Advertisement

الواضح في مشكلات شعر المتنبي



الكتاب: الواضح في مشكلات شعر المتنبي
المؤلف: عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني، أبو القاسم (المتوفى: بعد 380هـ)
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] نص الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
توكلت على الله وحده
إن أولى ما استنجحت به الطلبة، واستدركت به البغية، حمد الله جل ثناؤه المبتدئ بالنعمة قبل استحقاقها، والصلاة على نبيه محمد المصطفى سيد الأولين والآخرين، وعلى آله أجمعين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
المتوسل إلى السدة الكريمة. والحضرة العظيمة. حضرة ملك الملوك بهاء الدولة بحرمة الأدب وذمامه. ونشر الكلام ونظامه. يرد البحر بأعذب مشارعه. ويتناول البدر في أقرب مطالعه.
والمجد ما لم يسر الشعر في أطرافه. ويذهب المدح في أعطافه. فكالأرض أغفالاً بلا معالم. والأنامل أصفاراً بلا خواتم.
والحسب ما لم ينشر الثناء روائحه. والإطراء فوائحه. در مغيّب في أطباق أحجاره. وأعماق بحاره. وما بهاء لؤلؤ مكنون في صدفه. ونيّر محجوب في سدفه.
وأقول:
يا سيِّدَ الأمَراء وابْ ... نَ السادة الشُّمِّ الأشَاوِسْ
إنِّي بِسَبابِكَ جَالس ... وعليْكَ للتأميل حابسْ
ومعي عَرَائِسُ نَشْرُها ... ونظامُها بِكْر الهواجسْ
مَحْشوَّةٌ بِجَواهِرٍ ... وبَواهرِ الكَلِمِ النَّفائس
فَاسْتَشْهِدْها يا خَيرَ مَنْ ... هُدِيَتْ لمجلسه العرائس
وكرائم الآداب - أدام الله دولة ملك الملوك بهاء الدولة - لكرائم الرجال، ونفائس العلوم لنفائس الأحرار.
ولما كان بهاء الدولة أعظم ملوك الأرض بسطة، وأبعدهم همة، وكان لسوق الفضل عنده نفاق، ولعلق جُلبت عليه المأثرات من كل أفق وأوب. وحشرت كل قطر وشعب، تمييزاً لجلالة قدره يجريه في هذا المضمار عند حومة تعلي ذكراه أيامه. ونشر أعلامه. وأيد عساكره الموفورة. وراياته المنشورة. وأبقاه للدولة القاهرة. والمنقبة الباهرة. ما تعاقب الجديدان. وتصاحب الفرقدان. ممدود السؤدد بفنائه. معقود النصر بلوائه. تطيب بذكره أعطاف الدنيا وحواشيها. وتنقاد لعزمه أعجاز الخطوب وهواديها. إنه على ذلك قدير. وبحسن الإجابة جدير.
وكان بعض أنشاء خدمته. وأغذياء نعمته. التمس من عثمان ابن جني استخلاص أبيات المعاني من ديوان شعر المتنبي وتجريها. ووضع اليد عليها وتحديدها. ليقرب تناولها. فأجابه إلى ما طلب وفعل بقدر إمكانه واتجاهه له. ثم قرأه عليّ أحد من تصرف في جلائل الأمور. وسياسة الجمهور. فوقعت منه على صواب وخطأ فأمللت فيه كتاباً ترجمته بالواضح في مشكلات شعر المتنبي؛ واتخذته قربة وازدلافاً إلى الباب المعمور. والجناب الممطور. واستترت في هذه الخدمة وطوالع سعود الأيام المقبلة. وميمن الدولة المستقبلة. فإن أصبت المراد فيها ونعمت، وصوابها مضاف إليه. ومحال به عليه. وإن جزت الغرض ولم أقرطس الهدف، فالآفة من الأرض ولا تكليف مع العجز.
وَمُبْلِغُ نَفْسٍ عُذرها مِثْلُ مُنْجِح وقد بدأت بذكر المتنبي ومنشئه ومغتربه ومضطربه وما دل عليه شعره من معتقده إلى مختتم أمره ومقدمه على الملك نضر الله وجهه بشيراز وانصرافه عنه إلى أن وقعت مقتلته بين دير قنة والنعمانية واقتسام عقائله وصفاياه. ثم أردفه بتفسير مشكلاته. والشرط فيها أن أورد في كل بيت البتة لفظ أبي الفتح عثمان ابن جني بلا زيادة ولا نقصان ثم أتعقبه بما يقتضيه النظر وشواهد الشعر العربية والله الموفق وهو حسبنا وكفى، وصلواته على محمد المصطفى.
حدثني ابن النجار ببغداد أن مولد المتنبي كان بالكوفة في محلة تعرف بكندة بها ثلاثة آلاف بيت من بين رواء ونساج. واختلف إلى كتّاب فيه أولاد أشراف الكوفة فكان يتعلم دروس العلوية شعراً ولغة وإعراباً، فنشأ في خير حاضرة وقال الشعر صبياً. ثم وقع إلى خير بادية، وباللاذقية حصل في بيوت العرب فادعى الفضول الذي نُبز به فنمى خبره إلى أمير بعض أطرافها فأشخص إليه من قيّده وسار به إلى مجلسه فبقي يعتذر إليه ويتبرأ مما وسم به، في كلمته التي يقول فيها:
فما لك تقبلُ زور الكلامْ ... وقدرُ الشهادة قدرُ الشهودِ
في جود كفِّك ما جُدْتَ لي ... بنفسي لو كنتُ أشقى ثمودِ
وقد هجاه شعراء وقته فقال الضبي
الزَمْ مقال الشعر كي تحظى به ... وعن النبوّة لا أبا لك فانتزحْ
تربحْ دماً قد كنتَ توجب سفكهُ ... إنّ الممتّع بالحياة لمَن رَبِحْ
فأجابه المتنبي:
(1/1)

أمري إليَّ فإن سمحتُ بمهجة ... كرمتْ عليَّ فإن مثلي من سَمَحْ
وهجاه غيره فقال:
أطْلَلْتَ يا أيها الشَّقيُّ دَمك ... بالهذيان الذي ملأْتَ فمكْ
أقسمتُ لو أقسَمَ الأميرُ على ... قتلك قبل العشاءِ ما ظلمكْ
فأجابه المتنبي:
هَمُّك في أمْردٍ تُقَلِّبُ في ... عَيْنِ دَواةٍ من صُلْبِهِ قَلَمَكْ
وهِمَّتي في انتضاء ذي شُطبٍ ... أقُدُّ يوماً بحدَّهِ أدَمكْ
فاخسَ كُليباً واقعد على ذَنَب ... واطْلِ بما بين إليَتَيكَ فَمَكْ
وهو في الجملة خبيث الاعتقاد. حيث كان في صغره وقع إلى واحد يكنى أبا الفضل بالكوفة من المتفلسفة فهوسه وأضله كما ضلّ. وأما ما يدل عليه شعره فمتلون، وقوله:
هوِّن على بصرٍ ما شقّ منظره ... فإنَّما يقظاتُ العين كالحُلُم
مذهب السوفسطائية. وقوله:
تَمتَّعْ من سهاد أو رقاد ... ولا تأمُلْ كري تحت الرّجَام
فإن لثالث الحالين معنى ... سوى معنى انتباهك والمنام
مذهب التناسخ وقوله:
نحن بنو الدنيا فما بالنا ... نعاف من لابد من شربه
فهذه الأرواحُ من جَوِّهِ ... وهذه الأجسام من تُرْبِهِ
مذهب الفضائية. وقوله في أبي الفضل ابن العميد:
فإن يكن المهديُّ قد بان هديه ... فهذا وإلا فالهدى ذا فما المهدي
مذهب السبعية. وقوله:
تخالف الناس حتى لا اتفاق بينهم ... إلا على شجبٍ والخلفُ في الشَّجْبِ
فقيل تخلد نفس المرء باقية ... وقيل تَشْرَك جسم المرء في العَطَبِ
فهذا من يقول بالنفس الناطقة وينشعب بعضه إلى قول الحشيشية والإنسان إذا خلع ربقة الإسلام من عنقه وأسلمه الله جل جلاله إلى حوله وقوته وجد في الضلالات مجالاً واسعاً وفي البدع والجهالات مناديح وفسحاً.
ومن الشعراء الذين ينسبون إلى خبث المعتقد بشار بن برد، وديك الجن، وأبان بن عبد الحميد، وأبو العتاهية، وإبراهيم ابن سيابة وهو الذي كتب إلى بعض أصدقائه:
هب لي فديتك درهماً ... أو درهمين أو ثلاثة
فأجابه المكتوب إليه على حسب ما أظنه: الدخل كثير والخرج قليل والمال مكذوب على صاحبه. فأجابه إبراهيم بن سيابة: إن كنت كاذباً فجعلك الله صادقاً، وإن كنت حجوباً فجعلك الله معذوراً.
ثم جئت إلى حديث أبي الطيب المتنبي وانتجاعه ومفارقته الكوفة أصلاً وتطوافه في أطرار الشام واستقرائه بلاد العرب ومقاساته للضر وسوء الحال ونزارة كسبه وحقارة ما يوصل به حتى أنه أخبرني أبو الحسن الطرائفي ببغداد وكان لقي المتنبي دفعات في حال عسره ويسره أن المتنبي قد مدح بدون العشرة والخمسة، وأنشدني قوله مصداقاً لحكايته:
انصُر بجودك ألفاظاً تركتُ بها ... في الشرق والغرب من عاداك مكبوتا
فقد نظرتك حتى آن مرتحل ... وذا الوداعُ فكن أهلاً لما شيتا
وأخبرني أبو الحسن الطرائفي قال: سمعت المتنبي يقول: أول شعر قلته وابيضت أيامي بعد قولي:
أنا لائمي إن كنتُ وقتَ اللوائِمِ ... علمتُ لما بي بين تلك المعالمِ
فإني أُعطيتُ بها بدمشق مائة دينار ثم اتصل بأبي العشاير فأقام ما أقام ثم أهداه إلى سيف الدولة فاشترط أن لا ينشد إلا قاعداً وعلى الوحدة، فاستجهلوه وأجابوه إليه فلما سمع سيف الدولة شعره حكم له بالفضل وعدّ ما طلبه استحقاقاً.
وأخبرني أبو الفتح عثمان بن جني أن المتنبي أسقط من شعره الكثير وبقي ما تداوله الناس.
وأخبرني الحلبي أنه قيل للمتنبي: معنى بيتك أخذته من قول الطائي، فأجاب المتنبي الشعر جادة وربما وقع حافر على حافر. وكان المتنبي يحفظ ديواني الطائيين ويستصحبهما في أسفاره ويجحدها، فلما قُتل توزعت دفاتره فوقع ديوان البحتري إلى بعض من درس عليّ وذكر أنه رأى خط المتنبي وتصحيحه فيه، وسمعت من قال: إن كافوراً لما سمع قوله:
إذا لم تُنِطْ بي ضَيْعَةً أو ولايَة ... فجودُكَ يكسوني وشُغْلُكَ يسلُب
يلتمس ولاية صيداء فأجابه: لست أجسر على توليتك صيدا لأنك على ما أنت عليه تحدث نفسك بما تحدث، فإن وليتك صيدا من يطيقك.
وسمعت أنه قيل للمتنبي: قولك لكافور:
فارْم بي حيث ما أردت فإنّي ... أسَدُ القلب، آدَمِيُّ الرُّوَاءِ
(1/2)

وَفؤادي من الملوك، وإن كَا ... ن لساني يرى من الشعراء
ليس قول ممتدح ولا منتجح إنما هو قول مضاد ومناو. فأجاب المتنبي أن قال: هذه القلوب كما سمعت أحدهما يقول:
يَقَرُّ بِعَيْنَي أن أرى قَصَدَ القنى ... وَصَرْعى رجال في وغىً أنا حاضره
وأحدها يقول:
يَقَرُّ بعيني أن أرى مَنْ مكانُها ... ذُرى عَقَدَاتِ الأَجْرَعِ المُتَفوِدِ
ثم أقام المتنبي عند سيف الدولة على التكرمة البليغة في إسناء الجائزة ورفع المنزلة ودخل مع سيف الدولة بلاد الروم في غزوتي المصيبة والقناء ونأمل حالاً في جنبته بعد أن كان حويله. وكان سيف الدولة يستحب الاستكثار من شعره والمتنبي يستقله وكان ملقى من هذه الحال يشكوها أبداً وبها فارقة حيث أنشده:
وما انتفاعُ أخي الدنيا بناظِرِهِ ... إذا استوتْ عنده الأنوار والظُلَم
وآخرها:
بأيّ لفظ يقول الشعر زِعْنَفَةٌ ... يَجُوزُ عندك لا عربٌ ولا عجم
وقال في أخرى:
أفي كل يوم تحت ضِبْني شويعر ... ضَعيفٌ يقاويني قصيرٌ يُطاولُ
وقال في أخرى:
إذا شاء أن يَهْزَأ بلحية أحمقٍ ... أراهُ غُباري ثمّ قال له الْحَقِِ
وقال في أخرى:
ولكنْ حَمَى الشعرَ إلا القلي ... لَ همٌّ حَمَى النومَ إلا غِراراً
فلما انتهت مدته عند سيف الدولة استأذنه في المسير إلى الطاعة فأذن له وامتد باسطاً عنانه إلى دمشق إلى أن قصد مصر ملمّاً بكافور فأنزله وأقام ما أقام إلا أن أول شعره فيه دليل على ندمه لفراق سيف الدولة وهو:
كفى بك داءً ترى الموتَ شافياً ... وحسبُ المنايا أن يَكُنَّ أمَانيا
حتى انتهى إلى قوله:
قَوَاصِدُ كافورٍ نَوَارِكُ غَيْرِهِ ... وَمَنْ قَصَدَ البَحْرَ اسْتَقَلَّ السوَاقِيا
فأخبرني بعض المولدين ببغداد وخاله أبو الفتح يتوزر لسيف الدولة أن سيف الدولة رسم لي التوقيع إلى ديوان البر بإخراج الحال فيما وصل به المتنبي فخرجت بخمسة وثلاثين ألف دينار في مدة أربع سنين. ثم لما أنشد الثانية كافوراً خرجت موجهة يشتاق سيف الدولة، وأولها:
فِرَاقٌ ومن فارقت غيرُ مذَمَّمِ ... وَأَمٌّ وَمَنْ يَمَّمْتُ خَيْرُ مُيَمَّم
وأقام على كره بمصر إلى أن ورد فاتك غلام الإخشيد من الفيوم وهي وبئة فنبت به واجتواها، وقادوا بين يديه في مدخله إلى مصر أربعة ألف جنيه منعلة بالذهب فسماه أهل مصر بفاتك المجنون فلقيه المتنبي في الميدان على رقبة من كافور فقال:
لاَ خَيْلَ عنْدَكَ تُهْديها وَلاَ مَالُ ... فَلْيُسْعِد النُّطْقُ إن لم يُسْعِد الحَالُ
فوصل إليه من أنواع صلاته وأصناف جوائزه ما تبلغ قيمته عشرين ألف دينار. ثم مضى فاتك لسبيله فرثاه المتنبي وذم كافوراً حيث يقول:
أيَمُوتُ مِثْلُ أبي شُجاعٍ فاتِكٍ ... وَيَعِيشُ حاسِدُهُ الخَصيُّ الأوكَعُ
فاحتال بعده للخلاص من كافور فانتهز الفرصة في العيد وكان رسم السلطان أن يستقبل العيد بيوم تعد فيه الخلع والحملانات وأنواع المبارّ لرابطة جنده وراتبة جيشه، وصبيحة العيد يفرق وثاني يوم يذكر له من قبل ومن رد واستزاد. فاهتبل المتنبي غفلة كافور ودفن رماحه براً وسار ليلته وحمل بغاله وجماله وهو لا يألو سيراً وسرىً على الحلل والأحياء والمفاوز والمجاهيل والمناهل والأواجن وترك الكوفة وقال يقتص حاله:
ألاَ كُلُّ ماشية الخيزَلَى ... فِدا كُلِّ ماشيةِ الهَيْدَبَى
وفيها يقول:
ضَرَبْتُ بِها التيهَ ضَرْبَ القِمَا ... رِ إمَّا لِهذا وَإمَّا لِذا
ثم مدح بالكوفة دلير بن لشكروز وأنشده في الميدان فحمله على فرس بمركب ذهب.
وكان السبب في قصده أبا الفضل ابن العميد على ما أخبرني أبو علي بن شبيب القاساني وكان أحد تلامذتي ودرس عليَّ بقاسان سنة ثلاثمائة وسبعين وتوزر للأصفهيد بالجبل، وأبوه أبو القاسم توزر لوشمكير بجرجان، عن العلوي العباسي نديم أبي الفضل ابن العميد الذي يقول فيه:
أبْلِغْ رسالتي الشريفَ وقلْ لهُ ... قَدْكَ اتَّئَبْ أرْبَيْتَ في الغُلوَاءِ
أن المعروف بالمطوق الشاشي كان بمصر وقت المتنبي فعمد إلى قصيدته في كافور: أُغالبُ فيك الشوقَ والشوقُ أغْلَبُ
(1/3)

وجعل مكان " أبا المسك " أبا الفضل وسار به إلى خراسان وحمل القصيدة عن المتنبي إلى أبي الفضل وزعم أنه رسوله فوصله أبو الفضل بألفي درهم واتصل هذا الخبر بالمتنبي ببغداد فقال: رجل يعطي لحامل شعري هذا فما تكون صلته لي. وكان أبو الفضل ابن العميد يخرج في السنة من الري خرجتين إلى أرَّجان يجبي بها أربع عشرة مرة ألف ألف درهم فنمى حديثه إلى المتنبي بحصوله بأرَّجان فلما حصل المتنبي ببغداد نزل ربض حميد فركب إلى المهلبي فأذن له فدخل وجلس إلى جنبه وصاعد خليفته دونه وأبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني فأنشدوا هذا البيت:
سَقَى اللهُ أمْواهاً عَرَفْتُ مَكَانَهَا ... جُراماً وَبَلْكوماً وَبَذَّرَ فَالغَمْرا
وقال المتنبي هوه جرابأً وهذه أمكنة قتلتها علماً وإنما الخطأ وقع من النقلة فأنكره أبو الفرج الأصفهاني. قال الشيخ هذا البيت أنشده أبو الحسن الأخفش صاحب سيبويه كتابه جراما بالميم وهو الصحيح وعليه علماء اللغة. وأخبرنا أبو سعيد السيرافي عن أبي بكر بن دريد في الجمهرة أن الأسماء التي جاءت على فَعَّلَ أربعة بذار وهو اسم ماء، وخضّم اسم لعنبر ابن تميم، وبقَّم اسم لخشب الصبغ، وعثَّر اسم مأسدة وتفرق المجلس عن هذه الجملة. ثم عاوده اليوم الثاني وانتظر المهلبي إنشاده فلم يفعل، وإنما صده ما سمعه من تماديه في السخف واستهتاره بالهزل واستيلاء أهل الخلاعة والسخافة عليه، وكان المتنبي مرّ النفس صعب الشكيمة حاداً مُجدّاً فخرج. فلما كان اليوم الثالث أغروا به ابن الحجاج حتى علق لجام دابته في صينية الكرخ وقد تكابس الناس عليه من الجوانب وابتدأ ينشده:
يا شيخَ أهلِ العِلم فينا وَمَن ... يلزم أهلَ العلم توقيرُهُ
فصبر عليه المتنبي ساكتاً ساكناً إلى أن أنجزها ثم خلى عنان دابته، وانصرف المتنبي إلى منزله وقد تيقن استقرار أبي الفضل ابن العميد بأرجان وانتظاره له فاستعد للمسير.
وحدثنا أبو الفتح عثمان بن جني عن علي بن حمزة البصري قال: كنت مع المتنبي لما ورد أرجان فلما أشرف عليها وجدها ضيقة البقعة والدور والمساكن، فضرب بيده على صدره وقال: تركت ملوك الأرض وهم يتعبدون لي وقصدت رب هذه المدرة فما يكون منه. ثم وقف بظاهر المدينة وأرسل غلاماً على راحلته إلى أبي الفضل ابن العميد فدخل عليه وقال: مولاي أبو الطيب المتنبي خارج البلاد، وكان وقت القيلولة وهو مضطجع في دسته فثار من مضجعه أبو الفضل واستثبته ثم أمر حاجبه كيارووين في استقباله فركب واستركب من لقيه في الطريق ففصل عن البلد بجمع كثير فتلقوه وقضوا حقه وأدخلوه البلد فدخل على أبي الفضل فقام له من الدست قياماً مستوياً وطرح له كرسي عليه مخدة ديباج وقال أبو الفضل مشتاقاً إليك يا أبا الطيب ثم أفاض المتنبي في حديث سفره وأن غلاماً له احتمل سيفاً وشذّ عنه. وأخرج من كمه عقيب هذه المفاوضة درجاً فيه قصيدته: بَادٍ هَوَاكَ صَبَرْتَ أمْ لم تَصْبِرا فوحى أبو الفضل إلى حاجبه فجاء بقرطاس فيه مائتا دينار وسيف غشاؤه فضة وقال: هذا عوض عن السيف المأخوذ، وأفرد له داراً نزلها. فلما استراح من تعب السفر كان يغشى أبو الفضل كل يوم ويقول: ما أزورك إكباباً إلا لشهوة النظر إليك، ويؤاكله. وكان أبو الفضل يقرأ عليه ديوان اللغة الذي جمعه ويتعجب من حفظه وغزارة علمه فأظلهم النيروز فأرسل أبو الفضل بعض ندمائه إلى المتنبي: كان يبلغني شعرك بالشام والمغرب ومن سمعت دونه، فلم يحر جواباً إلى أن حضره النيروز وأنشده مهنئاً ومعتذراً فقال:
هَلْ لِعُذْري إلى الهمام أبي الفضْ ... لِ قبولٌ سَوادُ عيني مِسْدادُهْ
ما كَفاني تقصيرُ ما قلتُ فيه ... عن علاهُ حتَّى ثَنَاهُ انْتِقادُهْ
إنَّني أصيدُ البُزاةِ وَلَكِ ... نَّ أجَلَّ النُّجوم لا أصْطادُهْ
ما تعودت أن أرى كأبي الفَتْ ... حِ وَهَذا الذي أتَاهُ اعتِيادُهْ
فأخبرني البديهي سنة ثلاثمائة وسبعين أن المتنبي قال بأرجان: الملوك قرود يشبه بعضهم بعضاً لا على الجودة يعطون. وكان حمل إليه أبو الفضل خمسين ألف دينار سوى توابعها وهو أجاود زمان الديلم.
وكذلك أبو المطرف وزير مرداويج قصده شاعر من قزوين فأنشده وأملَّه مادة نفقة يرجع بها إلى بلده فكتب إليه أبياتاً أولها:
(1/4)

أَأَقْلامٌ بكَفِّكَ أمْ رِمَاح ... وعزمٌ ذاكَ أم أجَلٌ مُتَاحُ
فقال أبو المطرف أعطوه ألف دينار.
وكذلك أبو الفضل البلعمي وزير بخارى أعطى المطراني الشاعر على قصيدته التي أولها: لا شُرب إلا بستر النَّايِ والعُودِ خمسة عشر ألف دينار.
وكذلك خلف صاحب سجستان أعطى أبا بكر الحنبلي خمسة آلاف دينار على كلمة فيه.
وكان سيف الدولة لا يملك نفسه، وكان يأتيه علوي من بعض جبال خراسان كل سنة فيعطيه رسماً له جارياً على التأييد فأتاه وهو في بعض الثغور فقال للخازن: أطلق له ما في الخزانة فبلغ أربعين ألف دينار فشاطر الخازن وقبض عشرين ألف دينار إشفاقاً من خلل يقع على عسكره في الحرب. وأخبرني بعض أهل الأدب أنه تعرض سائل لسيف الدولة وهو راكب فأنشده في طريقه:
أنْتَ عَلِيٌّ وهذهِ حَلَبُ ... قد فَنِيَ الزَّاد وَانْتَهَى الطَّلَبُ
فأطلق له ألف دينار. وتعرض سائل لأبي علي بن الياس وهو في موكب وأمر له بخمسمائة دينار فجاء الخازن بالدواة والبياض فوقّع بألفي دينار فلما أبصره الخازن راجعه فيها فقال أبو علي: الكلام ريح والخط شهادته ولا يجوز أن يُشهَد عليَّ بدون هذا. وركن الدولة منهم زار أبا جعفر الخازن ليلة وهو نازل في دار أبي الفضل ابن العميد يسأله عن شيء من العلم في حديث الأعمار ومن عنده أنفذ إليه ألف دينار فردها ولم يقبلها. وكان ركن الدولة جاءه مُمَقَّط وخلا به في الميدان وقال: أنا جاسوس مرداويج وقد انقطعت النفقة بي فأطلق له ألفي دينار فقال الخازن: باسم مَن أكتبها فقال: باسم من لا يسمى. وكان مع سماحه ورعاً عن سفك الدماء، لا جرم أن المُلك قد حصل في عقبه وأولاده دون عماد الدولة بشيراز ومعز الدولة ببغداد.
ثم إن أبا الطيب المتنبي لما ودع أبا الفضل ابن العميد ورد كتاب عضد الدولة يستدعيه فعرفه أبو الفضل فقال المتنبي: ما لي وللديلم. فقال أبو الفضل: عضد الدولة أفضل مني ويصلك بأضعاف ما كنت وصلتك به، فأجاب بأني ملقى من هؤلاء الملوك أقصد الواحد بعد الواحد وأُملّكهم شيئاً يبقى بقاء النيرين ويعطونني عرضاً فانياً ولي صخرات واختيارات فيعوقونني عن مرادي فأحتاج إلى مفارقتهم على أقبح الوجوه. فكاتب أبو الفضل عضد الدولة بهذا الحديث فورد الجواب بأنه مملك مراده في المقام والظعن. فسار المتنبي من أرجان فلما كان على أربعة فراسخ من شيراز استقبله عضد الدولة بأبي عمر الصباغ أخي أبي محمد الأبهري صاحب كتاب حدائق الآداب، فلما تلاقيا وتسايرا أنشده فقال المتنبي: الناس يتناشدون فاسمعه. فأخبر أبو عمر أنه رُسِم له ذلك عن المجلس العالي، فبدأ بقصيدته التي فارق مصر بها:
ألا كُلُّ ماشِيَةِ الخَيْزَلَى ... فِدا كُلِّ ماشِيَةِ الهَيْدَبى
ثم دخل البلد فأُنزِلَ داراً مفروشة ورجع أبو عمر الصباغ إلى عضد الدولة فأخبره بما جرى وأنشده أبياتاً من كلمته وهي:
فَلَمَّا أَنَخْنا رَكَزْنا الرَّمَا ... حَ حَوْلَ مَكارِمِنَا والعُلى
وَبِتْنَا نُقَبِّلُ أَسْيَافَنَا ... وَنَمْسَحُها مِنْ دِماءِ العِدى
لِتَعْلِمَ مِصْرَ وَمَنْ بِالْعِرَاقْ ... وَمَنْ بِالْعَواصِمِ أَنِّي الفَتَى
وَأَنِّي وَفَيْتُ وَأَنِّي أَبَيْتُ ... وَأَنِّي عَتَوْتُ عَلَى مَنْ عَتَى
فقال عضد الدولة: هو ذا يتهددنا المتنبي.
ثم لما نفض غبار السفر واستراح ركب إلى عضد الدولة فلما توسط الدار انتهى إلى قرب السرير مصادمة فقبّل الأرض واستوى قائماً وقال: شكرت مطية حملتني إليك وأملاً وقف بي عليك. ثم سأله عضد الدولة عن مسيره من مصر وعن علي بن حمدان فذكره وانصرف وما أنشده. فبعد أيام حضر السماط وقام بيده درج فأجلسه عضد الدولة وأنشد: مَغَاني الشَّعْب طيباً في المَغَاني فلما أنشدها وفرغوا من السماط حمل إليه عضد الدولة من أنواع الطيب في الأردية الأمنان من بين الكافور والعنبر والمسك والعود، وقلد فرسه الملقب بالمجروح وكان اشتُرِيَ له بخمسين ألف شاه، وبدرة دراهمها عدلية، ورداء حشوه ديباج رومي مفصّل، وعمامة قوّمت خمسمائة دينار، ونصلاً هندياً مرصع النجاد والجفن بالذهب.
(1/5)

وبعد ذلك كان ينشده في كل حدث يحدث قصيدة إلى أن حدث يوم نشر الورود فدخل عليه والملك على السرير في قبة يحسر البصر في ملاحظتها بأبواب. والأتراك ينثرون الورد فمثل المتنبي بين يديه وقال: ما خدمت عيني قلبي كاليوم، وأنشد يقول:
قَدْ صَدَقَ الوَرْدُ في الذي زَعَما ... أَنَّكَ صَيَّرْتَ نَثْرَهُ دِيَما
كأَنَّما مائِجُ الهَوَاءِ بِهِ ... بحرٌ حوى مثل مائِهِ عَنَما
فحُمل على فرس بمركب وأُلبِس خلعة ملكية وبدرة بين يديه محمولة.
وكان أبو حفص ابن ما قوله وزير بهاء الدولة مأموراً بالاختلاف إليه وحفظ المنازل والمناهل من مصر إلى الكوفة وتعرّفها منه فقال: كنت حاضرة وقام ابنه يلتمس أجرة الغسّال فأحذَ المتنبي إليه النظر بتحديق فقال: ما للصعلوك والغسال، يحتاج الصعلوك إلى أن يعمل بيده ثلاثة أشياء يطبخ قدره وينعل فرسه ويغسل ثيابه، ثم ملأ يده قطيعات بلغت درهمين أو ثلاثة.
وورد كتاب أبي الفتح ذي الكفاءتين ابن أبي الفضل) وكان من أجاود زمان الديلم فرّق في يوم واحد بشديز قرميسين ألفين وخمسمائة قطعة ابريسم (ومضمون كتابه الشوق إلى لقاء المتنبي وتشوقه إلى تطرقه عليه فأجابه المتنبي:
بِكُتْبِ الأنامِ كتابٌ وَرَدْ ... فدتْ يَدَ كاتبه كُلُّ يَدْ
إذا سَمَعَ النَّاسُ أَلْفَاظَهُ ... خَلَقْنَ لَهُ في القُلوبِ الحَسَدْ
فقلتُ وَقَد فَرَسَ النَّاظري ... نَ كذا يفعَلُ الأسد ابنُ الأسدْ
فلما أعاد الجواب إلى أبي الفتح جعل الأبيات سورة يدرسها ويحكم للمتنبي بالفضل على أهل زمانه، فقال أبو محمد ابن أبي الثياب البغدادي:
بَوَارِدُ شِعْرٍ كَذوبِ البَرَدْ ... أتانا به خاطِرٌ قد جَمَدْ
فَقْبَلَ يَمْضَغُهُ بَعْضُنا ... وهَمُّ السنانير أكْلُ الغُدَدْ
وقالوا جَوادٌ يَفوقُ الجِيَادَ ... وَيَسْبِق مِنْ عَفْوِهِ المُقْتَصِدْ
وَلَو وُلِّيَ النَّقْدُ أَمْثالَهُ ... لَظَلَّتْ خَفَافيشُنا تنتقَد
فاستخف أبو الفتح به وجره برجله، ففارقهم وهاجر إلى أذربيجان والأمير أبو سالم بن شاذلويه على الإمرة فاتصل به وحظي عنده على غاية الإكرام والإيجاب فاتفق أنه ليلة كان على الشرب فأمره ديسم بنعت الشموع وكاتباً له يعرف بالنُّنْنُعِيّ فبدره أبو محمد فقال:
وَمَجْدولَةٍ تَاجُها يَلْمَعُ ... بِلا حَزَنٍ عَيْنُها تَدْمَعُ
تَحَدَّرَ مِنْ حَقْوَها مِئْزَرٌ ... لَهُ مِنْ ذَلالِهِ مِرْقَعُ
تَجُزُّ مَواشِطِها شَعْرَها ... فَيَنْبُتُ حَدْثانَ ما يُقْطَعُ
وَكَمْ مَجْلِسٍ حَضَرْتُ في الظلامِ ... فأبدعتُ فيها كما أُبْدِعُ
وَقَد أَمَرَ الكاتِبُ النغنعيّ ... فَيا لَيْتَ شِعْري ما يَصْنَعُ
ثم فارق أبو محمد ابن أبي الثياب أذربيجان وورد الدينور وبها أبو الفرج المنشئ صاحب ركن الدولة مع عسكر جرار لمحاربة حسنويه بن الحسين، فكان أبو محمد ابن أبي الثياب يغشاه فحضره ليلة صبيحتها يوم المهرجان وعنده أبو علي الفراء ابن أخت ابن قتيبة الدينوري فابتدأ أبو محمد بحديث ليلة الشرب عند الديم ونعت الشمعة وأنشد قطعته فقام أبو علي الفراء وأصلح شمعة موكبية حملها إلى أبي الفرج المنشئ مع هذه المقطوعة:
يأيُّها الأُستاذُ إنَّكَ قَدْ ... أصْبَحْتَ في المَجْدِ عالي الدَّرَجِ
قَدْ جَاءَكَ المهرجان يلتمس الزِّينَ ... ةَ مِن نورِ وَجهِكَ البَهيجِ
وما يَضوعُ الريحانُ في زَهرِ ال ... بُستان إلا بِنَشرِكَ الأرِجَ
أهديتُ فيه وليسَ مِثْلُكَ مَنْ ... يُهدى على قدرهِ سوى المهجِ
ذاتَ وِشاحٍ في الوَرْسِ مُندمِجٍ ... مندرجٍ فيه أيَّ مُندَرَجِ
فلونُها لونُ عاشقٍ دَنِفٍ ... وقَدُّها قَدُّ شادِنٍ غَنِجِ
يُنْتِجُها النَّحْلُ ثُمَّ يُسَلِّمُها ... إلى لهيبِ الضِّرامِ والوَهَجِ
مأسورَةٌ في يَدَيْ مُدَبِّرُها ... فَظَّ بإِتلافِ روحِها لَهِجِ
وتَخْلُفُ البَدْرَ في الظَّلامِ كما ... يَخْلُفُ شَمسَ الضُّحى أبو الفَرَجِ
سَمَيدَعٌ أصْبَحَتْ خَلائِقُهُ ... يَحذو بِها كُلُّ شاعِرٍ هَزِجِ
(1/6)

فطيبُ ذِكراهُ في البلادِ كما ... لآلِ عبد العزيز بالكَرَجِ
مضت الحكاية.
وقال عضد الدولة بشيراز: المتنبي قال جيد شعره بالعرب فأُخبر المتنبي به فقال:) الشعر على قدر البقاع (.
وكان عضد الدولة جالساً في البستان الزاهر يوم زينته وحفله وأكابر حواشيه وقوف سماطين فقال أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف الحكامي: ما يعوز مجلس مولانا سوى أحد الطائيين. فقال عضد الدولة: لو حضر المتنبي لناب عنهما، فلما أقام مدة مقامه وسمع ديوان شعره وارتحل وسار بمراكبه وظهوره وأثقاله وأحماله إلى أن نزل الجسر بالأهواز.
وأخبرنا أبو الحسن السوسي في دار الوقف بين السورين قال: كنت أتولى الأهواز من قبل المهلبي وورد المتنبي علينا ونزل عن فرسه ومقوده بيده وفتح عيابه وصناديقه لبلل مسها في الطريق وصارت الأرض كأنها مطارد منشورة فحضرته أنا وقلت: قد أقمت للشيخ نزلاً فقال المتنبي: إن كان لم ياته ثم جاءه فاتك الأسدي بجمع وقال: قد سار الشيخ من هذه الديار وشرّفها بشعره والطريق بينه وبين دير قنة خشن قد احتوشه أهل العياثة والخرابة والصعلكة، وبنو أسد يسيرون في خدمته إلى أن يقطع هذه المسافة ويبر كل واحد منهم بثوب بياض، فقال المتنبي: ما أبقى الله يدي هذا الأدهم وذبات الجزار الذي أنا متقلده فإني لا أفكر في مخلوق. فقام فاتك ونفض ثوبه وجمع من رتوت الأعاريب الذين يشربون دماء الحجيج حسواً، سبعين رجلاً ورصد له، فلما توسط المتنبي الطريق خرجوا عليه فقتلوا كل من كان في صحبته وحمل فاتك على المتنبي وطعنه في يساره ونكسه عن فرسه، وكان ابنه أفلت إلا أنه رجع يطلب دفاتر أبيه فقنَّح خلفه الفرس أحدهم وحز رأسه وصبوا أمواله يتقاسمونها بطرطوره. وقال بعض من شاهده: إنه لم تكن فيه فروسية وإنما كان سيف الدولة سلمه إلى النخاسين والروّاض بحلب فاستجرأ على الركض والحضر فأما استعمال السلاح فلم يكن من عمله، وقوله في نفسه:
وأورد نفسي والمُهنَّدُ في يدي ... مَوارِدَ لا يُصدِرونَ مَن لا يُجالِدُ
وما شاكله جار مجرى قول البحتري وغيره مكن شعراء الحاضرة حيث يقول:
سلامٌ على الفتيان بالشرق إنَّني ... تَيَمَّمتُ نحوَ الغَرْبِ أقصدُ فاعلا
مع الليث وابن الليث أمسي مجاوراً ... حُمَاةَ الضَّواحي ثُمَّ أُضحي مُقاتلا
وكقوله:
وَرَأيتَني فرَأيتُ أحسنَ مَنظرٍ ... ربُّ القاصدِ في القَنَا المُتَقَصِّدِ
وقعدتُ عنك ولو بمهجةِ فارسٍ ... عَيْري أقومُ إليهمُ لمْ أقْعُدِ
وكان قلبك في سواد جوانحي ... فأكونَ ثَمَّ ولا لِساني في يَدي
قال الشيخ أبو القاسم: جملة القول في المتنبي أنه من حفّاظ اللغة ورواة الشعر، وكل ما في كلامه من الغريب مستقاة من الغريب المصنف سوى حرف واحد هو في كتاب الجمهرة وهو قوله: وأطوي كما يطوي المُجَلَّدَةُ العُقْدُ وأما الحكم عليه وعلى شعره: فهو سريع الهجوم على المعاني، ونعت الخيل والحرب من خصائصه، وما كان يراد طبعه في شيء مما يسمح به، يقبل الساقط الرد كما يقبل النادر البدع، وفي متن شعره وهىً، وفي ألفاظه تعقيد وتعويض.
ثم انتهينا إلى الابتداء بما فسره أبو الفتح عثمان بن جني في قول المتنبي:
أَأُحِبُّهُ وَأُحِبُّ فيهِ مَلامةً ... إنَّ المَلامَةَ فيهِ مِنْ أَعْدائِهِ
كأنه ناقض أبا الشيص في قوله:
أجِدُ الملامَةَ في هواكِ لذيذَة ... حبّاً لِذِكْرِكِ فَلْيَلُمْني الّلوَّمُ
قال الشيخ: أما معنى المتنبي فبخلاف قول أبي الشيص وإنما يريد المتنبي: إني أحب حبيبي واللوام ينهون عنه فكيف نأتلف. وأبو الشيص يريد بقوله: أحب اللوم لا لنهي عن هواك بل لتكرر ذكرك في تضاعيف الكلام وأثناء الملام.
وقال المتنبي:
عَجَبَ الوشاةِ من اللُّحاةِ وقولهم ... دَعْ ما نَراكَ ضَعُفْتَ عن إخفائِهِ
قال أبو الفتح: يقول ليس حوله إلا واشٍ أو لاحٍ كقول قيس:
تَكَنَّفَتْني الوُشاةُ فأزعجوني ... فيا للهِ للواشي المُطاعِ
(1/7)

قال الشيخ: المعنى محجوب، وإذا جاءت العبارة ولم تكشفه بقي المعنى في حجابه. وقول أبي الفتح متشاكل للفظ المتنبي بلا تفسير. وإنما المعنى: إن الوشاة عجبوا من اللاحين حيث كلفوه الصبر عن خلته وهو لا يستطيعه فكان عجبهم أنهم طلبوا منه ما لا يقدر عليه. ومثله قول البحتري:
يُكَلِّفُني عَنْكَ العُذولُ تَصَبُّراً ... وَأَعْوَزُ شَيءٍ ما يُكَلِّفُنيه
قال المتنبي:
إنَّ المُعينَ على الصَّبابةِ بالأسى ... أوْلَى بِرَحمةِ ربِّها وإِخائِهِ
قال أبو الفتح: أي على ما بي من الصبابة بالأسى أي ى معونة لي عنده غير أنه يحزنني فهذا معونته إياه ومثل) على الصبابة (قول الأعشى: وَأَصْفَدَني على الزَّمانَةِ قائِداً أي على ما أنا فيه من الزمانة. وليس معنى على الصبابة هاهنا كقولك أعنت زيداً على عمرو لأنه لو أعانه على الصبابة لكان معه لا عليه، وأنت قد تراه يتظلم في هذا البيت منه إلا على الصبابة بأن زادني عليها تحزناً.
قال الشيخ: معنى بيت المتنبي: إن الذي يصيرني على ما بي من الشوق والهوى ولا أستطيعه هو أولى بأن يرق لي ويساعدني على شجوي.
قال المتنبي:
فَتَبيتُ تُسئِدُ مُسئداً في نيِّها ... إسآدَها في المَهمَهِ الأنضاء
قال أبو الفتح: الإسآد إغذاذ السير ويقال لسير الليل خاصة. والني الشحم. ومسئداً منصوب على الحال من الضمير في تسئد وهي حال مؤكدة لعاملها وفاعله المرفوع الأنضاء. أي فتبيت تسير سائراً في نيها الأنضاء سيراً في المهمه أي تقطع الفلاة شحمها كما تقطع هي الفلاة، وهذا الذي حصلته عن أبي الطيب.
قال أبو القاسم: تفسير هذا البيت قول أبي تمام الطائي ومنه أخذ المتنبي إلا أنه عقّد الألفاظ وعوّصها وأظلم المعنى. وبيت أبي تمام:
رعته الفيافي بعدما كان حقبةً ... رعاها وماءُ الروض ينهلُّ ساكبُه
وأبو تمام أخذ هذا المعنى من بيت العرب أبعده أبو سعيد السيرافي عن أبي بكر محمد بن دريد في كتاب الأبيات للأشانداني وهو:
وَذاتِ مَاءَين قَدْ غَيَّضْتُ ماءهما ... بحيثُ تُستِمْسَكُ الأرماقُ بالحَجَرِ
رَدَّتْ عَوَاريَّ غيطانِ الفلا وَنَجَتْ ... بِمِثْلِ إيالَةٍ من يابِسِ العُشَرِ
قال المتنبي:
حتَّى إذا لم يدَعْ لي صدقُهُ أملاً ... شَرِقْتُ بالدمعِ حتى كادَ يتشرَّقُ بي
قال أبو الفتح: أي كثر دمعي حتى صغرت أنا بجنبه بالإضافة إليه.
قال أبو القاسم: معنى هذا البيت أنه لما أتاني نعي المتوفاة نزفت دمعي بالبكاء حتى لم يكد يجري وبقي حائراً في الجفن فكدت أقضي نحبي فيجف الدمع بي، وليس للكثرة والقلة معنى كما ذكره أبو الفتح. وللشعراء في ذكر الدمع والعين أساليب حسان. فمن أحسن ما ذكروا قول أبي حية النميري وهو أول من افترعه:
نَظَرْتُ كأنّي مِن وَراءِ زُجاجَةٍ ... إلى الدَّارِ مِن فَرْطِ الصَّبابةِ أنْظُرُ
وقال بعض العرب:
وَمِمَّا شَجاني أنها يومَ أعرضَتْ ... تولَّت وماءُ العينِ في الجفنِ حائِرُ
وتبعه بشار فقال: أقولُ وَقَدْ غَصَّتْ جُفوني بِمائِها وقال ابن حبيبات:
أُلِمُّ بالبابِ كي أشكو فَيَمنَعُني ... فيضُ الدّموعِ على خدي من النَّظَرِ
أقبَلْتُ أطْلُبُها والقَلْبُ مَنْزِلُها ... أعْجِبْ بِمُقْتَرِبٍ مِنّي على سَفَرِ
وقال البحتري:
وَقَفْنا وَالعُيونُ مُشْغَلاتٌ ... يُغالِبُ دَمعَها نَظَرٌ كَليلُ
نَهَتْهُ رُقَيَّةُ الواشينَ حَتَّى ... تَعَلَّقَ لا يَغيضُ ولاَ يَسيلُ
وقال المتنبي:
عَشيَّةَ يَعدونا عن النَّظَرِ البُكا ... وعن لذَّة التَّوديعِ خوفُ التَّفَرُّقِ
فهؤلاء كلهم وصفوا حيرة الدمع وكلهم قاصرون عن أبي حية. وأما في معنى تدارك سيلانه فليس فوق قول قيس شيء أنشدناه المرزباني عن عمر بن شبة عن الأصمعي، قال:
وَنُريكَ وَجْهاً كالوذّيلةِ لا ... ظَمآنُ مُختَلِجٌ وَلا جَهْمُ
واخترت في صفة العيون قول عدي:
وَكَأنَّها بَينَ الظباءِ أعَارَهَا ... عَيْنَيْه أحْوَرُ مِن جآذِرِ جاسِمِ
وَسْنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَت ... في عينهِ سِنَةٌ وليسَ بِنائِمِ
واخترت في نعت الدمع قول قيس:
(1/8)

وإنِّي لأبكي اليومَ من حَذَري غَداً ... فِراقَكَ وَالحَيَّانِ مُختَلِفانِ
سِجالاً وَتَساكُباً وَسَحاً وَديمةً ... وَهَطْلاً وَتَهتاناً وَبالهَمَلانِ
وطرده البحتري على سبيل التورية إلى المدح فقال:
تَجودُ على الطُّلابِ سَحَّاً وَدِيمَةً ... وَهَطْلاً وَإرِْاماً وَوَبلاً وَرَيِّقَا
وأما في الاعتذار في الدمع فبشار ابتدع فيه وهو قوله:
يَقُلْنَ لَقَد بَكَيْت فقلتُ كلا ... وهل يبكي من الطَّرَبِ الجَليدُ
وَلكِني أصابَ سَوادَ عيني ... عُوَيْدُ قَذى لهُ طَرْفٌ حَديدُ
فَقالوا ما لِدَمْعِها سَواء ... أكِلْتى مُقلَتَيكِ أصابَ عُودُ
وتبعه أبو العتاهية وأحسن حيث يقول:
كَمْ مِن خَليلٍ لي أسا ... رِقُهُ البُكاءَ مِنَ الحَياءِ
فإذا تَأَمَّلَ لامَني ... فأقولُ ما بي من بُكاءِ
لَكِنْ ذَهَبْتُ لأرْتَدي ... فَطَرَفْتُ عَيني بالرِّدَاءِ
وقال المتنبي:
وَنَغبِطُ الأرضُ منها حيثُ حَلَّ بِهِ ... وَنَحْسُدُ الخَيْلُ منها أيَّها رَكِبا
قال أبو الفتح: إنما جعل الأرض تغبط والخيل تحسد لأن الأرض وإن كثرت بقاعها فهي كالمكان الواحد لاتصال بعضها ببعض والخيل ليست كذلك لأنها متفرقة فاستعمل للأرض لفظ الغبطة وللخيل لفظ الحسد لأنه أقبح.
قال أبو القاسم: أما الفرق بين الغبطة والحسد فقد فرّق بينهما النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:) المؤمن يغبط والمنافق يحسد (والعرب تقول: غبطت الرجل إذا تمنيت مثل حاله مع بقائها له، وحسدته إذا تمنيت زوال حاله إليك.
وسئل النبي صلى الله عليه وسلم هل يضر الغبط فقال:) كما يضر العضاة الخبط (معناه أن الإنسان إذا رأى نعمة بغيره لا يدخل التمني ولا يستفتح بابه وإنما يسترزق الله من فضله العميم.
ومعنى بيت المتنبي أن الأرض كل بقعة منها يتمنى أن يكون يحل بها لفضله وكرمه، وإذا ركب من الخيل ما ركب فكل فرس يتمنى أن يزول عن ظهره إليه. وقال الحسن بن هانئ في الأمين:
مَنِ الجآذِرُ في زِي الأعاريبِ ... حُمْرُ الحُلي والمطايا والجلابيبِ
قال أبو الفتح: جعل كونهن جآذر حقيقة وجعل كونهن أعاريب مجازاً وذلك للمبالغة في الصنعة.
قال أبو القاسم: ليس للمجاز والحقيقة محل في هذا البيت ولا مدخل وإنما جعلهن جآذر لنجل العيون وحورهن وهن في الخلقة نساء.
قال أبو الفتح: حُمر الحلي أي هن شراف وكذلك الجلابيب.
قال أبو القاسم: ليس هذا بشيء إنما المعنى أنهن حسان يلبسن حسان الملابس استضافة جمال إلى جمال. وروى الأصمعي في كتاب الأجناس أن العرب تقول: إن الخمار الأسود يشب لون المرأة أي ينوره ويجلوه وكلما ازدادت الظلمة سواداً ازدادت الأنوار ضياءً، والعرب تقول: الحُسن أحمر ومنه قول بشار:
وَخُذي مَلابِسَ زِينَةٍ ... وَمُصبَّغاتٍ هُنَّ أَنْوَرُ
فإذا دَخَلنا فادخُلي ... في الحُمْرِ إنَّ الحُسْنَ أحمرُ
وقد ذكر ابن الرومي هذا البيت في قوله:
قُلْ للمليحةِ في الخِمارِ المُذَهَّبِ ... أفْسَدْتِ نُسْكَ أخي التَّقيّ المُترَهَّبِ
وَجَمعتِ بينَ المُذْهَبَينِ فَلَمْ يكُن ... للحُسْنِ في ذَهَبَيْهِما مِن مَذْهَبِ
والعلماء يقولون في قولهم: الحسن أحمر مجهاً آخر وهو أنه يُخاض فيه الشدائد حتى إن الدم يُراق فيه كما يقولون: الموت أحمر وهو الذي يراق فيه الدم.
قال المتنبي:
أُغالِبُ فيكَ الشوقَ والشوقُ أغلبُ ... وأعجَبُ من ذا الهَجْرِ والوَصْلُ أعجَبُ
قال أبو الفتح: أغلب أي أغلب مني ويجوز أن يكون أغلب أي غليظ العنق من القلب فيرجع إلى الأول. والقول الأول على كل حال أشبه.
والوصل أعجب لأن من عادتها أن تهجر فقد صار الهجر هو المعهود.
قال الشيخ: معنى البيت أني أغالب الشوق بالصبر وهو غالبني بسلطانه وأعجب من وصلك لي خيالاً بالليل، وهجرك صباحاً أعجب. وهذا معنى قول البحتري:
وَلَمْ نَرى مِثْلَيْنَا وَلاَ مثلَ حالِنا ... نُعَذَّبُ أَيقَاظاً وَنَنْعَمُ هُجَّدا
وقد تقدمه قيس بن الخطيم في معناه حيث يقول:
مَا تَمْنَعي يَقظي فَقَد تَوَلَّيتَهُ ... في النَّومِ غَيرَ مُصَرَّدٍ مَحسوبِ
وقال المتنبي:
(1/9)

مُنىً كُنَّ لي أنَّ البَياضَ خِضابُ ... فيَخفى تَبييضِ القُرونِ شبابُ
قال أبو الفتح: يقول شيبي هذا كان لي منىً قديماً. وإنما تمنيت الشيب ليخفى شبابي بابيضاض شعري. وآثر الشيب على الشباب لما فيه من الوقار.
قال أبو القاسم: ثاني هذا البيت يرد ما ذكره أبو الفتح من تمني الوقار وهو:
ليالي عندَ البيضِ فَودايَ فتنةٌ ... وَفخْرٌ وذاكَ الفخْرُ عِنديَ عابُ
وإنما المعنى أني مصروف الهمة إلى اكتساب المعالي والمآثر كقوله في عدة قصائد:
ضُروبُ الناسِ عُشّاقٌ ضُروبا ... فأعذَرُهم أشَقَّهُمُ حَبيبا
وَما سَكَني سوى قَتْلُ الأعادي ... فَهَل من زَوْرَةٍ تَشْفي القُلوبا
وقال في أخرى:
مُحبٌ كَنى في البِيضِ عن مُرهَفاتِهِ ... وبالحُسْنِ في أجسادِهِنَّ عن الصَّقْلِ
وبالُّمْرِ عن سُمْرِ القَنا غيرَ أنَّني ... جناها أحِبَّائي وأطرافُها رُسْلي
وقال المتنبي:
لو مَرَّ يركُضُ في سُطورِ كتابِهِ ... أحصى بِحافِرِ مُهْرِهِ ميمانِها
قال أبو الفتح في آخر تفسير هذا البيت: وشبه معها حافر الفرس بالميم وقد استقصيت ذلك في الفسر الكبير في شرح هذا الديوان.
قال أبو القاسم لأبي الفتح ثلاث علل اتخذها قواعد في شعر المتنبي إذا ضاق به الأمر: إحداهما أنه يحيل بالمعنى على الفسر الكبير، والثانية أن يقول بهذا أجابني المتنبي عند الاجتماع، والثالثة أن يقرن بالبيت مسألة في النحو يستهلك البيت واللفظ والمعنى.
وأما حافر الفرس فلا يشبه الميم في صورته. والمتنبي شبه حافر الفرس بالعين المفردة كقوله في سيف الدولة:
أول حرف من اسمه كتبت ... سنابكُ الخيلِ في الجلاميدِ
وقد شبه نعال الحوافر مسمورة بعض أهل العصر في عضد الدولة فقال:
لهمْ بِفناءِ البيتِ جُرْدٌ صَوافِن ... سِلاطٌ هواديها فَوَرْدٌ وَأَيْهَمُ
إذا أنعَلوها فالنَّعالُ أهِلَّةٌ ... وإن سَمَّروها فالمَساميرُ أنْجُمُ
وقال المتنبي:
تكبو وراءَكَ يا ابنَ أحمَدَ قُرَّحٌ ... لَيْسَتْ قَوائِمُهُنَّ من آلاتها
قال أبو الفتح: الهاء في آلاتها راجعة إلى الوراء لأنه مؤنثة وتصغيرها وريَّة.
قال أبو القاسم: الهاء في آلاتها عائدة إلى القُرَّح أي ليست قوائم هذه القرح من آلات مجاراتك في مآثرك أو مباراتك في مناقبك، ويريد بالآلات أفعالهم.
فتىً يشتهي طُولَ البلاد وَوَقْتُهُ ... تضيقُ بهِ أوقاتُهُ والمَقاصِد
قال أبو الفتح: أي يحب طول البلاد لتبعد سراياه، وطول الوقت ليتمكن فيه من أغراضه وتضيق ببعد همته أوقاته ومقاصده.
قال أبو القاسم: أي وقت سيف الدولة الذي هو فيه في الحال يستغرق مقاصد الأرض.
وقال المتنبي:
أبْرَحْتَ يا مَرَض الجُفونِ بمُمرض ... مرضَ الطبيبُ لهُ وعِيدَ العُوَّدُ
قال أبو الفتح: أبرحت أي تجاوزت. والممرض جفنها.
ومرض الطبيب له وعيد العود مثل ضربه ولا طبيب هناك ولا عوَّد ولكنه لما ذكر هناك ذكر المرض ذكر الطبيب معه والعوَّد.
قال أبو القاسم: قوله أبرحت معناه شددت يقال أمر مُبَرِّح ومُبَرَّح ومنه البرحاء لشدة الشوق، والممرض هو المتنبي نفسه يقول اشتدت يا مرض الجفون بمحب أمرضته في شدة مرضه، وهو لسقمه مرض معالجه وعيد عائده. وهذا المعنى متداول في شعر المحدثين لا يعد كثرة كقول أحدهم:
مَرَض بناظِرِهِ إذا ما مَرَّضَا ... يقضي على أحبائِهِ قبل القَضَا
وكقول غيره:
أسقَمَ جسمي سَقامُ ناظِرِهِ ... يا لَيتني خاطِرٌ بخاطِرِهِ
وقال المتنبي:
أُحادٌ أم سُداسٌ في أُحادِ ... لُيَيْلَتُنا المنوطَةُ بالتَّنادي
قال أبو الفتح: استطال ليلته فقال واحدة هي أم ستة واختيار الستة دون غيرها من العدد لأنها الغاية التي فرغ الله تعالى من جميع أحوال الدنيا. وصغر الليلة تصغير التعظيم كقول أوس:
فُوَيْقَ جُبَيلٍ شامِخِ الرأسِ لمْ تَكَدْ ... لِتَبْلُغَهُ حتى تَكِلَّ وَتَعْمَلا
والتنادي يريد التنادي بالرحيل وقود الخيل إلى الأعداء ألا تراه يقول فيما بعد:
أفكر في معانقة المنايا ... وقود الخيل مشرفة الهوادي
(1/10)

قال أبو القاسم: أما استشهاد أبي الفتح في قول الله تعالى فليس من هذا الحديث في شيء لأن المتنبي ذكر الليل والشعراء يستطيلون ليالي السهر والفكر ويحيلون بتضاعف الغموم والهواجس فيها عليها وكذلك عند الأطباء أن الأمراض تشتد ليلاً لأن طبعه الضم والقبض والخشورة والجمود، وبالنهار تنفش البخارات عن البدن وتنحل أجزاء العلل. وليس بين الشعراء وبين الأيام تعلق في أمر ما يُسهر بل يقولون: إن المحزون والمغتم ينشرح صدره ويخف ما به لمحادثة الناس وملاقاة الأشخاص كما قال ابن الدمينة:
أُقَضّي نهاري بالأحاديثِ والمُنى ... ويجمعني والهَمَّ بالليلِ جامعُ
وقال الطرماح:
على أن للعينينِ في الصُّبْحِ راحةً ... لرميهما طرفيهما كل مَطْرَحِ
وقال النابغة:
كِليني لِهَمّي يا أُمَيمَةُ ناصِبِ ... ولَيلٍ أُقاسيهِ بَطيءُ الكَواكِبِ
تَطاوَلَ حتى قُلْتُ ليسَ بِمُنقِضٍ ... وَلَيسَ مَنْ يرعى النجومَ بآيِبِ
وأما إذا ذكروا اليوم فإنهم يذهبون به قصد الممدوح وطول نهاره على الأعداء كقول الكميت: وإذا اليومُ كانَ كالأيامِ وقال أبو تمام:
ورُبَّ يومٍ كأيام تركتَ بها ... متنَ القناة ومتنَ القرن مُنقَصِفا
وإنما معنى بيت المتنبي إن ذهبت به مذهب العدد فأضفت الواحد إلى الستة والمراد إلى الأسبوع فتكون استطالة الليلة الواحدة كاستطالة ليالي الأسبوع ووقف عند هذا الحد كقول بعض الرجاز:
إنِّي إذا ما الليلُ كانَ لَيلتينْ ... وَلَجْلَج الحادي لِسانين اثنينْ
فهذا جعل واحدة ثنتين، وأوس بن حجر جعل للثلاثة ثلاث ليال فقال: وَلَقَد أتيتُ بليلة كلَيالِ وكأنَّ تحتَ الجَنْبِ شَوْكَ سَيالِ والمتنبي جعل الليلة الواحدة ليالي الأسبوع طولاً ووقف عندها. وإن ذهبت بالبيت الواحد والستة مذهب الضرب ففيه معنى لطيف لأنك إذا ضربت الواحد في الستة رجع إلى الوراء وإذا ضربت الاثنين في الستة زاد إلى قدام فيكون المعنى أن هذا الليل يرجع إلى الوراء فلا يتصرم آخره كما قال الشاعر:
لَقَدْ تَرَكَتْني أم عَمرو وَمُقلَتي ... هَمَولٌ وَقَلبي ما تَقِرُّ بَلابِلُهْ
تَطاوَلَ هذا الليلُ حتَّى كَأَنَّما ... إذا ما انقَضى تُثْنى عليهِ أَوائِلُهْ
وأما قول أوس بن حجر واستشهاد أبي الفتح به وهو فويق جبيل فهو مختلف في تصغيره فبعضهم ذهب إلى أن كل جبل شامخ له نادر ويندر منه ويشخص فهو الجبيل، ومنهم من وفق أبا الفتح. والقاطع في تصغير التعظيم قول لبيد أنشده أبو عبيد القاسم بن سلاّم في الغريب المصنف:
وَكُلُّ أُناسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهُمْ ... دُوَيهِيَةٌ تَصْفَرُّ مِنها الأنامِلُ
وصفرة الأنامل من الموت وليس في الدواهي أعظم منه، قال ذو الرمة:
التَّرك القِرْنِ مُصْفَرّاً أنامِلُهُ ... يَميدُ في الرُّمْحِ مَيْدَ المادِحِ الأسِنِ
وقال المتنبي:
وَأبْعَدَ بُعْدَنا بُعْدَ النَّداني ... وَقَرَّبَ قُرْبَنا قُرْبَ البِعادِ
قال أبو الفتح: أبعد بُعدنا بُعداً مثل بُعد التداني كان بيننا وقرّب قُربنا مثل قُرب البعاد كان بيننا أي قربني منه بحسب ما كان بيني وبينه من البُعد.
قال أبو القاسم: البيت مع استغلاقه واستبهامه في بيت الحماسة وهو:
فلله دَرّي أي نظرة ذي هوىً ... نظرتُ وأيدي العيس قد ركَّبَتْ رَقْدا
يُقَرّبن ما قُدّامنا من تَنوفةٍ ... وَيَزْدَدْنَ مما خَلْفَهُنَّ بنا بُعْدا
وقال المتنبي:
تَلِجُّ دُموعي بالجُفونِ كأنَّما ... جُفوني لِعَينَي كل باكيةٍ خَدُّ
قال أبو الفتح: فكلما بكت باكية فكأن دموعها تمر بجفوني كما تمر بخدها فلما أخلو من دموع وبكاء، قريب من قوله:
مالٌ كأنَّ غُرابَ البَينِ يرقبهُ ... فكلما قيل هذا مجتد نَعَبا
فإنما معناه أن هذا المال مجتمع لصاحبه فإذا جاء طالب جدواه تفرق ما بينهما كما قال في الأخرى يعني الدنيا ومن فيها:
أَبَني أبينا نحنُ أهلُ منازل ... أبداً غُراب البينِ فينا يَنعَقُ
وقال المتنبي:
حَتَّى دَخَلنا جَنَّةً ... لَو كانَ ساكِنَها مُخَلَّدْ
حَمراءَ خَضراءَ التُّ ... رابِ كأنَّها في خَدِّ أغْيَدْ
(1/11)

الغَيد العَنَق، إنما أراد هاهنا اللون بقوله حمراء خضراء ووجه ذلك أنه أراد شيئاً وكنى عنه بما صحبه لأن حمرة الخد إنما تكون مع اللين والنعمة لا مع الجفاف والغلظة وقد قالت العرب كذلك:
كأنَّ أيديهنّ بالمَوماة ... أيدي جَوارٍ بِتْنَ ناعِمات
فذكر النعمة هاهنا لأن معها ما يكون الخضاب وحمرة اليد يعني أن أيدي الإبل قد دميت بملاقاة المرو. وعليه قول الآخر:
كأنَّ أيديهُنَّ بالقاعِ الفَرَقْ ... أيدي جَوارٍ يَتَعاطَيْنَ الوَرَقْ
قال أبو القاسم: معنى بيت المتنبي أقرب من هذا التفصيل والتطويل وإنما يريد به تربة البستان مخضرة محمرة بأنواع الأعشاب وألوان النبات. وقول الراجز: كأن أيديهن بالقاع الفرق أنشده الأصمعي في كتاب الأبيات وذكر في تفسيره أنه شبه شدة بسط يدي الناقة وقبضها بأيدي الجواري متعاطيات الورق، ومثله قول الشماخ:
كأنَّ ذِراعيها ذِراعاً مُدِلَّةٍ ... بُعَيْدَ السِّبابِ حاوَلَتْ أن تَعَذَّرا
وكقول المسيب:
مَرِحَتْ يَداها للنَّجاء كأنَّما ... تَكرو بِكَفَّيْ لاعِبٍ في صاعِ
وكقول الآخر:
كأنَّ يَدَيْها وَقَدْ أرقَلَتْ ... وقد جُرْنَ ثُمَّ اهتَدَينَ السَّبيلا
يَدا عائِمٍ خَرَّ في هُوَّةٍ ... قَدْ أدْرَكَهُ الموتُ إلا قَليلا
قال أبو الفتح: يحتمل هذا قولين: أحدهما أن الوادي بقي لرحيلهم عاطلاً متوحشاً كالجيد إذا سقط عقده. وقوله ما بالقلوب أي قتله الوجد لبعدهم عنه فيصير إذاً كقوله:
لا تَحْسِبوا رَبْعَكُمْ ولا طَلَلَهْ ... أوّل حيّ فِراقكم قَتَلَهْ
والآخر أنه شبّه تفرّق الحمول والظعن بدُرّ قد تناثر فيكون هذا كقول بشار:
تَتابَعَ نَحْوَ دَاعيها سِراعاً ... كَما نُثِرَ الفَريدُ من النَّظامِ
قال أبو القاسم: ليس لبيت بشار متعلق ببيت المتنبي ومعناه إن الظعائن كن حلية الدار وزينتها وكانت الدار مبتهجة بهن ومشرقة لمحاسهن فلما ارتحلن بقيت عاطلاً كالجيد فارقه الحلي. وقال أبو تمام:
وطُلولِهنّ المشرقاتِ بِخُرَّدِ ... بيضٍ كواعِبَ غامضاتِ الأكْعُبِ
وقال البحتري:
يَقينَ الغَواني باللَّوى فكأنَّما ... لَقينَ الغَواني الآنِساتِ عَواطِلا
وقول المتنبي به ما بالقلوب أي غلته غلة قلب المحب كما قال المحدث:
مَنازِلُ تشكو غَليلَ المُحِبِّ ... وَتَنْدُبُ أحبابُهُنّ العُقودا
وقال المتنبي:
قالت وقد رأت اصفِراري مَنْ بِهِ ... وَتَنَهَّدَتْ فأجَبْتُها المُتَنَهِّدُ
قال أبو الفتح التنهد التنفس بغلواء وشدة.
قال أبو القاسم: هذا لا يعرف في العربية وإنما يقال نهد ثدي المرأة إذا خرج فهو ناهد ومنه نهد الرجل بزحفه إذا خرج للحرب، ومنه ثدي نواهد ونهد لخروجهن، قال عمر بن أبي ربيعة:
وَنَاهدة الثَّدْيَينِ قلت لها ابْرُكي ... على الرَّمل في دَيمومة لم تُؤسَّدِ
قال أبو العباس:
حال الوشاح على قَضيبٍ زَانَه ... رُمَّانُ صدرٍ ليس يُقْطَفُ ناهِدُ
وذم بعض العرب امرأة فقال ما فوها ببارد، ولا شعرها بوارد، ولا ثديها بناهد.
وأما قول المتنبي تنهدت أي تكلفت إخراج صدرها وثديها افتتاناً له واختبالاً لقلبه كما قال الآخر:
قَامَتْ تُريكَ خَشْيَةً أنْ تُصْرَما ... سَاقا بخَندَاه وَكَعْباً أدْرَما
وقال المتنبي:
فَرَسْتَنا سَوابِقَ كُنَّ فيهِ ... فَارَقَتْ لِبْدَهُ وَفيها طِرادُهْ
قال أبو الفتح أي في جملة ما حبانا به يعني خيلاً أي جعلتنا فرساناً وفارقت لبده أي انتقلت إلي وكانت له، وفيها طراده أي صرت من صحبته وفي جملته فإذا سار إلى موضع سرت معه وطاردت بين يديه فكأنه هو المطارد عليها إذ كان ذلك له ومن أجله. وقوله فيها أي عليها كقول الله تعالى جده:) وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ في جُذوعِ النَّخْلِ (أي على جذوع النخل.
قال أبو القاسم: معنى البيت أن هذه الخيل التي قادها إليّ ابن العميد فارقت ما كان يجللها من آلات الركوب لانتقالها إلى ملكي، وطراده إلهاء لابن العميد يعني ما عودها من الطراد ملاقاة الفرسان باق فيها وليس المتنبي ممن طارد بين يدي ابن العميد أو انحاز إلى جملته.
قال المتنبي:
(1/12)

يُغَيِّرُ ألوانَ الليالي على العِدى ... بِمَنشورةِ الراياتِ مَنْصورَةِ الجُّنْدِ
قال أبو الفتح: أي عادة الليالي السواد فإذا سارت عساكره والنيران معها إما للاستضاءة أو لإحراق بلاد أعاديه زال سواده وتغير لونه.
قال أبو القاسم: ليس للاستضاءة والإحراق فائدة ولا عرف في الشعراء وإنما معنى البيت قول مسلم بن الوليد:
إذا غَزَا بَلَداً سارَتْ عَساكِرُهُ ... كالليل أنْجُمُهُ الخِرْصانُ والأَسَلُ
وإنما عنى المتنبي أنه يشق ظلمة الليل ويجوب سواده بلألاء الحديد ملبوسه ومسنونه.
وقال المتنبي:
إذا ارْتَقَبوا صُبْحاً رَأَوْا قَبْلَ ضَوْئِهِ ... كَتائِبَ لا يَردى الصَّباحُ كما تِرْدي
قال أبو الفتح: هذا البيت تفسير الذي تقدمه وشبهها بالصباح لسرعتها وانتشارها.
قال أبو القاسم: ليس بين البيت وبين ما تقدمه مناسبة بل كل واحد منفرد بذاته قائم بمعناه. ومعنى البيت إذا بايت ابن العميد الأعداء فراقبوا الصبح خائفين وقوع الغارات عليهم رأي الأعداء قبل انفجار الصبح كتائب تنتشر زحفاً وجمعاً والعرب تتغاوَ صباحاً وتتنادى عشاءً، ويقولون هم فرسان الصباح ومصابيح العشي، قالت الخنساء:
يُذَكِّرُني طُلوعُ الشمس صَخْراً ... وَأذْكُرُهُ لِكُلِّ غُروبِ شَمْسِ
وقال المتنبي: سَيْفُ الصدود على أعلى مقلَّدِهِ قال أبو الفتح في الفسر الكبير: المصراع الثاني من هذا البيت ساقط ولم أقرأه في ديوانه، قال أبو القاسم أنشدني الدهم من الرواة بديار ربيعة ومضر، والشام، وشيراز، مصراع هذا البيت وهو:
سيفُ الصدودِ عليَّ أعلى مُقلّدهِ ... ولَحْظُهُ منهُ أدنى من مُجَرَّدِهِ
وقال المتنبي:
وَأجفَلَ بالفراتِ بذو نُمَير ... وَزَأرُهُمُ الذي زَأروا خُوارُ
فَهُمْ حِزَقٌ على الخابورِ صَرعى ... بهم من شُرْبِ غيرهم خُمارُ
قال أبو الفتح: أي قصد غيرهم فظنوا أنه أرادهم فأجفلوا بين يديه فتقطعوا.
قال أبو القاسم: ليس معنى البيت ما أراده وإنما أراد أن بني نمير صالوا صولة الأسد جرأة وإقداماً فلما لاقيتهم سقتهم سوق البقر انسلالاً منك ومخافة لبأسك كما قال في أخرى:
ألَمْ يَحذروا مَسْخَ الذي يَمْسَخُ العِدى ... وَيجعَلُ أيدي الأُسْدِ أيدي الخَرانِقِ
وقال في أخرى:
أُسْدٌ فَرائِسُها الأسودُ يقودُها ... أسدٌ تصيرُ لهُ الأُسودُ ثَعالِبا
والبيت الثاني أنه أراق دماءهم فهو شاربهما وهم مطروحون بالعراء كمن به الخمار. فأما الخمار فإنما قالته العرب من لفظ الخمر واشتققته منه ولم يقولوا به نباذ كما قالوا به خمار لأن النبيذ ليس من كلام العرب. وضموا الخاء من خمار لأنه جار مجرى الأدواء كالصداع والزكام ولم يشذ عن هذا الباب إلا حرفه رواه أبو عمرو الشيباني بالفتح وهي السواف لداء يصيب الإبل والأصمعي يرويه بضم السين وأنشد:
أفي نابينِ نَالهُما سُوافٌ ... تَأَلَّتْ طَلَّتي ليسَتْ تَنامُ
وأما الحران والخلاء فأعطوه الكسرة وهي للعيوب. وأما الفتحة فجعلوها للمصادر كالذهاب لكثرتها في الكلام. والخمر اشتقاقها من ثلاثة أشياء قال أبو عبيد لأنها تخامر النفوس أي تخالطها ومنه خامرني الهم. وقال غيره سميت خمراً لأنها تخمر العقول أي تسترها والخمرة السجادة لأنها تخمر مكانها أي تستره وإليه يرجع معنى الخمار لمقنعة النساء. وأنشد الأصمعي في كتاب الأبيات.
وداهيةٍ جَرَّها جارِمٌ ... جَعَلْتَ رِداءَكَ فيها خِمارا
أي جللت بسيفك رؤوس القوم بالضرب، وقد أخذ هذا المعنى بعض المحدثين وكشفه فقال:
سَقَيْتَ سِمامَ الرُّقْشِ بالبيضِ فَحْلَها ... وَجَلَّلَتْهُ بالبأسِ والصّارِمِ الهندي
وقيل في الخمر إنها لذكاء رائحتها وطيبها من الخمرة وهي الرائحة الطيبة.
وقال المتنبي:
كأنّ شعاع الشمس فيهِ ... ففي أبصارنا عنهُ انكسارُ
قال أبو القاسم: قول المتنبي ليس ينكشف به المعنى ولا ينشرح له الصدر وهو مما استبشع منه. وأنشد الأصمعي في كتاب الأبيات لبعض العرب يذهب مذهب الشنآن والبغضاء إلا أن البيت ليس عليه مزيد في جودة اللفظ واتساق النظم ووضوح المعنى وهو:
(1/13)

ومولىً كأنَّ الشّمسَ بيني وبينهُ ... إذا ما التقينا لَسْتُ مِمَّنْ أُعاتِبُه
وأما بيت الحماسة:
إذا أبصَرْتَني أعرَضْتَ عني ... كأنَّ الشَّمْسَ من قِبَلي تَدورُ
فهو في المعنى مثله وفي اللفظ دونه وقد اختلف في تفسيره. وقد ذكر أبو تمام الشمس في أبيات وأجاد لفظاً ومعنى قال:
بيَّنَ البينُ فَقْدَها فَلَمَّا تَعْ ... رِفُ فَقْداً للشمسِ حتى تَغَيَّبا
وقال:
وطولُ مُقامِ المرءِ في الحيِّ مُخْلِقٌ ... لدِيباجَتَيهِ فاغتَرِبْ تَتَجَدَّدِ
فإنّي رَأيتُ الشّمسَ زيدتْ مَحَبَّةً ... إلى النّاسِ أنْ لَيْسَتْ عَلَيْهِمْ بِسَرْمَدِ
وقال أيضاً:
حَطَّتْ بِتُربةِ الإسلامِ أرْحُلَها ... والشَّمْسُ قد نَفَضَتْ وَرْساً على الأصْلِ
قال أبو القاسم: اعلم أن المعاني مطروحة نصب العين وتجاه الخواطر يعرفها نازلة الوبر وساكنة المدر والقرائح تشترك فيها، وإنما المعنى في سهولة مخرج اللفظ وكثرة الماء وجودة السبك. وأنا أنشدك أبياتاً معناها واحد إلا أن تفاوتها في اللفظ عظيم، قال الأعشى:
لعمري لقد لاحتْ عيونٌ كثيرةٌ ... إلى ضوءِ نارٍ في يَفاعٍ تَحَرَّقُ
تُشَبُّ لِمَقرورينِ يَصطَلِيانِها ... وباتَ على النَّارِ الندى والمُحَلِّقُ
وقال آخر:
له نارٌ تُشَبُّ بِكُلّ وادٍ ... إذا النيران أُلْبِسَتْ القِناعا
وقال آخر:
وقلت له أقْبِلْ فإنّك راشد ... وإنّ على النار الندى وابنَ ثامِل
وقال الحطيئة:
متى تأتِهِ تعشو إلى ضوءِ نارِهِ ... تجد خَيْرَ نار عندها خيْرُ مَوْقِدِ
والمعنى واحد والشعراء شركاء فيه إلا أن الحطيئة غيّر في وجوه الكل بجودة النظام وانبساط اللفظ.
وقال المتنبي:
إليك طعَنَّا في مدى كل صَفصَفٍ ... بكل وآةٍ كلُّ ما لقيَتْ نَحْرُ
قال أبو الفتح: أي سرنا على هذه الإبل فبلغنا من قطع الأرضين الواسعة ما تبلغه الطعنة إذا صادفت نحراً أي فأغنينا كل الغناء.
قال أبو القاسم: الوآة تأنيث وأى، وأكثره نعت الخيل. قال الأسعر الجعفي:
راحوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدو بها عَنَدٌ وأى
ومعنى البيت أنه أسرع بها السير في قطع المسافة فكانت كالطعنة في النحر وأراد بالنحر المنحور كالسكب بمعنى المسكوب. وقال في أخرى يصف فرساً:
وأصْرَعُ أيَّ الوحشِ قَفَّيتُهُ بِهِ ... وَأنْزِلْ عنهُ مثلَهُ حينَ أركَبُ
وأول هذه القصيدة:
أطاعِنُ خَيلاً من فوارسها الدَّهْرُ ... وحيداً وما قولي كذا وَمَعي الصَّبرْ
وقد عرب المتنبي بهذا النظام لأن المصراعين مختلفان في الجزالة والركاكة. وكذلك بيته الآخر:
أعلى الممالكِ ما يُبنى على الأسَلِ ... والطَّعْنُ عِنْدَ مُحبّيهنَّ كالقُبَلِ
وقال المتنبي:
يَقيدانِ في أحَدِ الهَوادِجِ مُقْلَةً ... رَحَلَتْ وكانَ لها فؤادي مَحْجِرا
قال أبو الفتح: أي لما فقدتها فكأني فقد قلبي ضياءه فبقيت ذاهلاً ساهياً.
قال أبو القاسم: معنى هذا البيت أن هذه المرأة كان محلها قلبي تراه مقلة وجعل الفؤاد محجراً لصنعة الشعر كما قال العلوي:
ظِباءً مكانِهُنَّ النُّفوسُ ... نوافرُ عن مقلة الرامقِ
وقال المتنبي:
وتَرى الفَضيلةَ لا تَرُدُّ فضيلةً ... الشمس تشرق والسحابَ كَنْهورا
قال أبو الفتح: أي إذا رأتك هذه المرأة رأت منك الفضيلة مقبولة غير مردودة كالشمس إذا كانت مشرقة والسحاب إذا كانت كنهورا وهي القطع من السحاب العظام تريد وضوح أمره وسعة جوده.
قال أبو القاسم: رواية أبي الفتح بضم التاء ولا يصح للبيت معنى على هذا وإنما الرواية الصحيحة التي قالها المتنبي لا ترد بفتح التاء. ومعنى البيت أن فضيلتك في علوم العرب لا ترد فضيلتك في علوم العجم لتناسب الفضائل كما أن الشمس تشرق في أفق من السماء والسحاب في أفق آخر. والكنهور ذكر أبو عبيد في الغريب المصنف أن الكنهور قطعة من السحاب منفردة في جانب من السماء ولم ينشد فيه شيئاً، وقد قال فيه الشماخ:
على أمّ بيضاءَ السَّلامُ مُضاعفاً ... عليهنّ وَلْتُسْقَ السّحابَ الكَنهورا
(1/14)

ومثال كنهور فنعول وأصل الكلمة الكاف والهاء والراء. والكنهور لتراكبه وغلظه يرجع إلى معنى الكهر وهو الزجر والتجهم يقال سألني فلان فكهرته وانتهرته أي تجهمت له وزجرته والكهر شدة وقع الشمس قال عدي:
فإذا العانَةُ في كَهرِ الضحى ... دونها أحْقَبُ ذو لَحمٍ زِيَمْ
وقال المتنبي:
ذَمَّ الدمستق عينه وقد طَلَعَتْ ... سودُ الغمام فظنوا أنها قَزَعُ
قال أبو الفتح: القزع من السحاب القطع المتفرقة أي لما رأى السواد من الجيش مخالطه بياض الحديد انكسر فأمر عينيه لأنهما تريان الواحد أسود أبيض. والقزع من الغيم ما هو أبيض رقيق وأسود أيضاً وهو من الأضداد.
قال أبو القاسم: معنى البيت أن الدمستق ظن بعسكر سيف الدولة وهو على الغيب قلة الجمع ونزارة العدد فلما طلعت عساكره بسواد زحزفها وكثرة جموعها ذم ما ظن وخطأ ما قدّر. والقزع القطع من السحاب فحسب، وفيه أنشد ابن السكيت: إنَّا إذا قَلَّتْ طَخارير القَزَع وقال ذو الرمة يصف قانصاً على رأسه أنباذ شعر:
مُقَزَّعٌ أطلسُ الأطمارِ ليسَ لهُ ... إلا الضِّراءُ وإلا صَيدها نَشَبُ
وذكر ابن دريد أن القزعة القملة الصغيرة وقالوا قُنْزُعة الديك هي فُنْعُلَه.
وقال المتنبي:
أُحِبُّكِ أو يقولوا جَرَّ نَمْلٌ ... ثَبيراً وابنُ إبراهيمَ رِيعا
قال أبو الفتح: وهذا كقول الطائي:
وَمَكارِمٍ عُتْقِ النِّجارِ تَليدَةٌ ... إن كان هَضْب عَمايَتَينِ تَليدا
قال أبو الفتح: فكان لا يُشك أن هضب عمايتين قديم كذا لا يُشك في مكارمه.
قال أبو القاسم: ليس بين البيتين تشابه أما بيت المتنبي فمعناه أحبك أبداً فعلق تأبيد حبه بما علق، وأما قول أبي تمام فإن معناه أن الممدوح على سمت أوليه وأسلافه ومكارمه موروثة قديمة. لا كمن سما أصله وسقط فرعه. كقدم هذين الجبلين قال زهير:
ومَا يَكُ مِنْ خَيْر أتوهُ فإنَّما ... تَوارَثَهُ آباءُ آبائِهِمْ قَبْلُ
وَهَلْ يُنْبِتُ الخَطِّيَّ إلا وَشيجُه ... وتُغْرَسُ إلا في مَنابِتِها النَّخْلُ
وأنشد الجاحظ في الحيوان:
وَقَدْ عَرَفَتْ كِلابُكُم ثيابي ... كأنّي منكمْ وَنَسيتُ أهلي
نَمَتْ مِنكَ في بني شَمْجى فُروعٌ ... لها ما شئتَ من فَرْعٍ وأصْلِ
والمتنبي في هذه القصيدة ذكر بيتا وهو يتبع موطئ قدم الطائي إلا أن سرقته غير مرتضاة وهو:
ذراعنا عدواً دملجيها ... تظن بزندها زنداً ضجيعا
وقال أبو تمام:
ظلمتك ظالمة البرين ظلوم ... والظلم من ذي قدرة مظلوم
وقال المتنبي:
وخصر تثبت الأبصار فيه ... كأن عليه من حدق نطاقا
قال أبو الفتح: تثبت أي تؤثر لنعمته وبضاضته وتحدق به من كل وجه فتصير حوله كالنطاق وهو الخيط الذي يشد به الوسط.
قال أبو القاسم: قول أبي الفتح تثبت تؤثر ليس الثبات من التأثير في شيء، والبضاضة لا توصف بها الخصور وإنما هي صفة الواعد والأرداف قال عمر بن أبي ربيعة:
حسروا الأكمة عن سواعد بضة ... فكأنما عليه من حدق نطاقا
وإنما توصف الخصور بالدقة والاندماج كما سمعت الشعراء يقولون:
عجزاء ممكورة خمصانة قلق ... عنها الوشاح وتم الجسم والقصب
وقال الآخر: هيف الحضور قواصد النبل قتلننا بذا حظ نجل ومعنى البيت أن أبصار الناظرين تثبت على رؤية خصرها لاندماجه وحسنه فلا تزول عنه إعجاباً به واستحساناً له. كما قال ابن المعتز في نعت الوجوه:
منظره قيد عيون الورى ... فليس خلق يتعداه
وقال أبو تمام:
لها منظر قيد النواظر لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحب
وقال المتنبي:
يحاجي به ما ناطق وهو ساكت ... يرى ساكتاً والسلف عن فيه ناطق
قال أبو الفتح: يحاجى به أي يغالط ويعابي.
قال أبو القاسم: الأصل في ذلك أحجية العرب وأدعيتهم والجمع أحاجي وأداعي وهي الأغلوطة يتخاطبون فيما بينهم بها، وأخبنا أبو سعيد السيرافي عن أبي بكر بن مجاهد عن محمد ابن الجهم عن الفراء عن أبي ثروان في أحجية العرب وهي ما ذو ثلاث آذان يسبق الخيل بالرديان قال هو السهم وآذانه قذذه الثاث. وأنشد الباهلي في الأبيات:
(1/15)

أداعيك ما مستصحبات على السرى ... حسان وما آثارها بحسان
قال هي السيوف وآثارها القطع. وأنشد الأصمعي في آخر كتاب الأبيات:
وما مائل عند القتال برأسه ... وما راكب في الحرب قد مات طائره
يعني المح وقذذ السهم.
وقوله يرى ساكتاً والسيف عن فيه يقول ضربه بسيفه ينطق بسالة صدره، كما روي ابن دريد في الجمهرة أنهم قالوا في صفة علي رضوان الله عليه: كان علي إذا سطا قد وإذا استعرض قط فكانوا إذا رأوا هاتين الضربتين حكموا أنها لذي الفقار.
وقال أبو الفتح في هذا البيت إذا قيل من اجتمعت فيه هذه الأوصاف المضادة، والجواب هو فلان.
وقال المتنبي:
كيف ترثي التي ترى كل جفن ... رءاها غير جفنها غير راق
قال أبو الفتح: أي إذا رأت كل جفن أبصرتها غير راق من الدمع ظنت ذلك خلقة في الناس قلم ترث منه لأحد. وقوله غير جفنها أي جفنها وحده راق لأنها لا تعشق نفسها فتدمع عينها.
قال أبو القاسم: أما قول أبي الفتح لا تعشق نفسها فتدمع عينها ليس بشي وإنما المعنى أنها لم تذق طعم العشق فهي غافلة عنه فلا تبكي كما قالت الشعراء وأحدهم عمر بن أبي ربيعة:
وكنت إذا ما حدث الناس بالهوى ... ضحكت وهم يبكون من حرقات
فصرت إذا ما قيل هذا متيم ... تلقيته بالنوح والعبرات
أي عشقت صرت مثلهم.
وقال المتنبي:
يا ابن من كلما بدوت بدا لي ... غائب الشخص حاضر الأخلاق
قال أبو الفتح: أي لشدة شبهك بأبيك إذا رئيت فكأنه رئي.
قال أبو القاسم: البارع في هذا المعنى قول سعيد بن عمرو بن العاص حين قال له معاوية بما أوصى أبوك فقال: أوصاني ألا يفقد إخوانه إلا وجهه. فلما سمعه معاوية قال: إن ابن عمرو هذا لأشدق بهذه الكلمة.
وقال المتنبي:
والأسى قبل فرقة الروح عجز ... والأسى لا يكون بعد الفراق
قال أبو الفتح: النصف الأول من البيت احتجاج على من يشح بنفسه. ومصراعه الثاني اعتذار له لأنه إذا فارق الروح الجسد لم يصح هناك أسىً ولا صبر والأسى واقع لا محالة في الدنيا فلا بد إذاً منه.
قال أبو القاسم: أول هذا:
إلف هذا الهواء أوقع في الأنفس ... أن الحمام مر المذاق
وما أورده أبو الفتح عبارات فارغة، والمعنى أن حب الإنسان الحياة أمر الموت في نفسه ثم ذكر في البيت الثاني إن جزع الإنسان من الموت قبل إتيانه عجز به فإذا مات فالجزع معدوم أصلاً.
وأنشد الجاحظ في الأبيات:
لا يملأ الهول صدري قبل وقعته ... ولا أضيق به صدراً إذا وقعا
وقال المتنبي:
فلا غيضت بحارك يا جموما ... على علل الغرائب والدخال
قال أبو الفتح: غيضت نقصت، وبئر جموم كثيرة الماء، والغرائب الإبل الغريبة ترد الحوض والناس يسقون، والدخال أن يدخل بعير قد شرب بين بعيرين لم يشربا ليعرض على الماء ثانية. يدعو له يقول لا نقصك الله فإنك ثابت الكرم والعطاء إذا كدرت بوفود العفاة عليك. كما تجم البئر الكثيرة الماء إذا كثر ورادها.
قال أبو القاسم: تقول العرب في كلامها لأضربنك ضرب غرائب الإبل ولأعصبنك عصب السلمة. وإنما ذكر المتنبي الغرائب لأنها تضرب أشد الضرب وتذاد أعنف الذود كما قال الحارث بن حلزة:
فجئنا بهم قسراً تقود سراتهم ... كما ذيد عن ماء الحياض الغرائب
وذكر أبو عبيد في الغريب المصنف أن الدخال إن يدخل بعير قد شرب بين بعيرين لم يشربا لقلة الماء وأنشد قول كعب بن زهي يصف الأتن والعير:
فأوردها ظلمة بالعراك ... بالا عراك وألا عطونا
معنى البيت انه يعطى للأبعد فالأبعد فضلاً عن الأقرب فالأقرب، وإلى هذا ذهب أبو تمام في مدح ابن طوق:
الود للقربى ولكن عرفه ... للأبعد الأوطان دون الأقرب
وقال المتنبي:
يشمر لج عن ساقه ... ويغمره الموج في الساحل
قال أبو الفتح: كان يموه هذا الخارجي بحسره عن ساقه عند الماء يرى انه يخوض وأراد بذلك أن يموه.
قال أبو القاسم: معنى البيت أن هذا الخارجي لما ادعى النبوة افتراء اكتفته البلايا والشدائد لبطلانه وهو في مبتكر أمره فكيف يكون إذا توسط أمره وتسامع به الناس وتألبوا عليه لقتله.
وقال المتنبي:
بذِي الغَبَاوَة من إنشادها ضرر ... كما تضر رياح الورد بالجعل
(1/16)

قال أبو الفتح: الجعل إذا ألقي عليه الورد مات وإن كان الورد محبوباً إلى ذوي الحواس الصحيحة.
قال أبو القاسم: الجعل لا يموت بالورد ولا تفارقه روحه وإنما تسكن حركته.
وقال المتنبي:
بنفسي وَليدٌ عاد من بعد حملِهِ ... إلى بطن أمٍّ لاَ تُطَرِّقُ بالحَمْل
قال أبو الفتح: يعني بالأم الأرض هاهنا. ويقال طرقت الناقة إذا نشب ولدها في رحمها.
قال أبو القاسم: تقول العرب طرقت الحامل إذا أراد حمله) كذا (أن يخرج من بطنه، وطرقة المولود رجلاه ورأسه ومنه قول الراجز يصف جارية ضربها المخاض: أيَا سَحَابُ طَرِّقِي بِخَيْر وقال الأخر:
وقد تَخِذَتْ رِجْلِي إلى جنبِ غَزْها ... نَسِيفا كأُفحوص القَطَاة المُطَرِّقِ
طرقت القطاة إذا خرج بيضها من جوفها ففحصت الأرض لتضعه فيه.
وقال المتنبي:
شدِيدُ البُعْدِ من شُرْب الشَّمول ... تُرُنْجُ الهِند أوْ طَلْعُ النَّخِيل
قال أبو الفتح: أي أنت شديد البعد من ذاك وبين يديك الترنج وطلع النخيل فحذف المبتدأ من الأول والخبر من الثاني.
قال أبو القاسم: معنى البيت انه يعني أمرين متصلين كان فيهما سيف الدولة وهو يستعرض الخيل، الكر والفر، والسلم والحرب، كما أن من يشتهي الشرب عند الجمع بين ترنج الهند وطلع النخيل يتعذر عليه. وليس يريد أن بين سيف الدولة ترج الهند والطلع.
وقال المتنبي:
إذا كن شَمُّ الرَّوْح أدنى إليكم ... فلا برِحَتْني رَوْضَةٌ وَقَبْول
قال أبو الفتح: أي إن كنتم تؤثرون في قوله لا برحتني، لا زلت، ونما معنى لا برحتني لا فارقتني من قولهم برح الخفاء أي زال ومنه البارحة الليلة الماضية لأنها برحت أي زالت.
وقال المتنبي:
وَأضْعَفْنَ ما كُلَّفْنَه من قُباقِبٍ ... فأضحى كأنّ الماء فِيهِ عَلِيل
قال أبو الفتح: سألته عن هذا البيت قال المتنبي: إن الخيل لما عبرت قياقب وهو نهر هناك جار كادت تسكر بقوائمها ماءه أن يجري فصار كأنه عليل لضعفه عن الجريان.
قال أبو القاسم: الكلام في قباقب أنه وفاق بين لسان العربية والعجمية. وذكر ابن دريد حكاية عن بعضهم أنه قال: ما تفلح العام ولا قاب ولا قباقب. وهو الثالث من الأعوام. وفي الإصلاح روى ابن السكيت حرفاً واحداً على فعالل وهو قول الشاعر:
خُنَادِفٌ لاحق بالرأس مَنْكِبُه ... كأنَّه كَوْدَنٌ يُوشي بكُلاَّب
الخنادف القصير العنق. وذكر أبو عبيد في الغريب المصنف من هذا البناء في تضاعيف الكتاب قرابة أربعين اسماً. فأما ابن دريد فقد عقد عليه بابا في كتاب الجمهرة زائدا على مائة وثلاثين اسما هاهنا موضع ذكرها فمن أرادها فليقصد الأبنية في آخره.
وقال المتنبي:
أطاعتك في أرواحها وتصرفت ... بأمرك والتفت عليك القبائل
قال أبو الفتح: وقوله والتفت عليه القبائل كقوله:
يهز الجيش حولك جانبيه ... كما نفضت جناحيها العقاب
ويجوز أن يكون أراد إحداق نسبها بنسبه أي هو واسط فيه والأول أشبه.
قال أبو القاسم: أما استشهاد أبي الفتح يهز الجيش على البيت وهو أطاعتك في أرواحها فكلام موضوع في غير موضعه.
ومعنى البيت الأول أن العرب منقادة طاعتك تنصف على أمرك ونهيك بالحفوف والمسارعة وأنت ولي أمرها والقيم بحربها وسلمها وأكد هذا لمعنى بما مثله به وهو:
وكل أنابيب القنا مدد له ... وما تنكث الفرسان إلا العوامل
والمتنبي تبع البحتري فيه حيث يقول:
في فتية طلبوا غبارك أنه ... رهج ترع عن طريق السؤدد
كالرمح فيه بضعة عشرة فقرة ... منقادة خلف السنان الأصيد
وقال المتنبي:
بسط الرعب في اليمين يميناً ... فتولوا وفي الشمال شمالاً
قال أبو الفتح: هذا من قول الله تعالى:) ترونهم مثليهم رأي العين (.
قال أبو القاسم: معنى البيت أنه لما لاقى سيف الدولة الأعداء أخذتهم المخافة من الجانبين فوقوا على أدبارهم يمنة ويسرة منهزمين. وأما قول الله جل وعلا:) ترونهم مثليهم رأى العين (فإنما هو مضاعفة العدد في المشاهدة والعيان.
وقال المتنبي: مُحِبي قيامي ما لذلكم النصل: بريئاً من الجرحى سليماً من الفضل قال أبو الفتح: أبا من يحب قيامي عنده وتركي الأسفار، ونصب البريء السليم على الحال.
(1/17)

قال أبو القاسم: معنى البيت يا من يحب قوامي بالأمر الذي هم به والعلا التي أطلبها ما بال السيف معلقاً بغير قتل ولا جرح لأن من يطلب ما طلبه يخوض الدماء ويركب الغمرات، وما ذكره أبو الفتح في القيام وترك الأسفار ليس يذهب على المبتدئين لأنه يقال المسافر وضده المقيم وفي كتب الفقه في المسح على الخفين لمسافر يوم وليلة وللمقيم ثلاث أيام ولياليها. وأما القيام فله في العربية معنيان يقال قمت قياماً إذا نهضت عقيب الجلوس وقمت بالأمر إذا توليته وأعنقته ورجل قائم بالأمر وقيم وقوام منه قول الله تعالى) الرجال قوامون على النساء (، وأنشد أبو سعيد السيرافي عن أبي بكر بن مجاهد عن سلمة في كتاب الأبيات:
وأربعة قامت على غير أرجل ... قيام امرئ في الناس ليس بذي عتبة
فأبدت فيها كي يقال مؤبد ... وملت على جنب فعرضت في جنب
فقوله قامت على غير أرجل أي قامت بالأمر وتولته هذا كما يقال سعى فلان إذا ذهب وسعى إذا قام بالمر واعتنق حلاً يدبرها ما قال زهير: سعى بعدهم قوم فلم يدركوهم وقال الآخر:
أسعى على جل بني مالك ... كل امرئ في شأنه ساع
وذكر الفراء في القوم أنهم جمع قائم وأنشد أبو محلم صاحب الطاهرية:
طاف من سلمى خيال ... منع النوم الرفادا
قال في تفسيره: إن النوم جمع نائم مثل قائم قوم صائم وصوم.
قال المتنبي:
وضاق الأرض حتى كان هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلاً
قال أبو الفتح: أراد إذا رأى غير شيء محفول به ومفكر فيه، قد جاء للعرب نحو ذلك يقولون: إنك ولا شيئاً سواء، والتسوية لا تقع إلا بين شيئين فصاعداً فكأنه قال إنك وشيئاً لا يعبأ به سواء ونحوه قول الله سبحانه) خلقتك من قبل ولم تك شيئا (أي شيئاً مذكوراً، وذلك أن المعدوم عندنا يسمى شيئاً.
قال أبو القاسم: الهارب والمنهزم شتى الرأي متوزع القلب يرى ما لا يرى ويسمع ما لا يسمع ولو كان هناك شيء في الحقيقة موجوداً وظنه رجلاً لكان الآمن والخائف في رؤيته سواء ومنه قول جرير:
وابنُ المراغة عَائِذ من خَوْفِنَا ... بالوَسْمِ مَنْزِلَةَ الذلِيل الصّاغر
يَخْشَى الرِّيَاحَ بأن تَكُونَ طليعةً ... أوْ أن تكون به عقوبةُ بادر
قال المتنبي: لَوْ كَانُ يُبْلِي السَّرطَ تَحْرِيكٌ بَلِي قال أبو الفتح: أي هو في النحول والضمر كالسوط وهو مستحب في الكلب، فكما أن تحريك السوط لا يؤثر فكذلك عدو هذا الكلب لا ينال منه ولا ينقصه.
قال أبو القاسم: ليس يعني جسم الكلب ولا يصفه وإنما يصف ذنب الكلب فلذلك شبهه بالسوط، وأول القطعة:
ذِي ذَنَبٍ أجْرَد غَيْر أعْزَل ... كَأنَّهُ من جسمهِ بمَعْزِلِ
لو كانَ يُبْلِي الّسَّوْط تحريكٌ بَلِي قال المتنبي:
أنْتَ نقيضُ اسمِهِ إذاَ اختلف ... فَوَاضِبُ الهِنْدِ وَالقَنَا الذُّبُلُ
قال أبو القاسم: قول المتنبي أنت نقيض اسمه كان اسم الممدوح بدر بن عمار والبدر يسمى لتمام دائرته وامتلائها كالبدرة لتمام العدد ومنتهاه، وضده المحاق لتمحق دائرته ونقصانها أي إذا توسطت الحرب محقت الأعداء قتلاً وأسراً.
وقال المتنبي:
وإنِّي لتَعدُو بِي عَطَايَاك في الوَغَى ... فَلاَ أنَا مَذْمُوم أنْتَ نَادِمُ
على كلّ طيَّار إليها بِرِجْلِه ... إذَا وَقَعَتْ فِي مِسْمَعَيْهِ الغَمَاغِم
قال أبو الفتح: أي عدوه في سرعة طيران الطائر، وفيه طرف من قول القائل:
جاء كلمع البرق جاشَ ماطره ... تَسبحُ أُولاهَ وَيَطْفُو آخِره
مَا إنْ يَمَسُّ الأرضَ إلاّ حَافِرهُ قال أبو القاسم: المعنى مخفى بحاله وإنما معناه أنك مما قدت إلي في عطاياك من الخيل تعدو بي في الحروب فلا أنا مذموم بالجبن والخور ولا أنت نادم على عطاياك لحسن بلائي وغنائي. والبيت الثاني وهو على كل طيار إليها برجله ليس بينه وبين قول الراجز مشابهة. ومعنى الطيار المسرع ومنه.
طَارُوا إليه زَرَافَاتِ وَوُحْدَانَا
(1/18)

أي أسرعوا إليه. وقال المفسرون في قوله تعالى:) ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم (لما كان الطيران بالقوائم وهو الإسراع قيده بذكر الجناح مفروزاً لذوات الأجنحة، وأما قول الله تعالى:) وكلّ إنسان ألزمناه طائره في عنقِه (فإنه في التفسير والله اعلم أن ما يستطيعه من الخير والشر مكتوب عليه لا يستطيع الحؤول عنه.
وعلى ذكر الطائر أنشدوه في كتاب الأبيات:
وَطَائِرَةٍ بلا قَصَبٍ وَرِيشِ ... تطيرُ الطائِرَاتُ وَمَا تَطِيرُ
إذَا مُلِئَتْ من الحَجَر استَهَلَّتْ ... وتَجْزَعُ أن يُلاَمِسَهَا الحَرِيرُ
يريد العين وكحلها بالإثمد.
وقال المتنبي:
فما تركن له خُلْداً بِلاَ بَصَر ... تحت التَراب وَلاَ بَازاً لَه قدم
قال أبو الفتح: أي لم يترك السيوف إنساناً حصل تحت الأرض منستراً بالمطامير ولا إنساناً حصل في رؤوس الجبال مع أوكار البزاة أي هرب الناس في بطون الأودية ومتون الجبال.
قال أبو القاسم: ذكر الجاحظ في الحيوان أن الخلد فارة عمياء تبصر وبلهاء لا تنصرف، وإنما المتنبي أراد ما تركت من الكفار خلداً تواري منجحراً وهو بصير ولا بازاً تحصل في قلل الجبال وله قدم.
وقال المتنبي:
دُعِيتُ بِتَقْرِيظيِكَ فِي كلّ مجلس ... وَظَنَّ الذِي يَدْعُو ثَذَائِي عَلَيْكَ اسْمِي
قال أبو الفتح: أي ظن الذي يدعوني فحذف المفعول، مع حكاية أوردها في جميل وبثينة، قال أبو القاسم ليس هاهنا حذف للمفعول وإنما معناه بيت البحتري:
وَما أنا إلاّ عَبْدُ نعمتِك التي ... نُسِبْتُ إليها دون رَهْطِي وَمَنْصِبِي
وقال المتنبي:
مِلْتُ إلى مَن يكاد بينَكُمَا ... لوْ كُنْتُمَا السَّائِلَيْنِ بنَقَسِمُ
قال أبو الفتح: ومثله قول عبد يغوث الحارثي:
وَأَعْقِرُ لشَّرْب الكِرَامِ مَطِيَّتِي ... وَأصْدَعُ بين القَيْنَتَيْن رِدَائياً
إلا أن ذاك صدع رداءه، وهذا قسم بينهما نفسه.
قال أبو القاسم: أما بيت عبد يغوث فإنما يريد شق رداءه للطرب اهتزاز لغناء القينتين وارتياحاً للسماح كما قال الشاعر:
ورَيمٍ فَاتِرِ الطَّرفِ ... مَلِيح الدَّلِّ مَغْنُوجِ
سقانِي من كُمَيْتِ اللَّوْ ... نِ صِرْفاً غَيْرَ مَمْزُوجِ
فلمَّا دَارت الكأسُ ... عَلى النَّايِ بَتصْنِيجِ
وغَنَّى فِي حَنِين الزِّي ... رِ وَالمَثْنَى بِتَهزِيجِ
جعَلْنَا القمص فِي اللَّبَّا ... ت أمثال الَّوَاوِيجِ
وقال المحدث:
فَبِتْنَ وَاللَّيْلُ دَاجٍ في غياهبه ... مِثْلَ الغَلاَئِلِ قد شُقَّتْ من الطَرب
وأما عديل بيت المتنبي فقول أبي تمام:
وَلوْ لم يكن في كفِّهِ غَيْرُ رُوحه ... لجَادَ بِه فليتَّقِ اللهَ سائِلُه
وقال المتنبي:
سَلَّة الرَّكْضُ بَعد وَهْنٍ بِنَجْدٍ ... فتصدىّ للغَيْث أهلُ الحجاز
قال أبو الفتح: سمعت أن أهل الحجاز فيهم طمع.
قال أبو القاسم: معنى البيت أنه لما سل سيف أضاء إضاءة البرق فانتظر مطره أهل الحجاز، وذكر الحجاز لأجل القافية كما أن أبا تمام حيث وصف الظبية فقال:
كالظَّبية الأدْمَاءِ صافت فارتَعَتْ ... زَهرَ العَرَارِ الغَضَّ والجَثْجَاثَا
فذكر الجثجاث لأن الظبية لا تحسن عليه دون سائر الأعشاب بل للقافية. وتشبيه لمع السيف بالبرق في سلته متداول في الشعر قال أبو تمام:
برقٌ إذَا بَرقُ غيث لاح مختطفاً ... لطَّرْف أصبح للأَعناق مُخْتَطِفاً
وقال المتنبي:
نَهَبْتَ من الأعمار ما لَوْ حَويْتَه ... هُنِّئَت الدنيا بأنَّك خَالِد
قال أبو الفتح: لهنئت الدنيا بأنك خالد هو موجه.
قال أبو القاسم الموجه من الثياب الذي له وجهان في القطع كل واحد يصلح أن يكون ظاهراً، وأما الموجه من الشعر فمشبه به وهو ما كان البيت بأسره يحتمل معنيين متضادين ووجهين متقابلين وأنشد ابن الإعرابي فيه:
فجُنَّبْتَ الجيُوشَ أبا زُنَيْبٍ ... وجادَ على منازِلِكَ لسَّحَابُ
(1/19)

قال ابن الإعرابي: هذا موجه يحتمل أن يكون دعا له أن يجنب الغارات وبعث الجيوش ويسقط الربيع بأرضه أكلاً للنعم والغنم، ويحتمل أن يكون دعا عليه بأن يبقى قرع الفناء خالي المراح لا تطمع الجيوش قفي قصده ولا يجنب مع هذا سقي السحاب فيكون اشد عليه لأنه إذا كان عشب جنابه ولم يجد رائعة كان أشد عليه وهم يقولون مرعى ولا أكولة وكلأ ييجع منه كبد المصرم قال الشاعر:
وَخَيْفَاء ألقَى الليثُ فيَها ذِرَاعَه ... فسَرَّت وَسَاءَت كُلّ مَاشٍ ومُصْرِم
أي سرت المكثر لسعة مراتع نعمه وساءت المقبل لوفور النبات وعدم راعيته.
وقال المتنبي:
منَافِعُهَا ما ضَرَّ في نَفْعِ غَيْرِها ... تَغَذَّى وَتَرْوَى أن تَجُوعَ وأنْ تَظْمَا
قال أبو الفتح: يحتمل هذا تأويلين: أحدهما أن يكون منافع جدته التي رثاها مستفادة عنده من الجوع والظمأ يريد عفتها وقلة مطمعها ومشربها فإنها مواصلة للصوم، والثاني ان يريد أن منافع الأحداث في الجوع والظمأ أي تهلك أهل الدنيا لأن ذلك من عادة الحوادث. ويشهد لهذا التأويل الثاني في قوله: كالمَوْتِ ليسَ لهُ رِيٌّ وَلاَ شِبَع قال أبو القاسم: معنى البيت مشهور في أشعار العرب والمحدثين وهو أنها تؤثر غيرها فترضى بأن تجوع لإشباع من سواها وتظمأ وتروى غيرها ومنه قول الأسعر:
لَكِنْ قعِيدَةُ بَيْتِنَ مَجْفُوَّةٌ ... بادٍ جَنَاجِنُ صَدْرِهَا ولَهَا غِنّى
أي تبسر غيرها بالزاد وتجفو نفسها بالإجاعة وأما استشهاد أبي الفتح بقول المتنبي: كالموت ليس له ري ولا شبع فايس بينهما علقة وإنما يعني أن سيف الدولة لا تنتهي مغازيه ولا فتوحه فكلما غزا بلداً أو فتح صعقاً سار إلى غيره كالموت لا يروى من قبض الأرواح ولا يشبع، ومثله في بعض ممدوحيه:
لوْ نِيطت الدّنْيَا بأخرى مثلِها ... لعَمَمْتَهَا وَخَشيِتُ ألاَّ تَقْنَعَا
وقال المتنبي:
أنَا لاَئمي إن كنْتُ وقتَ اللَوائِمِ ... علِمْتُ بما بِي بين تِلْكَ المَعَالم
قال أبو الفتح: هذا كقولك: أنا مثلك إن فعلت كذا وكذا وهو في المبالغة اليمين في الوضع منه ومبالغة في سبه.
قال أبو القاسم: معنى البيت بحاله مستور ما فسر وإنما معناه أنا فاعل ما استحق اللوم عليه من الأفعال الذميمة إن علقت وقت لأمني اللوائم لما بي من الوجد والوله في منازل أحبتي وعزوب عقلي لفقد سكانها، ومثله:
إنْ كانْ ما بُلِّغْتِ عنِّي فَلاَمَنِي ... صَديقي وَشلَّتْ من يَدَايَ الأنامل
وقال المتنبي:
عيونُ رَوَاحلي إن حِرْتُ عَيْنِي ... وَكُلُّ بُغَامِ رَازِحَةِ بُغَامِي
قال أبو الفتح: حرت أي تحيرت، والبغام صوت الناقة المعيية وسألته عن هذا فقال: معناه إن حارت عيني فعيون رواحلي عيني وبغامهن بغامي أي إن حرت فأنا بهيمة مثلهن كما تقول إن قلت كذا وكذا فأنا مثلك، ومثله قوله أيضاً: أنا لائمي البيت.
قال أبو القاسم: قاعدة علل أبي الفتح إذا أعياه معنى البيت أن يسنده إلى المتنبي أو يقول: هذا حصلته عليه، أو يقول: بهذا أجابني وقت الاجتماع معه، والغريق يتعلق بما يرى. وإنما معنى البيت أن عيون إبلي تهتدي إلى الطريق وسلوكه لاعتيادها قطع الأسفار وإلفها سلوك المفاوز فكلما تحيرت فهن هادياتي وإذا ضللت كن مرشداتي، والبيت الأول يدل على ما قلت وهو:
ذَرَانِي وَالفَلاَةَ بِلاَ دَلِيل ... ووجهِي وَالهَجِير بِلاَ لِثَام
وقال أبو تمام يصف الإبل:
المُرْضِيَاتِكَ مَا أرغَمْتَ أَأْنُفَهَا ... وَالهَادِيَاتِكَ وَهْيَ الشُّرَّدُ الضُّلُلُ
وقال المتنبي:
هَوِّن عَلىَ بصرٍ ما شَقّ مَنْظَرُه ... فإنَّما يَقَظَاتُ العَيْنِ كَالحُلُم
قال أبو الفتح: شق بصر الميت إذا فارق الدنيا أي ليهن عليك الموت فغنما الحياة كالمنام.
قال أبو القاسم: معنى البيت انه أراد هون مناظر الأشياء الشاقة الهائلة فإن رؤية العين يقظة كرؤيتها مناماً وغنما يريد الاستهانة بالشدائد والاستخفاف بالمخاوف، وذهب في هذا البيت مذهب السوفسطائية، شق معناه أتعب وكد والهاء في قوله شق منظره راجعة على المنظور إليه وليس من حديث الميت في شيء حسب ما ذهب إليه أبو الفتح: وقال المتنبي:
(1/20)

وَخَيْلٍ حَشَوْنَاهَا الأُسِنَّةَ بَعْدَمَا ... تَكَدَّسْنَ مَنْ هَنَّا علينَا ومِن هَنَّا
ضُرِبْنَ إلَيْنَا بِالسِّيَاطِ جَهَالَةً ... فَلَمَّا تَعَارَفْنَا ضُرِبْنَا بِهَا عَنَّا
وقال أبو الفتح: كانت خيل الروم رامت جيش سيف الدولة فظنته جيشها فجاءته مسترسلة فلما عرفت أنه جيش المسلمين ولت هاربة.
قال أبو القاسم: معنى البيت رب خيل أوسعناها طلعنا بالرماح بعد أن اكتنفتنا من هنا وهنا، والتكدس أن تكتف الخيل في مشيها وحضرها وهو من علامات عتقها وجودتها قال
وَخَيْل تَكَدَّسُ بِالدّارِ ... عينَ مَشْيَ الوُعُولِ على الظَّاهِرَة
ومنه أكداس الحنطة لما يرفع من حصائدها وقد ذكره المتلمس في شعره.
ومعنى البيت الثاني للمتنبي أن الروم أقبلت علينا جهالة بغنائنا في الحرب وبلائنا من القتال فلما رأوا مشابتتنا لهم ومقاومتنا إياهم هزمن بنا عن محاربتنا.
وقال المتنبي:
وَتَوَقَّدتْ أنْفَاسُنَا حَتَّى لقَدْ ... أشْفَقْتُ تَحْتَرِقُ العَوَاذِل بَيْنَنَا
قال أبو الفتح: إشفاقه على العواذل أن يحترقن مع بغضه إياهن أنه خاف أن ينم احتراقهن على ما كان فيه من حرارة أنفاسه أو احتدام موقعها.
قال أبو القاسم: معنى البيت ظاهر في اللفظ والأنفاس في صعدائها على العشاق لا تحتاج إلى احتراق العواذل للنميمة، وليس لبعض العواذل مدخل في المعنى ولا لنميمة الاحتراق محل.
وقال المتنبي:
أمْسَى الذِي أمْسَى برَبِّكَ كافراً ... من غيرِنَا مَعَنا بفضلِك مُؤْمنا
قال أبو الفتح: أمسى من يكفر بالله من غيرنا مؤمناً بفضلك معنا. أي اجتمعت على فضلك ألسنة المخالفين.
قال أبو القاسم: هذا المعنى ظاهر في اللفظ بلا تفسير وأخذه المتنبي من أبي تمام حيث يقول:
لوْ أنّ إجماعنا في فضل سؤدده ... في الدين لم يَخْتَلِفْ في لأمَّة اثْنان
وأبو تمّام أخذه من عمر بن أبي ربيعة) فطرد معنى الغزل إلى المدح موريا به (حيث يقول:
وفتَاةٍ إنْ تَغِبْ شَمْسُ الضحى ... فَلَنَا وجهها عَنْهَا خلف
أجمع الناسُ على تفضيلها ... وَهَوَاهُمْ في سوَاها مُخْتَلِفْ
وقال المتنبي:
غَضُّ الشَّبَاب بَعِيد فَجْرُ لَيْلَتِه ... مُجَانب الجَفْن للفَحْشَاءِ وَالوَسَنَ
قال أبو الفتح: أي تطول ليلته لسهره في الخير والشر وهو مع ذلك غض الشباب لائق بمثله الفكاهة واللذات، يمدح بذلك قاضياً.
قال أبو القاسم: معنى البيت أنه متهجد بالليل ساهر في أسباب الطاعات ففجره بعيد من ليلة سهره. والتعبد في الجملة حسن وهو من الشباب أحسن كما أن السخاء حسن ومن ذوي الإقلال أحسن، وهذا من باب تفاوت المحاسن وتفاضلها وهي على الجملة حسنة فاضلة.
وقال المتنبي:
تحبو الرواسم من بعد الرسيم بها ... وتسأل الأرض عن أخفافها الثفن
قال أبو الفتح: يقول إذا كلت أخفاف المطي لشدة اليسر فحبت ثفناتها سألت ثفناتها الأرض فقالت: أين الأخفاف التي كانت تحمل هذا البعير. وهذا مثل ضربه لشدة السير ولا سؤال هناك.
قال أبو القاسم: معنى البيت أن الإبل لسيرها في هذه المفاوز وتباعد ما بين أقطارها تنقطع وتتزيل أوصالها حتى تسال الثفنات الأرض: أين الأخفاف لتباين مفاصلها، والبيت الأول يدل عليه.
فغادر الهجر ما بيني وبينكم ... يهماء تكذب فيها العين والأذن
وقال المتنبي: كل ما لم يكن من الصعب في الأنفس سهل فيها إذا هو كانا قال أبو الفتح: أي أفدت رقاب الناس ما بين شبيب وسيفه مخافة منها لهما.
قال أبو القاسم: معنى البيت أن شأن شبيب القتل ورقاب الناس تفزعه كأن بينهما ما بين عرب الحجاز وهم قيس وعرب اليمن وهم قحطان، وهذا الذي ذكره الحسن بن هانئ:
وأطرق حيات البلاد لحية ... خصيبية التصميم حين تسور
سمنت لرجال الخوف في دار أمنهم ... فأضحوا وكل في الوثاق أسير
وهناك عرب قيس واليمن والحرب بينهما سجال.
وقال المتنبي:
ولكن الفتى العربي فيها ... غريب الوجه واليد واللسان
قال أبو الفتح: معنى غريب اليد أي سلاحه السيف والرمح وساح من بالشعب الحربة والنيزك.
(1/21)

قال أبو القاسم: معنى غريب اليد أي هو صاحب أسلحة الحرب وسكان الشعب سوقة مشغولون بالمكاسب.
وقال المتنبي:
غدونا ننفض الأغصان فيه ... على أعرافها مثل الجمان
قال أبو الفتح: يتخلل ضوء الشمس من فرج أغصان الشجر فيقع على أعرافها كالجمان.
قال أبو القاسم: معنى البيت أن الطل والرش على الأوراق والأغصان فإذا اهتزت تساقط القطر على أعراف النخيل كأنه الجمان وهو حبات الدر الصغار، ومثله قول الراجز يصف سقيط الطل على الجارح: ضار غداً ينفض صئبان المطر وقال بشر:
فأضحى وصئبان الصقيع كأنه ... جمان بصاحي جلده يتحدر
وقال المتنبي:
وألقى الشرق منها في ثيابي ... دنانيراً تفر من البنان
قال أبو الفتح: هذا البيت مثل البيت الأول.
وقال أبو القاسم: قد مر تفسير البيت الأول وعني المتنبي بهذا البيت تساقط شعاع الشمس من خلل الأوراق مدنراً كقول الآخر:
عبرياتها نثرت علينا ... دنانيراً طبعن من الإياة
وقال المتنبي:
ومن بالشعب أحوْجُ من حَمَام ... إذَا غنَّى وَنَاحَ إلى البَيَانِ
قال أبو الفتح: أي هن أعاجم لا يفصحن.
قال أبو القاسم: معنى البيت أن سكان الشعب أحوج إلى البيان لنعت ما فيه من الأزهار وأصباغ الربيع من الحمام في تغنيه وألحانه. وقال ابن الرومي في معنى ما ذهب إليه وأجاد في الغرض أمه:
كَرمْتُم فَجَاش المُفحمون بِمدحِكُم ... إذَا رَجزوا فيكم أثبتُم فَقَصدُوا
كما أزهرت جنات عدن ونورت ... فأضحت وعجم الطير فيها تغرد
وكرره في أخرى:
لا تحسبوني لشيءٍ غير أنعمكم ... أعني بعد تجديد
اسكن كما راقت القمري جنته ... فظل يتبع تغريداً بتغريدِ
وقال المتنبي:
أعلى قناة الحسين أوسطها ... فيه وأعلى الكمي رجلاه
قال أو الفتح: سألت المتنبي عن هذا فقال مثل البيت الآخر:
ولربما أطر القناة بفارس ... وثنى فقومها بآخر منهم
أي اعوجت القناة لما طعن بها الفارس فصار أوسطها أعلاها.
وقال أبو القاسم: أما البيت الثاني فالقناة بحالها وهي ماطورة بالطعن كقول البحتري:
في موقف ضنك تخال به القنا ... بين الضلوع إذا انحنين ضلوعاً
والبيت الأول للمتنبي القناة منتقفة شدة طعن فكأن أوسطها صار أعلى.
وقال المتنبي:
تبل خدي كلما ابتسمت ... من مطر برقه ثناياها
قال أبو الفتح: أي بريق ثناياها يريد العضاض والقبل التي كانت هناك، يقول إذا ضحكت بدت ثناياها فتيل خدي بالريق من أجلها وهذا يدل على أنها كانت نكبة عليه معانقة له فيكون كقوله:
وأشنب معسول الثنيات واضح ... سترت فمي عنه فقبل مفرقي
قال أبو القاسم: هذا الذي قاله أبو الفتح مضحك سامعه ومعنى البيت اشهر من يوم حليمة في أشعار المحدثين ومعرفة ولدان الأدب والمعنى إن برق ثناياها إذا ضحكت مطره دموعي ولا عضاض هناك ولا عناق، وقال ابن الرومي:
وواضح أشنب به رتل ... يعرف من شام برقه مطره
وقال غيره:
قمر نور وجهه ... في الدجى بكسف القمر
إن بدا برق ثغر ... سال من عيني المطر
وأما البيت الثاني وأشنب معسول الثنيات، البيت، فإنه يصف نفسه بالعفة والنزاهة والبيت الأول دال عليه حيث يقول:
وأجياد غزلان كجيدك زرنني ... فلم أتبين عاطلاً من مطوق
أي غمضت عيني من النظر عفة وتصونا ومثله قوله وهو أبلغ:
يرد يداً عن ثوبها وهو قادر ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد
وقال المتنبي:
تماشي بأيدٍ كلما وافت الصفا ... نقشن به صدر البزاة حوافيا
قال أبو الفتح: يصف الخيل إذا وطأت الصفا وهو الصخر أثرت فيه نقشاً تشبه صورته صورة صدر البازي.
قال أبو القاسم: معنى البيت يحتاج إلى فضل نظر وهو أن نقش صدر البزاة متداخل بعضه في بعض وهذه الخيل التي وصفها المتنبي يقع مواطئ بعض حوافرها على مواطئ البعض فتتداخل ولا يكون هذا لفرس واحد. والحسن بن هانئ قد وصف صدر البزاة وشبهه بما لم يسبق إليه:
وأشتاب من طرازه تفويقاً ... وشياً ترى بسيطه مكفوفاً
مثل استراق الكاتب الحروفا وقال المتنبي:
(1/22)

بعزم يسير الجسم في السرج راكباً ... به ويسير القلب في الجسم ماشياً
قال أبو الفتح: سار قلبه في جسمه يعني ذكاءه وتيقظ فؤاده.
قال أبو القاسم: معنى البيت انه لهول ما عزم عليه إذا ركب جسمه السرج خفق قلبه فاضطرب في الجسم جائياً وذاهباً لعظم المعزوم عليه.
وقال المتنبي:
فجاءت بنا إنسان عين زمانه ... وخلت بياضا خلفها ومآقياً
قال أبو الفتح: ابن الرومي لم يزد على استحسان السواد وقال:
أكسبها الحب أنها صبغت ... صبغة حب القلوب والحدق
فأقبلت نحوها الضمائر وال ... أحداق يعنقن أينما عنق
قال أبو القاسم: هذه القطعة لابن الروم في صفة سوداء ما سبق إليها، وفيها يقول:
لها حر تستعير وقدته ... من قلب صبٍّ وصدر ذي حنق
يزداد ضيقا على السمراس كما ... تزداد ضيقاً إن شوطت الوهق
كأنما حرة لخابره ... ما التهبت في حشاه من حرق
وقد لاحظ قول النابغة الذبياني:
وتكاد تنزع جلده من ملة ... فيها لوافح كالحريق الموقد
وأبو حفص الشطرنجي أجاد في وصفه:
أشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونها قاعدة
لا شك أن لونكما واحد ... أنكما من طينة واحدة
ولأبي بكر الصنوبري قطعة يستهدي فيها المسلك خارجة عن المدح فخليتها.
وأنشدت لبعض الشعراء في كافور:
لوم العواذل زاد في أوصابي ... وأنا ابن شرخي صبوة وتصابي
قالوا مدحت من البرية أسودا ... فأجبتهم كفوا غرار عتابي
أهوى السواد لأن رأسي أشيب ... يدني الفناو أحب لون شبابي
وبه تكحل عين كل خريدة ... وبه تتم صناعة الكتاب
الله ألبس أهل بيت محمد ... لبس السواد منزية الأثواب
فتقعتوا عند الجواب وعادتي ... أن أفحم الخطباء عند خطابي
هذا آخر مشكلات شعر المتنبي بتفسير أبي الفتح عثمان ابن جني وإصلاح فرطاته.
ثم اتفق بعدها في بلدان العجم وقوعي إليها بعد تتمة الأربع مائة والعُشر فاختلف إلي طائفة من كتاب الإنشاء كلهم نظروا في الفسر الكبير فكانوا يجارونني في عوارض أبيات المعاني التي فسرها فقرنتها بالمشكلات.
فأول ذلك قول المتنبي:
أناس إذا لاقوا عدى فكأنما ... سلاح الذي لاقوا غبار السلاهب
قال أبو الفتح: أي سلاح عدوهم كغبار الخيل لا يعبئون به ولا يلتفتون إليه. وخص السلاهب لأنها أسرع فغبارها ألطف.
قال أبو القاسم: ليس هذا بشيء وإنما المعنى إذا لاقوا الناس في الحرب ولوا هاربين فكان سلاحهم الفر اغتناماً كما قال في أخرى لسيف الدولة يصف بني نمير:
فلزهم الطراد إلى قتال ... أحد سلاحهم فيه الفرار
وقال المتنبي:
وأمق لو خدت الشمال براكب ... في عرضه لأناخ وهو طليح
قال أبو الفتح يصف فرساً وهو الطويل، وقالوا: الواسع الفروج.
قال أبو القاسم: الأمق هي البلد الطويل البسيطة وعنى المتنبي المفازة لأنه يقول: لو أن الشمال سارت براكبها لبقي حسيراً، ثم البيت الثاني يدل عليه:
نازعته قلص الركاب وركبها ... خوف الهلاك حداهم التسبيح
وقال المتنبي:
في مثل ظهر المجن متصلاً ... بمثل بطن المجن قرددها
قال أبو الفتح: أي أعلوا أرضاً واهبط ارضاً.
قال أبو القاسم: تفسيره البيت الثاني:
مرتميات بنا إلى ابن عبيد الل ... هـ غيطانها وفد فدها
والحسن بن هانئ قد ذكر الهبوط والصعود في مسيره فقال:
طافيات راسيات ... خومها عنقا عنقا
إلا أنه ذهب غير هذا المذهب.
وقال المتنبي:
فرأيت قرن الشمس في قمر الدجى ... متأودا غصن به يتأود
قال أبو الفتح: أي جمعت حسن الشمس والقمر وشبه قدها بالقضيب.
قال أبو القاسم: البيت الأول يعني خوض صفرتها في بياض وجهها شبهه بالفضة والعسجد ثم مثله بقرن الشمس في اصفراره بدا طلوعه خائضاً في بياض القمر.
وقال المتنبي:
أبلت مودتنا الليالي بعدنا ... ومشى عليها الدهر وهو مقيد
قال أبو الفتح: المقيد يتقارب خطوه، يريد أن الدهر دب إليها فغيرها.
قال أبو القاسم: أي وطأها الدهر بشدة يعني مودتها فعفا آثارها، ومثله بيت الحماسة:
وطأتنا وطئاً على حنق ... وطأ المقيد نابت الهرم
(1/23)

أي وطأ بشدة.
وقال المتنبي:
كأن نوالك بعض القضاء ... فما تعط منه تجده دوداً
قال أبو الفتح: إذا وصلت أحداً ببر سعد بركتك وتشرف بعطيتك فصار جداً له ومثل قول أبي تمام:
؟ ما زلت منتظراً أعجوبة عننا ... حتى رأيت سؤالاً يجتني كرما
قال: قال أبو القاسم منى البيت أن من أعطيته جد في دنياه إما لغناه بك أو لارتداء الغير من إجزال العطاء بعطاءك وأما قول أبي تمام فروايته كما أنشده:
ما زلت منتظراً أعجوبة عننا ... حتى رأيت سؤالاً يجتني شرفا
وأول القصيدة: أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا ومعناه: عن سائلك يشرف بسؤالك جلالة قدرك وعظم محلك فلا غضاضة تلحقه في نفسه ولا هضيمة في حقه كما قال البحتري:
علمتني الطلب الشريف ولم أزل ... كنت الوضيع من أتضاع مطالبي
وأريتني أن السؤال محلة ... فيها اختلاف منازل ومراتب
وقال المتنبي:
فما في سجاياكم منازعة العلا ... ولا طباع التربة المسك والند
قال أبو الفتح: أي أين التراب من المسك ومعناه أين انتم منه.
قال أبو القاسم: معنى البيت أنه يذكر ممدوحه بالرفعة وطلب المعالي، ويذم أعداءه باللؤم والدناءة ويقول لهم: خلوا المكارم له فما في طباعكم مساورتها والنهوض إليها كما يلبس في طبع التربة وضوح المسك وروائح الطيب. فمثل الأطياب بالمعالي ومثل طباعهم بالتراب.
وقال المتنبي:
ما يقبض الموت نفساً من نفوسهم ... إلا في يده منت نتنه عود
قال أبو الفتح: أي لا يباشر الموت أنفسهم وقت قبضة غياها، ضربه مثلاً.
قال أبو القاسم: معناه أن الرجل إذا عثر بمنتن أخذ خشبة يحركه بها استقذاراً له، وضربه مثلاً للخصيان وإنهم مناتين أقذار.
وقال المتنبي:
ينثني عنك آخر الدهر منه ... ناظر أنت طرفه ورقاده
قال أبو الفتح: أي إذا انصرف يوم النيروز عنك إلى آخر اليوم خلف عندك طرفه ورقاده فبقي عندك بلا لحظ ولا نوم.
قال أبو القاسم: معناه أن يوم النيروز يلحظك كل سنة مرة فتكون زينة له وأنساً كالرقاد وفتح الجفن.
وقال المتنبي:
تعب الزوار أعناق خيله ... تعرض وحش خائفات من الطرد
قال أبو الفتح: أي تنظر شزراً إلى زواره تخوفاً من أن يهبها كوحش خائف طرداً.
قال أبو القاسم: معنى البيت أن خيل أبي العميد اعتادت فودها إلى الزوار وهبتها للسؤال فإن أبصرت زائداً تعرضت ومدت إليه أعناقها على العادة المألوفة كما تتعرض الوحش النافرة لكل ما مرت به.
وقال المتنبي:
فتى يملأ الأزمان رأياً وحكمة ... وبادرة أيان يرضى ويغضب
قال أبو الفتح: البادرة البديهية.
قال أبو القاسم: البادرة العقوبة والشديدة ينزلها الرجل بالمسيء والمجرم ومنه قول المتنبي في أخرى. . .
وقال المتنبي:
أنا صَخْرَةُ الوادي إذا ما زوحِمَتْ ... فإذا نَطَقْتُ فإنَّني الجَّوزَاءُ
قال أبو الفتح: أي قد جمعت الأمرين، أنا كهذه الصخرة وفي علو المنطق كالجوزاء.
قال أبو القاسم: معنى البيت أن الجوزاء بيت عطارد وهو كاتب الشمس وهو نجم اللسن والفصاحة والكتابة والبلاغة وآثار دقائق محاسن اليد واللسان.
وقال المتنبي:
تَفْضَحُ الشَّمسُ كُلَّما ذَرَّتِ الشَّمْسُ ... بِشَمْسٍ مُنيرَةٍ سَوْداءُ
قال أبو الفتح تهزُّؤ به.
قال أبو القاسم: معناه أن كافوراً في إشراق أفعاله ووضوح مكارمه شمس تغلب ضياء الشمس وهو أسود اللون، ويتلوه قوله:
إنما الجلد مَلْبَسُ وَابيِضاضُ النَّ ... فْسِ خيرٌ من ابيضاضِ القَباءِ
وقد تقدمه في هذا المعنى عبد بني الحسحاس حيث يقول:
إنْ أَكُ عَبْداً فَنَفْسي حُرَّةٌ كَرَماً ... أوْ أسْوَدَ اللَّوْنِ إنِّي أبْيَضُ الخُلُق
وقال المتنبي: تَذُمُّ السَّحاب الغُرَّ في فعلها بها قال أبو الفتح: الغر لكثرة ماءها.
قال أبو القاسم: إنما السحاب يسودّ لكثرة مائه، ويقولون السواري الرُّبد والغوادي الغُرّ.
وقول المتنبي:
حَاوَلْنَ تَفْدِيَتي وَخِفْنَ مُراقِباً ... فَوَضَعْنَ أيدِيَهُنَّ فَوْقَ تَرائِبا
قال أبو الفتح: أي أشرن من بعيد ولم يجهرن بالسلام خوف الرقباء.
(1/24)

قال أبو القاسم: معناه وضعن الأيدي على الأكباد لهفاً حين لم يجرن خشية الرقباء على مفاداتي، ومثله بيت الحماسة:
لَمَّا رَأَوْهُمْ لَمْ يُحِسُّوا مُدْرِكاً ... وَضَعوا أنامِلهُم على الأكْبَادِ
أي حسرة على موته.
وقال المتنبي:
أدَمْنا طَعْنَهُمْ وَالْقَتْلَ حَتَّى ... خَلَطْنا في عِظامِهُمُ الكُعوبا
قال أبو الفتح: أدمنا أي خلطنا قال أبو القاسم: أدمنا من الإدامة يقال دام الشر وأدمنه لأنه قد ذكر خلطاً بعده.
وقال المتنبي:
كأنَّ نُجومَهُ حُليٌ عليهِ وَقَدْ ... حُذِيَتْ قَوائِمُهُ الجّيوبا
قال أبو الفتح: كأن الليل جعلت له النجوم حلياً كما قال الله تعالى:) إنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزينَةٍ الكَواكِب (وجعل له قوائم على الاتساع.
قال أبو القاسم: يريد بالنجوم حلي الحب المستزار وأن قوائم الليل راسية في الأرض لا تزول كما قال في بيت الحماسة:
لَيْلٌ تَحَيَّرَ ما يَنْحَطُّ في جِهَةٍ ... كَأنَّهُ فَوْقَ مَتْنِ الأرْضِ مَشْكولُ
وقال المتنبي:
أقَلْبٌ فيهِ أجْفاني كَأنِّي ... أعُدُّ بِهِ على الدَّهْرِ الذُّنوبا
قال أبو الفتح: يعني أن ذنوب الليل يحسبها ولا تفنى.
قال أبو القاسم: شبَّه تقليب أجفانه في الإطباق والرفع بعقد الحساب رفعاً ووضعاً وعقداً وبسطاً وسرعة حركات.
وقال المتنبي:
أعيدوا صَباحي فَهوَ عِندَ الكَواعب ... وَرُدُّوا رُقادي فُهوَ لَحْظُ الحَبائِبِ
قال أبو الفتح: المعنى لا أهتدي لرشدي ولا أبصر أمري فردوه لأبصر أمري ويرجع ندمي.
قال أبو القاسم: ليس للرشد والأمر مدخل في البت وإنما أن نهاري ظلمة وغمة منذ فارقت أحبتي، والبيت الثاني يفسره حيث يقول:
فإنَّ نَهاري لَيْلَةٌ مُدْلَهِمَّةٌ ... عَلى مُقْلَةِ مِنْ فَقْدِكُمْ في غَياهِبِ
قال أبو القاسم: معنى البيت أن أفعال السيوف التي هي المضاء في ضرابها وإعزازها للمعتصي بها منسوبة إلى الممدوح لاستعماله إياها ونفس السيوف هي حدائد منسوبة إلى الهند لأنها تطبع بها وبالله التوفيق.
(1/25)