جزءا من إشادة وتنويه، بجوده، ومجده، وكرمه وفضله.

من فضائل الملوك التي ذكرت إيماء لكثرتها واتساع فنونها، ولأن التخفيف والاختصار من شروط هذه الخدمة وقوانينها
وذلك نوع إذا استشفت ضروبه، وتؤملت أساليبه؛ كان سهم مولانا الملك منها السهم المعلى، وألفي كل مدح في حقه مستنزرا مستقلا، ولو لم يكن له من المناقب التي فضل بها وفاق، وملأ ذكرها ووصفها الآفاق، إلا أنه قوم الزمان لما مال وانحرف، وفعل في تعديله ما أقر به الجاحد واعترف، فوفق بين سنة الشمس وسنة القمر، وأبان عن صحة الفكر ودقة النظر، وكانت مسافة بعدهما منافرة للعادة، ومدة تفاوتهما ثلاث سنين وهي إلى الزيادة، فدبر ذلك على حسب سيرته العادلة، وسنته الحسنة، وجعل مقدار هذا التباين مأمونا فيهما إلى مائة سنة، وأمر - أعلى الله أمره - بما أنشئ في هذا المعنى مما تولى - خلد الله ملكه - تهذيبه، وقصد إيصاله إلى الأفهام وتقريبه، وقرئ على جميع منابر المملكة، فعلم الكافة ما فيه من عموم النفع وشمول البركة، وذلك مما عجز عنه الوزراء الذين هذا الفن صناعتهم، والتصرف في الكتابة عمدتهم وبضاعتهم، فما يتنافسون إلا في طلابها، ولا يتوسلون إلى الرئاسة إلا بها. وهو - ثبت الله دولته - فهي أيسر حسناته، وأقل آلاته وأدواته، وفضيلته فيها فضلة على ما هو أعلى منها وأشرف، وعلومه شاهدة أنه أنفذ من مدرسيها وأعرف.
ولقد حكى الزعيم أبو العلاء (ثقة الملك) صاعد بن مفرج أن أماثل متولي الدواوين اجتمعوا عند بعض الوزراء في سنة نيف وثلاثين، وتفاوضوا في نقل السنة الخراجية إلى الهلالية، وقصدوا ما رفع اللبس وأزاله، ووسعوا القول رغبة في إيضاح المعنى له، فقال: ما أوثر أن يجري هذا في أيامي ولا نظري، فو الله ما وصل إلى فهمي، ولا علق بتصوري، وهذا يكون على يد غيري، ويخبأ لمن يأتي بعدي. فأمسكوا عنه، وخرجوا من عنده وبقي ذلك مهملا إلى سنة خمس مائة لأن الله تعالى ذخر الفضيلة فيه لمولانا الملك الذي أسبغ النعم العميمة، وأولى المنح الجسيمة، ولم يكتف بالإحسان إلى كافة البرية حتى لاءم بين السنة الشمسية والسنة القمرية.
فالله تعالى يديم بهجة الدنيا بامتداد ظله، ويلهم أهلها ما يستوجبون به سبوغ عدله، ويجعل القلوب على طاعته متفقة، كما تألفت عنده الفضائل التي غدت في الناس مفترقة.

لا غرو إن كان فيه الفضل مجتمعا ... والفضل مفترق في (سائر الأمم)
فأحرف الخط يحوى الطرس جملتها ... وقد تفرع منها سائر الكلم
ولا زالت الأمة في شكره قاضية دين، وإحسانه متجددا أبدا على الجديدين. فأما إرشاده للمستخدمين، وإيفاؤه على ملوك الأرض المتأخرين والمتقدمين؛ فيكفي من ذلك ما شاع واشتهر، ويقنع منه ما بهر مذ ظهر، ولا خلاف أنه يهدي الحكام في المشكلات إذا نزلت، ويشجعهم في القضاء إذا ضعفت القوى وانخزلت، ويرسم للكتاب ما يعتمدونه في المستبهمات إذا عرت، ويوضح لهم طرق المعالي إذا صعبت وتوعرت، فأدام الله ظله على هذا الخلق، وأجاب فيه دعاء أهل الغرب والشرق، بكرمه وفضله وجوده، ومجده.
يحكى أن الصاحب أنشد عضد الدولة فناخسروا قصيدته المعروفة باللاكنية لكثرة ما كرر فيها (لكن) وأولها:
أشبب لكن بالمعالي أشبب ... وأنسب لكن بالمفاخر أنسب
ولي صبوة لكن إلى حضرة العلا ... وبي ظمأ لكن من العز أشرب
فلما انتهى إلى قوله:
ضممت على أبناء تغلب ثأيها ... فتغلب
ماكر الجديدان
تغلب
قال عضد الدولة: يكفي الله كراهية لقوله: تغلب! والصاحب لم يتيقظ لهذا النقد مع أنه لا يصح في هذه اللفظة إلا بتغييرين: ضمة التاء، وفتح اللام، وإنما ذكر أحدهما.
(1/46)

وقد سلم ابن حيوس مما لزم الصاحب، لما كان مادحا لبني تغلب، وغير محتاج إلى بناء الفعل لما لم يسم فاعله في قوله:
إذا البيض كلت يوم حرب فإنها مواض قواض أن تغلب تغلب
ومولانا؛ فقد صان الله مواقفه المعظمة، ومقاماته المكرمة عن أن تكون الخدم بها إلا منقحة، والمدح لها إلا مهذبة مصححة، وحماها مما لم يزل سامعوه ينتقدونه فيحتاج قائلوه إلى الاعتذار عنه بما يتأولونه.
كان أبو المناقب الشاعر قد خدم المقام العالي المالكي الأفضلي - ثبت الله سلطانه - بعيدية أولها: نهنيك، كلا! بل يهنى بك الدهر فقيل له: إن لفظة (كلا) هاهنا غير مستحسنة، فوافق على ذلك وغيرها فقال: نهنيك والأولى نهني بك الدهر وهذا دليل على أن الأقدار بخدمة مولانا متطوعة، والأفكار إلى ما يرتضي غرضه بعالي مجلسه متوثبة متسرعة.
ويروى أن سيف الدولة علي بن حمدان قال لابن خالويه: لم يأت على تصريف: رحم، فهو راحم، ورحيم، ورحمان؛ إلا قولهم: سلم فهو سالم، وسليم، وسلمان، وندم فهو نادم، ونديم، وندمان. فقال ابن خالويه: أعرف رابعا في نسب الأمير، قال: وما هو؟ قال: حمد فهو حامد، وحميد، وحمدان.
وهذه الرواية وإن شهدت بفضيلة سيف الدولة وأدبه، فقد أعربت عن إغفاله تقصي النظر في نسبه.
وقد تقدم من وصف مولانا ما يدل على معجزاته، وعلم معه أن الاستدراك لا مجال له في معلوماته، ولو أودع هذا الباب ذكر خصائصه لأتى من توسيع القول وبسطه ما يقضي بتوفر حظ الإطناب وتضاعف قسطه.
يقال: إن رجلا سأل شرف الدولة مسلم بن قريش حاجة، وسار في موكبه إلى أن وصل إلى حضرته، فقال له: أيها الأمير لا تنس حاجتي، فقال له شرف الدولة: إذا قضيتها نسيتها! وهذا من الأجوبة الدالة على شرف القدر، واستيجاب الصدر، وهو جل البيت الثاني من قول ابن قابوس عمر بن مسلم في يحيى بن خالد البرمكي:
رأيت يحيى أتم الله نعمته ... عليه يأتي الذي لم يأته أحد
ينسى الذي كان من معروفه أبدا ... إلى الرجال، ولا ينسى الذي يعد
ومن أعلى رتب البلاغة نثر المنظوم ونظم المنثور، وقل من يجيد فيهما إلا من أعانته دربته، وساعده طبعه وفطرته.
وقد كان أبو سعد علي بن خلف صنف لبهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة كتابا في حل المنظوم، ولقبه بالمنثور البهائي واعتمد فيه على الحماسة، للألف لها، والأنس بها، كما فعل أبو علي الفارسي في كتاب الإيضاح الذي عمله لأبيه عضد الدولة فناخسروا؛ فإنه استشهد في باب (كان) بقول أبي تمام:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا
قال علي بن عيسى الربعي: قال لي أبو علي مرات: ما أفرق بين شعر الطائي والبحتري، وبين حجرين ملقيين في الطريق أتجنب أن أعثر بهما فأعدل! ثم اعتذر إلي من هذا البيت الذي ذكره في الإيضاح، فقال: يا أبا الحسن، لا تظن أني تغير رأي في الطائي، أو ناقضت لذكري هذا البيت، وإنما جرى في مجلس الأمير فعملته لأنه من حفظه لا أني جعلته شاهدا! ولعمري إن أبا تمام وغيره من المحدثين لا يستشهد بأشعارهم في النحو ولا اللغة؛ لأن الشواهد على ذلك إما لجاهلي، وإما لمخضرم: بفتح الراء وكسرها. قال الأخفش: يقال: ماء خضرم إذا تناهى في الكثرة والسعة، فمنه سمي الرجل الذي شهد الجاهلية والإسلام مخضرما؛ كأنه استوفى الأمرين.
قال: ويقال: أذن مخضرمة، إذا كانت مقطوعة، فكأنه قطع عن الجاهلية إلى الإسلام.
وإما لإسلامي كرؤبة، وذي الرمة، وجرير، والفرزدق.
على أن ابن جني قال في شرح منهوكة أبي نواس: وبلدة فيها زور.
قال بعض أهل علم العرب: لولا ما كان أبو نواس يخلط به شعره من الخلاعة لاحتج به في كتاب الله - عز وجل _، وفي حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
رجع المملوك إلى حل المنظوم: فمن فصول المنثور البهائي المقدم ذكره:
(1/47)

ومتى استنهضتنا لخطب، أو استنجدتنا في حرب؛ أنجدك منا رجال بأيديهم آجال، إذا أبدى البأس ناجذيه طاروا جماعات ووحدانا إليه، وإن صرح الشر لهم، وهو عريان، عدوا عليه عدوة الليث وهو غضبان، يرون بالقتل حياة، وفي الشر نجاة، لا يصدون عن الحرب الزبون فرارا، ولا يزدادون عليها إلا إصرارا، ولا تبلى بسالتهم وإن صلوا بها أطوارا، إذا أحلبت عليهم العدو المباسل اقتسمته الأسنة والسلاسل، وإن سما لهم الجاهل المتطاول، فما العمر منه بباق ولا المدى متطاول.
وهذا الفصل جل أوائل الحماسة: فأما نظم المنثور فلم ير المملوك تصنيفا فيه إلا الحاتمية. وهو يمثله بشيء مما حاضر به، واتفق له.
قال يوما لأمية بن عبد العزيز المعروف بأبي الصلت في مذاكره بينهما: ما أحسن قولهم: الأماني أحلام المستيقظ، فوافق على استحسانه، ونظمه فقال:
كم ضيعت منك المنى حاصلا ... كان من الواجب أن يحفظا
فإن تعللت بأطماعها ... فإنما تحلم مستيقظا
من الشعر المستحسن قول سيف الدولة صدقة بن مزيد يصف ناقة:
وحطا رحال الميس عنها فإنها ... أنيخت هلالا بعدما ثورت بدرا
ويحكى أنه لم يقل قط إلا هذا البيت، واقتصاره عليه دليل على أنه لم يستكره طبعه ولا تعسف فكره.
وهذه قضية قد اتفقت لجماعة من الفضلاء في أنهم يقولون البيت المفرد، ولا يعملون له ثانيا. فمنهم وقد - رقي المنبر يوم عيد فأرتج عليه، فنزل وهو يقول:
فإلا أكن فيكم خطيبا فإنني ... بسيفي إذا جد الوغى لخطيب
فقيل له: لو قلت هذا على المنبر كنت أخطب الناس! ومنهم هشام بن عبد الملك، فإنه كان يكثر التمثل ببيت قاله، ولم يقل غيره، وهو:
إذا أنت لم تعض الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال
ومنهم إبراهيم بن موسى بن جعفر في قوله لذي الرئاستين معزيا بابنه العباس:
خير من العباس أجرك بعده ... والله خير منك للعباس
ومنهم عمرو بن مسعدة - ووقع به -:
أعزز علي بأمر أنت طالبه ... لم يمكن النجح فيه وانقضى أمده
وقال ابن عبدوس في كتاب: الوزراء والكتاب إنه لم يقل قط غيره.
ومنهم إبراهيم بن العباس الصولي في قوله:
أناة فإن لم تغن أعقب بعدها ... وعيدا، فإن لم يغن أغنت صوارمه
ولم يقل أولا ولا ثانيا.
وقد قيل: إنه بدأ به على أنه كلام منثور، فجاء موزونا، فأقره على ما هو به.
ولا يعلم المملوك شعرا في مكاتبة سلطانية إلا هذا البيت.
ومما مدح الفضل بن يحيى به مفردا:
ما لقينا من جود فضل بن يحيى ... يترك الناس كلهم شعراء
فاستجيد هذا البيت، وعيب بأنه مفرد، فقال أبو العذافر:
علم المفحمين أن ينطقوا الأش ... عار منا والباخلين السخاء
ويروى أن ابن دارة واصل هجاء رجل من العرب فلقيه المهجو يوما وحده، فقتله، وقال: محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا.
ومنهم الشريف البياضي، وكتبه على مروحة:
وا رحمتا لي أن حللت بمجلس ... أن لحنوا فيه يكون كسادي
وهذا من أحسن ما هجي به غناء.
ولبعض شعراء المجلس العالي - ثبت الله سلطانه - في ملك غانة، لما وصل مصر يريد الحج، وقد شاهد أهل مملكة مولانا ما ناله من الحباء الذي سهل حجه، والعطاء الموضح له سبيل مراده ونهجه:
كذا يجيب دعاء الله من عرفه ... من غانة غاية الدنيا إلى عرفه
ولما اجتمع المملوك به طالبه بعلم ثان فذكر قصور قدرته عنه.

مما أهمله المتقدمون وتركوه، فتيقظ له أدباء هذا الوقت واستدركوه
تضمن كتاب البلاغتين للعسكري نقدا على الفرزدق وابن هرمة، وهو: قال الفرزدق:
وإنك إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كمهريق ماء بالفلاة وغره ... سراب أذاعته رياح السمائم
وقال ابن هرمة:
وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
والمنتقد أن ثاني بيت الفرزدق يصلح ثانيا لبيت ابن هرمة، وثاني بيت ابن هرمة يصلح ثانيا لبيت الفرزدق. ولم يزل إصلاح ذلك مهملا إلى أن فاوض المملوك بعض الأدباء فيه، فقال: ينبغي أن يكون قول الفرزدق:
(1/48)

وإنك إذ تهجو تميما وترتشي ... سرابيل قيس أو سحوق العمائم
كورقاء تعري للسفاهة بيضها ... وتستر بيضا غيره بالقوادم
وقول ابن هرمة:
وإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندا شحاحا
كمثل الذي يهريق السقاء ... إذا ما السراب لعينيه لاحا
وهذا مما قنع المتقدمون بانتقاده، وأهملوا إصلاحه وتقويم منآده، حتى هذبه أدباء هذه الأيام الزاهرة، وحرره أنشاء هذه المملكة القاهرة، وذلك لما فاض عليهم من أنوار مالكها فاسترشدوا به في طريق الصناعة ومسالكها.
ذكر الشريف المرتضى في كتاب: طيف الخيال قول البحتري:
هجرتنا يقظى، وكادت على عا ... دتها، في الصدود تهجر وسنى
وحكى كلام الآمدي عليه، وتغليطه للبحتري مع حسن رأيه فيه، ووافقه الشريف على ما ذهب إليه، مما مضمونه أنه يقظى ووسنى حالان من ضميرها، وأنها لا تكون موصالة في وسنها، حتى يقول: كادت تهجر في هذه الحال! وهذا البيت صحيح المعنى، وهو من إحسان البحتري، وذلك أن يقظى جمع يقظان، وهو حال من ضمير المتكلمين، لا من ضميرها، ووسنى جمع وسنان، وهو مفعول تهجر، وتقريبه: هجرتنا في حال يقظتنا، وكادت تهجر قوما ذوي وسن.
فالتأويل الأول يجعل البيت من إساءات البحتري ومعايبه.
والتأويل الثاني يجعله من حسناته وغرائبه.

من النقد
سمع المملوك من ينشد:
لا تعلمن مؤالفا ومخالفا ... حاليك في السراء والضراء
فلرحمة المتوجعين مضاضة ... في القلب مثل شماتة الأعداء
فقال: يتوجه النقد في البيت الأول لكونه أجرى المؤالف مجرى المخالف في النهي عن إعلام حاليه، وإنما الواجب أن يعلما حاله في السراء؛ لما في ذلك من مسرة المؤالف، وغيظ المخالف، وأن لا يعلماها في الضراء إشفاقا من حزن المؤالف، وشماتة المخالف. والوجه أن يكون البيت:
لا تعلمن مؤالفا ومخالفا ... بنوازل البأساء والضراء
والدليل على ذلك تعليله إياه في البيت الثاني.
كان المملوك يوما مع إخوان له، وهم يتذاكرون أشياء من الأدب، فأنشد بعضهم قول ابن سعيد الحلبي:
إذا أخذ المرآة ينظر وجهه ... حسبتهما شمسين بينهما بدر
فأنشد آخر في التشبيه بالمرآة:
والنجم وجه مقبل ... والبدر مرآة صدية
فقال المملوك: هذا البيت مما جمع تشبيهين بغير أداة، وفيه نقد لا يدرك لمجرد الأدب؛ وذلك أن هذا التشبيه لا يكون إلا في وقت مخصوص، وهو إذا صار القمر بدرا في الثور، وكان ذاهبا إلى مقاربة الثريا، أو منصرفا عنها، لأن النجم - على مذهب العرب - الثريا. ألا تراه شبهها بالوجه، ثم ذلك لا يكون والشمس في الثور، إذ كانت الثريا من كواكبه، وكل كوكب لا يظهر إذا كانت الشمس في برجه؛ لأنه يكون تحت شعاعها.
ومن مليح ما قيل في المرآة:
قوراء تحويك وتحتويها
حاملة أشخاص حامليها
أعجب بها! تريك ما تريها
مظهرة منك بها شبيها
والحسن والقبح جميعا فيها!
وعلى ذكر التشبيه، فقد أحسن بعض الشاميين في قوله - وكتب به إلى صديق له يدعوه على عجة -:
وعندي عجة تزهى بحسن ... تناهى فاستمالت كل نفس
ولم أر قبل صائغها حكيما ... يصوغ من الكواكب عين شمس
ومن مليح اللغز فيها قول الآخر في أبيات: حروفها تقرأ مقلوبة: ومراده: اسمها، لا قلب حروفها.
وهذا يدخل في باب المحاضرة بقول الصقلي:
قد جاء بالنسرين يمسح خده ويشوفه
زهر ألذ بقربه ... ويسرني تصحيفه
ومراده أن (هذه الكلمة التي هي) يسرني، تصحيف نسرين.
وقوله أيضاً في كرسي:
وا وحشتا لمفارق ... قد كان عيشي أنسه
فاعذر أخاك فإنه ... شيء يسرك عكسه
ومراده: عكس يسرك.
ومن فضلاء الشاميين السابق المعري، وله رسالة وسمها بتحية الندمان. قال: ولهذا اللقب معنيان: أحدهما، رضيع المدامة، والآخر، فعلان، من الندامة.
فمن محاسنها قوله: صرت إلى حلب، والزمن موشي الجلباب، مقتبل الشباب، قد تم عذاره، ونم بمحاسن وجهه آذاره.
وذكر المملوك بهذا الفصل قول محمد القيرواني - وقد كتب إجابة لمن سأل عما آل إليه حال الجدب -:
(1/49)

وأما ما انعجم عليك من حال حولنا فقد برئ - بحمد الله - عليل برانا، وأثرى فقير ثرانا، بطالع وسمي دنا فأسف، وتابع ولي وكف فما كف ثرثارا قطره، محجوبا شمسه وبدره، حتى إذا ركب بالطام، وخيف منه انحطام الأطام، مزق عن الرقعاء صحيح إهابها، واختزن در البر في أصداف ترابها.
وللملوك رسالة في مضاهاة هذه الإجابة منها: وأما استقراؤك حال سنتنا التي وصفتها بالمجدبة، وهي المجدية، ووسمتها بالمهلكة وهي المحيية؛ فقد كانت البلاد مغبرة مقشعرة فيها، وجاء - من كرم الله - ما يذهب عنها الشدائد وينفيها، فأتت جيوش النعم متوافرة مقتحمة، ودنت ضروب المنح مكاثرة مزدحمة. فتأمل الألطاف كيف تستبق ولا يخاف من فوتها، وانظر إلى أثر رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها وذلك أن السحاب أنجم ثم أثجم، والغيث ارتفع ثم اندفع، بهطل لا يخشى ضيمه، في يوم ستارته غيمه، تخال مزنه للشمس عاشقا، وتظنه بها مغرما ولها وامقا، فكلما جعلت تحتجب ظل لعدمها يبكي وينتحب، فعاد نسيم وقتنا عليلا مريضا، وغدا أديم أرضنا صحيحاً أريضاً، قد أحيا انهلال القطر بجرعاتها مواتا، واستحفظت من الحب سرا فوشت به نباتا.
رجع المملوك إلى تحية الندمان.
فمن فصولها: ولقد نشطت يوما للنزهة في جماعة من الغرباء وطنا وفطنا، فمر لنا يوم خنث الشمائل، غنج الضحى والأصائل، فلما قبض المغيب روح الشمس، وصارت من الظلام في رمس، حثثنا الصغير بالكبير، وحدنا عن شرب القليل إلى الكثير.
والمملوك يقول: إن قوله: وطنا وفطنا، من تركيب قول البديع: فما أجرنا حزنا حتى هبطنا بطنا.
وقد أحسن البحتري في قوله:
جلن في يابس التراب فما رم ... ن طعانا حتى وطئن الطينا
فأما وصفه الشمس في مغيبها، وما استعاره لها عند غروبها؛ فهو مما أغرب فيه، وأتى بإحسان لا يقدر الحاسد يكتمه ولا يخفيه.
وقد أحسن الآخر في وصفها عند أفولها بقوله: فجليت عروس الشمس في الإصفرار، وأخذ الليل يدنس ثوب النهار.
وذكره هاهنا تدنيس الثوب مع جلاء العروس من المعاني التي تبتهج بها القلوب، وتنشرح لها النفوس.

فصل في محاسن أهل الوقت
فمن ذلك: قول قاسم بن علي معارضة لأبي عبادة البحتري.
قال البحتري من قصيدة أولها:
بات نديما لي حتى الصباح ... أغيد مجدول مكان الوشاح
مشبها للثغر:
كأنما يبسم عن لؤلؤ ... منظم أو برد أو أقاح
وقال القاسم بن علي (الحريري) :
نفسي الفداء لثغر راق مبسمه ... وزانه شنب ناهيك من شنب
يفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد ... وعن أقاح وعن طلع وعن حبب
فالبحتري شبه الثغر بثلاثة، والقاسم شبهه بخمسة وهذا أكثر ما يمكن في بيت.
وإذا استحسن قول الوأواء:
وأسبلت لؤلؤا من نرجس فسقت ... وردا وعضت على العناب بالبرد
وفيه خمسة تشبيهات بخمسة مشبهات فأن تستحسن هذه العدة لمشبه واحد أجدر.
والقاسم هذا باهر الفضل، فائق الطبع، غزير الأدب، كثير الملح فمما أعرب فيه عن براعته، وأبان عن بديع صناعته، أنه يمدح الشيء فيحسن في مدحه، ثم يذمه فيكشف عن قبحه، كقوله يمدح الدينار:
أكرم به أصفر راقت صفرته
وحببت إلى الأنام غرته
كم آمر به استتبت إمرته
وجيش هم هزمته كرته
وحق مولى أبدعته فطرته
لولا التقى لقلت: جلت قدرته!
وقوله يذمه:
تبا له من خادع مماذق
أصفر ذي وجهين كالمنافق
وحبه عند ذوي الحقائق
يدعو إلى ارتكاب سخط الخالق
وشر ما فيه من الخلائق
أن ليس يغني عنك في المضائق
إلا إذا فر فرار الآبق
واها لمن تقذفه من حالق
ومن إذا ناجاه نجوى الوامق
قال له قول المحق الصادق
ولا رأي في وصلك لي، ففارق
وقد جعل هذا الشعر على وجه اللغز، وهو كثير الاستعمال لهذه الطريقة. ومن مليحها ما صنعه على لسان السروجي وولده وقاض تقدما إليه، فالذي نسبه إلى السروجي:
(1/50)

أيد الله القاضي، إنه كانت لي مملوكة رشيقة القد، أسيلة الخد، صبورة على الكد، تخب أحيانا كالنهد، وترقد أطوارا في المهد، ذات كف ببنان، وفم بلا أسنا، مطبوعة على المنفعة، مطواعة في الضيق والسعة، وطالما خدمتك فحملت، ولربما جنت عليك فآلمت وململت، وإن هذا الفتى استخدمنيها لغرض، فأخدمته إياها بلا عوض، على أن يجتني نفعها، ولا يكلفها إلا وسعها، فأولج فيها متاعه، وأطال بها استمتاعه، ثم أعادها وقد أفضاها، وبذل عنها قيمة لا أرضاها.
والذي نسبه إلى الولد: أما الشيخ فأصدق من القطا، وأما الإفضاء ففرط عن خطا، وقد رهنته على أرش ما أوهنته مملوكا لي متناسب الطرفين منتسبا إلى القين، نقيا من الدرن والشين، يقارن محله سواد العين، يغذي الإنسان، ويتحامى اللسان، إن سود جاد، وإن وسم أجاد، وإذا زود وهب الزاد، ومتى استزيد زاد، لا يستقر بمغنى، وقلما ينكح إلا مثنى، يسخو بموجوده، ويسمو عند جوده، وينقاد مع قرينته، وإن لم تكن من طينته.
والذي نسبه إلى القاضي: إما أن تبينا، وإلا فبينا! فقال الولد:
أعارني إبرة لأرفأ أط ... مارا عفاها البلى وسودها
فانخرمت في يدي على خطأ ... مني لما جذبت مقودها
فاعتاق ميلي رهنا لديه ونا ... هيك بها سبة تزودها
فالعين مرهى لرهنه ويدي ... تقصر عن أن تفك مرودها
وقال الشيخ:
أقسمت بالمشعر الحرام ومن ... ضم من الناسكين خيف منى
لو ساعفتني الأيام لم ترني ... مرتهنا ميله الذي رهنا
ولا تصديت أبتغي بدلا ... من إبرة غالها ولا ثمنا
لكن قوس الخطوب ترشقني ... بمصميات من هاهنا وهنا
وخبر حالي كخبر حالته ... ضرا وبؤسا وغربة وضنا
قد عدل الدهر بيننا فأنا ... نظيره في الشقاء وهو أنا
لا هو يستطيع فك مروده ... لما غدا في يدي مرتهنا
ولا مجالي لضيق ذات يدي ... فيه اتساع للعفو حين جنى
فهذه قصتي وقصته ... فانظر إلينا وبيننا ولنا!
وقال في وصف كرم الخلق: أنا أراعي الجار ولو جار، وأبذل الوصال لمن صال، وأستقل الجزيل للنزيل، وأغمر الزميل بالجميل، وأودع معارفي عوارفي، وأولي مرافقي مرافقي، وألين مقالي للقالي، وأديم تسآلي عن السالي، وأقنع من الجزاء، بأقل الأجزاء، ولا أتظلم حين أظلم، ولا أنقم ولو لدغني الأرقم.
وقال في عكس ذلك: أنا لا آتي غير المواتي، ولا أصافي من يأبى إنصافي، ولا أواخي من يلغي الأواخي، ولا أمالي من يخيب آمالي، ولا أداري من جهل مقداري، ولا أبذل ودادي لأضدادي، ولا أدع إبعادي للأعادي، وإلا فلم أعلك وتعلني؟ وأقلك وتستقلني؟ وأجرح لك وتجرحني؟ ومتى أصحب ود بعسف؟ وأي حر رضي بخطة خسف؟
قد كلت للخل كما كال لي ... على وفاء الكيل أو بخسه
ولست بالموجب حقا لمن ... لا يوجب الحق على نفسه
ومن مليح شعره قوله:
لقد أصبحت موقودا ... بأوجاع وأوجال
وخوان من الإخوا ... ن قال لي لإقلالي
فكم أخطر في بال ... ولا أخطر في بال
فمحرابي أحرى بي ... وأسمالي أسمى لي
فهل حر يرى تخفيف أثقالي بمثقالي
وقوله:
إني امرؤ أبدع بي ... بعد الوجا والتعب
فزفرتي في صعد ... وعبرتي في صبب
وأنتم منتجع الراجي ... ومرمى الطلب
لهاكم منهلةٌ ... ولا انهلال السحب
وجاركم في حرم ... ووفركم في حرب
ما لاذ مرتاع بكم ... فخاف ناب النوب
ولا تستدر آمل ... حباءكم فما حبي!
فأما قوله:
فزفرتي في صعد ... وعبرتي في صبب
فمن المعاني التي تصرف فيها الشعراء وتفننوا، وتوسعوا توسعا أجادوا فيه وأحسنوا، فمن ذلك قول ابن أبي سعيد:
شتان في الحالين ما بيننا ... وبيننا في المنظرين اشتباه
يا عجبا من حرقات الهوى ... تصعد نيرانا وتجري مياه
وهذا أصنع من بيت القاسم بن علي، لأن القاسم جعل الزفرة غير العبرة، فهذا في ارتفاع والتهاب، وهذه في انحدار وانصباب، وابن أبي سعيد جعلهما شيئا واحدا إذا صعد كان نارا، وإذا جرى كان ماء، فالنار علة الماء؛ لأن صعودها يجريه.
وقد عكسه الآخر في قوله:
(1/51)

ولم أر مثل الدمع ماء إذا جرى ... تلهب منه في الأصابع نار
فجعل الماء علة النار، وأن جريانه سبب لتلهبها.
وقد أحسن الصاحب غاية الإحسان في قوله:
لا تحسبن دموعي البض غير دمي ... وإنما نفسي نار تصعد ( ... )
ولابن عباد أحد سلاطين الأندلس:
نار وماء صميم القلب أصلهما ... متى حوى القلب نيرانا وطو (فانا)
ضدان ألف هذا الدهر بينهما ... لقد تلون في الدهر ألوا (نا)
وأما قول القاسم:
وجاركم في حرم ... ووفركم في حرب
فمعنى متداول أيضا. ومن مليح ما قيل فيه:
لك العرض المباح لمن بغاه ... من العافين والعرض المصون
وجارك ضد مالك منذ أما ... محلك، ذا يعز، وذا يهين
وعلى ذكر قاسم، فللقاضي الرشيد محمد بن قاسم - وكتب به إلى صديق له كانت جاريته تزور داره، فجاءت على عادتها، وسألها أهله أن تقيم عندهم - فاستزار مولاها بقوله:
سيدة الروم رام عترتها ... مقامها عندهم إلى العتمه
فكن صلاة العشاء زائرنا ... والنون للجمع ليس للعظمه
ولقد ملح ابن قاسم وتظرف، كما تنوع قاسم وتصرف.
الغزالي:
حلت عقارب صدغه في خده ... قمرا فجل بها عن التشبيه
قد كنت أعهده يحل ببرجها ... فمن العجائب: كيف حلت فيه؟!
ولما أنشد المملوك هذين البيتين ابن مكنسة عمل بديها:
قلت ... إذ ذرفن الدلا
ل على خده الشعر
هذه آية بها ... ظهر الحسن واشتهر
ما رئي قبل صدغه ... عقرب حلت القمر
وعلى ذكر القمر والعقرب فقد أحسن ابن المغربي في قوله - وقد لسبت العقرب جارية كان يهواها -:
كم تستحم العين فيك بمائها ... حتى كأن بها جنون المذهب
إن كان نالك مؤلم من عقرب ... فالبدر ممتحن ببرج العقرب
وبرج العقرب: هبوط القمر. وقد جاء في الحديث أن رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - نهى عن السفر إذا كان القمر في برج العقرب.
ولمحمود بن القاضي الموفق:
لام العواذل مغرما ... في حب ملهية وقينه
ولو أنهن رأين تأ ... ثير الغرام به وقينه
وهذا تجنيس لفظي خطي تركيب، فأما الخط واللفظ فواضحان، وأما التركيب فالكلمتان في عدته متساويتا، وذلك أن الواو في الأولى عاطفة، وهي في الثانية من أصل الكلمة، والنون في الأولى من أصل الكلمة، وفي الثانية ضمير جماعة المؤنث، فأما الهاء فهي في الأولى تاء التأنيث المبدلة هاء في الخط والوقف، وفي الثانية ضمير المفعول الذي هو المغرم.
وهو يكثر من استعمال هذه الطريقة، وهي من أحسن ضروب التجنيس، فمن ذلك قوله:
وقد كان رأيك ركني الذي ... عليه اعتمادي وها قد وهى
ومن هذه الأبيات:
ترى الشمس يسمو بها أوجها ... إذا قابلت منهم أوجها
والمملوك يختم هذا الجزء ببعض ما لهذا المملوك محمود من الخدم الشريفة، تحريا للصدق الذي لا يشوبه إفك، وعملا بقول الله - عز من قائل -: (ختامه مسك) فمن ذلك قوله من قصيدة:
لي مهجة جفناك قد فتناها ... وبغى العدو أذاتها فتناهى
ما كان أفتاها بوصلي رحمة ... فمن الذي بقطيعتي أفتاها؟
آها لما صنع الهوى بل واها ... فيه تلذ نفوسنا بلواها
ندية الأردان يفعم نشرها ... فكأنه أوصاف شاهنشاها
هادي الدعاة الأفضل الملك الذي ... فخر الزمان بما أتاه وتاها
قد كان عدم العدل أقنط أنفسا ... فجعلتها تقوى على تقواها
وقوله من قصيدة أخرى:
إني لأشكر بدر الخدر حين بدا ... وقد تقارب حيانا فحيانا
يرضي الهوى والتقى والعاذلات فما ... ينفك يجمع إحصانا وإحسانا
إن طالما أوضعت في الغي راحلتي ... فقد حمانيه وصف الأفضل الآنا
سيف الإمام الذي فخر الملوك بأن ... غدت تعفر في ناديه تيجانا
يقري العيون جمالا والعفاة جدى ... ملء الأماني والجانين غفرانا
أغليت قيمة هذا النظم فارتفعت ... وكان كلا على الأذهان إذ هانا
فما يجوز زمان أنت مالكه ... ولا يروعنا ما دمت ترعانا
(1/52)

قد أورد المملوك في رسالته ومختصره ما يدل على عجزه عن مفترط الخدمة الشريفة وحصره، ولا غرو أن يكون اجتهاده متأخرا عما يلزم ويجب، إذ كان المقام الأعظم مما يخفق كل قلب لمهابته ويجب، والله - سبحانه - يحرس عليه رأي مالكه وسلطانه، ويقره من خدمته فيما يليق بمساكن مثله وأوطانه، بجوده السابغ وإحسانه، وفضله الغامر وامتنانه، إن شاء الله عز وجل.

رسالة التدلي على التسلي
رسالة سماها التدلي على التسلي
من دلائل تفرد الله بتدبير بريته، وشواهد جري الأمور على إرادته ومشيئته، وحجج وحدانيته التي من جحدها أبان جهلا وعنتا، وبراهين ما أخبر به في قوله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) أنه سبحانه يحمد على ما يسلبه كما يحمد على ما يهبه، ويشكر على ما يزعج ويضر كما يشكر على ما يبهج ويسر، فجئ القلوب ما يحدث فيها انصداعا، ودهم العقول ما يكاد يطيرها شعاعا، لم يلفتها الجزع عن حمده - جل وعز وعلا - ولم يمنعها الوله من الرضى بقضائه، وإن تحملت منه باهظا مثقلا. فالحمد لله الذي لا يحمد على المكروه سواه، ولا يخرج شيء من مصنوعاته عن الشهادة له بأنه إله، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه الذي حباه الشرف الباهر، وآتاه الفضائل الجمة والمفاخر، وأحسن العزاء لأمته في قوله: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) . وعلى أخيه وابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي تولى من رسول الله - صلّى الله عليه - ما أبان به عن حسن صبره، واعتزل أمور الدنيا جانبا إلى أن واراه - عليه السلام - في قبره، مع ما تداخل النفوس يومئذ من الحسرات، وفجعت به من الطوارق المستنكرات، حتى غدا ذوو الجلد في قبضة الهلع موثقين أسارى، وظلوا كما قال الله - عز من قائل -: (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى) وعلى آلهما الأئمة الأبرار، الذي اهتضموا حيث حلوا من الأرض وكانوا، وظلموا فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، إلى أن استثمروا من الصبر استعادة حقهم، وضيقوا على أعدائهم مسالك طرقهم، وسلم عليهم أجمعين تسليما، وزادهم تشريفا وتكريما وتعظيما.
وإن من حكمة الله - تعالى - وقدرته، وخفي علمه في تدبير خليقته، أن جعل أهل الدنيا فيها متفاضلين، وعند فراقها متساوين متماثلين، إذا نزل بهم حدث الموت لم يتميز فيه قوي من ضعيف، وإذا تجرعوا كأسه لم يختص بمر مذاقها مشروف دون شريف، وذلك يقين لا مجال للشك فيه، وحق لا يطور الباطل بناحية من نواحيه، وقد أخلدت النفوس إلى صحته وركنت، واطمأنت القلوب إلى حقيقته وسكنت، لأنه أمر حتم قد علم بالفطرة، وغامض من غوامض الحكمة، وسر من أسرار القدرة، وفي الصبر على ألمه الموجع، وترك الجزع الذي هو غير نافع ولا منجع، إيضاح للتذلل والخشوع، وإظهار للتضرع والخضوع، وإبانة عن الإخبات لله - جل وعز - فيما شاءه، ودلالة على رضى المخلوق بحكم خالقه فيما سره وساءه، وذلك موصل إلى السلوة بأقوى الأسباب وداع إلى نيلها مع إحراز الأجر الجزيل والثواب. ومن أبى في الرزء إلا الأسى كان بكاه منتهى جهده. وما أحسن قول الحسن البصري: (الحمد لله الذي كلفنا ما لو كلفنا غيره لصرنا فيه إلى معصيته، وآجرنا على ما لا بدّ لنا منه) .
يقول: كلفنا الصبر، وأكلفنا الجزع، لم يمكنا أن نقيم عليه وأجرنا على الصبر ولا بدّ من الرجوع إليه.
ثم إن التأسي يسهل المصاعب، ويهون المصائب، فلله ابن دريد في قوله: وفي خطوب الناس للناس أسى وإن كانت الخنساء قد غلبت على هذا الباب في المشهور من قولها:
ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي
وقد جعلت الغدر في تركها قتل نفسها كثرة الباكين حولها. وأين هذا من قول الآخر:
ولقد هممت بقتل نفسي بعده ... أسفا عليه فخفت ألا نلتقي
فذكر أن علة ما هم به من قتل نفسه الأسف على من فقده، على أن ذلك في قوة قول الخنساء. وإن علة الامتناع ما جاء في الحديث من أن قاتل نفسه في النار. وقد وثق بحصول من فقده في الجنة، وطمع بها إذا لحقه غير قاتل نفسه. وهذا العذر أشرف من عذر الخنساء؛ لأنه للمخافة من عدم اللقاء في المآل، وعذر الخنساء إنما هو للتأسي.
(1/53)

فأما قول ابن الرومي مناقضا لهذا الباب، وذاكرا أن التأسي غير مخفف للمصاب:
وما راحة المرزوء في رزء غيره ... أيحمل عنه بعض ما يتحمل
وضرب من الظلم الخفي مكانه ... تعزيك بالمرزوء حين تأمل
لأنك يأسوك الذي هو كلمه ... بلا سبب لو أن رأيك يعدل
وقوله:
ومعز عن الشباب مؤس ... بمشيب اللدات والأصحاب
قلت ... لما انتحى يعد أساه
من مصاب شبابه فمصاب
ليس تأسو كلوم غيري كلومي ... ما به ما به، وما بي ما بي
وقول الآخر:
رأيت التأسي مما يهيج ... على المرء ساكن أوصابه
وما نال ذو أسوة سلوة ... ولكن أتى الحزن من بابه
تذكر في مثله أو رآه ... فأذكره ما به ما به
فذاك من تمويه الفصيح وخدعه، وتصرف البليغ وتنوعه، وإلا فالأول هو الصحيح الذي جاء في الكتاب والسنة. قال الله - تعالى -: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه) وقال: (لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة) .
ولولا أن الاجتماع يخفف كل ما ينوء، والاشتراك يهون صعب ما يسوء، لما قال الله تعالى: (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون) لأنه نفى عنهم الانتفاع بالاشتراك في العذاب تغليظا عليهم لما قدموه من الظلم.
وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (تأسوا في مصائبكم بي) .
وذلك في كلام البلغاء، ونظم الشعراء أكثر من أن يحاط به.
معلوم أن مالكنا الملك السيّد الأجل الأفضل، ونعوته والدعاء له ( ... ) سيد ملوك الزمن، ومن فاز بجزيل ثواب الله في حالتي المسرة والحزن. أما المسرة؛ فلأنه يشمل بها جميع عبيده ورعيته، ويستخلص دعاء كل منهم بكريم فعله وجميل نيته، وأما في الحزن؛ فإنه يستعمل حسن الصبر في الأمور التي لا حيلة في دفعها، ويدل بذلك على استحقاقه ما خصه الله به من إعلاء المنزلة عنده ورفعها، لا يرى في العظائم إلا صابرا مسترجعا، ولا ينفك وجهه إلا مسفرا وإن كان متوجعا متفجعا، إذا نازله هم لقيه من الرضى والتسليم بالجيش اللجب المجر، وإذا سما إليه خطب عرف شرف ما يناله في الصبر عليه من جزيل الأجر، على أن محله أعلى وأعظم من أن يكون من الأقدار إلا مخدوما، ومكانه من الله - جل وعز - يكاد يجعله من الأمور الحتمية موقى معصوما. ولما طرق - خلد الله ملكه - بالحادث الجلل، ودهم بالرزء الذي لولاه لرمي عرش المملكة بالثلل، من وفاة أخيه من جهة نسبته، وولده لكفالته إياه وتربيته:
ومن كان يستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر في الشكوى وإن عظم الأجر
الأجل المظفر، سيف الإمام، جلال الإسلام، شرف الأنام، ناصر الدين، خليل أمير المؤمنين، الذي حلت وفاته من كل عين عقد وكائها، وأجرى فقده سواد النواظر في نجيع بكائها، وبغت القضاء فيه بأجور حكمه، وأنكر فعله، وشوهد من يومه الأنكد الشنيع ما لم تتمخض المنون بمثله:
ما إن سمعنا بطود قبله طفقت ... أنامل تتهاداه وراحات
تنافست أعين الباكين حين بكوا ... كأنما أعين الباكين ضرات
ولقد عفت منيته سبيل التماسك والجلد، وأتت غبطته بما لم يجر في الخاطر ولا جال في الخلد، لأنه - قدس الله روحه - صار إلى رحمة الله ورضوانه، وانتقل إلى جواره وسكنى جنانه، وهو في ريعان عمره وأوله، وشرخ شبابه ومستقبله، مع حسن تركيبه وبنيته، والحكماء في خدمته وتدبير صحته:
بنفسي مولى أسلمته عبيده ... ومرتحل لم ينتظر أن يودعا
لقد راضه الموت الكريه مذاقه ... ولو لم يرض لم يرض بالأرض مضجعا
ولا اتخذ الغبراء دار إقامة ... وقد كان مثواه من النجم أرفعا
فلست ترى إلا مختنقا بعبرته، متنفسا عن نار حسرته، عادما لسكونه وصبره، باكيا على انقطاع أمله، وانفصام ظهره:
والناس مأتمهم عليه واحد ... في كل دار رنة وزفير
فما يغتبط بدنياه من تأمل هذا الحين، ولا يأمن فيظ النفس إلا من طمع بالصبر وأين وأين؟
وكل أسى لا تذهب النفس بعده ... فما هو إلا من قبيل التصنع
ولئن مضى إلى جوار الله الكريم، وانتقل إلى ما أعد له من النعيم المقيم؛ فللكافة ما مالكها - ثبت الله دولته - من دوام ظله مسل عن كل موال، وبقاؤه محسن الخلف عن كل من مضى وسلف:
(1/54)

لم يستحق الدهر كونكما معا ... فيه فعوض قاطنا بمودع
والله يجعل كل الأعمار زيادة في مدته وعمره، ويجيب فيه ما يرفعه الحريص في سره وجهره. بكرمه، وطوله، وقدرته وفضله.
ولما كانت خدمة مجلسه العالي - ثبت الله سلطانه - فرضا على عبيد مملكته، وحقا لا عذر في التخلف عن تأديته، وقد صنع شعراء المقام الأشرف - ضاعف الله سعوده، ونصر أحزابه وجنوده - في هذا الباب ما أربوا فيه على من سبقهم، وآيسوا غيرهم من أن يلحقهم؛ بادر المملوك بهذه الخدمة، وأنشأ ما يأتي ذكره في هذه الحادثة الملمة على ما هو عليه من الحال التي ضلت معها العقول، وحجزت الأحزان فيها بين القائل والمقول.
والذي صنعه المملوك: إن كان الدهر قد فجئ بفادح المصيبة، ورمى بسهامه المصمية المصيبة، وبالغ في الفجيعة الفظيعة، وسعى بين الأرواح والأجسام بالفراق والقطيعة، وطرق من المصاب بالأجل المظفر - كرم الله مثواه - بما منع الطرف وسنه، وفتح من الصبر مستحسنه؛ فما حكم مداه إلا في مفاصله، ولا مكن ظباه إلا من مقاتله، ولا سطا إلا على قمره المنير فأخفاه، ولا عدا إلا على رونقه المونق فطمسه وعفاه:
إن خان فيه الدهر عندي إنما ... في نقصه وعلى محاسنه سعى
في كل يوم عثرة من صرفه ... لا تستقال بأن يقال لها: لعا
فيا لله! ما أعجب فعله، وأبين جهله، وأقبح إساءته إلى نفسه، وأشنع سواد يومه بعد بياض أمسه:
يوم أظل بغمة لا يشتفي ... فيها الهدى وبغمة لا تنجلي
وأعجب من ذلك انطلاق الأيدي بعده - شرف الله ضريحه - بتحقيق خبر فقده، والإقدام على التعزية عنه وقد عدمت العقول من بعده، فوا لهفاه على مضيه وذهابه! ووا أسفاه على ما فعله الدهر، ودهى به! ووا حسرتاه! ما أمر العيش لما مر! ووا حرباه! لقد أساء القدر فيه بعدما سر:
لئن حسنت فيه المراثي وذكرها ... لقد حسنت
من قبل
فيه المدائح
ولله مطيع بن إياس في قوله:
يا أهل، بكوا لقلبي القرح ... وللدموع الهوامل السفح
يا خير من يحسن البكاء له ال ... يوم وإن كان أمس للمدح
ومع هذه الحال فليس إلا التسليم والرضى، والتقبل لما حكم الله به وقضى، والتصبر وإن كان عمن لا تجد النفوس منه عوضا. على أن النعمة بالمقام الأعظم المالكي - ثبت الله سلطانه - قد ألانت قلوبا على الدهر قاسية، والموهبة في امتداد ظله قد غدت مصلحة لهذا الكلم آسية:
صبرنا على حكم الزمان الذي سطا ... على أنه لولاك لم يمكن الصبر
عرانا ببؤسى لا يماثلها الأسى ... وإنك نعم لا يقوم بها الشكر
فأوجبت الأولى الملام فلم يلم ... وأنى له لوم وأنت له عذر!
فالحمد لله الذي جعل المقام المالكي الأفضلي مستقيما للذماء، مجددا ملابس النعماء، مستقرة به الرأفة في الأرض كما استقرت الأدعية في السماء، وضاعف الله للأمة بتخليد ملكه ضروب المنن، وجعله من حوادث الدهر في أمنع المعاقل وأحصن الجنن. بمنه، وطوله، وقدرته، وحوله.
والمملوك يتبع ذلك بلمعة من أحسن ما يرويه للمتأخرين في باب التعازي نظما ونثرا. على أن منها ما يلهب في الضلوع نارا، ثم يستخرجها من العيون أدمعا غزارا:
يا عجبا من حرقات الجوى ... تصعد نيرانا وتجري مياه!
والناس - وإن رغبوا في التسلي، وحثوا على حسن التعزي؛ عالمون أن في إفاضة الكئيب لدمعته ما يذهب من لوعته، وفي إرساله لعبرته ما يعينه على سلوته.
يروى عن سليمان بن عبد الملك أنه قال - عند موت ابنه أيوب - لعمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة: إني لأجد في كبدي جمرة لا تطفئها إلا عبرة، فقال عمر: اذكر الله يا أمير المؤمنين، وعليك بالصبر. فنظر إلى رجاء بن حيوة - كالمستريح إلى مشورته - فقال رجاء: أفضها يا أمير المؤمنين فما بذاك من بأس؛ فقد دمعت عينا رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - على ابنه إبراهيم، وقال: تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون. فأرسل سليمان عينه فبكى حتى قضى أربا، ثم أقبل عليهما، فقال: لو لم أنزف هذه العبرة لانصدعت كبدي. ثم لم يبك بعدها، لكنه لما دفنه، وحثا عليه التراب قال: يا غلام، دابتي، ثم التفت إلى قبره، فقال متمثلا:
(1/55)

وقفت على قبر مقيم بقفرة ... مناخ قليل من حبيب مفارق
فمن مليح هذا الباب قول الشريف الرضي:
خبر تمخض بالأجنة ذكره ... قتل النفوس وأسلف البلبا (لا)
الشك أبرد للحشى في مثله ... يا ليت شكي دام فيه وطا (لا)
ينظر إلى هذا المعنى قول مهيار:
كم قد تعللت المنى بك تارة ... أمن، وطورا خيفة وحذار
وتخالفت فيك الرواة فسرني ... وتلونت بحديثك الأخبار
ولقد ظننت بها وراء لثامها ... خيرا، فكشف قبحها الإسفار
ما كنت أول كوكب نزل الدنا ... وسما إلى نظرائه فتعالى
لا رزء أعظم من مصابك إنه ... وصل الدموع وقطع الأوصالا
ألا أقالتك الليالي عثرة ... يا من إذا عثر لازمان أقالا
لمن الصوارم عريت أمطاؤها ... حول الخيام تنازع الأطوالا
بدلن من لبس الشكيم مقاودا ... مربوطة ومن السروج جلالا
فجعت بمنصلت يعرض للقنا ... أعناقها، ويحصن الأكفالا
*** وهذا من قول أبي الفرج الببغاء:
يلقى الطعان بصدر منه ليس له ... ظهر وهادي جواد ما له كفل
***
إن طوح الفعال دهر ظالم ... فلقد أقام وخلد الأفعالا
طلبوا التراث فلم يروا من بعده ... إلا على وفضائلا وجلالا
هيهات فاتهم تراث مخاطر ... حفظ الثناء وضيع الأموالا
قد كان أعرف بالزمان وصرفه ... من أن يثمر أو يجمع مالا
وأرى الكمال جنى عليه لأنه ... غرض النوائب من أعير كمالا
صلى الإله عليك من متوسد ... بعد المهاد جنادلا ورمالا
طرح الرجال لك العمائم حسرة ... لما رأوك تسير، أو إجلالا
يريد: حسرة وإجلالا، وأو هاهنا بمعنى الواو؛ قال الله - تعالى -: (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) ، وقال الشاعر:
أتى الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر
وقال آخر:
وقد زعمت ليلى بأني أحبها ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها
وقال مهيار:
كنت خبيئاً ترقب الأيام في ... ظهوره الميقات أو تراصد
ولا يصح الوزن بالواو؛ لأن الكف لا يجوز في الرجز.

قالوا ... وقد فجئوا بنعشك سائرا

من ميل الجبل العظيم فمالا
وهو يكثر من هذا المعنى كقوله:
أتنظر كيف تسفع بالنواصي ... ليالبنا وتعثر بالجبال
وقوله:
جبل هوى لو خر في البحر اغتدى ... من وقعه متتابع الإزباد
ما كنت أحسب قبل حطك في الثرى ... أن الثرى يعلو على الأطواد
وقوله:
إن كان ذا الطود خ ... ر فبعدما استعلى طويلا
وقوله دعاء لمريض:
لا زعزعتك الخطوب يا جبل.
وقوله:
أي طود لك من أي جبال ... لقحت أرض به بعد حيال
ما رأى حيا نزار قبله ... جبلا سار على أيدي الرجال
ومن مليح ما في هذه القطعة:
عجبا أصبحت للضيم وما ... نثر الطعن أنابيب العوالي
لا أرى الدمع كفاء للجوى ... ليس أن الدمع من بعدك غالي
وبرغمي أن كسوناك الثرى ... وفرشناك زرابي الرمال
وهجرناك على ضن الهوى ... رب هجران على غير تقال
كل مأسور يرجى فكه ... غير من أصبح في قد الليالي
لا تقل تلك قبور إنما ... هي أصداف على غر لآلي
وقوله أيضا:
أرواحنا دين وما أنفاسنا ... إلا قضاء والزمان غريمها
لم يشفع الدهر الخؤون لمهجة ... في العمر إلا عاد وهو خصيمها
يا دهر كم أسهرت لي من ليلة ... قد كنت قبل؛ أنامها وأنيمها
إن كان رزؤك ذا جسيما فالذي ... ينمي إليك من الأمور جسيمها
فتعز، إن من العزاء شجاعة ... وأجل ما عزى نفوسا خيمها
وقوله أيضا:
إن المنايا معدات لأنفسنا ... وإن أمدت بأعوام وأعوام
نسعى بأقدامنا عنها فتدركنا ... سبق الجياد وما تسعى بأقدام
ما لي بطي الليالي غير مكترث ... وما ورائي منها كان قدامي؟!
إن الحياة وإن عزت مخائلها ... ظل، وإن المنى أضغاث أحلام
نامي البقاء إلى الذاوي تراجعه ... كلا، وما يرجع الذاوي إلى النامي
وقوله:
(1/56)

نغالب ثم تغلبنا الليالي ... وكم يبقى الرمي على النبال
ونطمع أن يمل من التقاضي ... غريم ليس يضجر بالمطال
يحط السيل ذروة كل طود ... ويهون بالجنادل والرمال
هي الأيام جائرة القضايا ... وملحقة الأواخر بالأوالي
ولأبي الفرج الببغاء:
خلف المدائح بعدك التأبين ... عن أي حادثة يعزى الدين
ما كان في الدنيا كيومك مشهد ... بهر العقول، ولا أراه يكون
لم يبق محذورا فكل مصيبة ... جلل لديه، وكل خطب دون
قرت عيون المشركين وطالما ... قرت به للمسلمين عيون
ولابن معلى الأندلسي:
أمعتنق الصعيد وكان يغدو ... عليه وهو معتقل الصعاد
أرى لبس الحداد عليك مما ... يشق على المهندة الحداد
ومن كلام الوزير أبي القاسم بن المغربي: ولقد سمعت نبأ من هذا الحادث الرائع، وذروا من هذا الخبر المكروه الطلائع، فكنت كالظبي أفزعه القناص، وكالهارب لاحت له الأشخاص، فدافعت بتصديقه، وتصاممت عن تحقيقه، فلما صرح مخض الاستخبار عن محض الحذار؛ فقدت الحس فلا أدعي ألما، وذقت سكون الموت فما أشتكي سقما، وغرقت في أمواج الوساوس، وضعت بين أجبال الهواجس، فلقد كنت يومئذ - وكل يوم يومئذ - عجبا لمعتبر، ومثلا لمفتكر.
فأما قوله: دافعت بتصديقه، وتصاممت عن تحقيقه؛ فهو من قول أبي الطيب:
طوى الجزيرة حتى جائني خبر ... فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
وقد أخذه ابن سعيد الحلبي، فقال، وأحسن:
أتاني وعرض البيد بيني وبينه ... حديث لأسرار الدموع مذيع
تصاممت عن راويه حتى أربته ... وإني على ما غالني لسميع
ولما سمع ابن مكنسة إذاعة سر الدموق قال:
دعوها تفض بعد دمع نجيعا ... نهاها النهى فأبت أن تطيعا
وسر تبدد في عبرة ... وكنت جمعت عليه الضلوعا
ومن قطعة ابن سعيد:
فلهفي على الآمال فيك فإنها ... ثوابت لم يقدر لهن شروع
وعز على ساري الدجى أن يجوبه ... وما لك من بين النجوم طلوع
ألوم عليك الوجد وهو مبرح ... وأعتب فيك الدمع وهو نجيع
وأعلم أني ما منحتك طائلا ... وهل هي إلا زفرة ودموع
وقول الوزير: فلقد كنت يومئذ _وكل يوم يومئذ - فالأصل فيه قول الأضبط بن قريع - وكان سيد بني سعد، وكانوا يؤذونه، فلما انتقل عنهم رأى غيرهم يفعل فعلهم، فقال-: بكل واد بنو سعيد. فذهبت مثلا.
وأخذ هذا المعنى متمم بن نويرة، فقال يرثى أخاه مالكا:
وقالوا: أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك
فقلت لهم: إن الأسى تبعث الأسى ... دعوني؛ فهذا كله قبر مالك
وقال الحجاج في خطبة له: يا أيها الرجل - وكلكم ذلك الرجل_ ...
ولأبي تمام في هذا المعنى:
فلا تحسبن هنداً لها الغدر وحدها ... سجية نفس كل غانية هند
وللبحتري:
بلوتهم واحدا واحدا ... فكلهم ذلك الواحد
ومن أحسن ما خوطب به المعزى قول أحمد بن سليمان:
جاءك هذا الصبر مستجديا ... أجرك في الصبر فلا تجده
سلم إلى الله فكل الذي ... ساءك أو سرك من عنده
إن الذي الوحشة في داره تؤنسه الرحمة في لحده
ولمهيار:
كلح الصباح بموته عن ليلة ... نفضت على وجه الصباح ظلامها
فلئن مضى بعلاه دهر صانها ... فلقد أتى برداه يوم ضامها
وتصرف في معنى البيت الأول، فقال:
صبغت وفاتك فيه أبيض فجره ... يا للعيون من الصباح الأسود
ثم قال:
ولئن غمزت من الزمان بلين ... عن عجم مثلك أو عضضت بأدرد
فالسيف يأخذ حكمه من مغفر ... وطلى، ويأخذ منه سن المبرد
وأخذ هذا المعنى الخفاجي فقال:
لتطل ليالي الدهر بعدك إنه ... سيان بين صباحه وظلامه
سودته في ناظري كأنما ... خلعت لياليه على أيامه
وقال:
أشكو فراقك ثم أعلم عنده ... أن السبيل إلى لحاقك مهيع
وألوم طول الليل أرقب فجره ... أو ما ظلام الليل بعدك أسفع
وقال:
قد سألنا أطلالكم فأجابت ... ومن الصمت واعظ ونذير
يا سواد الهموم صرت على الأي ... ام لما ضاقت عليك الصدور
(1/57)

ولمهيار مما لا يجوز أن يتمثل بثانيه إلا شاعر:
أبكيك لا ما تستحق وجهد ما ... تسع الصبابة أن تسيل محاجري
وأشارك النواح فيك بأنني ... أبكيك، والتأبين نوح الشاعر
وهذا المعنى أيضا مما تصرف فيه فقال:
خان بكاء العين أجفانه ... فناح، والنوح بكاء الفم
وقال:
خان بكاء العين أجفانه ... فناح، والنوح بكاء الفم
وقال:
إن أنفدت عيني عليك دموعها ... فليبكينك بالقوافي مقولي
وما أحسن قوله في هذه القصيدة:
ما كنت أحسب ... والزمان مقاتلي
يرمي ويخطئ
أن يومك مقتلي
وقال:
أمر بفي عليك الزلال ... وآلم جلدي وقع الشفوف
أتحمل فقدك ذاك العظيم ... جوارح جسمي هذا الضعيف؟!
وهذا ينشد مطلقا ومقيدا؛ فإذا أطلق كان من الأول من المتقارب، وإذا قيد كان من الثاني منه.
وقال:
نعم! هذه يا دهر أم المصائب ... فلا توعدني بعدها بالنوائب
هتك بها ستر المجامل بيننا ... ولم تلتفت فيها لقينا المراقب
سددت طريق الفضل من كل وجهة ... وملت على العلياء من كل جانب
أمن بعده يا دهر أحظى براجع ... من العيش أو آسى على إثر ذاهب؟
تنافث عن جمر الغضا ناد باته ... كأن فؤادي في حلوق النوادب
بكت أدمعا بيضا ودمت جباهها ... فتحسبها تبكي دما بالحواجب
متى دنس الحزن السلو غسلته ... فعاد جديدا بالدموع السواكب
وهذا تصرف في معنى قول ابن المعتز: إذا دنس الليل أثوابها=غدت في ثياب صباح جديد وقال:
ذهب الذي كانت تجاملني له الدْ ... دُنيا وتسقط دوني الأخطار
عجبا، يكون الجو بعدك ساكنا ... واليوم أبيض ما عليه غبار
وكأن كفك لم تبن في ظهرها ... قبل الملوك وتشهد الآثار
ويخف بين بنانها إن حملت ... ضبط الحسام ويثقل الدينار
وقال:
بكر النعي فسك فيه مسامعي ... وأعاد صبحي جنح ليل أليل
الغاية في هذا المعنى قول أبي تمام: أصم بك الناعي وإن كان أسمعا
رحل الحمام بها غنيمة فائز ... ما ثار قط بمثلها عن منزل
كانت يد الدين الحنيف وسيفه ... فلأبكين على الأشل الأعزل
ولابن حيوس:
وليس يعلو قرى الغبراء من أحد ... ولا يكون لأضياف المنون قرى
حوادث لم تميز في تصرفها ... من ضيع الحزم ممن أكثر الحذرا
قضى وما إن قضى من لذة وطرا ... وكم قضت منه آمال الورى وطرا
ومن كلام حسن بن عبد الصمد المعروف بابن أبي الخشباء: غي بدع من الزمان أن تنتكث حباله، وتصرد نباله، وتفهق بالغدر فجاجه، ويجدح بالسم أجاكه، وتراش في قصد الكرام سهامه، ويثار في قبض النفوس عجامه، ولذلك عرفت النفوس مواقع نكره، وأنست بغرائب غدره ومكره، واطمأنت الضلوع وقد أصمت صوائبه، وهجعت العيون وقد استيقظت نوائبه، ولما طرق الحادث بمن لا أسميه تفاديا من تحقيق الخبر بمصرعه، وصونا له عن مورد الحمام ومشرعه؛ رأيت المحامد ذات نور خامد، والمآثر ذات عقد متناثر، والقمر وقد سئم هالته، والصبح وقد خلع الليل عليه غلالته. وشاهدت الفضل وقد أسودت سحنته، واشتدت على الزمان إحنته؛ إذ طرق بما يتجاوز القدر ويوحش الأضالع من صحبة الصدر. هذا - والله - هو المصاب الذي تستعذب فيه الحلوم هفواتها، وتفارق له القلوب سويداواتها، وتستخف النوفس فيه حمل الأوزار، وتأنف العيون من لقائه بغير الدموع الغزار، حتى تجعل ذلك دابها، وتخضب بالنجيع أهدابها، إلا أنه نزل بمن لا يصبح الجزع مالكه، ولا تخطب الخطوب تهالكه، فلذلك ساغ للعبيد أن يخلوا الخدم من الإرشاد إلى مواقف التسليم، والحض على الصبر على الحادث الأليم، ويقتصروا على الرغبة إلى الله ي أن يهب له عقبى الدار، ويغفل عنه جوامح الأقدار، ويسعد بني الدنيا بسعادة حده، ويصون عن درجة الكسوف شموس مجده:
إذا صفحت عنك الليالي وأعربت ... بحفظك فينا هان كل مضيع
ولابن سنان:
وكيف يفوز الغيث فيك بمنة ... إذا كنت لا أرضى سحائب أدمعي
وليس بكاء العين إلا خيانة ... ولا اللؤم إلا أنها بقيت معي
وأين وفائي! لا مدى الدمع بالغ ... رضاي ولا جهد الصبابة مقنعي
(1/58)

تصاممت عن ناعيك حتى أربته ... ودافعت فيك القول من كل مدفع
ولما أبى إلا يقينا حديثه ... فزعت إلى جفن من الدمع مترع
فأي حسام حالت الأرض دونه ... وكان متى يضرب به الخطب يقطع
وهذا الحد فالمملوك يقف عنده، ثم يعطش قلمه بعده، لما يلزم في باب المصاب إذا رمته الليالي وراء ظهرها، وأبعدت الأيام عهده بمرها، من الاكتفاء من القول بيسيره، والاستغناء عن كثيره بقليله، كراهية لتجديد الحزن وتطريته، وإشفاقا من تشييد ما يجب الحرص على تعفيته ولاسيما هذا الفادح الذي نبه خامل الثرى. ومنع الجفون من مصافحة الكرى، وأحزن مليك الأرض وسلطان الورى:
وتر الردى من لو تناول سيفه ... يوما لنال من الردى ما شاء
وهذا الخطب وإن رمى العقول بالخبل، وعم بالغم أهل السهل والجبل، ولم يسلم أحد فيه من رزء، ولا خلا من الأخذ منه بأوفر جزء؛ فالذي يسهل صعبه، وينفس كربه، ويسيغ صابه، ويخفف أوصابه، أن مالكنا - خلد الله دولته - مكفوف بالحماية، مشمول بالوقاية، محفوظ بعناية الله وكفايته، مخصوص بإطالة العمر وإطابته، جار على عادته في تدبير مملكته، وكلاءة رعيته، وإعزاز دين الله - تعالى - ونصرته. والله - تعالى - يجعل منتقص المدد زيادة في مدته، ولا يخلي البسيطة من رواء سلطانه وبهجته. بفضله وطوله، وحوله، وقدرته.
قال الشيخ أبو القاسم المصنف: كنت أنفذت نسخة هذه الرسالة إلى بعض الرؤساء الكبراء ممن كان يؤثر الوقوف على ما أعمله، فبلغني أن كاتبه قال لما رأى ترجمة هذه الرسالة قبل الوقوف عليها: هلا قال: الغلوة في السلوة وأنكر التدلي، فكتبت إليه: بلغ عبد الحضرة ما انتقد عليه في ترجمة ما خدم به. وما استبعد من التدلي العائد بدنو النائي وتقربه، وقد كان يجب أن يبقى على من عمل عجلا، وترجم مرتجلا، ولم تكن له مهلة لتنقيح ألفاظه وتهذيبها، وإبرازها في معارض تستحسنها النقدة وتهذي بها، وإن بعض من انتقد عليه قال: هلا كانت الترجمة: الغلوة في السلوة؟ وعبدها يقول: أما الغلوة فهي: المرماة، والمغلاة: السهم، فالغلوة: غايته، وهذا ضد مراده؛ وذلك أن التدلي إنما هو التوصل؛ تدليت على الشيء إذا توصلت إليه. ومنه أدلى فلان بحجته إذا توصل بما أتى به إلى بغيته، ومن ذلك قوله تعالى: (ثم دنا فتدلى) وهذه الآية من باب قوله سبحانه: (ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة) . وهو من المقلوب. أي: تنوء بها العصبة أولو القوة و: ثم تدلى فدنا.
وقد قال الشاعر:
لا تقلواها وادلواها دلوا ... إن مع اليوم أخاه غ (دوا)
وتقلواها: تبعداها، وادلواها: قرباها والدلو من هذا؛ لأنها تقرب الماء بعد بعده.
فقول عبدها: التدلي على التسلي إنما معناه: التوصل إلى السلوة بأسبابها من التاسي، وطلب الثواب، وغير ذلك.
وقول من قال: الغلوة في السلوة، إنما هو الوصول إلى غايته، والفرق بين من قصد التوصل، وبين من بلغ الغاية لا يخفى عن أحد، فقد بان تضاد الترجمتين، وتنافي الغرضين، وما ضر من انتقد لو صبر إلى أن يقف على الرسالة، ثم يقول ما يختار، ولا يعجل بأن يضع مني ما صدر عني، فالله المستعان وصبر جميل.
قال الشيخ أبو القاسم: كانت وفاة الأجل المظفر - رضي الله عنه - يوم الخميس تاسع جمادى الأولى من سنة أربع عشرة وخمس مائة، وكانت ولادته في سنة تسع وسبعين وأربع مائة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطاهرين، وسلم تسليما، حسبنا الله ونعم الوكيل.
1 1
(1/59)