Advertisement

العيون الغامزة على خبايا الرامزة



الكتاب: العيون الغامزة على خبايا الرامزة
المؤلف: ابن الدماميني
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] بسم الله الرحمن الرحيم
(قال) الشيخ الإمام العلامة بدر الدين أبو عبد الله محمد بن أبى بكر المخزومي رحمه الله تعالى ورضى عنه: الحمد لله الذي شرح صدورنا لسلوك عروض الإسلام، وجعل أفكارنا قافيةً لآثار العلماء الأعلام، تمسكاً من محبتهم بأوثق الأسباب، وتبركا بفضلهم الوافر الذي لا يعقله إلا العالمون أولو الألباب، أحمده حمد من ذللت له الصعاب فنجا من مهالكها، وظفر بكنوزها، ورامت المشكلات أن تتحجب عنه فاطلع على خباياها وكشف له عن رموزها. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، الذي نهى عما شان، وأمر بما زان، فقال وقوله الحق (وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الخليل الأعظم، والسيد الذي لم تنزل مناقبه في أبيات الشرف تحل، وفي أسلاك السؤدد تنظم، الذي أفاض على أهل البسيطة مديد فضله وبسيطه، ونهك المشركين حتى أصبحت دائرة السوء بهم محيطة:
يالهُ من رسولِ حقٍ كريمٍ ... للعدى والهدَى مُبيدٍ مُفيدٍ
إنْ أكنْ بالمديح أشعُر فيه ... فاعترافى بالعجز بيتُ القصيدِ
صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، ذوى الشيم التي هي فاعلات لكل جميل وكافلات للظفر من مراقبة الحق بغاية التأميل، الذين أتقنوا تأسيس الدين، وأحسنوا توجيه النفوس إلى مكارم الأخلاق، وقيدوا الأوقات على هذا الصنع الجميل وما جرى مجراه فشكر لهم ذلك التقييد على الإطلاق.
ووالى الصلاة وسلم وشرف ومجد وكرم.
أما بعد، فلا يخفى أن العروض صناعة تقيم لبضاعة الشعر في سوق المحاسن وزناً، وتجعل تعاطيه بالقسطاس المستقيم سهلاً بعد أن كان حزنا. وقد كنت في زمن الصبا مشغوفا بالنظر إلى محاسن هذا الفن، مولعاً بالتنقير عن مباحثه التي طن على أذنى منها ما طن، أطيل الوقوف بمعاهده، وأتردد إلى بيوت شواهده، وأسبح في بحاره سبحا طويلا، وأجد التعلق بسببه خفيفا، وإن كان الجاهل يراه سبباً ثقيلا، إلى أن ظفرت في أثناء تصفحي لكتب هذا بالقصيدة المقصورة المسماة بالرامزة، نظم الشيخ الإمام البارع ضياء الدين أبى محمد عبد الله بن محمد الخزرجى نور الله ضريحه، وأمد بمدد الرحمة روحه، فوجدتها بديعة المثال بعيدة المنال، ورمت أن أذوق حلاوة فهمها فإذا الناس صيام، وحاولت أن أفترع أبكار نعانيها فإذا هي من المقصورات في الخيام.
وطمعت منها في لين الانقياد فأبدت إباءً وعزا، وسامتها الأفهام أن تفصح عن المراد فأبت أن تكلم الناس إلا رمزاً، فطفقت أطلق النوم لمراجعتها وأنازل السهر لمطالتعها، مع أنى لا أجد شيخا أتطفل بقدرى الحقير على فضله الجليل، ولا أرى خليلاً أشاركه في الفن، وهيهات عدم في هذا الفن الخليل.
ولم أزل على ذلك إلى أن حصلت على حل معقودها، وتحرير نقودها، وسددت سهام البحث إليها، وعطرت المحافل بنفحات الثناء عليها، فقتلتها خبراً وأحييت لها بين الطلبة ذكرا، وعلقت عليها شرحاً مختصراً يضرب في هذا الفن بسهم مصيب، ويقسم للطالب من المطلوب أوفى وأوفر نصيب.
ثم قدم علينا بعض طلبة الأندلس بشرح على هذه المقصورة للإمام العلامة قاضي الجماعة بغرناطة، السيد الشريف أبى عبد الله محمد بن أحمد الحسيني السبتى، رحمه الله عليه ورضوانه، فإذا هو شرح بديع لم يسبق إليه، ومؤلف نفيس ملأه من بدائع الحل بما يستحليه ذوق الواقف عليه، ووجدته قد سبقني إلى ابتكار ما ظننت أنى أبو عذرته، وتقدمني إلى الاحتكام في كثير مما خلت أنى مالك إمرته، فحمدت الله إذ وفقني لموافقة عالم متقدم، وشكرته على ما أنعم به من ذلك، ولم أكن على ما فات من السبق بمنتدم، لكنني أعرضت عما كنت كتيته، وطرحته في زوايا الإهمال واجتنبته، إلى أن حركت الأقدار عزمي في هذا الوقت إلى كتابة شرح وسيط، فوق الوجيز ودون البسيط، جمعت فيه بين ما سبق إليه من المعنى الشريف، وما سنح بعده للفكر من تالد وطريف، وبعض ما وقفت عليه لأئمة هذا الشآن، متحرباً لمازان متحرباً عما شان، معترفا بعجز الفكر وقصوره، وكلال الذهن وفتوره.
ولما حوى هذا الشرح عيونا من النكت تطيل على خفايا المقصورة غمزها، وتكشف للأفهام حجبها المستورة وتظهر رمزها، سميته (بالعيون الغامزة على خبايا الرامزة) والله أسأل أن ينفع به ويصل أسباب الخير بسببه، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(1/1)

قال الناظم رحمه الله تعالى:
وللشعرميزانٌ تسمى عروضُهُ ... بها النقصُ والرجحانُ يدريهما الفتى
أقول: أورد كلامه في هذا البيت على وجه يشعر بتعريف العروض، وكأنه يشير إلى ما عرفه به بعض الفضلاء حيث قال: (العروض آلة قانونية يتعرف منها صحيح أوزان الشعر العربي وفاسدها) .
فغن قلت: الشعر في هذا التعريف مقيد بالعربي وهو في البيت غير مقيد به، فأنى يشعر كلام الناظم بذلك؟ قلت: لام التعريف من قوله للشعر هي للعهد الذهني، وذلك أن الشعر الذي يعرض فيه العروضيون كلامهم إنما هو العربي، ولما كان الناظم ذمنهم علم بقرينة الحال أن مراده بالشعر ما هو معهود في الأذهان من الشعر المتعارف عند القوم الدائر فيما بينهم، وليس إلا العربي.
وقد ذكروا في وجه تسمية هذا العلم بالعروض وجوهاً أقربها أن العروض اسم لما يعرض عليه الشيء، فنقل إلى هذا الفن لأنه يعرض عليه الشعر، فما وافقه فصحيح وما خالفه ففاسد.
وقال بعض شارحي الساوية: الذي وقع في خاطري أنه سمي بالعروض لأن الخليل ألهمه في العروض، وهي مكة، فسماه بها تبركا وتيمنا، ورغم أن هذا أجود مما ذكروا.
فإن قلت: ماذا أراد الناظم (بالنقص والرجحان) ؟ قلت: الظاهر أنه أراد بالنقص مخالفة الطريقة العربية في وزن الشعر، وبالرجحان موافقتها فيه، فما خرج عن أوزان العرب كان ناقصاً أي لا يعتبر، وما جرى على أسلوبها كان راجحاً، أي معتبراً معتداً به عند أئمة هذا الشآن.
وقال الشارح الشريف: (يريد أن صناعة العروض لما كانت هي الآلة التي يعرف بها صحة أوزان الشعر كانت له كالميزان الذي يظهر لك اعتدال الشيئين من استواء كفتيه، ويبين التباين برجحان إحداهما على الأخرى أو نقصها عنها) .
قلت: قضية هذا أن يكون النقص والرجحان جميعاً مشاراً بهما إلى مخالفة شعر العرب، وفيه ما فيه فتأمل.
فإن قلت: كيف يضبط يسمى؟ بالتاء المثناة من فوق، أم الياء آخر الحروف؟ قلت يجوز الأمران معاً، وذلك أن كل لفظتين وضعتا لذات واحدة إحداهما مؤنثة والأخرى مذكرة، وتوسطهما ضمير، جاز تأنيث الضمير وتذكيره. ذكره ابن الحاجب في شرح مفصل.
ولا يخفى أن الميزان مذكر والعروض مؤنث، وأن المراد بهما في هذا المقام واحد، وهو ما وضعنا له من هذا العلم، فقوله (يسمى) محتمل الضمير، فإن اعتبرت تذكير الميزان جعلت الضمير مذكراً، وإن اعتبرت التأنيث باعتبار العروض جعلته مؤنثاً، والتأنيث هنا أحسن لأن العروض مؤنثة، وهي في المعنى خبر عن الميزان، والخبر محط الفائدة. وإلى نحو ذلك أشار ابن الحاجب حيث تكلم على قول الزمخشرى في المفصل بأثر تعريفه للكلام: (ويسمى الجملة) .
والضمير المجرور من قوله (بها) يجوز أن يعود على العروض، وأن يعود على الميزان باعتبار كونه آلةً، أو باعتبار أن المراد به العروض، وهي مؤنثة كما سبق. فإن قلت هل من فرق بين التقديرين؟ قلت: نعم، فإنا إن أعدنا الضمير على العروض كانت الجملة بأسرها وهي قوله (بها النقص والرجحان يدريهما الفتى) لا محل لها من الإعراب، وإن أعدناه على الميزان كان لها محل من الإعراب، وهو الرفع على أنها صفة ثانية للميزان، فحرره.
وأما الشعر فقال الخليل: هو ما وافق أوزان العرب، ومقتضاه أنه لا يسمى شعراً ما خرج عن أوزانهم، بل وأن لا تكون أوزان العرب نفسها شعراً، إذ الموافق للشيء غيره، فلو دخلت أوزان العرب فيه لزم مغايرة الشيء لنفسه وهو باطل. وبعضهم عرفه بأنه: (الكلام الموزون، المقصود به الوزن المرتبط لمعنى وقافية) . قال: فالوزن تساوي شيئين عدداً وترتيباً. قال: والقصد مخرج لما ورد في القرآن والحديث من آيات وكلمات موزونة. قال: وقولنا المرتبط لمعنىً مخرج لما لا معنى له من الكلام الموزون، نحو ما أنشده القللوسى:
وجهُكَ يا عْمرو فيه طولُ ... وفي وجوه الكلاب طولُ
والكلبُ يحمى عن المواشي ... ولستَ تحمي ولاتصولُ
مستفعلن فاعلن فعولن ... مستفعلن فاعلن فعول
بيت كما أنتَ ليس فيه ... شيءٌ سوى أنه فضولُ
قلت: قوله (الكلام) يغني عن قوله (المرتبط لمعنى) ضرورة لا كلام إلا وهو مرتبط لمعنى، إذ لو خلا عن معنى يرتبط له لم يكن كلاماً.
(1/2)

قال: وقولنا (وقافية) تحرز من الموزون وليس مقفى، نحو ما أنشده القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب الإعجاز له:
ربّ أخٍ كنتُ به مغتبطاً ... أشد كفِّى بُعَرى صُحبتهِ
تمسكاً مني بالودِّ ولا ... أحسبُه يَزهد في ذي أملِ
قلت: يلزم عليه أن لا يكون ما فيه عيب الإكفاء والإجازة شعراً.
واللازم باطل، فإنه شعر بالإجماع، وإن كان معيباً، وبعد هذا كله فهو منطبق على ما كان من الكلام بالمثابة المذكورة، وهو خارج عن الأوزان العربية، والقوم يأبون ذلك، فإن موضوع هذا العلم عندهم الكلام الموزون بشيء من هذه الأوزان المخصوصة المقررة فيه. ولو قيل: (الشعر كلام وزن على قصد بوزن عربي لكان حسناً) فقولنا (كلام) جنس يشمل المحدود وغيره، وتصدير الحد به مخرج لما لا معنى له من الألفاظ الموزونة. وقولنا (وزن) فصل يخرج الكلام المنثور. وقولنا (على قصد) يخرج ما كان وزنه اتفاقياً، كآيات شريفة اتفق جريان الوزن فيها كذلك، كما في قوله تعالى (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وكلمات شريفة نبوية جاء الوزن فيها اتفاقياً غير مقصود، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم:
هل أنتِ إلا إصبعٌ دميتِ ... وفي سبيل اله ما لقيتِ
فمثل ذلك لا يسمى شعراً، نعود بالله من ذلك. وكذا لو وقع من متكلم لفظ موزون لم يقصد كونه على طريقة الموزون كما يتفق لكثير من الناس، ويقع مثل ذلك حتى لعوام لا شعور لهم بالشعر، ولا إلمام لهم بالوزن البتة، وقد عمد قوم من الشعراء إلى آيات شريفة أدرجوها في أشعارهم إخلالاً منهم بما يجب من مراعاة الآداب والوقوف عند حدود الله، كقول ابن العفيف التلمساني يتغزل:
يا عاشقين حاذروا ... مبتسماً عن ثغرهِ
فطرفه الساحرُ مْذ ... شكتكمُ في أمرهِ
يريد أن يخرجِكُم ... من أرضكم بسحرهِ
وكقول أبي نواس فيما حكى عنه موطئاً للآية الشريفة التي تلوناها آنفاً.

خُطّ في الأرداف سطرٌ ... في عروض الشعر موزونْ
وهذا من أفحش السخف وأقبحه، والتهاون بالوقوع في ذلك يجر إلى الانسلال من الدين والعياذ بالله تعالى.
والعجب من قوم يروج عليهم مثل هذا الصنع القبيح، ويستلذون سماعه، ويرونه من الظرف واللطافة، ويعمرون مجالسهم وأنديتهم بمثل ذلك. أولئك لا خلاق لهم في الدنيا والآخرة.
فإن قلت: قد جعل علماء البديع تضمين المتكلم كلامه، شعراً كان أو نثراً، شيئاً من القرآن- لا على أنه منه- من المحاسن، وسموا بالاقتباس، كما هو معروف، ومعنى قولهم (لا على أنه منه) أن يورد الكلام المقتبس على وجه لا يكون فيه إشعار بأنه من القرآن، بأن لا يذكر فيه: قال اله تعالى، ونحوه، على ما صرح به التفتازانى، قلت: ذلك محمول على ما إذا لم يؤد الاقتباس إلى إخراج القرآن الشريف إلى معنى غير لائق بجلالته، وأما إذا استعمل على ما فيه إخلال بإجلاله وتعظيمه، فلا يشك مسلم في منع ذلك وتحريمه، وربما أدى إلى الكفر والعياذ بالله. ومن ذا الذي يفهم عن علماء الإسلام أن (الاقتباس) من البديع مطلقاً، سواء كان على وجه حسن أو غيره، كيف ما كان؟ هذا ما لا سبيل إليه أبداً. أو هو محمول على ما إذا ذكر المتكلم كلاماً وجد نظمه في القرآن فأورده غير مريد به القرآن.
قال الشيخ بهاء الدين السبكي في (شرح التلخيص) : فلو أخذ مراداً به القرآن كان ذلك من أقبح القبيح، ومن عظام المعاصي، نعوذ بالله منه. قال: وهذا هو معنى قول المصنف، يريد صاحب التلخيص، (لا على أنه منه) .
قلت: ولوسلم أن المراد بالاقتباس ما ذكر، وهو الأخذ من القرآن لا على أن المراد به التلاوة، فلا يكون ذلك عذراً لمن فعله على وجه المجون والسخف الذي يتعاطاه المفحشون من الشعراء، ولا ترتفع به الملامة عنه، ولا يسقط بذلك ما يتوجه عليه شرعاً من تأديب وزجر وإقامة حد، ولو فتح باب لقبول العذر لمثل هذا لتطرق إلى الدخول منه كل مريض القلب، منحل عرى الدين، واتخذه ذريعة إلى الاسترسال في الاستخفاف بالشريعة، والعياذ بالله والله أسأل أن يوفقنا لاتباع سبيل السلف الصالح في القول والعمل بمنه وكرمه.
(1/3)

وقولنا (بوزن عربي) يشمل ما كان من نظم العرب أنفسهم وما كان منظوماً من كلام المحدثين على طريقتهم، وهو مخرج لما خالف أساليب أوزانهم، ومثل ذلك بعض المتأخرين بقول البها زهير كاتب الملك الصالح حيث قال:
يامنْ لعبتْ به شَمُولٌ ... ما ألطفض هذه الشمائلْ
نشوانُ يهزّه دلالٌ ... كالغصن مع النسيم مائلْ
قلت: ليس هذا من الأوزان المهملة بل هو من بحر الوافر، غير أنه أعقص الجزء الأول والرابع، معقول الثاني والخامس، والعروض والضرب مقطوفان. تقطيعه هكذا:
يا مَنْلَ عِبَتْبهِي شمُولُنْ ... ما أَلطَ فَها ذِهِشْ شمائلْ
مفعولُ مفاعلن فعولن ... مفعول مفاعلن فعولن
أعقص معقول مقطوف ... أعقص معقول مقطوف
فإن قلت: هذان البيتان من قصيدة مطولة، وكلها جاء على هذا النمط، وليس الوافر مستعملاً على هذا الوجه، قلت: هو من التزام مالا يلزم، وذلك لا يخرجه عن كونه عربياً، ألا ترى لو أن ناظماً نظم قصيدةً من بحر الطويل والتزام في جميع أبياتها قبض الجزء الخماسي حيث وقع لم يكن ذلك مخرجاً لها عن أن تكون من ذلك البحر، مع أنك لا تكاد تجد عربياً يلتزم مثله.
فإن قلت: العقص إنما يكون في صدر البيت، وهو الجزء الأول منه، لا في أول العجز، قلت: لا نسلم، فقد قيل: إن كلا من أول الصدر وأول العجز محل للخرم بشرطه، فإذا خرجت هذه القصيدة بناءً على هذا القول لم يستنكر. وسترى الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأول العجز محل للخرم بشرطه، فإذا خرجت هذه القصيدة بناءً على هذا القول لم يستنكر. وسترى الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأول العجز محل للخرم بشرطه، فإذا خرجت هذه القصيدة بناءً على هذا القول لم يستنكر. وسترى الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال:
وأنواعُه قلْ خمسة عشرَ كلُّها ... تُؤلفُ من جزئين فرعْينِ لاسِوى
أقول: المراد (بالأنواع) الأوزان التي نظم العرب عليها أشعارهم. وتسمى بحوراً وأصولاً وأعاريض وأنواعاً وشطورا. وكونها (خمسة عشر) هو مذهب الخليل.
وزاد الأخفش بحراً آخر ذهب إلى أنه مستعمل، وتبعه على ذلك جماعة وهو بحر المتدارك، وستقف عليه إن شاء الله تعالى. والخليل يرى أنه من المهملات.
وقوله (كلها) يحتمل أن يكون تأكيداً لأنواعه، ويحتمل أن يكون تأكيداً لضمير محذوف، أي قل هي كلها خمسة عشر، على رأي من أجاز حذف المؤكد وبقاء توكيده، على كلا الاحتمالين يضبط قوله (تؤلف) بتاء مثناة من فوق ليس إلا، ويحتمل أن يكون (كلها) مبتدأ مخبراً عنه إما بقوله (خمسة عشر) ، والجملة خبر المبتدأ الأول وهو (أنواعه) ، وإما بقوله (تؤلف) ، فيجوز حينئذ ضبط (تؤلف) بالتاء والياء، أي يكون مستنداً إلى ضمير مؤنث رعايةً لمعنى (كل) ، أو ضمير مذكر رعاية للفظها.
هذا على رأي الجمهور في تجويز الوجهين إذا كانت (كل) مضافةً إلى معرفة، وزعم ابن هشام في (المغنى) أن الصواب في ذلك أن لا يعود الضمير عليها من خبرها إلا مذكراً مفرداً على لفظها.
وسكن الناظم عين (عشر) ، وهو مما يجوز في عد المذكر من أحد عشر وثلاثة عشر إلى تسعة عشر. والجزآن اللذان ذكر أن أنواع الشعر كلها تؤلف منهما يحتمل أن يريد بهما جزئي التفعيل الخماسي والسباعي كما ستعرفه.
والمراد بفرعيتهما كونهما متفرعين عن الأسباب والأوتاد. ويحتمل أن يريد بهما السبب والوتد أنفسهما، وإطلاق الجزء على كل منهما معروف عند أهل الصناعة، والمراد حينئذ بكونهما فرعين أنهما يتفرعان عن الحرف الساكن والحرف المتحرك.
(1/4)

فإن قلت: إلى ماذا أشار بقوله (لا سوى) ؟ قلت: إما على أن المراد بالجزئين لفظا التفعيل الخماسي والسباعي، فأشار به إلى نفي أن تكون البحور مركبة بحسب الأصالة من غير الجزأين الخماسي والسباعي، فلا يركب شيء منها في دائرته من سواهما. وإما على أن المراد بالجزئين السبب والوتد، فأشار به إلى نفي الفاصلتين الصغرى والكبرى، فإن بعض العروضيين ذهب إلى عدهما فيما تتفرع عنه الأجزاء، وهو باطل، لأن الصغرى مركبة من سبب ثقيل فسبب خفيف، فلا حاجة معهما إلى عدها، والكبرى لا تكون إلا في جزء مزاحف، وهو مستفعلن الذي يخبل بحذف سينه وفائه فينقل إلى فعلن، فهذه الأحرف الأربعة المتحركة إنما اجتمعت فيه بعد التغيير، وليس الكلام فيه، إنما الكلام في الجزء الأصلي السالم من التغيير، والله أعلم قال:
وأولُ نُطْق المرءِ حرفٌ محركٌ ... فإنء يأتِ ثانٍ قيل ذا سببٌ بدَا
خفيفٌ متى يسكنْ وإلا فضُّدهُ ... وقُلْ وتدٌ إنْ زدتَ حرفاً بلا امتِرا
أقول: قد عرفت أن الأجزاء التي يزن بها العروضيون مركبة من السبب والوتد، فشرع الناظم في الكلام عليهما أولاً، ثم على الأجزاء ثانياً.
ومن المعلوم أن الحرف الذي ينطق به أولاً لا بد أن يكون متحركاً ضرورة أن الابتداء بالساكن متعذر، فإذا ابتدأ الناطق بحرف فهو متحرك، ثم إذا أضاف إليه حرفاً ثانياً فمجموعها يسمى عندهم سبباً. لكن إن كان ذلك الحرف الثاني ساكناً فهذا السبب هو السبب المسمى بالسبب الخفيف لخفته بسكون آخره، وإن كان ذلك الحرف الثاني متحركاً فهو السبب الثقيل وهو المراد بقوله (وإلا فضده) ، أي وإلا يسكن الثاني فهو ضد الخفيف، أي ثقيل، سمي بذلك لثقله بحركة آخره. فإن زاد الناطق حرفاً ثالثاً فمجموع تلك الأحرف الثلاثة يسمى وتداً.
وليس المراد أن الوتد عين السبب بزيادة حرف عليه، وإنما المراد أن الناطق متى أتى بحرف محرك ثم بحرفين بعده فذلك هو الوتد. وإنما خصوا الثنائي بلفظ السبب، والثلاثي بلفظ الوتد، لأن الثنائي رأوه معرضاً للزحاف والتغيير، فلا يكاد يثبت على حالة فشبهوه بالحبل الذي يقطع مرةً ويوصل آخرى، والحبل يسمى سبباً، والثلاثي غير معرض للزحاف وإن عرضت له علة دامت، فشبهوه بالوتد الثابت في الأحوال كلها قال:
وسمِّ بمجموعٍ فعلْ وبضدِّه ... كفعلَ ومن جنسيهما الجُزء قد أتَى
خماسيةُ قل والسباعيّ ثم لا ... يفوتُك تركيباً وسوف إذنْ تَرَى
أقول: قد سبق أن الناطق إذا نطق بثلاثة أحرف أولها متحرك سمي مجموعها وتدا، لكن إن كان الحرف الثاني متحركاً والثالث ساكناً مثل فعل بتحريك العين وإسكان اللام سمي وتداً مجموعاً، للجمع بين متحركيه، وإن كان الثاني ساكناً والثالث متحركاً مثل فعل بتسكين العين وتحريك اللام سمي وتداً مفروقاً، لفرق الساكن بين متحركيه، وهو معنى قول الناظم (وبضده كفعل) أي وسم بضد المجموع، وهو المفروق، ما كان مماثلاً لفعل.
ويقع في عبارة كثير من القوم ومنهم الشارح الشريف: (الوتد المجموع حرفان متحركان بعدهما ساكن، والوتد المفروق حرفان متحركان بينهما ساكن) . ولا أراها موفية بالمقصود، بل هي فاسدة لأن مقتضاها أن يكون كل م الوتدين عبارة عن حرفين، وهو باطل، فإن قلت: قولهم (بعدهما ساكن) أو (بينهما ساكن) وقع صفةً للحرفين المتحركين، ولا يلزم من تقييدهما بهذه الصفة دخول متعلقهما مع الموصوف في الإخبار عن المسند إليه الذي هو قولهم الوتد المجموع أو المفروق.
فإن قلت: اجعله على حذف حرف العطف، أي وبعدهما ساكن أو وبينهما، فيلزم أن يكون المخبر به عن الوتد ثلاثة ضرورة وجود حرف العطف المشترك.
قلت: مثله لا يجوز في السعة على ما هو مقرر في النحو.
وضمير الاثنين في قول الناظم (ومن جنسيهما) عائد على السبب والوتد، أي أن الجزء من حيث هو أعم من أن يكون خماسياً أو سباعياً أتى من جنسي السبب والوتد، أي تركب منهما، فلا يخلو منهما جزء من أجزاء التفاعيل الأصلية كما تراه.
ولا ينبغي أن يكون قوله (خماسية) فاعلاً لقوله (أتى) لما يلزم عليه من عيب التضمين، وإنما يجعل فاعل (أتى) ضميراً يعود على الجزء، ويكون (خماسية) فاعلاً بفعل محذوف يدل عليه الملفوظ به، أي أتى خماسية.
(1/5)

وقوله (ثم لا يفوتك تركيباً) أي إذا عرفت الأسباب والأةتاد، وتقرر عندك أن الجزء مركب منهما، خماسياً كان أو سباعياً، فلا يفوتك بعد هذا تركيبه، وكيفية العمل فيه، وسوف ترى ذلك عند تعداد الأجزاء، وفاعل (يفوتك) ضمير يعود على الجزء و (تركيباً) منصوب على التمييز عن الجملة، وهو فاعل في الأصل على ما هو معهود في نظائره، نحو تصبب زيد عرقاً. قال:
فعولن مفاعيلن مفاعلتن وفا ... ع لاتن أصول الست فالعشر ماحوى
أصابتْ بسهميهما جوارحنا فدا ... راكوني بهمَّة كوقعيهما سوا
فما زائرتي فيهما حَجَبَتهُما ... ولايدُ طولا هنّ يعتادُها الوفا
أقول: اختار العروضيون للأجزاء الدائرة بينهم في وزن الشعر الفاء والعين واللام اقتفاءً لأهل الصرف في عادتهم وزن الأصول بهذه الحروف، فحذوا حذوهم في مطلق الوزن بها لما كان على ثلاثة أحرف مع قطع النظر عن الأصالة والزيادة، وأضافوا إلى ذلك من الحروف الزوائد سبعةً وهي الألف والياء والواو والسين والتاء والنون والميم.
ويجمع هذه الأحرف قولك (لمعت سيوفنا) . وتسمى عندهم بأحرف التقطيع. وما أحسن قول الشيخ برهان الدين القيراطى:
ومليحٍ علمَ الخليل يعانِى ... ليته لو غدا خليلَ خليعِ
رمتُ وصْلاً منه فقال لحاظِى ... ناطقاتٌ بأحرف التقطيعِ
إذا عرفت ذلك فالأجزاء الموضوعة في الأصل سالمةً من التغييرات الطارئة عشرة في التحقيق، وثمانية في اللفظ. وقسمها الناظم تبعاً لجماعة من العروضيين إلى أصول وفروع، فالأصول منها أربعة والفروع ستة.
الأصل الأول (فعولن) وهو مركب من وتد مجموع فسبب خفيف، وله فرع واحد وهو فاعلن. وكيفية تفريعه عنه أن تقدم السبب على الوتد فتقول (لن فعو) فيحدث الفرع المذكور وهو فاعلن.
فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون فاعلن مركباً من وتد مفروق وهو (فاع) فسبب خفيف وهو (لن) فلا يكون على هذا التقدير فرعا عن هذا الأصل كما ادعوه؟ قلت (فاعلن) حيث وقع يجوز حذف ألفه زحافا، وهو المسمى عندهم بالخبن، فلزم أن يكون ثاني وتد مفروق كما توهمته لامتنع حذفه، لأن ثاني الوتد لا يزاحف.
وأجاب المحلى عن ذلك بأن (فا) خلف عن (لن) (وعلن) خلف عن (فعو) ، وإنما يخلف الشيء مثله، فيلزم على هذا السياق أن يكون (فا) سبباً خفيفاً (وعلن) وتداً مجموعاً، فصح التفريع. قلت: هذا كما تراه تكريراً لعين الدعوى لا جواب عن إشكال المعترض فتأمله.
الأصل الثاني (مفاعيلن) وهو مركب من وتد مجموع فسببين حفيفين، ويتفرع عنه جزآن، أحدهما (مستفعلن) المجموع الوتد، وكيفية تفريعه عنه أن تقدم السببين معاً على الوتد، فتقول (عيلن مفا) فيحدث عنه هذا الفرع.
وثانيهما (فاعلاتن) المجموع الوتد أيضاً، وكيفية تفريعه عنه أن تقدم السبب الأخير على الوتد فتقول (لن مفاعى) فيحدث الفرع المذكور.
الأصل الثالث (مفاعلتن) وهو مركب من وتد مجموع فسبب (ثقيل) فسبب (خفيف) ، وله فرع واحد مستعمل وهو (متفاعلن) وصفة تفريعه عنه أن تقدم السببين بحالهما على الوتد فتقول (علتن مفا) فيحدث هذا الفرع.
وله فرع آخر مهمل لم تنظم العرب عليه شيئاً، وذلك بأن تقدم السبب الخفيف خاصة فتقول (تن مفاعل) فيصير الوتد المجموع مكتنفا بسببين خفيف مقدم وثقيل مؤخر. ويعبر العروضيون عن هذا الفرع المهمل (بفاعلاتك) . وسيأتي الكلام عليه وعلى سبب إهماله إن شاء الله تعالى.
الأصل الرابع (فاع لاتن) المفروق الوتد، وهو مركب من وتد مفروق فسببين خفيفين، وكثير يفصل العين عن اللام في الكتابة إيذانا للناظر فيه من أول الأمر بأن وتده مفروق، وليحصل الفرق بينه وبين (فاعلاتن) المجموع الوتد خطا.
وله فرعان أحدهما (مفعولات) ، وكيفية تفريعه عنه أن تقدم السببين الخفيفين معاً على الوتد، فتقول (لاتن فاع) فيحث هذا الفرع. وثانيهما (مستفع لن) المفروق الوتد، وكيفية تفريعه عنه أن تقدم السبب الأخير على الوتد فتقول (تن فاع لا) فيحدث هذا الفرع.
وإنما جعل الجماعة هذه الأربعة أصولاً لأن الأسباب لضعفها إنما تعتهد على الأوتاد، وما يكون معتمداً عليه حقيق بالتقدم ليعتمد ما بعده عليه.
فكانت قضية البناء على هذا الأصل أن تكون أصول التفاعيل هي هذه الأجزاء الأربعة فقط، لأنه شيء من الأجزاء مصدراً بوتد غيرها.
(1/6)

فإن قلت: فما وجه ترتيب الأصول على هذا النمط المسرود؟ قلت الخماسي أخف من السباعي فاقتضى ذلك تقديم (فعولن) والسبب الخفيف بالنسبة إلى الثقيل مقدم عليه لخفته فاقتضى ذلك أن يقدم (مفاعلين) من السباعية على (مفاعلتن) ، ثم الوتد المجموع أقوى من المفروق فاقتضى ذلك تقديم (مفاعلتن) على (فاع لا تن) المفروق الوتد.
واعلم أن الناظم رحمه الله لفظ بصيغ الأصول الأربعة وقال إنها أصول للفروع الستة، وترك التلفظ بصيغ الفروع اتكالاً على اشتهارها، أو على توقيف المعلم للناظر في كتابه. وأشار إلى أن الأجزاء العشرة محويةٌ في البيتين الأخيرين من هذه الأبيات الثلاثة التي أنشدناها.
فقوله ((أصابت)) وزنه فعولن أشار به إلى الأصل الخماسي، وبالألف إلى أنه الأول.
وقوله ((بسهميها)) وزنه ((مفاعيلن)) أشار به إلى هذا الأصل الموازن له من السباعية، وأشار بالباء إلى ثاني الأجزاء.
وقوله ((جوارحنا)) وزنه ((مفاعلتن)) أشار به إلى هذا الجزء السباعي الموازن له وأشار بالجيم إلى أنه الجزء الثالث.
وقوله ((داركوني)) وزنه ((فاع لاتن)) ويجب أن يكون هذا مفروق الوتد لأنه بصدد تعداد الأجزاء على الترتيب، وسياقه مقتضٍ لتقديم الأصول، ((وفاع لاتن)) الأصلي مفروق الوتد كما سبق. وأشار بالدال إلى أنه الجزء الرابع.
وقوله ((همة)) وزنه ((فاعلن)) ، ومن هنا أخذ في تعداد الفروع وهذا فرع ((فعولن)) الأصل الأول، وأشار بالهاء إلى أنه خامس الأجزاء.
وقوله ((وقعيهما)) وزنه ((مستفعلن)) وهذا فرع عن الأصل الثاني وهو ((مفاعيلن)) ، فيجب أن يكون مجموع الوتد كأصله، والواو إشارة إلى أنه سادس الأجزاء.
وقوله ((زائراتي)) وزنه ((فاعلاتن)) ، وهو الفرع الثاني المفرع عن ((مفاعيلن)) ، فيلزم أن يكون وتده مجموعا مثل أصله كما سبق، والزاي إشارة إلى أنه الجزء السابع.
وقوله ((حجبتهما)) وزنه ((متفاعلن)) وهو فرع الأصل الثالث الذي هو مفاعلتن)) ، وأشار بالحاء إلى أنه الجزء الثامن.
وقوله ((طولاهن)) وزنه ((مفعولات)) ، وهو الفرع الأول من فرعي الأصل الرابع ((فاع لاتن)) المفروق الوتد، والطاء إشارة إلى أنه الجزء التاسع.
وقوله ((يعتادها)) وزنه ((مستفع لن)) ، وهذا هو ثاني فرعي ((فاع لاتن)) المفروق الوتد، فيلزم أن يكون هذا، أعني ((مستفع لن)) المذكور، مفروق الوتد كأصله، والياء إشارة إلى أنه الجزء العاشر.
فإن قلت: حذف الناظم التاء من الست والعشر مع أن المعدود مذكر وهو الأجزاء، قلت إما أن يكون أنث العدد بتأويل الكلمات، أو رأى المعدود محذوفاً فأنث العدد بناء على جوازه عند حذف المميز المذكر. حكى الكسائي عن أبي الجراح صمنا من الشهر خمساً. وحكى الفراء أفطرنا خمساً، وصمنا خمساً، وصمنا عشراً من رمضان. وتضافرت الروايات على حذف التاء من قوله صلى الله عليه وسلم (ثم أتبعه بست من شوال) .
وبهذا يطهر ضعف قولهم: ما حكاه الكسائي لا يصح من فصيح ولا يلتفت إليه، فلعل الناظم اعتمد على هذا النقل، وإن كان المشهور عندهم خلافه.
فإن قلت: ما هو فاعل (حوى) ؟ قلت جوز فيه الشريف وجهين: أن يكون ضميراً مستتراً يعود على التركيب، يريد أن التركيب الذي تصير الأمتاد والأسباب يحتوي على عشرة أجزاء، ولا يخفى بعده. قال: (والظاهر أن فاعل (حوى) إنما هو البيتان اللذان بعده) ، يريد أن العشر هي ما حواه هذان البيتان من الأمثلة المرموزة فيهما، وهما قوله (أصابت بسهميهما) والبيت بعده. انتهى.
فإن قلت: يلزم عليه وقوع الجملة فاعلاً وهو باطل عندهم على المختار، قلت الجملة التي يرا بها لفظها تتنزل منزلة الأسماء المفردة، وهنا كذلك.
(1/7)

فإن قلت: سبق أن (مفاعلتن) يتفرع عنه جزء مهمل وهو (فاعلاتك) والناظم لم ينبه على ذلك، فمن أين يفهم من كلامه أن هذا هو المهمل؟ قلت أجاب عنه الشريف: بأن هذا الجزء الذي عد مهملاً ينبغي أن لا يعتد به في الفك لأن السبب الثقيل لا يفارق الخفيف فهما معاً كالصوت الواحد، ولذلك يسميهما العروضيون فاصلة، فلولا أن مجموعها عندهم شيء واحد أم كالشيء الواحد لما وضعوا لهما معاً اسماً كما وضعوا الوتد والسبب، فجعلوا بإزاء الصوت الواحد اسماً وضعوه له، فإذا تبين أن الثقيل والخفيف شيء واحد اقتضى ذلك أن (مفاعلتن) لا ينفك منه إلا جزء واحد، لأن الصوت الواحد لا يتبعض عند الفك فلا تتبعض الفاصلة كما لا يتبعض الوتد، وكما لا يتبعض السبب.
فإذا نظرت إلى حقيقة الفك ووقفت مع قول الناظم إن الأجزاء عشر، فتبينت الأجزاء الأربعة التي هي أم لسائر الأجزاء وأصول لها، وتأملت كيفية الفك فاقتضت أن تكون الأجزاء أحد عشر، علمت أن الساقط منها إنما هو ما يؤدي فكه إلى ممتنع، وأن ذلك هو فصل الثقيل من الخفيف المؤدي إلى تبعيض الفاصلة.
قلت: أطال رحمه الله فيما هو غني عنه، وذلك لأن الناظم أتى لكل جزء من الأجزاء العشرة بلفظ موازن له وصدره بحرف من حروف أبجد يدل على مرتبته في العدد، ولما لم يذكر لفظاً يوازن الجزء المهمل علم أن ما يفك خارجاً عن الفروع الستة ليس مما يوزن به عندهم، ولا شيء يفك زائداً على الستة غير (فاعلاتك) المتفرع عن (مفاعلتن) ، فثبت أنه المهمل، إذ لا حاجة في تبيين إحالته إلى الطريقة التي ذكرها الشريف.
واستدلاله على أن المجموع من السبب الثقيل والخفيف شيء واحد، أو كالشيء الواحد، لا تفرق أجزاؤه بتسميتهم له فاصلةً غير متسبب، لجواز أن يكون المقصود بالتسمية الاختصار في اللفظ، إذ الفاصلة أخصر من قولهم سبب ثقيل فسبب خفيف، ويؤنس ذلك تسميتهم لفعلتن المخبول فاصلةً، وليس السبب في ذلك كون أجزائها كالصوت الواحد قطعاً، فكذا الفاصلة الصغرى.
وإنما أوقع الشريف رحمه الله فيما ادعاه توهمه أن الألفاظ المصدرة بحروف الرمز لم يؤت بها إلا لأجل الإشارة بما صدرت به من الحروف إلى مراتب الأجزاء فقط، وليس كذلك، بل أريد بها مع ذلك ما أسلفناه فتأمل.
(تنبيه) هذه الأجزاء تسمى بالأركان والأمثلة والأوزان والأفاعيل والتفاعيل.
وقد رأيت مرةً بالقاهرة في سنة خمس وتسعين وسبعمائة بخط قاضي القضاة مجد الدين إسماعيل الكناني الحنفي رحمه اله على ظهر كراسة: تفاعيل الشعر ثمانية، وعدها، فكتب تحته بعض الأدباء بالديار المصرية ما مثاله أخطأت أيها القاضي لأن التفاعيل جمع تفعال أو تفعول أو تفعيل، وليس شيء منها معدوداً من أجزاء العروض، فإن أجزاءه منحصرة ليس فيها شيء من هذه. فأخبرت القاضي رحمه الله أن هذا الكلام خطأ، وذكرت له أن الكاتب مسبوق بهذا الاعتراض، سبقه به الشيخ أبو حيان ولا شك أنه أخذه منه، لأني رأيت هذا بعينه في نسخ من تفسير أبي حيان كتبها هذا المعترض بخطه.
فسألني القاضي رحمه الله الكلام على ذلك فكتبت وهأنذا أورد هنا ما كتبته من ذلك وإن كان فيه طول قصداً لتكثير الفائدة فأقول: اختلف في التوابع الواقعة في قوله تعالى: (حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب) ، هل هي كلها نعوت أو كلها أبدال, أو (شديد العقاب) بدل وما عداه نعت، وهذا الأخير هو مذهب الزجاج، حكاه عنه صاحب الكشاف ونقله الشيخ في تفسيره المسمى (بالبحر المحيط) وفي (النهر) أيضاً قائلاً إلا أن الزمخشرى قال: جعل الزجاج (شديد العقاب) وحده بدلاً من بين الصفات فيه نبو ظاهر، والوجه يقال: لما صودف بين هذه المعارف هذه النكرة وحدها فقد آذنت بأن كلها أبدال غير أوصاف، ومثال ذلك قصيدة جاءت تفاعيلها كلها على مستفعلن فهي محكوم عليها أنها من الرجز، فإن وقع فيها جزء واحد على (متفاعلن) كانت من الكامل. انتهى.
(1/8)

وقد ناقشه الشيخ فقال: ولا نبو في ذلك لأن الجري على القواعد التي استقرت وصحت هو الأصل. وقوله فقد آذنت بأن كلها أبدال تركيب غير عربي، لأنه جعل (فقد آذنت) جواب (لما) وليس في كلامهم: لما قام زيد فقد قام عمرو. وقوله (بأن كلها أبدال) فيه تكرير الأبدال. أما بدل البداء فقد تكررت فيه الأبدال، وأما بدل كل من كل، وبدل بعض من كل، وبدل اشتمال، فلا نص عن أحد من النحويين أعرفه في جواز التكرار فيها أو منعه، إلا أن في كلامه بعض أصحابنا ما يدل على أن البدل لا يتكرر، وذلك في قول الشاعر:
بأبي ابنُ أمِّ إياسَ أرحلُ ناقتي ... عمروٍ فتبلغُ حاجتي أو تُزحفُ
ملكٍ إذا نزل الوفودُ ببابه ... عرفوا مواردَ مُزبدٍ لا يُنزَفُ
قال: (فملك) بدل من (عمرو) ، بدل نكرة من معرفة. قال: فإن قلت لم لا يكون بدلاً من (ابن أم إياس) قلت: لأنه قد أبدل منه (عمراً) فلا يجوز أن يبدل منه مرة أخرى لأنه قد طرح.
قال الشيخ فدل هذا على أن البدل لا يتكرر ويتحد المبدل منه، ودل على أن البدل من البدل جائز، قال: وقوله: (تفاعيلها هو جمع تفعال أو تفعول أو تفعول أو تفعيل وليس شيء منها معدوداً من أجزاء العروض فإن أجزاءه منحصرة ليس فيها شيء من هذه الأوزان) ، فصوابه أن يقول: أجزاؤها كلها على مستفعلن. انتهى كلام أبي حيان.
وقد ساق تلميذه الشيخ شهاب الدين السمين هذا الفصل برمته في إعرابه، وأقره على حاله كأنه من قبيل المرتضى عنده. والذي يظهر أن جميع هذه المناقشات غير سديدة.
أما الأولى فحاصلها نفي الاستبعاد لمقالة الزجاج بناءً على أنها جارية على الأصول. وتقرير جريانها على ذلك أن توافق النعت الحقيقي ومنعوته في واحد من التعريف والتنكير أمر لازم إما اتفاقاً أو عند الأكثرين، وأن التوافق في ذلك لا يلزم إذا كان التابع بدلاً. فجعل الصفات المعرفة الواقعة في هذه الآية نعوتاً للاسم الشريف جار على القاعدة المتقدمة، وكذا جعل الصفة التي إضافتها غير محضة بدلاً جار على ما سبق من قاعدة البدل. فإذن لا خروج لما قاله الزجاج في كلا الوجهين عما استقر في قواعد كلامهم، فلا نبو فيه.
وأقول: هو وإن جرى على هذه القاعدة فقد خالف قاعدةً أخرى، وهي أنه متى اجتمع بدل ونعت قدم النعت لأنه كالجزء من متبوعه وأخر البدل لأنه تابع كلا تابع، من حيث أنه كالمستقل بمقتضى العامل. ولا خفاء بأنه إذا جعل (شديد العقاب) بدلاً (وذي الطول) الواقع بعده صفةً لزم مخالفة القاعدة المذكورة، مع أنه قد تقدم هذا البدل صفة أخرى، فصار مكتنفاً بصفتين فلزم إدخال ما هو كالأجنبي بين شيئين هما كالجزئين لما قبلهما، وذلك غير مناسب، فظهر النبو باعتبار ذلك.
فإن قلت: إنما لزم هذا حيث جعل قوله (ذي الطول) نعتاً، وليس في كلام أبي حيان ما يقتضيه فلم لا يعرب بدلاً فلا يلزم هذا المحذورظ قلت الكلام في عبارة الزمخشرى التي تعقبها أبو حيان. ومقتضى قوله في الكشاف أن الزجاج جعله بدلاً بين الصفات لا يكون (ذي الطول) بدلاً، إذ لو كان لم يقطع (شديد العقاب) بين الصفات بل بعدها وهو واضح.
وأما المناقشة الثانية وهي تلحين الزمخشرى في قوله: (لما صودف بين هذه المعارف هذه النكرة وحدها فقد آذنت بأن كلها أبدال) ، وتقريرها ظاهر من كلام الشيخ فجوابها م ثلاثة أوجه:
(1/9)

الأول: أن مبنى هذا الاعتراض على منع دخول الفاء على جواب لما وهو ممنوع. فقد نص ابن مالك على جوازه مستدلاً بقول الله تعالى: (فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد) ، فإن قلت لا دليل له في هذه الآية لاحتمال أن يكون الجواب فيها محذوفاً، كما قيل تقديره: انقسموا قسمين فمنهم مقتصد، أي ومنهم غير ذلك، قلت: هو احتمال مرجوح، والظاهر خلافه، فقد ورد جواب لما مقترناً بإذا الفجائية وروداً شائعاً. قال الله تعالى: (فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون) ، وقال تعالى: (فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق) ، وقال تعالى: (فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) ، وفيه دليل على أن جواب لما يجوز أن يكون جملةً اسميةً، وإذا جاز ذلك فأي داع إلى ارتكاب الحذف في الآية التي أوردها ابن مالك مع أنه على خلاف الأصل؟ والفاء وإذا الفجائية أختان في ربط الجواب بالشرط، فإذا ربط بإحداهما في تركيب جاز أن يربط بالأخرى، ولا فرق. فإذن الظاهر ما قاله ابن مالك من أن الجواب في الآية التي استدل بها هو الجملة الاسمية، وأن الفاء رابطة الجواب.
فإن قلت: هذا في الجملة الاسمية، فأين وقوعه في الفعلية؟ قلت: يدل عليه قول الشاعر:
لما اتقى بيدٍ عظيمٍ جرمُها ... فتركتُ ضاحي جلدهِا يتذبذبُ
لكن ابن هشام صرح في المغنى بأنها فيه زائدة. وعليه فلا يكون البيت شاهداً على المدعي.
الثاني: سلمنا امتناع دخول الفاء على جواب لما، لكن لا نسلم أن الجواب في كلام الزمخشرى مذكور حتى يلزم ما قاله أبو حيان، وإنما هو محذوف، تقدير الكلام معه: لما صودف بين هذه المعارف هذه النكرة وحدها نبا هذا القول عن الصواب، فقد آذنت هذه المصادفة بأن جميع تلك التوابع أبدال غير أوصاف، ويدل على هذا الجواب المحذوف قوله فيما سبق (فيه نبو ظاهر) ، وقد نص غير واحد على جواز الحذف في ذلك عند قيام الدليل فلم لا يكون هذا منه.
الثالث: سلمنا أن جواب لما لا يقترن بالفاء، وأنه في عبارة الزمخشرى مذكور لا محذوف، لكنا لا نسلم أن مجموع قوله (فقد آذنت) جواب، وإنما الجواب هو قوله آذنت، وأما (قد) فهي هنا اسم بمعنى (حسب) ، والفاء الداخلة عليها كالفاء الداخلة على قط في قولك (افعل هذا فقط) . أي لما صودف بين هذه المعارف هذه النكرة وحدها فحسب آذنت هذه المصادفة بما قلناه من دعوى البدلية في جميع التوابع. والشيخ أبو حيان فهم أن (قد) حرف داخل على الفعل، مثله في قولك (قد قام زيد) ، فسارع إلى تلحين الزمخشرى ذهولاً عما قلناه، والله الموفق لا رب غيره.
وأما المناقشة الثالثة وهي ما لزم على كونها أبدالاً من تكرير البدل وهو ليس بدل البداء فليست بذاك، فالشيخ قد أقر على نفسه بعدم الاطلاع على نص في المسألة إلا من جهة كلام حكاه عن بعض أصحابه، ولم يسمه، ولا يلزم من عدم عرفانه بالجواز عدم الجواز في نفسه، فالزمخشرى إمام في هذا الفن، ثبت في النقل. وقد نص غير واحد من المعربين في قوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين) ، على جواز إعراب التوابع أبدالاً مع أنها ليست بأبدال بداء قطعاً ففيه دليل على جواز ما أجازه الزمخشرى.
فإن قلت: ذلك محمول على أن كل تابع بدل مما قبله، لا أنها كلها أبدال من شيء واحد كما حكاه الشيخ عن بعض أصحابه في إعراب ذينك البيتين، قلت: وكلام الزمخشرى قابل لأن يحمل على هذا المعنى بعينه، فهو لم يقل في هذه التوابع إلا أنها أبدال، وذلك صادق بأن يجعل كل واحد منها بدلاً مما قبله، فيتعدد التابع والمتبوع، فام لم يحمله الشيخ على هذا المعنى مع أنه ليس في اللفظ ما يدفعه.
على أن ابن الحاجب رحمه الله تكلم على هذه الآية في أماليه ولا بأس بإيراد كلامه بجملته تكميلاً للفائدة. قال ما نصه: لا يستقيم أن يكون (غافر الذنب وقابل التوب) صفة لقوله (من الله العزيز العليم) ، لأن (غافر الذنب وقابل التوب) معناه أنه يغفر الذنب ويقبل التوب. قال الله تعالى: (يغفر الذنوب جميعاً) ، وقال (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده) ، فيكون في معنى الحال والاستقبال، فتكون إضافته غير محضة. وأجيب عن ذلك بأن (غافر الذنب) على معنى ثبوت ذلك له، وإذا كان على معنى ثبوت ذلك له فهو صفة بمعنى المضي، فتكون إضافته محضةً فتفيد التعريف فيصح وصف المعرفة به.
(1/10)

وهذ الجواب وإن كان سديداً في (غافر الذنب وقابل التوب) إلا أنه لا يمكن مثله في شديد العقاب، لأن (شديد العقاب) لا تكون إضافته إلا غير محضة على كل حال لأنه صفة مشبهة، فلا يفرق بين ماضيه وغيره بخلاف اسم الفاعل، فلا يكون، (يعني شديد العقاب) إلا نكرةً، فيبقى الاعتراض قائماً، فحكم بعض النحويين بأن (شديد العقاب) بدل بعد أن حكم بأن ما قبله صفات بالوجه الذي ذكرناه.
واختار بعضهم بأن يكون (غافر الذنب) من أول الأمر بدلاً كراهة أن يخالف بين الصفات فيجعل بعضها صفةً وبعضها بدلاً، وأجرى البواقي عليها بدلاً، فكأنه قال: م الله العزيز العليم، من رب غافر الذنب وقابل التوب العقاب.
وفي هذه الصفات إشكال آخر وهو قوله: (ذي الطول) ، فإنه معرفة، فلا يحسن أن يكون صفة لقوله (من الله) لأنك فصلت بينه وبينه بالبدل، ولا يحسن أن يكون صفةً للبدل لأنه نكرة (وذي الطول) معرفة، فالأولى أن يقال هو بدل من المبدل الأول، كأنه قال من الله العزيز العليم من رب غافر الذنب من الله ذي الطول، فعلى هذا يستقيم ولكن بتقدير البدل. انتهى كلامه. وفيه دليل بين على جواز تعدد البدل مع اتحاد المبدل منه، وهو غير ما حكى فيه أبو حيان المنع عن بعض أصحابه، فتأمله.
وأما المناقشة الرابعة وهو ما وقع من تغييره عن أجزاء القصيدة بالتفاعيل مع أن أجزاء العروض محصورة في أوزان معروفة لا يصح أن يكون شيء منها مفرداً للتفاعيل حسبما قرره الشيخ، فأقول هذا وهم فاحش، لأن التفاعيل عند العروضيون جمع لتفعيل، لا باعتبار أن لفظ هذا المفرد يوزن به، بل باعتبار أنه اسم موضوع للفظ خاص عندهم يوزن به ما يماثله من مطلق الحركات والسكنات، فالتفاعيل بمنزلة قولك الأجزاء، فكما أن مفرد الأجزاء جزء، وهو اسم للفظ الموزون به، كذلك مفرد التفاعيل تفعيل، وهو اسم لمفهوم الجزء عندهم، لا أنه شيء يوزن بلفظه، ففعولن مثلاً يطلق عليه جزء وتفعيل، سماه بذلك الخليل واضع هذا الفن.
والتفعيل في الأصل مصدر قولك فعلت الكلمة إذا أتيت فيها بلفظ (ف ع ل) ، ثم سمي به الجزء الذي فيه تلك الأحرف، كما أن التنوين مصدر قولك نونت الكلمة، إذا أتيت فيها بنون، ثم سموا النون نفسها إذا كانت على صفة خاصة بالتنوين، وقد يطلق العروضيون التفعيل على التقطيع مع الإتيان بالأمثلة الموازنة لذلك التقطيع كقولهم في قوله:
ستُبدى لك الأيامُ ما كنتَ جاهلاً
سَتُبدِى لَكَلْ أييَا مما كنْ تَجَاهِلَنْ
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن
ويأتيك بالأخبار من لم تُزَوِّدِ
ويأْتي كَبلأخْبا رِمَلْلَمْ تُزوْوِدِي
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن
وكذا في قوله:
لا تحسب المجدَ تمراً أنت آكلُهُ
لا تحسبل مجد تم رَنْ أنتَ آكِلهُو
مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن
لا تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
لا تبلغلْ مَجْدَحضتْ تا تَلعَقَص صَبِرا
مستغعلن فاعلن مستفعلن فعلن
وكذا في قوله:
سَلِى إنْ جهلتِ الناسَ عنا وعنهمُ
سلى إن جهلتننا سعننا وعنهمو
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن
فليسَ سواءً عالمٌ وجهولُ
فليس سوا أنعا لمنو جهولو
فعول مفاعيلن فعول فعولن
إلى آخره، فيستعملونه مصدراً، وهذا واضح لا يخفى على أصاغر الطلبة، والعجب من الشيخ أبي حيان رحمه الله كيف وقع في مثل هذا، وأعجب منذلك قوم راج عندهم هذا الوهم فسفهوا رأى من قال بخلافه عجزاً عن درك الحق وإخلاداً إلى التقليد، وظناً أن لا فضل إلا بتقدم العصر، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. أعاذنا الله من حسد يسد باب الإنصاف، ويصد عن جميل الأوصاف بمنه وكرمه.
ولنرجع إلى ما نحن بصدده من كلام الناظم رحمه الله.
قال:
فرتِّبْ إلى اليا زِنْ دوائرَ خفْ لشقْ ... أولاتِ عَدٍ جزءٌ لجزءٍ ثُناثُنا
(1/11)

أقول: يعني أنك ترتب الأحرف المرموز بها في البيتين السابقين المشتملين على الأشارة إلى الأجزاء العشرة على الترتيب المعروف في (أبجد) من الألف إلى الياء، فاقتضى ذلك إلغاء ما ليس من هذه الحروف أصلاً كالفاء في (فدار كوني) ، وإلغاء ما يفضى إلى الإخلال بالترتيب المذكور كالباء من (بهمة) فإنها وإن كانت من حروف أبجد المرموز بها، لكن اعتبارها يؤدي إلى فساد الترتيب، فإن الباء ليست بعد الدال، وقد تقدمت فاقتضى ذلك إلغاءها والاعتداد بما بعدها وهو الهاء.
وقوله (زن) يعني زن بالأجزاء المتقدمة المرموز لها بأحرف أبجد المرتبة من الألف إلى الياء. والمراد بالوزن بها أنك تعمد إلى الشعر الذي تقصد وزنه فتقطعه قطعاً قطعاً على مقادير الأجزاء، وتقابل المتحرك بالمتحرك والساكن بالساكن، ويعبرون عن ذلك تارةً بالتفعيل وتارة بالتقطيع، وما أحسن قول بعض المتأخرين:
وبقلبي من الهموم مديدٌ ... وبسيطٌ ووافرٌ وطويلُ
لم أكنْ عالماً بذاك إلى أنْ ... قَّطع القلبَ بالقراق خليلُ
وقول الشيخ بهاء الدين السبكي رحمه الله:
إذا كنتَ ذا فكر سليم فلا تَمِلْ ... لعلم عروضٍ يُوقع القلبَ في الكربِ
فكلُّ امرئٍ عانى العروضَ فإنما ... تعرّضَ للتقطيع وانساقَ للضربِ
وإنما يعتبر عندهم في الوزن ما يدرك بحاسة السمع، وعلى ذلك ترسم الحروف عندهم.
فإذا عمدنا إلى تقطيع بيت وكتابته بهذا الهجاء فإننا ننظر أولاً في الشعر من أي جنس هو، وننظر أجزاءه التي تركب منها ثم نضع قطعةً من البيت مقابلةً لجزء من أجزاء التفعيل بمقداره من الحركات والسكنات ونعمل ذلك في جميع أجزاء البيت حتى يصير قطعاً بمقدار الأجزاء، ويلاحظ في ذلك مقابلة المتحرك بمثله في مطلق الحركة من غير نظر إلى خصوصيتها، وتقابل الساكن بمثله، فربما تجرأت الكلمة الواحدة فصار بعضها لجزء وباقيها لجزء آخر فيوصل بكلمة أخرى أو ببعض كلمة، كما رأيته في الأبيات التي فرغنا من تقعيلها آنفاً.
ثم لا يخلو الساكن أن يظهر على اللسان أولاً، فإن ظهر وأدركه السمع ثبت في الخط والتقطيع نحو نون (منك) . وسواء رسم في الخط الاصطلاحي أو لم يرسم نحو التنوين في (زيد) ، وصلة هاء الضمير وميم الجمع، وإن لم يظهر الساكن على اللسان لم يثبت في الخط ولا التقطيع، نحو ألف الوصل في قوله:
كلُّ عيش صائر للزوال
ونحو ما يسقط لالتقاء الساكنين من ألف أو واو أو ياء. وأما المتحرك فلا يخلو أن يكون مخففاً أو مشدداً، فإن كان مخففاً حسب بحرف واحد، وهو ظاهر، وإن كان مشدداً حسب بحرفين، الأول ساكن والثاني متحرك فيفكان في التقطيع ويلفظ بالأول بلفظ الثاني.
فإذا رسمت (الرجل) رسمته هكذا (أررجل) فأما زاده الكتاب في الهجاء الاصطلاحي كالألف بعد واو الجمع في (فعلوا) ، وكالواو في (عمرو) وكالألف في (مائة) ، أو نقصوه كهمزة (رؤس) وألف (دينر) و (كتب) وشبهه فذلك لا يعتبر في التقطيع لأنه لا يظهر على اللسان، بل يرد ذلك إلى أصله فيسقط الزائد ويلحق الناقص، بالله التوفيق.
وقوله (دوائر خف لشق) يعني زن بالأجزاء المذكورة أبحر الدوائر المرموز لها بالأحرف المجموعة من قوله (خف لشق) ، وهي أحرف اقتعطها من أسماء الدوائر ورمز لها بها.
والدوائر خمس: الأولى تسمى دائرة المختلف، وإليها أشار بالخاء، والثانية دائرة المؤتلف، وإليها أشار بالفاء، والثالثة تسمى دائرة المجتلب، وإليها أشار باللام، والرابعة تسمى دائرة المشتبه، وإليها أشار بالشين، والخامسة تسمى دائرة المتفق، وإليها أشار بالقاف.
ويقع في بعض النسخ (خف شلق) بتقديم الشين على اللام بناءً على أن الدائرة الثالثة تسمى دائرة المشتبه والرابعة تسمى دائرة الجتلب، وهو رأي لبعض العروضيين. وعلى هذه النسخة شرح الشريف. وما تقدم وهو الواقع في أكثر النسخ عندنا هو رأي الجمهور. ولا خلاف بين القائلين بالدوائر إنها خمس.
(1/12)

وبعض الناس أنكر الدوائر أصلاً ورأساً، وجعل كل شعر قائماً بنفسه، وأنكر أن تكون العرب قصدت شيئاً من ذلك، وقال إنا سمعناهم نطقوا بالمديد مسدساً، وبالبسيط (فعلن) في العروض مثلاً، وبالوافر () فعولن (فيها، وبالهزج والمقتضب والمجتث مربعات، ومن أين لنا أن ندرك أن أصل عروض الطويل كان مفاعيلن بالياء؟ وأن المديد كان من ثمانية أجزاء؟ وأن فعلن في البسيط كان أصله فاعلن بالألف؟ وأن عروض الوافر كانت في الأصل مفاعلتين ثم صارت على فعولن؟ إلى غير ذلك.
والأكثرون على خلاف هذا لأن حصر جميع الشعر في الدوائر المذكورة واطراد جريه فيها دل على ما اختص الله به العرب دون من عداهم، فكان ذلك سراً مكتما في طباعهم أطلع الله عليه الخليل واختصه بإلهام ذلك، وإن لم يشعروا هم به ولا نووه، كما لم يشعروا بقواعد النحو وأصول التصريف، و'نما ذلك مما فطرهم الله عليه. فالتثمين في المديد والتسديس في الهزج والمضارع وغيره من المجوزات أصل رفضه العرب كما رفضوا أصولاً كثيرةً من كلامهم على ما تقرر في علم النحو. وإذا تطرق الشك في ذلك إلى الشعر تطرق إلى الكلام حينئذ، فيتعذر باب كبير من أصول العربية، ولا خفاء بفساده، هكذا قرره بعض الفضلاء.
وقوله (أولات عد جزء لجزء ثنا ثنا) الظاهر فيه أن (أولات) منصوب على الحال، أي زن الدوائر الخمس المرموز لها بأحرف (خف لشق) حالة كونها أولات عد، أي مشتملة على أبحر معدودة مؤلفة من جزء مضموم لجزء آخر متكررين في كل بحر، وهو المراد بقوله ثنا ثنا، أي اثنين اثنين. يعني أن الأجزاء تتكرر في كل بحر من بحور الدوائر لأن كل بيت مصراعان يحتوي كل واحد منهما من الأجزاء في الأصل على مثل ما يحتوي عليه الآخر. عد مخفف من وعد المشدد، وحمله الشريف على أنه عامل الوصل معاملة الوقف، فخفف المضاعف كما يخفف في الوقف.
قال: ومثله ما أنشده أبو علي في التذكرة:
حتى إذا ما لم أجد غيرَ الشَّرِ
قال: فخفف وأطلق، ولم يكن ينبغي له إذ خفف أن يطلق، لأن التخفيف إنما هو لأجل الوقف. ونظيره قول الشاعر:
ببازلٍ وجناءَ أو عهيلِّ
فأجرى الوصل مجرى الوقف، إذ كان التشديد أيضاً جائراً في الوقف.
قال: (وإنما ساغ عندي حمل كلام الناظم على هذا القدر من الشذوذ الذي لا يحتمل إلا في الضرائر، ويجب على المولد أن يجتنبه- مع أن البيتين اللذين أنشدهما الأمر فيهما أخف منه في بيت الناظم لأن حرف الإطلاق قد لا يعد به، ألا ترى أن من أنشد:
أقلىّ اللومَ عاذلَ والعتابُ
قد حذفه- لأن الناظم كثيراً ما يرتكب مثل هذا القصيدة من الشذوذات) . قلت: قد وقع للمتقدمين ما يستند إليه قول الناظم، كقول الشاعر:
ألاَ ليت اللحَى كانت حشيشاً ... فنعلَفها دوابَ المسلمينا
وقول الآخر:
جَزَى الله الدّوابَ جزاء سوءٍ ... وألبسهن من جَرَبٍ قميصا
وقوله (ثنا ثنا) كل واحد منهما لفظ معدول عن اثنين اثنين، وقصره للضرورة، والأول منصوب على الحال، والثاني تأكيد له. ونظيره في استعمال المعدول تأكيداً قوله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل مثنى مثنى) ، فالأولى خبر المبتدأ، والثانية تأكيد لها. ووقع في شرح هذه المقصورة لمتأخر عصري النصف الثاني من هذا البيت على هذه الصورة:
أولاتِ عدا جزء كجزء ثنا ثنا
وفسره بأن قال. أي وهذا الرمز هو الآتي في البيتين الآتيين معدوداً فيهما، وجزء كل بحر من الأجزاءمكرر في دائرته مرتين، وإلى هذا أشار بقوله (ثنا ثنا) . قال الجواهري: الثنا، مقصور، الأمر يعاد مرتين. وفي الحديث. (لا ثنا في الصدقة) ، أي لا تؤخذ في السنة مرتين. وقال الشاعر:
لعمري لقد كانت زيارتُها ثنى
انتهى كلامه فتأمله. قال:
خَ ثَمن أَبِنْ زهرٌ ولهْ فلسِّتةٍ ... جَلَتْ حُضّ لُذْ بَل وفِّ زِنْ شِمِ وَوطَلاَ
وطولُ عزيزٍكم بِدعبلِكمْ طوَوا ... يعزِّزُ قسْ تثمينَ أشرفَ ما ترى
أقول. لما أشار إلى أن الدوائر خمس: شرع في ذكرها على التفصيل، وما اشتملت عليه كل دائرة من الأبحر، ووزن كل بحر.
فقوله: (خ) إشارة إلى الدائرة الأولى، زهي دائرة المختلف. وقوله (ثمن) إشارة إلى أنها مثمنة الأجزاء، فكل بحر من أبحرها بحسب الأصل مركب من ثمانية أجزاء، وهي مشتملة على ثلاثة أبحر مستعملة.
(1/13)

الأول بحر الطويل، ووزنه (فعولن مفاعيلن) أربع مرات. أشار إلى (فعولن) بالألف من (أبن) المشار بها إلى (أصابت) ، وإلى (مفاعيلن) بالباء منه المشار بها إلى (بسهميها) ، فكأنه يقول: دائرة المختلف مثمنة، وفيها بحر وزنه: (أصابت بسهميها) أربع مرات، وعلى ذلك فقس. غير أنه فاته تسمية البحر فاستدرك ذلك عند إتيانه بالأبيات المتضمنة للكلمات المشار بها إلى شواهد الأعاريض والضروب والزحاف كما سيأتي مفصلاًَ. والنون من قوله (أبن) ملغاة لأنها ليست من أحرف الرمز.
البحر الثاني المديد. ووزنه (فاعلاتن فاعلن) أربع مرات. أشار إلى مستفعلن بالواو من قوله (وله) المشار بها إلى (وقعيهما) ، وأشار إلى (فاعلن) بالهاء منه المشار بها إلى (همة) . واللام المتوسطة بين الواو والهاء ليست من أحرف الرمز، فهي ملغاة لا يقع بها لبس.
وقد علمت أن الوتد الموجود في هذه الدائرة مجموع وأنها ليس بهل وتد مفروق، فإذن كل من (فاعلاتن) الواقع في المديد (ومستفعلن) الواقع في البسيط مجموع الوتد.
ويخرج من هذه الدائرة بحران مهملان أحدهما وزنه (مفاعيلن فعولن) أربع مرات، عكس الطويل. ويسميه بعضهم المستطيل. وحكى عن الخليل أن العرب لم تستعمله، وأن السبب في إهماله ما يلزم عليه من وقوع سببين بين وتدين في أوله فلا يمكن زحافهما.
واعترض بأن هذه العلة لو صحت للزم إهمال الهزج والمضارع والمقتضب، لأن كلاً منها مبني على سببين بين وتدين، فلا يمكن زحافهما. وأجيب بأنها لا يمكن في تأليفها إلا ذلك، إذ لا خماسي فيها، بخلاف هذا لأن فيه خاسياً، فيخرج من المحذور بتقديمه.
واستشكله الصفاقسي، قال: (والأشبه ما قاله الزجاج، وهو أن (مفاعيلن) لو وقع أولاً لجاز خرمه، لأن أوله وتد مجموع، ويلزم أن يقع الخرم في جزء أصله أن يقع بذلك في حشو البيت ولا نظير له) . واعترضه أبو الحكم بأن هذا لو صح لما وقع الخرم في (مفاعيلن) في الهزج لوقوعها في الطويل حشواً، لكن قد وقع فيها فدل على عدم اعتبار هذه العلة. قال الصفاقسي: (ولقائل أن يجيب عنه بأن المحذور الذي ألزمناه هو وقوع الخرم في جزء أصله أن يقع بذلك حشواً لبيت، أي في تلك الدائرة، و (مفاعيلن) في دائرة الهزج أصله أن يقع فيها بدءاً فلا تصلح ناقضةً لتعليله والله اعلم. وقد نظم المولدون على هذا الوزن المهمل كقول بعضهم:
لقد هاج اشتياقي غريرُ الطّرف أحورْ ... أديرَ الصدغُ منه على مسكس وعنبرْ
وقول الآخر:
أَمِط عنيّ ملاماً برَى جسمي مداهُ ... فما قلبي جليداً على سمع الملامِ
وقول الآخر:
أيسلو عنك قلبٌ بنار الحب يَصلَى ... وقد سدّدت نحوي من الألحاظ نَصْلا
البحر الثاني المهمل مقلوب المديد. وزنه (فاعلن فاعلاتن) أربع مرات، وسموه بالممتد، وقد نظم المولدون عليه أيضاً كقول بعضهم:
صاد قلبي غزال أحور ذو دلال ... كلما زدت حباً زاد مني نفورا
وقول الآخر:
قد شجاني حبيبٌ واعتراني ادكارُ ... ليته إذ شجاني ما شجته الديارُ
وقد جرت العادة بأن يوضع شكل دائرة، ويرسم عليها نصف واحد من تفعيل البحر الأول منها بأن تجعل علامة المتحرك صورة حلقة صغيرة وتجعل علامة الساكن صورة ألف، فتضع الدائرة هكذا: وطريق الفك أنك تبتدئ من أول كل وتد وسبب وتمر إلى الآخر، فإن اتفق فوات شيء من أول الدائرة فتداركه آخراً بأن تضيفه إلى ما فككته حتى تصل إلى المحل الأول الذي ابتدأت منه، فتبتدئ هنا من أول وتد في الدائرة وتمر إلى منتهاها، فيكون (فعولن مفاعلين، وهو بحر الطويل. ثم تبتدئ من أول سبب فيها فتقول (لن مفاعيلن فعولن مفاعيلن وتضيف إليه ما فات مما سبق، وهو فعو، فيحدث بحر المديد، وهو (فاعلاتن فاعلن) .
ثم تبتدئ من أول الوتد الثاني فيكون (مفاعيلن فعولن مفاعيلن) وتضيف إليه ما فات سبقاً فيحدث وزن المهمل الأول المسمى بالمستطيل.
ثم تبتدئ من أول سبب بعد هذا الوتد الثاني فتقول (عيلن فعولن مفاعيلن) ، وتتدارك ما فات سبقاً، وهو (فعولن مفا) ، فيحدث بحر البسيط.
ثم تبتدئ من ثاني سبب فتقول (لن فعولن مفاعيلن) ، وتتدارك ما سبق وهو (فعولن مفاعي) ، فيحدث البحر تامسمى بالممتد.
(1/14)

فقد استبان لك أن هذه الدائرة تشتمل على خمسة أبحر. منها ثلاثة مستعملة، ومنها اثنان مهملان، وعرفت صفة الفك، وسميت بدائرة المختلف لتركبها من جزأين مختلفين خماسي وسباعي.
الدائرة الثانية دائرة المؤتلف، وإليها أشار بالفاء من قوله (فلستة) وأشار بالستة إلى أنها مسدسة الأجزاء، وفيها ثلاثة أبحر، اثنان منها مستعملان، وواحد مهمل.
فالأول من المستعملين هو بحر الوافر ووزنه (مفاعلتن ست مرات، وأشار إليه بالجيم من قوله (جلت) المشار بها إلى (جوارحنا) ، واللام والتاء لغو.
والثاني منها بحر الكامل، ووزنه (متفاعلن) ست مرات. أشار إليه بالحاء من قوله (حض) المشار بها إلى (حجبتهما) والضاد لغو.
والبحر المهمل وزنه (فاعلاتك) ست مرات. قال الصفاقسي: (والسبب في إهماله ما يلزم عليه من المحذور، وهو إما لزوم الوقف على المتحرك إن ترك الحرف الأخير على حاله من التحرك، أو عدم تماثل أجزاء البيت إن سكن لأنه من دائرة المؤتلف وهي مبنية على تماثل الأجزاء.
قال: وقد استعمله بعض المولدين وارتكب محذور عدم التماثل فقال:
ما رأيت من الجآذِرِ بالجزيرةِ ... إذء رَمَيْنَ بأَسْهم جَرَحتَ فؤاءي
وقال الشريف إن السبب في إهماله ما يلزم عليه من تفريق السبب الثقيل من الخفيف، وكلاهما كالصوت الواحد الذي لا تفرق أبعاضه، ولذا أطلق أئمة هذا الفن عليهما اسم الفاصلة، فأفردوهما باسم يختص بهما كالوتد والسبب. وقد سبق الكلام معه في ذلك.
ولنرسم هذه الدائرة على هذه الصورة: فإذا ابتدأت من أول علامة وانتهيت إلى الآخر حدث بحر الوافر، ومن أول السبب الثقيل إليه بحر الكامل، ومن أول السبب الخفيف إليه البحر المهمل الذي ذكرناه، وسموه بالمتوفر.
وإنما سميت هذه الدائرة بدائرة المؤتلف لائتلاف أجزائها وتماثلها، لأن بحريها المستعملين مركبان من أجزاء سباعية فتماثلت لذلك.
الدائرة الثالثة دائرة المجتلب وإليها أشار باللام من قوله. (لذ، والذال ملغاة. وتشتمل على ثلاثة أبحر كلها مستعمل، ولا مهمل فيها، وهي مسدسة الأجزاء، قال الشريف. (ولم ينص الناظم على أنها مسدسة الأجزاء، لأن ما أشار إليه من التسديس عند ذكر الدائرة الثانية منسحب حكمه على جميع ما يذكر بعده حتى ينسخه بذكر التثمين عند الإشارة إلى الدائرة الخامسة، فاستصحب لهذه الدائرة والتي بعدها حال التسديس الذي نبه عليه أولاً بقوله (ستة) .
إذا تقرر ذلك فالأول من أبحر هذه الدائرة هو الهزج، ووزنه (مفاعيلن) ست مرات. أشار إليه بالباء من قوله (بل) المشار بها (بسهميها) ، واللام ماغاة، ولا يقع بإلغائها لبس، فإنها وإن كانت من الأحرف المرموز بها للدوائر فقد تقدم الرمز بها للدائرة في قوله (لذ) فلم يكن بالذي يعود إليها بعد أن فرغ منها.
البحر الثاني الرجز، ووزنه (مستفعلن) المجموع الوتد ست مرات. أشار إليه بالواو من قوله (وف) المشار بها إلى (وقعيهما) ، والفاء لغو، ولا لبس يقع بها وإن كانت رمز دائرة المؤتلفة لأنها قد تقدمت فلا يظن به الرجوع إليها بعد انتهاء الكلام عليها كما مر.
البحر الثالث الرمل، ووزنه (فاعلاتن) المجموع الوتد ست مرات. أشار إليه بالزاي من قوله (زن) المشار ها إلى (زائرتي) والنون ليست من حروف الرمز أصلاً فهي ملغاة ولا لبس.
ولترسم هذه الدائرة على هذه الصورة: فمن أول علامة إلى الآخر بحر الهزج. ومن أول السبب الأول إليه بحر الرجز، ومن أول السبب الثاني إليه بحر الرمل.
وسميت بدائرة المجتلب، لأن أجزاءها كلها اجتلبت من دائرة المختلف إليها، فمفاعيلن من الطويل، ومستفعلن من البسيط، وفاعلاتن من المديد.
فإن قلت: لم حكم باجتلابها من هناك إلى هنا دون العكس؟ قلت: أجاب الصفاقسي عنه بوجهين: الأول أن فائدة الاجتلاب إنما هي الاستعمال، وهي كلها هنا مستعملة بخلافها في دائرة المختلف، لأن بعضها مهمل. الثاني أن كل أجزاء هذه الدائرة في دائرة المختلف دون العكس.
(1/15)

فإن قلت: الذي في دائرة المختلف وليس في هذه هو (فعولن وفاعلن) ، فجاز أن يكونا مجتلبين إليها من دائرة المتفق، إذ لا يشترط في الاجتلاب أن يكون من دائرة واحدة. ولئن سلم فيكفي اختلاف البعض في التسمية، قلت: أورده الصفاقسي أيضاً ثم قال: (ويمكن أن يجاب عنه بأن مرادنا من الاستدلال أحد الأمرين، إما المانعية، وإما الترجيح، وما ذكرتموه إنما ينفي المانعية ولا يلزم من انتفائها انتفاء الترجيح.
الدائرة الرابعة: دائرة المشتبه وإليها أشار بالشين من قوله (شم) والميم ملغاة ولا لبس يلحق بإلغائها لأنها ليست من حروف الرمز أصلاً ورأساً. وهي مسدسة الأجزاء ولم يحتج إلى التنصيص على تسديسها لما سبق.
وتشتمل على تسعة أبحر منها ستة مستعملة، والثلاثة الباقية مهملة.
فأما المستعملة فالأول منها بحر السريع. ووزنه (مستفعلن مستفعلن مفعولات) ، ومثلها. أشار إلى الجزأين الأولين بالواوين المتتاليتين من قوله (ووطء) المشار بها إلى (وقعيهما وقعيهما) وأشار إلى الجزء الثالث بالطاء المشار بها إلى (طولاهن) .
فكأنه يقول: دائرة المشتبه منها بحر وزنه: (وقعيهما طولاهن) ومثلهن.
الثاني: بحر المنسرح، ووزنه (مستفعلن مفعولات مستفعلن) ، ومثلها. أشار إلى هذه الأجزاء مرتبةً على هذا النمط بالواوين والطاء من قوله (وطول) المشار بهن إلى (وقعيهما طولاهن وقعيهما) كما سلف واللام لغو ليست من أحرف الرمز المشار به إلى الأجزاء ولا تلتبس باللام المرموز بها لدائرة المجتلب لما سبق.
الثالث: بحر الخفيف، وزنه (فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن) ومثلها. وفاعلاتن هذه مجموعة الوتد ومستفع لن مفروقته كما سينطق لك به فك الدائرة بإذن الله تعالى. وأشار الناظم إلى أجزاء هذا البحر الثلاثة مسوقة على هذا الترتيب بالزائين والتاء بينهما من قوله: (عزيز) ، المشار بهن إلى (زائرائي يعتادها زائرتي) والعين ملغاة لا يقع بها التباس أصلاً، وكذا الكاف والميم الواقعان بعد الرمز.
الرابع: بحر المضارع، ووزنه (مفاعيلن فاع لاتن مفاعيلن) ، وثلها.
(وفاع لاتن) هذه مفروقة الوتد لما ستعرفه. وأشار الناظم إلى ذلك بالباءين والدال الواقعات في قوله (بدعبلكم) المشار بهن إلى (بسهميهما دار كوني بسهميهما) والعين واللام والكاف والميم كلها ملغاة لا ينشأ بإلغائهن ليس كما سبق.
الخامس: بحر المقتضب ووزنه (مفعولات مستفعلن مستفعلن) ومثلها.
(ومستفعلن هذه مجموعة الوتد. وأشار الناظم إلى ذلك بالطاء والواوين بعدهما من قوله (طووا) المشار بهن إلى (طولاهن وقعيهما وقعيهما) . فإن قلت: الألف بعد (طووا) ملغاة والالتباس بإلغائها واقع فإنها من الأحرف المرموز بها للأجزاء، وهي رمز (لأصابت) ، قلت: لا إلباس، وذلك لأنه قد علم أن كل بيت في الدائرة مركب من مصراعين، وكل مصراع منهما مماثل للآخر، فلو كانت الألف مشاراً بها إلى (أصابت) للزم أن يكون هذا البحر مثمناً.؟ والغرض أنه مسدس، وأيضاً فقد علم أنه لا خماسي بهذه الدائرة من الأبحر السابقة فانتفى اللبس واتضح الأمر.
السادس: بحر المجتث ووزنه (مستفع لن فاعلاتن) ومثلها. (ومستفع لن) هذه مفروقة الوتد، (وفاعلاتن) مجموعته كما يتبين لك. وأشار الناظم إلى هذه الأجزاء مسرودةً على هذا الوجه بالياء والزايين بعدها من قوله (يعزز) المشار بهن إلى (يعتادها زائراتي زائراتي) ، والعين ملغاة، ولا لبس. فهذه الأبحر الستة هي المستعملة من أبحر هذه الدائرة، وأما المهملة فثلاثة كما سبق.
البحر الأول بحر وزنه (فاعلاتن فاعلانت مستغفع لن) ، ومثلها (ومستفع لن) هذه مفروقة في الوتد لأنه مكان (لات) من (مفعولات) الذي هو الجزء الثالث من بحر السريع، وذلك لأن ابتداء (مستفع لن) من عينه كما ستراه.
ولم تضع العرب عليه شيئاً، وبيته من شعر المولدين:
ما لِسلمى في البرايا من مُشبهٍ ... لا ولا البدرُ المنير المُسْتكملُ
(1/16)

قال الصفاقسي: (وزعم الزجاج أن سبب اطراحه ما يلزم عليه لو تم من وقوع (مستفع لن) المفروقة الوتد في العروض، وهو مجتنب عندهم لأنها عمدة، والأسباب مع الوتد المفروق ضعيفة، ولهذا لم يجيء السريع تاماً. قال الصفاقسي: وأقول: اللازم عليه في السريع كذلك، وتمامه أنه لو جزىء لالتبس بمجزوء الرمل. قال: واعترضه أبو الحكم بأن اطراحهم تام السريع ليس لضعف الأسباب مع الوتد المفروق بل للزوم الوقف على المتحرك. ووهمه الصفاقسي بأن الزجاج إنما علل تمام العروض لا تمام الضرب، والعروض ليست محل وقف فيمتنع تحرك آخرها لأنها في حشو البيت.
البحر الثاني المهمل بحر وزنه (مفاعيلن فاع لاتن) ومثلها، (وفاع لاتن) هذه مفروقة الوتد لأن ابتداءها من أول الوتد المفروق، وبيته من قول المولدين:
لقد ناديتُ أقواماً حين جابوا ... وما بالسمع مِن وَقْرٍ لو أجابوا
قال الصفاقسي: وعلل الزجاج اطراحه بما تقدم، وفيه ما فيه، وتمامه أنه لو جزىء لا لتبس بمجزوء الهزج.
البحر الثالث المهمل بحر وزنه (فاع لاتن مفاعيلن مفاعيلن) ومثلها، (وفاع لاتن) هذه مفروقة الوتد لانفكاكها من أول وتد مفروق، ولا علة لاطراحه لا تاماً ولا مجزوء إلا عدم السماع، وبيته من قول المحدثين:
مَن مُجبري من الأشجانِ والكربِ ... من مُديلي من الإبعاد بالقُربِ
وهذه صورة هذه الدائرة: وكيفية الفك منها أنك تبتدئ من أول علامة إلى الآخر فيحدث بحر السريع، ومن أمل السبب الثاني إليه البحر الأول المهمل، ومن أول الوتد المجموع الذي يلي ذينك السببين إليه البحر الثاني المهمل، ومن أول الجزء التالي لهذا الجزء إليه بحر المنسرح، ومن أول سببه الثاني إليه بحر الخفيف، ومن أول الوتد المجموع إليه بحر المضارع، ومن أول الجزء الثالث إليه بحر المقتضب، ومن أول سببه الثاني إليه بحر المجتث، ومن أول الوتد المفروق إليه البحر الثالث المهمل. وهذا آخر دائرة المشتبه.
سميت بذلك لاشتباه أبحرها. حكى ابن القطاع أن فحول الشعراء غلطوا في بحورها فأدخلوا بعضها على بعض في القصيدة الواحدة توهماً منهم أنه بحر واحد، منهم مهمل، ومرقش، وعبيد بن الأبرص، وعلقمة بن عبدة، ووقع من ذلك قصيدة للطرماح حكاها أبو المعري.
فإن قلت: المستفر عندهم أن تبدأ كل دائرة بما كان من أبحرها مصدراً بوتد مجموع لقوته فيجعل أصلاً لتلك الدائرة وتفك البحور الباقية منه، وهذه الدائرة من جملة أبحرها المستعملة بحر المضارع، وهو مصدر بوتد مجموع 'ذ وزنه (مفاعيلن فاع لاتن مفاعيلن) ، فما بالهم لم يجعلوه أصلاً لهذه الدائرة، بل عدلوا عن ذلك وجعلوا أصلها بحر السريع، قلت: أجابوا عن ذلك بأن الجزء الأول من المضارع معلول أبداً للزوم المراقبة فيه، وليس في أول الدوائر المتقدمة بيت معلول فرفض البدء به لهذا.
ورده الصفاقسي بأن لزوم إعلال المضارع في الاستعمال لا في الدائرة، والعبرة في الفك بما في الدائرة، ثم كل من الإعلال والبدء بالسريع مخالف للقياس فلم يرفض أحدخما ويرتكب الآخر؟ قال: والأولى عندي أن يقال إن المضارع لما قل في كلامهم صار كالمهمل، ولذا أنكره الزجاج، والمهمل لا يكون ابتداء الفك منه، فكذا ما أشبهه، فابتدؤا حينئذ بالسريع لخفته وحسن ذوقه.
قلت: لا نسلم أن قلة المضارع تصيره كالمهمل، ولا أن إنكار الزجاج له يصيره أيضاً في حكم المهمل، كيف والخليل رحمه الله هو الذي جعل أول هذه الدائرة بحر السريع وعدل عن ابتدائها بالمضارع، فهل يحسن مع ذلك أن يقال إن الخليل رأى إنكار الزجاج للمضارع يصيره كامهمل فلم يبدأ الدائرة به؟ هذا ما لا يتصور أن يقال.
الدائرة الخامسة: دائرة المتفق أشار إليها الناظم بالقاف من قوله (قس) والسين ملغاة لا يقع بها إلباس، وهي مثمنة الأجزاء، وإلى ذلك أشار بقوله (تثمين) ، وفيها عند الخليل بحر واحد مستعمل وهو المتقارب، ووزنه (فعولن) ثماني مرات، وأشار إلى هذا الجزء بالألف من قوله (أشرف) المشار بها إلى (أصابت) وما بعد الألف ملغى لا يلتبس بأحرف الرمز، ولا يشكل إذا تأملت.
ويخرج منه بحر وزنه (فاعلن) ثماني مرات، ولم يذكره الخليل واستدركه المحدثون، فسمي بالمتدارك، والمحدث والمخترع. قالوا: ولم يستعمل إلا مخبوناً، وحكوا له عروضاً وضرباً مخبونين كقوله:
(1/17)

كرةٌق طُرحتْ بصوالجةٍ ... فتلّقفها رجلٌ رجلُ
قالوا: وشذت له عروض مجزوءة ذات أضرب ثلاثة مجزوءة، الأول مرفل مذيل كقوله:
دار سُعدى بشجرش عُمان ... قد كفاهاالبِلى المَلَوانْ
الثاني مذيل كفوله:
هذه دارهم أقفرت ... أم زبورٌ محتها الدهور
الثالث مثلها كقوله:
قِفْ على دارهم وابكها ... بين أطلالها والدّمَنْ
ويستعمل فاعلن في هذا البحر على فعلن بإسكان العين في البيت كله كقوله:
مالي مالٌ إلاّ درهم ... أو برذَوني ذاك الأدهمْ
وقد اختلف في الذي صيره إلى (فعلن) فقيل دخله الخبن، ثم أضمر تشبيهاً لثانية حينئذ بثاني السبب الثقيل. وقيل: دخله القطع وجرت العلة فيه مجرى الزحاف، فاستعملت في الحشو ولم تلزم. وقيل: دخله التشعيث فذهبت اللام منه فصار فاعن فنقل إلى (فعلن) .
ويسمى هذا الوزن بقطر الميزاب، وصوت الناقوس، وركض الخيل. وعليه جاء قول الحصري:
ياليلَ الصبّ متى غدُهُ ... أقيامُ الساعة موعدُهُ
رقد السُّمارُ فأرقهُ ... أسفٌ للبين يرددهُ
إلا أنه لم يستعمله في جميع الأجزاء إشعاراً بأن مثل ذلك من قبيل الجائز لا الواجب، وهذه صورة هذه الدائرة: فمن أول الوتد المجموع إلى آخر العلامات بحر المتقارب، ومن أول السبب الخفيف إليه بحر المتدارك.
وسميت هذه الدائرة بدائرة المتفق لاتفاق أجزائها. واعلم أن الخطيب التبريزي سمى الدائرة الثالثة بدائرة المشتبه لاشتباه أجزائها، وسمى الدائرة الرابعة بدائرة المجتلب لكثرة أبحرها، مأخوذ من الجلب وهو الكثرة، وفي نسخة الشريف ما يقتضى ذلك فوقع فيها (خف شاق) بتقديم الشين على اللام، ووقع فيها البيتان اللذان بعد ذلك هكذا:
خَ ثَمِّنْ أبِن زَهر وله فلستِّةٍ ... جَلَتْ حضّ شَمِّرْ بل وفُزنَ لذُووِطا
وطولُ عزيزٍ كمْ بد عبلكُم طَوَوا ... يُعزِّزُ قِسْ تَثمينَ أشرفَ ما تَرَى
قال الشريف: وقول الناظم (قس تثمين أشرف ما ترى) جاء بالقاف رمزاً على الدائرة الخامسة، وهي دائرة المتفق، ثم نص على تثمينها وأتى بالألف رمزاً على (فعولن) لأنه أول جزء، وهو الذي أراد بقوله (أشرف ما ترى) أي هو أول ما ترى من الأجزاء في الترتيب الذي قدم فجعل له الشرف بالتقديم، ولم يأت بعد ذلك بما يدل على شيء من الأجزاء فأفاد أن هذه الدائرة ليس لها إلا شطر واحد مبني من (فعولن) ثماني مرات، وهو شطر المتقارب، انتهى.
وسلك أمين الدين المحلى في ترتيب الدوائر غير هذه الطريقة، وبنى ذلك على أصلين: أحدهما أن ما كان أبسط أو أقرب إلى البساطة فهو أولى بالتقديم مما ليس كذلك، وثانيهما أن أصول التقاعيل أربعة وباقي العشرة فروع، فقدم دائرة (فعولن) لكونه خماسياً فهو أقرب إلى البساطة من السباعي، ثم ثنى بدائرة (مفاعيلن) لأنه مؤلف من وتد وسببين خفيفين، ثم ثلث بدائرة مفاعلتن المؤلف من وتد وسببين أحدهما ثقيل، ثم قدم دائرة (فعولن مفاعيلن) على دائرة (مستفعلن مستفعلن مفعولات) لتركب الأولى من خماسي وسباعي، والثانية من سباعيين متماثلين وسباعي مخالف لهما، فلما كانت الأولى أقرب إلى البساطة من الثانية قدمت عليها.
فترتيب الدوائر عنده هكذا: دائرة الوتفق، ثم دائرة المجتلب، ثم دائرة المؤتلف، ثم دائرة المختلف، ثم دائرة المشتبه.
(1/18)

واعترضه أبن واصل بأن هذا مخالفة للخليل بن أحمد صاحب الفن، وجميع من أتى بعده من أهل العروض من غير ضرورة تدعو إلى مخالفتهم، بل بمجرد مناسبة ضعيفة، مع أن ما ذكره الإمام رحمه الله واقتفى القوم أثره فيه له وجه من المناسبة، إن لم يكن أحسن مما ذكره المحلى فليس بدونه، ونترجح نحن بسبب موافقة جميع أهل الفن فنقول: إنما قدمت دائرة المختلف لاشتماها على الطويل والبسيط اللذين هما أشرف من سائر البحور لطولهما وحسن ذوقها وكثرة ورودهما في أشعار العرب، وقد قال أبو العلاء المعري في كتابه جامع الأوزان: أن أكثر أشعار العرب من الطويل والبسيط والكامل، ومن تصفح أشعارهم وقف على صحة ذلك، وأيضاً فكل بحور هذه الدائرة مثمن، والتثمين أشرف من التسديس لأن الثمانية زوج زوج ينتهي في التحليل إلى الواحد، بخلاف الستة التي هي زوج فرد، ولا يرد علينا دائرة المتقارب إذ تفاعيلها ثمانية لأن هذه ترجحت بطول بحورها لتركبها من خماسي وسباعي، وبكثرة ما يخرج منها من البحور، وبكثرة الاستعمال، بخلاف تلك.
ثم قدمت دائرة المؤتلف على دائرة المجتلب، إما لأن دائرة المؤتلف من بحورها الكامل، وهونظير الطويل والبسيط في حسن الذوق وكثرة الاستعمال في شعر العرب، وإما لأن دائرة المجتلب كالفرع لغيرها لأن بحورها مجتلبة من دائرة الطويل وهذه لم تجتلب بحورها من غيرها، فهي أصل في نفسها.
ثم تقدمت دائرة المجتلب على دائرة المشتبه لأن أوتاد دائرة المجتلب كلها مجموعة، ودائرة المشتبه كل بحر من بحورها فيه وتد مفروق، والمجموع أشرف ثم تقدمت دائرة المجتلب على دائرة المشتبه لأن أوتاد دائرة المجتلب كلها مجموعة، ودائرة المشتبه كل بحر من بحورها فيه وتد مفروق، والمجموع أشرف من المفروق لقوته، ولهذا لم يأت إلا في دائرة المشتبه وحدها، والمجموع أتى في الدوائر كلها.
ثم قدمت دائرة المشتبه على دائرة المتفق لأنها سباعية التفاعيل ودائرة المتفق خماسية، والسباعي أشرف من الخماسي، وأيضاً فبحور دائرة المشتبه أكثر لأنها تسعة، ستة منها مستعملة وثلاثة مهملة، ودائرة المتفق لا يخرج منها إلا بحران أحدهما مستعمل والآخر مهمل، فكانت دائرة المشتبه أولى بالتقديم لا سيما ومن بحورها السريع والمنسرح والخفيف، وهذه أكثر في الاستعمال من المتقارب فظهر بما ذكرنا وجه المناسبة في ترتيب الدوائر على مذهب الفخليل ومن تبعه من العروضيين، فالمصير إليه أولى، والله الموفق، قال: فمنها انبنى المصراع والبيت منه والقصيدة من أبيات بحر على استوا أقول: بيت الشعر له نصفان، وكل واحد منهما يسمى مصراعاً تشبيهاً له بمصراع الباب، فجعل الناظم رحمه الله المصراع مبيناً من أجزاء التفعيل الولقعة في الدوائر المتقدمة على حسب الترتيب المذكور فيها، فضمير المؤنث من قوله (فمنها) عائد على الأجزاء المذكورة كيف هي هناك، وضمير المذكر من قوله (منه) عائد إلى المصراع، أي أن بيت الشعر ينبني من المصراع إذ هو نصفه، ولابد للبيت من نصفين، فهو إذن مؤلف من المصراع، والقصيدة تنبني من أبيات بحر واحد بشرط أن تكون الأبيات كلها مستوية في أعداد الأجزاء، وفيما يجوز فيها أو يلزم أو يمتنع احترازاً بأن لا تستوي الأبيات في عدد الأجزاء، كما إذا نظم شاعر أبياتاً من بحر البسيط مثلاً بعضها واف وبعضها مجزوء فلا يمكن نظمها مع اختلاف عدد الأجزاء في سلك واحد، بحيث ينطلق على مجموعها قصيدة واحدة، واحترازاً من أن تستوي الأبيات في عدد الأجزاء ولا تستوي في الأحكام، كما إذا نظم أبياتا من بحر الطويل بعضها ضربه تام، وبعضها ضربه مقبوض، وبعضها ضربه محذوف، فلا يمكن أن يجعل مجموع ذلك قصيدة واحدة.
قال الشريف (والقصيدة مؤلفة من أبيات بحر واحد بشرط أن لا تختلف الأبيات، وذلك بأن تكون مستوية في الأحكام اللازمة. وقد قيل: لا تسمى الأبيات قصيدة حتى تكون عشرةً فما فوقها، وقيل أزيد من عشرة وقيل حتى تجاوز سبعةً، وما دون ذلك قطعة.
والقصيد جمع القصيدة من الشعر. قال في الأساس: أصله من القصيد وهو المخ السمين المكتنز الذي يتقصد، أي ينكسر، إ'ذا استخرج من قصته لسمنه فسموه به كما يستعار السمين للكلام الجزل، والغث للردى منه. وقيل القصيد فعيل بمعنى مفعول، لأن الشاعر قصده بتجويده وتنقيخه. قال:
(1/19)

وقُلْ آخرُ الصدرِ العروضُ ومثُله ... من العَجُزِ الّضربُ اعلمِ الفرقَ باعِتنا
أقول: تقدم أن المصراع هو نصف البيت، أعم من أن يكون نصفه الأول أو الثاني، فإن كان هو النصف الأول سمي صدراً، وإن كان هو النصف الثاني سمي عجزاً، والجزء الأخير من الصدر يسمى عروضاً.
وقد سبق أن العروض يطلق في الاصطلاح على هذا العلم، فقيل هو حقيقة في العلم مجاز في هذا، من باب إطلاق اسم الكل على الجزء، وقيل بالعكس من باب إطلاق اسم الجزء على الكل. قال الصفاقسي: والحق أنه مجاز في الجزء لكن ليس حقيقته هذا العلم، بل لشبهه بوسط البيت المسكون، فإنه يقال له عروض، حكاه ابن سيده في (المحكم) ووجه الشبه أن بيت الشعر سمي بيتا لأنهم بنوه على أسباب وأوتاد كالبيت المسكون، لأن الحبال أسباب. ولهذا، فإنه يقال له عروض، حكاه ابن سيده في (المحكم) ووجه الشبه أن بيت الشعر سمي بيتا لأنهم بنوه على أسباب وأوتاد كالبيت المسكون، لأن الحبال أسباب. ولهذا، فإنه يقال له عروض، حكاه ابن سيده في (المحكم) ووجه الشبه أن بيت الشعر سمي بيتا لأنهم بنوه على أسباب وأوتاد كالبيت المسكون، لأن الحبال أسباب. ولهذا، فإنه يقال له عروض، حكاه ابن سيده في (المحكم) ووجه الشبه أن بيت الشعر سمي بيتا لأنهم بنوه على أسباب وأوتاد كالبيت المسكون، لأن الحبال أسباب. ولهذا، فإنه يقال له عروض، حكاه ابن سيده في (المحكم) ووجه الشبه أن بيت الشعر سمي بيتا لأنهم بنوه على أسباب وأوتاد كالبيت المسكون، لأن الحبال أسباب. ولهذا، فإنه يقال له عروض، حكاه ابن سيده في (المحكم) ووجه الشبه أن بيت الشعر سمي بيتا لأنهم بنوه على أسباب وأوتاد كالبيت المسكون، لأن الحبال أسباب. ولهذا، فإنه يقال له عروض، حكاه ابن سيده في (المحكم) ووجه الشبه أن بيت الشعر سمي بيتا لأنهم بنوه على أسباب وأوتاد كالبيت المسكون، لأن الحبال أسباب. ولهذا، فإنه يقال له عروض، حكاه ابن سيده في (المحكم) ووجه الشبه أن بيت الشعر سمي بيتا لأنهم بنوه على أسباب وأوتاد كالبيت المسكون، لأن الحبال أسباب. ولهذا لملم يلحقوا التغيير "إلا في الأسباب لا في الأوتاد، فحقيقته حينئذ هي عروض البيت المسكون. وقد ذهب بعض العروضيين إلى أن النصف الأول بكماله هو العروض، والأول أصح لكمال الشبه فيه كما مر.
قلت: فيه مناقشتان، معنوية ولفظية، أما المعنوية فدعواه أنهم لم يلحقوا التغيير إلا في الأسباب ليست بصحيحة، بل ألحقوا التغيير في الأسباب والأوتاد جميعاً. نعم التغيير العارض على وجه الجواز لا اللزوم إنما يلحق الأسباب، وهو المعبر عنه عندهم بالزحاف، ولا شك أن هذا مراده، لكنه لو يحرر التعبير عنه.
وأما اللفظية فعطفه بلا بعد الحصر بإلا غير جائز عندهم على ما صرح به البيانيون، وإن وقع الزمخشرى في مثله في مواضع من الكشاف.
وقوله: (اعلم الفرق باعتنا) أي اعلم الفرق بين العروض والضرب حال كونك مصاحباً للاعتناء بهذا الأمر، وذلك لأن هذين اللقبين يكثر دورهما بين القوم ولهما أحكام كثيرة مهمة، فالاعتناء بشأنهما شديد. وجوز الشريف فيه معنى آخر، وهو أن يكون المراد اعلم الأحكام التي تفارق فيها الضروب الأعاريض، أو التي تفارق فيها الضروب الأعاريض غيرها من أجزاء البيت، فإنها أكيدة يجب الاعتناء بها، لأن الأعاريض والضروب محل للأحكام اللازمة، وهي الفصول والغايات، فإذا لزم العروض أو الضرب حكم في بيت من القصيدة أو القطعة وجب أن يتساوى فيه جميع الأبيات، وهو الذي أشار إليه بالاستواء في البيت الأول. قلت: فيه بعد فتأمله.
وقد كنت كتبت لبعض الأصحاب لغزاً في خيمة، ونحن إذ ذاك بمخيم الحجاج بظاهر دمشق في يوم الاثنين الخامس عشر من شوال سنة ثمانمائة وقعت التورية فيها بألفاظ دائرة بين أهل العروض، ولا بأس بإيرادها هنا. قلت:
أمولاى زين الدين يامَنَ ظلالُه ... وَقَتْنا أذى الرّمضاء في البُعد والقربِ
ومَنَ صَحِبَ العلياءَ فهو خليلها ... وخيَّم في أفقْ الكمال بلا عُجبِ
أحاجيكَ في بيتٍ تحررَ نظمُه ... وأوتادُه للكسر دائمةُ الكَسبِ
فوائدُهُ يستروحُ القلبُ نحوها ... ويبحث في الأسفار عنها ذوُو اللبِ
ويُضرب إذ تبدو العروضُ بوسطه ... فيا حبذا تلك العروض مع الضربش
(1/20)

فيالكض بيتاً وافرَ الُحسن كاملاً ... دوائرهُ أمست تدورُ على قُطبِ
قال:
الألقاب والأبيات
أقول: جعل الناظم الأسماء التي تطلق على الأبيات مما سيذكره ألقاباً لها كأنها عنده من قبيل أقول: جعل الناظم الأسماء التي تطلق على الأبيات مما سيذكره ألقاباً لها كأنها عنده من قبيل الأعلام التي تشعر بمدح، كالتام والوافي، أو بذم كالمنهوك، وهو محل تأمل. قال:
إذا استكمل الأجزاء بيت كحشوه ... عروض وضرب تم أو خولفت وفا
اقول: يعني أن البيت إذا كان مستكملاً للأجزاء الواقعة في دائرته فهو على ضربين، أحدهما أن يكون عروضه وضربه مماثلين لحشوه في الأحكام التي تلحقه، فيجوز فيهما ما جاز فيه، ويمتنع فيهما ما امتنع فيه، فهذا يسمى التام.
الثاني: أن يكون عروضه وضربه مخالفين لحشوه بأن يعرض لهما مالا يجوز عروضه للحشو، فهذا يسمى الوافي.
فإن قلت: قوله (خولفت) على ماذا هو معطوف؟، قلت: على قوله (كحشوه عروض وضرب) .
فإن قلت يلزم تخالف الجملتين بالاسمية والفعلية، إذ الأولى اسمية والثانية فعلية، قلت لا مانع من جعل الأولى فعلية أيضاً، لأن المرفوع بعد الظرف المعتمد يجوز كونه فاعلاً بالفعل الذي يتعلق به الظرف عند جماعة، لا بنفس الظرف، وعليه فهي فعلية؛ ولا تخالف بين الجملتين، ولو سلم أنها اسمية فليس مثل هذا التخالف بممتنع على المختار عند النحويين، وهو المفهوم من قولهم في باب الاشتغال في مثل (قام زيد وعمراً أكرمت) أن نصب (عمراً) أرجح لأن تناسب الجملتين المتعاطفتين أولى من تخالفهما.
فإن قلت: الجملة المعطوف عليها صفة لبيت فيلزم أن تكون المعطوفة كذلك، فيلزم وجود الرابطة بينها وبين الموصوف وهو (بيت) ، ولا رابط. قلت: المعنى أو خولفت أجزاء حشوه، فالضمير النائب عن الفاعل عائد على الأجزاء المضافة إلى الحشو المضاف إلى ضمير البيت، فالربط حاصل بذلك، كما قاله الكسائي وتبعه ابن مالك عليه في قوله تعالى (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربص) ، وذلك أنهما قالا: الأصل يتربص أزواجهم، ثم جيء بالضمير مكان الأزواج لتقدم ذكرهن، فامتنع ذكر الضمير لأن النون لا تضاف لكونها ضميراً، وحصل الربط بالضمير القائم مقام الظاهر المضاف للضمير، فانقل ذلك إلى ما نحن فيه، وإن كان الأكثرون لا يقولون به.
فإن قلت: لم لا تجعل الجملة الفعلية وهي قوله (خولفت) معطوفة على الفعلية من قوله (إذا استكمل الأجزاء بيت) وتسلم من ارتكاب هذا الوجه المؤدي إلى مخالفة الأكثرين؟ قلت: لما يلزم عليه من الفساد، وذلك لأن استكمال البيت لأجزاء الدائرة أمر لابد منه في الوفاء والتمام، فإذا جعلت قوله (خولفت) معطوفاً على قوله: استكمل الأجزاء بيت كان قسيماً له، فيلزم عدم الاستكمال مع الوفاء، وهو باطل لما قلناه، فتأمل، قال:
بزهرٍهُما وازدادَ سطحكَ جايد ... أخيرُهما فالفرقُ بينهما انجلَى
أقول: اعلم أن الناظم رحمه الله جرى على الاصطلاح المعهود في حساب الجمل تارةً وخالفه أخرى، فرمز بالألف للأول، وبالباء للثاني، وبالجيم للثالث، إلى أن رمز بالياء للعاشر، وقد يرمز بمجموع العدد، فيرمز بالهاء للخمسة لا للخامس، وبالجيم للثلاثة لا للثالث.
ولا يخفى أن البحور التي تكلم عليها الناظم هي البحور المستعملة عند الخليل، وهي خمسة عشر بحراً، فبالناظم ضرورة إلى أن يرمز لها، فرمز بما تقدم من الحروف العشرة جارياً على العرف، وبقي عليه خمسة فرمز للحادي عشر بالكاف، وللثاني عشر باللام، وللثالث عشر بالميم، وللرابع عشر بالنون، وللخامس عشر بالسين، فخالف الاصطلاح إيثاراً للاختصار، وذلك لأنه لو لم يفعل ذلك وتوقف مع المصطلح المشهور للزم أن يرمز للحادي عشر بحرفين، وهما الألف والياء، فترك ذلك إلى ما صنعه لهذا القصد، ووكل الأمر في ذلك إلى توقيف المعلم، وحذق الناظر في كلامه، فإن من تتبع مواقع نظمه في ذلك لم يخف عليه هذا القدر مع أن في رمزه لخصوصية الأول والثاني والثالث إلى آخره مخالفةً لاصطلاح الحساب المذكور، فإن الألف إنما تدل فيه على واحد لا يفيد كونه الأول، والباء للاثنين لا للثاني، والجيم للثلاثة لا للثالث، والأمر في ذلك سهل.
(1/21)

إذا تقرر هذا فالباء من قوله (بزهر) ظرفية بمعنى (في) ، والزاي رمز للبحر السابع، وهو الرجز، والهاء رمز للبحر الخامس وهو الكامل، والراء لغو ليست من حروف الرمز، وضمير الاثنين راجع إلى التمام والوفاء المشار إليهما في البيت السابق، أي أن التمام والوفاء يتداخلان في الكامل والرجز فيرد كل واحد منهما تاماً تارةً ووافياً أخرى.
فمثال التام من الكامل قول عنترة:
وإذا صحوتُ فما أقصرُ عن ندىً ... وكما علمتِ شمائلي وتكرّمي
ومثال الوافي منه قول الشاعر:
لِمَن الديار عَفَا معالمها ... هَطِلٌ أجَشُّ وبارحٌ تَرِبُ
ومثال التام من الرجز قوله:
دارٌ لسلمى إذْ سليمى جارةٌ ... قَفرٌ ترى آياتِها مثل الزُّبُرْ
ومثال الوافي منه قوله:
القلبُ منها مستريحٌ سالمٌ ... والقلبُ مني جاهدٌ مجهودُ
وقوله (وازداد سطحك جايد أخيرهما) أي أخير اللقبين وهو الوافي، وهو فاعل بقوله (ازداد) أي أن الوافي يدخل في هذه الأبحر المرموز لها بقوله (سطحك جايد) زيادةً على البحرين اللذين تقدم أنه يشارك فيهما التام، فالسين رمز للخامس عشر، وهو المتقارب، والطاء للتاسع وهو السريع، والحاء للثامن وهو الرمل، والكاف للحادي عشر وهو الخفيف، والجيم للثالث وهو البسيط، والألف للاول وهو الطويل، والباء للعاشر وهو المنسرح، والدال للرابع وهو الوافر. فمثال الوافي من المتقارب قول الشاعر:
وأبني من الشعر شعراً عويصاً ... ينسى الرواة الذي قد رووا
ومن السريع قوله:
أزمانَ سلمى لا يَرى مثلها الراؤن في شامٍ ولا في عراقْ
ومن الرمل قوله:
أبلغ النعمانَ عني مألكاً ... أنه قد طال حَبسي وانتظارْ
ومن البسيط قوله:
يا حارِ أرمين منكم بداهيةٍ ... لم يَلقها سُوقة قبلي ولا ملِكُ
ومن الطويل قوله:
ستُبدى لك الأيامُ ما كنتِ جاهلاً ... ويأتيكَ بالأخبار من لم تُزَودِ
فإن قلت: كيف يكون هذا والذي قبله من الوافي، مع أن العروض والضرب ليسا مخالفين للحشو، وذلك لأنهما دخلهما في الأول الخبن، وفي الثاني القبض، وكل من الخبن والقبض يدخل في حشو بيته، فإذن لا مخالفة؟ قلت: بل المخالفة متحققة، وذلك لأن دخول الخبن أو القبض على العروض والضرب على سبيل اللزوم، وفي الحشو على سبيل الجواز. ومثال الوافي من المنسرح قوله:
إن ابنَ زيدٍ لا زال مستعملاً ... للخير يَفشى في مصره العُرُفا
ودخول الطي في هذا الضرب لازم وفي الحشو جائز، فالمخالفة حاصلة.
ومثال الوافي من الوافر قوله:
لنا غنمٌ نسوِّقها غزارٌ ... كأن قرونَ جلّتها العصىُّ
وأورد الشريف سؤالاً على الناظم وهو أن كلامه مقتض لأن التام لا يكون في غير الكامل والرجز، وكل من الخفيف والمتقارب يجيء تاماً، وأجاب بالمنع، فإن البيت الذي يتوهم فيه التمام من الخفيف يجوز في ضربه التشعيث، ولا يجوز في الحشو، وكذلك البيت الذي يتوهم فيه التمام من المتقارب يجوز في ضربه التشعيث ولا يجوز في الحشو، والبيت الذي يتوهم فيه المام من المتقارب يجوز في عروضه الحذف وهو ممتنع في الحشو، فخرجا عن أن يكونا تامين، وذلك في الحقيقة مأحوذ من كلام الناظم على ما ستعرفه في باب ما أخرى من العلل مجرى الزحاف.
قال:
وإسقاط جزأيه وشطر وفوقه ... هوالجزء ثم الشطر والنهك إن طرأ
أقول: يعني أن من الألقاب المتعلقة بالأبيات الجزء، والشطر، والنهك.
فإذا سقط من أجزاء البحر الموجودة في الدائرة جزآن عند الاستعمال، جزء من آخر الصدر وجزء من آخر العجز، فذلك هو الجزء بفتح الجيم، مصدر جزأته إذا أخذت منه جزءاً. والبيت حينئذ مجزوء.
وإن سقط نصف الأجزاء فذلك هو الشطر، مصدر قولك شطرته إذا قطعته، والبيت مشطور.
وإن سقط الثلثان من الأجزاء فذلك هو النهك، والبيت منهوك، هو مأخوذ من قولك نهكه المرض، إذا أضعفه جداً، ويقال: نهكت الثوب لبسا، والدابة سيراً، والمال إنفاقاً، فشبه بيت الشعر لما يولغ في الإجحاف به في الحذف بمن نهكه المرض.
قلت: وقد علم بما ذكرناه أن ما يقع في كلام العروضيين من قولهم: عروض مجزوءة وضرب مجزوء فيه تسامح، لأن هذا من ألقاب الأبيات لا من ألقاب الأجزاء.
(1/22)

وعلم أيضاً أنه لا شيء من المجزوء والمشطور والمنهوك تام ولا واف ضرورة أن التمام والوفاء يستدعيان استكمال أجزاء الدائرة، وهو مع كل واحد من الأمور الثلاثة مفقود.
وعلم أن في كلام الناظم لفاً ونثراً مرتباً، وضرباً من الإجمال، لأن ما فوق النصف ليس متعيناً للثلثين بخصوصه، وإهمال قيد فإن الجزء ليس إذهاب جزأين من البيت أياما كاتا، بل لابد أن يكون أحدهما آخر الصدر والآخر آخر العجز. وانظر هل في قوله (جزأيه) بالإضافة إلى ضمير البيت ما يشعر بهذا القيد.
وقد أخل الناظم رحمه الله ببيان مواقع هذه الألقاب من البحور فقلت مكملا للفائدة على طريقته.

فلِلجَزء حتما وبلُ من فإنْ تُرِد ... جوازاً فجّهز حدسَ كفءٍ أخى ذَكا
ومعناه أنّ البحرَ يمكن نظُمُه ... عَريِاً عن الجزء الذي فيه قد جَرَى
ولكنْ إذا ما حَلَّ بيتاً فإنهُ ... يكون بباقي النظم حتماً بلا مِرَا
وفي سابعٍ والتاسع الشطرُ سائغٌ ... وجوّز أيضاً نَهكَ زيغٍ ذوُو الهُدى
وما منهما عند العروضيّ واجبٌ ... فكُن فطِناً واترك سبيلض من اعتدى
أما الجزء فلا يدخل في الطويل ولا في السريع ولا في المنسرح، وبقية البحور يدخل في بعضها على سبيل الجواز وفي بعضها على سبيل الوجوب، ولا نعني بالجواز أنه يدخل في بعض أبيات القصيدة الواحدة ويترك في بعضها، ولكن معناه أن الشاعر لا يتعين عليه أن ينظم ذلك البحر مجزوءاً بل الأمر موكول إلى خيرته، فإن شاء جزأه وإن شاء ترك الجزء، وكنه إذا فعل أحد الأمرين المخير فيهما وهو الجزء في بيت من قصيدة لزمه استعماله في بقية الأبيات من تلك القصيدة، وهذا هو المراد بقولي (ومعناه أن البحر يمكن نظمه) إلى آخر البيتين.
إذا تقرر ذلك فالأبحر التي يدخل فيها الجزء على سبيل الوجوب خمسة، وهي البحر السادس وهو الهزج، وإليه الإشارة بالواو من قولي (وبل من) والبحر الثاني وهو المديد المشار إليه بالباء، والبحر الثاني عشر وهو المضارع المشار إليه باللام، والبحر الثالث عشر وهو المقتضب المشار إليه بالميم، والبحر الرابع عشر وهو المجتث المشار إليه بالنون.
والأبحر التي يدخلها الجزء جوازاً سبعة وهي البحر الثالث وهو البسيط المشار إليه بالجيم من قولي (جهز حدس كفء) .
والبحر الخامس وهو الكامل المشار إليه بالهاء، والبحر السابع وهوالرجز المشار إليه بالزاي، والبحر الثامن وهو الرمل المشار إليه بالحاء، والبحر الرابع وهو الوافر المشار إليه بالدال، والبحر الخامس عشر وهو المتقارب المشار إليه بالسين، والبحر الحادي عشر وهو الخفيف المشار إليه بالكاف، وأما الشطر والنهك فلا شيء منهما بواجب، وإنما يدخلان على سبيل الجواز بالمعنى الذي تقدم، وإليه الإشارة بقولي (فكن فطنا) ، أي تفطن لمعنى الجواز مما قررناه أولاً.
فالشطر يكون في البحر السابع وهو الرجز، وفي البحر التاسع وهو السريع. والنهك يدخل في بحرين وهما البحر السابع وهو الرجز المشار إليه بالزاي من (زيغ) ، والبحر العاشر وهو المنسرح المشار إليه بالياء.

الزحاف المنفرد

وتغيير ثاني حرفي السبب ادعه ... زحافاً فأوج الجزء من ذلك احتمى
أقول: التغيير الذي يلحق أجزاء التفاعيل على نوعين، نوع يسمى بالزحاف، ونوع يسمى بالعلة. وبعض العروضيين يزيد نوعاً آخر وهو اعلة الجارية مجرى الزحاف.
وعندي أن ثم قسماً رابعاً وهو زحاف يجري مجرى العلة. ألا ترى أن القبض مثلاً من أنواع الزحاف ويدخل في عروض الطويل على وجه اللزوم، فهو زحاف من حيث هو تغيير لحق ثاني السبب، وجرى مجرى العلة من حيث لزومه.
إذا تقرر ذلك فالزحاف تغيير يلحق ثاني السبب. هذا هو الذي ارتضاه بعض الحذاق في تعريفه، وعليه مشى الناظم. وقد علمت أنه يلزم عليه أن يكون القبض في عروض الطويل زحافا، وكذا خبن عروض البسيط الأولى وضربها الأول، وهو باطل. وقد يجاب عنه بالتزام كونه زحافا من حيث هو تغيير لثاني السبب ولكنه جرى مجرى العلة من حيث هو لازم كما مر.
وقد عرف الزحاف بتعريفات أخر غير هذا وكلها مدخول.
(1/23)

فقيل هو تغيير لا يلزم ولا يكسر الوزن. ونقضه ابن واصل بالتشعيث فإنه لا يلزم ولا يكسر الوزن، مع أنه ليس زحافا ضرورة أنه تغيير في الوتد، والزحاف لا يكون في وتد. قلت: ليس اختصاص الزحاف بالاسباب متفقاً عليه حتى يرد النقض بالتشعيث، فكثير ذهب إلى أن الخرم زحاف مع أنه تغيير في الوتد.
فإن قلت: لكنه يكسر الوزن فلا يرد عليه، قلت: لا نسلم أنه يكسر الوزن، إذ لو كسره لخرج ما دخل فيه عن أن يكون شعراً ضرورة أن كل شعر لابد أن يكون موزوناً بوزن صحيح، واللازم باطل.
وقيل: الزحاف تغيير عدمه أحسن من وجوده، ونقض بقبض (فعولن) التي قبل الضرب الثالث من الطويل، فإنه أحسن من عدم القبض اتفاقا مع أنه زحاف.
وقيل: هو الذي وجوده في الشعر أكثري. ونقض بالتشعيث فإنه أكثر من عدمه في الخفيف. قلت: قد يمنع كونه أكثرياً فيه.
وقيل: هو حذف ساكن السبب الخفيف. ونقض بالإضمار والعصب والعقل، فإن كلاً منها زحاف، وليس تغييراً لثاني سبب خفيف.
وسمي هذا التغيير زحافا، وزحفاً، لما يحدث به في الكلمة من الإسراع بالنطق بحروفها لما نقص منها. مأخوذ من قولهم زحف إلى الحرب وغيرها إذا أسرع النهوض إليها. قال امرؤ القيس:
فأقبلتُ زَحفاً على الركبتينِ ... فثوباً نسيتُ وثوباً أجُرّْ
قال بعضهم: إنما كان الزحاف خاصا بالأسباب دون الأوتاد لأن الزحاف أكثر وروداً في الشعر من العلل، والوتد أثبت من السبب كثير الاضطراب، فإذا زوحف السبب اعتمد على الوتد، فلو زوحف الوتد لضعف اعتماده لضعف الوتد.
وقد تقدم أن بيت الشعر كبيت الشعر، فكلما أن السبب في بيت الشعر يضطرب، وإنما يعتمد على الوتد لأنه يمسكه، كذلك هو في بيت الشعر، ولأن الأسباب أكثر وروداً في الأجزاء من الأوتاد. ألا ترى أن الواقع من الأسباب في الأجزاء العشرة ثمانية عشر، في كل واحد من الخماسيين سبب، وفي كل واحد من السباعية سببان، وليس فيهما من الأوتاد غير عشرة فقط، في كل جزء وتد، والزحاف أكثر وروداً في الشعر فجعلوا الأكثر وروداً للأكثر وجوداً قصداً للتخفيف.
وإنما اختصت ثواني الأسباب بالزحاف دون أوائلها لأن الأوائل لو زوحفت لأدى إلى الابتداء بالساكن في السبب الخفيف مطلاً، وفي الثقيل إذا أضمر، ووقع أول البيت.
وإذا علمت أن الزحاف إنما يلحق ثاني السبب لزم من ذلك أن أول الجزء وسادسه وثالثه لا يدخلها زحاف ضرورة أن الأول ليس ثاني سبب قطعا، والسادس إما أول سبب أو ثاني وتد، والثالث إما أول سبب أو ثالث وتد، أو أوله.
وإلى ذلك أشار بالألف والواو والجيم من قوله (فأوج) ، فأشار بالألف إلى الحرف الأول من الجزء، وبالواو إلى سادسه، وبالجيم إلى ثالثه، وأتى بالفاء السببية إشعاراً بأن احتماء هذه المحال المرموز لها من الزحاف مسبب عن كونه عبارةً عن تغيير ثاني السبب، فتأمل.
ووقع في شرح العصري الذي كنا أسلفنا ذكره عند الكلام على قوله (أولات عد حزء لجزء ثنا ثنا) ما نصه: (يقول إن الزحاف المنفرد مختص في الحشو بالسبب، ولا يكون إلا في ثانية، وإلى ذلك أشار بقوله (فأوج الجزء من ذلك احتمى) ، يعني أعلاه الذي أوله، فلم يشعر بأن أحرف (أوج) رمز لأول الجزء وسادسه وثالثه كما سبق. والظاهر أن هذه الأحرف كتبت في نسخته التي وقف عليها بالسواد ولم تكتب بالحمرة التي يكتب بها الرمز عادةً فوهم ولم يتنبه.
قال:
وذلك بالإسكانِ والحذفِ فيهما ... يَعُمُّ علي الترتيب فاقضِ على الوَلاَ
أقول: يعني أن تغيير ثاني السبب يكون تارةً بالإسكان، وتارةً بحذف الساكن، وتارةً بحذف المتحرك. فالضمير من قوله (فيهما) عائدٌ على الساكن والمتحرك المفهومين من السياق، وذلك لأن ثاني السبب يكون ساكناً ويكون متحركاً.
وقوله (يعم على الترتيب) يعني أن هذا التغيير يعم ثواني الأسباب على الترتيب الذي يقتضيه الانتقال من الخفيف إلى ما بعده، فتبدأ بإسكان المتحرك، ثم تنتقل منه إلى حذف الساكن، ثم إلى حذف المتحرك، وذلك لأن الإسكان حذف حركة، وهو أخف من حذف الحرف فتبدأ به، وحذف الساكن أخف من حذف المتحرك فيكون بعد الإسكان، وتنتقل منه إلى حذف المتحرك، فإذا جاءتك ألقاب فاحكم بأن الأول منها للأخف، والثاني لما بعده، والثالث لما بعدهما، وهو معنى قوله (فاقض على الولا) .
قال:
(1/24)

فتلك بثاني الجُزء الأضمارُ متبعا ... بخبنٍ ووقصٍ فادعُ كلاً بما اقَتَضى
أقول: الإشارة بقوله (تلك) عائدة ٌ إلى التغيرات الثلاثة المتقدمة التي هي إسكان المتحرك، وحذف الساكن، وحذف المتحرك.
وقد أسلف الناظم أن التغيير الذي تكلم عليه هو تغيير ثاني السبب، وأن التغييرات ثلاثة أنواع مرتبة على ما مر.
وذكر هنا أن تلك التغييرات تحل ثاني الجزء فتسمى بالإ'ضمار والخبن والوقص، فيلزم من ذلك أن يكون الإضمار عبارةً عن إسكان الثاني المتحرك من الجزء وأن يكون الخبن عبارةً عن حذف الثاني الساكن منه، وأن يكون الوقص عبارة عن حذف الثاني المتحرك مه، وأن هذا الثاني الذي اعتورته التغييرات الثلاثة لابد أن يكون ثاني سبب عملاً بما سبق.
وقوله (فادع كلا بما اقتضى) يعني أني قد أخبرتك أن ثاني الجزء محل لهذه الأمور الثللاثة المذكورة على الولاء: الإضمار والخبن والوقص، فادع كلا منها بما اقتضاه الترتيب السابق من البدء بالخفيف ثم الانتقال إلى ما بعده ثم الانتقال إلى ما بعدهما كما أسلفناه.
والإضمار لغةً مأخوذ من الإضمار الذي هو الإحفاء. تقول: أضمرت في نفسي كذا، أي أخفيته، ولما كانت حركة الحرف تميزه وتظهره وأسقطت كان إسقاطها إخفاء لبعض الحروف، فسمي لذلك إضماراً. ومنه سميت الأسماء العائدة إلى الظاهر ضمائر لأنها تخفى معانيها بالنسبة إليها.
وقيل: هو مأخوذ من قولك أضمرت البعير، إذا جعلته ضامراً مهزولا، وذلك لأن حركة الجزء لما ذهبت وأعبقها السكون ضعف بسبب ذلك فشبه بالضامر المهزول.
والخبن لغةً أن يجمع الرجل ذيل ثوبه من أمامه فيرفعه إلى صدره فيشده هناك على شيء يجعله فيه. ويقال خبن الخياط الثوب، إذا ضم ذيله إليه، فكأن الجزء لما حذف ثانية وانضم بذلك أوله من ثالثه شبه بالثوب إذا خبن.
والوقص لغةً قصر العنق، وهو أيضاً كسرها، ومنه قولهم وقص الرجل، إذا سقط عن دابته فاندقت عنقه. فكأن الجزء لما سقط ثانية المتحرك شبه بما اندقت عنقه. لأن الثاني من الجزء بمنزلة العنق.
واعلم أن من العروضيين من نقل عن الأكثرين أن الوقص دخول الخبن على الإضمار، وأن الأقلين هم القائلون بما قاله الناظم من أنه حذف الثاني المتحرك. ورجح أبو الحكم الأول بأنه لو كان المتحرك هو المحذوف منه ابتداء لجاز في متفاعلن الخبل، إذ لا مانع حينئذ منه، ولا كذلك على مذهب الجمهور لقيام المانع، وهو اجتماع ثلاث علل: الخبن والإضمار والطي. ورده الصفاقسي بأنا لا نسلم فقدان المانع حينئذ منه، بل هو قائم لفقدان جزء الخبل، وهو الخبن، لأن الخبل عبارة عن اجتماع الخبن والطي إجماعاً، لا عن اجتماع الوقص والطي، ولا خبن حينئذ في الجزء فلا يدخله الخبل.
على أن اجتماع ثلاث علل عنده ليس بمستنكر، بل الدليل حجةٌ عليه حينئذ، لوجود جزأي الخبل وهما الخبن والطي على القول الذي رجحه. سلمناه إلا أن العلة عندنا في امتناع الخبل في متفاعلن مركبةٌ، وهو ما يؤدي إليه من حذف حرفين أحدهما متحرك، وكراهية اجتماع أربعة متحركات، وحينئذ لا يرد جواز الخبل في البسيط علينا، لانتفاء بعض أجزاء العلة، وهو كون أحد الحرفين المحذوفين متحركاً لأنهما معاً ساكنان.
قال:
ورابعُه لم يبلَ إلا بطيِّه ... أي الحذفِ إن يسكُن وإلا فقد نجا
أقول يعني أن الحرف الرابع من الجزء لم يغير من أنواع الزحاف إلا بالطي، فعبر عن ذلك بقوله (لم يبل) على جهة التمثيل. فإذن يكون الطي عبارة عن حذف الساكن الرابع من الجزء. سمي بذلك لأن الحرف الرابع من الجزء السباعي واقع وسطه؛ فإذا حذف التقت الحروف التي قبله بالحروف التي بعده فأشبه الثوب الذي يطوي من وسطه.
وقوله (وإلا فقد نجا) أي وإلا يسكن الحرف الرابع بأن كل متحركاً فإنه ينجو من الزحاف، كما تقرر تغيير ثاني السبب، ورابع الجزء إذا كان متحركاً لا يكون ثاني سبب، لأنه إما أن يكون حينئذ أول سبب أو ثاني وتد وكلاهما ليس محلا للزحاف.
قال:
وعصب وقبض ثم عقل بخامس ... وكف سقوط السابع الساكن انقضى
أقول: يدخل في خامس الجزء مع كونه ثاني سبب تغييرات ثلاثة، وهي العصب والقبض والعقل. وقضية الجريان على الترتيب الذي أفاده الناظم أن يكون العصب إسكان الخامس المتحرك، والقبض حذف الخامس الساكن والعقل حذف الخامس المتحرك.
(1/25)

وإنما سمي التغيير الأول عصباً بالصاد المهملة، لأن حركة الحرف اعتصبت منه فمنع أن يتحرك. وكل شيء عصبته فمنعته الحركة فهو معصوب.
وسمي التغيير الثاني قبضاً لانقباض الصوت بالجزء الذي يدخله وذلك لأنه يدخل (فعولن ومفاعلين) ليس إلا، فإذا حذفت النون من الأول والياء من الثاني انقبض الصوت عن الغنة التي كانت موجودة مع النون، وعن اللين الذي كان موجوداً مع الياء، وفيه نظر.
وسمي التغيير الثالث عقلاً أخذاً له من العقل، ومعناه المنع، ومنه عقلت البعير، لأنه إذا عقل منع من الذهاب. ولما كان مفاعلتن تحذف منه اللام فيمتنع إذ ذاك حذف نونه حذراً من اجتماع أربعة أحرف متحركة إذ كان الجزء الواقع بعده مفتوحاً بوتد مجموع. ويحتمل أن يكون سمي بذلك لأنه لما حذفت لامه منع منها ومن حركتها فأشبه البعير الذي عُقلت يده فمنع الحركة.
وقوله (وكف سقوط السابع الساكن) معناه ظاهرٌ، وإنما اشترط في السابع أن يكون ساكناً لأنه كان متحركاً لكان ثالث وتدِ، إذ لاشيء من الأجزاء السباعية آخره حرفٌ متحرك غير (مفعولات) ، وتاؤه ثالث وتدِ مفروق، فلا مدخل للزحاف فيها، لأنه يدخل ثواني الأسباب.
سمي كفا أخذاً له من كفة القميص وهو ما يكف من ذيله، فكأن الجزء لما حذف آخره شبه بالثوب إذا كف طرفه. وقوله (انقضى) أي الزحاف المنفرد، فهو محتمل لضمير يعود على ما تقدم.

الزحاف المزدوج
قال:
وطيك بعد الخبن خبل وبعد أن ... تقدم إضمار هو الخزل يا فتى
وكفك بعد الخبن شكل وبعد أن ... جرى العصب نقص كل ذا الباب مجتوى
أقول: إذا اجتمع في الجزء الخبن والطي، كما إذا حذفت سين مستفعلن المجموع الوتد بالخبن، وفأوه بالطي، فصار متعلن سمي بذلك خبلاً، والجزء مخبول. أخذ ذلك من الخبال، وهو الفساد والاختلال. ويقال يدٌ مخبولة إذا كانت مختلة معتلة، فكلأن الجزء لما ذهب ثانيه ورابعه شبه بالذي اعتلت يداه.
وإذا اجتمع في الجزء الطي والإضمار، وذلك لا يكون إلا في (متفاعلن) فتسكن تاؤه بالإضمار وتحذف ألفه بالطي فيصير (متفعلن) فهذا هو المسمى بالخزل. يقال بالخاء المعجمة، وبالجيم، ومعناه القطع. ومنه سنام مخزول إذا قطع لما يصيبه من الدبر، فكأن الجزء لما تكرر عليه الإعلال شبه بالسنام الذي أصابه الدبر ثم قطع فاجتمع عليه إعلالان.
واجتماع الخبن والكف شكلٌ، مثل (فاعلاتن) المجموع الوتد تحذف ألفه بالخبن، ونونه بالكف فيصير (فعلات) . والشكل مصدر من قولك شكلت الدابة وغيرها بالشكال أشكلها شكلاً إذا قيدتها، وشكلت الكتاب كذلك، فكأن الجزء لما حذف أخره وما يلي أوله شبه بالدابة التي شكلت يدها ورجلها لأن الجزء يمتنع بذلك من إنطلاق الصوت وامتداده كما تمتنع الدابة بالشكل من امتداد قوائمها في عدوها.
واجتماع الكف والعصب نقصٌ، وذلك لا يكون إلا في (مفاعلتن) فتسكن لامه بالعصب، وتحذف نونه بالكف، فيصير مفاعلت، ويسمى الجزء منقوصاً لما نقص منه بالحذف والتسكين.
وقوله (كل ذا الباب مجتوى) يعني أن جميع ما ذكره في هذا الباب من الزحافات المزدوجة قبيح مستكره، وهو المراد بقوله (مجتوى) من قولك: اجتويت الموضع، إذا كرهت المقام به، ومنه حديث العرنيين (فاجيووا المدينة) .
ولا يلزم من كون جميع أنواع ها الباب قبيحةً أن يكون كل ما في الباب السابق حسناً، بل الأمر في ذلك مختلفاً، فتارةً يكون حسناً وتارة يكون صالحاً، وتارةً يكون قبيحاً. فالحسن ما كثر استعماله وتساوى عند ذوي الطبع السليم نقصان النظم به وكماله، كقبض (فعولن) في الطويل. والقبيح ما قل استعماله، وشق على الطباع السليمة احتماله، كالكف في الطويل. والصالح ما توسط بين الحالين ولم يلتحق بأحد النوعين، كالقبض في سباعي الطويل، إلى أنه إذا أكثر منه التحق بقسم القبيح، فينبغي للشاعر أن يستعمل من ذلك ما طاب ذوقه وعذب سوقه، ولا يسامح نفسه فيعتمد الزحاف المستكره إتكالاً على جوازه، فيأتي نظمه ناقص الطلاوة قليل الحلاوة، وإن كان معناه في الغاية التي تستجاب. اللهم إلا أن يستعمل من ذلك ما قل وخف عند الحاجة والاضطرار.
(1/26)

قال ابن برى بآثر هذا الكلام: وعلى هذا ينبغي أن يحمل قول الأصمعي: الزحاف في الشعر كالرخصة في الدين لا يقدم عليها إلا الفقيه لأن الرخصة إنما تكون للضرورة. وإذا سوغت فلا يستكثر منها. فإن قلت: أما ادعاء الناظم أن الطي واقع بعد الإضمار في الخزل، وأن الكف واقع بعد العصب في النقص فواضح، وذلك لأن الإضمار إذا قدر وقوعه أولاً بقي محل الطي، وهو الرابع الساكن، والعصب إذا قدر وقوعه أولاً بقي محل الكف، وهو السابع الساكن، فيجد حينئذ كل من الطي والكف محل قابلاً لوقوعه، وهذا ظاهر، لإخفاء به. وأما ادعاؤه أن الطي وقع بين الخبن في الخبل، وأن الكف وقع بعد الخلن في الشكل، فليس بظاهر، وذلك لأنك إذا خبنت (مستفعلن) المجموع الوتد أولاً بأن حذفت سينه، وأردت طيه بحذف الفاء وجدت محل الطي مفقوداً، وذلك لأنه إنما يحل في الرابع الساكن، والفاء الساكنة صارت ثالثة لا رابعة، وكذا إذا خبنت (فاعلاتن) المجموع الوتد بأن حذفت ألفه وأردت كفه بعد ذلك بحذف النون وجدتها سادسة لا سابعة، ففقد محل وقوع الكف، فكان ينبغي في مثل هذا أن يقدر الثاني أولاً، وذلك بأن يقدر وقوع الطي والكف قبل الخبل فيصير الثاني ساكن قبل الخبن ثابتاً في مركزه فيجد الخبن محلاً لدخوله، ولا ضير حينئذِ.
قلت: هذا كلامٌ وقع لبعض العروضيين ورده بعض الحذاق بأن دخول الزحاف الثاني على الجزء إنما هو بالنظر إليه قبل التغيير الأول، لأن التغيير طارئ فلا ينظر إلى حالته، وحينئذ فالطي إنما دخل في حرف رابع ساكن، والكف إنما دخل في سابع ساكن، وأيضاً فما ذكر في السؤال أنه ينبغي تقديره هو تقدير على خلاف الواقع، لأن المتكلم إذا تلفظ بالجزء وأدخل فيه تغييرين فإنما يدخلهما فيه حال تلفظه به، الأول فالأول، فوجب أن يكون التقدير كذلك ليطابق الواقع.

المعاقبة والمراقبة والمكانفة
قال:
إذا السببان استجمعا لهما النجا ... أو الفرد حتماً فالمعاقبة اسم ذا
أقول: إذا اجتمع السببان ولم تجز مزاحفتهما جميعاً، بل وجب أد الأمرين، إما سلامتهما معاً أو سلامة أحدهما فذلك هو المعاقبة. فقول الناظم (لهما النجا) جملةٌ في موضع الحال من ضمير (استجمعا) . وقوله (أو الفرق) معطوفٌ على الضمير المجرور بدون إعادة الخافض، على مذهب من يراه من النحاة.
فإن قلت: أين الرابط للحال بصاحبها من المعطوف؟ قلت محذوفاً إذ التقدير أو الفرق منهما. وقوله (حتماً) حال من (النجا) الذي هو مبتدأ أو من ضميره المستكن في الظرف المستقر، وهو خبره المقدم، إما على أن يقدر ذا حتم، أي وجوباً، أو يجعل بمعنى محتوماً، أي واجباً، أو يجعل المصدر نفسه حالاً على جهة المبالغة.
فإن قلت: كيف سوغت الحال من المبتدأ وهم يطلقون القول بمنعه بنا على أن العامل في الحال هو العامل في صاحبها، والابتداء لا يصلح للعمل في الحال، قلت: هذا على حد قوله:
لمية موحشاً طلل
فصاحب الحال عند سيبويه النكرة، وهو عنده مرفوع بالابتداء، والناصب للحال الاستقرار الذي تعلق به الظرف، فما أجزته في بيت الناظم هو مثل هذا سواء، وظهر أن مقتضى ما وقع لسيبويه هنا أنه لا يلتزم صحة قوله: والعامل في الحال هو العامل في صاحبها والله تعالى أعلم.
قال: للأول أو ثانيه أو لكليهما اسم صدر وعجز قيل والطرفان جا أقول: السببان المجتمعان وهما محل المعاقبة تارةً يكونان في جزء واحد، وتارةً يكونان في جزأين. فمثال كونهما في جزء واحد (مفاعيلن) في الطويل والهزج، فالياء فيه تعاقب النون، فإذا دخله القبض سلم من اكف وإذا دخله الكف سلم من القبض، ولا يجوز فيه دخول القبض والكف معاً ويجوز أن يسلم منهما معاً.
ومثال مجيء المعاقبة من جزاين (فاعلاتن فاعلن) في المديد، فالنون من (فاعلاتن) تعاقب الألف من (فاعلن) ، فمهما زوحف (فاعلاتن) بالكف سلم (فاعلن) بعده من الخبن، ومهما زوحف (فاعلن) بالخبن سلم (فاعلاتن) قبله من الكف، وكذا (فاعلاتن) الواقع أول عجز المديد يجتمع فيه سببان قبليان، وسببان بعديان، وذلك لأن تفعيله هكذا:
فاعلاتن فاعلن فاعلاتن ... فاعلاتن فاعلن فاعلاتن
(1/27)

فالمعاقبة أيضاً متصورة بين نون (فاعلاتن) الواقع آخر الصدر وألف (فاعلاتن) الواقع أول العجز، وبين نون (فاعلاتن) هذه وألف (فاعلن) الواقعة بعدها، فتتصور هنا ثلاثة أسماء ذكرها الجماعة وهي: الصدر، والعجز والطرفان.
فأما الصدر فهو ما زوحف أوله لسلامة ما قبله، كقولك هنا: فاعلاتن فعلاتن. سمي بذلك لوقوع الحذف في صدر الجزء.
والعجز هو ما زوحف آخره لسلامة ما بعده كقولك: فاعلاتُ فاعلن. سمي بذلك لوقوع الحذف في عجز الجزء. والطرفان ما زوحف أوله لسلامة ما قبله، وآخره لسلامة ما بعده، كقولك هنا: فاعلاتن فعلات فاعلن، فحينئذ إنما يقع الطرفان في الجزء الذي هو أول العجز بشكلِ فتثبت نون (فاعلاتن) قبله وألف (فاعلن) بعده.
هذا ما قالوه وهو واضح، ولا التزم تنزيله على كلام الناظم. فإن عباراته لا تفي بالمقصود، ولم يشف الشارح الشريف في تقريرها.
قال: وعاد للناظم في هذا البيت بين أول شطريه وآخرهما، فرد الصدر إلى الأول والعجز إلى ثانيه، والطرفين إلى كليهما. وسكن الناظم العجز تخفيفاً على حد قولهم في عضد عضد، وكتف كتف. هذا كلامه. قال:
تحل بيحدو كاهن بي وجزؤها ... بريء متى تفقد وقد جاز أن ترى
أقول: يعني أن المعاقبة تحل في الأبحر المرموز لها في قوله (يحد وكاهن بي) الباء الأولى ليست رمزاً وإنما هي ظرفية والباء الأخيرة ليست من الرمز لأنها تقدمت فأشار بالياء إلى البحر العاشر وهو المنسرح، والمعاقبة فيه واقعة في (مستفعلن) الذي بعد (مفعولات) ، فتعاقب فاؤه سينه وذلك لأنهما لو أسقط حتى يصير الجزء إلى (فعلتن) وقبلها تاء (مفعولات) لاجتمع خمسة حركات، وذلك لا يتصور وقوعه في شعر عربي أبداً. والحاء إشارة إلى البحر الثامن وهو الرمل، والمعاقبة فيه واقعة بين نون (فاعلاتن) وألف الجزء الذي بعده.
والدال 'إشارة إلى البحر الرابع وهو الوافر؛ والمعاقبة فيه تتصور بأن يعصب (مفاعلتن) فينقل إلى (مفاعيلن) فتعاقب فيه الياء النون. والواو إشارة إلى البحر السادس وهو الهزج، والمعاقبة فيه بين ياء مفاعيلن ونونه كما تقدم. والكاف إشارة إلى البحر الحادي عشر وهو الخفيف، والمعاقبة فيه بين نون (مستفع لن) وألف (فاعلاتن) ، فلا يجتمع خبن الجزء الثاني مع كف الأول. والألف إشارة إلى البحر الأول وهو الطويل، والمعاقبة فيه بين نون مفاعيلن ويائه كما مر. والهاء اشارة الى البحر الخامس وهو الكامل. وبيان المعاقبة فيه أن (متفاعلن) يضمر فينقل الى مستفعلن فتعاقب سينه فاؤه. والنون إشارة إلى البحر الرابع عشر وهو المجتث، والمعاقبة فيه بين نون (مستفع لن) وألف (فاعلاتن) كما تقدم في الخفيف، وذلك لأن (مستفعل لن) فيهما مركب من سببين خفيفين ووتد مفروق بينهما. وقول الشريف (مركب من سببين خفيفين فإنهما وتد مفروق) فيه نظر يظهر بالتذكر لما سبق في أول الكتاب. والباء إشارة إلى البحر الثاني وهو المديد، فتعاقب فيه نون فاعلاتن أي في الجزء الذي بعده. وقوله: وجزؤها بريء متى تفقد، وقد جاز أن ترى (قال الشريف: يريد أن الجزء الذي يسلم من الزحاف للمعاقبة وهو سائغ فيه يسمى بريئاً. وحقيقة البريء أنه جزء عاقب بثابت حرف من أوله أو من آخره جزءاً بعده سقط من صدره، أو جزءاً قبله سقط من عجزه. فلت: وفي شرح عروض ابن الحاجب لابن واصل ما نصه. والبريء ما سلم من المعاقبة التي فيها الصدر والعجز والطرفان، وكذا قال غيره. فإذن قوله (قد جاز أن ترى) جملةٌ خاليةٌ من الضمير النائب عن الفاعل في قوله (تفقد ويتجه على الناظم اعتراض في إطلاقه القول بأن جزء المعاقبة على الصفة المذكورة بريء مع كونه مخصوصٌ بما تقدم. لكن وقع في كلام ابن بري وغيره أن البريء ما سلم من المعاقبة، فظاهره سواءٌ كانت المعاقبة مما فيه الطرفين أو لا. وهو موافق لإطلاق الناظم. قال:
ومنعك للضدين مبدأ شطري لم ... بأربعها كلٌ مراقبةً دعا
(1/28)

أقول: المراقبة هي أن لا يزاحف السببان المجتمعان ولا يسلمان من الزحاف، بل لابد من مزاحفة أحدهما وسلامة الآخر. وهومراد الناظم، وذلك لأن الضدين هما مزاحفة السببين جميعاً، وسلامتهما جميعاً. فإذا امتنعا لزم مزاحفة أحدهما وسلامة الآخر، فتجامع المراقبة المعاقبة في أنه إذا حذف أحد الساكنين من السببين ثبت الآخر وجوباً، وتفارقها في أن المعاقبة يجوز فيها إثباتهما معاً والمراقبة يمتنع فيها ذلك. ويقع الفرق بينهما أيضاً بأن المعاقبة تكون بين السببين المتلاقيين كانا في جزء واحد، أو في جزأين، فالمراقبة لا تكون إلا إذا كان السببان متجاورين في جزء واحد. وسميت مراقبةً لأنها يراقب فيها حذف أحد الساكنين فيثبت الآخر، أو ثبوته فيحذف الآخر.
وقوله (مبدأ شطر لم) يعني أن المراقبة تحل في مبدأ كل شطر من شطور البحرين المرموز لهما بالام والميم، وهما الثاني عشر وهو المضارع المشار إليه باللام والثالث عشر وهو المقتضب المشار إليه بالميم. فإن قلت علامة يعود الضمير من قوله (بأربعها) ؟ قلت على مبادئ الشطور الأربعة المفهومة من السياق، وذلك لأن كل بحر له شطران، ولكل شطر منهما مبدأ، فالمضارع في الاستعمال مجزوء، زنته:
مفاعيلن فاع لاتن مفاعيلن فاع لاتن.
والمقتضب كذلك، وزنته:
مفعولاتُ مستفعلن مفعولاتن مستفعلن.
فمبدأ الشطر الأول من المضارع (مفاعيلن) وكذا مبدأ شطره الثاني. ومبدأ الشطر الأول من المقتضب (مفعولات) وكذا مبدأ شطره الثاني. فإذا هي أربعة مبادئ. والمرقبة ثابتة في جميعها فلا يجوز في شيء منها إثبات السببين معاً ولا حذفهما معاً. ولابد من سلامة أحدهما ومزاحفة الآخر. فإن قلت: فكيف أنث العدد والمعدود مذكر؟ قلت، مر لنا أن الكسائي يجيزه إذا كان المعدود محذوفاً، وقال به غيره. فيجوز تخريج ذلك على هذا المذهب. وجوز الشريف عود الضمير على الأسباب الأربعة في البيت، وهما اثنان في أول المصراع الأول منه واثنان في أول المصرع الثاني، وذلك (عيلن) في المصراعين من المضارع و (مفعو) في المصراعين من المقتضب. وأنث لأنه أول السبب بالكلمة أو باللفظة قال: ويسوغ أن يريد بالأربع ثواني الأسباب، وهي الحروف السواكن والحرف يذكر ويؤنث، فقال (بأربعها) فلحظ التأنيث. قال:
وأبحر طي جزِ مكانفةٌ لها ... بكملها فافعل بها أيها تشا
أقول: المكانفةُ هي جواز سلامة السببين المجتمعين، ومزاحفتهما معاً، وسلامة أحدهما ومزاحفة الآخر. وهو معنى قول الناظم (فافعل بها أيها تشا) وتدخل في أربعة أبحر، وهي البحر التاسع وهو السريع المرموز له بالطاء. والبحر العاشر هو المنسرح المرموز له بالياء. والبحر الثالث هو البسيط المرموز له بالجيم. والبحر السابع هو الرجز المرموز له بالزاي. وقوله (بكملها) يعني أن المكانفة إنما تدخل في هذه الأبحر في الأجزاء الكمل السالمة من نقص العلل، وذلك كضرب العروض الأولى من المنسرح، لأن الطي لازم له. قال الشريف: وذكر الناظم بحر المنسرح أولاً فيما يكون فيه المعاقبة ثم ذكره هنا فيما يسوغ فيه حذف الساكنيين معاً. ووجه ذلك أن أجزاؤه تختلف، فأما (مستفعلن) الواقع في أول شطريه فحذف الساكنين فيه جائزٌ قلت: وكذا (مفعولات) كما يؤخذ من الشواهد، ولا وجه للتخصيص بمستفعلن المذكور. وأما (مستفعلن) الذي يلي (مفعولات) فلا يجوز حذفهما فيه لأن قبله تاء (مفعولات) وهي متحركةٌ، فلو دخل (مستفعلن) الخبل لاجتمع فيه خمس متحركاتِ، ولذلك لا يعده بعض العروضيين من باب المعاقبة، إذ امتناع حذف الساكنيين إنما هو لأمر ِ عارض فيه، فتأمله، انتهى كلامه. فإن قلت: كيف ساغ الابتداء بقوله (مكانفة) وهي نكرة محضة لا مسوغ للإبتداء بها؟ قلت هي موصوفة بقوله (لها) والخبر قوله (بكملها) فالمسوغ موجود فلا إشكال.

علل الأجزاء
قال:
وما لم يكن مما مضى ادع بعلةِ ... زيادته والنقص فرقاً لذى النهى
(1/29)

أقول: مقتضى هذا الكلام أن تكون العلة عبارة عن التغيير الذي لا يكون في ثواني الأسباب، وعلى ذلك مشاه الشريف. فإن قلت لا نزاع في أن القصر من العلل، وهو حذف ساكن السبب قطعاً، فيلزم أن لايكون علةً، وهو باطل، قلت: هو وإن كان فيه تغيير ثاني السبب بإسقاطه لكن ليس هذا تمام مسماه، وإنما مسماة تغيير ثاني السبب بحذفه، وتغيير أوله بإسكانه. والمراد بقولهم: الزحاف تغيير ثاني السبب أنه تغيير الثاني فقط، فزال الإشكال.
فإن قلت: من خاصة العلة لزومها حيث وقعت، وقد عد الناظم الخزم، بالزاي، من علل الزيادة فيلزم على هذا أن يكون لازماً وهو باطل، قلت: قد يتخلف اللزوم بعارضِ. وهذا كذلك، ضرورة أن هذه الزيادة خارجةٌ عن وزن البيت. وفي عبارة الناظم ما يقتضي عدم اللزوم، فإنه حكم على هذا النوع من العلل بالقبح، بل جعله أقبح ما يرى. ولا يتأتى القول بذلك مع لزومه. وقسم الناظم العلة إلى زيادةِ ونقصِ. وسيأتي تحقيق ذلك. وقوله (فرقاً) مفعولٌ لأجله، والعامل فيه (ادع) أي سم ما لم يمض من التغيرات علةً وما مضى منها زحفاً ليحصل الفرق بين اللقبين، فترتب على كل حكم مقتضاه. قال:
فزد سبباً خفا لترفيل كاملً ... بغايته من بعد جزءِ له اهتدى
أقول: قد سبق أن العلة على قسمين: زيادة ونقص، فقدم الناظم أقسام النقص من حيث أن جميع حروف الجزء مع الزيادة باقيةٌ لم يذهب منها شيء ولا كذلك مع النقص. وللأول على الثاني مزية. إذ تقرر ذلك فمن أنواع الزيادة الترفيل، وهو زيادة سبب خفيف على آخر الضرب من مجزوء الكامل. والمراد بالغاية هو الضرب، وكلامه واضح. والترفيل في اللغة إطالة الذيل. يقال ذيل مرفل أي مطول، ومنه قولهم: فلان يرفل في ثوبه، للذي يجر ذيله زهواً. ولما كانت هذه الزيادة هي أكثر زياده تقع في الآخر سمي ترفيلاً. قال:
ومجزوء هج ذيله بالسكن ثامنِ ... وسبغ به المجزوء في رمل عرا
أقول: التذييل زيادة حرف ساكن على وتد مجموع في آخر الجزء، ويدخل في الضربين المجزوءين من بحرين هما الخامس، وهو بحر الكامل المشار إليه بالهاء من (الهجا) ، والثالث وهو بحر البسيط المشار إليه بالجيم. والمراد بالسكن ذو السكن، وهو السكون، أي الحرف الساكن، (وثامناً) حال من المجرور فيصير (متفاعلن) في الكامل (متفاعلان) و (مستفعلن) في البسيط (مستفعلان) قال ابن بري: وإنما آثروا زيادة النون دون ما عداها من الحروف قياساً على زيادة التنوين في آخر الاسم لأنها نون في اللفظ، وتزاد في آخر الاسم بعد كماله، كما أن هذه زيدت في آخر الجزء بعد كماله، ولما كانت النون المزيدة ساكنةً، كانت النون الأصلية قبلها كذلك، والتقى ساكنان، إبدل من النون الأولى الأصلية ألفاً كما تبدل النون الخفيفة والتنوين ألفاً في الوقف، لأن الساكنين يجوز اجتماعهما إذا كان أحدهما حرف مد، لأن ما فيه من المد يقوم مقام الحركة. والتذيل، ويقال الإزالة أيضاً، مأخوذٌ من ذيل الثوب والفرس وغيره، شبه الحرف ازائد به. والتسبيغ زيادة حرفِ ساكن على سبب خفيف من آخر الجزء ولا يكون إلا في المجزوء من بحر الرمل، ويقال فيه أيضاً الإسباغ، لأنه مصدر أسبغه إذا أطاله. يقال ذيل سابغ أي طويل، فلما كان هذا الحرف يطيل الجزء سمي إلحاقه به إسباغاً وتسبيغاً على صبيغة بناء التكثير.
فإن قلت: ماذا أراد الناظم بقوله (عرا) ؟ قلت: كأنه ينظر من طرفِ خفى إلى ما حكى عن الزجاج من أن هذا الضرب من الرمل قليلٌ جداً، وأنه موفوف على السماع، فكأنه يقول وسبغْ بالحرف الثامن الساكن المجزوء من الرمل حالةً كونه قد (عرا) أي نزل به من حيث سماعه من العرب، وإلا فحقه أن يزاد لأنه لم يكثر كثرةً يقاس عليها كما اتفق لغيره من ضروب الزيادة، فتأمله وحرره.
قال:
وإن زدت صدر الشطر مل دون خمسةِ ... فذلك خزم وهو أقبح ما يرى
أقول: الخزم هو زيادة حرفِ إلى أربعة في أول البيت، وحرفِ أو حرفين في أول العجز. سميت هذه الزيادة خزما بالزاي تشبيهاً لها بخزم البعير، وهو أن تجعل في أنفه حزامةٌ، والعلاقة بينهما الزيادة الموصلة إلى المراد. وما أحسن قول السراج الوراق:
وقائلِ قال لي ومثلي ... يرجع في مثل ذا لمثله
لم خزم الشعر قلت حتى ... يقاد قسراً لغير أهله
(1/30)

وأكثر ما يجيء الخزم في أول البيت. ومجيئه في أول النصف الثاني قليل. ولم يجيء فيه بأزيد من حرفين. قال الصفاقسي: ووجه مجيئه فيه أن البيت قد يكون مصرعاً، فكأن أول نصفه الثاني أول البيت. قلت: وفيه نظر.
ووجهه بعضهم بأنه لما جاز في أول العجز الخرم، بالراء، وهو النقصان جاز فيه الخزم، بالزاي، ليكون الشطط له تارةً وعليه أخرى. واعترض بأن تعليل جواز الخزم بالحمل على جواز الخرم ليس أولى من العكس. ووجه أيضاً بشبهه أوائل الأبيات بقطع ألف الوصل فيه. واعترض بتوجه السؤال في ألف الوصل كما في الخزم.
إذا تقرر ذلك فكلام الناظم معترض من جهة أن قوله (صدر الشطر) أعم من أول النصف الأول وأول النصف الثاني ضرورة أن (صدر الشطر) صادقٌ على كل منهما. والخزم بما دون خمسة الذي هو صادق بأربعة أحرف إنما يكون في أول الشطر الأول ولا يكون في أول العجز إلا بحرف أو بحرفين خاصة، فمثال مجيئه في الأول بحرف واحد قوله:
وكأن أباناً في أفانين ودقه ... كبير أناسِ في بجادِ مزملِ
خزم بحرف واحد، وهو الواو.
ومثاله بحرفين قوله:
بامطر بن ناجيةً بن سامة إنني ... أجفى وتغلق دوني الأبواب
خزم بحرفين وهما الياء والألف.
ومثاله بثلاثة قوله:
لقد عجبت لقومِ أسلموا بعد عزهم ... إمامهم للمنكرات وللغدر
خزم بثلاثة أحرف، وهي قوله: (لقد) .
ومثاله بأربعة أحرف قوله:
اشدد حياز يمك للموت ... فإن الموت لا قيكا
خزم بأربعة أحرف، وهي قوله (اشدد) .
ومثاله أول العجز بحرف واحد قوله:
كلما رابك مني رائبٌ ... ويعلم الجاهل مني ما علم
خزم بالواو من قوله (ويعلم) .
ومثاله فيه بحرفين قول طرفة:
هل تذكرون إذ نقاتلكم ... إذ لا يضر معدماً عدمه
خزم في الصدر بهل وفي العجز بإذ. ر يقال: (لا نسلم أن هذا البيت مخروم لا في الصدر ولا في العجز لجواز أن يكون من الكامل، وعروضه هذا وضربه كذلك، ودخل الجزء الذي هو أول الصدر الإضمار، وكذا أول العجز، ودخل جزئي الحشو من المصراعين الوقص، لأنا نقول يصد عن ذلك قوله في القصيدة التي منها هذا البيت:
للفتى عقلٌ يعيش به، حيث تهدى ساقه قدمه
وهذا من المديد قطعاً، فتعين أن يكون باقي القصيدة كذلك، وتعين أيضاً القول بالخزم في البيت المستشهد به كما ذكر.
فإن قلت: قد جاء الخزم بأكثر من أربعةِ أول البيت كقول الشاعر:
ولكنني علمت لما هجرت أني ... أموت بالهجر عن قريب
فقوله (ولكنني) كله خزم، وهو ثمانية أحرف إن روى بنون الوقاية، وسبعةٌ إن روى بدونها، وعلى كل تقدير فيرد على الناظم، قلت: هو من الشذوذ بحيث لا يلتفت إليه ولا يعول عليه. وقوله (وهو أقبح ما يرى) قال الشريف: يريد أن الخزم قبيح جداً، ولذلك لا يجوز المولد استعماله. قلت: ظاهر قول ابن الحاجب (وخزمهم جائزٌ وهو زيادةُ حرف أولاً، وإلى أربعة قبلاً) أن الخزم جائز، وأنه مقبول عند الأئمة. فإذاً لا مانع للمولد من استعماله، وإن كان تركه أولى بكل حال.
قال الصفلقسي: وزعم بعض الناس أن الخزم ليس عيباً بخلاف الخرم وهو النقص، لخروج الزيادة عن البيت فلا يخل بالوزن. قال؛ وفيه نظر، فإن الخزم بالحرف الواحد، والوقوف عليه، والابتداء بما بعده، متعذرٌ لشدة طلبه له، وكذا إذا وقع حشواً. قال: والأولى ما قاله أبو الحكم: (إن الكلمة المخزوم بها إن أمكن الوقوف عليها ووقعت وسط البيت كانت عيباً لإخلالهما بالوزن، فإن وقعت أوله لم تكن عيباً لخروجها عن البيت بإمكان الوقوف عليها، وإن لم يمكن الوقوف عليها كان الخزم بها قبيحاً، إلا أنه في حشو البيت أقبح لارتباطه بما قبله. ثم هي إما منفصلةٌ، أو في حكم المنفصلة، وانفصالها، وانفصالها أكثر. وكيف ما كان فدخوله في جميع البحور جائز) .
هذه عبارته، قلت: ولعدم اختصاص الخزم ببحر دون بحر كما ذكره أطلق الناظم حيث قال (صدر الشطر) فلم يقيده ببحر ففهم عدم الاختصاص.
(1/31)

ثم قال الصفاقسي: (ودليل قبول الخزم أنه زيادةٌ غير مخلة بوزن البيت ولا بمعناه، فيقبل قياساً على النثر في نحو قوله تعالى: (فيما رحمةِ من الله) ، على أنا يقول: زيادتها أول البيت أولى لضيق الوزن عن الوفاء بالمعنى. لا يقال: لا نسلم عدم إخلالها إذ قد تكون شديدة الاتصال بالبيت على ما مر، لأنا نقول، مرادنا بعدم إخلالها أي في حال زيادتها بخروجها عن الوزن لا حالة حذفها. سلمناه، لكن مرادنا زيادتها في الحكم لا في المعنى، كحكمهم بزيادة (لا) في قولهم: جئت بلا زاد، وغضبت من لاشيء، مع أن حذفهما مخل. لا يقال: يلزمكم عدم جواز الخزم بأكثر من حرفين أو ثلاثة، لأنه لم تقع الزيادة في النثر بأكثر منها، وهو أصلكم الذي قسم عليه، لأنا نقول، الجمع بينهما إنما وقع بمطلق الزيادة لا بزيادة حرف أو حرفين أو ثلاثة. سلمناه إلا أنه إذا جاز في النثر بحرفين أو ثلاثة جاز في النظم بأكثر لضيق الوزن عن الوفاء بالمعنى والله أعلم انتهى كلامه.
قال:
وحذفٌ وقطفٌ قصرٌ القطعُ حزه ... وصلمٌ ووقفٌ كشفٌ الخرم ما انفرى
مواقُعها إعجازُ الأجزاء إن أتت ... عروضاً وضرباً ما عدا الخرم فابتدا
أقول: لما أنهى الناظم الكلام على أنواع الزيادة أخذ في أنواع النقص إجمالاً ثم تفصيلاً، فعددها هنا أولاً، ثم فسرها، وذكر محال وقوعها على التعيين ثانياً، كما تراه بعد هذا، فقوله هنا ((ما انفرى)) مبتدأ مؤخر وخبره مقدم، وهو قوله ((حذف وقطف إلخ)) وثم حرف عطف محذوف، أي وقصرٌ والقطع وكشفٌ والخرم. ومعنى قوله ((انفرى)) انقطع، ولاشك أن في كل من هذه التغييرات حذفاً من اللفظ فهو اقتطاع لبعضه.
ثم أخبر أن مواقع هذه الألقاب أعجاز الأجزاء على شريطة أن تقع عروضاً وضرباً، وأن ذلك حكم ثابت لجميعها، إلا الخرم فإنه يقع ابتداء وهو أعم من ابتداء الصدر وابتداء العجز، وإن كان وقوعه في أول العجز قليلاً، وربما أباه بعضهم. وسيأتي الكلام عليه. فإن قلت: مما ذا استثنى الخرم؟ أمن الجملة الأولى، وهي الإسمية أم من الثانية وهي الفعلية؟ قلت: هو مستثنى من كلتا الجملتين، فإن الخرم لا يقع في عجز جزء ولا في عروض ولا في ضرب، ولعل في قوله ((فابتدا)) إشعاراً بذلك، أي إنما يكون الخرم ابتداء في كل وجه فهو في ابتداء الجزء الواقع في ابتداء البيت، ولا يجوز أن يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط لأن حكم الجملة الأولى يكون منسحباً عليه، وهو وقوعه في عجز الجزء وذلك باطل، وكذا لا يجوز أن يكون الاستثناء من الجملة الأولى فقط لأنه يلزم حينئذٍ وقوع الخرم في العروض أو الضرب وهو باطل أيضاً.
قال الشريف: وكلها يعني التغيرات اللاحقة للأجزاء تنقسم ثلاثة أقسام: قسم يلحق ثواني الأسباب ولا يكون إلا في حشو الأبيات، وهو الزحاف. وقسم يلحق الأوتاد خاصة وتنفرد به المبادئ وهو الخرم. وقسم يلحق الأوتاد والأسباب معاً تنفرد به أعاريض الأبيات وضروبها وهي العلل. قلت: وفي هذا تصريح بأن قبض عروض الطويل مثلاً علةٌ لا زحاف فتأمل.
قال:
ففي حاسبوك الحذف للخف واقطفن ... به أثر سكنٍ بد والأثقل انتفى
أقول: اشتمل هذا البيت على تبيين المراد بالحذف والقطف وعلى تعيين الآخر التي يدخلانها. فالحذف عبارة عن لإسقاط السبب الخفيف من أخر الجزء، فيدل عليه قوله قبل ذلك ((مواقعها أعجاز الأجزاء)) ، ويدخل في ستة أبحر، وهي الثامن وهو بحر الرمل المرموز له بالحاء من قوله ((حاسبوك)) ، والأول وهو هو بحر الطويل المرموز له بالألف، والخامس عشر وهو بحر المتقارب المرموز له بالسين، والثاني هو بحر المديد المرموز له بالباء، والسادس هو بحر الهزج المرموز له بالواو، والحادي عشر وهو بحر الخفيف المرموز له بالكاف، ((والخف)) هو الخفيف. قال امرؤ القيس:
يزلّ الغلام الخفُ عن صهواته ... كما زلّت الصفواء بالمتنزّل
وتسمية هذا التغيير بالحذف أمر ظاهر وكأنهم سموه باسم الأعم.
(1/32)

والقطف عبارة عن إسقاط السبب الخفيف وإسكان المتحرك قبله، ولا يكون إلا في بحر واحد وهو الوافر الذي هو رابع البحور المرموز له بالدال من قوله ((بد)) ، وقد علم أن ((مفاعلتن)) هو جزء الوافر، فإذا أردت قطفه حذفت السبب الخفيف من آخره وهو ((تن)) ، واسكنت المتحرك الذي قبله وهو اللام التي هي ثاني سبب ثقيل فيصير ((مفاعلْ)) بإسكان اللام فيعبر عنه بفعولن. والضمير من قوله ((به)) راجع إلى حذف الخفّ. والمراد بالسكن التسكين، فهو مصدر محذوف الزوائد.
والباء من قوله ((بد)) ظرفية بمعنى ((في)) لا حرف مرموز به للبحر الثاني وهو المديد، لأنه ليس لنا في المديد جزءٌ آخره سببٌ خفيف وقبله متحرك حتى يدخله القطف، فالإلباس مأمون.
فإن قلت: ماذا أراد الناظم بقوله ((والأثقل انتفى)) ؟ قلت: قال الشريف: يريد أن ((مفاعلتن)) في الوافر إذا دخله القطف فحذف السبب الخفيف وسكن اللام قبله بقى ((مفاعلْ)) وصار السبب الثقيل خفيفاً، فذلك الذي أراد الناظم. وبذلك يتبين أن القطف لا يكون إلا في الوافر.
قلت: أو يكون المراد بذلك الإشارة إلى نفي قول من زعم أن القطف عبارة عن حذف السبب الثقيل حرصاً على قلة التغيير ما أمكن، لأنه على هذا التقدير علةٌ واحدةٌ، وعلى الأول يكون مركباً من علة وزحاف، وهما الحذف والعصب، وقلة التغيير أولى.
قال بعضهم: ولا قائل به: وهو وهم فاحش، لأن مخترع هذا العلم وهو الخليل هو القائل في القطف بالمقالة الأولى أفتراه يقول إنه مسبوق بالإجماع مع أن معنى القطف لغة هو المناسب لما ذهب إليه الخليل، وذلك لأن الثمرة إذا قطفت تعلق بها شيء من الشجرة، وعلى التقدير الأول فالجزء كذلك، لأنه لما حذف منه السبب الخفيف علقت به حركة السبب الآخر، ولا كذلك على التقدير الثاني، وأيضاً فإنه يلزم على التقدير الثاني دخول العلة في حشو الجزء، ولا نظير له فتأمل.
قال: وحسبك فيها القصر حذفك ساكناً=وتسكين حرف قبله إذا حكى العصا أقول: يعني أن القصر عبارة عن حذف ساكن وإسكان حرف قبله بشرط أن يكون من سبب خفيف. وهذا القيد مذكور في البيت الثاني. وأشار إلى وجه التسمية بقوله ((إذ حكى العصا)) يريد أن ما دخله القصر يسمى مقصوراً لأن الجزء قصر عن التمام، كما قصر الاسم المقصور كالعصا والرحى عن المد، أي حكى الأسماء المقصورة. هكذا قرره الشريف.
قلت: ويمكن أن يكون إشارة إلى القولين في تسمية المقصور بهذا الاسم، وذلك لأن منهم من قال: سمي بذلك لكونه قصر عن الحركة أي منع منها. وقيل: سمي بذلك لكونه منع عن المد، فكذا الجزء المقصور يحتمل أن يكون سمي بذلك لأنه لما حذف آخره وأسكن ما قبله منع من الحركة، أو لأن الجزء قصر عن التمام كما قصر الاسم المقصور عن المد، والله أعلم.
ويدخل القصر في أربعة أبحر رمز لها بقوله ((حسبك)) ، فالحاء رمز للبحر الثامن وهو الرمل. والسين رمز للبحر الخامس عشر وهو المتقارب. والباء رمز للبحر الثاني وهو المديد. والكاف رمز للبحر الحادي عشر وهو الخفيف. قال:
كذا القطع لكن ذاك في سبب جرى ... وفي وتد هذا وجهز له حوى
أقول: يريد أن القطع مماثلٌ للقصر في أنه حذف ساكن وتسكين حرف قبله، لكن ذاك وهو القصر مخصوصٌ بالسبب الخفيف، فيكون عبارة عن حذف السبب الخفيف وإسكان الحرف الذي قبله. وهذا، وهو القطع، مخصوصٌ بالوتد المجموع فيكون عبارة عن حذف ساكن الوتد المجموع وإسكان الحرف الذي قبله. وأنشد ابن الخطيب في الإحاطة لبعض الأندلسيين:
يا كاملاً شوقي إليه وافرٌ ... وبسيط وجدي في هواه عزيز
عاملت أسبابي لديك بقطعها ... والقطع في الأسباب ليس يجوز
فأحسن في التورية. وأشار الناظم بقوله ((جهز)) إلى الأبحر التي يدخلها القطع، فالجيم رمز للبحر الثالث وهو البسيط. والهاء رمز للبحر الخامس وهو الكامل، والزاي رمز للبحر السابع وهو الرجز، وسمي قطعاً لأنه يقطع الجزء عن تمامه. قال:
وحذفك مجموعاً دعوا حذّ كاملٍ ... وإلا فصلمٌ والسريع به ارتدى
(1/33)

أقول: الحذذ بحاء مهملة فذالين معجمتين، إلا أن الناظم سكن العين المفتوحة على قبحه لأجل الضرورة، وهو حذف وتد مجموع من آخر الجزء، ولا يكون إلا في ((متفاعلن)) فإذاً لا يكون إلا في البحر الكامل كما صرح به الإخلاص الناظم. وقال ابن بري وتبعه الصفاقسي: ولا يكون إلا في ((مستفعلن)) المجموع الوتد و ((متفاعلن)) . قلت: وهو غلط فإنه ليس لنا بحر فيه ((مستفعلن)) يدخل فيه الحذذ أصلاً، وإنما يدخل في الكامل والاستقراء يحققه. فإن قلت: سيأتي أن للكامل عروضاً حذاء لها ضرب أحذٌ مضمرٌ على زنة ((فعلن)) ، ولا شك أن ((متفاعلن)) يدخله الإضمار أولاً فينقل إلى ((مستفعلن)) ، ثم يحذف منه الوتد المجموع فيصير ((مستف)) فينقل إلى ((فعلن)) ، فلعلهما أرادا ذلك. قلت: هو بعيد جداً وظاهر عبارتهما يقتضي أن ((مستفعلن)) جزء أصلي، ويدخله الحذذ مع ذلك، كما أن ((متفاعلن)) كذلك فإن قلت: سيأتي أن بعض العروضيين حكى للبسيط المجزوء عروضاً حذاء مخبونة، وحكى أيضاً استعمال المشطور من الرجز أحذّ مسبّغاً، فهذان بحران وقع في كل منهما الحذذ في ((مستفلعن)) ، قلت: هذا من الشذوذ بحيث لا يلتفت ولا تبنى القواعد الكلية عليه.
قال ابن بري وكان حقه أن يدخل ((فاعلن)) إلا أنه لم يسمع فيه. قال الصفاقسي: وعلته عندي ما يؤدي إليه دخوله فيه من بقاء الجزء على سبب خفيف ولا نظير له. ولا يقال بل نظيره موجودٌ وهو عروض المتقارب المحذوفة، فإن القطع يجوز دخوله فيها فتبقى حينئذ على متحرك وساكن، لأنا نقول المتحرك والساكن فيها بقية وتدٍ وهو أقوى من السبب فافترقا. قلت: الوتد أقوى من السبب لزيادة حروفه عليه، فإذا خرج عن صورة الوتد وانتقل إلى هيئة السبب زال ما به الامتياز في القوة فلا نسلم أنه حينئذٍ أقوى. والحذذ لغةً الخفة، ومنه قولهم قطاةٌ حذّاء، ولما حذف الوتد من آخر الجزء خفّ فسمي أحذ، وهو في اللغة القصر، ومنه قولهم: حمارٌ أحذ، وقول الفرزدق:
أوليتُ العراق ورافديه ... فزاريّاً أحذ يد القميص
كنى بقصر كمه عن تشمير يده للسرقة. ويمكن أن يكون تسمية الجزء أحذ لهذا المعنى. وصاحب العقد وابن السيد يقولانه بالجيم ودالين مهملتين، وهو لغةً القطع. وقوله ((وإلا فصلم)) أي وإلا يكن الوتد المحذوف مجموعاً بل كان مفروقاً فهو الصلم، فالمنفي إنما هو الوصف لا الموصوف، ولا يدخل إلا في السريع، وهو مراده بقوله ((والسريع به ارتدى)) ، وفيه على رأي صاحب التلخيص استعارةٌ بالكناية واستعارة تخييلية، وذلك لأنه أضمر في نفسه تشبيه البحر الذي يدخله هذا النوع من التغيير برجل ظاهر النقص، ودل على هذا التشبيه المضمر في النفس بأن أثبت للمشبه أمراً مختصاً به وهو هنا الارتداء. فتشبيه البحر بالرجل الذي هذا شأنه استعارةٌ بالكناية، وإثبات الارتداء له استعارة تخييلية. والصّلم لغةً قطع الأذن. يقال: رجل أصلم، إذا كان مستأصل الأذنيين، وقد صلمت أذنه أصلمها صلماً، إذاً استأصلها، فسمي حذف الوتد المفروق من الجزء صلماً تشبيهاً بذلك.
قال: ووقفٌ وكشفٌ في المحرك سابعاً=فأسكن وأسقط بحر طيّ ول الهدى أقول: الوقف والكشف يشتركان في أنهما تغيير الحرف الأخير من ((مفعولات)) لكن الوقف تغييرٌ لهذا الآخر بإسكانه، والكشف تغييرٌ له بإسقاطه. ففي كلام الناظم لفٌ ونشرٌ مرتب، فالإسكان راجعٌ إلى الوقف والإسقاط راجع إلى الكشف. وتسمية الأول بالوقف واضحةٌ، وسمي الثاني كشفاً لأن أول الوتد المفروق لفظه لفظ السبب، غير أن وقوع التاء بعده يمنع أن يكون سبباً فإذا حذفت التاء انكشف وصار لفظه لفظ السبب. وهذان النوعان، هما الوقوف والكشف يدخلان في بحرين رمز لهما بالطاء والياء من قوله ((بحر طي)) ، فالطاء رمز للبحر التاسع وهو السريع، والياء رمز للبحر العاشر وهو المنسرح، وقوله ((ول الهدى)) ، الكلمة الأولى أمر من ((ولى)) أي كن والياً للهدى، غير أنه يكتب بالهاء وإن كان لا ينطق بها وصلاً ضرورة أنه يوقف عليه بالهاء، والقاعدة في علم الخط أن تكتب الكلمة بتقدير الابتداء بها والوقوف عليها، ويستثنى من ذلك أشياء على ما عرف في محله.
قال: وقطعك للمحذوف بترٌ بسبسبٍ=وقيل المديد اختص باسميه في الدعا
(1/34)

أقول: قد علمت معنى القطع والحذف فيما سبق، فإذا اجتمعا سمي اجتماعهما بتراً. وفي عبارة الناظم مسامحة لأن مقتضاها أن القطع نفسه إذا دخل في الجزء المحذوف يسمى بتراً، وليس كذلك، بل الاسم إنما هو لهما مجتمعين، أو لاجتماعهما، ويدخلان بحرين رمز لهما بالسين والباء من ((بسبسب)) . والباء الأولى ظرفية. والسين الثانية والباء الأخيرة لغو، ولا لبس يقع بإلغائهما لأنهما تكرير لما قبلهما. فالسين رمز للبحر الخامس عشر وهو المتقارب، والباء رمز للبحر الثاني وهو المديد، فإذا دخل البتر في ((فعولن)) بالمتقارب حذف سببه الخفيف وهو ((لن)) ، وحذفت الواو من ((فعو)) وسكنت عينه فيصير ((فع)) وإذا دخل البتر في ((فاعلاتن)) بالمديد حذف سببه الخفيف وهو ((تن)) ، وحذف ألف وتده وسكنت لامه فيصير فاعل. والبتر بفتح التاء وإسكانها بمعنى القطع أيضاً وهو أبلغ من الحذف، ومنه ذبل أبتر وقوله ((وقيل المديد اختص باسميه في الدعا)) هذا إشارة إلى مذهب الزجّاج، وذلك أنه ذهب إلى أن الجزء الذي دخله الحذف والقطع لا يسمى أبتر إلا في المتقارب وحده لأن ((فعولن)) فيه يصير إلى ((فع)) فيبقى منه أقله، وأما في المديد فيصير ((فاعلاتن)) إلى ((فاعل)) فيبقى منه أكثره، فلا ينبغي أن يسمى أبتر، بل يقال فيه ((محذوفٌ مقطوع)) وهذا هو مراد الناظم بقوله: ((وقيل المديد اختص باسميه في الدعا)) ، أي أنه يدعا في المديد وحده باسمي التغيير الذي اشتمل البتر على مسماه وهما الحذف والقطع.
قال الزجاج: وإنما يسمى بالأبتر في المتقارب، وغلط في ذلك قطرباً، ورد بإنكار وجه الخصوصية، وبتسمية الخليل له بذلك حيث قال: وما يسقط من ((فعولن)) حتى يصير ((فع)) ومن ((فاعلاتن)) حتى يصير ((فعلن)) فهو أبتر. قيل: وإنما وهم الزجاج أن الخليل كتب تحت هذا الضرب في هذا البحر: محذوفٌ وقطوع، وكتب في المتقارب أبتر، فلهذا توهم الاختصاص.
قال:
وسلْ ودا أخرمْ للضرورة صدرها ... ووضع فعولن ثلمه ثرمه بدا
أقول: الخرم عند الخليل رحمه الله حذف أول الوتد المجموع في أول البيت. وبعضهم ينقل عنه أنه يجوزه في أول انصف الثاني على قلة. وبعضهم ينقل فيه المنع عنه ويقول أن غيره هو الذي يجوز الخرم فيه. وبعضهم ينقل المنع في خرم أول العجز مطلقةً عن الخليل وغيره. وأجاز السهيلي خرم السبب الثقيل، وتابعه ابن واصل على ذلك زاعماً أنه التحقيق. واحتج السهيلي بما جاء عنهم من خرم ((متفاعلن)) في الكامل وأوله سبب ثقيل قال:
تناكلوا عن بطن مكة إنها ... كانت قديماً لايرام حريمها
فقوله ((تناكلوا)) وزنه ((مفاعلن)) ، وقد كان ((متفاعلن)) فحذف الحرف الأول منه. وربما جاء في المنسرح قال الشداخ:
قاتل القوم يا خزاع ولا ... يدخلكم في قتالهم فشل
فقوله ((قاتلل)) وزنه ((فاعلن)) ، وأصله ((مستفعلن)) فخبن وخرم. وربما جاء في منهوك الرجز من قول حارثة بن بدر:
كرنبو أو دولبو ... أو حيث شئتم فاذهبوا
فقوله ((كرنبو)) وزنه ((فاعلن)) ، وأصله أيضاً ((مستفعلن)) فخبن وخرم. قال السهيلي: وإذا كانوا يحذفون السبب الثقيل بجملته فحذف جزء منه أسهل. وأنشد شاهداً على ذلك قول الشاعر:
هامةٌ تدعو صدىً ... بين المشقّر واليمامة
(1/35)

فوزن ((هامتن)) ((فاعلن)) ، وأصله ((متفاعلن)) . قلت أما قوله ((تناكلوا)) فليس فيه أكثر من أن وزنه ((مفاعلن)) ، وقد كان أصله ((متفاعلن)) إذ البيت من بحر الكامل على ما ينطق به بعض أجزاءه، فيجوز أن يكون المحذوف منه هو الحرف الثاني من السبب الثقيل لا أوله. ومثله يسمى عندهم بالوقص، فلا يرد مثل هذا على الخليل. وأما بقية الأبيات فمن الشذوذ بحيث لايلتفت مثل الإمام إليها ولا يبنى قاعدةً عليها. وأجاب الصفاقسي عن استناده إلى بيت الشداخ بأن ((مستفعلن)) لما خبن صار ((مفاعلن)) فجاء أوله على هيئة الوتد المجموع، ومن هذه الحيثية جاز الخرم فيه نظراً إلى ما آل إليه قلت: وهذا الجواب لا يرتضيه الخليل، فإن الخرم عنده هو حذف الحرف الأول من الوتد المجموع لا منه ومما هو على هيئته، وإنما قال بذلك بعض المتأخرين من العروضييون. قال الصفاقسي: وما استشهد به على حذف السبب الثقيل بجملته فيه نظرٌ لجواز أن يكون ذلك الجزء دخله الوقص فصار وزنه ((مفاعلن)) فدخله الخرم لصيرورته على هيئة الوتد المجموع لأن السبب حذف بجملته. قلت: هو مردود بما تقدم. ثم قال: سلمناه إلا أنا لا نسلم أنه يلزم من حذفه بجملته جواز الخرم فيه لأن لم نقل إن الخرم امتنع فيه لأجل كونه حذفاً، بل المانع منه ما يؤدي إليه من الابتداء بالساكن، لأن المتحرك الثاني منه في نية الساكن لجواز دخول الإضمار عليه. قلت: وهذا مأخوذ من كلام أبي علي الفارسي فإنه استل في الإيضاح على أنهم لا يبتدئون بالساكن بكونهم لم يخرموا ((متفاعلن)) كما خرموا ((فعولن)) قال: لأن ((متفاعلن)) يسكن ثانيه، فلو خرم لأدى إلى الابتداء بالساكن. وأقول فيه نظر لأن الخرم بتقدير دخوله فيه إنما يدخله حال تكون الثاني متحركاً لفظاً، فالمحذور منتفِ بلا شك. فإن قلت: حكم الخليل وغيره من العروضيين بأن الخرم هو حذف الحرف الأول من الوتد المجموع، فهل ثمّ دليل على ذلك أو هو مجرد استصلاح يرجع إليه مع جواز أن يكون المحذوف هو الحرف الثاني؟ قلت: استل الصفاقسي للجماعة بوجهين أحدهما أن البيت الشعري مشبه بالبيت المسكون، والكسر في وتد البيت المسكون إنما يأتي على أوله، فكذلك ماهو مشبه به وثانيهما أن النقص ضد الزيادة، ولما كانت الزيادة المعبر عنها بالخزم تكون قبل أول حرفِ كان ضدها وهو النقص كذلك، لأنهم يحملون الشيء على الضد والنقيض كما يحملونه على النظير. لا يقال: لو صح هذا الدليل الثاني لكان الخرم جائزاً في الأوتاد وغيرها كما أن الخزم كذلك لأنا نقول لا نسلم لزوم ذلك لأن المانع في غير الأوتاد قائمٌ وهو ما يؤدي إليه من الابتداء بالساكن، ولهذا لم يكن في الوتد المفروق. انتهى كلامه.
(1/36)

وأقول: آثار الضعف باديةٌ على كلا الوجهين، فلا ينبغي الالتفات إليهما. أما أولاً فلا نسلم أن الكسر في وتد البيت المسكون إنما يأتي على أوله، ولو سُلم فلا ينتهض هذا الشبه إلى أن يقوم دليلاً على هذا الحكم، ولو سُلم فيلزم أن لا يحصل تغييرٌ لوتد إلا في أوله سواء وقع الوتد في صدر البيت أو غير الصدر، وهو باطل. وأما ثانياً فقوله إن الخزم زيادةٌ قبل الأول فيكون ضدها وهو النقص كذلك ليس بمستقيم، وذلك لأنه يلزم أن يكون النقص قبل الأول، ولا يتصور، فلم يبق إلا أن يجعل النقص واقعاً في الأول نفسه، أي يجعل الناقص هو عين الحرف الأول، وهذا ليس بطريق الحمل على الضد وهو الزيادة، لأن محلها ليس الأول نفسه، إنما هي قبل الأول لا فيه، فتأمل. وعلى الجملة فكل هذه أمور واهية لا يستند إليها ولا يعول في إقامة حكم عليها. ويكفي الرجوع إلى الاصطلاح ولا مشاح فيه. قال ابن بري: اختلفوا في مسوغ الخرم مع أنه يخرج به اشعر عن الوزن. قلت: لو خرج عن الوزن لم يكن شعراً. ثم قال: فذهب الأخفش ومن تابعه إلى أن ذلك من أجل أن بين كل بيتين سكتةِ، فكأن المحذوف يعادل السكتة. قال ابن بري: ولا خفاء بضعف هذا الوجه. قلت: كأنه يشير إلى اعتراض أبي الحكم عليه بأن عوض الحرف إنما يكون حرفاً أو ما ناب منابه، والسكتة ليست كذلك فلا نكون عوضاً. واعترضه أيضاً أبو الحكم بأن الخرم أكثر ما يقع أوائل القصائد حيث لا يت قبله يةقف عليه ورده الصفاقسي بأن الأخفش لم يقيد السكتة في التقدم حتى يلزم ذلك، بل يقول: ما في آخر البيت من اسكتة عوضٌ مما حذف أوله. ثم قال الصفاقسي: نعم لقائلِ أن يقول عليه إنها علةٌ غير مطردة، إذ لايسوغ إلا الخرم الواقع في أول البيت، أما الذي في المصراع الثاني فلا، لأن الكلمة قد تقع في نصف البيت فيكون بعضها تماماً نصف الثاني وبعضها أول الثاني، وليس ثمة سكتة، فلا يجوز الخرم حينئذ أول النصف الثاني، وهو باطل. وجوابه أن سكتة آخر البيت عوضٌ عن كل خرم وقع فيه كان أول البيت أو أول المصراع. قلت: كأن وقوع الخرم أول النصف الثاني عنده محكومٌ بجوازه اتفاقاً حتى ينبني عليه مثل هذا، وقد علمت ما فيه من الاختلاف واضطراب النقل فيه عن الخليل فتذكره.
ثم قال ابن بري: وذهب غيره- يعني غير الأخفش- إلى أن الخرم إنما وقع في أول البيت ليقابل به الترنّم المزيد في آخر البيت. قال ابن بري: وهذا أيضاً ضعيف لأنا وجدناه حيث لا مدّ ولا ترنم في آخر البيت في نحو قوله:
أدّوْا ما استعاوه ... كذاك العيش عاريةْ
قلت: هذا نص ابن بري كما تراه، أخذه الصفاقسي برمته ونسبه إلى نفسه فقال ((وعندي فيه نظر، لجواز في البيوت التي قوافيها مقيدة كقوله: أدوا ما استعاروه)) وأنشد البيت. ولا يقال لعله من توارد الخاطر لأنا نقول هو كثير المطالعة لكلام ابن بري والنقل منه في كتابه كما يعرفه الفطن الناظر في كلاميهما فلا ينهض هذا عذراً، والله أعلم.
ثم قال ابن بري: وذهب الزجّاج إلى أن مسوغ دخول الخرم في أول البيت هو أن أول البيت مفتتح الوزن فينطق به الشاعر كيف اتفق ولا يشعر بمراده من الوزن إلا بعد ذلك. وقال ابن رشيق: إنما جاز الخرم في أشغعار العرب، لأن أحدهم يتكلم الكلام على أنه غير شعر لأن أحدهم يتكلم الكلام على أنه غير شعر لأن أحدهم يتكلم الكلام على أنه غير شعر ثم يرى فيه رأياً فيصرفه الى الشعر في أي وجه شاء. قال: فمن هنا احتمل لهم وقبح على غيرهم، ألا ترى أن بعض كتّاب عبد الله ابن طاهر عاب ذلك على أبي تمام وهو أولى الناس بمذاهب العرب حيث قال: ((هنّ عوادى يوسفِ وصواحبه)) انتهى كلام ابن بري.
(1/37)

قال الصفاقسي: وكلا التعليلين، يعني تعليل الزجاج وتعليل ابن رشيق، يحتاج إلى زيادة، وهي أنه في أول بيت من القصيدة حمل عليه أوائل الأبياات والمصاريع بجامع الأولية ليجرى الباب كله مجرىً واحداً. قلت: توهم أيضاً أن الخرم أول المصاريع الأواخر جائزٌ اتفاقا، أو عند الأكثرين، فاحتاج إلى هذه الزيادة، وفيه ما عرفته أولاً. ثم قال: وأسلم التعاليل فيه ما ذكرته من الحمل على الزيادة. قلت: قد علمت ضعفه وعرفت ما فيه من النظر. إذا تقرر ذلك فلنأخذ في شرح كلام الناظم، فنقول: قد سإذا تقرر ذلك فلنأخذ في شرح كلام الناظم، فنقول: قد سببق أن الخرم ق أن الخرم ق أن الخرم ق أن الخرم ق أن الخرم ق أن الخرم ق أن الخرم ق أن الخرم ق أن الخرم ق أن الخرم ق أن الخرم عبارة عن حذف الحرف الأول من الوتد عبارة عن حذف الحرف الأول من الوتد المجموع الواقع في أول البيت، فهذه أمور خمسة يحتاج إلى استخراجها من كلام الناظم. الأول كون الخرم حذف سيءِ في الجملة. وهذا يؤخذ من قوله فيما تقدم:
وحذفٌ وقطفٌ قصر القطع حذه ... وصلمٌ ووقفٌ كشفٌ الخرم ما انفرى
(1/38)

أي ما انقطع. فأخبر أن هذه الألقاب كلها ألقاب نقص، ومن جملتها الخرم، فيكون مسماه نقص شيء من الجزء. الثاني كون المحذوف حرفاً واحداً. الثالث كونه أول حرف. الرابع كونه من وتد مجموع. الخامس كون الوتد المجموع واقعاً في أول البيت.. فأما كونه من وتد مجموع فيؤخذ من قوله هنا: ((وسلْ ودّاً آخرم للضرورة صدرها)) وذلك لأنه رمز بالسين للبحر الخامس عشر، وهو المتقارب، وباللام للبحر الثاني عشر وهو المضارع، وبالواو للبحر السادس وهو الهزج، وبالدال للبحر الرابع وهو الوافر، وبالألف للبحر الأول وهو الطويل، وكلّ واحد من هذه البحور الخمسة صدره وتد مجموع، فلزم أن يكون الخرم حذف شيء من الوتد المجموع. ويؤخذ من هنا أيضاً كونه في أول البيت ضرورة أن المراد بالصدر أول البيت. كما أن هذا القيد يؤخذ أيضاً من قوله ((فابتدا)) على ما ستراه. وأما بقية القيود فتؤخذ من قوله فيما سبق: ((ما عدا الخرم فابتدا)) . وذلك أنا كنا أسلفنا أن الخرم يكون ابتداء بكل وجه فيكون ابتداء الجزء وابتداء البيت. فإن قلت: أما أخذ كونه ابتداء الجزء وكون ذلك الجزء ابتداء البيت فواضح. وأما اتخذ كونه حرفاً واحداً من ذلك فما وجهه؟ قلت: إذا تقرر أن كلامه يدل على أن الخرم محله الوتد المجموع المصدر به الجزء الواقع أول البيت لزم أن يكون المحذوف منه حرفاً واحداً، إذ لا جائزٌ أن يكون المحذوف هو الوتد بكماله، ولا بد أن يكون المحذوف حرفيه المتحركين جميعاً ولا حركة الحرف الأول منه لما يلزم عليه من الابتداء بالساكن، ولا الحرف الثاني وإلا لوقع الحذف غير ابتداء، والفرض أنه ابتداءٌ، قال الشريف: ((ولم ينص الناظم على تفسير الخرم، إلا ما أفاده قوله قبل ((الخرم ما انفرى)) . وقد ذكرت قبل معنى الانفراء، وما أراد به هناك، لكن لمّا ذكره مع علل النقص علم أنه حذف. ومن قوله ((اخرم للضرورة صدرها)) علم أنه في أوائل الأبيات. ومن قوله قبل ((مواقعها أعجاز الأجزاء)) وقوله ((وما عدا الخرم فابتدا)) علم أنه في أول الجزء. ويعلم أنه حرفٌ واحد لأنه أقل ما يمكن حذفه، لأن الحركة وحدها لا تحذف أولاً لأن الحرف المتحمل لها يبقى ساكناً ولا يبتدأ بالساكن فيحمل على أنه حرف واحدٌ، إذ لو كان المحذوف للخرم أكثر من حرف واحد لنصّ عليه، مع أن حذف حرفين يتعذر لأن الخرم لا يكون إلا في الوتد المجموع وثالث الوتد ساكن فلو حذف منه حرفان لأدى إلى الابتداء بالساكن. وإنما يحتاج إلى ذكر هذا كله لما تقدم من أن الناظم يومي إلى الأشياء إيماء. انتهى كلامه. وأشار الناظم بقوله ((للضرورة)) إلى أن هذا النوع من التغييرات ليس من المستحسنات، وإنما يستعمل عندهم للضرورة، ولذلك كره بعضهم استعماله للمولدين، وحظره عليهم آخرون. قوله ((ووضع فعولن ثلمه ثرمه بدا)) : اعلم أن الخليل رحمه الله وضع اسم الخرم على حذف أول حرف من أول جزء من البيت، أي جزء كان من أجزاء الخرم الثلاثة وهي فعولن ومفاعيلن ومفاعلتن، ثم لما كانت هذه الأجزاء الثلاثة تختلف بحسب ما يطرأ عليها من الزّحاف، وبحسب سلامتها من ذلك، وضع لكل صورة من ذلك اسماً يخصها. فالخرم اسم يعم جميع الصور. و ((فعولن)) له صورتان سلامةِ وصورة قبضِ، فله بحسب ذلك اسمان، فإن دخله الخرم وهو سالم سمي ذلك الخرم ثلماً، بإسكان اللام وبفتحها. وذلك بأن تحذف فاؤه فيبقى ((عولن)) فينقل إلى ((فعلن)) . مأخوذ من ثلم الإناء والحوض وغيره. فشبه الجزء الذي سقط أوله بالإناء الذي تثلم طرفه. فإن دخله الخرم وهو مقبوض سمي ذلك ثرماً، وذلك بأن تحذف نونه بالقبض وفاؤه بالخرم فيبقى ((عول)) فينقل إلى ((فعل)) بإسكان العين. وهو مأخوذ من ثرم الإناء والسّنْ، وهو أكثر من الثلم، فلذلك سمي به الخرم مع القبض. إذا تقرر ذلك فالناظم رحمه الله لما ذكر أن فعولن يدخله الثلم والثرم بعد ذكره الأبحر التي يدخلها الخرم، ومنها ما هو مصدرٌ بفعولن وهو الطويل والمتقارب علم أن هذين اللقبين لفعولن ثابتان له في حالة الخرم، وقد علم أن الذي ينبغي تقديم ما فيه تغييرٌ واحد على ما فيه تغييران إيثلراً للخفة بحسب الإمكان. فإذن فعولن يتصور فيه كما سلف نوعان من التغيير أحدهما بسيط، وهو حذف الفاء فقط، فينبغي أن يكون هذا مسمى اللقب الأول وهو الثلم، وثانيهما مركبٌ من حذف الفاء وحذف النون فينبغي أن يكون هذا
(1/39)

مسمى اللقب وهو الثرم، فيجعل أول اللقبين لأول التغييرين وثانيهما لثاني التغييرين لمكان الترتيب الوضعي، وعلى ذلك فقس. فإن قلت: المضاف من قوله ((ووضع فعولن)) مبتدأ، وقوله ((ثلمه ثرمه بدا)) جملةٌ أو جملتان في محل رفع على أنها خبر هذا المبتدأ ولا رابط يعود على المبتدأ، ولا يصلح أن يكون الضمير المضاف إليه ((ثلم وثرم)) رابطاً لأنه عائد على فعولن لا على ((وضع)) ، قلت: يحتمل أن يكون المصدر من قوله ((ووضع فعولن)) أريد به اسم المفعول مثل ((الدرهم ضرب الأمير)) ، وإضافته إلى فعولن للبيان، مثل ((شجر أراكِ)) ، أي الموضوع الذي هو فعولن، فإذن يعود كل من الضميرين إليه فلا إشكال والله تعالى أعلم بالصواب. قال:
ووضع مفاعيلن لخرم وشتره ... وللخرب واعرف بالمراتب ما خفا
(1/40)

أقول: قد سبق أن الأجزاء التي يدخلها الخرم ثلاثة، وهي فعولن ومفاعيلن ومفاعلتن، فتكلم الناظم عليها على الترتيب، فتكلم أولاً على فعولن لأنه خماسي وهو أخف من السباعي فقدمه، ثم تكلم على مفاعلين لأن كلا سببيه خفيفان فقدمه على مفاعلتن لأن سببيه ثقيل. والمصدر من قوله ((ووضع مفاعيلن)) يحتمل أن يبقى على المعنى المصدري، ويحتمل أن يؤول باسم المفعول كما قدمناه. وقد عرفت مما سبق أن مفاعيلن له ثلاث صور: صورة سلامة، وصورة قبض، وصورة كفًّ، فله بحسب ذلك ثلاثة أسماء، خصت صورة السلامة باسم الخرم. فعلى هذا الخرم يطلق بالعموم على حذف أول حرف من الجزء الذي يدخله هذا التغيير، أيّ جزء كان، وبالخصوص على حذف أول مفاعيلن حال سلامته من القبض والكف. قال ابن بري: وكان الأولى أن يوضع له اسم يخصه كما وضع لسائر صور الخرم، لكنه أطلق هنا اسم الجنس على النوع لصدقة عليه. وبعضهم يفتح الراء هنا فيسميه خرما فرقاً بينه وبين الاسم العام، ولا يعرف هذا عن الخليل. فإن دخل الخرم في مفاعيلن مع قبضه سمي ذلك شترا، وذلك بأن تحذف الياء بالقبض والميم بالخرم فيصير فاعلن. وهو مأخوذ من شتر العين وهو شقّ جفنها وانقلابه، يقال رجل أشتر بين الشتر، وهو من العيوب القبيحة، فكأن الجزء لما حذف أوله وخامسه واستقبح النطق به شبه بالجفن الأشتر. وإن دخله الخرم مع الكف سمي ذلك بأن تحذف النون بالكف والميم بالخرم فيبقى فاعيل فينقل إلى مفعول. أخذ من الخراب وهو الاختلال والفساد، لما لحق الجزء من ذلك بحذف أوله وآخره. وقوله ((اعرف بالمراتب ما خفا)) ، يشير بذلك إلى أن الناظر في كلامه ينبغي أن يعرف مراتب التغيير ويجعل الألقاب لها على حسب الترتيب، الأول فالأول، وذلك لأنك قد علمت أن مفاعيلن لا يدخله من التغييرات غير ثلاثة أشياء: الأول منها حذف أوله، فيجعل اللقب الأول وهو الخرم لهذا التغيير الأول إعطاء للمرتبة ما يقابلها. الثاني: حذف أوله مع حذف خامسه، فيجعل اللقب الثاني وهو الشتر لهذا التغيير الثاني لما مر. الثالث: حذف أوله مع حذف سابعه، فيجعل اللقب الثالث وهو الخرب لهذا التغيير الثالث عملاً بما اقتضاه الترتيب. فإن قلت: ومن أين لنا أن التغيير الثاني هو الخرم مع القبض، وهل لا عكس فيجعل الثالث هو الثاني؟ لأن القبض محله الخامس والكف محله السابع ولا يخفى سبق الخامس على السابع. قال الشريف: ويعلم أن حذف الياء لا يسمى شتراً وحذف النون لا يسمى خرباً إلا بقيد انضمام ذلك إلى حذف الميم بتغيير الاسم، لأن حذف الياء وحدها قد تقدم أنه يسمى قبضاً، وحذف النون وجدها قد تقدم أنه يسمى كفا، فلولا ما انضم إلى حذف كل واحدٍ منهما من الخرم لما تغير الاسم. ويعلم ذلك أيضاً من ذكره في فصل الخرم، لأن حذف ثواني الأسباب قد فرغ منه قبل هذا، فلولا انضمامه إلى الخرم لما ذكر في فصله. انتهى. فإن قلت: الوجه أن يقول الناظم ((خفي)) فما وجه فتح الفاء؟ قلت وجهه الشريف بأنه جرى على لغة طيءّ، وذلك أنهم يبدلون مثل هذه الكسرة فتحةً والياء ألفا. ويحتمل وجهاً غير هذا، وذلك أن ابن القطاع وغيره حكوا أنه يقال: خفيت الشيء بفتح الفاء، بمعنى كتمته، فيمكن أن يكون هذا منه، ويكون الفعل متعدياً، وضمير المفعول محذوفاً، والفاعل ضميراً مستكناً عائداً على النظم، أي اعرف بالمراتب ما خفاه النظم أي ستره وكتمه. ويحتمل أن يكون الفعل لازماً من قولهم: خفا البرق، إذا اعترض من جانب السحاب، فأشار بذلك إلى أن ما اشتمل عليه الكلام السابق من الإيماء الذي لا يلوح إلا كخطفة بارق على جهة التمثيل.
قال:
مفاعلتن للعضب والقصم والجمم ... وخرمٌ ونقصٌ فيه عقصٌ وقد مضى
(1/41)

أقول: الكلام في هذا جار على النهج السابق، فمفاعلتن يدخله تغييرات أربعة: الأول منها بسيط، وهو خرمه بحذف الميم فيجعل اللقب الأول اسماً لهذا التغيير الأول، فيكون العضب بالضاد المعجمة عبارةً عن حذف الميم من مفاعلتن إذا وقع أول البيت. وهو لغةً ذهاب أحد قرني التيس، فسمي هذا التغيير بذلك تشبيهاً له بذهاب أحد القرنين. الثاني منها مركب من الخرم والعصب، بالصاد المهملة، وهو إسكان الخامس المتحرك، وإنما كان هذا ثانياً في رتبة الوضع لأن الإسكان مقدمٌ على حذف الحرف كما قدمناه، فيجعل ثاني الألقاب لثاني التغييرات، فيكون القصم عبارة عن اجتماع العضب والعصبْ عملاً بما سبق. سمي بذلك من قولهم: رجلٌ أقصم إذا ذهبت إحدى ثنيتيه أو رباعيتيه، فشبه الجزء المشتمل على ذلك بالذي انكسرت سنه. الثالث منها مركب من الخرم والعقل، وهو حذف الخامس المتحرك بأن تحذف ميمه ولامه فيجعل ثالث الألقاب اسماً لثالث التغييرات كما سلف. والجمم لغةً ذهاب كلا القرنين، فشبه الجزء لما ذهب أوله وخامسه بالذي ذهب قرناه. الرابع منها مركب من الخرم والنفص، وهو اجتماع الكف والعصب فتحذف الميم وتسكن اللام وتحذف النون، فيجعل اللقب الرابع اسماً لهذا التغيير الرابع الذي هو ميل أحد القرنين وانعطافه، فشبه الجزء بذلك لما ذهب أوله وآخره وحركة خامسه، وعلى الجملة فاعتبر ترتيب الذكر وترتيب الوضع وقابلْ بينهما يظهر لك المراد من كلام الناظم. وإسكانه لميم الجمم التي حقها أن تكون هنا متحركةً بالكسرة ضرورةٌ قبيحة. وقوله ((وقد مضى)) أي النقص، ففيه ضمير مستتر يعود على النقص المذكور في هذا البيت، يشير بذلك إلى تفسير النقص قد مضى عند ذكر الزحاف المزدوج، وأنه عبارة عن اجتماع الكف والعصب فلا حاجة إلى تفسيره ثانياً، والله أعلم.

ما اجرى من العلل مجرى الزحاف
قال:
وشعثْ كن اخرم اقطعه أضمرن ... بخبن وأولى سر حذفت ولا سوى
(1/42)

أقول: التشعيث عبارة عن تغيير يلحق فاعلاتن المجموع الوتد، فيصيّره على وزن مفعولن، وقد اختلف العروضيون في كيفيته على أربعة مذاهب: أحدها أنّ لامه حذفت فصار فاعلتن، وهذا مذهب الخليل. قال الشريف: ولذلك سماه تشعيثاً، لأن التشعيث في اللغة التفريق، ومنه قولهم لمّ الله شعثك، أي جمع متفرق أمرك، فلما حذفت هذه اللام من ((علا)) وهي وسط الوتد افترق نظمه فسماه تشعيثاً لذلك. ورجح هذا الرأي بأن الحذف من الأواخر وما قرب منها أكثر. الثاني أن عينه حذفت فصار ((فالاتن)) واختاره كثير من الحذّاق. ولجح بأنه حذفٌ من أوائل الأوتاد فجاز كالخرم. الثالث: أن وتده قطع قطع فحذفت ألفه وسكنت لاممه فصار ((فاعلتن)) ورجح بأن القطع في الأوتاد أكثر. الرابع مذهب الزّجاج وقطرب، أنه خبن بحذف ألفه، ثم أضمر بإسكان عينه فصار ((فعلاتن)) ، ورجح أبو الحكم هذا المذهب بأنه لم يخرج عن القياس إلا بحذف الحركة خاصة، وهي أسهل من حذف الحرف، وأيضاً لما لم يخبن ((مفعولن)) دلّ على أن فاءه عين وتده سكنت. وردّه الصفاقسي بأنا يمنع أولاً أن حذف الحركة أسهل من حذف الحرف، ونسنده بأن حذفها يؤدي إلى الابتداء بالساكن لأن الأوتاد عندهم في نية الابتداء بها، ولا كذلك حذف الحرف، ألا تراهم منعوا تسكين أوائل الأسباب وخرم السبب الثقيل لهذه العلة، فالأوتاد أولى، بل نعارضه بأن تسكين أول الوتد لا نظير له بخلاف حذفه فإن نظيره الخرم. وأيضاً فإنا نمنع أن عدم خبنهم ((مفعولن)) يدل على أن فاءه هي عين وتده وسكنت، لجواز أن يكون التزامهم ترك الخبن لمقابلة ما ارتكبوه من حذف عين فاعلاتن وهي ليست أول جزء ولا أول بيت فكان التزامهم لسلامتها كالجائز لهذا. قال الشريف بعد حكايته المذاهب الأربعة المتقدمة: هي التي أشار إليها الناظم، فقوله ((شعّثْ)) إشارةٌ إلى قول الخليل وهو الأول. وقوله ((اخرم وتده)) إشارة إلى القول الثاني. وقوله ((اقطعه)) إشارة إلى القول الثالث. وقوله ((أضمرن بخبن)) إشارة إلى القول الرابع. وكل هذه الأقوال خارجة عن القياس، فإنّ حذف وسط الوتد لا نظير له، وكذلك الخرم لا يكون إلا في أول الجزء وأول البيت، وعلى هذا القول يكون في وسطه، والقطع لا يكون إلا في آخر الجزء، ويلزم في الضرب أو العروض، والإضمار لا يكون في الأوتاد، وعلى هذا القول يكون المسكن فيه أول الوتد، ولم ينص الناظم على كيفيته على مذهب الخليل، لكن يشعر لفظ ((شعث)) بأن اللام من الوتد وهي ((علا)) هي المحذوفة لما ذكرته من أن التشعيث التفريق، ولا يكون التفريق إلا بحذف الوسط. قلت: هذا تكلف ظاهر، وذلك أن التشعيث عند العروضيين كافةً هو تصيير ((فاعلاتن)) إلى زنة ((مفعولن)) بالتغيير، وكون التشعيث هو التفريق لا يقتضى أن يكون فيه إشارةٌ إلى قول الخليل بخصوصه. ألا ترى أن التفريق بين أجزاء الجزء حاصلٌ على مذهب الخليل بحذف اللام، كما أنه حاصلٌ على مذهب من يحذف العين من ((فاعلاتن)) ، أو يحذف ألف ((علا)) ويسكن لامها، أو يحذف ألف ((فا)) ويسكن عين ((علا)) . وقوله إن التفريق لا يحصل إلا بحذف الوسط عليه منعٌ ظاهر. ويدخل التشعيث في بحرين رمز لهما الناظم بقوله ((كن)) ، فالكاف إشارة إلى البحر الحادي عشر وهو الخفيف. والنون إشارة إلى البحر الرابع عشر وهو المجتث. وقد ذهب ابن السقاط وجماعةٌ من العروضيين إلى أن التشعيث من قبيل الزحاف، ولهذا لم يلزم ضروب القصيدة كلها. وظاهرُ كلام الخليل أنه من قبيل العلل لذكره إياه مع أسمائها، ووجهه أنه مختص بالوتد، وذلك شأن العلة. والحذّاق على أنه علةٌ جاريةٌ مجرى الزحاف، وهو رأي الناظم. وقوله ((وأولى سر حذفت)) يعني أن مما أجرى من العلل مجرى الزحاف الحذف في العروض الأولى من المتقارب، وهو البحر الخامس عشر المرموز له بالسين من ((سر)) فتوجد محذوفةً في بيت من القصيدة وسالمةً من الحذف في بيت آخر من تلك القصيدة، كما قال امرؤ القيس:
كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر
فأتى بالعروض عاريةً من الحذف، ثم قال:
يعلّ بها برد أنيابها ... إذا غرّد الطائر المستحرْ
(1/43)

فأتى بالعروض محذوفةً، ولا شك أن الحذف من أنواع العلل كما سبق، إلاّ أنهم أجرؤه في هذا الموضع الخاص مجرى الزحاف، فجعلوه من قبيل الجائز لا اللازم. وقوله ((ولا سوى)) يعني أنه لا يجري من العلل مجرى الزحاف إلا هذان الأمران خاصةً، وهما التشعيث والحذف فيما ذكرناه، فإن اتفق مجيء غيرهما من العلل على هذا الوجه فهو شاذ لا يعوّل عليه، كما حكى عن البرّد من إجازة القصر في العروض الأولى من المتقارب، كقوله:
ورمنا قصاصاً وكان الّتقاصٌّ فرضاً وحتماً على المسلمينا
وفيه مع شذوذ القصر التقاء الساكنين في غير القافية وهو شيء لا نظير له. واعلم أن الاعتراض يتوجه على الناظم على مساق هذه النسخة التي شرحنا عليها بأن الخرم من أنواع العلل باعترافه، وهوغبر لازم باتفاق العروضيين، فإذن هو جارٍ مجرى الزِّحاف، فكيف يصح قوله ((ولا سوى)) مع ثبوت مثل هذا عنده. وقد وجدت نسخةٌ ترجم فيها بقوله ((ما أجرى من العلل مجرى الزحاف)) وأنشد بعد هذه الترجمة ((وسل ودا اخرم للضرورة صدرها)) إلى آخر الأبيات الثلاثة التي منتهاها قوله ((وقد مضى)) وبعدها يليها قوله هنا ((وشعث كن)) الخ، فينبغي أن تكون هذه النسخة هي المعتمدة لإثبات هذه الأبيات في المحل اللائق بها وزوال الإشكال الوارد على تلك النسخة. وسكّن الناظم التاء من ((وتد)) تخفيفاً على حد قولهم في كتف كتف. ويوجد في بعض النسخ ((ودّ)) بالإدغام، وهو أيضاً جائز لأن التاء تسكن ثم تبدل دالا وتدغم. والله الموفق للصواب.
قال: فصدراً وحشواً قل عروضاً وضربها تغيرت الأجزاء فاختلف الكنى فقيل ابتداءٌ واعتمادٌ وفضلها وغايتها المختص منها بما جرى أقول: نصب الناظم ((صدراً)) وما بعده على الظرف، والعامل هو الفعل من قوله ((تغيرت الأجزاء)) ، يعني أن الأجزاء تتغير في صدر البيت أو في حشوه أو في العروض أو في الضرب فيختلف كناها، أي أسماؤها، في اصطلاح العروضيين. قلت: ولو قال فاختلف السّما، أي الاسم، لكان خيراً، لأنّ فيما مخالفةً لاصطلاح أهل العربية، إذ الكنية عندهم علم صدّر بأب أو أمٍ، والخطب يسير. والضمير من قوله ((ضربها)) عائد على العروض. ثم قال: ((فقيل ابتداء واعتماد)) إلى آخره. فقوله ((المختص)) مبتدأ مؤخر خبره مقدم، وهو قوله ((ابتداء)) إلى آخره، والضمير من قوله ((فصلها وغايتها)) عائد على الأجزاء المتقدم ذكرها في البت السابق. وفي كلامه لفّ ونشر مرتب، فالابتداء راجع إلى الصدر، والاعتماد راجع إلى الحشو، والفصل راجع إلى العروض، والغاية إلى الضرب. ومعنى هذا الكلام أن الجزء الواقع في صدر البيت إذا كان مخالفاً لحشوه باختصاصه بعارض عرض له لا يجوز ارتكابه في الحشو، كالخرم في صدر البيت من الأبحر التي يدخلها الخرم، فإنه يسمى ابتداء. قال الزجّاج: وزعم الأخفش أنّ الخليل جعل ((فاعلاتن)) في المديد الواقع في صدر البيت ابتداءٍ، واستشكله الأخفش بأنها مساوية للحشو في جواز مزاحفتها بالخبن والكفّ. وأجيب بأن ألفها في الصدر تحذف أبداً لغير معاقبة، وأما في الحشو فلا تحذف إلا لمعاقبة فثبتت المخالفة، فلذلك سماه الخليل ابتداء. قلت: وقضية هذا أن يكون الابتداء عند الخليل اسماً لأول جزء في البيت إذا اختصّ بتغيير يلحقه من علةٍ أو زحاف، سواءٌ وجد التغيير فيه بالفعل أو لم يوجد مع إمكان وجوده، وهذا مخالف لقولهم إن ((الموفور)) اسم للجزء الذي يجوز أن يخرم ولم يخرم. فتأمل. وأمّا الاعنماد فهو عند الجمهور لا يطلق إلا على قبض فعولن في الطويل إذا كان قبل الضرب المحذوف يليه، وعلى سلامة نونه قبل الضرب الأبتر في المتقارب. قلت: وكذا على سلامة نونه قبل عروض المتقارب الثانية المحذوفة إذا دخلها على ما ستعرفه. وأما الفصل فهو العروض المخافة لحشة البيت ببنائها على مالا يكون فيه من صحة أو اعتلال، فمفاعلن في عروض الطويل فصل للزوم القبض لها، وهو في الحشو غير لازم، وكذا مستفعلن في عروض المنسرح فصلٌ لأن خبلها لا يجوز مع جوازه في الحشو. وأما الغاية فهي في الضروب كالفصل في الأعاريض. وأكثر الضروب غايةٌ، لأن غالبها مبني على ما لايصح دخوله في الحشو كما يتبين لك عند الخوض في البحور. قال:
وإن تنج فالموفور يتلوه سالمٌ صحيحٌ معرى لا تدعْ ذلك الهدى
(1/44)

أقول: الضمير المستكن في ((تنج)) عائد على الأجزاء، يعني أن الأجزاء المذكورة إذا نجت مما يكن عروضه لها من علة أو زحاف سميت بهذه الأسماء. فالموفور اسم للجزء الذي كان يجوز أن يخرم ولكنه لم يخرم. والسالم اسم للحشو الذي عرى من دخول الزحاف الجائز فيه. وال6صحيح اسم لجزء العروض أو الضرب إذا سلم مما يقع في الحشو كالقصر زالقطع وغيرهما. والمعرى اسم للضرب إذا سلم من زيادة يجوز دخولها فيه، وهي الترفيل والتذييل والتسبيغ. قال الشريف: وهذه الألقاب الأربعة التي ذكر الناظم في هذا البيت قد وكل ييانها إلى الترتيب فردّ الموفور إلى الصدر لأنه محل الخرم، والسالم إلى الحشو لأنه محل الزحاف، والصحيح والمعرى إلى الأعاريض والضروب، إلا أن الصحيح شاملٌ للضروب والأعاريض معاً بالسلامة من النقص والزيادة، والمعرى خاصٌّ بالضرب. ولم يبين الناظم هذا المقدار ولا أومأ إليه. على أن لفظ المعرّي قد يشعر على بُعد بالسلامة من الزيادة بخلاف السلامة من النقص. قوله لا تدع ذلك الهدى ظاهره أن المراد به أن الناظم لما لم يتسع له نطاق العبارة عن المعنى الذي أراد حسبما نبهت عليه أخذ يحُحيل على الشيخ الذي يضطر إلى بيانه لبعض المواضع في هذه القصيدة، كما تقدم التنبيه عليه في غير موضع، وقال ((لا تدع ذلك الهدى)) ، أي لا تدع سؤال من يهديك إلى سلوك السبيل التي أردت من بيان الاصطلاح والوقوف على جليته، وبذلك يتم لك الغرض، والله أعلم. قلت: حاصله على طوله أن عبارة الناظم مختلة لعدم انطباقها على المطلوب، وأنه أحال على الشيخ المرشد، وذلك لا يغني من الحق شيئاً، ولا يقوم عذراً للناظم فيما ارتكبه. قال: وقد تمّ إجمالاً فخذه مفصلاً له والألقاب وبالرمز يهتدى أقول: يعني أن الكلام في هذا الفن قد تمّ بطريق الإجمال، فذكرت الدوائر، وما في كل دائرة من البحور، وأسماء الأبيات والأجزاء، وألقاب الزحاف والعلل، ومحالٌّ دخولها من البحور، ولكن لم يتعرض على التفصيل إلى كل بحر وما يكون له من الأعاريض والضروب، وما يدخله من الزحاف، والاستشهاد على ذلك بالأبيات العربية، فأخذ يتكلم على ذلك كله تفصيلاً. وقوله ((وبالرمز يهتدى)) يعني أنه وإن تكلم بعد ذلك على طريق التفصيل فإنما ذكر البحور وأعاريضها وضروبها وشواهد الزحاف برموز يرمز بها. أما مرتبةُ البحر من العدد وبيان كمية أعاريضه وضروبه فرمز لذلك بحروف من الجمل جرى فيها على المصطلح من الألف إلى الياء، وخالف الاصطلاح في خمسة أحرف رمز بها للبحور، وهي الكاف واللام والميم والنون والسين، فجعل الكاف للحادي عشر، واللام للثاني عشر، والميم للثالث عشر، والنون للرابع عشر، والسين للخامس عشر. وفي الحقيقة إنما وافق المصطلح هنا فيما رمز به للأعاريض والضروب، وأما الحروف التي رمز بها للبحور فهي مخالفةٌ للاصطلاح المفروض. أما الحروف الخمسة فمخالفتها واضحة، وأما سائر الحروف من الألف إلى الياء فمخالفتها للاصطلاح من جهة كونه جعل الألف للأول، والباء للثاني، والجيم للثالث، إلى الياء فجعلها للعاشر. وهذه الحروف لا تدل على ذلك فإن الألف للواحد لا يفيد كونه الأول، والباء للاثنين لا للثاني، والجيم للثلاثة لا للثالث، وهكذا إلى الياء فإنها للعشرة لا للعاشر. وقد سبق التنبيه عليه. وأما الشواهد فرمز لها بكلمات اقتطعها منها كيف اتفق له من أول البيت أو آخره أو غير ذلك كما تقف عليه إن شاء الله تعالى. ثم هذه الكلمات المقتطعة جمعها على وجه ينتظم معه لها معنى حسن ولم يجمع كلماتٍ لا يحدث لها بالتئامها معانٍ منتظمة حسبما تراه. ثم هذه الكلمات المقتطعة جمعها على وجه ينتظم معه لها معنى حسن ولم يجمع كلماتٍ لا يحدث لها بالتئامها معانٍ منتظمة حسبما تراه. ثم هذه الكلمات المقتطعة جمعها على وجه ينتظم معه لها معنى حسن ولم يجمع كلماتٍ لا يحدث لها بالتئامها معانٍ منتظمة حسبما تراه. ثم هذه الكلمات المقتطعة جمعها على وجه ينتظم معه لها معنى حسن ولم يجمع كلماتٍ لا يحدث لها بالتئامها معانٍ منتظمة حسبما تراه. ثم هذه الكلمات المقتطعة جمعها على وجه ينتظم معه لها معنى حسن ولم يجمع كلماتٍ لا يحدث لها بالتئامها معانٍ منتظمة حسبما تراه. ثم هذه الكلمات المقتطعة جمعها على وجه ينتظم معه لها معنى حسن ولم يجمع كلماتٍ لا يحدث لها بالتئامها معانٍ
(1/45)

منتظمة حسبما تراه. ثم هذه الكلمات المقتطعة جمعها على وجه ينتظم معه لها معنى حسن ولم يجمع كلماتٍ لا يحدث لها بالتئامها معانٍ منتظمة حسبما تراه. ثم هذه الكلمات المقتطعة جمعها على وجه ينتظم معه لها معنى حسن ولم يجمع كلماتٍ لا يحدث لها بالتئامها معانٍ منتظمة حسبما تراه. ثم هذه الكلمات المقتطعة جمعها على وجه ينتظم معه لها معنى حسن ولم يجمع كلماتٍ لا يحدث لها بالتئامها معانٍ منتظمة حسبما تراه. قال:
فالأول بحرٌ فضر به ... وغايتها سينٌ فدالٌ تلت فطا
(1/46)

أقول: يعني أن الحرف الأول من الحروف التي يرمز بها يجعله للبحر دالاً على مرتبته الخاصة من البحور الخمسة عشر، ثم الحرف الثاني يجعله رمزاً لعروض ذلك البحر دالاً على كميتها، ثم الحرف الثالث يجعله رمزاً لضروب ذلك البحر، وغايةُ هذه الحروف المرموز بها للبحور هي السين. وذلك لأن البحور كما عرقت خمسة عشر، والسين عند الناظم رمزٌ للخامس عشر، فهي منتهى ما يرمز به للبحور. وغاية الأحرف المرموز بها للأعاريض هي الدال لأنها للأربعة. وأكثر ما يكون للبحر من الضروب تسعةٌ، فلذلك كان منتهى ما يرمز به للضروب من الأحرف هو الطاء لأنها للتسعة. وقد استبان لك أن في كلام الناظم لفاً ونشراً على الترتيب، فالسين راجعة إلى البحر، والدال راجعة إلى الأعاريض، والطاء راجعة إلى الضروب. ثم قد يتفق للناظم أن يأتي بأحرف الرمز متتاليةً من غير فاصل يفصل بينها، وقد يفصل بحروف أجنبية، أو يأتي بعد الأحرف المتتابعة المجموعة المرموز بها بما هو أجنبي عن الرمز فيكون ذلك ملغىً لا يقع به إلباس، كما ستراه قريباً. قال: فخذ منه ما فيه الزحاف وسالماً وما حشوه ملغىً دناه ارع لا القصا أقول: يحتمل أن يكون معنى هذا الكلام فخذ مما رمزت به في البحور من الكلمات المشار بها إلى أبيات الشواهد ما هو شاهدٌ على ما فيه الزحاف، وما هو شاهدٌ على السالم من الزحاف، وأنك إذا وجدت لفظاً دخيلاً بين الكلمات المرموز بها للشواهد وهو بينها حشو ليس مستشهداً به على شيءٍ فارْع القريب من ذلك لا البعيد، أي لا تراع في ذلك إلا اليسير دون الكثير، فإنه لا يأتي في ذلك من الكلمات التي هي ملغاة في الحشو إلا بالنزر القليل. ألا ترى أن البيت الآتي لبحر الطويل ليس في حشوه من الكلمات النلغاة غير قوله أولاً ((أم)) ، وثانياً ((أم قد عفا)) ، وهذه كلماتٌ يسيرة غير مشارٍ بها إلى شيء من الشواهد وما بقي من البيت كله رمز. وفهم الشريف رحمه الله هذا الموضع على وجه آخر. وأنا أورد كلامه برمته لينظر فيه. قال: وقوله ((وما حشوه ملغىً دُناه ارع لا القصا)) الدني جمع الدنيا أي القربى، والقصى جمع القصوى أي البعدى، ويريد بذلك ما يتخلل حروف الرمز من الحروف الملغاة، كقوله في بحر البسيط: ((جرت جوْلة، فالجيم للبحر، والجيم الثانية أفادت أن عدد الأعاريض ثلاثة، والواو من ((جولة)) أفادت أن الضروب ستة بحساب ما يذكره بعد، والراء والتاء من ((جرت)) ماغاتان ليستا في حروف الرمز، فمراد الناظم بالحشو الملغى ما كان مثل هذا. وقوله: ((دناه ارع لا القصا)) معناه أن الرمز هنا لا يرعى منه ولا يعتد به إلا الأدنى من العدد، وهو الذي لا يتجاوز الغاية التي ذكر قبل أن الأعاريض والضروب تنتهي إليها، وذلك أربع في الأعاريض وتسعة في الضروب، وأما العدد البعيد الذي يجاوز ذلك فلا يراعى ولا يعتد به، فحروفه الدالة عليه ملغاة، وكذلك في البحور لا يراعى العدد الذي يجاوز خمسة عشر وهو غايتها، فلذلك أُلغيت الراء والتاء من ((جرت)) لأن كل واحد عليه ملغاة، وكذلك في البحور لا يراعى العدد الذي يجاوز خمسة عشر وهو غايتها، فلذلك أُلغيت الراء والتاء من ((جرت)) لأن كل واحدة منهما لا تدل إلا على العدد البعيد الذي يجاوز غاية عدد الأعاريض والضروب، وهذه هي ثمرة ذكره لتلك الغايات قبل حيث قال: ((وغايتها سينٌ فدالٌ تلت فطا)) فتأمله. قلت يلزم من اعتبار تلك الحروف والوقوف عند ما يقتضيه إلغاء ما ليس منها، فليس في قوله إذنْ: ((وما حشوه ملغىً)) إلى آخره كبير فائدةٍ إذا فهم على الوجه الذي ذكره الشريف. وأما إذا جعل راجعاً إلى كلمات الشواهد كان ذلك مُفْهماً لأمر لم يتقدم هو ولا ما يلزم منه فهمه فانظر. ثم قال الشريف: ووجدت هذا البيت في نسخة ثانية وقعت بيدي بعد شروعي في هذا التقييد والفراغ من الكلام على هذا البيت مقيداً على لفظ آخر، ونصه:
مُحرّفُه المرعىّ نيف زحافه ... وما حشوه ملغىً دناه ارع لا القصا
(1/47)

فلنتكلم على شرحه الآن على هذا اللفظ، فنقول: قوله ((محرفة الرعى)) يريد به أن الذي وضع الحروف عليه رمزاً عند ذكر البحور في أول كل بحر هي الأعاريض والضروب، وهي التي يجب أن تُرعى في رجوع الشواهد إليها، فإذا رددت إليها الأبيات المنبه عليها جعلت ما نيف على عددها من الشواهد شاهداً على الزحاف. وأراد بمحرفه ما جعل الحرف عليه رمزاً دالاً على عدده، فلفظه مشتق من الحرف. وبيان ما ذكرته أن الطويل له عروض واحدة وثلاثة أضرب. نبّه على ذلك بالهمزة الثانية والجيم من قوله ((أأجرى)) ثم أتى بقوله ((غروراً)) إشارة إلى شاهد الضرب الأول، وبقوله ((ستبدى)) إلى شاهد الضرب الثاني، وبقوله ((صدوركم)) إلى شاهد الضرب الثالث، فقد فرغ من شواهد الضروب، وهي التي وضع الحروف عليها رمزاً، ثم جاء بقوله ((أسودٌ وأحداجٌ)) و ((المور)) مقتطعات من أبيات، ولما كانت قد زادت على عدد الضروب علمنا بعد أنها شواهد على الزحاف لكومها نيفت على عدد الضروب. وقوله ((وما حشوه ملغى)) إلخ قد شرحته قبل.

الطويل
أقول سمي طويلاً لأنه تام الأجزاء سالمٌ منالجزء. قاله الخليل، ومعناه أنه طال بسبب تمام الأجزاء. وقال الزّجاج لأنه أكثر الشعر عدد حروفٍ لمجيئه على أصله في الدائرة إلا نقصان حرف واحد. وربما صرّع فجاء على أصله ثمانيةً وأربعين حرفاً. وقيل: لوقوع الأوتاد أول أجزائه، وهي أطول من الأسباب. ونقضه الصفاقسي بالوافر والهزج والمضارع. وجوابه أن الاطراد في وجه التسمية ليس بلازم. وهذا البحر مبني في الدائرة على هذه الصورة: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن، فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن كما تقدم. قال:
أأجرى غروراً أم ستبدى صدوركم ... أسودٌ وأحداجٌ أمٍ المور قد عفا
أقول: الألف الأولى من قوله ((أأجرى)) إشارة إلى أنه الأول من البحور، والألف الثانية إشارة إلى أن له عروضاً واحدة، والجيم إشارة إلى أن له ثلاثة أضرب. فالعروض مقبوضة وزنها مفاعلن، ولها ثلاثة أضرب كما قلناه. الضرب الأول صحيح وبيته:
أبا منذر كانت غروراً صحيفتى ... ولم أعطكمْ في الطوع مالي ولا عرضي
فقوله ((صحيفتي)) هو العروض، ووزنه مفاعلن: وقوله ((ولا عرضي)) هو الضرب، ووزنه مفاعيلن، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((غرورا)) الضرب الثاني مقبوضٌ مثلها وبيته.

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
فقوله ((تجاهلن)) هو العروض، وقوله ((تزوودي)) هو الضرب. ووزن كل منهما ((مفاعلن)) وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ستبدى)) ، الضرب الثالث محذوف ووزنه فعولن. أُسقط السبب الخفيف من مفاعيلن فصار مفاعي فنقل إلى فعولن،. وبيته:
أقيموا بني النّعمان عناّ صدوركم ... وإلا تقيموا صاغرين الرّووسا
فقوله ((صدوركم)) هو العروض وقوله ((الرؤوسا)) هو الضرب. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((صدوركم)) . وهنا انتهت شواهد ما رمز له أولاً، ثم أخذ في ما ناف على ذلك وهي شواهد الزحاف. فإن قلت: حكمت بقبض العروض في هذا البحر وقد جاءت غير مقبوضة كما في قول امرئ القيس:
ألا عمْ صباحاً أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي
فقوله ((لللبالي)) هو العروض، ووزنه مفاعيلن، فهي سالمة لا قبض فيها. وكما في قول الآخر:
لمن طللٌ أبصرته فشجاني ... كخطّ زبورٍ في عسيب يماني
(1/48)

فقوله ((شجاني)) هو العروض، ووزنه فعولن فقد جاءت محذوفة لا مقبوضة، قلت: المراد أن عروض هذا البحر مقبوضة حيث لا تصريع، وأما إذا كان مع التصريع فتجيء سالمةً مع الضرب الأول ومحذوفةً مع الضرب الثالث كما في هذين البيتين. قال الصفاقسي: التصريع تبعية العروض للضرب قافيةً ووزناً وإعلالاً. وسمي البيت الذي له قافيتان مصرعاً تشبيها له بلمصراعي باب البيت المسكون. وحكى أبو الحكم أن بعضهم قال: اشتقاقه من الّصرعين وهما نصفا النهار، فمن غدوةٍ إلى انصاف النهار صرعٌ، ومنه إلى سقوط الشمس صرع والأول أقرب. وحكى الزّجاج إجماع العروضيين على أنه إنما وقع ليدلّ على ابتداء قصيدةٍ أو قصة: قال الأخفش: شبهوه في إعلامهم به أخذهم في بناء الشعر قبل تمام البيت يجعلهم الشك في أول الكلام في نحو قولهم: ((رأيت إما زيداً وإما عْمراً)) لئلا يظن المخاطب أن أحدهما أولى. ويجوز استعماله في مواضع من القصيدة الواحدة لإرادة الخروج من قصة إلى أخرى، ومن وصف شيءٍ إلى وصف غيره، ليؤذن بالانتقال من حال إلى آخرى، وهو مستحسن متى قل، فإنْ كثر كان مستهجناً. ويكون إما بزيادة في العروض حتى تصير كالضرب مثل ما صنع امرؤ القيس، وإما بنقص منها حتى تعود كالضرب كما في البيت الثاني، فإن قلت فما تصنع في مثل قول الحارث بن حلزة:
آذنتنا ببينها أسماء ... ربّ ثاوٍ يملّ منه الثّواء
فصرع ولم يتبع العروض الضرب، بل جعلها مفعولن وهو فاعلاتن؟ قلت: اعتذر منه أبو الحكم بأن الشاعر همّ بتشعيث الضرب إلحاقاً لها به اعتماداً على أنه شعثه فنسى. قال الصفاقسي: فكأنه يشير إلى أن هذا من الإشارة إلى التصريع كما قاله الشيخ أبو بكر القللوسي. قلت: وهذا الاعتذار إنما احتيج إليه لتفسيرهم التصريع بما تقدم وهو تبعية العروض للضرب في القافية والوزن والإعلال. ولو قيل: التصريع هو جعل العروض كالضرب وزناً ورويا مع إخراجها عن حكمها إلى حكمه لم يحتج إلى شيءٍ من هذا، وذلك لأن العروض اواقعة في بيت الحارث قد جعلت كالضرب رويا وهو واضح، وقد أُخرجت عن حكمها وهو السلامة من التشعيث إلى حكم الضرب بأن جعلت مثله في عروض التشعيث لها، ولا يضرّ كون الضرب لم يشعث فإن تشعيثه جائز لا لازم، فجعلت العروض بمثابته حكماً فدخلها التشعيث بالفعل ولم يدخل الضرب فعلاً مع جواز دخوله فيه، فإلحاق العروض بالضرب في الحكم متحقق وإن تخالفا لفظاً، فتأمله. وعلى هذا فالفرق بين التصريع والتقفية ثابت، فإنها اتفاق العروض والضرب في الوزن والروي مع إبقائها على ما تستحقه في نفسها من الحكم الثابت، كقول امرىء القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل
فإن قلت قد جاءت العروض مع عدم التصريع تامةٍ كقوله:
ونحن جلينا الخيل يوم نهاوندٍ ... وقد أحجمتْ منّا الخيول الصوارم
ومحذوفةً كقوله:
تراها على طول البلاء جديداً ... وعهد المغاني بالحلوم قديمُ
قلت: هو عندهم من الشذوذ ولا يقاس عليه، وهو عيب يسمى عندهم بالتجميع. ((تنبيهات)) الأول: قبض فعولن قبل الضرب الثالث المحذوف أولى من سلامته ويسمى اعتماداً كما سبق، وبيته:
وما كلُّ ذي لبّ بمؤتيك نصحه ... وما كلذ مؤتٍ نصحه بلبيبِ
(1/49)

فقوله ((حهوبِ)) وزنه فعولُ، وإنما كان الاعتماد في هذا المحل أولى لأن الطويل مبني على اختلاف الأجزاء لتركبه من خماسي وسباعي، فلما صار آخر البيت محذوف الضرب هكذا ((فعولن فعولن)) أرادوا أن يوفوه حقّه من الاختلاف الذي بني عليه في الأصل فقبضوا فعولن الأولى. ((التنبيه الثاني)) يلزم في هذا الضرب المحذوف أن يستعمل مردوفاً على الأشهر. والرّدفُ حرفٌ لينٍ يكون قبل الروى يليه. وله بحسب محاله ثلاث حالات: الأولى حالة اتفاق ولها صورتان: الأولى أن يكون البيت تام البناء ونقص من ضربه حرفٌ متحرك أو زنته، ومعنى بزنته حذف الساكن مع حركة ما قبله، كالقطع والقصر. ألا ترى أن قولنا ((مستفعلْ)) بحذف النون وإسكان اللام على وزن قولك ((مستفعن)) بحذف اللام، فالتزم الردف هنا ليقوم المدُّ الذي فيه مقام المحذوف فيقع التعادل بين مقطعي العروض والضرب. الصورة الثانية أن يلتفي في الضرب ساكنان، والتزم الردف هنا ليسهل الانتقال من أحد الساكنين إلى الآخر بالمد الذي هناك. هذا كله كلام ابن بريّ. قلت: وفي جعله الصورة الأولى من حالة الاتفاق نظر، فقد أجاز سيبويه في كتاب القوافي له استعمال مثل ذلك بغير ردف. قال: لقيام الوزن بالحرف الصحيح مقامه بأحرف المد واللين، وأنشد:
ولقد رحلت العيس ثم زجرتها ... قدما عليك وقلت خير معدِّ
الحالة الثانية حالة الاختلاف، وهي أن يكون البيت غير تام البناء ونقص من ضربه حرفٌ متحرك أو زنته، فهل يلزم الردف فيه أم مختار؟ قولان، والصحيح منهما هو الثاني. الحالة الثالثة حالة استحباب، وذلك حيث يوجد العروض والضرب على حد واحد من التماثل والاتفاق ولا يوجد للساكنين في حد واحدٍ منهما تلاقٍ، كقوله:
قفا نبك من ذكرى حبيبٍ وعرفان ... ورسمٍ عفت آياته منذ أزمان
(1/50)

فيستحسن الردف في هذا النوع استكثاراً من المد في الأواخر لأنها محل مدّ وترنم. قاله ابن بري. فإن قلت: حكم العروضيين بلزوم الردف في الضرب الثالث من الطويل مع أنه لا يدخل تحت ضابط اللزوم، فإنه لم يلتق فيه ساكنان وهو ظاهر، وليس المحذوف منه متحركاً أو زنة متحرك، بل المحذوف منه حرفان متحرك وساكن، فما وجه التزام الردف فيه؟ قلت: هو مُشكل على هذه القاعدة، وقد اختلفت الطرق في الاعتذار عنه، فقيل إن الردف عوض من لام مفاعيلن خاصةً لان النون شأنها أن تحذف للزّحاف حشواً، وما يحذف للزحاف لا تعوض العربُ منه شيئاً، وأكثر العروضيين على هذا الجواب. وزعموا أن سيبويه إليه أشار في الكتاب في أبواب الإدغام بقوله: كل شعر حذف من بنائه حرفٌ متحرك أو زنة حرف متحرك فلا بد فيه من حرف اللين للردف، نحو: وما كلُّ مؤت نصحه بلبيب قالوا فتمثل بمحذوف الطويل فدل على أن النون غير معتبرة. وقدح الصفاقسي في هذا الجواب بأن نون مفاعيلن وإنْ كانت مما شأنه أن يُحذف للزحاف فذاك في الحشو لا في الضرب، لاستلزام حذفها منه الوقوف على المتحرك، وكلامنا في الضرب لأن الردف فيه لا في الحشو. وقيل دخله القبض أولاً ثم حُذفت نونه وأسكنت لامه فعوض منهما لأنهما زنة متحرك. قاله سيبويه في كتاب القوافي له. على هذا تأول بعضهم ما وقع له في باب الإدغام لنصوصية هذا واحتمال ذلك، وبه قال الجرمي والفارسي والشلوبين، وردّه الصفاقسي بأن القول بدخول القبض فيه أولاً يقضى بعدم التزام الردف فيه لأن زنة المتحرك المحذوف منه حينئذ ليس من أتم البناء. قلت: تمام البناء ليس راجعاً عندهم إلى الجزء على ما يظهر من كلامهم، وإنما يرجع إلى البحر نفسه، أي أن البحر إذا كان تام البناء فجاء في الاستعمال كما في الدائرة، إنْ مثمنا فمثمنٌ وإن مسدسا فمسدسٌ، وحذف من ضربه زتة حرف متحرك التزام فيه الردف فلا يرد حينئذ اعتراض الصفاقسسي عليهم، فتأمله. واعترض عليهم أيضاً بأنه لو كان الأمر على ما قالوه لسمي الضرب مقصوراً لا محذوفاً، وأجيب بأنه لمّا دخله القبض أولاً ثم القصر صارت صورته صورة المحذوف فسمي محذوفاً رعايةً للصورة، وفيه نظر. وقيل: لما التزام ففي عروض الطويل القبض صار استعمالها أبداً على ستة أحرف، فلم ينقص الضرب عنها إلا زنة حرفٍ متحرك، وفيه من النظر ما تقدم. ونسبة العروض إلى الضرب لا تستقيم لأن التعويض في الضرب إنما يقع بالنسبة إلى ما يحذف منه في نفسه لا بالنسبة إلى العروض. قال الصفاقسي: وسبيلُ الجواب عندي عن أصل الإشكال أن يقال: لم لا يجوز أن يكون العربي المستعمل لهذا الضرب، أعني الثالث من الطويل، إنما حذف منه الردف، ثم رأى بعد ذلك ساكنين قد التقيا فحذف أحدهما وسماه العروضي محذوفاً مراعاةً لصورته. وعلى هذا ينبغي أن يحمل كلام سيبويه المتقدم في باب الإدغام. فإن قلت: الردف مسهّلٌ لالتقاء الساكنين كما في الضروب المقصورة فلا وجه لحذف أحدهما، قلت: إنما ذلك إذا أُتي بالردف لأجلهما كما في الضروب المقصورة، وهنا إنما أُتي به للعوض، وبعده التقى ساكنان، فلهذا لم يكن مسهّلاً لالتقائهما، ويجب الحمل على هذا جمعاً بين الكلامين. فإم قلت: هذا التقدير جارٍ في الضروب المحذوفة كلها فيلزمك التزام الردف فيها، قلت: لا نسلم لزوم ذلك لأن العلل في هذا الفن تابعة للأحكام، والله أعلم. انتهى كلامه بنصه، ولا يخفى ما فيه من التكلف، مع أن في تسليمه جريان التقدير المذكور في جميع الضروب المحذوفة نظراً لا يخفى عليك إن تأملت. ((التنبيه الثالث)) ما قدمناه من أن للطويل عروضاً واحدةً وثلاثة أضرب هو المشهور، واستدرك بعضهم له عروضاً ثانية محذوفةً لها ضربان، ضربٌ مثلها وبيته:
لقد ساءني سعدٌ وصاحب سعدٍ ... وما طولبا في قتلها بغرامهْ
وضربٌ مقبوضٌ وبيته:
جزى الله عبساً عبي آل بغيضٍ ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعلْ
واستدرك بعضهم لعروض الطويل المقبوضة ضرباً مقصوراً، وأنشدوا عليه قول امرىء القيس:
ثيابي بني عوفٍ طهارى نقيةٌ ... وأوجههم بيض المسافر غران
(1/51)

وهذا من أبيات مختلفة القوافي بحسب الإعراب، أنشدوها ساكنة النون والخليل يحركها وإن لزم عنه الإقواء، ويرى أنه أولى من إثبات ضرب آخر لكثرة الإقواء في كلامهم، وأيضاً يلزم عليه سكون لام مفاعيلن وهو غير موجود في أوزان الشعر لا الأصول ولا المزاحفة. هكذا قيل. قلت: هو كلام كما تراه غير محرر، وذلك لان أبيات امرىء القيس هذه متى ثبتت روايتها بتسكين الروي ولم يروَ تحريكه من طريق من الطرق المعتبرة تعين إثبات الضرب المقصور، ولم يلتفت مع ذلك إلى قول من قال مفاعيلن لا يسوغ أن تسكن لامه، وإن ثبتت فيه روايةٌ بتحريك الروي فالقول ما قاله الخليل، ولا يضر حينئذ رواية بتسكين الروي من طريق آخر، لأنه يُحمل حينئذ على أنه إنشاد، وليس هو التقييد الذي تختلف به الضروب، والله أعلم. ((التنبيه الرابع)) قال الزّجاج: سُئل الخليل رحمه الله: لم الزم في الطويل أن يكون مثمناً ولم يأت مسدساً كما جاء في البسيط وكلها من دائرة واحدة؟ فقال: إن الطويل عروضه مفاعيلن وضربه كذلك، فلو سُدّس لسقط من نصفيه أربعة عشر حرفاً، والمديد والبسيط إذا سُدّسا إنما يسقط من بيت كل منهما عشرة أحرف، لأن عروض كل واحد منهما جزء خماسي وهو فاعلن، وضربه كذلك، ولو سُدّس الطويل فحذف منه مفاعيلن بقي قبله فعولن، وليس في الشعر ما يقع النقصان من أجزائه فيكون ما ألغى أكثر حروفاً مما بقي، وإنما يكون ما ألغي أقل مما بقي أو مساوياً له، والمديد إذا سُدس فحذف منه فاعلن بقي قبله فاعلاتن، وكذلك البسيط إذا حذف منه فاعلن بقي مستفعلن. وهنا انقضى الكلام على ما يتعلق بالعروض والضرب. فلنشرع في الكلام على ما يدخل غيرهما من التغييرات، فنقول: لا يخفى أن هذا البحر كما مر مركب من فعولن ومفاعيلن، ففعولن حيثما وقع يجوز قبضه فيصير فعولُ، وإذا وقع أول البيت جاز فيه الثلم والثرم، وقد عرفت معناهما. ومفاعيلن يقبض ويكف على سبيل المعاقبة، فإن قُبض لم يكف، وإن كف لم يقبض. ولا حاجة لنا إلى استثناء مفاعيلن الواقع في الضرب الأول من هذا الحكم وإن كان لا يجوز قبضه ولا كفه، وما ذاك إلا لأن الكلام مفروض فيما عدا العروض والضرب كما تقدم. فبيت القبض:
أتطلب من أسود بيشة دونه ... أبو مطرٍ وعامرٌ وأبو سعدِ
أجزاؤه كلها الخماسية والسباعية مقبوضة إلا الضرب. وأشار إلى هذا الشاهدج بقوله ((أسودُ)) . وبيتُ الكف والثلم معاً:
شاقتك أحداجُ سُليمى بعاقلٍ ... فعيناك للبين تجودان بالدمع
جزؤه الأول وهو ((شاقت)) وزنه فعلن، فهو أثلم، والسباعية الواقعة في الحشو مكفوفة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أحداج)) . وبيت الثرم:
هاجك ربعٌ دارسُ الرسم باللوى ... لأسماء عفى آيه المورُ والقطرُ
جزؤه الأول أثرم وهو ((هاج)) ووزنه فعلُ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((المور)) . وقد جرت عادة العروضيين بأن يأتوا للأعاريض والضروب بشواهد تختص بها ولا يكون في بقية تلك الشواهد أجزاء مزاحفة. ويتحرون في شواهد الزحاف أن يكون الزحاف الذي يمثلونه داخلاً في كل جزء يصح دخوله فيه من ذلك البيت، أو في أكثره حرصاً على البيان. وقد رأيت ذلك في هذا البحر. ثم اعلم أن القبض في فعولن حسن لاعتماده على وتدين قبليّ وبعديّ. وقال الأخفش: لأن النون فيه زائدةٌ كالتنوين في ((ضروبٌ)) ((وعجولٌ)) . واعترض بأن النون تعد في أجزاء التفعيل أصلية إذْ بها يتم الوزن، بخلاف التنوين. وأما القبض في مفاعيلن فصالح لاعتماده على وتد واحد قبليّ، وكفُّه عند الخليل قبيح. وزعم الأخفش أنه من قبضه لاعتماده على وتد بعديّ. ولله درّ الأندلسيين حيث يقول:
كففت عن الوصال طويل شوقي ... إليك وأنت للروح الخليلُ
وكفك للطويل فدتك نفسي ... قبيحٌ ليس يرضاه الخليلُ
المديد
(1/52)

أقول: حكى الأخفش عن الخليل أنه سمي مديداً لتمدد سباعييه حول خماسيية، وأوردِ عليه كلُّ بحر تركب من خماسي وسباعي. وقال الزجاج: سمي مديداً لامتداد سببين في طرفي كل جزء من أجزائه السباعية، وأورد عليه الرّمل وغيره مما فيه جزء سباعي كذلك. وقال غيره سمي مديداً لامتداد الوتد المجموع في وسط أجزائه السباعية. ويرد عليه ما ورد على الذي قبله، ويجاب بما أسلفناه من أن الاطراد في وجه التسمية غير لازم. وإذا صح النقل في هذه الأسماء الموضوعة لبحور الشعر عن الخليل فلا ينبغي أن يُخالف واضُعها. وهذا البحر مبني في الدائرة من ثمانية أجزاء على هذه الهيئة: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن كما تقدم. قال:
بحود كليبٍ لا يغرُّ اعلموا أنما ... يعيش بهندىٍ متى مايعِ اهتدا
فمن مخصبن كلّ جونٍ ربابه ... فياليت شعري هل لنا منه مُرْ توى
أقول: الباء إشارة إلى أن هذا البحر هو الثاني من بحور الشعر. والجيم إشارة إلى أن له ثلاث أعاريض. والواو إشارة إلى أن له ستة أضرب. وهو مجزوء في الاستعمال، ولا يقع تاماً. قال بعضهم: لءلا يقع فاعلن في آخره، وهو لا يقع أصلياً آخر شيءٍ من الشعر إلا أن يكون منقولاً من جزء نقص منه، فيوهم وقوعه وقوعه في المديد النقل عملاً بالاستقراء، فيكون حينئذ أصله في الدائرة أزيد من ثمانية وأربعين حرفاً وهو محذور يُتقى. ونقضه الصفاقسي بالبسيط. قلت: هذا منه عجيب، فإن الزّجاج قد استشعر هذا النقص وأجاب عنه، وذلك لأن ابن بري حكى عنه أنه قال بأثر كلامه المتقدم: ولذلك ردّ في آخر البسيط إلى فعلن بحذف الألف ليعلم منه أنه نقص منه شيء، لأن فعلن أيضاً لا يقع في الأواخر أصلياً. ثم قال ابن بري: فإن قيل: فهلاّ جعل آخر المديد فعلن كآخر البسيط وارتفع الإيهام المحذور؟ فالجواب أن فاعلن في البسيط إذا حذفت ألفه لم يكن قبلها ساكن بسبب يعاقبها، وفاعلن في المديد قبله ساكنٌ بسبب يعاقب ألفه، فلو حُذف منه الألف لزم أن لا يحذف الساكن قبله أبداً، وحينئذ يعود المعاقب غير معاقب. انتهى. وهو كلام حسن فتأمله. قال الصفاقسي وقد شذ استعماله تاماً، أنشد ابن زيدان:
إنه لو ذاق للحب طعماً ما هجر ... كلُّ عزٍّ في الهوى أنت منه في غررْ
ثم قال: ويمكن أن يقال في هذا إنه من الرباعي فيكونان بيتين. واعترض بأنه لم يلتزم في أوساط بقية الأبيات روياً لأن بعد البيت:
ليس من يشكو إلى أهله طول الكرى ... مثل من يشكو إلى أهله طول السهر
سحّ لما نفد الصبر منه أدمُعاً ... كجمانٍ خانه سلك عقدٍ فانتثر
لا تلمه إن شكا ما يلاقي أو بكى=وامتحن باطنه بالذي منه ظهر وأما قول السليك:
طاف يبغي نجوةً ... من هلاكٍ فهلك
ليت شعري ضلّه ... أيُّ شيءٍ قتلك
أمريض لم تعد ... أم عدوٌّ ختلك
إلى آخره، فحمله بعضهم على أنه من شاذ تامه، وأن القصيدة مصرعة، وبعضهم على أنه مما ورد من استعماله مرّبعاً. وذهب الزجاج إلى أن هذه القصيدة من الرمل، وعروضها وضربها محذوفان، فجعل للرمل ثلاث أعاريض. وقال بعضهم: هو قياس مذهب الخليل والحملُ عليه أوْلى من الحمل على تام المديد، لأنه يلزم عليه شذوذان: مجيء المديد تاما، والتزام التصريع في القصيدة. وهذا يلزم عليه مجيء عروض الرمل محذوفة خاصة. إذا تقرر ذلك فاعلم أن العروض الأولى من أعاريض هذا البحر صحيحة ولها ضرب واحد مثلها وبيته.

يا لبكرٍ أنشروا لي كليبا ... يا لبكر أين أين الفرارَ
فقوله ((لي كليب)) هو العروض، وقوله ((نلفرارو)) هو الضرب، ووزن كل منهما فاعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((كليب)) . والعروض الثانية محذوفة لها ثلاثة أضرب، الأول مقصور وبيته:
لا يغرنَّ امرأ عيشه ... كلّ عيشٍ صائرٌ للزوال
فقوله ((عيشهو)) هو العروض ووزنه فاعلن، وقوله ((للزوال)) هو الضرب ووزنه فاعلانْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لا يغر)) . الضرب الثاني محذوف مثلها وبيته:
اعلموا أني لكمْ حافظٌ ... شاهداً ما كنت أو غائبا
فقوله ((حافظن)) هو العروض وقوله ((غائبن)) هو الضرب. ووزن كل منهما فاعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((اعلموا)) . الضرب الثالث أبتر وبيته:
(1/53)

إنما الذّلفاء يا قوتةٌ ... أخرجت من كيس دهقان
فقوله ((قوتتن)) هو العروض، ووزنه فاعلن، وقوله ((قاني)) هو الضرب هو الضرب ووزنه فعلن بإسكان العين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((إنما)) . ووصل همزة القطع ضرورةً. العروض الثالثة مخبونة محذوفة لها ضربان الأول مثلها، وبيته:
للفتى عقلٌ يعيش به ... حيث تهدى ساقه قدمه
فقوله ((شُبهى)) هو العروض، وقوله ((قدمه)) هو الضرب. ووزن كل منهما فعلن بتحريك العين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((يعيش)) . الضرب الثاني أبتر وبيته.

ربّ نارٍ أرمقها ... تقضم الهندىَّ والغارا
فقوله ((مقها)) هو العروض وقوله ((غارا)) هو الضرب، ووزنه فعلن بإسكان العين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((بهندى)) . ويدخل هذا البحر من الزحاف الخبن وهو حسن، والكف وهو صالح، والشكل وهو قبيح. فبيت الخبن:
ومتى مايع منك كلاماً ... يتكلم فيجيبك بعقلِ
أجزاؤه كلها مخبونة: وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((متى مايع)) . وبيت الكف:
لن يزال قومنا مخصبين ... صالحين ما اتقوا واستقاموا
أجزاؤه السباعية كلها مكفوفة إلا الضرب، فإنه لم يكف حذراً من الوقوف على المتحرك. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((مخصبين)) . وبيت الشكل:
لمن الديار غيرهنَّ ... كلُّ جونِ المزن داني الرَّباب
فقوله ((لمندد)) وقوله ((يرهنن)) وزن كل منهما فعلات، فكلاهما مشكول. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((كل جون ربابه)) . وقد سبق لنا أن المعاقبة ثابتة في هذا البحر بين كل سببين اجتمعا، وأن فيه صدراً وعجزاً وطرفين. وبيت الطرفين:
ليت شعري هل لنا ذات يومٍ ... بجنوب فارعٍ من تلاق
قوله ((بجنوب)) وزنه فعلاتُ فيه ((الطّرفان)) لأن ألفه حذفت لثبات نون الجزء الذي قبله، ونونه هو حُذفت لثبات ألف الجزء الذي بعده. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ليت شعري هل لنا)) . واعلم انه يجوز في العروض الأولى من الزحاف ما يجوز في الحشو، وهو الخبن والكف والشكل، وأما الضرب الأول فلم يوافق الحشو إلا في الخبن لأنه لو كف لزم الوقوف على الماحرك، ويلزم من ذلك امتناع الشكل. واما العروض الثانية فلم يدخلها الخبن حذر التباسها بالثلثة. واما ضربها المقصور فمنع الخليل دخول الخبن فيه وأجازه الأخفش، وعلة المنع قلة مجيء هذا الضرب في كلامهم حتى زعم الزجاج أنه لم يجيء منه إلا قصيدة واحد للطّرمّاح أولها:
شت شمل الحي بعد التئام ... وشجاك اليوم ربع المقام
والزحاف إنما سببه الكثرة إذ هي الداعية إلى التخفيف، مع كراهتهم أن يجمعوا عليه ثلاث تغييرات، وهي الخبن مع الاسكان والحذف وهما مسمى القصر. وزعم أبو الحكم أن مذهب الأخفش أقيس. قال: لأن ألفه واقعة بين وتدين، وكلُّ ما كان كذلك فزحافه جائز اتفاقا. ثم اعترض علة المنع بأن القلة لا تأثير لها في السلامة في غير هذا البحر فكذلك في هذا. واجتماع ثلاثة تغييرات في الجزء له نظائر منها فاعلاتن في الرمل، فإنه يجوز فيها مع القصر الخبن، وفعولن الضرب الثاني من العروض الثالثة من الخفيف، فإن أصله مستفع لن فدخله القصر والخبن. وأجاب الصفاقسي بأنا نسلم أن كل سبب وقع بين وتدين يجوز زحافه مطلقاً، وإنما ذلك مع عدم المانع، وما ذكرناه أولاً من التعليل مانع، واعتراضه عليه ساقط، لأنه إنما نقص علة كل واحد من القلة وكثرة التغيير حيث لم يكن منضما إلى الآخر، وذلك إنما يكون نقصاً لو جعلنا منهما علةً مستقلةً ونحن إنما جعلناه جزء علة، والعلة هي المجموع المركب منهما، وهو لم ينقضه وإنما نقص الجزء، ونقصه ليس قادحاً في التعليل على الصحيح عند الأصوليين.

البسيط
أقول: قال الخليل سمي بسيطاً لانه انبسط عن مدى الطويل والمديد فجا وسطه فعلن وآخره فعلن. حكاه الأخفش عنه. وقيل: سمي بسيطاً لانبساط الأسباب في أوائل أجزائه السباعية، قاله الزجاج. وقيل: لانبساط الحركات في عروضه وضربه. وهو مبني في الدائرة من ثمانية أجزاء على هذه الصورة: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن، مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن كما سلف. قال:
جرتْ جولةٌ يا حارِ شعواء خيّلتْ ... وقوفي فسيروا عنه قد هيّج الجوى
فحقب ارتحالٍ ذا لقيهمْ فذقتم ... أصاح مقامي ذاك والشيب قد علا
(1/54)

أقول: الجيم الأولى إشارة إلى أنه البحر الثالث، والجيم الثانية إشارة إلى أن له ثلاث أعاريض، والواو إشارة إلى أن له ستة أضرب. العروض الأولى مخبونة ولها ضربان: الأول مثلها، وإنما لم يستعملا تامين لئلا يتوهم أنه قد نقص منهما، لما مر من أن فاعلن لم يأت أصلياً في عروض ولا ضرب، فلو جاءا تامين لتوهم أن أصله حينئذ أكثر من ثمانية وأربعين حرفا ولا نظير لذلك. وقيل لاعتماد ألف فاعلن على وتد بعدي، ولا ينهض هذا علة، فإن الاعتماد في ذلك مجوزٌ لا موجبٌ، وبيته:
يا حار لا أُرمين منكم بداهيةٍ ... لم يلقها سوقةٌ قبلي ولا ملكُ
فقوله ((هيتن)) هو العروض، وقوله ((ملكو)) هو الضرب، وكل منهما وزنه فعلن بتحريك العين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((يا حار)) . الضرب الثاني مقطوع وبيته:
قد أشهدُ الغارة الشعواء تحملني ... جرداء معروقة الّلحيين سر حوب
فقوله ((مِلني)) هو العروض، وقوله ((حوبو)) هو الضرب، ووزنه فعلن بإسكان العين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((شعواء)) . العروض الثانية مجزوءة صحيحة، ولها ثلاثة أضرب، الأول مذال، وبيته:
إنا ذممنا على ما خيّلتْ ... سعد بن زيدٍ وعمراً من تميم
فقوله ((ما خيات)) هو العروض، ووزنه مستفعلن، وقوله من تميم هو الضرب ووزنه مستفعلان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((خيلت)) . الضرب الثاني مثل العروض صحيح وبيته:
ماذا وقوفي على ربعٍ خلا ... مخلولقٍ دارسٍ مستعجمِ
فقوله ((ربع خلا)) هو العروض وقوله مستعجمي هو الضرب، ووزن كل منهما مستفعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((وقوفي)) . الضرب الثالث مقطوع وبيته:
سيروا معاً إنما ميعادكمْ ... يوم الثلاثاء بطن الوادي
فقوله ((ميعادكم)) هو العروض وقوله ((نُلو ادى)) هو الضرب، ووزنه مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((فسيروا)) . العروض الثاثلة مجزوءة مقطوعة لها ضرب واحد مثلها وبيته:
ماهيّج الشوق من أطلالٍ ... أضحت قفاراً كوحي الواحي
فقوله ((أطلالن)) هو العروض وقوله ((يلواحي)) هو الضرب، ووزن كل منهما مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((هيج)) . وقد علمت أنّا أسلفنا أن قول أهل هذا الفن عروضٌ مجزوءة وضرب مجزوء فيه تسامحٌ من حيث أن الجزء صفة للبيت، لأنه عبارة عن إيقاط الجزء الأخير من صدره والجزء الأخير من عجزه وليس صفةً للجزء، لكن جرينا على سنن القوم. من حيث أن الجزء صفة للبيت، لأنه عبارة عن إيقاط الجزء الأخير من صدره والجزء الأخير من عجزه وليس صفةً للجزء، لكن جرينا على سنن القوم. من حيث أن الجزء صفة للبيت، لأنه عبارة عن إيقاط الجزء الأخير من صدره والجزء الأخير من عجزه وليس صفةً للجزء، لكن جرينا على سنن القوم. ويدخل هذا البحر من الزحاف الخبن في الخماسي والسباعي وهو حسن فيهما. قلت: هكذا قالوا، ويظهر لي أن الخبن في السباعي إنما هو حسن في أول الصدر وأول العجز، فليعتبره ذو الطبع السليم. ويدخله أيضاً من الزحاف الطي في السباعي وهو صالح فيه، والخبل وهو قبيح فيه. فبيت الخبن:
لقد مضتْ حقبٌ صروفها عجبٌ ... فأحثت عبراً وأبدلتْ دولا
أجزاؤه كلها مخبونة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((حقب)) لكنه سكن القاف للضرورة، وهي ضرورة قبيحة. وبيت الطي:
ارتحلوا غدوةً وانطلقوا سحراً ... في زمرٍ منهم يتبعها زمرُ
أجزاؤه السباعية كلها مطوية. وإلى هذا الشاهد أشار بالارتحال المشار به إلى ((ارتحلوا)) . وبيت الخبل:
وزعموا أنهم لقيهمْ رجلٌ ... فأخذوا ماله وضربوا عنقه
أجزؤه السباعية كلها مخبولة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لقيهم)) وسكن الياء للضرورة. واعلم أن هذا الزحاف جميعه يدخل في الضرب المذيل، والخبن يدخل في الضرب والمقطوع وفي العروض المقطوعة وضربها. فبيت الخبن في الضرب المذيل:
قد جاءكم أنكم يوماً إذا ... ما ذقتم الموت سوف تبعثونْ
فقوله ((فتبعثون)) هو الضرب، ووزنه مفاعلانْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((فذقتم)) . وبيت الطي فيه:
يا صاح قد أخفلت أسماء ما ... كانت تمنيك من حُسن وصالْ
فقوله ((حسن وصال)) هو الضرب وزنه مفتعلانْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أصاح)) . وبيت الخبل فيه:
(1/55)

هذا مقامي قربياً من أخي ... كلُّ امرىء قائمٌ مع أخيه
فقوله ((مع أخيه)) هو الضرب، ووزنه ((فعلتان)) . وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((مقامي)) . وبيت الخبن في العروض والضرب المقطوعين:
أصبحت والشيبُ قد علاني ... يدعو حثيثاً إلى الخضابِ
فقوله ((علاني)) هو العروض وقوله ((خضابي)) هو الضرب، وزن كل منهما فعولن، وهذا هو المسمي عندهم بالمخلع. والمولدون التزموا الخبن في هذه العروض وضربها لحسن ذوقه، وهو من التزام ما لا يلزم. وأشار الناظم إلى هذا الشاهد بقوله ((والشيب قد علاني)) . وأما بيت الخبن في ضرب العروض الثانية المقطوع فلم يشر النلظم إليه بشيءٍ، وانظر هل أشار بقوله ذاك إلى بيته فإن ظفرت ببيت فيه هذه اللفظة فذاك، وبيته الذي انشده العروضييون:
قلت استجيبي فلما لم تُجب ... سالت دموعي على ردائي
قال الشريف: وإنما نبّه الناظم على ما يدخل الأعاريض والضروب هنا وفيما بعد حسب ما تقف عليه من الأبحر ليظهر لك الفرق بين ما يدخل في الأعاريض والضروب وهو غير لازم كما يدخل الحشو، وبين ما لا يدخلها فيكون لازماً سبيله العلل، فما يكون من ذلك لازماً يأتي بشاهده أولاً حيث يأتي بشواهد العلل، وما يكون غير لازمٍ جاء بشاهده آخراً بعد شواهد الزحاف، ألا تراه كيف أتى بشاهد الخبن في العروض الأولى مع العلل أولاً للزومه، وأتى بشاهد الخبن في المخلع آخراً لعدم اللزوم فتأمله. ((تنبيه)) استدرك بعضهم للبسيط عروضيين إحداهما مجزوءة حذّاء مخبونة لها ضربان: ضرب مثلها كقوله:
عجبت ما أقرب الأجلْ ... منّا وما أبعدَ الأمل
وضرب مقطوع مخبون كقوله:
إنّ شواءً ونشوةً ... وخبب البازل الأمون
العروض الثانية مشطورة لها ضرب مثلها كقوله:
إن أخي خالدا ... ليس أخاً واحدا
وأجاز أيضاً استعمال العروض الأولى من البسيط غير مخبونة كقوله:
ولا تكونوا كمن لا يرتجى أوْبُهُ
وكذا أجاز استعمال ضربها الأول غير مخبون كقوله:
وبلدةٍ مجهلٍ تمسي الرياح بها ... لواعباً وهي ناءٍ عرضُها خاويهْ
وهكذا كله شاذ لا يلتفت إليه. وقد جاء في مخلّع البسيط مفعولن مكان فاعلن، وهو أيضاً شاذ كقوله:
فسر بودٍّ أو سِر بكرهٍ ... ما سارت الذُّلل الِّسراعُ
ورأيت بعض المتأخرين يستعمله. وزعم أبو الحكم أنه شذَّ في هذه العروض القبض، وأنشد:
يداه بالجود ضرَّتان ... عليه كلتاهما تغارُ
قال: ولا تمكَّن حركة النون فيبقى القبض لأن التمكين مختص بالضروب، ولا يجوز في الأعاريض إلا بشرط التصريع. قال الصفاقسي: وهذا خطأ، أما أولاً، فلأن ساكن المخلع فيه بقية وتد ولا قبض فيه فلا بد من تمكين الحركة. قلت: لعله نظر إليه باعتبار ما صار إليه، ولا شك أن آخره بحسب الصورة هيئة سبب خفيف فأطلق القبض لذلك. ثم قال: وقوله ثانياً ذلك مختص بالضروب ولا يجوز في العروض إلا بشرط التصريح وهمٌ، بل ورد منه مالا يحصر وأنشد قوله:
سلى إن جهلت الناس عنّا وعنهم ... فليس سواءً عالمٌ وجهولُ
وقوله:
ورجِّ الفتى للخير ما إن رأيته ... على السّنّ خيراً لا يزال يزيد
وأبياتاً كثيرة من هذا النمط. ولا دليل له فيها لأن التمكين فيها فصيح بخلافه في نحو ((ضرتان)) وسيأتي الكلام عليه معه في ذلك. وهنا كملت الدائرة الأولى.

الوافر
أقول: سمي وافراً لوفور أجزائه وتداً فوتداً. قاله الخليل. وقيل: لوفور حركاته باجتماع الأوتاد والفواصل في أجزائه، والكامل وإنْ كان بهذه الصفة إلا أن الوافر حذف من حروفه فلم يكمل لاستعماله مقطوفاً، فهو موفور الحركات ناقص الحروف. قاله الزجاج. وهو مبني في الدائرة من ستة أجزاء على هذه الصورة: مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن. قال:
دنتْ بجدًى فيه لنا غنمٌ به ... ربيعةُ تعصيني ولم تستطع أذى
سطورُ حفيرٍ إن بها نزل الشّتا ... تفاحش لولا خير من ركب المطا
أقول: الدال من ((دنت)) إشارة إلى أنه البحر الرابع، والباء من ((بجدى)) إشارة إلى أن له عروضين، والجيم إشارة إلى أن له ثلاثة أضرب. العروض الاولى مقطوفة لها ضرب واحد مثلها وبيته:
لنا غنمٌ نسوّقها غزارٌ ... كأن قرون جلتها عصى
(1/56)

فقوله ((غزارن)) هو العروض، وقوله ((عصييو)) هو الضرب، وزن كل منهما فعولن. كان أصله مفاعلتن فقطف بحذف سببه الخفيف وهو ((تن)) وإسكان المتحرك قبله وهو اللام، فبقي مفاعلْ فنقل إلى فعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لنا غنم)) وزعم أبو الحكم أنه شذ في هذه العروض القبض وانشد شاهداً عليه:
علوتَ على الرجال بخلتينِ ... ورثتهما كما ورث الولاء
قال: ولا يجوز تمكين الحركة حتى ينشأ عنها حرف اللين كما مر في البسيط. واعترضه الصفاقسي ببطلان دعوي الشذوذ لكثرة مجيء ذلك فيها. قال:
أبي الإسلام لا أبَ لي سواه ... إذا افتخروا بقيسٍ أو تميمِ
وقال:
عسى الكربُ الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرجٌ قريبُ
وقال:
تخيرهُ ولم يعدلْ سواهُ ... فنعم المرء من رجلٍ تهامى
وقال:
ذعرت به القطا ونضيت عنهُ ... مقام الذنب كالرجل اللعين
وقال:
إذا أمسى يلمسُ منكبيه ... تفقد لحمه حذر الهزال
وقال:
أوليت العراق ورافديه ... فزاريّا أحذَّ يدِ القميصِ
وقال:
إذا لم تستطع أمراً فدعهُ ... وجاوزه إلى ما تستطيع
وقال:
تظلُّ الشمس كاسفةً عليه ... كآبةَ أنها فقدت عقيلا
وقال:
يرجّى المرء ما إن لا يراه ... وتعوض دون أدناه الخطوبُ
قال: ومن كثير. قلت: لكنه لا ينهض مع كثرته رداً على أبي الحكم، وذلك لان جميع ما استشهد به يجوز فيه لتمكين نظماً ونثراً دون شذوذ ولا اختصاص له بعروض ولا ضرب، بل ولا بالنظم أصلاً ورأساً. وأما تمكين مثل ((خلتين)) في فصيح الكلام فممتنع نظماً ونثراً. نعم يجوز تمكينه في الضرب لإطلاق الروي، وفي العروض بشرط التصريع، وإن مكّن على غير هذا الوجه فللضرورة على شذوذ فيه. فأين هذا الذي ردّ به الصفاقسي مما أراده أبو الحكم. ثم قال: فالذي ينبغي أن يقال: تمكين حركة العروض جائز من غير شذوذ. قلت: بل هو شاذ قطعا كما عرفتَ، ولا دليل في شيءٍ مما أنشده. نعمٌ القول بقبضها شيءٌ لم يقل به أحد من العروضيين، والبيت لا ينفك عن شذوذ يلحقه بتقدير التمكين وعدمه. أما على التمكين فلما قدمناه، وأما على تقدير عدمه فلأن هذه العروض لا يدخلها مثل هذا التغيير فيما هو مقرر عند القوم. العروض الثانية مجزوءة صحيحة، ولها ضربان الأول مثلها وبيته:
لقد عَلِمتْ ربيعة أنّ ... حبلك واهنٌ خلقُ
فقوله ((ربيعة أن)) هو العروض وقوله ((هنن خلقو)) هو الضرب، وزن كال منهما مفاعلتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ربيعة)) .
الضرب الثاني معصوب بالصاد المهملة، وبيته:
أعاتبها وآمرها ... فتغضبني وتعصيني
فقوله ((وآمرها)) هو العروض، وقوله ((وتعصيني)) هو الضرب، كان مفاعلتن فعصب بإسكان اللام ثم نُقل إلى مفاعيلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((تعصيني)) . ويدخل هذا البحر من الزِّحاف العصب وهو حسن، والعقل وهو صالح، والنقص وهو قبيح. فبيت العصب:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيعُ
الأجزاء السباعية كلها معصوبة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ولم تستطع)) . ويحكى أن شخصاً سأل الخليل أن يقرأ عليه علم العروض، فأقام مدة يختلف إليها للقراءة ولم يحّصل شيئاً، فأعيى الخليل أمره، ولم ير أن يواجهه بالمنع حياءً منه، ففال له يوماً وقد حضر للقراءة: قطّع قول الشاعر:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيعُ
ففطن الرجل إلى ما أراده الخليل رحمه الله فانصرف ولم يعد. وأنا أعجبُ لمن يفطن لمثل هذا كيف يصعب عليه فن العروض مع سهولته، والله مقدر الأمور. وبيت العقل:
منازلٌ لِفَرتْنا قفارٌ ... كأنما رسومها سطورُ
وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((سطور)) . وبيت النقص:
لسلامة دارٌ بحفيرٍ ... كباقي الخلق السُّحْق قفارُ
وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((حفير)) . ويدخله في الجزء الأول من البيت العضبُ بالضاد المعجمة، والقصم، والعقصُ، والجمم، وكلها قبيح. فبيت العضب:
إنْ نَزَلَ الشتاءُ بدار قومٍ ... تجنبَ جارَ بيتهم الشتاء
فقوله ((إنْ نزلشْ)) عضب بحذف ميمه فصار فاعلتن، فنقل إلى مفتعلن وأشار إلى هذاالشاهد بقوله! ((إن نزل الشتاء)) . وبيت القصم:
(1/57)

ما قالوا لنا سدداً ولكنْ ... تفاحش أمرهم وأتوا بهجرِ
فقوله ((ما قالوا)) جزء اقصم عصب بحذف الميم، وعصب بإسكان اللام فصار فاعلتن، فنقل إلى مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((تفاحش)) وبيت العقص:
لولا ملكٌ رؤفٌ رحيمٌ ... تداركني برحمته هلكتُ
جزؤه الأول وهو قوله ((لولام)) وزنه مفعول، كان مفاعلتن فعضب بحذف الميم ونقص بإسكان اللام وحذف النون فصار ((فاعلتُ)) فنقل إلى مفعول. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لولا)) . وبيت الجمم:
أنت خير من ركب المطايا ... وخيرهم أباً وأخاً وأمّا
الجزء وهو قوله ((أنت خىْ)) أجم، كان مفاعلتن فعضب بحذف الميم، وعُقل بحذف اللام، فصار ((فاعتن)) فنقل إلى فاعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((خير من ركب المطا)) قلت: كان مقتضى اعتبار الترتيب في الوضع تقديم الجمم على العقص ضرورة أن التغيير فيه أقلّ، والأمر في ذلك سهل. ((تنبيهات)) الأول: أنكر الأخفش والمعري وطائفةٌ من العروضيين العقل في الوافر من أجل أن مفاعلتن انتقل بالعصب إلى مفاعيلن ومفاعيلن في سائر الشعر يتعاقب فيه الياء والنون فيكون إما مفاعيل وإما مفاعلن. لكنهم سوّغوا في مفاعيلن في الوافر أن يأتي على مفاعيل ولم يسوغوا فيه أن تأتي على مفاعلن لأنه فرع منقول عن أصل، فلم يسوّغوا فيه ما سوغوا فيما هو أصلٌ، وآثروا إبقاء الياء لأنها في محل اللام الساكنة بالعصب فكرهوا تغييرها. ثانياً: وهذا احتجاج ضعيف لا يلتفت إليه مع نقل الخليل عن العرب جواز ذلك. قال ابن بري: والصحيح إنكار العقل في المجزوء منه لئلا يلتبس بمجزوء الرجز، وهذا الالتباس محذور. قلت: فإذا وجد بيتٌ مربع على زنة مفاعلن، ولم يكن في القصيدة جزء وجد بيتٌ مربع على زنة مفاعلن، ولم يكن في القصيدة جزء على زنة مفاعلتن حكم بأن القصيدة من الرجز حملاً على ما هو الأخف، فإن مستفعلن في الرجز يصير مفاعلن بالخبن، وهو حذف ساكن، ومفاعلتن يصير مفاعلن في الوافر بالعقل وهو حذف متحرك، ولا شك أن حذف الساكن أخف من حذف المتحرك. ثم قال ابن بري: بخلاف معصوب المجزوء بالهزج. قلت: كأن عصب المجزوء عنده محذور، وأنه إذا وجد في القصيدة كلها ساغ حملها على كل واحدٍ من البحرين، ويؤيده ما قدمه قبل ذلك حيث قال: واعلم أنه متى دخل العصب في جميع أجزاء المجزوء فإنه يشبه الهزج، كقوله:
صفحنا عن بني ذهلٍ ... وقلنا القومُ إخوانُ
لكنْ يقع الفرق بينهما بأن ننظر فإن كان في القصيدة جزء واحد على مفاعلتن فهي من الوافر، وإن لم يكن فيها ولا جزء واحد احتملت أن تكون من الوافر ومن الهزج. قلت: المرجح لحملها على الهزج قائم، لأن مفاعيلن فيه أصلي لا تغيير فيه ومفاعيلن في الوافر إنما يتصور بتغيير يرتكب فيه وهو العصب، وإذا كان كذلك فيحمل على ما هو بالمثابة التي ذكرتها على الهزج لا على الوافر، فتأمل التنبيه الثاني: إلتزم في الوافر أن يستعمل مقطوفاً لأنه شعر كثرت حركاته فاستثقلت فحذف من آخر عروضه وآخر ضربه تسهيلاً وتخفيفاً، وآثروا من الحذف ما بقي به الشعر عذب المساق لذيذ المذاق، وهو القطف. فإن قيل: فهلاّ! استثقلوا في الكامل ما استقلوا في الوافر لأن حركاتهما سواء إلا أنا وجدناهم آثروا الوافر بالحذف والتخفيف دون الكامل؟ فالجواب أن الكامل وقعت فيه الفاصلة مقدمة في جزئه وهو متفاعلن على الوتد، وهي أكثر حركاتٍ من الوتد، والوافر تاخرت فيه الفاصلة فكان جانب الحذف وهو آخر الجزء في الوافر أكثر حركاتٍ منه في الكامل. التنبيه الثالث: حكى الأخفش للوافر عروضاً ثالثة مجزوءة مقطوفة لها ضرب مثلها، وبيته:
عبيلةُ أنتِ همّي ... وأنتِ الدهر ذكرى
ومثله:
فإن يهلك عبيدٌ ... فقد باد القرونُ
ومثله:
أشاقك طيفُ مامه ... بمكة أم حمامه
قال ابن بري: وهذه الأبيات لا دليل فيها لاحتمال أن تكون من مشكول المجتث كقوله:
أولئك خير قومٍ ... إذا ذكر الخيار
قلت: هذا غلط ظاهر، فإنه إن تمّ له الاحتمال الذي أبداه فإنما يتم له في البيت الأخير فقط. وما قيله لا يتأتى فيه ذلك. ألا ترى أن قوله ((وأنتِ الدهرَ ذكرى)) لا يمكن أن يكون من المجتث بوجهٍ، وكذا البيت الثاني لا يتصور كونه من بحر المجتث أصلاً، والله الموفق للصواب.
(1/58)

الكامل
أقول: قال الخليل: سمي بذلك لاجتماع ثلاثين حركةً فيه لم تجتمع في غيره. وقال الزجاج: لكمال أجزائه بعدد حروفها. يعني أنها استعملت كما في الدائرةز فإن قلت: الرجز والخفيف كذلك، قلت: يعلم جوابه مما مر. وهو مبني في الدائرة من ستة أجزاء على هذه الصورة: متفاعلن متفاعلن متفاعلن، متفاعلن متفاعلن متفاعلن. قال:
هجرتَ طلاً تصحو خبالاً برامتى ... أجشّ لأنتَ اللّذْ سبقتهمُ إلى
بمختلف الأمر افتقرتَ وأكثروا ... وعبسٌ يذبُّ الصمّ عن تامر ولا
نقلهمُ عن حدَّةٍ فابتأست والش ... قاءُ مخافٍ لم تجدْ فادغاً كفى
أقول: الهاء من ((هجرت)) إشلرة إلى أن هذا البحر هو خامس البحور. والجيم إشارة إلى أن له ثلاث أعاريض. والطاء من قوله ((طلا)) إشارة أن له تسعة أضرب. العروض الأولى صحيحة ولها ثلاث أضرب، الأول مثلها وبيته:
وإذا صحوتُ فما أقصِّر عن ندىً ... وكما علمت شمائلي وتكرّمي
فقوله ((صرعنْ ندنْ)) هو العروض وقوله ((وتكررمي)) هو الضرب، وزن كلّ منهما متفاعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((تصحو)) الضرب الثاني مقطوع وبيته:
وإذا دعونكَ عمهنّ فإنه ... نسبٌ يزيدكُ عندهن خبالا
فقوله ((نفئننهو)) هو العروض، وقوله ((نخبالا)) هو الضرب، وزنه فعلاتن. كان متفاعلن فقطع فصار متفاعلْ، فنقل إلى فعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((خبالا)) . الضرب الثالث أحذُّ مضمر، وبيته:
لمن الديار برامتينِ فعاقلٍ ... درست وغيّر آيها القطرُ
فقوله ((نفعا قلن)) هو العروض، وقوله ((قطرو)) هو الضرب، وزنه فَعْلُنْ. حُذف الوتد من متفاعلن وأسكنت تاؤه فصار ((متفا)) فنقل إلى فعلن بإسكان العين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((برامتي)) .
العروض الثانية حذّاء لها ضربان الأول مثلها، وبيته:
لمن الديار عفى معالمها ... هطلٌ أجشُّ وبارحٌ تربُ
لمن الديار عفى معالمها ... هطلٌ أجشُّ وبارحٌ تربُ
فقوله ((لمها)) هو العروض وقوله ((تربو)) هو الضرب، وزن كل منهما فعلن بتحريك العين، كان متفاعلن فبقى ((متفا)) فنقل إلى فعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أجش)) .
الضرب الثاني أحذّ مضمر، وبيته:
ولأنتَ أشجعُ من أسامةَ إذْ ... دعيت نزال ولجَّ في الذعر
فقوله ((متئذ)) هو العروض، وقوله ((ذعرى)) هو الضرب. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لأنت)) .
العروض الثالثة مجزوءة صحيحة، ولها أربعة أضرب. الأول مجزوء مرفل وبيته:
ولقد سبقتهم إلى ... فلم نزعت وأنت آخر
فقوله ((تهمو إلى)) هو العروض، وزنه متفاعلن، وقوله ((تو أنت آخر)) هو الضرب، وزنه متفاعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((سبقتهم إلى)) . وفيه حذف المجرور وبقاء حرف الجر.
الضرب الثاني مذيل، وبيته:
جدثٌ يكون مقامه ... أبداً بمختلف الرياح
فقوله ((نمقامهو)) هو العروض، وزنه متفاعلن، وقوله ((تلفر رياح)) هو الضرب، وزنه متفاعلان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((بمختلف)) الضرب الثالث مجزوء معرى وبيته:
وإذا افتقرت فلا تكن ... متخشعاً وتجمل
فقوله ((تفلاتكن)) هو العروض، وقوله ((تجمملى)) هو الضرب، وزن كل متفاعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((افتقرت)) .
الضرب الرابع مقطوع وبيته:
وإذا هم ذكروا الإسا ... ءة أكثروا الحسنات
فقوله ((ذكر لإسا)) هو العروض، وقوله ((حسناتي)) هو الضرب، وزنه فعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أكثروا)) .
وقد كتب الجليل على هذا الضرب وعلى الضرب الثاني من العروض الأولى: ممنوعٌ إلا من سلامة الثاني أو إضماره. يعني أنهما لا يجوز فيهما غير الإضمار أو السلامة منه. أما السلامة فلأنها الأصل، وأما الإضمار فلأنه في هذا البحر حسن، وما سوى ذلك لا يحتمل مع ما دخله من القطع. ويدخل هذا البحر من الزحاف الإضمار وهو حسن، والوقص هو صالح، والخزل وهو قبيح، فبيت الإضمار:
إني أمرؤ من خير عبسٍ منصبى ... شطرى وأحمى سائري بالمنصل
أجزاؤه كلها مضمرة، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((وعبس)) .
فإن قلت: يلتبس هذا البحر عند إضماره ببحر الرجز، قلت بينه ما قبله وما بعده، كما في هذه القصيدة فإن أولها:
(1/59)

طال الثواءُ على رسوم المنزلِ ... بين اللكيك وبين ذات الحرمل
فوجود متفاعلن في هذا البيت يشهد بأنها من الكامل لا من الرجز فإن قلت: فإن فقد المبين؟ قلت المبين؟ قلت يحمل على الرجز لأصالة مستفلعن فيه وفرعيته في الكامل بهذا التغيير الخاص.
فإن قلت: فمع الوقص والخزل في جميع الأجزاء؟ قلتُ: كذلك يحمل على الرجز لأن مفاعلن فيه ناشئ عن الخبن وهو حذف ساكن، وفي الكامل عن الوقص وهو حذف متحرك، ومفتعلن في الرجز ناشئ عن تغيير واحد وهو الطي. وفي الكامل عن تغييرين وهما الإضمار والطي، فتعين الحمل على الرجز إيثاراً لارتكاب أخف الأمرين. وبيت الوقص:
يذبٌ عن حريمه بسيفه ... ورمحه ونبله ويحتمى
وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((يذب)) وبيت الخزل:
منزلةٌ صمّ صداها وعفت ... أرسمها إنْ سئلت لم تجبِ
وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((الصم)) .
واعلم أنه يجوز في الضرب المرفل والمذيل ما يجوز في الحشو من الزحاف.
1ذ1وبيت الإضمار في المرفل:
وغررني وزعمتَ أنّ ... كَ لابنٌ في الصيف تامر.
فقوله ((فصصيفتامر)) . فإن قلت: ما مراد الناظم بقوله ((ولا)) ؟ قلت: كان مراده ((ولابن)) ففيه أيضاً إشارة إلى هذا الشاهد، لإلا أنه حذف بعض الكلمة اكتفاء. وقد أكثر منه المتأخرون كقول القاضي الفاضل:
لعبت جفونك بالقلوب وحبّها ... والخد ميدانٌ وصدغك صولجان
وقول ابن نباتة المصري وما أحلاه وفيه تورية:
بروحي أمرّ الناس نأياً وجفوةً وأحلاهم تقغراً وأملحهم شكلا
يقولون في الأحلام يوجد شخصه فقلت ومن ذا بعده يجد الأحلام وكقول عصرينا القاضي فخر الدين بن مكانس:
لم أنسَ بدراً زارني ليلةً ... مستوفزاً ممتطياً للخطر
فلم يقم إلا بمقدار أن ... قلتُ له أهلاً وسهلاً ومرحبا
وقلت في هذا النوع:
أقولُ لصاحبي والروض زاهٍ ... وقد فرش الربيع بساطَ زهر
تعالَ نباكر الروض المفدى ... وقم نسعى إلى وردٍ ونسرين
وقلتُ فيه أيضاً:
شقائق النعمان ألهو بها ... إن غاب من أهوى وعز اللقا
فالخد في القرب نعيمي وإن ... غاب فإني أكتفى بالشقائق
وقلت فيه أيضاً:
الدمعُ قاضٍ بافتضاحي في هوى ... رشأ يغار الغصنُ منه إذا مشى
وغدا بوجدي شاهدا ووشى بما ... أخفى فيالله من قاضٍ وشاهد
وبيت الوقص في الضرب المرفل:
ولقد شهدتُ وفاتهم ... ونقلتهمْ إلى المقابرْ
فقوله ((إللمقابر)) هو الضرب، وزنه مفاعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((نقلتهم)) . وبيت الخزل فيه:
صفحوا عن ابنكَ إنّ في ابْ ... نكَ حدةً حين يكلمْ
فقوله ((حين يكللم)) هو الضرب، وزنه مفتعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((حدة)) . وبيت الإضمار في الضرب المذيل:
وإذا اغتبطتُ أو ابتأسْ ... تُ حمدتُ ربّ العالمين
فقوله ((بلعالمين)) هو الضرب، وزنه مستفعلان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ابتأست)) .
وبيت الوقص فيه:
كتب الشقاءُ عليهما ... فهما له ميسران
فقوله ((ميسران)) هو الضرب وزنه مفاعلان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((والشقاء)) . وبيت الخزل فيه:
وأجبْ أخاك إذا دعاكَ ... معالناً غير مخافْ
فقوله ((غير مخاف)) هو الضرب، وزنه مفتعلان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((مخاف)) . وبيت الإضمار الجائز في الضرب المقطوع من البيت الوافي:
وإذا فتقرتَ إلى الذخائر لم تجدْ ... ذخراً يكون كصالخ الأعمالِ
فقوله ((أعمالي)) هو الضرب، وزنه مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوبله ((لم تجد)) وبيت الإضمار الجائز في الضرب المجزوء المقطوع

وأبو الحسين وربِّ مكةَ فارغٌ مشغولُ
فقوله ((مشغولو)) هو الضرب، وزنه مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((فارغا)) وقوله ((كفى)) . قال الشريف: معناه حسبك. أي هذا المقدار من الشواهد كافيك.
تنبيه حكى بعضهم أن الكامل يستعمل مشطوراً ويأتي تارةً مرفلاً، كقوله:
ابك اليزيد بن الوليد فتى العشيرة
وتارةً مذيلاً كقوله:
يا خلُّ ما لاقيتَ في هذا النهارِ
وتارةً معزى من ذلك كقوله:
حكمتْ بجورٍ في القضاء ولاتنا
(1/60)

وهذا كله شاذ لا يعرفه الخليل. وأقبح من ذلك ما حكى من استعماله مخما كقوله:
قومٌ يمصون الثمادَ وآخرون نحورهم في الماءِ
الهرج
أقول: قال الخليل: سمى هرجاً تشبيهاً له بهرج الصوت. قلت: كأنه يريد بهزج الصوت تردده. قال بعضهم: وإنما كان ذلك لأن أوائل أجزائه أوتاد يتعقب كلاً منها سببان خفيفان. وهذا ما يعين على مد الصوت. يقال ذباب هزج أي مصوت، ومنه هزج الرعدأي صوته. وقيل سمي هزجاً لصيبه. لأن الهزج من الأغاني وفيه ترنم. يقال منه: هزج وتهزج.
وهو مبنى في الدائرة من ستة أجزاء على هذه الصورة: مفاعلين مفاعلين مفاعلين، مفاعلين مفاعلين مفاعلين قال: وأبدأ بسهب الضيم بأساً يذودهم كذاك ولو ماتوا فموسى امرؤٌ دنا أقول: الواو إشارة إلى أن هذا البحر هو السادس من البحور. والألف إشارة إلى أن له عروضاً واحدة. والباء إشارة إلى أن له ضربين. ولم يستعمل هذا البحر إلا مجزوءاً. وشذ مجيئه تاماً. أنشد منه بعضهم:
عفا يا صاح من سلمى مراعيها ... فظلت مقلتي تجري مآقيها
ومنه قوله:
ترفق أيها الحادي بعشاق ... نشاوى قد تعاطوا كأس أشواق
وقول بعض المولدين:
لقد شاقتك في الأحداج أظعان ... كما شاقتك يوم البين غربان
وقول الآخر:
أما في الست والسنين من داعٍ ... إلى العقبى، بلى لو كان لي عقلُ
وهذا كله شاذ، والمسموع التزام الجزء فيه كما تقدم. فالعروض صحيحةٌ وضربهها الأول مثلها، وبيته:
عفا من آل ليلى السه ... ب فالأملاح فالغمرُ
فقوله ((لليلسسه)) هو العروض وقوله ((حفلغمرو)) هو الضرب، وزن كل منهما مفاعلين، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((سهب)) .
والضرب الثاني محذوف وبيته:
وما ظهرى لباغي ... الضيم بالظهر الذلول
فقوله ((لباغضضى)) هو العروض وقوله ((ذلولي)) هو الضرب. وأشار إلى هذا الشاهد قوله ((الضيم)) .
ويدخل هذا البحر القبض وهو قبيح، والكف وهو حسن. ويدخل الجزء الأول الخرم والشتر والخرب. فبيت القبض:
فقلتُ لا تخف شيأً ... فما عليك من باس
جزؤه الأول والثالث مقبوضان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((بأسا)) وبيت الكف:
فهذان يذودان ... وذا من كثبٍ يرمى
أجزاؤه كلها ما عدا الضرب مكفوفة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((يذودهم)) .
وبيت الخرم:
أدوا ما استعاروهُ ... كذاك العيشُ عاريهْ
فقوله ((أذدومس)) مخروم وزنه مفعولن، كان مفاعلين فحذفت ميمه بالخرم فصار فاعيلن فنقل إلى مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((كذاك)) .
وبيت الشتر:
في الذين قد ماتوا وفيما خلفوا عبره
فقوله ((فللذي)) وزنه فاعلن حذفت ميمه بالخرم وياؤه بالقبض. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ماتوا)) . وبين الخرب:
لو كان أبو موسى أميراً ما رضيناه
فقوله ((لو كان)) وزنه مفعول، حذفت ميمه بالخرم ونونه بالكف فصار فاعيل فنقل إلى مفعول. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((موسى)) . وأكثر العروضيين ينشده ((لو كان أبو بشر)) ، والشريف أنشده ((أبو موسى)) ، وعليه عوّل الناظم. فينبغي تحرير الرواية فيه. قال ابن بري: أجمع علماء هذا الشأن على امتناع القبض في ضرب الهزج. وقال الزجاج: زعم الخليل رحمه الله أن ياء مفاعيلن في عروض الهزج لا تحذف وكذاك في الجزء الذي قبل الضرب، فعلى هذا لا يقبض في الهزج إلا الجزءُ الأول خاصة. قلت: قد صرّح ابن بري بأن الخليل رحمه الله أنشد شاهداً على قبض مفاعيلن في الهزج البيت المتقدم، وهو قوله:
فقلت لا تخفْ شيأَ ... فما عليك من باسِ
(1/61)

فإن صح ذلك كان قدحاً في حكاية المنع عنه في قبض ما عدا الجزء الأول، أو يكون له في ذلك قولان. وحكى أبو الحكم عن الزجاج أنه أجاز قبض أجزائه كلها، وأجاز أيضاً قبض ضربه على كراهية. قال: لما فيه من اللبس بين مجزوء الوافر والرجز. ثم قال: وإذا جاء لم يستنكر، لأن ما قبل البيت وما بعده يفرق بينه وبينهما. قال الصفاقسي: ولقائلٍ أن يمنع أن العلة في امتناعه اللبس حتى يكون مجيئه غير مستنكر لما ينتموه. ولم لا يجوز أن يكون علة امتناعه ما يؤدي إليه من أن تكون حركاته المتوالية أكثر من حركات عروضه المتوالية، ألا ترى أنهم التزموا قبض عروض الطويل لهذا. قللت: هذا ليس بمستقيم، أما أولاً فلأنه مصادمةٌ للمنقول بمجرد الاحتمال، وذلك لأن المحكىَّ عن الزجاج أنه كره قبض عروض الهزج خيفة التباسه بالرجز وبالوافر المجزوء والمعصوب، نقله ابن بري عنه، وهذا ليس محلّ معز وأما ثانياً فلأن العلة التي أبداه غير معتبرة عندهم في باب الزحاف إجماعاً. ألا ترى أن مستفعلن في ضرب الرجز يجوز أن يطوي وان يخبل وإنْ سلمت عروضه من الزحاف أصلاً، والخفيف يجوز خبن ضربه وإن لم تزاحف العروض، وإنما اعتبر ذلك من اعتبره فيما ليس من قبيل الزحاف الحائز وليس الكلام فيه. ثم قال الصفاقسي: وحكى أبو الحكم عن الخليل أنه اعتلّ في منعه قبض العروض والجزء الذي بعدها بما يؤدي إليه ذلك من التباس هذا البحر بمربع الرجز المخبون. قال: وياتبس أيضاً بمربع الوافر المعقول. قال الصفاقسي: وانظر هذا مع تعليل الزجاج كراهية قبض الضرب يقتضيان جواز عقل عروض الوافر، وإلا كانت سلامتها فاصلةً فلا لبس.
قال: ورده الأخفش بأن التزام سلامة الضرب تفصل، وعندي فيه نظر. لأنه ضربه وإن كان سالماً فلا يفصل بينه وبين مجزوء الوافر المعصوب إذا عقلت أجزاء بيته، لأن وزنه حينئذ مفاعلين كضرب هذا البحر.
قال الصفاقسي: والحق من جوابه أنه إن لم يكن قبل البيت ولا بعده ما يبينه فالمرجح لحمله على الهزج قائم، فإن مفاعلن فيه أصلية وفي الرجز فرع عن متفعلن وفي الوافر مفاعتن، والحمل على الأصلي أولى.
قلت: هذا بالباطل أشبه منه بالحق. وذلك لأن شاعراً لو قال:
وشادنٍ سبى الورى بحسنه ولطفه
ولم يكن قبل هذا ولا بعده لم يرتب في أن كل جزء منه يحتمل أن يكون أصله مفاعلين حذفت ياؤه بالقبض، أو مستفعلن حذفت سينه بالخبن، أو مفاعلن حذفت لامه بالعقل. وكون مفاعيلن إذا قبض صار على صيغة مفاعلن ولا ينقل منها إلى صيغة، ومستفلعن إذا خبن صار متفعلن فينقل إلى صيغة مفاعلن، ومفاعلتن إذا عقل صار مفاعتن فينقل إلى مفاعلن، لا يقتضى ترجيحاً المحمل على الهزج، فإن الاعتبار بالاحتمال في الموزون، وهو ثابت قطعاً غير أن المرجح لحمله على الهزج دون ثابت من جهة أخرى غير هذه الجهة، وهي أن الحمل على الهزج إنما يلزم عليه حذف ساكن، وحمله على الوافر يلزم عليه حذف متحرك، أو ساكن وحركة على الاختلاف في تفسير العقل، والأول أخف فتعين المصير إليه، فلا وجه أصلاً لحمله على الهزج دون الرجز أو على الرجز دون الهزج لفقدان المرجح. فتأمل.
(تنبيه) حكى الأخفش أن للهزج ضرباً ثلثاً مقصوراً وبيته:
وما ليثًُ عرينٍ ذو ... أظافير وأسنان
أبو شبلين وثابٌ ... شديد البطش غرثان
هكذا روى بإسكان النون. قالوا: والخليل يأبى ذلك. وينشده على الإطلاق والإقواء على نحو ما سبق في الطويل. وقد مر ما فيه.
وحكى أبو بكر القللوسي أن له عروضاً محذوفة لها ضرب مثلها. وأنشد:
سقاها الله غيثاً ... من الوسمى ريا
وهو في غابة الشذوذ قال:
الرجز
أقول: قال الخليل: سمي رجزاً لاضطرابه، والعرب تسمى الناقة التي ترتعش فخذاها وجزاء. قال أبو حاتم: الرجز داء يصيب الإبل في أعجازها. فإذا نهضت ارتعش فخذاها، وأنشد:
هممت بخير ثم قصرت دونه ... كما ناءت الرجزاء شد عقالها
وقال ابن دريد: سمي رجزاً لتقارب أجزائه وقلة حروفه. وقيل: لأن أكثر ما تستعمل منه العرب المشطور الذي على ثلاثة أجزاء، فشبه بالراجز من الإبل وهو الذي إذا شدت إحدى يديه بقي على ثلاثة قوائم.
وهو مبنى في الدائرة على ستة أجزاء هكذا: مستفعلن مستفعلن مستفعلن، مستفعلن مستفعلن مستفعلن قال:
(1/62)

زكت دهرها دار بها القلب جاهدٌ ... وقد هاج قلبي منزلٌ ثم قد شجا
فياليتني من خالد ومنافهم ... أرى ثقلاً لا خير فيمن لنا أسا
أقول: الزاي من ((زكت)) إشارة إلى أن هذا البحر هو البحر السابع. والدال من ((دهرها)) إشارة إلى أن له أربع أعاريض، والهاء التي تليها إشارة إلى أن له خمسة أضرب.
العروض الأولى صحيحة لها ضربان الأول مثلها وبيته:
دارٌ لسلمى إذا سليمى جارةٌ ... قفرٌ ترى آياتها مثل الزبر
فقوله ((ماجارتن)) هو العروض، وقوله ((مثلززبر)) هو الضرب، وزنٌ كل منهما مستفعلن، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((دار)) .
الضرب الثاني مقطوع وبيته:
القلبُ منها مستريحٌ سالمٌ ... والقلبُ مني جاهدٌ مجهودُ
فقوله ((حن سالمن)) هو العروض. وقوله ((مجهودو)) هو الضرب، وزنه مفعولن، كان مستفعلن فقطع بحذف النون وإسكان اللام فصار مستفعل فنقل إلى مفعولن، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((القلب جاهد)) .
العروض الثانية مجزوءة صحيحة لها ضرب واحد مثلها وبيته:
قد هاج قلبي منزلٌ ... من أم عمرو مقفرُ
فقوله ((بينمزلن)) هو العروض وقوله ((رنمقفرو)) هو الضرب، وزن كل منهما مستفعلن، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((قد هاج قلبي منزل)) .
العروض الثالثة مشطورة وضربها مثلها وبيته:
ما هاج أحزاناً وشجواً قد شجا
فقوله ((ونقد شجا)) وزنه مستفعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((قد شجا)) .
العروض الرابعة منهوكة وضربها مثلها وبيته:
يا ليتني فيها جذع
فقوله ((فيها جذع)) وزنه مستفعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((فياليتني)) .
ويدخل هذا البحر الزحاف الخبن وهو صالح، والطي وهو حسن، والخبل وهو قبيح.
فبيت الخبن:
وطالما وطالما وطالما ... كفى بكف خالدٍ مخوفها
أجزاؤه كلها مخبونة إلا الجزء الرابع. هكذا قال ابن برى، وزعم أن الرواية فيه ((كفى)) بفتح الكاف وتشديد الفاء، قال: ولا معنى له، والصواب ((كفى)) بضم الكاف وتخفيف الفاء من الكفاية، وسكنت الياء فيه ضرورة، وإنما كان هذا صوابا لثلاثة أوجه: الأول أن له معنى صحيحاً حسناً، وعلى الرواية الأولى لا معنى له، والثاني أن فيه ضرباً من البديع وهو التجنيس، الثالث أن يكون هذا الجزء مخبوناً كسائر الأجزاء وهو اللائق بما جرت العادة به من تحري دخول الزحاف في جميع الأجزاء. انتهى كلامه. وأشار الناظم إلى هذا الشاهد بقوله ((خالد)) .
وبيت الطي:
ما ولدتْ والدةٌ من ولدٍ ... أكرمَ من عبد منافٍِ حسبا
أجزاؤه كلها مطوية، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ومنافهم)) .
وبيت الخبل:
وثقلٍ منعَ خيرَ طلبٍ ... وعجلٍ منعَ خيرَ تؤدهْ
أجزاؤه كلها مخبولة، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ثقلا)) ، ويدخل الضرب الثاني الخبن، وبيته:
لا خير فيمن كف عنا شره ... إنْ كان لا يرجى ليوم خير
فقوله ((مخيري)) هو الضرب، وزنه فعولن، دخل مفعولن الخبن بحذف الفاء فصار معولن فنقل إلى فعولن، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لا خير فيمن)) .
(تنبيهان) الأول: للعروضيين في البيت المشطور سبعة مذاهب: الأول أنه عروض وضرب مماثل لها إذ لا توجد عروض بلا ضرب، ولا عكس، لكن لما تعذر انفصالهما جعل البيت كله عروضاً نظراً إلى أنه نصف الدائرة، وضرباً نظراً إلى الالتزام بتقفيته. قلت: والظاهر أن هذا هو رأي الناظم، فتأمل. واستشكل هذا القول بأن كون الشطر ضرباً يقتضى التزام تقفيته وكونه عروضاً لا يقتضى ذلك، فتكون تقفيته ملتزمة وغير ملتزمة وهو تناقض، ولا يدفعه اختلاف الجهتين لتلازمهما.
قلت: وأيضاً فالنظر إلى كونه نصف الدائرة لا يقتضى جعله بكماله عروضاً، على المختار في تفسير العروض، ولا النظر إلى التزام تقفيته يقتضى جعل النصف كله ضرباً، فتأمل.
القول الثاني: أن الثلاثة الأجزاء كلها ضرب لا عروض له، وهو رأى ابن القطاع، ورجحه بالتزام تقفيته، وفيه ما مر مع مخالفته للنظير.
الثالث: أنه عروض لا ضرب لها، ورجح بأن الضرب مأخوذ من الشبه، وحينئذ تعذر جعله ضرباً لانتفاء ما يشبهه فوجب جعله عروضاً، وفيه ما تقدم مع مخالفته النظير.
(1/63)

الرابع: أن العروض والضرب منهو كان والجزء الثالث زيد في الضرب كما يزاد فيه الترفيل والتذييل، واعترض بأن الزيادة على الآخر لم توجد بأكثر من سبب خفيف. الخامس أن العروض مجزوءة، أي ذهب منها جزءٌٌ واحدٌ فبقيت جزأين، والضرب منهوكٌ، أي ذهب منه جزآن وبقي جزء واحد. وتحريره أن هذه الأجزاء الثلاثة الموجودة منها جزآن بقية النصف الأول والجزء الثالث بقية النصف الثاني، فيكون صدر البيت دخله الجزء وعجز البيت دخله النَّهكُ، وعليه فتكون العروض هي الجزء الثاني والضرب هو الجزء الثالث، وفيه مخالفة النظير. السادس عكسُ هذا، أي نهك الصدر، فالعروض هي الجزء الأول وجزئ العجز فالضرب هو الجزء الثالث، وفيه مامر. السابعُ: أن المشطور نصف بيتٍ لا بيتٌ كامل، فحينئذ لا مشطور في التحقيق عند أصحاب هذا القول وإليه ميل ابن الحاجب، واعترض بمجيء بعض قصائده غير مزدوحة، ولو كانت مصرعةً لزم ازدواجها، وهو واضحٌ إن ثبتت الرواية في شيءٍ من قصائد هذا النوع أنه جاء غير مزدوج. وأما المنهوك ففيه أقوالٌ أحدها كالأول في المشطور، أي يجعل الجزآن كلاهما عروضاً وضرباً ممتزجين. وقيل الجزء الأول عروضٌ والثاني ضرب. وقيل كلاهما ضربٌ بلا عروض. وقيل العكس. وقيل مصرعٌ من العروض الثانية وضربها. ولا يخفى ما في الأقوال من المؤخذات. والأخفش يجعل المشطور والمنهوك من قبيل السجع، ولا يجعلها شعراً البتة، ويحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بهما وهولا يقول الشعر. وأجيب بأن من شروط الشعر القصد إلى وزنه على ما مر، وهو عليه السلام لم يقصد الوزن، وبأنه قد جاء في بعض كلامه صلى الله عليه وسلم ما هو على تام الرجز، فيلزم أن لا يكون شعراً. وقد تقدم القول فيه أول الكتاب. وردّ الزجّاج قول الأخفش بأن الكلمة الواقعة على وزن قطعة من الأبيات المنهوكة والمشطورة لا يكون شعراً حتى يكثر ويتكرر، وأما إذا يتكرر فليست شعراً. قلتُ: يريد بهذا ما جهل فيه قصد قائله إلى الوزن لا يحمل على الشعر إلا إذا كثر وتكرر، فإن القرينة حينئذ تكون دالةً على قصد قائله للوزن فيكون شعراً، وأما إذا لم يتكرر فلا قرينة تدلّ على القصد، فلمْ يجعل شعراً لذلك. أما إذا فرض أن قائلاً قصد الوزن عل نمط المشطور والمنهوك من أول الأمر ولم ينظم منه غير بيت واحد لأطلقنا عليه الشعر لتحقق القصد فيه إلى الوزن، فتأمله. التنبيه االثاني: استدرك بعضهم للرجز عروضاً أخرى مقطوعةً ذات ضرب مماثل لها، وأنشد على ذلك:
لأطرقنَّ حضهمْ صباحاً ... وأبركنَّ مبركَ النعامهْ
وكذلك حكوا جواز القطع في المشطور وجعلوا منه:
يا صاحبي رحلى أقلا عذلى
والخليل رخمه اله يجعل هذا من السريع كما سيأتي، إلا أنهم اتفقوا على جواز استعمال القطع مع التمام في ضرب الأرجوزة المشطورة إجرلء للعلة مجرى الزحاف، كقول امرأةٍ من جديس:
لا أحدٌ أذلُّ من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس
يرضى بهذا يا لقومي حرُّ ... أهدى وقد أعطى وسيق المهر
لخوضهُ بحر الردى بنفسه ... خيرٌ من أن يفعل ذا بعرسهِ
وعليه قول لآخر:
والنفس من أنفس شيءٍ خلقا ... فكنْ عليها ما حييت مشفقا
ولا تسلط جاهلاً عليها ... فقد يسوق حتفها إليها
قال ابن بري: وهذا أكثر ما يستعمله المحثون في الأراجيز المشطورة المزدوجة. قال: ولقائلٍ أن يقول إن كل شطرين من ذلك شعرٌ على حدته، إلا أنه لا يسمى قصيدةُ حتى ينتهي إلى سبعة أشطار فما زاد. قلت: الذي يظهر لي في هذا أن يجعل كلّ شطرين من ذلك شعراً على حدته، ولا يجعل ذلك كله قصيدةً واحدة وإنْ تجاوزت الأبيات سبعةً، لأنهم لا يلتزمون إجراءها على روي واحد ولا على حركة واحدة، بل يجمعون فيها بين الحروف المختلفة المخارج بالقرب والبعد والحركات الثلاث، لا يتحاشون ذلك ولا اختلاف أوزان الضرب، وإنما يلتزمون ذلك في كلّ شطرين، فهو جعلنا الكلّ قصيدة واحدة للزم وجود الإكفاء والإجازة والإقواء والإصراف في القصيد الواحدة، وتكررُ ذلك فيها، وتلك عيوبٌ يجب اجتنابها، وهم لا يعدون مثل ذلك في هذه الأراجيز عيباً، ولا تجد نكيراً لذلك من العلماء، فدلّ على ما قلناه. ثم قال ابن بري: وحكي بعض العروضيين جواز استعمال الحذذ والتسبيغ في مشطور الرجز، أنشد البكري:
(1/64)

أنا ابن حربٍ ومعي مخراق
أضربهم بصارمٍ رقراق
إذ كرهَ الموت أبو إسحق
وجاشت النفسُ على التَّراق
قال ابن بري: وقياسُ مذهب الخليل حمل هذا على الإقواء وهو قبيح هنا. قلت: كأنه يريد أن القوافي لو أطلقت لكنت الأولى محركةً بالضم. والثانية والرابعة متحركتين بالكسر، والثالثة متحركة بالفتح ضرورة أن ((إسحق)) غير منصرف وهو مجرور فيجر بالفتحة، فيلزم اجتماع الفتح مع الضم والكسر وهو قبيح. فإن أراد هذا، وهو الظاهر، قلنا: غير المنصرف يجوز أن يجر بالكسرة للضرورة، فلم لا يجر هنا، على تقدير الإطلاق، بالكسرة للضرورة إذ هو محل ضرورة، وينتفي القبحُ على هذا التقدير. ثم قال ابن بري: وللعرب تصرفٌ واتساع في الرجز لكثرته في كلامهم في مواطن الحرب ومقامات الفخر والملاحاة. قال الزجاج: الرجز وزن يسهل في السمع ويقوم في النفس، ولذلك جاز أن يقع فيه النهك والجزء والشطر. قال: ولو جاء منه شعر على جزء واحد مقفى لا حتمل ذلك لحسن بنائه، كقول عبد الصّمد بنِ المعدل:
قالت خبلْ ماذا الخجلْ هذا الرجلْ حين احتفلْ أهدى بصلْ
فجاء بالقصيدة كلها على مستفعلن كما ترى، وهذا النوع لم يسمع منه شيء للعرب، وأقلُّ ما سمع لهم ما كان على جزأين، كقول دريد بن الصّمة يوم هوزان:
ياليتني فيها جذعْ ... أخبُّ فيها وأضعْ
انتهى كلام ابن يرى.

الرَّملُ
أقول: قال الخليل: سمي بذلك تشبيهاً له برمل الحصير أي نسجه. وقال الزجاج: بالرمل وهو سرعة السير. وقيل: لأن الرَّمل الذي هو نوع من الغناء يخرج على هذا الوزن، قال الصفاقسي: وهو أبعدها. وهو مبني في الدائرة من ستة أجزاء على هذه الصورة: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن، فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن قال:
حبونك سحقاً مالك الخنس فاربعا ففي مقفراتٌ فعلتْ دوا
فصلت قضاها صلبراً وهي أقصدت له واضحاتٌ دونها عذبَ القنا
أقول: الحاء من ((حبونك)) إشارة إلى أن هذا هو البحر الثامن، والباءُ إشارة إلى أن له عروضيين، والواو إشارة إلى أن ستة أضرب. فالعروض الأولى محذوفة، وشذ استعمالها تامة كقول الشاعر:
يا خليلي ّ اعذراني إنني من ... حبّ سلمى في اكتآبٍ وانتحابٍ
وعليه بني أبو الفتح البستى قوله:
ربّ ليلٍ أغمد الأنوار إلا ... نور ثغرٍ أو ندامي أو مدامِ
قد نعمنا بدياجيه إلى أن ... سلّ سيف الصبح من غمد الظلامِ
ولهذه العروض المحذوفة ثلاثة أضرب. الأول صحيح وبيته:
مثل سحق البرد عفَّى بعدك ... القطر مغناه وتأويبُ الَّشمالِ
فقوله ((بعد كل)) هو العروض، وزنه فاعلن، وقوله ((بششمالي)) هو الضرب، وزنه فاعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((سحقا)) . الضرب الثاني مقصور وبيته:
أبلغ النعمان عنّى مألكاً ... أنه قد طال حبسي وانتظارْ
فقوله ((مألكا)) هو العروض، وقوله ((وانتظار)) هو الضرب، وزنه فاعلانْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((مألك)) . الضرب الثالث محذوف مثلها وبيته:
قالت الخنساء لما جئتها ... شاب رأسي بعد هذا واشتهب
فقوله ((جئتها)) هو العروض، وقوله ((وشتهب)) هو الضرب، وزن كل منهما فاعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((الخنس&)) ورخّم في غير النداء للضرورة. العروض الثانية مجزوءة صحيحة، لها ثلاثة أضرب مجزوءة: الأول مسبغ وبيته:
يا خليليَّ اربعا واستخبرا ربعاً بعسفانْ
فقوله ((يرْبعاً وس)) هو العروض، وزنه فاعلاتن، وقوله ((عنبعسفان)) هو الضرب، وزنه فاعلاتان، وبعضهم يعبر عنه بفاعليانْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((فاربعا)) . زعم الزّجاج أن هذا الضرب موقوف على السماع قال: والذي جاء منه قوله:
لان حتَّى الو مشى الذرُّ عليه كاد يدميه
الضرب الثاني مثلها وهو المعرّي وبيته:
مقفراتٌ دارساتٌ ... مثلُ آيات الزبور
فقوله ((دارساتن)) هو العروض، وقوله ((تززبورى)) هو الضرب، وزن كلّ منهما فاعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((مقفرات)) . الضرب الثالث محذوف وبيته:
ما لما قرت به العينان من هذا ثمن
(1/65)

فقوله ((ريبهلعى)) هو العروض، وقوله ((ذا ثمن)) هو الضرب، وزنه فاعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ما لما)) . وزعم الزجاج أنه لم يرو مثل هذا البيت شعراً للعرب. قال ابن بري: يعني قصيدةً كاملةً. ثم زعم- أعني الزجاج- أن لهذا البحر عروضاً ثالثة مجزوءة محذوفة لها ضرب مثلها، وأنشد:
طاف يبغى نجوةً من هلاكٍ فهلكْ
وفيه كلام قد مضى في المديد. ويدخل هذا البحر من الزحاف ما دخل المديد، وهو الخبن ويستحسن، والكفُّ وهو صالح والشكل وهو قبيح. فبيت الخبن:
وإذا رايةُ مجدٍ رفعتْ ... نهض الصَّلتُ إليها فحواها
أجزؤاه كلها مخبونة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((فصلت)) . وبيت الكف:
ليس كلُّ من أراد حاجة ... ثم جدّ في طلابها قضاها
أجزاؤه إلا الضرب مكفوفة. وأشار إلى هذا بقوله ((قضاها)) وبيت الشكل:
إنّ سعداً بطلٌ ممارسٌ ... صابرٌ محتسبٌ لما أصابهْ
جزآه الثاني والخامس مشكولان، وفيهما الطرفان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((صابراً)) ، ويدخل الخبن أيضاً في الضرب المقصور، وبيته:
أقصدت كسرى وأمسى قيصرٌ ... معلقاً من دونه بابُ حديدْ
فقوله ((بحديدْ)) هو الضرب، وزنه فعلانْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أقصدت)) . ويدخل أيضاً الخبن في الضرب المسبغ. وبيته:
واضحاتٌ فارسيّا ... تٌ وأدْمٌ عربياتْ
فقوله ((عربيات) هو الضرب، وزنه فعلاتانْ، أو فعليانْ على الرأيين السابقين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((واضحات)) . وهنا انقضت الدائرة الثالثة وهي دائرة المجتلب على الصحيح كما مر.

السريع
أقول: قال الخليل: سمي سريعاً لأنه يسرع على اللسان. وقيل: لأنه لما كان في كل ثلاثة أجزاء منه لفظ سبعة أسباب، لأن أول الوتد المفروق لفظه لفظ السبب، وكانت الأسباب أسرع من الأوتاد، سمي سريعاً لذلك. قال ابن بري: وهذا معنى قول الخليل. وهو مبنيّ في الدائرة من ستة أجزاء على هذه الصورة: مستفعلن مستفعلن مفعولاتُ، مستفعلن مستفعلن مفعولاتُ قال:
طغى دون شامٍ محولٌ لا لقيل ما به النشر في حافات رحلى قد نما
أردْ من طريفٍ في الطريق وفاءه ولا بدّ إن أخطأت من طلب الرضا
أقول الطاء من ((طغى)) إشارة إلى أن هذا هو التاسع من البحور، والدال من ((دون)) إشارة إلى أن له أربع أعاريض، والواو إشارة إلى أن له ستة أضرب. قال الشريف: ((وينبغي أن يكون ضبط ((طغى)) بضم الطاء وكسر الغين، لأن الياء ملغاة، ولا يصح إلغاء الألف يوقع في الالتباس، إذ قد يتوهم القارئ أنها عبارة عن العروض وأن عروض هذا البحر واحدة، وأما الياء فلا تقع مع إلغائها التباس لأنه قد أخبر قبل أن غاية ما يبلغ به عدد الأعاريض أربع، وذلك قوله قبل هذا: ((وغايتها سين فدال)) ، إذ الدال هنالك عبارة عن أقصى ما يبلغ إليه عدد الأعاريض)) انتهى. قلت ((طغى)) فعل لازم، فإن جعل مبنياً للمفعول لم يكن النائب عن الفاعل في بيت الناظم إلا الظرف، وهو قوله ((دون شام)) ، وفيه نظر، لأن هذا الظرف نادر التصرف، والظرف النائب عن الفاعل لا بد أن يكون متصرفاً على المختار. فإن قلت: بناؤه للفاعل يستدعى كونه بالألف فيقع الإلباس المحذور كما قال الشارح فكيف السبيل إلى دفعه؟ قلت: هذا الفعل فيه لغتان إحداهما طغى طغوا، بفتح الطاء والغين وبعدها ألف منقلبة عن واو، فالإلباس على هذا التقدير متوقع، الثانية ((طغى)) طغياناً بفتح الطاء وكسر الغين وياء بعدها، فإنما يكتب على هذا الوجه بالياء، ولك على اللغة الطائية أن تفتح الغين فتنقلب الياء ألفاً على حد قولهم في ((بقى)) ، بقى، ((ورضى)) رضى. فإما أن يضبط ما في كلام الناظم على اللغة الثانية ويكون إسكان الياء ضرورةً، وإما أن يضبط بفتح الطاء والغين ويكتب بالياء بناءً على أنه من ذوات الياء وبناؤه على فعل بفتح العين على اللغة الطائية، ويزول الإلباس على هذا باعتبار الخط، فتأمله. العروض الأولى مطوية مكشوفة لها ثلاثة أضرب: الأولى مطوى موقوف، وبيته:
أزمانَ سلمى لا يرى مثلها ... الراؤن في شامٍ ولا في عراقْ
(1/66)

فقوله ((مثلهر)) هو العروض، ووزنه فاعلن، كان أصله مفعولاتُ فكشف بحذف التاء، وطوى بحذف الواو فصار مفعلا، فنقل إلى فاعلن. وقوله ((في عراقْ)) هو الضرب، ووزنه فاعلان، وقفَ بإسكان التاء وطوى بحذف الواو فصار مفعلاتْ، فنقل إلى فاعلانْ. وأشار على هذا الشاهد بقوله ((شام)) . الضرب الثاني مثل العروض مكشوفٌ مطوى، وبيته:
هاج الهوى رسمٌ بذات الغضا ... مخلولقٌ مستعجمٌ مُحولُ
فقوله ((تلغضا)) هو العروض، وقوله ((محولو)) هو الضرب، وزن كلّ منهما فاعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((محول)) ز الضرب الثالث أصلم، وبيته:
قالتولم تقصد لقيل الخنا ... مهىً فقد أبلغت أسماعي
فقوله ((للخنا)) هو العروض، وقوله ((ماعى)) هو الضرب وزنه ((فعلن)) ، كان في الأصل مفعولات فدخله الصّلم بحذف ((لات)) منه فبقي مفعو فُنقل إلى فعلن بإسكان العين. واشار إ'لى هذا الشاهد بقوله ((لقيل)) . العروض الثانية مخبولة مكشوفة لها ضرب واحد مثلها، وبيته:
النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطرافُ الأكفّ عنمْ
فقوله ((هُدنا)) هو العروض، وقوله ((فعنم)) هو الضرب، وزن كل منهما فعلن بتحريك العين، وذلك لأن أصله مفعولات كشف بحذف تائه وخبل بحذف فائه وواوه فصار معلا فنقل إلى فعلن بتحريك العين. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((النشر)) . العروض الثالثة مشطورة موقوفة ضربها مثلها وبيته.

ينصحنَ في حافاته بالأبوالْ
فقوله ((بالأبوال)) وزنه مفعولانْ، وهو الضرب. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((حافات)) . العروض الرابعة مشطورة مكشوفة ضربها مثلها وبيته:
يا صاحبيْ رحلى أقلاّ عذلى
فقوله ((لا عدْلى)) وزنه مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((رحلى)) . ويدخل هذا البحر من الزّحاف الخبن والطي والخبل. فالخبن فيه صالح، والطي حسن، والخبل قبيح. وذهب أبو الحسن بن سبع رحمه الله إلى أن الخبن فيه حسن، والطي صالح، على العكس من رأي الخليل، وإليه ذهب صاحب العقد. والذوق السليم يشهد للخليل، فبيت الخبن:
أردْ من الامور ما ينبغي ... وما تطيقهُ وما يستقيم
كل مستفعلن فيه مخبون. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أرد)) . وبيت الطي:
قال لها وهو بها عالمٌ ... ويحك أمثال طريفٍ قليلْ
كل مستفعلن فيه مطوي. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((طريف)) . وبيت الخبل:
وبلدٍ قطعهُ عامرٌ ... وجملٍ نحره في الطريقْ
كل مستفعلن فيه مخبول. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((في الطريق)) . ويدخل الخبن أيضاً في المشطور الموقوف، وبيته:
لابدّ منهُ فانحدْرن وارقين
فقوله ((نورقين)) وزنه فعولان. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ولابد)) ويدخل أيضاً الخبن في المشطور المكشوف وبيته:
يا ربِّ إنْ أخطأت أو نسيتُ
فقوله ((نسيتُ)) وزنه فعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((إنْ أخطات)) . ((تنبيهات)) الأول: أثبتَ بعضهم للعروض الثانية ضرباً أصلم كقوله:
يا أيها الزارى على عُمرٍ ... قد قلت فيه غير ما تعلمْ
وعلى ذلك مشى ابن السقاط وابن الحاجب وكثير من العروضيين. قال ابن بري: ويجوز اجتماع هذا الضرب الأصلم مع الضرب الآخر في قصيدة واحدة كقول المُرقّش:
االنشر مسكٌ والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنمْ
مع قوله:
ليس على طول الحياة ندم ... ومن وراء الموتِ ما يعلمُ
قال: وإنما جاز ذلك في السريع لأنه صير فيه مفعولات بالخبل والكشف إلى فعلن بكسر العين، فكأنه في الأصل فعلن فسكّن تخفيفاً كما فعل ذلك في فعلن الناشئ عن متفاعلن بالحذذ والإضمار، وإلى هذا نحا الزجّاج. قال ابن بري: وفيه نظر، لأنه قاس فعلن في السريع، في جواز تسكينه على فعلن في الكامل والأمر فيهما مختلف، فإن العين في الكامل ثاني سبب فيجوز إسكانها بالإضمار، وهي في فعلن في السريع أول سبب، وأوائل الأسباب لا تغير
(1/67)

واعترضه الصفاقسي بأن عين فعلن المتحركة في هذا البحر إنما هي أول سبب نظراً إلى الجزء الأصلي، وأما بعد دخول الخبل والكشف فيه فقد صارت ثاني سبب فلم قلم إن زحافها نظراً إلى ما صارت إليه ممتنعٌ لا بد له من دليل؟ ألا أن الجمهور لا يجوزون خرم بيتٍ أوله سبب فإذا زوحف السبب بحذف ثانيه فصار أول الجزء على هيئة الوتد المجموع أجازوه فيه نظراً إلى ما صار إليه؟ فكذلك نقول في هذا. قلت: لا نسلّم أن ثاني فعلن بعد خبل الجزء وكشفه صار ثاني سبب ثقيل، ويكاد القول بذلك يكون خرقاً لإجماعهم، وأما نسبة القول بجواز الخرم فيما صارفي المآل على هيئة وتد مجموع إلى الجمهور فباطلةٌ، بل الجمهور على خلافها. التنبيه الثاني: إنما لم يستعمل مفعولات في السريع على أصله لضعفه بالوتد المفروق الذي أوله يشبه لفظ السبب، فاستعمل في العروض مطوياً مكشوفاً ليقع وسط البيت ما فيه لفظ الوتد وهو فاعلن ثم غير الضرب لأن بقاءه على أصله يؤدي إلى الوقوف على المتحرك. التنبيه الثالث: إنما لم يدخل الجزء في هذا البحر لئلا يلتبس بمجزوء الرّجز. وما ورد من مستفعلن مربّعاً حُمل على أنه من الرجز، لأن هذا الجزء المحذوف حينئذ من الرجز موافق للباقي فيكون دليلاً عليه ولا كذلك في السريع، قاله الزجّاج.

المنسرحُ
أقول: قال الخليل: سمي بذلك لانسراحه وسهولته. وقيل: لانسراحه هما يلزم أضرابه، وذلك لأن مستفعلن إذا وقع في الضرب فلا مانع يمنعه من أن يأتي على أصله إلا في المنسرح فإنه امتنع فيه أن يأتي إلا مطويا. واعترضه ابن بري بأن قصره على استعماله مطويا ضدّ الانسراح. قال الصفاقسي: وفيه نظر. وهو مبني في الدائرة على ستة أجزاء على هذه الصورة: مستفعلن مفعولاتُ مستفعلن، مستفعلن مفعولاتُ مستفعلن قال:
يلجّج يفشى صبر سعدٍ بذي سمي على سمتِ سولاف به الإنس قد يرى
أقول: الياء من ((يلجج)) إشارة إلى أن هذا البحر هو العاشر من البحور، والجيم الأولى إشارة إلى أن له ثلاث أعاريض، والجيم الثانية إشارة إلى أن له ثلاثة أضرب. العروض الأولى صحيحة لها ضرب واحد مطوي، وبيته:
إن ابن زيدٍ لازال مستعملاً ... للخير يفشى في مصرهِ العُرفُا
فقوله ((مستعملا)) هو العروض، وزنه مستفعلن، وقوله ((هْلُعرفا)) هو الضرب وزنه مفتعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((يفشى)) . قال الصفاقسي: والتزام طيّ هذا الضرب مع تمام عروضه بنقص ما أصلوه من أن الضرب لا تكون حركاته المتوالية أكثر من حركات عروضه المتوالية. وقد مر هذا في الطويل فتنبه له. العروض الثانية منهوكة موقوفة وضربها مثلها، وبيته:
صبراً بني عبد الدارْ
فقوله ((عبد دارْ)) وزنه ((مفعولان)) وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((صبر)) . العروض الثالثة منهوكة مكشوفة وضربها مثلها، وبيته:
ويل أمّ سعدٍ سعداً
فقوله ((دنسعدن)) وزنه مفعولن، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((سعد)) . والأخفش يعدّ هذا والذي قبله من الكلام الذي ليس بشعر جرياً على أصل مذهبه. قال ابن بري: والصحيح أنه شعر لأنه مقفى جارٍ على نسبة واحدة في الوزن فإنه قال:
ويل ام سعدٍ سعدا صرامةً وحدَّا وسؤدداً ومجدا وفارساً معدَّا سدَّ به مسدّا
ويدخل هذا البحر من الزحاف الخبن والطيّ والخبل. والطيّ فيه حسن، والخبن صالحٍ، إلا في مفعولات فإنه فيه قبيح، والخبل قبيح، والطي ممتنع في العروض الثانية والثالثة لقرب محله من الوتد المعتل، والخبل أيضاً ممتنع في العروض الأولى لما يؤدي إليه من اجتماع خمس متحركات، فإن الجزء الذي قبلها مفعولات وآخره متحرك فلو خبلت العروضُ لاجتمع فيها بالخبل أربعُ متحركات وقبلها حركة آخر مفعولات فتلتقي الخمسُ، وهو لا يتصور في شعر عربي أصلاً. فبيت الخبن:
منازلٌ عفا هنَّ بذي الأرا ... ك كلُّ وابلٍ مسبلٍ هطل
أجزاؤه كلها إلا الضرب مخبونة. وأشار إلى الشاهد بقوله ((بذي)) . وبيت الطي:
إنّ سُميراً أرى عشيرتهُ ... قد حدبوا دونه وقد أنفوا
(1/68)

أجزاؤه كلها مطوية. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((سمى)) . فإن قلت: جرت عادته في الرمز للشواهد بأن يقتطع كلمةً فصاعدا من بيت الشاهد يشير بها إليه، وهنا اقتطع بعض كلمة فخالف عادته، قلت: إنما اقتطع في الحقيقة كلمةً ولكنه رخّم في غير النداء للضرورة، وقد مرّ له مثله في بحر الرمل. وبيت الخبل:
وبلدٍ متشابهٍ سمتهُ ... قطعهُ رجلٌ على جملهْ
أجزاؤه ما عدا العروض والضرب مخبولة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((سمت)) . وبيت الخبن في العروض الثانية:
لمّا التقوا بسولافْ
فقوله: بسولافْ وزنه فعولانْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((سولاف)) وبيت الخبن في العروض الثالثة:
هل بالديار إنسُ
فقوله ((رإنسو)) وزنه فعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله الإنس. ((تنبيه)) حكوا للعروض الأولى ضرباً ثانياً مقطوعاً أنشد منه التبريزي وزعم أنه من الشعر القديم: ذاك وقد أذعرُ الوحوش بصلت الخدّ رحبٍ لبانهُ مجفرْ وأنشد منه الزجاج وقال إنه ليس بقديم:
ما هيّج الشوق من مطوَّقة قامت على بانةٍ تغنينا
قال ابن بري: وهذا الضرب مما استحسنه المحدثون وأكثروا منه لحسن اتساقه وعذوبة مساقه، حتى استعملوه غير مردوف، كقول ابن الرومي من قطعة:
لو كنت يومَ الوداع شاهدنا ... وهنّ يطفينَ لوعةَ لوجد
لم ترَ إلا دموع باكيةٍ ... تسفح من مقلةٍ على خدِّ
كأن تلك الدموع قطر ندىً ... يقطر من نرجسٍ على وردِ
الخفيف
أقول: قال الخليل سمي خفيفاً لأنه أخف السباعيات. وقيل لأن حركةَ الوتد المفروق فيه اتصلت بحركات الأسباب فخفتْ لتوالي لفظ ثلاثة أسباب، وهذا في الحقيقة ليس مغايراً لقول الخليل، بل هو كالتفسير له، والله اعلم. وهذا البحر مبني في الدائرة من ستة أجزاء على هذه الصورة: فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن، فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن قال:
كفيت جهاراً بالسِّخال الرَّدى فإن ... قدرنا تجد في أمرنا خطب ذي حمى
فلم يتغير يا عُميرُ وصالها ... جحا جحةٌ في حبلها علقوا معا
أقول الكاف من ((كفيت)) إشارة إلى أن هذا هو البحر الحادي عشر، والجيم من قوله ((جهارا)) إشارة إلى أن له ثلاث أعاريض، والهاء إ'شارة إلى أن له خمسة أضرب. فالعروض الأولى صحيحة لها ضربان الأول مثلها، وبيته:
حلّ أهلي ما بين دُرنا فبادو ... لي وحلَّت علويةً بالسخالِ
قوله ((نافبادو)) هو العروض، وقوله ((بسخالي)) هو الضرب، وزن كلّ منهما فاعلاتن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((بالسخال)) . والضرب الثاني محذوف، وبيته:
ليت شعري هلْ آتينهمْ ... أم يحولن من دون ذاك الَّدى
فقوله ((آتينهم)) هو العروض، وقوله ((كرردى)) هو الضرب، وزنه فاعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((الردى)) . العروض الثانية محذوفة ولها ضرب واحد مثلها وبيته:
إن قدرنا يوماً على عامرٍ ... ننتصفْ منه أو ندعه لكمْ
فقوله ((عامرنْ)) هو العروض، وقوله ((هو لكم)) هو الضرب، وزن كل منهما ((فاعلن)) . وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((فإن قدرنا)) . العروض الثالثة مجزوءة صحيحة لها ضربان الأول مثلها وبيته:
ليت شعري ماذا ترى ... أمُّ عمرو في أمرنا
فقوله ((ماذا ترى)) هو العروض وقوله ((في أمرنا)) هو الضرب، وزن كل منهما مستفعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله في أمرنا. الضرب الثاني مقصور مخبون وبيته:
كلّ خطبٍ إن لم تكو ... نوا غضبتم يسير
فقوله ((إن لم تكو)) هو العروض وقوله ((يسيرو)) هو الضرب، وزنه فعولن، وذلك لأن أصله مستفع لن فحذفت سينه بالخبن، وأُسقطت نونه وأُسكنت لامه بالقصر، فصار متفعلْ فنقل إلى فعولن. ومستفع لن هذه مفروقة الوتد كما تقدم، فمن هنا استبان لك دخول القصر فيها. وقد وقع لبعضهم التعبير هنا بالقطع وهو سهَوْ. وأشار الناظم إلى هذا الشاهد بقوله خطب. ويدخل هذا البحر من الزحاف الخبن وهو حسن، والكف وهو صالح، والشكل وهو قبيح، وفيه المعاقبة بين نون فاعلاتن وسين مستفع لن، وبين نون مستفع لن والف فاعلاتن بعده، فيتصور فيه الصدر والعجز والطّرفان، فالخبن في مستفع لن صدر، والكف فيه أو في فاعلاتن عجز، والشكل في مستفع لن أو فاعلاتن إذا وقع وسطاً طرفان. فبيت الخبن:
(1/69)

وفؤادي كعهده لسليمى ... بهوىً لم يزل ولم يتغيرْ
وأجزاؤه كلها مخبونة. وأشار الناظم إلى هذا الشاهد بقوله ((فلم يتغير)) . وبيت الكف:
يا عُمير ما تظهر من هواك ... أو تُجِنُّ يستكثر حين يبدو
أجزاؤه كلها إلا الضرب مكفوفة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((يا عمير)) . وبيت الشكل:
صرمتكَ أسماء بعدَ وصالها ... فأصبحت مكتبئاً حزينا
أجزاؤه الأول والثالث والخامس مشكولة. وأشار الناظم إلى هذا الشاهد بقوله ((وصالها)) . ويدخل الضرب الأول التشعيث. وقد مرَّ تفسيره والكلام عليه فيما أجرى من العلل مجرى الزحاف، وبيته:
إنّ قومي جحا جحةٌ كرامٌ ... متقادمٌ عهدهم أخيارُ
فقوله ((أخيارو)) هو الضرب، وزنه مفعولن، وفيه مع ذلك أيضاً الشكل بالجزء الثاني والجزء الرابع، وفي كل منهما الطرفان. وأشار الناظم إلى هذا الشاهد بقوله ((جحا جحة)) . ويدخل الخبن في الضرب المحذوف، وبييته:
والمنايا من بين سارٍ وغادٍ ... كلُّ حيٍّ
كلُّ في حبلها علقُ
فقوله (علقو)) وزنه فعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((في حبلها)) . ((تنبيه)) استدرك بعض العروضيين لهذا البحر عروضاً مجزوءة مقصورة مخبونة لها ضرب مثلها وجعل منها قول أبي العتاهية:
عُتْبُ ما للخيال ... خبريني ومالي
ويحكى أن أبا العتاهية لما قال أبياته التي هذا أولها قيل له خرجت عن العروض. فقال: أنا سبقت العروض.

المضارعُ
أقول: قال الخليل: سمي بذلك لمضارعته المقتضب في أن أحد جزأيه مفروق الوتد. وقيل: لأنه ضارع الهزج في أنه مجزوء وأن وتده المجموع تقدم على سببيه. وقال الزجاج: لمضارعته المجتثَّ في حال قبضه. وهذا البحر مبني في الدائرة من ستة أجزاء على هذه الصورة: مفاعيلن فاع لاتن مفاعيلن، مفاعيلن فاع لاتن مفاعيلن قال:
لماذا دعاني مثل زيدٍ إلى ثنا ... فإن تدن منه شبراً أذكر إليه ذا
أقول: اللام من قوله ((لما)) إشارة إلى أن هذا البحر هو الثاني عشر من البحور، والميم ملغاة والألف منه إشارة إلى أن له عروضاً واحدة، والألف من قوله ((ذا)) إشارة إلى أن له ضرباً واحداً. فالعروض مجزوءة صحيحة وضربها مثلها، وبيته:
دعاني إلى سعادٍ ... دواعي هوى سعادِ
فقوله ((لا سعادن)) هو العروض، وقوله ((واسعادي)) هو الضرب، وزن كل منهما فاع لاتن وهي مفروقة الوتد لما علمته. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((دعاني)) . وبين ياء مفاعيلن ونونها في هذا البحر مراقبةٌ كما تقدم، فلا يثبتان معاً ولا يحذفان معاً، والواجب حذف أحدهما لا على التعيين. والبيت النتقدم شاهد على الكف وهو حذف النون من مفاعيلن. وبيت القبض:
وقد رأيت الرجالَ ... فما رأى مثل زيد
وفيه أيضاً شاهدٌ على كف العروض. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((مثل زيد)) . ويدخل الجزء الأول من هذا البحر الشَّتْرُ والخرب. فبيت الشتر:
سوف أُهدى لسلمى ... ثناءً على ثناء
فقوله ((سوف أه)) وزنه فاعلن. دخله الشتر وهو اجتماع الخرم والقبض وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ثنا)) . وبيت الخرب:
إنْ تدن منه شبراً ... يُقربك منه باعا
فقوله ((إن تدن)) وزنه مقعول، اجتمع الخرم والكف، وهو المسمى بالخرب، فيصير مفاعيلن على فاعيل فينقل إلى مقعول. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((فإن تدن منه شبرا)) . ((تنبيه)) زعم بعض العروضيين أنه يجوز في هذا البحر تركُ المراقبة، وأنشد على ذلك:
بنو سعدٍ خير قومٍ ... لجاراتٍ أو معان
ولا حجة فيه لأن قائله مولّد. هكذا قالوا. وحكى الجواهري اجتماع القبض والكف فيه، وأنشد:
أشاقك طيفُ ما مهْ ... بمكة أم حمامهْ
جزوء الأول والثالث مقبوضان مكفوفان، ولا جحةَ فيه لجواز أن يكون من مشكول المجتث، أو من العروض المجزوءة المقطوفة التي حكاها الأخفش للوافر. وأنكر الأخفش أن يكون المضارع والمقتضب من شعر العرب وزعم أنه لم يسمع منهم شيء من ذلك. قلت وهو محجوج بنقل الخليل. قال الزجاج: هما قليلان حتى إنه لا يوجد منهما قصيدة لعربي، وإنما يروى من كل واحد منهما البيت والبيتان، ولا يُنسب بيت منهما إلى شاعر من العرب ولا يوجد في أشعار القبائل.

المُقتضب
(1/70)

أقول: قال الخليل: سُمي بذلك لأنه اقتضب من الشعر، أي اقتطع منه. وقيل: لأنه اقتضب من النسرح على الخصوص، وذلك لأن المنسرح كما سبق مبنيّ في الدائرة من مستفعلن مفعولاتُ مستفعلن ومثلها، والمقتضب مبنيّ في الدائرة من مقعولات مستفعلن مستفعلن ومثلها، وليس بينهما إلا تقدم مفعولات في المقتضب وتوسطه في المنسرح، فكأن المقتضب مقتطع منه إذا حذف من أوله مستفعلن. قال ابن بري: ويحتمل أن يكون هذا تفسيراً لقول الخليل. قال:
وما أقبلتْ إلا أتانا بوصلها ... مبشرنا يا حبذا ما به أتى
أقول: الواو من قوله ((وما)) ملعاة ولا يقع بها التباس، لأن اعتبار الترتيب في الأحرف المرموز بها للبحور قاضٍ بإلغاء الواو في هذا المحلّ ضرورة أنّ اللام التي فرغ منها ليس بعدها الواو، وإنما بعدها الميم، فحينئذ تكون الواو لغواً والميم هي المرموز بها فتكون إشارة إلى أن هذا البحر هو البحر الثالث عشر. والألف من ((وما)) إشارة إلى أن له عروضاً واحدةً، والألف من ((أقبلت)) إشارة إلى أن له ضرباً واحداً وكلاهما مجزوء مطوي، وبيته:
أقبلتْ فلاحَ لها ... عارضانِ كالبرَد
فقوله ((لاح لها)) هو العروض، وقوله ((كالبرد)) هو الضرب، وزن كلّ منهما مفتعلن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أقبلت)) . وهذا من عجيب صنع الناظم في هذه المقصورة، فإن بعض هذه الكلمة وهو الألف رَمَزَ بها للضرب كما سلف وكلها رمز بها للشاهد. وفي هذ البحر المراقبة بين فاء مفعولات وواوها فلا يحذفان معاً ولا يثبتان معاً. وسببُ ذلك أما في مفعولات الأولى فلأن ساكني سببها ليس لهما ما يعتمدان عليه إلا الوتد المفروق فلم يقوَ لاعتمادها عليه جميعاً، وأما في مفعولات التي في الحشو فكأنهم قصدوا تشبيهاً بالأولى فأجروها في المراقبة مجراها. وقد حكى بعضهم سلامة مفعولات الأولى والأخيرة فلم يراع المراقبة في شيءٍ منهما، وأنشدوا منه:
لا أعوك من بعدٍ ... بل أدعوك من كثبِ
ويدخل هذا البحر من الزحاف الخبن والطيّ في مفعولات، وأما العروضُ والضرب فقد تقدم أن طَّيهما واجب. وبيت الزِّحاف في مفعولاتُ:
أتانا مبشرنا ... بالبيان والنذُّرِ
فقوله ((أتانام)) وزنه فعولات، فهذا مفعولات خبن بحذف فائه فصار معولات فنقل إلى فعولات، وقوله ((بلبيان)) وزنه فاعلات، وأصله مفعولات طوى بحذف واوه فصار مفعُلات فنقل إلى فاعلاتُ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أتانا مبشرنا)) وقد تقدم أن الأخفش أنكر هذا البحر كالمضارع، وقد تقدم الكلام معه في ذلك.

المجتثُّ
أقول: قال الخليل: سُمي بذلك لأنه اجتث أي قطع من طويل دائرته. وقال الزجاج: هو من القطع، وهو ضدّ المقتضب لأن المقتضب اقتضب له الجزء الثالث بأسره والمجتثُّ اجتث منه أصل الجزء الثالث فنقص منه. وقال ابن واصل إنما سُمي مجتثاً أخذاً من الاجتثاث الذي هو الاقتطاع، فلما كان منّقطعاً في دائرة المشتبه من بحر الخفيف كان مجتثاً منه، والمخالفة بينه وبين الخفيف من حيث التقديم والتأخير. وهذا البحر، أعني المجتث، مبني في الدائرة من ستة أجزاء على هذه الصورة: مستفع لن فاعلاتن فاعلاتن، مستفع لن فاعلاتن فاعلاتن قال:
نقاً أمْ هلالٌ من علقتَ ضمارهمْ ... أولئكَ كلٌّ منهم السيِّدُ الرضا
أقول: النون من قوله ((نقا)) إشارة إلى أن هذا البحر هو الرابع عشر، والقاف ملغاة والألف منها إشارة إلى أن له عروضاً واحدة، والألف من قوله ((أم)) إشارة إلى أن له ضرباً واحداً، وبيته:
البطنُ منها خميصٌ ... والوجهُ مثلُ الهلالِ
وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((هلال)) . ويجري في هذا البحر ما جرى في الخفيف من خبن وكفّ وشكل، وتجري فيه المعاقبة والصدرُ والعجزُ والطّرفان. والمعاقبة هنا بين نون مستفع لن وألف فاعلاتن. وحذفُ ألف فاعلاتن لاعتمادها على وتدٍ مجموع بعديّ وتقع بين نون فاعلاتن وسين مستفع لن. ويمكن أن يكون حذفُ النون أولى لأن الوتد الذي اعتمدتْ عليه السين وغن كان بعدياً فإنه مفروق. وقد استبان لك بما ذكرناه تصورُ الطرفين إما في العروض أو في الجزء الذي بعدها. فبيت الخبن:
ولو علقتَ بسلمى ... علمتَ أن ستموتُ
أجزاؤه كلها مخبونة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((علقت)) . وبيت الكف:
(1/71)

ما كان عطاؤهنَّ ... إلا عدةً ضمارا
أجزاؤه كلها مكفوفة إلا الضرب. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ضمارهم)) . وبيت الشكل:
أولئك خيرُ قومٍ ... إذا ذُكر الخيارُ
الجزء الأول والثالث كلّ منهما مشكولٌ، لكن الطرفان في الثالث، والعجز في الأول. فإن قلت لِمَ كان كذلك؟ قلتُ لأن الجزء الأول حذف سينه بالخبن ليس لمعاقبة سببٍ قبله إذ لا سبب قبله، وهو ظاهر، وحذف نونه لمعاقبة ثبات الألف من فاعلاتن الواقعة عروضاً، فالحذف الذي هو لأجل المعاقبة إنما وقع في عجز الجزء فسُمي عجزاً كما تقدم. وأما مستفع لن الذي هو أول النصف الثاني فإن سينه حُذفت لثبات نون فاعلاتن قبله، ونونه حُذفت لثبات ألف فاعلاتن بعده، فالمعاقبة فيه ظاهرة، وتحققَ الطرفان لوقوع الحذف في طرفي الجزء. وقد أشار الناظم إلى هذا الشاهد بقوله ((أولئك)) . وقد سبق في باب ما أُجري من العلل مجرى الزحاف التنبيه على أن التشعيث يدخل في ضرب المجتث، ويجوز اجتماعه مع جزء آخر غير مشعث لأنه أُجري مجرى الزحاف. وبيته:
لِمْ لا يعي ما أقولُ ... ذا السيدُ المأمولُ
فقوله ((مأمولو)) هو الضرب، وزنه مفعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((السيد)) . وأنشد التَّبريزي من هذا النوع:
على الديار القفار ... والنؤى والأحجارِ
تظل عيناك تجري ... بواكفٍ مدرار
فليس بالليل تهدا ... شوقاً ولا بالنهارِ
ولا يجوز خبن هذا الجزء المشعث كما تقدم في الخفيف. وهنا تمت الدائرة الرابعة وهي المشتبه على المذهب المختار.

المتقارب
أقول: قال الخليل: سُمي بذلك لتقارب أجزائه لأنها خماسية. وقال الزجّاج: لتقارب أسبابه من أوتاده، وقيل لتقارب أوتاده، وكلاهما ظاهر، فإنّ بين كل سببين وتداً وبين كل وتدين سبباً، فالأسباب تقارب بعضها من بعض، وكذلك الأوتاد. وهو مبنيّ في الدائرة من ثمانية أجزاء على هذه الصورة: فعولن فعولن فعولن فعولن، فعولن فعولن فعولن فعولن وما ألطف قول الشيخ جمال الدين بن نباتة المصري يداعب شخصاً يسمى عثمان:
إذا جاء عثمان مستخبراً ... عن المتقارب وزناً فقولوا
ثقيلٌ ثقيل ثقيل ثقيل ... ثقيل ثقيل ثقيل ثقيلُ
قال:
سبوْ الابنِ مُرٍّ نسوةً ورووا لميةٍ ... دِمنةً لا تبتئسْ فكذا قضى
أفاد فجاد ابنا خداشٍ برفدهِ ... وقلت سداداً فيه منك لنا حلاٍ
أقول. السين من ((سبوا)) إشارة إلى أن هذا البحر هو البحر الخامس عشر، وهو خاتمة البحور عند الخليل وإياه اتبع الناظم، والباءُ إشارة إلى أن له عروضين، والواو إشارة إلى أن له ستة أضرب. فالعروض الأولى تامة لها أربعة أضرب أو لها مثلها وبيته:
فأما تميمٌ تميم بنُ مُرٍّ ... فألفاهمُ القومُ روبى نياما
فقوله ((نُمُررن)) هو العروض، وقوله ((نياماً)) هو الضرب، وزن كلّ منهما فعولن. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لابن مر)) . الضرب الثاني مقصور وبيته:
ويأوى إلى نسوةٍ بائساتٍ ... وشععثٍ مراضيع مثل الَّعالْ
فقوله ((ئساتن)) هو العروض، وقوله ((سعالْ)) هو الضرب، وزنه فعولْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((نسوة)) . الضرب الثالث محذذوف وبيته:
وأروى من الشعر شعراً عويصاً ... يُنَسّى الرواة الذي قد رووا
فقوله ((عويصن)) هو العروض، وقوله ((رووا)) هو الضرب، وزنه فعلْ. كان أصله فعولن فذهب سببه الخفيف فيبقى فنقل إلى فعل وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((ورووا)) . الضرب الرابع أبتر وبيته:
خليليَّ عُوجا على رسمِ دارٍ ... خلتْ من سُليمى ومن ميَّهْ
فقوله ((مدارن)) هو العروض، وقوله ((يهْ)) هو الضرب وزنه فل أو فَعْ، كان أصله فعولن فحذف سببه ثم قُطع وتده فذهبت واوه وسكنت عينه فبقي فع، فبعضهم يقرّه على هذه الصيغة وبعضهم يعبر عنه بفلْ وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لمية)) . العروض الثانية مجزوءة محذوفة لها ضربان الأول مثلها وبيته:
أمنْ دمنةٍ أقفرتْ ... لسلمي بذات الغضى
فقوله ((فرتْ)) هو العروض وقوله ((غضا)) هو الضرب، وزن كلّ منهما فعلْ. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((دمنة)) . الضرب الثاني أبتر، وبيته:
تعفَّف ولا تبتئسْ ... فما يُقضَ يأتيكا
(1/72)

فقوله ((تئس)) هو العروض، وقوله ((كا)) هو الصضرب، وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((لا تبتئس)) . وهذا الضرب الأبتر لهذه العروض الثانية مختلفٌ فيه، فحكاه بعضهم عن خلف الأحور، وحكاه بعضهم عن الخليل. ومنهم من لم ينقله عنه، قال بعضهم: والصحيح نقله عنه، لأن الأخفش والزجاج أثبتاه في كتبهما ولم يتعرضا لنفيه عن الخليل، ولو لم يكن قاله لنبّها عليه كما جرت عادتهما. قلت: وفي نسبة النقل إلى الخليل بهذه القرينة نظر. والناظم تبع من أثبت هذا الضرب. ويدخل هذا البحر من الزحاف القبض إلا في الجزأين اللذين قبل الضربين الأبترين، وهما الضرب الرابع والضرب السادس، فإنه لا يدخلهما عند الخليل، وخالفه الأخفش والزجّاج، واعتلوا للخليل بأن الضربين الأبترين لم يبقيا إلا على هيئة سببٍ خفيفٍ فلا يقبض حينئذ ساكن الجزء الذي قبله لفقدان ما يعتمد عليه. قال الصفاقسي: وهذا الاعتلال لا يستقيم على أصل الخليل لأن الاعتماد عنده على الوتد القبليّ جائز، فلمَ لايجوز أن يحذف لاعتماده على الوتد الذي قبله معه في الجزء. وأما الأخفش فالمشهور عنه دخول القبض فيه، هكذا حكى الزجاج عنه واستحسنه، وحكاه أيضاً النديم، وحكى عنه بعضُ العروضيين التفرقةَ بين الضرب الرابع فيجيزه في تاجزء الذي قبله، وبين الضرب السادس فيمنعه في الجزء السابق له، واعترض بعدم الفارق لأن الوتد البعديّ معتلّ فيهما فإن صلحَ علةً لمنع قبض ما قبله كان المنع فيهما وإلا فالجواز فيهما. وأجاب عنه أبو الحكم بمنع استقلال ما ذكر بالعلّية، بل هو جزء علة والعلة هي المجموع الوكب من ذلك ومن اعتلال بيته بكونه مجزوءاً، وهذا المجموع ليس موجوداً في الضرب الرابع فلم يمتنع قبضُ الجزء الذي قبله. ثم اعترض أبو الحكم على الأخفش بأن الجاري على مذهبه منعَ القبض فيهما لأن الاعتماد عنده لا يكون إلا عاى الوتد البعديّ، وقد اعتلّ بصيرورته على هيئة السبب فلا يقبض حينئذ ماقبله. قال الصفاقسي ولقائل أن يمنع أن اختلال الوتد عنده مانعٌ من الاعتماد، ولِمَ لا يجوز أن يكون المعتبر عنده في الاعتماد كونَ البعديَ وتداً غما في الحال أو في الأصل، ويحملُ مذهبه على هذا جمعاً بين كلاميه. وحكى أبو الحكم عن الخليل أيضاً أنه لا يجيز القبض في الجزء الذي قبل الضرب الخامس، قال: لأنه قد دخله الحذف مع ما فيه من الاعتلال بكونه مجزوءاً. قال الصفاقسي: ويلزم على هذه العلة منع القبض في الجزء الذي قبل عروضه لوجود هذه العلة فيه، ولم أر أحداً حكاه عن الخليل، وقد التزمه بعض المتأخرين. وحكى أيضاً عن بعض العروضيين منع قبض الجزأين اللذين قبل الضرب الثاني والثالث وهما المقصور والمحذوف، واعتراضه بأن الموجب لذلك فيما تقدم مفقودٌ هنا، فلا ينبغي أن يلحق به. وهل القبض في هذا البحر أحسن من التمام لكثرته فيه أو التمام أحسن من القبض لأن الأول تكثر السواكن فيه ولهذا جمعوا فيه بين ساكنين كما تقدمتْ حكايته عن بعضهم؟ فيه خلاف. فبيت القبض:
أفاد فجاد وساد فزاد ... وقاد فذاد وعاد فأفضلْ
أجزاؤه كلها إلا الضرب مقبوضة. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((أفاد فجاد)) . ويدخل الجزء الأول من البيت في هذا البحر الثَّلم والثّرم. فبيت الثّلم:
لولا خاشٌ أخذت جمالا ... تِبكرٍ ولم أعطه ما عليها
فقوله ((لولا)) أثلم وزنه فعلن بإسكان العين وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((خداش)) : وبيت الثرم:
فلتُ سداداً لمن جاءني ... فأحسنت قولاً وأحسنت رأياً
قوله ((قلت)) أثرم وزنه فعل. وأشار إلى هذا الشاهد بقوله ((وقلت سداد)) . فإن قلت: قد تقدمَ في باب ما أجرى من العلل مجرى الزِّحاف أن العروض الأولى يدخلها الحذف وهو علة لكنه يعامل فيها معاملة الزحاف فلا يكون لازماً بل يدخل في بيتٍ ولا يدخل في آخر وذلك في القصيدة الواحدة، فهلاً أشار بكلمة إلى شاهدٍ لذلك فهذا محله؟ قلتُ: بيتُ الثرم الذي أنشدناه آنفاً وهو قوله:
قلتُ سداداً لمن جاءني000إلخ
(1/73)

يتضمن دخول الحذف في العروض، وذلك لأن قوله ((أنى)) جزء محذوف وزنه فعل، وهو العروض الأولى من هذا البحر، فلعل الناظم اكتفى به عن الإتيان بشاهدٍ لمحض الحذف على حدته، فتأمل. وهذا آخر الكلام على بحر المتقارب وهو المستعمل من الدائرة الخامسة وهي دائرة المُتَِفق. والكلام على المتدارك سبق من قبل، والله أعلم. قال:
فالأضربُ والأعاريض لدنةٌ ... والأبحر يهمى والدوائر هي الهُدا
أقول هذا كالفذلكة للحساب، كأنه يقول قذ ذكرناه ضروب الشعر المستعملة مرموزاً لها بالحروف السابقة مفرقةً في البحور فجملتها ثلاثةٌ وستون ضرباً، فالسن والجيم من قوله ((سَجْح)) رمز لذلك، وكذلك عددنا الأعاريض مثبوتةً في محالها من البحور فجملتاه أربعٌ وثلاثون عروضاً، فاللام والدال من قوله ((لدنة)) إشارة لذلك، وسردنا البحور واحداً واحداً ودللنا على رتبة كل واحد منها فجملتها خمسةَ عشرَ مجراً فالياء والهاء من قوله ((يهمى)) رمز لذلكز وذكرناه أولاً أن الدوائر هي المرموز لها بالحروف الخمسة المجموعة في قولنا ((خف لشق)) فهي خمس دوائر لها بالهاء من قوله ((هي)) ، واستعمل الناظم جمع القلة للكثرة في قوله ((فالا ضرب)) وقوله ((والأبحر)) ، وجمع الكثرة للقلة في قوله ((والدوائر)) . قال:
وقُلْ واجبُ التغيير أضرب بحرهِ ... وجائزهُ جنسُ الزِّحاف كما انبنى
أقول: يعني أن التغيير الذي يلحق الشعر على قسمين: جائز وواجب، فالواجب منه لا يكون إلا في أضرب بحره وهو التغيير المعبرّ عنه عندهم بالعلة، والأعاريض مشاركةٌ للضروب في أنها أيضاً محلّ لدخول التغيير الواجب، فكان على الناظم أن يسوقها مساقاً واحداً لاتحاد حكمها في ذلك. واعتذر الشريف عنه بأن قال وإنما ذكرَ الضروب ولم يذكر الأعاريض ولا فرق في وجوب التغيير بين الأعاريض والضروب لأن الععروض الواحدة يكون لها أضرب متعددة فتتحد العروض مع تعدد الضرب فيظهر التغيير في الأضرب دون العروض. قلت: وهذا اعتذارٌ لا يجدي النلظم شيئاً، فإن اتحاد العروض في بعض الأحوال وتعدد الأضرب في أكثر الحالات لا يقتضي ظهور التغيير في الأضرب دون العروض، فإن التغيير الواجب متى لحق العروض ظهر فيها وإن كانت واحدةً كما يظهر في الأضرب وإن تعددت. فإن قلت: كلٌّ من العروض والضرب لا يلزم التزام التغيير الواقع فيه، بل تارةً يلزم فكيف يُقال إن الأعاريض والضروب واجبة التغيير؟ قلت: لم قل الناظم هذا، ولعلك فهمته من كلامه بأن أعربتَ ((أضرب بحره)) مبتدأ مؤخراً وجعلت ((واجب التغيير)) خبراً له مقدما عليه، والمعنى أنّ أضرب بحر الشعر شيء واجب التغيير، فاعلم أن الأمر ليس كما فهمته، وإنما ((واجب التغيير)) مبتدأ ((وأضرب بحره)) هو الخبر، وهو ظرف، والمعنى أن التغيير الواجب يكون في أضرب البحر، ولا يفهم من هذا أن الأضرب تكون واجبةَ التغيير دائماً، فتأمل. وإضافة ((واجب)) إلى ((التغيير)) على هذا من إضافة الخاص إلى العام لأن التغيير أعمّ من أن يكون واجباً أو جائزاً، فإضافة أحدهما إليه كالإضافة في ((خاتمُ حديد)) ، والواجب حينئذ في المعنى صفةٌ للتغيير، غير أنّ في جعلِ ((أضرب بحره)) ظرفاً منصوباً على إسقاط الخافض ما فيه. وقوله ((وجائزه جنس الزحاف)) يعني أن التغيير الجائز هو المسمى بالزحاف، وقد يدخل الأعاريض والضروب كما يدخل الحشو. وقوله ((كما انبنى)) أي كما انبنى في الشواهد التي أوردناها في البحور حسب ما يظهر بأدنى تأمل. قال:
وخذْ لَقَبَ المذكور مما شرحته وصغ زِنةً تحذو بها حذو من مضى
أقول: يعني أنك في الأبيات التي أشار إليها بالكلمات المقطّعات فيما تقدم المسوقة للاستشهاد على الأعاريض والضروب والزحافات، وتعتبر ما فيها من التغيير العارض لها فخذ لقبه مما شرحه في الكلام على العلل والكلام على الزحاف، فهو مما يرشدك إلى ذلك ويدل عليه. ونضرب مثالاً لذلك فنقول: قد أشار فيما مر إلى أن للطويل عروضاً واحدة وثلاثة أضرب، وأشار إلى شواهدها بالكلمات المنتزعة من الأبيات التي أنشدها العروضيون، ((فغزوا)) من قوله: أبا منذرٍ كانت غُروراً صحيفتي ولم أعطكمْ في الطّوع مالي ولا عرضي
(1/74)

وقد علمت من كلامه فيما سبق أن العروض هي الجزء الأخير من النصف الأول وأن الضرب هو الجزء الأخير من النصف الثاني. وأشار إلى أن أول بحر مركبٌ من فعولن مفاعيلن أربع مرات، وأخبر بصريح لفظه أنه يتكلم هنا على بحر الطويل، فإذا عَمَدنا إلى تقطيع هذا البيت على أوزان هذه الأجزاء قلنا: أبا من ذرنكانت غرورن صحيفتي، فوجدنا الجزء الأخير من هذا النصف الأول هو قوله ((صحيفتي)) فنسميه عروضاً عملاً بقوله فيما سبق ((وقل آخر الصدر العروض)) ، ووجدنا هذه العروض على ستة أحرف: متحركين فساكن فمتحركين فساكن، فليس على زنة مفاعيلن وإنما هو على زنة مفاعلن. وقد علمت أن ياء مفاعيلن ثاني سبب وهي خامسة الجزء، وقد أسلف في باب الزِّحاف أن حذف الخامس الساكن إذا كان ثاني سبب يُسمى قبضاً فنسمي هذا الجزء الرابع عروضاً مقبوضة لما قررناه. ثم نقطع النصف الثاني فنقول: ولم أُعْ طِكُمْ فططو عمالى ولا عرضي، فنجد قوله ((ولا عرضي)) هو الجزء الأخير من هذا النصف الثاني فنسميه ضرباً عملاً بقوله ((ومثله من العجز الضرب)) ، ونجد هذا الجزء لم يدخله تغيير، بل أتى على ما هو عليه في الدائرة فنسميه صحيحاً عملاً بقوله ((وإن تنج فالموفور يتلوه سالم صحيح)) ، وعلى هذا فقِسْ جميع ما ذكره من شواهد البحور. وقوله ((وصنع زنة تحذو بها حذو من مضى)) لا شك أن العروضيين ينقلون صيغ الأفاعيل في كثير من الأوقات عند دخول التغيير عليها إلى لفظٍ آخر تحسيناً للعبارة، كما إذا فُقد منه بالتغيير فءُ أو عين أو لام فينقل إلى لفظ فيه هذه الأحرف كمتعلن مخبول مستفعلن يُنقل إلى فَعِلتُن، وكفالاتن أو فاعاتن المشعّث يُرَدُّ إلى مقعولن، وكمتفا أحذَّ متفاعلن يرد إلى فعلن. وكذا إذا سُكنت اللام بالتغيير في الجزء كفاعل مقطوع فاعلن ينقل إلى فعلن، وكذا إذا سكنت التاء يردّ إلى غيره كفاعلات مقصور فاعلاتن يرد إلى فاعلان. وكذا إذا صار الجزء بالتغيير على هيئة المنصوب الموقوف عليه كفاعلا محذوف فاعلاتن فيردّ إلى فاعلن. فمراد الناظم أنه إذا عَرَضَ لك بالتغيير إخراج الجزء عن الأوزان المألوفة عن السلف فصُنع له زنةً تقفو بها أثر من مضى من أئمة هذا الشأن. وإنما أَمَرَ بذلك إيثاراً لموافقة الجماعة وكراهةً للخروج عن سننهم، والله تعالى أعلم. وينبغي أن نعقد هنا فصلاً للأووزان المستعملة عندهم، وبها يتيسر لك اقتفاء طريقهم والاقتداء بفريقهم فنقول: اعلم أن الأجزاء المسماة بالتفاعيل السالمة من التغيير عشرة، وتغير بالِّحاف تارة وبالعلة أخرى، وقد يجتمعان. ثم غالبُ أمرِ العلة أن تكون محضة، وقد تكون جاريةً مجرى الزحاف، وإذا لحق التغيير جزءاً منها فقد لا يشتبه بغيره أصلاً وقد يشتبه، وإذا اشتبه فقد يكون الاشتباه مخصوصاً بجزء سالم من تلك الأجزاء العشرة، وقد يشتبه بجزء آخر مغير، وقد يجتمع فيه الأمران فيشتبه بسالم ومغير معاً. ويتضح ذلك بالكلام أولاً على ما يدخل كلَّ منها من التغييرات، وثانياً بتفصيل الكلام على وجوه الاشتباه ومراتبه، فنقول: الجزء الأول من الأجزاء العشرة السالمة من التغيير: ((فعولن)) ، ويدخله من الزحاف نوع واحد وهو القبض بالطويل والمتقارب فيصير فعولُ بتحريك اللام، ولا ينفك عن هذه الصيغة. ويدخله من العلة المحضة ثلاثة أشياء في المتقارب خاصةً، أحدها القصر فيصير فعولْ بإسكان اللام، وهكذا يتلفظ به، وثانيها الحذف فيصير فعو فينقل إلى فعلْ، وثالثها البتر فيصير فَعْ، وبعضهم يبقيه على هذه الصيغة وبعضهم يعبر عنه بفَلْ. ويدخله من العلة الجارية مجرى الزّحاف ثلاثة أشياء: أحدها الحذف بالعروض الأولى من المتقارب فيعبر عنه بفعل كما سبق، وثانيها الثَّلم بالطويل والمتقارب فيصير عولن فيعبر عنه بفعلن بإسكان العين، وثالثها الثَّرم فيهما أيضاً فيصير عولُ فيعبر عنه بفعل، فهذه ستة أجزاء فرعية نشأت عن فعولن. الجزء الثاني ((مفاعيلن)) ، ويدخله من الزحاف القبض في الطويل والهزج والمضارع، فيصير مفاعلن فلا تنقل هذه الصيغة إلى شيء آخر، والكفّ فيهن جميعاً فيصير مفاعيلُ فيبقى على هذه الصيغة أيضاً. ويدخله من العلة المحضة أمر واحدٌ وهو الحذف بالطويل والهزج فيصير مفاعي فينقل إلى قعولن. ويدخله من العلة الجارية مجرى الز حا ف ث لاثة أشياء أحدها الخرم بالهزج فيصير فاعيلن فينقل إلى مفعولن،
(1/75)

وثانيها الشَّتر بالهزج والمضارع فيصير فاعلن ويبقى على هذه الصيغة. وثالثها الخرب فيهما فيصير فاعيل فينقل إلى مفعولُ. فهذه ستة أجزاء تفرعت عن مفاعيلن. الجزء الثالث ((مفاعلتن)) وليس إلا في الوافر ويدخله من الزحاف العَصْب المهملة، فيصير مفاعلتن بإسكان اللام فينقل إلى مفاعيلن، والعقلُ فيصير مفاعتن فيعبر عنه بمفاعلن، والنقصُ فيصير مفاعلتُ بإسكان اللام فيعبر عنه بمفاعيل. ويدخله من العلة المحضة أمر واحد وهو القطف فيصير مفاعلْ فينقل إلى فعولن.
(1/76)

ويدخله من العلة الجارية مجرى الزحاف أربعة أشياء: أحدها العضب، بالضاد المعجمة، فيصير فاعلتن، فيعبر عنه بمفتعلن، وثانيها القصم فيصير فاعلتن، بإسكان اللام، فينقل إلى فعول فاعلتن، فيعبر عنه بمفتعلن، وثانيها القصم فيصير فاعلتن، بإسكان اللام، فينقل إلى فعولن، وثالثها الجمم فيصير فاعتن، فينقل إلى فاعلن، ورابعها العقص فيصير فاعلت فينقل إلى مفعول. فهذه ثمانية أجزاء متفرعة من هذا الأصل. الجزء الخامس فاعلن ويدخله من الزحاف الخبن بالمديد والبسيط فيصير فعلن، وبهذا يعبر عنه ويدخله من العلة المحضة القطع بالبسيط خاصةً فيصير فاعل فينقل إلى فعلن بإسكان العين، فهذان جزآن تفرعا من هذا الأصل. الجزء السادس مستفعلن ذو الوتد المجموع، ويدخله من الزحاف بالبسيط والرجز والسريع والمنسرح الخبن فيصير مُتفعلن فيعبر عنه بمفاعلن، والطي بها أيضاً وبالمقتضب فيصير مستعلن فيعبر عنه بمفعتلن، والخبل بما عدا المقتضب فيصير مُتعلن فينقل إلى فَعلتن. ويدخله من العلة المحضة شيئان أحدهما التذييل بالبسيط فيصير مستفعلنن، بنونين ساكنين، فينقل إلى مستفعلان، ويخبن هذا المذيلُ فيصير متفعلان فينقل إلى مفاعلان، ويطوى فيصير مستعلان فينقل إلى مفتعلان، ويخبل فيصير متعلان فينقل إلى قعلتان. وثانيهما القطع بالبسيط والرجز فيصير مسْتَعِل فينقل إلى مفعولن، ثم قد يخبن هذا المقطوع فيصير معولن فيعبر عنه بفعولن. فهذه تسعةُ أجزاء تفرعت من هذا الأصل. الجزء السابع فاعلاتن ذو الوتد المجموع، ويدخله من الزحاف بالمديد والرمل والخفيف والمجتث الخبن فيصير فَعلاتن فيبقى على هذه الضيغة، والكفُّ فاعلات فالجزء السابع فاعلاتن ذو الوتد المجموع، ويدخله من الزحاف بالمديد والرمل والخفيف والمجتث الخبن فيصير فَعلاتن فيبقى على هذه الضيغة، والكفُّ فاعلات فيبقى على ذلك، والشكل فيصير فَعِلاتُ فلا يحول إلى صيغة أخرى. ويدخله من العلة المحضة أربعة أشياء: أحدها التسبيغ بالرّمل فيصير فاعلاتن بنون مشدَّدة موقوفٍ عليها فيعبر عنه عند الأكثرين بفاعليّان، وبعضهم يعبر عنه بفاعلانان، ثم قد يخبن هذا المسبّغُ فيعبر عنه بفعليّان. وثانيها القصر بالمديد والرمل فيصير فاعلاتْ بإسكان التاء فيعبر عنه بفاعلان بالنون الساكنة، ويخبن هذا المقصور بالرمل فيصير فَعِلان، وبذلك يعبر عنه. وثالثها الحذف فيهما وفي الخفيف فيصير فاعلا فينقل إلى فاعلن، ويخبن هذا المحذوف فيصير فَعلن، وكذلك ينطق بها. ورابعها البتر بالمديد فيصير فاعلْ فينقل إلى فَعْلن. ويدخله من العلة الجارية مجرى الزحاف التشعيث بالخفيف والمجتث فينقل إلى مفعولن عند كل قائل. فهذه أحدَ عشر فرعاً لهذا الأصل. الجزء الثامن متفاعلن ولا يقع إلا في الكامل، ويدخله من الزحاف الإضمار فيصير مُتفاعلن فيعبر عنه بمستفعلن، والوقص فيصير مُفاعلن بضم الميم فينقل إلى مفاعلن بفتحها، والخزل فيصير متُفْعِلن فينقل إلى مفْتَعِلن. ويدخله من العلة المحضة أربعة أشياء: أحدها الترفيل فيصير مُتَفاعلنتن فيعبرعنه بمفاعلاتن، ويضمر هذا المرّفل فيعبر عنه بمستفعلاتن، ويرقص فيعبر عنه بمفاعلاتن، ويخزل فيعبر عنه بمفتعلاتن. وثانيها التذييل فيصير مُتَفاعلنّ بتشديد النون فيعبر عنه بمُتفاعلان، ويضمر فيعبر عنه بمستفعلان، ويوقص فيعبر عنه بمفاعلان، ويخزل فيعبر عنه بمفتعلان. وثالثها القطع فيصير متفاعل فينقل إلى فعلاتن، ويضمر هذا المقطوع فيصير فعلاتن، بإسكان العين فينقل إلى مفعولٌ. ورابعها حذذ فيصير متفا فينقل إلى فعلن مكسور العين، ويضمر هذا الأحذّ فيصير متفا فينقل إلى فعلن بسكون العين فهذه خمسة عشر فرعاً تفرعت من هذا الأصل. الجزء التاسع مفعولات، ويدخله من الزحاف الخبن بالمنسرح والمقتضب فيصير معولات فينقل إلى فعولات، والطي فيهما فيصير مفعلات فينقل إلى فاعلات، والخبل في المنسرح فيصير معلات فينقل إلى فعلات فيدخله من العلة المحضة ثلاثة أشياء: أحدها الوقف بالسريع والمنسرح فيصير مفعولات بإسكان التاء فيعبر عنه بمفعولان وبالنون الساكنة، فيخبن فيها فيصير معولان فيعبر عنه بفعولان ويطوى في السريع فيصير مفعلات فينقل إلى فاعلان وثانيهما الكشف بالسريع والمنسرح فيصير مفعولن فيعبر عنه بمفعولن ويخبن فيصير معولن فيعبر عنه بفعولن ويطوى بالسريع فيصير مفعلا فينقل
(1/77)

إلى فاعلن ويخبل فيصير معلا فينقل إلى فعلن بتحريك العين. وثالثها الصلم بالسريع فيصير مفعو فيعبر عنه بفعل بإسكان العين، فهذه أحدى عشر جزءاً تفرعت من هذا الأصل الجزء العاشر مستفع لن ذو الوتد المفروق، ويدخله من الزحاف بالخفيف والمشتث والخبن فيصير متفع لن فيعبر بمفاع لن، والكف فيصير مستفع لُ فيعبر عنه بذلك ولا تغير الصيغة، والشكل فيصير متفع لُ فيعبر عنه بمفاع لُ. ويدخله من العلل المحضة علة واحدة وهي القصر مقروناً بالخبن فيصير متفع لُ فينقل إلى فعولن، ولا يكون ذلك إلا في الخفيف إذا كان مجزوءاً، فهذه أربعة أجزاء فروع نشأت عن هذا الأصل.
وهنا انتهى التفريع وقد استبان لك أن جميع الفروع ثلاثة وسبعون جزءاً ناشئة عن العشرة الأصول السالمة من التغيير فتكون جملة الأجزاء التي يوزن بها عند العروضيين في البحور الخمسة عشر ثلاثة وثمانين جزءاً ما بين أصلي وفرعي. ثم هذه الفروع كما أسلفناه على قسمين: القسم الأول ما لا يشتبه بغيره أصلاً وهي تسعة عشر جزءاً: فعولُ وفعولْ وفعلْ وفعلَ وفلَ وفعلتانْ وفعلانْ وفاعليانْ وفعليانْ ومتفاعلاتنْ ومستفعلاتنْ ومفاعلاتنْ ومفتعلاتنْ ومتفاعلانْ ومفعولانْ وفعولانْ ومستفعِ لُ ومفاعِ لُ.
القسم الثاني ما يشتبه بغيره، ثم هو على ثلاثة أضرب: ما يشتبه بسالم فقط، وما يشتبه بمغير فقط، وما يشتبه بمغير وسالم. فالضرب الأول جزآن ليس إلا، وهما مفاعلتن المعصوب يشتبه بمفاعلين ومتفاعلن المضمر يشتبه بمستفعلن. وأما ما لا يكون مختصاً بالاشتباه بالسالم فإنه على خمس مراتب: المرتبة الأولى أن يكون الجزء المغير له مثل واحد، ولها سبعة أجزاء الأول: مفعولن أخرب مفاعلين وأعقص مفاعلتن، الثاني مستفعلان مذيل مستفعلن ومضمر متفاعلن المذال، الثالث مفاعلان مخبون مستفعلن المذيل، وموقوص متفاعلن المذيل، الرابع مفتعلان مطوى مستفعلن المذيل، وموقوص متفاعلن المذيل، الرابع مفتعلان مطوى مستفعلن المذيل، ومخزول متفاعلن المذيل، الخامس فعلاتن مخبون فاعلاتن ومقطوع متفاعلن، السادس فعلات مشكول فاعلاتن زمخبول مفعولات، السابع فاعلان مقصور فاعلاتن ومطوى مفعولات الموقوف.
المرتبة الثانية أن يكون الجزء المغير له مثلان، وفي هذه المرتبة ثلاثة أجزاء: الأول مفاعيل مكفوف مفاعيلن ومنقوص مفاعلتن ومخبون مفعولات، الثاني مفتعلن مطوى مستفعلن ومعصوب مفاعلتن ومخزول متفاعلتن، الثالث فاعلات مكفوف فاعلاتن ذي الوتد المجموع ومكفوف فاع لاتن ذي الوتد المفروق ومطوى مفعولات.
المرتبة الثالثة أن يكون الجزء المغير له ثلاثة أمثال، ولهذه المرتبة جزآن: الأول فاعلن أشتر مفاعيلن وأجم مفاعلتن ومحذوف فاعلاتن ومطوى مفعولات المكشوف، الثاني فعلن بتحريك العين مخبون فاعلن ومخبول مفعولات المكشوف، الثاني فعلن بتحريك العين مخبون فاعلن ومخبول مفعولات المكشوف ومخبون فاعلاتن المحذوف وأحد متفاعلن.
المرتبة الرابعة أن يكون الجزء المغير له أربعة أمثال، ولهذه المرتبة ثلاثة أجزاء: الأول فعلن بإسكان العين، أثلم فعولن ومقطوع فاعلن وأبتر فاعلاتن وأصلم مفعولات ومضمر متفاعلن الأحذ. الثاني مفاعلن مقبوض مفاعلين ومخبون مستفعلن ذي الوتد المجموع وذي الوتد المفروق ومعقول مفاعلتن وموقوص متفاعلن. الثالث فعولن محذوف مفاعلين ومخبون مستفعلن المقطوع ومقطوف مفاعلتن ومخبون مفعولات المكشوف وممخبون مستفع لن المقصور.
المرتبة الخامسة أن يكون الجزء المغير له خمسة أمثال، ولهذه المرتبة جزء واحد وهو مفعولن، فإنه يكون أخرم مفاعلين ومقطوع مستفعلن ومشعث فاعلاتن وأقصم مفاعلتن ومضمر متفاعلن المقطوع ومكشوف مفعولات.
(1/78)

وهنا انتهى تعداد المراتب. ولا يخفى عليك أن الأجزاء الثلاثة والثمانين التي قدمنا أنها جملة التفاعيل الموزون بها إنما يأتي تعديدها كذلك باعتبار ما طرأ من التغييرات التي أسلفناها مع قطع النظر عن الاشتباه وعدمه، فإن رمت ضبطها بغير تكرار فاعلم أنها ثلاثة وأربعون جزأً ليس إلا، وهو الأصول العشرة والتسعة عشر فرعاً التي لا تشتبه بغيرها، وأجزاء المرتبة الأولى وهي سبعة، وأجزاء المرتبة الثانية مفاعلين ومتفعلن وفاعلات، والجزء الثاني من المرتبة الثالثة وهي فعلن المتحركة بالعين، وجزآن من المرتبة الرابعة وهما فعلن الساكن العين ومفاعلن، وجزء المرتبة الخامسة وهو مفعولن.
فإذا أراد عروضيّ أن يزن شيئاً من الشعر العربي لم يخرج عن هذه الثلاثة زالأربعين جزءاً، ولا يمكنه إلا الإيتان ببعضها عند التفعيل فتأمل ذلك والله تعالى أعلم بالصواب.
ولنختم الكلام في فن العروض بفصل ذكره ابن برىّ التازي في شرحه لعروض ابن السقاط فنورده برمته لاشتماله على فوائد لا بأس بالإحاطة بها علماً. قال: وقد تجافى بعض المتعسفين عن هذا العلم ووضعوا منه واعتقدوا أن لا جدوى له واحتجوا بأن صانع الشعر إن كان مطبوعاً على الوزن فلا حاجة له بالعروض كما لم يحتج إليه من سبق الخليل من العرب وإن كان غير مطبوع فلا يتأتى له نظم العروض إلا بتكلف ومشقة، كما قال أبو فراس الحمداني:
تناهض الناسُ للمعالى ... لمّا رأوا نحوها نهوضي
تكلفوا المكرمات كدّاً ... تكلفَ النظم بالعروض
ولأن بعض كبراء الشعراء لم يقف عندما حدَّه الخليل وحصره من الأعاريض بل تجاوزها. ولمّا قال العتاهية أبياته التي أولها:
عُتْبُ ما للخيال ... خبريني ومالي
قيل له إنك خرجت عن العروض فقال أنا سبقت العروض. ولأنه يُخرج بديع الألفاظ ورائق السبك إلى الاستبراد والركاكة، وذلك حالة التقطيع والتفعيل، وربما أوقع المرء في مهوى الزلل ومقام الخجل بما يتحول إليه ضوغ البنية من منكر الكلام وشنيع الفحش، كما جرى في مداعبة أبي نواس وعنان جارية الناطفي حين قالت إن كنت تحسن النظر في العروض فقطع هذا البيت:
حوَّلوا عنا كنيستكم ... يا بني حمّالة الحطبِ
فقطعه فضحكت منه، وفعل بها مثل ذلك في تقطيع قوله:
أكلتُ الخردل الشّاميّ ... في صفحةِ خبّازِ
وقد صرح الجاحظ وهو من علماء اللسان بذمّ علم العروض فقال: هو علم مولّد وأدب مستبرد ومذهبٌ مرذول يستنكد العقول بمستفعلن وفعول من غير فائدةٍ ولا محصول. والجواب أن الحق الذي به كل منصف أن لهذا العلم شرفاً على ما سواه من علوم الشعر لصحة أساسه واطراد قياسه ونُبل صنعته ووضوح أدلّته. وجدواه حصر أصول الأوزان ومعرفة ما يعتريها من الزيادة والنقصان وتبيين ما يجوزمنها على حسن أو قبح وما يمتنع، وتفقدُ محالٌ المعاقبة والمراقبة والخرم والخزم وغير ذلك مما لا يتزن على اللسان ولا تتفطن إليه الفِطرُ والأذهان، فالجاهل بهذا العلم قد يظن البيت من الشعر صحيح الوزن سليما من العيب وليس كذلك، وقد يعتقد الزّحاف السائغ كسراً وليس به كقوله:
قلتُ استجيبي فلما لم تُجبْ ... سالت دموعي على ردائي
وقول الآخر:
عيناك دمعها سِجالُ ... كأن شأنيهما أوشالُ
وقول الآخر:
النشرُ مسكٌ والوجوهُ دنا ... نير وأطراف الأكفّ عنمْ
وقول الآخر: شمنازلٌ عفا هُنّ بذي الأرا_ك كلُّ وابلٍ مُبلٍ هطلِ وقول الآخر:
صرمتكَ أسماءُ بعد وصالها ... فأصبحت مكتئباً حزينا
فهذه أبيات كلها صحيحة الوزن سائغة مستعملة عند العرب مع أن الطبع ينبو عنها، ولا يدرك جوازها إلا من نظر في هذا العلم. وهل علم العروض للشعر إلا بمثابة علم الإعراب للكلام؟ فكما أن صنعة النحو وضعت ليعافى بها اللسان من فضيحة اللحن فكذلك علم العروض وضع ليعافى به الشعر من خلل الوزن، فلولاه لاختلطت الأوزان واختلفت الألحان وانحرفت الطباع عن الصواب انحراف الألسنة عن الإعراب. وقد وقع الخلل في شعر العرب كثيراً، وأنشد الأصمعي وأبو عبيدة وابن دريد وابن قًتيبة وغيرهم من كبار الأئمة بيتَ عبيد بن الأبرص هكذا مكسوراً:
هي الخمر تكنى الطَّلا ... كما الذئب يُكنى أبا جعدهْ
ووقع في شعر علقمة قوله في فكه أخاه شأساً:
(1/79)

دافعت عنه بشعري إذْ كان في الفداء جحدْ
فكان فيه ما أتاك وفي تسعين أسري مقرنين صفد
دافع قومي في الكتيبة إذ طار لأطراف الظباة وقد
فأصبحوا عند ابن حَفنةَ في الأغلال منهم والحديد عُقَدْ
إذ مُخنبٌ في المُخنبينَ وفي النَّهكة غَيٌّ باديٌ ورشد
فهذه القطعة مما أُدخلت في جملة شعره وهي مختلة الوزن حتى قال بعضهم إنها ليست بشعر. وأنشد ابن إسحق في كتاب السيرة لأمية بن أبي الصلت يبكي زمعةَ ابن الأسود وقتلى بني أسد:
عيني بكِّي بالمُسبِلات أبا الحارث لا تذخرى على زمعه
ابكي عقيل بن الأسودِ أَسَدَ البأسِ ليوم الهياج والدّفَعَهْ
تلك بنو أَسَدٍ إخوةُ الجوزاء لا خانةٌ ولا خدعهْ
وهم الأسرة الوسيطة من كَعبٍ وهم ذروةُ السّنام والقمعهْ
وهم أنبتوا من معاشرٍ شَعَرَ الرأس وهم ألحقوهم المنعهْ
أمسى بنو عمهم إذ حضرَ البأسُ أكبادهم عليهم وجعهْ
وهُمْ هُمُ المطعون إذْ قحط القطرُ وحالت فلا ترى قَزَعَهْ
ولا حجة في ذمّ الجاحظ لهذا العلم، فقد مدحه أيضاً وإنما أراد بذلك إظهار الاقتدار على جمع المدح والذم في شيءٍ واحد فقال في مدحه: هو علمُ الشعر ومعياره، وقطبه الذي عليه مداره، به يُعرف الصحيح من السقيم والعليلُ من السليم، وعليه تبتني قواعد الشعر، وبه يَسلَمُ من الأود والكسر. وإنما يضع من هذا العلم من نبا طبعه البليد عن قبوله ونأى به فهمه البعيد عن وصوله. كما حكى الأصمعي أن اعرابياً مبتدئاً كان يجلس إلى بعض الأدباء وكلما أخذوا في الشعر أقبل بسمعه عليهم، حتى أخذوا في العروض وتقطيع الأبيات ولّى عنهم وهو ينشد:
قد كان إنشادهم للشعر يعجبني ... حتى تعاطوا كلام الزَّنج والرومِ
ولّيت منقلبا والله يعصمني ... من التّقحم في تلك الجراثيمِ
ولما وضع الخليل رحمه الله كتاب العروض، وأعمل فكره في تقطيع الأبيات وفكّ الدوائر دخل عليه أخوه وهو مُكبّ على دائرةٍ خَطّها وجعلها نُصبَ عينيه وهو يعالجُ فكّها بأجزاء التفعيل نادى قومه فقال هلموا فقد جُن الخليل فلمّا فرغ مما كان من ذلك صرف إلى أخيه وأنشد:
لو كنتُ تعلم ما أقول عَذَرءتَني ... أو كنت أجهل ما تقولُ عذَلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتنى ... وعلمت أنك جاهلٌ فعذَرتُكما
وحكى صاحب العقد أن الخليل إنما أَنشد هذين البيتين حين سأله ابن كيسان عن شيءٍ ففكر فيه الخليل يجيبه فلما استفتح الكلام قال ابن كيسان: لا أدري ما تقول، فأنشده إياهما. ورأيت في كتاب ((الزينة)) أن بعض أهل العلم ذكر أن الخليل أخذ رسم العروض من أصحاب محمد بن على ومن أصحاب علي بن الحسين. انتهى هذا الفصل الخاتم بفَصِّه وانقضى سَوقُ الحديث على نصه. فلنعد إلى كلام الناظم رحمه الله تعالى.

القوافي وعيوبها
أقول: جرت عادةُ أكثر العروضيين بأن يذكروا علم القوافي بعد علم العروض لأنه كالرديف له، وبينهما شدةُ اتصال واشتباك، لكن قال بعضهم إن علم القوافي علم جليل لا يصلح أن يجعل علاوةً على العروض حتى قال ابن جنى: علمُ القوافي وغنْ كان متصلاً بالعروض وكالجزء منه لكنه أدق وألطف من علم العروض. والناظر فيه محتاجٌ إلى مهارة في علم التصريف والاشتقاق والغة والإعراب. قلت: وعلى تقدير تسليم ذلك كلّه فالنظر فيه متأخرٌ عن النظر في العروض ضرورة أن القافية إنما يُنظر فيها من حيث هي منتهى بيت الشعر، فلما لم يتحقق كونُ اللفظ الذي هي آخره شعراً لم يتأتَّ النظر فيها، فلا جرمَ جعلوا الكلام عليها متأخراً عن الكلام فيه، فتأمل. قال:
وقافيةُ البيت الأخيرة بلْ من المحرك قبل الساكنين إلى انتها
(1/80)

أقول: اعلم أنهم اختلفوا في مسمى القافية اختلافاً كثيراً، والناظم اقتصر على قولين منها فلنقتصر على الكلام عليهما تَبَعاً له. وينبغي أن تحقق أولاً محلَّ النزاع فنقول: قال الصفاقسي: ليس نزاعمه في مُسمى القافية لغةً، ولا فيما يُصطلح على أنه قافية، وإنما النزاع في القافية المُضافِ إليها العلم في قولهم ((علم القافية)) ما المراد بها. فذهب الأخفش إلى أنها الكلمة الأخيرة من البيت، وهذا هو الذي أراده الناظم بقوله أولاً ((وقافية البيت الأخيرة)) أي الكلمة الأخيرة، فحذف الموصوف لحصول العلم به. وذهب الخليل وأبو عَمرو الجرمى إلى أنها عبارة عن الساكنين اللذين في آخر البيت مع ما بينهما من الحروف المتحركة ومع المتحرك الذي قبل الساكن الأول، وهذا هو الذي أراده الناظم بقوله ((بل من المحرك قبل الساكنين إلى انتها)) وبعض العروضيين يعبر عما قبل الساكن الأول بالمتحرك كما فعل الناظم، وبعضهم يعبر بالحركة فيقول: من الحركة التي قبل الساكن الأول. ووجّه أبو الفتح ابن جنىّ قول من عبَّر بالحركة بأن القصد أن لا يسمى قافيةً إلا ما تلزم إعادته من كل وجهٍ، والحركة التي قبل الساكن الأول بهذه المثابة، بخلاف حرفها فإن له أن يأتي بمثله أو بحرف آخر متحرك. واعترضه الصفاقسي بأن هذه الحركة التي قبل الساكن الأول كحرفها، فإنها إذا كانت في البيت الأول ضمة جاز أن تكون في البيت الثاني فتحة أو كسرة وبالعكس، كما أن حرفها يكون ميماً في بعض البيوت وفاءً في الآخر أو غير ذلك، ألا ترى إلى قول امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ ... بسقط اللّوى بين الدَّخول فحوملِ
تَرَى بَعَرَ الآرام في عَرَصَاتها ... وقيعانها كأنّها حَبُّ فُلفُلِ
فالأول حاءٌ مفتوحة موضعها في الثاني فاء مضمومة، فحينئذ ما ذكره من أن الحركة تلزم إعادتها من كل وجهٍ وَهْم، بلْ هي كحرفها. واعترضه أيضاً أبو العباس بن الحجاج (بعدم) لزومِ ذلك في الدخيل لأنه لا يلزم إعادته من كل وجه، وكذا غيرهُ من حروف القافية إلا الرويّ والتأسيس، وهو لم يتعرض لذكر شيءٍ منها. وأضرب الناظم عن القول الاول وهو قول الأخفش لأنه غير مُرتضىً عنده، ولا شك أنه مقدوح فيه، وقد اعترضه ابنُ جنى بأن الاتفاق قائم على أن في القوافي قافيةً يُقال لها المتكاوس، وهو ما توالت فيه أربعةُ أحرف متحركة بين ساكنين نحو فَعِلَتُن المخبول، وذلك نحو قول العجّاج:
قد جَبَرَ الدينَ الإله فَجَبّرْ
ألا ترى أن قوله ((هُفَجَبَرْ)) وزه ((فَعِلَتُن)) ، وقد سُلم أنه قافية مع تركبه من كلمتين وبعض أخرى. ورُجّح مذهب الأخفش بأن العرب يقولون البيت حتى إذا لم يبق منه إلا الكلمة الأخيرة قالوا: بقيت القافية، وإذا قال الشاعر اجمعوا إليّ قوافي الطاء مثلاً فإنما يجمع له كلماتٌ أواخرها طاء والأصل في الإطلاق تحقيقه. وردّه الصفاقسي بأن تسمية الكلمات قوافي إنما هو بالمعنى اللغوي، وليس محلَّ النزاع على ما عرفت أولاً، ولئن سُلّم فلِمَ لا يجوز أن يكون ذلك لأن القافية لا تخرج عن تلك الكلمات، إما لأنها هي القافية إذا اجتمع فيها ما ذكرناه، أو بعضها إذا كان فيها بعضه، أو تشتمل عليه وتزيد إنْ كانت أكثر منه، وهذا وإن كان مجازاً فيجيب الحَملُ عليه جمعاً بين الدليلين، لأن العمل بكل واحد منهما من وجهٍ أَولى من إلغاء أحدهما مطلقاً. واشتقاق القافية من ((قفا يقفو)) إذا تَبِعَ، فهي تقفو أثر كلِّ بيت، أو تقفو أثر أخواتها. والأول أولى لأن البيت الأول لا يصح فيه المعنى الثاني، وعلى كلا القولين فهي فاعلة على بابها. وقيل: لأن الشاعر يقفوها لأنها تجري له في البيت الأول على السبحية ثم يتبعها في سائر الأبيات، فهي فاعلة بمعنى مفعولة، كعيشة ((راضية)) أي ((مرضية)) . ويعزى هذا القول إلى ابي موسى الحامض، قال ابن بري. ثم القافية عند الخليل قد تكون بعض كلمة كقوله:
ويلوى بأثواب العنيف المُثَقَّلِ
وقد تكون كلمة كقوله:
إذا جاش فيه حَميهُ غلىُ مِرجلِ
وقد تكون كلمتين كقوله:
كجلمود صخرٍ حطه السيل من علِ
وقد تكون أكثر كقوله:
قد جبر الدين الغله فَجَبَرْ
قال:
تحوز روياً حرفاً انتسبت له ... وتحريكه المجرى فإن قُرِنا بما
(1/81)

يدانى فذا الإكفاء والإقواو بعده ... الإجازةُ والإصراف والكلّ متّقى
أقول: الضمير المستتر في ((تحوز)) عائد إلى القافية، يعني أن القافية تحوز روياً لأنها تتضمنه وتشتمل عليه، فهو في حوزها، فلذلك قال ((تحوز)) . قال الشريف: والروي هو الحرف الذي تُبنى عليه القصيدة وتنسب إليه، فيقال قصيدةٌ رائية وقصيدةٌ دالية، وهذا هو الذي أراد الناظم بقوله ((حرفاً انتسب له)) . قلت: يردُ على تعريف الرويّ بما ذكراه لزوم الَّور ضرورة توقف معرفة الروي حينئذ على ما أَخَذَ في تعريفه وهو نسبة القصيدة إليه، وتوقفِ النسبة حينئذٍ على معرفة حرف الرويّ إذ لا تنسب القصيدةُ إلى حرف حتى يُعلم أنه حرفُ رويها. قال ابن جنى: وأحوطُ ما يقال في حرف الرويّ أن جميع حروف المعجم تكون رويا إلا الألف والياء والواو الزائدة في أواخر الكلم غيرَ مبنيّات فيها بناء الأصول، نحو ألف ((الجرعا)) ، وياء ((الأيامى)) ، وواو ((الخيامو)) ، وإلا هائي التأنيث والإضمار إذا تحرك ما قبلهما، نحو ((طلحَه)) ((وضربه)) ، وكذلك الهاءُ التي تُتَبين بها الحركة نحو ((ارمهْ)) ((واغزه)) و ((فيمه)) ((ولمه)) ، وكذلك التنوين اللاحق آخر الكلم للصّرف كان أو لغيره، نحو زيد ((أوصهٍ)) و ((غاقٍ)) و ((يومئذٍ)) ، وقوله:
أقلي اللوم عاذلَ والعتابَنْ
وقول الآخر:
دانيت أروى والديون تُقضنْ
وقول الآخر:
يحسبه الجاهل مالم يَعْلَمَنْ
وقول الأعشى:
ولا تعبد الشيطان والله فاعبدَنْ
وقول عمر بن أبي ربيعة:
وقمَيْرٍ بدا ابنَ خمسٍ وعشرين له قالت الفتاتان قُومَنْ
وقول عبد الله بن الحرّ:
متى تأتنا تُلمم بنا في ديارنا تجدْ حطباً جزلاً جزلاً وناراً تأججنْ
وكذلك الألفات التي تبلدلُ من هذه النونات نحو قوله:
يحسبه الجاهلُ ما لم يعلما
وكذلك الهمزة التي يبدلها قوم من الألف في الوقف، نحو: رأيت رجلأ وهذه حُبْلأ، ويريد أن يضربهأ، وكذلك الألف والياء والواو اللواتي يلحقن الضمير نحو: رأيتها، ومررت بهي، وهذا غلامهو، ورأيتهما، ومررت بهمي، وكلمتهمو. فإذا جاءك بيتٌ فانظر إلى آخر حرفٍ منه، فإن كلن واحداً منها فتجاوزه إلى الذي قبله، فإن لم يكن واحداً منها فاجعله رويا، وإن كان واحداً منها فَتَعَدَّهُ إلى ما قبله، فإنه لا بد أن يكون روياً، وذلك أنه لا يمكن أن يلحق بعد حرف الروي أكثر من حرفين الأول هاء الوصل والآخر خروج. ونحن نعرض من ذلك ما يتبين به غرضنا. من ذلك قول رؤية:
وقاتمِ الأعماق خاوي المخترقْ
فآخر البيت القافُ وليست واحداُ من الحروف المستثناة فهي حرف الروي، والقصيدة لذلك قافية. ويلي قولُ زهير بن أبي سلمى:
صحا القلبُ عن سلمى وأقصر باطله ... وعُرىَ أفراس الصّبا ورواحله
فآخر البيت الهاءُ إلا أنها من الحروف المستثناة، أَلا تراها هاءَ إضمار، متحرك ما قبلها فلا يكون روياً، فقد اضطررت إلى اعتبار ما قبلها وهو اللام وليست من الحروف المستثناة فهي الروي، والقصيدة لذلك لامية. وبيلي ذلك قول الأعشى:
قَطَعتُ إذا خَتَّ ريعانها تنهضُ في آدِها
فآخر البيت الألف، ولا تكون روياً لأنها تابعة لهاء الإضمار، فقد اضطررت إلى اعتبار ما قبل الهاء وهو الدال وليست من الحروف المستثناة، فهي إذن الرويّ والقصيدة لأجل ذلك دالية. وهذه الطريقة أصح الطرق على معرفة الروي وأجلاها وأوضحها، ولا شيء يقوم في استخراج علمه مقامها. انتهى كلامه. وسُمي روياً أخذاً له من الرويةً وهي الفكرة، لأن الشاعر يرويه فهو فعيل بمعنى مفعول. وقيل: هو مأخوذ من الرُّواء وهو الحبل يَضم شيئاً إلى شيء، فكأن الرويّ شد أجزاء البيت ووصل بعضها ببعض. وقال أبو علي: هو من قولهم ((للرجل رُواء)) أي منظر حسن، فسُمي روياً لأن به عِصمةَ الأبيات وتماسكها، ولولا مكانه لتفرقت عُصباً، ولم يتصل شعراً واحداً. ثم الرويُّ لا يخلو إما أن يكون متحركاً أو ساكناً، فإن كان متحركاً فحركته تُسمى بالمجرى سواء كانت فتحة كحركة النون من قوله:
ألا هُبى بصحنك فاصبحينا
أو ضمةً كحركة الميم من قوله:
سُقيت الغيثَ أيتها الخيامُ
أو كسرة كحركة الباء من قوله:
كليني لهمٍ يا أميمة ناصبٍ
(1/82)

فقد عُلم أن سكون الرويّ المقيد لا يسمى عندهم مجرى، وإن كان سيبويه قد قال هذا باب مجاري أواخر الكلم من العربية وهي تجري على ثمانية مجار فلم يقصر المجاري هنا على الحركات فقط كما قصر العروضيون المجرى في القافية على حركة الروى دون سكوته، وإنما فعل العروضيون ذلك لأنهم إنما يسمون ما يُستخرج منه علم ويتفرع عليه حكم، والحركة يتفرع عليها النظر في الإفواء والوصل والتعدي وغير ذلك، بخلاف السكون. وقال أبو الفتح: هو مفعل من الجريان لأنه مبدأ الوصل ومنبعه، ألا ترى أنك إذا قلت:
قتيلان لم يعلم لنا الناسُ مصرعا
ففتحة العين هي ابتداء جريان الصوت في الألف. وكذلك فقولك:
يا دار ميّة بالعلياء فالسند
تجد الكسرة هي ابتداء جريان الصوت في الياء. وكذلك قولك:
هريرةُ ودعها وإنْ لام لائمُ
تجد ضمة الميم منها ابتداء جريان الصوت في الواو.
وقوله ((فإنْ قرنا بما يداني فذا الإكفاء والإقواء)) ضمير الاثنين من قوله فإن قرنا عائد إلى الروي وتحريكه، وحرف الجر من قوله ((بما)) متعلق بالفعل، ((وما)) إما موصولة أو موصوفةٌ، والجملة من قوله ((يدانى)) إما صلة فلا محلَّ لها وإما صفة فمحلها الجر. وعلى كل حال ففي كلام الناظم العيب المسمى بالتضمين كما ستعرفه، والفاء رابطة جواب الشرط، والجملة الإسمية بعدها هي الجواب، واسم الإشارة راجع إلى المصدر المفهوم من الفعل، أي فهذا لقران هو الإكفاء والإقواء. والإكفاء راجعٌ إلى اختلاف نفس الروي، والإقواء راجع إلى اختلاف مجراه، على طريق اللف والنشر المركب والمعنى أن حرف الروي متى قُرن بحرف آخر مخالف له، إلا أنه قريب منه في المخرج، فهذا هو الإكفاء. والمجرى وهو تحريك الروي متى قُرن بحركة أخرى مخالفة لما قبلها، إلا أنها قريبة منه، فهذا هو الإقواء. والإكفاء كقوله:
بُنيّ إنّ البرَ شيءٌ هيّنٌ ... المنطق اللين والطّعين
فجمع بين النون والميم وهما متقاربان في المخرج وكقوله:
يا ابن الزُّبير طالما عصيتا ... وطالما عنيتنا إليكا
فجمع بين التاء والكاف، وهما كذلك متقاربان في المخرج. والإقواء كقوله:
سقط النصيفُ ولم ترد اسقاطه ... فتناولته وأتقتنا باليد
بمخضبٍ رخصٍ كأن بنانه ... علمٌ يكادُ من اللطافة يعقدُ
وقوله ((وبعده الإجازة والإصراف)) يعني فإن قورن حرف الروي بما هو بعيد منه في المخرج فذلك هو الإجازة وإن قورن المجرى وهو تحريك الروي بما هو بعيد منه وهو الفتحة مع الضمة أو مع الكسرة فذلك هو الإصراف ففيه أيضاً لف ونشر مرتب. فالإجازة كقوله:
خليليّ سيرا واتركا الرحلَ إنني ... بمهلكةٍ والعافيات تدورُ
فبيناه يشرى رحله قال قائلٌ ... لمن جملٌ رخوُ الملاط نجيب
فجمع بين الراء والباء وبينهما تباعد في المخرج. والإصراف أنشد منه قدامى في كتاب النقد له:
عرينٌ من عرينةَ ليس منا ... برئت إلى عرينة من عرينِ
عرفنا جعفراً وبني عبيدٍ ... وأنكرنا زعانف آخرينَ
وأنشد ابن الأعرابي منه:
لا تنكحنَّ عجوزاً أو مطلقةً ... ولا يسوقنها في حبلك القدر
وإن أتوك وقالوا إنها نَصَفٌ ... فإن أطيب نصفيها الذي غبرَ
وقوله ((والكل متّقى)) يعني أن جميع ما ذكره من الإكفاء والإقواء والإجازة والإصراف عيوب تتقى ويجب اجتنابها وعدم الوقوع فيها. وفي نسخة الشريف: ((والكل منتعى)) من النعي. ومعناه قرب من الأول، أي والجميع معيب من قولك ((نعيت على فلان فعله)) إذا عبته. ومراتب هذه العيوب متفاوتة، فاإجازة أشد عيباً من الإكفاء والإسراف أشد عيباً من الإقواء، ولعل في قول الناظم ((يدان)) ((ويعده)) إشارة لذلك. والإكفاء مأخوذ من الإنكفاء وهو الإنقلاب، لأن الشاعر ينقلب بالروي عن طريقه. والإقواء من قوله: أقوى الرَّبْعُ إذا عفى وتغير وخلى من سكانه، فكذلك الروي تغيرت جيرته وخلا من حركته. والإجازة بالزاي من التجوز، وعامة الكوفيين يسمونه الإجارة، بالراء، من الجور والتعدي. والإصراف من صرف الشيء عن طريقه، ويسمى أيضاً إسرافاً من السرف وفي ذلك اختلاف والله أعلم. قال:
فوصلاً بها لينٍ وهاءَ النفاذُ والخروج بذي لينٍ لها الوصلُ قد قفا
(1/83)

أقول: تكلم الناظم في هذا البيت على الوصل النفاذ والخروج، فإما الوصل فإنه حرف لينٍ ينشئ عن إشباع حركة الروي أو هاءٍ تلي حرف الروي فالأول كالألف من قوله: يا دار عبلة من محتلها الجرعة والياء في قوله: كانت مباركة من الأيام والواو في قوله: طحا بك قلب في الحسان طروبُ والهاء التي تكون وصلاً هاء الإضمار كقوله: عفت الديار محلها فمقامها وهاء التأنيث كقوله:
ثلاثةٌ ليس لها رابعٌ ... الماءُ والبستانُ والخمره
وهاء السكت كقوله:
بالفاضلين أولى النهى ... في كل أمرك فاقتده
وتقع أيضاً الهاء الأصلية المتحركة ما قبلها وصلاً. قال ابن جنى: وهو كثير عنهم، كقوله:
أعطيت فيها طائعاً أو كارهاً ... حديقةٌ غلباء في جدارها
وفرساً أنثى وعبداً فارها
وقد علمت بذلك أن الوصل مختص بالروي المطلق، أي المتحرك، وأنه لا يكون في الروي المقيد أي الساكن ولله در السراج الوراق حيث يقول:
قلت صلني فقد تقيدت في الحب به ... والإسار في الحب ذلُ
قال يا من يجيد علم القوافي ... لا تغالط ما للمقيد وصلُ
واعلم أن حرف المد واللين إن لم يكن أصله الهمزة وكان ساكناً محضاً فلا إشكال في وقوعه وصلاً كما تقدم، وكذا كانت الحركة مقدرة سواء كانت مما ينطق به في حال السعة أو لا. فالأولى كقوله:
وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني
والثاني كقوله:
وما إن أرى عنك الغواية تنجلي
وأما إن كان أصله الهمزة فإن كانت الهمزة ساكنة وقع وصلاً لأنها حينئذ أبدلت إبدالاً محضاً، وإن كانت متحركة ((كواجى)) من ((الوجء)) فيجوةز وقوعها أيضاً في حرف اللين الأصلي نحو ((هاج)) من الهجو كقوله:
ولولاهم لكنت كحوت بحرٍ ... هوى في مظلم الغمرات داجى
وكنت أذل من وتد بقاعٍ ... يشجج رأسه بالفهر واجى
ويحمل عل أنها أبدلت إبدالاً محضاً، وكذا قدرها سيبويه في هذ البيت ولم يقدرها مخففةً التخفيف القياسي لأنه لو خففها لكانت في حكم الهمزة، فكما لا يوصل بالهمزة نفسها كذلك لا يوصل بما هو تخفيفها. وقد جزم ابن جنى في قول الشاعر:
كيفما شيت فقولوا ... إنما الفتحُ للولو
(1/84)

بأن حرف الروي منه الواو دون اللام، وذلك أنه لو كان رويه اللام لكانت الواو بعدها وصلاً، ولا يخلو حينئذ إما تكون مخففة أو مبدلة، فإن كانت مخففة امتنع جعلها وصلاًَ إذا كالمحققة على ما قررناه آنفاً، وإن كانت مبدلة إبدالاً محضاً وأخرجت عن الهمزة البتة لزم أن تجري مجرى واو دلو وعرفوة إذا صار إلى أدلٍ وعرقٍ لأنه ليس في الأسماء ما آخره واو قبلها ضمةٌ، فكان يجب على هذا أن يقال ((إنما الفتح للولى)) فتعين بما ذكرناه أن يكون رويه الواو دون اللام، وقلّ من يتفطن له. إذا تقرر ذلك فقول الناظم ((وصلاً)) معطوف على المنصوب من قوله ((تحوزرويا)) ، وأتى بالفاء ليفيد ان الوصل عقب الرويّ لا فاصل بينهما. وضمير المؤنث من قوله ((بها)) عائد إلى القافية، وقوله ((لينا وهاء)) بدلٌ من قوله ((وصلا)) ، وحذفَ التنوين من قوله ((وهاء)) لالتقاء الساكنين على حد قوله: ولا ذاكر الله إلا قليلا وقوله ((النفاذ والخروج بذي لين لها الوصل قد قفا)) قال الشريف: لمّا فَرغ من ذكر حرف الروي وحركته، وذكر أن تلك الححركة توصل بحرف لين أو بهاء السّكت استأنف كلاماً آخر عرّف فيه أن النفاذ والخروج تابعان لهاء الوصل، فالنفاذ مبتدأ والخروج عطف عليه، وقوله ((لها الوصل قد قفا)) جملةٌ في موضع الخبر، ((وبذي لين)) متعلقٌ بالخروج. وقال ((قفا)) ولم يقل ((قَفَوَا)) ، وهو ضمثر النفاذ والخروج، لأنهما لمّا كانا متلازمين صيّرهما كالشيء الواحد فعاملهما معاملةَ الفرد. قلت: هو أحد الوجوه في قوله تعالى: ((والله ورسوله أحقّ أن يُرضوه)) ، إذ إرضاءُ الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام، وبالعكس، وهما متلازمان فساغ إفراد الضمير. وقيل: ((أحقُّ)) خبرٌ عن اسم الله تعالى وحذف مثله خبراً عن رسوله أو بالعكس، فكذلك يُقال في البيت إن قوله ((لها الوصل قد قفا)) إما خبرٌ عن قوله ((الخروج)) أو عن ((النفاذ)) ، وحذف خبرَ لدلالة المذكور عليه. ولا يخفى أن الهاء ممدود لكنّ الناظم قَصَرَهُ في قوله ((لها الوصل)) ضرورةً، وهو لأجلها جائزٌ. إذا تقرر ذلك فالنفاذ حركةُ هاء الوصل، نحو فتحة الهاء من قوله: عفت الديارُ محلها فمقامها وكسرة الهاء من قوله: تَجَرُّدَ المجنون من كسائهِ وضمه الهاء من قوله: وبلدٍ عاميةٍ أعماؤهُ سُميت حركة الهاء نفاذاً لأنها منفذٌ إلى الخروج. وبعضهم يقول: النفاذ، بالدال الغُفلِ، وهو التمام، كأن هذه الحركات هي تمام الحركات وبها يقع نفاذها. والخروج هو الحرف الذي يتبع حركة هاء الوصل إن فتحةً فألفٌ، وإن كسرةً فياءٌ، وإن ضمةً فواوٌ. ولم يصح الناظم بتفسير النفاذ، لكن أومأ إليه إيماءً لانه لمّا ذكر أن النفاذ والخروج تابعان لهاء الوصل وقدّم النفاذ في الذكر، وترتيب الذكر معتمدٌ عنده حسبما تقدم في غير موضع، عُلِمَ أن الذي يتقدم حرف اللين بعد الهاء ليس إلا الحركة، وهذا ظاهر، كذا قال الشريف. وسمي هذا الحرف خروجاً لانه به يكون الخروج عن البيت. قال: وردفاً حروف اللين قبلَ الَّوي لا سوى ألفٍ معها التَّحرك حذوذا أقول قوله: ((ردفاً)) معطوفٌ على ((رويا)) ، فإن قلت: إذا تعددت المعطوفات كقولك ((قام زيد وعمرو وبكر)) فهل يُعطف الأخير على المعطوف عليه أولاً وهو زيد، أو على المعطوف المجاور له، وهو عمرو في مثالنا، قولان، فما بالك عيّنت قوله ((رويا)) لكونه عَطَفَ عليه ((ردفا)) ولم تجعله معطوفاً على ما قبله وهو ((وصلاً)) فهل فعلت ذلك بناءً على أحد القولين، أو فعلته لمعنى آخر؟ قلت: فعلته لمعنى آخر، وذلك أنا لو جوّزنا عطفَ قوله ((ردفا)) على قوله ((وصلا)) فسد المعنى، وذلك لأن ((وصلاً)) مدخول~ٌ لفاء العطف المقتضية للتعقيب الموجب لكون الوصل واقعاً بعد الروي، فإذا جُعل الردف معطوفاً على مدخول الفاء لزم ان يكون واقعاً بعد الروي، وهوباطل، فتعين الأول ولا يكون هذا من محلّ الخلاف في شيءِ. وقوله ((حروف اللين)) بدلٌ من قوله ((ردفا)) ، والرّدف عندهم حرفُ مدّ ولين، أو حرف لين قبل الروي وليس بينهما حائل، مأخوذ من ردف الراكب لأنه خلف الرويّز فقد يكون ألفاً كقوله: ألا عِمْ صباحا أيها الطلل البالي وقد يكون ياء كقوله: وما كلُّ مُؤتٍ نصحهُ بلبيِ وقد يكون واواً كقوله: طحا بك قلبٌ في الحسان طروبُ ويجوز أن تتعاقب الواو والياء في القصيدة الواحدة، كقوله:
(1/85)

طحا بك قلبٌ في الحسان طروبُ ... بُعيد الشبابِ عصر حان مشيبُ
تكلفني ليلى وقد شطّ وَليها ... وعادت عوادٍ بيننا وخطوبُ
ولا تُعاقبهما الألف لبعدها منهما بكثرة مطلها، وهو المراد بقول الناظم ((لا سوى ألف معها)) ولذلك أنكر المبردُ روايةً من روى قوله:
حنينَ ثكلى فقدتْ حميما ... فهي تنادي بأبى وابناما
وأما الردف بحرف اللين فكقوله في الواو:
يا أيها الراكبُ المرخى مطيتهُ ... سائل بني أسدٍ ما هذه الصّوتُ
وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا ... قولاً يبرئكم إنى أنا الموتُ
وقوله في الياء:
لعمرك ما أَخزى إذا ما نسبتنى ... إذا لم تقل بُطلاً على ومينا
ولكنما يخزى امرءٌ تكلمُ استهُ ... قنا قومه إذا الرماحُ هوينا
ويجوز تعاقبهما أيضاً كقوله:
كنتُ إذا ما جئتهُ من غيبِ ... يشمّ رأسي ويشمّ ثوبي
وقوله ((قبل الروي)) يعني أعم من أن يكون متصلاً بالروي في كلمته او منفصلاً عنه في كلمة أخرى، كقوله:
أتته الخلافةُ منقادةً ... إليه تجرّرُ أذيالها
فلم تكُ تصلح إلا له ... ولم يكُ يصلحُ إلاّ لها
وعليه جاء قول ابن المعتز:
غبروا عارضه بالمسك في خذِّ أسيلتحت صدغين يشيران إلى وجهٍ جميلِعندي الشوق إليه والتنائي عنده لي
لكن قال أبو العلاء المعري: ((إلا أنهم لم يفرقوا بين الروي المطلق والمقيد في هذا)) ، يعني في اجتماع الواو والياء ردفاً في القصيدة الواحدة. قال: ((وأنا أرى أنه في المقيد أشد، إذ ليس للروي بعده ما يعتمد عليه، كقوله:
إن تشرب اليوم بحوضٍ مكسور ... فرُبَّ حوضٍ لك ملآن السُّور
مُدوَّرٍ تدوير عُشِّ العصفور ... خير حياضِ الإبلِ الدَّعاثير
قال: فهذا عندي أقبح من المطلق)) . قلت: قصضية هذا ان يكون اجتماع الواو والياء في أرداف القوافي المطلقة قبيحاً وليس كذلك. وبعض الجماعة يفرق في حروف العلة بين ما كان قبله حركةٌ مجانسة له فيسميه حرفَ مدّ ولين، وبين ما كان قبله حركةٌ غير مجانسة له كالفتحة مع الواو والياء فيسميه حرف لين. وبعضهم يطلق حرف اللين على الجميع، كما فعل الناظم. وقوله ((التحرك حذوذا)) يعني أن حركة الحرف الذي قبل الردف تسمى حذواً، لان الشاعر يحذوها في القوافي لتتفق الأرداف. وحكمها في الاطراد والاختلاف حكم الردف، فإن كان الردف ألفاً فلا تكون هي إلا فتحةً ضرورة أن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحاً، وإن كان واواً أوياء فحيث جاز تعاقبهما جاز اختلاف الحذو. قال بعضهم: وهذه التسمية تدلّ على أن الردف بالواو والياء المفتوح ما قبلهما غيرُ أصيل، لعدم صدق هذه التسمية عليه، وكانهم إنما وضعوا الاسم على ما هو أصيل في الباب. ووجه تنزيل ما قلناه في تفسير الحذو على كلام الناظم أن تقول: الإشارة بقوله ((ذا)) إلى الردف، فأخبر بان الحركة حذو الردف، ولا يمكن أن تكون حذوه من الحرف الذي بعده، لأن ذاك هو الروي وحركته المجرى، وقد تقدم الكلام عليها، فلم يبق إلا أن تكون حذوه باعتبار المتحرك الذي قبله، وذلك لأنه قد سبق أن القافية عبارة عن المتحرك الذي قبل الساكنين اللذين في آخر البيت إلى انتهائه، ففي مثل قوله: جرداء معروقةُ اللَّحيين سُرحُوبُ القافية من الحاء إلى منتهى البيت، والواو هي الردف، والباء بعدها حرفُ الروي، وحركته المجرى، والواو التي بعدها هي الوصل، فلم يبق إلا المتحرك الذي هو الحاء السابقة على الردف فتكون حركتها هي الحذو. وكذا إذا كان الروي موصولاً بالهاء نحو ((مقامها)) ، فالالف الأولى ردفٌ، والميم روي، والهاء وصل، وحركتها نفاذٌ، والألف بعدها خروجٌ. وكلّ ذلك قد عُلمَ من كلامه فيما تقدم، فلم يبق إلا المتحرك الذي قبل الردف، وهو القاف هنا، فحركتها هي الحذو، والله تعالى أعلم. قال: وتأسيساً الهاوى وثالثه الرويُّ من كلمةٍ أو أخر إضمار ما لا
(1/86)

أقول: قوله ((تاسيسا)) معطوف على ((رويا)) ، أي تحوز القافية روياً وما ذكره بعده، وتحوز أيضاً تأسيساً. والمراد به ألفٌ تكون قبل الروي بينهما حرفٌ واحدٌ. مأخوذ من تأسيس البناء، لأن الشاعر يبني القصيدة عليه. وأراد الناظم بالهاوي الألف، لأن الهاوي من صفاته، وهو منصوب على أنه بدل من قوله تأسيساً إلا أنه سكّنه للضرورة، وهو الضرائر المستحسنة كقوله: رُدَّت عليه أقاصيهِ ولَبَّدَهُ وقوله ((وثالثه الروي)) يريد به ما قدمناه من انه قبل حرف الروي بحرفٍ فيكون الرويّ ثالثاً له، كقوله: أهاجك من أسماءَ رسمُ المنازل وقوله ((من كلمة أو أخر إضمار ما تلا)) يريد أنه لا بد أن يكون حرف الرويّ الذي هو ثالث التأسيس من كلمةٍ هي كلمة التأسيس، أي أن يكونا جميعاً في كلمة واحدة كما تقدم، أو يكون الروي من كلمة أخرى غير كلمة التأسيس إلا أنها ذات إضمار، بحيث يكون الرويّ بعض تلك الكلمة التي هي من الضمائر، كما في قوله:
فإن شئتما ألقحتما ونتجتما ... وإن شئتما مثلُ بمثلٍ كما هُما
وإن كان عقلٌ فاعقلا لأخيكما ... بنات المخاض والفصال المقا حما
فجعل ألف ((كما)) تأسيساً لما كان الروي بعض اسم مضمر وهو الميم من ((هما)) . أو يكن الرويُّ هو الكلمة المضمرة كما في قوله:
أَلا ليت شعري هل يرى الناسُ ما أرى ... من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا
بدا لي أنيِّ لستُ مدرك ما مضى ... ولا سابقاً شيئاً إذا كان جائيا
فجعل ألف ((بدا)) وإن كانت منفصلة تأسيساً لمَّا كان الرويُّ جملة اسم مضمر، وهو الياء من ((لي)) . وقول الناظم ((أواخر)) أراد به ((أخرى)) فحذف الألف لإقامة الوزن وهو قبيح جداً. وقوله ((إضمار ما تلا)) بدلٌ من ((أخرى)) ، أي ذات إضمار ما تلا. وفي تنزيل كلام الناظم على ما قاله القوم في هذا المحلّ قلقٌ، وذلك لأنهم قالوا إن الألفَ قد تكون في كلمةٍ وحرف الرويّ في أخرى، وقد يكونان معاً في كلمة واحدة، فإن كان الأول فإما أن يكون في الكلمة التي فيها حرف الروي ضمير أولاً، فإن لم يكن فيها ضمير فالألف ليست تأسيساً بوجهٍ فلا يلزم إعادتها، بل يجوز في موضعها غيرها من الحروف، كقول عنتلاة:
ولقد خشيت بأن أموت ولم تذرُ ... للحرب دائرةٌ على ابنى ضمضم
الشاتمَى عِرضى ولم أشتمهما ... والنّاذرينِ إذا لمَ ألقهما دمِى
وقول الآخر:
حننتَ إلى رَيّا ونفسكُ باعدت ... مزاركَ من ريّا وشعبا كما معَا
فما حَسَنٌ أن تأتى الأمر طائعاً ... وتجزعَ أن داعى الصبابةِ أَسمعا
واختار أبو العباس جواز التزامها تأسيساً، واستدل بما أنشده ابنُ جنى في ((الخصائص)) من رواية أبي زيد:
وأطلس يهديهِ إلى الزاد أنفُهُ ... أطاف بنا والليلُ داجى العساكرِ
فقلت لعمرٍ وصاحبي إِذ رأيتهُ ... ونحنُ على خُوصٍ دقاقٍ عوى سِرِ
أي عوى الذئب سِرْ، فأسس بألف ((عوى)) مقابلاً بها ألفَ ((العساكر)) التي لا تقع إلا تأسيساً. وأما إذا كانت كلمة الرويّ ضميراً والرويّ هو الضمير، أو بعضه كما سبق، فلك أن تجعل الألف تأسيساً إلحاقاً لها بالكلمة الواحدة، فيلزم حينئذ في القصيدة كلها، وهو الكثير في أشعارهم، ولك أن لا تجعلها تأسيساً إلحاقاً لها بالكلمتين الظاهرتين. فمن الأول قوله: أَلا ليت شعري هل يرى الناسُ ما أرى من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا
بدا لي أنيِّ لستُ مدرك ما مضى ولا سابقاً شيئاً إذا كان جائيا
ومن الثاني قوله: أيةُ جاراتكَ تلك الموصيهقائلةً لا تسقين بحبليهْلو كنت حبلاً لسقيتها بيهْأو قصراً وصلته بثوبيهْ
(1/87)

فقد استبان أنَّ كون الكلمة ذات إضمار أمر يقتضى جواز جعل الألف الواقعة في آخر الكلمة الأولى تأسيساً لا لزومَ كونها تأسيساً، وكون الرويّ وألفِ التأسيس من كلمة واحدة أمرٌ يقتضى لزوم جعل الألف تأسيساً. وكلام الناظم لا ينطبق على ذلك فتأمله. وإنما امتنع أن تكون الألف تأسيساً إذا لم يكن في الكلمة الثانية إضمار، وجاز الأمران مع رجحان كونها تأسيساً إذا كان فيها إضمارٌ لأن بُعدَ الألف عن آخر القافية قاضٍ بعدم التزامها لولا ما فيها من فضل المد المقصود عندهم إظهار الاعتناءِ به، فإذا انضم إلى البعدِ الانفصال قَوِىَ المانعُ وضعف الموجب فلم تجعل تأسيساً حينئذ. أمّا إذا كان فيها إضمارٌ فشدةُ احتياج المُضمر لما قبله يعارضُ الانفصال ولو كان المضمرُ منفصلاُ لاحتياجه إلى ما يفسره، ولهذا جعلوه رابطاً في الصلة والصفة والحال والخبر لطلبه لما قبله، فبقي القصد إلى إظهار ما فيها من فضل الصوت سالماً عن المعارض، وكان عدمُ جعلها تأسيساً نظراً إلى جهة الانفصال قليلاً لضعفها. فإن قيل: الإضمار إذا كان قبله حرف جر كقوله ((ولا ليا)) ليس متصلا بالكلمة التي فيها الألف وإنما هو متصل بحرف الجر، فهو مع حرف الجر حينئذ ككلمةٍ لا إضمارَ فيها فلم لا يلحق بها تكون الألف تاسيساً؟ والجواب أنه لمّا كان حرف الجر الموصل للفعل يتنزل منه منزلة همزة التَّعدية والتضعيف حيثُ كان معطياً لما يعطيانه صار كالمتصل بما قبله، ولهذا لم يجيزوا في ((زيداً مررتُ به)) أن يدخل عليه حرفُ جر ويكون من باب الاشتغال، لِما مرّ من أن حرف الجر في التعدية كالهمزة، فهو حينئذ كالجزء من الفعل فيؤدي إضمار الفعل وبقاؤه إلى إضمار بعض الكلمة، وهذا ظاهر في باءِ الفعل المُجريةِ وحملِ باقي حروف الجر عليها ليجرى الكلُّ على سنن واحد. وحكى الزجاجي أن الخليل زعم أن ألف التأسيس إذا كانت في كلمة والروي في كلمة مضمرة سناد، وأنكر أبو العباس هذه الرواية لكثرة ما ورد عنهم في ذلك. قال: وفتحةُ قبل الرَّسّ بعد الدخيل حرَّكوهُ بإشباعٍ فمن ساند اعتدى
(1/88)

أقول: يعني أن الفتحة التي قبل ألف التأسيس تُسمى الرّس، نحو فتحة واو ((الرَّواحل)) ونون ((المنازل) ونون ((المنازل)) . وحكى ابن جنى أن الجرمى أنكر تسمية هذه الحركة، ووجه الإنكار أن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحاً فلا فائدةَ في ذكره. قال ابن جنى: سُمي بذلك من قولهم ((رستُ الشيء)) ابتدائه على خفاء، ومنه رَسُّ الحُمى، ورسيسها، وهو فترها وأول ما يوجد منها، ومنه الرّسّ للبئر القديمة، سُميت بذلك لتقدّمها ولأنها أخفى آثار العمارة. فإذا كان معنى ((رس)) إنما هو لِما خفى وقُدّمَ سُميت الفتحةُ قبل ألف التأسيس رسَّاً لأنه اجتمع فيها الخفاء والتقدم. أمَّا التقدم فلتراخيها عن حرف الروي وبُعدها عنه، وأما الخفاء فلأنها بعضُ حرف خفيّ وهو الألف، وإذا كان الكلّ خفياً فالبعض أولى بالخفاء من الكل. ويدلّ على خفاء الألف أنها لا اعتمادها على موضع من مخارج الحروف، وإنما هي كالنّفس، ولذلك بُينتْ بالهاء في الوقف في نحو ((يا زيداه)) و ((يا رباه)) كما تُبين الحركات نحو ((لمه)) و ((عمه)) و ((فيمه)) ، وقوله ((بعد الدخيل)) يعني أن الحرف الذي بعد ألف التأسيس يُسمى الدخيل نحو حاء ((الرواحل)) وزاي ((المنازل)) ويدلّ على أن الدخيل هو الحرفُ قوله ((حركوه)) لأن المحَّرك حرفٌ قطعاً، وسُمي دخيلاً لأنه دخيلٌ في القافية، ألا تراه يجيء مختلفاً بعد الحرف الذي لا يجوز اختلافه وهو ألف التأسيس، فلمّا جاء مختلفاً متفق وفارق بذلك أحكام ما في القافية صار كأنه مُلحقٌ بها ومدخل فيها. ووقع في كلام الناظم جعل الغايةِ خبراً، وذلك لان قوله ((الدخيل)) مبتدأ وقوله ((بعد)) غايةٌ، وقد نصّ سيبويه وجماعةٌ من المحققين على أن الغاياتِ لا تقع أخباراً ولا صلاتٍ ولاصفاتٍ ولا أحوالاً. فإن قلت: فما تصنع بقوله تعالى في سورة الروم (كيف كان علقبة الذين من قبلُ) ؟ قلتُ: هذا السؤالُ استشكل به ابن هشام في المغنى قولَ المحققين ولم يجب عنه. ويمكن الجواب بأنا لا نسلّم أن قوله تعالى ((من قبل)) صلةُ ((الذين)) بل الصلةُ هي قوله تعالى (كان أكثرهم مشركين) و ((من قبل)) ظرفٌ لغوٌ متعلقٌ بخبر ((كان)) وقُدّم عليه ولا مانع، فلا إشكال حينئذ على سيبويه ولا على غيره من المحققين. وأضاف الناظم ((فتحة)) إلى قوله ((قبل)) مع انه غاية، وإنما مرادهُ: وفتحةُ الحرف الذي قبل التأسيس، ففيه ما تقدمَ من الإشكال وزيادةً حذف الموصولِ وبقاءِ صلته، فتأمل. وقوله ((وحركوه بإشباع)) يعني أنهم حركوا الدخيل بحركة هي المسماة عندهم بالإشباع ككسرة الحاء والزاي من ((الرواحل)) و ((المنازل)) . وسمي بذلك من قبل أنه ليس قبلَ الرويّ حرفٌ مُسمى إلا ساكناً، أعني التأسيس والردفَ، فلما جاء الدخيل محرَّكاً مخالفاً للتأسيس والردف صارت الحركةُ كالإشباع له، وذلك لزيادة المتحرك على الساكن لا عتماده بالحركة وتمكينه بها. وقوله ((فمن ساند اعتدى)) يريد أن السنادّ عيب إذا ارتكبه الشاعر اعتدى لكونه تجاوز حدّ ما يستحسن إلى ما يُعاب ويقبح. وبعضُ علماء هذا الفن يقول: هو كلّ عيب يلحق القافية، أي عيب كان. وقيل: هو كلّ عيب سوى الإقواء والإكفاء والإيطاء، وبه قال الزجَّاجي، وقيل: هو اختلاف ما قبل الروي وما بعده من حركةٍ أو حرف، وبه قال الرمّاني. وقيل: هو اختلاف الإرداف فقط، وبه قال أبو عبيد. وقيل: هو كل عيب يحدث قبل الروي خاصةً، وبه قال ابن جنى، وهو الصحيح وإياه اعتمد الناظم كما تراه. قال:
بذا وبتأسيسٍ وحذوٍ وردفها ... وتوجيهها مثلُ ارتدعء دَع وَرُعْ فضشَا
أقول: أشار بقوله ((ذا)) إلى الإشباع، يعني أن السِّناد يكون في الإشباع وفي التأسيس وفي الحذو وفي الردف، فسناد الإشباع اختلافه كقوله:
وكنّا كغصنىْ بانةٍ ليس واحدٌ ... يزول على الحالات عن رأي واحدِ
يبدَّلَ بي خلاًّ فخاللتُ غيرهُ ... وخليتُه لمّا أراد تباعدِى
وسناد التأسيس تركه في بيت دون آخر كقوله:
لو أن صدور الامر يبدون للفتى ... كأعقابه لم تَلقَهُ يتندمُ
إذا الأرضُ لم تجهل علىَّ فروجُها ... وإذ ليَ عن دار الهوان مُراغمُ
وأما قول العجاج:
يا دار سلمى يا لسلمى ثم اسلَمى ... فخندفٌ هامةٌ هذا العالم
(1/89)

فإن كان مِن من لغته همز مثل هذه الألف وهمزها كما يُحكى عن ابن رُؤبة في الاعتذار عنه جاز، وإلاّ كان سنادا. وسنادُ الحذو تعاقب الفتحة مع الضمة أو مع الكسرةِ قبل الردف كقوله:
كأن متونهنَّ متونُ غذرٍ ... تصفّقها الرياحُ إذا جَرَينَا
وسناد الردف تركه في بيت دون آخر، كقوله:
إذا كنت في حاجةٍ مُرسلاً ... فأرسلْ حكيماً ولا تُصهِ
وإن بابُ أمرٍ عليكَ التوى ... فشاور حكيماً ولا تعصهِ
وأما التوجيه فهو حركة ما قبل الروي المقيد وأشار إليه الناظم بالمثل التي ذكرها، فإن اختلف التوجيه كما في مُثل الناظم فهو سنادٌ عند الخليل، بل رآه أفحش من سناد الإشباع. والأخفش يرى أن اختلاف الإشباع أفحشُ مستنداً إلى كثرة تعاقب الحركات قبل الروي المقيد في أشعار العرب كقول امرئ القيس:
فلا وأبيك ابنةَ العامريِّ ... لا يدَّعى القومُ أنيّ أَفِرّْ
إذا ركبوا الخيل واستلاموا ... تَحرَّقت الأرضُ واليومُ قَرّْ
وإلى حجة الأخفش أشار الناظم بقوله ((وتوجيهها مثل ارتدع دع ورع فشا)) ، وعليه فتوجيهها مبتدأُ خبرهُ ((مثل ارتدع دع ورع)) ، وقوله ((فشا)) خبرٌ آخر. وأما الأسماء الواقعة قبل قوله ((وتوجيهها)) فكُّلها مخفوض بالعطف على المجرور المتقدم وهو ((ذا)) من قوله ((بذا)) . وينبغي أن يكون الجار متعلقاً بمحذوف يدل عليه ما تقدم، أي ساندْ في هذا وفي تأسيس وحذوٍ وردفها. فإن قلتَ: لم لا يتعلق ((بساند)) الملفوظ به في البيت السابق؟ قلتُ: أما أولاً فلما يلزمُ عليه من الإخبار عن الموصول قبل تمام صلته، وأمّا ثانياً فلما يلزم عليه من عيب التضمين ولا يُرتكب ما وُجد عنه مندوحة. وأحسن ما قيل في وجه تسمية السِّناد أنّهم يقولون ((خرج بنو فلان متساندين)) ، أي خرجوا على رايات شّتى، فمنهم مختلفون غيرُ متفقين، فكذلك قوافي الشعر المشتمل على السّناد اختلف ولم تأتلف بحسب جاري العادة في انتظام القوافي واستمرارها. قال:
ومستكملُ الأجزا العديم سنادهُ ... هو البأوُ ثمّ النَّصبُ يُومنُ يُختشى
أقول: صرّح الأخفش في كتاب القوافي له بأنّ البأو والنصب هو ما كان من القصائد سالماً من الفساد وهو تام البناء، فإذا جاء الشعر المجزوء لم يسموه بأواً ولا نصباً. ولا يريد الاقتصار على المجزوء، بل المشطور والمنهوك أيضاً متى وُجدا فلا بأو ولا نصبَ، وذلك هو مرادُ الناظم بقوله ((ومستكمل الأجزا)) إلى آخره، أي أن الشعر الذي استكمل أجزاء دائرته فلم يكن مجزوءاً ولا مشطوراً ولا منهزكاً وعدم السناد فهو البأو ثم النصب. وظاهر كلام الأخفش أن البأو والنصب مترادفان. وقال ابنُ جنى: لمّا كان البأو أصله الفخر، والنَّصبُ من الانتصاب وهو المثول والتطاولُ، لم يُوقع النصب ولا البأو على ما كان من الشعر مجزوءاً لأن جزأه علةٌ وعيبٌ لحقه، وذلك ضدُّ الفخر والتطاول. لكن قال بعضهم: البأو ما عدم السناد المستحسن كوقوع الضم مع الكسر، والمستقبح كوقوع الفتح مع ضم أو كسر، وظاهره أن النصب تجنبُ المستقبح من السناد دون المستحسن، والبأو تجنبهما. قال الشريف: فلذلك جاء الناظم ((بثُم)) إشارة إلى أنه دونه في الرتبة وقوله ((يومن يُختشى)) فيه لفٌّ ونشر مرتب، ((فيومن)) راجع إلى ما يقتضيه البأو، يعني أن البأو مأمون معه السناد من حيث فقدان العيب مطلقاً، ((ويختشى)) راجع إلى ما يقتضيه النصب، أي أن النصب يُختشى معه السناد من حيث أنه ربما يكون معه ما هو معيب عند بعض العلماء. وقد بان لك أن الضمير الذي تحمّله كلُّ واحد من قوله ((يومن)) ((ويختشى)) عائدٌ على السناد. قال:
ومطلقُها باللين والهاء ستُّها ... وتبلغ تسعاً بالمقيد عكس ذا
فجرّدها أردفهما أسِّسنهما ... والأولُ قد يولىَ الخروجَ فيُحتذى
أقول: يعني أن صور القوافي لا تعد وتسع صور، منها ستٌّ مطلقة وثلاثٌ مقيدة، فالمطلق ما كان موصولاً، والوصلُ كما مرّ يكون تارةً بحرف لين وتارةً بهاء، وكلّ منهما إما مردف أو مؤسس أو مجرد من الردفُ والتأسيس، فهذه ستّ صور حاصلة من ضرب اثنين في ثلاثة. فالمردف الموصول بحرف اللين كقوله: ومن أين للوجه المليح ذنوبُ والمردف الموصول بالهاء كقوله: عَفت الديارُ محلها فمقامها
(1/90)

والمؤسس الموصول بحرف اللين كقوله: كِلينى لِهمٍ يا أميمة ناصبِ والمؤسس الموصول بالهاء كقوله:
في ليلة لا ترى بها أحداً ... يحكي علينا إلاّ كواكبها
والمجرد الموصول بحرف اللين بقوله: ولم أعطكم في الطوع مالي ولا عرضي والمجرد الموصول بالهاء كقوله: ألا فتىً نال العُلا بهمِّه والعقيد ثلاث صور، لأنه إما مجردٌ أو مردف أو مؤسس. فالمجرد كقوله: قد جَبَرَ الدين الإله فجبر والمردف كقوله: كلّ عيشٍ صائرٌ للزوال والمؤسس كقوله: وغررتني وزعمت أنك لابنٌ في الصيف تامرْ وقول الناظم ((فجردهما)) إلى آخر البيت يفهم منه وجه الحصر في الصور التسع، وذلك لأن ضمير الاثنين راجع إلى المطلق والمقيد. وذكر لهما ثلاث حالات وهي الإرداف والتأسيس والتجريد. والمطلقُ تارةً يكون باللين وتارة بالهاء، فإذا اعتبرت ذلك جاءت الصورُ التسع كما تقدم. وقوله ((والأول قد يولى الخروج)) يعني أن الأول، وهو المطلق، قد يُولى الخروج، أي يجعلُ الخروج والياً له، وقد سبق أن الخروج هو حرف اللين الذي يقفو حركةَ هاء الوصل كالألف في ((مقامها)) ((والواو)) في ((أعماؤه)) والياءُ في ((كسائهِ)) . قال الشريف: وأراد بقوله ((فيحتذى)) أي يُحتذى به حركة الوصل إذ هو تابعٌ لها، فإن كانت الحركةُ فتحة كان ألفاً، وإن كانت ضمة كان واواً، وإن كانت كسرة كان يااء. وقد تقدم ذلك. قال:
ورُودف بالسَّكنين حدّاً وبين ذا ... بما دونَ حُرّكت فصلوا ابتدا
فواتر ودارك راكبْ اجف تكاوساً ... وتضمينها إخراج معنىً لذا وذا
أقول: القوافي تنحصر باعتبارٍ آخر غير ما تقدم في خمس صور، كلّ صورة منها تزيد على التي بعدها حركةً. فالأولى قافية المتكاوس، وهي ما اجتمع فيه أربعة أحرف متحركة، كقوله:
وثقلٍ مَنَعَ خيرَ طلبٍ ... وعجلٍ منع خير تُؤدهْ
وهي لا تلزم لأنها تنشأ عن حبل مستفعلن. واشتقاقها من تكاوس الإبل، وهو ازدحامها على الماء، فسُميت بذلك لازدحام الحركات فيها. وقيل من تكاوس النّبت مال بعضه على بعض. الصورة الثانية قافية المتراكب، وهي ما اجتمع فيه ثلاثةُ متحركات بين ساكنين كقوله: بان الخليطُ ولم يأووا لمن تركوا الصور الثالثة قافية المتدارك وهيذ متحركان بين ساكنين، كقوله: بسقطِ اللّوى بين الدخول فحومل وربما اجتمعت هذه الصورُ الثلاث في قطعة كقول الراجز قاتل الحسين قاتله الله:
أَوقر ركابي فضةً وذهبا ... إني قتلت الملكَ المحجبا
خير عباد الله أُمّاً وأبا
الصورة الرابعة قافية المتواتر، وهي متحرك بين ساكنين كقوله: حنا نيك بعضُ الشرّ أهونُ من بعض الصورة الخامسة قافية المترادف وهي ساكنان ملتقان، كقوله:
أبلغ النّعمان عنّي مألُكاً ... انه قد طال حبسي وانتظار
(1/91)

إذا تقرر ذلك فنقول: قولُ الناظم ((ورودف بالسكنين)) حديثٌ عن قافية المترادف، والمراد بالسكنين الساكنان، وأصله ذو السكنين أي ذو السكونين. وقوله ((حدّا)) أي إنما يُجعلان قافيةً إذا التقيا على حدّهما، وهو أن يكون الأول منهما حرفَ لين كما في تمودَّ الثوبُ، ففيه إشعار بأنهما متى التقيا على غير هذا الحد لا يكونان من القوافي في شيءٍ. وحمله الشريف على أن معناه أن ذلك حدٌّ من حدود الشعر، وهذا خالٍ عن الفائدة التي آثرناها قبلُ. وقوله ((وبين ذا)) أي فصلوا بين الساكنين بما دون خمسة أحرفٍ متحركة، وهي الأربعة. فإن قلت: مقتضى هذا أن تكون الإشارة ((بذا)) إلى الساكنين فكيف و ((ذا)) للمفرد المذكر والساكنان مثنى؟ قلتُ: جعل إشارة له على تأويل ما ذكر أو ما تقدم كما يقال في قوله تعالى (عوانٌ بين ذلك) . وقوله ((ابتدا)) قال الشريف: ((هو راجع إلى رودف)) ، تقدير الكلام ((ورودف ابتداء بالسكنين في حد الشعر)) . وقوله ((وبين ذا بما دون خمس حركت فصلوا)) جملةُ اعترض دون ذلك، أي أن المترادف هو الاول الذي يُبتدأ به لقلة حروفه، ثم يُعَدُّ المتواترُ ثم المتداركُ، هكذا على الترتيب. فقوله ((فواتر)) إشارةٌ إلى المتواتر. ويُستفاد كونهُ حرفاُ واحداُ بين ساكنين من الترتيب، لأنه أَتى به والياً للمترادف وهو الأول الذي وقع الابتداء به حسبما شرحته، ويستفاد كونُ المتدارك حرفين بين ساكنين من قوله ((دارِك)) بعد ذكر المتواتر، وهكذا على التوالي أن ينتهي إلى المتكاوس. ويتصور في قوله ((ابتداء)) وجه آخرُ وهو أن يكون الكلام قد انتهى عند قوله ((فصلوا)) ويكون قوله ((ابتداء)) يتعلق بقوله ((فواتر)) من البيت الذي بعده، كأنه قال: فواتر ابتداء، أي ابتداء بالمتواتر، ويكون البيت مضمنا، فعلى الوجه الأول يُعلمُ ما أراد في بيان الحدود التي بعد المترادف من ترتيب الوضع، لأن الواحد قبل الاثنين، وعلى الوجه الثني يُعلم من ترتيب الذكر لأنه قد نصّ على أن المترادف يُبتدأ به. انتهى كلام الشريف. قلت: في تحويزه أن يكون ((ابتداء)) من متعلقات البيت التي بعده، وأنّ أصل التركيب ((فواتر ابتداءً)) ثم قَدَّمَ نظرٌ لما يلزم عليه من تقديم ما في حيّز الفاء عليها وهوممتنع. ثم قال الشريف وأحسن: وقوله ((اجف تكاوساً هكذا وقع بهذا اللفظ في هذه النسخة الواصلة إليّ، وله عندي تفسيران: أحدهما أن يكون ((اجف)) بضم الفاء ويكون من الجفاء، عبّر به عن الثقل إذ كان هذا الحدّ من القوافي فيه ثقلٌ لِكثرة توالي الحركات. والتفسير الثاني أن يكون ((اجف)) مكسور الفاء، وتكون الهمزة همزة قطعٍ منقولة الحركة إلى الساكن قبلها، ويكون مأخوذاً من قولك ((أجفيت الماشية)) فهي مُجفاة، إذا أتعبتها ولم تدعها تأكل، وذلك أن المتكاوس لمّا توالت فيه الحركات الأربع ولم يفصل بينها بساكنٍ يستريح اللسان فيه كان شبيهاً بإتعاب الماشية التي تتعب بتوالي المشي من غير أن تُترك لتستريح، وهذا الثاني عندي أحسن من الأول. هذا كلامه رحمه الله تعالى. وقوله ((وتضمينها إخراج معنى لذاوذاً)) الذي يظهر لي أن يُضبط ((تضمينها)) بحركة النصب ويُجعل معطوفاً على قوله ((تكاوساً)) على أن يكون ((اجف)) بضم الفاء من الجفاء، أي ((اجف المتكاوس والتضمين)) لأن كليهما قبيح، ويُضبط ((إخراج معنى)) بالنصب عن أن يكون بدلاً من ((تضمينها)) . وربما ذكرناه يُستفاد أن التضمين عيب، وإلا فرفعه على أن يكون مبتدأ خبرهُ ((إخراج معنى لذا وذا)) لا يفيد إلا تفسير المعنى، ولا يصير في اللفظ إشعارٌ بِكون التضمين عيباً فتأمله. وفسروا التضمين بأن تتعلق قافية البيت الأول بالبيت الثاني، كقول النابغة:
وهم وردوا الجفارَ على تميمٍ ... وهم أصحابُ يومِ عُكاظَ إنىِّ
شهدت لهم مواطن صادفات ... شهدنَ لهمْ بصدق الودّ مِنيّ
(1/92)

قال الشريف: وإنما سُمي تضميناً لأنط ضمنت البيت الثاني معنى البيت الأول، لأن الأول لا يتم إلا بالثاني، وهذا هو الذي أراد الناظم بقوله ((إخراج معنى لذا وذا)) ، أي لهذا البيت وهذا البيت، لمّا كان المعنى لا يستقل به كلّ واحدٍ من البيتين صار كأنه خرج من كل واحد منهما إلى الآخر.)) انتهى. قلت: وفي بعض النسخ ((إحواج)) بالحاء والواو، من الحاجة، كأنك أحوجت المعنى إلى البيتين جميعاً وهو أظهر من الأول. وكلام الناظم منتقد من جهة شمول تفسيره التضمين لما ليس منه، وذلك لأن أول البيت إذا كان مفتقراً إلى أول البيت الثاني فليس بتضمين، نَصّ عليه أبو العباس، وسماه تعليقاً معنوياً، ووجّه بأن القافية محلُّ الوقف والاستراحة، فإذا كانت مفتقرةً لما بعدها لم يصح الوقفُ عليها، أما إذا سَلِمت هي من الافتقار فلا عيب لانتفاء هذا المحذور، كقوله:
وما شَنَّتا خرقاءَ واهيةِ الكُلَى ... سقى بِهِما ساقٍ ولما تَبَلَّلا
بأضيعَ من عينيكَ للدمع كلّما ... تذكرتَ ربعاً أو توهمتَ منزلا
وكقوله:
وما وجدُ أعرابيةٍ قَذَفَتْ بها ... صروفُ النوى من حيث لم تكُ ظنَّتِ
نمنّتْ أحاليبَ الرعاءِ وخَيمةً ... بنجدٍ فلم يُقدَر لها ما تمنَّنت
إذا ذكرتْ ماء العضاةِ وطيبهُ ... وريحَ الصّبا من نحو نجدٍ أرَنَّتِ
بأكثر منّي لوعةً غيرَ أنني ... أطا مِنُ أحشائي على ما أجنَّتِ
ومثله كثير. وربما عدّ بعض أهل البيان مثلَ هذا من فن البديع وسموه بالتفريع. وقد كرر الناظم كلمة ((ذا)) في قوافي أبيات متقاربة هنا، وذلك حيث قال ((حذوذا)) ثم قال بعد أربعة أبيات ((عكس ذا)) ثم قال بعد بيتين ((لذا وذا)) ومثله إيطاء بالنسبة إلى البيتين الآخرين وهو عيب. قال:
وتكريرها اليطاءُ لفظاً ورجّحوا ... ومعنىً ويزكو قبحه كلَّما دنا
أقول: يعني أن تكرير القافية هو الإيطاء، أُخذ من التواطؤ وهو التوافق، سُمي بذلك لاتفاق اللفظين. ونقلَ بعضهم عن الخليل أنه تكريُرها من غير تباعد ولو اختلف معناها. وضعّفَ ابن جنى هذه الحكاية عنه. قال: أو يكون رأياً رآه وقتاً دون وقت. وحكى الرمّانى عنه أنه يقول بالإيطاء في مثل ((العين)) و ((العين)) مما يجتمعان في الاسمية، فأما ((ذهب)) ماضي ((يذهب)) ((وذهب)) مراسلُ الفضة فغيرُ إيطاء عنده. وظاهر هذا أن الاتفاق في الفعلية ((كمجَد)) من الوجدان ((ووجد)) من الحزن إيطاء. وحكى الأخفش عنه أنه قال بخلافه لأنه جوّز ((الرجل)) علماً مع ((الرجل)) يعني به الرجولية. وزعم الأخفش أن الكلمة 'ذا اختلفن معناها فلا إيطاء، وهو الحق لان اتحاد اللفظ مع اختلاف المعنى من محاسن الكلام. وأيضاً فإن قُبح الإيطاء دلالته على ضعف طبع الشاعر ونزارةِ مادته حيث أحجم طبعُه وقصّر فكره أن يأتي بقافية غير الأولى واستروح إلى إعادة الأولى، والطبعُ موكّل بمعاداة المعادات، وكلاهما مفقود عند اختلاف المعنى. وقد أشار الناظم إلى تقرير المذهبين، وأن الثاني هو المرجّح. وقوله ((ومعنى)) عطفٌ على مقدرٍ تقديرهُ ((لفظاً ومعنى)) . وقوله ((ويزكوقبحه كلما دنا)) يعني أن القافية المتكررة كلما قَربت من أختها تزايد القبح وفحش العيب، كقول توبة:
لعّلك يا فَحْلاً نزي بمريرةٍ ... تعاقبُ ليلى أنْ تراني أزورها
علىَّ دماءُ إنْ كان بعلُها ... يرى لي ذنباً غيرَ أنّي أزورها
وحدد بعضهم البعد بسبعة أبيات، وبعضهم بعشرة. قال صاحب العمدة: وتكرير قافية التصريع ليس بعيب، كقوله:
خليليّ مُرّا بي على أُمِّ جُنْدَبِ ... نقضَّى لُباناتِ الفؤاد المعذّبِ
فإنكما إن تُنظرانىَ ساعةً ... من الدهر تنفعني لَدَى أم ّ جندبِ
قلت: وهذا في الحقيقة غيرُ محتاج على التنبيه عليه لأن الكلام مفروضٌ في تكرير قافية البيت، وآخرُ النصف الأول من البيت المصرع ليس بقافية البيت قطعاً فهو غيرُ ما الكلامُ فيه، والله الموفق للصواب. قال:
والأقعادُ تنويعُ العروض بكاملٍ ... وقُلْ مثله التحريدُ في الضرب حيثُ جا
(1/93)

أقول: استطرد الناظم من ذكر عيوب القافية إلى ذكر غيرها فذكر أن الإقعادَ عبارة عن اختلاف العروض من بحر الكامل، ولا شك أنه معيب وإن كان وَقَعَ لبعض فحول الشعراء، أنشدوا منه لامرئ القيس:
اللهُ أنجحُ ما طلبتُ بهِ ... والبرُّ خيرُ حقيبةِ الرجلِ
بعد قوله:
يا ربّ غانيةٍ تركتُ وصالها ... ومشيتُ متئداُ على رِسْلى
فجمع بين العروض الحذّاء والعروض التامة. وأنشد منه الجطيب التبريزي:
إنّا وهذا الحَيِّ من يَمَنٍ ... عند الهياجِ أعزةٌ أكفاءُ
قومٌ لهمْ فينا دماءٌ جمّةٌ ... ولنا لَدَيهِم إحنةٌ ودماءُ
وربيعةُ الأذنابِ فيما بيننا ... ليسوا لنا سلماً ولا أعداءُ
متردوون مذبذبون فتارةً ... مُتَنزِّرون وتارةً حلفاءُ
إن ينصرونا لا نعِزُّ بنصرهم ... أو يحذلونا فالسماءُ سماءُ
فجمع أيضاً بين العروضين، فالبيت الأول عروضه حذّاء وسائر الأبيات عروضها تامة. ومنه قولُ الآخر:
أفبعدَ مقتلِ بنِ زُهيرٍ ... ترجو النساءُ عواقب الأطهارِ
فاستعمل عروضه مقطوعةً، ثم قال:
من كان مسورواً بمقتل مالكِ ... فليأتِ نسوتنا بوجهٍ نهارٍ
يجدِ النساءَ حواسراً يندبنه ... بالصبح قبلَ تبلّجِ الأسحارِ
فاستعمل العروض فيها تامةٌ، وعلى ذِكر هذين البيتين فنقول: قال الشيخ جمال الدين بن نباتة المصري خاتمة الأدباء الفضلاء بالديار المصرية في كتابه المسمى ((بمجمع الفرائد)) : ((كانت العربُ إذا قُتل منها قيتل شريف لا يُبكى عليه ولا تندبه النساء إلى أن يقتل قاتله، فإذا فُعل ذلك خرجت النساءُ وندبنه، فأراد: من كان مسروراً بمقتل مالك معتقداً أنه لم يقتل قاتتله فليأت نسوتنا ليكذب ظنَّه ويزيل شماتته وسروره إذا وجدهن يلطمن ويندبن علماً بأن قاتله قد قُتل. وخصّص وجهَ النهار لأنه أوضح للأمر وأثبت لمعرفة النساء. وقال قوم: إنما أراد التفجع والتوجع، يعني أنه من كان مقتلُ مالك يَسره ويعجبه فليأت نسوتنا وهن يندبنه ليجد مقتله قد صح، وهذا كلامُ غيرِ عارفٍ بمذاهب العرب، وما أكثر من يقنع من كلامهم بالظاهر وتفوته هذه الدقائق. قلت: فإنه رحمه الله تعالى مع تنبهه لهذه الدقائق (لم يورد) ما غضّ به بعضهم من أبي تمام في اختياره لمثل قوله ((فليأت نسوتنا)) مع ما فيه من البشاعة، وهو نقد رائج. ثم قال: وأما قوله: بالصبح قبل تبلّج الأسحارِ فإن فيه سؤالاً لطيفاً، وذلك أن الصبح لا يكون إلا بعد تبلّج الأسحار فكيف بقول قبله؟ والجوابُ أنه أراد بقوله يندبه بالصبح أي يصفنه بالخلال المضيئة والمناقب الواضحة التي هي كالصبح ظهوراً ومعرفةً، ولم يُرد الصبح الذي هو دليلٌ على النهار. ويُروى ((في الصبح)) وعنى بذلك في الأمر الواضح مِن قتل قاتله. وبعد هذين البيتين بيتٌ يتعلق به حكايةً، وهو أن أبا عمرو الجرمي قال يوماً في مجلس الأصمعي: ما بقي شيء من الغريب في الشعر والعربية إلا وقد أحكمته. فسمعه الأصمعي فقال له: كيف تنشد هذا البيت:
قد كُنّ يخبأْنَ الوجوه تستّراً ... فالآن حين بدأن للنظارِ
فقال ((بديْن)) ، فقال له اخطات، فقال ((بد أن)) فقال أخطات، إنما هو ((بدا يبدو)) إذا ظهر. انتهى كلامه. وقوله ((وقل مثله التحريد في الضرب حيث جا)) يعني أن التحريدَ بالنسبة إلى الضروب كالإقعاد بالنسبة إلى الأعاريض فيكون المراد به اختلافها والإتيان بها على وجوه متباينة لا يجوز الجمع بينها، إلا أن التحريد يخالف الإقعاد من حيث أن التحريد اختلافُ الضروب حيث كانت من البحور لا يختص ببحر دون بحر، والإقعاد في العروض مختص ببحر الكامل كما عرفتَ. ثم هو بالحاء المهملة، مأخوذ من قولهم ((رجل حَريد)) أي منفرد معتزل، و ((كوكب حريد)) للذي يطلع منفرداً. فلمّا كان لهذا الضرب انفراد عن نظائره سُمى جعلُه كذلك تحريداً. وقال أبو الحسن هو من الحَرَد في الرِّجلين لمَا كان عيباً عندهم شبّهوا هذا العيب به. قال:
وقد كملتْ ستاً وتسعين فالذي ... توسّط في ذا العلم تُسعه حِبَا
(1/94)

أقول: أنّث ((ستا)) وإن كان مرادهُ ستة وتسعين بيتاً، إما لأنه أراد القوافي فإن البيت يُطلق عليه قافية، وكذا على القصيدة أيضاً، أو يكون أنثّه لحذف المعدود وإن كان مذكراً بناءٍ على مذهب الكسائي ومن تبعه كما سلف غيرَ مرة. وربما يكون في هذا البيت إقامةُ بعض العذر للناظم في كونه يومئ إلى المقاصد إيماء خفياً، وذلك لأنه لم يضع قصيدته هذه للمبتدئين حتى يُعاب عليه ذلك، وإنما وضَعها للمتوسط في هذا العلم، ومثله لا يخفى عليه المقصود إذا تأمل حقّ التأمل. قال:
ويسأل عبدُ الله ذا الخزرجىّ مِنْ ... مُطالعها إتحافَه منه باالدَّعا
أقول:
فجوزى بالحسنى وعنه إلهُهُ ... عفا فلقد أحيا من العلم ما عفا
وقابله يومَ الحساب بجبرهِ ... وعامله بالصّفح عنه وبالرضا
وساقَ لمثواه حقائبَ رحمةٍ ... تفضُّ ختامَ المسك عن أطيب الشذا
ونوّلنا حسنَ الخواتيم إنها ... لَحليةُ أعمال الورى حين تُجتلى
ووالى على خير الأنام صلاتَهُ ... وتسليمهُ في الابتداءِ والانتها
قال مؤلفه رحمه الله: وكان الفراغ من تبييض هذه النسخة بعد العصر من يوم الاثنين ثاني شهر رجب الفرد سنة سبعَ عشرةَ وثمانمائة بنقادة من بلاد الصعيد. وكان ابتداءُ تصنيف هذا الشرح بها يوم السبت أولَ يوم من جمادى الآخرة من السنة المذكورة أحمد الله تعالى عقباها. ثم قال: قال هذا كله وكتبه مؤلف الشرح المذكور محمد بنُ أبي بكر بن عمر المخزومي الدماميني المالكي أضعفُ خلق الله وأحوجهم إلى عفوه ومغفرته حامداً ومصليا على رسوله محمد وآله وصحبه ومسلماً، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وعلقه عبد اللطيف بنُ عبد القادر الشافعي مذهباً والأشعري عقيدةً، القادري طريقةً، الحلبي مولداً وموطناً، غفر الله ذنوبهما وستر عيوبهما ولمن طلبَ المغفرة لهما ولكل المسلمين، والحمد لله رب العالمين.
(1/95)